أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
منة المنان في الدفاع عن القرآن/ ج2

منة المنان في الدفاع عن القرآن
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر (قدس سره)
بإشراف
مقتدى السيد محمد الصد
الجزء الثاني
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر (قدس سره)
النجف الأشرف

بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾.
ــــــ[5]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني

سورة الانشراح
للسورة المباركة أسماءٌ متعدّدةٌ:
منها: الانشراح، وهو المشهور.
ومنها: السورة التي ذُكر فيها الشرح.
ومنها: تسميتها باسم أوّل آيةً منها، أي: {أَلَمْ نَشْرَحْ}.
ومنها: الإشارة إلى رقمها في المصحف (94).
ومنها: الإشارة إلى رقمها بحسب النزول التدريجي للقرآن الكريم، وهو بمنزلة المتعذر.
****
قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}:
أفاد السيّد الطباطبائي+ ما حاصله: أنَّ شرح الصدر بمعنى سعة القابليّة(1)، أي: توسيع القابليّة لتلقّي العلوم الدقيقة والمعمّقة والباطنيّة؛ إذ لا شك أنَّ العلم يحتاج إلى تحمّلٍ، والعقل في الحقيقة إناءٌ للعلم، ولابدّ للعلم أن يكون نازلاً في إناءٍ قابلٍ له، ولابدّ أيضاً أن يكون الإناء واسعاً بحيث يسع العلم، وإلَّا فلو كان ضيّقاً أو صغيراً أو غير مستعدٍّ لكلّ صورةٍ، كان نزول العلم فيه باطلاً ولغواً، بل يكون ضارّاً غير نافعٍ، نظير التلميذ الذي يدرس في
ــــــ[7]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن20: 359، تفسير سورة {ألم نشرح}.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
المرحلة الابتدائيّة؛ فإنَّه لا يفهم العلوم التي تُدرّس في الكلّيّات أو الدراسات العليا مثلاً.
ونحوه الكلام في العلوم اللدنيّة والعلوم الباطنيّة، فهي ذات مراتب، ولا يمكن أن يصل الفرد إليها إلّا بالاستحقاق، أي: بقوّة تحمّلها، وبظرفٍ قابلٍ لتحمّلها.
وممّا يدلُّ على ذلك قوله تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}(1) وقوله تعالى: {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}(2) ونحو ذلك من الآيات.
كما تدلُّ عليه رواية المعراج عندما بلغ النبي’ إلى سدرة المنتهى، فانتهى إلى الحجب، فقال جبرائيل: >تقدّم يا رسول الله؛ ليس لي أن أجُوز هذا المكان، ولو دنوت أُنملةً لاحترقت<(3).
والغرض: أنَّه عندما عُرج به نحو أنوار العظمة الإلهيّة فوصل إلى ذلك المقام، اعتذر جبرائيل عن المضي معه؛ إذ ليس له القدرة على تحمّل تلك الأنوار كالنبي الأكرم’؛ فالنبي خير الخلق، وهو أقوى الخلق على الإطلاق من هذه الناحية. وهذه القوّة هي التي تشير إليها هذه الأُطروحة في قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}، أي: ألم نعطك القوّة الكافية لتحمّل العلوم الباطنيّة واللدنيّة؟
ويُلاحظ: أنَّ صاحب >الميزان< جمع هنا بين معنيين من غير التفاتٍ منه،
ــــــ[8]ــــــ
(1) سورة مريم، الآية: 12.
(2) سورة التكوير، الآيتان:20- 21.
(3) أُنظر: مناقب آل أبي طالب 1: 179، فصل في معراجه’، كما رواه عنه في بحار الأنوار 18: 382، الباب 3، إثبات المعراج ومعناه وكيفيّته وصفته … .
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وقرّرهما بصورة كأنَّهما يرجعان إلى معنىً واحدٍ، مع أنَّهما متباينان تقريباً، بل تحقيقاً، حيث أفاد+: بأنَّ الله شرح صدره لتحمّل العلوم الباطنيّة، وتحمّل البلاء الدنيوي الذي كان يلاقيه(1).
والتحقيق: أنَّ المعنى الأوّل غير المعنى الثاني تماماً؛ فإنَّ تحمّل البلاء هو الصبر، أو يكون بالصبر، وتحمّل العلوم الباطنيّة يكون بالقوّة، كما يعبّر القرآن عن ذلك بقوله تعالى: {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ}(2).
فأحد المعنيين غير الآخر. نعم، قد يقال: إنَّ أخذ العلوم الباطنيّة معنى من معاني التحمّل، وإلى هذا المعنى الواسع أشار السيّد الطباطبائي، لكن حسب ما نسير عليه من المنهج سيكون لكلّ معنىً أُطروحةٌ تختلف عن الأُطروحة الأُخرى، ولا ينبغي التلفيق أو التركيب بينهما.
وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى شيءٍ نافعٍ أيضاً، وهو قوله× في دعاء الصباح: >اللّهمّ صلّ على الدليل إليك في الليل الأليل، والماسك في أسبابك بحبل الشرف الأطول، والناصع الحسب في ذروة الكاهل الأعبل، والثابت القدم على زحاليفها في الزمن الأوّل<(3).
والكاهل: الظَهر(4)، والأعبل: القوي أو المتين جدّاً(5)، فالكاهل الأعبل هو الظهر القوي، والنبي’ كان له ظهرٌ قوي يتحمّل سائر المسؤوليّات
ــــــ[9]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 314، تفسير سورة {ألم نشرح}.
(2) سورة التكوير، الآية: 20.
(3) بحار الأنوار 84: 339، الباب 13، الحديث 19.
(4) راجع كتاب العين 3: 378، مادّة (كهل).
(5) راجع لسان العرب 11: 420، مادّة (عبل).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الباطنيّة والظاهريّة من العلوم، فظهره أقوى من كلّ ظهرٍ، ومسؤوليّته أيضاً أعظم من كلّ مسؤوليّةٍ.
وينبغي التنبيهُ على أمرين في بيان قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}:
الأمر الأوّل: قد يُقال: إنَّ الخطاب في قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} للنبي’ بالمباشرة، وقد استفاد المفسّرون من هذا التعبير اختصاص ذلك به’(1)، وكأنَّ الله تعالى لم يشرح إلّا صدره.
ويُلاحظ عليه: أنَّه يمكن أن يوسّع المعنى ليشمل غيره’، بعد الالتفات إلى القرائن التالية، أي: أن نفهمه بنحوٍ من أنحاء التجريد عن الخصوصيّة بالنبي’ إلى غيره.
القرينة الأُولى: قوله تعالى: {وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ}(2). وبيان ذلك: أنَّ النبي’ لا وزر له ولا ذنب، كما سيأتي توضيحه، فنسبة الوزر إلى النبي’ ممتنعةٌ، إذن فالمراد منه غيره.
القرينة الثانية: أنَّ شرح أو انشراح الصدور في الحقيقة غير مختصٍّ بالنبي’، كما أُشير إليه في آياتٍ عديدةٍ من القرآن الكريم نحو: قوله تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ}(3) وقوله تعالى: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي}(4).
ــــــ[10]ــــــ
(1) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 150، تفسير سورة الشرح، زاد المسير في علم التفسير 4: 460، تفسير سورة الشرح، وغيرها.
(2) سورة طه، الآية: 25.
(3) سورة الزمر، الآية: 22.
(4) سورة طه، الآية: 25.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وهذا يدلّ على أنَّ المسألة غير مختصّةٍ به’، مضافاً إلى أنَّه متى ما وجد الشرح وجد الامتنان على الشرح، فيُقال: ألم نشرح لك صدرك أيّها المؤمن. إذن مادام الشرح متعدّداً في صدور كثيرٍ من المؤمنين فإنَّ الله يجعل لهم من أمرهم يسراً، ويجعل لهم من أمرهم فرجاً ومخرجاً، ويجعل الإيمان في قلوبهم، فحينئذٍ يشرح صدره، فيمنّ عليه، أي: يمتنّ عليه ببيان هذه النعمة.
القرينة الثالثة: أخبار الجري التي مفادها: أنَّ القرآن يجري في الناس كجري الشمس والقمر(1)، فلو اختصّ بطائفةٍ دون أُخرى ثُمَّ ماتت تلك الطائفة لمات القرآن، مع أنَّ القرآن حيٌّ لا يموت.
القرينة الرابعة: ما ورد من أنَّ القرآن نزل بلغة (إيّاك أعني واسمعي يا جارة). ويمكن الاستدلال على هذا المعنى برواية من ناحيةٍ(2)، وبالفهم العرفي من ناحيةٍ أُخرى، وهو فهمٌ عرفي وعقلائي متداولٌ يمكن أن يكون بمنزلة القرينة المتّصلة دائماً على تعميم الكثير من معاني القرآن وغيره، ومعنى شرح الصدر يمكن أن يكون أحدها.
الأمر الثاني: ثُمَّ إنَّ ظاهر الشرح أو الانشراح أنَّه حادثٌ بعد عدمٍ، أي: حصول شيءٍ لم يكن موجوداً، وعليه قد يرد إشكال هنا حاصله: أنَّ هذا
ــــــ[11]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير العيّاشي 1: 11، تفسير الناسخ والمنسوخ، تفسير نور الثقلين 4: 484، تفسير سورة الرعد، الحديثان 26، و27، وتفسير الصافي 1: 29، المدخل، المقدّمة الرابعة.
(2) أُنظر: الكافي 2: 630، باب النوادر، الحديث 14، الاحتجاج 2: 431، احتجاج الرضا× على أهل الكتاب …، تفسير العيّاشي 1: 10، في ما أنزل القرآن، تفسير القمّي 1: 16، المقدّمة، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
المعنى لا ينطبق على النبي’ على جميع الأُطروحات التي ذكرناها. فلو كان الشرح بمعنى {حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ}(1)، فيتعذّر تصوّر أنَّ النبي قبل ذلك كان يبغض الإيمان، والعياذ بالله.
وكذلك الحال لو حملنا شرح الصدر على إعطاء القوّة والتحمّل للعلوم الباطنيّة؛ فإنَّ النبي’ لا يتصوّر في حقه أنَّه قبل الشرح كان ضعيفاً غير متحمّل لها. وهكذا لو حملنا الانشراح على انشراح الصدر لتحمّل البلاء الدنيوي والرضا به؛ فإنَّه لا يتصوّر عدم رضاه’ بالبلاء الدنيوي قبل ذلك.
والحاصل: أنَّ قبل انشراح الصدر حالةً سابقةً مغايرةً لما هو عليه بعد حصول الانشراح، أو قل: إنَّ الحالة السابقة ضدّ الانشراح، وهذا الضدّ لا يجري في حقّ النبي’.
والذي يمكن أن يُقال في حلّ هذه العويصة وجوهٌ:
الوجه الأول: إذا تعيّن أنَّ الحالة السابقة ضدّ الانشراح وبرهنّا على أنَّ النبي’ لم تكن له تلك الحالة السيّئة المتدنّية، تعيّن أن يكون المراد به غير النبي’ لا محالة، أي: بشرط لا عن الشمول للنبي والمعصوم، فيكون المقصود عدا النبي’ خاصّة، وعدا المعصوم بالذات على العموم.
الوجه الثاني: وقد يُقال: إنَّ المراد – بعد التنزّل عن المعنى الأوّل- زيادة الانشراح، أي: إنَّ انشراح الصدر كان موجوداً، إلّا أنَّه زاد واتّسع بهذا الانشراح، بمعنى: إنَّه زاد إلى حدّ يكون الانشراح السابق عليه ضئيلاً أو
ــــــ[12]ــــــ
(1) سورة الحجرات، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ملحقاً بالعدم، فيقال: إنَّه الآن انشرح صدره حقيقةً، فأصبح من السعة والوضوح بحيث يكون السابق عليه بدرجة الصفر أو كالصفر.
الوجه الثالث: ربما يُقال: إنَّ الحالة السابقة على الشرح كانت متحقّقةً، إلّا أنَّها حاصلةٌ قبل وجود الموصوف، أو قل: إنَّ الشرح قد تحقّق مع وجود الذات، يعني: شرحنا لك صدرك مع وجودك، أو إنَّه وجد مشروح الصدر. والشرح وإن كان يلازم وجود الحالة السابقة، إلّا أنَّه يلازم تلك الحالة السابقة مع عدم الذات لا مع وجود الذات، فحيث كان النبي’ موجوداً كان متّصفاً بهذه الصفة العليا، أي: هناك حالةٌ سابقةٌ على الشرح، إلّا أنَّها حالة العدم، لا حالة الوجود الذي نفهمه بمعنى الضيق أو القصور أو التقصير أو غيرها.
الوجه الرابع: إنَّنا قد نأخذ بنظر الاعتبار التسليم بما في الإشكال من أنَّ شرح الصدر له حالةٌ سابقة: إمّا بالمطابقة أو بالدلالة التضمّنيّة أو الإلتزاميّة، فإذا تنزّلنا عن هذا الأمر بطل الإشكال من رأس.
فنقول: إنَّ الشرح لا يستلزم أن يكون له حالةٌ سابقةٌ مضادّةٌ له أو ذا درجة أدنى أو معاكسةٌ له، بل المراد أنَّه: ألم نشرح لك صدرك؟ وكفى. وأمّا قبل حالة الانشراح فقد غضّ النظر عنه، ولا نعلم ما هو، فلا دلالة التزاميّة على الحالة السابقة، وبالتالي يندفع الإشكال من أساسه.
وقد يُقال: إنَّ الشرح: إمّا أن يكون بمعنى البسط، وإمّا أن يكون بمعنى القطع. فإن كان بمعنى البسط أمكن أن لا يكون له حالةٌ سابقةٌ، إلّا أنَّه إن كان بمعنى القطع فهذا يلزم منه أن يكون له حالةٌ سابقةٌ، وهي الاتّصال لا محالة، أو قل: عدم الانقطاع وعدم القطع، أعني: وجود الالتصاق والاتصال،
ــــــ[13]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فيتعيّن أن يكون للشرح حالةٌ سابقةٌ؛ لأنَّ الشرح هو القطع، وكلّ قطعٍ له حالةٌ سابقةٌ، وإلَّا لم يصدق القطع أصلاً. ومعه فلابدّ أن يكون الشيء متّصلاً حتّى يتحقّق القطع، وكذلك في المقام ينبغي أن يكون الصدر ضيّقاً مثلاً حتّى يصدق الشرح بمعنى القطع، ونحو ذلك من المعاني.
ويُلاحظ عليه: أنَّنا لو سلّمنا بوجود الحالة السّابقة في القطع، فلا نسلّم بوجودها في الشرح، والشرح وإن كان هو القطع حسب الفرض، والقطع لا يصدق إلّا مع وجود حالةٍ سابقةٍ مغايرةٍ، إلّا أنَّ ما ذُكر يصدق في القطع الحقيقي، والكلام هنا في الشرح والقطع المجازي لا الحقيقي المادّي؛ إذ لم يكن قطعاً للصدر بالسكّين مثلاً، لا سيّما بعد أن نفينا الأُطروحة الأُولى، وهي شقّ الصدر، وحملنا ذلك على معنى آخر. وعليه فالشرح والقطع هنا مجازي، والمعنى الحقيقي للقطع وإن كان يتوقّف على وجود ضدّه قبله، إلّا أنَّ القطع المجازي لا يتوقّف على ذلك.
وربما يُقال: إنَّ ظاهر الصدر هو الصدر الجسدي أو المادّي، وهذه هي العصا التي يتوكّأ عليها أصحاب الأُطروحة الأُولى، أعني: أنَّ ظاهر الصدر هو المادّي(1)، ما يلزم معه أن يكون شرح الصدر بمعنى: قطع الصدر المادّي للنبي، مع أنَّ السياق أيضاً ظاهرٌ في توجّه الخطاب للنبي’.
كما أنَّ القلب ظاهرٌ في القلب المادّي، وهو العضو الصنوبري الموجود على يسار القفص الصدري.
أقول: إنَّ سائر استعمالات الصدر والقلب في القرآن الكريم لا يُراد
ــــــ[14]ــــــ
(1) راجع الجامع لأحكام القرآن 21: 104، تفسير سورة {أَلَمْ نَشْرَحْ}، وجامع البيان في تفسير القرآن 15: 3، تفسير، تفسير سورة الإسراء، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
منها الصدر والقلب المادّي الذي هو ظاهر اللغة، بل المراد منها الصدر والقلب المعنوي، وإليك نزراً منها:
قال تعالى: {إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلاّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ}¬¬¬¬¬¬¬(1).
وقال تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُوركُمْ أو تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ}(2).
وقال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ}(3).
وقال تعالى: {وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي}(4).
وقال تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ}(4).
وقال تعالى: {مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً}(5).
فالصدر في جميع هذه الآيات لا يُراد منه الصدر المادّي، بل المراد الصدر المعنوي.
ولتوضيح ذلك من غير أن ندخل في جهات الأسرار الإلهيّة، نقول: إنَّنا نجد فعلاً أنَّ العواطف موجودةٌ في صدورنا، وكذلك التفكير نجده فعلاً ونحسّ به إحساساً داخليّاً بأنَّه في دماغنا. والإنسان يحكّ رأسه عند التفكير، كما أنَّ العواطف محلّها الصدور أو القلوب؛ لأنَّنا نجد الحبّ والبغض والغضب والرضا والكره في الصدر، لا في الظهر ولا في الرجل ولا في
ــــــ[15]ــــــ
(1) سورة غافر، الآية: 56.
(2) سورة آل عمران، الآية: 29.
(3) سورة الأعراف، الآية: 43.
(4) سورة الشعراء، الآية: 13.
(5) سورة الزمر، الآية: 22.
(6) سورة النحل، الآية: 106.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الرأس، بل في الصدر خاصّة، وهكذا شاء الله بحسب الخلقة، وهي خلقةٌ بشريّةٌ يتساوى فيها جميع الناس.
وعليه فالصدر هو محلّ العواطف أو إنائها، والرأس إناء العقل والتفكير، وكأنَّ الله تعالى ربط القوّة الدرّاكة بالمخ، وربط القوّة العاطفيّة النفسيّة بالقلب، وهكذا هي الحكمة في خلقه جلّ جلاله، فالرأس المادّي هو هذا العضو المعروف، والرأس المعنوي هو القوّة الدرّاكة، وهو ما يرتبط بالرأس من القوّة، وهو حصّةٌ من الروح، وكذلك الصدر. فهناك صدرٌ مادّي وآخر معنوي يمثّل ما يرتبط بحصّةٍ خاصّةٍ من الروح؛ لأنَّ ما يحصل فيه من كرهٍ وحبٍّ وبغضٍ إنَّما هو في النفس حقيقةً، وهذا الصدر المادّي لو فتحناه لا نجد فيه شيئاً من هذه الأُمور كما لا يخفى.
فالكبر موطنه الصدر، قال تعالى: {إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلاّ كِبْرٌ}¬¬¬¬¬¬¬(1). والغلّ محلّه الصدر، قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ}(2). فالكبر والغلّ مستودعهما الصدر، وعندما يلتفت الإنسان إلى باطنه يجد فيه كلّ شيءٍ من هذه الأُمور المعنوية السيّئة، والعياذ بالله، والتي ربما تتحوّل بعون الله وحسن توفيقه إلى خيرٍ، كما لو كان الغضب غضباً على أعداء الله، أو بغضاً لأعداء الله، أو بغضاً للحرام وللكفر والفسق والفجور. فالعواطف – حقّاً كانت أو باطلاً- موطنها صدر الإنسان. لا جزءٌ آخر من أجزاء بدنه. فقوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} أي: وسّعنا لك صدرك من الناحية العاطفيّة لكي يتحمّل أشياء كثيرة جدّاً.
ــــــ[16]ــــــ
(1) سورة غافر، الآية: 56.
(2) سورة الأعراف، الآية: 43.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ولابدّ أن نلحظ هنا أنَّ الصدر هل هو معنى شاملٌ للعقل أو لا؟ لأنَّ ما أفاده السيّد الطباطبائي+ – من أن المراد: وسّعنا لك قوّتك لكي تنال بها العلوم العليا والباطنيّة- يرجع إلى توسيع العقل لا الصدر؛ إذ لا ربط لتلك العلوم بالعاطفة. نعم، العاطفة ترتبط بقضيّة تحمّل البلاء الدنيوي ونحوه؛ لأنَّ الإنسان يضيق صدره من البلاء ومن حديث الناس ومن عذاب الناس، والله من هذه الناحية بحسن توفيقه يجعله مسروراً، بدلاً من أن يجعله مكروباً أو حزيناً. فهذا مرتبطٌ بالعاطفة، وذاك مرتبطٌ بالعقل، وكلا الجانبين موسّعٌ ومشروحٌ ومحتمّلٌ، سواء كان عند النبي والمعصوم أم عند عامّة الناس.
ويمكن أن يُقال: إنَّ الصدر مطلق الجانب الباطني من النبي أو المعصوم أو الولي، وكلٌّ من الجانبين مشروحٌ أو واسعٌ، والصدر أوسع من صدر الفرد الاعتيادي الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
وها هنا سؤالٌ لا نريد الجواب عنه في المقام، وإنما نشير له إجمالاً قائلين: ما الفرق بين القلب والصدر؟ لأنَّ القرآن تارةً ينسب العاطفة إلى الصدور، وأُخرى ينسبها إلى القلب، فما هو الفرق بينهما؟
والتحقيق: أنَّ الجواب عن ذلك بالتفصيل سيأتي التعرّض له في موطنه، إلّا أنَّ الذي ينبغي أن ننبّه عليه هنا هو أن بين الصدر والقلب عموماً وخصوصاً مطلقاً؛ لأنَّ ما في القلب في الصدر، وليس كلّ ما في الصدر في القلب؛ لأنَّ الصدر أوسع من القلب؛ لاشتماله على أُمور لا توجد في القلب. أمّا ما هو الفرق بينهما؟ ومن الطبيعي أنَّ لكليهما نـحواً من أنحاء العاطـفة، وربما يُقال – على نحو الإشارة- بأنَّ ما في القلب فيه شائبة العلم، فهو عاطفة مع علم، بخلاف ما في الصدر؛ إذ هو عاطفةٌ خالصةٌ.
ــــــ[17]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ولا بأس في التعرّض لأُطروحتين في بيان الانشراح المشار إليه في الآية الكريمة:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ الشرح بمعنى القطع، أي: قطعنا لك صدرك، بمعنى: شققناه. وتستند هذه الأُطروحة إلى ما روي من: أنَّ جبرئيل× أتاه وشقّ صدره وأخرج قلبه وغسّله وأنقاه، ثُمَّ ملأه علماً وإيماناً، ووضعه في صدره(1).
وقد يُستأنس لذلك بقوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} يعني: أنَّ الوزر هو السوء الذي استخرجه جبرئيل من قلب النبي’ على تقدير صحّة الرواية، وبذلك تتمّ وحدة السياق في قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ} يعني: قطعنا لك صدرك، وقوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} يعني: أخرجناه ورميناه.
ويمكن المناقشة في ذلك: بأنَّ الوزر لا يُراد به المعنى المذكور؛ لأنَّ القرآن يقول: {الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}، فالوزر كان محمولاً على الظهر بحسب المعنى، ولم يكن في داخل القلب، وحينئذٍ تنتقض وحدة السياق، فيكون الشرحُ شيئاً، ووضعُ الوزرِ شيئاً آخر، ولا ربط لأحدهما بالآخر. مع أنَّ السياق كالنصّ في الارتباط، أي: إنَّ وحدة السياق هنا واضحةٌ وعرفيّةٌ إلى درجة كافيةٍ جدّاً، فانتقاض وحدة السّياق في الآية يكذّب الرواية. وبتعبيرٍ آخر: إنَّ وحدة السياق تقتضي حمل كلا الفقرتين على معنىً واحدٍ، فقوله: {..وِزْرَكَ * الَّذِي..} ليس إشارةً إلى ما ورد في الرواية، مع أنَّا نشكّ في أنَّ الشرح إشارةٌ إلى تلك الرواية. فبوحدة السياق نحمل ما هو مشكوكٌ على ما هو متيقّنٌ، والوزر ليس في الرواية قطعاً، إذن فالمشكوك – وهو الشرح- ليس
ــــــ[18]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 104، تفسير سورة {ألم نشرح}، جامع البيان في تفسير القرآن 15: 3، تفسير سورة الإسراء، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
من الرواية.
هذا كلّه بحسب الأُطروحة الأُولى التي من المفروض أن تكون إشارةً إلى الرواية المذكورة، وتبيّن أنَّها ليست صحيحةً، مع أنَّها مشهورةٌ عند العامّة، وربما عند بعض الخاصّة، إلّا أنَّ فيها غير واحدٍ من مواضع التأمّل.
الأُطروحة الثانية: أنَّ شرح الصدر بمعنى طيب القلب وسروره {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}، أي: طيّبنا لك قلبك وسررناه، أعني: جعلنا فيه السرور والغبطة والبهجة.
ويمكن نسبة هذا المعنى إلى مشهور المفسّرين(1)، بعد عدم الأخذ بالأُطروحة الأُولى التي تدلّ عليها الرواية السابقة، لا سيّما إذا كان المفسّر غافلاً أو متغافلاً عن الأُطروحات الأُخرى، فيتعيّن الأخذ بهذا المعنى لا محالة. وربما يعضد هذه الأُطروحة قوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء}(2).
فنشرح صدره للإسلام أي: نطيّب قلبه بالإسلام، ونجعله محبّاً له، أي: محبّاً لعقيدته ودينه. وهذه الظاهرة موجودةٌ ومحسوسةٌ عند الكثير من المؤمنين، لا سيّما إذا وصل الإنسان إلى درجة الورع والتقوى. ولذا قال تعالى أيضاً: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}(3).
ــــــ[19]ــــــ
(1) أُنظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 385، تفسير سورة الشرح، مفاتيح الغيب 32: 205، تفسير سورة ألم نشرح، وغيرها.
(2) سورة الأنعام، الآية: 125.
(3) سورة الحجرات، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فينال الإنسان – بمعنىً من معاني- الرشد حينما يكون محبّاً للإيمان وكارهاً للكفر والعصيان، كالكفر في أصول الدين، والعصيان في فروع الدين. فالمعصية في السلوك أو في فروع الدين – مهما كانت صغيرةً- يجب أن لا تصدر منه، وعليه أن يقشعرّ منها، بما فيها الكذبة التي يسمّيها أهل الدنيا كذبةً بيضاء وبسيطةً، أو كذبةً في هزل؛ إذ عليه أيضاً أن يقشعرّ بدنه منها؛ لأنَّها أمام الله كبيرةٌ. أُنظر إلى مَن عصيت، ولا تنظر إلى ما عصيت(1).
والحاصل: أنَّ في هذه الأُطروحة نحوين أو ثلاثة يمكن أن تُفسّر بها، وكلّ نحوٍ يصلح لأن يكون أُطروحةً بنفسه، إلّا أنَّه يمكن إدراج الجميع في معنىً عامٍّ نعنون به الأُطروحة، وهو إدخال السرور في القلب. ولهذه الأُطروحة أنحاء:
منها: أن يُقال: إنَّ الإنسان قد يكون في ضيقٍ من شيءٍ من بلاء الدنيا، وهذا يمرّ به كلّ البشر؛ لأنَّ الدنيا دار بلاءٍ وضيقٍ وسجنٍ للمؤمن، فيضيق صدره من البلاء، وحينئذٍ يمنّ الله تعالى عليه بمنّةٍ، فيزيل ضيق صدره، ويجعل له من أمره يسراً، ويجعل له من أمره فرجاً ومخرجاً، ويزيل عنه سبب الضيق، وهو البلاء الدنيوي، فيفرح ويسرّ. ولاشكّ في عدم انطباق هذا على النبي’ وبُعده عن ساحته المقدّسة، وإن قرّبه صاحب >الميزان<(2)؛ إذ لا شكّ أنَّ النبي’ قد مرّ ببلاءٍ كثيرٍ، لعلّه – بمعنىً من المعاني- أشدّ من البلاء الذي مرّ به الحسين×، حتّى رُوي عنه أنَّه قال: >ما أُوذي نبيٌ مثل ما
ــــــ[20]ــــــ
(1) أُنظر: مستدرك الوسائل، الباب 43 من أبواب جهاد النفس، الحديث: 8، من كتاب الجهاد.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 314، تفسير سورة {ألم نشرح}.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أُوذيت<(1). إلّا أنَّ هذا لا يعني أنَّه كأحدنا جعل الدنيا أقصى همّه ومبلغ علمه، بحيث يتأذّى من هذا البلاء ويحصل له ضيقٌ؛ فهو أجلّ من ذلك، بل النبي’ حسب وجداني لا يضيق ببلاء الدنيا. وعليه فهذه الأُطروحة لا تناسبه، وإنَّما تناسب غيره، وهو ليس مصداقاً لها؛ لأنَّ هذا شأن المؤمن الذي يضيق ببلاء الدنيا، فيقول: (أنا مريضٌ)، (أنا فقيرٌ)، وهذا لا يخطر في ذهن النبي طرفة عين.
ومنها: أن يُقال: إنَّ الدنيا كما تشتمل على البلاء تشتمل على النعمة، ونعمة الدنيا إمّا مادّيّة، كالمال ونحوه، وإمّا معنويّة، كما أُشير إليه في بعض الروايات من: أنَّ المؤمن لو سُئل: هل صلّى صلاة الليل؟ فلا ينبغي له أن يقول: (لا)؛ لأنَّه كذبٌ، بل عليه أن يقول: (رزقني الله ذلك). والوجه فيه: أنَّ الطاعات رزقٌ من الله تعالى ونعمةٌ من نعمه، ونحوها الحالات الباطنيّة من قبيل: صفاء النفس وطيب القلب وعلم العقل؛ فكلّها من نعمه تعالى. ثُمَّ إنَّ الإنسان عاطفي بطبعه، فهو يفرح بالنعم الواصلة إليه، فأهل الدنيا يفرحون بالنعم الدنيويّة، كالمال والبنون والقصور والسيّارات والشهرة وغيرها، وأهل الآخرة يفرحون بالنعم المعنويّة. وحينئذٍ يكون قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} مصداقاً لأهل الدنيا بمعنىً من المعاني، ولأهل الآخرة أيضاً بمعنىً آخر. ونظير ذلك الرجل الذي أمسى فقيراً، ولكنّه استيقظ صباحاً، فوجد أنَّ عمّه مات وخلّف له ثروةً كبيرةً، فيصدق عليه أنَّه شرحنا له صدره ووضعنا
ــــــ[21]ــــــ
(1) مناقب آل أبي طالب 3: 247، باب النكت واللطائف، كشف الغمّة 3: 537، الباب الخامس، وبحار الأنوار 39: 56، الباب 73.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
عنه وزره، وهو الفقر الذي أنقض ظهره: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}. هذا بالنسبة إلى الأُمور الدنيويّة. وكذلك الحال بالنسبة إلى الأُمور الأُخرويّة، وقد أشار القرآن إلى السرور بالطاعات والعطاء المعنوي: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}(1). فلا تفرحوا بما تجمعون من أُمور الدنيا، وإنَّما افرحوا بالعطاء المعنوي والروحي والقلبي والعقلي.
وهذا المعنى ينطبق على النبي’ قطعاً؛ لأنَّ العطاء الواصل إليه عطاءٌ معنوي، ويكفي في ذلك النبوّة والرسالة والعصمة، وعصمة أولاده وبنته وصهره وأسباطه، ونحوه كونه من أرحامٍ طاهرةٍ مطهّرةٍ، فهذا كلّه من النعم عليه. فمن هذه الناحية يكون ظرفاً لنعمٍ إلهيّةٍ هائلةٍ جدّاً، ومنه يتّضح أنَّه كلّما كان الإنسان أعلى رتبةً في عالم الكمال كانت النعم أكثر؛ لأنَّه أكثر استحقاقاً للنعمة، والله تعالى كريمٌ لا بخل في ساحته.
فإن التفتنا إلى أنَّ النبي’ خير الخلق وأسمى الخلق وأكمل الخلق، كانت النعم عليه أكثر من سائر الخلق على الإطلاق، ولا يشابهه خلقٌ في كثرة النعم، أي: في النعم التي تصل إليه من الله تعالى؛ لأنَّه أكثر الخلق استحقاقاً للنعم. ومعه يكون خطاب {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} منطبقاًً عليه لا محالة؛ لأنَّ النعم بنفسها نورٌ وبهجةٌ وسلامةٌ وعافيةٌ من الذنوب والعيوب والظلام وحجب الظلمة، فيحصل له انشراحٌ عظيمٌ جدّاً، ويكون مصداقاً للآية، بل هو أولى من أيّ شخصٍ آخر بأن يكون مصداقاً لهذه الآية، بل غيره بالنسبة إليه كالعدم من هذه الناحية، وكضمّ الحجر إلى جنب الإنسان، والقطرة إلى البحر.
ــــــ[22]ــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 85.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وربما يُقال: إنَّ النبي’ هو المخاطب بالقرآن كلّه، وبهذه السورة أيضاً، وبهذه الآية بالخصوص، مع أنَّه خير الخلق وأسمى الخلق وأفضل الخلق، فكيف صار الوزر ناقضاً لظهره؟
ويجاب عليه بعدّة وجوه
الوجه الأوّل: أنَّ الكلام في قوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} واردٌ على سياق (إيّاك أعني واسمعي يا جارة)، والخطاب المباشر وإن كان للنبي، إلّا أنَّ المقصود غيره.
أو نقول: إنَّ السامع للوحي وإن كان هو النبي مباشرة، إلّا أنَّ المخاطب غيره؛ لأنَّ الكتاب أُنزل لكلّ المسلمين، بل لكلّ البشر.
نعم، الاتّجاه المشهور لا يمكن له أن يلتزم بهذا الكلام؛ لأنَّ ذلك يستلزم وجود الثقل على ظهر المخاطب الذي هو غير النبي، ورفعه أيضاً عن غير النبي، إذن فالمنّة ليست على النبي، بل على مَن رفع عن ظهره الثقل والوزر، فكيف ينسجم ذلك مع أوّل السورة، أعني: قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} مع أنَّ الشرح على ما هو المشهور مختصٌّ بالنبي(1)؟! وعليه فهذا الاتّجاه لا يرى أنَّ المخاطب غير النبي؛ لأنَّ ذلك يقطع وحدة السياق حسبما يظهر من قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} وقوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ}.
ثُمَّ إنَّ الشرح مختصٌّ بالنبي، ونشكّ أنَّ ما بعده متعلّقٌ به أو لا؟ وبمقتضى وحدة السياق يكون مختصّاً به أيضاً، وهذا هو رأي المشهور الذي
ــــــ[23]ــــــ
(1) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 150، تفسير سورة الشرح، زاد المسير في علم التفسير 4: 460، تفسير سورة الشرح، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
يمثّله جملة من مفسّري العامّة الذين يلتزمون بمثل روايات شرح الصدر(1).
وأمّا إذا فهمنا شرح الصدر بنحوٍ آخر، فقد يكون الخطاب عامّاً لكلّ المؤمنين، بل لكلّ المسلمين، فأنا شرح الله صدري، وشرح لك صدرك، وشرح لزيدٍ صدره أيضاً، كما في قوله {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ}(2). إذن فكلّ من الآيتين غير مختصّةٍ بالنبي’.
الوجه الثاني: أن يُقال: إنَّ الوزر يمكن أن نفهمه في ضوء أُطروحتين رئيستين ذكرناهما فيما تقدّم، وهما: ثقل الذنب وثقل المسؤوليّة، أي: ثقل مسؤوليّة العمل. وبتعبير آخر: المسؤوليّة الناتجة إمّا من العمل وإمّا من الذنب، وهما يختلفان اختلافاً جذريّاً؛ لأنَّ مسؤوليّة الذنب مسؤوليّة أخلاقيّة أمام الآمر، وهو هنا الله تعالى، ومسؤوليّة العمل ليست من هذا القبيل، وإن كان فيها شيءٌ من ذلك، إلّا أنَّ معناها الحقيقي هو أنَّ العمل مجهدٌ للإنسان، ومن هذه الناحية يصدق قوله: {أَنقَضَ ظَهْرَكَ}.
وفي هذا الجواب نقول: إنَّنا إذا أخذنا المسؤوليّة هنا بمعنى مسؤوليّة الذنب أمام الله تعالى، وكان وزرك بمعنى ذنبك، وتنزّلنا عن الأُطروحة السابقة، وقلنا: إنَّ الخطاب متوجّهٌ إلى النبي’ لا غيره، صار عندنا مسؤوليّة للنبي تنقض ظهره اقتضاءً لا علّيّةً، وفي هذا الوجه نقول: إنَّ هذه المسؤوليّة تنقض ظهره لولا رحمة الله تعالى له.
فان قلت: إنَّ النبي لا ذنب له؛ لأنَّه معصومٌ؟
ــــــ[24]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 104، تفسير سورة {ألم نشرح} جامع البيان في تفسير القرآن 15: 3، تفسير سورة الإسراء، وغيرهما.
(2) سورة الزمر، الآية: 22.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قلنا: نعم، هو معصومٌ ولا ذنب له، إلّا أنَّه مع ذلك يشعر بالتقصير أمام الله تعالى، ويرى أنَّ ذلك التقصير ذنبٌ تجاه الله سبحانه، فمن هذه الحيثيّة كان له ذنوبٌ، إلّا أنَّها والعياذ بالله ليست كذنوبنا، بل هي ذنوبٌ أمام الله سبحانه.
ولنضمّ هذا المعنى إلى كبرى مفادها أنَّ المسؤوليّة الأخلاقيّة للذنب تتحدّد بمقدار أهمّيّة الآمر، فإذا كان الآمر هو الأب مثلاً، كان عصيانه درجةً من درجات المسؤوليّة الأخلاقيّة، فإذا كان شخصٌ أفضل وأعلى منه، كالحاكم الشرعي أو المعصوم، كان الذنب أكبر والمسؤوليّة أعظم. وأمّا إذا كان الآمر هو الله سبحانه، فسوف تصل المسؤوليّة الأخلاقيّة إلى نهايتها وغايتها؛ لأنَّ الله غير متناهٍ، فالمسؤوليّة الأخلاقيّة بذنبٍ واحدٍ لا نهائيّة، أي: إنَّ الذنب الواحد قابلٌ لأن يقصم الظهر أمام الحقّ تعالى؛ لأنَّه حمّل مسؤوليّة لا نهائيّةً من قبل خالقٍ لا متناهٍ، فينقض ظهره من ذنبٍ واحدٍ فقط، لا من ذنوبٍ كثيرةٍ.
والحاصل: أنَّ الذنب اللامحدود تكون مسؤوليّته لا محدودة، فينقض الظهر لا محالة. وبالرجوع إلى الصغرى يُلاحظ أنَّ هذا المعنى لا يختلف فيه الذنب الصادر عن غير المعصوم مع الذنب في نظر المعصوم، بل المعصوم مسؤوليّته أكبر؛ لأنَّه أكثر اطّلاعاً منّا، وهو مطّلعٌ على الواقع، فهو أعلم وأفهم وأرشد وأعلى وأنور، فمسؤوليّته تزداد قطعاً.
والوجه فيه: أنَّنا في حجب الظلمة، فتكون مسؤوليّتنا ربما ناقصةً، إلّا أنَّ مسؤوليّة المعصوم ليست كذلك، بل هي لا نهائيّة، فاقتضاء نقض الظهر موجودٌ لولا رحمته تعالى للنبي’.
الوجه الثالث: أن يُقال: إنَّنا نأخذ الوزر بمعنى مسؤوليّة العمل، وهذه المسؤوليّة تنقض ظهر النبي’؛ لأنَّ مسؤوليّته تتشعّب إلى ثلاث مسؤوليّات:
ــــــ[25]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
المسؤوليّة الأُولى: مسؤوليّته في إدارة الكون، كما يدركه العارفون، وكما هو ملحوظ في ضمير المتشرّعة من: أنَّ الكون خُلق من أجلهم، ودارت الأفلاك فيه لأجلهم^(1).
المسؤوليّة الثانية: مسؤوليّته في تبليغ الدين في حياته، وهو القائل: >ما أُوذي نبيٌ بمثل ما أُوذيت<(2).
المسؤوليّة الثالثة: مسؤوليّته تجاه دينه من البعثة إلى يوم القيامة؛ إذ هو الذي يتحمّل تلك المسؤوليّة في نهاية المطاف؛ لأنَّه أقوى الموجودات بالمباشرة. نعم، يمكن أن يتحمّلها المعصومون والعلماء والمسلمون والمتّقون، لكن يبقى هو المسؤول الأوّل والأخير، وهذا ليس بالأمر السهل واليسير.
ومعه تارةً نأخذ (ظهرك) بمعنى الظهر البشري، أي: بصفتك بشراً، كما يُشير إليه قوله تعالى: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ}(3).
ثُمَّ إنَّ المسؤوليّات المتقدّمة شديدةٌ جدّاً وثقيلةٌ على طاقة البشر، فهي قطعاً تنقض الظهر البشري وتكسره لولا رحمة الله تعالى؛ لأنَّه رفع عنك وزرك. إذن أنقض ظهرك بصفتك بشراً، ولذا فإنَّ انتقاض الظهر كان من هذه الحيثيّة.
وتارةً أُخرى نأخذ ظهر النبي بصفته الواقعيّة المعبّر عنه بالكاهل
ــــــ[26]ــــــ
(1) أُنظر: مناقب آل أبي طالب 1: 217، فصل في اللطائف، تأويل الآيات الظاهرة: 430، سورة لقمان، وبحار الأنوار 16: 405، الباب 12، الحديث1.
(2) مناقب آل أبي طالب 3: 247، باب النكت واللطائف، كشف الغمّة 2: 537، الباب الخامس، وبحار الأنوار 39: 56، الباب 73.
(3) سورة الكهف، الآية: 110.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الأعبل، أي: الظهر القوي على الإطلاق، إلّا أنَّه مع ذلك تكون مسؤوليّاته كبيرةً جدّاً، وإن كان جملةٌ من المسؤوليّات التي ذكرناها ليست ذات أهمّيّة بالنسبة إلى هذا المستوى من التفكير، من قبيل تبليغه ودعوته خلال حياته ودينه إلى يوم القيامة.
ويجدر في المقام الإشارة إلى أمرين:
أحدهما: مسؤوليّة الكون ككلٍّ، ولا سيّما إذا قلنا بعدم تناهي الموجودات؛ فإنَّ رحمة الله لا متناهية، وهو يخلق ويدّبر برحمته، وعليه فالمخلوقات لا متناهية، وكلّها على عاتق النبي، إذن فلها اقتضاء نقض الظهر.
ثانيهما: أنَّ هناك روايات مفادها: أنَّ النبي’ هو القلم(1) أي: القلم الأعلى، وروحه العليا هي القلم، وأنَّ الله تعالى أمر القلم أن يكتب على اللوح، فكتب اثني عشرة سنة أو أكثر – مع أنَّ هذا العدد من قبيل تكليم الناس على قدر عقولهم- إلى أن أعياه التعب(2)، وهو خير الخلق وأسمى الخلق، ومسؤوليّته كبيرةٌ جدّاً، بل هي فوق العقل وفوق التصوّر، ولها اقتضاء نقض الظهر، إلّا أنَّ الله تعالى يفيض عليه بعنايته الخاصّة حتّى يرفعه. ولعلّه إلى ذلك أُشير في الأخبار عنهم^ أنَّهم قالوا: >ولولا أنَّا نُزاد لنفد ما عندنا<(3).
ــــــ[27]ــــــ
(1) أورد الحافظ رجب البرسي في مشارق أنوار اليقين: 253، عن مولانا أمير المؤمنين× أنّه قال: >وأنا القلم< فلاحظ وتدبّر.
(2) أُنظر: تفسير نور الثقلين 5: 387-388، تفسير سورة القلم، البرهان في تفسير القرآن 5: 452-454، تفسير سورة القلم، وغيرهما.
(3) بصائر الدرجات: 232، الجزء الخامس، الباب 7، وقريبٌ منه ما في الكافي 1: 254، كتاب الحجّة، باب أنّ الأئمّة^ يزدادون في ليلة الجمعة وباب لولا أنّ الأئمّة^ يزدادون لنفد ما عندهم.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ثُمَّ إنَّ (نقض) فعلٌ ثلاثي، نقض ينقض أنقض، و(أنقض) رباعي مزيد، والثلاثي إن كان لازماً لم يفتقر إلى مفعولٍ، ويمكن تعديته بإدخال الهمزة، مثل: خرج وأخرج، فخرج لازم، وبالهمزة يصير متعدّياً. إلّا أنَّه يُلاحظ أنَّ (نقض) متعدٍّ، سواء كان ثلاثيّاً أم رباعيّاً مزيداً بالهمزة، فهو متعدٍّ ولو كان ثلاثيّاً، فماذا أفادت الهمزة التي زيدت عليه في قوله تعالى: {أَنقَضَ ظَهْرَكَ}؟ لأنَّه بقي متعدّياً، فلا حاجة إلى الهمزة إطلاقاً.
ويمكن الجواب عن ذلك بعدّة وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ هذه الهمزة لحفظ السياق اللفظي للقرآن؛ لأنَّه لو قال: >الذي نقض ظهرك< لاختلّ السياق في الجملة.
الوجه الثاني: أنَّ (أنقض) أدلَّ على المعنى من (نقض)؛ فـ (نقض) بمعنى: كسر، وأمّا (أنقض) فبمعنى: حطّم حتّى صار أنقاضاً، فأنقض من قبيل أن تقول: فسد فساداً كاملاً، في اقتضاء الزمان والانعدام، وهذا لا يكون من الثلاثي، والمراد زيادة التحطّم وصيرورته أنقاضاً.
الوجه الثالث: أنَّ الثلاثي من (التهدّم)، والرباعي من (الصوت)، ومع أنَّ مرجعهما واحدٌ، إلّا أنَّ هناك اختلافاً في نصوص اللغويّين، والمقصود هنا الرباعي؛ لأنَّه ورد بلفظ (أنقض).
فالثلاثي (نقض) بمعنى: (هدم)، و(أنقض) بمعنى: (صوّت).
قال ابن منظور في >لسان العرب<(1):
أنقض الرجل إذا أطّ. يعني: كأنَّ الإنسان الذي يتعب كثيراً يئطّ، من قبيل أن يتحسّر، أو يعلو نَفَسَه جدّاً، فهذا يُطلق عليه: أنقض، أي: صوّت
ــــــ[28]ــــــ
(1) لسان العرب 7: 244، مادّة (نقض).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
هكذا. وأضاف ابن منظور: شبّه أطيط الرحال بأصوات الفراريج(1) التي هي صغار الدجاج والبطّ؛ لأنَّ صوت النَفَس يكون ضيقاً إلى هذه الدرجة.
وقال الخطابي: أنقض به أي: صفّق بإحدى يديه على الأُخرى حتّى سمع لها نقيضٌ، أي: صوتٌ(2).
وقال في موضعٍ آخر: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ} أي: جعله يسمع له نقيضٌ من ثقله(1).
وهذا النقيض في الحقيقة يمكن تصوّره على عدّة أنحاءٍ:
النحو الأوّل: أنَّ هذا الوزر حينما يقع على الظهر يتكسّر الظهر من ثقله، فيسمع له صوتٌ.
النحو الثاني: أنَّ الإنسان حينما يمشي وهو يحمل الثقل الشديد
– كحمل الحمّال مثلاً- نقول عنه: إنَّ جسمه لا يتماسك فتصدر أصوات.
النحو الثالث: أنَّه حينما يتعب تعباً شديداً سوف يتمطّى، ليحصل بالتمطّي صوتٌ خاصٌّ كالأنين.
وبذلك يظهر الجواب عن سؤالٍ آخر قد يخطر في البال، وإن كان من الظلم أن يخطر نظيره، وهو: أنَّ (نقض) ورد في اللغة، فهو أصيلٌ، وأمّا (أنقض) فلم يرد في اللغة، فمن أين أتى به القرآن؟ وهل يمكن أن ننسب الخطأ إلى القرآن؛ لأنَّه استعمل كلمةً لم ترد في اللغة؟!
والإشكال المذكور واضح الفساد؛ لأنَّ الثلاثي (نقض) وإن كان أكثر
ــــــ[29]ــــــ
(1) لسان العرب 7: 244، مادّة (نقض).
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ارتكازاً في أذهان العرب واللغويّين، إلّا أنَّ هذا لا يعني أنَّ ما عداه غير واردٍ، فالرباعي على أيّ حالٍ معنى لغوي، وقد ورد في كلمات أهل اللغة، كما ورد في كلام العرب.
مع أنَّ من حقّ المتكلم البليغ أن يدخل في اللغة ما يشاء، ولو توسّعنا في ذلك لقلنا: إنَّ لكلّ الأجيال أن تدخل في اللغة ما تشاء من الألفاظ؛ فهم عقلاء، ونحن عقلاء، وهم مجتمعٌ إنساني، ونحن مجتمعٌ إنساني، فلا بأس أن نضع وضعاً جديداً. ويُلاحظ: أنَّهم يمثّلون بـ (ديز) إلى المهملات، ولنا أن نضع (ديز) لمعنىً آخر، وأيّ ضررٍ أو مانعٍ في ذلك؟! مع أنَّنا لسنا بذوي عقولٍ قاصرةٍ، بل نحن بالتأكيد أوعى وأعقل من المجتمع الجاهلي الذي كان يعيش على الغارات والسرقات.
وإن تنزّلنا عن ذلك وقلنا: إنَّ لغتنا اختلطت بلغة الأعاجم، فسقط مجتمعنا عن الحجّيّة اللغويّة، لوحظ عليه: أنَّ القرآن لم يحصل له ذلك الاختلاط، أي: لم تختلط أُسسه اللغويّة. فإن قيل: إنَّ أبا جهل وأبا سفيان لهما الحقّ في وضع الألفاظ وتكون حجّة، كان من حقّ الله أنَّ يستعمل ما يشاء من الألفاظ في آيات القرآن. ولو قيل: إنَّ الله تعالى ليس له ذلك، أجبنا بالنفي.
الوجه الرابع: أنَّ كلّ ثلاثي يمكن جعله مزيداً، أي: رباعيّاً، كخرج أخرج، حتّى لو لم ينصّ عليه أهل اللغة ولم نسمعه منهم؛ إذ المسألة ليست سماعيّة، بل قياسيّة، فنقيس في ما لم يُسمعْ، والقياس في اللغة جائزٌ.
فان قلت: إنَّ المسألة ليست بهذه الدرجة من العموم، فكسر لا يصير أكسر، وليس كلّ ثلاثي قابلاً لأن يكون رباعيّاً.
قلنا: إنَّ هذه القاعدة تقرّر أنَّ كلّ ثلاثي يصحّ أن يصير رباعيّاً، إلّا ما
ــــــ[30]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
خرج بدليلٍ.
فالكلمة أو الصيغة الرباعيّة التي أصبحت غريبةً في الذوق العربي نهملها كـ >أكثر< مثلاً، وإلَّا فيمكن استعمالها، ولا بأس بها، ونبقى على القياس السائد، ولا يختلف في ذلك اللازم والمتعدّي: أمّا اللازم فنحو: خرج وأخرج، وأمّا المتعدّي فنحو: نطق وأنطق.
فان قلت: إنَّ (نقض) كـ (نطق) الذي هو متعدّ، وبقي متعدّياً حينما صار رباعيّاً، إلّا أنَّ الثلاثي لو صار رباعيّاً كان له تأثير في غيره نحو قولنا: (أنطق زيد بكراً). فحينما دخلت الهمزة على (نقض) صار (أنقض)، فيكون له تأثير في غيره، وهنا لا وجود لغير النبي، ولا ذكر لغيره في الآية، فليس هنا شخصان حتّى يكون أحدهما فاعلاً والآخر المنفعل بالنقض، فالتأثير في الآخر لا مصداق له في الآية، مع أنَّ صيغة (أنقض) تستدعي التأثير في الآخر، فيفسد السياق. وحاشا للقرآن أن يقع فيما يوجب الخلل في السياق أو فساده.
قلت: يمكن الجواب عن الادّعاء المزبور بأُمورٍ ثلاثةٍ:
الأمر الأوّل: أنَّ التأثير في الغير موجودٌ وصحيحٌ، إلّا أنَّه ليس بين إنسانين مذكورين في الآية. نعم، المذكور هو رسول الله فقط، إلّا أنَّ هناك فاعلاً ومنفعلاً، وهما الوزر والظهر، فالوزر فاعلٌ والظهر منفعلٌ ومتأثّرٌ، فتعدّدت الجهة والحيثيّة، وصحّ السياق، وصار (أنقض) منسوباً إلى الوزر لا إلى رسول الله’.
وليُتفطّن: أنَّ الله تعالى وإن كان له أن يضع كلماتٍ لغويّةً، ومنها الكلمة التي نحن بصددها (أنقض)، حيث إنَّه قد تقدّم منّا: أنَّ الله قد يستعمل كلماتٍ
ــــــ[31]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
لغويّةً جديدةً غير مأنوسةٍ للناس، إلّا أنَّه قد يُقال: إنَّ هذا خلاف الحكمة أو منافٍ لما رُوي من قوله’: >إنَّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم<(1)، فيكون القرآن بهذا المعنى غير مفهوم، ومن هنا لا يمكن أنَّ نعمّم القاعدة التي ذكرناها في استحداث ألفاظٍ جديدةٍ في اللّغة.
ويُلاحظ عليه: – مع قطع النظر عن الجهات الكلاميّة التي تُذكر في علم الكلام-: أنَّ الله تعالى يضع كلمةً أو كلماتٍ جديدةً، ولكن بقدر ما يناسب عقول الناس، فالمورد هنا ممّا يناسب عقول الناس، فلا خروج عن القاعدة؛ لأنَّ (نقض) الثلاثي معروفٌ، فإن جعلناه رباعيّاً بوضعٍ جديدٍ وإضافة الهمزة، لم نكن قد فعلنا شيئاً غريباً خلاف ما يناسب عقول الناس؛ لأنَّ أصل الكلمة ومادّتها مفهومة، فهو ليس من الوضع البعيد عن الأذهان.
هذا مضافاً إلى أنَّنا لو قلنا – كما عليه مشهور أهل اللغة – بأنَّ الأجيال المتأخّرة اختلط لسانها بلسان الأعاجم فضاعت مقاييس الّلغة، فلا يكون وضعها بحجّة، فإنَّنا قطعاً لا نسلم بذلك الاختلاط في صدر الإسلام، ففي ذلك الجيل كانت اللغة صحيحةً، وكان من حقّ الناس أن يضعوا، بل مشهور أهل اللغة أنَّ الوضع كان قد استمرّ إلى زمانٍ ما من عصر الدولة الأمويّة، ثُمَّ اختلط المجتمع بالأعاجم.
والقرآن نزل في تلك الفترة التي كان يجوز وضع الألفاظ فيها للناس، فضلاً عن الله تعالى، فيكون الوضع مطابقاً للقاعدة.
والآن نعود إلى سؤالنا الأساسي في البحث السابق، وهو أنَّ التأثير
ــــــ[32]ــــــ
(1) الكافي 1: 23، كتاب العقل والجهل، الحديث 15، الأمالي (للشيخ الصدوق): 419، المجلس 65، الحديث 6، المحاسن 1: 195، باب العقل، الحديث 17، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والتأثّر لابدّ أن يكون من شخصين أو سببين فنقول:
الأمر الثاني: إنَّ شخص النبي’ وإن كان هو المخاطب، إلّا أنَّه غير ملحوظٍ في السياق بنحو العلّيّة والمعلوليّة، وإلَّا للزم أن يقول: (وزرك الذي أنقضتَ ظهرك)، ولكنّه قال: {وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}، أي: إسقاط شخصيّة المخاطب في وسط الكلام، ففاعل (وزرك) كأنَّه غير ملحوظٍ في الآية.
وبعبارة أُخرى: إنَّه أخذ بلحاظ الاعتبار مخاطباً، إلّا أنَّه لم يُلحظ بما أنَّه صاحب وزرٍ، فمن هذه الناحية بقيت الاثنينيّة محفوظةً: الوزر بما هو وزرٌ، والظهر بما هو ظهرٌ، مع سقوط الفاعل عن اللحاظ.
الأمر الثالث: أنَّه بعد التنزّل عن الوجوه السابقة يمكن القول بتحقّق الاثنينيّة ليكون طرفاها الله والنبي، فالنبي هو المنفعل؛ لأنَّه هو المخاطب من جهة (ظهرك)، والتحميل والثقل الذي ألقاه الله تعالى بمعنى: أنَّ الفعل في نفسه لو لم ينه الله تعالى عنه لكان مباحاً، فهو ليس ثقلاً على الظهر، وإنَّما نهى عنه فعصيته، فأصبح ثقلاً، فالثقل مستندٌ إلى الشريعة المستندة إلى الله، ومن هذه الجهة يتحقّق أنَّ الله (أثقل ظهره). فشرب الخمر مثلاً كواقع تكويني ليس فيه أيّ مسؤوليّة، وإنَّما مسؤوليّته تتمثّل في أنَّه عصيان الله سبحانه، فعصيان الله هو الذي أثقل الظهر لا العمل. نعم، بعد النهي الإلهي يكون العمل موجباً لثقل الظهر، فالاثنينيّة محفوظةٌ: الله تعالى من جهة، والمخاطب من جهة أُخرى، أيّ: النبي’ أو سائر المؤمنين.
ثُمَّ إنَّ الفخر الرازي أفاد: أنَّه لِمَ قال: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}، ولم يقل (ألم نَشْرَحْ صَدْرَكَ)؟ ولِمَ قال: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ}، ولم يقل: (وضعنا
ــــــ[33]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وزرك)؟ مع أنَّ الكلام تامٌّ من دون (لك) و(عنك)(1).
ونحن نزيد عليه أيضاً قائلين: إنَّ الآية قالت: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} ولم تقل: (رفعنا ذكرك) مع أنَّ الكلام تامٌّ من دون (لك) فحينئذٍ يعود الإشكال في ثلاث آيات لا في آيتين، كما ذكر الرازي.
وقد أجاب بما حاصله: أنَّ هذا إيضاحٌ بعد إبهامٍ، وهو نحوٌ من أنحاء البلاغة في البديع(2).
وما أفاده كأُطروحةٍ لطيفٌ، ويوافقه الحدس اللغوي.
والوجه فيه: أنَّه حينما قال: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ} كان مبهماً، فقال: (صدرك)، أي: أوضح ما وقع عليه الشرح، وكذلك قوله: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ} كان مبهماً، أي: من حيث المفعول به، فقال: (وزرك).
وهذا الجواب غير تامٍّ؛ لوجهين:
الأوّل: أنَّ ما أفاده إنَّما يصحّ إذا كان الإبهام ناشئاً من (لك) و(عنك)، فحينئذٍ يذكر (لك) و(عنك) تركيزاً للإبهام، ثُمَّ يوضّح المراد بذكر المفعول به، مع أنَّ الإبهام لا يستند إليهما، بل هو مستندٌ في الحقيقة إلى نفس الفعل (نشرح)، فماذا نشرح؟ والمفعول به لم يأتِ بعدُ، فلا زال الإبهام حاصلاً، سواء قال: (لك) أم لم يقل، ولا دخل لذلك بالإبهام أو الإيضاح؛ لأنَّه ليس بياناً للمفعول به ولا لعدم المفعول به، وإنَّما الإبهام من ناحية الفعل (نشرح) و(وضعنا).
والسرّ فيه: أنَّ الفعل حينما يكون متعدّياً يكون مبهماً من جهة المفعول به، فـ (خرج زيدٌ) ليس مبهماً من جهة المفعول به؛ لأنَّه لا يحتاج إلى مفعولٍ،
ــــــ[34]ــــــ
(1) أُنظر: مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل: 376، سورة الانشراح.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
بخلاف ما لو قلنا: (ضرب زيدٌ) فنبقى ننتظر شيئاً؛ لأنَّه متعدٍّ، فيكون بحاجةٍ إلى مفعول به. ومن هذه الناحية سقط الوجه الذي ذكره الرازي، لأنَّه قال: إنَّ (لك) إنَّما كانت وجهاً بلاغيّاً باعتبار الإبهام، مع أنَّها لا دخل لها بذلك.
الثاني: أنَّ كلّ فعلٍ متعدٍّ ينتظر مفعولاً به لإيضاحه، وهذا هو معنى الإبهام في الأفعال، وهو موجودٌ في سائر الأفعال المتعدّية، فلا يُعدّ وجهاً من وجوه البلاغة.
والحقّ في الجواب عن السؤال المذكور أن نُشير إلى الوجهين التاليين:
الوجه الأوّل: أنَّه زيادةٌ في إظهار المنّة على المخاطب؛ إذ المقطع الأوّل من السورة لبيان المنّة {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ}، أي: أنقذناك من أن ينتقض ظهرك، ورفعنا لك ذكرك، فهي مننٌ سامية من الله ورحماتٌ خاصّةٌ بكلّ تأكيدٍ.
ولابدّ هنا أن نلتفت إلى حرف النفي (ألم)، فلم يقل: (قد شرحنا لك صدرك)، بل قال: (ألم)، يعني: أنَّك لا تستطيع الإنكار، بل لابدّ بالضرورة الحسّيّة والوجدانيّة أن تصدّق وتسلّم، فتقول: (نعم، شرحت صدري ووضعت وزري ورفعت ذكري).
وعليه فهذا النفي يعضد تأكيد المنّة على المخاطب، فالسياق سياق تأكيد المنّة، وكلّما كان هناك سببٌ أكثر لتأكيدها وأشدّ في الإظهار والبيان كان أفضل وأحسن، ومن هنا جاء ذكر (لك) و(عنك).
الوجه الثاني: أنَّ الغرض منها إظهار ارتباطه بالفرد المخاطب، فقال: (لك) و (عنك)، لا لأجل غيرك.
ولبيان ذلك نقول: إنَّ شرح صدر النبي كما ينتفع به بنفسه كذلك تنتفع
ــــــ[35]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
به أُمّته، بل سائر البشر؛ لأنَّ مواهبه ومنافعه ستكون أوضح وأشمل وأكثر تأثيراً وأعمق معنىً، بخلاف ما إذا لم يكن صدره مشروحاً، فيشرح صدر النبي لمصلحة أُمّته، لا لمصلحته فقط إن صحّ التعبير. والمراد في الآية أنَّ الشرح لك خاصّة، أي: لأجلك لا لغيرك، فليس لنا مزيد عنايةٍ بغيرك أيّها النبي، بل الغرض هو أنت، فشرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزركٍ، سواء انتفع غيرك أم لم ينتفع، فالمستفيد المباشر والممتنّ عليه مباشرة هو النبي لا غيره، مع أنَّه بالإمكان أن يكون للآخرين نصيبٌ ونفعٌ، إلّا أنَّها ملحوظةٌ بلحاظٍ ثانويٍ ولازمٍ لا بالمباشرة.
***
قوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}:
وينبغي أوّلاً النظر إلى المعاني اللغويّة للكلمات (وضعنا، وزرك، انقض)، ثُمَّ نتعرّض بعد ذلك إلى المعنى العامّ أو السياقي للآيات الكريمة.
أمّا الوضع ففي حدود التتبّع يُلاحظ أنَّ أصله يرجع إلى معنى: الحطّ، وضَعَ أي: حطّ، يُقال باللهجة العامّيّة: حطّ الشيء على الأرض، أي: وضعه عليها، والحطّ أصله الانحطاط من الأعلى إلى الأسفل، فالوضع أيضاً فيه هذه الشائبة؛ لأنَّه إلى حدّ ما يرجع إلى معنى الحطّ، ففيه معنى النزول من الأعلى إلى الأسفل، فقوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ}، أي: كان على ظهرك، فأنزلناه عنك، ففيه لحاظ العلوّ والسفل.
نعم، إنَّنا تارةً نلاحظ بداية الخطّ وأُخرى نهايته؛ لأنَّ النزول من الأعلى إلى الأسفل فيه بدايةٌ وفيه نهايةٌ، وتارةً العرف يلحظ النهاية فيقول: (وضعت شيئاً على الأرض)، أي: نهايته في قوس النزول بحسب الاصطلاح الفلسفي،
ــــــ[36]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وأُخرى يلحظ العرف البداية، أي: إنَّ شيئاً سقط من الأعلى أو من قمّة الجبل، فيُقال: (ووضعنا عنك وزرك الذي كان على ظهرك)، والآن سقط عن ظهرك، فبهذا يكون الملحوظ بداية النزول لا نهايته. ولكنّا كيف نفهم ذلك من السياق؟
ويختلف ذلك باختلاف الحروف الداخلة عليه، أي: حروف الجرّ: فإن قلنا: (وضع عليه) نكون قد لاحظنا نهاية القوس، كما لو وضع على الأرض، وإن قلنا: (وضع عنه) كان الملحوظ بداية قوس النزول؛ لأنَّه يستدعي التفريق والخلاص والانطلاق، فهو كان متحمّلاً، والآن هو غير متحمّلٍ، فقد سقط عنه الوزر.
وحرف الجرّ المستعمل في الآية هو (عنه) لا (عليه)، فقال: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ}.
وقد يرد إشكالٌ حول معنى (وزر) كما أُشير إليه في >مفردات ألفاظ القرآن<؛ لأنَّ النسخة الواصلة منه لم تكن مكتوبة بيد المؤلّف نفسه، والجهة التي تصدّت لطبع الكتاب ونشره قامت بتحريك جميع الكلمات إلّا أنَّ هناك مواضع وقع فيها الاشتباه في الحركات، وهذا لا يمكن أن ننسبه إلى المؤلّف قطعاً، فالقدر المتيقّن أنَّها وقعت من قبل الناشر. ومن أمثلة هذا الاشتباه ما وقع في مادّة (وزر)، فتارةً يقولون (الوَزَر) وأُخرى يقولون (الوِزرْ)، فوقع خلطٌ بين الكلمتين وقيل برجوعهما إلى مادّةٍ واحدةٍ، مع أنَّ الحركات لو اختلفت اختلفت حتّى المادّة أيضاً، وإن كانت حروفهما واحدةً من ناحية الرسم، فبتعدّد الحركات واختلافها يتعدّد الوضع اللغوي ويختلف.
وبناءً على ذلك فإنَّ حمل أحد اللفظين على الآخر للاستشهاد – كما وقع
ــــــ[37]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
في كلام الراغب- ليس بسديدٍ.
قال الراغب: الوَزَر – بفتحتين – الملجأ الذي يُلتجأ إليه من الجبل. قال: {كَلاّ لا وَزَر * إِلَى رَبِّكَ}(1)(2)، وأفاد مثله الطريحي في >مجمع البحرين<، فقال: لا وزر أي: لا ملجأ(3)؛ لأنَّه لا ملجأ منه يوم القيامة إلّا إليه، لأنَّ الأسباب متّجهة ضدّ المذنبين والفسقة والفجرة.
أمّا (الوِزر) بكسر الواو فهو الثقل، فهما مترادفان، تشبيهاً بوزر الجبل. وهذا هو محلّ الاشتباه الذي أودّ الإشارة إليه؛ لأنَّ الوَزَر له معنى والوِزر له معنى آخر، فهناك وضعان، ولا يُحتمل أن يكونا بمعنىً واحدٍ، وقد لا يكون التحريك من الراغب، بل من الناشر أو الذي حقّق الكتاب.
والظاهر: أنَّ (الوَزَر) مصدر من (وَزَرَ) بمعنى: التجأ، فمصدره وَزَر، أو اسم مصدر، فهنا ثلاثة ألفاظ لها معنيان، ومادّتان أصليّتان لهما معنيان: الوَزَر واشتقاقه، والوِزر وهو مادّة أُخرى بمعنى الثقل، والمذكور في الآية الشريفة هو (الوِزر) بمعنى الثقل.
ثُمَّ قال الراغب: الوزر: الثقل تشبيهاً بوزر الجبل، ويُعبّر بذلك عن الإثم(4)؛ لأنَّ الإثم في الحقيقة ثقلٌ، أو فيه ثقل المسؤوليّة الأخلاقيّة أمام الله تعالى، كما قال {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً}(5)، أي: آثامهم وذنوبهم التي هي
ــــــ[38]ــــــ
(1) سورة القيامة، الآية: 11.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 558، مادّة (وزر).
(3) مجمع البحرين 3: 511، مادّة (وزر).
(4) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 558، مادّة (وزر).
(5) سورة النحل، الآية: 25.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أثقالهم في الحقيقة: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ}(1).
وقد يُقال في المقام: إنَّ الإنسان لو كان مسؤولاً عن نفسه يلزم أن يحمل ثقل نفسه، أي: وزره وذنبه ومسؤوليّته، إلّا أنَّه قيل: إنَّهم يحملون أثقالاً مع أثقالهم، أي: يحملون ذنوب غيرهم، فهذا لا معنى له؛ لتعارضه مع قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى}(2). فكيف يصحّ ذلك؟
وقد أجاب الراغب عن ذلك، إلّا أنَّه يمكن لنا أن نتوسّع في الجواب وفلسفته.
قال: وحمل وزر الغير في الحقيقة هو على نحو ما أشار إليه’:
>مَن سنّ سنّةً حسنةً كان له أجرها وأجر مَن عمل بها من غير أن ينقص من أجره شيءٌ. ومَن سنّ سنّةً سيّئةً كان له وزرها ووزر مَن عمل بها<(3)، أي: مثل وزر من عمل بها(4). فلو كان على ظهر زيدٍ الوزر، وكان عمرو متحمّلاً له، كان كلٌّ منهما مسؤولاً عن نفس الذنب، فيتحمّلان ثُقلين متشابهين.
والجهة الأهمّ هنا هي قضيّة التسديد؛ فإنَّ الإنسان قد يكون مُعدّاً أو سبباً أو علّةً ناقصة لحصول ذنب الغير، فيتحمّل مسؤوليّته؛ لأنَّه أعانه على الإثم. إلّا أنَّ الكلام في نحو تحقّق التسبيب.
ــــــ[39]ــــــ
(1) سورة العنكبوت، الآية: 13.
(2) سورة الأنعام، الآية: 164.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 558، مادّة (وزر).
(4) أخرجه الدارمي في سننه 1: 130، باب مَن سنّ سنّةً حسنةً أو سيّئةً، مع أدنى تفاوتٍ، وقريب منه ما في الكافي 5: 9، باب وجوب الجهاد، الحديث 1، تهذيب الأحكام 6: 124، باب أقسام الجهاد، الحديث1، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والتحقيق: أنَّ التسبيب على عدّة أنحاء: فتارةً بالتعليل، وأُخرى بالإعانة، وثالثةً بالدلالة أو الإشارة، ورابعةً بالأمر والنهي إذا كانت المصلحة الواقعيّة ضدّ ما أمر به أو نهى عنه، فمَن سنّ سنّةً سيّئةً كان عليه وزرها، ومَن سنّ سنّةً حسنةً كان له أجرها. ونظير ذلك في الفقه: أنَّ المحرم لا يجوز له أن يدلّ على صيدٍ(1)، فلو دلّ شخصاً عليه، كان الدالّ بمنزلة الصائد، فالدلالة مقدّمة لهذا الذنب، فتكون ذنباً أيضاً وتسبيباً له، وكذلك الحال في أعمال الغير.
ويتحمل المُسبّب مثل وزر مَن عمل بهذا العمل، وإن كان العامل في حقيقة الأمر مختاراً، وله أن يترك، إلّا أنَّ جريان القاعدة ممّا لا ينبغي الارتياب فيه؛ إذ المسبِّب يتحمّل شيئاً من المسؤوليّة بمقتضى العقل العملي والتسالم الإنساني والعقلائي، وأمام الله تعالى. وإلى هذا المعنى أشار القرآن الكريم بقوله: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ}(2)؛ لما تسببوا به من ذنوب الآخرين من أمثال فلان وفلان من المادّيّين والدنيويّين والغاصبين لخلافة النبي’، فكلّ مَن تبعهم إلى يوم القيامة كانوا هم المتحمّلين لأوزارهم وذنوبهم.
ولابدّ أن نلتفت هنا إلى أنَّ التسبيب تارةً يكون بالمباشرة، وأُخرى بلا مباشرة، والمباشرة من قبيل أن يقول المحرم لآخر: إنَّ على اليمين أو اليسار مثلاً غزالاً، فاذهب واصطده.
ــــــ[40]ــــــ
(1) أُنظر: المقنعة (للشيخ المفيد): 433، كتاب المناسك، الباب 27، تذكرة الفقهاء 7: 265، كتاب الحج والعمرة، المقصد الثاني، الفصل الأوّل، المطلب الثالث، مسألة 199، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة 15: 292، كتاب الحج، الباب الثاني، المقصد الرابع، الفصل الأوّل، وغيرها.
(2) سورة العنكبوت، الآية: 13.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وأمّا التسبيب غير المباشر فهو الذي يكون سبباً لشيءٍ، وهذا الشيء يكون سبباً لآخر وهكذا، من الآن إلى يوم القيامة؛ لأنَّ كلّ مرحلةٍ من مراحل الدهر سبب للمرحلة التي بعدها، فإذا كان فيه تأثيرٌ بنحوٍ من الأنحاء، كانت التأثيرات مستمّرةً إلى أن تصل إلى مستقرّها، وتكون كالشجرة التي تتفرّع إلى فروعٍ.
والوجه فيه: أنَّ التسبيب الأسبق أنتج ظلمين، وهذا أنتج مئة أو ملايين وهكذا. كما أنَّ الحسنة تثمر ملايين الحسنات أيضاً؛ لأنَّ المعلول فرع علّته، والمعلول الآخر كذلك وهكذا، فكلّها تقع على عاتق المسبّب الأوّل من حيث لا يعلم؛ لأنَّه ليس لديه بعد نظر، فعليه أن يتحمّل هذه المسؤوليّة العظيمة أمام الله سبحانه؛ لأنَّه لولا فعله لما حصلت هذه الذنوب من الآخرين، ولزم من عدم فعله العدم، فهو الذي أسقط بذرة الشجرة إلى الأرض، فأثمرت الشجرة سوءً، فعليه وزره ووزر مَن عمل به إلى يوم القيامة، من دون أن ينقص من الفاعلين شيءٌ، وهذا ينطبق على الفاعلين، سواء كانوا فاعلي سوءٍ أم خيرٍ.
والوازرة هي النفس المذنبة الأمّارة بالسوء، فبعد أن تذنب ذنبها تحمله، ولا تحمل ذنب غيرها إذا لم تتسبّب إليه بنحوٍ من الأنحاء، وأمّا مع التسبيب فيكون ذنبها حقيقةً، وعليه فلا تنافي بين حمل ثقل الغير وثقل النفس.
ثَمَّ إنَّ الراغب ذكر في معنى قوله: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ}، أنَّ النبي’ لا وزر له، فكيف وضعه الله عنه؟
وأجاب: بأنَّ ذلك يعني: ما كنت فيه من أمر الجاهليّة، فأُعفيت بما خُصصت به عن تعاطي ما كان عليه قومك(1).
وحسب فهمي لفلسفة الراغب هنا أنَّ هذا الوزر كان اقتضائيّاً لا فعليّاً،
ــــــ[41]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 558، مادّة (وزر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
بمعنى: أنَّه لو كان غير النبي في محلّه من عصر الجاهليّة لكان علّةً تامّةً للوزر؛ إذ كلّ مَن يعيش في مجتمع عابدٍ للأصنام سوف يعبد الأصنام، إلّا أنَّ النبي’ بما خصّ به حصل عنده مانعٌ لذلك المقتضي، فكفاه الله عبادة الأصنام، وهذا من النعم، فوضعنا عنك وزرك، أي: ما يمكن أن يكون وزراً عليك، وهو عبادة الأصنام، فنجوت من ذلك لمكان ما خصّصت به من مميّزاتٍ وعقلٍ وعلمٍ ومستوى عالٍ من الإيمان والعقيدة.
والوزير المشارك في الحكم، وهذا المعنى كان ملحوظاًً في زمن العبّاسيّين وزمن الراغب الأصفهاني أيضاً. وأفاد الراغب: أنَّ الوزير المتحمّل ثقل أميره(1)، وهو من الوزر بمعنى: الثقل؛ فإنَّ الحكم والسلطنة وإدارة المجتمع ثقلٌ معتدٌّ به جدّاً، ويحتاج إلى معاونين، والأمير وحده لا يكفي لإدارة أُمور الناس جميعاً، فهؤلاء المعاونون يتحمّلون ثقل المسؤوليّة والإدارة، فيكون الواحد منهم وزيراً؛ لأنَّه وازر، أي: حامل للثقل، وهو على صيغة فعيل بمعنى اسم الفاعل. والوزارة كالصناعة، إمّا بالكسر أو بالفتح.
وأوزار واحدها وزِر، أي: أثقال {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}(2). أي: أثقالها وضغطها الاجتماعي وصعوبتها في الأنفس والأموال.
والمؤازرة المعاونة. قال تعالى: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي}(3) أي: مؤازراً ومعاوناً(4).
ــــــ[42]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 558، مادّة (وزر).
(2) سورة محمّد، الآية: 4.
(3) سورة طه، الآيتان: 29-30.
(4) راجع ما أفاده الراغب في مفرداته: 558، مادّة (ورز).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ويُلاحظ: أنَّ الوزير يمكن اشتقاقه من سائر المعاني المذكورة ومن غيرها أيضاً؛ فهو ليس من آزر إذا حمل الثقل خاصّة، بل يجوز أن يكون مرجعه إلى معانٍ أُخرى هي:
أوّلاً: المؤازرة بمعنى المعاونة، والوزراء هم المعاونون لأميرهم.
ثانياً: الوزر بمعنى تحمّل المسؤوليّة، والوزراء يتحمّلون المسؤوليّة وتدبير المجتمع لا محالة.
ثالثاً: الوزر بمعنى الذنب، أي: إنَّ الوزير مشتقٌّ من هذا المعنى؛ إذ قد يتعذّر أنَّ يتحمل شخصٌ مسؤوليّة المجتمع بهذا المقدار ولا يقع في المظالم. نعم، بالنسبة إلى تطبيق الشريعة من قبل المعصوم لا تقع المظالم قطعاً. وأمّا بالنسبة إلى غير المعصوم كالحاكم الشرعي فلا محيص عن وقوعها، من حيث يعلم أو لا يعلم؛ إذ قد لا يكون ملتفتاً، ولكنّه يقع في المظالم، ومن هذه ا لجهة يكون ذلك وزِراً بمعنى الذنب.
ثُمَّ إنَّه يمكن أن نشير في قوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} إلى عدّة أُطروحات، بعد أن ذهب مشهور المفسّرين والراغب الأصفهاني إلى أنَّ الوزر بمعنى الذنب، وعليه فكيف نتعقّل ذنب النبي’؟!(1).
ويُلاحظ: أنَّه لا يلزم ذلك، بل الوزر بمعنى الثقل، إلّا أنَّ الكلام في ماهيّة هذا الثقل؛ إذ لم تصرّح به الآية الكريمة. ويمكن تفسيره بعدّة أُطروحات، فلا ينحصر بالذنب لكي نتحيّر في وجه صدور الذنب من
ــــــ[43]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 105، تفسير سورة {ألم نشرح}، الكشّاف 4: 770، تفسير سورة الشرح، كتاب التسهيل لعلوم التنزيل 2: 492، تفسير سورة الشرح، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
النبي’.
الأُطروحة الأُولى: أنَّه من المؤازرة والمعاونة مع الله تعالى، فالإنسان يمكن له أن يتعاون مع الله تعالى. ألم يقل سبحانه: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(1)، فله أن ينصر الله، ويقوم بما يحبّه الله، كما له أن يعمل ما كرهه الله، فيكون بذلك عدوّاً له تعالى.
الأُطروحة الثانية: أنَّه من ثقل البلاء الدنيوي بناء على ما أفاده’: >ما أُوذي نبيٌ بمثل ما أُوذيت<(2).
إن قلت: إنَّنا قلنا: إنَّ النبي’ لا يهتمّ بالبلاء الدنيوي.
قلت: نعم: لكن لو نظرنا إلى الأسباب الطبيعيّة والمستوى الإنساني في حالاته الطبيعيّة لكان ذلك صعباً جدّاً، فجعله معصوماً بحيث لا يعتني بالبلاء الدنيوي، يعني: أنَّ الله تعالى أسقط عنه هذا الثقل.
الأُطروحة الثالثة: أنَّه من تحمّل مسؤوليّة الله سبحانه، بصفة النبي’ فرداً في الدنيا؛ لأنَّنا لم نأتِ عبثاً إلى عالم الدنيا، بل من أجل حكمةٍ ومصلحةٍ تعود إلينا وإلى غيرنا، فهل نأخذ هذه المسألة بالتسامح والإهمال أو بجدّيّةٍ وإخلاصٍ؟
فلابدّ أن ندرك لماذا خُلقنا وماذا ينبغي أن نعمل لتحصيل هذا الغرض؟ ولماذا جئنا إلى الدنيا؟ هل لنأكل ونشرب فقط؟! لا بالتأكيد، بل القدم الأوّل إنَّما هو من العبد، والثاني من الربِّ جلّ جلاله.
ــــــ[44]ــــــ
(1) سورة محمد، الآية: 7.
(2) مناقب آل أبي طالب 3: 247، باب النكات واللطائف، كشف الغمّة 2: 537، الباب الخامس، وبحار الأنوار 39: 55، الباب 73.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والغرض أنَّ تحمل مسؤوليّة الورود إلى الدنيا يشملنا جميعاً، فهو مسؤوليّة كلّ واحدٍ من الذوات المدركة العاقلة المختارة المكلّفة، وعليه أن يتحمّل مسؤوليّة طاعة الله.
الأُطروحة الرابعة: أنَّ الثقل هو ثقل النبوّة والرسالة، وقد قلنا: إنَّ هذا الثقل له ثلاثة مستويات:
أحدها: ما أشرنا إليه قبل قليل، أعني: مسؤوليّة من أُرسل إليه، وهذا أدنى المستويات.
ثانيها: مسؤوليّة من أُرسل عنه، وهو أعلى المستويات، أي: مسؤوليّته أمام الله تعالى، ومن مصاديق ذلك أنَّه كان يغمى عليه عندما ينزل عليه الوحي، ويتصبّب عرقاً من هيبة الوحي؛ فإنَّ اتّصاله بالحقّ تعالى لم يكن أمراً يسيراً(1).
ثالثها: مسؤوليّته أمام نفسه، والتي هي أوسط المرتبتين السابقتين؛ حيث إنَّ ارتباط النبي بنا هو أدنى المستويات الثلاثة المتقدّمة، مع أهمّيّتها وشرفها.
الأُطروحة الخامسة: أنَّ النبي’ هو أوّل الخلق، أي: الصادر الأوّل والوجود الأعلى في الكون كلّه، أي: بحسب روحه الحقيقيّة ونوره الأصلي، بل من نوره خلقت السموات والأرض(2).
إذن فهو يتحمّل مسؤوليّة الخلق أجمعين. نعم، نحن نظنّ أنَّه أحد أولاد
ــــــ[45]ــــــ
(1) راجع الأحاديث الواردة في بحار الأنوار 18: 260-271، الباب 2، في كيفيّة صدور الوحي ونزول جبرئيل×.
(2) أُنظر: بحار الأنوار 15: 28-33، الباب 1، الحديث 48.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
آدم×، إلّا أنَّه في حقيقة الأمر أوسع من ذلك بكثير، إلى حدّ يكون وجوده الدنيوي ضئيلاً جدّاً بالنسبة إلى وجوده الأعلى ونوره الحقيقي.
وبيان ذلك: أنَّ النبي’ يحمل على جناحه المعنوي كلّ ما خلق الله، ويدبّره من أوّله إلى آخره، فمن بيوتهم تصدر أوامر تدبير الخلق، وهو أوّل هذه البيوت فهو مدينة الحكمة والعلم التي بابها أمير المؤمنين×(1)، بل هو عينها، فهذه المسؤوليّة ثقيلةٌ جدّاً، ولا يوجد كافٍ إلّا الصانع تعالى: >واكفني يا كافي ما لا يكفي سواك؛ فإنَّك الكافي، لا كافي سواك<(2). ولا شكّ أنَّه عندما تزداد مسؤوليّة الفرد يشعر بالعجز، والقدرة إنَّما هي من الله سبحانه، والتدبير تدبيره. نعم، قد ننظر بهذا المستوى فنقول: إنَّ المدّبر هو النبي’، إلّا أنَّ المدبر الحقيقي هو الله جلّ جلاله، فقد كفاه أمره، أي: إنَّك تعمل لمصلحة نفسك كعبادة للتكامل، وإلَّا فالمدّبر الحقيقي والفاعل الحقيقي هو الله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}، أي: أنقضه اقتضاءً، ولو لم يضعه الله عنه لأنقض ظهره فعلاً، ولأوكله إلى نفسه، أي: لحصل المانع لتحقّق ذلك المقتضي.
وعليه فلا يتعيّن أن يكون الوزر بمعنى الذنب لنتحيّر في نحو نسبة الذنب إلى النبي’، فالأرجح أنَّ الوزر ليس بمعنى الذنب، لا سيّما مع ضمّ
ــــــ[46]ــــــ
(1) أُنظر الإرشاد 1: 33، ما جاء في فضله على الكافّة في العلم، الأمالي (للشيخ الصدوق): 343، المجلس 55، الأمالي (للشيخ الطوسي): 483، المجلس 17، التوحيد: 307، الباب 43، وغيرها.
(2) مصباح المتهجّد: 778، شرح زيارة أبي عبد الله× في يوم عاشوراء، مصباح الكفعمي: 485، الفصل 41، والبلد الأمين: 272، ذكر عمل السنة: المحرّم.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
مقدّمة العصمة، فيتبرهن أنَّ الوزر ليس الذنب؛ لأنَّ المعصوم لا ذنب له، فلا بدّ أن نبحث عن معنىً آخر للوزر.
نعم، قد يُقال: إنَّ في المقام آيات قرآنيّة نصّت على وقوع الذنب، كقوله تعالى: {مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}(1). وهذا المقال يحتاج إلى مقامٍ آخر من البحث، ليس محلّه هنا، وفيه نبيّن ما هو المراد من الذنوب التي يتكلّم عنها المعصومون^ في أدعيتهم الشريفة.
ثُمَّ إنَّ الراغب أفاد بأنَّ النقض انتثار العقد من البناء، والعَقَدَ بالفتح من قبيل الطاق في البناء، والعِقد بالكسر ما يسمّى بالقلادة التي تلبسها النساء، فإذا تفرّقت أجزائها فقد انتقضت. والعقد ضدّ الإبرام: برم الخيط أي: لفَّ شيئاً على شيءٍ؛ لأنَّ الخيط يتكوّن من عدّة خيوطٍ صغيرةٍ، والنقض فتح البرم والإبرام، فيُقال: نقضت البناء والحبل والعقد. والنِقض بالكسر النتيجة التي يصل إليها بعد الانتقاض، فيقال: أنقاض البناء، ومنه قيل للبعير المهزول نِقض، ومنتقض الأرض من الكمأة نقض. ومن نقض الحبل والعقد أُستعير نقض العهد، والعهد قابلٌ أيضاً للنقض في المعاملات والمعاهدات. قال سبحانه: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ}(2)؛ إذ العهد بين الإنسان وبين الله، فهو من جهة عهد الله، ومن جهة أُخرى عهد الإنسان، ولذا قال تعالى: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ}(3)، وقال تعالى: {وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}. ومنه المناقضة في الكلام، كنقائض جرير والفرزدق؛ لأنَّ الشعراء
ــــــ[47]ــــــ
(1) سورة الفتح، الآية: 2.
(2) سورة البقرة، الآية: 26.
(3) سورة الأنفال، الآية: 56.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
كانوا يتسابّون ويتشاتمون بالشعر، حتّى ألّفوا كتاباً في ذلك.
والنقيضان من الكلام ما لا يصحّ أحدهما مع الآخر، فهما لا يجتمعان ولا يرتفعان. ومنه انتقضت القرحة؛ فإنَّ القرحة قبل أن تنفجر لها ثقبٌ صغيرٌ تخرج منه مادّة صفراء، فيُقال لها: انتقضت بعدما كانت صلبةً مغلقةً. ويقال: انتقضت الدجاجة أي: صوّتت عند وضع البيض، ومن ذلك أن تنتقض في نفسها، كأن يحصل عندها رجفة مثلاً. وقوله: {الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}، أي: كسره حتّى صار له نقيض(1).
والظاهر: أنَّ النقض في أصل اللغة من الإبرام، أي: أبرم وأنقض. قال سبحانه: {كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً}(2). وكما أنَّ العرب في اللغة يتصوّرون أنَّ هناك قوّةً ناشئةً من البرم، فلنا أن نتصوّر ونعمّم هذا المعنى (حصول القوّة) إلى كلّ قوةٍ بشكلٍ عامٍّ، ومضادّ تلك القوّة عندما يحصل يكون نقضاً لها، فحصص القوّة تختلف، وبتبع ذلك تختلف وتتعدّد حصص النقض أيضاً.
فالبناء له قوّة، ونقضه يعني هدمه، والحبل له قوّة، ونقضه يعني فتحه، والعقد له قوّة، ونقضه انفراطه وتبعثره، والكلام له قوّة في صحّة مدلوله مثلاً، فعندما يُخبر ويُقال: (جاء زيدٌ) فهناك دلالة التزاميّة تفيد أنَّ المتكلّم صادقٌ والخبر مطابقٌ للواقع، فلو كذّبه آخر فقد نقضه، أو صار أحد الكلامين ناقضاً للآخر أي: هادماً له ومزيلاً لقوّته.
ولابدّ أن نشير هنا إلى أنَّ النقيضين اللغويّين غير منحصرين بالنقيضين
ــــــ[48]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 525، مادّة (نقض).
(2) سورة النحل، الآية: 92.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الاصطلاحيّين، فالضدّان نقيضان لغةً، والكلامان المتكاذبان ضدّان؛ لأنَّهما شيئان وجوديّان لا يمكن اجتماعهما أو صدقهما، ولكنّهما نقيضان بالمعنى اللغوي.
والغرض: أنَّ النقيض خصَّ اصطلاحاً بما إذا كان التباين في الوجود والعدم.
وجسم الإنسان له نحوٌ من التماسك والقوّة، فإذا حصل له ما يوجب الخلل في المزاج أو الضعف كان منتقضاً من هذه الناحية، وكان والدي+ في أيّام حياته الأخيرة يقول: أنا منتقض القوّة، أي: آلت قواي إلى الزوال.
وكذلك يتصوّر هذا المعنى في العضو الواحد في الجسم، فشلل اليد أو الرجل نقض لقوّتها.
ومنه: أنقض ظهرك، أي: أضعفه أو أهلكه أو أزاله، والمراد أنَّه ضعف تحت وطأة الحمل الثقيل الذي لا يتحمّله، فالحمل قد يكون خفيفاً لا ينقض الظهر، بل يتعبه إلى حدّ ما، إلّا أنَّ الحمل الثقيل جدّاً ينقضه.
وينبغي التنبيه على أُمور:
الأمر الأوّل: أنَّ المراد من الظهر والنقض ليس الظهر والنقض الماديّين أو الجسديّين، بل المراد الظهر المعنوي والنقض المعنوي، وهناك قرينة متّصلة على هذا المعنى، أعني قوله: (وزرك)، فالوزر بما هو وزرٌ أو ذنبٌ أو أيّ شيءٍ آخر من تحمّل المسؤوليّة لا ينقض الظهر الجسدي إطلاقاً، فليس النقض نقضاً ولا الظهر ظهراً جسديّاً بقرينة (الوزر).
والحاصل: أنَّ العرب كانوا ولا زالوا يعتقدون أنَّ المسؤوليّة الأخلاقيّة لها محلٌّ يتمثّل به من الجسم، ومعه أمّا أن نقول: هي برقبتك أو نقول: على
ــــــ[49]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ظهرك، وكلاهما شيءٌ واحدٌ، فهو ليس معلّقاً على الرقبة من الأمام، وإنَّما فوق رقبتك، إذن هو على ظهرك، فهو حملٌ على الظهر على كلا التقديرين.
فيكون الظهر هنا بمعنى الذمّة أو العهدة التي تتحمّل المسؤوليّة، فالذمّة والعهدة هي التي تقع في صعوبةٍ من ثقل المسؤوليّة، لا الظهر بما هو ظهر، نظير الشخص المدين بملايين الدنانير للآخرين؛ إذ يُقال: إنَّ ذمّته في صعوبةٍ شديدةٍ.
الأمر الثاني: أنَّنا ذكرنا في بحث الأُصول أنَّ النسبة الناقصة تشكل قيداً لبعضها الآخر، أي: قيداً للطرفين، فلا تصلح أن تكون إخباراً عن القيد، نحو قولنا: (زيدٌ الأبيض)، أو (زيدٌ الطويل)، فهناك نسبةٌ ناقصةٌ وصفيّةٌ بين زيدٍ والطول، ونقول: (سرج الفرس)، فهنا نسبةٌ إضافيّة بين السرج والفرس، ولا يقصد المتكلّم أنَّ السرج للفرس، بل هو لمالك الفرس.
وفي ضوء ذلك لا يتحصّل من الآية إخبارٌ؛ لأنَّها قالت:
{وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}، فـ(الذي أنقض…) صفةٌ للوزر، فهنا نسبةٌ وصفيّة ناقصةٌ بين الوزر وبين الاسم الموصول، وعليه لا يتحصّل إخبارٌ بأنَّه (أنقض ظهرك).
ويُلاحظ عليه: أنَّ هذا المعنى وإن أمكن الالتزام به بحسب الدقّة العقليّة، إلّا أنَّه بالتسامح العرفي غير وجيهٍ إطلاقاً. ولذا نقول: أزور زيداً الذي جاء من السفر، أي: إنَّه جاء من السفر فعلاً، وهذا إخبارٌ. وفي القرآن أيضاً هذا المعنى موجودٌ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ}(1) وغيرها من
ــــــ[50]ــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 1.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الآيات المماثلة، أي: إنَّه أنزل على عبده الكتاب فعلاً. أو تقول: (الحمد لله الذي رزقني ولداً)، فأحمده لأنَّه رزقني ولداً فعلاً، ولا أقول: (الحمد لله الذي خلق الخلق)، بل أخصّ ذكر رزق الولد وأكون صادقاً فيما أقول. وحينئذٍ أصبحت النسبة الناقصة مفيدة للإخبار وقابلةً للصدق والكذب، وعليه يتحصّل من الآية الإخبار عن نقض الظهر، وسيأتي توضيحه في الأمر الثالث أيضاً.
