بسمه تعالى
هذا الكنز العظيم الذي بين يديك، وذلك الكتاب الجليل القدر يستحقّ منّا كلّ عناية ويستحقّ كلّ تلك الجهود الجبّارة التي بُذلت من أجل إخراجه بتلكم الصورة المدقّقة والمنقّحة ببعض التعليقات والتهميشات.
فهو كتاب قد سطّرت به أروع الأُطروحات في مجال القرآن الكريم وآياته وفتحت لنا تلك الأُطروحات آفاق الفكر في علوم التفسير القرآني، وفهم الآيات بالطريقة الصحيحة التي أنتج تلاحماً بين القرآن وقارئه ليكون باباً لتكامل الفرد من هذه الناحية.
فجزى الله القائمين على هذا العمل خير الجزاء، ونسأل الله أن يوفّقهم لمرضاته وإتمام باقي التركة العلميّة للسيّد الوالد+، فهي تنفع المجتمع وتزيد من تكامله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
مقتدى الصدر
24/رجب الأصبّ/1432
مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
الحمد لله ربِّ العالمين وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على أشرف خلق الله أجمعين محمّدٍ المصطفى وآله الطيّبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين
وبعد:
غير خافٍ على أحدٍ ما لآثار علمائنا ومفكّرينا – في مدرسة أهل البيت^- من أهمّيّةٍ بالغةٍ في نفوس المسلمين؛ باعتبارها آثاراًَ مستقاةً من معينٍ صافٍ ورافدٍ شافٍ لاسيّما القرآنيّة منها؛ حيث إنّ لتلك الآثار مكانةً من القداسة والإجلال تبعاً لقداسة كتاب الحقِّ تعالى وجلالته.
علماً أنّنا قلَّما نجد عَلماً من الأعلام ومفكّراً من المفكّرين قد ذاع صيته في البلدان -منذ زمن الغيبة حتّى يومنا هذا- إلَّا واقترن اسمه بالقرآن وأبحاثه، حتّى إنّ كلّ دعاة الإصلاح الديني لم تنفكّ دعواتهم عن نداء العودة إلى كتاب الله تعالى، بل إنَّ هذه الدعوة كانت ولا زالت المحور الأساسي التي تعتمد عليه كلّ الحركات الإسلاميّة المصلحة – بغضِّ النظر عن صحّة تلك الحركات وسقمها- فلا سبيل إلى نهضةٍ إسلاميّةٍ دون أن يكون القرآن الكريم ركنها الوثيق.
ــــــــــــ[7] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إلَّا أنّ هناك – والحقّ يُقال- ندرةً في الأبحاث القرآنيّة المختصّة في مجال المسائل الغريبة والمباحث المعرفيّة، أو التي تتعرّض لغرائب المفردات الواردة في كتاب الله تعالى، فهي لا تكاد تتجاوز أصابع اليد؛ وسبب ذلك يكمن
– أكيداً- في قوّة ومستوى معارف الأشخاص علميّاً وضعفهم، مضافاً إلى أنّ مَن يخوض البحث في المطالب المعرفيّة المستقاة من كتاب الله يلزمه أن يكون من أهل ذلك المسلك الخاصّي، وإلَّا فمن الصعب جدّاً، بل يستحيل الغوص في مثل هكذا مسائل لكلِّ أحدٍ بما في ذلك علماء الفقه والأُصول واللغة وغيرهم، فهذا مسلكٌ خاصٌّ لأُناسٍ اجتباهم الله سبحانه لنفسه.
وفي هذا الكتاب (منّة المنان) مميّزاتٍ تفترق عن كثيرٍ من الكتب والأبحاث في هذا المجال، ففيه – بالإضافة إلى ما فيه من لفتاتٍ معرفيّة ونكاتٍ لغويةٍ لم يتعرّض لها أصحاب هذا الفنّ، وردّ كثيرٍ من الإشكالات- ربطٌ بين الآيات الكريمة والعلوم الأُخرى، كعلوم الفلك والطبّ وفلسفة اللغة والرياضيّات وغيرها، ممّا يندر احتواء غيره من مصنّفات التفسير لهذه المطالب. وإضافة إلى ذلك كلّه لا يخفى على أهل الفكر والمعرفة اسم هذا المصنِّف وما له من خصوصيّةٍ امتاز بها عن غيره في ميادين العلم والمعرفة. حتّى أجمع أهل الاختصاص على أنّ جميع مؤلّفاته قد فتحت باباً واسعاً وأُفقاً معرفيّاً جديداً في كلّ المسائل التي خاض فيها بحثاً وتحقيقاً، فلم يكن فيها تكرارٌ أو إعادةٌ، وهذا ما يظهر واضحاً جليّاً في هذا الكتاب.
ولا عجب من هذا الزعيم الأوحد الذي كان رافداً معطاءً للمكتبة الإسلاميّة بإشراقات قلمه السيّال أن يقدّم لنا نظرةً فاحصةً عن منهجٍ وطريقةٍ لها مدخليّةٌ كبيرةٌ ومساهمةٌ فاعلةٌ في فهم الدين عموماً والتفسير خصوصاً،
ــــــــــــ[8] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فهي كبرى في فهم الدين وإحدى صغرياتها التفسير.
لقد وفّر لنا سيّدنا الشهيد ثروةً علميّةً كبيرةً يستطاع من خلالها أن يجاب عن كلّ الإشكالات والإثارات المطروحة في الكتب القديمة والحديثة الموجودة في الشرق والغرب.
نعم، لقد خلّف سيّدنا الشهيد+ كتابه هذا بما لا مزيد عليه، فقد أعطى كلّ تصوّراته وتوقّعاته لما كان يهدف إليه في منهج هذا الكتاب، كمنهج الأُطروحات وقاعدة (اللاتفريط في القرآن) المستوحاة من قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} حيث كانت هي المنطلق الأساس للغوص في أبحاث القرآن العميقة.
نسأل الله أن نكون قد وفّقنا للمساهمة في نشر هذا المشروع الإسلامي الكبير، كما نسأل الله أن يجعل قلب مولانا الشهيد في طمأنينةٍ وسكينةٍ ورضاً منّا، إنّه أرحم الراحمين.
****
منهجنا في تحقيق الجزء الأوّل
اقتصر عملنا في تحقيق هذا الكتاب – الجزء الأوّل- على ما يلي:
أوّلاً: المقابلة مع النسخة الخطّيّة بيد السيّد الشهيد+.
ثانياً: تقويم النصّ ومراجعته وتصحيحه طبقاً للمعايير المعهودة في التحقيق والتهذيب.
ثالثاً: تقطيع المتن وتنظيم فقراته بحسب اقتضاء الحال.
رابعاً: تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة من المجاميع الروائيّة المعتبرة، وضبطها وتمييزها عن غيرها.
ــــــــــــ[9] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
خامساً: إرجاع الآراء الواردة في الكتاب إلى أصحابها ومصادرها الأصليّة.
منهجنا في تقرير الأجزاء الأربعة الأُخرى
أوّلاً: كتابة النصّ الأصلي حرفيّاً عن الدروس الصوتيّة.
ثانياً: الصياغة الأوليّة للدروس.
ثالثاً: مقابلة الصياغة الأوليّة بالنصِّ الأصلي وتدقيقه.
رابعاً: مقابلة الصياغة الأوليّة بنفس المرحلة السابقة مرة أُخرى.
خامساً: تخريج مصادر الكتاب.
سادساً: ضبط النصّ وتقطيعه بحسب ما هو المعمول به علميّاً.
سابعاً: المراجعة النهائيّة للكتاب بشكل كامل.
ولا يفوتنا أن نتقدّم بالشكر الجزيل والدعاء بالتوفيق والتسديد للباحثين والمحقّقين الفضلاء الذين ساهموا في إنجاز هذا الكتاب المستطاب تحقيقاً وتقريراً.
المشاركون في تحقيق الجزء الأوّل
1. سماحة الشيخ أحمد الفتلاوي (تحقيق).
2. سماحة الشيخ سلام التميمي (مراجعة التحقيق).
3. سماحة الشيخ عادل الطائي (إشراف ومتابعة).
المشاركون في تقرير وتحقيق الأجزاء الأربعة
1. سماحة الشيخ سلام التميمي (تقرير وتحقيق).
2. سماحة الشيخ عادل الطائي (تقرير وتحقيق).
ــــــــــــ[10] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
3. سماحة الشيخ داخل الحمداني (تقرير وتحقيق).
4. سماحة الشيخ محمود الجياشي (تقرير).
5. سماحة الشيخ صباح الربيعي (تقرير).
ولا يفوتنا أيضاً أنْ نتقدّم بالشكر الجزيل والعرفان الجميل لسماحة الحجّة المفضال السيّد مقتدى الصدر >حفظه الله تعالى< لما قدّمه لمؤسّستنا المباركة من دعمٍ مادّي ومعنوي، نسأل الله له التوفيق في الدارين وكلّ ما تقرّ به العين.
هذا ونسأل الله تعالى أن يشملنا بلطفه وكرمه، وأن يوفّقنا للسير على منهج نبيّه الخاتم وأهل بيته الأطهار >سلام الله عليهم أجمعين<.
كما نستغفره تعالى شأنه من كلّ زللٍ وخطأ، سائلين العلماء والباحثين الكرام أن يتجاوزوا عن كلّ عيبٍ ونقصٍ لُوحظ في إخراج هذا الكتاب؛ فإنّ لكمال لله وحده.
****
ــــــــــــ[11] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
موجز عن حياة آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّد الصدر+
نسبه الشريف
يرجع نسب السيّد الشهيد محمّد الصدر+ إلى الإمام موسى بن جعفر× في سلسلةٍ نسبيّةٍ قليلة النظير في صحّتها ووضوحها وتواترها.
فهو محمّد بن محمّد صادق بن محمّد مهدي بن إسماعيل بن صدر الدين (الذي سمّيت أُسرة آل الصدر باسمه) بن صالح بن محمّد بن إبراهيم شرف الدين (جدّ أُسرة آل شرف الدين)، بن زين العابدين بن نور الدين بن علي نور الدين بن الحسين بن محمّد بن الحسين بن علي بن محمّد بن تاج الدين (أبو سبحة) بن محمّد شمس الدين بن عبد الله بن جلال الدين بن أحمد بن حمزة الأصغر بن سعد الله بن حمزة الأكبر بن أبي السعادات محمّد بن أبي محمّد عبد الله (نقيب الطالبيّين في بغداد) بن أبي الحرث محمّد بن أبي الحسن علي بن عبد الله بن أبي طاهر بن أبي الحسن محمّد المحدّث بن أبي الطيّب طاهر بن الحسين القطعي بن موسى (أبو سبحة) بن إبراهيم المرتضى بن الإمام أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم×.
ولادته ونشأته
ولد+ في السابع عشر من ربيع الأوّل عام 1362 هـ .ق، أي: يوم ــــــــــــ[13] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
المولد النبوي الشريف.
عاش في كنف جدّه لأُمّه آية الله العظمى الشيخ محمّد رضا آل ياسين+، وهو من المراجع المشهورين آنذاك، وقد زامنت فترة مرجعيّته مرجعيّة السيّد أبي الحسن الأصفهاني+، ليعود المرجع الأعلى بعد رحيله.
ومن الجدير بالذكر أنَّ أباه السيّد الحجّة محمّد صادق الصدر+ لم يرزق ولداً بعد زواجه، حتّى اتّفق أن ذهب مع زوجته إلى بيت الله الحرام، وعندما تشرّفا بزيارة قبر النبي’ دَعَوَا ربّهما أن يرزقهما ولداً صالحاً يسمّيانه (محمّد)، فكان أن مَنّ الله تعالى شأنه عليهما بعد فترةٍ يسيرةٍ بهذا المولود المبارك في يوم ولادة جدّه المصطفى’، فكان الولد الوحيد لهما.
نشأ سماحته في بيت علمٍ وفضلٍ، وزقّ العلم منذ صباه بواسطة والده الحجّة+. وقد كان لنشأته وتربيته الدينيّة انعكاسٌ في خُلُقه الرفيع وسماحته وبشاشته وصدره الرحب، فكان قلبه -بعد تسنّمه المرجعيّة العامّة- يستوعب كلّ ما يُطرح عليه من أسئلة وشبهات دون أيّما شعور بالحرج أو الخجل أو التردّد. وليس هذا بعجيب؛ إذ ليست نفسه الشريفة إلَّا {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}(1).
تزوّج من بنت عمّه السيّد الحجّة محمّد جعفر الصدر+، ورُزق بأربعة أولاد، هم: السيّد مصطفى، والسيّد مرتضى، والسيّد مؤمّل، والسيّد مقتدى، وقد تزوّج ثلاثة منهم من بنات السيّد الشهيد الصدر الأوّل+، وله بنتان تزوجنَ من ابنَي السيّد الحجّة محمّد كلانتر+.
ــــــــــــ[14] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
(1) سورة إبراهيم، الآية: 24.
نشأته العلمية
بدأ+ الدرس الحوزوي في سنٍّ مبكّرةٍ، حيث كان ذلك في سنة 1373 هـ، وقد ارتدى الزيّ الحوزوي وهو ابن إحدى عشرة سنة، مبتدئاً بدراسة النحو والمنطق والفقه وغير ذلك من دروس المقدّمات على يد والده الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر+، ثمَّ على يد السيّد طالب الرفاعي، ثمَّ على يد الشيخ حسن طرّاد العاملي، وأكمل بقيّة دروسه على يد السيّد الحجّة محمّد تقي الحكيم+ والحجّة الشيخ محمّد تقي الإيرواني+.
دخل كلّيّة الفقه سنة 1379هـ .دارساً على يد ألمع أساتذتها، فدرس:
1. الفلسفة الإلهيّة على يد آية الله الشيخ محمّد رضا المظفّر+.
2. الأُصول والفقه المقارن على يد آية الله السيّد محمّد تقي الحكيم+.
3. الفقه على يد الحجّة الشيخ محمّد تقي الإيرواني+.
4. علوم اللغة العربيّة على يد الحجّة الشيخ عبد المهدي مطر+.
كما أفاد من بعض الأساتذة من ذوي الاختصاصات والدراسات غير الحوزويّة: كالسيّد عبد الوهّاب الكربلائي مدرِّس اللغة الإنجليزيّة، حيث كان سماحته أفضل طلاب صفّه في هذا المجال، والدكتور حاتم الكعبي في علم النفس، والدكتور فاضل حسين في التاريخ، وكذا درس الرياضيات في الكلّيّة نفسها حيث كان من المتميّزين فيه.
تخرّج من كلّيّة الفقه سنة 1383 هـ .ضمن الدفعة الأُولى من خرِّيجي كلّيّة الفقه.
ثُمَّ دخل مرحلة السطوح العليا، فدرس كتاب الكفاية على يد أُستاذه السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+، وكتاب المكاسب على يد السيّد محمّد تقي ــــــــــــ[15] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الحكيم+. وقد كان لدراسته عند هذين العلمين الأثر الأكبر في صقل شخصيته العلمائية ونموّ موهبته العلميّة التي شهد له بها أساتذته أنفسهم، ثمَّ أكمل دراسة كتاب المكاسب عند الشيخ الحجّة صدر البادكوبي+، الذي كان من مبرَّزي الحوزة وفضلائها.
ثمَّ حضر دروس البحث الخارج عند جملة من أعلام النجف الأشرف، وهم:
1. آية الله العظمى السيّد الشهيد السعيد محمّد باقر الصدر+ فقهاً وأُصولاً.
2. آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي+ فقهاً وأُصولاً.
3. آية الله العظمى السيّد روح الله الموسوي الخميني+ فقهاً.
4. آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم+ فقهاً.
5. آية الله الحجّة السيّد إسماعيل الصدر+ فقهاً.
ولابدَّ لنا أن نذكر إلى جانب مسيرته العلميّة وأساتذته في هذا المجال مسيرتَه في طريق المعرفة الإلهيّة والعلوم الأخلاقيّة، حيث تلقّى المعارف الإلهيّة الحقّة على يد أُستاذه الكبير الحاجّ عبد الزهراء الكرعاوي (رضوان الله عليه)، الذي كان من تلامذة العارف الكبير الشيخ محمّد جواد الأنصاري الهمداني+، وكان هذا الجانب واضحاً جدّاً في شخصيّة المترجم له، بل طغى هذا الجانب على أكثر تصانيفه ودروسه الثمينة، فراجع وتفطّن.
ثُمَّ إنَّ ممّا يدلّ على نبوغه وتقدّمه العلمي أمرين:
الأوّل: اطّلاعه+ على آراء أربعة من أشهر المجتهدين في ذلك الوقت، وهم السيّد الشهيد الصدر الأوّل والسيّد الخوئي والسيّد الخميني ــــــــــــ[16] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
والسيّد الحكيم. وهذا الاطّلاع الذي حصل له من خلال حضور أبحاثهم ودروسهم الشريفة أدّى بطبيعة الحال إلى نموّ وتطوّر المستوى العلمي له بوضوحٍ.
الثاني: تميّز أُستاذه السيّد الشهيد الصدر الأوّل بالإبداع والتجديد في الأُصول، وهذا يعني أنَّه قد أفاد – بلا شكٍّ – من هذا التجديد والإبداع.
وبلحاظ هاتين النقطتين يمكن لنا الحكم ابتداءً بألمعيّته وغزارة علمه، بل وأعلميّته على أقرانه، فقد شهد له بذلك كلّ من حضر دروسه من الفضلاء والأعلام، لا سيّما درسه في الأُصول؛ إذ أصبح آنذاك الدرس الرئيس في حوزة النجف الأشرف.
إجازته في الرواية
أمّا إجازته في الرواية فله إجازات من عدّة مشايخ، أعلاها من الملاّ محسن الطهراني الشهير بـ(آغا بزرگ الطهراني+) عن أعلى مشايخه، أي: الميرزا حسين النوري صاحب كتاب >مستدرك الوسائل<.
ومنهم أيضاً والده الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر+، وخاله الشيخ مرتضى آل ياسين+، وابن عمّه السيّد آقا حسين خادم الشريعة+، والسيّد عبد الرزّاق المقرّم+، والسيّد حسن الخرسان+، والسيّد عبد الأعلى السبزواري+، والدكتور حسين علي محفوظ&.
اجتهاده
أُجيز بالاجتهاد من قبل أُستاذه السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+ في سنة 1398 هـ .ق (وكان عمره آنذاك 36 سنة)، حيث اتّفق أنَّ جملة من ــــــــــــ[17] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الفضلاء طلبوا من السيّد الشهيد محمّد الصدر أن يباحثهم على مستوى أبحاث الخارج، وقد سألوا السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر عن ذلك، فبارك لهم وشجّعهم عليه، وذكر لهم تمام الأهليّة للسيّد محمّد الصدر، وقد اتّفقوا على أن تكون مادّة البحث في الفقه الاستدلالي كتاب >المختصر النافع< للمحقّق الحلّي؛ لأنَّه يمثّل دورة فقهيّة كاملة ومختصرة في الوقت نفسه، وكان مكان الدرس آنذاك مسجد الشيخ الطوسي+، وقد استمرّ الدرس قرابة أربعة أشهر، وقد أدّت صعوبة الظروف حينها إلى انقطاع البحث وتفرّق الطلاب.
ثمَّ بتسديد الله وعونه عاد سيّدنا الشهيد+ إلى إلقاء البحث الفقهي بعد سنوات عدّة في جامعة النجف الدينيّة على متن كتاب >المختصر النافع< أيضاً، ثُمَّ توقّف الدرس، على أثر أحداث الانتفاضة الشعبانيّة ليعود بعدها لإلقاء دروسه المباركة في مسجد الرأس الملاصق للحرم العلوي الشريف، واستمرّ بحثه إلى آخر يومٍ من عمره الشريف. وكان يلقي في هذا المسجد أبحاثه في كلّ يوم كالتالي:
أوّلاً: البحث الفقهي صباحاً.
ثانياً: البحث الأُصولي عصراً.
ثالثاً: إلقاء محاضرات تاريخيّة وأخلاقيّة وعقائديّة.
رابعاً: دروس في شرح كفاية الأُصول.
خامساً: الدروس القرآنية في يومي الخميس والجمعة من كلّ أُسبوعٍ.
وممّا تتميّز به هذه المحاضرات – أي: الدروس القرآنيّة- روح التجدّد والجُرأة في نقد الآراء وتفنيدها، كما اتّخذ سيّدنا+ أُسلوباً مغايراً لأُسلوب ــــــــــــ[18] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سائر المفسّرين في تفسير القرآن الكريم؛ إذ إنَّهم كانوا يبدؤون بتفسير القرآن الكريم من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، إلَّا أنَّه شرع تفسيره من سورة الناس رجوعاً إلى باقي السور القرآنيّة المباركة، وهو منهجٌ في البحث لم يسبق إليه سابقٌ. وله في اتّخاذ هذا المنهج رأيٌ سديدٌ طرحه في بداية البحث، فقال موضّحاً السبب في ذلك: >سيجد القارئ الكريم أنَّني بدأت من المصحف بنهايته، وجعلت التعرّض إلى سور القرآن بالعكس.
فإنَّ هذا ممّا التزمته في كتابي هذا نتيجة لعاملين نفسي وعقلي: أمّا العامل النفسي: فهو تقديم الطرافة في الأسلوب وترك التقليد للأُمور التقليديّة المشهورة، فيما يمكن ترك التقليد فيه.
وأمّا العامل العقلي فلأنَّ التفاسير العامّة كلّها تبدأ من أوّل القرآن الكريم طبعاً، فتكون أكثر مطالبها وأفكارها قد سردته فعلاً في حوالي النصف الأوّل من القرآن الكريم، وأمّا في النصف الثاني فلا يوجد غالباً إلَّا التحويل على ما سبق أن ذكره المؤلّف؛ الأمر الذي ينتج أن يقع الكلام في النصف [الثاني] من القرآن مختصراً ومقتضباً، ممّا يعطي انطباعاً لطبقة من الناس أنَّه أقلّ أهمّيّة أو أنَّه أقلّ في المضمون والمعنى ونحو ذلك.
في حين إنَّنا لو عكسنا الأمر فبدأنا من الأخير، لاستطعنا إشباع البحث في السور القصيرة، وتفصيل ما اختصره الآخرون، ورفع الاشتباه المشار إليه. فإن لم نكن بمنهجنا قد استنتجنا أكثر من هذه الفائدة لكفى<(1).
فاتّخذ سيّدنا هذا المنهج من باب سدّ النقص الذي يُحتمل الوقوع فيه ــــــــــــ[19] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
(1) منّة المنان في الدفاع عن القرآن: 18، المقدّمة
بملاك ما تقدّم، ولغرض إشباع آخر للقرآن بحثاً ودفاعاً، ولأجل سدّ الفراغ الموجود.
صفاته وسجاياه
لقد شهد لسيّدنا الشهيد+ جمعٌ غفيرٌ ممّن عرفوه منذ صباه بالتواضع ووضوح الشخصيّة، علاوةً على اتّصافه بسرعة البديهة في الإجابة على الأسئلة الفقهيّة والعلميّة والفكريّة.
وبالاقتراب منه+ يتّضح سلوكه العرفاني الذي يحاول إخفاءه قدر الإمكان، وكثيراً ما كان يؤكّد في عباراته على لزوم اليقظة، والحذر من الوقوع في الانحراف وعدم الاستقامة وعدم اتّباع خطّ أهل البيت^، مؤكّداً في ذلك على جانب الإخلاص مع الله في القول والفعل. لذا نجده لم يكن يرضى أن تقبّل يده، معلّلاً ذلك بقوله: أنت تدخل الجنّة وأنا أدخل النار؟! أي: تدخل الجنة؛ لأنَّك تفعل ذلك قربةً إلى الله، وأنا أدخل النار؛ لاحتمال حصول الكبر بتقبيل اليد.
وتراه يجيب عن بعض المسائل جواباً ناشئاً من أعلى مراتب التقوى قائلاًً: بحسب القاعدة حلال، لكن إن كنت تحبّ الله وتحبّ أن تكون ورعاً، فلا تفعل ذلك.
ثُمَّ إنَّه يستشفّ أحياناً من بعض إجاباته لسائليه أسرار ما خفي من المعرفة الإلهيّة، حيث يحجب في كثير من الأحيان الإجابة قائلاً: هذا من الأسرار؛ رأفةً بالسائل أن لا يتحمّل الجواب، وهكذا كان الاقتراب منه+ يكشف عن بعض الآفاق المعنويّة والعرفانيّة التي كان عليها، وما خفي أعظم.
ــــــــــــ[20] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وقد امتاز+ بالأمانة العلميّة، كما اتّفق بعض الأحيان – وإن كان نادراً- تأخّره عن بحث أساتذته، ممّا يضطّره إلى أخذ ما فاته من البحث من زملائه، إلَّا أنَّه كان يشير إلى ذلك مع أنَّ ما أفاده منهم لا يتجاوز الصفحة الواحدة، بالإضافة إلى أنَّه كان يقرّر حسب فهمه الخاصّ لتلك الدروس والبحوث، إلَّا أنَّه كان يأبى إلَّا أن يذكر أصحاب تلك الأقوال التي يوردها، وهو قلّما نلحظه عند الآخرين، فراجع وتبصّر.
مرجعيته الصالحة وقيادة الأُمة
لا نبالغ إذا قلنا: إنَّ سيّدنا الشهيد محمّد الصدر+ ومرجعيّته أسّست حصناً رفيعاً للإسلام، وقلعة شامخة للمسلمين، وملاذاً للأُمّة الإسلاميّة في العالم الإسلامي.
إنَّ المرجعيّة الدينيّة كانت على وشك الزوال والفناء في النجف الأشرف بسبب ظروف وأوضاع العراق الرهيبة، ووجود نظام جعل جُلّ همّه القضاء على شخصيّات المذهب الجعفري، ولم يبق منها إلَّا صُبابة لا تروي من ظمأٍ، ولم يكن هناك من حَلٍّ حقيقي لمعالجة هذا الوضع المعقّد إلَّا تصدّيه+؛ لأنَّه أفضل علاج ناجع لأخطر قضيّة عرفتْها المرجعيّة، برغم معرفته التامّة بما ستقدم عليه السلطة الحاكمة في بغداد من إجراءات؛ إثر الإصلاحات التي قام بها في المجتمع العراقي والحوزوي على وجه الخصوص، والتي كانت تخرج منه على شكل تصريحات بين الحين والآخر.
كما أنَّ تصدّيه سدّ الطريق على المتطفّلين الذين يتربّصون الدوائر ويتحيّنون الفرص لاستغلال المناصب الربّانيّة لمصالحهم الخاصّة، حتّى لو أدّى ذلك إلى الإضرار بالإسلام وقيمه السامية ورموزه المقدّسة.
ــــــــــــ[21] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ويجب أن نعرف أنَّ للمرجع الديني مقوّمات أساسية: منها: الأهليّة واللياقة والخبرة والقدرة على التفاعل مع الأُمّة بالمستوى الذي تترقّبه منه، فضلاً عن الاجتهاد الذي هو شرطٌ ضروري لعمليّة التصدّي. ولكن يجب أن نشير إلى أنَّ شرط الاجتهاد وحده ليس كافياً للتصدّي، بل يجب تَوفّر الشروط الأُخرى التي ذكرناها، ولعلّ عدم توفّرها يجعل تلك المرجعيّة وَبَالاً على الإسلام والمسلمين. ولا نقول ذلك اعتباطاً؛ فأنَّ تأريخ المرجعيّة شاهد صدقٍ على صحّة ذلك؛ إذ إنَّ الساحة قد شهدت وعلى امتداد التاريخ نماذج كان عدم تصدّيهم أنفع للإسلام وأصلح للمسلمين.
كما كان تصدّيه+ يمثّل امتداداً للخطّ المرجعي الصحيح الذي كان يجب أنْ يبقى وأنْ يستمّر؛ لأنَّه مدرسة خاصّة لا في العمق العلمي – الفقهي والأُصولي والمعرفي- فقط، بل وفي الفهم الصحيح للمقام المرجعي وما يتطلّبه ويقتضيه.
إنَّ المرجعيّة بذاتها ليست هدفاً، وإنَّما هي امتداد لخطّ ومدرسة أهل البيت^، وما يجب أن يرشح عن هذا الفهم من أدوارٍ ومسؤوليّاتٍ كبيرةٍ وأهدافٍ ساميةٍ.
ولا نتخطّى الحقيقة إذا ما قلنا: إنَّ مرجعيّة سيّدنا الصدر الثاني+ جاءت لتلبّي حاجات الأُمّة الدينيّة والعلميّة والثقافيّة؛ وذلك لأنَّه+ لم يكن فقيهاً محدود الأبعاد بما اعتاد العلماء دراسته والتعمّق فيه من علوم فقهيّة وأُصوليّة فقط، بل تميّز بالشمول والتنوّع في مختلف آفاق المعرفة التي تحتاجها الأُمّة، ولا سيّما تجاه الطبقة الرشيدة المثقّفة.
إنَّ تصانيفه+ المتنوّعة تكشف لنا عن مدى اطّلاعه الواسع وثقافته ــــــــــــ[22] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
العميقة من جانبٍ، وعن وعيه الكبير لحاجات الأُمّة الفكريّة والروحيّة والأخلاقيّة من جانبٍ آخر.
ولعلّ هذه الميزة التي اتّسمت بها شخصيّته العلميّة والقياديّة إحدى المحفّزات التي جعلت الأُمّة تلتفّ حوله وتسير تحت رايته.
وسعى شهيدنا السعيد في ظلّ تصدّيه للمرجعيّة إلى الحفاظ على الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، بعد أن تفكّكت وآذنت بخطرٍ كبيرٍ على حاضرها ومستقبلها، فرمّم ما قد تلف، وبنى ما دعت الحاجة إليه، مع أنَّه قد لا يدرك أهمّيّة عمله العظيم مَن لم يعاصر أو يعايش تلك الظروف والأوضاع القاسية، إلَّا أنَّ ما قام به+ وما بذله من جهود جبّارة لأجل حماية هذا الكيان الكبير وإمداده بالحياة والحيويّة كان مشهوداً وملحوظاً عند الجميع، فلولاه لَمَا كان للحوزة العلميّة في النجف الأشرف إلَّا وجودٌ هامشيٌ لا قيمة له.
ومن خطواته الكبيرة إرسال العلماء والفضلاء إلى كافّة أنحاء العراق لممارسة مهامّهم الثقافيّة والتبليغيّة، وتلبية حاجات الأُمّة المختلفة. وعلى هذا الأساس شهدت الساحة حركةً لا سابقة لها في هذا المجال، رغم الصعاب الكبيرة التي تواجه المراجع في أمثال هذه الأُمور، إلَّا أنَّه+ استطاع – وبفترة زمنية قياسيّة – ملء شواغر وفراغات هائلة لم يكن بالإمكان سدّها من دون تصدّيه للمرجعيّة.
كما نلحظ أنَّه+ حرص على انتقاء النماذج الصالحة من العلماء والمبلّغين الذين يمثّلون القدوة الطيّبة، ليمثّلوا المرجعيّة الدينيّة بما تعنيه من قيمٍ وآمالٍ، وتجنّب إرسال مَن لا يتمتّع باللياقة، وحرص كلّ الحرص على سلوك هذا المنهج رغم ما يسبّبه ذلك من مشاكل وإحراجاتٍ كبيرةٍ.
ــــــــــــ[23] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
كما سعى إلى تربية طلاب الحوزة العلميّة في النجف الأشرف تربية إسلاميّة نقيّة، موفّراً لهم كلّ ما هو ممكن من الأسباب المادّيّة والمعنويّة التي تتيح لهم جوّاً دراسيّاً مناسباً يمكنهم به تخطّي المراحل الدراسيّة بصورة طبيعيّة.
فبالإضافة إلى تلبية احتياجاتهم المادّيّة المختلفة كانت رعايته المعنويّة واضحةً ومشهودةً في كلّ شيءٍ، ممّا يجعل طالب العلم يشعر بالاطمئنان الذي يحقّق له الراحة النفسيّة اللازمة لمواصلة طلب العلم والعمل به، ثمَّ هداية الناس إلى ما يُرضي الله عزّ وجلّ. كما كان تجاوبه حقيقيّاً مع الأُمّة في تطلّعاتها وحاجاتها وإدراك مشاكلها، ولا سيّما فيما يرتبط بالطبقة المستضعفة منها، فسعى لتقديم كلّ ما هو متاحٌ لها من إمكانات مادّيّة، فكان يساعد الفقراء والمحتاجين ويرعاهم بما عُرف عنه من خُلقٍ إسلامي رفيعٍ، فجذب قلوبهم دون عناءٍ، وشدّ إليه عقولهم دون مشقّةٍ، وهكذا تفعل مكارم الأخلاق التي هي سلاح الأنبياء والصالحين.
آثاره وتصانيفه الثمينة
ترك السيّد الشهيد محمّد الصدر+ مؤلّفات كثيرة، امتازت كلّها بالإبداع والابتكار، ومنها:
1. نظرات إسلاميّة في إعلان حقوق الإنسان.
2. فلسفة الحجّ ومصالحه في الإسلام.
3. أشعّة من عقائد الإسلام.
4. القانون الإسلامي وجوده، صعوباته، منهجه.
5. موسوعة الإمام المهدي#، وتحتوي على:
ــــــــــــ[24] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أ. تاريخ الغيبة الصغرى.
ب. تاريخ الغيبة الكبرى.
جـ . تاريخ ما بعد الظهور.
د. اليوم الموعود بين الفكر المادّي والديني.
هـ . عمر الإمام المهدي# (مخطوط).
6. ما وراء الفقه، في خمسة عشر مجلّداً.
7. فقه الأخلاق، في مجلّدين.
8. فقه الفضاء، وهو رسالة عمليّة في مسائل وأحكام الفضاء المستحدثة.
9. فقه الموضوعات الحديثة، وهو رسالة عمليّة في المسائل المستحدثة أيضاً.
10. حديث حول الكذب.
11. بحث حول الرجعة.
12. كلمة في البداء.
13. الصراط القويم، وهو رسالة عمليّة مختصرة.
14. منهج الصالحين، وهو رسالة عمليّة موسّعة في خمسة مجلّدات.
15. مناسك الحجّ.
16. أضواء على ثورة الإمام الحسين×.
17. شذرات من تاريخ فلسفة الإمام الحسين×.
18. منّة المنان في الدفاع عن القرآن، في خمسة مجلّدات. صدر منه (الجزء الأوّل) بقلم السيّد الشهيد، وصدر(4أجزاء) تقريراً لدروسه القرآنيّة، على يد ــــــــــــ[25] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مؤسّسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر.
19. منهج الأُصول، في خمسة مجلّدات.
20. مسائل في حرمة الغناء.
21. بين يدي القرآن الكريم، وهو فهرست موضوعي للقرآن الكريم.
22. مجموعة أشعار الحياة، وهو ديوان شعر يمثّل مراحل حياة سيّدنا الشهيد.
23. بيان الفقه، وهو بحثٌ فقهي استدلالي يتناول مبحث القبلة ولباس المصلّي.
24. اللمعة في حكم صلاة الجمعة، وهو تقريرٌ لأبحاث السيّد إسماعيل الصدر+.
25. الإفحام لمدّعي الاختلاف في الأحكام.
26. مسائل وردود.
27. الرسائل الاستفتائيّة.
ولا زال هناك الكثير من الآثار والأسفار التي لم ترَ النور بعد، رغم أهمّيّتها، ومنها:
1. دورتان في علم أُصول الفقه، تقريراً لأبحاث السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+.
2. دورة كاملة في علم أُصول الفقه، تقريراً لأبحاث السيّد الخوئي+، وتقع في ثلاثة عشر مجلّداً.
3. كتاب الطهارة، تقريراً لأبحاث السيّد الشهيد الصدر الأوّل+، ويقع في ثمانية مجلّدات.
ــــــــــــ[26] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
4. بحوث استدلاليّة في كتاب الطهارة، تقريراً لأبحاث السيّد الخوئي+.
5. كتاب البيع، وهو تقريرٌ لأبحاث السيّد الخميني+، ويقع في أحد عشر مجلّداً.
6. المعجزة في المفهوم الإسلامي.
7. الكتاب الحبيب إلى مختصر مغني اللبيب.
8. تعليقة على رسالة السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+ >الفتاوى الواضحة<.
9. تعليقة على الرسالة العمليّة >منهاج الصالحين< للسيّد الخوئي+.
11. تعليقة على كتاب >المهدي< للسيّد صدر الدين الصدر+.
12. حياة السيّد صدر الدين الصدر+.
وغيرها ممّا لم نوفّق للاطّلاع عليه.
ومن خلال هذه الآثار والتصانيف القيّمة تتّضح بعض اهتمامات السيّد الشهيد الصدر الثاني+ بالفقه المعاصر، وأنَّ كلّ مؤلَّف من هذه المؤلّفات شكّل قضيّة من القضايا وحاجة من الحاجات الملحّة للكتابة فيها.
جريمة الاغتيال
كان من عادة السيّد+ أنْ يجلس في مكتبه (البرانيّ) بعد صلاتي المغرب والعشاء في يومي الخميس والجمعة، ليخرج بعدها سماحته إلى بيته. وفي تلك الليلة خرج السيّد على عادته ومعـه ولداه -السيّد مصطفى والسيّد مؤمّل (قدّس سرهما)- بلا حمايةٍ ولا حاشيةٍ، وفيما كانوا يقطعون الطريق إلى بداية منطقة (الحنّانة) في إحدى ضواحي النجف القريبة، وعند الساحة ــــــــــــ[27] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
المعروفة بـ(ساحة ثورة العشرين)، جاءت سيّارة أميركيّة الصنع، ونزل منها مجموعة من عناصر السلطة الظالمة وبأيديهم أسلحة رشّاشة، وفتحوا النار على سيّارة السيّد، فاستشهدوا جميعاً.
وبعد استشهادهم حضر جمع من مسؤولي السلطة إلى المستشفى، وذهب آخرون إلى بيته، ولم يسمحوا بتجمهر المعزّين أو الراغبين بتشييع جنازته، ولذا قام بمهمّة تغسيله وتكفينه مع نجلَيه مجموعةٌ من طلاّبه ومريديه، ثُمَّ شيّعوه ليلاً، حيث تمّ دفنه في المقبرة الجديدة الواقعة في وادي السلام.
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}.
*****
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
24 رجب الأصبّ 1432
ــــــــــــ[28] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
المقدمة
– 1 –
لا حاجة في البدء إلى الإلماع بتعريف القرآن الكريم؛ فإنَّه لدى البشر أجمعين أشهر من أن يُذكر، ولدى المسلمين أقدس من أن يُكفر، كما قالت الخنساء في أخيها صخر:
وإنَّ صخــراً لتأتمّ الهداة بــه
كــأنَّه عــلمٌ فــي رأســـه نــــارُ(1)
أو كما قال الشاعر الآخر:
وإذا استطال الشيء قام بنفسه
ومديح ضوء الشمس يذهب باطلاً(2)
ويكفينا من ذلك ما ذكره القرآن الكريم نفسه عن نفسه من المزايا، وما ذكره سيّد البلغاء أمير المؤمنين× في نهج البلاغة من أوصافه. فعلى القارئ ــــــــــــ[31] ــــــــــــ
(1) ديوان الخنساء: 35.
(2) البيت في آخر ديوان المتنبّي، طبعة ليدن بشرح الواحدي. أمّا في باقي الطبعات فقد حذف مع بيته الآخر الذي يقول:
وتركت مدحي للوصيَّ تعمّداً
إذ كان نوراً مستطيلاً شاملاً
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الكريم أن يرجع إلى ذلك إن شاء(1).
والمهمّ الآن أنَّ كلام الله سبحانه – وهو أصدق القائلين وأعدل الفاعلين وأحكم الحاكمين- كيف يمكن أن يناله السؤال والإشكال أو الوهم والاعتراض؟
حاشا لله، وسبحانه وتعالى عمّا يشركون.
كلُّ ما في الأمر أنَّ ذلك ممّا قد يحصل نتيجة جهل الفرد أو قصوره أو تقصيره أو نفسه الأمّارة بالسوء.
غير أنَّه يمكن القول بأنَّ ذلك ممّا يحصل لغالب الأفراد بل كلّهم، ممّا قد يؤثّر أحياناً حتّى على عقيدة الفرد وإخلاصه، أو يجعله في حيرة وتردّد من أمره، أو يدفنه في نفسه ويحاول عدم إظهاره للآخرين؛ لكي لا يكون مطعوناً في دينه.
غير أنَّ القرآن الكريم يحتوي على كثيرٍ من موارد الإجمال وصعوبة الفهم بلا إشكالٍ، وقد يكون الفرد معذوراً نسبيّاً في ما خطر في باله من السؤال، ومخلصاً في البحث عن الجواب، وقد لا يجد ضالّته في التفاسير السائدة أو لا يجد نسخها بين يديه.
فإنَّ التفاسير بالتأكيد لم تتعرض لكلِّ المشاكل والأسئلة الواردة حول آي القرآن الكريم، بل وجدنا ذلك أيضاً حتّى في الكتب المخصّصة لذلك: ككتاب العكبري وكتاب القاضي عبد الجبّار.
ويحصل ذلك من مناحٍ متعدّدة من المؤلفين: أمّا باعتبار أنَّه إذا ذكر السؤال فإنَّه يفترض فيه القوّة والدقّة في الجواب، وإذا فقدهما أُعيب في بحثه. إذن فخيرٌ له أن يترك الالتفات إلى السؤال رأساً من أن يتورّط في جوابٍ ناقصٍ.
ــــــــــــ[32] ــــــــــــ
(1) نهج البلاغة، شرح عبده 1: 80، الخطبة: 33.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أو قد يكون متشرّعاً، باعتبار أنَّ إثارة السؤال سيكون مضادّاً للقرآن الكريم لا محالة، فيكون سبباً لإثارة الشُبهة لدى القارئ الاعتيادي، فقد يلزم الحال أنَّ هذا القارئ يكون قد فهم السؤال ولم يفهم الجواب، ويكون المؤلّف سبباً لذلك، فيتورّط في الحرام من حيث يعلم أو لا يعلم؛ لأنَّه يتحمّل هذه المسؤوليّة يوم القيامة، كما في الحديث: >كسرته وعليك جبره<(1)، فخيرٌ له أن لا يثير الشبهة من أن يثيرها ولا يُوَفَّق في حلّها.
ومن هنا زادت الأسئلة المدفونة في النفوس، والشبهات المعقودة في الرؤوس، حتّى أصبحت مدخلاً للضلال ولدعاة الكفر والإلحاد، لأجل ردِّ الناس عن دينهم وسحب يقينهم.
ومن هنا احتاج الأمر إلى قلبٍ قوي والى عقلٍ سوي، من أجل التصدّي إلى ذكر كلّ تلك الأسئلة وعرض كلّ تلك الشبهات، ممّا يحتمل أن يثور في الذهن ضدَّ أي آيةٍ من آيات القرآن الكريم، والتصدّي لجوابها بجدارةٍ وعمقٍ، لكي يتمّ إغناء المكتبة الإسلاميّة العربيّة بهذا الفكر الذي لم يسبق إليه مثيل، بعد التوكّل على الله والاستعانة به جلّ جلاله.
– 2 –
لكن ينبغي الالتفات سلفاً إلى أنَّي لم أكتب هذا الكتاب لكلّ المستويات، ولا يستطيع الفرد المُتدّني الاستفادة الحقيقيّة منه، وإنّما أخذت بنظر الاعتبار مستوىً معيّناً من الثقافة والتفكير لدى القارئ.
ــــــــــــ[33] ــــــــــــ
(1) أُنظر: الكافي 2: 45، باب درجات الإيمان، باب آخر منه، الحديث: 2، الخصال: 448، باب العشرة، الحديث: 48-49، وعنه: البحار 22: 351.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وأهمّها أن يكون في الثقافة العامّة على مستوى طلّاب الكليّات ونحوه، وأن يكون من الناحية الدينيّة قد حمل فكرةً كافيةً، وان كانت مختصرةً عن العلوم الدينيّة المتعارفة، كالفقه والأُصول والمنطق وعلم الكلام والنحو والصرف ونحوها، ممّا يُدرس في الحوزة العلميّة الدينيّة عندنا في النجف الأشرف.
فإن اتّصف الفرد بمثل هذه الثقافة، كان المتوقّع منه أن يفهم كتابي هذا، وإلّاَ فمن الصعب له ذلك، ولكن لا ينبغي أن يأنف من عرض ما لا يفهمه من الكتاب على من يستطيع فهمه وإيضاحه.
فإن لم يكن على أحد هذين المستويين، فلا يجوز له شرعاً أن يقرأ هذا الكتاب؛ لأنَّه يوجد احتمال راجح عندئذٍ أن يفهم السؤال ولا يفهم الجواب؛ فتعلق الشبهة في ذهنه ضدّ القرآن الكريم، ممّا قد يكون غافلاً عنه أساساً، فيكون هذا الكتاب قد أدّى به إلى الضرر بدل أن يؤدّي به إلى النفع، وبالتالي يكون قد ضحّى بشيءٍ من دينه في سبيل قراءة الكتاب، وهذا ما لا يريده الفرد لنفسه، ولا أريده لأيِّ أحد، بل لا يجوز حصوله لأيِّ أحد.
وأعتقد أنَّ هذا التحذير كافٍ في الردع عن الاطّلاع على هذا الكتاب من قبل الأفراد العاديّين في الثقافة، فإن حاول أحدٌ منهم ذلك وحصلت له أيّة مضاعفات فكريّة غير محمودة في دينه أو دنياه، فلا يلومَنَّ إلّاَ نفسه، وقد برأت الذمّة منه؛ لأنَّني ذكرت ذلك الآن بوضوحٍ، وأقمت الدلالة عليه.
فإنَّني وإن حاولت الإيضاح والتبسيط في البيان، إلّاَ أنَّه بقي الغموض النسبي موجوداً بلا إشكالٍ؛ لوضوح أنَّ التبسيط الزائد المتوقّع يقتضي التضحية بالمعاني الدقيقة واللطيفة، وإنَّما تقوم بذلك اللغة الاصطلاحيّة المتّفق على دقّتها وصحّتها، وليست هي لغة الجرائد كما يعبّرون.
ــــــــــــ[34] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
– 3 –
هذا، وقد يفهم القارئ اللبيب المتأمّل أنَّ في بيان الأُمور المعروضة في هذا الكتاب بعض الفجوات، وهي متعمّدة بمعنى وآخر؛ لعدم إمكان الاستيعاب التامّ وكونه تطويلاً بلا طائلٍ.
فحسب هذا الكتاب -كما في العديد من كتبي السابقة- أنَّها تفتح عين القارئ المتشرّع على مجالات جديدة وعلى طرق من الفهم عديدة.
وتجعل الطريق – بعد ذلك- قابلاً للسير فيه لمن يرغب بذلك.
ويبقى الأمر قابلاً للتفلسف والزيادة ممَّن أُوتي إلى ذلك سبيلاً.
وإنّني لا أعتقد لنفسي الكمال ولا لعقلي الجلال، بل كلُّه قيد الضعف والنقصان، لولا منّة المنّان ورحمة الرحمن وفيض الديّان.
وفي الحكمة: >إنَّ الله تعالى ينصر دينه على يد من لا خلاقَ له من خلقه<(1).
– 4 –
والأسئلة المعروضة في هذا الكتاب إنّما هي بالمباشرة والدلالة المطابقية تعتبر ضدّ القرآن الكريم، وتحتاج إلى ذهنٍ صافٍ وبيانٍ كافٍ لرفعها ودفعها، ويجب على القارئ الكريم أن يواكب النصّ، وأن يعطي وقته ونفسه ليصل إلى النتائج الحاسمة، وإلّاَ فخير له الإعراض عن هذا الكتاب بكلّ تأكيدٍ.
هذا، وقد اتّخذت في جواب الأسئلة أُسلوب الأُطروحات، على ما سوف أقول في معناها، الأمر الذي استوجب – في الأعمّ الأغلب- أنّني لم أعطِ الرأي القطعي أو المختار، بل يبقى الأمر قيد التفلسف في الأُطروحات، ــــــــــــ[35] ــــــــــــ
(1) دعائم الإسلام 1: 342، كتاب الجهاد، تهذيب الأحكام 6: 134، باب من يجب عليه الجهاد، الحديث: 3، الغيبة، للطوسي: 450، الحديث 454.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
والمفروض أنَّ أيّاً منها كان صحيحاً كان جواباً كافياً عن السؤال، ويبقى اختيار الأُطروحة الواقعيّة منها موكولاً ظاهراً إلى القارئ اللبيب، وواقعاً إلى المقاصد الواقعيّة للقرآن الكريم.
وعلى أيِّ حالٍ، فلا ضرورة دائماً إلى البتّ بالأمر كأنّك تلقي محاضرةً في أُمور قطعيّةٍ محدّدةٍ، أو رياضيّةٍ غير قابلةٍ للنقاش، مادام أُسلوبنا هذا كافياً في الدفاع ضدّ الشبهة وللجواب على السؤال.
بل إنَّ هذا الأسلوب له عدّة مزايا، منها:
أوّلاً: بقاء الباب مفتوحاً للزيادة في التفلسف والتفكير، كما سبق.
فبدلاً من ذكر ثلاث أُطروحات مثلاً يمكن – بعد ذلك- طرح خمس أو عشر، ممّا لم يتيسّر فوريّاً الالتفاف إليها أو الاعتماد عليها.
ثانياً: الإلماع إلى أنَّ الأسئلة المعروضة ضدّ القرآن الكريم ليس لها جوابٌ واحدٌ، بل يمكن أن يتحصّل لها عدّة أجوبة، ومن جوانب متعددة، الأمر الذي لا يقتضي فقط القناعة بمضمون القرآن وصحّته، بل القناعة أيضاً بسقوط السؤال وذلَّته، وأنَّ السائل من التدّني والإهمال بحيث لم يفهم شيئاً من هذه الأجوبة والأُطروحات ولم يلتفت إليها.
فيكون مجرّد عرض السؤال مصداقاً لقول الشاعر:
إذا كنت لا تدري فتلك مُصيبةٌ
أو كنت تدري فالمصيبة أعظمُ(1)
ــــــــــــ[36] ــــــــــــ
(1)من قصيدة لصفيِّ الدين الحلي يقول في مطلعها:
شمس النهار بحسن وجهك تَقِسمُ
إنّ الملاحة من جمالك تُقسَمُ
[راجع ديوان صفي الدين: 822].
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وهذه نتيجةٌ صحيحةٌ ولطيفةٌ ضدَّ كلّ المتعصبين ضدَّ الدين من كفّار وملحدين وفسّاقٍ ومعاندين.
ثالثاً: أنّنا – بهذه الطريقة- لا نكون ممّن فسَّر القرآن برأيه لكي نهلك، وإنّما يكون ذلك لمن بتّ بالأمر وجزم بأحد الوجوه.
وأمّا إذا عرض الأمر في عدّة أُطروحات ومحتملات، فقد أبرأ ذمّته من الجواب وأرشد القارئ إلى الصواب بدون أن يكون قد تورّط في المضاعفات.
هذا، وأعتقد أنَّ الأعمّ الأغلب من أساليب هذا الكتاب هو مما اصطلحنا عليه بالأُطروحة، سواء سمّيناه فعلاً، خلال حديثنا هناك بالأُطروحة أم لا، فإذا قلنا مثلاً: إنَّ في جواب ذلك عدّة وجوهٍ أو محتملات أو مناقشات، ففي الحقيقة يصلح كلّ وجهٍ منها أن يكون أُطروحة كافية في بيان الجواب.
– 5 –
بقي لدينا الآن ضرورة تعريف الأُطروحة، وأنَّها ليست مجرّد احتمال مهما كان حاله، ولكنّها ذات أهمّيّةٍ معيّنةٍ، وقد سبق في عددٍ من أبحاثي أن عرّفتها بتعريفين منفصلين، كلاهما صادق، إلّاَ أنَّ الثاني أدقّ من الأوّل:
فقد عرّفتها أوّلاً: بأنَّها فكرة محتملة، تعرض – عادةً- فيما يتعذّر البتّ فيه من المطالب، ويحاول صاحبها أن يجمع حولها أكبر مقدارٍ ممكن من القرائن والدلائل على صحّتها؛ لكي يرجّح بالتدريج على أنَّها الجواب الصحيح.
وعلى هذا، لا يتعيّن أن تقع الأُطروحة في مجال الجواب على سؤال، بل يمكن أن يبيّن بها الفرد أيَّ شيءٍ يخطر في البال.
ولكن لا ينبغي أن ندّعي أنَّ كلّ المحتملات – بالتالي- تصلح أن تكون ــــــــــــ[37] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أُطروحة بهذا المعنى، بل ما يصلح لها هو ما يمكن للفرد تكثير القرائن على صحّته وتجميع الدلائل على رجحانه، وإلّاَ لم يكن أُطروحة، بل احتمالاً، ومن الواضح جدّاً أنَّه ليس كلّ المحتملات على هذا المستوى.
وهذا هو معنى الأُطروحة الذي سرتُ عليه في كتاب >موسوعة الإمام المهدي×<، في ما كان يعنّ من المصاعب التاريخيّة والعقائديّة والحديثيّة، وغيرها.
إلّاَ أنّنَي عرّفتها ثانياً: بأنَّها الاحتمال المسقط للاستدلال المضادّ؛ من باب القاعدة القائلة: (إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال).
من حيث إنَّ الاستدلال لابدَّ وأن يكون قائماً على الجزم ومنتجاً لليقين بالنتيجة، إذن فأيةُ فكرةٍ طعنت في ذلك واستطاعت إزالة اليقين به كانت كافيةٌ في الجواب على السؤال وإسقاط الاستدلال.
فمثلاً: فيما يخصّ كتابنا هذا، فإنَّ كلّ سؤال سيكون بمنزلة الاستدلال ضدّ القرآن الكريم، من حيث فتح فجوة في مضمونه أو الاعتراض على أسلوبه، وحاشاه، ومن ثم تكون الأُطروحات كافيةً لإسقاط ذلك الاستدلال وإماتة ذلك التفكير.
وهذا هو المهمّ بغضِّ النظر عن البتِّ بأيِّ وجهٍ من تلك الوجوه، والأخذ بأيٍّ من الأُطروحات، إلّاَ ما قد يحصل من ذلك صدفة، ممّا يواجهنا فيه ظهور معتبر ونحوه. وأيٌّ من تلك الأُطروحات تمّت فقد تمّ الجواب وانتفى الاستدلال المضادّ.
هذا ولا ينبغي لنا هنا أن نقارن بين هذين التعريفين؛ فإنَّه تطويلٌ بلا طائل، بل نوكله إلى فطنة القارئ اللبيب.
ــــــــــــ[38] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وإنّما نقتصر هنا إلى الإشارة إلى إمكان الجمع بين هذين التعريفين؛ من حيث إنَّ الاحتمال مهما كانت صفته وقيمته يكون مسقطاً للاستدلال لا محالة، مادام مرتبطاً بموضوع السؤال، كما هو منطوق التعريف الثاني، إلّاَ أنَّ هذا لا يعني تحوّل معنى الأُطروحة إلى مجرّد الاحتمال، بل تبقى الأُطروحة هو ذلك الاحتمال المحترم الذي يمكن أن نجمع حوله أقصى مقدار متيسّر من الدلائل والإثباتات، وبذلك يكون أشدُّ إسقاطاً للاستدلال بطبيعة الحال، وهذا ما توخّيناه فعلاً في المباحث الآتية.
– 6 –
هذا، وقد عبّر بعض فضلاء طلابي عنّي بأنّي قد أخذت خلال هذه المباحث بأُسلوب (اللاتفريط) في القرآن الكريم، وهذا واضح من بعض المباحث الآتية.
ولعلَّ أوّل تطبيق لهذا الأسلوب، هو ما ذكرته في كتابي >ما وراء الفقه<، في الفصل الخاصّ بالقرآن الكريم من كتاب الصلاة(1)، حيث ذكرت في محصله: أنَّ القرآن يمكن أن يكون محتوياً على اللحن بالقواعد العربيّة ومخالفتها وعصيانها، كما هو المنساق من بعض آياته، وذلك لأنَّ مقتضى قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ}(2) هو احتواء القرآن الكريم على كلّ علوم الكون ظاهراً وباطناً.
ــــــــــــ[39] ــــــــــــ
(1) موسوعة الإمام الشهيد، المجلّد: 11، ما وراء الفقه 1: 178، كتاب الصلاة، حول قراءة القرآن الكريم.
(2) سورة الأنعام، الآية: 38.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ومن المعلوم أنَّ هذا الكون الذي نعرفه يحتوي على النقص كما يحتوي على الكمال، وفيه الخير والشرّ، وفيه القليل والكثير.
إذن فيمكن التمسّك بإطلاق تلك الآية الكريمة لاحتواء القرآن على كلّ ما في الكون، بما فيه ما نحسبه من النقائص والحدود.
ولا ضير في ذلك ما دامت هذه الصفة تُعَدُّ كمالاً له، من حيث الاستيعاب والشمول واللاتفريط.
فكما يحتوي القرآن الكريم على الفصاحة والبلاغة – وهذه هي الصفة الأساسيّة فيه- فقد يحتوي أيضاً بل من الضروري أن يحتوي على ضدّها؛ لأنَّه {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}(1).
وكما يحتوي على اللغة العربيّة – وهي سمته العامّة- ينبغي أن يحتوي على لغاتٍ أُخرى، كما يحتوي على الظاهر العرفي، ينبغي أن يحتوي على الباطن الدّقّي، وهكذا.
وبهذا يتبرهن أُسلوب اللاتفريط المأخوذ لفظه من الآية المشار إليها. وهو بابٌ واسعٌ يمكن على أساسه صياغة كثير من الأُطروحات لكثير من المشاكل التي قد تثار في عددٍ من المواضع أو المواضيع، وينسدّ الاعتراض عليها بأنَّ فيها اعترافاً بنقص القرآن العظيم.
– 7 –
هذا، وسيجد القارئ بعض ما يمكن أن نسميّه بالأُطروحات الشاذّة أو الآراء النادرة، مع محاولة التأكيد عليها والتركيز فيها.
ــــــــــــ[40] ــــــــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 38.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فقد يحصل الاستغراب من ذلك، وخاصّة بعد أن التفتنا إلى أنَّ أمثال هذه الأسئلة والبيانات تحتاج إلى أُطروحاتٍ واضحةٍ وأجوبة مقنعةٍ.
والواقع أنَّ هذه الأُطروحات الشاذّة لم أطرحها وحدها كجوابٍ كافٍ، بل طرحت معها دائماً أُطروحات كافية في الجواب، بحيث لا تبقى في الذهن شبهة أو إشكال، ولكن مع ذلك قلت: إنَّ هذه الأُطروحة الشاذّة أو تلك هي كافية أيضاً للجواب لمن يقتنع بها أو يستند إليها.
والفائدة الرئيسية التي توخّيناها من وراء عرض مثل هذه الأُطروحات هي فتح عين القارئ اللبيب وإلفاته إلى إمكان تجاوز الفكر التقليدي أو المتعارف في كثير من أبواب المعرفة، لا في جميعها بطبيعة الحال، بل في تلك النظريّات المشهورة التي تعصّب لها الناس وأخذ بها المفكّرون بدون أن تكون ذات دليل متين أو ركن ركين، وأنَّ كثيراً من العلوم المتداولة تحتوي على شيء من ذلك، وخاصّة في مجال القواعد العربية، كالنحو والصرف وعلوم البلاغة.
فإنَّ أمثال هذه العلوم مشحونةٌ بالنظريّات التي احترمها أصحابها وأخذوها وكأنَّها مسلَّمة الصحّة، وبنوا عليها نتائج عديدة، في حين يبدو للمتأمّل زيفها وبطلانها مع شيءٍ من التدقيق، ويكفي في أُطروحاتنا هذه أن تكون صالحةً لإسقاط الاستدلال بأمثال تلك النظريّات والأفكار.
وعلى أيِّ حال، فهذه الأُطروحات بصفتها مخالفةً للمشهور العظيم من المفكّرين ستكون شاذّة ومثيرة للاستغراب. وأما إذا لوحظت بدقة وموضوعيّة فستكون كسائر الأُطروحات الصالحة للجواب عن السؤال التي هي بصدده.
ــــــــــــ[41] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
– 8 –
وممّا ينبغي أن نلتفت هنا إليه أيضاً: أنَّ الاتّجاه الواضح لكلّ المؤلّفين تقريباً هو أن يعطي المؤلّف للقارئ كلّ ما يعرف، ويحاول أن يسجّل في كتابه كلّ شاردةٍ وواردةٍ ممّا يرتبط بموضوعه.
الأمر الذي ينتج أكيداً أنَّنا نستطيع أن نقيّم المؤلّف من خلال الاطّلاع على كتابه، لا أنّنا نقيّم الكتاب بغضّ النظر عن مؤلّفه؛ لأنَّ المفروض أنَّ المؤلّف ذكر كلّ ما يعرفه فيه، فلو كان يعرف أُموراً أُخرى لذكرها، وحيث إنَّه لم يذكرها إذن فهو لم يعرفها، ومن هنا تظهر الحدود الرئيسة لثقافة المؤلّف لا محالة.
ولعلَّ هذا – إلى حدٍّ ما- هو الاتّجاه الذي كتبت به >موسوعة الإمام المهدي×<؛ تأثّراً بالاتّجاه الواضح للمؤلّفين كما أشرنا، ولأنَّ الحقائق المبيّنة كلَّما كانت أكثر وكلّما كان الاطّلاع عليها أوسع لدى الآخرين، كان ذلك أكثر فائدة وأوسع همّة، وبالتالي فهو أرجح في الدين وأرضى لربّ العالمين.
إلّاَ أنَّ هذا الأسلوب ممّا تمَّ رفضه من قبلي أكيداً بعد ذلك؛ انطلاقاً من الحكمة القائلة: إنَّ الحكمة ينبغي لها أن تخفى عن غير أهلها(1)، فإذا أصبح الكتاب مطروحاً في السوق وبيد تناول الجميع، كانت النتيجة على خلاف ذلك بكل تأكيدٍ. وقديماً قيل: إنَّ الكذب حرام، ولكن الصدق ليس بواجب، وقيل: إن كان الكلام من فضّةٍ فالسكوت من ذهبٍ(2).
ــــــــــــ[42] ــــــــــــ
(1) أُنظر: رسائل إخوان الصفا وخلّان الوفاء 2: 344، مجموعة رسائل الإمام الغزالي:269، مشكاة الأنوار، وغيرهما.
(2) حسبما روي عن مولانا الصادق× قال: >قال لقمان لابنه: يا بُني، إن كنت زعمت أنَّ الكلام من فضّةٍ، فإنّ السكوت من ذهبٍ< كما أورده في الكافي 2: 114، باب الصمت وحفظ اللسان، وغيره.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وعلى أيِّ حال، فلا يجوز للفرد أن يقول كلّ ما يمكن أن يُقال، بل من الضروري أن يقتصر على ما ينبغي أن يُقال.
فإذا عطفنا ذلك إلى المشاكل والأُطروحات التي سبق أن استقرأناها، عرفنا كيف كان تأليف هذا الكتاب صعباً ومعقّداً على المؤلّف، بحيث يكون المؤلّف فيه بين حدّي السكين أو بين طابقي الرحى، أو بين المطرقة والسندان، كما يعبِّرون.
وهذا المأزق ممّا لا مناص منه، كما لا خلاص منه إلّاَ برحمةٍ من الله ولطف؛ إذ من الواضح إنَّ عمق الكلام قد يستلزم وصول الحكمة إلى غير أهلها، وإنَّ قلّة الكلام قد يستلزم ضمور الدليل وضحالة الفكرة، الأمر الذي يقتضي بقاء الشبهة وعدم حصول الجواب الوافي عن السؤال، وبالتالي عدم الدفاع الحقيقي والكامل عن القرآن الكريم، وكلا هذين الأمرين المتنافيين ظلم حرام.
فأبتهل إلى الله بحقِّ أوليائه الطاهرين أن يغفر لي ما قد يكون بدر منّي في هذا الكتاب من أحد هذين الشكلين من الظلم أو من أشكال أُخرى من الشطح في الكلام وكونه على غير المرام، وخاصّةً أنَّ المورد هو الدفاع عن الكتاب الكريم وعقيدة ديننا الحنيف. إنَّ الله وليُّ كلّ توفيق، وهو أرحم الراحمين.
فإذا علمنا أنَّ هذا الكتاب قد تمّ تسطيره على هذا المسلك، كما أنَّ الدرس والمحاضرات التي استخلص منها هذا الكتاب قد اتّبعت فيها ذات الأسلوب، ومع ذلك فقد حذفت بعض الأُمور التي قلتها في الدرس ولم أُسجّلها في هذا الكتاب زيادة في الحذر وتركيزاً في الاحتياط.
وأمري وأمر القارئ بعدئذٍ إلى الله تعالى، بل دائماً إلى الله تعود الأُمور.
ــــــــــــ[43] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
– 9 –
هذا، ولا ينبغي أن يلحق هذا الكتاب بكتب التفسير العامّة؛ فإنَّه ليس كذلك إطلاقاً، وقد تجنّبت فيه عن عمد كلّ ما يرتبط بالتفسير المحض
– لو صحَّ التعبير- إلّاَ ما نحتاج إليه أحياناً على سبيل الصدفة، وعلى القارئ الكريم أن يرجع في التفسير إلى مصادره وما أكثرها؛ إذ لعلَّ تفاسير القرآن في كلّ فرق الإسلام تزيد على المئة بمقدار معتدٍّ به، ولا حاجة إلى تكرار ما قالوه منها.
وإنَّما يُلحق هذا الكتاب بحقل الكتب التي اختصّت بمشاكل القرآن
– لو صحَّ التعبير- ومنها المصادر التي اعتمدتها في البحث: ككتب العكبري والرازي والقاضي عبد الجبّار والشريف الرضي وغيرهم.
ويفترض أن يكون المنهج هنا هو التعرض إلى أيَّ سؤالٍ أو مشكلةٍ قد تخطر في الذهن، بغضِّ النظر عن نوعيّتها، بخلاف المصادر الأُخرى التي حاولت الاختصاص ببعض الحقول، كالجانب اللغوي أو الجانب العقلي أو غيرهما.
ومن هنا نجد في هذا الكتاب حديثاً من كلّ نوع: من الفقه والأُصول وعلم الكلام والنحو والصرف وعلوم البلاغة وشيءٍ من التفسير، مضافاً إلى بعض العلوم الطبيعيّة، كالفيزياء والفلك والتاريخ وغيرها.
– 10 –
وسيجد القارئ الكريم أنّني بدأت من المصحف بنهايته، وجعلت التعرّض إلى سور القرآن بالعكس؛ فإنَّ هذا ممّا التزمته في كتابي هذا نتيجةً لعاملين: نفسي وعقلي.
أمّا العامل النفسي فهو تقديم الطرافة في الأسلوب وترك التقليد للأُمور ــــــــــــ[44] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
التقليديّة المشهورة، في ما يمكن ترك التقليد فيه.
وأمّا العامل العقلي فلأنَّ التفاسير العامّة كلُّها تبدأ من أوّل القرآن الكريم طبعاً، فتكون أكثر مطالبها وأفكارها قد سردته فعلاً في حوالي النصف الأوّل من القرآن الكريم، وأمَّا في النصف الثاني فلا يوجد غالباً إلّاَ التحويل على ما سبق أن ذكره المؤلّف.
الأمر الذي ينتج أن يقع الكلام في النصف الثاني من القرآن مختصراً ومُقتضباً، ممّا يعطي انطباعاً لطبقة من الناس أنَّه أقلُّ أهمّيّة أو أنَّه أقلُّ في المضمون والمعنى، ونحو ذلك.
في حين أنّنا لو عكسنا الأمر، فبدأنا من الأخير، لاستطعنا إشباع البحث في السور القصيرة، وتفصيل ما اختصره الآخرون، ورفع الاشتباه المشار إليه؛ فإن لم نكن بمنهجنا هذا قد استنتجنا أكثر من هذه الفائدة لكفى.
إلّاَ أنَّ هذا لا يعني – بطبيعة الحال- بدء السور من نهاياتها، بل إنَّ السير القهقري هذا، إنَّما هو باعتبار السور لا باعتبار الآيات، فنبدأ في كلّ سورةٍ من أولّها، وننتهي إلى آخرها، ثُمَّ نبدأ بالسورة التي قبلها وهكذا.
وهذا لا يعني الخدشة بترتيب المصحف المتداول، وخاصّةً بعد أن نلتفت إلى ما سيأتي من أُطروحات أسماء السور، حيث سنعطي لكلِّ سورةٍ رقمها في المصحف، وسيكون له وجاهته واحترامه، ولعلّه سيكون أفضل تلك الأُطروحات.
غير أنَّني أعتقد أنَّنا لو أردنا النظر إلى ترتيب النزول بدقّة، لم نحصل على طائل؛ لأنَّ أخباره كلّها ضعيفة، وليس فيها من المعتبر إلّاَ النادر جدّاً. إذن فترتيب القرآن الكريم بطريقة النزول، ممَّا لا يمكن إيجاده الآن بحجّةٍ شرعيةٍ تامّةٍ.
ــــــــــــ[45] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إلّاَ أنَّ هذا ممَّا لا ينبغي أن يهمّنا كثيراً، مع اشتهار المصحف المتعارف، وإقراره جيلاً بعد جيلٍ من قبل علماء المسلمين، وانتهاءً بالجيل المعاصر للأئمّة المعصومين^.
– 11 –
هذا، ولا ينبغي إهمال أسماء السور في هذه المقدّمة عن شيء من الحديث، من حيث إنَّنا لا نعلم من الذي استعملها ووضعها لأوّل مرّة، كما نعلم أنَّها مختلفة من حيث الأهمّيّة والصحّة.
فإنَّ بعضه وإن كان جيداً في المعنى: كسورة الحمد والتوحيد، إلّاَ أنَّ بعضه ليس كذلك: كذكر الحيوانات: البقرة والفيل، أو ذكر الكافرين والمنافقين، أو باسم غير موجودٍ لفظه في السورة، كالأنبياء والممتحنة وغير ذلك، إلّاَ أنَّه لا سبيل اليوم إلى إحداث بعض التغيير.
ومن هنا أمكننا أن نعرض لأسماء السور عدّة أُطروحات لا تحتوي على ذلك التغيير الكثير:
الأُطروحة الأُولى: الاسم المشهور أو المتعارف في المصاحف المتداولة.
الأُطروحة الثانية: أنَّه قد يوجد – أحياناً- اسم آخر غير مشهور أو أكثر من اسم، قد أطلقته عليه بعض المصادر، فنسجّله في هذه الأُطروحة.
الأُطروحة الثالثة: أن نسير على غرار أُسلوب السيّد الشريف الرضي+ في تسمية السور في كتابه: >مجازات القرآن<، حيث كان يقول: السورة التي ذُكر فيها البقرة والسورة التي ذُكر فيها النساء(1).
ــــــــــــ[46] ــــــــــــ
(1) راجع: تلخيص البيان في مجازات القرآن: 113، ونحوه كتابه حقائق التأويل في متشابه التنزيل 5: 106.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وبالرغم من أنَّ كتابه كلَّه لم يصل إلينا، وإنَّما وصلنا جزء بسيط منه، قد لا يتعدّى السور الأربعة الأُولى من القرآن الكريم، ومن ثُمَّ لا نعلم ما الذي فعله في جميع السور، إلّاَ أنَّه على أيِّ حال، فتح لنا باباً واسعاً من هذه الجهة، وأسّس لنا قاعدة يمكن العمل عليها في أغلب السور.
الأُطروحة الرابعة: أن نسمّي السورة باللفظ الوارد في أوّلها كما يسير عليه العرف الاجتماعي في بعض السور، كـ{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، و{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ}، و{إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ}، وغيرها.
الأُطروحة الخامسة: أن نترك تسمية السور، ونستعيض عنه برقمها من المصحف، كما يقترح البعض، من حيث إنَّه متكّون من (114 سورة)، فلكلِّ سورة رقمٌ معيّن، يصلح أن يكون عنواناً لها، وهو نحو من الفكر التجريدي الرياضي تجاه القرآن الكريم؛ من حيث الميل إلى ترقيم آياته وأجزائه وأحزابه وسوره وكلماته وحروفه وغير ذلك.
وعلى أيِّ حال، فبهذا النحو لا تتساوى السور في الأُطروحات، بل قد تزيد فيها وقد تنقص، حسب ما هو متوفّر في كلّ منها.
فمثلا، قد يكون ما ذكرناه في الأُطروحة الثانية متعدّداً، بحيث يصلح أن يكون عدّة أُطروحات: اثنان أو أكثر، كما قد تكون أُطروحة الشريف الرضي متعذّرة، فمثلا لا يمكن القول: السورة التي ذكر فيها الممتحنة؛ لأنَّ هذا اللفظ غير موجود في السورة.
وكذلك قد يصعب تسمية السورة بألفاظها الأُولى؛ باعتبار اشتراك أكثر من سورةٍ بنفس الألفاظ: كسورتي الملك والفرقان، وسورتي الكهف والأنعام، وسورتي الجمعة والتغابن.
ــــــــــــ[47] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وعلى أيِّ حال، فقد أعطيت عناية خاصّة في أوّل كلّ سورةٍ، للفحص عن التسمية بمثل هذه الأُطروحات، وهذا ممّا أغفله الكثير، بل الجميع.
-12-
وممّا ينبغي الإلماع إليه أنّني بطبعي لا أميل إلى الأخذ بروايات موارد النزول وأسبابه؛ فإنَّها جميعاً ضعيفة السند وغير مؤكَّدة الصحّة، بالرغم من اهتمام بعض المؤلّفين بها، كالسيوطي وغيره.
وإنّما المهمّ في نظري -كما ينبغي أن يكون هو المهمّ في نظر الجميع-: أنَّ كلّ آيةٍ من آيات الكتاب الكريم تُعدُّ قاعدةً عامّةً ومنهج حياة وأسلوب سلوك قابل للانطباق على جميع المستويات وعلى جميع المجتمعات، بل على جميع الأجيال، بل كلّ الخلق أجمعين؛ فإنَّ القرآن هو خلاصة القوانين و المعارف المطبَّقة فعلاً في الكون و الموجودة في أذهان الأولياء والراسخين في العلم.
وهذا واضح من جميع القرآن، فظهور القرآن حجّة، غير أنَّنا نستطيع بهذا الصدد الاستدلال بالأخبار الدالّة على أنَّ القرآن يجري في الناس مجرى الشمس والقمر، وأنَّه لو نزل بقوم ومات أولئك القوم لمات القرآن، ولكنَّه حيٌّ لا يموت؛ لأنَّه نازل من الحيّ الذي لا يموت(1).
ومرادي: أنَّ أسباب النزول ونحوها لن تصلح في كتابنا هذا إلّاَ ــــــــــــ[48] ــــــــــــ
(1)أُنظر: تفسير العيّاشي 2: 203، سورة الرعد، الحديث: 6، ونحوه: المحاسن 1: 289، باب الشرائع، الحديث: 433، وقريب منه: الغيبة للنعماني: 134، باب 7، ما روي فيمن شكّ في واحدٍ من الأئمّة، الحديث 17. وأُنظر كذلك: بحار الأنوار 35: 404، 23: 79.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
كأُطروحة من عدّة أُطروحات، يمكن أن تشكّل جواباً على السؤال الرئيسي في أيِّ مورد، وأمّا أن تكون هي الجواب الرئيسي أو أن تكون سبباً لاختلاف ظهور القرآن فلا، ما لم تقم عليها بنفسها حجّة شرعيّة كافية.
– 13 –
لا شكّ أنَّنا في المصحف نقرأ القراءة المشهورة للقرآن الكريم، وهي قراءة حفص عن عاصم، ومن الواضح عند المسلمين أنَّها ليست القراءة الوحيدة، أو التي يمكننا أن نعدّها هي الوحي المنزل نفسه، بل القراءات أكثر من ذلك بكثير، وقد أجاز مشهور علماءنا القراءة على طبق القراءات السبع بل العشر، بل كلّ قراءة مشهورة في زمن الأئمّة المعصومين^.
إلّاَ أنَّ نقطة الضعف المهمّة في هذا الصدد هو إنّنا لا نستطيع أن نقيم دليلاً معتبراً على انتساب القراءة إلى صاحبها في الأغلب، فضلاً عن انتسابها إلى رسول الله’.
غير أنَّ تعدّد القراءات قد تشكّل نقطة قوّة في بحثنا هذا؛ من حيث إنَّ جملةً منها تستلزم تغيُّر المعنى، الأمر الذي ينتج اختلاف السياق القرآني، أو حلُّ مشكلة فعليّة ناتجة عن قراءة أُخرى أو عن القراءة المشهورة، وهكذا.
غير أنَّ هذه الحلول إنّما تصلح كواحدة من أُطروحات عديدة، ومن الصعب أن تكون هي الأُطروحة الأهمّ على أيِّ حال؛ باعتبار ضعف إسناد أكثرها، كما أشرنا.
مضافاً إلى نقطة أُخرى يقلُّ الالتفات إليها عادةً، وهي أنَّ مَن استقرأ القراءات وطالع وجوهها واختلافاتها، سيجد بوضوح أنَّ الأعمَّ والأغلب من القرّاء كانوا يقرأون القرآن بآرائهم، حسب ما يخطر لهم من التطبيقات
ــــــــــــ[49] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
اللغويّة والنحويّة والصرفيّة والبلاغيّة ونحوها، وليست غالبها برواية مسندة عن النبي’، وخاصّة القراءات القليلة والشاذّة إلى حدّ يمكن التعرّف على مستوى القارئ من قراءته، وفيها ما يدلُّ على جهل القارئ وتدّني ثقافته، كما أن فيها ما يدلّ على علمه وتبحّره.
وحسب فهمي: أنَّ ذلك الشخص الذي اختار قراءة حفص عن عاصم وجعلها مشهورة – وهو شخص مجهول على أيِّ حال- لم يقصّر في أمره، بل كان دقيق النظر باعتبار أنَّ هذه القراءة بالرغم ممّا فيها من بعض النقاط، تعدُّ فعلاً أفضل القراءات وأفصحها، لو نظرناها بمنظارٍ عامٍ.
ومن هنا قلنا في عدّة موارد في الفقه: إنَّ الأحوط فعلاً اختيار هذه القراءة في الصلاة.
أوّلاً: لفصاحتها.
ثانياً: لوجود دليلٍ معتبرٍ على انتسابها لصاحبها، وهو الاستفاضة المتحقّقة جيلاً بعد جيل.
ثالثاً: لوجود الدليل المعتبر على إمضائها من قبل المعصومين^؛ باعتبار حجّيّة الدليل القائم على وجودها في عصرهم (سلام الله عليهم).
ولكنَّنا – مع ذلك – يمكننا الاستفادة من سائر القراءات كأُطروحات محتملة: لدفع مشكلة أو لتغيِّر سياق أو لإيضاح معنى.
– 14 –
وهنا يحسن بنا أن نلتفت إلى كلمةٍ – ولو مختصرةً- عن أغراض السور وأهدافها؛ فإنَّه قد يثار السؤال عمّا إذا كان لكلِّ سورة على الإطلاق غرضٌ معيّنٌ، أو أنَّ لبعضها ذلك، أو لا يوجد لأيِّ منها أيُّ غرض، وإنَّما هي ــــــــــــ[50] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مجموعة أحاديث عن مجموعة معاني لا تربطها رابطة معيّنة.
إذ لا شكّ أنَّ هناك غرضاً عامّاً لنزول القرآن الكريم ككل، وقد نطق به القرآن في عددٍ من آياته كقوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ}(1) وقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}(2). وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً}(3).
وإنّما الكلام هنا عمّا إذا كان لكلِّ سورةٍ غرضها الخاصّ بها، كجزء من الغرض العامّ للقرآن، أو كتطبيق من تطبيقاته، كما هي جزءٌ منه، أم لا؟
وهذا الغرض واضحُ في بعض السور بلا شكٍّ، كما في سورة الحمد والتوحيد والكافرون والواقعة وغيرها، إلّاَ أنَّه تبقى كثيرٌ من السور الطوال وغيرها ممّا لا نفهم منها غرضاً محدّداً.
فإن قلتَ: إنَّ قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}(4) يدلُّ على وجود أغراض للسور إذ بدونها يكون التفريط متحقّقاً.
قلتُ: جوابه من جهتين:
أوّلاً: أنَّ ذلك يكفي فيه وجود الهدف لبعض السور دون جميعها.
ثانياً: أنَّ الهدف من السورة قد يكون مختّصاً بأهله، وغير مفهوم فهماً عرفيّاً عامّاً، الأمر الذي يغلق أمامنا طريقة استنتاجه.
فإن قلتَ: ألا يمكن أن تكون هداية الناس هي الهدف من كلّ سورةٍ؟
ــــــــــــ[51] ــــــــــــ
(1) سورة الشعراء، الآية: 193.
(2) سورة الفرقان، الآية: 1.
(3) سورة النحل، الآية: 89.
(4) سورة الأنعام، الآية: 38.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قلنا: نعم، فإنَّ هذا هو هدف القرآن ككلٍّ، وإنَّما السؤال عمّا إذا كانت هناك أهداف تفصيليّة لكلِّ سورة، زائداً عن ذلك.
وعلى أيِّ حال، فلا يوجد دليلٌ عقلي أو نقلي على وجود مثل هذه الأهداف لكلِّ واحدة من السور، بل إنَّ بعض الآيات تعرّضت إلى معاني متباينة وأهداف متعدّدة، كقوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ}(1)، فإذا كان ذلك في الآية الواحدة، فوجوده في السورة أُولى.
والمهمّ في كتابنا هذا هو محاولة تصيّد ذلك مهما أمكن، فإن كان للسورة هدف معروف فعلاً ذكرناه، وإلّاَ أمكن التعرّض له كأُطروحة، أو حصر عدّة أهداف لسورة واحدة، كلّ ما في الأمر أنَّها أهداف محدّدة، وليست مجملةً، وهكذا.
ولعلَّ التدقيق في التعرّف على معاني القرآن الكريم وتفاصيله يفتح لنا طريق الاهتداء فيما لم يكن معروفاً من أهداف بعض السور بتوفيقه سبحانه.
– 15 –
وإذا سرنا في طريق فهم بحثنا هذا، أمكننا التعرّض إلى عدّة أُمور:
منها: أنَّ فائدة الكلام إنّما هو إيصال المعنى إلى السامع بأيِّ قالب كان وبأيِّ لفظ كان، فاختيار الألفاظ وصياغتها ستكون بطبيعة الحال اختياريّة للمتكلّم، فله أن يختار من الألفاظ ما يشاء من دون أن ينطبق قانون الترجيح بلا مرجّحٍ؛ لأنَّ هذا القانون منطبقٌ على العلّة القهريّة لا على العلّة الاختياريّة، ومع وجود الاختيار فالترجيح بلا مرجّحٍ ممكن؛ لأنَّ الاختيار والإرادة هو الذي يكون مرجّحاً، كما ثبت في علم الكلام.
ــــــــــــ[52] ــــــــــــ
(1) سورة المائدة، الآية: 1.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ومعه فلا يمكن السؤال بأنَّ الله تعالى لماذا قال كذا ولم يقل كذا؟ لأنَّه سبحانه إنَّما يريد أن يوصل المعاني إلينا لا أكثر، واختياره لهذه الألفاظ يوافق الحكمة والفصاحة والمصلحة التي هي في علمه.
وبذلك يندفع كثيرٌ من الأسئلة التي يمكن إثارتها عن التعبير القرآني؛ لأنَّ جوابها: أنَّ الله تعالى أراد هذا التعبير اختياراً، وليس لنا أن نناقش فيه. فمثلاً – لمجرّد الإيضاح-: ليس لنا أن نسأل: أنَّه تعالى لماذا جعل آيات سورة البقرة طوالاً وآيات سورة ق قصاراً؟ أو أنَّه لماذا جعل النسق في السورة الفلانيّة بالنون والأُخرى بالقاف والأُخرى بالميم؟ وهكذا، فإنَّها كلُّها أُمور اختياريّة غير قابلة للمناقشة.
ومنها: أنَّ قصور اللغة يمكن أن يكون هو المسؤول عن كثير من الظواهر الكلاميّة، في حين أنَّ التوسّع في اللغة هو الحاجة الضروريّة لكثير من الأُمور، كالقوافي الشعريّة والسجع ولزوم ما لا يلزم، كما في لزوميّات المعرّي ومقامات الحريري وغيرها، فإذا لم يوجد في صدد معيّن إلّاَ ثلاث كلمات أو أربع اضطرَّ المتكلّم إلى حصر حديثه في نطاق ضيّق أو إلى تكرار العبارات نفسها لإتمام مقصوده، وهذا هو الذي اعنيه من قصور اللغة. وهو بابٌ واسع قد لا يقتصر على هذا المجال.
ولعلَّ هذا هو الذي يفسّر لنا عدداً من ظهور النسق القرآني، أعني: نهايات الآيات أو الروي وهو ما قبل النهاية، كتكرار لفظ الناس في سورة الناس، والتكرار في سورة (ق) و (ص) وغيرهما، ومن ذلك تغيّر النسق في سورة مريم بمقدار ستّ آيات ونحو ذلك.
فإن قلتَ: ولكنَّ الله تعالى قادرٌ على كلّ شيء، فهو قادرٌ على أن يوجد ــــــــــــ[53] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
كلمات كثيرة غير مكرّرة لحفظ النسق.
قلتُ: هذا وهمٌ؛ فإنَّ القدرة وإن كانت تامّة ولا نهائيّة في ذات الله سبحانه، لكنَّها تتعلّق بالممكن والمقدور، أمّا المستحيلات فلا تتعلّق بها القدرة -كما هو المبرهن عليه في محلّه من علم الكلام- لقصور الموضوع لا لقصور الفاعل.
ومن جملة قصور الموضوع قصور اللغة؛ فإنَّها ليس فيها من الكلمات ما يكفي لأجل سدِّ الحاجة، ولا يمكن اختيار الكلمات إلّاَ بالمقدار المناسب مع المجتمع وما يفهمه الناس، ولا يمكن أن نتكلّم بكلام غير مفهوم باعتبار إتمام السجع أو النسق أو الروي بطبيعة الحال.
– 16 –
إنَّنا لو تأمّلنا مخلوقات الله تعالى في هذا الكون، وجدناها مشحونةً بالذوق الجمالي، سواء من الناحية البصريّة أو السمعيّة أو اللمس أو الناحية العقليّة أو النفسيّة أو غيرها، كشكل الورد وأجنحة الفراش وأصوات العصافير والجمال البشري أو تناسق أوراق النبات وغير ذلك كثير.
ومن موارد وجود الذوق التكويني هو الذوق الفنّي والأدبي في القرآن الكريم، ولا ينبغي أن نقترح على الله أيَّ شيءٍ بهذا الصدد؛ لأنَّ أيَّ تغيّرٍ فيه سيخلُّ بهذا الذوق وسيخرج السياق القرآني عن هذا الجمال والهيبة والرصانة.
والتناسق بين نهايات الآيات له حصّة من الذوق، فلو كان الكلام منثوراً تماماً لما اتّخذ سياقاً من هذا القبيل، فنهايات الآي لها معنىً خاصّ بها لا يمكن أن نسمّيه سجعاً، وإنّما نسمّيه نَسقاً؛ لأنَّ السجع فيه نقطتان للضعف لا تنطبقان على القرآن الكريم:
ــــــــــــ[54] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أوّلهما: أنَّ سمعته غير جيّدة بين الناس، مثل قولهم: سجعٌ كسجع الكهان، ولا ينبغي أن ننسب إلى القرآن ما نكره.
ثانيهما: أنَّ هناك فرقاً بين السجع والنسق القرآني؛ فإنَّ نهايات الآيات في كثير من الأحيان لا تنتهي بحرفٍ واحدٍ، بل بأكثر من حرفٍ، كما قد يكون المتناسق فيها هو الروي، وهو الحرف الأسبق على الأخير، في حين أنَّ السجع مشروط فيه التماثل في الحرف الأخير ذاتاً وصفة (أي حركة)، كما في القوافي الشعريّة تماماً.
نعم، لا نعدم من بعض السور ما يكون من قبيل السجع، أو أنَّه متّصف بصفته، مصداقاً لقوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}(1) كسورة (الناس) وعامّة الآيات في سورة (محمّد) وسورة (ق). إلّاَ أنّنا مع ذلك يمكننا أن نسمّيه تناسقاً أو نسقاً، لا أن نسمّيه سجعاً؛ لأنَّ كلّ سجعٍ فهو نسقٌ، وليس كلّ نسقٍ فهو سجع، فقد يكون في مثل هذه السور سجعٌ ونسقٌ في عين الوقت.
– 17 –
بقيت لنا كلمة في التعريف بالسياق ووحدة السياق؛ فإنَّه بابٌ مهمٌّ من أبواب فهم اللغة عموماً، والقرآن الكريم خصوصاً، وقد استخدمناه في كثير من أبحاثنا هذه، فينبغي أن نحمل فكرةً كافيّةً عن حقيقته وعن نتائجه.
فإنَّ السياق على قسمين: سياق المعنى وسياق اللفظ:
أمّا السياق المعنوي: فهو يمثل الاتّصال والتماثل في مقاصد المتكلّم والمعاني التي يريد بيانها والإعراب عنها، فإذا شككنا في أيِّ مقصود من مقاصده، أمكن جعل المقاصد الأُخرى دليلاً عليه كقرينةٍ متّصلةٍ عرفيّةٍ ــــــــــــ[55] ــــــــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 38.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وصحيحةٍ، وهذه هي قرينة وحدة السياق التي تستعمل عادة في الاستدلال الفقهي والأصولي.
فلو وردتنا في السنّة الشريفة عدّة أوامر في سياقٍ واحدٍ، وكان بعضها أكيد الاستحباب، وبعضها مشكوك الوجوب، قلنا باستحبابه لأجل وحدة سياقه مع المستحبّ.
وأمّا السياق اللفظي: فهو أمر آخر تماماً، وان كان كلّ لفظ له معنى، ومن هنا فكلُّ سياق لفظي له سياق معنوي، إلّاَ أنَّ العمدة هنا اختلاف الجهة الملحوظة في السياق.
ومرادنا من السياق اللفظي تناسقه العرفي في الذوق واللغة، بحيث لو زاد شيئاً أو نقص، لكان ذلك إخلالاً به، ومن ثمّ يكون ذلك قرينةٌ كافيّةٌ على عدم وجوده وعدم قصده من قبل المتكلم.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاس * إِلَهِ النَّاسِ}(1)، بدون وجود الواو بينها، فلو وجد الواو اختلّ السياق اللفظي بكل تأكيدٍ، ولعلَّ أوضح منه اختلال السياق لو وجد الواو في البسملة وهكذا.
بينما نجد أُموراً أُخرى غير مخلّة بالسياق لو تبدلّت، ومن أمثلة ذلك ما لو تبدّل الفاء بالواو في قوله تعالى: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا}(2)؛ فإنَّ الجمال اللفظي يبقى مستمرّاً بحسب ما ندرك من الذوق اللغوي العرفي، وهكذا.
وعلى أيَّ حال، فكلا الشكلين من السياق اللفظي والمعنوي يمكن ــــــــــــ[56] ــــــــــــ
(1) سورة الناس، الآيات: 1-3.
(2) سورة العاديات، الآيات: 1-5.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
استعماله في أبحاثنا هذه، وجعله قرينة على مختلف الأُمور، إلّاَ أنَّ السياق اللفظي فيها أهمّ وألزم، كما كان السياق المعنوي في تلك العلوم – أعني: الفقه والأصول- أهمّ وألزم.
– 18-
ولا ينبغي لنا بهذا الصدد أن نهمل الحديث عن المصادر التي يمكن للقارئ الاعتماد عليها لو أراد التدقيق والتوسّع أو الإضافات حول بحثنا هذا.
فإنَّه على العموم نجد التفاسير العامّة للقرآن مفيدةً في هذا الصدد أكيداً، أيّاً كان مذهبها ومهما كان اتّجاهها. وهي فيما أعلم على ثلاثة اتّجاهات:
الاتّجاه الأوّل: التفسير الباطني للقرآن الكريم، وهي صادرة – عادةً أو غالباً- من مشايخ الصوفيّة، كابن عربي وغيره.
الاتّجاه الثاني: التفسير بالحديث، بمعنى تورّع المؤلّف عن إبداء رأيه، والاقتصار بالتفسير على سرد السنّة الشريفة المختصّة بإيضاح هذه الآيات أو تلك، كتفسير >البرهان< للبحراني.
الاتّجاه الثالث: التفسير بالرأي المعتبر أو محاولة الفهم من ظواهر وسياقات القرآن الكريم نفسه، وهي عامّة التفاسير لدى الفريقين. ونعتمد منها على الخصوص تفسير >الميزان< للسيّد محمّد حسين الطباطبائي، وإن كانت كلُّها مفيدةً.
وكذلك يفيد في هذا الصدد كتب إعراب القرآن الكريم، وهي عديدة، يحضرني منها الآن اثنان: >إملاء ما منَّ به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن< لأبي البقاء العكبري، و>الملحة في إعراب القرآن< لمحمّد جعفر الكرباسي.
ــــــــــــ[57] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ومنها: الكتب المختصّة بتعريف القراءات في القرآن، وهي عديدةٌ، يحضرني منها اثنان: >النشر في القراءات العشر< لابن الجوزي، و>المعجم الحديث للقراءات القرآنيّة<.
وكذلك الكتب التي خصَّصت فصولاً منها للبحث في بعض الأُمور القرآنية أو الدفاع ضدَّ إشكالات أُوردت ضدَّ الدين وضدّ القرآن، وهي عديدة، لا تدخل تحت الحصر من كلّ مذاهب الإسلام، يحضرني منها اثنان: كتاب >الأمالي< للسيّد المرتضى و>ما وراء الفقه< للمؤلّف، وخاصةً ما ذكرناه في كتاب الصلاة حول القرآن الكريم.
وكذلك الكتب المخصَّصة لبيان لغة القرآن الكريم نفسه: كـ>مفردات القرآن< للراغب الأصفهاني و>مجمع البحرين في لغة الكتاب والسنّة< للطريحي، مضافاً إلى كتب اللغة العامّة كـ>لسان العرب< لابن منظور، و>القاموس المحيط< و>تاج العروس<، وغيرها كثير.
وكذلك الكتب المخصّصة لما يسمَّى بعلوم القرآن، وهي التي تتحدّث عن وجوه الإعجاز فيه أو عن القرّاء والقراءات أو عن التجويد أو عن الحساب الرياضي للقرآن وغير ذلك، منها: كتاب عبد القاهر الجرجاني، و>الإتقان في علوم القرآن< للسيوطي، والجزء الأوّل من >البيان< للخوئي.
وفي اعتقادي أنَّ هذه العلوم تصلح كمقدّمات لفهم التفسير لا أكثر.
ومنها الكتب المخصّصة للفهم الطبيعي أو العلمي الحديث للقرآن الكريم، وهي عديدة أشهرها تفسير >الجواهر< للشيخ طنطاوي جوهري، و>الآيات الكونيّة في القرآن< لحنفي أحمد، و>الطبيعة في القرآن الكريم< للدكتور كاصد ياسر الزيدي وغيرها.
ــــــــــــ[58] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وكذلك الكتب المختصّة بالتاريخ الديني – لو صحّ التعبير- كالكتب المختصّة بقصص الأنبياء، والمختصّة بالحديث عن الأمم السابقة، أو الحديث عن الجنّة والنار ويوم القيامة، سواء كانت كتباً حديثيّة تقتصر على نقل السنّة الشريفة، أو كتب رأيٍ وتحليلٍ.
وقد يفيدنا في هذا الصدد – أيضا من بعض الجهات- الكتب المختصّة بالتربية الأخلاقيّة للفرد، وهي كتبٌ عديدةٌ من الفريقين، يحضرني منها الآن: >إحياء علوم الدين< للغزالي و>جامع السعادات< للنراقي و>فقه الأخلاق< للمؤلف.
هذا، مضافا إلى الكتب الواردة في حقل اختصاص هذا الكتاب نفسه، ممّا اعتمدناه وممّا لم نعتمده، وهي المخصّصة لدفع الشبهات عن القرآن الكريم، وهي أيضا عديدة، نعتمد منها: كتاب الرازي المطبوع في هامش كتاب العكبري، و>تنزيه القرآن عن المطاعن< للقاضي عبد الجبّار و>تلخيص البيان في مجازات القرآن< للشريف الرضي.
– 19-
هذا، ولا يفوتنا ونحن بصدد الحديث عن المصادر القول بأنَّ الآراء المعروضة فيها تنقسم بحسب فهمي إلى قسمين رئيسين: آراء ثابتة في الرتبة السابقة على القرآن، والآراء المتحقّقة في الرتبة المتأخّرة عنه، وما هو المعتمد في فهم القرآن الكريم هو القسم الأوّل فقط.
والمراد من الآراء الثابتة في الرتبة السابقة هي الآراء التي تتحدّث عن اللغة وعن قواعد العربيّة أو الأنظمة العقائديّة، بغضّ النظر عن آيات القرآن، يعني: الحديث عن تلك الأُمور في أنفسها. ومن ذلك ما ثبت للمفكّر من معاني لغويّة وغيرها عن الحقبة الجاهليّة السابقة على الإسلام مباشرة؛ فإنَّها في ــــــــــــ[59] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الحقيقة تمثل عصر النصّ والمجتمع الذي نزل فيه القرآن، فيكون هو المعتمد في فهمه، كمصدر رئيسي بلا إشكالٍ.
والمراد من الآراء المتحقّقة في المرتبة المتأخّرة عن القرآن كلّ الآراء المعروضة بعد أخذ القرآن بنظر الاعتبار ومحاولة الاستفادة والاستظهار منه؛ فإنَّ مثل هذه الآراء إنما تؤخذ كاجتهادات لأصحابها، وتكون غالباً قابلة للمناقشة، ومتعارضة ومتعدّدة، ويمكن أن يكون لأيَّ مفكِّر رأي بإزائها وفي مقابلها.
ومن أمثلة هذا الخلاف قوله تعالى: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ}(1) في أنَّ هذا المؤمن هل دخل الجنّة حيّاً أم ميّتاً؟ من حيث إنَّ الآية لم تنصّ على موته، إذن فهو لابدَّ من أن يكون حيّاً، ومن حيث إنَّ دخول الجنّة لا يكون إلّاَ بالموت، فهو لابدَّ أن يكون قد مات ودخل الجنّة.
ومحلّ الشاهد أنَّ كلّ ذلك وغير ذلك إنَّما هي استفادات بعد أخذ المدلولات القرآنيّة بنظر الاعتبار، فتكون آراء خاصّة بالمؤلّفين وقابلة للمناقشة وقابلة لإفادات آراء أُخرى بإزائها.
فما هو المعتمد في الحقيقة في فهم القرآن الكريم هو القسم الأوّل من الآراء والاتّجاهات ويكون حجّة في إثباته – عادةً وغالباً- دون القِسم الثاني لا محالة.
– 20 –
وستكون العناوين العامّة في البحث الآتي هي عناوين السور ذاتها، ثمّ نعرض في كلّ سورة أسئلة وأجوبة، نحاول أن تكون مرتَّبة بترتيب آيات السورة، حتّى إذا ما انتهت السورة بدأنا بالسورة التي قبلها، وهكذا أخذاً ــــــــــــ[60] ــــــــــــ
(1) سورة يس، الآية: 26.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بالمنهج القهقري الذي التزمناه.
وهذه الأسئلة: إمّا بعنوان سؤال وجوابه -كما هو الغالب- أو بعنوان الإشكال مع ردّه أو بعنوان: إن قلت قلنا، ونحو ذلك، وكلُّها على أيَّ حال، تعدُّ من الناحية النظريّة طريقة واحدة أو متشابهة في المنهجيّة العامّة.
هذا، وإنّني لا أدّعي الاستيعاب والشمول، وخاصّة بعد القيود التي سبق أن عرفناها، كما لا أدّعي التناهي في العلم، وإنّما الأمر كما قاله سبحانه: {وَفَوْقَ كلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}(1)، وإنَّما هذا الذي تراه بين يديك هو بمقدار الميسور، بحسن مِنّة المنّان سبحانه وتعالى.
هذا، وإنّي أشكر كلّ من وازرني وشجّعني وأعانني على هذا المشروع الطيّب، من فضلاء طلّابي ومن المؤمنين الذين يحسنون بي الظنّ، وجزاهم الله جميعاً خير جزاء المحسنين.
{قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ}( ). أعاننا الله على أنفسنا وعلى جميع مشاكلنا وعلى كلّ وجودنا، إنَّه ولـيُّ التوفيق وهو على كلّ شيءٍ قـدير، وبالإجابة جديرٌ، وهو أرحم الراحمين.
حرّره بتأريخ السادس والعشرين
من شهر رمضان المبارك عامّ 1416هـ
محمّد الصّدر
ــــــــــــ[61] ــــــــــــ
(1) سورة يوسف، الآية: 76.
(2) سورة النمل، الآية: 59.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مبحث البسملة
سؤال: ما معنى الباء في البسملة؟¬
جوابه: يحتمل معناها وجوهاً:
الوجه الأوّل: السببيّة، وهي العلّيّة والتسبيب(1)، ومنه قوله تعالى: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ}(2) أي: بسبب هذا الاتّخاذ، فيكون المعنى في البسملة: أعمل أو أبدأ بسبب اسم الله تعالى وببركته.
الوجه الثاني: الإلصاق(3)، وهو في اللغة على قسمين:
قسمٌ مادّي مباشر من قبيل قولنا: عملت بيدي أو أمسكت بزيد.
وقسمٌ معنوي نحو: مررت بزيدٍ؛ فالمرور لم يلتصق بزيد، ولكنَّهم اعتبروا ذلك مجازاً، فيكون المعنى في البسملة: إنَّ عملي مقترنٌ وملتصقٌ
مجازاً ببسم الله الرحمن الرحيم.
الوجه الثالث: الظرفيّة(4)، ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْر}(5)
ــــــــــــ[63] ــــــــــــ
(1) أُنظر: همع الهوامع 2: 420، باب الباء، وحاشية الصبّان 1 327، وتوضيح المقاصد 2: 756.
(2) سورة البقرة، الآية: 54.
(3) أُنظر: مغني اللبيب: 137، وحاشية الصبّان 1: 228.
(4) المصدر السابق.
(5) سورة آل عمران، الآية: 123.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وقوله تعالى: {نَجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ}(1). أي: في ذلك الزمن.
فيكون المعنى في البسملة أن نتصور أنَّ العمل مظروفٌ، واسم الله ظرفٌ، وأنَّ العمل مظروفٌ – مجازاً- لاسم الله تعالى لكي تزيد بركته.
الوجه الرابع: الاستعلاء(2)، ومنه قوله تعالى: {مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ}(3). أي: على قنطارٍ، وكذلك قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ}(4)، فيكون المعنى في البسملة إفادة التوكّل على الله، بمعنى: أبدأ على اسم الله أو توكّلت على الله، والعامة تقول: توكّلت بالله.
وكلُّ تلك المعاني ممكنة وصحيحة، وقد تكون كلُّها مُرادة، ولا يتعيّن واحدٌ منها، ولا يوجد ظهورٌ في أحدها. كما روي: >إنَّ للقرآن بطناً ولبطنه بطن<(5)، وروي: >إنَّ له سبع بطون<(6)، و>إنَّ له سبعين بطناً<(7)، ونحو ذلك. ولكن الإنسان المحدود لا يدركها كلّها، غير أنَّ الله تعالى اللامتناهي يمكن أن يقصد معاني لا متناهيةً.
سؤال: لماذا لم يستعمل غير الباء من حروف الجرّ؟
جوابه: لأنَّه لا يمكن لأيِّ حرفٍ غيرها أن يقوم مقامها وأن يؤدّي ــــــــــــ[64] ــــــــــــ
(1) سورة القمر، الآية: 34.
(2) أُنظر: أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك 3: 37، حاشية الصبّان 1: 327، ومغني اللبيب: 142.
(3) سورة آل عمران، الآية: 75.
(4) سورة المطفّفين، الآية: 30.
(5) المحاسن 2: 300، كتاب العلل، بحار الأنوار 92: 95.
(6) عوالي اللئالي 4: 107، الحديث: 159.
(7) كتاب الأربعين (للشيخ الماحوزي): 280.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مؤدّاها، وقد سمعنا المعاني الأربعة السابقة، وليس في حروف الجرّ ما يؤدّيها جميعا غير الباء، مع العلم أنَّ مقتضى الحكمة تنبيه القارئ عليها أو إلى ما يتيسّر له منها.
سؤال: ما هو متعلّق الباء في البسملة؟ فإنَّ الجارّ والمجرور يحتاج إلى متعلّق نحويّاً لا محالة.
جوابه: أنَّ هذا المتعلّق له نحوان من التصوّر:
النحو الأوّل – وهو المشهور-: يكون بتقدير فعلٍ مناسبٍ مع السياق، كقولنا: ابتدئ أو أستعين أو أعمل ونحوها(1).
النحو الثاني: يكون بتقدير اسمٍ يكون خبراً لمبتدأ محذوفٍ، كما لو قلنا: هذا الفعل متبرّكٌ ببسم الله الرحمن الرحيم، أو هو كذلك، أو كائنٌ أو حاصلٌ، ونحوها(2).
ويندرج في النحو الأوّل ما قيل من: أنَّ المتعلق: أقرأ أو أقول أو قل؛ باعتبار كون البسملة شروعاً بالقول أو بالقراءة.
وما ذكروه في ردّه: من أنَّ مفعول القراءة أو القول يجب أن يكون هو الجملة بما لها من المعنى(3) لا يتمُّ؛ لعدم المنافاة بين أن يكون مقول القول هو الجملة التامّة، وبين أن يكون ظرف القراءة ككلٍّ، أو جوّها العامّ هو اسم الله سبحانه والتوكّل عليه.
كما يندرج في النحو الأوّل ما ذكروه من: أنَّ المتعلّق: أستعين أو استعن؛ ــــــــــــ[65] ــــــــــــ
(1) أُنظر: مجمع البيان 1: 93، تفسير الفاتحة، مفاتيح الغيب 1: 23، الكشّاف 1: 2، الميزان في تفسير القرآن 1: 7، وغيرها.
(2) راجع: الكشّاف 1: 4.
(3) البيان في تفسير القرآن: 433، إعراب بسم الله الرحمن الرحيم.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
باعتبار قصد الاستعانة والتوكّل على الله سبحانه.
ولا يرد عليه ما ذكروه(1) في ردّه من استحالة الاستعانة من الله سبحانه؛ باعتباره أنَّه هو المتكلّم في القرآن أصلاً، فيكون كأنَّه هو المستعين بالله، وهذا مستحيلٌ؛ فإنَّه مستغنٍ عن الاستعانة بأسمائه الكريمة.
وجواب ذلك نقضاً وحلاًّ: أمّا النقض فبكلِّ ما ورد في القرآن الكريم بلسان غيره سبحانه من دون الإشارة إلى المتكلّم، ومنه ما ورد في فاتحة الكتاب {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * إهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}(2). فإنَّه لو كان هو المتكلّم لما جاز كلّ ذلك.
وأمّا الحلّ فباعتبار ظهور التعليم للآخرين والتلقين لهم بأن يعلموا ذلك؛ ليكون خيراً لهم في دنياهم وأُخراهم، بما فيها موارد النقض التي ذكرناها، وكل القران الكريم منزّلٌ لهداية الناس وتعليمهم. ولعلَّه من هنا قدّروا فعل الأمر: قل أو اقرأ أو استعن، بصفته تعليماً لرسول الله’ بالمباشرة، ولكلِّ الناس بالتسبيب.
هذا، وقد استنتج في المصدر المشار إليه: أنَّه يتعيّن أن يكون متعلّق الجارّ والمجرور هو أبتدئ(3).
أقول: لو تمّ له كلّ ذلك وتنزّلنا عن المناقشات السابقة، فغايته صلاحيّة مادّة الابتداء لكونها متعلّقاً، وأمّا كونها بصيغة المضارع أو الأمر أو الاسم الذي يكون خبراً لمبتدأ محذوفٍ فهذا ممّا لا يتعيّن في حدود ما ذكره من الدليل، فقوله: إنَّه يتعيّن الابتداء بصيغة المضارع خاصّةً جزافٌ من القول.
ــــــــــــ[66] ــــــــــــ
(1) البيان في تفسير القرآن: 433، إعراب بسم الله الرحمن الرحيم.
(2) سورة الفاتحة، الآيتان: 5-6.
(3) البيان في تفسير القرآن: 433، إعراب بسم الله الرحمن الرحيم.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: لماذا قال: بسم الله، ولم يقل: بالله؟ أليس الاعتماد على الله مباشرةً أفضل من الاعتماد على اسمه؟
جوابه: من عدّة وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنّنا لو قصدنا ذات الله سبحانه كواقعٍ، فلا معنى لذكره إلّاَ بطريق الإشارة إليه عن طريق أسمائه، فنشير إلى الله باسم الله، ولو قلنا: بالله لكنّا أيضاً قد وسّطنا الاسم؛ وذلك: لأنَّ اللغة تقتضي ذلك، ولا فرق بحسب النتيجة أن نقول: بالله أو بسم الله.
الوجه الثاني: أنّنا لو قلنا: بالله الرحمن الرحيم، لقصدنا ذات الله سبحانه، وعندئذٍ تسقط المعاني التفصيليّة الموجودة في هذه الأسماء: الله، الرحمن، الرحيم، في حين أنَّ الحكمة تقتضي أن تُلحظ هذه الأسماء لحاظاً واضحاً، وان تُقصد بعناوينها التفصيليّة، ولا تكون لمجرد الإشارة إلى الذات المقدّسة، فالتركيز على هذه الأسماء لمدى أهمّيّتها، لا على الذات، ولو كان التركيز على الذات لانمحت استقلاليّة وتفاصيل هذه الأسماء، وهذا على خلاف الحكمة.
الوجه الثالث: أنَّ الأسماء الحسنى يمكن أن تكون الواسطة بين العبد وربّه.
فهل هناك واسطة فعلاً بين العبد وربّه؟
أجابت النصوص الشريفة بثلاثة أجوبة، وكلّها صحيحةٌ:
الجواب الأوّل: أنَّه لا واسطة بين العبد وربّه؛ قال تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}(1)، وقال: {أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}(2)، فهو أقرب إليه من ذاته فضلاً عن غيره.
ــــــــــــ[67] ــــــــــــ
(1) سورة ق، الآية: 16.
(2) سورة الأنفال، الآية: 24.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الجواب الثاني: أنَّ الأئمّة المعصومين^ هم الواسطة، فهم الشفعاء والأولياء، وقال في الدعاء خطاباً لهم: >إرادة الربّ في مقادير أُموره تهبط إليكم، وتصدر من بيوتكم، والصادر عمّا فصل من أحكام العباد<(1).
ولكنّهم (سلام الله عليهم) لا يتصرّفون بذواتهم الاستقلاليّة، بل بحقائقهم الواقعيّة الفانية في ذات الله سبحانه، والله هو المسبّب الحقيقي. فالأمر نازلٌ من الله، والتوجّه منحصرٌ إلى الله، وان كان ذلك بواسطة المعصومين، فالمعصوم× موجودٌ بحسب الحقيقة الثانية، وغير موجودٍ بحسب الحقيقة الأُولى، فالواسطة موجودةٌ، لكنَّها بمنزلة العدم.
الجواب الثالث: أنَّ الواسطة هي الأسماء الحسنى، والله تعالى فتح لنا هذه الرحمة، قال سبحانه: {وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}(2) فندعوه بها لكي لا نُحرم من تلك الرحمات المترتّبة على الاستعانة بالله سبحانه.
ولا منافاة بين هذا الجواب والجواب السابق؛ وذلك لأنَّ الأسماء الحسنى مستبطنةٌ في الأئمّة المعصومين^. وهذا المجموع مستبطنٌ وفانٍ في الله سبحانه، فهو موجودٌ – كما قلنا- بصورة فنائية لا بصورة استقلاليّة.
وعليه فقد اقتضت الحكمة أن يختار الله سبحانه للبسملة أوسع أسمائه الحسنى وأكبرها وأهمّها، كما قال في الدعاء: >اللّهمّ إنَّي أسالك بأسمائك التي ليس فوقها شيء، يا الله الرحمن الرحيم<(3).
ــــــــــــ[68] ــــــــــــ
(1) الكافي 4: 577، باب زيارة قبر أبي عبد الله الحسين×، الحديث: 2، كامل الزيارات: 366، الباب 79، الحديث: 2، تهذيب الأحكام 6: 55، باب زيارة الحسين، الحديث: 1.
(2) سورة الأعراف، الآية: 180.
(3) إقبال الأعمال 1: 255، الباب الثامن، دعاء الليلة الرابعة، وعنه: البحار 95: 21.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: لماذا تبدأ سور القرآن الكريم بالبسملة؟
جوابه: ما ورد في فضل البسملة من: >إنَّ كلّ أمرٍ ذي بالٍ لم يذكر فيه اسم الله فهو أبتر<(1).
ونستنتج منه أنَّ البسملة تنتج عدّة آثارٍ معنويّة:
منها: أنَّها توجب تكامل النتيجة وصفائها وخلوصها.
ومنها: أنَّها تنفي عنها النقص والمحدوديّة والظلمانيّة. فمثلاً: عند الأكل تنفى بالبسملة أضرار الطعام المادّيّة والروحيّة، وكذلك عند الابتداء بالسور، بل بالابتداء بكل عملٍ؛ فإنَّ كلّ عمل ينبغي أن يتكامل ويندفع سوءه ببسم الله الرحمن الرحيم.
والمفروض أنَّ الإنسان ينبغي أن يكون في ذكرٍ دائمٍ لله تعالى، والله تعالى علِمَ أنّنا نعجز عن ذلك، ولأجله طرحت الشريعة المقدّسة أمراً يعوّض عن ذلك، وهو استحباب الذكر في أوّل العمل وفي آخره. أمّا الذكر في أوّله فبالبسملة، وأمّا الذكر في آخره فبالحمد، وورد >اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد واختم لي بخير<(2). فإذا كان العمل بادئاً بالذكر ومنتهياً به، فيكون بينهما الفرد بمنزلة الذاكر.
ــــــــــــ[69] ــــــــــــ
(1) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري×: 25، الافتتاح بالتسمية، الحديث: 7، وقريب منه: السنن الكبرى، للنسائي 6: 127، الحديث: 10328، سنن ابن ماجه 1: 610، باب خطبة النكاح، الحديث: 1894، كنز العمّال 1: 558، فاتحة الكتاب، الحديث: 2509 و2510.
(2) إقبال الأعمال 1: 163، الباب الرابع، فصل 20، أدعية السحر، الصحيفة السجّاديّة، أدعية كلّ ليلة من شهر رمضان.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: ما هو مضمون البسملة ومدلولها؟
جوابه: نحن لا نستطيع أن نحيط بالبسملة علماً؛ لأنَّ علومها أوسع وأعمق من أن ننالها بعقولنا القاصرة، وإنّما نلمُّ بها إلماماً.
والشاهد على عظمة البسملة ما ورد عن أمير المؤمنين×:
>إنَّ جميع أسرار الكتب السماويّة في القرآن، وجميع ما في القرآن في الفاتحة، وجميع ما في الفاتحة في البسملة، وجميع ما في البسملة في باء البسملة، وجميع ما في باء البسملة في النقطة التي هي تحت الباء. قال الإمام علي (كرّم الله وجهه): أنا النقطة التي تحت الباء<(1).
وحسب فهمي فإنَّ المراد أنَّ علوم القران في الفاتحة مع زيادة في الفاتحة، وعلوم الفاتحة في البسملة مع زيادة في البسملة، وعلوم البسملة في الباء مع زيادة في الباء، وعلوم الباء في النقطة مع زيادة في النقطة. وأمّا ما هي تلك الزيادة فذلك ما لا يعلمه إلّاَ علّام الغيوب؛ لأنَّها فوق إدراك عقولنا القاصرة، وربما يكون علمها عند قائلها سلام الله عليه.
فعلوم الكون بجميع مراتبه عند أمير المؤمنين×، وعلومه أكثر من علوم البسملة، وعلوم البسملة أكثر من علوم الفاتحة، وعلوم الفاتحة أكثر من علوم الكتاب الكريم الذي لم يفرّط بشيء.
وهذه الرواية تدلّنا على مزايا أمير المؤمنين× وهي:
أوّلاً: أنَّ روحه وحقيقته العليا بسيطة؛ حيث يقول: >وأنا النقطة<، وإنَّ النقطة بسيطة هندسيّاً؛ من حيث إنَّها ليست جسماً ولا سطحاً ولا خطّاً، فهي بسيطةٌ من جميع الجهات، فهي مجرّد فرض عقلي، وليست مادّة، وهذه البساطة ــــــــــــ[70] ــــــــــــ
(1) ينابيع المودّة 1: 213، الباب الرابع عشر، باب غزارة علمه، الحديث: 15.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
المشار إليها في الرواية بساطة فلسفيّة، والنقطة ذات بساطة هندسيّة. والبساطة الفلسفيّة مستقاة مجازاً من البساطة الهندسيّة، وإلّاَ فإنَّ بساطة الروح لا تماثل بساطة النقطة إلّاَ بعنوان البساطة.
ثانياً: أنَّه× جامعٌ لكلِّ علوم الكون غير علم الله سبحانه، وقد فاق علمه علم الأوّلين والآخرين وجميع المعصومين (سلام الله عليهم أجمعين) عدا الرسول الأكرم’ الذي هو >مدينة العلم وعليٌّ بابها<(1).
ثالثاً: أنَّه× أعلى مراتب الوجود، فقد قال الفلاسفة بقاعدة صدور الواحد عن الواحد(2)، فبالضرورة يخلق الله تعالى واحداً في المرتبة الأُولى التي تتنزّل عن ذاته سبحانه، ثُمَّ هذا المخلوق الواحد يخلق الكثرة، أي: يوجد المتعدّد، فهو بسيط، ولكنه بالتحليل يكون أمرين: محمّدٌ وعليٌّ؛ لأنَّهما نفسٌ واحدةٌ؛ بدليل قوله تعالى: {وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ}(3). فهو× نفسه، ولكنّه غيره، والكثرة عين الوحدة، كما قيل في الحكمة المتعالية(4).
وليس هذا غريباً؛ فنفس الإنسان واحدة، ولكنّها في نفس الوقت كثيرة، ففيها القوّة الغضبيّة والشهوة والرغبات والحاجات، ولكنّها مع ذلك نفسٌ واحدةٌ، والكثرة عين الوحدة.
ونستنتج من ذلك: أنَّ هذه الحقيقة النوريّة العليا هي أوّل الموجودات ــــــــــــ[71] ــــــــــــ
(1) كنز العمّال 11: 600، فضائل عليّ، الحديث: 32890، المعجم الكبير 11: 65، أحاديث مجاهد عن ابن عبّاس، الحديث: 11061، المستدرك على الصحيحين 3: 137، ذكر إسلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب×، الحديث: 4637.
(2) قواعد العقائد (لنصير الدين الطوسي): 14، قاعدة الواحد.
(3) سورة آل عمران، الآية: 61.
(4) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 1: 185.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وأشرفها وأقدرها وأعلاها وأعلمها، وهي مسيطرةٌ على جميع الموجودات بإقدارٍ من الله سبحانه.
وينبغي الإلماع إلى أنَّ كون علوم الفاتحة في البسملة … الخ إنّما هو معنى روحي، وليس مادّياً ولا لغوياً؛ لتعذّر ذلك.
ولئن استطعنا ذلك في البسملة، فلا يمكن ذلك في الباء والنقطة كما هو واضح، فيتعيّن المعنى الروحي.
ويحسن هنا الالتفات إلى نكتةٍ فلسفيّة، وذلك أنّنا قلنا فيما سبق: إنَّ الروح بسيطة، وإنَّ العلم مركّب، فكيف يتعلّق المركّب بالبسيط الذي هو زائدٌ عن ذاتها، لأنَّها ليست كالباري عين ذاتها؟ ولابدَّ أن نشير إلى أنَّ هذا الأمر. قد يعرض بصفته متعلّقاً بأمير المؤمنين×؛ لأنَّ روحه العليا متضمّنة لكلِّ علوم الكون، طبقاً لهذه الرواية: >وأنا النقطة<. ولكن قد يعرض فيما هو أوسع من ذلك بشكل يشمل كلّ فرد؛ من حيث إنَّ العلم مركّب، في حين أنَّ أيِّ فرد فإنَّ عقله وروحه بسيطٌ.
وهذا له عدّة أجوبة:
الجواب الأوّل: أن نقول: إنَّ العلم بسيط وليس بمركّب، والذي ندّعيه من الكثرة والتركيب إنّما هو في متعلّق العلم، أي: في المعلوم، فمجموع العلوم تمثّل علماً واحداً بسيطاً، وهو الذي يتعلّق بالعقل الكلّي أو الروح العليا، وإنّما يكون التركيب في تفاصيله.
الجواب الثاني: لو تنزلّنا عن ذلك وقلنا بسراية التركيب إلى العلم، فنستطيع القول بأنَّ هذا العلم الذي يحلّ بالبسيط ليس هو العلم المتكثّر، بل يحلّ بها على شكل إجمالي واندماجي، وتكون كثرته تحليليّة، كانحلال الكتاب ــــــــــــ[72] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إلى أوراق. ويمكن أن نضرب لذلك مثالين:
المثال الأوّل: أنَّ اللفظ الواحد مفهومٌ أفرادي يدلُّ على كثرة، كالحائط والشجرة والكتاب، وكلُّ لفظٍ متكوّن من حروف، وكلُّ هذه المعاني متكوّنة من أجزاء.
المثال الثاني: أنّنا قلنا: إنَّ علوم الفاتحة في البسملة، وبرّرنا ذلك بأنَّ البسملة متضمّنة لأوسع الأسماء وأكبرها وأهمها، وهي: الله الرحمن الرحيم؛ لأنَّ لها نحو هيمنةٍ على سائر المخلوقات، إذن فهذه العلوم الكثيرة مستبطنة في هذه الأسماء الثلاثة، ويمكن اندراجها في لفظٍ واحد، وهو لفظ الجلالة، بعنوان كونه دالاًّ على الذات؛ باعتبار أنَّ الخلق كلَّه دائمٌ وقائمٌ بالله سبحانه. فحينئذٍ ندرك أنَّ كلّ علوم الكون في لفظ الجلالة وحده، الذي قد يفسّر باسم الله الأعظم، ومعه فلا بأس ان يرجع الكثير إلى الواحد أو إلى البسيط.
الجواب الثالث: أنَّ كلّ مخلوقٍ فهو متكوّن من ماهيّة ووجود، وكلٌّ منها يؤثّر أثره الخاصّ به، فهل العلم يتعلّق بالماهيّة أو بالوجود؟ فهنا نقول: إنَّه يتعلّق بالوجود؛ فإنَّه من صفاته ومن صفات الباري سبحانه وتعالى، وقد قال الفلاسفة: إنَّ الوجود كلّما كان أشرف كان أكثر تحمّلاً من القوّة والعلم والحياة والتأثير(1).
الجواب الرابع: أنّنا لو تنزّلنا وقبلنا انطباع العلم بالماهيّة لا بالوجود
– وهي ماهيّة بسيطة- إلّاَ أنَّ معنى البساطة ليست التفاهة والصغر والضآلة كالنقطة الهندسيّة، وإنّما هو بمعنى عدم تحقّق التحليل العقلي إلى رتبٍ وأجزاءٍ، وهذا لا ينافي ضخامتها المعنويّة وأهمّيّتها، فتكون متحمّلة للكثير
ــــــــــــ[73] ــــــــــــ
(1) أُنظر: الحكمة المتعالية 1: 252.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
كالوجود نفسه، الذي قال الفلاسفة ببساطته، وقالوا: إنَّ الله صرف الوجود، وهو في نفس الوقت لا نهائي العلم(1).
سؤال: لماذا خُصّت البسملة بهذه الأسماء الحسنى دون غيرها؟(2).
وجوابه: قد تحصّل ممّا سبق، وبحسب فهمي فإنَّ المتعين هو ذكرها دون غيرها. أمّا لفظ الجلالة فلأنَّه الإشارة الرئيسة للذات المقدّسة تبارك وتعالى، فبسم الله أي: باسم الذات، فلابدّ من ذكر الذات أوّلاً، ثُمَّ التنزّل إلى عالم الأسماء. وأمّا الرحمن فلأنَّ رحمته وسعت كلّ شيء، فهو اسم واسع بسعة الله، أي: إنَّه أوسع الأسماء على الإطلاق، وكلُّ اسم آخر فهو أكثر محدوديّةٍ منه أو مثله، ولا يمكن أن يكون أوسع منه.
فقد اختار الله سبحانه في البسملة بعد لفظ الجلالة أوسع الأسماء، مضافاً إلى أنَّه تعبيرٌ عن الرحمة لا عن النقمة، ورحمته تقدمت على غضبه(3).
وبعد هذين الاسمين العامّين ذكر اسماً محدوداً، وهو الرحيم؛ لأنَّه لم يبقَ إلّاَ الأسماء المحدودة، فالرحيم لا يشمل جميع الخلق، بل يشمل المحسنين فقط، كما قال سبحانه: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}(4).
واختيار اسم الرحيم من الأسماء المحدودة لمزيّتين:
المزيّة الأُولى: مزيّة الرحمة؛ لأهمّيّتها وتقدّمها على الغضب، بل على الخلق كلّه؛ لأنَّ الخلق كلَّه بالرحمة.
ــــــــــــ[74] ــــــــــــ
(1) أُنظر: المبدأ والمعاد (لصدر الدين الشيرازي): 128.
(2) يعني: لماذا لم يقل: العليم السميع البصير مثلاً؟
(3) أُنظر: مصباح المتهجّد: 696، دعاء الموقف لعليّ بن الحسين×، مهج الدعوات: 99، دعاء أمير المؤمنين×، مزار الشيخ المفيد: 161، باب دعاء يوم عرفة.
(4) سورة الأعراف، الآية: 56.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
المزيّة الثانية: أنَّه أهمّ الأسماء في طريق التكامل، فلا تكامل إلّاَ بالرحمة الخاصّة.
هذا مضافاً إلى تشاكل المادّة اللفظيّة والبلاغيّة بين الرحمن والرحيم.
وبهذا يتّضح الجواب على هذا السؤال: لماذا ذكرت هذه الأسماء بهذا الترتيب؟
فإنَّه سبحانه بدأ بالاسم الدالّ على الذات المقدّسة، ثُمَّ بأوسع الأسماء الحسنى الذي يشابه العلم في السعة والأهمّيّة، ثُمَّ بالاسم الأضيق منهما، وهو الرحيم. وأمّا أن يقدّم الصفة على الذات أو أن يقدّم الاسم الضيّق على الواسع فهذا واضح الرداءة.
سؤال: لماذا تكرّرت مادّة الرحمة في البسملة مرّتين؟
جوابه: قال في >الميزان<: الرحمن: فعلان، صيغة مبالغة تدلّ على الكثرة، والرحيم فعيل، صفة مشبّهة تدلّ على الثبات والبقاء، ولذلك ناسب الرحمن أن يدلّ على الرحمة الكثيرة المفاضة على المؤمن والكافر، وهو الرحمة العامّة … ولذلك أيضاً ناسب الرحيم أن يدلّ على النعمة الدائمة والرحمة الثابتة الباقية التي تُفاض على المؤمن(1).
أقول: ينتج من ذلك عدّة أُمور، أهمّها:
أوّلاً: إنَّ رحمة الله تعالى تتّصف بكلا الوصفين، فهي واسعةٌ ومنتشرةٌ من ناحية، وثابتةٌ ومستقرّةٌ وغير قابلةٍ للتزلزل من ناحيةٍ أخرى.
ثانياً: أنَّنا يمكن أن نلحظ هذين الاسمين مستقلّين، فهو تعالى (رحمن) وهو أيضاً (رحيم)، كما هو المتبادر العرفي في سائر الأسماء الحسنى، كالغفّار ــــــــــــ[75] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 1: 18.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
والشكور ونحوهما، ويمكننا أيضاً أن نركّب بينهما، فيكون (الرحمن الرحيم) اسماً واحداً، فنفس الرحمة واسعةٌ، وهي ثابتةٌ، فكأنَّهما صفتان لشيءٍ واحدٍ، وهي مادّة الرحمة.
ومعه تكون النتيجة هي تصوّرنا للرحمة الواسعة والثابتة، وذلك على أحد شكلين:
الشكل الأوّل: أنّنا إن رجّحنا جانب (الرحمن) فيكون المعنى: أنَّ الرحمة الواسعة ثابتةٌ، وهذا صحيحٌ.
الشكل الثاني: أنّنا إن رجّحنا (الرحيم) فتكون الرحمة الخاصّة واسعةً، وهي وإن لم تكن واسعةً لكل الخلق، ولكنّها واسعةٌ لكلِّ مستحقّيها وطالبيها، ولكلِّ مَنْ {سَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ}(1)؛ فإنَّه تعالى كريمٌ لا بخل في ساحته.
فيتحصّل: أنَّ الرحمة الخاصة واسعةٌ، وأنَّ الرحمة الواسعة ثابتةٌ، وكلا الأمرين يتحصّلان بعد التركيب.
سؤال: لماذا خُصّت مادّة (الرحمة) بالذكر في البسملة؟
جوابه: ظهر ممّا ذكرناه؛ من حيث إنَّ الله سبحانه اختار بعد لفظ الجلالة مادّة الرحمة التي هي أوسع الأسماء وأكبرها، ويكفينا هنا أن نتذكّر أنَّ الخلق كله موجودٌ بالرحمة، وأنَّ رحمته وسعت كلّ شيء، وأنَّ الرحمة هي الأساس في الكثير من الأُمور التشريعيّة والتكوينيّة، وأنَّ رحمته تقدّمت غضبه، وأنَّ النبي’ نبي الرحمة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلّاَرَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}(2) إلى غير ذلك من المزايا.
ــــــــــــ[76] ــــــــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 19.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 107.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فالرحمة أوسع الأسماء وأكبرها، وفي مقابلها توجد أسماء من سنخين، كلاهما لا يناسب وجودها في البسملة:
الأوّل: أسماء الغضب، كالمنتقم والقهّار، ولا يناسب وجودها في البسملة مع أسماء الرحمة.
الثاني: الأسماء المختصّة بموارد معيّنة، وليست بواسعة مثل: الغفّار؛ فإنَّه لا يشمل جميع الخلق، بل يشمل المذنبين فقط، وقد اختار الله سبحانه ترك أمثال ذلك في البسملة.
مضافاً إلى أنَّ كلّ الأسماء متضمّنة للرحمة لا محالة، وهذا من جملة تفسير قوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}(1). يعني: حتّى الأسماء الحسنى. إذن، فالتعرّض إلى الرحمة تعرض لكل الأسماء أو للسمة العامّة لها.
فان قلت: إنَّ الرحيم ليس من الأسماء العامّة الواسعة، كالاسمين السابقين عليه في البسملة: الله الرحمن؛ من حيث إنَّ الرحيم لا يشمل كلّ الخلق، بل يختص بمستحقّي الرحمة الخاصة، فكيف ناسب ذكره في البسملة؟
قلت: جواب ذلك على أحد مستويين:
المستوى الأوّل: بما ذكرنا من التركيب بين الاسمين: الرحمن الرحيم؛ فإنَّهما بالانضمام يكون معناهما واسعاً، وموضوعهما غير محدّدٍ بحدٍّ.
المستوى الثاني: أنَّ الرحمة النازلة على الخلق لها أهمّيّةٌ لا يمكن الإعراض عنها، على عكس الأسماء الأُخرى، كالستّار والشافي والمعافي وغيرها؛ فإنَّ هذه لها أهمّيّة دنيويّة زائلة. أمّا الرحيم فإنَّ له قدسيّةً زائدةً على قدسيّة الأسماء ــــــــــــ[77] ــــــــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 56.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأُخرى، فالرحمة الخاصة أعلى وأوسع وأنور وأكبر من أن نتصوّرها، ولا يعلمها إلّاَ علّام الغيوب، ومن هنا استحقّت أن تكون في البسملة، وتتبع الاسمين الواسعين فيها.
سؤال: ما معنى الاسم؟
قال السيّد الطباطبائي في >الميزان<: وأمّا الاسم فهو اللفظ الدالّ على المسمّى، مشتقّ من السمة بمعنى: العلامة، أو من السمو بمعنى: الرفعة. وكيف كان، فالذي يُعرف من اللغة والعرف إنَّه هو اللفظ الدالّ، ويستلزم ذلك أن يكون غير المسمّى(1).
أقول: وعلى ذلك يكون معنى البسملة بالدوالّ على الله تعالى التي هي الأسماء الحسنى، إذا أخذنا الاسم بمعنى العلامة، وإذا أخذناه بمعنى الرفعة، كانت البسملة تمسّكاً بعلوّ الله وبعظمته، وبسمّو الله الرحمن الرحيم.
ولكن – حسب فهمي- فإنَّ الاحتمال الأوّل وهو السمة، هو المرجّح والأكثر انفهاماً في البسملة، على أنَّه يمكن أن يُراد كلا الأمرين؛ لأنَّ للقرآن بطوناً، فليكن هذا منها.
ويمكن ترجيح الاحتمال الأوّل بعدّة أُمور منها:
أوّلاً: أنَّ الاسم مفرد الأسماء، وبسم الله يُجمع بأسماء الله، فهو من السمة لا السمو؛ لأنَّ السمو لا يُجمع على الأسماء، ولذا أتبع (الاسم) بالله الرحمن الرحيم، فلو ضُمّت إلى قوله تعالى: {وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}(2) لظهر أنَّ المراد بالاسم مفرد الأسماء، ويكون الله الرحمن الرحيم مصاديق منه، يعني: ــــــــــــ[78] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 1: 17.
(2) سورة الأعراف، الآية: 180.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
كونها مصاديق من الأسماء الحسنى المذكورة في الآية الأُخرى.
والسيّد الطباطبائي+ يفسِّر القرآن بالقرآن(1)، ولكنّه غفل عن ذلك؛ من حيث إنَّ الآية: {وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى}(2) تدلّ على أنَّ المراد من الاسم هو السمة لا السمو.
ثانياً: أنَّ الاسم إذا كان بمعنى السمة كان لتفاصيل الأسماء الثلاثة مجال، فالله يلحظ كاسمٍ مستقلّ، وكذلك الرحمن والرحيم، فكلُّ منها له أهمّيّته وسعته.
أمّا إذا كان بمعنى العظمة – أي: بعلوّ الذات- سقطت تفاصيل هذه الأسماء الحسنى، ولم يكن لها شأن، وإنّما تشير إلى الذات فقط، فكان الاقتصار على واحد أولى.
ولكن يمكن القول (كأُطروحة): إنَّ الاسم بمعنى العظمة، ومدخول العظمة ليست الذات بل الأسماء، أي: بعظمة هذه الأسماء وسمّوها بعظمة لفظ الجلالة والرحمن والرحيم، وهنا اكتسبت تفاصيل الأسماء الأهمّيّة من جديد، لكلٍّ منها عظمةٌ بحياله.
ولكن مع ذلك نقول: إنَّ ذلك مخالف لأذهان العرف والمتشرّعة حيث يقال عادة: إنَّ الاسم مسندٌ إلى الذات، وهذه الأسماء إنَّما هي دوالٌّ على الذات، ولا يُراد عظمة الأسماء، بل عظمة الذات، فإذا كانت العظمة عظمة الذات، سقطت تفاصيل الأسماء كما قلنا، وبالتالي ينبغي أن يكون الاسم ملحوظاً بمعنى السمة؛ لتحفظ تفاصيل هذه الأسماء.
ــــــــــــ[79] ــــــــــــ
(1) كما ورد في تفسيره الميزان في تفسير القرآن 1: 11.
(2) سورة الأعراف، الآية: 180.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مضافاً إلى أنَّ ظاهر السياق هو انحفاظ تفاصيل الأسماء لا سقوطها، وإلّاَ كان التعبير عن الله بأيّ اسم كافياً.
سؤال: لماذا ذكر الاسم مفرداً لا جمعاً، مع أنَّ مدخوله ثلاثة أسماء؟
جوابه: أنَّ ذلك لعدّة أُمور:
الأمر الأوّل: الذوق، فلو قال: بأسماء الله الرحمن الرحيم لانمسخ السياق القرآني.
الأمر الثاني: أنَّ المراد بالاسم: الجنس أو اسم الجنس، وهو بمنزلة الجمع؛ لأنَّه متضمّن لأفراده، فيكون بمعنى الأسماء، فيكون تعدادها تفصيلاً بعد إجمالٍ.
الأمر الثالث: أنَّ المراد من الاسم مدخوله المباشر، وهو لفظ الجلالة، أي: بالاسم الذي هو الله، فالاسم مفردٌ يُراد به مدخول مفرد، وأمّا الرحمن الرحيم فهما صفتان للذات الإلهيّة لا ربط لهما بالاسم، وإنّما أُضيفا بعد ورود لفظ الجلالة.
الأمر الرابع: يُعرض كأُطروحة قلَّما يُلتفت إليها:
وحاصلها: أنَّ الاسم هو كلّ ما يدلُّ على الشيء، وأسماء الله إنَّما سُميّت أسماء لأنَّها دالّة عليه وعلامة عليه، ومن جملة الأُمور التي لها دوالٍّ وكواشف عن وجودها نفس الأسماء الحسنى، فهي أسماء لله، وهي أيضاً لها أسماء، أي: دوالّ وكواشف عن وجودها. فنقول في هذه الأُطروحة: إنَّ بسم الله أي: باسم الاسم الذي هو الله، فمدخول الاسم ليس هو الذات المقدّسة بل الاسم، واسمُ اسمِ الله هو الرحمة؛ لما له من السعة والعمق كما سمعنا، وعُطِفَ عليه الرحيم؛ لمناسبته له، فيكون الرحمن اسماً للفظ الجلالة ودالاًّ عليه. أو نقول: إنَّ (اسم الله) هو المجموع المركَّب من (الرحمن الرحيم).
ــــــــــــ[80] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأمر الخامس: إنَّ الجمع المقترح هل هو محلّى باللام أو بدونها؟
لا يقال: إنَّ اللام لا تجتمع مع الإضافة؛ لأنَّه يُقال: إنَّه عندئذٍ ليس مضافاً إليه، بل بدلٌ، ولكنَّه على كلا التقديرين باطلٌ.
فالمحلّى بالألف واللام باطلٌ:
أوّلاً: لردائته ذوقاً.
وثانياً: أنَّه تنتفي الإشارة إلى الذات وتصبح مجهولةً غير مشار إليها في السياق.
وإن كان مع عدمها، أصبح لفظ الجلالة دالاًّ على الذات، وبقي اسمان بعده، فكان الأنسب هو التثنية، وهو كما ترى. أو إنَّ المقصود اسمٌ واحدٌ، وهو لفظ الرحمن، أي: بسم الله الذي هو الرحمن الموصوف بالرحيم، فلا موجب للجمع؛ لأنَّه اسمٌ واحدٌ.
فإنْ قلتَ: إنَّ التثنية جمعٌ في المنطق والفلسفة، وإن لم تكن كذلك في النحو والبلاغة.
قلنا: إنَّ العرف لا يعتبرها جمعاً، والقرآن إنَّما نزل عرفيّاً لا دقّيّاً أو فلسفيّاً، إلّاَ في وقت الحاجة، فيكون التعبير عن الاثنين بالثلاثة خلاف الظاهر، مضافاً إلى أنَّه شديد الرداءة من الناحية الذوقيّة والبلاغيّة. وعلى أيِّ حال يتعيّن الإفراد.
فإمّا أن نقصد بالاسم المفرد الجنس، كما سبق، فنعد مصاديق ثلاثة كلّها من جنس الاسم: الله، الرحمن، الرحيم، أو نقصد به الفرد، ونريد به لفظ الجلالة، أي: بسم الله الذي هو الرحمن الموصوف بالرحيم، أو يُراد به كلا الاسمين: الرحمن الرحيم.
ــــــــــــ[81] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بسم الله الرحمن الرحيم
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
سورة الناس
يقع الكلام أوّلاً في تسميتها؛ فإنَّ لها عدّة أُطروحات:
الأُولى: في التسمية المشهورة (الناس) من حيث إنَّ المفروض تسمية السورة بأيَّ لفظٍ واردٍ فيها، وهذا منها.
الثانية: ما سار عليه السيّد الشريف الرضي في كتابه: >حقائق التأويل<(1)، فنقول: السورة التي ذُكر فيها الناس.
الثالثة: ما اقترحه بعضهم(2) من تشخيص السورة بالترقيم، ورقمها بحسب التسلسل القرآني الحالي: 114.
الرابعة: تسمية السورة بأوّل جملةٍ فيها، فنقول سورة: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}.
وأمّا الكلام عن البسملة فقد سبق، وبه نستغني عن تكراره في صدر كلّ سورة.
ــــــــــــ[85] ــــــــــــ
(1) أُنظر: حقائق التأويل 5: 291، السورة التي يذكر فيها النساء.
(2) يزعم الدكتور أحمد مختار في مقدّمة كتابه >المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن< أنَّ تشخيص السور بالترقيم من صنيع المستشرقين، وكذا يرى الأستاذ عبد الله الخطيب في مقدّمة كتابه >دراسة نقديّة لترجمة معاني القرآن إلى اللغة الانجليزيّة للمستشرق رود ويل<. ويقول عبد الغني أكو ريدي في مقدّمة كتابه >المستشرق القسيس ايليجا كولا ومنهجه في ترجمة معاني القرآن<: إنَّ جوزتاف فلوجل أوّل من وضع فهرساً أبجدياً لكلمات القرآن أشار فيه إلى رقم السورة ورقم الآية، وطبع مصحفاً في مدينة ليبزج سنة 1834م.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: {قُل} ما هو الموجب لذكرها هنا؟
جوابه: أنَّه ورد لفظ {قُل} في القرآن الكريم (332) مرة(3)، وأعتقد أنَّها وردت لثلاثة أغراض:
الغرض الأوّل: التبليغ إلى الناس، ومنه قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ}(2)و {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ}(3).
الغرض الثاني: نفع المأمور بالقول أي: القائل له؛ حيث يأمرنا الله سبحانه أن نقول: الله أحد الله الصمد لنفعنا، ولأجل أن نعرف التوحيد وأن نعرف نسبة الربّ، ونحو ذلك.
الغرض الثالث: عدم مناسبة نسبته إلى الله سبحانه، فالاستعاذة إنّما هي للمخاطب دائماً، وهي شيءٌ أدنى من أن ينطق بها الله سبحانه عن نفسه؛ لأنَّه تعالى منيعٌ لا يتضرّر ولا يخاف.
وهذا هو الفرق بين المعوّذتين وسورة التوحيد؛ فإنَّ الله تعالى شهد لنفسه بالتوحيد في قوله: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ…}(4) لأنَّ التوحيد يناسب أن ينطقه الخالق والمخلوقات معاً، فالله يقول: {اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ}(5) بينما الاستعاذة خاصة بالمخلوق، فلابدّ أن تكون لفظة (قُل)، موجودة.
ــــــــــــ[86] ــــــــــــ
(1) راجع: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، محمّد فؤاد عبد الباقي، مادّة (قُل).
(2) سورة الأعراف، الآية: 158، سورة يونس، الآية: 104 و108، سورة الحجّ، الآية: 49.
(3) سورة الفرقان، الآية: 77.
(4) سورة آل عمران، الآية: 18.
(5) سورة الإخلاص، الآيتان: 1-2.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وعلى أيَّ حال، فكلا الغرضين الأخيرين متحقّقان لنا في هذا المورد فلا يمكن حذف قُل، بخلاف مثل قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(1) وقوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}(2) ونحوها من فواتح السور؛ فإنَّه يناسب صدورها من الباري نفسه.
سؤال: قالوا في علم الأُصول: إنَّ صيغة الأمر ظاهرةٌ بالوجوب(3)، ومن المعلوم أنَّ (قُل) هي من صيغة الأمر، فهل هي ظاهرةٌ في الوجوب أو في مطلق المطلوبيّة، أعني: الأعمّ من الوجوب والاستحباب؟
جوابه: أنَّه يمكن إقامة عدّة أُطروحات على أنَّ {قُل} لا تدلّ على الوجوب.
الأُطروحة الأُولى: أنَّ المراد منها الأثر الوضعي (الدنيوي أو الأخروي) وهو دفع الشرّ، والاستعاذة بالله من حصوله، وليس المراد منها الحكم التكليفي، والوجوب هو حكم تكليفي لا وضعي، فلا تكون دالّةً عليه.
الأُطروحة الثانية: أنَّ صيغة الأمر إنَّما يُراد بها الوجوب في ما لا يقع في مورد احتمال الحظر. وأمّا إذا كان في ذلك المورد فيُراد بها الإباحة، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}(4)، أي: يجوز لكم الصيد، لا أنَّه يجب عليكم.
فإذا التفتنا أنَّ احتمال الحظر موجود في مورد الآية؛ فإنَّه قد يتصوّر ــــــــــــ[87] ــــــــــــ
(1) سورة الفاتحة، الآية: 1.
(2) سورة الحديد، الآية: 1، سورة الحشر، الآية: 1، سورة الصف، الآية:1.
(3) أُنظر: معارج الأصول للمحقّق الحلّي: 64، باب الأوامر، ومعالم الدين: 51، معنى صيغة الأمر، وكفاية الأصول: 70، معاني صيغة الأمر، ونهاية الأفكار 2: 94، وغيرها.
(4) سورة المائدة، الآية: 2.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الإنسان أنَّه لا يجوز له أن يستعيذ من الشرِّ أو الخطر، بل يجب عليه التسليم والرضا بقضاء الله سبحانه، أو قد يعتبر ذلك شكلاً من أشكال إساءة الأدب أمامه سبحانه، فجواباً على ذلك يُجيز لنا الله تعالى أن نستعيذ به عندما نقع في ضررٍ أو ضرورة.
إذن فالاستعاذة هنا في مورد احتمال الحظر، فيكون الأمر بها دالاًّ على الإباحة لا على الوجوب.
الأُطروحة الثالثة: أنَّ هذا بمنزلة الأمر التقديري أو التعليقي، وليس صريحاً، كما لو قال: إذا أردت الاستعاذة فقل كذا، فيكون معلَّقاً على أمرٍ غير واجب، فلا يكون للوجوب، كما لو قيل: إذا قمت للنافلة فتوضّأ، وإذا أكلت فقل: بسم الله.
وهنا: إذا وقع عليك الشرُّ والضرر فقل: أعوذ بربِّ الناس، فهو ليس ابتدائيّاً، بل هو منوطٌ بشعور الفرد بالخوف والعجز والحاجة، والمفروض بالمؤمن أن يكون دائم الشعور بالحاجة إلى الله سبحانه.
إن قلت: إنَّ هذه التعليقيّة لا تنافي الوجوب، بل تكون موضوعاً له، كما في قولنا: إذا استطعت فحجَّ.
قلنا: إنَّ ذي المقدّمة لمّا لم يكن واجباً، لم تكن المقدّمة واجبةً، وهنا ليست الاستعاذة إلزاميّة في نفسها، ولا يحتمل وجوبها في الارتكاز المتشرعي، فلا يكون النطق بها واجباً أيضاً.
وهذا قرينةٌ على أنَّ (قُل) ليست للوجوب، وإنّما هي للحكم الوضعي أو للاستحباب أو لجامع المطلوبيّة بعنوان إظهار الضعف والخضوع أمام الله سبحانه. قال الله تعالى: {وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً ــــــــــــ[88] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً}(1). إذن ففعل الأمر هذا لا يدلّ على الوجوب من الناحية الفقهيّة، وإن كان دالاًّ عليه من الناحية الأخلاقيّة.
فإن قلت: إنَّ قراءة السورة والاستعاذة بها مقدّمة لدفع الخطر، فينبغي أن نحمل (قل) على الوجوب لا على الاستحباب.
قلت: جواب ذلك من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ هذا يختصُّ بالخطر الواجب الدفع، وهو المتصف بأمرين: أن يكون داهماً وعظيماً، وأن يكون ممكن الدفع، وليس كلّ خطرٍ ممكن الدفع على أيِّ حال. فإذا لم يكن الخطر كذلك، لم يكن واجب الدفع، فلا تكون مقدّمته – وهي الاستعاذة- واجبةً.
الوجه الثاني: يختصُّ الوجوب – على تقدير ثبوته- بما إذا كانت قراءة السورة مؤثّرة في دفع الخطر عنه، وذلك فيما إذا كان الإنسان بدرجةٍ عاليةٍ من درجات اليقين، وأمّا لو كانت قراءته لها غير مؤثّرة، كما هو الحال في أغلب الناس، فلا تكون مقدّمة لدفع الخطر، فلا تكون قراءتها واجبةً.
الوجه الثالث: أنَّه – بعد التنزّل عن الوجهين السابقين- قلنا: إنَّ (قُـل) هي لجامع المطلوبيّة، فإنْ استُعملت للحصّة الاستحبابيّة كانت مصداقاً للجامع، وإذا استعملت بالحصّة الوجوبيّة كانت مصداقاً له أيضاً، وكلاهما استعمال حقيقي بنحو الاشتراك المعنوي، وليس بنحو الاشتراك اللفظي.
ونظيره من القرآن قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}(2) لدى تطبيقه على الفريضة تارةً وعلى النافلة أخرى.
ــــــــــــ[89] ــــــــــــ
(1) سورة الفرقان، الآية: 3.
(2) سورة المائدة، الآية: 6.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: لماذا نُسبت هذه الأسماء الحسنى إلى الناس، واختصّت بذكرهم دون غيرهم، كالعالمين، فقال تعالى: {إِلَهِ النَّاسِ}، ولم يقل: إله العالمين مثلاً، وكان التركيز على الناس ثلاثاً في السورة؟
جوابه من عدّة وجوه:
أوّلاً: عدم وجود كلمات لغويّة عديدة تناسب التناسق السيني الموجود في السورة الكريمة، إلّاَ الناس والخنّاس.
ثانياً: الاهتمام والتركيز على الناس؛ لأنَّ الاستعاذة إنّما هي لهم، لا للملائكة ولا للحيوانات؛ لأنَّ الملائكة أعلى من الشعور بالخوف، والحيوانات أدنى من ذلك.
ثالثاً: أنَّ كلّ رحمة إنَّما هي لموضوعها، والاستعاذة رحمة، وموضوعها الناس؛ وذلك لأجل العموم والخصوص، فالعموم للناس كلهم والخصوص بهم دون سواهم.
فالاستعاذة تكون معقولةً من زاويتين: من زاوية العبد، لكونه مستعيذاً، ومن زاوية الربَّ سبحانه؛ لأنَّه عائذٌ وراحمٌ ومجيبُ الدعاء، فيجيب دعاء العبد بصفته واحداً من الناس.
رابعاً: أنَّ هناك مصلحةً في تكرار كلمة الناس لزيادة التركيز والاهتمام بهذه الطبقة التي تدّعي الكمال، وليست كاملة، فالكاملون {وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ}(1) ولا تخطر في ذهنهم الأسباب والمخاوف الأُخرى ليجدوا حاجةً إلى الاستعاذة، وإنَّما الاستعاذة للمتدنّين ثقافيّاً وإيمانيّاً وعمليّاً، وهم من يشعر بالخوف من الأسباب، وهذا هو من درجات الشرك الخفي. قال الله تعالى: ــــــــــــ[90] ــــــــــــ
(1) سورة الأحزاب، الآية: 39.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ}(1).
وقد أشرنا في درس الأُصول إلى نكتةٍ يحسن ذكرها هنا، وهي: أنَّ لفظ الناس استعمله في القرآن الكريم وأراد به البشر المتدنّين في الإيمان والثقافة والمقتربين إلى الذنب والرذيلة، قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ}(2). وكلا الاستعمالين للناس هنا كذلك، والأعمُّ الأغلب من الآيات القرآنيّة التي ذكرت الناس كذلك، فإذا استطعنا القول: إنَّ الأعمَّ الأغلب يكون قرينةً على غيره، فيكون ذلك قرينةً على أنَّ المراد بهم في هذه السورة أيضاً ذلك(3).
