منة المنان في الدفاع عن القرآن
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف
مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الثالث
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسم الله الرحمن الرحيم
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ
ــــــ[5]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ــــــ[6]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
سورة الغاشية
كنّا وما زلنا نتعرّض إلى أُطروحات تسمية السور القرآنيّة في بداية كلّ سورةٍ، وبعد الإعراض عن الأُطروحات الشاذّة في المقام لم يبق لدينا إلّا ثلاث أُطروحات مشهورة في وجه تسمية السورة بالغاشية، وهي:
الأُطروحة الأُولى: سورة الغاشية.
الأُطروحة الثانية: السورة التي ذُكرتْ فيها الغاشية؛ حسبما سار عليه الشريف الرضي+(1).
الأُطروحة الثالثة: بيان رقمها وترتيبها في المصحف الشريف، أي: 88.
****
قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ}:
ويُلاحظ: أنَّ أهمّ وأغمض الألفاظ الواردة في الآية، هو لفظ (الغاشية).
قال الراغب في >مفرداته<: غشيه غشاوةً وغشاءً: أتاه إتيان مّا قد غشيه، أي: ستره، والغشاوة ما يُغطّى به الشيء. قال تعالى: {وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً}(2) و{وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}(3). يُقال: غشيه وتغشّاه وغشّيته، كذا
ــــــ[7]ــــــ
(1) أُنظر: حقائق التأويل في متشابه التنزيل 5: 291، السورة التي يُذكر فيها النساء.
(2) سورة الجاثية، الآية: 23.
(3) سورة البقرة، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قال: {وَإِذَا غَشِيَهُم موج}(1)، {فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}(2)، و{وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ}(3)، {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى}(4)، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}(5)، {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ}(6) (7).
وما أفاده باعتبار أنَّ الغشاء يسيطر على ما تحته، أو قل: على المغشي عليه، فهذا كلّه نوع من السيطرة وإن كان فيه نحوٌ من المجاز؛ لأنَّنا إمّا أن نقول: إنَّه غشاءٌ كاملٌ بمنزلة الغشاء المادّي أو المعنوي، وإمّا أن نقول: إنَّ السيطرة الكاملة سمّيت غشاءً، فقوله تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُم موج}(8) أي: سيطر عليهم، وكذلك: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ}(9) أي: يسيطر النعاس على الإنسان، فلا يستطيع أن يتمالك نفسه فينام.
ثُمَّ قال الراغب: غشيت موضع كذا: أتيته، وكُنّي بذلك عن الجماع، يُقال: غشّاها وتغشّاها: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ}(10). وكذا الغشيان والغاشية
ــــــ[8]ــــــ
(1) سورة لقمان، الآية: 32.
(2) سورة طه، الآية: 78.
(3) سورة إبراهيم، الآية: 50.
(4) سورة النجم، الآية: 16.
(5) سورة الليل، الآية: 1.
(6) سورة الأنفال، الآية: 11.
(7) مفردات ألفاظ القرآن: 373، مادّة (غشي).
(8) سورة لقمان، الآية: 32.
(9) سورة الأنفال، الآية: 11.
(10) سورة الأعراف، الآية: 189.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
كلُّ ما يُغطّي الشيء، كغاشية السرج. وقوله: {أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ}(1) أي: نائبةٌ تغشاهم وتجلّلهم. وقيل: الغاشية في الأصل محمودةٌ، وإنَّما استعير لفظها هاهنا على نحو قوله تعالى: {لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ}(2). وقوله: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}(3) كنايةٌ عن القيامة، وجمعها غواشٍ. وغشي على فلان إذا نابه ما غشى فهمه. قال: {كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ}(4)، {نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ}(5)(6).
أقول: يتحصّل من كلام الراغب المتقدّم – كما ذهب إليه السيّد الطباطبائي+ بل مشهور المفسّرين(7)- بأنَّ الغاشية هي يوم القيامة، فيكون المراد بقوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}: هل أتاك حديث يوم القيامة؟ وهذا الفهم مستفادٌ من الآيات الأُخرى التي تشكلّ قرينةً على أنَّ المراد من الغاشية يوم القيامة.
ويُلاحظ: أنَّنا لو كنّا نحن وهذه الآية لم نفهم هذا الفهم، فالألف واللام في الغاشية للجنس، وعلى هذا فالغاشية معنىً كلّي قابلٌ للصدق على كثيرين،
ــــــ[9]ــــــ
(1) سورة يوسف، الآية: 107.
(2) سورة الأعراف، الآية: 41.
(3) سورة الغاشية، الآية: 1.
(4) سورة الأحزاب، الآية: 19.
(5) سورة محمّد’، الآية: 20.
(6) مفردات ألفاظ القرآن: 373، مادّة (غشي).
(7) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن20: 273، تفسير سورة الغاشية، التبيان في تفسير القرآن10: 334، تفسير سورة الغاشية، جامع البيان في تفسير القرآن30: 101، تفسير سورة الغاشية، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
من قبيل: ما يُغطّي الشيء، أو النائبة المهلكة، أو ما يغشى فهمه، ومادام سائر هذه المعاني قابلةً للصدق، فلماذا نتعبّد بمعنىً واحدٍ؟ بل كلّ واحدٍ من هذه المعاني يمكن أن يكون أُطروحة باصطلاحنا.
إن قلت: إنَّ الآية اللاحقة لها – أعني: قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} – دليلٌ على أنَّ المقصود بالغاشية يوم القيامة، فالآية اللاحقة قرينةٌ متّصلةٌ دالّةٌ على المقصود.
قلت: إنَّ أوضح جوابٍ على ذلك أن يُقال: إنَّ التنوين في (يومئذٍ) وإن قلنا بأنَّه تنوين العوض، لكن ما هو المعوّض؟ فأيّ شيءٍ حذف وجاء التنوين عوضه؟ فهل حذف ذكر يوم القيامة وعوّض عنه بالتنوين؟ من الواضح أنَّ ذلك غير تامٍّ؛ إذ ليس في السياق لفظ يوم القيامة حتّى يكون قرينةً على المحذوف.
نعم، يوجد في السياق ذكر الغاشية، فنقول: إنَّ المحذوف هو الغاشية، فالمعنى: يوم إذ تحصل الغاشية، فلا يتمّ ما ذكر. وبالإضافة إلى ما تقدّم يمكن القول بأنَّ يوم القيامة لا يغشى الناس، وإنَّما الناس هم الذين يغشونه، فالناس هم الذين يذهبون إلى يوم القيامة وإلى المحشر، لا أنَّ المحشر يغشاهم، مع أنَّه إذا سُمّي يوم القيامة بالغاشية كان يوم القيامة هو الذي يغشى الناس، لا أنَّ الناس يغشونه.
فإن قلت: إنَّ يوم القيامة هو الذي يغشى الناس، بمعنى: يغشاهم عذابه ورهبته وهيبته وخوفه، ولذا قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} الآيات.
قلت: نعم، بهذا المعنى يوم القيامة هو الذي يغشى الناس، إلّا أنَّه يحتاج
ــــــ[10]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
إلى تقدير مضافٍ (يوم إذ يحصل عذاب يوم القيامة) أو (يوم إذ يحصل خوف يوم القيامة) وهكذا، فيحتاج إلى تقدير مضافٍ، والتقدير خلاف الظاهر وخلاف السياق.
فإن قلت: إنَّ (اليوم) في يوم القيامة ظرفٌ، والقيامة علمٌ لذاك الوقت، وهذا العلم وحده يكفي أن يكون هو المقدّر، فيكون المراد: يغشى الناس يومئذٍ القيامة.
قلت: إنَّ تخيّل كون القيامة علماً ليوم القيامة غير سديدٍ، بل (يوم) ظرفٌ و(القيامة) مظروفٌ، أي: ما يحصل في ذلك اليوم، والذي يحصل هو القيامة، كما في قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}(1). وعليه فيوم القيامة يعني: يوم قيام الناس لربِّ العالمين.
فالقيامة بمعنى: القيام، والقيام صفةٌ قائمةٌ بالناس أنفسهم، فالصفة تقوم بالموصوف الذي هو الناس. إلّا أنَّه بحسب هذا التفسير هل نقول: إنَّ القيام غشي الفرد؟
والجواب بالنفي؛ لأنَّنا لا أقلّ نلتفت إلى أنَّ الصفة اختياريّةٌ للموصوف، فالفاعل هو المتحكّم بالصفة (القيام، المشي، الذهاب، المجيء)، لا أنَّ الصّفة متحكّمةٌ بالفاعل، بل الفاعل هو الذي يمكن له ترك أوفعل القيام في أيّ وقتٍ، وحينئذٍ لا يصدق الغشيان من هذه الناحية.
ولذا نحتاج إلى تفسيرات وأُطروحات أُخرى للغاشية:
منها: ظلام الليل الذي يغشى الناس.
ومنها: البلاء الدنيوي من قبيل: المرض والفقر، فالمرض يغشى الناس،
ــــــ[11]ــــــ
(1) سورة المطفّفين، الآية: 6.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والفقر كذلك يغشى الناس.
ومنها: البلاء الأُخروي، سواء أكان في يوم القيامة أم في جهنّم أم في موقفٍ من مواقفها، فيصحّ أنَّه يغشى الناس.
ومنها: البلاء الباطني للفرد من قبيل: الوسوسة والتشكيك.
ومنها: الغفلة عن ذكر الله تعالى.
ومنها: حجب الظلمة.
ومنها: حجب النور.
فكلّ هذه التفسيرات المختلفة يصدق عليها أنَّها غاشيةٌ، وتكون هي المسيطرة، بمعنى: أنَّها تغشى الإنسان وتسيطر عليه، وتكون غاشيةً للإنسان إمّا بمعنى: أنَّها مهلكةٌ له أومسيطرةٌ عليه، وإمّا بمعنى: أنَّها غطاءٌ أو مانعٌ للإنسان عن التكامل والعطاء الروحي فتكون من قبيل حجب الظلمة أو حجب النور ونحو ذلك.
ولا ينبغي أن نهمل قرينة السياق، أعني: الآيات اللاحقة، أي: قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً}(1)، ثُمَّ الآيات التالية لها، أي: قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ}(2).
فتبيّن: أنَّ (يومئذٍ) يومٌ قابلٌ لهذا الانقسام: انقسامٍ إلى عذابٍ وإلى ثوابٍ وإلى كمالٍ وإلى نقصٍ، وهذا يحصل في عوالم ثلاثة:
الأوّل: عالم الدنيا، ففي الدنيا فسقة وكفرة، ولذا تصلى وجوههم ناراً حامية مع أنَّها الآن في الدنيا تأكل وتمشي، بخلاف الوجوه الناعمة التي هي لسعيها راضية.
ــــــ[12]ــــــ
(1) سورة الغاشية، الآيات: 2-4.
(2) سورة الغاشية، الآيات: 8-9.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الثاني: العالم الآخر هو عالم باطن النفس وما فيه من خيرٍ وشّرٍ. قال تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}(1). فتصرّف الإنسان ينشأ تارةً من ملكاته الخيّرة وأُخرى من ملكاته الشرّيرة، فالمؤمن قد يصدر منه الشرّ، والفاسق والكافر قد يصدر منه الخير، وإن كان المؤمن يغلب عليه جانب الخير، والفاسق يغلب عليه جانب الفسق والشرّ، إلّا أنَّ الخير والشرّ موجودان في باطن النفس الإنسانيّة.
الثالث: عالم ما بعد الحشر، لا عالم يوم القيامة، أي: عالم ما بعد ذهاب أهل الجنّة إلى الجنّة وأهل النار إلى النار، فحينئذٍ يصدق قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} و{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ}. واحترزنا عن يوم القيامة لأنَّ سائر الموجودات في يوم القيامة في شدّةٍ ورهبةٍ؛ وذلك لصعوبة الموقف، فلا يصدق في يوم القيامة {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ}.
ثُمَّ نقول: ما معنى {خَاشِعَةٌ}؟ وفي مقام الجواب يمكن الإشارة إلى عدّة أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: المشهور بين المفسّرين أنَّ (خاشعة) بمعنى: خشوع الذلّ في النار(2)، كما ورد في بعض الأدعية: >اللّهمّ إنَّي أسألك خشوع الإيمان قبل خشوع الذلّ في النار<(3)، والخشوع هنا بمعنى: إظهار الذلّ اضطراراً أمام
ــــــ[13]ــــــ
(1) سورة الشمس، الآية: 8.
(2) أُنظر: التبيان في تفسير القرآن 10: 334، تفسير سورة الغاشية، جامع البيان 30: 102، تفسير سورة الغاشية، الميزان في تفسير القرآن 20: 273، تفسير سورة الغاشية، وغيرها.
(3) مصباح المتهجّد: 598، دعاء السحر في شهر رمضان، إقبال الأعمال: 78، دعاء آخر في السحر، البلد الأمين: 214، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الله سبحانه لا اختياراً؛ لأنَّ جهنّم تذلّ ساكنيها بطبيعة الحال.
الأُطروحة الثانية: خاشعة أي: خاشعة لله اختياراً في الدنيا لا في الآخرة.
فإن قلت: كيف يُقال بأنَّها خاشعةٌ لله اختياراً في دار الدنيا مع أنَّ الآيات اللاحقة لها دلّت على أنَّها {تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً}؟
ويمكن الجواب عنه بوجهين:
الأوّل: أن نقول: إنَّ هذا العذاب الذي تتّصف به الوجوه الخاشعة عذابٌ دنيوي؛ لأجل زيادة كمالها وزيادة امتحانها، فتصلى ناراً حاميةً من خلال البلاء الدنيوي، لا من جهنّم، وحينئذٍ يستقيم الكلام.
الثاني: أنَّ بعض الناس ظاهرهم الصلاح في الدنيا، فيقيمون صلاة الليل ويصومون الأشهر الثلاثة (رجب وشعبان وشهر رمضان) إلّا أنَّهم من أهل النار، فقوله تعالى: {عَامِلَةٌ} أي: ظاهراً عاملة، وقوله: {نَاصِبَةٌ} أي: جاهدة في سبيل الله ظاهراً، إلّا أنَّها {تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً}.
كما يمكن الإشارة إلى نماذج على عكس ما تقدّم؛ إذ قد تحسب بعض الأشخاص ضالاً لن يناله الله برحمته، فيدخله الله سبحانه في رحمته، فالله سبحانه جعل الباطن والقلب هو المقياس لا الظاهر. ولعلّه إلى هذا المعنى يشير الحديث الوارد عن رسول الله’: >إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم، وإنَّما ينظر إلى قلوبكم<(1).
فالأعمال وإن كان لها دخلٌ في حصول الثواب، إلّا أنَّها ليس لها الدخل الحقيقي الكامل، بل الإنسان يُحشر على ما يموت عليه وعلى ما عقد عليه قلبه وروحه.
يلزم هنا الإشارة باختصار إلى جهةٍ أُخرى من البحث – وهذه الجهة
ــــــ[14]ــــــ
(1) جامع الأخبار: 100، الفصل 56، وبحار الأنوار 67: 248، الباب 54، الحديث 21.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
نحويّة- وحاصلها أنَّ السيّد الطباطبائي+ جعل هذه الآيات {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاّ مِن ضَرِيعٍ} إخباراً بعد إخبارٍ، فقال في >تفسير الميزان<: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ}: (النصب) التعب، و(عاملة) خبرٌ بعد خبرٍ لـ(وجوه)، وكذا قوله: (ناصبة) و(تصلى) و(تسقى) و(ليس لهم)(1).
أقول: فيما أفاده+ إشكالٌ، وهو أنَّ (وجوه) نكرةٌ، ولا يصحّ الابتداء بالنكرة.
إن قلت: لا يصحّ الابتداء بالنكرة إذا لم تكن هناك فائدةٌ، وأمّا مع الفائدة فيصحّ الابتداء بالنكرة كقولنا: (عند زيد نمرة)، و(هل فتىً فيكم؟)، والفائدة موجودةٌ هنا، والسياق شاهدٌ على ذلك.
قلت: نعم، سلّمنا بذلك، ولكن يبقى هناك إشكالٌ آخر، وهو: أنَّ السيّد الطباطبائي+ – كما تقدّم معنا- قال بأنَّ {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} خبرٌ بعد خبرٍ، فلنا أن نسأل بأنَّ {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} هل هي إخبارٌ مباشر لـ(وجوه) من دون تقديرٍ، كما يظهر ذلك من عبارته؛ حيث قال: (خبرٌ بعد خبرٍ)؟ وحينئذٍ يكون كلامه مخالفاً لقواعد اللغة والنحو – على مبنى البعض(2)- الدالّة على أنَّه لا يصحّ أن يكون المبتدأ واحداً والأخبار متعدّدةً، اللّهمّ إلّا أن نحمل كلامه على الصحّة، أي: بتقدير مبتدأ – كما هو المشهور(3)- فيكون المعنى
ــــــ[15]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 273، تفسير سورة الغاشية.
(2) أُنظر: شرح قطر الندى: 161، تعدّد الخبر، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 1: 223، تعدّد الخبر للمبتدأ الواحد، حاشية الصبّان على شرح الأشموني 1: 325، تعدّد الخبر.
(3) راجع إعراب القرآن وبيانه 10: 459، سورة الغاشية، إعراب القرآن (للنحّاس) 5: 130، سورة الغاشية، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
حينئذٍ: (هي عاملةٌ، هي ناصبةٌ، هي تسقى من عينٍ آنيةٍ) وهكذا، إلّا أنَّ الظاهرعدم إرادته لهذا المعنى.
وبعد أن تكلّمنا عن معنى الغاشية نعود الآن إلى أوّل السورة وما يثير التساؤل هنا ورود الاستفهام في أوّلها.
فنقول: ما معنى الاستفهام في قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}؟ وقد اختصر السيّد الطباطبائي+ الجواب بكلمتين قائلاً: إنَّ الاستفهام للتفخيم والإعظام(1). وما أفاده+ يصلح أن يكون كأُطروحةٍ. ونحن لنا أُطروحتنا الخاصّة في تفسير الاستفهام حاصلها: أنَّ هذا الاستفهام إنَّما هو افتتاحٌ أدبي للكلام، فكأنَّه أراد أن يقول: إن لم تكن تعرف حديث الغاشية فأنا أخبرك عنه، ويكون هذا نظير ما ورد عن الإمام السجّاد× في خطبته بالشام: >من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أُعرّفه بنفسي<(2).
وعلى هذا يكون قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} بمنزلة الجواب عن هذا السؤال.
وبعد اتّضاح ذلك هناك سؤالٌ آخر لابدّ من طرحه أيضاًً، وهو: لماذا قال: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}، ولم يقل: هل أتاك خبر الغاشية؟
والجواب: أنَّه يُلاحظ من خلال السياق أنَّ مراد المتكلّم الدخول في تفاصيل الغاشية، ومن هذه الناحية عبّر بالحديث؛ لأنَّ التفاصيل لا تُعرف إلّا
ــــــ[16]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 273، تفسير سورة الغاشية.
(2) الاحتجاج 2: 310، احتجاج علي بن الحسين زين العابدين× على يزيد بن معاوية لمّا أُدخل عليه.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بحديثٍ مستمرٍّ أو بحديثٍ طويلٍ، ولم يرد مجرّد الإخبار عن أصل وجود الغاشية، ولو أراد ذلك لقال: هل أتاك خبر الغاشية؟
ثُمَّ إنَّه بقي الكلام فيما تقدّم آنفاً من: أنَّ الغاشية قد لا يُراد منها يوم القيامة، وإن كان هذا البيان على خلاف المشهور، مع أنَّه إنَّما عبّر بالحديث في الآية للتهويل والتعظيم، ومدخول الحديث هو الغاشية، وليس في المقام مهولٌ إلّا يوم القيامة، فيكون مدخول الحديث هو يوم القيامة؛ حملاً للغاشية على يوم القيامة لا غير.
أقول: مع أنَّ هذا الكلام في الحقيقة يصلح كأُطروحة، إلّا أنَّه يمكن الجواب عنه بأكثر من وجهٍ:
منها: أن يُقال: إنَّ الحديث ليس فيه شائبة التهويل والتعظيم إطلاقاً، والتهويل والتعظيم من المعاني المتصوّرة للاستفهام الوارد في الآية، وقد تقدّم معنا أنَّ السيّد الطباطبائي+ فهم ذلك من الاستفهام.
ومنها: أن يُقال: إنَّ الإشكال مبني على مقدّمة مفادها أن ليس هناك شيءٌ مهولٌ إلّا يوم القيامة حتّى يكون يوم القيامة هو المدخول، أو المقصود من المدخول، مع أنَّنا نقول بأنَّ هناك أشياءً مهولةً أُخرى في الكون، وأيّ واحدٍ منها يصحّ أن يكون هو المقصود، فلا نسلّم بانحصار الأمر المهول بيوم القيامة.
أقول: مع هذا يمكن أن نخطو خطوةً أُخرى انتصاراً للمشهور فنقول: إنَّ المراد من الغاشية يوم القيامة مع شيءٍ من التوسّع والتجوّز؛ لأنَّنا لا يمكن بأن نلتزم بأنَّها يوم القيامة بالدقّة المنطقيّة، فنلجأ إلى التجوّز والتوّسع، وذلك بأنَّ نقول: إنَّ الغاشية تدلّ على يوم القيامة، لكن لا على ذات يوم القيامة
ــــــ[17]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فقط، وإنَّما تدلّ أيضاً على ما قبل يوم القيامة وما بعد يوم القيامة، فهذه الفترة الزمنيّة الطويلة نسمّيها يوم القيامة، كما لعلّه الاصطلاح المتشرّعي والعرفي المسامحي؛ لوضوح أنَّ مقدّمات يوم القيامة وإرهاصاتها يمكن أن نطلق عليها مجازاً (يوم القيامة). وحينئذٍ تصدق عليها الغاشية؛ لأنَّ العذاب الوارد قبل يوم القيامة يغشى الناس، كالزلزلة وانطماس الشمس وانطماس القمر ونحوها.
****
قوله تعالى: {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ * لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ}:
ويُلاحظ: أنَّ ضريع أصله فعيل، وفعيل يأتي بمعنى اسم الفاعل وبمعنى اسم المفعول.
وأضرعت الشاة إذا كثر لبنها وكبر ضرعها، فليس لهم طعامٌ إلّا من ضريعٍ، أي: من شاةٍ ضريعٍ كثيرة اللبن.
وضرع بمعنى ذلّ، وتضرّع بمعنى أظهر التذلّل، وشخص ضريع، أي: ضارعٌ وذليلٌ، والمراد بقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ}(1) أي: لعلّهم يظهرون الذلّة أمام الله سبحانه.
كما أنَّ هناك احتمالات عديدة في الطعام الذي لا يكون إلّا من ضريعٍ، منها: ما يدلّ على القلّة، ومنها: ما يدلّ على السوء، ومنها ما يدلّ على الخير والبركة والزيادة في العطاء، فالمراد من الآيات السابقة المؤمنون الطيّبون: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ}، أي: إنَّها تعمل لوجه الله وتتعب في سبيله.
ــــــ[18]ــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 42.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
إن قلت: كيف يمكن حمل مفاد الآية على الخير والعطاء والقول بشمول الآيات للمؤمنين مع أنَّ الآيات اللاحقة لها نصٌّ في الشرّ، كقوله تعالى: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ * لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ}، فالوصف هنا وصفُ شرٍّ لا وصف خيرٍ، فكيف يصحّ هذا الحمل مع وجود قرينةٍ على الخلاف؟
قلت: الخطوة الأُولى في الجواب أن يُقال: إنَّ قوله تعالى: {لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} ليس شرّاً مطلقاً، وهو ليس كقوله تعالى: {كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ}(1)؛ إذ الوصف في هذه الآية شرّ مطلقاً، وأمّا ما نحن بصدده فليس كذلك، ومقتضى كونه لا يسمن ولا يغني من جوعٍ يمكن تصوّره في ظرفٍ طبيعي مع عدم وجود الشدّة في الألم.
الخطوة الثانية في الجواب أن يُقال: إنَّ قوله تعالى: {لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} ليس من قبيل السبّ أو الشتم؛ لأنَّ كثيراً من الأطعمة التي نأكلها لا تسمن ولا تغني من جوعٍ، أي: لا تسمن الإنسان، فرغيف الخبز الواحد لا يسمن ولا يغني من جوع؛ لأنَّ الطعام القليل بطبيعة الحال شأنه كذلك.
ولنرجع الآن إلى تطبيق ما تقدّم على السياق، فنقول: إنَّ المراد من قوله تعالى: {لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} الطعام القليل، سواء فهمناه من الناحية المادّيّة أم المعنويّة، وهذا لا يختصّ بجماعةٍ معيّنةٍ أو طبقةٍ معيّنةٍ، بل هو عامّ لجميع الناس.
وإذا حملنا الطعام على الطعام المعنوي، حصل لنا معنى جديدٌ ووجهٌ جديدُ، وهو أنَّ الإنسان بارتكازه وطبعه يطلب الكمال ويشتاق إلى الكمال،
ــــــ[19]ــــــ
(1) سورة الدخان، الآيتان: 45-46.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فيكون بلحاظ شوقه وطموحه إلى الكمال والحالات المعنويّة جائعاً، كما أُشير إليه في الحديث القائل: >الحكمة ضالّة المؤمن<(1).
فيكون قوله تعالى: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ * لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} بلحاظ الكمال والحالات المعنويّة.
ويمكن القول بأنَّ الحالات المعنويّة ضئيلةٌ أو يسيرةٌ؛ لأنَّنا منقطعون عن أهل بيت النبوّة (سلام الله عليهم) الذين هم المصدر الرئيسي للتكامل والعطاء، ولا يختصّ ذلك بزماننا فقط، بل حتّى في زمنهم^؛ لانقطاع الناس عنهم من جهةٍ، مع أنَّ الأئمة^ لا يعطون كلّ معارفهم، بل يراعون ما يناسب حال الناس ونضجهم من جهة أُخرى؛ لوضوح عدم قدرة كلّ فردٍ على تحمّل علومهم^.
وينبغي هنا أن نضيف إلى ما تقدّم ذكره في الحديث عن الضريع: أنَّ المشهور هنا قال بأنَّ الضريع اسم نبات لا تأكله الإبل(2).
وسبق منّا أنَّ المعاني اللغويّة غير ذلك، فمعنى ضريع: خاشع وذليل، وضرع الشاة ما يكون فيه لبن الشاة، ويمكن أن يُقال بأنَّ التنكير دليلٌ على عدم إرادة ما ذهب إليه المشهور؛ إذ لو كان النبات مراداً للزم الإتيان بالألف واللام، فالأفصح أن يدخل الألف واللام للدلالة على إرادة النبات مثلاً،
ــــــ[20]ــــــ
(1) الكافي 8: 167، حديث الناس يوم القيامة، الحديث 186، الأمالي (للشيخ الطوسي): 625، المجلس 30، الحديث 3، وعوالي اللئالي 4: 81، الحديث 82.
(2) أُنظر: إعراب القرآن وبيانه 10: 456 سورة الغاشية، الجامع لأحكام القرآن 21: 29، تفسير سورة الغاشية، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 325-326، تفسير سورة الغاشية، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فيقول: الضريع بدل ضريع، والقرآن لا يختار إلّا الأفصح.
ومعه يتّضح أنَّ التنكير دليلٌ على عدم ارادة النبات، وبحسب القياس المنطقي الاستثنائي بأن يُقال: لو كان هو النبات لدخلت الألف واللام، ولكنّها لم تدخل، إذن ليس المراد النبات.
إلَّا أنَّنا لو تنزّلنا وقلنا: إنَّ المتعيّن من المعاني للضريع هو ما أفاده المشهور، فحينئذٍ تتنقّح لدينا عدّة أُطروحات في سبب ترك الألف واللام.
الأُطروحة الأُولى: أنَّه جرّده عن الألف واللام احتقاراً للضريع.
الأُطروحة الثانية: أنَّه جرّده عن الألف واللام للتهويل وإعطاء الأهمّيّة للضريع؛ لصعوبة أكله، ولو دخل الألف واللام كان بمنزلة العهد إلى ضريعٍ معيّنٍ، فاحتاج السياق إلى ترك الألف واللام من هذه الناحية.
الأُطروحة الثالثة: أنَّه ترك الألف واللام إشعاراً بقلّته، ولو دخل الألف واللام لناسب القلّة والكثرة معاً، فاحترز عن دخولها، كما أنَّ دخول (من) التبعيضيّة {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ} تزيد في دلالته على القلّة.
وفائدة الإشارة إلى القلّة هو بيان كونها من جملة وسائل تعذيب الإنسان، فالذي ليس له رزقٌ يكفيه أن يكون ذلك تعذيباً له بطبيعة الحال.
الأُطروحة الرابعة: أنَّ السياق لا يناسب دخول الألف واللام؛ إذ لو قال: (ليس له طعامٌ إلّا من الضريع) لاختلّ السياق القرآني، وينبغي أن يكون ذلك واضحاً من الناحية الذوقيّة والأدبيّة.
كما أنَّه تحسن الإشارة إلى أنَّنا أشرنا إلى أُطروحتين في الآيات السابقة:
الأُولى: أنَّ مضامينها إنَّما تتحقّق في الآخرة، كما عليه المشهور.
الثانية: أنَّ مضامينها تتحقّق في الدنيا، وهو أمرٌ معقولٌ في نفسه.
ــــــ[21]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وحينئذٍ نقول: إنَّ في قوله تعالى: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ * لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} تجري الأُطروحتان أيضاً، فإمّا أن يُراد به ظرف الدنيا، أو يُراد به ظرف الآخرة.
ولنشر هنا إلى نزرٍ ممّا يرجع إلى قوله تعالى: {لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ}؛ فقد تقدّم عدم دلالته على العذاب الشديد وهو ليس من قبيل قوله تعالى: {كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ}(1) ونحو ذلك.
وحينئذٍ يمكن أن نضع ذلك في سياق أُطروحة سابقة، بأن نقول: إنَّ المراد من الوجوه العاملة الناصبة هي العابدة في الدنيا عبادة باطلةً غير مخلصة، كما عليه بعض التفسيرات، فقوله تعالى: {تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ * لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} إشارةٌ إلى مستوى من العذاب وإلى مستوى من الناس لا مطلقاً.
ولنعطف الكلام إلى ما حكاه السيّد الطباطبائي+ حول تفسير سبب ترك العطف في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ}، أي: لماذا قال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ} ولم يقل: (ووجوه يومئذٍ ناعمةٌ) عطفاً على قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ}؟
قال في >الميزان<: قيل: ولم يعطف على قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} إشارةً إلى كمال البينونة بين حالي الفريقين(2).
والغرض: أنَّ بين الفريقين كمال الافتراق والبينونة؛ إذ لو كان هناك تعاطفٌ (أي: حرف عطف) لكان يُوحي بشيءٍ من التقارب، مع أنَّه لا تقارب مطلقاً.
ــــــ[22]ــــــ
(1) سورة الدخان، الآيتان: 45-46.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 274، تفسير سورة الغاشية.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
إلّا أنَّ ما أشار إليه السيّد الطباطبائي+ تحت عنوان (قيل) أحد الأُطروحات في المسألة، وفي قبال ذلك أُطروحات أُخرى:
منها: أن نحتمل وجود قراءة أُخرى بحرف العطف: (ووجوه يومئذٍ ناعمة)، وتكون قراءةً كسائر القراءات، والقراءة بحرف العطف لا تنافي السياق اللفظي أو فصاحة القرآن، وما لا ينافي ذلك يمكن احتماله، وإن لم يكن بين أيدينا بحسب القراءات المتعارفة.
ومنها: أن يُقال بأنَّه لو استعمل حرف العطف لعطفَ على جملةٍ بعيدٍة، والعطف على البعيد بعيدٌ أو مستهجنٌ، ونحن نجلّ السياق القرآني عن العطف المستهجن.
ومنها: أن يُقال: لو عطف وقال: (ووجوه يومئذ ناعمة) فقد يتخيّل السامع أنَّ العطف على ما هو قريبٌ، أي: على الآية السابقة مباشرةً، أعني: قوله تعالى: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ * لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ}. فكأنَّ هذه الوجوه أيضاً ليس لها طعامٌ إلّا من ضريعٍ، ودفعاً لهذا التوهّم قطع السياق السابق، ولم يستعمل حرف العطف.
ومنها: أن يُقال: إنَّ العطف لا ضرورة له، وإذا كان كذلك كان تركه اختياريّاً.
ومنها: أن يُقال: إنَّ هذه السورة فيها طوائف متعدّدةٌ من الآيات، وكلّ طائفةٍ منها متشابهةٌ فيما بينها، ولها حالاتها الخاصّة، فتركَ العطف لكي يفصل كلّ طائفةٍ عمّا عداها.
وقد تسأل عن بيان هذه الطوائف فنقول: إنَّ هذه الطوائف على النحو التالي:
الطائفة الأولى: طائفة العذاب، كما في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ
ــــــ[23]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
* عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ}.
الطائفة الثانية: طائفة الثواب، كما في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً} إلى قوله تعالى: {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}.
الطائفة الثالثة: طائفة الآيات الآفاقيّة في قوله تعالى: {أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ} إلى قوله تعالى: {وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}.
الطائفة الرابعة: وهي طائفة النتيجة المستخلصة، وهي التذكير بطريق الهداية وبيان عاقبة المتخلّف عن ذلك الطريق، كما في قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} إلى آخر السورة.
فهذه الطوائف لكلّ واحدةٍ منها درجةٌ من الأهمّيّة، ولابدّ من تنبيه السامع إليها من خلال الفصل وترك العطف.
وأمّا (ناعمة) في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ} فأصلها في اللغة من النعمة، نعَمَ ينعمُ فهو ناعم، ولذا ذكره الراغب في مادّة (نعم).
قال في >مفرداته< في مادّة (نعم): النعمة الحالة الحسنة، أي: العيش الحسن. وأضاف قائلاً: والنعمة التنعّم، وبناؤها بناء المرّة من الفعل، كالضربة والشتمة. والنعمة للجنس تُقال للقليل والكثير. قال: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا}(1)، {اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}(2)، {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}(3)،
ــــــ[24]ــــــ
(1) سورة إبراهيم، الآية: 34.
(2) سورة البقرة، الآية: 40.
(3) سورة المائدة، الآية: 3.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
{فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ}(1) إلى غير ذلك من الآيات(2).
ولنا على ما أفاده تعليقان:
الأوّل: أنَّ النعمة ليست مجرّد الحالة الحسنة حسب زعم الراغب، بل إعطاؤها والتفضّل بها نعمةٌ، يُقال: أنعم عليّ، أي: أعطاني.
والحالة الحسنة أثرٌ ونتيجةٌ للنعمة، وليست هي النعمة، وإنَّما النعمة عطاءٌ يعطيه المنعم.
وممّا يؤيّد كلامنا قول الراغب في موضعٍ آخر، قال: وتنعّم تناول ما فيه النعمة وطيب العَيش، يُقال: نعّمه تنعيماً فتنعّم، أي: جعله في نعمةٍ، أي: لين عيشٍ وخصبٍ. قال: {فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ}(3) وطعامٌ ناعمٌ وجاريةٌ ناعمةٌ(4).
ومن هنا ننطلق إلى التعليق الثاني:
الثاني: أنَّ الغالب في استعمال مادّة (نعم) في سبب اللذّة واللين، فاللين في الطعام سبب اللذّة، واللين في الجارية سببٌ للذّة، فنسمّي اللين ناعماً حينئذٍ.
ثُمَّ إنَّه لابدّ من الالتفات إلى أنَّ سبب اللذّة قد يكون أملس بالنسبة إلى الطعام والنساء، فنسمّي الأملس ناعماً؛ لأنَّه سبب النعمة، فكلّ أملس ناعمٌ، وكذلك كلّ ليّنٍ ناعمٍ.
فيُلاحظ: أنَّه قد أنتج لدينا معاني لغويّةً عرفيّةً، وسوف ندخل في فهم
ــــــ[25]ــــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 174.
(2) مفردات ألفاظ القرآن:520، مادّة (نعم).
(3) سورة الفجر، الآية: 15.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 520، مادّة (نعم).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
معنى (الناعمة) في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ} على ضوء هذه المعاني اللغويّة فنقول:
إنَّ في معنى (الناعمة) عدّة أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: ناعمة، أي: نعمة، ويكون المراد من الوجوه (ذوو الوجوه)، أي: الأفراد والأشخاص أنفسهم، ويكون المراد: أنَّ الناس في نعمة ناعمين، أي: منعّمين.
الأُطروحة الثانية: أن يُستعمل اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول، فناعم بمعنى منعَم، أي: نعّمه الله تعالى وأنعم عليه، والوجوه هم الأشخاص أيضاً، لا الوجه بالتعيين.
الأُطروحة الثالثة: أن يُراد بناعمة ملساء؛ لشدّة الراحة واللذّة الموجودة في الآخرة أو في الدنيا أو في أيّ مكان توجد فيه الراحة الحقيقيّة. ويُراد بالوجوه الوجوه نفسها، لا ذوو الوجوه، فيكون معنى الآية حينئذٍ: أنَّ وجوههم ناعمةٌ ملساء من شدّة الراحة.
الأُطروحة الرابعة: أن تكون ناعمة بمعنى: ليّنة، وهذا يختلف عن الوجه السابق؛ إذ الليّن غير الأملس.
وبعد ذلك نحاول الإشارة إلى بعض الأُطروحات التي يمكن أن تضاف إلى ما تقدّم بخصوص قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ}.
منها: ما تقدّم من أنَّ (ناعمة) بمعنى: التي يظهر أثر النعمة عليها؛ لكثرة الشعور باللذّة والراحة.
ومنها: أن يُقال: إنَّ (ناعمة) أي: التي يظهر عليها أثر النعمة، من السرور والفرح، فوجوه يومئذٍ ناعمة، أي: مسرورة وفرحة.
ــــــ[26]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ومنها: أن يُراد بأثر النعمة الصحّة، وهذا الاحتمال يناسبه المقابلة مع قوله تعالى: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ * لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} فوجوه يومئذٍ ناعمة، أي: بحالةٍ وصحّةٍ جيّدةٍ، وهي ليست كالوجوه التي ليست لها طعامٌ إلّا من ضريعٍ.
ومنها: أنَّ الناعمة هي: التي يظهر عليها أثر نعمة الله تعالى من نور الوجه، كما إليه الإشارة بقوله تعالى: {نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا}(1).
ومنها: أن يُقال بظهور أثر النعمة المعنويّة على الوجوه، وهي الخشوع، فناعمة بمعنى: خاشعة.
وقد يُشكل من خلال ما طرحناه في بعض الأُطروحات السابقة: بأنَّ الله تعالى ذكر فريقين: فريق الجنّة وفريق النار بقوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} الذي هو إشارةٌ إلى أهل النار، و{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ} الذي هو إشارةٌ إلى أهل الجنّة. مع أنَّه قد تقدّم آنفاً – بحسب بعض الأُطروحات- أنَّ الفريق الأوّل هم أهل الجنّة وأهل الخير، فقيل: إنَّ {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} بمعنى: عابدة، و{تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} من شدّة بلاءات الدنيا، و{لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ} بمعنى أنَّ خير الدنيا أو الكمالات المعنويّة ضئيلةٌ يسيرةٌ في حقّهم ونحو ذلك. وعلى هذا يكون كلا الفريقين من أهل الجنّة، وهو خلاف السياق القرآني وظاهره؟
والغرض: أنَّ الفقرات الأُولى من السورة – على ما تقدّم في بعض الأُطروحات السابقة- تتّحد مع الفقرات الثانية منها، مع أنَّ الظاهر أنَّ بينهما
ــــــ[27]ــــــ
(1) سورة التحريم، الآية: 8.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
كمال التباين والافتراق على حدّ تعبير السيّد الطباطبائي+(1).
وأنت خبيرٌ بأنَّه لا محذور في أن يكون كلا الفريقين على درجةٍ واحدةٍ من التنظير، كما لا منافاة في أن يكون كلا الفريقين في العالم نفسه، أي: في الدنيا أو في الآخرة، ولا دليل على أنَّ قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} و{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ} وما بعدهما من الآيات يلزم منه أن تكون متباينةً ومتضادّةً فيما بينها، أو أنَّ العوالم التي تحقّقت بها مختلفةٌ، وإن كان ما فهمه المشهور هو التباين والافتراق، إلّا أنَّنا غير ملزمين بفهم المشهور.
وحينئذٍ يمكن أن يقال: إنَّ الاحتمالات -في ظرف تحقّق تلك الطوائف- أربعة:
الأوّل: أن تكون كلا الطائفتين في الدنيا.
الثاني: أن تكون كلا الطائفتين في الآخرة.
الثالث: أن تكون الأُولى في الدنيا والثانية في الآخرة.
الرابع: عكس الاحتمال الثالث.
ولمزيد من التوضيح نقول:
أمّا القول بأنَّ كلا الفريقين في الآخرة فهو ما فهمه المشهور، وأمّا أن تكون كلاهما في الدنيا فهذا ينسجم مع بعض الأُطروحات التي فسّرت الوجوه العاملة الناصبة بالوجوه الخيّرة العابدة التي تذوق البلاء في الدنيا، والوجوه الناعمة هي الناعمة والمتنعّمة في الدنيا أيضاً.
وأمّا القول بأنَّ الأُولى في الدنيا والثانية في الآخرة فلأنَّ الأُولى في الدنيا من خلال البلاء الدنيوي الذي يصيب المؤمنين، والثانية في الآخرة من خلال
ــــــ[28]ــــــ
(1) راجع الميزان في تفسير القرآن20: 274، تفسير سورة الغاشية.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أنَّ العاقبة الحسنة للمؤمن هي الجنّة.
وأمّا كون الأُولى في الآخرة والثانية في الدنيا فهي أُطروحةٌ بعيدةٌ عن ظاهر سياق الطائفتين الأُولى والثانية.
نعم، يمكننا أن نقول: إنَّ الأُولى لمجموع الدنيا والآخرة؛ حسبما تقدّم في بعض الأُطروحات من: أنَّ الوجوه العاملة الناصبة في الدنيا: إمّا عاملةٌ ناصبةٌ للعمل الدنيوي فـ{تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} في الآخرة؛ وإمّا عاملة ناصبة للعبادة المزوّرة فـ{تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} أيضاً؛ لأنَّها وإن كانت عاملةً أي: عابدةً، إلّا أنَّ هذه العبادة لم تكن خالصةً، ولذلك تصلى ناراً حاميةً في الآخرة؛ لمكان عدم إخلاصها في عبادتها في الدنيا. وبهذا البيان نكون قد صوّرنا كيف يمكن أن تكون الطائفة الأُولى لمجموع الدنيا والآخرة معاً.
وحول الطائفة الثانية يمكن أن نقول: إنَّها لمجموع الدنيا والآخرة، فيمكن حصولها في الآخرة ببيان: أنَّ الجنّة لا تُنال إلّا بعد الموت، ويمكن أيضاً حصولها في الدنيا بتقريب: أنَّ الجنّة المعنويّة ينالها المؤمن في الدنيا كما ينالها في الآخرة.
****
قوله تعالى: {لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ}:
الضمير في قوله تعالى: {لِسَعْيِهَا} يعود إلى الوجوه، والسعي عبارة عن التحرّك والعمل، وهو ظاهرٌ في التحرّك الاختياري، وإن أمكن فهم الأعمّ من الاختياري والاضطراري، والسعي قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة. وتبعاً لذلك نقول: يمكن أن يُستفاد أنَّ الرضا في قوله تعالى: {لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة. ثُمَّ إنَّ الرضا من الأُمور الإضافيّة،
ــــــ[29]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فلابدّ من وجود المرضي عنه، وهو محذوفٌ، إلّا أنَّه يمكن تقريبه على ثلاثة أنحاء:
الأوّل: أن يكون المرضي عنه هو حال الشخص في الدنيا.
الثاني: أن يكون المرضي عنه هو حال الشخص في الآخرة.
الثالث: أن يكون المرضي عنه هو الله تعالى.
كما أنَّ اللام في {لِسَعْيِهَا} ينبغي أن لا يُغفل عنها كما غفل عنها المفسّرون، فهل اللام بمعنى السببيّة، أي: لأجل، أو بمعنى (عن)؟
وفي مقام الجواب نقول: إنَّها بمعنى (عن) في ضوء بعض الأُطروحات التي تنسجم مع فهم المشهور، فيكون المعنى: عن سعيها راضية. وأمّا الاحتمالات المتصوّرة في قوله تعالى: {لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} فهي كما يلي:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ الإنسان يرضى عن سعيه الدنيوي في الدنيا من خلال شهرته وعلمه وكسبه، ولا حاجة إلى تخصيص هذا السعي بالحلال أو الحرام، بل هو أعمّ منهما.
الأُطروحة الثانية: أنَّ الإنسان يرضى عن أعماله في الدنيا، لا عن أعماله الدنيويّة، كما في الأُطروحة السابقة، بل عن أعماله الأُخرويّة، كالصلاة والصوم، وهذا ما فهمه المشهور من هذه الآية {لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ}، أي: لعملها الصالح راضية(1).
الأُطروحة الثالثة: ما ذهب إليه السيّد الطباطبائي+ في >الميزان< من: أنَّ الإنسان حينما يدخل الجنّة في الآخرة يقول: إنَّ طاعتي في الدنيا مقبولةٌ
ــــــ[30]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير القرآن العظيم (لابن كثير) 8: 377، تفسير سورة الغاشية، الجامع لأحكام القرآن 21: 32، تفسير سورة الغاشية، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ومرضيّةٌ، ولذلك أجزاني الله الجنّة عليها، فيرضى في الآخرة عن سعيه في الدنيا(1).
الأُطروحة الرابعة: أنَّها راضيةٌ في الدنيا بقضاء الله وقدره؛ لأنَّ غير الساعي لن يرضى بقضاء الله وقدره، بل تراه يعترض على قضاءه؛ لوضوح أنَّه لا يتحمّل ما يصيبه من البلاء.
الأُطروحة الخامسة: أنَّها راضيةٌ في الآخرة لسعيها بالآخرة، بتقريب: أنَّ الإنسان عندما يؤمر به إلى الجنّة سوف يسعى لها ويمشي برجله إليها، فيرضى العبد بهذا السعي نحوها.
وربما يلحق بذلك أيضاً أنَّ الإنسان المستحقّ لجهنّم قد يرضى بذهابه وسعيه إلى جهنّم؛ لاعتقاده أنَّ جهنّم تطهّر ذنوب الإنسان، كي يستحقّ مغفرة الله، وهذا نظير ما نشاهده من أنَّ البعض يرمي بنفسه في البلاء الاختياري لأجل الجنّة.
الأُطروحة السادسة: أنَّ اسم الفاعل قد يأتي بمعنى اسم المفعول، كما في قوله تعالى: {رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً}(2)، فيكون قوله تعالى: {لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} بمعنى: مرضيّة؛ لأجل سعيها وطاعتها.
ولابدّ من الإشارة إلى أنَّ بعض هذه الأُطروحات المتقدّمة قد لا تنسجم مع الآية اللاحقة لها، أعني: قوله تعالى: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ}؛ فالأُطروحة الدالّة على أنَّ الإنسان يرضى عن طاعته في الدنيا بتخيّل أنَّه إنَّما دخل الجنّة بعمله لا يمكن أن تكون عاقبته {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ}؛ لأنَّ مردّه إلى جنّةٍ دانيةٍ.
ــــــ[31]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 274، تفسير سورة الغاشية.
(2) سورة الفجر، الآية: 28.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قوله تعالى: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}:
ويجدر بنا التعمّق إجمالاً في فهم معنى العلوّ في قوله تعالى: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ}.
فنقول: يمكن أن نتصوّر العلوّ المطلق، كما يمكن أن نتصوّر مطلق العلوّ(1)، مع الالتفات إلى أنَّ كلّ جنّةٍ هي عالية، ولا أقلّ هي عاليةٌ بالنسبة إلى الدنيا أو بالنسبة إلى جهنّم، فهي أحسن حالاً منهما.
ثُمَّ إنَّ الجنّة: إمّا أن تكون في الدنيا، وإمّا أن تكون في الآخرة، وإمّا أن تكون مادّيّة، وإمّا أن تكون معنويّة، وبذلك تكون المحتملات أربعة.
الاحتمال الأوّل: أن تكون الجنّة مادّيّةً في الدنيا، كما يمكن التمثيل لها بالغنى والثراء والسعادة، وهذه الجنّة لا قيمة لها بالإضافة إلى الحالات المعنويّة.
الاحتمال الثاني: أن تكون الجنّة معنويّةً في الدنيا في ضوء ما يناله الإنسان من تكاملٍ روحي ومعنوي.
الاحتمال الثالث: أن تكون الجنّة مادّيّةً في الآخرة، وهي الجنّة العرفيّة والمتشرّعيّة، التي تسمّى بجنّة أصحاب اليمين، وهي إمّا جنّةٌ مادّيّةٌ حقيقيّةٌ، أي: من نوع المادّة الدنيويّة، وإمّا جنّة صوريّة، كالجنّة المادّيّة، إلّا أنَّها ليس لها جرمٌ ومادّةٌ، وإن تمتّع الإنسان بها، مع أنَّها غير مادّيّة.
الاحتمال الرابع: أن تكون الجنّة جنّةً معنويّةً في الآخرة، وهي أسمى أقسام الجنّة، وتسمّى بجنّة المقّربين.
ثُمَّ إنَّه قد يشكل على تفسير قوله تعالى: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} بالعلوّ المطلق
ــــــ[32]ــــــ
(1) العلوّ المطلق: أعلى درجات العلوّ، ومطلق العلوّ: درجةٌ من درجاته ومرتبةٌ من مراتبه.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بغير واحدٍ من الإشكالات:
منها: أن يُقال: إنَّ فهم العلوّ المطلق بحاجةٍ إلى سياقٍ أو قرينةٍ من قبيل: وجود الألف واللام ونحو ذلك، مع أنَّ القرينة مفقودةٌ، ومع عدم القرينة يحمل قوله تعالى: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} على مطلق العلوّ.
ويُلاحظ عليه: أنَّ فهم مطلق العلوّ بحاجةٍ إلى الألف واللام أيضاً، لا أنَّ العلوّ المطلق بحاجةٍ إلى الألف واللام فقط.
ومنها: أن يُقال: إنَّ الجنّة في قوله تعالى: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} نكرةٌ، و(عالية) صفةٌ للجنّة، والتنكير سببٌ لعدم فهم العلوّ المطلق، فمعنى (جنّة عالية) أنَّها من بعض الجنان العالية، ولا يلزم أن يكون معناها أنَّها أعلى الجنان.
ويرد عليه: أنَّ هذا الإشكال وإن كان أوفق بالظهور العرفي، إلّا أنَّه يمكن أن يُجاب عنه بأمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ قوله تعالى: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} من باب (كلّم الناس على قدر عقولهم)، وإلَّا فهناك جنّةٌ عاليةٌ جدّاً، إلّا أنَّ الغرض ليس الدخول في تفاصيلها التي هي فوق عقول البشر، ولذلك قال تعالى: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} بتنكير الجنّة.
الأمر الثاني: أن نقول: إنَّه لعلّه أخذ بنظر الاعتبار البشارة لأكبر عددٍ ممكنٍ من الناس، وإذا قيل: إنَّ نيل الجنّة العالية متعذّرٌ، فإنَّه يُقال: إذا لم يكن المؤمن في الجنّة العالية جدّاً التي هي أعلى الجنان، كان في مرتبة أدنى منها، وهي جنّةٌ أيضاً.
ومنها: أن يُقال: إنَّ الجنّة العالية التي ورد في وصفها وبيانها أنَّها: {لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ
ــــــ[33]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
مَصْفُوفَةٌ} إن لم تكن فيها هذه النعم كانت جنّةً متدنيّةً، وإن اشتملت عليها فهي جنّة أصحاب اليمين لا جنّة المقربين؛ إذ لو كانت جنّة المقربين لما احتاج إلى ذكر هذه الأوصاف؛ لأنَّ جنّان المقرّبين هي محض الخشوع لله سبحانه، وأنَّ هذه الأوصاف والنعم لا قيمة لها في نظرهم، ومعه لا تكون إلّا جنّة مّا، والعلوّ هنا مطلق العلوّ، لا العلوّ والنعيم المطلق الذي يختصّ به المقرّبون.
ويمكن الجواب عنه: بما أفاده المشهور(1) من: أنَّ هناك مصاديق وحصصاً لهذه الأوصاف والنعم المذكورة، إلّا أنَّها ليست عين هذه الأوصاف، فهناك قصور، إلّا أنَّها ليست كالقصور الموصوفة، وهناك حورٌ عينٌ إلّا أنَّها ليست بالمعنى الذي يفهمه سائر البشر، وهناك أكوابٌ وأباريق إلّا أنَّها ليست بالمعنى المادّي المعهود، بل كلّ ذلك بمعنىً روحي ومعنوي عالٍ، ومن هنا نقول: إنَّ هذه الأوصاف والنعم المذكورة لا يلزم أن تكون لجنّة أصحاب اليمين.
نعم، إن فهمنا هذه الأوصاف والنعم حسب فهم أهل الدنيا تعيّن كونها لأصحاب اليمين، فيجري الإشكال المتقدّم، بخلاف ما لو فهمناها بحسب فهم أهل المعرفة؛ إذ قد يتعيّن اختصاصها بجنّة المقرّبين.
****
قوله تعالى: {أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كيف خلقت}(2):
في بداية البحث نحاول الإجابة عن السؤال التالي: ما العلاقة بين الإبل
ــــــ[34]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير القرآن العظيم (لابن كثير) 7: 10، تفسير سورة الصافّات، تفسير المراغي 23: 57، تفسير سورة الصافّات، وغيرهما.
(2) لم نعثر على ما أفاده السيّد الشهيد الصدر+ في تفسير الآيات 11- 16 من سورة الغاشية، فلاحظ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والسماء والجبال والأرض في قوله تعالى: {أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}؟
قد يُقال: إنَّه لا يوجد في الحقيقة أيّ ارتباطٍ بينها، إلّا أنَّه يمكن أن يُقال أيضاً: إنَّ هذه الأُمور بوصفها أفعالاً لله سبحانه؛ لأنَّه خلقها بيده، فله أن يختار منها ما هو أقرب إلى الحسّ والمشاهدة العرفيّة؛ لكي يتأمّل فيها الإنسان.
أو نقول: إنَّ هذه الموجودات لا خصوصيّة لها، بل هي كسائر مخلوقات الله تعالى، وإنَّما ذُكرت لمجرّد المثال والإشارة إلى قدرة الله تعالى.
وقد أجاب الرازي عن ذلك بما محصّله: فإن قيل: أيّ مجانسةٍ بين السماء والإبل والجبال والأرض حتّى جمع بينها؟
قلنا: لمّا وصف الله تعالى الجنّة بما وصف، عجب من ذلك الكفّار، فذكّرهم بعجائب صنعه. وقال قتادة: لمّا ذكر ارتفاع سرر الجنّة قالوا: كيف نصعدها؟ فنزلت هذه الآية {أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} للنهوض بالأثقال وحملها إلى البلاد البعيدة، وجعلت تبرك حتّى تحُمّل وتركب عن قرب ويسر، ثُمَّ تنهض بما حملت، فليس في الدوابّ ما يحمل عليه وهو بارك ويطيق النهوض إلّا هي، وسخّرت لكلّ من قادها حتّى الصبي الصغير. ولمّا جعلت سفائن البّر اعطيت الصبر على احتمال العطش عشرة أيّام فصاعداً، وجعلت ترعى كلّ نباتٍ في البراري ممّا لا يرعاه سائر البهائم. ثُمَّ قال: وإنَّما لم يذكر الفيل والزرافة وغيرهما ممّا هو أعظم من الجمل؛ لأنَّ العرب لم يروا شيئاً من ذلك، ولا كانوا يعرفونه(1).
ــــــ[35]ــــــ
(1) أُنظر: مفاتيح الغيب 31: 144، تفسير سورة الغاشية، زاد المسير في علم التفسير 4: 436، تفسير سورة الغاشية، ولباب التأويل في معاني التنزيل 4: 421، تفسير سورة الغاشية.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أقول: الأنسب في الجواب أن يُقال: بأنَّه لم يمثّل بالفيل والزرافة وغيرهما ممّا هو أعظم من الجمل؛ لأنَّ الضخامة والكبر والصغر لا مساس لها في التمثيل؛ فالله سبحانه قد مثّل بالنملة؛ لأنَّه تعالى أراد إظهار قدرته، وقدرته تتجلّى بالصغير والكبير على حدٍّ سواء.
ثُمَّ إنَّ ما أفاده الرازي من أنَّ العرب لم يروا شيئاً من ذلك ولا كانوا يعرفونه لا يخلو من غرابةٍ؛ لأنَّ العرب كانوا يعرفون الفيلة جيّداً.
وقد يُقال أيضاً: لماذا مثّل بالجبال مع أنَّ العرب أيضاً لم يروها وإن كانوا يعرفونها؟ نعم، كان لديهم تصوّر إجمالي عن معنى الجبال، إلّا أنَّ أغلب عيشهم وحياتهم كان في البيداء والصحراء، وهذا ما يفسّر لنا خلوّ أشعار الجاهليّة من ذكر الجبال. ومع ذلك لنا أن نقول أيضاً بأنَّ العرب وإن لم يكن لديهم عهدٌ بالفيل والزرافة ونحوها ممّا هو أعظم من الإبل في الخلقة، إلّا أنَّه لا بأس بأن يصوّر المولى سبحانه صوراً للدنيا تختلف عن الذوق الجاهلي المتعارف، أي: يمكن أن لا يؤخذ الفهم المعاصر للمجتمع بنظر الاعتبار.
وأمّا القاعدة القائلة بضرورة (تكليم الناس على قدر عقولهم) فيكفي فيها أن يكون اللفظ مفهوماً ولو إجمالاً، مع أنَّ من الضروري الحديث مع المجتمع بغير ما هو متعارفٌ أحياناً؛ لكي يتطوّر المجتمع بخلق مفاهيم جديدةٍ تفتح الطريق أمام حقائق غائبةٍ عن تصوّر الناس والمجتمع.
ثُمَّ إنَّه يمكن أن نشير إلى الوجه في ذكر الإبل على عدّة مستويّات:
المستوى الأوّل: بأنَّ الإبل من الحيوانات التي تسمع وترى وتأكل وتمشي، وبهذا اللحاظ تتساوى مع غيرها من المخلوقات، والله سبحانه اختار ذكر الإبل دون غيرها لأمرٍ راجع إليه؛ فهو مختارٌ، والمختار لا يُقال له: لم
ــــــ[36]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
تكلّمت بهذا ولم تتكلّم بذاك؟
المستوى الثاني: أنَّه ذكر الإبل للمزايا والصفات الموجودة فيها من قبيل: الصبر والتحمّل والقدرة على السفر ونحو ذلك ممّا لا يتوفّر في غيرها.
المستوى الثالث: أنَّه ذكر الإبل باعتبارها أقرب شيء إليهم؛ لأنَّهم يعرفونها حقّ المعرفة.
المستوى الرابع: أن ننظر إلى الإبل بوصفها مأكولة اللحم، ومع أنَّهم كانوا يسافرون عليها فترات طويلة، كانوا إذا جاعوا ذبحوها وأكلوا لحمها وشربوا ما في أجوافها من مياه، بل حتّى أبوالها عند الضرورة، وما ذُكر لا يتوفّر في غيرها من الحيوانات؛ فالخيل لا يُشرب بولها، كما أنَّ لحمها أصلب من لحم الإبل، إضافةً إلى الكراهة الشرعيّة والعرفيّة، مع أنَّ الإبل لا كراهة في أكل لحومها لا شرعيّاً ولا عرفيّاً.
المستوى الخامس: أنَّ أعضاء بدن الإبل تختلف عن أعضاء سائر الحيوانات من الناحية الباطنيّة، كالخلايا والعظام، ومن الناحية الظاهريّة، كالوبر والسنام وغيرها، وهو ما يوجب امتيازها عن سائر الحيوانات.
كان ما تقدّم إشارة إلى المستويات التي يمكن أن نفهمها من الأمر بالنظر إلى الإبل دون سائر الحيوانات، وقد تقدّمت عدّة وجوه، وقبل ذكر الوجوه الأُخرى نريد التنبيه على ضرورة النظر إلى العالم الآخر من هذا الحيوان؛ لأنَّنا نعلم أنَّ لكلّ شيءٍ وجوداً دنيويّاً ووجوداً أُخرويّاً، أو مادّةً وملكوتاً، كما قال تعالى: {مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}(1). وقولنا: إنَّ لكلّ شيءٍ مادّةً بمعنى ما هو ملحوظٌ في عالم الإمكان، لا كلّ شيء على الإطلاق،
ــــــ[37]ــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 75.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بل المراد الأشياء الملحوظة الخارجيّة بما فيها الإبل؛ فإنَّ مادّة الإبل وجودها الخارجي، وما وراء المادّة يمثّل عالم الملكوت، كما أشار إليه القرآن في غير موضعٍ منه، مع أنَّه يبدو أنَّ الملكوت عالم لكلّ من السموات والأرض.
والأمر بالنظر للإبل يشمل الجانب المادّي والمعنوي، وما ذكرناه من وجوهٍ في سبب اختيار الإبل دون غيرها كان بحسب ما يظهر لنا من الجانب المادّي من مميّزات وخصائص، وسوف نذكر بعض الوجوه الأُخرى، ومن ثُمَّ نحاول أن نتعمّق أكثر لنصل إلى الجوانب المعنويّة؛ فإنَّ الله سبحانه يسرّ للإنسان إمكانيّة الاطّلاع والتعرّف على كلا الجانبين مع مراعاة المقدّمات في ذلك.
إن قلت: إنَّ ما ذُكر ممّا يختصّ به الأنبياء، كما وردت الإشارة إليه في القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ}(1).
قلت: يمكن الجواب عنه من عدّة وجوه، إلّا أنَّنا نكتفي بالجواب النقضي بالإشارة إلى قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ}(2) وما نحن بصدده من قوله تعالى: {أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} ما يدلّ على أنَّ النظر إلى عالم الملكوت لا محذور فيه، بل هو واقعٌ، فلا يختصّ به الأنبياء؛ لأنَّ الآيات التي ذكرناها عامّة لا خاصّة بالأنبياء، وكون ذلك متعذّراً أو خاصّاً بالأنبياء من الأوهام الباطلة؛ فكلّ شيءٍ ينظر إليه الإنسان فله أن يرى فيه الجانب المادّي أو الجانب المعنوي.
ــــــ[38]ــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 75.
(2) سورة الأعراف، الآية: 185.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ويمكن أن يُقال أيضاً بالإضافة إلى ما تقدّم بأنَّ الملكوت على درجات: منها ما هو أعلى، ومنها ما هو أدنى، والملكوت الأعلى يمكن أن يختصّ به الأنبياء، وأمّا الملكوت الأدنى فلجميع الناس أن ينالهوه.
إلّا أنَّ ما ذكر غير وجيهٍ أيضاً؛ لأنَّه مخالفٌ لظاهر الشريعة التي صرّحت في موارد كثيرة بأنَّ الإنسان كلّما سعى في تحصيل المقدّمات الموصلة إلى الكمال كان أعلى بصراً وبصيرةً وأسمى فهماً، سواء كان نبيّاً أم غير نبيٍ، نحو قوله تعالى: {فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}(1).
ثُمَّ إنَّنا في مقام الإجابة ذكرنا عدّة وجوه، منها ما نقلناه عن الرازي من المميّزات الخاصّة الظاهريّة والباطنيّة للإبل، إضافةً إلى كونها من الحيوانات المتعارفة في الجزيرة العربيّة وأهمّيّتها في الحياة الاجتماعيّة والعرفيّة آنذاك غير خافيةٍ على أحدٍ منهم.
ثُمَّ أشكل الرازي(2) على نفسه بأنَّ الحيوانات المعهودة المتعارفة آنذاك لا تختصّ بالإبل، بل كان الفرس مثلاً له من الشهرة ما للإبل أو أكثر.
وقد أجاب عن ذلك بأنَّ للجمل نقطتين من القوّة بخلاف الفرس، وهما:
الأوّل: أنَّه أنفع للناس من الخيل؛ فالجمل يستطيع تحمّل السير لمسافاتٍ طويلةٍ أكثر من الخيل.
الثانية: أنَّه أدخل في حياة الإنسان في الجاهليّة وصدر الإسلام من الفرس، كما أنَّ عددها أكثر، وضخامتها ملفتة للنظر وموجبة للانتباه أكثر.
ــــــ[39]ــــــ
(1) سورة ق، الآية: 22.
(2) أُنظر: مفاتيح الغيب 31: 144- 145، تفسير سورة الغاشية.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أقول: يجب التأكيد على أنَّ الضخامة وحدها لا تشكّل أهمّيّةً في الدلالة على قدرة الله تعالى، فقدرته تتجلّى في الصغير والكبير على حدٍّ سواءٍ، والنملة يمكن أن تؤدّي تلك الوظيفة على الرغم من صغر حجمها. ولذلك لا ينبغي أن تجعل الضخامة الأساس في التمثيل لإظهار قدرة الله سبحانه. نعم، يمكن أن تشكّل الضخامة مع الشهرة نقطة قوّةٍ في إبراز قدرة الله سبحانه.
كان هذا ما أجاب به الرازي في المقام، وهناك وجوهٌ أُخرى في الجواب:
منها: ما تقدّم من: أنَّ الله سبحانه ذكر الإبل اختياراً؛ لأنَّ الحيوانات التي تدلّ على قدرته سبحانه كثيرةٌ، ولا يقال: لماذا اختار هذا دون ذاك؟ لأنَّه سبحانه مختارٌ، والمختار له أن يختار ما يشاء، ولا يُسأل عن ذلك.
ومنها: أن نقول: إنَّ الإبل ذُكرت كنموذجٍ، أي: بشرط لا. وبعد التجريد عن الخصوصيّة بالنسبة إلى الإبل تكون الإبل كنموذجٍ لكلّ حيوانٍ يحمل الصفات نفسها، أو صفاتٍ أُخرى تكون دليلاً على قدرة الله تعالى.
ولعلّ ما ذكرناه آنفاً مع ما تقدّم الآن كافٍ في الإجابة عن السؤال المطروح.
وبعد أن كان الكلام عن أهمّ الألفاظ التي وردت في قوله تعالى: {أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ} ينبغي النظر إلى سائر الألفاظ في الآية والسياق العامّ. ومن الموارد الملفتة للنظر الاستفهام الوارد في الآية، الأمر الذي يتطلّب منّا أن نتساءل عن نوعه.
والجواب: أنَّ الاستفهام هنا استنكاري؛ لأجل أخذ الإقرار من المخاطب.
والذي ينبغي التنبيه عليه: أنَّ طلب الإقرار لا يختصّ بالمشاهدة والنظر
ــــــ[40]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
إلى الإبل، وإن كان مفعول هذا الاستفهام هو الإبل؛ وذلك لأنَّنا يمكن أن نعتبر – كما يعتبر ذلك النحويّون- أنَّ كلّ المعطوفات في الآيات التالية داخلة في أصل الجملة، أي: عطف جملةٍ على جملةٍ، فالعطف كما يشرك في الإعراب كذلك يشرك ما بعد العطف بما قبله بالمعنى، فيكون طلب الإقرار من خلال الاستفهام الاستنكاري غير منحصرٍ بالنظر إلى الإبل فقط، بل بالنظر إلى السماء والجبال والأرض، كما في الآيات التالية: {أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}، فيقرّ السامع عند رؤية هذه الموجودات الأربعة، فيخضع ويخشع ويجيب بـ(نعم).
وربما يُقال بأنَّه لماذا قال سبحانه: {كَيْفَ خُلِقَتْ} فاختار الاستفهام بـ(كيف) دون غيرها؟
والجواب عن ذلك: أن نقول: إنَّ الله تعالى اختار (كيف) دون غيرها من أدوات الاستفهام؛ لأنَّ المصلحة تكمن في معرفة كيفيّة خلقتها، فالغرض بيان الكيفيّة دون السؤال عن سبب خلقها والاستفهام عن أنَّها لماذا خلقت؟ أو أين خلقت؟ أو متى خلقت؟ فما ذُكر كلّه لا مصلحة فيه، بل المصلحة في الجواب عن نحو خلق الإبل والالتفات إليه.
وهنا نقول: إنَّ كيفيّة الخلق لها مستويات: مستوى العلّة ومستوى المعلول، والغالب في السؤال عن الكيفيّة هو السؤال عن العلّة، فعندما نقول: كيف صُنع هذا الإبريق أو هذا البساط؟ كان الملاحظ هنا فعل الفاعل، أي: جانب العلّة.
إلّا أنَّ محلّ البحث في الآية هو السؤال عن المعلول لا عن العلّة، فقوله تعالى: {كَيْفَ خُلِقَتْ} سؤالٌ عن التفاصيل والمميّزات التي تتمتّع بها الإبل،
ــــــ[41]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فهو سؤالٌ عن المعلول، وهو سؤالٌ عرفي وصحيح، وليس فيه شيءٌ من النقصان (والعياذ بالله).
وينبغي الإشارة إلى أنَّ جانب المعلول – بمعنىً من المعاني- عين جانب العلّة، فالسؤال عن الكيفيّة والأوصاف يتضمّن السؤال والإشارة إلى جانب العلّة والفاعل.
ولننتقل إلى سؤالٍ آخر مرتبطٍ بالآية، وهو أنَّ النظر في قوله تعالى: {أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} يتعدّى بنفسه من دون حرف جرٍّ، فيُقال: نظرته وأبصرته ونحو ذلك. فلماذا هنا اختار سبحانه الحرف في تعديته، مع أنَّه يمكن أن يقول: (أفلا ينظرون الإبل كيف خلقت؟).
ويُجاب عن هذا السؤال بعدّة أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: أن نقول بأنَّ المسألة اختياريّة، فتعدية النظر بالحرف أمرٌ صحيحٌ وفصيحٌ، كما أنَّ تعديته بدون حرف وجيهةٌ وصحيحةٌ، وليس لنا أن نلزم المتكلّم بأحدهما؛ لصحّة وفصاحة كلٍّ منهما.
الأُطروحة الثانية: أنَّنا نتصوّر بعداً بين الناظر والمنظور، وهذا البعد ذو جانبين: جانبٍ مادّي وجانبٍ معنوي.
أمّا الجانب المادّي فهو أنَّ هذه الموجودات من السماء والجبال بعيدةٌ غالباً عن الإنسان.
وأما الجانب المعنوي فهو أنَّ هذه المخلوقات لم تُذكر عبثاً، بل ذُكرت ليتأمّل الإنسان في حسن خلقتها وجمال تدبيرها وعظمة تكوينها وعظمة خالقها، وإذ كان لها نحوٌ من العظمة والهيبة، كانت هذه الأشياء العظيمة أيضاً بعيدةً، نظير الأُمراء والملوك الذين هم لعظمتهم بعيدون عادةً، كما أن سائر
ــــــ[42]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الأفراد ينظرون إليهم من بعيدٍ.
وحينئذٍ نقول: إنَّ استعمال الحرف (إلى) فيه إشارةٌ وتنبيهٌ على كلا الجانبين، ولو لم يستعمل (إلى) لكان هذا البعد مغفولاً عنه.
فإن قلت: إنَّ الإبل قريبةٌ لا بعيدةٌ عن الإنسان، فلا يحتاج إلى استعمال حرف (إلى).
قلت: المهمّ هو وحدة السياق، فالله سبحانه حينما يقول: {أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} يعلم أنَّه سيقول بعد ذلك: {وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ}، وهذه الموجودات فيها من البعد المادّي والمعنوي ما لا يخفى، فهناك بعدٌ في الجبال، وإن لم يكن هناك بعدٌ في الإبل والأرض.
****
قوله تعالى: {وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ}:
لا يخفى: أنَّ النظر إلى السماء الأُولى يصدق على النظر إلى السماوات السبعة، وهذا له شواهد عرفيّة كثيرةٌ، فرؤية البعض عرفاً رؤية للكلّ، فعندما يرى الشخص وجه ابنه يقسم بأنَّه رأى ابنه.
فرؤية السماء الأُولى – التي هي جزءٌ من السماوات السبع- بمنزلة رؤية السماوات السبعة، وعندما نرى جزءً من هذا الكون يصحّ لنا أن نقول بأنَّنا رأينا الكون المادّي كلّه.
وفي المقام مسألة أُخرى ينبغي التنبّه لها حاصلها: أنَّ السماء وردت مفردةً في قوله تعالى: {وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ} مع الألف واللام، فهل المراد بها الفرد أو يُراد بها الجنس؟ فإن أُريد بها الفرد، كانت الألف واللام عهديّةً، أي: هذه السماء المعهودة، وإن كان المراد الجنس كانت الألف واللام جنسيّةً،
ــــــ[43]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أي: مطلق السماء.
واسم الجنس يصدق عادةً على كثيرٍ من الأفراد، ولعلّه – بمعنىً من المعاني- يصدق على ما لا يتناهى من الأفراد، إلّا أنَّه هنا ينطبق على سبعة أفراد فقط، وهي السماوات السبعة.
كما أنَّ واجب الوجود لا ينطبق إلّا على واحدٍ فقط، فانطباقه لا يكون إلّا على حقيقةٍ واحدةٍ.
الخطوة الأُخرى في فهم الآية هي أنَّ نقول: إنَّ في التعبير بقوله {وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ} نحواً من المجاز؛ وذلك لأنَّ الرفع يُقال لما كان أصله منخفضاً، فعندما يُقال: (رفعت البساط) يكون الاستعمال حقيقيّاً؛ لأنَّه كان على الأرضِ، أو قل: إنَّ البساط أصله وموقعه منخفض. وأمّا السماء فلم تكن في الأصل منخفضةً حتّى يُقال: بأنَّها رُفعت حقيقةً، بل إنَّما وجدت على هيئةٍ عاليةٍ ومرتفعةٍ.
وربما يُقال: كيف نترقّب من الناس أن ينظروا إلى السماوات مع كونها مجرّدةً، والمجرّد لا يُرى؟
ويمكن الجواب عنه بوجهين:
الوجه الأوّل: أن نقول: إنَّ كلّ شخص له أن ينظر بمقدار ما يناسبه، فالشخص المادّي ينظر إلى السماء الماديّة، والشخص المجرّد ينظر إلى السماوات المجرّدة، وقد يكون الشخص مجرّداً إلى درجةٍ يرى السماء الثانية، وآخر يرى السماء الثالثة، وهكذا إلى السابعة، فكلّ واحدٍ ينظر إلى ما يناسب حاله.
الوجه الثاني: أنَّ لفظ السماء في الآية التي نحن بصددها مفردٌ، على خلاف قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا}(1)، فينطبق
ــــــ[44]ــــــ
(1) سورة نوح، الآية: 15.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
على السماء الدنيويّة الأُولى التي بين أيدينا، وهي السماء الماديّة، مع أنَّ الكلام في أنَّها لو كانت مجرّدة فكيف ننظرها؟ لأنَّ العين المادّيّة تدرك هذه السماء العرفيّة، ومادامت العين تدركها فلا تكون مجرّدةً.
****
قوله تعالى: {وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ}:
قال صاحب >الميزان< في تعريف الجبال: وهي أوتاد الأرض المانعة من مورها، ومخازن الماء التي تنفجر منها العيون والأنهار، ومحافظ للمعادن(1).
أقول: قد استغنى صاحب >الميزان< بوصف الجبال عن تعريفها، فلم يذكر حدّها ورسمها، بل أعطى معلولاتها ونتائجها، ولعلّ الجبال من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى تعريفٍ، ولذا فلم يعرّفها.
والغرض: أنَّه يلزم أن نتعرّض إلى الصفات التي أفادها بقوله: هي أوتاد الأرض المانعة من مورها. وقد أخذ هذا التعبير من آيتين هما: قوله تعالى: {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}(2) وقوله تعالى: {فَإِذَا هِيَ تَمُورُ}(3). ومعنى كون الجبال أوتاد الأرض: أنَّها لو لم تكن لم تتحرّك الأرض على هدى، ما يضرّ بأهلها وسكّانها من حيواناتٍ ونباتاتٍ، فخلقت الجبال لمنع الأرض من الحركة غير المتوازنة.
وهذا ما يفهمه المتشرّعة حول علّة خلق الجبال.
فهل هذا الفهم صحيحٌ أو لا؟
ــــــ[45]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 275، تفسير سورة الغاشية.
(2) سورة النبأ، الآية: 7.
(3) سورة الملك، الآية: 16.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
يُلاحظ على هذه الفكرة أمورٌ:
الأوّل: أنَّ نسبة الجبال مع ضخامتها إلى مجموع الأرض ضئيلةٌ جدّاً، فلعلّها واحدٌ بالمائة من سطح الأرض، وهذه النسبة الضئيلة لا تكفي لإمساك الأرض ومنعها من مورها.
مع أنَّ ملاحظة حجم الأرض يدعونا إلى أن نقول: إنَّ ارتفاع الجبال المشهود حاليّاً غير كافٍ في إمساكها، بمعنى: أنَّه لو صحّت فكرة كون الجبال هي المانعة عن حركةِ الأرض حركةً غير متوازنةٍ، لم يمكن قبوله إلّا إذا كانت بدرجة من العلوّ الشاهق البالغ مثلاً عشرة أضعاف ارتفاع الجبال الموجودة لتتمكّن من صدّ حركة الهواء والحركة ونحو ذلك.
الثاني: أنَّ القانون الفيزيائي المعروف بقانون القصور الذاتي(1) القاضي بأنَّ الجسم لا يتحرّك إلّا بمحرّكٍ خارجيٍ، فإذا كان الجسم متحرّكاً لم يقف إلّا إذا أوقفه عاملٌ خارجي، ما لا ينسجم مع كون الجبال هي المانعة عن مور الأرض؛ وذلك لأنَّ الأرض التي تتحرّك حركتها الطبيعيّة المعروفة – مع أنَّنا نفترض أنَّها تتحرّك بعاملٍ خارجي- لا يوجد ما يفسّر تحرّكها بصورةٍ عشوائيّةٍ حتّى يحتاج إلى الجبال لمنع تلك الحركة، بل المفروض أنَّها – وفق قانون القصور الذاتي- تبقى على حركتها الطبيعيّة التي تحرّكت بها، ولا تتغيّر إلّا بمؤثّرٍ وعاملٍ خارجي.
الثالث: أنَّ الجبال غير موزّعةٍ توزيعاً متساوياً في الأرض؛ إذ يُلاحظ
ــــــ[46]ــــــ
(1) مفاد قانون القصور الذاتي: أنّ الجسم إذا حُرّك استمرّ في حركته ما لم يمنعه شيءٌ خارجي عن مواصلة نشاطه الحركي. أُنظر: تفصيل ذلك في كتاب فلسفتنا: 202، حركة التطوّر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أنَّها في بعض المناطق كثيرةٌ جدّاً، وفي بعضها الآخر تعدم أو تكاد تكون معدومةً، ولو أردنا الالتزام بأنَّ الجبال سببٌ لاستقامة حركة الأرض لالتزمنا بذلك فيما إذا كانت هذه الجبال موزّعةً توزيعاً متساوياً، مع أنَّ الواقع خلاف ذلك. بل يمكن أن نقول: لعلّ التوزيع غير المتساوي للجبال يؤثّر سلباً على حركة الأرض، إلّا أنَّنا لا نقول بذلك، فلا أقلّ نلتزم بأنَّ الجبال لا أثر لها إطلاقاً، بل الأرض تسير بأمر الله تعالى.
وبعد هذه المناقشات الواضحة لا نسلّم بفكرة كون الجبال مانعةً من اضطراب الأرض ومورها، إلّا أنَّه قد تنشأ لدينا شبهةٌ علينا الإجابة عنها، وهي: لماذا قال الله تعالى: {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}(1)؟
ويمكن الجواب عن ذلك – وإن لم يكن المقام موطنه المناسب- بأن نقول: إنَّ قوله تعالى: {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} يُحمل على الجهة المعنويّة للجبال، فنقول: بأنَّه سبحانه يريد بالجبال الأفراد من ذوي الشأن إمّا علماً أو عملاً أو مالاً ونحو ذلك، فهم أوتاد الأرض بمعنى: كونهم الحافظين للمجتمع بمقدار ما يناسب وظائفهم واختصاصهم لو جاز التعبير، ولولا هؤلاء لمار المجتمع موراً ولفسدت مصالحه.
كما يمكن تطبيق ذلك على باطن كلّ فردٍ؛ فإنَّ فيه جبالاً، أي: صفاتاً هامّةً أعلاها العقل والروح، ولو افترضنا عدم وجود هذه الصفات في الإنسان فسوف يمور جسد الإنسان لتكون عاقبته الهلاك.
وقد يُقال: إنَّ العظام هي جبال البدن؛ وذلك لأنَّها أقوى ما في البدن،
ــــــ[47]ــــــ
(1) سورة النبأ، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فتدافع عن أعضاء البدن الداخليّة، إلى غير ذلك من أمثلةٍ تكون مصداقاً للجبال على المستوى الباطني.
نعم، لا ينبغي المبالغة في نفي النظريّة التي تحمل الجبال على الفهم المادّي؛ لأنَّ فيها درجةً من درجات الصحّة الاحتماليّة، وإن أشرنا إلى عدّة أُطروحات في المقام على خلافها، إلّا أنَّه لا يوجد يقينٌ ببطلانها.
ويمكن أن يُقال حينئذٍ: إنَّ هناك عدّة ظواهر أو حركات للأرض يحتمل أن تكون الجبال دخيلةً فيها، ولو زالت تلك الجبال – كأُطروحةٍ احتماليّةٍ- لزادت حركة الأرض حول نفسها، ولعلّ ذلك يؤثّر أيضاً في ميلان الأرض؛ فإنَّ مركز الأرض من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي مائلٌ بمقدار (23 ،5) درجة، ولو لم تكن الجبال لكان الميلان أقلّ أو منعدماً.
وعلى هذا يمكن أن تصدق الأُطروحة التي يعتقد بها المتشرّعة في فهم الآية الكريمة.
ثُمَّ إنَّ السيّد الطباطبائي + أشار إلى ثلاث صفاتٍ للجبال(1)، وقد انتهينا من مناقشة واحدةٍ منها، وهي كونها (أوتاد الأرض). ونأتي الآن إلى الصفة الثانية، وهي: أنَّها مخازن الماء التي تنفجر منها العيون والأنهار.
والذي يمكن أن يُقال في تحريره أمورٌ:
الأوّل: أنَّ المياه الجوفيّة التي تخرج من العيون تحت مستوى القشرة الأرضيّة، لا في مستوى الجبال.
الثاني: أنَّه لو كان في الجبل ماء لنضح من حوله ولأدّى إلى تفسّخه وانهدامه.
ــــــ[48]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 275، تفسير سورة الغاشية.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الثالث: أنَّ خروج الماء من باطن الأرض عادة يكون من أقرب نقطة يخرج منها لتدافعه وقابليّته على إحداث الثقب، وحينئذٍ ينبغي أن يخرج من سطح الأرض؛ لأنَّه أقرب إلى الباطن لا أن يخرج من قمّة الجبل، بل إنَّ وجود الجبل مانعٌ عن نبع العيون، مع أنَّ الجبال مكسوّةٌ بالصخر الذي لا يمكن كسره وثقبه بواسطة المياه.
فإن قلت: إنَّها تخرج منها البراكين، فلماذا لا تخرج منها العيون؟
قلت: إنَّ المياه ليس فيها تلك القوّة والدفع الملحوظ في البراكين؛ فإنَّ ما في داخل البراكين من نارٍ له القدرة على ثقب الصخر وتذويب المعادن، ولذا تسيل المعادن كالماء من فوّهة البركان.
ولنا أنَّ نسأل لماذا تختار البراكين أن تنبع من قمم الجبال؟ بل تختار أعلى القمم لخروجها؟
ولعلّ ذلك بحسب الظاهر معجزة لا يمكن تفسيرها بالقانون الطبيعي، وإلّا فبحسب القانون الطبيعي لابدّ أن تخرج من الأماكن القريبة التي يمكن جريانها منها.
ولنعطف الكلام إلى الصفة الثالثة التي ذكرها السيّد الطباطبائي+، وهي كون الجبال مخازن للمعادن.
أقول: إنَّ المعادن تقسم إلى عدّة أقسام:
الأوّل: معادن منطبعة، وهي القابلة للذوبان بعلاج، كالحديد والنحاس والذهب والفضّة.
الثاني: معادن سائلة بأصلها، كالنفط.
الثالث: معادن حجريّة، كالأحجار الكريمة ومقالع الصخور بأنواعها.
ــــــ[49]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ويظهر لنا بالوجدان أنَّ مراده+ من المعادن المعادن المنطبعة، فكأنَّه يريد أن يقول: إنَّ الجبال مخازن للحديد والنحاس والذهب والفضّة، وعبارته لا تشمل بحسب الظاهر النفط والأحجار الكريمة.
ويُلاحظ: أنَّ الجبال لو أمكن تسميتها بمخازن المعادن فهي مخازن للأحجار الكريمة، كالفيروز والعقيق، لا أن تكون مخازن للمعادن المنطبعة؛ لأنَّ المعادن المنطبعة – كما قلنا في المياه الجوفيّة- محلّها تحت القشرة الأرضيّة بمسافةٍ معتّدٍ بها، وأمّا أنَّها في وسط الجبل فالمقطوع به عدم وجودها فيه، فلا تكون الجبال مخازن للمعادن المنطبعة قطعاً.
ثُمَّ مع التنزّل والالتزام بأنَّ المعادن المنطبعة موطنها الجبال، فمع ذلك لا نطلق عليها أنَّها مخازن للمعادن؛ وذلك لأنَّه لو دار الأمر بين حفر أرضٍ مستويةٍ لاستخراج معدنٍ وبين ثقب جبلٍ لاستخراجه، فمن المقطوع به أنَّ الاستخراج والتنقيب إنَّما يكون في الأرض المنبسطة؛ لأنَّه أقلّ كلفةً وزماناً، فكأنَّ الجبال معرضٌ عنها من هذه الجهة، فتكون بالمرتبة الثانية أو الثالثة من ناحية التعدين والتنقيب، فكيف يمكن عدّها مخازن؟! وبهذا نكون قد انتهينا من مناقشة الصفات الثلاثة التي ذكرها السيّد الطباطبائي+ للجبال.
وينبغي الإشارة هنا إلى سبب ذكر الجبال والأمر بالنظر والتأمّل فيها، والذي يمكن أن يقال في بيانه هو: أنَّ الجبال مظهرٌ من مظاهر قدرة الله تعالى، ولا يملك الإنسان إلّا الشعور بالتصاغر والخشوع والهيبة إذا وقف أمامها؛ لمكان خلقها العظيم وكبر حجمها الذي حيّر العقول. وجديرٌ ذكره: أنَّ الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً وافتخاراً بعلوّ هممهم – أي: علماء الطبيعة الماديّين- لم يقدّموا تفسيراً واحداً لوجود تلك الجبال وكيفيّة ارتفاعها، كما يتضّح
ــــــ[50]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بمراجعة مصادر العلم الطبيعي.
نعم، قالوا: إنَّ هناك جرماً كبيراً جدّاً انفجر وتصدّعت أجزاؤه بدرجات حرارية عالية، ثُمَّ تجمّعت أجزاؤه في بعض الأماكن، فكانت الجبال.
وهذا التفسير – كما هو واضح- غير مقنعٍ بالمرّة، ولا يمكن الاستناد إليه.
والعجز في التفسير المادّي واضحٌ جدّاً، ولنضرب مثالاً آخر لكي يتّضح الأمر أكثر: ففي تفسيرهم لتكوين المحيطات الكبيرة يقولون، كانت هناك منخفضات كبيرة، وفي هذه المنخفضات تجمّعت المياه، فتكوّنت المحيطات والبحار، ولم يقدّموا سبباً واحداً لانخفاض الأرض. نعم، وجدت في بعض الأُطروحات المادّيّة أنَّ القمر عندما انفصل عن الأرض حلّ في مكانه المحيط الهادي، وهذا كما هو ظاهرٌ فيه غير واحدٍ من موارد التأمّل أوضحها أنَّه لا توجد أيّ نسبة بين قياس القمر إلى حجم المحيط الهادي، فأحدهما أضعاف الآخر عشرات المرّات. ولو تنزّلنا وقبلنا بذلك فهذه الأُطروحة تعطي تفسير تكوين المحيط الهادي فقط، ليبقى المحيط الأطلسي وغيره من المحيطات والبحار بلا تفسيرٍ، ويبقى السؤال مفتوحاً لا جواب له أمام الفلسفة المادّيّة والجيولوجيّة لو جاز التعبير.
ولذلك نقول بأنَّ الجبال مظهرٌ لقدرة الله سبحانه وعظيم صنعه، بل الغافل لو التفت لوصل إلى هذه النتيجة دون أيّ مقدّمات. ولذا أمر الله تعالى بالتأمّل في خلق الجبال وكيفيّة نصبها.
ثُمَّ إنَّ ما أشكلنا به سابقاً من أنَّه كيف ينسجم قوله تعالى: {وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ} مع أنَّ السماء لم تكن منخفضةً حتّى يُقال لها: رُفعت؛ لأنَّها
ــــــ[51]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
خُلقت مرفوعةً، يمكن أن يرد هنا أيضاً في قوله تعالى: {وَإِلَى الجبال كَيْفَ نصبت}. والوجه فيه: أنَّ الجبال لم تكن مائلةً حتّى يُقال لها: كيف نصبت؟
ونجيب بما أجبنا به سابقاً من: أنَّ التعبير بـ{السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ} و{الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ} لا يخلو من مجازٍ؛ فالسماء خُلقت مرفوعةً، والجبال خُلقت منصوبةً.
****
قوله تعالى: {وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}:
قال الراغب: السطح أعلى البيت، يُقال: سطحت البيت: جعلت له سطحاً، وسطحت المكان: جعلته في التسوية كسطح. قال: {وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}. وانسطح الرجل: امتدّ على قفاه. قيل: وسمّي سطيح الكاهن لكونه منسطحاً لزمانةٍ …(1) أي: لا يستطيع أن يتحرّك لمرضٍ.
أقول: الظاهر: أنَّ الراغب يرجع الكثير من الكلمات إلى أصلها اللغوي، ومنها السطح، فقال: السطح أعلى البيت. وهذا الكلام يمكن الاستناد إليه؛ لأنَّ كلام اللغويّين حجّةٌ في الجملة.
إلّا أنَّ المتبادر من كلمة السطح والمسطّح غير هذا، ولمّا كان التبادر حجّةً أيضاً، فيعارض قول اللغوي، ويقدّم ما هو أكثر اطمئناناً.
والمتبادر من كلمة المسطّح هو الذي ليس فيه نتوءات وارتفاعات وانخفاضات. وحينئذٍ فالسطح الذي هو أعلى البيت إنَّما سُمّي سطحاً؛ لأنَّ الغالب في وضعه هذا، أي: ليس فيه نتوءات، وكذلك الصحراء والورق ونحوها.
ــــــ[52]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 237، مادّة (سطح).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ونضيف إلى ذلك: أنَّ المسطّح هو الذي يكون سطحه إلى جهة السماء، ولذلك لا نستطيع أن نسمّي- بحسب المعنى الحقيقي- الأجسام القائمة كالحائط بالمسطّحة ؛ لأنَّ جهة تسطّحها ليست إلى جهة السماء، فيكون الاستعمال بغير المتّجه إلى السماء مجازاً. ثُمَّ إنَّه وإن كثر استعماله وصار حقيقةً في بعض موارده، إلّا أنَّ علاقة المجاز تبقى قائمةً.
والخطوة الأُخرى في المقام أن نسأل: هل إنَّ التسطّح يُطلق فقط على التسطّح الحقيقي والكامل، أي: الذي يكون أملس كوجه الماء والزجاج أم يُطلق على التسطّح أيضاً ولو بالنظر العرفي غير الدقّي؟
والجواب: أنَّ التسطّح يمكن أن يطلق على المسطّح ولو بالنظر العرفي، فنقول: إنَّ الحائط مثلاً مسطّح، مع أنَّ فيه ارتفاعات وانخفاضات كثيرة، إلّا أنَّ العرف يتسامح فيها ويُطلق عليه بأنَّه مسطّح بالمعنى العامّ، وهو استعمال مجازي أو أقرب استعمالاً إلى المجاز.
ومعه يصحّ أن نقول: إنَّ التسطّح في الأرض في قوله تعالى: {وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} ليس استعمالاً حقيقيّاً، بل هو مجازٌ؛ لأنَّها سطّحت تقريباً، لا بصورة كاملة كوجه الماء والمرآة.
إن قلت: إنَّ نسبة الجبال إلى الأرض ليست ضئيلةً، وعلى هذا لا تكون الأرض مسطّحة لا حقيقةً ولا مجازاً، ولعلّ تتابع الآيتين في قوله تعالى: {وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} قرينةٌ متّصلةٌ على نفي التسطيح.
قلت: يمكن الجواب عن ذلك بوجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ النظر هنا إلى غالب وجه الكرة الأرضيّة، وغالبها لا
ــــــ[53]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
يشتمل على جبالٍ، بل هو مسطّحٌ، وهذا كافٍ في صحّة قوله تعالى: {وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}. وكأنَّ الجبال خرجت استثناءً، فيكون ما عداها الأرض المسطّحة الخالية من الجبال.
الوجه الثاني: أن نعطي للأرض عنواناً معيّناً بأن نقول: إنَّ الأرض غير الجبال، أو أن نقول: بأنَّ الأرض هي القابلة للسكنى أو هي المعهودة للبشر، ونحو ذلك؛ لأنَّ الأرض التي سطّحت غير الجبال، والجبال لا يصدق عليها أنَّها أرضٌ، فلا يرد الإشكال.
فإن قلت: إنَّه مع ذلك لا تكون الأرض مسطّحة؛ لأنَّ فيها نباتاً وأشجاراً ونخيلاً وغاباتٍ ومدناً وأبراجاً وناطحات سحابٍ وغير ذلك.
قلت: أوّلاً: نحن نلحظ الأرض بما هي أرضٌ، أي: بما هي محلٌّ للنباتات ولغيرها ممّا ذُكر، ولا نلحظ النباتات ونحوها خاصّةً؛ لأنَّها ليست من الأرض.
ثانياً: إنَّ نسبة وجود النباتات والبناء إلى المناطق الخالية والصحارى المنتشرة في أنحاء العالم ضئيلةٌ جدّاً.