الأمر الثالث: أنَّه قد يُقال هنا: إنَّ النقض اقتضائي لا بنحو العلّة التامّة، أي: لم ينقض ظهرك فعلاً، وإنَّما كان هناك اقتضاءٌ لنقض الظهر بنحو العلّة الناقصة، فلولا لطف الله لنقض ظهرك، إلّا أنَّ الله تعالى تداركك، فظهرك سليمٌ فعلاً، فوضع الوزر حاصلٌ، ولكن لم يتحقّق النقض بلطفه ورحمته تعالى.
وهذا البيان وإن كان في محلّه، إلّا أنَّه قد يُقال في قبال ذلك: إنَّ الآية فيها إشعارٌ بالعلّيّة والفعليّة التامّة للنقض؛ لأنَّه يقول: {الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}، يعني: حصل النقض بالفعل، فانتقض ظهرك.
وفي حقيقة الأمر لو كانت المسألة عامّةً لجميع البشر لكان ذلك وجيهاً؛ لأنَّني أذنب وأتحمّل ذنوبي، فيغفرها الله لي، فينتقض ظهري فعلاً بسبب ذنوبي، وبعد ذلك الله يغفرها برحمته ولطفه. إلّا أنَّ لطف الله تجاه النبي’ قديمٌ، فهو لم ينتقض ظهره طرفة عين، وإنَّما هو أهلٌ لتحمّل المسؤوليّة، فيكون الخطاب على وزان (إيّاك أعني واسمعي يا جارة)، أي: إنَّ المقصود غير النبي’.
وإمّا أن نقول: إنَّ المراد هو الفعليّة، إلّا أنَّه إشارةٌ إلى شدّة التأثير أو شدّة
ــــــ[51]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
المقتضي، أي: من حيث المسؤوليّة وثقلها فهو ينتقض أو كاد أن ينتقض؛ لأنَّ الفعل الإلهي أشدّ منه وأوسع وأكبر، ولذا {وَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ}؛ لأجل المبالغة في بيان فاعليّة واقتضاء الوزر لنقض الظهر، وهذا في حد نفسه وجيهٌ.
****
قوله تعالى: {فإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}(1):
وليقع الكلام هنا حول نفي اجتماع الضدّين أو النقيضين المحتملين في الآية الكريمة، أي: كيف يجتمع العسر مع اليسر في قوله تعالى {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}؟
والذي يمكن أن يُقال في تحرير الجواب عنه وجوهٌ:
الوجه الأوّل: أنَّ الضدّين لا يمكن اجتماعهما إذا كانا على مركزٍ واحدٍ، وكذا الحال في الإنسان؛ فإنَّه يمكن تصوّر أنَّ عسره في شيءٍ ويسره في شيءٍ آخر، فيعيش العسر في الجانب الاقتصادي، واليسر في الجانب المعنوي، أو بالعكس، فلا اجتماع للضدّين أصلاً.
الوجه الثاني: أنَّنا نقول: إنَّ الضدّين شيئان وجوديّان لا يجتمعان، فهما متنافيان، والنقيضان وجودٌ وعدمٌ لا يجتمعان أيضاً، لكن يمكن أن نُشير إلى أمرٍ ثالثٍ غير الضدّين والنقيضين، وهو صورة ما لو كان الطرفان عدميّين لا وجوديّين، ولا أحدهما وجودٌ والآخر عدمٌ، بل هما عدمان، ولا بأس باجتماعهما، فمثلاً الجسم الأخضر يجتمع فيه عدم السواد وعدم البياض، بل تجتمع فيه ملايين الأعدام من هذه الحيثيّة.
ــــــ[52]ــــــ
(1) لم نعثر على ما أفاده السيّد الشهيد الصدر+ من بحوثٍ ودروس حول تفسير قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، فلاحظ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وتطبيقه في محلّ الكلام أن يُقال: إنَّ العسر عبارةٌ عن عدم اليسر، فيكفي في العسر أن لا يكون الإنسان ميسوراً، ويكفي في اليسر أن لا يكون الإنسان معسراً، فاليسر عدم العسر، والعسر عدم اليسر، فرجعا إلى عدمين، والعدمان ليسا نقيضين ولا ضدّين، والأعدام يمكن لها أن تجتمع.
إلَّا أنَّ هذا البيان في الحقيقة غير وجيهٍ قطعاً، مع أنَّه لطيفٌ في نفسه؛ وذلك لأنَّنا حينما نقول: إنَّ اليسر عبارةٌ عن عدم العسر فمعناه أنَّ أحدهما عدم الآخر، أي: اليسر عدم العسر، أي: عدم العدم، وعدم العدم وجودٌ، فإذا كان أحدهما عدم الآخر، كان الآخر عدم العدم، فيكون موجوداً، فرجع الإشكال من جديدٍ، أعني: وقوع التنافي والتضادّ.
الوجه الثالث: ما ذكره بعض المفسّرين من أنَّ الخطاب في الآية غير متوجّهٍ إلى النبي’، بل هو عامّ لجميع المؤمنين، فيكون العسر على زيد مثلاً، واليسر على عمرٍو، فيرتفع الإشكال(1).
ويُلاحظ عليه: أنَّه غير سديدٍ أيضاً؛ إذ من الواضح جدّاً أنَّ العسر واليسر محلّهما فردٌ واحدٌ، ولا معنى لأن يكون يسر عمرٍو فرجاً عن عسر زيدٍ، أو بالعكس، وإنَّما يسر لـمَن فيه العسر، فهما متعلّقان بشخصٍ واحدٍ، والعموم في الآية عمومٌ أفرادي، يعني: أن نفهم أنَّ لكلّ شخص عسراً ويسراً خاصّاً به.
ومن القرائن على ذلك أنَّ البشارة في قوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} لا تحصل لو كان العسر على شخصٍ واليسر على آخر، فلكي تتحقّق البشارة
ــــــ[53]ــــــ
(1) أُنظر: الكشف والبيان عن تفسير القرآن 10: 234، تفسير سورة الشرح، والجامع لأحكام القرآن 20: 108، تفسير سورة {ألم نشرح}.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
لابدّ أن يكون مركز العسر واليسر واحداً.
والغرض: أنَّ بعض هذه الوجوه كالوجه الأوّل تامٌّ، وهو أن يكون في المقام فردٌ واحدٌ إلّا أنَّه بلحاظ الجانب الاقتصادي معسرٌ، وبلحاظ حالاته المعنويّة ميسورٌ، أو بالعكس، فيرتفع إشكال التضادّ والتنافي.
ثُمَّ ذكر المستشكل نفسه: أنَّه ظهر من هذه الوجوه أنَّ الخطاب ليس متوجّهاً إلى النبي’، وإنَّما هو خاصّ بغيره، وذكر لذلك تقريبين:
التقريب الأوّل: أنَّ الآية ذكرت العسر واليسر، والنبي’ أعظم وأجلّ من أن يشعر بعسرٍ وضيقٍ، إذن الخطاب متوجّه إلى غيره، ولا يمكن أن يكون شاملاً له، بل هو من قبيل: (إيّاك أعني واسمعي يا جارة).
التقريب الثاني: أنَّ النبي لا يحتاج إلى تأكيدٍ في الكلام، مع أنَّ الآية قالت: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}؛ لأنَّ الله تعالى هو الذي يوحي إليه، والنبي لا يحصل منه العناد في السماع، بل لا يشكّ في ما يقوله الله تعالى، فلماذا التأكيد؟ وعليه فالمقصود بالخطاب غير النبي، وعليه نقول بصورة القياس الاستثنائي: لو كان الخطاب للنبي لما احتاج إلى تأكيدٍ، وحيث إنَّه ذكر التأكيد، فهو ليس للنبي.
ويُلاحظ: أنَّ هذا الكلام غير تامٍّ بكلا تقريبيه؛ وذلك لأكثر من وجهٍ:
أمّا أوّلاً: فلأنَّه لنا أن نقول: إنَّ النبي’ قد يقع في عسرٍ دنيوي ومعنوي وروحي، أي: إنَّ عظمة خلقته وارتفاع مقامه ورفعة منزلته العظيمة لا تجعله مطلقاً يعيش في يسرٍ وسعادةٍ دائمةٍ، وقد ذكرنا في >موسوعة الإمام المهدي<(1): أنَّ هناك تكاملاً نطلق عليه تكامل ما بعد العصمة، فكلّ الخلق
ــــــ[54]ــــــ
(1) أُنظر: موسوعة الإمام المهدي 2: 531 وما بعدها، الجهة الثانية.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
يتكامل، والنبي’ وإن كان خير الخلق إلّا أنَّه على كلّ حالٍ من الخلق، فهو يتكامل بالتكامل المناسب له، وتكامله بهذا اللحاظ يحصل بالتمحيص والبلاء والصعوبة والعسر.
فلابدّ من وجود عسرٍ، كما أفاد’ في بيان العسر الدنيوي: >ما أُوذي نبيٌ بمثل ما أُوذيت<(1).
وأمّا العسر الروحي فهو يُستفاد من ضمّ بعض النصوص إلى بعض، كما ورد: أنَّه القلم الأعلى، وهذا القلم كلّف بالكتابة حتّى أُغمي عليه لكثرة ما أُلقي عليه من قضاءٍ وقدرٍ(2)، فكان عسراً في عالم الروح والمعنى، إلّا أنَّه تحمّله في ذات الله تعالى، أي: في سبيل الله سبحانه.
وبقى في المقام نظريّة يحسن التعرّض لها، وهي: أنَّ هناك فرقاً بين النبي وبين سائر المعصومين من هذه الناحية، فهو على كثرة بلائه لم يشكّ طرفة عينٍ، بل كان يقول: >اللّهمّ اغفر لقومي؛ فإنَّهم لا يعلمون<(3).
إلَّا أنَّه يُلاحظ: أنَّ أمير المؤمنين× مع علوّ منزلته في ذات الله كان يقول: >لقد ملأتم قلبي قيحاً<(4).
ــــــ[55]ــــــ
(1) مناقب آل أبي طالب 3: 247، باب النكت واللطائف، كشف الغمة 2: 537، الباب الخامس، وبحار الأنوار 39: 55، الباب 73.
(2) أُنظر: بحار الأنوار 15: 28-33، الباب 1، الحديث 48.
(3) إقبال الأعمال: 213، الباب 27، نهج الحقّ: 308، المسألة الخامسة، المبحث الخامس، المطلب الرابع، صحيح البخاري 4: 151، حديث الغار، كنز العمّال 12: 473، الحديث 35563، وغيرها.
(4) الكافي 5: 4، باب فضل الجهاد، الحديث 6، ونهج البلاغة: 70، الخطبة 27.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
كما قال الإمام الحسين×: >هوّن عليّ ما نزل بي أنَّه بعين الله<(1). فعجباً هل نزل بك شيءٌ وأنت المعصوم؟! مع أنَّنا نجد أمير المؤمنين× يقول: >فزت وربّ الكعبة<(2) ولم يقل: >هوّن عليّ ما نزل بي…<. ومعه فقد نقارن بين حالات المعصومين^ ونتصوّر حصول العسر لبعضهم حسب مستواه.
وأمّا ثانياً: فلأنَّه يمكن لنا أن نقول: إنَّ الخطاب في الآية إمّا أن يكون عامّاً شاملاً للنبي وغيره من المؤمنين، وإمّا أن يكون خاصّاً بالنبي.
وعلى الأوّل فالحاجة إلى التأكيد واضحةٌ؛ إذ إنَّ عدد المؤمنين عدا النبي’ كثيرٌ جدّاً، فيكون التأكيد في حقّهم وجيهاً.
وعلى الثاني يمكن القول: إنَّ هذه القاعدة المذكورة في الآية إنَّما أوضحت للآخرين المراد منها، لا للنبي’، أي: أن نقرأها ونسمعها نحن، فلعلّ المؤمنين عدا النبي لا يصدّقون ولا يذعنون بمدلولها من حيث {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}، فتحتاج إلى تأكيدٍ وتركيزٍ وتكرارٍ؛ لأنَّ الناس سيقرأون القرآن ويسمعونه، فتتأكّد في نفوسهم، مع أنَّ المخاطب هو النبي’.
الوجه الرابع: أن يُقال: إنَّ هذه القاعدة {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} ليست خطاباً أصلاً، بل هي سياقٌ آخر يختلف عمّا سبقه من آيات نحو {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ}؛ فإنَّ ما قبلها كان خطاباً، على خلاف سياقها، بل هي تطبيق كبرى على صغرى، وقانونٍ على موردٍ، فإذا لم يكن خطاباً فلا يوجد مخاطبٌ به: لا النبي ولا الأُمّة، وإنَّما هو من أجل التفهيم العامّ.
ــــــ[56]ــــــ
(1) اللهوف: 115، المسلك الثاني، وبحار الأنوار 45: 46، الباب 37.
(2) خصائص الأئمّة: 63، من دلائله عند موته، مناقب آل أبي طالب 2: 119، فصل في المسابقة باليقين والصبر، أُسد الغابة 4: 39، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الوجه الخامس: أن يُقال: إنَّه مع التنزّل عن الوجوه السابقة نقول: إنَّ قوله تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} مختصٌّ بغير النبي، والسياق السابق ظاهره الاختصاص بالنبي’، فيحصل عندنا ظهوران متعارضان: الظهور الأوّل الاختصاص بالنبي، والظهور الآخر الاختصاص بغيره، وبمقتضى قانون وحدة السياق يلحق الثاني بالأوّل، ومقتضى الشكّ في الثاني إلحاقه بالأوّل، فيكون الخطاب للنبي’ في كلا الظهورين، وكذلك العكس. فلو حملنا الأوّل على الثاني لأصبح المخاطب غير النبي بكلا الظهورين، فتتعارض قرينة وحدة السياق.
نعم، يمكن القول: إنَّ السّياق الأوّل واضحٌ في اختصاصه بالنبي وتوجيه الخطاب له، إلّا أنَّنا نشكّ في الثاني، فنحمله على الأوّل، ويكون جميعاً مختصّاً بالنبي’. وهذا كلّه بنحو بيان غير واحدةٍ من الأُطروحات؛ لئلّا نكون ممّن فسّر القرآن برأيه فهلك، فنسأل الله أن يعصمنا من الزلل.
وفي المقام نكتةٌ أُخرى أشار إليها السيّد الطباطبائي+، فيحسن التعرّض لها والتعليق عليها.
قال+: ذكروا أنَّ في الآيتين: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} دلالةً على أنَّ مع العسر الواحد يسرين، فيراد بالعسر المتكرّر عسرٌ واحدٌ، وأمّا اليسر المتكرّر فيُراد منه يسران، فيكون مع كلّ عسرٍ يسران. وهذا الفهم يوافق حسن الظنّ بالله تعالى، ثُمَّ ذكر الدليل على ذلك.
وحاصله: أنَّ المعرفة إذا أُعيدت في الكلام كان المراد منها عين الأُولى، كما لو قيل: (إذا اكتسبت الدرهم فأنفق الدرهم)، فالمراد هو الدرهم الأوّل بعينه؛ لأنَّهما معرفتان. وأمّا لو قيل: (إذا اكتسبت درهماً فأنفق درهماً)، فلا
ــــــ[57]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
يتّحدان؛ لأنَّهما نكرتان. وعندما نطبق هذه القاعدة على الآيتين نجد أنَّهما ذكرتا العسر معرّفاً، وأمّا اليسر فجاء نكرةً كما هو واضح: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}. فالعسر الثاني هو عيّن الأوّل؛ لأنَّه معرفةٌ، وأمّا اليسر الثاني فهو يسرٌ آخر غير الأول؛ لأنَّه نكرةٌ(1).
وقد يُقال: إنَّ ما ذُكر من الناحية العمليّة وجيهٌ، يعني: لو نظرنا إلى حسن الظنّ بالله تعالى وبعين البصيرة، لكان ما أُفيد في محلّه، فإذا كان هناك شخصٌ يؤلمه رأسه، إلّا أنَّ سائر أعضاء جسده سليمةٌ، فنفهم أنَّ مع العسر الواحد أيسارٌ متعدّدةٌ وكثيرةٌ، وإذا نظرنا إلى حياة كلّ شخصٍ للوحظ أنَّ نسبة اليسر إلى العسر ذات فارقٍ واضح؛ والحمد لله. هذا من جهةٍ عمليّةٍ.
وأمّا الدليل الذي ذكر على تعدّد اليسر فليس بتامٍّ؛ لأنَّ الألف واللام في المقام عهديّةً، وهي إشارةٌ إلى الشيء المذكور في الكلام السابق بنفسه، كما في قولنا: (إذا اكتسبت الدرهم فأنفق الدرهم)، وليس الاتّحاد هنا بين الأوّل والثاني لمكان أنَّهما معرفةٌ، ولا لأنَّ المعرفة إذا تعدّدت كانت واحدةً، بل لا توجد قاعدةٌ من هذا القبيل، بل الوحدة والاتّحاد يستفاد من العهديّة في الألف واللام.
نعم، كان عليهم أن يقولوا شيئاً آخر، وهو أنَّ الجنس يُراد منه مطلق الوجود، أي: إنَّ مع العسر، أي: مطلق العسر وكلّ عسر؛ إذ إنَّ مطلق الوجود لا يتعدّد، والجنس بمعنى الطبيعة الكلّيّة لا يتعدّد، فلا يوجد عسران كلّيّان، وحتّى لو قلنا العسر مائة مرّة كان واحداً، فيرجع الإشكال في تعدّد العسر؛ لأنَّه تكرارٌ للمعنى الأوّل.
ــــــ[58]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن20: 316، تفسير سورة {ألم نشرح}.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
إذن فالمراد بالعسر الثاني العسر الأوّل نفسه، ومنه يتّضح أنَّ المراد باليسر الثاني اليسر الأوّل نفسه. وهذا وجهٌ آخر لإثبات الوحدة، وهو غير الوجه الذي ذكروه.
ولابدّ أن نشير أيضاً إلى أنَّه من غير المناسب أن تقول الآية: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ اليسر) وإنَّما أفادت الآية: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} أي: هنا يسرٌ مّا مع العسر، بمعنى: أنَّ العسر ملحوظٌ كلّيّاً، واليسر ملحوظٌ جزئيّاً، واليسر ينطبق عليه الإطلاق الأفرادي، فهو قابلٌ للانطباق على كثيرين؛ لأنَّه مع العسر لا توجد جميع أفراد ومصاديق اليسر دفعةً واحدةً، وإلَّا لما وجد عسرٌ أصلاً. وعليه فلا يصحّ أن يقول: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ اليُسْر)، بل كما قال جلّ جلاله: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}.
****
قوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ}:
أفاد الراغب: أنَّ الفراغ ضدّ الشغل بضمّ الشين، وربما سيأتي له معنىً آخر من خلال الشرح، فلاحظ.
وعلى أيّ حال فالفراغ ضدّ الشغل، فرغ فراغاً وفروغاً فهو فارغٌ(1)، ويبدو أنَّه ورد في اللغة (فَرَغ) و(فَرِغَ)، ولعلّ كلاً منهما يُفيد انطباعاً يختلف عن الآخر، والآية قالت: (فَرغت) بالفتح، ولم تقل: (فِرِغت) فيمكن أن يكون الأوّل بمعنى: (فرغ من الماء فصار فارغاً)، والآخر (فرِغ من شغله).
والظاهر أنَّ كلا الأمرين واردٌ في اللغة.
ــــــ[59]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 391، مادّة (فرغ).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قال تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ}(1)، وقال تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً}(2) كأنَّما فرغ من لبّها، أي: من عقلها؛ لما تداخلها من الخوف. وقيل: أصبح فارغاً من ذكره، أي: من ذكر موسى، بمعنى أنسيناها ذكره حتّى سكنت واحتملت أن تلقيه في اليمّ، أي: نست أنَّه داخل المحمل، فرمته في البحر. وقيل: فارغاً أي: خالياً إلّا من ذكره، أو إلّا من ذكر الله.
ولنرجع عمّا نحن بصدده من بيان قوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ}.
أقول: أفرغت الدلو أي: صببت ما فيه، ومنه أُستعير: {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً}(3)؛ فكأنَّ الصبر في دلوٍ، ويصبّ عليهم صبّاً.
وضربة فريغة أي: واسعة ينصبّ منها الدم(4).
ولنحاول الآن أن نبيّن فهمنا الخاصّ في المقام:
أمّا الفراغ فهو الخلوة، أي: شيءٌ يخلو من شيءٍ، فكأنَّ هنا ظرفاً ومظروفاً، فإذا خُلّي الظرف من مظروفه قيل: فرغ.
ولذا قال الراغب: الفراغ ضدّ الشغل؛ فإنَّ الإنسان يشتغل بأُمور حياته، فلا يكون فارغاً؛ لأنَّ الجسم ظرفٌ، والعمل مظروفٌ، فالجسم مشغولٌ بمظروفه، وهو العمل، والعمل شغلٌ بمعنى اسم مصدرٍ، إلّا أنَّه ليس كلّ شغلٍ عملاً، بل كثير من أنحاء الشغل ليست عملاً؛ إذ العمل حصّة من الشغل. ومن هنا قلنا: إنَّ الشغل بمعنى المصدر، إلّا أن نفهم من الشغل
ــــــ[60]ــــــ
(1) سورة الرحمن، الآية: 31.
(2) سورة القصص، الآية: 10.
(3) سورة البقرة، الآية: 250.
(4) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 391، مادّة (فرغ).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
معنى الشغل، لا خصوص العمل، وأمّا إذا فرّقنا بينهما عرفاً، لزم قراءة الآية بالفتح.
ثُمَّ إنَّ الفراغ ضدّ الشغل مطلقاً، أي: انشغال الإناء بالماء أو انشغال الجسم بالعمل، أو انشغال العقل بالعلم، فالفارغ الذي لا علم له، أو لا عمل له وهكذا.
والتفريغ والإفراغ إزالة ذلك الشغل وإفراغ ما فيه، أي: إخراج المظروف من الظرف، فيكون فارغاً.
ومن هنا عبّر عن الإفراغ بالصبّ؛ لأنَّه إذا لاحظنا جانب الماء قلنا: انصباب، وإذا لاحظنا جانب الظرف قلنا: فارغ أو فراغ، فكلّما انصبّ الماء فرغ الإناء أكثر إلى أن يفرغ تماماً، فكأنَّ الصبّ والفراغ متلازمان، أو إنَّ أحدهما بمنزلة السبب للآخر، ومن هنا قال تعالى: {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا}، أي: صبّ علينا صبراً، وهو معنىً مجازي قطعاً.
وقوله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغا}(1) يُراد منه حينئذٍ أنَّه أصبح فارغاً من الطمأنينة والاستقرار. والوجه فيه: أنَّ قلب الإنسان في حياته الاعتياديّة مشغولٌ أو ممتلئٌ بالطمأنينة، فإذا زالت يكون قلبه فارغاً من الطمأنينة والثبات والاستقرار، والإنسان غير المطمئنّ يجد قلبه فارغاً، ويحسّ أنَّ في وسط جسمه منطقةً فارغةً، كما قال تعالى في آيةٍ أُخرى: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ}(2)، أي: فارغةٌ ليس فيها شيء. وفي >المفردات< ذكر الراغب شعراً:
ــــــ[61]ــــــ
(1) سورة القصص، الآية: 110.
(2) سورة إبراهيم، الآية: 43.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
(كأن جؤجؤه هواء)(1). وهو صدر الطير، ويُقصد به صدر الإنسان مجازاً.
والغرض: أنَّ للجسم حصّةً من الشغل، وأنَّه بمنزلة الظرف للمظروف، فيكون المعنى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} أي: إذا انتهى شغلك(2).

ــــــ[62]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 391، مادّة (فرغ).
(2) لم نعثر على ما أفاده السيّد الشهيد+ حول تفسير سائر معاني الآيات الكريمة من سورة الانشراح، فلاحظ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
ــــــ[63]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني

ــــــ[64]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
سورة الضحى
للسورة المباركة أسماءٌ متعدّدةٌ:
منها: الضحى، وهو المشهور.
ومنها: السورة التي ذُكر فيها الضحى.
ومنها: {وَالضُّحَى}.
ومنها: الإشارة إلى رقمها في المصحف (93).
ومنها: الإشارة إلى رقمها بحسب النزول التدريجي للقرآن الكريم، وهو بمنزلة المتعذّر كبرى وصغرى.
****
قوله تعالى: {وَالضُّحَى}:
الواو للقسم، والقسم بشيءٍ من الخلق، وهنا اختار القسم بالنهار والليل، وليس مطلقهما، بل الغرض التأكيد عليهما، أو قل: النهار المطلق والليل المطلق، مع مراعاة نسق الألف المقصورة في عموم السورة إلّا في النتيجة الأخيرة لها، كما يأتي في قوله تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ…}. فهي من هذه النواحي كالسورة التي بعدها، وهي سورة الليل؛ فإنَّها تبدأ أيضاً بالقسم بالليل والنهار بالألف المقصورة: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى}(1)
ــــــ[65]ــــــ
(1) سورة الليل، الآيتان: 1-2.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ولكنّها تختلف عنها في الهدف تماماً، كما سيأتي.
والغرض من سورة الضحى هي إقناع النبي’، والخطاب خاصٌّ به لا يتعدّاه ظاهراً إلى غيره. أمّا وجه الإقناع فيمكن بيانه في ضوء أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ الوحي انقطع عن النبي’ فترةً، وكان’ يحزن من انقطاعه ويضيق به ذرعاً، فنزلت السورة إقناعاً له. وهذا صحيح إلّا في آية واحدة وهي قوله: {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى}؛ فإنَّنا في هذه الأُطروحة ينبغي أن نقول: إنَّها ليس لها مدلولٌ محدّدٌ كالذي يأتي في الأطروحة الثانية، وإنَّما هو مجرّد خبرٍ.
الأُطروحة الثانية: أنَّها إقناعٌ للنبي وتلطيفٌ لجوّه النفسي بتلقّي الموت، كما أفاده والدي+. ومنه يتّضح السرّ في قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} يعني: في الآخرة وبعد الموت. ولا ينبغي أن نتوهّم أنَّ الموت سببٌ للحرمان، بل هو سببٌ للعطاء والبقاء. ويشهد له نعمه في الدنيا: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى} ثُمَّ الإشارة إلى بعض التكاليف المستحبّة الموجبة للإعداد للآخرة وتحصيل الثواب فيها، نحو قوله تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ}.
ولا يلاحظ كلّ ذلك في الأُطروحة المشهورة الأُولى بالرغم من أنَّها للفريقين.
ولكن يرد على هذه الأطروحة كون النبي أعلى من هذا الخطاب؛ فإنَّه عالِمٌ وملتفتٌ إلى كلّ ما ورد في السورة.
ويمكن الجواب عنها بوجوهٍ:
الأوّل: أنَّها إلفاتٌ لغيره إلى حاله’.
ــــــ[66]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الثاني: أنَّها لحاظ ظاهر النبي’ كما يعرفه سائر الناس.
الثالث: أنَّ الخطاب غير خاصٍّ بالنبي’ كما سيأتي.
الأُطروحة الثالثة: أنَّ الخطاب لغير النبي’، كما تقدّم في أمثاله مراراً وأنَّ المخاطب يمكن أن يكون كلّيّاً، وهو عنوان المؤمن، وإن كان المخاطب المباشر النبي’. وبها ندفع الإشكال السابق.
إلَّا أنَّه يرد عليها إشكالٌ آخر؛ من حيث سبق رسول الله’ بالاتّصاف باليتيم. فتكون الآية خاصّةً به، وبوحدة السياق نعرف أنَّ كلّه خاصٌّ به مضافاً إلى قرينيّة الخطاب.
ويمكن الجواب عنه من وجوهٍ:
الأوّل: أنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ هناك قرائن في السورة دالّة على الاختصاص بالنبي’، فهذه الآية خاصّة به. والقرائن السابقة خاصّة بغيره، كعدم حاجة النبي’ إلى هذا السياق وعدم ضلاله وعدم قهره لليتيم. فإذا تعارضت القرائن تساقطت.
ومعه فإمّا أن نقول بالإجمال عندها.
أو نقول بالعموم بما يشمل النبي’، كلّ حسب ما يناسبه.
وإمّا أن نقول بالاختصاص بغيره مع إعطاء وجه لقضيّة اليتيم، كما سيأتي. وعلى كلّ حالٍ لا تكون السورة خاصّةً بالنبي’ حينئذٍ.
الثاني: أنَّنا لو جعلناها عامّة انطبقت على كلّ فردٍ بحسب حاله وحاجته، فقد تجتمع لواحدٍ، وقد لا تجتمع. وإنَّما ذُكرت هذه النعم الثلاثة باعتبارها الأعمّ والأهمّ بين البشر.
الثالث: أن نحمل معنى اليتيم على نحوٍ من المجازيّة بحيث ينطبق على
ــــــ[67]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الجميع، وهو كلّ ما لا حيلة له على الإطلاق ولا يستطيع لنفسه نفعاً، فالله يسبّب له ذلك بفضله.
إنَّ قلت: فإنَّ اليتيم عندئذٍ ينطبق على غير اليتيم.
قلنا: بل هو يتيمٌ من الناحية المذكورة.
وهنا نشير إلى أنَّ الواو الثانية يمكن أن تكون للقسم والعطف. كما أنَّها تشبه سورة الليل بكونها تبدأ بقَسَمين (الليل والنهار)، ولا ثالث لها. إلّا أنَّها متعاكسة؛ إذ تبدأ هذه بالنهار وتبدأ تلك بالليل، مضافاً إلى ما سبق.
قال الراغب: الضحى انبساط الشمس وامتداد النهار، وسُمّي الوقت به. قال: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}(1) و{إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}(2) و{وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ}(3) و{أَخْرَجَ ضُحَاهَا}(4) و{وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}(5). وضحى يضحى تعرّض للشمس. قال: {وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى}(6) أي: لك أن تتصوّن من حرّ الشمس(7).
أقول: الضاحي مَن ليس له دارٌ يصونه، ومنه المضحى، وهو المعرض للشمس اقتضاء فيصدق ولو في الليل. ومنه قوله×: >الحمد لله الذي …
ــــــ[68]ــــــ
(1) سورة الشمس، الآية: 1.
(2) سورة النازعات، الآية: 46.
(3) سورة الضحى، الآيتان: 1-2.
(4) سورة النازعات، الآية: 29.
(5) سورة طه، الآية: 59.
(6) سورة طه، الآية: 119.
(7) مفردات ألفاظ القرآن: 301، مادّة (ضحي).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
آوانا في ضاحين<(1).
قال الراغب: وضاحية كلّ شيءٍ ناحيته البارزة(2).
أقول: ومنه الضاحية، وهي أطراف المدينة؛ باعتبار أنَّ تلك المناطق ليس لها بيوتٌ معتدّ بها، فكلّ سكّانها ضاحين، أو لأنَّها ليست في صون المدينة، بل خارجةٌ عنها. وليس من هذه المادّة (ضحّى) من الأضحية أو بنفسه أو براحته؛ فإنَّه من المضاعف، وله وضعٌ مستقلٌّ في اللغة. كما ليس منه ما ذكره الراغب بقوله: تضحّى أي: أكل في الضحى، كما يقال: تغدّى، أي: أكل في الغداة، ومنه ضحاء وغداء(3).
ويمكن جعل الليل قرينةً على إرادة الوقت في سائر هذه الآيات: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}(4) {إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}(5)، {وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ}(6)، {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا}(7). وأمّا قوله: {وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}(8) فهو ظرف زمانٍ. فيتعيّن من هذه الناحية لذلك هو الانسياق عرفاً للاجتماع، ولا يمكن أن نفهم منه نور الشمس، إلّا أن يحمل على المكان مجازاً، وهو خلاف الظاهر.
ــــــ[69]ــــــ
(1) المحاسن 2: 436، باب القول قبل الطعام وبعده، مكارم الأخلاق: 144، الفصل الثالث، ووسائل الشيعة 24: 357، أبواب آداب المائدة، الباب 59، الحديث 30768.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 301، مادّة (ضحي).
(3) المصدر السابق.
(4) سورة الشمس، الآية: 1.
(5) سورة النازعات، الآية: 46.
(6) سورة الضحى، الآيتان: 1-2.
(7) سورة النازعات، الآية: 29.
(8) سورة طه، الآية: 59.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى}:
قال الراغب: قال تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} أي: سكن. وهذا إشارةٌ إلى ما قيل: هدأت الأرجل. وعينٌ ساجيةٌ فاترة الطرف، وسجى البحر سجواً سكنت أمواجه. ومنه أُستعير تسجية الميت، أي: تغطيته بالثوب(1).
أقول: ومنه المسجّى، فيكون سجى وسكن بمعنى واحدٍ، إلّا أن يُراد به قيدٌ معيّن، إلّا أنَّ القيد المأخوذ في المقام مجهولٌ وموكولٌ إلى الذوق العربي. وعلى كلّ حالٍ فلم يرد استعمالها إلّا في موارد محدّدةٍ.
ويُراد بالسكون هنا أحد أمرين: إمّا سكون الحركة، أو سكون الصوت، أو كلا الأمرين. ويمكن أن يُراد من سجى – كأُطروحةٍ- أنَّه أصبح مسطّحاً بعد أن كان فيه ارتفاعات ونتوءات. وهذا على كلّ حالٍ حصّةٌ من السكون ولو مجازاً، كأنَّنا نتصوّر أنَّ ذا النتوءات يصوّت أو يتحرّك. ومنه قولنا: سجى البحر إذا هدأت أمواجه، ونحوه: سجّيت الميت. وكذلك سجى الليل إذا تصوّرنا له وجوداً مسطّحاً، في حين يكون النهار وجوداً معكّراً. وهذا- أي: النهار- ملازمٌ مع الضوضاء، وذلك- أي: الليل- مع السكون. وكلّ ما فرشته فقد سجّيته. والمراد حصول الليل بشكل مركّزٍ وكاملٍ. وهو أمرٌ تقريبي عرفي، لا دقّي. وهو لا يكون قبل زوال الحمرة المغربيّة، وهو الليل بدون ضوءٍ أو صوتٍ أو حمرةٍ.
و(إذا) إمّا ظرفيّة أو شرطيّة، قال تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} وقال تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى}(2) فاستعمل المضارع تارةً والماضي
ــــــ[70]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 230، مادّة (سجى).
(2) سورة الليل، الآيتان: 1-2.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أُخرى. ويُراد به إيجاد صورة متحرّكةٍ أدبيّاً.
والظاهر: أنَّ الأصل في هذه الصورة هي الفعل المضارع؛ لأنَّه دالٌّ على زمانين، فيكون على الحركة أدلّ. وإنَّما أُستعمل (سجى) بالماضي باعتبار تعذّر استعمال مضارعه في العربيّة وعدم مناسبته لفصاحة القرآن الكريم. وهذه الصورة المتحرّكة تتناسب مع الظرفيّة والشرطيّة.
فإذا أراد الظرفيّة كان المراد حال حصول الصفة، ويكون المقصود القسم بحصّةٍ من الليل، وهو الساجي، دون مطلق الليل، أي: الليل في هذا الظرف (الزماني). وإذا أراد الشرطيّة ففعل الشرط موجودٌ وجوابه يعرف ممّا قبله، أي: أقسم بالليل. فإمّا أن يكون شرطاً للقسم أو لمادّة القسم. والاتّجاه المشهور هو الأوّل لتقدير الجزاء (أقسم). والظاهر: أنَّه قيدٌ لمدخول القسم الكائن في جواب الشرط، كما تقدّم من أنَّه قسمٌ بحصّةٍ من الليل لا بمطلقه.
فالمراد: (إذا سجى الليل) فيكون الليل ملحوظاً في القسم، لا القسم به مباشرةً، وإلّا أفاد تأخير القسم إلى حصول السجى، وهو غير محتملٍ؛ لأنَّ ظاهر العبارة كونه قسماً فوريّاً منجّزاً، مضافاً إلى أنَّه لا يراد به ليلٌ معيّنٌ ليحصل التأجيل إليه، فيتعيّن تقييد المدخول.
****
قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}:
قرئ بالتخفيف أيضاً(1). وهما مادّتان موضوعتان بوضعين، لا بوضعٍ واحدٍ.
ــــــ[71]ــــــ
(1) وهي القراءة المرويّة عن عروة بن الزبير. أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 8: 179، سورة الضحى.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قال في >الميزان<: التوديع الترك(1).
أقول: وهو فهمٌ ساذجٌ، على ما سيأتي.
قال في >المفردات<: الدعة الخفض. يُقال: ودعت كذا أدعه ودعاً نحو تركته وادعاً. وقال بعض العلماء: لا يستعمل ماضيه واسم فاعله، وإنَّما يقال: يَدَعُ وَدَعْ. وقد قرئ: (ما وَدَعك ربّك)… وفلان متدع ومتودع وفي دعةٍ إذا كان في خفضِ عيشٍ، وأصله من الترك، أي: بحيث ترك السعي لطلبِ معاشه لعناء(2).
أقول: وبهذا نفهم لمادّة الثلاثي معنيين: الأوّل: يسر العيش. يُقال: وادع العيش وفي دعةٍ من العيش. الثاني: الترك. يُقال: دعْ أي: أُترك ويدع أي: يترك. وأمّا اسم الفاعل (وادع) فهو أقرب إلى المعنى الأوّل. والمعنيان لا يتشابهان عرفاً، ولكن أحدهما ملازمٌ للآخر غالباً؛ لأنَّ صفاء العيش فيه ترك المصاعب وزوالها، والترك للمصاعب فيه صفاء العيش، إلّا أنَّ (دع) لا يلاحظ فيه صفاء العيش إطلاقاً، خلافاً لما تقدّم عن الراغب بأنَّه الأصل. فيرجّح أن يكونا بوضعين، لابوضعٍ واحدٍ.
ثُمَّ إنَّ المزيد أو الرباعي على شكلين: أودع وودّع. والثلاثي متعدّ فضلاً عن الرباعي. أمّا أودع إيداعاً فبمعنى: صانه في حرز أو بمعنى: تركه. ففي معنى التوديع أُطروحات:
الأُولى: الترك.
الثانية: الدعاء (مطلقاً).
الثالثة: الدعاء بالدعة.
ــــــ[72]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 310، تفسير سورة الضحى.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 554، مادّة (ودع).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الرابعة: الفراق.
الخامسة: التخلية.
وعليه فالمعنيان راجعان إلى معنى الترك، وهو الترك الاختياري المؤسف، أو ما هو بمنزلة المؤسف، وإلَّا فغير الاختياري ليس وداعاً ولا مؤسفاً إلّا بالتنزيل.
فقد ظهر: أنَّ الأصل في (ودع) الترك لا الخفض، وإنَّما يعود إليه بالأصل باعتبار اشتماله عليه – وكذلك المزيد- وإن كان له وضعٌ مستقلٌّ، بمعنى: تسبّب إلى هدوئه، وخفض العيش ملائمٌ مع الهدوء عادةً. وأمّا ودّع وداعاً – للمسافر أو لمطلق الخارج- فهو إمّا بمعنى: تركه وإمّا بمعنى: الدعاء له. قال الراغب: والتوديع أصله من الدعة، وهو أن تدعو للمسافر أن يتحمّل الله عنه كآبة السفر وأن يبلّغه الدعة، كما أنَّ التسليم دعاءٌ له بالسلامة، فصار ذلك متعارفاً في تشييع المسافر وتركه. وعبّر عن الترك به في قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} كقولك: ودّعت فلاناً نحو خلّيته(1).
أقول: كأنَّهم كانوا يدعون للمسافر قائلين: استودعك الله ويدعون له بالخفض والسعادة. ومنه أُخذ التوديع أي: الدعاء بالدعة.
فالتوديع ليس مطلق الترك، كما هو ظاهر >الميزان<(2)، وإنَّما هو ترك المسافر، وهو يعطي صورةً متحرّكةً. وليس في المقام لحاظ الدعاء، وإنَّما هو مجرّد الفراق. ولو قال: التوديع الفراق؛ لكان أرجح؛ لأنَّه لازم مساوٍ له، مع أنَّ الترك أعمّ منه. وليس الفراق كلّ ترك، بل ما يكون اختياريّاً خاصّةً.
ــــــ[73]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 554، مادّة (ودع).
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 310.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وأمّا (قلى) فقد قال في >الميزان<: القلى (بالألف المقصورة؛ لأنَّه فعلٌ لا اسمٌ) بكسر القاف البغض أو شدّته(1).
وقال الراغب: القلى (بالكسر) شدّة البغض، يقال: قلاه يقليه ويقلوه. قال: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}. وقال: {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنْ الْقَالِينَ}(2). فمن جعله من الواو فهو من القَلْو أي: الرمي من قولهم: قَلَت الناقة براكبها قلواً وقلوتُ بالقُلَّة، فكأنَّ المقلوّ (المبغوض) هو الذي يقذفه القلب من بغضه، فلا يقبله. ومن جعله من الياء فمن قَلَيت البسر والسويق على المقلاة(3).
أقول: وما ذكره في ذيل كلامه بعيدٌ ينافي تعدّد الوضع بحسب ظاهر الحال. وفي خطبة الزهراء÷: >قلوتكم بعد إذ خبرتكم< يعني: بغضتكم بعد إذ عرفتكم. فالراغب فسّره بشدّة البغض و>الميزان< أعطى كلا الاحتمالين: البغض وشدّته، كما تقدّم آنفاً. ولا يبعد أن يكون إلى الشدّة أقرب؛ للتبادر الذي هو من علامات الحقيقة والمجاز. والخطبة اشتملت على القلي؛ والمقصود هو البغض أكيداً، إلّا أنَّه في الآية لمطلق البغض؛ لعدم احتمال نفي الزائد فقط، أو أنَّه يرى استحقاقه لذلك.
وقال العكبري: وما قلى: الألف مبدلة عن ياءٍ؛ لقولهم: قليته. والمفعول محذوفٌ أي: وما قلاك. وكذلك: (فآواك) و(فهداك) و(فاغناك)(4).
ــــــ[74]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 310.
(2) سورة الشعراء، الآية: 168.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 427، مادّة (قلى).
(4) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 289.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أقول: والقرينة عليه الكلمة السابقة عليها، وهو (ما ودّعك) مضافاً إلى السياق، إلّا أنَّه بحاجةٍ إلى قرينةٍ لفظيّةٍ.
أقول: ويمكن أن يكون الخطاب عامّاً للمؤمنين، فيكتسب معنىً كلّيّاً شائعاً في جنسه، وهو ملحوظٌ في النحو كقول الأعمى: يا رجلاً خذ بيدي.
ثُمَّ إنَّه قد يُقال: إنَّ الخطاب إن كان عامّاً فلا تكون السورة مرتبطةً بوفاة النبي’.
ويُلاحظ عليه: أوّلاً: أنَّه يكفي أنَّه كان حيّاً أثناء نزولها في الجملة، وليست منفصلة عنه.
وثانياً: أنَّه يكفي أن يكون مورداً لها.
وثالثاً: أنَّ المراد به هو فقط والعموم بالضمير الباطني.
كما أنَّ من المناسب إهمال الضمير في (قلى)؛ لإفادته العموم. كما يمكن تقدير الضمير فيه على نحوين أو أكثر: (قلاك) على اللفظ، و(قلاكم) على المعنى؛ لأنَّه كلّي، و(قلاهم) على المعنى؛ لأنَّه عامّ، كقوله تعالى: {فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ}(1). وينبغي أن نلاحظ: أنَّ العموم لا يشمل أكثر من ذلك، بل هو خاصٌّ بالمؤمنين، ولا يعمّ البشر أجمعين؛ لأنَّ السياق يشعر بالرحمة الخاصّة، ولا يتعدّى إلى العامّة. نعم، لو فهمنا العامّة أمكن إجراؤه في أيّ فردٍ، ومعه تكون صادقة عموماً إلّا فيما خرج بدليلٍ، وهم الأفراد المغضوب عليهم.
فإن قلت: قوله: (فهدى) خاصٌّ بالرحمة الخاصّة؛ لأنَّ الهداية منها.
قلنا: كلّا؛ فإنَّ الهداية الظاهريّة الاقتضائيّة والفعليّة خاصّة إجمالاً، وهناك هداية أعمّ منها، وهي الهداية لشؤون الحياة.
ــــــ[75]ــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 22.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فإن قلت: كيف يكون السياق عامّاً، مع أنَّ الصفات خاصّةٌ بالنبي’؟!
قلنا: أوّلاً: يمكن القول: إنَّ لكلّ فردٍ ما يخصّه، ولا يلزم أن تجتمع كلّ تلك الصفات في فردٍ واحدٍ.
ثانياً: إنَّ في المقام قرينةً صارفةً عن الاختصاص بالنبي’، وهي قوله تعالى: {ضَالاً فَهَدَى} وهي مرجّحةٌ للعموم، بل هي أوضح وأصرح من غيرها فتتقدّم. ومعه لا تحتاج إلى الجواب عن الوجه في نسبتها إلى النبي’.
****
قوله تعالى: {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى}:
قد يُقال هنا: إنَّ قوله تعالى: {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى} وإن لم يكن فيه قرينة على الاختصاص بالنبي’؛ لشمول المعنى لسائر المؤمنين، إلّا أنَّه يشكّل حينئذٍ قرينةً على الاختصاص بالمؤمنين، ولا تعمّ سائر البشر؛ لأنَّهم في النار، والدنيا خيرٌ لهم من النار.
قلت: يُلاحظ عليه: أوّلاً: أنَّه ورد أنَّ الموت خيرٌ للمؤمن والكافر(1). أمّا المؤمن فلتقليل ذنوبه وستر عيوبه وتكثير ثوابه. وأمّا الكافر فلقلّة ذنوبه؛ لأنَّه كلّما بقي في الدنيا زادت ذنوبه، فمن الرحمة عليه قلّتها. وعليه قد يُراد بالآخرة الموت، يعني: أنَّ الموت خيرٌ لك من هذه الحياة (ويأخذ كلّ فردٍ ممّا يستحقّه حسب السياق).
ثانياً: أنَّ الآخرة يُراد بها الآخرة العليا، لا جهنّم، كما إليه الإشارة بقوله
ــــــ[76]ــــــ
(1) أُنظر: الأحاديث الواردة في بحار الأنوار 6: 124-139، باب حبّ لقاء الله وذمّ الفرار من الموت.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
تعالى: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ}(1) وقوله: {وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ}(2). والآخرة بهذا المعنى – على كلّ المستويات- خيرٌ من الدنيا لكلّ أحدٍ. غاية الأمر أنَّ هناك من يستحقّها وهناك من لا يستحقّها، والكلّ مكلّفٌ أن يجعل نفسه ممّن يستحقّها.
و(خير) هنا بمعنى أفعل التفضيل، وهو صريحٌ في ذلك، ولكنّه من الصفات التي لا تصاغ لفظيّاً منه، فلا يقال: (أخير).
سؤال: كيف كانت الآخرة خيراً من الدنيا، مع أنَّ الدنيا دار أنبيائه وكتبه وهدايته ورحمته وعطائه، وكلّ ذلك مقطوعٌ في الآخرة؛ فإنَّه هناك حسابٌ ولا عملٌ، فإذا انقطع العمل انقطع العطاء، فدار العطاء خيرٌ من دار لا عطاء فيها؟
والجواب: أنَّ للآخرة عدّة مستويات بعضها أحسن من بعض:
الأوّل: أن يكون المراد نفس العمل الصالح؛ لأنَّه من الآخرة، كما ورد عنهم^ من أنَّ إنفاق المال في الصدقة والحجّ من الآخرة لا من الدنيا.
الثاني: أن يكون المراد الحياة المعنويّة والعطاء المعنوي الموجود في الدنيا؛ فإنَّه من الآخرة لا من الدنيا.
الثالث: أن يكون المراد الحساب في يوم القيامة.
الرابع: أن يكون المراد جهنّم.
فإن كان ذلك مقدّمة للدخول إلى الجنّة فهي من الرحمة، وإن كره الفرد. أو كان معانداً لا يستحقّ الجنّة فهذه جنايته، ولا يكون خارجاً بالدليل.
ــــــ[77]ــــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 152.
(2) سورة الأنفال، الآية: 67.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الخامس: أن يكون المراد أنَّ الجنّة وسائر مستوياتها – حتّى الداني منها- خيرٌ من الدنيا؛ لأنَّها خاليةٌ من البلاء، وأنَّ الكون في الدنيا موافقٌ للحكمة بخلاف الآخرة.
نعم، تبقى مسألة انقطاع العطاء في الجنّة، وهذا وهمٌ باطلٌ؛ لقوله تعالى: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}(1) أي: على كلّ الاستحقاقات من الأعمال. والقدر المتيقّن منه الجنّة.
فإن قيل: إنَّ العطاء لا يأتي إلّا بعملٍ كما ورد: >لا يتمنّى متمنٍّ. والذي بعثني بالحقّ، لا يُنجي إلّا عملٌ مع رحمةٍ، ولو عصيت لهويت<(2).
قلنا: هذا في الدنيا لا في الآخرة.
****
قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}:
إن قلت: إنَّ في الآية ما يدلّ على عموم العطاء للنبي’ بعد موته؛ لقوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ}؛ فإنَّه إشارة إلى النبي’ بمناسبة موته.
وجوابه: أنَّ غاية ما تدلّ عليه الآية هو تصوير الملازمة بين العطاء والرضاء، وأمّا مقداره فلم يبيّن منه شيئاً.
ولا شكّ أنَّ غير المعاندين عموماً سواء في الجنّة أم في النار تنالهم الرحمة والعطاء والرضاء، وليس في الآية ذكر التزامن بين العطاء والرضا، بل قد يكونان منفصلين.
ــــــ[78]ــــــ
(1) سورة ق، الآية: 35.
(2) الإرشاد 1: 182، وبحار الأنوار 22: 466، أبواب ما يتعلّق بارتحاله’ إلى عالم البقاء مادامت الأرض والسماء، الباب 1، الحديث 19.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ولو لم يحصل الرضا لمن كان في جهنّم أمكن انتقاله إلى الجنّة، إلّا المعاندين، وهم الفئة المستثناة بالدليل من الآية الكريمة. وأمّا في الجنّة فأوضح؛ فإنَّه يُعطى كلّ شخصٍ إطلاقاً أكثر من استحقاقه بأضعافٍ، ويُعطي الرضا بما رزقه الله، وقد ورد أنَّه >يُجعل في قلبه الرضا حتّى يرضى<(1). وهذا الإلقاء من جملة العطاء على أيّ حالٍ.
وهاهنا سؤالٌ عن متعلّق الرضا، أي: يرضى عن أيّ شيءٍ؟ فيه ثلاث أُطروحاتٍ:
الأُولى: أن يرضى عن نفسه وعن ماله.
الثانية: أن يرضى عن مقامه ومحلّه من جنّةٍ أو نارٍ.
الثالثة: أن يرضى عن ربّه.
أمّا عن نفسه فباعتبار أنَّه يُعطى الطاعة أو التوبة أو المنزلة، فيشعر بأهمّيّة نفسه، أو بعض ذكاءٍ وعلمٍ كذلك أو بعض فرصةٍ وعملٍ يقتنع به كذلك. وأمّا عن حاله فهو ما سبق -أو المراد أنَّه يزول عنه البلاء الدنيوي أو الرضا به باعتبار أهمّيّة العطاء معه- أن تكلّمنا عنه؛ لأنَّ كلّ الأحوال والمقامات رحمةٌ حتّى جهنّم. وأمّا عن ربّه فباعتبار شعوره بالرحمة. وفي الخبر أنَّ من اليسير أن يرضى الربّ عن عبده، ومن الصعب أن يرضى العبد عن الربّ؛ لأنَّ فيه شحّاً ونفساً أمّارةً {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ …}(2).
ــــــ[79]ــــــ
(1) الأمالي (للشيخ الطوسي): 529، المجلس 19، الحديث 1، مكارم الأخلاق: 461، الفصل الخامس، وأعلام الدين: 192، باب وصيّة النبي’ لأبي ذرّ.
(2) سورة التغابن، الآية: 16.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
إذن فهو بحسب النظام لا يرضى. وقد ورد في الدعاء: >إلهي إنَّ اختلاف تدبيرك وسرعة طواء مقاديرك منعا عبادك العارفين بك عن السكون إلى عطاءٍ واليأس منك في بلاءٍ<(1) وذلك للطموح. ومن هنا يتعيّن حصول الرضا والقناعة بالرزق والعطاء الإلهي.
ثُمَّ إنَّ التأكيد في الآية باللام لعلّه لصدق الرضا على الدنيا وآثارها وأعمالها الدنيويّة والدينيّة، مع أنَّ الآخرة من النتائج أيضاً(2).
واللام لتأكيد القسم؛ لأنَّها داخلةٌ على الفعل بعد إلغاء الأداة، و(سوف) للتأجيل والتأخير. وبقرينة ما قبلها يكون المراد: أنَّه يعطيك في الآخرة. وهذا واضحٌ، وإن لم تكن نصّاً. وقد تقول بأنَّ ارتباطه بالآخرة باعتبار أنَّه يعطي الطاعات المعدّة لها.
فإن قلت: إنَّه عندئذٍ لا يصدق (سوف)؛ لأنَّه يكون عطاءً معجّلاً.
قلنا: كلّا؛ فإنَّه يصدق مادام ذلك ممكن عرفاً.
ــــــ[80]ــــــ
(1) الإقبال: 348، فصل: فيما ذكره من أدعية يوم عرفة، وبحار الأنوار 95: 225، الباب 2، أعمال خصوص يوم عرفة وليلتها.
(2) وفي مقابل ذلك احتمالان آخران كلاهما باطلٌ:
أولاً: استعمال السين، وبطلانه باعتبار اقتضاء الحكمة، وأمّا استعمال اللام فلأنّ المفروض بالسامع كونه منكراً، واللام لا تنسجم مع السين.
ثانياً: استعمال الفعل المضارع وحده باعتبار دلالته على الاستقبال.
وجوابه: عدم انسجامه مع اللام إلّا مع نون التوكيد، واستعمالها خلاف الحكمة؛ لعدم احتياج السامع إليها، مضافاً إلى الجواب السابق. ومعه فقد تكون (سوف) بمعنى السين ولو مجازاً بناءً على مجازيّة استعمال الحروف. (منه+).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وأمّا إذا اختصّ السياق بالنبي’ فالعطاء يمكن أن ينقسم إلى نفس هذه الأنحاء، إلّا أنَّنا نجلّ النبي’ عن الرضا عن نفسه. وإنَّما يرضى عن ربّه أو عن عطاء ربّه. وكلاهما محصّله العرفي واحدٌ. ومنه زوال البلاء الدنيوي عنه، ولذا قال’: >ما أُوذي نبيٌ مثل ما أُوذيت<(1).
ثُمَّ يبدأ سياق ذكر نعم الله الرئيسية على النبي’ أو على أيّ فردٍ؛ وذلك لنفي استبعاد النعمة في المستقبل مادامت وجدت في الماضي، وعدم استبعاد النعم العظيمة في المستقبل؛ لأنَّها وجدت عظيمةً في الماضي. إذن فهي ليست نعمةً في الجملة في كلا الزمانين، أي: ليست مطلق النعمة، بل نعمةٌ مطلقةٌ.
****
قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى}:
قوله: (ألم) استفهام عن النفي، وهذا واضحٌ، ويُراد به أخذ الإقرار من المخاطب بذلك. وهو أوضح بتأكيد الحصول وصدق السياق من مجرّد الإثبات. وبه نجيب عن السؤال: لماذا لم يصبح إثباتاً؟
ومن جهة أُخرى فإنَّ الصفات الثلاثة كلّها داخلةٌ على استفهامٍ واحدٍ بالتعاطف، وهمزة الاستفهام واحدةٌ. نعم، مع تقدير تكرار العامل بالعطف، تصبح استفهامات متعدّدةً، إلّا أنَّ هذا وإن صحّ فإنَّه يلزم منه التبعيض في المنهج، مع أنَّ المراد الإشارة الى مجموعها. وهذا ممكنٌ في كلّ متعاطفين. فلو
ــــــ[81]ــــــ
(1) المناقب 2: 247، كشف الغمّة 2: 537، وبحار الأنوار 39: 55.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قلت: (دخل زيد وعمرو) فقد تريد التبعيض أو التفكيك يعني: وجود دخولين لفردين وفعلٍ بتكرار العامل، وقد تريد دخولاً واحداً للمجموع. فلا حاجة الى تكرار العامل، والمفهوم من تكرار العامل لغةً وسياقاً هو ذلك.
غير أنَّ هذا معناه الاختصاص بالنبي’ أو مَن جمع الصفات الثلاثة كلّها، وهو نادرٌ، إلّا أن يُحمل على معنىً باطني. وأمّا إذا أردنا العموم اضطررنا إلى التبعيض والتفكيك، فكأنَّ المراد الجمع لفظاً لا معنى، وذلك لا يكون إلّا بتقدير تكرار العامل، وهو أمرٌ مجازٌ أيضاً على القاعدة.
فإن قلت: هو الذي جعله يتيماً وهو الذي آواه، وكذلك الحال في سائر النعم والعطايا، فقوله: (يجدك) لا تخلو من تسامحٍ.
قلنا: إنَّ الأمر كذلك، إلّا أنَّ اللحاظ يختلف، فمرّةً يقول: {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}(1) وأُخرى يقول: {وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ}(2) بغضّ النظر عن سبب حصول الزرع. ومثله: {فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ}(3). فالمهمّ هو اختلاف لحاظ المرتبة بغضّ النظر عن سببها. وإلَّا ففي الحقيقة كلّها منه. ولو عرفت بصراحةٍ لقلّت أهمّيّة النعمة إلّا أن تذكر أسبابها، مع العلم أنَّ المراد الاختصار في الكلام.
فإن قلت: إنَّ اليتيم هو فاقد الأب فقط، وأمّا فاقد الأبوين فهو اللطيم، والنبي’ كان فاقد الأبوين.
قلنا: يمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
ــــــ[82]ــــــ
(1) سورة الواقعة، الآية: 64.
(2) سورة الواقعة، الآية: 73.
(3) سورة البقرة، الآية: 17.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الأوّل: أنَّه لفظٌ غير متعارفٍ، فيمكن استعمال اليتيم فيه ولو مجازاً.
الثاني: أنَّه من اختلاف اللحاظ يعني: لحاظ موت أبيه وغضّ النظر عن موت أُمّه؛ لأنَّ فاقد الأبوين يتيمٌ ولطيمٌ، فليس النظر الى ناحيته الأُولى. ويمكن لفاقد الأبوين أن يسمّى لطيماً.
الثالث: أنَّه لفظٌ غير عرفي ولا متعارفٍ.
ومن الواضح أنَّ اليتيم ليس له من يؤويه؛ لأنَّه فاقدٌ لأبويه اللذين هما سبب إيوائه وكفالته، وقد سبّب له أسباب الإيواء جدّه رضوان الله عليه.
والمهمّ من الإيواء الجانب المعنوي، وهو الكفالة والإعالة، وليست السكنى وإن كانت مصداقاً لها.
فإن قلت: أنَّ (يجدك) أُخذ فيه الجانب الطريقي، فلماذا لم يكن إخباراً ابتداءً، فيقال: (ألم تكن يتيماً فآوى) كقوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ}(1) أو {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ}(2).
قلت: إنَّ للموضوعيّة في العلم هنا دخلاً، وليس طريقيّاً صرفاً؛ إذ لو لم يجده كذلك لما آواه ولما أنعم عليه بالنعم الأُخرى.
وقال في >الميزان<: وقيل: المراد باليتيم الوحيد الذي لا نظير له في الناس، كما يقال: درُّ يتيمٌ. والمعنى: ألم يجدك وحيداً بين الناس، فآوى الناس إليك وجمعهم حولك(3).
وقد يمكن المناقشة فيه:
ــــــ[83]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 185.
(2) سورة النور، الآية: 43.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 310، تفسير سورة الضحى.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أوّلاً: أنَّ المراد بالصفة الأُولى هو جانب النقص؛ لوحدة السياق لما بعده: (عائلاً) و(ضالاً) مع أنَّ ما قيل هو جانب الكمال.
وثانياً: أنَّ وحدته بذلك المعنى لا يعني ابتعاده عن الناس ليقال: إنَّه جمعهم حوله، بل هو أعمّ.
وثالثاً: أنَّ هناك ظهوراً في التقابل بين النقمة والنعمة، يعني: يتيماً فآوى، وإلَّا فسيصبح كلاهما نعمة، أو بين الطرفين، وهذا ينتفي بهذا التفسير.
وأمّا قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى} فالإشكال الرئيسي فيه هو نسبة الضلال الى نبيّنا’، بل إلى سائر الأنبياء بعد التجريد عن الخصوصيّة، بل الى سائر المعصومين^ بهذا الاعتبار أيضاً. والوجه فيه: أنَّه إذا كان خير الخلق ضالاً، فكيف بغيره؟
وقد أُجيب عنه بوجوهٍ كلّها تدور حول تنزيه النبي’ عن الضلال، وإنَّما المراد بالضلال أُمور أُخرى حياتيّة ونحوها ممّا يحتمل نسبته الى النبي’، كما أفادها في >الميـزان<(1) والرازي(2) والقاضي عبـد الجبّار. وأوضح جوابٍ عن ذلك أنَّنا نجلّ النبي’ عن أيّ ضلالٍ دنيوي وأُخروي. وإن كان يمكن أن يُجاب أيضاً: بأنَّ ظاهر النبي’ ليس عالياً كباطنه، ويؤيّده قوله تعالى: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ}(3) فهو مثلنا إلّا ما خرج بدليلٍ. ومعه فلا يكون مستبعداً حيرته في بعض الأُمور الدنيويّة كعدم
ــــــ[84]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 310، تفسير سورة الضحى.
(2) أُنظر: مفاتيح الغيب 31: 197-199، تفسير سورة الضحى.
(3) سورة الكهف، الآية: 110.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الاهتداء إلى الرسالة كما نسب الى الجمهور أو عدم تخطيطه لبثّها ونشرها(1). ويؤيّد ذلك ما ورد عنه’: >اللّهمّ زدني حيرةً<(2) لكي تزيدني ثواباً.
إلَّا أنَّه مع ذلك يمكن الجواب بعدّة أجوبةٍ أُخرى خارجةٍ عن ذلك المجموع:
الأوّل: أنَّ الإشكال إنَّما يرد فيما إذا كان الخطاب خاصّاً بالنبي’ هنا لا يتعدّاه الى غيره. وأمّا إذا كان عامّاً فلا إشكال. ولا يقال: إنَّه يشمل النبي’ ولو بالعموم، وهو متعذّرٌ.
قلنا: في الإمكان عدم شموله له؛ لأنَّه يختصّ بمَن اتّصف بالضلالة، وليس في ذلك قبح؛ لأنَّه خارجٌ بالدليل عن إطلاقه، فيكون من باب (إيّاك أعني فاسمعي يا جارة).
الثاني: أن يُراد بالضلال تدريجيّة الوصول إلى المقامات العليا؛ فإنَّ كلّ مقام لا يمكن معرفة ما بعده إلَّا عند الوصول إليه، وما لم يتعرّف عليه فهو ضالّ.
وإن قلت: فإنَّه يقول: عرّفها له.
قلنا: ننقل الكلام الى المقام الأسبق.
فإن قلت: إنَّ النبي موجودٌ بوجودٍ كاملٍ وغير قابلٍ للتكامل.
قلنا: أوّلاً: إنَّ الكمال لا حدّ له.
ثانياً: إنَّ الظاهر يتكامل نحو الباطن.
ــــــ[85]ــــــ
(1) راجع الأقوال الواردة في الباب في الميزان في تفسير القرآن 20: 310-311، تفسير سورة الضحى.
(2) تفسير روح البيان 1: 262، تفسير سورة البقرة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ثالثاً: إنَّ هذا صادقٌ على مستوى الاقتضاء لا الفعليّة، وتحتاج الفعليّة إلى تدرّجٍ في السير {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ}(1)، وهو ينطبق على النبي وغيره.
الثالث: أنَّ المراد الإشارة إلى الضعف الإنساني الموجود فيه بنحو المقتضي، يعني: أنَّك ضالٌّ لولا التسديد الإلهي. وهذا التسديد موجودٌ دائماً، وهو لا ينافي المقتضي المضادّ، نحو قوله: {يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرً}(2) يعني: أنَّ مقتضى النجاسة الإنسانيّة موجودٌ فيكم كبشرٍ، إلّا أنَّه سبحانه شاء تطهيركم أساساً ومن أوّل الخلقة.
الرابع: أنَّنا نقول بما يسمّى بعالم الواقع السابق رتبةً على عالم الخلق؛ لأنَّ الصورة الذهنيّة للكلّيّات تكشف عنه وتدلّ على وجوده، والماهيّات تكون فيه قبل وجودها. فيمكن أن تكون الإشارة الى ماهيّة النبي’ هناك، وهي عاجزةٌ عن لبس ثوب الوجود، ومن ثُمَّ عن طاعة الله سبحانه؛ لأنَّ ذلك العالم ليس فيه أيّة فعاليّة إطلاقاً، وتكون الهداية بالوجود والتسديد.
الخامس: ما أشار إليه سيّد قطب في تفسيره >في ظلال القرآن< من أنَّ المراد ضلال العقيدة(3)، وذكرها باختصارٍ شديدٍ. ويمكن تقريبه كما يلي بمقدّمتين:
الأُولى: أن ننظر إلى النبي’ -قبل نزول الوحي عليه- كونه شخصاً اعتياديّاً غير مسدّدٍ؛ لأنَّه إنَّما سدّد بالوحي.
ــــــ[86]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 19.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 33.
(3) في ظلال القرآن 6: 3927، تفسير سورة الضحى.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الثانية: أنَّ العقيدة السائدة يومئذٍ هي ضلالٌ بالنسبة إلى الإسلام؛ فإنَّ اليهوديّة منسوخةٌ والمسيحيّة ممحوقةٌ والحنيفيّة مختصرةٌ فيها بعض أُصول الدين وبعض فروع الدين كالتوحيد وبعض المحرّمات. وهي لا تكفي لا بشكل مفهومي ولا سلوكي، كما تبيّن بعد الإسلام. فهي وإن كانت حقّاً (وهم معذورون فيها) إلّا أنَّها لو نسبناها إلى الإسلام لكانت كالحجر الى جنب الإنسان، فتكون بمنزلة الضلال، بل هي ضلالٌ عن كثيرٍ من المفاهيم والتشريعات التي جاء بها الإسلام من جديدٍ. وعلى أحسن تقدير فإنَّ دين النبي’ كان على ذلك أُسوةً له بآبائه وعشيرته، ولم يكن مسدّداً بالوحي، فهداه الله وسدّده.
فإن قلت: وهل يكون في المؤمن ضلالٌ؟
قلنا: نعم، وذلك على أنحاءٍ:
الأوّل: عملي.
الثاني: اقتضائي نسبي.
الثالث: تسبيبي خارجي.
أمّا المعصوم فدقّي.
وأمّا قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} فقد قال في >الميزان<: العائل: الفقير الذي لا مال له. وقد كان’ فقيراً لا مال له، فأغناه الله بعدما تزوّج بخديجة بنت خويلد÷، فوهبت له مالها، وكان لها مالٌ كثيرٌ. وقيل: المراد بالإغناء استجابة دعوته(1).
وأفاد في >في ظلال القرآن<: فأغنى الله نفسك بالقناعة، كما أغناك
ــــــ[87]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 311، تفسير سورة الضحى.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
بكسبك ومال أهل بيتك (خديجة رضي الله عنها)(1).
وقال في >المفردات< في مادّة عيل: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً}(2) أي: فقراً. يُقال: عال الرجل إذا افتقر. يعيل عيلة فهو عائلٌ. وأمّا أعال إذا كثر عياله فمن بنات الواو. وقوله: {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} أي: أزال عنك فقر النفس وجعل لك الغنى الأكبر(3).
وقال في >المفردات< في مادّة عول: العول يُقال فيما يُهلك، والعول يقال فيما يُثقل … والتعويل الاعتماد على الغير فيما يثقل، ومنه العول وهو ما يثقل من المصيبة، فيقال: ويله وعوله. ومنه العيال الواحد (عيل) لما فيه من الثقل. وعاله تحمّل ثقل مؤنته. ومنه قوله×: >ابدأ بنفسك ثُمَّ بمَن تعول<(4). وأعال إذا كثر عياله(5).
أقول: فتكون في معنى العائل أُطروحاتٍ عديدةً كلّها تعود الى معنى الفقر الذي هو في قبال الغنى قال×: >الغنى غنى النفس<(6). وقيل: >ما عال من اقتصد<(7). وقيل: المراد: ووجدك فقيراً إلى رحمة الله وعفوه، فأغناك
ــــــ[88]ــــــ
(1) في ظلال القرآن 6: 3927، تفسير سورة الضحى.
(2) سورة التوبة، الآية: 28.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 367، مادّة (عيل).
(4) شرح مسلم 12: 204، فتح الباري 1: 188، شرح سنن النسائي 7: 62، تحفة الأحوذي 6: 365، عون المعبود 6: 128.
(5) مفردات ألفاظ القرآن: 366، مادّة (عول).
(6) تحف العقول: 57، شرح نهج البلاغة 19: 55، كشف الغمّة 1: 568، مشكاة الأنوار: 129، ومجموعة ورّام 1: 163.
(7) عدّة الداعي: 84، العدد القويّة: 150، مجموعة ورّام 1: 167، ونهج البلاغة: 494.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
بمغفرته لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر.
أقول: قوله: (أعال من بنات الواو) فيه عدّة أجوبةٍ:
الأوّل: أنَّه يائي لا واوي، ولذا يُقال: عيلة وعايلة، والواوي من التعويل، وهو مادّةٌ أُخرى.
الثاني: أنَّه لو سلّمنا بذلك لوحظ أنَّ في اسم الفاعل لا يظهر كونه واويّاً أو يائيّاً (عائلاً)، بل كلاهما محتملٌ.
الثالث: أنَّه لو اعتذر بكونه رباعيّاً لكان أحجى؛ لأنَّه أعال فهو معيلٌ، ولكنه لم يذكر ذلك، وإن كان من استعمال الثلاثي في الرباعي ولو مجازاً. وعلى أيّ حال فالمقصود الفقر: إمّا بالدلالة المطابقيّة وإمّا بالدلالة الالتزاميّة؛ لأنَّ لازم كثرة العائلة الفقر عندما يكون الدخل غير مناسبٍ مع العدد.
ويمكن أن يكون مَن عال عمّا في اليد، فيكون تعبيراً عن الحيرة في المعيشة، فأغناه الله تعالى.
****
قوله تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ}:
قال الراغب: القهر الغلبة والتذليل معاً. ويستعمل في كلّ واحد منهما. قال: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}(1) وقال: {وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}(2) {فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ}(3). {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} أي: لا تُذلل. وأقهره سلّط عليه من يقهره(4).
ــــــ[89]ــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 18.
(2) سورة الرعد، الآية: 16.
(3) سورة الأعراف، الآية: 127.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 429، مادّة (قهر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وظاهر كلام الراغب أنه موضوعٌ بوضعين: للغلبة وللتذليل. إلّا أنَّه يرجّح أن لا يكون كذلك، بل باعتبار ملازمة أحدهما للآخر، وهذا ملحوظٌ في كلّ الاستعمالات، كما هو ظاهرٌ. والغلبة هي الدلالة المطابقيّة، ولازمها تذليل الطرف الآخر. فيكون (لا تقهر) يعني: (لا تتغلّب عليه) بحيث يتذلّل، لا أنَّ دلالته المطابقيّة هي الذلّة، كما هو واضحٌ.
وله دلالة التزاميّة أُخرى واضحةٌ أيضاً، وهي الانطباع النفسي للحزن والغضب. يقول العامّة: فلانٌ مقهورٌ أي: حزينٌ أو غضبانٌ.
وعندئذٍ فيمكن أن تكون المداليل الثلاثة مقصودةً: الغلبة والذلّة والحزن. والأُولى هي المطابقة، وهي بمنزلة العلّة للمعنيين الآخرين، وقد نهى عنها، فيكون نهياً عن الثلاثة.
والمراد التسلّط على اليتيم بالباطل وإيذائه، وهو شاملٌ لمعنى الولي وغيره.
يبقى الكلام فقهيّاً في أنَّ النهي ظاهرٌ في التحريم، فهل نقول به هنا؟
والجواب عنه من وجهين:
الأوّل: أنَّ القهر الذي يلازم الحرام حرامٌ، والذي يلازم المكروه مكروهٌ، وليس فيه مباحٌ؛ لمنافاته مع النهي، فهو يتناسب مع مطلق المرجوحيّة.
الثاني: أنَّه واقعٌ في سياقٍ واحد مع المستحبّات، فلا يحتمل وجوب الباقي، فيلزم حمله على الاستحباب. مضافاً الى الإجماع والضرورة على عدم الوجوب.
وأمّا الجمع بين المضمونين فلم يقل به أحدٌ، مضافاً إلى عدم إمكان تطبيقه.
ــــــ[90]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ثُمَّ إنَّه لو كان خاصّاً بالنبي’ كان من المحتمل حرمة هذه الأُمور لديه، ومعه فقد يُقال بانطباق القاعدة الأخلاقيّة: (إنَّ الغضب إذا لم ينطبق تحوّل الى حزنٍ على الله سبحانه)، فيما إذا كان:
(1) غير اختياري و(2) متعارف و(3) شرعي، ولولا ذلك لم يجز. وأمّا فعل المعصومين^ فكان الغرض منه مراعاة المصلحة العامّة. وهناك ما يدلّ على الضدّ.
والفاء في (فأمّا) تفريعيّة تدلّ على أنَّ مدخولها نتيجةٌ لما سبق، وهي مشروعةٌ بعد المقدّمات السابقة في السورة وذكر النعم فيها.
ويُلاحظ حينئذٍ أُمورٌ:
الأوّل: أنَّ المنعم بتلك النعم هو الحقّ تعالى، فله المولويّة والأمر كلّه.
الثاني: أنَّه مادامت نعمه عليك هكذا فعليك التخلّق بأخلاقٍ دقّيّةٍ عاليةٍ.
الثالث: إعطاء منهجٍ للحصول على رضاء الله والتكامل المشار إليه سابقاً في السورة.
الرابع: إعطاء منهجٍ دنيوي اجتماعي قبل الوصول إلى مراتب الآخرة؛ إذ بعد التجريد عن الخصوصيّة تعمّ الفكرة لكثيرٍ من التسامح مع الخلق والتكلّم بموارد نعمة الربّ وعظمته وذكره.
وأمّا قوله: (أمّا) فهي تفيد التفصيل بعد الإجمال، فأين الإجمال؟ وهذا يعني: أنَّ هناك نتيجةً إجماليّةً هي مدخول الفاء عُبّر عنها تفصيلاً بأمّا وأمّا، فيعبّر المجموع في مدخول الفاء. ويمكن الالتفات إلى النتيجة الإجماليّة بأحد الأشكال:
ــــــ[91]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الأوّل: وجود المعلول في علّته، وحيث ذكرت العلّة فيما سبق فلابدّ أنَّه قد اتّضح المعلول إجمالاً.
الثاني: وجود الفاء مستقلّةً وغير متكرّرةٍ، يعني: فيترتّب على ذلك شيءٌ تفصيله كذا وكذا.
الثالث: التجريد عن الخصوصيّة في هذه النتائج بحيث تكون بمنزلة النتيجة الواحدة ذات العموم والشمول.
****
قوله تعالى: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ}:
قال الراغب: والنهر والانتهار الزجر بمغالظة. يُقال: نهره وانتهره. قال: {فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}(1). {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ}(2).
وأفاد الراغب في مادّة سول: السؤل الحاجة التي تحرص النفس عليها. قال: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى}(3) وذلك ما سأله بقوله: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي}(4)(5).
وقال في مادة سأل: السؤال استدعاء معرفة أو ما يؤدّي إلى المعرفة واستدعاء مالٍ أو ما يؤدّي إلى المال. فاستدعاء المعرفة جوابه على اللسان، واليد خليفةٌ له بالكتابة أو الإشارة. واستدعاء المال جوابه على اليد، واللسان،
ــــــ[92]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 23.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 528، مادّة (نهى).
(3) سورة طه، الآية:36.
(4) سورة طه، الآية: 25.
(5) مفردات ألفاظ القرآن: 256، مادّة (سول).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
خليفةٌ لها: إمّا بوعدٍ أو بردٍّ(1).
فهل المقصود النهي عن النهر أو عن مطلق المنع؛ إذ لا ملازمة ولا أولويّة فيهما؟
أقول: السؤال هو الطلب، وهو أمرٌ يجمع كلّ هذه المعاني، وهو مطلق الطلب بحقٍّ واستحقاقٍ، وجواب السؤال بصدقة ماليّاً كان أم غيره. وعليه فهو يشمل طلب المال وطلب العلم وطلب الفتوى وطلب قضاء الحاجة، كما يشمل الطلب إلى المعصومين وإلى الله سبحانه؛ فإنَّه أولى بالإجابة. والدعاء بالمعنى المتشرّعي هو السؤال قال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}(2). إلّا أنَّ مصداق السؤال هو الدعاء.
ويحتمل أن تكون (أمّا) شرطيّة بقرينة وجود الفاء.
ويمكن المناقشة فيه: بأنَّه ليس فيها فعل شرطٍ بل اسمٌ.
فإن قلت: إنَّه مفعولٌ لفعلٍ مقدّرٍ.
قلنا: أوّلاً: يصبح الكلام حينئذٍ سمجاً بإظهاره.
وثانياً: إنَّه لا قائل بثبوته من كونه مفعولاً للفعل الذي بعده، مضافاً الى عدم تعيّن الشرطيّة من المعاني الأُخر.
ثالثاً: إنَّه لا تتنافى بين كونها شرطيّةً وغيرها؛ فإنَّها جميعاً على غرارٍ واحدٍ. نعم، لابدّ فيه من الصدق والإخلاص والتوحيد والتوجّه ونحوه، وهو ممّا ينبغي أن يسعى إليها الفرد.
وعليه فلا يختصّ السائل في الآية بالطالب للصدقة، كما لا يتعيّن في
ــــــ[93]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 224، مادّة (سأل).
(2) سورة غافر، الآية: 60.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
كون المسؤول هو الله؛ فقد يكون سائلاً لك أو لله أو لغيرك.
وهذا السائل قد يكون جامعاً للشرائط، وقد لا يكون، وإن كان قاصداً لك بإخلاصٍ واضطرارٍ وهو ورعٌ في نفسه. والمهمّ أنَّه لو كان المقصود ذلك تحفّظاً لهذه الحال حصل النهي المطلق. وأمّا لو كان عامّاً: فإن فهمناه فهماً عرفيّاً، كفى صدق السؤال، ولكن يترتّب عليه الاعتذار في الجواب بدون حصول الانتهار. وإن فهمناه فهماً دقّيّاً فإنَّما موضوعه حصول السؤال الحقيقي، ومحموله حرمة ترك الإجابة، سواء مع الاختيار أم لا. وإنَّما عبّر بالانتهار باعتبار الانطباع النفسي للمنع حتّى مع الاعتذار، فقد يقبل عذرك ظاهراً، وهو متأسّفٌ واقعاً. وكذلك يمكن الالتفات إلى أنَّ النهي العامّ ناظرٌ إلى خصوص الحصص الضروريّة التي لا يجوز تضييعها حقيقةً، كما لو كان سؤالاً في أُصول الدين أو في فروع الدين.
ولا يلزم أن يكون السائل أدنى منك اجتماعيّاً أو علميّاً، بل المجتمع يحتاج بعضه إلى بعض. نعم، هو أدنى منك في قضاء حاجةٍ؛ لأنَّ المفروض أنَّه عاجزٌ عنها وأنت قادرٌ عليها. ولكنّه قد يستطيع أن يقضي لك من الحوائج أكثر ممّا تستطيع أن تقضيها له.
****
قوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}:
ذكر السيّد الطباطبائي رواية في >الميزان<: >إذا أصبت خيراً فحدّث أُخوانك<(1). وفي أُخرى: >مَن أبلى بلاء فذكره فقد شكره، ومَن كتمه فقد
ــــــ[94]ــــــ
(1) الدرّ المنثور في تفسير المأثور 6: 362، تفسير سورة ا لضحى.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
كفره، ومَن تحلّى بما لم يعط فإنَّه كلابس ثوب زور<(1)(2).
والإشكال الرئيسي بغضّ النظر عن هذه الروايات أنَّ المتحقّق في ارتكاز المتشرّعة هو عدم استحباب ذكر النعم المادّيّة، فلو رزق مالاً أو ولداً أو بيتاً لم يستحبّ ذكره.
ويمكن الجواب عنه من وجوهٍ:
الأوّل: أنَّه يمكن أن يكون على هذا الحال، فيكون ذكر النعمة أمام الأُخوان بمنزلة مدح الله، فيكون مصداقاً للشكر، لا أنَّه يذكرها في نفسها بغضّ النظر عن انتسابها إلى الله سبحانه. وإذا كان حاله هكذا لم يفرّق فيه بين النعم المادّيّة والمعنويّة، أي: العباديّة ونحوها ما لم تصل إلى درجة الأسرار.
الثاني: أنَّه يمكن القول: إنَّها لا إطلاق لها، وإنَّما المراد أهمّ النعم، أعني: التوحيد أو الإسلام أو الإيمان أو الوجود أو حسن الدين إجمالاً، أو يكون معناه: حدّث بنعمة ما بقرينة قوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}؛ لأنَّ (نعمة) لم تدخل عليها الألف واللام الجنسيّة.
وقد يُقال: إنَّه أمرٌ محتملٌ بعد انسداد الاحتمالات الأُخر. إلّا أنَّ الكبرى المبيّنة فيه قابلةٌ للمناقشة؛ لأنَّ (نعمة) معرفةٌ؛ لأنَّها مضافة إلى المضاف إلى معرفة: (بنعمة ربّك) فتكون اسم جنس، وهو قابلٌ للإطلاق. نعم، لا يكون صريحاً بالإطلاق كالألف واللام الجنسيّة، فكأنَّه قال: بنعم ربّك عموماً. واختصاص النعم الأهمّ ممّا لا دليل عليه. وحتّى لو تنزّلنا أمكن فهم العموم؛ لعموم الإشارة إلى نعمةٍ معيّنةٍ حتّى من الأهمّ، فيكون كلّ واحدٍ مصداقاً.
ــــــ[95]ــــــ
(1) الدرّ المنثور في تفسير المأثور 6: 362، تفسير سورة ا لضحى.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 313، تفسير سورة الضحى، بحث روائي.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ولا يخفى: أنَّه لو اختصّت بالأهمّ فالأهمّيّة تختلف بالنسبة إلى الناس، فأهل الدنيا يفضّلون النعم المادّيّة، وأهل العلم يفضلون النعم العلميّة، وأهل القلوب يفضلون النعم المعنويّة. وفي الخبر: أنَّ كلّ النعم المعنوية لا تساوي باقة بقدونس، أي: في نظر أهل الدنيا. أو إنَّ المراد: أنَّك تتحدّث بسبب نعمة ربّك؛ فإنَّ (حدّث) فعل. وإن كان يفيد المستقبل.
هذا كلّه إذا كان المراد من (حدّث) الحديث وهو الكلام أو الخبر، كما وردت الإشارة إليه في القرآن الكريم كثيراً، كقوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}(1)، وقوله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ}(2)، وقوله: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ}(3)، وقوله: {فَمَالِ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا}(4)، وقوله: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا}(5). ولكن لا ملازمة بين الأمرين، وليس في القرآن سياقٌ واحدٌ للمعنى ليعرف المشكوك والمعلوم.
ومن هنا أمكن أن يُراد بمادّة (حدّث) أمران آخران:
الأوّل: الحدوث.
والثاني: التحديث بمعنى الجدة.
فعلى الأوّل يعني: أوجد نعمة ربّك، أي: سبّب إلى وجودها في حدود
ــــــ[96]ــــــ
(1) سورة الغاشية، الآية: 1.
(2) سورة الطور، الآية: 34.
(3) سورة النجم، الآية: 59.
(4) سورة النساء، الآية: 78.
(5) سورة النساء، الآية: 87.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
إمكانك، وهو أمرٌ معنوي.
وعلى الثاني يعني: جدّد نعمة ربّك: إمّا بالتسبيب إلى تكرارها وإمّا بتذكّرها. وإمّا أن يكون الحديث بمعنى التذكّر يعني: حدّث نفسك أو حدّث ربّك، ولم يقل: حدّث الآخرين، وهو مجازٌ في التذكّر، وفيه ثوابٌ وتكاملٌ، أو إنَّك إنَّما تفعل ذلك كلّه بنعمة الربّ سبحانه.
وبتعبيرٍ آخر: تارةً يكون التركيز على النعمة وأُخرى على التحديث بها، ويكون الآخر تابعاً نحو: العيش برزق الله.
قال في >الميزان<: التحديث بالنعمة بيانها قولاً وإظهارها فعلاً، وذلك بشكرها(1).
وعليه فيكون المراد من الآية الإشارة إلى أُمورٍ:
الأوّل: احتمال التركيز والتأكيد على النعمة والعطيّة الإلهيّة.
الثاني: أنَّه من الحدوث أو الحديث أو التحديث.
الثالث: أنَّه إيجاد اقتضائي أو علّي.
الرابع: أنَّ المخاطب هو الناس أو النفس أو الله.
الخامس: أنَّ الغرض منه دنيوي أو أُخروي أو بيان الشكر أو الإقرار.
والأمر دالٌّ على الالتزام بالأغراض الأُخرويّة أيضاً بلا كلامٍ(2).
ــــــ[97]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 311، تفسير سورة الضحى.
(2) لم نعثر إلّا على هذا المقدار من تفسير سورة الضحى بقلم السيّد الشهيد+.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾.

ــــــ[99]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني

ــــــ[100]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
سورة الليل
للسورة المباركة عدّة أسماء:
منها: التسمية المشهورة، أي: الليل.
ومنها: تسميتها باسم الآية الأُولى منها: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}.
ومنها: السورة التي ذُكر فيها الليل، كما عليه الشريف الرضي+.
ومنها: رقمها في المصحف، أي: 92.
ومنها: الالتزام باللفظ القرآني، أعني: {وَاللَّيْلِ}.
****
قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}:
أورد في >الميزان<: عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر×: قول الله عزّ وجلّ: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}، {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى}(1) وما أشبه ذلك؟ قال: >إنَّ لله عزّ وجلّ أن يقسم من خلقه بما شاء، وليس لخلقه أن يقسموا إلّا به<(2)(3).
ــــــ[101]ــــــ
(1) سورة النجم، الآية: 1.
(2) الكافي 7: 449، باب أنّه لا يجوز أن يحلف الإنسان إلّا بالله عزّ وجلّ، الحديث1، مَن لا يحضره الفقيه 3: 376، باب الأيمان والنذور والكفّارات، الحديث 4323، تهذيب الأحكام 8: 277، باب الأيمان والأقسام، الحديث 1، ووسائل الشيعة 23: 259، كتاب الأيمان، الباب 30، الحديث 29519.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 307، تفسير سورة الليل، بحث روائي.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أقول: تكون الاحتمالات أربعةً أحدها تحرّمه هذه الرواية، ولم يقل بالحرمة أحدٌ، وهو قسم الخلق بالخلق، وبعضه مقدّسٌ، ولكن ليس عليه كفّارة، إلّا أنَّه قد يكون واجباً؛ لأنَّ في رفضه احتقاراً للخلق أو للولي الذي حلفت به.
والواو في قوله: (والليل) للقسم. ولكن توجد أُطروحة أُخرى أفهمها، وهي: كونها واو ربّ دخلت على معرفةٍ، مع أنَّ واو ربّ الأصليّة تدخل على النكرة، كما قال الشاعر: وليلٍ كموج البحر(1)، كما قلنا في اللام من أنَّها تدخل على الاسم فتسمّى لام الابتداء، وتدخل على الفعل فتسمّى لام القسم، مع أنَّ القسم غير موجودٍ كذلك هنا.
فإن قلت: فإنَّ المعرفة غير مناسبةٍ مع (ربّ)؛ فإنَّها إشارةٌ إلى جزئي مرّددٍ لا يصحّ أن يكون كلّيّاً.
قلنا: نعم، اختلفت عنها بالتعريف وإفادة الكلّي واتّفقت معها بالجّر. فإن قلت: فإنَّ جواب القسم موجودٌ، ويكون قرينةً على كونها للقسم.
قلنا: هذا على تقدير أن نفهمه جواباً للقسم، ولا يوجد بالمطابقة ما يدلّ عليه، فليكن بياناً مستأنفاً، كما في قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}(2) أو قوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}(3) ونحوها من الآيات.
والليل له عدّة مستوياتٍ:
الأوّل: الليل بمعناه المعروف.
الثاني: ليل البلاء.
ــــــ[102]ــــــ
(1) زهى الآداب و ثمر الألباب 3: 803، ونهايةالأرب في فنون الأدب 7: 177.
(2) سورة الضحى، الآية: 3.
(3) سورة الليل، الآية: 4.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الثالث: ليل الذنوب.
الرابع: ليل الدنيا.
الخامس: حجب الظلمة.
السادس: ليل النفس الأمّارة والشيطان، وهي سبب الذنوب.
ولذا تكلّمنا عنها في سورة الضحى، وقلنا: إنَّها داخلةٌ على مدخول القسم لا على القسم نفسه. ويمكن الإشارة إلى أُطروحتين في المقام:
الأُولى: أن تكون ظرفيّة ليس لها معنى الشرطيّة، أي: بمعنى إذ.
الثانية: أنَّنا بعد أن الغينا معنى القسم فما هو المعنى؟ تكون الاحتمالات أربعةً: اثنين بالواو واثنين بإذ، فلا تكون للقسم وتكون إذا شرطيّة. وفي الحقيقة لا يتعيّن أن يكون مدخول هذه الواو هو المفرد، بل الجملة، شأنها في ذلك شأن الواو العاطفة تماماً.
وأمّا (يغشى) فقال في >المفردات<: غشيه غشاء وغشاوة، أتاه إتيان ما قد غشيه، أي: ستره، والغشاوة ما يغطّى به الشيء. قال: {وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً}(1) {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}(2). يُقال: غشيه وتغشّاه وغشّيته كذا (ومنه تغشّي المرأة وهو حجابها) قال: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ}(3) {فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}(4) {وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ}(5) {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى}(6) {وَاللَّيْلِ
ــــــ[103]ــــــ
(1) سورة الجاثية، الآية: 23.
(2) سورة البقرة، الآية: 7.
(3) سورة لقمان، الآية: 32.
(4) سورة طه، الآية: 78.
(5) سورة إبراهيم: الآية: 50.
(6) سورة النجم، الآية: 16.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
إِذَا يَغْشَى} {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ}(1). وغشيت موضع كذا أتيته، وكنّي بذلك عن الجماع (نحو أتاها) يُقال: غشّاها وتغشّاها {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ}(2)، وكذا الغشيان. والغاشية كلّ ما يغطّي الشيء كغاشية السرج. وقوله: {أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ}(3) أي: نائبة تغشاهم وتجلّلهم(4)، يعني: من بلاء الدنيا.
فتبيّن أن لـ(يغشى) معاني عدّة:
الأوّل: أنَّه- أي: الليل- يغطّي الموجودات الأرضيّة.
الثاني: أنَّه بمعنى: يحضر ويحصل.
الثالث: أنَّ الملحوظ فيه السعة والهيمنة على منفعةٍ ضخمةٍ جدّاً خارج التصوّر، كما أنَّ الملحوظ في (سجى) هو السكون والهدوء، والملحوظ هنا أنَّ الفاعل هو الليل نفسه لا الحقّ تعالى.
****
قوله تعالى: {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى}:
النهار من طلوع الشمس إلى غروبها، ونهار الصوم من الفجر، وبمقداره أُعطي الليل من معنى، فغطّى النهار أيضاً. ولا يمكن هنا استعمال (يغشى)؛ لأنَّ النهار لا يغطّي ولا يستر، وإنَّما يكشف بنوره عن الأشياء.
وأمّا (تجلّى) فقد قال في >المفردات<: أصل الجلو الكشف الظاهر. يقال: أجليت القوم عن منازلهم فجلوا عنها، أي: أبرزتهم عنها (إذا برزت المنازل
ــــــ[104]ــــــ
(1) سورة الأنفال، الآية: 11.
(2) سورة الأعراف، الآية: 189.
(3) سورة يوسف، الآية: 107.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 373، مادّة (غشي).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
بعد أن كانوا يستروها). ويقال: جلاه (بمعنى الجلو) نحو قول الشاعر:
فلمّا جلاها بالأيّام تحيّرت
ثباتٌ عليها ذلّها واكتئابها
وقال الله عزّ وجلّ: {وَلَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا}(1).
ومنه جلا لي خبرٌ وخبر جلي وقياس جلي (ونصّ جلي). ولم يسمع فيه جَالَ (أي: الماضي)، وجلوت العروس جلوة وجلوت السيف جلاء. والسماء جلواء أي: مصحية. ورجل أجلى انكشف بعض رأسه عن الشعر. والتجلّي (الظهور) قد يكون بالذات نحو قوله تعالى: {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى}. وقد يكون بالأمر والفعل نحو قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ}(2) (هذا باعتبار البرهان على استحالة تجلّي الذات). وقيل: فلان ابن جلا أي: مشهور (أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني)(3) وأجلَوا عن قتيلٍ إجلاءً(4)، أي: أظهروه أو أظهروا الأرض التي تحته كما أجلوا الجماعة.
وفي >الميزان<: ذكر أنَّ الواو في النهار عاطفةٌ(5)، وهو بلا موجبٍ. فكأنَّه قال: أقسم أقسم، فتنفصل الجملتان إعراباً، وهو ممنوعٌ في القواعد. وفيه أيضاً رواية مضمونها: أنَّ الليل يغشى النهار، وهو فرع وجوده، وإنَّما يغشى الأرض، فضلاً عن كونها رواية ضعيفة.
ــــــ[105]ــــــ
(1) سورة الحشر، الآية: 3.
(2) سورة الأعراف، الآية: 143.
(3) الأغاني 13: 93، الشعر والشعراء 2: 629، ونهاية الأرب في فنون الأدب 21: 207.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 94، مادّة (جلو).