ولأنَّ الله سبحانه وإن كان هو إله كلّ الناس وملك كلّ الناس وربّ كلّ الناس بمختلف مستوياتهم، إلّاَ أنَّ الذي يقصد الاستعاذة هو الذي يشعر بالخوف، وهم طبقة غير عالية في درجات اليقين.
سؤال: لماذا كرّر الناس عدّة مرات، ولم يعد لهم الضمير في المرّتين الأخيرتين(4)؟
جوابه: مضافاً إلى ما قلناه في أجوبة السؤال السابق من ضرورة حفظ النسق القرآني السيني أوّلاً، وبيان الاهتمام والتركيز على الناس ثانياً، وحفظ السياق القرآني في السورة ثالثاً، وحفظ الذوق العامّ اللطيف فيها رابعاً.
ــــــــــــ[91] ــــــــــــ
( ) سورة يوسف، الآية: 103.
(1) سورة آل عمران، الآية: 173.
(2) وقد قال في كتابه – المطبوع ضمن موسوعة الإمام الشهيد- منهج الأصول 1: 195: إنَّ العادة العرفيّة جارية على فهم معنىً واحدٍ من لفظٍ واحدٍ في المعنيين الحقيقيّين.
(3) كما لو قال: أعوذ بربِّ الناس ملكهم وإلههم … .
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مضافاً إلى كلّ ذلك قال صاحب >الميزان<: وبذلك يظهر وجه تكرار الناس من غير أن يقال: ربّهم وإلههم وملكهم، فقد أُشير إلى أنَّ كلاًّ من الصفات الثلاث يمكن أن يتعلّق بها العوذ وحدها من غير ذكر الآخرين لاستقلالها(1)، أي: استقلاليّتها في دفع الشرّ، فكلُّ واحدٍ منها له استقلاليّة، وإنَّما اجتمعت كلُّها لمزيد الرحمة والعطاء، ولو ذكر الضمير لكان المنظور جملةً واحدةً أو شيئاً مجملاً فاقداً للاستقلاليّة.
هذا مضافاً إلى وجهين آخرين محتملين:
الوجه الأوّل: أنَّ هذه الأسماء الحسنى إنَّما تكون مؤثّرة في الاستعاذة إذا أُسندت إلى الظاهر دون الضمير.
الوجه الثاني: أنَّها لو أسندت إلى الضمير، اقتضت التعاطف بالواو بأن يقول: ربّ الناس وإلههم وملكهم ونحو ذلك، ولا معنى لحذف الواو عندئذٍ، مع العلم أنَّ الحكمة اقتضت حذفه، فلزم ذكر الظاهر من أجل ذلك.
سؤال: لماذا ذكرت الأسماء الثلاثة، ولم يكتف بواحد منها؟
جوابه من عدّة جهات، منها:
أوّلاً: ما أشرنا إليه من زيادة الرحمة في البشر المستعيذين من الشرِّ؛ من حيث إنَّ دفع الشرّ وإن كان يحدث في واحدٍ من الأسماء، إلّاَ أنَّ دفعه ثلاث مرّات أو بثلاثة أسماء أوكد وأشدّ وأسرع.
ثانياً: زيادة التركيز والأهمّيّة لذات الله سبحانه، فهو إلهٌ وربٌّ وملكٌ، وقد يجمع هذه الصفات كلِّها لنفسه، وكان من الحكمة التنبيه على ذلك. قال ــــــــــــ[92] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 396.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}(1).
ثالثاً – وهو ما نعرضه كأُطروحة لدفع الاستدلال المقابل-: أنَّ هذه الأسماء الحسنى قد تكون مفردةً، كما هو فهم مشهور المفسّرين، وقد تكون مركّبة، فإلهٌ اسمٌ مفرد، ولكن {إِلَهِ النَّاسِ} اسمٌ آخر، وكذلك {مَلِكِ النَّاسِ} و{رَبِّ النَّاسِ}. إذن يوجد في السورة ثلاثة أسماء مركّبة.
وهنا لابدَّ من ضمِّ فكرةٍ أُخرى كأُطروحةٍ أيضاً، وهي:
أنَّ الأثر لا يؤثّر ولا يحصل إلّاَ بضمّ هذه الأسماء الثلاثة كلّها، فلابدّ من الاستعاذة بهذا المجموع كمجموع لكي يندفع الشيطان الرجيم، في مقابل ما رجّحه صاحب >الميزان<(2) وأشرنا إليه قبلاً من استقلاليّة هذه الأسماء، وتأثير كلّ واحدٍ منها بانفراده.
سؤال: لماذا حذفت الواو العاطفة بين هذه الأسماء الثلاثة؟
جوابه من وجوه:
أوّلاً: أنَّه هو الأنسب بالذوق والسياق القرآني، ويكفينا في ذلك أن نلتفت إلى صورة ما إذا كانت الواو العاطفة موجودة، فكم سيكون السياق مخالفاً للذوق؟
ثانياً: أنَّ المسألة اختياريّة للمتكلّم، وقد أشرنا في المقدّمات: أنّنا ليس لنا أن نعترض على المتكلّم فيما يقول، أيّاً كان.
ثالثاً: إبراز هيبة وهيمنة هذه الأسماء الحسنى، سواء قلنا: إنَّها مفردة أم مركّبة، وهو جانبٌ بلاغيٌّ؛ إذ مع وجود الواو يتضاءل هذا الجانب بلا شكّ.
ــــــــــــ[93] ــــــــــــ
(1) سورة الزمر، الآية: 6.
(2) الميزان في تفسير القرآن20: 396.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
رابعاً: ما أشار إليه الطباطبائي في >الميزان<(1): أنَّه لأجل جعل كلّ من هذه الصفات سبب مستقل في التأثير، بينما لو عطف بالواو، لكان السياق مشعراً بأنَّ المجموع هو المؤثّر.
****
قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ}:
الوِسْوَاس ِبالكسر- مصدرٌ أو صفةٌ مشبّهة-: حديث النفس، كالصوت الخفيِّ الذي يشعر به الفرد في داخله، كالوسوسة، وأمّا بالفتح فلا يمكن أن يكون بنفس المعنى، وإلّاَ كان مخلاًّ بالاشتقاق، على ما سيأتي.
والخنّاس: صيغة مبالغة من الخُنُوس بمعنى: الاختفاء بعد الظهور، يعني: كثير الاختفاء بعد الظهور، وهو ملازمٌ لكثرة الظهور أيضاً؛ لأنَّه إذا قلَّ ظهوره عدداً قلَّ خنوسه أيضاً.
سؤال: لماذا خصَّ الشرَّ بالذكر؟
جوابه: لأنَّ أصل وجود الشيطان لنفسه نعمةٌ وخيرٌ، ولا تكون الاستعاذة من ذات الشيطان، بل من تأثيراته السيّئة على الإنسان.
فإن قلت: فإنّنا نقول كما ورد(2): >أعوذ بالله من الشيطان الرجيم<، فيكون استعاذة من ذاته لا من شرّه.
قلنا: إذا لم يكن الشرُّ مذكوراً فهو مقدّرٌ ومقصودٌ لا محالة؛ لعدم الداعي إلى الإشارة إلى الشيطان بصفته أحد الموجودات فحسب.
ــــــــــــ[94] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن20: 396.
(2) أمالي المفيد: 77، المجلس التاسع، الحديث: 2، وأمالي الطوسي: 118، المجلس الرابع، الحديث: 39، وإقبال الأعمال 2: 162، أدعية عشيّة عرفة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: الوَسوَاس، مصدر- كما عرفنا – بمعنى حديث النفس فينبغي أن يكون بالكسر، مع أنَّه ورد في القرآن بالفتح.
جوابه: أوّلاً: أنَّ المصدر قد يُفتح وقد يُكسر في اللغة.
ثانياً: أنَّ الوَسْوَاسَ – بالفتح- ليس معناه المصدريّة، بل هو صيغة مبالغة من اسم الفاعل أي: الموسوس، وهذا أقرب إلى الحدس، فلذا لا نضطرّ إلى تقدير مضاف، أي: ذي الوسواس- كما ذكروا- فمعنى الوسواس الخنّاس: الموسوس الخنّاس.
وإذا قلنا: إنَّ الوسواس – بالفتح- بمعنى الوسواس – بالكسر- وهو معنىً مصدري، فسيكون الألف واللام داخلاً على المضاف، وهو باطلٌ. وبالإيضاح يكون بمعنى: وسوسة الخنّاس، ودخول الألف واللام على المضاف غير ممكن في اللغة(1).
اللّهمّ إلّاَ إذا لم يكن بمعنى المصدر، أو يكون بتقدير (ذي) أي: ذي الوسوسة الخنّاس، بينما يكون بناءً على ما ذكرنا بمعنى: الموسوس، والخنّاس صفة أخرى، وليس مضافاً إليه.
في الرواية في مصادر الفريقين: >إنَّ الشيطان جاثمٌ على قلب كلّ إنسان، فإذا ذكر الله خنس، وإذا غفل وسوس<(2). والوسوسة كلام يشعر به الإنسان ــــــــــــ[95] ــــــــــــ
(1) أُنظر: شرح ابن عقيل 3: 46، الإضافة.
(2) أُنظر نحوه: عدّة الداعي: 192، الالتزام بالدعاء وإن فقد بعض شرائطه، والمصنّف لابن أبي شيبة 8: 196، كلام ابن عباس، الحديث: 5، وفتح الباري 8: 570، سورة: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، وجامع الأصول في أحاديث الرسول، لابن الأثير 2: 445، سورة المعوّذتين.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
في ذاته. لذا يقول الشاعر:
إنَّ الكلامَ لفي الفؤادِ وإنَّما جُعلَ اللسانُ على الفؤادِ دليلاً(1)
فالإنسان يستطيع أن يتحدّث مع نفسه، ويشعر كأنَّ أحداً في باطنه يتحدّث معه، فإذا كان هذا الحديث باطلاً، فهو من الوسوسة.
ومحلّ الشاهد: أنَّ عمل الشيطان ليس الوسوسة فقط، بل يعمل أعمالاً عديدةً في باطن النفس، ولذا كانت الاستعاذة من شرِّه مطلقاً، وليس الأمر خاصاً بالوسوسة.
سؤال: إنَّه قد يشعر الفرد بأنَّ الاستعاذة من خصوص الوسوسة، لا من مطلق أعمال الشيطان؛ وذلك من قبيل قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}(2) أي: أحمده بهذه الصفة ولأجل كونه فاعلاً لهذا الفعل، وإلّاَ فمن الناحية اللغويّة والعرفيّة إنَّ (الذي) صفة، والله موصوف، ولا دخل له بهذه الجهة.
إلّاَ أنَّ الإشعار العرفي هو أنَّ الحمد بهذا السبب، وفي القرآن الكريم والأدعية والسيرة اللغويّة شواهدٌ كثيرةٌ على ذلك.
فهل تنطبق مثل هذه الفكرة على قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ}، أي: من حيثيّة الوسوسة دون غيرها؟
جوابه من وجوه:
أوّلاً: أنَّه يمكن فهم الإطلاق من كلمة (شرّ) في الآية الكريمة، وهي عامّة لكلِّ الشرور وغير خاصة بالوسوسة.
ــــــــــــ[96] ــــــــــــ
(1) من قصيدةٍ للشاعر الأموي الأخطل.
(2) سورة إبراهيم، الآية: 39.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثانياً: إيجاد الفرق بين هذه الآية وتلك؛ من حيث إنَّ قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ} مشعر بالخصوصيّة؛ لوجود اسم الموصول (الذي)، وهو لا يوجد في الآية التي نتحدّث عنها.
إذن فهذا الاستشعار غير لازم.
ثالثاً: أنَّ أهمّ وأوضح أعمال الشيطان هي الوسوسة؛ باعتبار أنَّها ممّا يسمع ويشعر بها الفرد، دون باقي أعمال الشيطان، فليس من المستبعد أن تكون مقصودةً وحدها، بعد التنزّل عن الوجهين السابقين.
رابعاً: أنّنا ينبغي أن نلتفت إلى أنَّه ليس في الآية مفهوم مخالفة(1) بحيث يقال: إنَّ الاستعاذة فقط من الوسوسة دون غيرها، ومعه لن يكون المعنى نفي الاستعاذة عن غيرها على أيّة حال.
خامساً: نعرضه كأُطروحة، باعتبار احتمال كون الاستعاذة من الوسوسة هي الأساس والسبب الرئيس لدفع الشرور الأُخرى، فإذا اندفعت انسدَّ الباب عن أعمال الشيطان الأُخرى.
****
قوله تعالى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ}:
يوجد إشكال في هذه الآية الكريمة، لعلَّ المفسّرين لا يجيدون الجواب عنه، وهو ما إذا كان الشيطان يخدع الإنسان والجنّ معاً، حيث قالوا: إنَّه لا يوسوس إلّاَ للإنس، فهل هذا صحيح؟
ــــــــــــ[97] ــــــــــــ
(1) مفهوم المخالفة: ما كان الحكم فيه مخالفاً للحكم الموجود في المنطوق. راجع. معالم الدين: 230، المطلب الثامن: قياس الأولويّة، وأُصول الفقه للمظفّر 1: 157، أقسام المفهوم.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قال الطباطبائي في >الميزان<: {مِنَ الجنّة وَالنَّاسِ} بيان للوسواس الخنّاس(1).
أقول: مع العلم أنَّ بينهما فاصل آية كاملة، فيكون المعنى على تقدير صحّته: أنَّ الشيطان الذي هو من الجنّة والناس يوسوس في صدور الناس، أي: البشر فقط.
وقال: وفيه إشارةٌ إلى أنَّ مِن الناس مَن هو ملحقٌ بالشياطين و في زمرتهم، كما قال تعالى: {شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ}(2)(3).
أقول: فكأنَّ الاستعاذة تكون من كلا هذين القسمين.
وجواب ذلك – ولو كأُطروحة احتماليّة-:
أنّنا قلنا: إنَّ الوسواس هو حديث النفس، وهذا قرينة على أنَّ من يقوم به هو الشيطان بالمعنى المعروف؛ فإنَّ شياطين الإنس لا يوسوسون، وإنّما يتحدّثون بكلامٍ مسموعٍ، فلا يكون وسواساً، مضافاً إلى أنَّ الخنّاس هي صفةٌ للشيطان، وشياطين الإنس لا يخنسون.
إذن فشياطين الإنس غير مقصودين من السورة، بل لابدَّ – بهذه القرائن المتصلة- من حمل {الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} على الجنّ؛ لأنَّ الشيطان {كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}(4).
ــــــــــــ[98] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 397.
(2) سورة الأنعام، الآية: 112.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 397.
(4) سورة الكهف، الآية: 50.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وهذا يدلّنا على أنَّ السياق ينفي ما قالوه من: أنَّ الشيطان يؤثّر على الإنسان فقط، بل إنَّه يوسوس في صدور الناس الذين هم {مِنْ الجنّة وَالنَّاسِ} فالجِنّة والناس ليست صفة منقطعة للوسواس الخنّاس، كما قال صاحب >الميزان<(1)، بل هي صفةٌ متّصلة للناس.
قال في هامش العكبري(2): إنَّ إطلاق (الناس) على الجنّ غير مناسبٍ؛ وذلك لأنَّ الجن إنَّما سمّوا بذلك لاختفائهم، وإنّما سمّي الناس ناساً لظهورهم، وهذا تهافتٌ.
وجواب ذلك: أنّنا لا نسمّي الناس ناساً لظهورهم، بل لكونهم أفراداً متعدّدين يشكّلون طبقةً أو مجتمعاً أو نحو ذلك، وهذا موجودٌ في الجنّ والأنس معاً، على ما ينقل من صفاتهم. هذا أوّلاً.
وثانياً: أنَّ الاستعمال يمكن أن يكون مجازيّاً في إطلاق الناس على الجنّ، بعد وجود قرائن سياقيّة عليه.
فإن قلت: إنَّ الشيطان لا يوسوس في صدور الجنّ؛ لأنَّه لا يناسب معهم؛ وذلك لأمرين:
الأمر الأوّل: لأنَّه ليس عدوَّهم، وإنَّما هو عدوّ آدم وذريّته بنصّ القرآن(3)، ولم يذكر القرآن أنَّه عدوّ الجنّ.
ــــــــــــ[99] ــــــــــــ
(1)الميزان في تفسير القرآن 20: 397.
(2) أُنظر: أُنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل للرازي (صاحب مختار الصحاح): 602، سورة الناس.
(3) كما قال سبحانه في سورة فاطر، الآية: 16: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأمر الثاني: أنَّ الجن يرونه، أعني: الشيطان، والإنس لا يرونه. قال تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ}(1).
وإذا رآه الجنّ استطاعوا أن يهربوا منه لئلا يخدعهم، بينما الإنسان لا يستطيع ذلك؛ لأنَّه لا يراه، بل يسمع كلامه ويطيعه؛ لأنَّه مناسبٌ لشهواته.
قلت: أمّا أوّلاً: فصحيح أنَّ الشيطان عدوٌّ لآدم وذريّته، ولكن يمكن القول بأنَّه عدوٌّ لأهل الإيمان خاصَّة أيّاً كانوا -من الملائكة أو من الجنّ أو من البشر أو من أيّ خلق الله-.
إذن فهو عدوّ مؤمني الجنّ؛ لأنَّهم يؤمنون بعدوّه، وهو الله سبحانه وتعالى، وكلّ مؤمنٍ بعدوٍّ فهو عدوٌّ، كما قيل في الحكمة: >عدوّك ثلاثة: عدوّك وعدوّ صديقك وصديق عدوّك<(2).
ويكون بين مؤمني الجنّ والشيطان عداوة؛ لأنَّهم مخلصون لله عزّ وجلّ، وليس في القرآن مفهوم مخالفة من هذه الجهة يدلُّ على أنَّه عدوُّ للبشر وليس عدوّاً للجنّ.
إذن فعداوته للجنّ ممّا لا مانع منها كأُطروحة.
وأمّا ثانياً: فإنَّ الأمر الثاني خطلٌ من القول؛ فإنَّ الإنسان لا يهرب ممّن يخدعه من البشر بالرغم من أنَّه يراه، بل يعتبره ناصحاً له وموجّهاً؛ لأنَّه موافقٌ لرغباته ونفسه الأمّارة بالسوء.
ــــــــــــ[100] ــــــــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 27.
(2) راجع: شرح نهج البلاغة (لابن ميثم البحراني): 1001، باب المختار عن حكم أمير المؤمنين، الحكمة: 279.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فإذا اعترف الطباطبائي بوجود شياطين من الإنس – وهم أعداء كشيطان الجنّ- إذن فالهرب من كلا الجنسين قد لا يكون متحقّقاً.
بل ظاهر القرآن الكريم أنَّ الشياطين من كلا الجنسين يخدعون كلا الجنسين. قال تعالى: {شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً}(1)، وهذا يعني: أنَّ الصورة التي نعتبرها غريبة لها نحوٌ من التحقّق أيضاً، وهي مكر الإنس بالجنّ وخداعهم لهم، وظاهر الآية الكريمة أنَّ ذلك لا يقتصر على مؤمني الجنّ، بل على شياطينهم أيضاً.
الوجوه الأعرابيّة للآية الكريمة:
قال أبو البقاء العكبري: قوله تعالى: {مِنَ الجنّة وَالنَّاسِ} قيل: هو بدل من شرِّ، أي: من شر الجنّة(2).
أقول: اعتَبَره بدلاً؛ لكون الواو العاطفة غير موجودة، فلم يعتبره معطوفاً.
وقوله: (قيل)، أي: إنَّه قابل للمناقشة؛ وذلك لأنَّ البدل هو لفظ انفرادي، وأمّا كون الجارّ والمجرور بدلاً فهو على خلاف القاعدة.
وإذا سقط ذلك، فيمكن أن يكون معطوفاً بحذف حرف العطف، إذا فهمنا أنَّه مربوطٌ بالشرّ، فيكون بتقدير أمرين: الواو العاطفة وتكرار الشرّ، فيكون المعنى: ومن شرِّ الجنّة ومن شرِّ الناس.
وقال العكبري أيضاً: وقيل: بدل من ذي الوسواس؛ لأنَّ المُوَسْوِسَ من ــــــــــــ[101] ــــــــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 112.
(2) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 298، سورة الناس.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الجنّة(1).
أقول: هنا عنوان البدليّة غير وارد؛ لأنَّه جارٌّ ومجرورٌ كما ذكرنا، ويمكن أن يكون صفةً أو حالاً أو معطوفاً بحذف حرف العطف.
وقيل: هو حالٌ من الضمير في يوسوس، أي: يوسوس وهو من الجن(2).
أقول: أي حال كونه من الجنّة والناس، فيكون المعنى: من شرِّ الوسواس الخنّاس الذي يوسوس، وهو إمّا من الجنّة وإمّا من الناس، أي: الموسوِس لا الموسوَس له، وهو ينطبق على أحد المعاني التي ذكرناها.
وقال: وقيل: هو بدل من الناس، أي: في صدور الجنّة … وقيل: (من الجنّة) حال من الناس(3).
أقول: يكون المعنى: أنَّه يوسوس في صدور الناس من الجنّة والناس: أمّا بمعنى كون الناس موصوفين بكونهم من الجنّة والناس، وأمّا أنَّه بدلٌ من الجنّة والناس، أو حال كونهم من الجنّة والناس، فذلك كلّه محتمل. ومعناه: أنَّه سبحانه سمّى الجنّ ناساً، كما سمّى الناس ناساً، أعني: البشر، وذلك لا ضير فيه، كما سمّاهم نفراً ورجالاً.
وقال العكبري أيضاً: وأطلق على الجنّ اسم الناس؛ لأنَّهم يتحرّكون في مراداتهم، والجنّ والجنّة بمعنى(4).
ــــــــــــ[102] ــــــــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 298، سورة الناس.
(3) المصدر السابق.
(4) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أقول: وهذا يعني بلغتنا الحديثة أُموراً، منها:
أوّلاً: أنَّهم ذواتٌ عاقلةٌ ومختارة.
وثانياً: أنَّهم أيضاً ينقسمون إلى ذكور وإناثٍ بحسب النقل الأكيد، كما أنَّهم يعيشون – بالتقريب لا بالتحديد- مثل معيشتنا.
فإذا كان الأمر كذلك، فهم {رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ}(1) وليس النساء من الجنسين.
والحقُّ: أنَّ الاستعاذة ليس بشيءٍ من الخلق، بل بالخالق جلّ شأنه؛ لأنَّ الاستعاذة بالخلق نتيجتها الفشل {فَزَادُوهُمْ رَهَقاً}(2) وكذلك الاستعاذة بالجنّ، بل بأيِّ مخلوقٍ؛ فإنَّ من استعاذ بغير الله فإنَّه يُوكلُ إلى مَن استعاذ به ويفشل بطبيعة الحال؛ لأنَّه لا يملك لنفسه دفعاً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، وإنَّما {أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ} أي: بالله لا بأحدٍ سواه.
سؤال: إنَّه من الملاحظ أنَّ النسق في سورة الناس فيه كلمتان: الناس والخنّاس، والناس مكرّرةٌ أربع مرّات، فلماذا حصل ذلك؟
جوابه: له عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: قصور اللغة أحياناً، كما أشرنا في المقدّمة؛ فإنَّه لا توجد كلمةٌ ثالثةٌ تختم بالحروف الثلاثة (ناس)، فتعيَّنت الحاجة إلى التكرار.
الوجه الثاني: التأكيد من حيث اقتضاء المصلحة له، يعني: أن يكون ــــــــــــ[103] ــــــــــــ
(1) سورة الجنّ، الآية: 6.
(2) سورة الجنّ، الآية: 6.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
المقصود في الجميع واحداً؛ باعتبار ذكر الله سبحانه: (ربّ الناس، ملك الناس، إله الناس).
الوجه الثالث: أنَّ الكلمة وإنْ أُريد بها معنىً واحداً، إلّاَ أنَّه بقيدها تصبح ذات معنى آخر؛ لأنَّهم قالوا في الأصول: إنَّه يتكوّن من النسبة الناقصة مفهومٌ جديدٌ مقيَّدٌ، وهذا من مواردها(1).
ــــــــــــ[104] ــــــــــــ
(1) أُنظر: فوائد الأصول 1: 116.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ
سورة الفلق
وفي تسميتها نفس الأُطروحات التي سبقت في سورة الناس، فراجع وطبّق.
وهي أقلُّ نسقاً من سورة الناس؛ لأنَّ فيها حرف القاف والباء والدالّ في نهايات الآيات، ولكنّها متّحدةٌ في الروي، وهو فتح ما قبل الآخر، مضافاً إلى الوقف بالسكون عند نهايات الآيات، كما هو مستحبّ شرعاً.
والفَلْق – بالسكون- مصدرٌ يُراد به التفريق بين جزئين من شيءٍ واحدٍ. قال الراغب: الفَلْق شقُّ الشيء وإبانة بعضه عن بعض، يُقال: فلقته فانفلق. قال تعالى: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ}(1) {إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى}(2) {انفَلَقَ فَكَانَ كلّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}(3)(4).
والفَلَق – بالفتح-: صفةٌ مشبّهةٌ بمعنى: اسم المفعول، أي: مفلوق، كالقصص بمعنى: المقصوص(5).
أقول: ويمكن أن يتّخذ معنى الفلق في السورة أحد أُمور ثلاثة:
الأوّل: فلق الصبح؛ باعتبار أنَّ ضوء الفجر يفلق ظلام الليل ويقسمه ــــــــــــ[107] ــــــــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 96.
(2) سورة الأنعام، الآية: 95.
(3) سورة الشعراء، الآية: 63.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 399، مادة (فلق).
(5) الميزان في تفسير القرآن 20: 392، سورة الفلق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إلى قسمين.
الثاني: الخلق أو الوجود؛ لأنَّ الوجود يفلق العدم ويبدّده.
الثالث: جبٌّ في جهنّم يتعوّذ أهل النار من شدَّة حرّهِ، على رواية ضعيفة ذكرها في >مجمع البيان<(1).
ونستفيد من المعنى الأوّل: أنَّ رب الفلق أيِّ: ربّ الصبح أو الفجر. وهذا الوقت لعلّه أفضل الأوقات من الناحيتين الدنيويّة والأُخرويّة.
أمّا من الناحية الدنيويّة فباعتبار أنَّ انفلاق الفجر أمرٌ عجيب؛ إذ يحصل الضوء في ظلامٍ دامسٍ، ثُمَّ يتدرّج إلى أن يصبح نهاراً، وتتكرّر هذه الحالة في كلّ يوم، ففي ذلك عبرةٌ وفضلٌ من الله تعالى.
وأمّا من الناحية الأُخرويّة فلما هو معروفٌ في الشريعة من أنَّ ما بين الطلوعين أفضل الأوقات للتوجّه والذكر والدعاء.
أمّا على المعنى الثاني فيكون المعنى: ربِّ المخلوقات كلِّها أو ربِّ كلّ شيءٍ أو ربِّ العالمين.
والمعنى الأوّل وإنْ كان أقرب إلى الذوق، ولكن فيه نقطتا ضعفٍ:
النقطة الأُولى: أنَّه أضيق من المعنى الثاني، وعلى هذا يكون المعنى الثاني- من الناحية الاعتباريّة- أنسب بالله سبحانه.
النقطة الثانية: أنَّ محصَّل الآية في المعنى الأوّل يكون: أعوذ بربِّ الصبح من شرِّ الخلائق كلِّها، فتكون هنا الإشارة إلى الذات بذكر مزيَّةٍ لها، وهي ــــــــــــ[108] ــــــــــــ
(1) مجمع البيان 10: 866، سورة الفلق نقلاً عن تفسير علي بن إبراهيم 2: 449، ورواه الزمخشري في الكشّاف 4: 825، سورة الفلق، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن 19: 358، سورة المطفّفين، و20: 254، سورة الفلق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
انفلاق الفجر.
بينما يكون التناسب بين الآيتين -بناءً على المعنى الثاني- ألطف وأكثر انسجاماً، أي: أعوذ بالخالق نفسه الذي هو أعلم بالمخلوقات كلِّها من شرِّ المخلوقات كلِّها في الدنيا والآخرة، فتكون الاستعاذة أنسب بالله سبحانه وتعالى.
وهنا قد يقال: إنَّ الشرَّ غير موجودٍ في الخليقة، فهل يستعاذ من شيء غير موجود؟
وجواب ذلك: أنَّ للفلاسفة في تفسير الشرِّ عدّة آراء، نذكر أهمها:
الرأي الأوّل: أنَّ الخير والشرَّ موجودان، والله تعالى خالق الخير والشرِّ، وقادر على كلّ شيء، أي: على كلّ من الخير والشرِّ(1).
وفي بعض الأخبار في وصف الله سبحانه أنَّه >خالق الخير والشرّ<(2).
فإن قلت: إنَّهم قالوا في علم الكلام: إنَّ الله خيرٌ محض، والخير لا يصدر منه إلّاَ الخير، ولا يمكن أن يصدر منه الشرّ؛ لضرورة التناسب والسنخيّة بين العلَّة والمعلول، كما قرّر الفلاسفة، فالشرُّ سواء كان وجوديّاً أم عدميّاً، لا يمكن صدوره من الخالق؛ لأنَّه خيرٌ محض(3).
جوابه: أنَّ هذا قابل للمناقشة من أكثر من وجهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ الله سبحانه لا يمكن أنْ نسمّيه خيراً محضاً، والآية: ــــــــــــ[109] ــــــــــــ
(1) أُنظر: الباب الحادي عشر مع شرحه: 106، باب قدرته تتعلّق بجميع المقدورات، إشراق اللاهوت: 269، المبحث الثالث: أنَّه تعالى قادرٌ على القبيح.
(2) المحاسن 1: 25، ثواب التمجيد، و283، باب خلق الخير والشرّ، والكافي 1: 154، باب الخير والشرّ، الحديث: 3.
(3) أُنظر: شوارق الإلهام 1: 53، المسألة السابعة، وتجريد الاعتقاد: 107، أحكام الوجود، وكشف المراد: 20، المسألة السابعة في أنَّ الوجود خيرٌ.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
{فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً}(1) لا تدلُّ على ذلك، بل هي بمعنى: أنَّه سبحانه خيرٌ الحافظين.
الوجه الثاني: أنَّ الفلاسفة لم يقولوا: إنَّه خيرٌ محضٌ، بل قالوا: إنَّه وجودٌ محضٌ، أي: وجودٌ بلا ماهيّةٍ، وبسيطٌ غير مركّب(2).
وأمّا كونه خيراً فهذا مترتّب على كون الوجود خيراً، وليس بشرٍّ، وهذا مترتّب على أن الشرَّ عدمٌ، وليس بوجودٍ، في حين أنّنا نتكلّم في هذا الوجه الأوّل بناءً على أنَّ الخير والشرَّ معاً موجودان.
الوجه الثالث: أنَّه اتّضح التناسب بين العلّة والمعلول، وهو الاشتراك في الوجود للخير والشرِّ معاً.
الوجه الرابع: أنَّ عنوان الخير وعنوان الشرِّ كلاًّ منهما مفهومُ انتزاعي ذهني، وليس أمراً خارجيّاً، كما سنذكر، وما هو موجود إنّما هو الموجود الخارجي خاصة.
الرأي الثاني: ما قرّبه الشيخ المظفّر+ في محاضراته: من أنَّ الخير وجودٌ والشرّ عدمٌ، والقدرة والإرادة والمشيئة إنّما تتعلّق بالوجود لا بالعدم، والعالم الخارجي إنّما هو وجودٌ، وهو كلُّه خيرٌ وليس بشرٍّ؛ لأنَّه تعالى لم يخلق إلّاَ الخير(3).
وكان يمثّل لذلك: أنَّ شخصاً ضُرب بسكّين فسال الدم، فوجود الدم خيرٌ ووجود اللحم خيرٌ ووجود الليونة في اللحم بحيث أصبح قابلاً للقطع خيرٌ أيضاً، ووجود السكّين خيرٌ، وقدرة الضارب على الحركة خيرٌ، أمّا الشيء ــــــــــــ[110] ــــــــــــ
(1) سورة يوسف، الآية: 64.
(2) أُنظر: لوامع الحقائق (للاشتياني) 1: 17، وشرح المنظومة (للشهيد المطهّري) 1: 42.
(3) أُنظر: الفلسفة الإسلاميّة: 80-81، أثر الآراء اليونانيّة على أفكار المسلمين.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
العدمي الذي شرّ، فهو انفصال أحد الجزئين عن الآخر بالضربة. وكذلك الموت هو أمرٌ عدمي؛ لأنَّه انفصال الروح عن البدن.
وينتج من ذلك: أنَّ الشرّ مادام عدماً فإنَّه لا تتعلّق به القدرة والمشيئة، وإنّما تتعلّق بما هو موجودٌ؛ لأنَّ العدم لا يمكن أن يوجد بما هو عدمٌ. وعالم الخارج ليس صقعاً للعدم، وإنّما هو صقعٌ للوجود خاصة.
وهذا لا ينافي ما قلناه من: أنَّ الله تعالى على كلّ شيءٍ قديرٌ؛ لأنَّ العدم هنا ليس عدماً محضاً بالمعنى الفلسفي، بل هو بمعنى: النقص، وإيجاد الناقص معقولٌ من حيث كونه موجوداً؛ فالله تعالى قادرٌ على العدم بقدرته على الموجودات.
الرأي الثالث: أنَّ الخير والشرَّ أمران انتزاعيّان ذهنيّان، أو قل: إنَّهما قيمتان أخلاقيّتان مدركتان للذهن، وأمّا الخلقة الخارجيّة فلا خير ولا شرّ، وإنَّما هي وجود.
والقيمة الأخلاقيّة الانتزاعيّة تختلف باختلاف الجانب الحاكم بتلك القيمة، ويوجد في باطن الإنسان عدّة ملاكات مقيّمة للأشياء، لا أقلَّ من أمرين:
الأوّل: العقل العملي، وهو حاكمٌ عادلٌ، وكلُّ قضاياه صادقة، ركزه الله تعالى فينا لنفعنا وهدايتنا، وليس فيه خطأٌ، وهو الذي يحكم بحسن العدل وبقبح الظلم.
وكان الشيخ المظفّر+ ينزله إلى معنى حكم العقلاء(1)، ولكنّني أراه فوق ذلك، بحيث لو زال العقلاء كلُّهم بقي ذلك الحكم صادقاً في نفسه.
ــــــــــــ[111] ــــــــــــ
(1) أُصول الفقه 2: 277، الباب الأوّل: المستقلّات العقليّة، العقل العملي والنظري.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فالعدل يعود إلى الخير بهذا اللسان الذي نتكلّم عنه، والظلم يعود إلى الشرِّ بهذا اللسان أيضاً.
الثاني: النفس الأمّارة بالسوء، وهي حاكمٌ باطلٌ وكلُّ قضاياها باطلة، على العكس من العقل العملي، فهي ظالمةٌ ومظلمةٌ، وليس فيها حقٌّ إطلاقاً. وهي قد تصبح ربَّاً لصاحبها إذا {اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}(1)، فهذا التقييم الضّالُّ والمضلُّ هو الذي أفسد البشريّة من لدن آدم إلى يوم القيامة، إلّاَ على تقاديرٍ من رحمة الله تعالى.
والفرق بين هذين المقيّمين أُمور:
الأمر الأوّل: أنَّ أحكام العقل محدودة في الأُمور القطعيّة، ولا أقلُّ من حصول الاطمئنان العرفي بشيء بأنَّه عدل أو ظلمٌ. وأمّا في صورة الشكّ والتعارض والتزاحم ونحوها فلا حكم للعقل.
ومن هنا قيل: إنَّ العقل غير صالح بمجموع أحكامه لقيادة المجتمع البشري؛ لأنَّه قليل الأحكام، في حين أنَّ الفرد يحتاج في كثيرٍ من خصائص حياته إلى البتِّ والفتوى في كثير من الموارد.
في حين أنَّ النفس تتدخّل في الصغيرة والكبيرة، وتحكم على أيّ شيء يطرأُ عليها، فأحكام العقل أقلُّ من أحكام النفس.
الأمر الثاني: أنّنا نجد نحوَ عداوةٍ بين العقل والنفس وتنافياً في أحكامها، فما ترغب به النفس يمجّه العقل، وما يمجّه العقل ترغب به النفس.
بل يمكن القول: إنَّ كلّ ما هو عدلٌ في العقل العملي هو على خلاف ــــــــــــ[112] ــــــــــــ
(1) سورة الفرقان، الآية: 43، وسورة الجاثية، الآية: 33.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
حكم النفس، وكلُّ ما هو وفق الشهوة النفسيّة – بما فيها المحرّمات والمكروهات- فهو ظلمٌ بنظر العقل بطبيعة الحال.
إذن بينهما تعارضٌ وتعادٍ في أغلب الأحكام بل كلّها.
الأمر الثالث: أنَّ هناك عداءً بين النفس والله تعالى؛ في حين أنَّ العقل إلى جانب الأحكام الإلهيّة، وأمّا النفس فهي ضدّها وتمجّها وتفضّل الحرّيّة عن مسؤوليّاتها، في حين أنَّ العقل ليس كذلك بل هو (عبد) لله عزَّ وجلَّ. وفي الحديث القدسي: >وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحبُّ إليَّ منك، ولا أكملتك إلّاَ فيمن أحبّ. أما إنَّي إيّاك آمر، وإيّاك أنهى، وإيّاك أُعاقب، وإيّاك أُثيب<(1).
والعقل يمضي كلّ الأحكام الشرعيّة، وكلُّها موافقة للعقل حتّى قيل بالملازمة بين أحكام العقل وأحكام الشرع، ولم يقل أحدٌ بالملازمة بين حكم النفس وحكم الشرع، بل الرشد بخلاف النفس وعصيانها؛ لأنَّ الرشد في خلافٍ دائمٍ مع أعداء الله أينما وجدوا.
والملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع وانْ لم تثبت عندي في علم الأصول، ولكنّنا – خارجاً- لم نجد حكماً عقليّاً إلّاَ وعلى طبقه حكمٌ شرعيٌّ إلزاميٌّ أو استحبابي، كما لم نجد حكماً شرعيّاً إلّاَ على طبقه حكمٌ عقليٌّ بالرجحان، وأنَّ تطبيقه موافقٌ للعدل.
هذا كلُّه بمنزلة الكبرى في قوله تعالى: {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ}.
فالاستعاذة ليس ممّا خلقه الله تعالى، بل من شرّهم؛ فإن وجودهم ــــــــــــ[113] ــــــــــــ
(1) الكافي 1: 10، كتاب العقل والجهل، الحديث1، أمالي الصدوق: 504، المجلس الخامس والستّون، الحديث: 5، المحاسن 1: 192، باب العقل الحديث: 6.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وذاتهم نعمةٌ وخيرٌ، فلا يستعاذ منه، وإنّما يستعاذ ممّا قد يأتي منها من سوءٍ ونقصٍ.
سؤال: هل الاستعاذة عامّة لجميع الناس؟
جوابه: إنَّما هي لمن يجمع بين خوف الله وخوف الخلق، وهم الأعمُّ الأغلب من الناس، أمّا الذين يتمحَّضون في الخوف من الله فهم يخشون الله {وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ}(1) ولا يخافون من شرِّ ما خلق الله سبحانه، فتكون هذه الاستعاذة بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع.
ولكن مع ذلك نقول: إنَّ القرآن أُنزل لكي تستفيد منه كلّ الطبقات.
سؤال: ما هو الفرق في الاستعاذة في المعوّذتين؟
جوابه: الاستعاذة في سورة الناس من الشيطان فقط، بينما الاستعاذة هنا من سائر ما خلق الله، فموضوع سورة الفلق أعمُّ من موضوع سورة الناس.
سؤال: ما هو شرُّ ما خلق؟
جوابه: له عدّة تفسيرات تختلف باختلاف المعاني السابقة:
الأوّل: الشرُّ الذي خلقه الله تعالى، بناءً على اختيار الرأي الذي يقول بأنَّ الشرَّ موجود.
الثاني: النقص الذي خلق، بناءً على أنَّ الشرَّ هو النقص والعدم، سواء كان هذا النقص اختياريّاًً، وهو الذنب، أو غير اختياري، وهو الشامل لسائر الخلق العاقل وغيره.
الثالث: الفعل الاختياري، ولعلّه الأقرب إلى المعنى العرفي.
فإنَّ الفعل الاختياري منسوبٌ إلى فاعله، كما حُقق في محلّه، فتكون ــــــــــــ[114] ــــــــــــ
(1) سورة الأحزاب، الآية: 39.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الإضافة في قوله الله تعالى: {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} إضافة منشئيّة، وما خلق أعمُّ من كلّ فاعلٍ مختارٍ على هذا الوجه، فهو يشمل كلاًّ من الجنّ والملائكة وغيرهم.
وأمّا الله سبحانه وتعالى فلا يختار لنا إلّاَ الخير، سواء قلنا بأنَّ الشرُّ موجودٌ أو غير موجود. أمّا إذا نفينا وجوده فواضحٌ، وأمّا إذا أثبتناه فلأنَّ الرحمة سابقةٌ، فالقَدر الإلهي لكلِّ فردٍ إنّما هو في صالحه محضاً، كما قال الفلاسفة: ليس في الإمكان خيرٌ ممّا كان(1). وهو يشمل الكلَّ والبعض من الأفراد، وان لم ندرك ذلك.
وهذا لا يعني أن نقول: إنَّ التخطيط لمصلحته الدنيويّة، وإنّما هو لمصلحة كيان الفرد في الدنيا والآخرة. فإن حصل هناك تنافٍ بين المصلحتين اختار الله الأهمَّ في الحكمة، وهو في الأغلب مصلحة الآخرة، وان تخلَّفت مصالح الدنيا.
فليس في أفعال الله سبحانه شرٌّ، ولا يصحُّ الاستعاذة منها؛ لأنَّ الخلاص منها يوقع الفرد على خلاف الحكمة، بخلاف {شَرِّ مَا خَلَقَ} فإنَّه موجودٌ ويمكن الاستعاذة منه، ولذا يدعو بعضنا: كفانا الله شرَّ بني آدم.
****
قوله تعالى {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}:
قال الراغب: غسق الليل شدّة ظلمته، والغاسق الليل المظلم(2).
ــــــــــــ[115] ــــــــــــ
(1) أُنظر: الشفاء: 222، الفصل السادس: في العناية وبيان كيفيّة دخول الشرّ في القضاء الإلهي، ونهاية الحكمة: 313، الفصل الثامن عشر: في الخير والشر.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 373، مادّة (غسق).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أقول: حسب فهمي فإنَّ الغاسق أوّل الليل؛ لأنَّه الفاعل للظلمة الشديدة، وذلك فيما إذا ذهب الشفق – أي: الحمرة المغربيّة- وتمّ الظلام.
وقال الراغب: الوقب كالنقرة في الشيء، ووقب إذا دخل في وقب(1).
أقول: يعني: إذا دخل في النقرة أو الثقب، ويستعمله الفقهاء في اللواط، وعن المرأة يعبّرون بالدخول حتّى لو كان دبراً.
سؤال: إنَّ قوله: {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} استعاذة عامّة و: {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ…} الخ استعاذة خاصة، ألا تكفي الاستعاذة العامّة عن الاستعاذة الخاصة؟
جوابه: أنَّ في عطف الخاص على العامّ حكماً عديدة نذكر منها:
أوّلاً: ما ذكره صاحب الميزان من أنَّه: لزيادة الاهتمام(2).
وقد اهتمَّ في السورة بثلاثة أنواع من الشرِّ خاصة: هي شدَّة الليل إذا دخل، وشرِّ سحر السحرة، وشرِّ الحاسد إذا حسد؛ لغلبة الغفلة فيهنَّ.
ثانياً: لأنَّ هذه الثلاثة أشدُّ الشرور المتصوّرة عادةً.
ثالثاً: أنَّها اغلب من غيرها باعتبارها أكثر مصادفة للإنسان.
رابعاً: أنَّها أسباب الشرِّ، فيكون سبب الشرِّ شرّاً، وهذا أوفق بالسياق، فتكون الاستعاذة من شرِّ الخلق، ومن شرِّ سبب الشرِّ، وهي الليل والحسد والسحر، فتكون الاستعاذة من العلّة والمعلول معاً.
سؤال: ما هو الوجه في تقييد (غاسق) بـ(إذا وَقَبَ)؟
ــــــــــــ[116] ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 566، مادّة (وقب).
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 393، سورة الفلق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
جوابه: لأنَّ الليل إذا لم يدخل، فلا وجود له؛ ومن ثُمَّ فلا وجود للشرِّ الناتج عنه، والاستعاذة ليست من ذات الليل، بل من الشرِّ الحاصل فيه، أي: بعد دخوله. وبحسب التعبير الأدبي: هناك صورة متحرّكة: ضوء ثُمَّ ظلام، نهار ثُمَّ ليل.
سؤال: ما هو الوجه من استعمال (غاسق ووقب) بالخصوص دون: (مظلم ودخل) اللذين هما بنفس المعنى؟
جوابه: أنَّ كلا اللفظين (يعني: غاسق ووقب) يدلاّن على الشدِّة، فالأوّل يدلّ على شدِّة الظلام والثاني يدلّ على شدّة الدخول، وفي الآية إشعارٌ واضح بذلك، كأنَّ الليل يدخل على حين غفلةٍ ويسيطر، ولا يكون الفرد مستعداً للتلافي والدفع. ومن الواضح أنَّ الليل غالباً ليس كذلك، وهذا بنفسه يكون قرينةً على احتمال أن يكون المراد أمراً آخر غير الليل؛ فإنِّه ذكر الظلمة والغسق، ولم يذكر الليل، ومشهور المفسّرين أخذوا الجانب المادّي أو الدنيوي في الآية، والذي ينبغي أن يفهم أنَّ الظلام قد يكون مهمّاً ومن الدخول ما يكون مؤلماً.
ومن هنا تكون عدّة أُطروحات لفهم الغاسق ودخوله بشكل ينحفظ فيه سياق الآية:
الأُطروحة الأُولى: أن نفهم من الغاسق الليل وما فيه من وحوش ووحشة ولصوص وأمراض وحوادث، مع قلِّة إمكانيّة الفرد في الدفع، وانقطاعه عن الناس، أو كونه نائماً لا يعي أصلاً.
الأُطروحة الثانية: ظلام النفس والقلب؛ فإنَّه منتجٌ لكثير من البلايا، كالعصيان والأنانية وعدم سماع الموعظة والأمر بالمعروف.
وهذا الظلام أشدُّ على الإنسان من ظلام الدنيا، ولذا ورد عن الأئمّة ــــــــــــ[117] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الهداة (سلام الله عليهم): >اجعل نفسك عدواً تجاهده<(1)، وورد: >أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه<(2).
إن قلت: إنَّ ظاهر العبارة: أنَّه وقب حيث لم يكن كذلك، مع أنَّ ظلام النفس والقلب دائمٌ، فلا يكون مناسباً معه.
قلت: هذا له جوابان:
الأوّل: النظر إلى الفطرة الأصليّة للإنسان؛ فإنَّها خالية عن الظلمة. قال الله تعالى {فطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}(3) وورد أيضاً: >كلّ مولودٍ يولد على الفطرة حتّى يكون أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه<(4). أي: يجعلانه غافلاً ومن أهل الدنيا، فقد وقب فيها الظلام عندما تسبّبت أسبابه، أي: دخل على حين غرّة، بعد أن لم يكن فيها.
الثاني: قد يفرض أنَّ الفرد طيّب ونيّر القلب إلّاَ أنَّه قد يناله الظلام من أسبابٍ عديدةٍ، باطنيّة وظاهريّة، كالطعام والمعاشرة، فينتج شروراً وضيقاً يستعاذ منه.
الأُطروحة الثالثة: بلاء الدنيا من حوادثٍ ومرضٍ وفقر وموت حبيبٍ ــــــــــــ[118] ــــــــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 4: 410، الحديث: 5892، وتحف العقول: 304، وصيّته لعبد الله بن جندب.
(2) أمالي الصدوق: 553، المجلس الحادي والسبعون، الحديث: 9، ومعاني الأخبار: 160، باب معنى الجهاد الأكبر، الحديث:1.
(3) سورة الروم، الآية: 30.
(4) شرح الأخبار للقاضي للنعمان 1: 190، الحديث: 147، وأمالي المرتضى 4: 2، وصحيح البخاري 1: 465، الحديث 1319، وصحيح مسلم 8: 25، الحديث: 6926.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وغيرها، فإنَّها بالنسبة إلى طبقة من الناس بنفسها شرٌّ، وبالنسبة إلى طبقة أُخرى منتجة للشرِّ والمضاعفات النفسيّة والخارجيّة، ولا أقلّ من أن يكون ردَّ فعل الإنسان تجاهها غير مرضٍ لله عزَّ وجلَّ كالاعتراض عليه، فيكون المعنى: الدعاء بأن يعيذه الله من شرّ هذا البلاء.
الأُطروحة الرابعة: الغفلة، قال تعالى: {يعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}(1)، وهي بيت الداء وأصل خسران الآخرة، فيستعاذ منه.
وهذا البلاء الباطني مرفوعٌ عن المعصومين^. قال أمير المؤمنين: >لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً<(2) وقال: >ما رأيت شيئاً إلّاَ ورأيت الله قبله وبعده<(3).
****
قوله تعالى: {وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}:
النفث هو النفخ، وكانت الساحرات يقرأنْ طلاسم ويعقدنْ شيئاً وينفخنْ على العُقدة، حتّى تؤثّر التأثير المعيّن الذي يردنه.
سؤال: لماذا خصّت النساء بالذكر مع أنَّه ممكن للرجال أيضاً؟
ــــــــــــ[119] ــــــــــــ
(1) سورة الروم، الآية: 7.
(2) المناقب 2: 38، كشف الغمّة 1: 170، غرر الحكم: 119، إرشاد القلوب 2: 212، وبحار الأنوار 40: 153.
(3) مناقب آل أبي طالب 1: 317، باب المسابقة بالعلم، الطرائف (لابن طاووس): 512، في وصف علي بن أبي طالب، الفضائل (لابن شاذان): 137، خبر حرّة السعديّة مع الحجّاج، وإرشاد القلوب للديلمي 1: 247، الباب الثامن والثلاثون: في مدح الموقنين.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
جوابه: ما قاله صاحب الميزان+: لأنَّ السحر فيهنَّ ومنهنَّ أكثر من الرجال(1).
أقول: ويمكن أن تكون هذه الحصّة من السحر ممّا يتبّناه النساء أكثر من الرجال.
إلّاَ أنَّ هذا الجواب يصلح (أُطروحة) وإن كانت اجماعيّة بين المفسّرين.
إلّاَ أنَّه يمكن تقديم أُطروحات أخرى؛ لأنَّ الله تعالى استعمل معنىً قابلاً للانطباق على حصص متعدّدة، ولم يذكر العقد ما هي، ولا أنَّ النافث من هو، ولا أنَّ العقد شرٌّ، بل قد تكون خيراً، بل قد يكون النفث خيراً، لكنَّه لا يخلو من شرٍّ، كما سيأتي.
ومن هنا يمكن أن نعرض عدّة أُطروحات في معنى العقد والنفث منها:
الأُطروحة الأُولى: العقد هي ملكات السوء التي في الإنسان؛ باعتبار أنَّ الملكة هي الصفة الراسخة غير القابلة للانفكاك، فتشبه العقدة.
والنفث فيها هو التسبّب إلى بقائها وزيادتها، كالنفخ في النار لأجل زيادتها.
الأُطروحة الثانية: أن تكون العقد ملكات الخير للإنسان، والنفث فيها هو التسبّب لإضعافها وإزالتها.
الأُطروحة الثالثة: العقد هو السلوك الصالح للإنسان، وهو الاعتياد على طاعة الله سبحانه، والنفث فيه هو محاولة إفساد ذلك وتبديله.
ــــــــــــ[120] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 393، سورة الفلق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأُطروحة الرابعة: العقد هو السلوك الطالح للإنسان أو الحال السيّئ له دنيويّاً وأُخرويّاً، والنفث فيه هو معاونته ومحاولة زيادته(1).
فإن قلت: فإنَّك قلت في جانب الخير: إنَّ النفث هو التسبيب إلى نقصانه، وفي جانب السوء: إنَّ النفث هو التسبيب إلى زيادته.
قلت: أوّلاً: إنَّ هذا هو معنى الشرّ المنصوص عليه في الآية؛ إذ من الواضح أنَّ النفث الذي يزيد في الخير وينقص من الشرّ ليس شرّاً، بل هو خيرٌ.
ثانياً: إنّنا وإن سلّمنا شموله لمثل ذلك، وهو خيرٌ، إلّاَ أنَّه قد تحصل منه مضاعفات باطنيّة أو دنيويّة أو أُخرويّة، قليلة أو كثيرة، كتحميلنا قوّة الطاعة من الأمر بالمعروف ونحوه، فيستعاذ من شرّه.
الأُطروحة الخامسة: العقد هو عقد الصداقة والعهود بين الأشخاص أو المجتمعات، والنفث فيه هو التسبّب إلى إزالته، وقد لا يكون في زواله مصلحه، كما هو الغالب.
ــــــــــــ[121] ــــــــــــ
(1) فالتقسيم يكون على أحد شكلين:
أحدهما: أنَّ صفات الإنسان: إمّا صالحة وإمّا طالحة.
ثانيهما: أنَّ صفات الإنسان: إمّا ظاهريّة وإمّا باطنيّة، أي: (الملكات الحسنة والملكات الرديئة، فتكون معاني العقد أربعة حاصلة من ضرب 2×2).
والمراد بالملكة الصفة الراسخة في النفس فنعبّر عنها مجازاً بالعقدة؛ لأنّها صعبة الانفكاك، ومنها العقد النفسيّة (باللغة الحديثة). وكذلك يمكن أن نسمّي سلوك الإنسان (عقدة) إذا كان ملتزماً به ويمثّل شخصيّته وحياته: شرّاً أو خيراً، فالسلوك بمنزلة المعلول والملكات بمنزلة العلّة أي: إنَّ الملكات الحسنة تنتج سلوكاً حسناً، والملكات السيئة تنتج سلوكاً سيّئاً. فالنظر يكون إمّا من جانب العلّة، وإمّا من جانب المعلول، وكلّه من سنخ العقد؛ لترسّخه وقوته (منه+).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فإن قلت: العقد جمع عقدة، ولا يشمل العقد المعاملي.
قلت: أوّلاً: إنَّهما من مادّةٍ واحدةٍ، غاية الفرق في التأنيث والتذكير، وهو غير مهمٍّ.
ثانياً: إنَّه ورد التعبير في القرآن الكريم عن المعاملة بالعقدة في قوله تعالى: {الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}(1).
سؤال: لماذا أنّث النفّاثات، مع أنَّ التذكير اسم جنسٍ يشمل الذكر والأنثى؟
جوابه: أنّنا إذا فهمنا من النفّاثات الساحرات، كما عليه المشهور، إذن يتعيَّن التأنيث في التعبير، ولا يكون في هذه القضيّة مفهوم مخالفة، من حيث إنَّ الاستعاذة من النفّاثات يعني عدم الاستعاذة من النفّاثين، بل يقتضي ذلك بصفتهم شرّاً أيضاً.
وإن كان المراد منها الملكات والسلوك، فيكون المعنى: التسبّب إلى إنجاحها أو إبطالها، فيعود الإشكال مرّة أخرى، يعني: أن نقول: إنَّه ينبغي التذكير.
وتوضيح جوابه: أنْ نقول: إنَّ العلل في الكون كله ذات صفتين: الخير والشرّ، والفرق بينهما – نعرضه كأُطروحة -: إنَّ قوى الخير أقوى وأوسع في الكون بمجموعه من قوى الشرِّ، ونريد به مجموع الكون المادّي والروحي.
فلو نظرنا إلى الكون المادّي، فقد نجد أنَّ التسبيب إلى الشرِّ أقوى، كقوله تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ}(2)، فهم على ــــــــــــ[122] ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 237.
(2) سورة النمل، الآية: 48.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قلّتهم مفسدون في المدينة، ولكن لو نظرنا إلى الكون الروحي والمادّي معاً لقلنا: إنَّ الخير أقوى بكثير.
والكون الروحي وإن احتوى جزئيّاً على الشرِّ، إلّاَ أنَّه ضعيفٌ وقليلٌ. قال الله سبحانه: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}(1)، وقال: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إلّاَ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي}(2).
فالتسبب إلى الخير في مجموع الكون أضعافُ أضعافِ التسبيب إلى الشرِّ، والتسبيب إلى الشرِّ قليلٌ وضعيفٌ، فيعبّر عنه مجازاً بالأُنثى؛ لأنَّ الرجل أقوى من المرأة، فيكون المراد الاستعاذة من التسبيبات الضعيفة الموجودة في الكون للشرِّ، وفي الآية إشعارٌ واضحٌ للقلّة النسبيّة للنفّاثات.
وهو صحيحٌ؛ لضآلة أسباب الشرِّ بإزاء أسباب الخير، كما قلنا.
فإن قلت: لكنَّ في الآية إشعاراً بقوّة النفث وعمق أثره، فكيف قلنا: إنَّه ضعيف بإزاء قوى الخير؟
قلت: إنَّ ما قلناه في قوى الخير يشمل الكون المادّي والروحي معاً.
أمّا تأثيره على وجه الأرض فليس ضعيفاً ولا قليلاً، مضافاً إلى أنَّ قلّته لا تعني ضعفه وعدم تأثيره، فهو قليلٌ، لكنَّه شديدٌ.
وهذا هو الذي يشير إليه سياق الآية، أمّا دنيويّاً فلأنَّه يوجب شدّة الضيق، وأما أُخرويّاً فلأنَّه طريق جهنّم.
وبتعبيرٍ آخر: إنَّ سياق الآية يدلُّ على قوّة النفث وعمق تأثيره؛ باعتبار أنَّ الشرَّ عِلِّيٌّ غالباً، والخير اقتضائيٌّ غالباً.
ــــــــــــ[123] ــــــــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 76.
(2) سورة إبراهيم، الآية: 22.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: لماذا عرّف الله سبحانه النفّاثات، ونكّر ما قبلها وما بعدها وهما: الغاسق والحاسد؟
جوابه من وجهين:
الأوّل: ما ذكره الرازي في هامش العكبري حيث قال: لأنَّ كلّ نفّاثة لها شرٌّ، وليس كلّ غاسقٍ – وهو الليل – له شرٌّ، وكذا ليس كلّ حاسدٍ له شرّ، بل رُبَّ حسد محمودٍ، وهو الحسد في الخيرات(1).
أقول: فيراد بالنكرة -وهما غاسق وحاسد- ذلك الفرد منهما القليل المتّصف بالشرِّ.
الثاني: أنّنا هل نريد اشتراك الجميع في التعريف أو اشتراكها في التنكير؟ وكلاهما باطلٌ؛ لأنَّهما معاً مغيّران للسياق والذوق القرآني.
أمّا تنكير المعرّف -وهو النفّاثات- فهو باطلٌ بأن نقول: ومن شرِّ نفّاثات ما في العقد، وهو لا يعطي العموم المطلوب؛ لأنَّ القضية المهملة بمنزلة الجزئيّة، وعندها تكون القضية جزئيّةً، يعني: أعوذ من بعض النفّاثات، لا من الجميع.
وأمّا أن نقول: نفّاثات العقد، فهو يوحي – مضافاً إلى الإشكال السابق- بإضافة المفعول إلى اسم الفاعل، وأنَّ العقد هي النافثة، في حين أنَّها هي المنفوث فيها.
وأمّا احتمال تعريف المنكّر – وهو الغاسق والحاسد- كما لو قلنا: ومن شرِّ الغاسق إذا وقب ومن شرِّ الحاسد إذا حسد، فهذا كلُّه ليس بصحيحٍ؛ لأنَّ (الألف واللام) لهما معنيان: إمَّا جنسيّة وإمّا عهديّة، ونحن لا نريد كليهما.
ــــــــــــ[124] ــــــــــــ
(1) أُنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل: 601، سورة الفلق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فالجنسية غير مرادة؛ لأنّني لا استعيذ من الحاسد، بل من شرِّه، أي: ذلك الحاسد الذي يترتّب عليه الشرُّ، وليس من كلّ حاسدٍ، وهذا لا يكون بحسب السياق البلاغي إلّاَ عن طريق التنكير.
والعهديّة أيضاً غير مرادة؛ لأنَّ المعنى يكون: الحاسد المعيّن، أي: فلان بن فلان، في حين المراد الاستعاذة من أيِّ حاسد.
هذا بالنسبة إلى تعريف (حاسد)، ونفس الشيء ينطبق على تعريف (غاسق)، ونوكله إلى فطنة القارئ اللبيب.
سؤال: لماذا قال: (إذا حسد)؛ فإن مادّة الحسد مأخوذة من لفظ الحاسد، فيكون تكرارها بلا موجبٍ؟!
جوابه: أنَّ المراد: الاستعاذة من شرِّ الحسد، وهذا الشرُّ إنّما يترتّب على الحسد بعد وجوده لا قبله، فقوله: (إذا حسد) يعني: إذا تحقّق بحيث يترتّب عليه الشر.
فإن قلت: إنَّ هذا المعنى مفهومٌ من مادّة الحاسد، يعني بصفته حاسداً فعلاً.
قلت: كلّا، بل يُراد بالحاسد ذات الحاسد، لا بصفته حاسداً، كأنَّه قال: ومن شرِّ إنسانٍ إذا حسد، ولا يصدق على الفرد أنَّه حاسدٌ مطلقاً، إلّاَ إذا كان من عادته أو طبعه كثرة الحسد، وهو نادرٌ، في حين أنَّ المراد الاستعاذة من الجميع.
وكذلك فإنَّ المراد من قوله: (إذا حسد) الحسد المؤثّر، يعني: إذا أثَّر حسده، أو إذا حسد حسداً مؤثّراً، وأمّا غيره فلا شرَّ فيه، فلا موجب للاستعاذة منه. ومن الواضح أنَّ ذات الحاسد وإن لوحظ بصفته حاسداً، لم يؤخذ فيه كون حسده مؤثّراً، في حين أنَّ السياق واضحٌ بالاستعاذة من خصوص الحسد المؤثّر.
ــــــــــــ[125] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
سورة التوحيد
ينبغي الحديث عن الاسم، وهو طبقاً لما يشبه الأُطروحات السابقة يمكن أن يكون على عدّة أشكال محتملة:
الشكل الأوّل: الاسم المشهور، وهي سورة التوحيد؛ لأنَّها تحمل فعلاً معنى التوحيد، وقد ورد أنَّها تتضمّن أو تتكفّل نسبة الربّ(1).
الشكل الثاني: تسميتها باللفظ الذي تبدأ به، وهو {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} أو: {قُلْ هُوََ…} كما يعبّر بعضهم.
الشكل الثالث: تسميتها أو الإشارة إليها برقمها في المصحف، وهو السورة 112.
سؤال: تكاثرت الروايات من طرق الفريقين في أنَّ هذه السورة تعدل ثلث القرآن(2)، فما هو تفسير ذلك؟
جوابه: أنَّ له عدّة تفاسير محتملة:
التفسير الأوّل: أنَّها تحمل ثلث الثواب، أي: إنَّ لقارئها ثلث الثواب ــــــــــــ[129] ــــــــــــ
(1) الكافي 1: 91، باب النسبة، الحديث: 1 و2، معاني الأخبار: 140، باب معنى (إيّاكم أن تكونوا منّانين)، والتوحيد للصدوق: 93، بيانه في معنى الواحد والتوحيد، باب قل هو الله أحد، الحديث: 8.
(2) المحاسن 1: 153، باب من أحبّنا بقلبه، الحديث: 77، الكافي 2: 62، باب فضل القرآن، الحديث 7، صحيح البخاري 6: 2449، الحديث: 6267، وصحيح مسلم 2: 199، الحديث: 1922.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بالنسبة إلى من قرأ القرآن كلَّه.
التفسير الثاني: أنَّها تحتوي على ثلث علوم القرآن الكريم، الذي يحوي علوم الكون كلّه، وبذلك تكون الفاتحة أعلى منها؛ لأنَّها تحتوي على كلّ علوم القرآن كما سبق، وليس على ثلثها.
التفسير الثالث: أنَّ علوم القرآن -فيما نفهمه- تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عقائد وتشريع وتاريخ، والباقي كلّه يندرج ضمن هذه الثلاثة. أو قل: إنَّ علوم القرآن هي أُصول الدين وفروع الدين وأخبار، ويراد بالأخبار ما يشمل أخبار الماضي والحاضر والمستقبل، وكلّه من قبيل التاريخ بالمعنى العام، وهو بهذا المعنى يشمل أخبار الدنيا والآخرة.
إذن، فالسورة المباركة تتعرّض إلى واحدٍ من هذه العناوين الثلاثة، وهو التوحيد، ومن هنا صدق كونها ثلث القرآن.
فان قلت: أنَّ أُصول الدين خمسة، والتوحيد أصلٌ واحدٌ منها، فلا يكون التعرّض إلى التوحيد تعرضاً لأصول الدين كلّها ليكون ثلث القرآن؟
قلت: ما دلَّ على التوحيد دلَّ على كلّ العقائد؛ فإنَّ الأصول الأربعة الأُخرى مندرجة فيه؛ لأنَّ التوحيد أساسها، والله هو الذي أرادها وشرّعها وأوجدها.
وقد ورد عن الإمام الكاظم×: >اللّهمّ إنَّي أطعتك في أحبِّ الأشياء إليك وهو التوحيد، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك وهو الكفر، فاغفر لي ما بينهما<(1).
ــــــــــــ[130] ــــــــــــ
(1) إقبال الأعمال 1: 131، فصل 13، ما نذكره بعد العشاء الآخرة من شهر رمضان، ومصباح الكفعمي: 370.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: لماذا بدأت السورة بفعل الأمر: (قُلْ)؟
جوابه: المراد من السورة ليس هو الإخبار بأنَّ (الله أَحَدٌ)، وإنّما المراد الأمر بالإقرار بذلك؛ لكي يتّبع الفرد الهدى، ويشهد بالتوحيد، وهو
– بالطبع- يدلُّ ضمناً على صدق ما قاله، وإلّاَ كان الأمر به أمراً بالباطل، فهو أمرٌ وإخبارٌ في نفس الوقت.
وقلنا في كتابنا >فقه الأخلاق<: >إنَّ امتثال هذا الأمر يكون بأحد أُسلوبين:
الأُسلوب الأوّل: ما ورد عن الإمام الرضا(1) من أنَّه حين كان يقرأ آية: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، فإنَّه كان يقول بصوتٍ خافتٍ: {اللَّهُ أَحَد}، يعني: يكون ذلك امتثالاً لقوله: {قُلْ} والتزاماً بمضمونه.
الأسلوب الثاني: ما ورد في أخبار أُخرى من أنَّه يقول بعد الانتهاء من السورة: >كذلك الله ربّي<(2).
وبحسب فهمي فإنَّ أحد الأسلوبين مجزئٌ ومغنٍ عن الآخر، بل لا معنى للجمع بينهما – كما لا يخفى – وإن كان لا يخلو من وجه ضعيف(3).
وعلى أيٍّ حال، فمع ترك هذين الأسلوبين معاً، وذلك بقراءة السورة كما هي، فإنَّه سيكون السياق بلسان الله لا بلسان العبد، وهو لا ينفع العبد ما لم
يوافق على صحّته ويذعن بصدقه، وهو إنّما يعلن عن ذلك بأحد الأسلوبين
ــــــــــــ[131] ــــــــــــ
(1) عيون أخبار الرضا 1: 196، باب 44: أخلاق الرضا ووصف عبارته، الحديث: 5، وعنه الوسائل 6: 73، باب 20: ما يستحبّ أن يقال بعد قراءة الإخلاص، الحديث: 8.
(2) الكافي 1: 91، باب النسبة، الحديث: 4، توحيد الصدوق: 284، باب: 40، الحديث: 3.
(3) فقه الأخلاق 1: 163، كتاب الصلاة، الفقرة: 16.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
السابقين.
سؤال: إنَّ (قل) فعل أمرٍ ظاهرٌ في الوجوب، وحمله على الاستحباب خلاف الظاهر، فقد يقال: إنَّ علماء الكلام قالوا: إنَّ الإيمان بالعقائد لا معنى للتشريع فيه، وإنّما هي واجبةٌ بحكم العقل، والأوامر الواردة إنّما هي إرشادٌ إلى حكم العقل، والله تعالى ينبّه هنا على حكم العقل، فلا يجب علينا طاعة هذا الأمر؛ لأنَّه ليس تشريعاً، فلا يجب علينا اتّخاذ أحد الأسلوبين السابقين.
قلنا: هذا قابل للمناقشة:
أوّلاً: إنَّ ما طرق سمعك من أنَّ الأوامر إرشاديّة إنّما هو لخصوص وجود الله سبحانه، فهو سبحانه يُدرَك بالعقل، فإذا ورد عن الله بمضمون: (اعترف بوجودي) فإنَّما هو إرشادٌ إلى حكم العقل، وهذا صحيحٌ، ولكن سائر أُصول الدين ليست كذلك، حتّى التوحيد نفسه؛ فقد شهد الله سبحانه نفسه بتوحيده. قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(1).
فالله الذي ثبت بالعقل وجوده هو يخبرنا عن توحيده، وهذا – في الحقيقة – من أدلّة التوحيد.
إذن فالعبد في هذه السورة مأمورٌ تعبّداً من قِبل الله سبحانه بأن يذعن بتوحيده، فلا يكون الأمر إرشاديّاً، بل تشريعيّاً.
ثانياً: إنّنا لو تنزّلنا عمّا قلناه أوّلاً وسلّمنا أنَّ الأمر بالتوحيد أيضاً إرشادي – كالاعتراف بوجود الله سبحانه- عندئذٍ يكون أصل الدخول في الإسلام عقلي إرشادي إلّاَ أنَّ غرض السورة لا يكون هو الدخول إلى ــــــــــــ[132] ــــــــــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 18.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الإسلام، وإنّما هو لأجل أغراض أُخرى، كالصلاة والتبرّك ونحوها، فيكون: (قل) تشريعيّاً، حيث يقرؤها الفرد بألفاظها من أجل الاستفادة منها، فرجع الحال إلى كون الأمر تشريعيّاً لا إرشاديّاً.
سؤال: من هو المخاطب بـ (قُلْ)؟
جوابه: هناك عدّة أُطروحات لذلك، نذكرها من الأضيق إلى الأوسع:
أوّلاً: أنَّ المخاطب هو النبي’ بصفته المخاطب المباشر.
ثانياً: أنَّ المخاطب هو كلّ المسلمين، ولا خصوصيّة للنبي’.
ثالثاً: أنَّ المخاطب هم كلّ البشر؛ فإنَّ دين الله إنَّما هو لإصلاح البشر جميعاً، والقرآن لهدايتهم، حتّى لو كانوا كفّاراً.
رابعاً: أنَّ المخاطب كلّ الخلق، أي: كلّ أجزاء الكون من بشر وملائكةٍ وجنٍّ وأيِّ خلقٍ آخر؛ فإنَّ التوحيد غير مختصٍّ بطائفة؛ لأنَّه متعلّق بالخالق الأزلي الحقيقي، وهذه الصفة الحقيقيّة ينبغي فرضها وتوزيعها وسيطرتها على كلّ الخلق، وكلُّ من عصى فقد ضلَّ عن سواء السبيل.
سؤال: هل يجوز حذف (قل)، بمعنى: جعل قراءة السورة ابتداءً؛ امتثالاً لهذا الأمر؟
جوابه: هذا على مقتضى القاعدة جائزٌ، لكنَّها تخرج عن كونها قرآناً؛ لأنَّ (قُلْ) جزؤها القرآني، والقرآن إنّما هو بلسان الله لا بلسان العبد.
سؤال: لماذا اختار الله سبحانه الضمير (هو) ولم يقل: (قل الله أحد)؟
الجواب: أنَّه يمكن تفسير هذا الضمير بحسب معناه أوّلاً، وبحسب إعرابه ثانياً:
أمّا الكلام في معناه فإنَّه يحتمل أمرين:
ــــــــــــ[133] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأمر الأوّل: ما ذكره صاحب >الميزان<+ حين قال: هو ضمير الشأن والقصّة، يفيد الاهتمام بمضمون الجملة التالية(1).
أي: إنَّ الحال والشأن هو الله أحد.
الأمر الثاني: إنَّ (هُوَ) ضميرٌ عائدٌ على ذات الله سبحانه، أي: ذات الله هو أحد.
وأمّا إعرابه فيحتمل وجهين:
الوجه الأوّل: أن يكون (هو) ضميراً لا محلَّ له من الإعراب، كالذي يقع بين المبتدأ والخبر، كقول: (زيدٌ هو عالمٌ)، ولا يفيد إلّاَ التأكيد.
ففي الآية الكريمة يكون لفظ الجلالة مبتدأ و(أحد) خبرٌ، سواء قلنا: إنَّ معناه ضمير الشأن أو إنَّه عائدٌ على الذات.
الوجه الثاني: نذكره بنحو الأُطروحة، وهو أن يكون (هُوَ) مبتدأ، سواء فهمنا منه ضمير الشأن أو كونه عائداً إلى الذات.
وأمّا خبره فله عدّة أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ هذا الضمير مبتدأ ولفظ الجلالة مبتدأٌ ثانٍ و(أحد) خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول، مثل قولنا: (زيد أبوه عالم)، غاية الفرق أنَّ الابتداء هناك بالظاهر، وهنا بالضمير.
وهذا ممكنٌ، سواء كان (هو) ضميرَ شأنٍ أو راجعاً إلى الذات، ولكنَّه أوضح وأوكد مع رجوعه إلى الذات، يعني: إنَّ الذات المقدّسة التي لا يُشار إليها ولا يُعبّر عنها ولا تُحدّ يصدق عليها هذان الاسمان.
ــــــــــــ[134] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 387، سورة الإخلاص.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأُطروحة الثانية: أن يكون ضمير (هو) مبتدأ ولفظ الجلالة خبره، و (أحَدٌ) بدل أو عطف بيان أو معطوف بحذف حرف العطف، فتكون الذات المعبّر عنها بـ(هو) مبتدأ واسمها وهو لفظ الجلالة الخبر.
الأُطروحة الثالثة: أن يكون هو متبدأ ولفظ الجلالة خبر أوّل وأحد خبرٌ ثانٍ للمبتدأ الأول، كقولنا: (زيد عالمٌ حاذقٌ)، أو (زيد عالمٌ في الدار).
الأُطروحة الرابعة: أن يكون قوله: (هو الله) مبتدأ وخبر، ويكون (أحد) خبراً لمبتدأ محذوف دلَّ عليه ما سبق، يعني: (هو أحد).
الأُطروحة الخامسة: ما ذكره العكبري حين قال: ويجوز أن يكون (الله) بدلاً و(أحد) الخبر(1). أقول: يعني: خبر هو.
سؤال: لماذا وجد الضمير (هو) في هذا المحلّ من الآية الكريمة؟
جوابه: متفرّعٌ على ما قلناه في معناه وإعرابه، وهو أربع صور:
الصورة الأُولى: أن يكون معناه ضمير شأنٍ وإعرابه ضمير فصلٍ، فهو للتأكيد؛ لأجل الترسيخ الإيماني.
الصورة الثانية: أن يكون معناه ضمير الشأن، وإعرابه مبتدأ وخبره الجملة التي بعده، فعندئذٍ لا يفيد التأكيد، بل مجرّد الإخبار بأنَّ الشأن والحال: أنَّ الله أحد، ويكون الاستغناء عنه أولى، ومن هنا فسد هذا الوجه، وإن كان مستفاداً من مطاوي كلمات >الميزان<.
الصورة الثالثة: أن يكون معناه كونه دالاًّ على الذات، وإعرابه كونه ضمير فصل، فهو غير محتملٍ؛ لوجود التنافي بين هذين الاحتمالين، مضافاً إلى لزوم كون الدالّ على الذات متكرّراً في الآية، وهو الضمير ولفظ الجلالة.
ــــــــــــ[135] ــــــــــــ
(1) إملاء ما منَّ به الرحمن 2: 297، سورة الإخلاص.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الصورة الرابعة: أن يكون معناه دالاًّ على الذات، وإعرابه أنَّه مبتدأ، وهو المتعيّن على معنى: أنَّ الذات تتّصف بهاتين الصفتين أو الاسمين.
إن قلت: إنَّ اسم الجلالة دالٌّ على الذات، والضمير دالٌّ على الذات أيضاً، فكيف يستقيم ذلك؟
والظاهر: أنَّ هذا هو السبب الذي حدا بصاحب >الميزان<+ إلى اعتباره ضمير شأن؛ لكي لا يكون الدالُّ على الذات مكرّراً.
قلت: أوّلاً: إنَّ لفظ الجلالة من الأسماء الحسنى، فإن توخّينا مطلق الدلالة على الذات، كانت كلّ الأسماء الحسنى دالّة عليها كـ{الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الجبّار الْمُتَكَبِّرُ}(1). وإن توخّينا الأخصَّ من ذلك، كالعلميّة لذاته سبحانه، كما في لفظ الجلالة، فهذا لا يخرجه عن كونه من الأسماء الحسنى.
ولذا لم يقل الفلاسفة: إنَّه عين ذاته، كما قالوا في العالم والرحمن: إنَّه عين ذاته، بل قالوا: إنَّه علمٌ خارج عن الذات، فكونه علماً لا يخرجه عن كونه أحد الأسماء الحسنى، أو قل: هو أهمّ الأسماء الحسنى.
إذن يكون المقصود أنَّ الذات يصدق عليها هذان الاسمان: الله والأحد.
ثانياً: إنَّ دلالة (هو) على الذات أعمق من دلالة لفظ الجلالة عليه؛ لبساطة الضمير وإحاطته، فيكون من هذه الناحية شبيهاً ببساطة الذات وإحاطتها، بخلاف لفظ الجلالة؛ فإنَّه لا يخلو من تعقيدٍ بالتشديد وتكرار اللامات.
بل يمكن إرجاع أحدهما إلى الآخر بأن نقول بنحو الأُطروحة:
إنَّ لفظ الجلالة (الله) هو تعريف للضمير، بإدخال الألف واللام على الهاء، مع أنَّه غنيٌّ عن التعريف ولا يتعرّف بمخلوقاته، بل بذاته، وهنا يكون ــــــــــــ[136] ــــــــــــ
(1) سورة الحشر، الآية: 23.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وجود الضمير بدون التعريف أولى.
سؤال: قال الرازي في هامش (العكبري): المشهور في كلام العرب أنَّ الأحد يستعمل بعد النفي، والواحد يستعمل بعد الإثبات. يُقال: في الدار واحدٌ، وما في الدار أحدٌ، وجاءني واحدٌ، وما جاءني أحدٌ. ومنه قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}(1)، وقوله تعالى {الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}(2)، {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ}(3)، {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ}(4)، {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ}(5)، {فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ}(6)، فكيف جاء (أحد) هنا في الإثبات(7)؟
جوابه: أوّلاً: ما قاله الرازي أيضاً: قال: ابن عبّاس (رضي الله عنهما): لا فرق بين الواحد والأحد في المعنى، واختاره أبو عبيدة، ويؤيّده قوله تعالى: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ}(8) وقولهم: أحد وعشرين وما أشبهه. وإذا كانا بمعنى واحد، لا يختص أحدهما بمكان دون مكان، وإن غلب استعمال أحدهما في النفي والآخر في الإثبات(9).
ثانياً: ما أشار إليه الرازي أيضاً بقوله: ويجوز أن يكون العدول عن ــــــــــــ[137] ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 163.
(2) سورة يوسف، الآية: 39.
(3) سورة التوبة، الآية: 84.
(4) سورة البقرة، الآية: 136، وسورة آل عمران، الآية: 84.
(5) سورة الأحزاب، الآية: 32.
(6) سورة الحاقّة، الآية: 47.
(7) أُنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل: 600، سورة الإخلاص.
(8) سورة الكهف، الآية: 19.
(9) أُنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل: 600، سورة الإخلاص.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الغالب؛ رعاية لمقابلة الصمد(1).
أقول: يعني: لحفظ النسق في نهايات هذه الآيات.
ثالثاً: ويعرض كأُطروحة: إنَّ (أحدٌ) من الأسماء الحسنى، والواحد ليس منها، وإنّما هو صفة إعلاميّة فقط تتضمّن الإخبار عن كونه تعالى واحداً لا شريك له، وحيث إنَّ المراد في السياق ذكر الأسماء الحسنى: (الله، أحدٌ، الصمدُ) وصدقها على الذات، ناسب ذلك ترك الواحد.
سؤال: لماذا كرّر لفظ الجلالة في قوله تعالى: {اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ}؟
جوابه: أوّلاً: أنَّه لإفادة التأكيد بتقدير تكرار العامل، وهو الأمر السابق، أي: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و(قُلْ هو اللهُ الصَّمَدُ)، وإفادة تكرار العامل أوضح لدى تكرار لفظ الجلالة، ولو اكتفى بالصمد لما أفاد هذه الفائدة.
ثانياً: لسماجة عدمه لو قال: (الله أحد الصمد)، فالصفة البلاغيّة تقتضي تكرار لفظ الجلالة.
سؤال: لماذا قدّم (يَلِدْ) وهو من حقّه التأخير؟ لأنَّه بعده في الزمان عادةً؟
جوابه من وجوه:
أوّلاً: أنّنا إنْ نظرنا إلى الزمان العرفي، كان السؤال وارداً، إلّاَ أنَّه ملغى بحقّ ذات الله سبحانه، فلم يبق فرقٌ في التقديم والتأخير، وهو فوق الزمان والمكان، وقد ورد عنهم^: >لا تغيّره الأزمنة، ولا تحيط به الأمكنة، ولا تبلغ صفاته الألسنة، ولا يأخذه نومٌ ولا سنةٌ<(2).
هذا إذا كان الفعلان منفيّين كما هما في السورة.
ــــــــــــ[138] ــــــــــــ
(1) أُنظر: أُنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل: 600، سورة الإخلاص.
(2) إثبات الوصيّة: 136، وعنه البحار 54: 171.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثانياً: أنَّهما لو كانا مثبتين لأيِّ ذاتٍ، كان من حقِّ الآخر التقديم؛ لأنَّه إن حدث كان متقدّماً في الزمان، ولحاظ الزمان عرفي، إلّاَ أنَّ لحاظهُ في ذات الله عزَّ وجلَّ منسدٌ، مضافاً إلى أنَّهما في السورة في سياق النفي لا الإثبات.
ثالثاً: نعرضه كأُطروحة وهو: كون النظر إلى الصفة الحاليّة أو الفعليّة، ثُمَّ الصعود منها إلى الصفة الأُخرى (الصفة التاريخيّة أو الماضية) أي: إنَّه ليس فقط لم يلد، بل لم يولد أيضاً.
رابعاً: لحاظ المشكلة المثارة اجتماعيّاً بين الأديان من: أنَّ الله سبحانه له ولد – تعالى عمّا يقولون علوّاً كبيراً- فمن هنا اكتسب الأهمية؛ فيكون الأهمُّ مقدّماً، وهو نفي الولد؛ باعتبار ما قيل من: أنَّ عُزير ابن الله وأنَّ المسيح ابن الله، ونحو ذلك، كما نطق به القرآن الكريم(1)، فقد قدّم الأهمّ، وقام بتأخير ما دونه في الأهمية الاجتماعيّة.
خامساً: أنَّ (لَمْ يَلِدْ) مُساقة للشأنيّة لا الفعليّة، فالمراد نفي الشأنيّة، ومن لم يكن من شأنه أن يلد ليس من شأنه أن يولد، ولو كان من شأنه أن يلد لكان من شأنه أن يولد، كما في الخلق، فقدَّم (يلد) لكونها حاصلة بالفعل في حاله جلَّ جلاله؛ لتكون بمنزلة البرهان إثباتاً على صحّة الأُخرى التي بعدها بنحو الدليل الإنّي الذي يُستدلُّ به من المعلول على العلّة.
****
قال تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}:
فقوله تعالى: (أحدٌ) اسم كان مؤخَّر، وهنا يحصل سؤالٌ، وحاصله:
ــــــــــــ[139] ــــــــــــ
(1) قال تعالى: {قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ} سورة التوبة، الآية:30.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ما هو خبر كان؟
جوابه: أنَّ في خبرها وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ خبرها (كفواً)، وعلى هذا يجوز أن يكون (له) حالاً من كفواً أو صفةً له؛ لأنَّ التقدير: (ولم يكن أحدٌ كفواً له)، وأن يتعلّق بيكن.
الوجه الثاني: أن يكون الخبر (له) و(كفواً) حال من (أحد)، أي: ولم يكن له أحدٌ كفواً، أو لم يكن أحدٌ له كفواً، فلمَّا قدَّم النكرة نصبها على الحاليّة.
سؤال: لماذا قدَّم سبحانه (له كفواً) على (أحَدٌ)؟
جوابه:
أوّلاً: لاختلال نسق الآيات بتقديم (أحد)، وهذا واضحٌ، كما لو قال: لم يكن له أحدٌ كفوءاً.
ثانياً: قالوا في اللغة الحديثة: إنَّ التقديم يفيد الالتفات والتركيز، والأمر هنا كذلك في النفي والمنفي، أعني: نفي الكفوء؛ فإنَّه لا يحتمل أن نتصوّر له كفوءاً، وكلُّ شيءٍ فهو حقيرٌ بالنسبة إليه، فينبغي أن يؤخّر تجاه عظمة الله سبحانه. قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً}(1).
سؤال: ما هي أرجح القراءات في (كُفْواً)؟
جوابه: هي سكون الفاء مع الهمزة (كُفْئاً)؛ لأنَّه يعني في اللغة المساوي والنظير، فيكون هو الأحوط؛ باعتبار دوران الأمر بين الأفصح وغيره، فيتعيّن الأفصح.
غير أنّنا نعرف أنَّ القراءات الأربعة الأُخرى لهذه الكلمة هي وجوه ــــــــــــ[140] ــــــــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 111.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
منسوبةٌ إلى بعض القرّاء السبعة، وهي ممضاةٌ كلُّها من قبل الأئمّة المعصومين (سلام الله عليهم أجمعين)، وخاصةً في المصحف بقراءة حفص بن عاصم، وذلك بضمّ الفاء وترك الهمزة.
وقد استشكل بعض المتأخّرين(1) من قراءتها بسكون الفاء وترك الهمزة؛ لضعف نسبتها إلى القرّاء السبعة.
أقول: ولكنَّها محرزة النسبة إلى أحد القرّاء العشرة، فيكفي في جواز القراءة بها على ذلك، كما ذكرنا ذلك في >منهج الصالحين<(2)، واعترف به هؤلاء المتأخّرون في رسائلهم(3).
ــــــــــــ[141] ــــــــــــ
(1) أُنظر: مستند العروة الوثقى 3: 483، حيث قال: وأمّا الوجه الأخير – أعني: مع الواو وسكون الفاء- فهو وإن نسب إلى بعضهم، لكنَّه لم يثبت، فالأحوط تركه.
(2) أُنظر: منهج الصالحين، الجزء الأول، كتاب الصلاة، مسألة: 785.
(3) أُنظر: منهاج الصالحين (للخوئي)، كتاب الصلاة، مسألة: 116.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ.
سورة اللهب
في اسمها عدّة أُطروحات:
أوّلاً: اللهب بصفته لفظاً موجوداً خلالها.
ثانياً: المسد بنفس تلك الصفة.
ثالثاً: السورة التي ذكر فيها اللهب أو التي ذكر فيها المسد، على طريقة ما فعله الشريف الرضي في كتابه.
رابعاً: تَبّتْ بإطلاق الاسم من أوّل لفظ فيها.
خامساً: أن نطلق عليها رقمها بالقرآن الكريم وهو: 111.
سؤال: كيف أو لماذا ذكر الله تعالى أبا لهب بكنيته دون اسمه، مع أنَّ ذلك إكراماً أو احتراماً، مع أنَّ السياق سياق اللعنة والغضب؟
جوابه عدّة أُمور:
الأمر الأوّل: ما ذكره الرازي في هامش العكبري من: أنَّه يجوز أنَّه لم يعرف له اسم ولم يشتهر إلّاَ بكنيته(1): كأبي جهل وأبي لبابة، أو إنَّ اسمه موجودٌ، إلّاَ أنَّ كنيته هي السائدة بين الناس بحيث لا يعُرف إلّاَ بها.
الأمر الثاني: إنَّه نقل أنَّ اسمه كان عبد العزّى، في حين أنَّه في الواقع عبد الله وليس عبداً للعزّى، فلو ذكر اسمه كان على خلاف الواقع(2).
ــــــ[145]ــــــ
(1) أُنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل: 599، سورة المسد.
(2) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
وبتعبير آخر: إنَّ القرآن لم يذكر اسمه عبد العزّى لأمرين:
1. لمانعٍ ثبوتي، وهو مخالفته للواقع، من حيث كونه عبداً لله حقيقةً.
2. لمانعٍ إثباتي أو إعلامي، وهو تعمّد حذف أمثال هذه الأسماء من السياق القرآني؛ لأنَّ في ذكرها شهادة حاليّة بصحّتها وتخليداً لذكرها مع أنَّها فاسدة أساساً، وليس حذفها فاسداً؛ لأنَّه اسم شخص رديء، وقد ذكر الله سبحانه عدداً من الأشخاص بالكنية بصفتها أسماء سوء، وإن لم تكن أعلامهم الشخصيّة، كالشيطان وفرعون.
الأمر الثالث: ما ذكره الرازي في هامش العكبري من أنَّه ذكره بكنيته لموافقة حاله لكنيته؛ فإنَّ مصيره إلى النار ذات اللهب(1)، فيكون أبو لهب يعني: الحاصل على لهب جهنّم، وإنَّما كنّي بتلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما.
أقول: إنَّ لفظة (أبي لهب) مناسبة مع حاله الأُخروي، فمن اللطيف أن يسبّ بكنيته؛ باعتباره من المعاقبين في الآخرة.
الأمر الرابع: أنَّ اسمه الشخصي هو أبو لهب، فهو علمٌ له، وليس بكنيته؛ لأنَّه لا يوجد له علمٌ سواه، كما نسمِّي أبو الحسن وأبو الخير.
الأمر الخامس: وهو يشبه الأمر الثالث إلّاَ أنَّه بتبريرٍ آخر، وذلك أنَّنا لو غضضنا النظر عن اسمه ولقبه الدنيويين، فإنَّه تعالى أراد أن يعلّمنا بأنَّه معاقبٌ على أيِّ حالٍ، فهو ذو لهبٍ في الآخرة، وهو تعبيرٌ عرفيٌّ شائع، تقول: أبو البيت وأبو المسجد.
فإن قلت: فإنَّه تعالى كنّاه ولم يكنّ أنبياءه ورسله، فهل هو أكثر احتراماً منهم؟
ــــــ[146]ــــــ
(1) أُنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل: 599، سورة المسد.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
أقول: من حيث إنَّه كنَّاه، فإنَّ كلّ الأجوبة السابقة ترد فيه.
وأمّا لماذا سمّى أنبياءه؟
فنقول: كفى بالمرء ذاته، مضافاً إلى أنَّ المسمّي أعظم من المسمَّى، فكلُّ الخلق أذلّاء تجاه عظمته، ومدحهم ليس مقترناً بأسمائهم، بل بمدى عطائهم واستحقاقهم.
ومن الواضح أنَّه ليس في الآية الكريمة أيُّ إشعارٍ إلى أنَّه أكثر احتراماً من الأنبياء (سلام الله عليهم أجمعين).
مضافاً إلى إمكان الطعن بالكبرى التي أخذَتها المصادر مسلَّمةً -كما سبق- وهي أنَّ ذكر الكنية تعني الاحترام دائماً، فقد لا يكون الأمر كذلك دائماً؛ إذ إنَّ هذا مسلكٌ عرفيٌّ حاصلٌ بعد عصر الإسلام، ولم يكن له وجود في عصر نزول القرآن مهما كان الآن في أذهاننا واضحاً.
سؤال: ما الوجه في تخصيص اليد بالتبّ، وهو الهلاك والخسران، وقد عزلها من السياق عن ذاته، ولم يقل: (وجهه) أو (رقبته) أو (أخلاقه) ونحو ذلك؟
جوابه لأكثر من وجهٍ:
الأمر الأوّل: ما ذكره صاحب الميزان من أنَّ يد الإنسان هي عضوه الذي يتوصّل به إلى تحصيل مقاصده وينسب إليه جلّ أعماله، وتباب يديه خسرانهما فيما تكتسبانه من عمل(1).
أقول: إنَّ يديه كانتا فعلاً تؤذيان النبي’، فخصّصتا بالذكر؛ باعتبارهما العضوين الرئيسيين اللذين صدرت منهما المظالم والاعتداءات.
ــــــ[147]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 384، سورة تبّت.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
ولكنْ لو اقتصرنا على ما ذكره الميزان، كان معناه: أنَّ اليدين هي سبب الذنوب كلَّها، وليستا كذلك؛ فإنَّ العين والبطن وغيرهما سببٌ للذنوب أيضاً. نعم، ذُكرت اليدان لأهمّيّتهما في مورد التنزيل.
الأمر الثاني: أنَّه ذكر الجزء وأراد به الكل، كما عبّر عن الإنسان بالرقبة في قوله: {فَكَّ رّقَبَةٍ}(1)، فيكون معنى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب} أنَّه تبٌّ كلُّه.
وينبغي بحسب الحكمة الإلهية أنْ يخصَّ الأوّل للبعض والثاني للكلِّ؛ لأنَّه قال: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}، وبهذا نجيب عن السؤال الآتي:
سؤال: ما الحاجة إلى تبّ الثانية؟
جوابه لأمرين:
الأمر الأوّل: تغيير نسق الآيات؛ فإنَّه وإنْ كان حرف الباء موجوداً في نهايات الآيات، إلّاَ أنَّ حذفها – أعني: تبّ الثانية – يؤدّي إلى تكرار لفظ اللهب مرّتين، وهو على خلاف الحكمة والبلاغة.
وهذا هو الفرق بين (القافية) و (النسق): ففي القافية قد يستعمل نفس اللفظ بمعنيين، بخلافه في النسق، فقد ذُكرت (تبَّ) الثانية لمنع ذلك، وهو ما حصل فعلاً.
الأمر الثاني: أنَّه من عطف الكلِّ على الجزء، أي: تبّت يداه، بل تبّ كلُّه؛ لعدم الملازمة بين تباب اليد وتباب الكلِّ؛ فإنَّ المقصود بتباب اليد هو أعمالها الفاسدة، فيكون المعنى: تبَّ عمل أبي لهب. ولا ملازمة بين عمله وذاته كما قلنا، فإنَّ العمل قد يُغفر وتناله الرحمة والشفاعة، وعندئذٍ لا يكون التباب لذاته، إلّاَ أنَّه إذ تبَّ كلّه تعيّنت عليه النار؛ باعتباره غير مستحقٍ للتوبة.
ــــــ[148]ــــــ
(1) سورة البلد، الآية: 13.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
أو نقول: إنَّ عمله يستحقّ عقاباً أقلَّ من ذاته؛ لأنَّ أصل ذاته ليست
فقط لأذيّة النبي’، بل لعبادة الأصنام وشرب الخمر وغير ذلك، فتكون تبَّ الثانية لمجموع أعماله، فتتعيّن الإشارة إليها والتصريح بها.
سؤال: في قوله تعالى: {ما أغنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}: ما الفرق بين ماله وما كسب؛ فإنَّ الذي يكسبه هو المال، فلماذا التكرار؟
جوابه:
أوّلاً: ليس هناك محذورٌ من التكرار، ولا مانع من عطف التفسير، على معنى: ماله الذي كسب.
ثانياً: أنَّ (كَسَبَ) بمعنى الفعل الاختياري ونتائجه لا بمعنى المال؛ فإنَّ الفعل ونتائجه يصدق عليها المال والكسب، وإنَّما يكون مالاً باعتبار القدرة والسلطنة عليه والحيازة له. ومن ذلك ما روي عن النبي هود× حين سُئل عن زوجته قال: >تلك زوجتي، وهي عدوّي، وأنا أدعو الله لها بطول البقاء؛ لأنَّ عدوّاً أملكه خيرٌ من عدوٍّ يملكني<(1). فقد عبّر عن السيطرة والقدرة بالملك، ومنه قوله تعالى: {بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}(2) أي: تحت سلطنته وقدرته.
فالفعل الاختياري نحوٌ من الكسب ونحوٌ من المال، حين يكون الفرد قادراً عليه ومتسلّطاً عليه، وقد تكرّر ذلك في القرآن الكريم، قال تعالى: {فَمَا
ــــــ[149]ــــــ
(1) أُنظر نحوه: تفسير علي بن إبراهيم القمّي 1: 329، سورة هود، تفسير البرهان 3: 114، سورة هود، تفسير كنز الدقائق 1: 189.
(2) سورة البقرة، الآية: 237.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(1) وقال: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}(2) وقال {ثُمَّ تُوَفَّى كلّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ}(3) إلى غير ذلك من الآيات.
فمن الواضح من تلك الآيات: أنَّ (كَسَبَ) بمعنى الفعل الاختياري ونتائجه، وليس بمعنى المال.
ولم يرد الكسب بمعنى المال في القرآن إلّاَ في موردٍ واحدٍ، وهو قوله تعالى: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ}(4) أي: من المال الحلال، أمّا بقيّة الآيات الكريمة فهي غير ظاهرةٍ في المال، بل الظاهر منها ما هو الأعمُّ من فعلٍ اختياري من طاعةٍ وعصيانٍ.
ومن هنا قال المعتزلة باصطلاح الكسب في علم الكلام، يريدون الفعل الاختياري أو نتائجه الدنيويّة أو الأخرويّة، ولم يوافقهم على اصطلاحهم هذا الإماميّة والأشاعرة.
أمّا الاشاعرة فلأنَّهم مجبِّرة، وأمّا الإمامية فلأنَّهم نفوا الجبر والتفويض، في حين يكون الكسب أقرب إلى معنى الجبر؛ لأنَّ إسناده إلى الله سبحانه، ويصبح كأنَّه لصيق بالعبد لا يمكن انفكاكه عنه، والكلام عنه في محلّه.
فإنَّ قيل: فإنَّ الكسب في القرآن الكريم مسندٌ إلى الفاعل البشري.
قلنا: نعم، وهو فعله الاختياري، إلّاَ أنَّه استعمالٌ مجازي، فلا يصلح أن يكون اصطلاحاً؛ لأنَّه يجب أن يقوم على معنى حقيقي.
ــــــ[150]ــــــ
(1) سورة غافر، الآية: 82.
(2) سورة الطور، الآية: 21.
(3) سورة البقرة، الآية: 281.
(4) سورة البقرة، الآية: 267.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
أمّا المال فمستعملٌ في القرآن كلِّه بالمعنى العرفي، وهو الثروة. قال تعالى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ}(1)، وقال سبحانه {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً}(2)، وقال: {الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى}(3)، وقال: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ}(4)، إلى غير ذلك من الآيات.
إلّاَ في هذا المورد من سورة اللّهب فإنَّه قابل للوجهين: المال والكسب، ومثله قوله تعالى: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ}(5).
وعلى أيّ حال، فكل منهما أُطروحة قابلة للتصوّر والفهم، غير أنَّ الظاهر القرآني هو أنَّ المال هو الثراء، والكسب هو العمل.
سؤال: لماذا وصفت النار بذات لهب، مع أنَّ كلّ نار هي ذات لهب؟
جوابه من وجوه:
أوّلاً: لأجل النسق القرآني لنهايات الآيات؛ لوضوح أنَّه بدونه لا يستقيم.
ثانياً: وصف النار بذلك وصفاً توضيحيّاً؛ لأجل زيادة الإهانة والتنقيص لأبي لهب.
ثالثاً: أنَّ اللهب وإنْ كان ملازماً مع النار العرفيّة – كبرت أو صغرت- ومن هنا يغني ذكر أحدهما عن ذكر الآخر، كما هو المفروض في هذا السؤال، إلّاَ أنَّ الواقع أنَّ النار أعمُّ من ذلك وأوسع مفهوماً؛ فهي تعني الحرارة العالية
ــــــ[151]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 177.
(2) سورة الفجر، الآية: 2.
(3) سورة الليل، الآية: 18.
(4) سورة الحاقة، الآية: 28.
(5) سورة الهمزة، الآية: 3.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
أيّاً كان مصدرها، وجهنّم مصداقٌ مهمٌّ من ذلك.
وقد ورد: >إنَّ في كلّ درك من دركات جهنّم ثلاثين ألف من أنواع العذاب<(1).
وورد: >إنَّ أشدَّ الناس عذاباً في جهنّم سبعة: خمسة قبل الاسلام، واثنان بعده في توابيت مقفلة<(2). فالمهم الآن أنَّه لا يمكن أنْ يكون اللّهب موجوداً في هذه التوابيت.
إذن فالنار ذات اللهب حصّة من جهنم أو بعض منها، وهي التي يصلاها هذا المشرك، وقد ورد وصفها في آية أُخرى: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ}(3).
إذن فاللهب والشرر قد يكون ضخماً جدّاً، كالقصر أو الجمل {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ}(4)، مع انفجارات تقتضي رمي مثل هذا الحجم الضخم من النار إلى مسافة بعيدة.
سؤال: إنَّ (حَمَّاَلَةَ) صيغة مبالغة، وليست اسم فاعل، فلماذا أعرض عن ذكر اسم الفاعل وقال: (حمّالة الحطب)؟
جوابه: أمّا من الناحية الكبرويّة أو الصغرويّة:
أمّا من الناحية الكبرويّة فإنَّ استعمال صيغة المبالغة لأجل الدلالة على الكثرة والشدّة، وأمّا اسم الفاعل فيصدق على المرَّة الواحدة، فيكون على
ــــــ[152]ــــــ
(1) أُنظر نحوه في: تفسير علي بن إبراهيم القمّي 1: 376.
(2) أُنظر نحوه: الخصال: 346، باب السبعة، الحديث: 15، ثواب الأعمال: 214، عقاب ابن آدم.
(3) سورة المرسلات، الآية: 32.
(4) سورة المرسلات، الآية: 33.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
خلاف المقصود.
وأمّا صغرويّاً فإنَّه من الواضح أنَّ المراد أنَّ تلك المرأة كانت كثيرة حمل الحطب دائماً، أو في كثير من الأحيان، وهذا يعني:
أوّلاً: أنَّها كانت تحمل الحطب لإيذاء رسول الله’ وهي تكثر من ذلك؛ لأجل الإكثار من أذيّته.
ثانياً: أنَّها كانت تحمل الحطب كمهنة، أي: لتأخذ الأجر عليه، لا أنَّها تبيعه، وإلّاَ سمّيت حطّابة، ولم يرد ذلك في القرآن الكريم.
ويمكن ضمّ أحد هذين الوجهين إلى الآخر، فقد يكون كسبها من حمل الحطب، ولأجل إيذاء الرسول’، فهي حطّابة من كلتا الجهتين.
سؤال: ما هو مؤدّى حمل الحطب؟
جوابه: أنَّ حمل الحطب في الآية يعطي إشعاراً بأمرين:
الأمر الأوّل: أنَّه يدلُّ على حمل الذنوب والطغيان والعصيان، قال تعالى: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ منْ لَدُنَّا ذِكْراً * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً}(1)، وقال سبحانه: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ}(2)، وقال: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}(3).
الأمر الثاني: أنَّ فيه إشعاراً أيضاً على أنَّ حمل الحطب كان يؤلم الظهر؛ لأنَّه ثقيل أوّلاً، وفيه وخز ثانياً، بل لعلّه يؤدّي إلى الإدماء والمضاعفات الصحّيّة.
ــــــ[153]ــــــ
(1) سورة طه، الآية: 99-101.
(2) سورة العنكبوت، الآية: 13.
(3) سورة النحل، الآية: 25.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
وحسب النقل التاريخي(1) أنَّها – قاتلها الله- كانت تتعمَّد أنْ تأتي بالحطب الذي فيه (سلّاء)(2)؛ لكي يكون أشدَّ إيذاءً لرسول الله’، وهي بهذا العمل كانت تؤذي نفسها وتظلمها بإرادة الشرِّ لها مادّيّاً ومعنويّاً، وبالعنوان الأولي وهو الوخز، والعنوان لثانوي وهو الظلم.
سؤال: ما هو موطن هذه الصفات المسندة إلى تلك المرأة، وهي كونها {حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ}؟
جوابه: أنَّ هاتين الصفتين: إمّا أن يكونا معاً في الدنيا، وإمّا أنْ يكونا معاً في الآخرة، وإمّا أن يكون إحداهما في الدنيا والأُخرى في الآخرة، وإمّا أن تكون كلاهما معاً في الدنيا والآخرة معاً، فتكون الاحتمالات أربعة.
فما هو منها الموافق للظهور القرآني بالمقدار الذي يُعدَّ حجّة فيه، وما هو المخالف له؟
الاحتمال الأوّل: أنَّ كلا الأمرين يتحقّق في الدنيا، فهي تحمل الحطب في الدنيا، وفي جيدها – أي: رقبتها – حبلٌ من مسدٍ يتعلّق به الحطب. وهذا هو سبب نزول السورة، وهو لا ينافي شيئاً من السياق.
الاحتمال الثاني: أن يكون الوصف الأوّل في الدنيا والثاني في الآخرة، فهي حمّالة الحطب لإيذاء الرسول’، وفي الآخرة يكون في جيدها حبلٌ تجرّها الملائكة بوساطته إلى النار.
ــــــ[154]ــــــ
(1) إمتاع الأسماع (للمقريزي) 6: 258، سيرة ابن هشام 2: 199، دلائل النبوّة للبيهقي 2: 183.
(2) السلّاء: شوك النخل، الواحدة بالهاء [أي سلّاءة]، راجع: كتاب العين، حرف السين، مادة: (سلأ)، القاموس المحيط، فصل السين، وتاج العروس، فصل السين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
ولكنْ يرد على هذا الاحتمال إشكالان:
الإشكال الأوّل: أنَّ (في جيدها) جارّ ومجرور ينبغي أنْ يتعلّق بفعلٍ أو شبهه، وليس هناك فعلٌ إلّاَ قوله: {سَيَصْلَى}، وفاعله مذكَّر، والمراد به أبو لهب، ولا يمكن أنْ يتعلّق هذا الجارّ والمجرور به؛ لأنَّه مؤنّث، فيكون تعلّقه به مفسداً للسياق القرآني.
فإن قلت: يمكن تقديره مؤنّثاً، ليصلح متعلّقاً للجارّ والمجرور، كأنَّه قال: وستصلى امرأته حمّالة الحطب.
قلت: لا يمكن أنْ يتعلّق الجارّ والمجرور بفعلٍ محذوفٍ، ولم يقل به أحد من النحويّين، فالمتعيّن أن يتعلّق الجارّ والمجرور بـ(حمَّالة)، أي: بهذه الصفة.
ولكن يرد عليه: أنّنا افترضنا أنَّ في جيدها حبلاً من مسدٍ في الآخرة، وهي حمّالة الحطب في الدنيا، فيكون هناك تنافٍ في المعنى والسياق.
الإشكال الثاني: أنَّ الحبل الذي يكون من مسد في الآخرة أضعف من أن يؤثّر أو يمكن أن تَجُرّ به الملائكة تلك المرأة الشرّيرة؛ فإنَّ الحبل من المسد يتقطّع بسرعة.
فإنْ قلتَ: إنَّ حبل الآخرة غير حبل الدنيا، بل هو مناسب مع وجودها الأخروي، فلا يكون قابلاً للانقطاع.
قلتُ: نعم، ولكنَّه عندئذٍ لا يكون من مسدٍ، بل من شيءٍ آخر.
فإن قلتَ: إنَّ القرآن سمّاه مسداً.
قلتُ: إنَّ المسد هو الحبل المفتول من الليف، فإن أخذناه بمعناه الحقيقي أو المادّي، فإنَّه لا ينسجم مع الآخرة كما أوضحنا، وإن أخذناه بالمعنى المجازي، فهو ينسجم مع الآخرة. ويمكن أن نعطي لذلك أُطروحة كما يلي:
ــــــ[155]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
إنَّ المسد هو الليف، لكن الذي أفهمه أنَّ مسد أي: فرك، والحبل يصنع بالمَسْد والفرك، فحبلٌ من مسدٍ، أي: ممسود ومفتول، وحينئذٍ يمكن أن يناسب وروده في الآخرة؛ لأنَّه لم تتعيّن مادّته، فقد يكون حبلاً مفتولاً شديد القوّة.
الاحتمال الثالث: أنَّ كلتا الصفتين معاً في الآخرة، فلا يكون هناك دليلٌ على وجودها في الدنيا.
وقد يدّعى وجود الدليل اللفظي على صحّة هذا الاحتمال، وهو أنَّ حمّالة الحطب حال من (تصْلَى) التقديريّة، ولا مرجع لها غيرها.
إلّاَ أنَّ الصحيح: أنَّ الحال يكون من الاسم لا من الفعل، وليس كالظرف والجارّ والمجرور، فهو حالٌ من امرأته، وأنَّ حالها الدنيوي على ذلك، ومعه ينتفي هذا الاحتمال، مضافاً إلى حال إيذائها للنبي’ الثابت تأريخيّاً.
الاحتمال الرابع: أنْ يكون كلاهما موجوداً في الدنيا والآخرة، وهو الذي ذهب إليه المشهور وصاحب >الميزان<+ حين قال: والظاهر أنَّ المراد بالآيتين أنَّها ستتمثّل في النار التي تصلاها يوم القيامة في هيئتها التي كانت تتلبس بها في الدنيا … فتعذّب بالنار وهي تحمل الحطب، وفي جيدها حبلٌ من مسد(1).
أقول: وهو معنى له درجةٌ من الوجاهة، والإشعار به قائمٌ، خاصةً إذا ضممنا الفكرتين السابقتين، وهما: أنَّ المراد بالحمّالة هو حمل مسؤوليّة الذنوب، وأنَّ المراد بالليف ما يناسب وجوده مع وجود الآخرة.
لكنَّه من التفسير الباطني، وليس هناك دليلٌ لفظي عليه؛ وذلك لأنَّ الحطب هو الخشب المتكسّر، وأمّا التعبير به عن الذنوب فهو مجازي. والمسد
ــــــ[156]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 385، سورة المسد.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
هو الليف أو الحبل المفتول؛ فإنَّه ينصرف عرفاً إلى الحبل الدنيوي لا الأُخروي، ومعه نحتاج إلى ذوقٍ معنوي في الفهم على أنَّها – أعني: هذه المرأة- تحشر على نفس تلك الهيئة في الآخرة، ولا يتعيّن ذلك بحسب الحكمة الإلهيّة، ولا قرينة عليه.
إلّاَ أن نفهم أنَّهما معاً في الدنيا، ويكون السياق دالاًّ على وجودهما هناك بلسان الحال، أو باعتبار أنَّ الحبل من مسد إنّما يكون في جهنّم لتُجرَّ به تلك المرأة إليها.
وهذا بعيدٌ، إلّاَ أنْ يُراد بالمسد شيءٌ آخر مجازاً، وهو أيضاً خلاف الظاهر.
وإذا تمَّ، فستكون وحدة السياق على أنَّ كليهما هناك، وهذا لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه كما سبق، مضافاً إلى صيرورة وجود حبلين في الآخرة في عنقها: حبل الحطب وحبل المسد، وهو بعيد؛ لأنَّه في الدنيا واحد، وأنَّ حبل المسد هو حبل الحطب، ولكنّها تُجرُّ في الآخرة بحبلٍ آخر لا محالة.
فإنَّ مقتضى التشابه التامّ بين حالها في الدنيا وحالها في الآخرة هو أن يكون في جيدها حبلٌ واحدٌ تحمل به الحطب وتُجرُّ به إلى جهنم، وهو ممكنٌ تصوّراً وعقلاً، إلّاَ أنَّه غير عملي، بل حبل المسد للحطب، وهناك حبل آخر تُجرُّ به، وهو ما لا يستفاد من الآية، بل السياق يعطي وجود حبل واحد.
إذن يرجَّح القول بأنَّها تعذّب في الآخرة كغيرها من المجرمات، وليس تماماً كحالها في الدنيا، كما عليه مشهور المفسّرين.
الوجوه الإعرابية في السورة
(تَبّ) بكلا وجوديها في السورة، يمكن أن تكون إنشاءً بمعنى الدعاء،
ــــــ[157]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
ويمكن أن تكون إخباراً.
أمّا الإنشاء بمعنى الدعاء فتفسيره من الله سبحانه وتعالى على عدّة أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: أنه نحو من أساليب البلاغة؛ فإنَّه كما يستعمله المخلوق يمكن أن يستعمله الخالق.
الأُطروحة الثانية: أنَّه دعاءٌ لنفسه بأن يفعل، فكلُّ فاعلٍ اختياري يمكن أن يأمر نفسه اختياراً أو حقيقةً، أو باعتبار تنزيل الشخص الواحد منزلة شخصين.
الأُطروحة الثالثة: أنَّ بعض الأسماء الحسنى تدعو بعضاً، فكما أنَّ رحمته تقدّمت على غضبه، أي: إنَّها تذهب بالغضب: إمّا تكميلاً أو تنقيصاً، فكذا الحكمة تدعو (ذو الانتقام) لأنَّ مقتضى الحكمة الانتقام منه، وهكذا.
الأُطروحة الرابعة: أنَّه إنشاءٌ بمنزلة التنبؤّ.
فان قلت: إنَّ التنبؤّ يكون للمستقبل، فيدلُّ عليه الفعل المضارع، فلماذا عبّر عنه بالماضي؟
قلت: هذا الأسلوب متكرّر كثيراً في الأسلوب القرآني، وهو تنزيل ما هو مستقبل منزلة ما هو ماضٍ؛ لعدّة أهداف:
أوّلاً: لأهميته.
ثانياً: للتأكيد على وقوعه.
ثالثاً: للتأكّد من حدوثه والفراغ منه.
وأمّا إذا أُريد بها الإخبار – كما هو الأقرب- فهنا وجوه:
أوّلاً: أنَّها إخبارٌ عن الآخرة، فيكون بمعنى المضارع، كما سبق.
ــــــ[158]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
ثانياً: أنَّها إخبارٌ عن الدنيا، يعني: أنَّه قد هلك بنفس فعله؛ باعتبار كونه قد فعل القبيح.
ثالثاً: أنَّ الأظهر هو النظر إلى نتائج الفعل، وهو الرسوب في الامتحان الإلهي، وهو الهلاك المعنوي الحاصل فعلاً، وهو على معنى الفعل الماضي.
وهذه الاحتمالات تأتي في كلا الفعلين: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}، وهي في الثاني أوضح.
وفرقه عن السابق أنَّ في الآخرة عقابه، وأمّا في الدنيا فيراد به أحد أمرين:
الأمر الأوّل: نفس عصيانه، فتبّت أي: عصت يدا أبي لهب وعصى هو أيضاً، فنفس العصيان هو الهلاك، أو يلحظ بصفته علّة تامّة للهلاك.
الأمر الثاني: أن يُراد بالهلاك الأثر الوضعي لإيذاء الرسول’، وهو يحصل في الدنيا، وهو تعبيرٌ آخر عن الفشل في الامتحان الإلهي.
سؤال: ما المقصود من حرف (ما) في قوله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}؟
الجواب: قال أبو البقاء العكبري: (مَا أَغْنَى) يجوز أن يكون نفياً(1)، أي: لم يغنِ عنه ماله وكسبه في نجاته من العقاب، وأن يكون استفهاماً(2)، أي: استفهاماً استنكاريّاً للاستهزاء، بمعنى: هل أغنى عنه ماله وما كسب؟ ولا يكون بمعنى الذي(3)، فيكون المعنى: الذي أغنى ماله وما كسب، فيتحوّل النفي إلى إثباتٍ، فيفسد السياق ويكون قطعي البطلان.
ــــــ[159]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 296، سورة تبّت.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
سؤال: لماذا استعمل (ما) بدلا عن (من)؟
فإن قلتَ: إنَّ في ذلك احتقاراً له باعتباره كالحيوانات.
قلتُ: إنَّ هذا مطعونٌ كبرىً وصغرى:
أمّا كبرىً فلعدم إمكان إعادة الضمير أو اسم الموصول مجازاً؛ فإنَّ هذا غير مقبول لغوياً.
وأمّا الصغرى فلأنَّنا لو تنزّلنا عن ذلك وقبلنا به مجازاً، فالقرائن المتحقّقة بخلافه؛ لأنَّه سيصبح اسم الموصول إثباتاً، كما ذكرنا. فصوناً لكلام الحكيم عن اللغويّة يتعيّن أنْ لا تكون (ما) موصولة، ومعه لا معنى لاستعمال (من) بدلاً عنها.
وقوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ} إمّا عطف مفرد على مفرد، فتكون لفظاً إفراديّاً معطوفاً على الضمير في (سيصلى)، أي: هو سيصلى، وإمّا عطف جملة على جملة، كما سيأتي بيانه.
وقوله تعالى: {حَمَّالَةَ} فيه قراءتان: بالنصب – وهو الأشهر- وبالرفع.
فعلى الرفع تكون خبراً لمبتدأ محذوف تقديره هي، وبالنصب تكون حالاً من {امْرَأَتُهُ}، والمعنى: أنَّ وضعها وحالها في الدنيا أو في الآخرة على هذا الشكل، أي: حمّالة الحطب.
أمّا في الدنيا فواضحٌ، وأمّا في الآخرة فله وجهان:
الأوّل: ما ذكره العكبري بقوله: ويقرأ بالنصب على الحال، أي: تصلى النار مقولا لها ذلك(1).
أقول: الظاهر: أنَّ مراده ليس النطق بل الصدق.
ــــــ[160]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 296، سورة تبّت.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
الثاني: أنَّها تحشر إلى جهنم، وقد كانت في الدنيا حمّالة الحطب.
وقوله تعالى: {فِي جِيدِهَا} جارٌّ ومجرور متعلّق بمحذوف خبر مقدّم، وحبلٌ مبتدأ مؤخّر، وهي جملة مستقلّة بتقدير حرف العطف، أي: إنَّها حمّالة الحطب، وفي جيدها حبلٌ من مسد، والواو: إمّا أن يكون للعطف أو للحاليّة.
فإن قلتَ: إنَّ الجارّ والمجرور سيتعلّق بفعلٍ محذوف تقديره (ستصلى) وهو غير مقبول نحويّاً، مع العلم أنَّ الجارّ والمجرور في قولنا: (زيدٌ في الدار)، أيضاً يتعلّق بمحذوف بإجماع النحويّين، فلماذا لا نقبل ذاك المحذوف؟
قلت: إنَّ هذا قابلٌ للمناقشة صغرويّاً وكبرويّاً:
أمّا صغروياً فإنَّ هناك فرقاً بين الجملتين من ناحية التقدير؛ فإنَّ التقدير في قولنا: (زيدٌ في الدار) هو كائنٌ أو مستقرٌّ، وهو اسم فاعل إفرادي، بينما التقدير في هذه الجملة من السورة الشريفة هو جملة؛ لأنَّها (ستصلى) مقدّرة، فإذا جاز التقدير في اللفظ الافرادي، فإنَّه لا يعني الجواز في المعنى التركيبي.
وأمّا كبروياً فنقول: إنَّه بالإمكان الاستغناء عن التقدير حتّى في الخبر، كزيد في الدار؛ فإنَّ الكون والاستقرار مأخوذ بالدلالة الإلتزاميّة من الجارّ والمجرور، فزيد لا يكون في الدار إلّاَ إذا كان كائناً أو مستقرّاً فيه.
إذن يمكن اعتبار الجارّ والمجرور بنفسه خبراً بدون تقديرٍ.
فإن قلتَ: هذا بالنسبة إلى الجملة الاسميّة، ولكنَّه يُنقض بالجملة الفعليّة، كما في قولنا: (صعدت على السطح)؛ فإنَّ الجارّ والمجرور لابدَّ أن يتعلّق بالفعل المنطوق، وهو صعدت.
وهذا قابلٌ للجواب من وجهين:
أوّلاً: أنَّه إذا كان الفعل منطوقاً فلا بأس أن يتعلّق به الجارّ والمجرور،
ــــــ[161]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
وأمّا إذا كان مقدّراً فلا حاجة إلى التعلّق به؛ لأنَّ التقدير على خلاف الأصل، وعلى خلاف الفهم العرفي.
ثانيا: أنَّه لا حاجة حتّى إلى التعلّق بالفعل المنطوق؛ فإنَّ (صعدت) لها معنى، والسياق يدلّنا إلى أنَّ الصعود كان على السطح، وكون الجارّ والمجرور متعلّقاً بهذا الفعل – بالمعنى الميكانيكي النحوي- ليس ضروريّاً البتّة.
هذا كلّه في الحديث على تقدير عطف المفرد على المفرد في قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ}.
وأما إذا كان عطف جملة على جملة فما هو مدخول الواو؟
أمّا حمّالة بالنصب فامرأته مبتدأ، وفي جيدها الخبر، أو إنَّ الخبر هو حبلٌ أو هو جملة (حبلٌ من مسد).
وأمّا حمّالة بالرفع فتكون هي الخبر، ويكون (في جيدها) إما نعت أو حال.
سؤال: ما الحاجة إلى ذكر قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} مع أنَّ الناس كانوا يعلمون ذلك؟
جوابه من وجوه:
أوّلاً: أنَّ المراد بهذا الخبر هو زيادة الازدراء بأبي لهب، بأنَّه يصلى ناراً ذات لهب، وهو أيضاً متزوّج من امرأة حقيرة وحطّابة.
ثانياً: أنَّه هالكٌ في الآخرة، ومتزوجٌ من امرأةٍ مؤذيةٍ للرسول’؛ لأنَّه كان راضياً بفعلها.
ثالثاً: أنَّه سيصلى ناراً ذات لهب في الآخرة، وامرأته أيضاً تحشر إلى جهنّم على هذه الحالة الموصوفة، أو هي في كلا الدارين كذلك.
وكلُّ هذه المعاني يمكن أن تكون صحيحةً.
ــــــ[162]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
سؤال: لماذا قال: {حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ}، ولم يقل: (حبلُ مسد)، مع أنَّه كافٍ في بيان المعنى؟
جوابه: أنَّ كلا الأمرين جائزٌ في اللغة، ولكنّه متعيّنٌ في السياق القرآني؛ لأنَّ فيه حفظاً له، وبدونه يكون السياق فاسداً، كما هو واضحٌ.
هذا إذا كان المسد بمعنى الليف.
أمّا إذا كان بمعنى الفتل فإنَّه يجوز كلا الأمرين: وجود (من) وعدمها. نقول: (حبل فتلٌ) أو (حبل من فتل)، وتقول: (حبلٌ مفتولٌ)، وفي حالة اسم المفعول هذا يتعيّن حذف من، وحيث إنَّها مستعملةٌ في الآية الكريمة، إذن نعرف بالقياس الاستثنائي أنَّ (مسد) ليست بمعنى [الحبل] المفتول.
نعود إلى فكرة عطف الجملة على الجملة في قوله: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ}.
أي: وفي جيدها، والواو عاطفة بين الجملتين، وهي الاستئنافيّة في اصطلاحهم، فتكون امرأته مبتدأ وحمّالة بالرفع خبره، و(في جيدها حبلٌ من مسد) نعتٌ أو حالٌ.
أمّا إذا نصبنا (حمّالة) كما هو المشهور فتكون حالاً، ويكون الخبر هو الجارّ والمجرور، وقوله: (حبلٌ من مسد)، أي: هو حبلٌ من مسد، ولكن ذلك مرجوحٌ.
والأفضل أن يكون (حبلٌ من مسد) جملة ابتدائيّة: مبتدأ وخبر، تقع خبراً لامرأته، فيكون الخبر جملةً، بدلاً أن يكون مفرداً.
ــــــ[163]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.
ــــــ[166]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الأوّل
سورة النصر
في اسمها عدّة أُطروحات اتّضحت أسبابها ممّا سبق:
أوّلاً: النصر.
ثانياً: الفَتْح.
ثالثاً: السورة التي ذكر فيها النصر أو التي ذكر فيها الفتح.
رابعاً: {إِذَا جَاءَ}.
خامساً: رقمها في الترتيب الموجود للقرآن الكريم، وهو:110.
سؤال: ما معنى (جَاءَ) في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح}؟
جوابه: معناه: حصل الفتح وحدث، و المراد إمّا المجيء في الزمان، أو بتقدير الزمان … يعني إذا جاء يوم الفتح أو زمانه، أو يُراد به المجيء المعنوي، وهو الحصول والتحقّق نفسه، وهو تعبيرٌ آخر عن الخلق كما في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيْدٌ}(1)، فسمّى عمليّة الخلق بالتنزيل، أي: من العالم الأعلى إلى العالم الأدنى، وكلمة (جاء) هنا متضمّنةٌ لنفس هذا المعنى.
سؤال: ما الفرق بين النصر والفتح؟
جوابه: لا شك أنَّهما مختلفان لغةً ومفهوماً، وأراد تعالى التنبيه على كلا المفهومين. و يمكن تصورهما على عدّة مستويات:
الأوّل: أن يكونا معاً في الدنيا، وهذا هو المنحى التفسيري المشهوري أو ــــــــــــ[167] ــــــــــــ
(1) سورة الحديد، الآية: 25.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
المادّي، فيكون النصر مقدّمة للفتح، وربّما خصّوه بفتح مكّة.
الثاني: أن يكونا معاً في الآخرة، أي: النصر المعنوي والفتح المعنوي، ويكون النصر على النفس الأمّارة بالسوء، ويكون الفتح بمعنى فَتْح العقل وإمكانيّة الفهم وتلقّي العلوم، سواء كان ذلك من الظاهر أو من الباطن. قال تعالى: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}(1)، أي: بما فتح الله عليكم من المعارف والعلوم، لا بمعنى فتح مكّة. وإذا كان الفتح متزايداً وعميقاً في العقل، فهو الفتح المبين. قال الله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً}(2).
الثالث: أن يكون أحدهما دنيويّاً والآخر معنويّاً أو أُخرويّاً، وعلى هذا المستوى يكون المعنى: إن تنتصروا انتصاراً دنيويّاً نفتح لكم فتحاً معنويّاً، إلّاَ أنَّ وحدة السياق تأبى هذا الوجه، وتدعم أحد الوجهين السابقين.
والفرق بين النصر والفتح هو: أنَّ النصر يتضمّن المقدّمات، بينما الفتح يتضمّن النتائج، ولذا قيل: الهدم قبل البناء، كما في هدم العقائد الفاسدة؛ فإنَّه ليس بالأمر اليسير، بل يتمُّ بالتسديد الإلهي والرحمة الإلهيّة.
وعلى أيّ حال، فكلُّ فتحٍ يحتاج إلى مقدّمات، وأهمُّ مقدماته النصر وإزالة العوائق.
وهذا معنى سارٍ في كلّ فتحٍ ونصرٍ، سواء كان مادّيّاً أو عسكريّاً أو عقليّاً أو نفسيّاً أو في أيّ عالمٍ خلقه الله تعالى.
سؤال: هل المراد فتحٌ ونصرٌ معيّنٌ أو كلّي؟
جوابه: أنَّ في ذلك عدّة أُطروحات:
ــــــــــــ[168] ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 76.
(2) سورة الفتح، الآية: 1.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأُطروحة الأُولى: أنَّ يُراد به فتح مكّة، وفي ذلك نقطة ضعف ونقطة قوّة.
أمّا نقطة ضعفه فهي مخالفته للرواية على أنَّ هذه السورة نزلت قبل وفاة النبي’ بسنتين(1)، في حين أنَّ فتح مكّة وقع قبل ذلك بعدّة سنوات. ومن المستبعد أن يكون البعد الزماني كبيراً بين فتح مكّة ونزول السورة إذا كانت قاصدةً له. ومعه تكون تلك الرواية مخالفة لظاهر القرآن الكريم، فتسقط عن الحجّيّة؛ لأنَّ ذاك البعد الزماني يكون كالقرينة على أنَّ المقصود معنىً آخر بالقياس الاستثنائي.
ونقطة القوّة فيه استعمال لفظة (الفتح) الدالة على أنَّ مكّة المكرّمة كانت محصّنةً بالسور أو بالقوّة الكامنة فيها، ولم يحصل مثل هذا الفتح في عصر النبي’ إلّاَ لمكّة، وتكون الألف واللام عهديّة، أي: إشارة إلى ذلك الفتح الرئيسي، وأمّا فتح المدينة المنوّرة فلم يحصل بالقوّة بل بالصلح.
وبذلك تندفع تلك الرواية المشار إليها؛ باعتبارها مخالفة لظاهر القرآن الكريم.
ويتعيّن كون السورة – بناءً على هذه الأُطروحة- نازلة بعد فتح مكّة مباشرةً.
الأُطروحة الثانية: أنْ يُراد الإشارة إلى واقعةٍ مهمّةٍ، ولكنّها مجهولةٌ؛ تصحيحاً للرواية المرويّة في مصادر العامّة: بأنَّها نزلت قبل وفاة النبي’ بسنتين(2).
ــــــــــــ[169] ــــــــــــ
(1) تفسير الثعلبي 10: 320، سورة النصر، تفسير البغوي 8: 577، سورة النصر، وزاد المسير لابن الجوزي 9: 257.
(2) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وهذا في نفسه مستبعدٌ؛ لأنَّ تلك الحادثة إذا كانت مهمّة حقيقةً كانت مرويّة ومعلومة تاريخيّاً، ولا يمكن لها عادةً أن تكون مجهولةً.
الأُطروحة الثالثة: أن يُراد بالنصر والفتح معناهما الكليّ القابل للانطباق على كلّ نصرٍ وفتحٍ، وهذا معنىً جيّد، وإن أستبعده الطباطبائي(1).
إن قلتَ: إنَّ فهم المعنى الكلّي مترتّبٌ على كلّيّة اللفظ، كما في الفتح، إن كانت الألف واللام فيه للجنس، ولكن ذلك مفقودٌ في (نصر)؛ فإنَّها نكرةٌ لا تفيد الشمول.
قلت: إنَّ كلمة (نصر) مضافةٌ إلى معرفة، فتكون قابلةً للشمول والإطلاق، ولعلّه أوكد من إطلاق الألف واللام؛ لأنَّ الألف واللام يحتمل فيه العهديّة، ولكن ينعقد سياقٌ واحدٌ من اللفظين على كون (الفتح) أيضاً يُراد به المعنى العام، فيكون ذلك قرينة على أنَّ الألف واللام جنسيّة لا عهديّة، بجعل ما هو متيقّنٌ قرينةً على ما هو مشكوكٌ، كما هو مقرّرٌ في علم الأصول.
وبعد ضمِّ ذلك إلى ما قلناه من شمول الانتصارات الدنيويّة على مراتبها والفتوحات الأُخرويّة على مراتبها أيضاً، يثبت الشمول لكلِّ ذلك.
****
وقوله تعالى: {رَأَيْتَ النَّاسَ}:
يُراد به الثبوت لا الإثبات بالخصوص، أو يُراد به كلتا المرتبتين معاً، يعني: الإثبات المطابق للواقع والموافق للثبوت.
ومفهوم الإثبات هو ظهوره المطابقي. أمّا مفهوم الثبوت فهو دخول الناس في دين الله، سواء حصلت الرؤية لهم والتعرّف عليهم أم لا.
ــــــــــــ[170] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 376، سورة النصر.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أو يكون المراد: المعنى الشامل للإثبات والثبوت، يعني: إذا {رأيت النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً} وكانت رؤيتك صادقةً {فسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ}.
وهذا نظير قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}(1)، يعني: الجمع في شهود الهلال بين الإثبات والثبوت، يعني: الرؤية المطابقة للواقع.
سؤال: ما هو محصّل قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}؟
جوابه: أنَّ جملة {إِذَا جَاءَ} جملةٌ شرطيةٌ يُراد بها جعل أمر في طرف جواب الشرط بذكر الله سبحانه بالتسبيح والحمد والاستغفار.
ولكن يمكن أن نعقد لها دلالةً التزاميّةً على كونها إخباراً عن حصول النصر، وذلك على مستويين:
المستوى الأوّل: أن يكون إخباراً عن الماضي، أي: إنَّ فتح مكّة قد حصل، وقد رأيت الناس يدخلون فعلاً في دين الله أفواجاً، فسبّح إذن بحمد ربّك.
المستوى الثاني: أن يكون إخباراً عن المستقبل، أي: سوف يحصل ذلك، وعند ذلك سبّح بحمد ربّك واستغفره. ونظيره قوله تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّه}(2).
ولكن هذا إذا فهمنا من النصر والفتح، المعنى الجزئي، سواء كان حاصلاً في الماضي أو يحصل في المستقبل، غير أنَّ الأمر ليس ينبغي أن يكون
ــــــــــــ[171] ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 185.
(2) سورة الروم، الآية: 2-5.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
على ذلك. ومن أهمّ القرائن على نفي ذلك ما يسمّى بأخبار الجري، وهو ما ورد عن المعصومين^: >أنَّ القرآن حيٌّ لم يمت، وأنَّه يجري كما يجري الليل والنهار، وكما يجري الشمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أوّلنا<(1). فمن هنا لا ينبغي لنا أن نفهم من القرآن الكريم في أيّ موضع معنى جزئيّاً، بل يتعيّن فهم المعنى الأوسع والأهمّ.
فإذا فهمنا المعنى الكلّي – يعني: أيّ نصر وأيّ فتح- فكلُّ نصرٍ وفتحٍ حصل في الماضي أو يحصل في المستقبل فهو سببٌ لانطباق جواب الشرط بذكر الله وحمده واستغفاره.
وهذا من قبيل التنبّؤ، ولكن ليس تنبّؤاً جزئيّاً، ومن أوضح مصاديقها وأعظمها ظهور الإمام صاحب الأمر#، وأنَّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً وجورا،ً فهو نصرٌ من الله وفتحٌ.
سؤال: ما المراد بدين الله؟
فإنَّه قد يُقال: إنَّ المجتمع المعاصر للنبي’ لم يدخلوا في دين الله الواحد، أي: الواقعي؛ لأنَّهم كانوا غير ممحّصين وجهلة؛ بدليل قوله تعالى: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}(2). ومن يحتمل فيه الضلال لا يمكن أن يكون متكاملاً في الإيمان.
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ المراد من دين الله: إظهار الشهادتين، وهو ما حصل
ــــــــــــ[172] ــــــــــــ
(1) راجع: تفسير العيّاشي 1: 11، تفسير الناسخ والمنسوخ، الحديث: 5، وعنه البحار 35: 404.
(2) سورة آل عمران، الآية: 144.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فعلاً عند فتح مكّة وبعده ودخول الناس أفواجاً في دين الله بهذا المستوى.
الوجه الثاني: المراد منه الدين الذي يوصف بأوصاف محدودة من دون حاجةٍ إلى التقييد بقيودٍ كثيرةٍ، ونريد به إظهار الشهادتين مع شيء من الالتزام بطاعة الله وطاعة رسوله، وهذا أيضاً قد حصل.
فإن قلتَ: لكنّهم انقلبوا على أعقابهم بعد ذلك.
قلتُ: إنَّ هذا من الإيمان المستودع، يزيله الإنسان من سوء أفعاله باختياره، وهذا لا ينافي أنَّهم قد دخلوا في دين الله بشكل معتدٍّ به، وليس بمجرد إظهار الشهادتين.
الوجه الثالث: أنَّ المراد من دين الله: الدين الخالص أو الواقعي، وهؤلاء الذين دخلوا به هم القلّة من البشر.
ولكن إذا فهمنا أنَّ المراد هو الأجيال المتعاقبة من أوّل الإسلام إلى يوم القيامة، فسوف يدخل في دين الله أفواج من المؤمنين، فيكون ذلك مصداقاً كافياً للآية الكريمة.
فإنْ قلتَ: إنَّ قوله: {وَرَأَيْتَ} ظاهرٌ في كونه في حياة النبي’.
وجوابه:
أوّلاً: أنّنا إذا قلنا: إنَّ {وَرَأَيْتَ} مخصوص بالنبي’، فتكون بمنزلة القرينة المتّصلة على أنَّ المراد بدين الله هو الدين الظاهري الذي يتناسب مع عامّة الناس.
ثانياً: أنْ يكون المراد به غير الرسول’، وإنْ كان هو المخاطب بالمباشرة، بنحو قول الشاعر: إيّاك أعني واسمعي يا جارة، أو أنَّ المراد هو الرسول وغيره.
ــــــــــــ[173] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثالثاً: أنَّه’ يرى الأُمور في كلّ زمان ومكان باعتبار حقيقته الواقعيّة وروحه العليا التي هي خير الخلق وأشرفه؛ إذ توجد حيث لا يوجد مكان ولا زمان، فيكون هو المخصوص بالخطاب.
****
قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْه}:
ويمكن أن يعرض السؤال عن المناسبة بين النصر والفتح من جهة، والتسبيح والاستغفار من جهةٍ أخرى، على شكلين:
الشكل الأوّل: أنَّ التسبيح والحمد والاستغفار مطلوبٌ على كلّ حالٍ، فما هي علاقته بالنصر خاصّةً؟
جوابه من وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ الآيات الكونيّة والحوادث المهمّة ينبغي زيادة ذكر الله تعالى فيها؛ لأنَّها دوالٌّ على قدرته وعظمته؛ إذ من المحتمل أنَّها جاءت للتمحيص أو للعقوبة أو للبلاء. ولذا كرّر سبحانه وتعالى كثيراً في كتابه الكريم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(1) و{لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}(2) وغير ذلك.
وكمصداق لذلك: صلاة الآيات وصلاة الاستسقاء وصلاة الجنائز؛ فإنَّ هذه الأُمور تذكّر بوجود الله وبعظمته. قال تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كلّ مَكَانٍ
ــــــــــــ[174] ــــــــــــ
(1) ورد هذا التعبير في القرآن تسع مرّات، أُنظر السور الآتية: آل عمران، الآية: 72، الأعراف، الآية: 168 و174، يوسف، الآية: 62، الروم، الآية: 41، السجدة، الآية: 21، الزخرف، الآية: 28 و48، والأحقاف، الآية: 27.
(2) ورد هذا التعبير سبع مرّات، أُنظر السور الآتية: البقرة، الآية: 221، إبراهيم، الآية: 25، القصص، الآية: 43 و46 و51، الزمر، الآية: 27، والدخان، الآية: 58.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم}(1).
وهكذا حال النفس الأمّارة بالسوء: لا تذكر الله إلّاَ في البلاء. وأمّا في الرخاء فهي لا تعرفه، والنصر والفتح نحوٌ من البلاء، فلابدَّ من التسبيح والحمد والذكر؛ دفعاً لسوء النفس الأمّارة، ولأنَّها عطاءٌ مباشرٌ من الله سبحانه وفضلٌ منه ونعمة.
الوجه الثاني: ليس المراد إيجاد أصل التسبيح والاستغفار؛ لكونه موجوداً حتماً لدى المؤمن، وإنّما المراد زيادته، وإنّما عبَّر بذلك لأنَّه ينبغي الزيادة في ذلك، بحيث يكون السابق عليها ملحقاً بالعدم، فكأنَّه لم يكن يستغفر أصلاً.
الشكل الثاني: لماذا التسبيح والاستغفار مع العلم أنَّ المحلّ محلّ الشكر على النعمة؟
جوابه لأكثر من وجهٍ واحدٍ:
أوّلاً: ما ذكره الرازي في هامش العكبري: قال: قال ابن عبّاس (رض): لمَّا نزلت هذه السورة علم النبي’ أنَّه نُعيت إليه نفسه. وقال الحسن: أُعلم النبي’ أنَّه قد اقترب أجله، فأُمرَ بالتسبيح والاستغفار والتوبة؛ ليُختم له في آخر عمره بالزيادة في العمل الصالح، فكان يكثر من قوله: >سبحانك اللّهمّ، اغفر لي؛ إنّك أنت التوّاب الرحيم<. وعن ابن مسعود (رض): إنَّ هذه السورة تسمّى سورة التوديع. وروي أنَّ النبي’ عاش بعد نزولها سنتين(2).
ــــــــــــ[175] ــــــــــــ
(1) سورة يونس، الآيتان: 22-23.
(2) أُنموذج جليل: 598، سورة النصر.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أقول: إنَّ هذا لا يتمُّ لعدّة أُمور:
أوّلاً: عدم ثبوت هذه الرواية سنداً.
ثانياً: أنَّه لا يفسّر الارتباط بين النصر والاستغفار، فيبقى جواب الشرط غير مرتبطٍ بفعل الشرط، وما خالف ظاهر القرآن الكريم فهو باطلٌ.
ثالثاً: إذا كان المراد فتح مكّة – كما عليه مشهور المفسّرين- فهو قد حصل قبل وفاة النبي’ بأربع أو خمس سنين، لا بسنتين ظاهراً.
رابعاً: يُحتمل أنَّها نزلت قبل فتح مكّة، فتزداد بعداً عن سنة وفاته’؛ وذلك لقرينتين:
أولهما: نقل ذلك في روايةٍ أخرى(1).
ثانيهما: أنَّ (إذا) استقباليّة تقلب معنى الفعل الماضي – وهو جاء – إلى الاستقبال، فيكون ظاهره التنبّؤ بحصول النصر في المستقبل.
خامساً: أنَّه ليس فرداً عاديّاً لينسى الموت؛ كي يكون من الحكمة تذكيره به وحثّه على زيادة العمل قبله.
سادساً: أنَّ النبي’ معصومٌ، فلا تحتاج وفاته – لو صحَّ التعبير – إلى مزيدٍ من الاستغفار والتسبيح، ويكفي أن نتذكَّر أنَّه قد نصَّ القرآن الكريم على غفران ذنوبه أكثر من مرّة:
منها: قوله تعالى: {ليغفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}(2) وقوله
ــــــــــــ[176] ــــــــــــ
(1) أُنظر: صحيح البخاري 4: 1525، الحديث: 3919-3920، فقد روى عن البرّاء قوله: تعدّون أنتم الفتح مكّة وقد كان فتح مكّة فتحاً، ونحن نعدُّ الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبيّة.
(2) سورة الفتح، الآية: 2.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سبحانه: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ}(1).
ثانياً: من الجواب على الشكل الثاني من الإشكال: أنَّ الفصل بين التسبيح والاستغفار فلكلٍّ منهما مبرّراته:
أمّا التسبيح فله أكثر من وجه:
أوّلاً: أنَّه مصداقٌ للشكر؛ فإنَّ للشكر مصاديق كثيرةً منها التسبيح، وكذلك للحمد مصاديقٌ كثيرةٌ منها التسبيح، كما نقول في ذكر الركوع والسجود: سبحان ربّي العظيم [أو الأعلى] وبحمده.
ثانياً: أنَّ النعم المذكورة في السورة آيات عظيمة لله سبحانه، ويكفي في تصوّر عظمتها أنَّ فيها تطويعاً لهذا المقدار الضخم من الناس، مع ما فيهم من نفوسٍ أمّارة وأهدافٍ دنيويّة وجهلٍ ديني، وهذا التطويع يدلُّ على عظمته؛ فإنَّ النفس مهما كانت صعبة المراس، إلّاَ أنَّها خاضعةٌ لتطويعه سبحانه من حيث لا تعلم، فناسب ذلك وجود التسبيح.
ثالثاً: أن يكون المراد بالتسبيح: فهم معناه من حيث إدراك عظمة تلك النعم وأهمّيّتها والتفكير بها؛ فإنَّه مصداقٌ من التفكير في خلق الله سبحانه المطلوب في القرآن الكريم. قال تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}(2).
وأمّا الاستغفار فله أيضاً أكثر من وجه:
أوّلاً: الاستغفار لأُمتّه، كما قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
ــــــــــــ[177] ــــــــــــ
(1) سورة الشرح، الآيتان: 2-3.
(2) سورة آل عمران، الآية: 91.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً}(1).
ثانياً: الاستغفار للتائبين والداخلين جديداً في الإسلام، وهو مورد الكلام في السورة.
ثالثاً: الاستغفار ممّا قد حصل في مقدّمات هذا الفتح من تقصيرات ونحوها.
فإن قلتَ: إنَّ النبي’ معصومٌ، والمعصوم لا ذنب له.
قلنا: نعم، ولكنّه كان يشعر بينه وبين ربّه بذنوب (دقّيّة) وبعض أشكال التقصير المنظور إليه من أعلى، فلابدّ من الاستغفار منها.
****
قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}:
(كان) هنا للشأنيّة لا للماضويّة، كما ذكرنا في علم الأُصول(2)، والقرينة على ذلك أمران:
الأمر الأوّل: قرينة عامّة، وهي أنَّه سبحانه لا يُحتمل تبدّل شأنه من حالةٍ إلى أخرى، فنعلم أنَّه ثابتٌ في الماضي وفي الحال وفي المستقبل. يعني: أنَّه توجد قرينة عقليّة قطعيّة على استمرار صفاته أزليّاً، فلا يصدق في حقِّه (كان) إذا كان المراد منها الماضي.
الأمر الثاني: – وهي أوضح عرفاً وعقلائيّاً- أنَّ قوله: {إِذَا جَاءَ} وقوله: {وَرَأَيْتَ النَّاسَ} وقوله: {فَسَبِّحْ} كلُّها تدلُّ على الاستقبال، فلا يمكن أن يكون قوله: {إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} للماضي.
ــــــــــــ[178] ــــــــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 64.
(2) موسوعة الإمام الشهيد، المجلّد 19، منهج الأصول 2: 48، الفصل الثالث: خروج المصادر والأفعال عن محلّ النزاع.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مضافاً إلى أنَّ إطاعة الأمر لا يمكن أن تكون إلّاَ استقباليّة، ولا تكون حاليّة، أي: في حال الأمر، ولا يمكن اجتماعه مع ما هو ماضٍ بطبيعة الحال. فحتى مع فرض التنزّل عن القرينة العامّة، فإنَّ السياق الاستقبالي للسورة يعيّن بالقرينة المتّصلة أنَّ المراد بـ(كان) الشأنيّة.
وقوله: {تَوَّاباً} صيغة مبالغة، ويمكن ملاحظتها من جهتين:
الجهة الأُولى: من ناحية مادّتها، وهي التوبة، وتحصل من الطرفين: من العبد وربّه، كقوله: >من تاب تاب الله عليه<(1)، فتوبة العبد هي التنصّل من الذنوب، والتوبة من الله هي الستر على الذنوب واعتبارها كالعدم، كما ورد: >التائب من الذنب كمن لا ذنب له<(2).
قال الراغب: والتائب يُقال لباذل التوبة ولقابل التوبة، فالعبد تائب إلى الله، والله تائب على عبده، والتوّاب العبد الكثير التوبة، وذلك بتركه كلّ وقت بعض الذنوب على الترتيب حتّى يصير تاركاً للجميع، وقد يُقال لله تعالى ذلك؛ لكثرة قبوله توبة العباد حالاً بعد حالٍ(3).
أقول: ومنه قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}(4).
ــــــــــــ[179] ــــــــــــ
(1) الكافي 8: 81، كتاب الروضة، الحديث: 37، ثواب الأعمال: 179، ثواب التوبة، وقريب منه: صحيح البخاري 5: 2364، الحديث: 6072، وصحيح مسلم 3: 99، الحديث: 2462.
(2) الكافي 2: 435، باب التوبة، الحديث: 10، الخصال: 543، أبواب الأربعين، الحديث: 19، سنن البيهقي 10: 153، باب شهادة القاذف، كنز العمّال 4: 232، أحكام التوبة، الحديث: 10303.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 72، مادّة (توب).
(4) سورة النصر، الآية: 3.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الجهة الثانية: من ناحية هيئة الكلمة من حيث كونها صيغة مبالغة.
وهنا يمكن طرح سؤال: لماذا استعمل صيغة المبالغة، ولم يستعمل صيغة اسم الفاعل، أعني: تائب؟
جوابه من عدّة وجوه:
الأوّل: اختلال السياق اللفظي والنسق القرآني، كما هو واضحٌ.
الثاني: أنَّ فعل المضارع (يتوب) وإن أمكن انطباقه على الجهتين: باذل التوبة وقابلها، إلّاَ أنَّ اسم الفاعل (تائب) أقلُّ ظهوراً في ذلك، بل هو ظاهرٌ في باذل التوبة، وهو العبد، إلّاَ أن يقيّد بقرينةٍ، مثل أن يُقال: إنَّ الله تائبٌ على عبده، وإلّاَ فظهوره في العبد ممّا لا ينكر، في حين أنَّ مقصود المتكلّم في القرآن كون الله سبحانه هو التائب، وهذا لا يكون إلّاَ بصيغة المبالغة.
الثالث: أنَّ صيغة المبالغة تفيد أمرين:
أحدهما: أنَّه سبحانه سريع التوبة وكثيرها، والمراد أنَّه يتوب ويغفر وإن كانت الذنوب كثيرة، وأنَّه لا يأس من رحمة الله، فليس الله تائباً عن عبده مرّة أو مرّتين، بل هو كثير التوبة عنه والرحمة له.
ثانيهما: الاستقباليّة، فلو قال: تائباً، لم يكفِ؛ لأنَّ المراد وقوع الاستغفار [في المستقبل] لا في الماضي، والسياق كلُّه للاستقبال – كما عرفنا- فتكون الأنسب صيغة المبالغة.
فإن قلتَ: إنَّ هذه العبارة مربوطةٌ بالاستغفار فقط، دون ما قبله.
قلتُ: أوّلاً: نعم، لا بأس بذلك.
وثانياً: يمكن أن يكون ما قبله كلَّه نحواً من الاستغفار ومصداقاً له، وهو التسبيح بالحمد، فيكون التوّاب مربوطاً بالجميع.
ــــــــــــ[180] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الوجوه الأعرابيّة للسورة
قال أبو البقاء العكبري: قوله تعالى: {يَدْخُلُونَ} حالٌ من الناس و{أَفْوَاجاً} حالٌ من الفاعل في {يَدْخُلُونَ}(1).
أقول: يكون المعنى: ورأيت الناس حال كونهم يدخلون حال كونهم أفواجاً.
ونعرض فيما يلي أُطروحة في إعراب {يَدْخُلُونَ} بعد الالتفات إلى أنَّ (رأى) تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر، فلو حذفت (رأيت) كان الناس مبتدأ ويدخلون خبره، فلماذا لا تعرب الآن على أنَّها في محلّ نصب مفعولاً ثانياً؟
إن قلتَ: هذا مختصٌّ برأى القلبيّة لا الحسّيّة؛ فإنَّها تنصب مفعولاً واحداً، فتتعيّن الجملة في كونها حالاً.
قلتُ: نعم، هذا الإشكال واردٌ إذا كان المراد بالدخول الدخول (الحسيّ)، ولكن من خطل القول اعتبار دخولهم في دين الله دخولاً مادّيّاً أو حسّيّاً، وإن كانت رؤيتهم كذلك، فتكون هذه صغرى للدخول المعنوي، وتكون (رأيت) صغرى للرؤية القلبيّة، ومن ثُمَّ يتعيّن أن تنصب مفعولين، فتكون جملة (يدخلون) مفعولها الثاني.
أمّا الكبرى، وهو الحديث عمّا ذكره النحويّون من أنَّ رأى القلبيّة تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر، ورأى الحسّيّة تنصب مفعولاً واحداً، وإذا كان بعده منصوباً تعيّن كونه حالاً وإن كان في الأصل خبراً.
ــــــــــــ[181] ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 296، سورة النصر.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فهذه الكبرى قابلةٌ للمناقشة ضمن أُمور:
الأمر الأوّل: ما المانع من القول بأنَّ رأى القلبيّة تنصب مفعولاً واحداً؟
المانع عن ذلك في نظرهم المادّي: أنَّ الرؤية القلبيّة متعذّرة لشيءٍ معيّن أو قل: لمفعولٍ واحد، فلا يمكن القول: (رأيت زيداً) ونريد به الرؤية القلبيّة، في حين أنَّ القرآن قد استعمل ذلك. قال تعالى: {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ}(1).