فإن قلت: إنَّ الأرض مع ذلك غير مسطّحةٍ؛ لأنَّ فيها منخفضات كبيرة جدّاً، كالمحيطات والبحار والأنهار، بل إنَّ أعماق هذه المحيطات والبحار تختلف من موضع إلى آخرٍ، فكيف تكون الأرض مسطّحةً مع وجود هذه المنخفضات فيها؟
قلت: أوّلاً: إنَّنا نعلم أنَّه لا يراد بالأرض الكوكب ككّلٍ، فليس المراد الكرة الأرضيّة حتّى يُقال: إنَّها غير مسطّحةٍ، وإنَّما يُراد بها ما هو أقلّ من ذلك من قبيل العناوين التي قلناها، كالقابلة للسكنى أو الأرض المعهودة عرفاً ونحو ذلك.
ــــــ[54]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ثانياً: لماذا يُلاحظ قعر البحار والمحيطات ولا يُلاحظ البحار والمحيطات، أي: سطحها، مع أنَّ سطحها مسطّحٌ بالدقّة؟ ومعه يصحّ أن نصف الأرض بأنَّها مسطّحةٌ حتّى مع وجود تلك المحيطات والبحار.
****
قوله تعالى(1): {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسيْطِرٍ}:
وينبغي: الإشارة في بداية الكلام إلى أُطروحة شاذّة في قراءة قوله تعالى: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} وهي غير موجودة في ضمن القراءات المعروفة، ولذلك عبّرنا عنها بالشاذّة، وهي: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُضيْطِرٍ) بالضادّ.
والذي يظهر لنا أنَّ السّر في هذه القراءة هو وقوع الخلط والتصحيف؛ فإنَّ السين الذي هو الأصل الحقيقي في الكلمة كتب (صاد) ثُمَّ صار شيء من السواد فوق الصادّ، فظنّه القارئ ضاداً.
وفي المقام نريد أن نتنزّل ونفترضه صحيحاً، فنقول: ما هي المادّة اللغوية لكلمة (مضيطر)؟
والجواب: أنَّ مادّة (مضيطر) من الاضطرار، والأصل فيها اضطرّ يضطرّ فهو مضطرٌّ، وعند ملاحظة هذه الاشتقاقات نجده أنَّه يستعمل لازماً ومتعدّياً.
و(مضطرّ) اسم مفعول لا اسم فاعل؛ لأنَّ المادّة في الفعل الماضي والمضارع بمنزلة المبني للمجهول، فكأنَّه يُفيد هذه الصورة، أعني: الاتّصاف بفعلٍ مجهولٍ، فهو بمنزلة اسم الفاعل، إلّا أنَّه بصيغة اسم المفعول، فصيغتها
ــــــ[55]ــــــ
(1) لم نعثر على ما أفاده السيّد الشهيد الصدر+ حول تفسير قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ}.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الصحيحة (اضطرّ)، بمعنى: أنَّ الله تعالى جعل الضرورة للإنسان.
وينبغي التأكيد على أمرين آخرين هما:
الأوّل: أنَّنا نعتبر (اضطرّ) أو (اضُطُرّ) لازماً غير متعدٍّ، فلا يصحّ أن نقول: (اضطرّ غيره)، بل الفعل لازمٌ أي: للإنسان دون غيره.
الثاني: أنَّنا قد نصيغ للفعل اسم فاعلٍ، فنطرح أُطروحةً لغويّةً شاذّةً، إلّا أنَّها تتناسب مع هذه الآية، لو كانت هي آيةً واقعاً، فنقول: ضيطر يضيطر فهو مضيطرٌ، والمراد: أنَّك لست قادراً على جعل الآخرين يضطرّون للدخول في الإيمان، ويكون المعنى والغرض من كلمة (يضيطر) ولكن من ناحية الاضطرار.
هذا ما أردنا التنبيه عليه في بداية الكلام.
****
قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ}:
نقول إجمالاً: (تولّى) أي: أدار ظهره وذهب، و(كفر) من الكفر، وهو الغطاء عن الإيمان. والسؤال الأساسي في الآية عن الاستثناء الوارد في الآية؛ إذ اختلف المفسّرون في هذا الاستثناء من ناحيتين:
الأُولى: ما هو المستثنى منه؟
الثانية: هل الاستثناء متّصلٌ أم منقطعٌ؟
فيتحصّل ممّا قيل أو ما يمكن أن يُقال عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: ما ذكره صاحب >الميزان< من: أنَّ قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ} استثناءٌ من المفعول المحذوف لقوله السابق: {فذكر}، والتقدير: فذكّر الناس إلّا من تولّى منهم عن التذكرة وكفر؛ إذ تذكرته لغوٌ لا فائدة فيها(1).
ــــــ[56]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 275، تفسير سورة الغاشية.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فيكون الاستثناء حينئذٍ من الاستثناء المتّصل، كما في قولنا: (جاء القوم إلّا زيداً).
والتذكير الوارد في الآية عنوانٌ عامٌّ، أي: عامٌّ لكلّ البشر، سواء كانوا مؤمنين أم كافرين، ويكون التقدير حينئذٍ: فذكّر الناس جميعاً إلّا من تولّى منهم عن التذكرة وكفر؛ إذ إنَّ تذكرته لغوٌ لا فائدة فيها، فلا تُتعب نفسك فيما لا فائدة فيه.
ثُمَّ إنَّ السيّد الطباطبائي+ التفت إلى إشكالٍ وتعرّض لجوابه دون الإشارة إلى أصل الإشكال، وهذا ما يُعرف في الاصطلاح بـ (دفع دخل).
ونحن سنتعرّض لذكر الإشكال مع ما أفاده + في الجواب عنه:
أمّا الإشكال فهو أنَّ الكفّار ومَن تولّى من الفسقة يجب تذكيرهم، ولا معنى لأن نهملهم، ويؤيّد ذلك أنَّ النبي’ قد ذكّر الكفّار من قريش وسائر قبائل العرب، فكيف يصحّ ما ذُكر من أنَّ الاستثناء متّصلٌ والمستثنى منه هم الكفّار والفسقة؟
وقد أجاب عن ذلك السيّد الطباطبائي+ بقوله: ومعلوم أنَّ التولّي والكفر إنَّما يكون بعد التذكرة، فالمنفي بالاستثناء هو التذكرة بعد التذكرة، كأنَّه قيل: ذكّرهم وأدم التذكرة إلّا لمن ذكّرته فتولّى عنها وكفر، فليس عليك إدامة تذكرته، بل أعرض عنه، فيعذّبه الله العذاب الأكبر(1).
وحاصل ما أجاب به: أنَّ هذا الاستثناء من التذكرة الثانية والثالثة لا من التذكرة الأُولى، فالمقصود ذكّر كلّ الناس واستمرّ بتذكيرهم مرّةً وثانيةً وثالثةً، إلّا أنَّ هذه التذكيرات يختصّ بها مَن فيه أمل الهداية، وأمّا من ليس
ــــــ[57]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 276، تفسير سورة الغاشية.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بأهلٍ للهداية فذكّره مرّةً واحدةً ثُمَّ أُتركه.
أقول: إنَّ حمل التذكرة على التذكرة الثانية خلاف الظاهر؛ لأنَّ قوله: {فَذَكِّرْ} مطلقٌ يشمل مطلق التذكير، فلا وجه لما أفاده + في المقام.
الوجه الثاني: ما ذكره العكبري قائلاً: قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى} هو استثناءٌ منقطعٌ(1).
أقول: إنَّ لهذا الاستثناء المنقطع تفسيرين:
التفسير الأوّل: أن نقول: إنَّ العكبري يرى أنَّ هذا الاستثناء صورة استثناءٍ، لا استثناءٌ حقيقي، فكأنَّه تعالى قال: ومَن تولّى وكفر فأُعذّبه العذاب الأكبر، وأسماه منقطعاً لأنَّه منقطعٌ عمّا قبله.
وفيه خللٌ وإشكالٌ لغوي واضح؛ إذ إنَّ أداة الاستثناء محفوظةٌ، ولها معنىً لغوي ووضعي، ولا موجب لحذف مضمونها، فيكون هذا التفسير خلاف الظاهر، وقد لا يكون مراد العكبري منه.
التفسير الثاني: أن نقول: إنَّ الاستثناء منقطعٌ؛ باعتبار أنَّ المستثنى منه (المؤمنين)، وبينهم وبين المستثنى (الكافرين) كمال الانقطاع، نظير قولنا: (جاء القوم إلّا حماراً). فيكون المعنى: فذكّر المؤمنين إلّا الكافرين، وهذا هو مقصود العكبري.
لكن يبقى إشكال السيّد الطباطبائي+ من أنَّ التذكير عامٌّ لا يجوز خصّه بالمؤمنين، بل هو للمؤمنين والكافرين على حدٍّ سواءٍ، وإذا ثبت هذا الإشكال يكون الاستثناء حينئذٍ متّصلاً لا منقطعاً.
الوجه الثالث: أن يقال: إنَّ التذكير بمنزلة المقتضي لا العلّة التامّة، كأنَّه
ــــــ[58]ــــــ
(1) إملاء ما منّ به الرحمن 2: 286، سورة الغاشية.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
يُراد أن يقال: إنَّ مَن كان الشرط وعدم المانع فيه متوفّراً أثّرت فيه الذكرى، وأمّا مَن كان الشرط عنده مفقوداً والمانع موجوداً فلن تؤثّر فيه الذكرى، ويكون المعنى على هذا الوجه: فذكّر الآخرين إلّا من تولّى وكفر؛ فإنَّهم لن يتذكروا؛ لوجود المانع أو لانتفاء الشرط.
الوجه الرابع: أن نقول: إنَّ المراد: (فذكّر؛ فإنَّ من ذكّرته نجا في الدنيا والآخرة، إلّا من تولّى وكفر؛ فإنَّك تذكّره ولن ينجو بسبب جنايته على نفسه وسوء اختياره)، ومن هذه الناحية يعود الاستثناء متّصلاً.
إلّا أنَّ هذا تقديرٌ إضافي على العبارة، وهو خلاف الظاهر، ونكاد نجزم بأنَّ الدلالة المطابقيّة للآية مفادها أنَّ التذكير مخصوصٌ بالمؤمنين، إلّا أنَّ ذلك غير تامٍّ؛ لأنَّ التذكير عامٌّ لسائر البشر.
الوجه الخامس: أن نبدّل المستثنى منه، مع أنَّ الوجوه السابقة أخذت المستثنى منه مفعولاً به محذوفاً: (فذكّر الناس إلّا فلاناً وفلاناً)، وأمّا هنا فنقول: إنَّ المستثنى منه الضمير المجرور في (عليهم) في قوله تعالى: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ}، فيكون المراد: أنت مسيطرٌ على الناس كلّهم إلّا من تولّى وكفر؛ إذ ليست لك السيطرة عليه سيطرةً تشريعيّةً أو تكوينيّةً، وإذا تقرّر ذلك كان الاستثناء متّصلاً، أي: أنت متسلّطٌ على الكلّ إلّا الكفّار.
وإذا فهمنا أنَّ المراد: (أنت مسيطرٌ على المؤمنين إلّا من تولّى وكفر) يعود الاستثناء منقطعاً، ولعلّ مرجع ذلك إلى وجهين لا إلى وجهٍ واحدٍ.
****
قوله تعالى: {فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ}:
قال السيّد الطباطبائي+: هو عذاب جهنّم، فالآية كما تقدّم محاذيةٌ
ــــــ[59]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
لقوله تعالى في سورة الأعلى: {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى}(1)(2).
أقول: إنَّ الإشكال الرئيسي على كلام السيّد الطباطبائي+: أنَّ العذاب أعمّ من النار، فلا يصحّ وصف العذاب بالنار فقط، فكلّ نارٍ عذابٌ، لكن ليس كلّ عذابٍ ناراً، فيكون بينهما عمومٌ مطلقٌ، فالنار الكبرى شيءٌ، والعذاب الأكبر شيءٌ آخر.
ثُمَّ إنَّ في المقام إشكالاً لابدّ من الإجابة عنه، وهو ناشئٌ من ضمّ مقدّمتين:
المقدّمة الأُولى: أنَّ قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ} مطلق ٌلكلّ الفسقة والكفرة والفجرة.
المقدّمة الثانية: أنَّ العذاب الأكبر في الآية هو العذاب المطلق لا مطلق العذاب.
والنتيجة: أنَّ كلّ الفسقة والكفرة يعذّبهم الله العذاب الأكبر والعذاب المطلق.
وهذه النتيجة فاسدةٌ، فلا يمكن الالتزام بها؛ لأنَّ استحقاقات الكفرة والفسقة تختلف بطبيعة الحال؛ إذ ليس استحقاقهم واحداً؛ لوضوح أنَّ بعضهم يستحقّ عذاباً شديداً وبعضهم يستحقّ عذاباً أشدّ، وهكذا.
ويمكن الجواب عنه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أن نتصرّف في ظهور الآية الأُولى: {إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ} بأن نحملها على التولّي المطلق والكفر المطلق، لا مطلق الكفر ومطلق التولّي،
ــــــ[60]ــــــ
(1) سورة الأعلى، الآية: 12.
(2) الميزان في تفسير الميزان 20: 276، تفسير سورة الغاشية.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ومعه فمَن كان وصفه هذا استحقّ أكبر حصّةٍ من العذاب.
إلّا أنَّ هذا التصرّف خلاف الظاهر؛ إذ الظاهر استفادة العموم من قوله: {مَنْ تَوَلَّى}، ولا يمكن أن نخصّصه بالتولّي المطلق. نعم، قد يكون ما ذُكر وجيهاً فيما إذا اضطررنا له، كما لو انحصر الأمر بهذا الوجه، فلابدّ من اللجوء إليه ولو كان خلاف الظاهر.
الوجه الثاني: أن نتصرّف في ظهور الآية الثانية: {فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ} بأن نقول: إنَّ العذاب الأكبر ليس هو أشدّ العذاب، أي: ليس هو العذاب المطلق، بل هو مطلق العذاب الذي ينسجم مع العذاب الخفيف والمتوسّط والشديد.
الوجه الثالث: أن ننظر إلى جهةٍ خاصّةٍ، وهي الجهة النفسيّة لا الجهة الموضوعيّة أو الخارجيّة، وذلك بتصوير أنَّ كلّ معذّبٍ من الناحية النفسيّة يجد أنَّ عذابه أشدّ العذاب وأشقّ من عذاب الآخرين، ومعه يصدق أنَّ الله يعذّبه العذاب الأكبر ولو من جهة اعتقاده.
الوجه الرابع: أنَّ الإشارة هنا إلى الاستحقاق لا إلى الفعليّة، فمن جهةٍ له استحقاقٌ للعذاب الأكبر، إلّا أنَّه من جهة الفعليّة قد لا يكون كذلك. والذي يدفعنا إلى هذا القول ما ثبت من أنَّ الله سبحانه قد سبقت رحمته غضبه في جميع المستويات، فنقول هنا بأنَّه وإن كان زيدٌ مستحقّاً للعذاب الأكبر، لكن قد تشمله الرحمة والمغفرة، فلا يعاقب فعلاً، أو يعذّب بغير العذاب الأكبر؛ رحمةً منه سبحانه.
إلّا أنَّ هذا أيضاً خلاف الظاهر؛ لأنَّ الظاهر أنَّ المراد من العذاب الأكبر الفعليّة لا الاستحقاق.
ــــــ[61]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الوجه الخامس: أن نلتزم بالنتيجة التي انكرناها ورفضناها واعتبرناها فاسدةً، وهي أنَّ ظاهر الآية: أنَّ الله تعالى يعذّب أشدّ العذاب، أو قل: العذاب المطلق لكلّ من تولّى وكفر، وظاهر القرآن حجّة، فيكون مقدّماً على غيره من الآراء والتأويلات، ولو وردت في السنّة الشريفة؛ لأنَّ الآراء والتأويلات الواردة في السنّة إن كانت معارضةً لظاهر القرآن الكريم سقطت عن الحجّيّة، فيقدّم ظاهر القرآن.
إلّا أنَّ هذا الوجه لا يسلم من المناقشة أيضاً؛ لأنَّ الإشكال ليس في تعارض ظاهر الآية مع هذه الأخبار فقط حتّى يقدّم عليها ويندفع الإشكال، بل إنَّنا نعلم أنَّ الله تعالى صنّف المنافقين والكافرين إلى دركات جهنّم وإلى أنواع العذاب، فبعضه خفيفٌ وبعضه متوسّطٌ، وبعضه ما أُشير إليه في قوله تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}(1)، كما أنَّ الوجوه المتقدّمة تصلح للجواب عن هذه الآية.
وعلى هذا البيان يسقط ظاهر الآية عن الحجّيّة، ولابدّ من تأويلها أو تخريجها بشكلٍ من الأشكال في ضوء أحد الوجوه المتقدّمة.
الوجه السادس: أنَّه يمكن أن نطرح جواباً آخر مستفاداً من وجهٍ سابقٍ، وهو أن نقول: إنَّ الله سبحانه يعذّب العذاب الأكبر، ونحمل العذاب هنا على العذاب الفعلي؛ لئلّا يكون مخالفاً لظاهر الآية؛ ومع ذلك نقول: إنَّ ذلك لا على أساس الاستحقاق الأصلي. فيزيد والشمر – لعنهما الله- مع ما يستحقّانه من عذابٍ شديدٍ، إلّا أنَّ هذا العذاب ليس هو العذاب المطلق؛
ــــــ[62]ــــــ
(1) سورة غافر، الآية: 46.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
للزوم أن يكون العذاب عليهما أضعاف ذلك؛ لأنَّ نفوسهم الشرّيرة القاسية أقسى من ذلك، فتستحقّ أكثر من ذلك، إلّا أنَّ الله سبحانه اقتصر على درجةٍ من العذاب الشديد؛ لقاعدة (أنَّ رحمته سبقت غضبه).
إلى هنا تمّ ما أردنا طرحه من أجوبةٍ على ما تقدّم من إشكالات.
****
قوله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}:
ضمير الجمع مجرورٌ يعود إلى الله سبحانه، وقد ذُكر في علم النحو(1): أنَّ المتكلّم قد يعظّم نفسه أو قد توجد مصلحةٌ لتعظيم نفسه وإشعار الآخرين بالعظمة، فيعبّر عنه بضمير الجمع.
والمصلحة هنا حاصلةٌ في حقّ الله تعالى، وهي الإشعار بعظمته، والتنبيه على أنَّ رجوعهم إلى الله سبحانه ليس بالأمر الهيّن، بل سوف يقدمون على ربٍّ عظيمٍ وموقفٍ عظيمٍ، وهذا ما يسمّى بهول المطّلع.
فالتأكيد على ضمير الجمع للإيحاء بالعظمة، وبيان أنَّ الرجوع سيكون إلى ربٍّ عظيمٍ لا إلى غيره، فلا يُلتفت إليه، بل عليكم الاستعداد والتأهّب، وحينئذٍ يكون هذا المضمون نظير ما ورد في آياتٍ أُخر، كقوله تعالى: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}(2) وقوله تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى}(3).
فقوله تعالى {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} بمعنى: أنَّه سبحانه الأوّل والآخر؛ لأنَّه هو الذي خلقهم، فابتعدوا عنه بكفرهم وسوء اختيارهم، فيرجعهم إليه
ــــــ[63]ــــــ
(1) راجع مجمع البحرين 1: 456، التبيان في إعراب القرآن: 83، وغيرهما.
(2) سورة العلق، الآية: 8.
(3) سورة النجم، الآية: 42.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بحسابهم، فمنه بدء الخلق وإليه يعود.
وقد ذكر الفلاسفة أنَّ الخلق كلّه في شوقٍ دائمٍ نحو الكمال المطلق، وسيؤول في يومٍ من الأيّام إلى الكمال المطلق(1).
وجديرٌ ذكره: أنَّ هذه الآية وآيات أُخر كقوله تعالى: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}(2) و{وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى}(3) تدلّ على الرجوع إلى الله تعالى، مع أنَّا نعلم بأنَّ الرجوع إلى الله محالٌ؛ لأنَّه يتوقّف على زمانٍ ومكانٍ، والله سبحانه منزّهٌ عن الزمان والمكان، فهو الغني عن كلّ زمانٍ ومكانٍ، فيكون الرجوع بمنزلة القضيّة السالبة بانتفاء الموضوع، فكيف يمكن توجيه ما ورد في هذه الآيات؟
ويمكن الجواب عنه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل – ولعلّه الوجه الرئيسي في الجواب-: أن نقول بأنَّه يمكن أن نتصوّر ثلاثة مستويات في معنى الرجوع:
المستوى الأوّل: الرجوع المكاني الذي يمثّل الحركة المكانيّة: إمّا ابتعاداً أو اقتراباً، وهذا محالٌ على الله سبحانه.
المستوى الثاني: أنَّنا ذكرنا في غير موضعٍ أنَّنا لو صعدنا إلى عالم المجرّدات وعالم الروح لوجدنا ما يوازي الزمان والمكان، إلّا أنَّ هذا الزمان والمكان صورةٌ مجرّدةٌ لا مادّيّةٌ، ويُلاحظ هناك أيضاً ما يحاذي الحركة ابتعاداً واقتراباً
ــــــ[64]ــــــ
(1) أُنظر: مفاتيح الغيب: 289، المفتاح الخامس، المشهد الثالث، الحكمة المتعالية 8: 248، الباب الخامس، الفصل 6، وغيرهما.
(2) سورة العلق، الآية: 8.
(3) سورة النجم، الآية: 42.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وذهاباً ومجيئاً وصعوداً ونزولاً، فالملائكة يصعدون وينزلون، كما إليه الإشارة بقوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}(1) ونحوها.
إلَّا أنَّ هذه الحركة والزمان وإن كانا مجرّدين، إلّا أنَّهما لا يصدقان على الله تعالى؛ لأنَّ هذه النسبة إليه محالةٌ، فهو سبحانه أعلى من المادّة ومن الروح ومن سائر هذه المراتب، وغني عن كلّ هذه الأوصاف.
المستوى الثالث: أنَّ الوصول التكاملي والانتهاء إلى الحقّ المطلق لا يحتاج إلى زمانٍ ومكانٍ، وإنَّما فيه تعدّد رتبي لو صحّ التعبير، وهذا التعدّد الرتبي من قصورنا وتقصيرنا في مورد التكامل، فالوصول إلى الله سبحانه بالتكامل لا بشيءٍ آخر، وهذا هو الصحيح، وعليه الحكمة المتعالية، ولا يوجد ما ينافيه في علم الكلام والعقائد، وعلى هذا المعنى يُحمل قوله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ}.
الوجه الثاني: أنَّه بعد التنزّل عن الوجه الأوّل نحمل الآية على الرجوع إلى يوم القيامة، كما هو فهم المتشرّعة للآية.
إلَّا أنَّه يرد على هذا الوجه ما يلي:
أوّلاً: أنَّه يلزم منه مجازيّة إسناد الضمير في (إلينا) و(علينا)؛ لأنَّ المفروض بحسب هذا الوجه أن نفهم من قوله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} و{ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} إلى يوم القيامة وعلى يوم القيامة.
وهذا الفهم ليس بوجيهٍ؛ إذ إنَّ الضمير في (إلينا) و(علينا) راجعٌ إلى فاعلٍ مختارٍ ومتكلّمٍ حقيقي، ولا يمكن نسبته إلى شيءٍ آخر. مع أنَّنا لو التزمنا بالمجاز هنا فلابدّ أن نلتزم بالمجاز في سائر الآيات المماثلة، كقوله تعالى: {وَأَنَّ
ــــــ[65]ــــــ
(1) سورة القدر، الآية: 4.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} و{إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}، وهو ممّا لا يمكن التسليم به.
ثانياً: أنَّ هذا السياق الذي نحن فيه لا يناسب الحمل على يوم القيامة؛ لأنَّه سبحانه يقول: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}، أي: في ذمّتنا وعلى مسؤوليّتنا، وأمّا لو قلنا بأنَّها على ذمّة ومسؤوليّة يوم القيامة كان بعيداً جدّاً.
وما يدفع المتشرّعة إلى القول بأنَّه يوم القيامة هو الاعتقاد السائد بأنَّ العود المكاني أو الزماني إلى الله سبحانه مستحيلٌ ومتعذّرٌ، فلابدّ حينئذٍ من تأويل ما دلّ من الآيات على ذلك، فتكون هذه الآيات نظير قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}(1) وقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}(2).
مع أنَّه قد تقدّم منّا بيان وجوه في جواز الرجوع إلى الله سبحانه، ما يغني عن التأويل أو اللجوء إلى المجازات اللغويّة المستهجنة.
الوجه الثالث: أن يعود الضمير في (إلينا) و(علينا) إلى الملائكة، وإنَّما أرجعنا الضمير إليهم؛ لأنَّ الكلام جرى على لسانهم، وإلّا ففي حقيقة الأمر يعود الضمير إلى الله تعالى، لكن حيث إنَّ الله لا يواجه خلقه؛ لأنَّ خلقه قاصرون عن مواجهته جلّ جلاله، لذلك أرسل الرسل والأنبياء والكتب والملائكة، وأجرى الهداية على ألسنتهم.
ومعه يصحّ عود الضمير إلى الملائكة بوصفهم وكلاء عن الله سبحانه، ويد الوكيل كيدِ الأصيل. وأساس الفكرة القائم عليها هذا الوجه هي: أنَّ الله سبحانه كما لا يواجه خلقه بهدايتهم، كذلك لا يواجه خلقه بحسابهم يوم القيامة.
الوجه الرابع: أن نضع بدل الملائكة المعصومين (سلام الله عليهم)،
ــــــ[66]ــــــ
(1) سورة الفتح، الآية: 10.
(2) سورة طه، الآية: 5.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فنقول: إنَّ المعصومين هم الذين يحاسبون الخلق. ولعلّ هذا الوجه أقرب، فالملائكة ليس عملهم الحساب، مع أنَّه ورد ما يدلّ على أنَّ المعصومين^ هم الذين يتولّون حساب الخلق. منها: ما ورد عن النبي’ أنَّه قال: >وسمّاني في القيامة حاشراً: يُحشر الناس على قدمي، وسمّاني الموقف: أوقف الناس بين يدي الله عزّ وجلّ، وسمّاني العاقب<(1).
ونحوها ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين×: >أنا قسيم الله بين الجنّة والنار<(2).
ثُمَّ إنَّ السيّد الطباطبائي+ تنبّه لنكتةٍ حاصلها: أنَّه لماذا قدّم (إلينا) و(علينا) في قوله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}؟ ولم يقل: (إنَّ إيابهم إلينا وإنَّ حسابهم علينا)؟ فما السرّ في هذا التقديم؟
ويمكن الجواب عنه بوجوه:
الوجه الأوّل: ما أفاده في >الميزان< بقوله: للتأكيد ولرعاية الفواصل(3). والمقصود بالفواصل نهاية الآيات أو ما يسمّى بالنسق القرآني، فلحفظ هذا النسق حصل التقديم.
ويرد على هذا الوجه: أنَّ هذا لا يكفي بعد ضمّ مقدّمتين:
ــــــ[67]ــــــ
(1) علل الشرائع 1: 128، باب العلّة التي من أجلها سُمّي النبي’ محمّداً وأحمد وأبا القاسم…، الحديث 3، ومعاني الأخبار: 50، باب معاني أسماء النبي وأهل بيته.
(2) الكافي 1: 196، باب أنّ الأئمّة هم أركان الأرض، الحديث1، الأمالي (للشيخ الطوسي): 205، المجلس8، الحديث2، علل الشرائع 1: 163، باب العلّة التي من أجلها صار علي بن أبي طالب قسيم الله بين الجنّة والنار، الحديث2، وغيرها.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 276، تفسير سورة الغاشية.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
المقدّمة الأُولى: أنَّه لو قال بالعكس لكان نسقاً أيضاً: (إنَّ إيابهم إلينا ثُمَّ إنَّ حسابهم علينا)؛ إذ النسق محفوظٌ هنا أيضاً؛ لأنَّ (إلينا) و(علينا) كلمتان متشابهتان لفظاً.
المقدّمة الثانية: أنَّ نسق هاتين الآيتين غير مترتّبٍ على نسق الآيات السابقة، بل إنَّ لكلّ منها نسقاً مستقلاً، فلا يهمّ حينئذٍ مراعاة النسق، ولن يوجب ذلك الخلل في النسق. نعم، ربما يختلّ النسق لو قلنا بأنَّ اختلاف السياق موجبٌ لفساد السياق اللفظي القرآني، فيخرج اللفظ عن كونه على نحو كلام القرآن. ويمكن عدّ هذا وجهاً مستقلاً للتقديم. فالتقديم هنا يكون من باب حفظ السياق اللفظي، لا من باب حفظ النسق القرآني والفواصل بتعبير الطباطبائي.
الوجه الثاني: أنَّ يُقال: إنَّ السبب في التقديم هو التأكيد؛ وذلك لأنَّ الله سبحانه يخاطب أهل الدنيا والمادّيّين، فيحتاج من هذه الناحية إلى التأكيد وإبراز الأهمّيّة في الخطاب، فكلّ من الآيتين فيه تأكيدٌ مرّتين: تارةً بـ (إنَّ)، وأُخرى بالتقديم، وهذا واضحٌ لا غبار عليه.
الوجه الثالث: ما ذكره صاحب >الميزان< أيضاً ونفاه، حيث ذكر ما نصّه: لرعاية الفواصل دون الحصر؛ إذ لا قائل برجوع الناس إلى غير الله سبحانه(1).
أقول: القاعدة العامّة للتقديم تقتضي الحصر، وهذا ما تسالم عليه أهل النحو. إلّا أنَّ السيّد الطباطبائي+ لم يستفد الحصر من هذا التقديم لنكتةٍ هي أنَّ استفادة الحصر تحتاج إلى مزيد فائدةٍ وحكمةٍ ومصلحةٍ معيّنةٍ، وهي
ــــــ[68]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 276، تفسير سورة الغاشية.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
مفقودةٌ هنا، فنقول بأنَّ التقديم في الآيتين لو كان للحصر فلابدّ من وجود فائدةٍ فيه؛ لأنَّنا نجلّ القرآن من أن يشتمل على شيءٍ دون حكمةٍ وغرضٍ.
والمراد بقوله+: (إذ لا قائل برجوع الناس إلى غير الله سبحانه): أنَّ البشر على قسمين: طائفة لا تقول بالرجوع إلى شيء أصلاً، وطائفة تقول بالرجوع إلى الله سبحانه، ولا يوجد قسمٌ ثالثٌ يقول بالرجوع إلى غير الله، ومن هذه الناحية تكون افادة الحصر لا فائدة منها، فلا ينبغي أن نفهمها من الآية وإن كان كلّ تقديم هو حصر، إلَّا أنَّ ذلك مع وجود فائدةٍ في الحصر لا مطلقاً.
ومع ذلك فإنَّ ما أفاده+ قابل للمناقشة من عدّة وجوه:
الأوّل: أنَّه يُلاحظ على ما أخذه + مسلّماً من: أنَّ الحصر لابدّ فيه من فائدةٍ أنَّه يمكن أن يكون هناك دلالة على الحصر، سواء كان فيه فائدةٌ أم لا، فالحصر وعدمه تابعٌ لإرادة المتكلّم المختار.
الثاني: أنَّه بعد التنزّل عن الجواب السابق نقول: لابدّ من وجود فائدةٍ في الحصر، إلّا أنَّ هذه الفائدة لا يلزم أن تتحقّق الآن، بل لعلّها في علم الله تتحقّق في المستقبل. نعم، لا يوجد منذ آدم× إلى الآن قائلٌ بالرجوع إلى غير الله، لكن لعلّه في المستقبل يوجد من يقول بذلك، والقرآن قد نزل لكلّ الأجيال.
الثالث: أنَّ دعوى أنَّه لا يوجد من يقول بالرجوع إلى غير الله من الناس غير سديدةٍ؛ لأنَّه يوجد من يعتقد بذلك، وهؤلاء على قسمين:
الأوّل: المادّيّون الذين ينكرون يوم القيامة، فالمادّيّون ينكرون الوجود المعنوي والروحي للإنسان، ويقولون: إنَّه جسمٌ فقط، وسائر الفعاليّات التي
ــــــ[69]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
نشاهدها من سمعٍ وبصرٍ وفكرٍ فعاليّات بيولوجيّة للمادّة العضويّة، وعندما يموت الإنسان يكون مصيره التراب.
الثاني: الذين يقولون بالكمال المعاكس إن صحّ التعبير؛ لأنَّ الكمال على نحوين: كمال تصاعدي فوقي وكمال تنازلي سفلي، ومثال الأخير ما يصل إليه السحرة وبعض مريدي العلوم غير النافعة، وهو الذي نصطلح عليه بالتكامل المعاكس.
وبناءً على هذا التكامل يرجع الشخص السالك في هذا الطريق إلى نهاية الكمال المعاكس، أي: إلى نهاية عالم الظلام والضلال، فلا يصل ولا يرجع إلى عالم النور والعدل والحقّ.
وبهذا نكون قد صوّرنا وجود من يقول برجوع الخلق إلى غير الله تعالى.
ثُمَّ إنَّه تقدّم أنَّ المراد بقوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}، أي: في ذمّتنا ومسؤوليّتنا، وهو غرضٌ صحيحٌ، ويمكن أن نفهمه على أنحاء: إمّا مجرّد تحمّل المسؤوليّة، وإمّا تطبيق تلك المسؤوليّة وفعليّتها، وإمّا أن نفهم كلا الأمرين معاً، كما هو الظاهر من الآية؛ فالله تعالى كفيلٌ بالحساب وبفعليّة الحساب.
إن قلت: إنَّ الله سبحانه أجلّ من أن تكون في ذمّته مسؤوليّة لأحدٍ.
قلت: يمكن الجواب عنه بأكثر من وجهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ الأمر المستحيل هو المسؤوليّة التي يضعها المخلوق في عهدة الخالق، وهذا الأمر غير مرادٍ قطعاً، بل المراد المسؤوليّة التي يضعها الخالق في ذمّته وباختياره، وهذا أمرٌ معقولٌ، ولا مانع من الالتزام به.
الوجه الثاني: أنَّه بعد التنزّل عن الوجه الأوّل نقصر النظر إلى الواقع،
ــــــ[70]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أي: أن نغضّ النظر عن أنَّ الفرد أو أنَّ الله سبحانه يتحمّل شيئاً على نفسه، فينتج أنَّ الله تعالى مشغول الذمّة واقعاً، لا لأنَّ الخلق يحمّلوه ذلك، بل لأنَّه بحكم العقل والواقع يتحمّل الله تلك المسؤوليّة بتقريب: أنَّ الله سبحانه خلق الخلق برحمته، فلا يجوز أن يتركهم ويهملهم من ناحية الرزق والهداية والحساب.
إذن فمسؤوليّته سبحانه ممّا يفرضها الواقع ويحكم بها العقل.
نعم، يبقى تساؤلٌ أخيرٌ، ولعلّنا نختم به الكلام في هذه السورة، وهو: أنَّ الله سبحانه لا يواجه خلقه، ولذا قيل في علم الكلام: إنَّه لا يواجه خلقه؛ لأنَّه لو واجه خلقه لهداهم بالمواجهة، ولما احتاج إلى المعجزات والرسل والكتب، فالحجاب الذي بينه وبين خلقه هو الذي أوجب إرسال الرسل والكتب والوسائط. فيقال: إنَّه كما لا يواجه خلقه في الدنيا، فكذلك لا يواجههم في يوم القيامة، فكيف يتمّ قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}، والحساب مترتّبٌ على المواجهة؟ فإن كانت المواجهة متعذّرةً لزم أن يكون الحساب كذلك.
أقول: يمكن الجواب عن الإشكال بوجوهٍ:
الأوّل: أن يوكل سبحانه الحساب إلى بعض خلقه، كأن يكون حساب البشر موكولاً إلى الملائكة أو إلى المعصومين (سلام الله عليهم).
الثاني: أنَّه يمكن أن يُقال – بعد التنزّل عن الوجه الأوّل-: إنَّ الله تعالى يباشر حساب خلقه لا بالرؤية، بل بسماع الصوت، وكما أنَّ الأنبياء سمعوا الوحي من الله سبحانه: إمّا بصوتٍ مسموعٍ وإمّا بإلهامٍ، فكذلك يحاسب الخلق: إمّا بصوتٍ مسموعٍ أو عن طريق الإلهام، فيكون قوله سبحانه {ثُمَّ إِنَّ
ــــــ[71]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} صادقاً ووجيهاً.
الثالث: أن نقول: إنَّ الحساب يكفي فيه الإقرار بالذنب، وفي يوم القيامة يرى العبد نفسه مضطرّاً للإقرار والاعتراف بذنبه؛ لسقوط سائر الأقنعة والحجب حينئذٍ، فلا يجد أمامه إلّا الاعتراف وقول الحقيقة. وهذا عبارةٌ أُخرى عن الحساب، ولا نحتاج إلى أزيد من ذلك في المقام.
ــــــ[72]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا (13) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى
ــــــ[73]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ــــــ[74]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
سورة الأعلى
حول أسماء السور القرآنيّة
وفي تسمية هذه السورة أُطروحات ثلاث:
الأُطروحة الأُولى: التسمية المشهورة، أعني: سورة الأعلى.
الأُطروحة الثانية: الإشارة إلى رقمها حسب ترتيبها في المصحف الشريف، أي: 87.
الأُطروحة الثالثة: أن يُقال: السورة التي ذُكر فيها (الأعلى)، كما سار عليه الشريف الرضي+(1).
أقول: أمّا أُطروحة الشريف الرضي+ في تسمية السورة فلا موقع لها في المقام؛ وذلك لأنَّ الشريف الرضي إنَّما نهج هذا النهج في تسمية السور القرآنيّة تنزيهاً عن تسمية السور بأسماء أو ألقاب رديئة أو مذمومة، كالمنافقون والكافرون والفيل والبقرة، فطرح هذه الأُطروحة مرجّحاً أن يُقال في تسمية السور: السورة التي يُذكر فيها المنافقون أو الفيل وهكذا.
وهذه الأُطروحة لا بأس بالاستناد إليها فيما إذا كانت الأسماء ذات معانٍ رديئةٍ أو مذمومةٍ، وأمّا إذا لم يكن الأمر كذلك، بل كانت الأسماء الواردة في السورة غير رديئةٍ، كما في التوحيد والأعلى، فلا حاجة حينئذٍ إلى انتهاج هذا الأُسلوب في التسمية، فنُسمّيها مباشرةً سورة التوحيد أو سورة
ــــــ[75]ــــــ
(1) راجع حقائق التأويل في متشابه التنزيل 5: 291، السورة التي يُذكر فيها النساء.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الأعلى، ولا حاجة بنا إلى الاعتذار أوالتوسّل باسلوبٍ آخر.
وعلى هذا لا يبقى لدينا في تسمية السورة بعد حذف أُطروحة الشريف الرضي+ إلّا أن يُقال:
(1) سورة الأعلى، وهي التسمية المشهورة.
(2) بيان رقمها في المصحف الشريف.
****
قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} :
ولا يخفى: أنَّ لـ(سبّح) مادّةً وهيئةً، وسنتكلّم عن المادّة أوّلاً؛ لأنَّها الجانب الأهمّ، ثُمَّ نتناول الهيئة من ناحية استفادة الوجوب أو الاستحباب.
أمّا مادّة (سبّح) فهي التسبيح. ولمعرفة المراد من التسبيح نستعين بما ذكره الراغب في >مفرداته<. قال: السبح: المرّ السريع في الماء وفي الهواء. يُقال: سبح سبحاً وسِبَاحَة، وأُستعير لمّر النجوم في الفلك نحو: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}(1) ولجري الفرس نحو: {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً}(2) ولسرعة الذهاب في العمل نحو: {إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً}(3). والتسبيح تنزيه الله تعالى، وأصله المَرّ السريع في عبادة الله تعالى … إلى أن قال: والسُّبحَة التسبيح، وقد يُقال للخرزات التي بها يُسبّح: سُبْحَةً (4).
أقول: إنَّ ما نقله الراغب غير وافٍ بالغرض؛ لأنَّه وإن أفاد معنى أصل
ــــــ[76]ــــــ
(1) سورة يس، الآية: 40.
(2) سورة النازعات، الآية: 3.
(3) سورة المزّمّل، الآية: 7.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 226 – 227، مادّة (سبح).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
مادّة التسبيح، إلّا أنَّه لم يبيّن معنى السبحان.
نعم، أفاد الشيخ الطريحي+ في >مجمع البحرين< قائلاً: والتسيبح الأصل فيه التنزيه والتقديس والتبرئة من النقائص، فمعنى (سبحان الله) أي: برئ الله من السوء تبرئة(1).
وعلى هذا يكون التسبيح بمعنى الشهادة له تعالى بالطهارة والتنزّه عن النقائص وعن صفات المخلوقين؛ لأنَّه هو الكمال المطلق المحض اللامحدود، فكلّ نقص – تصوّرناه أو لم نتصوّره- فالله تعالى منزهٌ عنه وطاهرٌ منه.
وأضاف+: فهو مصدر علم منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ ترك إظهاره كـ(معاذ الله)، ويُطلق على غيره – أي: يُطلق التسبيح على غيره- من أنواع الذكر مجازاً، كالتحميد والتمجيد وغيرهما، ولا يكاد يُستعمل إلّا مضافاً (2).
فتحصّل من كلامه: أنَّ (سبحان) مصدرٌ منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ محذوفٍ ترك إظهاره، والمفعول المطلق مصدرٌ، تقول: ضربت ضرباً، ومشيت مشياً، مع أنَّ (سبحان) لا يُستعمل إلّا مضافاً، وغالباً ما يكون مضافاً إلى لفظ الجلالة، تقول: (سبحان الله).
وحينئذٍ يختلف حاله عن غيره؛ إذ المفاعيل المطلقة تكون منوّنةً، كما في قولنا: (ضربت ضرباً) و(مشيت مشياً)، وهنا لا يمكن أن نقول: (سبّحت سبحاناً)؛ لأنَّه كما قلنا لا يُستعمل إلّا مضافاً، والإضافة تنافي التنوين.
إلّا أنَّ ها هنا إشكالاً على ما ذكره الطريحي، وهو أنَّه قال: إنَّ (سبحان) مصدرٌ، وعلى هذا يُستفاد أنَّ (سبحان) بمعنى التسبيح، والتسبيح مصدرٌ أيضاً.
ــــــ[77]ــــــ
(1) مجمع البحرين2، 369، مادّة (سبح).
(2) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فهما إمّا مترادفان، أو يكاد أن يكونا مترادفين، ومعنى كونهما مترادفين أن يرجع بعضهما إلى بعض، مع أنَّه لا يحتمل رجوع بعضهما إلى بعض وجداناً، فهناك اختلافٌ أساسي بينهما يرجع إلى التباين بمعنىً من المعاني.
وهذا البيان الموافق للوجدان ينفي ما أفاده الطريحي+. وحينئذٍ نطرح أُطروحةً مقابلةً لذلك، وهي أنَّه يمكن أن يقال: إنَّ (سبحان) على وزن فعلان: (كنعمان) و(ثعبان)، وفعلان مرّة بالفتح (فَعلان) وأُخرى بالضمّ (فُعلان). فإذا جاءت بالفتح فهي صفةٌ مشبّهةٌ تفيد أصل الاتّصاف بالصفة دون الدلالة على شدّة الاتّصاف بها.
وأمّا لو وردت بالضمّ فتفيد شدّة الاتصاف وقوّته: كنُعمان بالضمّ، وهو شديد الاتّصاف بالنعمة.
إلّا أنَّ (فَعلان) بالفتح هي الأشهر في الاستعمال: كسرحان وغضبان وتعبان ونعسان وغيرها.
وعلى هذا فـ(سبحان) تدلّ على شدّة وقوّة الاتّصاف بالنزاهة والطهارة بالنسبة إلى الله تعالى، وهي صفةٌ مشبّهةٌ لا مصدرٌ، كما ذهب إليه الطريحي+.
والذي ينبغي التنبيه عليه فيما طرحناه أنَّه يصحّ إسناد (سبحان) إلى ذات الله سبحانه، ويُراد به المتّصف بالتنزيه والقداسة، ولا يقع حينئذٍ مصدراً؛ لورود قوله×: >يا سبحان<(1)، ولو كان مصدراً لما صحّ مناداته به.
ــــــ[78]ــــــ
(1) حسبما ورد في دعاء المجير بقوله×: >سبحانك يا سبحان، تعاليت يا ديّان، أجرنا من النار يا مُجير< ودعاء الجوشن الكبير بقوله×: >اللّهمّ إنّي أسألك باسمك: يا حنّان، يا منّان، يا ديّان، يا برهان، يا سلطان، يا رضوان، يا غفران، يا سبحان، يا مستعان، يا ذا المنّ والبيان<. فراجع البلد الأمين: 362 و402 وغيره، واقرأ وارق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
حول بيان المراد من التسبيح
ثُمَّ إنَّ للتسبيح – الذي هو بمعنى التنزيه والتطهير- معنيين:
المعنى الأوّل: التطهير الثبوتي، والمراد به إيجاد الطهارة الواقعيّة في الشيء المراد تطهيره، فالتطهير على هذا المعنى سببٌ واقعي لثبوت وحصول الطهارة، وهذا المعنى – كما هو واضح- لا يصدق في حقّ الله تعالى؛ وذلك لأمرين يمكن الإشارة إليهما في المقام:
الأوّل: أنَّ الله سبحانه هو الغني المطلق عن العالمين.
الثاني: أنَّ التطهير الثبوتي بالنسبة إلى الله سبحانه من باب تحصيل الحاصل؛ لأنَّ لله الكمال من جميع الجهات، فأيّ تسبيبٍ للطهارة بالنسبة إليه سبحانه يكون تسبيباً لما هو حاصلٌ قبل السبب.
المعنى الثاني: التطهير الإثباتي، والمراد به الشهادة والإقرار بأنَّ شيئاً ما طاهرٌ. وهذا المعنى وإن كان لا يخلو من مجازٍ، فالشهادة بالطهارة ليست تطهيراً، وإنَّما التطهير الحقيقي هو المعنى الأوّل الذي تنزّلنا عنه؛ لعدم انطباقه على الله عزّ وجلّ، فنضطرّ أن ننتقل إلى المعنى الثاني ونقول بإنَّه هو المتعيّن، وإن خالطه المجاز.
وجديرٌ ذكره في المقام ما تنبّه له السيّد الطباطبائي+ حول مدلول النزاهة التي يتّصف بها الله سبحانه، فهل المقصود كون الله سبحانه نزيهاً في الجملة عن كلّ نقصٍ، أو هو نزيهٌ عن كلّ حصّةٍ حصّةٍ من النقص؟ لأنَّ النقائص على أنحاء وأنواع، فينبغي الالتفات إلى جملةٍ من تلك الأنحاء والأنواع من أجل أن نلتفت إلى نزاهة الله تعالى عنها.
قال+ في >الميزان<: فتنزيهه أن لا يذكر معه ما هو تعالى منزّهٌ عنه:
ــــــ[79]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
كذكر الآلهة والشركاء والشفعاء، ونسبة الربوبيّة إليهم، وكذكر بعض ما يختصّ به تعالى، كالخلق والإيجاد والرزق والإحياء والإماتة ونحوها، ونسبته إلى غيره تعالى، أو كذكر بعض ما لا يليق بساحة قدسه تعالى من الأفعال، كالعجز والجهل والظلم والغفلة وما يشبهها من صفات النقص والشين، ونسبته إليه تعالى(1).
فيتحصّل أنَّ معنى تنزيه الله سبحانه هو تجريد القول عن كلّ ما لا يناسب ساحة قدسه من الصفات؛ لأنَّه العالم المطلق والعادل المطلق والقادر المطلق، فلا نقص في ساحته سبحانه، ولذا وجب تنزيهه عن ما ينسب إلى مخلوقاته. وقد ورد في دعاء الصباح >وتنزّه عن مجانسة مخلوقاته<(2)، أي: تنزّه عن التماثل في الجنس مع مخلوقاته، فهو ليس من جنس مخلوقاته المادّيّة أو الروحانيّة.
كما يلزم في المقام الإشارة إلى أنَّ التسبيح والتنزيه والتطهير الذي ذكرناه آنفاً صيغة تفعيل، وهذه الصيغة تختلف بحسب الاصطلاح الصرفي إثباتاً وثبوتاً.
والغرض: أنَّ هذه الصيغة قد تكون لبيان الطهارة الثبوتيّة فقط، فلا تصدق على الطهارة الإثباتيّة، وقد تكون لبيان الطهارة الإثباتيّة فقط، فلا تصدق على الطهارة الثبوتيّة، وقد تكون للإشارة إلى الطهارتين الثبوتيّة والإثباتيّة معاً، كما لو وردت هيئة التفعيل على مادّة >التطهير<، فـ (طهّرته) أي: فعلت فيه الطهارة، وأثّرت فيه الطهارة، ولا نقول: شهدت بطهارته؛
ــــــ[80]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 264، تفسير سورة الأعلى.
(2) بحار الأنوار 84: 339، الباب 13، الحديث 19.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وإنَّما ذلك يُطلق من باب المجاز.
وعلى هذا لابدّ أن نُلاحظ أنَّ أيّاً منها يُناسب أحد هذه الأُمور. فالتنزيه مثلاً بحسب الفهم العرفي يُستعمل للإثبات فقط، لا للثبوت، ونحوه التفسيق والتعديل من الفسق والعدالة يُستعملان للشهادة بالفسق والعدالة، أي: في جانب الإثبات فقط.
والذي ينبغي ملاحظته أيضاً أنَّ هذه الصيغة (التفعيل) وُضعت للمعنى الثبوتي، إلّا أنَّها تُستعمل للإثباتي مجازاً، ثُمَّ صارت بعد ذلك حقيقةً في المعنى الإثباتي، كالتفسيق والتعديل، والسبحان والتسبيح، وإلّا فالأصل في الجميع هو المعنى الثبوتي.
وإذ كان المقام في بيان مدلول التسبيح، يجدر بنا الالتفات إلى كلام الشيخ الطريحي في >المجمع< حيث قال: و(سبّوح قدّوس) يُرويان بالفتح والضمّ، وهو أكثر، والفتح أقيس، وهو من أبنية المبالغة للتنزيه. ومعنى (سبّوح) طاهرٌ عن أوصاف المخلوقات، و(قدوّس) بمعناه، وقيل: مبارك (1).
أقول: إنَّ (مبارك) لا ينطبق على ذات الله سبحانه، كما لا يصلح أن يكون اسماً للذات؛ وذلك لوجهين:
الأوّل: أنَّ البركة هي الزيادة، والله تعالى لا زيادة فيه؛ لأنَّه الكمال المطلق.
الثاني: أنَّ (مبارك) اسم مفعول، ونائب الفاعل مجهولٌ أو محذوفٌ، وحينئذٍ نسأل: من الفاعل الذي بارك الله سبحانه ؟ وهذا هو الكفر بعينه، كما هو واضحٌ.
ــــــ[81]ــــــ
(1) مجمع البحرين 2: 370، مادّة (سبح).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وعلى أيّ حالٍ فقد تحصّل بحسب الأُطروحة التي تقدّمت: أنَّ (سبحان) صفةٌ مشبّهةٌ، و(سبّوح) صيغةُ مبالغةٍ، وهذا يدلّ على كونه مشتقّاً، فمادّة (سبّوح) تُستعمل بصيغة ثلاثيّة ورباعيّة، فالرباعيّة المزيدة (سبَّح يسبَّح)، والثلاثيّة ( سبح يسبح أسبح) من السباحة في الماء، لا من التسبيح، إلّا أنَّ هذا لايضرّ؛ لأنَّ أصل الكلمة وإن وردت في الشريعة، إلّا أنَّها مأخوذةٌ من اللغة. وكما يمكن أن يقال بأنَّ السباحة في الماء موجبةٌ للنظافة والنزاهة من الأوساخ، فمن هذه الناحية لا نكون قد خرجنا عن معنى التسبيح الذي هو النزاهة والطهارة.
وتُستعمل (سبّح) بمعنى الطهور في المعلول لا العلّة، فسبّح أي: طهُر، سواء كان عن طريق السباحة في الماء أم عن طريق شيءٍ آخر.
وأمّا الله تعالى – الذي هو واجب الوجود، وطهارته واجبة الوجود- فاستعمال التسبيح والطهارة في حقّه تعالى استعمالٌ حقيقي؛ لأنَّ اللفظ قد استغنى عن القرينة، فأصبح حقيقةً فيه.
وفي المقام سؤالٌ لابدّ من طرحه أيضاً وهو: ما الدليل على استعمال (سبّح يسبّح) بالفتح أو بالضمّ بعنوان (طهّر يطهّر)؟ والوجهُ فيه: أنَّه لا يُستعمل لا في المخلوقين ولا في الخالق، ولا سيّما في جانب الخالق؛ لأنَّ صيغة الماضي والمضارع لا تستعملان في الخالق جلّ جلاله؛ لأنَّ طهارته ثابتةٌ منذ الأزل إلى الأبد، فمن هذه الناحية لا تصدق عليه الأفعال، وإنَّما تصدق عليه النتائج. فـ(سبحان) – سواء قلنا بأنَّه مصدرٌ أم صفةٌ مشبّهةٌ- بمنزلة نتيجة الفعل، فـ(سبحان الله) أي: فعلاً هو طاهرٌ ذاتاً ومتّصفٌ بالطهارة، مع قطع النظر عن الأفعال.
ــــــ[82]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ثُمَّ هل للمصدر الثلاثي مفردٌ من الناحية اللغويّة وهل يمكن أن يكون له جمع؟
والجواب بالإثبات، أعني: يمكن ذلك، فمفرد السَبْح (سَبْحة) أو (سُبْحة)(1)، فهو مصدرٌ أو اسم مصدر، إلّا أنَّه مفردٌ مؤنّثٌ.
وأمّا جمعه فقد يقال بأنَّ المصدر لا يُجمع مطلقاً، كما ذهب إليه غير واحد من أهل اللغة(2).
ونحن نقول بأنَّ المصادر تُجمع؛ لأنَّه قد تتعلّق المصالح والأغراض اللغويّة والاجتماعيّة بجمعها، فإذا أردنا جمعها فماذا نصنع وما هو الحلّ؟ فلابدّ أن نجيز جمع المصادر لكي نستطيع التعبير عن مقاصدنا بهذا الخصوص، واللغة إنَّما هي للتعبير عن المقاصد.
فنقول: إنَّ المصادر تُجمع بالألف والتاء، لا بالواو والنون، فلا تُجمع كجمع المذكّر السالم، ولا كجمع التكسير، فنجمعها بالألف والتاء مع أنَّها ليست مؤنّثاً سالماً. ومثال ذلك: (نشاطات) و(حركات) و(انفعالات)، ونحوها (سُبحات). وقد أشار إلى (سُبحات) الطريحي في >مجمعه< حيث قال: وسبحات وجه ربّنا: جلاله وعظمته، وقيل: نوره (3).
ــــــ[83]ــــــ
(1) ورد أنّ الظهرين يؤتى أحدهما بعد الآخر بينهما سَبحة أو سُبحة، كما بيّنا ذلك مفصّلاً في كتابنا (ماوراء الفقه)، (منه+)، أُنظر: ماوراء الفقه 1، ق2: 52، الطائفة الرابعة: في روايات السبحة.
(2) راجع لسان العرب 15: 256، مادّة (لقا)، البحر المحيط في التفسير 9: 216، تفسير سورة الزمر، مجمع البيان 4: 748، تفسير سورة الأعراف، وغيرها.
(3) مجمع البحرين 2: 370، مادّة (سبح).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ولنعطف الكلام إلى الآية الكريمة: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} فيكون معناها – بحسب ما طرحناه-: اشهد بطهارة ربّك الأعلى. وهذا التسبيح له عدّة مراحل ودرجات، منها باللسان، ومنها بالذهن، ومنها بالعقل، ومنها بالقلب، وهكذا.
حول دلالة الهيئة على الوجوب أو الاستحباب
ثُمَّ إنَّ (سبّح) في علم الأُصول على هيئة افعل، و في علم النحو فعل امرٍ، والأمر يدلّ عادةً على الوجوب، أوكما يُقال: هو ظاهرٌ في الوجوب.
أقول: بل الأمر موضوعٌ للوجوب.
وعلى هذا يمكن أن نفهم أربع أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: أن نفهم من الصيغة الوجوب، فالتسبيح وصفٌ واجب الثبوت في ذمّة المكلّفين. وإنَّما يكون واجباً؛ لأنَّ التسبيح يعود إلى درجةٍ من درجات معرفة الله سبحانه، أي: معرفته بالنزاهة والعظمة، ومعرفته سبحانه واجبةٌ.
الأُطروحة الثانية: أن نفهم من الصيغة الاستحباب، فتكون الشهادة لله بالطهارة – أي: التطهير الاثباتي- غير واجبةٍ، وإنَّما الواجب هو الاعتقاد بالتطهير الثبوتي ونزاهة الخالق ثبوتاً أيضاً.
الأُطروحة الثالثة: أن نقول: إنَّ الصيغة هنا لمطلق الطلب، أي: الجامع بين الوجوب والاستحباب.
الأُطروحة الرابعة: أن لا يكون للأمر محصّلٌ من الوجوب والاستحباب إطلاقاً، وإنَّما هو لمجرّد التنبيه على مفاده، أعني: (إنَّ ربّك هو الأعلى) أو (إنَّ اسم ربّك هو الأعلى) أو (إنَّه يستحقّ التسبيح) أو غير ذلك.
ــــــ[84]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ولا يُراد به دلالته المطابقيّة: لا الاستحبابيّة ولا الوجوبيّة ولا الجامع بينهما. وهذه الأُطروحة لا بأس بها على مستوى الاحتمال، وإن لم تُذكر في سائر المصادر.
ويحسن هنا أن نلتفت كما التفت السيّد الطباطبائي+(1) إلى أنَّ القرآن الكريم لم يقل: (سبّح ربّك الأعلى)، بل قال: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، فالتسبيح وقع على الاسم، ولم يقع على المسمّى (الربّ)، فكيف يصحّ ذلك؟ وكيف لنا أن نسبّح غير الله سبحانه؟
يمكن الجواب عنه بوجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ الاسم طريقٌ إلى المسمّى ودالٌّ عليه. وبعبارةٍ أُصوليّةٍ: إنَّ الاسم فانٍ في المسمّى، ومعنى فناء الاسم في المسمّى أن لا يُلحظ الاسم، بل الذي يُلحظ المسمّى فقط، كما في المرآة؛ فإنَّك تلحظ الصورة فقط، وتغفل عن المرآة، والمرآة فانيةٌ في الصورة.
وعلى ضوء هذا فالاسم ليس إلّا طريقاً إلى المسمّى، ولذا ورد قوله تعالى: {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّامَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}(2). وعليه فالمقصود هو الذات، وهو الله سبحانه، وحينئذٍ يرجع قوله تعالى {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} إلى معنى (سبّح ربّك الأعلى). ويمكن بالإضافة إلى ذلك أن نقول بأنَّ التسبيح للذات لا يمكن إلّا عن طريق الأسماء.
ــــــ[85]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 264، تفسير سورة الأعلى.
(2) سورة الإسراء، الآية: 110.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الوجه الثاني: أن نقول بأنَّ الأسماء لا قصور فيها، فالأسماء طاهرةٌ مطهّرةٌ، وإذا كان الاسم مطهّراً لزم بطريقٍ أولى ثبوت الطهارة للمسمّى؛ لأنَّ معناه: أنَّ المسمّى بمكانٍ من الطهارة حتّى أنَّ اسمائه طاهرةٌ أيضاً.
الوجه الثالث: أن يقال: إنَّ بالإمكان لحاظ الاسم زائداً على الذات، أو مستقلاً عن الذات، فيُلحظ الاسم كاسمٍ بحسب ما نفهمه وندركه، كأن نفهم بأنَّ له نحواً من الوجوب، وذلك الوجوب طاهرٌ ومنزّهٌ وعظيمٌ وجليلٌ، مع ملاحظة اختلاف الرتبة، فهو سبحانه علّة وجودها، أعني: الأسماء.
ثُمَّ إنَّنا نسأل: إنَّ (الأعلى) صفة لأيّ شيء؟
والجواب: أنَّ هناك احتمالين: فإمّا أن تكون (الأعلى) صفةً لربّك، وإمّا أن تكون صفةً للاسم، ونستطيع القول: إنَّ المشهور(1) -وتبعهم صاحب >الميزان<(2)- يرى أنَّها وصفٌ لربّك.
ولعّل ذلك لأنَّ الربّ هنا أقرب إلى الأعلى، فيكون أظهر أو أولى بكونه موصوفاً من الاسم الذي هو أبعد لفظاً. والأمر الذي دعى إلى هذا التساؤل هو كون (الأعلى) اسماً مقصوراً، وهو – بمعنىً من المعاني- لا تظهر عليه الحركات، ولو ظهرت عليه الحركات لعرفنا مرجعه، فإمّا أن يكون حينئذٍ منصوباً تبعاً لحركة الاسم الذي هو منصوب، وإمّا أن يكون مجروراً تبعاً لحركة >ربّك< الذي هو مجرور بالاضافة. فالصفة هنا – أي: (الأعلى)- إمّا أن ترجع إلى الاسم فتكون منصوبةً، وإمّا أن ترجع إلى>ربّك< فتكون مجرورةً،
ــــــ[86]ــــــ
(1) أُنظر: الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل 4: 738، تفسير سورة الأعلى، إعراب القرآن وبيانه 10: 448-449، سورة الأعلى.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 264، تفسير سورة الأعلى.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
لكن لمّا خفي علينا حركته حصل الإجمال.
ولعلّه يُقال: إنَّه من الناحية النظريّة – وبغضّ النظر عن اللغة- يتعيّن رجوع (الأعلى) إلى الربّ لا إلى الاسم؛ لأنَّ الله هو الأعلى من كلّ شيءٍ بطبيعة الحال، لا الاسم، فناسب نظريّاً رجوع الصفة (الأعلى) إلى المسمّى، لا إلى الاسم.
ويمكن الجواب عمّا تقدّم من عدّة وجوهٍ، وإن اختلف بعضها بالتقرير والصياغة، وهي:
الجواب الأوّل: أننّا لا نستبعد كون الاسم أعلى؛ فكما أنَّ الذات عالية فكذلك الاسم عالٍ مع الإقرار بالفرق، وهو أنَّ علوّ الاسم ليس كعلوّ الذات، فعلوّ الاسم مطلق العلوّ الذي ينطبق على الاسم وعلى غيره، بينما علوّ الذات هو العلوّ المطلق، وهو العلوّ الذي لا ينطبق إلّا على الذات المقدّسة.
والحاصل: أنَّ الأسماء أيضاً عاليةٌ، ولذلك ورد في دعاء البهاء: >اللّهمّ إنَّي أسألك من أسمائك بأكبرها، وكلّ أسمائك كبيرةٌ<(1)، أي: عظيمةٌ وعاليةٌ، وحينئذٍ لا نستبعد كون الاسم عالياً وعظيماً كالذات.
الجواب الثاني: أن يُراد من الوصف التعيين، أي: خصوص اسمٍ معيّنٍ من تلك الأسماء الحسنى الكثيرة والعظيمة، فـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} بمعنى: سبّح الله سبحانه بلفظ الأعلى دون الأسماء الأُخرى، فأُخذ لفظ الاسم فانياً في معنى الاسم الذي هو (الأعلى) لا فانياً في الذات.
وقد يُقال: إنَّنا عادةً نفهم من الأعلى أعلى المراتب، أي: العلوّ المطلق، لا مطلق العلوّ، فكيف قلتم بأنَّ مطلق العلوّ ينطبق على الأسماء؟ مع أنَّ الظاهر أنَّ العلوّ المطلق لا ينطبق على الأسماء؛ لأنَّ العالي المطلق حقيقةً هو الباري
ــــــ[87]ــــــ
(1) إقبال الأعمال: 77، الباب الرابع، دعاء آخر في السحر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
تعالى، فيتعيّن رجوع الصفة (الأعلى) إلى المسمّى (الربّ) لا إلى الاسم.
فنقول: إنَّ (الأعلى) وإن كان فيه هاتان الجهتان – أعني: مطلق العلوّ والعلوّ المطلق- إلّا أنَّ الكلام في نحو تعيينه، فكلاهما محتملٌ، وحينئذٍ لابدّ لتعيين ذلك من وجود قرينةٍ في مرتبةٍ سابقةٍ لفظاً، ولا يمكن أن نقول بأنَّه ظاهرٌ في هذا المعنى أو ذاك من دون قرينةٍ على ذلك، اللّهمّ إلّا أن نقول: إنَّ القرينة هي أنَّ (الربّ) أقرب لفظاً من الاسم.
والغرض: أنَّه وقع الكلام في رجوع صفة (الأعلى) إلى الاسم أو إلى الربّ، وقد ذكرنا بأنَّ رجوعه إلى الربّ أرجح؛ وذلك لوجود القرينة على ذلك، وهي كونه أقرب لفظاً.
وهنا يمكن إضافة قرينةٍ أُخرى على رجوع الصّفة إلى الربّ، وهي أنَّ السورة ذكرت أُموراً أُخرى منها: قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى}(1)، فهذه الأُمور التي اشتملت عليها الآيات من عمل الله تعالى، لا من عمل الاسم.
ويرد على هذه القرينة ثلاثة إشكالات:
الأوّل: أنَّه لا ملازمة في المقام – لا لغويّة ولا عقليّة- بين رجوع صفة (الأعلى) إلى الربّ ورجوع سائر الصفات التي ذكرتها الآيات إلى الربّ.
الثاني: أنَّ غاية ما يُستدلّ به على رجوع هذه الأوصاف إلى الربّ هي وحدة السياق، ونحن نقول بأنَّ وحدة السّياق هنا لا أثر لها؛ لأنَّ وحدة السياق يمكن أخذها على نحوين، تكون على أحدهما ذات أثرٍ، وعلى الأُخرى بلا أثرٍ.
ــــــ[88]ــــــ
(1) سورة الأعلى، الآيات: 2-5.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فإذا أخذنا وحدة السياق بأن نعتبر الأوصاف المتأخّرة صفةً للأعلى، لا صفة للربّ والاسم، فيكون السياق هكذا: (الأعلى الذي خلق فسوّى والذي قدّر فهدى)، وحينئذٍ يتعيّن رجوع المجموع من الصفة والموصوف إلى الربّ؛ لأنَّ هذه الأُمور من فعل الله تعالى. وفي هذه الصورة تكون وحدة السياق ذات أثرٍ.
وأمّا إذا أخذنا وحدة السياق مع البناء على أنَّ (الأعلى) صفةٌ بمفردها وسائر الصفات أيضاً صفاتٌ مستقلّةٌ، فحينئذٍ لا تكون وحدةالسّياق مفيدةً؛ لأنَّه لا يتعيّن حينئذٍ رجوع هذه الصفات إلى الربّ ولا إلى الاسم. ويبقى احتمال كلا الأمرين وارداً.
والسرّ في كونها بلا أثرٍ: إنَّها إنَّما تؤثّر في المعلول، لا في العلّة. وبعبارة أُخرى: إنَّ المعلول هو الظهور اللفظي، والعلّة هي السبب في ذلك الظهور، وهي من قبيل رجوع الضمير ورجوع الاسم الموصول والصفة إلى موصوفها وهكذا. وهذه الأُمور سابقةٌ رتبةً على الظهور ووحدة السياق، فهي بمنزلة العلّة للظهور أو وحدة السياق.
ووحدة السياق إنَّما تكون مؤثّرةً في حدود هذه العلّة، ولا يمكن لوحدة السياق أن تفرض تلك العلّة؛ لأنَّها أسبق منها رتبةً، ولذلك لا يمكن فرض رجوع الصفة إلى الموصوف ما لم تكن راجعةً فعلاً، وكلامنا في رجوع الصفة إلى الموصوف، فلا تكون مؤثّرةً في إثبات ذلك؛ لأنَّه من باب إثبات أمرٍ سابقٍ عليها، وهو مستحيلٌ.
ونحن نقول: إنَّ وحدة السياق المدّعاة: إمّا هي من هذا النوع جزماً أو احتمالاً، وفي كلا الحالتين لا يمكن التمسّك بها.
ــــــ[89]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الثالث: أنَّ غاية ما أُستدلّ به على رجوع تلك الصفات إلى الربّ دون الاسم أنَّ الربّ هو من يتعيّن له القيام بهذه الأوصاف؛ لأنَّه الخالق، لا الاسم، مع أنَّه يمكن القول بأنَّ الله سبحانه قد لا يخلق بصورةٍ مباشرةٍ، بل بواسطة الأسباب، والقدر المتيقّن أنَّ الله خلق الخلق الأوّل الذي هو العقل الأوّل بصورةٍ مباشرةٍ، وأمّا ما عداه فكلّه قد يكون بواسطة الأسباب، ومن أعظم الأسباب وأعلاها الأسماء الحسنى، فهي الفاعلة في الكون. وإذا تقررّ ذلك فيمكن رجوع الصفات إلى الاسم، ويكون الاسم هو الذي (قدّر فهدى)وهو (الذي أخرج المرعى)، ولا مانع منه.
ثُمَّ إنَّ ممّا لاشكَّ فيه أنَّ المخاطب به هو النبي الأكرم’، فهو المخاطب المباشر بذلك، إلّا أنَّ الكلام في أنَّ الخطاب هل يشمل غيره أم يختصّ به’؟ لأنَّه قد ثبت في بعض الموارد اختصاص الخطاب به، وفي البعض الآخر شمول الخطاب لغيره، وهنا يمكن الإشارة إلى أُطروحتين:
الأُطروحة الأُولى: أن يكون الخطاب مختصّاً به’، ولهذا الاحتمال ما يبرّره؛ إذ النبي’ مؤهّلٌ أكثر من غيره بأن يسبّح الله وينزّهه حقّ تسبيحه. إلّا أنَّ هذا مبني على أن يكون المراد بالتسبيح هو التسبيح المطلق، وحينئذٍ نقول: إنَّ التسبيح المطلق لا يقدر عليه إلّا النبي وأهل بيته؛ لأنَّهم من نورٍ واحدٍ.
الأُطروحة الثانية: أنَّ الخطاب شاملٌ له ولغيره؛ لأنَّنا نفهم من التسبيح مطلق التسبيح، ومطلق التسبيح كما يمكن أن يصدر من النبي’ يمكن أن يصدر من غيره، فالمسألة مبنيّة على معرفة مادّة التسبيح. فإذا أُريد به التسبيح المطلق – أي: الدرجة العالية من التسبيح- فيكون المخاطب النبي الأكرم’
ــــــ[90]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فقط، وإن أُريد به مطلق التسبيح، فالخطاب لا يختصّ بالنبي، بل يعمّ غيره.
وربما يُقال: إنَّ التسبيح أمرٌ تكويني موجودٌ في الخليقة وفي عالم الإمكان، وهذا ما نطق به القرآن كما في قوله تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}(1) ونحوه، فالأمر بالتسبيح من باب تحصيل الحاصل، وهو أشبه باللغو.
ويمكن الإجابة عنه بوجهين مرجعهما إلى معنىً واحدٍ:
الوجه الأوّل: أن يُقال: إنَّ التسبيح أحد نحوين أو أحد مرتبتين تكويني واختياري، وما نطقت به الآيات والروايات هو التسبيح التكويني الذي يكون بلغة الخضوع تكويناً للقدرة الإلهيّة، إلّا أنَّ التسبيح المأمور به هو التسبيح الاختياري الذي يكون قسماً آخر لا يشبه التسبيح التكويني إطلاقاً، فسبّح بمعنى: اعمل إرادتك واختيارك بالتسبيح بأحد مراتبه من اللفظي أو القلبي أو غيرهما.
الوجه الثاني: أن يُقال بأنَّ لكيان الإنسان عدّة قوىً وعدّة أنحاءٍ من الوجود، ففيه نفسٌ وفيه عقلٌ وإحساسٌ، وحينئذٍ يمكن – كأُطروحةٍ- أن نقول بأنَّ أكثر كيانات الإنسان تسبّح بالتسبيح التكويني، إلّا أنَّ هناك مرتبةً من وجوده لا تسبّح، وهي نفسه الأمّارة بالسوء، فهي بعيدةٌ عن الله سبحانه، فحينئذٍ يتوجّه الأمر إلى هذه المرتبة، وهذا الأمر لا يكون من باب تحصيل الحاصل، بل من طلب ما هو غير حاصلٍ.
وهنا تساؤلٌ آخر هو: هل يوجد أرباب غير الله سبحانه حتّى يقول: (ربّك الأعلى)؟ فلو كان الربّ واحداً فلا يوجد عالٍ ولا دانٍ.
ــــــ[91]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 44.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ويمكن الإجابة عنه بوجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ هذا السؤال فرع كون الوصف راجعاً إلى الربّ، لا إلى الاسم، وأمّا إذا أرجعناه إلى الاسم فلا بأس في ذلك.
الوجه الثاني: أنَّه يمكن القول بأنَّ هذا السؤال ناشئٌ أيضاً من إرجاع صفة (الأعلى) إلى الله سبحانه، مع أنَّه يمكن أن يُقال -كما طرحناه سابقاً-: إنَّ (الأعلى) اسمٌ من الأسماء، كالرحمن والرحيم، والله سبحانه يأمرنا أن نسبّح عن طريق هذا الاسم دون سواه من الأسماء، وعلى هذا ينسدّ باب السؤال، ولا يبقى مجالٌ له.
الوجه الثالث: ويلزم أوّلاً بيان مقدّمةٍ، وهي أنَّ أفعل التفضيل لا تفيد التفضيل دائماً، بل أفعل التفضيل تدلّ على ثبوت أصل الصفة، أي: ما دام أنَّ شيئاً مّا موصوفٌ وغيره غير موصوفٍ بصفة ما فحينئذٍ نستعمل هذه الصفة في المتّصف.
وحينئذٍ نقول: إنَّ (الأعلى) بمعنى: أنَّه سبحانه متّصفٌ بصفةٍ، وهي أنَّه أعلى من كلّ المخلوقين دون الحاجة إلى تصوّر أنَّ هناك تدرّجاً وتفاضلاً في علوّ الأرباب، بل نقول: هو الموصوف بالعلوّ، وغيره ليس كذلك، وعلى هذا النحو لا مانع من وصفه سبحانه بالأعلى.
الوجه الرابع: أنَّنا إذا تنزّلنا عن كلّ هذه الأُمور نقول: إنَّ هناك أرباباً غير الله سبحانه، وهناك مطلق الربوبيّة تنطبق على الله سبحانه وعلى غيره، أي: وجود حصصٍ وأنحاء عديدةٍ يمكن أن نستخرج منها معنى الربّ، فكلّ مالكٍ هو ربٌّ، وكلّ مسيطرٍ هو ربٌّ، وكلّ مطاعٍ هو ربٌّ، ومَن أطاع نفسه الأمارة بالسوء فهي ربّه.
ــــــ[92]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والغرض: بيان أنَّ الأرباب متعدّدون، وقد أُمرنا أن نسبّح لمَن له العلوّ المطلق، وهو الله سبحانه، دون مَن له مطلق العلوّ، أعني: سائر الأرباب.
****
قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى}:
ونقول ابتداءً – على نحو الإجمال-: إنَّ (خلق) أوجد و(سوّى) عدّل.
وأمّا تفصيل الكلام فنقول: إنَّ الأشياء متضادّةٌ ومختلفةٌ ومتزاحمةٌ فيما بينها، إلّا أنَّه مع ذلك يكمّل بعضها البعض الآخر، والسرّ والإعجاز يكمن في أنَّه مع هذا الاختلاف وهذا التضادّ تسير الأُمور على نسقٍ واحدٍ، كأنَّ بينها كمال الأُلفة، فكلّ شيءٍ يسير حسب الحكمة الإلهيّة. وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى}: خلق المتضادّات من الأشياء وساوى بينها، وهذه ليست وظيفةً يسيرةً، بل هي كاشفةٌ عن قدرته تعالى.
ويُلاحظ: أنَّ التسوية متأخّرةٌ رتبةً لا زماناً عن الخلق، كما يظهر من حرف العطف (الفاء) في قوله: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى}. وإنَّما قلنا بأنَّه تأخّرٌ رتبي لا زماني لأنَّه لا يتصوّر التأخّر الزماني، بل خلق الخلق وسوّاه في زمانٍ واحدٍ.
وقد أفاد السيّد الطباطبائي+ في >الميزان< ما نصّه: والخلق والتسوية وإن كانا مطلقين، لكنّهما إنَّما يشملان ما فيه تركيبٌ أو شائبة تركيبٍ من المخلوقات (1).
أقول: يُستفاد من كلامه+ أنَّه ليس كلّ شيءٍ يحتاج إلى تسويةٍ، فالأشياء المركّبة التي تحتوي على المتضادّات والمتنازعات أو شبه المركّبة هي
ــــــ[93]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 265، تفسير سورة الأعلى.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
التي تحتاج إلى تسويةٍ، وأمّا الأشياء البسيطة فلا تحتاج إلى ذلك، فالخلق عامّ والتسوية خاصّة. فهو+ جعل الحاجة الى التسوية منوطةً بالتركيب، فأصبحت القضيّة عنده بشرط المحمول، فما لا تركيب فيه لا تسوية فيه.
ويُلاحظ على ما أشار إليه+ أمران:
الأوّل: أنَّه قد ثبت في الحكمة المتعالية(1) أنَّ كلّ ممكنٍ زوجٌ تركيبي، أي: ما دام الشيء جزئيّاً في عالم الإمكان فهو مركّبٌ لا بسيطٌ. والنتيجة: كلّ ممكنٍ مركّبٌ. وكلّ مركّبٍ يحتاج إلى تسوية، فكلّ ممكنٍ يحتاج إلى التسوية، وحينئذٍ فكلّ عالم الخلق – بما أنَّه ممكنٌ- يحتاج إلى تسويةٍ، وعلى هذا يكون الخلق عامّةً والتسوية عامّةً شاملةً لجميع عالم الإمكان.
الثاني: أنَّ السيّد الطباطبائي+ لاحظ التسوية في كلّ جزءٍ جزءٍ بصورةٍ مستقلّةٍ، مع أنَّ التسوية كما يمكن أن تُلحظ بالنظر الاستقلالي إلى الأشياء يمكن أن تكون بلحاظ العلاقات التي تربط تلك الأشياء المتضادّة. فالماء والنار مثلاً لكلٍّ منهما وضعه الخاصّ وتركيبه الذي يضادّ تركيب الآخر، فالتسوية تشمل العلاقة التي بين الماء والنار، فيكون مقصوده سبحانه من قوله: {فَسَوَّى} التسوية الناظرة إلى العلاقة الرابطة بين الأشياء، لا إلى ذوات الأشياء. وبعبارة أُخرى: إنَّ التسوية يمكن أن تشمل ذوات الأشياء، ويمكن أن تشمل العلاقة الرابطة بين تلك الذوات، ويمكن أن تشمل كلا الأمرين
ــــــ[94]ــــــ
(1) راجع القبسات: 152، القبس الخامس، الحكمة المتعالية 1: 187، السفر الأوّل، المسلك الأوّل، المرحلة الأُولى، المنهج الثاني، الفصل 10، شرح المنظومة 2: 64، غررٌ في أصالة الوجود، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
معاً، فحينئذٍ تكون التسوية شاملة لكلّ الخلق، ولا اختصاص لها بشيءٍ دون آخر.
ثُمَّ إنَّ السيّد الطباطبائي+ أضاف قائلاً: والآية – يعني قوله: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى}- إلى تمام أربع آيات تصف التدبير الإلهي، وهي برهانٌ على ربوبيّته تعالى المطلقة (1).
أقول: معنى قوله: (وهي برهانٌ على ربوبيّته)أنَّها برهانٌ على الآية الأُولى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، فكأنَّ الآيات التي بعدها جاءت لبيان وجه اتّصاف هذا الربّ بالأعلى، أو بالعلوّ المطلق، وبيان الوجه في استحقاقه التسبيح المطلق.
وما أفاده+ وإن كان وجيهاً، إلّا أنَّه يمكن أن نفهم من قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} وما بعدها من آيات من زاويتين أو من جهتين:
الجهة الأُولى: ما يمكن تسميتها بالجهة المطلقة، وهي التي فهمها الطباطبائي+، وهي: أنَّ الله موصوفٌ بهذه الصفات ثبوتاً، وهذا برهان قدرته، وإنَّما أسميناها بالجهة المطلقة لأنَّ التسبيح لله باعتبار اتّصافه بهذه الصفات لا لشيء آخر.
الجهة الثانية – وهي الجهة المقيّدة أو النسبيّة-: أنَّ التسبيح هنا لا لأنَّ الله متّصفٌ بهذه الصفات، بل لأنَّه رازقي والمنعم عليَّ، فأنا أحمده وأُسبّحه، كما يمكن الإشارة إلى مثالٍ منه في غير موضعٍ من القرآن الكريم: كقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}(2)، فالتسبيح هنا لا لأنَّه {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى}، ولا لكون هذه
ــــــ[95]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 265، تفسير سورة الأعلى.
(2) سورة إبراهيم، الآية: 39.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
كلّها دلائل على عظمته وقدرته ونزاهته، وإنَّما سبّحته بصفة أُخرى، كالرازقيّة والرحيميّة وما شابه ذلك. ومن هنا يتّضح مقصودنا بالجهة المقيّدة، فهي بمعنى كون التسبيح بقرينةٍ وبسببٍ، لا لمجرّد أنَّه وُصف بهذه الأُمور.
ثُمَّ إنَّ الآيات التي اشتملت عليها هذه السورة على نسقٍ واحدٍ، وهو نسق الألف المقصورة، وهنا لابدّ من الالتفات إلى الجهة البلاغيّة والإعجازيّة فيها؛ إذ لا يتيسّر أبداً الإتيان بألفاظٍ ذات معانٍ مختلفةٍ تكون من جهة في مقام بيان المراد على اختلاف مضامينه ومحتواه، ومن جهة أُخرى متلائمةً ومتناسبةً في حفظ النسق العامّ للآيات.
****
قوله تعالى: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}:
التقدير المشار إليه في الآية مصدرٌ، ومنه قدّر تقديراً، وليس الغرض بيان الجهة اللغويّة هنا، وإنَّما المهمّ بيان معنى التقدير.
فنقول: إنَّ التقدير إعطاء المقدار والحدّ للشيء، ولكلّ شيء مقدارٌ وحدٌّ إلّا الله سبحانه، فهو الذي أعطى المقدار والحدّ لكلّ الخلق، ولهذا التقدير مرحلتان:
المرحلة الأُولى: التقدير في ذات الشيء، يعني: لحاظ نفس الشيء بلحاظٍ استقلاليٍ وبصورةٍ مستقلّةٍ عن الأشياء الأُخرى، كالتقدير الحاصل لفرد الإنسان، ففرد الإنسان له عدّة تقديرات لطوله ولونه وسمعه وبصره، وكذلك لصفاته الباطنيّة والمعنويّة.
المرحلة الثانية: التقدير بين الأشياء بعضها بالنسبة إلى البعض الآخر، فاللحاظ هنا للوجودات المتعدّدة، بخلاف ما في المرحلة الأُولى، كما إذا
ــــــ[96]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
لاحظنا وجود الإنسان والزمان والفوقيّة والتحتيّة بالنسبة إليه، فهذه كلّها بتقديرٍ معيّنٍ، وهذا معناه أنَّنا نفرض شيئين: الزمان والمكان، فيكون منشأ انتزاعٍ مفهومي(مكان زيدٍ، زمان زيدٍ، مال زيدٍ).
إذ تحررّ ذلك نقول: إنَّ الأعمّ الأغلب يفهم من التقدير – لا أقلّ المتشرّعة منهم- المعنى الثاني، لا المعنى الأوّل. وهناك عدّة أمثلةٍ وشواهد على المعنى الثاني:
منها: ما في الدعاء: >وإذ استنقذتني من الأُمم التي أُهلكت حتّى أخرجتني إلى الدنيا أسمع وأعقل وأبصر، وإذ جعلتني من أُمّة محمّد’ المرحومة المثاب عليها<(1) فهذا التقدير من النوع الثاني، كما هو واضحٌ.
كما أنَّ الفقر والمرض ومشاكل المجتمع كلّها تقديراتٌ من النوع الثاني؛ لأنَّنا نفترض اثنين فصاعداً، وكلّما افترضنا اثنين فصاعداً كنّا نتكلّم عن المعنى الثاني.
والغرض: أنَّ المقدار والحدّ لا يختلف، سواءٌ قلنا بالمعنى الأوّل أم الثاني، فالجميع يُطلق عليه حدٌّ ومقدارٌ، ولا حاجة إلى تخصيص أحد النوعين بالاصطلاح.
وهذا المعنى بكلا مستوييه يُفيد معنى {سوَّى} الذي تكلّمنا عنه في قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} فأصبحت التسوية والتقدير على هذا بمعنىً واحدٍ، وهذا من قبيل التكرار المخلّ.
أقول: يمكن أن يُجاب عمّا تقدّم بعدّة وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أن نقول بأنَّ التسوية والتقدير موضوعهما مختلفٌ، فموضوع التسوية ما لم يكن متساوياً بالخلقة والأصل والذات – أي: بين
ــــــ[97]ــــــ
(1) مصباح المتهجّد: 492، أدعية الأُسبوع، دعاء ليلة الجمعة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
المتضادّات والمتناقضات- في حين موضوع التقدير أعمّ من ذلك؛ لأنَّه عبارةٌ عن إعطاء الحدّ للمتضادّات والمتناقضات وغيرها.
الوجه الثاني: أنَّ اللحاظ يختلف: فإن لاحظنا الحدّ بصفته سبباً لوجود الشيء صار تقديراً، وإن لاحظنا الحدّ بصفته جمعاً بين المختلفات والمتضادّات صار تسويةً، فكلاهما حدّ – بمعنىً من المعاني- إلّا أنَّ اللحاظ مختلفٌ.
الوجه الثالث: أن يُقال: إنَّ الحدّ الذي يكون بمعنى التقدير يختصّ بذات الشيء، والتسوية نخصّصها بالمتعدّد، أي: حينما تُلحظ الأشياء بصورةٍ متعدّدةٍ فيكون موضوعهما متبايناً.
وهذا الوجه يختلف عن الوجه الأوّل الذي كانت فيه النسبة بين موضوع التسوية والتقدير نسبة الأعمّ والأخصّ.
فإن قلت: قد تقدّم منّا تفسير الخلق بمعنى الحدّ أيضاً، فالخلق هو إعطاء الحدّ، وإيجاد الشيء يساوي إعطاء الحدّ له، وعلى هذا يكون الخلق والتقدير والتسوية بمعنىً واحدٍ.
قلنا: أمّا الفرق بين التسوية والتقدير فقد اتّضح، فلا نعيد سائر الفروق بين الخلق والتقدير.
وأمّا جواب ما ذكر فهو: أنَّ التقدير هو الحدّ، لكن الخلق ليس كذلك، فالحدّ حدٌّ من دون فيضٍ، وأمّا الخلق فلا يوجد إلّا بفيضٍ، وهو فيض الوجود الإلهي، فالخلق معلولٌ، والمعلول بحاجةٍ إلى إفاضة علّته(1). وهذا
ــــــ[98]ــــــ
(1) وليُعلم: أنّ المحدود لا يوجد إلّا بالفيض، فالخلق عبارةٌ عن حدٍّ بالإضافة إلى فيض الوجود الإلهي، والحدّ وحده لا معنى له، كما أنّ الفيض على اللامحدود لا معنى له، وإنّما يُتصوّر الفيض على المحدود ليصدق عليه أنّه خُلق ووُجد (منه+).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فرقٌ أساسي بين التقدير والخلق، وعليه لا يسمّى الخلق حدّاً.
نعم، يمكن أن يقال: إنَّ الحدّ والخلق تارةً نلحظهما من الجانب الدنيوي، وأُخرى من جانب الله تعالى: فإن لاحظناهما من جانب الله سبحانه فالخلق هو الفيض، وأمّا إذا لاحظنا ذلك من الجانب الظاهري الدنيوي فالخلق هو الحدّ؛ لأنَّنا نقول بأنَّ فيضاً بلا حدٍّ لا يمكن أن يُتصوّر، وإنَّما قلنا بأنَّ الخلق هو الحدّ لأنَّه هو الظاهر لنا والذي يمكن أن ندركه.
نعم، الأهمّ في الخلق هو الفيض الإلهي، أعني: ما يظهر لنا الحدّ فقط، لا سيّما مع ملاحظة قضيّة أنَّه لا فيض إلّا بحدٍّ. والى هذا يرجع ما ورد في بعض الروايات من أنَّ الخلق والإيجاد يحتاج إلى عدّة أشياء حتّى يوجد منها القضاء والقدر والمشيئة وأشياء أُخر(1)، فصار القدر في ضمن الخلق كأحد معدّات الخلق.
بقي في المقام كلامٌ للسيّد الطباطبائي+ في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} وننقله لنرى أنَّه هل يتوافق مع فهمنا للآية؟
قال: قوله تعالى: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} أي: جعل الأشياء التي خلقها على مقادير مخصوصةٍ وحدودٍ معيّنةٍ في ذواتها وصفاتها وأفعالها لا تتعدّاها، وجهّزها بما يناسب ما قدّر لها. فهداها إلى ما قدّر، فكلٌ يسلك نحو ما قدّر له بهدايةٍ ربّانيّةٍ تكوينيّةٍ، كالطفل يهتدي إلى ثدي أُمّه (2).
ــــــ[99]ــــــ
(1) راجع بحار الأنوار 5: 84-135، الباب 3، القضاء والقدر والمشيئة والإرادة وسائر أسباب الفعل.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 265، تفسير سورة الأعلى.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
تعقيب على كلام السيّد الطباطبائي
ويُلاحظ: أنَّ السيّد الطباطبائي+ فهم (قدّر) على طريقة المتشرّعة، لا على الطريقة التي ذكرناها، أي: فهم من التقدير التقدير في المستقبل، أو كما يُقال: حظّه ونصيبه. وعليه، فقدري مستقبلي الذي لابدّ أن أمرَّ به، وهذا التقدير بحاجةٍ إلى هداية الله تعالى، فالتقدير وحده لا يكفي، ولذلك قال: {قَدَّرَ فَهَدَى}. فهو سبحانه قدّر عموماً، ثُمَّ هدى إلى القدر.
أقول: هذا له أحد ثلاثة أنحاء من زاوية فهم السيّد الطباطبائي+، وبها ندخل إلى معنى فـ (هدى):
الأوّل: أنَّ هذا نحوٌ من العلّيّة الغائيّة، نظير ما لوكانت أوّل المسألة فكرة، ثُمَّ نزلت إلى عالم التطبيق، فكأنَّ القدر بمنزلة الفكرة، والهداية بمنزلة التطبيق، فصار المجموع (قدّر فهدى) على نحو العلّة الغائيّة.
الثاني: أن نقول بأنَّ هناك قانوناً عامّاً نوعيّاً تسير عليه الخلائق كلٌّ حسب شأنه، فلكلّ حصّةٍ من الكون، ولكلّ مجموعةٍ قانونها الخاصّ الذي يكون ثابتاً في اللوح المحفوظ، والله سبحانه يهدي إلى تطبيقات القانون الذي يناسبه.
الثالث: أنَّ هناك قدراً لكلّ فردٍ فردٍ من الخلق، من البشر وغيرهم من الجمادات والحيوانات والملائكة والجنّ، فالله تعالى يطبّقه على هذا الفرد منذ ولادته حتّى وفاته، والله يهديه بأن يسير على هذا الطريق.
وبعبارة أُخرى: العلّة الغائيّة ساريةٌ في كافّة هذه الألفاظ التي بنى عليها السيّد الطباطبائي+، إلّا أنَّ ما علينا إيضاحه هو نحو تصوير العلّة الغائيّة بالنسبة إلى الله سبحانه. والوجه فيه: أنَّ ما عدا الله له مصلحةٌ معيّنةٌ في
ــــــ[100]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الاستفادة من الأشياء، وأمّا بالنسبة إلى الله سبحانه فلا يُتصوّر في حقّه ذلك أبداً؛ لأنَّه الغني المطلق.
وبيان ذلك: أنَّ العلّة الغائيّة بالمعنى الذي ينطبق على الخلق لا ينطبق على الله سبحانه؛ لأنَّ المعنى الذي ينطبق على المخلوقين فيه تعدّدٌ وتكثّرٌ، والتعدّد والتكثّر لا يصدق على البسيط. وحينئذٍ لابدّ من تصويرٍ للعلّة الغائيّة يتناسب مع الله سبحانه؛ لأنَّ العلّة الغائيّة نصّ عليها القرآن الكريم، ونُسبت إلى الله سبحانه في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}(1). واللام في قوله (ليعبدون) للغاية والسببيّة.
ويرد عليه: أنَّ الماضي والحاضر والمستقبل كلّه حاضرٌ لدى الله تعالى، فهو الموجود المطلق اللامتناهي، وأمّا بالنسبة إلى الإنسان فالماضي والحاضر والمستقبل مختلفٌ؛ لأنَّه يعيش في ضمن الزمان والمكان، فالماضي والحاضر والمستقبل مجهولٌ بالنسبة إليه؛ لأنَّه أمرٌ غيبي عنه. وأمّا بالنسبة إلى الله تعالى فالوجودات المختلفة زماناً مشتركةٌ في علمه وحاضرةٌ عنده، فيعلم بأفعال العباد قبل صدورها منهم، وعندما تحصل كلّ الملابسات الزمانيّة والمكانيّة يصدر الفعل من العبد. فعلمه سبحانه بأفعالنا علمٌ حضوري، أي: إنَّها قائمةٌ بذاته، فتكون أفعالنا – بمعنىً من المعاني- مسبّبةٌ عن علم الله تعالى، والله سبحانه لا يفعل إلّا ما هو مطابقٌ للحكمة. ولذلك عندما يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}(2)، كان المراد حكمة العبادة التي هي المعرفة، كما في
ــــــ[101]ــــــ
(1) سورة الذاريات، الآية: 56.
(2) سورة الذاريات، الآية: 56 .
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بعض الآثار(1). ونحوها الكلام في قوله تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ}(2) أي: بحسب الحكمة ونحو ذلك. ومعنى ذلك أنَّ كلّ شيء بمجموع حدوده وخصوصيّاته وُجد بحكمةٍ وبعدل الله سبحانه، ولا يعني هذا أنَّ حكمة الله المختّصة بالخلق سابقةٌ زماناً على الوجود؛ فإنَّ وجود الخلق في علم الله أزلي، إلّا أنَّ الحدود والقيود هي التي توصل الخلق إلى هذا العالم. كما أنَّ الحكمة أيضاً أزليّةٌ، فيقترن علم الله ومعلومه وحكمته منذ الأزل بشيءٍ واحدٍ، فالعلّة الغائيّة بالنسبة إلى الله سبحانه تختصّ بإيجاد الشيء وفق الحكمة الإلهيّة الموجودة بإيجاد ذلك الشيء. وعليه فلا يرد إشكال ما أفاده السيّد الطباطبائي+ من ناحية العلّة الغائيّة.