(5) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 302، تفسير سورة الليل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ويحتمل أن يكون المراد غشيانه الأرض أو الشمس(1).
إذن فالتجلّي والتغشّي ضدّان، كما أنَّ الليل والنهار ضدّان، ولا حاجة إلى فهمه من زاوية قوله تعالى: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ}(2)؛ فإنَّه مادّة أُخرى.
والفاعل في (تجلّى) ضمير يعود على النهار. ويمكن فيه أُطروحاتٌ أُخر شاذّةٌ:
الأُولى: أن يعود الضمير إلى الله سبحانه، كما قلنا في الليل، ويكون النهار بمنزلة المفعول به.
الثانية: أن يكون الرباعي بمعنى الثلاثي، أي: جلى وكشف غيره والموجودات فيه، وإنَّما استعمله رباعيّاً لحفظ السياق اللفظي. بل حتّى إذا نسبناه إلى أسبابه لا يكون مسنداً إلى النهار نفسه، بل إلى حركة الفلك.
****
قوله تعالى: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى}:
الواو في قوله: (وما) فيها ثلاث أُطروحاتٍ:
الأُولى: أن تكون عاطفةً، وهو المشهور.
جوابه: أنَّها ذات سياقٍ واحدٍ مع الواوين السابقين، فكيف يتغيّر معناها؟ فإن كانتا للقسم فلابدّ أن تكون هذه أيضاً للقسم. ويرد عليه كلام >الميزان< آنفاً مع جوابه. ولا ينافيها دخولها على ما الموصولة؛ لأنَّها مفردٌ، فتكون قسماً بالله؛ لأنَّه هو الخالق حسب فهم المشهور للآية(3). ولعلّ هذا
ــــــ[106]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 302، تفسير سورة الليل.
(2) سورة آل عمران، الآية: 27.
(3) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 81، تفسير سورة الليل، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 598، تفسير سورة الليل، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
يكون قرينةً على كونها للقسم.
الثانية: أنَّها واو قسمٍ كالسابق عليها، فإن حملنا السابق على القسم تعيّن بوحدة السياق.
الثالثة: أن تكون واو ربّ كالسابق أيضاً، إذا صحّ ذلك كما سبق. وعلى كلّ تقديرٍ فما الموصولة هنا في محلّ جرّ، إمّا بواو القسم أو واو ربّ أو بالعطف على المجرور. وإذا كانت عاطفةً فمدخولها معطوفٌ على مدخول القسم، فيدخل في المعنى في ضمن القسم به، ويستفاد معناه.
أمّا (ما) ففيها عدّة أُطروحاتٍ: أن تكون موصولةً، وأن تكون ظرفيّةً، وأن تكون مصدريّةً. وعلى كلّ تقديرٍ فهي تكون مع مدخولها مفرداً لا جملةً. وضعّف في >الميزان< احتمال المصدريّة(1)، وهو محتملٌ. وأمّا الظرفيّة فباعتبار سياقها مع (إذا)، أو نقول: إنَّ (إذا) شرطيّة ظرفيّة أيضاً إذا اعتبرناها كذلك. فتكون: (ما) ظرفيّة باعتبار سياقها مع (إذا) الظرفيّة، مضافاً إلى دفع الإشكال الموجود في الموصولة، كما يأتي.
وأمّا كونها موصولةً ففيها إشكالٌ، وهو التعبير عن الخالق بـ(ما) التي تستعمل لغير العاقل.
وجوابه من وجوهٍ:
الأوّل: ما ذكره العكبري من: أنَّها بمعنى (من)(2).
أقول: -ولو مجازاً، ولا مانع منه- إلَّا أنَّه يعطي انطباعاً سيّئاً لولا الوجوه التالية.
ــــــ[107]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 302، تفسير سورة الليل.
(2) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 288، سورة الليل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الثاني: ما ذكره في >الميزان< من أنَّه للتعظيم والتهويل(1).
وهو غير بعيدٍ، إلّا أنَّه قد يرد عليه أنَّه تضعيفٌ وتنزيلٌ من شأنه، فلا يلزم من التنزيل التعظيم؛ لأنَّه ضدّه.
الثالث: أنَّ فيه اعتبار الفعل الإلهي كفعل الأسباب وإن ثبت كونه مختلفاً في الفلسفة وعلم الكلام. وحيث إنَّ أكثر الأسباب لا تعقل استعمل (ما)، أو كان الإستعمال ناظراً إلى الأسباب نفسها.
فإن قلت: فإنَّ الخالق هو الله تعالى وحده.
قلنا: نعم، هو كذلك بالمعنى المطلق، لكن بمطلق الخلق فلا؛ لأنَّه بمعنى الإيجاد، وهو يناسب الأسباب، ولعلّ استعمال (ما) قرينةٌ متّصلةٌ عليه.
الرابع: أنَّها ليست موصولةً، بل ظرفيّةً أو مصدريّةً، فيرتفع الإشكال.
****
قوله تعالى: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}:
قال الراغب: السعي المشي السريع، وهو دون العدو، ويستعمل للجدّ في الأمر: خيراً كان أو شراً.
قال تعالى: {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا}(2) {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ}(3) {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى}(4).
ــــــ[108]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 302، تفسير سورة الليل.
(2) سورة البقرة، الآية: 114.
(3) سور البقرة، الآية: 205.
(4) سورة النجم، الآيتان: 39-40.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وقال تعالى: {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا}(1) {وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً}(2) {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ}(3). وقال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ}(4) أي: أدرك ما سعى في طلبه [أي: نتيجة السعي]. وخُصّ السعي بين الصفا والمروة من المشي [وهو حصّةٌ من المعنى الحقيقي] والسعاية بالنميمة وبأخذ الصدقة وبكسب المكاتب لعتق رقبته(5).
والمهمّ أنَّ المراد العمل، وهو معرفةٌ، ويراد به الكلّي، والخطاب لكلّ البشر.
قوله تعالى: {لَشَتَّى} أي: متفرّق ومختلف، وقد سبق معناه في قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ}(6) أي: متفرّقين، وقوله: {مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى}(7) أي: مختلف الأنواع {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى}(8) أي: متفرّقةٌ في العواطف ومختلفةٌ. فالسعي والعمل أيضاً مختلفٌ، فمنه الصالح ومنه الفاسد، كما هو مذكورٌ في السورة: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى … وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} فهي للتفصيل بعد الإجمال، والإجمال موجودٌ، والتفصيل مذكورٌ.
ــــــ[109]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 19.
(2) سورة الإنسان، الآية: 22.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 94.
(4) سورة الصافّات، الآية: 102.
(5) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 238-239، مادّة (سعى).
(6) سورة الزلزلة، الآية: 6.
(7) سورة طه، الآية: 53.
(8) سورة الحشر، الآية: 14.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
غير أنَّ الكلام في المادّة قد سبق في قوله تعالى: {يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً}(1). أمّا الهيئة فهي مختلفةٌ، فلابدّ من بحثها هنا.
قال في >الميزان<: وهو (يعني: سعيكم) في معنى الجمع، وشتّى جمع شتيت بمعنى المتفرّق كمرضى جمع مريض(2).
أقول: حيث ثبت له أنَّ شتّى جمع فيستشكل أنَّه كيف أُسندت إلى المفرد؟
وجوابه: ما ذكره من أنَّه اسم جنسٍ، وهو بمنزلة الجمع وفي معناه.
إلَّا أنَّنا لم نجد ذلك في اللغة، فيبقى ذلك مجرّد أُطروحةٍ. فيكون فيها أُطروحتان: أن تكون مفرداً وأن تكون جمعاً، وأُطروحتان وهما أن تكون مذكّراً وأن تكون مؤنّثاً، وأُطروحتان وهو أن يكون مشتّقاً وأن يكون جامداً. وهذا راجع إلى الوجدان اللغوي، ولا يتحصّل شيءٌ منه في كلام اللغويّين. والظاهر أنَّها مفردٌ مذكّرٌ جامدٌ لازمٌ أو يتساوى فيه المذكّر والمؤنّث. ومعنى كونه جامداً أنَّه وضع بحروفه بدون ملاحظة المادّة والهيئة كالمشتقّات.
وهنا أُطروحةٌ وإن كانت شاذّة نسبياً، وهي أنَّ الألفاظ قد تدلّ على المعاني، وهي الأغلب، وقد تدلّ على الألفاظ، كالكلام واللفظ والكلمة والجملة وغيرها. وهنا قسمان آخران يدلاّن على الألفاظ: قسم يدلّ على لفظ الفعل، وهو اسم الفعل، كصه وحيهل، ومن هنا سمّي اسم فعلٍ. وقسم يدلّ على لفظ الاسم، كشتّى وشتّان وأشتاتاً. غاية الفرق: أنَّ هناك لفظاً بالحمل الشائع يدلّ على لفظٍ بالحمل الأوّلي. وهنا لفظٌ بالحمل الشايع يدلّ على لفظ
ــــــ[110]ــــــ
(1) سورة الزلزلة، الآية: 6.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 302، تفسير سورة الليل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
بالحمل الشائع. ومنه الكنية التي تدلّ على العلم لا على الذات ابتداءً.
فإن قلت: فإنَّ شتّى يدلّ على المعنى مباشرة لا على اللفظ؛ بدليل عدم خطوره في البال.
قلنا: ينقض باسم الفعل؛ فإنَّه أيضاً كذلك، وهذا ينافي كونه اسم فعلٍ؛ فأنَّه لو دلّ على المعنى لكان من الأفعال، وليس اسماً له، وإنَّما لاحظوا فيه دلالته على اللفظ، فأسموه بذلك. وهذا لا يختلف عن شتّى وجداناً. فإذا سرنا بهذا الاتّجاه أمكن أن نسمّيه اسم اسمٍ كاسم فعلٍ.
****
قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى}:
ثُمَّ إنَّ هنا سياقاً واضحاً التفت إليه المفسّرون في تقابل الصفات الحسنة مع الرديئة ثلاثة ثلاثة مع نتيجتها. فيكون تفسير كلٍّ منها تفسيراً لصاحبها أو ضدّها. وقد ورد هذا السياق تفصيلاً بعد إجمال: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} يعني: على قسمين: هدى وضلال. فالهدى متمثّلٌ بقوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} والضلال متمثّلٌ بقوله: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}.
وما هو مرتبطٌ بمنهجنا هو: أنَّ أعطى لم يذكر لمن ولا لأيّ غرضٍ. ومن الواضح أنَّه ليس كلّ إعطاءٍ راجحاً، بل فيه المرجوح والحرام. فكيف يمدح المعطي على وجه الإطلاق؟
والجواب عنه:
أوّلاً: أنَّ الإعطاء حين يقع في سياق ما هو خيرٌ -كما في المورد- يكون قرينة على أنَّ المراد به الإعطاء في طريق الخير دون غيره.
ــــــ[111]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ثانياً: أنَّ الأعمّ الأغلب من الإعطاء خير، وأمّا غيره فقليلٌ، فيكون المنظور فيه الأغلب.
ثالثاً: أنَّ المنظور الإعطاء بضغط النفس يعني: مخالفتها، وهو لا يكون من إعطاء السوء.
رابعاً: أنَّ ما معه يكون قرينةً عليه، يعني: أعطى إعطاءً غير منافٍ للتقوى: {أَعْطَى وَاتَّقَى}.
خامساً: أنَّ المنصرف -وهو غير الانصراف إلى الأغلب كما سبق- من الإعطاء هو قضاء الحاجات للمحتاجين.
سادساً: أنَّ البخل الذي يقابله قرينةٌ عليه. والبخل لا يصدق عند القطع عن موارد السوء.
وقوله: {اتَّقَى} أي: أصبح متّقياً وأصله اتّقاء الخطر، هو التسبيب إلى إزالة أو إبعاد الشرّ عن نفسه، سواء الشرّ الدنيوي أم الظلم أم الشرّ الأُخروي. ومنه التقيّة؛ فإنَّه من التسبيب لكفاية شرّ البشر، ومن هنا قيل في الدعاء العرفي: الله يكفيك شرّ بني آدم؛ لأنَّه الشرّ الأهمّ في الأرض؛ إذ قد يؤذي بنو آدم بعضهم بعضاً. ومنه التقوى، وهو كفاية شرّ الآخرة حسب النظام، وإلَّا فالكافي هو الله سبحانه.
فإنَّ قلت: فإنَّ معنى التقوى عندئذٍ يعود إلى معنى الورع؛ فإنَّه الورع عن المحرّمات، وبها يكفى شرّ الآخرة.
قلت: أوّلاً: إنَّه مختلفٌ باختلاف اللحاظ: فإن لاحظنا الأعمال نفسها دنيويّاً سمّيناه الورع، وإن نظرنا إلى نتائجها الأُخرويّة سمّيناها التقوى.
ثانياً: إنَّ التقوى درجةٌ أعلى من الورع؛ لأنَّ السوء الأُخروي أو المعنوي
ــــــ[112]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ذو درجاتٍ. وكلّه ممّا ينبغي أن يتسبّب الفرد إلى كفايته. فالسوء الناتج من المحرّمات الاعتياديّة إذا نسب الفرد إلى كفايته سمّي ورعاً. وإذا كان السوء بمعنى أدقّ من ذلك كترك الصدقة أو ترك التوكّل أو ترك الصبر ومخالفة الأولى، فإنَّ الفرد إذا نسب إلى كفايته سمّي تقيّاً. وفي الرواية أنَّ آل يعقوب إنَّما دخلوا في البلاء لأنَّهم منعوا فقيراً واحداً(1).
****
قوله تعالى: {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}:
التصديق: الموافقة والإذعان في مقابل التكذيب والشكّ. والحسنى ظاهره الإشارة إلى أُصول الدين، وقد تعرّض القرآن للفروع في الوصفين السابقين على هذه الآية، وهما التقوى والاعطاء، غير أنَّ الاعطاء فرع واحد، والتقوى تشمل كلّ الفروع، والتصديق من صفات الأُصول. وأحد مصاديقها ما فسّره في >الميزان<(2) بالجزاء والثواب والعقاب، حيث ذكر أنَّه يتوقّف على تقدير مضافٍ واستظهر أنَّه: العدّة الحسنى، والمراد به ذلك. ولكنّه لا ينحصر بذلك، بل يمكن أن يكون شاملاً لكلّ أُصول الدين؛ فإنَّها كلّها حسنى وكلّها يجب تصديقها.
إلَّا أنَّه قد يرد على هذا الاتّجاه المشهور بعض الإشكالات:
الأوّل: أنَّ فروع الدين تحتاج إلى تصديقٍ، وليس الأُصول فقط؛ فإنَّه من دون تصديقها لا معنى لامتثالها.
ــــــ[113]ــــــ
(1) أُنظر: الأحاديث الواردة في البرهان في تفسير القرآن 2: 156، تفسير سورة يوسف.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 303، تفسير سورة الليل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الثاني: أنَّ التقوى تتوقّف على أُصول الدين؛ إذ لولاها لزالت.
الثالث: أنَّه كما أنَّ أُصول الدين حسنى فكذلك الفروع؛ فإنَّها جميعاً حسنى.
الرابع: أنَّ أعطى غير خاصّة بالفروع؛ فإنَّه لم يذكر المعطي ولا المعطى له، فيمكن أن يشمل إعطاء الطاعات لله تعالى.
ومنها بعض الطاعات القلبيّة التي منها الإيمان واليقين بأُصول الدين. فينتج أنَّ الثلاثة كلّها شاملةٌ لكلّ فروع الدين وأُصوله. كلّ ما في الأمر أنَّها قد لوحظت بثلاثة لحاظاتٍ أو مراحل هي المبدأ والنتيجة والسبب، وهو الأوسط. فالمبدأ هو التصديق بالحسنى، والنتيجة هي التقوى؛ لأنَّ النتيجة هي العقاب، وضدّه زواله بمعنى: التقوى منه، فهما متواردان على موردٍ واحدٍ. والسبب -وهو الوسط- هو الإعطاء للمال أو للعمل الجوارحي أو الجوانحي.
فإن قلت: فإنَّه لم يكن بالترتيب.
قلنا: الترتيب إن أردنا به الترتيب التكويني فهو ما قلناه، وهو غير مترتّبٍ في الآية، بل جعل الأوّل أخيراً. إلّا أنَّه ليس المقصود هو ملاحظة الترتيب التكويني بل التشريعي. أو قل: إنَّه ليس الملحوظ الترتيب الذي يعود إلى الله، بل الترتيب الذي يعود إلى المكلّف؛ فإنَّ الأوّل من العبد، أو قل: إنَّ دار العمل أسبق من دار الجزاء. فالمهمّ هو (أعطى) أي: أدّى العمل في الدنيا بجوانحه وجوارحه، وكذلك اتّقى- في أيّ مرتبة من مراتب التقوى- العقوبة بالعمل. وهذا هو الذي يجب أن يلحظه المكلّف في الدنيا، والقرآن نازلٌ لمصلحة الفرد في الدنيا، ومن هنا تقدّم ذكره في الآية.
ــــــ[114]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فإن قلت: كيف نحمل (أعطى) على المعنى والجانب المعنويّ، مع أنَّنا عرفنا أنَّها ضدّ (بخل) والبخل لا يصدق على الجهة المعنويّة، بل هو خاصٌّ بالمال.
قلت: أوّلاً: أنَّه كما يمكن حمل الإعطاء على عالم المعنى كذلك الحال في البخل؛ فإنَّ كلّ إعطاءٍ يقابله بخل {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ}(1) أي: ضدّ نفسه، وإنَّما يبخل عليها بالثواب، وإلَّا فإنَّه يبخل على الفقير لا على نفسه بغضّ النظر عن الثواب.
ثانياً: إنَّه إن تنزّلنا فالمقابلة كافيةٌ في جزء المعنى وفي الحصّة، ولا حاجة إلى المقابلة الكاملة لأجل إنجاز المقابلة اللفظيّة والأدبيّة واللغويّة.
وقال في >الميزان<: الحسنى صفةٌ قائمةٌ مقام الموصوف، والظاهر أنَّ التقدير بالعدّة الحسنى، وهي ما وعد الله من الثواب على الإنفاق لوجهه الكريم، وهو تصديق البعث والإيمان به. ولازمه الإيمان بوحدانيّته تعالى. وكذا الإيمان بالرسالة(2).
وهذا قابلٌ للمناقشة:
أوّلاً: أنَّنا نقول كأُطروحةٍ: إنَّه لا حاجة إلى التقدير؛ فإنَّ الحسنى مؤنّث الحسن، وهو معنىً كلّي قابلٌ للفهم بذاته بدون تقديرٍ، وينطبق على كلّ شيءٍ حسنٍ، وقد يُراد به إحسان الله إلى العبد في الدنيا والآخرة. وكلّ ما في الأمر أنَّه يحتاج إلى إذعانٍ وتصديق العبد به.
فإن قلت: فإنَّه صفةٌ، وهي تعتمد على موصوفٍ، فلابدّ من تقدير
ــــــ[115]ــــــ
(1) سورة محمّد، الآية: 38.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 303، تفسير سورة الليل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
موصوفٍ.
قلنا: أوّلاً: إنَّه لا حاجة إلى ذلك، بل نعتبر معنى الموصوف متضمّناً في الصفة، فالحسن بمعنى الشيء الحسن. أو قل: إنَّ معنى الحسن لم يلحظ صفةً بل غايةً، ولو لوحظ صفةً لكان يحتاج إلى لفظ الموصوف ولم يكف التقدير، وإلَّا كان الكلام ناقصاً.
ثانياً: إنَّه على تقدير الحاجة إلى التقدير فهو له وجهان:
الأوّل: تقدير كلمة كلّيّة يذهب فيها الفكر كلّ مذهبٍ، ومن هنا تكتسب الصفة معنى العموم.
الثاني: أنَّه مع الحاجة إلى تقدير كلمةٍ بعينها لا تتعيّن العدّة، كما قال في >الميزان<، بل الاعتبار الحسن أو النتائج الحسنى وغير ذلك.
ثالثاً: إنَّ معنى العدّة لا يناسب إطلاقاً؛ لأنَّ العدّة من الإعداد، وهو فعل المقدّمات، مع أنَّه إشارةٌ إلى النتائج، وهو الثواب.
****
قوله تعالى: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}:
السين للمستقبل القريب، وهذا يعيّن معنى اليسرى دنياً أو آخرة أو كليهما.
وفي (التيسير) أُطروحتان:
الأُولى: التهيئة والإعداد، كما في >الميزان<(1)، فإن ثبت فهو مجازٌ؛ لأنَّ اليسر هو السهولة والإعداد تسهيلٌ لإعداد المعلول، والحمل على المعنى
ــــــ[116]ــــــ
(1)أُنظر الميزان في تفسير القرآن 20: 303، تفسير سورة الليل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الحقيقي أولى.
الثانية: التسهيل لأنَّه من اليسر، وهو السهولة، وهو أيضاً ممّا ذكره في >الميزان<(1) ضمناً؛ وناقض نفسه بتفسيره؛ لأنَّه قال: فالمراد توفيقه للأعمال الصالحة بتسهيلها عليه من غير تعسيرٍ.
وكان الأنسب له أن يقول: إنَّ المراد التسهيل في العمل الدنيوي والإعداد للأجر الأُخروي. إلّا أن يكون فيه شبهة استعمال اللفظ في معنيين، وهو ممنوعٌ على المشهور. ومعه يمكن القول بأنَّ سياق الآية دالٌّ على الحديث عن الآخرة لا الدنيا، فيكون الأنسب هو الإعداد والتهيئة، كما أشار في >الميزان<.
إلَّا أنَّنا قلنا: إنَّ هذا ليس هو المعنى الحقيقي، بل معناه التسهيل، وهذا أيضاً لا ينافي الآخرة، فالمراد التسهيل لنيل درجات الآخرة.
وليس المراد التسهيل لها بالعمل الصالح؛ فإنَّه مفروض الوجود في الآية في قوله: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}. بل المراد به التسهيل في الآخرة للجنّة أو التسهيل إلى المقامات المعنويّة؛ فإنَّ الله يستطيع أن يشدّد وأن يسهّل وأن يؤخّر وأن يقدّم فيها جميعاً. فمَن عمل هذه الأعمال الصالحة سهل له وقرب عليه.
وأمّا (اليسرى) ففيها عدّة أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى: الأعمال الصالحة، كما احتمله في >الميزان<(2). وهو غير محتملٍ إطلاقاً؛ لوجود ذكر الأعمال الصالحة في الآيات المتقدّمة. فيكون
ــــــ[117]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 303، تفسير سورة الليل.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
المعنى: مَن عمل الأعمال الصالحة فسنيسّره للأعمال الصالحة. وهذا وإن كان معنى معقولاً، إلّا أنَّه خلاف الظاهر؛ إذ ظاهر الآية تعرّضها لنتائج تلك الأعمال الصالحة، وليس لشبيهها.
الأُطروحة الثانية: ما احتمله أيضاً في >الميزان<(1) من أنَّه الحياة السعيدة عند ربّه في الجنّة. وقلنا: إنَّ هذا هو الأنسب في معنى التيسير والتسهيل كما سبق.
وإنَّما عبر عنها باليسرى لأسباب:
الأوّل: أنَّ فيها أُنساً وبهجةً كالعيش الميسور في الدنيا وأحسن.
الثاني: أنَّها متيسّرةٌ لكلّ أحدٍ حسب النظام العامّ.
الثالث: أنَّها متيسّرةٌ حتّى للمذنبين.
وأمّا دخول جهنّم فهو استثناءٌ، كما قال سبحانه: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}(2).
وإنَّما عبّر بالمؤنّث (يسرى) لوجوهٍ:
الأوّل: حفظ نسق الآيات بالألف المقصورة مع إمكان حفظ المعنى؛ فإنَّ محصّل المذكّر والمؤنّث واحدٌ.
الثاني: أنَّه مع سياق المؤنّث يوجد شيءٌ مقدّر لفظيّاً أو معنويّاً يذهب فيه الذهن كلّ مذهبٍ، فتكون العبارة أكثر أهمّيّةً. وهذا لا يكون في المذكّر.
الثالث: أنَّ المؤنّث يدلّ على الجمع والتعدّد، بخلاف المذكر؛ فإنَّه وإن كان اسم جنسٍ، إلّا أنَّ المؤنّث أوضح في التعدّد.
ــــــ[118]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 303، تفسير سورة الليل.
(2) سورة المدّثّر، الآية: 42.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الرابع: أن نأخذ مسلّماً ضرورة كون اللفظ المقدّر لفظيّاً أو معنويّاً مؤنّثاً لا مذكّراً؛ ليكون أقرب إلى المقصود. فلو كانت الصفة مذكّرة كان المقدّر مذكّراً أيضاً.
الخامس: أن يتعيّن أن يكون المقدّر جمعاً – كالنتائج والعدات- ليكون وصفه مؤنّثاً، ولو كانت الصفة مذكّراً لتعيّن كون المقدّر الموصوف مفرداً.
ولعلّ (اليسرى) مأخوذة من اليسار في مقابل اليمين، وعندئذٍ نقول: إنَّه لا ينافي حسن العاقبة؛ لأنَّ أصل اليمين اليمن وأصل اليسرى اليسر، فكلاهما حسنٌ. وقد ناسب السياق اللفظي ذكر اليسر.
إلَّا أنَّها ليست أُطروحةً صحيحةً لأكثر من وجهٍ:
الأوّل: أنَّ القرآن الكريم يعتبر جهة اليسار لأهل الضلال وجهة اليمين لأهل الإيمان، ولذا ورد في سورة الواقعة أصحاب اليمين وأصحاب الشمال(1)، فتيسيره لليسرى بهذا المعنى يعني: جعله ضالاً، وفيه ذكر أصل جهنّم، وهو غير محتملٍ؛ بقرينة ما قبله وما بعده؛ لأنَّه يعبّر عن جهنم بالعسرى.
الثاني: أنَّ جهة اليسار تسمّى بالشمال لا اليسار، كما هو المتعارف، وهو المتصوّر في القرآن والموافق للغة.
وأمّا الشمال بمعنى الجهة بإزاء الجنوب فهو اصطلاحٌ متأخّرٌ. وإنَّما كانت في لغة العرب أسماءٌ للرياح، وكانوا يعتبرون ريح الجنوب طيّبةً حسنةً وريح الشمال مزعجةً. وهذا معناه أنَّ الشمال مذمومٌ في العرف السابق، وعليه سار اصطلاح أصحاب الشمال. وكذا الكلام في جهة اليد اليسرى؛ فإنَّه ورد:
ــــــ[119]ــــــ
(1) سورة الواقعة، الآيات: 8 و 9 و27 و38 و41 و90 و91.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أنَّ اليمين لمعالي الأُمور والشمال لأسافلها أو لخسيسها(1).
الأُطروحة الثالثة: أنَّه الثواب الأعمّ من الدنيوي والأُخروي والمعنوي، ومنه ميسرٌ فوري ومنه مؤجّل، ويكفي فيه أن يكون بعضه معجّلاً، أو يكون القسم الأهمّ منه معجّلاً، لأنَّ الجانب المعنوي أهمّ.
****
قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى}:
البخل: الشحّ -أي: عدم الإعطاء- في موضعٍ يرجح فيه الإعطاء، ويكون بالمال أو قضاء حاجة الآخرين وبالطاعات. ولم يقل: بخل بمَن ولمن وعلى مَن، ويمكن أن يكون قد بخل على أحدٍ أو على نفسه أو على الآخرين أو على المعصومين^ بالولاية أو بفروع الدين أو بأُصول الدين.
وقوله: {اسْتَغْنَى} يمكن أن يكون ثبوتيّاً، أي: أصبح غنيّاً، مثل: استكبر واستفحل واستنتج، وإثباتيّاً أي: ادعائيّاً، مثل: استكبر واستعطف واستكان، وتأتي في العواطف بنحو الادّعاء وفي الواقعيّات بنحو الثبوت. ومنه قوله تعالى: {أَاسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْعَالِينَ}(2) يعني: أنت عالٍ حقيقةً وثبوتاً أو مدّعىً وإثباتاً. فقد استعمل الصيغة هنا بمعنى الادّعاء، والتكبّر معنى عاطفي، فيزيد على ما قلناه. فالغنى إن كان المراد منه المال ونحوه كان ثبوتيّاً، وإن كان المراد به العاطفة كان ادّعائيّاً.
والغنى ضدّ الفقر، وهو حالة الترفّع عن الآخرين، والفقر حالة الحاجة
ــــــ[120]ــــــ
(1) راجع ما أفاده في الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل 4: 40، تفسير سورة الصافّات، وتفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 5: 558، تفسير سورة الصافّات.
(2) سورة ص، الآية: 75.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
إليهم، سواء كان في المال أو غيره. ومنه الحديث في علامات ظهور الإمام المهدي# أنَّه يعمّ الغنى قلوب آل محمّد’(1)، ولم يقل: جيوبهم، وذلك بالقناعة وعدم الشعور بالحاجة إلى الآخرين. ومنه قوله’: >الغنى غنى النفس<(2) فاستغنى ثبوتاً، أي: كان غير محتاجٍ إلى الآخرين فعلاً، واستغنى إثباتاً، أي: ادّعى ذلك.
ويمكن إقامة القرائن على كونه هنا ادّعائيّاً لمجرّد العاطفة:
الأولى: لكونه في طريق الذمّ.
الثانية: أنَّ ما قبله وما بعده موادّ عاطفيّة، فمقتضى وحدة السياق كونه كذلك أيضاً.
ولم يقل -كما في غيره في الأوصاف الحسنة والباطلة- أنَّه بمَن ولمن وعلى مَن استغنى، فيمكن أن يكون استغنى بماله أو بعمله وعن نفسه وعن ربّه وعن إمامه وعن علمائه.
فإن قلت: فإنَّه يشمل الاستغناء عن المخلوقين بالخالق أو عن الأسباب بالمسبّب.
قلنا: لو ورد وحده فنعم، وأمّا هذا فواردٌ في سياق العصيان، وذاك محض الطاعة، فلا يشمله.
وهذا لا يكفي؛ إذ لو كان المراد الغنى المالي الثبوتي أو الحقيقي فهو
ــــــ[121]ــــــ
(1) راجع بحار الأنوار 51: 84، كتاب الغيبة، أبواب النصوص من الله تعالى ومن آبائه عليه (صلوات الله عليهم أجمعين)…، الباب 1.
(2) مشكاة الأنوار: 129، الفصل السادس، مجموعة ورّام 1: 163، كنز الفوائد 2: 193، كشف الغمّة 1: 568، وتحف العقول: 57.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ملازمٌ غالبي لترك الدين، فيكون مذموماً أيضاً.
ثُمَّ إنَّ الاستغناء إذا كان من المال كان لازماً غالبيّاً للضلال، بخلاف ما إذا حملناه على الضلال مباشرةً.
وفسّر في >الميزان<(1) الاستغناء بمعنى: طلب الغنى والثروة بالإمساك والجمع.
وهذا منه بناءً على أنَّ هذه الصيغة (استفعل) تأتي للطلب كاستبرأ، بمعنى: طلب البراءة، واستخرج، بمعنى: طلب الإخراج. غير أنَّ هذا وإن كان هو الغالب، إلّا أنَّ التبادر القطعي بخلافه في جملةٍ من الكلمات. والوجه فيه:
أوّلاً: أنَّ الاستغناء بمعنى: الاشتغال لتحصيل الغنى قبل أن يغتني فعلاً، فهذا أمرٌ غير محتملٍ. فمن هذه الناحية يكون المستغني هو الغني عرفاً، ولا فرق بينهما. إلّا أن يحمل ذاك على الادّعاء الكاذب. وليس ذاك مفروضاً لدى الطباطبائي.
ثانياً: أنَّ عدداً من الكلمات يراد بها النتيجة لا الطلب. فالاستخراج هو حصول الإخراج، ونحوه استفحل الداء واستنتج النتيجة، ولا يحتمل إطلاقه على طريقة الاستنتاج، فليكن هذا منها. والمهمّ لدينا في هذه المناقشة خروج معنى الطلب عن الصيغة في المقام، وهو استغنى. وأمّا كونها ادّعائيّة أو واقعيّة فهذا أمرٌ آخر. وقد تقدّم أنَّها ادّعائيّة كما في غيرها.
ويُلاحظ: أنَّ استغنى استعملت ضدّ اتقى؛ لأنَّ المتّقي يشعر بالافتقار إلى الله سبحانه، فيتّقي عقابه، وضدّه مَن لا يشعر بالافتقار، فلا يكون متّقياً.
ــــــ[122]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 303، تفسير سورة الليل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فأحدهما لازم ضدّ الآخر، وليس ضدّه بالدّقة، ولكنّه ضدٌّ عرفي؛ لأنَّ التقوى لازم الافتقار، والفسق لازم الاستغناء. وقد ذكر هنا أحد المتلازمين، وذكر الآخر في الطرف الآخر.
****
قوله تعالى: {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى}:
الآية في قبال ما تقدّم من قوله تعالى: {صَدَّقَ بِالْحُسْنَى}. فأيّ شيءٍ فسّرنا به الحسنى يأتي هنا أيضاً. وقد قلنا هناك: لعلّها تشمل كلّ أُصول الدين وفروعه، فالتصديق بالحسنى تصديقٌ بهما معاً، وبه تكون النجاة، كما أنَّ التكذيب يكون لهما معاً. ويمكن أن يكون مأخوذاً بنحوٍ نسبي، أي: بمقدار ما صدّقه ينجو وبمقدار ما كذّبه يهلك؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منها فهو حسنى أيضاً، كما أنَّ كلّ واحدٍ من الماء والقرآن والأرض والسماء يصدق عليه عنوانه. وفي >الميزان<(1) قدّر (عدة) فيكون المراد التكذيب بخصوص اليوم الآخر. وممّا يبعده أنَّه لو قال: أعطى واتّقى فله الحسنى، لكان اللازم تقدير العدّة، وأمّا التصديق والتكذيب فلا ربط لهما مباشر بذلك.
ويُلاحظ التقابل بين البخل والغنى وعدم التقابل بين أعطى واتّقى. ويلاحظ أيضاً أنَّ هناك تقابلاً معنويّاً بين الآيتين في تناولهما مسألتين من الفروع وواحدة في الأُصول.
فإن قيل: كان المناسب أن يقول هنا: كذّب بالعقوبة، كما قال هناك: إنَّه صدّق بالثواب.
قلنا: أنَّ الحسنى هو الدين، والجزاء مركوزٌ معنى.
ــــــ[123]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 303، تفسير سورة الليل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قوله تعالى: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}:
هنا تظهر الصناعة اللفظيّة من جهاتٍ ثلاث:
الأُولى: نسق الآيات.
الثانية: تكرار السين والراء أو تشابه المادّتين.
الثالثة: التضادّ بين المادّتين في المعنى.
ولا يمكن أن يقول: نيسّره للعسرى؛ ليكون السياق مماثلاً لما سبق.
وبذلك تكتسب مذاقاً يختلف عن مذاق ضدّها السابق؛ فإنَّ هناك تساوقاً وهنا تضادّ.
وكما أنَّ الله تعالى يستطيع أن ييسّر وأن يعسّر النتائج الطيّبة، فكذلك يستطيع أن ييسّر ويعسّر النتائج الصعبة المؤلمة، أي: يسرع بوصولها إلى الإنسان أو بتشديدها عليه بمقدار استحقاقه لا أكثر. وهي ضدّ اليسرى هنا، فأيّ شيءٍ قلنا هناك يأتي خلافه هنا. وكان المختار أنَّ اليسرى هي النتائج الطيّبة عنده في الدنيا والآخرة، فتكون هذه كذلك.
فإن قلت: فإنَّ المراد قد يكون العسرى بنحوٍ مطلقٍ.
قلنا: أوّلاً: هذا غير محتملٍ.
ثانياً: أنَّه مقابلٌ لليسرى، فهل يُراد بها اليسرى المطلقة أيضاً؟ وهو غير محتملٍ؛ لأنَّ المكلّف لا يتحمّل ذلك.
فإن قلت: فإنَّ المراد من العسرى بطء نتائج الغير ضدّ تيسيرها هناك.
قلنا: هذا في نفسه محتملٌ؛ إلّا أنَّه جاء نتيجة لمقدّماتٍ مهمّةٍ وشديدةٍ، فلا يحتمل أن تكون النتيجة بهذه البساطة، إلّا أن يحمل مقدّماتها على ذلك. فبخل يعني: بالسعي لها، واستغنى يعني: أهملها، وكذّب يعني: كذّب ببعض
ــــــ[124]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
المقدّمات أو ببعض النتائج.
فإن قلت: فلعلّ المراد بالعسرى ما يحصل في الدنيا من العسر.
قلنا: أوّلاً: إنَّه لا مانع من إطلاقه على الدنيا والآخرة.
ثانياً: إنَّه لو كان المراد من الاستغناء- حسب فهم الطباطبائي- الغنى المالي، فلا يمكن أن يراد بالعسرى الفقر؛ للتنافي بينهما؛ لأنَّ المراد – حينئذٍ – الوعد بإفقاره، وهو نادر الحصول، بل المراد العسرى في حلّ المشاكل الأُخرى.
فإن قلت: إنَّ المراد هو تعسّر وتعذّر الثواب، وله معنىً جليلٌ، ولا إشارة له إلى حصول العقاب.
قلنا: كذلك هو لفظاً، إلّا أنَّ العقاب أيضاً عسرٌ ومؤلمٌ. كما في قولهم عرفاً: أقودك على الصعبة. فيشمل اللفظ في إطلاقه عدم الثواب ووجود العقاب، لأنَّه أيضاً لم يقل: بمَن ولمن وفيمَن.
****
قوله تعالى: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}:
(ما) استفهاميّة أو نافية كما في >الميزان<(1)، والظاهر كونها نافيةً.
وفيه إشارةٌ -كما سبق- إلى الاستغناء عن الآخرين، مع حفظ الخير لنفسه طبعاً، فيراد أنَّ ماله لا يجعله مستغنياً عن الإنقاذ أو سبباً له، أو لا يجعله مستغنياً عن الله عزّ وجلّ.
و(ماله) قد يكون بمعنى الذي له، ولو بقراءةٍ محتملةٍ.
أو المراد: لا يعوّض بالخير ما فات من السوء. والإشارة بالغنى هنا
ــــــ[125]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 303، تفسير سورة الليل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
لطيفةٌ؛ لأنَّه يوصف به ذو المال عرفاً. فهو غنى، إلّا أنَّه ليس بغني؛ لأنَّ المال لا يغني عنه، فهو مفتقرٌ إلى إنقاذ الله له، فإذا عامله بعدله لم ينقذه. وهذا يعطي التقابل بين استغنى ويغني.
و(تردّى) إمّا بمعنى سقط (يعني: أخلاقيّاً) أو بمعنى لبس (من تردّى برداءٍ … الخ) أو بمعنى أصبح رديئاً (من الرداءة) أو بمعنى مات من الردى أو سقط في القبر أو في جهنّم.
قال في >الميزان<(1): التردّي هو السقوط من مكانٍ عالٍ، ويُطلق على الهلاك. ويراد به الموت المعنوي للسافل. والمشهور الأوّل، ولكن كلّه يمكن تخريجه. فاللبس إمّا بمعنى مادّي، وهو الناتج من المال المشار إليه وأنَّ لبسه لا يفيد، أو بمعنى معنوي أي: لبس صفاته الرديئة والسافلة من المكر والخديعة. وكذلك بمعنى: أصبح رديئاً في مقابل أن يصبح ثميناً. وهذا ليس له مقابلٌ هناك؛ لأنَّه خلاف الحكمة؛ لأنَّ المفروض أنَّه ليس له مالٌ أو لا يهتمّ به أو لا ينظر إلى الأسباب، وأمّا هذا فهو ينظر إلى ماله كسبب للإنقاذ، مع أنَّه سببٌ وهمي، ومعه فإنَّ النظر إلى السبب الصحيح شركٌ، فكيف بالوهمي؟!
بقي الكلام في (إذا) في قوله: {إِذَا تَرَدَّى} وهي شرطيّة يدلّ عليها ما قبلها.
****
قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى}:
فهم صاحب >الميزان<(2) من هذه الآيتين معانيها المطابقيّة، وهو أمرٌ
ــــــ[126]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 303، تفسير سورة الليل.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
حسنٌ بناءً على عدم الارتباط بما سبق، كما هو في غالب الآيات. ويراد أنَّه تعالى جعل على نفسه إيصال الهدى إلى الناس بمعنى: التعريف به عن طريق الأنبياء والكتب، أو بمعنى الإيصال إلى نتائج الهداية. وهو المالك الحقيقي لكلّ شيءٍ في الآخرة والأُولى.
أقول: قدّم الآخرة؛ لأنَّها واضحة الملكيّة له، ويعترف بذلك كلّ مَن يعترف بالآخرة؛ فإنَّه المهيمن عليها. نقول: بل هو مسيطر على الأُولى- وهي الدنيا- أيضاً، بالرغم من أنَّ الظاهر ليس كذلك، بل هي محكومةٌ للأسباب بما فيها البشر وأفعاله، فقد قدّم الفرد الأوضح ثُمَّ الأخفى.
ولكن ليس المراد من العبارتين المعنى المطابقي لهما بعد قرينيّة ما سبق عليها، بل نفهم منها أنَّ علينا للهدى فقط، أي: المقتضي دون العلّة التامّة، وتبقى الهداية والضلالة بيد المكلّف نفسه، وأنَّ لنا للآخرة والأُولى، فنحن نستطيع أن نوصل إلى المهتدي ثوابه وإلى العاصي عقابه.
****
قوله تعالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى}:
تفريع على كلّ ما سبق -وهو معنى لطيفٌ- لا على خصوص قوله: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} كما أفاد في >الميزان<(1)، فإنَّه وإن كان قريباً، إلّا أنَّ السياق كلّه قريبٌ، وبه يرتبط معنى السورة كلّه من أوّل القسم.
والإنذار يراد به التحذير.
وقوله: {تَلَظَّى} حالٌ؛ لأنَّه جملةٌ بعد نكرةٍ، وإن كان المعنى أقرب إلى كونه نعتاً. والإعراب يفهم من المعنى، والحاليّة لا مدخل لها هنا.
ــــــ[127]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 303، تفسير سورة الليل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قال الراغب: اللظى اللهب الخالص(1). أقول: يعني أنَّه خالٍ من الدخان، وليس كلّ المواد تنتج دخاناً، بل قيل: إنَّ الكحول كالسبرتو والبانزين إذا اشتعل وحده لا ينتج دخاناً. وتلظّى فعلٌ ماضٍ فاعله ضمير مذكّرٍ، إلّا أنَّه هنا بمعنى تتلظّى، فيكون مضارعاً، وهو لغة تميمٍ(2)، وفاعله ضمير مؤنّثٍ. ويحتمل أن يراد بها الماضي بضمير المذكّر؛ لأنَّ النار مجازيّة التأنيث. إلّا أنَّه خلاف الظاهر، والآخر أكثر ظهوراً واحتمالاً. ويحتمل أن يكون من موارد عدم الاشتباه، فيذكّر كالحائض؛ لانحصاره بالنار.
فإن قلت: المراد من مادّة (تلظّى) كونها تحترق باللهب، وهو لا معنى له؛ لأنَّ النار لا تحرق نفسها.
قلنا: أوّلاً: المراد كونها كثيرة اللهب، بحيث يعطي صورةً متحرّكةً يذهب فيها الذهن كلّ مذهبٍ؛ لزيادة التخويف.
وثانياً: أنَّ إحراق النار لنفسها ولو مجازاً غير متعذّرٍ، فإذا كانت تحرق نفسها فكيف لا تحرق غيرها؟!
فإن قلت: فإنَّ الوارد أنَّ في جهنم أنواعاً كثيرة من العذاب لا ينحصر باللهب، فهذا يعارض ذلك، فيسقط ذاك عن الحجّيّة؛ لأنَّ منطوق القرآن أولى، فيكون كما عليه المتشرّعة من أنَّ جهنم نارٌ متأجّجةٌ فقط. ولو كانت غير ذلك لأنذر بكلّ العذاب لا بالنار فقط. فليس المراد بها مطلق جهنّم، كما هو
ــــــ[128]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 470، مادّة (لظى).
(2) أُنظر: إعراب القرآن وبيانه 10: 503، الجامع لأحكام القرآن 21: 86، تفسير سورة الليل، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ظاهر >الميزان<(1).
ولا شاهد له في أنَّها لظى؛ لأنَّ الضمير يعود على البعض لا الكلّ.
قلنا: أوّلاً: أنَّه لا مقيّد له لنفي الباقي، بل هو ينذر بالنار فقط؛ لأنَّها أشدّها رهبةً.
وثانياً: يمكن أن يكون قوله: {نَاراً تَلَظَّى} محمولاً على شدّة عذابها من أيّ نوعٍ، وبعد التجريد عن الخصوصيّة يكون بعضها له فرداً حقيقيّاً والباقي مجازيّاً، كما قد تكون النار نار البلاء مهما كان أو نار الحزن ونار الغضب، وكذلك نار لظى.
وثالثاً: يمكن استفادة الأمر ممّا بعده؛ فإنَّ هذه النار يصلاها الأشقى. وأمّا غيره فيصلى أنواعاً أُخرى من العذاب.
****
قوله تعالى: {لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}:
قال الرازي: فإن قيل: كيف قال الله تعالى: {لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى} مع أنَّ الشقي أيضاً يصلاها، أي: يقاسي حرّها وعذابها؟
قلنا: قال أبو عبيدة: الأشقى هنا بمعنى: الشقي، والمراد به كلّ كافرٍ، والعرب تستعمل أفعل في موضع فاعلٍ، ولا نريد به التفضيل، وقد سبق تقرير ذلك. والشواهد عليه في سورة الروم في قوله تعالى: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}(2). وقال الزجّاج: هذه نارٌ موصوفةٌ معيّنةٌ، فهو دركٌ مخصوصٌ ببعض
ــــــ[129]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 305، تفسير سورة الليل.
(2) سورة الروم، الآية: 27.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الأشقياء. وردّ عليه ذلك بقوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى}(1). والأتقى يجنّب عذاب أنواع نار جهنّم كلّها. والمراد بالأتقى هنا أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) بإجماع المفسّرين. ولهذا قال الزمخشري: إنَّ الأشقى ليس بمعنى الشقي، بل هو على ظاهره، والمراد به أبو جهل أو أُميّة بن خلف. فالآية واردةٌ للموازنة بين حالتي أعظم المؤمنين وأعظم المشركين، فبولغ في صفتيهما المتناقضتين، وجعل هذا مختصّاً بالصلي، كأنَّ النار لم تخلق إلّا له؛ لوفور نصيبه منها. وجاء قوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى} على موازنة ذلك ومقابلته، مع أنَّ كلّ تقي يجنّبها. قال بعض العلماء: هذه الآية تدلّ على أنَّ أبا بكر (رضي الله عنه) أفضل الصحابة؛ لأنَّه وصفه بالأتقى، وقال: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}(2). وإن كان أكرم عند الله كان أفضل(3).
قال الطباطبائي في >الميزان<: والمراد بصلي النار اتبّاعها ولزومها، فيفيد معنى الخلود … وبذلك يندفع ما قيل: إنَّ قوله: {لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى} ينفي عذاب النار عن فسّاق المؤمنين؛ على ما هو لازم القصر في الآية. وجه الاندفاع: أنَّ الآية إنَّما تنفي عن غير الكافر الخلود فيها دون أصل الدخول(4).
أقول: ولنا على المطلب الأوّل- أي: معنى الآية- ما يلي:
أوّلاً: أنَّ هذا النوع من العذاب -وهو الإحراق بالنار التي تتلظّى- خاصٌّ بالأشقى. ولو أُريد بها مطلق جهنّم لكان الإشكال وارداً؛ لأنَّ الصلي
ــــــ[130]ــــــ
(1) سورة الليل، الآية: 17.
(2) سورة الحجرات، الآية: 13.
(3) مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل: 374-375، سورة الليل.
(4) الميزان في تفسير القرآن 20: 306، تفسير سورة الليل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
لا يدلّ على الخلود قطعاً.
ثانياً: مضافاً إلى أنَّ الأشقى يمكن تعميمه إلى الكثيرين وعلى مستوياتٍ متعدّدةٍ، ولا يخصّ من هو شرّ البشريّة؛ لوضوح أنَّ هذا المستوى من العذاب يوجد أصعب منه في جهنّم، فليس المراد الأشقى المطلق، وإنَّما المراد مطلق الأشقى.
ثالثاً: ما تقدّم من أنَّ الأشقى بمعنى الشقي، إلّا أنَّ الأصل هو التفضيل ما لم يرد عليه دليلٌ، وهنا دلّ الدليل.
رابعاً: أنَّ هذا إطلاقٌ قابلٌ للتقييد، وقد دلّت الآيات الأُخرى على دخول الكثير من العاصين إلى جهنّم، إلّا أنَّ هذا وحده لا يتمّ؛ لأنَّ التقييد هنا قبيحٌ عرفاً.
خامساً: أن نعترف بالنتيجة لهذا الحصر؛ لأنَّ التهديد بالعقاب له مصلحةٌ في الدنيا، وهي التقليل من الذنوب، وهذه – المصلحة – ترتفع في الآخرة، فتشملهم الرحمة والشفاعة، ويعفو بعضهم عن بعضٍ، فلا يدخل النار إلّا المعاندون من الخلق، وهم كثيرون على أيّ حالٍ.
سادساً: أن نقول: إنَّه لا يدخل جهنّم إلّا المعاندون (فهي مقيّدةٌ للآية من هذه الناحية) فيفوز غيرهم بنيل جنانٍ أعلى، وهذه أُطروحةٌ محتملةٌ؛ لأنَّ النجاة من النار تقتضي الفوز بالجنان العالية.
وأمّا ما حكاه الرازي واختاره فيرد عليه:
أوّلاً: أنَّ الإجماع ليس بحجّة إلّا في الفتوى.
ثانياً: أنَّ إجماع المفسّرين فقط ليس بحّجةٍ.
ثالثاً: أنَّ إجماع مذهبٍ دون مذهبٍ ليس بحّجةٍ.
ــــــ[131]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى *الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى}:
ويُلاحظ: أنَّ الأشقى والأتقى متقابلان أو ضدّان عرفاً، ولكلّ منهما مطلق الأفراد والفرد المطلق، فتكون الاحتمالات أربعةً: منها: أن يراد منهما الفرد المطلق، كما فهم الرازي حين قال: فالآية واردةٌ للموازنة بين حالتي أعظم المؤمنين وأعظم المشركين. وهذا موافقٌ مع صيغة التفضيل: الأتقى والأشقى؛ فإنَّ ظاهرها ذلك. وبذلك تكون الآيات قد أهملت التعرّض إلى سائر المراتب الوسطى من أهل الخير وأهل الشرّ. وأمّا مفهوم الحصر فهو يمثّل الرحمة بأحد الوجوه السابقة، والمراد أنَّه لا يدخلها غير المعاندين.
ومنها: أن يراد منها مطلق الأفراد ممّن يتّصف بهذه الصفة. فهنا: إمّا أن تجرّد عن الخصوصيّة لكلّ المستويات أو لا. فإن لم نجرّد عنها اختصّ بمَن صدق عليه ذلك، وبقيت حصّةٌ وسطى من كلا الطرفين. وإن جرّدنا عن الخصوصيّة شمل الجميع، إلّا أنَّ التجريد مشكلٌ بعد كونه مخالفاً لظهور التفضيل، إلّا أن ننفي ظهور التفضيل إطلاقاً، فيشمل الجميع.
وأمّا الاحتمالان الآخران -وهو أن يُراد من إحداها الفرد المطلق ومن الآخر مطلق الأفراد- فهو غير محتملٍ وخلاف وحدة السياق. وعلى أيّ حالٍ فليس في الآية أيّ دليلٍ على العهد، بل الأصل في الألف واللام هو الجنس، إلّا أنَّ يراد عهد الجنس.
وممّا ينبغي أن يلاحظ: أنَّ الحصر واردٌ في جانب العقاب فقط، ولم يرد في جانب الثواب، يعني: لم يقل: ولا يجنّبها إلّا الأتقى، كما قال: {لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى} وهذا من سعة الرحمة، فقد نفهم أنَّ غير الأشقى يدخل الجنّة، إلّا أنَّها لا مفهوم لها.
ــــــ[132]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
كما أنَّه ينبغي الالتفات إلى أنَّ تركيز السورة كلّه على تهديد العصاة والمشركين في قوله: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} و{فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى} ومع ذلك يقول: {لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى} فيخفّف من اللهجة كثيراً، وهذا نحوٌ من الرحمة، حتّى لو كان المراد مطلق الشقي؛ لأنَّنا نعتقد بأنَّ غير الأشقياء أيضاً قد يستحقّون العقاب، إلّا أن نصطلح أنَّ كلّ من يدخل جهنم فهو شقي، فتكون قضيّة تكراريّة بشرط المحمول، وهو بعيدٌ. بل المراد مَن كان شقيّاً بغضّ النظر عن ذلك، يعني: شقيّ بأفعاله حال كونه في الدنيا. إلّا أن نفهم العهديّة أو التفضيل، وهو من الحكمة ضدّ الرحمة، وكلّ رحمةٍ مقرونةٌ بالحكمة.
وممّا ينبغي أن يلتفت إليه أنَّ الأتقى موصوفٌ في الآية بقوله: {الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى}، وأمّا الأشقى فغير موصوفٍ إطلاقاً، والوجه فيه:
1. تعميمٌ للعذاب وتخصيصٌ للثواب، إلّا أن تنصرف للأشقى المطلق.
2. أنَّ الأشقى معروفٌ للناس، وأمّا الأتقى فلا؛ لأنَّه عالي المستوى، فلا يعرفه العامّة منهم، ومن هنا احتاج إلى تعريفٍ. ويمكن أن يكون تفسيره موضوعيّاً أو طريقيّاً لمجرد التفهيم. ولكنه يكون تفهيماً بالفرد النادر. والظاهر هو الموضوعيّة لكلّ قيدٍ على أيّ حالٍ.
ويبقى أن نلتفت إلى أنَّ الظاهر في الأشقى والأتقى هو الجنس لا العهد، وهما بسياقٍ واحدٍ. فإن قصدنا العهد أمكن الإشارة إلى بعض الأشخاص كعلي وفلانٍ.
فإن قيل: إنَّ رسول الله هو الأتقى.
قلنا: نعم، ولكن: أوّلاً: إنَّ عليّاً نفسه.
وثانياً: أن يكون المراد غير النبي، أي: مَن هو دونه في المنزلة.
ــــــ[133]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وممّا يؤيّد كون المراد عليّاً× هو القيد المذكور في الآية {الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} وهو الصدقة؛ فإنَّه قد نصّ القرآن على صدقته بقوله: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}(1). فإمّا أن نفهم الخاصّ، فيكون هو× مصداقاً لهذا الخاصّ، وإمّا أن نفهم العامّ، فيكون كلّ واحدٍ مشمولاً لذلك، والقيد لا ينافي ذلك. وعلى كلا التقديرين فليس هو ذاك الذي ذكره الرازي؛ لأنَّ الأخذ بالمقيّد دون القيد غير معقولٍ، والقيد لا ينطبق على ذاك الرجل؛ لأنَّه لم ترد عنه أيّ صدقةٍ.
وهذا الجواب لا يأتي في أبي بكر؛ لأنَّه ليس نفس النبي’ على أيّ حالٍ.
غير أنَّ الظاهر هو الجنس كما قلنا، فلا يراد بها أحد -لا الأتقى ولا الأشقى- بعينه إطلاقاً، بل ما يصدق عليه العنوان بالتفاصيل السابقة، وأخبار الجري تؤيّد ذلك.
أمّا لماذا جعل (ناراً) نكرةً في قوله تعالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى}، كقوله أيضاً: {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}(2)؟
وجواب ذلك: أوّلاً:أنَّه لا فرق بينها بعد أن كان المراد الجنس، فيجزي اسم الجنس عن الألف واللام، بل هو أفضل؛ لأنَّ الألف واللام محتمل العهديّة، وليس اسم الجنس كذلك.
ثانياً: أنَّه يكفي التنكير، ولا حاجة إلى التعريف، لأنَّ التخويف يحصل من النكرة كما يحصل من المعرفة، بل هو من النكرة أشدّ؛ لأنَّه يذهب الذهن فيه كلّ مذهبٍ.
ــــــ[134]ــــــ
(1) سورة المائدة، الآية: 55.
(2) سورة الكهف، الآية: 29.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ثالثاً: أنَّ لكلّ فرد ناراً تخصّه في جهنّم، فلابد من التنكير ليعمّ كلّ الأفراد أو النيران. ولو عرّف لكانت إشارةً واحدةً إلى المجموع، وهو خلاف المقصود.
ثُمَّ إنَّ (ماله) إمّا مضافٌ ومضافٌ إليه، وإمّا اسم موصولٍ وصلةٌ، ولا تختلف الحركة والمحصّل واحدٌ، وخاصّة إذا فهمنا من المال الجانب المادّي والمعنوي معاً.
وأمّا (تلظّى) فهي حالٌ؛ لأنَّها جملةٌ وقعت بعد نكرةٍ، إلّا أنَّها إلى معنى الوصف أقرب، والإعراب يفهم من المعنى، ولا مدخل للحال هنا.
و(يتزكّى) أي: يزداد، والجملة -كما في >الميزان<(1)- صفةٌ للأتقى، إلّا أنَّه فرع أن يكون الضمير الفاعل يعود على الأتقى لا على المال. والأرجح أنَّها حالٌ، لأنَّ كونها صفةً للأتقى تقطعها عن الصدقة، فكأنَّه وصف بصفتين مستقلّتين، مع أنَّ الحال يقتضي ذلك، وكذلك لو كان الفاعل هو المال. مع أنَّ في المقام احتمالين آخرين:
الأوّل: أن تكون صفةً للمال.
الثاني: أن تكون جملةً غير مرتبطةٍ إعرابيّاً بما قبلها، بل معنى فقط، كما لو قلنا: وهو يتزكّى أو تتزكّى، أي: تترتّب الزكاة على الصدقة.
ويُلاحظ: أنَّ الزكاة -أي: الزيادة- قد تكون مادّيّةً وقد تكون معنويّةً، فإن كانت مادّيّة فهي دنيويّةٌ، ولا ثواب عليها، وإن كان ظاهر >الميزان<(2) أنَّها المقصودة، والسياق قرينةٌ ضدّها، فيتعيّن إرادة المعنويّة.
ــــــ[135]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 306، تفسير سورة الليل.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ثُمَّ إنَّ الجمل بعد المعارف أحوالٌ، فلماذا اختار في >الميزان< كونها -أي: يتزكّى- صفةً؟
اللّهمّ إلّا أن يقال: إنَّه لا يشمل المضاف إلى معرفةٍ، بل المقصود غيرها؛ لأنَّها معرفةٌ بالعرض، لا أنَّها معرفةٌ بالذات كالعلم والضمير، بل هنا أشدّ؛ لأنَّه حرفٌ والضمير اسمٌ.
والجواب عنه: أوّلاً: بالنقض بمدخول (ال)، وثانياً: أنَّهم لا يستثنون ذلك، وثالثاً: لعلّه حالٌ من الضمير المجرور، فيكون معرفة، ورابعاً: أنَّ المراد -على احتمالٍ- أنَّ الصفة هي جملة {الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} وقد سكت عن يتزكى وحده، وهو الظاهر.
إذن تكون النتيجة أنَّ الإعراب تابعٌ للمعنى في هذه الموارد.
****
قوله تعالى: {وَمَا ِلأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى}:
قال في >الميزان<: أي: ليس عنده من نعمةٍ تجزي تلك النعمة بما يؤتيه من المال وتكافأ، وإنَّما يؤتيه لوجه الله(1).
أقول: الواو حاليّة والمراد:
أوّلاً: أنَّه لا يطمح بالثواب من أحدٍ.
ثانياً: أنَّه لا يمّن على أحدٍ بعمله؛ لأنَّ المسألة منفصلةٌ عن الخلق.
ثالثاً: أو أنَّه لا ينظر إلى نعمته التي أعطاها ولا إلى عمله الحسن.
رابعاً: أو أنَّه لا يشعر بفضل أحدٍ إلّا الله.
ــــــ[136]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 307.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
خامساً: أو أنَّ نعمته من الأهمّيّة بحيث لا تجزى إلّا ثواب الله سبحانه، وفاعل النعمة غير مشارٍ إليه، فهو محتمل الوجود.
ومعه فلا يراد بها الثواب، وإنَّما يريد بها الأثر الوضعي، وهو ابتغاء وجه ربّه الأعلى، وسيصل إلى ذلك.
****
قوله تعالى: {إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى}:
ابتغاء يعني: إرادة وطلب شيءٍ، ويكون الاستثناء منقطعاً إذا فهمنا من الجملة السابقة الخلق، وإن فهمنا الأعمّ من الخلق كان الاستثناء متّصلاً. وفي >الميزان<(1) أشار إلى كونه منقطعاً ولم يذكر احتمالاً آخر.
والأعلى قد يكون صفةً للوجه، وقد يكون صفةً للربّ. إلّا أن يراد بالوجه الاسم؛ لأنَّه من الدوالّ في الجملة، وليس اسماً مستقلاً هنا، كما هو ظاهر >الميزان<(2). ولا يتعيّن لأحدهما؛ لأنَّه متعدّدٌ، ولا تظهر عليه الحركات. ولو ظهرت لكان مجروراً على كلا التقديرين، إذن الموصوف مجرورٌ على كلا التقديرين. غير أنَّ القرب أوّلاً والارتكاز المتشرّعي ثانياً يدلّان على أنَّه صفةٌ للربّ.
وهنا لا نقول: إنَّ الأعلى للتفضيل، بل يراد به علوٌّ واحدٌ هو العلوّ المطلق على كلّ الخلق، وعندئذٍ لا يفرّق معنويّاً بين الاحتمالين السابقين؛ لأنَّ المراد به العلوّ ذاتاً على كلّ حالٍ.
فإن أُريد التفضيل كان معنى ذلك – وإلَّا كان التفضيل لاغياً- وجود وجهٍ أدنى ووجهٍ أعلى أو ربٍّ أدنى وربٍّ أعلى كربّ النوع. ومن هنا قيل عنه
ــــــ[137]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 307 تفسير سورة الليل.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
عزّ وجلّ: ربّ الأرباب. اللّهمّ إلّا أن يراد به صفة الأعلى من كلّ شيءٍ، يعني: التفضيل المطلق، وليس التفضيل في هذه العناوين.
والجواب عنه: أنَّ هذا خلاف أخذ هذه العناوين وكونه صفةً لأحدهما أو لكلاهما.
رضاك رضاك لا جنّات عدن
وهل عدن تطيب بلا رضاكا
فإن قلت: لماذا قال: (وجه ربّه) ولم يقل ربّه؟
قلت: قال الراغب: أصل الوجه الجارحة. قال: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ}(1) {وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ}(2). ولمّا كان الوجه أوّل ما يستقبلك وأشرف ما في ظاهر البدن أُستعمل في مستقبل كلّ شيءٍ وفي أشرفه ومبدئه فقيل: وجه كذا ووجه النهار. وربّما عبّر عن الذات بالوجه في قول الله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ}(3) قيل: ذاته وقيل: أراد بالوجه هاهنا التوجّه إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة. وقال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}(4) {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}(5) {يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ}(6) {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ}(7). قيل: إنَّ الوجه في كلّ هذا ذاته، ويُعنى بذلك: كلّ شيء هالكٌ إلّا هو،
ــــــ[138]ــــــ
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(2) سورة إبراهيم، الآية: 50.
(3) سورة الرحمن، الآية 27.
(4) سورة البقرة، الآية: 115.
(5) سورة القصص، الآية: 88.
(6) سورة الروم، الآية: 38.
(7) سورة الإنسان، الآية: 9.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وكذا في أخواته. وروي أنَّه قيل ذلك لأبي عبد الله ابن الرضا، فقال: سبحان الله! لقد قالوا قولاً عظيماً. إنَّما عنى الوجه الذي يؤتى منه. ومعناه: كلّ شيءٍ من أعمال العباد هالكٌ وباطلٌ إلّا ما أُريد به الله، وعلى هذا الآيات الأُخر(1).
أقول: إلّا أنَّ هذا لا ينطبق على سائر الآيات إن أُريد به مجرّد الأعمال الصالحة، كقوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}(2)وقوله: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ}(3)؛ لأنَّ الإطعام هو العمل الصالح، والمفروض أنَّ الوجه هو علّته الغائيّة. وقد تهرّب الأصفهاني من الشرح.
وعليه فالظاهر: أنَّ الوجه بمعنى الاتّجاه؛ لأنَّ الإنسان يسير باتّجاه وجهه، فأينما اتّجه وجهه اتّجه هو، فسمّي الاتّجاه وجهاً مجازاً أو حقيقةً. ومنه ما يقال: هذه السيارة أين وجهها؟ يعني: اتّجاهها. والاتّجاه إلى الله معنوي بالتكامل، وعليه تنطبق كلّ الآيات. وقد يُراد به نتيجة التكامل، أي: الهدف المنشود منه، كقوله: {يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ}(4) {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ}(5). ومن هنا قيل: إنَّ المراد به الذات يعني: بصفتها وجه التكامل والوصول إلى الكمال.
وقال العكبري: (إلّا ابتغاء) هو استثناءٌ من غير الجنس (يعني: منقطع)
ــــــ[139]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 550، مادّة (وجه).
(2) سورة البقرة، الآية: 115.
(3) سورة الإنسان، الآية: 9.
(4) سورة الروم، الآية: 38.
(5) سورة الإنسان، الآية: 9.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والتقدير: لكن فعل ذلك ابتغاء وجه ربّه(1).
أقول: هذا يختلف باختلاف فهم المستثنى منه، وهو النعمة: فإن أُريد منها النعمة المعطاة من الفرد كان كما يقول. وإن كان قد يورد عليه أنَّ الثواب من سنخ النعمة أيضاً. وإن كان المراد الجزاء كما هو ظاهره -يعني: النعمة من غير الفرد جزاءً له- فهو متّصلٌ، يعني: لا يتوقّع أيّ نعمةٍ إلّا نعمة الله تعالى التي لا تحصل إلّا بابتغاء وجه ربّه. أو يقال بأنَّ الابتغاء نعمةٌ ومصداقٌ لها بالحمل الشائع، ثُمَّ يأتي قوله: {وَلَسَوْفَ يَرْضَى} يعني: الوعد بوصول هذه النعمة.
ومن الطريف أنَّ الظاهر أنَّه استثناءٌ من الجملة الأسبق عليه، وهي قوله: {يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى}؛ لأنَّه فعل الطاعة، وقد قدّر أنَّ فعل ذلك ابتغاء وجه ربّه. ولو أراد الجملة الأخيرة لما صحّ تقدير الفعل. إلّا أن يفهم من النعمة ما هو صادرٌ من المكلّف بالفعل، فيكون الاستثناء متّصلاً مع تقدير الفعل؛ لأنَّهما معاً على معنى الفعل.
****
قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يَرْضَى}:
فاعل (يرضى) قد يرجع إلى الأتقى، وقد يرجع إلى الله، يعني: يرضى الله عنه، كما هو مفاد قوله تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ}(2). إلّا أنَّ هذا لا يتمّ؛ لأنَّه يقول: {لَسَوْفَ} وهو للمستقبل البعيد، مع أنَّ رضا الله قريبٌ؛ لأنَّه سريع الرضا.
ــــــ[140]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 288، سورة الليل.
(2) سورة البيّنة، الآية: 8.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فإن قيل: فإنَّ عطاء الله المعنوي قريبٌ أيضاً ويحصل في الدنيا، فلماذا قال: (سوف)؟
قلنا: أوّلاً: لأنَّ الرضا لا ينتج من عملٍ واحدٍ، بل من أعمالٍ متعدّدةٍ ابتغاءً لوجهه الكريم، فالأمر بعيدٌ إلى حدٍّ ما.
ثانياً: أو إنَّ المراد به الإشارة إلى الآخرة.
ثالثاً: أو إنَّ (سوف) مستعملةٌ في الأعمّ من القريب والبعيد ولو مجازاً؛ لصحّة المجاز في الحروف، كما ذكرنا سابقاً.
رابعاً: إنَّ الحكمة تقتضي التأكيد باللام، وهي غير مناسبةٍ مع السين، فتتعيّن سوف.
خامساً: مضافاً إلى قرينيّة السين السابقة في قوله: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى}. وبالجمع بين الجملتين يتّضح أنَّه لن ينجو من النار فقط، بل يدخل الجنّة ويحصل على الرضا.
ثُمَّ إنَّ حصول الرضا من العبد على أشكالٍ:
الأوّل: إملاء الرضا في نفسه.
الثاني: حصوله على استحقاقه واعترافه بذلك.
الثالث: حصوله على كلّ ما يريد.
الرابع: وجود بابٍ مفتوحةٍ للعطاء لديه للمزيد. وعلى كلّ تقديرٍ فهو كما يمكن أن يحصل في الآخرة يمكن أيضاً أن يحصل في الدنيا، ولا يختصّ بالآخرة، كما عليه مشهور المفسّرين(1)(2).
ــــــ[141]ــــــ
(1) أُنظر: التبيان في تفسير القرآن 10: 366، تفسير سورة الليل، مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 761، تفسير سورة الليل، وغيرها.
(2) لم نعثر إلَّا على هذا القدر من تفسير سورة الليل بقلم السيّد الشهيد+.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا.

ــــــ[143]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني

سورة الشمس
للسورة المباركة عدّة أسماء:
منها: التسمية المشهورة، أي: الشمس.
ومنها: تسميتها باسم الآية الأُولى منها: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}.
ومنها: السورة التي ذُكر فيها الشمس، كما عليه الشريف الرضي+.
ومنها: رقمها في المصحف، أي: 91.
ومنها: الالتزام باللفظ القرآني، أعني: {وَالشَّمْسِ}.
****
قوله تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}:
تقدّم بيان المراد من الشمس والضحى آنفاً، مع أنَّه يمكن حملها
– الشمس- أيضاً على الجانب المعنوي، وأشهرها النبي’، وضحاها هدايته ورحمته للناس، إلّا أنَّ هذا يتوقّف على فهم العهد من الألف واللام، مع أنَّها إلى الجنس أقرب. فيفهم مطلق المعصومين^ أو مطلق المؤمنين، ويكون الضحى إشارةً إلى الهداية بالمقدار المناسب له.
فإن قلت: فإنَّ الألف واللام هنا ليست كذلك؛ لأنَّ مدخولها جزئي (وهو الشمس)، وليس اسم جنس.
قلنا: مقتضى القاعدة ذلك، يعني: أنَّ دخولها على الجزئي لا يفيد تعريفاً كالشمس والقمر والأرض، ليقال: إنَّ المراد بها واحدٌ. ولا يُراد حتّى لمح
ــــــ[145]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الصفة كالحسن والحسين والمحسن^. إلّا أنَّنا إذا فهمنا مدخولها فهماً كلّيّاً تحوّل إلى اسم جنسٍ أو بمنزلته. وعندئذٍ يمكن التساؤل أنَّ الألف واللام إن كانت للعهد فالمراد شمسنا المعهودة، وإن كانت للجنس أُريد بها كلّ شمسٍ في الكون. وكذا الكلام في الجانب المعنوي في إشارةٍ إلى النبي’ بصفته أوضح الأفراد أو لمكان الانصراف، وقد يُراد بها ما هو الأعمّ منه ومن غيره.
قال العكبري: الواو الأُولى للقسم وما بعدها للعطف(1).
أقول: فإن أراد (وضحاها) فكذلك. وأمّا ما بعدها فيحتمل فيه الأمران. وقد سبق الكلام عنه في قوله: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا* وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}(2) وتُحمل على العطف والقسم وتكرار العامل.
****
قوله تعالى: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا}:
الكلام نفسه في الألف واللام من: أنَّها شخصيّة أو عهديّة أو جنسيّة، والقمر هل يُراد به الجزئي أو الكلّي المادّي أو المعنوي؟ والمشهور أنَّه إشارةٌ إلى أمير المؤمنين×(3)، فإن فهمنا منه القمر مطلقاً شمل المؤمن، فيبقى معنى الشمس والقمر واحداً.
نعم، إلّا أنَّ للقمر مصاديق كثيرة، فالمؤمنون والمعصومون^ فيهم تابعٌ ومتبوعٌ، كالنبي وعلي‘ وكلّ إمامٍ مع ولده وكلّ شيخٍ مع طالبه وكلّ
ــــــ[146]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 288، سورة الشمس.
(2) سورة الليل، الآيتان: 3- 4.
(3) أُنظر: البرهان في تفسير القرآن 5: 670، تفسير سورة الشمس، تفسير نور الثقلين 5: 585، تفسير سورة الشمس، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
مُدّرسٍ مع تلميذه. فتكون الشمس تعبيراً عن الأسبق والقمر عن الألحق. وإن كان يمكن أن يعبّر عنه بالشمس بلحاظٍ آخر كنسبته إلى تلميذه الذي بعده وهكذا. وهذا بقرينة قوله: {تَلاَهَا} وهذا هو العلم الذي يعلّمه إيّاه، ولا يكون شاملاً لكلّ علمٍ؛ لأنَّ سائر العلوم ظلامٌ، كما في السحر والمادّيّات.
كما يمكن شموله لكلّ علّةٍ ومعلولٍ، وتلاها من التلو أي: أعقبها وجاء بعدها. ويمكن في التفسير الباطني أن يكون من التلاوة أي: تلا العلوم التي تلّقاها وعرفها أو عرف حقيقة الشمس، وهو أُستاذه أو حقيقة علمه.
والضمير في {وَضُحَاهَا} و{تَلاَهَا} يعود إلى الشمس قطعاً، بخلاف الضمائر الأُخرى التي عليها نسق كلّ الآيات، أي: الألف؛ فإنَّ بعضها يعود إلى غيره بلا كلامٍ، كقوله: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا* وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا}، وبعضها مشكوكٌ، وهو ما نتحدّث عنه الآن، وهو قوله: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا* وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}.
****
قوله تعالى: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا}:
قال في >الميزان< قيل: ضمير الفاعل في {جَلاَّهَا} للنهار وضمير المفعول للشمس. ثُمَّ قال: وقيل: الضمير المؤنّث للدنيا، وقيل: للظلمة، وقيل: ضمير الفاعل لله تعالى وضمير المفعول للشمس. والمعنى: وأُقسم بالنهار إذا أظهر الله الشمس. وهي وجوهٌ بعيدةٌ(1).
أقول: والعمدة في ذلك الإشكال بأنَّ النهار لا يجلّي الشمس، فكيف صحّ ذلك؟ فإعادة الضمير إلى الشمس كما هو المشهور والأظهر لفظاً لا
ــــــ[147]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 296-297، تفسير سورة الشمس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
يصحّ(1)، وإعادته إلى غيره يكون بدون مرجّحٍ مذكورٍ في العبارة، كالظلمة والدنيا والأرض.
ويمكن الجواب عنه من وجوهٍ:
منها: أنَّ هذا من القلب كأدخلت الخاتم في إصبعي، وهو استعمالٌ صحيحٌ في اللغة وإن كان نادراً، أو قلب المعلول علّةً بالاعتبار والتنزيل، أو الإشارة إلى مطلق الملازمة بين العلّة والمعلول. والمراد أنَّ الشمس تجلّي النهار.
ومنها: أنَّ الملازمة صحيحةٌ إذا كان المراد قرص الشمس؛ فإنَّ هناك علّيّةً عرفيّةً للنهار بإظهار قرص الشمس. نعم، لو أُريد منه ضوء الشمس فهو النهار بعينه، وهو سبب النهار، فلا يكون صادقاً.
ومنها: أنَّ اللفظ الذي يرجع إليه الضمير لا يجب أن يكون مذكوراً في العبارة دائماً، بل قد يكون محذوفاً لوضوحه، كصاحبة تريد بها السماء أو الدنيا، فكذلك الحال هنا.
أقول: إنَّ رجوع ضمير الفاعل إلى الله سبحانه وإن كان واقعيّاً، إلّا أنَّه لا ينسجم لفظاً؛ لأنَّه يستلزم إعادة ضمير المفعول المؤنّث إلى النهار المذكّر، وهو غلطٌ أو خلاف الظاهر.
وأسوأ منه احتمال أنَّ المراد القسم بالنهار، وأجلى الشمس أي: أظهرها. نعم، الضمير المؤنّث المفعول فيه احتمالاتٌ كثيرةٌ، كالشمس والظلمة والدنيا والسماء والأرض والموجودات – يعني: المادّيّة أو الدنيويّة-. وإذا فهمنا
ــــــ[148]ــــــ
(1) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 10: 486، تفسير سورة الشمس، الجامع لأحكام القرآن 21: 74، تفسير سورة الشمس، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 594، تفسير سورة الشمس، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الجانب المعنوي كان المراد الجهالة أو الذنوب أو النفس الأمّارة أو غير ذلك.
والكلام في (إذا) سبق وقلنا: إنَّه ملحوظٌ في المرتبة السابقة على القسم، لا إنَّه قيدٌ للقسم، كما عليه المشهور(1). بل القسم مطلقٌ والمقسوم به مقيّدٌ. وكأنَّه قال: (والقمر وقد تلاها، والنهار وقد جلّاها، والليل وقد غشّاها) فيعطي لنا صورةً متحّركةً عن هذا الكون الفسيح.
****
قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}:
ويُلاحظ: أنَّه استعمل الفعل الماضي في كلّ السورة نحو قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} و(تلاها) و(جلاّها) و(بناها) و(طحاها) و(سوّاها) و(زكّاها) و(دسّاها) و(انبعث أشقاها) و(كذّبوه فعقروها) و(دمدم) … الخ، سوى اثنين: (يغشاها) و(لا يخاف عقباها). أمّا يخاف فيأتي الكلام عنه(2)، وأمّا (يغشاها) فلأُمور أهمّها حفظ النسق والسياق والروي، ولذا لو قلب الباقي إلى المضارع: (يتلوها) و(يجلوها) و(يبنيها) و(يطحوها)، لفسد كلّه وتعيّن الماضي.
وأمّا المضارع فهو باعتبار أنَّ استعمال الماضي (غشاها) أو (غشّاها)
ــــــ[149]ــــــ
(1) أُنظر: إعراب القرآن وبيانه 10: 495، سورة الشمس، وغيره.
(2) قال في الميزان 20: 297: (والتعبير عن غشيان الليل الأرض بالمضارع بخلاف تجلية النهار … للدلالة على الحال؛ ليكون فيه إيماءٌ إلى غشيان الفجور الأرض في الزمن الحاضر الذي هو أوائل ليل ظهور الدعوة الإسلاميّة؛ لما تقدّم أنّ بين هذه الأقسام وبين المقسم بها نوع اتصال وارتباطٍ. هذا مضافاً إلى رعاية الفواصل). وهذا كلّه قابل للمناقشة (منه+).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
يعطي صورةً ثابتةً، في حين يعطي المضارع صورةً متحّركةً.
فإن قيل: فإنَّه في الباقي استعمل الماضي، وهو يعطي صورةً ثابتةً لا متحرّكةً.
قلنا: أوّلاً: إنَّه أضعف في إعطاء الصورة المتحرّكة.
ثانياً: إنَّ استعمال المضارع فيها مفسدٌ للسياق والنسق، فيتعيّن الماضي، فقد قّدم الأهّم مع التزاحم. مع إمكان بيان أُطروحةٍ أُخرى، وهي وجود قراءةٍ بـ(غشاها)، ولا يفسد بها السياق أو النسق، بل تكون أقرب من هذه الناحية، والصورة المتحرّكة تقلّ ولا تنعدم حينئذٍ.
والضمير في (يغشاها) يعود إلى الأرض كما في (جلاّها).
قال الطباطبائي+: وقيل: للشمس، وهو بعيدٌ؛ فالليل لا يغطّي الشمس، وإنَّما يغطّي الأرض وما عليها(1).
ولكن الأمر ليس ببعيدٍ، مع ضرورة إرجاع الضمير إلى لفظٍ موجودٍ في العبارة، في حين لم تذكر الأرض في الكلام. والبعد عنه لا يجري مع انحفاظ السياق. كما أنَّ التسبيب العرفي موجودٌ؛ لأنَّ الليل يغشى الشمس، أي: يغطّيها ويحجبها، إلّا أنَّنا قلنا: إنَّه يمكن إرجاع الضمير إلى غير المذكور إذا كان واضحاً عرفاً، وهو إمّا الأرض أو الدنيا أو الأحوال ونحو ذلك. والضمير الفاعل كما يمكن عوده إلى الليل، كما عليه المشهور(2)، يمكن عوده إلى الله سبحانه، فهو الذي يغشى الأرض بظلام الليل.
ــــــ[150]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 296-297، تفسير سورة الشمس.
(2) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 134، تفسير سورة الشمس، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 359، تفسير سورة الشمس، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قال العكبري: (إذا) معمولٌ للقسم وجواب القسم (قد أفلح) وحذف اللام لطول الكلام(1). أمّا كونه معمولاً له فباعتبار أنَّهم يتصوّرونه مفعولاً به؛ لأنَّه مقسومٌ عليه أو منفعلٌ بالقسم. وهو حسنٌ، إلّا أنَّ هنا أُطروحةً أُخرى، وهي أن تكون جملة (يخشاها) مبتدأ متأخّر والقسم من جارّ ومجرور متعلّق بمحذوف خبر مقدّم، كقولنا: في الدار زيدٌ. إلّا أنَّه لا يتمّ؛ لأنَّ المبتدأ لا يكون جملةً ومدخول القسم لا يكون مفرداً؛ لأنَّه لا يكون إلّا على نسبةٍ تامّةٍ، كما في قولنا: زيدٌ جاء أو زيدٌ عالمٌ. إلّا أنَّ كون المفعول به جملةً أيضاً محلّ نظرٍ بغضّ النظر عن سبكه بمصدرٍ أحياناً، ولا يمكن اعتباره مبتدأ ثانياً.
وأمّا كونه مقسوماً عليه فهو باطلٌ؛ لأنَّ معناه القسم على (جلاّها) و(يغشاها)، وهو ضعيفٌ، وإنَّما هي أقسامٌ متعدّدةٌ لنتيجةٍ واحدةٍ، وهي قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} مضافاً إلى توقّف الأمر على أن تكون إذا زائدةً، كما لو كان قال: (والنهار قد جلّاها). إلّا أنَّ ذلك خلاف الظاهر؛ لدخولها في المعنى قطعاً.
****
قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا}:
يمكن أن تكون الواو للعطف، كما هو المشهور(2)، ويمكن أن تكون الأُوّلى للقسم والثانية للعطف، ويمكن أن يكونا معاً للقسم، كما قرّبناه في غيره، إلّا أنَّ كون الثانية للعطف أظهر. إلّا أنَّها تتضّمن القسم بالأردأ والعطف عليه بدون قسمٍ. اللّهمّ إلّا أنَّ يُقال: إنَّ مدخول القسم هو المعطوف
ــــــ[151]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 288، سورة الشمس.
(2) أُنظر: إعراب القرآن الكريم 3: 450، إعراب القرآن وبيانه 10: 496، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والمعطوف عليه معاً، لا المعطوف عليه وحده، كما عليه فهم المشهور. وعلى أيّ حالٍ تكون الثانية للقسم بأحد وجوهٍ:
الأوّل: أن تكون واوه واو قسمٍ.
الثاني: أن تكون عاطفةً بتقدير تكرار العامل.
الثالث: أن يكون القسم بالمتعاطفين معاً.
فإن قلت: هذا على تقدير كون الواو الأُولى للقسم، وقد اعتبرها المشهور(1).
قلت: نعم، إلّا أنَّه يصدق أيضاً في الآية الأُولى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}. وقد اعترف المشهور أنَّ الأُولى للقسم. غاية الفرق أنَّ الإشكال الآخر لا يأتي؛ لأنَّ الكلمة الثانية لا يراد بها الله سبحانه بخلاف قوله: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} وما بعدها.
قال في >الميزان<: و(ما) في (وما بناها) و(ما طحاها) موصولةٌ، والذي بناها وطحاها هو الله تعالى. والتعبير بـ(ما) دون (من) لإيثار الإبهام المفيد للتفخيم والتعجيب(2).
وقد سبق الكلام في ذلك في قوله: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى}(3) في سورة الليل، لكن يختصّ هنا بمسائل أُخرى:
منها: أن يكون المراد بها أحد العلل الأربعة غير الفاعليّة، كالصوريّة والمادّيّة والغائيّة، بل حتّى الفاعليّة لو أُريد بها العلل الكونيّة العليا غير الله
ــــــ[152]ــــــ
(1) أُنظر: إعراب القرآن الكريم 3: 450، إعراب القرآن وبيانه 10: 496، وغيرهما.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 297، تفسير سورة الشمس.
(3) سورة الليل، الآية: 3.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
سبحانه. كما يمكن قصد المجموع ويكون إرجاع (ما) للتغليب؛ لأنَّ وجود ثلاث عللٍ من أربعة ممّا لا يعقل. وهذا معنى شاملٌ لـ(ما) في الآيات الثلاث. يعني: أن لا يكون معناها متّحداً بل متعدّداً، ويكون المقصود بكلّ واحدةٍ منها غير المقصود بالأُخرى.
وهذا لا يأتي في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى}؛ لأنَّ الخالق هو الله سبحانه، لا العلل الأُخرى، إلّا أن يُراد خلق به، وهو خلاف الظاهر.
ثُمَّ قال: وقيل: ما مصدريّة والمعنى: وأُقسم بالسماء وبنائها والأرض وطحواها والسياق – وفيه قوله: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا} الخ- لا يساعده(1).
أقول: لا مانع من هذه الناحية؛ لأنَّ (سوى) و(ألهم) فيها مصادر أيضاً، بل حتّى لو بقيت على الماضي؛ لأنَّها مصدرٌ مقدّرٌ غير ملفوظٍ، فتبقى أُطروحةً ممكنةً.
مضافاً إلى احتمال أن تكون ما ظرفيّةً زمانيّةً إشارةً إلى الوقت الذي حصل مدخولها، وهو وقتٌ عظيمٌ بعظم الفعل الذي وقع فيه.
إن قلت: إنَّ (سوّاها) بمعنى: فعلها، والفاعل للنفس هو الله سبحانه، فتتعيّن (ما) لذلك، فيتعيّن الباقي له بوحدة السياق.
قلنا: (سوّى) ليس بمعنى: فعل وإن كنّا نقولها في اللغة الدارجة، بل بمعنى التماثل والتعادل. ولذا قال عنها في >الميزان<: ورتّب خلقها ونظّم أعضاءها وعدّل بين قواها(2).
ــــــ[153]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 297، تفسير سورة الشمس.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وفهمه فرع أن يراد من النفس هذا المجموع الدنيوي، وهو فهمٌ موافقٌ مع ذوق المشهور، وإذا كان هكذا فلابدّ أن نخصّ بها الإنسان، أو الذكر فقط، أو الأُنثى فقط، مع أنَّ الأمر ليس كذلك. وأوضح جوابٍ عنه وصفها بقوله: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} مع أنَّ الجسد ليس كذلك قطعاً، بل تكون هذه الآية قرينةً متّصلةً على فهم الأُطروحات الآتية من النفس:
فمنها: الجسم أو المبدع.
ومنها: النفس الأمّارة بالسوء.
ومنها: العقل.
ومنها: الضمير.
ومنها: النفس البرزخيّة.
وكلّها لا يوافق إلهامها إلّا بالتسبيب.
ومنها: الروح العليا. فيراد بها الإشارة إلى القدرة العجيبة التي جمعت بين المتضادّات في النفس وألَّفت بينها بالرغم من تضادّها؛ لأنَّها ليست أضداداً حقيقيّة، ولكنها عللٌ ناقصةٌ تحتاج إلى شرطٍ وعدم مانعٍ. فالمقتضي
-وهو الأساس- موجودٌ في المنشئ لها.
ومعنى تسويتها كون كلّ واحدٍ منها قابلاً للسيطرة على الفرد أو على الآخر.
****
قوله تعالى: {والأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا}:
الدحو والطحو البسط، ويوم دحو الأرض يوم بسطها {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا}(1).
ــــــ[154]ــــــ
(1) سورة النازعات، الآيتان: 30- 31.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ويراد به الخلقة أو الانبساط فعلاً من تحت الكعبة، كما في بعض الأخبار(1)، فأصل الأرض هي الكعبة، واتّسعت الأرض من تحتها. إذن فيها عدّة أُطروحاتٍ:
منها: فلقها.
ومنها: توسيعها.
ومنها: تهيئتها للسكن بالحيوان والنبات والهواء وغيرها.
ومنها: مباشرة السكنى فيها.
ومنها: أن يراد من الأرض ما هو أوسع من الأرض المادّيّة والمعنويّة، كأرض العقل وأرض النفس وأراضي السماوات والأرضين السبع وغير ذلك.
****
قوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا}:
قال في >الميزان<: وتنكير النفس -أي لماذا لم يقل: والنفس- قيل: للتنكير، وقيل: للتفخيم. ولا يبعد أن يكون التنكير للإشارة إلى أنَّ لها وصفاً وأنَّ لها نبأً(2).
ويقال زيادةً على ذلك:
أوّلا: إنَّ المراد كلّ فردٍ من أفراد النفس، وهي تختلف باختلاف الأشخاص، كما أنَّ الظاهر يختلف، وإن كان المراد أعمّ من الظاهر.
ــــــ[155]ــــــ
(1) راجع بحار الأنوار 54: 22، كتاب السماء والعالم، أبواب كلّيّات أحوال العالم وما يتعلّق بالسماويّات، الباب 1، تحقيقٌ في دفع شبهةٍ.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 297، تفسير سورة الشمس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ثانياً: إنَّ المراد الكلّي بما هو، ولذا لم تدخل اللام، ولو دخلت كانت محتملة العهديّة.
ثالثاً: إنَّها إشارةٌ إلى نفسٍ معينّةٍ ذات أهمّيّةٍ، كنفس محمّدٍ أو عليٍّ أو آدم. ولا ينافيه الجواب بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}؛ لأنَّ غايته لزوم الاستخدام بإعادة الضمير، وهو جائزٌ وإن كان غير متعيّنٍ.
رابعاً: إنَّ أهمّيّتها ناشئةٌ من العصمة، فالمراد بها النفس المعصومة، مع ورود الإشكال المتقدّم وجوابه.
خامساً: إنَّ المراد النفس العليا، وهي واحدةٌ في الشكل الهرمي للخلقة. ولذا فلو دخلت الألف واللام عليه لكانت للعهد. فتنكيره دليل وحدتها وعدم حاجتها إلى التعريف؛ لأنَّها معروفةٌ بذاتها.
ولا ينافيها قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}؛ لأنَّه يكون نحواً آخر من الاستخدام؛ لأنَّ هذا شغل المراتب الأدنى من النفس أو الخيبة الاقتضائيّة، فيكون الضمير راجعاً إلى بعض مرجعه (والنفس في وحدتها كلّ القوى)(1).
****
قوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}:
وهذه الآية تدلّ على أنَّ المراد هو ما تقدّم؛ لأنَّ تلك الروح مخزونٌ فيها كلّ شيء، كما قيل: وفيك انطوى العالم الأكبر(2) بما في ذلك من أُمورٍ حسنةٍ
ــــــ[156]ــــــ
(1) أُنظر: شرح المنظومة 5: 180، غرر في أنّ النفس كلّ القوى.
(2) أُنظر: المبدأ والمعاد: 127، المظاهر الإلهيّة: 51، شرح المنظومة 5: 293، أسرار الحكم: 349، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وأُمورٍ فاسدةٍ، فيكون ذلك إلهاماً بالخلقة، وليس إلهاماً فعليّاً، إلّا أنَّ يراد إلفات النفس إلى ما أُركز فيها. فتكون من هذه الجهة شبيهة بنظريّة المثل المنسوبة إلى افلاطون(1). وبغضّ النظر عن ذلك يبقى في قوله: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: ما ذكرناه من الروح العليا المركوز فيها كلّ شيء، والإلهام هنا بمعنى التلقّي.
الثانية: ما ذكرناه من الالتفات إلى ذلك المركوز بحسب النظام الكوني.
الثالثة: العقل العملي، كما ذكره في >الميزان<(2)، الذي يعرف به الصالح من الطالح والذي يأمر وينهى بما ينبغي أو لا ينبغي فعله، وهذا العقل مركوزٌ في النفس بإقرار الفلاسفة والمناطقة(3)، فيراد إلهام ذلك.
الرابعة: الضمير الذي يؤنّب على الذنب ويمدح على الخيرات.
الخامسة: الشريعة الظاهريّة، ويراد بالإلهام التعليم أو إلهام الاختيار.
السادسة: الشريعة من حيث كونها نازلةً على الأنبياء وواصلةً إلى الأئمّة^، مع الحفاظ على معنى الإلهام، وهو خاصٌّ بهم، ويشمل التكاليف الخاصّة بهم أو يكون أمراً آخر.
ــــــ[157]ــــــ
(1) أُنظر: رسائل الشجرة الإلهيّة في علوم الحقائق الربّانيّة 3: 426، الفنّ الثاني، الفصل العاشر، الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 2: 46، السفر الأوّل، المرحلة الرابعة، الفصل 9، وغيرهما.
(2) أُنظر: ا لميزان في تفسير القرآن 20: 298، تفسير سورة الشمس.
(3) راجع ما أفاده الملّا هادي السبزواري في المنظومة وشرحها 5: 163-179، غررٌ في العقل النظري والعقل العملي، وغيره.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
السابعة: العقل النظري أي: التعرّف على المصالح والمفاسد، وهو مركوزٌ أيضاً. وفي >الميزان< خلط بين العقل العملي والنظري. قال: وتعليق الإلهام … للدلالة على أنَّ المراد تعريفه تعالى للإنسان صفة فعله من تقوى أو فجورٍ (وهذا يكون بالعقل النظري)، وتفريع الإلهام على التسوية … للإشارة إلى أنَّ إلهام الفجور والتقوى وهو العقل العملي من تكميل تسوية النفس(1).
أمّا ما يتحصّل من هذه العبارة في >الميزان< فالغرض منها معرفة قيمة الفعل بعد إنجازه بغضّ النظر عن الضمير. وأمّا الأُطروحة السابقة فالغرض منها الإشارة إلى معرفة قيمته قبل إنجازه.