فينظرون بالحسّ المادّي، ولا يبصرون بالحسّ المعنوي، يعني: أنَّهم لا يفقهون مستوى النبي’ وعقله وحكمته وكونه مدينة العلم، فهم يرونه ولكنّهم لا يعرفونه.
وعليه فإنَّ رأى القلبيّة يمكن أن تنصب مفعولاً واحداً كالحسّيّة تماماً.
الأمر الثاني: ما المانع من التخيير بين المفعول الواحد والمفعولين؟ وكلاهما ممكنٌ، فإذا قصد المتكلّم منصوباً واحداً، أمكنه الاقتصار عليه، سواء كانت الرؤية مادّيّة أو معنويّة، وإذا قصد المتكلّم وجود مفعولين
– يعني: إدراك الصفة- جاء بمفعولين، سواء كان ذلك الإدراك مادّيّاً أو معنويّاً، فيكون المنصوب الثاني في قولنا: (رأيت زيداً طويلاً) مفعولاً ثانياً، كما في قولنا: رأيت زيداً عالماً.
الأمر الثالث: أنّنا وجدنا أنَّ (رأى) الحسّيّة تأخذ منصوبين، والعرب قد استعملوها هكذا، ولم يفسّروها، فالمنصوب الثاني يمكن أن يكون مفعولاً، كما يمكن أن يكون حالاً أو نحوه.
ــــــــــــ[182] ــــــــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 198.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وهذا كلُّه معقولٌ بعد ملاحظة هذه المُقدّمات، فيكون المنصوب الثاني في قولنا: (رأيت زيداً عالماً حالاً)، كما في قولنا: رأيت زيداً طويلاً …
فإن قلتَ: إنّنا حتّى لو سلّمنا بذلك، فإنَّ الآية ظاهرة في الحاليّة.
قلنا: إنّنا بعد أن رجّحنا أنَّ (رأيت) في الآية الكريمة قلبيّة – وهي صغرى سبق ذكرها- يتعيّن أن تكون جملة (يدخلون) مفعولاً ثانياً، فإن أعربناها حالاً فقدت رأى القلبيّة مفعولها الثاني.
وعلى أيِّ حالٍ، فمقتضى القاعدة أنَّ جملة (يدخلون) مفعولٌ ثانٍ، ومقتضى الظهور أنَّها حالٌ، فأيٌّ من الظهورين نقدِّم؟
وجوابه: أنّنا إن كنّا متمسّكين بالقواعد النحويّة، فتقديم المفعوليّة أولى، وإلّاَ فالظهور أولى؛ لأنَّ ظهور القرآن حجّةٌ، فيتعيّن أن تكون حالاً، وهذا هو أقرب إلى الوجدان.
هذا بعد ضمّ جانب الكبرى، وهي إمكان أنْ تنصب رأى القلبيّة مفعولاً واحداً -كما قلنا- إلى جانب الصغرى، وهي ظهور الجملة في الحاليّة.
ــــــــــــ[183] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)
ــــــــــــ[185] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سورة الكافرون
في تسميتها عدّة أُطروحات:
الأُولى: الكافرون، وبذلك تكون ذات اسم متدنٍّ؛ لأنَّه منسوبٌ إلى قومٍ متدنّين، ولا يجوز أن نقول: سورة الكافرين؛ لأنَّ المراد اللفظ لا المعنى، على أنَّ ذلك يفسد المعنى؛ لأنَّ السورة ضدَّ الكافرين، وليست معهم.
وبتعبيرٍ آخر: إن انتساب شيء إلى آخر يتحقّق بكونه ملكاً له أو معلولاً له، ولا يمكن القول بذلك تجاه هذه السورة، فإذا قلنا: سورة الكافرين، فقد نسبناها إليهم بوجهٍ ما، وهو واضح الفساد.
الأُطروحة الثانية: ما فعله الشريف الرضي في كتابه >حقائق التأويل< من القول: إنَّها السورة التي ذكر فيها الكافرون، وبذلك يندفع الإشكال المسجّل على الأُطروحة الأُولى.
الأُطروحة الثالثة: أن يشار إلى السورة برقمها من المصحف الشريف، وهو: 109.
سؤال: ما هو سبب تكرار الآية: {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}؟
وبذلك نكون قد بدأنا بأوضح وأهمِّ الاستفسارات في هذه السورة المباركة.
جوابه من أكثر من وجهٍ واحد:
الوجه الأوّل: التأكيد، وهو ما ذكرته مصادر المفسّرين وأكّدت عليه، ومع ذلك فيمكن أن نقول: إنَّ التكرار يحتاج إلى سببٍ، فما هو؟ ولماذا بهذا الأسلوب من التأكيد دون غيره؟
ــــــــــــ[187] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ولتوضيح الجواب نحتاج إلى ذكر مقدّمات:
المقدّمة الأُولى: أنّنا قلنا في المقدّمة: إنَّ الأعمّ الأغلب من سور القرآن الكريم ليس لها هدفٌ معيّن، أو لا يمكن التعرّف على هدفها على الأقلِّ، لكن قلنا: إنَّ بعض السور – وخاصّة القصار منها- تكون واضحة الهدف. وسورة الكافرون منها؛ فإنَّ سياقها واحدٌ، وبيانها وغرضها واحدٌ.
المقدّمة الثانية: في بيان صغرى هذه الكبرى، وهي السؤال عن هدف هذه السورة؟
فنقول: هو المزايلة والمباينة بين أهل الحقّ وأهل الباطل، كما ورد في بعض الأخبار: >فسطاط إيمانٍ لا كفر فيه، وفسطاط كفرٍ لا إيمان فيه<(1) فهما منفصلان ومتباينان، لا يمكن اجتماعهما بحالٍ، بل بينهما غاية التنافر والخصومة.
فهدف السورة لبيان الانفصال التامّ واللانهائي بين الحقِّ والباطل.
إن قلتَ: إن قصدنا من المعبود الله، فهو معبود الجميع، بل هو معبود عبدة الأصنام أيضاً، كما قال الله سبحانه: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}(2) وإن قصدنا الهوى والنفس والشيطان، فهو معبود الجميع أيضاً، كقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ}(3)، وهو معنى شامل حتّى للمسلمين، فليس هناك مباينةٌ ومفارقةٌ بين الطائفتين، فيكون قوله سبحانه {لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} مجملاً غير واضح المعالم.
ــــــــــــ[188] ــــــــــــ
(1) جامع الأصول في أحاديث الرسول (لابن الأثير) 10: 23، الحديث: 7477، سنن أبي داود 4: 152، الحديث: 4244، المستدرك على الصحيحين 4: 513، الحديث: 8441.
(2) سورة الزمر، الآية: 3.
(3) سورة الجاثية، الآية: 23.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قلتَ: جواب ذلك على مستويين:
المستوى الأوّل: أنَّ الملحوظ بالدقّة القرآنيّة هما الجانبان المستقطبان، وهما الكفر الخالص والإيمان الخالص، وما لدى الأعمِّ الأغلب من المسلمين إيمانٌ مشوبٌ بكفر، وما لدى الكافرين كفرٌ مشوبٌ بإيمان.
فهنا يعطي القرآن النموذج المثالي، وهو الكفر الذي لا إيمان معه والإيمان الذي لا كفر فيه، وهذان لا يجتمعان أبداً.
المستوى الثاني: أن ننظر إلى الجانب المختلط بين الكفر والإيمان على اختلاف درجاته، ومع ذلك فهؤلاء مؤمنون وإن عبدوا الهوى والشيطان؛ لأنَّ هدفهم عبادة الرحمن، وأُولئك كفّار وإن عبدوا الله تعالى؛ لأنَّ هدفهم الحقيقي هو العصيان والشيطان، فهنا يكون القرآن قد نظر إلى الهدف الأساسي لكلا الفريقين، فالمباينة والمفارقة موجودة، وهدف السورة بيان ذلك.
المقدّمة الثالثة: أنَّ التأكيد قد يحصل بالتكرار مرّتين، إلّاَ إنَّ أقصى التأكيد هو التكرار ثلاث مرّات، وبذلك يُدهم المخاطب به. وأمّا التكرار أكثر من ثلاث مرّات فسيكون سمجاً عرفا وذوقاً، بخلاف المرّات الثلاث؛ فإنَّها تفيد التركيز الشديد، مع الموافقة للفصاحة والبلاغة.
والتأكيد في القرآن الكريم قد يكون بالتكرار، وقد يكون بغيره، وهنا قد اختار الله سبحانه التكرار، لأجل زيادة التوضيح. وقد ورد ذلك في مواضع أُخرى من القرآن، كقوله سبحانه: {كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ}(1) وقوله: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ}(2) وقوله: {فَقُتِلَ كَيْفَ
ــــــــــــ[189] ــــــــــــ
(1) سورة التكاثر، الآيتان: 3-4.
(2) سورة النبأ، الآيتان: 4-5.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ}(1).
والتكرار في هذه السورة ثلاث مرات، لا مرّة واحدة، كما قد يخطر بالبال؛ فقوله: {وَلا أَنْتُمْ عَابدُونَ مَا أَعْبُدُ} كرّر مرّتين بنفس اللفظ.
وقوله: {لا أَعْبُدُ مَا تعْبُدُونَ} مكرّر مع مغايرة اللفظ في قوله تعالى: {وَلَا أَنا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ}.
وقوله: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} هو بمنزلة التكرار لكلٍّ منهما، فيكون كلّ وجه مكرّراً ثلاث مرات.
وبعد اجتماع هذه المقدّمات الثلاث نقول: إنَّ هذه التكرارات الثلاث هي أقصى مقدارٍ من التأكيد والتركيز للمفارقة بين معبود المؤمنين ومعبود الكافرين، أو قل: هدف المؤمنين وهدف الكافرين، وهو أمرٌ مهمٌّ بدرجةٍ عاليةٍ جدّاً، لا يمكن التقصير فيه أو التغافل عنه؛ فإنَّه لا يوجد هدفٌ أعلى من عبادة الله الواحد الأحد، وأكثر مضادّة من الشرك الكامل والصريح.
وبما أنَّ هذه المباينة موجودة، فهي تستحقُّ التأكيد والتكرار، فيكون هذا الوجه صحيحاً، وإن لم تتمّ الوجوه الأُخرى الآتية.
الوجه الثاني: ما ذكره القاضي عبد الجبّار، حيث قال: إنَّه لا تكرار في ذلك؛ لأنَّ قوله تعالى: {لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} المراد به المستقبل وقوله تعالى: {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} المراد به الحال، وقوله تعالى: {وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ} المراد به المستقبل وفي الحال، أي: لا أعبد ما تقدّمت عبادتكم له. ومن يعد ذلك تكراراً، فمن قلّة معرفته وتدبّره؛ لأنَّه ينظر إلى اللفظ ويعدل عن تأمّل المعنى(2).
ــــــــــــ[190] ــــــــــــ
(1) سورة المدّثّر، الآيتان: 19-20.
(2) تنزيه القرآن عن المطاعن: 484.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أقول: يرد عليه عدّة إشكالات:
أوّلاً: إنَّ هذه القيود التي ذكرها غير ظاهرة من العبارة القرآنيّة، بل لعلّ الظاهر خلافه، فكلامه مجرّد اقتراح بلا قرينةٍ، وإنّما ينبغي أن يكون ما ذكره مطابقاً لظاهر القرآن، وهذا ليس كذلك.
ثانياً: إنَّه لم يعيّن رجوع الحال والاستقبال إلى أيّ من المجموعتين، من حيث إنَّه هل يعود إلى عبادةٍ واحدةٍ أو إلى العبادتين، أو إنَّ أحدهما للحال والآخر للاستقبال، أو إنَّ كليهما للحال، أو كليهما للاستقبال؟
ثالثاً: إنَّه لم يُجب عن التكرار الآخر في قوله تعالى: {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} وهو عين الآية الثانية فإنَّه تكرارٌ باللفظ نفسه، فلا يحتمل أن يُراد به شيءٌ آخر غير ما قُصد بالسابق من الزمان والمكان، ولم يتعرّض لها بشيءٍ بالرغم من قوله: ومن يعد ذلك تكراراً، فمن قلِّة معرفته وتدبّره؛ لأنَّه ينظر إلى اللفظ ويعدل عن تأمّل المعنى.
وجوابنا: أنَّ المعنى يستفاد من اللفظ، فإذا تكرّر اللفظ تكرّر المعنى؛ لأنَّ اللفظ دالٌّ على المعنى، وليس مهملاً، فإذا تكرّرت الدوالّ تكرّرت المدلولات، وهي المعاني.
الوجه الثالث: أن ننظر إلى العبادة والمعبود كمعنى مصدري، فهناك عبادتان ومعبودان: الله وعبادته والأصنام وعبادتها، وفي السورة أربع آيات، خصَّ كلّ واحد منها بواحدة.
وبيان ذلك يتوقّف على مقدّمة، وحاصلها أنَّ (ما) إمّا موصولة أو مصدريّة، فإن كانت موصولة كانت بمعنى المعبود، أي: المعبود الذي تعبدونه، وإن كانت مصدريّة كانت بمعنى العبادة، أي: لا أعبدُ عبادتكم،
ــــــــــــ[191] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ولا أنتم تعبدون عبادتي.
فتوزّع المطالب الأربعة على الآيات الأربعة، ولا يحصل تكرارٌ أصلاً:
{يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} وهذه مصدريّة أي: لا أعبد عبادتكم.
{وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} وهي مصدريّة، أي: عبادتي.
{وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ} وهنا موصولة بمعنى: معبودكم.
{وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} موصولة بمعنى: معبودي.
ويمكن فهم المعنى بالعكس بالنسبة إلى المصدريّة والموصولة، فنجعل (ما) موصولة في الآية الأُولى والثانية، ومصدريّة في الثالثة والرابعة، ويكون قوله: {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} مكرّراً لفظاً لا معنى، فيندفع ما ذكرناه من الإشكال على القاضي عبد الجبّار.
إلّاَ أنَّ هذا الوجه قابلٌ للمناقشة؛ فإنَّ توزيع (ما) المصدريّة والموصولة بهذا الترتيب أو ذاك أمرٌ اقتراحي لأجل تصحيح السياق ليس إلّا، ولا توجد قرائن متّصلة عليه.
مضافاً إلى أنَّ السياق يدلُّ على وحدة المدلول، ووحدة السياق قرينة ظهوريّة صحيحة في علم الأصول. فإمّا أن نحمل (ما) على الموصوليّة في جميع الآيات، أو نحملها على المصدريّة، فيرجع التكرار في كلتا الحالتين.
فإن قلتَ: إنَّ التكرار لغوٌ ولا يصدر منه سبحانه.
قلتُ: إنَّ اللغويّة إنّما تعيّن هذا الوجه مع الانحصار به، وليس الأمر كذلك؛ لصحّة بعض الوجوه الأُخرى غير هذا الوجه، كما سبق.
الوجه الرابع: أنَّ الاشتقاق يختلف، فإذا اختلف اختلف معنى المادّة؛ فإنَّ أحدهما فعلٌ مضارعٌ، وهو {لاَ أَعْبُدُ} والآخر اسم فاعل، وهو قوله:
ــــــــــــ[192] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
{وَلا أَنَا عَابِدٌ} وباختلاف الاشتقاق نحصل على عدّة نتائج في مصلحة تغيّر المعنى وعدم التكرار:
الأُولى: الفرق اللغوي واختلاف الانطباع العرفيِّ بينهما.
الثانية: أنَّ الفعل المضارع يفيد الاستقبال، واسم الفاعل يفيد الحال.
الثالثة: أنَّ الفعل المضارع يفيد التأبيد بإطلاقه، يعني: لا أعبد إلى الأبد أو الأزل، وهذا ما لا يفيده اسم الفاعل.
فأيَّاً من هذه النتائج أخذنا به، كان في مصلحة عدم التكرار، لولا وجود التكرار اللفظي الكامل في قوله تعالى {وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}، وهو ما لا يشمله هذا الوجه، فلا يكون تامّاً في نفسه.
الوجه الخامس: أنَّ الاشتقاق هنا يلاحظ بشكل آخر، فـ{تَعْبدون} فعلٌ مضارعٌ يفيد الحال، و{عَبَدْتُم} فعلٌ ماض، ومعناه وانطباعه اللغوي يختلف بطبيعة الحال، فلا يوجد تكرار من هذه الناحية.
ويرد عليه نفس الإشكال السابق من: أنَّ قوله: {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} مكرّر بنفس اللفظ والمعنى، فلا يصلح أن يكون وجهاً مستقلاً.
وهناك بعض الأُطروحات للتركيب بين هذه الوجوه السابقة:
الأُطروحة الأُولى: أن يكون التركيب المقترح كما يلي: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ} (في المستقبل) {مَا تَعْبُدُوْن} (الآن) {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ} (الآن) {مَا أَعْبُدُ} (في المستقبل) {وَلا أَنَا عَابِدٌ} (الآن) {مَا عَبَدْتُمْ} (في الماضي) {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ} (الآن) {مَا أَعْبُدُ} (في المستقبل).
إلّاَ أنَّ هذا بمجرده غير كافٍ؛ لأنَّه تفصيلٌ اقتراحي غير منضبط، بل قد يشوّه السياق، ولا أعتقد أنَّ هذه المضامين مقصودةٌ للحكيم تعالى.
ــــــــــــ[193] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأُطروحة الثانية: أنَّه لا يُراد شيءٌ من ذلك الماضي والمستقبل، وإنّما يُراد بها مطلق الشأنيّة المنسلخة عن الزمان والمكان.
فهذه الألفاظ (عبد، عابد، تعبدون، عبدتم) ألفاظ لغويّة وبيانات تدلُّ على معنىً أعمق من سطحها وتفاصيلها العرفيّة، وهو معنى الشأنيّة.
ويكون المعنى: أنَّه ليس من شأنهم أن يعبدوا الله، كما ليس من شأن النبي’ أن يعبد الأصنام.
وأمّا التعبير بالماضي أو الحال أو اسم الفاعل ونحو ذلك فلا أهمّيّة له، بل المهمّ المفارقة والمزايلة بين فسطاطين من القلوب، وليس من شأن أيِّ واحدٍ منهما أن يدخل في الآخر.
فإن أخذنا بنظر الاعتبار أنَّ التكرار كان لأجل التأكيد الشديد، كما قلنا في الوجه الأوّل، صحَّ ذلك تماماً، وإلّاَ لم يتمّ؛ لأنَّ التكرار بالشأنيّة سيكون بلا موجبٍ، واختلاف الزمان لا اعتبار به، كما مال إليه القاضي عبد الجبّار(1).
وهنا يمكن أن نلاحظ أمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ قوله: {وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} فيه دلالة على أنَّ ما يعبده النبي’ واحدٌ، لذا تمّ تكراره باللفظ؛ لعدم وجود دالٍّ آخر عليه، بخلاف الطرف الآخر – أي: الكفار- فإنَّ ما يعبده الكفّار متعدّدٌ، كالأصنام والنفس، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}(2) والشياطين، قال تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}(3)
ــــــــــــ[194] ــــــــــــ
(1) يعني: أنَّه مال إلى اعتبار الزمان كما سبق. (منه+).
(2) سورة الجاثية، الآية: 23.
(3) سورة الأنعام، الآية: 121.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وغيرها. ولذا ورد بصيغة المضارع تارةً، وبصيغة الماضي تارةً أخرى؛ فإنَّ عبادةً كهذه تكون بحسب الشهوة والمصلحة الدنيويّة، فيعبد شيئاً في الماضي، ثُمَّ يعبد شيئاً آخر في المستقبل، وهكذا.
الأمر الثاني: أنَّ قوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} يُعَدُّ تكراراً بحسب المعنى العامّ للسورة، ويفيد التأكيد تأكيداً.
وبحسب البلاغة ينبغي تغيير العبارة بتغيير اللفظ، فهو بمنزلة النتيجة للمقدّمات التي سبقته، يعني: بما أنّكم لا تعبدون ما أعبد وبما أنَّي لا أعبد ما تعبدون، إذن لكم دينكم ولي دين.
وهنا يرد السؤال: أنَّه قد يستشعر من ذلك إمضاء أديان الكافرين، وسيأتي جوابه عند الحديث عن هذه الآية الكريمة.
هذا كلّه بالنسبة إلى المضمون العامّ للسورة، وهو التكرار، وندخل الآن في تفاصيل السورة ضمن الأسئلة الآتية:
سؤال: لماذا قال: {يَاأَيُّهَا}، ولم يقتصر على حرف النداء، أو على أحد هذين اللفظين؟
جوابه: حسب فهمي أنَّ (يا) للنداء: إمّا (أيّها) فهي ليست للنداء، بل هي وصلة وتسبيب لدخول حرف النداء، فلا تصلح للنداء وحدها، وإن حصلت وحدها كانت بتقدير الحرف قبلها لا محالة.
فمدخول (يا) هو كل كلمة خالية من الألف واللام، أمّا المعرَّف بها فلا يمكن أن يكون مدخولاً لها، فتأتي (أيُّها) لأجل التوصّل إلى ذلك. وهذا بحسب الذوق العربي واضحٌ، وبحسب استقراء الاستعمالات القرآنية أنَّ (أيُّها) لم تأتِ مفردة، وإنّما جاءت مدخولاً لحرف النداء.
ــــــــــــ[195] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إذن فلا بد من وجود الاثنين، ولا يمكن الاستغناء بأحدهما عن الآخر.
سؤال: هل إنَّ ظهور القرآن في هذه السورة يدلُّ على الجبر؟
هذه الشبهة مأخوذة من بعض ما قلناه، وما قاله صاحب >الميزان<+، فلابدَّ من ذكر المقدمات لفهم هذه الشبهة، ومن ثمّ الإجابة عليها.
المقدّمة الأُولى: الظهور في الشأنيّة، وهذا ما قلناه من: أنَّ شأن الكافرين أن لا يؤمنوا وأن لا يعبدوا ما يعبد الرسول’، وهو التوحيد، وليس المراد الفعليّة والعمل والسلوك، بل المراد من شأنهم حالهم وديدنهم؛ فإنَّ الحال والديدن من قبيل اللازم الذي يصعب تغييره، وهذا يعطي إشماماً بالجبر.
وأوضح منه:
المقدّمة الثانية: وهو ما ذكره صاحب >الميزان<، وهو من غرائبه+؛ حيث قال: (لا اعبد) نفيٌ استقبالي؛ فإنَّ (لا) لنفي الاستقبال، كما أنَّ (ما) لنفي الحال، والمعنى: لا أعبد أبداً ما تعبدون اليوم من الأصنام(1).
أقول: فيكون المعنى على هذا التقدير: أنَّ النبي’ سوف لن يعبد ما يعبد الكفّار، وهو صحيحٌ، ولكن العكس لا يصحُّ، أي: إنَّ الكفّار سوف لن يعبدوا الله تعالى، فظهور (لا) للتأبيد والاستقباليّة المؤبّدة مشعرٌ بالجبر. فهل هذا صحيح؟
جوابه: أنَّ القرآن غير ظاهرٍ بالجبر؛ وذلك على عدّة مستويات:
المستوى الأوّل: أنَّ المراد بالكافرين: إمّا الكلّي أو الجزئي؛ لأنَّ الألف واللام: إمّا جنسيّة أو عهديّة: فإن أُريد الجنس، دلَّ على امتناع دخول كلّ الكفّار في الإسلام، وهو غير محتمل، بل دخولهم حاصل، وكلُّ ما هو حاصلٌ ممكنٌ، كما قيل: أدلُّ دليل على إمكان وقوع الشيء حصوله. فمنشؤه باطلٌ
ــــــــــــ[196] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 374، سورة الكافرون.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بالقياس الاستثنائي؛ لأنَّه لو كان ممتنعاً لما حصل، وقد حصل، إذن فهو ليس بممتنعٍ. وإن أُريد العهد – أي: من كان في ذلك الحين- فهو أيضاً غير محتمل بنفس التقريب؛ لدخول كثيرٍ منهم في الإسلام.
وإن أُريد الجنس المقيّد كأبي لهب، فهذا الاختصاص يحتاج إلى قرينةٍ، وهي مفقودةٌ.
المستوى الثاني: يُعرض كأُطروحة، وهو فهم القضية الحيثيّة، وأنَّها ليست قضيّة جزميّة، أو قل: إنَّها قضيّة اقتضائيّة لا علّيّة.
يعني: أنَّ الكافر من حيث هو كافر وبصفته كافراً لا يعبد الله.
فالكفر مقتضٍ لعدم عبادة الله، وليس علَّةً تامّةً لذلك، ويشابهه في القضايا الموجّهات قولهم: الإنسان متحرّك الأصابع مادام كاتباً، أي: بصفته كاتباً.
فإن قلتَ: إنَّها تكون عندئذٍ بمنزلة القضيّة بشرط المحمول، كما لو قلنا: يا أيُّها الكافرون، أنتم لا تعبدون الله بصفتكم كافرين، فتصبح الجملة منحلّةً إلى عدّة قضايا بشرط المحمول، مثل قولنا: يا أيُّها الكافرون، أنتم كافرون، يا من لا تعبدون الله، أنتم لا تعبدون الله، وهكذا.
قلت: إنَّ المحمول يختلف عن الموضوع؛ لأنَّ الكفر ليس مجرّد عدم الإيمان بالله تعالى بذاته، بل هو عقائد مستقلّة، وهو معنىً قائمٌ بذاته، له نواحٍ إثباتية، كالإيمان بموسى وعيسى‘، ونواحٍ سلبيّة (أو نفي) كعدم الإيمان بالتوحيد وبالرسالة المحمّديّة وبالقرآن، وهكذا.
وهذا ما تؤكّده السورة، ويدلُّ عليه سياقها، والهدف الذي قلنا: إنَّه أُنزلت السورة من أجله، وهو المفارقة والمزايلة بين الحقِّ والباطل.
والسياق مع القرائن المتّصلة تدعم تأييد هذا الهدف، وهو أنَّ الكفّار من
ــــــــــــ[197] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
حيث كونهم كفّاراً لا يؤمنون بالله، والمؤمنون من حيث كونهم مؤمنين لا يعبدون الأصنام، كائناً ما كان ذاك الصنم، وهو يؤيّد ما روي: >فسطاط إيمانٍ لا كفر فيه، وفسطاط كفرٍ لا إيمان فيه<(1).
أمّا قوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ…}(2)، فهو صحيح، سواء قصد الكلّي أو الجزئي؛ لأنَّ عدم الهداية يكون بمنزلة المعلول أو بمنزلة العقوبة لأفعالهم السابقة، ومن المعلوم أنَّ الأكثر هنا لا يُراد به ظاهراً أُناسٌ معنيّون.
وأمّا قوله تعالى: {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}(3) فيراد به المتعصّبون، وهو صادقٌ، سواء كان المراد الجزئي أو الكلّي.
فإن قلتَ: إنَّه في هذه السورة يُراد المتعصّبون أيضاً.
قلت: يحتاج ذلك إلى قرينةٍ، وهي مفقودةٌ.
فإن قلتَ: إنَّ القرينة هناك أيضاً مفقودةٌ.
قلت: إنَّ قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} قرينةٌ عليه.
فإن قيل: إنَّ ظهور (لا) بالاستقبال دالٌّ عليه.
قلنا: هذا لا يكفي؛ لأنَّ ظهورها بالاستقبال يكفي فيه يومٌ واحدٌ، وأمّا استفادة التأبيد فهو غير محرزٍ إلّاَ بالإطلاق، فنفهم من الإطلاق أمراً عقائديّاً مهمّاً مخالفاً للواقع، فهذا غير ممكنٍ، بخلاف الآيتين اللتين فيهما قرائن لفظيّة.
ــــــــــــ[198] ــــــــــــ
(1) سنن أبي داود 4: 152، الحديث: 4244، المستدرك على الصحيحين 4: 513، الحديث: 8441، جامع الأصول في أحاديث الرسول 10: 23، الحديث: 7477.
(2) سورة يس، الآية: 7.
(3) سورة يس، الآية: 10.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: لماذا قال الله تعالى: {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} ولم يقل (من) مع أنَّه القياس؟
جوابه لعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: ما اختاره الرازي في هامش العكبري(1) وصاحب >الميزان<(2) بما مضمونه: أنَّ ذلك لأجل حفظ السياق اللفظي، فلو أبدلها بـ(من) لاختلّ السياق … .
الوجه الثاني: ما ذكره الرازي أيضا من: أنَّ (ما) مصدريّة، أي: لا أعبد عبادتكم، ولا تعبدون عبادتي(3).
الوجه الثالث: أنَّ قوله: (ما أعبد وما تعبدون)، لا يتعيّن فيها شيءٌ واحدٌ وأمرٌ فاردٌ، بل هو أشياء كثيرة، فنحمل العبادة هنا على معنى الطاعة، فيكون المطاع عدّة أُمور من كلا الجانبين.
ففي جانب الكفر يكون المطاع الشيطان والشهوات والأصنام وحبّ الدنيا والطواغيت، وغيرها. أمّا من جانب الحقِّ فالمطاع القرآن والوحي والتشريع والمعصومون ونحوها.
ففي كلا الجانبين هناك من يعقل ومن لا يعقل، والمركّب ممّن يعقل وما لا يعقل لا يعقل؛ لأنَّ النتيجة تتبع أخسَّ المقدّمتين، ولذا عبّر بـ(ما) التي هي لمن لا يعقل.
الوجه الرابع: إرجاع الموصول إلى المعبود بصفته معبوداً، لا بصفته
ــــــــــــ[199] ــــــــــــ
(1) أُنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل: 596، سورة الكافرون.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 374، سورة الكافرون.
(3) أُنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل: 596، سورة الكافرون.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
شخصاً، والسؤال إنّما يتوجّه باعتبار أنَّ ما الموصولة يُراد بها الله تعالى، أي: (عابدون لله) وفي هذا الوجه تعود إلى عنوان المعبود.
وهذا هو الموافق مع ظاهر مادّة (أعبد)، ومفادها كلّي العبادة، فيكون المراد من الموصول كلّيّاً، والكلّي لا يعقل، ويكون المعنى: (أنتم لا تعبدون معبودي، وأنا لا أعبد معبودكم).
الوجه الخامس: أنَّ لـ(من) الموصولة حدّين: حدّاً أدنى، وهو المشهور، حيث قالوا: إنَّها لمن يعقل و (ما) لغير العاقل، وحدّاً أعلى، وهو ما نعبّر عنه بعالم الخلق أو عالم الإمكان أو عالم المحدوديّة.
أمّا ما كان أعلى من هذه العوالم الثلاثة – وهي الإمكان والخلق والمحدوديّة- فهو خارج عن حدِّ (من) الموصولة، وهو الله تعالى؛ فإنَّه أعلى من عالم الإمكان؛ لأنَّه واجب الوجود، وأعلى من عالم الخلق؛ لأنَّه الخالق، وأعلى من عالم المحدوديّة؛ لأنَّه لا متناهٍ بذاته وصفاته.
إذن فهو أعلى من أن نعبَّر عنه بـ(من)؛ لأنَّه أعظم من كلّ مَن (يعقل).
إذن فمن حدّها الأدنى البهائم، وحدّها الأعلى من كانت حكمته وعقله غير محدود، فلا نعبّر عن كلا الحدّين بـ(من) التي هي للعاقل، فيتعيّن التعبير عنه بأسماء موصولة أخرى.
فهذه أيضاً أُطروحة صالحةٌ للجواب.
سؤال: هل إنَّ (ما) موصولة أم مصدريّة؟ حيث قال العكبري: يجوز أن تكون (ما) بمعنى (الذي)، والعائد محذوفٌ، وأن تكون مصدريّة ولا حذف، والتقدير: لا أعبد مثل عبادتكم(1).
ــــــــــــ[200] ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 296، سورة الكافرون.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
جوابه: أنّنا نلاحظ هنا أنَّ (ما) دخلت على الفعل المضارع ثلاث مرّات، وعلى الماضي مرّة واحدة، فنحن بين أمرين:
فإمّا أن نقول: إنَّ المصدريّة كما تدخل على الفعل المضارع، فإنَّها
تدخل أيضاً على الفعل الماضي، أو إنَّها لا تدخل على الفعل الماضي؛ لأنَّها لا تسبك مع الماضي بمصدرٍ.
إذن فقوله: (ما عبدتم)، لا يمكن أن تكون مصدريّة.
فمن أجل وحدة السياق إمّا أن تكون كلَّها مصدريّة أو أن تكون كلَّها موصولة، ولا يمكن التغاير بينها، ومادام أحدها متعيّناً في الموصوليّة، وهي الداخلة على الفعل الماضي، فنحمل الباقي الذي هو مشكوكٌ على ما هو متيقَّنٌ، فتكون كلَّها موصولة، وليس فيها مصدريّة.
سؤال: قوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} قد يقال: إنَّه يعطي إشعاراً بإقرار الدين الذي هم عليه، بل أكثر من ذلك، وهو عدم الأمر بالخروج منه وعدم المنازعة فيه، فهل هذا هو المقصود أم لا؟
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ ذلك على خلاف الحال القطعي للرسول’ وعقيدته ودعوته وحروبه وتكسيره الأصنام، مثل قوله تعالى: {أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ}(1).
وهذا ما التفت إليه صاحب >الميزان< حيث قال: فالدعوة الحقّة التي يتضمّنها القرآن تدفع ذلك أساساً(2).
ــــــــــــ[201] ــــــــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 41.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 374، سورة الكافرون.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الوجه الثاني: قال في >الميزان<: وقيل: الدين في الآية بمعنى الجزاء، والمعنى: لكم جزاؤكم ولي جزائي(1).
أقول: يعني: لكم ولي يومٌ للإدانة وتحمّل المسؤوليّة، ويومٌ للثواب والعقاب، وهذا معنى جيّد، ولا أقلَّ من الاحتمال المبطل للاستدلال.
فإنَّ هؤلاء الكفّار المخاطبين بهذه السورة لا دين لهم، أي: ليس لهم مبدأ وعقيدة، وكلُّ فكرهم خرابٌ لا أهمّيّة له، وذلك بأحد تقريبين:
التقريب الأوّل: أنَّ الدين هو الدين السماوي، وأمّا المخترعات الأرضية الدنيويّة، كالماركسيّة وغيرها فليست بدينٍ، بل تكون كقوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}(2)، فيكون الدين بالنسبة إليهم سالبةً بانتفاء الموضوع.
وهذا يقرّب أنَّ المقصود – في الآية التي هي محلُّ الكلام- من الدين ليس العقيدة، بل الجزاء.
التقريب الثاني: أنَّ الدين أُصولٌ وفروعٌ أو عقيدةٌ وتشريعٌ أو فقه، وأمّا الآراء التي لا تقابل الأصول والفروع فهي بمنزلة التسيّب عمليّاً وفقهيّاً وسلوكاً، فهم لا دين لهم، بل يكون أيضاً بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع، فيتعيّن معنى الجزاء.
الوجه الثالث: أنَّ اللام في قوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ} ليس للإقرار بل للاختصاص، وهناك قرينتان على ذلك:
الأُولى: قرينة عامّة، وهو هدف السورة كما عرفنا، وهو الفرقة
ــــــــــــ[202] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 375.
(2) سورة النجم، الآية: 23.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
والانعزال بين الحقِّ والباطل، والسياق العامّ للسورة دالٌّ على ذلك، مضافاً إلى الظهور اللغوي، فأهل الباطل مختصّون بكفرهم، لا أنَّهم مُقرّون عليه.
الثانية: قرينة خاصّة، وهي ظهور اللام في الاختصاص لغةً، وهذا ممّا يدعم القرينة العامة. وليس في العبارة ما هو زائدٌ على ذلك ليدلَّ على الإقرار بأيّ حالٍ.
ــــــــــــ[203] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ.
ــــــــــــ[205] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سورة الكوثر
وهي أصغر السور لا بعدد الآيات، بل بعدد الكلمات والحروف، وقد أشار المفسّرون إلى ذلك.
كما أنَّ لها هدفاً واضحاً على بعض التقادير، كما سيأتي بيانه.
وأمّا عن تسميتها ففيها الأُطروحات الآتية:
الأُولى: الكوثر، وهو الاسم المشهور.
الثانية: السورة التي ذكر فيها الْكَوْثَر، وذلك على طريقة الشريف الرضيّ+.
الثالثة: إعطاؤها رقمها في ترتيبها من المصحف الموجود، وهو: 108.
وأهمُّ الأسئلة التي قد ترد في هذه السورة المباركة هي عن معنى: الكَوْثَر والنحر والأْبتَرُ.
سؤال: ما معنى الكَوْثَر؟
جوابه: قال الرازي في هامش العكبري: إنَّه الخير الكثير، فوعل من الكثرة، كقولهم: رجلٌ نوفل، أي: كثير النوافل. ومنه قول الشاعر:
وأنت كثيرٌ يا بن مروان طيّبٌ
وكان أبوك ابن العقائل كوثرا(1)
ــــــــــــ[207] ــــــــــــ
(1) أُنموذج جليل: 595، سورة الكوثر، والبيت للكميت بن زيد، يمدح فيه هشام بن عبد الملك بن مروان.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أقول: ينبغي أن نسلِّم بأنَّ الكوثر هو الخير الكثير أو كثرة الخير، لا بمعنى: ذو الخير الكثير، وإنَّ صحَّ ذلك مجازاً، وإلّاَ فسوف يسقط تفسير الآية؛ إذ يكون المعنى: إِنا أعطيناك ذا الخير الكثير، وهو ممّا لا محصّل له إلّاَ على بعض التفاسير الشاذّة، بأن يُراد من الكوثر المصدر، ويسند إلى الرجل تجوّزاً، كما يُقال: زيدٌ عدلٌ، أي: ذو عدل أو متّصفٌ بالعدل، فنحتاج إلى التقدير، وهذا هو الاشتباه الذي وقع به الرازي.
والكوثر يمكن أن يكون بمعنى المصدر، وأن يكون بمعنى اسم المصدر، والفرق بينهما – كما أشرنا في درس الأصول(1)- أنَّ المصدر عبارة عن المعنى حال كونه ملحوظاً متحرّكاً ومستمرّاً، واسم المصدر عبارة عن المعنى حال كونه ثابتاً قائماً بنفسه. فالخير الكثير يمكن أن يلحظ ثابتاً مفهوماً، فيكون اسم مصدر، ويمكن أن نتصوّر له معنىً مستمرّاً، فيكون مصدراً.
وعلى ذلك فالكوثر هو الخير الكثير أو كثرة الخير، وعليه تحمل سائر المعاني التي ذكرت للكوثر، حتّى أنهاها بعضهم إلى ستّة وعشرين معنى، كما في >الميزان<(2)، وكلُّها مصاديق بالحمل الشايع منه.
ومن هنا يتّضح ما ذكره في >الميزان< حيث قال: وقد اختلفت أقوالهم في تفسير الكوثر اختلافاً عجيباً، فقيل: هو الخير الكثير، وقيل: نهرٌ في الجنّة، وقيل: حوض النبي’ في الجنّة أو في المحشر، وقيل: أولاده، وقيل: أصحابه وأشياعه إلى يوم القيامة، وقيل: علماء أُمّته، وقيل: القرآن وفضائله كثيرة، وقيل: النبوّة، وقيل: تيسير القرآن وتخفيف الشرائع، وقيل: الإسلام،
ــــــــــــ[208] ــــــــــــ
(1) المجلّد: 20، منهج الأصول 4: 131، مبحث المرّة والتكرار.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 370، سورة الكوثر.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وقيل: التوحيد، وقيل: العلم والحكمة، وقيل: فضائله ’، وقيل: المقام المحمود، وقيل: هو نور قلبه’، إلى غير ذلك ممّا قيل(1).
أقول: فكلُّ ذلك مصاديق من الكوثر، ولا تنافي بينها، وكلّها ليست كوثراً بالمفهوم أو بالحمل الأولي، بل هي منه بالحمل الشايع، ومعه يمكن القول بصدق الأقوال كلِّها من هذه الجهة، مع وجود حصص أُخرى للخير الكثير لم يلتفت إليها المفسّرون.
وخاصّةً إن علمنا أنَّ الكوثر من مختصّات النبي’، وكلُّ مختصّاته خيرٌ كثيرٌ، بل هي غير متناهية، بل إنَّ كلّ صفاته كوثرٌ من مصاديق الكوثر، وقد عرفنا أنَّها معانٍ غير متنافية.
ولكن على تقدير التنافي – كما هو ظاهر قائليها، وظاهر المفسّرين،
كما هو ظاهر >الميزان< أيضاً- لابدَّ من الرجوع في التعيين إلى حجةٍ، وإلّاَ كان من تفسير القرآن بالرأي، وهو محرّم، والحجّة هنا هي إمّا ظاهر القرآن أو هي السنة الشريفة، فإن أقمناها لم يبق أمامنا إلّاَ معنيان أو ثلاثة، على ما سيأتي.
والمعاني المهمّة المتصوّرة ثلاثة:
المعنى الأوّل: الذّريّة؛ بدليل قوله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَر} إذا فسّرناه بما فسّره مشهور المفسّرين وأيّده صاحب >الميزان<، حين قال: الأبتر من لا عقب له(2). فيكون ذلك بمنزلة القرينة المتّصلة على أنَّ المراد هو الذّريّة.
وبه يتّحد مضمون السورة كلّها وهدفها، وقد وردت في ذلك روايات،
ــــــــــــ[209] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 370، سورة الكوثر.
(2) المصدر السابق 20: 372، سورة الكوثر.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
نقلها صاحب >الميزان<(1) فراجع.
المعنى الثاني: الحكمة؛ بدليل قوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}(2) فهي إذن خيرٌ كثيرٌ بالحمل الشائع بنصِّ القرآن، فيكون بمعنى الكوثر.
المعنى الثالث: حوض الكوثر، أو نقول: ماءٌ في الدار الآخرة: إمّا بشكل حوض أو نهر في القيامة أو في الجنّة؛ فإنَّ شكله الحقيقي عند الله، وهو ممّا لا نفهمه الآن بطبيعة الحال.
وعلى أيَّ حال، فهذا المعنى ما استفاضت به الروايات، وأشهر حديث روي عن الفريقين: >عليٌ مع الحقِّ والحقُّ مع علي، لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض<(3)، وهو حوض الكوثر لا غير.
وقلنا: إنَّه لا تنافي بين هذه المعاني؛ لورود روايات بوجود بواطن للقرآن الكريم، فليكن هذا منها.
ولكن مع التنزّل عن ذلك يمكن القول بأنَّ هدف السورة بمنزلة القرينة المتّصلة على أنَّ المراد من الكوثر هو الذّريّة، ويدعمه أيضاً النقل التاريخي(4) بأنَّ السورة إنّما نزلت فيمن عابه’ بالبتر، بعد ما مات ابناه القاسم وعبد الله.
ــــــــــــ[210] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 372، سورة الكوثر.
(2) سورة البقرة، الآية: 269.
(3) أمالي الصدوق: 150، المجلس العشرون، الحديث: 1، شرح الأخبار (للقاضي النعمان) 2: 60، الحديث: 421، مجمع الزوائد 7: 235، المعيار والموازنة (لأبي جعفر الإسكافي المعتزلي): 119، خطبة أُخرى لعمّار بن ياسر.
(4) دلائل النبوّة للبيهقي 2: 70، باب ما جاء في تزويج رسول الله بخديجة، سيرة ابن إسحاق: 299، الحديث: 338 و413 السيرة النبويّة (لابن كثير) 2: 84 و4 :607.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
هذا مضافاً إلى المعنى اللغوي للأبتر. قال الراغب في المفردات: البتر يستعمل في قطع الذنب، ثمّ أُجري قطع العقب مجراه، فقيل: (فلانٌ أبتر) إذا لم يكن له عقب يخلفه(1).
وإذا تخلّينا عن ذلك لم يبق لقوله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَر} فائدة، بل سيكون للسورة هدفان، لا هدف واحد، أحدهما: إعطاء الكوثر، والآخر: أنَّ شانئك هو الأبتر، في حين أنَّ وحدة الهدف مطلبٌ جيّد، فينبغي أن نحمل السورة على ما هو جيّد، فيكون بمنزلة القرينة المتّصلة على أنَّ المراد بالكوثر الذريّة، كما قال صاحب الميزان: إنَّ كثرة ذّريّته’ هي المرادة وحدها بالكوثر الذي أُعطيه النبي’(2).
إلّاَ أنَّ ذلك قابلٌ للمناقشة من أكثر من وجهٍ:
الوجه الأوّل: قبول أنَّ للسورة هدفين، وليس بالضرورة أن يكون واحداً؛ فإنَّ الهدف المتعدّد موجودٌ في كثيرٍ من السور، ووحدة الهدف في هذه السورة ليست قطعيّة، بل هي الأفضل، كما ذكرنا.
الوجه الثاني: أنَّ وجود القرائن الثلاث على أنَّ المراد من الكوثر هو الذّريّة ينافي الروايات المستفيضة الدالّة على كون المراد منه حوض الكوثر، ومعه فيمكن اعتباره تقييداً أو تفسيراً للكوثر، فمن حقِّ السنّة أن تقيّد ظاهر القرآن الكريم.
الوجه الثالث: عدم المنافاة بين كثرة الذّريّة وغيره من المعاني، كما سبق أن بيّناه، غاية الأمر أنَّ الآية الأخيرة تكون خاصّة بهذا المعنى فقط.
الوجه الرابع: أنَّ كلّ ذلك مبنيٌّ على أنَّ الأبتر هو من لا ذّريّة له، وأمّا
ــــــــــــ[211] ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 33، مادة (بتر).
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 371.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إذا فهمنا منه معنى أوسع من ذلك صحَّ؛ لأنَّ الأبتر هو مبتور الذنب، فيصلح أن يكون مجازاً لأيّ حرمانٍ أو نقصانٍ، ومعه فأيُّ معنى قصدناه من الكوثر يمكن أن نقصد عدمه من الأبتر، ومنه الحرمان من الخير الكثير؛ فإنَّه معط للنبي ’، ومحرومٌ منه عدّوه، فيتّحد بذلك هدف السورة، ويكون بعضها قرينةً على بعض.
ويمكن أن نفهم العموم من ثلاثة ألفاظ في السورة:
الكوثر: وهو الخير بالمعنى الكلّي.
الأبتر: منقطع الخير، أيّ خيرٍ.
شانئك: مطلق المنتقد والعدّو.
وكلُّ عدّو للنبي ’ يصدق عليه ذلك، ولا ينبغي أن نحمله على ما ورد في الروايات(1) من: أنَّ المراد به (العاص بن وائل)؛ لأنَّ ذلك خلاف مضامين أخبار الجري، كالذي ورد عن الإمام الصادق×: >إنَّ القرآن حيٌّ لم يمت، وإنَّه يجري كما يجري الليل والنهار، وكما يجري الشمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أوّلنا<(2). فمثل هذه الأخبار تكون قرينةً على التجريد عن الخصوصيّة، ليس هنا فحسب، بل في كلّ القرآن.
كما أنَّه لا وجه لأن نفهم من {شَانِئَكَ} خصوص هذا الرجل؛ لأنَّها خالية من الألف واللام؛ ليمكن حملها على العهد، وإن كان ذلك هو سبب النزول، إلّاَ أنَّ المورد لا يخصّص الوارد، كما هو القاعدة المتّفق عليها.
وتكون النتيجة: أنَّ النبي’ له الكوثر، أي: الخير الكثير من جميع
ــــــــــــ[112] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 374، سورة الكوثر.
(2) تفسير العيّاشي 1: 11، تفسير الناسخ والمنسوخ، الحديث: 5، عنه البحار 35: 404.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الجهات، وهو أهلٌ لذلك؛ لأنَّه أعلى الخلق وأعلم الخلق، وعدّوه خال من ذلك. وبيان ذلك هو هدف السورة، وكلُّ من كان له بالنبي’ أُسوةٌ حسنةٌ وبالمعصومين^ فإنَّه ينال من خيره’ بمقدار استحقاقه.
إن قلت: إنّنا إن فهمنا من الشانئ العدوّ بالمعنى العامّ، لم يكن أبتر؛ لأنَّه قد أُوتي خيراً كثيراً، كما نراه اليوم للكافرين؛ فإنَّ الدنيا لهم متّسقة ومستوسقة، وليس لأهل الحقِّ منها شيءٌ، بل (أيديهم من فيئهم صفرات)(1) فكيف وصف الشانئ بأنَّه أبتر بهذا المعنى؟
قلت: إنَّه خيرٌ مادّي خالٍ من الخير المعنوي؛ فإنَّ قلوبهم خرابٌ من الهدى، وهذا هو الجانب الأهمُّ في نظر الشريعة، إلى حدٍ يبقى الظاهر ناقصاً جدّاً، بل ملحقاً بالعدم بالرغم من أهمّيّته.
مضافاً إلى أنّنا لو لاحظنا هذا الخير الدنيوي بالقياس إلى خير الآخرة، لرأيناه أيضاً ملحقاً بالعدم، كما روي عن الإمام الحسن السبط×(2) ما مضمونه: أنّك لو رأيت ثوابي في الجنّة لقلت: إنَّي الآن في سجن، هذا بالرغم من حسن لباسه وكثرة ماله.
إذن فابن الدنيا (أبتر) من الناحية العقليّة والمعنويّة والأخلاقيّة، وإن لم يكن كذلك من الناحية الدنيويّة.
قال في الميزان: وقيل: المراد بالأبتر المنقطع عن الخير… وقد عرفت أنَّ
ــــــــــــ[213] ــــــــــــ
(1) راجع: ديوان دعبل الخزاعي: 62. والبيت من قصيدة مطلعها:
تجاوبن بالأرنان والزفرات
نوائح عجم اللفظ والنطقات
(2) أُنظر: كشف الغمّة 1: 42، السادس: في علمه×، وعنه البحار 43: 346.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
روايات سبب نزول السورة لا تلائمه … الخ(1).
أقول: إنَّ القرينة المتّصلة في السورة إنّما هي على ذلك، ووحدة هدف السورة منه، كما تقدّم.
سؤال: ما هو وجه تعلّق الكوثر والأبتر بالنحر والصلاة في قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}؟
جوابه: المراد به إعطاء التوجيه والتعليم بأُسلوب الشكر على هذه النعمة بالكوثر؛ فإنَّ أُسلوب الشكر هو بالصلاة والنحر.
وهذا المعنى يوافق المعنى (الكلامي) بوجوب عبادة المنعم.
سؤال: ما المراد بالنحر؟
جوابه: فسّروا النحر بعدِّة معانٍ تعرَّض >الميزان< للمهمِّ منها حيث قال: والمراد بالنحر على ما رواه الفريقان … هو رفع اليدين في تكبير الصلاة إلى النحر، وقيل: صلّ صلاة العيد وانحر البدن، وقيل: صلِّ لربّك واستوِ قائماً عند رفع رأسك من الركوع، وقيل غير ذلك(2).
أقول: والذي أفهمه أمران:
الأمر الأوّل: وهو الأمر الظاهر: فالمطلوب هو الصلاة والنحر، وذلك لا يختصُّ بالعيد، بل هو ممكن في سبيل الله في سائر أيّام السنة، كما أنَّه لا يختصُّ بالبدن، وإن اختصّ بالنحر، والنحر لا يكون إلّاَ للجمال. ولكن يمكن التجريد عن الخصوصيّة لكلِّ ذبحٍ وجريان دم، أو لكلِّ صدقةٍ على
ــــــــــــ[214] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 374، سورة الكوثر.
(2) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
المحتاجين، والصدقات له سبحانه، وهو يقبضها(1).
الأمر الثاني: وهو الأمر الباطن: فالصلاة هي التوجّه إلى الله سبحانه بالتكامل الحقيقي، والنحر هو نحر النفس الأمّارة بالسوء وكبت الشهوات.
وعلى ذلك ستكون عدّة افتراضات منها:
أوّلاً: إن قلنا: إنَّ الكوثر هو حوض الكوثر ونحوه، والأبتر هو مقطوع الذّريّة، كان للسورة هدفان: أحدهما في الآيتين الأوليتين؛ لأنَّهما متكفلّتان لذكر النعمة وكيفيّة شكرها كما سبق، والثاني في الآية الأخيرة.
ثانياً: أنّنا إن قلنا: إنَّ الكوثر كثرة الذّريّة والأبتر عدمها، اتَّحد هدف السورة وتعيّن هدف الشانئ بواحد.
ثالثاً: أنّنا إن فهمنا العموم اتّحد الهدف أيضاً، إلّاَ أنَّ العموم ينبغي أن يكون شاملاً لكلِّ ألفاظ السورة، وأنَّ الخير المعطى للنبي’ غير معطى لعدوّه طبعاً.
ولكن يبقى الأقرب إلى الوجدان الهدف الواحد؛ لعدّة أسباب:
الأوّل: ما قلناه من: أنّنا نفهم العموم، أي: بيان خصائص النبي’ الخاصّة به وبأتباعه، ولا تشمل الفسقة والفجرة، وإنَّ طريقة الشكر لهذه العطاءات تكون بالنحر والصلاة.
الثاني: أن نفهم من الكوثر والأبتر معنىً متقابلاً خاصّاً، ولكنَّه متناسقٌ إلى حدٍّ يحفظ تناسق السياق، وأوضح أشكاله هو أنَّ الكوثر هو كوثر الذّريّة، والأبتر عدم الذريّة، وهذا هو الموافق مع سبب النزول.
ــــــــــــ[215] ــــــــــــ
(1) وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} سورة التوبة، الآية: 104.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وإن فهمنا من قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} رفع اليد في الصلاة أو رفع الجسم بعد الركوع، فهذا وإن كان موافقاً مع الصلاة، إلّاَ أنَّ فيه أخذ الآية مستقلّةً عن السورة، وهو باطلٌ جزماً؛ إذ لا يكون لذكرها وجهٌ معتدٌّ به؛ لأنَّ شكر النعمة لا يكون بذلك (أي: بحركة اليد أو رفع الجسم)، أو أنَّه أقلُّ من أن يكون بمنزلة الشكر، بخلاف ما إذا كان يُراد بالنحر نحر البدن أو نحوها أو يُراد به نحر الباطل في النفس أو في الغير.
والله سبحانه يرشدنا إلى الشكل الأمثل من الشكر على إعطاء الكوثر بطبيعة الحال، لا إلى صورة ضئيلة منه.
إن قلت: فإنَّ الصلاة تكفي شكراً؛ فإنَّها عمود الدين، ويكون (انْحَرْ) جزءاً للصلاة استحبابيّاً أو وجوبيّاً، مثل: (انحر القبلة) أي: توجّه إليها بنحرك، فلا حاجة إلى فهم نحر البدن ونحوها.
قلت: هذا لا يتمّ؛ لعدّة وجوه منها:
أوّلاً: أنَّه يكون أقلَّ شكراً؛ لأنَّه من الواضح أنَّ إضافة نحر البدن إلى الصلاة أكثر شكراً.
ثانياً: التساؤل عن ذكر هذا الجزء بالتعيين من الصلاة دون غيره، إلّاَ أن يُراد به كون اختياره من أجل الحفاظ على قافية الراء، وهو وجهٌ، إلّاَ أنَّ ما سبق أقوى بلا شكٍّ.
ــــــــــــ[216] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ.
ــــــــــــ[217] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سورة الماعون
وفي تسميتها عدّة أُطروحات:
الأُولى: المَاعُونَ، وهي التسمية المشهورة.
الثانية: اليَتِيم، كما سمّاها أبو البقاء العكبري(1).
الثالثة: السورة التي ذُكر فيها الماعون أو التي ذكر فيها اليتيم؛ سيراً على طريقة الشريف الرضيّ+.
الرابعة: الإشارة لها برقمها في المصحف المتداول، وهو: 107.
قوله تعالى: {أَرَأيْتَ}:
الاستفهام هنا على معنى الاستنكار، وليس استفهاماً حقيقيّاً؛ لأنَّ المراد الاستنكار من العمل، لا الرؤيّة الحقيقيّة.
سؤال: ما المراد بالرؤية؟
جوابه عدّة وجوه:
الأوّل: ما قاله في >الميزان<، وهو الرؤية البصريّة(2).
الثاني: ما ذكره أيضاً من احتمال أن تكون بمعنى: المعرفة(3).
الثالث: أن يكون المراد الرؤية بالبصيرة، وهي الرؤية القلبيّة التي
ــــــــــــ[219] ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 295، سورة اليتيم.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 368، سورة الماعون.
(3) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
تنصب مفعولين، ويكون التقدير: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} فاعلاً لكذا وكذا، أو رأيته مكذِّباً بالدين.
سؤال: ما المراد بالذي؟
جوابه من وجهين:
الأوّل: أن يكون المراد به الجزئي، إن فهمنا المعنى المادّي، وهو الفهم الضيّق؛ لأنَّه خلاف أخبار الجري، وعلى هذا التقدير يكون المرئي جزئيّاً.
الثاني: أنْ يكون المراد به الكلّيّ أو اسم الجنس، ومعه لا يحتمل أن تكون الرؤية حسّيّةً؛ لأنَّ الكليِّ لا نراه حقيقةً بل مجازاً، فان أُسندت إلى الكلّيِّ، فإنّما المراد مصاديقه وأفراده، فتتعيّن عندئذٍ الرؤية العقليّة أو القلبيّة؛ لأنَّ العقل (وهو النفس الناطقة) يدرك الكلّيّات إدراكاً ابتدائيّاً كاملاً، أي: بغضّ النظر عن أفراده.
سؤال: ما المراد بالدين؟
جوابه من وجهين:
الأوّل: الإدانة، أي: يوم القيامة أو مطلق الإدانة والمسؤوليّة أمام الله سبحانه وتعالى.
الثاني: الملّة أو العقيدة.
وكلا المعنيين متلازمان؛ لأنَّ الذي يكذِّب بأحدهما يكذِّب بالآخر، فيكونان متساويين مصداقاً، وإن كان الاحتمال الأوّل أرجح؛ لأنَّ الذنوب المذكورة في السورة فيها إدانة ومسؤوليّة أمام الله سبحانه.
سؤال: ما هو الوجه في ذكر الفاء في قوله تعالى: {فَذَلِكَ}؟
جوابه من عدّة وجوه:
ــــــــــــ[220] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأوّل: أنَّها فاء تفريعيّة؛ لأنَّ من يكذِّب بالدين يفعل ذلك، فيكون من قبيل التعبير عن المعلول الموجود في الرتبة المتأخّرة.
الثاني: أنَّها بمنزلة التعليل إثباتاً، أي: بالدليل الإنِّي، أي: الاستدلال بالمعلول على العلّة؛ فإنّنا حين نرى عمله السيئ، نعرف كونه مكذِّباً بالدين، فتكونا بمنزلة التعليل للاستفهام الاستنكاري في أوّل السورة.
الثالث: أنَّها بمنزلة جزاء الشرط، قال في >الميزان<: والفاء في {فَذَلِكَ} لتوهّم معنى الشرط(1).
أقول: أي: إنَّ أداة الشرط وفعل الشرط مقدّران، على معنى: إن عرفته فهو المطلوب، وإن لم تعرفه فاعرفه بصفاته؛ فإنَّه كذا وكذا.
والوجوه التي لا تحتاج إلى تقدير هي الأفضل بطبيعة الحال؛ فإنَّ التقدير خلاف الأصل وخلاف الظاهر.
سؤال: ما هو معنى: {يَدُعُّ}؟
قُرئَ بالتخفيف (يَدَعُ الْيَتِيمَ) أي: يهمله وينساه، وقُرئ بالتشديد، وهو المشهور.
قال الراغب: الدّعُّ: الدفع الشديد، وأصله أن يقال للعاثر: دع دع، كما يقال له: لعا(2). وقال في الميزان: الدّعُّ هو الردُّ بعنفٍ وجفاء(3).
أقول: فيكون في الدّعِّ عناصرٌ ثلاثة:
الأوّل: أنَّ الدعَّ يكون دفعاً من جهة الظهر.
ــــــــــــ[221] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 368، سورة الماعون.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 171، مادّة (دع).
(3) الميزان في تفسير القرآن 2: 368، سورة الماعون.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الثاني: أنَّه دفعٌ على حين غرَّةٍ وغفلة، وهو المناسب مع احتقار المجرم.
الثالث: ما قاله سيّد قطب في بعض كتبه(1) من: أنَّ الإنسان حين يُدفع بعنف يخرج منه صوت (أع) فأخذ منه معنى الدعّ.
أقول: إنَّ القرآن يستعمله كلفظ لغوي، ولم يجد مناسباً إلّاَ ذلك؛ فإنَّ اللغة قائمةٌ أساساً على الأصوات، وهي منشؤها الطبيعي، كالتألّم والضحك وأصوات الحيوانات وغيرها.
إذن، فالدعُّ والدفع من الألفاظ الصوتيّة، وفيه صوتان:
أحدهما: فع، وهو يمثّل الصوت الذي عبّر عنه سيّد قطب.
ثانيهما: الدالّ، وهو صوت الضربة، وهي التي أنتجت سقوطاً أو تقيّؤاً – لو صحَّ التعبير- وقد تقدّم الدالّ على صوت الآخر، كما هو كذلك تكوينيّاً.
وكثيرٌ من الألفاظ من هذا القبيل، كالتنفس فصوته: تن فس، للشهيق والزفير، والتنخّم والطقطقة والفأفأة وغيرها.
سؤال: كيف يتم دعُّ اليتيم؟
جوابه: يكون الدعُّ على شكلين:
الشكل الأوّل: فعلي، وهو متوقّفٌ على حضور اليتيم وطلبه للمساعدة.
الشكل الثاني: تشريعي، وهو مناسبٌ أيضاً، بل هو الأنسب، وطلب اليتيم يكون بلسان التشريع، وبحرمانه يكون الإنسان قد عصى المشرَّع له والمشّرِع، فكما هو دعٌّ لليتيم هو دعُّ الله عزّ وجلّ، وظلمه هذا إنّما هو ظلمٌ لنفسه، قال سبحانه: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(2).
ــــــــــــ[222] ــــــــــــ
(1) أُنظر: مشاهد القيامة في القرآن الكريم.
(2) سورة البقرة، الآية: 57، وسورة الأعراف، الآية: 160.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وقد فُسِّرت هذه الآية بأهل البيت^(1)؛ لأنَّهم هم الشارع المقدّس، والتشريع بيدهم، فقد ظلموا أهل البيت^ بعصيانهم، وأمّا الله سبحانه فهو أمنع من أن يُظلم.
سؤال: ما معنى (الحضُّ) في قوله تعالى {وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِيْن}؟
قال في >الميزان<: الحضّ الترغيب(2)، وقال الراغب: الحضُّ التحريض كالحثِّ، إلّاَ أنَّ الحثّ يكون بسوقٍ وسيرٍ، والحضُّ لا يكون بذلك(3).
أقول: الحثُّ والحضُّ بمعنىً واحد، إلّاَ أنَّ الأخير يزيد عليه بالأهمّيّة والهمّة، ومعه يكون المعنى: أنَّ اليتيم يحضُّ الآخرين على إكرامه، والعتب إنّما يكون على من لا يحضُّ على إكرامه.
وهذا الفعل يحتاج إلى مفعولٍ، وهو محذوفٌ. قال في >الميزان<: والكلام على تقدير مضافٍ، أي: لا يرغب الناس … الخ(4).
وهذا التقدير إن كان بالمعنى المادّيّ، فنحن في غنىً عنه عرفاً؛ لأنَّ المفعول أحياناً يكون من الوضوح بمكانٍ بحيث لا نحتاج إلى التصريح به، كما في الأفعال التالية: يَرغبُ ويرهبُ ويخوّف ويُطعمُ ويَخلقُ، كلُّه بمعنى الغير، وكذلك يَزرعُ ويَأكلُ ويَشربُ، لا حاجة عرفاً إلى التصريح بالمفعول، كما قلنا.
سؤال: لماذا عدل عن الإطعام إلى الطعام، مع أنَّها المناسبة في المقام؟
ــــــــــــ[223] ــــــــــــ
(1) الكافي 1: 146، باب النوادر، الحديث: 11، شرح الأخبار للقاضي النعمان 1: 244، الحديث: 268، الاحتجاج 1: 379.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 368، سور الماعون.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 121، مادّة (حضّ).
(4) الميزان في تفسير القرآن 20: 368، سورة الماعون.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
هذا السؤال له جوابان:
الأوّل: أنَّ الطعام مصدرٌ ثلاثيٌّ يستعمل بدل المصدر الرباعي (أو المزيد)، وهو الإطعام، وهو واردٌ في اللغة، كجرى وأجرى، نقول: أجرى الميزاب، وأجرى الميزاب الماء، فيكون المعنى: أنَّه لا يحضُّ على إعطاء طعام المسكين.
الثاني: الطعام بمعنى الذات، وهنا نحتاج إلى تقدير، أي: إطعام الطعام أو إعطاؤه ونحو ذلك، ولا معنى له بدون تقديرٍ، بينما لا نحتاج في الجواب الأوّل إلى تقدير.
قال في >الميزان<: قيل: إنَّ التعبير بالطعام دون الإطعام للإشعار بأنَّ المسكين كأنَّه مالكٌ لما يُعطى له، كما قال تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}(1)(2).
أقول: اللام هنا للملك، كما نفهم الملكيّة من قوله’: >الأرض لمن أحياها<(3).
سؤال: لماذا قال تعالى: {وَلا َيَحُضُّ} ولم يقل: (ولا يطعم)؟
جوابه: أوّلاً: واضحٌ من السياق عدم الأمرين؛ فهو لا يُطعم المسكين، ولا يحضّ على إطعامه، ومن هنا كان الانتقاد شديداً، ولو كان يُطعم ولا يحضُّ غيره لما كان شديداً.
ــــــــــــ[224] ــــــــــــ
(1) سورة الذاريات، الآية: 19.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 368، سورة الماعون.
(3) معاني الأخبار: 292، باب معنى قوله: حفّوا الشوارب، المجازات النبويّة للشريف الرضي: 255، الحديث: 201، الاستبصار 3: 107، باب من أحيا أرضاً، الحديث: 1، 2، 3، 4، 5، سنن أبي داود 2: 51، الحديث: 3074، كنز العمّال 3: 890، الحديث: 9048.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثانياً: أنَّ عدم الحضّ له حصّتان: إمّا مع ترك العمل نفسه، وإمّا مع وجوده، فلو تنزّلنا عن الوجه الأوّل وقلنا بشمول الآية لهما معاً، فتكون كلتا الحصّتين مرجوحةً؛ فإنَّه إذا كان ترك الحضُّ مرجوحاً حتّى مع عمل نفسه، فكيف إذا كان ذلك مع تركه؟
سؤال: ما معنى المسكين؟
جوابه: قالوا: إنَّ معناه الفقير، ورجّح أكثر الفقهاء أنَّه أسوأُ حالاً من الفقير، وهذا – حسب فهمي- ليس بصحيح؛ فالفقير من لا مال له أو قل: إنَّه لا يستطيع أن يصرف على حوائجه، وأمّا المسكين فهو لا يشبهه البتّة؛ لأنَّ المسكنة تعني الذلّة، فالمسكين هو الذليل، سواء كان غنيّاً أو فقيراً، أو عالماً أو جاهلاً، ذكراً أو أنثى، فتكون بينهما نسبة العموم من وجه تطبيقاً بالحمل الشايع، إلّاَ أنَّه غلب استعماله في الذليل الناشئة ذلّته من الفقر؛ لأنَّ الفقر هو السبب الغالب للذلّة.
وهذا هو المراد بالآية؛ بدلالة القرائن المتّصلة، أي: الفقير الذي نشأت مسكنته من فقره.
وهذان اللفظان من الكلمات التي إذا اجتمعتا افترقتا، وإذا افترقتا اجتمعتا، يعني: إذا افترقتا لفظاً اجتمعتا في المعنى، وإذا اجتمعتا باللفظ افترقتا في المعنى، وإلّاَ فهما – على كلا التقديرين – متباينان في اللغة مفهوماً، وإن كانا مجتمعين بنحو العموم من وجه تطبيقاً ومصداقاً.
سؤال: لماذا يقال: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} مع أنَّ الصلاة عمود الدين؟ وهل يكون ذلك إلّاَ مثل قول الشاعر:
دَعِ المســــاجدَ للعـــبادِ تَسكُنها
وقِـفْ على دكّةِ الخمّار واسقينا
ــــــــــــ[225] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ما قال ربُّك: ويلٌ للذين شِربوا
بل قال ربُّك: ويلٌ للمصليـــــنا(1)
جوابه نقضاً وحلاًّ:
الأوّل: وجود قرائن متّصلة على تحديده؛ إذ ليس المراد مطلق المصلِّين قطعاً، وإلّاَ لوصل الذمُّ إلى رسول لله’ والمعصومين^ مع أنَّ مدحهم في القرآن أشهر من أن يُذكر.
الثاني: أنَّ المراد بهم حصّةٌ خاصّة من المصلِّين بتقييدٍ سابقٍ وتقييدٍ لاحقٍ.
أمّا التقيُّد السابق فهو ما أشار إليه صاحب >الميزان<+ حين قال: وفي الآية تطبيق من يكذِّب بالدين على هؤلاء المصلِّين؛ لمكان فاء التفريع(2).
فإن قلت: إنَّ ترك الفاء يخلُّ بالسياق اللفظي، إذن فلابدّ منها وإن لم تفد التفريع.
قلت: نعم، تخلُّ بالسياق عندئذٍ، غير أنَّه كان يمكنه أن يستعمل الواو التي لا تفيد التفريع إذا لم يكن التفريع مقصوداً، إذن فهو مقصود.
وأمّا التقييد اللاحق فهو قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ}، فهنا مطلق وهو مقيّد بقرينه متّصلة، فيتكوّن من القيد والمقيّد مفهومٌ تصوّريٌّ ضيّق، هو المنتقد في الآية دون غيره.
وينبغي هنا أن نلتفت إلى أنَّه يمكن التقييد بما بعده أيضاً، وهو قوله: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}.
ــــــــــــ[226] ــــــــــــ
(1) تُنسب هذه الأبيات إلى يزيد بن معاوية. [أُنظر: شجرة طوبى 1: 142، المجلس التاسع والأربعون].
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 368، سورة الماعون.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قوله تعالى: {سَاهُونَ}:
الظاهر من الساهي هنا هو الذي يحصل منه السهو مرّات عديدة أو هو مستمرّ على سهوه.
سؤال: ما معنى السهو؟
جوابه: له عدّة معانٍ:
المعنى الأوّل: ترك الصلاة.
فإن قلت: إنَّه قد فرضهم مصلَّين.
قلنا: إنَّ المصلّين هنا بمعنى المسلمين ظاهراً، أو هم من أهل القبلة؛ لكي ينسجم المعنى، فهم مصلّون؛ لاقتضاء الصلاة لهم بالاقتضاء التشريعي، يعني: من تجب عليهم الصلاة، في مقابل الأديان الأُخرى التي لا تؤمن بالصلاة.
المعنى الثاني: الشكُّ والسهو الواقع في الصلاة.
قال الشهيد الثاني: إنَّ كلاً منهما يطلق على الآخر استعمالاً شرعيّاً أو تجوّزاً؛ لتقارب المعنيين(1).
ولكن هذا المعنى غير مقصودٍ لأكثر من وجهٍ واحدٍ:
الأوّل: أنَّ هؤلاء الساهين معاتبون بقوله: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} ولم يقل: (للساهين).
الثاني: أنَّ الشكَّ والسهو غير اختياري عادةً، فلا يكون الفرد معاتباً عليهما؛ لأنَّ العتاب والعقاب خاصّ بما هو اختياري.
فنستنتج من ذلك: أنَّ هذا الوجه غير محتملٍ.
إلّاَ أن نقول: إنَّ الشكّ والسهو وإن لم يكن اختياريّاً، إلّاَ أنَّ أسبابه قد
ــــــــــــ[227] ــــــــــــ
(1) الروضة البهيّة 1: 722، أحكام الشكوك، مسائل سبع، المسألة السادسة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
تكون اختياريّة، فالعتاب يتوجّه على عدم ترك أسبابه ورفعها. ولكن ما هي هذه الأسباب، أعني: المنتجة لزوال الشكّ والسهو؟
هي على نحوين:
الأوّل: الراحة الدنيويّة، يقال: أرح ذهنك؛ لكي لا يكثر سهوك.
الثاني: التكامل في درجات اليقين؛ فإنَّ حصول ذلك يكون متعذّراً ونادراً.
المعنى الثالث: ما فهمه صاحب >الميزان<+ حيث قال: غافلون لا يهتمّون بها، ولا يبالون أن تفوتهم بالكلّيِّة أو في بعض الأوقات أو تتأخّر من وقت فضيلتها وهكذا(1).
أقول: أي: يكون حال المكلّف الاقتصار على الواجبات وترك المستحبّات.
وفيه نقطة قوّة، وهي أنَّ ما ورد من السؤال عن الوجه الأوّل لا يأتي هنا؛ لأنَّ معناه: أنَّهم مصلّون، ولكنّهم متسامحون في صلواتهم، وهذا التسامح لا يكون إلّاَ من أجل الاهتمام ببعض أُمور الدنيا، كما قال في الدعاء: >لا تجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا<(2).
سؤال: أنَّه تعالى قال: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ} فكرّرت {الَّذِينَ هُمْ} مرّتين، فما الحاجة إلى {الَّذِينَ هُمْ} الثانية؟
وهنا ينبغي التعرّف على إعراب الجملة قبل الشروع في الجواب.
(ويل) مبتدأ خبره محذوف، والجارّ والمجرور متعلّق به، و(هم) مبتدأ
ــــــــــــ[228] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 368.
(2) تهذيب الأحكام 3: 92، باب الدعاء بين الركعات، الحديث: 24، سنن الترمذي 5: 190، الحديث: 3569، كنز العمال2: 176، الفصل السادس، الحديث: 3615.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
و(ساهون) خبره، و(عن صلاتهم) جارّ ومجرور متعلّق باسم الفاعل، ويكون التقدير (الذين هم الساهون عن صلاتهم).
فالضمير (هم) ليس ضمير فصلٍ، بل مبتدأ نحتاج إليه ليكون عائداً على الموصول، بل حتّى لو لم يُذكر الضمير لاحتجنا إلى تقديره.
و(الذين) مبتدأ و(هم) مبتدأ ثانٍ خبره (يراؤون)، والجملة خبر للمبتدأ الأول. أو (هم) ضمير فصلٍ يفيد التأكيد، وبالتالي لا تحتاج الجملة إلى وجوده؛ لكون العائد صالحاً في أن يكون هو فاعل (يراؤون). فهنا يتأكَّد السؤال: لماذا وجد الضمير؟
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل – كأُطروحة -: لعلَّ هناك قراءةً بترك (هم)، وهذا لا ينافي السياق اللفظي القرآني، والاحتمال مبطلٌ للاستدلال المقابل.
الوجه الثاني: ما عليه المفسّرون من: أنَّه وضع لأجل إيجاد التماثل بين الآيتين وإحراز وحدة السياق اللفظي بينهما، ولو ترك لما حصل ذلك.
الوجه الثالث: أنَّ (هم) تفيد التأكيد، والحاجة إلى التأكيد متحقّقة، وهي التركيز على عصيانهم وفسقهم وسوء تصرّفهم، فهم مضافاً إلى كونهم (ساهون عن صلاتهم) فإنَّهم أيضاً يراؤون ويمنعون الماعون.
الوجه الرابع: أنَّ فيه إشعاراً بالتقييد والتحديد، دون إرادة الكلّي المفهوم بدون الضمير، فهذه الصفات خاصة بهم لا تتعدّاهم إلى غيرهم. وهم الجماعة المعيّنة التي تُفهم على المستوى المعنويِّ من التفكير، وهي جماعة كلِّية لا جزئيّة، لهم ثلاث صفات: السهو في الصلاة، والرياء، والمنع عن الصدقات.
****
ــــــــــــ[229] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قوله تعالى: {يُرَاءُونَ}:
يمكن أن يقع الكلام في مادّته، وهي الرياء تارةً، وفي هيئته أخرى أمّا مادّة الرياء ومعناها فقد عرضناها تفصيلاً في كتابنا >فقه الأخلاق<(1)، فراجع.
وأمّا من حيث الهيئة فيمكن الالتفات إلى أنَّ فيه سياقاً ونسقاً قرآنيّين:
أمّا النسق فقد قلنا: إنَّه على معنى نهايات الآيات، ولا نسمّيه سجعاً ولا قافيةً؛ لأنَّه يختلف عنهما عرفاً.
و{يُرَاءُونَ} وإن لم تكن نهاية الآية، إلّاَ أنَّ لها نسقاً مع (ساهون) و(ماعون)، وهو نحوٌ من النسق القرآني إذا قرأت بالوقف عليها.
وأمّا السياق فهو على قسمين:
القسم الأوّل: السياق المعنوي، وهو ما يسمّى بوحدة السياق في علم الأصول، ويستدل بها بصفتها من القرائن المتّصلة على المعنى.
القسم الثاني: السياق اللفظي، أي: جمال اللفظ القرآني وترتيبه بحيث نحرز كونه مصداقاً للهجة القرآنيّة، فلو اختلَّ واختلف خرج عن كونه قرآناً، كما لو حذفت الواو من قوله: {وَيَمْنَعُوْنَ المَاعُوْن} أو جُعلت في قوله: {الَّذِيْنَ هُمْ يُرَاؤُوْن} أو حذف الضمير المنفصل منها، وهكذا.
سؤال: ما معنى الماعون؟
جوابه: إنَّ فيه أُطروحتين:
الأُولى: ما قاله في >الميزان<: كلُّ ما يعين الغير في دفع حاجة من حوائج الحياة، كالقرض تقرضه، والمعروف تصنعه، ومتاع البيت تُعيره(2).
ــــــــــــ[230] ــــــــــــ
(1) فقه الأخلاق 1: 33، الفقرة: 13.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 368، سورة الماعون.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أقول: فيكون بمعنى المعين.
الثانية: الظرف من ظروف الطعام، وهو معنى نفهمه الآن بالتأكيد، ويمكن استصحابه بالاستصحاب القهقري(1) إلى العصر اللغوي الأول.
إلّاَ أنَّ هذا الاستصحاب إلى صدر الإسلام لا يتمَّ؛ لانقطاعه بتفسير أهل اللغة، فلا يمكن حمل الآية عليه، ولعلَّ استعمالنا لهذا المعنى مجازيٌّ، ولو باعتبار كثرة الإعارة له، ثمُّ أصبح حقيقةً، كما هو الآن وجداناً.
إن قلت: إنَّ قضاء الحاجات سيكون بما في الماعون، لا الماعون نفسه.
قلنا: أوّلاً: هذا فرع أنْ يُراد بالماعون الظرف، وقد نفيناه.
ثانياً: أنَّه تلطيفٌ في المجاز كقوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}(2) يعني: أهلها، فكذلك تكون قضاء الحاجة بالماعون، أي: بما فيه.
سؤال: ما هو أصل كلمة الماعون؟ لأنَّ الظاهر أنَّها كلمة أجنبيّةٌ أو دخيلةٌ أو (ملمّعةٌ) بين العربي والأجنبي.
جوابه على عدّة أُطروحات:
الأُولى: (ما) موصولة، و(عون) مصدر أو صفة مشبّهة، بمعنى: ما أَعينُ به الآخرين، أو من يكون عوناً للآخرين.
الثانية: ما المصدريّة، ويكون المحصّل نفسه.
الثالثة: إنَّه مُلمّعٌ من لغتين، فتكون ما فارسيّة بمعنى (نحن)، فتكون بمعنى: إعانتنا للآخرين.
ــــــــــــ[231] ــــــــــــ
(1) المراد بالاستصحاب القهقري: أنَّه قد يوجد شيء في زمان ويُشكّ في مبدئه، فيحكم بتقدّمه؛ لأنَّ تأخّره لازم لحدوث حادث آخر قبله، والأصل عدمه. أُنظر: فوائد الأصول 3: 254.
(2) سورة يوسف، الآية: 82.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.
ــــــــــــ[233] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سورة الإيلاف
وفي تسميتها عدّة أُطروحات:
الأُولى: الإيلاف، وهو المشهور.
الثانية: قُرَيْش، كما في بعض المصادر(1).
الثالثة: السورة التي ذكر فيها الإيلاف، أو التي ذكر فيها قُرَيش.
الرابعة: أنَّ نسمّيها بما تبدأ به، وهو قوله: {لإيلاَفِ قُرَيْش}.
الخامسة: أنَّ نشير إليها برقمها في المصحف، وهو: 106.
سؤال: ما هو متعلّق {لإِيلاَف}؟
جوابه: أنَّ فيه عدّة وجوه:
الأوّل: أنَّه فعلٌ مقدّر قبله مثل: نزلت السورة أو أقول أو يكون أو يحصل ونحوه؛ لأجل أن يناسب إسناد الجارّ والمجرور.
الثاني: أنَّه فعلٌ مقدّرٌ بعده، فيكون المعنى: أنَّه تحصل رحلة الشتاء والصيف لإيلاف قريش.
الثالث: ما ذكره الرازي في هامش العكبري حين قال: إنَّها متعلّق بما بعدها، وهو قوله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف(2).
ــــــــــــ[235] ــــــــــــ
(1) أُنظر: التبيان للطوسي 10: 392، تفسير علي بن إبراهيم القمّي 2: 444، الكشّاف 4: 287، تفسير مقاتل 3: 525، تفسير الطبري 30: 393.
(2) أُنموذج جليل 1: 592.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أقول: إلّاَ أنَّه بعيدٌ؛ لأنَّه بمنزلة المعلول والأثر، فلا يكون بمنزلة المؤثِّر. ويجاب: أنَّه أثرٌ للنعمة ومؤثّرٌ في الإيلاف، وبالرغم من بعده اللفظي فإنّنا قد نقبل به، ولكن مع الانحصار بهذا الوجه.
الرابع: أنّنا إنّما نحتاج إلى فعلٍ يرجع إليه الجارّ والمجرور مع وجوده، أمّا عدمه فلا حاجة إلى ذلك كبرويّاً، ولا يتوقّف عليه المعنى، بل هو مفهومٌ بدونه.
الخامس: ما ذكره الرازي أيضاً حيث قال: إنَّها متعلّقةٌ بآخر السورة التي قبلها، أي: جعلهم كعصفٍ مأكولٍ لإيلاف قريش(1).
أقول: هذا على أساس أمرين: أحدهما: عدم الفصل بالبسملة، وثانيهما: أنَّهما سورةٌ واحدةٌ.
وهناك من القرائن ما يدلُّ على وحدة السورتين، مضافاً إلى الروايات من الفريقين(2)، وروايات العامّة مصرّحةٌ بترك البسملة بينهما(3)، فيكون ذلك أوضح في الوحدة.
ويدفعه: بأنَّه لا إشكال من وجود البسملة هنا، مع العلم أنَّه لا توجد بسملة في وسط السورة إلّاَ في سورة النمل، ووجود البسملة دالٌّ على التعدّد، وكذلك فإنَّه مع حصول وجوهٍ أُخرى لمتعلّق الجارّ والمجرور تنتفي هذه ــــــــــــ[236] ــــــــــــ
(1) أُنموذج جليل 1: 592.
(2) أمالي الصدوق: 740، المجلس الثالث والتسعون، الحديث: 1، مَن لا يحضره الفقيه 1: 306، الحديث: 921، تفسير ابن عطيّة: 524، تفسير الرازي 32: 104.
(3) أُنظر: كنز العمّال 8: 108، الحديث: 22116، شعب الإيمان 4: 127، الحديث: 2283، سنن البيهقي 2: 390، الحديث: 3830. [ويلاحظ أنّهم لم يرووا ذلك عن رسول الله’، بل عن عمر بن الخطّاب].
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
القرينة على الوحدة أيضاً.
وأمّا قرائن التعدّد فمتعدّدة:
أوّلاً: وجود البسملة بين السورتين.
ثانياً: ارتكاز المتشرعة.
ثالثاً: أنَّه لا دليل على تتابعها في النزول، بل قد يكون الأمر بالعكس.
رابعاً: اختلاف السياق اللفظي، فسورة الفيل تنتهي آياتها باللام، والإيلاف بالنون.
خامساً: تعدّد الهدف أو السياق المعنوي.
سادساً: أنَّ الروايات وإن دلتّ على الوحدة، فإنَّ هناك روايات أُخرى تدلُّ على التعدّد، ذكرها صاحب >الميزان<(1) أيضاً، ولكنّه يمكن القول بأنَّ سند هذه الروايات ضعيفٌ، كما أنَّ سند روايات الوحدة ضعيفٌ أيضاً.
ومعه تسقط كلتا الطائفتين عن الحجّيّة؛ إمّا للضعف أو للتعارض، ونرجع إلى ظاهر القرآن الكريم بالتعدّد؛ وذلك باعتبار الوجوه السابقة التي قلناها.
كما يمكن القول: إنَّ روايات الوحدة تعارض هذا الظاهر القرآني، فتسقط عن الحجّيّة؛ لقولهم^: >ما خالف قول ربّنا باطلٌ، اضرب به عرض الجدار<(2). وروايات الوحدة توافق هذا الظاهر، فتكون معتبرةً، وعلى أيِّ حالٍ، يكون ظاهر القرآن معتبراً.
ــــــــــــ[237] ــــــــــــ
(1) راجع: الميزان في تفسير القرآن 20: 64.
(2) أُنظر: نحوه: المحاسن 1: 221، الحديث: 128 و129 و130 و131، الكافي 1: 69، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب، الحديث: 1 و2 و3 و4 و5، اعتقادات الصدوق: 22، باب في صفة اعتقاد الإماميّة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثُمَّ إنَّ كون الجارّ والمجرور (لإيلاف) متعلّقاً بما قبله من سورة الفيل ينتج أمراً، وهو أنَّ حادثة الفيل حصلت لأجل إيلاف قريش وأُنسها بولادة النبي’، وهو معنىً لطيف، إلّاَ أنَّه قابل للمناقشة.
وعلى هذا تكون وحدة السورتين قرينةً – ولو كانت ناقصةً – على أنَّ هذه السورة نزلت بعد سورة الفيل كجزءٍ منها.
وهذا قابل للمناقشة من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ تعلّق الجارّ والمجرور يكون بعيداً لفظاً، مع وجود فاصل آية أو أكثر من آية، لا أقلّ من البسملة، وهذا خلاف الظهور الفعلي.
الوجه الثاني: أنَّ في سورة الفيل ستةَ أفعالٍ: ترى وفعل ويجعل وأرسل وترميهم وجعلهم، فلأيَّ منها يعود الجارّ والمجرور؟
نذكر عدّة أُطروحات كلُّها باطلة:
أوّلاً: أن يعود إلى الجامع بينها، أي: إلى أحدها على نحو الإجمال، وهذا باطلٌ نحويّاً ومعنويّاً، وإن كان متصوّراً أصوليّاً.
ثانياً: أن يعود على (فعل)، وفيه نقطة قوّة ونقطة ضعف:
أمّا نقطة قوّته فهي انسجام المعنى، من حيث إنَّ الله تعالى ينتقم من أصحاب الفيل لأجل إيلاف قريش.
ونقطة ضعفه بعدُه اللفظي عن الجارّ والمجرور، وهو أمرٌ مهمّ.
ثالثاً: أنَّه يعود على قوله: {فَجَعَلَهُمْ} ونقطة قوّته قربه النسبيِّ من الجارّ والمجرور، إلّاَ أنَّه لا يناسب المعنى الذي اقترحوه، فيكون على خلاف الظاهر.
الوجه الثالث: أنَّ السبب الذي تدلُّ عليه سورة الإيلاف هو إلفُ قريشٍ لرحلة الشتاء والصيف واستيناسهم بها، ولا ذكر للنبي’، فالذي
ــــــــــــ[238] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ينبغي أنَّ يقال: إنَّ الله تعالى فعل وانتقم من أصحاب الفيل لأجل إيلاف وأُنس قريش برحلاتهم، وهذا هو الأقرب إلى السياق القرآني.
فإن قلت: إنَّ النبي’ ولد في عامّ الفيل، فيكون مناسباً مع حادثة الفيل.
قلت: إنَّ مئات الحوادث حصلت في عامّ الفيل، ولكن أهمّها ولادة النبي’، فينبغي أن تكون هناك قرينةٌ على أُنسهم بولادة النبي’ أو إشارةٌ إلى ذلك في السياق، وهو منتفٍ.
الوجه الرابع: أنَّ تعلّق الجارّ والمجرور بسورة الفيل إنّما يصحُّ مع وحدة السورتين؛ إذ لا يمكن تعلّق الجارّ والمجرور بسورة مستقلّة، وهذا فرع أن تكون سورة الإيلاف نازلةً بعد سورة الفيل مباشرةً، لا بعد سورتين أو أكثر أو كانت نازلة قبلها.
إذن فجميع هذه الوجوه غير صحيحةٍ، بل يتعلّق الجارّ والمجرور بما ذكرناه من الوجوه السابقة.
سؤال: ما معنى الإيلاف؟
جوابه: الإيلاف هو الأُنس والاعتياد، من الثلاثي (أَلِفَ)، وهو متعدٍّ إلى مفعولٍ واحدٍ، أو الرباعي (أَلّفَ) وهو متعدّ إلى مفعولين، وقيل: لواحدٍ. والمراد من السورة الأُلف، أي: مادّة الثلاثي، والمعنى: أُلفُ قريشٍ للرحلة.
ولكنّه استعمل الرباعي؛ وذلك لأكثر من وجه واحد:
الأوّل: أنَّه من قبيل استعمال الرباعي في معنى الثلاثي مجازاً، ومن هنا احتاج إلى مفعول واحدٍ كالثلاثي، خلافاً >للميزان< الذي ذكر: أنَّ المفعول الثاني موجودٌ أو مقدّرٌ يعرف ممّا بعده، وهو رحلة(1).
ــــــــــــ[239] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 366، سورة قريش.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الثاني: أنَّ المراد الرباعي، ويكون المفعول الأوّل مقدّراً، يعني: يؤلّفون غيرهم، أو يؤلّف بعضهم البعض على الرحلة، وهي المفعول الثاني.
سؤال: ما هو محل (قُرَيْشٍ) من الإعراب؟
جوابه: هي مضافٌ إليه للمصدر، ولكن هل هي من إضافة المصدر إلى الفاعل أو إلى المفعول؟
قال في >الميزان<: وفاعل الإيلاف هو الله سبحانه، وقريش مفعوله الأول، ومفعوله الثاني محذوف يدلّ عليه ما بعده(1).
أقول: أي: إنَّه رجّح كون الإضافة إلى المفعول، وفيما سبق رجّحنا أنَّ الإضافة إلى الفاعل، أي: إنَّ قريش تؤلّف غيرها إلى الرحلة.
وكما يمكن أن يكون فاعل الإيلاف هو الله سبحانه – كما قال – يمكن أن يكون أيضاً الأسباب الطبيعيّة أو التجارة أو الاسترباح أو الضرورة؛ باعتبار أنَّ أرضهم كانت ممحلة(2) لا تنبت زرعاً {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}(3).
و(رحلة) مفعولٌ به للرباعي إن قلنا: إنَّه يأخذ مفعولاً واحداً، ولابدّ من تقدير مفعولٍ ثانٍ إن قلنا: إنَّه يأخذ مفعولين، أي: إنَّ قريشاً تؤلّف الآخرين رحلة الشتاء والصيف.
وهناك أُطروحة أُخرى، وهي أنَّه ليس بالضرورة أنَّ كلّ فعلٍ متعدٍّ إلى مفعولين يأخذ مفعولين فعلاً، بل يجوز أن يأخذ مفعولاً واحداً، وهنا كذلك.
وبتقريب آخر: أنّنا قلنا: إنَّ الرباعي استعمل بدل الثلاثي مجازاً،
ــــــــــــ[240] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 366، سورة قريش.
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) سورة إبراهيم، الآية: 37.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ويمكن القول: إنَّه اكتسب نفس صورته النحويّة واللغويّة بأن يأخذ مفعولاً واحداً.
سؤال: لماذا التكرار في (إِيلافِهِمْ)؟
جوابه: أوّلاً: ما عليه مشهور المفسّرين، وهو التأكيد.
وفيه: أنَّ التأكيد ليس مطلوباً دائماً؛ لأنَّه ينبغي أن يكون مطابقاً لمقتضى الحال.
وجوابه: أنَّ المراد بيان كثرة الألفة والهمّة نحو الرحلة؛ فإنَّه لولا هذه التجارة لماتوا جوعاً، فالأهمّيّة موجودةٌ، وتستحقُّ التأكيد بالتكرار.
ثانياً: تغيير المتعلّق؛ فإنّنا عندما نقول: ألّفَ زيدٌ عمراً المكانَ، فإنَّه يطول الكلام نسبيّاً، فيمكن أن نقول بدلاً عنه: آلف زيدٌ عمراً ألف المكان، فقد دخل الأوّل على المفعول الأول، والثاني على المفعول الثاني، أو نقول: دخل الفعل الأوّل على الفاعل والثاني على المفعول، إذا كان متعدّياً إلى مفعول واحد.
وبهذه الأُطروحة نكون قد حصلنا على مبّررٍ للتكرار.
ثالثاً: اختلال السياق اللفظي بحذف إيلافهم الثانية، وهو ما يُدرك حسّاً وذوقاً.
رابعاً: وهي أُطروحة لم تخطر على بال أحد، وهي أنَّه من المحتمل حصول بطءٍ وتلكّؤٍ في الوحي نسبياً، كما لو قال: لإيلاف قريش وسكت؛ لوجود مانعٍ أو مصلحةٍ، وحين أراد تجديد الكلام كان لابدّ من تجديد الارتباط بدون تكرارٍ كامل، فقال: إيلافهم، والله تعالى يعلم بعلمه الأزلي، البطء والتكرار فأصبحت جزءاً حقيقيّاً من القرآن؛ لأنَّ النبي’ قرأها هكذا، والاحتمال مبطلٌ للاستدلال.
ــــــــــــ[241] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إن قلت: إنَّ انقطاع الوحي لمانعٍ خلاف عصمة النبي’؛ لما فيه من إشعار عدم الإصغاء للوحي.
قلت: أمّا من ناحية الكبرى – وهو لزوم الإصغاء للوحي- فلا إشكال في كونه مسلَّماً به؛ لأنَّ الوحي من الله سبحانه، ولكنّه قابلٌ للمناقشة صغرويّاً لعدّة أسباب:
أوّلاً: أنَّ المتكلّم المباشر للوحي ليس هو الله سبحانه، بل جبرائيل. يقول سبحانه: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ}(1). فخرجت الصغرى عن تلك الكبرى، وهو’ أعظم وأهمُّ من جبرائيل، فليس وجوب الإصغاء متحقّقاً بالنسبة إليه.
ثانياً: أنَّ الخواطر غير اختياريّة حتّى للنبي’، والوحي يعلم بذلك، فيسكت حتّى تنجلي.
ثالثاً: أنَّه يمكن حصول شغل للنبي’: كدخول شخص عليه أو غير ذلك من عوارض الدنيا، فيتحوّل ذهنه اضطراراً عن الوحي، فسكت الوحي حينئذٍ، فلابدّ من التكرار للارتباط.
سؤال: ما المراد من العبادة في قوله: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ}؟
جوابه: لمادّة العبادة هنا عدّة مستويات:
الأوّل: الدخول في الإسلام؛ لأنَّ المخاطب قريش، وهم عبدة أصنامٍ، فخوطبوا للتحوّل إلى عبادة الله، أو قل: للدخول إلى الإسلام.
الثاني: تقديم الشكر لله عزَّ وجلَّ على النعم العظيمة المذكورة في السورة الكريمة؛ على اعتبار أنَّ المخاطب هو كلّ الناس في كلّ القرآن، وهو سبحانه
ــــــــــــ[242] ــــــــــــ
(1) سورة الشعراء، الآيتان: 193-194.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قد آمنهم من خوفٍ وأطعمهم من جوعٍ.
الثالث: الحجُّ؛ أخذاً بالقرينة المتّصلة، أي: فليُعرضوا عن هذه الرحلة إلى رحلة الحجّ والعبادة، والبيت هو محلُّ الحجِّ على أيِّ حالٍ.
وكلُّ هذه المستويات محتملةٌ وقائمةٌ، ولكن بحسب الظاهر الأولي فإنَّ المستوى الأوّل هو أرجح المحتملات.
أمّا ذكر البيت فقد لا يكون قرينةً على الحجِّ، وإنّما خُصَّ بالذكر لوضوحه في أذهانهم وقُربه منهم، مع إدراكهم بكونه مربوطاً بالله تعالى.
ومنه يتّضح معنى الفاء في قوله: {فَلْيَعْبُدُوا}؛ فإنَّ فائدتها التفريع على السابق، أي: نتيجةً لدوام النعم في رحلة الشتاء والصيف.
سؤال: ما المقصود بالذي في قوله تعالى: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوع}؟
جوابه أمران:
أحدهما – وهو الأرجح-: أن يُراد به الله سبحانه، وهو مذكور في السياق بعنوان: {رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ}.
ثانيهما: البيت، وهو جزء العلّة والسبب الأهمُّ للرزق والأمان.
أمّا الرزق فباعتبار كثرة السوّاح، وأمّا الأمن فباعتبار حرمة دخول الحرم المكّي والقتال فيه.
غير أنَّ الأرجح -كما قلنا- هو أنَّ المراد هو الله سبحانه؛ لأنَّه هو المسبّب الحقيقي.
سؤال: كيف آمنهم من خوف؟
جوابه لعدِّة اعتبارات:
أوّلاً: أنَّ تلك الرحلة التجاريّة كانت خطرة من عدّة جهات: للوحوش
ــــــــــــ[243] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
واللصوص وغير ذلك، ولكنّهم كانوا في كلّ عامّ يذهبون سالمين ويرجعون سالمين.
ثانياً: أنَّ القوى الكبرى في العالم يومئذٍ -ككسرى وقيصر- لم يتعرّضوا لهم بالشرِّ، بالرغم من إمكان ذلك وقلّة إمكانيّات الدفاع لديهم.
ثالثاً: أنَّهم لم يتعرّضوا إلى الغزو والغارات التي كان يقوم بها بعض القبائل تجاه بعض، فقد كان هذا معتاداً إلّاَ أنَّه غير موجودٍ إطلاقاً على أهل مكّة؛ لقدسيّة الكعبة والحرم المكّي الذي كانت فكرته موجودة إجمالاً في الجاهليّة، وأُشير إليه في القرآن الكريم، كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}(1) وقال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كلّ شَيْءٍ}(2).
هذا ويمكن أن نقول: إنَّ قوله: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ}، يعني: لأجل هذا السبب، بالرغم من كونه نعتاً، وهو لا يفيد هذه الجهة لا نحويّاً ولا أصوليّاً، إلّاَ أنَّ الحدس العرفي يقرّر ذلك، وله شواهدٌ في القرآن الكريم، كقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ…}(3) وقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا…}(4) وغير ذلك كثير.
سؤال: ما معنى أطعمهم؟
جوابه: أنَّه على معنى: قدّم لهم الطعام ومكّنهم منه، وهو إمّا حقيقة أو مجاز،
ــــــــــــ[244] ــــــــــــ
(1) سورة العنكبوت، الآية: 67.
(2) سورة القصص، الآية: 57.
(3) سورة إبراهيم، الآية: 39.
(4) سورة الأعراف، الآية: 43.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
والمراد ليس هو الطعام الحقيقي، بل مطلق سبل العيش والرزق، كلّ ما في الأمر: أنَّ إطعامهم إيجابي، وأمنهم سلبي، يعني: دفع عنهم أسباب الخوف والبلاء. ومن هنا كان استناده إلى الله أوضح؛ لأنَّه ليس باختيار أحد، وإنّما هو المدبِّر.
وفي الإمكان حمل هذه النعم على النعم المعنويّة؛ لأنَّ كيان الإنسان على مستويات متعدّدة: الجسم والنفس والعقل والروح، وقد جعل الله سبحانه لكلٍّ منها لذةً وألماً وخوفاً وأمناً.
كما يمكن أن نحمل ذلك على المستوى الأُخروي، فأطعمهم من جوع يعني: أثابهم في وقت حاجتهم إلى الثواب، وآمنهم من خوف، أي: من عقاب جهنم.
فإن قلت: هل مثل هذا الكلام ممّا تستحقّه قريش عَبدة الأصنام؟
قلت: أوّلاً: إنّنا حملنا كلا الأمرين (الطعام والأمن) على المعنى المعنوي، فيمكن أن نفهم من قريش المعنى المعنوي أيضاً، وذلك أن يكون المراد كلّ فئةٍ متدنّيةٍ بالنسبة إلى الكمال الذي لم يصلوه، وأنَّ الوصول إليه منوطٌ بالتوفيق الإلهي الذي أطعمهم وآمنهم وسيرهم في طريق التكامل الذي مشوا فيه.
ثانياً: إنَّه تعالى أعطى قريشاً نفسها وأطعمهم وآمنهم ببزوغ نور الإسلام الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور.
غير أنَّ إنزال الإسلام وتبليغه إنّما هو سبب اقتضائي للهداية، وليس عِلِّيّاً، وإنّما تنفع حقيقته حينما تتمُّ أجزاء العلّة بالدخول إلى الإسلام وإطاعة أحكامه.
وعلى هذا يمكن القول بإمكان عموم الإطلاق (للإطعام والأمان والنعم الإلهيّة) إلى كلّ من المعاني المادّيّة والمعنويّة والدنيويّة والأُخرويّة، وعدم الانحصار ببعضها دون بعض.
ــــــــــــ[245] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ.
ــــــــــــ[245] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سورة الفيل
في تسميتها ثلاث أُطروحات فقط:
أوّلاً: سورة الفيل.
ثانياً: السورة التي ذكر فيها الفيل.
ثالثاً: إعطاؤها رقمها في تسلسلها من المصحف، وهو 105.
سؤال: ما هو محتوى الاستفهام في قوله تعالى: {أَلَمْ}؟
جوابه: أنَّ له شكلين من المحتوى:
الشكل الأوّل: أن يكون اعتياديّاً، وليس استفهاماً استنكاريّاً، وذلك إذا كان متعلّقاً بحادثة الفيل؛ لأنَّ الحادثة أخذت في السورة مسلَّمة الصحّة، كما هي كذلك. غاية الأمر أنَّه استفهام عن العدم الذي لم يتحقّق، لا عن الوجود الذي حصل.
الشكل الثاني: أن يكون استفهاماً استنكاريّاً فيما إذا كان متعلّقه الرؤية، وليست أصل الحادثة، كما هو الأوفق بالوجدان.
فإنَّه قد يُتوهّم أنَّ المتعلّق هو الحادثة الرئيسة كما قلنا، إلّاَ أنَّه ليس بصحيحٍ؛ لأكثر من وجهٍ واحدٍ:
أوّلاً: أنَّ مدخوله الرؤية في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ}.
ثانياً: أنَّه خصّص حرفاً استفهاميّاً آخر لحادثة الفيل، هو {كَيْفَ} فقال: {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} فخصّ القرآن لكلٍّ منهما أداة استفهام، فالأوّل استفهام عن الرؤية، والآخر عن شكل الحادثة.
ــــــــــــ[249] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: ما المراد بالرؤية في قوله: {أَلَمْ تَرَ}؟
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: ما ذكره في >الميزان< من أنّ: المراد بالرؤية العلم الظاهر ظهور الحسّ(1).
أقول: فيكون المعنى: ألم تعلم علماً قريباً من الإحساس، فكأنَّه مشاهدٌ للحادثة، وإن لم يكن كذلك فعلاً؛ لأنَّها قريبة من تأريخهم ومتواترةٌ ومهمّة، ولم يكن العرب قد شاهدوا الفيل قبل ذلك الحين.
الوجه الثاني: أنَّ المخاطب ليس هو النبي’ بل غيره من قبيل: إيّاك أعني فاسمعي يا جارة؛ لأنَّ الفاصل بين نزول الوحي والحادثة أربعون سنة، ولم يكن النبي’ قد شاهدها، إلّاَ أنَّ هناك الكثير من كبار السنِّ الموجودين في ذلك المجتمع ممّن شاهدها فعلاً، وهم المخاطبون بالآية الكريمة.
الوجه الثالث: أن يُراد به رؤية النبي’ بالعلم الباطن يكشفها الله تعالى له، والسياق دالٌّ على حصول الرؤية فعلاً؛ لأنَّ مؤدّى الاستفهام عن الرؤية استنكاري، فيؤدّي إلى الجزم بالإثبات، عن حصول الرؤية والعلم.
سؤال: من هم أصحاب الفيل؟
جوابه: أبرهة، وهو صاحب الفيل، وقد عبّر عن الجيش كلِّه بأصحاب الفيل، مع أنَّ صاحبه واحد.
فان قلت: فإنَّه لماذا عبّر عن الجيش بأصحاب الفيل؟
قلت: لعدّة وجوه:
أوّلاً: لأنَّهم أتباع أبرهة صاحب الفيل، وهو الذي خطّط لهم بأن يكون
ــــــــــــ[250] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 361، سورة الفيل.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سيرهم حيث سار الفيل ووقوفهم حيث وقف.
ثانياً: أنَّ الفيل متقدّم على الجيش كالقائد، فيكون أبرهة نفسه مسيّراً من قِبل الفيل، وهم مسيّرون من قبل أبرهة، فيكون المجموع مسيّراً من قبل الفيل، فصحّت النسبة إلى الفيل.
ثالثاً: أنَّ المكّيّين لو نظروا إلى الجيش المعادي لقالوا: جاء الفيل مع جيشه المواكب له، ولعلّ أفراد الجيش نفسه لا يلتفتون دائماً أنَّهم في معيّة الفيل، ولكن هذا الشعور يكون واضحاً لدى المشاهدين في مكّة، والقرآن نزل من زاوية فهم أهل مكّة، لا من زاوية فهم الجيش المعادي.
سؤال: لماذا قال: {فِي تَضْلِيل} ولم يقلْ: في إضلال؟
جوابه: ما قاله في >الميزان< من أن: التضليل والإضلال واحد(1).
أقول: فالثلاثي ضلَّ ضلالاً، وهو لازم، والرباعي منه يكون بالتضعيف: ضلّل تضليلاً، والتهميز: أضلَّ إضلالاً، ويكون متعدّياً على النحوين، وكلتا المادّتين موجودتان في القرآن، غير أنَّه لم يَرد بالتضعيف إلّاَ في هذا المورد؛ وذلك لأجل حفظ النسق القرآني في السورة: (الفيل، تضليل، أبابيل، سجّيل).
سؤال: كيف جعل الله تعالى كيدهم في تضليلٍ؟ مع أنَّ المفهوم منه هو التيه في الصحراء، ولم يحصل.
جوابه لعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: الإشارة إلى ضلال هدفهم أساساً وبطلانه، وهو هدم الكعبة المشرّفة، وإنّما جعله الله تعالى كذلك لاستحقاقهم بخباثة أنفسهم.
ــــــــــــ[251] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 361.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فان قلت: إنَّ جعلهم ضالّين بهذا النحو يلزم منه القول بالجبر.
قلت: أوّلاً: إنّنا يمكن أن نتنازل عن هذا الوجه إلى الوجوه الأُخرى، فلا يلزم القول بالجبر.
ثانياً: ليس كلّ إضلالٍ يلزم منه الجبر، وإن كان الإضلال الابتدائي كذلك، إلّاَ أنَّ هناك أنواعاً من الإضلال إنّما يحصل كعقوبةٍ على ذنوب سابقة، وهي من العقوبة المعجّلة في الدنيا، سواء كانت ظاهريّة أو معنويّة.
فمن العقوبات الظاهرية قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ}(1).
ومن العقوبات المعنويّة المعجّلة قوله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ}(2) وقوله سبحانه: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ}(3).
الوجه الثاني: أنَّ المراد إفشالهم في حملتهم تلك، والضلال هو الفشل: إمّا مجازاً أو باعتباره حصّة منه بنحو المشترك المعنوي.
وهذا هو الأظهر، بل إنَّ هدف السورة هو الحديث عن تلك المعجزة الإلهيّة التي أوجبت النعمة بفشل الجيش المعادي.
الوجه الثالث: أنَّ الضلال لا ينحصر في التيه، بل هو التخطيط القاصر وعدم توقّع الحوادث؛ فإنَّهم مهما كانوا قد أخذوا الأُمور بنظر الاعتبار لم يكونوا يتوقّعون حصول المعجزة بردِّهم عن الكعبة، فعدم التوقّع هذا ضلالٌ
ــــــــــــ[252] ــــــــــــ
(1) سورة هود، الآية: 82.
(2) سورة التوبة، الآية: 77.
(3) سورة الجاثية، الآية: 23.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وقصورٌ، مع أنَّه المناسب لقدسيّة البيت من ناحيةٍ، ولقدرة الله سبحانه من ناحيةٍ أخرى. فيكون تخطيطهم قاصراً وضالاًّ؛ لأنَّهم لم يحسبوا كلّ الاحتمالات، ولو حسبوها ما فعلوا ولا جاءوا.
بل نرى أنَّ أبرهة بعد أن سمع من عبد المطّلب (رضوان الله عليه) قوله: (للبيت ربٌّ يحميه)(1) لم يتّعظ، واستمرَّ على عزمه على هدم الكعبة، وجدّد الحملة في اليوم الثاني.
سؤال: ما هو الوجه في تكرار الاستفهام في الآيتين ثلاث مرّات: قال تعالى: {ألَمْ ترَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيل}.
جوابه: ذلك لأجل التركيز على هدف السورة، وأهميّة المعنى، والتنبيه المتزايد للمخاطب المباشر وهو النبي’، والمخاطب غير المباشر وهم المسلمون، بل الخلق أجمعون، وتكرار الاستفهام من الجوانب البلاغيّة المهمّة، أي: انتبهوا إن لم تكونوا منتبهين.
****
قوله تعالى: {وَأَرْسَلَ}:
الواو هنا – حسب مشهور المفسّرين- عاطفة قال في >الميزان<: والآية التي تتلوها عطف تفسير على قوله: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ}(2).
أقول: ويمكن أن يكون تفصيلاً بعد إجمال، كأنَّه يريد ذكر تفاصيل
ــــــــــــ[253] ــــــــــــ
(1) أُنظر نحوه: الكافي 1: 447، باب مولد النبي ووفاته، الحديث: 25، مناقب ابن شهر آشوب 1: 26، فصل في الآيات والمنامات، تفسير السمعاني 6: 284، تفسير سورة الفيل، تفسير النسفي 4: 357، تاريخ الطبري 1: 553، ذكر بقيّة خبر تبّع.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 362، سورة الفيل.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الحادثة أو أُسلوب التضليل والإفشال لجيش الفيل، وذلك بعد الإشارة الإجماليّة له، ويكون المعنى: أنَّه جعل كيدهم في تضليلٍ عن طريق إرسال الأبابيل.
فالواو وقعت بعد الإجمال وقبل التفصيل، وإذا كانت وظيفتها هكذا أمكن أن نجعل عدّة أدوات محلّها: إذ أرسل أو حين أرسل أو كما أرسل، فتكون كلّها بمعنىً واحد.
على أنَّ قوله عن الواو: (إنَّها عاطفة) لا يخلو من تسامحٍ؛ فإنَّها على أيِّ حالٍ من عطف جملةٍ على جملة لا من عطف المفرد، وفي مثلها تسمّى الواو استئنافيّة، ولا يقال لها: عاطفة.
سؤال: من أيِّ مادّة صيغة لفظة {أَبَابِيل}؟
جوابه: قال في >الميزان<: الأبابيل – كما قيل- جماعةٌ في تفرقة زمرة زمرة(1). وقال الراغب: متفرّقة كقطعان الإبل(2).
أقول: أي: إنَّ العرب اشتقّوا اسمها من الإبل؛ لشبهها بقطعانه المتفرّقة. ولكنْ هذا قابلٌ للمناقشة لأكثر من وجه:
الوجه الأوّل: إذا كان المطلب هكذا أمكن الاشتقاق منه: تأبّل يتأبّل، أي: أصبح مثل الإبل، ولم يشتقّ منه العرب.
إذن لا توجد صلةٌ اشتقاقيّةٌ بين الإبل والأبابيل، وإنّما المشابهة من أجل الصدفة لا غير.
الوجه الثاني: أنَّه لفظٌ خماسي أو سداسي، ولا يمكن الاشتقاق منه.
ــــــــــــ[254] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 362، سورة الفيل.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 3، مادّة (إبل).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وعلى ضوء ذلك يمكن القول: إنَّ العرب لم يكونوا مسبوقين بهذه اللفظة، بل لعلّها نازلة لأوّل مرّة في القرآن الكريم.
ويكون استعماله على أحد الوجوه التالية:
الأوّل: أن تكون مُعربة أو منقولة من لغةٍ أخرى.
الثاني: أن تكون الكلمة نحتاً فوريّاً أو شخصيّاً غير مستند إلى اللغة. وهذا وإن كان في نفسه محتملاً، إلّاَ أنَّ الكلمة عندئذٍ تكون غير موضوعة في اللغة وغير مفهومةٍ عرفاً.
الثالث: أنَّه اسمٌ عرفيٌّ لنوعٍ من الطير (العصافير) مسمّى بذلك، كأنَّه كنية: كأبي بريص وأبي قردان.
الرابع: أنَّ اسمها مأخوذٌ من صوتها الممدود: (بيل)، فيكون أبابيل تعبيراً عن مقطعين من صوتها، أو بمعنى: ذو الصوت المشابه لكلمة بيل.
الخامس: ما احتمله بعضهم من أنَّ المراد بكلمة: (بيل): المسحاة، وقد كان منقار هذا الطير عريضاً كالمسحاة، فسمِّيت أبابيل، أي: ذات المسحاة.
السادس: أن يكون تشبيهاً بالمسحاة من ناحية عُرض ذيلها لا منقارها.
إن قلتَ: إنَّه على هذا يكون الأبابيل اسم جنس يعبّر عن نوعٍ من الطير، فينبغي دخول الألف واللام عليه (الطير الأبابيل)، مع أنَّه وَرد في الآية منكّراً.
قلتُ: لأنَّه إن عُرّف لكان مفاده إرسال كلّ أفراد هذا النوع إلى الجيش المعادي، مع أنَّ الذي حصل هو أنَّه سبحانه أرسل بعض أفراد النوع، أو قل: أفراداً قليلةً منه، ومع ذلك حصل به هلاك الجيش كلِّه، وهذا بحدِّ ذاته معجزة.
سؤال: كيف أنَّ (طيراً) مفرد و(أبابيل) جمع، مع أنَّ القياس خلافه؟
ــــــــــــ[255] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ طيراً اسم جنسٍ بمنزلة الجمع، وهو أدلُّ على الجمع من طيور؛ لأنَّ الأخير محدّدٌ بالكثرة والقلّة، بينما اسم الجنس غير محدّد، بل يصدق على أفرادٍ لا متناهية، ومعه يكون اسم الجنس أقوى دلالة، ومنه قوله تعالى: {ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ}(1)، أي: ضيوفه.
الوجه الثاني: أنَّهما متماثلان في الإفراد؛ لأنَّ (أبابيل) اسم لكلِّ فردٍ من هذه الطيور، وكلاهما – أي: طير وأبابيل- اسم جنس، لذا قال: {تَرْمِيهِمْ} ولم يقل: يرمونهم.
فان قلت: لماذا قال: {تَرْمِيهِمْ}؟
قلت: لوجهين:
أوّلاً: أنَّ الجمع بمنزلة المؤنّث في الذوق العربي، فيتعيّن التأنيث.
ثانياً: أنّنا لو تنزلّنا عن تعيّن التأنيث، كان المتكلم مخيّراً بينهما، ومن المعلوم أنَّ (ترميهم) فاعله لا يعقل، ويرمونهم لمن يعقل؛ لوجود واو الجماعة، فيتعيّن الأوّل أيضاً، ولا أقلَّ من أنَّه اختار الأولى أكيداً.
ولكن هذا الوجه (وهو كونهما متماثلين في الإفراد) قابل للمناقشة بنصّ أهل اللغة على أنَّه جمع، وقيل: لا واحد له، وقيل: إنَّ مفرده أبَّولٌ أو إبيِّلٌ(2).
ولكن يمكن الإيراد عليه أنَّه يمكن القول: إنّنا نسمّي الواحد منها أبابيل، كما نسمّي فرداً من الملائكة ملائكة، ولا نقول: ملك، وهو مطلبٌ
ــــــــــــ[256] ــــــــــــ
(1) سورة الذاريات، الآية: 24.
(2) الصحاح 4: 1618، مادّة (إبل)، تاج العروس 27: 418، مادّة (أ ب ل)، لسان العرب 1: 10.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
عرفي؛ لأنَّ العرف يختار ما هو الأسهل له، فهذا لا يدلُّ على أنَّ المراد بالأبابيل في الآية الجمع، وإن كان جمعاً لغةً.
الوجه الثالث: أنَّ محلَّ (أبابيل) من الإعراب لا يخلو من أربع احتمالات تصوّراً: وهي أن تكون خبراً أو صفةً أو حالاً أو بدلاً، وما قيل من لزوم التجانس في الإفراد والجمع إنّما يصدق على المبتدأ والخبر وعلى الصفة والموصوف، وليس المورد منهما.
ولكنَّه إمّا أن يكون حالاً، بمعنى: جماعاتٍ متفرّقين، وليس التطابق بالإفراد والجمع ضروريّاً بين الحال وصاحبه.
وإمّا أن يكون بدلاً إذا كان (علم جنس)، ولا بأس أيضاً بعدم التطابق بين البدل والمبدل منه.
وهنا نكتةٌ لا ينبغي الإعراض عنها، وهي أنَّ هذه السورة رغم صغرها استعملت ألفاظاً غير عربيّة عديدة، وهي: الفيل والأبابيل والسجّيل، ونسبتها إلى السورة ككلّ كبيرة، بل هي أكبر نسبةٍ من أيِّ من سور القرآن الكريم.
وهذا الاستعمال وأمثاله لا ينافي عربيّة القرآن الكريم؛ لأنَّ هذه الألفاظ كانت سائدة ومستعملة بين العرب، فاتّصفت بكونها عربيّة، فاستعملها القرآن بهذه الصفة.
مضافاً إلى أنَّه يمكن القول بأنَّ استعمالها تطبيقٌ من تطبيقات قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء}(1) أي: استعمال عدّة لغات في القرآن الكريم.
سؤال: كيف يمكن لهذه الحيوانات غير المدركة أن تهلك هذا الجيش
ــــــــــــ[257] ــــــــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 38.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
العظيم؟
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّها يمكن أن لا تكون حيوانات فعلاً، بل هي خلقٌ آخر على شكل طير أبابيل، وهي مدركة، وليست قاصرة، كأن تكون جِنّاً أو ملائكةً، كما روي >إنَّ كلّ طيرٍ في منقاره حجرٌ، وفي رجليه حجران، وإذا رمت بذلك مضت وطلعت أُخرى، فلا يقع حجرٌ من حجارتهم تلك على بطنٍ إلّاَ خرقه، ولا عظمٍ إلّاَ أوهاه وثقبه<(1).
وفي روايةٍ أخرى: >إنَّها كانت تحاذي رأس الرجل، ثُمَّ ترميها على رأسه، فيخرج من دبره، حتّى لم يبق منهم أحدٌ<(2).
فهذا التسديد في العمل ليس من وظيفة الطير المعروف حقيقة.
الوجه الثاني: أنَّهم بالرغم من كونهم حيوانات فإنَّهم موجّهون بالمعجزة والتسديد الإلهي؛ حفظاً للبيت العتيق، حيث أُمروا بحسب غرائزهم بذلك، فأنتجت فشل جيش الفيل.
الوجه الثالث: وهو ما يمكن أن يجاب به المادّيون وأضرابهم بأن نقول: إنَّه ثبت أنَّ بعض الحيوانات كالطير الزاجل يمكن أن تُرسل إلى مسافاتٍ بعيدةٍ حاملةً معها رسائل ونحوها، وأنَّ كثيراً من أنواع الحيوانات الداجنة كالقطط والدجاج والماعز تهتدي لبيوت أصحابها، فليكن هذا الطير شيئاً من هذا القبيل.
ــــــــــــ[258] ــــــــــــ
(1) أُنظر: الكافي 8: 84، كتاب الروضة، الحديث: 44، الدرّ المنثور 6: 395، سيرة ابن إسحاق 1: 40.
(2) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: إنَّ فاعل {تَرْمِيهِمْ} هو الأبابيل، وفاعل {جَعَلَهُمْ} هو الله سبحانه، والسياق ينبغي أن يكون واحداً، فلماذا قال: {فَجَعَلَهُمْ} ولم يقل: (فجعلتهم)؟
جوابه:
أوّلاً: أنَّ الأفعال في السورة كلَّها منسوبةٌ إلى الله: (فعل ويجعل وأرسل وجعلهم)، إلّاَ (ترميهم) فإنَّه يعود إلى الأبابيل؛ لأنَّ الله بهذا السبب جعلهم كعصفٍ مأكول، وهذا هو هدف هذه السورة، وهو بيان الانتقام الكبير بإرسال الأبابيل.
ثانيا: أنَّ القرآن قد نسب الكثير من معلولات الأسباب إلى نفسه، قال تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ}(1) وقال: {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً}(2) وقال: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}(3) وقال {أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ}(4). والفاعل الحقيقيُّ في كلّ هذه الآيات هو الله سبحانه.
والقرآن في هذه الآيات يعترف بالأسباب ويعترف بفعل الله تعالى، أي: إنَّ كلَّها نتيجة لفعل الأسباب، وهي في نفس الوقت كلُّها نتيجة لفعل الله سبحانه، وهذا ما ثبتت صحّته منطقيّاً وفلسفيّاً وعرفانيّاً، وليس الآن مجال شرحه.
والنتيجة هي: أنَّه مرّة نسب الفعل إلى السبب، وهو الأبابيل، فقال: {تَرْمِيهِمْ}، وأخرى نسبه إلى نفسه، فقال: {فَجَعَلَهُمْ}، وكان بالإمكان نظريّاً
ــــــــــــ[259] ــــــــــــ
(1) سورة القمر، الآية: 13.
(2) سورة الإسراء، الآية: 103.
(3) سورة الواقعة، الآيتان: 63-64.
(4) سورة الواقعة، الآية: 72.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أن يجعل كلتا النسبتين إليه سبحانه أو كلتيهما إلى الأبابيل، إلّاَ أنَّه اختار ما هو ألطف بلاغيّاً وعرفانيّاً.
وبتعبير آخر: إنَّ الفعل فعل الله أصلاً، وهو الذي أوجد النتيجة، إلّاَ أنَّ الوسط أو الخريطة أو السبب هو ما أشير إليه في صدر السورة، وهو الأبابيل.
****
قوله تعالى: {تَرْمِيهِمْ}:
قال العكبري: {تَرْمِيهِمْ} نعت لطيراً، والكاف مفعول ثان(1).
أقول: لأنَّ الجمل بعد النكرات صفات، وجعلَ تأخذ مفعولين، أي: جعل الله إيّاهم كعصفٍ مأكول.
وقوله: (والكاف مفعول ثان) يعني: في قوله: {كَعَصْفٍ} وهو لا يخلو من تسامحٍ؛ لأنَّ حرف الجرّ لا يكون مفعولاً، بل الاسم هو المفعول الثاني، وهو العصف المجرور بالكاف.
هذا ويمكن أن نضمَّ إلى ذلك عدّة أفكار:
أوّلاً: أنَّ الجارّ والمجرور ليس بنفسه مفعولاً به، بل يحتاج إلى متعلق، وهو محذوفٌ أو مقدّر، وهو المفعول الثاني.
ثانياً: أنَّ وجود الجارّ والمجرور وعدمه يتبادلان، وذلك في المنصوب بدل المجرور، ويسمّى المنصوب بنزع الخافض، أي: بتقدير حرف الجر، ويمكن أن يكون العكس، أي: الاستغناء عن النصب عن طريق وجود حرف الجرّ المناسب له، والآية من هذا القبيل.
فبالرغم من دخول الكاف الجارّة عليه لم يخرج عن كونه مفعولاً ثانياً،
ــــــــــــ[260] ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 294، سورة الفيل.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فيكون منصوباً محلاً، ويكون وجود الكاف كعدمها، فكأنَّه قال: فجعلهم عصفاً مأكولاً.
ثالثاً: أنَّ نواصب المفعولين ليس بالضرورة أن تنصب مفعولين، بل قد تنصب مفعولاً واحداً إن أراد المتكلّم ذلك، والله تعالى اختار مفعولاً واحداً، وأمّا الثاني فهو جارٌ ومجرور.
وبتعبيرٍ آخر: إنّنا إنّما نحتاج إلى المفعولين عند عدم الدلالة على المعنى، وأمّا إذا صحَّ المعنى وتمّ فلا حاجة إلى وجود المفعول الثاني، فقد حُذف للدلالة عليه، بل إنَّ وجوده يجعل اللفظ سمجاً، فيكون القرآن قد اختار في التعبير أفضل الفردين؛ لأنَّه تشبيه بلاغي لطيف.
رابعاً: أنَّ الجارّ والمجرور سدَّ مسدَّ المفعول الثاني، أو نقول: إنَّه قد أوضح معناه ودلَّ عليه.
خامساً: قالوا: إنَّ الكاف يأتي اسماً بمعنى مثل، فيصحُّ ما قاله الكعبري من كونها مفعولاً ثانياً.
إلّاَ أنَّ هذا غير تامّ؛ لأكثر من وجهٍ واحدٍ:
أوّلاً: أنَّه يحتاج إلى شاهدٍ لغوي سابقٍ من شعرٍ أو نثر.
ثانياً: أنَّ الكاف حرفٌ، فما هو محلّ إعراب مدخوله؟
إن قلت: إنَّه مضافٌ إليه.
[قلت:] فهذا ممّا لا يمكن أن يقبله مدّعي هذا القول؛ فإنَّه لا يوجد مثل ذلك في الأسماء الحرفيّة – لو صحَّ التعبير- كالضمائر وأسماء الإشارة، أي: أن يكون لها مضاف إليه.
وإن قلنا: إنَّ مدخوله مجرورٌ بالحرف، فله لازمٌ باطلٌ؛ لأنَّه يكون
ــــــــــــ[261] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بالنسبة إلى ما قبله اسماً وبالنسبة إلى ما بعده حرفاً، وهذا جزافٌ من الكلام.
وعلى ذلك فمن الصعب أن نعتبر الكاف اسماً بمعنى: (مثل)، فيكون تصحيح كلام العكبري من هذه الناحية متعذِّراً.
سؤال: ما هو السجّيل؟
جوابه: قال الراغب في المفردات: السَّجل الدلو العظيمة، وسجلت الماء فانسجل أي: صببته فانصبَّ، وأسجلته أعطيته سجلاً(1).
أقول: حسب فهمي فإنَّ سَدَلَ وسَجَلَ مؤدّاهما واحد في اللغة، وحاصله تسليط جاذبيّة الأرض على الجسم، فسدل تستعمل للجمادات، مثل: سدل الستار، وسجل تستعمل للمائع، كسجل الماء أي: صبّه.
وأضاف الراغب: والسجل قيل: حجر كان يكتب فيه، ثُمَّ سمّي كلّ ما يكتب فيه سجلّا، قال تعالى: {كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ}(2)(3).
أقول: أي: محلّ التسجيل، كما نسمّي الدفاتر سجلاًّ.
وقوله تعالى: {كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} فيه أُطروحتان للفهم:
الأُولى: السجلّ: مكان المكتوب أو ظرفه، مثل الجرّارة تطوى في داخلها الكتب، وهذا هو الفهم المشهوري.
الثانية: الكتب هي نفس الكتابة، والجمع منها: الكتابات، والسجّل: أي: شيءٌ من ورق أو طينٍ يطوي الكتابات في داخله. والكتاب بمعنى الكتابة موجود في اللغة، ومنه قول النبي’ فيما ورد أنَّه أمر أحد أصحابه فقال:
ــــــــــــ[262] ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 230، مادّة (سجل).
(2) سورة الأنبياء، الآية: 104.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 230، مادّة (سجل).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
>تعلّم كتاب يهود<، أي: لغتهم وكتابتهم، قال: فتعلّمتها في ثلاثة أيّام(1).
هذا وقد وردت لفظة الـ(سجيّل) في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع: أحدها في هذه السورة، والأُخريان في سورة هود آية (82) وفي سورة الحجر الآية (74)، لوصف الانتقام من قوم لوط: قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ}(2).
وفي هذه الآية عقوبتان: الأُولى: {جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} والثانية: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ}.
فقد يقال: إنَّ العقوبة الأُولى تكفي للقضاء عليهم، فلا معنى للإمطار بالحجارة بعد أن يجعل عاليها سافلها.
وجوابه من وجهين كلاهما نسوقهما كأُطروحة محتملة:
الوجه الأوّل: أنَّه ليس المراد من جعل عاليها سافلها المعنى المادّي على ما روي في رواية ضعيفة السند(3)، بل المراد المعنى المعنوي، وهو: إذلال أعزّائها وسلب السلطنة عن متولّيها، فالمعجزة المادّيّة هي الرجم بالحجارة، وليس الانقلاب الحقيقي للأرض.
الوجه الثاني: أنَّ الله تعالى جمع بين العقوبتين زيادةً في النكاية عليهم؛ لأنَّهم كانوا شديدي الفسق ومتجاهرين باللواط، فقلب الأرض ورجمها، ليس حقداً، بل تسجيلاً إعلاميّاً لأجل إفهام الآخرين من الناس بأنَّهم
ــــــــــــ[263] ــــــــــــ
(1) سنن الترمذي 5: 67، الحديث: 2715، سنن البيهقي 10: 127، الحديث: 20194، سنن أبي داود 2: 342، الحديث: 3645، المعجم الكبير 5: 133، الحديث: 4856 و4857.
(2) سورة هود، الآية: 82.
(3) الكافي 5: 546، باب اللواط، الحديث: 6.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
يستحقّون ذلك، وبالتالي يؤدّي إلى هداية الآخرين وتفقّههم.
وقال تعالى في سورة الحجر: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}(1).
فأشار سبحانه إلى نفس القصّة، ولكن بألفاظٍ أخرى، وعاليها سافلها بالمعنى المادّي أو المعنوي على ما مرَّ.
والمراد من (مشرقين): وقت إشراق الشمس، ولا معنى لأنْ يكون المراد به المكان؛ لأنَّ كلّ مكانٍ فهو شرقٌ لغيره.
سؤال: ذكر في سورة هود عقوبتين، وفي سورة الحجر ثلاث عقوبات، فما هو وجه الجمع بين الآيتين؟
جوابه لعدّة وجوه:
أوّلاً: أنَّه ليس في الآية التي في سورة هود مفهوم مخالفة، بحيث ينفي حصول شيءٍ آخر، فما لم يُذكر فيها لا يعني عدم وجوده.
ثانياً: أنَّ الصيحة المذكورة في سورة الحجر هي نفس انقلاب الأرض، لا عقوبة ثالثة، ويدعمه الترتيب بالفاء، كأنَّ الصَيحة هو صوت انقلاب الأرض، فهي معلولٌ، وليس علّة.
ثالثاً: أن نحمل {عَالِيَهَا سَافِلَهَا} في سورة الحجر على المعنى المعنوي، ومعه لا يكون هناك دليلٌ على أنَّهم ماتوا جميعاً من الصيحة، بل يمكن أنَّهم أُغمي عليهم، ثُمَّ قُضي عليهم بالرجم.
هذا وقد ورد لفظٌ مشابه للسجّيل نطقاً ومعنىً في القرآن الكريم، وهو
ــــــــــــ[264] ــــــــــــ
(1) سورة الحجر، الآيتان: 72-75.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
السجّين، وكلاهما من أصلٍ غير عربي، قال تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُوْم}(1).
سؤال: فما هو معنى سجين؟
جوابه: قال الراغب: السِّجِّين: اسمٌ لجهنَّم بإزاء عليِّين، وزيد لفظه تنبيهاً على زيادة معناه(2). وقال الرازي في هامش العكبري: إنَّ سجّيناً اسمٌ للأرض السابعة، وهو فعيل من السجن(3).
أقول – كأُطروحة-: إنَّ سجِّين صيغة مبالغة من (سجن)، فالسجن
بالكسر هو المكان، والسَّجين بالتخفيف مكينه، أي: المسجون، والسجّين بالتشديد صيغة مبالغة؛ باعتبار أنَّ السجن له مراتبٌ تختلف شدّةً وضعفاً، والصعب منه سجّين، أي: شديد السجن.
إن قلت: إنَّه اسمٌ لجهنَّم نفسها، وليس لمن يسجن فيها ويعذّب.
قلت: هو من تسمية المكان بالمكين، فالمكان هو جهنَّم، والمكين هو من يعذّب فيها؛ لأنها سبب عذابهم.
وهذه اللفظة – أعني: سجِّين- وردت في القرآن مرّتين، كلتاهما في سورة المطفّفين. قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ}(4) وهي تقابل عليّين، كما قال الراغب(5)؛ لقوله في نفس السورة:
ــــــــــــ[265] ــــــــــــ
(1) سورة المطففين، الآيات: 7-9.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 230، مادّة (سجن).
(3) أُنموذج جليل: 563، سورة المطفّفين.
(4) سورة المطفّفين، الآيات: 7-9.
(5) مفردات ألفاظ القرآن: 230، مادّة (سجن).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
{كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ}(1).
وفي قوله: {فِي سِجِّينٍ} إشارة إلى المكان المدلول عليه بـ(في)، ومحلُّ إعراب الجملة {كِتَابٌ مَرْقُومٌ} هو كونه خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: (سجّين).
ومن هنا ينشأ إشكالٌ وحاصله: أنَّ (سجِّين) في الآية السابقة بمعنى المكان، وهي بمعنى الكتاب؛ لأنَّه يقول بعد التقدير: سجِّين كتابٌ مرقوم. فما جوابه؟
أقول: إنَّه نشأ الأشكال على ضوء التقدير باعتبار كونه هو المبتدأ المحذوف (سجِّين). أمّا لو كان التقدير (هو كتابٌ مرقوم) فهو استفهامٌ لتعظيم شأنه وبيان حرمته، فينتهي السياق بقوله: (ما أدراك ما سجِّين).
ثُمَّ يقول بعد ذلك: (إنَّ كتاب الفجّار هو كتابٌ مرقوم)، ولا حاجة إلى رجوعه إلى سجِّين، وإن كان سجِّين أقرب لعوده إليه، ولكن ينشأ الإشكال معه، وما يُقال في سجِّين يُقال في عليّين.
ولكن مع ذلك نقول: إنَّ هذا الكلام من قبيل المجاز؛ لأنَّه ليس في جهنّم كتابٌ مرقومٌ، أي: مكتوبٌ، وإنّما: إمّا أن نفهم من كتاب مرقوم أي: كتابة مكتوبة، كأنَّهما لفظان مترادفان، أو أن نفهم من الكتاب المجلّد الذي فيه اقتضاء الكتابة أو أوراق الكتابة.
وما ذكر في الآية رمزٌ للكتاب التكويني، وهو قد رقّم وسجِّل بالإرادة التكوينيّة، ما هو؟ هو نفس عملنا، [أي:] عمل الفجّار وعمل الأبرار.
وعلى ضوء كلّ ما تقدَّم نقدّم السؤال الآتي:
سؤال: ما هي المقارنة بين السجِّيل والسجِّين؟
ــــــــــــ[266] ــــــــــــ
(1) سورة المطفّفين، الآيات: 18-20.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
جوابه: أنَّه يوجد بينهما نحو تشابهٍ ونحو اختلافٍ.
فوجه التشابه: أنَّ كليهما سببٌ للعذاب، ومن ناحيةٍ إثباتيّة (كلاميّة أو بلاغيّة) فقد استعمله القرآن الكريم من أجل إرهاب القارئ وتخويفه، مضافاً إلى إظهار عظمة الله سبحانه، وإبراز أهمّيّة البيت الذي حصل الدفاع عنه.
ووجه الاختلاف في المعنى: أنَّ السجِّيل عبارة عن حجر، والسجِّين عبارةٌ عن جهنّم وما يحصل فيها، وكلاهما سببٌ للعذاب، وتعبيرٌ عن غضب الله سبحانه.
ويتحصّل من ذلك عدّة نتائج:
فإنّنا قد نزعم أنَّ أحدهما عين الآخر هو هو، كأنَّه قال: (ترميهم بحجارةٍ من سجِّين) وقد استعمل اللام اختياراً.
ويترتّب على ذلك بعض النتائج المحدّدة منها: أنَّ الحجارة إذا كانت من سجِّين، فهي قاتلةٌ بالضرورة؛ لأنَّها ليست طيناً؛ لعدّة احتمالات:
أوّلاً: أن نقول: إنَّها حجارةٌ من نفس جهنَّم، مع افتراض أنَّ الطير قد أخذها من جهنّم ورمى بها الجيش المعادي، لكن هذا لا يتمُّ إلّاَ بافتراض أنَّهم لم يكونوا طيراً، بل خلقاً آخر على صورة الطير، وهم متسلّطون على الدنيا والآخرة؛ فإنَّ جهنّم في الآخرة، فقد أخذوا الحجر من الآخرة ورموه في الدنيا؛ باعتبار كونهم مخوّلين من قبل الله سبحانه بذلك.
وحجر جهنّم قاتلٌ بلا شكَّ، كما يروي في قوله تعالى: {فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ}(1) عن الصادق×: >لو أنَّ حلقةً واحدةً من السلسلة
ــــــــــــ[267] ــــــــــــ
(1) سورة الحاقّة، الآية: 32.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وضعت على الدنيا لذابت الدنيا من حرّها<(1).
ثانياً: أن نقول: إنَّ سجِّيل لم يرد بها جهنّم، وإنّما هي حارّةٌ إلى حدٍّ تشبه حرارة جهنَّم، فتُلقى على جسد الإنسان فتقتله.
ثالثاً: أن تكون هذه الحجارة سريعةً جدّاً، والسرعة هي المؤثّرة في القتل، كما لو تصوّرنا أنَّ سرعتها أكثر من سرعة الضوء.
والقدرة هذه إمّا أنَّها أتت من نفس هذا الحيوان، أو أنَّها حدثت بعد انفصالها من منقاره بقدرة الله سبحانه، فتدخل في سرعتها من أحد الجانبين وتخرج من الجانب الأخر.
رابعاً: أن تكون قنبلة تحملها الطير تسقط على الفرد وتقتله، أو نقول: إنَّها لا تحملها الطير، بل الأجهزة الخاصّة المناسبة لها، والأبابيل ليست طيراً، بل جيشاً مضادّاً يقف أمام جيش أبرهة.
ولكن مثل هذا الوجه مخالفٌ لظاهر القرآن، فلا يكون حجةً؛ لما ورد عنهم^ من أنّ: >ما خالف قول ربّنا زخرفٌ باطل، اضرب به عرض الجدار<(2) مضافاً إلى اليقين التاريخي بعدم وجود مثل هذا الجيش المحارب في الجزيرة العربية وعدم وجود مثل هذا السلاح أيضاً.
هذا وقد ذكر القاضي عبد الجبّار في هذا الصدد سؤالين:
سؤال: كيف يصحُّ في الطير الصغير أن يرسل الحجر، فيؤثِّر في الناس التأثير الذي ذكره تعالى في هذه السورة؟
ــــــــــــ[268] ــــــــــــ
(1) تفسير علي بن إبراهيم القمّي 2: 81، تفسير سورة الحجّ، وعنه: البحار 8: 280.
(2) الكافي 1: 69، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب، الحديث: 3 و4، المحاسن 1: 221، الحديث: 128.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
جوابه من وجوه:
الوجه الأوّل: بأن يزيد الله تعالى في قوّة الطيور، بحيث يؤثِّر ذلك الحجر ذلك التأثير العظيم.
الوجه الثاني: أن يكون الله تعالى عند رمي الطير جعل فيه الانحدار الشديد بحيث يؤثّر هذا التأثير(1).
أقول: الوجه الأوّل لا يكفي؛ وذلك لأنَّ قدرة الطير لا يعني قدرة الحجارة من الطين، بحيث تكون قاتلة، والوجه الثاني غير تامٍّ بمجرده أيضاً، إلّاَ أن نذكر له وجهين آخرين، وهما:
الأوّل: ما ذكرناه سابقاً من السرعة الشديدة للحجر أو في الطائر، كأن تكون كسرعة الضوء، وبالتالي تخترق الجسم البشري.
الثاني: وجود الحرارة العالية جدّاً في الحجارة؛ باعتبارها من (سجِّيل)، فلا تكون قابلةً للانطفاء فتبقى متوقّدة إلى حال خروجها، ولا تنالها رطوبة جسم الإنسان.
ويمكن الجمع بين هذين الوجهين، أعني: السرعة والحرارة، ولولا ذلك لَما كان لِما قاله القاضي عبد الجبّار أيُّ أثر.
سؤال: ما هو العصف في قوله تعالى {كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}؟
جوابه: قال الراغب في المفردات: العصف والعصيفة الذي يعصف من الزرع، ويـقال لحـطام النـبـت المتـكسّـر عـصـفٌ. قـال: {وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ}(2)
ــــــــــــ[269] ــــــــــــ
(1) تنزيه القرآن عن المطاعن: 480.
(2) سورة الرحمن، الآية: 12.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
{كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}(1) {رِيحٌ عَاصِفٌ}(2). وعاصفة ومعصفة تكسِّر الشيء فتجعله كعصفٍ، وعصفت به الريح، تشبيهاً بذلك(3).
أقول: يتحصّل من ذلك: أنَّ عاصفة بمعنى كاسرة لِما تمرُّ عليه من النبات، وذلك في الريح الشديدة.
وقال في >الميزان<: العصف ورق الزرع، والعصف المأكول ورق الزرع الذي أُكل حبّه، أو قِشر الحبِّ الذي أُكل لبُّه<.
أقول: أي: إنَّ العصف هو ورق الزرع: كورق الحنطة والشعير، وقوله: (قشر الحبّ الذي أُكل لبُّه) فيه تسامحٌ، وحقّه أن يقال: هو الحبُّ الذي أُكل لبَّه، يعني: ما بداخل قشره.
هذا ويمكن الجمع بين الوجهين التكسّر والحبّ بالحبّ المتكسّر؛ لأنَّ الحبَّ يتكسَّر بعدّة أُمور طبيعيّة وعرفيّة أهمّها حين ينبت منها النبات، مضافاً إلى تقشيره من أجل طحنه وأكله. وكذلك النوى غير المأكول؛ فإنَّها كلَّها تتعصّف بنباتاتها.
سؤال: لماذا لم يقل: (فجعلهم عصفاً مأكولاً)؟
جوابه: في هذا الوجه نقطتا ضعفٍ:
الأُولى: أنَّه لم يجعلهم كذلك بنحو الحقيقة، بل جعلهم كعصفٍ مأكولٍ، أي: مثل العصف، والجثث المتناثرة ليست عصفاً مأكولاً، بل كالعصف.
الثانية: أنّنا مع التنزّل عن الوجه الأوّل يمكن أن نقول: فجعلهم عصفاً
ــــــــــــ[270] ــــــــــــ
(1) سورة الفيل، الآية: 5.
(2) سورة يونس، الآية: 22.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 248، مادّة (عصف).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مأكولاً مجازاً.
ولكن تأتي مسألة حفظ النسق ووحدة السياق اللفظي، وهو مقتضى الحكمة والفصاحة.
سؤال: كيف نتصوّر العصف المأكول؟
جوابه: ما فهمه المفسّرون، بما فيهم صاحب >الميزان<، من: أنَّها جثثٌ ساقطةٌ على الأرض، ويؤيّده النقل الخارجي التاريخي.
أقول: ولكن بذلك لم يحصل تقطّعٌ وعصفٌ.
ويجيب المشهور بأنَّ التقطّع حصل في الجيش؛ باعتبار فشله وتقطّع أفراده، وهو نحوٌ من التقطّع المعنوي.
والذي أفهمه – أكثر من ذلك-: أنَّ الجسد الواحد منها كأنَّه أصبح قطعاً قِطعاً كالشجرة الواحدة المتكسِّرة، ويؤيّده وصفه بالمأكول.
مضافاً: إلى أنّنا لو فهمنا من العصف الأغصان المتكسِّرة كفى أن يكون كلّ واحد منهم قد انقطع إلى قطعتين أو أكثر.
ولكن إذا فهمنا من العصف الحبُّ والنوى – وهي صغيرةٌ بطبيعة الحال- فلابدّ أن نتصوّرهم صاروا قِطعاً صغيرة، وإن لم تكن بحجم الحنطة نفسها؛ فإنَّ التعبير مجازيٌّ على أيّ حالٍ، والمهم أنَّ الجسم أصبح عشرات القطع، فلا يُرى هنالك جيشٌ وجثثٌ، بل لحمٌ متناثر.
هذا وللمأكول تقسيمان:
التقسيم الأوّل: المأكول حقيقةً، كما في حبِّ الحنطة، والمأكول مجازاً، أي: على شكل ما كان مأكولاً.
التقسيم الثاني: المأكول فعلاً، وهو المطبوخ في ما يحتاج إلى الطبخ،
ــــــــــــ[271] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
والمأكول اقتضاءً أي: كونه قابلاً للأكل.
وبضرب اثنين في اثنين تصبح الأقسام أربعة:
القسم الأوّل: القطع المأكولة مجازاً؛ فإنَّ العصف هو القطع الصلبة، كالحجر والخشب، إلّاَ أنَّ هذا قطع ليّنة؛ لأنَّها أجسادٌ بشريّة.
القسم الثاني: القطع المأكولة حقيقة، كاللحم المقطّع المأكول، وهذا تشبيهٌ مباشرٌ، وفيه إشعارٌ بالتشبيه بالحيوانات.
القسم الثالث: الحبُّ المأكول مجازاً؛ فإنَّ لحومهم متناثرةٌ وغير مأكولة، وإنَّما عبّر بذلك لكون منظرها كأنَّها لحومٌ مطبوخة.
القسم الرابع: الحبُّ المأكول حقيقةً.
وقد ظهر وجه الشبه في المأكول فعلاً، وفيه منظرٌ شديدٌ لم يفهمه المفسّرون؛ لأنَّهم فهموا أنَّ الجثث سليمةٌ، مع أنَّها لا تبدو كذلك؛ باعتبار قوله: {كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}؛ فإنَّ هذا لا يتمُّ عادةً في حجرٍ واحد في كلّ إنسانٍ واحدٍ.
إن قلتَ: إنّكم رجّحتم في معنى العصف بأنَّه الأجزاء المتكسّرة والنبات المتقطّع، والحبُّ مصداقٌ منها؛ باعتباره أجزاءٌ صغيرةٌ من النبات، بينما قال تعالى في سورة الرحمن: {وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ}(1)، فوصف الحبَّ بأنَّه ذو العصف، فيكون من وصف الشيء بنفسه، وهو باطل.
قلت: جوابه من عدّة وجوه:
أوّلاً: نحن لم نقل: إنَّ العصف هو الحبُّ بشرط لا عن الزيادة، بل هو
ــــــــــــ[272] ــــــــــــ
(1) سورة الرحمن، الآية: 12.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مطلق الأجزاء المتكسِّرة من النبات، فيرجع المعنى – ولو مجازاً- إلى المعنى المصدري، وهو التكسِّر.
ثانياً: أن نقول: إنَّ الحبَّ هو كلّ قطعةٍ مستقلةٍ من الثمار، كالتفّاح والرقّي وغيرهما، وليس معناه منحصراً بالحبِّ الصغير، كالعنب والتمر والحنطة والشعير، ومعه يكون الحبُّ – بهذا المعنى-: ذو العصف أي: ذو حبٍّ في داخله، فنحمل معنى الحبِّ على إحدى الحصّتين، ونحمل معنى العصف على الحصة الأُخرى.
ثالثاً: أنَّه بعد التنزّل عن الوجه الثاني باختيار القول بأنَّ الحبَّ هو خصوص الحبِّ الصغير، كالحنطة والشعير ولا يوجد في داخلها حبٌّ آخر، ولكنَّنا مع ذلك يمكن أن نفهم منه الحبُّ ذو التكسّر. وإذا تكسَّر الحبُّ ظهر لبُّه، أي: نفهم من الحبِّ لبُّه والعصف قشره، كما يمكن العكس، وإن كان الأوّل أرجح على أيِّ حالٍ.
السؤال الآخر: الذي ذكره القاضي عبد الجبّار في كتابه:
كيف يصحُّ ذلك ولم يكن في الزمان نبيٌّ، وهذا من المعجزات العظام؟
جوابه: أنَّه لابدَّ من نبيٍّ في الزمان يكون هذا الأمر معجزةً له.
وقد كان قبل نبيّنا أنبياء بعثوا إلى قومٍ مخصوصين، فلا يمتنع أن يكون هذا الأمر ظهر على بعضهم، كما روي أنه’ قال في خالد بن سنان: >ذلك نبيٌّ ضيّعه قومه<(1). وقال في قسّ بن ساعدة: >إنَّه يُبعث يوم القيامة أُمّة
ــــــــــــ[273] ــــــــــــ
(1) الكافي 8: 342، كتاب الروضة، الحديث: 540، كمال الدين: 659، باب: 58، الحديث: 2 و3، المستدرك على الصحيحين 2: 654، الحديث: 4172، كنز العمّال 12: 149، الحديث: 34429.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
واحدة؛ لقلّة من قبل عنه<(1). فهذه طريقة الكلام في هذا الباب(2).
أقول: يمكن أن نقبل نبوّة هؤلاء كأُطروحة، ولكن ذلك لا يكون جواباً على سؤاله الرئيسي لكبرى معيّنة، وحاصلها: أنَّ النبيَّ يجب أن يكون صاحب معجزةٍ، بحيث يصدق – بحسب التسبيب- أنَّه أوجدها بدعاءٍ ونحوه. وكلاهما لم يتسبّبا إلى وجود تلك المعجزة، أعني: القضاء على الجيش المعادي، فتكون الصغرى مخدوشة، وإن صحّت الكبرى.
إلّاَ أنَّ الصحيح هو الطعن بالكبرى التي أخذها القاضي عبد الجبّار مسلَّمة، وهي انحصار حصول المعجزة بوجود النبي، وإنّما نحتاج إلى معجزة لنصرة الحقِّ، وهو الذي حصل فعلاً؛ انتصاراً للبيت الحرام والكعبة المشرّفة.
ــــــــــــ[274] ــــــــــــ
(1) كمال الدين: 166، باب: 10، الحديث: 22، الخرائج والجرائح 3: 1082، فصل: علامة نبيّنا ووصيّه وسبطيه، الحديث: 14، فنون العجائب لأبي سعيد القراب: 62، حديث قسِّ بن ساعدة، الحديث: 28.
(2) تنزيه القرآن عن المطاعن: 480.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ.
ــــــــــــ[275] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سورة الهمزة
في تسميتها أُطروحات:
الأُولى: الهمزة، وهو المشهور.
الثانية: الحُطَمَة، كما في بعض المصادر(1).
الثالثة: السورة التي ذُكرت فيها الهمزة أو الحطمة.
الرابعة: رقمها في تسلسل المصحف، وهو: 104.
سؤال: قال الله سبحانه: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} فما هو الويل؟
قال الراغب: قال الأصمعي: ويل: قبح، وقد يستعمل على التحسّر، وويس: استصغار، وويح ترحّم.
ومن قال: (ويلٌ وادٍ في جهنَّم) فإنَّه لم يُرد أنَّ ويلاً في اللغة هو موضوع لهذا، وإنّما أراد من قال الله تعالى ذلك فيه فقد استحقَّ مقرّاً في النار وثبت ذلك له(2).
أقول: مرجع ذلك إلى أنَّ هذه الكلمات غير موضوعة لمعانٍ محددةٍ في اللغة، وإنّما تستعمل لدى وجود عواطف نفسيّة معيّنة، فـ(ويلٌ له) يستعمل لدى التقبيح، وهو التهديد بالقبح أو الشهادة بالشين، وقد تستعمل للتحسّر لِما فات من أمرٍ.
ــــــــــــ[277] ــــــــــــ
(1) أُنظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور 30: 535، إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 294.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 535، كتاب الواو، مادّة ويل.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وويس وهو صوتٌ آخر يستخدم لدى الاستصغار، وهو الاحتقار والإهانة.