ويتحصّل ممّا تقدّم أنَّ {قَدَّرَ فَهَدَى} بمعنى: أنَّه حدّ تلك الحدود لمجموع المخلوقات، وطبّق تلك الحدود على وجه الحكمة.
وكما يكون ما ذكره حقّاً في مجموع المخلوقات وأصل الخلقة، فكذلك إذا لاحظنا حصص المخلوقات حصّةً حصّةً يتحصّل لنا أنحاءٌ من الهداية، وكلّها هدايةٌ قابلةٌ لتعلّق التقدير بها. وإليك نزراً من هذه الأنحاء:
فمنها: الهداية بالعقل.
ومنها: الهداية إلى الفطرة المشار إليها في قوله تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}(3).
ــــــ[102]ــــــ
(1) راجع ما أفاده صدر المتألّهين في تفسيره 4: 386، تفسير آية النور، وما ذكره أيضاً في تفسيره 6: 155، تفسير سورة الحديد، وافهم واغتنم.
(2) سورة الأنفال، الآية: 37.
(3) سورة الروم، الآية: 30.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ومنها: الهداية إلى الغرض الذي خُلق من أجله الإنسان.
ومنها: هداية الناس إلى الشرائع الظاهريّة من إرسال الرسل وإنزال الكتب.
ومنها: الهداية إلى المصالح الدنيويّة: ككسب المال والعلم وغيرهما.
ومنها: الهداية للابتعاد عن نار جهنّم.
ومنها: الهداية إلى مختلف العلوم الظاهريّة والباطنيّة.
ومنها: الهداية إلى الإسلام، وهو الذي ذكرناه بأنَّه بمعنى: الحمد لله الذي أوجدني في عصر الإسلام، ولم يوجدني في عصر الكفر والنفاق.
ومنها: الهداية إلى ذكر الله تعالى، وقد ورد بأنَّ لكلّ ملكةٍ من ملكات الإنسان تسبيحها وذكرها الخاصّ بها، فالجسد له ذكرٌ، والعقل له ذكرٌ، والنفس لها ذكرٌ … وهكذا، فهداية كلّ شيء إلى الذكر الخاصّ به من النعم والهداية(1).
ثُمَّ إنَّ الهداية بجميع أقسامها اقتضائيّةٌ، لا علّيّةٌ، فالله تعالى يعطي ما يقتضي الهداية، ولا يلزم عليه أن يتصدّى لإزالة المانع؛ لأنَّ المانع إنَّما يوجده الفرد بسبب ارتكابه الذنوب، فحينئذٍ لايمكن للانسان سماع الهداية؛ لأنَّها أعلى من مستواه.
والله تعالى وإن كان قادراً على إفاضة الهداية العلّيّة، إلّا أنَّ الصبغة العامّة للهداية أن تكون اقتضائيّةً.
****
ــــــ[103]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير القرآن الكريم (لصدر المتألّهين) 7: 144-150، حكمة إشراقيّة وعرشيّة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قوله تعالى: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى}:
أخرج بمعنى: أنبت، والمرعى – بالدلالة المطابقيّة-: النبات الذي ينبت في الأرض، وهو الحشيش الذي ترعاه الدوابّ عامّةً بما فيها الإنسان؛ لأنَّه يعيش على النبات، وكذا اللحوم التي يعيش عليها الإنسان؛ فإنَّها تعيش على النبات. والإخراج الذي هو الإنبات يشمل ما له وجودٌ سابقٌ عليه وما ليس كذلك، فهو يشمل ما أُخرج من الأرض ومن البذرة، ويلحق به ما أُخرج من الوجود السابق، كما في الشجر عندما يخضرّ، فالثمرة الجديدة خرجت من الشجرة القديمة، أي: من الوجود السابق.
والتعبير بالمرعى إشارةٌ إلى الحيثيّة، أي: من حيث كونه مأكولاً ومرعىً للحيوانات، لا كلّ نبات وإن لم يكن مأكولاً، فمادّة الرعي لم تُستعمل جزافاً، بل للإشارة إلى معنىً مخصوصٍ، وهو حيثيّة الأكل أو الرعي، وليس المراد مطلق النبات، سواء كان مأكولاً أم لا.
والتعبير عن الإنبات بالإخراج لا إشكال فيه، بل وقع نظيره في القرآن، كما في قوله تعالى: {لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً}(1).
والنقطة الأُخرى التي ينبغي الالتفات إليها هي أنَّ كثيراً من النباتات
– وبنسبة عالية جدّاً- تخرج بقدرة الله سبحانه، ولذلك قال تعالى: {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}(2). بل ينبغي القول بأنَّ الزرع والنبات كلّه من الله سبحانه؛ لأنَّه لا يمكن أن ينمو إلّا بقدرة الله سبحانه.
ــــــ[104]ــــــ
(1) سورة النبأ، الآية: 15.
(2) سورة الواقعة، الآية: 64.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ولعلّ الذي دفع إلى هذا الكلام والاستشهاد بقوله تعالى: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} أنَّ العرب في الجاهليّة أو في الإسلام كانوا يخرجون إلى البراري ويشاهدون النباتات التي نمت بقدرة الله سبحانه من دون تدخّل أحدٍ في زراعتها.
ثُمَّ نقول: إنَّ المقصود بالمرعى هو النبات لا الأرض، مع أنَّ المرعى حسب الوضع الطبيعي في اللغة هي الأرض، إلّا أنَّ الظاهر أنَّه أُستعمل (المرعى) فيما ينبت في المرعى، لا نفس المرعى، والاستعمال هنا مجازي.
ولغرض فهم الآية ببُعدها الباطني نقول: أخرج بمعنى: يسّر ودبّر ووفّق، وكما وفّق الحيوانات إلى المرعى بإخراجه لها، كذلك وفّق كلّ شيء من خلقه إلى ما هو بصالحه، ويعبّر عن المصلحة هنا بالمرعى، أي: محلّ الحصول على المصلحة، أو قل: الحصول على الكمال وسدّ النقص الدنيوي أو الأُخروي.
بل يمكننا أن نطلق على الكتاب مثلاً مرعى، أي: محلّ إفادة الدرس، وكذلك على المحلّ التجاري… وهكذا، مع التأكيد على أنَّ جميع هذه الاستعمالات استعمالاتٌ مجازيّةٌ.
****
قوله تعالى: {فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى}:
قال الطباطبائي+ في >الميزان<: الغثاء ما يقذفه السيل على جانب الوادي من الحشيش والنبات(1)؛ وذلك لأنَّ الثلوج الشتائيّة تذوب في الربيع والصيف، فتجرف ما هو موجودٌ من أشجارٍ ونباتاتٍ على الجبال، فتقذفها على الوادي، وهذا المقذوف من الأشجار والنبات هو الغثاء.
ــــــ[105]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن20: 266، تفسير سورة الأعلى.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ثُمَّ قال: والمراد هنا – كما قيل- اليابس من النبات(1).
ويبدو أنَّه+ لا يدعم المعنى الأخير؛ إذ لا مستند لغوي له، ولذلك عبّر عنه بالقيل، فالغثاء هو ما يجرفه السيل من أخضر ويابسٍ.
وقال الراغب في >مفرداته<: الغثاء: غثاء السيل والقِدر، وهو ما يطفح ويتفرّق من النبات اليابس وزبد القِدْر، ويُضرب به المثل فيما يضيع ويذهب غير معتدّ به. ويُقال: غثا الوادي غثواً وغثت نفسه تغثي غثياناً: خَبُثَتْ (2).
وعبارة الراغب تؤيّد كون الغثاء ما يقذفه السيل.
ولنا أن نتسائل في قوله تعالى: {فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} قائلين: إنَّ موضوع الآية هو النبات، فهل يتحوّل النبات كلّه إلى غثاءٍ أحوى؟
ويكفي في الجواب أن نفهم أمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ النبات نفس، والله سبحانه قال: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}(3)، سواء كان إنساناً أم حيواناً أم نباتاً. وإن أبيتَ عن كون النبات نفساً، فلا أقلّ من أنَّنا نجرّد الخصوصيّة، ونصوغ فهماً للآية بنحوٍ من أنحاء التجريد عن الخصوصيّة من ذي الروح إلى غير ذي الروح.
الأمر الثاني: أنَّ حاصل النبات كلّه يكون إلى التلف والهلاك؛ لأنَّه إمّا أن تأكله الحيوانات فيتلف، وإمّا أن يجفّ ويتقطّع فيتلف، بلا فرقٍ بين النباتات الكبيرة والصغيرة، والكلّ مصيره إلى التلف والهلاك. ولعلّه إلى ذلك أشار أمير المؤمنين وإمام الموحدين× في النهج الشريف: >إنَّ لله ملكاً ينادي
ــــــ[106]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن20: 266، تفسير سورة الأعلى.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 370، مادّة (غثا).
(3) سورة آل عمران، الآية: 185.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
في كلّ يوم: لدوا للموت، واجمعوا للفناء، وابنوا للخراب<(1).
وقال الشاعر أبو العتاهية:
لدوا للموت وابنوا للخراب فكـــلّــكم يصير إلى ذهاب(2)
ولو توسعنا في فهم الآية الكريمة: {فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} أمكننا حملها على الجهة الباطنيّة لها، أي: كما أمكن حمل الهداية على الجانب المعنوي، فكذلك نقول: إنَّ الإنسان المهتدي حقّ هدايته يصبح غثاءً أحوى، بمعنى: أنَّ كلّ الأشياء المادّيّة: كحبّ الدنيا والأُمور الشخصيّة سوف تسقط عن نظره وتكون بمنزلة الصفر. فما عبّر عنه القرآن بأنَّه زينة الحياة الدنيا، كما في قوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}(3)، وقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ}(4) يصبح كلّه غثاءً بنظر الإنسان الكامل، وهو نوعٌ من الهداية المعنويّة.
ولابدّ حينئذٍ من البحث عن قوله تعالى: {أَحْوَى}.
قال السيّد الطباطبائي+: والأحوى الأسود(5). ومراده أنَّ النبات إذا يبس أصبح أسوداً. إلّا أنَّ هذا المقدار من البيان غير كافٍ في التعرّف على
ــــــ[107]ــــــ
(1) نهج البلاغة: 493، الحكمة 132، إرشاد القلوب 1: 193، إلّا أنّ فيه: >تهيّئوا للموت<، وبحار الأنوار 79: 180، كتاب الطهارة، باب النوادر، الحديث 25.
(2) الأغاني 4: 74، ذكر نسب أبي العتاهية وأخباره.
(3) سورة الكهف، الآية: 46.
(4) سورة آل عمران، الآية: 14.
(5) الميزان في تفسير القرآن 20: 266، تفسير سورة الأعلى.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
المعنى المراد.
قال الراغب في >مفرداته<: قوله عزّ وجل: {فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} أي: شديد السواد … وقيل: تقديره: (والذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاءً)(1). والمراد: أنَّ (أحوى) يرجع إلى الآية السابقة: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى}، وعلى هذا يكون معنى (أحوى) أخضر لا أسود، ومعنى الآية حينئذٍ: الذي أخرج المرعى أخضراً، ثُمَّ جعله غثاءً أحوى، أي: شديد الخضرة، لا شديد السواد. ولذلك قال الراغب: والحوّة شدّة الخضرة (2).
أقول: يمكن الالتفات إلى قضيّةٍ مهمّةٍ في المقام، وهي أنَّ العرب تخلط ذهنيّاً بين الخضرة والسواد، فتسمّي الأخضر أسود وبالعكس، وحتّى لو قيل: إنَّ أحوى بمعنى أسود، فقد يكون مرادهم الأخضر، ويكون مرادهم من شديد السواد أي: شديد الخضرة، فضلاً عمّا إذا فهمنا من الأحوى الأخضر بصورةٍ مباشرةٍ وبالدلالة المطابقيّة.
وبهذا يتّضح تعبيرهم عن الأرض الواقعة بين دجلة والفرات بأرض السواد، لأنَّها كانت شديدة الخضرة؛ لكثرة النخيل والأشجار.
ويتحصّل ممّا سبق: أنَّنا إمّا أن نقول بمقالة الراغب، وهي أنَّه أخرج المرعى أخضر ثُمَّ جعله غثاءً أحوى، أي: شديد الخضرة. وإمّا أن نقول بأنَّ أحوى صفة للغثاء لا للمرعى، فالغثاء الذي هو ما جرفه السيل من نباتات وأشجار يكون على الرغم من ذلك أخضر، ولعلّه الأقرب إلى الفهم، كما أنَّ الغثاء أقرب من المرعى إلى الصفة التي هي (أحوى).
ــــــ[108]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 137، مادّة (حوا).
(2) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وأمّا الكلام عن الفاء في قوله تعالى: {فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} فنقول: إنَّ الفاء للترتيب، وهنا الفاء للترتيب بانفصالٍ لا باتّصالٍ؛ لأنَّ هناك فترةً من الزمن حتّى يتحوّل إلى غثاءٍ. ويمكن أن يُفهم منها أنَّها للترتيب باتّصالٍ بأحد نحوين:
النحو الأوّل: أن نقول ضمناً أو ارتكازاً بسقوط الفترة الزمنيّة المتوسطة بين تلك العملّية: إمّا لأنَّ تلك الفترة من وقت نموّ النبات حتّى تحوّله إلى غثاء قصيرة لا يكاد يُلتفت لها، وإمّا لأنَّه مهماكانت تلك الفترة طويلةً إلّا أنَّها بالقياس الإلهي لا تمثّل شيئاً؛ وذلك لأنَّ نسبة المتناهي إلى اللامتناهي نسبة الصفر والعدم.
النحو الثاني: أن نتنزّل عن النحو الأوّل ونقول: إنَّ المدّة حاصلةٌ ومأخوذةٌ بنظر الاعتبار، فتكون الفاء هنا قد أُستعملت مجازاً، والمجاز في الحروف جائزٌ وصحيحٌ في اللغة ولا مانع منه.
ويمكن إضافة أمرٍ ثالثٍ، وهو أنَّنا يمكن أن نفهم أنَّ الفاء للأعمّ، أي: للجامع ما بين الفترة القريبة والبعيدة.
ثُمَّ ما الفاعل في قوله {جَعَلَهُ}؟
والجواب: أنَّ الفاعل ضميرٌ مستترٌ تقديره هو يعود إليه تعالى، والتقدير: ربّك أخرج المرعى وربّك جعله غثاءً أحوى.
فإن قلت – والنظر من زاويةٍ مادّيّةٍ ودنيويّةٍ-: إنَّ الذي جعله غثاءً أحوى هو السيل أو الحيوانات بعد أكلها للمرعى، ولا دخل لله سبحانه في جعله غثاءً أحوى؟
قلنا: إنَّ الله سبحانه مسبّب الأسباب، وقد ثبت في علم الكلام
ــــــ[109]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والفلسفة أنَّه يمكن الجمع ما بين الفعل الإلهي وما بين فعل الإنسان، وأنَّ الأفعال لا توجد إلّا بانضمام كلا الفعلين، ويمكن نسبتها إلى الأسباب من ناحيةٍ وإلى المسبّب من ناحيةٍ أُخرى. وهنا قد يُقال بأنَّ أيّهما أولى ثبوتاً الفاعليّة الإلهيّة أم الفاعليّة السببيّة؟
وجواب ذلك يختلف: فإذا كنّا من أصحاب الدنيا وأهل المادّة نُجيب بأنَّ الفاعليّة السببيّة هي الأقوى والأولى ثبوتاً، كما ينقل لنا القرآن هذا المعنى عن بعض أهل الدنيا في قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي}(1). وأمّا إذا كنّا إلهيّين بنسبةٍ معتدٍّ بها فلابدّ أن نقول بأنَّ نسبة الأسباب إلى الله – الذي هو مسبّب الأسباب- نسبة المتناهي إلى اللامتناهي، وأنَّ التأثير الحقيقي لله تعالى، وإنَّما الأسباب نحوٌ من الحجب يستر الله بها الفعل مداراةً للناس – إن صحّ التعبير- فَخلَق المرض حتّى يقال: إنَّ المرض أمات فلاناً، فيعذر عزرائيل×، وخلق عزرائيل حتّى لا ينسب الموت إلى الله سبحانه مباشرةً، ونحو ذلك من الأُمور.
****
قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى}(2):
ويلزم علينا أن نشير إلى تساؤلٍ مهمٍّ، وهو أنَّه كيف يصحّ التعبير بالصحف الأُولى، مع أنَّ إبراهيم وموسى‘ لم يكونا أوّل الأنبياء كي تكون صحفهم أوّل الصحف؟
ــــــ[110]ــــــ
(1) سورة القصص، الآية: 78.
(2) لم نعثر على ما أفاده السيّد الشهيد محمّد الصدر+ من بحوثٍ ودروسٍ في تفسير الآيات 6- 17 من سورة الأعلى، فلاحظ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ويمكن الجواب عنه من وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّه عبّر بالصحف الأُولى بلحاظ كونها سابقةً على الإسلام، فتكون هي الأُولى، والصحف الثانية القرآن الكريم.
الوجه الثاني: أنَّه يصحّ ذلك بتقديركاف التشبيه، فيكون المعنى كالصحف الأُولى، وليست بأُولى حقيقةً.
الوجه الثالث: أن نحافظ على أنَّ الأُولى بمعنى الواحد، لكن نقول: بأنَّه يوجد واحدٌ حقيقي وواحدٌ مجازي، فالألف أو المليون لها واحدٌ حقيقي، وهو الأوّل على الإطلاق، وواحد تقريبي، وهو القريب من الواحد الحقيقي. فالصحف الأُولى هي أُولى مجازاً أو تقريباً.
الوجه الرابع: أنَّهم قالوا في اللغة: إنَّ الأوّل يقابل الآخر، ولا يقابل الثاني، فالواحد يقابل الاثنين، إلّا أنَّ الأوّل يقابل الآخر أو الأخير، فتكون الكتب النازلة قبل الإسلام أُولى؛ لأنَّها تقابل الصحف الأخيرة أعني: كتاب الإسلام.
الوجه الخامس: أنَّنا نستعمل في اللغة الأوّل بمعنى السابق أو القديم، ومن ذلك قولنا: أمس الأوّل، أي ما قبل الأمس والسابق عليه، والاستعمال هنا من هذا القبيل، فالمراد منه مطلق السبق والمضي، فالصحف الأُولى بمعنى: الصحف السابقة أو الماضية.
وليُعلم: أنَّه هنا عبّر بالصحف، وفي مواضع أُخرى عبّر بالألواح، كما في قوله تعالى: {قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً}(1).
ــــــ[111]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآيتان: 144-145.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فيتحصّل أنَّ التعابير القرآنيّة حول ما نزل على موسى× ثلاثة، وهي الصحف والألواح والتوراة، فكيف يتمّ توجيه ذلك؟
والجواب عنه من عدّة وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّه يمكن الاستغناء عن السؤال بالمرّة؛ لأنَّه هنا قال: {صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى}، فلا يمكن هنا أن يعبّر بالألواح أو بالتوراة؛ لأنَّ الألواح والتوراة اختصّت بموسى×.
الوجه الثاني: أنَّنا لو تنزّلنا عن الجواب الأوّل يمكن أن نقول: إنَّ الصحف والألواح والتوراة ثلاثة عناوين لمعنونٍ واحدٍ، وهذا يدعمه الفكر الأوربي الحديث بدرجة من درجات وعيه – لو صحّ التعبير- ؛ حيث يذهب إلى أنَّه لم ينزل على موسى عندما ذهب لمناجاة ربّه إلّا الوصايا العشرة التي كانت عبارةً عن نواهٍ وتعاليم تشريعيّة. وهذه الوصايا كتبها موسى× على ألواحٍ من طينٍ وحملها إلى قومه. ولم ينزل عليه غير هذه الوصايا، وهي التي يطلق عليها الألواح والصحف والتوراة.
وهذا الوجه وإن لم يكن فيه محذورٌ عقلي، إلّا أنَّه لا يمكن الالتزام به؛ لأنَّه مخالفٌ لظاهر القرآن، فقد ورد في القرآن: الألواح والصحف والتوراة، وتعدّد العنوان دالٌّ على تعدّد المعنون، فالقرآن ظاهرٌ في أنَّها متعدّدةٌ.كما أنَّ ما نقلناه عن الفكر المادّي الحديث لا الفكر التقليدي اليهودي – من أنَّه عندما نزلت الوصايا العشر كتبها موسى× على ألواحٍ وحملها معه إلى قومه- لا يمكن التسليم به؛ لما ثبت أنَّ هذه الألواح ليست من صنعه، وإنَّما نزلت مكتوبةً من قبل الله سبحانه بلغة موسى×.
كما لا يمكن الالتزام بأنَّ الذي نزل على موسى× هو خصوص
ــــــ[112]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الوصايا العشر لا غير؛ فإنَّ الوصايا العشر كانت كلّها نواهي، أي: تعاليم تشريعيّة فقهيّة، والظاهر أنَّ الألواح فيها عقائد ومفاهيم عامّة، أو كما يعبّر القرآن الكريم: {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}(1).
ومن جملة القرائن التي تنفي أنَّ ما نزل على موسى× خصوص الوصايا العشر: أنَّ موسى× بعد عبوره من مصر إلى أرض كنعان – التي هي فلسطين الآن – صار بمنزلة رئيس الدولة الوحيد لفلسطين، وفلسطين ربما كانت تشمل سوريا والأُردن ولبنان، فكان هناك مجتمعٌ كاملٌ تحت سيطرته. ومن المؤكّد أنَّ هذه الوصايا العشر لا تكفي لإدارة ذلك المجتمع بكلّ تفصيلاته، بل يحتاج المجتمع إلى أكثر من ذلك بكثيرٍ؛ ليتمكّن من إرساء العدل في المجتمع، مع أنَّ التوراة الموجودة حاليّاً تشمل تعاليمَ كثيرةً تفوق تلك الوصايا العشر.
ومن جملة الأُمور التي ينبغي الإشارة إليها فيما يخصّ هذا المقام – وإن كناّ نخرج عن محلّ البحث قليلاً- هو أنَّ المصادر التي تدين بالفكر المادّي تقول: إنَّما رجع موسى غضبان أسفاً لأنَّه وجد قومه قد عبدوا العجل، وأنَّ نائبه – الذي هو أخوه هارون- كان عاجزاً عن نهيهم، وأنَّه بعد ذلك ألقى بالألواح وأخذ برأس أخيه يجرّه.
والفكر الحديث يقول بأنَّ هذه الألواح عندما ألقاها موسى× تكسّرت وسقطت عن الانتفاع بها، فلمّا سكت عن موسى الغضب وانقضت
ــــــ[113]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 154.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
عدّة أيّام رجع إلى الله سبحانه معتذراً عن كسره للألواح، وأنَّه قد نسي أهمّيّة هذه الألواح والمضامين التي فيها، فطلب ألواحاً مثلها، فأعطاه الله ألواحاً أُخرى كالأُولى، فكتبها مرّة أُخرى، أو ذكّره بالوصايا، فوضع طيناً وكتب عليه ورجع إلى قومه.
وهذا الكلام – كما لا يخفى- فيه مواقع للتأمّل:
منها: أنَّ موسى× نبي، والأنبياء معصومون، فلا يتصوّر في حقّهم النسيان والغفلة، ولعلّ إلقاء الألواح ليس بتلك الشدّة التي يلزم منها تكسّر الألواح، وإنَّما ألقاها بمعنى: وضعها جانباً يريد معاتبة أخيه.
ومنها: ما يُقال من: أنَّ هذه الألواح لم تكن من الطين، ولعلّها كانت من الخشب أو من شيءٍ آخر.
ومنها: أنَّه قد نفهم من القرآن أنَّ الألواح لا تتكسّر؛ بدليل أنَّها من معاجز الأنبياء {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(1). وإذا كانت هذه الآية تمثّل قاعدةً عامّةً تشمل الاسلام وماقبله، كانت الألواح ذكراً من ذكر الله تعالى، فله أن يحفظها بعنايته الخاصّة وإرادته التامّة.
ومنها: ما يُقال بأنَّها انكسرت إلى حدّ أنَّها صارت عديمة الفائدة؟!
ــــــ[114]ــــــ
(1) سورة الحجر، الآية: 9.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهزْلِ (14)إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا
ــــــ[115]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ــــــ[116]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
سورة الطارق
أمّا الوجه في تسمية السورة فيمكن الإشارة إلى الأُطروحات الرئيسية المتقدّمة في السور السابقة:
منها: التسمية المشهورة، أي: الطارق أو سورة الطارق.
ومنها: تسميتها بأوّل آيةٍ فيها، فنقول: سورة {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ}.
ومنها: ما سلكه السيّد الشريف الرضي+ في كتابه >حقائق التأويل<(1)، أعني: السورة التي ذُكر فيها الطارق.
ومنها: تسميتها بحسب ترتيبها ورقمها في المصحف، أي: (86).
****
قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ}:
الواو: للقسم، والخالق يقسم هنا ببعض خلقه، وقد تقدّم الكلام عن القسم، فلا نعيد، ونحوه الكلام في (السماء) وما يرتبط بها، فلا حاجة إلى التكرار، وإنَّما المهمّ في الآية البحث عمّا هو المراد من (الطارق).
الطارق من الطرق، والطرق بمعنى: الضرب، وطرق بمعنى: ضرب، والمطرقة: اسم آلة للطرق، فهي السبب للطرق؛ لأنَّك عندما تضرب بالمطرقة يحدث صوت الطرق، فيكون معنى (الطارق) هو المصوّت، أي: سبب
ــــــ[117]ــــــ
(1) أُنظر: حقائق التأويل في متشابه التنزيل 5: 291، السورة التي يُذكر فيها النساء.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الصوت، ويُقال للإنسان الذي يصوّت: يطرق. هذا ما ظهر لنا من مادّة (الطارق) وهيئتة.
أمّا الراغب فأفاد: أنَّ الطريق: السبيل الذي يطرق بالأرجل، أي: يضرب(1) بالأرجل، وكلّ من يمشي يضرب برجله، وينبغي أن يكون ذلك واضحاً، وإن قلّ الالتفات إليه.
إذن فالطريق بمعنى: المطروق، وهو فعيل بمعنى المفعول، كما في قولنا: طريقٌ مطروقٌ، أي: سالك يمشي فيه الناس.
وهذا نظير ما في قوله تعالى: {طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَساً}(2)، أي: سبيلاً ومسلكاً، ومنه أُستعير كلّ مسلك يسلكه الإنسان في فعلٍ معيّنٍ، سواء كان هذا المسلك من المسالك المعنويّة أم المادّيّة، وسواء كانت تلك المسالك مسالك حقٍّ أم باطلٍ. فالطريق هو السبيل والمسلك الذي يسلكه الإنسان.
وهذا المعنى يمكن أن نلحظه في كلمات الراغب أيضاً حيث قال: وعنه أُستعير كلّ مسلكٍ يسلكه الإنسان في فعلٍ: محموداً كان أو مذموماً(3). ثُمَّ مثّل لذلك بقوله تعالى: {ويذهبا} يعني: موسى وهارون {بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى}(4).
فنلاحظ: أنَّ فرعون اعتقد أنَّ طريقته هي المثلى، مع كونها في الواقع باطلةً، فهذا شاهدٌ على أنَّ الطريق ما يسلكه الفرد، سواءً كان مذموماً أم محموداً.
ــــــ[118]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 312، مادّة (طرق).
(2) سورة طه، الآية: 77.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 312، مادّة (طرق).
(4) سورة طه، الآية: 63.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أقول: إنَّ ذلك على خلاف ما فهمه الراغب؛ إذ إنَّ فرعون هو المتكلّم، وهو يفهم أنَّ طريقته هي الأفضل، لا أنَّها مذمومةٌ، ولذا عبَّر بالمثلى، أي: المثاليّة، ففي كلام الراغب تأمّلٌ بلحاظ فهم الآية.
ثُمَّ قال الراغب: وقيل: طريقةٌ من النخل، أي: صفّاً من النخل تشبيهاً بالطريق في الامتداد … وطرق الدوابّ الماء بالأرجل حتّى تكدره، حتّى سمّي الماء الدنق طرقاً(1)، فالطرق هو الماء غير الصافي.
وعلى هذا المعنى يحمل كلام السيّدة الزهراء÷ في خطبتها المشهورة في احتجاجها على القوم، لمّا منعوها فدك، فقالت÷: >تشربون الطَرْقَ<(2)، أي: تشربون الماء الذي خاضته الإبل وبالت فيه وبعرت.
وبقي معنى آخر للطرق تعارف استعماله، وهو الآتي ليلاً، فيُقال: طرق أهله طروقاً، أي: جامعها، والجماع يتمّ في الليل في الأعمّ الأغلب، فسمّي طروقاً.
وقد أُستعمل تعبير (طروقة الفحل) في كتاب الشرائع(3) وفي غيره من الكتب اللغويّة والفقهيّة(4)، والمراد منه: فعولة، بمعنى مفعولة، أي: مركوبة
ــــــ[119]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 312، مادّة (طرق).
(2) الاحتجاج 1: 135، احتجاج فاطمة الزهراء÷ على القوم …، كشف الغمة 1: 485، فاطمة÷، بحار الأنوار 29: 223، فصل نور فيه خطبةً خطبتها سيّدة النساء…، شرح نهج البلاغة 16: 249، الفصل الثاني، وغيرها.
(3) شرائع الإسلام 4: 229، كتاب الديّات.
(4) أُنظر: في هذا المجال: الخلاف 5: 221، المسألة 5، المقنعة: 735، باب القضاء في الديّات والقصاص، لسان العرب10: 216، فصل الطاء المهملة، وصحاح الجوهري 4: 1515، فصل الطاء.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الفحل، وهي التي تكون بعمرٍ يقتضي الطروقة، وليس المراد فعليّة الطرق.
وهذا المعنى – أعني: الطرق بمعنى الآتي ليلاً- يوضحّ لنا السرّ في اختيار الراغب التعبير عن النجم بالطارق؛ وذلك لاختصاص ظهوره في الليل؛ إذ الأعمّ الأغلب ظهور النجم في الليل.
لا يُقال: بأنَّ نجمة المغرب تظهر قبل سقوط القرص – أي: قرص الشمس- أو يُقال: إنَّ النجوم في آخر الليل لا تغيب إلّا قبل الشروق بقليل، والليل غير محفوظٍ في كلا الأمرين.
فإنَّه يُقال: إنَّ ما ذُكر وإن كان وجيهاً، إلّا أنَّ الأعمّ الأغلب في النجوم هو الظهور ليلاً.
ثُمَّ قال الراغب: وعُبِّر عن الحوادث التي تأتي ليلاً بالطوارق(1).
وهذه الحوادث من قبيل البلاء الدنيوي، والليل ظرف للبلاء عند العقلاء؛ فلذا نشاهد أنَّ سِرقة اللصوص والغارات والحروب القديمة والحديثة كانت تحدث ليلاً بحسب الظاهر؛ وذلك لأنَّ ظرف الليل يشكّل عامل ضغطٍ على الطرف الآخر.
وقال الراغب أيضاً: وطُرق فلان قُصد ليلاً(2).
ونزله طارق، أي: قصده ضيف في الليل.
ومعه يكون المراد من الطارق عددٌ من الأُطروحات التالية مضافاً إلى احتمال أن يكون اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول، فيكون الطارق بمعنى: مطروقٌ:
ــــــ[120]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 312، مادّة (طرق).
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 312، مادّة (طرق).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
1. كلّ واردٍ وشاردٍ مهما كان جنسه، ومهما كان وقته.
2. كلّ واردٍ وشاردٍ في الليل خاصّةً.
3. الماشي في الطريق مهما كان وقته.
4. الماشي في الطريق في الليل.
5. الطريق نفسه من باب استعمال اسم الفاعل باسم المفعول.
6. الطارق الذهني، وهو ما يحدث من تقلّب الأفكار باستمرارٍ.
7. الطارق النفسي، وهو ما يحدث من تقلّب العواطف: كهيجان الشهوة الجنسيّة فجأةً أو الجوع أو العطش.
8. الطارق القلبي، وهو حصول عاطفةٍ غير متوقّعةٍ أو متوقّعة، كالحزن أو الغضب أو الفرح. وقد قال العلماء الطبيعيّون المعاصرون: بوجود ساعة نفسيّةٍ بايلوجيّةٍ تحدّد فيها انفعالات الشخص، وقديماً كان للنعمان بن المنذر يوم بؤسٍ ويوم فرحٍ(1).
9. الطارق الروحي، وهو العطاء العلوي الوارد للشخص من العالم الأعلى.
10. الضيف: إمّا مطلقاً أو الوارد ليلاً.
11. النجم باعتبار ظهوره ليلاً: إمّا مطلقاً أو خصوص نجم المغرب، غير أنَّ النجم ليس له مطروقٌ معيّنٌ، ولابدّ للطارق من مطروقٍ.
فإن قلت: هو طرق الناس أجمعين.
قلنا: هذا ليس طرقاً عرفيّاً؛ فإنَّه لا يقال: طرق القرية إذا ذهب ضيفاً
ــــــ[121]ــــــ
(1) أُنظر: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك (لابن الجوزي) 2: 333، ذكر الحوادث في سنة أربعين من مولده’.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
على واحدٍ منهم، بل طرق مضيفه فقط، فيكون في ذلك دلالةٌ على عدم إرادة المعنى الماديّ من النجم.
فإن قلت: إنَّ ذكر السّماء قرينةٌ على تعيّن النجم؛ لأنَّه من السماء.
قلنا: أوّلاً: أنَّه من الفهم التجزيئي.
ثانياً: أنَّ المراد القسم بأسماء الله، ولذا قد يكون القسم بها.
ثالثاً: أنَّها مصدر الأوامر؛ لأنَّها تأتي من فوق.
رابعاً: أن يُراد من السماء مصدر الأوامر الحقيقي، وهم أهل البيت^، وهم حافظون لكلّ شيءٍ من هذا وغيره.
فإن قلت: فإنَّ هذا المعنى هو المتعيّن؛ لأنَّ القرينة المتّصلة عليه، أعني: قوله تعالى: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ}.
وجوابه: أنَّ أغلب هذه الوجوه من الفهم الباطني والتجزيئي من القرآن، وإلّا فالسّياق الظاهري بمنزلة النصّ فيما ذكره السائل، أو أن نفهم من النجم ذاك الطارق مهما كان نوعه من الأنواع السّابقة.
12. الالتفات إلى الآيات الآفاقيّة أو الأنفسيّة أو كليهما.
13. البلاء الدنيوي، يُقال: طرقه الفقر أو المرض، أي: ورد عليه، وخاصّة وأنَّ الطرق يوجب الألم أحياناً أو غالباً.
والألف واللام يمكن أن تكون جنسيّةً أو عهديّةً، ولكلّ منهما مدلوله، كما هو معلومٌ. إلّا أنَّ هناك قرائن على العهديّة.
فمنها: أنَّ الألف واللام في السماء عهديّةٌ، فتكون الثانية عهديّةً بوحدة السّياق اللفظي. أمّا إذا كانت جنسيّة فإنَّ القرينيّة لا محلّ لها هاهنا؛ إذ يراد بها جنسٌ محدّد الأفراد.
ــــــ[122]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ومنها: أنَّ قوله: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} تفسيرٌ له، ويُراد به نجمٌ معيّنٌ.
نعم، إذا أُريد به الكلّي انتفت هذه القرينة.
ومنها: أنَّ الألف واللام للطارق الثانية، إلّا أنَّه لا يتمّ؛ إذ لا ملازمة بينهما.
****
قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ}:
إنَّ المعنى لهذه الآية: صيغة تعجّب، ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها. وقد سبق الكلام في مثلها في قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}(1) وقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ}(2) وقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ}(3). وقال عنه في >الميزان<: إنَّه تفخيم لشأن المقسم به(4)، وهو الطارق.
أقول: لأنَّ المراد منه أعلى وأجل من ذلك.
****
قوله تعالى: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ}:
قال الطباطبائي في >الميزان<: وقوله: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ}، بيانٌ للطارق، والجملة في معنى جواب استفهام مقدّر. كأنَّه لمّا قيل: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ}
ــــــ[123]ــــــ
(1) سورة القدر، الآية: 2.
(2) سورة القارعة، الآيتان: 10-11.
(3) سورة الهمزة، الآيتان: 5-6.
(4) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 258، تفسير سورة الطارق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
سُئل فقيل: فما هو الطارق؟ فأُجيب وقيل: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ}(1).
أقول: ويتّضح المعنى من الإعراب، فلابدّ من فهم إعراب لفظ النجم هنا. وفيه عدّة أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى – و لعلّه هو المشهور-: أنَّه خبرٌ لمبتدأ محذوف تقديره: هو.
الأُطروحة الثانية: أن لا يكون له محلٌّ من الإعراب؛ لأنَّنا قلنا: إنَّه لا يتعيّن أن تكون كلّ الألفاظ كذلك.
فإن قيل: فإنَّه مرفوعٌ، ما يدلّ على أنَّ له محلاً من الإعراب.
قلنا: أوّلاً: أنَّه للمصلحة البلاغيّة.
ثانياً: أنَّ الأصل في الإعراب هو الرفع ما لم يثبت خلافه.
الأُطروحة الثالثة: أن يكون بدلاً من الطارق.
قال الراغب في >مفرداته<: أصل النجم الكوكب الطالع، وجمعه نجوم(2).
فيتحصّل من ذلك: أنَّ النجم أصله الكوكب. لكن يبقى السؤال: ما معنى الطالع في قوله: (الكوكب الطالع)؟
أقول: معنى الطالع ما يصعد في الأُفق، ويُقال لكلّ بادٍ من علوّ: طالع(3).
فيكون حينئذٍ معنى النجم هو الظهور بعد الخفاء، والصعود بعد
ــــــ[124]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 258، تفسير سورة الطارق.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 504، مادّة (نجم).
(3) أُنظر: لسان العرب 8: 236، مادّة (طلع).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الهبوط، فيقال (نَجَمَ)، أي: خرج على هيئة نجم.
والظاهر أنَّه نجمٌ بالذات، الذي هو واحد نجوم، أو بمعنى المصدر (نجم نجماً نجوماً).
وعلى كلا التقديرين يكون معنى النجم الظهور بعد الخفاء.
ويشهد لذلك قوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}(1)، فمعنى النجم في الآية هو ما ينجم من الحبّة من النبات الصغير، أي: نبت من الأرض.
ونحوه الكلام في (مَنَجمْ)، والمراد منه الحفرة والمكان الذي يُستخرج منه المعدن، أي: ينجم منها المعدن، ومن هنا سمّي المنجم بالمنجم: إمّا بصيغة ما سمّي فاعله، أو بصيغة ما لم يسمّ فاعله. والحفرة التي يُستخرج منها المعدن وإن سمّيت معدناً، إلّا أنَّ التسمية من باب المجاز؛ فإنَّ الحفرة ليست هي المعدن، بل المعدن اسمٌ لما يُستخرج من الحفرة، والحفرة محلّ الإنجام والنجوم؛ لأنَّه منها ينجم المعدن، وتسمية الحفرة بالمنجم أفضل من تسميتها بالمعدن.
وتجدر الإشارة إلى أنَّه حينما يوصف النجم بالثاقب يكون بمنزلة القرينة المتصّلة على أحد المعنيين، وهو النجم بمعنى الواحد من النجوم، لا النجم بمعنى المصدر؛ لوضوح أنَّ المصدر لا يوصف بالثاقب على كلام سوف يأتي إن شاء الله.
وأمّا الألف واللام في (النجم) فهي: إمّا جنسّية وإمّا عهديّة. فإن كانت عهديّة كان المراد بالنجم نجماً معيّناً: كنجمة المغرب؛ فإنَّ نجمة المغرب يُلتفت إليها؛ لظهورها وبروزها قبل غيرها من النجوم، وهي التي تخرج قبل سقوط
ــــــ[125]ــــــ
(1) سورة الرحمن، الآية: 6.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قرص الشمس بقليلٍ، أو يُراد به الكواكب التابعة للشمس، التي هي باصطلاح الفلك القديم الكواكب المتحرّكة(1)؛ لأنَّهم لاحظوا قديماً أنَّ قسماً من النجوم ثابتٌ وقسماً آخر متحرّكٌ، وما يُراد به هنا هو المتحرّك دون الثابت.
وقد ثبت في الفلك الحديث أنَّ هذه الكواكب تابعةٌ للشمس، وإنَّما ترى متحرّكةً؛ لقربها من الأرض، فيُراد بالكواكب هذا المعنى.
والشاهد على هذا المعنى الاصطلاح الحديث، ولذا يفرّق في الاصطلاح بين الكوكب والنجم: بأنَّ النجم ما كان مضيئاً بذاته، والكوكب ما أخذ ضوءه من غيره.
وما أُفيد يكون كالقرينة على أنَّ المراد من النجم ليس الكواكب التابعة للأرض؛ لأنَّها تأخذ نورها من غيرها، فليس النور ذاتيّاً لها كالشمس، وعلى هذا إذا ورد اسم الكوكب أُريد به ذلك، من قبيل قوله تعالى: {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ}(2).
وأمّا إذا ورد اسم النجم فيُراد به المعنى الآخر، إلّا أنَّ هذا يمكن الطعن في كبراه، إن صحّ التعبير؛ إذ مَن يقول: إنَّ المراد بالنجم ما كان في قبال الكوكب؟ والظاهر: أنَّ هذا الاصطلاح المتأخّر – أعني: كون النجم ما كان مضيئاً بذاته، والكوكب ما أخذ ضوءه من غيره- وإن كنّا نحسّ به بالوجدان، إلّا أنَّه لم يكن في أصل اللغة، ففي أصل اللغة النجم والكوكب واحدٌ(3)، فهما
ــــــ[126]ــــــ
(1) راجع كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم 2: 1287، الفلك.
(2) سورة الانفطار، الآية: 2.
(3) أُنظر: تاج اللغة وصحاح العربيّة 1: 213، مادّة (ككب)، مجمع البحرين 6: 174، مادّة (نجم)، مفردات ألفاظ القرآن: 504، مادّة (نجم)، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
لفظان مترادفان، ولا تفاوت في معناهما، فيطلق النجم والكوكب على كلّ جسمٍ مضيءٍ في الأُفق أو السماء، سواء كان متحرّكاً أم ثابتاً، وسواء كان ضوئه مكتسباً من غيره أم ذاتيّاً له. ولم يكن هناك من يميّز بين النجوم والكواكب على هذا الأساس في الأعصار السابقة، وإذا كان الأمر كذلك فلا داعي حينئذٍ لأن يوضع لكلّ واحد منهما اسمٌ خاصٌّ ومستقلٌّ.
فإن قلت: لماذا قال: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} مع أنَّ نجمة المغرب من توابع الشمس، وهي ليست نجماً بل كوكباً؛ لما تقدّم من أنَّ الكوكب يأخذ نوره من غيره؟
قلت: ينبغي أن لا يغفل عمّا ذكرناه قبل قليل من: أنَّ النجم والكوكب في اللغة بمعنى واحدٍ.
وأمّا الثاقب فقال الراغب: الثاقب المضيء الذي يثقب بنوره، وإصابته ما يقع عليه(1).
أقول: لا يخفى ما في كلام الراغب من مجازٍ؛ إذ المعنى لا يثقب ما يقع عليه، كما أنَّ النور لا يثقب ما يقع عليه، فالثقب هنا ليس حقيقيّاً، بل هو مجاز.
وأفاد الراغب أيضاً: أنَّ أصل الثاقب من الثُقبة، والمثقب الطريق في الجبل الذي كأنَّه قد ثُقب، أي: الغار الذي يكون في الجبل. قال أبو عمرو: والصحيح المُثقب، وقالوا: ثقّبت النار، أي: ذكّيتها(2).
ويلزم التأكيد على هذا المعنى: (ثقّبت النار: أي ذكّيتها)، أي: جعلتها ترتفع وتتوهّج وتزداد.
ــــــ[127]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 75، مادّة (ثقب).
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 75، مادّة (ثقب).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والظاهر: أنَّ هذا موضوعٌ بنحو الاشتراك اللفظي، أي: موضوعٌ بوضعين لمعنيين بنحو الاشتراك اللفظي، لا بنحو الاشتراك المعنوي، فثقب التي بمعنى (عمل ثقباً) غير ثقب التي بمعنى (وهج النار)؛ فلكلّ منهما معنى يختلف عن الآخر، وإن كان اللفظ متّحداً.
وأمّا وصف النجم بـ{الثَّاقِبُ} فيمكن الإشارة إلى عدّة أُطروحات في المقام:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ النجم وصف بالثاقب؛ لأنَّهم تصوّروا أنَّ الضوء يثقب الظلام، فقالوا: بما أنَّ الضوء يثقب الظلام، فالنجم كذلك يثقب الظلام بنوره، فصار النجم ثاقباً.
وليس ما ذُكر في الحقيقة أمراً عرفيّاً، وإن كان هو القول المشهور عند المفسّرين، فإنَّه إن أُريد به إزالة الظلام، لم يصدق عليه أنَّه ثقب.
وإن أُريد به ثقب بمعنى إيجاد فجوةٍ فيه نظير ما يسمّى بثقب الأوزون، فالضوء لا يصنع فجوةً في الظلام، وإنَّما يجعل الظلام قليلاً، وهو ما يسمّى بـ(الغبش)؛ لأنَّ الضوء ينزل عموديّاً في جوّ الظلام ممّا يؤدّي إلى قلّة واضمحلال الظلام.
الأُطروحة الثانية: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} أي: المضيء من ثقبت النار، أي: ذكّيتها، فالنجم الثاقب، أي: النجم الذي له ذكاء وتوهّج، وعليه يكون المراد من {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} النجم المتوهّج، وهذا هو الأرجح.
الأُطروحة الثالثة: أن يُراد بـ{النَّجْمُ الثَّاقِبُ} أنَّه ثاقبٌ للسماء لا للظلام، خلافاً لما أفاده المشهور. ويتمّ تصوير ذلك بأحد بيانين:
البيان الأوّل: أنَّ جملة من علماء الفلك كانوا يتصوّرون أنَّ السماء بمنزلة
ــــــ[128]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
اللوحة والنجوم بمنزلة المسامير، فهي ثاقبةٌ للوحة التي فوقها، وعليه فالنجوم ثاقبةٌ للسماء.
البيان الثاني: أن نقول: إنَّه لا حاجة إلى ذاك التصوّر، بل السماء موجودةٌ، وهي سوداء مظلمةٌ، وهذه الإضاءات الصغيرة التي هي عبارة عن الكواكب تمثّل ثقباً في هذا الظلام، فالنجمة المتوهّجة بمنزلة الثقب في الظلام الذي نراه في السماء. وهذا البيان أقرب عرفاً ولعلّه هو مقصود الأُطروحة الأُولى حينما قالوا بأنَّ الضوء يثقب الظلام، لا أنَّ الضوء النازل من النجوم يثقب الظلام.
والفرق بين الأُطروحتين الأُولى والثالثة: أنَّ الغرض من الأُطروحة الثالثة ببيانيها الإشارة إلى أنَّ النجم يثقب ما فوقه من السماء أو الظلام، وأمّا مفاد الأُولى فهو أنَّ الضوء يثقب ما تحته، أي: ما يشعّ عليه وما يكشفه من الأُمور.
والخطوة الأُخرى في البحث أن نقول: إنَّ ممّا ذكرنا من المعاني المتقدّمة في الطارق: البلاء الدنيوي والعطاء الإلهي وما يحدث في النفس من هيجان الشهوة، فهل يصدق على كافّة هذه المعاني أنَّها طارق؟
مع أنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ هناك وحدة سياق في هذه الآية، فالطارق الموصوف بأنَّه نجمٌ ثاقبٌ يشكّل قرينةً على عدم إرادة كلّ هذه المعاني التي تصلح أن تكون بمعنى الطارق، فلا تصلح هذه المعاني جميعاً لأن توصف بكونها نجماً أو بكونها ثاقباً.
ويمكن الجواب عن ذلك بعدّة وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ وصفها بالنجم صحيحٌ؛ لأنَّنا إن فهمنا من النجم
ــــــ[129]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
واحد النجوم فالإشكال قد يكون وارداً، إلّا أنَّنا لو فهمنا من النجم أنَّه بمعنى ما نجم وحصل وحدث، فهذه المعاني المحتملة جائزةٌ، سواء كانت خيراً أم شرّاً. فالبلاء الدنيوي أو المرض أو غيرها تنجم وتحدث، فهي نجمٌ بهذا المعنى.
الوجه الثاني: أنَّنا نقول بأنَّه حتّى لو فهمنا من النجم واحد النجوم
– مع أنَّه من الفهم المجازي- فإنَّه لا يُراد من النجم إلّا المعنى الكلّي، وهذا الكلّي له حصصٌ وأجزاءٌ، ومثال ذلك كلّي المرض، فحينما يمرض الإنسان يكون مرضه مصداقاً لكلّي المرض، ونحوه الكلام في كلّي الفقر والغنى، فكأنَّ ذلك الكلّي يشعّ على مصاديقه، كما يشعّ النجم على الأرض أو على الناس.
وأمّا قضيّة الثاقب فإن قلت: إنَّ هذه الأُمور لا توصف بالثاقب، وما ذلك إلّا قرينةٌ على عدم إرادتها، وإنَّما المراد أمرٌ آخر غير هذه الأُمور.
قلت: يمكن الجواب بعدّة وجوهٍ، لعلّ أوضحها أن نقول: إنَّ النجم الثاقب بمعنى المتوهّج، والكثير من النجوم بل كلّها قابلةٌ للتوهّج والزيادة.
كما أنَّ الفقر قابلٌ للزيادة، والمرض قابلٌ للزيادة، والبلاء الدنيوي قابلٌ للزيادة، فضلاً عن الطيّبات والخيّرات، وزيادتها توهّجها، فكلّ هذه الأُمور نجم متوهّج ؛ لأنَّها تحدث وتزداد.
نعم، إن فهمنا من النجم الثاقب النجم في السماء، فحينئذٍ لا يشمل سفاسف الأُمور؛ لأنَّه مدح، وليس النجم هنا بمعنى ما يحدث. وحينئذٍ نقول: قد تكون هذه الأُمور من الفقر والمرض والبلاء الدنيوي بهذا المعنى أيضاً، وذلك بلحاظ نتيجتها؛ لأنَّها تحدث نتيجةً طيّبةً في النفس وتحدث إيماناً ودرجةً من التسليم واليقين والرضا، ولذلك عبّر عن عاقبة هذه الأُمور بنحو
ــــــ[130]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(1) وقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}(2).
إن قلت: إنَّ الأغلب في هذه الأُمور أنَّها لا تحدث ذلك؛ لأنَّ القليل من البشر يحصل لهم الإيمان والتسليم والرضا بذلك.
قلت: هذا صحيحٌ، إلّا أنَّ هذا لا يدلّ على فساد التفسير الذي تقدّم؛ وذلك باعتبار أنَّ البلاء الدنيوي سببٌ اقتضائي للتكامل والإيمان، لا سببٌ علّي، أي: لا يؤثّر حتماً وفعلاً في جميع الناس، والسببيّة لهذه الأُمور اقتضائيّة، ولذا قال تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(3)، أي: بنحو الاحتمال.
والاقتضاء إنَّما يؤثّر إذا فقد المانع، وأمّا إذا وجد المانع فلا يؤثّر المقتضي أثره. وأغلب الناس لهم موانعهم التي تمنعهم عن تحصيل النتائج الطيّبة من البلاءات الدنيويّة، كما قد يحصل حسن التوفيق لجماعةٍ بلحاظ النتائج الطيّبة.
فإن قلت: لو كان الطارق – الذي هو اسم فاعل- بمعنى اسم المفعول، فهل تتغيّر هذه الأُطروحات والمعاني المذكورة للطارق والنجم الثاقب المبنيّة على أساس أنَّ الطارق اسم فاعل أم يتمّ الحفاظ عليها؟
وللجواب على ذلك نقول: ينبغي أن نحافظ على هذه المعاني المتقدّمة؛ لأنَّنا إن قصدنا من الطارق اسم الفاعل، فنقصد به ما يرد على الإنسان من طارق المرض وطارق الشهوة، ويكون الإنسان مطروقاً لهذه الأُمور. وإن قصدنا من الطارق اسم المفعول، فينطبق على الإنسان ما يأتيه من الصفات
ــــــ[131]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 176، وسورة الحشر، الآية: 21.
(2) سورة البقرة، الآية: 221، وسورة إبراهيم، الآية: 25، وسورة القصص، الآية: 43، وسورة الزمر، الآية: 27، وسورة الدخان، الآية: 58.
(3) سورة الأعراف، الآية: 176، وسورة الحشر، الآية: 21.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والخصائص والظروف، فكأنَّ هذه الأُمور، كالمرض والفقر طرقت الإنسان، كما في قولنا: هذا الرجل طرقه الفقر بفأسه … وهكذا. والغرض: أنَّ الإنسان مطروقٌ، وإذا كان الطارق بمعنى المطروق، صدق على الإنسان.
ولا بأس بالإشارة إلى أُطروحةٍ معاكسةٍ حاصلها: أنَّ الطارق هو الإنسان، والمطروق هو الفقر أو الموت.
****
قوله تعالى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}:
قُرئ (لمَا) بالتخفيف أيضاً(1)، وهو متعلّق القسم في قوله: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ}، وينبغي أن يتّضح لنا إعرابها أوّلاً لكي يتّضح معناها ثانياً. يُقال عادةً: إنَّ (إن) للنفي، لا (إن) المخفّفة من الثقيلة، وعلى هذا تفيد (إن) و(ما) النفي، واللام لام التأكيد التي هي – بمعنى من المعاني – لام الابتداء، فيكون المعنى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَما عَلَيْهَا حَافِظٌ} ولا يكون مفادها مفاد السالبة الجزئيّة، بل يكون مفادها مفاد السالبة الكلّيّة؛ لأنَّ الموضوع هو النفس، والمحمول أنَّه ليس عليها حافظٌ.
ولهذا الكلام لازمٌ باطلٌ، ولذا حاول المفسّرون أن يفرّوا منه؛ لأنَّه قطعاً غير مقصودٍ، بل المقصود وجود الحافظ لا نفي الحافظ، ولا أقلّ من حفظ الله تعالى لكلّ نفسٍ، لو أنكرنا وجود الملائكة كحافظين، ولا يعقل أن يقصد القرآن خلاف ذلك.
والحفظ – على ما سيأتي-: إمّا بمعنى دفع البلاء والضرر، وإمّا بمعنى
ــــــ[132]ــــــ
(1) وهذه القراءة مرويّة عن أبي عمرو، ونافع، والكسائي، وابن كثير، وخلف، ويعقوب. راجع في هذا المجال: معجم القراءات القرآنيّة 8: 113، سورة الطارق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
المراقبة، أي: يراقب أعمالنا. وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}(1) أي: يحفظها ويلحظها وينظرها؛ لأنَّه أبصر الناظرين وأسرع الحاسبين وأسمع السامعين، فهو من هذه الناحية حافظٌ بكلا المعنيين، ولا يمكن أن نفهم من القرآن النفي.
وعليه فلابدّ من أن نصوّر الوجوه التي تناسب تبديل المعنى من النفي إلى الإثبات حتّى لا يلزم لازمٌ باطلٌ. وإليك بيان هذه الوجوه:
الوجه الأوّل: ما ذكره صاحب >الميزان< من أنَّ (لمّا) بالتشديد بمعنى (إلَّا)، وأنَّ (إن) نافية، والمعنى: ما من نفسٍ إلّا عليها حافظٌ. وعليه فتفيد السالبة الكلّيّة التي تعني – بتعبيرٍ آخر- عكس الموجبة الكلّيّة(2)، فنفي العدم بنحو السالبة الكلّيّة، وإثبات الوجود بنحو الموجبة الكلّيّة. قال: والمعنى: ما من نفسٍ إلّا عليها حافظٌ(3).
ولا يخفى: أنَّ ما توصّل إليه كان بعد طيّ هاتين المقدّمتين: أنَّ (إن) نافية، وقراءة (لَـمَّا) بالتشديد لا بالتخفيف.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ السيّد الطباطبائي+ لا يعتني بالقراءات، فهو يعتمد على القراءة المشهورة التي هي قراءة حفص عن عاصم فقط.
الوجه الثاني: أنَّه بناءً على تخفيف (لمَا) قال الرازي: (لمَا) ما: زائدة، و(إن) هي المخفّفة من الثقيلة، فتكون للإثبات لا للنفي، ويكون المعنى: إنَّ كلّ نفس لعليها حافظٌ(4).
ــــــ[133]ــــــ
(1) سورة الفجر، الآية: 14.
(2) المقصود هو العكس اللغوي لا الاصطلاحي.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 259، تفسير سورة الطارق.
(4) مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل: 370، سورة الطارق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ويُلاحظ: أنَّ زيادة (ما) لا معنى لها.
الوجه الثالث: أنَّه بناءً على التشديد في (لمّا) يُراد التأكيد حقيقةً أو مجازاً، وأنَّ (إن) هي المخفّفة من الثقيلة، وهي للإثبات لا للنفي، فيكون المعنى: إنَّ كلّ نفس بالتأكيد عليها حافظٌ.
الوجه الرابع: وهذه الأُطروحة وإن كانت شاذّةً، إلّا أنَّها محتملةٌ، وحاصلها: البناء على التشديد في (لمّا) وأنَّ (لمّا) ظرف زمان بمعنى: حين، وهو معنى مستعملٌ عرفاً، تقول: أكرمتك لمّا جئتني، أي: حين جئتني. والفرق أنَّه في هذا المثال دخلت (لمّا) على الجملة الفعليّة، وفي الآية دخلت على الجملة الاسميّة {لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}، سواء أكانت النسبة في الجملة الاسميّة تامّةً أم ناقصةً، والحاصل: أنَّها ليست جملةً فعليّةً، فيُراد بها التقيّد بالظرف المناسب، فتكون (لمّا) أي: حين يناسب الحفظ.
وعلى أيّ حالٍ فالمحتملات متعدّدة:
منها: أن تكون (إن) نافيةً أو مخفّفةً من الثقيلة، يعني: إمّا نافية أو مثبتة.
ومنها: أنَّ (لمَا) نافيةٌ أو زائدةٌ بناءً على التخفيف.
ومنها: أنَّ (لمّا) بناءً على التشديد إمّا بمعنى (إلّاَ) فتكون بمعنى التأكيد أو بمعنى الظرف أو زائدة، فيكون الحاصل (16) احتمالاً بضرب
2 × 2 × 4= 16، ونتائجها تختلف: فبعضها يفيد السالبة الكلّيّة، وبعضها يفيد الموجبة الكلّيّة، وبعضها يفيد الموجبة الجزئيّة، وبعضها يفيد السالبة الجزئيّة … وهكذا.
الوجه الخامس: أن يُراد بالجملة نفي النفي، والمعنى: (ليس كلّ نفسٍ ليس عليها حافظٌ) فتكون (إن) نافيةً و(ما) نافيةً أيضاً، فيصبح الموضوع منفيّاً والمحمول
ــــــ[134]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
منفيّاً، فيتحصّل من المجموع نفي النفي، وهو ضدّ المعنى الذي كان فاسداً.
والفرق بينهما: أنَّ الجملة تصبح موجبة جزئيّة؛ لأنَّها تحوّلت من السالبة الكلّيّة إلى الموجبة الجزئيّة، فنفي السالبة الكلّيّة أعمّ من الموجبة الكلّيّة والجزئيّة، ولا تتعيّن في الموجبة الكلّيّة.
الوجه السادس: إمّا أن تكون (لمّا) زائدةً أو مؤكّدةً، وتكون (إن) المخفّفة من الثقيلة، لا النافية، فإذا كانت (لمّا) زائدة فلا معنى لها حينئذٍ، وإذا كانت مؤكّدة فيكون المعنى: (إنَّ كلّ نفسٍ عليها حافظٌ بالتأكيد) وتكون موجبة كلّيّة حينئذٍ. وفي مثل سياق النفي – أي: تكون (إن) نافيةً- تكون عائدةً إلى معنى النفي الذي نفيناه بالحقيقة، وهو ليس كلّ نفس عليها حافظ، وهي تفيد السالبة الجزئيّة؛ لأنَّ السالبة الكلّيّة مبرهنٌ على بطلانها، بخلاف السالبة الجزئيّة؛ لأنَّه قد يُراد من الحافظ حافظٌ معيّنٌ في مستوى خاصّ، لا كلّ حافظ، فليس كلّ نفس عليها حافظ بهذا المعنى، أي: حافظ أعلى؛ لأنَّها ليست في مستوى عالٍ حتّى تحفظ، فالسلب الجزئي صحيحٌ، بمعنى: أنَّ بعض النفوس عليها حافظٌ على وجهٍ، لا على سائر الوجوه بطبيعة الحال.
وينبغي التنبيه على أمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ قوله تعالى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} جواب القسم لقوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ}. والمراد المعنى حينئذٍ: (والله إنَّ كلّ نفس لما عليها حافظ). وقد أشرنا فيما سبق إلى أنَّ هذا المعنى له عدّة تأكيدات: منها القسم، ومنها اللام، إلّا أنَّ الرازي ذكر في تفسيره أنَّ في المقام جواب القسم فقط(1).
ــــــ[135]ــــــ
(1) أُنظر: مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل: 369، سورة الطارق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الأمر الثاني: أنَّه إذا قلنا: (وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ حيّاً) لكانت هذه الجملة بمنزلة القضيّة بشرط المحمول، والقضيّة بشرط المحمول قبيحٌ بيانها؛ وذلك للكبرى القائلة: إنَّ القضية بشرط المحمول بيانها من قبيل توضيح الواضحات، وتوضيح الواضحات من الأُمور المستهجنة القبيحة.
ويمكن الجواب عن ذلك بوجوهٍ:
الوجه الأوّل: الطعن بالكبرى، فعليه نقول: فلتكن القضيّة بشرط المحمول، والقضيّة بشرط المحمول وإن كانت من قبيل توضيح الواضحات الذي هو أمر مستهجن، إلَّا أنَّ هذا الإستهجان أو القبح يندفع إذا تصوّرنا فائدة أو غاية عقلائيّة، فحينئذٍ لا يكون هذا الأمر قبيحاً أو مستهجناً.
الوجه الثاني: الطعن بالصغرى ببيان: أنَّ هذه الجملة ليست قضيّةً بشرط المحمول؛ لأنَّها إنَّما تكون قضيّةً بشرط المحمول فيما إذا أُخذ القيد احترازيّاً، وما نحن فيه ليس كذلك، بل الموضوع ليس هو الحيّ بما هو حيّ، بل ذات الشيء الحيّ لا بصفته حيّاً، ويُستفهم عن سبب حياته، فيُقال: إنَّه بالماء جعل هذا الحي حيّاً، فلا تكون القضيّة بشرط المحمول.
ثُمَّ إنَّ من جملة الوجوه في تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}(1) أنَّ المراد من الماء هنا هو الماء المعروف بالخصوص.
فنقول: لا يلزم أن تكون الآية إشارةً إلى بداية جعل الحياة ومنشأها،كما توهّم(2)، بل هي تشير إلى الحياة استمراراً؛ لأنَّ الجزء الأكبر من الحياة يبقى عدّة سنوات ثُمَّ يموت، فالاستمرار في الحياة هو معنى الحياة العرفيّة المشار
ــــــ[136]ــــــ
(1) سورة الأنبياء، الآية: 30.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 14: 279، تفسير سورة الأنبياء، وغيره.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
إليها هنا.
ولا بأس بالإشارة هنا إلى جملة من معاني النفس كما يلي:
الأوّل: الوجود الفردي للإنسان بما هو واحدٌ من البشر.
الثاني: الجانب المادّي من الإنسان، أي: بدنه وجسمه، وهو المعنى الأقرب عرفاً إلى معنى الإنسان، فالمراد بزيد جسمه؛ لأنَّنا نعرفه من وجهه أو صوته أو مشيه مثلاً.
الثالث: النفس الدنيويّة التي نعيش بها ونتصرّف بها، وهي ظرف الشهوات الجنسيّة والغضبيّة والحزن والفرح، وعادةً ما تسمّى النفس الأمّارة بالسوء، وإنَّما كانت أمّارة بالسوء؛ لأنَّ فيها الشهوات، ولا يخفى أنَّ الشهوات لا عقل لها، فتسعى لإشباع حاجاتها بكلّ صورةٍ، فتصير أمّارةً بالسوء.
الرابع: الوجود الملكوتي للنفس، أي: الأعمّ من النفس والعقل، والأعمّ من النفس بالمعنى الذي انتهينا منه. وينبغي أن نلاحظ أنَّ العقل وحده لا يسمّى بالنفس. نعم، الأعمّ من النفس والعقل يصحّ أن يسمّى بالنفس.
الخامس: الوجود اللاهوتي للنفس، وهي أعلى مراتب الروح، وتسمّى بالنفس في اصطلاح العرفاء والحكمة المتعالية، وتسمّى بالعقل عند صدر المتألّهين الشيرازي+(1).
السادس: مجموع الكيان الروحي والمادّي للإنسان، ولا حاجة إلى تخصيصه بالجانب المادّي أو الجانب الملكوتي واللاهوتي، مع أنَّ الإنسان
ــــــ[137]ــــــ
(1) راجع المبدأ والمعاد: 360-365، الفنّ الثاني، المقالة الأُولى، فصل في السعادة الحقيقيّة للنفس من جهة العقل النظري والعقل العملي، وغيره.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
مركّبٌ من مادّةٍ وروحٍ. وقد أفاد الملاّ هادي السبزواري+ في >المنظومة<: أنَّ النفس في وحدتها كلّ القوى(1).
فعندئذ نقول: إنَّ المراد في الآية جميع تلك التفسيرات والمعاني المذكورة للنفس، ويكون هذا الاحتمال جامعاً للاحتمالات السابقة طرّاً.
وأمّا الحافظ ففيه مادّة وهيئة، فمادّة الحافظ هي الحفظ، والهيئة على وزن فاعل، أي: الشخص الذي يمارس الحفظ.
ونقول أيضاً: إنَّ الحافظ سواء كان بنحو الاشتراك المعنوي أم بنحو الاشتراك اللفظي له معنيان:
الأوّل: أنَّ الحفظ بمعنى الوقاية من الشرور، فتحفظه عندك، أي: تصونه من اللصوص وتصون أولادك من الشرور، فأنت حافظٌ لهم.
الثاني: أنَّ (حافظ) بمعنى: حافظ لأعماله، وأصله من التذكّر، أي: يحفظها في ذاكرته ويصونها من النسيان. وهذا المعنى يرجع إلى الوقاية والصيانة، أعني: إلى المعنى الأوّل بنحو الاشتراك المعنوي. وعلى هذا المعنى فالملائكة أو الله يتذكّرون أعمالنا حتّى يذكّرونا بها يوم الجزاء، فيكون الحافظ بمعنى الرقيب.
ثُمَّ علينا أن ننقل الكلام إلى أمرٍ مهمٍّ، وهو: مَن هو فاعل الحفظ؟
وفي الإجابة يمكن أن نذكر عدّة احتمالات:
الاحتمال الأوّل: أنَّ الله جلّ جلاله حافظ كلّ شيءٍ، وهو الفاعل في الحقيقة لكلّ حفظ. نعم، قد يوكل الحفظ إلى الملائكة أو إلى المعصومين أو إلى ربِّ الأسرة، أو إلى مالك المال، إلّا أنَّ ذلك من جهة التسبيب، فالحافظ الحقيقي هو الله تعالى، وهو المسبّب الحقيقي الغني عن كلّ هذه الأسباب.
ــــــ[138]ــــــ
(1) راجع شرح المنظومة 5: 180، غرر في أنّ النفس في وحدتها كلّ القوى.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الاحتمال الثاني: أنَّ الحافظ كبار الملائكة والمقرّبون من قبيل: جبرائيل وميكائيل؛ فإنَّ من أعمالهم الحفظ.
الاحتمال الثالث: أنَّ الحافظ الملائكة المراقبون للبشر. ولا بأس بالإشارة إلى أقسام الملائكة في ضوء الآيات والروايات.
القسم الأوّل: ملائكة اليمين واليسار الحافظين للحسنات والسيّئات. وأمّا مكان تواجدهم فقد قيل: إنَّ مكانهم على الكتفين، وقيل: إنَّهما على جانبي الفم يسمعون ما يلفظ من قولٍ(1)، كما في قوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(2)، والرقيب هنا بمعنى الحافظ.
القسم الثاني: ملائكة الليل وملائكة النهار الذين ينزلون ويصعدون بين الطلوعين، وعملهم المراقبة.
القسم الثالث: الملائكة الحافظون من الشرور، كما في قوله تعالى: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}(3)، أي: ندفع عنكم الشرور المحتملة. وورد عن أمير المؤمنين (سلام الله عليه) أنَّه قال: >إنَّه ليس من عبدٍ إلّا وله من الله حافظٌ وواقيةٌ، معه ملكان يحفظانه من أن يسقط من رأس جبل أو يقع في بئر، فإذا نزل القضاء خلّيا بينه وبين كلّ شيءٍ<(4). يعني: إذا تخلّيا عنه يصير
ــــــ[139]ــــــ
(1) أُنظر: البرهان في تفسير القرآن 5: 134، تفسير سورة ق، ومجمع البحرين 4: 284، مادّة (حفظ).
(2) سورة ق، الآية: 18.
(3) سورة فصّلت، الآية: 31.
(4) الكافي 2: 58، باب فضل اليقين، الحديث 8، المناقب 3: 297 فصل: في ذكر سيفه ودرعه ومركوبه، وسائل الشيعة 15: 203، الباب7، الحديث 20282.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
هدفاً لأوّل ضربةٍ، ولن يتخلّيا عنه إلّا بأمر من الله تعالى.
الاحتمال الرابع: المعصومون الأربعة عشر (سلام الله عليهم) فقط، لا الأنبياء السابقون ولا المعصومون بالعصمة الثانويّة، بل المراد المعصومون الأربعة عشر الذين هم خير الخلق على الإطلاق، فهم حافظون بكلا المعنيين: حافظون للخلق وللبشريّة. وإلى هذا المعنى أفاد مولانا الحجّة (عجّل الله فرجه الشريف) في رسالته إلى الشيخ المفيد >إنَّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء(1) واصطلمكم(2) الأعداء<(2). والغرض الإشارة إليه، مع أنَّه لا يختصّ بالامام الحجة#، بل يشملُ كافّة المعصومين^ ولا سيّما النبي الخاتم محمّد’ والوصي الخاتم علي×.
كما أنَّهم^ حافظون من الحفظ والمراقبة، فإمامنا الحجّة#
– الذي هو إمامنا- يتحمّل هذه المسؤوليّة؛ إذ ورد في الروايات أنَّ أعمال العباد تعرض عليه قبل صدورها من العباد في ليلة القدر(4).
ثُمَّ إنَّ الله أعلم بعدد العوالم الموجودة، وإن أمكن القول: إنَّ العالم إمّا الدنيا وإمّا الآخرة، والحفظ بحسب إطلاق الآية {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} حفظٌ في الدنيا وفي الآخرة، فالآية لها إطلاقٌ أزماني، أيّ: إنَّ الآية
ــــــ[140]ــــــ
(1) اللأواء: الشدّة وضيق المعيشة.
(2) اصطلمه: استأصله.
(3) الاحتجاج 2: 495، ذكر طرفٍ ممّا خرج أيضاً عن صاحب الزمان×، الخرائج 2: 902، بحار الأنوار 53: 174، الباب 31، الحديث 7.
(4) راجع الأحاديث الواردة في بحار الأنوار 23: 333-354، كتاب الإمامة، الباب 20: عرض الأعمال عليهم^ وأنّهم الشهداء على الخلق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
شاملة لكلّ زمانٍ من الأزمان؛ لأنَّنا إذا لاحظنا خطّ حياة الإنسان فمرّة يكون في الدنيا، ومرّة في البرزخ، ومرّة في عرصات القيامة، ومرّة في الجنّة، أو في النار، فيكون الإطلاق إطلاقاً أزمانيّاً لكلّ هذه المراحل.
وبعد ملاحظة هذه الاحتمالات وضرب بعضها ببعض قد يكون الحاصل ما يزيد على مائة احتمالٍ في ما هو المراد من الآية الكريمة. نعم، ليس كلّ الاحتمالات قابلةً للانطباق، فلابدّ من إسقاط بعضها؛ لعدم مطابقتها للواقع أو لعدم تماميّتها في نفسها، مع أنَّها لا تمثّل فكرة متكاملة. وبلحاظ النتائج قد تكون هناك نتائجٌ ولوازمٌ باطلةٌ؛ إذ الوجود اللاهوتي لا يحتاج إلى مراقبةٍ وحفظٍ مثلاً. ونحوه الكلام فيما لو فسّرنا النفس بالروح العليا؛ فالله سبحانه حافظها فقط، ولا يصحّ أن نقول: حافظها الملائكة؛ لأنَّها أعلى من الملائكة، والملائكة تحفظ ما دونها ولا تحفظ ما فوقها، فهذا من خطل القول.
ثُمَّ إنَّ ما أفاده السيّد الطباطبائي+ يصلح كأُطروحة وجيهةٍ، ويدل عليها بعض القرائن من الآية.
قال+: فتفيد – أي: الآية- أنَّ النفوس محفوظةٌ: لا تبطل بالموت ولا تفسد، حتّى إذا أحيا الله الأبدان أرجع النفوس إليها، فكأنَّ الإنسان هو الإنسان الدنيوي بعينه وشخصه، ثُمَّ يجزيه بما تقتضيه أعماله المحفوظة عليه من خيرٍ أو شرّ(1). وهذا حفظٌ، وعليه عدّة قرائن أوضحها قوله تعالى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}.
فالحفظ يكون للنفس لا للبدن، والبدن يزول وتحفظ النفس في البرزخ
ــــــ[141]ــــــ
(1) الميزان في تفسير الميزان 20: 258، تفسير سورة الطارق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وفي يوم القيامة وفي الجنّة وفي النار: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى}(1).
إلَّا أنَّه تقدّم أنَّ احتمالات النفس عديدة، واحتمالات الآية متعدّدة أيضاً، فيصلح ما ذُكر أن يكون أحد هذه الاحتمالات، فتكون النفس بالمعنى الذي يقصده تحفظ في البرزخ وتحفظ في القيامة وتحفظ في الجنّة وتحفظ في النار.
أقول – كأُطروحة وجيهة-: إنَّ الحفظ قد يتحقّق في الدنيا، وهو ممّا لم يتعرّض له السيّد الطباطبائي؛ لأنَّ مراده أنَّها تحفظ بعد الموت، ونحن نقول: إنَّها تحفظ قبل الموت أيضاً، والدليل عليه إطلاق الآية، مع أنَّ كلام السيّد الطباطبائي لا يشمل هذه الحصّة.
بل قد يُقال: إنَّنا فهمنا ذلك بحسب ما يفهمه العرف؛ إذ العرف يفهم من الآية أنَّ الحفظ خاصٌّ بالدنيا، وهذا يصلح أن يكون شكلاً من أشكال الاستدلال، ويكون هذا الاحتمال مغايراً لما أفاده السيّد الطباطبائي. ثُمَّ لو تقدّمنا خطوةً لقلنا: إنَّ الحفظ أعمّ من كونه في الدنيا أو الآخرة، فما أفاده+ على خلاف إطلاق الآية.
كما يرد عليه أنَّه قال: إنَّ كلّ نفس إلّا عليها حافظٌ(2)، أي: ضدّها، لا في مصلحتها، وهو عبارةٌ عن تحميل المسؤوليّة الأخلاقيّة التي هي بمعنى الرقابة، فحافظ أي: حافظٌ للأعمال. ولو أراد المعنى الذي ذكره لكان عليه أن يقول: (إنَّ كل نفس إلّا لها حافظٌ)، وسيكون المعنى أنَّه لمصلحتها؛ لأنَّه حافظٌ لها، أي: حافظٌ من الشرور، فيكون هذا قرينةً على خلاف الاستظهار الذي استظهره؛ لأنَّه يصرف الآية إلى جهة الرقابة، لا إلى جهة الحفظ من الشرور.
ــــــ[142]ــــــ
(1) سورة الدخان، الآية: 86.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20 : 258، تفسير سورة الطارق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قوله تعالى: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}:
يلزم أوّلاً أن نفهم: لماذا جاء بـ(الفاء) فقال: (فلينظر) ولم يقل: (لينظر الإنسان)؟
نعم، الفاء تفريعيّة، وهذا لا كلام فيه، لكن ما ينبغي فهمه هو أنَّه تعالى لماذا فرّع هذا التفريع؟
ويمكن الإشارة إلى عدّة أُطروحات في المقام:
الأُطروحة الأُولى: أن نفهم هذا التفريع من خلال فهم السيّد الطباطبائي+(1)، فهذا التفريع يبرهن على وجود الآخرة {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}، أي: عليها حافظٌ في البرزخ وفي القيامة وفي الجنّة وفي النار. وإن استبعد المادّيون ذلك قلنا لهم: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}، والذي خلقك أوّل مرّة قادرٌ على أن يخلقك مرّة ثانيةً وثالثةً وعاشرةً، فالمعجزة التي ترونها من تربية الجنين من الحويمن إلى الإنسان ممّا لا ينبغي الارتياب فيها. فلماذا تستبعدون الخلق الثاني {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} أي: على رجعه في الدار الآخرة؟ فهذا برهانٌ على يوم القيامة ببيان: أنَّ السيّد الطباطبائي فهم من {حَافِظٌ} أي: حافظ للنفس في يوم القيامة، ومن هنا احتاج للبرهان على يوم القيامة.
وما ذكره متوقّفٌ على مقدّمةٍ، وهي صحّة فهمه للآية: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} والتفريع هنا مرتبطٌ بما فهمه من الآية.
أمّا إذا ناقشنا فهمه للآية فسوف نحتاج إلى أن نبحث عن وجهٍ جديدٍ؛
ــــــ[143]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 259، تفسير سورة الطارق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
لأنَّه لا يتعيّن أن يكون المقصود من (حافظ) الحافظ في الآخرة، ولا يمكن أن نقول: إنَّه حافظٌ في الدنيا؛ لأنَّه معنىً مستقلٌّ، فالتفريع حينئذٍ يسقط من هذه الناحية، ولا معنى له.
فإن قلت: دفاعاً عن السيّد الطباطبائي: إنَّ الآية أفادت بعد ذلك: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} فكأنَّه انعقد للكلام سياقٌ معنوي متكاملٌ في الإشارة إلى يوم القيامة، فـ(رجعه)يشير إلى أنَّ المقصود منه يوم القيامة، فيكون بمنزلة القرينة المتّصلة على أنَّه حافظٌ في البرزخ وفي القيامة.
أقول: لا ملازمة بينهما؛ فقوله تعالى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} بيانٌ لأمرٍ، وقوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} بيان لأمرٍ آخر، فلا ملازمة بينهما على ما سيأتي في الكثير من الكلمات الآتية، مع أنَّ ذلك متوقّفٌ على إرجاع المشهور والسيّد الطباطبائي الضميرَ المفعول (أي: ضمير الغائب) في (رجعه) إلى ما قبله من آيات {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}، أي: (على رجع الإنسان لقادر)، أمّا إذا كان مرجعه لفظاً آخر، فلا ربط للآية بيوم القيامة، فتسقط القرينة المدّعاة حينئذٍ.
الأُطروحة الثانية: أنَّ الغرض ذكر الرقابة على الأعمال، وقوله تعالى: {عَلَيْهَا حَافِظٌ} أي: رقيب، وهو إشارةٌ إلى تلك الرقابة وتلك الأعمال المكتوبة في عالم آخر.
إذن الرقابة تحتاج إلى يوم القيامة، ويوم القيامة يحتاج إلى دليلٍ، والدليل قوله تعالى: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} وما ذكر يختلف عمّا طرحناه سابقاً؛ إذ ليس له علاقة بالنفس ولا بالحفظ.
الأُطروحة الثالثة: أنَّه بعد أن ذكر الرقابة على الأعمال وأنَّه تعالى رقيبٌ
ــــــ[144]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والملائكة رقباء والمعصومين رقباء، احتاج إلى شيءٍ من الموعظة، وهي أنَّنا نراقبكم وأنتم عليكم أيضاً أن تراقبونا {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}. فهل أنت خلقت نفسك؟ فإذ لم يكن كذلك، فأين خالِقُك؟ وإذا عرفته فعليك ملاحظته ومراقبته ومراعاته.
الأُطروحة الرابعة: أنَّه بعد أن ذكر الحفظ من الشرور في الدنيا نبّه على أنَّ هذا الحفظ يرتفع في يوم القيامة، كما في الخبر الوارد عن مولانا أمير المؤمنين×، أعني: قوله: >فإذا نزل القضاء خلّيا بينه وبين كلّ شيءٍ<(1). فالحفظ إنَّما كان في الدنيا، وسيرتفع إلى الأبد، وحينئذٍ يحتاج إلى ذكر يوم القيامة، والدليل المقرّب لمفهوم يوم القيامة هو {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}.
الأُطروحة الخامسة: أنَّه بعد أن ذكر {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} اقتضى التنبيه على شيء قبله وعلى شيء بعده، وهو أنَّ هذه النفس التي أشعر بها الآن لها تاريخٌ في الماضي ولها تاريخٌ في المستقبل: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}، أي: فلينظر الإنسان إلى الماضي: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} وقوله: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ} إشارةٌ إلى المستقبل.
وبعد أن كان الكلام عن التفريع نعود إلى مدخول التفريع في قوله تعالى: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}، وهو أمرٌ بلام الأمر، ولام الأمر إذا دخلت على المضارع جعلته كصيغة افعل في الدلالة على الوجوب، وسيأتي الكلام عن الوجوب.
ــــــ[145]ــــــ
(1) الكافي 2: 58، باب فضل اليقين، الحديث 8، المناقب 3: 297، فصل: في ذكر سيفه ودرعه ومركوبه، وسائل الشيعة 15: 203، الباب 7، الحديث 20282.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والغرض: أنَّ ما أودّ التنبيه عليه هنا أمرٌ لم يلحظه أحدٌ؛ لأنَّ الظاهر على خلافه، وهو: أنَّنا إذا لاحظنا الدلالة المطابقيّة مئة بالمئة سقط الكلام عن الاعتبار.
والوجه فيه: أنَّ الإنسان لا يمكن أن ينظر ممّ خلق منه حقيقةً، أي: أن ينظر إلى مني أبيه، فكلّ مولودٍ يولد بعد زوال ذلك من عالم الوجود، فالماء الذي تركّب منه الإنسان لا يمكن للإنسان أن ينظر إليه، فيكون الأمر هنا أمراً بما لا يطاق، ويكون من قبيل تكليف العاجز، وحينئذٍ يسقط الخطاب عن الاعتبار، وبهذه القرينة يلزم صرفه عن ظهوره.
ولعلّه لا أحد يفهم من الآية هذا الظهور، مع أنَّه الظهور المباشر المطابقي للآية.
حينئذٍ نقول: إذا كان الفهم المطابقي ساقطاً، فكيف يتمّ تصحيح فهم الآية؟
ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ النظر إن كان المراد منه النظر العيني والإحساس المباشر كان مستحيلاً؛ لأنَّه يلزم منه التكليف بغير المقدور، كما تقدّم، فلابدّ أن يُراد به النظر العقلي، أي: الالتفات والتفكير لا النظر الحسّي.
إن قلت: إنَّ النظر ظاهرٌ في النظر الحسّي لا العقلي.
قلت: النظر العقلي له أساسٌ في اللغة أيضاً.
قال الراغب في >مفرداته<: النظر: تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته(1). فتقليب البصيرة تقريب الذهن والعقل، فيكون النظر العقلي
ــــــ[146]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 518، مادّة (نظر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
نظراً بمعنى من المعاني، وبالنظر العقلي تتجلّى الحقائق وتتّضح.
وقال الراغب أيضاً: وقد يُراد به التأمّل والفحص، وقد يُراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص، وهو الروّية(1). والرويّة هي حاصل الفكرة والمعرفة التي يعزم عليها الإنسان بعد التفكير، فيكون مفاد الآية: فليفكّر الإنسان ممّ خُلق، ولا بأس أن يفكّر الإنسان بسبب نفسه أو بسبب غيره، فإذا كان الإحساس المباشر ممتنعاً فالتفكير ممكنٌ.
الوجه الثاني: أنَّ الإشكال ناشئٌ من أن يُراد من الإنسان الفرد نفسه، فإذا قلنا: بل يُراد بالإنسان النوع لا الفرد، يعني: ينظر كلّ فردٍ إلى نفسه وغيره، ومعنى (أن ينظر إلى نفسه) النظر إلى سبب وجود أولاده، فله النظر إلى سبب وجود أولاده ولا إشكال عقلي في ذلك.
الوجه الثالث: أن يُراد من (من) التبعيضيّة لا السببيّة؛ فإنَّ كلاً من السببيّة والتبعيضيّة من المعاني اللغويّة، والإشكال مبتنٍ – بعد التنزّل عن الوجوه السابقة- على أنَّ المراد من (من) السببيّة {مِمَّ خُلِقَ} أي: من المني الذي خُلق منه أو الماء الذي خُلق منه.
مع أنَّا نقول بالتبعيض ويكون المراد: فلينظر الإنسان إلى بعض ما خُلق منه، وهذا وإن كان على خلاف الظاهر، إلّا أنَّه أُطروحةٌ وجيهةٌ، فيُقال: إنَّ العلل أربع: مادّية وصوريّة وفاعليّة وغائيّة، والكون خلق بهذه العلل، وكلّها أسبابٌ، فأين ما نظرت نظرت إلى بعض هذه الأسباب.
فإن قلت: إنَّ الآية أفادت: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ
ــــــ[147]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 519، مادّة (نظر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
دَافِقٍ} فيكون هذا قرينةً متّصلةً على أنَّ المراد من الموصول المني {مِمَّ خُلِقَ} أي: من الماء الدافق، وبهذه القرينة يكون المراد من (من) السببيّة؛ لأنَّ المني سبب وجود الإنسان.
أقول: ينبغي هنا – قبل أن نذكر الجواب- الإشارة إلى أنَّه لا يتعيّن أن يكون المراد من (من) السببيّة، بل قد يُراد منها التبعيضيّة، مع حفظ ما فهمه المشهور من السياق من إرادة المني؛ لأنَّ الإنسان لا يخلق من كلّ المني، بل من بعضه؛ لأنَّ واحداً من ألف ألف يساهم في تشكيل الجنين، وهو ما يسمّى بالحويمن، فيصدق بناءً على هذه النظرية {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ}، أي: من بعض الماء الدافق، ويُراد من (من) التبعيضيّة لا السببيّة.
ويعضده أنَّ الإنسان لا يُخلق من كلّ المني، بل من بعضه؛ لأنَّ المني لا يدخل جميعه إلى المهبل، بل يخرج جزءٌ منه.
وأمّا الجواب فنقول: إنَّه لا ملازمة بين الآيتين؛ لأنَّه قد يكون المراد من الآية السّابقة الأعمّ، ويكون المراد من الآية اللاحقة الأخصّ، من قبيل {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} من أيّ شيء؟ خُلق من مادّة وصورة فاعليّة، ثُمَّ يذكر له حصّة خاصّة من الشيء الذي خلق منه، وهذا الشيء الخاصّ ذكر بالخصوص؛ لأنَّه يشكّل حالة إعجازٍ، وهو (الماء الدافق)، ووجه الإعجاز تحوّل الماء الدافق إلى إنسان ذي شعورٍ وعقلٍ وحركةٍ.
فتكون الآية الثانية أخصّ من الأُولى لا متساوية معها، بل بينهما
– بمعنى من المعاني- نسبة العموم المطلق، ولا يتصوّر أن تكون الثانية أعمّ من الأُولى؛ فالأُولى إمّا أعمّ وإمّا مساوية، على هذا لا يتعيّن أن يكون المراد من {مِمَّ خُلِقَ} خصوص المني.
ــــــ[148]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الوجه الرابع: أن يُراد من (ما) الموصولة ومن (الماء) جنس الماء، لا خصوص الماء الذي خلق منه الفرد نفسه؛ لأنَّ الإشكال الأساسي في أنَّ الإنسان يتعذّر عليه أن ينظر إلى الماء الذي خلق منه كفردٍ.
وعليه فقوله تعالى: {مِمَّ خُلِقَ}، أي: إلى مطلق النطف التي يخلق منها البشر، أو سائر الحيوانات الولودة، أو سائر العلل المادّيّة والغائيّة والصوريّة والفاعليّة؛ فإنَّها يصدق عليها أنَّها ممّا خلق منها الإنسان، فيندرج ما ذُكر في إطلاق الآية.
إن قلت: إنَّ في قوله: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ} تكليفاً بالنظر، فإذا كان المراد العموم، كان تكليفاً بالنظر إلى كثيرٍ من الأشياء، وهو خارجٌ عن الطاقة البشريّة، ولا يُعقل أن يكلّف الإنسان بالنظر إلى كلّ العلل والمكوّنات الداخلة في كلّ البشر أو كلّ الحيوانات، فضلاً عن أنَّ الكلّي غير مرئي، وإنَّما هو متصوّر يراه الذهن، ولا تراه العين الخارجيّة.
قلت: يمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الوجه الأوّل: ما تقدّم سابقاً من: أنَّ المراد من النظر ليس هو النظر بالعين، بل النظر بالفكر والبصيرة والعقل، ولذلك منشأٌ لغوي، كما أشرنا إليه آنفاً.
الوجه الثاني: أنَّ المراد من النظر ليس استيعاب النظر لكلّ المصاديق حتّى يخرج عن قدرة البشر، بل النظر إلى بعض المصاديق، أي: أن ينظر إلى شيءٍ ممّا خلق منه، أو ممّا خلقت منه المخلوقات، ولا يُحتمل أن يكون المراد استيعاب المصاديق، ويكفي أن نلتفت إلى أنَّه متعذّرٌ، فيكون الأمر به متعذّراً أيضاً.
ــــــ[149]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الوجه الثالث: أنَّ الجزئي الحقيقي يشتمل على الكلّي (الإنسان) مع خصائص زائدةٍ على كونه حيواناً ناطقاً من طولٍ وعرضٍ وعقلٍ وعلمٍ وفقرٍ وغنىً ومرضٍ وصحّةٍ. فالكلّي(1) متحقّقٌ في الخارج بما هو قسمٌ من الجزئي، فيكون الكلّي – على هذا- ممّا تراه العين الخارجيّة؛ لأنَّني حينما أنظر إلى زيدٍ أرى الإنسانيّة وأشياء زائدة، فمن هذه الناحية لا يتعذّر النظر إلى الكلّي حسّيّاً، فضلاً عن التصوّر العقلي.
الوجه الرابع: أن نجيب عن أصل الإشكال، ففي قوله تعالى: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} إمّا أن نقول: إنَّ (خُلق) مبني للمجهول، وإمّا أن نقول: مِمَّ خَلق ، أي: خلق منه، نظير قوله تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ}(2)، أي: ما أنت قاضيه.
فإذا أرجعنا الضمير إلى الإنسان الفرد لزم المحذور؛ لأنَّ الإنسان الفرد لا يمكن له أن ينظر إلى مصدره الفردي وجهته التي خلق منها، وهو واضحٌ، إلّا أنَّ رجوع الضمير إلى نفس الإنسان فيه تأمّلٌ؛ لأنَّ الضمير يرجع إلى مرجعه بحدّه بلا زيادةٍ أو نقيصةٍ، فعندما نقول: رأيت زيداً فأكرمته، فهل أكرمت عمراً، أو أكرمت الإنسان، أو أكرمت بعض زيد؟ ليس ذلك كلّه، بل أكرمت زيداً بحدّه لا أكثر ولا أقلّ.
وفي المقام يرجع الضمير إلى مرجعه بدون زيادةٍ ولا نقصانٍ، لكن إذا استغنينا عن هذا الظهور بدليلٍ عقلي، وهو أنَّه يستحيل أن يرجع إلى مرجعه
ــــــ[150]ــــــ
(1) أي: الكلّي الطبيعي.
(2) سورة طه، الآية: 72.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
حقيقةً؛ لأنَّه يلزم منه الأمر بما لا يطاق، فحينئذٍ لابدّ من أن نفهم من هذا الضمير العموم {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}، أي: ينظر إلى الذي خلق منه الإنسان عموماً، وإن كان على خلاف السياق في مرجعيّة الضمير. وبذلك نفهم من الإنسان والضمير معاً العموم. وإذا تنزّلنا عن ذلك الوجه وقلنا: إنَّ المراد من الإنسان الفرد، فحينئذٍ يتعيّن أن يُراد منه الضمير بوحدة السياق، إلّا أنَّنا في هذا الوجه نتنازل عن وحدة السياق ونقول: مع أنَّ مرجعه هو الفرد، إلّا أنَّنا نعتقد هنا أنَّ مرجعه العام هو النوع لا الفرد.
****
قوله تعالى: {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ}:
أفاد الراغب: أنَّ قوله تعالى: {مَاءٍ دَافِقٍ} أي: سائلٍ بسرعةٍ، ومنه أُستعير: جاءوا دفقةً، أي: جاءوا مسرعين. وبعيرُ أدفق: سريعٌ، ومشى الدفقي أي: يتصبّب في عدوه كتصبّب الماء المتدفّق، ومشوا دفقاً(1).
فالتدافق عبارةٌ عن تدافع الماء وسرعة جريه بصفته سائلاً: مجازاً أو حقيقةً، ولا يختصّ بالماء، بل كلّ سائل: حليباً كان أو خلاً، ونحوه ما تخرجه البراكين من فوّهاتها من المعادن الذائبة التي تخرجها بكمّيّاتٍ هائلةٍ جدّاً، مع أنَّها ليست ماءً، لكنّها تتدفّق كالأنهار، فيشمل كلّ شيءٍ يشبه السائل في تدفّقه وسرعته، من قبيل أن نتصوّر أنَّ رملاً يتدفّق أو حصى يتدفّق، مع أنَّ الرمل والحصى ليسا سائلين، كما هو واضحٌ.
ثُمَّ إنَّ دافق اسم فاعل، ويمكن في اللغة استعمال اسم الفاعل بمعنى
ــــــ[151]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 172، مادّة (دفق).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
اسم المفعول، فيمكن أن نفهم من دافق اسم المفعول، وهو الفهم المتعيّن هنا.
إن قلت: بل المتعيّن خلاف ذلك؛ لأنَّ دافق متعدّي، فيكون معناه دافقاً ودافعاً لغيره، فالمتعيّن اسم الفاعل لا اسم المفعول.
قلت: يُراد من (دافق) في الآية المحمول على السرعة والجريان، وما فعلت به السرعة والجريان، لا الفاعل للسرعة والجريان، فلذا نقول: المتعيّن أن يكون (دافق) بمعنى اسم المفعول.
اللّهمّ إلّا أن نلتفت إلى نقطة، وهي أنَّ ما ذُكر من تفسير اسم الفاعل باسم المفعول نتيجة لتصوّر أن يكون معنى الدفق هنا متعدّياً، أي: دافع لغيره.