الثامنة: الإدراك على المستوى العقلي، إمّا مستقلاً عن العقل العملي أو به. وإطلاق الإلهام تسامحٌ؛ لأنَّ السبب يكون في الدنيا من المجتمع، إلّا أنَّه تعالى مسبّب الأسباب.
التاسعة: كلّ هذه الأمور مجتمعةٌ لا يفعلها إلَّا الله سبحانه، فألهم الفجور والتقوى على مختلف المستويات.
العاشرة: التمكّن والقدرة على فعل الخير والشّر.
ثُمَّ إنَّ الإلهام هو الصوت الذي يجده الفرد في نفسه والهاجس أو الوسواس، ولعلّ الإلهام كأُطروحة هو الإطعام، ولذا تقول: لهمت ولهوم كما يلهم الطعام تشبيهاً للطعام العقلي بالمادّي، أي: ابتلعه بسرعة، وكذلك التهمه.
ومنه يتّضح: أنَّ المراد من الإلهام ليس الأمر والنهي، ليكون احتمال
ــــــ[158]ــــــ
(1) أُنظر: ا لميزان في تفسير القرآن 20: 298، تفسير سورة الشمس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الأمر بالفجور أو بهما معاً أو الأمر بالتقوى والنهي عن الفجور منطبقاً على عنوانه، إلّا على بعض الأُطروحات(1). بل المراد من الإلهام هو الدلالة بالمقدار والأُسلوب المناسب. كما ليس المراد تطبيق ذلك على الأفراد بنحو العلّيّة، كما هو مذهب القاضي عبد الجبّار؛ فإنَّه يلزم منه الجبر والإكراه المنفي، وإنَّما هو بنحو الاقتضاء، وشرطه الإرادة، ومانعه العجز.
ثُمَّ قال في >الميزان<: وتفريع الإلهام على التسوية للإشارة إلى أنَّ إلهام الفجور والتقوى … من تكميل تسوية النفس، فهو من نعوت خلقتها، كما قال تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}(2)(3).
أقول: المراد: أنَّه خلقها ثُمَّ ألهمها، وهو مبني على أنَّ (سوّاها) بمعنى خلقها و(ألهمها) بمعنى: علّمها، كقوله: {خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}(4). هذا بناءً على بعض الأُطروحات، والأرجح أنَّ التسوية والتعديل يكون بين الفجور والتقوى المركوز أو بين أدوات المصالح والمفاسد، أو بين أوامر الشريعة ونواهيها. وممّا تجدر الإشارة إليه هنا أنَّ الإلهام أصيلٌ لا طارئاً. وليست التسوية هي الخلقة، بل الخلقة مفروضةٌ في قوله: (ونفس)، وإنَّما المراد وصف نحو ذلك. فيكون المحصّل: أنَّه خلقها ثُمَّ سوّاها بمعنى دبّرها ثُمَّ ألهمها، على أنَّ الترتيب غير ضروري.
والإلهام للنفس لا لغيرها، ولذا رجع الضمير إليها، وهو يشمل كلّ
ــــــ[159]ــــــ
(1) ومعنى الأمر والنهي هنا: هو الشريعة الظاهرة.
(2) سورة الروم، الآية: 31.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 298، تفسير سورة الشمس.
(4) سورة الرحمن، الآيتان: 3-4.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ذي نفس {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}(1) كالجنّ والملائكة والحيوانات والبشر، كلّ واحد على المقدار الذي له. ولذا قال: {فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}(2) أي: المناسب لها.
فإن قيل: الفجور شرّ، والشرّ لا وجود له؛ لأنَّه عدمٌ، والعدم لا يمكن إركازه في النفس.
قلنا: أوّلاً: إنَّ كون الشرّ أمرٌ عدمي مختلفٌ فيه بين الفلاسفة، فإذا قلنا بكونه وجوديّاً انسدّ السؤال.
ثانياً: إنَّ الشرّ وإن كان عدماً عقلاً، إلّا أنَّه وجودٌ عرفاً، والكلام بحسب العرف، وهو كافٍ في الغرض.
ثالثاً: إنَّ في الآية لا يوجد عنوان الشرّ، بل الفجور وفي الآية الأُخرى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} وكلاهما وجودي، ولا حاجة إلى تفسيره بالشرّ بنحو الترادف.
رابعاً: إن تنزّلنا عن كلّ ما سبق لابدّ من التفسير بالشرط والتنزّل عن المقتضي، فشرط الشرّ موجودٌ.
خامساً: إنَّ الملحوظ هنا حبّ الشرّ والفجور أو الخير والتقوى.
سادساً: إنَّ الموجود هو القدرة على الشرّ والخير بغضّ النظر عن فعليتهما. والقدرة على العدم بالقدرة على الحدود الوجوديّة له.
فإن قلت: لماذا قدّم الفجور على التقوى؟
قلنا: أوّلاً: لأنَّه أغلب خارجاً.
ثانياً: لأنَّه أوضح في النفس؛ لأنَّ الفرد أوّل ما يشعر بشهواته.
ــــــ[160]ــــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 185.
(2) سورة الشمس، الآية: 8.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ثالثاً: ما ورد في القرآن من تأخير الفرد الأفضل من قبيل الجنّ والإنس وإن كان هذا غير مطّردٍ، كما في {السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}، {رِجَالاً وَنِسَاءً}، {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}.
رابعاً: أنَّ الهدم قبل البناء، فذكر الفجور ليترك، ثُمَّ التقوى ليُطاع.
خامساً: لمراعاة السياق اللفظي والنسق أيضاً.
ثُمَّ إنَّه إذا ألهمها الفجور والتقوى فقد ألهمها ما بينهما من المباحات وغيرها أيضاً، فيكون الفرد مميّزاً لكلّ المستويات، ويكون أعلم بحال نفسه، كما قال تعالى: {بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}(1)؛ لأنَّه هو الأكثر اطّلاعاً على إخلاص نيّته وإن خدع الغير أو خدع نفسه ظاهراً.
****
قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}:
هو جواب القسم بعد إعطاء بعض التفاصيل من خلال القسم نفسه. هذا في جانب المعلول، وهو إشارةٌ إلى الاختيار للطرفين. والفلاح حسن النتيجة أو العاقبة، وقد تكون في المقام قرينةً، ولا يتعيّن بعدها. والزكاة من الزيادة أو الطهارة، والدسّ إدخال ما لا يناسب. وفي >الميزان<: إدخال شيء في شيء بضربٍ من الإخفاء(2).
لكن أفهم منها قيد عدم المناسبة والسوء أيضاً، وعليه قرينةٌ عرفيّةٌ ولفظيّةٌ، كالدسّ والنميمة بين المحبيّن حيث لا يناسب وجود البغضاء. ولذا
ــــــ[161]ــــــ
(1) سورة القيامة، الآيتان: 14-15.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 298، تفسير سورة الشمس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قال: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}(1) ولا يحتاج هذا إلى قرينةٍ، كما قال في >الميزان<: والمراد به (أي: الدسّ) بقرينة مقابلة التزكية الإنماء على غير ما يقتضيه طبعها وركبت عليه نفسها(2)، ولو بقرينة الخيبة المطلقة، لكن يمكن حملها على مطلق الخيبة.
ويمكن الجواب عنه:
أوّلاً: أنَّه يصدق بمجرّد الفعل، ولا يؤخذ فيه جهة الإنماء.
وثانياً: أنَّ الفجور أيضاً مركّبٌ في طبعها، وهنا يكون الهدى استثناءً، وهو غير صحيحٍ.
أمّا المقابلة في التزكية فالتزكية ليس فيها إنماءٌ، وإنَّما هي الزيادة في الجملة لا الزيادة المطلقة؛ لأنَّ الضلال وإن كان مركّباً في الفرد، إلّا أنَّ نسبته ليست كنسبة الهدى؛ لأنَّه أقّل وأضعف تكويناً في كلّ من الآيات الآفاقيّة والأنفسيّة معاً، ولأنَّه منهي عنه بكلّ الألسنة العقليّة والنقليّة، والهدى مأمورٌ به بكلّ الألسنة كذلك، مع أنَّ الله وإن ركز الفجور – من أجل الامتحان فقط- إلّا أنَّه خَلَقنا للجنّة ولم يخلقنا للنار، وخلقنا للتقوى لا للفجور. فهي الهدف من خلقنا {وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ}(3) أي: لكم لا لنفسه.
ولماذا عبّر بصيغة الماضي: (زكّاها ودسّاها)؟ والجواب عنه – مضافاً إلى الاختيار للمتكلّم- بوجوهٍ عدّةٍ:
الأوّل: أن يكون النظر إلى ما حصل منه فعلاً؛ لاتّخاذ العبرة عنه:
1. فإنَّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحدٌ.
ــــــ[162]ــــــ
(1) سورة المدّثّر، الآية: 42.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 298، تفسير سورة الشمس.
(3) سورة الأنفال، الآية: 67.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
2. أو إنَّه خاب لأجل اقتضاء النظام ذلك، فلا يختصّ الحكم به.
3. أو إنَّ الإخبار عنه بالماضي من أجل التنبيه على المستقبل.
الثاني: أنَّه من أجل السياق، فلو كان بالمضارع لفسد السياق اللفظي.
الثالث: أنَّ المخاطب منكرٌ، فيحتاج إلى تأكيدٍ، وإذا دخلت (قد) على الماضي أفادت التأكيد بخلاف المضارع.
ومعه فيتعيّن الماضي. وأبعد منه استعمال الماضي بمعنى المضارع مجازاً، والمراد أنَّه نظر إلى ما بعد الدنيا، فوقت الإخبار هو ذاك، فيصبح كلّه من الماضي.
ثُمَّ إنَّه ذكر في >الميزان< عن الدسّ: (بضربٍ من الإخفاء)(1) وقال في >المفردات<: (بضرب من الإكراه)(2). ولا أعتقد أنَّ الإكراه صحيحٌ عرفاً ولغة، كما لا يصحّ معه معنى الآية؛ لأنَّه يلزم الجبر(3)، على أنَّه خلاف الوجدان، وإنَّما الإخفاء صحيحٌ؛ لأنَّ الإنسان يخفي معايبه عن غيره، بل عن نفسه أيضاً، ولا يخفى على الله سبحانه شيءٌ.
وأمّا وجود الألف (دسّاها) على وزن (أعطاها) مع أنَّ المسموع بدونها (دسّها) فالظاهر عرفاً هو اختلاف المادّتين، فالدسّ للمدسوس ودسّا للمدسوس فيه، وهو المطلوب؛ لوجوهٍ:
الأوّل: أنَّه يدسّ في نفسه السوء.
الثاني: أنَّه دسّ فيها، فتبقى الألف للدلالة على المحذوف ويكون المراد
ــــــ[163]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 298، تفسير سورة الشمس.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 171، مادّة (دس).
(3) ويراد به الإكراه على الله، وهو فاسدٌ، إلَّاأن يراد به الإكراه التشريعي (منه+).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
نفسه.
الثالث: أنَّه أتى بالألف واللام للحفاظ على النسق مع (زكّاها).
الرابع: أنَّه تفخيمٌ للفتحة ويكون عند الوقوف، مثل(ألها).
الخامس: أنَّه مثل مكنسة ومكناسة ومزلج ومزلاج.
وبهذا اتّضح أنَّه لماذا قال: {دَسَّاهَا} ولم يقل: (دسّ فيها)؛ لأنَّ (دسَّاها) دالّةٌ على ذلك بالمطابقة.
****
قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا}:
ثُمَّ تبدأ السورة بذكر قصّة تعتبر تطبيقاً واضحاً على القاعدة المعطاة في السورة، وأنَّه كيف يخيب من دسّاها وأنَّه يستحقّ عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة.
وثمود قبيلة أو شعب لا اسم علمٍ، وإن كان الأصل في جيلهم أو حكمهم كذلك، وكان يسمّى (طوطم) ولكن يراد به القبيلة ولذا نقول: {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} يعني: أكثر أفرادها شقاوةً، ولو كان علماً لما صحّ ذلك. وذكر في >الميزان< أنَّ (كذّبت) يعني: بدعوة نبيّهم ولذا قال: فكذّبوه. وظاهره التكذيب المطلق وإن كان يصدق على مطلق التكذيب، ولذا استحقّوا عقوبة الدنيا قبل عقوبة الآخرة. والمفعول لكذّبت محذوفٌ يدلّ عليه السياق، وهو ثمود نبيّهم، ومن ثُمَّ أمر الله سبحانه، أو يراد أُصول الدين وفروعه.
قال في >الميزان<: الطغوى مصدر كالطغيان، والباء للسببيّة(1). ومثاله في القرآن قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ}(2) وقوله تعالى: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ
ــــــ[164]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 299، تفسير سورة الشمس.
(2) سورة آل عمران، الآية: 159.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}(1). فالطغيان هو العلّة أو السبب، والتكذيب هو المعلول. غير أنَّ المراد كان الطغيان الداخلي، فهو سببٌ، ولا يقال: إنَّه عين التكذيب وإن كان عرفاً كذلك. إلّا أنَّ بينهما اختلافاً في الرتبة عقلاً، وهذا يكفي. والمراد به سوء الباطن أو تمرّد النفس الأمّارة.
وإن أُريد بالطغيان ما هو ظاهره فالمراد أنَّه غفل بسببه عن الحّق أو أنَّه فضّل مصلحته الدنيويّة على الأُخرويّة. إلّا أنَّه مع ذلك لابدّ أن يعود على الباطن؛ لأنَّ التكذيب باطني بالأصل، وسبب الباطني باطني. والوجه فيه: أنَّه لو قلنا: إنَّ التكذيب باطني لم يكف الاستكبار الظاهري، بل لم يوجد أصلاً.
وأفاد الراغب: أنَّ الطغيان تجاوز الحدّ في المعصية. قال تعالى: {إِنَّهُ طَغَى}(2)، {إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى}(3) وقال: {قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى}(4)، {وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي}(5) وقال تعالى: {فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا}(6). وقال الراغب: والطغوى الاسم منه(7).
والمراد: أنَّه اسم المصدر مع أنَّه تقدّم عن >الميزان< أنَّه مصدرٌ، والراغب في ذلك حجّة، والفرق بينهما دقّي.
ــــــ[165]ــــــ
(1) سورة القلم، الآية: 2.
(2) سورة طه، الآية: 24.
(3) سورة العلق، الآية: 6.
(4) سورة طه، الآية: 45.
(5) سورة طه، الآية: 81.
(6) سورة الكهف، الآية: 80.
(7) مفردات ألفاظ القرآن: 314، مادّة (طغى).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أقول: فالاسم صورةٌ ثابتةٌ، والمصدر متحرّكةٌ.
ولكن قوله: (تجاوز الحدّ في العصيان) لا معنى له عقلاً ومتشّرعيّاً؛ إذ لا معنى للعصيان، بل كلّه باطلٌ. إلّا أن يُقال: إنَّ له حدّاً عرفيّاً أو حدّاً قد تقنع به النفس الأمّارة، وإذا لم تقنع بالقليل كان طغياناً. ولا فرق في ذلك بين أن يكون فيه ظلم الآخرين أم لا، وإن كان في ظلم الآخرين أوضح أو أغلب.
****
قوله تعالى: {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا}:
قال في >الميزان<: ظرفٌ لقوله: (كذّبت) أو لقوله: (بطغواها)(1).
أقول: إنَّما يعرف الأعراب من المعنى، فيكون المعنى: أنَّها كذّبت أو طغت في هذا الظرف، وهو خلاف المقصود؛ لأنَّ الانبعاث فرعٌ ومعلولٌ للطغيان لا علّةٌ له. ومعه:
1. فإمّا أن نقول: إنَّه علّة لانسباقه بعد ظهوره بدليلٍ كاملٍ.
2. أو نقول: إنَّه من القلب وافتراض العلّة معلولاً.
3. أو نقول: إنَّ (إذ) لا يعود إلى فعلٍ ملفوظٍ بل إلى مقدّرٍ يعني: إذ انبعث أشقاها إذا ظهر ونحوه.
4. أو إنَّها زائدةٌ استعملت لأجل حفظ السياق، ومن هنا قد نقول: إنَّها بمعنى (قد) وتحتاج إلى واوٍ عاطفةٍ عندئذٍ قبلها.
و(انبعث) أي: تحرّك بعد همودٍ وخمودٍ، ومنها البعث يوم القيامة بعد الموت.
ــــــ[166]ــــــ
(1) أُنظر الميزان في تفسير القرآن 20: 299، تفسير سورة الشمس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ويراد به فكاكه المفاجئ، ومنه التعبير في بعض الروايات (يتكلّم الرويبضة)(1) يعني: الساكت أراد نشاطه بعد همودٍ من حركةٍ إلى جانب الباطل، وكثيراً ما يتحرّك الأفراد لظروفٍ معيّنةٍ كانوا قبلها ساكنين، وهذا أيضاً من الامتحان الإلهي.
والتأنيث باعتبار القبيلة لا الفرد وإن كان علماً بالأصل، إلّا أنَّ هذا متعارفٌ لغةً، تقول: جاءت تميمٌ كلّها.
والمراد بأشقاها -كما يعطي السياق- عاقر الناقة بغضّ النظر عن إشكال ضمير الجمع في قوله: {فَعَقَرُوهَا} والمعروف أنَّه واحدٌ، وسيأتي الكلام في ذلك. والضمير المضاف إليه يعود إلى ثمود يعني: أشقى ثمود، وهذا تارةً يراد به جانب العلّة وأُخرى جانب المعلول. فإنَّ هنا ثلاث مراحل:
الأُولى: شقاوة النفس.
الثانية: عقر الناقة.
الثالثة: دخول جهنّم أو درك الجحيم فيها. وقد يصير الأوّلان علّةً للثالث أو الأخيران معلولاً للأوّل، فالوسط علّةٌ للأخير ومعلولٌ للأوّل، وهو الأشقى بكلّ المراحل. إلّا أنَّ مقتضى الفهم المشهوري هو الأخيران فقط، إلّا أنَّ العمدة هو الأوّل، ولولاه لم يحصلا معاً (فتعاطى فعقر).
قال الراغب: الشقاوة خلاف السعادة، وقد شقي يشقى شَقَوة وشَقاوة وشقاء وقرئ (شِقوتنا) و(شقاوتنا) فالشِقوة كالرِدة والشقاوة كالسعادة حين الإضافة. فكما أنَّ السعادة في الأصل من باب سعادة أُخرويّة وسعادة دنيويّة،
ــــــ[167]ــــــ
(1) أُنظر: الأحاديث الواردة في بحار الأنوار 6: 309، أبواب المعاد وما يتبعه ويتعلّق به، الباب الأوّل، أشراط، وقصة يأجوج ومأجوج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ثُمَّ السعادة الدنيويّة ثلاثة أضربٍ: سعادة نفسيّة وبدنيّة وخارجيّة، كذلك الشقاوة على هذه الأضراب. وفي الشقاوة الأُخرويّة قال: {فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى}(1) وقال: {غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا}(2) وقرئ (شقاوتنا)، وفي الدنيويّة: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى}(3)(4).
أقول: هذا بناء على كون الجنّة لآدم× في الدنيا، وهو لم يعرّف الشقاوة والسعادة الخارجيّة، مع أنَّه لا قيمة لها إلّا إذا أثّرت في النفس، فهي نفسيّة دائماً.
والله تعالى خلق كلّ الغرائز والمراتب للإنسان لها شدّةٌ ولينٌ. فالألم تعبيرٌ عن الشقاوة واللذّة هي السعادة. والأشقى هو الذي ينال أعلى مراتب الشقاء أو أشدّه، والمراد به الشقاء المعنوي؛ لأنَّه لم يكن شقيّاً دنيويّاً ولا نفسيّاً؛ لأنَّه كان زعيماً ومتصرّفاً في مجتمعه.
وللشقاء معنيان عرفيّان آخران:
أحدهما: البلاء الدنيوي: كالفقر والمرض؛ فإنَّهما شقاءٌ، إلّا أنَّهما ليسا بشقاوةٍ عرفاً.
وثانيهما: كون الفرد بصفاتٍ تافهةٍ بلا دينٍ ولا إنسانيّةٍ، فنسميّه شقاوة، وعندنا (يتشاقى) أي: يدّعي الشقاوة؛ لأنَّه يطلق على المضاحكة، ويغلب عليه قول الزور، فيكون من الشقاء. وحيث إنَّه صالح في نفسه حسب الفرض،
ــــــ[168]ــــــ
(1) سورة طه، الآية: 123.
(2) سورة المؤمنون، الآية: 106.
(3) سورة طه، الآية: 117.
(4) أُنظر مفردات ألفاظ القرآن: 271، مادّة (شقا).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فيكون شقاؤه ادّعائيّاً، ومن هنا نقول: (يتشاقى).
والمهمّ الآن هو عدم صدق الشقاء بالمعنى العرفي الأوّل على عاقر ناقة صالحٍ؛ فإنَّه خلاف السياق المعنوي قطعاً. نعم، لا يبعد أن يكون بالمعنى الثاني، بل هو الظاهر. إلّا أنَّ المراد شقاوته الأُخرويّة لا الدنيويّة. ولو كان بهذا المعنى العرفي لكان المراد بالتفضيل أكثرها بهذه الصفة أو أكثرها أمارة، وهو يدلّ على تعدّدهم في القبيلة، كما هو المفهوم من ضمائر الجمع الآتية.
****
قوله تعالى: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا}:
الضمير جمع كما في الآية التي بعدها: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} فما الوجه في ذلك؟
أجاب في >الميزان< باختصارٍ قائلاً: وقد كان انبعاثه ببعث القوم(1). وهو مطلبٌ في نفسه صحيحٌ، ويدلّ عليه السياق، إلّا أنَّنا لو اقتصرنا على هذا المقدار لاستشكلنا بالمفرد، وأنَّهم إذا كانوا جماعة فما هي أهمّيّة أيّ فردٍ منهم إذا كانوا مشتركين في الجريمة؟
قلنا: أمّا السياق فيعطي أهمّيّة هذا الفرد بالتعيين وأهمّيّته من عدّة جهاتٍ:
الأُولى: أنَّه أشقاهم نفساً.
الثانية: أنَّه أشدّهم تحمّساً.
الثالثة: أنَّه المباشر لنحر الناقة.
الرابعة: أنَّ له نوعاً من الرئاسة والزعامة عليهم إمّا سلفاً أو في هذه
ــــــ[169]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 299، تفسير سورة الشمس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الحادثة.
الخامسة: كلّ هذه الجهات أو بعض منها.
فالمهمّ أنَّ السياق واضحٌ في وجود فردٍ مهمٍّ بين جماعةٍ وأنَّ خطاب النبي لهم كان للمجموع، لا لخصوص عاقر الناقة.
وفي قوله: {نَاقَةَ اللَّهِ} سؤالان: الأوّل: عن النصب والثاني: عن نسبتها إلى الله سبحانه.
أمّا عن نصبها ففيها عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: ما عن >الميزان<(1) من أنَّها منصوبةٌ على التحذير، كان مدخول التحذير ينبغي أن يكون نصبها كالحال والتمييز، أو يراد به التحذير، فيرجع إلى وجهٍ آخر.
الثانية: التقدير لفظاً: احذروا ناقة الله، كما هو في >الميزان<(2) أيضاً.
الثالثة: التقدير معنى.
الرابعة: أنَّه منصوبٌ بقال.
الخامسة: أنَّ محلّه من الأعراب مبتدأ خبره مقدّر موجود أو خبر له مبتدأ مقدّر (هذه ناقة).
إلّا أن هذا لا يتمّ لوجوهٍ:
الأوّل: كما أنَّ التحذير سببٌ للنصب كالعدو، فإنَّ الحثّ والترهيب سببٌ للنصب، كعظّموا، وسنرى أنَّ هذا أنسب.
الثاني: أنَّ التحذير ليس من الناقة بذاتها، بل قتل الناقة، فيحتاج إلى
ــــــ[170]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 299، تفسير سورة الشمس.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
تقدير لفظين، ولو قدّرناه كان مجروراً لا منصوباً.
الثالث: أنَّ العطف على تقدير تكرار العامل، فما قولك بقوله تعالى: {وسقياها}؟
فإن قلت: تقدّر كلمةٌ مناسبةٌ.
قلنا: هذا خلاف وحدة السياق ووحدة العامل.
فإن قلت: كأن وحدة السياق معنويّة، فيكون على خلاف وحدة العامل أو قرينةً على نفيه.
قلنا: تأتي وجوهٌ تحفظ فيها وحدة السياق ووحدة العامل، فتكون أولى بالأخذ بها.
وهناك وجوهٌ أُخر غير ما سبق، نذكرها بنفس التوضيح السابق.
الرابع: أنَّه منصوبٌ على الترغيب والحثّ، هو مشتركٌ بين المعطوف والمعطوف عليه.
فإن قلت: لا معنى للحثّ على الذات، أعني: ذات الناقة؛ لأنَّ الحثّ إنَّما يصدق على الفعل.
قلنا: هذا يرجع إلى الحثّ على العناية بها، وإنَّما ذكرت ذاتها لأهمّيّتها.
الخامس: أنَّه بتقدير (اطلب). ويأتي نفس الإشكال في الذات وجوابه.
السادس: أنَّه بتقدير (التزموا) في الموردين.
السابع: أنَّه يمثّل خبراً لمبتدأ لكنّه بتقدير اسم أنَّ والخبر (عليكم) أو (في ذمّتكم).
وأمّا نسبتها إلى الله فتارة نتكلّم عن ذلك إثباتاً وأُخرى ثبوتاً. أمّا إثباتاً فلمصلحة تقديسها وإعطائها أهمّيّة قصوى؛ لاعتبارها المعجزة الرئيسية
ــــــ[171]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
لصالح×. وهو كلامٌ صادقٌ حسب ما نعرف من الصفة الثبوتيّة. فإن ثبت شيء هنا كفى في الصدق.
وأمّا ثبوتاً فلعدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: أنَّها من خلق الله، والخلق منسوبٌ الى الله في القرآن، كما في قوله تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ}(1).
الثانية: أنَّها من آيات الله.
الثالثة: أنَّها ذات مزيّةٍ إضافيّةٍ روحيّةٍ خاصّةٍ تقتضي زيادة الشرف عن غيرها من النوق. وزيادة الشرف تصحّح النسبة إليه تعالى، كما في قوله تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا}(2) فتصبح أرض الله، ونحوه {رَوْحِ اللَّهِ}(3).
هذا ولم يثبت في القرآن أنَّ لها فضلاً، كما لم يثبت أنَّ لها مميّزات جسديّة خرافيّة، كما في بعض الأخبار الضعيفة(4).
فإن قيل: إنَّنا نفهم ذلك من نسبتها إلى الله سبحانه.
قلنا: نعم، إلّا أنَّه يكفي في ذلك النسبة الروحيّة والمعنويّة كما ألمحنا، كزيادة عقلها أو شعورها أو كليهما.
وإنَّما أوصاهم بالعناية بها وعدم التعرّض لها لأجلها، فعقروها احتقاراً لها، ومن ثُمَّ فهو احتقارٌ لنبيّهم، ومن ثُمَّ فهو احتقارٌ لدعوته، ومن ثُمَّ فهو احتقارٌ لله عزّ وجلّ.
ــــــ[172]ــــــ
(1) سورة لقمان، الآية: 11.
(2) سورة الزمر، الآية: 69.
(3) سورة يوسف، الآية: 87.
(4) راجع الأخبار الواردة في بحار الأنوار 11: 385، قصّة صالح× وقومه.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قال الراغب: السقي والسقيان أن يعطيه ما يشرب، والإسقاء أن يجعل له ما يشرب ذلك حتّى يتناوله كيف شاء. قال تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}(1)، {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا}(2)، {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ}(3). وقال في الإسقاء: {وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا}(4)، {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ}(5)، {نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ}(6)، بالفتح والضمّ(7).
أقول: قوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ}(8) بمعنى: العمل على تهيئة الماء، وقد تكون بمعنىً واحدٍ، واختار الأنسب للنسق.
****
قوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا}:
لقد ذكرت القصّة في القرآن الكريم عدّة مرات، وفي بعضها تفاصيل أُخرى (9)، كقوله تعالى في سورة الفجر: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ}(10). وقوله: {صَاحِبَهُمْ} يدلّ على أنَّ له شهرةً أو زعامةً، وإلَّا فلماذا
ــــــ[173]ــــــ
(1) سورة الإنسان، الآية: 21.
(2) سورة محمّد، الآية: 15.
(3) سورة الشعراء، الآية: 79.
(4) سورة المرسلات، الآية: 27.
(5) سورة الحجر، الآية: 22.
(6) سورة النحل، الآية: 66.
(7) مفردات ألفاظ القرآن: 241، مادّة (سقى).
(8) سورة التوبة، الآية: 19.
(9) قد يكون بعض الآيات مقيّداً لبعضٍ، وإنّما إجمال الحادثة عن نكتةٍ، وليس الإجمال جزافيّاً، فيكون المذكور حجّة في صحّته.
(10) سورة القمر، الآية: 29.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ذكر دون غيره؟ كما نقول: (صاحب حلب) و(صاحب دمشق) و(صاحب الزمان). وتدلّ على أنَّهم طلبوا منه شيئاً: إمّا خصوص العقر أو إنقاذ موقفهم، وقد اختار العقر.
قوله: {فتعاطى}: قال في >الميزان<: التعاطي التناول، والمعنى: فنادى القوم عاقر الناقة لعقرها، فتناول بمعنى: تناول عقرها فعقرها وقتلها(1).
أقول: هذا معنى مجازي، وهو عين العقر، فيتعيّن حمله على معنى آخر، أي: تعاطي الخمر، أو يُراد بها خمر الضلالة أو خمر الباطل بحيث يسيطر على شعوره من كلّ شيءٍ، أو إنَّه بمعنى: التزم لهم بذلك، والآية (في سورة القمر) غير دالّةٍ أيضاً على أنَّهم طلبوا منه العقر بالخصوص.
وفي سورة هود مقطع كامل للقصّة في الآيات: 61-68، وفيها تسمية النبي صالح والحوار والجدال معه. وقوله: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ}(2) يوضّح احتمال التوبة والرجوع، وهو فحوى الامتحان. وقوم يونس قد نجحوا، فدرأ عنهم العذاب. أمّا قوم صالح ففشلوا، فتنجّز عليهم الوعيد. ولذا قال: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}(3).
والآية دالّةٌ على أحد معنيين:
الأوّل – وهو الأظهر-: أنَّهم لم يؤمنوا إطلاقاً، ولو كانوا آمنوا لنجوا كقوم يونس، ولا ينافيه قوله: (فلولا)؛ لأنَّه حينئذٍ يدلّ على التأسّف أو على
ــــــ[174]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 19: 81، تفسير سورة القمر.
(2) سورة هود، الآية: 65.
(3) سورة يونس، الآية: 98.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أصل مطلوبيّة ذلك.
الثاني: أنَّهم قد يكونوا آمنوا ولم ينفعهم إيمانهم؛ لأنَّه إيمانٌ عند التهديد، كما قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ}(1).
فكأنَّ مقتضى القاعدة هو عدم التوبة إلّا قوم يونس. والظاهر: أنَّ الله تعالى ينظر إلى درجة الإخلاص في التوبة، والغالب عدمه. وهذا له تطبيقاتٌ عديدةٌ، ونقول به فقهيّاً كالتوبة بعد الحكم بالحدّ وكالتوبة عند الاحتضار وعند القيامة وعند الظهور وعند العذاب. وإنَّما تقبل التوبة مع وجود الفرصة والاختيار، وأمّا مع زواله واستحقاق العذاب فعلاً فلا، كما إليه الإشارة بقوله تعالى: {حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ}(2) وانتهى الأمر {وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}(3).
فهذا مختصر الكلام عن هذه الآيات استطراداً، ويأتي التفصيل في محلّه.
والعقر يطلق على نحر البعير وعلى القتل.
أقول: وعلى قتل الحيوان وعلى تعويقه، وظاهره حصول الموت.
****
قوله تعالى: {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا}:
لم يذكر الراغب مادّة (دمدم) في >المفردات< هرباً من معناه. والظاهر أنَّ الأصل فيه هو الصوت، ولذا صارت له عدّة مصاديق لغويّة منها:
أوّلاً: دمدمة السماء بالرعد.
ــــــ[175]ــــــ
(1) سورة غافر، الآيتان: 84- 85.
(2) سورة فصّلت، الآية: 25.
(3) سورة هود، الآية: 44.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ثانياً: دمدمة الأرض بالزلزال والهزّة.
ثالثاً: دمدمة الريح.
رابعاً: دمدمة الفرد في صوت خافتٍ، ومنه يدخلون التمتمة.
خامساً: دمدمة الهدم الفجائي.
سادساً: دمدمة الضوضاء.
سابعاً: دمدمة الغضبان وكلامه ونَفَسه.
ثامناً: دمدمة حبل البئر إذا أُنزل، وهو صوت البكرة.
ومعه يكون في معناه عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: صوت الأرض.
الثانية: صوت المباني المهدومة.
الثالثة: صوت الضوضاء من الناس.
الرابعة: إنزال الغضب.
الخامسة: إنزال البلاء.
السادسة: حصول غضب الله سبحانه.
السابعة: أو تنفيذه.
الثامنة: الأمر التكويني الناشئ من الغضب بحصول ذلك.
التاسعة: صوت الريح التي انتجت ذلك.
العاشرة: صوت الصواعق التي انتجت ذلك.
قال في >الميزان<: الدمدمة على الشيء الإطباق عليه. يُقال: دمدم عليه القبر أي: أطبق عليه(1). ولم يذكر له مصدراً كعادته؛ فإنَّه لا يذكر المصدر،
ــــــ[176]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 299، تفسير سورة الشمس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والراغب أيضاً لم يذكره هنا بخلاف عادته. وكلام >الوسيط< ليس حجّة لغويّة. والظاهر رجوعه إلى ما ذكرناه من الصوت؛ لأنَّه ظاهر في الهدم، والإطباق صوتٌ على أيّ حالٍ؛ لأنَّ الإطباق يزيد على معنى هدمه عليه لا أنَّه بناه عليه بالتبادر.
ثُمَّ إنَّ في مرجع الضمير في (فسوّاها) عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: ما في >الميزان<(1) من: أنَّ الظاهر أنَّ الضمير لثمود؛ باعتبار أنَّهم قبيلةٌ، أي: فسوّاها بالأرض. وهذا ينافي سياق الضمائر المتأخّرة وإن كان مرجعه موجوداً، إلّا أن يقال: إنَّ ضمير المذكّر (هم) الجماعة والمؤنّث ثمود.
والجواب عنه: أنَّ هذا ينافي قوله تعالى: {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا}؛ لأنَّ العذاب عامّ قطعاً، فيكون مرجع الضميرين واحداً، فلا وجه لاختلافهما في التأنيث والتذكير.
الثانية: ما في >الميزان<(2) أيضاً من عوده إلى الأرض، والمعنى تسوية الأرض، وهو تسطيحها وإعفاء ما فيها من ارتفاعٍ وانخفاضٍ.
أقول: الإعفاء هنا من عفى عليها الزمن، ولا يكون للضمير مرجعٌ لفظي، ومثله المدينة أو المنطقة، إلّا أنَّه مفهومٌ ضمناً. ولا بأس به.
الثالثة: ما في >الميزان< أيضاً: وقيل الضمير للدمدمة المفهومة من قوله: {دَمْدَمَ}. والمعنى: فسوّى الدمدمة بينهم، فلم يفلت منهم قوي و لا ضعيف، و لا كبير و لا صغير(3).
ــــــ[177]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 299، تفسير سورة الشمس.
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أقول: سوّى هنا بمعنى: فعل وأنجز أو خلق. ونحوه قولهم في اللغة العامّيّة، إلّا أنَّه لم يرد في اللغة الفصيحة.
فإن قيل: فإنَّه ورد في القرآن في قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى}(1) {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}(2) {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا}(3).
قلنا: أوضح جوابٍ عن ذلك لزوم التكرار في {خَلَقَ فَسَوَّى} {سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ}؛ لأنَّ محصّل الفعلين يكون واحداً، وهو غير محتملٍ، فلابدّ من حمله على المعنى اللغوي الأصلي، وهو التسوية بين الأُمور المختلفة: إمّا بالتضادّ كالنفس وإمّا بالارتفاع والانخفاض كالأرض. ومثله قوله: {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا}؛ إذ يستلزم التكرار ما لم نفهم منه معنىً آخر، أي: جانسها بالرغم من اختلافها بالحجم والتجرّد. اللّهّم إلّا أن يُراد تسوية العقوبة والدمدمة مع الطبيعة، وهو بعيدٌ.
الرابعة: ما ذكره العكبري من: أنَّ المرجع هو العقوبة(4)، ويرد عليه الإشكال المتقدّم.
الخامسة: النفس، وهو من الفهم الباطني، فتكون الدمدمة البلاء الدنيوي المنتج للتربية والتسوية والتكامل للحّق أو للباطل؛ لأنَّ الجهة المعاندة تموت وتزول.
ــــــ[178]ــــــ
(1) سورة الأعلى، الآيتان: 1-2.
(2) سورة الحجر، الآية: 29.
(3) سورة النازعات، الآية: 28.
(4) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 288، سورة الشمس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
السادسة: الناقة والمراد: أرجعها إلى الاعتدال بعد العقر. إلّا أنَّه خلاف المشهور وخلاف السياق.
****
قوله تعالى: {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا}:
قال العكبري: بالواو والجملة حالٌ، أي: فعل ذلك وهو لا يخاف، وقرئ بالفاء على أنَّها للعطف من غير مهلةٍ(1).
وفيه جهاتٌ من الكلام كلّها مبنيّة على سياقٍ واحدٍ.
الأُولى: في فاعل {يَخَافُ عُقْبَاهَا}. وفيه عدّة أُطروحاتٍ:
منها: أنَّ الفاعل هو الله، كما رجّحه المشهور و>الميزان<(2)، مع أنَّه لا مُرجّح له، إلّا أن يقال: إنَّه لا يحتاج إلى مرجّح وإنَّ الضمائر تعود إليه ما لم يدلّ دليلٌ على الخلاف، مضافاً إلى بعد نسبة الخوف إلى الله سبحانه. وجوابه: أنَّ الفعل منفي.
فإن قيل: إنَّه لا يحتمل وجوده ليُنفى.
قلنا: نعم، إنَّ الملوك والمتسلّطين قد يخافون عواقب أعمالهم ويشكّكون فيما يرغبون به، إلّا أنَّ الله ليس كذلك؛ لأنَّ بيده ملكوت كلّ شيءٍ وعواقب الأُمور إليه.
قال الطباطبائي: فالآية قريبةُ المعنى من قوله تعالى: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}(3)(4).
ــــــ[179]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 288، سورة الشمس.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 299، تفسير سورة الشمس.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 23.
(4) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 299، تفسير سورة الشمس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ومنها: أنَّ الضمير الفاعل راجع إلى عاقر الناقة وأنَّه لا يخاف عاقبة ما صنع.
وفيه نقطة قوّة، وهو صرف معنى الخوف عن الله سبحانه إثباتاً ونفياً. ونقطة ضعف، وهو بعده في العبارة، مع كونه غير موجودٍ لفظاً، بل متحصّلٌ معنى؛ لأنَّه قال: {عَقَرُوهَا}. نعم، عدم خوفه واضحٌ.
ومنها: ما نقله في >الميزان< من أنَّ الضمير يعود لصالح يعني: رسول الله في الآية، وضمير (عقباها) للدمدمة، والمعنى: ولا يخاف صالح عقبى الدمدمة عليهم؛ لثقته بالنجاة.
أقول: إنَّ الدمدمة والعقوبة والتسوية مضمونها واحدٌ؛ لأنَّها مشتركةٌ بالحمل الشائع، وكلّها غير مذكورةٍ لفظاً، إلّا أنَّ أحسنها الدمدمة؛ لمكان مادّة دمدم. أقول: وكذلك التسوية؛ لأنَّها من مادّة (سوّاها).
ومنها: أن يكون المراد: ولا يخاف صالح عقبى عقر الناقة، أي: على نفسه والمؤمنين به؛ لأنَّ الفاعل غيرهم.
ومنها: أنَّ المراد: لا يخاف الله عقبى عقر الناقة؛ بحساب الاحتمالات في الضمائر.
ومنها: أنَّه لا يخاف عاقر الناقة عقبى الدمدمة، يعني: قبل وقوعها؛ لأنَّه لم يكن يتوقّعها(1).
والأظهر: أنَّ الفاعل هو الله، والمضاف إليه هو الدمدمة، كما اختاره المشهور(2).

ــــــ[180]ــــــ
(1) أُنظر: بعض الأقوال الواردة في مرجع الضمير في الآية محلّ البحث في الميزان 20: 299، تفسير سورة الشمس.
(2) لم نعثر إلَّاعلى هذا القدر من تفسير سورة الشمس بقلم السيّد الشهيد+.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ .
ــــــ[181]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني

سورة البلد
ليس للسورة المباركة أسماء كثيرة، وإن ورد فيها لفظ الإنسان، إلّا أنَّه يلزم منه تكثّر الأسماء للسور. نعم، قد يُطلق عليها أيضاً (العقبة) و(النجدين) و(المسغبة) و(المقربة) و(العبد) و(الميمنة) وغير ذلك، إلّا أنَّه لابدّ من وجود التعارف على تسميتها، وهو في المقام غير متحقّقٍ، وإن كان ذلك ممكناً نظريّاً، مضافاً إلى طريقة الشريف الرضي، ورقهما في المصحف، وهو: 90.
****
قوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ}:
يُلاحظ: أنَّ عدّة سورٍ أُخرى تبدأ بالقسم: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}(1) و{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}(2) و {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى}(3).
فهل المراد في هذه الصورة إثبات القسم أم نفيه؟ وهذا ما لم يتعرّض له صاحب >الميزان<(4) بل أخذ القسم مسلّماً. وقال العكبري: هذا مثل {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}(5) (6).
ــــــ[183]ــــــ
(1) سورة الليل، الآية: 1.
(2) سورة الشمس، الآية: 1.
(3) سورة الضحى، الآيتان: 1-2.
(4) أُنظر: الميزان في تفسير 20: 289، تفسير سورة البلد.
(5) سورة القيامة، الآية: 1.
(6) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 287، سورة البلد.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أقول: وفي (لا) الواردة في الآية عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: ما ذكره العكبري في سورة القيامة من: أنَّها زائدة(1)، كما زيدت في قوله تعالى: {لَئلاَّ يَعْلَمُ}(2).
الثانية: أنَّها ليست زائدة، وإنَّما هي نفي للقسم بها، كما نفى القسم بالنفس اللّوامة(3).
الثالثة: أنَّ (لا) ردٌّ لكلامٍ مقدّرٍ؛ لأنَّهم قالوا: إنَّنا نغترّ على الله في قولك: (بعثت) فقال: لا. ثُمَّ ابتدأه فقال: (أقسم).
قيل: وهذا كثيرٌ في الشعر؛ فإنَّ واو العطف تأتي في مبادئ القصائد، فيقدّر هناك كلامٌ يعطف عليه.
الرابعة: ما ذكره العكبري أيضاً من أنه قرئ: لأقسم(4)، على أن تكون هي لام التوكيد دخلت على الفعل المضارع، كقوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ}(5) وليست لام القسم.
الخامسة: أنَّ اللام لام القسم (لأقسم) ولم تصحبها النون (لأقسمن)؛ اعتماداً على المعنى ولأنَّ خبر الله صدقٌ، فجاز أن يأتي من غير توكيدٍ.
السادسة: أنَّ المراد: لأقسم، شبّهت الجملة الفعليّة بالاسميّة (يعني: في ترك النون) كقوله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}(6).
ــــــ[184]ــــــ
(1) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 274، سورة القيامة.
(2) سورة الحديد، الآية: 29.
(3) سورة القيامة، الآية: 2.
(4) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 274، سورة القيامة.
(5) سورة النحل، الآية: 124.
(6) سورة الحجر، الآية: 72.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والحاصل: أنَّ (لا) إمّا موجودةٌ أو غير موجودةٍ. فإذا كانت موجودةً فإمّا أن تكون نافيةً أو ناهيةً أو زائدةً. والزيادة يعني أنَّها ملحقةٌ بالغير، ولا معنى لها، وهو بعيدٌ عن سياق القرآن وحكمته. أو هي الناهية عن الكفر في أُصول الدين أو في فروع الدين. وأمّا النافية فهي ردّ لأقوالهم ومزاعمهم، إمّا في أُصول الدين أو في فروعه.
وذكر العكبري(1) من معاني النافية أنَّني لا أُقسم بهذا البلد وأنت حلٌّ بهذا البلد، بل أقسم بك. ونفي القسم أو عدمه لعدم الحاجة إليه، إمّا لتدنّي المسألة وبساطتها وإمّا لوضوحها وإمّا لأهمّيّتها وإمّا لتعقيدها بحيث تحتاج في كلّ فرعٍ إلى قسمٍ، فيكون هناك عدّة أقسامٍ، وفيه تكلّف، فترك القسم أولى.
وإن كان المراد لام التأكيد على قراءة (لأقسم): فإمّا هذه اللام لام التأكيد أو لام القسم. وعلى الثاني فلماذا لم تصحبها النون، كما هو القياس؟
ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الأوّل: أنَّ هذا غالبي لا دائمٌ.
الثاني: ما أفاده العكبري من أنَّه كان اعتماداً على المعنى(2).
الثالث: أنَّ خبر الله صدقه لا يحتاج إلى تأكيد.
الرابع: أنَّها مقدّرةٌ معنىً.
الخامس: أنَّها مشبّهةٌ بالجملة الاسميّة في ترك النون كقوله: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}(3).
ــــــ[185]ــــــ
(1) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 287، سورة البلد.
(2) أُنظر المصدر السابق 2: 274، سورة القيامة.
(3) سورة الحجر، الآية: 72.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والبلد: إمّا أن يُراد به مكّة أو الحرم المكّي، وله أهمّيّةٌ، إلّا أنَّه يتوقّف على أن تكون السورة مكّيّة، أو يُراد به المدينة على تقدير كونها مدنيّةً.
فإن قلت: إنَّ المراد مكّة وإن كانت مدنيّةً.
قلنا: هذا منافٍ لقوله تعالى: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} إلّا إذا أُريد به بلدٌ آخر وأنَّ المشار إليه غيره، وهو خلاف السياق قطعاً.
فإن قلت: فإنَّه ليس للمدينة أهمّيّةٌ كمكّة، وخاصّة قبل دفن النبي’ فيها.
قلنا: أوّلاً: إنَّ لها أهمّيّة، وخاصّة مع وجود النبي’ فيها، كما أشارت الآية.
ثانياً: أنَّه لا ضرورة ولا أهمّيّة كامنة في اختيار القسم، على أنَّ لهجتها مكّيّة، فيكون المراد مكّة.
وقد يكون المراد بالبلد نفس رسول الله’، وهي لا تشعر بالأنانيّة، ولكنّها هكذا في الظاهر، فلذا يقول: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}(1).
وقد يُقال: إنَّ المراد نفس أيّ مؤمنٍ، ورسول الله حالٌّ فيها، وهو أحد تفاسير قولهم^: >أنفسكم في النفوس<(2).
****
قوله تعالى: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}:
قال الراغب: أصل الحلّ حلّ العقدة، ومنه قوله عزّ وجلّ: {وَاحْلُلْ
ــــــ[186]ــــــ
(1) سورة البلد، الآية: 2.
(2) مَن لا يحضره الفقيه 2: 615، زيارة جامعة لجميع الأئمّة^، الحديث 3213، تهذيب الأحكام 6: 99، باب زيارة جامعة لسائر المشاهد، الحديث 1، وبحار الأنوار 99: 131، الزيارات الجامعة التي يُزار بها كلّ إمام×، الحديث 1.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي}(1) حللت نزلت أصله من حلّ الأحمال عند النزول. ثُمَّ مردّ استعماله للنزول فقيل: حلّ حلولاً وأحلّه غيره. قال عزّ وجلّ: {أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ}(2) {وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ}(3). ويقال حلّ الدين: وجب أداؤه. والحِلّة القوم النازلون وحيّ حِلال مثله (أي: مسكون) والمحلّة مكان النزول … ورجل حلال ومحلّ إذا خرج من الإحرام أو خرج من الحرم. قال عزّ وجلّ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}(4). وقال تعالى: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}(5) أي: حلال(6).
ومعه فيمكن أن نفهم من الحلّ عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: ما قاله في >الميزان< من أّنه من حلّ إذا نزل على أنَّه اسم فاعلٍ أو بمعناه (حالّ)(7).
الثانية: ما ذكره الراغب آنفاً أنَّه من التحلّل من الإحرام(8) يعني: غير محرمٍ، وهو عجيبٌ.
الثالثة: أنَّه مصدر حلّ إذا نزل. ووصف به الذات مجازاً، كما قيل: زيدٌ عدلٌ.
الرابعة: أصله من الحلّة، أي: القوم النازلون، وهذا بمنزلة الجمع،
ــــــ[187]ــــــ
(1) سورة طه، الآية: 27.
(2) سورة الرعد، الآية: 31.
(3) سورة إبراهيم، الآية: 28.
(4) سورة المائدة، الآية: 2.
(5) سورة البلد، الآية: 2.
(6) مفردات ألفاظ القرآن: 127-128، مادّة (حل).
(7) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 289، تفسير سورة البلد.
(8) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 128، مادّة (حل).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ومفرده حلّ.
الخامسة: ما نقله في >الميزان<: من أنَّ المستحلّ الذي لا حرمة له يعني: يستحلّ حرمة النبي فيه(1).
والواو حاليّة في قوله: (وأنت) يعني: لا أُقسم بالبلد بمجرّده ولا مع ساكنه ولا مع الكعبة المشرّفة التي فيه، بل من أجل وجودك فيه أو مع وجودك فيه.
****
قوله تعالى: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ}:
الواو عاطفة على الحال، أو عاطفة على القسم، أو هي للقسم.
والأُطروحات في الآية عديدةٌ:
الأُولى: ما اختاره في >الميزان< من أنَّه إبراهيم وابنه؛ لأنَّ ذكرهما هو المناسب مع ذكر البلد الحرام؛ فإنَّهما هما اللذان بنيا الكعبة(2). والظاهر عدم تعيّنه في مقابل الأُطروحات الأُخرى. وقيل: المراد إبراهيم وأولاده العرب. وجوابه: أن العبريّين أيضاً أولاده، فكان ينبغي القول: إسماعيل وأولاده العرب.
الثانية: أنَّ المراد النبي ووالده، وهو المناسب لقوله: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}، إلّا أنَّه لا يتعيّن في مقابل الاحتمال التالي.
الثالثة: أنَّ الوالد هو النبي والولد هو الزهراء أو المعصومون، أو هو الحجّة لكلّ العباد، أو هو مطلق العلويّين، أو هو الحجّة القائم×.
الرابعة: أنَّ المراد مطلق الوالد والولد من البشريّة، في اشارة إلى الوجه
ــــــ[188]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 289، تفسير سورة البلد.
(2) أُنظر المصدر السابق20: 290، تفسير سورة البلد.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الاعجازي في ذلك.
وهو المشار إليه في >الميزان<: وقيل: المراد آدم وذرّيّته جميعاً بتقريب أنَّ المقسم عليه هو خلق الإنسان في كبد. وأشكل عليه بعدم المناسبة بين البلد والوالد والمولود على هذا التفسير(1).
وقيل: آدم والصالحون من ذرّيّته. وفيه تنزيه الله من أن يقسم بأعدائه الكفّار والمفسدين(2).
أقول: والإشكال غير واردٍ؛ لأنَّ القسم بالعنوان دون التفاصيل.
وقيل: كلّ والدٍ وكلّ ولد. وقيل: من يلد ومن لا يلد منهم، بأخذ (ما) في (ما ولد) نافيةً لا موصولةً(3). ويؤيّده كونها لغير العاقل في حين يناسب وجود (من).
أقول: يُلاحظ عليه:
أوّلاً: أنَّ المولود أوّل ولادته غير عاقلٍ عرفاً.
وثانياً: أنَّها شاملةٌ لغير العاقل، والمجموع غير عاقلٍ.
وقال في >الميزان<: تكرار هذا البلد للتعظيم(4).
أقول: أو للتعجّب أو للنسق.
وقال: تنكير الوالد للتعظيم(5) أو لبيان العموم أو لبيان الفرد الأهمّ، أو
ــــــ[189]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 290، تفسير سورة البلد.
(2) راجع الأقوال الواردة في المصدر السابق 2: 290-291.
(3) راجع الأقوال الواردة في المصدر السابق.
(4) أُنظر المصدر السابق.
(5) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الأعمّ.
وقال: وقيل: الجملة معترضةٌ بين القسم والمقسم به، والمراد بالحلّ المستحلّ الذي لا حرمة له. قال في >الكشّاف<(1): يعني: يستحلّون حرمة النبي’(2).
أقول: بل هي جملةٌ معطوفةٌ، والعطف مستمرٌّ في الإعراب لغةً ونحواً، فلا يصدق عليها أنَّها جملةٌ معترضةٌ. وإنَّما المعترضة ما تكون مقطوعةً إعرابيّاً عمّا قبلها، وهي هنا ليست كذلك.
****
قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}:
جواب القسم، واللام واقع في الجواب.
أقول: هذا على تقدير وجود القسم في أوّل السورة. وأمّا على تقدير عدمه كما على بعض الوجوه – لا سيّما أنَّ المراد به نفي القسم- فنفيه جواباً، فتكون الجملة مستأنفةً، وتكون اللام للتأكيد لا أكثر. وإن كانت قد تسمّى لام القسم لأنَّنا قلنا: إنَّ اللام المذكورة إذا دخلت على الاسم سمّيت لام الابتداء، وإن دخلت على الفعل سمّيت لام القسم. وهي هنا داخلةٌ على الفعل سياقاً وإن كانت داخلةً على الحرف لفظاً.
ولم يذكر (كبد) في >المفردات< ولم ينقله عنه في >الميزان<، بل فسّره بالكدّ والتعب(3)، وهذا أُطروحةٌ شاذّةٌ، وهي زيادة الباء في الكدّ لتصبح كبد، وهو
ــــــ[190]ــــــ
(1) أُنظر: الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل 4: 753، تفسير سورة البلد.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 289-291، تفسير سورة البلد.
(3) أُنظر المصدر السابق 20: 291، تفسير سورة البلد.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ما لا يقبله المشهور.
وإنَّما نطرح هنا أُطروحةٌ لغويّةٌ فنقول: إنَّ الكبد أصله العضو في الإنسان كالقلب والرئتين. وقد يحلّ محلّ القلب نفسه للخلط بينهما عرفاً، فيقال: أنت قلبي، كما يقال: أنت كبدي. وهذا العضو العرفي هو موطن العواطف من الحبّ والبغض والكره والراحة والتعب. وحيث إنَّ الأعمّ الأغلب في الدنيا هي تعبٌ، والتعب ينتج سرعة وفاة القلب، إذن يتصوّر العرف أنَّ القلب هو الذي يتعب أو يتجلّى التعب فيه قبل غيره. فإذا خلط العرف بين القلب والكبد قال: إنَّ الكبد هو الذي يتعب، فصفته الغالبة من الدنيا هي التعب. ومن هنا قيل: يكابد أي: يتحمّل صعوبةً شديدةً من بلاء دنيوي: كالمرض أو الفقر أو سوء أخلاق بعض أسرته أو غير ذلك. وقد أصبح مشتقّاً، كابد يكابد مكابدة، مع أنَّ الكبد اسمٌ جامدٌ. فنقول: إنَّ المعنى: لقد خلقنا الإنسان في مكابدةٍ ناتجةٍ من البلاء. ولكن لماذا استعمل كبد بدل المكابدة؟
ويمكن الجواب عنه:
أوّلاً: أنَّ كلّا منهما مصدرٌ.
وثانياً: أنَّه وإن كان اسم ذاتٍ، إلّا أنَّه أولى بالذكر؛ لأنَّه الأصل في إدراك المكابدة والإحساس بها، والمكابدة قد تحصل وقد لا تحصل، مع أنَّ الكبد مستمرٌّ دائماً.
إلّا أنَّ هذا الوجه وإن كان مشهوراً بالنتيجة، إلّا أنَّه يجعل الظرفيّة (في) مجازاً، كما هو ظاهرٌ، وفيه تكثيرٌ لظاهرة المكابدة والتعب، وهذا حسنٌ، إلّا أنَّ المجاز خلاف الأصل وخلاف الظاهر، كما أنَّ حمل الكبد على معناه الأصلي
ــــــ[191]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أولى وأنَّ التعب أصله مجازي أيضاً، وإن قلنا: إنَّه أصبح حقيقيّاً، إلّا أنَّه ليس أصليّاً.
فإن حملنا الكبد على معناه الأصلي طرأ إشكال حاصله: أنَّ الكبد في الإنسان لا الإنسان في الكبد.
وجوابه أحد أمرين:
الأوّل: أنَّه من الظرفيّة المقلوبة، كقولنا: أدخلت الخاتم في إصبعي، وهي جائزةٌ في اللغة.
الثاني: إعطاء أهمّيّةٍ للكبد وآثارة الطيّبة والعاطفيّة والاجتماعيّة، فكأنَّ الإنسان يعيش فيه لا العكس، وخاصّة إذا التفتنا أنَّه يلزم من عدمه عدمه، أي: من عدم الكبد عدم الإنسان، ولا يصدق أنَّه يلزم من عدم الإنسان عدم الكبد؛ لكونه سالبةً بانتفاء الموضوع.
****
قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ}:
أيحسب، أي: الإنسان.
أمّا قوله: أحد، فالمراد به الجزئي لا الكلّي، وهو الله، وهو أحد الأسماء الحسنى؛ لأنَّ فرض الكلّيّة يواجه إشكالاً هنا، وهو: أنَّه لا يوجد شخص يحسب ذلك. نعم، الملحد أو الغافل يحسب أن لا يقدر عليه الله. إذن فالمراد هو الله على أُطروحة الجزئيّة والكليّة في أحد. وعلى تقدير فهم (الكلّي) يمكن تقديرها: (أيحسب أن لن يقدر عليه أحدٌ حتّى الله أو إطلاقاً)، وإلّا فالنظر إلى الأسباب موجودٌ مرهوبٌ من قبل أهل الدنيا مهما كانت أهمّيّتهم.
فإن قلت: لعلّ النظر إلى أُولئك الأقوياء المتمكّنين في الملك جدّاً.
ــــــ[192]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قلنا: هذا نادرٌ جدّاً، ولعلّه واحد بالمليار من مجموع البشر، مع أنَّ الضمير يعود إلى الإنسان عموماً.
فإن قلت: فإنَّه يعود إلى الغافلين عن بلاء الدنيا وعن الموت.
قلنا: هذا راجع إلى الغفلة عن الله. وأمّا الغفلة عن الأسباب فلا تحصل، بل كلّما كان أذكى كان أشدّ حذراً.
فإن قلت: لعلّ المراد به الإنسان المطلق لا مطلق الإنسان.
قلنا: يُلاحظ عليه:
أوّلاً: أنَّه ليس في كبدٍ ولا تعبٍ؛ لأنَّ لديه تسليماً.
وثانياً: أنَّه يراقب الله سبحانه ولا يحسب ما في الآية الكريمة.
والسياق في الآية له عدّة معانٍ بلحاظ الماضي والمستقبل.
قال الراغب: القدرة إذا وصف بها الإنسان فاسمٌ لهيئةٍ له بها يتمكّن من فعل شيءٍ مّا … والقدْر والتقدير تبيين كمّيّة الشيء يُقال: قدرّته وقدرته(1). أقول: وهو التحديد إمّا إثباتاً وإمّا ثبوتاً بنحو الاشتراك اللفظي. وهو في الآية محتملٌ، إلّا أنَّه يريد صعوبته، لا أنَّه يناسب حاله، إلّا أن يُراد من الكبد ما لا ينافي المال والسيطرة؛ فإنَّها أيضاً سببٌ للتكبّد أو بمعنى: أنَّه يقلّل مكابدته.
إن قلت: إنَّ (لن) للاستقبال.
قلنا: نعم، إلّا أنَّ مَن يقدر عليه في المستقبل يقدر في الماضي.
نعم، أُطروحة المستقبل فقط مدفوعةٌ بـ(لن)، لكن العموم يستفاد بالتجريد عن الخصوصيّة.
والقدرة (من مادّة يقدّر) هنا كلّيّة حسب ما يأتي به القادر نفسه. فإن
ــــــ[193]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 409، مادّة (قدر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
كان نظرنا إلى الأسباب كانت شرور الدنيا عديدةً، وإن نظرنا إلى المسبّب كانت عديدةً أيضاً، دنيويّة وأُخرويّة. والمهمّ أنَّ الأمر ليس خاصّاً بما ذكره في >الميزان< من أنَّه لا ينال شيئاً ممّا يريد إلّا دون ما يريد أو غير ما يريد، فهو محاطٌ في خلقه مغلوبٌ في إرادته( ).
أقول: هذا وإن كان صحيحاً، إلّا أنَّ الأهمّ- حسب فهمي في الآية- هو التهديد بالهلاك، أو استعجال العقوبة ونحو ذلك. ولعلّه إليه الإشارة بقوله× في الدعاء: >ولو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته<( ).
وقد تكون القدرة له وقد تكون عليه.
فإن قلت: إنَّها عليه.
قلنا: أوّلاً: هو إشارةٌ إلى الاستعمال.
ثانياً: إنَّ الضمير يعود إلى الكبد.
****
قوله تعالى: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً}:
التلبّد التجمّع والكثرة. يقال: تلبّدت السماء بالغيوم وتلبّد المتاع وتلبّدت المتاعب ونحو ذلك. ولُبد صفةٌ مشبّهةٌ يعني: تلبّد. وهذا من باب إعطاء صفةٍ متدنيّةٍ من باب الذم لمتعلّقها، وهو المال. ولذا لم يقل كثيراً أو جليلاً مع أنَّه يعطي نفس المعنى؛ لأنَّ المال ليس بجليل المنزلة عند الله.
ــــــ[194]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 391، تفسير سورة البلد.
(2) مصباح المتهجّد: 582، دعاء السحر في شهر رمضان، الإقبال: 67، فصل: فيما نذكره من أدعيةٍ تتكرّر كلّ ليلةٍ من وقت السحر، البلد الأمين: 206، شهر رمضان، ومصباح الكفعمي: 588، دعاء السحر لعلي بن الحسين×.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فإن قلت: إنَّ فاعل (يقول) هو الإنسان، وهو يعتقد أنَّ ماله جليلٌ.
قلنا: نعم، والجواب عنه في ضوء عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: أنَّه يقول ذلك في وقت الندم كيوم القيامة أو حال الاحتضار.
الثانية: أنَّ ذلك حين لا يكون مقتنعاً بالعطاء والإنفاق.
الثالثة: أنَّه نقلٌ بالمعنى مع زيادة كقوله: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُون}(1).
(والمال) عند العرب ليس هو النقد بل الحيوانات، كما لم تكن عندهم زراعةٌ، ولذا ورد (أهلكت) أي: قتلت وذبحت مالاً وحيواناتٍ كثيرةً، إمّا يأكلها أو يبيعها ونحو ذلك، وكلّه يؤول إلى هلاكها.
أقول: ولكن هذا لا ينافي فهم العموم من القرآن، كما في سياق كلام صاحب >الميزان<(2) بأن نفهم النقد أو الأعمّ من النقد والعين أو الأعمّ من النقد والعين والحيوان والأراضي والرياش وغيرها، أو كلّ ما هو مالٌ عرفاً وعقلائيّاً، كما يقال فقهيّاً: ممّا يتموّل، ويكون (أهلكت) بمعنى: صرفت وبذّرت ونحوهما. وعلى أيّ حالٍ فهي أيضاً في سياق الذمّ كقوله: (لبداً).
فإن قلت: الحيوانات لا تتلبّد.
قلنا: التلبّد هو مجرد التجمّع. وأمّا أن تكون الأجزاء بعضها فوق بعضٍ فهذا من مصاديقه، وليس من أصل مفهومه.
ويحتمل أن يكون (لبدا) حالاً من الحاجات المصروف عليها المال والمعروفة بلفظ المال، وكان المال سبباً إليها، يعني: حاجاتٍ كثيرةً جدّاً، ومسؤوليّتها متجمّعةٌ أو هي كذلك.
ــــــ[195]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 82، وسورة النمل، الآية: 56.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 292-293، تفسير سورة البلد.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
كما أنَّ هناك أُطروحة أُخرى مفادها: أنَّ لَبَد مقلوب بلَد أو بلُد بالضمّ، ويراد بها البلادة والبلاهة في التفكير.
ويقال: متبلّد ومتلبّد، ويقال: إنسان يلبد، فيكون المراد: إنَّما صرف أموالاً كثيرةً ببلادةٍ وبلاهةٍ وغفلةٍ؛ لأنَّ نتائجها كانت وخيمةً. أو إنَّ الحاجات التي صرف فيها الأموال كذلك. ثُمَّ إنَّنا نستطيع أن نفهم نفس المعنى من (لبدا) من دون كونها مقلوبة؛ لأنَّ الذي تلبّد ذهنه تبلّد أيضاً. يقال: متبلّد ومتلبّد، وهو الذي لا يلتفت إلى الخصوصيّات والمطالب الدنيويّة التي تحتاج إلى ذكاءٍ، فيكشف الإنسان في نهاية المطاف أنَّ ذهنه وذكاءه كان مجرّد بلادةٍ وبلاهةٍ؛ لأنَّه لم ينظر إلى الواقعيّات ولم يأخذ الآخرة بنظر الاعتبار. وعلى كلّ حالٍ فهذا معناه أنَّ (لبدا) حالٌ من التاء في أهلكت، وهو الفاعل.
وأفاد في >الميزان<(1): أنَّ سياق الآيات إلى آخر السورة مشعرٌ بأنَّ هناك بعض مَن أظهر الإسلام أو مال إليه فقد أنفق بعض ماله وامتنَّ به مستكثراً له بقوله: {أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً}(2).
والجواب عنه – مع غضّ النظر عن سياق السورة-: أنَّ صحّة هذا الكلام يتوقّف على أمرين:
الأوّل: أن يكون المخاطب بأهلكت هو المجتمع بحيث يمنَّ عليه الفرد بذلك، وهو خلاف الظاهر، بل المراد الاعتراف بالذنب أمام نفسه أو أمام ربّه نتيجةً للندامة وانكشاف الواقع.
الثاني: أنَّه يراد به قليل الإيمان بالإسلام، مع أنَّه لا يتعيّن ذلك، مهما
ــــــ[196]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 291-292، تفسير سورة البلد.
(2) سورة البلد، الآية: 6.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فهمنا سبب الكلام أو المخاطب فيه؛ فإنَّ الكفّار قد يقولون ذلك أيضاً.
أضف إلى ذلك أنَّ انطباقه على ضعاف الدين غير ممكنٍ؛ بقرينة نهاية السورة؛ لأنَّها تقول: {ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}(1). ولا موجب لهذه القرينة. نعم، مراد صاحب >الميزان<: أنَّه من دون اقتحام العقبة لا يحصل ذلك، وهو هدف السورة.
****
قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ}:
استفهامٌ استنكاري، كما ذكر ذلك صاحب >الميزان<(2) ولم يذكره في الاستفهام السابق. وهنا يأتي نفس الكلام السابق في (أحد)؛ لأنَّه لا يوجد أحدٌ يحسب ذلك، فيراد به سبحانه، سواء كان المراد الكلّي أم الجزئي. وهذا لا ينافي ما قلناه هناك من إمكان الشمول لغيره، وهو الأسباب؛ لأنَّ الخوف من الأسباب معقولٌ وأنَّ عدم الرؤية بالأسباب غير معقولٍ. وبهذا يختلف الاستفهامان، إلّا أن يراد من الأسباب ما يناسب الرؤية.
والرؤية لها أُطروحاتٌ:
منها: الرؤية المباشرة، والله سبحانه يرى ذلك حتّى لو كنّا مستورين؛ لأنَّه أبصر الناظرين وأسمع السامعين {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}(3) وما من ثلاثةٍ إلّا هو رابعهم {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ}(4) … الخ.
ــــــ[197]ــــــ
(1) سورة البلد، الآية: 17.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 292، تفسير سورة البلد.
(3) سورة الحديد، الآية: 4.
(4) سورة المجادلة، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ومنها: العلم، والله تعالى عليمٌ فوق كلّ علمٍ.
ومنها: الإحاطة والسيطرة المقرونة بإمكان العقاب. ومن هنا فهمنا منها معنى التهديد، أو فهم التهديد من رؤية الله أو علمه بالعصيان.
فإن قلت: فإنَّه ليس في الآية السابقة إشارة إلى الحرام {أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَدًا}.
قلنا: أوّلاً: هذا هو الغالب في موارد الغفلة: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ}(1).
وثانياً: لعلّ (لبدا) يُراد به تلبّد المسؤوليّة، وهي لا تكون إلّا من الحرام.
وثالثاً: إنَّه مع التنزّل فالمسؤوليّة الأخلاقيّة موجودةٌ فعلاً حتّى في الحلال؛ لأنَّ نفس زيادة الصرف مخلٌّ بجانب الأخلاق.
****
قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ}:
استفهامٌ أفرادي لأخذ الأفراد بالنعم، وبالقدرة التي أوجدت هذه الآيات. وهذا الاستفهام مسوقٌ لأجل البرهان على الاستفهامين السابقين وأنَّ الله تعالى يراه ويقدر عليه، وهو واضحٌ. وحاصل الدليل: أنَّ الذي فعل ذلك لا شكّ أنَّه عالمٌ قادرٌ. فمن ناحية علمه يراه، ومن ناحية قدرته يقدر عليه. أو بتقريبٍ آخر: إنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، فيلزم الإقرار بأنَّ هذا هو عطاء الله سبحانه. إذن فالله عنده مثل ذلك، لا أعني الجوارح، بل نشاط تلك الجوارح وصفاتها الرئيسية بالشكل الذي يناسب ذاته. فحيث يرى الإنسان
ــــــ[198]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 267.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
بعينيه إذن فالله يرى؛ لأنَّه أعطى الرؤية، وحيث إنَّ الإنسان ينطق، فالله تعالى ينطق وهو متكلّمٌ وقد كلّم موسى تكليماً. وحيث إنَّ الإنسان عاقلٌ وعالمٌ ومدركٌ للنجدين – وهو طريق الحقّ وطريق الضلال- فالله تعالى أيضاً عاقلٌ وعالمٌ ؛ لأنَّه أعطى العلم والعقل. ولكن الله تعالى لا يوصف بالعقل لا لأنَّه لا عقل له، بل لأنَّه فوق العقل ومستغنٍ عن العقل ومطّلع على أُمورٍ كثيرةٍ لا نهاية لها تخفى على العقل. ونسبة العقل إليه كنسبة الشمعة إلى نور الشمس.
نعم، يوصف الموجود الأوّل بالعقل، فيسمّى بالعقل الأوّل؛ لأنَّ خصّيصته الرئيسية هي الإدراك؛ حيث يدرك ذاته وعلّته بالعلم الحضوري، ويدرك غيره بالعلم الحصولي.
****
قوله تعالى: {وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ}:
لماذا التخصيص باللسان والشفتين؟ ولماذا ذكر الشفتين ولم يذكر السمع؟
ولماذا قال: (لساناً وشفتين) مع أنَّه يكفي أحدهما للرمز عن النطق؟
والجواب عنه:
أولاً: أنَّ كلاً منهما يساعد على النطق، ولا سبيل إليه بدونهما معاً.
ثانياً: أنَّ كلاً منهما يساعد على نطق بعض الحروف، فمجموعها يساعد على الجميع.
فإن قلت: فإنَّ من الحروف ما لا يكون لسانيّاً ولا شفويّاً بل حلقيّاً، كالحاء والهاء.
قلنا: هذا ممّا لا يعرفه الناس يومئذٍ ويتخيّلون اعتماد الحروف كلّها على
ــــــ[199]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
هذين العضوين، بل على اللسان فقط، وقد أضاف الشفتين أيضاً. مع أنَّ أكثر الحروف بهذين، والحروف الحلقيّة قليلةٌ، فقد ذكر الأغلب مورداً.
ثالثاً: أنَّه إشارةٌ إلى مرتبتين من القدرة الكلاميّة، فالشفّة هي القدرة البسيطة، واللسان هو القدرة العالية. يُقال: هو لسنٌ وذو لسانٍ أي: ذو نطقٌ جيّدٌ.
وبتعبيرٍ آخر: إنَّ الشفتين لمطلق النطق واللسان للنطق المطلق، وإنَّما قدّم اللسان للنسق.
ولماذا ذكر (الشفتين) ولم يذكر اليدين أو الرجلين، مع أنَّه موافقٌ مع النسق ومع ذكر النعم؟
ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الأوّل: بما عرفناه من أنَّ النطق لا يتمّ إلّا بهما مع اللسان.
الثاني: أنَّه اختياري للمتكلّم.
الثالث: أنَّه هو المرتبط بالمعاني السابقة، وهو ما يدلّ على عقل الإنسان بخلاف يديه ورجليه؛ فإنَّ للحيوان مثلها، وليس للحيوان نطقٌ ليتمّ الدليل السابق: أنَّه أعطى العقل وأعطى النطق الذي من سنخه.
ولماذا لم يذكر السمع، مع أنَّه لا ينافي النسق، كما لو قال: ولساناً وأُذنين؟
والجواب عنه: أنَّه لا ربط له بالسابق من ناحيتين:
الأُولى: أنَّ حراسة المال تكون بالعين لا بالاذن، ولذا يقال: هو عينٌ على ماله يعني: حارسٌ. وأمّا قوله: {هُوَ أُذُنٌ}(1) فيراد به تصديقه لكلّ ما يقال له.
الثانية: أنَّ الدليل الأساسي في السياق لا يتوقّف على السمع؛ فإنَّ النطق
ــــــ[200]ــــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 61.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أهمّ؛ لأنَّه دالٌّ على العقل الذي يختلف به عن الحيوان.
فإن قلت: فإنَّ البصر يشترك به مع الحيوان كالسمع، فلماذا ذكره؟
قلنا: لأنَّه أهمّ الحواس ظاهراً، وبه الحياة الأساسيّة، بل هو ألزم للإنسان من السمع عرفاً، وإن كان السمع أرسخ في الخلقة؛ لتأخّر ذهابه عن البصر، إلّا أنَّ هذا ممّا لا يفهمه العرف، والآية وردت مجاراةً للعرف.
قال في >المفردات<: اللسان الجارحة وقوّتها. وقوله: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي}(1) يعني به من قوّة لسانه؛ فإنَّ العقدة لم تكن في الجارحة، وإنما كانت في قوّته التي هي النطق به. ويُقال لكلّ قوم لسانٌ. ولِسنٌ بكسر اللام أي: لغة. قال: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ}(2) وقال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}(3) {وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ}(4). فاختلاف الألسنة إشارةٌ إلى اختلاف اللغات واختلاف النغمات؛ فإنَّ لكلّ إنسانٍ نغمةً مخصوصةً يميّزها السمع، كما أنَّ له صورةً مخصوصةً يميّزها البصر(5).
ومعه يكون للسان عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: الجارحة.
الثانية: كلّ فوائد الجارحة.
الثالثة: اللغة.
ــــــ[201]ــــــ
(1) سورة طه، الآية: 27.
(2) سورة مريم، الآية: 97، وسورة الدخان، الآية: 58.
(3) سورة الشعراء، الآية: 195.
(4) سورة الروم، الآية: 22.
(5) مفردات ألفاظ القرآن: 470، مادّة (لسن).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الرابعة: اللهجة.
الخامسة: النغمة.
السادسة: الإشارة إلى إتمام الخلقة النوعيّة.
****
قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}:
قال في >المفردات<: النجد المكان الغليظ الرفيع (العالي) وقوله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} فذلك مثلٌ لطريقي الحقّ والباطل في الاعتقاد والصدق والكذب في المقال والجميل والقبيح في الفعال (يعني: العلّة والمعلول) وبيّن أنَّه عرّفهما كقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ}(1). والنجد اسم صقعٍ. وأنجده قصده. ورجل نَجِد ونجيد ونَجْد أي: قوي شديد بيّن النجدة. واستنجدته طلبت نجدته، فأنجدني أي: أعانني بنجدته أي: شجاعته وقوته(2).
ومعه تكون له عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: الطريقان كيف كانا.
الثانية: طريقا الحقّ والباطل، وهو معنى مجازي.
الثالثة: مرتفعان مجازيّان في حياة الإنسان، كالفقر والغنى والراحة والتعب والعافية والبلاء والمرض والشفاء وغيرها.
الرابعة: ولعلّ المراد من النجدين النهدين، ولم أجدها في المصادر، وإنَّما ذكره بعضهم، وهو من آيات الله في قدرة الرضيع الصغير على فعالية الإرتضاع. وهذا حملٌ للمذكورات في الآية على معنىً حقيقي وعلى معنىً من
ــــــ[202]ــــــ
(1) سورة الإنسان، الآية: 3.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 503، مادّة (نجد).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الجسد. والمراد هنا من النجدين ارتفاع الثديين أو بيان أنَّهما طريقان للحليب.
ثُمَّ إنَّ قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} نظير قوله: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}(1) والألف واللام عهديّة. وحيث لا يعهد نجدين مادّيّين أو معنويّين، فينصرف إليه الذهن، ويظهر به اللفظ لا محالة، والظهور حجّةٌ. والهداية للنجدين: إمّا بالارتكاز في الذات، وإمّا بالتعريف من الخارج للعقل، وإمّا بكلا الطريقين(2). وقد سبق الكلام عنه في سورة الشمس.
وقال الراغب: الاقتحام توسّط شدّةٍ مخيفةٍ (يعني: من الناحية النفسيّة) قال: {فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ}(3) {هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ}(4). وقحم الفرس فارسه توغّل به فيما يخاف عليه. وقحم فلانٌ نفسه في كذا من غير رويّةٍ. والمقاحيم الذين يقتحمون في الأمر (بقوّة قلب)(5).
أقول: المزيد فيه على شكلين: اقتحم وتقحم، والظاهر أنَّهما بمؤدّى
ــــــ[203]ــــــ
(1) سورة الشمس، الآية: 8.
(2) لماذا عبّر بالهداية في طريق الباطل؟
وجوابه: أوّلاً: أنّ التعبير من باب المجاز كالقمرين والحسنين.
ثانياً: أنّه من باب التسهيل والاختصار.
ثالثاً: أنّ الهداية ليست فعليّةً بل اقتضائيّةً، ومن هنا لم تكن مضرّةً بل نافعةً.
رابعاً: أنّ الهداية وإن كانت فعليّةً، إلَّا أنّها ليست ثبوتيّةً، بل إثباتيّةً لمجرّد التعريف (عرفنا). ومن هنا لا يقبل منه الهدى بهذا المقدار ما لم يكن ثبوتاً فعليّاً، فالضلال بهذا المقدار نافعٌ غير ضارٍّ. (منه+).
(3) سورة البلد، الآية: 11.
(4) سورة ص، الآية: 59.
(5) مفردات ألفاظ القرآن: 408، مادّة (قحم).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
واحدٍ، إلّا أنَّ العرف يستعمل الأوّل للعمد والآخر للخطأ. يقال: تقحّمت به المهالك أي: على غير توقّع. ومنه ما في نهج البلاغة: >فصاحبها كراكب الصعبة: إن اشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم<(1).
وقال الراغب أيضاً: العقبة طريقٌ وعرٌ في الجبل، والجمع عُقُبٌ وعِقابٌ(2).
أقول: بعد التجريد عن الخصوصيّة يعمّ كلّ مانعٍ عن السير، فهو عقبةٌ حتّى لو كان هناك نهي شخصي أو مصلحة شخصٍ. يقال: عقبةٌ في طريقي، وكذلك لو كان السير مجازيّاً كالتجارة أو الهداية.
****
قوله تعالى: {فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ}:
أصبحت تلك الأمور: (ألم نجعل) كما هي حجّةٌ على سابقها وبرهانٌ عليه، فتكون حجّةً على لاحقها وبرهاناً عليه؛ لأنَّ الفرد الذي يتّصف بكلّ تلك الصفات ويفتح له طريق النجدين وخاصّة طريق الهدى لا يحسن أن يهمل قابليّاته ولا يتقدّم بها نحو الكمال. وهذا التقدّم فيه عقبة تحتاج إلى اقتحامٍ. والعقبة نحوٌ من المانع عن السير يصعب تجاوزه، إمّا لوعورته وإمّا لارتفاعه ونحو ذلك. ويحتاج تعدّيه وتجاوزه إلى همّةٍ كبيرةٍ سمّاها بالاقتحام؛ لأنَّه سلوكٌ صعبٌ ينبغي أن لا تأخذ الفرد فيه في الله لومة لائمٍ.
قال في >الميزان<: وقيل: الجملة دعاءٌ على الإنسان القائل: (أهلكت مالاً لبداً) والدعاء من الله: لأنَّه ثمنٌ لما هو ممكنٌ أو لأنَّه دعاءٌ لنفسه أو لأنَّه دعاءٌ
ــــــ[204]ــــــ
(1) نهج البلاغة: 48، الخطبة 3.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 353، مادّة (عقب).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ليقرأه ويدعوه غيره سبحانه(1).
أقول: يصلح ذلك أن يكون أُطروحةً، ويراد به المستقبل، فيدعو عليه بالضلال وعدم السير في طريق التكامل.
وعلى كلا التقديرين فهو للمستقبل، وإن كان بالمطابقة للماضي.
وأمّا بدء الآية بالنفي بالقول: {فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} فهو:
أوّلاً: حديثٌ عن الغافلين، كما سبق عن الله وعن رؤيتة وقدرته.
وثانياً: حديثٌ عن النادمين المعترفين بذنبهم {أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَدًا}. والغرض منه الإخبار عن أنَّه خلال ذنوبه وغفلته لم يكن قد اقتحم العقبة.
وثالثاً: إخبارٌ عن غالب الناس، وهم غافلون ولا يستغلّون قابليّاتهم في الخير.
****
قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ}:
قال في >الميزان<: تفخيمٌ لشأنها(2).
أقول: والوجه فيه ما يلي:
الأوّل: التعجّب فإنَّها من صيغ التعجّب كقوله: ما أحسنها.
الثاني: الاستفهام الاستنكاري، يعني: أنَّ العقبة فوق الإدراك الطبيعي أو العرفي. وأمّا إرادة النبي’ وغيره فقد سبق في أمثاله، فلا نكرّر.
****
ــــــ[205]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 293، تفسير سورة البلد.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قوله تعالى: {فَكُّ رَقَبَةٍ}:
أي: عتقها وفكّها من العبوديّة، بتقدير مضافٍ، بل من دونه؛ لأنَّه بمنزلة: أعتق عبداً أو بمعنى: فكّ الرقبة عن رقّها، وليس فكّ الرقّ عنها.
أي: اقتحام العقبة فكّ رقبةٍ، أو العقبة فكّ رقبةٍ.
قال في >الميزان<: فالمراد بالعقبة نفس الفكّ الذي هو العمل واقتحامه الإتيان به، والإتيان بالعمل نفس العمل. وبه يظهر فساد قول بعضهم: إنَّ فكّ رقبةٍ اقتحامٌ للعقبة لا نفس العقبة، فهناك مضافٌ محذوفٌ يعود إليه الضمير، والتقدير: وما أدراك ما اقتحام العقبة هو – أي: الاقتحام- فكّ رقبةٍ(1).
ويُلاحظ عليه: أنَّ قوله: (هو فكّ رقبة) حملٌ شائع لا حملٌ أوّلي، فلا يفيد اتّفاقهما بالمفهوم بل بالمصداق، يعني: أنَّ الاقتحام أو العقبة مصداقه فكّ رقبةٍ. ولا ملازمة بين الآيتين. وهذا مضموناً ما لم يوافق عليه السيّد الطباطبائي+، وليس هو بعينه كما زعم الطباطبائي+، لكنّه لا يحتاج إلى تقديرٍ؛ لأنَّ (فكّ) خبرٌ يحتاج إلى تقدير مبتدأ ومتعلّقٍ، ولا تصلح أن تكون العقبة مبتدأ له. والضمير يعود إليها؛ لأنَّه الأقرب، وهي بالعقبة أشبه لو لاحظنا مادّة الفكّ. وأمّا إذا لاحظنا الهيئة المصدريّة فهي بالاقتحام أشبه. والاقتحام بعيدٌ لفظاً، مع أنَّه من مادّة اقتحم، وهو غير موجودٍ لفظاً. وأمّا العقبة فهي موجودةٌ وقريبةٌ، فيراد به نفس الفكّ كاسم مصدرٍ. ولو لاحظناه كمصدرٍ لكان على معنى الاقتحام.
ــــــ[206]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 293، تفسير سورة البلد.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
كما أنَّه يرد على كلام الطباطبائي: بأنَّ كون الفكّ ليس هو المصداق الوحيد، بل وردت الإشارة أيضاً إلى الإطعام وغيره، فلو كان هو هو بالحمل الأوّلي لكان هذا العطف لغواً.
والمراد من فكّ الرقبة أُمورٌ:
منها: عتق رقبة، يعني: عبد مملوك، فإنَّه >مَن أعتق رقبةً فكّ الله بكلّ عضوٍ من أعضائه عضواً من النار<(1). والفكّ هنا الانفصال بين جزئين، وهما هنا الرقّيّة والرقبة. ويمكن أن يجاب عنه: بأنَّ الرقّيّة بمعنى المماليك لم تكن موجودةً في عصر الصدور وعصر النبي’، ولم يكن هناك سوقٌ للنخّاسة، فمقتضى كلام الناس على قدر عقولهم إلغاء هذا المعنى.
فإن قلت: كانت الرقّيّة معروفةً لديهم إجمالاً، وهذا يكفي.
قلنا: نعم، إلّا أنَّ امتثال ذلك ضروري في الآية، فإذا لم يكن موجوداً أو كان قليلاً، فماذا يفعل الناس؟ فيكون تحويلاً على النادر، مع العلم أنَّه تكليفٌ للجميع، وهو غير محتملٍ.
ومنها: فكّ رقبة من مصاعبها(2)، كالدين الفادح أو المرض أو السجن أو الضلال ونحوها. فالرقبة يراد بها الغير، والفكّ هو التسبيب لدفع النقص والبلاء أيّاً كان. وهو أمرٌ راجحٌ أكيداً، وفيه رضاء الله سبحانه، وهو أحد مصاديق العقبة، إلّا أنه أوسع من المعنى الأوّل؛ لأنَّه يندرج ضمن الثاني؛ لأنَّ الرقّيّة من جملة المصاعب.
ــــــ[207]ــــــ
(1) مستدرك الحاكم 2: 211، كنز العمّال 10: 318، الحديث 29586، وتفسير القرطبي 20: 69، تفسير سورة البلد.
(2) لأنّها مرهونةٌ أو مرتهنةٌ بها، ففكّها من رهنها. (منه+).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ومنها: أنَّه يفكّ رقبته من النار بأُصول الدين أو بفروع الدين بالالتزام بالعدالة والورع بالإتيان بالواجب وترك المحرّمات.
ومنها: أن يفكّ نفسه من أسر حبّ الدنيا وحبّ الشهوات والنظر إلى الأسباب ونحو ذلك. وهناك انعتاقات أُخرى أعلى منها يعرفها مَن يصل إليها. وكلّها ذات عقباتٍ كؤودٍ، كما قال مولانا أمير المؤمنين×: >آه آه من قلّة الزاد وطول الطريق وبعد السفر وعظيم المورد<(1).
ومنها: المعنى الجامع بين كلّ هذه الوجوه على أن يكون مسيطراً على الفرد تماماً بمنزلة الرقّ أو السجن.
وقال العكبري: (فكّ رقبة) وهو فعل سواء كان بلفظ الفعل أو بلفظ المصدر، والعقبة عينٌ فلا تفسّر بالفعل. فمَن قرأ (فكّ وأطعم) فسّر المصدر بالجملة الفعليّة؛ لدلالتهما عليه. ومن قرأ (فكّ رقبة أو إطعام) كان التقدير: هو فكّ رقبةٍ، والمصدر مضافٌ إلى المفعول، وإطعام غير مضافٍ، ولا ضمير فيهما؛ لأنَّ المصدر لا يتحمّل الضمير. وذهب بعض البصرييّن إلى أنَّ المصدر إذا عمل في المفعول كان فيه ضميرٌ كالضمير في اسم الفاعل(2).
****
قوله تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ}:
يعني: بذل الطعام وإن كان بالمطابقة إدخال الطعام في الفم. والطعام معروفٌ، وهو الذي يبذل للآخرين لدى الجوع، وهو المسغبة. إلّا أنَّ الجوع على
ــــــ[208]ــــــ
(1) إشارة إلى ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين× في نهج البلاغة: 480، الحكمة 77.
(2) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 287، سورة البلد.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أشكالٍ: جسمي ونفسي وعقلي وروحي، فيكون المراد بالإطعام كلّ ما يناسبه.
قال في >الميزان<: المسغبة المجاعة(1). ولكن لابدّ من تحليلها.
أمّا المادّة فقد أفاد الراغب: أنَّ السغب هو الجوع مع التعب. وقد قيل: في العطش مع التعب. يقال: سَغَب سَغَباً وسُغُوباً، وهو ساغِبٌ وسَغْبان نحو عطشان (وجوعان)(2).
وأمّا من حيث الهيئة فهو اسم مكانٍ؛ لأنَّ مفعل بفتحتين كمقتل اسم مكانٍ، ومثله مفعل بفتح وكسر كمسجدٍ. وأمّا إذا كان أوّله مكسوراً فهو اسم آلةٍ كمكنسةٍ، فمسغب بالفتح هو مكان السَغَب. ومسغبة مؤنّثٌ، والتأنيث هنا لا أثر له لغةً، وإن كان الغرض إفادة معنى الشدّة والسعة والصعوبة.
فهنا إمّا أن يُراد به المكان حقيقةً، يعني: المنطقة التي حصل فيها السغب أو الدار كذلك أو الفرد كذلك؛ فإنَّها كلّها أماكن للسغب، أو استعمل اسم المكان بمعنى المصدر مجازاً، يعني: يوم ذي جوعٍ ويوم ذي سغبٍ لا مسغبٍ.
ولو أراد المجاعة لما قال: (يتيماً) أو (مسكيناً)؛ لأنَّه لدى المجاعة يجب إطعام الجميع، مع أنَّ في المجاعة لا يوجد من يبذل الطعام؛ لأنَّهم كلّهم جائعون. فالصحيح هو إرادة التعرّض للجوع النسبي أو قل المجاعة الشخصيّة لا العامّة، ولا تسمّى مجاعةً عرفاً.
إذن تفسير المسغبة بالمجاعة لا يخلو من تسامحٍ وإن كان مشهوراً(3)،
ــــــ[209]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 293، تفسير سورة البلد.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 239، مادّة (سغب).
(3) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 69، تفسير سورة البلد، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 354، تفسير سورة البلد، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وأيّده الطباطبائي+(1).
وقوله: {يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} أي: فيه جوعٌ أو متّصفٌ بالجوع، وهو تعبيرٌ لطيفٌ. وليس المراد هنا باليوم النهار وإن كان هو وضعه الأصلي، بل يُراد به الزمان في الجملة طال أو قصر، يعني: في وقتٍ ذي مسغبةٍ. فإن قصدنا المجاعة أشرنا إلى عصرها يعني: عصر المجاعة. وإن نفيناها كان الزمان بمقدار صدق الجوع. وقد يكون إشارةً إلى زمان وجبةٍ واحدةٍ أو يومٍ واحدٍ أو أُسبوعٍ أو شهرٍ وهكذا بحيث يدوم الإعطاء والإطعام مادام الجوع، أو يكون الإطعام حين الجوع وإن لم يدم.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أنَّ الجوع والإطعام إذا كانا معنويّين، فيشار باليوم إلى زمان متحقّق الحال ويكون للمجاعة معناها، وهي مجاعة العلم أو الإيمان، وهو ما يسمّى بالجاهليّة. وقد يستمرّ ذلك مئات أو آلاف السنين وكلّه {يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} وقد وردت الجاهليّة مكرّراً في القرآن الكريم: {الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى}(2) والأنبياء وغيرهم هم المطعمون أي: الهادون والمعلّمون.
****
قوله تعالى: {يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ}:
اليتيم هو فاقد الأب سواء فقد أُمّه أم لا. وفاقد الأُمّ لا اسم له؛ لأنَّه مطمئنٌّ بوجود أبيه، ويقال: إنَّ فاقدهما يسمّى لطيماً.
وهو منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ به للمصدر، وهو إطعامٌ.
ــــــ[210]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 293، تفسير البلد.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 33.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فإن قلت: إنَّ مفعول المصدر يكون مجروراً.
قلنا: إنَّ المانع عن الجرّ هنا عدّة أُمورٍ:
الأوّل: تنوين إطعام.
الثاني: تقدير المفعول الأوّل له يعني: إطعام طعامٍ يتيماً أو مسكيناً. ولعلّ التنوين هنا بدل المحذوف أو للإشارة إليه.
الثالث: إنَّ الإطعام بمنزلة الفعل فلا يتناسب مع الجارّ والمجرور؛ فإنَّ الجرّ عندئذٍ يكون قبيحاً.
ومن الواضح أنَّ الآيات الثلاثة جعلت عمداً ذات سياقٍ أو رويٍ واحدٍ بـ(ذا) مع مدخولها وذات نسق واحد بالتأنيث مع فتح ما قبله وسكون ما قبله.
والكلام في هيئة (مقربة) هو الكلام السابق أي: محلّ القرب. ويُراد به إمّا المكان حقيقة أو أُستعمل مجازاً في المصدر. إلّا أنَّ القرب لا يتعيّن في القرب المكاني أو النسبي، بل هو أعمّ منهما ومن غيرهما. فقد يكون للمكان أو للنسب أو للصداقة أو للتحالف أو للاشتراك بالولاية أو بالإيمان أو بدرجات اليقين ونحو ذلك. والمهمّ أن يكون موصوفاً بالقرب بأحد أنحائه أو أكثر من نحوٍ واحدٍ منه.