وويح وهو صوتٌ آخر يستعمل للترحّم، وهو الشفقة والرأفة، وهذا مضمون كلام الأصمعي.
غير أنَّ هذا الأخير قابل للمناقشة؛ لأنَّ ويح للتهديد مثل ويل، كلّ ما في الأمر أنّنا قد نستعملها قبل حصول الحادث المفروض، فيكون تهديداً بحصوله، وقد نستعملها بعده، فيكون إشعاراً على أنَّه كان مستحقّاً لحصوله. كما قد يكون مقصود المتكلّم إظهار التألّم عليه من الحادث الحاصل، وإن كان مستحقّاً له، أو بغضِّ النظر عن استحقاقه له.
وعلى أيِّ حالٍ فالاستحقاق القرآني هنا للدلالة على التنبّؤ والتهديد بحادثٍ استقبالي، وهو العقاب الأُخروي، أو للدلالة على استحقاق العقاب.
****
قال تعالى: {لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ}:
في هذين اللفظين عدّة أسئلة:
سؤال: في صيغتهما من حيث كونهما مفرداً أو جمعاً.
جوابه: أنَّ كليهما محتملٌ، فإن كانت جمعاً، فعلامة التأنيث التي فيه باعتبار أنَّ الجمع مناسب للتأنيث في اللغة العربية، إلّاَ أنَّه يدلّ على إفراده اسم الموصول الذي بعده، ويجعله كالنصِّ في ذلك.
وأمّا الهاء فباعتبار كونها صيغة مبالغة بمعنى اسم الفاعل، والهاء زيادة في التأكيد، كعلّامة وفهّامة.
سؤال: ما هو الوجه في تأنيث الهمزة واللمزة، مع أنَّه ليس المقصود بهما عودهما إلى مؤنّث؟
ــــــــــــ[278] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: عودهما إلى مرجعٍ كلّيٍّ، والكلّيُّ بمنزلة الجمع، والجمع يناسب التأنيث.
الوجه الثاني: ما قلناه قبل قليل من: أنَّ المراد زيادة التأكيد.
الوجه الثالث: ما قاله العكبري: الهاء في الهمزة واللمزة للمبالغة(1).
أقول: والتأكيد والمبالغة يرجع محصّلهما إلى معنىً عرفيٍ واحدٍ.
إن قلتَ: ولكنَّ الله تعالى وصفَ نفسه بأنَّه {عَلَّامُ الغُيُوْبِ}(2) فكيف صحَّ وصف المخلوق بما هو أكثر تأكيداً من ذلك؟
قلت: إنَّ علمه تعالى لا يقاس بالخلق، ولا يحتاج إلى تأكيد، ولذا اكتفى بصفة (العلّام) بينما يحتاج المخلوق إلى زيادة التأكيد، لكي يُعرف بأنَّه وصل إلى غاية العلم المتصوّر له.
وعلى هذا فإنَّ التأنيث في الهمزة واللمزة يُراد بها أنَّه وصل إلى غاية ما هو متصوّرٌ من هاتين الصفتين.
الوجه الرابع: أنَّه تعالى لو ذكر اللفظين لكان على خلاف السياق القرآني والنسق القرآني.
سؤال: ما هو وجه الحاجة إلى الجمع بين الهمزة واللمزة؟ ولماذا لم يكتف بواحدٍ منها؟
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّهما ليسا بمعنىً واحدٍ، بل لكلِّ منهما معناه المستقل،
ــــــــــــ[279] ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 294، سورة الحطمة.
(2) سورة المائدة، الآيتان: 109 و116.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وكلٌّ منهما مرادٌ في الآية، ولا تكرار فيها، كما سيأتي في تفسيرهما.
الوجه الثاني: أنَّه إن تنزّلنا عن الوجه الأوّل فستكونان بمعنىً واحد، فيكون المراد باللمزة تشديد النكير على الهمزة واللمزة واستقباحهما؛ فإنَّه حتّى لو فعل ذلك مرّة واحدةً، فهو عملٌ في غاية الشناعة، فضلاً عمّا إذا كان فعله مكرّراً، وهذا أقرب إلى الفهم العرفي للقرآن.
الوجه الثالث: أن نقول: إنَّ اللمزة تابعٌ للهمزة.
والاتّباع مستعمل في اللغات غير العربية بكثرة، ولكنّه في العربية نادر، وهو أن يتكلّم المتكلّم بكلمةٍ ثانيةٍ مشابهةٍ لفظاً للأولى، وليس لها معنى إلّاَ معنى الكلمة الأُولى، وذلك بقصد الاستهزاء أو الاستظراف أو التهديد أو التأكيد أو غير ذلك، وهي كلمةٌ يستفاد معناها من مدخولها.
واللمزة في الآية الكريمة يمكن أن تكون صغرى لهذه الكبرى، والاحتمال مبطلٌ للاستدلال، ولا تكون لغواً، بل ذُكرت بقصد الاستهزاء أو التأكيد أو نحو ذلك.
إن قلتَ: اللمزة لا تحتمل أن تكون للاتّباع؛ لأنَّ لازمه أنَّها لا معنى لها؛ لأنَّ الكلمة التابعة لا معنى لها، ولا يمكن أن تكون في القرآن الكريم كلمةٌ لا معنى لها.
قلت: جوابه من أكثر من وجه:
أوّلاً: الطعن في الكبرى، وهي ضرورة خلوِّ القرآن الكريم من أيّة كلمةٍ لا معنى لها، بل يمكن القول بإمكان ذلك؛ وذلك لقوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ}(1) وهو يشمل حتّى الكلمات الخالية من المعنى.
ــــــــــــ[280] ــــــــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 38.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثانياً: أنَّها وإن كانت لا معنى لها، إلّاَ أنها صحيحةٌ لغةً وفصيحةٌ في الاستعمال، فجاز وجودها في القرآن؛ لوضوح أنَّ كلّ اتّباع فهو لا معنى له، فليكن هذا منه. وهذا لا يعني نفي المعنى إطلاقاً؛ لأنّنا قلنا: إنَّه يُعرف معناه من معنى تابعه، وهو الكلمة السابقة عليه. إذن فمحصّل المعنى موجودٌ دائماً.
ثالثاً: أن نذكر بنحو الأُطروحة فكرة الجمع بين كونه ذا معنى وكونه اتّباعاً؛ إذ قد تكون الكلمة ذات معنى في نفسها بغضِّ النظر عن الاتّباع، وقد وقعت اتّباعاً، فتفيد كلا الأمرين؛ إذ لا يتعين في الإتّباع سلب المعنى مطلقاً، بل سلبه من حيث كونه اتّباعاً، وهو لا ينافي وجود معنى آخر لنفس اللفظة في اللغة.
سؤال: عن معناهما وعن الفرق بينهما.
جوابه: أنّنا ننفي أوّلاً الأُطروحة التي تقول بترادفهما، بل لهما معنيان مختلفان، وهما من الألفاظ التي يقال فيها: إنَّهما إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، كالفقير والمسكين، يعنى: إذا اجتمعا في اللفظ افترقا في المعنى، وإذا افترقا في اللفظ اجتمعا في المعنى، أي: قد يكون المراد منهما شيئاً واحداًَ.
وهذه القاعدة ارتكازيّة ظهوريّة، لا يمكن التنازل عنها عرفاً، وكلُّ من فسّرها بالترادف فقد فسّرها بخلاف الظاهر.
وأمّا تفاصيل معنى هاتين الكلمتين – أعني: الهمزة واللمزة- فكما يلي:
قال الراغب في المفردات: الهمز كالعصر، يقال: همزت الشيء في كفيّ، ومنه الهمز في الحرف، وهمز الإنسان اغتيابه. قال تعالى: {هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ}(1) يقال: رجلٌ هامز وهمّاز وهمزة. قال تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}، وقال
ــــــــــــ[281] ــــــــــــ
(1) سورة القلم، الآية: 11.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الشاعر: وإن اغتيب فأنت الهامز اللمزة(1).
وقال تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ}(2)(3).
أقول: فهم الراغب من الهمّاز المغتاب، ونحن لو قارنّا بين الصيغ الثلاث (همّاز، هامز، هُمزة) لوجدنا أنَّ أشدّها همزة؛ لأنَّه يكون كثير الهمز ومبتلى به الناس.
وقوله تعالى: {هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} لا يدلُّ على الغيبة فقط؛ لأنَّ الشياطين لا يغتابون الناس، بل المراد مطلق الأذى.
وقال الراغب أيضاً في >المفردات<: اللّمز الاغتياب وتتبّع المعاب (أي: المعايب)، يقال: لمزه يلمزه ويلمّزه. قال تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ}(4) {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ}(5) {وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ}(6)(7).
أقول: وقوله تعالى: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} لها تفسيران:
الأوّل: ما ذكره الراغب: أي: لا تلمزوا الناس فيلمزونكم، فتكونوا في حكم من لمز نفسه(8).
الثاني: لا يلمز بعضكم بعضاً، والمراد جميع المجتمع، والضمير للجمع
ــــــــــــ[282] ــــــــــــ
(1) البيت لزياد الأعجم، من شعراء العصر الأموي.
(2) سورة المؤمنون، الآية: 97.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 544، مادّة (همز).
(4) سورة التوبة، الآية: 58.
(5) سورة التوبة، الآية: 79.
(6) سورة الحجرات، الآية: 11.
(7) مفردات ألفاظ القرآن: 474، مادّة (لمز).
(8) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
في الموضعين {وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ}، وهو القرينة المتّصلة على كونه كذلك، وهذا الوجه أكثر وضوحاً ممّا قاله الراغب.
وأضاف الراغب: ورجلٌ لمّاز ولُمزة كثير اللّمز. قال تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}.
أقول: إنّنا بعد أن اطّلعنا على المعاني اللغويّة لكلٍّ منهما، يظهر أنَّ كليهما بمعنى الاغتياب، أو قل: مطلق الأذيّة، فيكونان كالمترادفين، وربّما يرجّح أنَّ اللّمزة اتّباعٌ، ولا يُراد بها معنى مستقلّ عن الهمزة.
ولكن – مع ذلك – يمكن تقديم عدّة أُطروحات محتملة للاختلاف، وخاصّةً إذا قلنا: إنَّ الظهور في الاختلاف ثابتٌ فيهما حسب قاعدة: إذا اجتمعا افترقا.
الأُطروحة الأُولى: أنَّ الهمز في الغياب، واللمز في الحضور، كما تدلُّ عليه بعض الآيات. قال تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ}(1) وقال {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ}(2). وكلاهما واضح في الحضور.
الأُطروحة الثانية: أنَّ الهمز مطلق الأذيّة والاغتياب، بأيّ سببٍ كان، واللّمز الأذيّة في محلٍّ معيّن والطلب غير المناسب وعلى خلاف الحكمة، كما أشارت إليه الآيتان الأخيرتان، بحيث يكون نوعاً من الإزعاج.
ونلاحظ: أنَّ اللّمز لم يُنسب إلى الشياطين، بخلاف الهمز؛ فإنَّه نُسب إليهم، وهو دليل الاختلاف.
ولا يقال: إنَّه تعالى اختار ذلك، فلا يكون دليلاً على الاختلاف.
ــــــــــــ[283] ــــــــــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 79.
(2) سورة التوبة، الآية: 58.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فإنه يقال: إنَّ الارتكاز المتشرّعي والعرفي على صحّة الاختلاف.
الأُطروحة الثالثة: أنَّ المعنى الإجمالي لهما يذهب فيه الذهن كلّ مذهبٍ من حيث لا يحتمل الترادف.
وذكر الرازي في هامش العكبري احتمالات ستّة أخرى:
1. إنَّهما بمعنىً واحدٍ، لا فرق بينهما، وإنّما الثاني تأكيدٌ للأول.
2. إنَّهما مختلفان، فقيل: الهُمزة المغتاب، واللُمزة العيّاب.
3. وقيل: الهُمزة العيّاب في الوجه، واللُمزة في القفا.
4. وقيل: الهُمزة الطعّان في الناس، واللُمزة الطعّان في أنساب الناس.
5. وقيل: الهُمزة يكون بالعين واللُمزة باللسان.
6. وقيل: عكسه.
فهذه ستّة أقوال(1).
سؤال: هل هما للجمع أم للمفرد؟
جوابه: صيغة هذين اللفظين تناسب المفرد، كما تناسب الجمع؛ بدليل وجود ضمير في آخر السورة يعود إلى الجمع: {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ}. وهذا لا ينافي دخول (كلّ) عليها حين قال سبحانه: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}؛ فإنَّه يُراد بكلِّ هنا كلّ مجموعةٍ أو كلّ حصّةٍ، وليس (كلّ همّازٍ لمّاز)، ومعه فيراد بها أقلُّ الجمع على أقلِّ تقدير، ولا يكون وجود (كلّ) دالاً على عدمه.
وأمّا قوله تعالى: {الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ} فيراد بالموصول المفرد، فيدلُّ على أنَّ الهُمزة واللُمزة يُراد بهما المفرد.
ــــــــــــ[284] ــــــــــــ
(1) أُنموذج جليل: 590، سورة الهمزة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إن قلتَ: إنَّ الضمير عائدٌ على الجمع كما عرفنا، في حين أنَّ اسم الموصول دالٌّ على المفرد، فيحصل تهافتٌ في القرائن المتّصلة.
قلت: كلا، فإنَّ الضمير – في الحقيقة- لا يدلُّ على أنَّ الهُمزة واللُمزة للجمع، وإنّما يُراد بهما الجنس، أي: الجميع، وليس همّازاً معيّناً، فناسب إرجاعه جمعاً، ولا ينافي كون اللفظ مفرداً لغويّاً ونحويّاً.
ومن المعلوم أنَّ اسم الموصول العائد إلى اسم الجنس دالٌّ على معنى اسم الجنس.
سؤال: إنَّ الموضوع في الآية الكريمة هو مجموع الصفات المذكورة، والمحمول هو {لَيُنْبَذَنَّ}، فهل الموضوع هو مجموع الصفات أو جميعها؟
جوابه: أنّنا لو نظرنا من زاوية أصوليّة كان لابدَّ من تقييد بعضها ببعض، فهذا الناتجٌ من مجموع هذه القيود، هو الذي يُنبذ في الحطمة، أو قل: إنَّه الشخص الجامع لهذه المفاسد كلِّها.
وهنا نخسر معنىً معتدّاً به، وهو استحقاق الهمّاز فقط أو اللمّاز فقط للنبذ في الحطمة، فهذا ممّا لا يبقى عليه دليلٌ في الآية الكريمة.
ولكن – حسب فهمي-: فإنَّ كلّ موضوع واحدٍ، يُراد بحياله واستقلاله، فالهُمزة عليه نارٌ موصدة، واللُمزة عليه نارٌ موصدة، وإن لم يتّصف بالصفات الأُخرى.
سؤال حول قوله تعالى: {الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ}: وجمع المال ليس بحرام دائماً؛ فقد يكون حلالاً، فلماذا يكون الويل له؟
جوابه من عدّة وجوه:
الأوّل: أنّنا نجعل تهديده بالعقوبة بمنزلة القرينة المتّصلة على كون المال
ــــــــــــ[285] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
المجموع بغير حقّه وبشكلٍ غير مشروع.
الثاني: أن نفهم أنَّ التهديد منوطٌ بالمجموع، أي: المتّصف بمجموع هذه الأوصاف، وليس بواحدٍ منها فقط، وهي الهُمزة واللُمزة وجمع المال.
الثالث: من جهة أخلاقيّة يكون جمع المال شيئاً من حبِّ الدنيا، فجمع المال وإن كان غير محرّم في نفسه، لكنّه يؤدّي إلى المحرم اقتضاءً أو علّيّةً؛ فإنَّ الشهوة إن أُطيعت مرّة أُطيعت مرّات، فيستحقُّ صاحبها الويل والحطمة.
الرابع: أن نجعل ما بعدها قيداً لجامع المال، وهو قوله: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ}، فيكون المتّصف بالقيد والمقيّد هو المقصود.
وفرقه عن الوجه السابق أنَّه هناك اعتبرنا كلّ القيود الأربعة مقيّداً بعضها ببعض، أمّا هنا فيدخل النار بهذا القيد فقط.
ومعه يكون محصّل الآيتين أنَّها ذكرت أمرين، وليس أربعة:
الأمر الأوّل: الهُمزة واللُمزة، فإنَّهما وإن كانا يختلفان، ولكنَّهما يرجعان إلى محصّلٍ عرفيٍّ واحد، ويكون أحدهما مقيّدٌ بالآخر.
الأمر الثاني: مجموع ما بقي، وهو قوله: {الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ، يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ}، أيضاً يكون بعضها مقيّداً ببعض.
ثُمَّ يأتي المحمول: {كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ}.
ولكن هل تكون الصفات أربعة أو إنَّهما صفتان مستقلّتان أو هي صفة واحدة، بعد تقييد الجميع ببعضها البعض؟
جوابه: حسب فهمي وذوقي أنَّه يقتضي الاستقلاليّة، وكلُّها تقتضي النبذ في الحطمة.
وبحسب القاعدة أنَّ هذه الأُمور متعاطفةٌ بعضها على بعض، بتقدير
ــــــــــــ[286] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
تكرار العامل، فيكون المعنى: ويل لكلِّ هُمزةٍ وويلٌ لكلِّ لمزةٍ وويلٌ لكلِّ من جمع مالاً وعدّده، وهكذا، فلكلٍّ منها تهديد مستقلّ عن الآخر.
وهذه أُطروحة محتملة، وإن كان بحسب الظاهر غير ذلك؛ لعدم وجود تعاطفٍ ظاهرٍ بل مقدّر.
سؤال: إنَّ قوله تعالى: {جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ} ظاهره البدوي على التقليل؛ لأنَّه مقتضى التنكير ومقتضى إمكان العدِّ في (عَدَّدَهُ)؛ لأنَّ المال الكثير لا يمكن عدُّه عادةً، فهل الذي يخرج ماله عن إمكانيّة العدِّ يكون ناجياً؟
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ {وَعَدَّدَهُ} ليس بمعنى العدِّ والحساب، وإنَّما هو بمعنى: (أعدَّ من الإعداد)، وقد أشار إلى ذلك العكبري في كتابه(1) بمعنى: أعدَّه لمستقبله ولمصاعب حياته أو لشهواته، فلا يتعيّن أن يكون المال قليلاً من هذه الناحية.
ولكن يبقى الإشكال عليه من ناحية اختلاف اشتقاق المادّتين: (أعدّ وعدّد)، فعدَّه أحصاه والاسم العدد والعديد، وأعدَّه لأمر كذا هيّأه له من الإعداد.
الثاني: أنَّه ليس ظاهراً في القلِّة من ناحية التنوين، بل هو ظاهر في الكثرة؛ لأنَّ حال اسم الجنس دالٌّ على التعدّد.
إن قلتَ: إنَّ الكثير لا يكون قابلاً للعدِّ عادةً، والآية نصٌّ بالعدّ بعد التنزّل عن الوجه السابق، فتكون هنا قرينةٌ متّصلة دالّةٌ على القلِّة.
قلت: العدُّ: إمّا عدٌّ فعليٌّ وخارجيٌّ، وإمّا عدٌّ اقتضائيٌّ وذهنيٌّ، فهو
ــــــــــــ[287] ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 294، سورة الحطمة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
يحافظ على المعدودات الذهنيّة، كما يحافظ على المعدودات الخارجيّة. وينبغي الالتفات إلى أنَّ المال غير منحصرٍ بالدراهم والدنانير ليعدّها، أو بالغنم والبقر كذلك، بل قد يكون أرضاً أو نباتاً أو عقاراً.
الثالث: أنَّ الآية خاطبت الناس على قدر عقولهم في ذلك الحين.
فالله تعالى ناظرٌ إلى طبقةٍ غنيّةٍ ليست عاليةً جدّاً في الثراء، كما كان المعهود في ذلك الحين، وأمثالهم يكون مالهم قليلاً ويمكن عدّه، مهما كان في نفسه كثيراً. وأمّا الطبقة الأعلى من ذلك اقتصاديّاً فهي تفهم من الآية بالأولوية لا بالنصِّ.
الرابع: أنّنا يمكن أن لا نفهم من التنكير التقليل، بل مجرّد كونه حصّة من المال باصطلاح علم المنطق وعلم الأصول.
الخامس: أنَّ مال الغنيِّ إذا نُسب إلى مجموع أموال المجتمع أو إلى الدخل القوميّ الكامل كان قليلاً.
السادس: أنَّ التنكير للاحتقار – كما في >الميزان<(1)- وليس للتقليل.
سؤال: ما هو إعراب (الذي) في قوله تعالى: {الَّذِي جَمَعَ مَالاً}؟
جوابه: قال العكبري: (الذي) يحتمل الجرّ على البدل والنصب على إضمار (أعني)، والرفع على هو(2).
أقول: جوابه لوجهين:
أوّلاً: أنَّ التقدير خلاف الأصل، وكلا الأخيرين فيه تقدير، فالمصير إلى الأوّل وهو البدليّة.
ــــــــــــ[288] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 359، سورة الهمزة.
(2) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 294، سورة الحطمة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثانياً: أنّنا نضيف احتمالاً آخر، وهو أن يكون نعتاً؛ باعتبار أنَّ الفرد موصوفٌ بكونه هُمزة ولُمزة، وهو الذي جمع مالاً وعدّده.
ومجموع الموصول وصلته يكون مركّباً ناقصاً، لا تنطبق عليه قاعدة: الجمل بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال(1)، غير أنَّ الموصوف هنا وهو (كلّ) لا ينطبق عليه عنوان النكرة، فيمكن أن يكون نعتاً، بدل أن يكون بدلاً.
وقلنا فيما سبق: إنَّ (الذي) مفرد، ولكنّه كلّي ينطبق على كثيرين، فهو بمنزلة اسم الجنس؛ لأنَّه يعود على اسم جنس.
ثُمَّ إنَّه قد ذكر القاضي عبد الجبّار سؤالاً مع جوابه كما يلي:
سؤال: هل يدخل في قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} غير الكافر، أو لا يدخل فيه إلّاَ الكافر؟
جوابه: ذلك محتمل؛ لأجل قوله تعالى: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ}. وذلك لا يليق إلّاَ بالكفّار الذين لا يعتقدون في أموالهم أنَّها من قبل الله تعالى، فلذلك رجّحنا قول من صرف ذلك إلى الكفّار(2).
أقول: وهذا من غرائبه؛ لأنَّه لا يوجد أحد من البشر يحسب أن ماله أخلده؛ لوضوح أنَّ المال لا يدفع الموت الذي لابدَّ منه، والمتكلّم لا يقصده والسامع ينبغي أن لا يفهم ذلك.
إذن فلا توجد قرينة على الاختصاص بالكفّار.
وعلى أيِّ حالٍ، ينبغي أن نؤّول الآية بعد سقوط الدلالة المطابقيّة،
ــــــــــــ[289] ــــــــــــ
(1) مغني اللبيب 1: 56، حكم الجمل بعد المعارف والنكرات.
(2) تنزيه القرآن عن المطاعن: 478، سورة الهمزة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وستكون هذه الوجوه عامّة للمسلمين والكفار.
ونقول: إنَّه يمكن أن يُراد بها أحد أُمور:
الأوّل: الغفلة عن الموت وترتيب الأثر على الخلود، وهذا حاصل للكفّار وغيرهم.
قال الإمام الصادق×: >لم يخلق الله عزَّ وجلَّ يقيناً لا شكّ فيه أشبه بشكٍّ لا يقين فيه من الموت<(1).
فالناس غافلون عن الموت، حتّى كأنَّهم لا يذوقونه، وكلّما زاد المال والسيطرة والشهرة، زاد ابتعاد ذكر الموت عن ذهن الفرد.
الثاني: أنَّه يحسب أنَّ ماله يطيل عمره، كما يقال عادةً بالتداوي والتقوّي، وهذا أيضاً حاصلٌ لكلّ أهل الدنيا.
الثالث: أنَّه يحسب أنَّ ماله يكون سبباً لخلود ذكره في الدنيا بعد موته بعملٍ معيّنٍ أو كتابٍ أو مؤسّسةٍ أو تجارةٍ، وهذا الشعور أيضاً شاملٌ للمسلمين والكفّار معاً.
فالاختصاص بالكفار بلا موجبٍ، والجمع بين الوجوه الثلاثة لا بأس به.
سؤال: لماذا قال: {أَخْلَدَهُ} بصيغة الماضي، ولم يقل: (يخلده) بصيغة المستقبل، مع أنَّه القياس؟
جوابه: لأنَّ صيغة الماضي تدلُّ على شدّة التأكيد بأنَّ ذلك حاصل، فكأنَّه قد حصل فعلاً؛ فإنَّ وجود المعلول بوجود علّته، فكأنَّ الفرد قد خلّد فعلاً من حين
ــــــــــــ[290] ــــــــــــ
(1) الخصال: 14، باب الواحد، الحديث: 48، تحف العقول: 364، في قصار كلماته، مَن لا يحضره الفقيه 1: 194، الحديث: 596.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
حصوله على المال، وطبقة الأثرياء كأنَّهم يضمنون الخلود بحصولهم على المال.
سؤال: قال تعالى: {كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ}. فما المراد من كلا؟ ولماذا لم يقل لا أو غيرها من حروف النفي؟
جوابه: أنَّ (كلا) يُراد بها فائدتان: إحداهما: التهويل، وثانيهما: النفي الشديد، وفي السياق يُراد به نفي الخلود.
وظاهر عبارة صاحب >الميزان<(1) أنَّ كِلا المعنيين في رتبةٍ واحدةٍ، وهما التهويل والتشديد في النفي.
ولكن حسب فهمي أنَّ تشديد النفي في المرتبة الأسبق، ويستفاد منه التهويل في المرتبة اللاحقة، فيكون أحدهما بالدلالة المطابقيّة، والآخر بالدلالة الإلتزاميّة.
****
قوله تعالى: {لَيُنبَذَنَّ}:
قال صاحب >الميزان<: اللام للقسم(2).
أقول: إنّما تكون اللام للقسم إذا كان القسم موجوداً، كقولنا: والله لتفعلن، وأمّا إذا كان السياق خالياً منه فلا تكون كذلك، بل هي للتأكيد. وهي لامٌ تدخل على الأسماء، فتسمّى لام الابتداء، وتدخل على الأفعال، فتسمّى لام القسم مجازاً، لا حقيقةً؛ لعدم الإشعار بالقسم، كما قلنا.
ونون التوكيد في: {لَيُنبَذَنَّ}، لزيادة التأكيد، بل يمكن القول: إنَّ دخول اللام على الفعل يصحبه دخول النون عليه، فهما متلازمان في القرآن
ــــــــــــ[291] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 358.
(2) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الكريم: {لَتَسمَعُنَّ}(1)، {لَيَخرُجُنَّ}(2) {لَتُبلَوُنَّ}(3)، {لَتُبَيّنُنَّهُ}(4) .
هذا من الجهة النحويّة.
وأمّا الجهة اللغويّة قال الراغب: النبذ إلقاء الشيء وطرحه؛ لقلِّة الاعتداد به، ولذلك يُقال: نبذته نبذ النعل الخَلِق(5). وقال صاحب >الميزان<: النبذ: القذف والطرح(6).
أقول: فيكون المعنى: ليقذفنَّ في الحطمة، وفيه إشعارٌ بالذلِّة والصغار. وهذا إنّما يستفاد من التأكيدات في {لَيُنبَذَنَّ} أو من السياق العام؛ لأنَّه تعالى قال: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ}.
إذن فهذا الوهم – وهو الخلود بالمال- باطلٌ وضلالٌ رديءٌ جداً، وإنّما أبدله المال بدل المعيشة المرفّهة بالمعيشة الضنكة في جهنّم، فليس ماله بمنجيه، كلّا.
فإن قرأنا: لينَبذن بالفتح – أي: للمفرد- فضمير المفعول يعود على الهُمزة واللُمزة الذي جمع مالاً، ولا إشكال؛ لأنَّ السياق كلّه سيكون إفراديّاً.
وإنّما الإشكال إذا قُرئ بالضمِّ، فيحصل هنا سؤال، كما يلي:
سؤال: من المقصود بالجمع في قوله: {لَيُنبَذَنَّ}؟
قال العكبري: هو وماله، ويجوز أن يكون المعنى: هو وأمواله؛ لأنَّها
ــــــــــــ[292] ــــــــــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 186.
(2) سورة النور، الآية: 53.
(3) سورة آل عمران، الآية: 186.
(4) سورة آل عمران، الآية: 187.
(5) مفردات ألفاظ القرآن: 502، مادّة (نبذ).
(6) الميزان في تفسير القرآن 20: 359.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مختلفة(1).
وربّما قيل: هو وماله وأهله، في كلّ ذلك جهة صحّة.
وإنّما الأمر كما سبق من حيث إنَّ الهُمزة واللُمزة لا يُراد بها واحدٌ بعينه، بل يُراد بها اسم الجنس، وهو بمنزلة الجمع؛ لأنَّه كلّيٌّ ينطبق على كثيرين، فيمكن أن يعود الضمير عليه جمعاً. وهذه الفكرة تنطبق على القراءتين: بالضمِّ وبالفتح؛ لأنّنا إن راعينا اللفظ ناسب الفتح، وإن راعينا المعنى ناسب الضمّ.
مضافاً إلى وجهٍ آخر للجميع، وحاصله ملاحظة (كلّ) الواردة في أوّل السورة {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَة لُمَزَةٍ} وهي تمثِّل جماعةً من الناس لا محالة، فناسب إرجاع الضمير إليها جمعاً، إلّاَ أنَّه لا يتعيّن ذلك، ويمكن لحاظ مدخولها مستقلاً.
سؤال: لماذا سمّيت جهنّم بالحطمة؟
جوابه: من وجهين:
الأوّل: أنَّه من الحطم، وهو كسر الشيء مثل الهشم، فهي مبالغةٌ في التكسير(2)، وجهنّم تزيد قاطنيها تحطيماً وتكسيراً.
الثاني: من الأكل، يُقال: حطمه أي: أكله بأسنانه حين المضغ، والحطمة الآكلة، بل الشديدة الأكل لسكّانها، كأنَّهم يطبخون فيها(3).
ونحن حين نلاحظ تقابل هذين الأمرين في قوله تعالى: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ} فيكون الإنسان بدل الرفاه والنعيم تأكله النار
ــــــــــــ[293] ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 294، سورة الحطمة.
(2) أُنظر: تاج العروس 31: 506، تهذيب اللغة 4: 231، العين 3: 175، لسان العرب 2: 916.
(3) أُنظر: الصحاح 5: 1901، لسان العرب 2: 916.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وتحطّمه وتذلّه إذلالاً، لا يشفع له مالٌ ولا بنون، إلّاَ من أتى الله بقلبٍ سليم، وقلبه ليس بسليمٍ بطبيعة الحال.
ولا يخفى أنَّ صيغة حُطمة جاءت على وزن هُمزة ولُمزة، ومن هنا نعرف سببين لهذا التعبير، ولم يقل: حاطمة.
أوّلاً: للدلالة على الشدّة، كما عرفنا، وهو ممّا يخلو منه اسم الفاعل.
وثانياً: حفظ النسق مع الصيغ السابقة.
سؤال: ما المراد بـ(ما)، في قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ}.
جوابه: أحد أمرين:
الأوّل: أن تكون نافية، ويكون المعنى: إنّك لا تدرك ما الحطمة؛ وذلك للتهويل والتخويف.
الثاني: أن تكون للاستفهام، ويكون المعنى: من الذي جعلك تدرك الحطمة؟ فهو استفهامٌ استنكاري يفيد نفي مدخوله؛ باعتبار أنَّ الحطمة أعظم من إمكان إدراكها وفهم مراتب عذابها.
وكلا هذين الأمرين قابل للصحّة ومؤدٍّ للمعنى.
سؤال: ما معنى: {أَدْرَاكَ}؟ ومن هو المخاطب فيها؟
جوابه: الإدراك بمعنى الإدراك الذهني، وهو الدراية والمعرفة، والكاف للخطاب، وهو بحسب الظهور المباشر للنبيِّ’.
ولكنه’ يعلم بالحطمة، فلماذا خاطبه سبحانه بذلك؟
جوابه من عدّة وجوه:
أوّلاً: أنَّ الخطاب ليس له، بل لغيره من باب: إيّاكَ أعني فاسمعي يا جارة.
ــــــــــــ[294] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثانياً: أنَّه’ أعلى الخلق، فيكون إدراك جهنّم بالنسبة إليه بسيطاً، ولكن إذا تصورناه رجلاًَ مصلحاً وأنَّه مجرّد بشر يوحى إليه، إذن فهو لم يرَ الآخرة ولا الجنّة ولا النار، فليس عجباً أن يقول له سبحانه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ}.
ثالثاً: أنَّ المراد بالإدراك المنفي في السياق ليس العلم، بل الإدراك البصري الحسيِّ، أو قل: العلّيِّ لا الإقتضائي؛ فإنَّ الإقتضائي وإن كان موجوداً، إلّاَ أنَّ العلّيّ أو الفعليّ غير موجود، ولا يوجد إلّاَ لمن يدخلها ويراها فعلاً.
سؤال: لماذا نسب الله تعالى النار إلى نفسه في قوله: {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ}؟
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ ذلك باعتبار أنَّها خلقٌ من خلق الله سبحانه، وكلُّ الخلق منسوبٌ إليه تعالى. وأمّا الجهة الفلسفيّة لذلك فليس هنا محلّها.
الوجه الثاني: نسبتها إليه تشريفاً وتعظيماً، كما نسب ذلك إلى كثير من خلقه في الكتاب والسنّة معاً، كالروح والأمين والنبيِّ والكليم (روح الله) و(أمين الله) و(نبيّ الله) و(كليم الله) وغير ذلك.
فهذه النسبة إلى الله مجازيّة بصفتها مطيعةٌ لله تعالى؛ لأنَّه تعالى أمرَها بالأمر التكويني، وهي تؤدّي وظيفتها على أحسن وجهٍ بإحراق مَنْ فيها من العصاة والفسقة، فيكون تفخيمها في محلِّه.
الوجه الثالث: أنَّ المراد كونها في الآخرة؛ لأنَّ كلّ ما كان هناك فهو منسوبٌ إليه؛ لأنَّها مجرّدةٌ عن المادّة.
وأمّا ما في الدنيا فلا يمكن نسبتها إليه تعالى؛ لأنَّها مادّة، وهي متدنّيةٌ في
ــــــــــــ[295] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سلسلة الوجود.
الوجه الرابع: أنَّ المراد كونها عقوبة من الله سبحانه؛ لأنَّها حصلت بحكمته وعدله للمستحقّين.
ويؤيّد ذلك: أنَّه تعالى لم ينسب ألفاظاً أُخرى إلى نفسه كجهنّم والسعير ونحو ذلك، فهذا يقرّب أنَّ ما كان من أنواع العذاب في جهنّم منسوبٌ إليه سبحانه.
نعم، لا خصوصيّة للنار؛ إذ يقول تعالى: {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ}، بل المهمُّ هو نسبة العقاب إليه، وذلك بعد تجريد النار عن الخصوصيّة إلى كلّ عقوبة.
وقد ورد: >إنَّ في جهنّم عقوبات كثيرة، حتّى أنَّ في كلّ درك من دركاتها السبعة ثلاثمائة ألف عقوبة أو نوع من العذاب<(1)، فيتعيّن تجريد النار عن الخصوصيّة.
ثُمَّ إنَّ قوله تعالى: {الْمُوقَدَةُ} صفةٌ تدلُّ عن فعليّة نشاط النار وحيويّتها وفعاليّتها، وقد يدلُّ ذلك على وجودها وإيقادها الآن.
فإن قلنا: إنَّ جهنّم موجودةٌ فهو المطلوب، وإن قلنا: إنَّها غير موجودة فإنَّها سوف توجد عندما تقتضي الحكمة ذلك في يوم القيامة أو بعد النفخ في الصور أو في زمن النبذ فيها.
سؤال: لماذا وصفها بأنَّها موقدة، مع أنَّ كلّ نار فهي موقدة، ولا يصحُّ أن تكون النار غير موقدةٍ؛ لأنَّها عندئذٍ لا تكون موجودةً إطلاقاً؟
جوابه من عدّة وجوه:
أوّلاً: أن يكون المراد شدّة توقدّها، بحيث يكون ضمُّ غيرها إليها كضمِّ
ــــــــــــ[296] ــــــــــــ
(1) أُنظر نحوه: تفسير علي بن إبراهيم القمّي 1: 376.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الحجر إلى جنب الجدار، أو أنَّها ملحقةٌ بالعدم.
ثانياً: أن يكون المراد بيان الرهبة التي تكتنفها والخوف الذي يتلبّس من يُراد نبذه فيها.
ثالثاً: أن يكون المراد صدق الإيقاد عليها عرفاً، وهذا ثابتٌ لها، في حين أنَّ النار القليلة أو الصغيرة لا يصدق عليها ذلك، وإن كانت عقلاً كذلك.
سؤال: إنَّ ظاهر القرآن الكريم في عدد من آياته وفي هذه السورة أيضاً أنَّ جهنّم مخلوقة، وظاهر القرآن حجّة، فمثلاً قوله: {الْحُطَمَةُ} يعني: حاطمة فعلاً، وقوله: {الْمُوقَدَةُ} يعني: هي كذلك فعلاً. ونحوه في قوله: {الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} فإن كانت كذلك، فما الحكمة من وجودها الآن؟
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّها قد أوجدها لإبراز قدرته سبحانه، وهذه إحدى النظريّات العامّة أيضاً في الحكمة من وجود الخلق كلِّه. ومعه فلا حاجة إلى تأجيل إيجادها إلى الزمن اللاحق؛ لأنَّ الغرض منه ليس هو إحراق الظالمين فقط، بل إبراز القدرة.
الوجه الثاني: أنَّ العقوبة والمثوبة غير خاصةٍ بالبشر، بل هي عامّة لكلِّ الخلق المدرِك، كما ورد: >إنَّ الله سبحانه قد خلق قبل البشريّة ألف ألف آدم وألف ألف عالم<(1).
وآدم هو أيُّ ذاتٍ مدركةٍ وعاقلة، فيذهب المطيعون إلى الجنان والعاصون إلى النيران.
ــــــــــــ[297] ــــــــــــ
(1) التوحيد: 277، باب عظمة الله جلّ جلاله، الحديث: 2، الخصال: 652، أبواب الثمانين فما فوقه، الحديث: 54، وعنه البحار 8: 375.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فإن قلتَ: إنَّ يوم القيامة واحدٌ، وليس بمتعدّد، كما هو مقررٌ في علم الكلام، وعليه ظاهر القرآن.
قلت: نعم، هو كذلك، ولكن يُراد بقوله: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً}(1): الحشر لكلِّ نسلٍ آدمي سويّةً، ولا يُراد به كلّ المخلوقات اللانهائيّة، ففي الإمكان القول – كأُطروحة-: إنَّ لكلِّ نسلٍ قيامته الخاصّة به.
فإن قلتَ: إنَّ قوله: {الْمُوقَدَةُ} صفة نحوياً وقيد أصوليّاً، والقيد ليس مفهوماً استقلاليّاً في التصوّر، فلا يكون بمنزلة الإخبار عن أنَّها موقدةٌ فعلاً.
قلت: جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: ما قلناه في علم الأصول(2) من: أنَّ القيد وإن كان مندكّاً في المقيّد تصوّراً وعقلاً، إلّاَ أنَّ له نحواً من الاستقلال العرفي، بحيث يعتبره العرف كاذباً إذا لم يكن مطابقاً للواقع، مع كون هذا الاعتبار لاغياً حال اندكاكه في المقيد.
الوجه الثاني: أنَّ الحكمة ليست منحصرة في جهنّم من حيث كونها عقوبة، بل الحكمة من وجودها متعدّدة، وليست واحدة، ومن ذلك كونها لإظهار قدرة الله تعالى، فيتعيّن وجودها الفعلي.
الوجه الثالث: أنّنا نستفيد ذلك من القرائن السياقيّة اللفظيّة في الآية الكريمة، وهي الإطلاق الأزماني الشامل لكلِّ الأزمان الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل.
ــــــــــــ[298] ــــــــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 22، وسورة يونس، الآية: 28.
(2) موسوعة الإمام الشهيد، المجلّد: 19، منهج الأصول 2: 88، الفصل الثالث، انقسام النسبة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: كيف تطّلع النار على الأفئدة؟
جوابه: أنَّه يكون من عدّة وجوه محتملة:
الوجه الأوّل: ما ورد عن النبيِّ’ من: >أنَّ الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم<(1). وورد أيضاً: >نيّة المؤمن خيرٌ من عمله، ونيّة الكافر شرٌّ من عمله<(2).
ويتحصّل من ذلك: أنَّ العمل الحقيقي أمام الله سبحانه هو الأعمال القلبيّة أو النفسيّة، وليست هي الأعمال الظاهريّة، وعندئذٍ نقول: إنَّ جهنّم تكون عقوبة على القلوب المنحرفة والنوايا الباطلة والمضلّة، فهي عقوبة للأفئدة والقلوب، وليست للأجسام.
الوجه الثاني: ما ذكره السيّد الشريف الرضي+ في كتابه >تلخيص البيان< من أنّ: آلامها ونفثها يصل إلى القلوب(3).
أقول: وفيه:
أوّلاً: أنَّ وصول الألم إلى الفؤاد غير منحصرٍ في جهنّم، بل إنَّ كلّ الآلام والأفراح تصل إلى الفؤاد؛ باعتباره بيت العواطف، كما أنَّ العقل بيت الإدراك، فبلاء الدنيا أيضاً يطّلع على الأفئدة، إذا قصدنا مجرّد الوصول.
ثانياً: أنَّ ذهابها إلى القلب لا يعني الاطّلاع على القلب بمعنى المعرفة؛
ــــــــــــ[299] ــــــــــــ
(1) أمالي الطوسي: 536، مجلس يوم الجمعة، مكارم الأخلاق: 469، الباب الثاني عشر، الفصل الخامس، سنن ابن ماجه 2: 1388، الحديث: 4143، صحيح مسلم 8: 11، الحديث: 6708.
(2) الكافي 2: 84، باب النيّة، الحديث: 2، مشكاة الأنوار: 257، الفصل العاشر، كنز العمّال 3: 424، الحديث: 7271، المعجم الكبير 6: 185، الحديث: 5942.
(3) تلخيص البيان: 119.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
لأنَّ جهنّم ليس لها علمٌ، وإنّما العلم عند الله سبحانه.
ومعه يفشل هذا الوجه، إلّاَ أن نجد له تفسيراً آخر، فنقول:
التفسير الأوّل: أنَّ الاطّلاع ليس بمعنى المعرفة بل بمعنى النظر، أي: وصل نظره إليه واطلّع عليه، كما ينظر الإنسان من النافذة.
وفي الحديث: >إنَّ الله اطلّع اطلاعةً على البشر، فاختارني منهم<(1)، أي: نظر إليهم، فالنظر يصل إلى المنظور إليه، وليس هو ملازم للفهم دائماً، فتأمّل.
التفسير الثاني: أن نقول – كما قال الفلاسفة-: إنَّ الأشياء كلَّما صعدت في عالم الروح المجرد زاد فهمها وإدراكها، وكلَّما كانت أقرب إلى المادّة قلَّ فيها ذلك، إذن تكون الأشياء في عالم الروح الأُخروي فاهمةً ومدركة. وجهنّم جزءٌ من ذلك؛ لأنَّ الإدراك مساوق للوجود، فكلّما ارتفع الوجود زاد الإدراك، وكلّما تنازل قلَّ، وبذلك تكون جهنّم مطّلعةً على الأفئدة.
التفسير الثالث: أنَّ (تَطَّلِع) لها قراءةٌ أُخرى وإن لم تكن مشهورة، وهو تطلع بالتخفيف، أي: تصعد إليها وتخرج إليها وتدخل فيها.
الوجه الثالث: ما ذكره الشريف الرضي أيضاً من: أنَّ شُعب النار تدخل في أفواههم، فتصل إلى أجوافهم وقلوبهم، فيكون ذلك أبلغ في المضض وأعظم للألم(2).
أقول: وفرقه عن الوجه السابق أنَّ ذاك على معنى: أنَّ الألم لم يصل إلى الفؤاد، ولكن هنا تصل نفس النار إليه.
ــــــــــــ[300] ــــــــــــ
(1) الخصال: 412، باب الثمانية، الحديث: 16، شرح الأخبار للقاضي النعمان 2: 509، الحديث: 900 و976، غيبة النعماني: 94، الباب: 4، الحديث: 24.
(2) تلخيص البيان: 119.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ونقطة القوّة في هذا الوجه أنَّه لا يحتاج إلى تقديرٍ، بل هي تطّلع على الأفئدة، بغضِّ النظر عمّا قلناه هناك.
الوجه الرابع: أنَّها تذيب الجسم حتّى تصل إلى القلب، كما قال تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا}(1)، فيصل العذاب إلى القلب مباشرةً، وحيث إنَّ الموت غير موجودٍ في النار، فيعاد الجسد كرّةً بعد كرّة.
إن قلتَ: إنَّ هناك فرقاً بين الآيتين، فنضجت معناه: (انطبخت ورَقّت) نتيجةً للاحتراق، لكن الآية هنا – حسب هذا الوجه – تدلُّ على أنَّ الجسم كلّه يذوب ويتلاشى.
قلت: هذا من الفهم السطحي؛ لأنَّ نضج الجلود كما يناسب رقّتها يناسب ذوبانها وتقطّعها وتلاشيها، حتّى تصل النار إلى اللحم والعظم، ثُمَّ إلى القلب والفؤاد، فتطابق المعنيان.
الوجه الخامس: ما نقله الشريف الرضيِّ عن آخرين(2) من: أنَّ الاطّلاع هو العلم، كقوله تعالى: {أطَلّعّ الغَيبَ}(3).
فالمراد: أنَّ الله تعالى يخلق في النار عِلماً تطّلع به على ضمائر الموجودين، فتوصّل إليهم الآلام على قدر مراتبهم من الذنوب.
أقول: هذا الوجه في طول القرآن ولأجل تصحيح الآية، في حين أنّنا نصحنا أن نأخذ بالفهم السابق على الآية، والذي يمكن أن تكون الآية قد نزلت على أساسه.
ــــــــــــ[301] ــــــــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 56.
(2) تخليص البيان: 284.
(3) سورة مريم، الآية: 78.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ولكن في هذا الوجه بعض نقاط القوّة:
الأُولى: أنَّه فهمٌ مباشرٌ من الآية، أي: إنَّ جهنّم تعرف ما في الأفئدة، حسب الظهور العرفي للقرآن.
الثانية: ما ذكرناه سابقاً من: أنَّ عالم المجرّدات كلّه مدرِكٌ وعارفٌ بواقعه الذي يعيش فيه، ومنها جهنّم، فهي مطّلعة على الأفئدة وعلى غيرها، أي: على كلّ ساكنيها. ولكن صاحب هذا الوجه لم يدرك ذلك بوضوح، بل زعم أنَّ العلم يخلقه الله سبحانه في جهنّم خصوصاً.
لكن فيه بعض المناقشات:
منها: أنَّ جهنّم ليست اسماً لشيءٍ محدّدٍ، بل هي مفهومٌ انتزاعي، كما أنَّ الحال في (الدنيا) كذلك؛ فإنَّها ليست اسماً لشيءٍ محدّدٍ، بل لمجموع الحوادث والأعراض والعلل والمعلولات والإضافات التي توجد في هذا العالم المنظور. ومن هنا نلاحظ أنَّه لم يرد في القرآن الكريم لفظ الدنيا مفرداً، بل يقول الحياة الدنيا، إذن فجهنّم شيءٌ من هذا القبيل.
ونستنتج من ذلك: أنَّها لا تكون مصداقاً وتطبيقاً للقاعدة التي قلناها من: أنَّ موجودات عالم الروح والمُثل مدركةٌ؛ فإنَّ جواهرها الجزئيّة مدركة، ولكن مفهومها الانتزاعي غير قابل للإدراك، وحيث إنَّ جهنّم من المفاهيم الانتزاعيّة
– على ما هو المفروض في هذا الوجه- فلا تكون صغرى لهذه الكبرى.
ولكن هذا إذا غضضنا النظر عن القراءة الأُخرى: (تطلُعُ)، وإلّاَ سقط هذا الوجه.
لكنّنا حتّى لو سلّمنا بتلك القراءة وأنَّ جهنّم مفهومٌ انتزاعيٌّ، ولكن مع ذلك نقول: إنَّها مدركةٌ؛ لأنَّ حقيقة الأشياء هي بحقائق الملائكة الموكّلين بها،
ــــــــــــ[302] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فجهنّم ليست جهنّم، وإنّما هي عين خازنها، وهو (مالك) خازن النار، وهو مدرِكٌ وعاقلٌ.
وعلى أيّ حالٍ، يتحصّل من ذلك: أنَّ المطّلع على الأفئدة هو الملك الموكّل بالنار، أو هو وأعوانه، وليست النار بذاتها، وإنّما نسب إليها العلم مجازاً.
الوجوه الإعرابية لهذه الآيات
{الْحُطَمَةُ} الأُولى مجرورةٌ بحرف الجرِّ {في} و{الْحُطَمَةُ} الثانية مرفوعةٌ خبراً لـ(ما) أو لضميرٍ مقدَّرٍ.
ويمكن نظريّاً جرُّ ( نار) على أنَّها بدلٌ من الحطمة الأُولى، ولا بأس به، وإن كان بعيداً.
وأمّا رفعها فله بابان:
الأوّل: ما أشار إليه العكبري: قال: (نار الله) أي: هي نار الله(1).
أقول: أي: إنَّها خبرٌ لمبتدأ محذوف، وهو ممكن، ولكن يمكن عدم تقدير المبتدأ، بل جعله ظاهراً، وهو الحطمة، ليكون (نار الله) خبراً له، وتساعد على ذلك القرائن المتّصلة.
الثاني: أنَّ (نار) بدلٌ من الحطمة الثانية المرفوعة.
ونلاحظ في بعض المصادر كسر الحطمة الثانية، كما في >الميزان<(2) وإعراب الكرباسي(3)، وهو خطأ، والصحيح رفعها بالضمّة الظاهرة.
ــــــــــــ[303] ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 294، سورة الحطمة.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 358.
(3) أُنظر: ملحة الإعراب (لمحمّد جعفر الكرباسي) القسم الأوّل: 237.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثُمَّ إنَّه ذكر أبو البقاء العكبري لإعراب اسم الموصول {التي تَطَلِعُ} ثلاث أُطروحات أو وجوه:
أوّلاً: الرفع على النعت، يعني: أنَّ المنعوت هو نار الله.
ثانياً: أنَّه خبرٌ لمبتدأ محذوف، يعني: هي التي أو الحطمة التي.
ثالثاً: أنَّه في موضع نصب بأعني، يعني: أعني التي(1).
ثُمَّ قال عزَّ من قائل: {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ}:
بالهمزة بقراءة حفص، وقرأ غيره بترك الهمز، والهمز أشهر، إلّاَ أنَّه غير موجودٍ في أصل المادّة.
قال الراغب: يقال: أوصدت الباب وآصدته أي: أطبقته وأحكمته(2)، وبالتخفيف – أي: موصدة- مطبقة.
أقول: فلابدّ من فرض بابٍ لجهنّم أو أبواب، وإلّاَ لم يصدق الإيصاد، وهو منصوصٌ عليه في القرآن الكريم. قال تعالى {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ}(3) كما وردت الإشارة إليه في بعض الأخبار أيضاً(4).
وليس المقصود من الجزء المقسوم أنَّ الباب منقسمٌ إلى قسمين، كما هو المتعارف؛ إذ لو كان كذلك لقال: منها، ولم يقل: منهم، فمراده الجزء منهم، أي: من مستحقّيها والمعاقبين فيها، كأنَّه يُتصوّر جمعٌ واقفٌ أمام جهنّم، فيقال
ــــــــــــ[304] ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 294 [بتصرّف].
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 562، مادّة (وصد).
(3) سورة الحجر، الآية: 44.
(4) أُنظر على سبيل المثال: أمالي الصدوق: 123، المجلس السادس عشر، الحديث: 1، الاستبصار 4: 132، من أوصى بجزء من ماله، الحديث: 5 و6، الدرّ المنثور 1: 383، سنن الترمذي 5: 297، الحديث: 3123.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
لكلِّ جماعةٍ منهم: هذه الباب التي تدخلون منها، وهذا لا يستلزم الجبر؛ لأنَّه بسوءِ اختيارهم وفشل تصرّفاتهم.
والآية مشعرةٌ بعدم إمكان الفتح مطلقاً، كأنَّها موصدةٌ إلى الأبد؛ وذلك بأكثر من تبرير:
الأوّل: أنَّ من يفتح الباب لابدَّ أن يكون مسلّطاً على الفتح ومالكاً للمفتاح، وهم ليسوا كذلك، فهم آيسون من التصرّف بالباب مطلقاً، فمن زاويتهم يكون الإيصاد مؤبّداً. وأمّا من بيده المفتاح فيستطيع أن يفتحها متى شاء، وهما اثنان: مالك خازن النار، وقسيم الجنّة والنار(1).
الثاني: أنَّ الباب مغلقةٌ من الخارج، فلا يكون من في الداخل متسلّطاً على فتحها.
وحمل الباب على المجازيّة أو المعنويّة وان كان محتملاً، إلّاَ أنَّه غير متعيّن، غاية الأمر أنّنا نعلم أنَّ الباب من جنس ذلك الوجود.
فإن قلنا بمادّيّة جهنّم ولو باعتبار القول بالمعاد الجسماني، لزم القول بمادّيّة الأبواب.
وإن لم نقل بذلك؛ باعتبار أنَّها من عالم المثال ونحوه، قلنا: بأنَّ الأبواب مناسبةٌ لها، وهكذا.
****
ــــــــــــ[305] ــــــــــــ
(1) أُنظر: بصائر الدرجات: 437، باب 18، الحديث: 11، أمالي الصدوق، 179، المجلس الرابع والعشرون، الحديث: 4، الصواعق المحرقة 2: 369، الفصل الثاني: في فضائله، كنز العمّال 13: 152، الحديث: 36475، السنّة (لأبي بكر الخلّال) 3: 510، التبصرة (لابن الجوزي) 2: 270، المجلس الثامن: في ذكر العزلة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثُمَّ قال عزَّ من قائل: {فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ}:
بفتحتين وقرئ بضمّتين، وعلى قراءة الضمِّ فهي جمع عمد أو عماد، كما في >تلخيص البيان<(1). وعلى قراءة الفتح يُراد بها المفرد، وهو اسم جنس، واسم الجنس بمنزلة الجمع؛ لأنَّه يدلُّ بدوره على الكثير، إذن فلا تفرق هاتان القراءتان في تفسير الآية.
سؤال: ما المراد من أنَّ جهنّم في عمد ممدّدة؟
جوابه: قال الشريف الرضي في >تلخيص البيان<: والمراد بذلك أنَّها مطّلةٌ عليهم وثابتةٌ لهم، كما يطلَّ الخباء المضروب بانتصابه، ويثبت بتمديد أعماده وأطنابه(2).
أقول: إنَّه+ فسّر العمد، ولم يفسّر ممدّدة، كأنَّه أخذه مسلّماً بأنَّ قماش الخيمة ممدّدٌ بالعمد أو على العمد، وهذه نقطة ضعفه.
وبناءً على هذا الفهم يمكن أن نفهم الآية على أحد أشكال:
الأوّل: أنَّ السرادق ممدّد على العمد، أي: سقفه مبسوطٌ على كثيرٍ من الأعمدة، وهذا هو الذي أخذه مسلّماً.
الثاني: أنَّ السرادق أعمدته ممدّدة، أي: ممتدّة بخطٍ طويل.
الثالث: أنَّ العمد ممدّدة، أي: مرتفعة وطويلة جداً.
وكل هذه الأشكال بناءً على كون (ممدّدة) صفة للعمد، لا أنَّها خبرٌ لجهنّم أو الضمير عائدٌ إليها.
كما أنَّ الشريف الرضي أهمل معنى (في)؛ فإنَّه إذا كانت جهنّم
ــــــــــــ[306] ــــــــــــ
(1) تلخيص البيان: 213.
(2) تلخيص البيان: 278 [بتصرّف].
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
كالفسطاط أو السرادق، فينبغي أن يقول: على عمدٍ ممدّدة؛ لأنَّ جهنّم ليست داخل السرادق، بل هي السرادق مجازاً، وهذا تناقض عقليٌّ بين أن نتصور جهنّم داخل السرادق أو نتصورها هي السرادق.
وعليه فينبغي أن نؤّول المعنى، فإمّا أن نقول: إنَّ (في) هنا بمعنى الباء، ويُراد بها السببية، أي: بعمدٍ ممدّدة، يعني: أنَّ السرادق مشدودٌ بالعمد. وإمّا أن نقول: إنَّها بمعنى كاف التشبيه، أي: كعمد ممدّدة، أو مثل العمد الممدّدة، إلّاَ أنَّه على ذلك لا يتغيّر المعنى؛ لأنَّ الممدّدة تكون هي العمد لا القماش، فلابدّ من زيادة التقدير بأن نقول: كخيام أو كسرادق (هي) في عمدٍ ممدّدة.
وأمّا الجهة النحويّة لهذه الآية فهي موقوفةٌ على أنَّ (ممدّدة) بالجرِّ أو بالرفع، وهذا يجرّنا إلى سؤال عمّا إذا كان بالإمكان القول أن تكون نازلة في الوحي ساكنة؛ لأنَّ مقتضى القاعدة هو التسكين والوقوف في نهايات الآيات، وهو مستحبّ شرعاً، وفي نهاية السورة انقطاع الوحي.
إذن فقد نزلت ساكنة، ومعه لا يتعيّن ثبوتاً كونها مجرورة أو مرفوعة.
وقوله: في {عَمَدٍ} بتقدير حرف العطف، والعطف بتقدير تكرار العامل: إمّا بتكرار الضمير، أي: وهي في عمدٍ ممدّدة، أو تكرار الضمير ومدخوله، أي: إنَّها عليهم موصدة، وإنَّها في عمدٍ ممدّدة، ومقتضى التبادر الأرجح أن يكون الضمير وحده هو المكرّر.
وممدّدة بالجرِّ على كونها نعتاً للعمد المجرور بـ(في).
وبالرفع على احتمالين:
الأوّل: أن تكون خبراً لضميرٍ تقديره هي.
الثاني: أن تكون جملةً تقديرها: هي ممدّدةٌ في عمدٍ، فالضمير مبتدأ أول،
ــــــــــــ[307] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وممدّدة مبتدأ ثانٍ، وخبره الجارّ والمجرور، والجملة خبر المبتدأ الأول.
ومقتضى إجماع المفسّرين كون (هي) المقدّرة عائدة إلى جهنّم أو الحطمة.
ولكنّي أقول: إنَّه عائدٌ إلى سكنة جهنّم أو المعذبين فيها.
فإن قلت: إنَّه لا يناسب ذلك.
قلت: بل يمكن ذلك؛ لأنَّه يقول: إنَّها عليهم موصدة، فمرجع الضمير قريب.
فإن قلتَ: هذا مفرد مؤنَّث (هي)، وذلك جمع مذكّر (هم).
قلت انتصاراً لهذه الأُطروحة: إنَّ سكنة جهنّم أُعيد لهم الضمير على أشكال ثلاثة كما سنشير، ومعه فالمهمُّ هو الواقع، أو تفهّم النصَّ، وليس شكل الضمير.
الشكل الأوّل: قال تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} فالشخص المقصود هنا مفرد مذكّر غائب.
الشكل الثاني: في قوله: {عَلَيْهِمْ} مذكّر جمع.
فلا بأس أن يتحوّل إلى التأنيث في المرّة الثالثة، كما تحوّل إلى الجمع في الثانية.
ويمكن أن يرجع إلى أجسادهم أو جثثهم وإن لم يكونوا ميّتين، أو باعتبار أنَّ معنى الجمع أقرب إلى معنى المؤنّث في اللغة العربيّة. وقد سبق أن قلنا: إنَّ التحويل من المفرد إلى الجمع ليس اعتباطيّاً، بل لحكمةٍ، وهو كون المقصود من المفرد اسم الجنس، وهو بمنزلة الجمع، والجمع بمنزلة المؤنّث.
ومعه يكون الممدّد هو أجسادهم، وليس جهنّم نفسها.
ــــــــــــ[308] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.
ــــــــــــ[308] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سورة العصر
في تسميتها عدّة أُطروحات:
الأُولى: العصر، وهو المشهور.
الثانية: الإنسان، وان كان المشهور أنَّ سورة الإنسان هي سورة الدهر، ولا ينبغي تسمية سورتين باسمٍ واحد.
الثالثة: أنَّها أيضاً سُمّيت بسورة الخسر، غير أنَّه ليس بصحيح؛ لأنَّ الانطباع العامّ فيه فاسدٌ قطعاً؛ وذلك لأنَّ الإنسان المعاند ضدَّ الحقِّ هو الذي يكون في خسر، ولا يمكن أن تكون السورة للخسر، بل ينبغي أن يكون اختيار الاسم محترماً.
الرابعة: السورة التي ذُكر فيها الإنسان أو التي ذُكر فيها العصر؛ وذلك على طريقة الشريف الرضيِّ في >حقائق التأويل<.
الخامسة: أن نسمّيها باللفظ الأوّل فيها: (والعصر) ويُنطق عادةً بالكسر لا بالوقف.
السادسة: أن نعطيها رقمها من المصحف الشريف، وهو: 103.
****
قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ}:
الواو للقسم، والعصر مُقسمٌ به أو مدخول القسم.
وقد كان سيّدي الوالد+ يقول: إنَّ الخلق يقسمون بالخالق، والخالق يقسم بالخلق. ويختار لقَسمه بعض الأُمور العجيبة أو المهمّة، وهنا قد اختار
ــــــــــــ[311] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الله سبحانه للقسم شيئاً مهمّاً، وله درجةٌ من الاعتبار حسب الحكمة الإلهية، وهو (العصر).
سؤال: ما معنى العصر؟
جوابه: حسب فهمي أنَّ المعاني الأصليّة في اللغة اثنان:
أحدهما: الزمان في الجملة.
ثانيهما: العصر بمعنى: إخراج الماء، وهذا لم يخطر في أذهان المفسّرين أصلاً.
ثُمَّ إنَّ الألف واللام: إمّا أن تكون عهديّة وإمّا أن تكون جنسيّة. فإذا التفتنا إلى المعنى الأوّل – وهو الزمان- كان للاستعمال في السورة عدّة معانٍ حقيقيّة أو مجازيّة:
المعنى الأوّل: الدهر بما فيه من عجائب دالّة على قدرته تعالى، والألف واللام عهديّة إلى مجموع الدهر.
المعنى الثاني: حقبة من الدهر، وهذا هو الأنسب لغةً، ومعه قد تكون الألف واللام عهديّة، وقد تكون جنسيّة، فهنا نفرض كونها جنسيّة، ويكون المقصود المعنى المطلق لحقب الدهر.
المعنى الثالث: حقبة معيّنة من الدهر بالذات، وتكون الألف واللام عهديّة، كلّ ما في الأمر أنَّها ينبغي أن تكون مهمّة: كعصر النبي’ أو عصر الظهور أو عصر بني أُميّة أو عصر الغيبة الكبرى، وأهميّته إمّا لحُسنه وعدله أو لسوئه.
المعنى الرابع: وقت العصر من النهار، وله أصل لغويّ، ولكن ليس له أهمّيّة تذكر، وعليه فتكون تلك قرينة على عدم إرادته، وخاصّة مع عدم
ــــــــــــ[312] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
انحصاره، كما هو معلوم.
المعنى الخامس: ما يوجد في وقت العصر من الفريضة المعروفة،
أعني: صلاة العصر.
وفيه: أنَّه يحتاج إلى تقديرٍ، والحمل على الحقيقة أولى بطبيعة الحال، فيكون ساقطاً من هذه الجهة.
هذا كلُّه بناءً على المعنى الأول، وهو الزمان.
وأمّا إذا التفتنا إلى المعنى الثاني – وهو إخراج الماء- لم نجد للمعنى الحقيقيّ أهمّيّة.
وإنّما ينبغي أن نلتفت إلى المعاني المجازيّة؛ من حيث إنَّ كلّ صعوبةٍ بمنزلة العصر، ومن هنا يقال: ضغط عليه أي: أحرجه، فبلاء الدنيا نحو من الضغط على المؤمن؛ لكي يتكامل. قال تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}(1).
فهذا البلاء يطهّره من الذنوب والعيوب، فكأنَّ الماء الخبيث يخرج منه ليبقى بعده نظيفاً؛ طبقاً لفطرة الله الأصليّة {الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}(2) وهي طاهرة ما لم تنجسّها الذنوب والعيوب.
وهذا لا يختلف فيه الحال في الدنيا عن الآخرة، سواء قصدنا صعوبات يوم القيامة أو عذاب القبر أو جهنّم نفسها؛ فكلُّها نحوٌ من الضغط والعصر.
فإن كان المراد من الألف واللام العهد، كان إشارةً إلى بلاء الدنيا، وإن كان المراد الجنس شمل كلا الأمرين، وكلاهما يدلُّ على عدل الله وحكمته
ــــــــــــ[313] ــــــــــــ
(1) سورة الأنفال، الآية: 42.
(2) سورة الروم، الآية: 30.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وتدبيره.
وبالتالي يستحقَّ أن يقسم به الله سبحانه، كما أنَّه أنسب مع الخُسر الموعود به في السورة للإنسان.
ولكن يمكن القول انتصاراً للمشهور الذي فهم الدهر بوجوه:
أوّلاً: أنَّ فهم الدهر في الجملة حقيقيٌّ، وفهم الضغط مجازيّ، والحمل على المعنى الحقيقي أولى.
ثانياً: التناسب بين المعنيين المذكورين (الدهر والضغط)؛ من حيث إنَّه قد يُراد من المعنى الأوّل الدهر السيئ وعصر البلاء، ويراد بالمعنى الثاني البلاء الدنيوي، فيرجعان إلى محصّل واحد.
وكلا هذين الوجهين قابل للمناقشة:
أما الوجه الأوّل فبأمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ الضغط ليس معنىً مجازيّاً للعصر، بل هو حقيقيٌّ وضع له لغةً بنحو الاشتراك اللفظي لا المعنوي.
الأمر الثاني: أنَّ إجراء أصالة الحقيقة خاصّ بالسامع، ولا يشمل المتكلّم، فالمتكلّم حرٌّ في أن يتكلّم مجازاً أو حقيقةً، ويكون الأَولى في الحكمة هو ما يكون أكثر أداءً للمعنى، لا ما يكون متعيّناً في المعنى الحقيقيّ.
فإن قلتَ: فإنَّ وجود القرينة وعدمها هو المحكُّ في تعيّن الحقيقة من المجاز بالنسبة إلى المتكلّم والسامع معاً.
قلت: هذا مع القول بأنَّ المجاز غلطٌ بدون قرينة على المشهور المنصور، إلّاَ أنَّ بعض أساتذتنا أجازه(1)، فليس للمتكلّم أن يلتزم به.
ــــــــــــ[314] ــــــــــــ
(1) محاضرات في أُصول الفقه 1: 141.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ولكن محلُّ حديثنا ليس من ذلك، لأنَّ الأمر فيه لا يدور بين الحقيقة والمجاز، بل بين معنيين من المشترك اللفظي، ولا شكّ أنَّ استعماله بدون قرينة جائزٌ، خلافاً للمشهور.
وأمّا مناقشة الوجه الثاني فلأنَّه مبنيٌّ على أُطروحات معيّنة، ولكنّها غير متعيّنة، فلو قصدنا مطلق الدهر أو الدهر الجيّد: كعصر النبيّ’، أو قصدنا من المعنى الثاني البلاء الأخروي، أو ما يشمله … لم يتّفق المعنيان. فهو اتّفاق مبنيٌّ على أُطروحات معيّنة وفي موردٍ واحد، واحتماله ضعيف، وخاصّة الدهر السيئ.
ويمكن الانتصار للمشهور بكبرى أُخرى من حيث إنَّه تعالى لابدَّ أن يختار ما هو الأفضل في اللفظ حسب الحكمة الإلهية، وحيث إنَّ قصد الزمان هنا أصلح دينيّاً واجتماعيّاً فيكون هو الأولى.
ولكن ذلك مطعونٌ صغرويّاً، بمعنى: إمكان التشكيك في التطبيق على محلِّ الكلام؛ فإنَّه من قال: إنَّ استعمال معنى الزمان هنا أولى حسب الحكمة الإلهيّة؟ فتكون الكبرى غير منطبقةٍ على المورد.
سؤال: كيف يكون الإنسان في خسر، كما تنصُّ الآية الكريمة، وفيها قَسمٌ على ذلك ولام التأكيد وحرف الجرّ الذي يدلُّ على أنَّ الإنسان في داخل الخسر، مع أنَّ للإنسان مميزاتٍ تدلُّ على أنَّه في نجاة وصلاح وهداية وفطرة سليمةٌ، فكيف يكون في خسرٍ؟
ومن مميّزاته:
1. عقله ورشده.
2. روحه العليا التي هي أعلى من الملائكة.
3. نظامه الذي يسير عليه، وخاصّةً العدل المتمثّل بالشرايع السماويّة
ــــــــــــ[315] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
عامّة، والإسلام خاصّة.
جوابه: أنَّ ذلك يكون لعدِّة وجوه محتملة:
الوجه الأوّل: أن هناك قرينةً متّصلة تدلُّ على أنَّ المقصود بالإنسان ليس مطلق الإنسان، بل بعض حصصه، وتلك هي المحمول {فِي خُسْرٍ}، فهو يدلُّ على تحديد الموضوع، فمناسبات الحكم والموضوع تدلُّ على أنَّ الإنسان المتدنّي في خسرٍ، وليس كلّ إنسان.
ولكن هذا المقدار غير كافٍ، وإن كان صحيحاً كبرويّاً؛ لأنَّه يعود إلى القضيّة التكراريّة أو القضيّة بشرط المحمول، وهي: أنَّ الإنسان الذي هو في خسر في خسرٍ؛ لأنَّ القرينة هي (في خسر) وليس الإنسان المتدنّي، فرجع الحال إلى التكرار، وسقط الجواب، فتأمّل.
الوجه الثاني: هناك قرينة متّصلة أُخرى في السورة، وهي قوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} يعني: أنَّ الإنسان إذا لم يكن كذلك فهو في خسر.
وهذا صحيح، إلّاَ أنَّه لا ينبغي الاقتصار عليه؛ لأنَّه سوف يرجع إلى القضية التكراريّة أيضاً؛ لأنَّ ظاهر الآية: إنَّ الإنسان الخاسر هو من لم يكن قد عمل الصالحات، والإنسان الخاسر في خسر، فرجع الأمر إلى الدور المضمر لا الصريح(1)، كما عليه الوجه الأول.
الوجه الثالث: أنَّ الألف واللام في الإنسان وإن كانت جنسيّة، إلّاَ أنَّه يكفي في الجنسيّة مطلق الكلّي لا الكلّي المطلق، فيكفي قصد الحصّة منه.
ــــــــــــ[316] ــــــــــــ
(1) الدور الصريح هو: توقّف الشيء على ما يتوقّف عليه، كما يتوقّف (أ) على (ب) و(ب) على (أ)، والدور المضمر، توقّف الشيء على ما يتوقّف عليه بمراتب، كما يتوقّف (أ) على (ب) و(ب) على (ج) و(ج) على (أ) [راجع تعريفات الجرجاني: 140].
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وبتعبيرٍ آخر: إنَّ الألف واللام الجنسيّة تدلُّ على استيعاب مدخولها، ومدخولها قد يكون هو كلّ إنسانٍ، وقد يكون هو بعضه، فتكون القضية بمنزلة المهملة والمهملة بمنزلة الجزئيّة، كما قالوا في المنطق(1)، فكأنَّه قال: بعض الإنسان في خسر، ولا أقلَّ من الاحتمال المبطل للاستدلال والدافع للإشكال.
إلا إنَّه هنا غير تامٍّ أيضاً؛ لأنَّ احتمال أن يكون مدخولها هو بعض الإنسان على خلاف ظاهر القرآن، فسقط الجواب، ورجعت القضيّة إلى قضيّة موجبة كلّيّة، وليست مهملة.
الوجه الرابع: أن نرجع القضية إلى موجبة جزئيّة بأحد تقريبين:
التقريب الأوّل: أن نقول: إنَّ مدخول (ال) ليس هو مطلق الإنسان بل هو مقيّد بقوله: {إلّاَ الَّذِينَ آمَنُوا …} فيكون ذلك قرينة على أنَّ المراد بعض الإنسان لا كلّه، وقد سبق الكلام فيه.
التقريب الثاني: أن نقول: إنَّ الألف واللام عهديّة وليست جنسيّة، فيرجع إلى بعض حصص الإنسان.
إلّاَ أنَّ هذا وحدَه لا يكفي؛ لأنَّ ظاهر الألف واللام والأصل فيها هو كونها للجنس، ولا يمكن حملها على العهديّة إلّاَ بقرائن حاليّة أو مقاليّة مفقودة في الآية.
الوجه الخامس: أن نقول: إنَّ الألف واللام مردّدة بين الجنس والعهد، فلا تتعيّن للجنس ليثبت الإطلاق.
وجوابه: أنَّه مبنيٌّ على أنَّه لا دليل على إرادة الجنس، مع أنَّ الدليل
ــــــــــــ[317] ــــــــــــ
(1) راجع: منطق المظفّر: 160، الجزء الثاني: الباب الرابع: القضايا وأحكامها، أجزاء القضية.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
موجودٌ؛ فإنَّ الظهور الأصلي فيها هو أن تكون جنسيّة لا عهديّة.
ولكن مع ذلك فإنَّ هنالك قرائن حاليّة أو مقاليّة تقرّب كون الألف واللام عهديّة، وهي:
أوّلاً: الإشارة إلى الإنسان المتعارف الذي نراه ونسمعه. قال تعالى: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}(1) فإنَّ هذا الإنسان متدنٍّ عمليّاً هالك فعلاً؛ لأنَّ 90% من البشر غير مسلمين، و90% من الباقي غير مؤمنين، و90% من الباقي غير مقلّدين أو مقصّرون، وهكذا.
وهذا مطلبٌ في نفسه صحيح.
ثانياً: أنَّ المعهود هو الجيل المعاصر للنبيّ’، وليس كلّ جيلٍ متدنّ، مع العلم أنَّ هذا الجيل قليلٌ بالنسبة إلى مجموع البشريّة.
ثالثاً: أن نستعمل لغة حساب الاحتمالات؛ فإنَّ أغلب استعمالات الإنسان في القرآن الكريم يُراد بها الإنسان المتدنّي، وعندئذٍ يمكن أن نلحق المورد المشكوك – وهو محلُّ الكلام- بالأعمِّ الأغلب، وهو الإنسان المتدنّي.
قال تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً}(2) و{إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً}(3) و{إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}(4) و{إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}(5) و{وَكَانَ الإنسان كَفُوْرَاً}(6)
ــــــــــــ[318] ــــــــــــ
(1) سورة الفرقان، الآية: 44.
(2) سورة النساء، الآية: 28.
(3) سورة المعارج، الآية: 19.
(4) سورة إبراهيم، الآية: 34.
(5) سورة الأحزاب، الآية: 72.
(6) سورة الإسراء، الآية: 67.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
و{وَكَانَ الإنسان قَتُُوْراً}(1) و{قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ}(2) و{إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى}(3) وغيرها.
وهناك موردان فقط في القرآن الكريم يُراد به الإنسان المتكامل:
الأوّل: قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}(4):
ونفهم منها الروح العليا للإنسان، وتلك هي في أحسن تقويم، بل هي أحسن الخلق؛ لأنَّ مزاياها لم تعط للملائكة، فضلاً عن غيرهم، وبها وصل النبيُّ’ في المعراج إلى محلٍّ لم يستطع جبرائيل (سلام الله عليه) أن يصل إليه وقال: >لو دنوت أُنملة لاحترقت<(5).
الثاني: قوله تعالى: {وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا}(6) وظاهره: الإنسان الذي يخاف من حصول الزلزلة، غير أنّنا روينا في كتابنا >ما وراء الفقه<(7) ما يدلُّ على أنَّ المراد بالإنسان هنا هو أمير المؤمنين×، وهو الإنسان الكامل.
سؤال: إنَّ المستفاد من هذه الآية الكريمة: أنَّ القاعدة هو خسر الإنسان إلّاَ ما خرج بدليل، مع العلم أنَّ قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}(8)
ــــــــــــ[319] ــــــــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 100.
(2) سورة عبس، الآية: 17.
(3) سورة العلق، الآية: 6.
(4) سورة التين، الآية: 4.
(5) مناقب آل أبي طالب 1: 155، فصل في معراجه.
(6) سورة الزلزلة، الآية: 3.
(7) موسوعة الإمام الشهيد، المجلّد: 11، ما وراء الفقه 1: 262، فصل الكسوف والخسوف والزلزلة.
(8) سورة المدّثّر، الآية: 42.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بالعكس، أعني: نجاة الإنسان بمقتضى طبعه، ولذا تَعجّبوا من دخولهم في جهنّم، فما هو الوجه في ذلك؟
جوابه: أنَّ الأُطروحات المحتملة ثلاث:
الأُولى: أنَّ الأصل هو الخير، ويكون الشرُّ هو المستثنى والطارئ.
الثانية: الأصل هو الشرُّ، ويكون الخير هو الطارئ بعمل الصالحات ونحوه.
الثالثة: أنَّ كلاًّ من الخير والشرِّ أصليّان وأساسيّان في الخلقة، وأيٌّ منهما كان مُتّبعاً كان هو المسيطر على نتيجة الإنسان.
وهنا نحاول الاستدلال على الأُطروحة الثالثة؛ لتبرز قيمة الوجهين الأولين من الناحية الواقعيّة. وما يمكن أن يستدلَّ به عدّة أُمور:
أوّلاً: قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}(1) إذا فهمنا الهداية التكوينيّة لا التشريعيّة، ويكون المراد: أنّنا ركّزنا في ذاته وفي روحه النجدين، أي: الخير والشرّ أو قل: الحقّ والباطل، وما على الإنسان إلّاَ أن يعصي أحدهما ويطيع الآخر.
وبهذا نجمع بين المضمونين، فتكون الآية التي ذكرت أنَّ الخير هو المركوز صادقة، وهي قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}(2)، وتكون الآية الأُخرى أيضا صادقة، وهي التي دلّت على أنَّ الشرَّ هو المركوز، وهو قوله تعالى: {إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ}، فأحدهما ناظرٌ إلى جانب، والآخر ناظر إلى الجانب الآخر.
ــــــــــــ[320] ــــــــــــ
(1) سورة البلد، الآية: 10.
(2) سورة المدّثّر، الآية: 42.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثانياً: أنَّ الأصل الأوليّ للخلقة هي الروح العليا، وهي خيرٌ لا شرَّ فيه، فالأصل إذن هو الخير.
ولكن هذا الخير يقترن بشرٍّ في المرتبة المتأخّرة عنه، ولكن ذلك – في نفس الوقت- متحقّقٌ في المرتبة المتقدّمة على الحياة الدنيا، فتكون الحياة الدنيا مبتلاة بخير سابق عنها وبشرٍّ أسبق منها، وإن كان الخير أسبق في نفسه من الشرّ.
أمّا كون الإنسان مخلوقاً على الخير فباعتبار الروح العليا، وأمّا كونه على الشرِّ فبتقريبين:
التقريب الأوّل: أنَّ الشرَّ لا يحتاج في وجوده إلى عمل الشرّ، بل يكفي فيه عدم عمل الخير، فإذا لم يعمل الإنسان الصالحات فهو على شرٍّ. فالإنسان إمّا أن يعمل الصالحات، أو يعمل الشرَّ، أو لا يعمل شيئاً، فالأوّل هو الناجي، والآخران هالكان، ومحلّ الشاهد أنَّ الروح الخيّرة الأساسيّة لا تنفع؛ فإنَّها لو كانت نافعةً لأثّرت بحالة الوسط، وهي عدم فعل الشرِّ، مع أنَّه غير كافٍ في النجاة، وإنّما ينبغي أن يقترن المقتضي الأساسيُّ للخير بالمقتضي الأساسيِّ للعمل، وهو عمل الصالحات؛ لكي تحصل النجاة.
التقريب الثاني: أنَّ الفطرة الأصليّة للإنسان وإن كانت صالحة؛ فمقتضى الهداية موجود فيه تكويناً، إلّاَ أنَّ المقتضي لا يؤثّر إلّاَ مع عدم المانع، وهو مواكبة العمل مع الفطرة. وأمّا إذا حصل المانع لم تحصل النجاة، ولذا قيل: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}(1).
وهذا مانع عدميٌّ، يعني: إذا لم يعمل فهو على شرٍّ، ولا يتعيّن أن يعمل الشرَّ، مضافاً إلى ارتكاز الشرِّ أيضاً في نفسه، فالمانع أصليٌّ أيضاً، وهذا ما تشير
ــــــــــــ[321] ــــــــــــ
(1) سورة المدّثّر، الآية: 42.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إليه الآية الكريمة: {إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ}.
سؤال: لماذا استعمل حرف الجر في قوله: {لَفِي خُسْرٍ} ولم يقل: على خسرٍ أو لخسر مثلاً، ولماذا لم يقل: إنَّ الإنسان خاسرٌ؟
جوابه: أنَّ (في) هنا أبلغ؛ وذلك لأنَّه دخل في الخسر، والخسر مسيطرٌ عليه، وليس مجرّد أنَّه خاسرٌ أو على خسر. وبتعبيرٍ آخر: إنَّ ذلك للتركيز بأنَّ الإنسان في باطن الخسر حقيقةً أو مجازاً؛ لكي تكون له الهمّة أن يفتقه ويخرج منه.
سؤال: لماذا استعمل كلمة: (خُسرٍ) نكرةً لا معرفة؟
جوابه: أنَّ فيه عدّة وجوهٍ من الفهم:
الوجه الأوّل: أن يُراد به الجنس، فكأنَّه قال: (في الخسر)؛ فإن اسم الجنس كالجمع في المعنى.
إلّاَ أنَّه لا يتمُّ؛ لأنَّه خلاف الظاهر؛ لاحتواء الكلمة على تنوين التنكير أو تنوين الوحدة، وكلاهما ضدُّ معنى الجنس.
الوجه الثاني: أن يُراد به خسر أجمالي؛ لعدم تعيّنه، كأنَّه أراد أن يقول: (إنَّ هناك خسراً ما سيكون أمامك لا حاجة إلى إيضاحه).
الوجه الثالث: أن يُراد به خسرٌ مّا حسب الاستحقاق؛ فإنَّ كلّ فردٍ غير صالح يستحقُّ نوعاً من الخسر حسب نوعيّة السوء في عمله، ولكلِّ عاملٍ خسره الذي يستحقّه في علم الله.
الوجه الرابع: أن يُراد به خسرٌ واحدٌ، ولكنّه متشابهٌ ومشتركٌ بين الجميع، وهو خسران النفس، قال تعالى: {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ}(1)، وقال:
ــــــــــــ[322] ــــــــــــ
(1) سورة الأنعام، الآيتان: 12 و20.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
{قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}(1). وهذا معنى مكرّر في القرآن الكريم، وقد انتبه إليه صاحب >الميزان<+(2).
فإن قلت: كيف يخسر الإنسان نفسه، مع أنَّ نفسه لا تزول ولا تتبدّل، سواء كان في الجنّة أو في النار؟
وجوابه: أنَّ الفرد إذا مشى في طريق الحقِّ واليقين فهو يربح نفسه، كما ورد: >من عرف نفسه فقد عرف ربّه<(3)، وذلك بأن يعرف نفسه الحقيقيّة وروحه العليا. وأمّا إذا مشى في طريق الدنيا والشهوات فإنَّه يخسر نفسه، أي: يبقى جاهلاً بحقائق نفسه وروحه وملكاته الواقعيّة.
[وهنا] شيءٌ آخر ينفع للإيضاح في المقام، وهو أنَّ بعض المادّيّين قالوا: إنَّ تبدّل الإنسان من شخصيّة إلى شخصيّة أو قل: من أُسلوب حياتي إلى أُسلوب حياتي آخر صعبٌ بمنزلة المستحيل.
وأنا أعتقد أنَّه صعب، وليس بمستحيل، فالذي يغيّر عمله تتغيّر شخصيّته بالتأكيد، فيكون معنى الذين خسروا أنفسهم أي: خسروا جانب الصلاح في أنفسهم، أو قل: الشخصيّة الصحيحة والحقَّة والتي تتّصف بالإخلاص واليقين.
الوجه الخامس: ما اختاره صاحب >الميزان<(4) من: أنَّه جعل نكرة
ــــــــــــ[323] ــــــــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 53.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 356.
(3) مصباح الشريعة: 13، في العلم، وعنه البحار 2: 32، عوالي اللئالي 4: 102، الأحاديث المتعلّقة بالعلم، الحديث: 149، حلية الأولياء 10: 208.
(4) الميزان في تفسير القرآن 20: 356.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
للتهويل والتعظيم، يعني: أنَّه لو كان بالألف واللام لما أفاد ذلك.
وهذا قابلٌ للمناقشة؛ لأنَّ التنكير نصٌّ أو كالنصِّ بالوحدة، فيكون ظاهراً بما تقتضيه الجزئيّة أو المهملة على الأقلّ، ومن الواضح أنَّ الموجبة الكلّية أهمّ منها؛ لأنَّ محصّلها أنَّه حائزٌ على كلّ خسران، فيكون أعظم وأشدُّ هولاً.
وبتعبير آخر: إنَّ التنكير لا يُراد به الجنس، بل الواحد، وهذا يحتاج في تتميمه إلى ضمِّ فكرةٍ أُخرى تقول: إنَّ الخسر الواحد أهمّ من الخسر المتعدّد، وهذا غير معقولٍ، فأين التهويل والتعظيم؟ فهذا الوجه ساقطٌ، فلو كان هو الوجه الوحيد كان على خلاف الحكمة.
سؤال: الاستثناء المذكور في السورة – وهو قوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}- لا يدلُّ على أنَّ المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات في ربح، مع أنَّ الاستثناء إنّما سيق لمدحهم ببيان مضادّة حالهم لحال من لم يتناوله الاستثناء، فكيف حصل ذلك؟
جوابه: أنَّ الاستثناء وإن لم يدلّ بصراحة على أنَّهم رابحون، ولكن اتّصافهم بتلك الصفات الأربعة الشريفة يدلُّ على أنَّهم في أعظم ربح، مع أنّنا لو فرضنا أنَّهم ليسوا برابحين فالمضادّة حاصلهٌ أيضاً؛ لأنَّهم ليسوا في خسرٍ بمقتضى الاستثناء.
وبتعبير آخر: إنَّ المدلول اللفظي ليس إلّاَ استثنائهم من الخسر، وليس لبيان أنَّهم في ربح، كلّ ما في الأمر أنَّه يمكن أن نستدلَّ نظريّاً على أنَّهم في ربح بوجوهٍ:
أوّلاً: لما قاله هناك من اتّصافهم بهذه الصفات العظيمة، وهي أنَّهم
ــــــــــــ[324] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
{آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.
ثانياً: الملازمة في الارتكاز المُتشرعيّ بين عدم الخسران والربح؛ لأنَّ الأمر دائرٌ بين الثواب والعقاب أو بين دخول الجنّة ودخول النار، ولا وسط بينهما، فإذا لم يكونوا في خسر بمقتضى الاستثناء فهم في ربح.
ثالثاً: أنَّ هذه الأعمال مقدّمة للربح، والله تعالى أكرم من أن يحجب عنهم مطلوبهم، فيكونون رابحين لا محالة.
وهذا هو الأقرب إلى ظاهر الآية؛ لأنَّها واضحةٌ في إعطاء الطريق والمنهج للخروج من الخسر الأساسيِّ إلى الربح الأساسيِّ، وانحصار الطريق به، وهذا هو هدف السورة.
سؤال: ما معنى (الحقِّ) في قوله تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ}؟
جوابه: معناه أحد أُمور:
الأمر الأوّل: أنَّه عمل الصالحات المشار إليه بالآية، ويكون قرينة عليه.
إن قُلت: إذن يكون بمنزلة التكرار.
قُلتُ: كلّا؛ لأنَّ القصد يختلف في الجهتين، فالأوّل العمل لنفسه والآخر الإيصاء لغيره بالعمل الصالح.
الأمر الثاني: أنَّ الصالحات عمل الظاهر، والحقُّ عمل الباطن.
الأمر الثالث: أنَّ الصالحات هو الطاعة، والحقُّ هو التشريع العادل الذي جاء به الإسلام.
الأمر الرابع: أنَّ الصالحات هي فروع الدين، والحقُّ هو أُصول الدين.
الأمر الخامس: أنَّ الصالحات هو الطاعة، والحقُّ هو التوحيد الخالص.
الأمر السادس: أن تكون الباء للسببيّة، مثل قوله تعالى: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ
ــــــــــــ[325] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}(1) فيكون معنى الآية: أنَّ التواصي يكون بعلّيّة الحقِّ وتسبيبه، وهو الله سبحانه، وأمّا مضمون التواصي فمحذوفٌ، يدلُّ عليه ما قبله وما بعده.
الأمر السابع: أن نفهم الحقَّ مقابل الحكم، فالحكم ما على الإنسان أن يفعله، أي: ما أمر به شرعاً، وأمّا الحقُّ فهو ما تعلّق بالغير من أحكام إرفاقيّة بالنسبة إلى ذي الحقّ، فما تعلّق بالفرد حكمٌ، وما يتعلّق بالغير حقٌّ.
سؤال: قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} مكرّر كثيراً في القرآن الكريم، ولكنّه في هذه السورة مقيّد بقوله: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} فما هي الحاجة إلى التقييد بالتواصي؟
جوابه: أنَّه ينبغي أن يكون ذلك واضحاً؛ لأنّنا قلنا: إنَّ عمل الصالحات لنفسه والتواصي بالحقِّ لغيره، ولذا نبّه عليه بخصوصه، وهذا كما ينطبق على الظاهر ينطبق على الباطن، كما ورد عنهم^: >إنّما الأعمال بالنيّات<(2) وورد: >نيّة المؤمن خيرٌ من عمله، ونيّة الكافر شرٌّ من عمله<(3).
إذن فالأمر الأساسيُّ هو نظافة الباطن، وبأيِّ معنى فسّرنا الحقَّ يكون المطلب ضروريّاً.
والحقُّ وحده لا يكفي، ولكن الاستقامة والصبر ضروريّ؛ لأنَّ عدمه
ــــــــــــ[326] ــــــــــــ
(1) سورة القلم، الآية: 2.
(2) مسائل علي بن جعفر: 346، الحديث: 852، دعائم الإسلام 1: 4، ذكر الإيمان، التهذيب 1: 83، الحديث: 218، سنن أبي داود 6: 118، الحديث: 1882، صحيح ابن حبّان 2: 113، الحديث: 388، صحيح البخاري 1: 1، الحديث: 1.
(3) الكافي 2: 84، باب النيّة، الحديث: 2، مشكاة الأنوار: 275، الفصل العاشر، كنز العمّال 3: 424، الحديث: 7271، المعجم الكبير 6: 185، الحديث: 5942.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
يلازم عدم الحقِّ، فالصبر معناه استمرار الحقِّ إلى الموت، ولذا ورد عنهم^: >عليكم بالصبر؛ فإنَّ الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسدٍ لا رأس فيه، ولا في إيمانٍ لا صبر معه<(1).
فإنَّ الذي يجزع من البلاء الدنيوي أو من الارتداع عن المحرمات، فإنَّه يكون مرتكباً للمعاصي لا محالة، وإذا جزع من الطاعات، أصبح تاركاً لها، فيؤول الأمر إلى الباطل والفسق. {بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ}(2).
ومعه فينبغي أن يستقيم المؤمن ويصمد ويصبر إلى حين موته؛ لكي يحشر على المستوى الذي مات فيه؛ فإنَّ الفرد يحشر على المستوى الذي مات فيه: إن حقّاً فحقٌّ، وإن فسقاً ففسق، ولا يفيده أنَّه كان مؤمناً سابقاً، ولكنّه مات فاسقاً؛ فإنَّ هذا من الإيمان المستودع. قال تعالى: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كلّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}(3).
والعمل الشخصيِّ والصبر الشخصيِّ لا يكفي، بل لابدَّ من (التواصي) بأن يوصي بعضهم بعضاً عن طريق الموعظة والتحذير والتفكير، ونستطيع أن نتصوّر مجتمعاً خالياً من ذلك، فكم سيكون فاسداً ومُتدنّياً، ويكون أفراده في خسرٍ لا محالة.
قال في >الميزان<: التواصي بالحقِّ أوسع من الأمر بالمعروف والنهي عن
ــــــــــــ[327] ــــــــــــ
(1) نهج البلاغة (شرح محمّد عبده) 4: 18، باب: المختار من حكم أمير المؤمنين×، الحكمة: 81، الكافي 2: 88، باب الصبر، الحديث 2 و3 و4 و5، شعب الإيمان 1: 146، الحديث: 40، كنز العمّال 16: 241، الحديث: 44309.
(2) سورة الحجرات، الآية: 11.
(3) سورة هود، الآية: 6.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
المنكر؛ لشموله الاعتقاديّات ومطلق الترغيب والحثِّ على العمل الصالح(1).
أقول: إن قلتَ: إنَّ التواصي بالصبر مُستحبٌّ؛ لأنَّ الأمر بالمستحبِّ مستحبٌّ.
قلتُ: الطعن بالصغرى؛ لأنَّ الصبر واجبٌ؛ لأنّنا إذا رفعنا الصبر كان اعتراضاً على الله تعالى، ويلزم منه ترك الواجب وعمل المحرّم، فيكون واجباً.
نعم، يكون الصبر في بعض درجاته مستحبّاً، فلا يكون الإيصاء به من الأمر بالمعروف الواجب، غير أنَّ المجموع من المستحبِّ والواجب يكون مستحبّاً؛ لأنَّ النتيجة تتبع أخسّ المُقدمات، فيكون التواصي أعمّ من الأمر بالمعروف، وبينهما نسبة العموم والخصوص المطلق.
ولكن نقول: إنَّ بينهما نسبة العموم والخصوص من وجه، فمحلُّ اجتماعهما هو أغلب الطاعات، ولكن قد لا يكون التواصي أمراً بالمعروف، كما لو كان أمراً بالمستحبِّ أو أمراً مستحبَّاً، كما يحصل عند عدم اجتماع شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد لا يكون الأمر بالمعروف تواصياً؛ لأنَّ التواصي إنّما هو فيما إذا أوصى بعضهم بعضاً، من باب التفاعل بين الطرفين، وأمّا إذا كان الأمر بالمعروف من طرفٍ واحد فليس تواصياً، بل يصدق السلب من هذه الجهة، فيكون أمراً ولا يكون تواصياً، فيكون هذا مورد الانفكاك من هذه الجهة.
ــــــــــــ[328] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 357.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ.
ــــــــــــ[329] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سورة التكاثر
لم أجد لها اسماً آخر في المصادر، فيكون لها ثلاث أُطروحات فقط:
الأُطروحة الأُولى: التكاثر.
الأُطروحة الثانية: السورة التي ذكر فيها التكاثر.
الأُطروحة الثالثة: تسميتها بالكلمات التي بدأت بها: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}.
مضافاً إلى أُطروحة رقمها في المصحف الشريف، وهو: 102.
سؤال: من هو المخاطب بقوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}.
جوابه: أنَّ فيه أُطروحتين:
الأُولى: أن يكون خطاباً لمن يتّصف بهذه الصفة، وهو من ألهاه التكاثر، فيكون المراد: يا من ألهاكم التكاثر، قد ألهاكم التكاثر.
الثانية: أن يكون خطاباً لأهل الدنيا، وهم عامّة البشر الذين جعلوا الدنيا أقصى همّهم ومبلغ علمهم؛ فإنَّهم على هذه الحال سيلهيهم التكاثر.
وهدف السورة هو التحذير من الدنيا والتقريب للآخرة والتذكير بالعقوبة {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ….} أي: إذا ألهاكم التكاثر.
سؤال: ما معنى اللّهو؟
جوابه: قال الراغب في المفردات: اللهو ما يَشْغَلُ الإنسان عمّا يعنيه ويهمّه، يقال: لهوت بكذا ولهيت عن كذا: اشتغلت عنه بلهوٍ. قال تعالى: {إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ}(1).
ــــــــــــ[331] ــــــــــــ
(1) سورة محمّد، الآية: 36.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلّاَ لَهْوٌ ولَعِبٌ…}(1)(2).
وقال الراغب أيضاً: ويقال: ألهاه كذا أي: شغله عمّا هو أهمّ إليه. قال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}(3).
أقول: الإنسان في حياته يواجه أُموراً ومحتملات عديدة، يكون بعضها أهمّ من بعض، أو قل: يكون بعضها أهمّ وبعضها مهمُّ: إمّا دنيويّاً وإمّا أُخرويّاً، وإمّا من كلا الجهتين، فإذا أخذ الفرد بالجانب الأقلَّ أهمّيّة وترك الجانب الأهمَّ، كان هذا لهواً، في حدود المعنى اللغوي الذي سمعناه. ونتيجة ذلك: أنَّه يكون معاباً أخلاقيّاً أوّلاً ودنيويّاً ثانياً وأُخرويّاً ثالثاً.
ومن مصاديق ذلك اللّهو العرفي بالالتزام بما هو أدنى عرفاً وترك ما هو أعلى، ومن مصاديقه الرئيسية أيضاً التلهِّي بأعمال الدنيا عن أعمال الآخرة.
ومن مصاديقه أيضاً أنَّ الإنسان ينصرف إلى عمله الشخصي وينسى العمل لغيره، فيكون عمله سبباً للغفلة من عمل الآخرين الأكثر أهمّيّة، إن كان كذلك.
فمقاربة الدنيا تكون دائماً بهذه الطريقة، قال تعالى: {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}(4)؛ لأنَّهم يهتمّون بالدنيا، وكأنَّ الآخرة غير موجودة، وإن كانوا يعتقدون بأصول الدين.
فقوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} أي: صار التكاثر سبب غفلتكم عن
ــــــــــــ[332] ــــــــــــ
(1) سورة العنكوت، الآية: 64.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 475، مادّة (لهى).
(3) المصدر السابق.
(4) سورة الروم، الآية: 7.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الآخرة.
سؤال: ما معنى التكاثر؟
جوابه: قال في المفردات: والتكاثر: التباري في كثرة المال والعزِّ، قال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}(1).
أقول: هنا توجد أكثر من ملاحظة:
الأُولى: التباري هو المفاعلة، كالتضارب والتناصل ونحوها، فلابدَّ من وجود اثنين أو أكثر ليحصل ذلك، وهذا هو حال أهل الدنيا، كلّ منهم يحاول الزيادة على صاحبه؛ ليكون أكثر نفراً أو أعزَّ حالاً.
ولكن في الإمكان صدق هذه القضية من دون لحاظ الآخرين، فالتكاثر هنا ليس إلّاَ الاستزادة من المال، وهذا هو العمدة، وخاصّة إن لاحظنا وجود الباطن السيّئ لدى هذا الفرد.
فالأوّل من باب المفاعلة، وهي المكاثرة، دون الثاني، وهو التكاثر؛ فإنَّه أعمُّ، وكلاهما محتملٌ في الآية.
الثانية: أنَّ التكاثر: إمّا إثباتي أو ثبوتي، فالتكاثر الإثباتي هو كلّ صورة ذهنيّة لهدفٍ دنيويٍّ: كأحلام اليقظة أو التخطيط لتجارة معيّنة، فهو ليس تكاثراً حقيقيّاً أو خارجيّاً، لكنّه تكاثرٌ إثباتي، أو قل: تكاثر بالحمل الأولي لا بالحمل الشايع.
ومن انتهى إلى هذه الأفكار، فقد غفل عن الآخرة، والتهى بالدنيا عنها، في حين أنَّ التكاثر الثبوتي هو تطبيق تلك الأفكار عمليّاً، وهو أشدُّ في تسبيب اللهو.
ــــــــــــ[333] ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 443، مادّة (كثر).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: ما معنى المَقَابِر؟
جوابه: قال في المفردات: المَقْبَرَة والمِقْبَرَة موضع القبور، وجمعها مقابر. قال تعالى: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} كناية عن الموت(1).
أقول: المِقْبَرَة هي الأرض كثيرة القبور، فلا تكون مقابر جمعاً لها. وحسب فهمي أنَّ المِقْبَرَة مؤنّث مِقبر، وهو اسم مكان من قبره يقبره إذا أدخله القبر، فالمِقْبَر مكان القبر بمعنى المصدر، وعمليّاً هو القبر بمعنى الذات، والمؤنّث وهو المِقبرة مثله، فيكون المراد من المقابر القبور، لا محلّ اجتماعها، وإلّاَ كان الجميع دالاًّ على التعدّد من محالِّ الاجتماع، وهو أمر غير محتمل، إلّاَ أن يُراد بالجمع اسم الجنس، فيكفي وجود الواحد مصداقاً له، وهو خلاف الظاهر.
وبالتدقيق فإنَّ المقَبرة بالفتح اسم مكان، وبالكسر اسم آلة، وكلاهما يمكن التعبير به عن القبر، فقد يكون اسم آلة، أي: آلة الانتقال من الدنيا إلى الآخرة، أو آلة الإقبار، وهو أن يغيّب الجسد عن أعين الناظرين وضرر الآخرين.
إن قلتَ: لماذا قال: {الْمَقَابِرَ}، ولم يقل: (القبر)؟
قلت: ذلك:
أوّلاً: لحفظ النسق القرآني في الآيات.
ثانياً: أنَّ الخطاب للمجموع، وكلُّ واحدٍ منهم انتهى ونزل إلى قبره، فأتى به جمعاً لا مفرداً.
سؤال: ما المراد بقوله: {زُرْتُمُ}؟
ــــــــــــ[334] ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 404، مادّة (قبر).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
جوابه: قال في المفردات: الزَّوْر أعلى الصدر، وزرت فلاناً تلقّيته بزوري، أو قصدت زوره نحو وجهته، ورجلٌ زائر وقوم زَور نحو سافر وسَفْر، وقد يقال: رجلٌ زور، فيكون مصدراً موصوفاً به نحو ضيف(1).
أقول: هذا من ناحية اللفظ، وأمّا من ناحية المعنى فيمكن أن نتساءل: هل تؤخذ هذه الزيارة مؤقّتة أو دائمة؟
فإن كانت مؤقّتة كانت بمعنى الاعتبار بالمقابر حال الحياة؛ لأجل التقليل من التكاثر أو الامتناع عنه؛ لأنَّه من قبيل ذكر الموت، وقد ورد: >إذا ضاقت بكم الصدور فعليكم بزيارة القبور<، وورد: >أحيي قلبك بالموعظة… وذلّـله بذكر الموت<(3)؛ من حيث إنَّ ذلك يقلّل من الاهتمام بالدنيا أو يزيله كلَّه.
وإن كانت هذه الزيارة دائمة، فستكون تعبيراً آخر عن الموت نفسه، يعني: ألهاكم التكاثر طول حياتكم حتّى متّم.
إن قلتَ: فإنَّ الزيارة لا تصدق على الميت؛ لأنَّها من مواجهة الزور، ولا يكون ذلك إلّاَ للإنسان الحيِّ، فلو زار بيتاً خالياً أو صحراء لم يصدق ذلك، فكذلك لدى نقل الميت إلى القبر.
قلت: جواب ذلك من عدّة وجوه:
ــــــــــــ[335] ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: مادّة (زور).
(2) نهج البلاغة (شرح محمّد عبده) 3: 38، من وصيّة له لولده الحسن، تحف العقول: 69، كنز العمّال 6: 168، الحديث: 44215، جامع الأحاديث (للسيوطي)، الحديث: 32954.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الوجه الأوّل: إمكان التسليم بأنَّه استعمال مجازيٌّ، ولا بأس به.
الوجه الثاني: إمكان الالتزام بحصول نحوٍ من أنحاء النقل اللغوي، وذلك بإلغاء الشرط المذكور، وهو التقابل بالزور، والتوسّع إلى مطلق الذهاب، وهذا النقل قد حصل قبل نزول القرآن، فيكون حجَّة، وقد نزل القرآن على أساسه.
الوجه الثالث: أنَّ هذا يحصل للأموات حين ينتقل إليهم وتكون جثّته بين جثثهم.
الوجه الرابع: أنَّ هذا يحصل للأموات في عالم البرزخ، حيث يجتمعون ويتحدّثون، إلّاَ أنَّ هنا فرقاً من حيث اختيار حصول الزيارة، فإنَّ الزائر الحي يكون مختاراً في زيارته بخلاف الميّت فإنَّه غير مختارٍ بالزيارة لا بجسده ولا بروحه.
إلّاَ أنَّ هذا أيضا ممّا لم يؤخذ في الوضع، وإنّما هو قيد غالبي.
****
ثُمَّ قال سبحانه وتعالى: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ…}:
(كلّا) لنفي ما سبقت الإشارة إليه والزجر عنه، وهو التلهّي بالدنيا والغفلة عن الآخرة، بأيِّ مستوى من مستوياتها.
وهي مكرّرةٌ ثلاثاً، وهو نفي مؤكّد ومشدّد، أو قل: هو أقصى درجات النفي، فقد قال: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} مرتين، ثُمَّ قال: {كَلاَّ}، وهي بمعنى تقدير تكرار العامل السابق، يعني: (كلا سوف تعلمون).
و(كلّا) الثالثة غير مربوطة بما بعدها لا لفظاً ولا معنى، فكأنّنا نضع
ــــــــــــ[336] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
نقطة بعدها ثُمَّ نقول: لو تعلمون علم اليقين لترونّ الجحيم.
وقد سبق أن قلنا في (سورة الكافرون): إنَّ الأمر قد يبلغ من الضرورة والأهمّيّة إلى حدٍّ ينبغي أن يصل فيه التأكيد إلى أقصى مداه، والتأكيد في اللغة العربية ثلاث مرّات كحدٍّ أقصى، وهنا مكرّرٌ مرتين لفظاً ومرّة معنى.
سؤال: ما هو سبب التكرار؟
جوابه: قال القاضي عبد الجبار: إنَّ المراد بهما مختلفٌ، فالمراد بالأوّل {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} ما ينزل بكم في الدنيا في حال الحياة والممات، والمراد بالثاني {ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} ما يكون لكم في الآخرة من ثواب وعقاب، وهذا بعثٌ من الله تعالى على التمسّك بطاعته(1).
أقول: ويمكن أن يُجعل قرينة على ذلك، العطف بثمَّ التي تفيد التراخي بمعنى: (في الآخرة)، ولكن ينافيها قوله: (سَوْفَ) في (كَلا) الأُولى الدالّة أيضاً على بُعد الزمان، فيكون كلاهما للآخرة.
وقال صاحب >الميزان<: وقيل: المراد بالأوّل علمهم بها عند الموت وبالثاني علمهم عند البعث(2).
وعليه فلا يرد هذا الإشكال.
ولكنّنا قلنا: إنَّ التكرار للتأكيد والتركيز على الأهمّيّة، و(ثُمَّ) هنا ليست للتراخي، بل للدلالة على عدم كفاية القول مرّة واحدة، فتكون الأُولى ثبوتيّة والثانية إثباتيّة، كأنَّه قال: (ثمّ أقول كلا) لمدى أهمّيّته بحيث لا يقوم بأداء المعنى إلّاَ تكرار اللفظ.
ــــــــــــ[337] ــــــــــــ
(1) تنزيه القرآن عن المطاعن: 477.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 351.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: ما هو جواب (لو) في قوله تعالى: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ}؟
جوابه: قال العكبري والطباطبائي: إنَّ جواب (لو) محذوف والتقدير
– كما في >الميزان<-: لو تعلمون الأمر علم اليقين لشغلكم ما تعلمون عن التباهي والتفاخر بالكثرة(1). وقدّره العكبري بقوله: لو علمتم لرجعتم عن كفركم(2).
أقول: ولماذا لا يكون قوله: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} جواباً لها، ولا تكون استئنافاً كما زعم في >الميزان<(3).
وقال في >الميزان<: واللام للقسم(4)، أي: في قوله: {لَتَرَوُنَّ}، وحسب فهمي: أنَّها ليست كذلك، بل للتأكيد.
وقلنا فيما سبق: إنَّ هذه اللام تدخل على الاسم، فتُسمّى لام الابتداء، وتدخل على الفعل المضارع، فتُسمّى لام القسم؛ باعتبار أنَّها تشبه لام القسم، وإلّاَ فإنَّه لا يوجد قسم في السياق.
فإن قلتَ: إنَّ من جملة الموانع المحتملة لكون {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} جواباً لـ(لو) كونها فعلاً مضارعاً، في حين أنَّه يناسب كونه فعلاً ماضياً، من قبيل قول العكبري: (لرجعتم عن كفركم)، ولم يقل: لترجعنَّ.
قلنا: هذا إنّما يتمُّ فيما إذا كان فعل الشرط ماضياً، كما في تقدير العكبري: (لو علمتم لرجعتم عن كفركم). وأمّا لو كان فعلُ الشرط مضارعاً جاز أن يكون الجواب مضارعاً، كما في الآية؛ لأنَّه تعالى قال: {لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ
ــــــــــــ[338] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 351.
(2) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 293، سورة التكاثر.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 352.
(4) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ}. وبتعبيرٍ آخر: إنَّه لا بأس بالتماثل بين فعل الشرط وجوابه: إمّا بالفعل بالماضي معاً أو بالمضارع معاً.
إن قلت: كما قال في >الميزان<: ولا يجوز أن يكون قوله: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} جواب (لو) الامتناعيّة؛ لأنَّ الرؤية محقّقة الوقوع، وجوابها لا يكون كذلك(1).
أقول: أي: إنَّ رؤية الجحيم ليست ممتنعة الوقوع، بل متعيّنة وضروريّة، كرؤية الجنّة والقيامة، فلا يكون جواباً لـ(لو) الامتناعيّة؛ لأنَّ ما يقع في جوابها هو الممتنع لا الممكن.
وقد أجاب السيّد الطباطبائي+ على هذا الإشكال، ولم يعتبره صحيحاً، كما سنذكر، ولكنّه مع ذلك يرى أنَّ قوله: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} استئناف كلام وقدّر لـ(لو) جواباً آخر، مع العلم أنَّ الإشكال إذا لم يكن وارداً، فلماذا لا تكون بنفسها جواباً، ولماذا تحتاج إلى التقدير؟
أمّا الجواب على هذا الإشكال فيتمُّ بوجوه منها:
الوجه الأوّل: أنَّ (لو) هنا ليست امتناعيّة، بل هي شرطيّة بمعنى: إن وإذا. فإن كان وضعها الأصلي امتناعيّاً، فهي مُستعملةٌ هنا مجازاً في حال عدمه. وقد قلنا في درس الأصول(2) بأنَّ استعمال الحروف مجازاً معقول، فتكون {لَتَرَوُنَّ} جواباً محقّقاً لأداة الشرط (لو) غير الامتناعيّة.
الوجه الثاني: ما أجاب به الطباطبائي حين قال: وهذا مبنيٌّ على أن يكون المراد رؤية الجحيم يوم القيامة … وهو غير مسلّم، بل الظاهر أنَّ المراد رؤيتها قبل يوم القيامة رؤية البصيرة، وهي رؤية القلب التي هي من آثار
ــــــــــــ[339] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 352.
(2) منهج الأُصول 1: 16، منشأ الدلالة المجازية.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
اليقين … وهذه الرؤية القلبيّة قبل يوم القيامة غير محقّقة لهؤلاء الملتهين، بل ممتنعة في حقِّهم؛ لامتناع اليقين عليهم(1).
أقول: قوله: (لامتناع اليقين عليهم) يعني: بصفتهم ملتهين لا مطلقاً، يعني: ولن تعلموا علم اليقين، فلن تروا الجحيم بعين البصيرة، وهذا غير محقّق الوقوع، بل محقّق العدمِ.
ويؤيّد هذا الكلام أنَّ (تعلمون) و(ترون) أفعالٌ مضارعة، والفعل المضارع يشمل الحال والاستقبال، ويمكن التمسّك بإطلاقه من هذه الناحية، والحال يُراد به الدنيا، والاستقبال يُراد به الآخرة.
سؤال: لماذا فضّلت (لو) هنا على غيرها، وهل هناك مصلحةٌ في ذلك؟
جوابه من أكثر من وجه:
الوجه الأوّل: أنَّ ذلك أمرٌ اختياريٌّ للمتكلم، فينسدّ السؤال؛ لأنَّه من غير المنطقي أن تسأل المتكلّم عن ألفاظه، كما قلنا في المقدّمات.
الوجه الثاني: أنَّها تدلُّ على الترغيب والترهيب من ناحية العلم المشار إليه بالآية: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِين} فهو يرغّب الإنسان في تحصيل هذا العلم، ويرهّب الناس منه، حيث يذهب الذهن فيه كلّ مذهب، وهذا لا يكون في حروف الشرط الأُخرى: إن وإذا.
ويمكن القول: إنَّ (لو) وإن صرفت عن كونها امتناعيّة، لكنّها يمكن أن تطعّم بمعناها الأصلي الامتناعي من زاوية قبولها للجواب من جهة، ومن ناحية دلالتها على الترغيب والترهيب من جهة أخرى.
بل إذا تقدّمنا خطوةً أخرى، أمكننا القول بأنَّ هذا التضمين الامتناعي
ــــــــــــ[340] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 352.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
لـ(لو)، يعطينا هذه الفكرة الخياليّة للإنسان، كأنَّ شيئاً ممتنعاً هو في طريق الوجود، فهو مهمٌّ لدرجة اجتماع النقيضين في يومٍ ما، فهي تقع في الخيال كفكرة رهيبة وعظيمة باعتبار هذا التضمين الامتناعي، وهذه الرهبة تشارك في الترغيب والترهيب المشار إليه.
****
وقوله: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُون….}:
للتهديد؛ لأنَّ المخاطب به أهل الجهل والغفلة؛ بدليل: {سَوْفَ تَعْلَمُون}، يعني: أنتم الآن غير عالمين، وهو يدلُّ على حصول العلم للجميع، إلّاَ أنَّ متعلّق العلم مجهولٌ، ينال كلّ واحدٍ منه حسب استحقاقه، وترتفع الغفلة بالموت. وقد حذفه المتكلّم جلَّ شأنه عمداً؛ ليذهب به الذهن كلّ مذهبٍ، وليذهب به الخيال كلّ مذهبٍ.
و(سوف) تجعل المضارع نصّاً بالمستقبل، وإنّما كان الأمر استقباليّاً باعتبار توقّع حصول أسبابه، وهي تختلف ما بين الناس.
سؤال: ما هو متعلّق اليقين؟
جوابه: أنَّ فيه عدّة أُطروحات نذكر منها:
الأُطروحة الأُولى: اليقين بوجود جهنّم، فيكون المعنى: (كلّا لو تعلمون بجهنّم علم اليقين لترونَّ الجحيم).
إلّاَ أنَّ هذا قابلٌ للمناقشة؛ لأنَّ القضية ستكون عندئذٍ بمنزلة القضية بشرط المحمول أو قضيّة تكراريّة، يعني: (إذا رأيتم جهنّم فقد رأيتم جهنم) ولا يكاد يكون لها محصِّل.
الأُطروحة الثانية: ما يقوله أهل المقامات من أنَّ المراد اليقين بالله
ــــــــــــ[341] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سبحانه الملازم مع انفتاح البصيرة القلبيّة، فتحصل بذلك الرؤية لكثيرٍ من الأشياء: كجهنَّم والجنّة وغيرها.
سؤال: إنَّ العلم واليقين بمعنىً واحدٍ، فما هو وجه الحاجة إلى هذه الإضافة في قولة تعالى: {عِلْمَ الْيَقِين}؟
جوابه: فيه عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ العلم يختلف عن اليقين؛ فإنَّ العلم أعمُّ من العلم العقليّ والعرفيّ، واليقين هو العلم الدقِّيُّ أو العقليّ، فيكون من إضافة الخاصّ إلى العامِّ، أو تقييده به كما نقول: الإنسان العراقي.
الوجه الثاني: أنَّهما بمعنىً واحدٍ، ولكن مع ذلك يكون تقييد أحدهما بالآخر مفيداً لنتيجةٍ لم تكن قبل ذلك، ولو باعتبار التعمّق في العلم أو أهميّته، فكان مقتضى الحكمة الحصول على هذه النتيجة، فهذا التقييد له فائدة أعلى من كلا الأمرين منفرداً.
الوجه الثالث: أنَّ المراد هو اصطلاح علم اليقين؛ لأنَّهم قالوا: يحصل أوّلاً علم اليقين، ثُمَّ تحصل درجة عين اليقين.
فإن قلتَ: إنّنا لم نسمع اصطلاحاً موجوداً في القرآن الكريم، وإنّما هو دائماً عرفيٌّ وعقلائيٌّ.
قلت: جوابه من أكثر من وجه:
أوّلاً: أنَّه قد يكون من الفهم الباطني للقرآن الكريم.
ثانياً: أنَّ القرآن هنا أراد أن يجعل باستعماله اصطلاحاًَ جديداً، فهو جعل ابتدائي لاصطلاح جديد، يعبّر عن درجة من درجات العلم.
****
ــــــــــــ[342] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وأمّا الكلام عن {عَيْنَ الْيَقِين}:
فإنَّه إن كان اصطلاحاً أيضاً، فلا بد أن يكون درجة أعلى من علم اليقين؛ وذلك لأنّنا نجد فرقاً بين العلم والعيان، فالعلم صورةٌ ذهنيّةٌ، ولكنَّها مشدّدةٌ ومؤكّدة، أمّا العيان فهي رؤية حسّيّة مباشرة. فالإنسان يومئذٍ يرى يوم القيامة أو الجنّة أو جهنم، كما يرى الأشياء في الدنيا، قال تعالى: {فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُون}(1).
وبذلك يندفع الإشكال على هذا التركيب؛ فإنَّ فيه إشكالاً من ناحيتين:
إحداهما: التنافي بين العلم واليقين، فلا يجوز تقييد أحدهما بالآخر؛ لأنَّه يكون من تقييد المتنافيين.
ثانيهما: أنَّ أحدهما عين الآخر، فلا حاجة إلى التقييد؛ لأنَّهما متساويان.
وكلا التقديرين ليس بصحيح، والحقُّ أنَّ أحدهما يختلف عن الآخر.
ونبدأ بالإشكال بالناحية الأُولى بإظهار كونهما متنافيين كما يلي:
إن قلت: عين اليقين غير مناسب؛ لأنَّ العين إحساس واليقين وجدان، فهما متنافيان، وليسا من بابٍ واحدٍ.
قلتُ: إنَّ الإحساس طريق الوجدان، والعين هنا لا يُراد بها العين العضويّة أكيداً، بل نتيجتها، وهو الإحساس البصري أو ما كان واضحاً للفرد بمنزلته، كالإحساس بيوم القيامة ونحوه.
إذن فالإحساس منتجٌ لليقين، فلا تنافي بينهما.
لا يقال: إنَّ الإحساس مساوقٌ دائماً لليقين، فيكون من عطف المتساويين على بعضهما البعض.
ــــــــــــ[343] ــــــــــــ
(1) سورة الذاريات، الآية: 23.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
جوابه: بالالتفات إلى ما يصل إلى الحسِّ من الأوهام والمغالطات الحسّيّة، كانكسار الخشبة في الماء، فيراد بالإحساس في الآية الإحساس غير القابل للغلط.
قال العكبري: (لترونَّ) مثل: (لتبلونَّ)، وقد ذُكر، ويقرأ بضمِّ التاء على ما يسمِّ فاعله، وهو من رؤية العين، بنقل الهمزة فتعدّى إلى اثنين (أحدهما: نائب الفاعل، والثاني: الجحيم)، ولا يجوز همز الواو (لترؤن)؛ لأنَّ ضمَّها غير لازم، وقد همزها قومٌ كما همزوا (واو) اشترؤا الضلالة {اشْتَرَوْا الضَّلاَلَةَ}(1)، وقد ذكر(2).
أقول: وقوله: (لأنَّ ضمَّها غير لازم)، يعني: مادام ضمُّها غير لازمٍ فهمزها غير لازم، فإمكان الهمزة منوطٌ بالضمِّ. وأمّا مع الفتح فيكون الهمز متعذّراً. وعلى أيِّ حالٍ فتكون القراءات ثلاثة: بضمِّ التاء مع الهمز وبدونه وبفتحها. والضمُّ على كلا التقديرين شاذٌّ غير مرويٍّ عن المعصومين^، فيسقط عن الاعتبار.
ولكن إذا أصبح (رأى) مهموزاً، أصبح رباعيّاً (أو مزيداً فيه) فصار متعدّياً إلى مفعولين، تقول: أرى فلانٌ فلاناً النجوم، ومنه (لترونَّ) بالضمِّ، ولو لم يكن رأى مهموزاً تعدّى إلى مفعولين، مع قصد الرؤية القلبيّة لا بدونها على المشهور، كما سبق أن ناقشناه.
وقوله: (هو من رؤية العين بنقل الهمزة) يحتمل فيه أمران:
الأوّل: معناه: رُوي بالهمزة، فالمراد من النقل الرواية.
ــــــــــــ[344] ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآيتان: 16 و175.
(2) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 293، سورة التكاثر.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الثاني: أنَّه نُقل من الثلاثي إلى الرباعي بزيادة الهمزة، فأصبح مدخوله مفعولين.
ولكن إذا كان هذا مقصوده، فهو على خلاف سياق كلامه؛ لأنَّه قال بعد ذلك: (لأنَّ ضمّها غير لازم) بمعنى: أنَّها إذا قرئت بفتح التاء فهمز الواو غير معقول، وأضاف: (وقد همزها قومٌ) وسياق كلامه لا يناسب ذلك.
****
قوله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ}:
وهي على وجهين: بفتح التاء وضمِّها، وهو الأشهر. أمّا الأوّل فبمعنى: أنّكم أنتم تسألون عن النعيم، والثاني بمعنى: يسألكم السائلون عن النعيم.
والنعيم يُراد به النعيم الآخرة، كما فهمه المشهور، فيكون المراد: أنَّ الإنسان يطالب الله تعالى بالدخول إلى الجنّة، فيجاب يومئذٍ حسب استحقاقه، وقد يكون المقصود من النعيم ما هو أعمُّ من نعيم الدنيا والآخرة، وكلا النعيمين يطالب به الفرد ربّه.
وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ} بحسب السياق اللفظيِّ يدلُّ على أنَّه حينما ترونّ الجحيم وحين تعلمون علم اليقين، حينئذٍ تسألون عن النعيم.
ومن جملة أساليب الفهم للقرآن الكريم أن نفهمه متفاصلاً وغير متعلّق بسياقٍ قبله، فيكون المعنى: أنّكم تسألون عن النعيم عند الحاجة إليه وعند الشعور بالافتقار، وأمّا إذا كان النعيم حاصلاً له، فلا يسأل عنه.
ويمكن القول: إنَّ الإنسان حينما يرى جهنّم عين اليقين ويدخلها، فإنَّه سوف يطالب الله تعالى بالجنّة، وهكذا حال الإنسان يطالب الله تعالى بالجنّة،
ــــــــــــ[345] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سواء كان في الدنيا أو في القبر أو في يوم القيامة أو في جهنّم نفسها.
ولكن انفصال السياق عن الدنيا واضح؛ وذلك لأنَّ الإنسان فيها محجوب عن عين اليقين، فلذا يسأل في الدنيا عن نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. والله تعالى لا بخل في ساحة كرمه، فيعطي مَا يَشَاء لِمَن يرِيدُ، وقال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}(1).
سؤال: من هو السائل عن النعيم يومئذٍ، وما هو النعيم المسؤول عنه بناءً على قراءة الضمّ؟
جوابه: السائل هو جهة الله تعالى، سواء قلنا: إنَّه هو الله تعالى بالمباشرة، أو من قبيل الملائكة، أو أمير المؤمنين، أو الضمير الحيُّ.
وأمّا فهم النعيم ففيه عدّة أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ المراد نعيم الآخرة؛ باعتبار أنَّ الإنسان معاتبٌ يومئذ على النعيم، ومسؤولٌ أنَّه لماذا دخل النار ولم يدخل الجنّة.
فإن قلتَ: هذا صحيح من جانب دخوله النار، فما بال من يدخل الجنّة: هل هو معاتب أيضاً؟ فإن لم يكن معاتباً، كانت القضية خاصّة غير عامّة.
قلت: بل القضية عامّة غير خاصّة؛ لأنَّ من يدخل الجنّة معاتب أيضاً، ومسؤولٌ أنَّه لماذا لم يختر مقاماً ارفع؛ لأنَّ الكمال لا متناه، فالسؤال لا متناه، فأينما وصل من الدرجات فهو نادمٌ؛ لأنَّه لم يصل إلى المقامات العليا؛ لسوء عمله وتقصيره.
الأُطروحة الثانية: ما ورد في بعض الروايات عنهم^ من: أنَّ النعيم يُراد به ولاية أهل البيت^، كقوله: >إنّما يسألكم عمّا أنعم عليكم بمحمّد
ــــــــــــ[346] ــــــــــــ
(1) سورة غافر، الآية: 60.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وآل محمّد<(1). وفي خبر آخر: >تسأل هذه الأمة عمّا أنعم الله عليها برسوله ثُمَّ بأهل بيته<(2).
الأُطروحة الثالثة: ما ذكره صاحب >الميزان<+ قال: ظاهر السياق أنَّ المراد بالنعيم مطلقه، وهو كلّ ما يصدق عليه أنَّه نعمة، فالإنسان مسؤولٌ عن كلّ نعمةٍ أنعم الله بها عليه(3).
أقول: ذلك باعتبار أنَّ الألف واللام للجنس في قوله: {النَّعِيمِ} وكلُّ نعيمٍ في الدنيا فلابدَّ مِن السؤال عنه يوم القيامة، أو يُراد به التنعّم غير المشروع. وعلى أيِّ حالٍ يُراد به السؤال، وليس العقاب، فيكون عامّاً؛ لأنَّ السؤال يكون حتّى فيما لا عقاب عليه.
الأُطروحة الرابعة: أن نفهم أنَّ النعيم مترتّبٌ على السؤال، وأنَّ السؤال بمنزلة العلّة للنعيم، والنعيم بمنزلة المعلول، أي: تسألون وتدخلون الجنّة.
أمّا بناءً على قراءة الفتح في {تُسْأَلُونَ} فهو واضحٌ؛ لأنَّه يكون بمنزلة الدعاء من العبد فيجاب. وأمّا بناءً على الضمِّ فلأنَّ من يحصل على درجات علم اليقين وعين اليقين – وهي جوانبٌ مختلفة وكثيرةٌ- فلا يقال له يومئذٍ: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر}(4)؛ لأنَّه في جنّة معنويّة، وليس في سقر، ولكن يُسأل عن كلِّ مقام من مقاماته المتوقّعة، وأنَّه هل عمل له عمله المناسب له أم لا؟
ــــــــــــ[347] ــــــــــــ
(1) المحاسن 2: 400، باب الإسراف في الطعام، الحديث: 83، وقريب منه: الكافي 6: 280، باب: أنَّ الطعام لا حساب له، الحديث: 5، دعائم الإسلام 2: 116، كتاب الأطعمة، الحديث: 386.
(2) تفسير علي بن إبراهيم القمّي 2: 440، سورة التكاثر، وعنه البحار 7: 272.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 352.
(4) سورة المدّثّر، الآية: 43.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ.
ــــــــــــ[349] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سورة القارعة
نتكلّم أوّلاً عن احتمالات تسميتها، وهي عدّة أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: القَارَعةُ، كما هو المشهور.
الأُطروحة الثانية: الموازين.
الأُطروحة الثالثة: السورة التي ذكرت فيها القارعة أو الموازين.
الأُطروحة الرابعة: رقمها في الكتاب الكريم، وهو:101.
قوله تعالى: {الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ}:
قال العكبري: الكلام في أوّلها مثل الكلام في أوّل الحاقّة(1). وقال في الحاقّة: قوله تعالى: {الحَاقَّة} قيل: هو خبر مبتدأ محذوف، وقيل: مبتدأ وما بعده خبر، على ما ذكر في الواقعة(2).
أقول: والقول الثاني هو الذي مال إليه الطباطبائي في >الميزان<(3).
وعلى أيِّ حالٍ يتحصّل في إعرابه عدّة أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: أن يكون لفظاً مفرداً لا محلَّ له من الإعراب، أُتي به للتذكير بالمعنى، وبعده جملةٌ مستقلّةٌ إعرابيّاً.
وهذا أمرٌ عرفي، وإن لم يعترف به النحويّون.
ــــــــــــ[351] ــــــــــــ
(1) إملاء ما منَّ به الرحمن 2: 293.
(2) المصدر السابق: 267.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 348.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأُطروحة الثانية: أن يكون خبراً لمبتدأ محذوفٍ تقديره هي.
الأُطروحة الثالثة: أن يكون خبراً لمبتدأ محذوفٍ تقديره ما الاستفهاميّة، كالذي بعده، ويدلُّ عليه نفسه بنحو القرينة المتّصلة، أي: ما القارعة ما القارعة؟
الأُطروحة الرابعة: أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف من لفظه، أي: القارعة القارعة، والمراد: القارعة هي القارعة؛ إلّاَ أنَّه لا يخلو عن بُعدٍ؛ لأنَّه يكون بمنزلة القضيّة التكراريّة.
الأُطروحة الخامسة: أن يكون مبتدأ وما الاستفهاميّة مبتدأٌ ثان، وما بعده خبر، وهو مختار صاحب >الميزان<، ولعلّه أبعد الاحتمالات، وخاصّةً لو تجاوزنا الأُطروحة الرابعة.
****
قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ}:
الاستفهام فيها للتهويل والتخويف.
و{مَا أَدْرَاكَ} صيغة تعجُّب على المشهور، وهذه الجملة قد تكون خبريّة وقد تكون إنشائيّة. فإذا كانت خبريّة تكون ما موصولة مبتدأ و(أَدْرَاكَ) جملةٌ فعليّةٌ خبر، والمعنى: أنَّ شيئاً مّا أدراك القارعة وفهّمك عنها.
وأمّا إذا كانت إنشائيّة فتكون ما استفهاميّة مبتدأ، و(أَدْرَاكَ) خبره، والمعنى: كيف تستطيع أن تدرك القارعة؟
وإذا كانت تعجبيّة كانت إنشائيّة أيضاً، ويكون المعنى: ما أعظم إدراكك للقارعة.
وعلى كلا التقديرين الأوّلين لا يصحُّ استعمال ما؛ لأنَّها لما لا يعقل،
ــــــــــــ[352] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ومن لا يعقل لا يكون سبباً للإدراك، وإنَّما يكون المناسب استعمال (من).
إلّاَ أنَّ المقصود هو امتناع الإدراك بأيِّ سببٍ متصوّرٍ أو منظورٍ من الأسباب الدنيويّة، فتكون ما نافية، والمعنى: أنت عاجزٌ عن إدراك القارعة بالتسبيب المنظور، وحينئذٍ تكون ما الثانية اسماً موصولاً مفعولاً به.
سؤال: ما المراد بالقارعة؟
جوابه: مشهور المفسّرين بما فيهم صاحب >الميزان<(1)، أنَّها من أسماء يوم القيامة في القرآن الكريم، مع أنَّها عامّة المضمون؛ لأنَّ القرع هو الضرب الشديد.
قال الراغب: القرع ضرب شيء على شيء، ومنه قرعت بالمقرعة. قال تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ}(2) {الْقَارِعَة مَا الْقَارِعَةُ}(3)(4).
أقول: ولا يُراد بها هنا الضرب جزماً، وإنّما هو استعمال مجازيٌّ للتعبير عن التأثير النفسي المساوي لتأثير الضرب.
والله تعالى يضرب في مختلف العوالم، مع اقتضاء الحكمة والعدل الإلهيّين، فكلُّ ضربٍ هو قارعة، كيوم القيامة وجهنّم وبلاء الدنيا من مرض أو فقرٍ أو عسرٍ شديدٍ، وخاصّةً إذا كان مفاجئاً، فهو إذن تعبيرٌ شاملٌ لكلِّ بلاءٍ من مصائب الدنيا والآخرة.
سؤال: إنَّ الخطاب للنبي’، مع أنَّه يدرك معنى القارعة، فما هو
ــــــــــــ[353] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 348.
(2) سورة الحاقّة، الآية: 4.
(3) سورة القارعة، الآيتان: 1-2.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 416، مادّة (قرع).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الوجه فيه؟
جوابه: أن لذلك عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ هذا السؤال مبنيٌّ على أن يكون المراد بما الاستفهاميّة أو النافية، وأمّا إذا كانت تعجبيّة فهي تفيد ثبوت العلم، فينسدُّ السؤال.
الوجه الثاني: أنَّ الخطاب له’ والمقصود غيره من قبيل: إيّاكَ أعني فاسمعي يا جارة.
الوجه الثالث: أن يكون الخطاب له’ والمراد به الإحساس المباشر، وليس الصورة الذهنيّة، فهو لا يعلمها علم الإحساس إلّاَ عند تحقّقها خارجاً.
الوجه الرابع: أنَّ الخطاب للجميع؛ لأنَّ القرآن نازلٌ إلى الناس أجمعين، كما هو المستفاد من عدد من الآيات الكريمة، فينال كلّ واحدٍ ما يناسبه.
الوجه الخامس: أن يكون الخطاب للمضروب بالبلاء والقارعة.
سؤال: كيف نفهم من القارعة ما يشمل بلاء الدنيا، في حين أنَّ الآية الكريمة نصٌّ بيوم القيامة؛ بقرينة قوله تعالى: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوث} فإنَّ ذلك لا يكون إلّاَ في يوم القيامة؟
جوابه: قال الطباطبائي في >الميزان<: الفراش – على ما نقل عن الفرّاء- الجراد الذي ينفرش ويركب بعضه بعضاً، وهو غوغاء الجراد. قيل: شبّه الناس عند البعث بالفراش؛ لأنَّ الفراش إذا ثار لم يتّجه إلى جهة واحدة، كسائر الطير، وكذلك الناس إذا خرجوا من قبورهم أحاط بهم الفزع، فتوجّهوا جهاتٍ شتّى، أو توجّهوا إلى منازلهم المختلفة سعادةً أو شقاءً. والمبثوث من البثِّ، وهو التفريق(1).
ــــــــــــ[354] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 349.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أقول: من الواضح من سياق كلام الطباطبائي+ أنَّه لا يتعهّد بصحّة شيءٍ ممّا نقله، ونحن نجد أنَّ الفراش جمع فراشة، وهي معروفة، وليس هو الجراد، ونستطيع إن شككنا باستعماله في زمن النزول أن نستصحب بنحو الاستصحاب القهقرائي استعماله إلى زمان صدر الإسلام.
كما يمكن عرض أُطروحة في هذا المجال، وهي إيجاد فهمٍ عامّ يشملهما معاً، وهي الحشرات الطائرة الكبيرة نسبيّاً (وليست كالذباب والبعوض) والقادرة على الاستمرار بالطيران (وليست كالخنافس والنمل المجنّح) وليست ذات حمة لاسعة (كالزنابير) وهذا المعنى يشمل الجراد والفراش معاً، فيكون من الممكن إطلاق لفظ الفراش على مثل هذا المعنى الكلّي.
فهذه كلُّها مقدمات لبيان جواب السؤال الأخير، وسيأتي الحديث عن جوابه، مضافاً إلى أنَّها في نفس الوقت توجب الاطّلاع على تفاصيل السورة.
ثُمَّ قال في >الميزان< للآية التي بعدها: العِهْنِ: الصوف ذو ألوانٍ مختلفة، والمنفوش من النفش، وهو نشر الصوف بندفٍ ونحوه، فالعهن المنفوش الصوف المنتشر ذو ألوانٍ مختلفة، إشارةً إلى تلاشي الجبال على اختلاف ألوانها بزلزلة الساعة<(1).
أقول: الجبال فعلاً ذات ألوانٍ مختلفة: إمّا باختلاف ألوان الصخور، وإمّا باختلاف الجوِّ المحيط بها، وإمّا باختلاف النبات النابت عليها.
إلّاَ أنَّه يرد على فهمه هذا أُمور:
أوّلاً: أنَّ العهن – حسب فهمي – هو مطلق الصوف، ولا ينبغي أن يكون اللون مأخوذاً قيداً في مفهومه، وإن كان كلّ صوف ملوّناً تكويناً.
ــــــــــــ[355] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 349.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثانياً: لو قلنا به فظاهر الآية هو وجود الألوان في طول الزلزلة؛ فإنَّها عندئذٍ تكون {كَالعِهْنِ المَنْفُوْش} وليس قبل ذلك، مع أنَّه قال: (تلاشي الجبال بمختلف ألوانها) يعني: السابقة على الزلزلة، فهل تبقى بعد الزلزلة ذات ألوان؟!
بينما نحن نفسّر الآية بالعكس تماماً؛ من حيث إنَّ التلوين لاحقٌ للزلزلة بحسب ظهور الآية، وليس سابقاً عليها.
ثالثاً: أنَّه لا يُراد من الآية التلاشي المطلق؛ وإلّاَ لانمحت بالمرّة، فلا عهن ولا ألوان، في حين أنَّه نصَّ على أنَّها تكون {كَالعِهْنِ المَنْفُوْش}. وهذا يدلُّ على أنَّ التلاشي الذي فهمه السيّد الطباطبائي غير حاصلٍ، وإلّاَ لم يمكن تسميتها بالصوف.
إذن يبقى لها نحو وجودٍ؛ كما قال تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً}(1).
إذن، فكيف يكون الأمر هنا في الدنيا، كما يكون في الآخرة؟
وجوابه يكون على مستويين:
المستوى الأوّل: يحصل لدى البلاء الدنيويِّ، فيجد الفرد أنَّ الناس كلَّهم غير ملتفتين إليه وغير مهتمّين بأمره ولا قادرين على إزالة ضرره وإنقاذه من ورطته، بل كلّ منهم مشغولٌ بحاله حتّى أفراد أسرته، وهو معنى الشعور بالغربة أو الاغتراب الذي تحدّثوا عنه في علم النفس الحديث، وهذا المعنى يتأكّد كلّما زاد البلاء.
ــــــــــــ[356] ــــــــــــ
(1) سورة الطور، الآيتان: 9-10.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ومن هنا يصدق أنَّ الناس أصبحوا متفرّقين {كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ}؛ لأنَّهم تفرّقوا عنه جميعاً.
كما يجد الفرد أنَّ من كان يشعر بأهميّتهم من أهل الاختصاص لم ينقذوه، حتّى الأطباء والأثرياء وغيرهم، وهو تعبيرٌ عن تلاشي الجبال، يعني: لا يوجد منقذٌ من الأفراد العاديّين ولا من الاختصاصيّين.
المستوى الثاني: يحصل لدى أهل الإيمان العالي، حيث يجد الفرد منهم أنَّ الناس لاهون عن مصالحهم الحقيقيّة ومستهدفون أهدافاً دنيويّة وباطلة وظالمون لأنفسهم، لا يختلفون عن الحشرات الطائرة بشيءٍ معتدٍّ به، كما قال سبحانه: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}(1).
إذن فهم كالفراش المبثوث والحشرات المنتشرة، كلّ منهم يتوجّه إلى مصلحته الذاتيّة.
****
و{تَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ}:
بعدّة أُطروحات:
الأُولى: أنَّ نفس الجبال تزول، بما فيها من أهمّيّة وعظمة في نظر أهل الدنيا، كما قال الله سبحانه وتعالى: {أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ}(2).
الثانية: الأشخاص المهمّون في الدنيا ومن أهل الاختصاص وأهل المال تزول أهمّيّتهم لعدِّة أسباب منها: اليأس من خيرهم، كما أشرنا، ومنها تلاشي أهمّيّتهم في مراتب اليقين.
ــــــــــــ[357] ــــــــــــ
(1) سورة الفرقان، الآية: 44.
(2) سورة الإسراء، الآية: 55.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الثالثة: جبال الهموم الدنيويّة الناتجة من البلاء تزول إمّا حقيقةً إذا أُميط البلاء وذهب، وإمّا اعتباراً وأهمّيّةً، وذلك في درجات الإيمان، كما ورد: >لا تفرح بما أتاك من الدنيا ولا تحزن على ما فاتك منها<(1).
الرابعة: جبال البلاء الدنيوي تزول بنفحة التسليم والرضا ونحو ذلك. وفرقه عن سابقه أنَّ النظر هنا إلى نفس البلاء، وهناك إلى ردِّ الفعل النفسي عليه، وكلا الأمرين يزولان بنفس الأسباب.
فإن قلت: هذا التسلسل الفكري في نفسه وإن كان جيّداً، إلّاَ أنَّه مخالفٌ للقرائن المتّصلة بالسورة؛ وذلك لأنَّ القارعة تحصل في الآخرة لا في الدنيا، فبوحدة السياق تكون متعيّنة في الآخرة.
وبالنسبة إلى المستوى الثاني فإنَّ الإنسان حينما يحصل على درجات اليقين، فإنَّه لا يقرع في الدنيا ولا في الآخرة، مع العلم أنَّ السورة تبدأ بالقارعة، فكيف يكون ذلك؟
قلت: بل يجتمع؛ لأكثر من أمرٍ واحدٍ:
أوّلاً: أنَّ البلاء الدنيوي من مقدّمات التكامل، وهو معنىً شاملٌ لسائر المراتب.
ثانياً: أنَّ كلّ البشر في الدنيا في بلاء، حتّى المعصومين^، غاية الأمر أنَّ بعضهم له رضىً وتسليمٌ، وبعضهم ليس له ذلك، ولم يؤخذ في مفهوم القارعة عدم التسليم بها، بل هي قارعةٌ على كلّ حال.
ــــــــــــ[358] ــــــــــــ
(1) أُنظر: ما يقرب منه: نهج البلاغة (شرح محمّد عبده) 4: 102، باب المختار من حكم أمير المؤمنين، الحكمة: 439، الكافي 2: 128، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها، الحديث: 4، تفسير القمّي 2: 146، تفسير سورة القصص.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
نعم، لو أُخذ في مفهومها الإيذاء النفسيّ، لاختصَّ بمن ليس له رضىً وتسليمٌ، غير أنَّ القارعة هي السبب والمسبّب معاً، بل كلاهما قارعةٌ بانفراده، وأيٌّ منهما صدق كفى، والمشهور هو السبب، حتّى لو فسّرناه بيوم القيامة، وإلّاَ فيوم القيامة فيه جهةٌ نفسيّةٌ صعبة أيضاً.
فإن قلتَ: فإنَّ قوله: {مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} دلَّ على أنَّ ذلك يحدث في يوم القيامة، مضافاً إلى ما سنسمع من أنَّ هدف السورة هو التخويف من الآخرة لا من الدنيا.
قلت: هذا وإن كان مسلك إجماع المفسّرين، إلّاَ أنَّه مع ذلك يمكن القول بأنَّ القارعة كما تكون في الآخرة تكون في الدنيا.
وإنَّ هذا الإيراد غير تامٍّ لعدّة أُمور:
الأمر الأوّل: أنَّ قوله تعالى: {فَأمَّاْ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} جملةٌ مستأنفةٌ، لا ربط لها بما سبق، فلا تكون قرينةً على الشكل المدّعى في السؤال. نعم، ما يكون مرتبطاً بما قبله يكون قرينةً؛ لأنَّ للمتكلّم أن يضيف على كلامه ما شاء من القرائن والحديث، إلّاَ أنَّ هذه العبارة القرآنيّة غير مربوطة بما قبلها.
إلّاَ أنَّ هذا الوجه غير تامٍّ لمناقشتين:
الأُولى: الطعن في الكبرى؛ [إذ] إنَّ الكلام المنفصل تماماً لا يكون قرينةً على سابقه، كما لو كان بعد سكوتٍ طويل، إلّاَ أنَّ ظاهر الآية أنَّها نزلت دفعةً واحدةً.
الثانية: الطعن في الصغرى بوجود قرينة تدلُّ على الارتباط، وهي الفاء في قوله {فأمّا} فإنَّها تكون بمنزلة السببيّة، كأنَّه ذكر العلّة ثُمَّ معلولها، أي: النتائج المترتّبة على السياق الأول.
ــــــــــــ[359] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأمر الثاني: أنَّها ليست إشارةً إلى يوم القيامة، كما عليه مشهور المفسّرين، بل هما إشارة إلى ما بعد يوم القيامة؛ لأنَّه قال: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} أي: في الجنّة، وقال: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} أي: في النار.
ويمكن أن يجاب بمناقشتين:
الأُولى: أنَّ ما قيل في الأمر الثاني وإن كان صحيحاً، إلّاَ أنَّه سبحانه قال: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} وذلك يكون في يوم القيامة لا بعده.
الثانية: أنَّه يمكن أن يكون المراد به مطلق الآخرة، لا خصوص يوم القيامة.
إلّاَ أنَّ هذا على خلاف المشهور؛ فإنَّ السياق واحدٌ، والقارعة هو يوم القيامة على المشهور، فيتعيّن أن يكون كلُّه في يوم القيامة، إلّاَ أن يقال: إنَّه تعرّض أوّلاً ليوم القيامة، ثُمَّ تعرّض لمعلولاته ثانياً، وهو دخول الجنّة ودخول النار.
الأمر الثالث: أنَّ هذه المعلولات تنتج في الدنيا أيضاً؛ فقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ …} أي: زادت حسناته على سيّئاته في علم الله تعالى {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} أي: مرضيّة؛ فإنَّه قد يستعمل اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول على معنى أنَّها مرضيّة لفاعلها أو مرضيّة لله سبحانه.
أو نقول: إنَّ راضية بمعنى اسم الفاعل مجازاً؛ من حيث إنَّه نسب الرضا إلى العيشة، ومراده العائش، أي: ذو العيشة الراضية؛ إمّا لكونه راضياً بعطاء الله، كما قال تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}(1) أو كونه راضياً
ــــــــــــ[360] ــــــــــــ
(1) سورة الضحى، الآية: 5.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بقضاء الله وقدره، أي: لديه تسليمٌ بذلك؛ لتكون موازينه ثقيلة.
وهذا كلُّه يمكن أن يحدث في الدارين: الدنيا والآخرة.
****
{وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}:
أي: في النار، حسب الفهم المشهور، وهذا ما يحصل في الدنيا أيضاً؛ بدليل قوله تعالى: {نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}(1) أي: في الدنيا، وهذا هو فهم المشهور لهذه الآية لاستحقاقهم العذاب، فهم في جهنّم وإن لم يشعروا، وسيشعرون بذلك بعد يوم القيامة.
ونحوه قوله تعالى: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ}(2) فإنَّه يمكن أن يحصل في الدنيا أيضاً؛ فإنَّ الاستغاثة إنّما هي من بلاء الدنيا، فيجاب دعاؤهم بمقدار ما يستحقّون، فتكون إجابةً ضعيفةً لا تسمن ولا تغني من جوع، أو قل: إنَّها: {كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً}.
سؤال: ما هو هدف السورة؟
جوابه: هو تهويل يوم القيامة على العموم، ونحن وإن قلنا: إنَّ من جملة مفاهيم السورة ما ينطبق على معلولات يوم القيامة، وهو ذهاب كلّ فردٍ إلى مكانه الذي يستحقّه، ولكن مع ذلك فإنَّ فردها الأهمّ هو يوم القيامة. ومن جملة القرائن على ذلك في السورة:
أوّلاً: أنَّ الناس على رشدهم وعقلهم يكونون كالفراش المبثوث.
ثانياً: أنَّ الجبال على ضخامتها تكون كالعهن المنفوش.
ــــــــــــ[361] ــــــــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 29.
(2) سورة الكهف، الآية: 29.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثالثاً: أنَّ التغيير سوف يكون شاملاً وعميقاً ومهولاً.
إلّاَ أنّني مع ذلك أُكرّر: أنَّ ذلك وإن حصل في يوم القيامة، إلّاَ أنَّ له مصاديق أُخرى قابلة للحصول في الدنيا، ويكفينا أن نلتفت إلى أنَّ الجبال تسير الآن بدوران الأرض، وليس فقط في يوم القيامة.
سؤال: ما هو العامل في (يوم) في قوله: {يوْمَ يَكُونُ النَّاسُ}؟
جوابه: ما ذكره العكبري قال: العامل فيه القارعة أو ما دلّت عليه (أي: مادّة القارعة: قرع يقرع) وقيل: التقدير اذكر(1)، فيكون (يوم) مفعولاً به لا ظرفاً.
وقال في الميزان: متعلقٌ بفعل مقدّر نحو: أذكر وتقرع وتأتي(2).
أقول: كلّ ما ذكر ممكنٌ، وإن كان التأويل على خلاف الأصل، وإنّما ينبغي أن نُرجع الظرف إلى اللفظ نفسه مع الإمكان، والأمر هنا ممكنٌ؛ لأنَّ القارعة اسم فاعل يمكن أن يتعلّق بها الظرف، كما هو واضح، فيتعيّن.
سؤال: ما هو معنى ثقل الميزان في قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} ومعنى خفّة الميزان في قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ}؟
جوابه: قال السيّد الطباطبائي في >الميزان<: قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} إشارة إلى وزن الأعمال، وأنَّ من الأعمال ما هو ثقيل الميزان، وهو ما له قدرٌ ومنزلةٌ عند الله، وهو الإيمان وأنواع الطاعات، ومنها ما ليس كذلك وهو الكفر وأنواع المعاصي. ويختلف القسمان أثراً، فيستتبع الثقيل السعادة، ويستتبع الخفيف الشقاء(3).
ــــــــــــ[362] ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 293.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 349.
(3) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أقول: الموازين لها قسطٌ من الحديث في علم الفلسفة وعلم الكلام، وينبغي أن نحمل فكرةً عنه، ثُمَّ نطبّقه على القرآن الكريم.
قال المشهور: إنَّ الصحيح هو البعث المادّيِّ لا المعنويِّ، وإن الإنسان يحيا في يوم القيامة كما يحيا في الدنيا ونحو ذلك.
ويستنتج من ذلك: أنَّ وزن الأعمال التي صرّحت به الشريعة المقدّسة موجود، وهو يناسب المعاد الجسماني أو المادّي.
ومن هنا قالوا: إنَّ هناك ميزاناً توزن به أعمال الأفراد، فإذا رجحت الحسنات على السيئات دخل الجنّة، وإذا رجحت السيّئات دخل النار، ولعلَّ هذا هو المراد من قوله: (خفَّتْ موازينه) و(ثقلت موازينه).
ولكن ينبغي أن نلتفت إلى بعض الإشكالات التي ترد على الميزان المادّي الذي عليه المتشرعة؛ لأنَّ الذي في أذهانهم من الربط بين المعاد الجسماني والوزن المادّي ليس بصحيح، بل يمكن أن نقول بالمعاد الجسماني، ومع ذلك نقول بأنَّ الوزن ليس مادّيّاً بل معنويّاً، وهو قواعد العدل الكلّيّة عند الله تعالى، ولا دليل على الربط المزبور.
فإن قلتَ: فإنَّ ما ورد في الكتاب والسنّة من ألفاظ الميزان ظاهره الميزان المادّيّ؛ لأنَّه تعالى خاطبنا باللغة العرفيّة، وهو كذلك عرفاً.
قلنا: إنَّ ما يستحيل الأخذ به من الظواهر لابدّ من المصير إلى تأويله، كما هو الحال في كثير من آيات القرآن الحكيم، كقوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}(1) وقوله تعالى: {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}(2) وقوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ
ــــــــــــ[363] ــــــــــــ
(1) سورة الفتح، الآية: 10.
(2) سورة طه، الآية: 5.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}(1) وغير ذلك.