فإذا كان لازماً – بمعنى: ما اتّصف بالسرعة- فحينئذٍ يكون المتعيّن كونه اسم الفاعل.
وفي بيان المراد من قوله تعالى: {مَاءٍ دَافِقٍ}، وجوهٌ:
الوجه الأوّل: ما فهمه المشهور(1) وأفاده السيّد الطباطبائي في >الميزان<(2) من: أنَّ الماء الدافق هو المني بصفته مبدأ تكوين الإنسان.
الوجه الثاني: أن يُراد من الماء الدافق الماء المعروف، أي: هذا الماء الذي خُلق منه الإنسان.
إن قلت: لماذا وصف بكونه دافقاً مع أنَّ الخلق من هذا الماء، سواء كان دافقاً أم لم يكن دافقاً؟
ــــــ[152]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 4، تفسير سورة الطارق، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 308، تفسير سورة الطارق، وغيرهما.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 260، تفسير سورة الطارق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ويُلاحظ عليه:
أوّلاً: أنَّنا نقول: إنَّ هذا حملٌ على الغالب؛ لأنَّ الغالب في المياه أن تكون دافقةً من عيونٍ جاريةٍ وأنهارٍ جاريةٍ، وأمّا المياه الراكدة فقليلةٌ.
وثانياً: أنَّ المراد من خلقة الإنسان خلقه من الماء العذب، لا من الماء المالح الذي يجري من مياه البحار والمحيطات، مع أنَّ الماء العذب في الطبيعة كلّه جارٍ ودافقٌ، فوجوده الطبيعي دافقٌ على سطح الأرض، وأمّا الماء المالح فراكدٌ في البحار والمحيطات. مع أنَّه يمكن القول بأنَّ كلّ ما على سطح الأرض مخلوقٌ من الماء العذب، أي: ساهم الماء العذب بوجوده من إنسان وحيوان ونبات، مع أنَّ كلّ ما هو موجودٌ في البحار من حيوان ونبات من الماء المالح.
ثُمَّ كيف خلق الإنسان من الماء المعروف؟ مع أنَّ الإنسان خلق من لحمٍ ودمٍ مثلاً، أو من جسمٍ وروحٍ؟ فما جهة ارتباطه بالماء المعروف؟
ويمكن بيان هذا الارتباط من جهات:
الجهة الأُولى: أنَّ معيشة الإنسان مرتبطةٌ بالماء، ولا يمكنه البقاء بدونه، كما أنَّ الحيوانات والنباتات تهلك بدون ماءٍ؛ لأنَّ العطش موجبٌ للجفاف، والجفاف موجبٌ للموت، فالماء عنصرٌ أساسي في حياة الإنسان وغيره من حيوانٍ ونباتٍ.
الجهة الثانية: أنَّه قد ذُكر في علم الكيمياء العضويّة أنَّ جسم الإنسان يتكوّن من نسبةٍ كبيرةٍ من الماء تقدّر بخمسة وثمانين أو تسعين بالمائة، وما عداه موادّ عضويّة من مغنسيوم وبروتين وغيرهما وبنسبٍ مختلفةٍ، مع أنَّنا نراه عرفاً لحماً ودماً وعظماً وقلباً، ما يعني أنَّ هذه الأشياء يدخل الماء في تركيبها بنسبة تسعين بالمائة، ومع هذه النسبة يصحّ أن نقول بأنَّ الإنسان مخلوقٌ من الماء.
ــــــ[153]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الجهة الثالثة: التمسّك بنحو قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}(1).
وهنا لابدّ من الإشارة إلى أنَّ الجعل يمكن أن يُراد به الجعل المركّب أو الجعل البسيط، أي: يمكن أن يُراد به مفاد كان التامّة، أو مفاد كان الناقصة، وبعبارة أُخرى: يمكن أن يُراد به الفعل اللازم أو الفعل المتعدّي. فعلى أيّ نحو يكون؟
وللإجابة عن ذلك نقول: إنَّ مشهور المفسّرين ذهبوا إلى أنَّ الجعل هنا جعلٌ(2) بمفاد كان التامّة؛ لأنَّه لم يأخذ إلَّامفعولاً واحداً، إذ أنَّ قوله: {وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} أخذ مفعولاً واحداً، وفعل جَعَلَ يتعدّى إلى مفعولين، فكان ينبغي أن يقول: ( كلَّ شيءٍ حيّاً)، فهذا هو الفرق، ولو كان جعلاً مركّباً لقال:(جعلنا كلّ شيءٍ حيٍّ حيّاً من الماء) في حين أنَّه قال: {وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}، أي: جعل كلّ شيءٍ وخلق كلّ شيءٍ من الماء، أي: بنحو الجعل البسيط لا المركّب.
وهنا يمكن أن نقول أيضاً: إنَّه يمكن أن نفهم من (جعل) الجعل المركّب أو مفاد كان الناقصة، إلّا أنَّنا نحتاج إلى تقديرٍ (وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ حيّاً). والفرق أنَّ اللفظ سيكون أكثر نفوراً، وهو الذي دعى إلى حذف الخبر أو إلى حذف المفعول الثاني، وإلّا فالمراد ذلك (جعلنا الحي حيّاً بالماء).
ــــــ[154]ــــــ
(1) سورة الأنبياء، الآية 30.
(2) أي: بمعنى: أصل الايجاد.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فإن قلت: إنَّه لا يُراد في هذه الآية الماء المعروف الذي نحن بصدده، بل يُراد به أنواع المني الإنساني والحيواني؛ لأنَّه مخلوقٌ حيّ خُلق من ماءٍ دافقٍ، فالمراد من {وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ} أي: جعلنا من المني كلّ شيءٍ حيٍ، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً}(1). ونحوه قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ}(2) وقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ}(3).
ويمكن الجواب عنه بوجهين:
الأوّل: ما هو في الحقيقة إشكالٌ على مشهور المفسّرين؛ فإنَّهم توهّموا أنَّ الحي هو خصوص الإنسان والحيوان؛ لأنَّهما يخلقان من مني وماءٍ، وأمّا الأحياء التي لم تخلق من مني فكثيرة جدّاً، كالحشرات والميكروبات التي لا تتكاثر بالتوالد. فليس كلّ حي مولوداً من ماءٍ، وإنَّما التكاثر كما في الأميبا يكون بالانقسام، فالأميبا تنقسم ثُمَّ تنقسم إلى غير نهاية ما دامت الأرض، فهل خلقت من ماءٍ بالمعنى الذي عليه فهم المشهور؟ مع أنَّنا لم نتعدَ الفهم المادّي والحياة المعهودة.
الثاني: أنَّنا نتعدّى الحياة المعهودة، لننظر إلى الجنّ والملائكة، فنسأل: هل الجنّ والملائكة أحياءٌ أم أمواتٌ؟ ونحن كمسلمين لا يمكن أن ننفي وجودها وحياتها، مع أنَّها لم تولد بنحو التوالد.
إن قلت: إنَّ الجنّ خلقوا بنحو التوالد.
قلت: نعم، ما ذُكر احتمالٌ راجحٌ، إلّا أنَّ الملائكة لم يخلقوا بنحو التوالد،
ــــــ[155]ــــــ
(1) سورة الفرقان، الآية: 54.
(2) سورة النور، الآية: 45.
(3) سورة السجدة، الآية: 8.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أي: لم يخلقوا من ماء قطعاً.
ويمكن أن نضيف إلى ذلك الأرواح البشريّة الموجودة قبل البدن
– إذا قلنا بهذه النظريّة، كما هو الأرجح- فالروح نزلت ودخلت البدن من المحلّ الأرفع، وهو أحد الاحتمالين في المسألة، مع احتمال صحّة ما أفاده صدر المتألّهين الشيرازي من الحركة الجوهريّة(1)، ببيان: أنَّ مادّة الجنين تتحوّل إلى روحٍ، والروح مادّيّة الوجود مجرّدة البقاء والاستمرار. إلّا أنَّ الظاهر من الكتاب والسنّة هو الاحتمال الأوّل: أمّا الكتاب فنحو قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}(2)، والمراد أنَّ الأرواح كانت قبل الأجساد بكثير. ومن السنة قولهم^: >الأرواح جنودٌ مجنّدةٌ<(3).
والغرض: أنَّ هذه الأرواح موجودةٌ حيّةٌ، والحياة في الحقيقة متقومةٌ بها، والجنين إنَّما يحيا إذا ولجته الروح، والروح لا تتكاثر بالتناسل ولا بالمني.
إن قلت: إنَّنا نتكلّم عن الماء المعروف بحسب هذه الأُطروحة، والملائكة لم تُخلق من الماء المعروف، وكذا الأرواح لم تُخلق من هذا الماء، فهذا الماء لا ينفع؛ لأنَّه لا يساهم إطلاقاً في تركيب هؤلاء.
والجواب: أنَّه ينبغي أن نتوسّع في فهم الماء أيضاً- وفيه درجةٌ من درجات الفهم الباطني- ولذلك عدّة أنحاء نذكر منها اثنين:
الأوّل: أنَّه ماء الوجود وماء الهيولى الصرفة التي هي بمعنى الماهيّة،
ــــــ[156]ــــــ
(1) راجع الحكمة المتعالية 4: 274، الفنّ الرابع، الفصل 6.
(2) سورة الأعراف، الآية: 172.
(3) مَن لا يحضره الفقيه 4: 380، الحديث 5818، الأمالي (للشيخ الصدوق): 145، المجلس 29، الحديث 16، علل الشرائع 2: 426، الباب 161، الحديث 7، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فحينما يُسأل عن ماهيّة الإنسان ويُجاب بأنَّه (حيوانٌ ناطقٌ) يتصوّر لهذا المعنى الذهني وجودٌ خارجي واقعي، ولا يراد بالخارجي أنَّ له حيّزاً، ولذلك يُطلق عليه بالهيولى الصرفة التي هي عدمٌ محضٌ خارجاً، وإن كانت قابلةً للوجود، فيتلبّس بها الوجود وتصير فرداً (إنساناً) مثلاً. فالشيء مكوّنٌ من وجودٍ وماهيّة، أي: من وجودٍ وهيولى صرفة، وكلاهما – بمعنى من المعاني- قد يصدق عليه أنَّه (ماءٌ دافقٌ)؛ لكثرة وسرعة الإبداع الإلهي في الخلق.
فهذا الوجود متلبّسٌ بكثيرٍ من الماهيّات والهيولات – لو صحّ التعبير- وهذا الماء يتدفّق من هذه الجهة، وكلّما كثرت الوجودات فهمنا أنَّ هناك في المرتبة السابقة تدفّقاتٍ وكثرةً في الوجود، وتدفّقاتٍ وكثرةً في الماهيّات.
الثاني: أن نغضّ النظر عن العالم اللامادّي ونتكلّم عن العالم المادّي والعالم الطبيعي، فإذا نظرنا إلى العالم نجد أنَّ الماء له دخلٌ مائة بالمائة في وجود الأشياء المادّيّة، كالإنسان والحيوانات وغيرهما؛ لأنَّها لولا الماء لما وجدت أصلاً، ونسبة الماء إلى مني الإنسان هي التي أوجبت تدفّقه، ولولا الرطوبة المائيّة لما تدفّق المني، كما هو واضحٌ، ولماتت الحويمنات الموجودة فيه، ونحوها الحيوانات والميكروبات الانقساميّة؛ لأنَّها إنَّما تنقسم في الماء والرطوبات، ولا تنقسم من دون الماء.
ثُمَّ إنَّ ما ذكر من أنَّ الخلق يُراد به الجنّ والملائكة مثلاً غير تامٍّ؛ لأنَّ ضدّه قرينة متّصلة تدلّ على نفيه، وهو الإنسان؛ لأنَّه قال: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}.
والجواب – بنحو الأُطروحة، مع الاعتراف بأنَّ الظهور الأوّلي للسياق يقتضي ذلك-:
أوّلاً: أنَّ الإنسان هنا ورد فاعلاً لا مفعولاً، فإنَّ الإنسان في قوله تعالى:
ــــــ[157]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
{فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ} هو الناظر وهو الفاعل، وأمّا المنظور فمسكوتٌ عنه، فيمكن أن يكون أيّ شيءٍ آخر.
وثانياً: أنَّ الذي أشرنا إليه في الجملة من وحدة الضمير ومرجع الضمير يُراد به: أنَّ الإنسان مذكورٌ مرّةً أُخرى في ضمير قوله: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} بمعنى: فلينظر الإنسان ممّ خلق الإنسان.
وحينئذٍ عاد الإشكال مرّةً أُخرى، وعندها نقول: إنَّه يمكن رفع اليد عن هذا المعنى بأن نقول: إنَّه لا وحدة بين الضمير ومرجعه، بل الضمير يرجع إلى أُمورٍ أُخرى أعمّ من الإنسان أو مباينة للإنسان – بمعنى من المعاني-. يعني: أنَّ قوله: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} مفاده: فلينظر الإنسان الى كلّ شيءٍ أو إلى كلّ شيءٍ دون الإنسان.
مضافاً إلى ذلك أنَّنا يمكن – بعد أن نتنزّل عن الجواب السابق- أن نقول: إنَّ الضمير عائدٌ إلى الإنسان، لكن بعد أن نجرّد الإنسان عن الخصوصيّة، فلا حاجة بنا إلى النظر إلى خصوصيّة الإنسان، ولا حاجة أن ينظر الإنسان إلى خصوص الإنسان، أي: لا حاجة إلى أن ينظر الإنسان إلى مجرّد الإنسان الواقع مفعولاً، وإنَّما ينظر إلى كلّ ما في الخلق .
ربما يُقال: إنَّه يمكن أن نحصّص الإنسان إلى حصّتين: مطلق الإنسان والإنسان المطلق الذي هو فرع كون الألف واللام عهديّةً.
وعليه فالإنسان المطلق مستبطنٌ لكلّ شيء فيه حقيقةً أو رمزاً {مِمَّ خُلِقَ}، أي: فلينظر الإنسان المطلق أنَّه ممّا خلق حينئذٍ، قد خلق من الخلق كلّه، فيعود الضمير تلقائيّاً إلى الخلق كلّه.
لا يُقال: إنَّه لا حاجة بنا للإنسان المطلق في أن ينظر ويتدبّر.
ــــــ[158]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فإنَّه يُقال: إنَّما صار مطلقاً بعد أن نظر وتدّبر واستغنى عن هذه الجهة.
وفي الحقيقة أنَّ النظر إذا كان يُراد به إثبات وجود الخالق أو إثبات يوم القيامة بلحاظ أنَّ القادر على المبدأ قادرٌ على المعاد، فهو مسدودٌ أمام الإنسان المطلق؛ لأنَّ الإنسان المطلق في غنىً عن ذلك، إلّا أنَّ المراد ليس ذلك النظر، فالأمر بالنظر له ملاكاتٌ وعللٌ مختلفةٌ، منها نفس الالتفات إلى هذا المعنى من النظر إلى تكوينك أو معرفة نفسك، فإذا عرفت نفسك عرفت ربّك(1).
ومن هذه الناحية ليس المراد أنَّه إثبات يوم القيامة كما عليه مشهور المفسّرين، وإنَّما بملاكٍ آخر.
وقد يُقال: إنَّه اتّضح ممّا سبق في بيان قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}(2): أنَّ (من) بمعنى الباء والمعنى: جعلنا بالماء كلّ شيء حيّاً؛ لأنَّا ذكرنا أنَّه: بسبب الماء صار كلّ شيءٍ حيٍّ حيّاً: فما هو الوجه في ذلك؟
ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
منها: أن نقول: إنَّ (من) تكون للسببيّة، كما تكون الباء للسببيّة أيضاً، كما يُقال: صنعت الإبريق من الطين، أي: بسبب الطين، كما في قوله تعالى: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}(3)، أي: إنَّك بسبب نعمة ربّك لست مجنوناً.
ــــــ[159]ــــــ
(1) إشارةٌ إلى الحديث الوارد عن رسول الله’: >من عرف نفسه فقد عرف ربّه<، حسبما رواه في عوالي اللئالي 4: 102، الحديث 149، وغيره. كما أورده غير واحدٍ عن مولانا أمير المؤمنين×، فراجع الغرر والدرر: 232، الحديث 4637، باب معرفة النفس وعلائمه، وغيره.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 30.
(3) سورة القلم، الآية: 2.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ومنها: أنَّا إذا تنزّلنا عن الجواب الأوّل نقول: إنَّنا نجيز استعمال الحروف في موضع بعضها الآخر حقيقةً أو مجازاً، وفي المقام أُستعملت (من) بمعنى الباء حقيقةً أو مجازاً.
ومنها: أنَّ المراد من (من) في الآية ليس الباء {وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} بل المراد (من) التبعيضيّة؛ لأنَّ هذا هو مقتضى جعل الحيّ من الماء، أي: إنَّ الماء على أبعاضٍ، فالإنسان تسعون بالمئة منه ماء، فصار الماء على أبعاضٍ، منه إنسانٌ ومنه حيوانٌ ومنه نباتٌ، وهذه الموجودات – بعد إسقاط الخصائص عنها- تبقى ماءً، لا أقلّ ولا أكثر. ومن هذه الناحية تكون هذه الموجودات أبعاض الماء، فخلق من الماء بشراً، وخلق من الماء حيواناً، وخلق من الماء نباتاً، وهكذا، وهذه الأشياء جميعها يُقال لها ماءٌ بالحمل الشائع.
ولعلّ في المقام قراءة مفادها: (وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّاً)(1) بدل {كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} وعليه فهل يختلف الأمر؟
والجواب: أنَّ الأمر لا يختلف إطلاقاً؛ لأنَّه إذا كان التعبير: (وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّاً) وأُخذ على إطلاقه يصحّ أنَّه حتّى الشيء الميّت جعلناه حيّاً، ونحوه الجماد والصخر، وهو غير محتمل، فلابدّ من التقييد حينئذٍ.
وهنا نقول – ولو على مستوى الذهن-: إنَّ المقصود هو الشيء الحيّ، لا كلّ شيء، فرجع الأمر إلى قولنا: (وجعلنا من الماء كلّ شيءٍ حيّ حيّاً).
ثُمَّ إنَّه على تلك القراءة يُقدّر المنصوب، وعلى هذه القراءة يُقدّر المجرور، إلّا أنَّ النتيجة واحدةٌ.
إن قلت: إذا كان المراد من الماء – أي: (الماء الدافق)- الماء المعروف، فلا
ــــــ[160]ــــــ
(1) وهي القراءة المرويّة عن (حميد). أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 4: 134، سورة الأنبياء.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
نحتاج إلى وصفه بالدافق؛ لأنَّ الماء قد فرض أنَّ الخلق منه، سواء كان دافقاً أم لم يكن دافقاً، بخلاف المني؛ فإنَّه دافقٌ دائماً، فيكون ما ذُكر قرينةً على إرادة المني وعلى نفي الماء المعهود.
قلت: يمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الأوّل: أنَّ المراد من الماء هو الماء العذب كما مرّ، والماء العذب طبعه دافقٌ دائماً كماء العيون والأنهار، فإذا أعدنا الضمير إلى الإنسان كان المراد أنَّ الإنسان خلق من الماء العذب.
الثاني: أنَّ الدفق يُراد به كثرة الإيجاد، و(ماء دافق)، أي: وجودٌ سريعٌ ومستمرٌّ للأفراد، وهو وجيهٌ في نفسه.
الثالث: أنَّه يُراد بالدافق هنا نشاط الحي؛ لأنَّ كلّ شخص مخلوقٌ فيه نشاطٌ اقتضائي، أي: قدرةٌ على الحركة والتفكير والإحساس، وهذا وجيهٌ في نفسه أيضاً.
وهكذا الكلام في ما إذا أعدنا الضمير في {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} إلى مطلق الخلق. فإن كان المقصود كثرة الأفراد صحّ الجواب الثاني، وإن كان المقصود كثرة النشاط في أيّ فرد جرى الجواب الثالث.
فإن قلت: إنَّه تعالى في هذه الآيات يصف الماء الدافق بوصفٍ، فيكون هذا الوصف بمنزلة القرينة المتّصلة على أنَّ المراد هنا هو المني، لا الماء المعروف أو ماء الوجود أو ماء الهيولى. وقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} إشارةٌ إلى صلب الرجل وترائب المرأة – على المشهور(1)- وليس المراد به إلّا
ــــــ[161]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 4، تفسير سورة الطارق، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 308 -310، تفسير سورة الطارق، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
المني، فيكون كالقرينة المتّصلة على المراد.
قلت: يرتبط ذلك في الحقيقة بفهم الآية اللاحقة، وهل المراد من الصلب والترائب ذلك أو أمرٌ آخر؟ وسيأتي أنَّه يمكن أن نفهم غير ما فهمه المشهور، وسيأتي الإشكال على قول المشهور بأنَّ: أنَّ المني لا يخرج من بين الصلب والترائب أصلاً، فلو كان قول المشهور تامّاً لكانت الآية كاذبةً، وحيث إنَّ الآية صادقةٌ فرأي المشهور غير سديدٍ.
على أنَّ الطبّ القديم ومشهور المفسّرين بل إجماعهم(1) وإن اعتقد أنَّ ماء المرأة دخيل في خلق الجنين، فقالوا بأنَّ الجنين يُخلق من ماء الرجل وماء المرأة، إلّا أنَّ ذلك غير صحيح؛ لما ثبت باليقين من عدم صحّة هذا الاعتقاد، فماء المرأة لا يساهم في تكوين الجنين، بل بويضتها فقط هي التي تساهم في وجود الجنين. جديرٌ ذكره أنَّ ابن عربي في تفسيره الباطن أفاد: أنَّ مريم حدثت فيها هذه المعجزة، وأنَّ عيسى× خلق من ماء المرأة دون ماء الرجل؛ لأنَّ ماء المرأة مساهمٌ في الجملة، فاستثنيت بالمعجزة مساهمة الرجل، وبقي ماء المرأة، ويقول: إنَّها قذفت وصار من قذفها جنين. وقال: وإنَّما تمثّل لها بشراً سوي الخلق حسن الصورة؛ لتتأثّر نفسها به وتستأنس، فتتحرّك على مقتضى الجبلّة، ويسري الأثر من الخيال في الطبيعة، فتتحرّك شهوتها(2).
ثُمَّ نقول: لو تنزّلنا وقبلنا أنَّ الجنين يولد من ماء الرجل وماء المرأة، إلّا أنَّ ماء المرأة ليس منيّاً ولا يسمّى منيّاً، فيكون ما أُفيد على خلاف المشهور؛
ــــــ[162]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 4، تفسير سورة الطارق، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 308، تفسير سورة الطارق، وغيرهما.
(2) انظر: تفسير ابن عربي 2: 7، تفسير سورة مريم.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
لأنَّهم قالوا: يُخلق من ماءٍ دافقٍ، أي: المني الذي يخرج من بين الصلب والترائب، وهذا في نفسه تهافتٌ واضحٌ في كلام المشهور.
وربما ورد في بعض الروايات المعتبرة سنداً تسمية ماء المرأة بالمني(1)، إلّا أنَّ فيه:
أوّلاً: أنَّ هذا استعمال مجازي؛ لأنَّه ليس من جنس ماء الرجل إطلاقاً.
وثانياً: أنَّه إنَّما وقع في كلام الرواة، وبعبارةٍ أُخرى: أنَّه وقع في كلام السائل لا في كلام الإمام، فالإمام لم يقل: إنَّ المرأة ينزل منها مني، بل السائل يسأل: أنَّ المرأة لو خرج منها سائل، فماذا تصنع؟ هل تغتسل أو لا؟ وأجابه الإمام بأنَّها تغتسل مثلاً أو لا تغتسل.
ثالثاً: أنَّه ورد بصيغة الفعل الماضي أو المضارع ونحو ذلك، ولم يرد بعنوان المني الذي هو مصدرٌ أو اسم مصدر أو اسم ذات، ولم يرد مني، وهذا لا يعني أنَّنا استعملنا لفظ المني في ماء المرأة بطبيعة الحال.
****
قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ}:
أفاد الراغب: أنَّ الصُلب: الشديد، ولذا نقول: الصَلْب والصلِب، وهو تحريف في اللغة، بل أصله الصُلب، والحديد الصلب أي: الحديد القوي جدّاً؛ لأنَّ الحديد مختلفٌ ومشكّكٌ. وباعتبار الصلابة والشدّة سمّي الظهر صلباً؛ لأنَّ أقوى مواضع الإنسان هو ظهره، فسمّي صلباً. ومنه قوله تعالى: {يَخْرُجُ
ــــــ[163]ــــــ
(1) راجع الروايات الواردة في العلل 1: 94-98، الباب 85: علّة النسيان والذكر وعلّة شبه الرجل بأعمامه وأخواله.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} وقوله: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ}(1). وقد عبّر بأصلابكم ؛ لأنَّ الولد بمنزلة الجزء من الأب، أي كأنَّه بمنزلة الظهر للأب(2). وقال الشاعر:
وإنَّـمـا أولادنـا بـينـنا
لو هبّت الريح على بعضهم
أكبادنا تمشي على الأرض
لامتنعت عيني عن الغمض(3)
وبهذا البيان استطاع الراغب أن يصرف المعنى عن المعنى المشهور، أعني: أنَّ المراد بالصلب الجهاز التناسلي للرجل، والمراد بالترائب الجهاز التناسلي للمرأة. ولا يُراد من الجهاز التناسلي مجموع الظاهري والباطني، بل هو عبارةٌ عن الجهاز الباطني لكلّ من الرجل والمرأة، كرحم المرأة والموضع الذي يخرج منه المني في الرجل، وقد استطاع الراغب أن ينأى بنفسه عن هذا الفهم (جزاه الله خيراً).
والوجه فيه: أنَّ المشهور ذهب الى أنَّ المراد من اصلابكم، أي: من جهازكم التناسلي(4)، بينما فهم الراغب أنَّ المراد هو الظهر، فهو يقول بالتبعيض، والمشهور يقول: بالسببيّة، والراغب يريد أن يقول: لو كان المقصود من الصلب الجهاز التناسلي الباطني لكان ينبغي أن يكون واضحاً
ــــــ[164]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 23.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 292، مادّة (صلب).
(3) البيت للشاعر حطّان بن المعلّى، كما ذكره في ديوان الحماسة 1: 102.
( ) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 4، تفسير سورة الطارق، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 575، تفسير سورة الطارق، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
من العبارة، وتفسير الصلب بالظهر أظهر من تفسير المشهور.
ثُمَّ إنَّه لماذا سمّي الجهاز التناسلي الباطني للرجل صلباً؟
والجواب: لقرب موضعه من الظهر، فسمّي صلباً. وقد يُستأنس له بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}(1)، فكأنَّ الجهاز التناسلي للرجل هو ظهره، وإن لم يكن كذلك بالدقّة والحقيقة، بل هو العضو القريب من ظهره.
وأمّا الترائب فيُلاحظ: أنَّ الراغب أشار إليها مجرّد إشارةٍ، فقال: {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ}(2) أي: لدات تنشأن معاً تشبيهاً في التساوي والتماثل بالترائب التي هي ضلوع الصدر(3). وسيأتي أنَّ الترائب مقدّم الصدر. فلدات أتراب كأنَّما جمع تريبة أتراب، ووصف الحور العين بالترائب هنا للتماثل والتشبيه، وكما يماثل ترائب بترائب إنسان آخر؛ لأنَّهما متماثلان في خلقتهم الجسميّة، فكذلك تماثل الحور العين الحور العين الأُخرى.
ثُمَّ قال الراغب: تشبيهاً في التساوي والتماثل بالترائب التي هي ضلوع الصدر أو لوقوعهنّ معاً على الأرض. وغرضه الإشارة إلى زمان ولادة المولود الجديد على الترائب. وقال: وقيل: لأنَّهنّ في حال الصبا يلعبن بالتراب معاً(4). وهذا أيضاً بلحاظ مترب أتراب جمع مترب، والمترب هو الصبي الذي يلعب بالتراب ويتلطّخ جسمه وثيابه بالتراب، فيصبح مترباً.
ــــــ[165]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 172.
(2) سورة ص، الآية: 52.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 70، مادّة (ترب).
(4) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
إلّا أنَّه ينبغي أن يعلم أنَّ الكلام في الآية عن الحور العين، وأنَّ الحور العين ليس لهنّ ولادة ولا صبا ولا طفولة، فهذه التفسيرات سالبةٌ بانتفاء الموضوع.
وعليه فهذا التفسير سقط عن الاعتبار، فلماذا وصفت الحور العين بكونهن أتراباً حينئذٍ؟
أقول: الترب – بالكسر- القرين، فيكون المعنى: أنَّهنّ يشبهن بعضهن بعضاً في الصفات والخصائص، كأنَّهنّ قرناء أو أتراب مع صاحبهن المؤمن، يعني: قرناً له أو مشابهات له في الخلق، كأنَّهنّ بشرٌ، وإن لم يكن من أولاد آدم×. والوجه الآخر في التماثل مع صاحبهنّ المؤمن: أنَّ أصحاب الجنّة شبّان، والحور العين مثلهم في العمر، إذن كلاهما أتراب في المرحلة العمريّة أو الزمنيّة.
قال الطريحي في مجمع البحرين: {عُرُباً أَتْرَاباً} أي: أمثالاً وأقراناً، واحده ترب، وإنَّما جعلن على سنٍّ واحدٍ؛ لأنَّ التحابب بين الأقران أثبت(1).
وهنا يمكن أن نلتفت إلى نقطتين في كلام الطريحي:
النقطة الأُولى: أنَّه فهم من الأتراب نسبة بعضهنّ إلى بعض، لا النسبة إلى صاحبهنّ المؤمن، فأتراب أي: هنّ قرناء، وإنَّما جعلن على سنٍّ واحدٍ وبعمرٍ واحدٍ؛ لأنَّه لا موجب لأن تكون واحدة منهنّ أكبر أو أصغر من الأُخرى.
النقطة الثانية: أنَّ الراغب غفل عن نقطة التحابب، مع أنَّه واضحٌ؛ فالقرآن إنَّما وصف الحور العين بكونهن أتراباً ترغيباً في الجنّة التي فيها الحور العين، فالتحابب هنا واضحٌ من الآية، إلّا أنَّ الطريحي التفت إليه (جزاه الله
ــــــ[166]ــــــ
(1) مجمع البحرين 2: 13، مادّة (ترب).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
خير جزاء المحسنين).
ثُمَّ إنَّنا إمّا أن نقول: أنَّهنّ بعمرٍ واحدٍ، كما ذكر الطريحي، وإمّا أن نقول – كما تقدّم-: إنَّ المؤمنين في الجنّة في عمر الشبّان مع اتّصافهم بالقوّة والسلامة صحيّاً وجنسيّاً، كما أنَّ الحور العين يتمتّعن بالقوة الجنسّية والسلامة والصحّة، ما يزيد الرغبة فيهنّ عند المؤمنين في الحياة الدنيا.
وأضاف الطريحي في >مجمع البحرين<: {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} جمع تريبة، وهي أعلى صدر الإنسان تحت الذقن. وفي بعض كتب اللغة: هي عظام الصدر بين الثندوة إلى الترقوّة(1). والثندوة للرجل بمنزلة الثدي للمرأة، إلّا أنَّها ليست ثدياً؛ لأنَّه ضامرٌ، واللفظ متشابهٌ، وكأنَّه تصغيرٌ له؛ لأنَّه صغيرٌ فسمّي ثندوةً.
والترقّوة هي المنخفض الذي يكون أسفل العنق، فلذا يُقال بأنَّ النحر أن تضرب بالرمح أو السيف في ترقوّة الجمل، أي: في أسفل عنقه، فالعظم بين الثندوة والترقوّة هو التريبة.
والحاصل: أنَّ التريبة هو ما يسمّى بعظم القفص في اللغة الحديثة، وهو عظم القفص الصدري الذي يكون أقوى عظام الجذع، فلو لاحظنا جذع الإنسان – بغضّ النظر عن أطرافه- لوجدنا أنَّ هذا العظم أقوى حتّى من سلسلة الظهر.
وأمّا الحكمة من وجود عظم القفص فهي تحمّله الصدمات، مع أنَّ الصدمات في وجه الإنسان أكثر منها في خلفه، بالإضافة إلى حفظه ما في داخله من القلب والرئتين، فهو مغرز الأضلاع من الطرفين، أي: من اليمين
ــــــ[167]ــــــ
(1) مجمع البحرين 2: 13، مادّة (ترب).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
واليسار، وتقابله سلسلة الفقرات التي هي مغرزة من الطرف الآخر.
ثُمَّ إنَّ هناك قراءة أُخرى: (يُخْرَجُ) من ماءٍ دافقٍ(1)، أي: يُخْرَجُ بتسبيب الفاعل، لا بتسبيب نفسه، وهذا من ناحيةٍ معنويّةٍ وعرفيّةٍ ألطف.
وكذلك (الصُّلبِ) قرئ (الصُلُبِ) بضمّ اللام(2)، والصُلُب جمع صلب، يعني الأصلاب، وكلاهما محصله واحدٌ؛ لأنَّنا نفهم الصُلب الجنس الذي هو معنى الجمع أو الصُلب الذي هو نصّ في الجمع، والغرض واحدٌ. غاية الأمر أنَّ هناك لوحظ الفرد بما هو، وهنا لوحظ الجمع (يخرج من الصُلب) أي: من كلّ الأفراد ونحو ذلك.
إلّا أنَّ ما ذكر ليس بسديدٍ؛ لأنَّه يكون بمعنى: ماءٍ واحدٍ يخرج من صُلب متعدّدة، وهذا خلاف قوله تعالى: {مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ}.
نعم، يُلاحظ: أنَّ الصُلب والترائب كلاهما جمع، إلّا أنَّه يرد إشكالٌ حينئذٍ حاصله: أنَّه لم يقل: مياه، بل قال: ماء.
إن قلت: إنَّ الماء المقصود هنا ليس الماء المفرد بل جنس الماء، أي: الماء النوعي، وهو بمعنى الجمع.
قلنا: إذا كان الأمر كذلك، فلا يحتاج إلى جمع الصلب؛ لأنَّ الصلب يكون من جنس الصلب، أي: الصلب النوعي.
ــــــ[168]ــــــ
(1) وهي القراءة المرويّة عن ابن أبي عبلة، وابن مقسم. أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 8: 114، سورة الطارق.
(2) وهي القراءة المرويّة عن ابن أبي عبلة، وابن مقسم، وعيسى الثقفي. أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ثُمَّ إنَّ الماء والصلب مفردٌ، كما في بعض القراءات المشهورة(1)، والترائب جمعٌ، فيناسب بحسب السياق أن تكون مفردةً أيضاً.
والجواب: أنَّ هذا على خلاف النسق القرآني، فلا يحسن أن تكون الترائب جمعاً، لا سيّما إذا كان المعنى البلاغي واللغوي والنَسَق يقتضي الجمع.
ثُمَّ إنَّ في المقام شبهات يجدر الإشارة إليها والجواب عنها:
الشبهة الأُولى: أنَّ الترائب ليس لها دخلٌ في نزول الماء عند الرجل والمرأة، فيكون قوله: {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} بظاهره غير وجيهٍ؟
ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الوجه الأوّل: أن يُقال: إنَّ استعمال الترائب استعمالٌ مجازي، ولا يخفى أنَّ المعنى الحقيقي للترائب هو عظام أعلى الصدر، وليس المراد هنا هذا المعنى، بل المراد من الترائب هنا العضو التناسلي الداخلي للمرأة، كما أنَّ الصلب معناه الحقيقي هو الظهر، ويُستعمل مجازاً في العضو الداخلي للرجل.
ولهذا الاستعمال قرينةٌ لفظيّةٌ؛ لأنَّ المراد حسب التقدير المشهور للماء في الآية هو الماء التناسلي – لو صحّ التعبير- الخارج من الرجل والمرأة، وهذا قرينة لفظيّة على أنَّ المراد من هذين اللفظين – أعني: الصلب والترائب- هو نفس أو سبب الماء، أو مصدر الماء، أو مكان الماء، ما شئت فعبّر.
الوجه الثاني: أنَّ المراد من ذكر الترائب هنا هو جمال المرأة، فجمال المرأة يساهم في زيادة هيجان شهوة الرجل وإنزال الماء، وحينئذٍ يكون المراد أنَّ ماء الرجل ينزل بسببين: الأوّل بسبب جهازه التناسلي أو ظهره، والثاني بسبب
ــــــ[169]ــــــ
(1) أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 8: 114، سورة الطارق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ترائب المرأة التي هي رمز جمالها؛ فإنَّ المرأة أحسن ما فيها جمالاً بعد وجهها هو صدرها وترائبها.
الوجه الثالث: أنَّ الجنين يخلق بسببين ويتربّى بسببين، أي: إنَّ مجموع فترة وجوده بسببين: الأوّل بدئه بماء الرجل، والثاني بقائه بترائب المرأة الذي هو رضاعه؛ لأنَّ الرضاعة من منطقة صدر المرأة.
إن قلت: على هذا يلزم أن يُراد بالماء الدافق الحليب الذي يخرج من المرأة إلى فم الرضيع، لا ماء المرأة الذي يخرج من فرجها.
قلت: لا بأس في ذلك، والمشهور ذهب إلى أنَّ هذا الماء لا يُراد به الماء الطبيعي، وإنَّما ماء الرجل وماء المرأة(1).
وإذا حملنا هذا الماء وأطلقناه على الحليب كنّا معذورين أمام المشهور؛ لأنَّ الحليب وإن لم يكن من جملة الماء الطبيعي، إلَّا أنَّه يشبه الماء الطبيعي باعتبار صفة السيلان فيه، فكما أنَّ المني سائلٌ والماء سائلٌ، فالحليب سائلٌ أيضاً. وإطلاق الماء على الحليب ليس ببعيدٍ.
الوجه الرابع: أن يُراد بالماء -بحسب أُطروحةٍ سابقةٍ ذكرناها- الماء المعروف، لا مطلق الماء، بل خصوص العذب منه، ويجري هذا الماء بين الصلب والترائب، والصلب هنا هو الصخر، والترائب بمعنى التراب. ووجه التعبير عن الصخر بالصلب أنَّه صلبٌ، وعن التراب بالترائب أنَّه جمع تربة وتريبة، والتريبة من التراب؛ لأنَّ التريبة اسم مفعول بمعنى فعيل، وكلّه أصله
ــــــ[170]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 4-7، تفسير سورة الطارق، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 308، تفسير سورة الطارق، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 575، تفسير سورة الطارق، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
تراب، فمن هذه الناحية يكون التعبير بالترائب عن التراب في محلّه.
الوجه الخامس: أن يُراد بالماء في قوله: {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} ماء الوجود، يعني: يخلق بماء الوجود من بين الصلب والترائب، وهو يتدفّق ما بين الصلب الذي هو في غاية الصلابة والمجد، وهو نور الحقيقة المحمّديّة، نور محمّد وعلي‘، و الترائب، هي الأنوار المتكثّرة في الدرجة المتأخّرة عنه مباشرةً، وهي أنوار المعصومين^ الأحد عشر أو الاثني عشر مع فاطمة^.
الوجه السادس: ما أفاده بعضهم من: أنَّ المراد بالماء الدافق خلقة البشريّة جيلاً بعد جيلٍ، والحديث في الآية عن أصل الإنسان، فالإنسان خلق من ماءٍ دافقٍ، أي: عند بدء وجوده ووجود آدم×، فحينئذٍ يكون المراد بالصلب آدم وبالترائب أولاده.
أقول: لا يبعد أن نعبّر عن أولاد آدم بالترائب؛ إذ لم يكن لديهم ما يفرش على الرمل وعلى التراب في بداية الخلقة، فلا بيت ولا أثاث، فكانوا يعيشون ويجلسون على التراب، فهم متربون من هذه الناحية، وجمعه ترائب.
الوجه السابع: أن نقول: إنَّ المراد من الماء سلسلة الموجودات بين السماء والأرض، وهي موجودات تُقدّر بملايين الملايين، ما بين مادّيّة وروحيّة، من جنٍّ وملائكةٍ وكواكب وإنسٍ وحيوانٍ وطيورٍ.
لا يقال: إنَّ الإنسان والحيوان على الأرض؛ لأنَّه يقال: إنَّ الإنسان في الحقيقة بين قشرة الأرض والسماء، وكذلك الحيوان والكواكب، فالإنسان والحيوان أقرب إلى الأرض، والكواكب أقرب إلى السماء، وهذا لا يعني أنَّها
ــــــ[171]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ليست بين السماء وقشرة الأرض.
وفي المقام نقول: إنَّنا نفهم من الصلب السماء، ومن الترائب الأرض. أمّا كيف نفهم الأرض من الترائب؟ فهو واضح؛ لأنَّ الترائب جمع تراب، والتراب الجزء الرئيسي من الأرض، إذن فالترائب هي الأرض.
ونفهم السماء من الصلب؛ لأنَّه إنَّما نتوهّم السماء صلبةً، وهذا التوهّم سببٌ للعلاقة المجازيّة التي نعبّر من خلالها بهذا التعبير. وإنَّما نتوهّم صلابتها لأحد أمرين: إمّا لأنَّها متسلّطةٌ على الأرض وفوق الأرض، وكلّ ما يحصل في السماء يضرّ الأرض أو ينفع الأرض، فلها قوّةٌ وهيمنةٌ على الأرض؛ ولذلك نتوهّمها صلبةً. وإمّا لأنَّها ظرفٌ ومكان الأجسام الصلبة التي هي الكواكب والنجوم.
الشبهة الثانية: أنَّ المشهور بين الطبّ القديم والمفسّرين(1) أنَّ الإنسان يتكوّن من ماء الرجل وماء المرأة، لا من ماء الرجل فقط، مع أنَّ هذا الأمر بحسب نتائج العلم الطبيعي المعاصر ليس صحيحاً، فالعلم المعاصر يقول: إنَّ الإنسان يتكوّن من ماء الرجل وبويضة المرأة.
وبتعبيرٍ أوضح: أنَّ الحويمن يخرج من الرجل في ضمن المني، وأمّا البيضة فلا تخرج، لأنَّها لو خرجت من مكانها لماتت. فحينئذٍ نتساءل: ما المراد من قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} مع أنَّنا نحن عزلنا المرأة عن التأثير بمعنى من المعاني؟
ــــــ[172]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 4-7، تفسير سورة الطارق، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 308، تفسير سورة الطارق، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 575، تفسير سورة الطارق، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والجواب: أنَّه لا ذكر للمرأة في السياق إطلاقاً، فهي غير مذكورةٍ: لا بضميرها ولا باسم موصولها ولا بعنوانها، وإنَّما سياق الآية أو الآيات يقتضي أنَّه ماءٌ واحدٌ، يعني: خلق من ماءٍ دافقٍ واحدٍ بعد إصلابه، وهذا الماء الواحد يخرج من بين الصلب والترائب لجسمٍ واحدٍ. وكأنَّ مشهور المفسّرين بنى نظريّته على شيءٍ غير سديدٍ وعلى ما هو خلاف ظاهر القرآن.
قد يُقال: إذا كان الماء يخرج من الرجل فما علاقته بالترائب، وقد تقدّم أنَّ الترائب لا دخل لها: لا للرجل ولا للمرأة معاً؟
يمكن الجواب عن ذلك بوجوهٍ:
الوجه الأوّل: ما يُستفاد من ظاهر كلام صاحب >الميزان< من: أنَّ الظاهر أنَّ المراد بقوله: {بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} البعض المحصور من البدن بين جداري عظام الظهر وعظام الصدر(1).
والغرض: أنَّ ما بين الظهر والصدر خلفيّته وأمامه، فهذا الوسط المحصور فيه أشياء كثيرة، فيه رئتان وقلب ومعدة والجهاز التناسلي الباطني، فحينئذٍ يشار إلى خلفيّته بالصلب الذي هو ظهره، وإلى أمامه بالترائب الذي هو صدره، فما بين الظهر والصدر جملةٌ من الأعضاء، وهو معنى لطيف في نفسه.
الوجه الثاني: أن نقول كما في بعض الروايات: إنَّ الجنابة تخرج من جميع الجسد(2)، وقد ذكرنا في كتابنا >فقه الأخلاق<(3): أنَّ الجسم كلّه ينكسر ويتأثّر
ــــــ[173]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 260، تفسير سورة الطارق.
(2) أُنظر: علل الشرائع 1: 281-282، باب العلّة الي من أجلها وجب الغسل من الجنابة ولم يجب من البول والغائط، الحديثان 1-2.
(3) أُنظر: فقه الأخلاق 1: 107، كتاب الطهارة، الفقرة 3: أثر الغسل معنويّاً.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بالحاسّة الجنسيّة ليحصل الإنزال، ويمكن أن يُقال: إنَّ الظهر متأثّرٌ بالغريزة الجنسيّة، والصدر متأثّر بالغريزة الجنسيّة أيضاً.
الوجه الثالث: أن نقول: إنَّ ماء الرجل ينزل بسبب الصلب والترائب، ولا يُراد منها صلب وترائب نفسه، بل صلب نفسه وترائب المرأة، لكن بالبيان الذي ذكرناه آنفاً، أعني: أنَّ ترائب المرأة رمز جمالها وما يوجب تهييج الشهوة عند الرجل.
الشبهة الثالثة: أنَّ ظاهر السياق في قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} أنَّ الصلب على اليمين والترائب على اليسار، والماء يخرج من وسطهما، فهل الأمر كذلك؟ مع أنَّ المشهور لم يفهم ذلك، وإنَّما فهم أنَّه يخرج من صلب الرجل بحياله واستقلاله، ومن الترائب التي هي ترائب المرأة بحيالها واستقلالها، لا من وسط الصلب والترائب(1).
ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ العطف بحسب القاعدة بتقدير تكرار العامل، فهنا المراد: (من بين الصلب ومن بين الترائب)، وليس المراد: (من بين الصلب والترائب)، ولا: (بين واحد من وسط الصلب يخرج ماء ومن وسط الترائب يخرج ماء)، وهذا يحتاج إلى تقدير تكرار العامل، وهو مطابقٌ للقاعدة؛ لأنَّ العطف يقتضي تقدير تكرار العامل. فقولنا: (خرج زيدٌ وبكرٌ) أي: وخرج بكرٌ.
ــــــ[174]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 4-7، تفسير سورة الطارق، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 308، تفسير سورة الطارق، الجواهر الحسان 5: 575، تفسير سورة الطارق، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
إن قلت: إنَّ قضيّة تقدير العامل فيما إذا كان العامل من قبيل (خرج بكر) فخرج فعل ماضي مؤثّر في بكر فنقدّره؛ لأنَّه إذا لم نقدّره لم يكن بكرٌ فاعلاً، مع أنَّه أيضاً قد خرج، وهو مرفوع بتقدير تكرار العامل، لكن إذا لم تكن الأداة عاملاً كالظرف مثلاً فلا مصداق لمنطوق هذه القاعدة.
وهنا (بين) ظرفٌ لا عاملٌ، فلا يكون مؤثّراً في رفعٍ أو نصبٍ، فلا تكون قاعدة تكرار العامل شاملةً للمورد.
قلت: إنَّ قاعدة تقدير تكرار العامل وإن أُريد منها العامل حقيقةً، لكنّنا نسأل العرف أنَّهم عندما يقولون: (خرجت يوم السبت والأحد)، أليس التقدير: (خرجت يوم السبت ويوم الأحد)، مع أنَّ يوم ظرفٌ لا عاملٌ، فنقدّر، ولا حاجة إلى أن يكون عاملاً بالمعنى النحوي أو اللفظي. هذا أوّلاً.
وثانياً: أنَّه يمكن أن نقول: إنَّه يوجد في البين عاملٌ، وهو إمّا من بين الصلب أو من بين الترائب، فنكرّر العامل الذي هو (مِن) وهو حرف جرٍّ عاملٍ، وإمّا أن يكون العامل على نحوين:
الأوّل: تكرار (من).
الثاني: أن يكون المضاف هو العامل، فإنَّه يُقال: إنَّ المضاف إليه سبب جرّه هو المضاف، فكأنَّ المضاف عاملٌ في المضاف إليه، فيُقال: فرس زيدٍ، سرج الفرسِ، فكأنَّ الكلمة الأُولى هي التي جرّت الثانية، وإن كانوا يقولون: إنَّ سبب الجرّ هو الإضافة، لكنّه بالإضافة إلى أيّ شيء؟ فالإضافة من المعاني الإضافيّة التي تحتاج إلى طرفين، والإضافة وحدها لا تكفي، إذن فبالإضافة إلى الفرس جرّ السرج، يعني: أنَّ الفرس هي التي جُرّت.
وعليه فـ (بين) مضاف، و(الترائب) مضاف إليه و(من) حرف جرّ
ــــــ[175]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
و(بين) مجرور بمن و(الصلب) مضاف إليه لـ(بين).
وكذا الحال إذا كرّرناه بتقدير تكرار العامل: (ومن بين الترائب)، فالترائب مضافٌ إليه و(بين) مضافٌ، فحينئذٍ يكون (بين) عاملاً مؤثّراً في جرّ ما بعده. فلماذا قيل: إنَّه غير عاملٍ؛ لأنَّه ظرف؟ ونظيره قولنا: يوم الجمعة، فيوم جرّ الجمعة؛ لأنَّه سبب إضافته، فصار سبباً لجرّه.
فبتقدير تكرار العامل يندفع الإشكال، وأنَّه يخرج من بين الصلب ومن بين الترائب، لا أنَّ الصلب والترائب يخرج من بينهما معاً؛ إذ لا دليل عليه.
الوجه الثاني: ما أفاده السيّد الطباطبائي+ آنفاً؛ لأنَّه كما عرفنا فهم من الصلب – وإن كان هذا الفهم بحاجةٍ إلى تدقيق، فهو ليس صريحاً في عبارته- جانب الخلف من الجسم، الذي هو الظهر، وفهم من الترائب جانب الأمام من الجسم، الذي هو الصدر وملحقاته، وحينئذٍ يكون الجهاز التناسلي الباطني للرجل بين هاتين المنطقتين، إذن هو يخرج من بين الصلب والترائب، وهذا لا ينافي أنَّه لا يخرج من الصلب بالضبط، كما أنَّه لا يخرج من الترائب بالضبط، وإنَّما يخرج من سببٍ كائنٍ بين الصلب والترائب، وهو أمرٌ معقولٌ لا إشكال فيه.
وهذا إشكالٌ على المشهور في الحقيقة، ولا ينبغي الالتزام بكلّ ما أفاده المشهور، ولا بأس أن يتكلّم صاحب >الميزان< على خلاف المشهور (جزاه الله خيراً).
الوجه الثالث: أن نفهم من كلمة البين في قوله: {مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} بيناً مجازيّاً لا بيناً حقيقيّاً، أي: نحوٌ من التسبيب والعلّيّة والمعدّ في اصطلاح الفلسفة، وعندئذٍ نلتفت إلى بعض الوجوه السابقة في تفسير الصلب
ــــــ[176]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والترائب، فيكون لكلّ من الصلب والترائب تأثيرٌ في الإنزال، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، فمن بين الصلب والترائب، أي: بعلّيّة وبسببيّة كلٍّ من الصلب والترائب ، أي: إنَّ كلّ واحدٍ منهما له دخلٌ في العمليّة.
وبتعبيرٍ آخر: لولا الصلب لما أنزل، ولولا الترائب لما أنزل، أي: يلزم من عدمهما عدمه، ويلزم من عدم أيٍّ منهما عدمه، أي: لولا وجودهما لما وجد.
فإمّا أن نقول: إنَّه يخرج من بين صلبه وترائبه، وإمّا أن نقول: إنَّه يخرج من بين صلبه وترائب المرأة، على اختلاف التقريبات السابقة التي لا حاجة إلى تكرارها.
ثُمَّ إنَّ المشهور فهم أنَّ الماء في الآية ماءان لا ماءٌ واحدٌ(1)، مع أنَّ ظاهر الآية أنَّ الماء ماءٌ واحدٌ، فما الوجه في ذلك؟
وبتعبيرٍ آخر: كيف استطاع المشهور أن يفهم من الآية وجود ماءين مع أنَّ عنوان الماء ورد مفرداً؟
ويمكن الجواب عنه بوجهين:
الأوّل: أن ننكر ما ذهب إليه المشهور، ونقول: إنَّ الماء واحدٌ لا متعدّدٌ، وأنَّ كلام المشهور منقوضٌ بظاهر القرآن، وظاهر القرآن حجّة، وهذا الماء الواحد هو ماء الرجل، وعلى هذا فإمّا أن نقول: إنَّه يخرج من صلبه وترائبه، وإمّا أن نقول: إنَّه يخرج من صلبه وترائب المرأة، على اختلاف التقريبات السابقة التي لا حاجة إلى تكرارها.
ــــــ[177]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 4-7، تفسير سورة الطارق، الجواهر الحسان 5: 575، تفسير سورة الطارق، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الثاني: أن نحمل الماء على المعنى الكلّي {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} أي: من ماءٍ كلّي له حصّتان: حصّة تخرج من الرجل، وحصّة تخرج من المرأة. وهذا في نفسه حسنٌ.
وهذا الماء الكلّي الذي يخرج من بين الصلب والترائب: إما أن نفهم منه أنَّ كلّ حصّة تخرج من صلب نفس البدن وترائب نفس البدن، ولعله الأقرب إلى ظهور الآية؛ فحصّة ماء الرجل تخرج من بين صلب نفسه وترائب نفسه، وحصّة ماء المرأة تخرج من بين صلب نفسها وترائب نفسها، والآية صرّحت: {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} من دون نسبةٍ إلى أيهما، وإمّا أن نفهم أنَّ الماء يخرج من بين صلب نفسه وترائب صاحبه، وهو وجيهٌ أيضاً.
****
قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}:
أفاد الراغب: أنَّ الرجوع العود إلى ما كان منه البدء، أي: بدأ من شيء ثُمَّ رجع إليه، وذهب عنه ثُمَّ رجع إليه، أو تقدير البدء، مكاناً كان أو فعلاً أو قولاً. فنقول: رجع عن قوله، ورجع عن رأيه، ورجع عن عمله، وهكذا.
ثُمَّ إنَّ الرجوع قد يكون بذاته يعني: يرجع بذاته كلّه، أو بجزءٍ من أجزائه أو بفعل من أفعاله. فالرجوع العود، والرجع الإعادة، والرجعة في الطلاق. نقول: رجع في طلاقه، وفي العود إلى الدنيا بعد الممات، ويُقال: فلان يؤمن بالرجعة. فنفس اللفظ للطلاق هو للرجعة. والرجاع مختصّ برجوع الطير بعد قطاعها أو بعد انقطاعها، فنقول: إنَّ الطيور تهاجر ثُمَّ ترجع رجاعاً، لا رجعةً أو رجوعاً.
ــــــ[178]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وقوله: {ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ}(1) من رجع الجواب لا غير، أي: ماذا يجيبون؟
وفي الحقيقة إنَّما يجيبون مجازاً؛ لأنَّهم لا يجيبون بخطاب الحيوان، وإنَّما يكتبون رسالة يرجعونها إلى سليمان× حتّى يقرأها كجواب على رسالته، والجواب جوابٌ بالمعنى الأعمّ، لا جوابٌ حقيقي، كما يستجوب الشخص الحاضر.
وقوله تعالى: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} كذلك، أي: ماذا يجيب المرسلون عن مرسليهم؟ وإلّا فالمرسلون وسطاء ورسل.
وقوله: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} أي: المطر. وسمّي رجعاً لردّ الهواء ما تناوله من ماء، وسمّي الغدير رجعاً إمّا لتسميته بالمطر الذي فيه، والغدير عبارة عن مستنقع – بحسب اللغة المعاصرة- يجتمع فيه ماء المطر، وإمّا لتراجع أمواجه وتردّده في مكانه، من قبيل البحر الذي فيه أمواج بفعل الهواء.
ويُقال: ليس لكلامه مرجوع، أي: جوابٌ، ودابّة لها مرجوعٌ يمكن بيعها بعد الاستعمال.
وهذا نظير ما في زماننا الحاضر، فقد يشتري زيدٌ سيّارةً بمليون ويستعملها لسنةٍ أو سنتين أو خمس ثُمَّ يبيعها بمليون، أي: بنفس قيمة الشراء، أو قد يبيعها بأكثر من ثمنها، فتكون تصرّفاته كأنَّها بلا مقابلٍ. ويُقال: دابّة لها مرجوع، أي: يمكن بيعها بعد الاستعمال.
ويُقال: ناقة راجع تردّ ماء الفحل، فلا تقبله، كأنَّما تنفر من الفحل أو شيء من هذا القبيل. و(راجع) هنا على وزان حائض وطاهر، فكأنَّها من
ــــــ[179]ــــــ
(1) سورة النمل، الآية: 28.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الصفات المختصّة بالأنثى، فلا تحتاج إلى ذكر علاقة التأنيث(1).
ويُلاحظ: أنَّ قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} ليس كما زعم الراغب من أنَّ المراد به المطر.
أقول: بل المراد به الرعد، فقوله تعالى: {ذَاتِ الرَّجْعِ} أي: ذات الرعد، أو قصف الرعد، وعلى هذا قد يكون الرجع بمعنى الصوت الصادر عند إرجاع الجواب، فيمكن استعماله مجازاً أو حقيقة في الصوت الذي هو الرعد، وعلى كلّ تقديرٍ لا يكون الرجع المطر.
ثُمَّ إنَّه ينبغي التنبيه على أنَّ في الآية {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ} ضميرين غائبين متّصلين، فلنشر إلى ما هو المرجع فيهما:
الوجه الأوّل: ما اختاره المشهور من إرجاع الضمير الأوّل في (إنَّه) إلى الله تعالى(2).
فإن قلت: لا يوجد لفظ الجلالة أو أحد الأسماء الحسنى في الكلام حتّى نرجع إليه الضمير.
قلت دفاعاً عن المشهور:
أوّلاً: إنَّ الله سبحانه متميّزٌ بذاته لا يحتاج إلى ذكرٍ، والضمائر من دون قرينةٍ ترجع إليه سبحانه.
ثانياً: ما ذكره صاحب >الميزان<(3) من إرجاع الضمير إلى الله سبحانه، وأنَّه لا يحتاج إلى لفظ الجلالة لكي نرجع الضمير إليه، بل الدلالة كافيةٌ في
ــــــ[180]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 193-194، مادّة (رجع).
(2) حسبما أفاده الطباطبائي+ 20: 259، تفسير سورة الطارق، وغيره.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن20: 259، تفسير سورة الطارق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
إرجاع الضمير إلى الله في المقام، فالدلالة أيضاً من القرائن، وهذه القرينة هي قوله تعالى: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ}؛ لأنَّ الفاعل الحقيقي للفعل المبني للمجهول هو الله تعالى؛ لأنَّه هو الخالق.
وبعبارةٍ أُخرى: كأنَّ المعنى: فلينظر الإنسان ممّ خلقه الله، خلقه الله من ماءٍ دافقٍ، فحينئذٍ يرجع إلى أنَّ لفظ الله موجودٌ وإن كان ضمناً أو تقديراً، لا صريحاً.
وأمّا الضمير الثاني فالمشهور يعيده إلى الإنسان(1)، أي: إنَّ الله سبحانه على رجع الإنسان لقادر. والإنسان مذكورٌ في قوله تعالى: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} فلا يرد الإشكال السابق.
فإن قلت: إنَّ لفظ الإنسان وإن كان مذكوراًً، لكنّه بعيدٌ، أي: قبل ثلاث آيات، وإرجاع الضمير إلى لفظ بعيدٍ بعيدٌ.
قلت دفاعاً عن المشهور : إنَّ هذا البعد وإن كان مسلّماً، إلّا أنَّه لا يضرّ؛ لأنَّه إنَّما نأخذ بالأقرب إن وجد، أمّا إذا لم يوجد الأقرب فنأخذ بالبعيد، بل قد يتعيّن الرجوع إلى البعيد عندما لا يكون له مرجعٌ آخر.
فإن قلت: إنَّ وحدة السياق تقتضي إرجاع الضمير إلى مرجعٍ واحدٍ، وهذا أيضاً على خلاف المشهور؛ لأنَّ المشهور ذهب إلى أنَّ الضمير الأوّل يرجع إلى شيءٍ، والضمير الثاني يرجع إلى آخر(2)، لا إلى مرجعٍ واحدٍ.
وبعبارةٍ أُخرى: توجد قرينةٌ على إرجاع كلا الضميرين إلى مرجعٍ
ــــــ[181]ــــــ
(1) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 310، تفسير سورة الطارق، الجواهر الحسان 5: 575، تفسير سورة الطارق، وغيرها.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
واحدٍ، وهذه القرينة هي وحدة السياق، وبمقتضى وحدة السياق يلزم إرجاع كلا الضميرين إلى مرجعٍ واحدٍ. أمّا ما هو هذا المرجع؟ فهذا بحثٌ آخر.
والمهمّ في المقام إثبات كون ما ذهب إليه المشهور غير وجيهٍ.
قلت دفاعاً عن المشهور أيضاً: إنَّ هذا غير محتملٍ؛ فإنَّما نأخذ بوحدة السياق كقرينة عند احتمال صحّتها، وأمّا عند القطع بفسادها أو بفساد نتيجتها فلا نأخذ بوحدة السياق حينئذٍ؛ فإنَّ الظهور الظنّي يكون حجّة عند احتمال الصدق، وأمّا مع القطع بالكذب فلا يكون حجّةً.
أو قل: إنَّهما ظهوران: أحدهما أضعف، والآخر أقوى، ومقتضى القاعدة هو تقديم الأقوى، فالظهور الأضعف هنا هو وحدة السياق في وحدة الضميرين، والظهور الأقوى هو رجوع كلّ ضميرٍ إلى مرجعٍ معيّنٍ، وبذلك تندفع وحدة السياق كقرينةٍ على وحدة مرجع الضمير.
وعليه فقد نسلّم أنَّ الظهور الأوّلي إلى جانب المشهور، إلّا أنَّه من خلال البحث والتدبّر يتّضح لنا أنَّ ما ذهب إليه المشهور قابلٌ للمناقشة، فلنا أنَّ نذكر أُطروحات بإزائه.
أضف إلى ذلك أنَّ الرجوع معنى نسبي أو إضافي يحتاج إلى طرفين: راجع وراجع إليه، والى مكانٍ وزمانٍ ورتبة، وفاعل ومنفعل، وهذا كلّه غير مذكورٍ في الآية. ومن هذه الناحية يمكن – بالتمسّك بإطلاق الآية- الإشارة إلى أُطروحات مختلفة. وإذا لاحظنا ذلك كانت الاحتمالات كثيرةً جدّاً، مع أنَّ الآية مؤكّدة بمؤكّدين: (إنَّ) و(اللام) {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}.
الوجه الثاني: ما ذهب إليه المشهور من أنَّ الله قادرٌ على إرجاع الإنسان في يوم القيامة(1)، كما جاء به إلى الدنيا {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ
ــــــ[182]ــــــ
(1) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
دَافِقٍ}.
إلَّا أنَّ ذلك ليس إرجاعاً حقيقةً؛ لأنَّ الإرجاع هو العود إلى المكان الذي كان فيه، والآخرة لم يكن الإنسان فيها حتّى يرجع إليها، والمشهور لابدّ أن يقف عند هذه النقطة، ويفسّر لنا كيفية التعبير بالإرجاع إلى الآخرة مع أنَّه لم يكن فيها.
ويمكن الإجابة عمّا ذكر بوجوهٍ:
منها: ما قاله الراغب الأصفهاني من: أنَّ الرجوع العود إلى ما كان منه البدء أو تقدير البدء(1).
ومعه نفترض أنَّه كان في الآخرة، إلّا أنَّ هذا الافتراض لا يفيد؛ لأنَّ الإرجاع سيكون على نحو المجاز؛ لأنَّ البدن لم يكن تكويناً في الآخرة، فالرجوع ليس رجوعاً بالحمل الشائع، فحينئذٍ يصحّ السلب ممّا يدلّ على أنَّ الرجوع ليس حقيقةً، وافتراض وجوده سابقاً تغييرٌ للواقع.
وعليه فهذا الجواب غير تامّ.
ومنها: أن يُقال: إنَّ آدم× كان في الجنّة، والناس حينما يرجعون إلى الآخرة التي هي مثلاً الجنّة فكأنَّهم جاءوا من الآخرة بمجيء آدم× ويرجعون إلى الآخرة بعد الموت. إلّا أنَّ هذا الوجه غير سديدٍ لوجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ الجنة التي كان فيها آدم× لو سلّمنا أنَّها ليست جنّةً دنيويّة، إلّا أنَّها ليست الجنّة التي وعد بها المتّقون؛ لأنَّ الجنّة التي وعد بها المتّقون معلولةٌ للدنيا، وتلك – جنّة آدم- بمنزلة العلّة للدنيا، ولو كانت هي الجنّة التي وعد بها المتّقون للزم من ذلك جعل المتقدّم متأخّراً والمتأخّر متقدّماً،
ــــــ[183]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 193، مادّة (رجع).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وهو مستحيلٌ.
فلابدّ من القول: إنَّ جنّة آدم مرتبةٌ أو محلٌّ من هذا القبيل سمّاه الله بالجنّة، فهو لم يأتِ من تلك الجنّة حتّى يعود إليها، بل كان في الأُولى التي قبل الدنيا. ثُمَّ إنَّ آدم× لو جاء من الجنّة ورجع إليها، فماذا عمّن ذهب إلى الجحيم، فهل جاء من الجحيم ليرجع إليها ثانياً؟
الوجه الثاني: ما تدلّ عليه بعض آيات القرآن الكريم – وهو درجة من درجات الفهم الباطن- من أنَّ الله تعالى هو المبدأ وهو المنتهى، فالخلق يبدأ منه ويرجع إليه، مع قطع النظر عن الدنيا والآخرة، والرجوع إلى الله هنا بالمعنى الروحي والباطني، مع دلالة ظواهر القرآن عليه. فإذا كان كذلك فالله سبحانه هو المبدأ وإليه المنتهى، أي: إنَّ الله قادرٌ على أن يرجع الإنسان إليه. وهذا المعنى في نفسه صحيحٌ، إلّا أنَّه لم يقل به المشهور ولم يلتفت إليه؛ لأنَّ همّه المكان والزمان، فغفلوا عن المعنى الروحي.
إذن فيكون رأي المشهور من هذه الناحية غير وجيهٍ؛ لأنَّنا لم نستطع أن ندافع عنه إلّا بما ذكرناه، وهو ليس بتامٍّ.
الوجه الثالث: أنَّ الضمير في (إنَّه) يُراد به الماء الدافق، لا الإنسان، مادام لفظ الماء الدافق مذكوراً في الآية. ويُراد بالماء الدافق في هذا النموذج المني.
إلّا أنَّ هذا التفسير يواجه إشكالاً، وهو كيف يمكن إرجاعه بعد خروجه، فبعد خروج المني كيف يمكن إرجاعه إلى صلب الرجل؟ ولا يتمّ هذا إلّا أن يُقال: إنَّ الله تعالى هو الذي يرجعه بمعجزةٍ؛ لأنَّه وحده القادر على ذلك، فيكون المعنى: أنَّه على إرجاع المني إلى صلب الرجل لقادرٌ.
ــــــ[184]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الوجه الرابع: أنَّ الضمير في (إنَّه) راجعٌ إلى الماء، ويُراد من الماء هنا الماء المعروف، يعني: ماء العيون النابع (ماء الأرض)، فهو يرجع أيضاً إلى الأرض، فيكون قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}، أي: قادرٌ على إرجاع الماء إلى منبعه الذي نبع منه، ولا بأس في ذلك.
الوجه الخامس: أنَّ الضمير في (إنَّه) راجعٌ إلى الماء، ويُراد من الماء هنا الماء النازل من السماء.
فإن قيل: إنَّ الماء النازل من السماء حصّةٌ من الماء لا كلّ الماء.
قلت: إنَّ أصل الماء من السماء، ولم يكن في الأرض قطرة ماءٍ إلى أن نزل الماء من السماء إلى الأرض، والسماء مخلوقةٌ قبل وجود البشريّة، فيكون الماء كلّه من السماء لا حصّة منه؛ لأنَّ أصله من السماء، ويكون مفاد الوجه الخامس: أنَّ الماء ينزل من السماء بالمطر، ثُمَّ يرجع بالتبخّر إلى السماء.
الوجه السادس: أنَّ الضمير في (إنَّه) يعود إلى الله، فالله قادرٌ على أن يرجع الإنسان خلقاً آخر. وهذا على مستويات مختلفة، أي: إنَّ الإرجاع بهذه الصورة على مستويات مختلفة: إمّا من رتبة المادّة إلى رتبة الحيوان، وهو معنى ولوج الروح في هذا البدن المادّي، وإمّا من رتبة الحيوان إلى رتبة الإنسان، وهذا المعنى يظهر عندما يبدأ الإنسان يفكّر بعقله، وإمّا من رتبة الجنين إلى رتبة الدنيا حينما يولد، وإمّا من رتبة الدنيا إلى رتبة الآخرة. ثُمَّ الآخرة: إمّا الآخرة المعروفة التي عليها مشهور المفسّرين، وإمّا الآخرة المعنويّة التي هي المقامات العليا، فيرجعنا الله إليه، أي: يجذبنا إليه جذبة توصلنا إليه.
الوجه السابع: أنَّ الضمير في (إنَّه) يعود إلى الله، والرجع بمعنى الجواب. واتّضح أنَّ من جملة المعاني اللغويّة للرجع الجواب، بل هو المعنى
ــــــ[185]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الرئيسي، وهذا المعنى غفل عنه المشهور، ولا ينبغي لنا أن نغفل عنه أيضاً، فالرجع بمعنى الجواب، فيكون المراد: أنَّ الله يحتجّ على عبده، والعبد يدافع عن نفسه ويقول: إنَّي لم أعمل أو عملت لكن لعملي مبرّرات من قبيل المصلحة العامّة، أو العسر والحرج، أو التقيّة، أو نحوها. ويكفي في مقام الجواب قوله تعالى: {بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}(1).
فالله تعالى عندما يقول للعبد: يا عبدي أذنبت، فيقول العبد: لا، أنا لم أذنب، بل لي العذر، فالله سبحانه يقول له: أنت تكذب، فاذهب إلى حيث تستحقّ أو يرحمه.
والله تعالى قادرٌ على جواب الإنسان وردع حجّته، فيكون المتحصّل: أنَّ الله سبحانه قادرٌ على جواب الإنسان؛ فإنَّه على رجعه لقادرٌ، أي: على جوابه لقادرٌ. وهذا المعنى وجيهٌ ومقبولٌ أيضاً.
الوجه الثامن: أنَّ الرجع بمعنى الصوت العظيم كالرعد، والأصوات العظيمة تدهش الإنسان وتأخذ بلبّه، وهذه الحالة من الدهشة يستنكرها الإنسان ولا يرتاح إليها ويخاف منها.
فنقول: إنَّ الصوت العظيم يصلح لأن يكون عقوبةً لما فيه من الدهشة والخوف وعدم الارتياح للإنسان.
فالصيحة والهزّة ونحو ذلك ممّا ورد في القرآن نحو عقوبةٍ للمذنبين. فيكون المراد من قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} أي: على عقوبته وعقابه لقادرٌ. وهذا المعنى وجيهٌ أيضاً.
ــــــ[186]ــــــ
(1) سورة القيامة، الآيتان: 14-15.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الوجه التاسع: أنَّ الرجع عبارةٌ عن الرجوع إلى الحالة التي كان فيها الإنسان، أي: رجوعه وتجرّده عن الخصوصيّة التي تلبّس بها إلى ما كان عليه في حالته الأُولى. فقد يكون الإنسان في بلاءٍ، ثُمَّ يرتفع عنه هذا البلاء، ويعود إلى الرخاء الذي كان عليه، فيكون قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} تحذيراً من قبل الله تعالى بأنَّنا نستطيع أن نردّك إلى ما كنت عليه أو أسوء، فيكون الرجع حينئذٍ في الدنيا، وإن كان مشهور المفسّرين يرى أنَّه في الآخرة(1).
الوجه العاشر: أنَّ الرجع قد يكون حقيقةً، وقد يكون مجازاً ، بمعنى: إيجاد المعلول أو النتيجة، فيكون المراد من قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}: أنَّ الله على إيجاد الإنسان لقادرٌ.
وإذا أردنا الاستغناء عن مرجع الضمير الثاني – أي: الإنسان- كان المراد: أنَّ الله تعالى قادرٌ على إيجاد كلّ معلولٍ، وكلّ شيءٍ داخلٌ في قدرته جلّ جلاله؛ فإنَّه مسبّب الأسباب، والأسباب لا تحكمه، بل هو يحكم الأسباب.
الوجه الحادي عشر: أنَّ الرجوع إلى الله سبحانه بمعنى رجوع الروح إلى بارئها لا بالموت الطبيعي، بل بالموت المعنوي والتكامل في درجات اليقين {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}(2).
وقد يتساءل البعض: من يقوم بذلك: هل الله أم الإنسان؟
نقول: إنَّ لكلّ شيء سبباً، فلابدّ للإنسان أن يسلك الأسباب حتّى يصل، ولذا قالوا: القدم الأوّل بيد العبد، والباقي بيد الرب.
ــــــ[187]ــــــ
(1) أُنظر: الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 575، تفسير سورة الطارق، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 310، تفسير سورة الطارق، ، وغيرهما.
(2) سورة الفجر، الآيات: 28-30.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وقوله تعالى: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} أي: بأمر الله لا بأمر العبد، إلّا أنَّ للعبد قدرةً واختياراً، فله أن يزيل المانع من قبيل الشهوات والكدورات.
****
قوله تعالى : {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}:
أفاد الراغب: أنَّه يُقال: بلي الثوب بلى وبلاء، أي: خلق، فصار عتيقاً وممزّقاً. ومنه قيل لمَن سافر: بلاه السفر أي: أبلاه السفر(1)، أي: يضعف وينهك ويصل في الغالب مريضاً إلى أهله؛ لشدّة ما يلقاه في سفره. ولذا قيل في الأمثلة القديمة: السفر قطعة من سقر. وكان الناس يخافون من السفر؛ لما يرافقه من شدّة الحرّ والبرد والوحوش واللصوص.
وأضاف الراغب: أنَّ بلوته بمعنى: اختبرته، أي: استكشفت ما عنده، كأنَّي أخلقته من كثرة اختباري له. وقد استعملت مادّة (بلى) في هذا المعنى؛ لأنَّ المرء من كثرة الإصرار عليه يضعف ويهزل كالثوب. وبعبارة أُخرى: كأنَّي أخلقته وبلوته بكثرة اختباري له.
وقرئ: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ}(2)، أي: تعرف حقيقة ما عملت، فالله يبلو الأنفس، أي: يعرف حقيقة ما عملت؛ ولذلك قيل: أبليت فلاناً إذا اختبرته، وسمّي الغمّ بلاءً من حيث إنَّه يبلي الجسم، أي: يضعف جسم الإنسان. قال تعالى: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}(3) وكذلك
ــــــ[188]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 59، مادّة (بلى).
(2) سورة يونس، الآية: 30.
(3) سورة البقرة، الآية: 49، وسورة الأعراف، الآية: 141، وسورة إبراهيم، الآية: 6.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ}(1) وقال عزّ وجلّ: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ}(2).
وأفاد الراغب أيضاً: أنَّه سمّي التكليف بلاءً من أوجه:
أحدها: أنَّ التكاليف كلّها مشاقّ على الأبدان ، فصارت من هذا الوجه بلاءً؛ لأنَّها تُبلي الأبدان وتخلقها.
والثاني: أنَّها – أي: التكاليف- اختبارات، ولهذا قال الله عزّ وجلّ: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ}(3).
والثالث: أنَّ اختبار الله تعالى للعباد تارةً بالمسارّ ليشكروا، وتارةً بالمضارّ، أي إمّا بالسرّاء وإمّا بالضرّاء، فتارةً بالخير وأُخرى بالشرّ والمصاعب ؛ ليصبروا ، فصارت المحنة والمنحة جميعاً بلاءً، فالمحنة مقتضية للصبر، والمنحة مقتضية للشكر، والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر، فصارت المنحة – وهي ظرف الخير – أعظم البلاءين. والوجه فيه: أنَّ الغالب نسيان الإنسان ذكر الله في الرخاء، فيكون الرخاء أشدّ عليه وأكثر احتمالاً بأن يفشل في الامتحان الإلهي من زمان المصاعب.
ثُمَّ قال الراغب أيضاً: وبهذا النظر قال عمر: بلُينا بالضرّاء فصبرنا، وبُلينا بالسرّاء فلم نصبر، ولهذا قال أمير المؤمنين – يعني: علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) وتعبير الراغب بأمير المؤمنين عن الإمام علي× وعن عمر بعمر بلا أمير المؤمنين يدلّ على أنَّه رجلٌ منصفٌ جدّاً-:
ــــــ[189]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 155.
(2) سورة الصافات، الآية: 106.
(3) سورة محمد’ ، الآية: 31.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
>من وُسّع عليه دنياه فلم يعلم أنَّه قد مكر به، فهو مخدوع في عقله<(1). وقال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ}(2)ومنه يتبيّن: أنَّ في الخير أيضاً فتنةً بنصِّ القرآن: {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَناً}(3)(4). وقد أطلنا النقل عنه؛ لما في كلامه من نكاتٍ لطيفةٍ.
ومن هنا نفهم: أنَّ مادّة أبلى في الآية {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} مزيدة رباعيّة، وأنَّ لها أُطروحتين من البلاء أو الابتلاء، وهما بمعنى الاختبار، ولكلٍّ منهما حصصٌ وأقسامٌ، والبلاء قد يرتبط ببعض ما في النفس من الشعور بالألم والضيق الجزئي، وقد يرتبط بالكلّ، أي: إنَّ الله تعالى يبليني ويهلكني ويثنيني، وينتهي الحال بالمرّة، كالثوب عندما يبلى ويهلك ويعود غير قابلٍ للاستعمال.
وهذان نوعان من البلاء والابتلاء يمكن استفادتهما ممّا مرّ ذكره عن الراغب، والقرآن نطق بهما أيضاً.
ويمكن في المقام الإشارة إلى أُطروحتين في بيان ما هو المراد من السرائر:
الأُطروحة الأُولى: وهي الأُطروحة المشهورة بين المفسّرين، وحاصلها: أنَّ السرائر من السرّ(5)، أي محلّ السرّ، والسرائر جمع سريرة، والمراد منها باطن
ــــــ[190]ــــــ
(1) حسبما ذكره – مع فارق يسير- في بحار الأنوار 72: 286، (الباب 72) ذيل الحديث 11.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 35.
(3) سورة الأنفال، الآية: 17.
(4) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 59، مادّة (بلى).
(5) أُنظر: إعراب القرآن وبيانه 10: 441، سورة الطارق، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 575، تفسير سورة الطارق، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 308، تفسير سورة الطارق، ، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الإنسان، وإنَّما سمّيت سرّاً؛ لأنَّها محجوبةٌ عن الحسّ والنظر من قبل الآخرين؛ لأنَّنا نرى من الآخرين أجسامهم ووجوههم، لا نفوسهم وباطنهم، إلّا أنَّه ليس سرّاً عن الإنسان نفسه؛ وذلك لأنَّه يعلم نفسه بالعلم الحضوري ودائم الحضور إلى نفسه. والمراد بالسرّ – الذي هو النفس – إمّا الظرف وإمّا المظروف؛ لأنَّ في النفس وفي القلب أحاسيسَ وأفكاراً ومرتكزات كثيرة يمكن تشبيهها بمخزنٍ ضخمٍ، فيكون نفس المخزن ظرفاً والمخزون فيه مظروفاً، فالظرف هو النفس نفسها أو القلب بالمعنى الباطني، لا المادّي، وما فيه من أحاسيس وأفكار ومرتكزات مظروف، وكلاهما سرّ، فيمكن أن نطلق على الظرف والمظروف بأنَّهما سرّ. والسرّ بالمعنى المعروف في قولنا: (اكتم السرّ) هو المظروف، أي: ما في النفس، يعني: اكتم الفكرة التي في نفسك ولا تبح بها، وكلّ ما في النفس من صالحٍ وطالحٍ هو سرّ.
الأُطروحة الثانية: وهي أجنبيّة عن المعنى السابق في الأُطروحة الأُولى، وحاصلها: أنَّ السرائر بمعنى السرير، وسرير مذكّر، وسريرة مؤنّث، مثل تمر وتمرة، وجمع السريرة سرائر، أي: سرر، كما في قوله تعالى: {عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}(1).
والمقصود بالسرير هو ما يكون عليه الجسم كالكرسي وسرير النوم وسرير الملك.
وينبغي الالتفات إلى نكتةٍ وفهمها جيّداً ، وهي أنَّ السرير بهذا المعنى أصله من السرّ بذاك المعنى، لكن لا بنحو الاشتراك اللفظي، بل بنحو
ــــــ[191]ــــــ
(1) سورة الصافات، الآية: 44.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الاشتراك المعنوي، أي: بوضعٍ واحدٍ؛ لأنَّ الأسرّة إذا نام فيها الإنسان اختفى في داخلها إذا تغطّى، ويصحّ أن نقول: أجنّه وأسرّه السرير، أي: أخفاه عن الآخرين، ومن هنا صارت مادّة فعيل بمعنى فاعل، أي: مسرّ ومبطن ومخفي لمن في داخله، ومن هذه الناحية سمّي سريراً.
الخطوة الأُخرى أن نسأل: ما علاقة الإنسان بالسرير بهذا المعنى؟
وفي مقام الجواب نقول: إنَّ الإنسان متكوّنٌ من أشياء عدّة: جسمٍ ونفسٍ وعقلٍ، وما فيها من مظروفات كالأفكار والارتكازات وغيرها.
وهنا قد تكون جملةٌ من هذه الأشياء بمنزلة السرير، ولو بحسب الاستعمال المجازي، كأن يُقال: إنَّ الجسم سرير النفس أو دابّة النفس أو مطيّة النفس، وهذا الاستعمال مشهورٌ عند أهل المعرفة والباطن. وقد يكون الاستعمال بالعكس، كأن نقول: إنَّ النفس سرير الجسم، وهذا الاستعمال يصحّ أيضاً بلحاظٍ آخر، وهو أنَّ النفس سرير المرتكزات والأفكار؛ لأنَّها ظرفٌ لها.
ويمكن القول أيضاً: إنَّ العقل سرير النفس؛ لأنَّ العقل يقع عليه حمل وثقل ومسؤوليّة النفس، فالإنسان إذا عمل المنكر أو الباطل يكون المسؤول هو العقل، ولذا ورد في الروايات >بك أُثيب، وبك أُعاقب<(1).
فالعقل بمنزلة الظرف والنفس بمنزلة المظروف، أو قل: إنَّ العقل سريرٌ، والنفس موضوعةٌ فيه.
ــــــ[192]ــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 4: 368، باب النوادر، الحديث 5762، عوالي اللآلي 4: 99، الحديث 142، بحار الأنوار 1: 97، الباب 2، الحديث 9، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وبهذا البيان اتّضحت العلاقة بين السرير والإنسان.
وهناك سؤالٌ آخر لابدّ من طرحه، وهو: لماذا عبّر بالجمع (السرائر) ولم يعبّر بالمفرد (السريرة)؟ مع أنَّ المفرد أيضاً اسم جنس يدلّ على الكثرة.
ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ الغرض حفظ النسق القرآني، فلو قال: (السريرة) بالإفراد لفسد النسق، وهذا واضحٌ كالشمس.
الوجه الثاني: أنَّ الجمع يدلّ على الكثرة، واسم الجنس يدلّ على الكثرة أيضاً، إلّا أنَّه لو عبّر باسم الجنس قد يتوهّم منه الواحد لا الكثرة، أي: يرجع وهماً أو ظنّاً إلى واحد، وهذا بخلاف ما لو قال: (السرائر) بالجمع؛ إذ لا يرد هذا التوهّم.
الوجه الثالث: أنَّ الجمع يدلّ على الكثرة واسم الجنس أيضاً يدلّ على الكثرة، فلا فرق حينها بين التعبير بالجمع أو باسم الجنس؛ لأنَّ المؤدّى واحدٌ، وحينئذٍ لا يُقال: لماذا عبّر بهذا ولم يعبّر بذاك؟
يبقى بيان ما هو المراد من {يَوْمَ} الذي ورد في الآية، ونحن لا نريد أن نبيّن المعنى المطابقي لليوم؛ لأنَّه واضحٌ. نعم، نقول ابتداءً بأنَّ اليوم ليس هو اليوم المعروف، أي: من طلوع الشمس إلى غروبها، وإنَّما المقصود به العهد والفترة من الزمن، وعليه يكون اليوم هو المدّة من الزمن المناسبة لبلي السرائر، وهو ما عليه المشهور من أنَّ (يوم القيامة) ليس هو اليوم المعروف، بل هو {كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}(1).
ــــــ[193]ــــــ
(1) سورة الحجّ، الآية: 47.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وعلى هذا نذكر عدّة أُطروحات في فهم قوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ المراد من اليوم في قوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} يوم القيامة على ما هو المشهور، واستدلّ عليه بالسياق من قبيل: قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} أي: رجعه إلى يوم القيامة، ونحوه قوله تعالى: {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ} أي: في يوم القيامة، وقوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ}؛ فإنَّ هذه الآيات تتحدّث عن يوم القيامة، فيكون اليوم الذي تُبلى فيه السرائر هو يوم القيامة(1).
أقول: في نظريّة المشهور تأملٌ.
وبيان ذلك: أنَّ البلاء يمكن أن نقسّمه إلى ثبوتي وإثباتي، والمراد بالثبوت هو البلاء الواقعي الخارجي، والمراد بالبلاء الإثباتي عالم التعرّف على كون هذا البلاء موجود أم لا، والآية الكريمة {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} ظاهرة إلى البلاء الثبوتي الفعلي في نظر المشهور.
وعلى ذلك فالبلاء الحاصل يوم القيامة هو البلاء الإثباتي وليس الثبوتي، مع العلم أنَّ ظاهر الآية هو البلاء الثبوتي وليس الإثباتي؛ وبذلك سقطت نظريّة المشهور، فالبلاء الحاصل يوم القيامة هو بلاء إثباتي؛ لأنَّ يوم القيامة بمثابة مرحلة التعرّف والعلم بما حصل في الدنيا.
ــــــ[194]ــــــ
(1) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 94، تفسير سورة الطارق، مفاتيح الغيب 31: 121، تفسير سورة الطارق، الميزان في تفسير القرآن 20: 260، تفسير سورة الطارق، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وبعبارة أُخرى: هي مرحلة التعرّف على الأعمال وتقييمها.
فتحصّل: أنَّ يوم القيامة مرحلة إثبات ومعرفة وليست مرحلة ثبوت، وإذا فرضنا أنَّه هناك بلاءٌ فهو بلاء على الفاسقين في يوم القيامة الذين يجوعون ويعطشون، ولكن هذا ليس شاملاً للكلّ وإنَّما يختصّ بجماعة ممّن أسرف على نفسه في الحياة الدنيا. وإنَّما الذي يحصل للكلّ هو البلاء الإثباتي من قبيل إنَّ هذا محسنٌ وذاك مسرف، وهذا جيّدٌ، وهذا ضعيف … الخ.
وعليه: فالذي يحصل يوم القيامة هو من قبيل البلاء الإثباتي التقييمي لا من قبيل البلاء الثبوتي الواقعي، والآية ظاهرةٌ بالثبوت لا بالإثبات، أي: أنَّ البلاء حصل فعلاً {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}، وهذا يناسبه أن يكون في الدنيا وليس في يوم القيامة.
الأُطروحة الثانية: وهي ما تحصّل من جوابٍ ونقدٍ في الأُطروحة الأُولى فنقول: إنَّ المراد من الابتلاء هو الابتلاء الثبوتي الذي يحصل في الدنيا من خلال التمحيص وغيره، فيكون المراد من قوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} ما يحصل في الدنيا من ابتلاءات وتمحيصات يبتلي الله بها العباد في دار الدنيا.
الأُطروحة الثالثة: إنَّ هناك بلاءً يحصل في كثير من العوالم، ولا يختصّ بعالم دون عالم، فالسريرة أو النفس تحمل همّ الجسد والعقل، وتحمل همّ الدنيا والبرزخ والقيامة، ففي كلّ مرتبةٍ من مراتب الإنسان وفي كلّ عالم من عوالم الإنسان قد يحصل البلاء، فلماذا نخصّه بعالم دون عالم؟
الأُطروحة الرابعة: أنَّ المراد بالسريرة السرير، لا النفس، والسرير هنا الجسم، والجسم سرير النفس والعقل، ويكون المراد بقوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} يوم تُبلى الأجسام. وبلاء الأجسام له أسبابٌ كثيرةٌ، كالفقر المدقع
ــــــ[195]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والمرض الشديد الذي يبلي الأجسام والزهد غير المستند إلى الرياضات الشرعيّة، وبعض هذه الأُمور مرضي لله، وبعضه غير مرضي له تعالى.
وهناك أسبابٌ أُخر في عوالم أُخر تبلي الجسم، كالقبر؛ فإنَّه يبلي الجسم حتّى يعود تراباً.
الأُطروحة الخامسة: أنَّ المراد من السرائر هنا العقل، وهو – كما تقدّم سابقاً- متحمّل مسؤوليّة النفس، ومتحمّل مسؤوليّة الجسم، ومتحمّل مسؤوليّة القلب، فيكون المراد بقوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} يوم تُبلى العقول، أي: يوم تُختبر.
وبهذا نصل إلى ما أردنا ذكره من أُطروحاتٍ في فهم قوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} .
ويبقى شيءٌ مهمّ لابدّ من الإشارة إليه، وهو أنَّ لفظ (يوم) ظرفٌ، والظرف يحتاج إلى متعلّقٍ، فما هو متعلّقه؟
وفي مقام الجواب عن هذا السؤال قد يتبادر ما أجاب به المشهور، فإنَّ لكلّ سؤالٍ جواباً مشهوراً، وإن كان بعض الأسئلة غير مُلتفتٍ إليها.
ويرى المشهور: أنَّ اليوم متعلّق بقادر {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} أي: الله قادرٌ على الرجع يوم تبلى السرائر(1).
أقول: إنَّ هذا الجواب غير تامّ. نعم، قد يختلف باختلاف الأُطروحات المتعدّدة في فهم قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} وقوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}.
ــــــ[196]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 8، تفسير سورة الطارق، كتاب التسهيل لعلوم التنزيل 2: 472، تفسير سورة الطارق، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والغرض: أنَّ تعلّقه بقادر غير سديدٍ؛ لوضوح أنَّ الله تعالى قادرٌ دائماً على رجع الإنسان، لا {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} فقط. وعلى ما قاله المشهور تختصّ قدرة الله على الإرجاع في يوم القيامة فقط، مع أنَّ الله تعالى هو القادر المطلق.
إن قلت: إنَّ هذه الآية ليس لها مفهوم المخالفة، فالآية قالت: الله قادرٌ على رجع الإنسان يوم القيامة، ولم تقل: إنَّه في غير يوم القيامة لا يكون قادراً، والمشهور لا يقول بحجّيّة مفهوم الوصف أو المخالفة على ما هو المحقّق في علم الأُصول(1).
قلت: سلّمنا بذلك، لكن يبقى إشكالٌ آخر، وهو أنَّ التعبير المناسب أن يُقال: إنَّ الله قادرٌ على إرجاعه – أي: الإنسان- قبل ارجاعه، لا أنَّ الراجع سوف نرجعه.
لكن لو قلنا: إنَّ الله قادرٌ على إرجاع الإنسان في يوم القيامة لكان تحصيلاً للحاصل؛ لأنَّ الإنسان يوم القيامة راجعٌ لا محالة، فلا معنى لقولنا: إنَّ الله قادرٌ على إرجاعه؛ لأنَّنا نفترض يوم القيامة أنَّه رجع، فيكون محصّل كلامنا أنَّ الله قادرٌ على إرجاع من رجع، وهو تحصيلٌ للحاصل.
إن قلت – دفاعاً عن المشهور-: يمكن أن نعمّم يوم القيامة إلى مجموع عالم الآخرة ليشمل أوّل لحظة من لحظات الموت والاحتضار، ودخول المؤمنين الجنّة، ودخول المعاندين النار، يعني: من البرزخ إلى يوم القيامة، فيكون المعنى: أنَّ الله قادرٌ على إرجاع الإنسان في كلّ مرحلةٍ من هذه المراحل.
ــــــ[197]ــــــ
(1) أُنظر: كفاية الأُصول، المقصد الثالث، فوائد الأصول 2: 501، المقصد الثالث، الفصل الثاني، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قلت: هذا مستحيلٌ؛ لأنَّه من باب تحصيل الحاصل؛ لأنَّ المعنى حينئذٍ: أنَّه قادرٌ على إماتة مَن مات، أو قادرٌ على نقله إلى البرزخ وهو الآن في البرزخ، أو قادرٌ على حشره يوم القيامة، وهو الآن في يوم القيامة، وهكذا.
نعم، يبقى أمرٌ لا يرضى به المشهور، وهو: أنَّ الله قادرٌ على إرجاع الإنسان في ساعة الاحتضار إلى عالم الحياة الدنيا، وإنَّما قلنا: إنَّ المشهور لا يرضى به؛ لأنَّه فسّر الإرجاع بالإرجاع إلى يوم القيامة، لا إرجاعه إلى عالم الدنيا.
كما يمكن القول أيضاً دفاعاً عن المشهور: إنَّنا هنا نلحظ فترتين من تلك الفترات (أعاننا الله عليها) ويكون المعنى: أنَّ الميت الذي مات الآن يكون الله قادراً على حشره في يوم القيامة، وهذا المعنى وجيهٌ، إلّا أنَّ مفاده أنَّنا تصوّرنا يومين: يوم الموت ويوم الحشر، مع أنَّه يوم واحدٌ تُبلى فيه السرائر لا أكثر.
وعلى ما تقدّم يكون ما أفاده المشهور من أقوالٍ غير تامٍّ.
وليُعلم: أنَّ صاحب >الميزان< نقل عن >تفسير القمّي<(1) في البحث الروائي عن بيان قوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} قال: يكشف عنها(2).
فيكون {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} أي: يوم تكشف. وما ذُكر قد يكون وجيهاً في حدّ نفسه من باب التعبّد بالسنّة؛ إذ السنّة الصحيحة تفسّر الكتاب؛ لأنَّ أهل البيت أدرى بالذي فيه، إلّا أنَّ الإشكال الذي نواجهه هو أنَّ الرواية غير معتبرةٍ، بل لم يثبت كونها روايةً أصلاً، ولعلّها من القمّي+ صاحب التفسير
ــــــ[198]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير القمّي 2: 415، تفسير سورة الطارق.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 262، تفسير سورة الطارق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
المعروف بـ>تفسير القمّي<. ومع هذا يمكن أن نفهم منها أحد أمرين:
الأوّل: أنَّ (تبلى السرائر) بمعنى: أن ينكشف أثرها بالابتلاء والتمحيص والامتحان الإلهي، فتُبلى أي: تمتحن، وهو المعنى اللغوي؛ لأنَّ نتيجة الاختبار والامتحان هو الانكشاف، وإن لم يكن الانكشاف حقيقيّاً، وإنَّما تنكشف نتائجها، أي: صحّتها من سقمها، أو قل: معلولاتها وأعمالها ونحو ذلك.