وفي هذه الصفة تسهيلٌ على المكلّف يمدح بها، وإلّا فإنَّه ينبغي إطعام القريب والبعيد. ولا شكّ أنَّ مطعم البعيد أكثر مدحاً من مطعم القريب بأيّ معنى فهمناه. والآية مشعرةٌ بذلك؛ لوضوح هذه الأولويّة، والتجريد عن الخصوصيّة في الفرد بالقريب أو البعيد، وإنَّما المهمّ هو اليتيم أو الجائع، ولا أقلّ من التساوي مادام محتاجاً.
ــــــ[211]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ولا يقال: الأقربون أولى بالمعروف في كتاب الله، فالأولويّة عكس ما قلناه، ولا أولويّة للبعيد.
قلنا: هذا تشريعٌ صحيحٌ يصدق مع تعدّد المطعم، يعني: لو أعطى الأغنياء الفقراء القريبين منهم لما بقي فقيرٌ. كما يقال: لو كنس كلّ واحدٍ أمام داره لنظف البلد. وهذا لا يكون إلّا مع عموم التطبيق والطاعة للتشريع. ومن الصحيح أنَّ التشريع نزل متماسكاً أي: ليطبّق دفعةً واحدةً، إلّا أنَّ هذه حكمةٌ وليست علّةً. فإذا لم يكن في البلد إلّا مطعمٌ واحدٌ، كان الكلّ محتاجين، ولا يكون القريب أولى، بل الأشدّ حاجةً هو الأولى. فالمهمّ اتّصافه باليتيم أو بالمسكين لا القرب. وهذا معنى ما قلناه من إلغاء معنى القرب إلّا لمجرد التسهيل على المكلّف أو أولويّة الآخرين في المدح.
****
قوله تعالى: {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ}:
فسّر المسكين في >الميزان< بشديد الفقر(1)، وهو تسامحٌ في الفهم؛ لأنَّ المسكنة في اللغة من الذلّة، ولا تعطي معنى الفقر إطلاقاً في اللغة. ولكن الغالب أنَّ الفرد يكون ذليلاً بسبب الفقر، وليس كلّ فقرٍ مذلاً، بل هو شدّة الفقر وسوء الحال. إلّا أنَّ الشدّة في الآية لم تستفد من ذلك بل من قوله: (ذا متربة) ولم يفسّرها إطلاقاً في الميزان. ومادّتها التراب وهيئتها المكان، أي: مكان مترب أو ترابي بحيث لا يكون للمسكين قماش يقيه عن الأرض كلّها أو بعضها. وهذه أيضاً مبالغةٌ في التسهيل، وإلّا فإنَّه ينبغي العطاء دون ذلك،
ــــــ[212]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 293، تفسير سورة البلد.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والشدّة في المتربة أكثر منها في المسكنة.
قالوا: إنَّ مسغبة ومقربة مصدر ميمي؛ لأنَّ وزن المصدر الميمي هو وزن اسم المكان. قالوا: وهو الثلاثي المجرّد وعلى وزن مفْعَل مثل مسمع ومكتب ومنظر. فإن كان مثالاً واوّياً محذوف الفاء فوزنه مَفعِل بكسر العين مثل: موعد ومولد ومورد. وقد يبنى على وزن مفعلة بفتح العين مثل: مذهبة ومفسدة ومرضاة ومهابة ومهانة.
إذن صحّ أن يكون هذا مصدراً من دون حاجةٍ إلى المجاز، إلّا أنَّه يتوقّف على أمرٍ واحدٍ، وهو استعمال المصدر الميمي بمعنى اسم المصدر لا المصدر نفسه. والظاهر صحّة ذلك؛ لأنَّ كلّ مصدرٍ في اللغة الصرفيّة يمكن أن يُراد به كلا المعنيين: المصدري والاسم المصدري. ومن الواضح أنَّ معنى اسم المصدر في الآية أوضح لو اعتبرناه مصدراً ميميّاً، فتكون هذه أُطروحةً صالحةً في المقام.
****
قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}:
قوله: {ثُمَّ كَانَ} بصيغة الماضي، ولا يُراد بها الماضي، بل هي كالنصّ في المستقبل بدليل وجود (ثُمَّ).
فإن قلت: فإنَّ السياق كلّه ماضٍ: (آمنوا) و(تواصوا) مرّتين، كلّها يُراد بها المستقبل، فكيف يقصد من الفعل الماضي معنى المستقبل؟
قلنا: جوابه بأحد وجهين:
الأوّل: المجاز باستعمال الهيئة الموضوعة للماضي في المستقبل مع المحافظة على أصل الزمان.
ــــــ[213]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الثاني: إلغاء الزمان بالمرّة، ويكون المراد به الشأنيّة، وأصلها الاتّصاف من دون لحاظ الزمان.
ونظيره {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً}(1). والغرض: أنَّ هذا المؤمن الذي اقتحم العقبة يصبح من شأنه أن يتّصف بالإيمان والتواصي بالصبر والمرحمة، أو بالصبر والرحمة أنفسهما. وهذا واضحٌ بناء على ما قلناه ونقوله من تسلسل المعلولات في السورة. وأمّا إذا أخذنا الماضي بنظر الاعتبار فيسقط هذا التفسير، ويتعيّن فهم العكبري من أنَّه عطف القول لا عطف النتيجة.
وأمّا (ثُمَّ) فقد أفاد العكبري: أنَّها هنا لترتيب الأخبار لا لترتيب المخبر عنه(2). وهذا دفع دخلٍ؛ لأنَّ المفروض تقدّم الإيمان على الأعمال الصالحة، وإلّا لم تكن أعمالاً صالحةً. ومحصّل جواب العكبري أنَّه لترتيب الأخبار لا لترتيب الواقع، كأنَّه قال: ثُمَّ أقول: إنَّه كان … الخ. وهذا يصلح كأُطروحةٍ في الجواب.
وقد يُقال بإمكان الترتيب كما في الآيات الكريمة حسب المراتب، فأوّلها اقتحام العقبة بالأعمال الموصوفة في القرآن، وهو الفكّ والإطعام ولو من الناحية الإنسانيّة، إلّا أنَّه يقصد التكامل وستر العيوب والإخلاص دون العجب والرياء والسمعة. فإذا عمل الفاسق ذلك استحقّ الدخول في الإيمان، فأصبح من الذين آمنوا، وهو المرحلة الثانية. وأمّا الثالثة فإنَّه يكون من الذين تواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. وعندئذٍ تكون النتيجة أنَّه من أصحاب
ــــــ[214]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 134.
(2) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 287، سورة البلد.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
اليمين لا المقرّبين.
وأمّا إذ أخذنا المقدّمات عاليةً من أوّل الأمر، كما لو قلنا: فكّ الرقبة من الشهوات والنظر إلى الأسباب، فهذه هي المرحلة الأُولى، وتكون الثانية هي مجموع الثلاثة (أي: الإيمان والصبر والمرحمة) وليس الإيمان وحده، إلّا أن نفهم منه بعض درجات اليقين، ونفهم من الصبر والمرحمة ما يناسب ذلك. لكن النتيجة المنصوصة في الآية أنَّه يكون من أصحاب اليمين، فلعلّها تكون قرينةً على نفي هذا الفهم. لكن يجب أن نفهم من أصحاب اليمين الأعمّ منهم ومن المقرّبين؛ فإنَّ ما عند الأدنى عند الأعلى وزيادة، أو قل: يُراد به مطلق الصالحين.
أمّا قوله: {تَوَاصَوْا} فقد سبق الكلام عنه في قوله: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(1). ويمكن أن تكون المرحمة وغيرها من المصدر الميمي.
و(المرحمة) مادّتها الرحمة، وهي العطاء من دون استحقاقٍ، فبينما يكون الاستحقاق بالعدل هو العقاب، يكون مقتضى الرحمة عدمه. وقد سبقت رحمته غضبه.
وهيئتها اسم مكانٍ ويراد بها:
أوّلاً: الكون في مكان الرحمة، وهو عبارةٌ عن الرحمة نفسها.
ثانياً: التعبير باسم المكان عن المصدر أو اسم المصدر مجازاً، كما هو الأرجح؛ وذلك لضرورة النسق.
والمراد بالصبر الصبر على الأعداء وبالمرحمة الرحمة بالأصدقاء
ــــــ[215]ــــــ
(1) سورة العصر، الآية: 3.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والأولياء. والمهمّ أن يوصي بعضهم بعضاً بذلك؛ فإنَّها صعبةٌ قد تؤدّي إلى الترك من دون تواصيٍ. ويمكن أن نفهم من الصبر والمرحمة معاً الإشارة إلى التعامل مع الله سبحانه. فالصبر على البلاء لله والرحمة به؛ لأنَّ عصيانه وظلمه وإيذاءه ممكنٌ بنصّ القرآن، فمعاملته بالرحمة – أي: بدون ذلك كلّه- فهو كما يرحمنا نرحمه.
****
قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ}:
وبمناسبة التعرّض إلى الصالحين يتعرّض إلى ضدّ ذلك، وهم الذين لم يقتحموا العقبة، وخاصّة بحسب الفهم الأوّل الذي فهمناه حيث يبقى فاسقاً كافراً، فيكون من أصحاب المشئمة.
والتقسيم في هذه السورة ثنائي وفي سورة الواقعة ثلاثي. ووجهه:
أولاً: إمّا بإلغاء التعرّض للمقرّبين، وليس معناه نفيهم؛ لأنَّ الكلام ليس له مفهوم مخالفةٍ.
ثانياً: وإمّا بإدراجهم ضمن معنى وعنوان أصحاب اليمين، كما سبق التعرّض له.
وأمّا معناها فينبغي تأجيله إلى سورة الواقعة.
وأصحاب المشئمة هم أصحاب الشمال، وقد وصفهم في سورة الواقعة بكلا الوصفين في قوله تعالى: {وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ}(1)
ــــــ[216]ــــــ
(1) سورة الواقعة، الآية: 9.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وقوله: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ}(1).
وقوله: {مُوصَدَةٌ} سبق الكلام فيه في سورة الهمزة: {إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ}(2).
وقرئ: (فكّ رقبة أو أطعم). وهذه قراءةٌ مشهورةٌ بين كثيرٍ من القرّاء(3)، إلّا أنَّها ليست ببليغةٍ قطعاً، ممّا يدلّ على أنَّ قراءة عاصم أفصح القراءات. وكذا قراءة (فلا اقتحام العقبة) (4) وكذا (في يومٍ ذا مسغبةٍ) (5) وهو مخالفٌ للقواعد النحويّة، ولا حجّة فيه.
ونحوها المشئمة والمشأمة ومؤصدة وموصدة(6).

ــــــ[217]ــــــ
(1) سورة الواقعة، الآية: 41.
(2) سورة الهمزة، الآيتان: 8-9.
(3) وهي القراءة المرويّة عن علي×، وابن كثير، والكسائي، وابن محيص. أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 8: 152، سورة البلد.
(4) وهي القراءة المرويّة عن أبي رجاء، والحسن. أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 8: 153، سورة البلد.
(5) وهي القراءة المرويّة عن علي، والحسن، وأبي رجاء. أُنظر المصدر السابق.
(6) لم نعثر إلّا على هذا المقدار من تفسير سورة البلد بقلم السيّد الشهيد+.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي.

ــــــ[219]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني

سورة الفجر
للسورة المباركة أسماءٌ متعدّدةٌ:
الأوّل: سورة الفجر.
الثاني: السورة التي ذُكر فيها الفجر.
الثالث: رقمها في المصحف، أي: (89).
****
قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ}:
الواو للقسم، وهو من قسم الخالق بالمخلوق، وقد سبق الحديث في مثله كثيراً.
وأمّا الفجر فقد قال عنه الراغب: الفجر شقّ الشيء شقّاً واسعاً … يُقال: فجرته فانفجر وفجرّته فتفجّر. قال: {وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا}(1)، {وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَراً}(2)، {فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ}(3)، {تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً}(4)… {فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً}(5). ومنه قيل للصبح: فجرٌ؛ لكونه فجر الليل.
ــــــ[221]ــــــ
(1) سورة القمر، الآية: 12.
(2) سورة الكهف، الآية: 33.
(3) سورة الإسراء، الآية: 91.
(4) سورة الإسراء، الآية: 90.
(5) سورة البقرة، الآية: 60.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قال: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ}(1) {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}(2). وقيل: الفجر فجران: الكاذب وهو كذنب السرحان، والصادق وبه يتعلّق حكم الصوم والصلاة. قال: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}(3). والفجور شقّ ستر الديانة. يُقال: فجر فجوراً فهو فاجرٌ، وجمعه فجّارٌ وفجرةٌ. قال: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}(4)، {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ}(5)، {أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ}(6)(7).
وعندنا في اللغة الحديثة أنَّ الانفجار شقٌّ يحدث بضغطٍ شديدٍ، ويحدث منه صوتٌ شديدٌ، ويخرج منه هواءٌ شديدٌ. ويُستعمل منه الرباعي (المزيد) فجّر تفجيراً.
والظاهر: أنَّ الثلاثي والمزيد بنفس المعنى، فهو يفجر فجراً، فالفجر مصداقٌ. فهل إحداث الشقّ وحده كافٍ في صدق الانفجار أو يحتاج إلى الانفجار بالمعنى المذكور، فتكون النتيجة مختلفةً؟
فإن قلنا: إنَّ الانفجار هو إحداث الشقّ فقط، كان المعنى الموضوع له أعمّ من الانفجار الشديد، ويكون هذا حصةً منه.
ــــــ[222]ــــــ
(1) سورة الفجر، الآيتان: 1-2.
(2) سورة الإسراء، الآية: 78.
(3) سورة البقرة، الآية: 187.
(4) سورة المطفّفين، الآية: 7.
(5) سورة الانفطار، الآيتان: 15- 14.
(6) سورة عبس، الآية: 42.
(7) مفردات ألفاظ القرآن: 387، مادّة (فجر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وإن قلنا: إنَّ الانفجار هو الشديد خاصّةً، كان استعماله في غيره مجازاً أو مجازاً مشهوراً. فهل نقبل أنَّ الشقّ الكبير بالسكّين أو بالفأس مثلاً يسمّى انفجاراً؟ كلا، هذا لا يوافق عليه الوجدان، فالمتبادر أنَّ الانفجار هو الشديد. ويؤيّده قوله تعالى: {وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً}(1) ونحوها من الآيات؛ لأنَّ الماء يخرج من العين بانفجارٍ شديدٍ وتدفّقٍ. وعليه يمكن حمل كلّ المعاني، حتّى معنى الفجر؛ لأنَّه انفجارٌ للضوء بشكلٍ غريبٍ وغير متوقّع في ظلام الليل. وهو ليس غير متوقّعٍ طبيعيّاً، وإنَّما هو غير متوقّعٍ نفسيّاً؛ فإنَّ الإنسان قد يحسّ أنَّ الليل سيطول فلا يطول، أو كأنَّنا نقبل حصوله بالمعجزة قبل التفكير الساذج القديم.
وفي >تفسير الصافي<(2) أفاد نقلاً عن >تفسير القمّي<(3) أنَّه ليس فيها واوٌ، وإنَّما هو الفجر.
وجوابه: أوّلاً: أنَّها صفةٌ.
ثانياً: ماذا يكون حينئذٍ إعرابها محلّاً؟ وماذا تكون حركتها؟ أو يتعيّن فيها الوقف؟ وإذا كانت مجرورةً فلابدّ لها من جارٍّ، فيتعيّن ما هو موجودٌ تقديراً أو لفظاً.
ثالثاً: ماذا يكون محلّ العطف عليه؟ ولماذا قال: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}؟
ــــــ[223]ــــــ
(1) سورة القمر، الآية: 12.
(2) أُنظر: تفسير الصافي 5: 324، تفسير سورة الفجر.
(3) أُنظر: تفسير القمّي 2: 419، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فإن قلت: فإنَّ كلام الأصفهاني(1) حجّةٌ؛ لأنَّه لغوي، فيتقدّم.
قلنا: بل يتقدّم التبادر اللغوي، ومعه فقد يبيّن أحد الحصص أو المصاديق أو المعلول؛ فإنَّ الشقّ يحدث من الانفجار.
فإن قلت: فإنَّ الانفجار يكون له صوتٌ.
قلنا: هذا أمرٌ غالبٌ، وليس دائماً، كما أنَّه لم يؤخذ في المفهوم اللغوي؛ لوضوح أنَّ العيون لا تتفجّر بصوتٍ شديدٍ، وإن كان لها صوتٌ ضعيفٌ، كما أنَّ الفجر لا يحدث بصوتٍ إطلاقاً. وفهم المجاز للتجريد عن معنى الصوت بعيدٌ، بل الأقرب وجداناً أنَّ الصوت غير مأخوذٍ في المفهوم. وأمّا المراد من الفجر في الآية فالألف واللام: إمّا أن تكون عهديّةً أو جنسيّةً، وهي إلى الجنسيّة أقرب؛ لأنَّه الأصل، ولا معهود في السياق. إلّا أن يُقال: إنَّه فردٌ مهمٌّ، فهو معهودٌ لأهمّيّته. ومن هنا تتعدّد الأقوال كثيراً، كما أشار إلى جملةٍ منها في >الميزان<(2):
الأوّل: ما اختاره+ من: أنَّ ظاهره مطلق الفجر، يعني: الصبح، على ما هو ظاهر العمل به.
الثاني: لا يبعد أن يُراد به فجر يوم النحر، وهو عاشر ذي الحجّة؛ لأهمّيّته.
الثالث: فجر ذي الحجّة.
الرابع: فجر المحرّم أوّل السنة.
الخامس: فجر يوم الجمعة.
ــــــ[224]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاط القرآن: 387، مادّة (فجر).
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 279، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
السادس: فجر ليلة جمع، وهو عيد الأضحى؛ لأنَّه يكون في المشعر في تلك الليلة. ووصفه للوجوه بأنَّها رديئة يشمل هذا الوجه، وإن ذكره واحترمه فيها.
السابع: صلاة الفجر.
الثامن: النهار كلّه.
التاسع: فجر العيون من الصخور وغيرها.
قال السيّد الطباطبائي+: وهي وجوهٌ رديئةٌ(1).
أقول: الأصل والأظهر عرفاً هو وقت الفجر مطلقاً، إلّا أنَّنا يمكن أن نأخذه أعمّ من كلّ انفجارٍ أو نأخذه أخصّ من فجر بعض الأيّام المهمّة: كالأعياد والأيّام المتبرّكة أو ليلة حصولها فعلاً. كما يمكن أن نأخذه مجازاً، فيكون ضوءاً في ظلامٍ معنوي: كالبلاء أو الجهل أو المرض أو الفقر أو حبّ الدنيا أو حجب الظلمة. والفجر هنا ليس هو كلّ الضوء، بل الشروع فيه، كأنَّه البدء بحلّ المشكلة وزوال البلاء.
ونحوه الخروج من جهنّم إلى الجنّة في الآخرة أو الحصول على الشفاعة أو المغفرة وغير ذلك. ونحوه بعثة النبي وبعثة أيّ نبي. وبدء أيّ شيءٍ فجر الحياة وفجر البشريّة أو الطفولة … الخ. وهو من سبك المجاز في المجاز؛ لأنَّ الفجر بدء النهار إلى غير ذلك من المعاني. وحسبنا هنا أنَّنا فتحنا باب التصوّر والاتّساع فيه. وحسب القرآن أنَّه تكلّم بكلمةٍ واسعة المعنى جدّاً.
والسورة تبدأ بعدّةٍ من الكلمات العامّة المعنى أو هي أسماء أجناسٍ ذات مصاديق كثيرةٍ أو مبهمةٍ. وهذا الاتّساع أو الإيهام يعطي للقسم رهبةً وهيبةً
ــــــ[225]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 279، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وأهمّيّةً؛ لأنَّها كلمةٌ في داخل القسم لو صحّ التعبير. فإن قلنا بأنَّ اللفظ يتحمّل كلّ تلك المعاني (كالذي قلناه في الفجر وغيره) فهو المطلوب. وإلّا كان لنا أحد موقفين:
الأوّل: ما عليه مشهور المفسّرين ومبنى الأُصولّيين من: أنَّ المعنى المقصود واحدٌ، ونعتذر عن زيادته.
الثاني: ما تقدّم سابقاً من القول بـ (الإيهام الإثباتي)(1)، إذ يتردّد الذهن بين معانٍ كثيرةٍ، فهو يتذكّرها ويلتفت إليها من اللفظ نفسه، فيكون اللفظ سبباً لإيجاد كلّ هذه المعاني وإن لم يكن دالاً عليها. وهذا أحد فوائد أو نتائج الإيهام الإثباتي. ولا نريد بالدلالة إلَّا ذلك.
****
قوله تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ}:
لمجرّد التوضيح نقول: لماذا حذف الياء بعد أن نأخذ بنظر الاعتبار أنَّها حقيقةً نكرةٌ؟
والجواب عنه بوجوهٍ:
الأوّل: أنَّها ياءٌ أصليّةٌ، وليست للنسبة ولا لضمير المتكلّم.
الثاني: أنَّها مجرورةٌ.
الثالث: أنَّها موصوفةٌ.
ــــــ[226]ــــــ
(1) يُراد بالإيهام الاثباتي: أن يوهم المولى بإرادة فردٍ من مجموع المركّب، من دون أن يعيّنه، إلاّ أنَّه يريد المركّب بأجمعه، ويهمّه الكلّ، كما في قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [سورة البقرة، الآية: 238]. ولم نعثر على هذا الاصطلاح في كلمات الأعلام، وهو من إبداعاته+.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ونظيرها: أمالي وأعالي ولئالي، فيلحقها الياء عند الجمع، وليس في المفرد. فإذا طبّقت تلك الأوصاف نقول: أُخذت من لئالي البحر، ونزلت من أعالي الجبل، فثبت الياء. لكن المضاف هنا اجتمع مع التنوين، أو هو صفةٌ، فاجتمع معه. نقول: هذه لئالئٌ عشرٌ، ورأيت لئالئاً عشراً، ومررت بلئالئٍ عشرٍ بعد حذف الألف واللام، وحذفت الياء لإظهار تنوين التنكير، كما لو قلت: نزلت من جبالٍ عشرٍ أو سبعٍ. وهي كذلك منوّنةٌ. نعم، لو كانت معرفةً باللام لظهرت الياء.
وأمّا المراد من الليالي العشر ففيها العديد من الاحتمالات. قال السيّد الطباطبائي+: لعلّ المراد بها الليالي من أوّل ذي الحجّة إلى عاشرها. وقيل: المراد بها الليالي العشر من آخر شهر رمضان. وقيل: الليالي العشر من أوّله. وقيل: الليالي العشر من أوّل المحرّم. وقيل: المراد عبادة ليالي عشر على تقدير أن يُراد بالفجر صلاة الفجر(1).
أقول: والذي يبدو من السياق: أنَّها إشارةٌ إلى ليالٍ مهمّةٍ وأنَّها معروفةٌ، وإن كان المراد من العبارة غير معروفٍ. وعلى كلّ حالٍ فانقساماتها عديدةٌ:
الأوّل: أنَّها مهمّةٌ أو غير مهمّةٍ.
الثاني: أنَّها زمانيّةٌ أو معنويّةٌ.
الثالث: أنَّها متسلسلةٌ أو متفرّقةٌ.
الرابع: أنَّ عدد العشر ملحوظٌ أو غير ملحوظٍ.
الخامس: أنَّ المراد بها كلّي أو جزئي.
فإن كانت زمانيّةً وغير مهمّةٍ، فالمراد بها عشر ليالٍ في الجملة، أو قل:
ــــــ[227]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 279، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
بعض الليالي، سواء كانت متسلسلةً أو متفرّقةً، وخاصّةً إذا لم يكن رقم العشرة ملحوظاً. وهذا هو الأقرب إلى الدلالة المطابقيّة. لكن يسأل المشهور عن فائدته. وهي بعيدةٌ في نظره ومن منافعها بالجملة.
فمّرةً يقسم القرآن بالليل، أي: بجنسه بصيغة المفرد، وأُخرى بأفراده بصيغة الجمع. والمشهور فهم منها أنَّها إشارةٌ إلى جزئي مهمٍّ وأنَّ العشرة متسلسلةٌ، ولذا أتت كلّ تلك التفاسير. وإذا تمّ ذلك احتجنا في تعميم المقصود إلى معنىً مّا إلى الإيهام الإثباتي، فتصبح بمنزلة الكلّي. والمشهور إنَّما فهم الجزئي لتنكير العبارة، إلّا أنَّ الصحيح أنَّ التنكير لا ينافي العموم والكلّيّة؛ لأنَّه على أيّ حالٍ اسم جنسٍ ما لم تقم القرينة على الجزئي مثل: جاء رجلٌ أو رأيت أسداً.
وعلى تقدير الأهمّيّة والمعنويّة وعدم التتابع، فهي إشارةٌ إلى أنواع البلاء الذي تمرّ به البشريّة أو الجيل أو الفرد، نظير قوله: {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ}(1) وتشبيه البلاء بالليل مجازٌ واردٌ، أو أنَّ المراد بها حجب الظلمة، إلى غير ذلك، أو المراد عشر مراحلٍ في التكامل.
والعشرة عددٌ متكاملٌ، ولذا قال: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}(2) فيدلّ هنا على بعض النتائج:
منها: أنَّ المقصود الاستيعاب، وليس خصوص العشرة.
ومنها: أنَّها قرينةٌ على أهمّيّةِ الليالي.
ومنها: أنَّها قد تكون متكاملةً في جانب النقص لا في جانب الكمال؛ لأنَّ
ــــــ[228]ــــــ
(1) سورة الزمر، الآية: 6.
(2) سورة البقرة، الآية: 196.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الليالي لا يُحتمل أن تكون أفضل من النهار، مضافاً إلى أنَّه هل المراد ما بين الليالي أيضاً؟ هذا إذا كانت متتابعةً دون ما إذا لم تكن متتابعةً، نظير قوله: {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا}(1).
فقد تلخّص: أنَّ هناك ثلاث أُطروحاتٍ في فهم هذه الآية المباركة:
الأُطروحة الأُولى: هي التي تبنّاها المشهور ولم يفهم غيرها(2)، وهي أنَّ هذه الليالي ليالٍ زمانيّةٌ أوّلاً، وأنَّها متتابعةٌ ثانياً، ولذا قيل مثلاً: إنَّها العشر الأوائل من ذي الحجّة، أو العشر الأوائل من شهر رمضان، أو العشر الأواخر من شهر رمضان(3).
الأُطروحة الثانية: أنَّها ليالٍ زمانيّةٌ، ولكنّها قد تكون متفرّقةً، أي: ليس بشرط أن تكون متفرّقةً، بل الأعمّ من كونها مجتمعةً أو متفرّقةً، فلماذا نفهم أنَّها مجتمعةٌ فقط؟ نعم، هي عشر ليالٍ أكيداً، لكن متى كانت ومتى تكون؟ فهذا خارجٌ عن السياق القرآني، وليست الآية بصدد بيانه.
الأُطروحة الثالثة: أنَّها مجتمعةٌ كلّها(4) دفعةً واحدةً، لا بمعنى: أنَّها
ــــــ[229]ــــــ
(1) سورة الحاقّة، الآية: 7.
(2) ذكرنا المصدر آنفاً، فراجع وتأمّل؛ لأنّه هو، مع أنّنا ذكرنا الرقم في ذيل الكلام، فلاحظ!
(3) أُنظر الأقوال والآراء في المسألة في الميزان في تفسير القرآن 20: 279، تفسير سورة الفجر، وقد ذكر فخر الدين الرازي من العامّة وجوهاً فيها، منها: عشر ذي الحجّة، وأنّها عشر المحرّم من أوّله إلى آخره، وأنّها العشرة الأواخر من شهر رمضان. أُنظر: مفاتيح الغيب 31: 149، تفسير سورة الفجر.
(4) أي: في ظرفٍ زماني واحدٍ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
متتابعةٌ، بل مجتمعةٌ فعلاً كلّها، فهل يمكن ذلك أو لا؟
وفي الحقيقة إذا عمّمنا معنى الليالي إلى معانٍ أُخر من قبيل: أنَّها مجازيّةٌ في اللغة، أو أنَّ الزمان الذي هو الليل الاعتيادي يكون حصّةً من الليل، والبلاء حصّةٌ من الليل، وحجب الظلمة حصّةٌ من الليل، وهلمّ جرّاً …
وعليه يمكن أن تكون مجتمعةً كلّها دفعةً واحدةً، فمثلاً أنا الآن فعلاً في عشر ليالٍ، كما يقال عن الجنين: إنَّه في ظلماتٍ ثلاثٍ، أي: دفعةً واحدةً، فكذلك الإنسان قد يكون في ليالٍ عشرٍ أو أقلّ أو أكثر، وخاصّةً فيما إذا لم نفهم من العشرة التحديد، بل العدد الإجمالي، كما في السبعين {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً}(1).
والمهمّ الآن أني سأذكر مثالاً جمعت فيه عشرة أنواع من البلاء لإنسانٍ مسكينٍ يمكن أن يكون نموذجاً موجوداً، وقد تكون أشكال البلاء على الآخرين أيضاً متعدّدةً، لكنّها بشكلٍ آخر. فيعيش هذا الإنسان في عشر ليالٍ مجتمعةٍ في ليلٍ واحدٍ أو حالٍ واحدٍ، فنتصوّر شخصاً في حال المرض والفقر وبيته بعيدٌ، وفي أُسرةٍ مشاكسةٍ، ثُمَّ تتعدّد ابتلاءاته، فهو في ليل الزمان، وليل الوحدة، وليل الفقر، وليل الجوع، وليل المرض، وليل عدم الطبيب، وليل عدم الدواء، وليل بعد المسافة، وليل الحرّ أو البرد، وليل همّ أُسرته اقتصاديّاً، وليل صعوبة زوجته أخلاقيّاً وهكذا، فيمكن أن يكون الإنسان هكذا، ويمكن أن توجد نماذج كثيرةٌ من أعلى أنواع البشر إلى أدناها.
****
ــــــ[230]ــــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 80.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قوله تعالى: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}:
قرئ بالفتح والكسر(1)، وبالفتح أشهر، وبالكسر أفصح.
قال في >الميزان<: يقبل الانطباق على يوم التروية ويوم عرفة. وهو الأنسب على تقدير أن يُراد بالفجر وليالٍ عشرٍ فجر ذي الحجّة والعشر الأُول من لياليها(2).
وكأنَّ هذا مختاره، إلّا أنَّه فسّر الشفع؛ لأنَّه أعطى يومين، ولم يفسّر الوتر، وهو غير ظاهرٍ من عبارته، ولعلّ مراده عيد الأضحى، وهو العاشر بعد التروية وعرفة.
قال: وقيل: المراد صلاة الشفع والوتر في آخر الليل. وقيل: مطلق الصلاة، فمنها شفعٌ ومنه وترٌ (كصلاة الوتر والمغرب). وقيل: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة. وقيل: الشفع جميع الخلق؛ لأنَّه قال: {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا}(3) (وقيل في الفلسفة: كلّ ممكنٍ زوجٌ تركيبي)(4). والوتر هو الله تعالى. وعلى هذه الأقوال روايات(5) … .
ــــــ[231]ــــــ
(1) أُنظر: مفاتيح الغيب 31: 149، تفسير سورة الفجر، الكشف والبيان عن تفسير القرآن 6: 211، تفسير سورة مريم، وغيرهما.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 279، تفسير سورة الفجر.
(3) سورة النبأ، الآية: 8.
(4) أُنظر: القبسات: 152، القبس الخامس، مفاتيح الغيب: 175، المفتاح الرابع، المشهد السابع، الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 1: 187، المنهج الثاني، الفصل 10، شرح المنظومة 2: 64، غررٌ في أصالة الوجود، وغيرها.
(5) الميزان في تفسير القرآن 20: 279، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
إن قلت: لماذا كانت الليالي نكرةً؟
قلنا: لأنَّها عندئذٍ تصير للعهد، مع أنَّه يوجد معهودٌ.
فإن قلت: لماذا يستفاد العهد فقد ننكر ذلك؟
قلنا: إنَّها حين تدخل على الجمع تكون للعهد، وحين تدخل على المفرد تكون للجنس ما لم تقم القرينة على الخلاف.
فإن قلت: فكيف بقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}(1) وقولنا: (الأقربون أولى بالمعروف).
قلنا: الخبر هنا نكرةٌ. فإن قال: (الرجال القوّامون) كان بمعنى العهد. ولكن مادام الخبر اسم جنسٍ نكرةً، كان قرينةً على الجنسيّة في الألف واللام. وهذا لا يتحقّق في الخبر المعرّف بها.
فإن قلت: (عشر) مفردٌ.
قلنا: أوّلاً: إنَّها بمنزلة الجمع.
ثانياً: إنَّ المهمّ هو الجمع في الكلمة السابقة، كما لو قال: (الأقربون أولى بالمعروف) فيصير للعهد أولى.
وقيل: المراد الزوج والفرد من العدد. وفي الإقسام بهما تذكيرٌ بالعدد؛ لما في ضبط المقادير به من عظيم النعمة من الله سبحانه. وقيل: الشفع والوتر جميع المخلوقات؛ لأنَّ الأشياء إمّا زوجٌ وإمّا فردٌ. وقيل: الوتر آدم شفع بزوجته. وقيل: الشفع الأيّام والليالي، والوتر اليوم الذي لا ليل بعده، وهو يوم القيامة. وقيل: الشفع الصفا والمروة، والوتر البيت الحرام. وقيل: الشفع أيّام عاد، والوتر لياليها. وقيل: الشفع أبواب الجنّة وهي ثمانيةٌ، والوتر أبواب
ــــــ[232]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 34.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
جهنّم وهي سبعةٌ، إلى غير ذلك، وهي كثيرةٌ، أنهاها بعضهم إلى ستّةٍ وثلاثين قولاً، ولا يخلو أكثرها من تحكّمٍ(1).
ولنا أن نعلّق على قضية التحكّم التي أفادها السيّد الطباطبائي+، فنقول: في الحقيقة كلّ واحدٍ من هذه الأقوال يصلح أن يكون – بحسب اصطلاح علم الأُصول- حصّةً من الشفع أو حصّة من الوتر، فكلّ المعاني بهذا الشكل تكون صادقةً ولا مشاحة في البين، وإنَّما يحصل التحكّم فيما إذا قلنا: هذا هو المقصود فقط، ورفضنا الأقوال الأُخرى، فهنا يحصل التحكّم. لكن إذا قلنا: إنَّ المقصود مفهومٌ عامٌّ منطبقٌ على كلّ تلك المعاني، فالشفع بالمعنى الكلّي الذي هذا منه وذاك منه وذلك منه إلى آخره، والوتر أيضاً كذلك، فكلّها يمكن أن تكون صادقةً، ولا ضرر في ذلك، فهذا شفعٌ وذاك شفعٌ، في مختلف العوامل وعلى مختلف الرتب والمستويات، فلا تحكّم من هذه الناحية، حتّى الله جلّ جلاله يدخل في هذا الموضوع، ولا ضير في ذلك، لكن بشرط أن لا نقول: إنَّ هذا الرأي هو الرأي الوحيد أو السديد، بل يوجد رأيٌ آخر معه أو أُطروحةٌ أُخرى يمكن أن نقولها.
فأقول: إنَّ الشفع إنَّما هو شفعٌ عامٌّ كلّي ينطبق على كلّ شفعٍ، والوتر إنَّما هو وترٌ عامٌّ أيضاً ينطبق على كلّ وترٍ، لكن مع ذلك له درجةٌ من الانتزاع؛ لأنَّ بعض حصص الشفع وبعض حصص الوتر تكون ملفتةً للنظر في درجةٍ من درجات التفكير. فنحن إذا أخذناها من ناحيةٍ متشرّعيّةٍ فالأظهر أنَّها صلاة الليل في هذه الدرجة من درجات التفكير، فالشفع والوتر عبارةٌ عن صلاة الليل، وإذا أخذناها من ناحيةٍ عقليّةٍ فالأظهر هو الأعداد؛ لأنَّها جميعاً
ــــــ[233]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 279، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
إمّا زوجٌ أو فردٌ، وإذا أخذناها من ناحيةٍ فلسفيّةٍ فالأظهر هو الخلق، فكلّ هذه المخلوقات ازدواجيّة إلَّا الله سبحانه وتعالى؛ فإنَّه هو الواحد الأحد، وإذا أخذناها من ناحيةٍ منطقيّةٍ فالشفع الكبرى والصغرى، والوتر النتيجة، وإذا أخذناها من ناحيةٍ فقهيّةٍ فالشفع العقود؛ لأنَّها متكوّنةٌ من إيجابٍ وقبولٍ، والوتر الإيقاعات؛ لأنَّها من طرفٍ واحدٍ، وإذا أخذناها من ناحيةٍ تأريخيّةٍ فالشفع الوالدان، فكلّ شخصٍّ له والدان، والوتر من ولد بدون أبٍ أو بدون أبوين من قبيل: عيسى×؛ إذ سببه الولادي واحدٌ، وهو أُمّه مريم÷، وآدم× وكذلك الكبش الذي فُدي به إسماعيل، وكذلك الأفعى التي انقلبت لها عصا موسى، وكذلك الأسد الذي انقلبت له الصورة في حادثةٍ عن الإمام الهادي× وهكذا، فليس لهذه الأُمور أبٌ ولا أُمٌّ، بل هو وترٌ وحده. وإذا أخذناها من ناحيةٍ لغويّةٍ كانت عامّةً لكلّ شفعٍ ووترٍ، وكلّ تلك الأُمور من مصاديقها، ونستطيع أن نطبّق حصص الشفع والوتر في كثيرٍ من الميادين. وقد قلت ذلك مراراً وأقول دائماً: إنَّ هذا الدرس إنَّما هو فتحُ بابٍ للفكر البشري عامّةً وللفكر الإمامي خاصّةً، كما أنَّ كتابي >ما وراء الفقه< فتح باباً للسير في هذا الصدد، ولا أمدح نفسي هنا، بل لم تكن الحوزة إلى حين طباعة الكتاب ملتفتةً إلى ما فيه، فما وراء الفقه معنىً كلّي قابلٌ للانطباق على حصصٍ لعلّها لا متناهيةٌ، فكلّ شيءٍ وجدناه خارج الفقه ممّا يرتبط بالفقه فهو مما وراء الفقه في الحقيقة ويحسن الالتفات إليه عموماً، سواء ذكرته أنا في الكتاب أم لم أذكره، فهو بابٌ ينفتح منه ألف بابٍ.
****
قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}:
بالمضارع يريد إعطاء صورةٍ متحرّكةٍ، ولو كان في الماضي لكانت
ــــــ[234]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الصورة ثابتةً، فليس المراد خروج الليل تماماً، خلافاً لما قال السيّد الطباطبائي في >الميزان< من: أنَّه كقوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ}(1)(2).
و(يسر) من سرى يسرى، قال الراغب: السُرى سير الليل، يُقال: سرى وأسرى. قال تعالى: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ}(3) وقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً}(4)(5).
أقول: السراية الانتقال، ومنه سرى النهر أي: انتقل ماؤه، وسرت النجاسة أي: انتقلت من المحلّ النجس إلى المتنجّس. وعلى كلا التقديرين يُشار به إلى حركة الزمان، فبدلاً من أن يكون السُرى بالليل، يكون الليل نفسه يسري مجازاً. أو هو من السير، فيسر يعني: يسير، وخاصّةً إذا أخذناه بدون ياءٍ. وأمّا إذا أخذناه بالياء فيكون من اللفظ المقلوب، كأنَّ الياء التي كانت قبل الراء قد أصبحت بعدها: إمّا باعتبار اللفظ القرآني وحده أو باعتبار اللغة نفسها؛ فإنَّها لا تخلو من قلب الألفاظ. ولا شكّ أنَّ (يسير) و(يسري) معناهما متشابهٌ إلى حدٍّ معتدٍّ به.
قال العكبري: (والوتر) بالفتح والكسر لغتان. و(إذا) ظرفٌ، والعامل فيه محذوفٌ، أي: أقسم به إذا يسر (وقلنا في مثله: إنَّه قيدٌ للمقسوم به لا للقسم) والجيّد إثبات الياء، ومن حذفها فلتوافق رؤوس الآيات(6).
ــــــ[235]ــــــ
(1) سورة المدّثّر، الآية: 33.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 280، تفسير سورة الفجر.
(3) سورة هود، الآية: 81.
(4) سورة الإسراء، الآية: 1.
(5) مفردات ألفاظ القرآن: 237، مادّة (سري).
(6) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 286، سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ولا شكّ أنَّ وجود الياء هو الأفصح، وبعض القرّاء يثبتونها(1)، إلّا أنَّ الإشكال فيها من حيث النسق، وهو رؤوس الآيات.
إذن لابدّ من التطرّق في المقام إلى مادّة (يسر) وقلنا: إنَّ هيئته فعلٌ مضارعٌ، ولا حاجة إلى الإطالة فيها، لكن مادّته يوجد فيها أكثر من أُطروحةٍ:
الأُطروحة الأُولى: أُطروحتها الظاهرة والأقرب إلى اللغة، أي من: سرى يسري، ونقلنا المعنى عن الراغب آنفاً، قال: السرى سير الليل، وهذا موجودٌ في الأدب نحو قول الشاعر:
سرى يخبط الظلماء والليل عاكفٌ
غزالٌ بأوقات الزيارة عارفٌ(2)
يُقال: سرى وأسرى، وكأنَّ المزيد أو الرباعي بمعنى الثلاثي، وإن كنت لا أتعقّل ذلك؛ لأنَّ (أسرى) معناها: أسرى غيره، فيكون متعدّياً، لا أنَّه يكون لازماً، لكن ظاهر عبارة الراغب أنَّه لازمٌ مثل (سرى). لذا ورد في القرآن متعديّاً نحو قوله: {أَسْرَى بِعَبْدِهِ}(3) و{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ}(4)، أي: أسرى عبده، وأسرى أهلك، ويكون ذلك أوضح حينما تكون هذه الباء زائدة، وإلَّا فإنَّ {عَبْدِهِ} و{أَهْلِكَ} بمنزلة المفعول به؛ لأنَّ الفعل رباعي، وينبغي أن
ــــــ[236]ــــــ
(1) أُنظر: التبيان في تفسير القرآن 10: 341، تفسير سورة الفجر، مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 732، تفسير سورة الفجر، وغيرهما.
(2) محاضرات الأُدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء 1: 819، الحدّ الحادي عشر، استطابة الغناء والمغنّي.
(3) سورة الإسراء، الآية: 1.
(4) سورة هود، الآية: 81، وسورة الحجر، الآية: 65.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
يكون متعدّياً.
وقوله تعالى: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} من هذه الناحية له معنىً آخر، وهو: أن أخرج مع أهلك، أنت أسر وأهلك أيضاً أسرِهم، إلّا أن هذا غير موجودٍ في قوله تعالى: {أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} فالله أسرى النبي’ أي: حمله على السراية والسري، وهو السفر ليلاً أو الشخوص ليلاً بالاصطلاح القديم.
فأوضح أُطروحات هذه المادّة هو السير ليلاً.
ثُمَّ إذا كان (يسري) بمعنى السير ليلاً، فلا بأس أن نقول: إنَّ الليل يسير ليلاً، أي الليل يسير في الليل، وهذا مجازٌ لطيفٌ جدّاً في أنَّ حركة الليل في الليل، أي: الحركة الزمانيّة ومحاولة الوصول إلى نهاية الليل، كأنَّ الليل يمشي في الليل، فكأنَّ الليل شخصٌ يمشي في الليل.
الأُطروحة الثانية: أن يكون (يسري) من السراية، والسراية هي الانتقال من مكانٍ إلى آخر، ومنه سرى النهر، أي: انتقل ماؤه، وسرت النجاسة، أي: انتقلت من المحلّ النجس إلى المحلّ الملاقي أو المتنجّس، ونحو ذلك من الأُمور.
وعليه فالليل إذا كان يسري، كان المراد أنَّه ينتقل ويتحرّك زمانيّاً، وهذا أيضاً من المعاني اللطيفة.
الأُطروحة الثالثة: ولعلّها أضعف الأُطروحات، لكن نتعرّض لها من باب الأُطروحة الشاذّة، وهي أنَّ (يسري) بمعنى: (يسير) أي: يمشي، فإن قرأناها بدون ياءٍ >يسرِ< كما هي قراءة حفصٍ عن عاصمٍ، فتكون حينئذٍ متكوّنةً من ياءٍ وسينٍ وراءٍ، وتصبح على هذه الأُطروحة مكوّنةً من ياءٍ وسينٍ وياءٍ وراءٍ، أي: (يسير).
ــــــ[237]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وإن قرأناها بالياء -كما هو الأفصح على ما سوف أقول- فحينئذٍ يصير من القلب؛ لأنَّ الياء في الأصل بعد الراء (يسري) فنجعلها من خلال القلب قبل الراء فتكون (يسير)، والقلب في اللغة وإن كان قليلاً، لكنّه ليس ببعيدٍ وليس بنادرٍ، فكثيرٌ من الموادّ يبقى لها نفس المعنى لو قُلبت، وهذا منها.
لكن قضيّة القلب إمّا أن ننظر لها قرآنيّاً بمعنى: أنَّ القرآن استعمل يسري بمعنى: يسير، يعني استعمل أحد وجهي القلب بالوجه الآخر، وإمّا أن نقول: إنَّ هذا موجودٌ في أصل اللغة؛ لأنَّ يسري ويسير بمعنىً واحدٍ، غاية الأمر أنَّ فيه إشعاراً أنَّه يسري في الليل، وإلّا فإنَّ استعماله في مطلق السير لا بأس به، فيكون هذا القلب موجوداً في اللغة والقرآن، وإنَّما استعمله القرآن تبعاً للغة.
أقول: أنا سمعت من يقرأها من القرّاء المصريّين بالياء(1)، ومن حذفها فإنَّما لتوافق رؤوس الآي، أي: النسق القرآني، لأنَّ الآيات الأُخرى تنتهي بالراء: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}. وفي الحقيقة إذا أخذنا المحصّلة والفكرة العامّة نواجه صعوبةً في كيفيّة الجمع بين رؤوس الآي، أي: بين النسق وبين ما هو فصيحٌ في كلمة (يسري). وفي جواب هذه المشكلة عدّة أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى: أن نقبل بعدم وجود النسق، أي: إنَّ النسق في الآيات السابقة موجودٌ، لكنّ الله تعالى لحكمةٍ هنا حذف النسق، ففي قوله: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} يكون الوقف ضروريّاً عند السكون. وأمّا قوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} فهو نسقٌ آخر يختلف عمّا سبقه، أي: إنَّ الآية لها
ــــــ[238]ــــــ
(1) أُنظر: محاضرات الأُدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء 1: 819، الحدّ الحادي عشر، استطابة الغناء والمغنّي.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
نسقها الخاصّ بها.
الأُطروحة الثانية: أن نقرأ الآيات كلّها بالكسر {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} إمّا بعنوان أنَّنا نجيز الحركة مع الوقف، كما أنا أقوله في الفقه على نحو الاحتياط الاستحبابي، ولا بأس بالحركة مع الوقف، ولا بأس بالسكون مع الدرج، لكنّه أحسن في الجملة، وليس متعيّناً، فلربما نزل القرآن بها؛ بقرينة وجود الياء في (يسري) ليصبح بالكسرة لا بالسكون، حتّى يكون كلّه مستقيماً. وإمّا أن نقول – وليس أُطروحةً جديدةً-: إنَّ من الضروري أن لا نقف، وينبغي أن نقرأ الجميع بالدرج حتّى يكون كلّه بالكسر {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} حتّى لا يكون إيجاد الكسرة غلطاً.
الأُطروحة الثالثة: ما عليه قراءة حفصٍ عن عاصمٍ، وهي القراءة المشهورة، وهو أنَّنا نقول: {يسرْ} بالسكون، أي: نحذف الياء ونحذف الكسرة التي أوجدتها الياء. وهذا أضعف الاحتمالات حسب فهمي؛ لأنَّه غير فصيحٍ جزماً، وحفص وعاصم هما المسؤولان أمام الله عن هذا التعبير؛ إذ إنَّ غير الفصيح لا نستطيع أن نحمله على القرآن. نعم، يبقى من الناحية الفقهيّة شيءٌ واحدٌ، وهو أنَّ قراءة حفصٍ وعاصمٍ مشهورةٌ في زمن المعصومين^، وقد سكتوا عنها وأقروّها، إذن يجوز لنا أن نقرأها، ونستطيع أن نقول: إنَّ القرآن نزل بهذا الترتيب، أي: بسكون الراء في (يسر) مع أنَّ هناك حرفاً محذوفاً عن علمٍ وعمدٍ، فالحرف حذفناه. والحركة: إمّا أن تكون بالكسرة إشارةً إلى الياء المحذوفة، وإمّا أن نحذف الياء والإشارة إليها، وهي الكسرة ونُبقي على السكون، وهذا يصعب الالتزام به في الحقيقة.
ــــــ[239]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قوله تعالى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ}:
الحجر العقل، قال الراغب: وسُمّي ما أُحيط به الحجارة حجراً (ومنه الحجرة أي: الغرفة؛ لأنَّها محاطةٌ بالحجارة) وبه سُمّي حجر الكعبة (حجر إسماعيل) وديار ثمود قال تعالى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ}(1). وتصوّر من الحجر معنى المنع لما يحصل فيه (من منع اللصوص أو منع المعتدين) فقيل للعقل: حجرٌ؛ لكون الإنسان في منع منه ممّا تدعو إليه نفسه، وقال تعالى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ}(2)(3).
وقال في >الميزان<: والاستفهام للتقرير(4) يعني: أخذ إقرار المخاطب. فكأنَّه بمنزلة الجملة الخبريّة بمعنى: وليس ذلك قسم لذي حجرٍ، بل أهمّ منها؛ لأنَّ الخبريّة لا تفيد الإقرار.
وقال أيضاً: وجواب الأقسام المذكورة محذوفٌ يدلّ عليه ما سيذكر من عذاب أهل الطغيان والكفران في الدنيا والآخرة وثواب النفوس المطمئنّة(5). وأضاف: وحذف الجواب والإشارة إليه على طريق التكنية أوقع وآكد في باب الإنذار والتبشير(6).
أقول بقيت بعض الأُطروحات:
ــــــ[240]ــــــ
(1) سورة الحجر، الآية: 80.
(2) سورة الفجر، الآية: 5.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 107، مادّة (حجر).
(4) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 280، تفسير سورة الفجر.
(5) أُنظر المصدر السابق.
(6) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الأُولى: أنَّه منع من ذكر مدخول اليمين لفظيّاً وجود المصلحة للاستفهامات المتعدّدة: (هل في ذلك …) (الم تر كيف …) وواحدٌ منها يكفي للمنع، وإلّا فالسياق دالٌّ على أنَّ المراد من اليمين ذلك، فكلاهما للإقرار، فاجتمع اليمين مع الإقرار، فكان أكثر توكيداً.
الثانية: أنَّ هذا القسم لا مدخول له أصلاً، وليس بالضرورة أن يكون هناك للقسم مدخولٌ إذا أُريد بإنشائه وجود مصالح ثانويّة لذلك:
منها: تعليم القسم بمعنى: أنَّه إذا أقسمت فأقسم بما هو مهمٌّ عقلاً وعقلائيّاً.
ومنها: الإشارة إلى أُمورٍ مهمّةٍ في حياة الإنسان وإظهار أهمّيّتها بحيث يمكن القسم بها، ولا يمكن القسم إلّا بما هو مهمٌّ ومقدّسٌ.
ومنها: أن يعطي في القسم مفاهيم عامّةً ذات هيبةٍ؛ لإجمالها وسعتها وأهمّيّتها، ويزيدها هيبةً كونها مدخولاً للقسم. ولكن هنا لو تمّ عدم القسم
-يعني: عدم الواو في أوّل السورة- لكانت هذه الأُطروحات كلّها أوضح.
وقوله: {هَلْ فِي ذَلِكَ} يمكن أن يكون جوابه نعم أو لا. أمّا (نعم) فهو الذي عرفناه عن الطباطبائي+(1)، و(لا) لأنَّه قد يكون قسمٌ فوق العقل وإدراكه، وقد يكون قسماً تحت العقل، أي: عرفيّاً ومفهوماً، ولا حاجة إلى استعمال العقل لإدراكه.
والحجر لا يتعيّن أن يكون بمعنى العقل، بل الحجر المنع، وحجرٌ وحجزٌ بمعنىً واحدٍ. وذو الحجر ذو المنع، وهو الذي يمنع ما فيه مقتضى الوصول، وأهمّ مصاديقه منع الشهوات والمصالح الشخصيّة والورع والتقوى
ــــــ[241]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 280، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أو منع ما هو أكثر من ذلك إن كان أهلاً له. وكلّما ازداد مستوىً ازداد همّاً.
ثُمَّ تبدأ السورة بذكر حضاراتٍ متعدّدةٍ وفنائها بالانتقام والقهر الإلهي.
****
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ}:
قال في >الميزان<: هم عادٌ الأُولى قوم هود، تكرّرت قصّتهم في القرآن الكريم، وأُشير إلى أنَّهم كانوا بالأحقاف(1).
أقول: قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا}(2) وقال تعالى: {أَلاَ بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ}(3). وقال: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ}(4). وقد فهم السيّد الطباطبائي+ منه أنَّه اسم مكانٍ وأنَّ عاداً كانوا قاطنين هناك(5). وأمّا تطبيقه على خارطة العالم اليوم ففيه عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: أنَّه مجهولٌ؛ لعدم إمكان تطبيقه.
الثانية: أنَّه في اليمن؛ لأنَّ مشهور المتشّرعة أنَّ مدينة عادٍ كانت في اليمن، وأنَّ شخصاً اسمه خرافة رآها، فكذّبه الناس فقيل: حديث خرافة.
الثالثة: أنَّها كانت في منطقةٍ غير موجودةٍ فعلاً بجزيرة اطلنطس وغير ذلك.
فإن قلت: فإنَّ هذه الجزيرة كانت منذ ملايين السنين ونحتمل أوّلاً:
ــــــ[242]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 280، تفسير سورة الفجر.
(2) سورة الأعراف، الآية: 65، وسورة هود، الآية: 50.
(3) سورة هود، الآية: 60.
(4) سورة الأحقاف، الآية: 21.
(5) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 280، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
عدم استبعاد ذلك، وثانياً: أنَّه ليس بالضرورة بعده إلى هذه الدرجة، أي: القول بأنَّ آدم كان قديماً بهذا المقدار.
قلنا: نعم، إلّا أنَّ من الممكن أن تكون الإشارة إلى ما قبله. ولعلّ اسمها عاد أيضاً أو يُراد بها أهل الضلال الذين يعودون إلى الوجود في كلّ جيلٍ.
وأهمّ سؤال يقع في الآية هو عدم الرؤية، مع العلم أنَّ السؤال لأخذ الإقرار بها.
ولم يتعرّض له في >الميزان<(1) تهرّباً من جوابه، بل ذكر ما يدلّ على خلافه وأنَّ آثارهم انطمست وزالت، ولا سبيل إلى التعرّف عليها. إذن فكيف يتمّ القول بأنَّنا رأيناها؟ والرؤية كأنَّها انصبّت على كيفيّة هلاك عادٍ، وليس على آثار ذلك فقط، فكيف يصحّ ذلك؟
ولننقل أوّلاً عبارة الراغب: الرؤية إدراك المرئي، وذلك أضرب بحسب قوى النفس:
والأوّل: بالحاسّة وما يجري مجراها نحو: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ}(2)، {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ}(3)، وقوله: {فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ}(4)؛ فإنَّه وما أُجري مجرى الرؤية الحاسّة؛ فإنَّ الحاسّة لا تصّح على الله (تعالى عن ذلك) وقوله: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}(5).
ــــــ[243]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 280، تفسير سورة الفجر.
(2) سورة التكاثر، الآيتان: 6-7.
(3) سورة الزمر، الآية: 60.
(4) سورة التوبة، الآية: 105.
(5) سورة الأعراف، الآية: 27.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والثاني: بالوهم والتخيّل نحو: أرى أنَّ زيداً منطلقٌ، ونحو قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا}(1).
والثالث: بالتفكّر نحو: {إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ}(2).
والرابع: بالعقل، وعلى ذلك قوله: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى}(3) وعلى ذلك حُمل قوله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى}(4).
ورأى إذا عُدّي إلى مفعولين اقتضى معنى العلم نحو: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}(5) وقال: {إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ}(6). ويجري (أرأيت) مجرى (أخبرني) فيدخل عليه الكاف ويترك التاء على حالته في التثنية والجمع والتأنيث، ويُسلّط التغير على الكاف دون التاء. قال: {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي}(7)، {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ}(8) وقوله: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى}(9)، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ}(10)، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ}(11)، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ}(12)، {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا}(13). كلّ
ــــــ[244]ــــــ
(1) سورة الأنفال، الآية: 50
(2) سورة الأنفال، الآية: 48.
(3) سورة النجم، الآية: 11.
(4) سورة النجم، الآية: 13.
(5) سورة سبأ، الآية: 6.
(6) سورة الكهف، الآية: 39.
(7) سورة الإسراء، الآية: 62.
(8) سورة الأنعام، الآيتان: 40 و47.
(9) سورة العلق، الآية: 9.
(10) سورة الأحقاف، الآية: 4.
(11) سورة القصص، الآية: 71.
(12) سورة فصّلت، الآية: 52، وسورة الاحقاف، الآية: 10.
(13) سورة الكهف، الآية: 63.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ذلك فيه معنى التنبيه.
والرأي اعتقاد النفس أحد النقيضين عن غلبة الظّن، وعلى هذا قوله: {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ}(1) أي: يظنّونهم بحسب مقتضى مشاهدة العين مثليهم… .
والرويّة والتروية التفكّر في الشيء والإمالة بين خواطر النفس في تحصيل الرأي والمرتئي، والمروّي المتفكّر (ومنه قول مولانا أمير المؤمنين×: >وطفقت ارتأي بين أن أصول بيدٍ جذّاءٍ أو أن أصبر على طخيةٍ عمياء<(2)).
وإذا عُدّي رأيت بإلى اقتضى معنى النظر المؤدّي إلى الاعتبار نحو: {أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ}(3) وقوله: {بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ}(4) أي: بما علّمك(5).
أقول: وكلّ هذه المعاني ومنها قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا}(6) ومن غيرها يمكن فهم الآية، فيراد بالرؤية في المقام:
أولاً: العلم.
ثانياً: الخبر.
ــــــ[245]ــــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 13.
(2) الإرشاد 1: 287، الأمالي (للطوسي): 372، المجلس 13، الحديث 54، الاحتجاج 1: 191، احتجاجه× في الاعتذار من قعوده عن قتال من تآمر عليه …، علل الشرائع 1: 150، الباب 122، معاني الأخبار: 360، باب معاني خطبةٍ لأمير المؤمنين×، ونهج البلاغة: 48، الخطبّة 3.
(3) سورة الفرقان، الآية: 45.
(4) سورة النساء، الآية: 105.
(5) مفردات ألفاظ القرآن: 187-188، مادّة (رأى).
(6) سورة نوح، الآية: 15.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ثالثاً: الاعتقاد.
رابعاً: الخطور في البال.
خامساً: التفكير.
سادساً: الاعتبار.
سابعاً: الرؤية الحسّيّة، وهي منشأ الإشكال، وقد رأينا أنَّه ليس معنى منحصراً.
ولو تنزّلنا لكان لها عدّة أجوبةٍ:
الأوّل: أنَّها خاصّةٌ بالشيء الذي يستطيع أن يحسّ ويرى بالماضي والحاضر والمستقبل.
الثاني: أنَّها خاصّةٌ بالإنسان الذي له قابليّة لذلك وقد حصل منه ذلك؛ لأنَّه يأخذ إقراراً بالحصول، وهو الإنسان المطلق.
الثالث: أنَّ المخاطب هو الجيل المعاصر لعادٍ. وهو بعيدٌ؛ لأنَّ المخاطب هو من نزول القرآن فما بعده، ولا معنى لخطاب الماضي.
الرابع: أنَّ المخاطب الأجيال كلّها منذ ذلك الحين إلى يوم القيامة، فيكون خطاب الماضي ضمناً ممكناً. ويوجد مثله في القرآن كخطاب بني إسرائيل، والمراد به السابقون، لكنه يجعل السابقين والمعاصرين كوحدةٍ واحدةٍ، ويقصدهم دفعةً واحدةً، كقوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ
ــــــ[246]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}(1).
ونحوه قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(2).
وهكذا قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}(3).
وقوله: {كَيْفَ فَعَلْ} سؤالٌ عن العلّة، أي: أُسلوب الإبادة وعن المعلول، وفخامة المعلوليّة تدلّ على فخامة العلّة، أعني: الإبادة نفسها.
وكلاهما الالتفات إليه مطلوبٌ. وأمّا ماذا فعل بالتعيين ففيه خطواتٌ:
الأُولى: أنَّه لا حاجة إلى معرفته، بل يكفي في العبرة وسبب الهداية أن نعلم به ولو إجمالاً.
الثانية: أنَّه مذكورٌ في الآية بعد مجموع الحضارات؛ فإنَّ قوله: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ} راجعٌ إلى عادٍ وثمود وفرعون، وليس إلى فرعون وحدها، كما هو ظاهر >الميزان<(4) ولعلّه المشهور(5) والمفهوم البدوي من الآية.
قال السيّد الطباطبائي+: والمعنى: فأنزل ربّك على كلٍّ من هؤلاء
ــــــ[247]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآيات: 49-55.
(2) سورة البقرة، الآية: 63.
(3) سورة البقرة، الآية: 72.
(4) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 281، تفسير سورة الفجر.
(5) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 49، تفسير سورة الفجر، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 339، تفسير سورة الفجر، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الطاغين المكثرين للفساد … الخ(1).
وهذه الصفة راجعةٌ إلى الثاني، وهو ثمود، لا أنَّها للأوّل، وهو عادٌ، مع أنَّ هذا الاختصاص لا قرينة عليه، بل القرينة السياقيّة على خلافه.
الثالثة: أن نستفيد ذلك من النصوص: كالآيات والأخبار وغيرها.
ويمكن أن نفهم من (عاد) أُموراً أُخرى:
الأوّل: أنَّه كلّ متكبّرٍ جبّارٍ.
الثاني: أنَّه كلّ متمسّكٍ بالدنيا؛ بدليل قوله: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ}(2) أي: إنَّهم كانوا يحبّونها محبّتهم للدنيا.
الثالث: أنَّه كلّ من يعود إلى المعصية مع التوبة أو بدونها.
****
قوله تعالى: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ}:
في قوله: {إِرَمَ} حديثٌ عن إعرابها؛ فإنَّها ممنوعةٌ من الصرف؛ للعلميّة والعجمة أو للعلميّة والتأنيث، ومجرورةٌ بالفتحة من أجل ذلك، فهي في محلّ جرٍّ. أمّا سبب ذلك فأمران:
الأوّل: أنَّها بدلٌ من عادٍ، كأنَّه قال: أُريد من عادٍ ارم، وليس عاد نفسها؛ لأنَّها الجزء المهمّ منها، فالمراد الأساسي (كيف فعل ربّك بإرم؟) ولا يحتمل أن تكون مترادفةً، وإنَّما هي جزءٌ تنزيلي منها.
الثاني: أنَّها مجرورةٌ بحرف جرٍّ مقدّرٍ يعني: بعادٍ بإرم.
وقد يميل مشهور النحويّين في مثله إلى تقدير حرف العطف، يعني:
ــــــ[248]ــــــ
(1) راجع الهامش السابق.
(2) سورة الفجر، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
بعادٍ وبإرم. هذا وينبغي أن يكون (عادٌ) أيضاً ممنوعاً من الصرف؛ للعلميّة والعجمة، إلّا أنَّ المشهور يعتبره عربيّاً. والقراءة المشهورة بالكسرة، ولكن هناك قراءةً بالفتح على اعتبار المنع من الصرف.
والقراءات هنا عديدةٌ ليس الآن محلّ ذكرها، إلّا أنَّ المهمّ منها اثنان:
الأُولى: قراءة التضايف: بعادٍ إرم.
الثانية: قراءة الفعل: إرمَّ ذات العماد، فتكون الجملة نعتاً لعادٍ، ويكون المراد به واحداً، وهو الذي رمّ المدينة وبناها.
فإن قلت: فإنَّ الإضافة سببٌ للمنع عن كونه ممنوعاً من الصرف.
قلنا: هذا يستقيم على القراءة المشهورة، ولكن توجد قراءاتٌ أُخر، نحو (بعادِ إرمَ) وهو مضافٌ مع كونهما معاً لا ينصرفان، كما توجد قراءتان لعاد بالفتح، وهو دليل عدم انصرافه.
أمّا أصلها اللغوي فقد قال في >مجمع البحرين<: إرم كعنب غير منصرفٍ، فمن جعله اسماً لقبيلة قال: إنَّه عطف بيانٍ لعاد، ومن جعله اسماً لبلدتهم التي كانت فيها إرم أضافه إلى عادٍ، والتقدير: (بعاد أهل إرم). وذات العماد إذا كانت صفةً للقبيلة، فالمعنى أنَّهم كانوا بدويّين أهل عمد أو طوال الأجسام، على تشبيهٍ قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفةً للبلدة، فالمعنى أنَّها ذات أساطين.
وروي أنَّه كان لعاد ابنان: شديدٌ وشدادٌ فملكا وقهرا، ثُمَّ مات شديدٌ، وخلص الأمر إلى شداد، فملك الدنيا، وسمع بذكر الجنّة. فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة، وهي مدينةٌ عظيمةٌ من الذهب والفضّة وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها
ــــــ[249]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أصناف الأشجار والأنهار المطرّدة. ولمّا تمّ بناؤها وسار إليها بأهل مملكته،
فلمّا كان منها على مسيرة يومٍ وليلةٍ بعث الله عليهم صيحةً من السماء فهلكوا(1).
أقول: ولم يتعرّض إلى هلاك إرم نفسها، والأساطير تقول: إنَّها اختفت. وينبغي أن نلتفت: أنَّنا إذا لم نصدّق أنَّها مختفيةٌ، إذن فلم توجد إطلاقاً؛ لأنَّها لو كانت موجودةً وانهدمت إمّا بهلاك عادٍ أو بعد ذلك، لوجدت آثارها بالحفريّات ونحوها، مع أنَّها ليست كذلك قطعاً.
فإن قلت: فظاهر القرآن يدلّ عليه.
قلنا: كلّا، بل لابدّ أن يحمل على معانٍ أُخر كالقبيلة ونحوها.
فإن قلت: فإنَّ الأجيال المتطاولة أزالته واستفادت منه.
قلنا: كلّا، هذا أيضاً ممّا يحصل الاطمئنان بعدمه.
وعلى العموم فالظاهر أنَّ اللغوييّن يعتقدون أنَّ إرم اسم علمٍ إمّا لمدينةٍ أو قبيلةٍ، وكأنَّها ليست لفظةً عربيّةً بل دخيلةً. أمّا القبيلة فلا يذكرون مكانها لنعرف أنَّها عربيّةٌ أم لا. وأمّا المدينة فيذكرون أنَّها باليمن. واليمن القديمة عربيّتها تختلف عن عربيّة الحجاز حتّى نقل عن قريش أنَّ لغة حميَر(2) غير لغتنا، وحميَر باليمن. وقد قسّموا اللغة العربيّة إلى ثلاثة أقسامٍ في الزمان: العرب البائدة، وهم جرهم والعماليق، والعرب العاربة كحميَر اليمن،
ــــــ[250]ــــــ
(1) مجمع البحرين 6: 7، مادّة (ارم).
(2) وقيل: إنّ منها أنّهم يجعلون اللام ميماً، ومنه ما ورد عن رسول الله’: >ليس من أمبر أمصيام في أمسفر<، حسبما أخرجه ابن حنبل في مسنده 5: 434، وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث 3: 42، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والعرب المستعربة وهم إسماعيل وأولاده. فمن هنا يظهر أنَّ عاد أسبق من إسماعيل وإبراهيم، في حين أنَّ الفراعنة متأخّرون عنهم نسبيّاً. والظاهر أنَّهم حكموا طويلاً بعنوان الفراعنة. وهذا معناه أنَّهم كانوا في زمن إبراهيم ويوسف وداود وموسى وبعد موسى. ولكن زوالهم متى كان وكيف كان؟ فهذا مجهولٌ لدينا ظاهراً. والمظنون جّداً أنَّهم لم يبقوا إلى زمان عيسى× فضلاً عن الإسلام، فقد كان الحاكم في مصر في صدر الإسلام هو المقوقس الذي راسله النبي’، ولم يكن بعنوان الفرعون.
لكن نستطيع أن نتقدّم قدماً باتّجاهٍ آخر وذلك بأن نقول: إنَّ اللغة العربيّة قسمان لا ثلاثة أقسامٍ: العاربة والمستعربة. أمّا البائدة فهي أصلٌ من أُصول اللغة العربيّة، وليست لغةً عربيّةً بالمعنى الذي نتداوله الآن، فننفي كونها عربيّةً، ويكفي أن نلتفت إلى شعرٍ قيل في يومٍ مّا لاستنكار الألفاظ البائدة والميّتة، كقولهم: (إنَّما الدردبيس والطرطبيس والنقا واللقا وكذا وكذا) وهي لغةٌ تنفر المسامع منها وتشمئزّ النفوس منها حين تتلى، وعليه فلغة البائدة ليست من اللغة المستحسنة بمعنىً من المعاني، أي: ليست عربيّةً. فإذا كانت اللغة العاربة مستنكرةً إلى هذا الحدّ فكيف باللغة البائدة التي قبلها؟! فيقرب كأُطروحةٍ أنَّ (إرم) التي هي على مستوى الزمن من العرب البائدة ممنوعةٌ من الصرف؛ للعلميّة والعجميّة، أي: إنَّها لغةٌ أعجميّةٌ لا عربيّةٌ وإن أبى المؤرّخون ذلك.
****
قوله تعالى: {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ}:
إذا كانت إرم اسم مدينةٍ، فالضمير يعود إليها، وهو بيان حسنها
ــــــ[251]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وحضارتها. وإذا كانت اسم قبيلةٍ، فهو مفسّرٌ في >الميزان<: أنَّه لم يخلق مثلهم في بسطة الجسم والقوّة والبطش في البلاد أو في أقطار الأرض(1). كما يمكن رجوعها إلى عادٍ نفسها، كما هو ظاهر >الميزان<(2) وإن كان ذلك خلاف الظاهر؛ لأنَّ رجوع الضمير إلى الأقرب أولى.
والبلاد جمع بلد، فإن أُريد من إرم المدينة، كان ظاهر الآية وجه الأرض، يعني: لم يخلق منها إطلاقاً. والظاهر الإشارة إلى الماضي والحاضر في ذلك الحين. وإن أُريد منها القبيلة، فيمكن ذلك أيضاً، كما يمكن أن يُراد عندئذٍ من البلاد المنطقة أو الإقليم، فالعراق إقليمٌ، ومصر إقليمٌ، وتستطيع أن تسمّيه البلد مجازاً والبلاد حقيقةً، ويُراد بالألف واللام العهد، أي: المجموعة المعهودة من البلدان المسمّاة بالعراق أو مصر. فيكون المعنى: الدولة بالمعنى القانوني الحديث التي أُخذت الأرض في تعريفها، فأرض الدولة هي البلاد، فيُقال: جاء إلى البلاد. وكلّ مملكةٍ أو قبيلةٍ أو غيرها ذات بلادٍ بهذا المعنى بعد تجريد اللفظ اللغوي عن معنى الدولة الحديثة.
والظاهر من (يَخلق أو يُخلق) بالفاعل أو المفعول أنَّها من فعل الإنسان لا من فعل غيره، إذا كان المراد من البلاد المدينة، أي: لم يوجد الإنسان مثلها. وهو ممكنُ النسبة إلى الإنسان أحياناً.
قال الراغب: الخلق أصله التقدير المستقيم، ويُستعمل في إبداع الشيء من غير أصلٍ ولا احتذاءٍ. قال: {خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}(3) أي: أبدعها
ــــــ[252]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 281، تفسير سورة الفجر.
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) سورة النحل، الآية: 3، وسورة الزمر، الآية: 5، وسورة التغابن، الآية: 3.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
بدلالة قوله: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}(1). ويُستعمل في إيجاد الشيء من الشيء نحو: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ}(2)، {خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ}(3)، {خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ}(4). وليس الخلق الذي هو الإبداع إلّا لله عزّ وجلّ، ولهذا قال في الفصل بينه وبين غيره: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}(5). وأمّا الذي يكون بالاستحالة فقد جعله الله تعالى لغيره في بعض الأحوال، كعيسى حيث قال: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي}(6)(7).
أقول: فإمّا أن يُراد التقدير أو الاستحالة أو مطلق الإيجاد، وكلّها ينطبق هنا.
ولقد ذكرنا: أنَّ مادّة (خلق) في قوله تعالى: {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ} قابلةٌ للانتساب إلى الله سبحانه وتعالى، أي: لم يخلق الله مثلها في البلاد، وذلك على تقدير أنَّ (إرم) اسمٌ لقبيلةٍ أو إنسانٍ، والإنسان لا يخلقه إلَّا الله سبحانه وتعالى. وأمّا إذا فهمنا أنَّ (إرم) اسمٌ لمدينةٍ فالخلق منسوبٌ إلى الإنسان نفسه، وهو استعمالٌ جائزٌ في اللغة وفي القرآن، كما قلنا.
فإن قلت: إنَّ الظاهر والمتبادر من الخلق هو نسبته إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الفهم المتشرّعي والقرآني؛ لأنَّ فهم المتشرّعة يكون أوكد إذا كان في القرآن، والمتشرّعة يعلمون أنَّ كلّ خلقٍ فهو من الله سبحانه وتعالى،
ــــــ[253]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 117، وسورة الأنعام، الآية: 101.
(2) سورة الأعراف، الآية: 189، وسورة الزمر، الآية: 6.
(3) سورة النحل، الآية: 4.
(4) سورة الرحمن، الآية: 14.
(5) سورة النحل، الآية: 17.
(6) سورة المائدة، الآية: 110.
(7) مفردات ألفاظ القرآن: 157، مادّة (خلق).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
إذن فهذه المادّة منسوبةٌ إلى الله سبحانه، ونسبتها إلى الله تكون قرينةً على أن (إرم) قبيلةٌ لا مدينةٌ.
قلت: هذا قابلٌ للجواب عنه بأكثر من وجهٍ:
الوجه الأوّل: أن نقول بأنَّ المتشرّعة وإن فهموا من الخلق نسبته إلى الله سبحانه وتعالى، إلّا أنَّ هذه النسبة غالبيّةٌ لا دائميّةٌ؛ لأنَّ القرآن بنفسه نسب الخلق إلى غير الله سبحانه، والقرآن حجّةٌ على المتشرّعة، فانتفت القرينيّة من هذه الناحية، ويمكن أن يكون المراد بإرم المدينة أو القبيلة، ولا يتعيّن الثانية.
الوجه الثاني: أنَّه مع التسليم بأنَّ الخلق في الآية يُراد به خلق الله سبحانه وتعالى، فإنَّه لا يتعيّن أن تكون القبيلة مفهومةً من لفظة (إرم)؛ لأنَّ الله تعالى كما خلق القبيلة كذلك خلق المدينة، وكلّ شيءٍ مخلوقٌ له سبحانه وتعالى، ولا تنافي بين النسبة إلى الأسباب والنسبة إلى الخالق؛ لأنَّ الأسباب فاعلةٌ والخالق فاعلٌ من جهته لو صحّ التعبير، فيمكن أن يكون الملاحظ هو تأثير الله سبحانه وتعالى في خلق المدينة بغضّ النظر عن فعل البنّائين.
فإن قلت: إنَّ الألف واللام في >البلاد< ظاهرة في الجنس لا العهد، أي: التي لم يخلق مثلها في مطلق البلاد، وهو الأظهر، والأصل في الألف واللام أن تكون للجنس لا للعهد، فيتعيّن أن يكون المراد وجه الأرض لا المنطقة أو الإقليم المحدود.
قلت: إنَّ الأصل في الألف واللام وإن كان هو الجنس، لكنّنا نستظهر ذلك فيما إذا لم تقم قرينةٌ على الخلاف. وفي المقام يمكن القول: إنَّ هناك قرينةً قامت على تضييق دائرة المراد بالألف واللام، وليس هو كلّ البلاد، بل المراد هو منطقةٌ محدودةٌ وهي (إرم)؛ لأنَّ (إرم) تقع في منطقةٍ محدّدةٍ لا محالة،
ــــــ[254]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وليست على وجه الأرض كلّها، فالناس الموجودون هناك كانوا يشعرون أنَّهم لم يروا مثلها إطلاقاً في أجيالهم الحاضرة والسابقة. فعندما يُقال: لم يُخلق مثلها في البلاد، يعني: من البلاد والمنطقة التي يراها ويشاهدها الناس، وفي ذلك الزمان كانت وسائط النقل بين البلاد البعيدة شبه معدومةٍ، فالبلاد عندهم هي البلاد المنظورة أو المعهودة، فنفهم من الألف واللام الجنس، لكن بالمقدار الذي يفهمه أهل اليمن والحجاز لا أكثر من ذلك.
ولنتقدّم الآن خطوةً أُخرى في تفسير هذه الآية المباركة، وهي أنَّ هذا السياق هو سياق مدحٍ، وليس سياق قدحٍ أو ذمٍّ، وإن كان المفسّرون لم يلتفتوا إلى هذه النقطة، وهو يفتح لنا باب فهمٍ ذا درجةٍ باطنيةٍ، وذلك بأن نقول: إنَّ قوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} بغضّ النظر عن المناقشات الآتية – أي: هذه الآية من حيث هي مستقلّةٌ- لا يدلّ على أنَّ الله فعل خيراً أو شرّاً؛ إذ لا محدّد لذلك من داخل الآية، وربما فعل خيراً بمقتضى أنَّ خيره أسبق من شرّه ورحمته سبقت غضبه، كما مرّ غير مرّةٍ. مضافاً إلى أنَّ (عاد) في الحقيقة من العود، وكلّ من يعود يصدق عليه أنَّه عاد، وكأنَّما هو مصدرٌ صناعي أو اشتقاقي، فمن عاد نسمّيه عاداً، كما في قولنا (أوّاب) أي: كثير الأوب، أو آبَ، أي: يرجع، أي: يذنب فيتوب، ثُمَّ يتوب وهكذا، بمعنى: أنَّه يبتعد عن الله ثُمَّ يقترب، يبتعد ثُمَّ يعود ويقترب لمرّاتٍ كثيرةٍ، يعود إلى الله بالتوبة والاستغفار والتكامل، ليرحمه الله تعالى ويفيض عليه من رحمته الخاصّة والعامّة.
هنا نسأل: مَن هو عاد؟ وما هي صفته؟
بالطبع سيُقال: إنَّه قال في الآية: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ}. ولا بأس بذلك؛ فإنَّ الشخص الذي يكون متكاملاً يكون فعلاً في
ــــــ[255]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
جنّةٍ متكاملةٍ وطيّبةٍ وجامعة للشرائط، بل هو جنّةٌ في الحقيقة لا مثيل لها، أي: لم يُخلق مثلها في البلاد، أي: نادر الوجود، كأمير المؤمنين× فهو جنّةٌ حقيقيّةٌ لا مثيل لها إلّا النبي’ الذي هو نفسه وليس غيره، وأمّا سائر الناس فهم ليسوا مثله، فيصدق عليه أنَّه لم يُخلق مثله في البلاد.
ومن جملة مصاديق العود أيضاً ما يسمّى بلغة الفقه بالفيء، أي: الأرض التي تحت حكم الكفّار، فتدخل تحت حكم الإسلام بحربٍ أو بغير حربٍ، فيسمّونها فيئاً، من فاء يفيء، إذا رجع يرجع، فأصلها من الرجوع والعود، وكأنَّ أصل الأرض لله، مع أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يسكن فيها ولا يأكل منها جلّ جلاله. وإنما أصل الأرض للمؤمنين من البشريّة أجمعين، فهم الذين يسكنون فيها ويأكلون منها، فإذا سكنها الكفرة أو حكمها الكفرة فقد ابتعدت عن الله، فإذا جاء المؤمنون وسكنوها أو حكموها مرّةً ثانيةً فقد عادت إلى الله. والفيء له أحكامٌ في الفقه لا حاجة إلى ذكر تفاصيلها. والمهمّ أنَّ هذا المعنى أقرب، وفيه روايةٌ والظاهر أنَّها مشهورة الصحّة، وإن كنت لا أعلم بصحّة سندها، وهي: >لمّا خلق الله العقل استنطقه، ثُمَّ قال له: أقبل فأقبل، ثُمَّ قال له: أدبر فأدبرَ. ثُمَّ قال له: وعزّتي وجلالي، ما خلقت خلقاً هو أحبُّ إليّ منك، ولا أكملتك إلّا فيمَن أحبُّ<.
ثُمَّ أخذ الله تعالى يعدّد صفات العقل قائلاً: >أمّا إيّاك آمُرُ، وإيّاك أنهى، وإيّاك أُعاقب وإيّاك أُثيب<(1).
ــــــ[256]ــــــ
(1) الكافي 1: 10، كتاب العقل والجهل، الحديث1، مَن لا يحضره الفقيه 4: 368، باب النوادر، الحديث 5762، مع اختلافٍ في ألفاظه، الأمالي (للصدوق): 418، المجلس 65، الحديث 5، الاختصاص: 244، حديث في زيارة المؤمن لله، مع فارقٍ يسيرٍ، ووسائل الشيعة 1: 39، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 3، الحديث 62.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ومحلّ الشاهد: أنَّ الإدبار البعد، والإقبال العود والرجوع، أي: يفيء إلى أمر الله، معنى ذلك أنَّ هذه الأُمور كلّها رجوعٌ إلى الله سبحانه، وإليه يعود الأمر كلّه.
فإن قلت: إنَّ هذا الفرد المتكامل (إرم ذات العماد) الآن لا مثيل له، وليس دائماً لا مثيل له؛ لأنَّ الأفراد المتكاملين وإن كانوا قليلين في البشريّة، لكنّهم ليسوا منعدمين، ففي كلّ جيلٍ يوجد عشرةٌ أو ثلاثون أو مائةٌ، فإذن أيّ واحدٍ منهم له مثيل مثله في الورع، وفي التقوى، فإذن لا يصدق على ذلك أنَّه لم يخلق مثلها في البلاد.
قلت: جواب ذلك من أكثر من وجهٍ:
الوجه الأوّل: أن نحمل هذا التعبير على الأغلب، وليس على المعنى الدقّي، أي: لو نسب إلى ما دونه وهم ملايين الناس، فهو ليس له مثيلٌ، بغضّ النظر عمّا هو غير الغالب، وهم عددٌ قليلٌ من المتكاملين بنفس المستوى، وهذا لا يضرّ بالعبارة؛ لأنَّ الأعمّ الأغلب من البشر هم دون هذا المستوى، فتحمل العبارة على الغالب، ولا تعني السيطرة التامّة والإطلاق الكامل.
الوجه الثاني: أن نحمل العبارة على واحدٍ حقيقةً لا مثيل له من الخلق، وهو أمير المؤمنين×؛ إذ أعطاه من الفضائل ما لم يُعطِ أحداً من العالمين.
الوجه الثالث: أن نقول: إنَّه كلّما صعدت درجات التكامل قلّ الأفراد، كأنَّما كلّ مجموعةٍ تتداخل في شخصٍ واحدٍ، ثُمَّ المرتبة الثانية أيضاً تتداخل في شخصٍ واحدٍ على شكلٍ هرمي إلى أن يلتقون بأمير المؤمنين× الذي هو أعلى الوجودات، وهو وجود محمّدٍ وعلي‘ سويّةً، فكلّما صعدت درجات التكامل قلّ العدد، وكلّما قلّ التكامل نلاحظ ازدياد العدد. وحينئذٍ نلاحظ
ــــــ[257]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
تلك النتيجة المتكاملة حقيقةً، والتي لم يُخلق مثلها في البلاد، أي: لا مثيل لها في الخلق، فالقمّة لم يُخلق مثلها ولا مثيل لها إطلاقاً.
فإن قيل: إنَّ الفهم المتقدّم للآية قد يكون منافياً للآيات التي بعدها، ولا يجوز أن نفهم بعض القرآن وندع البعض الآخر، فلو فهمنا قوله: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} فهماً باطنيّاً كما تقدّم، فماذا نفعل بقوله تعالى بعد ذلك: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}؟ وهذه الآيات قرينةٌ على فهم ما قبلها، أي: إنَّ قوم عادٍ أيضاً من السيّئين؛ لأنَّ السياق كلّه سياق قدحٍ وذمٍّ بهذه الأقوام.
قلت: هذا الإشكال يمكن الجواب عليه بأكثر من وجهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ هناك مسلكاً ينفيه علم الظاهر في الفقه والأُصول، لكن عليه بعض العامّة، وهو من الجهة الباطنيّة صحيحٌ في حدود حدسي وقناعتي، وهو فهم القرآن فهماً تجزيئيّاً، يعني: عدم جعل بعضه قرينةً على البعض الآخر، فكلّ شيءٍ نفهمه مستقلاً مثلاً، أو مع قرينته المتقدّمة أو المتأخّرة وهكذا. والحاصل: أنَّه يمكن فهم القرآن تجزيئيّاً، وهذا في الباطن معقولٌ ومغتفرٌ لو صحّ التعبير.
الوجه الثاني: وهو أوضح من الأوّل، وهو أنَّ السياق في الحقيقة نسب السوء إلى فرعون مصر، وأمّا الاثنان السابقان عليه فلم ينسبه إليهما. قال: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ …} إلى آخر الآية. وحسب الفهم المشهور فإنَّ هذه الأُمور تعود إلى فرعون، فهو الذي طغى في البلاد وأكثر فيها الفساد، ولم يقل عن عادٍ وثمود مثل ذلك، وإنَّما وصفهم بأوصافٍ أُخرى،
ــــــ[258]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ولا حاجة إلى حمل كلّ الأوصاف على الكلّ، وإن كان السيّد الطباطبائي+ فعل ذلك(1). لكن نقول: إنَّه وصف فرعون، ولم يصف ما قبله بهذه الأوصاف، بل وصف عاد بأنَّها {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ} وكذلك ثمود؛ إذ قال عنها: {الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} وهذا ليس وصفاً سيّئاً، ولا يحرم أن يحرّك إنسانٌ الصخر في الواد، بل يمكن أن نحمل الصخر على تحمّل البلاء حسب الفهم الباطني أو على حمل المسؤوليّة الدنيويّة أو المعنويّة.
وكذلك خطر لي – وإن كان قابلاً للمناقشة، وله درجةٌ باطنيّةٌ- أن نفهم (ثمود) بمعنى: أنَّ ملكهم أوجدهم، أي: كأنَّه ادّعى الأُلوهيّة، وربما نقول: إنَّ المتكامل يصل إلى درجةٍ معتدٍّ بها ويقرب من الله معنويّاً، فيكون كما ورد في الحديث القدسي: >عبدي أطعني تكن مثلي: تقول للشيء: (كن) فيكون<(2)، وإن كان مع قياسٍ بعيدٍ. فإذا كان (ثمود) يعني من يكون بدرجةٍ من الكمال العالي بحيث لو ادّعى الربوبيّة لما كان كاذباً بمعنىً من المعاني ولو مجازاً.
يبقى أنَّ هناك فرقاً بين عادٍ وثمود من ناحيةٍ وفرعون من ناحيةٍ أُخرى، مع العلم أنَّ القدر المشترك أنَّهم أسماءٌ لأشخاصٍ أو باصطلاح علم الأُصول عناوين لأشخاص، لكن ليست كلّها أعلاماً. نعم، عادٌ وثمود علمٌ لشخصٍ
ــــــ[259]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 281، تفسير سورة الفجر.
(2) ذكره صدر المتألّهين+ مع اختلافٍ في اللفظ في غير واحدٍ من تصانيفه الثمينة، فراجع مفاتيح الغيب: 469، المفتاح 13، المشهد 7، والحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 6: 9، السفر الثالث، القسم الأوّل، وغيرهما. وراجع أيضاً الأقطاب القطبيّة: 194، الفنّ الثاني، القطب الثاني، المسألة الثالثة، مع فارقٍ في اللفظ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
من قبيل: محمّدٍ أو زيدٍ، لكن فرعون ليس علماً لشخص، وإنَّما هو علمٌ لمنصبٍ أو عنوانٍ لمنصبٍ كالقيصر والامبراطور مثلاً؛ إذ ليس واحدٌ من الفراعنة اسمه فرعون، ولفظ فرعون أصبح عنواناً للمنصب. وهذا هو الفهم العرفي الأكيد، بخلاف قريشٍ وعادٍ وثمود وتميمٍ وخزارةٍ.
فإن قلت: فإنَّ الآيات الآتية تنفي هذا المعنى.
قلنا: أوّلاً: إنَّ هذا مبني على فهم التجزئة من ألفاظ القرآن، وهو في الباطن صحيحٌ.
ثانياً: إنَّنا يمكن أن نفهم الباقي بنفس الأُسلوب وإن كان أضعف، ولكن إذا استضعفنا حضارتهم فكيف {جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} ولماذا؟ ذلك ليس إلّا تحمّل البلاء اختباراً. وأمّا فرعون فهو أسفلهم، إلّا أنَّه بسوط العذاب سوف ينتبه ويعود، فالثلاثة متسلسلون في الأهمّيّة، يبدأ بالأعلى وينتهي بالأسفل، ويمكن أن يختصّ سوط العذاب بفرعون لا بالجميع.
ويُلاحظ: أنَّ الثلاثة: (عاداً وثمود وفرعون) أسماء أشخاصٍ بأعيانهم، ولكن يُراد به عشائرهم وذويهم، وهذا أمرٌ عرفي؛ إذ يقال: قريشٌ وتميمٌ وكنانةٌ وربيعةٌ، يعني: آل هؤلاء وعشيرتهم. وبهذا اللحاظ يكون الشخص نفسه مشمولاً للقصد. وأمّا إذا أُريد إخراجه فيقال: آل فلان (آل فرعون) يعني: دون فرعون نفسه. ولهذا يُلاحظ عود الضمير إليهم في {جابوا} و{أكثروا}، ومعه فلا يُراد الشخص في ثلاثتها، مع بعض الفرق، وهو أنَّ فرعون لقب الملك كالقيصر والإمبراطور، مع أنَّ لأسمائهم ألفاظاً أُخر، على حين أنَّ عاداً وثمود أسماء نفس الملوك أو الأجداد.
وقد تسمّى المناطق بأسماء الأشخاص أو العشائر أو الشعوب، ولذلك
ــــــ[260]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
عدّة أمثلةٍ منها: الصين والهند واليابان وآذربايجان والترك، وهذه أسماء للشعوب، وأُطلقت على المناطق تغليباً، يعني: بلاد الصين أو بلاد الصينيّين، ومنها تسمية الكاظميّة بالكاظمين، يعني: بلد الكاظمين، ومنها في الإنجليزيّة نيوزيلاند وتايلاند، يعني: أرض الزي وأرض التاي، وهو إشارةٌ إلى الشعب الساكن هناك. وهذا ليس مثل گرينلاند وآيرلاند؛ فإنَّ معناه الأرض الخضراء وأرض الهواء أو ذات الهواء. و(لاند) بمعنى أرض.
****
قوله تعالى: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ}:
يعني: آل ثمود كما قلنا.
قال الراغب: الجوب قطع الجوبة، وهي كالغائط من الأرض، ثُمَّ يُستعمل في قطع كلّ أرضٍ، قال تعالى: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ}(1)(2). وقال في >الميزان<: الجوب القطع، أي: قطعوا صخر الجبال بنحتها بيوتاً، فهو في معنى قوله: {وَتَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا}(3)(4).
وهذا منه غريبٌ؛ لأنَّه ليس من أهل اللغة، مع أنَّه يدلّ بالقطع على معنى الفصل والتقسيم، مع أنَّه يريد به قطع المسافة، وهو واضحٌ في عبارة الراغب، وإلّا لقال: قطع الصخرة، ولم يقل: قطع الجوبة. والجوبة منطقةٌ في الأرض تقطع بالمشي، يُقال: جاب الأرض أو جاب العراق، يعني: تجوّل فيه
ــــــ[261]ــــــ
(1) سورة الفجر، الآية: 9.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 100، مادّة (جوب).
(3) سورة الشعراء، الآية: 149.
(4) الميزان في تفسير القرآن 20: 281، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ومشى ورآه، فيكون جاب بمعنى النقل، وحيث إنَّه منسوبٌ إلى الصخر فيكون بمعنى: نقل الصخر في الواد. والجارّ والمجرور يمكن أن يعود إلى (جابوا) ويمكن أن يكون متعدّياً بمحذوفٍ صفةً للصخر، أي: الصخر الكائن في الوجود، أي: جلبوا الصخر من الواد.
ومنه السعاية (جاب) يعني: جلب؛ لأنَّه لا يجلبه إلّا بالانتقال. ومنه (جاب) يعني: ولد، يعني: أتيت بولدٍ، وهي جلبةٌ ثانيةٌ من المجاز.
لكن تبقى فكرةٌ يحسن الالتفات إليها، وهي أنَّ النقل له مبدأٌ وله وسطٌ وله منتهىً، فمن أين حملوا الصخر وأين مشوا فيه وإلى أين أوصلوه؟ يقول: (بالواد) فعجباً الواد كان مقلع الصخر، أي: أخذوا منه صخراً، ونقلوه إلى منطقتهم، أو إنَّهم كانوا يسكنون بالواد وجاؤوا بالصخر من خارجه، فيكون منتهى، أو إنَّهم أخذوا الصخر من منطقة (أ) ثُمَّ مرّوا بمنطقة (ب) ثُمَّ وصلوا إلى منطقة (ج) حيث سكناهم، فمشى الصخر في الوادي في أوّله إلى آخره. وكلّ هذا محتملٌ، بل لعلّه في المنطقة الوسطى أوضح؛ لأنَّه قال: {جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ}، ولم يقل: إنَّهم أخذوا الصخر في الوادي، أو جلبوا الصخر إلى الوادي، وإنَّما مشوا في الوادي، والله العالم.