والأدلّة على تعذّر فهم الميزان المادّيّ عدّة أُمور:
الدليل الأوّل: ما ذكره القاضي عبد الجبّار حين قال: إنَّه ليس هناك ثقلٌ في الحقيقة؛ لأنَّ أعمال المكلَّف قد تقضّت، وهي مع ذلك عرضٌ لا ثقل فيه، وإنّما أراد بذلك رجحان طاعته على معاصيه، فتشبه بما يوزن من الأشياء الثقيلة(2).
أقول: نقتصر في هذا الدليل على قوله: (قد تقضّت) أي: دخلت في الماضي، ولا وجود لها في يوم القيامة، وسيأتي الكلام عن بقيّة حديثه.
وهذا في واقعه من ضيق النظر؛ لأنَّ الفاعل المختار (سبحانه وتعالى) له نظرٌ إلى مجموع الأزليّة والأبديّة، فهو يستوي عنده الماضي والحاضر والمستقبل، وكلُّه بالنسبة إليه حاضر، يراه ويحسّه ويتفاعل معه.
إذن فليس هناك ما يكون متقضّياً بالنسبة إليه، حتّى أعمال العباد.
الدليل الثاني: أنَّ الأعمال من جنس الأعراض، والميزان المادّيّ لا يزن الأعراض، بل يزن الأجسام والجواهر.
والصلاة مجموعة حركاتٍ وأقوالٍ، أي: أعراض، إذن فينبغي تحويلها إلى جسمٍ ليمكن جعلها في الميزان وتأثيرها به، وهذا مستحيلٌ لأكثر من أمر واحد:
الأمر الأوّل: أنَّ الجوهر والعرض مقولتان مختلفتان متباينتان، فلا يمكن تحوّل أحدهما إلى الآخر.
ــــــــــــ[364] ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 255.
(2) تنزيه القرآن عن المطاعن: 476، سورة القارعة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأمر الثاني: أنّنا لو تنزّلنا وقبلنا أنَّه صار جسماً، إلّاَ أنَّه يصدق عليه السلب؛ لأنَّ الجسم ليس صلاة، بل جسماً جديداً في الميزان، فلا ثواب ولا عقاب عليه، وليس من أعمال الفرد إطلاقاً؛ فإنَّ صحّة الحمل هنا للعرض لا للجوهر، فإنَّ العمل هو العرض لا الجوهر.
الدليل الثالث: أنّنا لو تنزّلنا عن الدليلين السابقين وقلنا بتجسّم الصلاة، فنسأل عن حجم الجسم الذي يختاره الله تعالى له؟
إنَّ حجم الجسم لابدَّ أن يختلف بأهمّيّة الطاعات، فكم سوف يكون حجم الجسم، بحيث يكون موافقاً للعدل الإلهي؟ وهو مردّد لا محالة بين القليل والكثير، وليس له تعيّن واقعيٌّ ثبوتاً، وكذلك الكلام في حجم الأجسام المتحوّلة عن المعاصي.
ويمكن القول بأنَّ أيَّ حجمٍ اختاره الله لهذه الأجسام المفروضة سيكون ظلماً للفرد الفاعل؛ لأنَّه لا يمثّل عمله حقيقةً، ولا تحديد له ثبوتاً، حتّى بالعقل العملي، والظلم مستحيلٌ عليه تعالى عقلاً ونصّاً، وهذا بخلاف قواعد العدل الكلّيّة الموجودة في علم الله سبحانه.
سؤال: لماذا لاحظت الآية جانب الحسنات فقط؟
فإننا إذا لاحظنا الآية الكريمة، وجدناها لاحظت جانب الحسنات فقط؛ حيث قال: {مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} يعني: زادت حسناته، و{مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} يعني: قلّت حسناته، ولم يقل: من رجحت أو ثقلت سيّئاته أو من قلّت أو خفّت سيّئاته، فلماذا كان الأمر كذلك؟
جوابه: أنَّه قد يقال: إنَّ في العبارة تقديراً معنويّاً، أي: من ثقلت حسناته على سيّئاته، ومن خفّت حسناته على سيّئاته.
ــــــــــــ[365] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إلّاَ أنَّ هذا لا يتمُّ، وإن كان أوفق بالمذاق المشهوري:
أوّلاً: لأنَّه خلاف الظاهر؛ باعتباره متضمّناً للتقدير، ونحن ينبغي أن نفهم الآية كما أُنزلت لا كما نرغب.
ثانياً: أنَّ ما عليه فهم المتشرعة أنَّه كلَّما زادت حسناته بالنسبة إلى سيّئاته دخل الجنّة، وكلَّما زادت سيئاته على حسناته دخل النار.
ولكنّ هذا بهذا المقدار ليس صحيحاً؛ فإنَّ الحسنات عليها ثواب، والسيّئات عليها عقاب، ومقتضى القاعدة أنَّ الفرد ينبغي أن ينال ثواب حسناته وعقاب سيّئاته، لا أنَّ مجرّد رجحان الحسنات موجب لسقوط العقاب كلِّه أو أنَّ رجحان السيئات موجبٌ لسقوط الثواب كلِّه.
فالذي ثقلت حسناته عليه أن ينال عقاب سيّئاته، ثُمَّ يدخل الجنّة، وكذلك من ثقلت سيّئاته عليه أن يأخذ عقابها ليدخل الجنّة على حسناته، وهكذا.
****
ثُمَّ قال سبحانه: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ}:
قال الراغب في المفردات: الوزن معرفة قدر الشيء. قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}(1)(2) أي: إنَّ الموازين جمع ميزان، والمراد الموازين العادلة المقسطة.
أقول: إنَّه حسب فهمي فإنَّ جمع ميزان: ميازين وموازين، فإمّا أن يكونا بمعنىً واحدٍ وإمّا أنَّ نفرق بينهما ببعض الفروق:
أوّلاً: أن نقول: إنَّ الميازين جمع ميزان، والموازين ما يسمّى عرفاً (عياراً)
ــــــــــــ[366] ــــــــــــ
(1) سورة الأنبياء، الآية: 47.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 559، مادّة (وزن).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
لأنَّه يوزن بها.
ثانياً: أن نقول: الميازين هي المادّيّة، والموازين هي المعنويّة، كقواعد العدل الكلّيّة.
سؤال: لماذا استعمل الجمع في الموازين؟
جوابه: أنَّ المراد من الجمع أحد أُمور:
الأوّل: أن يكون المقصود ما في الميزان، أي: الموزونات من الطاعات والمعاصي وهي كثيرة عادةً، ولا يمكن تصوّرها مفرداً.
الثاني: أن نتصور – كأُطروحة – أنَّ لكلِّ فعلٍ ميزانه الخاص به، أي: الفعل الكلّيّ لا الجزئيّ من الحسنات والسيئات، كالصلاة والصوم والزنا والسرقة وغيرها.
الثالث: أنَّ لكلِّ فردٍ ميزانه الخاص به يوم القيامة، فتكون الموازين متعدّدة بعدد الأفراد، وهذا وإن وافق قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}(1)، إلّاَ أنَّه مخالفٌ لقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ… وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ..} حيث أثبت لكلِّ فردٍ الموازين جمعاً، فيسقط هذا الوجه.
الرابع: ما فيه اقتضاء الوزن؛ فإنَّ الموزون على شكلين: إمّا فعليٌّ وإمّا إقتضائيٌّ، ويعبّر عنه في الفقه بالمكيل والموزون، يعني: ما فيه قابليّة الوزن وإن لم يوزن فعلاً، فيصحُّ الجمع؛ لأنَّه متعدّدٌ، وليس واحداً.
الخامس: تعدّد دفعات استعمال الميزان.
السادس: قواعد العدل الكلّيّة، وهي كثيرة، ولكلٍّ منها حقلها، وبهذا الاعتبار نسمّيّها موازين، لكلِّ حقلٍ ميزانه الخاص به.
سؤال: إنَّه نسب الثقل إلى الميزان في الآية، مع أنَّ المناسب أن ينسب إلى
ــــــــــــ[367] ــــــــــــ
(1) سورة الأنبياء، الآية: 47.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ما في الميزان، فما هو الوجه في ذلك؟
جوابه من عدّة وجوه:
الأوّل: أن نسمّي ما في الميزان ميزاناً مجازاً، بعلاقة المظروف بظرفه.
الثاني: أن نقصد بالميزان (الكفّة) باعتبار إطلاق اسم الكلِّ على الجزء.
الثالث: أن نقصد من الميزان الموزون، أعني: نفس الإنسان، فإذا ثقل ميزانه زادت أهمّيّته وإذا خفَّ قلَّت أهمّيّته، بل يكون التعبير بالثقل والخفَّة باعتبار ذلك، وخاصّةً مع ملاحظة ما سبق من أنَّ الملحوظ في الآية هو زيادة الحسنات وثقلها دون السيئات.
سؤال: الرجاء إعطاؤنا فكرة عن قواعد العدل الكلّيّة؟
جوابه: أنَّ هذه القواعد يختصُّ بعلمها الله سبحانه والراسخون في العلم من خلقه، ولذا عبَّر عن قسيم الجنّة والنار (سلام الله عليه) بميزان الأعمال(1)، وإنّما نعرف منها قليلاً ممّا يمكن استفادته من الكتاب والسنّة، ممّا يفيد إيجاد النسبة بين بعض الأعمال وبعض.
فمن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}(2) وقوله سبحانه: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}(3).
ونحوه ما ورد عن الصلاة أنَّها: >بمنزلة النهر قرب باب داره إذا اغتسل
ــــــــــــ[368] ــــــــــــ
(1) المزار: 185، الباب: 12، التوجّه إلى مشهد أمير المؤمنين×، مزار الشهيد الأوّل: 46، زيارة آدم×.
(2) سورة هود، الآية: 114.
(3) سورة النحل، الآيتان: 127-128.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بالنهر خمس مرات، هل يبقى في جسمه من درن<(1) وغيرها.
سؤال: ما هي الحسنات المنجية؟
جوابه: هناك عدّة أُطروحات لذلك، وهي غير متنافية، بل يمكن صدقها جميعاً، بل لعلّه المتعيّن:
الأُولى: أنَّ الحسنات لا تكون منجية إلّاَ بالولاية، وأمّا مع عدمها فوجودها كعدمها.
الثانية: أنَّ المدار هو العلم والجهل، فحسنات العالم حسنات، وأمّا حسنات الجاهل فليست حسنات؛ لأنَّه لا يعلمَ أنَّها حسنات، فهي متدنّية إلى درجةٍ كبيرة.
الثالثة: أن يكون الفرق بينهما في وجود قصد القربة وعدمه، فمع وجوده في الحسنات فهي تثقّل الميزان، وأمّا إذا لم تكن حسناته قربة إلى الله
-كما هو الأعمُّ الأغلب- فهي لا تثقل الميزان.
الرابعة: أنَّ المدار هو القصور والتقصير: فإنْ كان الفرد مقصِّراً رجحت سيئاته على حسناته، وإن كان قاصراً رجحت حسناته على سيئاته. ومنه القول المشهور عن المجتهد المستنبط للأحكام: إنَّه إن أصاب فله كفلان من الثواب، فإن أخطأ فله كفلٌ واحد من الثواب(2).
****
ــــــــــــ[369] ــــــــــــ
(1) أُنظر: الأُصول الستّة عشر: 73، أصل جعفر بن محمّد الخضرمي، مَن لا يحضره الفقيه 1: 211، الحديث: 640، تهذيب الأحكام 2: 237، الحديث: 938.
(2) أُنظر: صحيح مسلم 5: 131، الحديث: 4584، صحيح البخاري 6: 2676، الحديث: 6919، مسند أحمد 29: 351، الحديث: 17816.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قوله تعالى: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَة}:
سؤال: لِمَ لم توجد السين أو سوف التي تفيد الاستقبال؟
لأنَّه حسب ارتكاز المتشرعة أنَّ من ثقلت موازينه فسيكون في عيشة راضية أو سوف يكون كذلك؛ لأنَّ ذلك لا يحدث إلّاَ حين يدخل الجنّة، وأمّا في الدنيا أو في يوم القيامة فلن يكون في عيشة راضية.
أو نقول: إنَّ ظاهر قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} أنَّ الثقل والرضا متزامنان، مع أنَّ الثقل في يوم القيامة والرضا في الجنّة، وهو متأخّر عنه فاحتاج إلى حرف التسويف، فكيف صحَّ حذفه؟
جوابه: أنَّ لذلك عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ هذا ممّا قد يحصل في الدنيا، حين يكثر إيمان الفرد ويزداد يقينه، ويجعل الله تعالى له من أمره فرجاً ومخرجاً ويسراً، فيكون في عيشة راضية.
الوجه الثاني: أنَّه قد يدخل الجنّة بلا حساب، فلا يرى أهوال يوم القيامة ولا صعوبة الحساب، فيكون في عيشة راضية.
الوجه الثالث: أنَّه اختصارٌ في التعبير باعتبار وضوح فوز الفرد وقرب دخوله الجنّة، فيكون من قبيل المجاز؛ باعتبار مشارفة الحقيقة.
سؤال: ما المراد بالعيشة: هل ذلك في الدنيا أم في الآخرة؟
جوابه: أنَّ الظاهر الأوّلي العرفي من العيشة هي معيشة الحياة الدنيا، إلّاَ أنَّ ذلك لا ينافي إرادة الراحة في الجنّة خاصّة أو الأعمِّ منها؛ فإنَّ الحياة في الآخرة هي الحياة الحقيقيّة، كما قال الله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ
ــــــــــــ[370] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
كَانُوا يَعْلَمُونَ}(1) وقال أيضاً عن الشهداء: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}(2).
وإنّما كان ذلك هو الانصراف العرفيّ باعتبار تقيّد محسوساتنا بالمكان والزمان والحياة الدنيا وعادتنا عليها، وإلّاَ فمن الواضح أنَّ الفرد الأهمَّ والأفضل هو الحياة الأُخرى.
ويمكن فهم ذلك على أحد مستويين:
المستوى الأوّل: لذّة النفس أو قل: لذّة البطن والفرج في الجنّة، كما هو ظاهر القرآن، قال تعالى: {وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ}(3) وقال: {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ}(4).
المستوى الثاني: لذّة الروح، قال تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ…}(5) أي: إنَّ الحياة هي تلك، وليست هنا؛ بدليل فهم الحصر من الآية، كما هو معلوم، وقال تعالى: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}(6) أي: الرزق المعنوي المناسب لكونهم هناك، لا لذّة البطن والفرج.
سؤال: كيف قال: {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ}؟
جوابه: أنَّ هذا تعبيرٌ مجازيٌّ حتماً؛ لأن العيشة لا تتّصف بالرضا؛ لأنَّ الرضا جانبٌ نفسيّ أكثر منه خارجيّ، فالمراد: عائش راضي أو عائش مرضيّ
ــــــــــــ[371] ــــــــــــ
(1) سورة العنكبوت، الآية: 64.
(2) سورة آل عمران، الآية: 169.
(3) سورة الواقعة، الآيتان: 22-23.
(4) سورة الواقعة، الآيتان: 20-21.
(5) سورة العنكبوت، الآية: 64.
(6) سورة آل عمران، الآية: 169.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بالفتح. قال تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}(1). أو المراد عيشةٌ مرضيّةٌ لصاحبها، من قبيل استعمال اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول مجازاً، وهو موجودٌ في اللغة.
أو هي عيشةٌ مرضيّةٌ لله عز وجل: أمّا في الدنيا فباعتبار أنَّه سبحانه يريد لنا الطاعات والقربات، وأمّا في الجنّة فباعتبار أنَّه سبحانه يريد لنا دخول الجنّة. وفي القرآن الكريم ما يدلُّ على كِلا الأمرين: قال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً}(2) وقال سبحانه: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ}(3) أي: لكم، وليس لنفسه.
سؤال: ما معنى قوله تعالى: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ}؟
جوابه: أنَّ المشهور أنَّ أمّه تعبيرٌ مجازيٌّ عن جهنّم؛ باعتبار رجوعه إليها كالمأوى، كما يأوي الطفل إلى أمِّه. وكذلك الهاوية: قالوا: إنَّها إشارةٌ إلى جهنّم؛ باعتباره يُلقى فيها. ولكنّنا إذا اقتصرنا على هذا الفهم فإنَّه سيرد عليهم إشكالٌ مفاده: أنَّ المبتدأ والخبر واحد، وتكون القضيّة بمنزلة القضيّة بشرط المحمول، كأنَّه قال: فجهنّم جهنّم، وهو لغوٌ عرفاً.
فإن قلتَ: إنَّ كلا اللفظين يُراد به الإشارة إلى جهنّم من زاوية معيّنة وبعنوانٍ غير الآخر، فتندفع اللغويّة.
قلتُ: هذا إنّما يصحُّ في صورة ما إذا لوحظ العنوان بما هو، لا بما هو
ــــــــــــ[372] ــــــــــــ
(1) سورة المائدة، الآية: 119.
(2) سورة الحجرات، الآيتان: 7-8.
(3) سورة الأنفال، الآية: 67.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مشير إلى المعنون، مع أنَّ الفهم المشهور كون العنوان مشيراً محضاً إلى المعنون، فرجعت اللغويّة.
والأُطروحات المحتملة لأنَّه ثلاث:
أوّلاً: الوالدة، وهي أقرب الاحتمالات إلى المعنى الحقيقي.
ثانياً: النفس الأمّارة بالسوء؛ فإنَّ الإنسان قد يطيعها كما يطيع والديه، فيمكن التعبير عنها بأنَّها أُمّه.
ثالثاً: جهنّم، وهو أيضاً تعبيرٌ مجازيٌّ؛ لوضوح عدم انطباقه حقيقةً.
والأُطروحات المحتملة لـ{هَاوِيَةٌ} ثلاث أيضاً:
أوّلاً: من (الهوى) أي: الرغبة والشهوة، وهذا ممّا لم يتعرّض له المفسّرون.
ثانياً: ما عليه مشهور المفسّرين من أنَّه من الهَوِيِّ، وهو السقوط أو الانخفاض.
ثالثاً: محلُّ السقوط، ويسمّى بالهاوية.
فيكون الاحتمال الثاني إشارة إلى السقوط نفسه أو طريق السقوط، ويكون الاحتمال الثالث هو نهاية السقوط.
ومعه فتكون الاحتمالات لقوله تعالى: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} تسعة، ناتجة من ضرب ثلاثة في ثلاثة، يتمُّ توضيحها كما يأتي:
الاحتمال الأوّل: أنَّ {أُمُّهُ هَاوِيَةٌ} يعني: أنَّ والدته تتّبع الهوى والشهوة، فتكون سبب فساد أولادها، كما قال الشاعر:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتها أعددت شعباً طيّب الأعراقِ(1)
ــــــــــــ[373] ــــــــــــ
(1) أُنظر: ديوان حافظ إبراهيم 1: 282.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وكما ورد في الحديث الشريف: >يولد الإنسان على الفطرة، ولكن أبواه يهوّدانه وينصّرانه<(1).
ومن هنا يمكن أن نفهم أنَّ قوله: {أُمُّهُ هَاوِيَةٌ} إشارةٌ إلى العلّة، لا إلى المعلول، كما عليه المشهور، أعني: علّة حصول الفساد للفرد.
الاحتمال الثاني: أنَّ والدته هاوية، وهي الضالَّة المضلّة أو هي سبب الضلال، فيكون هاوية بمعنى مهويّة، أي: مسقطةٌ لابنها، من استعمال الثلاثي محلَّ الرباعي، وخاصةً وأنَّ الرباعيَّ من هذه المادّة غير متعارف، فيمكن استعمال الثلاثي لإفادة معناه.
الاحتمال الثالث: أنَّ والدته هي محلُّ السقوط (المسْقَطَ)، وهو مجازٌ يُراد به نفس المعنى السابق.
الاحتمال الرابع: أنَّ النفس الأمّارة بالسوء ذات هوى. وهو أمرٌ أكيدٌ وواضحٌ، ولا يكون من قبيل القضيّة بشرط المحمول؛ لأنَّ مفهوم الهوى لم يؤخذ في معنى النفس ليلزم ذلك.
الاحتمال الخامس: النفس الأمّارة بالسوء هي ساقطة.
الاحتمال السادس: النفس هي محلُّ السقوط.
الاحتمال السابع: جهنّم هاوية أي: مريدةٌ لإحراق وتعذيب الكافرين؛ طاعةً لربِّ العالمين، ولا يحتمل أن تكون جهنّم هاوية بمعنى: أنَّها مريدةٌ للسوء.
ــــــــــــ[374] ــــــــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 2: 49، باب الخراج والجزية، الحديث: 1668، شرح الأخبار (للقاضي النعمان) 1: 190، الحديث: 147، موطّأ مالك 1: 241، الحديث: 571، سنن أبي داود 4: 366، الحديث: 4716، صحيح البخاري 6: 2434، الحديث: 6226، صحيح مسلم 8: 52، الحديث: 6926.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الاحتمال الثامن: جهنّم هاوية أي: ساقطة، وهذا غير محتمل، فيكون مجازاً من محلِّ السقوط من تسمية الحال باسم المحلِّ.
الاحتمال التاسع: جهنّم هاوية أي: محلُّ السقوط، ويراد بمحلِّ السقوط أحد أمرين:
الأمر الأوّل: المسقَط نفسه، وهذا يكون بالعمل، فالمسقط هو الدنيا، والخسران يكون فيها، فالدنيا هاوية بهذا المعنى، وليس جهنّم، إلّاَ أنَّه بسبب الدنيا يكون مستمرّ السقوط في جهنّم.
الأمر الثاني: أن يكون المسقَط بمعنى نتيجة السقوط، فهو يصل بانتهاء السقوط إلى جهنّم أو إلى أحد دركاتها، أو قل: يصل إلى مستواه الرديء الذي وصل إليه ثبوتاً.
قال في >الميزان<: وقيل: المراد بأُمّه أُمُّ رأسه، والمعنى: فأُمُّ رأسه هاوية أي: ساقطة؛ لأنَّهم يلقون في النار على أُمِّ رؤوسهم(1).
ثُمَّ قال: ويبعده بقاء الضمير في قوله: {مَا هِيَهْ} بلا مرجع ظاهر(2).
أقول: هذا ليس بصحيح؛ لأنّنا حتّى لو قلنا بأنَّ أُمّه بمعنى أُمّ رأسه، إلّاَ أنَّه يصلح مع ذلك مرجعاً للضمير، وإن فرضنا امتناع رجوعه إلى (أُمّه) فيرجع إلى الهاوية.
مضافاً إلى أنَّ أصل الوجه المذكور غير تامٍّ؛ لأنَّه يحتاج إلى تقدير بأن يقال: فأُمُّ رأسه، وهو خلاف الأصل وخلاف الظاهر.
سؤال: وهو ما ذكره الرازي في هامش العكبري من أنَّه: كيف قال
ــــــــــــ[375] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 349.
(2) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَفَّت مَوَازِينُهُ} أي: رجحت سيئاته على حسناته {فأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} أي: فمسكنه النار، وأكثر المؤمنين سيئاتهم راجحة على حسناتهم(1)؟
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: ما أجاب به بقوله: قوله تعالى: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} لا يدلُّ على خلوده فيها، فيسكن المؤمن فيها بقدر ما تقتضيه ذنوبه، ثُمَّ يخرج منها إلى الجنّة(2).
الوجه الثاني: ما ذكره أيضاً: قيل: المراد بخفِّة الموازين خلوّها من الحسنات بالكلّيّة، وذلك موازين الكفّار(3).
أقول: وتعليقنا على ذلك من وجوه:
منها: أنَّه يمكن القول: إنَّ كلّ الناس لهم شيءٌ من الحسنات، غير أنَّ الحسنات إنّما تكون حقيقيّة وثقيلة في الميزان بصحّة الاعتقاد والولاية، فيمكن حمل الحسنات هنا على مطلق الحسنات، فيكون المراد من (خفّت موازينه) أي: قلّت حسناته، أي: ليس لها ثقلٌ حقيقيٌّ وإن كانت موجودة.
أمّا الذنوب فهي ذات ثقل حقيقي وكبير؛ لأنَّها تكتسب مسؤوليّة أخلاقيّة لا متناهية؛ لأنَّها تعبّر عن عصيان الأمر اللامتناهي في الوجود وفي الفضل والرحمة.
ويمكن تقديم تفسيرين لفهم كلام المشهور: (أنَّه لا حسنات له):
الأوّل: ما قلناه من: أنَّ الآية أشارت إلى الحسنات، ولم تشر إلى السيئات.
الثاني: التمسّك بإطلاق الآية من قوله: {خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} أي: خفَّت
ــــــــــــ[376] ــــــــــــ
(1) أُنموذج جليل: 587، سورة القارعة.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
خفَّةً مطلقة وكاملة، ووصلت إلى درجة الصفر والعدم.
فإن قلت: إنَّه مع الانعدام لا يسمى خفّة؛ باعتبار أنَّ الخفَّة تدلُّ على وجود شيءٍ خفيف.
قلت: نعم، لا شكَّ أنَّ شيئاً ما موجود؛ لما قلناه من: أنَّ الشخص لا يخلو من الحسنات، إلّاَ أنَّ هذا لا ينافي انعدام قيمتها الأخلاقيّة، كما ورد في مثل قوله: >كم من قارئٍ للقرآن والقرآن يلعنه<(1).
فإن قلت: فإنَّ العكس أيضاً صحيح، بأن نفهم من الثقل الثقل الكبير جدّاً بحيث قد لا يكون متناهياً، وعندئذٍ لا يدخل الجنّة إلّاَ النوادر.
قلتُ: فيه عدّة تعليقات:
الأوّل: أنَّ التمسك بالإطلاق إلى حدّ ما لا نهاية بلا موجبٍ، بل بمقدار ما هو مستحقّه.
الثاني: أنّنا نعترف أنَّ من يدخل الجنّة بدون حساب وعقاب قليلٌ جداً.
الثالث: أنَّ السياق ذكر الطرفين: الثقل والخفّة، وترك الوسط، أي: إنَّ الكثرة – وهم المحاسبون- لم تذكرهم الآية الكريمة. وفي ذلك محذوران:
الأوّل: أنَّه يمكن القول: إنَّ من يدخل الجنّة بدون حساب صنفان: أحدهما: من كان كذلك باستحقاقه، وثانيهما: من كان كذلك بالعفو والرحمة والشفاعة، وهي واسعة.
ومن يدخل النار أيضاً صنفان:
أحدهما: من تكون أُصول دينهم فاسدة، والثاني: من تكون فروع دينهم
ــــــــــــ[377] ــــــــــــ
(1) جامع الأخبار: 48، الفصل الثالث والعشرون: في القراءة، وعنه: مستدرك الوسائل 4: 249، الحديث: 4616.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فاسدة، وهم أيضاً كثيرون، وخاصّةً مع الالتفات إلى قوله تعالى: {هَلْ مِنْ مَزِيدٍ}(1) فيستجيب الله تعالى لها، فيدفع لها مزيداً من الطعام!!
إذن فيمكن القول: إنَّ الذين لا يحاسبون هم الثلث تقريباً من البشريّة، إذن فالآية لم تهمل الأكثريّة.
الثاني: أنّنا قد نتصور أنَّ في الآية مفهوم مخالفة؛ باعتبار دلالتها على الحصر، والصحيح أنَّه لا يوجد ما يدلُّ على ذلك، ولم تذكر الآية كم من ثقلت موازينه أو من خفَّت.
الرابع من التعليقات: أنَّ المتشرعة أخذوها ساذجة في الثقل والخفّة، ولكنّنا ينبغي أن ندقِّق فيها، كما يدقَّق فيها يوم الحساب، كما ورد(2) في تفسير قوله تعالى: {وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ}(3). فإذا دقّقنا عرفنا أنَّ المراد هو ذلك من نتيجة الحساب وبعد تطبيق قواعد العدل الكلِّيّة، لا الخفّة والثقل اللذان يظهران لأوّل مرّة.
وبالتالي نستطيع أن نقول: إنَّ الآية مستوعبة لكلِّ البشر، وليس للبعض.
وترد هنا بعض الإشكالات:
الإشكال الأوّل: أنَّ السياق دالٌّ على منع الخلو؛ لإفادته الحصر، فيكون له مفهوم، وقد نفينا ذلك، فما هو الوجه في ذلك؟
جوابه: أنَّ استفادة منع الخلو من السياق ليس وجدانيّاً، وإنّما هو
ــــــــــــ[378] ــــــــــــ
(1) سورة ق، الآية: 30.
(2) تفسير علي بن إبراهيم القمّي 1: 364، سورة الرعد.
(3) سورة الرعد، الآية: 21.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
برهاني، وإلّا سقط عن الاعتبار.
وما يمكن أن يُدّعى له أحد طريقين: إمّا ظهور (أمّا) في الآية الكريمة في الحصر، وإمّا في صيغة الخفّة والثقل؛ باعتبار ظهورها بالحدِّيّة، وكلا الطريقين نتيجته ألّا يكون هناك ثالثٌ لهما.
إلّاَ أنَّ كلا الوجهين لا يتمُّ:
أمّا الطريق الأوّل فإنَّ (أمّا) لا تدلُّ على الحصر إلّاَ مع نفي الثالث، فإذا كان هناك ثالث لم تدل على الحصر، فقولنا: (الإنسان إمّا عربي أو هندي) فهو لا يدلُّ على الحصر؛ لوجود أقسام أُخرى للإنسان.
أمّا الطريق الثاني فلا يتمُّ أيضاً؛ لأنَّه يوجد هناك ثالثٌ لهما، وهو التساوي، فلا يكون دالاًّ على منع الخلو.
الإشكال الثاني: أنَّه يمكن ترجيح ما عليه المشهور من كون {أُمُّهُ} يُراد بها المعنى المجازي و{نَارٌ حَامِيَةٌ} يُراد بها المعنى الحقيقي؛ وذلك باعتبار صيغة التعجّب: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ}؟
جوابه:
أوّلاً: أنّنا لا نسلِّم أنَّها للتعجّب، بل قد تكون للنفي أو للاستفهام على ما سيأتي.
ثانياً: أنَّ التعجب لا ينحصر أن يكون من الأمر الحقيقي، بل لعلّه من الأمر المجازي.
ثالثاً: لو سلّمناهما، فلا يتعيّن أن يكون الأمر المتعجّب منه هو {أُمُّه} أو {نَارٌ حَامِيَةٌ}.
إذن يبقى التردّد بين الأمرين، ولا يتعيّن الأمر المشهوري.
ــــــــــــ[379] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إن قلتَ: كيف فسّرنا – فيما سبق- (أُمُّه) بالوالدة وبالنفس الأمّارة بالسوء، مع أنَّها تدلُّ على جهنّم، بحسب القرينة المتصلة، وهي قوله تعالى: {نَارٌ حَامِيَةٌ}؟
قلت: يجاب ذلك بأُمور منها:
أوّلاً: يمكن أن نسلّم كما سلّم المشهور بالمعنى كأُطروحة، فتكون (نار حامية) بمنزلة الخبر لـ(أُمُّهُ)، وتكون (أُمُّهُ) بمنزلة المبتدأ، مستعملةً مجازاً، و(نارٌ حامية) مستعملةٌ بالمعنى الحقيقي.
ثانياً: أنَّه يمكن عكس المعنى، أي: إنَّ (أُمُّهُ) مستعملةٌ بالمعنى الحقيقي و(نار حامية) مستعملةٌ مجازاً.
فالمعنى: والدته نارٌ حامية بأحد وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ سلوكها بمنزلة النار الحامية، كأن تكون عصبيّة جداً أو مؤذية ونحو ذلك.
الوجه الثاني: أنَّ والدته في جهنّم، أي: ذات نار حامية، بتنزيل المظروف منزلة الظرف، وهي في جهنّم حال كونها في الدنيا، كما قال تعالى: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}(1) فتكون سبباً لضلال أولادها.
فقد دار أمر الاستعمال بين اثنين: الحقيقي والمجازي، والخيارات في ذلك عديدة:
منها: أن نقدِّم المتقدِّم لفظاً.
ومنها: إجمال العبارة، بعد تعارض المقتضيين.
ومنها: أن نقدِّم اللفظين (نارٌ حامية) على اللفظ الواحد (أُمُّهُ)؛ باعتبار
ــــــــــــ[380] ــــــــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 29.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أنَّ قرينية اللفظين أولى.
ويجاب ذلك: أنَّ اللفظين ليسا هما قرينتين لتتقدِّم على الواحدة، بل هما يشكِّلان مفهوماً واحداً متكوّناً من القيد والمقيّد، فتكون قرينةً واحدة، وكذلك (أُمُّه) قرينةٌ واحدة، فيتعارضان ويسقط التفسير المشهوري.
سؤال: هل الخطاب في قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} للنبي’ أو لغيره؟
جوابه من أكثر من وجه:
أوّلاً: أنَّها من قبيل: إيّاك أعني واسمعي يا جارة، فهو بالمباشرة خطاب للنبيِّ’، وبالواسطة للمسلمين جميعاً.
ثانياً: أن يكون المخاطب بالمباشرة هم المسلمون جميعاً، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً.. }(1) وغيره.
فإن قلت: فإن كان الخطاب للعموم، فينبغي أن يقول: (ما أدراكم).
قلتُ: إنَّ المجموع كمجموع هو مفهومٌ انتزاعيٌّ ذهنيٌّ، لا معنى لتحمّله المسؤوليّة والتكليف، بل إنَّ المكلّف حقيقةً هو الفرد، فيكون الخطاب انحلاليّاً إلى كلّ فردٍ، فيصحّ استعمال المفرد في خطابه.
سؤال: ما المراد بـ(ما) في قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ}؟
جوابه: أنَّ فيها احتمالاتٍ عديدة: التعجبيّة والاستفهاميّة والنافية. وعلى كلّ تقدير يمكن أن تكون مستعملةً حقيقةً أو مجازاً، بناءً على ما قلناه من إمكان استعمال الحرف مجازاً، وبضرب تلك الثلاثة في هذين الاثنين تكون الاحتمالات ستّة.
ــــــــــــ[381] ــــــــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 114.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وعلى ذلك فالاحتمالات الرئيسية كما يلي:
أوّلاً: التعجُّب، وهو أردأ الاحتمالات؛ لأنَّ التعجُّب سيكون من الإدراك لا من النار الحامية، كما هو مقتضى السياق، وعلى تقدير تسليمه، فيكون المراد وجود الإدراك لا نفيه، ويكون التعجُّب من وجوده.
ثانياً: النفي أو الاستفهام، وعلى كلا التقديرين: إمّا أن يُراد به التهويل أو التحقيق.
فإذا كان المراد به التهويل، فقد ذكر الإدراك هنا بصفته طريقيّاً (لأجل التوصّل إلى التهويل)، فتقلُّ أهمّيّة الاستفهام أو النفي؛ لأنَّه سؤالٌ عن شيءٍ غير مهمٍّ، وإنّما المهمُّ هو مركز التهويل، وهو النار الحامية.
وإن كان المراد به التحقيق – يعني: الاستفهام الحقيقي أو النفي الحقيقي- فهو احتمالٌ ضعيفٌ بطبيعة الحال، وإن كان يمكن عرضه كأُطروحة ضعيفة.
ثالثاً: أن يكون نفياً حقيقيّاً طرفه الأفراد العاديّين، أي: إنّك في الدنيا لا تعلم ما في الآخرة، أو أنَّه نفيٌ حقيقيٌّ طرفه النبي’؛ ولكن هذا غير مناسب معه’ لأنَّه مدينة العلم، فتتعذَّر الدلالة المطابقيّة في حقِّه، بل المراد العلم الاستقلالي عن إرادة الله تعالى وتعليمه وهدايته، فيكون المراد النفي الحقيقيُّ للعلم الاستقلالي، وهو صحيح.
رابعاً: أن يكون استفهاماً حقيقيّاً، ولكن مدخوله ليس هو النار الحامية، وإنّما هو الإدراك، أي: كيف علمت ما هي؟
فإن قلتَ: إنَّ هذا تناقضٌ في نفسه؛ لأنَّه خلاف قوله: {نَارٌ حَامِيَةٌ} فيتعيّن أن لا يكون السابق عليه استفهاماً حقيقيّاً.
ــــــــــــ[382] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
جوابه من وجهين:
أوّلهما: أن يكون {نَارٌ حَامِيَةٌ} بمنزلة الجواب عن ذلك السؤال.
ثانيهما: أن يكون ذلك دخيلاً في الاستفهام نفسه، ويكون المراد الاستفهام عن سبب الإدراك؛ لكونها ناراً حامية، بحيث يكون اللفظ المتأخّر قيداً للمتقدّم.
سؤال: ما هي (الهاء) الموجودة في نهاية قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ}؟
جوابه: قال أبو البقاء العكبري: والهاء في (هِيَهْ) هاء السكت، ومن أثبتها في الوصل أجرى الوصل مجرى الوقف؛ لئلّا تختلف رؤوس الآي(1).
أقول: إنّنا لا نعلم أنَّ الوحي كيف نزل على النبي’؛ فإنَّه بدويّاً يحتمل فيه ثلاث أُطروحات:
الأُولى: وجود هاء السكت.
الثانية: أنَّها بفتح الياء بدون هاء.
الثالثة: أنَّها بالوقف على الياء، ومقتضى القاعدة في الوقف على الحرف هو سكونها.
فإذا لم نعلم أنَّ هاء السكت نزلت بالوحي، وإنَّما يُحتمل أنَّ الكتّاب كتبوها هكذا في الصدر الأول، إذن لا حاجة إلى أن نورّط أنفسنا في تفسيرها والحديث عنها.
ويمكن القول: إنَّهم ربّما أثبتوها لحفظ رؤوس الآي (هاوية، حامية، ما هيه) ليستقيم النسق.
ولكن مع ذلك نقول: إنَّ النسق بدونها متحقّقٌ في الجملة بين الهاء والفتحة؛ فإنَّ الفتحة بمنزلة الهاء عرفاً، وإن لم تكن كذلك حقيقةً.
ــــــــــــ[384] ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 293، سورة القارعة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وأبو البقاء أخذ الأمر مسلّماً كأنَّ الوحي نزل به، طبقاً لحجّيّة القراءات، ونحن نعلم أنّنا إنّما نحتاج إلى هاء السكت عند الوقف لا عند الدرج بين الآيتين.
وقال أبو البقاء: ومن أثبتها في الوصل أجرى الوصل مجرى الوقف(1).
إلّاَ أنّنا قلنا: إنَّ الفتحة بمنزلة الهاء، كما هو معلوم مع مدِّ النَفَس بالفتحة.
وعلى أيِّ حالٍ فيمكن القول -كأُطروحة-: إنَّ نهايات الآيات في هذه السورة أسماء فاعل بمعنى أسماء المفعول (مرضيّة – مهويّة – محميّة).
وقال العكبري أيضاً: و(نار) خبر مبتدأ محذوف، أي: هي نار حامية(2).
سؤال: كلّ نارٍ حامية، فما اختصاص نار جهنّم؟ ولماذا وصفها بذلك مع عموم الوصف؟
جوابه من وجوه:
الوجه الأوّل: أن يكون للتهويل؛ فإنَّ العرف يدرك أنَّ كلّ نارٍ حامية، وإذا وصفت النار بأنَّها حامية، فُهِمَ منها أنَّها أكثر حرارة من سائر النيران، وإلّاَ كان وصفها بذلك لغواً.
الوجه الثاني: أنَّها حامية بنسبة عالية جدّاً عن سائر النيران، بحيث تكون سائر النيران تجاهها كالعدم، وكأنَّها باردة!!
الوجه الثالث: يمكن حملها على الحرارة المعنويّة، كحمي الوطيس في الحرب، ويكون المراد أنَّها معذِّبةٌ لساكنيها عذاباً شديداً. قال تعالى: {كُلَّمَا
ــــــــــــ[385] ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 293، سورة القارعة.
(2) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا}(1).
ولكنّنا ينبغي أن نلاحظ أنَّ (حامية) ليست من الحرارة؛ لأنَّه لا يوجد في اللغة (حماوة) وإنّما مادّتها من الحماية من السوء والشرِّ والضلال.
فإن قلت: فكيف تكون النار حامية بهذا المعنى؟
قلتُ: لذلك عدّة أُطروحات نذكر منها:
أوّلاً: إذا كان المراد بنار جهنّم نفسها، فيمكن القول: إنَّ الله تعالى قد يرحم الفرد المذنب، فيضعه في دركٍ منها أقلّ من استحقاقه، ومعه يكون هذا الدرك حامياً له عن الدرك الذي يستحقّه.
ثانياً: إذا كان المراد بها وصف (أُمّه) أي: والدته في بعض الاحتمالات السابقة، فإنَّ الأمَّ قد تكون عصبيّة المزاج ومضرّةً بولدها أو بناتها، فيكون ذلك سبباً لتربيتهم الدينيّة والمعنويّة: إمّا لأنَّها عصبيّة إلى طرف الحقِّ، وإمّا لأنَّها عصبيّة على الطرف الباطل، إلّاَ أنَّ حال أولادها عندئذ يكون في بلاءٍ دنيويٍّ، والبلاء الدنيويُّ سببٌ للتربية المعنويّة في نفسه، أو قل: هو مقتضٍ للتربية ما لم يحصل المانع.
ثالثاً: إن كان المراد من النار الحامية البلاء الدنيوي، فهو سبب للتربية المعنويّة، كما قلنا قبل لحظة، ممّا يوجب كونه حامياً عن عقوبة الآخرة.
رابعاً: إذا كان المراد بالنار الحامية ما يراه الفرد في القبر والبرزخ والقيامة من مصاعب ونيران، فقد ورد: أنَّ الله تعالى قد يوجد مثل هذه المصاعب إلى عبده ليخفّف عنه عذاب جهنّم، أو قد لا يوجب دخوله لها
ــــــــــــ[385] ــــــــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 56.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إطلاقاً، ومن هنا تكون هذه النار حامية من جهنَّم(1).
ثُمَّ إنَّ قوله: {حَامِيَةٌ} هو من استعمال الثلاثي اللازم، بدلاً من الرباعي المتعدّي، ولو باعتبار استعمال الثلاثي متعدّياً مجازاً. والمراد أنَّها محميّة لغيرها. وأمّا كونها حاميةً لنفسها فهذا معنى باطل؛ لأنَّها ليست فاعلة لإحماء نفسها، إلّاَ أن يكون اسم الفاعل قد أُستعمل بمعنى السم المفعول أي: محماة بفعل الله سبحانه أو بفعل مالك خازن النار أو بأمر قسيم الجنّة والنار.
ــــــــــــ[386] ــــــــــــ
(1) أُنظر: المحاسن 1: 172، باب 37، الحديث: 141، وعنه: البحار 6: 160، و65: 104.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ
ــــــــــــ[387] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سورة العاديات
في تسميتها -كما في أغلب السور- عدّة أُطروحات:
أوّلاً: العَادِياَت، وهو المشهور.
ثانياً: السورة التي ذكرت فيها العَادِياَت.
ثالثاً: إعطاؤها رقمها في المصحف الشريف، وهو مئة.
****
قوله تعالى: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً}:
الواو للقسم، وقلنا في سورة العصر: إنَّ الخلق يقسم بالله تعالى، والله تعالى يقسم بما يشاء من خلقه، فالمسألة هنا اختياريّة من قِبله سبحانه.
فهو قَسمٌ لأجل التوصّل إلى النتيجة و {إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} فالقسم لأجل التركيز والتأكيد على ذلك.
سؤال: ما هو معنى العاديات؟
جوابه: قال الراغب في المفردات: العدو: التجاوز ومنافات الالتئام. فتارةً يعتبر بالقلب فيقال: العداوة والمعاداة، وتارةً بالمشي فيقال له: العدو، وتارةً في الإخلال بالعدالة في المعاملة فيقال: العدوان والعدّوُّ(1).
أقول: والعادي اسم فاعل من عدا، وهو من الركض، وهو على معنيين: مادّي ومعنوي.
ــــــــــــ[389] ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 338، مادّة (عدا).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
والمعنى الأوّل له عدّة تطبيقات:
الأوّل: الأفراس الراكضة نحو الحرب.
الثاني: الإبل الذاهبة إلى منى يوم العيد.
الثالث: الحجّاج الذاهبين من موقفٍ إلى موقف.
الرابع: المسافرون الذين يركبون الإبل في أيِّ سفر.
والمعنى الثاني أي: العَدْو المعنوي، وتطبيقه شحذ الهمّة للاستهداف لأجل نتيجة معينة، وله مصاديق عديدة دنيويّة وأُخرويّة: كطلب العلم وطلب رضا الله وطلب الجنّة.
هذا إذا أخذناها من العدو، وهو الركض.
أمّا إذا أخذناها من الاعتداء – وهو حسب فهمي أعمّ من السوء والخير، وإن كان عرفاً أقرب إلى السوء- وذلك بأن يُراد به تحميل المسؤوليّة تحميلاً ضخماً ومهمّاً، سواء كان بالخير أو بالسوء فيكون له عدّة مصاديق، ومصاديقه بالسوء المعتدون أو الأعداء. قال تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ}(1). وهو في الآيتين اسم فاعل، إلّاَ أنَّه هناك جمع، وهنا مفرد.
وكذلك من مصاديقها بلاء الدنيا من حيث انتسابها إلى الأسباب، كالمرض والفقر وظروف التقيّة؛ فإنَّه نحوٌ من تحمّل المسؤوليّة كما قلنا. أمّا من حيث انتسابها إلى الله تعالى فهو خير؛ لأنَّها من أجل الامتحان واختبار الصبر.
سؤال: ما هو الحديث في قوله: {ضَبْحَاً}؟
جوابه: قال في >الميزان<: الضبح صوت أنفاس الخيل عند عدوها، وهو
ــــــــــــ[390] ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 173.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
المعهود المعروف من الخيل(1).
وقال الراغب في >المفردات<: قيل: الضبح صوت أنفاس الفرس تشبيهاً بالضباح، وهو صوت الثعلب، وقيل: هو حفيف العدو، وقد يقال ذلك للعدو، وقيل: الضبح كالضبع، وهو مدُّ الضبع في العدو، وقيل: أصله إحراق العود، وشُبّه عَدْوَهُ به كتشبيهه بالنار في كثرة حركتها(2).
أقول: من الواضح أنَّ الراغب لم يجزم بشيءٍ من هذه الآراء، وإنّما عرضها كأُطروحات مصحّحة للمعنى، كما يمكن أن يكون المراد الرطوبة الخارجة من فم الفرس عند الركض. واستشكل المشهور على هذا القول؛ لأنَّ الإبل والإنسان لا تخرج منه رطوبة، بل يجفّ فمه عند العدو، فمع تعيّن هذا الوجه، يتعيّن أن يكون المراد بالعاديات الجياد.
سؤال: ما هو إعراب: {ضَبْحَاً}؟
جوابه: لذلك عدّة أُطروحات:
الأُولى: ما قاله العكبري عنها: مصدر في موضع الحال، أي: والعاديات ضابحة(3).
الثانية: منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ مطلق لفعلٍ من غير لفظه.
الثالثة: منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ به لفعلٍ محذوف تقديره: اضبحي ضبحاً، أي: اركضي ركضاً، وفرقها عن الثانية أنَّها هنا تصحُّ لو كانت معرفة، وهناك تصح لو كانت نكرة، كأنَّه قال هنا: اركض الركض.
ــــــــــــ[391] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 345.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 300، مادّة (ضبح).
(3) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 292، سورة القارعة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وكلا الأُطروحتين الأخيرتين قابلةٌ للمناقشة:
أمّا الأوّل فلأنَّه لا يصحُّ مفعولاً مطلقاً إلّاَ بتقدير أمرٍ قبله، أي: اضبحي ضبحاً، وهو هنا ممّا لا يصحُّ؛ لأنَّه منافٍ للقسم، فلو صدق للزم إلغاء القسم. وإنّما قد يصحُّ إذا كان على نحو النداء، يعني: يا أيّها العاديات، اضبحي ضبحاً.
وأمّا الثاني فلأنَّه يلزم منه التكرار بالمعنى؛ لأنَّ العاديات بمعنى الراكضات، فيكون معنى الركض مأخوذاً في كلا اللفظتين: العاديات وضبحاً، وهو خلاف الظاهر؛ فإنَّ المفروض تعدّد المعنى، كما لو فهمنا من الضبح الرطوبة الخارجة من فم الفرس، فيكون حالاً أو في موضع الحال، كما قال العكبري.
إلّاَ أنَّ هذه الكبرى غير تامّة؛ لأنَّ التكرار وإن كان غالباً سمجاً، ولكن مع ذلك قد يكون صحيحاً، كما في المفعول المطلق، فيكون احتمال كونه مفعولاً مطلقاً باقياً إلى هذا الحدِّ من التفكير.
ثُمَّ إنَّ معنى الآية الكريمة (العاديات تضبح ضبحاً) له نحوٌ من الحثِّ السياقي، وإن لم يكن أمراً مقدّراً، فكأنَّه تشجيعٌ على العدو والضبح، فله إفادة الأمر، وإن لم يكن أمراً.
إن قلت: أمرُ العاديات بأن تعدو هو من تحصيل الحاصل، وهو لغوٌ أو مستحيل.
قلت: جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أن نفسّر الضبح بغير العدو، وهو الركض، بل نفسّره بأنفاس الفرس أو برطوبة فَمِها، فينسدّ السؤال.
ــــــــــــ[392] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الوجه الثاني: أن نقول: إنَّه أمرٌ بزيادة العدو وسرعته، بحيث يكون العدو السابق عليه منزّلاً منزلة العدم.
الوجه الثالث: أنَّه لو كان المنظور في عنوان العاديات هي كونها متّصفة فعلاً بذلك، كان أمرها محالاً، بعد التنزّل عن الوجوه السابقة، إلّاَ أنَّه يمكن القول: إنَّ النظر في هذا العنوان إلى الذات لا إلى الصفة، يعني: ذوات العاديات لا بصفتها عاديات، وهو استعمالٌ عرفيٌّ أحياناً، باستعمال الإشارة إلى الذات بالصفة الغالبة لها أو الأهمِّ فيها.
فإن قلتَ: يمكن أن تكون (ضَبْحَاً) مفعولاً به للعاديات؛ باعتبارها اسم فاعل، فهو يعمل في نصب المفعول.
قلت: هذا لا يتمُّ لعدّة وجوه:
أوّلاً: أنَّ (عدا) لازمٌ، فإذا تعدّى ينبغي أن يكون بحرفٍ لا بالمباشرة. تقول: عدا عليه، والحرف غير موجود.
ثانياً: أنَّ هذا مفعولٌ به، فما هو فاعله؟
له أحد تقديرين كلاهما رديء:
1. أنَّ يكون ضميراً تقديره هي.
2. أن يكون اسم الفاعل مستغنياً بالمفعول به عن الفاعل، وهو رديء أيضاً؛ إذ لا يكون أهمّ من الفعل، وتلك صفة لا تكون للفعل، فكيف تكون له؟!
ثالثاً: أنَّه بعد التنزّل عن الوجهين السابقين، فإنَّه يكون فرض المفعول به معناه: أنَّ العدو أو الاعتداء على الضبح نفسه، وهو سخفٌ في التفكير.
سؤال عن معنى قوله تعالى: {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً}:
ــــــــــــ[393] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
جوابه: [قال] العكبري: قدحاً مصدر مؤكّد؛ لأنَّ الموري القادح(1).
أقول: أي: يكون مفعولاً مطلقاً، كأنَّه قال: القادحات قدحاً، والأُطروحات التي قيلت في (ضبحاً) تقال هنا أيضاً:
أوّلاً: إنَّها مفعولٌ به لفعلٍ مقدّر، كأنَّه قال: اقدحي قدحاً، والتقدير خلاف الأصل، ولا يتعيّن إلّاَ مع الانحصار.
ثانياً: إنَّها مفعولٌ به للموريات، ولا يرد الإشكال السابق؛ لأنَّ (أورى) متعدٍّ بنفسه، ولكن ترد عليه الإشكالات الأُخرى.
ثالثاً: إنَّها مصدرٌ سدَّ مسدَّ الحال، أي: الموريات إيراء، أي: حال كونهم كذلك.
سؤال: هل إنَّ المُورِيَات والقادحات بمعنى واحد، كما سبق أن سمعنا من العكبري في قوله: >لأنَّ الموري القادح<؟(2) فإنَّ المادّتين إن كانتا بمعنى واحد، كان السياق بمنزلة التكرار، وهو رديءٌ؛ لأنَّ الكلمتين متتابعتان لا فاصل بينهما، فيمكن أن يغني أحدهما عن الآخر.
جوابه: أنَّهما ليسا بمعنى واحد، بل بمعنيين؛ لعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ أورى النار أي: أشعلها فارتفع لهبها، يعني: أجّجها. وأمّا القدح فهو إيجادها بعد العدم عن طريق إيجاد الشرار، فقد ذكر العلّة بعد المعلول.
الوجه الثاني: أن نحمل مادّة الموريات على الاقتضاء ومادة القدح على الفعليّة، كما لو أمرنا شخصاً عمله الإشعال بالإشعال.
ــــــــــــ[394] ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 292، سورة العاديات.
(2) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الوجه الثالث: أن نحمل الموريات على القليل من النار والقدح على الكثير منها، عكس ما قلناه في الوجه الأوّل، ولكن يمكن فهم ذلك كأُطروحة بعد ضمِّ مقدّمتين:
الأُولى: أنَّ القدح بمعنى مطلق النار لا خصوص الشرار.
الثانية: أنَّ القدح هو الشرار، ولكن زيادة النار تحتاج إلى قدح جديد (مجازاً أو حقيقة) فيحمل معنى القدح على النار المتزايدة، [ما] يكون ترقّياً من الأقلِّ إلى الأكثر، وليس تــكراراً.
فإن قلت: إنه بغضّ النظر عن ما قلناه ثالثاً، لماذا تقدّم ذكر المعلول على العلّة، وكان الأنسب العكس أي: قدح فأورى؟
قلتُ: يجاب بأحد وجهين:
أوّلاً: حفاظاً للنسق القرآني والسياق اللفظي معاً.
ثانياً: أنَّه ليس فيها فاء دالّة على الترتيب ليدلَّ على تأخّر العلّة عن المعلول، ولذا يكون باختياره تقديم أيٍّ منهما شاء.
بل ما وقع أنسب؛ لأنَّه ابتداءٌ بما هو أهمّ، وهو النار العالية، ثُمَّ يكرّر بيان سببه، وهو القدح البسيط.
سؤال عن معنى قوله تعالى: {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً}:
جوابه: المغيرات اسم فاعل من أغار، وهو الهجوم بدون سابق إنذار، وكان معروفاً لدى العرب، وعليه قوت الغالب منهم، وهو ينتج القتل والسرقة. إلّاَ أنَّه يمكن التجريد عن الخصوصيّة للإخبار عن كلّ حربٍ ومنازلة؛ فإنَّها إغارة على أيِّ حال، وهذا كما يتّفق بالسلاح القديم، قد يحصل بالسلاح الحديث أيضاً.
ــــــــــــ[395] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
والصبح له عدّة احتمالات:
أوّلاً: الفجر، وهو الذي يفسّر به قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّس}(1)، أي الفجر، مع احتمال كونه من استعمال الخاص بالعام.
ثانياً: طلوع الشمس.
ثالثاً: انكشاف الحال قبل الطلوع عند استيقاظ العصافير والدجاج والذباب.
رابعاً: أوّل النهار، كما سنسمع من الراغب.
خامساً: طلوع الحمرة المشرقيّة، وهو ما يظهر من الراغب في >المفردات< حيث قال: الصبح والصباح أوّل النهار، وهو وقت ما احمرّ الأفق بحاجب الشمس. قال تعالى: {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}(2) {فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ}(3)(4).
أقول: وهو طلوع الحمرة المشرقيّة، وتكون في نصف الوقت بين طلوع الفجر وطلوع الشمس تقريباً.
سؤال: لماذا قيّد الإغارة في الصبح؟
جوابه لأكثر من وجه:
الأوّل: أنَّه قيدٌ غالبي يمكن تجريده عن الخصوصيّة، وتركيز الأهمّيّة عرفاً في هذه القضية على الإغارة لا على وقتها.
الثاني: أنَّ وقت الصبح مناسبٌ للإغارة والحرب من أكثر من ناحية:
ــــــــــــ[396] ــــــــــــ
(1) سورة التكوير، الآية: 18.
(2) سورة هود، الآية: 81.
(3) سورة الصافّات، الآية: 177.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 380، مادّة (صبح).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أوّلاً: لغفلة العدّو فيه ونوم أهله.
ثانياً: أنَّه يبقى للجماعة المغيرة زمان كافٍ لتنفيذ الهدف خلال نهار كامل، قبل أن يحجز بينهما ظلام الليل.
سؤال عن معنى قوله تعالى: {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً}:
جوابه: النقع والقتير والعثيرَ والقَتاَمَ هو الغبار، والخيل حينما تضرب على الأرض الرمليّة فإنَّها تثير غباراً كثيراً.
قال الشاعر في مدح أمير المؤمنين×:
جبريل نادى معـــــلناً
والنقـــــع ليس بمنجلي
والمسلمون قد أحدقوا
حـــول النبــي المرسل
لا سيف إلّاَ ذو الفقـــــار
ولا فتـــــى إلّاَ علي(1)
والمراد بالفاعل في الآية (فأثرن – فوسطن-) على المشهور الخيل المهاجم للعدّو.
ونون النسوة إمّا أن يعود على العاديات، وهي مؤنّث مجازي، أو إلى الذات المؤنّثة الحقيقيّة، ويراد بها الخيل.
والضمير (به) قد أُعيد مرّتين، ويوجد في مرجعه احتمالان:
أوّلاً: الضبح، كما هو ظاهر >الميزان<(2)، وهو نحوٌ من الإسناد المجازي.
ثانياً: الصبح، فتكون الباء بمعنى في.
ويرد عليه: أنَّ الباء ظاهرها السببيّة لا الظرفيّة، وصرفها عن الظاهر خلاف الظاهر.
فإن قلتَ: ولكن استعمالها بمعنى (في) جائز: إمّا حقيقةً أو مجازاً، كما هو
ــــــــــــ[397] ــــــــــــ
(1) تذكرة سبط ابن الجوزي: 30، والقصيدة لشاعر الرسول حسّان بن ثابت.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 345.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مقررٌ في علم الأصول.
قلتُ: ولكنّه مع ذلك خلاف الظهور الأوّلي للآية؛ فإنَّ ظهورها في السببيّة أوضح، وعندئذٍ لا يكون مرجع الضمير هو الصبح بل شيءٌ آخر، كالعَدْو أو القتال، أي: بسببه.
وإن قلتَ: إنَّ فهم القتال من السياق وإن كان ممكناً، إلّاَ أنَّه يحتاج إلى نحوٍ من التقدير.
قلتُ: يمكن الاستغناء عن معنى القتال إلى معنى العدو، وهو مذكور في الآية في مادّة (العاديات)، والعدو يثير النقع، فيرتفع الإشكال مع حفظ الباء للسببيّة.
****
وقوله تعالى: {فَوَسَطْنَ}:
أي: توسّطن في داخل الجمع وخلاله وفي قلبه، والمراد به كتيبة العدو، كما في >الميزان<(1).
وقال: أو المعنى: فتوسّطن جمعاً ملابسين للنقع(2).
أقول: على معنى أن تكون (به) قيداً لما بعدها، وهو الجمع، لا لما قبلها، فتأمّل.
قال: وقيل: المراد توسّط الآبال جمع منى. وأنت خبير بأنَّ حمل الآيات الخمس بما لمفرداتها من ظواهر المعاني على إبل الحاج الذين يفيضون من جمعٍ
ــــــــــــ[398] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 345.
(2) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إلى منى خلاف ظاهرها جداً(1).
أقول: سيأتي عمّا قليل بعض الكلام عن ذلك، فانتظر.
والآن لابدّ من تطبيق معاني الآيات على المعاني الخمسة للعاديات، بعد أن توضّحت لنا تفاصيل المعاني، وذلك كما يلي:
المعنى الأوّل: وهو المشهور جدّاً بين المفسّرين، بما فيهم صاحب >الميزان<، حيث قال: وقيل: والمعنى: فأقسم بالخيل الهاجمات على العدّو بغتة في وقت الصبح(2).
المعنى الثاني: الإبل الذاهبة إلى منى أو إلى أيِّ مكان، ويفترض أنَّها لا تمشي الهوينا، بل تؤمر بالركض وتُحثُّ عليه للوصول إلى الهدف في أسرع وقت، فنطبّق ذلك على تفاصيل الآيات:
{ضَبْحَاً}: والضبح كما عرفنا صفة للخيل، ولكن يمكن أن يكون صفة للإبل مجازاً.
{فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً}: فإنَّ الإبل ليس فيها نعلٌ لتقدح الأرض، فلابدَّ من حمله على المجاز؛ لأنَّ القدح بمعنى: قدح العود الذي يدلّ على الحرارة، والسرعة أيضاً تنتج الحرارة، فتكون قابلةً للانطباق على الإبل والأفراس معاً.
{فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً}: يمكن تجريدها عن خصوصيّة الإغارة الحربيّة إلى كلّ مجيءٍ بهمّةٍ وبسرعة، فهو بمنزلة الغارة.
{فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً}: ويكون المراد به الإبل، وفرقها عن الفرس أنَّ الفرس ترجع رجليها إلى الخلف، فتثير غباراً غليظاً، وهو غير موجود للإبل، غير أنَّ
ــــــــــــ[399] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 345.
(2) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الغبار موجودٌ في الجملة على أيِّ حال.
{فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً}: يحتمل فيها جمع الناس، إذا حملناها على مطلق السفر، ويحتمل فيها الأرض التي تسمّى جمع، ولها ثلاثة أسماء: جمع والمزدلفة والمشعر.
ومن فسّر العاديات بالإبل فسّر {فَالمُغِيْرَاتِ صُبْحَاً} بالذهاب إلى منى في صبح عيد الأضحى.
قال صاحب >الميزان<: وقيل: المراد بها الآبال ترتفع بركبانها يوم النحر من جمع إلى منى، والسنّة أن لا ترتفع حتّى تصبح(1).
أقول: ولكن حسب تفسيرنا يكون ذلك واضح الإشكال؛ لأنَّ جمع هو المشعر، فيكون المراد أنَّهم دخلوا المشعر، لا أنَّهم خرجوا منه.
فإن قلتَ: فكيف يكون زمن الصبح؟
قلتُ: إنَّ دخول المشعر يكون في الصبح من الفجر إلى طلوع الشمس.
المعنى الثالث: الناس الحجّاج، والنتيجة واحدة مع الوجه السابق؛ لأنَّ الحجّاج لا يكونون راجلين بل راكبي الإبل، فهنا نقصد الراكب، وهناك قصدنا المركوب (وهو الإبل).
المعنى الرابع: السالكون طريقة الهداية والرحمة، ونطبّقه على تفاصيل الآيات:
{ضبَحْاً}: شدّة التعب الذي يصيبهم في سبيل الله أو في تركهم الدنيا وتحمّل بلاءها وصعوباتها.
{فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً}: إمّا أن نقول: إنَّ القدح هو العطاء والنور الإلهي، وإمّا أن نقول: إنَّه السرعة في السير والتكامل.
ــــــــــــ[400] ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 345.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
{فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً}: يعني المقابلات صبحاً، أي: حين الفجر، وهو مصداق لقوله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ}(1). ويمكن تفسير الصبح بمن ترك ظلام المطامع الدنيويّة أو بإشراق شمس الهداية والكمال.
{فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً}: فإنَّ الغبار ممّا لا مناص منه من أثر ضغط النفس والعقل والشبهات والآمال القصيرة.
{فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً}: إن قلنا: إنَّ الجمع جماعة من الناس، فهو قد توسّطهم بعد الوصول إلى تلك الدرجة من الكمال، وهم الملأ الأعلى أو نحوه، وإن قلنا: إنَّه اسمٌ لأرض المشعر، فهي الأرض المقدّسة أو المرتبة التي يصل إليها الإنسان
المعنى الخامس: العاديات أنَّها تنطبق على كلّ ذي هدف: كطالب العلم وطالب الشهرة وطالب المال وأضرابهم، يريد السرعة والهمّة في الحصول على نتائجه، وعندما يصل إليها يصدق قوله: {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً}.
أمّا قوله: {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً}:
فهي الموانع والمعوّقات عن الوصول إلى الهدف، كما قال الشاعر: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن(2).
بل قد يكون بفعل الفرد نفسه من حيث لا يعلم أو من نتائج عمله.
و{جَمْعاً} يمكن أن نفهم منه الهدف نفسه، أو أن نفهم منه جمع الناس
ــــــــــــ[401] ــــــــــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 17.
(2) هذا البيت للمتنبّي وهو يجري مجرى الأمثال ومطلع القصيدة:
بمَ التعلّلُ لا أهلٌ ولا وطنُ
ولا نديمٌ ولا كأسٌ ولا سكنُ
أُنظر: مدح المتنبي لكافور، أعيان الشيعة 2: 528.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
المستهدفين لنفس الهدف، وكأنَّه يريد المال، فأصبح من الأثرياء أو بينهم، إلى معانٍ أُخرى محتملة للسياق لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.
ولابدَّ أن نلتفت إلى أنَّ هذه السورة قد حفظت سياقاً ونسقاً للقسم، وهو يتغيّر بعد ذلك مباشرةً؛ لحكمةٍ ندركها، وهو الإشعار والإشارة إلى الاثنينيّة بين القسم والمقسم له، أو قل: الإشارة إلى النتيجة بعد الانتهاء من المقدّمة ثبوتاً أو إثباتاً.
سؤال: ما هو معنى كنود في قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}؟
جوابه: قال الراغب في المفردات: قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} أي: كفور لنعمته، كقولهم: أرض كنود إذا لم تنبت شيئاً(1).
وأيّده صاحب >الميزان< قال: الكنود الكفور(2).
أقول: وهو استعمالٌ مجازيٌّ لطيف، وإشكاله: أنَّه حينئذٍ ينبغي أن يقال: بربّه لكنود؛ لأنّنا نقول: كفر به لا كفر له.
فإن قلتَ: فإنَّ استعمال اللام بمعنى الباء مجازاً محتمل.
قلتُ: هو محتمل، ولكنَّه لا يتعيّن إلّاَ مع الانحصار، وسنبيّن أنَّه غير منحصر، فيتعيّن المعنى الحقيقي للام.
إذن ليس المراد بالكنود الكفور. نعم، هم فهموا ذلك من الأرض غير المنتجة، والكافر بمنزلتها، ولكنّه مع ذلك ليس هذا معنىً منحصراً؛ فإنَّ الإنسان غير المنتج له عدّة معان:
الأوّل: أنَّ الإنسان غير نافع لربِّه كالأرض التي لا تنبت شيئاً؛ من
ــــــــــــ[402] ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 460، مادّة (كند).
(2) الميزان في تفسير القرآن20: 346.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
حيث إنَّ الله سبحانه غنيٌّ عن العالمين، كما قال في الدعاء: >إلهي أنت الغنيُّ بذاتك أن يصل إليك النفع منك، فكيف لا تكون غنياً عنّي<(1).
الثاني: أنَّ الإنسان قليل الطاعة، كما قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}(2) وقال: {وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}(3).
الثالث: أنَّه قليل الالتفات إلى الآخرة وكثير الغفلة عنها، كما قال تعالى: {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}(4).
الرابع: أنَّ الآية الكريمة لم تتعرّض لمتعلق القلّة، وأنَّ الإنسان كنود من أيِّ جهة؟ بل تركت الباب مفتوحاً لأجل أن يُملأ بأيِّ شيءٍ معقولٍ يمكن أن يخطر على البال، فيمكن أن يقال: إنَّ المراد قلّة الاهتمام بأُمور الدنيا وقلّة الأخذ بزبرجها وزخارفها قربة إلى الله تعالى، ومعنى القربة مفهومٌ من قوله تعالى: (لربِّه).
فإن قلتَ: فإنَّ هذا لا يحصل إلّاَ للقليل، مع أنَّ الألف واللام جنسيّة، فيدلُّ على اتّصاف نوع الإنسان بالصفة، لا حصّة منه، فيدلُّ على فساد المعنى الرابع.
قلتُ: جوابه من عدّة وجوه منها:
أوّلاً: أن نقيّد الإنسان بالإنسان المهتمّ بآخرته، وهو كنود من الدنيا ومن مصالحه الشخصيّة، إلّاَ أنَّ هذه الوجه على خلاف الأصل.
ــــــــــــ[403] ــــــــــــ
(1) إقبال الأعمال: 349، دعاء عرفة، وعنه: البحار 95: 226.
(2) سورة سبأ، الآية: 13.
(3) سورة الأحزاب، الآية: 72.
(4) سورة الروم، الآية: 7.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثانياً: أنَّ الإنسان له إطلاقان:
أحدهما: مطلق الإنسان، وله حصص كثيرة، كالعربي والهندي، والمؤمن والفاسق.
وثانيهما: الإنسان المطلق، وهو صنفٌ واحد، وهم أولياء الله، وإن قسنا إنسانيّتهم إلى مطلق الإنسان كانت بمنزلة قياس الوجود للعدم، ومعه يمكن أن نفهم منها الإنسان المطلق لا مطلق الإنسان.
فإن قلتَ: ولكن الألف واللام هنا جنسيّة، فتشمل كلّ البشر.
قلنا: نعم، هي جنسيّة، والألف واللام الجنسيّة تستوعب أفراد مدخولها، فإذا فهمنا مدخولها الإنسان المطلق استوعبت أفراده، وليس لها أن تستوعب كلّ أفراد الإنسان.
فالإنسان المطلق صفته أنَّه لربِّه لكنود، وليس الكافر، كما عليه مشهور المفسّرين، فقد أراده المفسرون شرّاً وأردناه خيراً!!
وكذلك على الوجهين في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}.
فإنَّ الخير يمكن فهمه على وجوه:
الأوّل: المال، وعليه المشهور، كما في قوله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْراً….}(1) أي: ثروة.
الثاني: مطلق الخير، كما احتمله الطباطبائي+، حيث قال: ولا يبعد أن يكون المراد بالخير مطلقه، ويكون المراد: أنَّ حبَّ الخير فطريٌّ للإنسان، ثُمَّ إنَّه يرى عرض الدنيا وزينتها خيراً، فتنجذب إليه نفسه، وينسيه ذلك ربَّه أن يشكره(2).
ــــــــــــ[404] ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 180.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 347.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أقول: وهذا معناه أنَّ السياق غير مختصٍّ بالكافر والفاجر؛ لأنَّ كلّ الناس مجبولون على ذلك، وكذلك الحال بناءً على الوجه الأول، فيكون هناك نحو تنافٍ بين تفسير المشهور للآيتين، ولا يبقى وجهٌ للإشارة لحبِّ الكافر بالخصوص للمال، مع حبِّ الجميع له.
الثالث: الخير المطلق، وهو الله سبحانه؛ فإنَّه عين الكمال وحقيقته، حتّى سمّي بالخير في قوله تعالى: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً}(1) على مناقشةٍ سبقت في سورة الفلق.
فيكون المعنى: وإنَّه لحبِّ الله لشديد، فيكون السياق دالاًّ على الفضلاء لا على الفجّار.
سؤال: ما هو معنى شهيد في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ}؟
جوابه: أنَّ فيه عدّة أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: ما عليه المشهور من: أنَّ الشهيد بمعنى الشاهد. قال في >الميزان<: فالمعنى: وإنَّ الإنسان على كفرانه بربِّه شاهدٌ متحمّل(2).
أقول: يعني: متحمّل، فالآية تكون في معنى قوله تعالى: {بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}(3).
الأُطروحة الثانية: أنَّه بمعنى المقتول في سبيل الله: إمّا حقيقةً، أي: في حرب جهاديّة صحيحة، أو لقتله الشهوات والنزوات من نفسه.
فإن قلتَ: فإنَّ هذا المعنى لا يناسب قوله (على ذلك) فيكون هذا قرينة
ــــــــــــ[405] ــــــــــــ
(1) سورة يوسف، الآية: 64.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 346.
(3)سورة القيامة، الآية: 14.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
على فهم المشهور؛ باعتبار أنَّه يبصره ويراه.
قلتُ: يمكن أن يكون معنى (على ذلك) إضافة على ذلك أو إلى ذلك، فكأنَّه معنى على معنى، أو مضمون إلى مضمون، فلا يكون الجارّ والمجرور متعلّقاً بـ(شهيد)، كما يناسب فهم المشهور، بل متعلّقاً بمحذوف يعني: كائناً على ذلك.
الأُطروحة الثالثة: أنَّه مشاهدٌ لرحمة الله الخاصّة مضافاً إلى الرحمة العامّة.
الأُطروحة الرابعة: أنَّه مشاهدٌ لما ذكر في السورة من أفعاله وأفعال غيره، كالعاديات والموريات وغيرها، إلّاَ أنَّه يلزم على هذا الوجه أن تكون (على) بمعنى اللام.
الأُطروحة الخامسة: أنَّه بمعنى أداء الشهادة يوم القيامة لما رأى وسمع، فيكون شاهداً على نفسه وعلى غيره.
فهنا نرى أنَّه قد انسجمت الآيات الثلاث – على بعض هذه الأُطروحات- على إرادة الخير.
فإن قلتَ: إنَّ هذا منافٍ مع القرائن الآتية، وهي قوله تعالى: {أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ} وهو سياق التهديد، وهو ينافي ما قلناه من إرادة الخير؛ إذ لا حاجة معه إلى التهديد.
جوابه: أنَّه بناءً على فهمنا يكون الاستفهام إثباتيّاً لا استنكاريّاً، فلا يكون للتهديد، يعني: أنَّه يعلم ذلك كلّه، لا أنَّه جاهلٌ به أو بمنزلة الجاهل.
سؤال عن معنى قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}:
جوابه: تقدّم معنى الخير وحبِّ الخير، وقد فسّره المشهور بأنَّه حبُّ المال، وأنَّه شديد البخل به لزيادة حبّه له.
ويرد عليه:
ــــــــــــ[406] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أوّلاً: أنَّ حبَّ الخير بالمال قد يقتضي العكس، وهو زيادة التصدّق به وإنفاقه.
ثانياً: بالإمكان القول بأنَّ الشديد ليس صفة للحبِّ؛ وإلّاَ لكان الأنسب استعمال الباء أو (في)، مع أنَّه استعمل اللام، وإنّما هو شديدٌ لأجل أو من أجل حبِّ الخير. وأمّا متعلّق الشديد فمحذوف، ومضمونه أنَّه لا تأخذه في الله لومة لائمٍ، يعني: في الخير أيّاً كان معناه.
سؤال: ما هو الوجه في استعمال (ما في القبور) بدل (من في القبور)، مع أنَّ المهمَّ هو الحديث عن انبعاث الموتى، وهم من يعقل؟
جوابه لأكثر من وجه:
أوّلاً: أنَّ الإنسان بما هو إنسان هو ممّن يعقل، ولكن المراد هنا جسمه أو جنازته أو التراب الحاصل من ذلك، وكلّها لا تعقل.
ثانياً: أنَّ خروج الموتى يتمُّ ببعثرة التراب في القبور لإخراج من فيها، وهذا يفهم من السياق بالدلالة التضمنيّة لا المطابقيّة، أي: حفر القبور لإخراج الموتى منها.
سؤال: وهل تتوقّف قدرة الباري عزَّ وجلَّ على إخراج الموتى ببعثرة القبور؟
جوابه من وجوهٍ:
أوّلاً: أنَّه كلام على مقتضى القانون الطبيعي والأسباب الاعتياديّة، فيكون هنا بمنزلة المجاز؛ إذ ليس المقصود بعثرة القبور حقيقةً، بل مجرّد إخراج الموتى.
ثانياً: أنَّه كلامٌ مبنيٌّ على الفهم العرفيّ العام، وإن لم يكن على القانون الطبيعي.
ــــــــــــ[407] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثالثاً: أنَّه مجازٌ إذا لم نقل بالبعث الجسماني؛ لأنَّه لا حاجة إلى البعثرة يومئذٍ.
رابعاً: أنَّه مجازٌ من حيث إنَّ أكثر البشر لا قبور لها، بل لا يوجد قبور يومئذٍ إطلاقاً، وإنّما يُراد بها إمكان تواجد بقايا تلك الأجساد.
سؤال: لماذا تقدّمت الهمزة على الفاء في قوله تعالى: {أَفَلا يَعْلَمُ…}؟
جوابه: أنَّه أفصح في اللغة العربية، كقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}(1) {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ}(2) {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ}(3) {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ}(4) ولا فرق في ذلك بين الإثبات والنفي.
فإن قلتَ لمجرد التوضيح: إنَّ الفاء متقدّمة في قوله تعالى: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ}(5) فليكن هنا كذلك.
قلتُ: إنَّ الهمزة في المقيس عليه أصليّة، وليست استفهاميّة، والتقدّم للاستفهاميّة لا للأصليّة، وهذا رباعي (مزيد فيه) من جاء، ومعناه قُهر على المجيء أو حُمل عليه حملاً؛ باعتبار أنَّ المخاض يقهر المرأة ويزعجها.
سؤال عن معنى الفاء في قوله تعالى: {أفَلا}:
جوابه: لها أُطروحتان:
الأُولى: أنَّها للتفريع لإعطاء النتيجة من قوله: {إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}
ــــــــــــ[408] ــــــــــــ
(1) سورة الجاثية، الآية: 23.
(2) سورة الواقعة، الآية: 63.
(3) سورة الواقعة، الآية: 58.
(4) سورة الأنبياء، الآية: 50.
(5) سورة مريم، الآية: 23.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وهي نتيجة عقوبة وتهديد على المشهور.
الثانية: أنَّها فاء جواب الشرط متقدّمة، كأنَّها داخلةٌ على قوله تعالى: {إنَّ ربَّك} أو أنَّ جملة: {أَفَلاَ يَعْلَمُ} جواب شرط متقدّم.
وهذا واضحٌ لو قلنا بضرورة دخول الفاء، ولو باعتبار أنَّه أفصح، والقرآن يختار الأفصح.
وأمّا إذا لم نقل بضرورتها وقلنا: إنَّ عدمها لا ينافي الفصاحة أو قلنا: إنَّ للقرآن أن يختار بعض ما لا يتّفق مع الفصاحة – من باب: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}(1) يعني: حتّى ما ينافي الفصاحة- إذن يتعيّن أن تكون الفاء تفريعيّة؛ لظهورها الأوّلي في ذلك، والشكُّ في كونها شرطيّة.
سؤال عن زمن العلم في قوله: {أَفَلا يَعْلَم}:
جوابه: فيه عدّة أُطروحات من حيث الزمان:
الأُولى: أنَّه يعلم بيوم القيامة في حينه، وهذا هو المناسب مع كونه كافراً به الآن، كما عليه المشهور.
الثانية: أنَّه يعلم بها الآن؛ لأنَّه يعلم بيوم القيامة.
الثالثة: أنَّه خطاب لفسّاق المسلمين، يعني: كيف تذنب وأنت تعلم بيوم القيامة؟!
وكلُّ هذه الأُطروحات صحيحة بمعنى من المعاني، لكنَّهم أجناس يختلفون في ذلك، فالكافر تنطبق عليه الأُطروحة الأُولى، والمؤمن تنطبق عليه الأُطروحة الثانية، والفاسق الثالثة؛ لأنَّ العلم من الأُمور المشكّكة التي قد يحصل التدّرج فيها.
ــــــــــــ[409] ــــــــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 38.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: ما المراد بقوله تعالى: {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ}؟
جوابه: ما في الصدور هي النوايا والارتكازات والذكريات وغير ذلك ممّا في باطن النفس.
والمراد بالتحصيل: إمّا ثبوتي وإمّا إثباتي، فما يحصل ثبوتاً هو بروز المرتكزات من القوّة إلى الفعل، وذلك عن طريق أسبابها في الدنيا، وأمّا الإثباتي فهو بمعنى التعرّف عليه والتذكير به في الآخرة.
وأمّا عن الصدور فهي كوامن النفس ومحتوياتها، وإنّما عبّر بالجمع باعتبار تعدّد الأفراد المقصودين.
وليس الآن محلُّ الكلام في التفريق بين القلب والصدر في القرآن الكريم، بل له فرصةٌ أُخرى إن شاء الله تعالى، وإنّما لنا الآن أن نُعِدَّهُما بمعنى واحد، كما هو إحدى الأُطروحات، فيكون المراد بالصدور أحد معنيين:
أوّلاً: كوامن النفس اللاشعوريّة.
ثانياً: ما هو مخزون في الذاكرة.
فهنا مستويان من التفكير:
المستوى الأوّل: أنَّ الذاكرة من سنخ العقل، والعقل في الرأس عرفاً، وليس في الصدر، وإنّما في الصدر العواطف والكوامن.
المستوى الثاني: أنَّ الذاكرة مناسبة مع تحصيل الآخرة وحسابها؛ لأنَّه يتذكّر ما مرّ عليه في الدنيا، وفي الحديث: >في الدنيا عملٌ ولا حساب، وفي الآخرة حسابٌ ولا عملٌ<(1).
ــــــــــــ[410] ــــــــــــ
(1) نهج البلاغة (شرح محمّد عبده) 1: 93، باب المختار من خطب أمير المؤمنين، الخطبة: 42، الكافي 8: 58، كتاب الروضة، الحديث: 62، خصائص الأئمّة (للشريف الرضي): 96.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إذن فمن الممكن جعل الصدور قرينة متّصلة على كون المراد حصول التحصيل في الدنيا.
فإن قلتَ: فإنَّ قوله تعالى: {وبُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} قرينة قطعيّة على أنَّه يحصل في الآخرة؛ لأنَّ بعثرة القبور تكون يومئذٍ.
قلت: يمكن المناقشة في ذلك بوجوه:
أوّلاً: أنَّ الآية غير واضحة في أنَّ البعثرة والتحصيل يكونان في زمان واحد، وإن كان لا يبعد أن تكون الإشارة إلى السابق قبل اللاحق.
ثانياً: أنَّه يمكن أن يكون للقبر معانٍ أُخرى؛ فإنَّ حاصله وجود ما هو مخفيٌّ فيه، وهو الميت وظهوره بعد الكمون، وكذلك كوامن النفس لا حركة فيها كالميّت، فتخرج بالتمحيص، وكذلك الذاكرة؛ فإنَّ المنسيَّ بمنزلة الميّت، فيظهر بالتذكّر.
وحيث قلنا: إنَّ الأقرب تحصيل ما في الصدور في الدنيا، فبعثرة القبور أيضاً يكون بالمعنى المناسب لها، ومن الواضح أنَّ البعثرة من قبيل إزالة المانع في طرف العلّة، والتحصيل بمنزلة المعلول، فيكون الأوّل متقدّماً على الثاني، وقوله: {يَوْمَئِذٍ} يدلُّ على أنَّ المراد كلا هذين المعنيين؛ لأنَّ يومهما واحدٌ عرفاً.
سؤال: أثاره الرازي في هامش العكبري حيث قال: كيف قال الله تعالى: {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ}، مع أنَّه أخبر بهم في كلّ زمان، فما وجه تخصيص ذلك اليوم؟(1).
جوابه: ما ذكره في جوابه بقوله: معناه: أنَّ ربّهم سبحانه مجازيهم يومئذٍ عن أعمالهم، فالعلم مجازٌ من المجازات. ونظيره قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا
ــــــــــــ[411] ــــــــــــ
(1) أُنموذج جليل: 586، سورة العاديات.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فِي قُلُوبِهِمْ}(1). معناه: يجازيهم على ما فيها؛ لأنَّ علمه شاملٌ لما في قلوب كلّ العباد. ويقرب منه قوله تعالى: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ}(2)(3).
أقول: أمّا أنَّ السياق سياق المجاز فنعم، ولكن هذا يتمُّ على أشكال عديدة:
أوّلاً: أنَّه يقال عرفاً: إنّي أعلم ماذا أفعل، أي: في ذلك المورد؛ فإنَّه وإن كان يعلم دائماً ماذا يفعل، إلّاَ أنَّه مادام بصدد حديث معيّن، فهو يكون قرينة على أنَّ المراد وجود التخصيص بذلك.
ثانياً: أنَّه يقال عرفاً: إنّي أعلم ماذا افعل، أي: في مقام العقوبة والتنكيل، وهذا واضحٌ عرفاً، ومن الممكن حمل الآية عليه.
ثالثاً: أن يكون بتقدير مضاف أو كلمة بين حرف الجرِّ والضمير في قوله: (بهم) هو استحقاقهم من الثواب والعقاب أو بمستواهم من الإيمان أو الكفر.
غير أنَّ التقدير خلاف الأصل ولا يصار إليه إلّاَ مع الانحصار.
رابعاً: أنّنا نقدّر في المحلِّ المشار إليه معنى (مستواهم)؛ لأنَّ مستواهم عين ذاتهم، ولا يحتاج إلى تقدير؛ فإنَّه إذا علم بمستواهم علم بهم أنفسهم.
خامساً: ما قاله الرازي – كما سمعنا – من أنَّ العلم بمعنى المجازات مجاز لفظيّ، فتصل إليه النوبة بعد غضِّ النظر عن الوجوه السابقة، وهو وجهٌ رديء؛ لأكثر من مناقشة:
ــــــــــــ[412] ــــــــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 63.
(2) سورة غافر، الآية: 16.
(3) أُنموذج جليل: 586، سورة العاديات.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأُولى: أنَّ المستعمل ليس هو لفظ العلم ليكون مجازاً في المجازات، بل الخبير، ولا ملازمة بين قصد المجازات في الآيات الأُخرى وقصدها في هذه الآية؛ لتعدّد المادّة، والمعنى لا يكون مجازاً بل اللفظ.
الثانية: أنَّه إذا كان خبيراً بمعنى معاقب، لزم استعمال (لهم) لا (بهم)؛ لأنَّ العقاب يتعدّى باللام.
اللّهمّ إلّاَ أن يُقال باستعمال الحرف مجازاً أيضاً، فنبتلي بمجازين، في حين يكفينا في التقدير تجوّز واحد، بل لا حاجة إلى التقدير، كما قلنا؛ لأنَّه سبحانه يعلم بهم أنفسهم.
وهنا نكتةٌ كلاميّةٌ يحسن مجرّد الإشارة إليها؛ فإنَّه سبحانه وإن كان خبيراً بهم دائماً، إلّاَ أنَّ المراد هنا هو العلم المتجدّد في عالم المحو والإثبات، لا العلم الأزلي.
وهذا العلم المتجدّد يحصل بعد تحوّل ما بالقوّة إلى ما بالفعل نتيجةً للبلاء والتمحيص، فيكون علماً بمعلول التمحيص، كما في قوله تعالى: {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}(1).
فإذا أصبح صابراً كتب في الصابرين، وإذا أصبح مجاهداً كتب في المجاهدين، وإن أصبح معانداً كتب في المعاندين، وهكذا، فالعلم ينطبق على ما هو موجود فعلاً من قيود الزمان والمكان، وهو المراد من: (يومئذٍ) أو (عندئذٍ)، أي عند إنتاج التمحيص لمعلوله.
فهو سبحانه خبيرٌ بمستواهم الذي هو نفس ذواتهم كما قلنا، وهذا كما ينطبق في الآخرة ينطبق في الدنيا أيضاً.
ــــــــــــ[413] ــــــــــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 142.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
ــــــــــــ[415] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سورة الزلزلة
وفي تسميتها عدّة أُطروحات:
أوّلاً: الزلزلة، وهو المشهور؛ فإنَّه وإن كان لفظ الزلزلة غير موجود، إلّاَ أنَّ مادّتها موجودة.
ثانياً: الزلزال، كما في بعض المصادر(1)، وهو لفظٌ موجود في السورة مع حذف المضاف.
ثالثاً: السورة التي ذكر فيها الزلزال، إذا سرنا على حسب ما ذكره الشريف الرضي في >مجازات القرآن<.
رابعاً: {إِذَا زُلزِلَتِ}، يعني: باللفظ الذي بدأت به السورة.
خامساً: برقمها في المصحف السائد، وهو: 99.
سؤال: ما هو معنى الأرض في قوله تعالى: {إِذَا زُلزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} وما المراد من زلزالها؟
جوابه: أنَّ هنا عدّة احتمالات باعتبار انقسامات ثلاثة:
الانقسام الأوّل: أنَّ الأرض هل يُراد بها الأرض المادّيّة المعهودة أو الأرض المعنويّة؛ باعتبار أنَّ النفس لها أرضٌ وسماء، فأرضها الشهوات وسماؤها العقل.
ــــــــــــ[417] ــــــــــــ
(1) تفسير علي بن إبراهيم القمّي 2: 433، تفسير التبيان 10: 392، تفسير الأصفى 2: 1466، التحرير والتنوير (لابن عاشور) 30: 486.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الانقسام الثاني: أنَّ الزلزلة هل تحدث بقانون طبيعي أو سبب غير طبيعي؟
الانقسام الثالث: أنَّه هل يتحرّك بالزلزلة المجموع أم البعض؟
فتكون الاحتمالات ثمانية ناتجة من ضرب الاثنين في نفسها ثلاث مرّات 2×2×2.
وسنتعرّض فيما يلي لمجملها.
مقتضى فهم المشهور أنَّ المراد من الأرض الكرة الأرضيّة.
فيرد عليهم هنا سؤال هو: هل إنَّ الزلزلة المذكورة تشمل كلّ الأرض أم بعضها؟ فإن كانت تشمل الأرض كلَّها، فيرد عليه إشكالان:
الإشكال الأوّل: عدم تحقّق ذلك تاريخيّاً.
الإشكال الثاني – وهو الأهمُّ-: أنَّهم قالوا في علم الفلك: إنَّ سبب عدم الإحساس بحركة الأرض حول نفسها ونحو ذلك هو: أنَّ الحركة فيها كلّيّة، وليست موضعيّة، أو قل: إنَّها حركة مجموعيّة لمجموع الأرض، وليست لجزئها، ومن جملة مصاديقها ما إذا كان الإنسان راكباً في واسطة نقل، فإنَّه لا يحسُّ بحركتها ولا حركته، مع كونهما متحرّكين واقعاً.
فإذا عرفنا ذلك فإنَّ الزلزلة إذا أصابت كلّ الأرض، فستكون حركتها كلّيِّة، ولن يحسَّ بها مهما كانت سريعة، هذا مضافاً إلى وجود الجاذبيّة، ووضوح أنَّ الأرض حينئذٍ تتحرّك مع طبقاتها الهوائيّة، وليس وحدها، وهذا يدعم عدم الإحساس بالحركة.
ومعه يتعيّن على فهم المشهور أن تكون حركة الزلزلة في جزء الأرض لا في الجميع، في حين أنَّه يفهم من الأرض كلّ الأرض لا الجزء، فيقع في تهافتٍ
ــــــــــــ[418] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
واضح، فلابدَّ من عرض الأمر بشكل آخر.
وذلك لهم عدّة فهوم:
الفهم الأوّل: أنَّ المراد من الأرض مجموع الأرض، ومن الزلزلة حركتها حول نفسها طبيعيّاً.
إلّاَ أنَّه لا يتمُّ لأمرين:
أحدهما: أنَّ السياق سياق التهويل والتهديد، وهذه الحركة فاقدة لذلك.
ثانيهما: أنَّ السياق دالٌّ على أنَّ هذه الحركة لم تحدث لحدِّ الآن وأنَّ التنبؤ قائمٌ على حصولها في المستقبل، كما هو المستفاد من قوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ}، مع أنَّ هذه الحركة متحقّقة فعلاً.
الفهم الثاني: أن يكون المراد الزلازل الاعتياديّة لجزءٍ من الأرض.
ويرد عليه كلا الإشكالين السابقين، مضافاً إلى إمكان القول بأنَّ المراد من الأرض كلُّها لا جزؤها، ولو باعتبار أنَّ الأصل في الألف واللام الجنسيّة لا العهدية، فتأمّل.
الفهم الثالث: أن يُراد تحرّك الأرض كلِّها بشكلٍ غير معهود، كما لو كانت تهتزُّ ونحو ذلك. وبهذا تندفع الإشكالات الواردة على الفهمين السابقين، مع إمكان دعمه بأنَّ السياق يدلُّ على حدوثه بالمعجزة لا بالقانون الطبيعي، ويكون هذا الفهم مؤيِّداً للمشهور بحدوثه عند يوم القيامة.
الفهم الرابع: أن يُراد تحرّك بعض الأرض بشكل غير معهود.
ويرد عليه – مضافاً إلى ما قلناه في الإشكال على الفهم الثاني- وجهان آخران:
الأوّل: أنَّ قوله: {زِلْزَالَهَا} يشعر بأنَّ الزلزال المشار إليه هو زلزال
ــــــــــــ[419] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
عظيم، بحيث تكون نسبة الباقي إليه كالعدم، وهذا كما يكون قرينة على عدم إرادة الزلازل الاعتياديّة يكون قرينة أيضاً على عدم كونه في جزءٍ بسيطٍ من الأرض، وإن لم يكن اعتياديّاً؛ لأنَّه على كلا التقديرين لا يتّصف بتلك الصفة.
الثاني: قوله: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} مشعرٌ بأنَّ ذلك هو نتيجة الزلزال، والزلزال الموضعي لا ينتج مثل ذلك، بل يصلح هذا وجهاً لمناقشة عدد من الوجوه السابقة أيضاً.
الفهم الخامس: أن يكون المراد بالأرض الأرض المعنويّة، وهي أرض النفس.
فإن قلتَ: ما ربط ذلك بالزلزلة؟
قلت: أن نفهم منها الزلزلة المعنويّة؛ فإنَّ نفس الإنسان تتزلزل عند البلاء الدنيوي وعند الفرح والحزن والغضب والشكوك وغيرها، ولعلَّ كلّ أفراد البشر قد مرّوا في ذلك.
ومعه فيكون المراد من قوله تعالى: {وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا} يعني: صاحب تلك النفس وحاملها.
فإن قلتَ: إنّنا عرفنا أنَّ المراد الإشارة إلى زلزال رئيسي عظيم الأهمّيّة، فهل لدى النفس شيءٌ من هذا القبيل؟
قلت: نعم، ولذلك عدّة مصاديق أوضحها ما يحدث حالة الاحتضار، فتخرج الأرض أثقالها – وهو البدن- ويقول المحتضر: ما لها، ولماذا حصل الألم إلى هذه الدرجة؟
فإن قلتَ: فإنَّ حمل اللفظ – وهو الأرض- على الأرض المعنويّة مجازٌ، وهو منافٍ لأصالة الحقيقة.
ــــــــــــ[420] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قلنا: نعم، إلّاَ أنَّ استعمال القواعد اللغويّة العامّة في الفهم المعنوي للقرآن ليس في محلِّه.
الفهم السادس: أن نفهم من الأرض ما على الأرض، لا الأرض نفسها، أي: أن نفهم الجانب الاجتماعي والإنساني من الأرض، كما قال تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}(1) أي: أهل القرية بصفتهم متضمّنين في معنى القرية نفسها، فالأرض متضمّنة للمجتمع أيضاً.
وفي هذا الفهم أنَّ المراد تزلزل المجتمع بالبلاء الدنيوي، أو بأيِّ شيءٍ يشاؤه الله تعالى. {وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا} وهو سقوط المهمّين في المجتمع، {وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا} وهم أفراد المجتمع.
ولكن لماذا يعبّر بالزلزال هنا؟
وذلك لأحد وجوه:
الأوّل: أنَّ البلاء يوجب كثرة حركة الأفراد: إمّا خوفاً أو لقضاء حاجاتهم الآنيّة ونحو ذلك.
الثاني: أنَّ كثرة الحركة هذه توجب حركة في القشرة الأرضيّة، وإن كانت قليلة، فهي تشبه الزلزلة من هذه الناحية.
الثالث: أنَّ أرض النفوس كلُّها تتزلزل من الناحية النفسيّة على العموم.
فإن قلت: فإنّنا استفدنا من الآية الكريمة أنَّ المراد الإشارة إلى زلزال رئيسي للأرض، فلا ينطبق على هذا الفهم، وخاصّةً على الوجه الثاني؛ حيث لا يحصل في قشرة الأرض إلّاَ حركة قليلة.
ــــــــــــ[421] ــــــــــــ
(1) سورة يوسف، الآية: 82.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قلت: نعم، لابدَّ أن يكون المراد حصول بلاء رئيسي في المجتمع أو في المجتمعات أو في البشريّة، ولو باعتبار أشراط يوم القيامة.
وأمّا قصّة القشرة الأرضيّة فهي خارجة موضوعاً، بعد أن نقلنا – بناءً على هذا الفهم – معنى الزلزال من الأرض إلى المجتمع.
سؤال: ما هو معنى (أخرجت) في قوله تعالى: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا}؟
جوابه: إحدى أُطروحتين على الأقلِّ:
الأُولى: أنَّها تخلَّصت ورفضت ولفظت أثقالها، كأنَّ شيئاً مزعجاً كان في داخلها فأخرجته، وهذا هو الأوفق بالفهم المشهوري.
الثانية: أنَّها أبرزت وبيّنت ذلك؛ لأجل مصلحةٍ وحكمةٍ إلهيّة، وأوضح مصاديق ذلك هو إخراجها للكنوز والمعادن عند ظهور الإمام المنتظر (سلام الله عليه)(1)، فهو إظهارٌ لطيفٌ، وليس مزعجاً.
سؤال: ما هي الأثقال التي تخرجها الأرض يومئذٍ؟
جوابه: أنَّ فيها تسعة احتمالات:
الاحتمال الأوّل: الموتى، كما رجّحه الطباطبائي في >الميزان<(2).
ويرد عليه: أنَّ الله تعالى هو الذي يبعث من في القبور، ولا دخل للأرض في ذلك، ونسبة الإخراج تكون للفاعل لا للمكان، وإلّاَ كان مجازاً،
ــــــــــــ[422] ــــــــــــ
(1) أُنظر: أمالي المرتضى 1: 66، المجلس السابع، أمالي الصدوق: 731، المجلس الثاني والتسعون، الحديث: 4، المستدرك على الصحيحين 4: 512، الحديث: 8438، مجمع الزوائد 7: 315، باب ما جاء في المهدي.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 342.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
والأصل التمسّك بالمعنى الحقيقي.
هذا، مضافاً إلى أنّنا نسأل: هل أنَّ عودة الموتى تتوقّف على زلزلة من هذا القبيل؟ نقول:
أوّلاً: إنَّ قدرته سبحانه على ذلك لا تتوقّف على ذلك.
ثانياً: إنَّ أكثر الموتى من البشريّة ليس لهم جثث، بل قد اختلطت أجسامهم بالرمال، وحصول الزلزلة ليس سبباً لإعادة الرمل جسماً، إلّا إذا قلنا: إنَّ ذلك ممّا يحدث بقدرة الله تعالى، فإذا أخذنا قدرة الله بنظر الاعتبار، فلا حاجة إلى الزلزلة.
اللّهمّ إلّاَ أن يُقال: إنَّ المراد أنَّ الأرض تفتّقت عن جثث الموتى إلى الحياة، فيعبّر عن هذا التفتّق أو التفتّح بالزلزلة، ولكنه ليس هو المعنى الحقيقي للزلزلة على أيِّ حال.
إلّاَ أن يكون نظير قوله تعالى {اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ}(1) لحصول اهتزاز التراب بخروج النبات من البذر، إلّاَ أنَّ معنى الزلزلة غير ذلك بالوضع الحقيقي.
الاحتمال الثاني للأثقال: المعادن والكنوز.
وهذا المعنى مشهوريٌّ أيضاً، وله عدّة تطبيقات:
1. فمرّةً نحمله على استخراج المعادن من الأرض من قبل البشر، وإنّما نسب إلى الأرض باعتبارها مكاناً للتعدين، إلّاَ أنَّه لا يناسب السياق العام، كما هو واضحٌ، وأوضح [من] ذلك أنَّها غير مسبوقة بالزلزلة.
2. ما ورد من أنَّ الأرض تلقي بأفلاذ أكبادها من الذهب والفضّة عند
ــــــــــــ[423] ــــــــــــ
(1) سورة الحجّ، الآية: 5.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ظهور المهدي(1).
ويرد عليه ما أوردناه على الأوّل، مع أنَّ كليهما غير مربوط بيوم القيامة، كما عليه المشهور من أنَّ سياق السورة كلِّه مربوط به.
3. أنَّ المشهور يقول: إنَّ الزلزلة يوم القيامة تخرج المعادن من جوف الأرض وتطرحها على الأرض، كما فهموا من السياق، ولعلَّ بعض التقريبات تدلُّ على عدم الحكمة من ذلك وكونه لغواً، واللغو لا يصدر من الحكيم لا إثباتاً ولا ثبوتاً.
مضافاً إلى نكتةٍ أُخرى لا ينبغي إهمالها، وهي: أنَّ سياق الآيات
– حسب فهم المشهور- أنَّ كُلاً من الموتى والمعادن تخرج بنفس الزلزلة.
ونحن نلاحظ أنَّ هذا يحتاج إلى معجزتين، ولا تكفي معجزة واحدة. فإذا أخرجت الأرض المعادن، فكيف سيكون إخراج الموتى؟ وعندئذٍ لابدَّ من مضاعفة المعجزة، ولا حاجة إلى ذلك، فيكون عبثاً أو لغواً، وإنّما يومئذٍ المهمُّ هو إخراج الموتى فقط.
أو نقول: إنَّ المعادن نفسها متكوّنة من جثث الموتى: إمّا باعتبار التعبير مجازاً عن الجثث بكونها معادن، أو أنَّ بعض المعادن متكوّنة من الجثث، كما يقال في النفط من كونه متكوّناً من أجساد متحلّلة من الحيوانات والبشر من ملايين السنين تحت الضغط والحرارة الباطنيّة العالية.
إلّاَ أنَّ ذلك يقتضي تحوّل المعادن إلى أجساد بشريّة لدى الإخراج إلى
ــــــــــــ[424] ــــــــــــ
(1) أُنظر: أمالي المرتضى 1: 66، المجلس السابع، أمالي الصدوق: 731، المجلس الثاني والتسعون، الحديث: 4، المستدرك على الصحيحين 4: 512، الحديث: 8438، مجمع الزوائد 7: 315، باب ما جاء في المهدي.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سطح الأرض، ومعه لن تجد معادن خارجة، وهذا ينافي الوجه الخاصّ بإخراج المعادن.
الاحتمال الثالث للأثقال: أنَّها أخرجت ما على وجهها من سكان ونبات وحيوان؛ فإنَّ الثقل عرفاً يكون على الشيء أو على سطح الأرض لا في الباطن، ويؤيّده قوله تعالى {أَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ}(1) أي: أصبحت خالية منها، إذا أعرضت عنها ولفظتها.
الاحتمال الرابع: أن يكون الثقل ثقل الذنوب والمسؤوليّة وثقل استحقاق العقوبة، ويؤيده قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ}(2) أي: أصبحت أرضاً لم يذنب عليها إنسان، كما ورد(3)، كأنَّ الأرض هي السبب في التنظيف من الذنوب.
الاحتمال الخامس: أن يكون المراد الظلام المعنوي الناتج من الذنب أو المنتج له، وهو القصور والتقصير، كما في قوله تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا}(4) فيتحوّل الظلام إلى النور بعد إلقاء الثقل والتخلّص منه.
الاحتمال السادس: التخلّص من العيوب بحصول الكمال.
الاحتمال السابع: الأعمال.
فإن قلتَ: هل إنَّه نتيجة للزلزلة؟ قلت: نعم؛ فإنّنا إنّما نتحرّك للعمل الرئيسي عند العاطفة الحقيقيّة.
ــــــــــــ[426] ــــــــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآية: 4.
(2) سورة إبراهيم، الآية: 48.
(3) تفسير القمّي 2: 252، سورة الزمر، وعنه: البحار 6: 324.
(4) سورة الزمر، الآية: 69.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فإن قلنا: إنَّ (أخرجت) بمعنى: لفظت أو رفضت، فتكون الأعمال مرفوضة على أحد شكلين:
أحدهما: أن نقول: إنَّ الإنسان قد يكون في حالة يأس من نفع الآخرين وإفادتهم له وقضاء حاجته، فيكون خاملاً لا نشاط له.
ثانيهما: أن نقول: إنَّ الإنسان يكون في درجة من التكامل المعنوي، فلا يقدِّم طاعاته لله عزّ وجلّ، وإنّما يقدِّم ذنوبه فقط، ويحسُّ أنَّه في تقصيرٍ مستمرٍّ.
وإن قلنا: إنَّ (أخرجت) أي: أبرزت، وكان المراد من الأثقال الأعمال- كما عليه هذا الوجه – كان هذا على ضدِّ الشكل السابق، وهو أنَّ الفرد يشعر بطاعاته أمام الله سبحانه وأمام خلقه، وأنَّه تحمّل المصاعب والبلاء في سبيل ذلك، فهو يبرزها ويفتخر بها.
الاحتمال الثامن: أن يكون (أخرجت) بمعنى: أبرزت، على معنى: أنَّها أخرجت وهيّأت خيراتها بعد الظهور، ويكون ذلك نتيجة لزلزلة البلاء السابق عليه.
وهذا المعنى قابلٌ للانطباق على الأيّام الكبيرة عموماً، كظهور الإسلام المسبوق ببلاء الجاهليّة وعبادة الأصنام، أو دخول الجنّة المسبوق ببلاء يوم القيامة.
الاحتمال التاسع: أن تكون أرض النفس قد أبرزت كوامنها بالاختبار والتمحيص، وتلك الكوامن قد تكون هي الإيمان والطاعات، وقد تكون هي الفسق والنفاق.
فإن قلتَ: إنَّ كلّ هذه الأُمور ليس لها ثقلٌ حتّى المادّيّ منها، كالمعادن والموتى والسكّان؛ لأنَّ الثقل العرفي هو المحسوس بالحمل أو الوزن ونحو
ــــــــــــ[426] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ذلك، وليس هذا منه.
قلتُ: يكفي الصدق العرفي للثقل، ويظهر ذلك بتقدير الحمل أو حصول الوزن.
فإن قلتَ: الذنوب والظلمة والمسؤوليّة أيضاً ليس لها ثقل، مع أنَّ نصَّ الآية على وجود الثقل، فتكون قرينة متّصلة على نفي كلّ هذه المعاني، وتبقى المعاني المادّيّة المشهوريّة.
ويؤيد ذلك: أنَّ بعض الأُمور المادّيّة أيضاً ليس لها وزنٌ في حالة وجوده الأصلي في الطبيعة، فكأنَّ وزنه صفر.
قلت: إنَّ هذا كلُّه لا يعني التنزّل عن الإدراك المعنوي لثقل تلك الأُمور المشار إليها، مهما كان ظهورها العرفي ضعيفاً.
سؤال: لماذا يقول الإنسان: {مَا لَهَا}؟
جوابه: أنَّ قوله: {وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا} استفهامٌ يُراد به الاحتجاج أو يدلُّ على حصول الدهشة، كما عليه المشهور، وهم يعنون الأُمور غير المتوقّعة أو الرديئة، وليس الحسنة.
وهذا قابلٌ للمناقشة من وجوه:
أوّلاً: أنَّ الأُمور الحسنة أحياناً لا تكون متوقّعة، فتثير الدهشة، وإن لم تثر الاحتجاج.
ثانياً: احتمال أن يُراد الاستفهام عن استحقاق النفس لطلبها من الله سبحانه.
ثالثاً: أنَّه استفهام استنكاري للاستحقاق يُراد به نفيه.
رابعاً: أن تكون (ما) نافية، فهي لنفي الاستحقاق، يعني: ما لها شيءٌ.
ــــــــــــ[427] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فإن قلتَ: هذا لا ربط له بالزلزلة.
قلتُ: إنْ فهمنا من الأرضِ الأرضَ العرفيّة، فإنَّ السؤال يأتي بعد الزلزلة، أو قل: نتيجةً للزلزلة.
وإن فهمنا من الأرضِ الأرضَ المعنويّة، فإنَّ السؤال يمكن أن يكون خلال التزلزل، ويمكن أن يكون بعده.
إن قلتَ: إنَّ (ما) نافية وليست استفهاميّة.
قلتُ: بل يتعيّن كونها استفهاميّة؛ لأنَّ النافية:
أوّلاً: خلاف السياق.
ثانياً: على خلاف أصالة عدم التقدير؛ لأنَّ التقدير: (ما الذي لها) أو (ما الذي يكون لها)، فالجار والمجرور متعلّق بمحذوف خبر، والمبتدأ محذوفٌ أيضاً، فنحتاج إلى التقدير، بخلاف كونها استفهاميّة، بحيث تصلح بنفسها أن تكون مبتدأ.
فإن قلتَ: فهي موصولة، أي: وقال الإنسان: (ما هو الذي لها؟).
قلتُ: فتكون: إمّا مبتدأ وخبرها مقدّر تقديره: ثابت أو متحقّق، أو تكون صفة، أي: وقال الإنسان الذي لها.
وهذا على خلاف مشهور اللغويّين، إضافةً إلى حذف مقول القول، مع أنَّ المفروض ثبوته، وكلُّ هذه القرائن تدلُّ على أنَّها ليست نافية ولا موصولة.
سؤال: من هو المتسائل في قوله تعالى: {مَا لَهَا}؟
جوابه: الإنسان، وينقسم إلى أقسام:
أوّلاً: مطلق الإنسان أو عمومه، وهو ما فهمه المشهور.
ثانياً: الإنسان المطلق.
ــــــــــــ[428] ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثالثاً: المبتلى بالزلزلة.
رابعاً: المشاهد لها، وإن لم يكن مبتلى بها.
أمّا الإنسان المطلق فهو المتكامل بعد أن طهرت نفسه وأخرجت أثقالها، فهو يتساءل عن استحقاق نفسه، فيجيبه الله سبحانه بمقدار استحقاقها، كما قال سبحانه: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}(1) والله تعالى كريم لا بخل في ساحته.
وأمّا مطلق الإنسان: فإن فهمنا من الأرض الأرضَ الماديّة، فإنَّه يسأل عن العلّة الماديّة والسبب للتزلزل، أو عن العلّة الغائية لها، وأنَّها بأيِّ حكمةٍ حصلت، أو أنَّه يسأل عن الحكمة بصفته معترضاً على ذلك، والعياذ بالله.
وإذا فهمنا من الأرض الأرضَ المعنويّة، وهي في الفرد الاعتيادي دائمة التزلزل وكثيرة الشكوك والفتن، كما قال في الدعاء >فإنَّ الشكوك والظنون لواقح الفتن ومكدّرةٌ لصفو المنائح والمنن<(2)، فهو يتساءل عن سبب ذلك، إذا كان هو المبتلى بها.
أمّا إذا كان المتسائل هو المشاهد لها، فله عدّة أمثلة:
منها: أنَّ الإنسان المطلق يتساءل عن سبب كفر الكافر آسفاً عليه، كما ورد أنَّ الحسين× كان يبكي لحال أعدائه(3).
ومنها: أنَّ مطلق الإنسان يتساءل عن حال صاحبه (الإنسان المطلق)؛ باعتبار أنَّه متخلّفٌ ورجعيٌّ ومتقوقع ولا يريد إلّاَ مصلحة نفسه.
ــــــــــــ[429] ــــــــــــ
(1) سورة غافر، الآية: 6.
(2) الصحيفة السجّاديّة: 410، مناجاة المطيعين.
(3) الخصائص الحسينيّة: 78.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ومنها: قول الملائكة: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}(1) فهم معترضون على الكفّار والفجرة بوصولهم إلى هذا الدرك، مع أنَّ الله أهّلهم بالخلقة للوجود في أعلى عليّين، كما قال الله تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ}(2).
وقد يكون الإنسان هو المتسائل بدل الملائكة.
****
قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}:
حدث يتعدّى بالباء إلى المفعول الثاني لا بنفسه، والأخبار هنا بمنزلة المفعول الثاني، وأمّا الأوّل فمحذوف، فاحتاجت الأخبار إلى الباء.
فهي لا تحدِّث الأخبار نفسها، وإنّما تحدِّث بأخبارها، فتكون هنا أكثر من أُطروحة:
الأُولى: أنَّ (أخبارها) منصوبٌ بنزع الخافض؛ على اعتبار أنَّ مقتضى الأصل وجوده.
الثانية: أنَّ (تحدّث) وإن كان ينصب مفعولاً واحداً حقيقةً، إلّاَ أنَّه جعل مجازاً ناصباً لمفعولين، ولا ضير في ذلك.
وارتباط هذه الآية بالآية السابقة عليها صريح، فيكون المراد ردّ الجواب على السؤال السابق: {مَا لَهَا}؟
سؤال: ما المراد بالأخبار؟
جوابه: أنَّ في ذلك عدّة أُطروحات:
ــــــــــــ[430] ــــــــــــ
(1) سورة المدّثّر، الآية: 42.
(2) سورة فاطر، الآية: 37.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأُولى: أنَّها تحدّثه عن سبب حصول ما يسأل عنه، وذلك أنَّه حصل بسبب الوحي {بأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} أي: بأن تتزلزل.
الثانية: أنَّ الأرض تحدّث الأخبار الحاصلة فيها من الحوادث الموجودة في الحال والماضي.
الثالثة: أنَّها تخبره أنَّه قد حصل لها الوحي إجمالاً، بغضِّ النظر عن مضمونه.
وأسلوب الأخبار منقسم إلى تقسيمين:
التقسيم الأوّل: أنَّها تتحدّث بلسان المقال والنطق أو أنَّها تتحدّث بلسان الحال، وهذا احتمالٌ ينفع المستوى الثقافي المادّي الذي يستبعد حصول النطق والكلام، فنقول له: إنَّها تنطق بلسان الحال، أي: تعرف من علاماتها وأوصافها.
التقسيم الثاني: أنَّ الحديث أو النطق: إمّا أن يكون بشكل موضوعي، أي: إنَّه مجرّد شرح للحال: أنَّه حصل كذا وكذا، وإمّا أن يكون هذا الشرح مقترناً بلسان الإقرار والمذلّة أمام الله سبحانه، وليس مجرّد كونه شرحاً موضوعيّاً.
الوجوه الإعرابيّة
قال العكبري: العامل في (إذا) جوابها، وهو قوله تعالى: {تُحَدِّثُ} أو {يَصْدُرُ}(1).
أقول: وتعليقنا على ذلك بأُمور:
ــــــــــــ[431] ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 292، سورة الزلزلة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أوّلاً: أنَّ المشهور على أنَّ (إذا) ظرف يحتاج إلى متعلّق أو عامل، كما أشار العكبري(1)، إلّاَ أنَّ ذلك لا يخلو من إشكال؛ لأنَّ (إذا) حرف، والحرف لا محلَّ له من الإعراب، فلا يحتاج إلى متعلّق، وإذا كانت اسماً لم تحتج إلى متعلّق أيضاً، بل تكون مبتدأ والجملة الشرطيّة خبرها. أو نقول: إنَّها لا محلَّ لها من الإعراب؛ لأنَّ لها الصدارة في الكلام، وكلُّ ما لا محلَّ له لا يحتاج إلى متعلّق، وإن كان اسماً.
ثانياً: أنَّه بعد التنزّل عن الأمر الأوّل وقلنا: إنَّ (إذا) اسمٌ أو ظرفٌ، فإنَّ المتعلّق – حسب فهمي – ينبغي أن يكون أسبق رتبةً من الظرف، وإذا تعلّقت بتحدّث أو يصدر -كما قال العكبري- تكون متعلقة بمتأخِّر لفظاً ورتبةً؛ لأنَّ كلاً منهما جواب شرط، وجواب الشرط متأخّر رتبةً عن أداة الشرط لا محالة، وهو متأخّر لفظاً أيضاً.
بل إنَّ هذين الفعلين المحتملين متأخّران عن (إذا) رتبتين لا رتبة واحدة، لوقوعهما في جواب الشرط، وهو متأخّر عن فعله المتأخّر عن الأداة، ولكن إذا دار الأمر بين الجملتين على أنَّها جزاء الشرط تقدّمت المتقدِّمة؛ لأنَّها أسبق رتبةً من الأُخرى.
فإن قلتَ: إنَّ هنا إشكالاً آخر على تعلّق (إذا) بهذين الفعلين؛ لأنَّهما عملا في عدّة معمولات كالمفعول به والحال، كما هو واضح لمن يقرأ الآية الكريمة، ولا يمكن للفعل الواحد أن تتعلّق به عدّة معمولات، إذن لا يمكن أن تتعلّق (إذا) بأيٍّ منهما.
قلتُ: بل يمكن القول بالجواز، وأنَّ الفعل قد يعمل عدّة أُمور دفعةً
ــــــــــــ[432] ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 292، سورة الزلزلة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
واحدة، ولا مانع من ذلك نحويّاً. نعم، لو أخذنا ذلك من جانب فلسفي امتنع؛ لقاعدة أنَّ الواحد لا يصدر إلّاَ من الواحد(1).
سؤال: ما هو جواب الشرط لـ(إذا)؟
جوابه: هو قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}.
فإن قلتَ: إنَّها لا يمكن فيها ذلك؛ لأنَّ جواب الشرط مصدّر بالفاء، في حين أنَّها فاقدة له، وكان ينبغي أن يقول: (فيومئذٍ تحدّث أخبارها) لو كان جواباً.
قلت: أوّلاً: لعلّها موجودة في بعض القراءات، ولا يخلُّ وجودها بالسياق القرآني وجماليّته.
ثانياً: إنَّ الوحي نزل بدون الفاء في جواب الشرط، فيكون حجّة على العدم؛ لأنَّ الأخذ بالنطق القرآني أولى من الأخذ بلسان العرب.
ثالثاً: إنَّ هناك من الموارد ما لا تقع الفاء في جواب الشرط، ومنه الفعل المضارع الواقع في الآية، وهو (تُحَدِّثُ).
رابعاً: مع التنزّل عن ذلك وفرض إصرار النحويّين على وجود الفاء، نقول: إنَّها حذفت من أجل مصلحة المورد، وملخّصها: أنَّها لا يمكن أن تدخل على الكلمات كلِّها (يومئذ تحدّث أخبارها).
أمّا الأخيرة فواضح وأمّا يومئذٍ فلأنَّها فضلةٌ وليست جملةً، وأمّا (تحدّث) فلأنَّ دخول الفاء فيها مضرٌّ بصحّة السياق القرآني، كما هو معلوم،
ــــــــــــ[433]ــــــــــــ
(1) شرح المنظومة 2: 446، في أحكام مشتركة بين العلّة والمعلول، المواقف (للأيجي) 3: 76، بداية الحكمة: 87، الفصل الرابع: قاعدة الواحد، نهاية الحكمة: 165، الفصل الرابع: قاعدة الواحد.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
كما أنَّ تقديم (تحدّث) قبيحٌ في السياق أيضاً، فيتعيّن حذف الفاء.
خامساً: أن نقول: إنَّ جواب الشرط غير هذه الآية المذكورة، بل هو الآية الأسبق منها، وهي قوله تعالى: {وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا}.
فإن قلتَ: إنَّها أيضاً محذوفة الفاء في جواب الشرط.
قلتُ: يأتي هنا بعض ما قلناه هناك، مضافاً إلى القول: إنَّ الواو هنا زائدة أو إنَّها بمعنى الفاء.
ثُمَّ أضاف العكبري قوله: (يومئذٍ) بدل من (إذا)، وقيل: التقدير اذكر إذا زلزلت. فعلى هذا يجوز أن يكون (تحدّث) عاملاً في (يومئذٍ)، وأن يكون بدلاً(1).
أقول: إذا كانت (إذا) ظرفاً متعلِّقاً بمحذوفٍ – وهو اذكر- وغير متعلِّقة بتحدِّث، صحَّ أن يتعلّق يومئذٍ بتحدِّث.
أمّا إذا كانت متعلّقة بتحدّث، فلا يصحُّ أن يكون (يومئذٍ) متعلِّقاً بها؛ لأنَّ الفعل الواحد لا ينصب ظرفين في رتبةٍ واحدة، حسب وجهة نظر العكبري.
وجواب ذلك من وجهتين:
الوجهة الأُولى: النقاش في الصغرى؛ وذلك أنَّ العكبري أصلاً اعتبر (يومئذٍ) بدلاً من إذا، فيكون الظرف المتعلِّق واحداً، وهو (إذا).
الوجهة الثانية: النقاش في الكبرى؛ وذلك أنّنا قلنا فيما سبق: إنَّ مقتضى سياقات كلام النحويّين أنَّ الفعل يمكن أن يكون عاملاً لعدِّة معمولات دفعةً واحدة، كرفعه للفاعل ونصبه للمفعول وكونه متعلّقاً للجارِّ والمجرور ونحو
ــــــــــــ[434]ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 292، سورة الزلزلة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ذلك.
نعم، هو لا يعمل عملين من جنسٍ واحد وفي رتبة واحدة، كما لو رفع فاعلين أو نصب مفعولين أو تعدّى إلى جارّين ومجرورين.
وإذا تمَّ ذلك، لم يكن (يومئذٍ) متعلِّقاً بـ(تحدّث)؛ لأنَّ كلاًّ من إذا ويومئذٍ ظرف بنوعيّةٍ واحدة ورتبةٍ واحدة، بعد التنزّل عن كونها بدلاً، كما في الوجه الأول.
وقول العكبري: (يومئذٍ بدل من إذا)(1) يعني: أنَّ مرجعهما في معنىً واحد ومحصلٍّ واحد، وكأنَّهما بمنزلة ظرفٍ واحد؛ لأنَّ يومئذٍ يحتوي على تنوين التعويض، ومرجعه إلى تكرار السابق، يعني: يوم إذ زلزلت الأرض زلزالها، فرجع إذ وإذا إلى معنىً واحد، وهو مطلبٌ وجيه.
ثُمَّ قال العكبري: (بِأَنَّ رَبَّكَ) الباء تتعلق بتحدّث، أي: تحدّث الأرض بما أوحى إليها، وقيل: هي زائدة (وأنّ) بدل من أخبارها، و(لها) بمعنى إليها، وقيل: أوحى يتعدّى باللام تارةً وبعلى أُخرى(2).
أقول: فيكون المعنى: تحدّث الأرض بما أوحى الله تعالى لها من الأُمور، فينتج من ذلك أنَّه يتعلّق بتحدّث سنخين من المتعلّق: الظرف والجارُّ والمجرور. وهذا لا بأس به، سواء كان الباء في (بأن) زائدة أو سببيّة.
وقوله: (وقيل: هي زائدة) يعني: كون الباء بمنزلة العدم، بمعنى: أنَّها تحدّث أنَّ ربّك أوحى لها.
وقوله: (إنَّ بدل من أخبارها) يعني: أنَّ المصدر المؤّول من أنَّ ومدخولها هو البدل.
ــــــــــــ[435]ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 292، سورة الزلزلة.
(2) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فإن قلتَ: إنَّ أوحى تتعدّى بإلى لا باللام، كقوله تعالى: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ}(1) وقوله: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}(2) وغير ذلك، في حين أنَّها متعدّية هنا باللام في (لها).
قلت: ذلك من وجوه:
أوّلاً: ما ذكره العكبري من: أنَّ (لها) بمعنى إليها(3)، كما سبق.
ثانياً: ما نقله العكبري بقوله: وقيل: أوحى يتعدّى باللام تارةً وبعلى أُخرى(4).
ثالثاً: إنَّ (أوحى) تتعدّى بـ(إلى) أو ما يقوم مقامها حقيقةً أو مجازاً؛
بناءً على ما اخترناه من إمكان الاستعمال المجازي في الحروف(5).
رابعاً: إنَّ معنى اللام غير معنى إلى، فمعنى أوحى إليها: أنَّها هي السامعة للوحي، وأمّا (أوحى لها) فبمعنى: أوحى لأجل مصلحتها.
ولكن إلى من يكون الوحي؟ فهذا مجملٌ في الآية، ولعلّه إلى بعض الخلق العالي: كجبرئيل أو غيره، وهذا في نفسه معنىً محتمل.
وقوله تعالى: {بِأَنَّ رَبَّكَ} الباء يفيد التكلّم، أي: إنَّ الأرض تحدّث بوجود الوحي أو بسبب الوحي، أو إنَّها تزلزلت بسبب الوحي: إمّا امتثالاً أو خشوعاً، فيكون نحو اعتذارٍ عن التزلزل، أو إنَّها يوحى لها وتحدّث أخبارها
ــــــــــــ[436]ــــــــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 39.
(2) سورة النجم، الآية: 10.
(3) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 292، سورة الزلزلة.
(4) المصدر السابق.
(5) موسوعة الإمام الشهيد، المجلّد: 19، منهج الأُصول 1: 11، منشأ الدلالة المجازيّة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بعد أن يتمَّ التزلزل، وهكذا.
قال الطباطبائي في >الميزان<: وقد اشتدَّ الخلاف بينهم في معنى تحديث الأرض بالوحي: أهو بإعطاء الحياة والشعور الأرض الميّتة حتّى تخبر بما وقع فيها؟(1).
أقول: قال الفلاسفة: إنَّ الجماد ليس ميّتاً بهذا المعنى، بل يمكن سماعه وجوابه.
وقالوا أيضاً: إنَّ الصفات من العلم والقدرة والحياة هي من لوازم الوجود، فهي تتحقّق بتحقّقه، وكلّما كان الوجود أعلى وأهمَّ وأشرف، كانت هذه الصفات أوضح، وكلّما كان أدنى، كانت هذه الصفات أقلَّ وأضعف، حتّى لا يكاد أن يكون مدركاً لنا، كما في الجمادات.
إذن فالأرض بصفتها موجودة يمكن أن تسمع وأن تتحدّث.
وأضاف الطباطبائي: أو يُخلق صوت عندها، وعدَّ ذلك تكليماً منها(2).
أقول: هذا بعد التنزّل عن الرأي الأوّل، واعتبار الأرض ميّتة، ولكنّ صوتاً ما يخلقه الله في أرجائها، ونوع هذا الصوت كالصوت الذي أوجده الله سبحانه في الشجرة لموسى×، وهو قوله: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}(3).
وقول الطباطبائي: (وعُدَّ ذلك تكليماً منها) يعني: أنَّها تحدّث مجازاً لا حقيقة.
ــــــــــــ[437]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 343.
(2) المصدر السابق.
(3) سورة القصص، الآية: 30.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ويرد عليه: أنَّه من يسمع ذلك الصوت؟ فإنَّه حسب سلسة تفكير المشهور أنَّ ذلك يحصل في أشراط الساعة، وأنَّ الأرض تخرج أثقالها، وكلُّ الناس ميّتون يومئذٍ، فمن يسمع؟ والصوت بدون سامع لغو.
فإن قلتَ: الملائكة هي التي تسمع.
قلتُ: إنَّ المشهور يرى أنَّه بعد النفخة الأُولى في الصور فإنَّ جميع الخلق من ملائكة وبشرٍ وجنٍّ يموتون {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}(1). فهل الله هو المحدّث، وهو يعلم بذلك بالعلم الأزلي، ولا حاجة له إلى هذا الحديث؟
إذا سرنا بهذا السير، فبالإمكان القول: إنَّه يحصل بعد النفخة الثانية نوعٌ من الحياة، فحينئذٍ تخرج الأرض أثقالها وتحدّث أخبارها، وهم الذين يسمعون.
وأضاف الطباطبائي في >الميزان< إلى عبارته السابقة: أو دلالتها بلسان الحال، بما وقع فيها من الأعمال … الخ(2).
وحسب فهمي: أنَّ السيد+ يدعم الأُطروحة الأُولى برواياتٍ وردت في البحث الروائي وإن لم يصرّح بذلك. قال: ولا محلَّ لهذا الاختلاف بعدما سمعت، ولا أنَّ الحجّة تتمّ على أحدٍ بهذا النوع من الشهادة(3) انتهى.
إنَّ الآيات القرآنية تنصُّ على أنَّ كثيراً من ظواهر الطبيعة قابلة للإدراك: كقوله تعالى: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كلّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ}(4) وقوله
ــــــــــــ[438]ــــــــــــ
(1) سورة الرحمن، الآية: 27.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 343.
(3) المصدر السابق.
(4) سورة النور، الآية: 41.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سبحانه: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إلّاَ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}(1) وقوله جلّ جلاله: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا}(2) وقوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}(3) إلى آخر الآية، وهذا كلُّه يدعم الفكرة الفلسفيّة الآنفة الذكر.
وأمّا عدم تماميّة الحجّة بهذا النوع من الشهادة -كما أشار الطباطبائي- فهو غير صحيح؛ لأنَّ المفروض أنَّ الدلالة كاملة بحيث يحصل منها العلم أو الاطمئنان، فلماذا لا تكون حجّة؟
فإن قلتَ: إنَّ الوحي مختصٌّ بالنبوة، والأرض ليست كذلك.
قلتُ: ليس الوحي منحصراً بالأنبياء يقيناً؛ بدليل قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}(4) {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى}(5).
وفي الروايات المستفيضة: >إنَّ الوحي ينزل على أُناسٍ ليسوا رسلاً<(6): كأمير المؤمنين والزهراء والحسنين والمهدي^ وهذا يكفي.
بل إنَّ نزوله حاصلٌ حتّى على الحيوانات، كما صرّح به القرآن الكريم، إذن فلا غرابة أن تكون الأرض موحى لها.
ــــــــــــ[439]ــــــــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 44.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 72.
(3) سورة النحل، الآية: 68.
(4) سورة النحل، الآية: 68.
(5) سورة القصص، الآية: 7.
(6) تفسير النعماني: 21، نقلاً عن: البحار 14: 180 90: 16. وتفسير القمّي 2: 279، آية المودة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ويدعمه قول أمير المؤمنين×: >أمّا بعد، فإنَّ الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر إلى كلّ نفس بما قسم لها<(1).
فإن قلتَ: الأوامر هنا بمعنى الحوادث.
قلنا: كلّا، بل الأمر أكثر من ذلك، فكأنَّه يشبه قطرات المطر في الكثرة والانتشار، فكلُّ قطرة هي وحي يوحى إلى الطبيعة والى المؤثّرات والأسباب القهريّة فيها.
قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا… يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أشتاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}:
سؤال عن إعراب (يومئذٍ) الثانية:
جوابه: قال العكبري: و(يومئذٍ) الثاني بدل، أو على تقدير: اذكر، أو ظرف لـ(يصدر)(2).
أقول: الأولى كونه ظرفاً لـ(يصدر)؛ لموافقته للمعنى ومشابهته في الظرفيّة لـ(يومئذٍ) الأولى.
سؤال: لماذا كرّر {يَوْمَئِذٍ}؟
جوابه: أنَّه بعد التجاوز على الجانب الاختياري (من حيث إنَّ للمتكلّم أن يلحق بكلامه ما شاء) يمكن تقديم عدّة وجوه للفرق بينهما:
الوجه الأوّل: أنَّ الأوّل خاصّ بالإنسان المطلق، والثاني عامّ لمطلق الإنسان.
الوجه الثاني: أنَّ الأوّل خاصّ بالأرض، والثاني عامّ لمن عليها.
الوجه الثالث: أنَّ الأوّل خاصّ بالحوادث السابقة على يوم القيامة،
ــــــــــــ[440]ــــــــــــ
(1) نهج البلاغة (شرح محمّد عبده) 1: 60، الخطبة: 23.
(2) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 292، سورة الزلزلة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
والثاني عامّ لحوادث يوم القيامة.
ولا تنافي بين هذه الوجوه، ولكلٍّ منها قرائنه الخاصة به، وتجتمع على أنَّ مناسبة الأُولى أخصُّ من مناسبة الثانية.
سؤال: ما هو المحذوف في {يَوْمَئِذٍ}؛ لأنَّهم قالوا: إنَّ التنوين فيه دالٌّ على محذوف، ومعوّض عنه، فما هو؟
جوابه من وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ المقدّر في كلّ منهما غير المقدّر في الأُخرى، وكلٌّ منهما يأخذ المقدر ممّا سبقه في الكلام.
الوجه الثاني: أنَّ المقدر فيهما واحدٌ، وإنّما كرّر إيضاحاً، ووحدة السياق تدعم هذا المعنى.
ولكن ينبغي أن نلاحظ أنَّه ما هو العلّة وما هو المعلول من هذين اليومين المذكورين في (يَوْمَئِذٍ)؟ طبعاً الأوّل منهما يكون بمنزلة العلّة أو الشرط، والثاني يكون بمنزلة المعلول أو المشروط، أو يكونا بمنزلة المعلولين لعلّةٍ واحدة، وهو الزلزال، فيحصل منه أمران مقترنان: أن تحدِّث الأرض أخبارها وأن يصدر الناس أشتاتاً.
سؤال عن معنى قوله: {أَشْتَاتاً}.
جوابه: قال الراغب: الشتُّ تفريق الشعب، يُقال: شتَّ جمعهم شتّاً وشتاتاً، وجاءوا أشتاتاً، أي: متفرقي النظام. قال: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أشتاتاً}، وقال: {مِنْ نَّبَاتٍ شَتَّى}(1) أي: مختلفة الأنواع. وقال: {قُلُوبُهُمْ شَتَّى}(2)، أي:هم
ــــــــــــ[441]ــــــــــــ
(1) سورة طه، الآية: 53.
(2) سورة الحشر، الآية: 14.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بخلاف من وصفهم بقوله: {وَلَـكِنَّ اللّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ}(1)(2).
وقال العكبري: (أشتاتاً) حال، والواحد شتّ(3).
أقول: ومفرده مشت، واسم فاعله شات، ومشتّ رباعي (أو مزيد فيه) من أشتّ أي: حمل غيره على التفرّق، فيكون معناه: (مفرّق) وليس (متفرّق). وأمّا شاتّ فهو من الثلاثي، من شتّ إذا تفرّق الجمع.
وأشتات جمع تكسير لمشتّ أو شاتّ أو شتّ، ولكن شاتّ ومشتّ يجمع جمعاً سالماً أيضاً: شاتّين ومشتّين.
ويمكن طرح أُطروحة أخرى، وهي احتمال كون: (أشتاتاً) مفرداً وليس جمعاً، وحسب فهمي أنَّ ذلك فيه عدّة أُطروحات:
أوّلاً: أنَّه مفردٌ بمنزلة الصفة المشبّهة.
ثانياً: أنَّه بمنزلة اسم الفعل يعطي معنى التفرّق.
ثالثاً: أنَّه مفردٌ لا جمع له.
رابعاً: أنَّه جمعٌ لا مفرد له.
خامساً: أنَّه مفردٌ يُراد به الجمع، أو هو مفردٌ لفظاً جمعٌ معنى مثل: ناس ونساء.
ومن العجيب أنَّهم قالوا: إنَّ له مفرداً، وهو جمع، لكنّنا لو لاحظنا الجمع فيها فينبغي ملاحظة عدّة جماعات مشتّتة، فيكون كلّ واحد منها جزءاً للأشتات، وليس من الصحيح أن نلاحظ جماعةً واحدة، بحيث يكون كلّ
ــــــــــــ[442]ــــــــــــ
(1) سورة الأنفال، الآية: 63.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 262، مادّة (شتت).
(3) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 292، سورة الزلزلة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فردٍ منها مفرداً لها، بل يكون جزءاً من الشتات الأول.
وأمّا إذا لاحظنا الأشتات لجماعةٍ واحدة فليس كلّ واحدٍ منها مفرداً بل جزءاً، فيكون معنى شتَّ أنَّه متفرّقٌ عن صاحبه، فيكون معنى: شتَّ أي: ابتعد، ومعنى مشتّ أي: شخص مبتعد.
فهذه نقطة قوّة من هذه الجهة، وهو أنّنا حصلنا على مفرد أشتات.
ولكن نقطة ضعفه أنَّ الأشتات عندئذٍ لا يكون بمعنى متفرّقين، كما فسّره أهل اللغة، بل يكون بمعنى متباعدين، وإن كان المحصّل العرفي فيهما واحداً.
هذا وينبغي أن نلاحظ أنَّ هذا الوصف لا يوصف به الذوات العاقلة فقط، بل كلّ متفرّق، حتّى لو كان حيواناً أو نباتاً، قال تعالى: {مِنْ نَّبَاتٍ شَتَّى}(1)، وأنَّه أيضاً لم يُلحظ في أشتات سبق الاجتماع، أي: إنَّهم كانوا مجموعين، فتفرّقوا وأصبحوا أشتاتاً، بل قد يكونوا متفرّقين بالخلقة، كما في الجبال المتوزّعة على سطح الأرض؛ فإنَّها أيضاً أشتات، وكلُّ واحدٍ من هذين النحوين حصّةٌ منه.
فإن قلتَ: ولكن هذه الآية تعطي (صورة متحرّكة) بأنَّهم كانوا مجموعين ثُمَّ تفرّقوا.
قلتُ: هذا صحيح، ولكنّه لم ينشأ من قوله تعالى: {أَشْتَاتاً}، وإنّما من قوله: {يَصْدُرُ} يعني: يرجعون إلى الحياة، كقوله تعالى: {وَهُم مِّن كلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ}(2).
ــــــــــــ[443]ــــــــــــ
(1) سورة طه، الآية: 53.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 96.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فإن قلت: إنَّ (أشتاتاً) حال من (يصدر)، فيكون المعنى: أنَّهم يصدرون متفرّقين من حين صدورهم، لا أنَّهم بعد صدورهم تفرّقوا وأصبحوا أشتاتاً.
قلت: نعم، هو مستفادٌ من الآية إلى حدٍّ ما، ولكن يمكن القول: إنَّهم يصدرون فيتفرّقون، وأمّا إذا فهمنا أنَّهم متفرّقون من حين صدورهم فينبغي أن نفهم من الأشتات تفرّق الاتّجاه لا تفرّق الأفراد، بمعنى: أنَّهم مجموعون في لحظة قيامهم، ولكن كلّ واحدٍ منهم يتّجه إلى اتّجاهٍ مختلف عن اتّجاه الآخر. قال تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى}(1) أي: اتّجاههم متفرّق، وقال تعالى: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}(2) أي: متفرّق، وهي أوضح من سابقتها فيما نقوله.
سؤال: يبدو أنَّ هناك تناقضاً ما بين آيتين من القرآن الكريم: إحداهما قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أشتاتاً} وثانيهما: قوله تعالى {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً}(3)؛ حيث دلّت إحداهما على التفرّق والأُخرى على الجمع، فأيٌّ منهما نصدّق؟
جوابه: أنَّ هذا له أكثر من مبرّر:
الأوّل: ما التفت إليه في >الميزان< حين قال: والمراد بصدور الناس متفرّقين يومئذٍ انصرافهم عن الموقف إلى منازلهم في الجنّة والنار(4).
أقول: فيكون الجمع في الموقف والتفرّق بعده.
ويرد عليه: أنَّ (أشتاتاً) حالٌ من (يصدر) فيكون المعنى: أنَّهم يصدرون
ــــــــــــ[444]ــــــــــــ
(1) سورة الحشر، الآية: 14.
(2) سورة الليل، الآية: 4.
(3) سورة الكهف، الآية: 47.
(4) الميزان في تفسير القرآن 20: 343.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
حال كونهم أشتاتاً، في حين أنَّ مقتضى هذا الوجه هو أنَّهم يتفرّقون بعد ذلك في منازلهم من الجنّة والنار.
مضافاً إلى نصِّ الآية أنَّه: {يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} وذلك في يوم القيامة، فالصدور سابق على يوم القيامة، فهذه الصفة – أعني: أشتاتاً- سابق عليه أيضاً.
وأمّا ذهابهم إلى منازلهم فيكون على معنى: أنَّهم يرون نتائج أعمالهم من الثواب والعقاب، وإفادة ذلك من الآية يحتاج إلى تقدير، وهو خلاف الأصل.
الثاني: ما في >الميزان< أيضاً حين قال: وقيل: المراد خروجهم من قبورهم إلى الموقف متفرّقين متميّزين بسواد الوجوه وبياضها وبالفزع والأمن وغير ذلك؛ لإعلامهم جزاء أعمالهم بالحساب(1).
ويرد عليه: أنَّ الأشتات والتفرّق صفة للصدور في الآية، وليس صفة للأوصاف والحالات، ويكون فهم ذلك متوقّفاً على التقدير، وهو خلاف الأصل.
الثالث: أنَّ أشتاتاً راجع إلى ما قبل الحشر عند الخروج أو الصدور من قبورهم؛ باعتبار تفرّق قبورهم، أو لأنَّهم كانوا في الدنيا مشتّتين، فيكون الحاصل أنَّهم يجمعون بالرغم من تفرّقهم.
وجوابه: أنَّ الظاهر عودة الأشتات إلى الصدور، يعني: بعد الصدور لا قبله.
الرابع: أنَّهم أشتاتٌ ما بين الصدور والحشر؛ فإنَّ الذي يحصل في يوم القيامة ثلاثة أُمور:
ــــــــــــ[445]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 343.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأوّل: رجوع الموتى إلى الحياة.
الثاني: الذهاب إلى عرصة المحشر.
الثالث: الحساب في عرصة المحشر، و(أشتاتاً) يعود إلى الأمر الثاني، وفي عرصة المحشر يجمعون بعد التفرّق.
الخامس: أن نقول بالحشر التدريجي، وفكرته: أنَّ كلّ جماعةٍ أو كلّ جيلٍ أو كلّ دينٍ يحشر لوحده أو يحاسب، فيراد بالتفرّق والأشتات، أي: في أزمنة متعدّدة.
ويرد عليه: أنَّ هنا وضوحاً في أذهان المتشرّعة بحصول الحشر الدفعي، وأنَّ الحشر التدريجي باطل، وكذلك هو ظاهر قوله تعالى: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً}(1).
ويمكن أن يجاب على ذلك بما ورد في عدد من الروايات: >إنَّ قبل آدمكم هذا ألف آدم وألف عالم<(2) فهل يحاسب هؤلاء كلُّهم دفعةً واحدة؟
حسب فهمي: أنَّ كلّ نسلٍ يحاسب على حدة، والحساب إن لاحظناه دفعيّاً فهو صادق لكلِّ نسلٍ وحده، وإن لاحظناه تدريجيّاً، فباعتبار تعدّد النسل، كما نصَّت عليه الروايات المشار إليها.
فإن قلتَ: فما المقصود إذن من (الناس) في قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}؟
قلتُ: إنَّ المقصود بهم أحد أمرين: إمّا أولاد آدم، أي: النسل الحالي على وجه الأرض، وهذا هو الأقرب إلى الظهور الأوّلي للقرآن الكريم، فيثبت
ــــــــــــ[446]ــــــــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 47.
(2) التوحيد: 277، باب عظمة الله جلّ جلاله، الحديث: 2، الخصال: 652، أبواب الثمانين، الحديث: 54، وعنه البحار 8: 375.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الحشر الدفعي لهذا النسل.
وإمّا أن يُراد بهم الذوات العاقلة المدركة القابلة للثواب والعقاب. وهذا المعنى شاملٌ لكلِّ ذلك النسل المشار إليه في الروايات، إلّاَ أنَّ هذا يعني أنَّ لكلِّ نسل منهم حشراً دفعيّاً، وهو معنى وجيه. وإمّا أن نقول: إنَّ ظاهر الناس اجتماع كلّ تلك النسول دفعةً واحدةً، فهذا ممّا لا يمكن المصير إليه، وكذلك في قوله تعالى: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً}(1).
****
سؤال عن قوله تعالى: {لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}:
جوابه: قال العكبري: (ليروا) يتعلّق بـ(يصدر)، ويقرأ بتسمية الفاعل وبترك التسمية، وهو من رؤية العين، أي جزاء أعمالهم(2).
أقول: إن قلتَ: (ليروا) ليس جارّاً ومجروراً ليتعلّق بشيء.
قلتُ: إنَّهم يعتبرونها بتقدير أن المصدريّة، فتكون لام الجرّ داخلةً على المصدر المسبوك منها مع مدخولها، فيحتاج إلى متعلَّق.
ويكون المعنى- بناءً على القراءة المشهورة- مبنيّاً للمفعول، وأنَّ الفاعل المحذوف هو الله سبحانه أو الملائكة ونحو ذلك، يعني: يريهم أعمالهم.
وإن قرأناه على القراءة الأُخرى مبنيّاً للفاعل، كان من رؤية العين، وقد أخذ مفعولاً واحداً.
وأمّا إذا قرأناه مبنيّاً للمفعول فهو بمعنى تعدّيه إلى مفعولين؛ باعتبار تحوّله من الثلاثي إلى الرباعي، فالثلاثي: رأى يرى، والرباعي: أُرِي يُرى، إذا
ــــــــــــ[447]ــــــــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 47.
(2) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 157، سورة الزلزلة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
حُمل على الرؤية، وهذا قليل الاستعمال في العربيّة. ومثاله: خاط زيدٌ الثوب، وأخاط زيدٌ عمراً الثوب، أي: حمله على الخياطة، فيتعدّى إلى مفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبر، وكذلك الحال في يُروا، بأن يكون نائب الفاعل بمنزلة المفعول الأوّل، والمنصوب هو الثاني.
****
قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه}:
قال مشهور المفسّرين: إنَّ المراد أنَّ الإنسان يرى عمله يوم القيامة.
ويرد على ذلك عدّة إشكالات:
الإشكال الأوّل: ما أشرنا إليه فيما سبق من: أنَّ المرئي حقيقةً إن كان هو العمل، فلا وجود له يوم القيامة ليكون قابلاً للرؤية.
ويجيب المشهور على ذلك بأحد وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّه يرى جزاء عمله من ثوابٍ وعقابٍ.
غير أنَّ ذلك يستلزم التقدير، وهو خلاف الأصل.
الوجه الثاني: أنَّهم قالوا بتجسّد الأعمال، فهو يرى عمله على شكل جسم.
وهو أيضاً يحتاج إلى نحوٍ من التقدير؛ لأنَّه ليس رؤية للعمل نفسه، بل للجسم النائب عنه أو البديل له، مضافاً إلى ما سبق أن ناقشنا به هذا المسلك عموماً.
الإشكال الثاني: أنَّه هل يوجد عمل بمقدار الذرّة؟
وهو إشكال على ظاهر الآية، مضافاً إلى كونه موافقا لفهم المشهور. وجوابه: أنَّه ينبغي أن يقال أحد أُمور:
ــــــــــــ[448]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأمر الأوّل: إنَّ جزء العمل عمل، فالصلاة عمل وجزؤها الركوع، وجزؤه الذكر، وجزؤه الحرف، وكلّها أعمال يجزى عليها، فإذا لوحظ العمل كمجموع، فإنَّه لا يكون صغيراً. وأمّا إذا لاحظناه لحاظاً تحليليّاً فهو أعمال كثيرة وصغيرة، ويمكن أن تكون الآية قد لاحظت ذلك.
الأمر الثاني: أنّنا لو تنزّلنا عن الأمر الأوّل، وقلنا بأنَّ الأعمال الجسديّة واضحة وكبيرة، فإنَّ الأعمال ليست فقط تلك، بل هناك الأعمال الباطنيّة النفسيّة والقلبيّة والعقليّة، وهي ليست دائماً بذاك الوضوح، بل قد توجد في غاية الصغر والضآلة، كخطور في الذهن في لحظةٍ، فهو بمقدار ذرّة، ويشبهه ما ورد: >لو تكاشفتم لما تدافنتم<(1).
أي: تكاشفتم بما في الخواطر والنفوس.
الإشكال الثالث: أنَّ المراد بالرؤية في يوم القيامة ليس هو نفس الأعمال، وإنّما التقيّيمات الأخلاقيّة لها، ولا أهمّيّة لأيٍّ عملٍ بدون تقييم؛ فهو العمدة في يوم القيامة ويمكن أن تكون الآية واضحة من هذه الناحية. ومن الواضح أنَّ بعض التقييمات كبير وبعضها قليل مثل: قيد شعرة أو مثقال ذرّة.
الإشكال الرابع: أنَّ الأعمال إنّما هي أعراض وليست جواهر، وما يمكن تعلّق الرؤية به هو الجواهر لا الأعراض.
جوابه: أنَّه عرفاً يقال: رأيته، ويراد به العرض، فالأعراض من الناحية العرفيّة مرئيّة ومحسوسة في الدنيا والآخرة.
ــــــــــــ[449]ــــــــــــ
(1) أمالي الصدوق: 531، المجلس الثامن والستّون، الحديث: 9، شرح نهج البلاغة (لابن أبي الحديد المعتزلي) 20: 292، الحكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين×، الحكمة: 341، عيون أخبار الرضا 1: 58، الحديث: 204.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
والمشهور يقول: إنَّ الأعمال نراها جوهراً، أي: بعد تحوّلها إلى جوهر، وهو القول بتجسّد الأعمال.
إلّاَ أنَّه لا ضرورة إلى ذلك في حدود الجواب عن هذا الإشكال الأخير.
كما يمكن القول بأنَّ الرؤية في الآخرة بمعنى التذكّر للأعمال الموجودة في الدنيا.
فإن قلتَ: إنَّ التذكّر ليس رؤية.
قلت: إنَّ التذكّر قد يكون من الوضوح بحيث يكون بمنزلة الرؤية، فكأنَّه يعيش في الدنيا، وإن لم يكن كذلك.
سؤال: ما هو المرئي في هذه الرؤية؟
جوابه: فيه عدّة احتمالات غير متنافية:
الاحتمال الأوّل: أنَّ المراد هو العمل المنجز، ويكون المرئي هو العمل المنجز نفسه، فمن يصلّي يرى صلاته في الدنيا ويراها في الآخرة أيضاً.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد بالعمل العمل القلبي، والرؤية للعمل القلبي أيضاً، فمن يحبُّ أهل البيت^ يرى ذلك في الدنيا والآخرة أيضاً.
الاحتمال الثالث: أن يكون المراد بالعمل العمل المنجز، ويكون المرئي هو الباطن، كما في مرتكزات النفس لدى ظهورها بعد التمحيص والبلاء.
والضمير في (يَرَهُ) لا يرجع إلى مادّة (يَعْمَلْ) ولا إلى هيئته؛ فإنَّ كليهما خلاف الظاهر، بل يرجع إلى المثقال، وفيه نفس هذه الاحتمالات.
سؤال: يتحصّل من سياق عبارة الطباطبائي في >الميزان<(1) تخيّل المنافاة بين ما تدّل عليه هاتان الآيتان من عموم الرؤية للأعمال، وبين الآيات الدالّة
ــــــــــــ[450]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 343.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
على حبط الأعمال أو الدالّة على انتقال الأعمال إلى الآخرين ونحو ذلك.
جوابه من وجوه:
أوّلاً: أنَّ الفرد الذي يرى عمله قبل التحوّل يراه طرفة عين أو آناً ما، ثُمَّ يتحوّل أو يحبط، فلا تنافي بين الأمرين؛ لأنَّهما مختلفان رتبةً.
ثانياً: ما ذكره صاحب >الميزان< من: أنّ: الطائفة الثانية حاكمة على هاتين الآيتين؛ لأنَّه يكون بعد الانتقال لا عمل له، فلا يراه(1).
ثُمَّ إنَّه+ أمر بالفهم: (فافهم)؛ دلالة على قابليّته للمناقشة؛ من حيث إنَّه عند الانتقال والإحباط لا يتغيّر العامل، بل يستحيل ذلك عقلاً، وإنّما يقع التغيّر فقط على الثواب والعقاب.
إذن فبناءً على هذا الوجه سوف نحتاج إلى تقدير، وهو خلاف الأصل.
ثالثاً: أنَّ هاتين الآيتين لم يُذكر أنَّه يراه كعملٍ له، بل لعلّه يراه كعمل لغيره، فتحصل الرؤية إجمالاً بعد الانتقال أو الإحباط.
سؤال: المثقال أكبر من الذرّة التي نعرفها ملايين المرّات، فكيف تقاس، كما هو المفهوم من قوله تعالى: {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}؟
جوابه: هذا مبني على الفهم الحديث على أنَّ الذرة هي الالكترونات والبروتونات ونحوها، وكون المراد من المثقال هو أحد الأوزان القابلة للقسمة عرفاً، في حين لم يكن هذا ولا ذاك مفهوماً في الزمن الماضي: في صدر الإسلام وفي عصر الصدور.
ولكن مع التنزل عن ذلك يمكن أن نجيب بأجوبة أخرى:
أوّلاً: أنَّ مثقال ذرّة تعبيرٌ عرفيٌّ يُراد به التقليل للعظيم، مع الالتفات إلى
ــــــــــــ[451]ــــــــــــ
(1) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أنَّ الفهم العرفيِّ السابق للمثقال كونه أصغر من الفهم المعاصر.