الثاني: أنَّ (تبلى السرائر) بمعنى: تزول، أي: تزول الموانع عن ظهور السرائر؛ لأنَّهم قالوا: إنَّ باطن الدنيا ظاهر الآخرة(1)، وظاهر الدنيا مانعٌ عن رؤية الباطن، فأنت ترى جسمي ووجهي، ولا ترى باطني ونفسي وعقلي، وما الذي نعدّه في الدنيا باطناً يكون في الآخرة ظاهراً.
تقول: (هذا زيدٌ) وتشير إلى باطنه؛ لأنَّه ليس هناك جسمٌ دنيوي حتّى تشير إليه، فتبلى السرائر بمعنى أنَّه تنكشف بنفسها يوم القيامة، فرجع الابتلاء بحسب النتيجة إلى معنى من معاني الانكشاف، ومعه يمكن أن يصحّ هذا التفسير كأُطروحةٍ.
ولنرجع إلى الكلام في متعلّق الظرف في قوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}. قلنا: إنَّ المتعلّق قد يختلف باختلاف الأطروحات حول مفاد قوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} وقوله: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} أو قل: باختلاف معنى السياق.
والحاصل: أنَّ هاتين الآيتين: إمّا أن يتّفقا في عالم الصدق، وإمّا أن يختلفا، يعني: أنَّهما إمّا أن يصدقا معاً في الآخرة – كما عليه المشهور- أو يصدقا
ــــــ[199]ــــــ
(1) راجع ما أفاده السيّد حيدر الآملي+ في تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضمّ 3: 555، الفصل السادس، وصدر المتألّهين في تفسيره 6: 247، تفسير سورة الحديد، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
معاً في الدنيا – كما في بعض الأُطروحات- أو يكون أحدهما للدنيا والآخر للآخرة. فإن كان العالم الذي يصدقان فيه واحداً – أو قل: إنَّ سياقهما واحدٌ، سواءً اتّحدا في الدنيا أو في الآخرة- كان (يوم) متعلّقاً بـ(قادر)، أي: يتعلّق بقادر بصفته اسم فاعل؛ فكأنَّه يكون مستمرّاً على الكلام بنفس السياق، ولا بأس حينئذٍ أن يُقال: قادرٌ يوم تبلى السرائر.
وأمّا إذا اختلف عالم إحدى الآيتين عن عالم الآخرة، كما لو كانت إحداهما تتحدّث عن الدنيا والأُخرى عن الآخرة، فحينئذٍ لا يمكن أن نعلّق الظرف (يوم) بقادر، فلابدّ من أن نعلّقه بشيءٍ آخر.
ويمكن أن نشير في المقام إلى أحد مستويين من الكلام:
المستوى الأوّل: أن نقول: إنَّ هذه الفرضيّة في نفسها فاسدةٌ، أعني: أنَّ الآية الأُولى ترتبط بعالَم والأُخرى بعالَم آخر؛ لأنَّه لا شكّ في أنَّ لهما ظهوراً في وحدة السياق، يعني: أنَّهما معاً لعالمٍ واحدٍ: إمّا الدنيا وإمّا الآخرة.
ويمكن المناقشة فيه: بأنَّ وحدة السياق متفرّعة على معنى الآيتين، فإذا كان كذلك فلابدّ من أن نلاحظ معنى الآيتين، فقد يكون المراد من قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} أمراً دنيويّاً، كما لو كان قادراً على إرجاع الماء المتبخّر عن طريق المطر، أو قادراً على إرجاع الماء النابع من العيون ليغور مرّة أُخرى في الأرض.
والغرض: أنَّ وحدة السياق تُفهم من خلال المعنى، لا أن نفهم المعنى من وحدة السياق، وإن كان أحدهما قرينةً على الآخر. إلّا أنَّ ذلك – على بعض الأُطروحات السابقة- لا ينسجم مع هذا المعنى؛ لأنَّ بعض الأُطروحات قرينةٍ على نفي وحدة السياق. وعليه فوحدة السياق وإن كانت
ــــــ[200]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
مظنونةً، إلّا أنَّها غير متعيّنةٍ، فنبقى نحن والمستوى الثاني.
المستوى الثاني: أن يُقال: إذا لم تكن وحدة السياق محفوظةً وكانت الآيتان من عالَمين لا من عالَمٍ واحدٍ، ولم نتمكّن من إرجاع اليوم إلى (قادر)، فلابدّ من إرجاع الظرف إلى شيءٍ آخر. فيقع الكلام في هذا المستوى عمّا هو المرجع في الظرف حينئذٍ؟
ويمكن أن يُقال هنا كأُطروحةٍ: إنَّه متعلّق بـ(تبلى)، فتبلى فعل مضارع، ويتعلّق به الظرف والجارّ والمجرور، وهذا لا بأس به كبرويّاً. إلّا أنَّه يمكن الطعن بالصغرى، بأن نقول: إنَّ الجارّ والمجرور والظرف لابدّ أن يتعلّق بشيء سابقٍ عليه رتبةً، لا بشيءٍ لاحقٍ له رتبةً، و(تبلى) متأخّر رتبةً على يوم، لا متقدّم رتبةً عليه، وإذا كان كذلك فلا يتعلّق به؛ لأنَّ ظرف الابتلاء في {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} هو اليوم، لا أنَّ اليوم متعلّقٌ بتبلى؛ لأنَّ اليوم يحصل، سواء حصل فيه الابتلاء أم لم يحصل فيه الابتلاء . وعلى هذا فنحتاج إلى أُطروحةٍ أُخرى.
منها: أن نقدّر فعلاً مماثلاً للفعل الموجود ، فيكون المعنى: تبلى يوم تبلى السرائر، والقرينة عليه الفعل المذكور، أي: دلّ عليه ما هو متأخّر عنه رتبةً.
ومنها: أن نقدّر له فعلاً من قبيل: يكون أو يحصل أو يحدث.
ومنها: أن نقول: بأنَّه لا حاجة إلى تعلّق الظرف بشيء في قوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}.
فإن قلت: إنَّ تعلّق الظرف بشيءٍ ليس عبثاً بلا مبرّر حتّى يمكن الاستغناء عنه، بل هو في الواقع تعلّق للمعنى، ففي قولنا: (صعد على السطح) يعني: محلّ صعوده السطح.
فحينئذٍ لابدّ من شيء يتعلّق به الظرف ويقوم به، ولا يعقل أن يكون بلا
ــــــ[201]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
متعلّق من فعلٍ أو مشتقّ أو غيرهما؛ لأنَّ المعنى يتوقّف عليه، أي: على شيء يتعلّق به.
قلت: نسلّم بهذا الكلام، إلّا أنَّ ما ذُكر يتمّ في الموارد التي يكون فيها التعليق بمثابة التوقّف في المعنى، وأمّا مع عدم توقّف المعنى على وجود شيء فلا نسلّم به. وهنا سواء قدّرنا شيئاً أم لم نقدّر لا يؤثّر على المعنى، فكأنَّه يريد أن يقول: إنَّه يأتي يوم تبلى فيه السرائر، أو إنَّ هناك يوماً تبلى فيه السرائر. فإذا كان المعنى واضحاً من دون تقديرٍ، فلا حاجة إلى التقدير.
وبعبارةٍ أُخرى: إذا كان المعنى واضحاً من دون رجوع الظرف إلى مرجع، فهذا يكفي ولا حاجة بنا إلى تقدير أمرٍ آخر. ونظير هذا الأمر ما ذُكر في القرآن في مواضع عديدة من قبيل قوله تعالى: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ}(1).
ونحوه قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ ِلأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً}(2)؛ إذ لا يُحتمل أن يكون المعنى: أتاك حديث موسى عندئذ، أي: إذا رأى ناراً؛ فإنَّ حديث موسى أتاك قبل كذا ألف سنة، هذا إذا اعتبرنا أنَّ أتاك متعلّق بـ(إذ). وهكذا قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ}(3) وقوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ}(4) وقوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}(5).
ــــــ[202]ــــــ
(1) سورة غافر، الآية: 16.
(2) سورة طه، الآيتان: 9-10.
(3) سورة الانشقاق، الآية: 1.
(4) سورة الانفطار، الآية: 1.
(5) سورة التكوير، الآية: 1
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فهذه كلّها ظروف لا مرجع لها، وبهذا البيان يمكن الدفاع عن هذه النظريّة، وإن كانت شاذّةً بنظر أهل اللغة.
****
قوله تعالى: {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ}:
فهم صاحب >الميزان< من هذه الآية {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ} أنَّ المراد: لا قدرة له في نفسه يمتنع بها من عذاب الله، ولا ناصر له يدفع عنه ذلك، أي: لا قدرة هناك يدفع عنه الشر لا من نفسه ولا من غيره(1). وهو فهمٌ وجيهٌ في حدّ نفسه. والظاهر: أنَّ هذا هو المقصود، كما أنَّه خصّ الأمر بالآخرة ويوم القيامة.
وينبغي التنبيه على أُمور:
الأمر الأوّل: أنَّ الإحساس الحقيقي بهذا المعنى – أي: الضعف المحض- ينكشف في يوم القيامة.
الأمر الثاني: أنَّ هذا المعنى يرتبط بالفسقة والمذنبين ونحوهم كالكفّار والملحدين. وأمّا المؤمن فله ناصرٌ: {إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(2)، فالله هو ناصره، وكذلك الشفعاء (سلام الله عليهم) أنصاره.
نعم، من ليس له استحقاقٌ لهذه المراتب يبقى لا قوّة له ولا ناصر.
الأمر الثالث: أنَّنا ينبغي أن نلتفت إلى أنَّ الآية عامّة لكلّ الأشخاص، فكلّ مخلوق لا قوّة له ولا ناصر من دون الله، فإن لم يكن الله ناصره فليس له
ــــــ[203]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 260، سورة الطارق.
(2) سورة محمّد’ ، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ناصرٌ، سواءً علم ذلك أم لم يعلم، يعني: حتّى الذي يتوهّم أنَّ له ناصراً كماله وجنده وسلطانه، إلّا أنَّ ذلك كلّه من دون الله هواءٌ في شبكٍ، وسرعان ما يخرج الهواء من الشبك، ولا يبقى ناصرٌ إلّا الله سبحانه.
وهذه الآية تعدّ جواباً لتوهّم طبقات من البشر بأنَّ لها ناصراً من دون الله، كما نصّ عليه القرآن في قوله تعالى: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}(1) وقوله تعالى: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}(2) وقوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً}(3) وقوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي}(4).
وقد ذمّهم الله سبحانه على مقالتهم قائلاً: {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}(5) وقال تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ}(6) وقال تعالى: {الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}(7).
بقي أمرٌ آخر، وهو أنَّه يمكن القول: بأنَّ الآية عامّة لا تختصّ بيوم القيامة، على خلاف ما استظهره السيّد الطباطبائي+، حيث استظهر أنَّ الآية ناظرة إلى يوم القيامة(8)، فنقول هي عامّة لكلّ العوالم والآنات والأماكن والأزمان.
ــــــ[204]ــــــ
(1) سورة سبأ، الآية: 35.
(2) سورة فصّلت، الآية: 15.
(3) سورة البقرة، الآية: 80.
(4) سورة القصص، الآية: 78.
(5) سورة هود، الآية: 43.
(6) سورة آل عمران، الآية: 128.
(7) سورة آل عمران، الآية: 154.
(8) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 260، تفسير سورة الطارق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ثُمَّ إنَّ بقوله تعالى: {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ} تنتهي فقرة السورة، أو قل: ينتهي نسق معيّن في السورة؛ لأنَّه يقول بعد ذلك: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ}، وهذ فقرةٌ جديدةٌ ونسقٌ جديدٌ.
فلنا أن نسأل: هل النسق القرآني ووحدة السياق محفوظٌ هنا أو لا؟
وفي مقام الجواب نقول: إنَّ النسق قد حفظ بأمرين:
الأوّل: بواسطة ما يطلق عليه بالروي، وهو الحرف ما قبل الأخير؛ فإنَّ الحرف الأخير وإن كان غير محفوظٍ كما في (حافظ)، (ترائب)، (دافق)، (قادر)، إلّا أنَّه قد حفظ النسق بالروي.
الثاني: سكون الحرف الأخير؛ لأنَّه لو لم يكن ساكناً لكان بعضه مرفوعاً وبعضه مجروراً، ولاختلف النسق بين الآيات، فإنَّما استحبّ حفظ السكون والوقف في نهايات الآيات حفظاً للنسق اللفظي، كما أنَّ هناك روايات تأمر بالسكون استحباباً؛ حفاظاً على النسق(1).
ولابدّ من التنبيه على أمرين:
الأوّل: أنَّ النسق ليس من قبيل القافية في الشعر أو القافية في السجع؛ إذ يلاحظ شدّة الحفاظ على المماثلة بين كلمةٍ وكلمةٍ في القافية، وليس كذلك في النسق.
الثاني: أنَّ هذا النسق محفوظٌ من أوّل السورة إلى آخرها، إلّا في آيةٍ واحدةٍ، وهي قوله تعالى: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}، فليس هناك حرفٌ ساكنٌ قبل الآخر، ما يعني أنَّ الروي هنا غير محفوظٍ.
ــــــ[205]ــــــ
(1) إشارةٌ إلى بعض الروايات الواردة في وسائل الشيعة 6: 207-208، أبواب قراءة القرآن ولو في غير الصلاة، الباب 21: استحباب ترتيل القراءة وكراهة العجلة فيه.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وعليه فإمّا أن نسلّم الأمر إلى الله ونقول: إنَّ هذا اختيار المتكلّم، فهو أراد أن لا يكون هنا روي لمصلحةٍ معيّنةٍ، ولا بأس به، فالروي وإن كان راجحاً، إلّا أنَّه ليس واجباً. أو نقول: إنَّ الروي محفوظٌ في رؤوس الآيات وفي نهاياتها، مع أنَّ (خلق) في قوله تعالى: {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} ليس نهاية آية، فإذا رفعنا النقطة التي بين الآيتين تكون كلا الآيتين آيةً واحدةً، وبذلك ينحفظ الروي في كافّة الآيات إلى قوله تعالى: {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ}.
ويرد على ما ذكر إشكالان:
الإشكال الأوّل: أنَّه لابدّ من التعبّد بنهايات الآيات وأن نذعن ونتعبد بأنَّها نهاية آيةٍ، أي: يلزمنا التعبّد الشرعي بما هو موجودٌ في نهاية الآيات.
ويمكن الإجابة عنه بالقول: إنَّ الأمر ليس كذلك؛ لأنَّنا في الحقيقة نقول: إنَّ هذه النهايات والبدايات للآيات من صنع البشر، والوحي بما هو وحي لم يعيّن صدر الآية أو نهايتها، بل سار المتشرّعة على هذا النهج، وقسّموا الآيات على هذا النحو، ولا علم لدينا بأنَّ الوحي اعتبر هذا الموضع نهاية آيةٍ.
نعم، هناك موارد واضحةٌ قامت القرينة والدلالة عليها، فلابدّ لنا من أن نتعبّد بها، وأمّا مع عدم القرينة فلا نتعبّد بذلك.
وممّا يدلّ على أنَّ هذه المسألة من وضع البشر أنَّهم اعتقدوا مثلاً أنَّ سورتين تعدّان سورةً واحدةً كما في (الضحى) و(الإنشراح) ، بالرغم من وجود (بسم الله الرحمن الرحيم) في وسطهما، وهذا الشيء ملحوظٌ على مستوى السور، فضلاً عن الآيات.
أقول: أُختلف في نهايات الآيات اختلافاً كبيراً، فبعضهم اعتبر أنَّ الحروف المقطّعة مثلاً آية، وما بعدها آية أُخرى، مع أنَّنا نعتقد بأنَّها آيةٌ واحدةٌ
ــــــ[206]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
لا آيتان، والظاهر أنَّه لا يوجد إلّا آيةٌ واحدةٌ من الحروف المقطّعة يمكن اعتبارها آيةً وما بعدها آيةً أُخرى.
الإشكال الثاني: أنَّنا لو اعتبرناها آيةً واحدةً فسوف تتابع أو تكرر كلمة {خُلِقَ} في الآية مرّتين، أي: تكون الآية {فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ}، وتتابع لفظين من مادّةٍ واحدةٍ وحركاتٍ واحدةٍ ومعنى واحدٍ غير وجيهٍ؛ لأنَّ السياق يعود بلا مناسبةٍ، بخلاف ما لو بنينا على أنَّها نهاية آيةٍ ووقفنا ثُمَّ أكملنا واعتبرنا ما بعدها آية، فلا يحصل هذا المحذور.
وللجواب عن هذا الإشكال نقول: إنَّه يمكن الطعن في كبراه وصغراه.
أمّا الطعن في الكبرى فلوضوح أنَّه سواء فصلنا بنقطة الآية أم لم نفصل فهو تتابعٌ، وقضيّة صدر السورة لا يخّل بالتتابع ولا ينفي التتابع.
وأمّا الصغرى فبإن نقول: إنَّه لا بأس بالتتابع إذا كان فيه معنى بلاغي لطيفٌ أو مصلحةٌ معيّنة، وهو مشهورٌ في غير هذا المورد من القرآن، كما في قوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}(1)، فالتتابع في هذه الآية لا يعدّ نقطة ضعفٍ أو محلّ نقدٍ.
وبعد الكلام عن النسق الأوّل، علينا أن نتحدّث عن النسق الثاني في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} فما هو نسق هذه الآيات؟
والجواب: أنَّه محفوظٌ بالروي الذي هو سكون الحرف ما قبل الأخير (فصْل)، (هزْل)، (صدْع) ومن هذه الناحية حصل قدرٌ جامعٌ بين النسقين،
ــــــ[207]ــــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 108.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والذي يمكن أن نسمّيه نسق السورة كلّها. والألف ساكناً، وهو في الارتكاز العرفي والاصطلاح النحوي يعدّ ساكناً دائماً، وهنا في هذا النسق الدالّ والصاد والزاي ساكنٌ، غاية الأمر هناك روي الألف، وهنا روي حروفٍ أُخرى غيرها.
إذن يمكن أن نقول: إنَّ النسق كلّه بروي ساكن، وهذه الدعوى صادقةٌ.
لكن يبقى إشكال واحدٌ، وهو أنَّ علينا أن نلتفت إلى أنَّنا قلنا في النسق السابق أنَّه يتوقّف على سكون الحرف الأخير من الآية، فلو تحرّك لما صحّ النسق، وكذا في المقام؛ فإنَّه يتوقّف على سكون الحرف الأخير، ولو تحرّك لفسد النسق. ويستفاد من هذا الإشكال أنَّ السكون في الحرف الأخير هنا يلزم منه تتابع الساكنين؛ لأنَّ الروي المرتبط بالحرف ما قبل الأخير ساكنٌ، وإذا سكن الحرف الأخير كان لدينا حرفان ساكنان، وفي تتابع الساكنين محذورٌ عند النحويّين والبلاغيّين لابدّ من الفرار منه؛ لأنَّ بعضهم يقول: إنَّه قبيحٌ مستهجنٌ، وبعضهم يقول: إنَّه مستحيلٌ.
أقول: الأرجح – وهو الأقرب إلى الوجدان- الطعن بالكبرى، فنقول: إنَّ تتابع الساكنين ليس محالاً ولا قبيحاً، بل هو لطيفٌ وجائزٌ في كثير من الأحيان، والعرف والعقلاء لا يجدون مانعاً من تتابع الساكنين.
ثُمَّ إنَّهم قالوا: إنَّ البدء بالساكن مستحيلٌ، ويُلاحظ عليه: أنَّه وإن لم يكن مشهوداً في اللغة العربيّة، إلّا أنَّه ليس بمستحيلٍ، وهو ملحوظٌ في العاميّة وفي اللغات الأُخرى، ولا حاجة إلى التفصيل في ذلك(1).
ــــــ[208]ــــــ
(1) ليلحظ القارئ: أنّنا لم نعثر على ما أفاده السيّد الشهيد الصدر+ في بيان قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ}.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قوله تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْداً}:
الكيد معنى إضافي، كالفوقيّة والتحتيّة والأُبوّة والبنّوة، وكلّ معنى إضافي يحتاج إلى طرفين، وعليه فالكيد يحتاج إلى طرفين، وهو قياسٌ من الشكل الأوّل. فما هما الطرفان؟ ومَن الذي يكيد، ومَن هو المكيد به؟
وقد أجبنا عن المراد من الكُيّاد وقلنا: المقصود هم الكفّار أو مطلق المنافقين أو مطلق الغافلين أو المكذّب لمضمون السور السابقة على هذه الآية ونحوهم، وكلّها وجيهةٌ.
والآن نريد أن نجيب عن الشقّ الثاني، أي: مَن هو المكيد به في الكيد الأوّل في {يَكِيدُونَ}.
أقول: إنَّ فيه عدّة أُطروحات، جملة منها متعلّقة بالكيّاد، فإذا كان الكيّاد (ألف) فالمكيد به (ألف)، وإذا كان الكيّاد (باء) فالمكيد به (باء) أيضاً، أي: أن نفهم المكيد به من خلال فهم المراد من الكيّاد، وهذا له وجهٌ وجيهٌ.
وقد يكون المراد أمراًً آخر، كما لو كان الكيّاد هو النفس الأمّارة بالسوء، فالمكيد به هو العقل، وإذا كان الكيّاد هم عبدة الأصنام من قريش، فالمكيد به هو رسول الله’، وإذا كان الكيّاد بني أُميّة وبني العبّاس، فالمكيد بهم هم الأئمّة^، كما أنَّ الإمام المهدي# غاب من الكيد، ولولا الكيد لما حصلت الغيبتان الصغرى والكبرى.
{وَأَكِيدُ كَيْداً} أي: في دفع كيدهم، وذلك بإيجاد الغيبة، وهي فترة من الزمن لا يناله بها كيد الكائدين، وعند ظهوره# ينصره الله، فلا يناله كيد الكائدين. وهذه القضيّة من باب المصداق، وهناك مصاديق كثيرة، وذكر جملة منها مخالفٌ للتقيّة؛ لأنَّ كلّ كافرٍ ومنحرفٍ وفاسقٍ وفاجرٍ يكيد بكلّ مؤمنٍ
ــــــ[209]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وورعٍ ومتّقٍ.
إن قلت: قوله تعالى: {يَكِيدُونَ كَيْداً} ظاهرٌ في الكيد الشديد، والكيد الشديد لا يحصل إلّا من المتعصّبين والمتطرّفين، ولا يمكن أن نفهم الوسائل والأسباب اليسيرة.
قلت: إنَّ مادّة الكيد يمكن أن نفهمها على وجهين: إمّا الكيد المطلق، وإمّا مطلق الكيد. فإذا فهمنا الكيد المطلق، فهو يصدر من الكافر المطلق، وإن فهمنا مطلق الكيد، فهو يصدر من مطلق الكافر، والكافر هو المحجوب عن الحقيقة والغافل ومَن كان على خلاف الحقّ بشكلٍ من الأشكال.
ومن هذه الناحية فكيد كلّ شخص بشكلٍ من الأشكال بحسبه لا أقلّ ولا أكثر.
ونحوه الكلام في جزاء الكيد في قوله تعالى: {وَأَكِيدُ كَيْداً}؛ فإنَّ ردّ الكيد من قبل الله تعالى يكون لكلّ فردٍ بحسبه، لا بحسب الله سبحانه؛ لأنَّ الله قادرٌ على كلّ شيءٍ، وإنَّما يعطي كلّ شخص ما يناسبه من الكيد الإلهي على ما سيأتي.
وهنا لابدّ أن نفهم ما هو معنى الكيد.
قال الراغب: الكيد: ضرب من الاحتيال(1)، يعني: الكيد احتيالٌ أو نوعٌ من الاحتيال بالحمل الشائع.
والضرب أصله بمعنى الضرب، أي: الدقّ، ثُمَّ إنَّهم حينما صنعوا الدراهم والدنانير كانوا يضعون في القوالب الذهب أو الفضّة ويضربونها إلى
ــــــ[210]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 462، مادّة (كيد).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أن تكتسب شكلاً معيّناً، فكانوا يسمّون شكل الدراهم والدنانير ضرباً، أي: ما نتج من الضرب، فيُقال: إنَّ هذا ضربٌ من الدراهم والدنانير.
والضرب هو النوع أو الحصّة، فالكيد حصّة من الاحتيال.
وأفاد الراغب: أنَّ الكيد يكون مذموماً وممدوحاً، وإن كان يُستعمل في المذموم أكثر؛ فإنَّ أكثر الكيد مذمومٌ، وكذلك الاستدراج والمكر(1). فهما نوعان وضربان، ونستطيع أن نقول: أحدهما مذموم، والآخر ممدوح.
ويُلاحظ: أنَّ المكر من قبيل الكيد أعني: أنَّ أكثره مذمومٌ، وأقلّه ممدوحٌ أو محمودٌ، لكن هل الاستدراج كذلك؟ فلو كان الاستدراج معنى عامّاً لأيّ فاعلٍ مختارٍ- أي: معنى كلّي ينطبق على كثيرين- كان إذا صدر منّي أو منك فهو مذمومٌ، وإن صدر من الله فهو ممدوحٌ.
وفي الحقيقة لا وجود لاستدراج المخلوقين بعضهم بعضاً، ولا أقلّ أنَّ العرف لا يفهمه بهذا المعنى، فالاستدراج فعل خاصّ بالله تعالى. ويؤيّد ذلك أنَّه إذا استدرجتك وأنت استدرجتني سوف نلتفت إلى هذا الاستدراج بعد يومٍ وليلةٍ أو بعد شهرٍ أو أكثر أو أقلّ، إلّا أنَّ استدراج الله تعالى خفي لا يمكن الاطّلاع عليه، إلّا بعد حصول نتائجه (والعياذ بالله). فإذا كان الاستدراج خاصّاً بالله تعالى فكيف يكون قسم منه مذموماً!!؟ ففعل الله كلّه عدلٌ وكلّه تدبيرٌ مطابقٌ للحكمة.
قال الراغب: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}(2) وقوله: {وَأُمْلِي لَهُمْ أنَّ كَيْدِي
ــــــ[211]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 462، مادّة (كيد).
(2) سورة يوسف، الآية: 76.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
مَتِينٌ}(1). قال بعضهم: أراد بالكيد العذاب، والصحيح أنَّه هو الإملاء والإمهال المؤدّي إلى العقاب(2).
يعني: يعطيهم الفرصة: فإن تابوا في هذه الفرصة فبها ونعمت، إلّا أنَّهم في أغلب الظنّ سيبقون على عنادهم فيزدادون إثماً. قال تعالى: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً}(3) فينالون عاقبتهم التي يستحقّونها حقيقةً.
وبقي أمران في كلام الراغب؛ لأنَّ ما أفاده لا يخلو عن غموضٍ.
الأمر الأوّل: أنَّه قال: الكيد ضربٌ من الاحتيال. وهو واضحٌ لو فهمناه من الناحية المنطقيّة؛ فإنَّ بين الكيد والاحتيال عموماً مطلقاً، فكلّ كيدٍ احتيالٌ وليس كلّ احتيال كيداً. إذن هناك احتيالٌ لا يسمّى كيداً، وهذا المعنى لم يوضّحه الراغب.
وعلى ما تقدّم يمكن الإشارة إلى عدّة أُطروحات في فهم الكيد:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ المراد به الخفاء، والكيد هو الاحتيال الخفي، والاحتيال قد يكون خفيّاً، وقد يكون ظاهراً.
إن قلت: الاحتيال لا يكون إلّا خفيّاً، وكيف يمكن أن نتصوّره ظاهراً؟ لأنَّه لو كان ظاهراً لعرفه الناس ولم يسمّ احتيالاً، بل هو شيءٌ آخر، وعلى هذا يكون الاحتيال هو الكيد، وبينهما نسبة التساوي، لا نسبة العموم المطلق.
قلت: المراد بالخفاء الخفاء على الناس، لا الخفاء على مَن احتيل عليه: فإنَّ كان خفيّاً على مَن احتيل عليه كان كيداً، وإن كان واضحاً كسرقة النهار لم
ــــــ[212]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 183، وسورة القلم، الآية: 45.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 463، مادّة (كيد).
(3) سورة آل عمران، الآية: 178.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
يكن كيداً. أو نعكس الأمر فنقول: إنَّه قد يعرفه الآخرون ولا يعرفه الشخص: فإن كان خفيّاً على الجميع فهو الكيد، وإن كان خفيّاً على المسكين المتضرّر خاصّة وعرفه الآخرون وأخفوه فهو احتيالٌ لا كيدٌ.
الأُطروحة الثانية: أنَّ الكيد هو الاحتيال الناجح المثمر الموصل إلى النتيجة، وأمّا ما لم يصل إلى نتيجة فهو احتيالٌ لا كيدٌ.
الأُطروحة الثالثة: أنَّ الكيد هو الاحتيال الهامّ في الأُمور ذات الشأن عرفاً أو شرعاً؛ لأنَّ بعض الاحتيال قد لا يكون ذا أهمّيّةٍ، بل يكون ضرره بسيطاً جدّاً أو غير معتنى به، فلا يكون كيداً.
الأمر الثاني: أنَّ الراغب أفاد: أنَّ الكيد منه مذمومٌ ومنه ممدوحٌ، لكنّه لم يعط القاعدة العامّة في كون الشيء مذموماً وممدوحاً. ولا بأس هنا بالإشارة إلى ملاكات وأسباب الذمّ والمدح في الكيد.
الأوّل: بلحاظ الفاعل: فإن كان الفاعل محقّاً أو شريفاً كان ممدوحاً، أي، كان كيده ممدوحاً، وإن كان الفاعل مذموماً فاسقاً كافراً كان كيده مذموماً.
الثاني: بلحاظ الأسلوب: فإذا كان الأُسلوب قاسياً ذا ظلمٍ واعتداءٍ كان كيداً مذموماً، وإذا لم يكن كذلك من قبيل قوله تعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}(1)، كان كيداً ممدوحاً.
الثالث: بلحاظ النتيجة: فإذا كانت نتيجته خيراً – وهو ما كان على خلاف هوى النفس الأمّارة- كان ممدوحاً؛ فإنَّ كيد الله لا تحبّه النفس الأمّارة بالسوء، مع أنَّه موافقٌ للعدل الواقعي والحكمة الإلهيّة، ولذا فهو ممدوحٌ، وإلَّا
ــــــ[213]ــــــ
(1) سورة يوسف، الآية: 76.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فهو مذمومٌ.
الرابع: بلحاظ الكيد ودفعه: فإن كان الكيد ابتداءً، فهو مذمومٌ، وإن كان الكيد دفاعاً عن كيدٍ من قبيل دفع السحر بالسحر، فهو ممدوحٌ.
والآن نأتي إلى المراد من كيد الله في قوله: {وَأَكِيدُ كَيْدًا} ونسبة الكيد إلى الله سبحانه، ولا يُحتمل أن يكون كيده كيداً مذموماً؛ لأنَّه الكمال المطلق، وكلّ فعله حسن، فيكون كيد الله حسناً.
أمّا جهة الفاعل فالله هو الفاعل جلّ جلاله، والمتّصف فعله بالكمال المطلق. وأمّا من جهة الأسلوب فلأنَّ رحمته وسعت كلّ شيء، فكلّ أُسلوبٍ اتّخذه كان رحمةً.
وأمّا من جهة النتيجة – أي: التأثير- فأفعال الله لا يحتمل فيها الفشل والتخلّف طرفة عين. وأمّا بلحاظ الجهة الرابعة فإنَّ كيد الله إنَّما هو جزاء كيد الذين يحاربون الله ورسوله، وإن كان تأثيرهم منفيّاً؛ لأنَّه تعالى يقول: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}(1) فيكون كيد الله ردّاً للكيد، ويكون مصداقاً للجهة الرابعة.
ومن هنا وصف الله تعالى نفسه في القرآن بالكيد والمكر؛ لأنَّه – طبقاً للأُطروحات كلّها- خير الماكرين.
ويمكن أن نفهم المراد بخير الماكرين – وإن كان له مقامٌ آخر- من خلال ما يلي:
الأُطروحة الأُولى: ما فهمه مشهور المفسّرين من أنَّه أكمل الماكرين(2)؛
ــــــ[214]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 57.
(2) أُنظر: تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 2: 170، تفسير سورة آل عمران، الجوهر الثمين في تفسير الكتاب المبين 1: 327، تفسير سورة آل عمران، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
لأنَّه الكمال المطلق، فصفاته عين الكمال، ومنها المكر.
الأُطروحة الثانية: الظاهر: أنَّ خير الماكرين بمعنى: أدّق الماكرين، فيكون مكره دقيقاً مؤثّراً وخفيّاً، والقدر المتيقّن من المكر هو مكر الله تعالى.
ثُمَّ إنَّ قوله تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً} قد يكون إشارةً إلى ما زعمه المشهور من اختصاصها بالنبي’ في مكّة حينما كان يؤذونه الكفّار ويبعدون الناس عن دعوته(1).
مع أنَّ ما ذُكر قابلٌ للانطباق على كلّ الأجيال، بل على كثير من العوالم التي خلقها الله تعالى، سواء علمنا بها أم جهلنا.
ويُلاحظ: أنَّ {كيداً} تكرّرت مرّتين، فما هو محلّها من الأعراب؟
وفي مقام الجواب ثلاث أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: التأكيد، نظير: ضربته ضرباً أي: تأكيداً، والمؤكّد هنا مادّة يكيدون.
الأُطروحة الثانية: أنَّها مفعولٌ مطلقٌ، والظاهر أنَّه ممّا اتّفق عليه النحويّون(2).
الأُطروحة الثالثة: أنَّها مفعول به، وكأنَّ المراد: أنَّهم يكيدون الكيد، وليس المراد إيجاده معرّفاً، بل منكّراً، كقولنا: يؤذّن الأذان، فالأذان هنا مفعول به.
وعلى كلّ تقدير يُراد به الكيد الشديد أو التعدّد أو الاستمرار في الكيد
ــــــ[215]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 21: 11، تفسير سورة الطارق، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 312، تفسير سورة الطارق، وغيرهما.
(2) أُنظر: إعراب القرآن الكريم 3: 438، إعراب القرآن الكريم وبيانه 10: 444،
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أو الكثرة أو مجموع هذه الأمور؛ فإنَّ محصّلها واحدٌ تقريباً.
ثُمَّ إنَّ كيداً اسم جنس نكرة، واسم الجنس بمنزلة الجمع، أي: هو كلّي قابلٌ للانطباق على كثيرين، ولا يحتاج أن نفهم منه العموم بالألف واللام؛ فإنَّ النكرة أيضاً تفيد العموم من هذه الناحية.
إن قلت: يكفي في بيان هذا المعنى مادّة (يكيدون) و(أكيد)، فيكون قوله {كيداً} في المرّتين مستدركاً أو لغواً.
قلت: إنَّما يُراد به بيان الأسلوب، فمادّة (يكيدون) و(أكيد) مأخوذ فيها مطلق الكيد، وأمّا مادّة (كيداً) فيُراد بها نحو الكيد وصورته ونوعه، ولا يُحتمل أن يُراد بها نفس المعنى بالضبط، فالانطباع والتبادر العرفي على خلاف ذلك، وهو قرينة على ذلك.
وبعبارة أُخرى: إذا أُريد به المعنى عينه كان تكراراً ولغواً، لكنّنا لا نفهم التكرار؛ للانطباع النفسي والعقلي القائل بالاختلاف.
أو قل: إنَّه وإن كان الوضع اللغوي يُفيد التكرار، لكن المعنى البلاغي والأدبي لا يُفيد ذلك، كما أنَّنا ذكرنا أنَّ (كيداً) يفيد الاستمرار والشدّة، وهذا لا يتأتّى من مادّة الفعل (يكيدون).
أضف إلى ذلك النسق القرآني؛ فإنَّ قوله تعالى: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} يقتضي وجود دالٍ ملحوقةٍ بألفٍ، وقوله: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْداً} حافظ على هذا الأمر، وبهذه الصورة قد حفظ النسق القرآني. وهذه فائدة مجيء المنصوب، أعني: (كيداً).
وبعد أن عرفنا أنَّ (كيداً) تكرّرت مرّتين، فهل نحملهما معاً على معنىً واحدٍ أم على معانٍ متعدّدةٍ؟ المعنى اللغوي ينبغي أن يكون واحداً، إلّا أنَّ
ــــــ[216]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
المعنى النفسي والعقلي يمكن أن يتعدّد بعد الالتفات إلى أنَّ الكيد الأوّل منسوب إلى المخلوق، والكيد الثاني منسوب إلى الخالق جلّ جلاله، ما يعني اختلاف النوع؛ فإنَّ الكيد المنسوب إلى الخالق أشدّ وأبعد أثراً وأخفى من الكيد المنسوب إلى المخلوق.
أو قل: إنَّ كيد المخلوقين يمثّل مطلق الكيد ومصداقاً منه، وأمّا كيد الخالق فهو الكيد المطلق؛ لأنَّه الفاعل المطلق، وإن كان كيده سبحانه حسبما يناسب الموضوع.
ثُمَّ إنَّ في تكرار (كيداً) مستويين من الفهم:
المستوى الأوّل: أنَّ نتمسّك بوحدة السياق المعنوي لا اللفظي، أي: وحدة المعنى، فيكون مقتضى وحدة السياق هو اتّحادهما في المعنى، فإمّا أن يُراد بكليهما الشدّة، أو يُراد التأكيد.
المستوى الثاني: أن نرفض وحدة السياق بدليل وجود القرينة على خلافه، وهو أنَّ الفاعل للأوّل شخص، والفاعل للثاني شخصٌ آخر، بمعنى أنَّ الأوّل منسوبٌ إلى الكافرين، والثاني منسوب إلى الله عزّ وجلّ، ولا يناسب أن يكون الكيد المنسوب إلى الكافرين بمستوى الكيد المنسوب إلى الله تعالى.
وعليه ففي المقام فرقٌ جوهري وجذري، ويتّضح التفريق بين هذين الكيدين، فنقول: إنَّه يُراد من الأوّل المنسوب إلى الكافرين التأكيد، ومن الثاني المنسوب إلى الله الشدّة، بغضّ النظر عن المفاد النحوي لها.
أو يُراد من الكيد المنسوب إلى الكافرين مطلق الكيد وكلّي الكيد في مقابل المنسوب إلى الله تعالى، أي: الكيد المطلق، وهو الكيد المؤثّر والنافع على كلّ حالٍ، ولا يمكن أن يتخلّف كيد الله تعالى، مع أنَّ كيد الكافرين قد يتحقّق
ــــــ[217]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وقد يتخلّف.
وفي المقام فرقٌ آخر، وهو أنَّهم يكيدون كيداً، وكيدهم لا يصل إلى الله تعالى، ولكن كيد الله سبحانه يصل إليهم.
وبعبارة أُخرى: إنَّ كيدهم يمكن أن يصل إلى الرسول وإلى المؤمنين، ولا يصل إلى الله، إلّا أنَّهم هدف الكيد الإلهي بالمباشرة.
إن قلت: ورد في بعض الآيات ما يُفهم منه وصول نحو أذى وصعوبة أو كيد إلى الله تعالى.
قلت: هذا نحو مجازٍ من الكلام؛ إذ لا يصل الأذى والكيد حقيقةً إلى الله تعالى. نعم، قد يُلاحظ – بحسب ظاهر القرآن- وصول هذا النحو من الأذى تجوّزاً، كما في قوله تعالى : {يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون}(1)، إلّا أنَّ الإيذاء المباشر – من قبيل الفقر والمرض والذلّة والقتل والتعذيب ونحوها ممّا هو هدف الكافرين في ايقاعها على المؤمنين- لا يمكن أن يصل إلى الله سبحانه.
****
قوله تعالى : {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}:
ويُلاحظ: أنَّ كلمة (المهل) تكرّرت مرّتين، وهذا نحو سياقٍ واحدٍ تتكرّر فيه الموادّ بلا سماجةٍ، بل في التكرار لطافةٌ وحكمةٌ ودقّةٌ.
أفاد الراغب: أنَّ المهل التؤدة والسكون(2).
ــــــ[218]ــــــ
(1) سورة يس، الآية:30 .
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 497، مادّة (مهل).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ويُلاحظ: أنَّ السكون غير التؤدة؛ فالتؤدة البطء، والسكون ترك العمل بالمرّة، والظاهر أنَّه يريد من السكون التؤدة، أي: إنَّ الإنسان قد يكون بطيئاً في عمله بلا استعجالٍ أو تسرّعٍ، ولا يريد السكون الذي هو ترك العمل بالمرّة.
وأفاد الراغب أيضاً: يُقال: مهل في فعله وعمل في مهلةٍ، ويُقال: مهلاً نحو رفقاً، وقد مهّلته إذا قلت له: مهلاً، وأمهلته رفقت به. قال: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}، أي: أرفق بالكافرين(1). ويمكن أن يكون العكس، أي: أغلظ عليهم كما في آيةٍ أُخرى. ثُمَّ قال: والمهل: درديّ الزيت. قال: {كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ}(2)(3). ودردي الزيت هو ما رسب وكدر في أسفل الزيت.
والمهمّ هنا أن نعرف أنَّ المهل: هل هو الرفق كما زعم الراغب؟
الظاهر: أنَّ المَهْل أو المَهَل يفيد معنى الزمان، وهو غير ملحوظٍ في عبارة الراغب، مع أنَّ الظاهر إفادته معنى الزمان والانتظار والصبر والبطء، وكلّها معانٍ ترجع إلى الزمان؛ لأنَّه لا معنى للانتظار ولا للصبر ولا البطء إلّا خلال فترةٍ زمنيّةٍ، ولذا يُقال: تمهّل في عمله إذا تباطأ في عمله، وأمهل غيره، أي: أعطاه فرصةً للنظر، وأعطاه مهلة، أي: زماناً.
إلَّا أنَّ الإمهال قد يكون حسن النتيجة، وقد يكون سيّء العاقبة، وفي الآية سيّء العاقبة. قال تعالى: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً}(4)، ونحوه قوله تعالى: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}؛ لأنَّ هذا الإمهال إنَّما هو للابتلاء والامتحان
ــــــ[219]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 497، مادّة (مهل).
(2) سورة الدخان، الآية: 45.
(3) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 497، مادّة (مهل).
(4) سورة آل عمران، الآية: 178.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والإيكال إلى النفس. فالمراد: أنَّ الإنسان يُوكَل إلى نفسه، والكافرون على رأس القائمة في مَن يوكل إلى نفسه؛ لعدم استحقاقهم التأييد والتوفيق الإلهيّين؛ لأنَّهم فسقةٌ فجرةٌ، فيوكلون إلى أنفسهم، فيذنبون ويستحقّون أقصى العقوبات.
وعاقبة الإمهال ليس الرفق، بل شدّة العقاب، وليس ذلك من الرحمة بالمعنى العرفي، وإن كان رحمته وسعت كلّ شيءٍ، إلّا أنَّه ليس من الرفق والرحمة.
ثُمَّ ما الفرق بين مهل وأمهل. قال في >الميزان<: قوله تعالى: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}: التمهيل والإمهال بمعنىً واحدٍ، غير أنَّ باب التفعيل يُفيد التدريج، والإفعال يُفيد الدفعة(1).
أقول، كالتنزيل والإنزال، نزل تنزيلاً، أي: تدريجاً، وأنزل دفعةً.
ثُمَّ قال: وفي التعبير أوّلاً بمهّل (الظاهر في التدريج) وثانياً مع التقييد برويداً بأمهل (الظاهر في الدفعة) لطفٌ ظاهرٌ(2).
والوجه فيه: أنَّه مهّل الكافرين تدريجاً، وأمهلهم دفعةً، ويوجد نوع تنافٍ ما بين الدفعة والتدريج، فلذا قيّدها برويداً حتّى يعود المراد: أمهل رويداً، أي: تدريجاً.
ويلزم حينئذٍ النظر إلى مادّة (مهل).
قال في >الميزان< التمهيل والإمهال بمعنى واحد، غير أنَّ باب التفعيل يُفيد التدريج، والإفعال يُفيد الدفعة(3). ونظير ذلك ما أفاده مشهور المفسّرين
ــــــ[220]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 261، تفسير سورة الطارق.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
في التنزيل والإنزال(1)، فالتنزيل يُفيد التدرّج في التنزيل؛ لأنَّ الكتاب (القرآن الكريم) نزل متدرّجاً، وأمّا الإنزال فينزل دفعةً من السماء إلى الأرض، ونحوه التمهيل والإمهال.
فأمهل تمهيلاً، أي: تدريجاً، وأمهل إمهالاً، أي: دفعةً. ويمكن أن نتسائل: هل لهذا محصّلٌ عرفي أو لا؟ إذ ربما هناك من يشكّك في ذلك؛ فقد يُقال: التنزيل واضح الدفعيّة والتدرّج فيه، ولكن المهلة تدريجٌ أيضاً، سواء قصدت ذلك بالدلالة المطابقيّة أم لا؛ لأنَّ فيه فسحةً من الزمن أو فترةً أو هنيئةً، إلّا أنَّ الفرق هو أنَّ الثلاثي لازمٌ، والرباعي متعدّ.
الخطوة الأُخرى في البحث هي التساؤل عن وجه تكرار مادّة المهل في الآية.
ويمكن الإشارة إلى عدّة أُطروحات في المقام:
الأُطروحة الأُولى: ما أفاده السيّد الطباطبائي+آنفاً من: أنَّ إحداهما للدفعة والأُخرى للتدريج، وهذا يكفي في التفريق بينهما.
الأُطروحة الثانية: أن يُقال: إنَّ الشيء المتكرّر هنا هو المادّة دون الهيئة، وأحدهما فعّل والآخر أفعل، فالهيئة غير متكرّرة، بل المادّة تكرّرت، فيتحصّل أنَّ المجموع من المادّة والهيئة لم يتكرّر حقيقةً.
الأُطروحة الثالثة: ما تقدّم منّا غير مرّةٍ من أنَّ من المحتمل أن ينقطع الوحي عن إلقاء القرآن إلى النبي’ بمقدار نفس أو نفسين أو أكثر، فنقول: إنَّه عندما قال: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ} حصل مقتضى لانقطاع الوحي بمقدارٍ، فإذا
ــــــ[221]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير القرآن الكريم (لصدر المتألّهين) 2: 125، تفسير سورة البقرة، مفاتيح الغيب 5: 254، تفسير سورة البقرة، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قال: {رُوَيْداً} لا يلتحق اللاحق بالسابق، فلابدّ من تكرار العامل حتّى يحفظ السياق خلال كلام الوحي، ويفهم أنَّ هذا مراده، فقال: {أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}.
ويُلاحظ: أنَّ انقطاع الوحي لا يفسّر الانتقال من الثلاثي (مهّل) إلى الرباعي (أمهلهم) بل يفسّر التكرار فقط.
والآن نأتي إلى تفسير الفاء في قوله تعالى: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ} أي: لماذا قال: {فَمَهِّلِ}؟
أقول: يكفي أن نفهم أنَّها تفريعيّة على قوله تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْداً}. فبعد أن عرفنا وقلنا: إنَّ الكافرين موضوعٌ لكيد الله تعالى، وأنَّ كيد الله قد يؤثّر فوراً وقد يؤثّر تدريجاً؛ لأنَّ الله تعالى طويل الأناة، ومن هذه الناحية ينبغي الصبر وانتظار النتائج في يومها حينما يأذن الله تعالى، ولذا قال سبحانه: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ} والفاء من هذه الجهة تفريعيّة.
وهذا يعني: أنَّ الفاء مرتبطةٌ بكيد الله، لا بكيد الكافرين، ولا معنى أن تكون مرتبطةً بكيد الكافرين {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ} حتّى يؤثّر فيهم كيده تعالى.
ويُلاحظ: أنَّ السيّد الطباطبائي في >الميزان< ربط المهلة في قوله تعالى: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ} بكلا الكيدين بحسب ظاهر عبارته. قال: والمعنى: إذا كان منهم كيدٌ ومنّي كيدٌ عليهم بعين ما يكيدون به، والله غالبٌ على أمره، فانتظر بهم ولا تعاجلهم، انتظر بهم قليلاً؛ فسيأتيهم ما أوعدهم به، فكلّ ما هو آتٍ قريبٌ(1).
ولنا على ذلك تعليقان:
الأوّل: أنَّ القرآن كالنصّ في الإمهال لأجل أن يتّضح جزاء كيد الله ضدّ
ــــــ[222]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 261، تفسير سورة الطارق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الكافرين، لا كيد الكافرين أنفسهم ضدّ رسول الله’، ولا يحتمل دخالة كيد الكافرين من هذه الناحية.
إلَّا أنَّه ينبغي أن نلتفت إلى نقطةٍ، وهي أنَّ الكافر أو الفاسق إذا أُعطي مهلةً سوف يجني على نفسه أكثر ويظلم نفسه أكثر؛ لأنَّه سيستمرّ في الكيد والفسق والفجور والظلم، وإعطاء المهلة هنا أيضاً نحو استدراجٍ وكيدٍ من الله تعالى للكافرين، فكما يؤثر في خلال المهلة كيد الله تعالى ضدّ الكافرين، فكذلك يؤثّر كيد الكافرين ضدّ أنفسهم، لا ضدّ رسول الله’؛ لأنَّ الظالم يبدأ بنفسه فيظلمها، فنستطيع أن نرجع المهلة إلى كلا الكيدين.
الثاني: أنَّه يظهر من كلامه أنَّ كيد الله هو كيد الكافرين، وليس شيئاً آخر. ولعلّه في الحقيقة ناشئ من أنَّنا لو تفحّصنا بعقولنا لن نجد شيئاً خارجيّاً اسمه كيد الله، أي: لا نجد ما هو مصداقٌ لكيد الله تعالى، فحينئذٍ نضطرّ إلى التعبير بمثل هذه الكلمات.
وأنت خبيرٌ: بأنَّه يمكن أن نصوّر كيد الله تعالى زيادة على كيد الكافرين على أحد مستويين:
المستوى الأوّل: ما هو مراد السيّد الطباطبائي في المقام من: أنَّ ما هو مشهودٌ مصداقٌ لكيد أفعال المشركين والكفرة والفسقة، وإنَّما الله تعالى أعطاهم المهلة لزيادة كيدهم، والمهلة غير ملحوظةٍ عرفاً، فالموجود خارجاً هو أفعالهم، والكيد الحقيقي بإمهالهم، وحينئذٍ نقول: إنَّه لا مصداق خارجاً لكيد الله تعالى.
المستوى الثاني: أنَّ لله كيداً مستقلاً وفعلاً مستقلاً ضدّ الكافرين والكائدين على أحد نحوين:
ــــــ[223]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
النحو الاوّل: بلاء الدنيا وبلاء الآخرة، وكلاهما محفوظٌ بطبيعة الحال.
فبلاء الدنيا كالمرض والفقر، ونحوهما ما يقع عليهم من غيرهم؛ فإنَّ الكافرين يكيد بعضهم بعضاً ويبغض بعضهم بعضاً، فأيّ فعلٍ قام به الكافر قد يكون بغير إرادته، ويمكن بمعنى من المعاني نسبته إلى الله تعالى، فالله تعالى قد سلّطه عليه لحكمةٍ مّا، قد يدركها وقد لا يدركها، فحينئذٍ يكون من كيد الله.
النحو الثاني: أن نلاحظ الجانب الأُخروي، فما دامت الحياة قائمةً، فدعهم يكيدون، لكن سرعان ما تنتهي هذه الحياة ويواجهون ربّهم، ويواجهون عقابهم الأُخروي في البرزخ وفي القيامة وفي جهنّم.
وأمّا قوله: {رويداً} فقد أفاد الراغب: أنَّ الرود التردّد في طلب الشيء برفق. يُقال: راد وارتاد، ومنه الرائد الطالب الكلأ(1)؛ لأنَّ الأعراب في الجاهليّة كانوا يخرجون بالغنم أو الجمال لطلب الكلأ، فيُقال: راد الإبل في طلب الكلأ. وباعتبار الرفق، قيل: رادت الإبل في مشيتها ترود روداناً، ومنه بني المرود. وأرود يرود إذا رفق، ومنه بُني رُويد. والإرادة منقولةٌ من راد يرود إذا سعى في طلب شيءٍ(2).
أقول: مراده من الرفق: البطء والتأنَّي والتماهل، رادت الإبل ترود إذا ارتجّت وتحرّكت إلى اليمين وإلى اليسار في مشيها، وهذا ما يحصل عند بطء السير، كما يحصل للإنسان، ومن هنا حصل التوسّع في الاستعمال.
ويقرّبه أيضاً تقريباً عرفيّاً أمران:
ــــــ[224]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 212، مادّة (رود).
(2) نفس المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الأمر الأوّل: أنَّنا نقول في العاميّة: (راط) بالطاء و(يروط)، أي: يتحرّك ويرتجّ.
الأمر الثاني: أنَّه يحتمل أن يكون راد يرود معكوس دار يدور، فدار يدور، أي: تحرّك بنحوٍ من الأنحاء إلى اليمين أو اليسار.
ويُلاحظ: أنَّ الراغب أعطى للثلاثي والرباعي المعنى نفسه (أرود، راد، وارتاد، ويرود)، ولعلّ كلّها من المادّة نفسها، مع أنَّ الصحيح أنَّ هناك فرقاً حينما تكون هناك زيادةٌ في الحروف؛ لتغيّر المعنى عندئذٍ، وإذا لم يتغيّر المعنى فهذه الزيادة الحاصلة باطلةٌ ولغوٌ.
ثُمَّ إنَّه يمكن القول: إنَّ الفرق بين الثلاثي والرباعي في هذه المادّة هو أنَّ الثلاثي لا يقبل المفعول به، أي: يكون لازماً، والرباعي يكون متعدّياً.
وفي نصب (رويداً) وجوهٌ:
الوجه الأوّل: الظرفيّة الزمانيّة، يعني: أنَّه ظرف زمانٍ منصوبٌ على الظرفيّة، فهو بمنزلة أن نقول: أمهلهم يوماً أو شهراً أو فترةً، فيُقال: أمهلهم رويداً بصفته دالاً على الزمان.
الوجه الثاني: أن يكون مفعولاً مطلقاً من غير لفظه.
الوجه الثالث: أن يكون مفعولاً به، وكأنَّ الإمهال يؤثّر في الرويد وفي البطء، أي: حينما يمهل يتباطأ، فهذا علّةٌ، وذاك معلولٌ، والمعلول مفعولٌ به، فكما تقول: كسرت حجراً، تقول: أمهلت رويداً.
الوجه الرابع: ما أفاده العكبري من أنَّ رويداً نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إمهالاً رويداً(1).
ــــــ[225]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 285، سورة الطارق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الوجه الخامس: أن يكون حالاً، فكما تقول: استوى جالساً، تقول: أمهل رويداً.
وأفاد العكبري: أنَّ رويداً تصغير رود، وقيل: هو مصدرٌ محذوف الزيادة، والأصل إرواداً(1).
ولنا على ذلك تعليقان:
التعليق الأوّل: أنَّ وجه المصلحة من التصغير واضحٌ؛ فإنَّما قال: رويداً، ولم يقل: روداً؛ استصغاراً للزمن الذي يحصل فيه الصبر والانتظار، وأنَّه مهما كان في اصطلاح النفس الأمّارة بالسوء طويلاً، إلّا أنَّه في الحقيقة قصيرٌ ويسيرٌ جدّاً، وذلك بأحد تقريبات:
التقريب الأوّل: أنَّ الله تعالى لا متناه، وزمان الصبر محدودٌ، ونسبة المحدود إلى اللامحدود لا شيء، فسيتصغره الله تعالى بصفته لا متناهياً.
التقريب الثاني: أن يكون النظر بلحاظ الفرد والشخص، لا بلحاظ النوع، فيكون المراد انتهاء الحياة الفرديّة للكافر، وهي محدودةٌ بسنواتٍ قليلةٍ.
التقريب الثالث: أنَّ الكافر حينما يذهب إلى الآخرة ويواجه العذاب يشعر بأنَّه لم يكن موجوداً في الدنيا إلّا قليلاً يوماً أو بعض يوم، كما عبّر عنه في نحو قوله تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}(2).
إذن (رويداً) يمثّل شعور نفس الفسقة والكفرة حينما يواجهون العذاب، بل المسألة أكثر من ذلك؛ لأنَّ هذا هو شعورهم في الآخرة.
لا يُقال: إنَّ الآية تتحدّث عن الدنيا، وشعورهم في الدنيا ليس كذلك،
ــــــ[226]ــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) سورة الكهف، الآية: 19.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بل طول الأمل غالبٌ عليهم.
فإنَّه يُقال: إنَّ الصبر مع توقّع أمرٍ سيئٍ للنفس قصيرٌ؛ لأنَّ الكلّ يتمنّى أن يبتعد عن السوء في أكثر مدّة زمنيّة ممكنة. فإذا علم زيدٌ أنَّ مرضاً سيصيبه استصغر زمان الصحّة، أو أنَّ فقراً سيبتلى به استصغر زمان الغنى، أو الموت استصغر زمان الحياة، وهكذا، ولذا نقول: إذا ترقّب ذلك في الدنيا رآه وعدّه قليلاً.
التعليق الثاني: أنَّ ما أفاده العكبري – من أنَّ (رويداً) مصدرٌ محذوف الزيادة – واضح البطلان، إلّا أن يُراد اتّخاذ خطوتين:
الخطوة الأُولى: حذف الزيادة، فتكون إرواداً روداً، فكأنَّ الأصل إرواداً، لكنّه صار روداً.
الخطوة الثانية: أنَّ روداً صار رويداً، وهذا تعسّفٌ بلا شكٍّ، مضافاً إلى أنَّ المجرّد (رود) كافٍ في فهم المصدريّة من المزيد الذي هو (إرواداً).
ــــــ[227]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ــــــ[228]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
ــــــ[229]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ــــــ[230]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
سورة البروج
للسورة المباركة أسماءٌ متعدّدةٌ:
منها: سورة البروج، كما هو المشهور.
ومنها: السورة التي ذُكر فيها البروج، كما هي سيرة الشريف الرضي+(1).
ومنها: الإشارة إلى رقمها وترتيبها في المصحف الشريف، أي: (85).
****
قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ}:
أمّا الآية الأُولى فقد ابتدأت بالقسم، كما يُلاحظ ذلك بوضوحٍ في السور القصار، أي: قسم الخالق بالمخلوق، كما مرّ غير مرّةٍ.
أمّا البروج فقد أفاد الراغب: أنَّ البروج القصور، الواحد برجٌ، وبه سُمّي بروج النجوم؛ لمنازلها المختصّة بها، قال تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ}(2).
ولم يتعرّض الراغب إلى العلوّ والارتفاع بلحاظ البروج والقصور، وإن كان يستفاد من كلامه أنَّ لكلّ واحدةٍ من النجوم قصراً مجازاً أو حقيقةً.
ثُمَّ إنَّه فسّر – كما تقدّم- البروج بالبروج السماويّة، خلافاً للسيّد الطباطبائي+(3).
ــــــ[231]ــــــ
(1) حسبما أفاده في حقائق التأويل في متشابه التنزيل 5: 1، السورة التي ذُكر فيها آل عمران.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 38-39، مادّة (برج).
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 249، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وأضاف الراغب: ونحوه قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً}(1) وقوله تعالى: {وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ}(2). ويصحّ أن يراد بها بروجٌ في الأرض وأن يُراد بها بروج النجم، ويكون استعمال لفظ (المشيّدة) فيها على سبيل الاستعارة، وتكون الإشارة بالمعنى … إلى آخر كلامه(3).
ثُمَّ قال: وثوبٌ مبرّجٌ صوّرت عليه بروجٌ، فاعتبر حسنه، فقيل: تبرّجت المرأة، أي: تشبّهت به في إظهار المحاسن(4).
أي: كما أنَّ الثوب حسنٌ لمكان البروج المرسومة عليه، فكذلك المرأة حسنةٌ إذا تزيّنت ووضعت الأصباغ أو الطلاء على وجهها.
وقيل: المراد: ظهرت من برجها، أي: قصرها(5).
والظهور بمعنى البروز والصعود، مع أنَّ الصعود ملازمٌ للبروج والظهور. وبين المعنيين المتقدّمين في كلام الراغب فرقٌ؛ لأنَّها إذا تبرّجت، أي: تحسّنت، سواء ظهرت للرجال أم لا، وإن كان الظاهر من التبرّج هو الظهور للرجال، بخلاف المعنى الثاني القائل بظهورها من برجها وقصرها، أي: عدم إخفاء نفسها في المخدع ونحوه.
ويدلّ على ذلك قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ
ــــــ[232]ــــــ
(1) سورة الفرقان، الآية: 61.
(2) سورة النساء، الآية: 78.
(3) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 38-39، مادّة (برج).
(4) أُنظر المصدر السابق.
(5) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الأُولَى}(1) وقوله: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ}(2). والبرج سعة العين وحسنها، تشبيهاً بالبرج في الأمرين (الحسن أو إظهار الحسن)(3).
أقول: الظاهر: أنَّ أصل البرج من الارتفاع بالارتكاز اللغوي، فإذا قلنا: برج، كان المراد: ارتفع، ولعلّ ذلك هو مراد السيّد الطباطبائي+ بقوله: البرج هو الأمر الظاهر(4).
والوجه فيه: أنَّ الغالب في ما هو مرتفعٌ هو الظهور، ولذا لو قال: الأمر المرتفع، لكان أرجح؛ لوضوح أنَّه ليس كلّ أمرٍ ظاهرٍ برجاً، كما في وجوب الصلاة؛ فإنَّه أمرٌ ظاهرٌ، إلّا أنَّه لا يُطلق عليه البرج. نعم، كلّ أمرٍ مرتفعٍ يصحّ أن نطلق عليه لفظ البرج.
نعم، قد يسمّى الأمر الظاهر برجاً بنحو المجاز، إلّا أنَّ الكلام في المعنى اللغوي والوضع الحقيقي، لا في الاستعمال المجازي.
ولعلّ للبرج حصصاً، ولذا يُقال: برجٌ حربي، وبرجٌ للكشف والتجسّس، والفنار البحري والمنارات، كما كانت توضع للسفن والبواخر مناراتٌ مرتفعةٌ؛ لكي ترى من مكانٍ بعيدٍ. ولعلّ الفنار بمعنى المنارة، تشبيهٌ لها في الارتفاع، والمنارة من النور؛ لأنَّ في رأسها نوراً وضياءً يشرق على البحر، والفنار عمودٌ طويل يشتمل على ضوءٍ عالي الدقّة تراه السفن من بعيدٍ، ومنارةٌ مؤنّث منارٍ.
ــــــ[233]ــــــ
(1) سورة الأحزاب، الآية: 33.
(2) سورة النور، الآية: 60.
(3) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 38-39، مادّة (برج).
(4) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 249، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وبروج النجوم هي الحصّة الثانية من البروج، وسُمّيت كذلك لارتفاعها، ولذا قيل: إنَّ البرج يفيد معنى الحسن؛ إذ الارتفاع مقرونٌ بالحسن والهيبة عادةً.
ومنه نسبة التبرّج إلى المرأة؛ لحسن طولها ومظهرها. فتبيّن أنَّ للبرج حصصاً ومعاني عدّة.
وفي >الميزان< فسّر البروج بمواضع البروج في السماء، ونفى أن يكون المراد بها البروج الاثني عشر المصطلح عليها في علم النجوم(1).
وقد يُلاحظ عليه: أنَّه يمكن تأييد المعنى المتقدّم في ضوء المقدّمات التالية:
الأُولى: حمل السماء على المعنى الظاهر منها، أي: المعنى الظاهر أو المتشرّعي، وهي السماء المعروفة.
الثانية: نسبة البروج إلى السماء، كما هو نصّ الآية، أي: نسبتها إلى السماء المعروفة.
الثالثة: أنَّ أيّ معنىً آخر للبروج – أي: بروج النجوم- لا يمكن نسبته إلى السماء حقيقةً؛ لأنَّ النجوم تنتسب إلى السماء، بخلاف غيرها، إلّا بنحوٍ من التجوّز. ومن هنا يكون ظاهر الآية موافقاً لفهم المشهور(2)، خلافاً لفهم السيّد الطباطبائي+ المتقدّم.
نعم، لو تنزّلنا عن إحدى هذه المقدّمات أمكن التوسّع في الفهم، أي: في
ــــــ[234]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 249، تفسير سورة البروج.
(2) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 283، تفسير سورة البروج، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 294، تفسير سورة البروج، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
معنى البروج. فلو تنزّلنا عن المقدّمة الثانية وقلنا: إنَّ البروج وإن نسبت إلى السماء في ظاهر الآية، إلّا أنَّه يمكن قطعها عن هذه النسبة حسب الفهم التجزيئي للقرآن الكريم، أي: أن نصرف النظر عن سائر الآيات، بل ننظر إلى الآية لوحدها بالفهم التجزئيي، كما عليه بعض العامّة أو المتصوّفة، ما يمكن معه عدم نسبة البروج إلى السماء.
أو أن نتنزّل عن المقدّمة الثالثة القائلة بأنَّ بروج النجوم منسوبةٌ إلى السماء بخلاف غيرها، فنقول: إنَّ من البروج العالية ما يمكن نسبتها إلى السماء أيضاً كالقصور والأبراج الحربيّة وأبراج الدفاع والإضاءة ونحوها. ويشهد لهذا المعنى أمران:
الأوّل: ما أفاده الشهيد الثاني+ في >الروضة البهيّة< من أنَّ المراد بالسماء جهة العلوّ(1)، ومنه قوله تعالى: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}(2)، مع شدّة قربه من الأرض، فالمراد بالسماء جهة العلوّ، لا القطعة من المكان.
الثاني: أنَّ العرف قد يرى تسامحاً أنَّ نهايات الأبراج داخلةٌ في السماء بأبراجها ومناراتها المرتفعة جدّاً.
ومعه قد يمكن نسبة الأبراج والبنايات العالية إلى السماء، فيكون المراد بقوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} أي: ما ارتفع عن وجه الأرض من جبلٍ أو قصرٍ لامسٍ للسماء؛ إذ معه لا تنحصر البروج بالنجوم.
كما أنَّه إذا تنزّلنا عن المقدّمة الأُولى – أي: أن نفهم السماء فهماً عرفيّاً أو
ــــــ[235]ــــــ
(1) الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة 1: 249، تعريف الطهارة.
(2) سورة البقرة، الآية: 164.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
متشرّعيّاً- فقد يُقال – وإن كان ظاهر القرآن حجّةً علينا-: إنَّ من بطون الآية أن يُراد بالسماء العقل؛ فإنَّه سماءٌ لما هو دونه من الشهوات ومتاع الدنيا، أو يُراد سماء النفس وبروجها، أي: معارفها، أو سماء الولاية وبروجها الطاعات، أو سماء الشريعة وبروجها العبادات. وقد يكون تعبيراً عمّا يُسمّى بالحقيقة المحمّديّة، وهي الصادر الأوّل الذي هو أعلى رتبةً من سائر الخلائق، وبروجه أنوار المعصومين^. ولعلّه معه يندفع ما تقدّم عن السيّد الطباطبائي+ في تفسيره، فتدبّر.
ولو سلّمنا أن المراد أبراج النجوم، كما لعلّه أظهر عرفاً، فما المراد بها في المقام؟
والظاهر: أنَّه اصطلاحٌ في علم الفلك القديم(1)، مع أنَّ علم الفلك الحديث يكذّب ما بنى عليه الفلكيّون سابقاً، إلّا ما كان ضروريّاً أو بديهيّاً، كوجود النجوم. هذا.
وإنَّ مصادر علم الفلك القديم مهملةٌ في هذا العصر، بالإضافة إلى أنَّها قليلةٌ ومجهولةٌ، فالتحديد الاصطلاحي لفهم القدماء في هذه الأُمور بمنزلة المتعذّر.
ثُمَّ إنَّ لنا أن نتساءل عمّا هو الفرق بين الفلك والبرج في علم الفلك القديم أو الهيئة القديمة، مع أنَّ كلاً منهما ذُكر في القرآن الكريم.
أمّا الفلك فقد قال والدي+: إنَّ القدماء كانوا يتصوّرون أنَّ النجم نقطةٌ مضيئةٌ في دائرةٍ متحرّكةٍ كالكرة، وكلّما ابتعدت النجمة كبرت الكرة، وكلّما قربت النجمة صغرت الكرة، مع أنَّ الكرة في موضعٍ ثابتٍ، فإذا تحرّكت
ــــــ[236]ــــــ
(1) أُنظر: كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم 1: 320، البرج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الكرة التي هي الفلك تحرّكت النجمة. وفلك الأفلاك هو الكرة الفائقة على كلّ كرةٍ، فلا نجم فيها، ولذا يؤكّد بعض الفلاسفة(1) على تأثير الأفلاك على الحوادث الأرضيّة لا النجوم، ويحسبون أنَّ لها نفوساً كالنفوس البشريّة، وهي عاقلةٌ متصرّفةٌ مريدةٌ عالمةٌ.
ويُلاحظ أيضاً: أن التقاويم تختلف باختلاف أعراف الشعوب واعتقاداتها، فهناك التقويم الإسلامي المستند إلى الأشهر القمريّة، وهناك التقويم الشمسي، وغيرهما. ولعلّ بعضهم يؤمن بتأثيرها في الحرّ والبرد والربيع والخريف والزراعة وهكذا. وقُسّمت السنة باعتبار الأبراج الاثني عشر إلى اثني عشر شهراً. ويُقال: إنَّ في السنة الشمسيّة اختلاف يومٍ واحدٍ في كلّ أربعة آلاف سنة، بخلاف السنة القمريّة؛ فإنَّها لا تختلّ ولا تتخلّف.
ثُمَّ إنَّ النجوم والأبراج تختلف خلال السنة، فتارةً يبرز الدلو وأُخرى الحوت وهكذا، ويكون بروزه لمدّة شهرٍ، وعندما تبرز البروج كلّها شهراً بعد شهرٍ تُسمّى السنة برجيّةً، وهكذا الحال في الثور والعقرب والميزان والسرطان والجدي وسائر الأبراج، فراجع. ولعلّ الشهر الأوّل يبدأ بالحمل ويختم بالحوت، والله العالم.
وليُعلم: أن النجوم على قسمين: نجومٌ سيّارةٌ ونجومٌ ثابتةٌ، والبروج من القسم الثاني، أي: النجوم الثابتة، وفي الفلك الحديث النجوم المتحرّكة السيّارة هي التابعة للمجموعة الشمسيّة، والنجوم الثابتة هي الخارجة عن
ــــــ[237]ــــــ
(1) أُنظر: التحصيل: 710، الفصل السابع من كتاب الكون والفساد، رسائل ابن سينا 2: 65، رسالة في إبطال أحكام النجوم، ورسائل أبو الحسن العامري: 273، القول في الإمكان التقلّبي.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
المجموعة الشمسيّة، وإنَّما ترى ثابتة بالنسبة إلى الأرض، وإلّا فهي متحرّكة، لكنّنا نراها ثابتةً، ولذا فالأرض متحرّكةٌ لا ثابتةٌ، وإن قد يراها الإنسان ثابتةً؛ لعدم اختلاف نسبة الأرض إلى مكان النجم.
ولـمّا كانت الأبراج الثابتة اثني عشر والنجوم المتحرّكة تسعة، أمكن أن نرى كلّ واحدٍ من السيّارات المتحرّكة في أيٍّ من البروج، فيكون للمشتري 12 برجاً وللمرّيخ 12 برجاً وهكذا. أمّا إذا قلنا: إنَّ السيّارات 12 – بإضافة أُورانوس ونبتون والقمر إليها- فتكون النتيجة: 12× 12= 144 برجاً، أي: حالة برجيّة.
ثُمَّ إنَّه قد يُقال: إنَّ النجوم الثابتة والسيّارة يمكن أن تكون أبراجاً بحدّ ذاتها، ومعه تكون الأبراج 24، عدد الثوابت منها 12، ومثلها عدد المتحرّك. وأمّا الانتقال من برجٍ إلى آخر فمحالٌ؛ إذ لا ينتقل الحوت من برجه إلى برج الميزان، وهكذا.
والوجه فيه: أنَّ الأبراج غير متحرّكةٍ؛ لأنَّها بحسب الفرض ثابتةٌ، فانتقالها من برجٍ إلى آخر خلف ثباتها أو خلف فرض ثبوتها.
فإذا قلنا: إنَّ عدد الأبراج 24 وما فيها 12، كان الحاصل 24×12= 288 حالة برجيّة. ويلزم الرجوع في هذه العلوم إلى أهل الخبرة والاختصاص.
وقد يُلاحظ عليه: كما أنَّ للمرّيخ والمشتري وغيرها أبراجاً أو حالاتٍ برجيّةً، فكذلك للأرض حالاتٌ برجيّةٌ، وكما أنَّ المريخ يكون في المشتري، فكذلك الحال في الأرض، حسب معتقدات الفلك القديم، وهكذا تكون في برج الميزان والحوت …. وعند ملاحظة خصوص الأبراج الثابتة لا المتحرّكة، يكون للأرض أبراج بعدد الأبراج الثابتة، أي: 12 حالةً برجيّةً.
ــــــ[238]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
إلّا أنَّه قد يرد عليه الإشكال القائل بنسبة الأبراج إلى السماء دون الأرض، فلا يوجد في مصادر الفلك القديمة اشتمال الأرض على الأبراج كغيرها.
وفيه: أنَّ الإشكال المزبور إنَّما يرد على علم الفلك القديم خاصّةً.
وقد يُقال: إنَّه لماذا يجب أن نفهم من القرآن المعنى القديم من البرج والفلك ونحوهما من الألفاظ والاصطلاحات الواردة، مع أنَّه يمكننا فهم القرآن الكريم بحسب معطيات علم الفلك الحديث؛ فهو أكثر دقّةً، ويمكن الاطمئنان إلى صحّة نتائجه، بخلاف الفلك القديم المستند إلى الخرافات والاشتباهات، أي: لماذا نحمل معاني القرآن الكريم على معتقداتٍ خرافيّةٍ؟
والجواب عنه: أوّلاً: أنَّ القرآن نزل بلغة العرف وبلسان أهل العرف، وثانياً: أنَّ العرف يستند إلى الفلك القديم لا إلى معطيات الفلك الحديث في شؤون الزراعة والبحر، وهكذا. ومعه يلزم أن ننطلق في فهم معاني القرآن في ضوء المرتكزات العرفيّة.
نعم، لو كان الغرض مراعاة الدقّة المنطقيّة أو الفلسفيّة أو التجريبيّة في التفكير، فلا معنى لتطبيق القرآن على الآراء الموهومة الخرافيّة، ولا يلزم معه الرجوع إلى العرف.
مع أنَّ الفلك الحديث لم يتعرّض للفلك والبرج؛ إذ لم يولِ أهمّيّةً لهذه الاصطلاحات، كعدم تعرّضه للنيرنجات والزيجات وأغلب نتائج الفلك القديم، ما يعني إسقاط غير واحدٍ من ألفاظ القرآن الكريم عن الاعتبار. ومعه لا يمكن أن نفهم قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ}(1).
ــــــ[239]ــــــ
(1) سورة الحجرات، الآيتان: 16-17.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ويلاحظ: أنَّ القرآن يشهد بصراحةٍ بوجود الجنّ والملائكة واليوم الآخر كشهادته بوجود البروج والفلك. فإمّا أن نصدّق القرآن وإمّا أن نصدّق الفلك الحديث، مع أنَّنا لا نستطيع أن نكذّب القرآن بالضرورة.
إن قلتّ: لو أعرضنا عن معطيات الفلك الحديث؛ لعدم وفائه بالجواب عمّا تقدّم، فلا يمكن أيضاً الالتفات إلى معتقدات الفلك القديم؛ لوقوعه في الخطأ والاشتباه في غير واحدٍ من آراءه ونتائجه.
وبعبارةٍ أُخرى: لا يمكن الاعتماد على نتائج علم الفلك الحديث؛ لبطلانه صغرويّاً؛ إذ لم يعتبر هذه المعاني، كما لا يمكن الاستناد إلى نتائج الفلك القديم؛ لبطلانه كبرويّاً؛ لأنَّ أصل مفاهيمه العامّة غير ثابتٍ.
وقد يمكن الجواب عنه: بأنَّ الفلك القديم وإن لم تثبت نتائجه إلّا أنَّه لم يثبت فساد بعض معطياته بالدليل والبرهان، فيبقى في الجملة أُطروحةً محتملةً سارت عليها البشريّة لآلاف السنين، كما في شؤون الزراعة والأمطار والرياح وتفسير الشروق والغروب وقصر الأيّام وطولها. والغرض: أنَّه يمكن الاستناد إلى بعض نتائجه في الجملة كأُطروحةٍ محتملةٍ.
ثُمَّ إنَّه يمكن لنا أن نقدّم لهذه الألفاظ الواردة في القرآن فهماً إجماليّاً دون الخوض في التفاصيل، ونجعل تفسير الفلك القديم قرينةً عليه، لا من باب الاعتماد على نتائجه، بل كقرينةٍ ظّنيّةٍ ناقصةٍ. كما يمكن أن نقدّم فهماً عرفيّاً لهذه الاصطلاحات بالاستعانة بأُسس الفلك القديم؛ لما تقدّم من ارتكاز الفهم العرفي عل الفلك القديم في الجملة.
ويُلاحظ أيضاً: أنَّ الأفلاك والبروج ونحوها من الحوادث السماويّة قد لا تعبّر عن معانٍ مادّيّةٍ، أي: لا يكون في مقابلها معنىً حسّي مادّي، ما يمكن
ــــــ[240]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
معه أن نفسّرها بالملائكة المدبّرة لحركة الأفلاك والكواكب الثابتة والسيّارة، لا سيّما إذا أخذنا بما التزم به الفلاسفة المسلمون من أنَّ الأفلاك والبروج ذوات نفوسٍ قادرةٍ مختارةٍ مدبّرةٍ كالنفوس البشريّة(1).
وقد يُقال: إنَّ المراد بالسماء ذات البروج في الآية أنَّ السماء هي البروج، أي: إنَّ المراد بهما في الآية واحدٌ، وإن لم يكن الاستعمال حقيقيّاً، ولا حاجة معه إلى التعسّف أو اللجوء إلى تفسير الفلك القديم أو الحديث أو تفسيرها بالملائكة.
وفيه: أوّلاً: أنَّه خلاف ظاهر القرآن؛ لأنَّ القرآن الكريم أفاد أنَّ السماء ذات بروجٍ، أي: السماء المشتملة عليها، فبينهما فرقٌ.
وثانياً: أن الاتّجاه المذكور ينطلق من القول بأنَّ السماء عبارةٌ عن طبقةٍ مرتفعةٍ جدّاً تضمّ هذا الكون كلّه ككرةٍ نعيش في داخلها، كما هو الاتّجاه التقليدي المشهور، فيقال: إنَّ هذه الطبقة إحدى البروج، فالسماء هي البروج لا غير.
والحقّ: أنَّ السماء هي الطبقة التي نراها، أي: السماء الأُولى أو السماء الأرضيّة، وهي على ارتفاعها وعلوّها وحجمها ذات بروجٍ، فالبروج موجودةٌ في هذه الطبقة العظيمة من الفضاء.
قال السيّد الطباطبائي+: وفي الآية إقسامٌ بالسماء المحفوظة بالبروج(2).
ويلاحظ عليه: عدم دلالة الآية على أنَّ السماء محفوظةٌ بالبروج، بل في الآية إقسامٌ بالسماء المتّصفة بالبروج، ولا إشارة فيها على حفظها بالبروج، مع
ــــــ[241]ــــــ
(1) راجع ما أفاده مفصّلاً في كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم 3: 1287-1291، فلك.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 249، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
عدم قيام الدليل عليه.
نعم، قد يُقال: إنَّ البروج جزءٌ من السماء ذات الطبقة العظيمة المتكوّنة من 12 أو 288 برجاً، كما مرّ، وكلّ شيء محفوظٌ وباقٍ ومستمرٌّ باستمرار أجزائه، فإذا زالت أجزاؤه زال المجموع، كما في الإنسان وأجزائه من الرأس واليدين والرجلين، فالمراد إذن اشتراك البروج في حفظ السماء، ولعلّ مراده ذلك؛ فإنَّ الشيء يحفظ بمكوّناته، فتكون البروج حافظةً للسماء.
ويلاحظ عليه: عدم دلالة الآية على هذا المعنى، بل الآية تدلّ على وجود البروج في السماء، ولا تدلّ على أنَّه جزءٌ من السماء أو إحدى مكوّناتها، ليُقال بمفهوم الحفظ في المقام.
مع أنَّ السماء من العظمة والحجم بمكانٍ فلا تشتمل على خصوص الأبراج، بل تشتمل على أفلاك وأشياء أُخرى كثيرةٍ جدّاً، ومعه لا يستند حفظ السماء إلى الأبراج؛ إذ لو زالت لما زالت السماء، كما لا يخفى؛ فإنَّ المجموعة الشمسيّة وسائر أبراجها لو اندثرت لبقيت السماء على حالها.
وأضاف+: ولا يخفى مناسبته لما سيشار إليه من القصّة، ثُمَّ الوعيد والوعد(1).
ويلاحظ عليه: أنَّ المناسبة في غير محلّها؛ لأنَّ الكلام في السماء ذات البروج، فأقسم الله بخلقه؛ لأهمّيّة الأمر، بلا دخالةٍ له في قصّة أصحاب الأُخدود الآتية. مع أنَّ القسم لم يقتصر على السماء ذات البروج، بل كان أيضاً باليوم الموعود وشاهدٍ ومشهودٍ، وهي أُمورٌ متباينةٌ، فهل يُقال بارتباطها كلاً أو بعضاً بالقصّة؟!
ــــــ[242]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 249، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قوله تعالى: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ}:
قال في >الميزان<: عطفٌ على السماء وإقسام باليوم الموعود، وهو يوم القيامة الذي وعد الله القضاء فيه بين عباده(1).
أي: إنَّ (اليوم الموعود) عطفٌ على السماء لا على البروج؛ إذ لا معنى للعطف عليها، مع أنَّ الإعراب يُعرف من خلال المعنى.
ولنسأل: هل اليوم الموعود هو خصوص يوم القيامة، فينطبق عليه بنحو التساوي المنطقي، فيكون اليوم الموعود هو يوم القيامة ويوم القيامة هو اليوم الموعود؟ وهذا فرع فهم العهديّة من الألف واللام، أي: هو عهدٌ إلى أهمّ الحوادث في الكون عند بني البشر، لا سيّما مع الوعد به بالضرورة، فيكون أهمّ يومٍ موعودٍ.
أي: هل تحمل الألف واللام على العهد أو على الجنس، مع أنَّ الأصل فيها هو الجنس لا العهد؟
فمع الحمل على الجنس لا يختصّ بيوم القيامة، بل المراد معنىً كلّي – بشهادة اسم الجنس- قابلٌ للانطباق على كثيرين، أي: كلّ يومٍ موعودٍ، وإن كان أهمّ مصاديقه هو يوم القيامة.
إلّا أنَّه قد يُقال: إنَّ يوم القيامة ليس أهمّ المصاديق وأوضحها؛ لأنَّ الملائكة مثلاً وعدوا بيوم وجود آدم، وقوم نوحٍ وعدوا بالطوفان، وقوم لوطٍ وعدوا بقلب قريتهم، وقوم إسرائيل وعدوا بأن يُرفع فوقهم الطور، كما وُعدت البشريّة ببعث النبي الأكرم محمّد’ قبل ظهوره، كما وعد المسيح به
ــــــ[243]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 249، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أيضاً، ووعد الأئمّة بظهور المهدي#، وأنَّي قد أطلقت على كتابي عنوان >اليوم الموعود< في إشارة إلى الوعد بظهور الحجّة القائم بالحقّ×؛ فإنَّه حصّة من اليوم الموعود أيضاً. وقد ذكرت فيه أنَّ البشريّة في عهده ستتكامل على أيدي القادة المعصومين^ لتنتج مجتمعاً معصوماً بالعصمة الثانويّة، لا العصمة الأوّليّة(1).
والوجه فيه: أنَّ الناس ينقسمون إلى المعصوم، أي: الذي تكاملت تربيته، وإلى مَن هو في طريق العصمة، ولو بالعصمة الثانويّة. ولو صحّت تلك النظريّة فنحن موعودون على المدى البعيد بالوصول إلى المجتمع المعصوم. كما أنَّ خلال الغيبة الصغرى توجد تطبيقات للوعد بعلامات الظهور، كالخسف والحمرة والمطر والنداء ونحوها.
إن قلت: إنَّ الوعد يطلق في اللغة على ما هو خيرٌ والوعيد على ما هو شرٌّ، فيقال: وعده وعداً وأوعده وعيداً، فلا يطلق الوعد على الشرّ، إلَّا أنَّه بحسب الوجدان ينطبق على كلّ شيءٍ موعود: خيراً كان أو شرّاً، رضيت به النفس الأمّارة بالسوء أو لا، فرحت به أو حزنت له، وهكذا.
قلت: إنَّ القرآن الكريم بنفسه أطلق الوعد على العذاب الأليم للكافرين، فأطلقه على الشرّ في غير موضعٍ منه(2)، وكأنَّه اعتبر الشرّ خيراً، كما هو كذلك في الحكمة والعدل الإلهي؛ إذ ليس هناك شرٌّ محضٌ؛ لأنَّ رحمة الله وسعت كلّ شيءٍ.
ــــــ[244]ــــــ
(1) أُنظر: اليوم الموعود (موسوعة الإمام المهدي): 512، القسم الثالث، المرحلة الأُولى.
(2) أُنظر: سورة التوبة، الآية: 68، سورة هود، الآية: 65، سورة الأحقاف، الآية: 17، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والغرض: أنَّ الآيات الكريمة طبّقت الوعد على ما تنفر النفس منه أيضاً، سواء قصد به بلاء الدنيا أم جهنّم ونحوهما، وأطلق عليه البشارة بقوله: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}(1) {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}(2). ولعلّ الوجه في البشارة أنَّه لم يدخل الدرك السابع من النار مثلاً، بل أدخله إلى الدرك السادسة من الجحيم، والله أعلم.
ويُلاحظ أيضاً: أنَّ المشتقّات تختلف فيما بينها، فالفعل الماضي (وعد) للخير والمزيد منه (أوعد) للشرّ، ونحوه المصدر منهما (الوعد) و(الوعيد) أو (التوعّد).
أمّا المشتقّات الأُخرى فيمكن انطباقها على المجرّد والمزيد كاسم المفعول، نحو قوله تعالى: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ}، فيمكن أن يقال بأنَّه مشتقٌّ من المجرّد الدالّ على الخير أو المزيد الدالّ على الشرّ. وأمّا اسم المفعول من (توعّد) فهو متوعّدٌ أو متوعّدٌ به، وهو لفظٌ سمجٌ خارجٌ عن اللهجات القرآنيّة المتعارفة.
ثُمَّ إنَّ الواو في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ} واو القسم، والواو اللاحقة لها فيها أوجهٌ ثلاثةٌ: منها القسم، ومنها العطف، ومنها كلا المعنيين، بمعنى: أنَّها تدلّ بالمطابقة على القسم، وإذ كان السياق بحاجةٍ إلى عطفٍ وكان تكرّر الواو سمجاً، أُكتفي بواو القسم عن واو العطف، فحملت كلا المعنيين.
وأمّا قوله تعالى: {وَمَشْهُودٍ} فقال المشهور(3): إنَّ الواو واو العطف،
ــــــ[245]ــــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 3.
(2) سورة الدخان، الآية: 49.
(3) أُنظر: إعراب القرآن وبيانه 10: 431، إعراب القرآن (للنحّاس) 5: 119، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ولا معنى لكونها للقسم.
ويُلاحظ عليه: أنَّه يمكن أن تكون للقسم أيضاً بلحاظها مستقلّةً عمّا قبلها من الآيات، أي: نلحظها قسماً مستقلاً، كما يمكن أن تحمل على العطف والقسم معاً، كما إذا كانت للقسم مع تكرار الواو، فتحمل كلا المعنيين، كما مرّ.
****
قوله تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}:
قال الطباطبائي في >الميزان<: معطوفان على السماء، والجميع قسمٌ بعد قسمٍ على ما أُريد بيانه في السورة وهو – كما تقدّمت الإشارة إليه- الوعيد الشديد لمن يفتن المؤمنين والمؤمنات لإيمانهم والوعد الجميل لمن آمن وعمل صالحاً(1).
والمراد: أنَّ الواو في كافّة الآيات المارّة الذكر للقسم، ولعلّه لوحدة السياق عنده؛ فإنَّ الواو الأُولى للقسم بنحو الجزم، فنشكّ في حكم الواوات اللاحقة، فنقول: إنَّها للقسم أيضاً؛ بوحدة السّياق ما لم يدلّ دليلٌ على الخلاف.
وليعلم: أنَّ الشهادة على نحوين: إثباتي وثبوتي، والمراد من المستوى الثبوتي ما يطلق عليه بتحمّل الشهادة أو المشاهدة أو النظر إلى الواقع، كما إذا شاهد زيدٌ حادثةً مّا أو شاهدنا نحن في المسجد شيئاً مّا عن حسٍّ ومشاهدةٍ، ويعبّر عنها في الفقه والقانون بتحمّل الشهادة، كما إذا شهد زيدٌ على البيع أو العقد أو الطلاق ونحوه.
ويُراد بالشهادة الإثباتيّة أداء الشهادة، بأن يأتي زيدٌ ويقول: رأيت كذا وكذا، سواء بقصد الشهادة أم الإخبار، ومن هذه الناحية تُسمّى الشهادة
ــــــ[246]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 249، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الإثباتيّة.
ولعلّ الشهادة موضوعةٌ بوضعين مختلفين؛ إذ الحسّ والمشاهدة شيءٌ والأداء شيءٌ آخر، لكنّهما في الشهادة الفقهيّة والقانونيّة متلازمان؛ إذ لا معنى لأن يأتي زيدٌ ويشهد على أمرٍ لم يره؛ إذ تكون شهادته كذباً وزوراً حينئذٍ أمام القاضي، والأمر واضحٌ.
ومنه يظهر: أنَّ الشهادة – كما أفاده الطباطبائي+(1)- في (شاهد) و(مشهود) بمعنىً واحدٍ، وهو المعاينة بالحضور، ولا يكون متعلّق الشهادتين أمرين متباينين، بأن يكون الشاهد على السماء والمشهود في الأرض.
نعم، قد يكون بالتجريد العقلي جائزاً، فيكون شاهداً على شيءٍ ومشهوداً على آخر، إلّا أنَّه خلاف وحدة السياق الملحوظة في سائر ألفاظ القرآن ومعانيه وآياته، وإلّا اختلّ السياق.
مع أنَّه لو اختلفت الشهادتان في المقام لكان هناك نحوان من الاختلاف:
الأوّل: الاختلاف بالشهادة الإثباتيّة والثبوتيّة، وهو خلاف الوحدة، ما ينبغي أن يكون كلاهما ثبوتيّين أو إثباتيّين.
الثاني: دلالتهما على مطلبين مختلفين، فيدلّ أحدهما على مطلبٍ وثانيهما على آخر.
ومعه تسقط تلك الوجوه الدالّة على الفرق والاختلاف عن الاعتبار، ولابدّ أن يكون الملحوظ فيهما أمراً واحداً، فيكون الثبوت واحداً والإثبات واحداً أيضاً في الشهادتين معاً.
ــــــ[247]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 249، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ثُمَّ إنَّ ظاهر قوله: (شاهد) الشهادة الإثباتيّة، أي: أن يأتي زيدٌ ويقف أمام القاضي ليشهد على حادثةٍ أو أمرٍ مّا، وإلّا لقال: (مشاهد)، وليس شاهد بمعنى: (مشاهد)، ولذا أفاد السيّد الطباطبائي+ بأنَّ المراد لو كان تأدية الشهادة لكان حقّ التعبير (ومشهود عليه)؛ لأنَّها بهذا المعنى تتعدّى بعلى(1).
وقد يُقال: إنَّ ظاهر القرآن أنَّ الأوّل إثباتي والثاني ثبوتي، ما يختلّ معه السياق، مع أنَّه قد تقدّمت القرينة المتّصلة القائلة بأنَّهما معاً إمّا إثباتيّان أو ثبوتيّان، فيكون عندنا تعارضٌ بين القرائن المتّصلة.
إن قلت: إنَّ الشاهد الثبوتي مشاهدٌ لا شاهدٌ، والمشهود الإثباتي مشهودٌ عليه لا مشهودٌ، وهو على خلاف ألفاظ الآية الواردة.
قلت: إنَّ لفظ الشاهد يمكن فيه كلا الأمرين، أي: (شاهد ثبوتي) و(شاهد إثباتي)، فالذي يتحمّل الجريمة هل يُطلق عليه الشاهد أو المشاهد؟ وكذا الذي يشهد الطلاق أو العقد أو الجريمة؛ فإنَّه عندما يشهد الواقعة يكون مشاهداً حالها، وأمّا نحن الذين نشهدها فنكون شهوداً، ولذا يطلق العرف (الشاهد) بمعنى: (المشاهد)، ومعه يحمل الشاهد كلا المعنيين.
كما أنَّ المشهود يمكن أن يحمل كلا المعنيين، فالعرف يطلق على المشهود أنَّه مشهودٌ عليه، فيصير مشهود بمعنى: (مشهود عليه)، كما أنَّ الشاهد بمعنى: (مشاهد)، فيكون هناك مجالٌ- من ناحية وحدة السياق – لحملها على الجانب الثبوتي أو الجانب الإثباتي.
ثُمَّ إنَّ الشاهد والمشهود في الآية نكرةٌ، ولا فرق في اسم الجنس بين أن يكون محلّىً بالألف واللام وأن يكون مجرّداً عنهما.
ــــــ[248]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 249، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
نعم، في المحلّى بالألف واللام قرينةٌ متّصلةٌ على الاستغراق والشمول لكلّ الأفراد، ولذا يُسمّى بالعموم الاستغراقي. كما أنَّ في النكرة تنوين الوحدة، أي: المفيد للوحدة، فإذا قلنا: أُريد تمرةً، أي: أيّ تمرةٍ بنحو العموم البدلي؛ لأنَّه يصدق على كلّ فردٍ مع قطع النظر عن الفرد الآخر. أو بشرط لا عن الآخر.
إلّا أنَّه شاملٌ لها بنحو العموم البدلي، بل بنحو العموم الاستغراقي أيضاً. ويُلاحظ: أنَّ في النكرة نقطة قوّةٍ للشمول أكثر من الألف واللام؛ لأنَّ في الألف واللام احتمال العهديّة، ومع الاحتمال يسقط احتمال الجنس، ومعه يسقط الاستدلال.
والشاهد في البحث أنَّ (اليوم الموعود) فيها ألفٌ ولامٌ بخلاف (شاهد ومشهود) فإنَّها نكرةٌ، فإن فهمنا منها العهديّة كان إشارةً إلى يوم القيامة، بخلاف ما إذا فهمنا الجنس منها، كما أنَّه إذا أُريد باليوم الموعود استغراق الجنس – أي: العموم الاستغراقي لا العموم البدلي- تعيّنت الألف واللام لا النكرة في المقام.
هذا مع أنَّ دخول الألف واللام على (اليوم الموعود) لأجل الحفاظ على النسق القرآني وسياقه اللفظي؛ لأنَّه لو قال: (ويومٍ موعودٍ) لفسد السياق، بخلاف (شاهد ومشهود)؛ إذ لا يختلّ السياق مع تنكيره.
والوجه فيه: أنَّ الموعود نعتٌ، والمشهود عطفٌ، فاختلف الحال في السياقين والجملتين، ومن هنا كان التنكير في الأُولى مضرّاً وكذا التعريف في الثانية؛ لأنَّ المقصود هو العموم البدلي، مع أنَّه لو دخلت الألف واللام فقال: (الشاهد والمشهود) لأُريد به العموم الاستغراقي أو احتمال العهديّة، وهو خلاف مطلوب المتكلّم.
ــــــ[249]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وذكر في >الميزان<(1) أنَّهم اختلفوا في المراد من (شاهد ومشهود) على ثلاثين قولاً.
أقول: إنَّ القرائن المتّصلة تفيد معنيين من المعاني الثلاثين بعد أن نأخذ بنظر الاعتبار ما تقدّم من أُمورٍ، بما فيها وحدة السياق ودلالة الإثبات والثبوت على المقام ونحوهما.
ثُمَّ إنَّ في المقام قرائن سابقةً ولاحقةً: أمّا السابقة فهي الإشارة إلى يوم القيامة، فإذا فهمنا من اليوم الموعود يوم القيامة كان المراد الشاهد والمشهود في يوم القيامة، ويكون المراد الشهادة الإثباتيّة، كالشهادة على الفرد بذنبه، ويكون الفرد مشهوداً عليه. ويحتمل أن يكون المشهود نفس يوم القيامة، أي: حسّاً وثبوتاً، فالفرد شاهدٌ ليوم القيامة، ويوم القيامة مشهودٌ.
وأمّا إذا قلنا بأنَّ المراد منه ليس خصوص يوم القيامة، بل أيّ يومٍ موعودٍ كظهور النبي’ أو ظهور المهدي×، فيكون المعنى بلحاظه بالتبع؛ إذ يقيم الحجّة القائم بالحقّ الشهود على الظالمين والمجرمين بظلمهم وجرمهم، وهكذا.
وأمّا القرينة اللاحقة فهي الحديث عن أصحاب الأُخدود في قوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}(2). والشهادة هنا هي الشهادة المشار إليها في صدر الآية، ومنه يظهر رجحان احتمال الشهادة الإثباتيّة، يعني: أنَّ فلاناً وفلاناً مذنبٌ، ومع وجود شهود واقفين على الخندق الذي يحرق فيه المؤمنون، وهم
ــــــ[250]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 250، تفسير سورة البروج.
(2) سورة البروج، الآيات: 4-7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
يعلمون أنهم يحرقون المؤمنين ويعلمون أنَّهم مذنبون: {بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}(1). ومعه يمكن الجمع بين القرينتين.
إن قلت: إنَّ ما ذُكر أيضاً من التعارض في القرائن المتّصلة، بعدما ذُكر بأنَّ المراد الشاهد والمشهود يوم القيامة أو في تلك الحادثة المشار إليها في السورة، فيكون المراد أنَّ هؤلاء الكفرة أحرقوا المؤمنين في الخندق، فهاهنا شاهدٌ ومشهودٌ ثبوتاً، أي: حسّاً، ليأتوا يوم القيامة ويقرّوا على أنفسهم بالذنب، فيكون المقصود من السورة الإشارة إلى يوم القيامة.
وقد يُقال أيضاً: إنَّنا فهمنا كلا المعنيين المتباينين من لفظ الشاهد والمشهود، فيكون من قبيل استعمال اللفظ في معنيين متباينين، وهو محالٌ.
وقد يُلاحظ عليه: أنَّ في المقام قرائن متّصلةً على هذا المطلب وذاك، فتتساقط؛ لأنَّ مجموعها يؤدّي إلى ما هو محالٌ.
والتحقيق: أنَّ ما هو محالٌ أن يقصد المتكلّم كلا المعنيين في بيانه أو يفهم السامع معنيين منه، مع أنَّ الاستحالة في المقام ليست عقليّةً بل عرفيّةً.
وهذا إنَّما يتمّ في بعض الألفاظ والمعاني، بخلاف الشهادة؛ فإنَّ لها طرفين: التحمّل والأداء، أي: الثبوت والإثبات، ويمكن أن يكون زيدٌ شاهداً بتحمّله الشهادة وشاهداً بأداءه الشهادة، فيتضمّن لفظ الشاهد كلا المعنيين، ولا يكون من قبيل استعمال اللفظ في معنيين متباينين؛ لأنَّ في المقام معنىً واحداً لا معاني متعدّدةً، فلا استحالة في البين، ويشهد له أنَّ الحديث في السورة عن أصحاب الأخدود {وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}(2).
ــــــ[251]ــــــ
(1) سورة القيامة، الآيتان: 14-15.
(2) سورة البروج، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قال في >الميزان<(1): ولهم في تفسير (شَاهِدٍ وَمَشْهُود) أقاويل كثيرةٌ أنهاها بعضهم إلى ثلاثين.
ويُلاحظ بناء هذه الأقوال في الجملة على تفسير الشهادة بمعنى: أداء ما تحمّل من الشهادة التي أطلقنا عليها الشهادة الإثباتيّة أو على التفريق بين الشاهد والمشهود في معنى الشهادة.
ثُمَّ إنَّه قد تقدّم: أنَّ اليوم الموعود لا يصلح كقرينةٍ على كون المراد منه يوم القيامة؛ فإنَّ يوم الموت يومٌ موعودٌ لكلّ فردٍ على وجه الأرض ولكلّ حيوانٍ أيضاً. نعم، يوم القيامة حصّةٌ من اليوم الموعود.
وأمّا قصّة الأُخدود وإحراق المؤمنين فهو قضيّةٌ في واقعةٍ، ويلزم التجريد عن الخصوصيّة إلى كلّ ما يناسبها من وقائع وحوادث، من قبيل البلاء الدنيوي الواقع على أولياء الله من قبل أعدائه، ومعه يمكن التعميم إلى كلّ شاهدٍ ومشهودٍ.
فتحصّل: أنَّ في المقام ثلاثة مستوياتٍ:
المستوى الأوّل: أنَّ المراد من: الشاهد والمشهود هو مجموع الشهادة الثبوتيّة والشهادة الإثباتيّة، مع حفظ وحدة السياق في كافّة المستويات.
فنقول: إنَّه في ضوء هذا المستوى يكون لدينا شاهدٌ إثباتاً وثبوتاً ومشهوداً إثباتاً وثبوتاً، ولذلك أمثلةٌ متعدّدةٌ:
الأوّل: أنَّ الشاهد هو رسول الله’، والمشهود هو الأُمّة، كما قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً}(2) فيتحمّل الشهادة في حياته ليؤدّيها في يوم القيامة.
ــــــ[252]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 250، تفسير سورة البروج.
(2) سورة الفتح، الآية: 8.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الثاني: أنَّ الشاهد رسول الله’ ثبوتاً وإثباتاً، والمشهود عليه هو نفسه أيضاً بنحو الإثبات؛ إذ تشهد له الأُمّة، في يوم القيامة بالرسالة.
الثالث: أنَّ الشاهد هو الأُمّة، والمشهود سائر الناس، كما إليه الإشارة بقوله تعالى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}(1).
الرابع: أنَّ الشاهد هو الملائكة، وهم كتّاب الحسنات والسيّئات، والمشهود عليه الفرد، فالملائكة يؤدّون الشهادة لله يوم القيامة، فيقولون: قام فلانٌ بكذا وكذا يوم كذا وكذا أمام أعين فلان وفلان، وهكذا.
الخامس: أنَّ الشاهد هو الأعضاء، والمشهود هو المذنب، كما إليه الإشارة بقوله تعالى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ}(2) وقوله تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(3).
السادس: أنَّ الشاهد هو الحجر الأسود؛ إذ يشهد يوم القيامة لمن لزمه وحجّ إليه، لا سيّما مع ظهور بعض الروايات في أنَّه من الملائكة، له عينان وفمٌ وأُذنان، ويشهد يوم القيامة على أنَّ فلاناً وفلاناً وفلاناً حجّوا إلى بيت الله الحرام وحجّهم مقبولٌ(4)، وفي الخبر: >ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج<(5).
ــــــ[253]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 143.
(2) سورة فصّلت، الآية: 21.
(3) سورة النور، الآية: 24.
(4) حسبما رواه في الكافي 4: 185، كتاب الحجّ، باب بدء الحجر والعلّة في استلامه، الحديث 3.
(5) بصائر الدرجات: 385، الباب 17، دعائم الإسلام 1: 76، ذكر مودّة الأئمّة من آل محمّد’ المناقب 4: 184، مستدرك الوسائل 1: 157، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 27، الحديث 247، وبحار الأنوار 24: 123، الباب 42.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ولعلّ من معاني الشهادة في هذا المستوى أيضاً الشهادة أمام القاضي الشرعي، فهناك شهادةٌ ثبوتيّةٌ تحمّلها سابقاً ثُمَّ يأتي ليؤدّيها أمامه. وكيفما كان فالمراد هنا الشاهد والمشهود ثبوتاً وإثباتاً.
المستوى الثاني: أن نفهم منه الثبوت خاصّةً بلا حاجةٍ إلى الإثبات، فكلّ شيءٍ شاهدٌ ومشهودٌ. ولنتكلّم عن أوضح المصاديق في المقام:
الأوّل: أنَّ الفرد شاهدٌ، والشيء الملحوظ له مشهودٌ.
الثاني: أنَّ الله شاهدٌ، والخلق مشهودٌ.
الثالث: أنَّ الفرد شاهدٌ، ويوم القيامة مشهودٌ.
الرابع: أنَّ الفرد شاهدٌ، والدنيا مشهودةٌ.
الخامس: أنَّ المؤمن شاهدٌ، والجنة مشهودةٌ له حين دخوله لها.
السادس: أنَّ الفاسق شاهدٌ، والنار مشهودةٌ له.
السابع – وهو معنى باطني-: أنَّ المؤمن شاهدٌ، والله مشهودٌ، أي: أسماؤه الحسنى وصفاته العليا ونحوها. وإليه الإشارة بقوله×: >لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان<(1).
ثُمَّ إنَّ من معاني الشاهد والمشهود بالمعنى الثبوتي لا الإثباتي أن يُقال:
ــــــ[254]ــــــ
(1) الكافي 1: 97، باب في إبطال الرؤية، الاختصاص: 235، حديث في زيارة المؤمن لله، والإرشاد 1: 224، فصل في مختصرٍ من كلامه، ونحوه في إرشاد القلوب 1: 167، الباب 50، الأمالي (للصدوق): 278، المجلس 47، التوحيد: 108، الباب 8، عوالي اللئالي 1: 405، المسلك الثالث، غرر الحكم: 81، في طرق معرفته، ونهج البلاغة: 258، الخطبة 179، مع فارقٍ يسيرٍ في اللفظ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
(يوم مشهود) كما أفاده القرآن الكريم بقوله تعالى: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ}(1) وقوله تعالى: {وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ}(2).
فنقول: ليس المراد أنَّه يومٌ مشهودٌ، بل المشهود فيه أحداثه ووقائعه، وهو مشهودٌ بنحو الشهود الثبوتي، أي: بالحسّ والمشاهدة؛ لإثارته لمشاعر الفرح أو الغضب أو الحزن أو الألم، لا بنحو الإثبات والإبراز والوصف.
ومعه يمكن تطبيق ما أشار إليه في >الميزان<(3) من تفسير الشاهد والمشهود بيوم الجمعة أو يوم عرفة أو يوم النحر؛ لأنَّها كلّها أُمورٌ ملفتةٌ للنظر، ونحوها تفسيرها بيوم عاشوراء أو يوم القيامة؛ فإنَّ في يوم عرفة ازدحاماً وعبادةً وكذا يوم النحر، كما يزدحم الناس في يوم الجمعة لأداء الصلاة فيه، وهكذا. إلّا أنَّ ذلك كلّه من باب التطبيق لا التعيين.
المستوى الثالث: لحاظ الجانب الإثباتي من الشهادة، أي: البيان والنطق بها. ولعلّ أعلى مصداقٍ له أنَّ الله شاهدٌ، والتوحيد مشهودٌ، كما إليه الإشارة بقوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ}(4).
كما أنَّ المؤمن شاهدٌ، والتوحيد أو لفظه أو معناه مشهودٌ، كما في الآية المتقدّمة، ونحوه الكلام في الملائكة.
ومثاله أيضاً أنَّ الكافر شاهدٌ، والكفر مشهودٌ؛ لكفره وإشراكه بالله
ــــــ[255]ــــــ
(1) سورة هود، الآية: 103.
(2) سورة هود، الآية: 103.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 250، تفسير سورة البروج.
(4) سورة آل عمران، الآية: 18.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
تعالى بقوله: {عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ}(1) أو {الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ}(2)، وهكذا.
وأمّا جواب القسم في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} ففيه إجمالٌ، وفي المقام عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: ما أفاده العكبري(3) من: أنَّ جواب القسم محذوفٌ تقديره: (لتبعثنّ في يوم القيامة)؛ لعدم وجود لفظٍ في السورة صالحٍ للجواب، مع أنَّه لابدّ في القسم من جوابٍ. هذا والمشهور يرى تفسير اليوم الموعود بيوم القيامة، فيكون قرينةً متّصلةً على أنَّ جواب القسم هو البعث يوم القيامة.
ويلاحظ عليه: أنَّ المراد منه حينئذٍ أنَّ الله يقسم بيوم القيامة على وجود يوم القيامة، مع أنَّ وجوده في المقام أوّل الكلام، كما أنَّه يمكننا الاستدلال عليه بقوله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً}(4) ونحوها ممّا يدلّ على صدق الكتاب في إخباراته، ويكون القسم لمن يشكّ في يوم القيامة. نعم، قد يُقال: إنَّ القسم بيوم القيامة والجواب بالبعث، فيه شيءٌ من التغيير الموجب لبلاغة المعنى وفصاحته.
الثانية: أن يُقال بعدم اشتمال السورة على جواب القسم، ففي المقام منطقة فراغٍ إن صحّ التعبير بها، وما أكثر مناطق الفراغ في القرآن الكريم، فمنها ما في قوله تعالى: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَْ}(5) فنقل عرش
ــــــ[256]ــــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 30.
(2) سورة التوبة، الآية: 30.
(3) أُنظر: إملاء ما مَنّ به الرحمن 2: 284، سورة البروج.
(4) سورة النساء، الآية: 122.
(5) سورة النمل، الآية: 40.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بلقيس من اليمن إلى القدس في أقلّ من طرفة العين، بعدما أقسم باسم الله الأعظم، فقال تعالى: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً}(1) أي: لم يقل: (فنقله إليه بعد أن أعطاه الإذن فيه)… إلى آخره؛ لمزيدٍ من البلاغة والفصاحة.
ومع حذف الجواب يمكن تقديره بما شاء من الأُمور الحقّة بلا تخصيصٍ بالبعث أو يوم القيامة أو غيرهما، مع أنَّ في حذف المتعلّق حسن بيانٍ ومزيد فصاحةٍ.
الثالثة: ما ذكره العكبري(2) نقلاً عن غيره من: أنَّ الجواب هو قوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ}(3).
فإن قيل: لا تصلح الآية بألفاظها للجواب، بخلاف قوله: (لتبعثنّ) ونحوها؛ فإنَّها بالفعل المضارع المقرون بلام التوكيد، بخلاف الفعل الماضي (قتل)، فلابدّ أن يُقال: إنَّ المراد: (لتقتلنّ) ونحوه.
وفيه: أنَّه يُقال: إنَّ (لتقتلنّ) المراد منها الإخبار لا الإنشاء، مع أنَّ ظاهر الآية إفادة الإنشاء لا الإخبار.
والوجه فيه: أنَّه إن كان المراد الإخبار عن قتل أصحاب الأُخدود فهم قد قُتلوا، وكان قتلهم خبراً من الأخبار. إلّا أنَّ الكلام في أنَّ التعبير بقوله: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ}(4) دعاءٌ عليهم بالهلاك والبوار، فيخرج عن كونه جواباً للقسم؛ إذ لا معنى لأن يكون جواب القسم مع إفادته الدعاء
ــــــ[257]ــــــ
(1) سورة النمل، الآية: 40.
(2) أُنظر: إملاء ما مَنّ به الرحمن 2: 284، سورة البروج.
(3) سورة البروج، الآية: 4.
(4) سورة البروج، الآية: 4.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والإنشاء. نعم، تصحّ هذه الأُطروحة لو كان المراد بالقتل الإخبار لا الإنشاء.
الرابعة: ما ذكره العكبري(1) نقلاً عن غيره أيضاً من: أنَّ جوابه قوله تعالى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}(2).
وهو وإن صلح جواباً للقسم؛ إلّا أنَّه بعيدٌ جدّاً عن القسم في السورة؛ لتأخّر التعبير به في السورة، بخلاف غيره، فلاحظ.
الخامسة: أن يكون الجواب قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}(3)، مع أنَّه أقرب إلى القسم منه إلى قوله تعالى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}(4).
السادسة: أن يكون الجواب قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ}(5) وهو أقرب من الآية المتقدّمة أيضاً.
السابعة: أن يكون الجواب محذوفاً- أي: إنَّه كان موجوداً ثُمَّ حذف- وهذه الأُطروحة أقرب إلى فهم المتشرّعة؛ لأنَّ المراد أنَّ الله تعالى أقسم على صدق هذه الحادثة وقصّة حرق المؤمنين في الأُخدود، لكن لا بلفظ خاصٍّ، نحو: لتبعثنّ أو لتحرقنّ، بل القسم على صحّة الواقعة لا مجرّد الإخبار عنها، وهذا المطلب في نفسه صحيحٌ.
ثُمَّ إنَّ ما أفاده العكبري من تقدير (لتبعثنّ) في جواب القسم وجيهٌ؛
ــــــ[258]ــــــ
(1) أُنظر: إملاء ما مَنّ به الرحمن 2: 284، سورة البروج.
(2) سورة البروج، الآية: 12.
(3) سورة البروج، الآية: 10.
(4) سورة السورة البروج، الآية: 12.
(5) سورة السورة البروج، الآية: 11.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
لعدم صحّة سائر الأُطروحات المتقدّمة. إلّا أنَّنا لو تنزّلنا عمّا ذكر آنفاً لأمكننا أن نقول: إنَّ الواو في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} ليست للقسم، وإنَّما لمعنى آخر، ومعه فلا نحتاج إلى جوابٍ له، وتكون الواو في الآيات اللاحقة للعطف مثلاً أو للمعنى الذي سنذكره، نحو: ما تقدّم من قولنا من: أنَّها إمّا أن تكون للقسم أو لكلٍّ من العطف والقسم. فهنا أيضاً نقول: إنَّها للعطف وللمعنى الذي سوف نذكره. وحيث إنَّ الجمل لابدّ من تتابعها بالعطف، فقد سدّت – أي: الواو الذي سنذكرها- مسدّ الواو العاطفة هنا، كما سدّت واو القسم مسدّ الواو العاطفة هناك.
وحاصل المعنى الآخر للواو هو: أنَّ الواو واو ربّ، أي: حرف جرّ؛ إذ لا يمكن أن يُقال: إنَّ الواو عاطفةٌ؛ لأنَّ محلّ السماء حينئذٍ هو الرفع لا الجرّ، كما في الآية. ولأجل المحافظة على تعبير الآية بالجرّ نقول: إنَّ الواو حرف جرٍّ، والفارق أنَّ واو ربّ تدخل على النكرات، وفي المقام دخلت الواو على المعرفة؛ لاقتضاء مصلحة البيان ذلك، كإفادة العهديّة إلى هذه السماء أو إعطاء الهيبة والأهمّيّة لها ونحو ذلك.
****
قوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ}:
قال الراغب: الخدّ والأُخدود شقٌّ في الأرض مستطيلٌ غائضٌ، وجمع الأُخدود أخاديد، وأصل ذلك من خدّي الإنسان، وهما ما اكتنفا الأنف عن اليمين والشمال. والخدّ يُستعار للأرض ولغيرها كاستعارة الوجه. وتخدّد اللحم زواله عن وجه الجسم، يُقال: خدّدته فتخدّد(1).
ــــــ[259]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 144، مادّة (خدّ).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أقول: الخدّ يصلح أن يكون مصدراً فنقول: خدّ خدّاً، بمعنى: إيجاد الخدّ، كما يصلح أن يكون اسم مصدرٍ بمعنى الأُخدود نفسه. وإذا أضفنا إليهما خدّ الإنسان صارت المعاني ثلاثةً.
وليس المقصود من التشبيه بخدّ الإنسان بيان الارتفاع، وإلّا فالأُخدود منخفضٌ والخدّ مرتفعٌ، فينبغي التمثيل للخدّ بالجبل، كما أنَّ الملحوظ في الأنف الانخفاض بلحاظ جانبيه، نظير الأُخدود الذي هو عبارةٌ عن انخفاضٍ؛ لاشتماله على حفرةٍ مستطيلةٍ كالأُخدود، فسمّي به.
وأمّا قوله: (تخدّد اللحم زواله عن وجه الجسم) فليس المراد موت الإنسان وزواله بزوال لحمه، بل هو من التسامح في التعبير؛ لأنَّ التخدّد في اللحم عبارةٌ أُخرى عن حصول حفرٍ وأُخاديد فيه، وإنَّما يتخدّد الجلد مع زوال اللحم عنه نتيجةً للتقدّم في العمر.
وليس الغرض في المقام سرد قصّة أصحاب الأُخدود؛ فإنَّ لها موضعاً آخر، كما ذكر في >الميزان<(1) روايات عدّة عن أصحاب الأُخدود، ثُمَّ قال: ولا يبعد أن يستفاد أنَّ حديث أصحاب الأُخدود وقائع متعدّدة وقعت بالحبشة واليمن والعجم، والإشارة في الآية إلى جميعها، وهناك روايات تقصّ القصّة مع السكوت عن محلّ وقوعها.
ونعم ما أفاد؛ لأنَّ هذه القصص والوقائع تشترك كلّها في أمرين رئيسين:
الأوّل: ظلم الكفّار للمؤمنين.
ــــــ[260]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 257، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الثاني: وقوع الحرق في الأُخدود، أي: إنَّ الظالمين لم يعذّبوا المؤمنين أو يقتلوهم بالطرق المألوفة، بل حفروا لهم وأحرقوهم فيها.
والحاصل: أنَّ القصة كلّيّة قابلةٌ للانطباق على كثيرين؛ لأنَّ المهمّ في المقام ليس ذكر التفاصيل كقتل زيدٍ ونجاة بكرٍ وإيمان عمروٍ، بل المراد الإشارة إلى فكرةٍ عامّةٍ، وهي حرق الكافرين للمؤمنين داخل الأُخدود، وقد تكرّرت هذه الواقعة في غير مرّةٍ بلحاظ الزمان، بلا اختصاص بزمانٍ أو مكانٍ دون آخر.
ثُمَّ إنَّه لا دلالة في الآية على حفر الأُخدود، بل كان موجوداً مسبقاً بوجودٍ طبيعيٍ أو كان بالعمل البشري، فأدخلوا المؤمنين فيه وقاموا بإحراقهم، مع أنَّ القرآن ليس بكتاب تأريخٍ ليسرد قصص الأوّلين والآخرين، وإنما أشار إلى وجود أُخدودٍ في منطقةٍ مّا تمّت فيها الواقعة.
كما وقع المفسّرون في حيص بيص في بيان المراد من قصّة أصحاب الأُخدود، وفي المقام احتمالاتٌ متعدّدةٌ نشير إلى اثنين خاصّةً:
الأوّل: أنَّ أصحاب الأُخدود هم الكفّار، وهو الأوفق بالفهم المتشرّعي؛ فإنَّ المراد بهم الكافرون الظالمون الذين أحرقوا المؤمنين واعتدوا عليهم.
ويشهد له: أنَّهم كانوا أصحاب يدٍ على الأُخدود، فنسبة الأُخدود إليهم كما هو ظاهر الآية أولى من نسبته إلى غيرهم. كما يشهد له ما أفاده السيّد الطباطبائي+ من عود الضمائر في قوله تعالى: {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا} و{هُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ} و{مَا نَقَمُوا} إلى الجبابرة الناقمين لا إلى المؤمنين المعذّبين(1).
ــــــ[261]ــــــ
(1) راجع الميزان في تفسير القرآن 20: 251، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ومعه فلا يرد الاحتمال الثاني القائل بأنَّ المراد بأصحاب الأُخدود هم المؤمنون والمؤمنات الذين أُحرقوا في الاخدود؛ لما تقدّم؛ إذ لا يعقل أن يكون المؤمنون هم الناقمين منهم.
وقد يُقال: إنَّ أصحاب الأُخدود هم الجمهور المشاهد لعمليّة الحرق والقتل، ولعلّه يمكن نسبة أصحاب الأُخدود إليهم؛ لأنَّهم شاهدوا الحادثة وجمع المؤمنين في الأُخدود، مع أنَّه جرت العادة على حضور جماعةٍ تشهد تلك الحوادث الهامّة. مع أنَّهم كانوا مؤيّدين لهؤلاء الكفرة الفجرة وقصّروا في الدفاع عن المؤمنين المظلومين، فيلحقون بالكفّار والظلمة، وإن لم يكونوا كافرين؛ لقوله×: >من شهدنا في حربنا أو سمع واعيتنا فلم ينصرنا، أكبّه الله على منخريه في النار<(1).
وأمّا (قتل) فقد وقع المفسّرون أيضاً في معركةٍ للآراء في بيان المراد منه(2)؛ لأنَّ ظاهر الفعل الماضي هو الإخبار، إلّا أنَّ في المقام احتمالاً راجحاً آخر مشفوعاً بالقرائن، وهو إرادة الإنشاء، فهو مردّدٌ بين الإخبار بحسب طبعه الأوّلي والإنشاء لمكان ظهوره وقرائنه.
ــــــ[262]ــــــ
(1) الخصال 2: 624، علّم أمير المؤمنين× أصحابه في مجلسٍ واحدٍ …، تحف العقول: 115، وبحار الأنوار 10: 104، الباب 7. ونحوه في الأمالي (للصدوق): 154، المجلس 30، تفسير فرات الكوفي: 366، سورة الزمر، ثواب الأعمال: 259، عقاب من سمع واعية أهل البيت^ …، ورجال الكشّي: 113، مع اختلافٍ في اللفظ.
(2) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 286، تفسير سورة البروج، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 297، تفسير سورة البروج، الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل 4: 730، تفسير سورة البروج، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والمراد بالإخبار الإشارة إلى حصول تلك الحادثة وقتل أصحاب الأُخدود المؤمنين بالحرق والنار، وهو متوّقفٌ على أن يكون المراد بهم – أي: بأصحاب الأُخدود- الكفّار الناقمين من المؤمنين، إلّا على تأويلاتٍ بعيدةٍ.
وأمّا الإنشاء فالغرض منه الدعاء عليهم بالهلاك والزوال، كما لو قيل: إن شاء الله يقتلون ويزولون عن بكرة أبيهم. وقد أشارت المصادر إلى كلا المعنيين من الإخبار والإنشاء ورجّح السيّد الطباطبائي+ معنى الدعاء(1)، وهو المختار عندنا أيضاً. ويؤيّده ما تقدّم من: أنَّ أصحاب الأُخدود هم الكفّار الظلمة، والمراد الدعاء عليهم بالبوار والهلاك والاضمحلال.
ويبنبغي الإشارة في المقام إلى أُمورٍ:
الأوّل: أنَّه لو كان المراد بأصحاب الأُخدود الكفّار الظلمة لتعيّن إرادة الإنشاء والدعاء؛ إذ يُراد بيان احتقارهم وإهانتهم، كما هو أيضاً مفاد قوله تعالى: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}(2). وليس المراد هنا قتل البشريّة كلّها والإخبار عن القتل، بل الغرض الدعاء على الكافرين والمجرمين منهم خاصّةً. وأمّا لو كان المراد بأصحاب الأُخدود المؤمنين الداخلين فيه فيتعيّن أن يكون قوله تعالى: {قُتِلَ} أخباراً عن حصول قتلهم وإحراقهم بالنار، كما يصلح أن يكون جواباً للقسم حينئذٍ، بخلاف ما لو تعيّن الإنشاء؛ فإنَّه لا يصلح جواباً له، مع أنَّه قد تقدّم منّا رجحان الإنشاء في الآية.
الثاني: أنَّه لو كان المراد بهيئة القتل الدعاء عليهم بالزوال، لم يكن المراد بمادّة القتل الأمر بالقتل حقيقةً، بل المراد مطلق الهلاك والبوار لأجل تنقيص
ــــــ[263]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 251، تفسير سورة البروج.
(2) سورة عبس، الآية: 17.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
منزلتهم وتحقيرهم. كما لا يُراد به الفعليّة؛ لأنَّهم كانوا حين نزول القرآن في عداد الموتى، كما لا معنى لتمنّي هلاكهم وزوالهم حينئذٍ؛ لأنَّهم كانوا هالكين في زمان النزول. وعليه فلا معنى للأمر بقتلهم، كما لا قيمة للدعاء عليهم بالهلاك والزوال.
بل الغرض أمران: الأوّل: بيان تحقيرهم وتنقيص منزلتهم، وهو كافٍ في بيان النكتة البلاغيّة. والثاني: أن يكون المراد الأعمّ من الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، فلو حصل ذلك في المستقبل أمكن أن يكون (قتل) بقتلهم أو تمنيّاً لزواهم أو دعاءً عليهم بالزوال، وإلّا كان الدعاء عليهم بالبوار بعد هلاكهم من تحصيل الحاصل، وهو ممنوعٌ.
****
قوله تعالى: {النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ}:
قال الراغب: يُقال: وقدت النار تَقدِ وُقوداً ووَقداً، والوقود يُقال للحطب المجعول للوقود ولما حصل من اللهب. قال: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}(1) {وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ}(2) {النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ}(3) …(4).
أقول: ويستفاد من كلام الراغب أنَّ (الوقود) بالفتح له عدّة معاني.
الأوّل: المصدر، وهو الإيقاد.
الثاني: ما حصل من اللهب، وهو معنى اسم المصدر، أي: نتيجة
ــــــ[264]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 24.
(2) سورة آل عمران، الآية: 9.
(3) سورة البروج، الآية: 5.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 566، مادّة (وقد).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الإيقاد، فاللهب هو الوقود.
الثالث: ما يوضع في النار من خشبٍ ونحوه، كما إليه الإشارة بقوله تعالى: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}(1)، أي: إنَّ مادة الإيقاد في النار الناس والحجارة.
الرابع: أن يكون إشارةً إلى قوله تعالى: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ}(2)، فقوله تعالى: {النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ}(3)، أي: ذات لهب.
الخامس: أنَّ الوقود بالفتح قد يُستعمل بمعنى الوقود بالضمّ مجازاً؛ لتماثلهما في اللفظ، مع وجود العلاقة بينهما بلحاظ الوقود والاشتعال وشدّة التوقّد.
ولعلّ الأُطروحات المتقدّمة كلّها محتملةٌ في المقام، والغرض إفادة الترهيب والتخويف وإعطاء الهيبة للسامع من وصف النار بأنَّها ذات وقودٍ؛ لكي يحذرها ويخافها ويتجنّب ما يؤدّي إليها.
والغرض: أنَّ المراد بالآية النار ذات الاشتعال، أي: وصفها بشدّة التوهّج بشكلٍ مخيفٍ وملفتٍ للنظر. ثُمَّ إنَّ وقودها من الخشب ونحوه كالنفط والقير.
وقد تكون الآية إشارةً إلى المؤمنين المعذّبين فيها، فصاروا وقوداً فيها بحسب الحادثة، كما يرشد إليه في موضعٍ آخر قوله تعالى: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}(4). فمن جملة وقودها نفس البشر، فكذلك هذه النار قد رمي فيها
ــــــ[265]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 24.
(2) سورة المسد، الآية: 3.
(3) سورة البروج، الآية: 5.
(4) سورة البقرة، الآية: 24.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
البشر أيضاً.
لكن يبقى إشكالٌ في المقام، وهو أنَّ الجسم البشري لا يصلح أن يكون وقوداً للنار؛ لكثرة رطوبته من دمٍ ولحمٍ، وليس هو من قبيل الخشب اليابس والفحم والنفط، والكلام ليس في النار الأُخرويّة؛ فإنَّ لها شأناً آخر، بل الكلام في النار الموقودة داخل الأُخدود؛ لأنَّ قوانين الآخرة غير قوانين عالم الدنيا. أي: كيف يتمّ قوله تعالى: {النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ} في إشارته إلى حرق المؤمنين بالنار وقوداً لها، مع عدم صلاحيّة أجسامهم للوقود؟
والجواب عنه بالحمل على نحوٍ من التجوّز لا الحقيقة، مع أنَّ الإنسان لو رُمي في النار سقط في أسفلها، فلا يقع فوق النار كالقدر، أي: إنَّ المؤمنين وُضعوا في النار وأُحرقوا فيها، فصاروا محلاً للوقود بضربٍ من المجاز.
إن قلت: إنَّ المجاز خلاف الأصل، كما مرّ غير مرّةٍ، والأصل الحمل على الحقيقة، ومعه فلابدّ من أن يكون الوقود فيها ما يصلح لها كالخشب ونحوه، ولا يصحّ استعمال الوقود في المؤمنين.
قلت: إنَّنا نسلّم بأنَّ أصالة الحقيقة هي الأصل، ولكنّنا نقول: إنَّ استعمال المجاز مع القرينة ممّا لا إشكال فيه قطعاً، فمن المحتمل أن تكون الآية قد أشارت إلى ذلك مجازاً مع القرينة، كما في المقام، فتدبّر.
إن قلت: لماذا وُصفت النار بأنَّها ذات وقودٍ، مع أنَّ كلّ نارٍ بالطبع ذات وقودٍ؟ أي: ليست هناك نارٌ بلا وقودٍ ليحتاج إلى الوصف المذكور.
قلت: أوّلاً: إنَّ النسق والسياق القرآني متوقّفٌ على إفادة هذا المعنى، وإلّا لاختلّ السياق وفسد النسق بالقول: (النار الموقودة) ونحوها.
وثانياً: ما أفاده السيّد الطباطبائي+ بالقول: وفي توصيف النار بذات
ــــــ[266]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الوقود إشارةٌ إلى عظمة أمر هذه النار وشدّة اشتعالها وأجيجها(1).
أي: ما تقدّم منّا آنفاً من إفادة التخويف والترهيب والإيحاء بالهيبة والرهبة للسامعين.
وقد يكون المراد إشارةً إلى خوف المؤمنين المعذّبين في النار؛ فإنَّهم عندما أُحضروا إلى الاّخدود خافوا ورهبوا واشتدّ رعبهم، مع إيمانهم بالله العزيز الحميد.
وقد يُلاحظ على عبارة السيّد الطباطبائي+ تعبيره بالتوصيف؛ إذ لم يرد في اللغة ذلك، بل الوارد التعبير عنه بالوصف؛ لأنَّ الوصف بلحاظ ماهيّة الشيء كالبياض والسواد، وأمّا التوصيف فهو بيان الوصف وإبرازه، ولذا اضطرّوا إلى تغيير العبارة بتغيير المعنى، إلّا أنَّه لم يرد في اللغة الفصحى التعبير بالتوصيف.
نعم، لو قلنا بعدم لزوم التعبّد باللغة الواردة وعدم التوقيف فيها، صحّ التعبير بمثله وغيره، إلّا أنَّ المشهور وتبعهم الطباطبائي+ يقولون بتوقيفيّة اللغة(2).
ونحوه التعبير بأجيجها؛ إذ المعهود الاشتقاق له بالتأجّج، فيُقال: تأجّجت النار. نعم، قد يكون (أجيج) نظير (عجيج) و(ضجيج)، ولعلّه قياسي.
ــــــ[267]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 251، تفسير سورة البروج.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 8: 358، نهج البيان عن كشف معاني القرآن 1: 119، والتبيان في تفسير غريب القرآن: 235، تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 1: 222، زيدة التفاسير (للكاشاني) 1: 120، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ثُمَّ إنَّه لا يكفي التعبير بقوله: (إشارة إلى عظمة أمر هذه النار)؛ لأنَّ كلّ نارٍ ذات وقودٍ في الجملة، فلا دخل لذلك في عظمة النار، وإنَّما ينبغي أن نفهم من لفظ الوقود كثرته وشدّة إيقاده للنار؛ بما فيه من موادٍّ مخيفةٍ تساعد على الاشتعال أو الانفجار. والغرض: أنَّ بيان الرهبة والخوف يُستفاد من السياق في الآية لا من اللفظ، مع أنَّ إفادة الرهبة من خلال كثرة الوقود وشدّته.
****
قوله تعالى: {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}:
قال الطباطبائي في >الميزان<: أي: في حال أُولئك الجبابرة قاعدون في أطراف النار المشرفة عليها(1).
ويُلاحظ: أنَّ السيّد الطباطبائي+ اختصر بيانه بهذه الجملة واكتفى بهذا المقدار من التفسير، مع أنَّ فيه كلاماً طويلاً.
ثُمَّ إنَّ (قعود) مصدر قعد قعوداً، من باب وصف الذات بالمصدر، ويُراد به هنا اسم الفاعل، أي: قاعدون، كما تقول: زيدٌ عدلٌ، أي: عادلٌ، وتقول: هم فيها نزولٌ، أي: نازلون. والاستعمال المذكور ملحوٌظ في اللغة، وإن لم يكن قياسيّاً؛ لأنَّه مخالفٌ للقاعدة، فلا يُقال – كما يُقال: زيدٌ عدلٌ-: زيدٌ ظلمٌ أو علمٌ، وإلّا فإنَّ حمل المصدر على الذات قد يكون بلا معنى.
ثُمَّ إنَّ (قعود) مفردٌ، إلّا أنَّه حمل على الجمع بالضمير (هم)، فيكون مجازاً وجائزاً بحسب اللغة، كما يُقال: هم نزولٌ. ويلزم هنا الالتفات إلى أمرين:
ــــــ[268]ــــــ
(1) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الأوّل: أنَّ المصدر لا يجمع في اللغة العربيّة، فيلزم التعبير عن معنى المفرد والجمع معاً بالمفرد، أي: بإيراد اللفظ المفرد وإرادة الجمع منه في مواضعه، أعني: يُعرف المراد – جمعاً كان أو مفرداً- بالقرينة.
الثاني: أنَّ المصدر بمنزلة اسم الجنس، فيصدق على كثيرين، كما في الفجر والنهار واليوم وغيرها، ولا يقتصر ذلك على الأسد والإنسان ونحوهما، بل اسم الجنس كلّي قابلٌ للصدق على كثيرين، وقعود مفردٌ، وهو اسم جنسٍ قابلٍ للانطباق على كثيرين، ما يصلح معه للحمل على الجمع، كما تقدّم.
وباعتبار انطباقه على المتعدّد يلاحظ: أنَّه لو أُسند إلى المفرد كان غلطاً، فلا يقال: (زيدٌ عليها قعودٌ) بخلاف قوله: (وهم عليها قعودٌ)، كما لا يصحّ أن نقول: زيدٌ قعودٌ أو نزولٌ، بخلاف قولنا: زيدٌ عدلٌ، وهكذا.
وفي مرجع الضمير في (هم) أُطروحتان:
الأُولى: ما اختاره السيّد الطباطبائي+ من أنَّ المراد به الكفّار الجبابرة القاعدين على النار المشرفين عليها، وإليهم أيضاً ترجع الضمائر في الآيات السابقة، فلاحظ(1)، إلّا فيما دلّ الدليل على خلافه، كما في قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}(2).
ويُلاحظ عليه: أنَّ (على) حرفٌ دالٌّ على الاستعلاء، فيكون الاستعلاء في المقام بنحو المجاز؛ لأنَّ الكفّار الجبابرة ليسوا واقفين على النار، بل هم على الأرض، بخلاف المؤمنين. أي: لو حملنا الاستعلاء على معناه الحقيقي ناسب
ــــــ[269]ــــــ
(1) راجع الميزان في تفسير القرآن 20: 251، تفسير سورة البروج.
(2) سورة البروج، الآية: 8.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
رجوع الضمير إلى المؤمنين لا الظالمين؛ لأنَّهم على النار حقيقةً. وأمّا دلالة وحدة السياق فسيأتي الكلام عنها لاحقاً.
الثانية: أن يُقال بعود الضمير إلى المشاهدين الناظرين إلى الواقعة وحرق المؤمنين؛ لاحتمال وجودهم آنذاك، ويرشد إليه قوله تعالى: {وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}(1). أي: إنَّ بعض الناس من الحاضرين لتلك الواقعة كانوا شهوداً على ما يُفعل بالمؤمنين.
وأمّا وحدة السياق في الضمائر فهي منوطةٌ بفهم المراد من أصحاب الأُخدود، وقد تقدّم أنَّ المراد بهم: إمّا الكفّار أو المؤمنون أو المشاهدون لهم، ومعه ترجع الضمائر إلى أصحاب الأُخدود على واقعهم، إلّا فيما دلّ الدليل على خلافه.
فإن أُريد من أصحاب الأُخدود الكفار صحّ كلام المشهور وما تقدّم عن السيّد الطباطبائي+ برجوع الضمير في الموارد كافّة إلى الجبابرة المعذّبين للمؤمنين إلّا فيما خرج بدليلٍ، كما مرّ.
وهكذا لو أُريد من أصحاب الأُخدود الحضور ممّن شاهد تلك الحادثة، ولذا يصحّ أن يُقال بأنَّهم أيضاً كانوا ناقمين على المؤمنين لإيمانهم، فيكونون طاغين أيضاً كالجبابرة بلا فارقٍ.
إلّا أنَّه على كلا الأُطروحتين يبقى الاستعلاء مجازيّاً؛ لأنَّ كلاً من الكفّار والمشاهدين لم يكونوا واقفين على النار حقيقةً، بخلاف المؤمنين. وحينئذٍ فهل يمكن أن نفهم من أصحاب الأُخدود المؤمنين، وترجع الضمائر إليهم في المواطن كلّها إلّا فيما خرج بدليل؟ فنقول: (إذ هم – أي: المؤمنون- عليها
ــــــ[270]ــــــ
(1) سورة البروج، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قعود) بخلاف قوله في الآية اللاحقة: {وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}(1) فيكون المراد منها الكفّار الظالمين.
وقد نطعن بالكبرى، أي: بالقول بلزوم مراعاة وحدة السياق في الضمائر، بل نلتزم بعود كلّ ضميرٍ إلى ما يخصّه، فيكون مرجع الضمائر ثلاثة: الكفّار والمؤمنين والحضور.
ولعلّ التحقيق أن يُقال: إنَّ وحدة السياق في غير محلّها؛ لأنَّ وحدة السياق ليست قاعدةً نحويّةً، بل عبارةٌ عن مناسباتٍ سياقيّةٍ من قبيل مثلاً حمل الأوامر على الاستحباب ونحوها. وأمّا قضيّة مرجع الضمائر فلها قانونها الخاصّ بها، ولا ترتبط بوحدة السياق.
والغرض: أن المراد: (قُتل أصحاب الأُخدود. النار ذات الوقود. إذ هم عليها قعودٌ – أي: المؤمنون-. وما نقموا – أي: الكفّار والمشاهدون الحاضرون- منهم إلّا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، أي: الجبابرة الكفرة). أي: يرجع كلّ ضميرٍ إلى حسب شأنه. إلّا أنَّه يرد عليه بأنَّ الضمائر لابدّ لها من مرجعٍ محدّدٍ، فهل هناك من قرينةٍ على إرجاع كلّ ضمير إلى صاحبه، كما تقدّم منّا آنفاً، أي: بالرجوع إلى القرائن والمناسبات في الآية ما لم يدلّ دليلٌ على الخلاف؟
ولعلّ القرينة في المقام على اختلاف عود الضمائر هو الاستعلاء الحقيقي؛ لأنَّه قال: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ}(2) أي: إنَّ الاستعلاء الحقيقي قرينةٌ على كون المراد منهم المؤمنين. وأمّا
ــــــ[271]ــــــ
(1) سورة البروج، الآية: 7.
(2) سورة البروج، الآيات: 4-6.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قوله: {وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}(1) ففيه قرينةٌ على عود الضمير إلى الحضور المشاهدين للواقعة، والشهادة إمّا أن يُراد بها الشهادة الثبوتيّة أو يُراد بها الشهادة في يوم القيامة، فيشهدون على الفعل آنذاك.
وليعلم: أنَّ الإنسان لا يشهد على نفسه إلّا بنحو المجاز، والحقّ التعبير عنه بالإقرار والاعتراف، فالشهادة من شخصٍ على آخر، وأُولئك الحضور سيشهدون في يوم القيامة على أنَّ زيداً وخالداً وبكراً فعلوا كذا وكذا، وهو قرينةٌ على أنَّ الشهود هم المتفرّجون والمشاهدون.
****
قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}:
أي: إنَّما فعل الكفّار الجبابرة ذلك لأنَّهم نقموا منهم. وقوله: {أَنْ يُؤْمِنُوا} مصدرٌ منسبكٌ مفعولٌ به لقوله: {نَقَمُوا}.
وقد يُقال: إنَّ (إلّاَ) الاستثنائيّة مانعةٌ عن أن يكون مدخولها مفعولاً به لما قبله؛ لأنَّها تفصل بينهما.
والصحيح: أنَّ (إلّاَ) لا تمنع التعدّي إلى المفعول، ولذا يُقال: ما جاء إلّا زيدٌ، فيكون (زيدٌ) فاعلاً، ونقول: ما أكلت إلّا الخبز، فيكون (الخبز) مفعولاً به، ونحوه الكلام في الآية، فيكون المراد: (وما نقموا منهم إلّا إيمانهم بالله العزيز الحميد) فيكون في محل نصبٍ أيضاً.
وقد يُقال: إنَّ الفعل (نقم) لا يتعدّى إلى المفعول إلّا بالحرف، فلا تقول: (نَقِمَه)، مع أنَّه تعدّى في المقام إلى المصدر المنسبك، فيرد الإشكال.
ــــــ[272]ــــــ
(1) سورة البروج، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وقد يُقال أيضاً: إنَّه لا ينصب مفعولاً؛ لأنَّه غير متعدٍّ، بل هو فعلٌ لازمٌ لا يتعدّى إلّا بالحرف، وهنا قد تعدّى بالحرف وهو(منهم) فاستوفى حاجته بالجارّ والمجرور، فكيف ينصب مفعولاً؟
ولعلّ الجواب عمّا تقدّم أن يُقال: إنَّ قوله: {أَنْ يُؤْمِنُوا} ليس مفعولاً به أو يقال: إنَّ هذا التوهّم فاسدٌ، فنطعن في أصل الكبرى ونقول: يُقال: نقمت عليه فعله ونقمت منه اعتدائه، ومعه يجمع بين الجارّ والمجرور وبين المفعول به، فيكون على طبق القاعدة والقياس في اللغة.
نعم، يُلاحظ: أنَّ الإسناد في المفعول به مجازي بإقامة الفاعل محلّ المفعول؛ لأنَّنا حينما نقول: (نقمت منه اعتداءه) يكون الاعتداء سبب النقمة لا مفعول النقمة، فيكون الاعتداء فاعلاً لا مفعولاً، وإن كان بحسب اللفظ والتعبير منصوباً على المفعوليّة، ولعلّه من إقامة الفاعل مقام المفعول. ونحوه الكلام في الآية؛ إذ يقال: إنَّ إيمانهم كان سبباً لتعذيبهم والانتقام منهم بالإحراق، وأمّا المفعول به فيقوم على أساس فكرة المعلوليّة في الجملة لا العلّيّة، والله العالم.
وأمّا مادّة الكلمة (نقم) فقد قال الراغب: نَقِمت الشيء ونَقَمته إذا نكرته: إمّا باللسان وإمّا بالعقوبة. قال تعالى: {وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ}(1) {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ} {هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا}(2) الآية.
والنقِمة العقوبة. قال: {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ}(3) {فَانتَقَمْنَا
ــــــ[273]ــــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 74.
(2) سورة المائدة، الآية: 59.
(3) سورة الأعراف، الآية: 136.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
مِنْ الَّذِينَ أَجْرَمُوا}(1) {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}(2)(3).
ويُلاحظ: أنَّ الراغب الأصفهاني – كغيره من أهل اللغة- يخلط بين الفعل الثلاثي والرباعي وبين الثلاثي المزيد، وكأنَّ المراد في كلامه أنَّ نقم وانتقم بمعنىً واحدٍ، وهو توهّمٌ فاسدٌ، والظاهر أنَّ الرباعي – أي: المزيد- موضوعٌ بوضعٍ ثانٍ لمعنى آخر قريبٍ أو مماثلٍ لوضع الثلاثي، لا أنَّه عينه، كما أنَّ الهيئة فيه مختلفةٌ، مع أنَّ الصحيح عندنا إطلاق الرباعي عليه لا المزيد.
والفارق بين الثلاثي والرباعي أو المزيد أمران:
الأوّل: في المعنى: فالانتقام هو العقوبة، والنقمة هي الإنكار أو الحقد، ولعلّ الثلاثي يرجع إلى العاطفة، والرباعي إلى العمل والإنجاز، أي: إنجاز العقوبة ونحوها.
الثاني: أنَّ الثلاثي في المقام (نقم) قد يتعدّى إلى المفعول وقد لا يتعدّى، كما في الآية: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا} فإنَّ المصدر المنسبك بمنزلة المفعول، بخلاف الرباعي؛ فإنَّه لا يتعدّى إليه، فلا يقال: انتقمه. وعلى هذا الضوء يعرب المصدر المنسبك من (أنْ) والفعل على أنَّه مفعول به للفعل (نقموا).
وقد يقال – كأُطروحةٍ-: إنَّ (ما) اسم موصولٍ مبتدأ، والمراد: (والذي نقموا منهم كذا وكذا) والمصدر المنسبك خبرٌ، أي: إيمانهم، أي: الذي نقموا منهم هو إيمانهم، ومعه فلا حاجة إلى إعراب المصدر المنسبك في الآية على أنَّه مفعول لنقموا، ليشكل بأنَّ الفعل غير متعدٍّ، بل يكون المصدر خبراً، وقوله:
ــــــ[274]ــــــ
(1) سورة الروم، الآية: 47.
(2) سورة الزخرف، الآية: 25.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 525-526، مادّة (نقم).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
(نقموا) صلة الموصول.
إلّا أنَّه يرد إشكالٌ في المقام حاصله وقوع الفاصل بـ(إلّا) بين المبتدأ والخبر حينئذٍ، فتدبّر ولاحظ.
ثُمَّ إنَّه يلزم التنبيه على استعمال {الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} في الآية دون العلّي العظيم مثلاً، فلِمَ لم يقل: العلّي الكبير مثلاً؟
والحقّ: أنَّ هناك نكتةً في المقام، فلا يصحّ أن يقال: إنَّ كتّاب الوحي كانوا يكتبون ما يشاؤون وكان رسول الله’ يصحّح لهم كتابتهم. والوجه في عدم جواز التبديل مكان بعضها الآخر أمران:
الأوّل: وجوب التعبّد بالألفاظ النازلة عن طريق الوحي على قلب رسول الله’، سواء أدركنا لها وجهاً مفهوماً أم لا، كما في الحروف المقطّعة في أوائل السورة القرآنيّة، فلا يصحّ استبدالها بحروفٍ أُخر؛ لقصورنا عن إدراك حقيقة المراد منها.
الثاني: أنَّ التبديل والتغيير مفسدٌ للمعنى ومخلٌّ بالسياق المطلوب، ولو تنزّلنا عن الوجه الأوّل، وقلنا بجواز التبديل، لما جاز التبديل لغةً، فعلى كلا الجهتين التبديل ممتنع.
وهكذا الكلام في الأسماء الحسنى المستعملة في القرآن الكريم على مرحلتين:
الأُولى: حول إمكان استناد هذه الأشياء وانسجامها مع السياق.
والثانية: حول تعيّن استعمال هذه الأسماء بحيث لو تبدّلت بأيّ اسمٍ آخر لفسد الكلام.
ففي المرحلة الأُولى نقول:إنَّ للمتكلّم أن يختار من الأسماء ما شاء ممّا
ــــــ[275]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
يوافق اللغة والعرف، كما لو استعمل اسمين مترادفين أو قريبين في المعنى.
وفي المرحلة الثانية نقول: إنَّه لو تبدّل اسمٌ فوضع مكان آخر لكان غلطاً فاسداً.
ولعلّ العقل البشري يعجز عن البحث حول المرحلة الثانية؛ إذ قد يُقال بإمكان استعمال لفظٍ قريبٍ في المعنى محلّ آخر، فيتناسب مع السياق ويحافظ على المعنى المطلوب.
والغرض: أنَّ العقل قد يقول بأنَّ الله تعالى استعمل هذه الأسماء في مواضع معيّنةٍ، فيكون الاستبدال غير مناسبٍ، إلّا أنَّ إقامة الدليل عليه من اللغة متعذّرٌ؛ إذ لعلّه يقال بجواز الاستبدال مع عدم اختلال السياق في الآية أو الآيات اللاحقة أو السابقة عليها. نعم، للمتكلّم أن يختار ما شاء من الألفاظ لأداء المعاني والحقائق المطلوبة لديه.
فما هي الحكمة من ذكر الأسماء الحسنى في الآيات الكريمة؟ ولعلّ المحقّقين من المفسّرين كالسيّد الطباطبائي+ ملتفتون إلى هذه النكتة، وقد أشار إليها الطباطبائي+ في غير موضعٍ من كلامه(1)، دون التصريح بها؛ لأنَّها قد تثير مشكلةً وشبهةً عند عوامّ الناس، ولذا قد لا يذكر السؤال والجواب عنه؛ لتورّعه وخوفه من الله عزّ شأنه.
وسنتعرّض إن شاء الله تعالى في التفسير إلى مناسبة ذكر الأسماء الحسنى في مظانّها.
وأمّا قوله: {الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} فالعزيز فعيل بمعنى اسم الفاعل، وهو
ــــــ[276]ــــــ
(1) راجع بحث الأسماء الحسنى في الميزان في تفسير القرآن 8: 349-359، تفسير سورة الأعراف، كلام في الأسماء الحسنى في فصولٍ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
صفةٌ مشبّهةٌ، كحسن وقبيح وكريم وجليل، فيدلّ على ثبات تلك الصفة ودوامها فيه تعالى شأنه. ثُمَّ إنَّ في العزّة دلالةً على أمرين:
الأوّل: الرفعة الذاتيّة بمعنى: أنَّه أعظم وأشرف من غيره، فالعزّة معنىً من معاني العظمة، فيرجع إلى معنى العظمة.
الثاني: الرفعة عن الاحتياج إلى الآخرين، فهو رفيعٌ عزيزٌ مستغنٍ عن خلقه.
كما قد يُستفاد من (العزيز) معنيان آخران:
الأوّل: السلطنة، كما إليه الإشارة بقوله تعالى: {قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ}. وإنَّما سُمّي بذلك لاتّصاف صاحب السلطنة بأحد المعنيين المتقدّمين في العزّة، وهو كونه أعظم من غيره في مصر وكونه مستغنياً عن غيره؛ لاحتياج الكلّ إليه بخلافه.
ويناسب هنا الإشارة إلى ما أورده السيّد علي خان المدني في كتابه >سلافة العصر<(1) عن السيّد علي نور الدين – وهو أحد أجدادنا- قائلاً عنه: وقد رأيته في مكّة وقد ذرف على التسعين، والناس تستعين به ولا يستعين بهم. والغرض: أنَّ الإنسان قد يصل في هذه الدنيا إلى حدّ لا يستعين بأحدٍ، بل يستعين الناس به في قضاء حوائجهم.
الثاني: النادر أو القليل، كما إليه الإشارة بقوله تعالى: {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}(2) أي: بنادرٍ، ولعلّ من معاني الندرة الشذوذ، ولعلّ قوله: {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} بمعنى: (بصعبٍ)؛ لأنَّ كلّ شيء يسيرٌ عنده، ولا فرق لشيء
ــــــ[277]ــــــ
(1) أُنظر: سلافة العصر في محاسن أهل العصر 2: 504، السيّد نور الدين علي.
(2) سورة إبراهيم، الآية: 20.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
عن غيره في دخوله تحت القدرة الإلهيّة.
ويظهر لي أيضاً: أنَّ العزيز بمعنى المحبوب، وهو مأخوذٌ من معنى (النادر)؛ إذ النادر ما تميل إليه النفوس، كما يرشد إليه ما يذكره علماء الاقتصاد من أنَّه كلّما قلّ العرض زاد الثمن، ويُراد بالثمن هنا المعنى العاطفي لا المعنى السوقي، ولعلّه إلى هذا المعنى أُشير في بعض النصوص من أنَّ مولانا أمير المؤمنين× سأل رسول الله’: أيّما أحبّ إليك: أنا أم فاطمة؟ فقال: >فاطمة أحبّ إلي منك، وأنت أعزُّ عليّ منها<(1). فنسب إلى أحدهما الحبّ وإلى الآخر العزّة.
ومنها: ما ورد في دعاء الندبة من قوله×: >عزيزٌ عليّ أن أرى الخلق ولا ترى، ولا أسمع لك حسيساً ولا نجوى، عزيزٌ عليّ أن تحيط بك دوني البلوى<(2).
أي: أن تبتلي وأنا مرتاحٌ؛ لأني شديد الحبّ لك. وفي نسخة: >عزيزٌ عليّ أن لا تحيط بي دونك البلوى<(3) أي: أن لا أتعرّض للبلاء وأنت مبتلىً بالغيبة والمسؤوليّة الثقيلة، أعني: القيادة المعنويّة للبشريّة. فإذا تأمّل الفرد في مشاقّ المرجعيّة وصعوبات الملك والرئاسة اتّضح لديه مشاقّ الرئاسة، فكيف بالإمامة الإلهيّة التي لا يُقاس بها شيءٌ؛ لخطورة الأمر وعزّته وصعوبته إلّا
ــــــ[278]ــــــ
(1) كشف اليقين: 407، المبحث 21، كشف الغمّة 1: 325، تأويل الآيات: 253، سورة الحجر، إعلام الورى بأعلام الهدى: 150، نهج الحقّ: 206، وبحار الأنوار 36: 72، الباب 37.
(2) بحار الأنوار 99: 108، كتاب المزار، الباب 7.
(3) إقبال الأعمال: 298، دعاءٌ آخر بعد صلاة العيد يُدعى به في الأعياد الأربعة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بإقدارٍ من الله العليّ القدير. ولذا قيل في الدعاء المزبور: >بنفسي أنت من مغيّبٍ لم يخل منّا! بنفسي أنت من نازحٍ ما نزح عنّا<.
ولعلّه يمكن تطبيق معنى الندرة على الله تعالى، فقولنا (الله نادرٌ) بلحاظ عدم اتّصاف أحدٍ من الخلائق بصفاته العليا، فإذا قسنا ما في الوجود من خلقٍ على كثرتهم وتعدّد أصنافهم، لم نجد أنَّ أحداً مّا متّصفٌ بصفاته الجماليّة والجلاليّة. ولذا ورد في الدعاء: >يا مَن هو هكذا ولا هكذا غيره<(1). فهو نادرٌ في صفاته وكمالاته. وليعلم أيضاً: أنَّ المحبّة عزيزةٌ أيضاً، والعزيز بمعنى المحبوب، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}(2).
وأمّا (الحميد) فهو فعيلٌ من الحمد، وهيئة (الحميد) صفةٌ ثابتةٌ؛ لأنَّها صفةٌ مشبّهةٌ، ولعلّها تحمل قسطاً من العظمة، وإن لم تكن بمعنى العظمة. ولا ارتباط للحمد بالشكر من رأسٍ، كما يدّعي مشهور المفسّرين(3)؛ إذ الاعتراف بالمنّة والجميل شكرٌ لا حمدٌ، وبينهما فرقٌ كبيرٌ.
نعم، قد يقوم أحدهما مكان الآخر، فنشكره في مقام بيان عظمته، فنقول: الحمد لله ربّ العالمين، ونعظّمه بإزاء نعمته، فيكون التعظيم مصداقاً
ــــــ[279]ــــــ
(1) جمال الأُسبوع: 341، ذكر صلاةٍ للحاجة …، وسائل الشيعة 7: 373، أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الباب 39، وبحار الأنوار 87: 47، أبواب فضل يوم الجمعة … الحديث 9616، الباب 6، صلاة الحوائج والأدعية لها يوم الجمعة، الحديث 11.
(2) سورة المائدة، الآية: 54.
(3) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 17: 102، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 9: 131، مجمع البيان في تفسير القرآن 7: 125، تفسير القرآن العظيم (ابن كثير) 1: 538، مفاتيح الغيب 18: 376، الميزان في تفسير القرآن 16: 232، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
للشكر بالحمل الشائع لا الحمل الأوّلي. أي: أن نشكره في مقام بيان عظمته أو أن نعظّمه في مقام بيان شكره والاعتراف بمنّه، فنشكره لكي نعظّمه، ونعظّمه لكي نشكره.
ويلاحظ: أنَّه في سورة الفاتحة افتتح السورة بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(1) مع أنَّه لم يتعرّض إلى نعمةٍ سابقةٍ، ما يكشف عن أنَّ المراد بيان عظمة الله تعالى، بخلاف ما لو قلت: الحمد لله ربّ العالمين الذي رزقني الحضور في دروس التفسير.
نعم، لو كان بمعنى الشكر، لكان فعيل بمعنى اسم المفعول، فالحميد بمعنى المحمود، أي: المشكور. وإن كان بمعنى العظيم، كان فعيل بمعنى اسم الفاعل، أي: الصفة الثابتة المشبّهة بالفعل. ويلاحظ: أنَّه لم يوصف الله تعالى بأنَّه محمودٌ في القرآن الكريم؛ لأنَّنا إن قصدنا معنى العظمة، لم يصحّ انطباق اسم المفعول على الله تعالى؛ لأنَّه لم يأخذ عظمته من أحدٍ، بل عظمته ذاتيّةٌ. وإن كان المراد لحاظ الشكر، كان على خلاف المعنى اللغوي للحمد، ولذا لم يرد التعبير بـ(محمود) في الكتاب العزيز بأيٍّ من المعنيين. نعم، ورد الاستعمال به في السنّة(2) والأدعية(3) والتعبيرات العرفيّة والمتشرّعيّة بنحو المجاز لا الحقيقة.
ــــــ[280]ــــــ
(1) سورة الفاتحة، الآية:1.
(2) أُنظر: الكافي 8: 173، الاحتجاج 1: 216، عيون أخبار الرضا× 1: 58، وغيرها.
(3) أُنظر: مصباح المتهجّد: 478، تسبيح يوم الأربعاء، مصباح الكفعمي: 125، مكارم الأخلاق: 343، مهج الدعوات: 304، إقبال الأعمال: 80، البلد الأمين: 132، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
إن قلت: إنَّ الاسمين (العزيز الحميد) إن كان كلٌّ منهم بمعنى العظمة، لزم تكرار المعنى، وهو قبيحٌ وبعيدٌ عن ساحة القرآن.
قلت: أوّلاً: إنَّ ما ذكر ليس لازماً باطلاً، كما لو قيل: إنَّه من قبيل عطف التفسير، فيفسّر العزيز بالحميد، أو يكون لغرض تأكيد معنى العظمة.
وثانياً: إنَّه يمكن الاستناد إلى المعاني الأُخرى للعزيز، فيحصل الفرق بينهما؛ لعدم انحصار العزّة بالعظمة، كما لو أُريد به معنى الغنيّ عن خلقه، كما تقدّم ، والحميد بمعنى العظيم، فاختلف المعنى.
وعليه فالأسماء الحسنى تفترق فيما بينها من حيث الجهة واللحاظ، فيقال: عزيزٌ من هذه الجهة، وعظيمٌ من تلك الجهة، وحميدٌ بذلك اللحاظ، وكريمٌ بهذا اللحاظ، وهكذا، مع انطباقها على الله تعالى بلا تكثّرٍ وتعدّدٍ.
ثُمَّ إنَّ لفظ الجلالة في الآية مجرورٌ بالباء، والجارّ والمجرور متعلّقان بقوله: {يُؤْمِنُوا} و{الْعَزِيزِ} نعتٌ تابعٌ له في الإعراب والجرّ، و{الْحَمِيدِ} نعتٌ للعزيز، أي: العزيز الذي هو حميدٌ، أو نعتٌ ثانٍ لله تعالى، أي: بالله العزيز بالله الحميد، أو معطوفٌ بحذف حرف العطف، أي: بالله العزيز والحميد.
ولنتكلّم الآن عن ارتباط قوله: {الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} بسياق الآية. فلِمَ لم يقل: (ذي الجلال والإكرام) أو (الكريم الحليم)؟ والجواب عنه بلحاظ الاسمين من وجوهٍ:
أمّا الوجه في اختيار لفظ العزيز فما يلي:
الأوّل: أنَّ الله تعالى مستغنٍ عن خلقه، فلا تنفعه طاعتهم ولا تضرّه معصيتهم، فلا يحتاج إلى الطاعة ولا تضرّه المعصية، كما لا يضرّه البلاء الواقع على المؤمن أو الكافر معاً.
ــــــ[281]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الثاني: أنَّ الله هو المتسلّط على غيره؛ لأنَّ من معاني العزّة السلطنة، فهو صاحب اليد والاختيار، وله القدرة في الانتقام من الكفّار الظالمين الجبابرة.
الثالث: ما اختاره السيّد الطباطبائي+ من أنَّ المراد: أنَّ الله هو الغالب غير المغلوب، فله وحده كلّ الجلال والجمال، فمن الواجب أن يخضع له وأن لا يتعرّض لجانبه(1).
الرابع: ما نقله في >الميزان< عن بعض المفسّرين من: أنَّ القوم إن كانوا مشركين فالذي كانوا ينقمونه من المؤمنين وينكرونه عليهم لم يكن هو الإيمان بالله تعالى، بل نفي ما سواه من معبوداتهم الباطلة. وإن كانوا معطّلةً فالمنكر عندهم ليس إلّا إثبات معبودٍ غير معهودٍ لهم، لكن لمّا كان مآل الأمرين إلى إنكار المعبود الحقّ الموصوف بصفات الجلال والإكرام عبّر بما عبّر بإجراء الصفات عليه تعالى(2).
والمراد بالمعطّلة في كلامه: أنَّهم كانوا يرون الكون عاطلاً عن التدبير والحكمة، ولذا استنكروا على المؤمنين إثبات معبودٍ غير مألوفٍ لهم؛ لأنَّهم ألفوا المادة والزمان والمكان، فإثبات شيءٍ خارجٍ عنها كما هو الحال في أوصاف الخالق تعالى غير معهودٍ لهم.
ويُلاحظ فيه عدم تمييز العزيز فيه عن الحميد، مع أنَّه في ضوء هذا البيان لو قال: (ذي الجلال والإكرام) لناسبه أيضاً؛ لأنَّه على خلاف الشرك والتعطيل وكذا لو قال: (الواحد الأحد).
وأمّا الحميد فنقول: كما أنَّ العزيز هو المستغني عن طاعات عباده،
ــــــ[282]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 251، تفسير سورة البروج.
(2) المصدر السابق 20: 252، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ومعاصيهم فالحميد هو العظيم؛ لأنَّه أعظم من أن تناله طاعاتهم ومعاصيهم، وليس الحميد بمعنى المحمود، وإن كان محموداً ومشكوراً في كلّ أفعاله، ولو لم ترض بها النفوس الأمّارة بالسوء.
****
قوله تعالى: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}:
والذي يدخل في منهجنا في التفسير أمران: الأوّل: الملك، والثاني: الشهيد.
قال الراغب: المَلِك هو المتصرّف بالأمر والنهي في الجمهور، وذلك يختصّ بسياسة الناطقين، ولهذا يُقال: ملك الناس، ولا يُقال: ملك الأشياء [أو ملك الحيوانات إلّا مجازاً، فيختصّ بالناس الناطقين]. وقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}(1) فتقديره: الملك في يوم الدين؛ وذلك لقوله: {لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}(2)(3).
أقول: وهذا على قراءة (ملك) لا (مالك يوم الدين) فيتضمّن معنى الظرفيّة.
ويمكن أن نضيف إلى جوابه أنَّه لا معنى ليوم الدين بما هو زمانٌ في وروده في سياق الآية، بل الغرض أنَّه يوم الدين بصفته إدانةً للناس.
ثُمَّ قال: والملك ضربان: ملكٌ هو التملّك والتولّي، وملكٌ هو القوّة عن ذلك: تولّى أو لم يتولّى(4).
ــــــ[283]ــــــ
(1) سورة الفاتحة، الآية: 4.
(2) سورة غافر، الآية: 16.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 492-494، مادّة (ملك).
(4) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أقول: الفرق بين الأمرين: أنَّ الأوّل ملكٌ نظري والثاني ملكٌ عملي. ويُراد بالملك النظري أنَّ لفلاناً الولاية على المجتمع دينيّاً أو دنيويّاً أو أُخرويّاً، فله الملك بهذا المعنى. نقول: فلانٌ مالكٌ لثيابه أو لداره، فله أن يبيعه ويهبه، فالملكيّة نحو معنىً من معاني الولاية الشرعيّة أو الاجتماعيّة أو العقلائيّة.
وأمّا الثاني فيُراد به القدرة على التصرّف، سواء أكان مالكاً بالمعنى الأوّل أم لم يكن مالكاً.
قال الراغب: فمن الأوّل قوله: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا}(1) ومن الثاني قوله: {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً}(2) فجعل النبوّة مخصوصةً والملك عامّاً؛ فإنَّ معنى الملك هنا هو القوّة التي بها يترشّح للسياسة، لا أنَّه جعلهم كلّهم متولّين للأمر؛ فذلك منافٍ للحكمة، كما قيل: لا خير في كثرة الرؤساء … .
والمُلك الحقّ الدائم لله، فلذلك قال: {لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ}(3) وقال: {قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ}(4). فالملك ضبط الشيء المتصرّف فيه بالحكم. والمِلك كالجنس للمُلك، فكلّ مُلك ملِكٌ، وليس كلّ مِلك مُلكاً(5).
أقول: الظاهر اشتقاق المُلك والملكيّة والملكوت كلّها من مادّةٍ واحدةٍ
ــــــ[284]ــــــ
(1) سورة النمل، الآية: 34.
(2) سورة المائدة، الآية: 20.
(3) سورة التغابن، الآية: 1.
(4) سورة آل عمران، الآية: 26.
(5) مفردات ألفاظ القرآن: 492-494، مادّة (ملك).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
تفيد السيطرة التامّة على الشيء، فيكون الإنسان مثلاً مالكاً للشيء متسلّطاً عليه.
نعم، قد يشعر الإنسان أنَّ المِلك والمُلك متباينان بحسب الانطباع اللغوي أو النفسي أو الاجتماعي، وإلّا فهما في أصل اللغة من وضعٍ واحدٍ.
ومنه المِلك والملوكيّة والمَلكيّة والمالكيّة، فلو تسلّط على مجتمعٍ قيل: (مَلك)، ولو كان متسلّطاً على عينٍ قيل: (مالك)، والمصدر من (المِلك) مُلك بالضمّ، والمصدر من (مالك) هو المِلك بالكسر، والمِلك بالكسر بمنزلة السبب وبالضمّ (المُلك) بمنزلة المسبّب؛ لأنَّ المِلك عبارةٌ عن جهة النظر.
ولذا قولنا: (مالك) أي: له نحوٌ من الولاية نظريّاً. والمُلك هو التصرّف في الشيء، وهو أسبق رتبةً، كما أنَّه أعمّ من المِلك، ولذا كان للجهة النظريّة نحو سببيّة للجهة العمليّة.
وقد يفترقان خارجاً، فيكون زيدٌ مالكاً غير متصرّفٍ، وقد يكون متصرّفاً غير مالكٍ، ولله تعالى كلتا المالكيّتين نظريّاً وعمليّاً، فهو الفاعل المؤثّر المدبّر. نعم، ملكيّته واقعيّة لا اعتباريّة، وتصرّفه واقعي لا ظاهري محضٌ.
فإن أُريد التصرّف قيل: (مَلِك)، وإن أُريد العلاقة قيل: (مالك)، والمصدر من الأوّل الملك والملوكيّة، والمصدر من الثاني الملك والملكيّة، وهما معنيان متباينان، وإن كان أساسهما واحداً.
وقوله تعالى: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: التصرّف في السماوات والأرض بلحاظ الجهة العمليّة والتأثير والتدبير، وإن كانت الجهة النظريّة محفوظةً أيضاً.
مع أنَّه قد يلزم من عدم الجهة النظريّة عدم الجهة العمليّة، فالتركيز على
ــــــ[285]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
المعلول يفيد وجود العلّة والمعلول معاً. فلو قلنا: (هناك مُلكٌ) كان المراد أنَّ هناك ملكاً أيضاً، إلّا أنَّ الملك لا يلازم التصرّف، ومعه قد يكون إخباراً عن التدبير بالمطابقة وإخباراً عن سببه – أي: المِلك- بالالتزام، فتضمّنت الآية الإشارة إلى كلا المعنيين والرتبتين.
وأمّا (الشهيد) فيلاحظ تعدّد ذكر الشهادة في هذه السورة في غير موضع منها، كما في قوله: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} و{هُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} و{وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}.
وقد تقدّم: أنَّ الشهادة إمّا ثبوتيّة وإمّا إثباتيّة، أي: إمّا تحمّلٌ وإمّا أداءٌ، والتحمّل عبارةٌ عن الإحساس الخارجي بالشيء، والأداء عبارةٌ عن التعبير عمّا كان محسوساً سابقاً، فالشهادة الإثباتيّة عبارةٌ عن الأداء والشهادة الثبوتيّة عبارةٌ عن التحمّل.
ثُمَّ إنَّ (شهيد) فعيلٌ بمعنى فاعلٍ لا مفعولٍ، خلافاً لقتيل بمعنى مقتولٍ. ولعلّ الاختلاف في المعنى وإرادة استعمال فعيلٍ بمعنى فاعلٍ أو مفعولٍ مردّه إلى الذوق العربي اللغوي، ولذا يمتنع أن نقول: إنَّ (شهيد) هنا بمعنى (مشهود) كامتناع القول بأنَّ (قتيل) بمعنى (قاتل).
ثُمَّ إنَّ الله تعالى شاهدٌ على خلقه ثبوتاً وإثباتاً؛ لأنَّه يرى الواقع، وهو أبصر الناظرين، وقد نصّ القرآن على ذلك، فلا يرد الإشكال عن كيفيّة رؤيته للأشياء، والقرآن أصدق القائلين، وقد أخبر الله تعالى أنَّه يرى ولا يحتاج في الرؤية إلى آلةٍ جارحةٍ كالعين ونحوها.
نعم، الروح في البشر التي ترى الأشياء وتحسّ بها، كما في عالم الدنيا وعالم المادّيّات.
ــــــ[286]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وأمّا عالم المجرّدات – فضلاً عمّا فوقه، أي: عالم الإله تعالى- فلا تحتاج في الرؤية إلى آلةٍ، بل هي ترى وتسمع بلا آلةٍ، على اختلاف مراتبها صعوداً ونزولاً عند الحقّ تعالى شأنه.
وأمّا الشهادة الإثباتيّة فالمراد بها أنَّه يشهد بلسان نفسه يوم القيامة أو بلسان ملائكته أو أوليائه ويخبر عن سيّئات فلانٍ وفلانٍ وحسنات فلانٍ وفلانٍ، والله على كلّ شيءٍ شهيدٌ. كما يشهد تعالى على أُولئك المجرمين الذين أحرقوا المؤمنين والمؤمنات، فلهم عذاب جهنّم وعذاب الحريق.
ثُمَّ إنَّ الشهادة الثبوتيّة شهادةٌ عامّةٌ، فهو مشاهدٌ ومبصرٌ لكلّ شيءٍ؛ فإنَّه على كلّ شيءٍ شهيدٌ، إلّا أنَّ الشهادة الإثباتيّة قد تختصّ ببعضٍ دون آخر؛ إذ تختصّ بمَن سيُحاسَب يوم القيامة، ولا تعمّ الجمادات مثلاً، إلّا إذا قلنا بمحاسبة الخلائق طرّاً. ويراد بالشهادة العامّة الشهادة الثبوتيّة، أي: الإحساس والإبصار، لا الشهادة الإثباتيّة بمعنى: التعبير والبيان.
وفي التعبير بقوله تعالى: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} نحو ملازمةٍ في السياق والتعبير بين الملك والشهادة؛ إذ لا معنى لأحدهما دون الآخر؛ لأنَّ أحدهما متوقّفٌ على الآخر، وهما في مرتبة واحدة؛ إذ الملك الحقيقي ثابتٌ لله تعالى، كما أنَّ الشهادة الثبوتيّة ثابتةٌ له أزلاً وأبداً، فهما في مرتبةٍ واحدةٍ، ولا يلزم منه التقدّم والتأخّر؛ لأنَّ ملكه لا كالملك المعهود لدى البشر، ما يمكن للمالك معه من تدبير أُموره وإطاعة أوامره ونواهيه ولو من دون حضوره، كما إذا ملك أو وهب أو باع بلا شهودٍ منه، فيصير ملكاً بلا مشاهدةٍ. وأمّا المشاهدة بلا ملكٍ فمشاهدة المسجد دون تملّكه. وأمّا الحقّ تعالى فهو شاهدٌ ومالكٌ أبداً بلا فصلٍ بين الملك والشهادة
ــــــ[287]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
عنده؛ لأنَّ علمه حضوري.
وأمّا العلاقة بين هذه الصفات المذكورة وما قبلها من الآيات فالغرض منه بيان سيطرة الله تعالى على الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات وبيان أنَّه مالكهم والقادر عليهم كقدرته على ما في السموات والأرض؛ إذ لو كانت له القدرة على مجموع السموات والأرض، كان قادراً على من فيها، فيشاهدهم ويلحظ أفعالهم، وكما أنهم شهودٌ على ما يفعلون بالمؤمنين، فكذلك الله تعالى شاهدٌ على ما يفعلونه بالمؤمنين، وله القدرة على معاقبة المجرمين، ولذا قال مباشرةً: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}.
ثُمَّ إنَّه قد تقدّم: أنَّه لا يختصّ بأصحاب الأُخدود، بل يعمّ كلّ ظالم؛ فإنَّ الله شاهدٌ على سائر المؤمنين الظالمين لغيرهم كشهادته على المجرمين الكافرين، ومعاقبٌ للظالمين منهم ومثيبٌ للمؤمنين المطيعين؛ أي: بنحوٍ من التجريد عن الخصوصيّة.
وكما أنَّ الملك والشهادة لهما نحوٌ من العلاقة بالكافرين في الآية الكريمة: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} فهاهنا أيضاً نحوٌ من العلاقة بالمؤمنين؛ لأنَّ الله شهيدٌ عليهم، مع الاختلاف في الشهادة والنظر. والغرض: أنَّ المؤمنين يرون أنَّ الله تعالى مالكٌ لهم وشهيدٌ عليهم، فيرون في أنفسهم الذلّة والضراعة والصغر أمام عظمة الله وملكه وشهادته؛ فإنَّه يرى طاعاتهم وذنوبهم وتصرّفاتهم ويسمع أقوالهم.
****
ــــــ[288]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}:
المراد بـ(فتنوا) – حسب رأي المشهور(1)- أحرقوا المؤمنين والمؤمنات في الأُخدود، فلهم عذاب جهنّم ولهم عذاب الحريق، فكان نتيجةً طبيعيّةً لعملهم الضالّ.
ويلاحظ عليه: أنَّ في الآية قرائن ودلائل على خلاف فهم المشهور؛ لأنَّه قال: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} فهل وضعت المؤمنات في الأُخدود أيضاً؟ وقد يقع الفهم التقليدي المشهور في اضطرابٍ في ما كان المقصود من إحراق المؤمنات أيضاً إلى جنب المؤمنين، مع أنَّه قد يُقال: إنَّه لم يكن فيهم مؤمناتٌ.
ثُمَّ إنَّ قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا} إشارةٌ إلى المستقبل، مع أنَّهم ماتوا قبل نزول القرآن بمئاتٍ من السنين، ولا معنى لصدور التوبة منهم بعد موتهم.
ومعه يتّضح: أنَّ الآية لا تختصّ بذلك المورد وتلك الواقعة، ولا يُراد بـ(فتنوا) عملية الإحراق خاصّةً في تلك المرحلة الزمنيّة، إلَّا إذا أُريد بالإحراق افتتان المؤمنين بأيّ نحوٍ اتّفق في الأزمنة الثلاثة، فتفيد الآية قاعدةً عامّةً، ويكون المراد بحسب الاتّجاه المشهور تلك الحوادث الحاصلة في الزمن الماضي.
مع أنَّ الفتنة ليست بمعنى الإحراق خاصّة، بل هي المحنة والامتحان والاختبار، والإحراق معنى مجازي لو تمّ، والأصل في الاستعمال الحقيقة، مع
ــــــ[289]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 295، تفسير سورة البروج، زاد المسير في علم التفسير 4: 427، تفسير سورة البروج، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أنَّ الكفّار سببٌ رئيسٌ في امتحان المؤمنين وابتلائهم واختبارهم، فهم معذّبون ما لم يتوبوا. فقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا} أي: إنَّ الذين أدخلوا المؤمنين في محنةٍ وصعوبةٍ وبلاءٍ وكذا المؤمنات لهم عذاب جهنّم.
إن قلت: إنَّ الامتحان من صنع الله تعالى للعبد المؤمن لا الكافر، فكيف ينسب إليه لا إلى الله تعالى، مع أنَّه من صنعه؟
قلت: النسبة إليهما معاً صحيحةٌ؛ فإنَّ نفس الحادثة تنسب إلى الفاعل المباشر وهو الكافر، فتكون ظلماً واعتداءً، كما تنسب إلى مشيئة الله تعالى، فتكون عدلاً وامتحاناً.
وإن شئت قلت: إنَّ الكافر سبب ما به الوجود، والله تعالى سبب ما منه الوجود.
قال شيخنا المظفّر+: إنَّ الأسباب على قسمين: سبب ما منه الوجود، وهو الفيض الإلهي، وسبب ما به الوجود، وهي العلل الاعتياديّة في الخلق، وإذا وجد ما به الوجود انقلب المعلول بلسان حاله من قبل الله تعالى، والله تعالى كريمٌ لا بخل في ساحته، فيفيض عليه الوجود. فلولا ما به الوجود لم يوجد المعلول، ولولا ما منه الوجود أيضاً لم يوجد المعلول، بل إنَّما يوجد بالتركيب بين العلّة والمعلول(1).
والغرض: أنَّه لو لاحظنا سببيّة الخلق في إيجاد النعمة، وقلنا: إنَّ المخلوق سيعاقب ويعذّب، لكان قبيحاً عقلاً وشرعاً وعقلائيّاً، ولكن إذا لاحظنا نسبة العمل إلى الله تعالى، فهو رحمةٌ وعدلٌ ونعمةٌ.
ــــــ[290]ــــــ
(1) أُنظر: ما أفاده في مباحث العلّة والمعلول من كتابه الفلسفة الإسلاميّة: 61، السببيّة الطبيعيّة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ثُمَّ إنَّنا لو لاحظنا الزمن الماضي لوجدنا أنَّ الإنسان له ذنوبه وعيوبه ونقائصه، فهذا البلاء بمنزلة العقوبة على ما حصل في الماضي، وإن لاحظنا المستقبل فالمؤمن له توقّعاته في التكامل أمام الله تعالى في درجات اليقين والإيمان، فيكون البلاء سبباً لتكامله؛ لأنَّ التكامل ليس جزافيّاً، بل يحتاج إلى مقدّماتٍ. ومن أهم مقدّماته المصاعب الدنيويّة والابتلاءات، فحينئذٍ يرسل الله تعالى رحمته، ولعلّ ذلك من مصاديق قوله تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}(1). فالمؤمن يتكامل، والكافر يتكامل سلباً في ضلالته وظلامه، فيكون البلاء سبباً ليزداد عتوّاً ونفوراً من الحقّ، وهو نوع رحمةٍ له على كلّ حالٍ.
ثمَّ إنَّ الابتلاءات الإلهية على نحوين: قهرية اعتيادية، كالمرض والحوادث والسقوط من شاهقٍ، واختياريّة. والاختياريّة على نحوين: ما كان باختيار الإنسان، كما لو ألقى بنفسه في المصاعب، وما كان باختيار الآخرين، وهو بمنزلة القهري بالنسبة للمبتلى، وإن كان ليس قهريّاً بالنسبة إلى الفاعل، كما لو تسلّط الآخرين عليه، فيبتلى ببلاءٍ من الله تعالى على يد الظالم، وهو القائل في الحديث القدسي: >الظالم سيفي أنتقم به وأنتقم منه<(2)؛ لأنَّه – أعني: الظالم – مسؤولٌ عن أعماله، ولأنَّه أوجدها باختياره، لا بالجبر من الله تعالى.
ــــــ[291]ــــــ
(1) سورة الأنفال، الآية: 42.
(2) بيان المعاني 2: 442، سورة الإسراء. ونحوه مع فارقٍ في اللفظ في تذكرة الموضوعات: 182، باب الإمام والظالم وتأييد الدين والدعوة له …، وكشف الخفاء ومزيل الإلباس 2: 49، الحديث 1687.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وما ذكر ينطبق على الأزمنة الثلاثة، ففي كلّ موردٍ حصل فيه ظلمٌ دون توبةٍ جرت العقوبة، ووراءه جهنّم وساءت مصيراً؛ إلّا أنَّ رحمة الله واسعةٌ جدّاً. وقد ارتكب هؤلاء ذنباً عظيماً بإحراق المؤمنين والمؤمنات، إلّا أنَّ قتل المعصوم× أعظم عند الله – وهذا بابٌ آخر- ومع ذلك فباب التوبة مفتوحٌ، فمَن تاب حسن إسلامه وإيمانه وزاد تكامله؛ لأنَّ رحمة الله أوسع، وإن كان الظلم والذنب السابق عظيماً.
إلّا أنَّ باب التوبة مفتوحٌ مادام للنفس من مجالٍ، وإلّا فإنَّ بابها ينسدّ في حالة الاحتضار أو مع ظهور الحجّة× الذي سيضرب بإذن الله على أيدي الكافرين والظالمين والمجرمين، فيسدّ باب التوبة، وكذا الحال مع اقتراب الساعة، والله العالم.
والمراد: أنَّه ينسدّ باب التوبة مع ظهور الإمام× لو وقف على رأسه وأراد أن يقتله فيقول: أنا تائبٌ، بخلاف ما لو هدأ الحال وارتفع السيف؛ فإنَّ باب التوبة مفتوحٌ؛ لأنَّ كلّ شخصٍ حيّ يمكن أن يتوب عن ذنوبه وخطاياه، إلّا فيما خرج بالدليل، كما في حالة ما لو استحقّ المجرم القتل؛ فإنَّه لا تشرّع منه التوبة في ذلك الزمان، ولا تقبل منه البتّة. وعليه فالأصل هو قبول التوبة، والاستثناء عدم قبولها، ومادام هناك خلقٌ يتوقّع منه المعصية والخطيئة فباب التوبة مفتوحٌ.
ثُمَّ إنَّه لماذا ذكر لفظ العذاب، مع أنَّه يمكن الاكتفاء بجهنّم؛ فإنَّها مصدر العذاب، ونحوه التعبير بعذاب الحريق؟
والجواب عنه في ضوء عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: أنَّ التعبير أمرٌ اختياري للمتكلّم، مع أنَّه ليس سمجاً ولا مضرّاً
ــــــ[292]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بالمعنى، بل الغرض منه بيان شدّة العذاب في جهنّم والتأكيد عليه، فلا يتخيّل أحدٌ الراحة فيها.
الثانية: أنَّ الإشكال مبني على تساوي العذاب وجهنّم في النسبة؛ فإنَّه لا عذاب من دون جهنّم، ولا جهنّم إلّا هي مصدر عذابٍ، مع أنَّ الغرض هنا بيان أقصى حالات العذاب وأنواعه، وهو عذاب جهنّم، وكذا التعبير عنه بعذاب الحريق؛ فإنَّ الإحراق بالنار من أشدّ أنحاء التعذيب.
الثالثة: أنَّ نسبة التساوي بينهما ممنوعةٌ؛ فإنَّه قد يدخل في جهنّم ولا يتعذّب فيها.
وبيان ذلك في ضوء أُمورٍ:
الأوّل: أنَّ دانتي في كتابه عن الجحيم(1) – مع أنَّه عالمٌ مسيحي- كان يقول: إنَّ الدرك الأوّل من النار فضاءٌ مظلمٌ ليس فيه عذابٌ ولا نارٌ ولا مرضٌ ولا محنةٌ، بل فيه خلقٌ كثيرٌ بلا عذابٍ وعقوبةٍ.
الثاني: أنَّه ورد في روايات ضعيفة أنَّ كسرى مثلاً كان عادلاً في بلاد فارس، وأنَّه سيدخل جهنّم؛ لأنَّه غصب حقّ الأنبياء والأولياء^، إلّا أنَّ عدله سيحميه من النار، فلا يصل إليه العذاب، ونحوه ما قيل في حاتم الطائي؛ إذ قد يُقال بأنَّ كرمه وقضاء حاجاته للناس سيحميه من نار جهنّم وإن دخل فيها(2).
ــــــ[293]ــــــ
(1) أُنظر: الكوميديا الإلهية (كتاب الجحيم): 104، الأنشودة الثالثة.
(2) راجع مستدرك الوسائل 7: 14، باب وجوب الجود والسخاء بالزكاة ونحوها …، الحديث 7514، ونحوه.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وقد يُقال – كما أشار إليه صدر المتألّهين في >الأسفار<(1)- أنَّ زيداً لو عصى الله ستّين عاماً أو أكثر، فكيف يُعاقب بعقابٍ سرمدي؛ فإنَّه خلاف العدل والحكمة، مع أنَّنا لو لاحظنا فترة صغره ومدّة نومه وسائر حالاته، فقد لا تصل مدّة عصيانه إلى 20 سنةً مثلاً؟
وقد يُقال: إنَّهم لا يستحقّون الانتقال إلى الجنّة؛ لأنَّه ليس لهم أعمالٌ صالحةٌ، فيمكثون في جهنّم، وتكون جهنّم جنّةً لهم، لا بمعنى: أنَّها عذبةٌ طيّبةٌ فيها ماءٌ وهواءٌ، بل المراد أنَّ الألم فيها يتحوّل إلى لذّةٍ عندهم، ويبقون في هذه اللذّة إلى الأبد. وأمّا آلامهم فهي على قدر ذنوبهم وظلمهم في الدنيا. وأمّا الزائد على ذلك فلا يخرجون من جهنّم؛ لعدم استحقاقهم الجنّة، إلّا أنَّهم يمكثون في نار جهنّم بلا عذابٍ وألمٍ؛ لأنَّ العذاب عبارةٌ عن الألم، فإذا ارتفع الألم ارتفع العذاب.
الرابعة: إنَّ الإشكال إنَّما يرد لو اختصّ عذاب جهنّم بمَن في داخلها، كما هو المرتكز عند المتشرّعة، مع أنَّ الأمر ليس كذلك؛ فإنَّ العذاب شاملٌ لعددٍ من العوالم منها عالم الدنيا، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}(2) أي: في الدنيا، فهم يذوقون عذاب جهنّم خارج جهنّم المعهودة لدينا. ولعلّ المراد هنا الوجود الدنيوي للكافرين والفاسقين، وعليه فالكافرون والفاسقون في جهنّم وهم في الدنيا، وإن لم يشعروا بألمها حينها.
وقد يُقال: كيف فصل بين عذاب جهنّم وعذاب الحريق، مع أنَّهما واحدٌ؟
ــــــ[294]ــــــ
(1) أُنظر: الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 9: 293، الباب 11، الفصل 20.
(2) سورة الكهف، الآية: 29.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وفي الجواب عنه أُطروحاتٌ عدّةٌ:
الأُطروحة الأُولى: ما أفاده الطباطبائي+ نقلاً عن >مجمع البيان<(1) من: أنَّ المراد أنَّ لهم أنواع العذاب في جهنّم سوى الإحراق مثل: الزقّوم والغسلين والمقامع، ولهم مع ذلك الإحراق بالنار(2).
ولعلّ ذلك يرجع إلى مقدّمتين:
المقدّمة الأُولى: التسليم مع السائل بأنَّ التكرار قبيحٌ سمجٌ، فلابدّ من فصل المعنيين.
المقدّمة الثانية: أنَّ عطف عذاب الحريق على عذاب جهنّم يُراد به التغاير بينهما، فلا يلزم التكرار، فيُراد من عذاب الحريق الإحراق، ويُراد من العذاب ما سواه من أنحاء العقاب.
مع أنَّ لفظ العذاب اسم جنسٍ قابلٌ للانطباق على الشعور بأيّ نحوٍ من أنحاء الألم كالحريق وغيره.
الأُطروحة الثانية: أن نقول بالفرق بينهما بلحاظ عالم كلٍّ منهما، فنقول: إنَّ عذاب أحدهما في الدنيا وثانيهما في الآخرة؛ لما تقدّم من قوله تعالى: {نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}(3) فهم في جهنّم حال كونهم في الحياة الدنيا، إلّا أنَّه لا حريق فيها، فإذا صاروا إلى الآخرة شملهم عذاب الحريق.
الأُطروحة الثالثة: أن يكون المراد: أنَّ عذاب الحريق في الدنيا وعذاب جهنّم في الآخرة، أي: عكس الأُطروحة المتقدّمة، بمعنى: أنَّهم سيحرقون في
ــــــ[295]ــــــ
(1) أُنظر: مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 710، تفسير سورة البروج.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 252، تفسير سورة البروج.
(3) سورة الكهف، الآية: 29.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الدنيا مثلاً؛ لإحراقهم المؤمنين، وهذا ليس عامّاً، أو يُراد به بلاء الدنيا لا النار الفعليّة، وهذا عامٌّ.
الأُطروحة الرابعة: أن يُقال: إنَّ كلا النوعين في الآخرة، ويكون العطف من قبيل عطف الخاصّ على العامّ؛ لأنَّ جهنّم أوسع من عذاب الحريق، والحريق أضيق حصّةً من جهنّم، وذكر الحريق لأنَّهم أحرقوا المؤمنين في الأُخدود في الدنيا، ولذا سيذوقون عذابه في الآخرة.
وبهذا البيان يندفع الإشكال القائل بأنَّه ما الحاجة إلى ذكر الحريق؟ فإنَّ الجواب عنه: أنَّ التعبير بجهنّم ليس فيه انتقالٌ للذهن إلى الحريق، فذكر الحريق لأجل المماثلة مع الحريق في الدنيا الحاصل على أيديهم.
نعم، لا بأس هنا بالإشارة إلى نكتةٍ هامّةٍ في البحث حاصلها: أنَّ هناك فرقاً جوهريّاً بين (اللام) و(على)، فلو قلنا: له في ذمّتي ألف درهمٍ، كان المراد أنَّ له – أي:في مصلحته- في ذمتي ألف درهمٍ، بخلاف ما لو لم يكن في مصلحته؛ إذ يُقال: (عليه في ذمّته)، ولذا يُقال: (عليه اللعنة)؛ لأنَّ العذاب واللعنة ليست في مصلحته، بل ضدّ مصلحته. وعليه فقد يُقال: لم قال: {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} ولم يقل: (فعليهم عذاب جهنّم)؟
ويلاحظ: أنَّ الجمال اللفظي الأدبي في الآية إنَّما يتمّ باللام، أي: إنَّ السياق اللفظي القرآني يقتضي التعبير عنه باللام لا بعلى، فلو قال: (فعليهم) لفسد السياق القرآني.
وقد يُقال: إنَّ ما ذكر لا يكفي في الجواب؛ إذ لو فسد المعنى لكان ينبغي اتّباع المعنى لا اللفظ.
ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
ــــــ[296]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الأوّل: أنَّ استعمال اللام بمعنى (على) كثيرٌ في اللغة، واستعمال الحروف في محلّ بعضها الآخر جائزٌ حقيقةً أو مجازاً.
الثاني: أنَّ اللام تفيد مطلق الملكيّة، ولا يُراد في المقام الملكيّة المعهودة، بل المراد الاتّصاف بالعذاب بالمعنى المطلق، فلا يُلاحظ فيه معنى الخير أو الشرّ.
الثالث: أنَّ رحمة الله واسعةٌ، والعذاب جزءٌ من رحمته الواسعة، فيكون العذاب لهم لا عليهم. والوجه فيه: أنَّ تطبيق العدل والحكمة نحوٌ من الرحمة بالعبد، فيكون من مصلحة العباد أن يعذّبهم الله تعالى: رضوا أم أبوا، فيكون العذاب من مصلحتهم وإن لم يدركوا هذا المعنى؛ لمكان أنفسهم الأمّارة بالسوء.
ولا بأس بالتعرّض بالتفصيل إلى إعراب قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}.
فنقول: الوجه في أهمّيّة الآية على المستوى النحوي هو أنَّ الجملة الأُولى اسم إنَّ، أي: قوله: {الَّذِينَ فَتَنُوا} إلّا أنَّ الكلام في خبرها مع اقترانها بالفاء، ولذا وقع المحقّقون في اضطرابٍ حول توجيه دخول الفاء على الخبر.
وإليك الوجوه المذكورة في المسألة:
الأوّل: ما نقله العكبري(1) بقوله: قيل: هو مثل قوله تعالى: {فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ}(2).
أقول: في كلامه إشارةٌ إلى ما ورد في سورة الجمعة بقوله: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ
ــــــ[297]ــــــ
(1) أُنظر: إملاء ما مَنّ به الرحمن 2: 284، سورة البروج.
(2) سورة الجمعة، الآية: 8.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ}(1).
وذكر العكبري في إعراب سورة الجمعة أنَّ قوله: {فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ} خبر {إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي ….} ودخلت الفاء على الخبر لما في (الذي) من شبه الشرط(2).
أقول: المراد: أنَّ هناك شرطاً معنويّاً.
وأفاد العكبري: أنَّه منع منه قومٌ وقالوا: إنَّما يجوز ذلك لو كان اسم الموصول هو المبتدأ أو اسم إنَّ، مع أنَّه هنا نعتٌ للموت، أي: نعتٌ لاسم إنَّ، فلا شرطيّة فيه(3).
أقول: ولذا يُلاحظ الفرق بين الآية مورد البحث والآية في سورة الجمعة؛ لأنَّ اسم الموصول في الآية الحاليّة وقع اسم إنَّ لا نعتاً لغيره.
وأفاد العكبري أيضاً: أنَّه ضُعّف الإعراب بوجهٍ آخر حاصله: أنَّ الفرار من الموت لا يُنجى منه؛ لأنَّه كلّما تفرّون فالموت ملاقيكم، فلم يشبه الشرط(4). وقيل أيضاً: إذا لم يكن ذلك في قوّة جواب الشرط، فما هو موقع الفاء؟ فقالوا: إنَّ الفاء زائدةٌ. إلّا أنَّه أُجيب عن الإشكال المتقدّم بأنَّ الصفة والموصوف بمنزلة الأمر الواحد، و(الذي) وإن كان نعتاً لاسم إنَّ (الموت) إلّا أنَّه بمنزلته؛ لأنَّهما كالشيء الواحد.
أقول: أي: يتألّف من الصفة والموصوف معنى تقييدي ومفهوم إفرادي تصوّري، كما في قولنا: زيدٌ العالم، أي: أنَّ نتصوّر شيئاً واحداً من الوصف
ــــــ[298]ــــــ
(1) سورة الجمعة، الآية: 8.
(2) أُنظر: إملاء ما مَنّ به الرحمن 2: 261، سورة الجمعة.
(3) أُنظر المصدر السابق.
(4) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والموصوف مع حفظ الجانب النحوي فيه، إلّا أنَّ المفهوم منهما أمرٌ واحدٌ.
ومعه يصحّ قوله: إنَّ الصفة والموصوف بمنزلة الأمر الواحد والمفهوم الواحد، فيصلح أن يتضمّن قوله: {إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ} معنى الشرطيّة وإن كان الاسم الموصول نعتاً لاسم إنَّ، فإذا تضمّن معنى الشرط احتاج إلى الفاء في جوابه.
إن قلت: إنَّ في الآية محلّ البحث – {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا}- وقع الاسم الموصول اسماً لإنَّ.
قلت: إنَّ هاهنا تقديراً، أي: إنَّ المراد: (إنَّ القوم الذين أو إنَّ الرجال الذين أو إنَّ الكافرين الذين).
فقد ظهر: أنَّ الاسم الموصول لا يكون إلّا صفةً لموصوفٍ، وإن لم يذكر في الكلام، فيصحّ معه دخول الفاء في الجواب. كذا أفاد العكبري.
وأمّا ما قيل آنفاً فالحقّ فيه: أنَّ خلقاً كثيراً يظنّون أنَّ الفرار من أسباب الموت ينجيهم إلى مدّةٍ من الزمن، كاستعمال الدواء والفيتامينات ونحوها.
والحاصل: أنَّ الاسم الموصول بمنزلة أداة الشرط، فيمكن دخول الفاء على الخبر، فالاسم الموصول في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا} اسم إنَّ وقوله: (فتنوا) صلة الموصول، وهي بمنزلة فعل الشرط، وقوله {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} خبرٌ بمنزلة جواب الشرط.
الثاني: أنَّ الاسم الموصول بمنزلة أداة الشرط وإن كان وصفاً؛ لأنَّ الصفة عين الموصوف من وجهٍ ومرادفةٌ له، أو قل: إنَّه يتكوّن من الصفة والموصوف مفهومٌ تقييدي واحدٌ يكون اسم إنَّ، وهو مبتدأ في الحقيقة.
إن قلت: إنَّ ظاهر سياق الآية هو الفعليّة؛ لأنَّه أفاد: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا
ــــــ[299]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} فإذا قلنا بالشرطيّة فسد السياق؛ إذ يكون المراد: (أنَّهم إذا فتنوا المؤمنين والمؤمنات- في يومٍ ما- فلهم عذاب جهنّم)، وهو منافٍ للغرض المطلوب، وإن كان حقّاً في نفسه، فالمقصود أنَّهم فتنوا المؤمنين على نحو الفعليّة. والحاصل: أنَّ الشرطيّة تنافي ما هو المقصود من الآية، ومعه فلا يصحّ الالتزام بها؛ لأنَّها على خلاف ظاهر القرآن الكريم.
ولعلّه يمكن الجواب عنه باللجوء إلى قضيّة الإيهام الإثباتي، أي: أن نقول: إنَّ كلا المعنيين من الفعليّة والشرطيّة ملحوظٌ في المقام، ويؤدّي الاسم الموصول الغرضين معاً. والوجه فيه ظهور الاسم الموصول في الفعليّة وظهور الفاء في الشرطيّة، فالظهوران متعاكسان لا متنافيان؛ لأنَّ كلا الأمرين مقصودٌ، وهما الشرطيّة والفعليّة.
الثالث: أن يُقال بأنَّ الفاء زائدةٌ.
أقول: وهو مذهب مَن ينفي إفادة الشرطيّة في المقام(1).
الرابع: أن نقدّر شرطاً آخر في الكلام بعد الفقرة الأُولى من الآية فنقول: (إنَّ الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثُمَّ لم يتوبوا إذا فتنوا المؤمنين والمؤمنات فلهم عذاب جهنّم). والتقدير وإن كان خلاف الظاهر، إلّا أنَّه المتعيّن بعد فساد الوجوه الأُخرى أو التنزّل عنها مثلاً.
الخامس: أن تكون الفاء تفريعيّةً عاطفة، لا واقعةً في جواب الشرط. والمراد بالتفريع أن تكون إشعاراً بأنَّ ما قبلها علّةٌ وما بعدها معلولٌ؛ لأنَّهم إنَّما يعذّبون لمكان أذاهم وظلمهم للآخرين وإحراقهم للمؤمنين، نظير قولك:
ــــــ[300]ــــــ
(1) أُنظر: إعراب القرآن الكريم 3: 435، إعراب القرآن (للزجّاج) 2: 743، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
(أحسن إليّ زيدٌ فأكرمته) فالإكرام معلولٌ للإحسان، والإحسان علّةٌ له.
إن قلت: فأين الخبر في الآية؟
قلت: يدلّ عليه الجملة المعطوفة بالقرينة المتّصلة.
السادس – وهي أُطروحةٌ شاذّةٌ مع أنَّنا نميل إلى بيان الأُطروحات الشاذّة-: أن تكون الفاء للتوكيد والعطف لا الشرط. والتأكيد بالفاء جائزٌ عرفاً، وإن لم نعثر على شاهدٍ له من اللغة، ولعلّ نظر الآية إلى هذا الاستعمال العرفي.
وقد يقال: إنَّ التأكيد بالفاء لغةٌ متأخّرةٌ عرفاً عن عصر نزول القرآن وحضور المعصوم×. ولعلّه يمكن الذبّ عنه بالقول بالاستصحاب القهقرائي الذي هو إمّا أصلٌ عملي أو أمارةٌ، يعني: دلالة كلّ جيلٍ على وجود فهمٍ مّا في الجيل السابق عليه إلى أن ينتهي إلى عصر الشارع المقدّس.
نعم، قد يُقال: إنَّ العرف يستعمل الفاء لغرض التأكيد في النفي، لا الأعمّ منه ومن الإثبات، كما في الآية الكريمة؛ لأنَّها أفادت: {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} ولم يقل: (فليس لهم عذاب جهنّم). وعليه فالتجريد عن الخصوصيّة
– أي: خصوصيّة النفي والقول بالعموم- مشكلٌ.
****
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ}:
ويُلاحظ في الآية: أنَّ النجاة والفلاح بأمرين: الإيمان والعمل الصالح، فقد أشارت الآية الكريمة إلى معنىً جامعٍ كلّي، وهو التعبير عنه بأُصول الدين وفروعه، أي: الالتزام بهما معاً بلا ميزٍ. أو نقول: إنَّ المراد الإيمان باطناً وظاهراً، والإيمان بالقلب واللسان والنفس والعقل، والمراد بالعمل الصالح
ــــــ[301]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الأعمال الظاهريّة من الصلاة والصوم والحجّ والزكاة والخمس، أو يُراد القلب والأعضاء منه، أو النيّة والعمل، ومعه فلا ينجو الإنسان إلّا بهذين الجناحين: الإيمان والعمل الصالح.
ثُمَّ إنَّ للكافرين كالمؤمنين وجهاً ظاهراً ووجهاً باطناً؛ ففي مقابل الإيمان الكفر، والإيمان خيرٌ كلّه، والكفر شرٌّ كذلك، وفي قبال العمل الصالح الفسق. وقد يعبّر القرآن الكريم عن الكافرين بالفاسقين، ويُراد بالفاسق الفاسق بلحاظ العمل، سواء كان مسلماً أم كافراً. وقد يعبّر القرآن أحياناً عنهم بالكافرين الفاسقين؛ لبيان أنَّ الكفر بلحاظ عقيدتهم الباطلة والفسق بلحاظ أعمالهم الطالحة، بخلاف المؤمنين المطيعين لله وللرسول في أُصول الدين وفروعه.
فقد ظهر: أنَّ النجاة والفلاح للمؤمنين بضمّ أحدهما إلى الآخر، أي: القلب والعمل. كما أنَّ الخسارة والهلاك في طرف الكافرين الظالمين بهما معاً، لا بأحدهما دون الآخر، أي: بلحاظ النيّة الباطلة والعمل الطالح. والوجه فيه: أنَّ العمل الطالح لا ينشأ إلّا من نيّةٍ سيّئةٍ ونفسٍ سيّئةٍ، كما أنَّ النيّة السيّئة بلا عملٍ طالحٍ موجبةٌ للهلاك.
نعم، ورد في بعض النصوص أنَّ من ارتكب حراماً يُنتظر به سبع ساعات، فإن تاب، وإلّا كتب عليه سيّئة، كما أن من عزم على ارتكاب حرامٍ أُنظر سبع ساعاتٍ، ويُقال لملك السيّئات أن لا تكتبها؛ إذ لعلّه ينصرف عنها(1). نعم، النيّة وحدها من الناحيّة الفقهيّة أو التشريعيّة لا أثر لها ما لم
ــــــ[302]ــــــ
(1) راجع الأحاديث الواردة في وسائل الشيعة 16: 64-71، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 85.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
تظهر بلسانٍ أو عملٍ، وإلّا فلا أثر لها البتّة.
وقد يعمل الإنسان عملاً سيّئاً مع نفسٍ طيّبةٍ وقلبٍ طاهرٍ، إلّا أنَّه سرعان ما يندم ويتوب ويستغفر الله، أي: إنَّ العمل السيّئ بلا نيّةٍ خبيثةٍ لا يوجب الخسران. وأمّا الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً فعسى الله أن يتوب عليهم(1)؛ لأنَّ الله سبقت رحمته غضبه(2)، والمراد بالآية الوعد بالجنّة.
وليس المراد الجنان العليا ومراتبها السامية، بل الغرض بيان مقدار ما يستحقّه كلّ فردٍ من عمله وعقائده، والله أرحم من أن يعذّب الناس جملةً وتفصيلاً، بل بمقدار العمل والطاعة، كما تقدّم.
وأمّا قوله: {الصَّالِحَاتِ} فقد يقال: إنَّ الألف واللام فيها للجنس، أي: جنس الصالحات، والجنس هو الكلّي، والألف واللام دليل الاستيعاب لكلّ الأفراد، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}(3)، أي: إنَّ أفراد الإنسان كلّهم لفي خسرٍ، إلّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أي: إلّا ما خرج بالدليل.
وقد يُقال: إنَّه لا يمكن فهم الاستيعاب والشمول من الآية؛ لأنَّ المؤمن لا يعمل كلّ الصالحات ليدخل الجنّة؛ لقصر عمره، فيكون المراد بعض الصالحات.
والجواب عنه من وجوهٍ:
ــــــ[303]ــــــ
(1) إشارة إلى الآية: 102 من سورة التوبة.
(2) أُنظر: مصباح المتهجّد: 696، مصباح الكفعمي: 667، كتاب المزار: 159، عدّة الداعي: 144، البلد الأمين: 404، الإقبال: 362، وغيرها.
(3) سورة العصر، الآية: 2.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الأوّل: أنَّ نقدّر (البعض) والمراد: (الذين آمنوا وعملوا بعض الصالحات)، إلّا أنَّ التقدير خلاف الظاهر.
الثاني: أنَّ معنى (البعض) مستبطنٌ في الكلمة نفسها، أي: بمقدار ما أمكنهم من عمل الصالحات، لا أنَّ المراد عمل سائر الصالحات؛ إذ لا يخطر ذلك في بال المتكلّم أو السامع، بل المراد مَن عمل صالحاً باذلاً ما يمكنه القيام به.
الثالث: أن نفهم من {الَّذِينَ آمَنُوا} الجنس، لا الإشارة إلى الفرد، ومعه يرتفع الإشكال من رأسٍ؛ لأنَّ المراد حينئذٍ الأجيال كافّةً من المؤمنين والمؤمنات، والغرض بيان أنَّ الذين آمنوا من الجنّ والملائكة والإنس مع تعدّدهم وكثرتهم على مرّ العصور وعملوا الصالحات جميعاً لهم جنّاتٌ تجري من تحتها الأنهار.
الرابع: أنَّه قد يُقال:إنَّ الألف واللام للعهد لا للجنس، ويشهد له قرينةٌ حاليّةٌ لا مقاليّةٌ، وهو الإشارة إلى نفس ما عمله الإنسان في حياته من عملٍ وفعلٍ.
إن قلت: بل الظاهر منها الجنس لا العهد، كما هو واضحٌ.
قلت: يمكن الجواب عنه بوجهين:
الأوّل: أنَّ الجملة ككلٍّ يُستفاد منها الجنس، إلّا أنَّ ذلك إنَّما يستفاد من قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا} لا قوله: {عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}.
الثاني: أنَّه لا منافاة بين فهم الجنس وفهم العهد؛ إذ الأمر المعهود ليس جزئيّاً شخصيّاً كشربة ماءٍ مثلاً، بل المراد مجموعةٌ من الأعمال، ومن هنا كان هناك تماثلٌ بين العهد والجنس المنطبق على أفرادٍ كثيرةٍ. والحاصل: أنَّه لو فهمنا
ــــــ[304]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
العهد لم يكن فهمنا منافياً لإرادة الجنس، بل هو مساوقٌ له.
وأمّا السؤال عن الجمع في قوله: {الصَّالِحَاتِ} واستعمال جمع المؤنّث السالم لا المفرد بالقول: (عملوا عملاً صالحاً أو عملوا العمل الصالح) فقد يُقال: إنَّ جمع المؤنّث السالم من شروطه التأنيث الحقيقي وتاء التأنيث، وكلاهما غير موجودٍ، مع أنَّ مفرد الصالحات (صالح) لا (صالحة)، كما أنَّ العمل ليس مؤنّثاً حقيقيّاً أو لفظيّاً، فأيّ شيءٍ صحّح جمعه على المؤنّث السالم؟
ويمكن الجواب عنه: بأنَّ القاعدة في جمع المؤنّث السالم لا تقتضي أن يكون الاسم المراد جمعه مؤنّثاً حقيقيّاً أو لفظيّاً، بل ما كان فيه معنى التأنيث يمكن جمعه بنحو المؤنّث السالم، والجمع فيه معنى التأنيث في لغة العرب، أي: إنَّ الجمع مؤنّثٌ في المعنى، فيتعيّن أن يكون وصفه مؤنّثاً، فيُقال: الأعمال الصالحات أو الأعمال الصالحة أو عملوا الصالحات بتقدير موصوفٍ مقدّرٍ هو الأعمال مثلاً. ولا يُقال: (الأعمال الصالح) بتذكير الصّفة أو (الأعمال الصالحون) بل يتعيّن (الصالحات). وكذا الكلام في حال المفرد، فنقول: العمل الصالح، إلّا أنَّ الجمع في لغة العرب موسومٌ بسمة التأنيث.
وأمّا الإشكال القائل بأنَّه لماذا لم يقل: (عملوا العمل الصالح) أو (عملوا عملاً صالحاً) بل قال: (وعملوا الصالحات)؟ مع أنَّه يمكن تذكير الصّفة والموصوف معاً فيُقال: (العمل الصالح)، مع أنَّ الأعمال الصالحة أو العمل الصالح يؤدّيان المعنى المراد؛ لأنَّ كلاً من الجمع والمفرد اسم جنسٍ.
فالجواب عنه من وجوهٍ:
الأوّل: أنَّ للمتكلّم الاختيار والحرّيّة في التعبير، وهو كافٍ في الغرض المطلوب.
ــــــ[305]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الثاني: أنَّ الحكمة من ذلك الإشارة والإيحاء إلى التقليل بلحاظ العدد، بخلاف ما لو قال: (العمل الصالح)؛ فإنَّه ينطبق على عددٍ كثيرٍ، مع أنَّ المرء مهما عمل عملاً صالحاً كان قليلاً عند الله بلحاظ عظمته وفضله وعطاياه ونعمه، فأُريد التقليل من العمل في نظره.
الثالث: أن نقول بإرادة القلّة بلحاظ المعنى والأهمّيّة لا الكمّيّة، وإن رجعا إلى معنىً واحدٍ، بخلاف ما لو قال: (العمل الصالح)؛ فإنَّه يكون له هيبةٌ وهيمنةٌ، ما قد يحصل معه العجب عند المؤمن أو اليأس عند بعضهم.
والغرض: أنَّ الله يقبل العمل الصالح وإن كان قليلاً متدنّياً، فلا يحصل اليأس عند الناس.
الرابع: لعلّ المراد بالصالحات (أي: المؤنّث) المعنى الباطني والعمل الباطني، بخلاف ما لو قال: (العمل الصالح) بإرادة التذكير، فيكون المراد منه العمل الظاهري، أي أعمال الجوارح. والمراد بالعمل الباطني ما كان من قبيل النيّة والرضا والتسليم ونحو ذلك ممّا يرجع إلى القلب والنفس. ويشهد له: أنَّ النفس مؤنّثٌ في لغة العرب، والضمير الراجع إليها وكذا اسم الإشارة واسم الموصول المعبّر عنها مؤنّثٌ أيضاً. والشاهد في المقام: أنَّ المراد أعمال النفس، كما لو اكتسبت صفتها بالتأنيث ولو مجازاً.
الخامس: أن يُقال: إنَّ الصالح هو ما كان ذا مصلحةٍ، والعمل الصالح ما فيه مصلحةٌ، والمصلحة قد تتعلّق بنفس المكلّف وقد تتعلّق بغيره.
والغرض: أنَّه لو قال: (عملوا الصالحات) أو (الأعمال الصالحات) لكانت المصلحة راجعةً إلى الفرد نفسه، بخلاف ما لو قال: (العمل الصالح)؛ فإنَّ المصلحة تعود إلى الغير. ويشهد له عند العرف أنَّنا نقول: ذلك العمل في
ــــــ[306]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
صالح زيدٍ، أي: في مصلحته، فلذا كان المذكّر مشعراً بإرادة مصلحة الغير، مع أنَّ الغرض في الآية الإشعار بأنَّ الطاعات تعود إلى مصلحة الفرد نفسه.
ثُمَّ إنَّه قد تقدّم بيان المراد من الجنّات التي تجري من تحتها الأنهار آنفاً، وليس في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} نكتةٌ زائدةٌ داخلةٌ في منهجنا في التفسير.
****
قوله تعالى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}:
قال الراغب: البطش تناول الشيء بصولةٍ(1)، أي: بشدّةٍ، كما يُقال: صالت عليه الفرس أو الدابّة الصائلة، أي: الهائجة، أي: التناول بهيجانٍ وشدّةٍ.
قال تعالى: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ}(2) {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى}(3) {وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا}(4) {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}.
والظاهر عدم اختصاص اللفظة لغةً بالعقوبة، فبطش لا تعني: عاقب، بل تناول بشدّةٍ وصولةٍ، سواء كان بنحو العقوبة أم لا، مع أنَّه لم يرد في القرآن بغير العقوبة، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} وقوله: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى}، فالبطش في كلّ هذه الآيات بمعنى العقوبة.
ولعلّه يُقال: إنَّ البطشة تدلّ بالتبادر على العقوبة والعقاب والانتقام.
ــــــ[307]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 48، مادّة (بطش).
(2) سورة الشعراء، الآية: 130.
(3) سورة الدخان، الآية: 16.
(4) سورة القمر، الآية: 36.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
نعم، لا يشترط فيها لغةً الاستحقاق، كما إذا قيل: بطش المؤمن بالكافر، أو بطش الإنسان بالحيوان، أو بطش الظالم بالمظلوم. وقد يكون البطش بظلمٍ وقد يكون بعدلٍ، وبطش الله تعالى عن حكمةٍ وعدلٍ بلا إشكالٍ.
ويفيد البطش معنيين: الأوّل: قدرة الفاعل وتسلّطه على المبطوش به. والثاني: أنَّ ما يقوم به نحو سوءٍ وعقوبةٍ لا نحو خيرٍ وراحةٍ. ويُراد بالعقوبة هنا الصعوبة لا العقوبة بمعناها الحقيقي، سواء كانت في الدنيا أم في الآخرة. ومن هنا يتّضح: أنَّ قوله تعالى: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ} أي: في الدنيا لا في الآخرة، وقوله تعالى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} أي: فيما يحصل في الدنيا من عذابٍ وبلاءٍ في الأُمم السابقة: كقوم لوطٍ مثلاً.
وأشار السيّد الطباطبائي+(1) إلى أنَّ الآية تعطي قاعدةً عامّةً ودرساً لكلّ جبّارٍ ظالمٍ في كافّة الأزمنة، سواء في حقّ أُولئك الذين أحرقوا المؤمنين أم الذين يؤذون رسول الله’ أو في زمان نزول الآية أو في المستقبل، فهي تطييب لنفس النبي’ بالتأييد والنصر قبال ما لقيه من أذى المشركين.
مع أنَّه قد يُقال: إنَّ النبي’ هل يحتاج إلى تطييب نفسه في الآخرة لما لقيه من الأذى والظلم في الدنيا؛ لأنَّه يشعر بالبلاء والأذى في الدنيا؟ فهذا بابٌ آخر، فالسيّد الطباطبائي(جزاه الله خيراً) فهم المطلب بحسب مستواه من أنَّ النبي’ يحتاج إلى تطييب نفسه، وربّما يؤيّد ماقاله+ ماورد في زيارة النبي ’>أسرّ الحسرة وأخفى الزفرة وتجرّع الغصّة<(2) وما ورد عن سيّد
ــــــ[308]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 253، تفسير سورة البروج.
(2) أُنظر: إقبال الأعمال: 606، الباب الرابع، وبحار الأنوار 97: 185، أبواب زيارة النبي’ وسائر المشاهد في المدينة، الباب 3.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الشهداء الحسين×: >هوّن عليّ ما نزل بي أنَّه بعين الله<(1).
وأمّا سبب ذكر(ربّك) دون (الله) ففيه ثلاثة أُطروحات:
الأُولى: – ماذكره في الميزان(2) – أنَّه قال (بطش ربّك) ولم يقل: (بطش الله) تطييباً له بالتأييد والغلبة، وإشارةً إلى أنَّ الجبابرة من أُمتّه سيلقون نصيباً من الوعد المتقدّم.
الثانية: أنَّه لم يقل: (بطش الله) وإنَّما قال: (بطش ربّك)، وكذا قال في مكانٍ آخر: {الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}(3)ولم يقل: (الرحيم على العرش استوى) أو (الله على العرش استوى)، فهذا له درجة من السريّة، فكأنَّ الله يعبّر عن نفسه بمختلف الأسماء {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}(4) فتارةً يدعو نفسه بالرحمن وأُخرى بالرحيم وثالثة بالغفور، وهكذا. فهذا أمرٌ اختياري بالتعبير.
الثالثة: أنَّ المراد من (ربّك) الأسباب العليا للكون، لا الله تعالى شأنه، فيكون بطشهم شديداً، فبيدهم دخول الجنّة، وبيدهم دخول النار، ولذا يُقال: إنَّ رسول الله’ هو الحاشر العاقب(5)، أي: الحاشر الناس على قدميه
ــــــ[309]ــــــ
(1) اللهوف: 115، المسلك الثاني، وبحار الأنوار 45: 46، أبواب ما يختصّ بتاريخ الحسين بن علي (صلوات الله عليهما)، الباب 37.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 253، تفسير سورة البروج.
(3) سورة طه، الآية: 5.
(4) سورة الأعراف، الآية: 180.
(5) راجع الأحاديث الواردة في الباب السادس من كتاب تاريخ نبيّنا’ من بحار الأنوار 16: 82-135.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
المعاقب للظالم منهم يوم القيامة، ويقال: إنَّ أمير المؤمنين× قسيم الجنّة والنار(1).
****
قوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ}:
يبدئ من البداية ويُعيد من الإعادة، والفاعل فيهما معاً الله تعالى، ولعلّ المراد بهما أحد أُمورٍ:
الأوّل: أن يكون المراد من البدء الكون في الدنيا، وبالإعادة الكون في الآخرة.
الثاني: أن يكون إشارةً إلى البدء بأمرٍ معيّنٍ، كالعلم والمال ونحوهما، وإعادة الغني فقيراً والعالم جاهلاً والسليم مريضاً، وهكذا.
الثالث: أن يكون المراد بدء الكون ونهايته؛ فإنَّه قد يُقال: إنَّ الكون بدأ يوماً وسينتهي في يومٍ مّا ويزول وينعدم. ولعلّه إلى ذلك المعنى أشار الملّا هادي السبزواري+ بأنَّ الكون يلتهب ويشتعل كالنار، ثُمَّ يخمد لفتراتٍ طويلةٍ، كحالات الإنسان من المرض والهرم والشيخوخة، ثُمَّ ينشط مرّة أُخرى ثُمَّ يخمد ثُمَّ ينشط، وهكذا، وهو ما أطلق عليه بالأكوار والأدوار(2).
وقد يُقال: إنَّ الكون يبدأ مراراً وينتهي مراراً، فله بداياتٌ ونهاياتٌ متعدّدةٌ، وقد يُقال: أيضاً: إنَّ الحضارات البشريّة كعمر الإنسان توجد وتشبّ
ــــــ[310]ــــــ
(1) راجع الأخبار الواردة في بحار الأنوار 39: 193-210،كتاب تاريخ أمير المؤمنين×، أبواب فضائله ومناقبه، الباب 84: أنّه× قسيم الجنّة والنار وجواز الصراط.
(2) راجع ما أفاده في شرح المنظومة 5: 206، غررٌ في بعض أحكام النفوس الفلكيّة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وتقوى وتخرم ثُمَّ تموت، ولذا كان لدينا حضاراتٌ عديدةٌ من قبيل حضارة الفراعنة وحضارة البابليّين وحضارة الصين وحضارة السومريّين. ومعه فكلّ حضارةٍ يمكن أن تقع مصداقاً للآية الكريمة؛ لأنَّ الله بدأها وأنهاها بأيّ سببٍ كان، وليس هو الفاعل بالمباشرة، بل هو الفاعل بالتسبيب، وهو مسبّب الأسباب؛ لأنَّه بدأها بإرادته ومشيئته وأنهاها بقضائه وقدره.
الرابع: أن يكون المراد الابتداء بالنعمة وبالإعادة التكرار لما سبق؛ لأنَّ العطاء من سنخ النعم السابقة، فهو يبدئ ويعيد ما بدأه من نعمٍ وألطافٍ على الإنسان من رزقٍ وحياةٍ وقدرةٍ وإدراكٍ، وهكذا. فكلّ نعمةٍ هي عطاءٌ متكرّرٌ واستمرارٌ للنعم والعطايا السابقة.
الخامس: أن يكون المراد البدء بالهداية: إمّا بنحو العلّيّة وإمّا بنحو الاقتضاء، ثُمَّ مَنّ على البشريّة بنعمة البعثة النبويّة والرسالة المحمّديّة’ والإسلام، فتواترت أنحاء الهداية على البشر. وقد يكون ذلك باعتبار الآيات التكوينيّة والأنفسيّة.
بقي في المقام التعرّض إلى أُمورٍ:
الأوّل: أنَّ البدء في قبال النهاية لا الإعادة، إلّا أنَّ مشهور المفسّرين فهموا من الإعادة الانتهاء، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى}(1) فلماذا قال: (يبدئ ويعيد) ولم يقل: يبدئ وينهي؟ فهل الإعادة بمعنى الانتهاء مجازاً؟
ويلاحظ عليه: أنَّه ليس في عالم التكوين عدمٌ بعد وجودٍ، سواء كان من
ــــــ[311]ــــــ
(1) سورة النجم، الآية: 42.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
العوالم العقليّة أم الروحيّة أم المادّيّة، فليس هناك عدمٌ بعد الوجود بالمعنى الفلسفي، بل كلّ ما في الأمر أنَّ الشيء يوجد ثُمَّ يتلبّس بصورةٍ أُخرى، فلا ينعدم بالمرّة، فما هو موجود يبقى مستمرّاً، وهذا من رحمة الله سبحانه.
يقول المادّيّون الطبيعيّون: إنَّ المادّة لا تفنى ولا تستحدث(1). والوجه فيه: أنَّ رحمة الله أوسع من أن تتعرّض للفناء، بل لابدّ من بقاء المادّة إلى أن تصل إلى غرضها الحقيقي. نعم، قد تتبدّل المادّة إلى طاقةٍ، والطاقة تتبدّل إلى مادّةٍ، إلّا أنَّ وجود المادّة بما هو وجودٌ لا يفنى ولا يزول.
إن قلت: إنَّك قد اعتبرت قوله تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} دليلاً على ما تقدّم.
قلت: لا يُراد بالمنتهى الزوال، بل الانتهاء إلى الله تعالى، فلم نخرج من الوجود إلى العدم، بل من الوجود إلى الوجود، وهو أشرف وأقرب إلى الله تعالى.
ثُمَّ إنَّ التعبير بقوله تعالى: {يُبْدِئُ} قد يتصوّر على نحوين:
الأوّل: ما عليه المشهور(2) والسيّد الطباطبائي+(3) من أنَّه يبدئ من الابتداء والافتتاح.
ــــــ[312]ــــــ
(1) من جملة القائلين بهذا العالم الكيميائي (لافوازييه)، أُنظر: تاريخ الفلسفة الحديثة، قانون بقاء المادة: 289.
(2) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 296، تفسير سورة البروج، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 572، تفسير سورة البروج، وغيرهما.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 253، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الثاني: أن يكون من الإبداء بمعنى الإظهار والإبراز والبيان.
إلّا أنَّ المتعيّن في الآية معنى الابتداء لوجهين:
الأوّل: أنَّ الفعل مهموز (يبدئ) لا (يبدي)، ولو أراد الإظهار والإبداء لقال: (يبدي) أي: يكون الفعل منقوصاً.
الثاني: أنَّ في مقابله العود والإعادة، والإعادة لا تقع في قبال الإظهار والإبداء، كما لا يخفى، بل بعد الابتداء والافتتاح.
وقد يُقال: إنَّ (يبدئ) مزيدٌ أو رباعي من بدأ وأبدأ وبدأ بعمل نفسه، وعليه نقول في المقام: إنَّ (بدأ) يعطي معنى اللازم و(أبدأ) يعطي معنى المتعدّي، أو نقول: (بدأ) يأخذ مفعولاً واحداً و(أبدأ) يأخذ مفعولين.
ولعلّ صيغة (أبدأ) قياسيّة، إلّا أنَّها شاذّةٌ لم ترد في كلام العرب، من قبيل: عَمل أعمل، نحو قولنا: أعمل زيدٌ البناء، وقولنا: أعملت فكري. لكن لا يصحّ أن نقول: أعملت زيداً، فيمكن أن نقول طبقاً لذلك: (أبدأ الله الخلق).
وأمّا قوله تعالى: {كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ}(1) فقد ورد في القرآن الكريم بصيغة الثلاثي بهذا المعنى، كما ورد فيه أيضاً بصيغة الرباعي نحو قوله تعالى: {كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ}(2).
وقال في >الميزان<: قالوا: ولم يسمع من العرب الإبداء، لكن القراءة
ــــــ[313]ــــــ
(1) سورة العنكبوت، الآية: 20.
(2) سورة العنكبوت، الآية: 19.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ذلك، وفي بعض القراءات الشاذّة: (يبدء) بفتح الياء والدالّ(1)(2).
فمع الشذوذ وعدم السماع من العرب كيف يصحّ استعماله؟
والجواب عنه بوجوهٍ:
الأوّل: بل هو قياسي، وإن كان نادراً شاذّاً، وكلّ ثلاثي يمكن تبديله إلى رباعي أو مزيدٍ.
الثاني: أنَّ الحاجة إلى تفهيم المعنى اقتضت ذلك؛ لعدم وجود لفظٍ مناسبٍ للتعبير عن ذلك المعنى غيره.
الثالث: أنَّ أهل العلم والثقافة يمدحون الأديب أو الشاعر الذي يستعمل لفظاً جديداً أو يستحدث تعبيراً معيّناً لأداء غرضٍ مّا، فيقولون: إنَّه يتصرّف في اللغة كيفما شاء، ومثال ذلك كثيرٌ في لغة الشعر والأدب في العصور المتقدّمة أو العصور المتأخّرة. وإذا كنّا نمدح الشاعر والأديب، فلماذا نعترض على القرآن الكريم في استعمالاته وتعابيره، وهو الأساس في الأدب واللغة؟ بل ينبغي أن يكون ذلك من باب المدح والثناء عليه، وإن كان التعبير شاذّاً.
الرابع: أنَّه يلاحظ: أنَّ أوثق المصارد اللغويّة والأدبيّة والفقهيّة والأُصوليّة التي يستند إليها الأعلام والأصحاب هو القرآن الكريم؛ فإنَّه أوثقها سنداً ودلالةً، وأمّا سائر مصادر اللغة فقد يدخل عليها التحريف
ــــــ[314]ــــــ
(1) يُذكر: أنّه حكي ذلك عن أبي زيد أنّه قريء (يَبدَأ) من (بَدَأ) ثلاثيّاً وهو المسموع، ولكن القراءة بذلك شاذّة. أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 8: 108، سورة البروج.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 253، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والتغيير، كما قد يُلاحظ في بعض كتب اللغة أو النحو وأمثالهما، وقد يذكر بعضهم شعراً بلا سندٍ له لينتصر لبعض أهل اللغة، كالكوفيّين أو البصريّين، والله العالم.
وأمّا الكتاب العزيز فهو تامّ السند والدلالة بلا تحريفٍ فيه في اللفظ والمعنى، فيكون حجّةً على ما سواه، ولذا لو تعارضت الأبيات القديمة أو المعلّقات السبع في التعبير والاستعمال مع القرآن الكريم، كان القرآن هو الحجّة الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه(1).
ولذا لا يمكن لنا أن نقول: إنَّ هذا اللفظ لم تستعمله العرب أو إنَّه شاذٌّ بلحاظ الاشتقاق، بل يكفي تعبير القرآن به وإن لم يُسمع من العرب.
الخامس: أنَّه ذكر في >الميزان<(2) أنَّ هناك قراءةً شاذّةً هي (يَبدَأ) أو (يَبدَء) بفتح الياء والدالّ(3).
ولعلّ التعبير بشذوذ القراءة إشارةٌ إلى خلوّ قراءة حفصٍ عن عاصمٍ عنها أو خلوّ القراءات السبع أو العشر عنها؛ إذ لعلّ الشاذّ عندهم – أي: في علم القراءات- ما لم يُلحظ في سائر القراءات العشر، مع أنَّ هذه القراءات كانت معاصرةً للمعصوم×، فتكون حجّةً بمعنىً من المعاني. ومع هذه القراءة لا يرد الإشكال المزبور القائل بعدم سماعها من العرب ونحوه.
والظاهر عندنا: أنَّ قراءة حفصٍ عن عاصمٍ هي الأفصح الأصحّ
ــــــ[315]ــــــ
(1) إشارة إلى الآية: 42 من سورة فصّلت.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 253، تفسير سورة البروج.
(3) أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 8: 108، سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بالقياس إلى سائر القراءات؛ لاشتمالها- أي: سائر القراءات- على نقاط ضعفٍ عديدةٍ.
وينبغي التنبيه على أُمورٍ:
الأوّل: أنَّه لو قلنا: (يبدأ) فهي قراءةٌ شاذّةٌ حسب كلام السيّد الطباطبائي+، والقراءة الشاذّة ليست بحجّةٍ.
الثاني: لو قال: (يبدأ زيدٌ العمل) فكأنَّه يتحدّث عن نفسه، فيما لو قال: (يُبدئ) لكان متحدّثاً عن غيره، وهو المراد في المقام، لا أنَّ الغرض بيان أنَّ الله يبدأ شيئاً؛ لأنَّه لا تحلّه الحوادث، فيفسد المعنى المزبور.
الثالث: أنَّ هناك انسجاماً سياقيّاً بين (يبدئ) و(يعيد)؛ إذ كلٌّ منهما رباعي مضموم الأوّل، بخلاف ما لو قال: (يبدأ ويعيد)؛ إذ يختلف السياق اللفظي؛ إذ يكون (يبدأ) ثلاثيّاً مفتوح الأوّل.
وأمّا السؤال عن وجه الارتباط بين الوصفين (يبدئ ويعيد) والآيات السابقة واللاحقة فالجواب عنه بوجوهٍ:
الأوّل: أنَّه قد يُقال: إنَّه لا حاجة إلى السياق اللفظي ولا يلزم مراعاته، بل الأمر فيه إلى الله تعالى، والوصف المستعمل في القرآن مستقلٌّ عن السياق، ولا يُعتبر أن يكون كلّ القرآن الكريم بآياته وألفاظه مرتبطاً بعضه بالبعض الآخر، ولعلّ مثاله قوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ}(1).
الثاني: أنَّه مرتبطٌ بالسياق السابق؛ لأنَّ الله تعالى البادئ للخلق أجمع، بما فيهم الكفّار الذين جحدوا هذا المعنى وتطاولوا على المؤمنين وأحرقوهم في
ــــــ[316]ــــــ
(1) سورة المائدة، الآية: 1.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الأُخدود، مع أنَّ الله يُبدئ ويعيد، فقد بدأهم وسيعيدهم إلى جهنّم صاغرين، فله السلطنة والسيطرة بلحاظ كلتا الجهتين.
الثالث: ما أفاده السيّد الطباطبائي+ من أن المراد إبراز قدرة الله التامّة وأنَّه لا يعجزه شيءٌ، ولا يمتنع عليه ما يريد، ولا يفوته فائتٌ زائلٌ، وكما أنَّه خلق الخلق ابتداءً فسيعيدهم إليه ويجازيهم على أعمالهم(1).
وقد يُلاحظ عليه – مع حسنه وجودته-: أنَّه لو عبّر أيضاً بالعلي العظيم، لأفاد قدرته التامّة أيضاً، فلا فرق بينهما وبين سائر الأوصاف العليا والأسماء الحسنى، مع أنَّه لم يتبيّن لنا علاقة كلٍّ منهما بنحو الاستقلال.
ثُمَّ إنَّ (هو) ضمير فصلٍ، والهاء في (إنَّه) اسم إنَّ والجملة (يُبدئ) خبر. وقد يُقال: إنَّ الهاء اسمها و(هو) خبرها وقوله: (يبدئ) حالٌ أو نعتٌ، إلّا أنَّ ذلك شاذٌّ لا يُصار إليه.
ثُمَّ ما الغرض من التعبير بـ(هو) في قوله: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ}؟
والجواب عنه بوجوهٍ:
الأوّل: أنَّ الغرض منه التأكيد باعتبار فرض السامع مشكّكاً، فيُقال له: إنَّ الله تعالى خاصّةً هو الذي يبدئ ويعيد، لا غيره من خلقه، كالملائكة أو جبرائيل أو الرسول الأكرم’ أو أيّ فردٍ آخر؛ لأنَّ الله تعالى هو الذي يمكن له أن يبدئ ويعيد دون غيره. والغرض من التأكيد رفع الشكّ عن السامع؛ لأنَّ هذه الخطابات إنما يخاطب بها الكفرة الفسقة عادةً.
الثاني: إبراز نحوٍ من الهيبة والهيمنة والعظمة، بخلاف ما لو قال: (إنَّه
ــــــ[317]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 253، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
يبدئ ويعيد) إذ يكون التعبير أقلّ إشعاراً بالعظمة، وهو أمرٌ وجداني.
الثالث: ما أفاده في >الميزان<(1) من إفادته القصر والحصر بالحقّ تعالى دون غيره، ولعلّ ذلك يرجع إلى الوجه الأوّل بمعنىً، وإن كان الملحوظ هناك بيان التأكيد لا خصوص القصر، فتنبّه.
وقد يُقال أيضاً: إنَّه مع حذف ضمير الفصل (هو) لا يختلّ السياق القرآني، فما وجه الحاجة إلى ذكره حينئذٍ؟ وما الوجه في زيادة الضمير في التعبير القرآني؟
ولعلّه يمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الأوّل: أن نتصوّر وجود قراءةٍ بلا (هو)، وإن كان المراد هنا قراءةً معتبرةً بلا ضمير الفصل ثبوتاً؛ لأنَّ القراءة الحاليّة قراءة حفصٍ عن عاصمٍ، وهي قد تغاير سائر القراءات في الجملة.
الثاني: إفادة الضمير التركيز والتعظيم للذات الفاعلة للبدء والإعادة، أي: إنَّ الذي يُبدئ ويُعيد من العظمة بمكانٍ، فيلزم التأكيد عليه؛ إذ قد يفترض كون السامع شاكّاً أو متردّداً أو غافلاً.
مع أنَّ السياق في الآية سياق تهديدٍ للذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، فكان من المصلحة التأكيد عليهم بذلك المعنى، ولو لم يكن ضمير الفصل لما أفاد التركيز والاختصاص. والتركيز جهةٌ نفسيّةٌ للقارئ أو السامع، فيلزم الاستفادة من هذه الجهة كغيرها من جهات البلاغة والبيان وجهات العقل والإعلام.
والغرض: أنَّه لابدّ من استثمار الجهة النفسيّة مضافاً إلى سائر الجهات
ــــــ[318]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 253، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
لأجل تفهيم المخاطب بخطورة الأمر وأهمّيّة السياق.
الثالث: ما أفاده السيّد الطباطبائي+ في >الميزان<(1) من إفادة الضمير القصر والحصر وأنَّ الله وحده هو الذي يبدئ ويعيد دون غيره، فبه الابتداء وإليه الانتهاء.
والمهمّ في المقام بيان الفاعل وحصر الابتداء والإعادة به؛ لأنَّ الفاعل مستترٌ في الفعلين تقديره (هو)، فرجع إلى ضمير الفصل، وأفاد التأكيد على الفاعل.
ثُمَّ إنَّ هذا الحصر والقصر أدّى إلى فشل المشركين وهلاك الشرّ بكلا معنييه الخفي والجلي، وأفاد أنَّ غير الله تعالى غير قادرٍ على البدء والإعادة البتّة. وبعد قيام البرهان عليه يتمّ التأكيد على الحصر والقصر باللفظ والمضمون، لا كما يدّعي المادّيّون من اختصاص البدء والإعادة بما سواه تعالى شأنه.
ولعلَّ نظيره ما ورد على لسان النبي إبراهيم× من قوله: {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}(2) فقال نمرود: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}(3) أي: أُبدئ وأُعيد. والوجه فيه: أنَّ الظالم حينما يتسلّط على المجتمع قد يشعر أنَّ بيده البدء والإعادة والحياة والممات، ومن هنا احتاج المقام إلى بيان الحصر والقصر.
****
قوله تعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ}:
الغفور والودود فعولٌ بلحاظ مادّتي الغفران والود.
ــــــ[319]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 253، تفسير سورة البروج.
(2) سورة البقرة، الآية: 258.
(3) سورة البقرة، الآية: 258.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وقد يُقال في المقام: إنَّه ليس هناك مائزٌ جامعٌ مانعٌ بين الصفة المشبّهة وصيغة المبالغة، كعدم المائز بين الكناية والاستعارة في علوم البلاغة، مع أنَّه لا يصدق على فردٍ واحدٍ أنَّه صفةٌ مشبهةٌ وصيغة مبالغةٍ في آنٍ واحدٍ.
ثُمَّ إنَّ هذا الوزن، سواء أكان صفةً مشبّهةً أم صيغة مبالغةٍ يفيد أمرين:
الأوّل: الثبات نحو: حسن، كريم، قبيح، بخلاف اسم الفاعل واسم المفعول؛ فإنَّهما لا يدلّان على الثبوت، بل الحركة والزوال. فقولنا: الغفور والودود دالٌّ على ثبوت المغفرة والودّ عنده تعالى. وإذا كانت الصفة ثابتةً كانت دائمةً وشاملة بشمول قدرة الله وتدبيره. أمّا الغفّار فهو صيغة مبالغةٍ، وهي لا تفيد الثبوت، بخلاف الصفة المشبّهة (الغفور).
الثاني: الشدّة في الصفة كما في الغفّار والغفور، أي: كثير الغفران، بخلاف قولنا: (الغافر)؛ إذ لا يدلّ على الشدّة والكثرة والدوام في الغفران.
والفرق بين الغفران الإلهي والغفران والعفو عند البشر واضحٌ؛ فإنَّه لو أساء إلينا زيدٌ لحقدنا عليه لمدّةٍ طويلةٍ، وقد أعفو عنه بنحو التعارف والمجاملة لا الصدق والوفاء، وقد أقول له: (رحم الله والديك) فينطق بها اللسان لا القلب؛ وذلك للنفس الأمّارة بالسوء التي توق شحّ نفسها، بخلاف الحقّ تعالى وغفرانه وسعة عفوه.
والوجه فيه: أنَّ الله كثير الغفران للذنوب كلّها، حتّى الشرك مع التوبة وعبادة الأصنام والزنا وشرب الخمر، بخلاف الإنسان القصير النظر؛ فإنَّ نفسه الأمّارة بالسوء لا تسمح له بالغفران لمرّاتٍ عديدةٍ؛ لعدم يقينها بالله وطول أملها بالدنيا.
ثُمَّ إنَّ الله كثير الغفران للذنوب الموبقة والخطايا والمعاصي الكبيرة بخلاف البشر، مع أنَّ رحمة الله وعفوه من السعة بمكانٍ بحيث تشمل الخلائق
ــــــ[320]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أجمعين، بخلاف سائر البشر والمخلوقات؛ إذ لا يُقاس بكثرة غفرانه وسعة عفوه أحدٌ.
ولذا ورد في الدعاء: >ولو اطّلعوا يا مولاي على ما اطّلعت عليه منّي إذن ما أنظروني ولرفضوني<(1)؛ وذلك لقلّة صبرهم وسوء ظنّهم، بخلاف الباري تعالى شأنه.
وقد يُفيد (الغفّار) و(الغفور) تأجيل العقوبة، وإن لم يطلق عليه الغفران بالمعنى الحقيقي، وإليه الإشارة بقوله×: >ولو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته<(2). ومن الواضح أنَّ تأجيل العقوبة لإقامة الحجّة على الفرد لينتبه ويحذر من ذنوبه ومعاصيه، فلا يذنب ثانياً وثالثاً … .
ثُمَّ إنَّ الإنسان قد يذنب، إلّا أنَّ الله تعالى يتوقّع منه في كلّ آنٍ وساعةٍ ويومٍ التوبة والإنابة إليه، فإن تاب فبها، وإلّا كان مؤجّلاً للتوبة ومسوّفاً لها، مع أنَّ الذنب الواحد قد يستتبع ذنوباً {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ}(3). وقد يتأمّل الفرد المذنب وينيب إلى الله من خلال مروره بحادثةٍ مّا أو تذكّر آيةٍ قرآنيّةٍ. كما تقدّم أنَّ المؤمن لو أذنب أُمهل سبع ساعاتٍ، فلا يكتبها الملك، فإذا انقضت احتسبت عليه معصيةٌ وسيّئةٌ واحدةٌ.
ــــــ[321]ــــــ
(1) إقبال الأعمال: 345، فصل فيما نذكره من أدعية يوم عرفة، البلد الأمين: 256، ذكر عمل السنة، ذو الحجّة، وبحار الأنوار 95: 222، أعمال خصوص يوم عرفة وليلتها.
(2) مصباح المتهجّد: 582، دعاء السحر في شهر رمضان، إقبال الأعمال: 67، فصل فيما نذكره من أدعيةٍ تتكرّر كلّ ليلةٍ من وقت السحر، والبلد الأمين: 206، ذكر عمل السنة، شهر رمضان.
(3) سورة الدخان، الآيات: 43-45.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وليُعلم: أنَّ تأجيل التوبة من قبل الفرد ذنبٌ في صناعة الأخلاق لا في صناعة الفقه؛ إذ لا يعدّ تأجيلها ذنباً وإساءةً، كما هو المشهور، إلّا أنَّ الظاهر أنَّه حرامٌ أيضاً على المستوى الفقهي، فلا تغفل.
وأمّا الودود فقد قال الراغب: الودّ محبّة الشيء وتمنّي كونه، أي: تمنّي وجوده. وقوله تعالى: {وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً}(1) إشارةٌ إلى صنمٍ سُمّي بذلك: إمّا لمودّتهم له أو لاعتقادهم أنَّ بينه وبين الباري مودّةً(2).
أضف إلى ذلك أنَّنا قد ذكرنا في كتابنا >أضواء على ثورةالحسين×<(3) أنَّ التمنّي لا يختصّ بالأمر المستحيل، بل هو حالةٌ نفسيّةٌ للرغبة في شيءٍ يقع في المستقبل، كما لو تمنّى زيدٌ أن يشرب الماء بعد مدّةٍ في حالة الجدب، وما لو تمنى خالدٌ الفقير أن يكون عنده مالٌ، أو تمنّى المريض السلامة من مرضه، بخلاف الرجاء، وإن كان حالةً نفسيّةً أيضاً، إلّا أنَّ لكلٍّ منهما وضعاً خاصّاً ومعنى مستقلاً. نعم، قد يتمنّى الكبير الهرْم أن يعود شابّاً مجازاً لا حقيقة؛ لأنَّ تمنّي المستحيل مستحيلٌ وتمنّي الممكن ممكنٌ.
قال الراغب: ويستعمل في كلّ واحدٍ من المعنيين، على أنَّ التمنّي يتضمّن معنى الودّ؛ لأنَّ التمنّي هو تشهّي حصول ما تودّه(4).
أقول: يُلاحظ: أنَّ الودّ من التمنّي؛ لأنَّك إذا وددت شيئاً فقد تمنّيت
ــــــ[322]ــــــ
(1) سورة نوح، الآية: 23.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 553، مادّة (ود).
(3) أُنظر: أضواء على ثورة الحسين×: 146-147، (يا ليتنا كنّا معكم).
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 553، مادّة (ود).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
حصوله في المستقبل، وتارة يحبّ زيدٌ بكراً، وأُخرى يودّ زيدٌ مجيء بكرٍ في المستقبل، فرجع الودّ إلى التمنّي.
وأضاف الراغب: وقوله {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}(1) وقوله: {سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدّاً}(2) فإشارةٌ إلى ما أوقع بينهم من الأُلفة المذكورة في قوله: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ }(3) الآية. وفي المودّة التي تقتضي المحبّة المجرّدة في قوله: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(4) وقوله: {وهو الْغَفُورُ الْوَدُودُ}(5) {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ}(6) فالودود يتضمّن ما دخل في قوله: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}(7) … .
فيصحّ أن يكون معنى {سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدّاً}(8) معنى قوله: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}. ومن المودّة التي تقتضي معنى التمنّي: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ}(9) وقال: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ}(10)
ــــــ[323]ــــــ
(1) سورة الروم، الآية: 21.
(2) سورة مريم، الآية: 96.
(3) سورة الأنفال، الآية: 63.
(4) سورة الشورى، الآية: 23.
(5) سورة البروج، الآية: 14.
(6) سورة هود، الآية: 90.
(7) سورة المائدة، الآية: 54.
(8) سورة مريم، الآية: 96.
(9) سورة آل عمران، الآية: 69.
(10) سورة الحجر، الآية: 2.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وقال: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ}(1) {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}(2) {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}(3) {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا}(4) {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ}(5)(6).
ثُمَّ إنَّ المفسّرين وقعوا في اضطرابٍ في تفسير قوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}؛ لأنَّ المحبّة لا تتعلّق بالله تعالى؛ لأنَّه ليس محلاً للحوادث، ومعه قد يرد الإشكال في قولنا: (الودود)؛ لأنَّ الودّ لا يدخل عليه تعالى؛ لأنَّه ليس محلاً للحوادث.
ولذا قد يُقال بأنَّ المحبّة والمودّة من صفات الأفعال لا صفات الذات، وبه يرتفع الإشكال من رأسٍ. ولذا أفاد الراغب: قال بعضهم: مودّة الله لعباده هي مراعاته لهم. روي أنَّ الله تعالى قال لموسى: أنا لا أغفل عن الصغير لصغره ولا عن الكبير لكبره، وأنا الودود الشكور(7).
وأضاف الراغب – مشيراً إلى معنى باطني-: فيصحّ أن يكون معنى {سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدّاً}(8) معنى قوله: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
ــــــ[324]ــــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 118.
(2) سورة البقرة، الآية: 109.
(3) سورة الأنفال، الآية: 7.
(4) سورة النساء، الآية: 89.
(5) سورة المعارج، الآية: 11.
(6) مفردات ألفاظ القرآن: 553-554، مادّة (ود).
(7) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 553، مادّة (ود).
(8) سورة مريم، الآية: 96.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وَيُحِبُّونَهُ}(1)(2).
وقد يقال: لماذا عبّر بالودود في الآية دون الوادّ مثلاً، مع أنَّ الإشكال الكلامي في المقام سيأتي الحديث عنه في موضعه من التفسير؟ أي: لماذا كانت هناك حاجةٌ إلى التركيز والتأكيد بقوله: (الودود)؟
والجواب عنه إجمالاً: أنَّ مودّته ومحبّته للخلائق من السعة والشمول بمكانٍ بحيث لا تُقاس بها محبّة أحدٍ من الملائكة أو الأنبياء^ والأئمّة^، فاقتضى ذلك التعبير عنه بالودود؛ للدلالة على شدّة محبّته وكثرة ودّه، أي: بلحاظ الكمّيّة والكيفيّة.
وينبغي في المقام الالتفات إلى أُمورٍ:
الأوّل: أنَّ الله يحبّ خلقه، كما ورد ذلك في السنّة(3) وعلى لسان أهل الباطن(4)؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ الله يحبّ خلقه، كما ذكر ذلك في التوارة أيضاً في الإصحاح الأوّل من سفر التكوين بالقول: إنَّ الله لمّا خلق الخلق أعجبه صنعه؛ لأنَّه رآه لطيفاً جميلاً(5). والمراد محبّته للخلائق أجمعين.
الثاني: أنَّ الله ابتدأ العبد بالمحبّة والنعمة، وكلّ نعمه ابتداءٌ، مع أنَّه ليس
ــــــ[325]ــــــ
(1) سورة المائدة، الآية: 54.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 553، مادّة (ود).
(3) راجع ما أفاده السيّد ابن طاووس في فلاح السائل: 113-116.
(4) راجع ما أفاده صدر المتألّهين في المبدأ والمعاد: 155-160، المقالة الثانية، في كيفيّة محبّته تعالى للخلق.
(5) أُنظر: العهد القديم والجديد 1: 3-4، التكوين، الإصحاح الأوّل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
للإنسان ابتداءً لسان طلبٍ بالمقال أو الحال، إلّا أنَّ الله ابتدأ الخلق رحمةً به وودّاً له، وأفاض عليه الرزق والهداية وسائر أنحاء العطايا والمواهب.
الثالث: أنَّ الله أنعم على العبد، مع أنَّه غير مجبورٍ على فعله، فله أن يترك الإنسان سدىً كما له أن يُنعم عليه.
الرابع: أنَّ الله تعالى يعطي المرء أكثر ممّا يستحقّه بمعنىً من المعاني، مع أنَّه لا استحقاق للعبد بوجهٍ.
الخامس: أنَّه ورد في القرآن الكريم أنَّ الله يحبّ التوابين(1) ويحبّ المحسنين(2) ويحبّ المتطهّرين(3)، ما يعني أنَّ العبد كان في مرحلةٍ سابقةٍ ناقصاً مقصّراً مذنباً نجساً قبل توبته وأوبته وطهارته إلى الله تعالى. والأوب هو الرجوع إلى الله بعد التقصير والنقص، بخلاف البشر وعاداتهم وسيرتهم تجاه غيرهم.
ثُمَّ إنَّه ينبغي الالتفات إلى أهمّيّة ارتباط الأسماء الحسنى بالسياق اللفظي القرآني؛ إذ لا يمكن القول بأنَّ (الغفور الودود) لا ربط لها بمضمون الآيات أو السورة المتحدّث عنها.
نعم، قد يصعب الوصول إلى سياقٍ أو مضمونٍ واحد للسور الطوال، بخلاف السورة الحاليّة؛ فإنَّه لابدّ من البحث عن ارتباط تعابيرها وألفاظها
ــــــ[326]ــــــ
(1) إشارةٌ إلى الآية: 222 من سورة البقرة.
(2) إشارةٌ إلى الآية: 195 من سورة البقرة والآيتين: 134 و148 من سورة آل عمران والآية: 93 من سورة المائدة.
(3) إشارة إلى الآية: 222 من سورة البقرة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ببعضها الآخر وارتباط الآيات بما سبقها ولحقها.
وليعلم: أنَّه ذكر في >الميزان<(1) أنَّ قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ناظرٌ إلى ما وعد به المؤمنين من نعيم الجنّة وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا} ناظرٌ إلى وعيده تعالى للكافرين والظالمين والمجرمين وما سيتلقّاهم من الجحيم والعذاب المقيم. ونحوه الكلام في قوله: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} من حيث نظره إلى وعيد الكافرين وأمثالهم.
ويمكن أن تكون الآيات أيضاً ناظرةً إلى أُمورٍ:
الأوّل: أنَّه لا خصوصيّة في المقام بالوعد والوعيد، بل هو أعمّ من ذلك؛ إذ يكفي النظر إلى أعمال الكافرين وأعمال المؤمنين بأن يُقال: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} ويُقال: {وهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} بلا حاجةٍ إلى استحقاق الوعد والوعيد.
الثاني: أنَّ في الآيات شموليّةً، فلا تقتصر على الوعد والوعيد والعمل، بل ما ذكر حصّةٌ من المقصود بها؛ وذلك أنَّ التخويف بالبطش تخويفٌ للكافر والمؤمن معاً: أمّا الكافر فلرجاء توبته وصلاحه، فيخوّفه رجاء أن يتوب وينيب إلى الباري تعالى. وأمّا المؤمنون فلرجاء عدم وقوعهم في معصيةٍ أو ذنبٍ لاحقٍ، فيُقال له: لا ترتكب إساءةً {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}.
كما أنَّ قوله: {وهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} خطابٌ للمؤمن والكافر معاً: أمّا المؤمن فمع توفّر الشرائط يكون أهلاً لنيل ودّ الله وغفرانه؛ ليستحقّ رحمته وعفوه؛ إذ لو توفّر الموضوع والمحمول حصلت النتيجة؛ فإنَّه لا انقطاع لرحمته
ــــــ[327]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 253، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
سبحانه ولا زوال لفيضه. وأمّا الكافر فيتوقّع منه أيضاً أن يؤهّل نفسه ليكون موضوعاً لنيل غفرانه ومحبّته. وعليه فقد ظهر شمول الود والمغفرة للخلائق أجمعين بلا اختصاصٍ لهما بالمؤمن.
والغرض: ترغيب الخلق أجمع إلى الأمل والرجاء برحمة الله وسعة عفوه، ولذا لو تاب معاويةٌ أو يزيدٌ أو فرعون أو عبد الرحمن بن ملجم أو شمر بن ذي الجوشن لتاب الله عليهم، إلّا أنَّ الباري تعالى لا يوفّقهم للإنابة إليه.
ثُمَّ إنَّ الهاء في قوله: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} اسم إنَّ وقوله: {هُوَ يُبْدِئُ} جملة في محلّ رفعٍ خبراً لها.
وقد يُقال: إنَّ (هو) ضمير فصلٍ، والجملة (يبدئ) خبر إنَّ، وضمير الفصل لا محلّ له من الإعراب. كما قد يُقال: إنَّ (هو) خبر إنَّ والجملة (يبدئ) خبرٌ ثانٍ، إلّا أنَّ هذا الإعراب شاذٌّ، أو هو حالٌ من (هو)؛ لأنَّ الجمل بعد المعارف أحوالٌ وبعد النكرات صفاتٌ.
و(هو) في قوله: {وهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} مبتدأ و(الغفور) خبره. وأمّا (الودود) ففيه أُطروحاتٌ: الأُولى: أنَّه نعتٌ للغفور، الثانية: أنَّه معطوفٌ بحذف حرف العطف، والتقدير وهو الغفور والودود، والثالثة: أنَّه خبرٌ بعد خبرٍ.
وأمّا (ذو) في قوله تعالى: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} ففيه أُطروحاتٌ أيضاً:
الأُولى: أنَّه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديره: هو ذو العرش المجيد.
الثانية: أنَّه معطوفٌ على الخبر في الآية السابقة ولو بحذف حرف العطف، أو معطوفٌ على الصفة السابقة عليه كذلك، وهي: (الودود).
ــــــ[328]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ثُمَّ إنَّ المبتدأ لو كان محذوفاً -كما هو المشهور(1)- احتجنا إلى تقديره أو تقدير واو العطف، فيُقال: (ذو) خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديره: (هو)، أي: (وهو الغفور الودود هو ذو العرش المجيد) فنحتاج معه إلى تقدير حرف عطفٍ، أي: وهو الغفور الودود وهو ذو العرش المجيد. والتقدير خلاف الأصل، لا سيّما مع تقدير أمرين في المقام، وهما: (الواو) و (هو). وعليه فالصحيح أن يُقال: إنَّ (ذو) نعتٌ لما سبقها من قوله: {وهو الْغَفُورُ الْوَدُودُ}، ولا حاجة إلى التقدير من رأسٍ.
ويلزم في المقام التنبيه على أُمورٍ:
الأوّل: معنى العرش.
الثاني: يُلاحظ: أنَّ الله تعالى يفتخر بالعرش في هذه الآية وفي آياتٍ أُخر، فيقع الكلام عن وجه افتخاره بالعرش مع علوّ ذاته.
الثالث: ما معنى (المجيد) المشار إليه في قوله تعالى: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ}؟
مع ملاحظة أنَّ قراءة حفصٍ عن عاصمٍ بالضمّ(2)، أي: (ذو العرش المجيدُ) فيكون صفةً لـ(ذو)، أو ربّما يكون في مقابل ذلك (ذو العرش المجيدِ) فيكون صفةً للعرش، وسيأتي الحديث عنه لاحقاً.
أفاد السيّد الطباطبائي+ في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى
ــــــ[329]ــــــ
(1) أُنظر: إعراب القرآن الكريم 3: 425، إعراب القرآن وبيانه 10: 436، إعراب القرآن (للنحّاس) 5: 121، وغيرها.
(2) وهي القراءة المرويّة عن حمزة، والكسائي، وعاصم، والمفضّل، ويحيى بن وثّاب، والحسن، والأعمش، وعمر بن عبيد، وخلف. أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 8: 108، سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الْعَرْشِ}( ) أنَّ للناس في معنى العرش بل في معنى قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} والآيات التي في هذا المساق مسالك مختلفةً. فأكثر السلف على أنَّها وما يشاكلها من الآيات من المتشابهات التي يجب أن يرجع علمها إلى الله سبحانه، وهؤلاء يرون البحث عن الحقائق الدينيّة والتطلّع إلى ما وراء ظواهر الكتاب والسنّة بدعةً، فيلزم أن نوكل علمها إلى الله أو إلى أهلها من الراسخين في العلم. مع أنَّ العقل يخطّئهم في ذلك، والكتاب والسنّة لا يصدّقانهم؛ فآيات الكتاب تحرّض كلّ التحريض على التدبّر في آيات الله وبذل الجهد في تكميل معرفة الله ومعرفة آياته( ).
أقول: هذه هي الأُطروحة الأُولى إن صحّ التعبير عنها بذلك، مع أنَّه قد يمكن الجواب عمّا أفاده+ بأنَّ القرآن حثّ على التدبّر في الآيات التي يمكن فيها التأمّل والتعقّل، لا ما كان من قبيل المتشابه؛ لتعذّر فهمه، فلا يشمله الأمر بالتدبّر؛ لأنَّ القرآن إنَّما يكلّف بما هو مقدورٌ؛ لامتناع التكليف بغير المقدور. فإذا كان فهم العرش من غير المقدور، فيجب إيكال علمه إلى الله تعالى.
وقد يرد على ما ذكر: بأنَّه مندفعٌ صغرويّاً؛ إذ قد يُقال: إنَّ فهم العرش من المحكمات لا من المتشابهات، فيمكن تحديده وبيان المراد منه لا بالتحديد الحقيقي أو الحسّي؛ لأنَّه ممّا لا تناله العقول والحواسّ بالتحديد الدقيق، ولا يدركه العرف والعقلاء بكنهه وحقيقة سرّه، إلّا أنَّ الكلام فيه يصحّ ولو بنحو الإجمال.
ــــــ[330]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 54.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 8: 153-159، تفسير سورة الأعراف، كلامٌ في معنى العرش.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وأضاف+: وأمّا طبقات الباحثين فقد اختلفوا في معناه – أي: العرش- على أقوالٍ:
1. حمل الكلمة على ظاهر معناها، فالعرش عندهم مخلوقٌ كهيئة السرير، له قوائمٌ، وهو موضوعٌ على السماء السابعة والله – تعالى عمّا يقول الظالمون- مستوٍ عليه كاستواء الملوك منّا على عروشهم. وأكثر هؤلاء على أنَّ العرش والكرسي شيءٌ واحدٌ، وهو الذي وصفناه. وهؤلاء هم المشبّهة من المسلمين، والكتاب والسنّة والعقل تخاصمهم في ذلك، وتنزّه ربّ العالمين أن يماثل شيئاً من خلقه ويشبهه في ذاتٍ أو صفةٍ أو فعلٍ (تعالى وتقدّس)(1).
أقول: وقد يُقال: إنَّ الله لا يشبهه شيءٌ في الذات، إلّا أنَّه قد يماثل بلحاظ الصفة والفعل، فيقال: زيدٌ قادرٌ والله قادرٌ، وخالدٌ عالمٌ والله عالمٌ، والاختلاف بين الله وخلقه في النسبة والسعة، بل قد يُقال: إنَّ للحيوان وللكافر علماً وقدرةً أيضاً وتدبيراً، كما أنَّ لله القدرة والتدبير، والله خالقٌ والمسيح عيسى بن مريم كان يخلق من الطين كهيئة الطير(2).
والحقّ: أنَّ ما ذكر وإن كان صحيحاً بنظر العرف، إلّا أنَّه بلحاظ التجريد العقلي هناك تباينٌ وتغايرٌ ملحوظٌ بين صفة الخالق وفعله وصفات المخلوقين وأفعالهم، وإن اشتركا في العنوان الانتزاعي، بل لا سنخيّة في المقام، وهناك تباين بين الفاعل المؤثّر والخالق المدبّر وبين خلقه في ذاتٍ أو فعلٍ أو صفةٍ.
2. أنَّ العرش هو الفلك التاسع المحيط بالعالم الجسماني والمحدّد للجهات والأطلس الخالي من الكواكب، والراسم بحركته اليوميّة للزمان،
ــــــ[331]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 8: 153-156، كلام في معنى العرش.
(2) إشارةٌ إلى الآية: 49 من سورة آل عمران والآية: 110، من سورة المائدة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وفي جوفه مماسّاً به الكرسي، وهو الفلك الثامن الذي فيه الثوابت، وفي جوفه الأفلاك السبعة الكلّيّة التي هي أفلاك السيّارات السبع: زحل والمشتري والمريخ والشمس وزهرة وعطارد والقمر بالترتيب محيطاً بعضها ببعضٍ.
وهذه التي يفرضها علم الهيئة على مسلك بطليموس لتنظيم الحركات العلويّة الظاهرة للحسّ، طبّقوا عليها ما يذكره القرآن من السموات السبع والكرسي والعرش، فما وجدوا من أحكامها المذكورة في الهيئة والطبيعيّات ما لا يخالف الظواهر قبلوه، وما وجدوه يخالف الظواهر الموجودة في الكتاب ردّوه …
والظواهر من القرآن والحديث تثبت أنَّ وراء العرش حجباً وسرادقات … وأنَّ للسماء أبواباً وأنَّ الجنّة فيها عند سدرة المنتهى التي ينتهي إليها أعمال العباد إلى غير ذلك ممّا ينافي بظاهره ما افترضه علماء الهيئة والطبيعيّات سابقاً. والقائلون منّا: إنَّ السموات والكرسي والعرش هي ما افترضوه من الأفلاك التسعة الكلّيّة يدفعون ذلك كلّه بمخالفة الظواهر(1).
أقول: إذن دحض السيّد الطباطبائي+ النظريّة القائلة بالأفلاك التسعة بمخالفتها لظواهر الكتاب والسنّة، إلّا أنَّ الجواب الأهمّ هو أنَّ هذا التصوّر للعرش يبتني على أُسس الفلك القديم أو علم الهيئة، مع أنَّ بطلان أفكاره وتعاليمه من القطعيّات، وإذا سقطت النظريّة سقطت نتائجها، فلا يُقال حينئذٍ بأنَّ العرش والكرسي جزءٌ من الأفلاك، بعد أن صار بطلان تلك الاحتمالات ضروريّاً.
لا يُقال: إنَّ الأفلاك لها روحٌ في نظر علم الهيئة، وقد توصّل العلم
ــــــ[332]ــــــ
(1) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الحديث إلى جهة المادّة في الكواكب والنجوم.
لأنَّا نقول: إنَّ علماء الهيئة يرون أنَّ الأفلاك مادّةٌ لا روح لها(1)، وكذا العرش وفلك الأفلاك، فثبت معه بطلان النظريّة المزبورة جملةً وتفصيلاً.
ثُمَّ إنَّه لا بأس بالتعرّض هنا إلى القاعدة الفلسفيّة القائلة: إنَّ الواحد لا يصدر إلّا من الواحد.
وبيان ذلك: أنَّ الله واحد وهو صغرى لكبرى قاعدة (الواحد لا يصدر منه إلَّا واحد) ومعنى ذلك: أنَّه يستحيل أن يصدر من الله إلَّا شيءٌ واحد، ولذا قالوا: أنَّه صدر منه شيءٌ واحد وهو الصادر الأوّل أو النور الأوّل أو النور المحمدي أو العقل الأوّل، وقالوا: بما أنَّ العقل الأوّل أو الصادر الأوّل فيه جهة تركيب وفيه جهات متعدّدة، فيصدر منه المتعدّد لتركيبه وتعدّده من وجه بخلاف البسيط من جميع الجهات فإنَّه لا يصدر منه إلَّا واحد(2).
ثُمَّ قالوا: إنَّ العقل الأوّل فيه جهتان: إحداهما: إدراكه لنفسه. وثانيهما: إدراكه لعلّته، فهو يعقل نفسه ويعقل علّته ولو بالعلم الحضوري. والتركيب ناشيءٌ من هذه الجهة، وهذا المركّب صدر منه أمران: العقل الثاني، والفلك الأوّل، والعقل الثاني مركب أيضاً فصدر منه العقل الثالث والفلك الثاني والعقل الثالث مركبٌ أيضاً، فصدر منه العقل الرابع والفلك الثالث، وهكذا الكلام إلى صدور العقل العاشر والفلك التاسع، ولعلّ العقل العاشر فيه جهات تنفيذيّة
ــــــ[333]ــــــ
(1) راجع كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم 2: 1287، الفلك.
(2) أُنظر: المبدأ والمعاد: 190، الفنّ الأوّل، المقالة الثالثة، الحكمة المتعالية، السفر الثالث، القسم الثاني. الموقف التاسع، الفصل الأوّل، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
كثيرة، ذلك؛ لأنَّه يدرك علّته ويدرك علّة علّته حتّى تنتهي إلى الصادر الأوّل، فالعقل العاشر يدرك كلّ الفلك، الأمر الذي جعل جهات التركيب فيه كثيرة، وهو العلّة في صدور الكثرة منه بما هي كثرة وهي العالم المنظور.
وقد أطلقوا على العقل العاشر بالعقل الفعّال وهو في لغة المتشرّعة جبرائيل×. وإنَّما سمّي العقل الفعّال لصدور الكثرة منه ولسيطرته على الكون، وهو علّة الأشياء حدوثاً وبقاءً، وليس مجرّد الصدور؛ لأنَّ الممكن يحتاج إلى علّته حدوثاً وبقاءً ممّا يعني أنَّه مدبّر الكون باستمرار عبر علله وعلّة العلل وهو الباري تعالى.
ويُلاحظ على هذه النظريّة أُمورٌ:
الأوّل: عدم صحّة القاعدة التي ابتنت عليها النظريّة من رأسٍ، أعني: أنَّ الواحد لا يصدر منه إلّا الواحد؛ لأنَّنا لو التزمنا بها في الواحد القهري والعلل القهريّة والتأثير التكويني، فلا يمكننا الالتزام بها في الفاعل والتأثير الاختياري، فإذا كان الفاعل مختاراً صدر منه الواحد والكثير على حدٍّ سواءٍ، والله تعالى مختارٌ، فيمكن أن يصدر منه الكثير.
مع أنَّه ليس في الكون فاعلٌ قهري، بل كلّ ما في الكون فاعلٌ بالاختيار، والفاعل في الكون بلحاظ القلّة والكثرة هم الملائكة، والملائكة مختارون
في أفعالهم، أو نقول: إنَّ الفاعل في كلّ الكون هي الأرواح العليا للمعصومين^ وهم مختارون. فإذن العلل الصغيرة والكبيرة مختارةٌ، فلا تصدق قاعدة الواحد البتّة. ولن تجد لها في الكون مصداقاً واحداً، فهي من الناحية العمليّة باطلةٌ.
الثاني: أنَّهم فسّروا النور الأوّل بنور نبيّنا الأكرم محمّد’ والنور
ــــــ[334]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الأخير بالعقل الفعّال(1)، أي: العقل العاشر، وهو جبرائيل×، فإذا التفتنا إلى أنَّ للأئمّة المعصومين^ – سواء بدليل ظاهري أم باطني- تأثيراً في تدبير الكون وفعاليّته، بعد استثناء نور النبي’ ونور جبرائيل×، فإنَّما تبقى ثمانية عقولٍ، فأين الأنوار أو العقول الباقية للمعصومين^، وهي ثلاثة عشر نوراً؟! وبهذا تتناقض النظريّتان فنرجع إلى الأوثق دليلاً وقناعةً عندنا وهي النظريّة الأُخرى.
الثالث: أنَّه يلزم منها أنَّ فلك الأفلاك أعلى من جبرائيل×؛ لأنَّ العقل الأوّل بحسب الفرض أنتج العقل الثاني والفلك الأوّل الأعلى الذي هو فلك الأفلاك، وأمّا جبرائيل× فهو العقل العاشر، فيكون أدنى بمراتب من فلك الأفلاك، مع أن ذلك على خلاف فهم الفلاسفة وأهل الشرع.
والوجه فيه: أنَّ الظاهر أنَّ الأمر ينزل من جبرائيل× إلى فلك الأفلاك، ثُمَّ منه إلى الأرض. وأُعترض عليهم: بأنَّ فلك الأفلاك محدودٌ، فلا يمكنه إدراك الأوامر اللامتناهية.
وقد يُجاب عنه: بأنَّ الأوامر تنزل عليه في السنة مرّةً واحدةً في ليلة القدر، وهي إنَّما تنزل عن جبرائيل× الذي يتلقّاها عن المعصومين الأربعة عشر^ الذين يستلمونها مباشرةً عن الله تعالى شأنه. ثُمَّ إنَّ جبرائيل× يسلّمها إلى فلك الأفلاك بحسب النزول، ليسلّمها بدوره إلى الإمام الظاهر× الذي يأكل ويمشي؛ لكي يمضيها ويأذن بها في خلال تلك السنة، مع أنَّه لا يأخذها
ــــــ[335]ــــــ
(1) أُنظر: الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 9: 144، السفر الرابع، القسم الثاني، الباب العاشر، الفصل 5، المشاعر: 62، المشعر الثامن، المشعر الثاني، المنهج الثالث، المشعر الثاني، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
بصفتها من فلك الأفلاك، بل بما هي أوامرٌ إلهيّةٌ، وله التسليم المطلق بها، فإمضاؤه لها عبارة عن رضاه وتسليمه بها، ولو كان فيها موته.
الرابع: أنَّ هذه النظريّة مبتنيةٌ على تعاليم الفلك القديم وعلم الهيئة الذي يتصوّر عدّة أُمورٍ فيها تداخلٌ بين الأفلاك، وبينها اتصال، مع أنَّه ثبت في العلم الحديث بطلان كلّ فلكٍ. أضف إلى ذلك: أنَّه يبتني على مادّيّة الأفلاك، مع إيمان الفلاسفة بأنَّ الأفلاك أرواحٌ مدبّرةٌ مؤثّرةٌ في العالم السفلي، كما مرّ، وهي كالنفس الإنسانية: لها إدراكٌ وعقلٌ وإرادةٌ وحبٌّ وبغضٌ وهكذا. وقد تقدّم أنَّ الفلسفة الإسلاميّة(1) تقول ببطلان تعاليم علم الهيئة، وإن اتّفقت معه في جملة أُمورٍ.
الخامس: أنَّ النظريّة تدّعي تفسير العرش والكرسي بفلك الأفلاك والفلك الثامن على الترتيب، ما يعني انحصار الخلق في هذه الحوادث والحقائق، وعدم وجود خلقٍ غيرهم، ما قد يترتّب عليه عدم وجود العرش (في مرتبةٍ مّا) مع أنَّ الله تعالى أخبر بوجوده، فلابدّ من تطبيقه على شيءٍ من الموجودات، فنقول: إنَّ العرش هو أعلى الموجودات، أعني: الفلك التاسع أو الثامن.
وأمّا إذا تنزّلنا عن القول بالحصر وقلنا بعدم الدليل على أنَّ الله تعالى خلق هذا الخلق دون غيره، كفى ذلك في دحض النظريّة؛ لأنَّ الله تعالى خلق خلقاً كثيراً ممّا نعلم وممّا لا نعلم، والاحتمال كافٍ في دفع الاستدلال المزبور.
ثُمَّ إنَّه تعالى أخبرنا أنَّه خلق عرشاً، ولا دليل على الانحصار في الخلق المذكور، فالعرش موجودٌ خارج نطاق ما ذكر في النظريّة بحسب ظواهر
ــــــ[336]ــــــ
(1) أي: الفلسفة بالمعنى الأعم.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
القرآن.
3. أنَّه لا مصداق للعرش خارجاً، وإنَّما قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}(1) و{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}(2) كنايةٌ عن استيلائه تعالى على عالم الخلق، وكثيراً ما يُطلق الاستواء على الشيء على الاستيلاء عليه، كما قيل:
قد استوى بشرٌ على العراق
من غير سيفٍ ودمٍ مهراق(3)
أو أنَّ الاستواء على العرش معناه الشروع في تدبير الأُمور، كما أنَّ الملوك إذا أرادوا الشروع في إدارة أُمور مملكتهم استووا على عروشهم وجلسوا عليها، والشروع والأخذ في أمرٍ وجميع ما ينبئ عن تغيّر الأحوال وتبدّلها وإن كانت ممتنعةً في حقّه تعالى؛ لتنزّهه تعالى عن التغيّر والتبدّل، لكن شأنه تعالى يسمّى شروعاً وأخذاً بالنظر إلى حدوث الأشياء بذواتها وأعيانها يومئذٍ، فيسمّى شأنه تعالى، وهو الشمول بالرحمة إذا تعلّق بها شروعاً وأخذاً بالتدبير، نظير سائر الأفعال الحادثة المقيّدة بالزمان المنسوبة إليه تعالى، كقولنا: خلق الله فلاناً، وأحيا فلاناً، وأمات فلاناً، ورزق فلاناً، ونحو ذلك.
أقول: ثُمَّ إنَّ السيّد الطباطبائي+ أجاب عن هذا الاتّجاه بالقول: إنَّ الآيات – كما ترى- تدلّ بظاهرها على أنَّ العرش حقيقةٌ من الحقائق العينيّة وأمرٌ من الأُمور الخارجيّة، ولذلك نقول: إنَّ للعرش في قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى
ــــــ[337]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 54.
(2) سورة طه، الآية: 5.
(3 ) البيت لبعيث، والمراد ببشر فيه بشر بن مروان لمّا وُلّي العراق، حسبما أفاده في كتاب الأزمنة والأمكنة: 36، الباب الأوّل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
عَلَى الْعَرْشِ} مصداقاً خارجيّاً، ولم يوضع في الكلام لمجرّد تتميم المثل، كما نقول في أمثالٍ كثيرةٍ مضروبةٍ في القرآن، فلا نقول في مثل آية النور مثلاً: إنَّ في الوجود زجاجةً إلهيّةً أو شجرةً زيتونةً إلهيّةً أو زيتاً إلهيّاً، ونقول: إنَّ في الوجود عرشاً إلهيّاً أو لوحاً وقلماً إلهييّن وكتاباً مكتوباً، فافهم ذلك(1).
أقول: وقد يمكن الجواب أيضاً بوجوهٍ بعد التسليم بما ذكر:
الأوّل: أنَّنا قد نقول بأصالة الثبوت وأنَّ ظاهر القرآن ثبوت ما ينطق به ثبوتاً خارجيّاً واقعيّاً ما لم يثبت الخلاف، فإذا دلّ الدليل على عدم الخلاف أخذنا به، وإلّا تمسّكنا بأصالة الثبوت. ويلاحظ: أنَّه يمكن تطبيق أصالة الثبوت على العرش والكرسي واللوح والقلم والكتاب.
نعم، قد تدلّ الأدلّة أو يثبت من خلال السياقات الداخليّة والقرائن الخارجيّة على عدم ثبوت أمرٍ مّا، فيجب الالتزام به، كما في آية النور؛ إذ ثبت بالدليل على أنَّ ما ذكر فيها لمجرّد المثل؛ بدليل قوله تعالى: {نُورِهِ}(2) ولمكان ارتكاز المتشرّعة.
الثاني: أنَّه يمكن الاستدلال بظواهر القرآن بدل أصالة الثبوت، والظهور حجّةٌ، وقد استدل السيّد الطباطبائي+ بظاهر القرآن الدالّ على أنَّ هذه الحقائق لها حيثيّة خارجيّة وحدودٌ معيّنةٌ(3)، والظهور حجّةٌ ما لم يقع الخلاف، وإذ لم تقم القرينة على الخلاف تعيّن الأخذ بظهور القرآن من أنَّها أُمورٌ موجودةٌ واقعيّةٌ، بخلاف ما ذكر في آية النور مثلاً ممّا قامت القرينة على
ــــــ[338]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 8: 156، كلام في معنى العرش.
(2) سورة النور، الآية: 35.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 8: 156، كلامٌ في معنى العرش.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
كونه مجازاً أو كنايةً أو تمثيلاً، كما في المشكاة والزجاجة والمصباح، بخلاف ما دلّ الدليل على وجوده، كما في الجنّة والنار والملائكة والجنّ؛ إذ لم تقم القرينة على أنَّ الاستعمال فيها مجازي أو كنائي، فيلزم الأخذ بظاهر القرآن فيها بلا كلامٍ.
الثالث: أنَّنا لو تنزّلنا عن الوجهين السابقين جدلاً، كان مقتضى القاعدة هو العكس، أي: انتفاء تلك الأُمور التي أشار إليها القرآن الكريم، فيكون الأصل فيها الكناية والمجاز لا الحقيقة. وإنَّما يمكن الخروج عن هذا الأصل بالقرائن والأدلّة، فإنَّ ثبت في شيءٍ أنَّ له وجوداً خارجيّاً وحقيقيّاً أخذنا به، وإلّا حملناه على الأصل المتقدّم. والحاصل: أنَّه حتّى لو لم يقل تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ} نحمل الآية على المجاز، خلافاً لارتكاز المتشرّعة، والقرائن الحافّة بمثل اللوح والقلم والعرش والكرسي وأمثالها ممّا لها وجودٌ عيني وحقيقةٌ خارجيّةٌ.
ثُمَّ إنَّنا لو قارنّا بين العرش والجنّة والنار في القرآن الكريم، للاحظنا أنَّه على الرغم من تكرار الجنّة والنار فيه بالقياس إلى ذكر العرش والكرسي ونحوهما، إلّا أنَّ فهم المتشرّعة للكتاب والسنّة وارتكازهم قائمٌ على أنَّ العرش والكرسي أكثر أهميّة في نظرهم من وجود الجنّة والنار، مع إيمانهم بوجود الجميع. وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ استظهار وجود العرش أوضح من استظهار وجود الجنّة والنار، والله العالم.
وقد لخّص السيّد الطباطبائي+ نظريّته في العرش قائلاً: وهذا العرش الذي يُستفاد من مثل قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}(1) أنَّه مقامٌ في الوجود
ــــــ[339]ــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 3.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
تجتمع فيه أزمّة الحوادث والأُمور، كما تجتمع أزمّة المملكة في عرش الملك على التفصيل الذي تقدّم في بيان الآية … ففسّر الاستواء على العرش بتدبير الأمر منه وعقّبه بقوله: {مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ}(1). والآية لمّا كانت في مقام وصف الربوبيّة والتدبير التكويني، كان المراد بالشفاعة الشفاعة في أمر التكوين، وهو السببيّة التي توجد في الأسباب التكوينيّة التي هي وسائط متخلّلةٌ بين الحوادث والكائنات وبينه تعالى …(2).
ولعلّه يمكن المناقشة فيه بوجوهٍ:
الأوّل: أنَّه لا تجتمع أزمّة المملكة في عرش الملك، والتعبير بذلك مجازٌ؛ لأنَّ الأُمور ليست لها أزمّةٌ حقيقةً، والزمام هو الحبل الذي يُسحب به الحيوان، وهو يمثّل السيطرة عليها، إلّا أنَّ التعبير به بنحو المجاز، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فيلزم العمل بأصالة الحقيقة. كما لا نتصوّر أنَّ هذه الأزمّة من الحوادث مرتبطةٌ بعرش الملك، بل هي مرتبطةٌ بالملك نفسه الجالس على العرش، وإذا كان المقيس عليه – أي: عرش الملك- مجازاً كان المقيس – أي: العرش الإلهي- أولى بالمجاز. والحاصل: أنَّ ما ذكر يخالف أصالة الحقيقة.
الثاني: أنَّ عنوان أو مفهوم العرش تكرّر ذكره في القرآن الكريم عدّة مراتٍ، والظاهر منه أنَّ وجوده منحازٌ ومحدودٌ في نفسه، لا مجرّد مقامٍ أو رتبةٍ من مراتب الوجود.
الثالث: أنَّ ما أفاده ينافي بعض الآيات الدالة على أنَّ للعرش صفاتٍ
ــــــ[340]ــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 3.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 8: 156-157، كلامٌ في معنى العرش.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
نحو: قوله تعالى: {حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ}(1)؛ فإنَّ المقام أو الرتبة لا يصدق فيها ذلك؛ إذ لا يعقل أن يكون المراد أنَّهم حافّون حول رتبة العرش ومقامه. ونحوه قوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ}(2) وقوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}(3)؛ فإنَّه لا يصدق الحمل للرتبة والمقام إلّا مجازاً.
وقد يُقال: إنَّ العرش تعبيرٌ عن علم الله سبحانه، حسبما ورد في حديث سؤال الجاثليق عليّاً× قائلاً: أخبرني عن الله عزّ وجلّ: يحمل العرش أو العرش يحمله؟ فقال×: >الله عزّ وجلّ حامل العرش والسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما؛ وذلك قوله الله عزّ وجلّ: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}(4)<. قال: فأخبرني عن قوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}(5). فكيف قال ذلك وقلت: إنَّه يحمل العرش والسماوات والأرض؟ فقال أمير المؤمنين×: >إنَّ العرش خلقه الله تبارك وتعالى من أنوارٍ أربعةٍ … وهو العلم الذي حمّله الله الحملة، وذلك نورٌ من نور عظمته، فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى مَن في السماوات والأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة
ــــــ[341]ــــــ
(1) سورة الزمر، الآية: 75.
(2) سورة غافر، الآية: 7.
(3) سورة الحاقّة، الآية: 17.
(4) سورة فاطر، الآية: 41.
(5) سورة الحاقة، الآية: 17.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والأديان المتشتّتة، فكلّ محمولٍ يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته، لا يستطيع لنفسه ضرّاً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً. فكلّ شيءٍ محمولٌ، والله تبارك وتعالى الممسك لهما أن تزولا<(1).
فالذين يحملون العرش هم العلماء الذين حمّلهم الله علمه، ولا يخرج عن هذه الأربعة شيءٌ خلقه الله في ملكوته الذي أراه الله أصفيائه وأراه خليله× فقال: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ}(2). وكيف يحمل حملة العرش الله وبحياته حييت قلوبهم، وبنوره اهتدوا إلى معرفته.
أي: لا يُقال: إنَّ حملة العرش كما هو ظاهر القرآن حاملون له تعالى وتقدّس، وأنَّ الرحمن على العرش استوى؛ فذلك من البطلان والفساد بمكانٍ؛ إذ أنَّى لهم أن يحملوا الله سبحانه؟! بل الله حاملٌ لهم وللسموات والأرض وما فيهما وما بينهما، وكلّ شيء قائمٌ به، وهو الهادي لهم، وبنوره حييت قلوبهم، وهو المدبّر لشؤونهم بقاءً وحدوثاً.
ويُلاحظ اشتمال الخبر على معانٍ ثلاثة للعرش لا معنى واحد، كما قد يتوهّمه غير الخبير:
الأوّل: أنَّ العرش عبارةٌ عن علم الله، أي: نورٌ من عظمته، والعلم عين هذا النور، ولا يُراد بهذا العلم أنَّه عين ذاته، بل هو علمٌ في مرتبةٍ متأخّرةٍ عنه،
ــــــ[342]ــــــ
(1) الكافي 1: 129-130، باب العرش والكرسي، الحديث 1، إرشاد القلوب 2: 308، في فضائله من طريق أهل البيت^، وبحار الأنوار 30: 69، كتاب الفتن والمحن، الباب 18، مع فارقٍ يسيرٍ في اللفظ.
(2) سورة الأنعام، الآية: 75.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ولذا قال في الخبر المتقدّم: >نورٌ من نور عظمته<، وليس هو عين العظمة، بل هو جذوةٌ منه. إذن ليس المراد منه العلم الإلهي الذاتي، وإلّا رجع إلى أنَّ العرش هو عين الذات، وهو ممنوعٌ قطعاً.
وقد يُقال – إذا التزمنا بما أفاده صاحب >البيان في تفسير القرآن<(1) من تقسيم العلم إلى علم أُمّ الكتاب وعلم المحو والإثبات-: إنَّ العرش هو علم أُمّ الكتاب الذي هو عين ذاته في القضاء الأزلي المحتوم الذي لا يمكن فيه التغيير والتبديل، بخلاف عالم المحو والإثبات الذي فيه الكثرة والتغيير والبداء. لكن الذي يبدو من عبارة >نورٌ من نور عظمته<: أنَّ المراد من العلم هنا هو علم المحو والإثبات لا علم أُمّ الكتاب.
الثاني: أنَّ العرش كلّ شيءٍ سوى الباري تعالى، أي: عالم الإمكان، ويدلّ عليه قوله×: >فكلّ محمولٌ يحمله الله بنوره<، وهو إشارةٌ إلى حملة العرش الحاملين لكلّ شيءٍ بنوره وعظمته، فيكون المراد أنَّ الحقّ تعالى هو الحامل له بالأصالة؛ لأنَّه المدبّر لكلّ شيءٍ والهادي للخلائق أجمعين. إذن العرش كلّ شيءٍ.
الثالث: أنَّ العرش هو الملكوت الذي أراه الله تعالى أصفيائه وخليله×.
ويلاحظ: أنَّ الخبر المذكور يفيد أنَّ الاتّجاهات الثلاثة المذكورة ذات مضمونٍ واحدٍ يفسّر بعضها بعضاً؛ فإنَّها وإن اختلفت مفهوماً، إلّا أنَّها متّحدةٌ مصداقاً وتطبيقاً، والمصداق واحدٌ، وإن تعدّد التعبير عنه مفهوماً.
ــــــ[343]ــــــ
(1) راجع البيان في تفسير القرآن: 387-391، أقسام القضاء الإلهي.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وقد يشكل على الخبر المذكور بأُمورٍ:
الأوّل: أنَّه ضعيف السند.
والجواب عنه: أنَّ ضعف السند لا ينافي صحّة الأُطروحة المتقدّمة، وإنَّما ينافي قيام الحجّة المعتبرة عليها، مع أنَّ الغرض هنا الإشارة إلى الاتّجاهات المحتملة، وإن لم يقم الدليل على اعتبارها.
الثاني: أنَّ ظاهر العنوان في القرآن أنَّ العرش خلقٌ منحازٌ محدودٌ في نفسه، وليس هو عين سائر الأشياء أو هو كلّ شيءٍ أو هو عبارةٌ عن ملكوتها، فتدبّر.
وقد يُجاب عنه بكبرى وصغرى: أمّا الكبرى فهي مبنيّةٌ على إسقاط ما تقدّم آنفاً من لزوم تفسير العرش بتفسيرٍ حقيقي لا مجازي؛ لأنَّه لا مناص من المجاز في الجملة، إلّا أنَّ بعض الأُطروحات المستندة إلى المجاز باطلةٌ قطعاً، كتفسير العرش بسرير الملك، وإلّا كان التعبير عنه بنحوٍ من التسامح أو المجاز.
وأمّا الصغرى فلأنَّ ظاهر القرآن دالٌّ على أنَّ العرش خلقٌ منحازٌ محدودٌ في نفسه، فتكون الأُطروحات أو التفسيرات المتقدّمة للعرش من الخلق المنحاز والمحدود في نفسه، فلا تنافي حينئذٍ بين ظواهر القرآن الكريم البتّة.
الثالث: أنَّ الخبر أفاد أنَّ الله تعالى هو الحامل للعرش، مع أنَّ القرآن يصرّح بأنَّ الحامل للعرش ثمانيةٌ، وما خالف القرآن ليس بحجّةٍ البتّة.
ويمكن الذبّ عنه: بأنَّ المراد من الحمل مختلفٌ؛ إذ يمكن أن يحمل الله العرش بوجهٍ وتحمله الثمانية بوجهٍ آخر، والاختلاف بالاعتبار.
ــــــ[344]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ويشهد له ما أفاده أُستاذنا المرحوم الشيخ محمّد رضا المظفّر+(1) من تقسيم العلّة إلى ما منه الوجود وما به الوجود، فما منه الوجود هو الله تعالى؛ إذ هو الذي يفيض الوجود على الأشياء والمخلوقات وسائر الموجودات وبفيضه تبدأ وتستمرّ، ولا استمرار لها مع انقطاع فيضه. والمراد بما به الوجود سائر العلل سوى الحقّ تعالى، كالعلل الطبيعيّة أو المعنويّة. ومعه يمكن أن نعتبر الحملة الثمانية علّة ما به الوجود والله تعالى علّة ما منه الوجود. وكما أنَّ الممكن يحتاج في حدوثه إلى علّةٍ فهو يحتاج في بقائه إلى علّةٍ أيضاً، فاستمرار العرش بعلّة ما به الوجود هو حمله من قبل الثمانية، واستمرار العرش بعلّة ما به الوجود هي قدرته تعالى وفيضه.
وقد نجمل الكلام بالقول: إنَّ الثمانية حملة العرش، والله حاملٌ للعرش وللثمانية معاً.
وقد نفهم العرش أيضاً كما في الخبر المروي في >الميزان<(2) عن حنان بن سدير قال: سألت أبا عبد الله× عن العرش والكرسي فقال: >إنَّ للعرش صفاتٍ كثيرةً مختلفةً، له في كلّ سببٍ وضع في القرآن صفةٌ على حدةٍ. فقوله: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}(3) يقول: ربّ الملك العظيم. وقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}(4) يقول: على الملك احتوى … .
ــــــ[345]ــــــ
(1) راجع ما أفاده في الفلسفة الإسلاميّة: 61، مباحث العلّة والمعلول، السببيّة الطبيعيّة.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 8: 165، بحث روائي.
(3) سورة التوبة، الآية: 129.
(4) سورة طه، الآية: 5.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ثُمَّ العرش في الوصل (بمعنى: أنَّه غير متّصل) مفردٌ عن الكرسي (بمعنى: أنَّ له مصداقاً مستقلاً عن الكرسي)؛ لأنَّهما بابان من أكبر أبواب الغيوب، وهما جميعاً غيبان، وهما في الغيب مقرونان؛ لأنَّ الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع، ومنها الأشياء كلّها، والعرش هو الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف والكون والقدر والحدّ والأين والمشيّة وصفة الإرادة وعلم الألفاظ والحركات (أي: الفعل والترك) وعلم العود والبدء<(1).
أقول: العلل العليا ذات مراتب، والعلّة الدانية منها أقرب إلى الخلق، ولذا تسمّى بالعلّة الظاهرة، وما فوقها العلّة الباطنة أو الغيب؛ لعدم لحاظها، فالكرسي هو العلّة الظاهرة، والعرش هو العلّة الباطنة.
وقد يكون ذلك إشارةً إلى ما تقدّم من العلم الأزلي الثابت وعلم المحو والإثبات، فيكون الكرسي عالم المحو والإثبات أو علم المحو والإثبات ويكون العرش العلم الأزلي أو القضاء المحتوم، شرط أن لا يكون المراد من القضاء المحتوم العلم الإلهي الذاتي الذي هو عين ذاته؛ لأنَّه في رتبةٍ أدنى متأخّرةٍ عن ذات الله سبحانه وتعالى، مضافاً إلى أنَّ علم المحو والإثبات أدنى من علم القضاء المحتوم، وأمّا العلم الذي هو عين ذاته فهو فوق مرتبة العلمين معاً.
وقد يُناقش في الرواية المزبورة بوجهين:
ــــــ[346]ــــــ
(1) حسبما رواه في التوحيد: 321، باب العرش وصفاته، الحديث 1، وبحار الأنوار 55: 30، العرش والكرسي وحملتهما، الحديث 51، مع اختلافٍ في بعض ألفاظه.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الأوّل: ضعف السند. وقد تقدّم الجواب عنه آنفاً.
الثاني: أنَّ الرواية أفادت أنَّ العرش أعظم أبواب الغيوب، فعبّر عن العرش بالباب، وهو خلاف ظاهر القرآن الكريم، وما كان خلافه ليس بحجّةٍ.
والجواب عنه: بأنَّ التعبير مجازي؛ باعتبار أنَّ الباب مؤثّرٌ في دخول الأفراد والأشياء، فكذلك العرش مؤثّرٌ في أُمورٍ متعدّدةٍ، وله نتائج كثيرةٌ جدّاً. ولا ينبغي الذهول في هذا الصدد عن الحديث النوراني الوارد عن مولانا أمير المؤمنين× قال: >علّمني رسول الله’ ألف بابٍ من العلم، ينفتح من كلّ بابٍ ألف بابٍ<(1)؛ فإنَّ المراد الأبواب مجازاً لا حقيقةً.
ومنه يتّضح الوجه في تقسيم العلوم، كالنحو والمنطق والفقه إلى أبوابٍ، وليس المراد بها معناها المادّي، بل معناها الذهني أو الفكري، وهو أمرٌ رائجٌ عرفاً وعقلائيّاً، ومعه يظهر: أنَّ تفسير العرش بالباب مجازٌ معهودٌ عرفاً وعقلائيّاً.
وإليك المعاني الأُخرى للعرش غير ما ذكره أو نقله السيّد الطباطبائي+ في >الميزان<:
الأوّل: أن نقول – كما تقدّم آنفاً-: إنَّ العرش مخلوقٌ كهيئة السرير، له قوائمٌ وحملةٌ، إلّا أنَّه ليس مادّيّاً، بل روحيّاً مجرّداً، وقوائمه وحملته من عالم الروح لا المادّة. فتفترق هذه الأُطروحة عمّا سبقها من ميل الأُولى إلى الاتّجاه المادّي وميل الأخيرة إلى الاتّجاه الروحي، مع أنَّ الأُطروحة الأُولى تدّعي وجود العرش على السماء السابعة، وهنا نقول بامتناع ذلك؛ لعدم وجود
ــــــ[347]ــــــ
(1) كذا في دلائل الإمامة: 150، ونحوه في الاختصاص: 283، حديث في زيارة المؤمن لله، وإعلام الورى: 136، ومناقب آل أبي طالب 2: 36، فصل في المسابقة بالعلم، مع اختلافٍ في التعبير، فلاحظ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الزمان والمكان في مثل هذا الكون، بل هو وجودٌ روحي يستوعب السماوات والأرض بما فيها، ويمرّ روحيّاً من خلالها ويزيد عليها.
الثاني: أنَّ العرش هو نور الحقيقة المحمّديّة’ الذي هو خير الخلق وأَسماهم وأوّلهم رتبةً، ومنه خلقت الموجودات، كما ورد في الروايات: >أوّل ما خلق الله نوري<(1) ونحوه الأخبار الدالّة على أنَّ الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من نوره’(2)، ومنه تصدر الأوامر والتدبير، وبيده الأمر الحقيقي بإقدار منه تعالى لا بالاستقلال، وبيده الرحمة العامّة؛ لأنَّ مقتضى التدبير العامّ هو الرحمة العامّة، ولذا قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}(3) أي: استوت الرحمة العامّة واستوعبت الخلائق أجمعين.
أقول: يمكن الجواب عنه بوجوهٍ، حتّى مع فرض عدم قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}.
الأوّل: أنَّ ظاهر السياق القرآني وارتكاز المتشرّعة كون العرش أدنى من هذه المرتبة؛ لأنَّ الحقيقة المحمّديّة’ أسمى من العرش بمراتب، وإن زعم بعض المتشرّعة أنَّ العرش أعلى من تلك المرتبة؛ لوجود العرش تلو وجود
ــــــ[348]ــــــ
(1) عوالي اللئالي 4: 99، الجملة الثانية، الحديث 140، بحار الأنوار 1: 97، أبواب العقل والجهل، الباب 2، الحديث 7، تفسير القرآن الكريم (لصدر المتألّهين) 3: 353، تفسير سورة البقرة، وتفسير روح البيان 1: 403، تفسير سورة البقرة.
(2) راجع الباب الأوّل من كتاب تاريخ نبيّنا’ من بحار الأنوار 15: 2-174، والباب الأوّل من أبواب خلقهم وطينتهم وأرواحهم (صلوات الله عليهم) من بحار الأنوار 25: 1-36 أيضاً، واقرأ وارق.
(3) سورة طه، الآية: 5.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الحقّ مباشرةً.
أقول: ولعلّ ذلك يؤيّد ما قيل من تفسير العرش بالحقيقة المحمّديّة’؛ لأنَّ نورها متأخّرٌ عن الله تعالى برتبةٍ، فإنَّ كان العرش متأخّراً عن الباري برتبةٍ أيضاً، ظهر تساوقهما وعينيّتهما.
الثاني: أنَّ للعرش حملةً بنصّ القرآن الكريم، ولا يوجد للحقيقة المحمّديّة’ حملةٌ، بل هو حاملٌ لكلّ شيءٍ من عالم الإمكان بإقدارٍ من الله تعالى.
وقد يُقال: إنَّ ما أُفيد غير مفيدٍ؛ إذ لا يُراد بالحمل المعنى المادّي، بل هو بمعنى تحمّل المسؤوليّة، ولذا نقول: حملة العلم وحملة القرآن، وتحمّل زيدٌ الدين وتحمّل خالدٌ المسؤوليّة، وهكذا. والحامل بهذا المعنى منفعلٌ لا فاعلٌ، وأمّا الحامل بالمعنى المادّي فهو فاعلٌ لا منفعلٌ، بخلاف المحمول المنفعل، ولذا فمَن يحمل علماً يحمل المسؤوليّة، فيكون العلم حجّةً عليه بمعنىً من المعاني، فعليه القيام بواجباته، فيكون العلم حاكماً والحامل له محكوماً لا العكس.
فقد ظهر: أنَّ الحامل بهذا المعنى منفعلٌ لا فاعلٌ، فيكون دون ما يحمل رتبةً ووجوداً لا في مرتبته أو أعلى رتبةً منه، إلّا إذا قلنا بأنَّ العلم عين المعلوم. وأمّا إذا التزمنا بأنَّ العلم غير المعلوم فيكون دونه رتبةً. ثُمَّ إنَّه لا شكّ أنَّ الحامل للحقيقة المحمّديّة’ أفراد متعدّدون، وقد يكون الكون كلّه حاملاً لتلك الحقيقة السامية، كحمله لمسؤوليّة الحقّ تعالى وحقوقه وطاعته.
إن قلت: إنَّ الآية أفادت أنَّ حملة العرش ثمانيةٌ(1)، فكيف يقال بأنَّ الكون كلّه حاملٌ لها؟
ــــــ[349]ــــــ
(1) إشارةٌ إلى قوله تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [سورة الحاقّة، الآية: 17].
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قلت: لعلّ المراد الإشارة إلى مرتبةٍ لاحقةٍ لمرتبة الحقيقة المحمّديّة’، لتليها مراتب أدنى مثار الكثرة والتعدّد.
الثالث: أنَّ ظاهر القرآن الكريم كون العرش على هيئة سريرٍ وإن كان بالمعنى المجرّد لا المادّي، بخلاف الحقيقة المحمّديّة’؛ فإنَّها ليست على هيئة سريرٍ، بل هي تعبيرٌ عن روحٍ إنسانيّةٍ عاليةٍ، فيكون تفسير العرش بها مخالفاً لظواهر الكتاب العزيز.
والجواب عنه: أنَّ الحقائق الروحيّة المجرّدة العليا مبرّءةٌ عن الفهم العرفي، وليس لها ألفاظٌ موضوعةٌ في اللغة؛ لأنَّ العرف والعقلاء يضعون اللغة طبقاً لاحتياجاتهم الحسيّة والدنيويّة والاجتماعيّة، ومن هنا يضطرّ المتكلّم بما فيهم القرآن الكريم إلى استعمال الألفاظ المألوفة لدى العرف والعقلاء عند التعبير عن الحقائق الروحيّة المجرّدة التي لم يرها العرف ولم يضع لها ألفاظاً، فيختار المتكلّم أقرب الألفاظ للتعبير عن مقاصده السامية، وإن ابتعدت عن الغرض من وجهٍ. ومنه يتّضح الحاجة إلى المجاز والتعابير المسامحيّة في الحقائق المجرّدة؛ لعدم وجود لفظٍ مطابقٍ لها في اللغة البتّة.
ولا شكّ: أنَّه يمكن التعبير عن الحقيقة المحمّديّة’ بالعرش مجازاً؛ باعتبار أنَّ العرش مورد الأمر والتدبير عند جلوس الملك عليه، والحقيقة المحمّديّة’ مصدر الأمر ومنشأ التدبير في الكون وعالم الإمكان.
الرابع: أنَّ العرش تعبيرٌ آخر عن مجموع أرواح المعصومين^ الذين بيدهم تدبير الكون كلّه، أي: بيدهم الأمر والخلق بالولاية التكوينيّة.
إلّا أنَّ كون العرش تعبيراً آخر عنهم^ يقتضي تعدّده؛ لأنَّ عدد أرواحهم الطاهرة 14، وهو خلاف ظاهر القرآن والارتكاز المتشرّعي، مع أنَّ وجوداتهم العليا في مرتبةٍ متأخّرةٍ عن الحقيقة المحمّديّة’ لا في مرتبتها،
ــــــ[350]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فإذا اعتبرنا العرش دون الباري تعالى بمرتبةٍ لزم انطباقه على الحقيقة المحمّديّة’ دون تلك الأرواح الطيّبة الطاهرة.
الخامس: أنَّ العرش كلّ شيءٍ سوى الباري تعالى شأنه، أي: عالم الإمكان كلّه بما فيه الحقيقة المحمّديّة’، وهو أحد الاحتمالات التي ذكرتها الرواية المتقدّمة.
السادس: أنَّ المراد به عالم الملكوت الذي أراه الله أصفيائه وخليله×.
نعم، نحن لا نعلم ما الذي رآه الخليل× على وجه التحديد، وإن كان ذلك قطعاً من عالم وراء المادّة والحسّ، إلّا أنَّ ذلك العالم له مراتب متعدّدةٌ، فالملكوت مقولةٌ مشكّكةٌ، ونحن نجهل ما وقعت عليه الرؤية.
ولعلّ اصطلاح عالم الملكوت في الفلسفة يُراد به الملكوت الأدنى، أي: عالم الجنّ وعالم النفس، ومن مراتبها النفس الأمّارة بالسوء، ولذا يُقال: إنَّ عالم الملكوت عالم النفوس، وهو عالمٌ متدنٍ، أعني: دون عالم الروح والمجرّدات، ومعه يتّضح أنَّه لا يمكن أن يكون تفسيراً للعرش؛ لأنَّ المفهوم منه في نظر الكتاب والشرع أنَّ العرش أسمى منه بمراتب.
السابع: أنَّ العرش عبارةٌ عن عالم الجبروت، وهو أعلى رتبةً من عالم الملكوت بلحاظ عوالم المجرّدات؛ ولذا لا يصحّ أن نطلق على عالم الملكوت العرش خلافاً لعالم الجبروت.
ويرد عليه غير واحدٍ من الإشكالات:
الأوّل: أنَّ عالم الجبروت ليس من العلوّ بمكانٍ؛ لأنَّ هناك خلقاً أعلى منه رتبةً، مع أنَّ المفروض سمّو العرش وعلوّه. نعم، لو قلنا بأنَّ العرش أدنى من أرواح المعصومين^ أمكن انطباق هذا المعنى عليه بوجهٍ؛ لأنَّ ما هو
ــــــ[351]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أدنى من أرواح المعصومين^ هو عالم الجبروت.
الثاني: أنَّ ظاهر القرآن وارتكاز المتشرّعة أنَّ العرش موجودٌ واحدٌ بسيطٌ، لا عالمٌ متكاملٌ فيه حركةٌ ونشاطٌ وإدراكٌ، كما في عالم الجبروت وعالم الملكوت، ولا يمكن أن نطلق على هذه العوالم بالعرش.
وقد يُجاب عن الإشكال: بأنَّ العالي في عالم المجرّدات ليس كالعالي المادّي الذي يُتصور أنَّه فوق ما تحته فقط، بل هو فوقه وفيه وملابسٌ له. وكمثالٍ على ذلك نقول: إنَّ السماء الأُولى تعبيرٌ عن مجموع العالم المادّي، والسماء الثانية موجودٌ مجرّدٌ أعلى من السماء الأولى في الرتبة والشرف، وهي منحازةٌ عن الأُولى، ولها حصّةٌ من الوجود، وإن كانت مماسّةً للأُولى من وجهٍ، وتمرّ من خلالها بمعنى، فيمكن أن نقول: إنَّ السماء الأُولى موجودةٌ في داخل السماء الثانية، والسماء الثانية محيطةٌ بها من كافّة الجهات، وهكذا يتدّرج الأمر في كلّ سماءٍ إلى أن نصل إلى العرش الملابس لعالم الإمكان من سائر الجهات. وعليه فالعوالم طرّاً داخلةٌ في العرش، مع أنَّ العرش ليس قشرةً خارجيّةً. ومعه لا يستبعد القول بأنَّ العرش فيه عوالم كثيرةٌ متحرّكةٌ ومدركةٌ.
نعم، ذكر الفلاسفة أنَّ التجرّد ملازمٌ للإدراك وقالوا: كلّ مجرّدٍ مدركٌ(1)، وكلّما ازداد الموجود تجرّداً ازداد إدراكاً وتعقّلاً. وعليه فالعرش مدركٌ والكرسي مدركٌ، وكلّ سماءٍ مدركةٌ، وكلّ روحٍ إنسانيّة مدركةٌ؛ لأنَّها من المجرّدات. وكلّما زاد التجرّد وزادت مرتبة الوجود زاد الإدراك.
ولذا ورد أنَّ العرش ملك والكرسي ملك، وهكذا اللوح والقلم
ــــــ[352]ــــــ
(1) أُنظر: إشراق هياكل النور: 238، الهيكل الرابع، الفصل الثالث، حكمة الإشراق: 120، القسم الثاني، المقالة الأُولى.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وأمثالهما(1)، فلها عقلٌ مدركٌ، لا كما يظنّه الناس مادّةً صمّاءً.
الثامن: أنَّ العرش ملكٌ من الملائكة، كما مرّ، ما يؤيّد أنَّ له إدراكاً وفاعليّةً، فهو مدركٌ فعّالٌ، كما أنَّه خلقٌ منحازٌ مستقلٌّ بنفسه عن غيره بالنظر والتصوّر.
وقد يُشكل على هذه الأُطروحة: بأنَّ وجود الملائكة مهما كان سامياً، إلّا أنَّه متأخّر عن الذات الإلهيّة بمراتب، والمفروض أنَّ العرش تالٍ لها.
وفيه: أنَّ العرش يتلو الذات الإلهيّة بمرتبةٍ واحدةٍ، وما هو تالٍ للذات الإلهيّة هو نور الحقيقة المحمّديّة’، أي: الصادر الأوّل.
وقد يُقال: إنَّه عبّر عن الحقيقة المحمّديّة بأنَّها ملك، وورد عن بعض الأكابر: (أوّل ما خلق الله على الإطلاق ملك كرّوبي)(2)، و>أوّل ما خلق الله نوري<(3) و>أوّل ما خلق الله القلم<(4). والكلّ تعبيرٌ عن مطلوبٍ واحدٍ، وهو
ــــــ[353]ــــــ
(1) راجع الأخبار الواردة في باب العرش والكرسي من أبواب كلّيّات أحوال العالم من بحار الأنوار 55: 1-39.
(2) تفسير القرآن الكريم (لصدر المتألّهين) 4: 133، تفسير سورة البقرة، المقالة السادسة، المشعر الثاني، تفسير روح البيان 5: 199، تفسير سورة الإسراء، وتفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 4: 388، تفسير سورة الإسراء.
(3) عوالي اللئالي 4: 99، الجملة الثانية، الحديث 140، بحار الأنوار 1: 97، أبواب العقل والجهل، الباب 2، الحديث 7، تفسير القرآن الكريم (لصدر المتألّهين) 3: 353، تفسير سورة البقرة، وتفسير روح البيان 1: 403، تفسير سورة البقرة.
(4) تفسير القمّي 2: 198، تفسير سورة سبأ، البرهان في تفسير القرآن 4: 507، تفسير سورة سبأ، الأصفى في تفسير القرآن 2: 1334، تفسير سورة القلم، تفسير القرآن العظيم (ابن كثير) 5: 396، تفسير سورة الحجّ، تفسير روح البيان 5: 199، تفسير سورة الإسراء، وبحار الأنوار 54: 313، أبواب كلّيّات أحوال العالم، الباب 1.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
القلم الأعلى، أي: الحقيقة المحمّديّة’، والتعبير عنها بالملك عرفاً من باب أنَّه من موجودات عالم الروح، فهو من الملائكة.
ولذا قد يُقال: إنَّ الإنسان المؤمن لو مات صار من صنف الملائكة، أي: من صنف الأرواح، لا أنَّ المقصود أنَّه يكون من جنس الملائكة. وعليه فالعرش والحقيقة المحمّديّة’ أمرٌ واحدٌ وتعبيرٌ عن شيءٍ فاردٍ. ومعه يتّضح السرّ فيما أفادته الرواية آنفاً.
فتبيّن: أنَّ الأُطروحات التي لم تتمّ عندنا عديدةٌ:
فمنها: أنَّ العرش كهيئة السرير المادّي.
ومنها: أنَّ العرش هو العلم الإلهي الذي هو عين الذات.
ومنها: أنَّ العرش لا وجود له إطلاقاً، بل هو تعبيرٌ عن تدبير الله تعالى للكون.
فنقول الآن بنحو الأُطروحة الجامعة: إنَّ العرش هو الحقيقة المحمّديّة’، وهذه الأُطروحة تجمع سائر الأُطروحات التي أمكن القول بصحّتها، فتنطبق عليها بالحمل الشائع لا الحمل الأوّلي، أي: إنَّها متحدّةٌ معها مصداقاً وإن اختلفت معها مفهوماً.
ومنها: أنَّ العرش هو الحقيقة المحمّديّة’.
ومنها: أنَّه متأخّرٌ عن الذات الإلهيّة؛ لأنَّه تعبيرٌ آخر عن الحقيقة المحمّديّة’.
ومنها: أنَّه ملكٌ، وقد يعبّر عن الحقيقة المحمّديّة’ بالملك أيضاً.
ومنها: أنَّه عالم الجبروت أو أعلى رتبةً منه؛ لأنَّه يمثل رتبة وجود الحقيقة المحمّديّة؛ إذ لو تجاوزنا هذه المرتبة لوصلنا إلى عالم اللاهوت، أي: ذات
ــــــ[354]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الباري تعالى، ولا شيء معه، ولو كان هناك من حقيقةٍ فهي ذواتٌ في حالة الفناء والزوال، ولا وجود ولا حدّ لها في ذاتها. فإذا نزلنا عن عالم اللاهوت لم يكن من شيءٍ وحقيقةٍ غير الحقيقة المحمّديّة’ الواقعة في أعلى عالم الجبروت، ومعه فلو قلنا بأنَّ العرش من عالم الجبروت، لم يكن جزافاً.
ومنها: أنَّ العرش كلّ شيءٍ؛ لأنَّ كلّ شيء قائمٌ ودائمٌ بالولاية التكوينيّة للحقيقة المحمّديّة’.
ومنها: أنَّ العرش مصدر الأوامر الإلهيّة والتدبير الإلهي، أي: أنَّ العرش – بتعبير السيّد الطباطبائي+ المتقدّم- مقامٌ في الوجود تجتمع فيه أزمّة الحوادث والأُمور.
أقول: لعلّ ذلك لا يصحّ بلحاظ المقام والرتبة محضاً، بل لابدّ من أن تكون ذاتاً عاقلةً مدركةً لتتصدّى لذلك الأمر والتدبير، فالعرش إذن ذاتٌ عاقلةٌ مدبّرةٌ مؤثّرةٌ، وهي نور الحقيقة المحمّديّة’.
ومنها: أنَّه علم الله الأزلي، وهو العلم المتأخّر رتبةً عن العلم الذي هو عين الذات الإلهيّة، فلا يُقال: إنَّ الحقيقة المحمّديّة’ عين الذات، بل هي متأخّرة عنها بمرتبةٍ.
ومنها: أنَّه أعظم أبواب الغيوب، كما في الرواية المتقدّمة القائلة: >والعرش هو الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف والكون والقدر والحدّ والأين والمشيئة وصفة الإرادة وعلم الألفاظ والحركات والترك وعلم العود والبدء<(1).
وإذا كانت هذه الصفات صفاتٍ للعرش، انطبقت على الحقيقة
ــــــ[355]ــــــ
(1) التوحيد: 321، باب العرش وصفاته، وبحار الأنوار 55: 30، أبواب كلّيّات أحوال العالم وما يتعلّق بالسماويّات، الباب 4، الحديث 51.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
المحمّديّة’ بالمعنى المتقدّم.
وإن قلنا: إنَّ تلك الحقيقة غير العرش، كانت الحقيقة المحمّديّة’ -أعني : الصادر الأوّل الفائق على العرش في الرتبة- متّصفةً بتلك الأوصاف بطريقٍ أولى؛ لأنَّ ما للأدنى للأعلى وزيادة، فإذا كانت هذه الأوصاف المهمّة التي أعطتها الرواية للعرش موجودةً في العرش حقيقةً فهي موجودةٌ في الحقيقة المحمديّة بطريقٍ أولى؛ لأنَّها أشرف. والغرض: بيان أنَّها إمّا عين العرش أو أسمى منه رتبةً وشرفاً. وعلى كلّ تقديرٍ فهي متّصفةٌ بهذه الصفات.
ومنها: أنَّ العرش تعبيرٌ آخر عن مجموع أرواح المعصومين^؛ لأنَّ أرواحهم^ بالفعل قائمةٌ ودائمةٌ بالحقيقة المحمّديّة’، كقيام ودوام كلّ شيءٍ بها، والفارق أنَّ أرواح المعصومين^ أقرب إلى تلك الحقيقة منه إلى غيرها ممّا في عالم الإمكان، وكل دانٍ قائمٌ بما هو أعلى منه أو معلولٌ له، فيلزم من عدمه عدمه، أي: يلزم من عدم الحقيقة المحمّديّة’ عدم أرواح المعصومين^، كما يلزم من عدم أرواحهم^ عدم عالم الإمكان. ولعلّه لذلك ورد في حديث الكساء أنَّه >يا ملائكتي ويا سكّان سماواتي، إنَّي ما خلقت سماءً مبنيّةً ولا أرضاً مدحيّةً ولا قمراً منيراً … إلَّا في محبّة هؤلاء الخمسة<(1).
ومنها: أنَّه سرير ملك الله تعالى ولو بنحوٍ من المجاز، كما أنَّ الملوك يحكمون البلاد على عروشهم، كما قد ترد هذه العبائر المجازيّة في مثل قوله: >أبواب الله ومفاتيح رحمته … وأنتم أُمناء الله … ودعاته إلى كتبه<(2).
ــــــ[356]ــــــ
(1) أُنظر: النور المبين في فضل الصلاة على محمّد وآله الطاهرين: 99-101، الفصل الثاني، وغيره.
(2) بحار الأنوار 99: 162، الباب 8، الزيارة الجامعة التي يُزار بها كلّ إمام … .
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وفي زيارة مولانا الحسين×: >وبكم تُنبت الأرض أشجارها، وبكم تُخرج الأرض ثمارها، وبكم تُنزل السماء قطرها، وبكم يَكشف الله الكرب، وبكم يُنزّل الله الغيث، وبكم تسبّح الأرض (أو تسيخ الأرض) التي تحمل أبدانكم وتستقرّ جبالها على مراسيها. إرادة الربّ في مقادير أُموره تهبط إليكم، وتصدر من بيوتكم، والصادر عمّا فصل من أحكام العباد<(1).
وفي الزيارة الجامعة: >السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي، ومعدن الرحمة، وخزّان العلم، ومنتهى الحلم، وأُصول الكرم، وقادة الأُمم، وأولياء النعم، وعناصر الأبرار، ودعائم الأخيار، وساسة العباد، وأركان البلاد، وأبواب الإيمان، وأُمناء الرحمن، وسلالة النبيّين، وصفوة المرسلين، وعترة خيرة ربّ العالمين، ورحمة الله وبركاته. السلام على محالّ معرفة الله، ومساكن بركة الله، ومعادن حكمة الله، وحفظة سرّ الله، وحملة كتاب الله، وأوصياء نبي الله، وذرّيّة رسول الله’، ورحمة الله وبركاته<(2).
ــــــ[357]ــــــ
(1) الكافي 4: 575، باب زيارة قبر أبي عبد الله الحسين×، الحديث 2، مَن لا يحضره الفقيه 2: 594، زيارة قبر أبي عبد الله الحسين بن علي‘، الحديث 3199، تهذيب الأحكام 6: 54، كتاب المزار، الباب 18، الحديث 1، ووسائل الشيعة 14: 490، أبواب المزار وما يناسبه، الباب 62، الحديث 19672.
(2) عيون أخبار الرضا× 2: 272، زيارة أُخرى جامعة للرضا علي بن موسى×، مَن لا يحضره الفقيه 2: 609، زيارةٌ جامعةٌ لجميع الأئمّة^، الحديث 3213، تهذيب الأحكام 6: 95، باب زيارة جامعة لسائر المشاهد (على أصحابها السلام)، الحديث1، مستدرك الوسائل 10: 416، أبواب المزار وما يناسبه، الباب 86، الحديث 12274، والبلد الأمين: 297، ذكر عمل السنة، ذو الحجّة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ثمَّ إنَّه قد يُقال: إنَّ في قولنا: (العرش تعبيرٌ آخر عن الحقيقة المحمّدية’) نقطة قوّةٍ ونقطة ضعفٍ: أما الضعف فلأنه خلاف الارتكاز المتشرّعي؛ لأنَّ درجةً من درجات هذا الارتكاز تقول: إنَّ العرش ليس بتلك المرتبة من العلوّ، فإن لم يكن عالياً سامياً لم ينطبق على الحقيقة المحمّديّة’. وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ ما تقدّم من تفسير العرش بالحقيقة النوريّة كان باعتبار دنوّه مرتبةً واحدةً عن ذات الحقّ تعالى، مع أنَّ الارتكاز على خلافه.
وأمّا القوّة فلأنَّه يمكن الاستدلال على أنَّ العرش أدنى من ذات الحقّ تعالى بمرتبةٍ واحدةٍ بقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}(1)؛ إذ يدلّ على عدم الفرق بين الرحمن والعرش في الرتبة، أي: أن نفهم من الفوقيّة الاستعلاء الرتبي لا الاستعلاء المكاني، وأن نلاحظ أنَّ الفرق بينهما ليس إلّا برتبةٍ، فالرحمن على العرش برتبةٍ، وإلّا لما صدق أنَّه فوقه، مع أنَّ الاسم الرحمن أعلى من السماوات والأرض. ولذا لم يقل: (الرحمن على السماوات استوى) أو (الرحمن على الأرض استوى)، بل اختار أقرب المخلوقات إليه وصرّح بأنَّه استوى عليه؛ لقربه منه. ثُمَّ إنَّنا نعلم من الخارج أنَّه ليس شيءٌ أقرب إلى ذات الحقّ من الحقيقة المحمّديّة’، فتعيّن أن يكون العرش تعبيراً عن تلك الحقيقة النوريّة.
نعم، لو فهمنا من الآية من خلال ظهورها إرادة الاسم (الرحمن) خاصّةً، لم يتمّ الاستدلال على المطلوب، بخلاف ما لو قلنا: إنَّ المراد منه ذات
ــــــ[358]ــــــ
(1) سورة طه، الآية: 5.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الحقّ تعالى، كما ذهب إليه المشهور(1)؛ إذ به يتمّ الغرض، والله أعلم.
وأمّا (المجيد) فهو فعيلٌ بمعنى اسم الفاعل لا اسم المفعول؛ لأنَّه يأتي على كلا الوصفين، إلّا أنَّه يُراد به هنا الفاعل، وهو في حقيقته صفةٌ مشبّهةٌ تفيد الثبوت والاستمرار في الاتّصاف بالمجد. هذا بلحاظ الهيئة.
وأمّا المادة – أي: المجد- ففيها أُطروحتان:
الأُولى: أنَّ المجد تعبيرٌ عن العظمة، و(مجيد) بمعنى (عظيم)، والمجد مطلق العظمة.
الثاني: أنَّ المجد تعبيرٌ عن العظمة بمرتبتها الدنيا لا العليا. وكأنَّ لعظمة الباري مستويين: أحدهما: مستوى الذات الذي لم يطّلع عليه أحد من خلقه، وثانيهما: مستوى آخر اطّلع عليه مَن اختاره. والمراد المرتبة الثانية منه، أي: ما اطّلع عليه بعض أصفيائه، لا المرتبة العليا منه، ومعه يتمّ التفريق بين المجد بإرادة المرتبة الأدنى من العظمة والعظمة بإرادة المرتبة الأعلى منها.
وأفاد السيّد الطباطبائي+ بما يقرب من هذا المضمون قائلاً: والمجيد صفةٌ من المجد، وهو العظمة المعنويّة، وهي كمال الذات والصفات(2).
وفي التعبير بالمعنويّة في كلامه الشريف تأمّلٌ؛ لأنَّ العرف يعبّر عن الحقائق الروحيّة بالأُمور المعنويّة، مع أنَّ المراد بها الصور الذهنيّة، وهي مرتبةٌ دانيةٌ من مراتب الوجود، مع أنَّ المراد هنا مراتب أعلى.
وقد يُقال أيضاً: إنَّ اصطلاح المعنويّة يُطلق على ما كان دنيويّاً وأُخرويّاً،
ــــــ[359]ــــــ
(1) أُنظر: مفاتيح الغيب 22: 8، تفسير سورة طه، الميزان في تفسير القرآن 14: 121، تفسير سورة طه، وغيرهما.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 254، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
كما لو قلنا: إنَّ كذا وكذا يفيد زيداً معنويّاً، أي: بلحاظ شأنه أو ماله أو شهرته، أو إنَّ كذا وكذا يضرّ به معنويّاً.
وعليه فالأولى التعبير عنها بالروحيّة أو الروحي؛ إذ يتمّ الغرض به. نعم، في التعبير بالمعنويّة حفظ الظاهر على مستوى المراد من اللفظ لا البطون؛ إذ الغرض من الكلام البيان على قدر عقول الناس.
ويُلاحظ أيضاً: أنَّ العظمة ليست من شؤون الذات مباشرةً، مع أنَّه+ صرّح بأنَّها كمال الذات والصفات، وكأنَّ العظمة عين ذاته، مع أنَّها ليست من شؤونها بالمباشرة، بل هي كسائر الأسماء الحسنى، كالرحيم والعظيم والكريم وغيرها.
نعم، العظمة الواقعيّة تعني (العظيم) والرحمة الواقعيّة تعني (الرحيم). مع أنَّ حقيقة الأسماء الحسنى ليست تلك الحروف بل معانيها، أي: تلك التي لها تأثيرٌ وفاعليّةٌ في الخارج وفي الكون نحو: كرم الله وعظمته ورحمته، وأمّا الحروف فليست لها فاعليّةٌ.
وأما إعراب (المجيدُ) فقد صرّح العكبري أنَّ اللفظ بالرفع نعتٌ لله عزّ وجلّ(1). والمراد أنَّه نعتٌ لقوله: {ذُو} المراد به الله تعالى؛ لأنَّه ذو العرش.
وأمّا لو كان بالجرّ (المجيدِ) لكان نعتاً للعرش.
وليُعلم: أنَّه وردت القراءة بكلا اللفظين، أي: بالرفع والجرّ(2)، وإن
ــــــ[360]ــــــ
(1) أُنظر: إملاء ما مَنّ به الرحمن 2: 284، سورة البروج.
(2) وردت هذه القراءة عن حمزة، والكسائي، وعاصم، والمفضّل، ويحيى بن وثّاب، والحسن، والأعمش، وعمرو بن عبيد، وخلف. أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 8: 108، سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
كانت القراءة المشهورة الواردة عن حفصٍ عن عاصمٍ بالرفع(1).
ويحسن الالتفات إلى أُمورٍ في المقام أيضاً:
الأوّل: أنَّنا تكلّمنا عن المجد والعظمة باعتبارها منسوبةً إلى الله تعالى طبقاً للقراءة المشهورة بالرفع نعتاً للحقّ تعالى، ولذا تحدّثنا عن العظمة الإلهيّة بما هي عظمةٌ إلهيّةٌ، لا بما هي إشارةٌ إلى عظمة العرش، أي: بما أنَّ الموصوف هو الباري تعالى لا العرش.
فنقول: لو كان الموصوف هو العرش لكان المراد أنَّه ذو عظمةٍ ومجلى للعظمة أيضاً، وإن كان دون عظمة الباري تعالى، بل هو رشحةٌ من رشحات عظمته. والحاصل: أنَّ العرش مجيدٌ وذا العرش مجيدٌ أيضاً مع حفظ الفارق.
الثاني: أنَّه تقدّم: أنَّ الحمد من معاني العظمة أو من حصصها، كما قلنا في المقام بأنَّ المجد من معاني العظمة، فهل هما مترادفان بلحاظ الجهة الباطنيّة؟ فإنَّه معه تكون لدينا ثلاثة ألفاظٍ هي الحمد والعظمة والمجد، مع أنَّ دعوى الترادف خلاف الوجدان؛ لأداء كلٍّ منها مؤدّياتٍ عقليّةً ونفسيّةً مختلفة.
والحقّ: أنَّ العظمة على مستويين: عالي وداني، والحمد ناظرٌ إلى المستوى الأعلى من العظمة، والمجد ناظرٌ إلى المستوى الأدنى منها، والمجموع منهما هو العظمة بمعنى اسم الجنس المنطبق على كثيرين.
ويشهد له: أنَّ المجد يُستعمل في العرف كقولهم: إنَّ زيداً وصل إلى المجد، كما لو أصبح مشهوراً أو رئيساً أو رئيس عشيرةٍ أو ذا مالٍ كثيرٍ، ولا
ــــــ[361]ــــــ
(1) أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 8: 108، سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
يقال: إنَّه وصل إلى العظمة، ما يؤيّد أنَّ المجد هو الجانب الأدنى الملحوظ لدى الناس، لا الإشارة إلى العظمة الذاتيّة التامّة.
الثالث: أنَّ القراءات المعروفة اختلفت في (المجيد) رفعاً وجرّاً، إلّا أنَّنا لو ضممنا مقدّمتين لوصلنا إلى نتيجةٍ غريبةٍ:
الأُولى: أنَّ الأرجح في القراءة مراعاة السكون، أي: ذو العرش المجيدْ، أي: بتسكين نهايات الآيات، كما تقدّم الحديث عنه في بحوثٍ سابقةٍ.
الثانية: أنَّ الوحي ينزل على أرجح وأحسن المحتملات، أعني: السكون (المجيدْ) لا الرفع (المجيدُ) ولا الجرّ (المجيدِ)، ومعه لا نعلم ثبوتاً – أي: في علم الله- أنَّ المراد وصف العرش أو وصف الباري تعالى؛ لأنَّه نزل ساكناً غير متحرّكٍ.
ونحوه الكلام في قوله تعالى في آخر سورة البروج: {فيِ لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}(1) بملاك أنَّه نزل ساكناً، والسكون أرجح من غيره من حالات الإعراب، أي: قراءة الرفع، فيكون (محفوظ) مبتدأ مؤخّراً، وقراءة الجرّ نعتاً للوح المجرور.
ولعلّ ذلك هو المراد ممّا اصطلحنا عليه بالإيهام الإثباتي في علم الأُصول(2)؛ فإنَّه تارةً يكون اللفظ نصّاً في المعنى صريحاً فيه، وأُخرى مجملاً فيه عدّة احتمالاتٍ غير متعيّنةٍ، فيتحيّر الفقيه أو النحوي في المراد منها.
أقول: إنَّ المراد حينئذٍ كلّ هذه المعاني، لا بملاك الفهم الباطني لها، بل باعتبار الإيهام الإثباتي، أي: إرادة المتكلّم الإجمال في خطابه؛ ليؤثّر نفسيّاً على
ــــــ[362]ــــــ
(1) سورة البروج، الآية: 22.
(2) أُنظر: منهج الأُصول 2: 191-192، الفصل الرابع، المسألة الثانية.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
المخاطب، فيدور الأمر لديه بين سائر المعاني المحتملة.
ويمكن التمثيل له بالصلاة الوسطى؛ فإنَّها عندهم صلاةٌ واحدةٌ، إلّا أنَّه يمكن تطبيق نظريّة الإيهام الإثباتي عليها؛ لتنطبق حينئذٍ على سائر الصلوات الخمس.
ونحوه الكلام في اللوح المحفوظ، فيراد كلا المعنيين: بالرفع مبتدأً وبالجرّ نعتاً للوح، ومعه يحفظ المعنيان في التعبير معاً.
وهكذا الكلام في (ذو العرش المجيدِ) فيكون المجيد وصفاً للعرش ونعتاً للباري تعالى.
****
قوله تعالى: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}:
(فعّال) صيغةٌ مبالغةٌ من فعل يفعل، ويُراد به التأثير في إنجاز الشيء وتدبير الخلق، ولعلّ المراد بالاسم أحد أُمورٍ قابلةٍ للصدق عليه بلا تنافٍ بينها:
الأوّل: أن يُراد كثرة التأثير والتدبير؛ لأنَّه العلّة الرئيسية للكون، ففعّال بمعنى: كثير الفعل.
الثاني: أنَّ المراد العلّة التامّة في التأثير، مع أنَّ المقتضى أو الشرط أو المعدّ علّةٌ ناقصةٌ في التأثير، والمؤثّر هو العلّة التامّة، أعني: الباري تعالى، فإنَّه يقول للشيء: كن فيكون، فهو فعّالٌ لما يريد. ولذا قد يعبّر أحياناً بالعلّة الفاعلة.
الثالث: أن يكون إشارةً إلى بعض مراده ومطلوبه كتعذيب الكافرين وإثابة المؤمنين، فهو فعّالٌ لهما، فيعاقب الجبابرة الذين أحرقوا المؤمنين والمؤمنات في الأُخدود ويثيب المظلومين المعذّبين فيه.
ــــــ[363]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الرابع: ما أفاده السيّد الطباطبائي+ من أنَّ المراد به: أنَّه لا يصرفه عمّا أراده صارفٌ: لا من داخلٍ لضجرٍ وكسلٍ ومللٍ وتغيّر إرادةٍ وغيرها، ولا من خارجٍ لمانعٍ يحول بينه وبين ما يريد(1).
الخامس: أن يكون المراد به خصوص المانع الخارجي المشار إليه في كلام الطباطبائي+ آنفاً؛ لأنَّ كلّ مؤثّرٍ أضعف منه، فهو صادرٌ منه، فيستحيل أن يحول بين الله وبين فعله.
ومنه يتبيّن وجه الارتباط بين هذه الآية والآيات السابقة عليها؛ إذ الغرض بعد بيان قصّة أصحاب الأُخدود والصراع بين الإيمان والكفر والحقّ والباطل الإشارة إلى أنَّ الحقّ تعالى قادرٌ فاعلٌ لما يشاء، فيثيب المؤمنين المطيعين ويعاقب الكافرين العاصين.
****
قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ}:
لماذا عبّر عن فرعون وثمود بالجنود في الآية؟ مع أنَّهما فردان من البشر، إلّا أنَّه أطلق عليهما الجنود، وهو تعبيرٌ آخر عن مجموعةٍ من البشر المتصدّين للدفاع عن بلدٍ ما ضدّ الأعداء، مع أنَّهم لو كانوا ثلاثةً لا اثنين لكان في التعبير وجهٌ.
والجواب عنه: أنَّ هذين الرجلين كانا زعيمين لمجتمعيهما وملكين بمعنىً ما.
وقد يُقال: إنَّ فرعون وثمود تعبيران عن جماعة من الملوك كان كلّ منهم
ــــــ[364]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 254، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فرعون أو ثمود لقبيلةٍ ومجتمعٍ في زمانٍ مّا، لا أنَّ كلاً منهما تعبيرٌ عن رجلٍ بعينه وإن كان ملكاً.
وما ذكر صحيحٌ قطعاً في سلسلة الفراعنة البالغة ثلاث عشرة أُسرةً وعائلةً، حكمت كلّ أُسرةٍ وعائلةٍ منهم بعددٍ من الفراعنة والملوك، ودام حكم الفراعنة آلاف السنين، وكان أحدهم فرعون موسى الذي ذكره القرآن العزيز في غير موضعٍ من سوره وآياته.
نعم، نحن لا نعلم الحال بلحاظ ثمود وفيما لو كان يمثّل سلسلة أُسر وعوائل حاكمة على مجتمعٍ مّا وفيما لو كان إطلاق الاسم عليه كإطلاق قيصر وإمبراطور ونحوهما. نعم، كانت ثمود أُسرةً أو عشيرةً كبيرةً حكموا عبر التاريخ في الزمان السابق على زمان النبي إبراهيم×، وقد يمكن التعبير عن ملوك تلك الأُسرة بثمود مجازاً؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهم كان حاكماً على مجتمعه في زمانٍ مّا.
ومعه يتّضح: أنَّ فرعون وثمود مع أنَّهما اسمان علمان لشخصين بالذات ووردا في الآية بصيغة المفرد، إلّا أنَّهما بمنزلة اسم الجنس المنطبق على كثيرين من الحكّام والملوك. ومن هنا أيضاً يصدق على مجموعةٍ من الحكّام بأنَّهم جنودٌ بضربٍ من التسامح؛ بملاك أنَّهم لم يجتمعوا في زمانٍ واحدٍ، بل كانوا متفرّقين، ومن هنا يكون التعبير بالجنود بمعانٍ ووجوهٍ متعدّدة:
منها: ما ذكرناه آنفاً من أنَّ هؤلاء الحكّام كانوا كثيرين جدّاً ككثرة الجنود، كما كانوا أقوياء ذوي سلطة وقوة كقوّة الجيش.
وقد يُلاحظ عليه: أنَّهم لم يجتمعوا في زمانٍ واحدٍ وجيلٍ واحدٍ.
ومنها: تقدير مضافٍ، أي: ذي الجنود، أعني: (هل أتاك حديث ذي
ــــــ[365]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الجنود: فرعون وثمود).
ويُلاحظ عليه: أنَّ التقدير خلاف الأصل والظاهر.
ومنها: أن يُراد من فرعون وثمود المتبوع مع تابعه، لا خصوص المتبوع المتسلّط، وهو الحاكم على المجتمع، أي: المراد فرعون وشعبه وثمود وشعبه، فيصحّ التعبير عنهم بالجنود مجازاً أو حقيقةً. ولا يرد عليه الإشكال المتقدّم القائل بأنَّهم لم يكونوا مجتمعين في عصرٍ واحدٍ.
وقد يكون التعبير عنهم بالجنود بنحو المجاز: بأن نتصوّر أنَّ لكلّ جيشٍ هدفاً ولابدّ للمجتمع من شخصيّة تتصدّى للدفاع عن ذلك الهدف والسعي إلى تحقيقه، وكلّ مجموعةٍ تدافع عن هدفها، فكان له وجه شبهٍ بالجنود والجيش، كما أنَّ لهذه المجتمعات مصالح اقتصاديّةً وفكريّةً وحضاريّةً تدافع عنها ضدّ أعدائها، ولذا أُطلق عليها الجنود مجازاً.
إن قلت: لماذا سُمّي المجتمع باسم المفرد كفرعون وثمود؟
قلت: إنَّ ذلك نظير قولنا: (تميم) مع إرادة العشيرة، وإن سمّي جدّهم بذلك، ونحوه ربيعة ومضر ونحوها من عشائر العرب، مع أنَّه ورد آل فرعون في موضعٍ من القرآن الكريم(1).
ثُمَّ إنَّ في قوله تعالى: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} وجوهاً من الإعراب:
الأوّل: ما أفاده العكبري من أنَّهما بدلان من الجنود(2). وفي التعبير تسامحٌ؛ لأنَّ البدل هو الأوّل – أي: فرعون- والثاني معطوفٌ عليه.
ــــــ[366]ــــــ
(1) أُنظر: سورة البقرة، الآيتان: 49-50، سورة آل عمران، الآية: 11، سورة الأعراف، الآية: 130، وغيرها.
(2) أُنظر: إملاء ما مَنّ به الرحمن 2: 284، سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الثاني: ما نقله العكبري(1) أيضاً بقوله: وقيل: التقدير: أعني: فرعون وثمود، أي: (هل أتاك حديث الجنود، أعني: فرعون وثمود؟)، فيكون مفعولاً به لفعلٍ مقدّر. إلّا أنَّ التقدير خلاف الأصل.
الثالث: أنَّه معطوفٌ بحذف حرف العطف، أي: (هل أتاك حديث الجنود وفرعون وثمود؟).
ويُلاحظ عليه:
أوّلاً: أنَّ التقدير خلاف الأصل والظاهر.
وثانياً: أنَّ المفهوم من سياق الآيات أنَّ فرعون وثمود تفسير للجنود وبيان لهم، وعلى هذه الأُطروحة لا يكون تفسيراً لهم، فتبيّن أنَّ ظاهر القرآن منافٍ لها.
الرابع – وهي أُطروحة شاذّةٌ-: أن نطبّق قاعدةً شاذّةً مفادها أنَّ المبتدأ له خبران يأتي أحدهما مع الغضّ عن الآخر، كما أنَّ المضاف له مضافان يأتي أحدهما مع الغضّ عن الآخر، فنقول: هل أتاك حديث الجنود (مضاف إليه) فرعون (مضاف إليه لحديث) مع قطع النظر عن وجود الجنود. وهو أُطروحةٌ على أيّ حالٍ.
ثُمَّ ما الغاية من الاستفهام في قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ}؟
ويمكن الجواب عنه في ضوء الأُطروحات التالية:
الأُولى: ما أفاده السيّد الطباطبائي+ من أنَّ الغرض من الاستفهام التقرير(2).
ويُراد بالتقرير أحد معنيين:
ــــــ[367]ــــــ
(1) أُنظر: إملاء ما مَنّ به الرحمن 2: 284، سورة البروج.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 254، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الأوّل: أخذ الإقرار من السامع.
الثاني: أن يكون صورة استفهامٍ بمعنى الإيجاب والإقرار، والتقدير: (قد أتاك حديث الجنود) لا بمعنى: (هل أتاك حديث الجنود؟) حيث إنَّ استعمال الحروف محلّ بعضها الآخر مجازاً جائزٌ.
وما تقدّم يمثّل الأُطروحة الثانية في الجواب.
وقد يُقال: إنَّ المستفهم عنه في الآية هو الحديث بالدلالة المطابقيّة، ولذا لابدّ من التقدير في المعنى (هل أتاك الحديث عن الجنود؟).
نعم، الحديث عن الجنود لا يُراد به الحديث عن أعمال الجنود أو الحديث عن تاريخهم؛ لأنَّ القرآن ليس كتاب تاريخٍ، بل هو كتاب عبرةٍ وهدايةٍ، فالمراد بحسب فهم المشهور: (هل أتاك حديث عقوبة الجنود: فرعون وثمود؟) فأخبر أنَّه أنزل بهم العقوبة الدنيويّة.
وقد يمكن تقدير سبب العقاب في المقام، أعني: الظلم والفسق والكفر والفجور، أي: (هل أتاك حديث ظلم الجنود: فرعون وثمود واستبدادهم وقهرهم؟) فلابدّ من تقدير مضافٍ على كلّ حالٍ.
****
قوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ}:
ويُلاحظ عدم وجود الألف واللام في الآية ليقع البحث في أنَّها للجنس أو للعهد إلى فردٍ أو مجتمعٍ مّا، بل إنَّ الألف واللام موجودةٌ في الاسم الموصول(الذين) وهي جزءٌ من الكلمة، لا من قبيل: الأسد والإنسان ونحوهما التي يُراد بها الجنس، إلّا بحسب أُطروحة شاذّةٍ لا يصحّ التعويل عليها من قبيل: أنَّ الألف بمنزلة الألف واللام للتعليل.
ــــــ[368]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ويمكن أن يُقال: إنَّ (الذين كفروا) كلّي قابلٌ للانطباق على كثيرين، فيُراد به إمّا العهد إلى معيّنٍ أو الجنس بمعنى: كلّ الذين كفروا … .
ويحسن في المقام الإشارة إلى الوجوه المذكورة في الآية:
الأوّل: ما أفاده السيّد الطباطبائي+ بقوله: لا يبعد أن يُستفاد من السياق كون المراد بالذين كفروا قوم النبي’(1).
أقول: الوجه فيه: أنَّ العبرة الأساسيّة في السورة هي بيان هدايتهم، إلّا أنَّهم لم يهتدوا، فكانوا في تكذيبٍ.
الثاني: أن يُراد بهم أصحاب الأُخدود والمؤيّدون لهم ممّن عاصروا النبي’ وكذّبوا بنبوّته وشريعته، أي: الإشارة إلى ما تقدّم في الآية من الحديث عن الكفرة والجبابرة.
ويندفع: بأنَّهم غير قابلين للهداية بعد موتهم؛ لأنَّهم كانوا في تكذيبٍ إلى حين موتهم، ولا معنى لإيمانهم بعدئذٍ، إلّا أن يُراد أنَّ هناك هدايةً سابقةً واصلةً إليهم، ومع ذلك لم يهتدوا وبقوا على كفرهم إلى أن ماتوا.
الثالث: أنَّ المراد مطلق الكفّار؛ إذ المهمّ في القرآن هداية البشر أجمعين، لا خصوص الكفّار المعاصرين للنبي الأكرم’.
وأمّا قوله: {في تَكْذِيبٍ} فهو يفيد الظرفيّة المجازيّة، وهو تشبيهٌ لحال الكافر وتكذيبه لمؤدّى الحقّ، وكأنَّ التكذيب ظرفٌ والكافر فيه بنحو المظروف. إلّا أنَّ المراد بهذا المجاز أحد أمرين:
الأوّل: المراد أنَّ الكافر مادام كافراً مقيماً على كفره في تكذيبٍ للدين الحقّ، فإذا خرج من كفره خرج من التكذيب الذي كان ظرفاً له، وصار ظرفه الحقّ والإسلام،
ــــــ[369]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 254، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فالمسلم في حقٍّ والكافر في باطلٍ، والمسلم في تصديقٍ والكافر في تكذيبٍ.
الثاني: بيان ملازمة الكافر للتكذيب وإفادة اليأس من خروجه منه، لا لمجرّد الإخبار عن تكذيبه، ومعه فقد لا يُرجى منه التوبة.
قال السيّد الطباطبائي+: والمعنى: لا ينبغي أن يُرجى منهم الإيمان بهذه الآيات البيّنات؛ فإنَّ الذين كفروا مصرّون على تكذيبهم … ومن هنا ظهر أنَّ المراد … بظرفيّة التكذيب لهم إصرارهم عليه(1).
ويُلاحظ: أنَّ الظرفيّة لا تفيد ما هو زائدٌ عليها، مع قطع النظر عن الإصرار وعدمه، وإن أفاد السياق الإصرار. والغرض: أنَّ دلالة الآية على الإصرار من خلال الإضراب بـ(بل)، لا من خلال ظرفيّة التكذيب.
ثُمَّ إنَّه لماذا قال: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ} ولم يقل: (والذين كفروا في تكذيبٍ) مع انحفاظ السياق القرآني بدون الإضراب؟
والجواب عنه: أنَّ في السياق تقديراً معنويّاً؛ لأنَّ (بل) تفيد معنى إضافيّاً فيه معدولٌ عنه ومعدولٌ إليه. أمّا المعدول إليه فهو التكذيب. وأمّا المعدول عنه فهو ما يحتاج إلى تقديرٍ معنوي. وحاصله: أنَّه بعد إقامة الحجج وبيان قدرة الله وسلطنته عليهم وإثابته للمؤمنين وعقابه للكافرين، يتوقّع من الجميع الإذعان والتسليم، إلّا أنَّ الذين كفروا كانوا في تكذيبٍ، فلم يسلّموا ويذعنوا للحقّ.
ثُمَّ إنَّ التكذيب وإن أُريد به المعلول بالدلالة المطابقيّة، إلّا أنَّ علّته في الواقع هو الكفر والعناد والنفس الأمّارة بالسوء، فلعلّ في المقام الإشارة إلى سبب التكذيب، كما مرّ.
ــــــ[370]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 254، تفسير سورة البروج.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
والغرض: أنَّ المراد من التكذيب المعلول بيان العلّة، وهي سوء السريرة أو المنافع الدنيويّة أو العناد.
****
قوله تعالى: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ}:
وفي قوله: (محيط) بيان أمرين:
الأوّل: أنَّه من الأسماء الحسنى كغيره نحو: الرحيم والكريم والرحمن والحفيظ.
الثاني: إرادة تطبيق الكبرى المشار إليها في الأمر الأوّل على الصغرى، أي: تطبيقها على السورة محلّ البحث، أي: بيان أنَّ الله محيطٌ بهم.
قال الراغب: الحائط الجدار الذي يحوط بالمكان، والإحاطة تُقال على وجهين:
أحدهما في الأجسام نحو: أحطتُ بمكان كذا، أو تُستعمل في الحفظ نحو: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً}(1) أي: حافظٌ له من جميع جهاته، وتُستعمل في المنع نحو: {إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ}(2) أي: إلّا أنَّ تمنعوا. وقوله: {أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ}(3) فذلك أبلغ استعارةٍ؛ وذاك أنَّ الإنسان إذا ارتكب ذنباً واستمرّ عليه استجرّه إلى معاودة ما هو أعظم منه، فلا يزال يرتقي حتّى يُطبع على قلبه، فلا يمكنه أن يخرج عن تعاطيه. والاحتياط استعمال ما فيه
ــــــ[371]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 26.
(2) سورة يوسف، الآية: 66.
(3) سورة البقرة، الآية: 81.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الحياطة، أي: الحفظ. والثاني: في العلم نحو قوله: {أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً}(1) وقوله عزّ وجلّ: {إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}(2) وقوله: {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}(3). والإحاطة بالشيء علماً هي أن تعلم وجوده وجنسه وكيفيّته وغرضه المقصود به وبإيجاده وما يكون به ومنه، وذلك ليس إلّا لله تعالى. وقال عزّ وجلّ: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ}(4) فنفى ذلك عنهم. وقال صاحب موسى: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً}(5) تنبيهاً أنَّ الصبر التامّ إنَّما يقع بعد إحاطة العلم بالشيء، وذلك صعبٌ إلّا بفيضٍ إلهي. وقوله عزّ وجلّ: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ}(6) فذلك إحاطةٌ بالقدرة. وكذلك قوله عزّ وجلّ: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا}(7).
وعلى ذلك قوله: {وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ}(8). انتهى(9).
ولعلّه يمكن التأمّل في بعض كلامه، نحو قوله: (أحطت بمكان كذا)؛ لأنَّ المكان قد يكون من السعة بمكانٍ لا يمكن للفرد الإحاطة به.
ــــــ[372]ــــــ
(1) سورة الطلاق، الآية: 12.
(2) سورة آل عمران، الآية: 120.
(3) سورة هود، الآية: 92.
(4) سورة يونس، الآية: 39.
(5) سورة الكهف، الآية: 68.
(6) سورة يونس، الآية: 22.
(7) سورة الفتح، الآية: 21.
(8) سورة هود، الآية: 84.
(9) مفردات ألفاظ القرآن: 135-136.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
كما يُلاحظ عدم وجود جامعٍ للإحاطة في كلامه يربط بين هذه المعاني المتباينة. وحيث إنَّ المعاني العرفيّة تبدأ من المعنى المادّي وتنتهي إلى المعنى المعنوي، فإنَّ أصل مادّة(أحاط) هو الدوران حول الشيء بالكامل تقريباً أو تحقيقاً؛ فنقول: (أحاط الجيش بالمدينة) لو دار حولها من جميع الجهات، بخلاف (طاف) أو (أطاف) ونحوهما. والإحاطة المادّيّة تقتضي السيطرة المستوعبة، كما أنَّ الحائط يحيط بالمكان، فله سيطرةٌ مستوعبةٌ تمنع اللصوص عن الدخول مثلاً، فصار معنى الإحاطة المستوعبة. أمّا الاستيعاب فلأنَّها تملئ الأجزاء كلّها حول المنطقة. وأمّا السيطرة فباعتبار انسداد الطريق عن المنطقة إلّا من خلالها.
إذن المعنى الجامع لها هو السيطرة المستوعبة للشيء، ويختلف باختلاف المتعلّق، فتارةً يُراد سيطرة الخلق والتدبير فيقال: {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً}(1)، وأُخرى يُراد سيطرة العقاب والقدرة التامّة عليه، فيُقال: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ}(2)، وثالثةً سيطرة العلم ونفوذه في كلّ شيءٍ، فيُقال: {أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً}(3) و{وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً}(4)، ورابعة العلم بما هو محلّ الحاجة لا بكلّ شيءٍ فيُقال: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}(5)،
ــــــ[373]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 26.
(2) سورة البروج، الآية: 20.
(3) سورة الطلاق، الآية: 12.
(4) سورة النساء، الآية: 26.
(5) سورة النمل، الآية: 22.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وخامسةً الإحاطة المنفيّة، فيُقال: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ}(1)، وسادسةً سيطرة القدرة على العقوبة، فيُقال: {وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ}(2).
وأمّا قوله: { مِنْ وَرَائِهِمْ} فقد قال الراغب: ووراء إذا قيل: وراء زيدٍ كذا فإنَّه يُقال لمن خلفه نحو قوله: {وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}(3) {ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ}(4) {فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ}(5) ويُقال لما كان قدّامه نحو: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} وقوله: {أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ}(6) فإنَّ ذلك يُقال في أيّ جانبٍ من الجدار فهو وراءه؛ باعتبار الذي في الجانب الآخر …(7).
أقول: إنَّ الجانب اللغوي يبدأ بالمعنى المادّي لينتهي بعالم المعنى. أمّا بلحاظ الجانب المادّي فهو بمعنى الخلف وما وراء الظهر. وأمّا الجهة المعنويّة ففيه عدّة أُمورٍ:
الأوّل: الجهل؛ لأنَّ ما كان خلف الإنسان كان مجهولاً له غير مطّلعٍ عليه.
الثاني: السيطرة؛ لأنَّ من كان في الخلف كان مسيطراً على من هو أمامه؛ إذ قد يُعتدى عليه دون علمٍ منه.
ــــــ[374]ــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 39.
(2) سورة هود، الآية: 84.
(3) سورة هود، الآية: 71.
(4) سورة الحديد، الآية: 13.
(5) سورة النساء، الآية: 102.
(6) سورة الحشر، الآية: 14.
(7) مفردات ألفاظ القرآن: 557، مادّة (ورى).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الثالث: التدنّي؛ باعتبار أنَّ الأمام من البشر أشرف الخلق.
الرابع: الشرف؛ باعتبار أنَّ الباطن المجهول أشرف من المعلوم بوجهٍ، كما أنَّ ما وراء الظهر مجهولٌ، وكلّ مجهولٍ أشرف من المعلوم بوجهٍ.
الخامس: البعديّة في التسلسل، كما لو اعتبرنا أنَّ الاثنين وراء الواحد.
السادس: التخلّي عن المسؤوليّة، كما لو تركت شيئاً وراء ظهري.
السابع: الاختفاء؛ لأنَّ ما وراءك خافٍ عليك.
الثامن: البعديّة في الزمان أو المكان ولو مجازاً.
ولا يُعتبر في المقام التمثيل بهذه المعاني بآياتٍ من الذكر الحكيم، مع أنَّه ربما نفهم من بعض الآيات معاني أُخر، فلا تنحصر المعاني بمفادٍ واحدٍ. نعم، لا بأس في التمثيل ببعض الآيات على سبيل التنظير لا الحصر.
أمّا الوضع المادّي فكقوله تعالى: {ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ}(1)وقوله: {فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ}(2).
وأمّا السيطرة فكقوله تعالى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ}(3)وقوله في الآية محلّ البحث: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ}(4) أي: إحاطة سيطرةٍ.
وأمّا الشرف فكقوله تعالى: {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ}(5).
وأمّا التخلّي عن المسؤوليّة فكقوله تعالى: {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ}(6).
ــــــ[375]ــــــ
(1) سورة الحديد، الآية: 13.
(2) سورة النساء، الآية: 102.
(3) سورة الكهف، الآية: 79.
(4) سورة البروج، الآية: 20.
(5) سورة البقرة، الآية: 91.
(6) سورة آل عمران، الآية: 187.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
وأمّا البعديّة في التسلسل فكقوله تعالى: {وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}(1).
وأمّا التدنّي فكقوله تعالى: {فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ}(2) أي: أدنى من ذلك؛ إذ يلزم على المرء أن يبتغي طاعة الله، فإذا ابتغى ما وراء ذلك فقد ابتغى ما هو أدنى من طاعة الباري تعالى؛ إذ لا شيء أعزّ من الطاعة الموجبة لثواب الآخرة.
وأمّا الاختفاء فكقوله تعالى: {أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ}(3).
وأمّا البعديّة في الزمان أو المكان – ولو مجازاً- فكقوله تعالى: {وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ}(4).
ولنعطف الكلام إلى المعاني التي يمكن استفادتها من قوله تعالى: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ}، وهي:
الأوّل: الشرف؛ لأنَّ الله واجب الوجود، فيكون أشرف من كلّ خلقه.
الثاني: السيطرة؛ لأنَّ له تعالى السلطنة على الخلائق أجمعين.
الثالث: مجهوليّة الذات؛ لأنَّه لا تدركه الأبصار.
الرابع: مجهوليّة العمل؛ لأنَّ الله يعاقب عبده ويمكر به دون توقّعٍ أو احتسابٍ منه.
الخامس: البعديّة في التسلسل في قوس الصعود، أي: إذا بدأنا بالخلق الممكن انتهينا بالخالق الواجب الوجود.
ــــــ[376]ــــــ
(1) سورة هود، الآية: 71.
(2) سورة المؤمنون، الآية: 7.
(3) سورة الحشر، الآية: 14.
(4) سورة البقرة، الآية: 101.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
السادس: التخلّي عن المسؤوليّة، وإلى هذا المعنى أشار في >الميزان<(1) قائلاً: وعن بعضهم أنَّ في قوله: {مِنْ وَرَائِهِمْ} تلويحاً إلى أنَّهم اتّخذوا الله وراءهم ظهريّاً، وهو مبني على أخذ (وراء) بمعنى (خلف).
إلّا أنَّ هذا المعنى فرع ظهور الآية في ذلك، وهو مفقودٌ، بل الآية في صدد الإشارة إلى حادثةٍ خاصّةٍ وواقع مخصوصٍ، أي: تتحدّث عن واقع الحال عند الله تعالى.
****
قوله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ}:
القرآن معروفٌ، و(مجيد) بمعنى (عظيم) كما سبق، وبه فسّرهُ في >الميزان<(2)، خلافاً للآيات السابقة، فراجع.
وإنَّما الكلام في مرجع الضمير (هو) والوجه في الإضراب بـ(بل).
أمّا الضمير ففيه عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: رجوعه إلى القرآن، كما عليه المشهور(3) وصاحب >الميزان<(4).
إن قلت: يلزم من ذلك التكرار حينئذٍ؛ إذ المراد: بل القرآن قرآنٌ مجيدٌ.
قلت: يمكن الجواب عنه دفاعاً عن المشهور من وجوهٍ عدّةٍ:
1. أنَّ المراد من مرجع الضمير هو القرآن، فهو المبتدأ، والخبر هو القرآن
ــــــ[377]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 254، تفسير سورة البروج.
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) أُنظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 303، تفسير سورة البروج، الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل 4: 733، تفسير سورة البروج، وغيرهما.
(4) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
العظيم، فالغرض وصفه بالعظمة.
إن قلت: لماذا لم يقل: (بل القرآن عظيمٌ أو مجيدٌ)؟
قلت: ذلك أبلغ في المطلوب وأوجه في الغرض من الناحية النفسيّة، مع أنَّ فيه نحواً من الاحترام والتعظيم. ولو قال: (القرآن عظيم) لما أنتج هذه النتيجة.
2. ليس المراد هنا القرآن بمعنى القرآن الملفوظ في الآية، بل المراد به الصفة، فيكون المبتدأ هو القرآن بالمعنى المصطلح عليه، والخبر هو الصفة، كما أفاده في >الميزان< بقوله: بل القرآن كتابٌ مقروءٌ عظيمٌ في معناه غزيرٌ في معارفه(1).
3. أنَّه بعد التنزّل عن الوجهين السابقين نقول: إنَّه يكفي في التغاير اختلاف التعبير وإن اتّحد المعنى، والمبتدأ هنا هو الضمير (هو)، لا لفظ القرآن حقيقةً، فلا استيحاش ولا قبح في البين، ونظيره في العرف أن نقول: (زيدٌ أبو محمّد) مع أنَّ المراد واحدٌ.
الثانية: أنَّ الضمير يرجع إلى واقع القرآن وحقيقته لا إلى ظاهره، والمراد من واقعه المرتبة العظيمة التي نزل منها، وهي ليست من الوضوح بمكانٍ لكلّ أحدٍ؛ لأنَّ العرف يفهم منه خصوص ما هو مكتوبٌ بين الدفّتين. وأمّا ذلك الوجود النوري فقد لا يُطلق العرف عليه أنَّه قرآنٌ؛ لجهله به البتّة. والضمير (هو) يفيد الاحترام مع إرادة الكتمان والهيبة، كما أنَّ التعبير بالقرآن هنا يدلّ على التعظيم والمجد أيضاً.
ــــــ[378]ــــــ
(1) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الثالثة: أنَّ الضمير يرجع إلى عالم الإمكان كلّه، أي: ما سوى الله تبارك وتعالى، أي: باب الله الدالّ على قدرته التامّة وتدبيره، وإنَّما يدرك ذلك بالتأمّل في الآيات الآفاقيّة والأنفسيّة، لا بقراءة حروفه وألفاظه محضاً. فالقرآن إذن فيه من الأسرار والحقائق ما تخفى على أهل الشرع من ذوي المستويات السافلة، بل فيه الموجودات العليا وأنوار المعصومين^.
والغرض: أنَّ الآية تريد أن تقول: ذلك هو القرآن المجيد العظيم، لا الكتاب الذي بين أيديكم محضاً.
وأمّا الإتيان بـ(بل) للإضراب فالغرض منه أحد أُمورٍ:
الأوّل: ما أفاده السيّد الطباطبائي+ بقوله: إضرابٌ عن إصرارهم على تكذيب القرآن، والمعنى: ليس الأمر كما يدّعون، بل القرآن كتابٌ مقروٌّ عظيم في معناه …(1).
أقول: هذا مبني على ما فهمه+ من: أنَّ المراد بالذين كفروا قوم النبي’، وهم المخاطبون بالقرآن، فهو إضرابٌ من التكذيب إلى التصديق، وليس المراد بالذين كفروا الكفّار المشار إليهم آنفاً أو مطلق الكفّار الظالمين.
الثاني: أنَّ الغرض الإشارة إلى سائر ما أفاده في القرآن الكريم كلّه، لا خصوص الآية أو السورة محلّ البحث؛ لصدق القليل والكثير منه على القرآن؛ فإنَّ الآية وحدها قرآنٌ بوجهٍ، وكذا السورة، نظير الماء الذي قليله وكثيره ماءٌ، وعليه فما قيل فيه من إخبارٍ وإنشاءٍ صادقٌ صحيحٌ بلا ريبٍ؛ لاستحالة تطرّق الكذب والباطل إليه.
ــــــ[379]ــــــ
(1) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الثالث: أنَّ المراد الآيات الآفاقيّة العظيمة التي يجب الوقوف عندها والتدبّر فيها، مع أنَّها لا تنحصر في النجوم والسموات والأرض والأشجار، بل القرآن أيضاً من الآيات الآفاقيّة، فهو مصداقٌ وحلقةٌ من الآيات الآفاقيّة العظيمة التي يجب قراءتها والتفكير فيها، فيلزم التأمّل فيه والتعلّم عبر آياته وحقائقه.
****
قوله تعالى: {فيِ لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}:
نقول: إن كان (محفوظ) مجروراً كان وصفاً للوح بلا كلامٍ؛ لأنَّه تابعٌ لما قبله في الإعراب والحركات. وإن كان مرفوعاً فهو مبتدأ مؤخّرٌ خبره (في لوحٍ). ثُمَّ إنَّه لو كان مجروراً كانت النسبة ناقصةً؛ لأنَّه حينئذٍ صفةٌ، ولو كان مرفوعاً كانت النسبة تامّةً؛ لأنَّها تشتمل على موضوعٍ ومحمولٍ. وعلى كلا التقديرين يصلح أن يكون اللفظ (محفوظٍ) نعتاً لما قبله، أي: شبه الجملة من الجار والمجرور نعتٌ ثانٍ للقرآن في قوله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ}، أي: قرآنٌ مجيدٌ وقرآن محفوظٌ في اللوح.
وقد تقدّم: أنَّ الآية التي نزلت على رسول الله’ كذلك: {فيِ لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}، أي: بالوقف والسكون، ولا يتعيّن الرفع أو الجرّ في المقام، مع أنَّ الأرجح والأفصح هو السكون في نهايات الآيات، بل الأرجح في مطلق الوقف هو السكون؛ لأنَّه موضع الوقف. ومع نزول الوحي بالسكون لا يتعيّن المراد، بل قد يتردّد بين الجرّ والرفع، ولا يُقال حينئذٍ: إنَّه مضافٌ إليه أو مبتدأٌ مؤخّرٌ، مع وضوح أنَّ الإعراب يتوقّف على وضوح المعنى، فيكون مجملاً.
وأمّا من ناحية المعنى فيختلف الحال باختلاف الإعراب على وجهين:
ــــــ[380]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الأوّل: ما عليه فهم المشهور المطابق للقراءة المشهورة(1)، أعني: قراءة حفصٍ عن عاصمٍ بالكسر في قوله تعالى: {فيِ لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} فيكون إشارةً إلى اللوح المحفوظ المعهود عند المتشرّعة والذي أشارت إليه الروايات بأنَّ القرآن الحكيم محفوظٌ فيه. والوجه فيه: أنَّ اللوح المحفوظ فيه كلّ الحوادث والأُمور والحقائق، ومنها القرآن الكريم.
الثاني: أن يُراد به الإشارة إلى مرتبته التي نزل منها – وهذا إلى حدٍّ ما معنىً باطني – فإنَّه عندما نزل لم ينفصل عن تلك المرتبة السامية، بل له نحو تعلّقٍ وارتباطٍ به، كارتباط الإنسان وتعلّقه بروحه وعقله، وكارتباط الظاهر والباطن؛ إذ كلّ ظاهرٍ مرتبطٌ بباطنه. ومع نزوله كان له وجودان: ظاهري هو الكتاب اللفظي، وباطني هو تلك المرتبة السامية، نظير انقسام الإنسان إلى روحٍ وجسدٍ. فالكتاب ينقسم إلى ألفاظٍ ومعانٍ، كما له وجودٌ واقعي، وليس القرآن بما هو مفهومٌ عندنا هو القرآن بالمعنى الواقعي التامّ عند الله؛ فإنَّ ما عند الله باقٍ وما عندنا نافدٌ(2).
ويشهد له: أنَّ ذلك الوجود الواحد محفوظٌ هناك، بخلاف هذا الوجود المتعدّد بعدد نسخ الكتاب، مع أنَّها قابلةٌ للتلف، بخلاف تلك النسخة المحفوظة في اللوح. ولا يخفى: أنَّه مع اقتراب علامات الساعة وآخر الزمان يموت البشر وتتعرّض نسخ القرآن كلّها إلى التلف، إلّا أنَّ القرآن بوجوده الحقيقي باقٍ مبرّءٌ عن التلف. وعليه يكون المراد من اللوح حفظ القرآن في تلك المرتبة العليا السامية منه.
ــــــ[381]ــــــ
(1) أُنظر: معجم القرآت القرآنيّة 8: 108، سورة البروج.
(2) إشارةٌ إلى قوله تعالى: { مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [سورة النحل، الآية: 96].
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ولعلّه يمكن هنا تطبيق كلتا القرائتين، أعني: (في لوحٍ محفوظٍ) و(في لوحٍ محفوظٌ) على أن يكون المراد من القراءة بالضمّ (في لوحٍ واقعه محفوظٌ) وهو أوضحٌ في الدلالة من قراءتها بالكسر، وإن كان المراد منها – أي: القراءة بالكسر- أيضاً أنَّه محفوظٌ في تلك المرتبة العليا والموصوفة بكونها محفوظةً.
ثُمَّ إنَّه يمكن التوفيق بين هذين الوجهين والمعنيين؛ لأنَّ اللوح المحفوظ الذي يفهمه المتشرّعة يضمّ اللوح المحفوظ للقرآن؛ لأنَّه جزءٌ منه، فعلى ذلك فالقرآن محفوظٌ في مرتبته العليا وأيضاً محفوظٌ في اللوح الأصلي، فلا تنافي بين المعنيين.
وقد يُراد باللوح أيضاً – كأُطروحةٍ- الورق الذي يُكتب عليه القرآن الكريم، فتكون كتابته محفوظةً فيه أو عليه بلا فرقٍ؛ لاستعمال الحروف في محلّ بعضها الآخر بلا إشكالٍ. وقد يُقال أيضاً: إنَّ المراد من حفظه حفظ ذلك الورق واللوح من التغيير والتبديل.
ويُلاحظ عليه أُمورٌ:
الأوّل: أنَّ الظاهر من الآية هو أنَّه قرآنٌ واحدٌ في لوحٍ محفوظٍ، وما هو موجودٌ على الورق متعدّدٌ بتعدّد نسخه، فيندفع الاحتمال من رأسٍ.
الثاني: أنَّ القرآن المنسوخ على الورق غير محفوظٍ حقيقةً، مع أنَّه قد يتلف قبل يوم القيامة.
إن قلت: إنَّ المراد به الحفظ في الجملة، أي: ليس الحفظ إلى أبد الآبدين، بل الحفظ لمدّةٍ طويلةٍ.
قلت: ظاهر الآية الحفظ المطلق، لا مطلق الحفظ، كما إليه الإشارة بقوله تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ}(1).
ــــــ[382]ــــــ
(1) سورة النحل: الآية: 96.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
إن قلت: ليس المراد حفظ الورق، بل حفظ المعاني عن التحريف والتغيير.
قلتُ: إن أُريد به حفظ المعاني في واقعها رجع إلى المعنى المتقدّم، أي: في واقعها عند الله تعالى. وإن أُريد الحفظ في الدنيا فهو خلاف الواقع؛ لتعدّد التأويلات المخالفة للواقع له وتكثّر الشبهات الواردة عليه.
الثالث: أنَّ التعبير القرآني للوح بالمفرد لا يناسب التفسير المارّ الذكر؛ إذ سيكون له ألواحٌ متعدّدةٌ وأوراقٌ متكثّرةٌ، وإذا كان اللوح في الآية مفرداً، دلّ على أنَّ المراد لوحٌ آخر غير ما ذُكر.
الرابع: أنَّنا لو قرأنا (محفوظٍ) بالجرّ كان ظاهره اللوح الإلهي المحفوظ، لا الورق المحفوظ في اللوح، أي: (محفوظ) نعتٌ للوح. وإن قرأناه بالرفع
كان ظاهره أنَّه في لوحٍ وأنَّه محفوظٌ، فهاهنا قيدان يقيّد أحدهما الآخر، أي: هو محفوظٌ، وحفظه في اللوح بهذا المعنى.
أو قل: إنَّه محفوظٌ بسبب اللوح، مع أنَّه من الواضح أنَّ الأوراق تحفظه لمدّةٍ طويلةٍ من الزمن.
نعم، يرى المشهور أنَّ المراد حفظه عن التحريف(1)، وهذا مّما لا ارتباط له بالورق، فيكون القيدان منفصلين عن أحدهما الآخر، مع أنَّ الآية ظاهرةٌ في التقييد بحسب السياق.
ــــــ[383]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير القرآن العظيم (لابن كثير) 8: 366، تفسير سورة البروج، زاد المسير، في علم التفسير 4: 427، تفسير سورة البروج، مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 711، تفسير سورة البروج، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ــــــ[384]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
فهرس الكتاب
سورة الغاشية…..7
أطروحات في تسميتها…..7
قوله تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ:…..7
أُطروحات أُخرى للغاشية…..11
ما معنى خَاشِعَةٌ…..13
معنى الإستفهام في قوله تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ…..16
قوله تعالى: لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ * لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ…..18
أُطروحات في سبب ترك الألف واللام في(ضريع)…..21
قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ…..24
أُطروحات في معنى (الناعمة)…..26
قوله تعالى: لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ…..29
الاحتمالات المتصوّرة في قوله تعالى: لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ…..30
قوله تعالى: فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * … * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ…..32
…..[385]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
معنى العلوّ في قوله تعالى: فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ…..32
قوله تعالى: أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كيف خلقت…..34
ما العلاقة بين الإبل والسماء والجبال والأرض…..34
مستويات في ذكر الإبل…..36
نوع الإستفهام في قوله تعالى: أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ…..40
لماذا اختار الاستفهام بـ(كيف) في قوله: كَيْفَ خُلِقَتْ…..41
لماذا اختار حرف الجر في تعديته وقال:(إِلَى الإِبِلِ)…..42
قوله تعالى: وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ…..43
الألف واللام في(السَّمَاءِ) للفرد أم للجنس…..43
كيف ينظر الناس السماوات مع كونها مجرّدة…..44
قوله تعالى: وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ…..45
مناقشة ما أفاده صاحب (الميزان) من تعريف الجبال.. …..45
مناقشة فهم المتشرّعة حول علّة خلق الجبال.. …..45
لماذا قال الله تعالى: وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا…..47
مناقشة ما أفاده السيد الطباطبائي من صفات الجبال . …..48
قوله تعالى: وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ…..52
سؤال في معنى التسطُّح…..53
قوله تعالى: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسيْطِرٍ…..55
…..[386]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
ما هي المادّة اللغوية لكلمة (مضيطر)…..55
قوله تعالى: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ…..56
مناقشة (دفع دخل) للسيد الطباطبائي مرتبط بفهم الآية…57
قوله تعالى: فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ…..59
مناقشة السيد الطباطبائي في المراد من العذاب. …..59
قوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ…..63
ما المراد من الرجوع إليه سبحانه…..64
لماذا قدّم لماذا قدّم (إلينا) و(علينا)…..67
هل الحساب مترتّبٌ على مواجهته سبحانه…..71
سورة الأعلى…..75
أطروحات في تسميتها…..75
قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى…..76
حول بيان المراد من التسبيح…..79
حول دلالة الهيئة على الوجوب أو الاستحباب. …..84
لماذا لم يقل (سبّح ربّك الأعلى)…..85
(الأعلى) صفة لأيّ شيء…..86
إشكال أن أمر التسبيح من تحصيل الحاصل.. …..91
هل يوجد أرباب غير الله حتّى يقول: (ربّك الأعلى).. …..91
…..[387]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى…..93
مناقشة ما أفاده الطباطبائي في معنى التسوية.. …..93
قوله تعالى: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى…..96
بيان معنى التقدير…..96
هل التسوية والتقدير بمعنى واحد…..97
تعقيب على كلام السيّد الطباطبائي…..100
أنحاءٌ من الهداية.. …..102
قوله تعالى: وَالَّذِي أَخْرَجَ المرْعَى…..104
قوله تعالى: فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى…..105
البحث عن قوله تعالى: أَحْوَى…..107
الفاء في قوله تعالى: فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى…..109
ما الفاعل في قوله جَعَلَهُ…..109
قوله تعالى: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى* صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى…..110
لماذا عبر هنا بالصحف وفي موضع آخر بالألواح…..111
سورة الطارق…..117
أطروحات رئيسية في تسميتها…..117
قوله تعالى: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ…..117
…..[388]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
أطروحات في معنى: (الطارق)…..120
قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ…..123
قوله تعالى: النَّجْمُ الثَّاقِبُ…..123
الألف واللام في (النجم)…..125
لماذا قال: النَّجْمُ الثَّاقِبُ…..127
أطروحات في وصف النجم بـالثَّاقِبُ…..128
قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ…..132
مناقشة (لَـمّا) و(لَما) في فهم معنى الآية.. …..132
جملة من معاني النفس…..137
معنى (حافظ)…..138
مَن هو فاعل الحفظ…..138
قوله تعالى: فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ…..143
لماذا جاء بـ(الفاء) فقال: (فلينظر)…..143
قوله تعالى: خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ…..151
بيان المراد من قوله تعالى: مَاءٍ دَافِقٍ…..152
مناقشة ما أفاده صاحب الميزان في تفسير(الماء الدافق)…..153
ما جهة ارتباط خلق الإنسان بالماء المعروف…..153
نقاش في فهم قوله:وَجَعَلْنَا مِنْ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ…..154
…..[389]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ…..163
مناقشة ما أفاده الراغب في معنى(الترائب)…..165
لماذا وصفت الحور العين بكونهنّ أتراباً…..166
مناقشة الشبهة الأولى في عدم دخل الترائب في نزول ماء الرجل…169
مناقشة الشبهة الثانية في التعارض بين الطب القديم والمفسّرين والعلم الطبيعي المعاصر…..172
مناقشة فهم المشهور من الآية بوجود ماءين مع أنَّ عنوان الماء ورد مفرداً…..177
قوله تعالى: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ…..178
إشارة إلى الضميرين الغائبين في الآية إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ…..180
قوله تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ…..188
فهم مادّة أبلى في الآية يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ…..190
في بيان ما هو المراد من السرائر…..190
لماذا عبّر بالـ(السرائر) ولم يعبّر بالمفرد (السريرة)…..192
هو المراد من يَوْمَ…..193
أُطروحات في فهم قوله تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ…..194
مناقشة صاحب الميزان فيما نقله عن تفسير القمّي…..198
قوله تعالى: فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ…..203
…..[390]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
التنبيه بأمور على فهم صاحب الميزان من هذه الآية…..203
هل النسق القرآني ووحدة السياق محفوظٌ هنا أو لا…..205
قوله تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْداً…..209
فهم ما هو معنى الكيد…..210
أُطروحات في فهم الكيد…..212
المراد من كيد الله في قوله: وَأَكِيدُ كَيْدًا…..214
أطروحات في فهم المراد بخير الماكرين…..214
مستويين في فهم تكرار(كيداً)…..217
قوله تعالى: فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً…..218
ما الفرق بين مهل وأمهل…..220
النظر إلى مادّة (مهل)…..220
أطروحات عن وجه تكرار مادّة المهل…..221
تفسير الفاء في قوله تعالى: فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ…..222
قوله: رويداً…..224
سورة البروج…..231
أسماء السورة…..231
قوله تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ…..231
الفرق بين الفلك والبرج…..236
…..[391]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
مناقشة ما أفاده السيد الطباطبائي بالإقسام بالسماء المحفوظة بالبروج…241
قوله تعالى: وَالْيَوْمِ الْموْعُودِ…..243
هل اليوم الموعود هو خصوص يوم القيامة…..243
الواو في قوله تعالى: وَالسَّمَاءِ…..245
قوله تعالى: وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ…..246
تقسيم الشهادة…..246
أوضح المصاديق للشاهد والمشهود ثبوتاً…..254
جواب القسم في قوله تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ…..256
قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ…..259
قوله تعالى: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ…..264
كيف يتمّ حرق المؤمنين بالنار مع عدم صلاحيّة أجسامهم للوقود…..266
قوله تعالى: إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ…..268
أُطروحتان في مرجع الضمير في (هم)…..269
قوله تعالى: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ…..272
مادّة الكلمة (نقم)…..273
لِمَ لم يقل: العلّي الكبير بدل استعمال الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ…..275
الحكمة من ذكر الأسماء الحسنى في الآيات الكريمة…..276
قوله: الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ…..276
…..[392]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
الوجه في اختيار لفظ العزيز…..281
الوجه في اختيار لفظ الحميد…..282
قوله تعالى: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ…..283
قوله تعالى: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ…..285
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ …..289
المراد بـ(فتنوا)…..289
تقسيم الشيخ المظفّر للأسباب…..290
المراد من سدّ باب التوبة مع ظهور الإمام…..292
لماذا ذكر لفظ العذاب مع إمكان الاكتفاء بجهنّم…..292
كيف فصل بين عذاب جهنّم وعذاب الحريق…..294
إعراب قوله: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الُمؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ…..297
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ…..301
قوله: الصَّالِحَاتِ…..303
سؤال عن الجمع في قوله: الصَّالِحَاتِ…..305
قوله تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ…..307
أُطروحات في سبب ذكر(ربّك) دون (الله)…..309
قوله تعالى: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ…..310
المراد من يُبدِئُ ويُعيد…..310
…..[393]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
التعبير بقوله تعالى: يُبْدِئُ…..312
مناقشة في بعض القراءات الشاذّة…..314
وجه الارتباط بين الوصفين (يبدئ ويعيد)…..316
الغرض من التعبير بـ(هو) في قوله: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ…..317
قوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ المَجِيدُ…..319
اضطراب المفسرين في تفسير قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ…..324
لماذا عبّر بالودود في الآية…..325
الهاء في قوله: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ…..328
(هو) في قوله: وهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ…..328
ذو) في قوله تعالى: ذُو الْعَرْشِ المَجِيدُ…..328
التنبيه على أُمورٍ…..329
معنى العرش…..329
وجه افتخار الله بالعرش مع علوّ ذاته…..329
معنى المجيد…..329
إعراب (المجيدُ)…..360
قوله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ…..363
قوله تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ…..364
لماذا عبّر عن فرعون وثمود بالجنود في الآية…..364
…..[394]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث
لماذا سُمّي المجتمع باسم المفرد كفرعون وثمود…..366
وجوه إعراب قوله تعالى: فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ…..366
الغاية من الاستفهام في قوله تعالى:هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ…..367
قوله تعالى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ…..368
قوله: في تَكْذِيبٍ…..369
لماذا قال: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ…..370
قوله تعالى: وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ…..371
في قوله: (محيط)…..371
قوله: مِنْ وَرَائِهِمْ…..374
قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ…..377
الكلام في مرجع الضمير (هو) والوجه في الإضراب بـ(بل)…..377
الغرض من الإتيان بـ(بل) للإضراب…..379
قوله تعالى: فيِ لَوْحٍ مَحْفُوظٍ…..380
…..[395]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الثالث