وهنا سؤال: لماذا قال: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} ولم يقل: ثمود الذين حكموا وملكوا وعدلوا أو ظلموا أو أيّ شيء آخر؟ وتراه أنَّه وصفهم بصفةٍ واحدةٍ، وهي أنَّهم {جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ}؟
أقول: في حدود فهمي أنَّه يشير إلى أعظم أعمالهم وأهمّها والتي تكون سائر أعمالهم بالنسبة إليها غير مهمّةٍ، ولا حاجة إلى ذكرها، وأعظم ما عمله ذلك المجتمع هو أنَّهم {جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ}. أمّا ماذا استفادوا من الصخر؟
ــــــ[262]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فهذا بابٌ آخر. وكأنَّ هذا العمل عندما نضمّه إلى أعمالهم الأُخرى يكون من قبيل ضمّ الحجر إلى الإنسان، فلا قيمة لها في قباله، فهم خلقوا من أجله بمعنىً من المعاني وأسّسوا واهتمّوا به، فلذا كانت صفتهم الوحيدة في الآية.
ويكفي أن نلتفت إلى أنَّ الصخر لا تحمله الحيوانات؛ لأنَّه عبارةٌ عن صخرةٍ ضخمةٍ من الجبال، فأي جملٍ أو بغلٍ أو دابّةٍ تستطيع أن تنقل صخرةً بمئات الأطنان؟! وهناك نماذج موجودةٌ نعاصرها ونراها كالأهرام؛ فهي مبنيّةٌ من الصخر الضخم، والمادّيّون أو الحضارة الغربيّة الحديثة متحيّرةٌ في الطريقة التي بنيت بها الأهرام، وكيف تمّ نقل هذا الصخر بهذه الأحجام الهائلة إلى ذلك الارتفاع العالي؟
ويبدو أنَّه يوجد في لبنان وايطاليا واليونان وفي كثير من مناطق العالم معابد أو قصورٌ قديمةٌ فيها أساطين وفوقها صخرٌ كبيرٌ، فكيف ارتفعت هذه الصخور؟ هل نحتت وبني فوقها؟ الله العالم.
وهذا يعني أنَّ الفكرة الشائعة عن المجتمعات القديمة أنَّهم كانوا متخلّفين أو لا يفهمون، هذه فكرةٌ خاطئةٌ. وفي الحقيقة هذا له أحد تفسيرين:
أحدهما: أن نفهم ذلك فهماً مادّيّاً، أي: إنَّ هذا الصخر وضُع بطريقةٍ طبيعيّةٍ أو مادّيّةٍ، ولابدّ أن نفترض حينئذٍ أنَّ لهم آلياتٍ وطرقاً ومكائن قادرةً على تنفيذ هذه الأُمور، بعد أن علمنا أنَّ الحيوان لا يفعل، والإنسان بجسمه لا يفعل، حتّى لو كانوا مائة إنسان، فينحصر الأمر بوجود آلاتٍ ضخمةٍ لعلّها لا توجد حتّى في الوقت الحاضر؛ إذ لو افترضنا أنَّ دولةً غربيّةً أرادت أن تبني هرماً من هذا القبيل فكم من الجهد والإمكانات والسنين يحتاج حتّى تستطيع أن تنفّذ نصف هذا الهرم؟! ومعنى ذلك أنَّ الآليّات الموجودة عندهم
ــــــ[263]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
آنذاك فوق تصوّر الحضارة الحديثة.
ثانيهما: أنَّهم كانوا يفعلون ذلك بطريقةٍ غير طبيعيّةٍ كالسحر أو الطلاسم أو التعويذات أو أيّ شيء ممّا يسمّى بلغة الأُوربيّين بالباراسايكلوجي، أي: يرفعون هذه الصخور الضخمة بطريقةٍ روحيّةٍ، فلا يوجد عندهم حضارةٌ بالمعنى الأُوربّي، لكن عندهم حضارةٌ عقليّةٌ كافيةٌ لبناء الدنيا والسيطرة عليها، حتّى أنَّه يُقال – وأنا ذكرته في يومٍ مّا ولازلت متعجّباً منه-: إنَّ في داخل الهرم في يومين من السنة تظهر بقعة نورٍ كضوء الشمس في الداخل المظلم للهرم، في إشارةٍ إلى يوم ولادة فرعون ويوم تولّيه للعرش، فمن الذي أوجد هذا النور؟ ليس له سببٌ طبيعي! وإن كان المادّيّون قد قالوا: إنَّ عصر المعجزات قد انتهى. إلّا أنه لم ينته رغماً عليهم، كان ولازال وسيبقى إلى يوم القيامة وقدرة الله تعالى فوق ما يتصوّر من القوانين الطبيعيّة، بل إنَّ قدرة البشر فوق ما نتصوّر من القوانين الطبيعيّة، وهذه ليست مسألة دينٍ. فالمسلم يستطيع والمسيحي يستطيع واليهودي يستطيع والبوذي يستطيع؛ لأنَّها ليست من القوانين العليا والتكامل المطلق، وإنَّما هي – كما أُسمّيها – من القوانين الوسطى التي هي على مستوى تسخير الجنّ أو خدّام الطلاسم أو نحو ذلك من الأُمور، ولا تدلّ على حقّانيّة الفاعل؛ لأنَّ الذي يدلّ على حقّانيّة الفاعل هو فعل أكثر من ذلك؛ لأنَّ الذي يملك التكامل والقوانين العليا لا يكون همّه أن يبني هرماً أو مقبرةً أو فندقاً!! وهذا يعني أنَّ الذي يفعل ذلك هو من الطامعين بالدنيا ويسخّرون القوانين الوسطى في سبيل مصالحهم الدنيويّة، وهذا يعني أنَّهم متدنّون من هذه الناحية، والله تعالى يعطيهم؛ ليزدادوا إثماً لا أكثر ولا أقلّ.
ــــــ[264]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قوله تعالى: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}:
قال في >الميزان<: هو فرعون موسى(1) (وهي إضافةٌ مشكلةٌ).
أقول: وهو فهمٌ ضيّقٌ لأمرين:
الأوّل: أنَّ فرعون لقب سلسلةٍ طويلةٍ من الملوك حكموا مصر القديمة (ثلاث عشرة أُسرة) وليس اسم علمٍ لأيّ واحدٍ منهم حسب معهودنا، فلماذا يحصر بواحدٍ وغالبهم كانوا ظلمةً؟
الثاني: أنَّ المراد الآل، وليس شخص فرعون. ولذا يُقال: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ} الخ.
فإن قلت: فإنَّه يقول: {ذِي الأَوْتَادِ} وهو مفردٌ، وهذا بلحاظ كلّ فردٍ من أفراد ملوكهم، ويكون فرعون بمنزلة اسم الجنس، كما تقول: الإنسان أو النسيان. والجمع باعتبار مجموع ملوكهم أو مجموع الملوك مع الشعب الموالي له. كما إنَّ الطباطبائي+ فهم الجمع (طغوا)، وهو صفةٌ للمذكورين من عادٍ وثمود وفرعون.
قلنا: كلّا، بل ظاهره الرجوع إلى فرعون خاصّةً؛ لأنَّه المرتكز والأقرب.
فإن قلت: فإنَّه يتعيّن أن يكون قوله: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ} خاصّاً بفرعون.
قلنا: أوّلاً: لا بأس بذلك؛ لعدم الإشارة إلى ذنوب السابقين: كعادٍ وثمود كما سبق.
ثانياً: لا ملازمة بين عود الضمير هنا إلى الخاصّ وهناك إلى العامّ. كلّ ما
ــــــ[265]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 281، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
في الأمر أنَّ الألف واللام واضحةٌ في العهد لا الجنس، ولكن لا يوجد عهدٌ للسامع. نعم، يوجد عهدٌ لهم، يعني: الوادي المعهود لهم. ولعلّه هم الساكنون به أو غيره. ومن أين جلبوا الصخر؟ لا نعلم. كلّ ما في الأمر أنَّ (بالواد) متعلّقٌ بالصخر، إذن يكون هو مقلع الصخر ومبدأ حركته، وليس منتهاها، كما يبدو للفهم المشهور المتعارف.
وإليك بسط المقال في المقام:
قال في >الميزان<: هو فرعون موسى(1). وأرسل ذلك إرسال المسلّمات، مع العلم أنَّنا قلنا: بأنَّ لفظ (فرعون) أشبه أن يكون اسم جنسٍ لمطلق الفراعنة، وهم عشرات الأفراد؛ لأنَّهم كانوا ثلاث عشرة أُسرةٍ حكمت لمئات أو آلاف السنين، ولفظ فرعون يصدق على كلّ هؤلاء الذين حكموا مصر. ثُمَّ توجد قرينةٌ سوف نذكرها لاحقاً على أنَّ المقصود هو فرعون موسى، مع كونها قابلةً للمناقشة، فإذا نفيناها لا يتعيّن حينئذٍ أنَّ يكون المراد هو فرعون موسى بالخصوص.
مضافاً إلى مناقشة أُخرى حول كلام السيّد الطباطبائي+، وهي أنَّا عرفنا سابقاً أنَّ المراد بـ(فرعون) هم آل فرعون وليس فرعون نفسه؛ لأنَّ (عاد) عشيرةٌ و(ثمود) عشيرةٌ، وفرعون أيضاً كذلك بهذا المعنى، كما تقول: عاد وثمود وتميم وربيعة ونحو ذلك، وقد أعاد الضمير لهم جمعاً في قوله تعالى: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}.
فإن قلت: إنَّ الضمير عاد إلى فرعون مفرداً في قوله: {ذِي الأَوْتَادِ} ولم يقل: ذوي الأوتاد، وهذا يعني أنَّ المراد هو فرعون موسى نفسه.
ــــــ[266]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 281، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قلنا: إنَّ هذا قابلٌ للمناقشة، فنقول: إنَّ الضمير أو اسم الموصول ونحوه تعود إلى مرجعها أو ما يقصد منها، فإن كان ما يقصد منها جزئيّاً أو فرداً كان المراد من الضمير ومن اسم الموصول ومن هذه الأدوات عموماً هو الجزئي أو المفرد، وإن كان المراد منها كلّيّاً فيكون المرجع كلّيّاً. فإذا فهمنا من فرعون معنىً كلّيّاً قابلاً للانطباق على أيّ فردٍ من أفراد الفراعنة، فيكون المراد من (ذي) معنىً كلياً كذلك، كما نقول: الإنسان ذو ضحك، فـ(ذو) هنا منطبقةٌ على معنىً كلّي قابلٍ للانطباق على كثيرين، وليس على إنسانٍ معيّنٍ.
وحينئذٍ نقول: إنَّ المفرد بلحاظ كلّ فردٍ من أفراد الفراعنة، وهو قوله: (ذو الأوتاد)، والجمع بلحاظ أحد أمرين: إمّا مجموع الفراعنة، أي: كلّهم، وإمّا ضمّ أجيال شعوبهم إليهم كالقبطيّين مثلاً، يعني: ليس كلّ قبطي على الإطلاق، وإنَّما من تعاون مع الفراعنة منهم في كلّ جيلٍ، وهذه المجموعة الكبيرة في كلّ جيلٍ هي الحاكمة للبلاد، وفي الأعمّ الأغلب جدّاً من الفراعنة هم ظلمةٌ، ولا نستطيع أن نقول: إنَّهم عدولٌ، بل هم ظالمون، وباصطلاح درجةٍ من درجات التفكير في الفلسفة الحديثة هم إقطاعيّون، بمعنى: أنَّهم يسخّرون الشعب لأجل زراعتهم وصناعتهم، وأحياناً بلا أُجورٍ، بل لمجرّد أنهم يطعموهم، إلّا القليل القليل منهم ممّن شعر بأهمّيّة العدل كاخناتون مثلاً، فذهب إلى التوحيد. نعم، ما ذكر(1) قابلٌ للمناقشة؛ لأنَّ اخناتون عبد الشمس بصفتها نوراً من نور الله سبحانه وتعالى، فصار عبد الشمس؛ لأنَّ (آتون) بلغتهم تعني: الشمس، و(اخن) إمّا بمعنى: عبد أو أخ. والمهمّ أنَّه ليس توحيداً بالمعنى الإسلامي، وإن كان يعود إلى معنى التوحيد، كما لو كان البشر
ــــــ[267]ــــــ
(1) أُنظر: في ظلال القرآن 2: 812، تفسير سورة النساء، وغيره.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قد عبدوا صنماً واحداً فلا يمكن أن نسمّي ذلك توحيداً، وإن كان ذلك أفضل من عبادة الأصنام المتعدّدة؛ من جهة التوجّه إلى أنَّ علّة الكون واحدةٌ لا متعدّدةٌ.
فإن قلت: إنَّ السيّد الطباطبائي + فهم من (طغوا) أُطروحةً ثانيةً غير ما قلناه سابقاً؛ إذ ذكرنا أنَّ الطاغين إمّا هم ملوك الفراعنة بمجموع أشخاصهم، وأمّا من عاونهم من شعوبهم.
أفاد السيّد الطباطبائي+: أنَّ ضمير الجماعة في (طغوا) يعود إلى كلٍّ من عادٍ وثمود وفرعون، والثلاثة جمعٌ، فيعود عليهم الضمير، فهم طغوا في البلاد(1).
قلنا: هذا الفهم لا بأس به وجزاه الله خيراً عليه، لكنّه قابلٌ للمناقشة من أكثر من وجهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ (عاد) لم نفهم منه معنىً جزئيّاً، وكذلك ثمود وفرعون، بل كلّ واحدٍ جمعٌ برأسه، فثمود قبيلةٌ مع ملوكها، وكذلك عاد وفرعون، كما تقدّم بيانه، فلا حاجة إلى أن نبحث عن ثلاثة أشخاصٍ ونعيد الضمير إليهم جمعاً، ولم يكن مقصود القرآن هكذا.
الوجه الثاني: وهو مطلبٌ وجيهٌ في حدود فهمي؛ لأنَّي لا أقول: إنَّي أُعطي الجزميّات بالنسبة إلى فهم القرآن؛ حتّى لا أكون ممّن فسّر القرآن برأيه، بل هو أُطروحةٌ معتدٌّ بها. وهي أن نقول: إنَّ الآية لم تذكر لعادٍ وثمود مساوئ، وإنَّما قوله: {طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} جاء بعد ذكر فرعون، والقدر المتيقّن الذي تتمّ به العبارة هو عوده إلى فرعون، وأمّا عوده
ــــــ[268]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 281، تفسير سورة ا لفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
إلى ما سبق فرعون فهذا مشكوكٌ فيه.
نعم، يشفع لذلك شيءٌ واحدٌ، وهو أنَّه إذا كان عائداً إلى فرعون بالخصوص فلابدّ أن يكون مفرداً، فيقول: (الذي طغى في البلاد..) ونحن ذكرنا فيما سبق: أنَّ ضمير الجمع يعود إلى فرعون فقط؛ لأنَّ فرعون معنىً كلّي، ولا حاجة إلى إرجاعه إلى عادٍ وثمود، فعادٌ وثمود خارجان عن هذا الاعتراض والإشكال، أي: الاعتراض القرآني، وهو أنَّهم طغوا في البلاد، وإن كانوا قد طغوا في الواقع، وأنا لا أنفي ذلك، لكن هذه الصفة في الآية غير راجعةٍ إليهم ضرورةً.
فإن قلت: إنَّ سياق هذه المجموعة من الآيات الكريمة التي نتحدّث عنها سياقٌ واحدٌ: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} فهذا سياقٌ واحدٌ، وقوله: {صَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} يعني: على المجموع المتقدّم: عادٍ وثمود وفرعون، وليس على واحدٍ منهم، وكذلك قوله: {طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ} يعود إلى المجموع أيضاً ببركة وحدة السياق، وقد استشهدنا كثيراً بوحدة السياق في الفقه والأُصول، أي: لفظان أحدهما يقيني الدلالة والآخر مشكوك الدلالة، فنحمل الثاني على الأوّل، فقوله: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ} مشكوك الدلالة فرضاً، وأمّا قوله: {صَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} فهو يقيني الرجوع إلى المجموع، فنعيد المشكوك أيضاً إلى المجموع.
قلت: هذا الكلام له أكثر من جوابٍ واحدٍ:
أوّلاً: يمكن القول: إنَّ وحدة السياق هنا غير موجودةٍ، وإنَّ قوله: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} وقع صلة موصولٍ، ولا نتجاوز
ــــــ[269]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ذلك.
وقوله: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ} معطوفٌ على الصلة {فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}، وانقطع السياق، ثُمَّ يأتي بكلامٍ آخر جديدٍ كنتيجةٍ لما تقدّم: {فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} وهو بيان سببٍ للعذاب، ثُمَّ يذكر النتيجة، وهي متكوّنةٌ من آيتين لا واحدةٍ: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}. فسياق المعلول شيءٌ، وسياق العلّة شيءٌ آخر، الذي هو الفساد والظلم ونحو ذلك من الأُمور، فليس هناك وحدة سياقٍ بالمعنى الذي يوجب حمل المشكوك على المتيقّن.
ثانياً: أن نسلّم بالعكس، فنثبت وحدة السياق تنزّلاً عن الوجه الأوّل، فوحدة السياق موجودةٌ، لكن نقلبها فنقول: إنَّ قوله: {طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} راجعٌ إلى فرعون يقيناً، ونشكّ في قوله: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} من أنَّه راجعٌ إلى المجموع أو إلى فرعون فقط، فنحمل ما هو مشكوكٌ على ما هو متيقّنٌ. وهذا يعني: أنَّ قوله: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} راجعٌ إلى فرعون خاصّةً، ويندفع بذلك أيضاً ما تقدّم في كلام السيّد الطباطبائي+.
مضافاً إلى وجهٍ آخر يحسن الالتفات إليه، وإن كان يُفهم من مجموع ما قلته، وهو أنَّه لا ملازمة في الحقيقة بين مرجع {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ} وبين مرجع {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}؛ فالأوّل يعود إلى فرعون وحده، والثاني يعود إلى المجموع من عادٍ وثمود وفرعون، والتفكيك بين مرجع العبارتين ممكنٌ، ولا ملازمة بينهما.
ثُمَّ إنَّه لماذا وصف فرعون بـ{ذِي الأَوْتَادِ}؟
ــــــ[270]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وكأنَّ السيّد الطباطبائي+ وكلّ متأملٍ في القرآن يواجه سؤالاً وهو: لماذا وصف فرعون بذي الأوتاد؟ ومهما فهمنا من فرعون فالمهمّ أن نعرف سبب هذا الوصف. يجيب السيّد الطباطبائي+ عن ذلك.
قال في >الميزان<: وسمّي {ذِي الأَوْتَادِ} على ما في بعض الروايات أنَّه إذا أراد أن يعذّب رجلاً بسطه على الأرض ووتّد يديه ورجليه بأربعة أوتادٍ في الأرض، وربما بسطه على خشبٍ وفعل ذلك به. ويؤيّد ما حكاه الله من قوله عن السحرة الذين آمنوا بموسى×: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ}(1) فإنَّهم كانوا يوتّدون يدي المصلوب ورجليه على خشبة الصليب(2).
أقول: هو ينطلق من كلامه بأنَّ فرعون هو فرعون موسى، ولهذا يذكر الله سبحانه وتعالى أهمّ أنواع عذابه ويصفه بذي الأوتاد؛ لأنَّه كان يدقّ الوتد في هؤلاء الذين يصلبهم ويقتلهم.
وفي الحقيقة أنا الذي أفهمه أنَّ جذوع النخل لا تتحمّل الوتد؛ لأنَّها عريضةٌ بالشكل الذي لا يمكن أن يوتّد فيها إنسانٌ بيديه ورجليه. نعم، كانوا يشدّون يديه ورجليه ثُمَّ يشدون جسمه بسلسلةٍ أو بحبلٍ بجذع النخلة ويموت صبراً، أي: جوعاً وعطشاً، وإنَّما الصليب الخشبي يتحمّل أن يوتّد فيه إنسانٌ بيديه ورجليه، وخشبة الصليب ليست هي جذع النخلة، بل شكلها الهندسي معروفٌ، وهو لا ينطبق على جذوع النخل.
فإن قلت: إنَّ ذا الأوتاد هو فرعون موسى، وهذا يدعم كلام السيّد الطباطبائي+ المتقدّم؛ لأنَّ غيره من الفراعنة لم يكن ذا الأوتاد.
ــــــ[271]ــــــ
(1) سورة طه، الآية: 71.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 281، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قلت – كأُطروحةٍ-: إنَّهم كلّهم كانوا من ذوي الأوتاد؛ لأنَّه كان هذا هو الأُسلوب المتعارف لقتل من يحكم بالإعدام، وهم يتوارثون هذه الطريقة جيلاً بعد جيلٍ، وليست المسألة خاصّةً بفرعونٍ واحدٍ، بل يكفينا أن نقول: إنَّ غالب الفراعنة هم ذووا الأوتاد، أو إنَّ القانون الأساسي عندهم هو القتل بهذه الطريقة: إمّا مكتوباً أو تقليداً متعارفاً عليه، فلا يتعيّن أنَّ ذا الأوتاد هو فرعون موسى. وهناك قرينةٌ محتملةٌ أُخرى، وهي أنَّ الذي عُذّب هو فرعون موسى فقط دون غيره من الفراعنة، ولذا قال: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} وسنناقش هذه القرينة بعد ذلك.
إلى هنا كان القرآن الكريم يذكر عاداً وثمود وفرعون، ويذكر لكلّ واحدٍ منهم أهمّ صفاته أو صفةً واحدةً هي الأهمّ في حياته، فعادٌ أصحاب المدينة، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذو الأوتاد.
فإن قلت: إنَّ هناك كبرىً تقول: إنَّ هذا السياق كلّه سياقٌ واحدٌ، وهو سياق اعتراضٍ وإشكالٍ على هؤلاء الناس والكفّار والمغضوب عليهم، مع العلم أنَّ الصغرى التي ذكرناها لا يمكن تطبيقها هنا، وهي أنَّنا قلنا بأنَّ القرآن لم يذكر لعادٍ وثمود ذنوباً أو عيوباً، وإنَّما ذكر فقط لفرعون ذي الأوتاد، وهي أنَّه طغى في البلاد وأكثر فيها الفساد.
قلت: إنَّ الكبرى صحيحةٌ ومسلّمةٌ، ومناقشتها لها بابٌ آخر، لكن الصغرى ليست صحيحةً، أي: إنَّنا ينبغي أن نحمل عاداً وثمود على السوء بالرغم من عدم صراحة القرآن بذلك في هذه السورة، والقرآن ذكر أسوء أعمالهم، وليس خير أعمالهم أو أهمّها؛ لأنَّ وحدة السياق تقتضي أن يكون هؤلاء قد عملوا سوءاً، كما يقال مشهوريّاً: إنَّ عاداً بنى إرم من أجل تحدّي
ــــــ[272]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الجنّة، وكما أنَّ ابرها الحبشي بنى كعبةً في اليمن، كذلك بنى عاد إرم في اليمن، وكأنَّ أرض اليمن أُختيرت لمثل هذه العصيانات، فبناء إرم هي أسوأ مساوئ عاد. نعم، مجموع ذنوبه كثيرٌ، لكن تحدّيه لليوم الآخر وللجنّة يعتبر أشدّ ذنوبه. وكذلك ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، فربما كان ذلك لقتل الناس أو تعذيبهم وظلمهم، فيكون السياق كلّه سياق ذمٍّ واعتراضٍ على أعمال هؤلاء.
وفي الحقيقة يمكن المناقشة في الكبرى فنقول: إنَّ السياق ليس سياقاً واحداً، كما فهم المشهور ذلك أيضاً، لا السيّد الطباطبائي+، كما تقدّم؛ إذ فهم المشهور أنَّ قوله: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} مختصٌّ بفرعون لا بعادٍ أو ثمود، وعلى هذا الفهم من أذنب وظلم صبّ ربّك عليهم سوط عذابٍ، ومن لم يُذكر له ذنبٌ أو خطيئةٌ فلا حاجة لأن يصبّ عليه ربّك سوط عذابٍ، فإذا كان العذاب راجعاً إلى فرعون، فلنا أن نقول: إنَّ ما قبل فرعون خارجٌ عن العذاب ولا ذنب له، كما لا عذاب عليه، بل ذكره بصفةٍ إجماليّةٍ، ولا يتعيّن أن تكون ذنباً وسوءاً. ولا أقلّ أنَّ أجيال عادٍ وثمود بعضهم رحموا الناس أو كانوا على مستوىً إنساني معتدٍّ به، والله العالم.
أقول: بل لعلّ الآية غير دالّةٍ على ذلك، وجذع النخلة لا يساعد عليه. كما لعلّ هذا العمل مستندٌ إلى كثيرٍ من أفراد الفراعنه، ثُمَّ هو واردٌ بالنسبة إلى الصليب، كما صلبوا عيسى أو شبيهه يهوذا >الآخريوطي< ووتّدوا يديه ورجليه وكتبوا عليه: (هذا ملك اليهود) بنحو السخرية، فلمّا اشتدّت عليه الآلام قال: لماذا أهملتني أو تخلّيت عنّي؟
المهمّ أنَّ القرآن يذكر أهمّ رذائل فرعون، كما ذكر أهمّ أعمال ثمود، بحيث تكون باقي الأعمال بالنسبة إليه ممّا لا يستحقّ الذكر.
ــــــ[273]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فإن قلت: فإنَّه ذكر عمل ثمود جيّداً وعمل فرعون رديئاً، مع أنَّهما في سياقٍ واحدٍ.
قلت: أوّلاً: أنَّهما ليسا سواءً إذا أرجعنا العذاب إلى خصوص فرعون.
ثانياً: أنَّهما يمكن أن يكونا سواءً. نعم، على الفهم المشهور لا يكونون سواءً، ولكن يمكن أن نفهم من ثقل الصخر شيئاً رديئاً كالثقل به، كما يمكن أن نفهم من الأوتاد شيئاً جيّداً بالبناء به، فيتّحد الوصف بهما.
قال العكبري: {الَّذِينَ طَغَوْا} في الجمع وجهان: أحدهما: أنَّه صفةٌ للجمع (ولم يذكر الجمع الموصوف) والثاني: هو صفةٌ لفرعون وأتباعه، واكتفى بذكره عن ذكرهم(1).
أقول: سبق وجهٌ ثالثٌ، وهو أنَّ فرعون اسم جنسٍ على معنى الجمع، فيمكن إعادة الضمير إليه مجموعاً.
إذن لقد ذكر العكبري الوجهين: أنَّه إمّا صفةٌ للجمع، أو صفةٌ لفرعون وأتباعه، واكتفى بذكره عن ذكرهم. وهذا دفع دخل مقدّر؛ لأنَّ أتباعه لم تذكرهم الآية الكريمة، فكيف يرجع الضمير عليهم؟
أجاب: أنَّ ذكر فرعون يكفي؛ لأنَّ له أتباعاً، فالمجموع هو الذي طغى في البلاد وأكثروا فيها الفساد، وهذا جواب المشهور.
وفي الحقيقة تحصّل عندنا أكثر من جوابٍ عن ذلك غير الجواب المشهور:
منها: ما قلته سابقاً من أنَّ فرعون لا يُراد به شخص فرعون، وإنَّما مجموع الفراعنة أو حكم الفراعنة على طول الأجيال.
ــــــ[274]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 286، سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ومنها: جواب السيّد الطباطبائي+ وإن كنا ناقشناه في الجملة على نحو الاحتمال، وحاصله أنَّ ضمير الجمع يعود إلى عادٍ وثمود وفرعون، وهو واضح قرآنيّاً، وإن لم يلتفت إليه العكبري.
****
قوله تعالى: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}:
قال في >المفردات<: السوط الجلد المضفور الذي يُضرب به، وأصل السوط خلط الشيء بعضه ببعضٍ. يُقال: سُطتَه وسَوَطّته. فالسوط يُسمّى به لكونه مخلوط الطاقات بعضها ببعضٍ. وقوله {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}(1) تشبيهاً بما يكون في الدنيا من العذاب بالسوط. وقيل: إشارةٌ إلى ما خلط لهم من أنواع العذاب المشار إليه بقوله: {حَمِيمًا وَغَسَّاقًا}(2)(3).
أقول: بل الصحيح: أنَّ المراد هو العذاب الدنيوي لا الأُخروي، فصبّ عليهم سوط عذابٍ في الدنيا؛ لأنَّ الأُمم قبل الإسلام ينزل عليها العذاب في الدنيا: كالخسف والصيحة مثلاً، وهذا العذاب الدنيوي يشبّه بضرب السوط، وليس المقصود أنَّه عذاب جهنّم، مضافاً إلى أنَّ قوله: {سَوْطَ عَذَابٍ} يُراد به سوطٌ واحدٌ، أي: ضربةٌ واحدةٌ، مع أنَّ جهنّم فيها ضرباتٌ متعدّدةٌ، فلا يصدق على جهنّم أنَّها سوط عذابٍ، وإنَّما يصدق ذلك على عذاب الدنيا؛ لأنَّه يقع دفعةً واحدةً تنتج الهلاك والدمار.
ــــــ[275]ــــــ
(1) سورة الفجر، الآية: 13.
(2) سورة النبأ، الآية: 25.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 254، مادّة (سوط).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ولو جعلنا السوط بمعنى الخلط – أي: خلط العذاب بعضه ببعض- جعله المشهور بمعنى: العذابات الكثيرة المختلطة في جهنّم. ولكن لنا أيضاً أن نقول: إنَّ ذلك ممكنٌ في الدنيا، كما لو كان العذاب ريحاً شديداً، فتهلك الناس والحيوانات والنباتات وتهدم الدور، وهذه عذاباتٌ متعدّدةٌ بتسبيبٍ واحدٍ، فعذاب الدنيا أيضاً مختلطٌ.
ويمكن أن نفهم من الخلط معنىً آخر كأُطروحةٍ، وهو الجمع بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، أي: كما أنَّهم عذّبوا في الدنيا كذلك عذّبوا في الآخرة، وقد فعل بهم ذلك فعلاً. لكن هذا قابلٌ للمناقشة من وجهين:
الوجه الأوّل – ولعلّه الأهمّ-: أنَّ قوله: {سَوْطَ عَذَابٍ} أي: دفعةٌ واحدةٌ من العذاب، فهي إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة، فلو كانا معاً لوجب أن يقول: (سوطا عذاب). وأمّا أن نركّب السوط الواحد من العذاب الدنيوي والأُخروي فهذا خلاف العرف جدّاً وخلاف فهم المتشرّعة، وإنَّما هما عذابان منفصلان متباينان، فيكون هذا الطرح بمنزلة الغلط، ونحن ننزّه القرآن عن الغلط، فيتعيّن أنَّ قوله: {سَوْطَ عَذَابٍ} يعني: أحدهما، ونحن رجّحنا كونه في الدنيا.
الوجه الثاني: أنَّ هناك رواياتٍ مفادها أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يجمع عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وفضيحة الدنيا مع فضيحة الآخرة؛ فالله تعالى أرحم من ذلك(1). وهذه النقطة لابدّ من التفكير فيها، أي: إذا عذّب الإنسان
ــــــ[276]ــــــ
(1) راجع الفصل الحادي والثلاثين والمائة من كتاب جامع الأخبار: 164-167، والباب الخامس من أبواب قصص آدم وحوّاء وأولادهما (صلوات الله عليهما) من بحار الأنوار 11: 218-249، لا سيّما الحديث 42 منه.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
في الدنيا وابتلى بلاءً شديداً سوف يغفر الله له، فلا يحتاج إلى عذاب الآخرة. ولعلّه يؤيّده مضمون ما ورد من أنَّ الإنسان إذا مات مذنباً فإنَّ الله تعالى يصعّب عليه الموت حتّى يغفر له ولا يدخله نار جهنّم(1)، أي: يوم القيامة لا يقف هذا الموقف الطويل، بل يذهب إلى الجنّة مباشرةً، وهذا نحوٌ من الرحمة. وأمّا أنَّه يذهب إلى الجنّة فهذا مستحيلٌ، بل ينبغي أن يتطهّر، فيطهّره الله قبل جهنّم، وعليه فلا يجمع عليه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. وأمّا المستحقّون والمعاندون كهذه النماذج الحضاريّة الدنيويّة والذين أكثروا في الدنيا الفساد، فيجمع الله عليهم عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وهم ليسوا بمؤمنين طبعاً، فهم خارجون تخصّصاً عمّا قلناه أو يكون الكلام عنهم بنحو السالبة بانتفاء الموضوع بالنسبة إلى الدليل الدالّ على أنَّ الله لا يجمع على المؤمن عذابين في الدنيا والآخرة، فالمعاندون يجمع الله عليهم العذابين؛ لأنَّهم بمستوىً من الذنب بحيث ليس في الحكمة والعدل تأجيل عذابهم إلى الآخرة، بل ينبغي التعجيل لهم في الدنيا. وهذا لا يعني أنَّهم لا يعذّبون في الآخرة؛ لأنَّ عذابهم في الدنيا فيه مصلحةٌ أُخرى غير الانتقام الإلهي، وهو أنَّهم يمحون من الأرض حتّى يكونوا عبرةً للآخرين، وأن لا يؤذوا الآخرين بعد ذلك، فعذابهم في الدنيا فيه حكمةٌ ورحمةٌ، في حين أنَّ عذاب الآخرة لا يستفيد منه أحدٌ في الدنيا؛ لأنَّ الدنيا حينئذٍ غير موجودةٍ.
ــــــ[277]ــــــ
(1) راجع الأخبار والأحاديث الواردة في باب الصفح عن الشيعة وشفاعة أئمّتهم (صلوات الله عليهم) فيهم من أبواب الإيمان والإسلام والتشيّع من بحار الأنوار 65: 98-149، لا سيّما الحديث 96 منه.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وهناك فرقٌ آخر بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وهو أنَّ عذاب الدنيا يكون مشتركاً، فيعذبون كلّهم دفعةً واحدةً مهما كانت مستوياتهم من الذنوب، فاليابس يحرق الأخضر كما يعبّرون، لكن في الآخرة ليس كذلك؛ فإنَّ الله يوقف كلّ شخصٍ بذاته، ويحاسبه على ذنوبه بالدقّة المتناهية، وهذا غير موجودٍ في الدنيا.
تلخّص ممّا سبق: أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يذكر طعناً على عادٍ وثمود أو إشكالاً عليهما، ولم يذكر عذاباً لهما، وفي ذلك تبرئةٌ لهما، مع العلم أنَّه في الآيات الأُخرى أو السور الأُخرى طَعنَ فيهما وبيّن استحقاقهما للعذاب، فلماذا كان ذلك؟
وهذا له أكثر من جوابٍ واحدٍ:
الجواب الأوّل: ما كنت أقصده إلى الآن من أنَّ هذه الآيات بالتعيين ليس فيها إشارةٌ إلى ذنوب عادٍ وثمود ولا إلى عذابهم، بمعنى: أنَّ سورة الفجر بالرغم من أنَّها ذكرت عاداً وثمود، لكنّها لم تتعرّض إلى ذلك. نعم، أشارت إلى فرعون ورهطه، وذكرت ذنوبهم وعذابهم.
مضافاً إلى ما ذكرته في الدروس السابقة كأُطروحةٍ من أنَّ قوله تعالى: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} يعود إلى الجميع، أي: عادٍ وثمود وفوعون. إذن الأُطروحة القائلة بأنَّ الآية لم تذكر عذاباً لعاد وثمود ليست جزميّةً.
الجواب الثاني – وهو أهمّ من الأوّل-: أن يُقال: إنَّ هناك علاقةً بين أوّل هذه الفقرة وبين نهايتها، والفقرة هي أنَّ هذه الآيات تعرّضت للأُمم السابقة التي سادت ثُمَّ بادت، من قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} إلى قوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}.
ــــــ[278]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فهناك علاقةٌ بين أوّل هذه الآيات وبين آخرها، ونحن قلنا سابقاً: إنَّه لا نعلم ماذا فعل: خيراً أم شراً؟ لكن حينما نجعل هذا السياق واحداً أو موحّداً ومجموعيّاً يكون بعضه قرينةً على البعض، فنستطيع بذلك أن ندعم فهم المشهور مع شيءٍ من الإضافات؛ لأنَّ قوله: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} تعبيرٌ آخر عن فعله الوارد في قوله: {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ}. فنفهم أنَّ هذه الآية مفادها أنَّه عذّبهم، وثمود أيضاً بتقدير تكرار العامل، وكذلك فرعون، فكلّهم معذّبون. وفيها أيضاً شيءٌ من العبرة؛ فقوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} يعني: اعتبر بما فعل ربّك بعادٍ وثمود وفرعون.
وهنا نضيف شيئاً آخر، وهو أنَّ عذاب هؤلاء لم يكن جزافاً بطبيعة الحال، بل كان لحكمةٍ وعدلٍ، إذن فمن المناسب أن يذكر في كلّ واحدٍ منهم سبب العذاب الذي استحقّه. ويبدو من السياق حينما نفهمه ككلٍّ أنَّ هذه الصفات التي وُصفوا بها هي سبب العذاب، وليس شيئاً آخر، كما نقول مثلاً للتشبيه: الحمد للّه الذي رزقني على الكبر ولداً، أي: أحمده بصفته رزقني على الكبر، أي: من هذه الجهة، وكذلك هؤلاء عُذّبوا بسببٍ أو من جهة الأوصاف التي ذكرت لهم في السورة. ففرعون طغى في البلاد وأكثر فيها الفساد، وأمّا عادٌ وثمود فيمكن أن يفسّر ذنبهم بالأوصاف التي ذكرت لهم على فهم المشهور، فإرم ذات العماد كما ذكر التاريخ مدينةٌ كبيرةٌ بنيت تحدّياً للجنّة وللّه سبحانه وتعالى، وهذا ذنبٌ عظيمٌ لم يصدر في سابقيه ولا من لاحقيه، فلحقهم العذاب من هذه الناحية، فإرم من مسبّبات عادٍ ومن معلولاته من الناحية المنطقيّة، وهذا التحدّي للّه جرمٌ كبيرٌ جدّاً بحيث استحقّ عليه العذاب المعجّل. هذا إذا فهمنا من (عادٍ) المدينة. أمّا إذا فهمنا القوم أو
ــــــ[279]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
القبيلة فلا يكون سبب العذاب مبيّناً في الآية؛ لأنَّ إرم تكون قبيلةً حينئذٍ لم يُخلق مثلها في البلاد، أي: لم يُخلق مثل صفاتهم من الشجاعة أو القوّة أو الطول أو أيّ شيءٍ آخر، وينبغي أن نفهم هذا التسلسل من زاوية فهم المشهور، أي: إرم المدينة لا القبيلة.
وأمّا ثمود فهم جابوا الصخر بالواد، وهذا يقتضي بحسب القرائن السابقة أنَّها هي جريمتهم أو ذنبهم الذي نزل عليهم العذاب بسببه، فجابوا الصخر بالواد، ولم يتوبوا من ذلك. أمّا لماذا أصبحت هذه جريمتهم؟ هل لظلم الناس أو قتلهم؟ فهذا مسكوتٌ عنه في الآية؛ لأنَّه ذُكر مجملاً جدّاً، ونستطيع القول: إنَّ السياق يدلّ فقط على الجريمة.
وأمّا فرعون فجريمته مصرّحٌ بها في الآية، وهي قوله تعالى: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} وبهذا نفهم ما قلناه سابقاً من أنَّه لا حاجة إلى التماثل بين ضميري الجمع في قوله: {أَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} أي: فرعون وفي قوله: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} الذي يعود على الجميع، أي: عادٍ وثمود وفرعون. ثُمَّ قال: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} أي: إنَّ قوّة الحضارة وجبروتها وترسّخها في الأذهان وبقائها جيلاً بعد جيلٍ مدّةً طويلةً من الزمن لا يعني أنَّها لا تبيد ولا تفنى، وإنَّما كلّ حضارةٍ هي كعمر إنسانٍ يولد ثُمَّ يكبر ثُمَّ يشيب ثُمَّ يهرم ثُمَّ يموت، وكذلك البشريّة عموماً تمرّ بهذه المراحل أيضاً. فتكون قوّة هذه الحضارات مهما بلغت كالقشّة أمام قوّة الله سبحانه وتعالى.
فإن قلت: إنَّ عاداً وثمود وفرعون وخاصّته بعد أن فهمنا أنَّهم قبائل وأُسر وأجيال لم ينزل العذاب عليهم جميعاً، وإنَّما نزل مرّةً واحدةً، فعادٌ نزل عليهم العذاب مرّةً واحدةً، وكذلك ثمود وفرعون، فمن هذه الناحية تكون
ــــــ[280]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
نسبة وجود العذاب إلى نسبة هذه الأجيال الطويلة نسبةً ضئيلةً جدّاً، وكأنَّها أقلّ من أن تلحظ أو تكون لها أهمّيّةٌ، فلماذا ركزّ عليها القرآن؟
قلت: هذا له عدّة أجوبةٍ نذكر منها:
أوّلاً: أنَّنا إذا أخذنا بالفهم المشهور القائل بأنَّ هذا العذاب أوجب استئصالهم عن الأرض، فلم يبق منهم شخص أصلاً، كان ذلك حادثاً معتدّاً به بالنسبة إليهم، ويعدل كلّ أجيالهم؛ لأنَّ أجيالهم إنَّما تبقى محفوظةً إذا لم يستأصلهم الله سبحانه وتعالى. أمّا إذا أبادهم واستأصلهم فقد انتهت عادٌ وثمود وفرعون، وهذا الحادث وإن حصل في جيلٍ واحدٍ، إلّا أنَّه حادثٌ مهمٌّ جدّاً يستحقّ الذكر والتركيز.
ثانياً: أنَّ ذلك العذاب حصل لمجرّد العبرة. نعم، حصل في جيلٍ واحدٍ أو عدّة أجيالٍ، لكن العبّرة موجودةٌ، وإن قلّت النسبة بين الأجيال وبين العذاب، وهي أنَّ قوّة البشر وجبروتهم وسلطانهم لا يمنع من نزول العذاب؛ لأنَّ قدرة الله تعالى أضعاف قدرتهم بما لا يتناهى.
ثالثاً: قلنا في بعض المناسبات: إنَّ القبيلة يمكن لحاظها لحاظاً واحداً، ولذا مثّلنا سابقاً ببني إسرائيل في قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى}(1)؛ فإنَّ المنّ والسلوى لم تنزل على بني إسرائيل الموجودين في زمن رسول الله’، وإنَّما نزل على أجدادهم قبل آلاف السنين، ولكن لوحظ بنو إسرائيل كمجموعةٍ واحدةٍ، وقد أُنزل عليهم ولو في الجملة، وهذا يكفي أن يصدق عليهم أنَّه نزل على بني إسرائيل؛ لأنَّهم لوحظوا كمجموعةٍ واحدةٍ ودائرةٍ واحدةٍ، كما أنَّ عاداً وثمود وفرعون لوحظوا كمجموعةٍ واحدةٍ نزل
ــــــ[281]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 57.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
عليها العذاب.
رابعاً: مع التنزّل عن الجواب السابق نقول: إنَّ ما حصل في البعض حصل في الكلّ، فعندما يتلوّن إصبعي باللون الأحمر مثلاً، فقد تلوّن جزءٌ منه، وهو العقدة، لكن مع ذلك نستطيع أن نقول: تلوّن إصبعي وتلوّنت يدي وتلوّن جلدي باللون الأحمر. وهذا مطلبٌ صحيحٌ؛ لأنَّ ما أصاب البعض أصاب الكلّ. ونحوه الكلام في قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً}(1) فيُقال: إنَّني لم أرَ السموات السبع، بل رأيت سماءً واحدةً، وهي السماء الحسّيّة الموجودة أمامي التي هي الأُولى والأدنى، لكن من رأى البعض فقد رأى الكلّ في الجملة، فما حصل للبعض من رؤيا أو من عذابٍ أو من خيرٍ فقد حصل للكلّ.
إن قلت: إنَّ السوط في قوله تعالى: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} يُراد به الضرب بالسوط، كما فسّره الراغب الأصفهاني(2)، والصبّ بمعنى صبّ المائع أو إراقة المائع، والضرب بالسوط شيءٌ وإهراق المائع شيءٌ آخر، ولا علاقة لأحدهما بالآخر، فلماذا ارتبطا هذا الارتباط اللطيف في الآية؟
قلنا: إنَّ هذا له أكثر من جوابٍ:
أوّلاً: أن المراد بالسوط ليس هو السوط كمادّةٍ، وليس الضرب بالسوط كعملٍ، وإنَّما يُراد به التشبيه والمجاز وأنَّ نفس العذاب سمّي سوطاً، أي: مثل الضرب بالسوط، بمعنى: أنَّه عذابٌ وتعذيبٌ، أي: إنزال العذاب، كما أنَّ الصبّ لا يُراد به السوط، وإنَّما هو أيضاً استعمالٌ مجازي يُراد به وجود أو إيجاد
ــــــ[282]ــــــ
(1) سورة الملك، الآية: 3.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 254، مادّة (سوط).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
العذاب على هؤلاء الناس، كأنَّما نقول: أوجد عليهم العذاب وعذّبهم بعبارةٍ مجازيّةٍ لطيفةٍ.
وبالنسبة إلى (الصبّ) يمكن أن نلحظ أمرين مصحّحين لاستعمال الصبّ مجازاً:
أحدهما: أنَّنا نضمّ مقدّمتين إحداهما بمنزلة الكبرى.
وثانيهما: بمنزلة الصغرى، فالصغرى تقول: إنَّ الصبّ يحتوي على النزول؛ لأنَّ الماء المصبوب ينزل من الأعلى إلى الأسفل، كالماء النازل من الشلّالات مثلاً، وكلّ مائعٍ يُصبّ من إبريقٍ أو أيّ شيءٍ آخر.
وأمّا المقدّمة التي بمنزلة الكبرى فهي أنَّ العذاب يصبّ، فالعذاب ينزل، فالصبّ بمعنى الإنزال، صبّ عليه العذاب صبّاً، أي: أنزل بهم العذاب. وكذا الصبّ من ناحية المصاعب والبلاء الدنيوي، ولذا قال الإمام الحسين×: >هوّن عليّ ما نزل بي أنَّه بعين الله<(1)، فاستعمل (نزل)؛ لأنَّ البلاء والصعوبات كأنَّما تنزل من السماء إلى الأرض عرفاً، فيصدق عليها أنَّها نزلت بساحتهم، فساء صباح المنذرين.
ثانياً: أنَّ الإنزال بفهمٍ منطقي أو قرآني هو الخلق، أنزل أي: خلق، {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}(2) أي: خلقنا الحديد فيه بأسٌ شديدٌ. وهنا نترك الفلسفة الباطنية لأهلها، لكنّه عمليّاً أو لغويّاً أنزل بمعنى: خلق، أي:
ــــــ[283]ــــــ
(1) اللهوف في قتلى الطفوف: 115، المسلك الثاني، وبحار الأنوار 45: 46، أبواب ما يختصّ بتاريخ الحسين بن علي (صلوات الله عليهما)، الباب 37.
(2) سورة الحديد، الآية: 25.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
النزول من العالم الأعلى إلى العالم الأدنى، وصبّ بمعنى: نزل، أي: خلق وأوجد العذاب.
ثالثاً: أنَّ هذا الإشكال والسؤال إنما توجّه بناء على ما ذكره الراغب الأصفهاني آنفاً من معنى السوط، وهو السوط الذي يضرب به، وأمّا إذا أُريد من السوط المائع المخلوط فصبّه يكون معناها صبّ المائع، ونسبة الصبّ إلى السوط لا تكون بعيدةً حينئذٍ، وصبّ عليهم لا يُراد به حقيقة المائع المخلوط، وإنَّما هو تعبيرٌ عن العذاب وأنواع العذاب المشتركة المتكوّنة من المجموع يمثّل لها بمائعٍ مخلوطٍ شديد الحرارة وشديد الألم، فسوط أي: مائعٌ مسوطٌ أو مخلوطٌ، فيعبّر عن اسم المفعول بالمصدر، كما يعبّر عن اسم الفاعل بالمصدر، كما في (زيدٌ عدلٌ)، فهنا يقال: المائع سوطٌ أي: مسوطٌ ومخلوطٌ، فهذا المائع المسوط يُراق على عاد وثمود وفرعون.
إن قلت: إنَّ قوله: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} من ناحيةٍ أُخرى يدلّ على أنَّه سوطٌ واحدٌ وعذابٌ واحدٌ، فكأنَّ ضربة السوط بسيطةٌ بالنسبة إلى ما نتصوّره من العذاب النازل على عاد وثمود، فسوط عذابٍ كأنَّما ضربةٌ واحدةٌ بالسوط، فهو لا يدلّ على ما هو المشهور من هلاك عادٍ وثمود وفرعون.
وفي الحقيقة هذا له عدّة أجوبة أيضاً: منها مبني على أنَّ السياق يدلّ على التهوين من العذاب والتخفيف منه ومن أهمّيّته، ومنها مبني على أنَّ السياق لا يدلّ على التخفيف والتهوين من العذاب.
أمّا الأجوبة من النوع الأوّل فهي:
أوّلاً: أن الله قادرٌ على كلّ شيءٍ، وكلّ شيءٍ هيّنٌ عليه، كتعذيب عادٍ وثمود، فضربةٌ واحدةٌ بالسوط ليست صعبةً، أي: إنَّ هذا العذاب هيّنٌ على
ــــــ[284]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الله سبحانه وتعالى، ولكنّه ليس كذلك بالنسبة إلينا.
ثانياً: التهوين منه بعنوان أنَّ الله سبحانه وتعالى يستطيع أن يفعل أشدّ من ذلك ولم يفعل، فكان من الممكن أن يحصل عشرة أضعاف أو مائة ضعف أو مليون ضعفٍ من هذا العذاب، ولكنّه اقتصر على هذا المقدار اليسير عند الله سبحانه وتعالى؛ لأنَّه قادرٌ على ما هو أشدّ منه.
ثالثاً: التهوين منه بعنوان أنَّه أقلّ من استحقاقهم، أي: لو أتاهم حسب استحقاقهم سيكون أكثر وأشدّ من هذا العذاب والعقاب، ولكنّه بمعنى من المعاني رحمهم، فأعطاهم أقلّ من استحقاقهم، كما نقول: إنَّ فلاناً يستحقّ الدرك السادس في جهنّم، فوضعه في الدرك الخامس رحمةً به. نعم، هو فعلاً رحمةٌ؛ لأنَّه هناك سوف يعرف ما هي الرحمة؛ لأنَّه ينظر إلى الدرك السادس ويحمد الله على أنَّه ليس فيه، كما أنَّ بلاء الدنيا كثيرٌ، ولكنّه أقلّ من استحقاقنا، فنحمد الله على أنَّه ليس بأكثر من ذلك، ورحمته سبقت غضبه حتّى في إنزال البلاءات الدنيويّة وحتّى في جهنّم.
أمّا الأجوبة من النوع الثاني – وهي التي بمعنى أنَّه لم يهوّن من العذاب، بل سوط عذاب بمعنى أنَّه عذابٌ شديدٌ- فهي:
أوّلاً: أن نقول: إنَّ الآية لم تقل: ضربة سوط، بل قالت: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} كأنَّ السوط نزل عليهم نفسه مجازاً، أي: استعمل السوط وضرب به، فكان لابدّ من وجود السوط، وينبغي أن يستعمل بكلّ طاقته إلى أن يفنى، وإلّا لا معنى للتمثيل بنفس السوط إلّا أن يستعمل بكلّ طاقاته وبكلّ ضرباته إلى أن يبيد ويقطع، وحينئذٍ لا يكون المجاز قليلاً بل كثيراً جدّاً، أي: اضربه إلى أن يتقطّع السوط، فهو يموت ويتألّم ألماً شديداً قبل أن يتقطّع السوط.
ــــــ[285]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ثانياً: أنَّ المعاني السابقة كلّها كانت بناءً على فهم الراغب الأصفهاني والمشهور في معنى السوط، وهو السوط الذي يُضرب به، وأمّا إذا أُريد من السوط المائع المخلوط، كما هو الأرجح أو قريب من الرجحان، وكلاهما أُطروحةٌ مقبولةٌ، أي: هناك إناءٌ فيه عذابٌ، والله سبحانه صبّ هذا العذاب عليهم، وهو عذابٌ مخلوطٌ بأنواع العذاب، ففيه من العذاب ما شاء الله، فالسوط تعبيرٌ مجازي عن عذابٍ كثيرٍ جدّاً لا حدّ له.
إن قلت: إنَّ هلاك عادٍ مسلّمٌ وكذلك ثمود، لكن فرعون ليس كذلك، خصوصاً إذا أُريد من فرعون -كما هو الظاهر- هو وأتباعه؛ إذ إنَّ الفراعنة لم يهلكوا بهذا العذاب؛ لأنَّهم أجيالٌ كثيرةٌ حكمت مصر، وربما كانوا موجودين من زمن إبراهيم× إلى زمان موسى×، وعندما نزل عليهم هذا العذاب لم يزل ملكهم، بل جاء فرعونٌ جديدٌ وهكذا. نعم، في زمان النبي’ لم يبقَ ملكٌ أو حكمٌ للفراعنة؛ لأنَّ مصر كان يحكمها المقوقس. وعلى أيّ حالٍ فإنَّ العذاب نزل على جيلٍ واحدٍ من الفراعنة، مع أنَّ المشهور يفهم أنَّ هذه الأُمم الثلاثة (عاداً وثمود وفرعون) قد بادت جميعاً بسبب العذاب.
قلنا: إنَّ هذا له أكثر من جوابٍ واحدٍ:
أوّلاً: ما يعتذر به المشهور من أنَّ فرعون لا يُراد به مجموع الفراعنة، كما حاولنا أن نفهمه، بل المقصود هو فرعون موسى بالتحديد، وهذا ما عليه السيّد الطباطبائي+، كما سبق بيانه، ففرعون أُبيد هو وأتباعه، كما أُبيدت عادٌ وثمود.
ثانياً: يمكن أن نقول كأُطروحةٍ -لا نستطيع إثباتها تأريخيّاً-: إنَّ الفراعنة أُبيدوا بإبادة فرعون موسى، ونتنازل عمّا قلناه سابقاً من أنَّهم
ــــــ[286]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
استمرّوا في الملك والحكم، فربّما كان آخر الفراعنة هو فرعون موسى، وعليه أُبيدت أُسر الفراعنة بهذا العذاب. كما لم يثبت تاريخيّاً أنَّ هناك فرعون بعد فرعون موسى.
ثالثاً: يمكن القول: إنَّه ليس في القرآن ما يدعم المشهور من أنَّ هذه الأُمم أُبيدت بشكلٍ نهائي. نعم، وقع عليهم عذابٌ شديدٌ أو أنواعٌ من العذاب، لكن الإبادة التامّة لا يوجد ما يدلّ عليها، خلافاً للمشهور. فحينئذٍ نقول: إنَّ عاداً وثمود وفرعون نزل عليهم عذابٌ شديدٌ، لكن بقيت منهم باقيةٌ، وتوالدوا بعد ذلك واستمرّوا في الحياة، ولا يوجد مخالفةٌ لظاهر القرآن الكريم؛ فسوط العذاب الذي وقع على مجموع الفراعنة لم يكن مبيداً لهم بشكلٍ كاملٍ ونهائي، وبعبارة أُخرى: إنَّ سوط العذاب أعمّ من المبيد ومن غير المبيد، فقد يكون بعضه مبيداً والبعض الآخر ليس كذلك، ونقول نصرةً للمشهور: إنَّ عاداً وثمود أُبيدت، إلّا أنه بالنسبة إلى الحصّة أو المصداق الذي حصل في زمن الفراعنة لم يكن مبيداً، بل بقيت منهم باقيةٌ واستمرّوا في الحكم والسلطة.
ويُلاحظ: أنَّ المشهور يقول بعود الضمير إلى فرعون فقط(1). وهو غلطٌ، بل راجعٌ إلى الجميع، لكن في كلّ واحدٍ منهم نوعٌ غير النوع الآخر من العذاب. وكلّه يصدق عليهم سوط عذابٍ، كما أنَّه لا دليل من الآية على الفهم المشهور بأنَّ العذاب أوجب الإبادة التامّة.
فإن قلت: فإنَّ مقتضى فهمك تبرئة عادٍ وثمود.
قلنا: لِما دلّت عليه الآيات الأُخرى في السور الأُخرى من كونهم
ــــــ[287]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير القرآن العظيم (لابن كثير) 3: 417، تفسير سورة الأعراف، جامع البيان في تفسير القرآن 9: 23، تفسير سورة الأعراف، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فاسدين، وإنَّما المقصود فقط أنَّ سورة الفجر لا تدلّ على ذلك.
فإن قلت: فإنَّ عاداً وثمود وفرعون أجيالٌ كثيرةٌ، وقد نزل العذاب على بعضهم فقط.
قلنا: نعم، هذا هو المقصود: إمّا باعتبار استئصالهم، وإمّا باعتبار النظر إليهم ككلٍّ، كما في بني إسرائيل، وإمّا باعتبار أنَّ النازل على البعض نازلٌ على الكلّ في الجملة. ولذا يقول: أرسلنا لهم صالحاً أو موسى، مع أنَّه أرسل إلى بعض أجيالهم لا كلّها.
فإن قلت: إنَّ المعروف تاريخيّاً أنَّ العذاب نزل على فرعون موسى لا على مطلق الفراعنة، فيكون هذا قرينةً على كونه هو المراد.
قلنا: أوّلاً: لا بأس بذلك. ثانياً: إنَّ العذاب الذي ينزل مع عصيان الحجة الفعليّة لا مطلقاً. قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}(1). ففرعون موسى هو الذي عصى الحجّة الفعليّة، فاستحقّ العذاب. وتعذيب البعض تعدّي للكلّ ولو ضمناً أو في الجملة. ثالثاً: إنَّ خبر الفراعنه الآخرين لم يرد في القرآن تفصيلاً، ولعلّ عدداً من أنواع العذاب مصبوبٌ على كثيرٍ منهم، لا أقلّ من ناحيتهم الشخصيّة. ومنه يعرف كيف أنَّ العذاب نزل على عادٍ وثمود، وإنَّما نزل مرّةً واحدةً على جيلٍ واحدٍ، وليس على الجميع.
وبهذا ينتهي الحديث في السوط عن أهمّ الحضارات التي سادت ثُمَّ بادت في الماضي المنظور، وكانت ذات سياقٍ واحدٍ ونسقٍ واحدٍ وروي واحدٍ، وهو الألف، من قوله: (بعاد) إلى قوله: (فيها الفساد) ثُمَّ ذكرت النتائج مع حفظ الروي فقط بالألف.
ــــــ[288]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 15.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ثُمَّ إنَّه يمكن أن نفهم من فرعون عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: فرعون موسى، كما قال السيّد الطباطبائي+(1).
الثانية: أنَّه اسم جنسٍ للفراعنة.
الثالثة: أنَّه اسم جنسٍ لكلّ حاكمٍ ظالمٍ.
الرابعة: أنَّه اسم جنسٍ لكلّ ظالمٍ.
الخامسة: أنَّه اسم جنسٍ لكلّ ظالمٍ ليس منه أملٌ في التوبة قبل الموت، كما حصل لفرعون موسى.
السادسة: أنَّه اسم جنسٍ لأشدّ واحدٍ في زمن أيّ نبي، كما ورد: >لكلّ نبي فرعون، وفرعون زماني أبو جهلٍ<(2). وورد أنَّ أبا جهل أشدّ من فرعون؛ لأنَّ فرعون نطق بالتوحيد عند موته، وليس كذلك أبو جهل(3). أو المراد المعاند مطلقاً أو من كان فرعون على نفسه.
فقد تلخّص ما يلي:
أوّلاً: أنَّه فرعون موسى×، كما هو رأي السيّد الطباطبائي+(4).
ــــــ[289]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 281، تفسير سورة الفجر.
(2) لم نعثر عليه بلفظه. نعم، فيه إشارةٌ إلى قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ} [سورة الفرقان، الآية: 31]. وراجع أيضاً تفسير القرآن الكريم (لصدر المتألّهين) 3: 475، تعليقات الحكيم النوري.
(3) أُنظر: الأمالي (للطوسي): 310، المجلس 11، الحديث 73، الاحتجاج 1: 216، احتجاجه× على اليهود من أحبارهم …، بحار الأنوار 10: 35، الباب 2، الحديث 1، وغيرها.
(4) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 281، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ثانياً: أنَّه اسم جنسٍ للفراعنة، كما قرّرته على بعض التقديرات.
ثالثاً: أنَّه اسم جنسٍ لكلّ حاكمٍ ظالمٍ.
رابعاً: أنَّه اسم جنسٍ لكلّ ظالمٍ، سواء كان حاكماً أم لم يكن حاكماً، فيكون الإنسان فرعوناً على ابنه أو على أخيه أو أُخته مثلاً.
خامساً: أنَّه اسم جنسٍ لكلّ ظالمٍ مهما كان نوعه، لكن بقيد أنَّه لا يتوب إلى حال احتضاره، كما هو الحال في فرعون موسى؛ إذ هناك ملوكٌ يتوبون قبل موتهم، وتكتب لهم خاتمة خيرٍ، لكن فرعون ليس كذلك؛ لأنَّه بحسب المضمون أعلن توبته بعد انسداد باب التوبة، فقال {آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ}(1) ولم يقل: آمنت بالله، فكأنما آمن إجمالاً، فإيمانه بالتوحيد في تلك الحالة غير مقبولٍ، فهو لم يتب إلى حال الاحتضار، فكل ظالمٍ لم يتب إلى حال الاحتضار وبقي على ظلمه فهو فرعون.
سادساً: أنَّه اسم جنسٍ لشيءٍ معيّنٍ، وهو فرعون كلّ نبي، فمثلاً فرعون نبي الإسلام هو أبو جهل، وقد ورد أنَّ أبا جهل أسوأ من فرعون موسى؛ لأنَّ فرعون موسى آمن بالتوحيد حال احتضاره، وإن لم يكن مقبولاً منه، إلَّا أنَّه أفضل من عدمه. وأمّا أبو جهل فحينما احتضر استجار باللات والعُزّى، ومات على ذلك، فلكلّ نبي فرعون خاصٌّ به، فموسى له فرعون، وإبراهيم كان عنده فرعون، وعيسى كذلك، وهكذا لجميع الأنبياء من أُولي العزم وغيرهم، ولم يقل: لكلّ رسولٍ، بل لكلّ نبي، وهذا معنى واسع؛ فإنَّ النبي هو المسدّد لإصلاح نفسه، والرسول مسدّد لإصلاح غيره حسب فهمي، فكلّ الأنبياء لديهم فرعون في حياتهم.
ــــــ[290]ــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 90.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
لقد تكلّمنا عن معنى فرعون بشكلٍ قد لا يكون مناسباً مع السياق القرآني، ولعلّها أقرب إلى طريقة الفهم التجزيئي للقرآن، وقد أعطينا لفرعون عدّة معانٍ، ويمكن أن نضيف عليها معنىً آخر، وهو أنَّ فرعون بمعنى الشخص المعاند، أي: المعاند الشخصي، وليس الديني أو الدنيوي، والمثل العامي المعروف ملفتٌ للنظر في المقام، وهو قولهم: (أردته عوناً فصار لي فرعون) أي: غير مطبّقٍ لأهدافي لو صحّ التعبير.
الأمر الآخر الذي يمكن أن نفهمه من الكلمة هو من كان فرعوناً على نفسه الأمّارة بالسوء، والنفس الأمّارة يمكن أن نسمّيها فرعوناً؛ لأنَّها فاسدةٌ إلى درجةٍ عجيبةٍ، وهي تدّعي الأُلوهيّة بمعنىً من المعاني كما يقول القرآن: {اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}(1). فلو لم يكن الهوى صالحاً للعبادة بالفهم المدني للعبادة لما عبده، فالنفس الأمّارة بالسوء تقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}(2) وتتوقّع أن يعبدها الشخص بمعنى: عبادة الطاعة لا عبادة التقديس، إذن فهي فرعون بكلّ أوصافها. لكن ضدّها يمكن أن يكون فرعون أيضاً؛ لأنَّ العقل إذا تسلّط عليها وكبحها يكون كذلك؛ لأنَّ خصوصيّة فرعون الرئيسية هي التسلّط على شعبة وأتباعه والكبح لأهدافهم وشهواتهم المضادّة لأهدافه وشهواته، فكذلك العقل إذا كبح النفس يكون بمنزلة الفرعون.
وإليك أيضاً أُطروحاتٌ في معنى (الأوتاد):
الأُولى: ما ذكرناه وذكره السيّد الطباطبائي+(3) من: أنَّ الأوتاد يُراد
ــــــ[291]ــــــ
(1) سورة الجاثية، الآية: 23.
(2) سورة النازعات، الآية: 24.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 281، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
بها الأوتاد الاعتياديّة المعروفة، وهي المسامير، وعبّر عنها في مكانٍ آخر بـ(دسر) قال: {ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ}(1) أي: مسامير، ولكن ليس مطلق المسامير، بل المسامير التي كانت عند فرعون؛ لأنَّه كان يستعملها في دقّ أيدي وأرجل من يحكم بإعدامه وقتله، فهو فرعون ذو الأوتاد. فـ(ذو) ليس بمعنى: المالك لكلّ الأوتاد نوعاً أو جنساً، وإنَّما المالك للأوتاد التي تحت تصرّفه والموجودة في حيازته، فنفهم أنَّها الأوتاد التي كانت تستعمل في هذا الصدد والتي كانت تحت حيازة فرعون.
الثانية: أن تكون بمعنى اسم الجنس، فالأوتاد هي كلّ المسامير، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً.
الثالثة: أن نفهم من الأوتاد الذنوب؛ لأنَّ الذنوب أحياناً تكون ضخمةً جدّاً وراسخةً جدّاً كالجبال، وفي القرآن الكريم: {وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً}(2) فالجبال أوتاد الأرض، وكذلك الذنوب المهمّة إمّا هي ضخمةٌ كالجبال أو صعبة الزوال كالجبال.
الرابعة: أن تكون بمعنى نفس الجبال، فالجبال أوتاد الأرض بالتعبير القرآني، وكأنَّ الأرض بحسب التصوّر العرفي إذا لم يكن فيها جبالٌ سوف تتزلزل وتخرج عن وضعها الطبيعي، كما لو كانت تدور بسرعةٍ أكبر أو ببطئٍ أكبر، فجعل الجبال الضخمة ثقلاً على الأرض حتّى تحافظ على وضعها الطبيعي.
ومن هنا نفهم المعنى الرمزي الآخر، وهو أنَّ الجبال في الآية لا يُراد بها
ــــــ[292]ــــــ
(1) سورة القمر، الآية: 13.
(2) سورة النبأ، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الجبال الطبيعيّة أو المعروفة، بل يُراد بها أُولئك الناس الذين هم في الحقيقة حافظون في الأرض ومسيطرون عليها تكويناً، وهم المعصومون (سلام الله عليهم)، والآن الإمام الحجّة (سلام الله عليه) هو الحافظ للأرض عمليّاً، ومسؤوليّة حفظ الأرض في ذمّته بطبيعة الحال.
أو أن نفهم الأعمّ من الحفظ التكويني والتشريعي، أي: حفظ هداية الناس، فكلّ من هدى الناس أو تصدّى بإخلاصٍ لهداية الناس فهو وتدٌ من أوتاد الأرض.
ومن هنا يُقال: (أساطين العلم) فيمثّل لهم بالأُسطوانة، أي: العمد الذي يحمل السقف، والمجتمع إنَّما هو محمولٌ حملاً حقّاً، أي: حمل هدايةٍ على أكتاف الهداة في كلّ الأجيال، فهم أساطين وأوتادٌ.
ولا فرق أن نمثّل بالأساطين أو الأوتاد؛ لأنَّ الوتد في بعض معانيه عبارةٌ عن خشبةٍ طويلةٍ يكون أحد طرفيها مدبّباً ويدقّ في الأرض ويشدّ فيه حبل الخيمة، فيضعون أربعة أو خمسة أوتادٍ حول الخيمة لتثبت فيها.
الخامسة: أن يكون معنى الأوتاد الملكات النفسيّة الجيّدة؛ فإنَّ الملكة تفترق عن الصفة؛ لأنَّ الصفات تتغيّر وتقبل التبديل، لكن الملكات ليست كذلك، وإلّا لم تكن ملكاتٍ، فكلّ صفةٍ راسخةٍ غير قابلةٍ للتبديل في النفس تسمّى ملكةً، فحينئذٍ تكون ثابتةً في النفس، كما أنَّ الوتد ثابتٌ في الأرض، سواء كانت حقّاً أو باطلاً؛ لأنَّ الملكات أشكالٌ مختلفةٌ، بعضها حقٌّ، وبعضها باطلٌ، ومادامت ملكةً فهي وتدٌ بهذا المعنى، أي: لا يمكن إخراجه أو تبديله بسهولةٍ.
السادسة: أن يكون معنى الأوتاد هم أصحاب فرعون، وإنَّما كانوا
ــــــ[293]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أوتاداً في المجتمع بعنوان كونهم مسيطرين أوّلاً وثابتين ثانياً، أي: لا يتوقّع الفرد العرفي زوالهم واضمحلالهم وزوال ملكهم، إذن فهم أوتادٌ بهذا المعنى.
السابعة: يمكن أن نلاحظ الذنوب لا من زاوية أهمّيّتها، بل من زاوية أنَّها غير قابلةٍ للتوبة، مع أنَّه ليس هناك ذنبٌ غير قابلٍ للتوبة، ولكن الذنوب قد تجعل صاحبها بمنزلة لا يستحقّ التوبة أو بعيداً عن تصوّر التوبة إطلاقاً، بمعنى تجعله دنيويّاً صرفاً، وحينئذٍ تكون هذه الذنوب كأنَّها غير قابلةٍ للتوبة عمليّاً، وإن كان باب التوبة نظريّاً مفتوحاً من الله سبحانه وتعالى، لكن من الناحية التطبيقيّة هذا الإنسان لا يتوب إلى أن يموت، ونتمنّى لمثل هذا النموذج أن لا يتوب إلى أن يموت، بالرغم من أنَّه على خلاف مسلك المعصومين (سلام الله عليهم)، لكنّنا لا نستطيع أن نعاقبه في الدنيا فلا أقلّ أن نتمنّى له أن يأخذ استحقاقه في الآخرة. فأمثال هذه الذنوب يمكن أن نسمّيها أوتاداً؛ لأنَّ الوتد يقلع بواسطة آلةٍ قويّةٍ كالفأس مثلاً، والذنب إنَّما يقلع بالتوبة ويرتفع بالتوبة، فإذا كانت التوبة متعذّرةً فالذنب ثابتٌ إذن إلى حين موت صاحبه، فمن هذه الناحية يكون بمنزلة الوتد.
ومن جملة الأُمور التي ينبغي الالتفات إليها أنَّ كلمة (البلاد) متكرّرةٌ مرّتين في قوله تعالى: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ} وفي قوله: {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ} فقد يتصوّر أنَّ بين الآيات سياقاً واحداً أو وحدة سياقٍ بحيث ينتج من هذه الوحدة عدّة أُمورٍ أهمّها أنَّ المراد واحدٌ، أي: إحدى الكلمتين تكون قرينةً على الأُخرى: إمّا بحسب معناها اللغوي، وإمّا بحسب الألف واللام، فهي إمّا عهديّةٌ وإمّا للجنس بحيث يكونان على شاكلةٍ واحدةٍ، أي: إمّا يكون كلاهما للجنس أوكلاهما للعهد.
ــــــ[294]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
لكن وحدة السياق في حدود فهمي منتفيةٌ هنا؛ لأكثر من وجهٍ:
أوّلاً: البعد اللفظي بينهما، فهما ليستا متقاربتين حتّى ينعقد فيهما سياقٌ واحدٌ.
ثانياً: أنَّ كلّ واحدٍ من اللفظين مذكورٌ في صفة أشخاصٍ غير الأشخاص المذكورين في اللفظ الآخر، فالأُولى قوله: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ} والثانية قوله: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ} فكلّ بلادٍ منسوبةٌ إلى مجموعةٍ غير المجموعة الأُخرى، ومن هذه الناحية ليس هناك وحدة سياقٍ، ولا أقلّ من الشكّ في تحقّقها، والأصل عدمها بطبيعة الحال.
وحينئذٍ لا يلزم بالضرورة أن نقول: إنَّ الألف واللام في كلا اللفظين للجنس، بل قد يكونان معاً متشابهين، وقد لا يكونان كذلك، فمثلاً البلاد الأُولى للجنس حسب المشهور، ومعناها: التي لم يخلق مثلها على وجه الأرض. وأمّا قوله في الثانية: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ} ففرعون لم يطغَ على جميع وجه الأرض، بل طغى في المنطقة التي يحكمها فقط.
****
قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}:
قال في >الميزان<: المرصاد المكان الذي يُرصد منه ويُرقب، وكونه تعالى على المرصاد استعارةٌ تمثيليّةٌ شبّه فيها حفظه تعالى أعمال عباده بمن يقعد على المرصاد.. الخ(1).
أقول: يعني: علمه بأعمال عباده، ولا يأتي الحفظ بهذا المعنى صفةً لله سبحانه، وهو بالمعنى الآخر غير مقصودٍ جزماً.
ــــــ[295]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 281، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وقال الراغب: الرصد الاستعداد للترقّب. يُقال: رصد له وترصّد وأرصدته له. قال تعالى: {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ}(1). وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}(2) تنبيهٌ أنَّه لا ملجأ ولا مهرب. والرَصَد يُقال للراصد الواحد وللجماعة الراصدين، وللمرصود واحداً كان أو جمعاً. وقوله تعالى: {يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا}(3) يحتمل كلّ ذلك. والمَرصَد موقع الرصد. قال تعالى: {وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}(4) والمرصاد نحوه. لكن يُقال للمكان الذي اختصّ بالترصّد. قال تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا}(5) تنبيهاً أنَّ عليها مجاز الناس. وعلى هذا قوله تعالى {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}(6)(7). هذا من ناحية المادة.
أقول: وهذا ينتج غير ما فهمه في >الميزان<(8)، وهو أنَّه يترصّده ليضربه، وهو أقرب إلى فهم الآية.
وأمّا من ناحية الهيئة فظاهر >الميزان<(9) و>المفردات<(10) أنَّها اسم مكانٍ،
ــــــ[296]ــــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 107.
(2) سورة الفجر، الآية: 14.
(3) سورة الجنّ، الآية: 27.
(4) سورة التوبة، الآية: 5.
(5) سورة النبأ، الآية: 2.
(6) سورة مريم، الآية: 71.
(7) مفردات ألفاظ القرآن: 301 – 302، مادّة (رصد).
(8) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 281، تفسير سورة الفجر.
(9) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 281، تفسير سورة الفجر.
(10) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 301 – 302، مادّة (رصد).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وهو على وزن مفعلٍ بفتحتين، في حين هو في الآية مكسور الأوّل، وهو على وزن مفعلٍ ومفعالٍ ومفعلةٍ، فيكون اسم آلةٍ كمكنسةٍ ومسبحةٍ. غاية الأمر أنَّه أُستعيض عن الفتحة بالألف، كمزلج ومزلاج ومفتح ومفتاح، وهو قياسي، ونحوه مكنسة ومكناسة.
فإن قلت: فإنَّ الأنسب أن يقول: كان لهم بالمرصاد؛ لأنَّ هذا العذاب كان نتيجة لذلك.
قلنا: نعم، ولكنّه يريد الإشعار بالعموم لهم ولغيرهم في كلّ مكانٍ وزمانٍ، وإنَّما تلك مجرّد أمثلةٍ لانتقامه سبحانه. ويمكن أن يتكّرر ذلك مئات المرّات؛ لعدم تخلّف علمه وقدرته. وفي ذلك تخويفٌ من أن يصبح المجتمع مستحقّاً للانتقام كأمثلة هؤلاء. وهذا هو مؤدّى القسم الذي في أوّل السورة من أنَّه قسمٌ بقدرة الله على ذلك، أو تنفيذ الله تعالى لذلك.
فإن قلت: فإنَّ الأُمّة مرحومةٌ بعد الإسلام؛ إذ المقصود من الأُمّة: المدعوّة لا الداعية، وكلّهم مرحومون، إذن فلا انتقام، وإن أقسم الله به.
قلنا: المراد ذلك إذا ثبت بدليلٍ معتبرٍ أنَّ الإعجاز في التعذيب منفيٌ، وليس التسبيب الطبيعي؛ فإنَّه موجودٌ يتكرّر كثيراً.
ويمكن أن نفهم من (المرصاد) نفس الراصد، أي: تكون صيغة مبالغةٍ بمعنى اسم الفاعل، راصدٌ رصّاد، أي: كثير الرصد، وكذلك تقول: مِرصاد أي: كثير الرصد. وهذا في نفسه معنى لطيفٌ، لكن قد تقولون: إنَّ هذه الأُطروحة قد تكون شاذّةً، ولا تنطبق صفةً على الله سبحانه وتعالى؛ لأنَّه قال: {لَبِالْمِرْصَادِ} أي: ليس هو مرصاداً، وإنَّما بالمرصاد، فكأنَّه اسم ظرفٍ لله سبحانه وتعالى، أي: ظرفٌ بالمعنى المجازي أو المعنوي، وليس صفةً لذاته سبحانه وتعالى، وهذا يرجّح كلام السيّد الطباطبائي+ من أنَّ (مرصاد)
ــــــ[297]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
اسم مكانٍ(1)؛ لأنَّ المكان هو الذي يقعد فيه الراصد، وليس اسم آلةٍ، بمعنى: أنَّه يعتبر أنَّ الله نفسه داخل المرصاد، ولا يكون ذلك إلّا في المكان لا في الآلة.
وفي الحقيقة هذا له أكثر من جوابٍ واحدٍ؛ لأنَّ المسألة مجازيّةٌ، والمجاز يمكن أن يتأتّى بأكثر من أُسلوبٍ.
الأُسلوب الأوّل: أن نعتبر المكان آلة الرصد؛ لأنَّ المكان سببٌ من أسباب الرصد، مثل كونه على التلّ أو الجبل أو المنارة، فلولا هذا المكان لما استطاع أن يصعد ويرصد، فالمرتفع أصبح بمعنىً من المعاني آلةً للرصد وسبباً للرصد، وهذا مجازٌ لطيفٌ ومقبولٌ.
الأُسلوب الثاني: أنَّ الآلة لا يلزم بالضرورة أن تكون صغيرة الحجم كهذه النظارة مثلاً، بل توجد الآن أجهزةٌ للرصد كبيرةٌ، ويمكن أن يدخل فيها مجموعةٌ من الأشخاص من الأخصّائيين والعمّال يرصدون السماء مثلاً، من قبيل جهازٍ للرصد في أعلى هذه القبّة، فيكون كلّ هذا المسجد والعمارة مرصاداً، وليس فقط الزجاجة التي ينظر فيها، فيمكن أن يكون الراصد داخل الآلة بهذا المعنى. ولا ضرورة لأن نتصوّر آلةً صغيرةً لا تسع الراصد. وهذا مجازاً مقبولٌ، بل إذا قصدنا غير الله سبحانه وتعالى يكون حقيقةً بالمعنى العرفي.
فإن قلت: إنَّنا نلاحظ أنَّ قوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} مرتبطٌ بما سبق، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، بالرغم من أنَّ السيّد الطباطبائي+ لم يعترف به(2)، لكنّه صحيحٌ؛ فالله سبحانه عذّب عاداً وعذّب ثمود وعذّب فرعون؛
ــــــ[298]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 281، تفسير سورة الفجر.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 281، تفسير سورة ا لفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
لأنَّه بالمرصاد، فصبّ عليهم سوط عذابٍ. وسبب هذا الصبّ أنَّه كان متقصّداً لأن يعذّبهم إذا أذنبوا وأساؤوا، وقد عذّبهم بالفعل؛ إذ قال: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}. فالمرصاد علّةٌ، وسوط العذاب معلولٌ، والمسألة متحقّقةٌ في الماضي. وعليه فكان الأنسب بحسب إدراكنا أن يقول: (كان ربّك بالمرصاد)؛ لأنَّ القضيّة وقعت في الماضي، وهي قديمةٌ جدّاً، فماذا نقول في الآية؟
قلنا: إنَّ الله دائماً بالمرصاد، وللمذنبين بالمرصاد؛ لأنَّ أحد أسمائه المنتقم، وهو ينطبق على ذلك تماماً، فكلّ من عادى الله، فالله يعاديه، وهو دائماً بالمرصاد، وهذا هو المقصود من قوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}، أي: دائماً في الماضي والحاضر والمستقبل. وإسقاط الزمان عن هذا الاعتبار إنَّما هو للتخويف؛ لأنَّه يريد أن يخوّفنا أيضاً، ولا يقتصر التخويف على الهالكين من عاد وثمود وفرعون؛ إذ قد يُقال: إنَّه لا ملازمة بين عقاب عادٍ وعقابنا.
نقول: كلّا، الملازمة موجودةٌ؛ لأنَّ ربّك بالمرصاد دائماً، وإنَّما ذكر عاداً وثمود وفرعون لمجرّد المثال، أي: إنَّهم رغم سلطتهم وسيطرتهم وأموالهم أهلكناهم وبادوا، ولم يبقَ لهم أثر، فكيف بي وأنا الضعيف الذليل الحقير المسكين المستكين وأنا فردٌ واحدٌ لا أملك لنفسي نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، فأنا أُسحق كما سُحق غيري وينتهي الأمر. فيكون الحال: أنّ ربّك لبالمرصاد في الماضي والحاضر والمستقبل، وسيبقى كذلك مادام التكليف موجوداً لجميع المخلوقين.
لا أقول: مادامت البشريّة، بل أقول: مادام الخلق موجوداً.
فإن قلت: إنَّ العذاب الذي وقع على عادٍ وثمود وفرعون إنَّما صبّ
ــــــ[299]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
صبّاً – لا أقلّ مشهوريّاً- كما أيّدناه سابقاً من أنَّه بطريقةٍ إعجازيّةٍ، إمّا بريحٍ أو بالخسف أو الغرق ونحو ذلك من الأُمور، فربّك بالمرصاد أي: لمثل هذه الحالات، وهي الهلاك بطريقةٍ غير طبيعيّةٍ. ومن المعروف أنَّ العذاب الدنيوي بهذا المعنى درئه الله سبحانه وتعالى عن الأُمّة المرحومة، وهي أُمّة النبي’؛ فهو نبي الرحمة، أي: من حينه إلى يوم القيامة لم ينزل عذابٌ من هذا القبيل على البشر.
ثُمَّ إنَّ الأُمّة هم المسلمون فقط، وليس الكفّار، والعذاب ينزل على الكفّار، وليس على المسلمين.
قلنا: هذه المسألة كانت في خاطري طويلاً؛ إذ ادّعى شخص من أبناء العامّة أنَّ الأُمّة على قسمين: الأُمّة الداعية والأُمّة المدعوّة، ولربما في يومٍ من الأيّام ذكرت هذا المعنى، فالأُمّة المدعوّة هي كلّ البشر؛ لأنَّ الكفّار مدعوّون إلى الدخول في الإسلام، إذن فأُمّة النبي’ هي الداعية؛ لأنَّها الأُمّة المسلمة التي آمنت بالإسلام ودعت الآخرين إليه كما قال: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}(1). فالأُمّة التي رحمت – أي: المرحومة من العذاب الإعجازي- هي الأُمّة المدعوّة، أي: كلّ البشر، وليس الأُمّة الداعية فقط، أي: المسلمين. إذن فهذا النحو من العذاب غير موجودٍ إطلاقاً.
وحينئذٍ نقول قوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} أي: يرسل عذاباً بسببٍ خارجٍ عن الطبيعة، أي بنحو الإعجاز، في حين أنَّنا لا نتوقّع مثل هذا العذاب بعد رفعه عن الأُمّة المرحومة، إذن فهذا التخويف بابه مسدودٌ، وصار مجرّد روايةٍ تاريخيّةٍ حصلت في الماضي، ولن يحصل في المستقبل، فليس في الآية تخويفٌ من
ــــــ[300]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 143.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
هذه الجهة.
وفي الحقيقة هذا له أكثر من جوابٍ واحدٍ.
وأساس الجواب: أنَّ قوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} لا يختصّ بالعذاب الإعجازي، مضافاً إلى إمكان القول: إنَّ عاداً وثمود وهؤلاء الزعماء القدماء لعلّهم لم يهلكوا بعذابٍ إعجازيٍ. نعم، فرعون حدث له ذلك عندما انشقّ البحر وانطمر عليه وغرق. أمّا عادٌ وثمود فقد يكون سبب عذابهم مجهولاً. نعم، ربما ذكر ذلك في السور والآيات الأُخرى، وربما ماتوا بطريقٍ طبيعي أو غير طبيعي، ومع ذلك فهو مقصودٌ متعمّدٌ من قبل الله تعالى أن يهلكوا؛ لأنَّه ثبت في الفلسفة وعلم الكلام أنَّه لا تنافي بين السبب الطبيعي وبين إرادة الله سبحانه وتعالى، وكلّ سببٍ إنَّما هو في اللغة الحديثة يخدم إرادة الله سبحانه وتعالى، وهو ناتجٌ عنها، وإن كان في الوقت نفسه ناتجاً عن أسبابه الطبيعيّة.
وعليه فربّك بالمرصاد لأيّ بلاءٍ دنيوي شخصي أو عامٍّ أو أُسري أو اقتصادي أو اجتماعي أو علمي أو صحّي، فأيّ شيءٍ هو بلاءٌ، والله تعالى صبّه عليّ لذنوبي لا أكثر من ذلك.
ولا تقولوا هنا: إنَّ الأئمّة^ كانوا في بلاءٍ؛ فهذا بابٌ آخر، ومقصودنا بيان السياق في الآية والإشارة إلى الرصد للمذنبين، وأمّا من لم يكن مذنباً فالله تعالى يعطيه الدرجات الكافية والثواب الكافي لأجل تعويضه. مضافاً إلى فكرةٍ أُخرى ينبغي الالتفات إليها وإن كان لا يحسن إعلانها بين الناس، وهي أنَّ الأئمّة^ لم يكونوا يحسّون بالعذاب مثل ما نحسّ نحن، ولم يكونوا يتألمّون كما نتألّم؛ لأنَّهم يفهمونه من زاويةٍ واقعيّةٍ، فهو بمنزلة المنتفي بالنسبة إليهم. ومن هذه الناحية نقول: إنَّ الله لم يعذّبهم إطلاقاً، لكنه توجد مصلحةٌ
ــــــ[301]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
لإنزال البلاء على الأُمّة من زاوية غيرهم. وبيان ذلك أنَّهم عُذّبوا (سلام الله عليهم) لمصلحتنا، وأُنزل البلاء عليهم لأجل أن يستفيد غيرهم ويتكامل أو يتسافل ويهلك. أمّا هم فالبلاء وعدم البلاء سيّان بالنسبة إليهم، أي: لنا عُذّبوا ولنا سُجنوا ولنا قُتلوا، أي: لمصلحتنا لا لمصالحهم. نعم، الله تعالى يعطيهم المطالب، لكنّهم أعلى من أن يستفيدوا من هذا البلاء، وإن قيل: >إنَّ لك في الجنّة درجاتٍ لا تنالها إلَّا بالشهادة<(1). نعم، الشيء الرئيسي للمعصوم× هو أن يقدّم نفسه إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا لا بأس به، لكن ما دون ذلك من البلاء مثل المرض أو الفقر لا ينبغي أن يكون نافعاً لمستوى العصمة والكمال.
****
قوله تعالى: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}:
الكلام نتيجة العبرة السابقة التي وقع عليها القسم في أوّل السورة، وتفريعٌ على ما قبله؛ باعتبار (المرصاد) الإلهي، كما مال إليه السيّد الطباطبائي+(2)، أو باعتبار إعطاء الأُسلوب الذي يخرج به المجتمع والإنسان من الانتقام الإلهي الذي سبق مثاله في السورة.
واللام في (الإنسان) جنسّية، كما مال إليه الطباطبائي+(3) أيضاً، وهو
ــــــ[302]ــــــ
(1) الأمالي (للصدوق): 150، المجلس 30، الحديث 1، وبحار الأنوار 44: 313، الباب 37، الحديث1.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 282، تفسير سورة الفجر.
(3) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الأصل، يعني: مطلق الإنسان، إلّا أن يُراد به الإنسان المطلق.
وقوله: {إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ} أي: امتحنه واختبره، والعامل في الظرف (إذا) محذوفٌ تقديره: كائناً إذا. وقيل: العامل فيه قوله: {فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ}(1) فيكون الظرف متقدّماً لفظاً لا قرينةً، ويختلف المعنى على التقديرين.
قال الطباطبائي+: والمراد بالإكرام والتنعيم الصوريّان، وإن شئت فقل: الإكرام والتنعيم حدوثاً لا بقاءً(2). والواقع أنَّ كلّ نعمةٍ في الدنيا امتحانٌ، سواء كانت ظاهريّةً أو باطنيّةً، أي: ليست صوريّةً فقط. وإنَّما الحديث هنا عن الدنيا لا عن الآخرة. فقوله: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} قد يكون على معنىً سيّئٍ يُراد به التكبّر، وقد يُقال على نحوٍ حسنٍ يُراد به الحمد، ولا يتعيّن الأوّل وإن كان مشهوراً، وكذلك (أهانن) قد يُراد به معنىً سيّئٌ، وهو الاعتراض على الله سبحانه، وقد يُراد به معنىً حسنٌ، وهو بيان الاستحقاق والذلّة.
وإنَّما يحملان على معنىً سيّئٍ إذا كان المفهوم من السياق هو العتب والازدراء، وهذا غير أكيدٍ. فمثلاً لو فهمنا من الإنسان الإنسان المطلق، كان على خلاف هذا الفهم جزماً.
قال الرازي: فإن قلت: كيف قال الله تعالى في الجملة الأُولى: (فأكرمه) ولم يقل في الجملة الثانية: فأهانه؟
قلنا: لأنَّ بسط الرزق إكرامٌ … وقبضه ليس بإهانةٍ؛ لأنَّ ترك الإنعام
ــــــ[303]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 282، تفسير سورة الفجر.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والإفضال لا يكون إهانةً، بل هو واسطةٌ بين الإكرام والإهانة(1).
أقول: الفقر وكلّ تقديرٍ نعمةٌ ورحمةٌ، وليس إهانةً ولا قريباً منها إطلاقاً.
وبالنسبة إلى البلاء قال الراغب: يُقال: بَلي الثوب بلىً وبلاءً أي: خلق. ومنه قيل لمن سافر: بلو سفرٌ وبلي سفرٌ أي: أبلاه السفر. وبلوته اختبرته كأنَّي أخلقته من كثرة اختباري له. وقرئ: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ}(2) أي: تعرف حقيقة ما عملت. ولذلك قيل: بلوت فلاناً إذا اختبرته. وسُمّي الغمُّ بلاءً من حيث إنَّه يبلى الجسم(3) (أو لأنَّه اختبارٌ من الله تعالى) الخ.
وقال الراغب: وقدرت عليه الشيء ضيّقته، كأنَّما جعلته بقدرٍ، بخلاف ما وُصف بغير حسابٍ. قال تعالى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ}(4) أي: ضُيّق عليه. وقال: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ}(5)(6).
أقول: فالقدر إعطاء المقدار، وهو الحدّ. والرزق بهذا المعنى محدودٌ لكلّ أحدٍ، لكن يُراد به الحدّ الكثير، والحدّ عدمي، فيرجع إلى معنى القلّة. فنقول: إنَّ رزقه محدودٌ أو مقدّرٌ أو مُقتّرٌ والتقدير هنا كالتقدير في المعنى.
وتوجد مقابلةٌ بين أمرين: قوله: {فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} وقوله: {فَقَدَرَ عَلَيْهِ
ــــــ[304]ــــــ
(1) مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل: 373، سورة الفجر.
(2) سورة يونس، الآية: 30.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 59، مادّة (بلي).
(4) سورة الطلاق، الآية: 7.
(5) سورة الرعد، الآية: 26.
(6) مفردات ألفاظ القرآن: 410-411، مادّة (قدر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
رِزْقَهُ} يعني: كثر وضيّق وقلّل، كما توجد مقابلةٌ بين (أكرمن) و(أهانن). وهما مشتركان من حيث الابتلاء. فقوله: {إِذَا مَا ابْتَلاَهُ} متكرّرٌ بنفسه.
وقد التفت إلى هذا المعنى صاحب >الميزان< قائلاً: كما قال: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}(1) لا كما يراه الإنسان(2).
ولا يخفى: أنَّه في ضوء الأُطروحة المشهورة التي تبنّاها السيّد الطباطبائي+(3) في قوله تعالى: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ} وقوله تعالى: {فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} يُحمل المعنى على سوء المقصد أو الاعتراض على الله سبحانه وتعالى، فقوله: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} محمولٌ عند أصحاب هذه الأُطروحة على السوء. أي: إنَّ الله إذا أنعم على الإنسان، حسب أنَّ ذلك إكرامٌ إلهي، فله أن يفعل بها ما يشاء، فيطغى ويُكثر الفساد، وإذا أمسك وقدر عليه رزقه، ظنَّ أنَّ الله أهانه، فيكفر ويجزع.
أمّا الأُطروحة الثانية فعلى خلاف ذلك تماماً، فلماذا نحمل تلك الألفاظ على شيءٍ من هذا القبيل، مع أنَّه لا يوجد سياقيّاً ما يدلّ عليه؟ ولماذا لا نحمله على جهة الإثبات والصحّة، كما هو الأولى؟ فيكون قوله: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} بمعنى: الشكر لله على نعمته، فيحمده ويشكره على ما أكرمه ونعّمه، ويكون قوله: {رَبِّي أَهَانَنِ} بمعنى: إظهار الخشوع والذلّة والعبوديّة أمام الله، والإقرار بالاستحقاق للإهانة بسبب ذنوبه وعيوبه وجرمه ونحو ذلك من الأُمور؛ لأنَّه يعلم أنَّ البلاء إنَّما ينزل من أجل وجود ذنوبٍ سابقةٍ، فقوله:
ــــــ[305]ــــــ
(1) سورة الأنبياء، الآية: 35.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 282، تفسير سورة الفجر.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 282-283، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
{فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} لأجل ذنبٍ سابقٍ وعملٍ سيّئٍ، فيستغفر الله ويزداد خشوعاً وخضوعاً وعبوديّةً.