ثانياً: يمكن إلغاء معنى المثقال من الآية؛ لأنَّ المهمَّ هو الأخذ بما يدلُّ على الضآلة، وهو الذرّة دون المثقال، فيبقى هذا التعبير مجرّد تعبير أدبي.
ثالثاً: ما ذكره الراغب حين قال: والمثقال ما يوزن به، وهو من الثقل، وذلك اسمٌ لكلِّ سنج (عيار أو صخر). قال تعالى: {وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ}(1) وقال: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}(2).
أقول: وهذا معناه أحد أمرين:
1. أنَّ المثقال معنى عامّ حتّى للأوزان الخفيفة جداً، بحيث لا مانع من مقايسته بالذرّة.
2. أنَّ القرآن قد استعمله في ذلك ولو مجازاً.
سؤال: قاله القاضي عبد الجبار: أليس ذلك يوجب أنَّ الكافر والفاسق إذا فعلا طاعاتٍ يريان ثوابهما، وذلك خلاف قولكم؟(3).
جوابه: أنَّه أجاب عليه بقوله: إنَّ الخير المستحقَّ على الطاعة هو الثواب، وإنّما يستحقّه فاعل الخير إذا لم يكن معه معصية أعظم من الطاعة. فأمّا إذا كانت معاصيه من باب الكفر والفسق فلن يرى ذلك؛ لأنَّ الوعد والوعيد مشروطٌ بما ذكرناه في الثواب والعقاب(4).
أقول: يعني: إذا لم يكن معه معصية أعظم من الطاعة، وأمّا إذا كان
ــــــــــــ[452]ــــــــــــ
(1) سورة الأنبياء، الآية: 47.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 76، مادّة (ثقل).
(3) تنزيه القرآن عن المطاعن: 474، سورة الزلزلة.
(4) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
كذلك فلا يراه.
وهذا غير تامٍّ؛ لأنّنا إذا افترضنا في مرحلة من التفكير أنَّ الكفّار والفاسقين لديهم طاعات إجمالاً – كما أقرّ به القاضي عبد الجبّار – فليس من العدل الإلهي أن لا يثابوا بها ولا يرونها؛ لأنَّ ذلك سوف يكون من الحجّة على ربِّه، وحاشاه.
على أنَّ العبارة على هذا التقدير تحتاج إلى تقدير، وهو خلاف الأصل، في حين لو زال التقدير فيكون المرئي هو نفس العمل، وهو ممّا يمكن حصوله، سواء أُثيب عليه أم لا.
على أنّنا يمكن أن نجيب عن السؤال بأجوبة أخرى:
منها: أنَّ هؤلاء اللَذَين أشار إليهم القاضي عبد الجبّار – وهم الكفّار والفسقة- ليس لهم طاعات إطلاقاً، فلا يرونها؛ لأنَّها غير موجودة؛ وذلك لأكثر من تقريب:
التقريب الأوّل: أنَّ الطاعات إنّما تقبل في ميزان العدل الإلهي ويجزى عليها بالخير، وذلك مع درجةٍ من صفاء النيّة وطيبة القلب، ولو كانت بدرجة ضئيلة جداً، وإلّاَ لم يكن العمل مقبولاً، فلا يكون لديه طاعات حقيقة، وإن تخيّل ذلك لنفسه.
ويؤيد ذلك ما ورد من: >إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم، وإنّما ينظر إلى قلوبكم<(1).
ــــــــــــ[453]ــــــــــــ
(1) أمالي الطوسي: 536، مجلس يوم الجمعة، مكارم الأخلاق: 469، الباب الثاني عشر، الفصل الخامس، سنن ابن ماجه 2: 1388، الحديث: 4143، صحيح مسلم 8: 11، الحديث: 6708.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
التقريب الثاني: ما ورد من أنَّه: >لا تقبل طاعة عبد إلّاَ بولايتنا أهل البيت<(1). ومعه فإن كانت الولاية موجودة فالطاعة موجودة، أو إنَّ العمل طاعة فعلاً، وإلّاَ لم يكن طاعة، وإن توهّم ذلك.
ومن تطبيقات ذلك قول الكافر يوم القيامة: {يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً}(2).
هذا ولو أخذنا بالفهم الذي رجّحه القاضي عبد الجبار – وهو حصول النجاة بمجرد أن تثقل كفّة الحسنات- فعندئذٍ يدخل الجنّة بغير حساب. حينئذٍ أمكن أن نقيّد الآية الكريمة بذلك، بأن نقول: إنَّه يرى حسناته إذا لم تثقل سيئاته عليها، ويرى سيئاته إذا لم تثقل حسناته عليها، ومن الواضح أنَّ التقييد لا ضير فيه عرفاً.
سؤال: ما هو محلُّ (خيراً) و(شرّاً) من الإعراب؟
جوابه: قال العكبري: خيراً وشرّاً بدلان من مثقال ذرّة، ويجوز أن يكون تمييزاً، والله أعلم(3).
أقول: وهناك احتمال ثالث قلّما يُلتفت إليه، وبالرغم من عدم صحّته لا بأس بطرحه هنا لتنمية الذهن، وهو أن يكونا مفعولين، وإن كان الفعل أساساً يأخذ مفعولاً واحداً.
وذلك أنَّ الفضلات لا تتكرّر عادةً كحالين متتابعين أو تمييزين أو
ــــــــــــ[454]ــــــــــــ
(1) تفسير فرات: 73، الحديث: 47 و48، عيون أخبار الرضا 2: 61، باب النصوص على الرضا×، الحديث: 27، كفاية الأثر: 71، باب ما جاء عن أنس بن مالك، شواهد التنزيل 2: 203، الحديث: 837، ينابيع المودّة 3: 380، الباب الثالث والتسعون، الحديث: 2.
(2) سورة النبأ، الآية: 40.
(3) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 292، سورة الزلزلة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مضافين أو مفعولين لفعل متعدٍّ واحد، وكلُّ ذلك عليه المنع في الغالب، وبعضها المنع مطلقاً.
ولكن حسب فهمي فإنَّه ممكن أحياناً، وإن كان خلاف العادة.
فمثلاً: يمكن أن نقول: سرج الفرس زيدٍ، بعنوان أنَّ زيداً مضاف ابتداءً إلى السرج، كما أنَّ الفرس مضاف إليه نفسه أيضاً.
وليس هذا من قبيل الإضافات المتعدّدة، وهي الإضافة إلى الإضافة، يعني: المضاف إليه إلى المضاف إليه. كقول الشاعر(1):
حمامة جرعى حومة الجندل اسجعي
فأنت بمرأى من سعاد ومسمعي
وهنا نقول: (مثقال) مفعول به، وشرّاً وخيراً أيضاً مفعول به، أي: بتكرّر المفعول به لما يأخذ مفعولاً واحداً، فكأنّنا أسقطنا المفعول الأوّل وأتينا بالثاني، كأنَّه الوحيد الموجود.
إلّاَ أنَّ هذا بمجرده لا يتمُّ إلّا بعد دمج أحد المفعولين بالآخر: إمّا معنويّاً (بإفناء المثقال بالخير باعتبار أنَّ الثاني هو المقصود الرئيسي) أو بتقييده به، فيتكوّن منهما مفهومٌ واحدٌ يكون هو المفعول به الواقعي معنويّاً، وإن لم يقبل النحويّون بذلك.
ــــــــــــ[455]ــــــــــــ
(1) من قصيدة لابن بابك عبد الصمد بن منصور بن الحسن، المتوفّى سنة 411 هـ ببغداد، والجرعي تأنيث الأجرع وهي الرملة لا تنبت شيئاً، والحومة معظم الشيء، والجندل الحجارة، والسجع هديل الحمام، والمعنى: اطربي، الحبيب يراك ويسمعك.
والشاهد فيه تتابع الإضافات؛ فإنّه أضاف حمامة إلى جرعا، وحومة إلى الجندل. [انظر: معاهدة التنصيص للعبّاسي 1: 59].
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ.
ــــــــــــ[455]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ســـورة البيّنة
في تسميتها عدّة أُطروحات:
أوّلاً: سورة البيّنة، وهو المشهور.
ثانياً: سورة البرِيَّة، كما سمّاها العكبري(1).
ثالثاً: سورة الذينَ كَفروا، كما في بعض الروايات(2).
رابعاً: سورة {لَمْ يَكُنِ} بتسميتها باللفظ الأوّل فيها.
خامساً: السورة التي ذكر فيها الَبرِيَّة أو الَبيِّنة أو الذَيِن كَفَرُوا.
سادساً: إعطاؤها رقمها من القرآن الكريم، وهو: 98.
سؤال: ما هو معنى حرف الجرّ (من) في قوله تعالى: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ}؟
جوابه: يحتمل أمران:
الأمر الأوّل: أن تكون تبعيضيّة، وهو اختيار >الميزان<(3)، ويكون المعنى: بعضهم من أهل الكتاب وبعضهم من المشركين.
ــــــــــــ[459]ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 291.
(2) الخصال: 275، باب الخمسة، الحديث: 18، ثواب الأعمال: 114، ثواب قراءة سورة محمد’، شرح الأخبار (للقاضي النعمان) 2: 484، الحديث: 853، الدرّ المنثور 7: 456، فتح القدير 5: 28.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 336.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأمر الثاني: أن تكون بيانيّة، فيكون المعنى: الكفّار الذين هم أهل الكتاب والمشركون.
وحسب الفهم الآتي فإنَّ المراد من الآية: أنَّ الكفّار والمشركين سوف لن يتغيّروا ولن يتوبوا حتّى تأتيهم البيّنة، ولن ينفكّوا عن دينهم إلّاَ بإقامة الحجّة، كما سيأتي.
وعلى هذا فإنَّه يترجّح كون (من) للتبيين لا للتبعيض، كما رجّح >الميزان<؛ لأنَّ المراد جنس الكفّار لا بعضهم.
سؤال: إنَّ أهل الكتاب أُخذوا في الآية في مقابل المشركين، ممّا يظهر أنَّهم ليسوا بمشركين، مع أنّنا نعلم أنَّهم مشركون، فكيف صحَّ ذلك؟
جوابه من وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّه من عطف العامّ على الخاص، حيث اقتضت المصلحة ذكر أهل الكتاب لكي يلتفتوا، ولكي لا يحصل جدل بينهم، ومعه لا يتعيّن من التعبير أن لا يكون أهل الكتاب من المشركين.
الوجه الثاني: أنَّه يمكن القول: إنَّهم ليسوا بمشركين، فإن كان ظهور الآية في ذلك، فهو ليس أمراً مستنكراً.
وتقريب ذلك من وجوه:
أوّلاً: أنَّهم باعتبار دينهم الأصلي ليسوا بمشركين جزماً.
ثانياً: أنّنا نعدّهم غير مشركين احتراماً لأنبيائهم؛ كما قرّبنا ذلك في >ما وراء الفقه<(1).
ــــــــــــ[460]ــــــــــــ
(1) ما وراء الفقه ج1 ق1 ص163، فصل الكافر.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثالثاً: أنَّهم عمليّاً ليسوا بمشركين بل موحّدين: أمّا اليهود فإنَّهم وإن كانوا يميلون إلى التجسيم، إلّاَ أنَّ التجسيم لا يتنافى مع التوحيد، وأمّا النصارى فلأنَّهم وإن آمنوا بالثالوث المقدّس، إلّاَ أنَّهم يعتبرون الأهمَّ في الثلاثة هو الأب، فهو الخالق حقيقة، والباقي مخلوقون، فعاد الأمر إلى نحوٍ من أنحاء التوحيد.
رابعاً: أنَّ المشركين اسمٌ لعبدة الأصنام خاصّة: إمّا مطلقاً أو من كان منهم في الجزيرة العربيّة؛ لأنَّ المعهود يومئذٍ هذان القسمان، فكان مقتضى قاعدة >كلّم الناس على قدر عقولهم< هو الإشارة إليهم، وإن كان يمكن التجريد عن الخصوصيّة من كلّ تلك النواحي.
خامساً: ما ذكره القاضي عبد الجبّار قائلاً: إنَّه في أصل اللغة المشرك هو الكافر المخصوص الذي يتّخذ مع الله شريكاً، لكن من جهة عرف الشرع أُطلق ذلك على كلّ كافر كما عقل من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}(1) ومن قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}(2). فلا يمتنع أن يفضّل بينهما في بعض المواضع، وهذا كما يقال مثله في المسكين والفقير(3).
أقول: إلّاَ أنَّ هذا الوجه بمجرّده واضح الدفع؛ لأنَّه لا يحتمل أن يكون بين الفقير والمسكين إلّاَ نسبة التساوي أو التباين، في حين أنَّ الآية تجعل النسبة بين الكفّار والمشركين العموم المطلق.
سؤال: إنَّ قوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} دالٌّ
ــــــــــــ[461]ــــــــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 116.
(2) سورة التوبة، الآية: 5.
(3) تنزيه القرآن عن المطاعن: 472، سورة البيّنة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
على أنَّ بعض الكفّار مشركون لا جميعهم، في حين أنّنا ينبغي أن نعرف أنَّ جميعهم مشركون، فكيف الحال في ذلك؟
جوابه من وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ (من) ليست للتبعيض كما سبق، وإنّما هي بيانيّة، ويكون المراد من السياق التفصيل بعد الإجمال.
الوجه الثاني: أنَّ الأمر يدور بين أن يكون ما قبل (من) مقسماً إلى ما بعده، كما هو المفهوم عادةً، وبين أن يكون ما بعدها مقسماً إلى ما قبله، فلا يتعيّن المعنى المشهور الذي ابتنى عليه السؤال.
سؤال: ما هو المراد من قوله: {مُنفَكِّينَ}؟
قال الراغب: الفكّ التفريج، وفكّ الرهن تخليصه، وفكّ الرقبة عتقها(1).
أقول: وكلُّه بمعنى الفكّ والانفصال: إمّا مادّيّاً أو معنويّاً.
قال: وقوله: {فَكُّ رَقَبَةٍ}(2) هو عتق المملوك، وقيل: بل هو عتق الإنسان نفسه من عذاب الله(3).
وأضاف: والفكُّ انفراج المنكب عن مفصله ضعفاً، والفكّان ملتقى الشدقين(4).
أقول: بل هما نفس الشدقين؛ وإلّاَ لما صحّت تثنيته؛ لأنَّه واحدٌ لا يزيد،
ــــــــــــ[462]ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 398، مادّة (فكّ).
(2) سورة البلد، الآية: 13.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 398، مادّة (فكّ).
(4) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وإنّما عبّر عنه بالفكّ، لحصول الانفكاك والانفصال فيه بينهما.
والانفكاك يحتاج إلى طرفين: منفكٌّ ومنفكٌّ عنه، وأحد الطرفين موجود في الآية، وهو الفاعل في قوله (منفكّين)، وأمّا الطرف الآخر فمحذوفٌ، ومن هنا تحيّر المفسّرون فيه.
وهو يكون على وجوه:
الأوّل: ما فهمه الراغب(1) – وهو المشهور- من: أنَّ المراد أنَّهم منفكّون عن بعضهم البعض، يعني: أنَّ المنفكَّ هو عين المنفكِّ عنه سنخاً وإن أختلف عنه فرداً {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُُ} فإن أتت البيّنة أصبحوا مسلمين.
الثاني: ما فهمه صاحب الميزان من عدم انفكاك وانفصال الهداية عنهم، كأنَّ السنّة الإلهيّة قد أخذتهم ولم تكن تتركهم حتّى تأتيهم البيّنة، ولمّا أتتهم تركتهم وشأنهم(2).
وهذا غريب لوجوه:
1. أنَّ فاعل الانفكاك في الآية هم الكفّار والمشركون، وليس الهداية، كما قال.
ويمكن أن يجاب عليه: أنَّ الانفكاك بما أنَّه حاصلٌ من طرفين، فعدم انفكاك أحدهما ملازمٌ لعدم انفكاك الآخر، وهو كما ترى.
2. لا وجود لذكر الهداية قبل ذكر البيّنة.
3. مع التنزّل، كيف تنفكُّ عنه الهداية بعد البينة، بل هي هي.
الثالث: أنهم منفكّون عن صفتهم المذكورة نفسها – وهي الكفر
ــــــــــــ[463]ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 398، مادّة (فكّ).
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 337.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
والشرك وأنَّهم من أهل الكتاب- إلى الهداية والإسلام، فلا يكون ذلك إلّاَ بالبيّنة.
ولعلَّ هذا هو أوضح المحتملات، ولا يحتاج إلى تأويل، كما ذكر في >الميزان<؛ لأنَّ الاعتماد في هذا الوجه على العناوين التفصيليّة المذكورة نفسها.
الرابع: يوجد في الآية ذكر لصفتين من الناس، كلاهما متعاضدان ضدَّ الحقِّ والإسلام، كانوا على ذلك ولا زالوا عليه، هما أهل الكتاب والمشركون، فهذا التعاضد المنصوص لا ينفكُّ ولا يتبدّل حتّى تأتيهم البيّنة.
إعراب هذه الآيات
قال العكبري: (والمشركين) هو معطوفٌ على أهل، و(منفكّين) خبر كان، و(من أهل) حال من الفاعل في (كفروا)(1).
أقول – للتوضيح-: فإن قلتَ: هذا تفصيلٌ بعد إجمال، ويكون المعنى: أنَّ الكفّار متّصفون بصفتين: كونهم مشركين وأهل الكتاب، والتفصيل بعد الإجمال لا يناسب معنى الحال الذي ذكره العكبري.
قلت: هذا وإن كان صحيحاً، إلّاَ أنَّه لا ينافي معنى الحال؛ لأنَّ المراد كون حالهم كذلك.
وأضاف العكبري: (رَسول) هو بدل من (الْبَيِّنَة) أو خبر مبتدأ محذوف(2).
أقول: حسب فهمي: أنَّ الأفضل هو معنى البدليّة؛ لأنَّ الخبريّة تستلزم التقدير، وهو خلاف السياق، وكذلك أنَّ الضمير لا يعود إلى مرجع محدّد في
ــــــــــــ[464]ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 291.
(2) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
العبارة عندئذٍ.
فإن قلت: كيف يكون المذكّر (رسول) بدلاً من المؤنّث (الْبَيِّنَة)؟
قلتُ:
أوّلاً: إنَّه إبدال مجازيٌّ، وليس حقيقيّاً؛ لعدم صحّة حمله عليه حقيقةً، بل هو من أسبابه؛ لإقامة الحجّة عليهم بالرسول، فناسب نسبة العلّة إلى المعلول مع إسقاط لحاظ التأنيث.
ثانياً: إنَّ التأنيث في البيّنة لفظيٌّ، والتأنيث المجازيُّ بمنزلة المذكّر.
وأضاف العكبري: (من الله) يجوز أن يكون صفة(1).
أقول: يعني: أنَّه موصوف بأنَّه من الله.
قال: أو متعلّقاً به(2).
أقول: لأنَّ (رسول) مشتقٌّ قابلٌ لتعلّق الجارّ والمجرور به.
قال: (ويَتْلُو) حال من الضمير في الجارّ(3).
أقول: الجارّ ليس فيه ضمير، والجارُّ والمجرور معاً ليس فيهما ضمير أيضاً، وكذلك متعلّق الجارّ والمجرور وهو (رسول)، فأين وجد هذا الضمير؟
قال: أو صفة لرسول. ويجوز أن يكون (من الله) حالاً من صحف، أي: يتلو صحفاً مطهرة منزّلة من الله(4).
أقول: (صحف من الله) (رسول من الله) (يتلو من الله) كلّه محتمل
ــــــــــــ[465]ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 291.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
(4) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
عقلاً، إلّاَ أنَّ تعلّقه بيتلوا لا يخلو من إشكال؛ لأنَّه متأخّر لفظاً عن الجارّ والمجرور، وإنّما يتعلّق الجارّ والمجرور بما هو متقدّم.
قال: (فيها كتب) الجملة نعت لصحف(1).
وقال الرازي في هامش العكبري: المراد بالرسول هنا محمد’ بلا خلاف، فكيف قال تعالى: {يَتْلُو صُحُفاً} وظاهره يدلُّ على قراءة المكتوب من الكتاب، وهو منتفٍ في حقِّه’؛ لأنَّه كان أُميّاً؟
قلنا: المراد يتلو ما في الصحف عن ظهر قلبه؛ لأنَّه هو المنقول عنه بتواتر(2).
أقول: بناءً عليه يكون الإسناد إسناداً مجازيّاً؛ لأنَّ التلاوة تكون بالمباشرة من المصحف، وهذا يكون قبل كتابة القرآن في الصحف، أو المراد بها التشريع أو الهداية لأصول الدين، فإذا كان كذلك كانت التلاوة مجازاً، أو هي تلاوة بالمقدار المناسب لها، أي: الإعراب والإفصاح عنها، وقد كان رسول الله’ كذلك.
وقال الرازي أيضاً: فإن قيل: ما الفرق بين الصحف والكتب، حتّى قال: {صُحُفاً مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ}؟ قلنا: الصحف: القراطيس، وقوله تعالى: (مطهّرة) أي: من الشرك والباطل، وقوله تعالى: {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} أي: مكتوبةٌ مستقيمة ناطقة بالعدل والحقِّ، يعني: الآيات والأحكام(3).
أقول: الكتب يعني: الكتابات أو الكتابة نفسها، كما ورد عنه’:
ــــــــــــ[466]ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 291.
(2) أُنموذج جليل: 583، سورة البيّنة.
(3) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
>تعلّم كتاب يهود<(1). وكتاب مذكّر كتابة، وهي تكون في القراطيس والصحف، وحملها على المعنويّ أوضح من السياق؛ لأنَّ القراطيس لا تكون مطهّرة من الشرك والباطل؛ لأنَّها فيها كالسالبة بانتفاء الموضوع، والكتب قيّمة أي: مستقيمة بالعدل والحقِّ، كما قال، بل بمضامينها ومعناها، فالمراد هو المعنى عموماً.
وعلى أيِّ حال، فالتلاوة تكون بمقدارٍ يناسب الصحف: فإن كانت القراطيس حقيقيّة فالتلاوة حقيقيّة، وإن كانت مجازيّة فالتلاوة مجازيّة، كما هنا كذلك.
فإن قلتَ: فإنَّه في عالم المعنى لا يبقى فرقٌ بين الصحف والكتابة.
قلت: جوابه من عدّة وجوه:
أوّلاً: أن نقبل أنَّهما بمعنى واحد، ويكون قوله: {يَتْلُوا} راجعاً إلى كلا اللفظين، وقد وصف المجموع بكلا الوصفين: مطهّرة وقيّمة، والتفريق بينهما أدبي؛ لأجل تحسين السياق.
فإن تنزّلنا عن هذا الوجه صرنا إلى الوجوه التالية التي تلحظ الاختلاف في المعنى.
ثانياً: أنَّ الصحف ناظرة إلى مجموع ما يفيد البشر من الأُمور المعنويّة، والكتب ناظرة إلى الأقسام والحصص: كأصول الدين وفروعه.
ثالثاً: أنَّ الصحف ناظرة إلى تعدّد العوالم، وكلُّ عالمٍ منها ذو نظامٍ كونيِّ مستقل، والكتب ناظرة إلى تفاصيل العالم الواحد منها.
ــــــــــــ[467]ــــــــــــ
(1) سنن البيهقي 6: 211، الحديث: 11975، أمالي بن بشران، الحديث: 256، سبل الهدى والرشاد 11: 383، فتح الباري 13: 161.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
رابعاً: أنَّ الصحف ناظرة إلى اللوح المحفوظ حيث يكتب فيه القلم الأعلى، والكتب ناظرة إلى تفاصيله.
فإن قلتَ: ولكن الصحف جمع، واللوح المحفوظ مفرد.
قلتُ: إنَّ اللوح المحفوظ وإن كان واحداً، إلّاَ أنَّه يمكن لحاظه متعدّداً بالتحليل، وذلك باعتبار الجوانب التفصيليّة فيه، أي: التقسيم المكاني والزماني وغيره؛ فإنَّ لكلِّ واحدٍ منها لوحه الخاص به وكتابته الخاصّة به، وبهذا اللحاظ يكون متعدّداً.
فإن قلت: فما معنى التلاوة في اللوح المحفوظ؟
قلتُ: إن قُصد به القضاء والقدر، فيراد بالتلاوة التلاوة التكوينيّة، لا القراءة بالمعنى العرفيّ، بل إنجاز الأُمور تدريجاً وتطبيقاً مهما تطاول الزمن، والرسول’ كذلك، أي: يتلوه ويطبّقه.
وإن قُصد به التشريع، فالتلاوة هي الأمر والنهي، أي: اشغال الذمم بالتكاليف وتبليغه’ الناس بذلك، سواء كان ذلك من قبيل التلاوة على ورقة أو من القرآن أو أيّ شيءٍ آخر.
إن قلتَ: هذا لا ربط له بأهل الكتاب والمشركين، مع أنَّ الآية تذكرهم.
قلت: جوابه من عدّة وجوه:
أوّلاً: أنَّ أوصاف النبي’ لا ضرورة إلى ارتباطها بذلك السياق، وإنّما هي أوصافٌ مستقلّةٌ لتعريف فضله وعلوِّ شأنه.
ثانياً: أنَّها هداية لهم ولغيرهم.
ثالثاً: أنَّ حصةً منها هداية وحصّة تكوين؛ لأنَّ من جملة الأُمور التكوينيّة وجود الرسالة المحمّديّة.
ــــــــــــ[468]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
رابعاً: أن نعترف بالانفصال بتقدير (هو رسول)، والارتباط كافٍ في السياق بمضمون: أنَّهم سيكونون منفكّين بفعل الرسول’.
والقوّامة على الأوّل تشريعيّة وعلى الثاني تكوينيّة، وهي إنّما هي ثابتة للرسول’، وليست للكتابة ولا للصحف بعنوانها الاستقلالي.
سؤال عن معنى الكتب في قوله تعالى: {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ}:
جوابه: أنّنا إن أخذناها بالمعنى المتعارف فإنَّه يشمل الكتب السماويّة الحقّة كلّها، ويؤيّده ما قلناه من: أنَّ البيّنة الثانية إنّما هي نحو ذلك.
إلّاَ أنَّه مع ذلك لا يتمُّ؛ لأنَّ ظاهر الآية أنَّ الكتب في الصحف، لا أنَّ الصحف في الكتب، فإذا حملنا الكتب والصحف على المعنى المتعارف، كانت الصحف في الكتب دون العكس، فيتعيّن بالسياق أن يُراد بها الكتابة، كما سبق أن قلنا.
قال في الميزان: وللقوم اختلافٌ عجيب في تفسير الآية ومعاني مفرداتها، حتّى قال بعضهم – على ما نقل-: إنَّ الآية من أصعب الآيات القرآنيّة نظماً وتفسيراً. والذي أوردناه من المعنى هو الذي يلائمه سياقها، من غير تناقضٍ بين الآيات وتدافعٍ بين الجمل والمفردات(1).
أقول: لا توجد آية في القرآن الكريم لا يمكن التوصّل إلى معناها، باستثناء الحروف المقطّعة؛ وذلك لعدِّة أسباب مفهومة، أهمّها أنَّ القرآن إنّما أُنزل إلى الناس لهدايتهم، ولا تحصل الهداية بغير التفهّم.
وعلى أيِّ حال، فإنَّه لا يوجد كلامٌ غير مفهوم، بل لا معنى لذلك البتّة، ولكن الخطاب إنّما يوجد بمقدار فهم المخاطب، والله تعالى يعلم بمقدار فهمه، وإذا عرضنا – كما سبق – عدّة أُطروحات للفهم، كفى أن تصحَّ واحدة
ــــــــــــ[469]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 337.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
منها لإقامة المعنى، أيّاً كانت هي منها، وإنّما هؤلاء قومٌ قاصرون، وقد أضافوا صفتهم إلى غيرهم إلى كتاب الله سبحانه.
سؤال عن معنى (القيّمة) في قوله تعالى: {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ}:
جوابه: فيها عدّة احتمالات أو أُطروحات:
أوّلاً: غلاء الثمن، يعني: ثمن الكتب.
ثانياً: علوُّ المعنى والأهمّيّة.
ثالثاً: القيمومة، كما قال الله تعالى: {دِيناً قِيَماً}(1) أي: قيّماً، وقال: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} أي: الدين القيّم أو دين الجماعة القيّمة، كما سيأتي. فيكون المضمون والقانون المسجّل في الكتب هو القيّم على البشر تكويناً أو تشريعاً.
سؤال: حول قوله تعالى: {وََمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} من حيث إنَّ السياق واضحٌ بأنَّ البيّنة هي السبب للتفرّق، فكيف أصبحت كذلك، مع أنَّها ينبغي أن تكون سبباً لاجتماع الآراء؟
جوابه: أنَّ (تفرّق) فيه عدّة احتمالات:
أوّلاً: أن نفهم الآية الثانية على ضوء الآية الأُولى، فيكون (تفرّق) هنا بمعنى انفكّ السابقة، فيكون المعنى هنا: أنَّهم انفكّوا عن دينهم بالهداية، سواء كانت هداية الأنبياء السابقين أو الهداية الإسلاميّة.
إذ يحتمل في البيّنة هنا أمران:
الأمر الأوّل: أن يكون المراد بها بيّنة الإسلام، أي: بعثة النبي’، فيكون المعنى: أنَّهم تركوا اليهوديّة والنصرانيّة، فتفرّقوا عن أمثالهم السابقين.
الأمر الثاني: أن نفهم منها مطلق البيّنة، يعني: أيّة بيّنة تأتيهم، سواء
ــــــــــــ[470]ــــــــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 161.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
كان هو موسى× أو عيسى× أو سليمان×، أو محمد’.
وجوابه: أعني هذا الاحتمال الأوّل: أنَّ الظاهر من السياق هو اختلاف مورد الآية الثانية عن مورد الأُولى، وهو على هذا الاحتمال يكون واحداً، فيكون هذا الاحتمال منفيّاً بظاهر السياق.
ثانياً: ما ذكره الرازي في هامش العكبري(1) من: أنَّهم كانوا متّفقين على نبوّة نبيّنا قبل بعثته، ثُمَّ تفرّقوا بعدها، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، والمراد بالبيّنة عندئذٍ الإسلام.
وجوابه: أنَّ ظاهر الآية تفرّقهم بما هم أهل الكتاب، لا بعد الإيمان، مضافاً إلى أنَّ الانفكاك منفيٌّ لا مثبت، فتأمّل.
ثالثاً: تفرّق أهل الكتاب في البلدان لغرض الهداية للبيّنة، والمراد بها هنا دينهم حينما كان حقّاً، فهم يحملون هذه البيّنة إلى الناس بهدايتهم إلى دينهم.
وجوابه: أنَّ الظاهر تفرّقهم بالرأي في الدين أو المذهب، لا بالجسم، كما هو مقتضى هذا الاحتمال.
رابعاً: تفرّقهم فيما بينهم بالآراء والمذاهب، بحيث أصبحوا يكفّر بعضهم بعضاً، وانقسموا إلى كاثوليك وأرثودكس وسريان وآثور وأرمن وغير ذلك، ومنهم من لا يعترف بالبابويّة.
ومنهم من لا يعترف ببعض أجزاء الكتاب، أعني: التوراة والإنجيل المتعارفة، بينما يؤمن الآخرون بها جميعاً.
وهذا الاختلاف لم يحصل إلّاَ بعد البيّنة، ويراد بها هنا بعثة أنبيائهم.
وهذا المعنى موجودٌ في عدد من آي الكتاب الكريم: كقوله تعالى: {وَمَا
ــــــــــــ[471]ــــــــــــ
(1) أُنموذج جليل: 583، سورة البيّنة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}(1) أو قوله سبحانه: {كَانَ النَّاسُ أُمّة وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ}(2).
لأنَّ هناك نحو ملازمة بين الهداية وحصول الاختلاف عمليّاً.
فإن قلتَ: كيف يكون إنزال الكتاب وتبليغ العلم سبباً للتفرّق؟
جوابه: أنَّه يقول في الآية: {بَغْياً بَيْنَهُمْ}، فلا يكون العلم بمجرده سبباً للتفرّق والاختلاف، وإنّما مع انضمامه إلى المكر، وهو البغي، أو قل: إنَّ عندهم آخرة مع دنيا، فأطماع الدنيا هي التي توجب البغي.
فإن قلتَ: إنَّ الله تعالى يستطيع أن ينزّل عليهم مقداراً من العلم بما يمنعهم من التفرّق والاختلاف، فلماذا لم ينزّل علماً غزيراً {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}(3)؟
قلتُ: إنَّ الله لا يكلّف نفساً إلّاَ وسعها، ولا يكرههم على الإيمان، كما قال سبحانه: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}(4). وإنّما ينزل عليهم من العلم بمقدار يتّصف بصفتين عليا ودنيا:
الصفة العليا: كونه قابلاً للهداية اقتضاءً لا علّيّةً، والصفة الدنيا: أن يكون بمقدار استحقاقهم وتحمّلهم واحتياجهم، لا أكثر من ذلك.
ــــــــــــ[472]ــــــــــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 19.
(2) سورة البقرة، الآية: 213.
(3) سورة الشعراء، الآية: 4.
(4) سورة البقرة، الآية: 256.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فهو علم محدود – بالرغم من تكامله- لا يمنع تكويناً من استعمال النزوات والشهوات لمن يريدها، فمن حدّه ذاك يتصرّف أهل البغي والمنافقون.
خامساً: من احتمالات التفرّق إنشعاب أهل الكتاب إلى جماعات دنيويّة مضافاً إلى الجماعات الدينيّة، من حيث انقسامهم اقتصاديّاً أو اجتماعيّاً أو دوليّاً أو أيديولوجيّاً وغير ذلك، وهذا ممّا حصل فعلاً، وعلى نطاقٍ واسع.
قال في >الميزان<: كانت الآية الأُولى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ…}. تشير إلى كفرهم بالنبي’ … وهذه الآية تشير إلى اختلافهم السابق على الـدعوة الإسلاميّة … ومجيء البيّنة لهم هو البيان النبوي الذي تبيّن لهم في كتابهم وأوضحه لهم أنبياؤهم(1).
أقول: وهو كما ترى، إذا كان المراد بالبيان النبوي هو خصوص الإسلام، كما هو المنساق من عبارته، وإنّما البيّنة والعلم هو تعاليم أنبيائهم خاصّةً. نعم، يمكن الحمل على المعاني المشتركة بين كلّ الأنبياء.
سؤال: ننقل فيه لفظ الطباطبائي في >الميزان< حيث قال: ما باله تعرّض لاختلاف أهل الكتاب وتفرّقهم في مذاهبهم، ولم يتعرّض إلى تفرّق المشركين وإعراضهم عن دين التوحيد وإنكارهم الرسالة؟(2).
وجوابه من أكثر من وجه:
أوّلاً: ما أجاب به في >الميزان<: من أنَّه لا يبعد أن تكون الآية شاملة
ــــــــــــ[473]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 338.
(2) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
للمشركين، كما هي شاملة لأهل الكتاب(1)، يعني: بالإطلاق.
أقول: وهذا غير محتمل؛ لأنَّ الآية مقيّدة بالذين أُتوا الكتاب لفظاً، والمشركون ليسوا مصداقاً منهم، إلّاَ أن يُراد الأُمّة المدعوّة لهم لا خصوص الأُمّة المؤمنة منهم، وهو غير مقصود للمؤلّف جزماً.
مضافاً إلى أنَّ عالميّة الدعوة عندئذٍ كانت اقتضائيّة، ولم تكن فعليّة، والجزيرة العربيّة (وهي المحلُّ الرئيسي للمشركين يومئذٍ) لم تكن معهودة بالدعوة المسيحيّة في حياة المسيح ونحو ذلك.
مضافاً إلى أنَّ المشركين ما جاءتهم البيّنة ولا العلم؛ فإنّنا إذا فسّرناها بالأديان السابقة، فهؤلاء ليس لهم دين سابق.
ثانياً من أجوبة السؤال: أنَّ المشركين غير مهمّين في نظر القرآن في هذه المرحلة من التفكير، بإزاء الكفّار الكتابيّين؛ لوجود الأنبياء لديهم.
ثالثاً: أنَّ المشركين لم يختلفوا؛ لعدم حصول البيّنة لديهم، فمن هذه الناحية أصبحوا أفضل من أهل الكتاب، وليس المراد من البيّنة الرسالة المحمّديّة، ليكون وصفاً مشتركاً بين الفريقين.
إن قلتَ: ولكنّ المشركين اختلفوا أيضاً في أديانهم إلى أقسامٍ كثيرةٍ، كالبوذيّة والهندوسيّة والبراهمة والسيك والمعطّلة وغيرهم.
قلتُ: هذا له أحد جوابين:
الجواب الأوّل: أنَّه لوحظ الكفر والشرك ملّة واحدة، فلم يختلفوا في عنوانه.
ولكن قد يقال فيه: إنَّ المسيحيّين قد اختلفوا في دينهم، فلم يلحظهم
ــــــــــــ[474]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 338.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الآن ملّة واحدة، مع أنَّهم كذلك بالعنوان العام.
وجوابه: يمكن أن يكون الاختلاف المشار إليه هو الاختلاف بين أديانهم الرئيسية، كما هو بين اليهوديّة والمسيحيّة.
الجواب الثاني: أنَّ الاختلاف بين المشركين وإن حصل، ولكنَّه لم يصل إلى القتال الديني، وإنّما اختلفوا وتقاتلوا على أُمور دنيويّة محضة، ولم يسجّل التاريخ أنَّهم تقاتلوا في الدين، في حين أنَّ المسلمين والمسيحيّين واليهود تقاتلوا في دينهم، وهو مراد القرآن الكريم هنا.
رابعاً: من الأجوبة على السؤال الرئيسي هنا: أنَّ المشركين لوحظوا مشركي الجزيرة العربيّة، وهم لم يختلفوا عقائديّاً من ناحية اتّفاقهم على عبادة الأصنام، وأهل الكتاب معروفون عند المجتمع، وهم مختلفون.
فإن قلتَ: فإنَّ وحدة السياق تعيّن الإسلام في معنى البيّنة؛ لأنَّ المراد منها أوّلاً هو ذلك بنصّ الآية، فكذلك المراد من الثاني، فرجع إشكال >الميزان<.
قلت: جوابه لأكثر من وجه:
أوّلاً: إمكان الطعن بالمعنى الأوّل؛ إذ لا يتعيّن أن يكون المراد به هو الإسلام، بل هو العلم الحقُّ، من أيِّ مصدرٍ كان.
ثانياً: نفي وحدة السياق بينهما؛ للفصل الكبير بين الآيتين، ويؤيده أنَّ الألف واللام في كلا لفظي البيّنة جنسيّة، في حين لو عملنا بوحدة السياق تعيّن كونها عهديّة.
ولعلّ الآيتين لم تنزلا سويةً، فلم نحرز وحدة السياق، فيكون التمسّك بها في المورد من باب التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة.
ــــــــــــ[475]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثالثاً: أنَّه لا ملازمة بين القصدين، كما هو ظاهر، وإن كان مظنوناً بظنٍّ غير معتبرٍ، ولا دليل عليه إلّاَ إجماع المفسّرين، والإجماع في غير الشريعة ليس بحجّة.
إذن فالمراد الإطلاق من كلا الجهتين؛ لأنَّ كلاًّ من موسى وعيسى ومحمّد (صلوات الله عليهم) هم: {رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ}. فكلا البيّنتين يُراد بها نفس المعنى، وهو الأعمُّ من كلّ الهداة.
سؤال: حول قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} من حيث إنَّ (أُمروا) مبنيٌّ للمجهول، والفاعل الحقيقي له هو الله تعالى، لكن هذا بلسان من؟ هو بلسان نبيٍّ بلا شكّ، ولكن من هو؟
جوابه: فيه أُطروحتان:
الأوّلى: الأُطروحة المشهورة، وهي الإسلام، كما حُمل السياق السابق على الإسلام، ويكون المراد: أنَّ الأوامر والتعاليم الإسلاميّة لا تختلف كثيراً عمّا عهدوه في أديانهم من المفاهيم والتعاليم.
وهذا كلامٌ ترغيبيٌّ للدخول في الإسلام؛ لأنَّهم سيبقون إذا أسلموا على عاداتهم، لا تتغيّر حياتهم كثيراً؛ لكي يخشوا مثل هذا التغيّر والاختلاف، وهذا معنى جيّد للعوام.
الثانية: أنَّه بلسان الأنبياء جميعاً، فيكون إشارة إلى الدعوة النبويّة العامّة للأنبياء، والمراد أنَّ دعوة الإسلام بأصوله وفروعه عين دعوة أنبيائهم الواقعية، يعني: وما أمرهم الله دائما إلّاَ بذلك.
سؤال عن معنى (مخلصين) في قوله تعالى: {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء}:
جوابه: قال الراغب في >المفردات<: الخالص كالصافي، إلّاَ أنَّ الخالص
ــــــــــــ[476]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
هو ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه، والصافي قد يُقال لما لا شوب فيه(1). أقول: يعني: الأعمُّ.
وقال: وقوله تعالى: {خَلَصُوا نَجِيّاً}(2): أي: انفردوا خالصين عن غيرهم. وقوله تعالى: {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُون}(3) {انَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}(4). فإخلاص المسلمين أنَّهم قد يتبرّءوا ممّا يدّعيه اليهود من التشبيه والنصارى من التثليث. قال تعالى: {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}(5) … فحقيقة الإخلاص التبرّي من كلّ ما دون الله تعالى(6).
أقول: والملاحظ وروده في القرآن مكسوراً ومفتوحاً: مخلِصين ومخلَصين، وفي محلِّ الكلام مكسور، وورد بالفتح في بعض القراءات(7).
والفرق بينهما: أنَّه بالكسر يكون اسم فاعل وبالفتح يكون اسم مفعول، فإن كان هو سبب إخلاص نفسه، فهو مخلِص بالكسر. وأمّا المخلَص
– بالفتح- فالملاحظ فيه أنَّه جُعل فيه الإخلاص، كما في قوله تعالى: {كُفِرْ}(8) أي: جُعل فيه الكفر. والجاعل أحد أمرين:
ــــــــــــ[477]ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 155، مادّة (خلص).
(2) سورة يوسف، الآية: 8.
(3) سورة البقرة، الآية: 139.
(4) سورة يوسف، الآية: 24.
(5) سورة الأعراف، الآية: 29، سورة يونس، الآية: 22، سورة العنكبوت، الآية: 65، وغيرها.
(6) مفردات ألفاظ القرآن: 155، مادّة (خلص).
(7) معجم القراءات 8: 207، سورة البيّنة.
(8) قال تعالى: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} سورة القمر، الآية:14.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أوّلاً: بلحاظ الأسباب، أي: حصلت الأسباب المناسبة لوجود الإخلاص أو الكفر.
ثانياً: بلحاظ المسبّب، أي: إنَّ الله تعالى أخلصه، كما في المقرّبين، أي: قرّبهم الله تعالى.
ومادّة خلص إمّا ثلاثيّة (خلص) وإمّا رباعيّة مزيدة (أخلص).
والثلاثي لازمٌ لا يتعدّى إلى مفعول، بخلاف الرباعي؛ فإنَّه متعدٍّ، وقد يستعمل لازماً، كما تقول: أخلصت لله، أي: أصبحت مخلصاً.
ونقول – بنحو الأُطروحة-: إنَّ الرباعي متعدٍّ دائماً، ولا يكون لازماً، وهذا ينتج أنَّه إذا لوحظ الفعل لازماً كان من الثلاثي، واسم فاعله (خالص)، والرباعي اسم فاعله (مخلص) بالكسر. فإذا لاحظنا جانب الفاعل قلناه بالكسر، وإذا لاحظنا جانب المفعول قلناه بالفتح.
فيكون معنى مخلص لك بالكسر أي: أنَّه جاعلٌ فيك الإخلاص، كما لو سلك سلوكاً بحيث جعلك تودّه وتخلص له، فهو مخلصٌ لك أي: مخلّصك من الشوب الذي كان موجوداً عندك تجاهه، ثُمَّ نُقل بشكل مجازي، فبدلاً من أن يكون لقباً للفاعل أصبح لقباً للمفعول به.
إذن فمعنى الإخلاص إنّما هو بالفتح دائماً؛ لأنَّ الملحوظ فيه جانب المفعول، وأمّا بالكسر فالملحوظ فيه جانب الفاعل، لكن العرف لا يفهم ذلك.
فقد أصبح المخلِص بالكسر صفة للمتّصف بالإخلاص، كما أصبح لازماً، مع أنَّه في أصل اللغة ينبغي أن يكون متعدّياً.
وهما ليسا مترادفين طبعاً؛ لأنَّ أحدهما اسم فاعل والآخر اسم مفعول.
ــــــــــــ[478]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فيتحصّل سؤال: إنَّه ما الفرق بينهما؟
جوابه: أنَّ في ذلك عدّة أُطروحات:
الأُولى: أن نقول: إنَّه لا فرق بينهما، وإنّما هما لغتان لمعنىً واحد.
الثانية: إنَّ مخلص بالكسر لوحظ فيه التسبيب للإنسان، كما سبق، وبالفتح لوحظ إسناد السبب إلى الله سبحانه.
الثالثة: أنَّ المخلص بالكسر أقلُّ درجةٍ من الآخر؛ باعتبار أنَّ الفرد قد يشعر أنَّه هو الذي يتكامل أو يجعل نفسه متّصفاً بالزهد والعبادة، فإن كان صادقاً في نيّته فهو مخلص بالكسر، وإن كان يشعر أنَّ طاعته إنّما هي بتوفيق الله سبحانه وفضله، فهو مخلص بالفتح، والأوّل أقلُّ درجة بطبيعة الحال من الثاني.
إن قلتَ: إنَّه بناءً على ذلك يحصل تنافٍ في الآية الكريمة: {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} بناءً على تفسير المشهور، أي: الجماعة القيّمة، وهم القيّمون على الدين، وهم المعصومون^، فيحصل التنافي. لأنّنا عرفنا أنَّ مخلصين بالكسر تعبيرٌ عن المتدنّين نسبيّاً، والقيّمة تعبيرٌ عن العالين، مع أنَّ ظهور السياق القرآني هو كون المراد منهما واحداً، فكيف نجمع بينهما؟
قلت: يكون ذلك من عدّة وجوه:
أوّلاً: يمكن التنزّل عن تأويل الجماعة القيّمة إلى الأُمّة القيّمة، وهم سائر المسلمين، وهم مخلصين بالكسر غالباً، فناسب صدر الآية ذيلها، وسقط الإشكال.
ثانياً: أنَّ الآية الكريمة ليس فيها مفهوم مخالفة نافٍ للزائد.
ونحتاج هنا إلى مقدّمة حاصلها: أنَّ النسبة بين مخلص بالكسر ومخلَص
ــــــــــــ[479]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بالفتح هو العموم المطلق، وليس التباين ولا التساوي، فكل مخلَصٍ بالفتح هو مخلِصٌ بالكسر ولا عكس.
فالجماعة القيّمة وهم المعصومون^ مخلِصين بالكسر، وهم أولى من غيرهم أن يكونوا كذلك، والآية لاحظت حالهم بالكسر، ولم تلحظه بالفتح، ولا يجب ذكر الصفة الأفضل.
ثالثاً: أنَّه تعالى: يقول: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} فالجماعة القيّمة آمرة، والكفّار والمشركون وأهل الكتاب هم المأمورون.
فمتعلّق الآية هو الأمر لمن هو دان لكي يكونوا مخلِصين بالكسر، وأمّا مخلَصين بالفتح فلا يتعلّق به الأمر؛ لأنَّه من فعل الله لا من فعل العبد.
رابعاً: أنَّ السياق يختلف بقوله تعالى: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} كأنَّه بدأ سياق ثانٍ، فلا يتعيّن أن يكون مخلِصين بالكسر وصفاً للقيّمة، بل يمكن أن يكونوا مخلَصين بالفتح.
فإن قلتُ: فإنَّه في متن العبارة يقول: {وَذَلِكَ}، وهو إشارة إلى أُمور منها المخلِصون بالكسر المذكورون في الآية.
قلتُ: نعم، إلّاَ أنَّ الظاهر أنَّ الدين هنا يُراد به الدين الذي يدعو له القيّمة، لا الدين الذي يلتزمونه بينهم وبين الله؛ فإنَّ ذاك مستوى أعلى من هذا.
سؤال عن معنى قوله تعالى: {حُنَفَاءَ}؟
قال الراغب في >المفردات<: الحنف (بفتحتين ) هو ميلٌ (والأفضل أن يقول هو الميل) عن الضلال إلى الاستقامة (أي: الهداية والعدل). والجنف ميلٌ عن الاستقامة إلى الضلال، والحنيف (صفة مشبّهة) هو المائل إلى ذلك.
ــــــــــــ[480]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قال عزَّ وجلَّ: {قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً…}(1) وقال: {حَنِيفاً مُسلْماً}(2) وجمعه حنفاء (أي: مجموعة من الناس كلّ واحدٍ منهم متصف بالحنف). قال عز وجل: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ}(3). وتحنّف فلان أي تحرّى طريق الاستقامة (أي: اهتدى). وسمّت العرب كلّ من حجَّ واختتن حنيفاً؛ تنبيهاً أنَّه على دين إبراهيم (على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام)<(4).
والأحنف (بمعنى كلِّي) من في رجله ميل. قيل: سمّي بذلك على التفاؤل(5). يعني: من تسمّية الضدِّ باسم ضدِّه، كما سمّيت الجميلة قبيحة والقصيدة العصماء البتراء. وكما قال الشاعر:
مضلّ الناس قد سمّيت هادي
كما قد سمّي الأعمى بصيراً
وقيل: بل أُستعير للميل المجرد(6).
أقول: هنا عدّة مستويات:
الأوّل: أنَّ النبي’ ومن كان قبله من الأنبياء والصالحين على دين إبراهيم×.
الثاني: أنَّ النبي’ و الأئمّة من ولده هم من أصلاب طاهرة وأرحام
ــــــــــــ[481]ــــــــــــ
(1) سورة النحل، الآية: 12.
(2) سورة آل عمران، الآية: 67.
(3) سورة الحجّ، الآيتان: 30-31.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 133، مادة (حنف).
(5) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 2: 140، سورة البقرة، تفسير الرازي 4: 74، تفسير ابن عاشور المسمّى بـ(التحرير والتنوير) 1: 737.
(6) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 2: 140، سورة البقرة، تفسير الرازي 4: 74، تفسير ابن عاشور المسمّى بـ(التحرير والتنوير) 1: 737.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مطهّرة، كما ورد(1)، فكيف كان ذلك وآباؤهم مشركون؟
وجوابه: أنَّهم كانوا متديّنين بدين الله في زمن الجاهليّة، وهو دين الحنيفيّة، كما روي عن عبد المطّلب وأبي طالب وغيرهما أنَّهم كانوا يقرأون كتب الأنبياء السابقين(2).
الثالث: أنَّ الجزء الرئيسي – حسب فهمي – من دين الحنيفيّة هو ما نسمّيه بأصول الدين لا فروعه، والجزء الرئيسي من أُصول الدين هو التوحيد، مع الغفلة عن الأربعة الأُخرى منها في ذلك الحين أو عن غالبيّتها.
وأمّا فروع الدين فلم تكن ملغاة بالمرّة. نعم، لم تكن هناك أوامر محدّدة، وإنّما كان هناك نواهٍ: كلا تزنِ، لا تسرق، لا تكذب، لا تشرب الخمر، وأمثال ذلك، وقد كان الحنفاء ملتزمين بمثل هذه الأُمور مضافاً إلى تركهم السجود للأصنام.
فإن قلتَ: كيف تكون الحنيفيّة مقبولة منهم، وقد كان الدين الحقُّ يومئذٍ هو دين المسيح×؟
قلنا: نعم، ولكن هناك عدّة موانع من الالتزام بذلك منها:
1. أنَّ دين اليهوديّة والنصرانيّة كان محرّفاً عن العقيدة الأصليّة لأنبيائهم، ولم تكن العقيدة الأصليّة معروفة بينهم ليتمّ الالتزام بها.
2. أنَّ اليهود والنصارى كان لهم وجودٌ في جزيرة العرب، وهم
ــــــــــــ[482]ــــــــــــ
(1) مزار الشيخ المفيد: 187، زيارة أُخرى مختصرة لهم^، الكافي 4: 559، باب زيارة من بالبقيع، كامل الزيارات: 119، الباب: 15، الحديث 2.
(2) أُنظر: كمال الدين وتمام النعمة: 175، الباب الثاني عشر: في خبر عبد المطّلب وأبي طالب، الخرائج والجرائح، باب: 20، حديث: 10.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
معاشرون ومصاحبون للمجتمع، ويعرفهم الناس بأنَّهم ذوو عقائد محدّدة غير محمودة، كالاعتقاد بالثالوث المقدّس ونحوه، ويستطيع المفكّرون من أهل الحنيفيّة استنتاج ذلك بكلِّ تأكيد.
3. أنَّ هؤلاء اليهود والنصارى كما هم غير تامّين في أُصول دينهم، فهم ناقصون أيضاً في فروع دينهم، وملتزمون بكثيرٍ من المعاصي والفواحش واللاإنسانيّة، الأمر الذي يُنفّر الفرد المنصف والطالب للحقِّ عنهم.
ومن هنا كان لابدَّ لهؤلاء الطالبين للحقِّ الالتزام بنبوّة النبيِّ السابق على اليهوديّة والنصرانيّة، وهو إبراهيم×، وهو متّصف بعدِّة صفات مهمّة في نظرهم وفي نظر الجميع:
1. أنَّه جاء بعقيدة متكاملة في فهم التوحيد الإلهي.
2. أنَّه كان واضح الإخلاص لله في سلوكه.
3. أنَّه جاء إلى الجزيرة العربيّة، وخلّف فيها ولده إسماعيل.
4. أنَّه باني الكعبة المشرّفة.
5. إنَّه النبيُّ الذي يعترف بقدسيّته كلّ الملل المتأخّرة عنه.
والمهمُّ بعد كلّ ذلك أنَّ الحنيفيّة هي الإخلاص في التوحيد، وهي من قسم أُصول الدين، وليست من فروعه.
فإن قلتَ: إنَّ العرب – كما سمعنا- كانت تسمّي كلّ من حجّ واختتن حنيفاً، وذلك من فروع الدين.
قلتُ: أهمّ تفسيرٍ لذلك أن نقول: إنَّ ذلك العمل قد كان منهم قربةً إلى الله تعالى، فالالتزام به يدلُّ على الالتزام بأصول الدين، ويكون له كشف إثباتي عنه.
ــــــــــــ[483]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وبتعبيرٍ آخر: إنَّهم لم يكونوا يعملون تلك التطبيقات: الحجّ والختان لمجردهما، بل بعنوان كونها لله عزَّ وجلَّ، والأعمُّ الأغلب كانوا يفعلون ذلك كوظيفة دينيّة، فرجعنا إلى أنَّ الأصل في الحنيفيّة هو التوحيد.
فإن قلتَ: كيف نسبت الحنيفيّة إلى إبراهيم×، في حين أنَّها تمثّل خطّ الأنبياء جميعاً: من كان قبله ومن جاء بعده؟
قلتُ: لذلك عدّة أجوبة يجمعها معنى أهمّيّة إبراهيم× وعظمته؛ فإنَّ له صفتين ثبوتيّة وإثباتيّة:
أمّا الصفة الثبوتيّة فهي أنَّه× بلغ من صفات التوحيد ودقائقه أكثر ممّن كان قبله، وقد وصلت البشريّة في زمنه إلى أعلى مرتبة سابقة في توحيد الباري سبحانه.
نعم، تطوّر الدين في زمن موسى×، ولكن تطوّره كان في فروع الدين لا في أصوله، وأمّا الزيادة في زمن عيسى× فقد كانت التبشير بالمستقبل المقدّس للبشريّة.
إذن فالمبشِّر الرئيسي بالتوحيد هو إبراهيم في عالم الثبوت والواقع.
وإذا تنزّلنا عن ذلك نقول: إنَّه× أحسن من بيَّن ذلك إثباتاً، حتّى نوح× لم يستطع ذلك؛ لأنَّ مجتمعه كان أغلبه كفّاراً، ولم يؤمن به إلّاَ القليل، حتّى أخذه الطوفان، وأمّا آدم فقد كان عدد البشر في زمنه قليلاً جداً.
ومع التنزّل عن كلّ ذلك يكفي أن يكون الأمر ترغيباً للمتديّنين السابقين على الإسلام للدخول في الإسلام، وأنَّهم إذا دخلوه كانوا حنفاء أيضاً، بل كانوا أيضاً على دين الجماعة القيّمة، وهم إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد^.
ــــــــــــ[484]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الرابع من مستويات الحديث عن لفظ الحنفاء: أن ندّعي
– كأُطروحة- أنَّ حنفاء بمعنى مخلصين؛ لأكثر من قرينة:
أوّلاً: أنَّ حنفاء إن كان بمعنى الموحّدين أو الملتزمين بدين إبراهيم×، صار بمعنى واحد كالمترادفين، ونحن نعلم وجداناً أنَّهما ليسا كذلك، فلابدَّ أن يكون في حنفاء زيادة في المعنى عن معنى الموحّدين، فندّعي أنَّه بمعنى المخلصين.
ثانياً: أنَّ الراغب – كما سمعنا- قال: الحنف هو ميلٌ عن الضلال إلى الإستقامة(1). والذي يميل هذا الميل هو المخلص الناصح لنفسه، والمخلص لرِّبه، وإلّاَ كان فيه جنف لا حنف.
ولكن ليس كلّ إخلاصٍ هو حنف، أي: ليس المخلص لأيِّ هدف هو حنيف بل حصّة منه.
فإمّا أن نقول: إنَّ الحنف هو الإخلاص بدرجة عالية، بحيث يكون الفرد على استعداد بأن يفدي نفسه وأهله وماله، وإمّا أن نقول: إنَّه الإخلاص للتوحيد أو للدين وليس للدنيا.
فإن قلت: إذا كان (حُنَفاَء) بمعنى مَخْلِصيِن، ومخلصين واردة في الآية أيضاً، فماذا يتحصّل من مفهوم الآية؟
قلت: هذا له عدّة أجوبة:
الأوّل: أنَّه تكرار بغير لفظه، فلا يكون قبيحاً، بل إنَّه مهمٌّ لزيادة الاهتمام والتوكيد.
الثاني: إن (مَخْلِصيِن) معنى عامّ، وحُنَفَاء (مخلصون لله) كما قرّبنا، فيختلفان.
ــــــــــــ[485]ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 133، مادّة (حنف).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إلّاَ أنَّ هذا لا يكفي؛ لأنَّ الإخلاص في الآية مقيّد بالدين، فإن كان حنفاء مقيّداً بالدين أو بالتوحيد (وهو الدين أيضاً) حصل التكرار، فإن قبلنا به رجع إلى الجواب الأوّل، ولكن لو تنزّلنا عن ذلك، بطل هذا الوجه.
الثالث: أن نخصَّ أحدهما بأصول الدين ونخصَّ الآخر بفروعه أو بالعكس، وكلاهما أُطروحة معتمدة لدفع الإشكال، وكون مخلصين له الدين بالفروع وحنفاء بالتوحيد أو بالأصول أرجح؛ لأكثر من قرينة:
منها: أنَّ حنفاء إشارة إلى دين إبراهيم×.
ومنها: أنَّه ترقٍّ من الفروع إلى الأصول، وهو ينتج زيادة في التفهيم والتأكيد، لا يتحصّل مع العكس، وهذا الظهور واضح في الآية.
سؤال عن إعراب (مخلصين):
قال العكبري: مُخْلصيِنَ حال من الضمير في (يَعْبُدوُا) (يعني: يعبدون الله حال كونهم مخلصين) وحُنَفَاء حال أُخرى، أو حال أُخرى من الضمير في مَخْلصيِنَ (يعني: مخلصين حال كونهم حنفاء) وقوله تعالى: {دِينُ الْقَيِّمَةِ}، أي الملّة أو الأُمّة القيّمة(1).
سؤال عن معنى {الْقَيِّمَةِ}، وما هو التقدير المناسب لها؟
جوابه: له عدّة أُطروحات:
الأُولى: ما فهمه المشهور وسمعناه عن العكبري من: أنَّ التقدير: الملّة أو الأُمّة، والفرق بينهما: أنَّ الأُمّة هي مجموعة من الناس كيفما اتّفق، والملّة هي الجماعة المتّصفة بدين معيّن أو أيدلوجيّة معيّنة، فتكون النسبة بينهما العموم المطلق، فكلُّ ملّة أُمّة ولا عكس.
ــــــــــــ[486]ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 291، سورة البيّنة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فالملّة حينما نطلقها فإننا نشير إلى دينها، فهي قيّمة بصفتها متديّنة، فيترجّح اختيار الملّة على الأُمّة فيما إذا اخترنا هذا الوجه.
الثانية: حسب فهمي أنَّ التقدير ينبغي أن يكون الجماعة؛ لأنَّ معنى القيّم هو من لا قيّم عليه، أو قل: هو القيّم على الإطلاق الذي ليس فوقه قيّم غير الله عزَّ وجلَّ، فينصرف إلى أعظم الأفراد، وهم المعصومون^.
الثالثة: أن نقول: لا حاجة إلى التقدير؛ لأنَّه لا يصار إليه إلّاَ مع الضرورة، فيمكن القول بأنَّ القَيَّمَة وحدها تكفي، وهي بمعنى: القيّمين.
وليس هذا غريباً في اللغة – أعني: التعبير بالمؤنّث عن الجمع- فيكون المعنى: القوّام أو القائمين، أي: المشرف والمدبّر والمراقب، وهو مأخوذ من القيام، وهو الوقوف؛ لأنَّ الأغلب في المشرف أن يكون واقفاً على ما يشرف عليه، ثُمَّ استعمل فيما كان فاقداً له مجازاً، ولكنَّه أصبح حقيقةً منذ زمن قديمٍ جداً.
والآية كما هو معلوم لم تشر إلّاَ إلى عنوان القيّمين، ولكن من هم وممّن هم وعلى من هم، فقد أهملت الآية التعرّض لذلك عمداً؛ لأنَّ الحكمة اقتضت الاختصار.
ولكنّنا نستطيع أن نستنتج من السياق الجواب على أنَّهم: مِن قبل مَن هم؟ وذلك لأنَّ لله تعالى في القرآن يشهد بأنَّهم قيّمون، فأخذهم بشكلٍ مطلق وحقٍّ، ولم يشر إلى أنَّهم منصّبون من قبل ناس آخرين، فيكون واضح الدلالة أنَّهم منصّبون من قبل الله سبحانه للقيمومة.
فإن قلتَ: إن القيّم واحد، وهو الله سبحانه، وهو ينافي معنى التأنيث؛ لأنَّه يوحي بالجمع.
ــــــــــــ[487]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قلت: القيّم ليس هو المالك، بل هو المنصوب من قبله، كما يقولون: وكيل مفوّض، والله سبحانه لم يلاحظ قيّماً؛ لأنَّه غير منصوب من قبل أحد، وإن كان قيّماً بالذات. والعرف لا يسمّي المالك قيّماً، بل المنصوب من قبله، وهنا نقصد المنصوب من قبل الغير، وهم المعصومون×، ولا يشمل الله سبحانه، فرجع المتعلّق إلى الجماعة، لا إلى الفرد، فالتأنيث في محلّه.
إن قلت: إنّنا مخيّرون بين تقدير الأُمّة وتقدير الجماعة، فإذا لم نقدّر الجماعة قدّرنا الأُمّة أو الملّة، وهم المسلمون، فلماذا لا نقدّر المسلمين، مع أنَّه تعالى قال في آية أخرى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}(1) أي: شاهدين وقائمين، فيكون معنى الآيتين مشتركاً؟
قلت: ينبغي أن نفرّق بين مفهوم القيمومة ومفهوم الشهادة، ولم يثبت أنَّ معنى هذا هو ذاك، والأُمّة الإسلاميّة شهيدة على الناس، ولكنّها ليست قيّمة عليهم.
وأوضح فرق بينهما: أنَّ القيمومة تقع في علل التصرّف، والشهادة تقع في معلولاته وبعد إنجازه، فالقيمومة متقدّمة رتبةً على العمل، والشهادة متأخّرة عنه، فلا يجتمعان.
فإن قلتَ: ولكنَّ الله تعالى في نفس الآية السابقة يقول: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}(2) فإن نفينا كون الأُمّة قيّمة، فلا يمكن أن ننفي كون الرسول قيّماً، ومعه يمكن فهم قيمومة الأُمّة من قيمومة الرسول وشهادتها باعتبار وحدة السياق.
ــــــــــــ[488]ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 143.
(1) سورة البقرة، الآية: 143.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قلتُ: كلّا؛ فإنَّ الرسول له صفتان: الشهادة والقيمومة، فقد جعله الله في جانب العلّة وفي جانب المعلول معاً، وهذه الآية السابقة تدلُّ على وجود الشهادة في الأمّة وفي الرسول، ولا تدلُّ على القيمومة في الأمّة ولا في الرسول، وليس لها مفهوم مخالفة يدلُّ على نفي القيمومة، والآية التي نتكلّم عنها تدلُّ على القيمومة لا على الشهادة. فهذه هي الأُطروحة الأُولى لتفسير (دين القيّمة) يعني: دين الجماعة القيّمة أو دين القيّمين، وهو الأرجح ممّا سنذكره.
ولكن توجد أُطروحة ثانية يمكن أن تُعرض بهذا الصدد:
وهو أن يكون (دين القيّمة) أي: دين القيمومة؛ فإنَّ القيّم هو صفة مشبّهة بمعنى اسم الفاعل، وبالتالي فهو اسم فاعل، والقيمومة مصدر، فتكون الآية قد استعملت اسم الفاعل بمعنى المصدر، ولا ضير في ذلك مجازاً، فالدين القيّم بمعنى الدين القائم أو دين القيمومة.
ويمكننا أن نصف الدين بأنَّه قيّم، وذلك على ما ورد في آيات أُخرى من القرآن الكريم، قال تعالى: {إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً}(1) أي: قيّماً، بحسب أهمّ تفاسيره أو على قراءة أُخرى غير المشهورة، وقال تعالى: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}(2).
فإنَّ القيّم هو الفرد المشرف والمدبّر بالمباشرة (الفاعل المختار الرشيد) ولكن حين لا يكون معه فكر أو أيدلوجيّة صحيحة، فإنَّه سوف يسيء التصرّف، بل لعلَّ جانب الفساد منه سيكون هو الأغلب؛ لأنَّه سوف يطيع شهوات نفسه ومصالحه الشخصيّة، ولكن مع وجود الدين والفكر الحاكم
ــــــــــــ[489]ــــــــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 161.
(2) سورة التوبة، الآية: 36، سورة يوسف، الآية: 40، سورة الروم، الآية: 30.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
على هذه القيم، ستكون القيمومة بعدل ومطابقة للواقع.
ومعه أمكن أن نصف هذا الدين أو الفكر بأنَّه قيّم؛ لأنَّه الموجّه للقيّم.
ومعه تكون لفظة (القيّمة) بمنزلة الصفة أو النعت للدين نفسه، كما ورد وصفه بأنَّه قيّم بدون حاجة إلى تقدير موصوف، أعني: الجماعة القيّمة.
غير أنَّ ذلك يواجه إشكالان:
أحدهما: أنَّه من نعت النكرة بالمعرفة؛ لأنَّه قال: (دين القيّمة) فكان الموصوف نكرة والصفة معرفة.
وجوابه: أنَّ هذا استعمال عرفيٌّ، وإن لم يكن فصيحاً، ومقتضى احتواء القرآن على كلّ شيء {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}(1) أن يحتوي على ذلك أيضاً؛ فإنّنا نقول عرفاً: صحن الشريف وكعبة المشرّفة وسوق الكبير، وبالرغم من أنّنا نعربه مضاف إليه وليس نعتاً، إلّاَ أنَّ المقصود الحقيقي هو النعت، وليس الإضافة.
ثانيهما: أنَّه من وصف المذكّر بالمؤنّث؛ لأنَّه قال: (دين القيّمة) فكان المنعوت مذكّراً ونعته مؤنّثاً.
وجوابه من وجهين.
الوجه الأوّل: أنَّ الدين كلّيٌّ، والكلّيُّ بمنزلة الجنس، والجنس بمنزلة الجمع، والجمع بمنزلة المؤنّث في اللغة العربيّة.
الوجه الثاني: أنّنا قد نقول: إنَّ تاء التأنيث لا تدلُّ على تأنيث مدخولها دائماً، بل تتناسب مع المذكّر أحياناً، كتاء الوحدة والتنكير: كتمرة وجلسة. فيكون القيّمة مذكّراً. وأمّا ما هو ممنوع فهو وصف المذكّر بالمؤنّث الحقيقي؛ لتنافيهما، وهذا ليس منه.
ــــــــــــ[490]ــــــــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 38.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: ما هو هدف السورة؟
جوابه: أنَّ أفضل من التفت إلى ذلك هو سيّد قطب في >في ظلال القرآن<(1) فقد ذكر مجموعة أُمور كهدف للسورة.
إلّاَ أنَّ هدف السورة ينبغي أن يكون واحداً، وقد جُعلت هذه المفاهيم التفصيليّة كمقدمات لتحصيله.
والهدف هو مجادلة الكفّار من أهل الكتاب والمشركين ومضادتّهم أوّلاً وهدايتهم ثانياً.
فأقول: – بعرض منّا بغضِّ النظر عمّا قيل في ذلك المصدر-: إنَّ المهمَّ في مجادلة الكفّار من أهل الكتب والمشركين أربع نقاط:
– بيان عيوبهم
– وما يصلحهم
– وبيان الرحمة والمنّة النازلة عليهم
– وتقييمهم كما يلي:
أوّلاً: أمّا ذكر عيوبهم فهي كونهم كفّاراً ومشركين وأهل كتاب. وهذا العنوان في نفسه عيب؛ لأنَّ الإسلام دين ناسخ لما قبله من الأديان، ومن يترك ما هو أعلى وأفضل ويختار ما هو أدنى، فهو معيب لا محالة.
ثانياً: وأمّا ما يصلحهم فهو البيّنة والكتب المطهّرة.
ثالثاً: وأمّا الرحمة والمنّة النازلة عليهم فهي العلم، ولكنَّهم لم يستفيدوا من هذا العلم، وإنّما اختلفوا فيه وتقاتلوا عليه.
رابعاً: وأمّا تقييمهم فهو أنَّهم شرُّ البريّة، وهم كذلك في الدنيا وفي
ــــــــــــ[491]ــــــــــــ
(1) في ظلال القرآن 30: 214، سورة البيّنة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الآخرة، أي: إنَّ القيمة الأخلاقيّة لهم متدنّية في كلا الدارين.
وفي مقابلهم خير البريّة، وقيمتهم الأخلاقيّة عالية في كلا الدارين. وجزاء خير البريّة الجنّة وجزاء شرِّ البريّة النار.
قد يُقال: إنَّ نسق الآيات يختلف في السورة ابتداءً من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} بعنوان الإشارة إلى كونه هو النتيجة للمقدّمات الموجودة في أوّل السورة.
وجوابه: أنَّ هذا الاختلاف غير واضح، والنسق هو نسق الهاء الساكنة في كلّ الآيات إطلاقاً.
وهنا يمكننا أن نلاحظ عدّة أُمور:
أوّلاً: أنَّ لفظ (القيّمة) استعمل مرّتين بمعنيين: (كتب قيّمة) و(دين القيّمة)، ولا أقلَّ أنَّه بعد تقييده يصبح بمعنيين.
فإن قلتَ: إنَّ (القيّمة) بمعنى واحد؛ لأنّكم ذكرتم أنَّ معنى (كتب قيّمة) هي الكتب التي لها القيمومة، وكذلك (دين القيمة) فرجعت إلى معنى واحد.
قلتُ: جوابه من عدّة وجوه:
1. أنّنا ذكرنا ذلك كأُطروحة، ولكن هنا يمكن أن نخرج عن الإشكال بأن نختار أحدى الأُطروحتين في أحد اللفظين، ونختار الأُخرى في الآخر؛ لأجل أن لا يلزم التكرار.
2. أنَّه مع التنزّل فإنَّ المفهوم التصوّري حين يقيّد بمفهوم تصوّري آخر، يكون المجموع مفهوماً تصوّريّاً واحداً، فإذا اختلفت الإضافة اختلف المفهوم، كقولنا: سرج الفرس وسرج زيد.
3. لا بأس أن يكون كلا اللفظين بمعنى واحد، وتكون القيمومة
ــــــــــــ[492]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
للكتب المطهّرة وللدين معاً؛ لأنَّ محصلهما الحقيقي واحد.
ثانياً: من الأُمور التي نلاحظها في الآية: أنَّ النسق محفوظٌ في الهاء، والضمير في ربِّه جُعل في نسق التاء المدوّرة، كالبيّنة والقيّمة، وهذا واضح في لزوم تسكين نهايات الآيات؛ ليصحَّ النسق ويتحقّق.
وهذا يدعم الأخبار الواردة الدالّة على الاستحباب الشرعي للوقوف في نهايات الآيات والنهي عن الدرج فيها(1). ومن هنا نستطيع أن نفهم من هذه السورة نحواً من الأمر والطلب للوقوف في نهايات الآيات؛ ليكون النسق واحداً، ولعلَّ الأرجح فعلاً أنَّها نزلت بالسكون.
ثالثاً: إنَّ عدداً من الآيات مضمومٌ، كالبيّنة وربّه، وعدد منها مكسور، وهي: خير البريّة، وشرّ البريّة. فلو قُرئت بالحركات الإعرابيّة لانتفى التناسق فلابدَّ من قرائتها بالسكون.
سؤال حول قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ}:
فقد يستشكل من ناحية كلاميّة في الخلود: إمّا من ناحية أنَّ الخلود في النار لكلِّ أحدٍ غير جائز، وإمّا الخلود لكلِّ هؤلاء (أي الكفّار) غير جائز؛ لأنَّ فيهم قاصراً ومعذوراً ونحو ذلك.
جوابه: أنَّه يقع الكلام في ذلك في جهتين:
الجهة الأُولى: في الخلود لأيِّ إنسان، وجهة السؤال فيه: أنّنا لو فرضنا
ــــــــــــ[493]ــــــــــــ
(1) أُنظر: الكافي 2: 614، باب ترتيل القرآن، الحديث: 1 و12، مجمع البيان 10: 162، سورة المزمّل، تفسير القمّي 2: 392، سورة المزمّل، المستدرك على الصحيحين 2: 252، الحديث: 2909، سنن الترمذي 5: 185، الحديث: 2927، سنن الدارقطني 1: 312، الحديث: 37.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أنَّ الإنسان قد أذنب طول عمره، وهو محدود، فهل يبقى في العذاب مدّةً لا متناهية؟ وهذا خلاف العدل بأن تزيد العقوبة على الذنب.
وجوابه أحد أمرين:
الأمر الأوّل: نقضاً في جانب الجنّة؛ فإنَّ أهلها خالدون فيها خلوداً أبديّاً، مع أنَّهم أطاعوا الله – على سبيل الفرض- طول عمرهم، وهو محدود، ونسبة المتناهي إلى اللامتناهي صفر، فيأتي فيه نفس الكلام، وما يقال هنا يقال هناك.
الأمر الثاني: حلاً، وهو أحد أمرين:
الأوّل: ما ورد في السنّة الشريفة من تفسيره: >بأنَّ الإنسان لو بقي في الدنيا إلى ما لانهاية لاستمرَّ على المعصية إلى ما لا نهاية<(1)، فيعاقبه على الذنوب التي يمكن أن تحصل منه.
ويجاب عليه: أنَّ العقاب على الذنوب التقديريّة الحاصلة في المستقبل ولم تحصل فعلاً ظلم أيضاً.
ولكن يمكن أن يجاب عليه بما يلي:
الثاني: أنَّ العقاب ليس على هذه الذنوب التي سوف تحصل، بل هو عقاب على سببه ومعدنه وعينه، وهي العين النابعة أو المنبعة للذنوب، وهو سوء السريرة والنفس الأمّارة بالسوء، فمهما بقي الفرد على سطح هذه الأرض، فإنَّه يبقى في حالة ذنب وعصيان.
فإن قلتَ بأنَّ هذا الوصف غير اختياري ليصحَّ العقاب عليه.
قلتُ: جوابه من وجهين:
ــــــــــــ[494]ــــــــــــ
(1) أُنظر: المحاسن 2: 331، كتاب العلل، الحديث: 94، الكافي 2: 85، باب النيّة، الحديث: 5، علل الشرائع 2: 523، باب 299، الحديث: 1.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الوجه الأوّل: أنَّه اختياري؛ لأنَّه ربّاه ونمّاه بذنوبه السابقة، فاشتدَّ مستواه التعصّبي للكفر والفسق والفجور، بل اقتنع بوجوده، ولعلّه أصبح مفتخراً به، فهو اختياري.
الوجه الثاني: ذكر (دانتي) في كتابه >الجحيم< في وصف جهنّم: أنَّ بعض قاطنيها يزدادون عتوّاً ونفوراً، ويشتمون الله ويعترضون عليه(1).
وحسب فهمي أنَّ هؤلاء دخلوا إلى جهنّم باستحقاقهم، فإبقاؤهم فيها عدلٌ، وخلودهم فيها رحمة، ولا يجب على الله بحسب حكم العقل العملي إخراجهم منها مع شتمه والاعتراض عليه، فهم يبقون فيها جوازاً على أقلِّ تقدير.
إن قلتَ: ورد أنَّه في الآخرة حساب ولا عمل(2)؛ لعدم وجود الشريعة هناك، فكيف أصبح الشتم هناك سبباً للعقاب، وهو الخلود في النار؟
قلتُ: جوابه من وجهين:
أوّلاً: أنّنا لم نقل: إنَّ الخلود في النار عقوبة على الشتم، وإنّما الشتم سببٌ وجهةٌ تعليليّة؛ لعدم وجوب إخراجهم من النار بحسب حكم العقل العملي، بحيث لا يكون بقاؤهم وخلودهم فيها ظلماً لهم ماداموا على تلك الصفة.
ثانياً: أنَّ هذا المضمون وإن ورد، وهو أنَّه في الآخرة حسابٌ ولا عمل، إلّاَ إنَّه لم يثبت على إطلاقه؛ إذ لا إشكال أن شتم الله ذنبٌ، وذكره والطمع في رحمته وحسن الظن به طاعة، سواء كان في الدنيا أو في الآخرة. فما كان في
ــــــــــــ[495]ــــــــــــ
(1) الكوميديا الإلهيّة (الجحيم): 336.
(2) نهج البلاغة (شرح محمّد عبده) 1: 93، الخطبة: 42، الكافي 8: 58، كتاب الروضة، الحديث: 21، الخصال: 51، الحديث: 62.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ذاته ذنب – بغضِّ النظر عن الشريعة- قابلٌ للثبوت هناك، وكذلك ما كان في ذاته طاعة، وإنّما المفقود هناك هو الشريعة فقط، وهو المقصود بالأخبار المشار إليها.
الجهة الثانية: وهي أنَّ الخلود غير جائز للقاصرين والمعذورين.
فإنَّه تحصّل من الجهة السابقة أنَّ من يخلد في النار هم المعاندون وأضرابهم، وليس بهذه العناوين التفصيليّة الثانويّة.
ودخول القاصر إلى جهنّم وخلوده فيها غير موافق للرحمة الإلهية. نعم، قد يدخل إذا كان مستحقّاً إجمالاً، ولكنه لا يخلد.
سؤال: ما معنى البريّة؟
جوابه: الباري اسم فاعل، وهو يطلق في لغة المتشرعة على الخالق سبحانه وتعالى. قال الله تعالى: {الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ}(1). واسم المفعول منه بري أو بريء، وهو فعيل بمعنى مفعول، وبريّة مؤنّث بري، فالبري هو المخلوق، فيكون معنى البريّة (المخلوقون).
قال الراغب في >المفردات<: البريّة: الخلق، قيل: أصله الهمزة فترك. وقيل: ذلك من قولهم: بريت العود، وسمّيت بريّة؛ لكونها مبريّة عن البري أي: التراب؛ بدلالة قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ}(2) وقوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة} وقال: {شَرُّ الْبَرِيَّةِ}(3)(4).
ــــــــــــ[496]ــــــــــــ
(1) سورة الحشر، الآية: 24.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 38، مادّة (برأ).
(3) سورة الروم، الآية: 20، سورة فاطر، الآية: 11، سورة غافر، الآية: 67.
( 4) مفردات ألفاظ القرآن: 38، مادّة (برأ).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أقول: من المؤكّد أنَّ الفهم المشهوري من البريّة البشر أي: أولاد آدم×، ولا شكَّ أنَّ ذلك عليه إجماع المفسّرين، وهو اسم مفعول أو صفة مشبهة، بمعنى: مبريّة أي: مخلوقة، وأصله مبروءة. إلّاَ أنَّ فهم خصوص البشر بلا موجب؛ لأنَّ المراد مطلق الخلق، ولكن يوجد تقييد بأنَّ المشار إليهم بأولئك هم المذكورون لا غيرهم؛ بدليل ثوابهم وعقابهم، سواء كانوا بشراً أو خلقاً آخر.
سؤال عن صيغة: (شَرُّ الْبَرِيَّةِ وخَيْرُ الْبَرِيَّة):
إنَّ فهم المشهور بأنَّ فيه إشعاراً بأفعل التفضيل؛ ولعلّهم أخذوه مسلّماً، مع أنَّه مخالفٌ للقواعد العربيّة وللظاهر أيضاً، فإنَّه لم يقل: أشرُّ وأخير، لكي نحمله على ذلك؛ بل أورد مجرّد الصفة، فيكون حالها حال الأعمى في قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً}(1) فلا يمكن أن نفهم منها أنَّه أكثر عمىً.
وبذلك ينتفي الفهم المشهوريُّ والارتكاز المتشرعيُّ، إلّاَ أن نفهم
– كأُطروحة محتملة- أنَّه معنى موروث جيلاً بعد جيل من قبل الأئمة^، فيكون من قبيل السنّة التي تفسّر القرآن الكريم، ولم يثبت ذلك، فتبقى دعوى المشهور مفتقرة إلى دليل، وسيأتي مزيد إيضاح لذلك.
سؤال: كيف وصفهم القرآن الكريم بذلك، ولعلَّ في البريّة من هم أكثر شرّاً منهم أو أكثر خيراً؟
جوابه: أنَّ هذا مسند من قبل القرآن الكريم نفسه؛ لأنَّه يشهد بأنَّهم شرُّ البريّة وخير البريّة {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً}(2) هذا مع متابعة الفهم
ــــــــــــ[497]ــــــــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 72.
(2) سورة النساء، الآية: 122.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
المشهوري للتفضيل.
سؤال: إنَّ الأشرَّ يجب أن يكون واحداً لا جماعة، فكيف أصبحت الجماعة أشرَّ البريّة؟
جوابه: أنَّ التفضيل مقول بالتشكيك بوجود الفاضل والأفضل منه {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ}(1) في الكمال والنقص أي: من ناحية الخير ومن ناحية الشرِّ، وكلاهما مراتب متعدّدة، وكلّما زاد الكمال قلّت الأفراد، وكلّما قلَّ زادت.
فإذا لاحظ المتكلّم الكمال الأعلى، فإنَّه ينحصر بواحد، وأمّا إذا لاحظ الكمال المتوسط أو الأدنى فهو واسع في جماعة، فمن الممكن في الآية أن يكون قد لاحظ ذلك.
ثُمَّ إنّنا ينبغي أن نلتفت هنا إلى أنَّ الله تعالى قسّم البشريّة إلى قسمين: قسم صالح وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقسم طالح وهم الكفّار من أهل الكتاب والمشركين. ثُمَّ لاحظ المجموع وسمّاهم البريّة، فخير البريّة هم المؤمنون، وشرّها الكفار.
ويمكننا أن نلاحظ هنا ما سبق أن قلناه من عدم استفادة التفضيل؛ باعتبار أنَّ المقصود هو كون هذه الجماعة هي خير للبشر أجمعين، وتلك هي شرٌّ لهم.
سؤال: ما هي الحاجة إلى قوله: {أُولَئِكَ هُمْ} مع أنَّه كان يمكن الاكتفاء بأحدهما؟
جوابه من عدّة وجوه:
أوّلاً: أنَّ أوضح مبرّر لذلك هو التأكيد الذي ينتج من التكرار، وقلنا:
ــــــــــــ[498]ــــــــــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 163.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إنَّ أقصى التأكيد هو التكرار ثلاث مرّات، وهو متحقّق هنا في الذين وأولئك وهم، ويكون التأكيد لدفع كلّ الأوهام المحتملة.
ثانياً: أنَّه بعد التنزّل عن الوجه الأوّل نقول: إنَّه للدلالة على الحصر، وهو نفي الزائد.
ثالثاً: الاحترام، كما قال سبحانه: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ}(1). فهو يشير إلى شيء مرتفع معنوياً احتراماً له، كذلك يقول هنا: (أولئك). ويشير إلى من هم مرتفعون وعالون في المقام. ويمكن أن يعمّ ذلك لكلا البعدين المعنويّين للخير والشرّ معاً.
رابعاً: أنَّ حذف أحدهما يخلُّ بالسياق القرآني، وهذا ما ندركه بالذوق.
خامساً: إشارة إلى المجموعة كمجموعة؛ لأنَّ لفظ الخير مفرد، فاحتاج إلى هذا التأكيد لإبراز جهة المجموع؛ ليفهم السامع أنَّ المراد بالخير الكلّي، وليس المفرد الحقيقي.
سادساً: لو كانت الجملة بدون (هم) لبدت منفصلة عن سابقتها، وهذا ممّا يدرك بالذوق أيضاً.
سؤال: لماذا وصف الجنات بأنَّها: (جَنَّاتُ عَدنٍ)؟
جوابه: فيه أُطروحتان:
الأُولى – وهي المشهورة-: أنَّ عدن صفة لطبقة من الجنّة، وهناك طبقات أُخرى، كالفردوس والخلد والفردوس الأعلى وغيرها.
الثانية: ما يستفاد من كلام الراغب في >المفردات< حين قال: (جنات عدن) أي: استقرار وثبات، وعَدَنَ بمكان كذا استقرَّ، ومنه المعدن لمستقرّ
ــــــــــــ[499]ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 2.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الجواهر. وقال (عليه الصلاة والسلام) : >المعدن جُبار<(1)(2).
أقول: فهي جنّات استقرار، ويلزمه أن تكون صفة لكلِّ الجنّات، لا لبعضها أو لطبقةٍ منها؛ فإنَّ أيَّ نوعٍ منها يبقى فيه صاحبه ويستمرُّ ويعدن فيه بتوفيق الله سبحانه، بل هي لا نهائيّة في الاستقرار.
ولدى الجمع بين الوجهين ينتج أمران:
الأوّل: أنَّ تلك الجنّة وما فوقها، فسكّانها خالدون فيها أبداً.
الثاني: أنَّه لا يلزم من ذلك أنَّ المراتب الأدنى من الجنّة خالدون فيها أبداً.
سؤال: لماذا قال: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار}، ولم يقل: من فوقها أو فيها أو عليها؟ وهذا وصف للجنّة مكرّر في القرآن الكريم.
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: الإشارة إلى المياه الباطنيّة في الجنّة.
وهو غير تامّ؛ لأنَّ ظاهر السياق هو الترغيب وحصول البهجة برؤية الأنهار، مع أنَّ كونها باطنيّة لا يسبّب اللذّة المطلوبة للمؤمن؛ باعتبارها باطنيّة وغير مرئيّة، فوجودها كعدمها.
الوجه الثاني: أنَّ {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا} أي: على وجه الأرض، كما تجري الأنهار في الدنيا، ولعلَّ حوض الكوثر أحد مصاديقها لو فسّرناه بأنَّه نهرٌ في الجنّة، وكذلك ما ورد من >أنَّ فيها نهراً من لبن ونهراً من عسل ونهراً من
ــــــــــــ[500]ــــــــــــ
(1) معاني الأخبار: 304، باب معنى الجبار، الحديث: 1، مَن لا يحضره الفقيه 4: 154، الحديث: 5344، سنن الدارمي 2: 257، الحديث: 2379، صحيح ابن حبّان 13: 354.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 337، مادّة (عدن).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
خمر<(1).
إلّاَ أنَّ هذا بمجرده لا يتمّ؛ لكونه خلاف الظاهر؛ من حيث إنَّ هناك تنافياً جزئيّاً بين كون الأنهار (من تحتها) أو على وجه الأرض، ما لم يرجع الأمر إلى الوجه الآتي:
الوجه الثالث: يمكن أن تشبّه درجات الجنّة ومراتبها المتعدّدة بالعمارات العالية أو ناطحات السحاب؛ فإنْ أُعطي المؤمن عدّة درجات أو طوابق، فإنَّه يملك حينئذٍ ما تحتها، فالأنهار يراها تجري من تحته في الجنّة؛ لأنَّه ينظر إليها من فوق العمارة، فيصدق عليها حقيقةً ذلك، وإن كانت الأنهار جارية على سطح الأرض.
سؤال: ما هو وجه الجمع في الآية بين {خَالدِينَ} و{أبَدَاً} ألا يكفي كونهم خالدين فيها فقط؟
جوابه من وجهين:
الوجه الأوّل: ما ذكره في >الميزان< بقوله: تأكيد بما يدلُّ عليه الاسم(2).
الوجه الثاني: أنَّ الخلود أقلُّ من الأبد أي: إنَّه لا يفيد الأزليّة، وإنّما تستفاد من قوله: (أبداً).
فإنَّ الخلود يمكن أن يكون له معنيان في اللغة:
الأوّل: بقاء شيء من شيء مدّة طويلة، كبقاء الأهرام في مصر والكعبة المشرّفة في مكّة، وهو لا يعني البقاء الأزلي؛ لأنَّ الفرع يُفنى لا محالة بفناء
ــــــــــــ[501]ــــــــــــ
(1) بصائر الدرجات: 424، باب: 13، الحديث: 3، الكافي 8: 99، كتاب الروضة، الحديث: 69، تهذيب الأحكام 3: 251، باب فضل المساجد، الحديث: 9.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 340.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأصل.
الثاني: ما ذكره الراغب حين قال: الخلود هو تبرّي الشيء من اعتراض الفساد وبقاؤه على الحالة التي هو عليها، وكلُّ ما يتباطأ عنه التغيير والفساد تصفه العرب بالخلود، كقولهم للأثافي: خوالد؛ وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها … ومنه قيل: رجلٌ مخلّدٌ لمن أبطأ عنه الشيب، ودابّةٌ مخلّدةٌ هي التي تبقى ثناياها حتّى تخرج رباعيّتها(1).
ومنه يظهر بوضوح عدم التأبيد، بل يكفي لذلك عدّة سنوات: كعشر سنين ونحوها.
ومنه يظهر بطلان إطلاقه على الله سبحانه وتعالى بكلا هذين المعنيين، كما هو موجود فعلاً في ارتكاز المتشرّعة.
فلمّا لم يكن الخلود للتأبيد، احتاج إلى القيد الدالّ عليه في الآية.
سؤال: إنَّ قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} ظاهرٌ في التأبيد، ولكنّها مقيّدة في آية أُخرى وهي قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ}(2) فما هو الوجه في ذلك؟
جوابه من عدّة وجوه:
الأوّل: أن نقول بخلود السموات والأرض وكونها أبديّة، فتتوافق الآيتان، ويكون الاستثناء للانقطاع.
الثاني: أن نقول بعدم التأبيد للسماوات والأرض، فيكون من قبيل التقييد، ويكون التأبيد داخلاً في المستثنى من الآية الثانية.
ــــــــــــ[502]ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 155، مادّة (خلد).
(2) سورة هود، الآيتان: 107-108.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الثالث: أن نقول: إنَّ المراد منها السماوات والأرض الباطنيّة، وهي خالدة حتماً ما دام الفرد مستمرّاً.
سؤال حول قوله تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ}:
وإشكاله: أنَّه ثبت في علم الكلام أنَّ الله تعالى بسيط لا تدخله الحوادث والطبائع مثل: الرضا والغضب(1)، مع أنَّ ظاهر القرآن هو ذلك.
وجوابه – مع تنزيه الذات الإلهيّة عن الحوادث- أحد شكلين:
الشكل الأوّل: أنَّ هذه الحوادث والطبائع يضعها الله سبحانه في نفوس أوليائه الذين هم قادة الخلق، ومن هنا ورد: >رضا الله رضانا أهل البيت<(2).
الشكل الثاني: أنّنا قلنا في علم الأصول: إنَّ الله تعالى خاطبنا بصفتنا عرفيّين وبصفته عرفيّاً(3)، أي: نزّل نفسه إنساناً وتحدّث معنا كأحدنا، فحصلت من ذلك التنزيل شخصيّة وهميّة، وتلك الشخصيّة تكون محطّاً للعواطف المذكورة في القرآن، كالحبِّ والبغض والرضا والغضب والنسيان {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}(4).
وهذان الجوابان كافيان، ولكن يمكن أن نقول أيضاً: إنَّ رضا الله ثوابه وغضبه عقابه، وهو فهم المشهور، ولكنّه قابلٌ للمناقشة:
أوّلاً: أنَّه ليس بسعة الوجهين السابقين؛ لوضوح عدم تفسير النسيان
ــــــــــــ[503]ــــــــــــ
(1) أُنظر: كشف ا لمراد: 408، المسألة: السادسة عشرة، أوائل المقالات: 183، قواعد العقائد للغزالي: 9.
(2) كشف الغمّة 2: 239، مثير الأحزان (لابن نما): 29، وعنهما: البحار 44: 367، معارج الوصول (للزرندي الشافعي): 94، إخبار النبي بما يجري على الحسين×.
(3) منهج الأصول 1: 162، مبحث الحقيقة الشرعيّة.
(4) سورة التوبة، الآية: 67.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ونحوه.
ثانياً: أنَّ ظاهر هذه الآية التي نتكلّم عنها (في سورة البيّنة) أنَّ الرضا غير الجنّات بصراحة.
سؤال: ذكره القاضي عبد الجبار: وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة} إلى قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه} يدلُّ على أنَّ العلماء خير البريّة؛ لقوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}(1) وأنت إذا جمعت بين الآيتين ثبت ما ذكرناه(2).
أقول: فهل الأمر كذلك؟
جوابه: نعم؛ لظهور الآيتين معاً في الحصر.
أمّا إحداهما فبإنّما، وأمّا الأُخرى فلأنَّه قال: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه} فكأنَّه قال: فقط لهم وليس لغيرهم؛ وإلّاَ لما قال: (ذلك).
بل يقتضي الأمر أكثر من ذلك، وهو أنَّ كلّ العناوين السابقة لهم لا تتعداهم إلى غيرهم: {الَّذِينَ آمَنُوا}، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، {لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ}، {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً}، {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ}، {وَرَضُوا عَنْهُ}، وليس فقط (خير البريّة).
إذن لا تبقى صفة معتدٌّ بها لغيرهم، وخاصةً إذا فهمنا من الجنان مطلق الجنان وفهمنا من عدن مطلق الاستقرار والثبوت.
إن قلتَ: ولكن اختصاص كلّ هذه المزايا للعلماء غير مفهوم متشرّعيّاً من ظاهر الكتاب والسنّة، والمعروف أنَّه تعالى يجزي كلّ فرد على مستواه
ــــــــــــ[504]ــــــــــــ
(1) سورة فاطر، الآية: 28.
(2) تنزيه القرآن عن المطاعن: 473.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
واستحقاقه، بل أكثر من استحقاقه؛ باعتبار الرحمة الإلهيّة، بلا فرق بين الجاهل والعالم، فكيف تكون هذه المزايا للعلماء؟
قلت: إنَّ ما استنتجناه إنّما هو ظاهر القرآن الكريم، بعد ضمّ آيتين كلتاهما تدل على الحصر، ولكن مع ذلك فهو قابلٌ لعدّة أجوبة:
الأوّل: أن نعمّم معنى العلماء؛ باعتبار أنَّه يُراد من العلم مطلق العلم كالتفّقه في الدين، فيشمل المتشرّعة والمتفّقهة فما زاد، وأمّا من كان دونهم فلا يكون كذلك.
وفيه: أنَّ العلماء مقرونون بالخشية، وظاهر الآية يدلُّ على نسبة التساوي بينهما، وليس العموم المطلق، فكلُّ من يخشى فهو عالم، وكلُّ عالم فهو يخشى، ولا يمكن أن نوسع معنى الخشية؛ لأنَّها معنى وجداني، كما أمكن أن نوسع معنى العلم.
الثاني: أن ننفي ظهور التقسيم إلى قسمين ونقول: إنَّ هناك طبقات وسطى كثيرة بين العالم والجاهل أو المؤمن والكافر، وحينئذٍ يصدق ما قيل، والله تعالى يعطي لكلِّ فردٍ حسب استحقاقه، ومع ذلك فإنَّهم لا يتميّزون بالمميزات العليا كالعلماء، بل لابدَّ من وجود التفضيل بينهما.
الثالث: أنَّه بعد التنزّل عن الوجهين الأوّلين وافتراض كون البشر قسمين فقط، نقول: إنَّه يُراد أنَّ النسبة والفرق بين العلماء وغيرهم كثير، فنسبة ما يعطى من المميّزات لهم بالنسبة إلى غيرهم كالفرق بين السماوات والأرض، بحيث يصدق مجازاً على المجموع الباقي أنَّهم شرُّ البريّة.
الرابع: أنَّ الباقي فيه أشكال من الناس ومجموع خليط بما فيهم الكفّار والمنافقون، فيكون هذا المجموع هو شرُّ البريّة، لا بلحاظ كلّ فرد منهم؛ لأنَّ
ــــــــــــ[505]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
النتيجة تتبع أخسَّ المقدّمتين.
الخامس: وبلحاظ الطرف الآخر وهو العلماء نجد فيهم مراتب عديدة أيضاً، ويمكن القول: إنَّه بالرحمة الواسعة تكون النتيجة تابعة لأحسن المقدّمتين، فيكون هذا المجموع خير البريّة.
سؤال حول قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه}:
ما هو معنى الخشية بحيث يكون الإنسان عندها عالماً؟
جوابه: ما ورد(1) من أنَّ الخوف على أربعة أقسام:
أوّلاً: الخوف، وهو لعامّة الناس؛ باعتبار ارتكابهم الذنوب.
ثانياً: الخشية، وهي للعلماء، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}(2).
ثالثاً: الرهبة، وهي للمتّقين، قال تعالى: {وَفِي نُسْخَتِهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}(3).
رابعاً: الهيبة، وهي للعظمة، ولم يذكرها القرآن بصراحة، ولكن أشار إليها بقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}(4).
أقول: إنَّ جهات الخوف عديدة منها: الوجل والحذر، ومنها ما هو مذكورٌ في القرآن الكريم غير تلك الأربعة.
ويحسن بنا استعراض المعاني اللغويّة لكلِّ منها:
ــــــــــــ[506]ــــــــــــ
(1) أُنظر: الخصال: 281، أنواع الخوف.
(2) سورة فاطر، الآية: 28.
(3) سورة الأعراف، الآية: 154.
(4) سورة آل عمران، الآيتان: 30 و38.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قال الراغب في >المفردات<: الخوف: توقّع مكروهٍ عن أمارة مظنونة أو معلومة، كما أنَّ الرجاء والطمع توقع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة، ويضادّ الخوف الأمن، ويستعمل في الأُمور الدنيويّة والأخروية. قال تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}(1) {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ}(2) {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً}(3).
والخيفة: الحالة التي على الإنسان من الخوف. قال تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى}(4) {قُلْنَا لَا تَخَفْ}(5) {وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ}(6)(7).
أقول: والخيفة في الآية الأخيرة ليس هو الخوف، بل الهيبة والرهبة؛ لأنَّ الخوف لا يكون إلّاَ من ذنب، والملائكة ليس لهم ذنب.
ونستمرُّ في نقل كلام الراغب في هذا المورد:
الوجل: استشعار الخوف، يُقال: وَجلَ يوْجَلُ وجلاً، فهو وَجِلْ. قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}(8) {إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ}(9)
ــــــــــــ[507]ــــــــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 57.
(2) سورة الأنعام، الآية: 81.
(3) سورة السجدة، الآية: 16.
(4) سورة طه، الآية: 67.
(5) سورة طه، الآية: 68.
(6) سورة الرعد، الآية: 13.
(7) مفردات ألفاظ القرآن: 161، مادّة (خوف).
(8) سورة الأنفال، الآية: 2.
(9) سورة الحجر، الآية: 52.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
{قَالُوا لا تَوْجَلْ}(1) {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}(2)(3).
الحذر: احتراز عن مخيف. قال تعالى: {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ}(4) {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}(5) {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ}(6) {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ}(7)، وحذار أي: احذر، نحو: مناع أي: امنع(8).
الخشية: خوف شديد يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذا خصَّ العلماء بها في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}(9) وقال: {يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}(10)(11).
أقول: فهو تهيّبٌ، وجانب الخوف فيه أغلب.
الرهبة والرهَب مخافةٌ مع تحرّز واضطراب. قال تعالى: {لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً}(12) وقال: {رَغَباً وَرَهَباً}(13) وقال: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ}(14) وقال:
ــــــــــــ[508]ــــــــــــ
(1) سورة الحجر، الآية: 53.
(2) سورة المؤمنون، الآية: 60.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 550، مادّة (وجل).
(4) سورة الزمر، الآية: 9.
(5) سورة آل عمران، الآية: 30.
(6) سورة المنافقون، الآية: 4.
(7) سورة التغابن، الآية: 14.
(8) مفردات ألفاظ القرآن: 109، مادّة (حذر).
(9) سورة فاطر، الآية: 28.
(10) سورة النساء، الآية: 77.
(11) مفردات ألفاظ القرآن: 149، مادّة (خشي).
(12) سورة الحشر، الآية: 13.
(13) سورة الأنبياء، الآية: 90.
(14) سورة الأنفال، الآية: 60.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
{وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}(1)(2).
الهيبة: ولم يذكرها الراغب؛ لأنَّها لم تذكر بلفظها في القرآن الكريم. قال في: >مجمع البحرين< للطريحي: وهاب الشيء إذا خافه وإذا وقّره وعظّمه، وتهيّبت الشيء إذا خفته(3).
أقول: وحسب فهمي أنَّ هذه الألفاظ على كثرتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: ما فيه توجّس بشرٍّ أو نقص، وحصول قلق من حصوله، وهو الخوف والمخافة والحذر والوجل.
ولكلٍّ منها انطباع خاصّ ومعيّن يختلف عن الآخر، بالرغم من [أنَّ] مادّتها قد تكون واحدةً لغةً، ومعه لا يجوز تبديل بعضها ببعض، فلا تقول في (على تخوّف) على خيفة، ولا تقول في (مخافة الله) التخوّف من الله سبحانه.
ففي هذا القسم يكون خوفٌ بلا تعظيم ولا شعور بالهيبة، وأوضح مصاديقه هي عبادة العبيد.
القسم الثاني: ما كان شعوراً بالتعظيم بدون خوف فعلي، وهو معنى التعظيم والاحترام والهيبة والرهبة، على اختلاف ضمني فيما بينها.
القسم الثالث: مركّب بين الخوف والتعظيم، وهي الخيفة والخشية.
وهذا التسلسل المعنوي يبدأ بخوفٍ خالٍ من التعظيم، ثُمَّ بما يشوبه تعظيم، ثُمَّ يكون تعظيماً بلا خوف؛ لأنَّ النفس في ذلك المقام تكون طاهرة،
ــــــــــــ[509]ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 40.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 209، مادّة (رهب).
(3) مجمع البحرين 4: 450، باب الهاء.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
والخشية من النوع الوسط الذي يجتمع فيه الخوف مع التعظيم، وليس تعظيماً صرفاً.
ومن هنا نعلم عدم ارتفاعها العالي، ومن هنا نعلم أيضاً عدم ارتفاع العلماء بذلك المعنى؛ لظهور التساوي بين العلم والخشية، كما أنَّها وردت في الرواية في المرحلة الثانية.
والخوف يمكن أن ينسب إلى متعدّدين من الناحية الأُخرويّة، كالذنب والنفس والشيطان والآخرة والعذاب والله سبحانه، وكلٌّ منها له درجةٌ من الإعداد بلا شكّ، إلّاَ أنَّ الأمر يرجع بالنهاية إلى سوء الاختيار والمسؤولية الأخلاقيّة، ولذا يقول أمير المؤمنين×: >ولا يخافن إلّاَ ذنبه<(1).
ونلاحظ أنَّ ثلاثةً منها تقع في علل الذنب وثلاثةً في جانب معلولاته. أمّا التي في طرف العلل فقصد المعصية والنفس والشيطان. وأمّا التي تقع في طرف معلولاته فهي الآخرة وجهنّم وغضب الله سبحانه.
والخوف في القرآن الكريم منصوصٌ في جانب المعلولات (خف أن تذنب لكي لا تقع في النتائج). وأمّا جانب العلل فغير منصوص، ولكنَّها كلَّها لها نحو التسبّب للخوف، وأوّل الخيط هو قصد المعصية بسوء الاختيار.
هذا ونستطيع أن نفهم معنى العلم من القرآن الكريم من قوله تعالى: {عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ}(2) حيث استطاع به أن يأتي بعرش بلقيس من اليمن
ــــــــــــ[510]ــــــــــــ
(1) نهج البلاغة (شرح محمّد عبده) 4: 18، باب المختار من حكم أمير المؤمنين×، الحكمة: 82، الخصال: 315، باب الخمسة، الحديث: 96، تحف العقول: 218، في كلماته القصار.
(2) سور النمل، الآية: 40.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إلى فلسطين في أقلِّ من طرفة عين، فكيف من كان مصداقاً لقوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}(1)؟ يعني: علم الكتاب كلِّه، كما ورد بهذا المضمون عن المعصومين^(2).
إن قلتَ: إنّكم نزّلتم قبل قليل من أهمّيّة العلماء؛ لأنَّهم بالدرجة الثانية من الأربعة في الرواية التي قسّمت الخوف إلى أربعة أقسام، وهنا صعدنا بهم إلى درجة عالية جداً.
قلت: هذا صحيح، إلّاَ أنَّ العلم إذا كان في مرتبة ثانية لا يعني عدمه في المراحل التي بعدها، بل هو أولى بالثبوت.
سؤال عن الوجوه الإعرابيّة للآيات الأخيرة في هذه السورة المباركة:
جوابه: (الذين) اسم إنّ، و(في نار جهنّم) خبرها، و(خالدين) حال منها، و(أولئك) مبتدأ و(هم) مبتدأ ثانٍ و(شرٌّ البرية) خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول، أو هو ضمير فصل بين المبتدأ والخبر.
وما يصدق من هذه الأُمور على الآية الأُولى يصدق على الثانية أيضاً.
قال العكبري عن (خالدين) الثانية: حال من الضمير في الخبر(3).
أقول: لا يأتي الحال من الضمير، بل من الظاهر فقط، وحينئذٍ يكون هذا الوجه بعيداً.
ــــــــــــ[511]ــــــــــــ
(1) سورة الرعد، الآية: 43.
(2) بصائر الدرجات: 232، باب ممّا عند الأئمة^، الحديث: 1 و2 و3 و4 و5 و6 إلى 21، الكافي 1: 229، باب لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمّة^، الحديث: 5 و6، دعائم الإسلام 1: 22، ذكر ولاية الأئمّة، تفسير الثعلبي 5: 303، سورة الرعد، شواهد التنزيل 1: 400، الحديث: 422 إلى 427، زاد المسير لابن الجوزي 4: 252، سورة الرعد.
(3) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 291، سورة البريّة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ولكن حسب فهمي أنَّه ليس بمتعذّرٍ؛ لأنَّ الحال من الضمير إنّما هو حال من مرجعه، لا من الضمير نفسه، والضمير إنّما يكون مشيراً إلى مرجعه، كما يمكن جعله حالاً من مرجع الضمير رأساً، وهو اسم إنّ.
وأمّا في قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} فـ(أولئك) خبر إنّ، ويمكن – كأُطروحة – أنَّها تصلح أن تكون خبراً أوّل وجزاؤهم خبر ثانٍ، مع إمكان أن يكون للمبتدأ الواحد خبران. ومعه يكون (أوْلئِكَ هُمْ) للفصل، أمّا بدون محلٍّ للإعراب أو هي جملة من مبتدأ وخبر، والجملة للفصل بدون محلٍّ أيضاً.
أو أنَّ جملة {أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} خبر للذين آمنوا، ومعه يكون (جَزَاؤُهُمْ) مبتدأ وخبره الظرف (عند) أو (جَزَاؤُهُمْ) خبر بتقدير تكرار العامل الذي هو المبتدأ، يعني: الذين آمنوا جَزَاؤُهُمْ، أو يكون المبدأ ضمير مقدّر: (هم)، مضافاً إلى ما سبق من أنَّه يصلح أن يكون خبراً ثانياً.
كما يصلح أن يكون (أُولَئِكَ) مبتدأً ثانياً و(جَزَاؤُهُمْ) خبره، والجملة خبر من اسم إنَّ، كما يمكن أن يكون (أُولَئِكَ) ليس للفصل بل مبتدأ ثان، وله خبران: (خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) و(جَزَاؤُهُمْ)، وتكون الجملة خبر من اسم إنّ، أو تكون معطوفة بواو استئنافيّة مقدّرة.
كما يصلح أن يكون (جزاؤهم) مبتدأً وجنّات خبره، مع ضمّه إلى بعض التقادير السابقة أيضاً، وجملة (تجري) نعت.
وقوله: {خَالدِينَ} قال عنها العكبري: هي حال، والعامل فيه محذوف تقديره: ادخلوها خالدين أو أُعطوها خالدين، ولا يكون حالاً من الضمير في (جزاؤهم)؛ لأنّك لو قلت ذلك لفصلت بين المصدر ومعموله بالخبر، وقد
ــــــــــــ[512]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أجازه قوم واعتلّوا له بأنَّ المصدر هنا ليس في تقدير أن والفعل(1). وفيه بعد.
أقول: على أيِّ حال يصلح ذلك بأن يكون من بعض الأُطروحات.
قال: فأمّا (عنْد رَبَّهم) فيجوز أن يكون ظرفاً لـ(جزاؤهم)، وأن يكون حالاً منه(2).
أقول: وهو لمعنى الظرفيّة أقرب بلا إشكال.
ــــــــــــ[513]ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 291، سورة البريّة.
(2) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ.
ــــــــــــ[515]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ســـورة القدر
أمّا عن اسمها ففيه عدّة أُطروحات:
الأُولى: سورة القَدْر، وهو المشهور جدّاً، بل المتسالم عليه عمليّاً.
الثانية: السورة التي ذكر فيها القَدْر أو التي ذكرت فيها لَيْلةُ القَدْر.
الثالثة: رقمها من المصحف الشريف، وهو: 97.
الرابعة: تسميتها بأوّل لفظٍ فيها وهو المشهور عند العامّة: {إنّا أنزلْناهُ}.
ويمكن أن نذكر لهذه السورة مقدّمة كما يلي:
هذه السورة ملحوظة لحاظاً خاصّاً من قبل الله تعالى، وفيها دلالات على مزايا يعبّر عنها فلسفيّاً بتعبير، ومتشرّعيّاً بتعبير آخر.
أمّا الفكرة الفلسفيّة فهي أنَّهم قالوا: ذكرنا في كتابنا (حديث حول البداء)(1): إنَّ الأوامر تنزل على النفس الفلكيّة العليا والتي تسمّى (فلك الأفلاك) ثُمَّ تتوزّع على مواردها ومصاديقها، وهو ما يحصل في ليلة القدر، ثُمَّ يتمُّ التوزيع خلال السنة بالتدريج.
ويرد عليه: أنَّ هذه الأفلاك متناهية ومواردها في الخلق لا متناهية، فكيف تتحمّل الأوامر المتعلّقة بجميع الخلق؟
أجابوا على ذلك: أنَّه تنزل عليه أوامر سنة واحدة، وهي محدودة، فتتحمّلها تلك الأفلاك المحدودة، سواء كانت رَحَمات أم نقمات، كبيرة كانت
ــــــــــــ[517]ــــــــــــ
(1) موسوعة الإمام الشهيد، المجلّد: 5، كلمة في البداء: 10.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أو صغيرة.
وأمّا الفكرة المتشرّعيّة فإنَّهم قالوا: كما ورد ذلك في الأخبار المستفيضة(1): إنَّه تنزل على الإمام الحيّ× في كلّ عصرٍ أوامر السنة الكاملة في ليلة القدر، ويمثّلونها بصحيفةٍ مكتوبٌ عليها ما يكون إلى سنة، ويوقّع عليها الإمام ويقرّها، وقد ورد عنهم^(2): أنَّ الأوامر تصدر عن بيوتكم أي: عنكم.
فهذه هي أهمّ مزايا هذه السورة، ولعلّه هدفها الأساسي.
سؤال: لماذا سُمّيت ليلة القدر؟
جوابه: لذلك عدّة أُطروحات غير متنافية:
الأُطروحة الأُولى: القدر بمعنى العظمة والجلالة والمنزلة والمهابة، أي: ليلة المنزلة العظيمة.
الأُطروحة الثانية: القدر من القُدرة، والقدرة مؤنّث القدر، أي: ليلة القدرة، فهي تدلُّ على قدرة الله، فكأنَّه تنزل قدرة الله وسلطنته وتدبيره للكون.
الأُطروحة الثالثة: القدر بمعنى الحدُّ التكويني الثبوتي، فقدّره كذا أي حدّه كذا، غير قابل للزيادة والنقيصة، والمعنى: الليلة التي يُبَتُّ فيها عن
ــــــــــــ[518]ــــــــــــ
(1) بصائر الدرجات: 240، باب ما يلقى إلى الأئمّة في ليلة القدر، الكافي 1: 247، باب: في شأن (إنّا أنزلناه في ليلة القدر)، الحديث: 3، الخصال: 479، أبواب الأحد عشر، الحديث: 47.
(2) أُنظر: الكافي 4: 577، باب موضع رأس الحسين، الحديث: 2، كامل الزيارات: 366، الحديث: 618، تهذيب الأحكام 6: 55، باب زيارة الحسين×، الحديث: 1.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
تحديدات الأُمور تكوينيّاً.
الأُطروحة الرابعة: التقدير الإثباتي، يعني: بيان كمّيّة الشيء، وهو ما ذكره الراغب، حين قال: والقدر والتقدير تبيين كمّيّة الشيء(1).
الأُطروحة الخامسة: الليلة التي يقدّر فيها حوادث السنة في مرتبة المحو والإثبات ويحصل إنزال هذه الأوامر في النفس الفلكيّة التي تطبّقها خلال السنة، أو ينزل على الإمام الظاهري (الحيّ) لكي يمضيها ويوقّع عليها.
ويدلُّ عليه قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كلّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا}(2).
وباعتبار وحدة مرجع الضمير في الآيتين (أنزلناه) نعرف أنَّها ليلة القدر، وأنَّها نفسها موصوفة بأنَّها يفرق فيها كلّ أمر حكيم، فهي ليلة الفرق، وهو معنى القدر، بمعنى: توزيع الأوامر على مواضعها ومستحقّيها.
كما نعرف من قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}(3) بعد العلم أنَّ مرجع الضمير في (أنزلناه) هو القرآن، إذن فيكون المراد القرآن في الآيتين. إذن فليلة القدر في شهر رمضان. فالله أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان، فينطبقان على كلا العنوانين والزمانين.
سؤال: ما هو مرجع الضمير في {أَنْزَلْنَاه}؟
جوابه: ليس له مرجعٌ ظاهر، والمشهور بما فيهم >الميزان<(4) أنَّ مرجعه
ــــــــــــ[519]ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 409، مادّة (قدر).
(2) سورة الدخان، الآيات: 3-5.
(3) سورة البقرة، الآية: 185.
(4) الميزان في تفسير القرآن 20: 330.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
القرآن بأحد تقريبات:
الأوّل: أنَّ ترك ذكره للتعظيم.
الثاني: ما ذكره القاضي عبد الجبّار من أنَّ الأمر إذا صار معروفاً جاز إرجاع الضمير إليه(1).
الثالث: العود إلى ما هو فعلي؛ لأنَّ الكلام موجودٌ في القرآن، فيعود الضمير إليه، كما لو دفعت شيئاً إلى شخصٍ وقلت له: هذا، فيعود اسم الإشارة إليه.
وفي مقابل ذلك أيضاً أُطروحتان محتملتان:
أحدهما: أُطروحة عودة الضمير إلى نفس ما ينزل في ليلة القدر من الأوامر أو العطاء، وهذا بمعنىً قد يكون مبايناً للقرآن، وبمعنىً آخر قد يكون أعمَّ منه وشاملاً له.
الأُخرى: الخلق كلُّه؛ فإنَّ الإنزال هو الخلق باصطلاح القرآن، كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ}(2) أي: خلقناه وأوجدناه، ويراد بليلة القدر كتم العدم، ومن القدر أهمّيّة وتعظيم هذا الخلق والإيجاد.
سؤال عن الفرق بين الإنزال والتنزيل:
جوابه: المشهور بما فيهم >الميزان<(3) قالوا: بأنَّهما بمعنيين:
الأوّل: دفعي والثاني: تدريجي، وأيّد ذلك صاحب >المفردات<(4)،
ــــــــــــ[520]ــــــــــــ
(1) تنزيه القرآن عن المطاعن: 470، سورة القدر.
(2) سورة الحديد، الآية: 25.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 330.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 509، مادّة (نزل).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وسيأتي أنَّه ليس معنىً لغويّاً.
فإنَّ كان المقصود بالكتاب القرآن – كما عليه المشهور- كان للقرآن نزولان دفعي وتدريجي: أمّا الدفعي ففي ليلة القدر، وأمّا التدريجي ففي خلال ثلاث وعشرين سنة منذ البعثة إلى وفاة النبي’. كما قال الله سبحانه: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً}(1) بأن نفهم من قوله {عَلَى مُكْثٍ} أنَّه ببطءٍ وبالتدريج.
وأمّا النزول الدفعي في ليلة القدر فقد كان إلى السماء الأُولى، كما في بعض الروايات(2) أو نزولٌ على قلب النبي’.
ولكن حسب فهمي أنَّه لا يوجد في أصل اللغة بينهما فرق، أعني: نزّل وأنزل، وإنّما المادّة تدلُّ على الانحطاط من فوق إلى تحت، وكلاهما متعدٍّ، وإن لم يكن (نزل) متعدّياً، ولكن (أنزل) أو (نزّل) غيره يعني: جعل غيره ينحطَّ.
وأمّا أنَّ النازل كلَّه (ليكون دفعـــيّاً) أو بعضه (ليكون تدريجيّاً)، فلم يلحظ في أصل اللغة، وما دعمه الراغب به من الكلام إنّما هو بالرأي، لا بحسب الأصل اللغوي، وكذلك المشهور.
ولكن مع ذلك يمكن القول: إنَّ له نحواً من الظهور في ذلك، بعد الالتفات إلى أنَّ اللغة المعتمدة في الكتاب والسنّة ليست هي اللغة القاموسيّة أو الأصليّة فقط، بل العرف أيضاً له دخلٌ فيها، والظهور العرفي وإنَّ لم يكن له دخلٌ في اللغة، إلّاَ أنَّ له دخلاً في الفهم الاجتماعي والعام لها.
ــــــــــــ[521]ــــــــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 106.
(2) أُنظر: مجمع البيان 1: 786، سورة القدر، تفسير القرطبي 20: 130، سورة القدر، فتح القدير 5: 471، سورة القدر.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وعندئذٍ ففي الإمكان القول: إنَّ العرف يوافق على فهم الدفعيّة في (أنزل) والتدرّج في (نزّل)، يعني: بعضها بعد بعض.
ولكن هذا يحتاج إلى صغرى، وهي وجود هذا العرف في عصر الصدور والنزول؛ فإنّنا لابدّ أن نحمل النصَّ القرآني على ما كان يوم نزوله في لغته وعرفه. وعندئذ ففي الإمكان القول: إنَّ ما كان يومئذٍ متحقّقاً في ذلك الحين هو الإنزال الأعمُّ بدون لحاظ التدريجيّة والدفعيّة.
فإن قلتَ: فإنّنا حيث نفهمها الآن يمكن أن نستصحبه استصحاباً عكسيّاً قهقرائيّاً، كما في غيره من الظهورات، فيثبت وجوده آنئذٍ.
قلتُ: ولكنَّه معارضٌ باستصحابٍ آخر غير قهقري؛ لأنّنا نعلم أنَّ الاستعمال قبل الإسلام كان بالمعنى المذكور في أصل اللغة، وهو مطلق النزول، ونشكُّ أنَّه بعد الإسلام: هل تحوّل إلى معنى التدرّج أم لا، فنستصحب عدم التحوّل، أو قل: بقاؤه على معناه الأصلي، فيثبت نزول القرآن على ذلك الفهم، ولا أقلَّ من التعارض والتساقط بين الاستصحابين، فلا يثبت مراد المشهور.
أو نقول: إنَّ الاستصحاب القهقري لمّا كان عكس القاعدة، فيقدّم الاستصحاب الموافق للقاعدة، وهو الآخر المخالف للمشهور في النتيجة.
ونستطيع التمسّك بإطلاق ما هو منزلٌ للشمول لجميعه؛ فإنَّه لو كان النازل بعضه لبيّنه، وحيث إنَّه لم يبيّن، تعيّن أنَّ النازل كلُّه، فالضمير الذي يعود على القرآن أو إلى غيره نازل كلُّه، أعني: في قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ}. وهذا على خلاف المشهور.
وبذلك يندفع بالبرهان ما دفعه السيد الطباطبائي بالوجدان، حيث قال
ــــــــــــ[522]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
في >الميزان<: فلا يعبأ بما قيل: إنَّ معنى قوله تعالى: {أَنزَلْنَاهُ} ابتدأنا بإنزاله(1).
مضافا إلى أنَّ يوم المبعث هو اليوم السابع والعشرون من رجب، وفيه نزل أوّل ما نزل من القرآن الكريم: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق}(2)، وليس أوّله نازلاً في رمضان، كما قيل.
وإلّاَ فماذا يكون معنى قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}(3) لو كان المراد بدء النزول، وهو لم يبدأ به قطعاً، بل المراد الإنزال الكامل؟
فالضمير في أنزلناه يعود إلى أمر غير مقيّد بالبعض، وهذا الأمر حاصلٌ في شهر رمضان وفي ليلة القدر، والله سبحانه ذكر كلا الزمانين لنزوله، فيثبت كونهما متداخلين من أجل صدق كلتا القضيّتين؛ لاستحالة النزول الكامل مرّتين، واستحالة تحصيل الحاصل.
ومعه يتعيّن بظهور القرآن كون ليلة القدر في شهر رمضان. إذن فما في ذهن المتشرّعة وعليه بعض الروايات الضعيفة، من أنَّ ليلة القدر مشتبهةٌ بين جميع أيّام السنة(4) أو أنَّها من المحتمل أن تكون هي ليلة النصف من شعبان(5) ونحو ذلك، سيكون خلاف ظهور القرآن الكريم بعد ضمَّ الآيتين المذكورتين، فيسقط عن الحجّيّة.
ــــــــــــ[523]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 330.
(2) سورة العلق، الآية: 1.
(3) سورة البقرة، الآية: 185.
(4) أُنظر: مجمع البيان 10: 786، سورة القدر، تحفة الآحوذي 9: 199، سورة القدر، تفسير الثعلبي 10: 249، تفسير البغوي 4: 510.
(5) أُنظر: مصباح المتهجّد: 841، أعمال ليلة النصف من شعبان، تفسير الطبري 25: 140، مسار الشيعة: 61، شهر شعبان، فتح الباري 4: 228، باب تحرّي ليلة القدر.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وأمّا تعيين ليلة القدر في ليالي شهر رمضان نفسه فهو غير مستفاد من ظهور القرآن الكريم، وهي عند المتشرّعة مشبّهة ومردّدة بين ثلاث ليالي هي التاسعة عشر والحادية والعشرون والثالثة والعشرون من شهر رمضان، غير أنَّ الروايات الآتية صالحة لنفي الاحتمال الأوّل.
وقد سُئل المعصوم× في عدّة أحاديث عن ليلة القدر، وأنَّها في أيِّ الليلتين فلم يُعيِّن، بل قال: >ما أيسر ليلتين فيما تطلب< أو قال: >ما عليك أن تفعل خيراً في ليلتين<(1) ونحو ذلك.
سؤال: ما هو حساب شهر رمضان في الكون؟ ولماذا هذا التركيز والأهمّية له؟ علماً أنَّ الأرض ليس لها أهمّيّة في هذا الكون.
وبتعبيرٍ آخر أوضح: إنَّ شهر رمضان كامن في الأرض؛ لأنَّه من نتائج حركتها السنويّة حول الشمس، فإذا كان الإنزال الدفعي في السماء الأُولى، فهناك لا يوجد شهر رمضان؛ لكي يكون نازلاً فيه، ولا توجد ليلة القدر، بل كلُّها أرضيّة، فما دخل السماء فيها؟
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ الأرض وإن زعموا أنَّها في مكانٍ مدحوض من المجرّة التي نحن فيها وهي درب التبّانة، فإنَّ هذا وإن صحَّ مادّيّاً في علم الفلك، إلّا أنَّه ليس بصحيح معنويّاً.
وقد قال متشرّعة الإسلام ومتشرّعة الأديان السابقة بإزاء ذلك: إنَّ الأرض هي مركز الكون، وتخيّل بعض المتشرّعة أنَّ المراد هو المركز المادّي،
ــــــــــــ[524]ــــــــــــ
(1) الكافي 4: 156، باب ليلة القدر، الحديث: 2، التهذيب 3: 58، باب فضل شهر رمضان، الحديث: 4، أمالي الطوسي: 690، الحديث: 1467.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فنفى ذلك؛ لثبوت خلافه في علم الفلك، ولكن الواقع أنَّ المراد به الجهة المعنويّة والتركيز على الأهمّيّة.
وذلك لأنَّه في الأرض سكن الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم، وسكنها خير الخلق والمعصومون^، وكذلك هي محطُّ نزول الملائكة والرسل والكتب ومحطُّ ذكر الله وعبادة الله، فالأهمّيّة الإلهيّة والروحيّة جعلت منها مركزاً للكون.
ونتيجة ذلك أنَّ الكون يقاس بالأرض، أي: أنَّ فيه شهر رمضان وليلة القدر وكذلك العيدان ويوم عاشوراء وغيرها، ما دام أحد هذه الأزمنة متحقّقاً في الأرض، فانسدَّ السؤال.
الوجه الثاني: أن يكون المراد من الأرض والسماء أرض النفس وسمائها، فأرض النفس هي الشهوات، وسماؤها العقل، فنعقد لذلك قضيّتين:
الأُولى: أنَّ أرض النفس موجودة في الأرض الخارجيّة، تحسُّ أنَّها في شهر رمضان أو في ليلة القدر؛ لأنَّها حقيقةً كذلك، والإنسان يعيش إحساساً هكذا.
الثانية: أنَّ هذا الإحساس ينتشر في جميع النفس: أرضها وسمائها؛ لأنَّ النفس -كما قال الشــيخ السبزواري-: النفس في وحدتها كلّ القوى<(1)؛ من حيث إنَّ قواها وملكاتها متعدّدة، إلّاَ أنَّ النفس مجموعها واحدة لا تتعدّد، بما فيها من أرضٍ وسماءٍ.
وعندئذٍ فإذا سرت ليلة القدر إلى أرض النفس من الخارج، فقد سرت إلى النفس كلِّها طبقاً للوحدة، فتنتشر ليلة القدر وينتشر شهر رمضان في كلّ
ــــــــــــ[525]ــــــــــــ
(1) شرح المنظومة 5: 139.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
النفس: سمائها وأرضها.
الوجه الثالث: أنَّه يمكن القول بعد التنزّل عن الوجهين السابقين: إنَّ القرآن نزل إلى السماء الأُولى في وقت كانت الأرض فيها ليلة القدر، وكانت البشريّة متّصفة بهذا الزمان.
الوجه الرابع: أنَّها ليلة القدر بإحساس المتلقّي بالعرف الأرضي، وهذا يكفي، من باب (كلّم الناس على قدر عقولهم).
سؤال حول قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} من حيث إنَّ الخطاب للنبي’ وهو يعلم ما ليلة القدر، فكيف ينكر إدراكه لها؟
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّها صيغة تعجّب كقولنا: ما أحسنها أو ما أعظمها، لكنّه أخذها في الآية جانب الإثبات، وهو الإدراك، لا جانب الثبوت.
الوجه الثاني: أنَّ المقصود الناس؛ لأنَّ القرآن أُنزل إليهم، وإن كان الخطاب للنبيّ’، كما قال المثل: إيّاك أعني فاسمعي يا جارة.
الوجه الثالث: أنَّه استفهامٌ يُراد به التعظيم، وليس الاستفهام الحقيقي، كما قلنا في درس الأصول(1): إنَّ الاستفهام في مثل هذا المورد هو معنى أوّليّ للفظ، والتعظيم معنىً ثانوي، وهنا يُراد المعنى الثانوي خاصّة.
الوجه الرابع: أن تكون {أدْرَاك} من الإدراك أي: تحصيل منزلة تلك الليلة، على معنى (إدراكك) فيكون استفهاماً تعظيميّاً لذلك الإدراك.
سؤال: لماذا أصبحت خيراً من ألف شهر، أو بالأحرى ما معنى ذلك؟
ــــــــــــ[526]ــــــــــــ
(1) منهج الأُصول 3: 232.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ العدد ليس للضبط، فلا يفهم من الآية الحدّيّة، أي: بشرط لا عن الزيادة والنقيصة، بل المراد: شهور كثيرة جداً.
ورقم الألف أقصى رقم كان يتصوّره العرب، وظهوره العرفي يدلُّ على ذلك، وإن كان الأصوليّون يقولون بعدم إمكان إسقاط العنوان، ولكن ذلك صحيح ما لم تقم قرينة ضدّه، والظهور العرفي هنا على هذا النحو.
إذن فيمكن أن يكون المراد أنَّها خيرٌ من الزمان كلِّه؛ لما فيها من الأوامر ومن العطاء.
الوجه الثاني: أنَّ المشهور فسّرها بألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وقد ورد ذلك في بعض الأخبار(1). وهذا صحيح؛ لأنَّها لو كانت فيها ليلة القدر لكانت مثلها، ولم تكن دونها في الأهمّيّة.
كما أنَّه لم يقل: (إنَّها ألف شهر متتابعة)، بل هي ألف شهر في الجملة، وإلّاَ كانت فيها ليلة القدر؛ لتكرّرها كلّ سنة، فهي ألف شهر مشروطة بالتفرّق.
الوجه الثالث: ورد تفسيره بملك بني أُميّة(2).
ــــــــــــ[527]ــــــــــــ
(1) الكافي 1: 248، باب في شأن (إنّا أنزلناه في ليلة القدر)، الحديث: 4، ثواب الأعمال: 67، باب فضل شهر رمضان، مَن لا يحضره الفقيه 2: 157، الحديث: 2025، الدرّ المنثور 8: 568، سورة القدر، السنن الصغرى للبيهقي (شرح الأعظمي)، الحديث: 1405.
(2) الكافي 4: 159، باب القدر، الحديث: 10، مَن لا يحضره الفقيه 2: 157، الحديث: 2022، تهذيب الأحكام 3: 59، باب فضل شهر رمضان، الحديث: 5، المستدرك على الصحيحين 3: 186، الحديث: 4796، سنن الترمذي 5: 444، الحديث: 335، الدرّ المنثور 8: 569، سورة القدر.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وفيه إشكالان:
الأوّل: عدم انطباقها على مدّة ملكهم، فقد كان أكثر من ألف شهر. وهذا صحيح، إلّاَ أنّنا عرفنا أنَّ الألف تقريبي وليس مضبوطاً، فيندفع الإشكال.
الثاني: أنّنا قلنا: إنَّ الشهور ينبغي أن تكون متفرّقة لكي لا تكون فيها ليلة القدر؛ لأنَّها موجودة في كلّ سنة بضرورة الدين، ومدة ملك بني أُميّة متوالية، إذن فقد حصلت خلاله ليلة القدر.
وجوابه من وجوه:
الوجه الأوّل: أن نتنزّل عن هذا التفسير وننفيه؛ باعتبار ضعف الخبر.
الوجه الثاني: أن ننظر إلى مصداق هذا العنوان صرفاً، وهو ملك بني أُميّة بغضِّ النظر عن الزمان؛ فإنَّ المجتمع كان في ذلك الحين بائساً، والعطاء الإلهي والكرم الرباني المتوقّع لم يكن ينزل خلال مدّة ملكهم، فكان وجود ليالي القدر فيها كعدمها؛ لأنَّ ليلة القدر إنّما هي بمنزلة المقتضي للعطاء لا علّة تامّة، وملكهم مانع عن العطاء الإلهي، يعني: عن تأثير المقتضي فيه، فمن الناحية العمليّة تكون ليلة القدر مفقودة في مدّة ملكهم.
الوجه الثالث: أنَّ المراد من ملك بني أُميّة ليس هو مؤدّاه المطابقي، بل يمكن أن نفهم منه زمان انحطاط الفرد بحيث لا يستحقّ العطاء، فلا ينزل عليه العطاء، فهي خيرٌ من ألف شهر بدون عطاء.
فقد أخذ في هذا التقدير – وهو كونها خيراً من ألف شهر- أهمّيّة العطاء في ليلة القدر؛ إذ بدونه تكون كالعدم؛ فإنَّ الأوامر تنزل فيها على أيِّ حال، ولكن العطاء قد ينقطع.
سؤال: لماذا قال {تَنَزَّلُ} ولم يقل: تُنَزَّل أو تَنْزل؟
ــــــــــــ[528]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
جوابه من وجهين:
الوجه الأوّل: إنَّ هناك قراءة بضمِّ حرف المضارعة(1)، وهي وإن كانت شاذّة إلّاَ أنَّها تحفظ المعنى أوّلاً، ولا تخلُّ بالسياق ولا بالنسق القرآنيّين ثانياً، ومحتملة ثالثاً، والاحتمال مبطل للاستدلال.
الوجه الثاني: حسب فهمي فإنَّ هذه الصيغة لها ثلاث مزايا:
الأُولى: الأمر بالنزول؛ من حيث إنَّ الملائكة مأُمورون بذلك.
الثانية: حمل شيء خلال النزول، وهي الأوامر والعطاء الذي تحمله الملائكة وتوزّعه في العالم الأدنى.
ونظيره في القرآن قوله تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ}(2) أي: لم تكن تحمله الشياطين معها، وقوله تعالى: {عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ}(2) {تَنَزَّلُ عَلَى كلّ أَفَّاكٍ أَثِيم}(4).
الثالثة: التدريجيّة في النزول؛ فإنَّ الملائكة إذا كانوا مأمورين بالنزول، فقد ينزّلهم الله تعالى إنزالاً (أي دفعيّاً) لا تنزيلاً (أي تدريجيّاً). ولكن
حسب فهمي أنَّه لأجل إقامة القرينة على عدم الدفعيّة قال: (تنزّل) بقصد نفي النزول الدفعي وإثبات التدريجي.
ومن هنا اتّضح أنَّ الصيغتين الأخيرتين المقترحتين في السؤال لا تفيدان المزيّتين الأخيرتين قطعاً، والثالثة لا تفيد المزايا الثلاث كلَّها أصلاً، ومن هنا
ــــــــــــ[529]ــــــــــــ
(1) أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 8: 203.
(2) سورة الشعراء، الآية: 210.
(3) سورة الشعراء، الآية: 221.
(4) سورة الشعراء، الآية: 222.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
كان الرجحان للصيغة الأُولى المشهورة.
وهنا قال في >الميزان< باختصار: أصله تتنزّل(1)، وفيه معنى التدريجيّة. أقول: هل إنَّ هذه الصيغة من الإنزال أو من التنزيل؟ مقتضى فهمه للتدريج هو الثاني، ومقتضى أصل المادّة لغةً هو الأول، فيقع في نحوٍ من التهافت.
سؤال: ما المقصود بالروح في قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ}؟
جوابه: ليس هناك معنى مشهوري في هذا الصدد، بل هناك آراء متعدّدة تصلح كلّ منها كأُطروحة.
الأُطروحة الأُولى: أنَّ المراد به جبرائيل×، وخُصَّ بالذكر لأهمّيّته، بالرغم من اندراجه ضمن مفهوم الملائكة، فيكون من عطف الخاصِّ على العامّ، أو قل: عطف الجزئي على الكلّي.
الأُطروحة الثانية: هو أعظم الملائكة، وفيه ما قلنا في الأُطروحة الأُولى.
الأُطروحة الثالثة: هو خلقٌ أعظم من الملائكة، ولعلّه الأشهر بين جملة من المفسّرين، وفي اعتقادي أنَّهم إنّما ذكروه باعتبار ظهور التباين بين طرفي العطف: {الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ} فلا يمكن أن يكون الروح مندرجاً في معنى الملائكة.
وقد يدعم هذا الكلام: أنَّ الملائكة والروح من سنخين؛ لأنَّ وجود الملائكة من عالم الخلق، والروح من عالم الأمر، وعالم الأمر أعلى من عالم الخلق، ومن سنخٍ آخر غير سنخه.
وبحسب فهمي فإنَّ هذه الأُطروحة بمنزلة (الكلّي) والوجه الآتي أو الأُطروحة الآتية تكون مصداقاً وتطبيقاً لها.
الأُطروحة الرابعة: ما قاله في >الميزان<: والظاهر من الروح هو الروح
ــــــــــــ[530]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 332.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الذي من الأمر قال تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}(1)(2).
أقول: إنَّه+ لم يذكر ما معنى الروح في الآية بالتحديد. وواضح من السياق أنَّ المراد منها الروح الإنساني؛ فإنَّ الروح الواقعيّة التي عند الله للإنسان هي التي تنزل مع الملائكة في ليلة القدر، وهي من عالم الأمر، وهي أيضاً في حقيقتها خلقٌ أعظم من الملائكة، فحصل الوفاق بين عدد من الأُطروحات.
سؤال: إنَّ الملائكة جمع، والروح مفرد، فلماذا قال ذلك؟
جوابه من عدّة وجوه:
الأوّل: أنَّ المراد بالروح الجنس، وهو بمعنى الجمع، يعني: تنزّل الملائكة والأرواح، فالأوّل جمع نحويٌ، والثاني جمع معنويٌ، وهذا يكفي.
الثاني: أن يلحظ الفرد فقط، ولكلِّ فردٍ روحٌ واحدة، وهذا اللحاظ غير موجود في الملائكة.
الثالث: أنَّ الروح واحدة لا تتعدّد طبقاً لكلِّ الأُطروحات السابقة في فهمها، فهي وجودٌ واحد، فلابدّ من التعبير عنه بالمفرد، ولا يمكن بالجمع.
سؤال: ما هو معنى الإذن في قوله تعالى: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}؟
جوابه: قال الراغب: والإذن في الشيء إعلام بإجازته والرخصة فيه(3). وقال في >الميزان<: وهو إعلام عدم المانع منه(4).
ــــــــــــ[531]ــــــــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 58.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 332.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 10، مادّة (أذن).
(4) الميزان في تفسير القرآن 20: 332.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أقول: وهذا لا يكفي؛ لأنَّ المفهوم متشرّعيّاً كون الملائكة مأمورين إلزاماً بالنزول، فكيف يجتمع الإذن الترخيصي والأمر الإلزامي، وهذا المعنى لم يتعرّض له السيّد في >الميزان<.
هناك عدّة أُطروحات لفهم معنى الإذن.
الأُولى: أنَّ المراد بالإذن الوجوب والإلزام، يعني عدم المانع المقترن بالمقتضي والشرط، فهو بالمعنى الأعمّ على معنى الإمكان العامّ الشامل للإمكان والوجوب، فيكون الإذن هنا شاملاً لمعنى الترخيص والإلزام، والحصّة المرادة هنا خصوص الإلزام.
الثانية: أنَّ الملائكة راغبون في النزول؛ لأنَّه عملهم وعبادتهم، فإذا ارتفع المانع أثرَّ المقتضي أثره بالنزول، وممّا يُشعِر بهذه الرغبة كونهم يستغفرون لمن في الأرض، كما تشير بعض الآيات الكريمة(1).
الثالثة: أنَّ النازل ليس كلّ الملائكة بل بعضهم، فمن الممكن أن تكون المسألة اختياريّة لأفرادهم، وإن كان الأمر بنحو الوجوب الكفائي، فكلُّ واحدٍ منهم يشعر أنَّه ينزل برخصة لا بإلزام. وهذا يصدق بطبيعة الحال في عالم المحو والإثبات، وهو العالم الذي يحسُّ به الملائكة، كما نحسُّ به، لا في عالم اللوح الأعلى.
فإن قلتَ: إنَّ الملائكة مطّلعون على كلا العالمين؛ باعتبار وجودهم في الملأ الأعلى، فيكونون مدركين للإلزام لا للإذن.
ــــــــــــ[532]ــــــــــــ
(1) قال تعالى في سورة الشورى، الآية: 5، {وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ}، وقال في سورة غافر، الآية: 7، {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قلنا: كلّا، إنَّ الملائكة غير مطّلعين على القضاء الحتمي، بل على عالم المحو والإثبات فقط؛ لأنَّه هو الخاصُّ بعالم الكثرة، وهو العالم الذي يحسُّ به الملائكة والإنس والجنُّ كلُّهم.
سؤال: ما معنى الأمر في قوله تعالى: {مِنْ كلّ أَمْر}؟
جوابه: للأمر قسمان رئيسان هما: مفرد أوامر ومفرد أُمور.
وكلٌّ منهما ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الرئيسي الأوّل: هو مفرد أوامر، وهو بمعنى الطلب، وهو المعنى المشهور للمفسّرين. وفيه ثلاث أُطروحات:
أ) أنَّه الأمر الموجود في اللوح المحفوظ في الجانب الأعلى، فيأخذه الملائكة وينزلون به.
ب) أنَّه الأمر الموجود في الجانب الأسفل؛ إذ يكون الملحوظ تنفيذ الأوامر وتطبيقها على وجه الأرض.
ج) أنَّه الأمر الموجود في الجانب الأوسط، يعني: أن يكون الملحوظ هي الأوامر التي تحملها الملائكة حال هبوطها، بغضِّ النظر عن مصدرها الفوقاني وموردها التحتاني.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أمرٍ أغفله المفسّرون، وهو أنَّ النزول بالأوامر العليا ينقسم على قسمين: نزول ثبوتي ونزول إثباتي.
ونريد بالنزول الثبوتي ما يريده المشهور من أنَّ الملائكة تنزل بالأوامر وتطبّقها على وجه الأرض.
ونريد بالنزول الإثباتي قيام الملائكة بتعريف تلك الأوامر للأولياء؛ لكي تنزل إلى عالم التطبيق تدريجيّاً.
ــــــــــــ[533]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ومن المعلوم أنَّ النزول الثبوتي لا يكون في ليلة القدر، بل خلال سنة كاملة، بخلاف النزول الإثباتي؛ فإنَّه خاصّ بها، ومعه يتعذّر أن نفهم من النزول ما يريده المشهور، وهو الثبوتي، بل يتعيّن المعنى الآخر له.
القسم الثاني الرئيسي للأمر: أن يكون المراد هو مفرد أُمور، أي: أشياء، فيكون المعنى: بإذن ربهم من كلّ شيء.
وينقسم على ثلاث أُطروحات أيضاً مقابلة لأُطروحات القسم الأول:
1. الجانب الأعلى (المحمول منه) وهو ما خرجت منه الأوامر.
2. الجانب الأسفل (المحمول إليه) وهو ما تطبّق فيه الأوامر.
3. الجانب الأوسط (الحامل) وهم الملائكة الحاملون للأوامر.
فإن قلتَ: إنَّ الأمر إذا كان بمعنى الشيء كان بمعنى العطاء الذي تحمله الملائكة، وخرج عن كونه أمراً بمعنى مفرد الأوامر، مع أنَّ الملائكة تحمله أيضاً.
قلتُ: إنَّ الأمر (مفرد الأُمور) يشمل الأمر (مفرد الأوامر)؛ لأنَّ الأوامر بهذا المعنى هي أشياء، فالملائكة تحمل أشياءً عديدة: منها عطاء ومنها أوامر.
سؤال: ما هو معنى (من) في الآية الكريمة؟
جوابه: أنَّهم ذكروا لـ(من) عدّة معانٍ:
الأوّل: أنَّها بمعنى الباء، أي: بكلِّ أمر.
وهذا يمثّل – بحسب فهمي- المرحلة الوسطى من المراحل المشار إليها فيما سبق، والملائكة تحمل أُموراً (سواء بمعنى الأشياء أو بمعنى الأوامر) وتنزل بها. قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ}(1).
ــــــــــــ[534]ــــــــــــ
(1) سورة الشعراء، الآية: 193.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ويرد عليه: أنَّه يكون المعنى: أنَّهم حاملون لكلِّ الأُمور ونازلون بها، وهذا ما لا تطيقه الملائكة؛ لأنَّ مجموع الأُمور والأوامر كثيرةٌ جداً، بل هي لا متناهية، والمحدود لا يطيق تحمّل غير المحدود.
وجوابه: أنّنا هنا نحتاج إلى تقييد مّا، أي: نقول: بكلِّ أمر خاصٍّ، كأن يكون خلال سنة، أو للمخلوقين أو للدنيا، فتكون الأُمور والأوامر متناهية، فلا بأس أن تحملها الملائكة.
فإن قلت: الظاهر عدم الحذف والتقدير؛ فإنَّه خلاف الظاهر إلّاَ بقرينةٍ متصلة.
قلتُ: إنَّ البحث اللغوي لا يكون له دورٌ هنا، ولكن مع ذلك فإنّنا يمكن أن نفهم من السياق أنَّ المراد من كلّ أمر ليس كلّ الأوامر اللامتناهية، وإنّما المتعلّقة بالعدل ونحو ذلك، فهي أوامر محدّدة، أي: من كلّ أمر مناسب، فهو تقييد ارتكازي أو معنوي لا لفظي، فيمكن أن تحمله الملائكة.
الثاني: أنَّها بمعنى (التسبيب) أي: تسبيب الأمر الإلهي إلى النزول، أو قل: بسبب كلّ أمر، وهو يمثّل السبب أو المرحلة العليا من الثلاث السابقة.
فإن قلتَ: إنَّ الظاهر هو السببيّة التامّة أو العلّيّة، وهي تصحُّ إذا كان الأمر بمعنى الطلب لا بمعنى الأشـياء (مفرد أوامر لا مفرد أُمور)؛ فإنَّها على تقدير الآخر تكون مناسبة مع العلّيّة الناقصة، فتكون (من) قرينةً متّصلة على فهم مفرد أوامر لا مفرد أُمور.
قلتُ: إنَّ النحويّين حين يقولون: إنَّ المراد من الحرف هو السببيّة لا يعنون بها السببيّة التامّة ولا الناقصة، بل الأعمُّ منهما، والمورد هنا بالمعنى (الفلسفي) اقتضائي، وليس علّيّاً، وهو مناسب مع كلا المعنيين، فلا تكون
ــــــــــــ[535]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
القرينة المذكورة صحيحة.
الثالث: أنَّها للتعليل بالغاية؛ من حيث إنَّ العلّة هي تطبيق الأوامر، وهي تمثّل المرحلة الثالثة من الثلاث السابقة.
فإن قلتَ: ولكن توزيع الأوامر لا يكون في ليلة القدر، بل في سنة كاملة.
قلتُ: جوابه على أحد شكلين:
الأوّل: النزول بكلِّ أوامر السنة يكون بفعل المعصوم×، وهو العلّة الغائيّة للتدبير.
الثاني: أنَّ النزول اقتضائي لا عِلِّي، فلو توخّينا العلّيّة أو الفعليّة لتنفيذ هذه العطاءات فلابدَّ من مرور سنة، إلّاَ أنَّه لا بأس أن ينزل كلُّه في ليلة نزولاً اقتضائيّاً، ويبقى موقوفاً تطبيقه على شرط حصول زمنه.
الرابع: ما اختاره في >الميزان< حيث قال: والحقُّ أنَّ المراد بالأمر إن كان هو الأمر الإلهي المفسّر بقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون}(1). فمن للابتداء، وتفيد السببيّة، والمعنى: تتنزّل الملائكة والروح في ليلة القدر بإذن ربّهم مبتدأ تنزّلهم وصادراً من كلّ أمر إلهي.
وإن كان هو الأمر من الأُمور الكونية والحوادث الواقعة، فـ(من) بمعنى اللام التعليليّة، والمعنى: تنزّل الملائكة والروح في الليلة بإذن ربِّهم لأجل تدبير كلّ أمر من الأُمور التكوينيّة(2).
أقول: يرد عليه عدد من الإشكالات السابقة.
ــــــــــــ[536]ــــــــــــ
(1) سورة يس، الآية: 82.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 332.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الخامس: أنَّ (من) للتبعيض، أي: بعض الأُمور أو الأوامر أو الأعمُّ منهما؛ فإنَّه لا حاجة إلى نزولها كلِّها، بل تنزّل بمقدار الحاجة.
سؤال عن معنى (السلام) في قوله تعالى: {سَلامٌ هِيَ حتّى مَطْلَعِ الْفَجْر}:
جوابه: قال الراغب في >المفردات<: السلم والسلامة التعرّي من الآفات الظاهرة والباطنة. قال تعالى: {بِقَلْبٍ سَلِيم}(1) أي: متعرٍّ من الدغل، فهذا في الباطن. وقال تعالى: {مُسَلَّمَةٌ لا شِيَة فِيْهَا}(2)، فهذا في الظاهر(3).
أقول: ويستعمل بمعنى السلامة من البلاء الدنيوي، وكذلك العافية من كلّ بلاء.
ومادّة سلام لها معنيان:
الأوّل: ضدُّ المرض.
الثاني: ضدُّ الحرب.
وكلاهما ضدُّ البلاء الدنيوي، فهي سبب السلامة وعدم تكدّر البال، وهذا هو المشهور. ولكنَّه على خلاف المعنى الأصلي؛ إذ لا فرق بين المؤنّث والمذكّر. وعلى أيِّ حالٍ فالسلام في السورة خيرٌ إلهي ورحمة: إمّا بعطاءٍ جديد أو دفع بلاء محتمل في الحرب مع الشهوات والشياطين وفسقة الإنس والجنّ.
وذكر العكبري معنىً آخر حيث قال: في {سَلاَم} وجهان: أحدهما: هي بمعنى مسلِّمة، أي: تسلّم الملائكة على المؤمنين، أو يسلّم بعضهم على بعض، والثاني هي بمعنى سلامة أو تسليم. فعلى الأوّل هي مبتدأ وسلام خبر
ــــــــــــ[537]ــــــــــــ
(1) سورة الشعراء، الآية: 89، وسورة الصافّات، الآية: 84.
(2) سورة البقرة، الآية: 71.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 245، مادّة (سلم).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مقدّم(1)( ).
أقول: والسلام ظرف، أي: وقت سلام، ولم يشر إليه؛ لأنَّه مفهومٌ ضمناً.
وقال في >الميزان<: وقيل: المراد به أنَّ الملائكة يسلّمون على من مرّوا به من المؤمنين المتعبّدين(1).
أقول: وهو ليس بصحيح؛ لأنَّ الملائكة تسلّم على مَن تُرسَل إليه، لا على مَن تمرُّ به، وعطاؤهم إمّا السلام أو أنَّهم يسلّمون لهم شيئاً من الله سبحانه.
والمعنى الآخر بمعنى السلامة أي: التسليم، أي: التسبيب للسلامة، أو قل: إيجاد سبب السلام، كما يقال: سلّمك الله أي: أوجد السلامة فيك.
وأضاف العكبري: (حتّى) متعلّقة بسلام، أي: الملائكة مسلّمة إلى مطلع الفجر، ويجوز أن يرتفع (هي) بسلام على قول الأخفش (أي: المبتدأ المتأخّر بالخبر المتقدّم). وعلى القول الثاني: ليلة القدر ذات تسليم، أي: ذات سلامة إلى طلوع الفجر. وفيه التقديران الأوّلان: (يعني: تعلّق حتّى بسلام وقول الأخفش). ويجوز أن يتعلّق (حتّى) بتنزّل(2).
أقول: وفي دعاء الصحيفة السجّاديّة وصف ليلة القدر بأنَّها: >التي هي من كلّ أمرٍ سلام<(3)، يعني: سلامٌ هي من كلّ أمر. وقد تقدّم الجارّ والمجرور لفظيّاً، في حين هو متعلّق بسلام، وليس بتنزّل، كما هو ظاهر العبارة ومسلك
ــــــــــــ[538]ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 290، سورة القدر.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 333.
(2) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 290.
(3) الصحيفة السجّاديّة: 296 (ط أبطحي).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مشهور المفسّرين.
ويتحصّل المعنى من هذا الدعاء ضمن عدّة أُطروحات:
الأُولى: أن يقصد بقوله: >مِنْ كلّ أَمْر<: الأمر الخبيث، فيكون المراد السلامة والنجاة من كلّ أمر سيّئ.
وقد يجاب: أنَّ الملائكة والروح هي التي تنزل بالأمر، وهي أجلُّ من أن تنزل بأمرٍ سيّئ.
وجوابه: أوّلاً: أنَّها قد تكون جملة مستأنفة لا علاقة لها بما سبق.
ثانياً: أنَّ الملائكة قد يحملون أُموراً سيّئة؛ لأنَّهم ينزلون بالخير والشرِّ معاً، وتكون ليلة القدر نجاة ممّا يحملون من السوء.
الثانية: أن نفهم من الأمر الجيّد والعلوي من العطاء، وعندئذٍ لا يمكن أن نحمل السلام على معنى النجاة، بل يجب أن نحمله على ما يناسب السياق، وهو الاتّصاف به لا النجاة منه.
ووصف الليلة بالمصدر (هي سلام) كوصف زيد بالعدل (زيد عدل) أي: عادل، وهو مجاز وتأويله إمّا اسم فاعل أي: مسلِّمة أو سبب السلام أو ظرفه، وإمّا بتقدير مضاف، أي: ذات سلام، أو أنَّه بمعنى أفعل التفضيل، كما احتمله القاضي عبد الجبار(1).
وقال في >الميزان<: والآيتان – أعني قوله: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ …} إلى آخر السورة- في معنى التفسير لقوله: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}(2).
أقول: أو إنَّها بمنزلة الجواب عن أنَّها لماذا كانت خيراً من ألف شهر؛
ــــــــــــ[539]ــــــــــــ
(1) تنزيه القرآن عن المطاعن: 470، سورة القدر.
(2) الميزان 20: 333، سورة القدر.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
لأنَّ الملائكة لا تنزل في ألف شهر، بل في ليلة القدر.
سؤال: ما معنى (حتّى) في قوله: {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}؟
جوابه: أنَّها بمعنى إلى.
سؤال: (مطلع) الفجر ما معناه؟
جوابه: فيه عدّة أُطروحات:
الأُولى: الفجر بعد الليل، وهي المشهورة.
الثانية: أنَّه يكون بعد ليل البلاء، والفجر فجر السلامة من البلاء.
الثالثة: أنَّه يكون بعد ليل الضلال، وهو فجر الهداية.
الرابعة: أن يكون بعد ليل الدنيا؛ لأنَّ الدنيا غاية همّنا ومبلغ علمنا، فنخرج من هذا الحال، وندخل في حال أفضل.
الخامسة: أنَّه فجر العطاء بعد ليل الحرمان من العطاء.
فإن قلتَ: ولكن السياق واضح بأنَّها ليلةٌ عظيمة، فكيف نفهم مطلع الفجر؟
قلتُ: هذا يحتاج إلى درجة من الفهم الباطني: فإمّا أن نفهم أنَّ كلّ عبارة مستقلّة عن الأُخرى، وإمّا أن يختلف معنى مطلع الفجر، فيمكن أن يحصل فجر الهداية أو فجر العطاء خلال ليلة القدر لا في نهايتها، وهو فجر معنوي، وليس بمادّي.
ــــــــــــ[540]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ.
ــــــــــــ[541]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سورة العلق
في تسميتها عدّة أُطروحات:
الأُولى: العَلَقْ، وهي المشهورة.
الثانية: القَلَم، وهي مشهورة أيضاً(1).
الثالثة: السورة التي ذُكر فيها العلق أو التي ذُكر فيها القلم.
الرابعة: (اقرأ) بصفته اللفظ الأوّل في السورة بعد البسملة.
الخامسة: رقمها من المصحف الشريف، وهو: 96.
سؤال: هل إنَّ هذه السورة نزلت أوّل ما نزل من القرآن؟
جوابه: أنَّه يوجد في أذهان المتشرّعة إلى حدٍّ يوجب الاطمئنان: أنَّ هذه السورة هي أوّل ما نزل من القرآن، وقد وردت في ذلك روايات، كما في الصحيحين و>الدرّ المنثور< وغيرها، نعرض الرواية كما في >الدرّ المنثور< أوّلاً، ثُمَّ نناقش متنها:
عن عائشة أُمِّ المؤمنين أنَّها قالت: أوّل ما بدء به رسول الله’ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلّاَ جاءت مثل فلق الصبح. ثُمَّ حببَّ إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حرّاء، فيتحنّث فيه (وهو التعبّد
ــــــــــــ[543]ــــــــــــ
(1) هناك سورة أُخرى باسم سورة القلم أيضاً وهي: (ن والقلم وما يسطرون). فتصحُّ أُطروحتنا هنا إذا سمّينا تلك السورة باسم آخر مثل: (ن) على ما سيأتي من أُطروحات اسمها؛ لوضوح أنَّ تسمية سورتين باسم واحد يكون منشأ للاشتباه [منه+].
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الليالي ذوات العدد) قبل أنْ ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثُمَّ يرجع إلى خديجة، فيتردّد لمثلها. حتّى جاءه الحقُّ وهو في غار حرّاء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال: >ما أنا بقارئٍ<. قال: >فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد. ثُمَّ أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ<. قال: فأخذني فغطّني الثانية حتّى بلغ منّي الجهد. ثُمَّ أرسلني فقال: >اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطّني الثالثة حتّى بلغ منّي الجهدُّ. ثُمَّ أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ}<.
فرجع بها رسول الله’يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال: >زمّلوني زمّلوني<، فزمّلوه حتّى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر: >لقد خشيت على نفسي<. فقالت خديجة: كلّا، ما يخزيك الله أبداً؛ إنَّك لتصل الرحم وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقِّ.
فانطلقت خديجة، حتّى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى ابن عمِّ خديجة، وكان امرءاً قد تنصّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانيّة ما شاء الله أنْ يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عمِّ، اسمع من ابن أخيك.
فقال له ورقة: يا بن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ’ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني أكون فيها جذعاً، يا ليتني أكون فيها حيّاً إذ يخرجك قومك.
فقال رسول الله’: >أوَ مُخْرِجِيَّ هُم<؟ قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلّاَ عودي، وإنْ يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزّراً. ثُمَّ لم
ــــــــــــ[544]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ينشب ورقة أنْ توفّي وفتر الوحي(1).
أقول: وفي هذه الرواية عدّة إشكالات:
أوّلاً: عدم صحّة سندها.
ثانياً: أنَّ أوّل ما نزل من القرآن الكريم هو البسملة، وليس (اقرأ باسم ربَّك).
ثالثاً: أنَّ في الرواية أنَّه’ خاف من جبرائيل×، ولا مبرّر لذلك الخوف البتّة.
رابعاً: أنَّ جبرائيل× قال له: اقرأ، بدون أن يعرض عليه كتاب أو صحيفة، فلا يكفي الاعتذار من النبيّ’ بقوله: >ما أنا بقارئ<.
خامساً: لنا أنْ نتساءل: لماذا عاقبه جبرائيل×، وهو يمثّل رحمة الله الواسعة، وقد كان صادقاً في كلامه بأنَّه ليس بقارئ، فهو لا يستحقُّ العقوبة؟
سادساً: دلالة الرواية على أنَّه لم يعلم أنَّه نبيٌّ أو رسول.
قال في >الميزان<: وسكون نفسه’ في كونه نبيّاً إلى قول رجل نصراني مترهّب، وقد قال تعالى: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي}(2) وأيِّ حجّة بيّنة في قول ورقة؟ وقال تعالى: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}(3). فهل بصيرته’ هي سكون نفسه إلى ورقة؟ وبصيرة من اتّبعه سكون
ــــــــــــ[545]ــــــــــــ
(1) الدرّ المنثور 8: 561، سورة العلق، وأُنظر كذلك: أخبار مكّة للفاكهي 4: 94، الحديث: 2430، الجامع بين الصحيحين 4: 74، الحديث: 3175، مسند أحمد 6: 232- 233، حديث السيّدة عائشة.
(2) سورة الأنعام، الآية: 57.
(3) سورة يوسف، الآية: 108.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أنفسهم إلى سكون نفسه إلى ما لا حجّة فيه قاطعة، وقال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ}(1). فهل كان اعتمادهم في نبوّتهم على مثل ما تقصّه هذه القصّة؟(2)
جزى الله صاحب الميزان خيراً.
سؤال: لماذا بدأت السورة بفعل الأمر: (اقرأ)؟
جوابه:
أوّلاً: أنَّ المسألة اختيارية، كما بيّنا قاعدته العامّة في المقدّمة.
ثانياً: أنَّ هذا متكرّرٌ في القرآن، ولا بأس به؛ لوجود سورة أُخرى بدأت بفعل الأمر، كقوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}(3).
ثالثاً: أنَّ السورة – على المشهور- أوّل ما نزلت من القرآن الكريم، فتكون (اقرأ)، أي: القرآن الكريم، فتكون تبشيراً بنزوله، وتكليفاً للنبيِّ’ بالاستماع إليه وتبليغه.
سؤال: ما هو المقروء في (اقرأ)؟
جوابه: من عدّة وجوه بعد الالتفات إلى أنَّه لا يوجد مفعولٌ به لفظي، كما هو معلوم، كما لا يوجد مفعولٌ مقدّرٌ؛ لوضوح تعمّد الإطلاق من هذه الناحية، وإنَّما غايته أنَّه يوجد مفعول معنوي؛ لأنَّ غضَّ النظر عن المفعول به مطلقاً ممّا لا يمكن.
ونبدأ الآن بوجوه الجواب:
ــــــــــــ[546]ــــــــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 163.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 329، سورة العلق.
(3) سورة الأعلى، الآية: 1.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأوّل: ما أشار إليه العكبري(1) والطباطبائي(2) من: أنَّ المفعول: (اسم ربّك)، والباء زائدة، كقول الشاعر: لا يقرأن بالسور(3)؛ وذلك لأنَّ قرأ متعدّية بنفسها لا بالباء.
الثاني: ما أشار إليه العكبري أيضاً من أنَّ التقدير: اقرأ مبتدئاً باسم ربّك، كما قال: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم} فهو تعليم عامّ للبشريّة من هذه الناحية(4).
فإنْ قلتَ: فإنَّ البسملة جزءٌ من السورة، فيكون المضمون متكرّراً بلا موجبٍ.
قلتُ: إنَّ ذلك كرّر تأكيداً؛ لكثرة غفلة البشر عنه، والتكرار بغير اللفظ لا يكون سمجاً، مضافاً إلى اختلاف المتعلَّق؛ فإنَّه في البسملة خاصّ بالسورة، وفي (اقرأ) عامّ لكلِّ الأُمور.
نعم، لو تنزّلنا عن هذه الأجوبة، فإنَّ قرينة التكرار تدلّ على أنَّ هذا الوجه غير مقصود، كما أنَّنا لو تنزّلنا عن جزئيّة البسملة للسورة لم يلزم التكرار.
الثالث: اقرأ القرآن على الناس، كما قال تعالى: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى
ــــــــــــ[547]ــــــــــــ
(1) إملاء ما منَّ به الرحمن 2: 290، سورة العلق.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 323، سورة العلق.
(3) من قصيدة للشاعر عبيد بين حصين بن جندل النميري المعروف بالراعي [ت: 90هـ] ومطلع القصيدة:
يا أهلِ ما بالُ هذا الليلُ في صفرِ
يزداد طولاً وما يزداد من قصر
هنَّ الحرائرُ لا ربّات أحمرةٍ
سود المحاجر لا يقرأن بالسور
(4) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 290، سورة العلق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مُكْثٍ}(1) وهذا ما ذكره الطباطبائي(2) ونفاه، ولم يستدلَّ على نفيه.
الرابع: أنَّ المراد مطلق القراءة، يعني: اقرأ أيَّ شيءٍ باسم الله سبحانه، وهو ما ذكره الطباطبائي(3) أيضاً ونفاه، ولم يستدلَّ على نفيه.
ونحن إذا أمكننا أنْ نفهم من القرآن عدّة معانٍ، فكلُّ معنىُ معقول يكون داخلاً تحت التوقّع.
الخامس: اقرأ بمعنى: قل، يعني: اذكر الله سبحانه بأحد أسمائه، كقوله تعالى {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}(4) .
السادس: ما اختاره الطباطبائي من أنَّ المقصود: الأمر بتلقّي الوحي من الملك النازل به، فالجملة أمرٌ بقراءة الكتاب، وهي من الكتاب، كما لو قلت في الرسالة: اقرأ كتابي هذا، أو لفظ القرآن في القرآن؛ فإنَّه قرآن بالحمل الأولي وبالحمل الشائع(5).
أقول: فيكون المعنى على ما اختاره: انتبه أو اجمع في ذهنك الوحي أو احفظه في ذهنك ممّا يلقيه الملك إليك.
ولكنْ هذا المعنى بنفسه ممّا ينفيه قوله تعالى {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}(6) فالنظر في هذا الوجه إلى الأسباب لا إلى المسبّب.
مضافاً إلى أنَّ الراغب قال: والقراءة ضمُّ الحروف والكلمات بعضها إلى
ــــــــــــ[548]ــــــــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 106.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 323.
(3) المصدر السابق.
(4) سورة الأعراف، الآية: 180.
(5) الميزان في تفسير القرآن 20: 323 [بتصرّف].
(6) سورة القيامة، الآية: 17.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بعض في الترتيل، وليس يقال ذلك لكلِّ جمعٍ(1).
أقول: أي: إنَّ القراءة هي جمع الحروف اللغويّة وضمّها، لا الحروف التي تنزل بالإلهام والوحي، وإنَّما سمّيت قراءة مجازاً إنْ كان هناك قراءة؛ فإنَّ التلفّظ للملك أو الله سبحانه، والنبيُّ’ إنَّما هو السامع، وهو غير القارئ.
فضبط الوحي وجمعه وإنْ كان من تكليفه’، إلّاَ أنَّه ينطبق عليه عنوان القراءة مجازاً، وحمل اللفظ على المجاز خلاف الأصل.
ويستنتج الطباطبائي+: بأنَّ هذا يدلُّ على أنَّ (اقرأ) أوّل ما نزل من القرآن الكريم(2). فيكون المعنى: إقرأ القرآن الذي سوف يوحى إليك، إلّاَ أنَّ هذا فرع اختيار هذا الاحتمال وظهوره فيه، وقد عرفنا مناقشته، فإذا بطل هذا الوجه، بطلت نتيجته أيضاً.
واستنتج أيضاً منها (بتقريب منّا): أنَّ مادّة القراءة فيها جنبتان نستطيع أنْ نسمّي الأُولى: قرآناً بالحمل الأولي، والثانية: قرآناً بالحمل الشايع، يعني: الجزء من القرآن، وكلاهما قرآن، وهو يمثّل أيَّ قراءة، كما قال الطباطبائي، كقول القائل في مفتتح كتابه لمن أرسله إليه: اقرأ كتابي هذا واعمل به. فقوله هذا أمر بقراءة الكتاب وهو من الكتاب… الخ(3).
وبهذا ظهر الجواب عن السؤال الذي أفاده العكبري، وهو فيما يتعلّق بالباء، حيث قال: قيل الباء زائدة (لأنَّ اقرأ متعدٍّ بنفسه، فيكون المفعول به حقيقة هو الاسم مع زيادة الباء )… وقيل: دخلت لتنبّه على البداية باسمه في
ــــــــــــ[549]ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 413، مادّة (قرأ).
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 325، سورة العلق.
(3) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
كلّ شيءٍ، كما قال تعالى: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم} فعلى هذا يجوز أنْ يكون حالاً، أي: اقرأ مبتدئاً باسم ربّك(1).
أقول: أي: متعلّق بمفعولٍ محذوف، أي: اقرأ شيئاً باسم ربِّك، وهو القرآن أو السورة أو اسم ربِّك، وبهذا المعنى قدّر العكبري معنى الحال: (مبتدأ باسم ربّك) فيكون الجارّ والمجرور متعلِّقاً بالفعل المقدّر بدلاً من تعلّقه باقرأ، وهو خلاف الظاهر.
سؤال عن (الذي) في قوله: {الَّذِي خَلَقَ}:
جوابه: أمّا من الناحية العرفية فإنَّ مدخول الذي يكون بمنزلة الجهة لهذا الفعل، كما قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}(2) أي: بسبب وعلّيّة هذه الصفة.
وأمّا من الناحية الدقيّة فإنَّ هذا ليس بصحيح؛ فإنَّهم قالوا في علم الأصول: إنَّ القيد والمقيّد يكوّنان مفهوماً واحداً(3)، فلا يتحصّل من المجموع ذلك المعنى.
إذن فمعنى (الذي) أي: من هذه الجهة، وليس مجرّد قيد أو توضيح أو إشارة إلى الذات، وهو أمرٌ عرفيٌّ كما سبق، وهذا ممّا يُبَعِّد ما اختاره الطباطبائي من كون مفعول (اقرأ) هو الوحي؛ إذ لا يبدو له ربطٌ واضح، إلّاَ أنْ يُراد أنَّه خلق الوحي، وهو خلاف الظاهر.
إنَّ السياق الذي ادّعاه في >الميزان< من أنَّ السورة أوّل القرآن، يعني:
ــــــــــــ[550]ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 290، سورة العلق.
(2) سورة إبراهيم، الآية: 39.
(3) أُنظر: فوائد الأصول 4: 250.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
(اقرأ من الآن فصاعداً) لا يكون صحيحاً؛ إذ لا علاقة باسم (الذي خلق) بإنزال الوحي، وإنَّما ينبغي استعمال آخر يتعلّق بالوحي وبالقرآن لا الخالق، ولو كان المراد ذلك، فهذا بمنزلة القرينة المتّصلة على نفي السياق الذي ادّعاه، مضافاً إلى المناقشات التي سبقت.
سؤال: قال الرازي في هامش العكبري: فإنْ قيل: أين مفعول (خلق) الأوّل؟
جوابه: يحتمل وجهين:
أحدهما: أنْ لا يقدّر له مفعول، بل يكون المراد الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه، كما في قوله تعالى: {ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}(1) في أحد القولين، وقولهم: فلان يعطي ويمنع ويصل ويقطع، [أي: بغضِّ النظر عمّا يعطيه أو يمنعه، وهذا أمرٌ عرفيٌّ لطيف].
ثانيهما: أنْ يكون مفعوله مضمراً تقديره: الذي خلق كلّ شيءٍ، ثُمَّ أفرد الإنسان (في خلق الثانية) بالذكر تشريفاً له وتفضيلاً(2)، انتهى كلام الرازي.
أقول: ويحتمل أيضاً أنْ يكون المراد من كلتا الكلمتين كلمة واحدة، ومفعولها الإنسان، وإنَّما كرّرت لنكتةٍ بلاغيّةٍ أو أدبيّةٍ أو سياقيّةٍ مع حفظ السياق والروي والنسق، وبدونها سيكون التعبير سمجاً.
كما أنَّه يمكن أنْ تكون حكمة التكرار هو انقطاع الوحي انقطاعاً مؤقّتاً، كما ذكرنا في سورة الإيلاف، فراجع.
سؤال: وقال الرازي أيضاً: فإنْ قيل: كيف قال تعالى: {خَلَقَ الإنسان
ــــــــــــ[551]ــــــــــــ
(1) سورة الملك، الآية: 14.
(2) أُنموذج جليل: 581: سورة العلق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مِنْ عَلَقٍ} على الجمع ولم يقل: (من علقة)؟
جوابه: قلنا: لأنَّ الإنسان في معنى الجمع؛ بدليل قوله تعالى: {إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات}(1) والجمع إنَّما خلق من جمع علقة لا من علقة.
فإنْ قيل: هذا الجواب يردّه قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَة}(2) .
قلنا: المراد: فإنَّا خلقنا آباءكم من ترابٍ، ثُمَّ خلقنا كلّ واحدٍ من أولاده من نطفة. وقيل: إنَّما قال من علق؛ رعايةً للفاصلة الأُولى، وهي خلق(3)، انتهى كلام الرازي.
أقول: ولكنَّه مع ذلك لم يجمع بين الآيتين من الناحية المعنويّة، وإنْ كان قد جمع بينهما من الناحية النحويّة.
إذن فالإشكال يبقى مفتوحاً من حيث إنَّ الآية الأُولى ذكرت أنَّ الإنسان خلق من علق، والآية الثانية ذكرت ثلاث مراحل لخلقته: التراب والنطفة والعلقة.
وحسب فهمي فإنَّ للإنسان ثلاث بدايات، يصلح أنْ يكون كلّ منها بداية للإنسان:
البداية الأُولى: وهي التراب بأحد تقريبين:
ــــــــــــ[552]ــــــــــــ
(1) سورة الحجّ، الآية: 5.
(2) سورة العصر، الآية: 3.
(3) أُنموذج جليل: 581، سورة العلق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأوّل: لأنَّ آدم من ترابٍ، كما قال تعالى: {كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ}(1). فآدم× مخلوقٌ من ترابٍ بالمباشرة، وخلق الناس بالتراب بالواسطة والتسبيب عن طريق آبائهم، كما أشار الرازي.
والثاني: لأنَّ الجسم كلَّه دائماً من ترابٍ، وهذا تقريبٌ مادّي؛ من حيث إنَّه قد يستبعد أن يكون آدم من تراب حقيقةً، فيمكن أنْ يكون المراد: الأجزاء الترابيّة أو مكوّنات التراب.
ويوضح ذلك: أنَّ هناك دورة بين الإنسان والتراب؛ وذلك لأنَّ النبات يخرج من التراب، فيأكله الإنسان، ويعود إلى التراب، فيكون نباتاً من جديد. أو نقول: إنَّ التراب يكون نباتاً، فيأكله الحيوان، فيأكله الإنسان، فيكون تراباً، ومعه يمكن القول بدرجة من درجات الفهم بالحمل الشائع: إنَّ التراب لحمٌ، واللحم ترابٌ.
والتقريب الأوّل عليه ارتكاز المتشرّعة، وظاهر القرآن الكريم. أمّا التقريب الثاني فهو فهم العصر المادّي المتأخّر.
البداية الثانية: وهي النطفة. قال تعالى: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى}(2) فإنَّ الذي يكون لحماً وعظماً ليس هو النطفة بل الدم، كما نصَّ القران الكريم: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً}(3).
البداية الثالثة: العلق قال تعالى: {خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ} وهو الدم.
فهذه ثلاث بدايات للإنسان: فالأولى بانتسابه إلى الأرض، والثانية
ــــــــــــ[553]ــــــــــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 59.
(2) سورة القيامة، الآية: 37.
(3) سورة المؤمنون، الآية: 14.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بانتسابه إلى أبيه، والثالثة بانتسابه إلى أُمِّه وأوّل تكوينه، وبلحاظ كلّ نسبة يصدق أنَّها بداية، ويمكن أنْ يلحظ المتكلّم أيَّ واحدٍ منها، فقد اختار في إحدى الآيتين واحدة، واختار في الأُخرى الأُخرى.
سؤال: ما هي النسبة بين الفعلين: (خلق) الأُولى و(خلق) الثانية؛ لأنَّها واردة هنا بنحو التتابع؟
جوابه: أوّلاً: أنَّها ليست سمجة، بل لطيفة وموافقة مع روي القرآن وسياقه وذوقه.
ثانياً: أنَّ الثانية تأكيد للأُولى؛ باعتبار أنَّ السامع قد يكون مستشكلاً أو معترضاً أو غير منتبه، فترد الثانية للتأكيد، وهذا معناه أنَّهما واحدةٌ في المعنى.
ثالثاً: أنَّها معطوفة بحذف حرف العطف، ونتيجة التعدّد في المعنى، أي: خلق مطلقاً وخلق الإنسان من علق، ومن الواضح أنَّه لا يستقيم نحويّاً بدون حرف العطف أو تقديره.
إلّاَ أنَّه يمكن الطعن بالكبرى لغويّاً، وإنْ صحت نحويّاً، وهي ضرورة التعاطف بين الجمل، بل قد تكون كلّ جملةٍ مستقلّةً عن الأُخرى، ومعه فلا حاجة إلى تقدير حذف حرف العطف.
رابعاً: أنَّها عطف بيان على الأُولى، إلّاَ أنَّه لا يتمُّ لأمرين:
1. أنَّ هذا النحو من العطف خاصّ بالمفردات لا بالجمل، وهنا نتكلّم عن الجمل لا عن المفردات، إلّاَ أنْ نطعن بالكبرى أيضاً، وهو اختصاصه بالمفردات.
2. أنَّ هذا النحو من العطف مورده تعذّر عطف النسق، والمفروض هنا إمكانه ولو بتقدير الحرف، بعد التنزّل عن الوجه السابق.
ــــــــــــ[554]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
خامساً: أنَّ الثانية بيان للأُولى في المعنى، أي: تفصيلٌ بعد إجمال، وهذا في نفسه جيد، إلّاَ أنَّه يرجع إلى نحوٍ من الوحدة بين اللفظين، فإذا منعنا ذلك نحويّاً أو لغويّاً، امتنع هذا الوجه، وإنَّما يكون الأوّل عامّاً، أي: خلق كلّ شيءٍ، ونفهم منه العموم باعتبار حذف المتعلق؛ فإنَّه من قرائن ذلك، وخلق الثانية للخصوص، من عطف الخاصِّ على العامِّ، إنْ قدّرنا حرف العطف.
سؤال عن معنى العلق
جوابه: أعطى الراغب عدّة معانٍ تكاد تكون متباينة للعلق، فقال: العلق: التشبّث بالشيء، يُقال: عَلِقَ الصيد بالحبالة، وأعلق الصائد إذا عَلِقَ الصيد في حبالته، والمِعْلَق والمِعلاق ما يعلق به(1).
أقول: أو المتعلّق نفسه، ومنه تسمية الرئة بالمعلاق؛ لأنَّها غالبة التعليق، وعلى هذا المعنى يكون علق في الآية مصدراً أو اسم مصدر.
وأضاف: والعلق دودٌ يتعلّق بالحلق(2).
أقول: ومنه الدود الذي يمصُّ الدم، أو إنَّه سمّي بالعلق؛ لأنَّه يمصُّ العلق وهو الدم.
وأضاف: والعلق الدم الجامد، ومنه العلقة التي يكون منها الولد، قال تعالى: {خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ}(3) {فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً}(4)(5).
ــــــــــــ[555]ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 355، مادّة (علق).
(2) المصدر السابق.
(3) سورة العلق، الآية: 2.
(4) سورة المؤمنون، الآية: 14.
(5) مفردات ألفاظ القرآن: 355، مادّة (علق).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أقول: مضغة أي: لحمة، حين يتحوّل الدم المتجمّد في الرحم إلى لحم.
واعتقد بأنَّ العلق يطلق على مطلق الدم، ومنه قولهم في حرب الجَمَل:
نحن بنو ضبَّة لا نفرّ حتّى نرى جماجماً تخرّ
يخرّ منها العلق المحمرّ(1)
والدم الجامد لا يخرُّ، ولا اعتقد أنَّه استعمالٌ مجازيٌّ وجداناً.
وعلى أيِّ حالٍ فيكون للعلق في الآية الكريمة عدّة أُطروحات:
الأُولى: مطلق الدم؛ لأنَّ النطفة تتحوّل إلى دم، بغضِّ النظر عن كونه جامداً أم لا.
الثانية: الدم الجامد؛ لأنَّ الجنين يكون كذلك في فترة من تطوّره، وهو ما ذكره الرازي(2).
الثالثة: أنَّه سمّي بذلك؛ لأنَّه يعلق بالرحم، أي: يكون فيه، فهو بمعنى التعلّق لا بمعنى الدم.
الرابعة: أنَّه يتعلّق بجدار الرحم ويلتصق به، كما ثبت في الطبِّ الحديث.
فإنْ قلتَ: إنَّ هذه الفكرة متأخّرة عن نزول النصِّ القرآني، والناس يومئذٍ لم يكونوا معهودين بها، فكيف يتمُّ الحديث عنها، وهو خلاف القانون العرفيِّ القائل: كلِّم الناس على قدر عقولهم.
قلتُ: ذلك صحيح، لكن ذلك لا صغرى له هنا؛ لأنَّه في القرآن لم يبيّن
ــــــــــــ[556]ــــــــــــ
(1) الأُرجوزة لوسيم بن عمرو الضبي، وبنو ضبَّة حاربت يوم الجمل إلى جانب عائشة حتّى قُطع على خطام جملها سبعون يداً من بني ضبَّة [أُنظر: تاريخ الطبري3: 527، البداية والنهاية 7: 271، الكامل في التاريخ3: 136].
(2) تفسير الرازي أو مفاتيح الغيب 23: 74، سورة المؤمنون.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ذلك، فربّما قصد الله تعالى ذلك، ولكن لم يبيّنه بصراحة، ليكون خلاف ذلك القانون العرفيِّ.
الخامسة: العلق بمعنى التأثّر والبدء بالنمو، ومنه علق الصبغ وعلق الضوء، يعني: أثّر أثره، وهو أمرٌ عرفيٌّ، وليس لغويّاً، وبالاستصحاب القهقرائي إلى صدر الإسلام نفهم من علق الجنين أي: لقحت البويضة أو بدأ نموّه مطلقاً.
السادسة: أنَّ الجنين في هذا المورد من تطوّره يصبح كدودة العلق التي تمصُّ الدم.
السابعة: أنَّه لا دليل واضح على تعرّض الآية الكريمة لنموّ الجنين إلّا معنى العلق، فإذا صرفناه عن معناه لم يبق دليلٌ أصلاً، وقد عرفنا أنَّ معناه هو مصدر التعلّق، فيمكن أن يكون مراداً، أي: خلق الإنسان من التعلّق.
والمراد: أنَّ الطبيعة الأساسيّة للإنسان هي التعلّق، ونظيره قوله تعالى: {خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ}( ) وهو بلا شكٌّ معنى مجازي، فكون خلقة الإنسان منها – أي: من التعلّق أو العجل- يحتوي على تسامحٍ في التعبير. ولكنْ قد يبلغ اتّصاف الإنسان بهذه الصفات درجة من الوضوح والأهمّيّة إلى حدٍّ تصبح بمنزلة لحمه ودمه أو بمنزلة جسمه، وكأنَّها صفة مجموعة من كثرتها وعمقها وأهمّيّتها.
وهنا يطرح سؤال عن معنى التعلّق؟
وجوابه: أنَّ الإنسان لا يمكن بأيِّ حالٍ أنْ يعيش بالاستقلال، فالتعلّق
ــــــــــــ[557]ــــــــــــ
(1) سورة الأنبياء، الآية: 37.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
موجودٌ في الإنسان بكلِّ صورة، وذلك لعدّة أشكال:
الأوّل: الشوق والحبُّ والإرادة، فقولك: تعلّق به أي: أحبّه ومال إليه. وطرفه إمّا الدنيا وإمّا الله تعالى، وإمّا الأسباب وإمّا مسببها، وأمّا الاستقلاليّة الكاملة فهي محال، وإنْ كان قد يتوهّمها الفرد.
الثاني: أنْ نصرف التعلّق في كونه حبّاً وعاطفة إلى كونه علماً ويقيناً. ولكنْ ما هو المتعلّق؟ هذا واردٌ في كلّ واحدٍ حسب مستواه، فبعضٌ يتعلّق بالأسباب الطبيعيّة، وبعضٌ يتعلّق بالأسباب غير الطبيعيّة، وبعض يتمحّض بالتوكّل على الله تعالى.
سؤال عن معنى (من) في قوله تعالى: {مِنْ عَلَقٍ}:
جوابه: أنَّ معنى (من) لا يختلف باختلاف معنى العلق، سواء كان مادّيّاً أو معنويّاً، وهو التعلّق، كما شرحنا فيما سبق.
ولمعنى (من) عدّة احتمالات:
الأوّل: أنَّها لبيان الجنس، كقولك: إبريقٌ من طين، وكما قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ}(1) وقال: {أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ}(2) فيكون القول هنا – حقيقةً أو مجازاً- أنَّ جنس الإنسان من علق.
الثاني: أنَّها للتبعيض، كقوله تعالى: {مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّه}(3) أي: بعضهم، فيكون المعنى: خلق الإنسان من بعض العلق، ولا يُراد به الجزء من الكلِّ، بل الجزئي من الكلّيّ؛ لأنَّ العلق كلّيٌّ في أيِّ معنى أعطيناه.
ــــــــــــ[558]ــــــــــــ
(1) سورة المؤمنون، الآية: 12.
(2) سورة الكهف، الآية: 31.
(3) سورة البقرة، الآية: 253.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الثالث: أنَّها لابتداء الغاية، كقولنا: خرجت من الكوفة، وهذا أوضح في المعنى المادّي للعلق؛ باعتبار أنَّه أوّل حركة نموّ الجنين.
ويدعم هذا المعنى: أنَّنا نستطيع أنْ نفهم من الخلق في الآية هذا المعنى لا مطلق الخلق، بل نفهم ابتداءً الإنشاء للخلق، فتكون (من) دالّة على الابتداء لأوّل مرّة، و(خلق) أيضاً تدلُّ على ذلك، أو قل: ابتداء صنع الإنسان من علق.
الرابع: أنَّها بمعنى (في) أي: الظرفيّة، وهذا أقرب إلى المعنى المعنوي، وهو التعلّق والحاجة إلى لله تعالى، فهو بمنزلة الظرف والإنسان بمنزلة المظروف لهذه الحاجة والتعلّق، فالإنسان في علق.
إلّاَ أنَّه بعيدٌ؛ لصعوبة فهم الظرفيّة عرفاً.
سؤال: ما هو ربط {اقْرَأْ} الأُولى بـ{خَلَقَ الإِنسَانَ} الذي هو مدخولها، مع أنَّه غير مربوطٍ بالقراءة ظاهراً، وخاصةً مع فهم قيد الحيثيّة كما تقدّم، فلماذا ذكر؟
جوابه من عدّة وجوه:
أوّلاً: الإشارة إلى الذات، يعني: ذات الخالق سبحانه، مع ذكر أهمّ النعم المنسوبة إليه، وهي أصل الخلقة، وخاصّةً وأنَّ الخطاب للإنسان، فيحسن التركيز على خلقته التي هي أهمّ النعم عليه.
ثانياً: أنَّ كلتا العبارتين (اقرأ) واحدة في المعنى، فيكون السياق واحداً، فيكون المتأخّر كأنَّه مدخولٌ للمتقدّم، والتكرار إنَّما هو للتأكيد، أو للتوصّل إلى مدخولها، فيكون وصفاً للنعمة بخلقة الإنسان وتعليمه، فيكون المجموع مناسباً مع القراءة.
ــــــــــــ[559]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثالثاً: أنَّ القراءة متوقّفة على أصل الوجود، لا أنَّهما غير مرتبطين إطلاقاً، وإنّما يلزم من عدمه عدمه، أي: يلزم من عدم الخلقة عدم القراءة، فقد ذكر وجود الإنسان كمعدٍّ أو شرط لها.
رابعاً: أنْ نفهم من القراءة الجانب المعنوي، وهو التفكير في خلق الله، فيكون ذلك مناسباً مع خلق الإنسان؛ فإنَّ خلق الإنسان من أعظم العبر والمعجزات في العالم، بل أهمّها على الإطلاق.
فإنْ قلتَ: فإنَّه عندئذٍ لا يناسب (اقرأ) الثانية التي مدخولها القلم والكتابة.
قلتُ: ذلك من وجهين:
أوّلاً: أنَّ التفكير كما يكون بالكون ثبوتاً، يكون أيضاً بالكتابة إثباتاً، أو قل: إنَّ القراءة على الصفحات جزءٌ من القراءة التكوينيّة أو التفكير في خلق الله، فيرجع كلاهما إلى محصّلٍ واحدٍ، وهو التفكير.
ثانياً: أنْ نقرَّ هنا بالتعدّد بين الفعلين – أعني: اقرأ الأُولى واقرأ الثانية- فلا ربط بينهما من هذه الناحية، فقد يكون الأوّل للتفكير والثاني للكتابة، ولا بأس بذلك.
فإنْ قلتَ: إنَّ بينهما وحدة سياق تدلُّ على وحدة المعنى.
قلتُ: جوابه من وجهين:
أوّلاً: أنَّ الكتابة والعلم والقراءة كلّها حصصٌ من التفكير في الكون كما قلنا.
ثانياً: أنَّنا يمكن أنْ ننفي وحدة السياق؛ لوجود القرينة على عدمها؛ لأنَّ مقتضى الحكمة تعدّد المعنى، وليس وحدته.
ــــــــــــ[560]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: لماذا جاء بـ (الأَكْرَمُ) بدل الكريم، مع أنَّه المشهور؟ ولماذا لم يأت باسمٍ آخر؟
جوابه من أكثر من وجهٍ واحدٍ:
أوّلاً: لوحدة النسق أو القافية، وهذا مهمٌّ بلاغيّاً وأدبيّاً.
ثانياً: أنّنا لو نظرنا من زاوية الله سبحانه – لو صحَّ التعبير- لوجدنا أنَّ كرمه كافٍ باعتباره مدبّراً وخالقاً، ولأنَّه يدير الكون باستمرار، ولم يغفل عنه طرفة عينٍ، ولكن ذلك في نظر الله سبحانه غير كافٍ، بل إنَّه – أي: الكون- يحتاج إلى أكثر من ذلك، وهو التعليم والتكامل، فهو دائم الإفاضة على عباده. قال تعالى: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}(1). فهو كريمٌ بالوجود؛ لأنَّنا لم نطلب منه الوجود لكي نوجد، وأمّا التعليم فهو أكثر من ذلك في الكرم، فصار سبحانه أكرم؛ لأنَّ ذلك نعمة بعد نعمة.
سؤال: قوله تعالى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} ما هو الوجه للعطف في هذه الجملة؟
جوابه: قال في >الميزان<: والجملة حاليّة أو استئنافيّة(2).
أقول: وهذا تامٌّ نحويّاً؛ لأنَّ الواو إمّا حاليّة أو عاطفة.
إلّاَ أنَّ المراد الآن بيان المعنى، وهو على أحد وجهين:
أوّلاً: الإشارة إلى النعمة الثانية بعد الخلق، وهي التعليم والهداية، كما قال في آيةٍ ثانيةٍ: {الَّذِي أَعْطَى كلّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}(3) وقال أيضاً: {الَّذِي
ــــــــــــ[561]ــــــــــــ
(1) سورة ق، الآية: 35.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 324، سورة العلق.
(3) سورة طه، الآية: 50.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}(1).
ثانياً – كأُطروحة-: أنَّ المراد: (اقرأ باسم ربِّك الأكرم)، كما قال أوّلاً: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ولكنَّه لا يعبر بذلك؛ لأنَّه يصبح فيه سماجة التكرار، فعبّر بهذا التعبير: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ}.
واسم الموصول (الذي) هنا يعني: من هذه الجهة، أي: من جهة أنَّه {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ} فهو يستحقُّ التسبيح من هذه الجهة. مضافاً إلى الجهات الأُخرى، وهي جهة إثباتيّة، يعني: الإحساس والشعور بهذه المنّة، وفيه جهة ثبوتيّة، وهي أنَّه لولا تعليمه لما حصلت القراءة تكويناً، فأصل وجود القراءة باسمه، بأيِّ معنى فسّرنا القراءة.
سؤال: ما هو معنى تعليم الله للإنسان؟ أو قل: ما هي كيفيّة نسبة التعليم إليه سبحانه؟
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ كلّ الخلق منسوب إليه بنحو فلسفي، ليس هنا محلُّ بيانه، فتعليم الإنسان من جملة ذلك.
وهي فكرةٌ قالها الشيخ المظفّر عن أُستاذه الشيخ الأصفهاني عن مشهور الفلاسفة أنَّهم قسّموا العلّة إلى قسمين(2):
القسم الأوّل: علّة ما به الوجود، ويراد به التسبيب غير الإلهي.
القسم الثاني: علّة ما منه الوجود، وهو التسبيب الإلهي.
فأيُّ شيءٍ حينما تتمُّ علّته، يطلب بلسان حاله الوجود من الله تعالى،
ــــــــــــ[562]ــــــــــــ
(1) سورة الأعلى، الآيتان: 2- 3.
(2) أُنظر: المنطق (للشيخ المظفر): 370، معنى العلّة في البرهان اللمّي.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وهو كريم لا بخل في ساحته، فيفيض عليه الوجود فيوجد.
والتعليم من جملة ذلك، له علّة ما به الوجود، وهو الأستاذ، وعلى ما منه الوجود، وهو الفيض الإلهي، فكما يُنسب الإنسان إلى أبيه تارةً وإلى الخالق أخرى، كذلك يُنسب العلم إلى الأستاذ تارةً والى الله أخرى.
الوجه الثاني: جعل القابليّة للتعليم في الإنسان، وهذا أمرٌ وجدانيٌّ في كلّ الأفراد، ما لم يكن الفرد قاصراً، فتعليم الله للإنسان يتمُّ بإيجاد شرطه وهو القابليّة؛ فإنَّ تلقّي العلم معلول، فهو يحتاج إلى تماميّة علّته من مقتضٍ وشرط وعدم المانع، والله تعالى خلق القابليّة، أي: الشرط، وهذا يكفي.
الوجه الثالث: أنْ يُراد به خلق عالم الإثبات، أعني: عالم المعرفة والأفكار، مضافاً إلى خلق عالم الثبوت، وهو عالم التكوين.
فقد خلق الله تعالى الأفكار التي لها القابليّة للخطور في الذهن، وهذا من قبيل المقتضي، والنتيجة تنسب إلى المقتضي بطبيعة الحال، لا إلى الشرط ولا إلى عدم المانع، ومنها وجدت اللغات.
فإذا ضممنا الوجهين الثاني والثالث – يعني: القابليّة للإنسان وما يستطيع به أنْ يملأ هذه القابليّة وينمّيها- علمنا كيف أنَّ الله تعالى هو المعلّم للإنسان حقيقةً.
الوجه الرابع: تعليم الله تعالى للبشر عن طريق أنبيائه وكتبه، ويدلُّ عليه قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلّاَ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}(1) وقال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ}(2) وقال: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ
ــــــــــــ[563]ــــــــــــ
(1) سورة إبراهيم، الآية: 4.
(2) سورة الحديد، الآية: 25.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}(1).
إنْ قلتَ: فإنَّه تعالى لم يعلِّم بالقلم، وإنَّما هو شأن التعليم البشري للقراءة والكتابة، فكيف قال: (علّم بالقلم)؟
قلتُ: هذا يختلف باختلاف معنى التعليم كما سبق، فإنْ قصدنا منه التسبيب الطبيعي -كما هو المعنى الأوّل- فاستعمال القلم الاعتيادي صحيح، وإنْ قصدنا غيره، كان للقلم معنيان آخران.
المعنى الأوّل: القلم الأعلى، وهو قلم التقدير الذي يكتب في اللوح المحفوظ، ولا شكَّ أنَّ له دخلاً في التعليم؛ لأنَّ ذلك ممّا يدخل ضمن القضاء والقدر؛ لأنَّ الباء في قوله (بالقلم) تفيد السببيّة، فيراد بها سببيّة القضاء والقدر لتعليم الإنسان.
المعنى الثاني: القلم الأدنى، وهو قلم التنفيذ، وذلك بمنزلة الأمر، وهذا بمنزلة المأمور، ومنه قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ}(2) يعني: الكلمات التكوينيّة المكتوبة في لوح الواقع، ومن الواضح أنَّ من جملة التكوين قلم الإنسان وأيِّ فردٍ من أفراده.
وهنا ينبغي أنْ نلتفت إلى أنَّه مع قلِّة المتعلّمين والكاتبين في صدر الإسلام، وقد كان رسول الله’ غير قارئ وغير كاتب مادّيّاً وعمليّاً، إلّاَ أنَّه ورد ذكر القلم والمداد في القرآن الكريم مكرّراً ومؤكَّداً، والتركيز على أهمّيّته حتّى من الناحية الشخصيّة. قال تعالى: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ
ــــــــــــ[564]ــــــــــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 33.
(2) سورة لقمان، الآية: 27.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ}(1) يعني: طبقاً للشريعة وهكذا.
كما ينبغي أنْ نلتفت أيضاً إلى أمرٍ قلّما يلتفت إليه الناس حتّى الأدباء، وهو أنَّ خمسة أو ستة كلمات مكرّرة في سطرين من الكلام في أوّل هذه السورة الشريفة، مع حفظ المستوى البلاغي للقرآن، وهي: (اقرأ) و(خلق) و(ربُّك)، و(علّم) و(الذي) و(الإنسان) والأخيرة مكرّرة ثلاث مرات: اثنين منها في خمس آيات صغار والثالثة في السادسة.
فإذا سطّرت هذه الكلمات المكرّرات، ملأت سطرين أو أكثر، فينبغي أنْ يكون الكلام سمجاً، مع أنَّه قد صاغه في غاية الرصانة والبلاغة، وبنفس المقدار من الأسطر، وهذا من إعجاز القرآن الكريم.
بل نستطيع هنا أنْ نقول: إنَّ نسبة الكلمات غير المكرّرة إلى الكلمات المكرّرة في ابتداء هذه السورة هي نسبة قليلة، فليست غير المكرّرة إلّاَ بضع كلمات هي: (باسم) و(علق) و(الأكرم) و(القلم) وهي أربعة بإزاء ستّة، فإذا التفتنا إلى أنَّ تكرار الستّة يجعلها اثني عشر أو أكثر(2) استطعنا التعرّف على النتيجة النهائيّة.
[لمراد بالإنسان]
قال في >الميزان<: والمراد بالإنسان الجنس، كما هو ظاهر السياق، وقيل: المراد به آدم×، وقيل: إدريس؛ لأنَّه أوّل من خطَّ بالقلم، وقيل: كلّ نبيٍّ كان يكتب، وهي وجوه ضعيفة بعيدة عن الفهم(3).
ــــــــــــ[565]ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 282.
(2) ولو بعنوان أنَّ (يعلم) تكرار لعلم؛ لأنَّها من مادّتها [منه+].
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 324، سورة العلق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أقول: إنَّ التعليم إذا كان منحصراً به سبحانه، فهو لا يعلِّم كلّ إنسان، بل هو خاصّ بالأنبياء، ومن هنا ذكروا ذلك، إلّاَ أنَّه يوجد مقسم آخر، وهو كلّ إنسان بل جميع الخلق؛ فإنَّه إنَّما يتلقّى الهداية والتعليم من الله سبحانه، كما أوضحنا في الوجوه السابقة.
سؤال عن قوله تعالى: {مَا لَمْ يَعْلَمْ}: ما هو الذي لا يعلمه الإنسان، وفي أيِّ زمانٍ كان لا يعلم؟
جوابه: هذا يختلف باختلاف معنى العلم الذي تلقّاه الإنسان من الله سبحانه حسب الأُطروحات السابقة:
فإنْ قصدنا تفسيره بالتعليم الاعتيادي طبقاً للأسباب، فالإنسان كان قبل هذا التعليم جاهلاً أو قاصراً أو سفيهاً، وأصبح عالماً بعد ذلك.
وانْ قصدنا (التذكّر) وهو منوطٌ بالله سبحانه، وكلُّ شيءٍ تذكّره فقد تعلّمه، وزمن الجهل هو النسيان؛ لأنَّه يقابل التذكّر.
ويمكن – كأُطروحة أُخرى- أنْ نحمل التذكّر على نظريّة (المُثل) لإفلاطون، بأنَّ الروح تنزل في الجنين فيوجد الإنسان، فيكون ناسياً لعالم الروح، فإذا تكامل تذكّر ما نسيه، ويدعم ذلك قصيدة ابن سينا التي يبدأها بقوله عن الروح:
هبطت إليك من المحلِّ الأرفع(1) … إلى عدّة أبيات.
وهنا لابدَّ أنْ لا نخلط بين النظريتّين: نظريّة المُثل ونظريّة التذكّر؛ فإنّنا وإنْ سمّيّنا العالم الأعلى بعالم المثل، إلّاَ أنَّه ليس تعبيراً دقيقاً، وإنّما نظريّة المثل تحتوي
ــــــــــــ[566]ــــــــــــ
(1) وتسمّى بالقصيدة العينيّة، وقد نقلها وشرحها وعلّق عليها وخمّسها كثيرون، أُنظر: وفيات الأعيان 2: 160، أعلام الزركلي 2: 242، تاريخ الإسلام للذهبي 29: 230.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
على افتراض وجود فرد مثالي في العالم الأعلى جامع لكلِّ صفات النوع وفاقد لكلِّ سيّئاته ونواقصه، وهو المسمّى بربِّ النوع، وهذا المعنى لم تثبت صحّته.
ولكنْ ما قاله من أنَّ الأرواح موجودة قبل الأجسام هي نظريّة محترمة جداً، وقد ورد: >أنَّ الأرواح جندٌ مجنّدة<(1).
وقد ورد في القرآن الكريم: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ}(2) الذي يدلُّ على أنَّ ادم× كان موجوداً هو وذريّته لا بأجسامهم بل بأرواحهم، والله تعالى كشف لآدم ذريّته إلى يوم القيامة دفعةً واحدة.
فقوله: {عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ} يُراد به أنَّ الإنسان في هذه الدنيا يكون ناسياً للعالم الآخر الذي كان فيه، ثُمَّ قد يبدأ بالتذكّر، وهو من حسن التوفيق، ونحوٌ من التعليم من قبله تعالى.
كما يمكن أنْ نفهم أُطروحة أُخرى، وحاصلها: أنَّ الله تعالى أودع كثيراً من الأشياء في خلقة الإنسان وروحه، فمتى كان لا يعلم؟
جوابه: قبل خلقته؛ فالإبداع قد وجد بوجود الإنسان، فهو بمنزلة الماهيّة، وقبل وجود هذه الماهيّة كان لا يعلم، أي: من حين وجود روحه لا جسمه حصل العلم بحصول الإبداع، وقبل وجوده كان لا يعلم، إنْ قلنا: إنَّ الأرواح حادثة.
****
ــــــــــــ[567]ــــــــــــ
(1) الأصول الستّة عشر: 68، أصل جعفر بن محمّد الخضرمي، أمالي الصدوق: 290، المجلس التاسع والعشرون، الحديث: 16، روضة الواعظين: 492، فصل: في الروح، مسند أحمد 2: 295، مسند أبي هريرة، صحيح البخاري 3: 1213، الحديث: 3158 صحيح مسلم 8: 41، الحديث: 6876.
(2) سورة البقرة، الآية: 31.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى}:
قال في >الميزان< في معرض حديثه عن الآية: ردع عمّا يستفاد من الآيات السابقة أنَّه تعالى أنعم على الإنسان بعظائم النعم مثل: التعليم بالقلم وسائر ما علّم والتعليم من طريق الوحي، فعلى الإنسان أنْ يشكره على ذلك، لكنّه يكفر بنعمته تعالى ويطغى(1).
أقول: وفكرة الردع خطأ فظيع؛ لأنَّه ليس في الآيات السابقات إلّاَ الحقُّ، فلا معنى للردع عنها، كما لا معنى لنفيها، ولا يحتمل ذلك لا تكويناً ولا تشريعاً، وإنَّما المراد استبعاد اتّباعها من قبل الإنسان الذي يغلب فيه الطغيان.
فكأنَّ الاتّصال بالله شيءٌ ووضع الإنسان خارجاً شيءٌ آخر، وأكثر الناس طغاة مع شديد الأسف، وليس فقط الحكّام والجبابرة. قال تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إلّاَ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون}(2).
سؤال عن معنى الطغيان:
جوابه: أنَّ الطغيان والسيطرة مفهومان متساويان، والإنسان عادةً مسيطرٌ على نفسه، وقد يكون مسيطراً على غيره، فيتّخذ الأمر أشكالاً من المصاديق:
أوّلاً: التمرّد على أُصول الدين أو قل: إنكار أُصول الدين، وهو عنوان عامّ يشمل أيّاً من الأصول الخمسة. قال تعالى: {وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ}(3).
ثانياً: التمرّد على فروع الدين: كترك الصلاة.
ــــــــــــ[568]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 324.
(2) سورة يس، الآية: 30.
(3) سورة فصّلت، الآية: 22.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وهذان الأمران يجتمعان مع ما قلناه من قبل بأنَّ الإنسان قد يتمرّد على نفسه تارةً وعلى غيره تارةً أخرى بكلا الشكلين. ففي أُصول الدين يكون مضّلاً لنفسه وللآخرين، قال تعالى: {وَمَا يُضِلُّونَ إلّاَ أَنفُسَهُمْ}(1) وقال: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي}(2). وفي فروع الدين يكون ظالماً لنفسه أو لغيره، قال تعالى: {إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}(3). وظلم النفس مكرّرٌ في القرآن كثيراً، ومنه قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(4) وقال: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}(5).
ثالثاً: الشعور بالاستقلاليّة: إمّا بعنوان الشعور بأهمّيّة ذاته، وهو الاستكبار، وهو مساوقٌ للشعور بأنَّه هو الفاعل لكلِّ النعم الموجودة في حوزته. قال تعالى عن لسانه: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي}(6). وإمّا بعنوان الشعور بالأسباب، ومثاله قوله تعالى: {أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ}(7) والثاني أعمُّ من الأوّل.
فيراد من قوله تعالى: {أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} عقد ملازمة شرطيّة بين الجملتين، كأنَّه قال: إذا استغنى طغى، وإنَّما يشعر بالاستغناء إذا (رآه) يعني رأى نفسه بالجنبة الاستقلاليّة، أو رأى نفسه مستغنياً، أو أنَّ رؤيته للنفس هي الاستغناء، أو أنَّ هناك
ــــــــــــ[569]ــــــــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 113.
(2) سورة سبأ، الآية: 50.
(3) سورة إبراهيم، الآية: 34.
(4) سورة البقرة، الآية: 57.
(5) سورة التوبة، الآية: 36.
(6) سورة القصص، الآية: 78.
(7) سورة هود، الآية: 72.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ملازمة بين رؤية النفس والاستغناء. فيكون المحصَّل: أنَّ رؤية النفس سببٌ للشعور بالاستغناء، والشعور بالاستغناء سبب للطغيان، أعاذنا الله من كلّ شرٍّ.
وهنا لابدَّ من الإشارة إلى ما التفت إليه السيّد الطباطبائي من أنَّ: فاعل (رآه) ومفعوله واحد، وهو الإنسان(1).
وحسب فهمي أنَّ الإنسان قد يجرّد نفسه رائياً ومرئيّاً في عين الوقت، أي: هو الرائي وهو المرئي، ومثاله: أنَّ الفرد قد يرى نفسه في المنام بكامل جسمه كأنَّه يرى إنساناً آخر، ومع ذلك فهو هو لا غيره.
وهنا قال العكبري: (أنَّ رآه). هو مفعول له أي: يطغى لذلك(2).
أقول: هذا ناشئ من أمرين:
أوّلهما: فهم التعليل، أي: لأجل أنَّه يرى نفسه مستغنياً أو بسبب ذلك.
ثانيهما – وهو وجهٌ نحويٌّ-: قالوا: (أنْ) المصدريّة تسبك دائماً هي مع ما بعدها بمصدرٍ، والمصدر – بصفته مفرداً غير مركّب- يحتاج إلى محلّ الإعراب، وهو هنا مفعول لأجله، وأمّا إذا كان جملةً فالجمل لا يتعيّن أن يكون لها محلٌّ من الإعراب دائماً.
وقول النحويين: (إنَّ كلّ (أن) تسبك هي مع ما بعدها بمصدر) فيه مناقشة؛ لأنَّ (أنْ) المخفّفة من الثقيلة لا تسبك مع ما بعدها بمصدر، فالجملة فيها موضوع ومحمول، أي: إنَّه معنى تصديقي، بينما المفرد معنى تصوّري ذو نسبةٍ ناقصة؛ فإنَّ النسبة التامّة تزول إذا جيء بدلها بمفرد أو مركب وصفي، وسوف يتغيّر المعنى بطبيعة الحال.
ــــــــــــ[570]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 325.
(2) إملاء ما منَّ به الرحمن 2: 290، سورة العلق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وقد قالوا في علم الأدب: إنَّ المتكلّم أراد أنْ يعطي صورة متحرّكة، وهذا إنَّما يتوفّر إذا كان جملةً تامّة، وأمّا إذا كان مفرداً فلن يكون متحرّكاً بل جامداً، فنكون قد أهملنا جزءاً معتدّاً به من الأدب القرآني الذي أراده المتكلّم، ولا حاجة إلى هذا الإهمال.
سؤال: لماذا فتحت همزة (أن) مع أنَّ المناسب كسرها؟
جوابه: أنَّ لذلك عدّة أُطروحات محتملة:
أوّلاً: لعلَّ هناك قراءة بالكسر، فينحلُّ الإشكال.
ثانياً: أنَّه يمكن في اللغة أنْ يكون الفتح بمعنى الكسر، يعني: أنْ تكون (أن) المفتوحة بمعنى (إن) المكسورة.
ثالثاً: أنَّ المتكلّم جلَّ شأنه جعلها مفتوحة لأجل أنْ يعطي كلا المعنيين؛ لأنَّ (أن) المفتوحة مصدريّة تسبك مع ما بعدها بمصدر، كما أنَّ [إن] المكسورة شرطيّة، والسياق يعطي معنى الشرطيّة، ففي هذه الأُطروحة نقول: إنَّ الكسر موجود ضمناً لا مطابقة.
فإنْ قلتَ: فما هو المصدر المسبوك؟
قلتُ: (استغناءه) أي: أن رأى استغناءه، إلّاَ أنَّ هذا محلُّ نقاش؛ باعتبار أنَّ المصدر يكون من المدخول المباشر لـ(أنْ)، وهو هنا (رآه) وليس (استغنى)، وهذا لا يكون مستقيماً لفظاً إلّاَ بتقدير حرف جرٍّ محذوف، وهو الباء؛ فإنَّه يقال: برؤيته أو بسبب الاستغناء.
فإنْ قلتَ: فإنَّ الرؤية يمكن أنْ تلحظ طريقاً إلى المرئي، وهو الاستغناء، كما في قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}(1) يعني: إذا كان الشهر
ــــــــــــ[571]ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 158.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
متحقّقاً، ولا دخل للرؤية في تحقّقه. ففي محلِّ الكلام يمكن حذف الرؤية واعتبار أنَّ مدخول (أن) المصدريّة هو الاستغناء، فيصحّ فرض المشهور.
قلنا: أوّلاً: إنَّ الرؤية وإنْ أمكن أخذها طريقيّة أحياناً كتلك الآية الكريمة، إلّاَ أنَّها هنا لم تؤخذ بهذا النحو، وإنَّما المقصود لحاظ الرؤية بذاتها بمعنى: الشعور بالاستغناء، وليس الاستغناء نفسه؛ لوضوح أنَّ الاستغناء نفسه وهمي وكاذب.
ثانياً: إنَّ هذا الطراز من التفكير معنويّ، وليس لفظيّاً، ومن هنا لا يكون نحويّاً أو لغويّاً، فإنْ فرضنا أخذ الرؤية طريقيّة معنىً، فإنَّها على حال مدخول (أن) المصدريّة لفظاً، وهذا يكفي من الناحية النحويّة، فلا يتمُّ مبنى المشهور.
ربابعاً: إنَّه بعد التنزّل عمّا سبق يمكن أنْ نقول – كأُطروحة -: إنَّ (أن) المصدريّة وما بعدها يسبك بمصدر يكون مبتدأ أو بمنزلة المبتدأ، وما قبله خبر مقدّم، كأنَّه قال: استغناؤه طغيانه، والخبر يمكن أنْ يكون جملة، إلّاَ أنَّ المبتدأ لا يصحُّ أنْ يكون جملة، فهو جملةٌ نحويّاً، إلّاَ أنَّه مفردٌ نظريّاً، وإنَّما تحدّث بهذا الترتيب ليعطي صورة متحرّكة وعرفيّة واضحة.
سؤال عن قوله تعالى: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} فإنَّه لا تكون الرجعى إليه حقيقةً، بعدما ثبت في علم الكلام استحالة ذلك.
جوابه: يكون هذا على وجوهٍ يتمُّ بيانها بعد بيان مقدّمة، وهي أنْ نقول: قالوا: إنَّ لكلِّ فعلٍ ردَّ فعل، وفي الشريعة لكلِّ عصيانٍ عقاب، ولكلِّ طاعةٍ ثواب، وهو بمنزلة ردِّ الفعل، وقالوا: إنَّ هناك آياتٍ في القران الكريم لها جواب، أي: إنَّ هناك آية بمنزلة السؤال وآية بعدها بمنزلة الجواب، أو قل: بمنزلة المقدّمة وبمنزلة النتيجة، أو قل: بمنزلة الفعل
ــــــــــــ[572]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وبمنزلة ردِّ الفعل.
وتطبيقها في المورد: إنَّ الفعل هو {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}، وردُّ الفعل هو {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}.
والآن نذكر وجوه الجواب:
أوّلاً: أنْ يكون المراد يوم القيامة، كما هو المشهور.
ثانياً: أنْ يكون المراد أنَّ الله تعالى يقوم بحسابه، فكأنَّه واقفٌ بين يديه وأمامه، وإنْ لم يكن كذلك حقيقةً، كما أنَّ المصلّي حينما يصلّي فإنَّه يقف بين يدي الله، وهذا واضحٌ في أذهان المتشرّعة، وعليه بعض الروايات، مع العلم أنَّ المقابلة المادّيّة غير موجودة.
ثالثاً: أنْ يكون المراد الإشارة إلى الكمال المطلق، وهو هدف كلّ الموجودات، وفيها شوق ارتكازي إليه، كما قال الفلاسفة العارفون(1).
رابعاً: الرجوع إلى عالم الروح بعد عالم المادّة، فقد يعبّر عرفاً ومجازاً أنَّه من سنخ الله، فيكون الرجوع إليه رجوعاً إلى الله.
سؤال: لماذا استعمل همزة الاستفهام ولم يستعمل هل في قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى}؟
جوابه: همزة الاستفهام لا شكَّ أنَّها أولى وأبلغ؛ لأنَّ (هل) تعطي الاستفهام الحقيقي، والهمزة تعطي الاستفهام المجازي، وهو المراد من الآية، والمتكلّم هنا ليس بحاجة إلى جواب.
والشواهد على الاستفهام المجازي عديدة، وفي القران الكريم كثير منها.
ــــــــــــ[573]ــــــــــــ
(1) أُنظر: شرح فصوص الحكم: 647، المبدأ والمعاد (لصدر الدين الشيرازي): 467.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قال الشاعر:
أاطرب وأنت قنسري
والدهر بالإنسان دواري(1)
وقال آخر:
طربت وما شوقاً إلى البيض أطربُ
ولا لعباً مني أذو الشيب يلعبُ(2)
وقال تعالى: {ءَأَسْلَمْتُمْ}(3) {أَتَعْبُدُونَ}(4) {أَصَلاَتُكَ}(5) {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ}(6) {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيل}(7) وغيرها.
سؤال عن الرؤية في قوله: {أَرَأَيْتَ}:
هل هي بصريّة فتأخذ مفعولاً واحداً، أمْ هل هي قلبيّة فتأخذ مفعولين؟
جوابه: أنَّه كُرّرت (أرأيت) ثلاث مرّات، ومادّة الرؤية متكرّرة خمس مرّات في السورة، ويمكن أنْ نستنتج بالقياس الاستثنائي أنَّ المراد منها الرؤية البصريّة التي تحتاج إلى مفعولٍ واحد، ولا حاجة لجعلها قلبيّة لكي نبحث لها
ــــــــــــ[574]ــــــــــــ
(1) من أرجوزة للشاعر المخضرم عبد الله بن رؤبة الملّقب بالعجّاج، ولد في الجاهليّة وقال الشعر فيها ثُمَّ أسلم، وهو أوّل من رفع الرجز وشبّهه بالقصيد، وهو والد رؤبة الراجز المشهور [انظر: الأغاني 20: 359، جمهرة أنساب العرب 1: 215].
(2) من قصيدة لشاعر أهل البيت الكميت الأسدي [انظر: الأغاني 17: 30، خزانة الأدب 4: 291].
(3) سورة آل عمران، الآية: 20.
(4) سورة المائدة، الآية: 76، وسورة الصافّات، الآية: 95.
(5) سورة هود، الآية: 87.
(6) سورة الفرقان، الآية: 45.
(7) سورة الفيل، الآية: 1.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
عن مفعول ثانٍ، ووحدة السياق تدلُّ على ذلك. فلو كان المراد منها القلبيّة لذكر لها مفعولاً ثانياً، وحيث لم يذكر، إذن فهي ليست قلبيّة، وهذا هو مؤدّى القياس الاستثنائي.
ونقول كمقدّمة: إنَّ هناك للرؤية انقسامين:
الأوّل: أنْ يكون المرئي: إمّا شخصاً كرأيت زيداً أو صفة كرأيت زيداً عالماً.
الثاني: أنَّ الرؤية: إمّا أن تكون مادّيّة وإمّا أن تكون روحيّة: كرؤية الجنّ والملائكة، وتسمّى البصيرة عند أهل المعرفة.
فينتج من التقسيمين أربعة أقسام:
الأوّل: أنْ يكون المرئي شخصاً برؤية مادّيّة: كرؤية زيد.
الثاني: أنْ يكون المرئي شخصاً برؤية روحيّة: كرؤية جبرائيل.
الثالث: أنْ يكون المرئي هو الصفة برؤية مادّيّة: كرؤية طول زيد في قولك: رأيت زيداً طويلاً.
الرابع: أنْ تكون الصفة المرئيّة روحيّة: كرؤية علم زيد في قولك: رأيت زيداً عالماً.
ويتحصّل: أنَّ ثلاثة أقسام منها تنصب مفعولاً واحداً، أي: إنَّها رؤية بصريّة أو بمنزلتها، وقد أعرب النحويّون المنصوب الثاني من قولنا: رأيت زيداً طويلاً حالاً، وليس مفعولاً ثانياً.
إذن فالرؤية التي تنصب مفعولين هي القسم الرابع فقط، وذلك بأنْ يجتمع الشرطان: بأنْ تكون الرؤية روحيّة وأنْ يكون المرئي صفة، أو قلْ: أنْ يكون المرئي صفة روحيّة، وإذا تخلّف أحد الشرطين فإنَّها تنصب مفعولاً واحداً.
ــــــــــــ[575]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وهنا في الآية: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى} يناسب أنْ تكون الرؤية مادّيّة؛ لأنَّ الناهي إن كان فردا معيّناً، فرؤيته مادّيّة، وإنْ كان كلّيّاً فكذلك؛ لأنَّ أفراده كلَّها مادّيّة، فأيُّ واحدٍ ينهى فهو جزئيٌّ أي: مادّيٌّ.
مضافاً إلى أنَّنا إذا تطلّبنا جانب المعنى: فإمّا أنْ نقول: رأيت نهيه أو رأيت صفته، وهي كونه ناهياً، فإنْ أخذنا النهي بالمعنى المادّيّ أي: سماع الصوت، فتكون مثل قولك: رأيت زيداً طويلاً، وإنْ أخذنا النهي من الجانب النفسي أي: الانزجار وعدم الرغبة في الصلاة من قبل الناهي، فهو معنى معنوي، أي: تكون مثل قولك: رأيت زيداً عالماً.
وقوله: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى} ليس المراد منه رؤية شكله ووجهه، بل رؤية مستواه، من حيث إنَّه متدنٍّ إلى هذه الدرجة التي ينهى فيها عن الصلاة، ورؤية المستوى هي رؤية قلبيّة أو روحيّة، ولكنَّها مع ذلك تنصب مفعولاً واحداً؛ لأنَّها رؤية شخص محدّد وليست رؤية صفته، فتندرج في القسم الثاني من الأقسام الأربعة السابقة.
والخطاب في (أرأيت) يعود أساساً إلى المخاطب الحقيقيِّ، وهو النبيُّ’، وقلنا مكرّراً في مباحثنا السابقة: إنَّه يمكن أنْ يُراد به كلّ المسلمين، بل كلّ البشر، بل كلّ الخلق.
ولابدَّ من الإشارة إلى أمرٍ لم يلتفت إليه النحويّون والمنطقيّون، وهو أنَّه إذا عاد الضمير إلى كلّي كان كلّيّاً، وإنْ عاد إلى جزئي كان جزئيّاً، وكذلك اسم الموصول، كما في قوله تعالى: {الَّذِي يَنْهَى}.
وليس المراد من قوله: {عَبْداً إِذَا صَلَّى} النبيُّ’، كما عليه فهم المفسّرين الضيّق؛ فإنَّهم فسّروا بالمورد، والمورد لا يخصّص الوارد، وهذه
ــــــــــــ[576]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قاعدة مجمعٌ عليها في جميع المذاهب الإسلاميّة، مضافاً إلى أخبار الجري، فيتحصّل أنَّ له انطباقات عديدة على مدى الأجيال.
نعم، إنَّ النبيُّ’ أفضل المصاديق؛ لأنَّه أفضل المصلّين، ونهيه عن الصلاة أفسد النهي، ولكن المصاديق تبقى مستمرّة ما بقيت البشريّة.
كما يمكن أنْ نذكر هنا أُطروحة أخرى، وحاصلها:
إنَّ الصلاة لا دخل لها في النهي، وإنَّما ذكرت في الآية لأكثر من سبب:
1. لأنَّها مصداق خارجي مفهوم.
2. لأنَّها أهمّ فروع الدين كما ورد: >إن قبلت قبل ما سواها، وإن ردّت ردّ ما سواها<(1).
3. النسق القرآني: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى}.. الخ.
وإنّما المراد بالنهي النهي عن كلّ طاعة، سواء كانت في فروع الدين أو في أصوله، أو يأمر بالظلم أو ينهى عن شيءٍ من الإنسانيّة ونحو ذلك. والنهي عن مطلق الطاعة يكون أمراً بالبعد عن الله والقرب من الدنيا، كما لا فرق في ذلك بين النهي بالمطابقة والنهي بالالتزام؛ فإنَّ من يأمر بالدنيا يبعد عن الآخرة.
وهنا ينبغي أنْ نلاحظ أنَّ قوله: {إِذَا صَلَّى} جملة شرطيّة جزاؤها محذوف، تقديره: (إذا صلى ينهاه هذا الناهي)، فيعرف الجزاء ممّا قبله من
ــــــــــــ[577]ــــــــــــ
(1) الكافي 3: 268، باب من حافظ على صلاته، الحديث: 4، أمالي الصدوق: 739، المجلس الثالث والتسعون، الحديث: 1، تهذيب الأحكام 2: 239، الحديث: 946، وقريبٌ منه: السنن الكبرى 2: 387، الحديث: 3816، الموطّأ 1: 6، الحديث: 6، جامع الأصول في أحاديث الرسول (لابن الأثير) 5: 216، الحديث: 3275.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
القرائن.
قال في الميزان: وسياق الآيات – على تقدير كون السورة أوّل ما نزل من القرآن ونزولها دفعة واحدة- يدلُّ على صلاة النبي’ قبل نزول القرآن، وفيه دلالة على نبوءته قبل رسالته بالقرآن(1).
أقول: يعني: أنَّ الصلاة كانت للنبيِّ بصفته نبيّاً، وإنْ لم يكن مرسلاً إلى ذلك الحين.
وأضاف: وأمّا ما ذكره بعضهم من أنَّه لم تكن الصلاة مفروضة في أوّل البعثة، وإنَّما شرّعت ليلة المعراج على ما في الأخبار، وهو قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ}(2)(3).
ففيه: أنَّ المسلّم من دلالتها أنَّ الصلوات الخمس إنَّما فرضت بهيئتها الخاصّة ركعتين ليلة المعراج(4)، ولا دلالة فيها على عدم تشريعها قبل، وقد ورد في كثيرٍ من السور المكّيّة – ومنها السور النازلة قبل سورة الإسراء كالمدّثّر والمزّمّل وغيرها- ذكر الصلاة، بتعبيرات مختلفة، وإنْ لم يظهر فيها من كيفيّتها، إلّاَ أنَّها كانت مشتملة على تلاوة شيءٍ من القرآن والسجود.
أقول: إنَّه ممّا يدفع وينفي فهمه هذا هو أنَّ أحداً لم يكن ينهاه عن تلك الصلاة، بل لم يكن أحد يراه وهو يصلّي في غار حرّاء، ولم يكن يصلّي في مكان
ــــــــــــ[578]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 325.
(2) سورة الإسراء، الآية: 78.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 325.
(4) الكافي 1: 266، باب التفويض إلى رسول الله’، الحديث: 4، عيون أخبار الرضا 1: 114، باب 34، الحديث: 1، مسند أحمد 6: 234، حديث السيّدة عائشة، صحيح مسلم 2: 142، الحديث: 1602.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
آخر، والسياق واضح في مناقشة النهي عن الصلاة، وهو إنَّما كان بالصلاة أمام الكعبة.
إذن فلابدَّ من التنزّل عن إحدى المقدّمتين: إمّا نزول السورة في أوّل البعثة، أو نزولها دفعةً واحدة؛ فإنَّ الوارد تاريخيّاً هو نزول أوّلها وليس نزول جميعها.
إلّاَ أنْ يقال بأنَّ سياقها واحدٌ، وآياتها مترابطة، وبذلك يبعد الظنّ بوجود الفاصل الزمني، وهذا دلالة على نزولها الدفعي، فيتعيّن أنَّها لم تكن نازلة في أوّل البعثة، وإنْ دلَّ على ذلك خبرٌ فإنَّه على خلاف ظاهر القرآن، فلا يكون حجّة.
فإنْ قلتَ: إنَّ الدلالة على نزولها أوّل البعثة بدليلين:
الأوّل: الخبر التاريخي بذلك(1)، وهو وإنْ كان عاميّاً، لكن المتشرّعة قد تسالموا على صحّته وأخذوا به.
الثاني: أنَّ لفظ (اقرأ) فيه إشعارٌ بذلك، أي: اقرأ الرسالة المحمّديّة، أو اقرأ ما تُرسل به من الآن فصاعداً، وظهور القرآن حجّة.
قلت: لا يتمُّ ذلك لأكثر من وجه:
أوّلاً: أنَّه ليس هناك خبرٌ تسالم المتشرّعة على صحّته حول ذلك، وإنَّما سكتوا عنه لمجرد كونه محتمل الصحّة، كما ورد: ما طرق سمعك فذره في ساحة الإمكان حتّى يذودك عنه ساطع البرهان(2).
ــــــــــــ[579]ــــــــــــ
(1) أُنظر: الدرّ المنثور 8: 240، سورة القلم، الكشّاف 4: 781، سورة العلق، تفسير الطبري 24: 521، السيرة النبوية، لابن كثير 1: 392، تفسير التبيان 10: 378، تفسير مجمع البيان 10: 398، الكافي 2: 628، باب النوادر، الحديث: 5.
(2) المقولة لابن سينا، فراجع الإشارات والتنبيهات 3: 418، النمط العاشر، نصيحة.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثانياً: أنَّ متعلّق القراءة ليس بالضرورة الرسالة المحمّديّة كلِّها، بل يُراد بها القراءة في الجملة، بنحو القضية الجزئيّة التي تصدق على القليل والكثير، أي: اقرأ هذه السورة أو اقرأ القرآن ونحو ذلك.
فبالإمكان أنْ نقول: إنَّ السورة لم تنزل في أوّل البعثة، بل ظاهرها هكذا؛ لوجود النهي عن الصلاة فيها، وبذلك نضرب الرواية الدالّة على ذلك عرض الجدار؛ لأنَّها خلاف ظاهر القرآن، وكلّما خالفه لم يكن حجّة.
كما يحتمل أنْ نستغني عن المقدّمة الثانية، وهي أنَّها نزلت دفعةً واحدة، بأنْ نقول: إنَّ قوله: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى} … إلى آخر السورة نزل متأخّراً.
إلّاَ أنَّ هذا لا يتمُّ؛ لأنَّ هذه الآية وما بعدها نحو جواب عن الآيات التي سبقتها، فتوجد دلالة على أنَّ السورة مترابطة في المعنى والسياق، وآخرها مربوطٌ بأوّلها، فلا يمكن أنْ تنزل الآية المذكورة بعد سنتين، وتكون مع ذلك مترابطة وجواباً عمّا قبلها. فهي إذن نازلة دفعة واحدة، فلا يمكن أن تكون نازلة في أوّل الوحي.
إنْ قلتَ: يمكن أنْ نؤّول الناهي من كونه أحد مشركي العرب: كأبي جهل أو أبي لهب إلى أمرٍ آخر، كالشيطان أو النفس الأمّارة بالسوء.
قلتُ: إنَّنا نتحدّث عن النبيِّ’، وهو معصومٌ عن تأثير الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء.
إنْ قلتَ: إنَّكم قلتم بأنَّ (عبداً) غير متعيّن بالنبيِّ’ بل يُراد منه مطلق الناس، فيناسب أنْ تكون السورة نازلة في أوّل البعثة؛ لأنَّ المقصود غير النبيِّ’ الذي لم ينهه أحدٌ عن الصلاة.
قلت: كما أنَّ النبيَّ’ لم يُنْهَ عن الصلاة، كذلك لم يُنْهَ أحدٌ غيره؛ فإنَّه
ــــــــــــ[580]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
لم يُرَ أحدٌ قد صلّى لكي يُنهَون.
فإنْ قلتَ: نفهم من الصلاة مطلق الطاعة، وهي موجودة على طول البشريّة، والنهي عن الطاعة موجود من قبل البشر أو من قبل الشيطان أو من النفس الأمّارة؛ لأنَّنا الآن نفهم منها معنىً كلّيّاً لا شخصيّاً، فلا بأس أنْ تكون نازلة عند أوّل الوحي.
قلتُ: قالوا: إنَّ الطاعة لم تكن موجودة في ذلك الحين؛ لأنَّ الأوامر والنواهي إنَّما تكون في فروع الدين، والدين في ذلك الحين كان على النصرانيّة والحنيفيّة، وكلاهما في أُصول الدين، لا في فروعه.
فإنْ قلتَ: إنَّ الحنيفيّة فيها فروع من فروع الدين، فقد ورد أنَّ الحنيفيّين لم يسرقوا ولم يشربوا الخمر ولم يحلّوا سراويلهم على حرام(1)، كحمزة سيّد الشهداء وأبي طالب وغيرهم، وكلُّ ذلك من فروع الدين.
قلتُ: هناك فرق مفهومي بين النهي عن الطاعة كالصلاة، والأمر بالمعصية كشرب الخمر، وما تعرّضت له الآية الكريمة هو النهي عن الطاعة، وليس الأمر بالمعصية، ولم تكن هناك طاعات واجبة عليهم لكي يكون النهي متوجّهاً إليها. وأمّا الفروع المذكورة فإنَّما كانت من قبيل التروك للحرام لا الفعل للواجب، فلا يتعيّن أنْ تكون السورة منزلة في أوّل الوحي.
سؤال عن تكرار الفعل (أرأيت) في الآيتين: {أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى}.
ــــــــــــ[581]ــــــــــــ
(1) أُنظر: كمال الدين وتمام النعمة: 174، الباب الثاني عشر: في خبر عبد المطّلب وأبي طالب، الحديث: 32، الخرائج والجرائح 3: 1075، فصل: في علامات نبيّنا’، الحديث: 10، وعنهما: البحار 15: 144.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قال في >الميزان<: والمفعول الأوّل لقوله: (أرأيت) الأوّل قوله: (الذي ينهى)(1).
أقول: وهو اسم كان أيضاً: إمّا بكونه مقدّراً أو مضمراً أو مستتراً، يعني: إنْ كان هو، والمراد به: (الذي رأيته ينهى)، وسيأتي الكلام فيما إذا كان بالإمكان التفكيك بينهما.
وقال أيضاً: ولـ(أرأيت) الثالث ضميرٌ عائد إلى الموصول(2).
أقول: مرجع الضمير في (أرأيت) الأُولى والثالث هو هو، وهو الناهي أيضاً.
وأضاف+: والمفعول الثاني لـ(أرأيت) في المواضع الثلاثة قوله: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}.
أقول: وهذا واضح الفساد؛ لأكثر من أمر واحد:
أوّلاً: لإمكان حملها جميعاً على الرؤية البصريّة نحويّاً، فلا نحتاج إلى مفعولٍ ثانٍ.
ثانياً: أنَّ قوله: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} جملة وردت مرّة واحدة، ولا يمكن أنْ يعمل فيه عوامل متعدّدة دفعةً واحدة، بل كلّ واحدٍ يحتاج إلى مفعولٍ مستقلّ غير صاحبه، فهذه الجملة إنْ صلحت مفعولاً، فإنَّما هي للفعل الذي تليه فقط.
فإنْ قلتَ: إنَّه مقدّرٌ في الاثنين الآخرين من قوله: (أرأيت) مثله.
قلتُ: إنَّ التقدير يكون مع المتأخّر لا مع المتقدّم، وهنا في الآية
ــــــــــــ[582]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 326.
(2) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بالعكس، فلا يصلح التقدير.
ثالثاً: أنَّه لم يعهد في اللغة أنْ تكون الجملة مفعولاً به، وإنْ كانت قد تكون حالاً أو معطوفة، إلّاَ أنَّها لا تكون مفعولاً به أو تمييزاً.
نعم، يصلح أنْ يكون قوله: (ألم يعلم) جواباً عن أحد أمرين:
أحدهما: أنْ يكون جواباً لـ(أرأيت) الأخير، وهو الأقرب إليه لفظاً، مع التنبيه على أنَّ (أرأيت) السابق يشبهه في هذا الصدد.
ثانيهما: كلا الأمرين: النهي عن الصلاة والتكذيب معاً، وهو متعدٍّ إلى مفعولٍ واحد، ولو كان متعدّياً إلى مفعولين أمكن تقديرها من القرائن الموجودة: أرأيته ناهياً أو مكذّباً أو عاصياً.
سؤال: إنَّه مع التنزّل عن كون الرؤية بصريّة وقلنا: إنَّها قلبيّة تحتاج إلى مفعولين، كما أخذ ذلك الطباطبائي(1) مسلّماً، فما هو مفعولها الثاني؟
جوابه: نعرف ذلك من حذف المفعول الثاني؛ لأنَّها لو كانت قلبيّة، لأخذت مفعولاً ثانياً، وحيث إنَّها لم تأخذه إذن فهي بصريّة، وظاهر القرآن أنَّها بصريّة.
ومع التنزّل عنه نقول: إنَّ المفعول الثاني مقدّر، والتقدير: أرأيته ناهياً أو مهتدياً أو آمراً بالتقوى، وكذلك (أرأيت) الثالثة يكون تقديره فيها: أرأيته مكذّباً ومتولّياً.
وفي هذا الاحتمال الأخير يمكن أنْ نقول – كأُطروحة-: إنَّ (إن) وردت بالكسر في القراءة المشهورة، ولكنْ قد تكون هناك قراءة بكونها مفتوحة: (أنْ كذّب وتولّى)، فتسبك مع ما بعدها بمصدر، وهو بمنزلة المفرد،
ــــــــــــ[583]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 326.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فيكون مفعولاً ثانياً.
ثُمَّ قال في >الميزان<: وقيل: المفعول الأوّل لـ(أرأيت) في جميع المواضع الثلاث هو الموصول أو الضمير العائد إليه(1).
أقول: أي: إنَّ الرأي بأنَّ (أرأيت) الأُولى مفعولها (الذي) و(أرأيت) الثالثة مفعولها الضمير العائد إليه، وكلاهما يُراد بهما الإنسان الطالح، والمفعول لـ(أرأيت) الثانية يعود إلى الإنسان الصالح.
هذا يخالف وحدة السياق؛ إذ يقال: إنَّ (أرأيت) الثلاثة ذات سياق واحد؛ فهي متشابهة من حيث الأوصاف ما لم يدلُّ دليلٌ على خلافه.
إذن فالمراد من مفاعيلها الثلاثة واحد، وهو الإنسان الطالح لا الصالح، وتقريبه: أنَّ الأُولى والثالثة تعود إلى الإنسان الطالح، وأمّا الثانية فنشكُّ بعود الضمير إليه، فنلحقه به باعتبار وحدة السياق، أو قل: نلحقه بالأعمِّ الأغلب، فتكون كلُّها تعود إلى الطالح.
إنْ قلتَ: ولكن قوله: {أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى} فيها صفات تعود إلى الإنسان الصالح، فكيف يناسب أنْ يكون الضمير عائداً إلى الذي ينهي عن الصلاة وهو موصوفٌ بالتقوى؟!
أجاب الطباطبائي(2) بما محصّله: أنَّ المعنى يكون: أرأيت هذا الذي ينهي عن الصلاة إنْ كان مهتدياً ومتّقياً، فكيف ينبغي أنْ يتصرّف، وهل ينهى المصلّين عن صلاتهم؟ فيستقيم المعنى، وتكون وحدة السياق مثبتةً لوحدة الضمائر ووحدة العائد.
ــــــــــــ[584]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 326.
(2) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أقول: هذا مطعونٌ صغرى:
أوّلاً: أنْ ننكر وحدة السياق؛ للبعد اللفظي.
ثانياً: مع التنزّل عن ذلك والقبول بوحدة السياق فإنَّها قرينة ظنّيّة، فإذا كان الدليل على خلافها نأخذ به، وهو موجود في هذا الصدد، أي: إنَّ الضمير في (أرأيت) الثانية لا يعود إلى الطالح بل إلى الصالح، وهو أنسب مع الظهور القرآني، فتسقط قرينيّة وحدة السياق.
سؤال عن المفعول به لقوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} فإنَّ مادّة الرؤية هنا لم يُقدّر لها أيُّ مفعول، وهي تأخذ مفعولاً واحداً على أقلِّ تقدير، وهو محذوف، فضلاً عمّا إذا كانت تأخذ مفعولين.
أمّا المفعول الأوّل فهو ممّا لابدَّ منه، وهو مقدّر لا مضمر، أي: يراه، أو قل: يرى عمله، وهذا أكيد.
ولكن يبقى السؤال عن الرؤية: هل هي بصريّة أم قلبيّة؟
ظاهره أنَّ الله يرانا، فهي إذن بصريّة، ولا تحتاج إلى مفعول ثانٍ. ولكن علماء الكلام لا يقبلون بهذا الجواب؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ الله ليس له جارحة لكي يرى كما نرى(1). وهذا في نفسه صحيح، ولكن علم الكلام لا ربط له بعلم النحو، فمن حيث كونه مطلباً نحويّاً نقول: إنَّ (يرى) تكون في نسبتها إلى كلّ راءٍ على حدٍّ واحدٍ، أي: إنَّه يرى كما نرى، وإلّاَ لحصل النقض في كثير من الخلق كجبرائيل والجن؛ لأنَّهم ليسوا بجسم أيضاً.
فالرؤية هنا بصريّة أو بمنزلتها، وتأخذ مفعولاً واحداً.
ــــــــــــ[585]ــــــــــــ
(1) أُنظر: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 321، المسألة العشرون، النكت الاعتقاديّة (للشيخ المفيد): 30، قواعد المرام في علم الكلام (لابن ميثم البحراني): 76.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ومع التنزّل وقبول كونها قلبيّة، فلابدَّ من التقدير، أي: يراه مكذّباً أو عاصياً أو ناهياً عن الصلاة ونحو ذلك.
ثُمَّ إنَّ متعلّق النهي في قوله: {يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى} هو الصلاة، وهو وإنْ كان في اللفظ مطلقاً، إلّاَ أنَّ إطلاقه غير محتمل.
ثُمَّ إنَّ جواب الشرط لقوله: {إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى} محذوف نعرفه من السياق؛ فإنْ كان المفعول لقوله: {أَرَأَيْتَ} التي قبلها هو العبد المصلّي، فيكون المعنى: لا تنهه عن الصلاة، أو لماذا تنهاه؟
وإنْ كان المفعول هو الناهي، فيكون المعنى ما أشار إليه في >الميزان< وهو ما ذكرناه من: أنَّه إذا كان مهتدياً ومتّقياً، فكيف يجوز له أنْ ينهى المصلّين عن صلاتهم؟!
وأمّا التفكيك بين مفعول (أرأيت) واسم كان بأنْ يكون المفعول هو الناهي واسم كان هو المصلّي، فهذا غير محتملٍ؛ فإنَّ وحدة السياق هنا قطعيّة، والضميران يرجعان إلى مرجعٍ واحدٍ.
فمنْ جملة ما يمكن أنْ نقول: إنَّ اسم كان ضميرٌ راجعٌ إلى الصالح قطعاً، وبوحدة السياق رجع مفعول (أرأيت) إلى الصالح أيضاً.
وإمّا أنْ نقول: إنْ اسم كان قد لا يعود إلى الرجل الصالح، فنرجع الضميران إلى الطالح معاً، وتبقى وحدة السياق.
وقوله: {أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} فيه إرجاع للضمير إلى أيِّ أحدٍ، حتّى المصلّي إذا حصل منه التكذيب بعد ذلك. ولهذا مبرّره، وهو قوله: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى} فالناهي كلّي والمنهي كلّي، أو قلْ: إنَّه ضمير كلّي يعود إلى مرجعٍ كلّي، فأيُّ إنسان إنْ كذّب فينبغي أنْ يعلم بأنَّه تحت
ــــــــــــ[586]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إشراف الله ونظره، وهذا معنى راجع إلى الخلق، وليس إلى البشر فقط.
وقوله تعالى: {كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ} جوابٌ لسؤال أو ما هو بمنزلة السؤال، وهو قوله: {أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى}.
جوابه الأوّل قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}.
والجواب الآخر قوله تعالى: {كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ}.
أو نقول: إنَّه جواب الجواب، أو نقول: إنَّه صعود في الجواب وتشديد في التهويل، فالله تعالى لا يراه فقط، بل ينزل عليه بلاءً وعقوبة في الدنيا والآخرة.
والمعنى: لئن لم ينته عن عمله – وهو نهيه للمصلّين- فسوف نعاقبه…. لنسفعاً بالناصية.
وهناك نحوٌ من التشابه بين مادّتي النهيين – قلّما يُلتفت إليه- فهو يجب أنْ ينتهي عن النهي عن الصلاة أو عن مطلق العصيان، بعد التجريد عن الخصوصيّة في النهي والصلاة معاً.
ومتعلّق النهي هنا غير مذكور {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ} عن أيِّ شيء؟ بل يُراد المقدّر، وهو النهي عن الصلاة أو عن عمله الشائن أو مطلق الضلال.
سؤال: إنَّ نهى من النهي وانتهى من الانتهاء، وهو الوصول إلى النهاية، فهما مادّتان مستقلّتان لغةً، فماذا يكون معنى: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ}؟
جوابه: كلاهما من النهاية، تقول: انتهيت إلى أمرك، أي: أطعتك. فالمعنى: لئن لم ينته إلى الأمر الذي نأمره به فله العقوبة الكذائيّة، أو نقول ثانياً: إنَّ النهي لأجل الزجر عرفاً، والزجر يوجب انتهاء العمل السابق المنهي عنه، والبداية بالعمل اللاحق.
ــــــــــــ[587]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فإنْ قلتَ: إنَّ الأمر ليس كذلك؛ وذلك لأنَّ النهي يتعلّق بإيجاد العمل، فيتبدّل إلى الترك، لكن الأمر يتعلّق بتبديل العدم إلى الوجود، فما الذي ينتهي هنا؟
قلتُ: هذا له تفسيران:
الأوّل: أنَّه كما ينتهي الفعل بالنهي عنه، كذلك ينتهي الترك بالأمر به.
الثاني: وهو تفسير مجازي، وهو أنْ نتصور أنَّه يسير على طريق، فينتهي الطريق به إلى إطاعة الأمر، ولذا يقال: انتهيت إلى أمرك.
وعلى أيِّ حال يكون المعنى: إذا لم ينته عن نهيه عن الصلاة، أو نقول: إذا لم ينته عند نهينا عن نهيه عن الصلاة، وكلُّ ذلك صادقٌ.
ولابدَّ أنْ نلتفت إلى أنَّ هذا السياق يحتوي على عدّة تأكيدات على عقوبة العاصي، وهي:
1. التهديد برقابة الله سبحانه، وهو قوله: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}.
2. التهديد بالعقوبة من شكل آخر، وهو قوله: {لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ}.
3. قوله: كَلّا.
4. لام التأكيد الداخلة على الجملة الشرطيّة في قوله: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ}.
5. لام: {لَنَسْفَعَاً}، وهي للتأكيد أيضاً.
6. نون التوكيد الخفيفة في قوله: {لَنَسْفَعاً} .
7. سياق العموم الذي يفيد التهويل، وهو قوله: {لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ}، ولم يقل: بناصية، فهو معنى كلّي لأجل الإيحاء بالتهويل والشدّة، كما أنَّه يفيد العموم لكلِّ فرد، ولا يُراد به فرد معيّن.
سؤال: لماذا كتبت النون في قوله: {لَنَسْفَعاً} بالألف؟
جوابه: الحقيقة أنَّ في كتابة المصحف إجحافاً كثيراً؛ وذلك لأنَّ كَتَبَة
ــــــــــــ[588]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
القرآن لم يكونوا على معرفة بقواعد الخطِّ، فكتاباتهم للقرآن إنَّما هي على حسب ما يملكونه من ثقافةٍ واطّلاعٍ، ونحن لا ينبغي أنْ نتعبّد بكتابة الخاطئين؛ فإنَّها – على أيّة حال – ليست من عمل المعصومين^.
وهنا قد أصبح في نظر الفرد الاعتيادي أنَّ صوت نون التوكيد الخفيفة في {لَنَسْفَعَاً} مثل نون التنوين المنصوب في الأسماء مثل: زيداً وأرضاً وسماءً، فحسبوها تنويناً، فكتبوها مثله، أو حسبوا أنَّ كلّ نون ساكنة تكتب بالألف، وكلاهما خاطئ.
قال العكبري قوله تعالى {لَنَسْفَعاً}: إذا وقف على هذه النون أبدل منها ألف؛ لسكونها وانفتاح ما قبلها(1).
أقول: كأنَّ هذا نحو اعتذارٍ عن كتابة المصحف بالألف، ولكنَّه قابل للمناقشة بأمرين:
الأمر الأوّل: أنَّها عندئذٍ ينبغي أنْ تكتب نوناً وتقرأ ألفاً عند الوقف، فالألف إنَّما هو نطقي، وليس كتابيّاً.
الأمر الثاني: أنَّ الوقف هنا غير مفروض في قراءة الآية، وهناك مواضع كثيرة في الآيات غير قابلة للوقوف عليها، وإنَّما هي تقع في الدرج دائماً، وهذا منها. وهذا يعني أنَّ الوقوف عليها خطأٌ عرفاً، إذن فانقلابها إلى ألف خطأ عرفاً أيضاً.
سؤال عن معنى السفع وعن معنى النّاصية:
قال الراغب: السفع الأخذ بسفعة الفرس أي: سواد ناصيتها. قال تعالى: {لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ}. وباعتبار السواد قيل للأثافي سفع، وبه سفعة
ــــــــــــ[589]ــــــــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 290، سورة العلق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
غضب اعتباراً بما يعلو من اللون الدخاني وجه من اشتدَّ به الغضب. وقيل للصقر: أسفع؛ لما به من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون أي: سمراء أو شديدة السمرة(1).
وقال أيضاً: الناصية قصاص الشعر، ونصوت فلاناً وانتصيتة وناصيته أخذت بناصيته وقوله تعالى: {مَّا مِن دَآبَّةٍ إلّاَ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا}(2)، أي متمكّن منها. قال تعالى: {لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ}. وحديث عائشة: ما لكم تنصون ميّتكم(3)، أي: تمدّون ناصيته. وفلان ناصية قومه كقولهم: رأسهم وعينهم، وانتصى الشعر طال(4).
أقول: فلا يُراد به في الآية الكريمة قصاص الشعر بالذات أو الشعر بالضبط، بل المراد به مجازاً إمّا الجبهة وإمّا الوجه كلُّه وإمّا الرأس كلُّه وإمّا الإنسان كلُّه.
والسفع هو إيجاد السواد – كما عرفنا- فيكون معنى: {لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ} في عدّة أُطروحات:
أُطروحات في معنى {لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ}:
أوّلاً: سواد الشعر النازل على ناصيته أو من ناصيته، وهذا غير محتمل لسياق الغضب والعقوبة، وهذا ليس منها.
ــــــــــــ[590]ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 240، مادّة (سفع).
(2) سورة هود، الآية: 56.
(3) السنن الكبرى (للبيهقي) 3: 390، الحديث: 6876، مصنّف عبد الرزّاق 3: 437، الحديث: 6232.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 516، مادّة (نصا).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثانياً: التهديد بالبلاء الدنيوي من فقرٍ أو مرضٍ أو أيّة شدّة، فيضعف الجسد ويسودّ لونه، وهذا يلازم لسواد الوجه عادةً.
ثالثاًَ: أنْ يسودّ وجهه من الضرب الشديد: إمّا في الدنيا أو القبر أو في عالم آخر، فهو سفع.
رابعاً: أنْ يدخل النار، فيسودّ وجهه من الاحتراق أو من الدخان.
خامساً: المراد بها حمرة الغضب، فغضب الفاسق يدخله في بلاء لا يرتاح منه، أو يصبح في صعوبة نفسيّة إلى حدٍّ يصبح في وجهه سفع، وهذا لا يحصل لكلِّ أحد، بل يحصل لمن ليس له تسليم ورضا بقضاء الله وقدرة، وهو دأب الفاسق الفاجر.
سادساً: أنْ يسودّ وجهه في الدنيا؛ فإنَّ المؤمن في وجهه نور الإيمان، والفاسق في وجهه ظلام وسواد. قال تعالى: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً}(1) وقال: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ}(2).
وقال في الميزان: قال في المجمع: السفع الجذب الشديد، يقال: سفعت بالشيء إذا قبضت عليه وجذبته جذباً شديداً(3).
أقول: إنَّه+ تمسّك بمعنى الأخذ، وأهمل معنى السواد تماماً، وفرقه عن كلام الراغب أمران:
الأوّل: أنَّنا ينبغي أنْ نقيّد كلام اللغويّين بعضه ببعض، فنقول: هو أخذٌ
ــــــــــــ[591]ــــــــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 27.
(2) سورة النور، الآية: 40.
(3) الميزان في تفسير القرآن20: 326.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مع حصول السواد، فيكون كلاهما عنصراً في معنى السفع.
الثاني: أنَّنا قلنا في المقدّمة: إنَّنا ينبغي أنْ نأخذ التفاسير اللغويّة التي تكون أسبق رتبةً من القرآن الكريم، يعني الأُمور التي ذكرها اللغويّون بغضِّ النظر عن الآيات القرآنيّة. وأمّا ما كان متأخّراً رتبةً عن الآية فلا نأخذ به، وإنَّما يكون الرأي خاصّاً بصاحبه، وليس حجّة على غيره، فكذلك الحال في الرأي الذي نقله صاحب >الميزان< عن >المجمع<.
وقوله: (ناصية) الثانية بدل من الناصية (الأُولى).
وقوله: {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} بمنزلة بيان التسبيب للعقوبة أو تعليل للسفع.
وقوله: (كاذبة) نعتٌ لناصية.
وقوله (خاطئة) نعتٌ ثاني لناصية أو نعتٌ لكاذبة.
فإنْ قلتَ: بالنسبة إلى تعليل العقوبة أليس السبب مبيّناً في السياق السابق، فلا حاجة إلى بيان سببٍ جديدٍ، فلماذا قال: (كاذبة خاطئة)؟
جوابه من عدّة وجوه:
أوّلاً: التأكيد لما سبق.
ثانياً: بيان أنَّ ما فعله من أُمور هي كذب وخطأ.
ثالثاً: أنَّ أفعاله إنّما تنشأ من النفس الأمّارة بالسوء، فناصيته كاذبة وخاطئة، يعني: كلّه كاذب وخاطئ، حينما تحثّه نفسه على نهي المصلّي عن الصلاة.
قال في >الميزان<: وفي توصيف الناصية بالكذب والخطأ – وهما وصفا صاحب الناصية- مجاز(1).
ــــــــــــ[592]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن20: 326.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أقول: لابدَّ من الإشارة إلى أمرين:
الأمر الأوّل: فيما يخصُّ لفظ التوصيف، فقد استعملها الكثير من علماء الأصول، وخاصّة من غير العرب، بالرغم من عدم ورودها في اللغة العربية، وإنَّما ورد لفظ (وصف) بدلها من وصف يصف وصفاً، وتوصيف رباعيّة (أو مزيدة) لا يوجد لها فعلٌ خاصّ بها.
ولكنَّ الحقَّ معهم إلى حدٍّ ما؛ لأجل التدقيق في التعبير؛ وذلك: لأنَّ الوصف كاسم مصدر يُراد به نفس الصفة الخارجيّة، كاللون، والتوصيف كمصدر يُراد به أحد أمرين:
الأوّل: جعل الصفة على الموصوف ثبوتاً، كما لو صبغ الثوب باللون الأحمر.
الثاني: الوصف الإثباتي، أي: بيان صفته والتعبير عنها.
فالصعوبة إنَّما تحصل في اللغة العربيّة فيما إذا جاء لفظ الوصف كمصدر؛ لأنَّه يحصل منه الاشتباه بين الأمرين الثبوتي والإثباتي.
فجيء بلفظ (التوصيف) ليكون دالاً على المعنى الإثباتي، أي: بيان الصفة، ويبقى لفظ الوصف للمعنى الثبوتي، وهذا نحو اعتذارٍ لهم.
ولكن ذلك – في نفسه – لا يصلح أنْ يكون جواباً لهم لأمرين:
أحدهما: لعدم وروده في اللغة، واللغة توقيفيّة، كما عليه مبنى المشهور ومبناهم.
ثانيهما: أنَّ ظاهر لفظ الوصف هو الجانب الإثباتي، وهو بمعنى التوصيف في قصدهم، فقولنا: (وصفه) لا يعني: لوّنه بالبياض، بل بمعنى أنَّه بيّن أنَّه أبيض، فالوصف مشعرٌ بالإثبات لا بالثبوت، إذن يكون لفظ الوصف
ــــــــــــ[593]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مغنياً عن لفظ التوصيف مع كونه أفصح منه.
الأمر الثاني: (حول عبارة السيد الطباطبائي):
إنَّه قد يرد إشكال من ناحية ظهور القرآن الكريم، وحاصله: أنَّ الكاذبة والخاطئة أصبحا وصفين للناصية، وهي لا تكون كذلك؛ لأنَّها جزءٌ من الإنسان، فما المراد منها حينئذٍ؟
جوابه: أحد أمرين:
الأوّل: أنْ يُراد به ذو الناصية، أي: الإنسان، وتكون النسبة بين الوصف والموصوف مجازيّة.
الثاني: أنْ يُراد بالناصية الإنسان ابتداءً، حقيقةً لا مجازاً.
فإنْ قلتَ: ولكنْ هناك قرائنٌ متّصلة تدلُّ على أنَّ المراد من الناصية جزء الإنسان لا كلّه، وهما اثنتان:
الأُولى: قوله: {لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ} أي: بالجبهة أو قصاص الشعر، لا الإنسان كلِّه، فتكون قرينةً بوحدة السياق على أنَّ المراد بالناصية الثانية هي جزء الإنسان أيضاً، وليس كلُّه.
الثانية: وجود التأنيث في قوله: {كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ}؛ لأنَّه لو أراد الإنسان كلَّه لذكره مذكّراً لا مؤنّثاً.
قلتُ: كلتا القرينتين فاسدتان:
أمّا القرينة الأُولى فجوابها أحد أمرين:
الأمر الأوّل: أنْ نقول: إنَّ الناصية يُراد بها كلّ الإنسان، وإنَّ السفع والضرب يكون على كلّ البدن مضافاً إلى كونه على الوجه وكذلك سواد القلب يشمل كلّ الجسم والنفس، وليس الوجه فقط، إذن فالإنسان كلُّه
ــــــــــــ[594]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مسفوع، وليس وجهه فقط، بأيِّ معنى من معاني السفع أخذناه.
الأمر الثاني: أنْ نقول: إنَّ المراد من الناصية جزء الإنسان، ولكن ننفي وحدة السياق، وهي قرينة ظنيّة، فتكون معتبرة ما لم تقم قرينة أُخرى على خلافها.
والأمر هنا كذلك؛ فإنَّ القرينة على أنَّ المراد بالناصية الثانية الإنسان، وإنْ كان المراد من الناصية الأُولى جزء الإنسان، وذلك كما قال في >الميزان< لتوصيف الناصية بأنَّها كاذبة وخاطئة(1)، والناصية التي هي جزء الإنسان لا توصف بأنَّها كاذبة وخاطئة.
فيكون المراد من الناصية الثانية الإنسان، وإنْ كان المراد من الناصية الأُولى جزء الإنسان، ولا ملازمة عقليّة أو عرفيّة بينهما.
وبتعبير آخر: إنَّ هناك تعارضاً بين قرينتين متصلتين، بين قرينة وحدة السياق المنتجة لأنْ تكون الناصية جزء الإنسان، والقرينة المنتجة بأنَّ الناصية كلّ الإنسان، فنأخذ بالأهمِّ والأظهر، وهي الثانية، وهي الوصف بكونها (كاذبة خاطئة) وتسقط وحدة السياق، ويكون المراد بالناصية الثانية كلّ الإنسان لا جزئه، بل قد يُراد بالناصية الأُولى ذلك أيضاً.
وأمّا القرينة الثانية – وهي كون التأنيث يدلُّ على جزء الإنسان لا كلِّه- ففيها أكثر من جواب:
أوّلاً: أنَّ التأنيث ضروري لأجل تأنيث المرجع أو الموصوف؛ فإنَّ ناصية مؤنّثة فتؤنّث صفتها، وأمّا أنْ يكون معناها مذكّراً فهذا خارج عن حدود اللفظ؛ فإنَّ اللفظ يتبع اللفظ، والمعنى يتبع المعنى، ولا ربط أكيد بينهما بحسب التوقّع.
ــــــــــــ[595]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 327.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثانياً: أنَّ التذكير والتأنيث بالنسبة إلى المؤنّث المجازي ينبغي أنْ يكون بالاختيار، وليس ثمّة شيء حقيقي في اللغة، ولو ثُنيت لنا الوسادة لجعلناه خنثى، كما هو الحال في بعض اللغات(1). فاللغة العربيّة قاصرة من هذه الناحية، ولفظ الناصية مؤنّث مجازيٌّ، سواء أُريد به الجبهة أو أُريد بها الفرد أو أُريد بها كلّي الإنسان الخاطئ الفاجر، فيكون عود الضمير المؤنّث إليه غير دالٍّ على كون مرجعه مؤنّثاً.
ويمكن القول -كما قلنا في أمثاله- بأنَّ المراد هو الكلُّي، والكلُّي بمنزلة الجمع، والجمع بالارتكاز العربي أقرب إلى التأنيث، فيكون الأرجح فيه – بهذا الاعتبار وغيره- أنْ نعيد الصفة إليه مؤنّثة لا مذكّرة.
سؤال: فإذا كان الأمر كذلك، فهل يكون الإنسان كاذباً خاطئاً؟
جوابه: لأكثر من وجه:
الوجه الأوّل: أنَّ الكذب والخطأ إنَّما هو صفة الكلام والحديث، وليس صفة للإنسان ككلّ، وإنَّما يرجع إليه مجازاً، فهو صحيح على وجه المجاز.
الوجه الثاني: أنَّ الإنسان ككلّ قد يوصف بمثل ذلك؛ باعتبار استيعاب سلوكه وحديثه للكذب والخطأ، وكثرة هذه الصفة له، فيكون كلّه كاذباً خاطئاً، بحيث تصحُّ النسبة إلى أصل وجوده.
سؤال: إنَّ النهي إنشاءٌ، والإنشاء لا يتّصف بالصدق والكذب، فلماذا سمّي النهي عن الصلاة كذباً؟
ــــــــــــ[596]ــــــــــــ
(1) وهي الألمانيّة على ما قيل بأنَّ لديهم ثلاثة أنواع من الضمائر: مذكّر للمذكّر الحقيقي ومؤنّث للمؤنّث الحقيقي وقسمٌ ثالث لما لا يكون مذكّراً ولا مؤنّثاً، وسمّيناه هنا بضمير الخنثى، ولا نعلم ما يقابل اصطلاحهم باللغة العربيّة [منه+].
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وجوابه: أنَّه لابدَّ من التنزّل عن إحدى الدلالتين المطابقيّتين:
فإمّا أنْ نتنزّل عن ظهور قوله: (ينهى) في أنَّه نهيٌ حقيقيٌ إنشائيٌ، بل نحمله على مجرّد الزجر عن الصلاة بخبرٍ أو إنشاءٍ.
وإمّا أنْ نتنزّل عن ظهور (كاذبة)، ونفسّره بشكلٍ قابلٍ للانطباق على الإنشاء ولو مجازاً؛ باعتبار أنَّ منشأه وسببه ضلال وباطل، فهو كاذبٌ؛ لأنَّه غير مطابق للواقع.
مضافاً إلى إمكان المناقشة بكون الموصوف هو مادّة النهي ليرد الإشكال باعتبار كونه إنشاءً، بل الموصوف هو الناصية أوْ الإنسان، فلا إشكال.
سؤال عن الفرق بين (كاذبة) و(خاطئة)، أو قل: ما وجه الجمع بينهما؟
جوابه: أنَّ الفرق اللغوي والعرفي بينهما واضح، وهو أنَّ الكذب عند التعمّد والخطأ عند عدم التعمّد.
فإنْ قلتَ: إنَّ ذلك غير مناسب مع السياق؛ لأنَّ قوله: {الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى} أي: متعمّداً، فينبغي أنْ يوصف بالكذب لا بالخطأ.
قلتُ: جوابه لأكثر من وجهٍ واحد:
فإمّا أنْ نقول: إنَّ الخطأ وإنْ كان ظهوره اللغوي في عدم العمد، إلّاَ أنَّنا يمكن أنْ نعطي له معنىً جامعاً، وهو مطلق عدم المطابقة للواقع، سواء كان عمداً أم سهواً أو نسياناً ونحو ذلك، فيكون كلا المعنيين مناسبين مع سياق الآية، ويكون تكراره للتأكيد.
وإمّا أنْ نقول: إنَّ كاذب هو صفة للرجل الذي ينهى عن الصلاة، والله تعالى يريد أنْ يتوسّع في مدلول الآية؛ لأنَّ الضالّين ينقسمون إلى قسمين: كاذب وخاطئ، أي: متعمّد ومشتبه، أو قاصر ومقصّر.
ــــــــــــ[597]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فلا بأس حينئذٍ أنْ نضيف للعمد شيئاً آخر؛ للتنبيه على أنَّ الضلال يمكن أن يكون شيئاً من هذا القبيل.
فإنْ قلتَ: إنَّ السفع مناسب للكاذب، ولكنَّه غير مناسب للخاطئ؛ لأنَّه قاصر، فلا يستحقُّ تلك العقوبة.
قلتُ: له أكثر من جواب:
أوّلاً: أنَّ السفع يناسب حتّى مع الخطأ؛ لأنَّه قد يكون ضرباً، أو قد يكون أمراً آخر، كظلمة القلب واسوداد الوجه، من حيث الأثر الوضعي لشارب الخمر مثلاً، أو السارق الذي يأكل الحرام.
كما أنَّ السفع يكون بمعنى الابتلاء، فالقاصر والمقصّر دائماً في بلاء الدنيا وعقوباتها ومصاعبها، فقوله: {لنسفعاً} أي: لنمتحنّنه في الدنيا ببلائها؛ لعلّه يتذكّر أو يخشى، فيكون مناسباً حتّى مع القاصر.
ثانياً: أنْ نفهم من الخطأ الأعمّ من الاشتباه وغيره، فيكون من عطف العامّ على الخاصِّ، فكلُّ كذبٍ خطأ ولا عكس، وبقرينة السفع – وهي العقوبة- نحمل الخطأ على حصّتين، حصّة عمديّة وحصّة سهويّة، فيستحقُّ العقوبة على الحصّة العمديّة، وينسجم المعنى.
ثُمَّ قال تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَه…}:
لعلّ هذا النداء ينقذه، ويفيده في دفع العقوبة الإلهيّة: فإنْ دعا ناديه، فإنَّنا سندعو الزبانية الشداد الغلاظ، ويكون هو وناديه تحت تصرّفهم.
فهناك نحو لطافة في المقارنة بين الدعويين، ونحو لطافة في المقابلة بين الزبانيتين: الزبانية الدنيويّة (ناديه) والزبانية الأُخرويّة، وهم الملائكة الشداد الغلاظ.
ــــــــــــ[598]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ولابدَّ لنا فيما يلي أنْ نتعرّف عن معنى كلّ من الدعاء، وهو مكرّر مرّتين، ومعنى النادي ومعنى الزبانية؛ من أجل فهم الأُطروحة المحتملة لمعنى الآيتين الكريمتين:
سؤال: ما هو معنى النداء؟
جوابه: قال الراغب: النداء رفع الصوت وظهوره إلى أنْ قال: وأصل النداء من الندى أي: الرطوبة (ومنه الندى الليلي ويقال: محلُّ ندي، وفيه نداوة) يقال: صوت ندى رفيع، واستعارة النداء للصوت من حيث إنَّ من يكثر رطوبة فمه حسن كلامه، ولهذا يوصف الفصيح بكثرة الريق. (كما يوصف الكريم بكثرة الرماد) ويسمّى الشجر ندي؛ لكونه منه، وذلك لتسمية المسبّب باسم سببه(1).
أقول: إنَّ هذه التسمية للشجر مجازيّة بالأصل؛ لأنَّ النداوة وهي الرطوبة إنَّما تكون في باطن الورقة لا في ظاهرها، وليس المفروض أنَّ في الظاهر أيّة رطوبة.
وبتعبير آخر: إنَّه يُراد من النداوة هنا الليونة، وقد كانت مجازاً، فأصبحت حقيقةً.
إلى أنْ قال الراغب: وعبّر عن المجالسة بالنداء حتّى قيل للمجلس النادي والمنتدى والندي، وقيل ذلك للجليس، قال: {فَلْيَدْعُ نَادِيَه} ومنه سمّيت دار الندوة بمكّة(2).
أقول: يتحصّل من ذلك عدّة أُطروحات لفهم النادي في الآية الكريمة:
ــــــــــــ[599]ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 507، مادّة (ندا).
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 507، مادّة (ندا).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أُطروحات لمعنى النادي
1. المكان الذي ينتدى به ويجتمع به.
2. نفس الجماعة المنتدية في النادي.
3. أنْ يُراد بالنادي الأعمُّ من الواحد والمتعدّد، وفي الوجهين السابقين لا ينطبق إلّاَ على المفرد.
4. ما ذكره ابن منظور في >لسان العرب< قال: فليدع حيَّه وقومه(1). أقول: وهو على نحو المجاز.
5. وهي متوقّفة على مقدّمة، وحاصلها: أنَّ النداء قد يكون لأجل الاعتقاد بمذهب معيّن، كما قال تعالى: {لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى}(2) وقال سبحانه: {مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ}(3).
فهي دعوة إلى العقيدة، فالنداء يكون بنفس المعنى، أي: اعتقد بعقيدتنا.
فإذا تمّت هذه المقدّمة نفهم من ناديه أي: مناديه، وإنْ كان فيه تجوّز باستعمال المادّة الثلاثيّة محلّ الرباعيّة، ولكن كأُطروحة يمكن أنْ تكون مقبولة، ويراد بالمنادي هنا مناديه في الضلال وشريكه في الشرك.
6. مناديه أي: منادمه أو نديمه، وإنْ كان بعيداً بحسب معنى المادّة، أي: أُبدلت الميم ياءً، ولعلّه قصد ذلك عمداً لحكمةٍ؛ لأنَّ معنى (المنادي) هو الشريك في النادي، وهو غالباً منادم ونديم.
ــــــــــــ[600]ــــــــــــ
(1) لسان العرب 13: 194، مادّة (زبن).
(2) سورة الأنعام، الآية: 71.
(3) سورة غافر، الآية: 41.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال: ما معنى الزبانية؟
جوابه: لم يتعرّض الراغب في المفردات إلى معنى الزبانية، لذا سنعرض إلى ما قاله ابن منظور في >لسان العرب< قال: الزبن: الدفع، وزبنت الناقة إذا ضربت بنفثات رجلها عند الحلب، فالزبن بالنفثات والركض بالرجل والخبط باليد.
ابن سيده وغيره: الزبن دفع شيءٍ عن شيء، كالناقة تزبن ولدها عند ضرعها برجلها وتزبن الحالب، وناقة زفون وزبون تضرب حالبها وتدفعه… وحرب زبون تزبن الناس، أي: تصدمهم وتدفعهم على التشبيه بالناقة… والزبونة من الرجال الشديد المانع لما وراء ظهره.
إلى أنْ قال: الزبانية الذين يزبنون الناس أي: يدفعونهم. وقال قتادة: الزبانية عند العرب الشرط، ولكنّه من الدفع، وسمّي بذلك بعض الملائكة لدفع أهل النار إليها. وقوله: {فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} قال قتادة: فليدع ناديه: حيّه وقومه، فسندعوا الزبانية. قال: الزبانية في قول العرب: الشرط.
قال الكسائي: واحد الزبانية زبني، وقال الزجاج: الزبانية الغلاظ الشداد، واحدهم زبنية، وهم الملائكة الذين قال الله تعالى: {عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ}(1) وهم الزبانية…
وقال الأخفش: قال بعضهم: واحد الزبانية زباني، وقال بعضهم: زابن، وقال بعضهم: زبنية مثل عفرية. قال: والعرب لا تكاد تعرف هذا، وتجعله من الجمع الذي لا واحد له مثل: أبابيل وعباديد(2).
أقول: ولابدَّ من الالتفات إلى أنَّ قوله: (سَنَدَعُ) بالكتابة المشهورة خال
ــــــــــــ[601]ــــــــــــ
(1) سورة التحريم، الآية: 6.
(2) لسان العرب 13: 194، مادّة (زبن).
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
من الواو، وهو خطأ على القاعدة؛ لأنَّه من الأفعال الخمسة، يحذف واوه عند الجزم، يقال: لم يدع، والسين ليست جازمة بطبيعة الحال، فهو إذن مرفوع بالضمّة المقدّرة على الواو، فوجود الواو ضروري.
فإنْ قلتَ: إنَّها حذفت لوحدة السياق: فليدع… سندع.
قلتُ: ليس في الإعراب وحدة سياق، فلا ملازمة بين جزم الفعلين.
فإنْ قلتَ: إنَّه خفيف الضمّة، والواو ثقيلة.
قلتُ: إنَّما خفّفت لأجل الوصل بالألف واللام، فهي ليست ضمّة حقيقيّة، فينبغي أنْ يكتب كما هو، وهذا من أخطاء كتّاب القرآن.
سؤال: ما هو معنى الدعاء؟
الدعاء هنا النداء، يعني: سننادي الزبانية؛ لكي يُقبلوا أو يعملوا بما هي وظيفتهم المستمّرة. قال الراغب: الدعاء كالنداء، إلّاَ أنَّ النداء قد يقال بيا أو أيا ونحو ذلك، من غير أنْ يضمَّ إليه الاسم، والدعاء لا يكاد يقال إلّاَ إذا كان معه الاسم نحو: يا فلان (فالدعاء أعمُّ من النداء). وقد يستعمل كلّ واحدٍ منهما موضع الآخر، قال تعالى: {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إلّاَ دُعَاءً وَنِدَاءً}( ) .
ويستعمل استعمال التسمية نحو: دعوت ابني زيداً، أي: سمّيته (وحسب فهمي أنَّ دعوت ابني أي: سوف أدعوه، أي: سميّته لكي أدعوه) ودعوته إذا سألته (أي: طلبت منه حاجة) وإذا استغثته. قال تعالى: {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ}( ) أي سَلْه. وقال: {قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ
ــــــــــــ[602]ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 171.
(2) سورة البقرة، الآيات: 68و 69، 70.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}(1) {وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً}(2) {وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}(3) {لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً}(4).
والدعاء إلى الشيء الحثُّ على قصده: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}(5) (أي: يحثّونني عليه) وقال: {وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ}(6) (أي: يحثُّ على الجنّة) وقال تعالى: {يَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ* تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ}(7)(8) .
أقول: الظاهر أنَّ الدعاء والنداء من الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت(9) ومنه قوله تعالى: {إلا دُعَاءً وِنَدَاءً}(10). وهنا يتحصّل سؤال عن الفرق بينهما ولو في صورة الاجتماع.
وجوابه: أنَّ فيه أُطروحتين:
الأُولى: أُطروحة الراغب من أنَّ النداء أعمُّ من الدعاء؛ لأنَّ النداء
ــــــــــــ[603]ــــــــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 40.
(2) سورة الأعراف، الآية: 56.
(3) سورة البقرة، الآية: 23.
(4) سورة الفرقان، الآية: 14.
(5) سورة يوسف، الآية: 33.
(6) سورة يونس، الآية: 25.
(7) سورة غافر، الآيتان: 41- 42.
(8) مفردات ألفاظ القرآن: 171، مادّة (دعا).
(9) يعني: إذا اجتمعت في اللفظ افترقت في المعنى، وإذا افترقت في اللفظ اجتمعت في المعنى، يعني: أمكن عندئذٍ أنْ يُراد منها معنىً واحد أو مشترك. (منه+).
(10) سورة البقرة، الآية: 171.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
يشمل ذكر الاسم وعدمه، وأمّا الدعاء فهو يختصُّ بصورة ذكر الاسم.
الثانية: وهي ما يمكن أنْ يقال من: أنَّ النداء مجرّد طلب الاقتراب، وأمَّا الدعاء فهو طلب الاقتراب من أجل هدف معيّن أو تنفيذ مهمّة مقصودة، ومنه الدعاء لقضاء الحاجة أو الإغاثة، ومنه الدعاء إلى العقيدة إلى الإيمان أو إلى الكفر. قال تعالى: {تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ}(1) وقال سبحانه: {يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا}(2) يعني: اقترب منّا لتكون مثلنا في الإيمان أو الكفر.
وقوله في محلِّ الكلام: {فَلْيَدْعُ نَادِيَه} أي: لهدف إنقاذه من عذاب الله سبحانه.
وقوله: {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} أي: لهدف المنع من ذلك الدفاع المزعوم، أو قل: للدفاع ضدَّ الدفاع، وليس لمجرد الاقتراب.
وعلى أيِّ حال فهاتان الأُطروحتان تتّفقان على كون النداء أعمّ، لكنْ لكلٍّ منها من وجهة نظره، فيكون كلّ نداءٍ دعاءً ولا عكس.
وقد يقال – في الأُطروحة الثانية -: إنَّ لكلِّ نداءٍ هدفاً لا محالة، فيكون كلّ نداءٍ دعاءً، وليس في النداء حصّةٌ خارجة عن الدعاء، بل يكونان متساويين مفهوماً.
جوابه من أكثر من وجه:
الوجه الأوّل: أنْ نتنزّل عمّا قلناه ونقول: إنَّ الفعل الاختياري عموماً فيه غاية، والنداء فعل اختياري، فلابدَّ أنْ يكون في غايةٍ، فإذا دخلت الغاية أصبح النداء دعاءً، فتكون النسبة بينهما هي التساوي، وليس العموم المطلق.
ــــــــــــ[604]ــــــــــــ
(1) سورة غافر، الآية: 42.
(2) سورة الأنعام، الآية: 71.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الوجه الثاني: أنْ نحافظ على النظريّة الأصليّة ونقول: إنَّ الهدف في الدعاء ليس المراد منه الهدف الواقعي أو العقلي الذي يكون في كلّ فعلٍ اختياري، بل المقصود الهدف العرفي والعقلائي، وبهذا يمكن أن لا يكون للنداء هدفٌ، فلا يكون دعاءً، فلا تكون النسبة بينهما هي التساوي بل العموم المطلق.
إنْ قلتَ: ولكنْ هذا قليل.
قلتُ: إنَّ القلّة لا تعني عدم وجود الشيء، بل هو موجود مهما كان قليلاً، وهذا الإشكال واردٌ حتّى على الراغب حين يقول: إنَّ النداء يصدق على ترك الاسم، فنقول: (يا) أو (أيا) فقط بدون اسم(1)؛ فإنَّه أيضاً قليل عرفاً، وأغلب النداءات تقول: يا فلان، فتكون دعاءً. من وجهة نظره.
الوجه الثالث: أنَّ قوله تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} دعوتان متقابلتان، فيها نكات لطيفة سبق بعضها:
أ. أنَّهما بمادّة واحدة، وهي مادّة الدعوة أو الدعاء.
ب. أنَّ الأُولى دعوةٌ بالباطل، والثانية دعوةٌ بالحقِّ.
ج. أنَّ الدعوة الأُولى ضعيفة، والثانية قويّة.
د. إنَّ الدعوة الأُولى غير محرزة الطاعة حين يدعو ناديه؛ فلعلّهم لا يستجيبون إليه، في حين أنَّ الدعوة الثانية يقينيّة الطاعة؛ لأنَّ الملائكة: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(2).
وبذلك نلاحظ نقاط الضعف للدعوة الأُولى، ونقاط القوّة للدعوة الثانية، وهي مقصودة في التهديد والتهويل لا محالة.
ــــــــــــ[605]ــــــــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 171، مادّة (دعا).
(2) سورة التحريم، الآية: 6.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سؤال عن هدف السورة:
جوابه: أنَّ السورة بعد تمجيد الله سبحانه بذكر الخلق والتعليم بالقلم وذكر نعمه في الآيات الخمس الأُولى، تكون بعدها مكرّسة لتهديد الفاسدين من الناس:
أوّلاً: بعنوان الإنسان الذي يطغى.
ثانياً: بعنوان الذي ينهى عبداً إذا صلّى.
ثالثاً: بعنوان أنَّه كذّب وتولّى.
وكلّها راجعة إلى عنوانٍ واحد، وهو العناد والكفر، أو قل: الشرك بالمعنى الكلِّي، ولا يُراد به الجزئي.
وكذلك ضدّه يرجع إلى عنوان واحد كلِّي، وهو الهداية، أو قل: المهتدي، وهو المخاطب بقوله: {كَلَّا لَا تُطِعْهُ}؛ وذلك لعدّة أسباب:
أوّلاً: بعنوان: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}.
ثانياً: بعنوان: {أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى} إذا أرجعنا الضمير إلى المصلّي، كما هو الأرجح.
ثالثاً: بعنوان: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}.
رابعاً: بعنوان التهديد بالسفع بالناصية.
والنتيجة النهائيّة هي وجوب طاعة الله والنهي عن إطاعة ذلك الفاسق الفاجر، كلّا لا تطعه في نهيه عن الصلاة وأمره بالضلال، بل استمرّ بصلاتك وطاعتك وسجودك وتقرّبك.
ولا يقال: إنَّ الطاعة منحصرةٌ بالأمر ولا تشمل النهي؛ لأنَّها تعني التنفيذ، وهي تتحقّق في الأمر، وأما النهي فيقتضي الترك، أو قل: أن يتعلّق بأمر
ــــــــــــ[606]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
عدمي، وليس فيه طاعة، وإذا لم يكن فيه طاعة، فلا يصدق هنا إطاعة النهي في قوله تعالى: {كَلَّا لَا تُطِعْهُ} أي: لا تطع نهيه عن الصلاة.
جوابه: أنَّ ذلك ليس بصحيح أكيداً؛ وذلك من أكثر من وجه:
الأوّل: أنَّ طاعة الأمر بتنفيذه بالفعل، وطاعة النهي بتنفيذه بالترك.
الثاني: أنَّ العرف يعمّم معنى الفعل أو العمل إلى معنى الترك، فهو يشمل إيجاد الفعل وتركه، وهذا معنى مستعمل في الفقه كثيراً، فقوله: (لا تشرب الخمر) متعلّق بالترك، وما دام يمكن تنفيذه عن علم وعمد، عُدَّ عملاً عرفاً.
وإذا تنزّلنا عن ذلك وقلنا: إنَّ النواهي ليس فيها طاعة؛ لأنَّها ليس فيها فعل، فهذا يتمُّ في الترك الصرف: كترك شرب الخمر، ولكن الترك إذا كان فعلاً عرفاً، كان مسلّم الصحّة، والأمر في المقام كذلك؛ لأنَّ قوله تعالى: {لَا تُطِعْهُ} يقتضي الأمر بالصلاة وتنفيذها، وليس تركها.
سؤال عن تحليل قوله: {لَا تُطِعْهُ}:
جوابه: أنَّ الضميرين في قوله: (لا تطعه…) أحدهما: فاعل، وهو مستتر يعود إلى المصلّي الذي نهاه المشرك عن الصلاة.
والثاني: مفعول به وهو الضمير الظاهر المتصل يعود على (الذي ينهي عبداً إذا صلّى).
هذا بالنسبة إلى الموضوع في الآية، وأمّا محمولاته فهي على مراحل:
المرحلة الأُولى: أنَّنا يمكن أنْ نفهم معنى الجزئي من السياق كلِّه. وهذا واضحٌ على معنى كون المصلّي واحداً بعينه والناهي كذلك.
إلّاَ أنَّ المهمَّ أنَّنا نستطيع أنْ نعمّم الصلاة إلى كلّ طاعة، والمصلّي إلى كلّ مطيع، والناهي إلى كلّ عاصي، وإنْ كان الخطاب للنبيِّ’، إلّاَ أنَّ القرآن
ــــــــــــ[607]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
نازلٌ للمسلمين جميعاً، بل للبشر جميعاً، كما ذكرنا ذلك كثيراً.
المرحلة الثانية: أنَّ السياق قد تحوّل من الغائب في قوله: (عبداً إذا صلّى) إلى المخاطب في قوله: {كَلَّا لَا تُطِعْهُ}. وفيه إشعارٌ واضحٌ بأنَّ المراد في الآيتين سياقٌ واحد، وهو يناسب ما قلناه في المرحلة الأُولى من أنَّ المنهي يمكن أنْ يكون جزئيّاً أو كلّيّاً.
المرحلة الثالثة: أنَّه يتحصّل من المرحلة الثانية أنَّ الضمير في قوله: {لَا تُطِعْهُ} راجعٌ إلى ما هو بعيد جدّاً في السياق، فقد يقال بعدم إمكان ذلك.
وجوابه: أنَّ هذا الاستبعاد إنَّما يكون صحيحاً إذا لم تقم قرينة على هذا الإرجاع، وأمّا مع قيامها عليه والدلالة عنه فلا مانع منه، حتّى بعد ألف سطر. والدلالة هنا موجودة، وهي وحدة السياق؛ فإنَّه كلَّه يدلُّ على الخصام ما بين المصلّي وبين الذي ينهاه عن الصلاة، فالأمر في السورة مستمرّ الحديث عنه، فلا بأس بإرجاع الضمير إليه.
إنْ قلتَ: إنَّ الزبانية لا يدعون، وإنَّما يلقى الفرد المشرك إليهم، بينما قوله: {فَلْيَدْعُ نَادِيَه} يختلف أمرهم عن الملائكة.
قلتُ: جوابه من أكثر من وجه:
أوّلاً: أنَّ دعوة النادي ودعوة الملائكة مختلفتان جذريّاً، كما قلنا، وإنَّما ذكر للتناسق اللفظي فقط؛ وذلك لأنَّ طريق العمل في كليهما مختلف، يكفي أنْ نلتفت إلى أنَّ أحدهما دنيوي والآخر أُخروي، وكذلك طريقة التنفيذ.
ثانياً: أنَّه من قال: إنَّ الملائكة لا يدعون ولا يأتون؟ نعم، حصّة منهم يُلقى الإنسان إليهم، لكن البعض منهم يأتون، كما في حال الاحتضار وبعد الدفن، بالنسبة إلى ملائكة المحاسبة وملائكة الثواب وملائكة العقاب وغيرهم.
ــــــــــــ[608]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثالثاً: قوله: (سندع) أي: سنأمر، فهم حاضرون دائماً، ولا حاجة إلى الدعوة من بعيد، وإنَّما المهمُّ توجيه الأمر إليهم بالعقوبة، ويكفي أن يفهموا بالأمر بمجرد إلقائه إليهم. ومن هنا يرد قوله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ}(1) ولو لم يؤمروا بذلك لما فعلوه.
سؤال: من هم الزبانية؟
جوابه: أنَّ ما عليه المشهور من أنَّ الزبانية هم (19) وهم الملائكة الشداد الغلاظ ونحو ذلك، وإنّما هو بساطةٌ في التفكير ناشئةٌ من تخيّل الانحصار في عدد محدّدٍ من الملائكة، إذن يستنتج: أنَّ كلّ تعبير في القرآن يعود إليهم. إلّاَ أنَّ هذا الانحصار غير محتمل؛ لأنَّ أعداد الملائكة كبير جداً، فلا بأس أنْ تكون هناك عدّة مجموعات، كلّ واحدة بعنوان مستقلّ.
ومن قبيل هذا الوهم وهمٌ موجودٌ في الأسماء التي أطلقها القرآن على يوم القيامة: كيوم الحسرة، يوم البعث، يوم الفصل، يوم التلاق، يوم الآزفة، يوم التناد، يوم الحساب وغيرها.
فيجاب بنفس الجواب: أنَّه يصحُّ على تقدير الانحصار، وهو منفيٌّ في عدد من الروايات من أنَّ هناك مواقف عديدة ومقامات كثيرة، فلا بأس أنْ تسمّى كلّ رتبةٍ وكلُّ صعوبةٍ باسم مستقلٍّ، وأمّا إرجاعه إلى معنىً واحد فهو فهمٌ ساذج.
سؤال: لماذا قال: {لَا تُطِعْهُ} ولم يقل: (اعصه) مع أنَّ الإثبات أولى من النفي؟
جوابه من عدّة وجوه:
الأوّل: أنَّ في النفي تأكيداً لقوله: (كلّا) فيكون (كلّا) لا، و(كلّا)
ــــــــــــ[609]ــــــــــــ
(1) سورة الحاقّة، الآيتان: 30- 32.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ضروريّة باعتبار كونها جواباً لما قبلها كما سبق.
الثاني: أنَّ هذا هو الأنسب مع الفهم العرفي؛ لأنَّه يفهم من معنى الطاعة تنفيذ مقاصد الآمر ورغبته، وهو إنْ ترك صلاته فقد أطاعه، فينهاه عن ذلك، فإذا استمرَّ بصلاته فقد عصاه، ولكنَّه في الحقيقة لم يحقّق هدف هذا الأمر فيكون {لَا تُطِعْهُ} يعني: لا تحقّق ذلك الهدف الذي قصده.
فكما أنَّ المقصود منه جهة عمليّة، فإنَّ فيه جهة نفسيّة للآمر، وذلك بعصيانه وإفشاله، وهذا لا يتوفّر إلّاَ بعنوان الطاعة – أعني: النهي عن طاعته- كما ورد في الآية الشريفة.
الثالث: ضرورة جمال السياق القرآني؛ إذ بدونه يفسد السياق.
هذا وقد ورد لفظ (كلّا) في السورة عدّة مرات، كلُّها تصلح أنْ تكون جواباً: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى} {كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ} {كَلَّا لَا تُطِعْهُ}.
مضافاً إلى جواب رابع، وهو قوله: {أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى} إذا أرجعنا الضمير إلى المصلّي، وكلاًّ منها يُراد بها التوصّل إلى النتيجة النهائية، وهي وجوب عصيان أهل الباطل والاقتصار على إطاعة الأوامر الإلهيّة، بالاستمرار بالسجود والتقرّب الذي كان ينهى عنه المشرك.
سؤال: لماذا قال: (واسجد) ولم يقل: (بل اسجد)؟
جوابه: أنَّ قوله: (واسجد) بمعنى بل أو لكن، أي: خالفِه إلى غيره أو إلى ضدّه، واستمرّ بصلاتك وسجودك. أمّا أنَّه لماذا لم يصرّح بذلك: بأنْ يقول: (بل ونحوها) مع أنَّه الأنسب في سياق المعنى فالجواب أنَّه لا حاجة إلى ذلك؛ لأنَّ السياق نصٌّ قطعيٌّ في ذلك؛ إذ ليس المعنى: عدم إطاعته بشيءٍ أجنبي، بل في هذا بالذات.
ــــــــــــ[610]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وبتعبيرٍ آخر: إنَّ متعلّق الأمر هنا – وهو السجود والاقتراب- هو متعلّق النهي هناك، وهو الصلاة، فيكون قرينة على أنَّ الطاعة وعدمها متعلّقان بشيءٍ واحد، لا بشيئين أجنبيّين.
إذن فالسياق كافٍ في الدلالة على التضادّ، بلا حاجةٍ إلى استعمال (بل) أو (لكن) ونحوهما.
سؤال عن معنى (اقترب):
جوابه: أنَّ له معنيين:
الأوّل: وهو ما عليه إجماع المفسّرين وفهم السيد الطباطبائي+(1)، وهو معنى إثباتي، بمعنى: قصد القربة: إمّا في الصلاة أو في مطلق الطاعة، كما ورد عن النبي’ أنَّه قال لأبي ذرّ: (لتكن كلّ أفعالك بنيّةٍ)(2) أي: بقصد القربة؛ فإنَّ المتورّع يمكن فيه ذلك دائماً.
الثاني: ثبوتي، فهو يقتضي الاقتراب المعنوي من الله سبحانه أو من الكمال المطلق، وهو حصول التكامل فعلاً، ولذا قال: (اقترب) ولم يقل: (تقرّب) ولو قصد القربة، لقال: (تقرّب).
وقصد القربى معنى تشريعي، والاقتراب معنى تكويني، ولا منافاة بينهما؛ لأنَّ الإنسان ينبغي أن يقصد القربة لكي يقترب، فيكون ذاك مقدّمة لهذا.
ــــــــــــ[611]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 327.
(2) نصّ الحديث عن رسول الله’ في وصيّته لأبي ذرّ أنَّه قال: >يا أبا ذرّ، ليكن لك في كلّ شيء نيّة حتّى في النوم والأكل<.
أقول: ما ذكرناه في المتن نقل في المعنى على وجه الاختصار. راجع الوسائل 1: 33، أبواب مقدّمات العبادات [منه+].
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
و مقدّمة الاقتراب التكويني هو السجود، وهو غاية الخضوع لله عزَّ وجلَّ، وكلّما خضع أكثر اقترب أكثر، فقوله: (اقترب) معلول وقوله: (اسجد) علّة، وقد ذكر العلّة قبل المعلول، وهو السياق الطبيعي فقال: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} يعني: اسجد لكي تقترب.
ولا يقال: إنَّ (اقترب) فاعله العبد، وهو قصد القربة، أمّا إذا كان المراد الاقتراب التكويني أو الثبوتي لكان الفاعل هو الله جلَّ شأنه، فيكون المعنى: اسجد فتقرّب، كقوله تعالى: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ}(1) فهو فعل الله، فيكون هذا قرينة على قصد القربة، لا على الاقتراب التكويني.
ولكن هذا قابلٌ للمناقشة؛ لأنَّ القدرة على المقدّمة قدرة على النتيجة، فكأنَّ العبد يطلب من الله سبحانه أن يفتح له باب الاقتراب، وذلك بإيجاد العبادة بفعله الاختياري، فيكون المعنى: اسجد، وبفعلك للسجود اقترب. وبتعبيرٍ آخر: إنَّ المأمور به هو المجموع، وليس واحداً منهما، يكفينا من ذلك أنَّ كلا اللفظين بفعل الأمر: {واسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}.
وإذا تنزّلنا عن ذلك وقلنا بأنَّ الاقتراب بفعل الله تعالى، فيقع تعارض بالقرائن المتصلة بين أمرين: من حيث إنَّ (اقترب) ظاهر بالتقرّب التكويني، وأنَّ الفاعل هو العبد، وليس هو الله تعالى، مع العلم أنّنا نعلم خارجاً أنَّ العبد لا يستطيع أن يقترب تكويناً، بل هو فعل الله سبحانه.
وجواب ذلك من وجوه:
الوجه الأوّل: أن نتنزّل عن المقدّمة الأخيرة ونقول: إنَّ العبد يستطيع عرفاً أن يتقرّب تكويناً، ولو إلى درجة معتدٍّ بها، ويكون هذا هو المقصود.
ــــــــــــ[612]ــــــــــــ
(1) سورة الفجر، الآية: 28.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الوجه الثاني: أن يقع التعارض بينها، فنقدّم ما هو الأرجح والأظهر لفظيّاً، وهي مادّة الاقتراب التي تدلُّ على الاقتراب التكويني، ويكون إسناده إلى العبد مجازيّاً.
الوجه الثالث: أن نقول: إنَّ أمر: (اقترب) ليس تشريعيّاً، كما يفهم المشهور، بل هو أمرٌ تكويني لاقتراب تكويني، كما في قوله تعالى: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ}(1) ويكون الضمير فيه مفعولاً في المعنى، وإن كان فاعلاً في اللفظ، كما لو قيل بالأمر التكويني: تمرّض أو اشف.
فإن قيل: إنَّ (اسجد) أمر تشريعي لا محالة، فإذا كان (اقترب) أمراً تكوينيّاً، كان هذا خلاف وحدة السياق بينهما.
قلنا: إنَّ وحدة السياق قرينةٌ ظنيّة يؤخذ بها عند الشكُّ في المضمون، وأمّا في هذه الآية فالمفروض قيام القرائن القطعيّة على خلافها، فلا تكون حجّة.
سؤال: لماذا أمر بالسجود، ولم يأمر بالصلاة؛ لأنَّه قد نهى عن الصلاة بعنوانها لا عن السجود؟
جوابه من أكثر من وجه:
الوجه الأوّل: أنَّ السجود هو الجزء الأهمُّ من الصلاة أو الأغلب منها، وأقرب ما يكون العبد إلى ربّه حال السجود، كما ورد عن الأئمّة الأطهار^(2) فحين ينهى هذا الضالُّ المضِلُّ عن الصلاة إنّما ينهى عن
ــــــــــــ[613]ــــــــــــ
(1) سورة الفجر، الآية: 28.
(2) الأصول الستة عشر: 41، أصل عاصم بن حميد الحنّاط، الكافي 2: 483، باب البكاء، الحديث: 10، مَن لا يحضره الفقيه 1: 209، الحديث: 628، مسند أحمد 2: 421، مسند أبي هريرة، أطراف المسند (لابن حجر) 7: 193، الحديث: 9193، الجمع بين الصحيحين 3: 214، الحديث: 2637.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
السجود، أو إنَّ الجزء الأهمَّ أو الرئيسي من نهيه هو ذلك. إذن فالنهي حاصل عن السجود، والأمر أيضاً متعلّق بالسجود.
الوجه الثاني: أنَّ المقصود والأساسي في قوله: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} هو الصلاة؛ لأنَّهما الجزءان الرئيسان فيها، فيكون المنهيُّ عنه هو الصلاة والمأمور به هو الصلاة أيضاً.
الوجه الثالث: ما ذكره في >الميزان< قال: ولعلَّ الصلاة التي كان النبي’ يأتي بها يومئذٍ كانت تسبيحه تعالى والسجود له(1).
أقول: هذا مبنيٌّ على نزول السورة في أوّل الإسلام دفعةً واحدة قبل تشريع الصلاة، وهو ممّا لم يثبت، كما سبق، ولعدم وجود النهي عن الصلاة في ذلك الحين.
مضافاً إلى أنَّ فعل الأمر ليس متوجّهاً للنبيّ’ خاصّة، بل إلى جميع الناس؛ لأنَّ القران الكريم نزل إلى جميع الناس، كما أنَّ الناهي ليس هو ذلك الفرد الجزئي، بل المراد به أيُّ مشرك مضلٍّ.
وقال في >الميزان<: وقيل: المراد به السجود لقراءة هذه السورة التي هي إحدى العزائم الأربع في القرآن(2).
أقول: هذا لا معنى له؛ لأنَّ وجوب السجود متأخّر رتبةً عن هذا الأمر بالسجود؛ فإنَّ هذا بمنزلة الموضوع وذلك بمنزلة المحمول، والمحمول متأخّر رتبةً عن الموضوع. وأمّا فهم كلا الأمرين من لفظ واحد فهو متعذّر من الناحية العرفيّة؛ لأنَّه يكون من دلالة اللفظ على معنيين دفعةً واحدة، وهو مستحيلٌ لغةً وعرفاً.
ــــــــــــ[614]ــــــــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 327.
(2) المصدر السابق.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وهنا في نهاية السورة نلاحظ أنَّ لها ثلاث مجموعات من النسق، لم تتبدّل عشوائيّاً، بل لحكمة.
الأوّل: تمجيد الله سبحانه وذكر نعمه في أوّل السورة إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} وهو نسق القاف والميم.
الثاني: لدى الشروع بمناقشة الفاسقين بقوله: {كَلاَّ إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى} وبقي النسق على الألف المقصورة في تسع آياتٍ إلى قوله: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}.
الثالث: لدى الجواب المؤكّد والنتيجة النهائيّة يتبدلُّ النسق إلى الهاء أو التاء المدوّرة مع روي الياء، وهذا يعني أن نقرأ: (خاطية) لا (خاطئة)، ولعلَّ فيها قراءة؛ فإنَّها أكثر انسجاماً مع النسق، إلّاَ أنها أقلُّ فصاحة ومخالفة للمشهور.
وتبقى الآية الأخيرة كخلاصة أخيرة للسورة ذات نسق مستقلّ بنفسها بقوله: {وَاقْتَرِبْ}.
ــــــــــــ[615]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ.
ــــــــــــ[615]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
سورة التين
في تسميتها عدّة محتملات:
الأوّل: التين.
الثاني: الزيتون.
الثالث: السورة التي ذكر فيها التين.
الرابع: السورة التي ذكر فيها الزيتون.
الخامس: تسميتها باللفظ الأوّل الوارد في السورة، وهو التين.
السادس: رقمها في تسلسل المصحف، وهو: 95.
****
ألفاظ السورة
قوله تعالى: ﴿والتين والزَّيتُون﴾:
الواو: واو القسم -حرف جر- وهنا الخالق يقسم بالمخلوق، خلافاً لما ورد (وعزتي)، وهذا باب آخر. أمّا في القرآن الكريم فالقسم كله بالخلق، ومنها هذا.
والسؤال: لماذا اختار الله سبحانه وتعالى التين والزيتون وأقسم بهما؟
ــــــــــــ[619]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الجواب: أنَّه -عزّوجلّ- اختارهما لمصلحة أو حكمة في ذلك هو أعرف بها، ولكن يمكن بيان وجهين لذلك:
الوجه الأوّل: يدلّ القَسم على أنَّ التين والزيتون كانا معروفين عند العرب آنذاك -بخلاف القَسم بغير المعروف عند الناس- فلا يمكن القسم بما هو غير معروف، كالطائرة ونحوها. ومعناه بالقياس الاستثنائي: لو لم يكونا معروفين لما أقسم بهما، وهما معروفان، فأقسم بهما، فينتج: أنّ اللفظ كان معروفاً لهذه الثمار.
الوجه الثاني: أنّ التين والزيتون مهمان في نظر العرب؛ لأنّ زراعتهما ليست كثيرة، وغير مشاهدة في الجزيرة. نعم، ربّما كانت زراعتهما تقتصر على الشام (فلسطين وسوريا)؛ ولأجل تلك الأهميّة اختارهما سبحانه، فإنّه يختار ما هو المهم من الأمور عند الناس ويقسم به.
ما معنى ﴿التين والزَّيتُون﴾؟
المعنى الأوّل: الفاكهتان المعروفتان.
المعنى الثاني: المراد منهما الشجرة وليس الثمرة، أي:الإشارة إلى الشجرة ذات شأنية الثمار.
المعنى الثالث: التين: هو الجبل الذي عليه دمشق. والزيتون: هو الجبل الذي عليه بيت المقدس. ونضيف إلى ذلك أنّ اطلاق اسم الفاكهة على الجبلين، بمعنى: أنّه كان هناك جبل فيه تين ثم بُنيتا عليه دمشق وبيت المقدس، كما ذُكر ذلك في الميزان(1).
ــــــــــــ[620]ــــــــــــ
(1) انظر: تفسير الميزان ٢٠: ٣١٩.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إن قلتَ:لماذا اختار الله سبحانه القسم بالجبلين ولم يختر القسم بغيرهما من الجبال، كجبال الهملايا؟
فإنّه يقال: لعلّ الأقسام بهما لكونهما مبعثي جم غفيرٍ من الأنبياء، وقيل غير ذلك(1).
وقد يقال: إنّ المعنى الثالث -وهو أن يراد الجبلان منهما دون الفاكهتين- هو الصحيح؛ لأنّ معنى طور سينين -كما سيأتي- هو جبل الطور، فبمقتضى وحدة السّياق القرآني في قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ* وَطُورِ سِينينَ﴾ لابدّ أن يراد بهما الجبلان دون الفاكهتين.
لكن يقال في مقابله:
أولاً: إنّ وحدة السّياق إنّما تكون حجّةً بحسب الظهور إذا لم يكن فيها من المضعّفات المعنوية، أمّا معها فلا تكون حجّةً، ومن المضعّفات هنا التكرار؛ لأنّ التكرار بلا تنويع وتجديد يكون سمجاً، فتنويع القسم بالخَلَق هو الأولى.
ثانياً: إنّه بعد الطعن بوحدة السّياق وإنكارها، نقول: لا ملازمة بين القسم بطور سينين -وحمله على أنّه القسم بجبل الطور- وبين حمل ما قبله على نفس المعنى.
ثالثا: الظهور الأوّلي لهما هو المتعارف الغالب لا الجبل. ومن هذا الوجه نفهم قاعدة حاصلها: أنّ كثيراً من المفسرين أسّسوا جملةً من المعاني المتأخرة رتبةً عن القرآن لتصحيح العبارة، والمفروض أنّنا نبحث عن المعاني المقصودة السابقة لا اللاحقة، فلا نصدّقها.
ــــــــــــ[621]ــــــــــــ
(1) انظر: تفسير الميزان ٢٠: ٣28.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وحينئذٍ نقول: إنّهما بصفتهما نباتاً موجوداً ومعروفاً بمرتبة سابقة عن القرآن نحمل معنييهما عليه، وأمّا بالنسبة إلى حملها على معنى الجبال فمشكوك و مجرد احتمال تاريخي ضعيف مُحمَّل على القرآن؛ لأجل فهم مقنع لصاحبه. إذن، يتعّين الظاهر، وهوالنبات لا الجبال.
سؤال: بناءً على ما تقدّم نسأل: هل التين والزيتون الفاكهة أو الشجر؟
جوابه: أنّهما يمكن أن يلاحظا كشيء واحد من جهة واحدة لا كشيئين متباينين، باعتبار أنّ أصلهما العلّة والمعلول معاً، فالنبات هو العلّة، والفاكهة هي المعلول فيقصدان معاً. وإذا تنزلنا وقلنا: إنّه لابدّ من أحدهما على نحو المنفصلة ومانعة الجمع، حينئذٍ يقال:أيّهما المقدّم الفاكهة أو الشجرة؟
هنا وجهان:
الوجه الأوّل: أنّ تقديم الفاكهة أولى؛ لأنّها أشهر وأكثر انتشاراً في العالم، أمّا الأشجار فهي قليلة وغير مرئية لمعظم الناس، فينصرف اللفظ إلى الأكثر انتشاراً واشتهاراً.