وهناك احتمالان سابقان يؤدّيان كلا الأُطروحتين؛ لأنَّنا إذا فهمنا من الألف واللام في الإنسان في قوله تعالى: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} الجنسيّة وفهمنا من الإنسان مطلق الإنسان، فينبغي حينئذٍ أن نفهم من قوله: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} وقوله: {رَبِّي أَهَانَنِ} السوء، لكن إذا فهمنا من الألف واللام العهديّة ومن الإنسان الإنسان المطلق، فيتعيّن أن نفهم منها الخير؛ لأنَّ الإنسان المطلق لا يحتمل منه سوءً بهذا المعنى.
غير أنَّه يمكن أن نقول: إنَّنا إذا فهمنا من الألف واللام الجنسيّة وإنَّ المراد بالإنسان مطلق الإنسان، فلا يجب أن يتعيّن السوء في هاتين العبارتين؛ لأنَّ الإنسان بالمعنى العامّ أو المطلق على مستوياتٍ وطبقاتٍ وثقافاتٍ وأشكالٍ مختلفةٍ جدّاً، فيمكن لمجموعةٍ من الناس أن يقصدوا الخير في هذين التعبيرين، أعني: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} و{رَبِّي أَهَانَنِ} ولمجموعةٍ أُخرى من الناس أن يقصدوا الشرّ. وأيّ ضيرٍ في ذلك؟ ويمكن حمل الآية على كلا المعنيين بالمعنى الكلّي لهذا القول، لتبقى المقاصد الباطنيّة والنوايا تحتمل الطرفين، فيمكن أن يكون مراد الإنسان السوء، ويمكن أن يكون مراده الخير.
ثُمَّ إنَّنا لو أخذنا جنس الإنسان ومطلق الإنسان، فالأعمّ الأغلب منه متمرّدٌ، وتحكمه النفس الأمّارة بالسوء، فهو عبدٌ لنفسه وأهوائه، وهذا ربما يصدق على نسبةٍ عاليةٍ جدّاً من البشريّة، وحينئذٍ فمن حقّ المشهور أن يحمل هاتين العبارتين على السوء؛ لأنَّها إذا صدرت من إنسانٍ من هذا القبيل فلا حاجةٍ إلى حملها على الخير، بل تُحمل على السوء، فيكون السياق كأنَّه سياق
ــــــ[306]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الأغلب، لا النادر المتمثّل بالإنسان الكامل؛ فهو جزءٌ قليلٌ جدّاً من مطلق الإنسان، فلا حاجة من هذه الناحية إلى الالتفات إليه. ومعه تُحمل البشريّة على السوء، ويكون قوله: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} محمولاً على سوء المقصد، ونحوه قوله: {رَبِّي أَهَانَنِ}.
ومن ناحيةٍ أُخرى هناك مقابلةٌ بين قوله تعالى: {فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} وقوله تعالى: {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ}، كما أنَّه توجد مقابلةٌ بين قوله تعالى: {فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ} وبين قوله تعالى: {فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} وتوجد مماثلةٌ لا مقابلةٌ بين قوله تعالى: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ} وبين قوله: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ}، وهنا الابتلاء متكرّرٌ، وهو متماثلٌ، إلَّا أنَّ نتائجه تختلف، ما يمكن معه أن نفهم أكثر من أمرٍ واحدٍ منها، كالخير والشرّ معاً، وابتلاء الفقر والغنى معاً، وابتلاء الصحّة والمرض معاً، وابتلاء العلم والجهل معاً. وفي الحديث عن أمير المؤمنين× قال: >قولوا: اللّهمّ إنَّا نعوذ بك من مضلّات الفتن<(1). فالإنسان يفشل في الامتحانات الإلهيّة والبلاءات التي تحلّ به، فيصبح ذلك سوءً عليه، وإلّا فهو في فتنةٍ دائماً، ونحن جميعاً في فتنةٍ دائماً من حيث نعلم أو لا نعلم، فأيّ كلمةٍ تصدر منّا أو فعلٍ أو حركةٍ أو شيءٍ، فإنَّ الله عليه رقيبٌ، وكذلك الكرام الكاتبون.
أمّا الأمر الثاني المُستفاد من المقابلة بين قوله تعالى: {فأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} أي: كثّر رزقه، وبين قوله تعالى: {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} فكان تكثير الرزق من الإكرام والإنعام، وفي مقابله الفقر والتقتير أو التقدير، وهذا بمعنىً من المعاني
ــــــ[307]ــــــ
(1) أعلام الدين: 210، ومجموعة ورّام 2: 72. كما ورد نحوه مع فارقٍ يسيرٍ في الأمالي (للطوسي): 580، المجلس 24، الحديث 6، وسائل الشيعة 7: 137، أبواب الدعاء، الباب 59، الحديث 8939، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
صحيحٌ دنيويّاً وأُخرويّاً؛ لأنَّنا إذا نظرنا نظرةً دنيويّةً صرفةً، فالإكرام والإنعام بزيادة الثروة والصحّة والشهرة ونحو ذلك من الأُمور، والتقدير خلاف الإكرام والإنعام دنيويّاً. أمّا إذا نظرنا نظرةً أُخرويّةً فالإكرام والإنعام بمعنى زيادة العطاء المعنوي، والتقدير خلافه. وممّا ينبغي الإشارة إليه: أنَّ تقتير أيٍّ من الرزقين لا يضرّ بالعالم الآخر؛ فتقتير الرزق الدنيوي لا يعني عدم الإكرام الأُخروي، كما لا يفيد تقتير الرزق الأُخروي عدم الإكرام الدنيوي.
وإنَّما الأمر مرتبطٌ بالعالم الذي نتكلّم عنه، فسعة الرزق أحسن من تقتيرها في عالم الدنيا، وسعة الرزق أيضاً أفضل وأحسن من تقتيرها في عالم الآخرة، ولا تأثير لتقتير أحد العالمين على الآخر، وهو واضحٌ، كما أنَّ تقتير الدنيا ينفع في الآخرة ولا يضرّ. ومن إكرام الله للأنبياء^ لا سيّما سيّدهم وخاتمهم النبي محمّد’ وأهل بيته^ أنَّه يزيد عليهم البلاء من أجل أن يرفع درجاتهم ومقاماتهم، فتقتير الدنيا إذن إكرامٌ، فإذا أراد الله أن يُكرم فرداً في الآخرة، قتّر عليه رزقه في الدنيا. إلّا أنَّ ذلك خلاف وحدة السياق، فحينئذٍ لحاظ وحدة العالم أمرٌ ضروري، أي: إمّا أن نلحظ الأمرين في الدنيا، وإمّا أن نلحظهما في الآخرة. وأمّا إذا لاحظنا أنَّ واحداً هنا وآخر هناك فهو كما قلنا يؤدّي إلى اختلال السياق.
وبالرجوع إلى الكلام السابق نقول: إن قلت: إنَّ السياق اللاحق لهاتين الآيتين يدلّ على أنَّ المراد من قوله: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} و{رَبِّي أَهَانَنِ} القصد السيّئ لا القصد الحسن؛ بقرينة قوله تعالى بعد ذلك: {كَلاَّ بَل لاَ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ…}(1)، وهذا السياق يتحدّث عن
ــــــ[308]ــــــ
(1) سورة الفجر، الآيتان: 17-18.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أُناسٍ مذنبين إلى درجةٍ كافيةٍ في انطباق القصد السيّئ عليهم. إذن حينما يقول: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} و{رَبِّي أَهَانَنِ} فمقاصدهم لا تكون حينئذٍ حسنةً، فتلخّص أنَّ ما قبله يدلّ عليه، فلا يكون لهذه العبارات إلَّا مفاد القصد السيّئ.
والحقيقة: أنَّ جواب ذلك بمنزلة القرينة المحتملة، ولكن مع ذلك يمكن أن يُقال: إنَّه بدء كلامٍ جديدٍ في قوله: {كَلاَّ بَل لاَ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} فلا ربط له بالآيتين السابقتين عليه، فما ذُكر لا يصلح أن يكون قرينةً واضحةً عليه.
فإن قيل: إنَّ الكلام السابق على هاتين الآيتين دليلٌ على أنَّ المراد من قوله: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} و{رَبِّي أَهَانَنِ} سوء القصد؛ لأنَّه يتكلّم عن عذاب الأمم السابقة، وقد مات هؤلاء على الكفر والطغيان والانحراف، فحينئذٍ نلحق هذا بوحدة السياق، فيكون هو أيضاً من النموذج السيّئ كالنماذج السابقة، وإن لم يكن مثلها فهو قريبٌ منها أو مماثلٌ لها ببعض الصفات، فحينئذٍ لا يكون لهاتين العبارتين – أعني: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} و{رَبِّي أَهَانَنِ}- إلّا بيان قصد سيّئٍ من أمثال هذه النماذج من البشر.
وهذا مدفوعٌ وقابلٌ للمناقشة أيضاً؛ لأنَّ قوله تعالى: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ} بداية حديثٍ جديدٍ لا ربط له بهلاك عادٍ وثمود؛ فإنَّ هلاك عادٍ وثمود بمنزلة المقدّمة، وهذا الكلام الجديد بمنزلة ذي المقدّمة، وهما من قبيل أن يكتب الإنسان كتاباً فيه مقدّمةٌ، وفيه فصولٌ، فالمقدّمة لا ترتبط بالفصول ارتباطاً جوهريّاً وجذريّاً بحيث يصلح أن يكون أحدهما قرينةً على الآخر، وإنَّما يمكن القول: إنَّ ذكر عذاب عادٍ وثمود وفرعون لأجل العبرة، وهذا ذكرٌ لأجل الهداية، والعبرة شيءٌ والهداية شيءٌ آخر. وهناك أمارةٌ أُخرى، وهي تغيّر السياق وتغيّر النسق، وهو نهايات الآيات، وكلّ ذلك يدلّ على أنَّ القرآن قد دخل في موضوعٍ آخر مباينٍ لما سبق بمعنىً من المعاني، وإذا كان
ــــــ[309]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
مبايناً لما سبق، فلا يمكن حينئذٍ الاحتجاج بالقرينة المذكورة.
فإن قيل: إنَّنا نجد في نفس الآيتين قرينةً على سوء المقصد، كما إذا أخذنا بنظر الاعتبار الابتلاء المتكرّر في الآيتين في قوله: {إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ} وقوله: {إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} والابتلاء إنَّما يكون في المستويات المتدنّية من البشر القابلة للتربية والتكامل القليل، فكأنَّه قال: إنَّ هذا الفرد لم ينجح في البلاء، بل فشل؛ حيث ابتلاه ربّه، ومع ذلك قال: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} أي: تكبّر بنعمة ربّه، كما فشل في الابتلاء في تقتير الرزق فقال: {رَبِّي أَهَانَنِ}، فنفهم من الابتلاء هذا المعنى المستفاد من ظاهر العبارة.
والجواب عنه: أنَّ هذا المعنى لا يستقيم أيضاً؛ لأنَّنا إذا فهمنا من قوله: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} و{رَبِّي أَهَانَنِ} سوء المقصد، فمعنى ذلك هو الفشل في الابتلاء، وإذا فهمنا حسن المقصد فمعناه النجاح في الابتلاء، فليس هناك مرجّحٌ لأن نفهم من الابتلاء سوء المقصد، بل يمكن أن نفهم أنَّ الأخير يكون قرينةً على الأوّل، لا أنَّ الأوّل قرينةٌ على الأخير.
والابتلاء قابلٌ للنجاح والفشل، ومن قال: إنَّهم فشلوا، ليتعيّن أن نفهم أنَّ النتيجة هي الفشل؟ فلربما كانت النتيجة هي النجاح، فإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال، أي: الاستدلال بقرينيّة البلاء على أنَّ المقصود ما هو السيّئ من قوله: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} و{رَبِّي أَهَانَنِ}. والظاهر من الألف واللام في (الإنسان) الجنسيّة لا العهديّة، إذن فظاهر مدخولها مطلق الإنسان لا الإنسان المطلق، مع أنَّ ظواهر القرآن حجّةٌ. فتحصّل حينئذٍ – إضافة إلى ما تقدّم-: أنَّ مطلق الإنسان لا يمكن أن نحمله على الصحّة؛ لأنَّ الأعمّ الأغلب يُحملون على سوء المقصد، ومقاصدهم سوءٌ فعلاً، فإذن يحمل قوله: {رَبِّي أَكْرَمَنِ}
ــــــ[310]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
و{رَبِّي أَهَانَنِ} على مقاصد سيّئةٍ.
وجواب ذلك: أنَّ هذا وإن كان هو الأغلب، لكنّنا قلنا: إنَّ مطلق الإنسان لا يتعيّن ولا ينحصر بالإنسان السيّئ، بل بمطلق الإنسان، ومطلق الإنسان له حصّتان: حصّةٌ سيّئةٌ وحصّةٌ جيّدةٌ، ومن الواضح أنَّ الحصّة الجيّدة أقلّ جدّاً من الحصّة السيّئة، ولكن لا يعنينا أن تكون الحصّة الجيّدة هي المقصودة أو الحصّة السيّئة؛ فهذا إنسانٌ وذاك إنسانٌ، فحينئذٍ ينبغي أن نفهم من قوله: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} و{رَبِّي أَهَانَنِ} أنَّ ذلك إذا صدر من الإنسان الجيّد فهو بقصدٍ جيّدٍ، وإذا صدر من الإنسان السيّئ فهو بقصدٍ سيّئٍ، فهو كلّي قابلٌ للصدق على السوء وعلى الخير معاً.
فإن قلت: فإنَّ قوله: {كلا} ونحوها تدلّ على الحمل على السوء؛ لأنَّها كما قال في >الميزان<: ردعٌ لقولهم: إنَّ الكرامة هي في الغنى والتنعّم، وفي الفقر والفقدان هوانٌ ومذلّةٌ. والمعنى: ليس كما تقولون، وإنَّما إيتاؤه تعالى النعمة وإمساكه عنه كلّ ذلك ابتلاءٌ وامتحانٌ يُختبر به حال الإنسان من حيث عبوديّته(1).
وهذا أرجح القرائن للحمل على السوء، يعني: كلا، لا تقولوا ذلك، أو أنَّ مضمون قولكم منفي، في حين لو كان يُراد منه الخير لما كان نفيه صحيحاً. اللّهمّ إلّا أن يُراد به مستوىً أعلى من قبيل: أنَّ النظر إلى أُمور هذه الدنيا خيرها وشرّها غير مطلوبٍ؛ لأنَّه من النظر إلى الخلق دائماً، والمطلوب النظر إلى الخالق مباشرةً (صانع وجهاً واحداً يكفك الوجوه كلّها)(2).
ــــــ[311]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 283، تفسير سورة الفجر.
(2) قال أُويس القرني: ما سمعت كلمةً كانت للحكماء أنفع من قولهم: (صانع وجهاً واحداً يكفك الوجوه كلّها) حسبما أورده في مجموعة ورّام 2: 113.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وهنا أودّ أن أُنبّه على فكرةٍ، وهي أنَّه من قال: إنَّ أكثر البشريّة على خطّ سوءٍ؟
فنحن قلنا: إذا حملناه على الأعمّ الأغلب، فيتعيّن أن نحمله على السوء، ولكن من قال بأنَّ البشريّة أكثرها ذات مقاصد سيّئةٍ؟ مع أنَّنا في الحقيقة نراها أكثرها سوءاً.
وجوابه: أنَّنا لا نعلم ما الذي يحصل في المستقبل، لا نعلم ما الذي يحصل بعد ظهور المهدي#، وهناك أُطروحةٌ مفادها أنَّ أكثر البشريّة على خيرٍ إذا لاحظناها من زمان آدم× إلى يوم القيامة، وإن كان سلوك أكثر البشريّة سيّئاً من لدن آدم× إلى الآن.
وهذا ما ينبغي الاعتراف به، لكنّنا إذا لاحظنا المستقبل إلى يوم القيامة فهو خيرٌ، وتقوم هذه الأُطروحة على أنَّ الإمام المهدي# يظهر سبع أو خمس سنواتٍ أو أربعين سنةً على روايةٍ ضعيفةٍ خلاف المشهور، وبموته# تقوم الساعة(1)، فينتج أنَّ البشريّة قد عانت آلاف السنين من البلاء والظلم لأجل أن تؤول إلى نتيجةٍ يعمٌّ فيها العدل خمس أو سبع سنين أو حتّى أربعين سنةً، وهي نسبةٌ ضئيلةٌ جدّاً إذا ما قيست إلى عمر البشريّة. ولو قبلنا بالفكر التقليدي القديم في أنَّ عمر البشريّة خمسة آلاف سنةٍ، فهذا يعني أنَّ خمس سنواتٍ يُبسط فيها العدل من تلك النسبة الكبيرة، والباقي كلّه ظلمٌ. وما ذكر مخالفٌ لأحكام العقل العملي؛ إذ العقل العملي يقضي أن يكون العدل اللاحق والمتأخّر عن عصر الظهور أطول زماناً بحيث لا يُلحظ السابق، فإذا كان
ــــــ[312]ــــــ
(1) راجع أبواب النصوص من الله تعالى ومن آبائه عليه (صلوات الله عليهم أجمعين) من كتاب الغيبة من بحار الأنوار 51: 65.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الزمان السابق خمسة آلاف سنةٍ أو أكثر من ذلك، فلابدّ أن يكون اللاحق نصف مليون سنةٍ مثلاً، بحيث يكون الظلم السابق بمنزلة المصلحة الخاصّة والعدل اللاحق بمنزلة المصلحة العامّة، وتكون التضحيات السابقة كالتضحية بالمصلحة الخاصّة لأجل المصلحة العامّة، لتكون معاناة البشريّة السابقة على الظهور عدلاً وصحيحاً، وإلّا لا تكون عدلاً ولا صحيحاً. والوجه فيه: أنَّه ليس من المناسب أن يعاني الإنسان مئات أو آلاف السنين لأجل سبع أو خمس سنواتٍ، ونحن لا نتمنّى ذلك، بل نتمنّى الصلاح العامّ للبشريّة، بحيث تبقى وتسعد لفترةٍ طويلةٍ جدّاً، وتنسى ما قد عانت من آلام ومصاعب وبلايا ونحو ذلك من الأُمور. ومعه يصبح المجتمع معصوماً بالعصمة الثانويّة، وهو بابٌ مفتوحٌ لكلّ واحدٍ، ولكن بشروطه، وشروطه يسيرةٌ حينئذٍ، فتنشأ أجيالٌ وتتربّى في طريق العصمة، فالناس حينئذٍ إمّا معصومٌ فعلاً أو في طريق العصمة، ويبقى الدهر ردحاً من الزمن على هذا الحال، لا سيّما إذا قلنا بأخبار الرجعة(1)، فيرجع الإمام الحسين× ويحكم خمسين ألف سنةٍ حتّى يسقط حاجباه على عينه من الهرم كما تنصّ الرواية(2). فلو قسنا عمر البشريّة بحسب الفكر التقليدي – وهو خمسة آلاف سنةٍ- إلى هذه المدّة التي يحكمها الإمام الحسين×، لوجدنا أنَّها تساوي مائة ضعفٍ، والفترة التي يحكم فيها الإمام الحسين× تمثّل جزءاً يسيراً من عمر البشريّة لا كلّه، فلربما حكم المعصومون^ الباقون آلاف السنين، ولربما يعود الإمام
ــــــ[313]ــــــ
(1) راجع الباب 29 من أبواب النصوص من الله تعالى ومن آبائه عليه (صلوات الله عليهم أجمعين) من بحار الأنوار 53: 39-144.
(2) أُنظر: بحار الأنوار 53: 43، الباب 29، الحديث 14.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
المهدي# أيضاً بعد ذلك لكي يحكم، ولربما يعود أمير المؤمنين× في نهاية المطاف، ويكون هو آخر من يظهر من المعصومين^؛ لأنَّه× هو المقصود بدابّة الأرض(1) التي تظهر، فيقيّم الناس قائلاً: هذا مؤمن حقّاً، وهذا فاسقٌ حقّاً، وفي زمنه تقوم القيامة. وهذه الفكرة مبرهنةٌ لو صحَّ حكم العقل العملي الذي يقول بأنَّ هذا العدل لا يكون عدلاً إلّا إذا كان بمنزلة التضحية بالمصلحة الخاصّة بإزاء المصلحة العامّة، وأنَّ البشريّة يجب أن تتمتّع طويلاً بالعدل. فالنتيجة إذن: أنَّنا إذا نظرنا إلى عمر البشريّة من آدم× إلى يوم القيامة فسوف يكون أكثر الناس عادلين: إمّا ورعين وإمّا أتقياء وإمّا معصومين. وهذا له أثرٌ في الآية التي نتكلّم عنها، فنحمل الألف واللام على الجنسيّة، والإنسان على مطلق الإنسان من آدم× إلى يوم القيامة، والقرآن دائماً واسع الفهم وواسع المقاصد بطبيعة الحال. ومعه يكون أكثر الناس طيّبين ورعين متّقين، فلماذا نحمل مقاصدهم على سوء المقصد حينما يقول: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} و{رَبِّي أَهَانَنِ}؟ بل ينبغي أن نحملهم على حسن المقصد، ولا أقلّ من أنَّ هذه المجموعة من الناس تقول بحسن المقصد وهذه المجموعة من الناس تقول بسوء المقصد.
****
قوله تعالى: {كَلاَّ بَل لاَ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ}:
(بل) للاضراب.
فإن قلت: فإنَّنا إن حملنا السابق على السوء لم يكن إضراباً؛ لأنَّ ما قبلها
ــــــ[314]ــــــ
(1) إشارةٌ إلى قوله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ} [سورة النمل، الآية: 82].
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وما بعدها سوءٌ أو من سنخٍ واحد.
قلنا: يكون له أحد أساليب من الفهم:
الأوّل: أنَّ ما قبلها خيرٌ وما بعدها شرٌّ.
الثاني: أنَّ ما قبلها قليلٌ وما بعدها كثيرٌ.
الثالث: أنَّ ما قبلها بمنزلة العلّة وما بعدها بمنزلة المعلول؛ إذ لابدّ من استغلال الحال بمثل هذه الأُمور ما لم يفعل الإنسان ذلك.
الرابع: ما ذكره في >الميزان<(1) من: أنَّه لا كرامة في غنى من مال اليتيم.
وجوابه: أوّلاً: لا وضوح في الآية على أكل مال اليتيم، بل عدم إكرامه فقط.
ثانياً: أنَّه إضرابٌ عن كلا الجهتين الإكرام والذلّة، في حين لم يتعرّض السيّد الطباطبائي للذلّة(2).
فإن قلت: ليس إكرام اليتيم واجباً، فتركه ليس حراماً، فلماذا يكون محلّ عتبٍ وتقريعٍ في القرآن؟
قلنا: له وجوهٌ من الجواب:
الأوّل: أنَّه ناظرٌ إلى المستوى الأخلاقي.
الثاني: أن يُراد ترك إكرامه والعناية به إطلاقاً، فيكون حراماً.
الثالث: أن يُراد أكل ماله.
ويستدلّ الطباطبائي+(3) بأنَّ المراد ذلك، كما تؤيّده الآية التالية:
ــــــ[315]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 283، تفسير سورة الفجر.
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 283، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
{وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ}(1).
أقول: هذا لا يتمّ؛ لأنَّه يستلزم التكرار المباشر، وهو مستهجنٌ، ولا ملازمة بينهما. ومن الواضح في السياق أنَّه يذكر جهاتٍ متعدّدةً في التقصير والذنب، وليس جهةً واحدةً.
أقول: ويدلّ على كونه أخلاقيّاً واستحبابيّاً وحدة السياق في الآية التالية: {وَلاَ تَحَاضُّونَ}(2)؛ لأنَّ هذا التحاضّ مستحبٌّ قطعاً، وليس بواجبٍ. نعم، الإطعام قد يكون واجباً أحياناً، إلّا أنَّ التحاضّ ليس واجباً.
فإن قلت: فإنَّ الأمر بالواجب واجبٌ.
قلنا: عندئذٍ لا يقبل منه القول، بل العمل؛ فإنَّه يجب أن يبادر إلى الإطعام، لا أن يأمر غيره به، إلّا أن يكون عاجزاً.
ثُمَّ إنَّ لليتيم في الآية ثلاث أُطروحاتٍ: فإمّا أن نقول: إنَّ المراد من اليتيم المعصومون غير النبي’ – لو صحّ التعبير- يعني: الأئمّة^، وهم إنَّما يكونون أيتاماً لفقدهم النبي’، فهم أيتام النبي’، كما ورد في الدعاء: >اللّهمّ إنا نشكو إليك فقد نبّينا وغيبة إمامنا وكثرة عدوّنا…<(3).
وإمّا أن نقول: إنَّ المراد به النبي’ دون غيره؛ لأنَّه هو اليتيم حقيقةً؛ لفقده أُمّه وأبيه وهو صغيرٌ، فيصدق عليه – بمعنىً من المعاني- أنَّه يتيمٌ مجازاً؛
ــــــ[316]ــــــ
(1) سورة الفجر، الآية:19.
(2) سورة الفجر، الآية: 18.
(3) مصباح المتهجّد: 580، دعاء كلّ ليلةٍ من شهر رمضان من أوّل الشهر إلى آخره، الأمالي (للطوسي): 432، المجلس 15، مصباح الكفعمي: 581، الفصل 45، البلد الأمين: 194، شهر رمضان، إقبال الأعمال: 60، فصل فيما نذكره من دعاء الافتتاح …، ومفتاح الفلاح: 57.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
لأنَّ البالغ الرشيد لا يُطلق عليه اليتيم، لكن تجوّزاً يُطلق عليه اليتيم طوال عمره.
وإمّا أن نقول بأنَّ اليتيم هو صاحب الأمر#؛ لأنَّه يتيمٌ عمّن يدافع عنه في الحقيقة بلحاظ نصرته وظهوره، ويتيمٌ إلى الأنصار الذين سيوجدهم الله سبحانه وتعالى في زمنٍ مّا من عمر البشريّة.
****
قوله تعالى: {وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}:
قال الراغب: الحضّ التحريض كالحثّ، إلّا أنَّ الحثّ يكون بسوقٍ وسيرٍ، والحضّ لا يكون بذلك. وأصله من الحثّ عن الحضيض، وهو قرار الأرض. قال تعالى: {وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}(1)(2). ومن حيث الهيئة التحاضّ التفاعل في الحثّ، وأصله تتحاضّون، فهو حثٌّ من طرفين، لا من طرفٍ واحدٍ، فهو صادرٌ من كلا الطرفين.
وقد كنّا بصدد أن نفهم هذه الآيات فهماً معنويّاً، فالمسكين لغةً الذليل، ونريد أن نفهم منه الذليل هنا؛ لأنَّ المراد من الذلّة والفقر اتّصافه بمجموع الذلّة والفقر؛ لأنَّه ليس له مالٌ دنيوي، وليس له عزّةٌ دنيويّةٌ، بل ماله عطاء الله سبحانه وتعالى، وعزّته عزّة الله سبحانه، فبعزّته يعتزّون {وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} وترى الآخرين من أهل الدنيا يبتعدون عنه ويحذّرون الناس منه، بدلاً من أن يحترموه ويأمروا الناس بنصره وتأييده.
ــــــ[317]ــــــ
(1) سورة الحاقّة، الآية: 34.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 121، مادّة (حضّ).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قوله تعالى: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً}:
قال الراغب: الوراثة والإرث انتقال قنيةٍ إليك من غيرك من غير عقدٍ ولا ما يجري مجرى العقد، وسُمّي بذلك المنتَقل عن الميّت، فيُقال للقُنية الموروثة ميراثٌ وإرثٌ. وتراثٌ أصله وراثٌ، فقلبت الواو ألفاً وتاءً. قال: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ}(1)(2).
أقول: الارث والميراث أقرب إلى معنى اسم المصدر أو المصدر، وهو نفس انتقال المال لا المال المنتقل، في حين أنَّ التراث هو نفس المال المنتقل، فتعيّن استعماله في الآية؛ لأنَّه أسند الأكل إليه، مع أنَّ المصدر يتعذّر فيه ذلك حقيقةً.
والمال: كلّ ما يتموّل عقلائيّاً، والحبّ عاطفةٌ وجدانيّةٌ كالبغض، ويُراد بها غضّ النظر عن السبب: حراماً كان أم حلالاً، والمقصود المال الذي يأتي من غير الإرث. والجمّ الواسع الكثير، إلّا أنَّ اشتقاقاته غير معروفةٍ في اللغة. وهو يبدو أنَّه صفة هيئةٍ باسم الفاعل، وأصل الجامّ يعني: جمع شيئاً كثيراً، وأهل الدنيا يرون عدم حبّ المال من الجنون.
وهذه الصفات الأربع تشترك في أُمورٍ:
الأوّل: أنَّها جميعاً ماليّةٌ أو اقتصاديّة، اثنان منها للبخل، واثنان للطمع، وكلاهما مالي غالباً.
الثاني: أنَّها كلّها أخلاقيّة وإن كان بعض حصصها محرّمةً.
الثالث: أنَّها كلّها أُمورٌ ملتزمٌ بها فعلاً من قبل أهل الدنيا، ولا مناص لهم منها. ولذلك قال في الدعاء: >ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ
ــــــ[318]ــــــ
(1) سورة الفجر، الآية: 19.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 555، مادّة (ورث).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
علمنا<(1). وكلّها مصداقٌ لما سبق، أي: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}(2) فيرقبها ويعذّب الخبيث منها.
وقال الراغب: تقول: لممت الشيء جمعته وأصلحته، ومنه لممت شعثه. قال: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمًّا}(3)(4).
وفي >الميزان<: اللم أكل الإنسان نصيب نفسه وغيره، وأكله ما يجده من دون أن يميّز الطيّب من الخبيث(5).
وهذا فهمه من سياق الآية من دون رجوعٍ إلى اللغة، فاللم هو الجمع، ولا يتعيّن الجمع من حرامٍ.
فإن قلت: اللم مصدرٌ، والأكل مصدرٌ، والمصدر لا يوصف بالمصدر.
قلت: أوّلاً: هو حالٌ، وليست صفةً، أي: بنحو اللم.
ثانياً: لو قلنا: إنَّ المال بمنزلة الصفة فيكون بمعنى النسبة لمّيّاً، أي: بنحو اللم.
ثالثاً: أن يكون متعدّياً بنزع الخافض، أي: باللم.
فتحصّل: أنَّ التراث هو ما يأتي من الغير على غير اختيارٍ، ومن أوضح مصاديقه أنَّ الإنسان يموت، فتنتقل تركته إلى ورثته. ويمكن أن نقول: إنَّ اللغة
ــــــ[319]ــــــ
(1) إقبال الأعمال: 699، فصل فيما نذكره من فضل ليلة النصف من شعبان …، العدد القويّة: 26، اليوم الخامس عشر، شرح نهج البلاغة 6: 178، من أدعية رسول الله’ المأثورة، ومستدرك الوسائل 6: 285، أبواب بقيّة الصلوات المندوبة، الباب 6، الحديث 6853.
(2) سورة الفجر، الآية: 14.
(3) سورة الفجر، الآية: 19.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 474، مادّة (لمّ).
(5) الميزان في تفسير القرآن 20: 283، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الحديثة تفهم من الميراث الأعمّ ممّا ينتقل باختيارٍ وممّا ينتقل بغير اختيارٍ. أمّا ما ينتقل بغير اختيارٍ فهذا الذي عرفناه، وأمّا ما ينتقل باختيارٍ فمن قبيل أن يرث الإنسان من عائلته أو مجتمعه أو من أصدقائه، فيتعلّم أُموراً، سواء أكانت خيراً أم شرّاً، فهذا النوع من الميراث له جنبة اختيارٍ وإن كان تلقّيه ليس باختيارٍ.
مع أنَّ ذلك ممّا يحدث في عالم النفس أو عالم العقل (العالم الباطني) عموماً، وأمّا الانتقال باختيارٍ فينبغي أن يكون واضحاً؛ إذ المراد التعليم والتوجيه، بخلاف الانتقال بغير اختيارٍ؛ فهو انتقال الحال، والحال عدوى، كما لو رأيت شخصاً خاشعاً فتخشع، أو خائفاً فتخاف، أو فرحاً فتفرح. وقد أشرت إلى ذلك ضمناً في كتاب >فقه الأخلاق<(1)، كما لو قال شخصٌ: >يا الله< فأنت تميل إلى أن تقول: >يا الله<، فهذه عدوى حالٍ، كما يُسمّيها أهل المعرفة، وهي عدوى سلميّةٌ، أي: ليس فيها ضررٌ، وربما تكون راجحةً لا مرجوحةً. والمهمّ: أنَّ هذا من الانتقال من دون اختيارٍ، فالخاشع لله مثلاً قد لا يعلم بوجودي، لكن مع ذلك ينتقل الخشوع لي فأخشع. وهناك روايةٌ عن أبي حمزة الثمالي قال: خرجت ذات يوم مع الإمام السجاد× إلى المسجد الحرام، فلما دخل الإمام× إلى المسجد همّ بالصلاة، فلما كبّر تكبيرة الإحرام اقشعر جسمي من تكبيرة الإحرام(2). من الواضح أنَّ الإمام× لم يقل شيئاً سوى:
ــــــ[320]ــــــ
(1) إشارةٌ إلى ما أفاده+ في بحث الرياء والإخلاص من فقه الأخلاق 1: 49-57، وإلى ما ذكره في الردّ على الإشكالات الواردة على زهد مولانا أمير المؤمنين× في فقه الأخلاق أيضاً: 2: 272-282، فراجع.
(2) إشارةٌ إلى بعض ما ذكره في مناقب آل أبي طالب 4: 132-148، باب إمامة أبي محمّد عليّ بن الحسين×، فصل في معجزاته×.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
(الله أكبر)، لكن حاله وتوجّهه اقتضى أن يقشعرّ جسم أبي حمرة الثمالي. وهذا كلّه نحوٌ من التراث، أي: من الأُمور التي تورث في عالم النفس أو عالم العقل.
كما أنَّنا إذا أردنا أن نفهم من المال الفهم المعنوي، فلا عبرة حينئذٍ بالدرهم والدينار وأسباب الحياة المادّيّة، وإن كان المال متقوّماً بذلك، ولكن ليس هو الدنيا وما فيها، وإنَّما المال يمكن أن يكون في النفس ومميّزاتها، فمال الفرد نفسه وصفاته الاختياريّة، أي: بالتلقّي والعلم والصفات الخلقيّة أو أيّ نحوٍ من الكمالات، والإنسان طبعاً يحبّ نفسه ويحبّ صفاته، وإن كان هذا تدنيّاً، ولكن عامّة أهل الكمال يحبّون كمالاتهم.
****
قوله تعالى: {كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا}:
{كلا} الثانية بعد الأُولى زيادةٌ في الترهيب بالسياق، وهما معاً لنفي العناية، وإلّا فما قبلها صادق غير منفي عمليّاً، ولكن حقيقته الأخلاقيّة ساقطةٌ، فلذا فهو منفي أخلاقيّاً.
و(إذا) أداة شرطٍ، وجوابها قوله تعالى: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ}(1). وفي الآية تأكيدٌ شديدٌ يكفي فيه المرّتين. وتقدّم: أنَّ أقصى التأكيد ثلاثٌ، إلّا أنَّ المراد به هنا ليس الإثبات بل الثبوت، يعني: كثرة الاندكاك وشدّته، وهو يقيّد في واحدٍ، إلّا أنَّه في الاثنين أشدّ(2).
ــــــ[321]ــــــ
(1) سورة الفجر، الآية: 23.
(2) قال في مجمع البحرين 2: 47: >{دكّاً دكّاً} أي: كسر كلّ شيءٍ على ظهرها من جبلٍ أو شجرٍ أو بناءٍ حين زلزلت، فلم يبقَ عليها شيءٌ يفعل ذلك مرّةً بعد مرّةٍ. كذا ذكر الشيخ أبو علي. وقال أيضاً: وأرضٌ دكّاءٌ، أي: ملساءٌ<. ولم أجد في المصادر اللغويّة الدكّة بمعنى: المرتفع. ومنه الدكان ودكّة القضاء، ولا زلنا نستعمله في العامّيّة. فلعلّه من الأضداد ويمكن أن يكون له معنىً في الآية يعني: تكون الأرض ظاهرةً كأنّها دكّةٌ خاليةٌ من كلّ شيءٍ. (منه+).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قال في >الميزان<: الدكّ هو الدقّ الشديد(1).
ويُلاحظ: أنَّ النصوص تخالفه، كقوله: دكّاء أو تدكدكت، ويفيد معنى الصوت أو معلول الدقّ، وهو التفتّت. والظاهر: أنَّ الطباطبائي+(2) يعطي رأيه في اللغة، وهو ليس بحجّةٍ؛ لأنَّه ليس ابن لغةٍ، وهو متأخّرٌ. غايته أن يقول: هذا محتملٌ كأُطروحةٍ أو هذا رأيي. وأمّا أن يرسله إرسال المسلّمات فغير مقبولٍ. مع أنَّه في الدقّ (القاف) أشدّ من (الكاف).
وقال الراغب الأصفهاني: الدكّ الأرض اللينة السهلة، وقد دكّه دكّاً (أي: ليّنه ليونةً). قال تعالى: {وَحُمِلَتْ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً}(3). وقال: {دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً}(4) أي: جعلت بمنزلة الأرض الليّنة. وقال الله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا}(5). ومنه الدكّان. والدكداك رملٌ ليّنةٌ، وأرضٌ دكّاءٌ مسوّاةٌ، والجمع الدكّ. وناقةٌ دكّاءٌ لا سنام لها، تشبيهاً بالأرض الدكّاء(6).
ــــــ[322]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 283، تفسير سورة الفجر.
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) سورة الحاقّة، الآية: 14.
(4) سورة الفجر، الآية: 21.
(5) سورة الأعراف، الآية: 143.
(6) مفردات ألفاظ القرآن: 172، مادّة (دك).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أقول: وفي الأثر: >ليت الجبال تدكدكت على السهل<(1).
والدكّ له علّةٌ ومعلولٌ، فالمعلول ما بيّنه الراغب، وهو ليونة السطح أو كونه مسوّاةً، أي: مسطّحٌ ليس فيها ارتفاعٌ. لكن العمدة في سبب ذلك هو التفتّت والتبعثر بحيث لا يبقى له أثرٌ. وهذا قد يكون سببه الرمي إذا حملت الأرض (والجبال) أو الصعق (الجبل).
والمراد ذكر العلّة تخويفاً وذكر المعلول، وهو تسطّح الأرض بحيث لا يبقى فيها ارتفاعٌ من جبالٍ ولا حيوانٍ ولا إنسانٍ، أو هو تبعثر ما في الفضاء، كأنَّ ليونتها أدّت إلى تفرّق أجزائها كلّها. وهذا قرينته اندكاك الجبل وتبعثر أجزائه، إلّا أنَّ الجبل إذا تبعثر صار على الأرض، والأرض إذا تبعثرت صارت في الفضاء.
قال في >الميزان<: والمراد بالظرف حضور يوم القيامة(2).
أقول: يعني: حضور إرهاصاته ومقدّماته؛ فإنَّ اندكاك الأرض وتبعثر المجموعة الشمسيّة من مقدّمات يوم القيامة، لا أنَّه يكون من خلاله، مضافاً إلى إمكان فهم أُطروحاتٍ أخر منه.
ويمكن طرح بعض الأُطروحات في المقام: منها: أنَّه قد يُقال: إنَّ الشمس تصير ثقباً أسوداً في نهاية المطاف، وهو شديد الجاذبيّة، فتنجذب إليه كلّ الكواكب بما فيها الأرض، فتندكّ في الشمس؛ وهو ثقبٌ أبيض من العالم
ــــــ[323]ــــــ
(1) على لسان الحوراء زينب الكبرى÷، حسبما نقله في اللهوف في قتلى الطفوف: 121، المسلك الثاني، وبحار الأنوار 45: 54، أبواب ما يختصّ بتاريخ الحسين بن علي (صلوات الله عليهما)، الباب 37.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 283، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الآخر، يصبّ ما يأخذه من هذا العالم في العالم الآخر، فتذهب الأرض وما فيها إلى العالم الآخر. ولذا سُمّي ثقباً؛ لأنَّه كالبوّابة لخروج الأشياء من عالمٍ إلى عالمٍ، أو لأنَّ منظره كالثقب إذا نظر بالمرصد؛ لأنَّه لا يرى؛ لأنَّ النور لا يخرج منه، فالراصد ثقباً في السماء لا يرى نجماً.
الأُطروحة الأُخرى – وهذا يكون في الدنيا-: أن تحمل الأرض على أرض النفس، وهي تكون دكّاً بأحد أُسلوبين:
الأوّل: لكثرة البلاء والضيق الدنيوي بحيث تجزع، ثُمَّ لكثرة الجزع يزول؛ لأنَّه غير مؤثّرٍ حسب قناعة صاحبه، وعندئذٍ فلا أثر للنفس في تحمّل آثار البلاء.
الثاني: النفس التي أخرجت حبّ الدنيا منها وهمّ الدنيا عنها، فزالت أهمّيّة كلّ الأُمور عنها، فليس هناك ارتفاعٌ وانخفاضٌ على الأشياء، وأهمّيّته للبعض دون البعض. والأوّل اندكاكٌ سيّئٌ، والثاني حسنٌ، والآية اللاحقة قرينةٌ عليه.
الأُطروحة الأُخرى: أنَّ المراد أرض المجتمع حيث تندكّ في شخصٍ معيّنٍ زعيمٍ أو عالمٍ أو موسيقارٍ أو سياسي، أو تندكّ في وضعٍ اجتماعي: كالفقر أو الغنى أو الحرب أو غير ذلك كثير.
وفي المقام فهمٌ معنوي للصفات المتقدّمة:
1. اليتيم هو من لا معلّم له أو لا مرشد، أو هم المعصومون^ {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ}(1) وإكرامهم واجبٌ بقدر ما يناسب.
2. المسكين هو الذليل العامّ لله سبحانه، وإطعامه إمّا احترامه أو
ــــــ[324]ــــــ
(1) سورة الماعون، الآية: 2.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
توجيهه أو موافقته على حاله.
3. التراث هو ما يأتي من الغير باختيارٍ أو غيره من صفاتٍ عقليّةٍ ونفسيّةٍ وروحيّةٍ، سواء كانت سيّئةً أو حسنةً. وعلى كلّ حالٍ يفرح الإنسان بها.
4. المال هو النفس أو صفاتها الذاتيّة أو صفاتها العرضيّة أو فعلها.
وليُعلم: أنَّ المعصوم يتيم.
أوّلاً: لأنَّه محرومٌ من الإيمان به.
ثانياً: لأنَّه محرومٌ من بسط اليد والحكم.
ثالثاً: لأنَّه مرسلٌ إلى الدنيا وقلبه معلّقة بالعلي الأعلى.
****
قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}:
ينبغي أن نعلم: أنَّ إشكالاً أُثير في ذيل هذه الآية، ولا أريد أن أذكره بلفظي الخاصّ، وإنَّما أنقل الإشكال عن الرازي كما ذُكر مع الإجابة عنه:
قال الرازي: فإن قيل: كيف قال الله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} والحركة والانتقال على الله محالان؛ لأنَّهما من خواصّ الكائن في جهةٍ؟ (وأمّا الذي ليس له جهةٌ ولا مكانٌ ولا زمانٌ فلا معنى للانتقال بالنسبة إليه).
قلنا: قال ابن عبّاس (رضي الله عنهما): (هكذا لفظه:) وجاء أمر ربّك (بتقدير مضافٍ)؛ لأنَّ في القيامة تظهر جلائل آيات الله تعالى. ونظيره قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ}(1). وقيل معناه: وجاء
ــــــ[325]ــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 158.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ظهور ربّك؛ لضرورة معرفته يوم القيامة، ومعرفة الشيء بالضرورة تقوم مقام ظهوره ورؤيته (أي: بمنزلة أنَّك تراه، وإن لم تكن تراه، فكأنَّما تعرفه أكثر من اليقين) فمعناه زالت الشكوك وارتفعت الشبه، كما ترتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشكّ فيه(1). كما لو سمعت أنَّه وُلد لأخيك ولدٌ بعد عشر سنواتٍ من عدم الإنجاب، فبالرغم من تواتره فإنَّ احتمال عدم مجيء الولد يبقى قائماً، فإذا رأيته أصبح كلّ شيءٍ يقيناً، ولا مجال لبقاء أيّ درجةٍ من درجات الاحتمال.
والحاصل: أنَّ في أمثال هذه العبارات لابدّ من تقدير مضافٍ:
1. جاء أمر ربّك.
2. جاءت آيات ربّك.
3. جاء ظهور ربّك.
وقال في >الميزان<: نسبة المجيء إليه تعالى من المتشابه الذي يحكمه – أي: يجعل الحكم متشابهاً- قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}(2) وما ورد في آيات القيامة من خواصّ اليوم: كتقطّع الأسباب وارتفاع الحُجب عنهم وظهور أنَّ الله هو الحقّ المبين(3).
وارتفاع الحُجب درجةٌ من درجات المعرفة واليقين، وليس معناه الرؤية البصريّة المباشرة (تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً) بل المجيء تعبيرٌ مجازي بمعنى: علم وجوده بدرجة عين اليقين.
إذن فيمكن أن نلحظ اتّجاهين في فهم الآية: أحدهما بتقدير مضافٍ،
ــــــ[326]ــــــ
(1) مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل: 373، سورة الفجر.
(2) سورة الشورى، الآية: 11.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 284، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والآخر بدون تقدير مضافٍ. أمّا بتقدير مضافٍ فهو ما تقدّم آنفاً.
ويتلخّص التقدير بما يلي:
أوّلاً: أمر ربّك.
ثانياً: آيات ربّك.
ثالثاً: تدبير ربّك.
رابعاً: معرفة ربّك.
ولا يضرّ حينما نقدر أيّ شيءٍ آخر.
وأمّا بدون تقدير مضافٍ ففيها أُطروحاتٌ:
الأُولى: أن يكون المجيء بمعنى التجلّي؛ لأنَّهم قسّموا الحياة الفاضلة إلى ثلاثة أقسامٍ: التخلّي والتحلّي والتجلّي(1)، فالتخلّي عن الرذائل، والتحلّي بالفضائل، والتجلّي للأنوار الإلهيّة. فإذا حصل التجلّي فكأنَّه جاء ربّك، وهذا يشبه إلى حدٍّ ما ما قيل من تقدير: (جاء ظهور ربّك) ولكنّه هنا لا يحتاج إلى تقدير مضافٍ، ويصدق عليه أنَّه جاء ربّك، فظهرت الحقيقة وظهر الحقّ، كما لا نحتاج إلى تقدير (ظهر أمر الحقّ). والإنسان ينال من ذلك بمقدار استحقاقه وما يناسب وجوده وثقافته ومستواه، ولا ينال كلّ الناس ذلك سوّيةً، بما في ذلك الخواصّ والسالكون منهم؛ فإنَّهم لا ينالون ذلك سوّيةً، وإنَّما كلٌّ بحسبه. فإذا سمعتم أنَّ واحداً تحدّث بشيءٍ وتحدّث آخر بشيءٍ آخر، قولوا: إنَّ كلّ واحدٍ يتكلّم عن حاله ومستواه وعقليّته ليس أكثر.
الثانية: نور العظمة، كالذي رآه موسى×، حينما دعى الله بقوله {رَبِّ
ــــــ[327]ــــــ
(1) راجع ما أفاده في الفتوحات المكّيّة 2: 483-489، الأبواب 204-206، وتدبّر فيها تغنم.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ}(1) وقال: {لَنْ تَرَانِي}(2) وأناط الرؤية على استقرار الجبل، وحيث لم يستقرّ الجبل في مكانه وزال وجوده واندكّ، فإنَّه لم يرَ الذات الإلهيّة، وإنَّما رأى خرم إبرة من نور العظمة. وفي الرواية عن أمير المؤمنين×: >أنا الذي أريت موسى …< (3).
وهذا بالحقيقة جزءٌ أو حصّةٌ من الاسم الأعظم، وإلّا فالمسمّى فوق ذلك بكثيرٍ جدّاً، بل فوق ما لا يتناهى. والمهمّ: أنَّ قوله: {جَاءَ رَبُّكَ} بمعنى: اقترب الله لي كما اقتربت إليه، وهذا ملحوظٌ في بعض الروايات؛ إذ ورد: >ومن تقرّب إليّ شبراً تقرّبت إليه ذراعاً، ومن تقرّب إليَّ ذراعاً تقرّبت إليه باعاً<(4).
الثالثة: أنَّ قوله: (ربك) معناها روح النبي، فالربّ هنا مضافٌ إلى كاف الخطـاب -أي: ربّك يا محمّد- وربّ كلّ شيء مالـكه وصاحبـه والمسـيطر
ــــــ[328]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 143.
(2) سورة الأعراف، الآية: 143.
(3) إشارةٌ إلى الحديث المشهور بمعرفة الإمام بالنورانيّة، حسبما أورده في بحار الأنوار 26: 1، كتاب الإمامة، أبواب علامات الإمام وصفاته وشرائطه، الباب 14. نعم، ورد في مشارق أنوار اليقين عن أمير المؤمنين× ما نصّه: >أنا مكلّم موسى من الشجرة: أنْ يا موسى أنا ذلك النور< وفي مكانٍ أخر منه: >إنّ الله خاطب موسى في مقام الربّ بلسان علي×، فعلي هو الآية الكبرى التي رآها موسى، ومحمد عند خطاب ربّ الأرباب<. أُنظر: مشارق أنوار اليقين: 304، و 354.
(4) عوالي اللئالي 1: 56، الفصل الرابع، مستدرك الوسائل 5: 289، الباب 7، الحديث 5910، وبحار الأنوار 84: 189، أبواب النوافل اليوميّة، وفضلها …، الباب 11، الحديث 5.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
عليه، والروح مسيطرةٌ على الجسم، والباطن مسيطرٌ على الظاهر وحاكمٌ عليه ومحرّكٌ له، وهذا ينبغي أن يكون مسلَّماً. فربّ النبي’ روحه التي هي أعلى وأقوى وأنور وأوّل موجودٍ، والتي تسمّى باصطلاح أهل المعرفة (الحقيقة المحمّديّة) (1). ومن جانبٍ آخر فإنَّ الله ربّ العالمين لا ربّ محمّدٍ فقط، ليقول له (ربّك)، فمن المحتمل أن يكون المراد بها روح النبي’ وحقيقته العليا، وهي تأتي يوم القيامة، ولا تختلف عن غيرها من الأرواح. مضافاً إلى أنَّ براهين علم الكلام الثابتة لله سبحانه وتعالى في شيءٍ من هذا القبيل غير ثابتةٍ لشيء أو لأحدٍ من مخلوقاته، فالروح الإنسانيّة تذهب وتأتي، ولا محذور في ذلك.
والواو في قوله: {وَالْمَلَكُ} حاليّةٌ، و(الملك) مبتدأ، و(صفّاً صفّاً) خبر، وإن كان هو جملةً خبريّةً في حدّ ذاته لفعلٍ محذوفٍ تقديره: (موجودين صفّاً صفّاً)، أي: ويوجدون صفّاً صفّاً، وتكون هذه الجملة خبراً للملك، والجملة في محلّ نصبٍ على الحاليّة؛ لأنَّ الواو حاليّةٌ. والمعنى: (وجاء ربّك حال كون الملائكة مصفوفين). وهناك نقطةٌ لا تخلو من أهمّيّةٍ، وهي أنَّ الملك مفردٌ، فكيف يصطفّ المفرد؟
وجوابه: أنَّ الملك اسم جنسٍ، والمراد به الجنس، أي: المجموع بما هو مجموعٌ، كما يُعبّر عن الإنسان على ظهر الكرة الأرضيّة بأنَّ الإنسان حيوانٌ ناطقٌ، وأنَّ الإنسان لربّه لكنودٌ، والمقصود منها كلّها المجموع.
وهنا سؤال قلّ ما يلتفت إليه، وهو أنَّ مجيء الملائكة صفوفاً بأجمعهم أم
ــــــ[329]ــــــ
(1) راجع الفتوحات المكّيّة 1: 94، أسرار الآيات: 110، الطرف 2، المشهد 2، مفاتيح الغيب: 451، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ببعضهم؟
وأنا لا أعتقد: أنَّ الملائكة يأتون أجمعين، بل يأتي بعض الملائكة، لكن يكفي أن تأتي حصّةٌ من الملائكة، وهذا يصحّ السكوت عليه ويصحّ الإخبار عنه.
فإن قلت: كيف يصطفّ الملائكة ويتحرّكون، مع أنَّهم ثابتون في أماكنهم لا يزالون، ولو زالوا لحصلت مفسدةٌ، وأماكنهم ثابتةٌ في صوامع العبادة، كما تعبّر بعض الروايات(1)، كالملائكة العمّالة في الدنيا أو في السماء أو في جهنّم أو في الجنّة؟ فهل يصطفّ الملك الذي يسيّر الشمس والملك الذي يسيّر القمر ونحو ذلك؟
وفيه عدّة أجوبةٍ:
الأوّل: ما قلناه من: أنَّ الاصطفاف شاملٌ لبعض الملائكة لا كلّهم، مع أنَّه ليس كلّ الملائكة ثابتين لا يزولون. نعم، أكثرهم أو جملةٌ منهم أو حصّةٌ منهم لا يزالون، ولو زالوا لفسدت السموات والأرض، لكن جملةٌ منهم متحرّكون أيضاً، كما في جبرائيل وميكائيل وجملةٍ من أتباعهم ممّن يقبض الأرواح {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ}(2). فالنتيجة إذن: أنَّ مثل هؤلاء يمكن أن يأمرهم الله تعالى بالاصطفاف في يوم القيامة؛ لأجل حكمةٍ من الحكم.
الثاني: أن نقول: إنَّ المعنى العرفي اللفظي غير مراد بقوله: {صَفّاً صَفّاً}، فلا نتصوّر المعنى كطلّاب المدارس الذين يصطفّون على شكل طوابير مرتّبةٍ،
ــــــ[330]ــــــ
(1) راجع الباب 23 من أبواب الملائكة الذي عقده صاحب البحار 56: 144 لبيان حقيقة الملائكة وصفاتهم وشؤونهم وأطوارهم.
(2) سورة الأنعام، الآية: 61.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
بل ينكشف الملائكة في محالّهم كأنَّهم مصفوفون، كلٌّ واحدٌ منظّمٌ ومرتّبٌ من موقعه، ولا نريد بالصفّ إلّا ذلك، أي: متعاضدين كالبنيان المرصوص، يعضد بعضهم بعضاً وينصر بعضهم بعضاً، ولو حصل تنافرٌ بينهم لفسدت السموات والأرض، لكن الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون(1).
الثالث: أنَّ الله يصرفهم عن أعمالهم ويصفّهم صفّاً واحداً أو عدّة صفوفٍ، وهذا بعد التنزّل عن سائر الأُطروحات.
إن قلت: إنَّ انصرافهم هذا أيضاً تفسد به السماوات والأرض.
قلنا: يمكن الإجابة عن ذلك بأكثر من وجهٍ:
الأوّل: أنَّه حينئذٍ لا تفسد السموات والأرض، بل تقوم السموات والأرض بالله في الحقيقة، وهذا يبقى مستمرّاً، فالملك يتخلّى عن عمله، لكن الله لا يتخلّى عن عمله.
الثاني: قيل في درجةٍ من درجات المعرفة: إنَّ الملائكة عدّة مستوياتٍ، وليس مستوى واحداً(2)، كما أنَّ البشر أجسامٌ والملائكة أجسادٌ كما يعبّرون، والبعض منهم أكثر روحانيّةً ونوراً وشفافيّةً من البعض الآخر، ويوجد ملائكةٌ من عالم الأمر، وملائكةٌ من عالم الخلق، فإذا زالت الملائكة من عالم الخلق لعملٍ أو حكمةٍ، أمكن بقاء الملائكة من عالم الأمر في نفس المكان يؤدّون وظيفتهم إلى أن يعودوا.
وتبقى مسألةٌ ترتبط باللغة وهي محلّ (صفّاً) الثانية من (صفّاً) الأُولى،
ــــــ[331]ــــــ
(1) إشارة إلى الآية: 6 من سورة التحريم.
(2) راجع الباب 23 من أبواب الملائكة من كتاب السماء والعالم من بحار الأنوار 56: 144.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والذي يظهر أنَّ (صفّاً) الثانية تأكيدٌ محضٌ، فيناسب أن يكون هناك صفٌّ واحدٌ، فيكون معنى (صفّاً صفّاً): اصطفّوا اصطفّوا. والاصطفاف هنا أعمّ من الصفّ الواحد والمتعدّد. أمّا إذا قلنا بتجاوز اللغة وقلنا: إنَّ (صفّاً صفّاً) بمعنى (عدّة صفوفٍ) لا (صفّاً واحداً) بالرغم من أنَّ اللغة لا تناسبه؛ لأنَّ التأكيد أعمّ كما قلنا في الوجه الأوّل، إلّا أنَّ المفاد المعنوي للآية ليس هو ذلك، فالمفهوم منها أنَّها عدّة صفوفٍ أو عددٌ كثيرٌ من الصفوف. والحاصل: أنَّ ما ذكر لو أردنا أن نثبته لغةً، لكنّا مضطرّين إلى تقدير حرف عطف (الواو) فيكون الكلام: (صفّ وصفّ وصفّ)، وإلّا لو كنّا والعبارة، فمن الصعب من الناحية اللغويّة أن نفهم منها التعدّد.
****
قوله تعالى: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى}:
اليوم في قوله: (يومئذٍ) ظرفٌ يعود إلى (إذا) في قوله: {كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}(1)، ومن الواضح أنَّ كلا الآيتين تشكّلان مدخولاً للأداة (إذا)، ثُمَّ بعد ذلك يأتي بمدخولٍ آخر وهو قوله: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ}. فتقدير الكلام هو أنَّه إذا حصل كذا وكذا {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ}، فكأنَّ هذا الظرف مع ذاك متّحدان من الناحية الظرفيّة والزمانيّة، فيومٌ ظرف زمانٍ، وإذا ظرفُ زمانٍ أيضاً، فالزمانيّة من هذه الناحية لها نحو اتّحادٍ وتماثلٍ.
وربما يُستشكل في أنَّنا قلنا: إنَّ الأرض لا تدكّ في القيامة، وإنَّما تدكّ قبل
ــــــ[332]ــــــ
(1) سورة الفجر، الآية: 21-22.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
يوم القيامة، مع أنَّ قوله: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} ناظرٌ إلى يوم القيامة، ما يظهر معه أنَّ الظرف ليس واحداً، بل متعدّدٌ.
وهذا له أكثر من جوابٍ:
الأوّل: ما يبتني على فكرة حاصلها: أنَّ النظر يكون إلى زمانٍ طويلٍ، كما هو فهم المتشرّعة أو عرفهم، فهنا يوم القيامة هو ما بعد الحياة، فما بعد الحياة الدنيا نسمّيه يوم القيامة، سواء أكان ممّا نحسبه من مقدّمات يوم القيامة أو نفس يوم القيامة أو دخول الجنّة أو دخول جهنّم.
وبعبارةٍ أُخرى: أن نعتبر كلّ ما قبل يوم القيامة ممّا يُعدّ من مقدّماتها فضلاً عمّا بعدها من يوم القيامة مجازاً. فالاتّحاد حاصلٌ هنا بلحاظ حقبةٍ كبيرةٍ من الزمن.
الثاني: أنَّ الملحوظ هنا حقبتان لا حقبةٌ واحدةٌ، وعود هذا إلى ذاك جائزٌ وملحوظٌ وإن لم يكن بتلك الدقّة الكبيرة، فلو قلنا: إذا أشرقت الشمس فالنهار موجودٌ، فكما أنَّ إشراق الشمس علّةٌ لوجود النهار والنهار معلولٌ لإشراق الشمس، فكذلك هذه الآيات بعضها بمنزلة العلّة وبعضها بمنزلة المعلول، ولا يمكن القول: إنَّ العلّة والمعلول وُجدا في زمانٍ واحدٍ؛ لأنَّ الأمر ليس فيه علّيّةٌ تامّةٌ دقيَّةٌ حتّى تكون في زمانٍ واحدٍ، بل هناك مقدّماتٌ وإرهاصاتٌ بمنزلة العلّة، كما في قوله: {كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}(1) وهناك معلولاتٌ ونتائج مترتّبةٌ على هذه الملك، كما في قوله تعالى: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ}(2). فكأنَّ الكلام كان مترتّباً من دون
ــــــ[333]ــــــ
(1) سورة الفجر، الآيتان: 21-22.
(2) سورة الفجر، الآية: 23.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
(واوٍ) على النحو التالي: (إذا دكّت الأرض دكّاً دكّاً وجاء ربّك والملك صفّاً صفّاً جيء يومئذ بجهنّم)، وحينئذٍ فمعنى ذلك أنَّ المعلول متأخّرٌ زماناً عن العلّة، والآية ظاهرةٌ في التأخّر الزماني بالنسبة إلى كلا الطرفين.
الثالث: أنَّ قوله: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} غير ناظرٍ إلى يوم القيامة، بل إلى ما قبل يوم القيامة، فالمجيء يومئذٍ بجهنّم لا يعني: أنَّهم دخلوا جهنّم، ولا يُعلم إلى أيّ مكانٍ جيء بجهنّم، فلعلّه قبل يوم القيامة، على تفسيرٍ سوف يأتي تفصيله.
الرابع: أن نقول: إنَّ ذلك كلّه يحصل في يوم القيامة حقيقةً. فإذا فهمنا مثلاً من قوله: {إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا} أرض النفس ووقوف هذا الإنسان المسكين وغيره في عرصة يوم القيامة، فمن المؤكّد أن تُدكّ نفسه وتدوسها أقدام الخلائق ويجزع ويذلّ وتنكشف عورته ونقائصه.
أمّا قوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ} فالمسألة فيها مشهورةٌ في أنَّ معناها أنَّ عين اليقين يحصل يوم القيامة، وأنا لا أشهد بصحّتها. وقوله: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} أيضاً مشهورٌ في كونه ناظراً إلى يوم القيامة، فأصبحت هذه الآيات كلّها متحقّقةً في يوم القيامة، فيرتفع الإشكال.
فإن قلت: كيف تجيء جهنّم، والمعروف متشرّعيّاً أنَّها ثابتةٌ في محلّها؟
قلت: هذا له عدّة أجوبةٍ:
الأوّل: ما أفاده في >الميزان<(1) من أنَّه لا يبعد أن يكون المراد بالمجيء بجهنّم إبرازها لهم، كما في قوله تعالى {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى}(2) وقوله: {وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ}(3) وقوله: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ
ــــــ[334]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 284، تفسير سورة الفجر.
(2) سورة النازعات، الآية: 36.
(3) سورة الشعراء، الآية: 91.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}(1). أي: كنت ترى الدنيا فقط، أمّا الآن فإنَّك ترى الدنيا والآخرة، {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} أي: حادٌّ قويٌ مؤثّرٌ.
الثاني: أنَّه انكشاف، كما قال: في >الميزان<(2)، لكن من قال: إنَّ الانكشاف متوقّفٌ على يوم القيامة؛ إذ ليس هذا ضروريّاً، بل قد تنكشف جهنّم في الدنيا؛ لأنَّ الكفّار هم الآن في جهنّم، والأخيار والأبرار هم الآن في الجنّة، وفي القرآن ما يدلّ على ذلك، كما في قوله: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}(3) أي: في الدنيا ثُمَّ يقول: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}(4). فالأبرار الذي هم في الدنيا يأكلون ويشربون هم في الجنّة فعلاً، والفجّار الآن يصلون نار جهنّم، لكن لا يتألمّون فيها، بل يتخيّلون أنَّها لذائذ أو شهواتٌ، مع العلم أنَّها نارٌ محرقةٌ، وبعد ذلك يعرفون هذا المعنى. فهي – أي: جهنّم- موجودةٌ من حيث نعلم أو لا نعلم، بل إنَّ عامّة الخلق أو عامّة أولاد آدم لا يعلمون بأنَّها موجودةٌ، مع أنَّ في القرآن ما يدلّ على ذلك.
وبهذا الصدد يمكن أن نقول: إنَّ كلّ هذه الأوصاف الثلاثة(5) يُحتمل حصولها في الدنيا: أمّا أرض النفس فتدكّ بالدنيا بأساليب قد تقدّمت، وكذلك الكرة الأرضيّة تدكّ في الدنيا أيضاً، كما لو اصطدم بها مذنّبٌ؛ إذ يمزّقها في الفضاء، وانكشاف الحجب أيضاً يحصل في الدنيا أيضاً، كما ورد في
ــــــ[335]ــــــ
(1) سورة ق، الآية: 22.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 284، تفسير سورة الفجر.
(3) سورة الكهف، الآية: 29.
(4) سورة الانفطار، الآية: 13-14.
(5) {إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ} و{جَاءَ رَبُّكَ}، و{وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ}.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الدعاء: >حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلّقةً بعزّ قدسك<(1)، فلا يخرق الإنسان حجب الظلمة فحسب، بل ويدخل حجب النور، فيدخل في الحقيقة الواقعيّة، فتصل إلى معدن العظمة – لا إلى العظمة- وهو من أسرار الأسرار وخاصّ الخاصّ.
الثالث: أنَّه لا دليل على أنَّ جهنّم غير متحرّكةٍ أو لا يمكن أن تتحرّك. نعم، ذلك ارتكاز المتشرّعة، ولا دليل عليه من كتابٍ أو سنّةٍ، بل لعلّ الكتاب والسنّة على خلاف ذلك، فإذن الكتاب والسنّة على خلاف ما يزعم المتشرّعة، ولا أقلّ أنَّ بعضها قابلٌ للحركة، وبعضها ثابتٌ، فجيء بجهنّم إمّا بجهنّم كلّها أو بعضها، ولا ضير في ذلك، فيراها الفرد أمامه أو يكون هو أمامها.
وفي نفس السياق توجد روايةٌ في >تفسير البرهان<(2) مضمونها أنَّ جهنّم يُؤتى بها إلى عرصة القيامة على شكل أفعى ضخمة تنفخ النار (الرواية).
فمن هذه الناحية تكون جهنّم متحرّكةً في يوم القيامة، وهذا ظهورٌ سياقي ربما يتحصّل من القرآن الكريم ومن قوله: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ}. ومعه فقوله: {يَوْمَئِذٍ} لربما نفهم منه متشرّعيّاً لا دقّيّاً أنَّه إشارةٌ إلى عرصات يوم القيامة، والرواية(3) قريبةٌ من هذا المعنى لو صحّت سنداً.
الرابع: أنَّ هذا الإشكال مبني على كون القوانين الأُخرويّة كالقوانين
ــــــ[336]ــــــ
(1) إقبال الأعمال: 687، فصل فيما نذكره من الدعاء في شعبان مروي عن ابن خالويه، وبحار الأنوار 91: 98، أبواب الدعاء، الباب 32، الحديث 13.
(2) راجع البرهان في تفسير القرآن 5: 653، تفسير سورة الفجر، الحديث 11600.
(3) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الدنيويّة الطبيعيّة، وأنا أقول: إنَّ قوانين الآخرة ليست كقوانين الدنيا، بل تختلف عنها اختلافاً جذريّاً. وكمثال على ذلك يوجد قانونٌ روحي وباطني خاصٌّ بظهور الإمام#، وهذا القانون وإن كان في ظاهر الرواية وقوعه في الدنيا، لكن وقوعه في الآخرة بطريقٍ أولى، ومؤدّاه أنَّ الإمام إذا ظهر يرى أهل كلّ مدينةٍ أنَّه× كان يعيش بين ظهرانيهم، لكنّه حقيقةً لم يكن معهم(1). نعم، من الناحية الباطنيّة هو معهم، فالمسألة في رؤية الإمام× روحيّةٌ لا جسديّةٌ. ومن ذلك أيضاً أنَّ عدداً من درجات الجنّة يرى أهلها أنَّهم مجاورون لأهل البيت×، كما عن مولانا الإمام الصادق×(2).
والغرض: أنَّ الإنسان في أقلّ درجات الجنّة قد يشعر بمجاورة النبي’ ومجاورة أمير المؤمنين× ومجاورة الحسن والحسين×، مع العلم أنَّ وجوداتهم الواقعيّة أعلى من ذلك بمراتب عاليةٍ جدّاً. ومفاد ذلك: أنَّ وجوداتهم الواقعيّة مقسّمةٌ على كلّ هذه المراتب، وكلّ واحدٍ من الناس مهما كانت درجته في الجنّة يمكن أن يكون مجاوراً لأمير المؤمنين×.
ومردّ ذلك إلى أنَّ قوانين الدنيا تختلف عن قوانين الآخرة، فأمير المؤمنين× واحدٌ، لكن قانون الآخرة يسمح بأن يكون مجاوراً لكلّ هذه المراتب، غير أنَّ هذا لا يصحّ في قوانين الدنيا. وعلى هذا الضوء يمكن أن يرى كلّ واحدٍ من أهل النار أنَّه مجاورٌ لجهنّم، بالرغم من أنَّ بينهم مسافاتٍ كبيرةً،
ــــــ[337]ــــــ
(1) راجع الأبواب 25-27 من أبواب النصوص من الله تعالى ومن آبائه عليه (صلوات الله عليهم أجمعين) من كتاب الغيبة من بحار الأنوار 52: 181-392.
(2) راجع الباب 23 من أبواب المعاد من بحار الأنوار 8: 71-222.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
لكنّهم مجاورون لجهنّم حسب قوانين الآخرة.
أفاد العكبري(1): أنَّ (ولا يحضون) على هذه القراءة فعلٌ متعدّ، والمفعول محذوفٌ تقديره: لا يحضّون أحداً ولا يحضّون أنفسهم، أو باللغة الحديثة لا يحضّ بعضهم البعض. ويُقرأ: (ولا تحاضون) وهو القراءة المشهورة، و(تحاضون) فعلٌ لازمٌ بمعنى: تتحاضّون.
وقوله: {يَوْمَئِذٍ} بدلٌ من (إذا)، وقد تقدّم: أنَّه توجد علاقةٌ بين (إذا) و(يومئذٍ)، وهما إشارةٌ إلى معنىً واحدٍ وإلى زمانٍ واحدٍ، والعكبري يرى أنَّ أحدهما بدلٌ من الآخر على نحو البدليّة اللفظيّة (أي: بدلٌ بالمعنى النحوي). فيومئذٍ بدلٌ من (إذا) في قوله تعالى: {إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ}(2) والعامل فيه قوله: {يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى}(3). ومقتضى القاعدة: أنَّ المبدل منه يحتاج إلى عاملٍ، فعامل (إذا) قوله: {يَتَذَكَّرُ}. أمّا الظرف الذي وقع بدلاً فلا يحتاج إلى عاملٍ، فكأنَّما عامل البدل والمبدل منه واحدٌ. يقول العكبري(4): إنَّ قوله: {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}(5) تفسيرٌ لقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ}(6). ويجوز أن يكون العامل في {إذا} قوله: {يقول} وفي {يومئذٍ} قوله {يَتَذَكَّرُ}. لكن الإشكال في ذلك هو أنَّ {يَوْمَئِذٍ} قريبةٌ من تلك الأفعال، غير أنَّ {إذا} بعيدةٌ
ــــــ[338]ــــــ
(1) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 286-287، سورة الفجر.
(2) سورة الفجر، الآية: 21.
(3) سورة الفجر، الآية: 23.
(4) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 287، سورة الفجر.
(5) سورة الفجر، الآية: 24.
(6) سورة الفجر، الآية: 23.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
بفاصل بآيةٍ أو آيتين، ولابدّ للنحاة طبقاً للقواعد أن يلحقوها بشيءٍ ولو بعيد، سواء اتّفق معه السياق أم نافاه، فالمهمّ عندهم أنَّ القاعدة أولى من المعنى السياقي.
ومن كلام العكبري(1) أيضاً قوله: (لا يعذّبه) و(لا يوثقه) يُقرءان بكسر الذال والثاء، والفاعل {أَحَدٌ} والهاء تعود على الله، فإذا قرأناها (يعذّب) و(يوثق) ففيها فهمان؛ لأنَّ في (يوثّق ويعذّب) ضميرين مستترين، فإن أرجعناهما معاً إلى الله كان المراد ما أشار إليه العكبري(2) والطباطبائي+(3) من: أنَّه لا يوجد من يُعذب مثل عذاب الله ولا يوثق مثل وثاقه. ولكن إذا قلنا: إنَّ عذابه يعود إلى غير عذاب الله وهو عذاب الفرد الفاسق مثلاً من باب الإضافة إلى المفعول؛ لأنَّ المصدر قد يُضاف إلى الفاعل وقد يُضاف إلى المفعول، وهم فرضوا إضافته إلى الفاعل فقط، ونسوا إضافته إلى المفعول، فيكون التقدير: أنَّ الله لا يعذّب أحداً مثل هذا الفاسق أو لا يُعذّب أحداً مثل عذاب هذا الفاسق، وليس هناك ظهورٌ يعيّن العود إلى الفاعل، بل يصحّ أن يعود إلى الفاعل أو المفعول على حدٍّ سواءٍ. وأنا اعتقد: أنَّ الأرجح أن يُقرءا بالفتح على ما لم يسمّ فاعله {لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ} و{وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} وهي القراءة المشهورة.
وفي الحقيقة أنَّ هذا يعيّن عود ضمير عذابه إلى الفاسق، فيكون المقصود (لا يعذّب عذابه ولا يوثق وثاقه الفاسق)؛ بعد أن كان رجوع الضمير إلى الله (عذاب الله) – أي من قبيل نسبته إلى الفاعل- ضعيفاً جدّاً، وإن كان له معنىً
ــــــ[339]ــــــ
(1) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 287، سورة الفجر.
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 285، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
في حدّ ذاته، إلَّا أنَّه مرجوحٌ. والهاء للمفعول، أي: النسبة إلى المفعول، والهاء هنا للمفعول؛ لأنَّه أظهر في الحقيقة، والتقدير: (مثل عذابه ومثل وثاقه). (انتهى كلام العكبري)(1).
ولو أخذنا العذاب والوثاق بمعنى جزئي خارجي، كما فهمه العكبري(2)، اضطررنا إلى تقدير (مثل عذابي)؛ إذ من الواضح أنَّ عذابي أنا وكلامي لا يصدران من غيري، فلو قال أحدٌ: إنَّه لا يتكلّم كلامي أحدٌ فلا معنى لهذا الكلام؛ لأنَّه من توضيح الواضحات، وهو قبيحٌ؛ لأنَّ كلامه لا يتكلّمه أحدٌ، فلابدّ أن يريد (لا يتكلّم مثل كلامي أحدٌ). هذا إذا قصدنا الجزئي.
وأمّا إذا قصدنا الكلّي فتقدير (مثل) يسقط عن الاعتبار؛ لأنَّ قوله: (عذابه) مادام كلّيّاً يمكن أن يصدر من الله، كما يمكن أن يصدر من خالدٍ وغيره، فلا نحتاج إلى تقدير (مثل)، وكلام العكبري يحتاج إلى قرينةٍ في أنَّ (عذابه) و(ووثاقه) جزئي، مع أنَّه ظاهرٌ في الكلّي، فلا نحتاج إلى تقدير (مثل).
يقول العكبري(3): (العذاب) و(الوثاق) اسمان للمصدر، وهما بمعنى للتعذيب والإيثاق. ولكن الذي أفهمه أنَّ نفس صيغة المصدر هي اسم مصدرٍ. فالضرب إن قصدت به المعنى التدريجي صار مصدراً، وإن قصدت به المعنى الدفعي صار اسم مصدرٍ، وكلاهما ممكنٌ في نفس صيغة المصدر، ولكلٍّ صيغه وأوزانه واشتقاقاته، وإن كان بعضها غالباً في هذا وبعضها غالباً
ــــــ[340]ــــــ
(1) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 286-287، سورة الفجر.
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) أُنظر المصدر السابق 2: 287، سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
في ذاك وبعضها متساوي الاشتقاقات.
فاسم المصدر إذن هو المصدر، وليس شيئاً آخر، لكن باختلاف القصد، وحينئذٍ تكون (عذاب) و(وثاق) صيغة مصدرٍ قُصد بها اسم المصدر، كما هو الأرجح والأظهر، وإن كان يمكن أن يُقصد بها المصدر. وأيّ ضيرٍ في أن نفهم المصدريّة من سياق الآية أو نفهم اسم المصدر؟! لكن ظاهر العكبري(1) أنَّ العذاب شيءٌ والتعذيب شيءٌ آخر، والوثاق شيءٌ والإيثاق شيءٌ آخر.
فالتعذيب والايثاق هما اللذان قلنا عنهما: إنَّهما يصلحان أن يكونا مصدراً أو اسم مصدرٍ، وأمّا العذاب والوثاق فليست مصادر، ولا نستطيع أن نسمّيها حينئذٍ أسماء مصادر؛ لأنَّ اسم المصدر يتعيّن أن يكون بلفظ المصدر، فإذا لم يكن هذا لفظاً للمصدر، فليس اسم مصدرٍ، وإنَّما اسم ذاتٍ. وهذا واضح في (وثاق)، فالوثاق ليس هو (الشدّ) وإنَّما الحبل نفسه، فهو اسم ذاتٍ للحبل، وإنَّما يطلق على الشدّ مجازاً، فإذا كان اسماً للحبل فهو اسم ذاتٍ لا اسم مصدرٍ.
ثُمَّ إنَّه لا شكّ: أنَّ الفعل {يَتَذَكَّرُ} متعدٍّ، ولم يتعدّ في العبارة، أي: حذف منها المفعول. وهناك نقطةٌ ينبغي الالتفات إليها، وهي أنَّ (عذابه ووثاقه) رويٌ واحدٌ، وهذا من لطيف السياق القرآني، فالألف والهاء في كلا اللفظين متشاكلتان أدبيّاً، وهو ما يسمّى في الأدب بالمدرسة اللفظيّة(2)، والقرآن يعتني كثيراً بالألفاظ، فضلاً عن جودة المعاني ودقّتها.
إذن {يَتَذَكَّرُ} فعلٌ متعدّ حُذف مفعوله، وحذف المفعول أمرٌ متعمّدٌ؛
ــــــ[341]ــــــ
(1) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 286-287، سورة الفجر.
(2) هذه الدراسة تعنى بالألفاظ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
لأجل إضفاء الهيبة وأهمّيّة الموقف، وعليه فسوف يذهب به الذهن كلّ مذهبٍ في أنَّ ما هو المذكور والمتذكّر؟
وإذا أردنا التدقيق في ذلك، فلا حاجة إلى فرض الهيبة وهول الموقف؛ فإنَّ الإنسان يتذكّر حياته الدنيا وأعماله التي اقترفها في هذا العالم أو يتذكّر سيّئاته وتقصيراته.
ثُمَّ إنَّ قوله: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ} بمعنى: يتذكّر أعماله، وإنَّما يكون الحساب بالتذكّر، ويكون تذكّراً قطعيّاً لا شائبة فيه بحيث يشهد الفرد على صحّته: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}(1). ومنه الكتابة التكوينيّة في كتاب الحياة والقراءة التكوينيّة.
وقوله: {وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} استبعادٌ للتذكّر، بل تعذّره، وهي هنا بمعنى (كيف). وهو استفهام استنكاري يدلّ على تعذّر الواقع. قالوا: إنَّ {أنى} الاستفهاميّة اسمٌ مبني على السكون في محلّ نصبٍ على الظرفيّة المكانيّة، بمعنى: كيف لها أن تكسل، والكسل ضارٌّ؟ أي: كيف تكسل؟ أو بمعنى: من أين؟ أنَّى لك المال؟ وهو أيضاً محتملٌ هنا.
فإن قيل: إنَّنا سمعنا الآن أنَّها أداةٌ مكانيّةٌ، وهو لا يلائم السياق.
قلنا: هذا مطعونٌ كبرىً وصغرىً. أمّا الكبرى فلأنَّهم قالوا: إنَّها مكانيّةٌ، مع العلم أنَّ جميع أمثلتها لا تناسب ذلك. وفي القرآن: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}(2) بمعنى: كيف؟ وقوله: {يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ}(3). وكلّه لا يفيد
ــــــ[342]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 14.
(2) سورة البقرة، الآية: 259.
(3) سورة آل عمران، الآية: 37.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
المكان ولا الزمان، بل لا يفيد الظرفيّة إطلاقاً. فيمكن القول: إنَّها أداة استفهامٍ، كهل والهمزة، وكيف ليست ظرفاً.
وأمّا الصغرى فلأنَّنا إذا قبلنا الظرفيّة المكانيّة، كان المعنى: في أيّ مكانٍ تحصل له الذكرى؟ أي: يكون سبباً للذكرى. فالسؤال عن السبب مطلقاً، والمفروض أنَّه استفهامٌ استنكاري يدلّ على التعذّر، وربما يعني: أنَّ التذكّر إن كان في الدنيا كان سبباً للاستغفار، وأمّا في الآخرة فلا يكون سبباً له.
فإن قلت: فإنَّ فهم الاستفهام الاستنكاري يدلّ على النفي، في حين أنَّ ظاهر العبارة السابقة هو الإثبات {يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ} فيقع نحوٌ من التهافت ظاهراً.
قلت: أوّلاً: يمكن أن نفهم من (يتذكّر) أنَّه يحاول التذكّر، ولكنه لا يستطيع، يعني: يوجد سبب التذكّر، إلّا أنَّه لا ينتج المعلول، وإيجاد السبب يعبّر به عن المسبب: وذلك إمّا بمعجزةٍ أو طبيعيّاً لارتباكه النفسي.
فإن قلت: فإنَّك قلت: إنَّ الحساب في الآخرة بالتذكّر.
قلنا: إنَّنا لو سرنا بهذا الاتّجاه، فلابدّ أن نتنازل عن ذلك إلى ما عليه المتشرّعة من وجود الكتاب الذي يحاسب عليه.
وثانياً: ما يمكن استفادته من السيّد الطباطبائي+(1) من أنَّه لا ينفعه التذكّر، فهو نفيٌ للسبب، وهو التذكّر، ويُراد به نفي المسبّب، وهو المنفعة، ويُراد به التدارك والاستغفار ونحو ذلك.
وثالثاً: إنَّه لا يستطيع ذلك إلّا بإقدارٍ من الله سبحانه أو تتذكّر الملائكة له.
ــــــ[343]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 284، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ورابعاً: إنَّه يُصاب بالنسيان مهما حاول التذكّر، وهو يرجع إلى الوجه الأول.
و{الذكرى} كأنَّها اسم مصدرٍ من يتذكّر، فجاءت بدلاً عنه، والأصل: (وأنَّى له التذكّر). وهي ليست اسم مصدرٍ حقيقةً، ولكنها بمنزلته، والغرض بيان المبالغة في العذاب.
****
قوله تعالى: {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}:
احتمل السيّد الطباطبائي+ معنيين للحياة في الآية. قال: قوله تعالى: {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} أي: لحياتي هذه، وهي الحياة الآخرة، أو المراد الحياة الحقيقيّة، وهي الحياة الآخرة؛ على ما نبّه تعالى عليه بقوله: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}(1). والمراد بالتقديم للحياة تقديم العمل الصالح للحياة الآخرة، وما في الآية تمنٍّ يتمنّاه الإنسان عندما يتذكّر يوم القيامة ويشاهد أنَّه لا ينفعه(2).
والوجه فيه: أنَّه إمّا أن يقصد حياته التي هو فيها وهو في ذلك الحين، أي: في عرصة يوم القيامة في الآخرة، فيقصد حياته الأُخرويّة، وإمّا أن يقصد من ذلك الحياة الحقيقيّة، والحياة الحقيقيّة إنَّما هي في الآخرة، لكن ذلك يحتاج إلى تصديقٍ في أنَّه هل التكوين الفكري العامّ قاضٍ بأنَّ الحياة الحقيقيّة هي الآخرة؟ والظاهرمن الاحتمالين هو الثاني، أي: قدّمت لحياتي الحقيقيّة لا لحياتي الفعليّة؛ لأنَّ الإنسان يعلم أن لا حياة فعليّةً في عرصة القيامة، بل لابدّ
ــــــ[344]ــــــ
(1) سورة العنكبوت، الآية: 64.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 284-285، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أن ينتقل في يومٍ مّا إلى الجنّة أو النار، فهي حياةٌ مؤقّتةٌ، و(قدّمت لحياتي) المقصود بها الحياة الدائمة الثابتة المستقرّة، فرجع المعنى إلى الحياة الحقيقيّة.
ويأتي سؤالٌ هنا حاصله: هل إنَّ الآخرة هي الحياة الحقيقيّة؟
ذهب السيّد الطباطبائي+ إلى أنَّ الآخرة هي الحياة الحقيقيّة(1)، وأمّا أنا فلا أقول بذلك؛ فنحن نفينا أن تكون الدنيا حياةً حقيقيّةً، كما أنَّ حياة البرزخ ليست حياةً حقيقيّةً؛ لأنَّه ينتقل منه إلى القيامة. والقيامة أيضاً ليست حقيقيّةً، وجملةٌ من درجات الجنّة ليست بحقيقيّةٍ، وإنَّما الحياة الحقيقيّة هي الجنان العليا التي لا نقص فيها ولا ظلام. أمّا المتشرّعة فيعتبرون أنَّ كلّ ما ليس من الدنيا فهو آخرة، أو كلّما هو روحاني فهو آخرة، فإذا قصدنا بالآخرة هذا المعنى العامّ فليست هي الحياة الحقيقيّة، بل ما بعد الآخرة هي الحياة الحقيقيّة، فيكون كلا الوجهين الذين طرحهما السيّد الطباطبائي+(2) في قوله: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} غير تامّين؛ وذلك لأنَّ الاحتمال الأوّل كان يفترض أنَّ المقصود بالحياة هي الحياة التي عليها الإنسان في ذلك الحين، أي: في عرصة يوم القيامة، وهذا مدفوعٌ؛ لأنَّ الإنسان حينئذٍ واصلٌ إلى تلك الحياة وموجودٌ فيها، ووجد السبب في تلك الحياة والمسبّب، فلا معنى لقوله: {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}. وعلى الاحتمال الثاني الذي كان يفترض أنَّ المقصود بالحياة الحياة الحقيقيّة، وهي الآخرة، أو قل: مطلق الآخرة حسب فهم الطباطبائي+ والمتشرّعة، فإنَّ الأمر كذلك، فهو حينئذٍ في الآخرة، وقد حصلت العلّة والمعلول، وهو كونه في الآخرة، فهو في الحياة الحقيقيّة، فلماذا
ــــــ[345]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 284-285، تفسير سورة الفجر.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
يتمنّى الحياة الحقيقيّة مادام قد حصل عليها ونالها؟ وهل هذا إلّا من تحصيل الحاصل. فعلى هذا يتبيّن أنَّ كلا الوجهين غير صحيحٍ، والإنسان حينئذٍ يتمنّى الحياة الحقيقيّة، وهي المراتب العليا في الجنّة لا الآخرة، مضافاً إلى أنَّه ينكشف له آنذاك أنَّ الكمال مرهونٌ بالدنيا، وذلك بالاستغفار والتوبة، وكأنَّ لسان الحال يقول: يا ليتني في الدنيا قدّمت لحياتي الحقيقيّة التي ليست هي الدنيا ولا عرصة يوم القيامة. وهذا يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ قوله تعالى: {ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}(1)، لكن الفرق أنَّ طلب الرجوع هنا يكون حين الاحتضار في أوّل لحظات الموت، وأمّا في قوله: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} فهو في الآخرة حين لا يفكّر المرء بالرجوع إلى الدنيا؛ لأنَّه منفصلٌ تماماً عنها، بل يتملّكه الندم وتستوعبه الحسرة على ما فرّط في جنب الله {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ}(2).
و(ليت) وإن قلنا: إنَّها ليست للتمنّي المستحيل دائماً، كما برهنّا عليه في كتابنا >أضواء على ثورة الحسين×<(3)، ولكنّه أمرٌ غالبي بلا شكٍّ، وهو المعنى الظاهري أو السياقي أيضاً. والمعنى الآخر هنا كذلك، وهذه هي الندامة الحقيقية: {يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ}(4)، {يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا}(5)، {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا
ــــــ[346]ــــــ
(1) سورة المؤمنون، الآيتان: 99-100.
(2) سورة يونس، الآية: 54.
(3) أُنظر: أضواء على ثورة الحسين×: 143 وما بعدها، (يا ليتنا كنّا معكم).
(4) سورة الزمر، الآية: 56.
(5) سورة الأنعام، الآية: 31.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الْعَذَابَ}(1)، {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبابُ}(2). وقوله: (يا حسرتنا) مبالغةٌ في زيادة الندامة والحسرة، وهي خطابٌ للنفس لا للآخرين. ومن هنا قال: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ}(3) لكي لا يفتضحوا.
ثُمَّ لماذا لم يقل: (ليتني قدّمت لحياتي) من دون إضافة (يا)؟ فلماذا قدّم (يا) قائلاً: {يَا لَيْتَنِي}؟
الظاهر: أنَّ هذه لهجةٌ للغةٍ أو لسانٌ مؤكّدٌ، فيا ليتني تمنٍّ شديدٌ أكيدٌ مؤكّدٌ، فأُضيفت الياء لتأكيد التمنّي؛ لأنَّ هذا التمنّي ناتجٌ عن شدّة الحسرة والندامة؛ لانقطاع كلّ شيءٍ في يوم القيامة. ولكن هذا يحتاج إلى تأويلٍ لغوي أو نحوي؛ لأنَّ (ياء) حرف نداء، والمنادى غير موجود؛ لأنَّ (ليتني) لا تصلح أن تكون منادى؛ ولذا يُقال: إنَّ فيها منادى مقدّراً (يا زيد، ليتني قدّمت لحياتي)، أو (يا ربّي، يا ليتني قدّمت لحياتي). ولكن هذا فيه إشكالان:
الإشكال الأوّل: أنَّ ذلك يزيل معنى التأكيد؛ لأنَّك لو قلت: (يا ربّ، ليتني قدّمت لحياتي) فكأنَّك قلت: (ليتني) بدون ياء، أي: إنَّ صفة التأكيد قد زالت.
الإشكال الثاني: أنَّ هذا المنادى – بعد التنزّل عن الإشكال الأوّل- مفروضٌ، لكنّه غير معيّنٍ، فأيّ كلمةٍ يمكن أن تكون مكان المقدّر؟ مع أنَّه لا تعيّن لها في الواقع، وحتّى في علم الله لا واقعيّة لها أبداً، فيمكن أن تحذف أيّ شيءٍ لنضع مكانه كلمةً أُخرى، وإذ كان لا تعيّن لها في الواقع فكأنَّها غير
ــــــ[347]ــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 54.
(2) سورة البقرة، الآية: 166.
(3) سورة يونس، الآية: 54.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
موجودةٍ، فوجود التقدير وعدمه على حدٍّ سواءٍ، فيستقيم من الناحية النحويّة، ولا يستقيم من الناحية الفلسفيّة؛ لأنَّه لا تعيّن له في الواقع.
****
قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ}:
قد يُقال: إنَّ قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} يفيد أنَّ هذا الشخص أشدّ عذاباً ووثاقاً من كلّ المعذّبين والموثّقين، فما السبب في ذلك؟ وهل يُعطى الإنسان إلّا بمقدار استحقاقه؟ مع أنَّ كون العذاب أكثر من الاستحقاق خلاف العدل الإلهي، فما هو الجواب؟
والجواب عنه من وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ هذا متوقّفٌ على عود الضمير في (عذابه) إلى الفرد، أي: لا يعذب الفرد مثل عذابه، فحينئذٍ يرد الإشكال. ولكن إذا كان الضمير يعود إلى الله، أي: لا يعذّب أحدٌ مثل عذاب الله، كما هو فهم المشهور(1) والسيّد الطباطبائي+(2)، فلا مجال للاستشكال حينئذٍ؛ إذ لا يعذّب أحدٌ مثل عذاب الله إطلاقاً، سواء أكان العذاب قليلاً أم كثيراً. والوجه فيه: أنَّ القليل من عذاب الله لا يُقاس بالكثير من عذاب الناس، كما أنَّ الكثير من النعمة من الناس ليس مثل القليل من نعمة الله. فالخير والعذاب كثيرٌ إذا صدر من الله، إذن فلا يعذّب مثل عذاب الله أحد، فينسدّ السؤال. ونفهم من الآية حينئذٍ أمراً أجنبيّاً عن مورد السؤال.
ــــــ[348]ــــــ
(1) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 10: 476، تفسير سورة الفجر، الجامع لأحكام القرآن 21: 56، تفسير سورة الفجر، وغيرها.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 285، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الوجه الثاني: أنَّنا قلنا في غير مورد – وهو معنى مصطادٌ من الروايات(1)-: إنَّ النظر لا يجب أن يكون إلى مقدارِ وحجم الذنب، بل يجب النظر إلى عظمة من يُعصى، فالذنب يكون عصياناً للآمر والناهي اللامتناهي، فيكتسب قبحاً أخلاقيّاً لا متناهياً مهما كان بسيطاً، فتكون جزاء القيمة اللاأخلاقيّة القبيحة اللامتناهية عذاباً لا متناهياً، فلو عذّبني الله على ذنبٍ عذاباً لا متناهياً لما كان بذلك ظالماً، فلينطبق على كلّ أحدٍ أنَّه لا يعذّب عذابه أحدٌ؛ لأنَّ الكلّ مستحقّون بلا استثناءٍ إلّا من رحم الله.
الوجه الثالث: أنَّ هذا يمكن أن يُحمل على إحساس الفرد، ونحن نسمع من كثيرٍ من الناس في حياتنا أنَّه مبتلىً أكثر من غيره، ولا يوجد أحدٌ يماثله في البلاء، مع أنه خاطئٌ. وهذا كما يحصل في الدنيا يمكن أن يحصل في الآخرة، أو يُقال بأنَّ هذه الآية تصدق في الدنيا والآخرة، فيشعر الفرد بأنَّه لا يُعذّب عذابه أحدٌ، ولا يُوثق وثاقه أحدٌ.
الوجه الرابع: أن نفهم من عذابه ووثاقه الجزئي لا الكلّي، فتكون المسألة في غاية الوضوح. وكمثالٍ على ذلك نقول: إنَّ الرزق الذي قسمه الله لك في الماضي أو الحاضر أو المستقبل لن يذهب إلى غيرك، وكذلك الأمر في الخير والشرّ، فالشر الذي يأتي إليك لا يعدوك، والبلاء الذي ينزل عليك لا ينزل على غيرك، فكلّ فردٍ له بلاءٌ خاصٌّ به (البلاء الجزئي)، فالذي ينزل عليَّ لن ينزل عليك.