الوجه الثاني: وهو في مقابل الوجه الأوّل، حيث يقال بتقديم الشجرة، بتقريب: أنّ هناك آيةً في موضع آخر تشير إلى أنّ المراد من الزيتون الشجرة، وهي قوله تعالى: ﴿مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾(1) ففي هذه الآية يراد الشجرة لا الفاكهة.
وهو قابلٌ للمناقشة:
أولاً: أنّه لا ملازمة بينهما.
ــــــــــــ[622]ــــــــــــ
(1) سورة النور، الآية: 35.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثانياً: لا وحدة سياق في الآيتين؛ لأنّهما متباعدتان، إلّا مع وحدة سياق القرآن كلّه، وهذا غير محتمل.
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ خاصّ بالزيتون، فما حال التين؟!
رابعاً: من الجائز أن لا يراد بها شجرة الزيتون؛ بل قد يراد بها ذات زيت أو دهن﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾(1) وعندئذٍ يصبح المعنى كلّ نبات ينتج زيتاً، وأوضحه الزيتون. فالمراد بالشجرة الزيتونة: المزيّتة المنتجة للزيت، وحينئذٍ لا تتعيّن كونها شجرة الزيتون ليستشكل بها على الآية هنا.
****
قوله تعالى: ﴿وَطُورِ سِينينَ﴾:
قال صاحب الميزان: (المراد بطور سينين الجبل الذي كلّم الله تعالى فيه موسى بن عمران×، ويسمّى أيضاً طور سيناء)(2) وقد أرسله صاحب الميزان إرسال المسلّمات، إذ بنى على أنّ طور سينين الجبل الذي كلّم الله تعالى عليه موسى×، مع أنّه ليس بهذه السهولة. وفي آية أخرى ورد (طورسيناء) مرّةً واحدة(3)، وسوف يأتي الحديث عنها. والمهم في المقام هو الحديث عن كلمتي (طور) و(سينين) وبيان معناهما الأصلي لغةً:
ــــــــــــ[623]ــــــــــــ
(1) سورة المؤمنون، الآية: 20.
(2) تفسير الميزان ٢٠: ٣١٩.
(3) في قوله تعالى ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآَكِلِينَ﴾، سورة المؤمنون، الآية: 20.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قال الراغب: (طوار الدار وطواره ما امتد منها من البناء، يقال: عدا فلان طوره، أي: تجاوز حدّه، ولا أطور به، أي: لا أقرب فناءه، ويقال فعل كذا طوراً بعد طور، أي: تارةً بعد تارةٍ، وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾(1) قيل: هو إشارة إلى نحو قوله تعالى: ﴿خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ﴾(2) وقيل: إشارة إلى نحو قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ﴾(3) أي: مختلفين في الخَلق والخُلق.
والطور اسم جبل مخصوص، وقيل: اسم لكل جبل، وقيل: هو جبل محيط بالأرض)(4).
حينئذٍ نتساءل عن أصل الطُوْر في كلام الراغب: هل الطُوْر والطَوْر مادة واحدة لأصل واحد، أو مادّتان مختلفتان – وهو محتمل جدّاً – وإنمّا ذُكرا في سياق واحد؛ لأنّ مادتهما واحدة، فذُكرا في المعجم بمكانٍ واحدٍ؟
ويمكن القول: إنّهما شيء واحدة، فالطُوْر شيء متّصف بالطَوْر. والجبل سمّي طوراً؛ لأنّ له ارتفاعاً، فأصل الطُوْر هو الارتفاع في البناء، فكلّ بناءٍ مرتفع وملفت للنظر يسمّى طُوْراً.
ويحتمل أن يكون أصل الطُوْر من الطيران، فكأنّه يشبّه الارتفاع بالطيران فيسمّى طوْراً، ثُمّ عمّم إلى كل وجود له أهمية، فسمّي كلّ شيء من هذا القبيل طوْراً بنحو الحقيقة أو المجاز.
ــــــــــــ[624]ــــــــــــ
(1) سورة نوح، الآية:14.
(2) سورة الحج، الآية:5.
(3) سورة الروم، الآية:22.
(4) مفردات الفاظ القرآن الكريم: 309.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
كما يطلق الطُوْر أيضاً على المرحلة؛ لأنّها ذو أهمية. ومنه تجاوز طوْراً، أي: تجاوز المرحلة التي يكون فيها، فيعطي لنفسه قيمة أكبر من قيمته.
ومن هذا قول أمير المؤمنين×: (أتَأمرونّي أن أطلب النصر بالجور في من وُلّيتُ عليه والله لا أطُورُ به ما سَمَرَسمير وما أمَّ نجم في السماء نجماً)(1) أي: لا اعتني بتلك المرحلة المحدّدة المعتنى بها من قبل الناس؛ لأنّ الدنيا عندي أهون من عفطة عنز(2).
وقوله: (طُوْر بعد طُوْر)، أي: مرحلة بعد مرحلة، ومنها مراحل نشوء العالم، والبشر ليس إلّا واحداً من هذه الأطوار، حيث ذكر صاحب الأسفار: (والإنسان قد تطوّر في ذاته بهذه الأطوار، وتبدّلت عليه هذه النشئات من حدّ النطفة إلى حدّ العقل شيئاً فشيئاً على التدريج، ففيه الملك والملكوت، وهو جامع الكونين)(3).
وهنا احتمال في محلّه ومكانه، وهو أن تسمّى النجف بالطوْر(4)، أو ما يطلق عليه بالطارات، فيحتمل أنّ طور سيناء هو النجف، وهو أحد ــــــــــــ[625]ــــــــــــ
( ) نهج البلاغة: الخطبة رقم 126.
(2) هذا التعبير مستوحى من نهج البلاغة في الخطبة الشقشقية، الرقم: 3.
(3) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة 3: 127.
(4) وقد ورد في الحديث: عن الحسن بن علي ابن فضال قال: حدثنا عمرو بن إبراهيم عن خلف بن حماد عن عبد الله بن حسان عن الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام : كَانَ فِي وَصِيَّةِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ أَنْ أَخْرِجُونِي إِلَى الظَّهْرِ فَإِذَا تَصَوَّبَتْ أَقْدَامُكُمْ وَ اسْتَقْبَلَتْكُمْ رِيحٌ فَادْفِنُونِي وَ هُوَ أَوَّلُ طُورِ سَيْنَاءَ،فَفَعَلُوا ذَلِكَ).. تهذيب الاحكام:6: 34، الحديث 13.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
التفسيرات الباطنية؛ لأنّه بالدلالة المطابقية هو النجف، وهو الأشرف، فيكون له ما لغيره وزيادة.
إشارةٌ:
أمّا قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾(1) فيكذّب ما ادّعي من كون الجبل هو ذلك الذي كلّم الله عليه موسى×؛ لأنّ الجبل المرفوع هو الجبل القريب من المكذّبين المجانب لهم؛ ولذا قال: الطور بالألف واللام العهدية، أي: المعروف لديهم والقريب منهم. ومعه قد يراد بالطور مطلق الجبل لا الجبل الذي كلّم الله عليه موسى×. وهذا شاهد ضدّ ذلك التفسير المشهوري.
إذن، الطور مطلق الجبل، ولكن يراد به في القرآن المقيّد بقرينة، فشجرة العام زيتونة الخاص، فتكون الثانية بمنزلة القرينة.
معنى (الواو) المتكررة في بداية السورة:
بعد الالتفات إلى الواوات التي سبقت الجمل الأربع في السورة عند قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ* وَطُورِ سِينينَ* وَهذَا الْبَلَدِ الاََمين﴾ يتضح لك: أنّ الأُولى للقسم، أمّا الواوات الأخرى فلها أحد تفسيرين:
التفسير الأوّل: الواوات بين (التين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين) بعضها عطف على بعض، ونتيجة هذا التفسير: أنّ القَسم واحد لا متعدد، حيث إنّه داخل من الناحية النحوية على الأوّل فقط.
فإن قلت: إنّ العطف بتقدير نية تكرار العامل، وهنا كأنّ العامل -وهو ــــــــــــ[626]ــــــــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 63.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
القسم- يتكرر بتكرار المعطوفات.
قلت: نعم، قد يكون العطف بتكرار العامل، ولكن في القَسم العامل غير موجود، فالعامل فقط الواو، وتكرار الواو بعد الواو العاطفة لا معنى له، فيكون القسم واحداً -وهو الواو- لا متعدداً.
التفسير الثاني: أن نقول: إنّ الواو للقسم، أي: أنّ كل واحد منها للقسم. وهذا لا بأس به.
لكن الإشكال هنا من ناحية أنّ الجملة عندهم على هذا التقدير لا تكون مترابطةً بنحو العطف إعرابياً. نعم، من ناحية المعنى لها ربط، فكأنّه نحو علّة من الجانب النحوي والبلاغي.
فإن قلت: إنّه يمكن التعاطف بتقدير حرف العطف أو التلفظ به.
قلت: إنّ من الحروف الأخرى للقسم، هما: (الباء، والتاء) فنقول: بالله وتالله استعملا للقسم، وأمّا استعمال الواو للقسم مع واو العطف وإن كان معقولاً -ثبوتاً- لكنّه يفسد الاستعمال؛ لسماجة تكرار الواوين في محل واحد، فنضطر لحذف واو العطف.
فإن قلت: إننا نقدّر واو العطف، ولا بأس به؛ لأنّها غير ملفوظ بها فلا يكون سمجاً.
قلت: نقدّر بما هو موجود، وما كان حال وجوده سمجاً ففي حال تقديره يكون سمجاً أيضاً؛ لأنّه يعود لما هو موجود حقيقة.
فإن قلت: إننا نقدّر حرف عطف آخر- غير الواو- مثل: ثُمَّ أو الفاء.
ــــــــــــ[627]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قلت: يحتاج إلى عناية اضافية؛ لأنّ ذلك يغيّر المعنى.
نعم، لو عاد الأمر لي لطعنت بالكبرى -أن تكون الجمل مترابطة- وإن لم يرضَ النحويون بذلك، فحينئذٍ تكون واوات القسم غير متعاطفة.
معنى ﴿سِينينَ﴾.
سينين أو سيناء: هما لفظان غير عربيين. وهنا إمّا أن نقول: إنّ الأولى تعبير عن سيناء لمصلحة النسق القرآني. وإمّا أن نقول: إنّهما معاً منحوتتان(1) من كلمة غير عربية لا نعلم أصلها؛ لأنّهم ينطقون بمزاجهم لا بالنطق الأصلي لها، فتنطق بأحد الشكلين وينتهي الحال.
نعم، على قراءة سيناء (وطور سيناء، وهذا البلد الأمين) توجد قضية غير مثارة في ذهن المتشرعة وأنا -بفضل الله – ملتفتٌ لها قبل عدة سِنين، وهي يمكن أن يقال على نحو الصغرى: إنّ لفظ(سيناء) مخلّ بالنسق القرآني، فإنّ ما يقتضيه النسق هو (سينين وهذا البلد الأمين) فالياء مع النون على تقدير أن تكون(سينين) نهاية آية مع نهاية آية (والتين والزيتون) حيث يحفظ النسق في الآيات الثلاث كلها، وأمّا إذا قلنا طورسيناء فسوف يختلف النسق بهذا، ولعلّه لا تصحّ القراءة حينئذٍ.
إن قلت: ليس هناك وضوحٌ أنّها من نهايات الآيات، بل توجد بعض ــــــــــــ[628]ــــــــــــ
معنى النحت في الاصطلاح: (أخذ كلمة من كلمتين متعاقبتين، واشتقاق فعل منها) ومن أمثلة النحت ما ذكره الخليل قائلاً: إنّ العين لا تأتلف مع الحاء في كلمة واحدة لقرب مخرجيهما، إلا أن يُشتَق فّـعِلٌ من جمع بين كلمتين مثل (حيّ على) كقول الشاعر: (أقول لها ودمع العين جار ألم يحزنك حيعلة المنادي) فهذه كلمة جمعت من (حيّ) ومن (على). انظر:كتاب العين، للخليل 16:1
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
القرائن على أنّها ليست كذلك؛ لذلك لم يجعلوها نهاية آية.
قلت: إنّ ما ذكرناه في هذا المورد هو قسم ثالث، ووجه مختلف، وهو على قراءة (سينين) تكون نهاية آية متكوّنة من كلمتين، وأمّا على القراءة الأخرى فليست نهاية لآية، وتكون متكوّنةً من أربع كلمات. وهذا لا بأس به، ولا يلزم منه تغيير النصّ القرآني.
هذا كلّه ممّا يخطر في البال، كما إني أعتقد أنّ القراءات المطبوعة الموجودة حالياً تختلف بنهايات الآيات عما عليه واقعاً، وهذا ليس من التحريف ولا محذور فيه.
أطروحة شاذّة:
هناك أطروحة وإن كانت شاذّةً ولكنها معقولة، وهي أنّ سينين أصلها (سين) وهي رمز لشيء ما، كما نقول: (س) من الناس، وكذلك نستعمل (س) في علم الجبر، فسين من الطور هو رمز دالٌ على شيءٍ، قد يراد منه هنا: إمّا الكُلِّي حقيقة، بمعنى: الكُلِّي في المعيَّن، أي: سين من الناس، فيكون بمنزلة الكُلِّي؛ لأنّه مقدّر في كل فرد من أفراد الإنسان. فهنا يراد طور ما، أي: جبل ما.
وإمّا المعيَّن في الكُلِّي، فيراد به جبل معيَّن، لكنّه نكِّر ورمز إليه احتراماً وتقديراً وتقديساً وأهمية له، وهذا معقول في نفسه.
إشارة:
قد ذكرنا أنّ صاحب الميزان ذهب إلى أنّ الطور هو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى×، وقلنا:إنّ المسألة ليست بهذه السهولة؛ لأنّ الله تعالى قد كلّم موسى× كثيراً وفي مواضع كثيرة؛ حتى سمّي كليم الله، وكليم صيغة ــــــــــــ[629]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مبالغة للذي يُتكلّم معه كثيراً.
وعليه: ليس من السهولة بمكان أن نحدده بموضع واحد، لكن يمكن تجاوز ذلك بعد أن نلتفت إلى نقطتين:
الأولى: بعد أن رجع موسى من رحلته وخدمته لشعيب في رعي الغنم – والتي طالت عشر سنين – زار أهله وبلاده خفيةً عن فرعون، فكلّم الله تعالى موسى× من الشجرة،وحينها بدأ الوحي بالنبوّة والرسالة،والمطمأن به أنّ موسى رجع إلى مصر وهي من شبه جزيرة سيناء المعروفة الآن بطور سيناء، وهذه نقطة قّوة.
الثانية: حين طلب موسى الرؤية من الله تعالى ﴿قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ نزل عليه الخطاب ﴿لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾.
والنفس أعظم من الجبل لأنّه لم يمت ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾(1) فظهر أقوى من الجبل. وهذه نقطة قوّة باعتبار أنّ (الطور) اسم الجبل.
ولكن الصعوبة في الطور وسيناء أحدهما مضاف والآخر مضاف إليه، فهل هما أمر واحد أو متعدد، ويترتب عليه كونهما منطقة واحدة أو منطقتين؟
قد يقال: إنّ الراجح كونهما منطقتين، ففي بداية النبوّة نزل موسى× في سيناء، لكنّه بعد ذلك نقل أصحابه إلى الصحراء عشرات الكيلومترات، ونزل ــــــــــــ[630]ــــــــــــ
سورة الأعراف، الآية: 143.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
جبلاً قريباً من القدس أو قريباً من البحر نسبياً، فالطور غير سيناء، فهل تؤخذ هذه الفكرة بلا دليل أو يجاب عنها؟
يمكن الجواب عنها بعدة أطروحات:
الأطروحة الأولى: أن نقول لا يراد من الجبل الجبل بالمعنى الكامل، فيمكن أن يكون صغيراً كهضبة ونحوها، وهذا من صحراء سيناء فلا بأس من اتحاد المكانين.
الأطروحة الثانية:على فرض تعدد المنطقة، إلّا أنّها في الحقيقة ليست متباعدة بصورة كبيرة، فالمسافة بينهما مثلاً: (100كم) أو أقل من ذلك، كالمسافة بين النجف وكربلاء، وإذا كانت المسافة بهذا النحو اعتبرت منطقةً واحدةً محصورةً بشيء، فإذا مال الذهن المتشرعي أن يعتبرهما منطقةً واحدةً، فلا محذور في ذلك، وإن كانا -حقيقةً – اثنين.
الأطروحة الثالثة: أنّ الاستبعاد الذي ذكرناه -وهو أنّ موسى نقل أصحابه عشرات الكيلومترات إلى الصحراء- نتنزل عنه، ونقول: يحتمل ذهابه إلى نفس النقطة التي أوحى الله له أوّل مرّة؛ لمصلحة هو يعرفها، فاحتمال أن يكون نزول الوحي قريباً من فلسطين لا وسط الصحراء، أطروحة معقولة.
الأطروحة الرابعة: بعد التنزل عن شيء آخر من المقدمات، نقول: إنّنا طبّقنا اسم سيناء على شبه جزيرة سيناء الحالية، مع أنّه ربّما كانت سيناء القديمة ثلث المنطقة التي كلّم الله تعالى موسى× فيها، لكن لا نعلم حدودها فانقطع خبرها.
ــــــــــــ[631]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قوله تعالى: ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الأمين﴾.
قال في الميزان: (والمراد بهذا البلد الأمين مكّة المشرفة؛ لأنّ الأمن خاصة مشرعة للحرم وهي فيه، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِنا﴾(1)(2).
أقول: في قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِنا﴾ لمادة (الأمن) منشآن أو سببان للانتزاع: سبب تشريعي وسبب تكويني، أمّا الثاني فعندما نقول: نحن آمنون يفهم منه عدم الضرر الواقع علينا،أي: لا تعدّي ولا ضرر علينا، فالأمان تكويني.
وأما السبب التشريعي، فهو حرمة القتل في الحرم المكّي.
فهل المراد هنا السبب التكويني أو التشريعي؟
قد يقال: إنّ الأمن التشريعي في الإسلام، وليس ما قبل الإسلام، لكن هذا مردود؛ لأنّ الأمن كان موجوداً في الحرم قبل الإسلام من مئات السنين، كما قال تعالى: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾(3)(4) فهنا الأمن تكويني لا تشريعي.
فإن قلت: إنّ المرتكز عند أهل الجاهلية أنّ الحرم المكّي آمن لا يجوز القتل فيه، فرجعنا إلى الأمر التشريعي، وإن كانت الجهة غير الإسلام،أي: كانت الجهة بشريةً.
ــــــــــــ[632]ــــــــــــ
( ) سورة العنكبوت، الآية:67.
( ) تفسير الميزان ٢٠:٣١٩.
( ) سورة العنكبوت، الآية:67.
( ) قال صاحب الكشاف: (كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضا، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارّون فيها آمنون لا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله بهذه النعمة الخاصة بهم) الكشاف3: 461.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قلت: نعم، يُظن بذلك؛ ولذا لم يحصل سلب أو قتل فيه، ومن الشواهد عليه أنّ السّيد الطباطبائي يستشهد بدعاء ابراهيم× ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنا﴾(1) حيث يفهم من ظاهر عبارته أنّه يذهب إلى أنّ الأمن تشريعي وليس تكوينياً يعمّ البلاء من وحوش وسباع ولصوص، وغيرهم.
لكن هذا وحده غير كافٍ؛ لأنّ الذي خصّ الحرم بجعل هذا الارتكاز في الأذهان هو الخوف من انتهاك الحرم عند نفوس الناس، فحصل الأمان التكويني.
نعم، قد يكون السبب في هذا الأمان التكويني هو الأمان التشريعي نفسه، فهم كانوا يشعرون بحرمة الحرم، لا لكون ذلك من الدين- لأنّه لا دين لهم آنذاك- بل هو من جملة تقاليدهم وعاداتهم.
سؤال: ما هو المفهوم البلاغي لقوله: (هذا)؟
جوابه:أنّ الإشارة بهذا فيه تثبيت الاحترام والتشريف للبلد الأمين وهو مكة، قال صاحب الميزان: (وفي الإشارة بهذا إلى البلد تثبيت التشرّيف عليه بالتشخيص و توصيفه بالأمين)(2).
لكن هذا الزعم متوقّف على القياس الاستثنائي؛ لأنه لو لم يحترمه لما قال (هذا)، وبما أنّه قاله فهو يحترمه.
إن قلت: إنّ الاحترام يفهم من (الأمين) ولا دخل للإشارة في الاحترام.
ــــــــــــ[633]ــــــــــــ
( ) سورة إبراهيم، الآية: 35.
(2) تفسير الميزان ٢٠: ٣١٩.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
قلت: إنّ الاحترام يفهم من السّياق، فإنّ السّياق مشّعر بالاحترام من خلال الإشارة بهذا فلو قال: البلد الأمين فقط لتغيّر المعنى، فالأصل في الألف واللام جنسية لا عهدية.
سؤال: عن الأمين؟
جوابه: قال في الميزان: (و توصيفه بالأمين إمّا لكونه فعيلاً بمعنى الفاعل ويفيد معنى النسبة، و المعنى ذو الأمن، كاللابن و التامر. وإمّا لكونه فعيلاً بمعنى المفعول و المراد البلد الذي يؤمن الناس فيه، أي: لا يخاف فيه من غوائلهم ففي نسبة الأمن إلى البلد نوع تجّوز)(1).
أقول: صحيح أنّ الأمين بمعنى اسم فاعل، أي: الآمن من أمن الرجل فهو أمين، لكنّه هنا بمعنى اسم المفعول، أي: مأمون،من (أمنه)، أي: لم يخفه، فتكون البلايا والرزايا مدفوعة عنه، واستعمال اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول ليس بعزيز،كقوله تعالى ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾(2) أي: مدحوضة.
مضافاً إلى أنّ الأمين بمعنى الآمن (اسم الفاعل) هو ما كان سبباً للأمن والأمان. وإذا لم يكن سبباً للأمان يكون حينئذٍ مؤمَّن من قبل غيره، وهذا هو الاحتمال الأوّل.
الاحتمال الثاني: حسب فهم صاحب الميزان&(3) فعيل بمعنى مفعول،
ــــــــــــ[634]ــــــــــــ
( ) تفسير الميزان ٢٠: ٣١٩.
( ) سورة الشورى، الآية: 16.
( ) نهج البلاغة: الخطبة رقم 126.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فهم فاعلون للأمان لا أنّهم منفعلين بالأمان، فرجع اسم المفعول إلى اسم الفاعل، مع العلم أنّهما مختلفان.
وقوله: (ففي نسبة الأمن إلى البلد نوع تجوّز)(1) نِعْمَ ما قال(2)، لكن إذا قلنا: إنّ المراد بالبلد هو المسكون لا أرضه وسمائه، فلا يكون تجّوزاً، كما إذا قلنا في تفسير قوله تعالى ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾(3) أسألوا أهل القرية، فإنّهم موجودون في معنى القرية حقيقة.
أطروحة:
وهي أنّ البلد الأمين لا يراد به مكة خاصةً، بل يراد به كل بلد متّصف بالأمان، فتكون الألف واللام في البلد جنسية لا عهدية، وهذا ينافيه أمران:
الأمر الأوّل: المانع التكويني.
الأمر الثاني: المانع اللغوي:باعتبار أنّ وجود اسم الإشارة (هذا) يدلّ على أنّ اللام عهدية، وحيئنذ يكون المقصود بالبلد الأمين الحرم المكّي خاصّة. أمّا فهم الجنس فهو فهم لمعنى باطني، وهو معقول وغير متعذّر، ويمكن أن يقرب بالتقريب التالي:قيل في علم الأصول(4): إنّ أسماء الإشارة، وكذا بعض الضمائر، وضعت ليشار بها إلى معانيها، فإنّ رجع اسم الإشارة إلى معنى جزئي كان المعنى جزئياً، وإن رجع إلى معنى كلّي كان كلّياً؛ لأنّ الإشارة إلى المعنى الجزئي بإشارة كلّية غير صحيح، والعكس كذلك، فإذا فهمنا أنّ ــــــــــــ[635]ــــــــــــ
( ) نهج البلاغة: الخطبة رقم 126.
(2) لأنّ نسبته إلى البلد مجازية فالمأمون حقيقة الناس لا البلد.
(3) سورة يوسف، الآية: 83.
(4) انظر: كفاية الأصول ۱: 16.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الألف واللام في البلد جنسية لا عهديةً فحينئذٍ تكون الإشارة للمعنى الكلّي لا الجزئي، فلا تنافي في المقام.
أطروحة في فهم (البلد الأمين):
يمكن أن نتوسّع في فهم البلد الأمين- ولا نذهب إلى ما ذهب إليه صاحب الميزان(1)- من خلال النظر إلى معنى الأمن في الآية، فالأمن إمّا تكويني وإمّا تشريعي، وعليه: فإنّ البلد الأمين يمكن أن يكون شاملاً لكلّ منطقة وكيان يتوفّر فيه الأمن والأمان التكويني والتشريعي، كالمراقد المقدّسة فإنّ فيها أماناً تكوينياً، كما ورد عن أمير المؤمنين مخاطباً الكوفة: (وإني لأعلم أنّه ما أراد بك جبار سوءاً إلّا ابتلاه الله بشاغل ورماه بقاتل)(2) وآخر تشريعياً وهو وجوب احترامها وتقديسها.
وهذا كالمؤمن إذا وصل إلى درجة بالغة في الإيمان، فإنّ أمانه التكويني عصمته من الشبهات والضلال حيث وصل إليها بالتسبيب الإلهي، وأمّا الأمان التشريعي فإنّ مثل هذا -المؤمن- لا يجوز قتله أو جعله في مزلق البلاء.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الاِِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْويم﴾:
معنى التقويم:
التقويم: إمّا ما يقوم به الشيء ويثبت. وإمّا من القوامة، أي: جعله قيماً.
ــــــــــــ[636]ــــــــــــ
( ) حيث قال:(والمراد بهذا البلد الأمين مكة المشرفة؛ لأنّ الأمن خاصة مشرعة للحرم وهي فيه).
(2) انظر: شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد 1: 286.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وإمّا التقويم من الزمان، وهو اعطاء قيمة للزمان. وإمّا مطلق القيمة، بمعنى:القيمة الأخلاقية والأهميّة الأخلاقية.
وكلّ هذا معقول وموجود في الإنسان بأحسن صوره، ومن هنا تكون لدينا عدة أطروحات محتملة، فنأخذ هذه الأطروحات تباعاً:
الأطروحة الأولى: جعل الإنسان ذا قوام، أي: جعل ذاته أحسن الذوات على الإطلاق، وهو مطلب صحيح، والآية بإطلاقها تشمل كل ما خلق الله، فالإنسان خير الخلق وأعلاه وأحسنه لو وصل إلى روحه العليا وتجلّت له تلك الروح فيعرف قدّره.
الأطروحة الثانية: التقويم من القوامة، وهو على شكلين: إمّا فاعل فيها أو منفعل بها، والفاعل بمعنى: القيّم. والمنفعل بمعنى: ما وضع عليه قيم.
وعليه تكون لهذه الأطروحة صورتان:
الصورة الأولى: أنّ نلاحظ القيم بمعنى المدبَّر (منفعل) وعليه قيم. والقيم: هم الأنبياء، أو المعصومين على العموم أو الخصوص، أو الشريعة العادلة. وأصناف من عليه قيم تكون على أطروحات.
الصورة الثانية: أنّ نلاحظ القيم بمعنى المدبِّر (الفاعل) أي: إعطاء أحسن القيمومة، وهذا مطلب صحيح، وكلّ مراتب الإنسان تكون كذلك، فالإنسان سخّر الله له كلّ شيء، وأعطاه عقلاً يتصّرف فيه أكثر من غيره، فهو يتصّرف بما في الأرض، فيكون من النعم الأكيدة عليه.
الأطروحة الثالثة: وهي أن يكون التقويم بمعنى الزمان، ومعه قد يقال: إنّ التقويم ليس بأصل اللغة فإنّه غير موجود في الجاهلية فهو لفظ متأخر. لكنني أفهم أنّ لفظ التقويم مأخوذ من مادةٍ عربيةٍ (قيمة) أي: تقويم الذات ــــــــــــ[637]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وتثبيتها أو إعطاء قيمة التقييم، وعلى كلا التقديرين هو معنى إثباتي للتعَرُّف على الزمان وليس ثبوتياً؛ لأنّ المعنى الثبوتي هو نفس الزمان، فالتقويم هو التعرّف على الزمان، أي: التعّرف على تركّب خلق الإنسان في أحسن زمان، وهو صحيح؛ لأنّنا لابدّ لنا من التعَرُّف على الحكمة الإلهية ولو إجمالاً، فاختار الله أفضل الأزمنة لوجودنا.
والمتكلّم قد يقصد من الإنسان النوع وقد يقصد الفرد، فمع قصد النوع لا يمكن إنكار خلق البشرية في أحسن زمان لها، فالنوع في أحسن زمان، وهذا لا نعلم به إلّا إجمالاً، سواء دلت عليه الآية أم لم تدل عليه.
ومع قصد الفرد فمعناه: قد خلقني في أحسن زمان وظرف، وهذا واضح إلى حدٍّ معتدٍّ به.
الأطروحة الرابعة: التقويم بمعنى مطلق القيمة الأخلاقية والأهميّة الأخلاقية. والمعنى أنّ الإنسان في أحسن قيمة أخلاقية، وهذا في نفسه صحيح أيضاً.
إن قلت: ليس كلّ الناس في أحسن تقويم، فالقيمة لأكثرهم متدنية؟
قلت: نحمل ذلك على أحد أمرين:
الأمر الأوّل: أنّ نقيِّد (أحسن تقويم) بالاقتضاء لا بالعلّية والفعلّية، فالاقتضاء بالقيمة الأخلاقية موجود لكل البشر والطريق سهل.نعم، هو ملغوم.
الأمر الثاني: أنّ نحمل الإنسان على بعض الإنسان، ونعني به: الإنسان المطلق لا مطلق الإنسان، ومنه ما ورد عن أمير المؤمنين: (أخفى وليّه في ــــــــــــ[638]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
عباده)(1)( ).
قوله تعالى:﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلين﴾:
سؤال: إنّ جملةً من الناس لم يردّوا أسفل سافلين، بل كانوا في جانب العلو مرتفعين، مع أنّ إطلاق الآية شامل للجميع، وإن تنزلنا وقلنا إنّ كثيراً منهم يتسافل ولكن لا يتسافل إلى نهاية السفولة بل إلى منتهى ما يتصوّر، إلّا أن يراد به البعض الأقلّ، وهو خلاف إطلاق الآية الكريمة، فلماذا كان التعبير القرآني بأسفل سافلين؟
وللإجابة عن ذلك نقول:ينبغي الاطّلاع على المعاني اللغوية لمادة (ردَّ وسَفُل) وضمّها إلى الأطروحات المحتملة لفهم الآية وتشخيص المراد.
قال الراغب(2)( ): (الردّ: ردّ الشيء بذاته، أو بحالة من أحواله يقال: رَدَدْتُه فَارْتَدَّ) أي: يصرف إلى غير جهة همته إمّا بذاته وإمّا بصفته، من قبيل المريض ترد إليه صحته.
ثم قال: (والارْتِدَادُ والرِّدَّةُ: الرّجوع في الطَّريق الذي جاء منه، لكن الرّدّة تختصّ بالكفر، والارتداد يستعمل فيه وفي غيره، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ﴾(3)( )، وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِه﴾(4)( )، وهو الرّجوع من الإسلام إلى الكفر ). و يسمى المرتدّ في هذه الصورة بالمرتدّ المليّ، وهناك قسم آخر من المرتدّ، وهو المرتدّ الفطري، أي
ــــــــــــ[639]ــــــــــــ
( ) ميزان الحكمة 3: 188.
(2) مفردات الفاظ القرآن الكريم:349
(3) سورة محمد، الآية: 25.
(4) سورة المائدة، الآية: 54
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
المولود على الكفر فلم يجئ إلى الإسلام ولم يرجع عنه. وإطلاق المرتدّ على الفطري فيه تجوز ظاهر لغةً كما لا يخفى.
ومادة (ردّ) لها معنى واحد في أصل اللغة فلا تؤثّر اختلاف الهيئات في معنى المادة، إلّا في بعض الانطباعات العرفية.
وفي حدود فهمي أنّ الردّة هي الرجوع. غاية الأمر: أنّ الرجوع له خصائص قد تلحظ واحدة ًفي شيء وواحدة ًفي شيء آخر.
فالخصيصة الرئيسية الأولى: هي الرجوع بعد المجيء.
والخصيصة الثانية: هي أنّ الإنسان عندما يرجع يدير ظهره عرفاً وغالباً. وكل واحد منهما رجوع،أي سواء أدرت ظهرك أو رددت ظهرك فقد رجعت عني، فمن الأول جاء ورجع المرتد الملّي إلى الكفر بعد الإسلام، ومن الثاني -الفطري- أعرض ودار ظهره عن الإسلام، فهو معرض عن الدين.
والرجوع الضروري قد يكون علّياً أو اقتضائياً،أمّا الاقتضائي فنمّثل له بالشيء الذي لا يكون فيكون لعدم المانع، فالله يرد القضاء وقد أبرم إبراماً، وردّه إقتضاءه، فالمقتضي للبلاء موجود، ولكن الله سبحانه يردّه بما يمنع من تحقيق المقتضي.
وأمّا العلّي: فنمّثل له بمن صار غنياً بعد فقر ونحوه، فرجعت عنه الصفة. أمّا الرجوع الاعتيادي-كما يعبّر اللغويون- بنحو العلّية لا بنحو الإقتضاء فلا معنى له؛لأنّه إذا لم يصل لا يرجع.
ــــــــــــ[640]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مادة (سفل):
قال الراغب: (السفل ضدّ العلوّ وسفل فهو سافل)(1) أقول: السافل إمّا مكاناً وإمّا شأناً، وكل بحسبه. والعلوّ له عدة معانٍ: العلو المكاني، أو الزماني، أو السيطرة على الأشياء.
ثم قال الراغب: قال تعالى ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾(2). وأسفل ضدّ أعلى قال تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾(3) وسفل صار في سفل، وقال تعالى: (ثم رددناه أسفل سافلين). وقال: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾(4) وقد قوبل بفوق في قوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾(5) وسفالة الريح حيث تمر الريح، والعلاوة ضدّه، والسفلة من الناس النذّل نحو الدون، وأمرهم في سفال.)(6) أي:نحو تنازل.
قال في الميزان: (أسفل منصوب بنزع الخافض)(7). لكن في مقابل ذلك احتمالات أخرى، والقول بنزع الخافض لا يكون إلّا بالانحصار، فإذا كان له سبب آخر فهو مقدّم على سبب نزع الخافض لما بيّن في محلّه. ويمكن تصور الأسباب على أنحاء:
ــــــــــــ[641]ــــــــــــ
( ) مفردات الفاظ القران الكريم: 234.
(2) وفي رواية فأدخل جناحه تحت الأرض، فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة، ونباح الكلاب، انظر: مجمع البيان 5: 316.
(3) سورة الانفال، الآية: 42.
(4) سورة التوبة، الآية:40.
(5) سورة الأحزاب، الآية:10.
(6) مفردات الفاظ القرآن الكريم: 234.
(7) تفسير الميزان 20: 320.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
منها الحالية: حال كونهم أسفل سافلين، ثٌمّ رددناهم وفي حال ردّتهم كانوا أسفل سافلين.
منها الظرفية: وهو ظرف بالدقَّة العقليّة والمنطقيّة، بل حتّى لو تنزلنا عن حكم العقل والمنطق فيمكن إعطاءه معنى مجازياً فهو ظرف مجازي لا نحوي، وبذلك يظهر عدم انحصار كونه منصوباً بنزع الخافض، بل هو احتمال في مقابله احتمالان.
وأسفل هو ظرف منصوب على الظرفية، وكونه منصوباً على نحو نزع الخافض غير منحصر به، فيندفع هذا المعنى بالقاعدة النحوّية، كما أشرنا إليه.
أمّا معنى الآية ففيه عدة أطروحات، إلّا أنّ المشهور منها اثنان:
الأطروحة الأولى: تحوّل الإنسان من حال الصبا و الشباب إلى حال الشيب والهرم، أي: فجعلناه شيخاً لا يدبّر أموره فخرف.
الأطروحة الثانية: تحويل الإيمان إلى الكفر.
والأطروحة الأولى عليها عدّة إشكالات:
الإشكال الأوّل: أنّ هذا التحوّل لا يشمل جميع الناس، فالكثير منهم يموتون قبل الشيخوخة ولم يمرّوا بمرحلة الهم والهرم في حين إنّ إطلاق الآية شامل لكل الأفراد، فلا يكونوا قد وصلوا إلى أسفل سافلين.
الاشكال الثاني: ما ذكره في الميزان(1) لا يلائمه قوله تعالى: ﴿إِلا الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحات﴾(2).
فإن قلت: إنّ المستثنى منه متّصل فيصحّ القول: إنّ الذين آمنوا ــــــــــــ[642]ــــــــــــ
( ) انظر: تفسير الميزان20: 320.
(2) سورة الشعراء، الآية:227.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
يفسدون، فإذا كان الاستثناء متّصلاً -أي: أنّ المستثنى من نوع المستثنى منه- فالإشكال وارد.
أما إذا كان الاستثناء منقطعاً -أي: أنّ المستثنى ليس من نوع المستثنى منه- فيندفع الإشكال، ويكون الجواب جيّداً.
قلت: إذا دار الأمر بين المتصل والمنقطع،فيبنى على كون الاستثناء متصلاً كما هو الأصل والظاهر، وإن كان المنفصل له ربط ما، كما في قولنا: (جاء القوم إلّا حماراً) إذ كان الناس مع حيواناتهم يجتمعون في مكان واحد،إلّا أنّه ليس مراداً؛لأّنه بعيدٌ في نفسه. وأمّا لو كان الاستثناء مبايناً فلا ربط للمستثنى بالمستثنى منه، فالآية ﴿إِلا الَّذينَ آمَنُوا﴾ ابتداء بمعنى جديد، ولابدّ حينئذٍ من تنزيه كلام الحكيم سبحانه عن اللغوية.
استدراك:
نقل في مجمع البحرين: أنّ سيناء أو سينين اسم شجرة، حيث قال: (معنى طور سيناء أنَّه كان عليه شجرة الزيتون، و كلّ جبل لا يكون عليه شجرة الزيتون أو ما ينتفع به الناس من النبات أو الأشجار من الجبال فإنّه يسمّى جبلاً و طوراً،ولا يقال طور سيناء و لا طور سينين)(1).
ونُقل عن الأخفش أنّه قال: (سِينِينَ جمع بمعنى شجر واحدته سينينة. وقرأ سَيناء بالفتح وقرى طور سيناء،وسيناء بالفتح والكسر، والفتح أجود في النحو)(2).
ــــــــــــ[643]ــــــــــــ
( ) مجمع البحرين 3: 379.، باب الطاء.
( ) انظر: روح المعاني 15: 394، لسان العرب 13: 230.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وقال أبو علي الفارسي: (إنّما لم ينصرف و إن كان غيرَ مؤنث؛ لأنّه جعل اسمَ بقعة أو أرض؛ فصار بمنزلة امرأةٍ سُمّيت بجعفر)(1) فلم يقل طور سَيناء؛ لأنّ فيه العلمية، فمنع من الصرف،وإذا لم يجعل اسماً عَلَماً فلا يكفي لمنعه من الصرف اعتبار الأعجمية وحدها.
ويمكن التعليق على ما تقدّم:
أوّلاً: إنّ عبارة مجمع البحرين(2) خالية من قول الأخفش والفارسي، والموجود في المجمع في باب السين: (سينين) قال الشيخ البهائي: (قال الشيخ العارف مجد الدين البغدادي: قال: رأيت النبيّ| في المنام فقلت ما تقول في حقّ ابن سِينَا؟ فقال|: هو رجل أراد أن يصل إلى الله بلا وساطتي فحجبته هكذا بيدي، فسقط في النار)(3).
ثانياً: نطبّق القاعدة الصحيحة على فهم الأخفش، فنقول: لا نأخذ بفهم في طول القرآن ولكن نأخذ القرآن المتقدم اجتماعياً ولغوياً، والأخفش حينما قال: (سِينِينَ جمع بمعنى شجر) إنّما استنتج بعد نسبة الآيات بعضها إلى بعض، واستنتاجه وإن كان حسناً، لكن يحتمل أن يكون تفسيراً أو تأويلاً من قبله، وهذا الاحتمال يبطل الاستدلال، خصوصاً بعد ملاحظة أنّ (سينين) ليست شجرةً في أصل اللغة.
ثالثاً: أنّ طور سينين يصبح (أشجار) فيكون المعنى جبل الأشجار، ــــــــــــ[644]ــــــــــــ
( ) الفائق فى غريب الحديث 3:448، الحديث 4.
(2) طبعة النجف.
(3) مجمع البحرين 6: 270، باب السين.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وإذا كان كذلك فيناسبه دخول الألف واللام؛ لأنّنا نقول جبل الأشجار لا جبل أشجار، وهو وإن كان صحيحاً لكنّ الأوّل أفصح.
رابعاً: قال الأخفش (سيناء بالفتح والكسر والفتح أجود في النحو) والسؤال هو ما ربط النحو بمسألة فتح السين وكسرها؟! فإنّ النحو إنمّا يبحث في إعراب أواخر الكلمات. نعم، فتح السين وكسرها مسألة داخلة في علم الصرف، ولا ربط للصرف بعلم النحو.
إن قلت: إنّه مجاز، إذ قد يشتبه بين الصرف والنحو.
قلت: هذا من وظيفة الصرف، والصرف موضوع لأجل اشتقاق الأوزان، وليس كلمة طور سيناء لها اشتقاق، فهما لفظان لمعنى واحد تركيبي بنحو الإضافة، ونسبته إلى الصرف والنحو لا يمكن قبولها؛ لأنّ أصله غير عربي، واللغة تبحث عمّا كان عربياً،وإن بُحثت في غيرها استطراداً.
قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ* ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾:
والخطوة الأولى هي أنّنا نسأل هل هناك شكل من أشكال وحده السّياق بين هذين الوصفين؟ فأحسن تقويم الذي يعدّ وصفاً جيداً يلحقه ما وصف وصفاً رديئاً وهو أسفل سافلين، فيخرج الإنسان من كونه في أحسن تقويم، فوصف جيّد -أحسن تقويم – وآخر رديء- أسفل سافلين، فعندما كان في أحسن تقويم لم يكن في أسفل سافلين، فالجهتان متنافيتان.
أقول: ليس المطلب كذلك؛ لأنّ فيه عدّة احتمالات، فظهور كلمة (خلقناه) فيها إشارة إلى التكوين للذات، بمعنى: كون ذاته على أحسن شيء متصّور. وأسفل سافلين، بمعنى: في أسفل سافلين، فالظرف الذي يكون فيه ــــــــــــ[645]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ليس ناظراً إلى ذاته؛لأنّ السفل منصوب بالظرفية أو بنزع الخافض.
وعلى هذين فكل منهما سوف يكون راجعاً إلى معنى، ولا يكون أحدهما عين الآخر، فالأول إلى الذات والثاني إلى الظرف، أو كلاهما إشارة إلى الذات، فالأول لها وكذا الآخر،أو كلاهما يكون فيه إشارة إلى الظرف.
لكن في جميع هذه الأمور لا يمكن أن يكون إشارةً إلى المكان بالرغم أنّ حرف الجر (في) في الأول لا في الثاني، فلا يقال: إنّ الأول للمكان والثاني للذات، فإنّه غير صحيح؛ إذ لا يمكن أن تكون (أحسن تقويم) إشارة ً إلى المكان.
وقد يؤوّل( في) فيكون بمعنى الباء، فتكون بمعنى: خلقناه بأحسن تقويم، إلّا أنّ هذا لابدّ من نفيه، فإنّ أسفل سافلين هو الهيولى الصرفة غير العاقلة، وليست هي الإنسان العاقل، ولا أقل من كونه خلاف الوجدان.
إذاً، يراد به الظرف لا الخلقة، فرجعنا إلى ماسبق من كون الأول للخلقة والثاني للظرف، فلا منافاة بينهما وإن كان الإنسان في أغلب أفراده قد يصل إلى أسفل سافلين، لكن لا يخرج عن كونه خُلق في أحسن تقويم.
أطروحات لفهم التقابل في الآية:
الأطروحة الأولى: أن نفهم الشيب والهرم والخرف في مقابل الشباب، فهل هذا صحيح أم لا؟ فيه أكثر من إشكال:
أولاً: الإشكال في الفقرة الأولى، فهل يستفاد من أحسن تقويم الشباب؟ فإنّ هذا من الصعب القول به؛ لأنّ الناس قد لا يصلون إلى الشباب، بل يموتون في مرحلة الطفولة.
إذن، هو بحاجة إلى قيد، والتقييد خلاف الظاهر، فلا ضرورة ولا تعيّن ــــــــــــ[646]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
له بعد فهم الأطروحات الأخرى.
ثانياً: ما ذكره في الميزان: (وقيل: المراد بخلق الإنسان في أحسن تقويم ما عليه وجوده اوآن الشباب من استقامة القوى وكمال الصورة وجمال الهيئة، وبردّه إلى أسفل سافلين يردّ إلى الهرم بتضعيف قواه الظاهرة والباطنة ونكس خلقته، فتكون الآية في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ﴾(1) وفيه: أنّه لا يلائمه ما في قوله: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ من الاستثناء الظاهر في المتصل، فإنّ حكم الخلق عام في المؤمن والكافر والصالح والطالح. ودعوى أنّ المؤمن أو المؤمن الصالح مصون من ذلك مجازفة، وكذا القول بأنّ المراد بالإنسان هو الكافر، والمراد بالردّ ردّه إلى جهنم أو إلى نكس الخلق والاستثناء منقطع. قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي غير مقطوع،فهو استثناء متصل من جنس الإنسان، وتفريع قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ عليه يؤيّد كون المراد من ردّه إلى أسفل سافلين ردّه إلى الشقاء والعذاب)(2).
وهذا له جوابان من كتب العامّة(3).
الجواب الأوّل: أنّ الذين آمنوا إن وصلوا إلى الشيب فهم يثابون على نفس أعمالهم السابقة، أو يعطون حسب النيّة؛ لأنّ الله يعلم بنواياهم، فحينئذٍ يعطي ثواب شبابه لو صحّ التعبير. وهذا بحاجة إلى تقييد، وهو غير موجود، والظاهر لا يساعد عليه.
ــــــــــــ[647]ــــــــــــ
( ) سورة يس، الآية: 68.
(2) تفسير الميزان 20: 320.
(3) انظر: كتاب العمر والشيب لابن أبي الدنيا: 15.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الجواب الثاني: الذين آمنوا لا يحصل لهم خرف؛ لأنّ أسفل سافلين هو الهرم مع الخرف. نعم، الذين آمنوا يبقون على إحساسهم وعقلهم؛ لأنّهم عملوا صالحاً. وهذا قابلٌ للمناقشة لأمور:
أوّلاً: أنّ حصول الهرم بدون خرف ليس أكيداً.
ثانياً: ظهور نوع الإنسان في ذينك الأمرين، فكل إنسان يبدأ بأحسن تقويم ثُمّ بأسفل سافلين وليس بعضهم.
ثالثاً: أنّ من وصل إلى درجات عالية لا يخرف بعنوان كونه (من الذين آمنوا) فإنّ هذا ينافي عموم الآية؛ لكون المراد بالإنسان مطلق الإنسان.
وقد يقال: يراد به الإنسان المطلق، بمعنى: يشمل الكافرين وأشباههم، لكنّه هنا مرجوح بحسب القرائن، فيكون حصّةً قليلةً من (الذين آمنوا) لا ينالهم الخرف، وعليه: هذه الأطروحة – الهرم، والخرف، والشيب – غير تامةٍ.
الأطروحة الثانية: المراد بأسفل سافلين العقاب الإلهي، وحسب منهج المتشرعة الحساب هو العقاب. وهذا ثابت ( فالذين آمنوا) لا يعاقبهم، ولكن مطلق الإنسان يُعاقب حتّى لو خُلق في أحسن تقويم. وهذا يتوقّف على بعض التقييدات:
منها: سياق الآية يقتضي أن يكون طبع الإنسان على ذلك مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود﴾(1)، ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعا﴾(2) فكذلك الصيغتان من طبع الإنسان، فيكون أسفل سافلين، بمعنى: الفسق وحبّ الدنيا، وهما ــــــــــــ[648]ــــــــــــ
( ) سورة العاديات، الآية:6.
(2) سورة المعارج، الآية:19.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
من موجبات العقاب، وهذا كلّه من طبع الإنسان إذا صحّ لهم فهمه من السّياق.
وأمّا من الفعل الإلهي مع عدم القرينة على فهم الطبع الإنساني، فيجعل خصوص المستحقّين (أسفل سافلين)، أي: رددنا المستحقّين إلى العقاب.
والاستثناء هنا منقطع؛ لأنّ الناس الذين آمنوا غير مستحقّين للعقاب، وكونه منقطعاً خلاف الظاهر.
فإن قلت: نستطيع المحافظة عليهما، فالعقوبة واتصال الاستثناء إن كان من جهة أسفل سافلين حينئذٍ يكون الاستثناء متصلاً، لكن العقوبة على درجات فبعضها دقّيّة وليست جهنمّيةً، فهي لا تختصّ بالنار، بل متعددة ومندكة جدّاً، فيصير المعنى: أنّ الذين يعاقبون ولكن ليس بالنار، بل بشيءٍ أهون من النار، وحينئذٍ يكون الاستثناء متصلاً وشاملاً لمن يستحقّ النار ومن لا يستحقّ النار، وهم -الأخير- الذين آمنوا.
وجوابه: هذا خلاف الظاهر أيضاً، فليس المراد بأسفل سافلين المعنى الدقي، فإذا كان كذلك رجع الاستثناء متّصلاً؛لأنّ الذين آمنوا لا يستحقّون عقاب أسفل سافلين.
الأطروحة الثالثة: المراد بأسفل سافلين (البلاء الدنيوي)؛ لأنّ كل فرد لابدّ أن يمرّ بأقصى ما يتحمل من البلاء -وهذا بحسب فهمي- يجعله قريباً من أن يضجر كائناً من كان، سواء أكان مسلماً أم كافراً،فلابدّ من عصره في الدنيا، مع العلم أنّ كثيراً منهم يسقطون في الامتحان. فالمراد بأسفل سافلين هنا أقصى ما يتحمل من البلاء الدنيوي، وإن كان لا يستمر طيلة فترة حياته، لكن لا بدَّ منه.
ــــــــــــ[649]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
وحينئذٍ نتقدّم في الأطروحة، ونقول: إنّ الإنسان بما أنّه خُلق في أحسن تقويم جُعل في ظرف يتحمل أقصى بلاء ممكن من بلاءات الدنيا، ولو خُلق بشكل أردأ لما وصل إلى أسفل سافلين.
ولذا فإنّ الحيوان أو الجنّ أو الملائكة أوالمادّة، كلّ هؤلاء لا يصلون إلى البلاء الذي يراه الإنسان ويصل إليه؛ لأنّ الحكمة تقتضي تمحيص الإنسان في سبيل تربيته، وكلّما كان الإنسان أفضل خلقياً وعملياً خُصّ أكثر بالبلاء، ولذا ورد (ما أوذي نبيّ قطّ مثل ما أوذيت)(1)، وورد أيضاً ((الأنبياء أشدّ الناس ابتلاءً)(2).
الأطروحة الرابعة: قد يقال عالم المادة فيه قطبان: سالب وموجب، فالقطب السالب سافلٌ نازلٌ دانٍ وهو عالم المادة، والقطب الموجب عالٍ جدّاً، وهو عالم الروح الأعلى، أي: خُلق هناك بأحسن تقويم، ثٌمّ حُشر في عالم المادة وادخلت روحه في سجن وظلمة الجسم، كما ورد (الدنيا سجن المؤمن)(3)، أو في أبيات لأبي العلاء المعري:
أَراني في الثَلاثَةِ مِن سُجوني
فَلا تَسأَل عَنِ الخَبَرِ النَبيثِ
لِفَقدِيَ ناظِري وَلُزومِ بَيتي
وَكَونِ النَفسِ في الجَسَدِ الخَبيثِ
ــــــــــــ[650]ــــــــــــ
( ) كنز العمال ١٧: ١٦٦، ميزان الحكمة 4: ٣٢٢٨.
(2) ورد في الحديث: (قيل: يا رسولَ اللهِ! أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟ قال: الأنبياءُ، ثم الصالحون، ثم الأمثلُ فالأمثلُ، يُبتلى الرجلُ على حسبِ دِينِه، فإن كان في دِينِه صلابةٌ، زِيدَ في بلائِه، وإن كان في دِينِه رِقَّةٌ، خُفِّفَ عنه ولا يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ حتى يمشي على الأرضِ وليس عليه خطيئةٌ) انظر: صحيح الجامع للالباني:996.
(3) ميزان الحكمة 2: 908. نقلا عن كنز العمال.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الجسم الخبيث (أسفل سافلين) فهو يشكو من ذلك،ولكن لا اعتراض على ذلك؛ لأنّ ذلك مقتضى الحكمة.
ولتكاملنا نفهم من أسفل سافلين كونه ردّاً اقتضائياً للكفر والفسوق لا فعلياً من قبيل قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فقد علّمه تعليماً اقتضائياً للحقّ والباطل فهو يستطيع أن يطبّق أيَّاً منهماً، وهذا موجود لكل فرد، بعضم أخذ به، وبعضهم دفعهم لإيجاد العمل الصالح حيث خرج من الاقتضاء.
وهذه الأطروحة معتدٌ بها، ولكن لا بدَّ من التقييد بقيدٍ ارتكازي وهو رددناه ردّاً اقتضائياً، فيتعيّن القيد مع الانحصار في الأطروحة، ولكن يمكن الاعتماد على الأطروحات السابقة؛ لأنّ الاستثناء فيها متّصل لا منفصل، كما في (جاء القوم إلّا زيداً)؛ لأنّ الذين آمنوا من الناس قطعاً، وعليه: كلّ الأطروحات السابقة يكون الحكم فيها عاماً،والاستثناء متّصلاً لا منفصلاً.
قوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾:
نختار أهمّ التساؤلات في المقام.
معنى الصالحات:
توجد تساؤلات ينبغي عرضها واحداً واحداً والإجابة عنها.
سؤال: ما أصل مادّة الصالحات لغةً:
جوابه: الصالحات جمع مؤنث سالم، مفرده صالحة، وهي مؤنث صالح، وهو اسم فاعل من صلح، يصلح صلاحاً (اسم مصدر)، والصالح هو المتّصف بالصلاح أو ذو الصلاح، والصلاح كما في المفردات: (الصَّلَاحُ: ضدّ الفساد، و هما مختصّان في أكثر الاستعمال بالأفعال، و قوبل في القرآن تارةً ــــــــــــ[651]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بالفساد، و تارة بالسّيّئة. قال تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً﴾(1)، ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾(2)(3) هذا أصل المادّة.
سؤال: لماذا قال عملوا الصالحات، وكان ينبغي أن يقول عملوا العمل الصالح؟ لأنّ مفرده بحسب المعنى العمل الصالح، فلماذا جمعه جمعاً مؤنثاً؟ وهذا مكرّر في القرآن كثيراً، وهو أوّل ما نمرّ عليه من سيرنا العكسي في القرآن.
جوابه بأحد وجهين:
الوجه الأوّل: أنّه يمكن أنّ نقدّر قبله جمع، فنقول الأعمال الصالحات،وإذا قلنا الأعمال فالجمع له معنى التأنيث في اللغة العربية، فهنا يمكن أن تسند إليه الصفة المؤنثة.
الوجه الثاني: أنّ الصّالح ليس له جمع مناسب هنا إلّا ذلك؛ لأنّه لو كان له جمع تكسير لكان الأنسب إيراده، لكن ليس له جمع تكسير في اللغة، وجمعه منحصر بين المذكر السالم والمؤنث السالم، وحيث تعذّر الأوّل لفساده يتعيّن الثاني.
سؤال: قد يقال: إنّ الصالحات تحتاج إلى تقدير، أي: عملوا الأعمال الصّالحات، خصوصاً أنّ ذلك هو الموافق للمشهور، فهل نحتاجه أو لا؟
الجواب: يكون تارةً بالايجاب وأخرى بالنفي، وكلا الأطروحتين ممكنتان، أمّا على الايجاب، فنقول: هو على القاعدة المشهورية، فتكون الأعمال ــــــــــــ[652]ــــــــــــ
( ) سورة التوبة، الآية: 102.
(2) سورة الأعراف، الآية:56.
(3) مفردات ألفاظ القران الكريم: 489.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الصالحات تقديراً، و الفهم العرفي والذوق المشهوري للمفسّرين والبلاغيين يدعمه.
وأمّا إذا أجبنا بالنفي فإنّ المشهور لا يرغب بذلك؛ لأنّ الصالحات بنفسها حصّة من الأعمال عرفاً، فالأعمال لها اسماء عديدة: كالصدق والزنا والصلاة… ومن جملتها الصالح أو الصالحات، وعُبر عن نفس العمل، وتضمن مفهوم الصالحات معنى العمل.
إن قلت: إنّ هنا فرقاً بين هذا والألفاظ التي عددتها من الصالحات؛ لأنّ الزنا بنفسه عمل، والصالح قد يكون صفةً للعمل والشخص، فلا يتعيّن كونه للعمل، أي: أنّ النسبة مع العمل هي نسبة العموم من وجه.
قلت: إنّما يدلّ معناه على تقدير لفظ الأعمال الصالحات سياقاً، وعندئذٍ نقول: القرينة السّياقية تقتضي تضمين معنى العمل في الصالحات، كتضمين معنى أهل القرية في نفس مفهوم القرية.
سؤال: لماذا ورد (الصالحات) جمعاً ولم يرد مفرداً، من قبيل: ( العمل الصالح) أو لم يرد مونثاً (كالأعمال الصالحة )، فيكون ما ورد نافياً لصيغة الجمع؟
جوابه:
أولاً: أنّ هذا ممّا يرجح ترك التقدير الذي قلناه في الجواب السابق؛ إذ لو كان التقدير لكان اللازم الجمع، وحينئذٍ قد يستشكل لماذا المقدَّر جمعاً؟ باعتبار أنّ اسم الجنس يكفي المفرد منه لشمول كلّ عمل، أمّا لو لم نقدّره باعتبار أنّ معنى العمل متضمّن في الصالحات، فحينئذٍ يصير القول آمنوا وعملوا الصالح أو الصالحة، فعندئذٍ لا يصحّ المفرد أن يكون في معنى الجمع إذا ــــــــــــ[653]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
اخترنا التقدير في الجواب السابق.
ثانياً: بعد التنزّل عن الأوّل نحتاج إلى التقدير كالمشهور هنا، وحينئذٍ نقول: إنّ تقدير الأعمال الصالحات ليس بشيءٍ مستهجن، وإنّما يحفظ لنا السّياق القرآني، والأعمال الصالحات أولى من الصالحات مجرّداً، وبما أنّ تقدير المفرد ليس بصحيح (العمل الصالحات) وترك التقدير أيضاً ليس بصحيح، فيتعّين المختار من قبله تعالى وهو قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾:
هناك فكرة كلاميّةٌ أو فلسفيّةٌ حول الأجر وربطها بالمعنى اللغوي، فما هو الأجر؟ ولماذا يعطى الأجر؟ ولماذا ثواب الآخرة أجر؟
قال الراغب في المفردات: (الْأَجْرُ و الْأُجْرَةُ: ما يعود من ثواب العمل دنيوياً كان أو أخروياً، نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ﴾(1) ﴿وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾(2)، ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾(3). الْأُجْرَةُ في الثواب الدنيوي، و جمع الأجر أُجُورٌ، و قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَ أُجُورَهُنَ﴾(4) كنايةً عن المهور)(5).
نفهم من كلامه: أنّ الثواب هو للآخرة أو عطية الله للمؤمن في الدنيا، أمّا أجرة العمال فتسمّى عوضاً لا ثواباً، فالأجرة (العوض) منفعة من شخص ــــــــــــ[654]ــــــــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 72.
(2) سورة العنكبوت، الآية: 27.
(3) سورة يوسف، الآية: 57.
(4) سورة النساء، الآية: 25.
(5) مفردات الفاظ القرآن الكريم:64.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
والآخر يؤدّي عوضها، وهي منفعة لا غير وإلّا صارت بيعاً، وإنّما يتّجه كونها عيناً كالإجارة، وهذا موجود في كلّ الأمور التي تسمّى أجراً، فالإجارة فيها عوض سواءٌ كانت عيناً أو منفعةً.
لذلك نطبّق العمل الدنيوي كالمزارعة وغيرها على الآخرة، لأنّه عوض الطاعة، فأعطانا ثواباً (عوضاً).
وهذا المعنى تجاري؛ ولذا الإنسان يشعر بإطاعة الله وتوقّع ثوابه، مثل قوله تعالى: ﴿تِجارَةٍ تُنْجيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَليم﴾(1) أي: تعطوني الطاعة وأعطيكم الثواب، بل أعلى من طاعتكم بكثير ﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾(2)، فمن هذه الناحية يسمى الثواب أجراً، أمّا العقاب فهو نحو من المعاوضة المضادّه، كما أدَّينا الطاعة نستحق بإزائها الثواب كذلك المعصية يعوضنا ما نستحق به العقوبة.
إشكالٌ كلاميٌ:
قد يقال: إنّ المزارع و عامل النظافة والحمّال وغيرهم يؤدّون لك منفعة، فالمزارع الذي يزرع أرضك يستحقّ أن تنفعه بأداء الأجرة. وهذه هي المعاملات السائدة اجتماعياً، ولكن بالنسبة إلى الله ليس الأمر كذلك حيث لا ينتفع بالطاعة ولا يتضّرر بالمعصية ﴿لا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ المُطِيْعِيْنَ، وَلاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ الْعَاصِيْنَ﴾(3).
ــــــــــــ[655]ــــــــــــ
( ) سورة الصف، الآية: 10.
(2) سورة القصص، الآية: 54.
(3) روي عن الإمام الرضا× قل في طلب الرزق عقيب كل فريضة (يَامَنْ يَمْلِكُ حَوَائِجَ السَّائِلِيْنَ، يَامَنْ لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْكَ سَمْعٌ حَاضِرٌ وَجَوَابٌ عَتيدٌ، وَلِكُلِّ صَامِتٍ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إذن، ليس الأجر عوضاً بالمعنى العرفي والمعاملي، بل هو تفضّل من الله؛ لأنّه غير مجبور على إعطائه، بل منّاً منه وتفضّلاً. وعليه: يسمّى الأجر أجراً مجازياً لا حقيقياً.
ومن جانب آخر فإنّ الفسقة والفجرة قد يعترضون بقولهم:ما ضررك حتّى تعاقبنا؟
لكن يبقى إشكال في المقام وهو: أنّه لماذا يكون الأجر مجازياً لا حقيقياً؟
وجوابه:
أوّلاً: أنّ يقال: إنّ هذا بحسب إقرار وإمضاء شعور الفرد نفسه أنّه مطيع، فيقول: أنا صلّيت وركعت، مع أنّ فعله واستحقاقه للثواب بقدرته سبحانه وتعالى، وهو مدلولٌ عليه بقوله تعالى: ﴿قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾(1)، فالله يعطيه الثواب؛ لأنّه عند حسن ظنّ عبده المؤمن، فحينئذٍ لابدّ من القول إنّه فَعَله من أجل الله فاستحقّ الأجرة.
ثانياً: أنّ التعبير بالأجرة من قبيل: (كلّم الناس على قدر عقولهم)(2) فكأنّهم يتسامحون فيؤدّون إليه منفعةً، ولا يدركون عظمة الله، وهذا بحسب ــــــــــــ[656]ــــــــــــ
مِنْكَ عِلْمٌ بَاطِنٌ مُحِيطٌ، أسْأَلُكَ بِمَوَاعِيدِكَ الصَّادِقَةِ، وَأيَادِيكَ الْفَاضِلَةِ، وَرَحْمَتِكَ الْوَاسِعَةِ، وَسُلْطَانِكَ الْقاهِرِ، وَمُلْكِكَ الدَّائِمِ، وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّاتِ، يَا مَنْ لا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ المُطِيْعِيْنَ، وَلاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ الْعَاصِيْنَ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَارْزُقْنِي وَأَعطِنِي فيمَا تَرْزُقُنِي الْعَافِيَةَ مِنْ فَضْلِكَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ (البلد الأمين: ص٣٠.
( ) سورة النساء، الآية: 78.
(2) ورد في الكافي (عن أبي عبد الله× قال: ما كلَّم رسول الله| العباد بكُنه عقله قط، وقال: قال رسول الله|: إنا معاشر الأنبياء أمُرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم) . الكافي 1: 23، الحديث 15.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ما نفهمه من القرآن لهداية العرف.
وثالثاً: أنّنا نقول: إنّ الله في القرآن ينسب إلى نفسه عواطف متعدّدة:بعضها جيّدة، وبعضها رديئة في فهمنا. مع أنّه لا تدخله العواطف، فهو يحبّ التوابين، ويحبّ المتطهرين ويرضى عن المؤمنين ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾(1)، ويُحارب ويؤذى ﴿يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾(2) وغير ذلك.
حينئذٍ نقول: كلّ من سبّب لعاطفة جيّدة من هذه العواطف فهو يستحقّ الثواب -لو صحّ التعبير- والعكس يستحقّ العقوبة.ومن هذه الناحية نقول مجازاً على مستوى فهم التعبير لظاهر القرآن كأنّي أدَّيت له منفعةً أو ضرراً، أي: أطعته فأستحق منه مثوبة، أو أغضبته فأستحق منه عقوبة.
رابعاً: أنّه تعالى جرّد نفسه في مرتبة التنزيل التشريعي، فجعل نفسه شخصاً عرفياً؛ لأجل أنّ يتفاهم مع أهل العرف، ويخاطبنا بالظواهر العرفية، فخاطبنا بلغة العرف بصفتنا عرفيين وبصفته عرفياً، وينتج من ذلك:
أولاً: تلك الشخصية المفروضة لله قابلة أن تدخلها العواطف كالرضا والغضب، وليست هي كُنه ذات الله تعالى.
ثانياً: يتضرّر ويستغيث، يُحارب ويُؤذى، يُطاع ويُعصى بحسب الظاهر، فالشخصية التنزيلية تستفيد من الطاعة وتتضرر من المعصية، وحينئذٍ ففي تعاملنا مع مثل هذه الشخصية نكون قد أدّينا شيئاً فنستحقّ الأجرة،أو إذا لم نؤدِّ شيئاً أو أوقعنا به ضرّراً فنستحق العقوبة.
ــــــــــــ[657]ــــــــــــ
( ) سورة المائدة، الآية: 119.
(2) سورة الاحزاب، الآية: 57.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ثالثاً: لو تنزّلنا عن كل الأجوبة السابقة فحينئذٍ نحتاج إلى تأويل، ولا يمكن القول بأنّه أجرٌ حقيقيٌ بنحو المعاوضة، أمّا على المجاز فهو مطلبٌ صحيحٌ.
ولكن تأوّله بأنّ الأجر إنّما هو في مصلحة الفرد يراد منه التكامل، فكل طاعة توجب أثراً وضعياً تكامليّاً في الإنسان حسب القلّة والكثرة، وإذا زادت وتعمَّقت فالتكامل كذلك. والعقوبة تسافل نحو الكمال المظلم، وكلّه بمعنى يرجع للأثر الوضعي وهو علّة ومعلول، فالطاعة علّة والتكامل معلوله، وكذا الجانب الآخر. وحينئذٍ يكون الأجر مجازاً، غاية الأمر: نُسب الأجر إلى العالم المعنوي لا المادي وإن كان يوجد أجر في الدنيا من قبيل سعة الرزق، وطول العمر وغيرهما، لكن لو كان مخلصاً فأجره معنوياً.
نعم، شعور المرء بالأجر مختلف، فالمؤمن الاعتيادي يتعذّر عليه الشعور بالأجر المعنوي بما هو معنوي، فيكون أجره على شكل جنّة فيها حور وأزهار ولذة الفرج والبطن؛ لأنّه لا يطيق فهم الأجر المعنوي على حقيقته الواقعية، بل بشكل من أشكال محسوساته النفسية. وفي قصّة المتوكّل مع الإمام الهادي× حيث أنزله في خان الصعاليك ورد ما نصّه: (عن صالح بن سعيد قال: دخلت على أبي الحسن× يوم وروده فقلت له: جعلت فداك، في كل الأمور أرادوا إطفاء نورك والتقصير بك، حتى أنزلوك هذا الخان الأشنع خان الصعاليك. فقال: (هاهنا أنت يا بن سعيد!) ثم أوما بيده فإذا بروضات أنفات، وأنهار جاريات، وجنان فيها خيرات عطرات، وولدان كأنهن اللؤلؤ المكنون، فحار بصري وكثر تعجبي، فقال لي: ( حيث ــــــــــــ[658]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
كنا فهذا لنا – يا ابن سعيد – لسنا في خان الصعاليك)(1) فالإمام× كشف له عن النعم المادّية المتمثّلة بالأزهار وحور العين وهذا نحو من التنزل؛ إذ لعلّ السائل لا يفهم اللذائذ العقلية بما هي عقليّة إلّا من زاوية معلولاته ومحسوساته. أمّا الفرد الأعلى يفهم الأجور المعنوية كما هي معنوية ولا حاجة للتنزل.
معنى قوله: ﴿مَمْنُونٍ﴾:
اسم مفعول من منّ يمنّ. لماذا عبَّر به؟ وما هو محتواه؟ وما هو منشأ انتزاعه؟
في مقام الجواب ذُكرت عدّة أطروحات نذكر بعضها:
الأطروحة الأولى: ما ذكره في الميزان: (غير مقطوع)(2)، بل اختاره ولم يذكر غيره.
أقول: لم يرد في أصل اللغة أنّ المنَّ بمعنى القطع، فكيف استنتج ذلك؟! فهذه الأطروحة غير صحيحة.
الأطروحة الثانية: والتي تصلح تصحيحاً لمقصود الميزان، وهي شاذّة غير مقبولة عند المتفلسفين والمنكرين: أنّ (ممنون) بمعنى (ممنوع) فبدّل حرف لحكمة الله فقيل: (غير ممنون)، وأراد به غير ممنوع لخفة السّياق.
الأطروحة الثالثة: أن نفهم من المّن (الوزن) فهو أحد معانيه، والحقه
الراغب في المفردات(3) بالمنّ، وحينئذٍ نقول: إنّه تعبير مجازي للتحديد، أي: غير ــــــــــــ[659]ــــــــــــ
(1) الارشاد للمفيد 2: 311، باب ذكر ورود أبي الحسن× من المدينة إلى العسكر.
(2) تفسير الميزان ٢٠: ٣٢٠
(3) انظر: مفردات الفاظ القران الكريم: 777.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
محدّد فهو غير ممنون، فيكون بمعنى: مستمر ومتواتر، وما شئت فعبّر.
الأطروحة الرابعة: ما كنت أفهمها في الصبا وأجدها هي الصحيحة: من أنّ المنّة هي عاطفة رديئة تكون عند المعطي تبرز بالقول (أنا نفعتك)، ومنه قوله تعالى: ﴿لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم﴾(1) وعلى هذا فأجر غير ممنون، أي: ليس فيه أذية، بل يعطي براحة وافِراح للعبد، وليس فيه نحو من الانطباعات النفسية الرديئة.
إن قيل: إنّ الله تعالى منّ على عباده بهذا المعنى، حيث ذكر أنّه ذو الفضل وذو المنّة، وحينئذٍ يكون (غير ممنون) بمعنى: أنّه يمنّ و يعطي من دون حصول ايذاء للطرف المقابل.
قلت: له أكثرمن جواب:
حاصله: أنّ العطاء الحقيقي في الكون كلّه إنّما هو منسوب إلى الله سبحانه، فإذا أنا أعطيتك فمن الله، وإذا الشجرة أعطتك فمن الله أيضاً، فإذا نسبنا العطاء إلى غير الله فقد كذبنا وأشركنا.
وإذا نسبنا العطاء الى الله فيكون صحيحاً، من قبيل أن تقول أنا عظيم ولكن الله أهل للعظمة،وإن كان قول العبد أنا عظيم صفة مستقبحة، حتى من الرسول| – حاشاه – وهو أفضل من كلّ الناس طرّاً.
قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾:
الممنون: اسم مفعول من (منّ)، وهي تطلق على معانٍ:
منها: المنّة، بمعنى: الفضل غير المستقبح، وهو لمجرد التفضّل، فهل المقصود هنا ليس بتفضّل من الله؟
ــــــــــــ[660]ــــــــــــ
( ) سورة الحجرات، الآية:17.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
ربّما يجاب بذلك بحدود هذه الأطروحة؛ لأنّ الفضل إنّما يكون كاملاً مع كونه ابتداءً، وليس باستحقاق الآخذ، وإلّا لا يكون فضلاً ابتدائياً، فهو غير ممنون،فلو كان غير مستحقّ فهو ممنون.
ومنها: ما يستفاد من الراغب(1): أنّها مأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾(2)، بمعنى: لا تعط مبتغياً به أكثر منه، فلا تعط شخصاً وتتوقع أن يعطيك أكثر مما أعطيت.
وحينئذٍ يقال -لو صحّ التعبير- إنّه تعالى ليس غير ممنون بهذا المعنى؛ لأنّه لا يعطي بازاء إعطاء العبد بقدره ولا يقابله بشيء، فأجره من المتوقّع غير موجود، أي: غير ممنون، وهذا مترتّب على صّحة المقدّمة.
إن قيل: إنّ توقّع الزيادة مفهوم من تمنن، فمادة المنّة فيها توقع الزيادة فيكون أجراً غير ممنون، والبعض توقّع الزيادة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ فإنّ فيها طلب الزيادة.
قلت: الآية التي نحن فيها لا يوجد فيها (تستكثر)، فلا قرينة في الآية على هذه الأطروحة.
منها: وقيل غير معدود، كما عن الراغب(3)، قال تعالى: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فحساب وعدَّ بمعنى واحد. وهنا ملاحظتان:
الأولى: ( بغير حساب) فيه معنيان لا معنى واحد.
ــــــــــــ[661]ــــــــــــ
( ) انظر: مفردات ألفاظ القران الكريم: 778.
(2) سورة المدثر، الآية: 6.
(3) انظر: مفردات الفاظ القرآن الكريم: 778.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
المعنى الأوّل: بغير عدّ.
المعنى الثاني: بغير محاسبة ومكاتبة، فهم يدخلون الجنة بغير حساب يوم القيامة.
إلّا أنّ الآية محلّ البحث لا ربط لها بعدم الحساب، علماً أنّ المعنيين غير متلازمين، فعدم العدّ وغير حساب مختلفان، فيبقى أنّ المتعيّن من المنّ عدم العدّ، وهو غير صحيح؛ حيث لم يرد في اللغة، فتكون الأطروحة ساقطةً.
الثانية: لعلّ غير ممنون ترجع إلى غير محدودٍ، وهو يرجع إلى غير معدودٍ، فيكون المحصّل العرفي واحداً، ويرجع هذا إلى ذاك بعيداً عن اللغة وما تقتضيه.
إشكال آخر وجواب آخر:
وهذا الإشكال يرد عليهما، وهو أن يقال: إنّ غير معدّود لا يمكن عدّه ولا حدّه فيكون غير متناهٍ؛ لأنّ المتناهي له حدّ ويمكن عدّه، وإنّما اللامحدود عقلاً وحقيقة هو اللامتناهي. وحينئذٍ كيف يُعطي اللامتناهي للفرد المتناهي؟! فإنّه لا يتحملّه؛ بل يكون مضراً للفرد أكثر ممّا ينفعه.
وجوابه: أنّ غير معدود أو غير محدود إمّا أن نفهمه فلسفيّاً وإمّا عرفيّاً، على الرغم من وجود أجوبة أخرى لعلّها من الأسرار، ولكن المتعيّن تفسيره تفسيراً عرفياً -لا عقليّاً فلسفيّاً- أي: متواتراً ومستمراً ومستفيضاً لا ينقطع أبداً ولا تحصي له الخلائق عدداً؛ لأنّه فوق المتصوَّر، فهو مجهول، فلا يمكن حدّه بحدً أو عدّه بعدً.
ومنها: كأطروحة شاذة أنّ ممنون بمعنى (مِن) (مَن) الأولى حرف جرٍّ والثانية اسم موصول، أي: ليس مِن أحد. حينئذٍ يقال: بأنّه -إشكال نظري- ــــــــــــ[662]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
من الله، وليس صادقاّ على أحد غير الله تعالى، ومعه كيف يصدق بأنّه غير ممنون؟
فيقال في جوابه: كونه غير ممنون، بمعنى: ليس من الخلق أو من الأسباب، وإنمّا ابتداءً من الله، وكونه من الله لا يعني ممنوناً (الله قائم به ودائم به) فهنا نبذ الأسباب والشرك، وليس المراد أكثر من ذلك.
ومنها:غير متمنّى، فمنون من التمني، كما ورد (إنّ المؤمن يدخل الجنة يفتح له باب التمني فيقال تمنَ إلى أنّ تنقطع به الأماني)(1) فغير ممنون يعني: غير متمنى وغير متصوّر.
قوله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾:
سؤال:من هو المُخاطَب في الآية؟
ذكر في الميزان(2) أكثر من جواب:
أولاً: نوع الإنسان باعتبار الجنس، أي: الإنسان المُنزَّل منزلة الواحد، فأرجع إليه الضمير مفرداً.
ثانياً: قيل المُخاطَب هو النبيّ| والمراد غيره؛ لأنّ القرآن بخطابه يعتمد أسلوب: (إياك أعني واسمعي يا جارة) ومن الواضح أنّ النبيّ لم يكذّب بالدين طرفة عين، فالدليل على إرادة غيره عقليٌ.
أقول: ما استفهاميّة توبيخيّة وقد تكون غير ذلك؛ لأنّ المشكِّك إمّا أن يكون قاصراً وإمّا مقصراً، فإذا كان مقصراً يوبّخ؛ لأنّ الله أقام عليه البرهان ــــــــــــ[663]ــــــــــــ
( ) انظر: صحيح البخاري، الحديث: 6573.
(2) انظر: تفسير الميزان 20: 321.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فيوبّخه على تقصيره. أمّا القاصر الذي هو في طريق البحث عن الحقيقة – لا القاصر الفعلي وهو الفرد الحقيقي- فلا يستحق التوبيخ، بل يجازى ويكون مشكوراً.
وبالدين: جارٌ ومجرور متعلّق بـ(يكذّبك)، والدين: الجزاء. وحينئذٍ تكون يجيز بمعنى يدين، وبهذا المقتضى يكون الجزاء بمعنى الإدانة، أي: أدنته ديناً جعلته متحمّلاً مسؤولية دَينه وعمله، وهي أطروحه معقولة.
والمعنى –على ما قيل- ما الذي يجعلك مكذّباً بالجزاء يوم القيامة بعدما جعلنا الإنسان طائفتين: طائفةً مردودة إلى أسفل سافلين، وطائفةً مأجورة ً أجراً غير ممنون.
أقول: لنأخذ الآية من أولها فمعنى (ما يكذّبك).
الفاء: تفريعيّة، أي: بمعنى ذكر النتيجة بعد المقدّمة، فتكون استنتاجاً عرفياً.
ما: اسم استفهام يراد به أيّ شيء، والمعنى ما هو السبب الذي يكذّبك بالدين؟
سؤال: لماذا لم يعبّر بيوم القيامة بدلاً عن الدين؟
جوابه:إنّما جعل السؤال عن السبب باعتباره هو الذي ينتج هذه النتيجة لا علّة تامّة -مقتضي وشرط وعدم مانع- فالبرهان على صحة الدين يصير بمنزلة المانع عن تأثير المقتضي، فلا يتصوّر استمرار وجوده بعد؛ لأنّه وإن كان المقتضي موجوداً إلّا أنّ المانع موجودٌ أيضاً، فيكون المعنى في عموم الآية متوقّفاً على فهم الدين، وله عدّة أطروحات:
الأطروحة الأولى: يوم القيامة، أي: فما يكذبك بعد بيوم القيامة، وهي ــــــــــــ[664]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
أطروحة مشهورة وإن طعن فيها صاحب الميزان(1). ولفظ (بعد) قرينة على الاستنتاج مع الفاء، أي: بعد ما قلناه من المقدّمات الصحيحة لابدّ من الجزم بالنتيجة، وهو مطلب صحيح، فالدين هو يوم القيامة. وحينئذٍ لابدّ من فهم المقدّمات في أوّل السورة كدليل على يوم القيامة.
فما هي المقدّمات التي أوجبت الجزم بيوم القيامة في السورة؟
هي -بحسب فهمي- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ المدعوم بالقسم المضمر. وهذا المعنى مكرّر كثيراً في القرآن، فمثلاً يتعرّض لخلق الزرع فيجعله برهاناً ليوم القيامة، أو الإماتة مئة عامٍّ.. وغيرها، فالخلقة المحسوسة تكون برهاناً ليوم القيامة؛ لأنّ من يخلق مرّةً يخلق مثله ملايين المرات، فما دامت القدرة موجودةً -وهي العمدة- فلا يؤثّر وجود الخلقة هنا أو هناك، فهو يتدرج في سلسلة البراهين المناسبة لها.
إن قلت: لا دخل لقوله ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ في هذا البرهان؛ لأنّه مذكور قبل النتيجة، فلا وظيفة لهذا الكلام حينئذٍ.
قلت: يسمّى هذا بالتبرع والزيادة في البيان، وليس من الضروري أن يكون استنتاجاً دخيلاً فيه، بل يشرح بعض الأمور لأجل الإفادة التي تجعله قطعياً.
كما لو قلنا: بأنّ يوم القيامة مجرد خلق، وهذا بنفسه يقتضي التصديق بالخلق الآخر بمجرد الالتفات، أمّا أصل وجود يوم القيامة فلا دخل له في أصل البرهان بل أضيف لبيان أنّه هو الذي خلق ودبّر، فهنا خلق وتدبير فله ــــــــــــ[665]ــــــــــــ
( ) انظر: تفسير الميزان20: 321.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
نحو تقديم،لا لأجل وجود يوم القيامة، بل لتدبير يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ﴾:
يتوقّف فهم الآية على عدة أطروحات:
الأطروحة الأولى: المراد بالدين يوم القيامة ((فما يكذبك. بيوم القيامة)) فتكون الآية: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ لها أطروحتان:
إمّا علّة وإمّا معلول، ونقصد بهما الإثباتيين لا الثبوتيين، فالنار مثلاً علّة واقعيّة وثبوتية بينما الدخان علّة إثباتية للنار باصطلاح المناطقة والحكماء.
فيكون قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ علّة ليوم القيامة، كما أنّ الخلق بآياته الثلاث علّة ليوم القيامة(1).
بتقريب: أنّ هذه الصفة المهمّة له تعالى موجودة، وإذا كانت موجودةً فينبغي أن تؤثّر، وإلّا فمن غير المعقول وجود هذه الصفة وانعدام تأثيرها.
فإن قلت: مع سعة الرحمة وعمقها وأهميتها، فإذا لم يخلق شيئاً فلا يخلّ بها.
قلت: لابدّ من التأثير لتكون حقيقةً، فهنا صفة أحكم الحاكمين مؤثّرة وفاعلة وحقيقيّة وبأحسن أَشكالها يوم القيامة، أي: أحكم الحاكمين في يوم القيامة الذي أصبح مقدّمةً لإثبات يوم القيامة، وهذه علّةٌ إثباتيةٌ، ويصير معلولاً؛ وذلك لأنّنا نعترف بالخلق ونعترف كنتيجة لذلك بيوم القيامة؛ لأنّ يوم القيامة لا يمكن أن يكون عن ظلم وسوء شهوة وانتقام شهوائي، وإنّما عن عدل وحقٍّ.
ــــــــــــ[666]ــــــــــــ
( ) إشارة إلى الآيات في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إذن، ثبت وجود يوم القيامة من كونه أحكم الحاكمين أو بالعكس، فإن كان علّة شارك مع البرهان السابق.
وإن كان معلولاً دخل في السلسلة الثلاثيّة، الخلقة، ثُمّ أجر غير ممنون، ثُمّ أحكم الحاكمين.
الأطروحة الثانية: أنّ نفهم من الدين مطلق الإدانة وليس الإدانة فقط في يوم القيامة،بل الخلق مُدانون أمام الله سبحانه ومسؤولون أمامه في يوم القيامة دائماً.
إذن، نحتاج فهماً لنفس الآيات من هذه الزاوية، كما جعلنا الخلقة مقدّمة ليوم القيامة فنجعلها مقدّمة للإدانة، فكيف لا يُدين وهو الذي خلق ورزق وأعطى عقلاً؟!
فالإدانة موجودة؛ لأنّ الإدراك والهدى موجود ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فبما أنّه أحكم الحاكمين فهو يُدين البشر والعكس صحيح أيضاً، أي: أنّه يُدين البشر فهو أحكم الحاكمين، فصار إمّا علةً وإمّا معلولاً.
الأطروحة الثالثة: يراد به الدين الإسلامي، والمفروض أنّ النبيّ | صاحب الدين، كما هو المعروف عند المتشرعة. فيكون المعنى: فما يكذّبك بالدين الذي جئت به للبشرية، وبما أنّ الدين فيه مستويان: أصول الدين وفروع الدين. ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ يصلح أن يكون جواباً على المستويين، وكأنّ السورة سدَّت باب التشكيك لمقدّمتين: إحداهما سابقة وهي الخلقة، والأخرى لاحقة وهي أحكم الحاكمين، أمّا الخلقة فهي تعني أنّه عامل تكويني بالخلق والتدبير والإيجاد، فخلق في أحسن تقويم. أمّا أنه أحكم الحاكمين فلأنّه عادل، وبما أنّه عادل فنستنتج أنّ أحكم الحاكمين يصير معلولاً ــــــــــــ[667]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
لعدالته التشريعيّة، إن صحّ التعبير.
الأطروحة الرابعة: أن نفهم من الدين أصول الدين، والمهمّ منها التوحيد فهو أصلها الرئيسي والأوّل فيها. وحينئذٍ يُعتمد على نفس المقدمتين السابقتين لإثبات التوحيد -مقدمة سابقة ولاحقة- خلق الإنسان وتدبيره ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْويم﴾ فإنّه ليس مجهولاً بل منظور، والخلق والتدبير هو لوجود الله وعدله. وهذه المقدّمة يمكن أن تكون لوحدها دليلاً اجمالياً على التوحيد يساعدها الإدراك الارتكازي للملازمة بينها وبين ﴿لَوْ كانَ فيهِما آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتا﴾(1).
ثم نلتفت -كمقدمة ثانية- إلى ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ بوصفها صفةً واقعيةً ملموسةً، فتكون النتيجة: أنّ الخلق والتدبير بحكمة كاملة ومطلقة يدلّ على وجود الله وعدله وتوحيده.
الأطروحة الخامسة: أن نفهم من الدين (التدنّي والتسافل)،فما يكذّبك، بمعنى: لماذا نستبعد أنّ التسافل غير موجود، بل جملة (أسفل سافلين) قرينة متصلة على مثل هذا الفهم، فكيف نستبعد التدنّي وقد عبّر عنه بأسفل السافلين، أليس الله بأحكم الحاكمين فلا يثيب العاصي، فهذه مقدّمة لإثبات التدنّي وعدم استبعاده.
الأطروحة السادسة: أنّ يراد من التدنّي شكلان: إمّا تدنٍ من الجهات السافلة وإمّا تدنٍ من الجهات العالية، من قبيل قوله تعالى ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى* فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾(1) فإنّ هذا نحو تدنٍ، وهذا ممكنٌ وقريبٌ؛ لأنّ الله
ــــــــــــ[668]ــــــــــــ
( ) سورة الانبياء، الآية: 22.
( ) سورة النجم،الآيتان: 8 و9.
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهو قابل ليصل إلى قاب قوسين، وهو أحكم الحاكمين ومقتضاه أنّه كان مستحقاً ليصل إلى درجات عالية، فالله يعطي ولا بخل في ساحته، فلماذا لا يصعدون لدرجات عالية؟!
((أحكم الحاكمين))
حكم يحكم فهو حاكم وأحكم،فكلّها مادة واحدة. إذن، المعنى ينبغي أن يكون مشتركاً،فأحكم نفس الحاكمين في مادته بغض النظر عن الاشتقاق، وحينئذٍ نقول مادة الحكمة (ح ك م) تأتي لثلاثة معانٍ:
1- بمعنى يقابل الجهل، ومنه حكيم.
2- بمعنى: الحكم، أي مباشر الحُكم.
3- بمعنى: المُحْكَم، أي: القوي الثابت.
والحكم فيه معنيان إمّا نظري وإمّا عملي.
فالنظري منه بجعل قوانين تحكم البشر، فهو حاكم ومُقنن، وكلّ مُقنن فهو حاكم.
والعملي منه بجعل القوّة المنَفّذة والمتسلطة على البشر، وكلّ من كان كذلك فهو حاكم أيضاً.
وحينئذٍ أحكم الحاكمين فيه عدّة احتمالات.
لأنّ أحكم يراد بمادته أحد الأمور المتقدمة والحاكمين كذلك، لكن يلاحظ ما حاصله: أنّ معنى المحكم (القوّي) يأتي في أحكم، ولا يأتي في (الحاكمين) أو محكمين، فأحكم: أثبت، فيكون (الحاكمين) من هذه الناحية مما يقبل احتمالاً واحداً، وبضرب معاني الكلمة في عدّة معاني أخرى ينتج أطروحات عديدة.
ــــــــــــ[669]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مثلاً: أن يكون كلاهما في الحكمة، أي: أكثر حكمة من كلّ حكيم (أحكم حاكمين).
– أن يكون كلاهما من التقنين أحسن المقننين.
– أن يكون كلاهما من التنفيذ (أحسن المتسلطين)، أسلط المقننين، أو أثبت المقننين، أو أثبت المتسلّطين، أو أحسن المتسلّطين قانوناً، أحكم المقننين والحاكم المباشر فيصير أحسن المقننين تنفيذاً، أو أحسن المنفذين من ناحية التقنين.
وإذا أدخلنا القضاء فأحكم الحاكمين، أي: أحسن القضاة، إمّا قانوناً، وإمّا تنفيذاً للقوانين القضائيّة، وكذلك أقضى المتسلّطين أو أسلط القضاة وهكذا.
وهذا لا ينافي ما قلناه من أطروحات.. ففي يوم القيامة نثبت بأنّه أقضى القضاة أو أحسن المتسلّطين، وأيّة أطروحة أخذناها منها تنسجم مع كلّ أطروحات الدين، ومع ضرب الأطروحات في أطروحات الدين الست تتكثّر الأطروحات.
الأطروحة السابعة:أنّ معنى الدين الطاعة، لكن هل هذه الأطروحة أطروحة مستقلة برأسها أم إنّها ترجع إلى ما تقدّم من الأطروحات فتكون منها، وأنا أرى الثاني، لكن لا بمعنى أن تكون الطاعة طاعة التشريع؛ لأنّها سوف ترجع أكيداً إلى أطروحة سابقةٍ.
مضافاً إلى إشكال آخر وهو أنّ سياق الآية لا يناسب ذلك؛ لأنّ مثل هذه الأمور (الطاعات) غير قابلة للتكذيب، فإنّه ليس كنحو الخبر الذي نستطيع وصفه بالصدق والكذب، بل هو جانب عملي، فيكون التكذيب لا محصّل له.
ــــــــــــ[670]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إن قلت: إنّ التكذيب يمكن فهمه بمعنى الترك -وإن كان مجازاً- أي: ترك الطاعة، ويقابلها العصيان، أي:عصيان الطاعة.
قلت: الترك أعمّ من التكذيب، فيصدق على التكذيب وغيره، فهو حصة خاصة، وإطلاقه على مطلق الترك فيه تسامح كبير. كما أنّ التكذيب جانب نظري والترك جانب عملي، وهذا تسامح آخر يمكن الاستغناء عنه بأطروحات أخرى.
إن قلت: إنّ الجانب النظري يمكن حفظه، وهو أن نقول: إنّ تكذيب الطاعة تكذيب سببها، أي: تكذيب أصل الدين وأساسه، وهو مطلب لا سماجة فيه، ولكنّه يرجع إلى أطروحة أخرى،وهي أنّ الدين بمعنى الدين الإسلامي، أو بمعنى أصول الدين،فترجع إلى أحدهما لا أنّها مستقلة.
ثم إنّ السورة احتوت على استفهامين في نهايتها ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ.. أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ..﴾ وهذا نقطة قوّة لا ضعف؛ لأنّ الاستفهام فيه معجز بلاغي جيّد جدّاً، كما يلاحظ في السورة سياقاً لفظيّاً واحداً، وكذلك نسقاً واحداً، وكذلك روياً وهو (الياء قبل النون) يحفظ التوازن الأدبي لنهاية السورة.
سؤال: أليس من الأفضل أن يعرض استفهاماً ويعرض إثباتاً، كأن يقول:إنّ الله أحكم الحاكمين ثُمّ يقول: لا يجوز التكذيب بالدين؟
جوابه في عدّة أطروحات:
أولاً: أنّه أمر اختياري للمتكلّم، ولا ينبغي أن يقال لماذا اختاره دون غيره.
ثانياً: أنّنا نقول إنّه اختياره لحفظ نقاط القوة الأدبية السابقة، مثل: ــــــــــــ[671]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
السّياق والنسق… وهو أسلوب بلاغيٌ ونحويٌ لطيفٌ، ولو كان بصيغة الإثبات لما فسّر كلّ ذلك.
ثالثاً: أنّه اختار الاستفهام لكونه أكثر تأكيداً وتركيزاً،سواء صدَّقت أم لم تصدّق فالأمر اليك، فالاستفهام فيه تشديد النكير على المنكرين، فالمعنى يكون (أليس الله بأحكم الحاكمين وأنتم تعلمون أنَّه كذلك) ففيه نوع تشديد وإيقاظ للمنكرين.
رابعاً: أنّ يقال: أحد الاستفهامين من الضروري أن يرد بصيغة الاستفهام، فيقاس الثاني عليه؛ لقبح أن يكون أحدهما استفهاماً والآخر إثباتاً، فالثاني في هذه الأطروحة يتعيّن كونه استفهاماً، فألحق به ما قبلها للوحدة الجماليّة الأدبيّة، ووجه الثاني هو أخذ الإقرار من السامع والمخاطب، فكأنّ الله تعالى يقول: أنت تعلم لماذا تنكر؟ فيصبح أخذ الإقرار ضرورياً في العرف والسّياق والمعنى في الحكمة.
خامساً: وهو بعكس النقطة السابقة: أنّ هنا ضرورة أن يكون الأول للاستفهام والثاني يقاس عليه أدبياً، ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ﴾ لابدّ أن يكون على نحو الاستفهام، لبيان سبب امتناعه وسبب تكذيبه، وبّما أنّه لاسبب للتكذيب، فيرجع الإنسان لنفسه؛ لأنّ خطاب القرآن للنفس الطبيعي (العقل)، وبحسب الحجّة الطبيعيّة لا يبقى سبب للتكذيب، فهنا قدر مشترك بين الأطروحتين، وهو أنّ أحد الاستفهامين ضروري فيقاس عليه الآخر، وكلاهما ضروري في محلّه ومن أهله.
والحمد لله ربّ العالمين.
7 ذو الحجة 1416 (الخميس)
ــــــــــــ[672]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
فهرس المصادر
1- إثبات الوصيّة، علي بن الحسين المسعودي، الطبعة: الثانية، دار الأضواء، بيروت -لبنان: 1409 هـ . ق -1988م.
2- الاحتجاج، الشيخ الطبرسي، تعليق وملاحظات: السيّد محمد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر، النجف الأشرف: 1386 هـ . ق- 1966م.
3- أخبار مكّة في قديم الدهر وحديثه، محمّد بن إسحاق بن العباس الفاكهي، تحقيق: د. عبد الملك عبد الله دهيش، دار خضر، بيروت: 1414 هـ. . ق.
4- إرشاد القلوب المنجي من عمل به من أليم العقاب، الحسن بن أبي الحسن محمّد الدّيلمي، تحقيق: السيّد هاشم الميلاني، إعداد: مركز الأبحاث العقائديّة.
5- الاستبصار، الشيخ الطوسي، تحقيق وتعليق: السيّد حسن الموسوي الخرسان، الطبعة: الرابعة، دار الكتب الإسلامية، طهران: 1363 هـ . ش.
6- اشراق اللاهوت، السيّد عميد الدين عبيدلى، تصحيح: علي اكبر ضيايي، الناشر: ميراث مكتوب طهران: 1381 هـ . ش.
7- الأُصول الستة عشر، عدّة محدّثين، دار الشبستري للمطبوعات، قم – ايران: 1405 هـ . ق- 1363 هـ . ش.
8- أُصول الفقه، الشيخ محمّد رضا المظفر، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدّسة.
ــــــــــــ[673]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
9- إطراف المُسْنِد المعتَلِي بأطراف المسنَد الحنبلي، ابن حجر العسقلاني، دار ابن كثير، دار الكلم الطيب، دمشق -بيروت.
10- الاعتقادات في دين الإماميّة، الشيخ الصدوق، تحقيق: عصام عبد السيّد، الطبعة: الثانية، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت -لبنان: 1414 هـ . ق- 1993م.
11- الأعلام، خير الدين الزركلي، الطبعة: الخامسة عشر، دار العلم للملايين – آيار/مايو 2002م.
12- أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، تحقيق وتخريج: حسن الأمين، الناشر: دار التعارف للمطبوعات، بيروت- لبنان.
13- إقبال الأعمال، السيّد ابن طاووس، تحقيق: جواد القيّومي الأصفهاني، الطبعة: الأُولى مكتب الإعلام الإسلامي، قم: رجب 1414 هـ . ق.
14- الباب الحادي عشر مع شرحيه، العلّامه الحلي- فاضل المقداد- أبو الفتح بن مخدوم حسيني، مقدّمة و تحقيق: د- مهدي محقّق، الطبعة: الأُولى، الناشر: مؤسّسة مطالعات إسلامي، طهران: 1365 هـ . ش.
15- البرهان في تفسير القرآن، السيّد هاشم البحراني، تحقيق: قسم الدراسات الإسلاميّة مؤسّسة البعثة، الطبعة: الأُولى، نشر: بنياد بعثت، طهرا ن: 1416 هـ . ق.
16- الأمالي، السيّد المرتضى، تصحيح وتعليق: السيّد محمّد بدر الدين النعساني الحلبي، الطبعة: الأُولى، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم: 1325 هـ . ق- 1907م.
17- الأمالي، الشيخ الصدوق، الطبعة: الأُولى، تحقيق: قسم الدراسات الإسلاميّة،
ــــــــــــ[674]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مؤسّسة البعثة، قم: 1417 هـ . ق.
18- الأمالي، الشيخ الطوسي، تحقيق: قسم الدراسات الإسلاميّة، مؤسّسة البعثة، الطبعة: الأُولى، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، قم: 1414 هـ . ق.
19- الأمالي، الشيخ المفيد، تحقيق: حسين الأُستاذ ولي، علي أكبر الغفاري، الطبعة: الثانية، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت -لبنان: 1414 هـ . ق- 1993م.
20- إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، أحمد بن علي المقريزي، تحقيق: محمّد عبد الحميد النميسي، الطبعة: الأُولى، دار الكتب العلميّة، بيروت -لبيان: 1420 هـ . ق -1999م.
21- إملاء ما مَنَّ به الرحمن، أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري، الطبعة: الأُولى، دار الكتب العلميّة، بيروت – لبنان: 1399 هـ . ق – 1979م.
22- انموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل، محمد بن أبى بكر بن عبد القادر الرازي، تحقيق: د. عبد الرحمن بن إبراهيم المطرودي، الطبعة: الأُولى، دار عالم الكتب المملكة العربيّة السعوديّة الرياض: 1413 هـ . ق -1991م.
23- أوائل المقالات، الشيخ المفيد، تحقيق: الشيخ إبراهيم الأنصاري، الطبعة: الثانية، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت -لبنان: 1414 هـ . ق- 1993م.
24- أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك، ابن هشام الأنصاري، دراسة وتحقيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، الناشر: دار الفكر.
25- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، الطبعة: الثانية، الناشر: مؤسّسة الوفاء،
ــــــــــــ[675]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
بيروت – لبنان: 1403 هـ . ق- 1983م.
26- البداية والنهاية، إسماعيل بن كثير الدمشقي، حقّقه ودقّق أُصوله وعلّق حواشيه: علي شيري، الطبعة: الأُولى، دار إحياء التراث العربي: 1408 هـ . ق- 1988م.
27- بصائر الدرجات، محمد بن الحسن الصفار، تصحيح وتعليق وتقديم: الحاج ميرزا حسن كوچه باغي، منشورات الأعلمي، طهران: 1404 هـ . ق- 1362 هـ . ش.
28- البيان في تفسير القران، السيّد الخوئي، مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئي، قم.
29- تاج العروس من جواهر القاموس، مرتضى الزبيدي، تحقيق: مجموعة من المحقّقين، الناشر: دار الهداية.
30- تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري، الطبعة: الأُولى، دار الكتاب العربي، لبنان -بيروت: 1407هـ . ق- 1987م.
31- تاريخ الأمم والملوك، أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري، راجعه وصححه: نخبة من العلماء، مطبعة الاستقامة بالقاهرة: 1358هـ . ق- 1939م.
32- التبصرة، أبو الفرج ابن الجوزي، تحقيق: د.مصطفى عبد الواحد، الطبعة: الأُولى، دار الكتاب المصري، دار الكتاب اللبناني، مصر -لبنان: 1390هـ . ق- 1970م.
33- التبيان في تفسير القران، الشيخ الطوسي، تحقيق وتصحيح: أحمد حبيب قصير العاملي، الطبعة: الأُولى، مكتب الإعلام الإسلامي، قم: رمضان المبارك 1409 هـ. . ق.
ــــــــــــ[676]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
34- تجريد الاعتقاد، خواجه نصير الدين الطوسي، تحقيق حسيني جلالي، الطبعة: الأُولى، دفتر تبليغات إسلامي قم: 1407 هـ . ق.
35- التحرير والتنوير، محمّد الطاهر بن عاشور، دار سحنون للنشر والتوزيع – تونس: 1997م.
36- تحف العقول، ابن شعبة الحراني، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، الطبعة: الثانية، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة: 1404 هـ . ق- 1363 هـ . ش.
37- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، محمّد عبد الرحمن المباركفوري أبو العلا، الناشر: دار الكتب العلميّة، بيروت- لبيان.
38- تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي، منشورات الشريف الرضي، قم: 1418 هـ . ق- 1367 هـ . ش.
39- التعريفات، علي بن محمّد بن علي الجرجاني، تحقيق: إبراهيم الأبياري، الطبعة: الأُولى، دار الكتاب العربي، بيروت: 1405 هـ . ق.
40- التفسير الأصفى، الفيض الكاشاني، تحقيق: مركز الأبحاث والدراسات الإسلاميّة، الطبعة: الأُولى، مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي، قم: 1418 هـ . ق- 1376 هـ . ش.
41- تفسير الإمام العسكري×، المنسوب إلى الإمام العسكري× تحقيق: مدرسة الإمام المهدي#، الطبعة: الأُولى، الناشر: مدرسة الإمام المهدي#، قم المقدّسة: ربيع الأوّل 1409 هـ . ق.
42- تفسير العياشي، محمّد بن مسعود العياشي، تحقيق: الحاج السيّد هاشم الرسولي المحلاتي، الناشر: المكتبة العلميّة الإسلاميّة، طهران.
ــــــــــــ[677]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
43- تفسير القرآن (تفسير السمعاني) منصور بن محمّد بن عبد الجبار السمعاني، تحقيق: ياسر بن إبراهيم و غنيم بن عباس بن غنيم، دار الوطن، الرياض: 1418هـ . ق- 1997م.
44- تفسير القمّي، علي بن إبراهيم القمّي، تصحيح وتعليق وتقديم: السيّد طيب الموسوي الجزائري، الطبعة: الثالثة، مؤسّسة دار الكتاب للطباعة والنشر، قم – إيران: صفر 1404 هـ . ق.
45- تفسير النسفي، عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، تحقيق: الشيخ مروان محمّد الشعار، دار النفائس -بيروت 2005م.
46- تفسير فرات الكوفي، فرات بن إبراهيم الكوفي، تحقيق: محمّد الكاظم، الطبعة: الأُولى، مؤسّسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران: 1410 هـ . ق- 1990م.
47- تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب، محمّد بن محمّد رضا القمي المشهدي، تحقيق: حسين درگاهى، الطبعة: الأُولى، انتشارات وزارت إرشاد إسلامي طهران: 1368 هـ . ش.
48- تفسير مجمع البيان، الشيخ الطبرسي، تحقيق: لجنة من العلماء والمحقّقين، الطبعة: الأُولى، الناشر: مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت -لبنان: 1415 هـ . ق- 1995م
49- تفسير مقاتل بن سليمان، أبو الحسن مقاتل بن سليمان، الطبعة: الأُولى، دار الكتب العلميّة، لبنان -بيروت: 1424 هـ . ق – 2003م.
50- تلخيص البيان في مجازات القرآن، الشريف الرضي، دار الأضواء -بيروت.
51- تنزيه القرآن عن المطاعن، القاضي عبد الجبار، دار النهضة الحديثة، بيروت – ــــــــــــ[678]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
لبنان.
52- تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي، تحقيق: السيّد حسن الموسوي الخرسان، الطبعة: الثالثة، المطبعة: خورشيد، الناشر: دار الكتب الإسلاميّة، طهران: 1364 هـ . ش.
53- تهذيب اللغة، محمّد بن أحمد الأزهري، دار إحياء التراث العربي، بيروت: 2001م.
54- التوحيد، الشيخ الصدوق، تصحيح وتعليق: السيّد هاشم الحسيني الطهراني، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة.
55- توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألفية ابن مالك، أبو محمّد بدر الدين حسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي، شرح وتحقيق: عبد الرحمن علي سليمان، أُستاذ اللغويات في جامعة الأزهر، الناشر: دار الفكر العربي، الطبعة: الأُولى: 1428هـ . ق – 2008م
56- ثواب الأعمال، الشيخ الصدوق، تقديم: السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الخرسان، الطبعة: الثانية، منشورات الشريف الرضي، قم: 1368 هـ . ش.
57- جامع الأُصول في أحاديث الرسول، ابن الأثير، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط، الطبعة: الأُولى، الناشر: مكتبة الحلواني، مطبعة الملاح – مكتبة دار البيان.
58- جامع البيان في تفسير القرآن (تفسير الطبري) محمّد بن جرير الطبري، الطبعة: الأُولى، دار المعرفة -بيروت: 1412 هـ . ق.
59- الجامع الصحيح سنن الترمذي، محمّد بن عيسى أبو عيسى الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي -بيروت.
60- الجامع لأحكام القرآن محمّد بن أحمد القرطبي، تحقق: هشام سمير البخاري، ــــــــــــ[679]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الناشر: دار عالم الكتب، الرياض، المملكة العربيّة السعوديّة: 1423 هـ. ق- 2003م.
61- الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم، محمد بن فتوح الحميدي، تحقيق: د. علي حسين البواب، الطبعة: الثانية، دار ابن حزم، لبنان-بيروت: 1423هـ . ق- 2002م.
62- جمهرة أنساب العرب، أبو محمّد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، الطبعة: الثالثة، دار الكتب العلمية، بيروت -لبنان: 1424 هـ . ق- 2003م.
63- حاشية الصبان على شرح الأشموني لألفيّة ابن مالك، محمّد بن علي الصبان الشافعي الطبعة: الأُولى، الناشر: دار الكتب العلميّة بيروت-لبنان: 1417 هـ . ق- 1997م
64- الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، صدر الدين محمّد الشيرازي، الطبعة: الثالثة، دار إحياء التراث العربي، بيروت -لبنان: 1981م
65- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم الأصبهاني، الطبعة: الرابعة، دار الكتاب العربي -بيروت: 1405 هـ . ق.
66- الخرائج والجرائح، قطب الدين الراوندي، تحقيق: مؤسّسة الإمام المهدي# الطبعة: الأُولى، الناشر: مؤسّسة الإمام المهدي -قم المقدّسة: ذي الحجة 1409 هـ . ق.
67- خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، عبد القادر بن عمر البغدادي، تحقيق: محمّد نبيل طريفي- اميل بديع اليعقوب، دار الكتب العلميّة، بيروت: 1998م.
68- خصائص الأئمة، الشريف الرضي، تحقيق: محمّد هادي الأميني، مجمع البحوث الإسلاميّة (الآستانة الرضويّة المقدّسة) مشهد -إيران: ربيع الثاني ــــــــــــ[680]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
1406 هـ . ق.
69- الخصائص الحسينيّة، جعفر التستري، الطبعة: الرابعة، المطبعة الحيدريّة في النجف الأشرف: 1375 هـ . ق- 1956م.
70- الخصال، الشيخ الصدوق، تحقيق: علي أكبر الغفاري الناشر: منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة، 1403 هـ . ق- 1362 هـ . ش.
71- الدرّ المنثور، جلال الدين السيوطي، دار الفكر -بيروت: 1993م.
72- دعائم الإسلام، القاضي النعمان المغربي، تحقيق: آصف بن علي أصغر فيضي، الناشر: دار المعارف، القاهرة: 1383 هـ . ق- 1963م
73- دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، الطبعة: الأُولى، دار الكتب العلميّة، بيروت: 1408هـ . ق- 1988م.
74- ديوان دعبل الخزاعي، دعبل الخزاعي، شرحه وضبطه وقدّم له: ضياء حسين الأعلمي، الطبعة: الأُولى، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت – لبنان: 1417 هـ . ق- 1997م.
75- الروضة البهيّه في شرح اللمعة الدمشقيّة، الشهيد الثاني، تحقيق: السيّد محمّد كلانتر، الطبعة: الأُولى – الثانية، منشورات جامعة النجف الدينيّة: 1386 هـ . ق – 1398 هـ . ق.
76- روضة الواعظين، الفتال النيسابوري، تقديم: السيّد محمّد مهدي السيّد حسن الخرسان، منشورات الشريف الرضي، قم.
77- الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، تحقيق: سمير جابر، الطبعة: الثانية، دار الفكر، بيروت.
ــــــــــــ[681]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
78- زاد المسير في علم التفسير، عبد الرحمن بن علي بن محمّد الجوزي، الطبعة: الثالثة، المكتب الإسلامي، بيروت: 1404 هـ . ق.
79- سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد، محمّد بن يوسف الصالحي الشامي، تحقيق وتعليق: عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمّد معوض، الطبعة: الأُولى، دار الكتب العلميّة بيروت – لبنان: 1414 هـ . ق- 1993م.
80- السنّة، لأبي بكر الخلال،، تحقيق: د.عطية الزهراني، الطبعة: الأُولى، دار الراية، الرياض: 1410هـ . ق – 1989م.
81- سنن ابن ماجة، محمد بن يزيد أبو عبد الله القزويني، تحقيق: محمّد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.
82- سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، دار الكتاب العربي، بيروت.
83- سنن البيهقي الكبرى، أحمد بن الحسين أبو بكر البيهقي، تحقيق: محمّد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكّة المكرّمة: 1414 هـ . ق- 1994م.
84- سنن الدارقطني، علي بن عمر أبو الحسن الدارقطني البغدادي، تحقيق: السيّد عبد الله هاشم يماني المدني، دار المعرفة، بيروت: 1386 هـ . ق- 1966م.
85- سنن الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، تحقيق: فواز أحمد زمرلي، خالد السبع العلمي، الطبعة: الأُولى، دار الكتاب العربي، بيروت: 1407 هـ . ق.
86- السنن الكبرى، أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق د: عبد الغفار سليمان البنداري وسيّد كسروي، الطبعة: الأُولى، دار الكتب العلميّة، بيروت – لبنان: 1411 هـ . ق- 1991م.
ــــــــــــ[682]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
87- سيرة ابن اسحاق (المبتدأ والمبعث والمغازي) محمد بن اسحاق بن يسار، تحقيق: محمّد حميد الله، الناشر: معهد الدراسات والأبحاث للتعريف.
88- السيرة النبويّة، أبو الفداء إسماعيل بن كثير، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت -لبنان: 1396 هـ . ق – 1971م.
89- شجرة طوبى، الشيخ محمد مهدي الحائري، الطبعة الخامسة 1385، الناشر: منشورات المكتبة الحيدريّة ومطبعتها- النجف الأشرف.
90- شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك، ابن عقيل، عبد الله بن عبد الرحمن العقيلي الهمداني المصري، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة: العشرون، دار التراث، القاهرة، دار مصر للطباعة، سعيد جودة السحار وشركاه: 1400 هـ . ق – 1980م.
91- شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربي، تحقيق: السيّد محمّد الحسيني الجلالي، الطبعة: الثانية، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة: 1414 هـ . ق.
92- شرح نهج البلاغة، الشيخ محمّد عبده، الطبعة: الأُولى، دار الذخائر، قم: 1412 هـ . ق.
93- شرح نهج البلاغة، عبد الحميد بن هبة بن أبي الحديد، المحقّق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: دار إحياء الكتب العربيّة، عيسى البابي الحلبي وشركاه.
94- شعب الإيمان، أبو بكر البيهقي، حقّقه وراجع نصوصه وخرّج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفيّة.
ــــــــــــ[683]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
95- شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام، فياض لاهيجي، انتشارات مهدوي، أصفهان.
96- شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، عبيد الله بن أحمد الحسكاني، تحقيق: محمّد باقر محمودي، الطبعة: الأُولى، انتشارات وزارت إرشاد إسلامي، طهران: 1411 هـ . ق.
97- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربيّة، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة: الرابعة، دار العلم للملايين، بيروت: 1407 هـ . ق- 1987م.
98- صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، محمّد بن حبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة: الثانية، مؤسّسة الرسالة، بيروت: 1414 هـ . ق – 1993م.
99- صحيح البخاري، محمّد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا أُستاذ الحديث وعلومه في كليّة الشريعة، جامعة دمشق، الطبعة: الثالثة، دار ابن كثير، اليمامة- بيروت: 1407 هـ . ق – 1987م.
100- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري، دار الجيل بيروت -دار الآفاق الجديدة، بيروت.
101- الصحيفة السجاديّة، الإمام زين العابدين#، تحقيق: السيّد محمّد باقر الموحّد الابطحي الأصفهاني، الطبعة: الأُولى، الناشر: مؤسّسة الإمام المهدي# -مؤسّسة الأنصاريان للطباعة والنشر، قم – إيران: 25 محرم الحرام 1411 هـ . ق.
102- الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة، ابن حجر الهيتمي،
ــــــــــــ[684]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الله التركي، وكامل محمد الخراط، الطبعة: الأُولى، مؤسّسة الرسالة، بيروت: 1997م.
103- الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، السيّد ابن طاووس الطبعة: الأُولى، المطبعة: الخيام، قم: 1399 هـ . ق.
104- عدّة الداعي، ابن فهد الحلي، تحقيق: تصحيح: أحمد الموحدي القمّي، مكتبة وجداني، قم.
105- علل الشرائع، الشيخ الصدوق، تقديم: السيّد محمّد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الحيدريّة ومطبعتها، النجف الأشرف: 1385 هـ . ق- 1966م.
106- عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي، تقديم: السيّد شهاب الدين النجفي المرعشي، تحقيق: الحاج آقا مجتبى العراقي، الطبعة: الأُولى، المطبعة: سيّد الشهداء، قم: 1403 هـ . ق- 1983م.
107- العين، الخليل الفراهيدي، تحقيق: الدكتور مهدي المخزومي، الدكتور إبراهيم السامرائي، الطبعة: الثانية، الناشر: مؤسّسة دار الهجرة: 1409 هـ . ق.
108- عيون أخبار الرضا×، الشيخ الصدوق، تصحيح وتعليق وتقديم: الشيخ حسين الأعلمي، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت -لبنان: 1404 هـ. ق- 1984م.
109- الغيبة، الشيخ الطوسي، تحقيق: الشيخ عبد الله الطهراني، الشيخ علي أحمد ناصح، الطبعة: الأُولى، الناشر: مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، قم المقدسة: شعبان 1411 هـ . ق.
110- فتح الباري، ابن حجر، الطبعة: الثانية، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت
ــــــــــــ[685]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
– لبنان.
111- فتح القدير الجامع بين فنّي الرواية والدراية من علم التفسير، محمّد بن علي بن محمّد الشوكاني دار الفكر، بيروت.
112- الفضائل، شاذان بن جبرئيل القمّي، المطبعة: الحيدريّة – النجف الأشرف 1381 هـ . ق- 1962م.
113- فقه الأخلاق، السيّد محمّد بن محمّد صادق الصدر، الطبعة: الأُولى، دار الأضواء، بيروت – لبنان: 1419 هـ . ق- 1998م.
114- فنون العجائب، محمد بن علي بن أبي إسحاق القراب، المحقّق: مشهور بن حسن آل سلمان، الطبعة: الأُولى، دار الخراز، جدّة، دار ابن حزم، بيروت: 1422هـ . ق – 2001م.
115- القاموس المحيط، محمّد بن يعقوب الفيروز آبادي، دار النشر: مؤسّسة الرسالة، بيروت.
116- قواعد العقائد، أبو حامد الغزالي، تحقيق: موسى محمّد علي، الطبعة: الثانية، دار النشر: عالم الكتب، لبنان: 1405هـ . ق – 1985م.
117- قواعد العقائد، نصير الدين الطوسي، تحقيق: علي الرباني الگلپايگاني، لجنة إدارة الحوزة العلميّة بقم: 1416 هـ . ق.
118- قواعد المرام في علم الكلام، ابن ميثم البحراني، تحقيق: السيّد أحمد الحسيني، الناشر: مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم: 1406 هـ . ق.
119- الكافي، الشيخ الكليني، تحقيق: علي أكبر الغفاري، الطبعة: الخامسة، الناشر: دار الكتب الإسلاميّة، طهران، سنة الطبع: 1363 هـ . ش.
120- كامل الزيارات، جعفر بن محمّد بن قولويه، تحقيق: الشيخ جواد القيومي،
ــــــــــــ[686]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الطبعة: الأُولى، المطبعة: مؤسّسة النشر الإسلامي، الناشر: مؤسّسة نشر الفقاهة، قم: عيد الغدير 1417 هـ . ق.
121- الكامل في التاريخ، ابن الأثير الجزري، تحقيق: عبد الله القاضي، الطبعة: الثانية، دار الكتب العلميّة، بيروت: 1415هـ . ق .
122- كتاب الأربعين، الشيخ الماحوزي، تحقيق: السيّد مهدي رجائي، الطبعة: الأُولى، المطبعة: أمير، قم: 1417 هـ . ق.
123- كتاب الغيبة، محمّد بن إبراهيم النعماني، تحقيق: فارس حسون كريم، الطبعة: الأُولى، الناشر: أنوار الهدى، قم: 1422 هـ . ق.
124- كتاب المواقف، عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، تحقيق: د.عبد الرحمن عميرة، الطبعة: الأُولى، دار الجيل، بيروت: 1997م.
125- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار النشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت.
126- كشف الغمة، ابن أبي الفتح الإربلي، الطبعة: الثانية، دار الأضواء، بيروت – لبنان: 1405 هـ . ق- 1985م.
127- كشف الغمة، ابن أبي الفتح الإربلي، الطبعة: الثانية، دار الأضواء، بيروت – لبنان: 1405 هـ . ق- 1985م.
128- كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، العلامة الحلي، الطبعة: الأُولى، مؤسّسة الأعلمي، بيروت: 1399هـ . ق- 1979م.
129- الكشف والبيان (تفسير الثعلبي)، أحمد بن محمّد الثعلبي النيسابوري، تحقيق: أبي محمّد بن عاشور، مراجعة وتدقيق: الأستاذ نظير الساعدي،
ــــــــــــ[687]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت – لبنان: 1422هـ . ق-2002م.
130- كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الاثني عشر، ابى القاسم علي بن محمّد بن علي الخزاز القمّي الرازي، تحقيق: السيّد عبد اللطيف الحسيني الكوه كمرى الخوئي، انتشارات بيدار، مطبعة الخيام، قم: 1401 هـ . ق.
131- كفاية الأُصول، الآخوند الخراساني، تحقيق: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، الطبعة: الأُولى، مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، قم المشرّفة: ربيع الأول 1409 هـ . ق.
132- كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، تحقيق: علي أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة: محرم الحرام 1405 هـ . ق- 1363 هـ . ش.
133- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، علي بن حسام الدين المتقي الهندي، مؤسّسة الرسالة، بيروت: 1989م.
134- كنز العمال، المتقي الهندي، مؤسّسة الرسالة، بيروت: 1409 هـ . ق- 1989م.
135- لسان العرب، ابن منظور، المحقّق: عبد الله علي الكبير، محمّد أحمد حسب الله، هاشم محمّد الشاذلي، دار المعارف، القاهرة.
136- اللوامع الإلهيّة، الفاضل المقداد، تحقيق وتعليق: الشهيد القاضي الطباطبائي، الطبعة: الثانية، دفتر تبليغات إسلامي، قم: 1422 هـ . ق.
137- لوامع الحقائق في أُصول العقائد، ميرزا أحمد الآشتياني، تحقيق: حسين بن علي(روشنى الگلپايگاني)، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
138- المبدأ والمعاد، صدر الدين محمّد الشيرازي، قدّمه وصحّحه: الأُستاذ السيّد جلال الدين الآشتياني، الطبعة: الثالثة، مركز انتشارات دفتر تبليغات
ــــــــــــ[688]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
إسلامي، قم: 1422 هـ . ق- 1380 هـ . ش.
139- مثير الأحزان، ابن نما الحلي، المطبعة الحيدريّة – النجف الأشرف: 1369 هـ . ق- 1950م.
140- المجازات النبويّة، الشريف الرضي، تحقيق وشرح: طه محمّد الزيتي، منشورات مكتبة بصيرتي، قم.
141- مجمع البحرين، الشيخ الطريحي، تحقيق: السيّد أحمد الحسيني، الطبعة: الثانية، مكتب نشر الثقافة الإسلاميّة: 1408 هـ . ق- 1367 هـ . ش.
142- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الفكر، بيروت: 1412 هـ . ق.
143- المحاسن، أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، تحقيق: السيّد جلال الدين الحسيني(المحدّث) الناشر: دار الكتب الإسلاميّة، طهران: 1370 هـ . ق- 1330 هـ . ش.
144- محاضرات في أُصول الفقه، تقرير بحث الخوئي، للفياض، الطبعة: الأُولى، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة: 1419 هـ. . ق.
145- المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ( تفسير ابن عطيّة ) عبد الحقّ بن غالب بن عطيّة الأندلسي، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، الطبعة: الأُولى، دار الكتب العلميّة، لبنان: 1413هـ . ق – 1993م.
146- المزار، الشهيد الأوّل، تحقيق: مدرسة الإمام المهدي# الطبعة: الأُولى، مؤسّسة الإمام المهدي#، قم المقدّسة: ذي الحجة 1410 هـ . ق.
147- المزار، الشيخ المفيد، تحقيق: السيّد محمّد باقر الأبطحي، الطبعة: الثانية، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان: 1414 هـ . ق- 1993م .
ــــــــــــ[689]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
148- المزار، محمّد بن المشهدي، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني، الطبعة: الأُولى، نشر القيوم، قم – إيران: رمضان المبارك 1419 هـ . ق.
149- مسائل علي بن جعفر، ابن الإمام جعفر الصادق× تحقيق: مؤسّسة آل البيت ^ لإحياء التراث، قم المشرّفة، الطبعة: الأُولى، الناشر: المؤتمر العالمي للإمام الرضا×، مشهد المقدّسة: ذي القعدة 1409 هـ . ق.
150- مسار الشيعة، الشيخ المفيد، تحقيق: الشيخ مهدي نجف، الطبعة: الثانية، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان: 1414 هـ . ق- 1993م.
151- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، تحقيق: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، الطبعة: الأُولى المحقّقة، مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، بيروت – لبنان: 1408 هـ . ق – 1987م.
152- المستدرك على الصحيحين، محمّد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة: الأُولى، دار الكتب العلمية، بيروت: 1411 هـ . ق- 1990م.
153- مستند العروة الوثقى، الشيخ مرتضى البروجردي محاضرات آية الله العظمى السيّد الخوئي، الطبعة: الثانية، مؤسّسة إحياء آثار الامام الخوئي، قم: 1426 هـ . ق- 2005م.
154- مسند أحمد بن حنبل، أحمد بن حنبل، المحقّق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، الطبعة: الثانية، الناشر: مؤسّسة الرسالة: 1420هـ . ق – 1999م.
155- مشكاة الأنوار، علي الطبرسي، تحقيق: مهدي هوشمند، الطبعة: الأُولى، دار الحديث، قم: 1418 هـ . ق.
156- مصباح الشريعة، المنسوب للإمام الصادق×، الطبعة: الأُولى، مؤسّسة
ــــــــــــ[690]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الأعلمي للمطبوعات بيروت – لبنان: 1400 هـ . ق- 1980م.
157- مصباح المتهجد، المؤلف: الشيخ الطوسي، الطبعة: الأُولى، مؤسّسة فقه الشيعة، بيروت -لبنان: 1411 هـ . ق – 1991م.
158- المصباح، الكفعمي، الطبعة: الثالثة، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت: 1403 هـ . ق- 1983م.
159- مصنف عبد الرزاق، أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة: الثانية، الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت: 1403 هـ . ق.
160- المصنف، ابن أبي شيبة الكوفي، تحقيق وتعليق: سعيد اللحام، الطبعة: الأُولى، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت -لبنان: 1409 هـ . ق- 1989م.
161- معارج الأُصول، المحقّق الحلي، إعداد: محمّد حسين الرضوي، الطبعة: الأُولى، مؤسّسة آل البيت^ للطباعة والنشر، قم -إيران: 1403 هـ . ق.
162- معارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول^، الزرندي الشافعي، تحقيق: ماجد بن أحمد العطيّة.
163- معالم التنزيل ( تفسير البغوي ) الحسين بن مسعود البغوي، حقّقه وخرّج أحاديثه: محمّد عبد الله النمر، عثمان جمعة ضميريّة، سليمان مسلم الحرش، الطبعة: الرابعة، دار طيبة للنشر التوزيع: 1417 هـ . ق – 1997م.
164- معالم الدين وملاذ المجتهدين، ابن الشهيد الثاني: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة.
165- معاني الأخبار، الشيخ الصدوق، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري،
ــــــــــــ[691]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة: 1379 هـ . ق- 1338 هـ . ش.
166- معاهد التنصيص على شواهد التلخيص، عبد الرحيم بن أحمد العباسي، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: عالم الكتب، بيروت: 1367هـ. ق – 1947م
167- معجم القراءات القرآنية، د: عبد العال سالم، ود: احمد مختار عمر، الطبعة: الثانية، مطبوعات جامعة الكويت: 1408هـ . ق – 1988م.
168- المعجم الكبير، سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، الطبعة: الثانية، الناشر: مكتبة العلوم والحكم، الموصل: 1404 هـ . ق – 1983م.
169- المعجم المفهرس لألفاظ القران الكريم، محمّد فؤاد عبد الباقي، الطبعة: ثالثة، انتشارات ذوي القربى، قم: 1384 هـ . ش.
170- المعيار والموازنة، أبو جعفر الإسكافي المعتزلي، تحقيق: الشيخ محمّد باقر المحمودي، الطبعة: الأُولى، سنة الطبع: 1402 هـ . ق- 1981م.
171- مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام الأنصاري، تحقيق: د.مازن المبارك ومحمّد علي حمد الله، الطبعة: السادسة، الناشر: دار الفكر، بيروت: 1985م.
172- مفاتيح الغيب، المؤلف: فخر الدين محمّد بن عمر التميمي الرازي الشافعي، الطبعة: الأُولى، دار النشر: دار الكتب العلميّة، بيروت: 1421هـ . ق – 2000م.
173- مفردات غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، الطبعة: الثانية، دفتر نشر
ــــــــــــ[692]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
الكتاب: 1404 هـ . ق.
174- مكارم الأخلاق، الشيخ الطبرسي، الطبعة: السادسة، منشورات الشريف الرضي: 1392 هـ . ق – 1972م.
175- مَن لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، الطبعة: الثانية، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة.
176- مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، تصحيح وشرح ومقابلة: لجنّة من أساتذة النجف الأشرف، المكتبة الحيدرية – النجف الأشرف: 1376 هـ . ق – 1956م.
177- المنطق، الشيخ محمّد رضا المظفر، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة.
178- منهاج الصالحين، السيّد أبو القاسم الخوئي، مدينة العلم، الطبعة: الثامنة والعشرون، قم- إيران: 1410 هـ . ق .
179- موسوعة السيّد الشهيد، السيّد محمد الصدر، الطبعة: الأُولى، إحياء الكتب الإسلامية، قم: 1427 هـ . ق.
180- موطأ مالك، مالك بن أنس، المحقّق: محمّد مصطفى الأعظمي، الطبعة: الأُولى، مؤسّسة زايد بن سلطان آل نهيان: 1425هـ . ق – 2004م.
181- الميزان في تفسير القرآن، السيّد محمّد حسين الطباطبائي، الطبعة: الخامسة، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين بقم المشرّفة: 1417 هـ . ق.
182- النكت الاعتقاديّة، الشيخ المفيد، تحقيق: رضا المختاري، الطبعة: الثانية، دار
ــــــــــــ[693]ــــــــــــ
محمد الصدر، منة المنان في الدفاع عن القران ج1
المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان: 1414 هـ . ق – 1993م.
183- نهاية الأفكار، آقا ضياء الدين العراقي، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة: 1405 هـ . ق- 1364 هـ . ش.
184- همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، تأليف: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، دار النشر: المكتبة التوفيقيّة، مصر.
185- وسائل الشيعة، الحر العاملي، تحقيق: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، الطبعة: الثانية، مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث بقم المشرّفة: 1414 هـ. ق.
186- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أبو العباس بن خلكان، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت.
187- ينابيع المودة لذوي القربى، القندوزي، تحقيق: السيّد علي جمال أشرف الحسيني، الطبعة: الأُولى، الناشر: دار الأُسوة للطباعة والنشر، قم: 1416 هـ . ق.
فهرس الكتاب
مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر …..7
مقدمة الكتاب…..31
مبحث البسملة…..63
لماذا لم يستعمل غير الباء من حروف الجرّ…..64
ما معنى الباء في البسملة…..65
ما هو متعلّق الباء في البسملة…..65
لماذا قال: بسم الله، ولم يقل: بالله….. 67
لماذا تبدأ سور القرآن الكريم بالبسملة…..69
ما هو مضمون البسملة ومدلولها…..70
لماذا خُصّت البسملة بهذه الأسماء الحسنى دون غيرها…..74
لماذا تكرّرت مادّة الرحمة في البسملة مرّتين…..75
لماذا خُصّت مادّة (الرحمة) بالذكر في البسملة…..76
ما معنى الاسم …..78
لماذا ذكر الاسم مفرداً لا جمعاً، مع أنَّ مدخوله ثلاثة أسماء…..80
سورة الناس….. 85
أطروحات في تسميتها…..85
(قل) ما هو الموجب لذكرها هنا…..86
إن (قل) صيغة أمر فهل هي ظاهرة بالوجوب…..87
لماذا نُسبت هذه الأسماء الحسنى إلى الناس واختصّت بذكرهم دون غيرهم…..90
لماذا كرّر الناس عدّة مرات…..91
لماذا ذكرت الأسماء الثلاثة ولم يكتفِ بواحد منها.. …..92
لماذا حذفت الواو العاطفة بين هذه الأسماء الثلاثة…..93
قوله تعالى: مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ…..94
سؤال: لماذا خصَّ الشرَّ بالذِّكْر…..94
الوَسوَاس مصدر بمعنى حديث النفس فينبغي أن يكون بالكسر، مع أنَّه ورد في القرآن بالفتح…..95
الفرد وشعوره بأنَّ الإستعاذة من خصوص الوَسوَسَة، لا من مطلق أعمال الشيطان…..96
قوله تعالى: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ…..97
الشيطان ووسوسته للإنس فقط، فهل هذا صحيح…..97
الوجوه الإعرابيّة للآية الكريمة…..101
أنَّ النسق في سورة الناس فيه كلمتان: الناس والخنّاس، والناس مكرّرةٌ أربع مرّات، فلماذا حصل ذلك…..103
سورة الفلق…..107
أطروحات في تسميتها…..107
في معاني الفلق.. …..107
آراء الفلاسفة في معنى الشر…..109
قوله تعالى: مِن شَرِّ مَا خَلَقَ…..113
قوله تعالى: وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ…..115
في معنى الغاسق . …..115
الوجه في تقييد (غاسق) بـ(إذا وَقَبَ) …..116
الوجه من استعمال (غاسِق ووَقَب) بالخصوص…..117
قوله تعالى: وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ…..119
في معنى النَّفْث. …..119
لماذا خصّت النساء بتبنّي السحر مع إمكانه بالرجال…..119
أطروحات في معنى العُقَد والنَّفْث…..120
في معنى شرِّ الحاسد إذا حسد…..124
لماذا قال: (إذا حسد).. …..125
سورة التوحيد.. …..129
الحديث عن إسمها…..129
تفسير الروايات في أنها تعدل ثُلث القرآن…..129
لماذا بدأت السورة بفعل الأمر: (قُلْ)…..131
من هو المخاطب بـ (قُلْ)…..133
لماذا اختار الله سبحانه الضمير (هو)…..133
لماذا وجد الضمير (هو) في هذا المحلّ من الآية الكريمة…..135
في معنى استعمال لفظ الجلالة مع الضمير(هو)…..136
في معنى(أحَد)…..137
لماذا كرّر لفظ الجلالة في قوله تعالى: اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ…..138
قوله تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ…..139
ما هي أرجح القراءات في (كُفواً)…..140
سورة اللَّهَب…..145
أطروحات في إسمها. …..145
الوجه في تخصيص اليد بالتَّبّ…..147
ما الحاجة إلى (تَبَّ) الثانية…..148
قوله تعالى: ما أغنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ…..149
لماذا وصفت النار بذات لهب…..151
لماذا قال حمالة الحطب…..153
ما هو مؤدّى حمل الحطب…..153
قوله تعالىحَمَّالَةَ الحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ …..154
الوجوه الإعرابية في السورة…..157
سورة النصر…..167
أطروحات في إسمها…..167
ما الفرق بين النصر والفتح…..167
هل المراد فتحٌ ونصرٌ معيّنٌ أو كلّي…..168
قوله تعالى: رَأَيْتَ النَّاسَ…..170
ما المراد بدين الله…..172
قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْه…..174
علاقة التسبيح والحمد والاستغفار بالنصر…..174
لماذا التسبيح والاستغفار…..175
وجوه التسبيح…..177
وجوه الإستغفار…..177
قوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً…..178
لماذا قال توّاباً ولم يقل تائباً…..180
الوجوه الإعرابية للسورة…..181
سورة الكافرون…..187
أطروحات في تسميتها…..187
ما هو سبب تكرار الآية: وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ…..187
بيان معنى (ما) في قوله تعالىمَا أَعْبُدْ…..191
الألفاظ (عبد، عابد، تعبدون، عبدتم) وبياناتها…..194
لماذا قال: يَا أَيُّهَا ولم يقتصر على حرف النداء…..195
هل إنَّ ظهور القرآن في هذه السورة يدلُّ على الجبر…..196
لماذا قال الله تعالى: وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ…..199
هل إنَّ (ما) موصولة أم مصدريّة…..200
قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ….. 201
سورة الكوثر…..207
أطروحات في تسميتها…..207
ما معنى الكوثر…..207
قوله تعالى: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَر…..209
فهم العموم من الألفاظ (الكوثر، الأبتر، شانئك) …..212
قوله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ…..204
سورة الماعون. …..219
أطروحات في التسمية…..219
قوله تعالى: أَرَأيْتَ…..219
ما المراد بالرؤية…..219
ما المراد بالذي…..220
ما المراد بالدين…..220
ما هو معنى: يَدُعُّ…..221
كيف يتمّ دَعُّ اليتيم…..222
قوله تعالى وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِيْن…..223
لماذا عدل عن الإطعام إلى الطعام. …..223
لماذا قال تعالى: وَلا َيَحُضُّ…..224
ما معنى المسكين…..225
لماذا يقال: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ…..225
قوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ…..226
قوله تعالى: سَاهُونَ…..227
ما معنى السهو…..227
ما الحاجة من تكرارالَّذِينَ هُمْمرتين…..228
قوله تعالى: يُرَاءُونَ…..230
ما معنى الماعون…..230
سورة الإيلاف…..235
أطروحات في تسميتها…..235
ما هو متعلّق لإِيلاَف…..235
ما معنى الإيلاف…..239
محل (قُرَيْشٍ) من الإعراب…..240
لماذا التكرار في إِيلافِهِمْ…..241
في قوله: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ…..242
قوله تعالى: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوع…..243
كيف آمَنَهُم من خوف…..243
ما معنى أطعمهم…..244
سورة الفيل…..249
أطروحات في تسميتها…..249
محتوى الاستفهام في قوله تعالى: أَلَمْ…..249
المراد بالرؤية في قوله: أَلَمْ تَرَ…..250
من هم أصحاب الفيل…..250
لماذا قال: فِي تَضْلِيل ولم يقلْ: في إضلال…..251
كيف جعل الله تعالى كيدهم في تضليلٍ…..251
تكرار الاستفهام في قوله: ألَمْ…..253
قوله تعالى: وَأَرْسَلَ…..253
من أيِّ مادّة صيغة لفظة أَبَابِيل…..254
كيف أنَّ (طيراً) مفرد و(أبابيل) جمع…..255
لماذا قال: تَرْمِيهِمْ…..256
كيف لحيوانات أن تهلك جيشاً…..257
لماذا قال: فَجَعَلَهُمْ ولم يقل: (فجعلتهم)…..259
قوله تعالى: تَرْمِيهِمْ…..260
ما هو السجّيل…..262
سؤال عن العقوبات في سورتي هود والحجر…..264
معنى سجّين…..265
المقارنة بين السجِّيل والسجِّين…..266
كيف يصحُّ في الطير الصغير أن يرسل الحجر…..269
قوله تعالى كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ…..269
لماذا لم يقل: (فجعلهم عصفاً مأكولاً)…..270
كيف نتصوّر العصف المأكول…..271
كيف تصحّ المعجزات العظام بدون وجود نبي…..273
سورة الهُمَزَة…..277
أطروحات في تسميتها…..277
ما هو الويل…..277
قوله تعالى: لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ…..278
في تأنيث الهُمَزَة واللُّمَزَة…..278
الحاجة إلى الجمع بين الهُمَزَة واللُّمَزَة…..279
أطروحات في الاختلاف بين الهُمَزَة واللُّمَزَة…..283
الهُمَزَة واللُّمَزَة للجمع أم للمفرد…..284
قوله تعالى: الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ…..284
سؤال حول قوله تعالى: الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ…..285
إعراب (الذي) في قوله تعالى: الَّذِي جَمَعَ مَالاً…..288
سؤال في قوله تعالى: وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمزَةٍ…..289
لماذا قال: أَخْلَدَهُ بصيغة الماضي…..290
المراد من كلّا في: كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الحُطَمَةِ…..291
قوله تعالى: لَيُنبَذَنَّ…..291
من المقصود بالجمع في قوله: لَيُنبَذَنَّ…..292
لماذا سمّيت جهنّم بالحُطَمَة…..293
المراد بـ(ما)، في قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ…..294
أَدْرَاكَ والمخاطب فيها…..294
نسبة النار إلى الله في قوله: نَارُ اللهِ المُوقَدَةُ…..295
قوله تعالى: المُوقَدَةُ…..296
لماذا وصفها بأنَّها مُوقَدَة…..296
الحكمة من وجود جهنّم…..297
كيف تطّلع النار على الأفئدة…..299
الوجوه الإعرابية لهذه الآيات…..303
قوله تعالى: إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ…..304
قوله تعالى: فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ…..306
ما المراد من أنَّ جهنّم في عَمَدٍ ممدّدَة…..306
سورة العصر…..311
أطروحات في تسميتها…..311
قوله تعالى: وَالْعَصْرِ…..311
معنى العصر…..312
كيف يكون الإنسان في خسر…..315
لماذا استعمل حرف الجر في قوله: لَفِي خُسْرٍ…..322
لماذا استعمل كلمة: (خُسْرٍ) نكرةً لا معرفة…..322
قوله تعالى: إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ…..324
معنى (الحقِّ) في قوله تعالى: وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ…..325
التقييد بالتواصي بقوله: وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ…..326
سورة التكاثر…..331
أطروحات في تسميتها…..331
المخاطب بقوله تعالى: أَلهَاكُمُ التَّكَاثُرُ…..331
معنى اللّهو…..331
معنى التكاثر…..333
معنى المَقَابِر…..334
قوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ…..336
ما هو سبب التكرار…..337
جواب (لو) في قوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ…..338
لماذا فضّلت (لو) هنا على غيرها…..340
قوله: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُون…..341
قولة تعالى: عِلْمَ الْيَقِين…..342
الكلام عن: عَيْنَ الْيَقِين…..343
قوله تعالى: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ…..345
قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ…..345
من هو السائل عن النعيم وما هو النعيم…..346
سورة القارعة…..351
أطورحات في تسميتها…..351
قوله تعالى: الْقَارِعَةُ* مَا الْقَارِعَةُ…..351
قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ…..352
ما المراد بالقارعة…..353
الوجه في الخطاب للنبي في معنى القارعة…..353
فهم القارعة وشمولها لبلاء الدنيا…..354
قوله تعالى: تَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ المَنْفُوشِ…..357
قوله تعالى: فَأمَّاْ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ…..359
قوله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ…..360
قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ…..361
ما هو هدف السورة…..361
هو العامل في قوله: يوْمَ يَكُونُ النَّاسُ…..362
معنى ثقل الميزان…..362
لماذا لاحظت الآية جانب الحسنات فقط…..365
الوجه في نسبة الثقل إلى الميزان لا إلى ما فيه…..367
فكرة عن قواعد العدل الكلّيّة…..368
ما هي الحسنات المنجية…..369
قوله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَة…..370
ما المراد بالعيشة…..370
كيف قال: عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ…..371
قوله تعالى: فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ…..372
قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ هل هي خطاب للنبي…..381
المراد بـ(ما) في قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ…..381
كلّ نارٍ حامية، فما اختصاص نار جهنّم…..384
سورة العاديات…..389
أطروحات في تسميتها…..389
قوله تعالى: وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً…..389
ما هو معنى العاديات…..389
الحديث في قوله: ضَبْحَاً…..390
إعراب: ضَبْحَاً…..391
قوله تعالى: فَالمُورِيَاتِ قَدْحاً…..393
هل إنَّ المُورِيَات والقادحات بمعنى واحد…..394
معنى قوله تعالى: فَالمُغِيرَاتِ صُبْحاً…..395
لماذا قيّد الإغارة في الصبح…..396
معنى قوله تعالى: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً…..397
وقوله تعالى: فَوَسَطْنَ …..398
تطبيق معاني الآيات على المعاني الخمسة للعاديات…..399
معنى كَنود في قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ…..402
معنى شهيد في قوله تعالى: وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ…..405
معنى قوله تعالى: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ…..406
استعمال (ما في القبور) بدل (من في القبور).. …..407
تقدّم الهمزة على الفاء في قوله تعالى: أَفَلا يَعْلَمُ…..408
معنى الفاء في قوله تعالى: أفَلا…..408
زمن العلم في قوله: أَفَلا يَعْلَم…..409
ما المراد بقوله تعالى: وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ…..410
قوله تعالى: بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ…..411
قوله تعالى: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ…..411
سورة الزلزلة…..417
أطروحات في تسميتها…..417
معنى الأرض في قوله تعالى: إِذَا زُلزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا…..417
قوله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا…..422
ما هي الأثقال التي تخرجها الأرض يومئذٍ…..422
لماذا يقول الإنسان: مَا لَهَا…..427
من هو المتسائل في قوله تعالى: مَا لَهَا…..428
قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا…..430
ما المراد بالأخبار…..430
الوجوه الإعرابيّة…..431
قول الفلاسفة في الجماد…..437
لماذا كرّر يَوْمَئِذٍ…..440
معنى قوله: أَشْتَاتاً…..441
قوله تعالى: لِيُرَوْا أَعْمَالهُمْ…..447
قوله تعالى: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه…..448
ما هو المرئي في هذه الرؤية…..450
كيف تقاس الذرة بالمثقال في قوله تعالى: مِثْقَالَ ذَرَّةٍ…..451
محلُّ (خيراً) و(شرّاً) من الإعراب…..454
سـورة البيّنة…..459
أطروحات في تسميتها…..459
قوله تعالى: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ…..459
أخذُ الآية أهل الكتاب في مقابل المشركين…..460
المراد من قوله: مُنفَكِّينَ…..462
قوله تعالى: حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ…..463
إعراب هذه الآيات…..464
قوله تعالى: يَتْلُو صُحُفاً…..466
قوله تعالى: صُحُفاً مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ…..466
معنى الكتب في قوله تعالى: فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ…..469
معنى (القيّمة) في قوله تعالى: فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ…..470
قوله تعالى: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ…..470
قوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ…..476
معنى (مخلصين) في قوله تعالى: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء…..476
معنى قوله تعالى: حُنَفَاءَ…..480
سؤال عن إعراب (مخلصين)…..486
معنى الْقَيِّمَةِ، وما هو التقدير المناسب لها…..486
وقال تعالى: ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ…..489
ما هو هدف السورة…..491
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا…..492
قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ…..493
سؤال: ما معنى البريّة…..496
ما هي الحاجة إلى قوله: أُولَئِكَ هُمْ…..498
لماذا وصف الجنات بأنَّها: (جَنَّاتُ عَدنٍ)…..499
لماذا قال: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار…..500
وجه الجمع في الآية بين خَالدِينَ وأبَدَاً…..501
ظهور قوله: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً في التأبيد…..502
قوله تعالى: رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ…..503
قوله تعالى: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه…..506
الوجوه الإعرابيّة للآيات الأخيرة في هذه السورة المباركة …..511
سـورة القدر…..517
أطروحات في تسميتها…..517
دلالات على مزايا السورة فلسفياً ومتشرّعياً…..517
لماذا سُمّيت ليلة القدر…..518
مرجع الضمير في أَنْزَلْنَاه…..519
الفرق بين الإنزال والتنزيل…..520
ما هو حساب شهر رمضان في الكون…..524
قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ…..526
لماذا أصبحت خيراً من ألف شهر…..526
لماذا قال تَنَزَّلُ ولم يقل: تُنَزَّل أو تَنْزل…..528
ما المقصود بالروح في قوله تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ…..530
إنَّ الملائكة جمع، والروح مفرد، فلماذا قال ذلك…..531
معنى الإذن في قوله تعالى: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ…..531
معنى الأمر في قوله تعالى: مِنْ كلّ أَمْر…..533
ما هو معنى (من) في الآية الكريمة…..534
معنى (السلام) في قوله تعالى: سَلامٌ هِيَ حتّى مَطْلَعِ الْفَجْر…..537
معنى (حتّى) في قوله: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ…..540
سورة العلق…..543
أطروحات في تسميتها…..543
هل إنَّ هذه السورة نزلت أوّل ما نزل من القرآن…..543
لماذا بدأت السورة بفعل الأمر: (إقرأ)…..546
ما هو المقروء في (إقرأ)…..546
(الذي) في قوله: الَّذِي خَلَقَ…..550
قوله تعالى: خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ…..551
النسبة بين الفعلين: (خلق) الأُولى و(خلق) الثانية…..554
معنى العلق…..555
سؤال عن معنى التعلّق…..557
معنى (من) في قوله تعالى: مِنْ عَلَقٍ…..558
ربط اقْرَأْ الأُولى بـخَلَقَ الإِنسَانَ…..559
لماذا جاء بـالأَكْرَمُ بدل الكريم…..561
وجه للعطف في قوله تعالى: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ…..561
معنى تعليم الله للإنسان…..562
[لمراد بالإنسان]…..565
قوله تعالى: مَا لَمْ يَعْلَمْ…..566
قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى…..568
معنى الطغيان…..568
قوله تعالى: أنَّ رآه…..570
قوله تعالى: إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى…..572
همزة الاستفهام في قوله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى..573
الرؤية في قوله: أَرَأَيْتَ…..574
قوله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى…..576
قوله تعالى: عَبْداً إِذَا صَلَّى…..576
عن تكرار الفعل (أرأيت)…..581
قوله تعالى: كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ…..587
لماذا كتبت النون في قوله: لَنَسْفَعاً بالألف…..588
أُطروحات في معنى لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ…..590
وقوله: نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ…..592
الفرق بين (كاذبة) و(خاطئة)…..597
قوله تعالى: فَلْيَدْعُ نَادِيَه…..598
ما هو معنى النداء…..599
أُطروحات لمعنى النادي…..600
ما معنى الزبانية…..601
قوله: فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ…..601
ما هو معنى الدعاء…..602
سؤال عن هدف السورة…..606
قوله: كَلَّا لَا تُطِعْهُ…..606
سؤال عن تحليل قوله: لَا تُطِعْهُ…..607
من هم الزبانية…..609
لماذا قال: لَا تُطِعْهُ ولم يقل: (إعصِه)…..609
لماذا قال: وَاسْجُدْ ولم يقل: (بل اسجد)…..610
سؤال عن معنى (اقترب)…..611
لماذا أمر بالسجود، ولم يأمر بالصلاة…..613
سورة التين…..619
في تسميتها…..619
قوله تعالى: ﴿والتين والزَّيتُون﴾…..619
لماذا اختار الله سبحانه وتعالى التين والزيتون وأقسم بهما…..619
ما معنى ﴿التين والزَّيتُون﴾…..620
هل التين والزيتون الفاكهة أو الشجر…..622
قوله تعالى: ﴿وَطُورِ سِينينَ﴾…..623
معنى (الواو) المتكررة في بداية السورة…..626
معنى ﴿سِينينَ﴾…..628
أطروحة شاذّة…..629
قوله تعالى: ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الأمين﴾…..632
ما هو المفهوم البلاغي لقوله: (هذا)…..633
سؤال: عن الأمين…..634
أطروحة بخصوص البلد الأمين…..635
أطروحة في فهم (البلد الأمين)…..636
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الاِِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْويم﴾…..636
معنى التقويم…..636
قوله تعالى:﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلين﴾…..639
لماذا كان التعبير القرآني بأسفل سافلين…..639
استدراك: أن سيناء اسم شجرة…..643
أطروحات لفهم التقابل في الآية…..646
قوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾…..651
ما أصل مادّة الصالحات لغةً…..651
لماذا قال عملوا الصالحات، وكان ينبغي أن يقول عملوا العمل الصالح.652
هل الصالحات تحتاج إلى تقدير (عملوا الأعمال الصالحات)…..652
لماذا ورد (الصالحات) جمعاً ولم يرد مفرداً…..653
قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾…..654
إشكالٌ كلاميٌ…..655
معنى قوله: ﴿مَمْنُونٍ﴾…..659
قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾…..660
إشكال آخر وجواب آخر: إنّ غير معدّود لا يمكن عدّه ولا حدّه فيكون غير متناهٍ…..662
قوله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾…..663
من هو المُخاطَب في الآية…..663
لماذا لم يعبّر بيوم القيامة بدلاً عن الدين…..664
ما هي المقدّمات التي أوجبت الجزم بيوم القيامة في السورة…..665
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ﴾…..666
معنى أحكم الحاكمين…..669
أليس من الأفضل أن يعرض استفهاماً ويعرض إثباتاً…..671
فهرس المصادر …..673
فهرس الكتاب….. 695