الوجه الخامس: لو تنزّلنا عن كلّ هذه الوجوه، فلابدّ أن نحصر المسألة
ــــــ[349]ــــــ
(1) راجع الأمالي (للطوسي): 527، المجلس 19، الحديث 1، مكارم الأخلاق: 460، الفصل الخامس، مجموعة ورّام 2: 53، أعلام الدين: 191، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
في أُناس قليلين مستحقّين لهذا النوع من العذاب، فنحمل الآية على أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة. ولذا ورد أنَّ أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة خمس صناديق في الدرك السابع من النار أو سبعة ثلاثة مما قبل الإسلام وثلاثة …. إلى آخر الرواية(1).
فإذا كان هؤلاء مستحقّين للعذاب، فلا غرو أنَّ ذلك موافقٌ للعدل الإلهي، ولا يكون الجزاء حينئذٍ أكبر من الذنب.
لكن الإشكال في ذلك سياق الآية؛ لأنَّ مرجع الضمير في (عذابه) علامَ يعود بعد التنزّل عن كلّ هذه الأجوبة؟ ومن المؤكّد أنَّه يرجع إلى الإنسان، كما تعود الضمائر في الآيات التالية إلى الإنسان نحو قوله تعالى: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ}(2). فقوله: {أَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ} يعود الضمير فيهما إلى الإنسان. ونحوه: {يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي* فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ}(3). وفي الإنسان ثلاثة احتمالات: فإمّا أن نفهم منه مطلق الإنسان، وإمّا أن نفهم منه الإنسان المطلق المتكامل جدّاً، وإمّا أن نفهم منه الإنسان المطلق المتسافل جدّاً. والأظهر من هذه الاحتمالات الثلاثة هو مطلق الإنسان؛ لأنَّ الألف واللام أصلها وظاهرها هو الجنس لا العهد، مع أنَّ المعنى الثاني والثالث (وهما الإنسان المطلق) يتوقّفان على فهم العهد من الألف واللام،
ــــــ[350]ــــــ
(1) راجع ثواب الأعمال: 214، عقاب ابن آدم الذي قتل أخاه …، قصص الأنبياء: 56، الفصل الرابع، وبحار الأنوار 8: 313، الباب 24، الحديث 83.
(2) سورة الفجر، الآية: 15.
(3) سورة الفجر، الآية: 23-26.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وليس الجنس، مع أنَّ الظاهر هو الجنس لا العهد، وعلى هذا الوجه يعمَّ البشرية كلّها (أي: مطلق الإنسان). فإذا استثنى من ذلك الذين هم الأكثر عذاباً، كان من الاستثناء القبيح، وعليه يمكن أن نقول: إنَّ هذا على خلاف سياق القرآن أو على خلاف ظاهر القرآن، وظاهر القرآن حجّةٌ، وكلّما تعارض ظاهر القرآن مع السنّة حتّى لو كانت معتبرةً، فظاهر القرآن هو المقدّم، وما خالف القرآن يضرب عرض الجدار.
فإن قلت: إنَّنا كأُطروحةٍ إذا حملنا الإنسان على الإنسان المطلق، فهل يمكن أن يعذّب أشدّ العذاب بحيث يكون سهمه من العذاب أكثر من كلّ المعذّبين، كما هو ظاهر الآية والمشهور؟ إذن فالإنسان ظاهرٌ في المطلق، وقوله: {لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ} نصٌّ في المطلوب، فيكون هذا قرينةً على نفي الظاهر. فالمراد من الإنسان مطلق الإنسان الذي يستحقّ العذاب الشديد لا الإنسان المطلق.
قلت: يمكن الجواب عن هذا بالبيان التالي: يُلاحظ عدم وجود قرينةٍ تنفي الظاهر من كون المقصود بالإنسان الإنسان المطلق، وهذا ليس تبرّعاً ظاهريّاً، بل قراءةٌ باطنيّةٌ للآية. فأمّا قوله: {يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} فمعناه أنَّ الإنسان المطلق يكون من الكمال بحيث لا يحتاج إلى ذكرى. وأمّا قوله: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} فهو تعبيرٌ آخر عن سقوط الأسباب؛ لأنَّ الإنسان المتكامل لا يرى سبباً إلّا مسبّب الأسباب جلّ جلاله، فحينئذٍ يشعر أنَّه لم يقدّم لحياته شيئاً، فهو أطاع وتاب واستغفر وتكامل، لكنّه يشعر حقيقةً أنَّه لولا حسن العاقبة وحسن التوفيق ورحمة الله وتسديده، لما تكامل وسار في طريق الخير والصلاح؛ فأعمال الإنسان ليس لها وزنٌ لولا رحمة الله. فلا عمل من دون
ــــــ[351]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
رحمةٍ، كما لا رحمة من دون عملٍ، كما نطقت بذلك الروايات(1). والشاهد أنَّ الإنسان حينما ينتفي السبب عنده، يصل إلى مرتبةٍ بحيث يجد الأسباب كلّها بيد الله، ومن جملتها كماله وسيره، فهو لم يقدّم لحياته الحقيقيّة شيئاً.
وأمّا قوله: {فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} فقد ورد في الرواية أنَّ أشدّ الناس بلاءً الأنبياء والمعصومون ثُمَّ الأمثل فالأمثل(2). ومنه بحسب فهمي قول النبي’: >ما أُوذي نبي مثل ما أُوذيت<(3)؛ وذلك لأنَّه خير الأنبياء وسيّد المرسلين وأخلصهم وأكملهم. وعليه كلّما كان الإنسان أكثر كمالاً كان أكثر بلاءً، إذن فالإنسان المتكامل وصاحب الرتبة العالية في الكمال يستحقّ هذه المرتبة، فيكون بلاءه أكثر من بلاء كلّ إنسانٍ. والنتيجة تكون {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}(4).
وممّا ينبغي الإشارة إليه أيضاً هو: أنَّنا لو فهمنا من الإنسان مطلق الإنسان – وهو الفاسق والفاجر والكافر والمستحقّ العذاب، كما عليه
ــــــ[352]ــــــ
(1) راجع ما أفاده المجلسي& في الباب 10 من أبواب المعاد من بحار الأنوار 7: 242-253، الحديث 10، وغيره.
(2) راجع الكافي 2: 252، باب شدّة ابتلاء المؤمن، الحديث 1، التمحيص: 35، الباب 1، الحديث 30، مشكاة الأنوار: 298، الفصل السابع، وسائل الشيعة 3: 262، كتاب الطهارة، أبواب الدفن وما يناسبه، الباب 77، الحديثان 3588-3589، وغيرها.
(3) مناقب آل أبي طالب 3: 247، كشف الغمّة 2: 537، وبحار الأنوار 39: 55، الباب 73.
(4) سورة الفجر، الآيات: 27-30.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
المشهور، وهو الظاهر بحسب اللغة- وتنزّلنا عن الأُطروحات الأُخرى، فيمكن أن نلحظ المقابلة بين قوله: {فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} وبين قوله: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}.
وما أكثر المعاني المتقابلة في القرآن، كما في الثواب والعقاب، والجنّة والنار، فكلّما تعرّض القرآن للنار تعرّض للجنّة، والعكس هو الصحيح، وكلّما تعرّض للفاسقين والكفّار تعرّض للمؤمنين والصالحين، والقرآن في هذه الآيات استخدم ما يسمّى باللغة الحديثة قطبين متقابلين: أحدهما في أقصى الارتفاع والآخر في أقصى الانحطاط، فقدّم الذي هو في أقصى الانحطاط بالذكر بقوله: {لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} على من هو في أقصى الكمال والرفعة بقوله: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}. وليس كلّ تقابلٍ في القرآن من قبيل الأقصى إلى الأقصى، بل قد يكون بين مجمل المؤمنين ومجمل الكافرين، لكن في الآيات التي نحن بصددها هناك تقابلٌ بين الكاملين في النور والكاملين في الظلمة.
وجديرٌ ذكره: أنَّ هذا التقابل عادةً ما يحصل بتقديم الأقصى في الدنوّ على الأقصى في العلوّ، كما في تقديم جهنّم على الجنّة، والكافرين على المؤمنين، والعقاب على الثواب، وليس العكس، إلّا في سورة الواقعة حسب الظاهر؛ إذ قدّم المقرّبين على أصحاب اليمين، وأصحاب اليمين على أصحاب الشمال(1).
وهناك سؤالٌ قد يخطر بالبال، وهو أنَّه لماذا تتقدّم موارد العقاب غالباً على موارد الثواب؟ وبعبارةٍ أُخرى: لماذا يُقدّم التحذير والتوبيخ ويؤخّر
ــــــ[353]ــــــ
(1) راجع سورة الواقعة، الآيات: 88-94.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الثواب؟
وجوابه: أنَّ الأعمّ الأغلب من الناس عصاةٌ بحاجةٍ إلى تنبيهٍ وتقريعٍ وإلفاتٍ وإشعارٍ؛ لعلّهم يتذكّرون ولعلّهم يتفكّرون ولعلّهم يتفقّهون. وهناك مشابهةٌ إلى حدٍّ ما بينه وبين قاعدة أنَّ الهدم قبل البناء على المكان المهدوم، فلابدّ من إزالة البناء السابق حتّى يُبنى البناء الجديد ثابتاً راسخاً صحيحاً، وحينئذٍ يكون التحذير الذي هو بمثابة الكلام السابق مسبّباً إلى هدم السابق وإلى هدم النفس الأمّارة بالسوء وإزالة سوءها، ليُقال لها حينئذٍ: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}.
وكذلك يوجد هنا سؤالٌ يُحسن أن نجيب عنه، وإن كان ليس بهذه الدرجة من الأهمّيّة، ولكنه قد يُكوّن شبهةً في أذهان البعض. وحاصله: أنَّ الآية القائلة: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} واضحةٌ من سياقها في أنَّ النجاة لا تكون إلَّا بأمر الله سبحانه وتعالى، وأمّا أنَّ الإنسان ينجو بنفسه ويحصل على الجنّة بنفسه من قبيل أن يقول: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ}(1) فيظنّ أنَّه كما يؤتى الدنيا على علمٍ من عنده فإنَّه يُؤتى الآخرة على علمٍ من عنده، فذلك واضح البطلان. فإن كنّا ندّعي أنَّ الدنيا قد جاءتنا قائلين: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} مع أنَّ المقصود به المال الدنيوي أو العلم الدنيوي أو أيّ شيء من التسبيبات فهذا وإن كان باطلاً، إلّا أنَّه ليس واضح البطلان. أمّا من ادّعى أنَّ الآخرة حصل عليها على علمٍ من عنده، فذاك من أشدّ الأُمور بطلاناً؛ لأنَّ من الواضح أنَّ ذلك يحصل بفضلٍ من الله سبحانه وتعالى، لا بعمل
ــــــ[354]ــــــ
(1) سورة القصص، الآية: 78.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
عاملٍ. ثُمَّ نصل إلى السؤال الرئيسي القائل: ما هو مؤدّى العمل والطاعات؟ فإذا كان دخول الجنّة أو أيّ شيء بإذن الله، فما معنى الطاعات والعبادات؟
الجواب: أنَّ العمل له عددٌ من الآثار في حقيقة الأمر:
أوّلاً: إنتاج الاستحقاق. ومنه يظهر أنَّ قوله: {ارْجِعِي} لا تُقال لكلّ أحدٍ، وإلّا لدخل الجميع الجنّة، وإنَّما تُقال للمستحقّ، ويُعطى حينئذٍ كلّ واحدٍ بحسب استحقاقه، وهذا يكفي؛ فالعمل ينتج الاستحقاق، والاستحقاق ينتج الأمر الإلهي بإعطاء الثواب.
ثانياً: أنَّ الأمر الإلهي بمنزلة المقتضي، والعمل بمنزلة الشرط الأعمّ من الشرط وعدم المانع (إزالة المانع أو إيجاد الشرط) بمعنى: أنَّ المعطي الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، ولكنّه لا يُعطي جلّ جلاله مع وجود المانع، وهو السوء المركوز في النفس، وإنَّما يعطي النفس الطيّبة النيّرة والقلب الطاهر، لا الماكر الخبيث (والعياذ بالله). فإذن لابدّ من إزالة الخبث وإزالة السوء من النفس، وهو المانع، فإذا زال المانع فإنَّ الله كريمٌ لا بخل في ساحته معطاءٌ دائماً، فالمقتضي موجودٌ دائماً، وإنَّما السوء منّا حين أوجدنا المانع بالعصيان وسوء الاختيار. ولذا يقول: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}(1) بعد أن كان مقتضي دخول الجنّة موجوداً، وإنَّما العجيب الغريب أنَّنا نذهب إلى جهنّم. إذن فالمقتضي -وهو كرم الله ورحمته- موجودٌ، والخلقة الأساسيّة الخيّرة – وهي الفطرة- موجودةٌ أيضاً، لكن علينا أن لا نلطّخ هذه الفطرة ولا نحرفها ولا نغيّرها. فقد ظهر: أنَّ العمل ينتج إيجاد الشرط أو عدم المانع.
ثالثاً: أنَّ العطاء الإلهي يكون ابتداءً، وليس فيه استحقاقٌ، فالمطيع قد
ــــــ[355]ــــــ
(1) سورة المدّثّر، الآية: 42.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
وفّر الله له ظروف الطاعة، على الرغم من أنَّ العمل صدر باختياره، لكنّ الله تعالى هيّأ له المناخ المناسب للطاعة من جميع الجهات إلى حدٍّ سقطت طاعته عن القيمة الأخلاقيّة، فهو سبحانه الذي أعطاني السمع والبصر والمكان والزمان والشمس والقمر وملايين الأسباب، وحتّى العقل الذي أدرك به، والأعضاء التي من خلالها أستطيع أن أعبد الله، والماء الذي أتوضّأ به، والتربة التي أسجد عليها، كلّ هذا من الله تعالى. فإذن لا يبقى شيءٌ معتدٌّ به إلّا توجيه الإرادة، وإلّا ليس هناك شيءٌ آخر، وهذا كافٍ في نفي الاستحقاق؛ لأنَّ هذا متناهٍ في إطاعة ربٍّ لا متناهٍ، ولا نسبة بين المتناهي واللامتناهي، كما أنَّ الأمر بالعكس في إرادة التمرّد على اللامتناهي؛ فإنَّها توجب استحقاق العقاب اللامتناهي. وعلى ذلك فلا طاعة لي استحقّ بها الجنّة، والمعصوم× يعترف بذلك، فضلاً عن غير المعصوم، فتكون النتيجة أنَّ الرجوع في قوله: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} لا يكون إلّا بالأمر الإلهي، والإنسان يثاب بالرحمة الإلهيّة فحسب، وليس للعمل دخلٌ معتدٌّ به إطلاقاً. نعم، هناك رواياتٌ(1) تؤكّد أنَّ النجاة والفوز مقرونٌ بالعمل معه رحمة، لكن مع هذا فالعمل إنَّما هو أيضاً برحمةٍ في مرتبةٍ سابقةٍ، وإلّا لما توفّر لولا الظروف والملابسات.
****
قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}:
(أيّتها) مركّبةٌ من عدّة كلماتٍ هي: الياء وتاء التأنيث وهاء التنبيه،
ــــــ[356]ــــــ
(1) أُنظر: الصحيفة السجّاديّة: 60، الدعاء 10، وراجع الباب 10 من أبواب المعاد من بحار الأنوار 7: 242-253، الحديث 10، وغيره.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
و(أيّها) في اللغة تُستعمل للنداء، لكن في بعض المصادر(1) التي نرجع إليها يُقال: إنَّها حرف اختصاصٍ إذا جاءت وحدها، كقولك: (أنا أفعل الخير أيّها الرجل) و(نحن نفعل الخير أيّها القوم). فكأنَّه قال: (أنا الرجل أفعل الخير)، و(نحن القوم نفعل الخير)، وعليه لا تكون (أيّها) للنداء، فأنت في المثال لا تقصد غيرك، وإنَّما تقصد نفسك، فيصير حرف اختصاصٍ.
ومن جملة الملاحظات على (أيّها) أنَّ مدخولها لا يكون محلّى بالألف واللام بحيث لا تدخل على ما كان فيه ألفٌ ولامٌ، نحو: (يا أيّها الرجل) ولا تقول: (يا أيّها رجل)، ولا يجوز دخولها على ما ليس فيه ألفٌ ولامٌ، سواءٌ أكان نكرةً أو معرفةً، فلا نقول: إنَّ الذي دخل عليه ألفٌ ولامٌ يكون معرفةً، إذن فكلّ معرفةٍ تصح أن تكون مدخول (أيّها)، فلا تستطيع أن تقول: (أيّها زيد) وإن كانت معرفةً. أمّا حرف النداء (يا) فإنَّه على خلاف (أيّها) لا يكون مدخوله إلّا مجرّداً عن الألف واللام، فلا تقول: (يا الرجل) وإنَّما تقول: (يا رجلُ). وإذا أردت أن تنادي لفظاً خالياً من الألف واللام، فلابدّ أن تدخل عليه (يا) فنقول: (يا رجلُ) و(يا زيدٌ). ولو أردت أن تنادي ما هو محلّى بالألف واللام، فإنَّك تضطرّ إلى إدخال (أيّها) قائلاً: (يا أيّها الرجل) ولا تقول: (يا الرجل). إذن أصبحت (أيّها) وسيلةً لتصحيح النداء بالحرف (يا).
فإن قيل: لماذا جَمع بين (الياء) و(أيّتها) مع أنَّ واحداً منهما يكفي؟
نقول: إنَّ واحداً منها لا يكفي؛ لأنَّ (أيّتها) وحدها ليست حرف نداءٍ، وإنَّما هي حرف اختصاصٍ، والظن أنَّها حرف نداءٍ ليس بصحيحٍ. وأمّا (يا) وحدها فلا يمكن استعمالها؛ لأنَّ (النفس) في الآية الشريفة محلّاة بالألف
ــــــ[357]ــــــ
(1) أُنظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 11: 260، تفسير سورة الأحزاب، وغيره.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
واللام، ولا تدخل عليها (يا) مباشرةً، فلا تقول: (يا النفس) فيتعيّن أن يقول: (يا أيّتها النفس).
بقيت ملاحظةٌ نودّ الإشارة إليها، وهي أنَّ (أيّتها) وردت مؤنّثةً، ولم ترد مذكّرةً؛ إذ قال: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ} ولم يقل: (يا أيها النفس). ويظهر لي: أنَّ (أيّتها) إذا دخلت على المؤنّث ففيها اتّجاهان: فإمّا أن نؤنّثها فنقول: (يا أيّتها المرأة)، وإمّا أن نقول: (يا أيّها المرأة) وكلاهما جائزٌ. وأمّا إذا دخلت على المذكّر فيجب تذكيرها فنقول: (يا أيّها الإنسان) و(يا أيّها الرجل).
ويقولون: إنَّ الأولى والأفضل تجريدها عن التأنيث؛ لأنَّ (أيّها) لا تثنّى ولا تجمع، ولا تتّخذ صفة مدخولها، فنقول: (أيّها الرجل، أيّها الرجال، أيّها الرجلان) فإذن ينبغي أن لا تؤنّث ولا تأخذ صفة مدخولها تأنيثاً.
إن قلت: إنَّ هذا أوّل الكلام؛ فقد وردت مؤنّثةً في الآية.
قلنا: إنَّ هذا له جوابان:
الجواب الأوّل: أنَّ المسألة خياريّة، فللمتكلّم أن يؤنّث، وله أن يذكّر. نعم، إنَّها لا تأخذ صفة مدخولها، لكن ذلك ليس ضروريّاً في اللغة، فقد اختار الله هنا التأنيث.
الجواب الثاني: أنَّ هناك قراءةً بالتذكير: (يا أيّها النفس المطمئنّة) وليس {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ}.
وهناك ملاحظةٌ مهمّةٌ في سياق الآية، وهي أنَّ القرآن الكريم اعتبر النفس مؤنّثةً، ولم يعتبرها مذكّرةً، مع أنَّها ليست برجلٍ ولا امرأةٍ؛ لأنَّ الرجل والمرأة إنَّما هو الجسم لا النفس.
ــــــ[358]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فإن قلت: إنَّ نفس المرأة مرأةٌ، ونفس الرجل رجلٌ.
قلنا: نقبل ذلك تنزّلاً، ولكنّه هنا يُراد بها الأعمّ من الرجل والمرأة، لا أنَّه يتعيّن خطاب النفس بالرجوع إلى خصوص الرجل، فيكون (يا أيّتها النفس) مثلاً نفس الرجل، ولا يتعيّن أيضاً الخطاب بنفس المرأة، فلا هذا ولا ذاك، وإنَّما المقصود الأعمّ، والأعمّ من المذكّر والمؤنّث ليس بمؤنّث، فلماذا اعتبر النفس مؤنّثةً؟
الجواب: في الحقيقة هذا تابع لنظامٍ أو قانونٍ لغوي لا أكثر ولا أقلّ، والقرآن يتّبع العرف في كثيرٍ من الأشياء، وهذا منها، والعرف يقول: إنَّ النفس مؤنّثٌ مجازي. وكما نعرف يوجد نوعان من المؤنّث: أحدهما يسمّى بالمؤنّث الحقيقي: كالإنسان والحيوان، والآخر المؤنّث المجازي: كالريح والباب والسبيل ونحوها. وهناك ارتكازٌ عند العرب أنَّ جملةً من الأشياء تعتبرها مؤنّثةً وجملة أُخرى تعتبرها مذكّرة، وهم أيضاً استعملوا كذلك، وفي بعض اللغات يضعون ضميراً ثالثاً للخنثى التي هي لا ذكر ولا أُنثى، وربما ذلك موجودٌ في اللغة الألمانية، وهذا أكثر منطقيّةً ممّا هو موجودٌ في لغة العرب، واللغة العربيّة لم تسر على ذلك. والعرب من حيث كونهم عرباً عندهم ارتكازٌ يقضي بتأنيث عدّةٍ من الأشياء، ونحن يجب أن نتعبّد بما ساروا عليه، والقرآن سار على هذه الطريقة أيضاً. ثُمَّ إنَّ اللغة سماعيّةٌ، فيجب أن نتعبّد بها، والقرآن مشى على اللغة، والحقّ معه. بل هو المتعيّن؛ لأنَّ العرب تؤنّث النفس والروح، والعقل مذكّر وإن كان من سنخ الروح، والضمير أيضاً من سنخ الروح، والإحساس من سنخ الروح، وهي مذكّر. يقول الشاعر:
ــــــ[359]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ
ولا التذكير فخرٌ للهلال(1)
ولا فرق في المقام؛ فالشمس مؤنّثٌ مجازي، والقمر مذكّرٌ مجازي، فلا هذا مؤنّثٌ ولا ذاك مذكّرٌ، وإنَّما التأنيث والتذكير لفظيّان ليس أكثر.
والآن نذهب إلى بابٍ آخر في الآية، وما أكثر أبواب القرآن، فنقول: كيف ترجع النفس إلى ربها في قوله: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} وهو الله، مع العلم أنَّ الرجوع إلى الله لا محصّل له؛ لأنَّ البرهان في علم الكلام قائمٌ على أنَّ الله ليس في مكانٍ ولا في زمانٍ، ولا يصحّ الرجوع له، وإنَّما نسبته إلى مخلوقاته نسبةٌ واحدةٌ، فكيف ينسجم هذا مع قوله: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}؟
وهذا له عدّة أجوبةٍ:
أوّلاً: أن نقدّر مضافاً، فنقول: (ارجعي إلى أمر ربّك)، (ارجعي إلى ثواب ربّك) أو (إلى جنة ربّك)، أو أيّ شيء من هذا القبيل.
وماذا يقصد بالأمر (ارجعي إلى أمر ربّك) فهل هو الأمر التشريعي أم الأمر التكويني؟ ذهب المشهور(2) إلى أنَّ المقصود به الأمر التكويني، فالإنسان لا يموت ولا يُدفن ولا يُحشر باختياره، بل كلّ هذا بأمر الله التكويني: {كُنْ فَيَكُونُ}(3). أو نقول: إنَّه يُراد بالأمر الأمر التشريعي، فكلّنا مأمورون بأن نرجع إلى الأُمور التشريعيّة، أعني: أوامر الله التي يجب امتثالها، وتتمثّل في
ــــــ[360]ــــــ
(1) زهر الآداب وثمر الألباب 2: 403، اللطائف والظرائف: 180، نهاية الأرب في فنون الأدب 5: 135.
(2) أُنظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 347، تفسير سورة الفجر، وغيره.
(3) سورة البقرة، الآية: 117، سورة آل عمران، الآية: 47، سورة النحل، الآية: 40، سورة مريم، الآية: 35، سورة يس، الآية: 82، وسورة غافر، الآية: 68.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الشريعة بأحكامها الظاهريّة والواقعيّة، فيكون معنى (ارجعي إلى أمر ربّك) أي: لا تكن عاصياً، بل ارجع إلى طاعة الله.
ثانياً: أن نقول: ليس المراد بالربّ هو الله، كما قلنا في بحثٍ سابقٍ، وإنَّما يُراد به شيء آخر قصدناه من ربّك غير الله، وليس هناك إشكالٌ من ناحية علم الكلام والمنطق والعقل، والربّ هو الصاحب والمالك والمسيطر، فلنفترض أنَّ الإنسان يرجع إلى روحه العليا البرزخيّة أو اللاهوتيّة أو غيرهما.
نعم، الله هو ربّ العالمين جلّ جلاله، ولكن كأنَّه قال: (ارجعي إلى ربّك الخاصّ بك) وذلك ليس بشركٍ؛ لأنَّنا نحفظ لله ربوبيّته الواقعيّة، فيرجع الإنسان إلى من يخصّه. وأمّا أن أرجع إلى ربّك وترجع إلى ربّي (أي: ترجع إلى روحي وأرجع إلى روحك) فليس بصحيحٍ.
ثالثاً: أن يُراد بالربّ الوجود الدنيوي للإنسان، وكأنَّه قال: (يا أيّتها الروح، ارجعي إلى الجسد، ارجعي إلى عبدي، فادخلي في عبدي) كما على بعض القراءات، وهذا يكون في عدّة مواقف، ولا يكون ذلك لكلّ الناس. وإليك بعض هذه المواقف:
الأوّل: عندما تلج الروح الجنين في الرحم ويكون إنساناً، فكان نباتاً، ثُمَّ أصبح إنساناً، ثُمَّ أصبح حيواناً، ثُمَّ أصبح إنساناً، وقد قالوا: إنَّ الإنسان بدأ جماداً، ثُمَّ عندما ينمو يكون بمنزلة النبات؛ لأنَّ النبات هو الجسم النامي، ثُمَّ يكون حيواناً، أي: متحرّكاً لا عقل له، ثُمَّ يكون له عقلٌ، وهو الإنسان.
الثاني: عندما يحتضر الإنسان يتمنّى الرجوع إلى الدنيا فيقول: {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}(1)، والكثير من الناس لا يُستجاب
ــــــ[361]ــــــ
(1) سورة المؤمنون، الآيتان: 99-100.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
دعائهم {كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}(1) لكن بعض المحتضرين يُستجاب دعائهم؛ لوجود مصلحةٍ أو حكمةٍ، فيحصل بداءٌ في موت هؤلاء، ويرجعون إلى الدنيا، فالرجوع هنا في قوله: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي} هو رجوع الروح إلى العبد؛ لكي يمارس حياته من جديدٍ.
الثالث: عندما تلج الروح في الجسم، ولكن ليس المراد الجسم الدنيوي، بل الجسم المماثل لجسم الدنيا على مبنى المعاد الجسماني، فالإنسان يموت وتنقضي دنياه وينقضي برزخه ويكون على عتبة يوم القيامة، فينفخ في الصور، فتلج الأرواح جميع الأجساد {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} أو (ادخلي في عبدي) أي: واحداً واحداً حتّى يقوموا ليوم القيامة أو يقوموا لربّ العالمين.
فإن قيل: لماذا يُقال لها: ارجعي؟ وهل كانت بعيدةً حتّى ترجع مرّةً أُخرى؟
يظهر: أنَّ هناك سؤالين منفصلين أحدهما عن الآخر، فالأوّل يلحظ أنَّ الله لا ينفصل عن النفس؛ لأنَّ نسبته إلى كلّ مخلوقاته على حدٍّ سواءٍ، ويستحيل عليه البعد، والسؤال الثاني يلحظ النفس بأنَّها هل كانت بعيدةً عن الله؛ لأنَّ الله إذا لم يكن بعيداً عنها فهي أيضاً ليست بعيدةً؟ وإذا استحال على الله أن يكون بعيداً منها، فإذن هي أيضاً يستحيل أن تكون بعيدةً. فما هو الجواب؟
هناك أكثر من جوابٍ:
أوّلاً: أنَّ التفسير الأخير للنفس يصرفها عن هذا الشيء؛ لأنَّنا افترضنا أنَّ الربّ بمعنى الجسم، وحيث كانت منفصلةً عن الجسم وترجع له وتلجه،
ــــــ[362]ــــــ
(1) سورة المؤمنون، الآية: 100.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فيكون طرفها الجسم، وليس الله، وانتهى الحال.
ثانياً: أن يكون ذلك بتقدير مضافٍ: (ارجعي إلى ثواب ربّك) أو (أمر ربّك)، لكن تقدير (ثواب ربّك) أوفق؛ لأنَّ الرجوع إنَّما يكون غالباً لا دائماً، والرجوع يصدق لغةً على كلّ حالٍ، ولكنّه غالباً ما يكون فيما إذا كان الإنسان موجوداً أوّلاً، ثُمَّ يخرج ثُمَّ يرجع، كما يكون التذكّر بعد النسيان. فحينئذٍ نقول كأُطروحة: إنَّ آدم× كان في الجنّة، وهو يمثّل البشريّة، فحينما خرج من الجنّة، فكأنَّما البشريّة كلّها خرجت من الجنّة، أو قل: كأنَّما خرج هو وذرّيته؛ لأنَّه لو بقي في الجنّة لتناسل في الجنّة، فالحقيقة أنَّنا كنّا في الجنّة بوجود آدم×، ثُمَّ خرجنا من الجنّة بخروج آدم×، ثُمَّ نرجع إلى الجنّة، ولكن ليس بوجود آدم×، بل بوجودنا الشخصي الاستقلالي، والمفروض أنَّ الحديث عن الإنسان الصالح في قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ}.
ثالثاً: أنَّ النفس التي هي الروح بمعنىً من المعاني كانت في عالم الرحم أو كانت في العالم الذي يناسب وجودها قبل أن تأتي إلى الدنيا، ثُمَّ ولجت في هذا الجسم، وسجنت في هذا الجسم في الدنيا، كما يقول أبو العلاء المعرّي:
أراني في ثلاثٍ من سجوني
فلا تسأل عن النبأ النبيث
لفقد ناظري ولزوم بيتي
وكون النفس في الجسم الخبيث
والشاهد: أنَّ النفسّ سُجنت في الدنيا، ثُمَّ تحرّرت ورجعت بعد ذلك إلى عالم الأرواح {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}.
ــــــ[363]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
رابعاً: ورد في الروايات(1) ما يسمّى بالحجب والسرادقات، فالله مثلاً محجوبٌ عنّي، والاحتجاب المذكور من طرفي؛ لأنَّ الله تعالى لا يحتجب عن شيءٍ، بل هو أظهر من كلّ شيءٍ، فالحجب من طرفي لا من طرفه، فأنا الذي لا استحقّ أن ينكشف لي الحجاب. ولهذا يقول الشيخ المفيد والصدوق(2): إنَّ السرادقات من خلق الله، لا أنَّ الله موجودٌ في السرادق، وإنَّما خلق الله في السرادق هؤلاء الذين يستحقّون هذه المرتبة، دون ما هو أعلى منها، إذن فالإنسان محجوبٌ، وليس الله محجوباً، وهذا واضحٌ من سياق الكتاب والسنّة.
وحينئذٍ تكون هذا الحجب على قسمين، كلّ واحدٍ من هذين القسمين يصلح أن يكون أُطروحةً في فهم الرجوع؛ لأنَّ الرجوع يقع بارتفاع الحجب، وحيث إنَّ الحجب على قسمين، فالحجب يكون لها شكلان من الارتفاع. ويتمثّل هذان القسمان بالحجب الاختياريّة والحجب غير الاختياريّة (التكوينيّة): أمّا الحجب الاختياريّة فهي عبارةٌ عن الذنوب والمعاصي، ويتمّ الرجوع بالتوبة والاستغفار والإنابة، والله حينما يجد التوبة والإنابة والاستغفار من عبده يتوب عليه؛ فإنَّه سريع الرضا، ويقبل التوبة عن عباده، وإن كان لا ينبغي أن نطمع بكرمه أكثر من الحدّ؛ لأنَّ ذلك يكون مزلّةً للقدم، ولا يكون خوفه زائداً؛ لأنَّه يكون من سوء الظنّ (والعياذ بالله)، بل ينبغي أن
ــــــ[364]ــــــ
(1) راجع باب الحجب والأستار والسرادقات من أبواب كلّيّات أحوال العالم من بحار الأنوار 55: 39-47.
(2) راجع الخصال 2: 401، باب السبعة، الملائكة على سبعة أصنافٍ والحجب سبعةٌ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
يتساوى الطرفان. وأمّا الحجب التكوينيّة التي أرادها الله لهذا الكون بمختلف إشكاله، فهي قد تكون في المطر أو البرق أو السحاب أو الرياح، فتكون كلّ هذه الأُمور حجباً؛ لأنَّنا نلاحظها بعناوينها العرفيّة، ولا ننسبها إلى الله، فالمطر هو المطر، والرياح هي الرياح، فعلى ذلك تكون حجباً وموانع عن الوصول إلى الله. وأشدّ الموانع والحجب هي الغفلة من زاويةٍ أُخرى؛ فقد ذكر الباحثون(1) أنَّ القرآن قسّم النفس إلى ثلاثة أقسامٍ: النفس الأمّارة بالسوء(2) والنفس اللوّامة(3) والنفس المطمئنّة(4)، مع غضّ النظر عن صحّة التقسيم وسقمه.
والنفس الأمّارة بالسوء عبارةٌ عن الشهوات التي لا عقل لها، والنفس في هذه المرتبة تريد إشباع غرائزها على كلّ حالٍ، سواء أكان ذلك من حقٍّ أو باطلٍ، وسواء أكان من مصلحةٍ أو من مفسدةٍ. والنفس المطمئنّة هي الروح العالية التي تدخل الجنّة، وسمّوا النفس اللوّامة بالضمير، ولكنّني أعتقد: أنَّ الضمير لا وجود له بعنوانه التفصيلي، بل هو نتيجةٌ من نتائج العقل، فالنفس اللوّامة هي العقل؛ إذ العقل هو الذي يؤنّب الإنسان ويلومه على الذنب، وهو الذي يطمئنّ ويرتاح عندما يعمل صالحاً، فعقلي ميزان أخلاقي لأعمالي، فبهذه الصفة نسمّيه ضميراً، وإنَّما هو العقل ليس أكثر. فنتج خلافاً للباحثين
ــــــ[365]ــــــ
(1) أُنظر: مفاتيح الغيب 29: 470، تفسير سورة الحديد، لباب التأويل في معاني التنزيل 2: 534، تفسير سورة يوسف، وغيرهما.
(2) إشارةٌ إلى الآية: 53، من سورة يوسف.
(3) إشارةٌ إلى الآية: 2، من سورة القيامة.
(4) إشارة إلى الآية: 27، من سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
المحدّثين أنَّ النفس ثلاث مستويات: أوّلها النفس الأمّارة بالسوء، وهي أدنى المستويات، ثُمَّ العقل، ثُمَّ الروح؛ لأنَّهم في الفلسفة(1) قسّموا العوالم إلى أربعة أقسامٍ: عالم الناسوت الذي هو عالم المادّة، وعالم الملكوت الذي هو عالم النفوس، وعالم الجبروت الذي هو عالم العقول، وعالم اللاهوت الذي هو عالم الأرواح. وعالم الناسوت عالم مادّي لا قيمة له، فتبقى العوالم الثلاثة الأُخرى كلّها للنفس، فحينما نلغي عالم المادّة أو نغضّ النظر عنه يكون عالم الملكوت هو عالم النفس الأمّارة بالسوء التي نأكل ونمشي ونحسّ ونمارس شهواتنا من خلالها، وكلّ ذلك من عمل النفس الملكوتيّة، ثُمَّ العقل الجبروتي الذي هو من سنخ عالم الجبروت، ثُمَّ الروح المحجوبة التي هي من سنخ عالم اللاهوت.
وعلى الرغم من أنَّ الراغب(2) فسّر الرجوع بالعودة إلى المكان الذي بدء منه، فكأنَّ شخصاً خرج من مكانٍ ثُمَّ دخل في نفس المكان، ففي الإمكان أن نفهم من الرجوع مطلق الذهاب وإن لم يكن فيه ما سبق، وأمثلته واضحةٌ. فنقول: إذا مرضت فارجع إلى الطبيب، مع أنَّك ترى الطبيب لأوّل مرّةٍ مثلاً، ونقول: مرجع الأحكام الشرعيّة، مع أنَّك بمجرّد أن تقلّد المرجع لأوّل مرّةٍ صرت ترجع إليه، وجملة من المسائل الأُصوليّة والفقهيّة يكون المرجع فيها مثلاً صحيحة زرارة، ولا يحتاج أن نذهب مراراً وتكراراً قبل ذلك إليها، بل تكفي مرّةً واحدةً لصدق الرجوع. إذن هناك أُطروحتان للرجوع:
ــــــ[366]ــــــ
(1) راجع ما أفاده الملّا هادي السبزواري في شرح المنظومة 2: 290، المقصد الأوّل، الفريدة الثالثة، وغيره.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 193-194، مادّة (رجع).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أحدهما: أن يكون الرجوع بعد بدءٍ سابقٍ.
ثانيها: أن لا يكون بعد بدءٍ سابقٍ.
فإن كان الرجوع بعد بدءٍ سابقٍ، فالوجوه السابقة موجودةٌ لرجوع الروح إلى الجسد، وإذا لم يكن بعد بدءٍ سابقٍ، فقد يكون الأمر كذلك أيضاً، على احتمالاتٍ من قبيل أن يكون دخول الروح في الجنين لأوّل مرّةٍ، وليس لمرّةٍ ثانيةٍ، ورجوع الروح إلى البرزخ وإلى يوم القيامة، ونحوه الكلام في الجنّة؛ فإنَّ الرجوع إليها لأوّل مرّةٍ، وليس لثاني مرّةٍ. وهنا لابدّ أن نطرح أُطروحةً للرجوع حتّى يكون صادقاً بمعنىً منطبقٍ انطباقاً حقيقيّاً، وإلّا فإنَّ الانطباق المجازي لا بأس به. لكن الانطباق الحقيقي لا يتمّ إلَّا إذا فهمنا الأعمّ من الأُطروحة الأُولى والثانية وأنَّ الرجوع في الحقيقة بالوضع اللغوي الأصلي، وإن كان هذا خلاف ظاهر اللغة. ومن جانبٍ آخر ينبغي أن نفهم أنَّ المجازيّة يجب أن تكون واضحةً بالمعنى العرفي؛ وذلك لأنَّه قال: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} فهل هذا الرجوع مكاني أم زماني أم رتبي أم علّي أم شيءٌ آخر؟ نحن نعلم القدر المتيقّن منه؛ لأنَّه ليس من قسم المادّة والمادّيّات والزمان والزمانيّات والمكان والمكانيّات. نعم، قد نسمّيه استعمالاً مجازيّاً أو حقيقيّاً، إلّا أنَّ ذلك بابٌ آخر، ولنا أن نسمّيه ذلك، أو نسمّيه رجوعاً روحيّاً أو معنويّاً أو رجوعاً تكامليّاً أو أيّ شيءٍ من هذا القبيل. ويظهر: أنَّ في قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} نحواً من القضيّة الشرطيّة، والشرط هنا اطمئنان النفس وجزاؤه الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، أي: يا أيّتها النفس، إذا كنت مطمئنّةً ارجعي إلى ربّكِ. والرجوع يحصل إلى ما ينبغي أن ترجع إليه، فإذا كنت ذا نفسٍ مطمئنّةٍ، رجعت إلى الله سبحانه وتعالى، وإذا لم تكن ذا نفسٍ مطمئنّةٍ، فإنَّ الباب حينئذٍ مسدودٌ أمامك للرجوع.
ــــــ[367]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
إذن فالنفس على هذا تكون مطمئنّةً، ثُمَّ ترجع، على خلاف ما فهم(1) المشهور من أنَّ النفس تطمئنّ بالرجوع، أي: تكون مطمئنّةً بعد الرجوع، فالنفس تطمئنّ فترجع، لا ترجع فتطمئنّ. نعم، إذا رجعت زاد اطمئنانها أكثر، ولكنها إذا لم تكن مطمئنّةً فالباب مسدودٌ أمامها؛ لأنَّ القضيّة شرطيّةٌ: إذا انتفى الشرط انتفى الجزاء، كما إذا انتفت العلّة انتفى المعلول، وهذا يعني: أنَّها إن لم تكن مطمئنّةً لم يكن لها الرجوع إلى بارئها.
قال الراغب: الطمأنينة والاطمئنان: السكون بعد الانزعاج. قال تعالى: {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ}(2). (والظاهر: أنَّ الطُمأنينة بالضمّ لا بالفتح، خلافاً لما هو المشهور)، {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}(3)، {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ}(4) وهي أن لا تصير أمّارةً بالسوء. (والراغب يرى أنَّ الروح لا تكون أمّارةً بالسوء، بل النفس هي التي تكون أمّارة بالسوء). وقال تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(5) تنبيهاً أنَّ بمعرفته تعالى والإكثار من عبادته يكتسب اطمئنان النفس المسؤول بقوله: {لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}(6) وقوله: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}(7) وقال: {فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ}(8)،
ــــــ[368]ــــــ
(1) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 121-123، تفسير سورة الفجر، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 346-348، تفسير سورة الفجر، وغيرهما.
(2) سورة الأنفال، الآية: 10.
(3) سورة البقرة، الآية: 260.
(4) سورة الفجر، الآية: 27.
(5) سورة الرعد، الآية: 28.
(6) سورة البقرة، الآية: 260.
(7) سورة النحل، الآية: 106.
(8) سورة النساء، الآية: 103.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
{وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا}(1). واطمئنّ وتطامن يتقاربان لفظاً ومعنىً(2).
أقول: الاطمئنان هو السكون، والمطمئنّ هو الساكن في مقابل المتحرّك، فالساكن ضدّ المتحرك، والساكن والمطمئن لفظان مترادفان، وحينئذٍ نقول: إنَّ للإنسان عدّة وجوداتٍ أو ملكاتٍ أو عوالم كلّها متحقّقةٌ فعلاً، فجسمه متحقّقٌ، وعقله متحقّقٌ، ونفسه متحقّقةٌ، ولكلّ وجودٍ من هذه الوجودات حركةٌ وسكونٌ، غاية الأمر أنَّ الحركة مادّيّةٌ، ومقابلها سكونٌ مادّي. ولا يُقال عادةً في اللغة: إنَّ هذا الحجر مطمئنٌ للدلالة على سكونه وثباته، بدعوى أنَّ الاطمئنان مرادفٌ للسكون. ولا يُقال أيضاً: إنَّ الجسم الإنساني أو الحيواني مطمئّنٌ من حيث كونه مادّةً، ويُشار بذلك إلى سكونه وثباته؛ بل اللغة والعرف يستعملان الاطمئنان في السكون المعنوي، وليس في السكون المادّي؛ لأنَّ كلّ العوالم التي ذكرتها لها حركةٌ، فالنفس مثلاً لها حركة، ولكنّها ليست مادّيّةً، وإنَّما حركةٌ على مستوى عالمها الخاصّ من قبيل الرغبات والشكوك التي تعمل في النفس. والقلب له حركةٌ كدرجات الحبّ والبغض ونحو ذلك، والقلب إنَّما هو بيت العواطف. والعقل كذلك له حركةٌ، فهو يتحرّك من المجهول إلى المعلوم، وكما في علم المنطق فإنَّ للعقل حركةً، وهذه واحدةٌ من حركاته. والروح اللاهوتيّة لها حركةٌ بشكلٍ لا نفهمه ولا نعلمه، وهي من الأسرار الخفيّة.
والشاهد: أنَّ لكلّ حركةٍ في أيٍّ من هذه العوالم سكوناً يُنتج الاطمئنان والاستقرار والهدوء؛ لأنَّ الحركة تمثّل التعب والانزعاج والصعوبة. ولذا
ــــــ[369]ــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 7.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 317، مادّة (طمن).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
يُقال: فيها انزعاجٌ، بل حركةٌ روحيّةٌ مكروهةٌ لمن يشعر بها تسمّى انزعاجاً، وفي مقابلها الثبات والسكون والاطمئنان. والقرآن بدوره وزّع الاطمئنانات على هذه الملكات النفسيّة دون الجسد.
وقد تقدّم: أنَّ هذا الاستعمال لا يصحّ في المادّة، وإنَّما هي استعمالاتٌ معنويّةٌ تُطلق حينما تسكن الروح أو أيّ ملكةٍ معنويّةٍ في الإنسان، وعليه فهو اطمئنانٌ واستقرارٌ. ولذا ورد(1) أنَّ ما ثبت في قلبك فهو حقٌّ، وما حاك في صدرك فهو باطلٌ، فكأنَّما الشكّ يمثّل الحركة التي في الصدر، فليس هناك يقينٌ. والثبات إمّا اطمئنان النفس الأمّارة بالسوء، فيكون كما عبر القرآن بقوله: {رَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا}(2)؛ وذلك لأنَّ الحياة الدنيا هي التي تلبّي رغبات وأهداف النفس الأمّارة بالسوء.
وما يخصّ اطمئنان القلب فقد ذكر مكرّراً في القرآن، كما في قوله: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}(3) وقوله: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}(4) وقوله: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(5) ولم يقل: تطمئنّ النفوس. وفيما يتعلّق بالعقل فإنَّ القرآن لم ينسب الاطمئنان إلى العقل؛ لأنَّ العرف لا يدرك المعنى المنطقي
ــــــ[370]ــــــ
(1) راجع تفسير ابن كثير 1: 548، تفسير سورة البقرة، جواهر الحسان في تفسير القرآن 2: 340، تفسير سورة المائدة، الدرّ المنثور في تفسير المأثور 2: 255، الكشف والبيان عن تفسير القرآن 4: 11، سورة المائدة، وغيرها.
(2) سورة يونس، الآية: 7.
(3) سورة البقرة، الآية: 260.
(4) سورة النحل، الآية: 106.
(5) سورة الرعد، الآية: 28.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الذي يذكره المناطقة، فلا يتصوّر العرف أنَّ للعقل حركةً وسكوناً، مع أنَّ الحركة ما يكون بالمقدّمات والسكون بالنتيجة، فالإنسان يطمئنّ ويفرح حينما يحلّ مجهولاً ويصل إلى المعلوم فيه.
ولكن اطمئنان النفس اللاهوتيّة موجودٌ بعنوان النفس التي هي من أمر الله أو أيّ شيء آخر {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ}؛ لأنَّ أحد اصطلاحات النفس هو كيان الإنسان الروحي أو المعنوي برمّته، إذن النفس المطمئنة تمثّل أحد مراتب الكيان الروحي بمعنى: أحد مراتب النفس التي ترجع إلى بارئها جلّ جلاله بأيّ معنىً من معاني الرجوع. وبات واضحاً أنَّ هذا الاطمئنان الموجود في النفس حصّةٌ من حصص الاطمئنان، فحصّةٌ ترتبط بالعقل، وحصّةٌ ترتبط بالنفس الأمّارة بالسوء، وحصّةٌ ترتبط بالروح العليا اللاهوتيّة.
وهناك سؤالٌ يستدعي أن نقف عنده، وهو سرّ الاطمئنان الذي تتوفّر عليه النفس، وهل هناك فرقٌ في كونها ترجع وهي مطمئنّةٌ أو غير مطمئنةٍ؟ ففي كلّ الأحوال ترجع إلى ربّها. وفي جواب ذلك عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: ما ذكره الراغب(1) من: أنَّ اطمئنانها يعني: أنَّها لا تغدو أمّارةً بالسوء، بعد أن كانت كذلك، فتظلّ تأمر العبد بالطاعات والصلاح، فعندما ترغب نفسه في صلاة الليل فإنَّ تلك الرغبة ناتجةٌ عن قناعةٍ حقيقيّةٍ في أنَّ هذا هو الأصلح لها وأنَّ الدنيا ليست بأصلح، فهي تريد الآخرة، وتأمر صاحبها بصلاة الليل، كما كانت تأمره بشرب الخمر مثلاً.
ــــــ[371]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 317، مادّة (طمن).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الثانية: أنَّها تطمئنّ بحسن الظنّ بالله سبحانه وتعالى وسعة رحمته، فتُقدّم رحمته على غضبه؛ اعتقاداً منها أنَّه سوف يحاسبها بيسرٍ ورحمةٍ، وأصحاب هذه النفوس لا يخافون سوء الحساب؛ اطمئناناً برحمة الله سبحانه وتعالى وبحسن الظنّ فيه. وقد ورد(1) أنَّه إذا أحسن العبد الظنّ بالله فالله تعالى عند حسن ظنّ عبده.
الثالثة: أنَّ النفس تطمئنّ بدخول الجنّة؛ لأنَّها حينما تقف على باب الجنّة لا تعلم ماذا يُراد بها إلى النار تذهب أم إلى الجنّة؟ فعندما تدخل الجنة وتعلم أنَّ الجنّة لا يمكن الخروج منها، تطمئنّ بمجرّد الدخول. ولكن هذا خلاف ظاهر الآية، وهي أنَّها تصبح مطمئنّةً، ثُمَّ تحصل على الثواب، لا أنَّها تصبح مطمئنّةً بسبب الثواب؛ فهذا اطمئنانٌ متأخّرٌ عن الثواب، وظاهر الآية أنَّ الاطمئنان متقدّمٌ على الثواب وشرطٌ لحصوله.
الرابعة: ما فهمه الطباطبائي+ في >الميزان<(2) من: أنَّها راضيةٌ بقضاء الله وقدره؛ بقرينة قوله تعالى: {رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} فكأنَّ إحدى هاتين الآيتين قرينةٌ متّصلةٌ على الأُخرى.
ويرد عليه: أنَّ هذا يلزم منه تكرار المعنى، فمطمئنّةٌ معناها: أنَّها راضيةٌ بالقضاء والقدر، وراضيةٌ معناها أيضاً: أنَّها راضيةٌ بالقضاء والقدر، وهذا تكرارٌ لا فائدة منه، بل هو لغوٌ، ومعنى ذلك: أنَّ هذا بمنزلة القرينة القطعيّة على أنَّ المراد من (راضية) غير ما هو المراد من (مطمئنّة) ولا يُحتمل رجوع (مطمئنّة) إلى (راضية) ولا بالعكس.
ــــــ[372]ــــــ
(1) راجع باب وجوب حسن الظنّ بالله وتحريم سوء الظنّ به من أبواب جهاد النفس من وسائل الشيعة 15: 229-232.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 285، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الخامسة: أنَّ الإنسان قد يطمئنّ بعمله بأنَّه أدّى ما عليه من حقّ الله من الواجبات والمستحبّات وترك المحرّمات وقسمٍ من المكروهات ونحو ذلك، فيشعر بأنَّ الله لا يريد منه أكثر من ذلك {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ}(1) فهو مؤمنٌ شاكرٌ مطمئنٌّ بعمله، فإن كان كذلك فالله يتوب عليه ويدخله الجنّة؛ لأنَّه أدّى حقّ الشريعة وأطاع الله حقّ طاعته. وفي الحقيقة أنَّ العبد إذا كان بهذه الدرجة من التفكير، فإنَّ الله عند حسن ظنّ عبده به، فيدخله الجنّة {وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ}(2). وأمّا إذا كان الإنسان يعتبر تقديمه العمل غرماً أمام الله سبحانه وتعالى، فالمعصومون^ يقولون بأنَّه ليس لنا عملٌ ندخل به الجنّة، بل يقدّمون سيّئاتهم أمام الله، لا أنَّهم يقدّمون حسناتهم، فإذا كان على هذا المستوى فيعامله الله على مستواه هذا، وكلّ واحدٍ منّا يعامله الله حسب مستواه اللائق به.
السادسة: أنَّ النفس تطمئنّ في يوم القيامة قبل دخولها الجنّة؛ إذ تطمئنّ بأنَّها لا تدخل النار، وهذا المعنى موافقٌ لظاهر الآية؛ إذ تطمئنّ فتدخل الجنّة، أي: تطمئنّ بعدم العذاب وعدم دخولها جهنّم. فبعد الحشر والحساب يغفر لهم ويرحمون، فيطمئنّون بدخولهم الجنّة.
السابعة: أنَّنا لا ينبغي أن نكون مادّيّين؛ لأنَّه يجب أن نلتفت إلى مضمون الخبر(3) الذي يقول: إنَّه إذا استقرّ أهل الجنّة في الجنّة واستقرّ أهل
ــــــ[373]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 147.
(2) سورة يس، الآية: 57.
(3) راجع تفسير العيّاشي 2: 96، سورة البراءة، الحديث 88، وبحار الأنوار 8: 140، أبواب المعاد، الباب 23، الحديث 57.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
النار في النار، يأتي النداء إلى أهل الجنة. أنَّ هذا لكم ولكم ما هو خيرٌ منه، وهو رضاي عنكم، ويأتي النداء إلى أهل النار: أنَّ هذا عليكم ولكم شرّ منه، وهو غضبي. فنحن نفهم: أنَّ نار جهنّم هي أشدّ العذاب، والحال أنَّ غضب الله أشدّ من جهنّم، وكذلك رضا الله أفضل من الجنّة. فالإنسان الذي يغفر الله له يوم القيامة تارةً يكون مستواه متدنّياً، فيقول: الحمد لله، أنا لا أدخل جهنّم، وإنَّما أدخل الجنّة، وتارةً أُخرى يأمن غضب الله سبحانه وتعالى وتطمئنّ نفسه برحمته المقابلة للغضب، فيقول: إنَّ استحقاقي هو الغضب، ولكن الله جلّ جلاله رحمني وصرف عنّي غضبه، فاطمأنَّت نفسي، فدخلت الجنّة.
الثامنة: أنَّ اصطلاح النفس المطمئنّة اصطلاحٌ لما سمّيته الروح العليا (وهذا له درجةٌ من السرّ) والروح اللاهوتيّة للإنسان، فهذه الروح أيضاً لها حركةٌ واطمئنانٌ. أمّا حركتها واطمئنانها بأيّ معنىً كان فهذا ممّا لا نعلمه، فإذا أصبحت مطمئنّةً رجعت إلى بارئها، وهذا الجزء من البشر هو الذي يرجع إلى الله سبحانه وتعالى رجوعاً معنويّاً لا كلّ الأجزاء؛ إذ الأجزاء كلّها بمنزلة التراب يتركه الإنسان ويذهب.
بقيت مجموعةٌ من الأُطروحات التي تتناسب مع الاطمئنان العقلي؛ لأنَّ ما تقدّم من الأُطروحات تخصّ الاطمئنان النفسي، والمراد بالاطمئنان العقلي اليقين والعلم والوثوق والاطمئنان العرفي أو العلم العرفي، وهو انطباع صورة الشيء في العقل وهو حقٌّ، وليس بباطلٍ؛ إذ لو كان باطلاً لعاد وهماً، ولا يثبت في العقل الحقيقي.
فإذا كان المراد هو الاطمئنان العقلي، فيحتاج إلى متعلّقٍ، فكما أنَّ الاطمئنان النفسي يحصل برحمةٍ أو عفوٍ أو طاعاتٍ، فكذلك الاطمئنان العقلي يحتاج إلى
ــــــ[374]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
متعلّقٍ، فإذا كان يطمئنّ بفكرةٍ مّا، فما هي تلك الفكرة؟ في الحقيقة حينما يكون الإنسان صالحاً يصبح عقله مطمئنّاً بما هو حقٌّ ومطمئنٌّ ببطلان ما هو باطلٌ، سواء أكان في أُصول الدين: كتوحيد الله وعدله والنبوّة والإمامة، أم في فروع الدين، أم أيّ شيءٍ آخر، كما لو كان قد رأى البرزخ؛ لأنَّ المفروض أنَّه مات فرأى البرزخ ورأى المحشر ونحو ذلك من الأُمور المحجوبة عن أهل الدنيا، فيكون هذا إدراكاً عقليّاً جديداً يطمئنّ الإنسان له. فلو كان مثلاً في شكٍّ في الدنيا (والعياذ بالله) فعندما يذهب إلى الآخرة يقول: (هذا ما وعد الرحمن) و(هذا ما كنت أشكّ فيه)، والمهمّ أنَّ الاطمئنان العقلي له مثل هذه الأُطروحات.
وتوجد هناك أُطروحةٌ للاطمئنان أستطيع أن أُسمّيها أُطروحةً شاذّةً، وهي ناشئةٌ من كلام الشيخ الراغب(1)؛ لأنَّه يقول: اطمئنّ وتطامن يتقاربان لفظاً ومعنىً، وهذا الكلام يعني: أنَّنا عندما نقول: (يا أيّتها النفس المطمئنّة) فكأنَّما قلنا: (يا أيّتها النفس المتطامنة) وهو معنى الترادف أو التقارب. والسؤال ماذا نفهم من (تطامن)؟
ما أفهمه من التطامن: أنَّه التدنّي بعد الارتفاع، فتطامن أي: تنازل وتدنّى، وهو ملازمٌ أحياناً مع الهدوء والسكون بعد هياجٍ؛ لأنَّ الهياج فيه ارتفاعٌ، فإذا فهمنا التطامن بعد الهياج والحركة فهو الاطمئنان بالمعنى السابق، وليس معنىً جديداً. أمّا إذا فهمنا التطامن على أنَّه التنازل بعد ارتفاعٍ والتدنّي بعد صعودٍ، فيكون المعنى: أنَّ الإنسان المؤمن متطامنٌ من كلّ أسباب الدنيا، متطامنٌ من ناحية الشهوة، ومتطامنٌ من ناحية الطمع والشهرة، ومتطامنٌ من ناحية أهدافه الدنيويّة، فهو متطامنٌ من كلّ شيءٍ، ولا يأمل في الدنيا خيراً ولا
ــــــ[375]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 307، مادّة (طمن).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
شرّاً. وهو يعرف أنَّ أهل الدنيا قد تركوا مأدبةً قد دعاهم الله إليها، فيها من النعم ما تلذّ الأنفس، واشتغلوا بجيفةٍ قد أُفتضحوا بأكلها. إذن فهو متطامنٌ عن الدنيا، ولربّما متطامنٌ عن الآخرة؛ لأنَّ الدنيا والآخرة حرامٌ على أهل الله. وكما قيل: أنت ذهبت إلى بيت الله، وأنا أذهب إلى الله، أي: إلى صاحب البيت. فقوله: (يا أيّتها النفس المتطامنة) أي: التاركة للدنيا وحبّها وشهواتها، ارجعي إلى ربّك راضيةً مرضيّةً.
ثُمَّ إنَّ قوله: (راضيةً) يحتاج إلى متعلّقٍ؛ لأنَّها راضيةٌ عن أيّ شيءٍ؟ وبأيّ شيءٍ؟ فإنَّما يرضى الإنسان عن وضعه الاجتماعي مثلاً أو عن وضعه العلمي، فمتعلّق الرضا هنا محذوفٌ، وحذف المتعلّق هنا فيه مصلحةٌ منتجةٌ لعدّة أُمورٍ:
الأوّل: إضفاء الهيبة والأهمّيّة عن رضاء هذا المؤمن على أنَّ رضاه شيءٌ مهمٌّ وجليلٌ، وهذا ليس بزعم المؤمن، وإنَّما الله يصفه بأنَّه مهمٌّ، وما أحسن ذلك! فإنَّ الإنسان إذا زعم لنفسه أنَّه مهمٌّ، فقد يختلف الكثير في ذلك، ولكن الله إذا وصف شخصاً مّا بأنَّه حسنٌ، فذلك فضلٌ من الله تعالى.
الثاني: زيادة المدح لهذه النفس في أنَّ رضاها ليس رضاً عاديّاً، بل هو رضا أكثر من المتصوّر وأكثر من المعقول حتّى تكون مستحقّةً لما يؤتيها الله سبحانه وتعالى.
الثالث: التعميم لكلّ شيءٍ تكرهه، فكلّ شيءٍ تكرهه النفس فهي راضيةٌ عنه، فالتعميم هنا لكلّ مّا هو مكروهٌ وصعبٌ وشديدٌ، فهي راضيةٌ بالغنى والفقر على حدٍّ سواءٍ. وبعبارةٍ أُخرى: هي راضيةٌ بأفعال الله سبحانه وتعالى. والتقدير هنا يدور أمره بين أمرين: إمّا رضا بالمخلوق بكلّ شيءٍ، وإمّا الرضا بالخالق، ومعناه رضا النفس بالله سبحانه وتعالى. وما أجمل وأفضل أن تعني النفس بالخالق دون المخلوق، كما في الأثر القائل: (صانع وجهاً واحداً
ــــــ[376]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
يكفك الوجوه كلّها) (1). فإذا دار الأمر بين أن نقدّر الخالق أو نقدّر المخلوق – أي: نقدّر الله أو نقدّر أفعال الله التي هي المخلوقات- فإنَّ النفس راضيةٌ عن الله طبقاً لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(2).
والسيّد الطباطبائي+ حينما فسّر الاطمئنان بأنَّه الرضا بقدر الله وقضائه- على أنَّ السيّد الطباطبائي+ يتكلّم بما يناسب حاله، فأشار إلى حصّةٍ واحدةٍ من الرضا، وهي الرضا بقضاء الله، أي: بالخلق، ولم يذكر الحصّة الأُخرى، وهي الرضا بالخالق- وفسّر (راضية) بالرضا بقدر الله وقضائه(3)، لم يلتفت إلى وجود حصّةٍ أُخرى للرضا، وهي أنَّ الرضا قد يتعلّق بالمخلوق، وقد يتعلّق بالخالق، وهو قد ذكر حصة تعلّقه بالمخلوق، وهذا ليس فرداً منحصراً، بل له حصّةٌ أُخرى غيرها.
أمّا قوله: {مرضية} فهي اسم مفعولٍ، وما ينبغي ادراكه هنا هو أنَّ اسم المفعول بمنزلة الفعل المبني للمجهول، واسم الفاعل بمنزلة الفعل المبني للمعلوم، وهذا ينبغي أن يكون معلوماً. وعليه فمعنى (مرضيّة) يكون رُضي عنها، وحينئذٍ نتساءل: ما هو الفاعل هنا إذا بدّلنا صيغة المبني للمجهول إلى صيغة المبني للمعلوم؟ وبعبارةٍ أُخرى: من الذي يرضى عن النفس؟ هناك عدّة أُطروحات يجمعها أيضاً رضا الخالق ورضا المخلوق. وربما الكثير من
ــــــ[377]ــــــ
(1) مجموعة ورّام 2: 113.
(2) سورة المائدة، الآية: 54.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 285-286، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
المتشرّعة يكتفون برضا المخلوق كرضا أحد الأئمّة^ مثلاً، ولكن الخالق في كفّةٍ والمخلوق في كفّةٍ أُخرى. وإذا دار الأمر بينهما، فالخالق هو المقدّم، وليس المخلوق، أي: مرضيّةً لله سبحانه وتعالى، فيكون قوله: {رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} بمعنى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}(1).
والراضي (أي: الفاعل) له أُطروحتان:
الأُولى: أن يكون الراضي هو الوجودات العالية من قبيل: وجودات المعصومين أو الملائكة العالين: كجبرائيل×.
الثانية: أن يكون الراضي هو الله سبحانه وتعالى، على أنَّ هناك وجهين لتفضيل الله على خلقه في هذا الباب هما:
الأوّل: إذا دار الأمر بين الله وبين خلقه، فالله هو المقدّم على كلّ حالٍ، ونسبة أيّ شيءٍ إلى الله أولى من نسبته إلى الخلق، فإذا دار الأمر بين رضا الله ورضا المعصومين^ فرضا الله أولى بالتقدّم.
الثاني: أنَّ رضا الخلق مهما كان عالياً أو متعالياً هو من رضا الله سبحانه وتعالى، فلا يرضون إلّا عمّن رضي الله عنه، ولا يسخطون إلَّا على من سخط الله عليه، ولا استقلاليّة لرضاهم عن رضا الله. ويدلّ على ذلك كثيرٌ من آيات الذكر الحكيم كقوله تعالى: {لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى}(2)، أي: رضيه الله أوّلاً، ثُمَّ يحقّ لهم أن يشفعوا له بالمرتبة الثانية، أو المراد أنَّه ارتضى الشفاعة (بإضافة المفعول، وهو الشفاعة) بمعنى: إجازة من رضي الله شفاعته بالشفاعة.
ــــــ[378]ــــــ
(1) سورة المائدة، الآية: 54.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 28.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ونحوه الكلام في قوله تعالى: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا}(1) وقوله: {لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(2). إذن فرضاهم هو رضا الله >رضا الله رضانا أهل البيت: نصبر على بلائه، ويوفّينا أُجور الصابرين<(3). فلا يرضون إلّا عمّن رضيه الله، فالأساس إذن هو رضا الله سبحانه وتعالى.
****
قوله تعالى: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي}:
عرفنا أنَّ في ذلك قراءتين وهما: (عبادي) و(عبدي)، فإن قرأناها بدون ألفٍ، أي: (عبدي) فيكون الخطاب خطاباً تكوينيّاً للروح بأن تلج في العبد، فهي روحٌ واحدةٌ تلج جسداً واحداً، ويكون المراد من العبد هنا هو الجسد، وليس الروح، وهذا جهلٌ من صاحب تلك القراءة؛ لأن الإنسان حقيقةً متمثّلٌ بالروح لا بالجسد، فإذا مات زيدٌ ودُفن في القبر، فإنَّ حقيقته في البرزخ، وليس في القبر؛ لأنَّ القبر يضمُّ جسداً يُبلى بمرور الزمن، وتبقى الروح تمثّل حقيقة الإنسان، فالتعبير إذن بعبدي عن الجسد غير صحيحٍ؛ فإنَّ الجسد ليس هو الإنسان حقيقةً، وهذا إشكالٌ على القراءة.
أمّا إذا قرأنا بالجمع أو بالألف (فادخلي في عبادي) فيكون للآية أحد
ــــــ[379]ــــــ
(1) سورة النبأ، الآية: 38.
(2) سورة التحريم، الآية: 6.
(3) اللهوف في قتلى الطفوف: 60، المسلك الأوّل، كشف الغمّة 2: 29، مثير الأحزان: 41، وبحار الأنوار 44: 366، أبواب ما يختصّ بتاريخ الحسين بن علي (صلوات الله عليهما)، الباب 37.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
تفسيرين، مع أنَّ لها في الحقيقة عدّة تفاسير، ولكن ما يمكن الإشارة إليه في المقام تفسيران مع ستر الأسرار الإلهيّة وترك التفاسير الأُخرى:
التفسير الأوّل: وهو المشهور(1) الذي لا يمكن أن نتجاوزه، وهو أنَّ قوله: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} مفاده: ادخلي بين عبادي أو مع عبادي؛ لأنَّ هناك مرتبةً يُطلق عليها مقام العبوديّة لله، ولا يصل إلى تلك المرتبة إلّا من محض العبوديّة لله، حتّى أنَّ رسول الله’ اختاره الله عبداً قبل أن يختاره رسولاً نبيّاً، فلذا تُقدّم صفة العبوديّة، فنقول: عبده ورسوله جاء بالحقّ من عنده وصدّق المرسلين(2). فالمهمّ أنَّ العبوديّة صفةٌ عاليةٌ جدّاً وكمالٌ رفيعٌ وتمحّضٌ في الله سبحانه وتعالى، وهذا الصنف من العباد يجتمعون في مستوىً واحدٍ في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ، كما أشار القرآن إلى ذلك(3). والوجه فيه: أنَّ العبد عندما يموت يلتحق بعالم الآخرة، فإذا كان ممن تمحّض في العبوديّة لله، فإنَّه يلتحق بالعالم الأعلى (ادخلي في عبادي)، فإذا وُجد هناك مثلاً ألف عبدٍ، فإنَّه يُضاف إلى ذلك العدد، فيرونه ويسألونه عن الأحياء الموجودين، فإذا كان واحداً من هؤلاء على قيد الحياة يحمدون الله على ذلك، وإن قال لهم: إنَّه مات تأسّفوا لعدم وصوله إليهم وإلى مقامهم.
التفسير الثاني: أن يكون الخطاب خاصّاً بالمعصومين^ فقوله: {يَا
ــــــ[380]ــــــ
(1) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 10: 477، تفسير سورة الفجر، الجامع لأحكام القرآن 21: 59، تفسير سورة الفجر، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 346، تفسير سورة الفجر، وغيرها.
(2) إشارةٌ إلى الآية: 37 من سورة الصافّات.
(3) إشارةٌ إلى الآية: 55 من سورة القمر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} خاصٌّ بالمعصومين الأربعة عشر^ وقوله: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} أمر بدخول نفس المعصوم -بالذات لا بالعرض- في نفس العبد. وهذا ليس عبثاً بعد ضمّ مقدّمتين: الأُولى: أنَّ معنى العبوديّة يتجسّد في أنَّ الإنسان إذا بلغ درجةً عاليةً من الكمال واعترف وأذعن وخضع للعبوديّة الكاملة، فحينئذٍ تأتي المقدّمة الثانية، وهو أنَّ نفسه وعطاءه وكماله ونوره إنَّما هو من المعصومين^، فيكونون أوليائه بالمباشرة.
نعم، عطاؤه من الله، والمعصومون^ أيضاً يقولون: إنَّ عطاءه من الله، وإنَّما النظر هنا إلى السبب، وهم أبواب الله وطرقه، فكلّ عطاءٍ ينزل إلى أيّ خلقٍ فإنَّه يمرّ بالمعصومين، ومنهم تصدر أوامر الله، كما مرّ غير مرّةٍ، فعلى ذلك تكون نفس العبد الخالص المخلص قائمةً ودائمةً بالأئمة^، فيكون نفس المعصوم× داخلةً في نفس العبد؛ لأنَّ أثرها وعطاءها موجودٌ في نفس العبد، وهو أحد الوجوه في تفسير قوله× في الزيارة: >أنفسكم في النفوس<(1). وهذا منه، أي: قوله: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} على القراءتين. فأمّا على قراءة (أدخلي في عبدي) فيكون المعنى: (ادخلي في عبدي الذي محض العبوديّة). وأمّا على قراءة (عبادي) فيكون المعنى: (ادخلي في مجموع من محض العبوديّة لله)، فكأنَّه قال: يا نفس المعصوم، ادخلي في الإنسان؛ لكي تعطيه الكمال والعطاء والنور
ــــــ[381]ــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 2: 615، زيارةٌ جامعةٌ لجميع الأئمّة×، الحديث 3213، تهذيب الأحكام 6: 99، باب زيارة جامعة لسائر المشاهد، الحديث 1، وعيون أخبار الرضا× 2: 276، زيارةٌ أُخرى جامعةٌ للرضا علي بن موسى× ولجميع الأئمّة^.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والمعرفة ونحو ذلك، وهذا ما يحصل في الدنيا لا في الآخرة؛ لأنَّ دائرة التكامل مفتوحةٌ في الدنيا لا في الآخرة؛ إذ هنا عملٌ ولا حسابٌ، وهناك حسابٌ ولا عملٌ، كما سبق بيانه.
****
قوله تعالى: {وَادْخُلِي جَنَّتِي}:
أنا كرّرت أكثر من مرّةٍ: أنَّ الجنّة جنّتان أو مستويان أو حصّتان: حصّةٌ لأصحاب اليمين وحصّةٌ للمقرّبين، وهو ظاهر سورة الواقعة(1)، وهما من سنخين ونوعين مختلفين، لا يُحتمل تداخلهما بأيّ شكلٍ من الأشكال. وهنا حينما تُنسب الجنّة إلى الله، كما في هذه الآية {وَادْخُلِي جَنَّتِي} فمعنى ذلك أنَّ المراد منها الجنّة العالية، وهي جنّة المقرّبين، لا جنّة أصحاب اليمين؛ لأنَّ جنّة أصحاب اليمين أقلّ وأدنى شرفاً من أن تُنسب إلى الله سبحانه وتعالى، كما أشار إلى ذلك السيّد الطباطبائي+(2)؛ إذ إنَّ إضافتها إلى ياء المتكلّم في قوله: {جَنَّتِي} تشريفٌ وتعظيمٌ، ولا يستحقّ التشريف والتعظيم مطلق الجنّة، وإنَّما الجنّة العالية جدّاً، وهي جنان المقرّبين.
وللجنّة حسب استقرائي الناقص عدّة استعمالاتٍ في القرآن الكريم؛ إذ لم ترد كلّها بمعنى الجنّة الموعودة، بل ذكر أنَّ بعضها جنانٌ أرضيّةٌ وبعضها أُمور أُخرى. وإليك استعمالات الجنّة:
أوّلاً: الجنّة التي كان فيها آدم وحوّاء‘، كما يشير إليه قوله تعالى: {يَا
ــــــ[382]ــــــ
(1) راجع سورة الواقعة، الآيات: 12 و28-37، و89.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 286، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}(1) وقوله تعالى: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ}(2).
ثانياً: جنان الدنيا، أي: حدائقها وبساتينها ونحو ذلك، كقوله تعالى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ}(3) وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ}(4) وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ}(5) فكلّ هذه من جنان الدنيا لا الآخرة.
ثالثاً: المعنى العامّ والكلّي للجنّة بالمعنى المنطقي أو الأُصولي، فعلى المعنى المنطقي تكون كلّي الجنّة، وعلى المعنى الأُصولي يسمّونه المعنى العامّ الذي ينطبق على الحصص والأفراد من قبيل قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(6) وربما أغلب الاستعمالات كانت في مطلق الجنّة أو عموم الجنّة، أي: أن تلحظ الجنّة بكلّ مراتبها شيئاً واحداً كلّيّاً. ومنه قوله تعالى: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}(7) وقوله: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً}(8) ونحوها الجنّة التي توصف بأنَّ عرضها السموات
ــــــ[383]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 35، وسورة الأعراف، الآية: 19.
(2) سورة الأعراف، الآية: 22.
(3) سورة الكهف، الآية: 35.
(4) سورة سبأ، الآية: 5.
(5) سورة الأنعام، الآية: 41.
(6) سورة البقرة، الآية: 82، سورة الأعراف، الآية: 42، سورة يونس، الآية: 26، وسورة هود، الآية: 23.
(7) سورة الأعراف، الآية: 43.
(8) سورة الزمر، الآية: 73.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
والأرض(1)، والجنان التي توصف بأنَّها تجري من تحتها الأنهار(2) وأنَّ فيها خمراً ولبناً(3) وغيرهما.
رابعاً: الجنّة المتدنّية، وهي جنان أصحاب اليمين. ولكن ما هي القرائن على معرفة خصوص جنّة أصحاب اليمين؟ وكيف نعرف من الآيات المذكورة فيها الجنّة أنَّ تلك الجنّة هي جنّة أصحاب اليمين؟ إذا أخذنا قوله تعالى: {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ}(4) فإنَّ المقصود من الجنّة هنا هي جنّة أصحاب اليمين؛ بقرينة أنَّ جنّة المقرّبين زلفى دائماً، ولا تتجدّد عليها الزلفى، وهذه الجنّة التي ذكرتها الآية تجدّدت عليها الزلفى، فهي بهذا جنان أصحاب اليمين. ومثله قوله تعالى: {وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ}(5) فلا حاجة إلى التكرار. ونحوها قوله تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ}(6)؛ وذلك لأنَّ المقرّبين ليسوا في شغلٍ، ولا يهتمّون بسعادة الآخرة، وإنَّما يهتمّون برضا الله. وكذا قوله تعالى: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}(7) فالجنّة عندما تكون في مقابل جهنّم فهي جنّة أصحاب اليمين حسب فهمي؛ ذلك لأنَّ عالم جنّة أصحاب اليمين فيه عالم جهنّم، وأمّا عالم جنان المقرّبين فليس فيه جهنّم،
ــــــ[384]ــــــ
(1) أي: الآية: 133، من سورة آل عمران والآية: 21من سورة الحديد.
(2) نحو الآية: 25 من سورة البقرة والآية: 15 من سورة آل عمران وغيرها.
(3) أي: الآية: 15 من سورة محمّد.
(4) سورة التكوير، الآية: 13.
(5) سورة ق، الآية: 31.
(6) سورة يس، الآية: 55.
(7) سورة الشورى، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فجهنّم من المستوى المتدنّي؛ لأنَّ سكّانها متدنّون بطبيعة الحال.
خامساً: الجنّة العليا التي هي جنّات المقرّبين، وواضح أنَّ المقرّبين وأصحاب اليمين لهم درجاتٌ عند ربّهم، لكن كلّ واحدٍ في سنخه وعالمه الذي لا يشابه العالم الآخر. ويشهد لذلك قوله تعالى: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ}(1) فوصف العالية يُشعر بأنَّها عاليةٌ على جنان أصحاب اليمين أو أعلى من جنان أصحاب اليمين، وإلَّا فما الفائدة بوصفها بالعالية؟ وهي عاليةٌ على أيّ شيءٍ؟ فإذا كانت الأشياء كلّها ذات نسبٍ محدّدةٍ – مع أنَّ العلوّ معنى إضافي يقابله الأسفل أو التحت- فما هو الشيء الذي يقع أسفلها أو تحتها؟ ولا يمكن أن تكون الدنيا أو السماوات أو أيّ شيءٍ آخر تحتها، وإنَّما توجد جنّةٌ أسفل منها، ولا يتصوّر ذلك إلّا لهاتين الحصّتين: حصّةٍ عاليةٍ، وهي جنّة المقرّبين، وحصّةٍ دانيةٍ التي هي جنّة أصحاب اليمين، فيتعيّن أن يكون المراد هو الجنّة العالية، وهي جنّة المقرّبين.
ومنه قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}(2)؛ فإنَّ قوله: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} هو مطلق الهوى حتّى المباح، فلا مبرّر لتقييده بالهوى المحرّم، مع أنَّ المباح حرامٌ على المقرّبين والمؤمنين الحقيقيّين.
وقرأ ابن مسعود الآية هكذا: (يا أيّتها النفس المطمئنّة ادخلي في جسد عبدي وادخلي في جنتي)(3) وهذا غريبٌ وشاذٌّ إلى حدٍّ مّا، ولاقت هذه القراءة
ــــــ[385]ــــــ
(1) سورة الحاقّة، الآية: 22، وسورة الغاشية، الآية: 10.
(2) سورة النازعات، الآيتان: 40-41.
(3) وهي القراءة المرويّة عن ابن عباس، ومجاهد، وأُبي. أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 8: 148، سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
الكثير من الاعتراضات من الفريقين، بل أفتى البعض بفسقه(1)، والبحث هنا في الفرق بين قوله: (ادخلي جنّتي) وقوله: (ادخلي في جنّتي).
في الحقيقة لا فرق من الناحية اللغويّة بين هاتين الجملتين؛ لأنَّ نتيجتهما واحدةٌ، وكلاهما جائزٌ لغةً ونحواً وصرفاً، ولا إشكال فيه، ولا حاجة إلى تكلّف ابن مسعود في قراءته (وادخلي في جنّتي)؛ ذلك لأنَّ (دخل فيه) و(دخله) واحدٌ. نعم، لو كانت هناك قراءةٌ تثبت (في) في كلا الآيتين لكان سياقاً لطيفاً (فادخلي في عبادي وادخلي في جنّتي) أو (فادخلي في عبدي وادخلي في جنّتي). لكن هذا يحتاج إلى من يوجد من القُرّاء قد قرأ بهذا الصيغة، ولكن الذي يبدو أنَّ كلّ واحدٍ من الآيتين لقارئٍ بعينه، ولا يوجد قارئٌ قرأ هكذا في كلتا الآيتين. فإذا قرأنا كلّ آيةٍ على قراءةٍ مختلفةٍ عن القراءة الأُخرى تنتج هذه النتيجة (ادخلي في عبادي وادخلي في جنّتي). لكنّه مع ذلك يجوز أن نقرأ كلّ آيةٍ على قراءةٍ مشهورةٍ غير القراءة الأخرى؛ لأنَّ كلّ قرآنٍ يجوز أن يُقرأ على قراءةٍ مشهورةٍ، وهذا لا يختلف فيه كلّ القرآن أو سورةٌ أو آيةٌ أو جزءٌ من آيةٍ أو كلمةٍ معيّنةٍ، فإذن يجوز أن يكون هذا السياق عندنا من قراءتين فنقول: (ادخلي في عبادي وادخلي في جنّتي) وهو سياقٌ جيّدٌ تتكرّر فيه لفظة (في) وفيه جهةٌ لفظيّةٌ أدبيّةٌ، وإلّا فإنَّ القراءة المشهورة هي (ادخلي في عبادي وادخلي جنّتي) أو حذف (في) من الآية الأُولى (ادخلي عبادي) أو (ادخلي جسد عبدي). فعلى ذلك تكون الاحتمالات عديدةً كثيرةً، ومنها ما
ــــــ[386]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 6: 501، تفسير سورة الفجر، الجامع لأحكام القرآن 21: 58، تفسير سورة الفجر، والكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل 4: 753، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
هو مجزٍ؛ لأنَّ في المقام قراءاتٍ مشهورةً.
ومن الممكن بناءً على القراءة المشهورة عن حفصٍ عن عاصمٍ – أعني: (وادخلي جنّتي)- يمكن أن نطرح أُطروحةً، وهي أنَّ من المحتمل أن يكون لفظ (جنّتي) منادى بحذف حرف النداء والتقدير: (ادخلي يا جنّتي). ولتوضيح ذلك نحتاج إلى مقدّمتين:
الأُولى: أنَّ الجنّة الحقيقيّة والمباشرة للعبد الحقيقي أو لكلّ واحدٍ بما فيهم العباد المخلصون إنَّما هي النفس، فنفسه جنّته، فهو جنّةٌ لذاته يسعد بكمال نفسه.
الثانية: أنَّ المؤمن منسوبٌ إلى الله سبحانه وتعالى، وفي التوراة القديمة(1) تسمية (رجل الله) أو (عباد الله) ولعلّه مترجمٌ عن لغاتٍ قديمةٍ وعن متشرّعةٍ قدماء حينما كانت اليهوديّة والمسيحيّة حقّاً أو قبل موسى×. والمهمّ أنَّ نسبته إلى الله نسبةٌ صحيحةٌ؛ لأنَّ العبد محض ذاته في ذات الله سبحانه وتعالى، وبما أنَّ نفسه جنّةٌ كما في المقدّمة الأُولى، فصار أن جنّتي التي هي نفسه جنّة الله تعالى؛ لأنَّها محضٌ من عطاء الله. لكن تبقى مسألة المتعلّق: فعلى القراءة المشهورة (ادخلي جنتي) يكون التقدير: (ادخلي في جنتي)، وأمّا على الأُطروحة التي قلناها (ادخلي يا جنتي)، فماذا يكون المتعلّق؟
في الحقيقة المتعلّق هنا هو: ادخلي في عالمك المناسب، وهو أعلى عالم خلقه الله في الخلق.
قال السيّد الطباطبائي+: وفي إضافة الجنّة إلى ضمير المتكلّم تشريفٌ خاصٌّ، ولا يوجد في كلامه تعالى إضافة الجنّة إلى نفسه تعالى وتقدّس إلّا في
ــــــ[387]ــــــ
(1) أُنظر: التوراة والإنجيل: 368، الكتاب المقدّس: 421، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
هذه الآية(1).
وهذه الفكرة صحيحةٌ بحسب الظاهر، ويُراد من هذه الإضافة التشريف وبيان الأهمّيّة، وهذا مُسلّمٌ؛ إذ كلّ ذي أهمّيّةٍ يُنسب إلى الله سبحانه وتعالى، بل إنَّ الأشياء كلّها منسوبةٌ إلى الله. {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}(2). لكن النسبة إلى ياء المتكلّم أعظم من النسبة حتّى إلى اسم الجلالة؛ فإنَّ النسبة إلى لفظ الجلالة كما في (خلق الله) لا يشعر فيه المتشرّعة أنَّه ذو أهمّيّةٍ. ووقعت النسبة بياء المتكلّم في ثلاثة مواطن في القرآن: الأوّل: قوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}(3) والثاني: قوله: {وَادْخُلِي جَنَّتِي}(4) والثالث: قوله: {عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}(5) ويوجد من المتصوّفة من يبرّئ إبليس (عليه اللعنة على كلّ حالٍ) ويقول: إنَّ إبليس أخذته غشية من الفرح واللذّة مدّةً طويلةً من الزمن؛ بسبب نسبة اللعنة إلى الله. وهذا ليس بصحيح إطلاقاً من ناحية اللعنة أوّلاً ومن ناحية إبليس ثانياً. أمّا من ناحية اللعنة فإنَّ النسبة إلى الله في الجنّة (جنّتي) لأهمّيّة الجنّة وارتفاع مقامها وشرفها، وكذلك الروح، لكن هذا لا يُتصوّر في اللعنة؛ إذ لا أهمّيّة للعنة، بل نسبتها إليه لقسوة فاعليّتها وشدّة تأثيرها. مع أنَّ اللعن هو البعد والطرد، فاللعنة البسيطة مثلاً فيها بُعد
ــــــ[388]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 286، تفسير سورة الفجر.
(2) سورة لقمان، الآية: 11.
(3) سورة الحجر، الآية: 29، وسورة ص، الآية: 72.
(4) سورة الفجر، الآية: 30.
(5) سورة ص، الآية: 78.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
معنوي قليلٌ عن الله، ولكن اللعنة الشديدة فيها بُعدٌ كثيرٌ عن الله، فأهمّيّتها تأتي من شدّتها. وكذلك الحال في قوله تعالى {عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ}(1)؛ فإنَّه نسب العذاب إليه لشدّته وقسوته. وأمّا من ناحية إبليس فإنَّ أيّ مخلوقٍ وإنسان يُلعن بهذا المستوى من اللعنة الشديدة فلن يكون على مستوىً من الكمال بحيث يدرك لذّة النسبة إلى الله سبحانه وتعالى، ولو كان على هذا المستوى من الكمال، لما كان مستحقّاً للعنة، ولكان مظلوماً بتلك اللعنة، مع العلم أنَّ الله تعالى لا يظلم أحداً حتّى إبليس وهذا ما ثبت بنصّ القرآن والبرهان. إذن فاللعنة مستحقّةٌ، ومستحقّ اللعنة الشديدة مستحقٌّ للطرد والحرمان، ولا يمكن أن يكون على هذا المستوى من اللذّة بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى. وفي الرواية أنَّ الإنسان حينما يحتضر يكشف له عن مقامه في الجنّة، فما يكون أطيب له وأحسن له وأشدّ همةّ له من أن يلتحق بمقامه في الجنّة، فلا يموت مكرهاً أو حزناً، وإنَّما يكون سعيداً، فيأتيه نداءٌ من قبل ربّ العزّة فيقول له: >يا أيّتها النفس المطمئنّة إلى محمّدٍ وأهل بيته، ارجعي إلى ربّك، راضيةً بالولاية، مرضيّةً بالثواب، فادخلي في عبادي، يعني: محمّداً وأهل بيته، وادخلي جنّتي. فما من شيء أحبّ إليه من استلال روحه واللحوق بالمنادي<(2).
ــــــ[389]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 156.
(2) الكافي 3: 127-128، كتاب الجنائز، أنّ المؤمن لا يُكره على قبض روحه، الحديث 2، الأصفى في تفسير القرآن 2: 1442، تفسير سورة الفجر، البرهان في تفسير القرآن 5: 657، تفسير سورة الفجر، تفسير نور الثقلين 5: 577، تفسير سورة الفجر، تفسير الصافي 5: 328، تفسير سورة الفجر، والميزان في تفسير القرآن 20: 288، تفسير سورة الفجر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
ثُمَّ إنَّ الكثير من الروايات صرّحت بأنَّ للقرآن بطوناً متعدّدةً وأنَّه قابلٌ لتفسيراتٍ كثيرةٍ وذو معانٍ متعدّدةٍ(1)، وورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين >فإنَّ القرآن حمّالٌ<(2) أي: يُحمل على وجوهٍ متعدّدةٍ، فلذا حمله الكثير من الفسقة والفجرة والخوارج على مقاصدهم الدنيئة والدنيويّة والضالّة.
والشاهد في ذلك: أنَّ واحداً من تلك الوجوه لا ينفي الوجه الآخر، غير أنَّ السيّد الطباطبائي+ قال بشذوذها، وهو بصفته متعبّداً بالنصّ غير خارجٍ عن قواعد العربيّة لا يمكن له أن يقول هذا الكلام.
فقد تحصل في ضوء إحدى الأُطروحات السابقة: أنَّ قوله تعالى: {ادْخُلِي فِي عِبَادِي} مفاده أنَّ أثر نفوس المعصومين^ موجودٌ في نفوس المؤمنين. وأنا أقول: إنَّ أثرها موجودٌ في كلّ النفوس كائناً من كان، علم أو لم يعلم. وممّا يناسب المقام نذكر حادثةً تأريخيّةً عن معجزات الإمام الهادي× تفيد أنَّ أحد الخلفاء الذين كانوا في زمن الإمام الهادي× أرسل إلى صائغٍ وأعطاه لؤلؤةً وأمره أن يصوغ له منها خاتماً، ويبدو أنَّ هذا الصائغ كان موالياً للأئمة^، فلمّا ذهب يعمل الخاتم وضرب حبة اللؤلؤة، انقسمت إلى نصفين، فلم يدري ماذا يفعل، فأخذ يماطل الخليفة، إلى أن أرسل خلفه، فخاف الرجل على نفسه القتل … فقال له الإمام: لا تخف؛ إنَّ قلوب الظالمين
ــــــ[390]ــــــ
(1) راجع باب أنّ للقرآن ظهراً وبطناً وأنّ علم كلّ شيءٍ في القرآن …، من كتاب القرآن من بحار الأنوار 89: 78-106، وغيره.
(2) نهج البلاغة: 465، الكتاب 77، من وصيّة له× لعبد الله بن العبّاس لمّا بعثه للاحتجاج على الخوارج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
بأيدينا(1)، أي: تحت سلطتنا وتصرّفنا. والغرض: أنَّ الأئمّة^ يعلمون كلّ شيءٍ، حتّى سيرة الظالمين أنفسهم، ومعنى ذلك أنَّ أثر الأئمّة^ ملحوظٌ في المؤمنين والظالمين لا في خصوص المؤمنين، وهذا عامٌّ لكلّ أجيال البشريّة، ولا يختصّ بالمتوكّل وزمانه.
ــــــ[391]ــــــ
(1) راجع القصّة في الأمالي (للطوسي): 288، المجلس 11، الحديث 6، مناقب آل أبي طالب 4: 427، وبحار الأنوار 50: 125-126، أبواب تاريخ الإمام العاشر والنور الزاهر والبدر الباهر … علي بن محمّد النقي الهادي …، الباب 3.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
فهرس الكتاب
سورة الانشراح 7
قوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}: 7
قوله تعالى: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}: 36
قوله تعالى: {فإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}: 52
قوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ}: 59
سورة الضحى 65
قوله تعالى: {وَالضُّحَى}: 65
قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى}: 70
قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}: 71
قوله تعالى: {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى}: 76
قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}: 78
قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى ….}: 81
قوله تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ}: 89
قوله تعالى: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ}: 92
قوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}: 94
سورة الليل 101
قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}: 101
ــــــ[393]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قوله تعالى: {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى}: 104
قوله تعالى: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى}: 106
قوله تعالى: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}: 108
قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى}: 111
قوله تعالى: {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}: 113
قوله تعالى: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}: 116
قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى}: 120
قوله تعالى: {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى}: 123
قوله تعالى: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}: 124
قوله تعالى: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}: 125
قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى}: 126
قوله تعالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى}: 127
قوله تعالى: {لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}: 129
قوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى}: 132
قوله تعالى: {وَمَا ِلأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى}: 136
قوله تعالى: {إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى}: 137
قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يَرْضَى}: 140
سورة الشمس 145
قوله تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}: 145
قوله تعالى: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا}: 146
قوله تعالى: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا}: 147
ــــــ[394]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}: 149
قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا}: 151
قوله تعالى: {والأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا}: 154
قوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا}: 155
قوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}: 156
قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}: 161
قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا}: 164
قوله تعالى: {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا}: 166
قوله تعالى: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا}: 169
قوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا}: 173
قوله تعالى: {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا}: 175
قوله تعالى: {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا}: 179
سورة البلد 183
قوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ}: 183
قوله تعالى: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}: 186
قوله تعالى: {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ}: 188
قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}: 190
قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ}: 192
قوله تعالى: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً}: 194
قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ}: 197
قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ}: 198
ــــــ[395]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قوله تعالى: {وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ}: 199
قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}: 202
قوله تعالى: {فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ}: 204
قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ}: 205
قوله تعالى: {فَكُّ رَقَبَةٍ}: 206
قوله تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ}: 208
قوله تعالى: {يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ}: 210
قوله تعالى: {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ}: 212
قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا…}: 213
قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا…}: 216
سورة الفجر 221
قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ}: 221
قوله تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ}: 226
قوله تعالى: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}: 231
قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}: 234
قوله تعالى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ}: 240
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ}: 242
قوله تعالى: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ}: 248
قوله تعالى: {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ}: 251
قوله تعالى: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ}: 261
قوله تعالى: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ * …}: 265
ــــــ[396]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني
قوله تعالى: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}: 275
قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}: 295
قوله تعالى: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ … * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ … }: 302
قوله تعالى: {كَلاَّ بَل لاَ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ}: 314
قوله تعالى: {وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}: 317
قوله تعالى: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً}: 318
قوله تعالى: {كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا}: 321
قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}: 325
قوله تعالى: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى … }: 332
قوله تعالى: {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}: 344
قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ}: 348
قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ … }: 356
قوله تعالى: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي}: 379
قوله تعالى: {وَادْخُلِي جَنَّتِي}: 382
فهرس الكتاب 393
ــــــ[397]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثاني