أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
منة المنان في الدفاع عن القرآن/ ج4

منة المنان في الدفاع عن القرآن
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف
مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الرابع
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
ــــــ[3]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (19) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
ــــــ[5]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع

سورة الانشقاق
قبل الدخول في أبحاث سورة الانشقاق نذكر أُطروحات التسمية، كما التزمنا ذلك في السور السابقة.
[أطرو حات في تسميتها]
وإليك عدّة أُطروحاتٍ في تسمية السورة:
الأُطروحة الأُولى: أن نسمّي السورة باسم الآية الأُولى منها، أي: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ}(1)، كما هو المعمول به في بعض المصاحف(2)؛ فإنَّ جملةً من المصاحف تسمّي أجزاء القرآن باسم الألفاظ الأُولى للجزء.
الأُطروحة الثانية: أن نسمّيها بـ(الانشقاق)، وهذا الاسم مأخوذٌ من مادّة (انشقّت) المذكورة في أوّل السورة.
الأُطروحة الثالثة: أن نسمّيها باسم السورة التي ذُكر فيها الانشقاق، على الأُسلوب والطريقة التي سار عليها الشريف الرضي+(3).
فإن قلت: لِمَ لمْ يُذكر فيها كلمة (الانشقاق) وإنَّما قال: {انشَقَّتْ}؟
قلنا: إنَّ الإنشقاق من مادّة (انشقّت)، أو بتعبيرٍ عرفي: إنَّ هذا المعنى يتحصّل من الآية الأُولى، وهذا يكفي، خاصّةً بعد الالتفات إلى أنَّ المادّة معنىً
ــــــ[7]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآية: 1.
(2) إنَّ هذا المعنى هو المعمول به في أكثر المصاحف، فسمّوا المعوّذتين طبقاً للألفاظ الموجودة في الآية الأُولى منهما، وكذا سورة الكوثر والتوحيد وغيرهما.
(3) أُنظر: حقائق التأويل في متشابه التنزيل 5: 1، السورة التي يُذكر فيها آل عمران.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
مصدري، وهذا ما عليه المشهور أيضاً.
وقد ذكرتُ: أنَّ معنى المواد غير معنى المصدر، وهذا صحيحٌ في كونها معنىً مصدريّاً، فانشقّت مادّتها الانشقاق بنفسه، وليس شيئاً آخر، غاية ما في الأمر أنَّ الهيئة تختلف لا المادّة.
الأُطروحة الرابعة: أنَّ نسمّيها باسم رقمها في المصحف، أي: (84).
****
قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ}:
إنَّ >إذا< الواردة في الآية الشريفة تصلح أن تكون على أربعة أشكالٍ:
الأوّل: أن تكون شرطيّةً، وهذا ما سلّم به العكبري(1).
الثاني: أن تكون ظرفيّةً.
الثالث: أن تكون زائدةً.
الرابع: أن تكون شرطيّةً وظرفيّةً في نفس الوقت، وهذا ما عليه المشهور(2).
والنحويّون لا يعتبرون: أنَّ هناك تنافياً بين الشرطيّة والظرفيّة، أي: يمكن أن تأتي شرطيّةً وظرفيّةً في نفس الوقت.
وعليه: فقد يُقال: إنَّها ظرفيّةٌ غير شرطيّةٍ.
وتارةً نتصوّرها شرطيّةً وظرفيّةً معاً، كما يرتضيه أهل النحو، وأُخرى نتصوّرها شرطيّةً غير ظرفيّةٍ، وثالثة نتصوّرها زائدةً.
ــــــ[8]ــــــ
(1) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 284، سورة الانشقاق.
(2) أُنظر: إعراب القرآن الكريم 3: 431، سورة الانشقاق، إعراب القرآن وبيانه 10: 424، سورة الانشقاق، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فيكون المجموع أربعة أشكالٍ.
فهي ظرفيّةٌ بالنسبة إلى ما قبلها أو إلى ما دخلت عليه، وشرطيّةٌ بالنسبة إلى ما بعدها أو إلى مدخولها، ما شئت فعبّر.
وفي حال كونها شرطيّةً، فلابدّ أن يكون لها فعل الشرط وجواب الشرط.
أمّا جملة فعل الشرط فهي مذكورةٌ، وهي قوله تعالى: {السَّمَاءُ انشَقَّتْ}(1)، وإن كان ذلك مشكلاً في بعض الوجوه؛ لأنَّها جملةٌ اسميّةٌ لا فعليّةٌ، ولكن سوف تأتي مناقشة ذلك.
[أطروحات في جواب الشرط لقوله: (إذا السماء انشقت)]
وأمّا جواب أو جزاء الشرط فهنا عدّة أُطروحاتٍ ذكرها العكبري، نذكرها ونضيف عليهما:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ جواب الشرط هو {وَأَذِنَتْ} والواو زائدةٌ، فيكون التقدير: (إذا السماء انشقّت أذنت لربّها)(2).
الأُطروحة الثانية: أنَّ جواب الشرط محذوفٌ، وتقديره: يُقال: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ}(3)(4).
الأُطروحة الثالثة: وقيل التقدير: بعثتم أو جوزيتم، ونحو ذلك ممّا دلّت عليه السورة(5).
ــــــ[9]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآية: 1.
(2) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 284، سورة الانشقاق.
(3) سورة الانشقاق، الآية: 6.
(4) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 284، سورة الانشقاق.
(5) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 284، سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أي: إنَّه موجودٌ تقديراً لا لفظاً؛ لأنَّنا إذا بحثنا في الألفاظ لا نجد جزاءً، إذن فهو موجودٌ تقديراً.
الأُطروحة الرابعة: أنَّ (إذا) مبتدأ و(إذا الأرض) خبره، والواو زائدةٌ، كما حُكي عن الأخفش(1).
الأُطروحة الخامسة: أنَّها لا جواب لها(2). والظاهر من هذا الكلام أنَّها لا تحتاج إلى جوابٍ، أي: إنَّ استحقاقها عدم الجواب، والتقدير: (أُذكر إذا السماء انشقّت)، أي: أُذكر قدرة الله وتدبيره وقهره لعباده.
الأُطروحة السادسة: ما ذهب إليه السيّد الطباطبائي+ من: أنَّ الجزاء محذوفٌ، يدلّ عليه قوله: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ}(3)، والتقدير: لاقى الإنسان ربّه، فحاسبه وجازاه على ما عمل(4). فيكون المعنى: إذا السماء انشقّت لاقى الإنسان ربّه.
ويبدو من ذوق السيّد الطباطبائي+: أنَّ سياق الآيات هنا لها جواب شرطٍ؛ لأنَّ جميعها يعود إلى معنىً واحدٍ، أي: إذا حصل يوم القيامة، فتعود كلّ أفعال الشرط إلى محصّلٍ واحدٍ، فتكون بمنزلة الفعل الواحد، ويكون جوابه واحداً.
أو نقول: إنَّ جميعها يتكرّر لها نفس الجواب، إذا اعتبرناها متعدّدةً من هذه الناحية.
ــــــ[10]ــــــ
(1) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 284، سورة الانشقاق.
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) سورة الانشقاق، الآية: 6.
(4) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 241، تفسير سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأُطروحة السابعة: أن يكون فعل الشرط هو عالم الثبوت والجزاء هو عالم الإثبات، ولا ينبغي أن نخشى من هذه العبارة، بمعنى: إذا وقع الشيء ثبوتاً علمنا به إثباتاً، فيكون التقدير: (إذا السماء انشقّت فسوف تعلمون بذلك وترونه). هذا كلّه إذا اعتبرنا (إذا) شرطيّةً بحاجةٍ إلى جوابٍ.
وفي مقابل (إذا) الشرطيّة القول بأنَّ (إذا) ظرفيّةٌ غير شرطيّةٍ أو زائدةٌ، والمراد بذلك مجرّد الإخبار عن حصول مدخولها، وهو الانشقاق في الآية الأُولى وما بعدها.
وممّا يرجّح ذلك – أي: كونها ظرفيّةً لا شرطيّةً- كونها داخلةً على جملةٍ اسميّةٍ، مع أنَّ مقتضى القاعدة دخولها على جملةٍ فعليّةٍ، كما في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}(1) وقوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ}(2)، فلماذا هنا دخلت على الاسم؟
فإن قلت: إنَّ المشهور يقدّر وجود فعلٍ من جنسه(3) والتقدير: (إذا انشقّت السماء انشقّت)، ولربما يُلاحظ في بعض الكتب نظير ذلك(4). وليس المقصود بالثانية جواب الشرط، بل هو تكرارٌ لما في السورة.
ومعه فلا يكون جواب الشرط (انشقّت) الثانية؛ لأنَّه تكرارٌ لما في
ــــــ[11]ــــــ
(1) سورة النصر، الآية: 1.
(2) سورة الواقعة، الآية: 1.
(3) أُنظر: إعراب القرآن الكريم 3: 431، سورة الانشقاق، إعراب القرآن وبيانه 10: 424، سورة الانشقاق، وغيرهما.
(4) أُنظر: إعراب القرآن وبيانه 10: 424، إعراب القرآن الكريم 3: 431، إعراب القرآن 1: 37، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
السورة، وكان ينبغي الاقتصار على واحدةٍ منهما، ولذا قالوا: التقدير: (إذا انشقّت السماء)، لا أنَّه يقول: (إذا انشقّت السماء انشقّت)، أي: بتكرار كلمة (انشقّت)، نحو قولنا: إذا انشقّت السماء واذا مدّت الأرض ونحو ذلك.
قلتُ: إنَّ هذا التأويل خلاف الظاهر؛ فإنَّ واقع القرآن هنا هو كون الجملة اسميّةً، وهذا يكون قرينةً غير قطعيّةٍ على أنَّ (إذا) ليست شرطيّةً، وإنَّما هي ظرفيّةٌ، وأنَّ المراد هو مجرّد الإخبار عن حصول هذه الأُمور أيّاً كان معناها.
[المصلحة في مجيء الجملة الإسميّة بعد إذا]
وما ندركه من المصلحة في ذلك – أي: في مجيء الجملة الاسميّة بعد إذا- عدّة أُمورٍ:
الأوّل: الحفاظ على نسق الآيات، مع وجود الحكمة في أن تسير كذلك في مستقبل الكلام؛ فإنَّه لو عكس اللفظ لفسد النسق، فلو قال: (إذا انشقّت السماء وإذا الأرض مدّت)، أو قال: (إذا انشقّت السماء وإذا مدّت الأرض)، لفسد النسق الذي هو نهاية الآيات.
الثاني: الحفاظ على وحدة السياق اللفظي في باب الآيات، وهذا ما أكدّتُ عليه في عدد من المواضيع أيضاً؛ فإنَّ الإخلال بالسياق اللفظي كذلك يُفسد المراد.
الثالث: قصد التركيز والإلفات إلى الكلام، يعني: أيّها السامع التفت إلى ما هو متقدّمٌ لفظاً، كما هو معمولٌ به حتّى في الإعلام؛ لأنَّه يؤثّر في النفس.
فهنا يُراد الإلفات إلى السماء، أي: إنَّ موضوع كلامنا هو السماء، وبعد ذلك يُؤتى بمحمولها أو بمحمولات أُخرى حولها أو غير ذلك. ولذا نُسب إليها فعلان متتابعان: (انشقّت) و(أذنت)، ولو كان قد قدّم الفعل الأوّل
ــــــ[12]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
-انشقّت- على(السماء) لتأخّر لفظ (السماء) وكان وسطاً بين فعلين، وعليه يفسد السياق اللفظي.
وربما يُقال: إنَّ قوله: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} يرجع إلى الأرض لا إلى السماء، وسيأتي الحديث عنه في محلّه إن شاء الله تعالى.
ثُمَّ إنَّ الشِقّ اسم مصدرٍ، والشَقّ مصدرٌ الذي هو بمعنى الحالة الحادثة عند الشَق.
قال الراغب: الشِقّ الخرم الواقع في الشيء، يُقال: شققته بنصفين، قال: {ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا}(1)، {يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ}(2)، {وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ}(3)، {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ}(4)، {وَانْشَقَّ الْقَمَرُ}(5)(6).
أقول: إنَّ الشِقّ إذا حصل فقد ينفصل الجزءان تماماً ولا يبقى بينهما محل اتصال، كما في انشقاق القمر، فإنَّه ينشقّ جزء عن جزء وينتهي الحال، أمّا حينما تنشقّ الأرض عن النبات فإنَّما ينشقّ جزء صغير ويكون الباقي كلّه متّصلاً، فالمسألة من هذه الناحية أعمّ من هذه الحصّة وتلك.
ثُمَّ قال الراغب: الشِقة القطعة المنشقّة كالنصف، ومنه قيل: طار فلان من الغضب شقاقاً، وطارت منهم شِقّةٌ، كقولك: قطع غضباً(7).
ــــــ[13]ــــــ
(1) سورة عبس، الآية: 26.
(2) سورة ق، الآية: 44.
(3) سورة الحاقّة، الآية: 16.
(4) سورة الانشقاق، الآية: 1.
(5) سورة القمر، الآية: 1.
(6) مفردات ألفاظ القرآن: 264، مادّة (شق).
(7) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فالإنسان يحسّ من الناحية النفسيّة على أنَّه حينما يغضب يكاد ينفجر، فيمثّل بما أنفجر فعلاً، وطارت قطعٌ منه في الهواء.
أقول: إنَّنا في الوقت الحاضر نسمّي جزء الدار بالشُقّة، وباللهجة العامّية نظيرها، مع أنَّ المقصود جزء الدار الذي قد يكون منفصلاً ومنشقّاً عن الدار، والصحيح أن يُقال: شِقّةٌ لا شُقّةٌ.
[أطروحات في معنى انشقاق السماء]
وفي المراد من انشقاق السماء أمران:
الأوّل: معنى انشقاق السماء.
الثاني: سبب انشقاق السماء.
والأوّل فيه عدّة أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى: أنَّها تنشقّ كما ينشقّ الثوب أو الخشب انشقاقاً مادّيّاً، وهذا غير محتملٍ؛ باعتبار أنَّ هذا لا يناسب حالها إطلاقاً، ولأنَّها ليست لوحاً مادّيّاً، كما يتصوّر الناس، فإنَّها إمّا أن تمثّل الكون الروحي، وإمّا أن تمثّل الكون المادّي، أي: هذا الموجود، وعلى كلا التقديرين لا معنى لانشقاقها.
فإن قلت: إنَّنا يمكن أن نفهم منه معنىً مجازيّاً، أي: الانشقاق على حاله معنىً مجازي، لا بالمعنى المادّي.
قلتُ: نعم، هذا ممكنٌ، إلّا أنَّ هذا ممّا نقوله في أُطروحاتٍ أُخر لا في هذه الأُطروحة، فيكون هذا الوجه ساقطاً هنا.
الأُطروحة الثانية: إنَّها تنشقّ بفتح أبوابها؛ فإنَّ فتح الباب يحدث فجوةً كشِقٍ، كما قال تعالى: {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا}(1)، كما ورد في السُنّة: أنَّ
ــــــ[14]ــــــ
(1) سورة النبأ، الآية: 19
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
للسماء أبواباً، ولأبوابها مفاتيحٌ، التي منها الدعاء، ومنها التهليل، كقولنا: لا إله إلّا الله(1)، ونحو ذلك من الأُمور.
الأُطروحة الثالثة: أنَّها تزول تماماً، فالمراد بالانشقاق الزوال، فانشقاقها عبارةٌ عن تمزّقها وزوالها، كما قد يُستفاد من آياتٍ أُخر، كقوله تعالى: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا}(2) وقوله: {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ}(3) وقوله: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ}(4) ونحوها، ولا أقلّ يكون وجودها ضعيفاً ومقارناً وشبيهاً للزوال.
الأُطروحة الرابعة: أن يحصل فيها شِقٌّ بالشكل المناسب لها، لا كشِقّ الخشب والقماش، والشكل المناسب لها إمّا أن يكون روحيّاً أو مادّيّاً، وهذا المعنى قد أشارت له عدّة آياتٍ، كقوله تعالى: {وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ}(5) وقوله تعالى: {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً}(6) وقوله تعالى: {وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ}(7) وقوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ}(8) وقوله تعالى:
ــــــ[15]ــــــ
(1) راجع بحار الأنوار 55: 66 و87، أبواب كلّيّات أحوال العالم، الباب 8، نهج البلاغة: 397، الكتاب 31، لباب التأويل في معاني التنزيل 4: 219، تفسير سورة القمر، وغيرها.
(2) سورة الطور، الآية: 9.
(3) سورة المعارج، الآية: 8.
(4) سورة المعارج، الآية: 9.
(5) سورة الحاقّة، الآية: 16.
(6) سورة المزّمّل، الآية: 18.
(7) سورة المرسلات، الآية: 9.
(8) سورة الانفطار، الآية: 1.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
{فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ}(1).
وكلّ هذه التعابير تشير إلى حادثةٍ واحدةٍ، ولكن بأساليب بلاغيّةٍ وأدبيّةٍ متعدّدةٍ.
فإن قلت -كما قد تميل إليه بعض النظريّات القديمة من المحقّقين الإسلاميّين-: إنَّه لا تكرار في القرآن، أي: إنَّه في عالم المعنى لا يوجد تكرارٌ، وإن وجد هناك تكرارٌ لفظي فيُراد به اختلاف المعنى. وهذا قريبٌ من الحدس إلى حدٍّ ما، وربما يكون بمستوى الظنّ، ولكن هل هذا الظنّ معتبرٌ؟ على أيّ حالٍ هذا بابٌ آخر. نعم، وجدت من يدافع عن هذا المنحى بشدّةٍ، والصغرى محرزةٌ باليد، وهي: أنَّ الانشقاق والانفراج والانفطار ونحو ذلك مكرّرٌ هنا، ولا يُراد به معنىً واحدٌ، وإنَّما يُراد به معانٍ متعدّدةٌ أكيداً.
قلت: إنَّنا – بحسب الظاهر- لابدّ أن نُذعن بوجود التكرار في القرآن، والتكرار اللفظي موجودٌ بكثرةٍ ووضوحٍ، كتكرار البسملة في أوّل السور، كما هو الصحيح من أنَّ البسملة جزءٌ من كلِّ سورةٍ، ونزلت أيضاً مع كلِّ سورةٍ، فقد تكرّرت البسملة 114 مرّةً في القرآن بما فيها بسملة سورة النمل طبعاً، كما تكرّر قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}(2)، بل هناك عدّة آياتٍ مكرّرةٍ من حيث لا نشعر، ولكن حينما نطالع في كشّاف الآيات نرى العجب.
فنقول: إن أمكن التكرار لفظيّاً أمكن معنويّاً: سواء كان بنفس اللفظ أم بلفظٍ جديدٍ.
فإن قلت: نسلّم بوجود التكرار اللفظي، كما نسلّم بمقدارٍ مّا أنَّ التكرار
ــــــ[16]ــــــ
(1) سورة الرحمن، الآية: 37.
(2) سورة الرحمن، الآية: 13.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
المعنوي موجودٌ أيضاً؛ إلّا أنَّ ذلك باصطلاح علم الأُصول، أي: إنَّ الجامع موجودٌ، وليس المعنى التفصيلي موجوداً، بمعنى: أنَّ المعاني التفصيليّة تختلف انطباعها النفسي والعقلي والاجتماعي ونحو ذلك. وهذا هو المراد بعدم وجود التكرار في القرآن، وليس المراد عدم تكرار أصل المعنى أو الجامع، فهذا نقبل بتكراره.
كما يُلاحظ ذلك صغرويّاً في المقام؛ لتكرّر الانشقاق والانفطار في السماء في القرآن كثيراً.
قلتُ: نعم، إلّا أنَّ هذا لا يعني أن يكون المحصّل العامّ أو المعنى اللغوي مختلفاً، بل المحصّل واحدٌ من الناحية اللغويّة ومن الناحية الأُصوليّة، أي: بلحاظ علم الأُصول، وهذا هو معنى التكرار.
نعم، إنَّما يُعذر هؤلاء الذين يقولون بعدم وجود التكرار بأنَّ فيه تفاصيل دقّيّةً يختلف بعضها عن البعض من الناحية النفسيّة والعقليّة ونحو ذلك.
وعلى أيّ حالٍ، فإن استطعنا أن نحمل (انفطرت وفرجت) على معانٍ أُخر، فهذا حسنٌ، أي: غير الانشقاق؛ فإنَّ الانشقاق بنفسه منسوبٌ إلى السماء أكثر من مرّةٍ، ولا بأس بهذا التكرار إذا كان الغرض منه التركيز والتأكيد.
الأُطروحة الخامسة: أنَّ انشقاق السماء هو عدم انشقاقها حقيقةً، وإنَّما يحصل فيها نتيجة الانشقاق من أنَّ طبيعتها متخلخلةٌ، وليست مستحكمةً، أي: إنَّها قابلةٌ لنفوذ الأشياء فيها صعوداً ونزولاً ودخولاً وخروجاً، وهذا يكفي في معنى الانشقاق، فإذا حصل إلى جنب ذلك ضعفٌ إضافي كانت المسألة أوضح من هذه الجهة، كقوله: (واهية) أو (سراباً) أو (كالمهل).
ــــــ[17]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأُطروحة السادسة: أنَّ معنى انشقاق السماء هو حصول الضعف في بعضها، وإنَّما نُسب إلى الكلّ مجازاً من باب التغليب، ومن هنا استمرّ وجود السماء باعتبار أنَّها لم تزل بالكلّيّة، وهذا هو ظاهر الآية: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ}، أي: إنَّها موجودةٌ، وإن كانت مشقوقةً، وأصبحت هذه القطعة الضعيفة بمنزلة الفرجة أو الشِقّ أو الباب، وهذا – كما قلنا- بسبب حصول الضعف في بعضها لا كلّها، وهذا الضعف أصبح بمنزلة الفرجة أو الشِقّ أو الباب.
ويكفي أن نعتبر في دنيانا هذه ثقب الأُوزون؛ إذ تقلّ أو تضعف نسبة الأُوزون في بعض مناطق الغلاف الجوّي أو الأرضي، فيصدق عليه أيضاً {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ}، وهو ليس بثقبٍ حقيقةً.
الأُطروحة السابعة: أنَّ المراد أنَّ كلّ ما يحصل من ضعف السماء أو زوالها أو أيّ شيءٍ آخر من الأُطروحات السابقة لا يحصل في عالم الخارج ولا في عالم الثبوت، وإنَّما كلّ ذلك يحصل عند الإنسان ويراه في الإحساس، بغضّ النظر عن أنَّه متحقّقٌ فعلاً في الخارج أو لا، أو قل: يحصل في علم الإنسان، بغضّ النظر عن علم الله تعالى، فعندما يحسّ الإنسان بذلك يستطيع أن يخبر عَنه، ويقول بأنَّه حصل كذا وكذا، وهذا ليس بالأمر اليسير.
إلّا أنَّ هذا الوجه خلاف الظاهر في نفسه، بل إنَّ ما هو منسوبٌ إلى الإحساس نعتبره وكأنَّه مأخوذٌ من الخارج؛ لأنَّ الإحساس إنَّما هو طريقٌ إلى الخارج، كما لو أحسستُ بأنَّي في المسجد؛ فإنَّ هذا الإحساس ليس وهماً.
وقد يوجد لبعض صور ما تقدّم شاهدٌ في القرآن الكريم، بحيث يُجعل الإحساس بالشيء كأنَّه حاصلٌ ثبوتاً، كقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ
ــــــ[18]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فَلْيَصُمْهُ}(1) بناءً على أنَّ الشهود بمعنى الرؤية، وكذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً}(2) وقوله تعالى: {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا}(3)، أي: فعلاً يصدّون.
فإذا عطفنا هذه المعاني المتعدّدة على احتمالات المراد من السماء، لُوحظ أنَّها جميعاً وردت بصيغة المفرد، أي: إنَّ كلاً من (الانفطار) و(الانشقاق) أو أيّ شيء آخر، فقد وردت جميعها بصيغة المفرد، ولم يرد في القرآن: (السماوات انفطرت أو انفرجت) أو نحو ذلك بصيغة الجمع.
ومن هنا يمكن القول: إنَّ (السماوات) فكرةٌ من السماء، بمعنى: أنَّ منشأ انتزاع عنوان السماوات – الفائق على عنوان السماء ثباتاً واحتراماً وأهمّيّةً- في القرآن من السماء المفردة، وأنَّ السماء المفردة قابلةٌ لشيءٍ من التدنّي والاختلاف، إلّا أنَّ السماوات ليس من شأنها ذلك.
لا يُقال: إذا كانت السماء قابلةً لمثل هذه الأُمور، فالمجموع أيضاً قابلٌ لمثل هذه الأُمور، وقد يكون ذلك أمراً باطنيّاً.
فإنَّه يُقال: إنَّ ما ذُكر ممنوعٌ؛ لأكثر من وجهٍ:
الأوّل: أنَّ هذا معنىً باطني، ولا يمكن أن نقيسه على الموازين الظاهريّة، بالإضافة إلى أنَّ المجموع أقوى من المفرد؛ لأنَّ كلّ سماءٍ قابلةٌ لأن يحصل فيها ذلك، كما أنَّ العصى الواحدة يكون كسرها أمراً سهلاً، وليس كذلك في حال كون العصي مجتمعةً.
ــــــ[19]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 185.
(2) سورة الملك، الآية: 27.
(3) سورة النساء، الآية: 61.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الثاني: أنَّ الألف واللام في قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ} قد يُراد منها العهد، أي: السماء المعهودة والمعروفة، كما هو الانطباع الأوّلي منها، ونحن نفهم لام العهد بالرغم من أنَّ الإنسان العرفي لا يعلم معنى العهد، وإن فهم السماء المعهودة رغماً عليه.
ويحتمل أن يُراد من الألف واللام الجنس.
فإن أُريد منهما العهد: فإمّا أن يُراد منها الطبقة الجوّيّة أو الغلاف الجوّي، أي: السماء التي بين يدينا التي يعهدها البشر، فحينئذٍ إمّا أن يُراد بها الغلاف الجوّي، أو يُراد بها السماء العرفيّة، وهي جهة العلوّ، كما ورد في كتاب >اللمعة< من أنَّ المراد بالسماء جهة العلوّ(1). وإمّا أن يُراد بها السماء الدنيا، وهي السماء المادّيّة المزيّنة بالكواكب. وإمّا أن يُراد بها السماء الأُولى من عدد السماوات السبع، والتي يُراد بها – كلّها تقريباً- شيءٌ واحدٌ، إلّا أنَّ ذلك يكون من حيثيّات وجهاتٍ مختلفةٍ، وليس شيئاً واحداً بالضبط.
ولا يُشكل في المقام؛ لوجود الاختلاف في الجهة.
وإن أُريد بها الجنس أمكن التعميم إلى عددٍ أكثر كالسبع، وإلى أجناسٍ معنويّةٍ من السماء، كسماء النفس التي هي العقل، وسماء الخلق التي هي العرش، وسماء البشريّة التي هي الولاية، وغير ذلك، ولكلٍّ منها انشقاقه وسببه، ولا يحتاج ذلك إلى تفصيلٍ.
[أطروحات في سبب الانشقاق]
وأمّا الثاني الذي هو سبب الانشقاق ففيه عدّة أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى: حصول يوم القيامة، كما عليه المشهور، بل إجماعهم
ــــــ[20]ــــــ
(1) أُنظر: الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة 1: 249، كتاب الطهارة، تعريف الطهارة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
عليه(1)، بما فيهم السيّد الطباطبائي+(2)، وأنَّ هذا ونحوه من حوادث يوم القيامة أو من مقدّماته؛ فإنَّهم من هذه الناحية في حَيرةٍ في وقت حصول ذلك قبل يوم القيامة أو خلاله، أو نسمّي يوم القيامة هو مجموع هذه الحوادث بما فيه الحشر.
وعموماً فهذه المسألة إلى حدٍّ ما مجملةٌ في أذهانهم – أعني: المشهور- فهل هي من مقدّمات يوم القيامة أو من أهواله على اختلاف تعبيراتهم وتصوّراتهم؟
الأُطروحة الثانية: أنَّ السماء تنشقّ بصعود الدعاء فيها أو بنَفَس المظلوم والمحروم.
الأُطروحة الثالثة: أنَّها تنشقّ بصعود العمل الصالح فيها، بل مطلق الأعمال، لكن يصعد بعضها للثواب وبعضها الآخر للعقاب، إلّا أنَّ المعروف متشرّعيّاً هو صعود العمل الصالح دون الطالح، وكذلك ربما يستشمّ من بعض الروايات ذلك(3). والسرُّ فيه: أنَّ الصعود نحوٌ من الكمال، وهو منتفٍ عن العمل الطالح والظالم.
الأُطروحة الرابعة: أنَّ سبب الانشقاق هو صعود ونزول الملائكة وأرواح الموتى من المؤمنين وغيرهم، فالإنسان في أوّل موته تصعد روحه إلى
ــــــ[21]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 270، جواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 567، مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 699، وغيرها.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 243-244، تفسير سورة الانشقاق.
(3) راجع الأحاديث والأخبار الواردة في البرهان في تفسير القرآن 4: 539-541، تفسير سورة فاطر، الآية: 10.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الملأ الأعلى.
ولا يُقال: إنَّ أرواح الموتى تصعد وتنزل، وإن ورد هذا في رواياتٍ(1).
والغرض: أنَّ الروح تدخل من أحد أبواب السماء، وفيها الملائكة المتحرّكون والمتغيّرون، كملائكة الليل والنهار، أو الملائكة الذين يزورون الحسين×، ولا يتكرّرون بل يصعدون ويأتي غيرهم، وهكذا إلى يوم القيامة، أو الطائفون حول الكعبة، أو الناصرون للأولياء، بما فيهم النبي’ والإمام المهدي#، وربما غيرهم {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}(2)، فأيّ شخصٍ إذا كان مخلصاً حقيقةً لله تعالى ففي الإمكان أن تنصره الملائكة.
الأُطروحة الخامسة: أنَّ سبب الانشقاق هو زوالها تماماً، وهذا يؤيّد إحدى الأُطروحات القائلة: إنَّها تزول بالفناء في الله تعالى؛ فإنَّ الفرد في درجات الكمال لا يصل إلى فناء نفسه في الله فقط، بل يصل الى درجة أن يقول: (ليس في جبّتي إلّا الله)(3)، ونحو ذلك.
بل يصل الى فناء كلّ شيءٍ في الله تعالى، وكلّما كان الشيء أقوى -وهذا
ــــــ[22]ــــــ
(1) راجع تفسير روح البيان 3: 162 و6: 260، جواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 482، مفاتيح الغيب 14: 240، وغيرها.
(2) سورة فصّلت، الآية: 31.
(3) القول المذكور لأبي يزيد البسطامي، حسبما أفاده السيّد حيدر الآملي في كتابه المقدّمات من نصّ النصوص في شرح الفصوص: 203، القسم الثاني، التمهيد الثالث، القاعدة الثانية. وراجع أيضاً الأقطاب القطبيّة: 98، القطب الثاني، الباب الثاني، القول في الأُمور المشتركة بين مبادئ هذه العوالم الثلاثة، مفاتيح الغيب: 459، المفتاح الثالث عشر، المشهد الخامس، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
دفع دخلٍ- كان الفناء أشدّ.
إن قلت: لماذا ذكرت السماء فقط، مع أنَّ الأرض أيضاً تزول بهذا المعنى، وكلّ شيءٍ يزول أيضاً: كالكواكب والبشريّة والجِنّ والإنس؟
قلت: نعم، هذا كلّه يزول، ولكن القرآن يعطي نموذجاً من أهمّ الأمثلة؛ لأنَّ السماء كأنَّما راسخةٌ وضخمةٌ في أذهان البشريّة، ولعلّه إليه الإشارة بقوله تعالى: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ}(1)، أي: تعتبرونه مهمّاً بدرجةٍ عاليةٍ جدّاً، بل إنَّ المهمّ بدرجةٍ عاليةٍ يفنى في الله تعالى.
فليس هناك شيءٌ مهمٌّ بالنسبة إلى الله – كائناً مَن كان ذلك الشيء من الشقّة إلى السماء- وهذا هو المراد بحسب فهمي، والله أعلم بما يُنزل.
وكذلك كلّما كان الشيء أكثر أهمّيّةً ورسوخاً كان أصعب على الفرد تصوّر فناءه، وإذا كان الشيء بسيطاً فلربما يفنى بسرعةٍ، والأشياء لا تفنى دفعةً واحدةً، وإنَّما تفنى تدريجاً، وهذا ينبغي أن يكون أكيداً، وكلّما كان أرسخ كان أصعب، ومن جملة الأشياء الراسخة السماء.
وقد رأيت بعض أهل الباطن يقول: إنَّ آخر ما يفنى في نظر الفرد هي أفكاره، وهذا التسلسل الذهني الذي هو خارجٌ عن اليد يتقلّب بإذن الله وفي الله.
ولكن هذا لا يدركه كلّ شخصٍ، فإذا رجعنا وجداناً إلى الذهن لا نجده ينفرد بالله أكيداً، بل نُقسم على أنَّنا مقصّرون في ذلك؛ لأنَّنا لم نصل إلى الكمال.
ــــــ[23]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 50.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}:
إنَّ هذه الآية تحتوي على عدّة مصاعب، ولكن الله سبحانه وتعالى ربما يوفقنا إلى تذليل هذه الصعوبة بعونه ولطفه.
[تطوير لغة الراغب لفهم قوله: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ]
قال الراغب: الأُذن الجارحة(1). والمقصود من الجارحة هنا ما هي بالحمل الشائع لا بالحمل الأوّلي، والألف واللام عهديّةٌ لا جنسيّةٌ، وهو عهدٌ إلى النوع لا إلى الفرد، وهذا كلّه لا تدركه عموم الحوزة.
وأضاف الراغب: وشبّه به من حيث الحلقة أُذن القدر وغيرها(2). فكأنَّ الأُذن حلقةٌ، التي هي على شبه القطرة المقلوبة، فسابقاً كانوا يضعون في القدر الحديد أو معدناً آخر له حلقةٌ لحمله تسمّى أُذناً.
وقال الراغب: أذن استمع، نحو قوله تعالى: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}(3)(4).
وفي حدود فهمي أنَّ (استمع) تعني أمرين، وليس أمراً واحداً، وهما:
الأمر الأوّل: الجهة المادّيّة، أي: سماع الصوت.
الأمر الثاني: الإطاعة، سمعت كلامك أي: أطعته، وهذا شيءٌ عدمي أكيداً، وإن كان هذا لا يرتضيه المشهور.
أقول: أودّ هنا أن أُبيّن المطلب بحسب المضمون وبلغتي؛ لأنَّي أُريد أن أُطوّر لغته -أي: الراغب- إلى اللغة الحديثة، فأقول: إنَّ هذه المادّة ترد بمعنى السماح: أذنت له، أي: سمحت له، وهذا بمعنى السماح والمشيئة، أي: أردت
ــــــ[24]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 10، مادّة (أذن).
(2) المصدر السابق.
(3) سورة الانشقاق، الآية: 2.
(4)مفردات ألفاظ القرآن: 10، مادّة (أذن).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
له وشئت له، فكأنَّما أُشير إليه بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ}(1)، أي: بسماح الله ومشيئته ورضاه، ونحوه قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ}(2) وهذا كلّه بمعنى المشيئة. ويتفرّع على كلامي هذا وكلام الراغب: أنَّ الاستئذان هو طلب الإذن، أي: طلب السماح، كالاسترباح الذي هو طلب الربح، والاستقبال الذي هو طلب المقابلة، والاستخراج الذي هو طلب الخروج، والاستئذان {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}(4) وإلَّا فالذين يؤمنون بالله مباشرةً يطيعون الأمر، ونحوه قوله تعالى: {فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ}(5). إذن فهناك معنيان متقابلان منحصران لمعنى (أذن). فقوله تعالى: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}(6) إمّا بمعنى (سمع) وإمّا بمعنى (سمح).
[مناقشة فهم المشهور من (ربّها)]
وقد فهم المشهور من (ربّها) هو الله(7)، مع أنَّه ربما يوجد (ربّ) غير الله جلّ جلاله، ولا معنى للسماح في حقّ الله سبحانه (أذنت لربّها)، أي: سمحت لربّها؛ لأنَّه عادةً بل دائماً لا يسمح الأدنى للأعلى، وإنَّما يسمح الأعلى للأدنى؛ باعتبار أنَّ الأعلى مدبّر أمر الأدنى، والله تعالى مدبّر كلّ أمرٍ.
إذن يتعيّن أن يكون بمعنى (سمع)، فكأنَّ ذلك يكون بمنزلة القرينة
ــــــ[25]ــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 100.
(2) سورة البقرة، الآية: 102.
(3) سورة التوبة، الآية: 45.
(4) سورة النور، الآية: 62.
(5) سورة الانشقاق، الآية: 2.
(6) أُنظر: الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 567، تفسير سورة الانشقاق، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 287، تفسير سورة الانشقاق، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
القطعيّة على أنَّه ليس (سمح) وإنَّما (سمع)، والذي هو بمعنى امتثال أمره وطاعته وتطبيق مشيئته {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}، أي: أطاعت أمر ربّها، وليس السماع المباشر، وهذا هو الذي عليه التسالم والإجماع(1)، بما فيهم السيّد الطباطبائي+ والراغب الأصفهاني(2).
وعلى أيّ حال فقد ظهر ممّا سبق: أنَّ المطلب يتوقّف على بيان معنى (الربّ) إن كان هو الله سبحانه أو غيره. أَلا يسمّى غير الله ربّاً، مع أنَّ كلّ صاحبٍ هو ربٌّ؟
قال الراغب: الربّ في الأصل التربية، وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حدّ التمام(3).
أقول: أُريد هنا أن أُبدّل عبارة (التربية إلى حدّ التمام) إلى (تدريجاً إلى حدّ التمام) في اللغة الحديثة، ولو على نحو الجزئيّة، والتربية تتحقّق حتّى لو امتدّت يومين أو ثلاثة لا إلى حدّ البلوغ والرشد. ولا يخطر في أذهانكم أنَّها للصغير أو للبشر مثلاً، بل يقول الراغب: (حالاً فحالاً) وليس أيّ شيءٍ آخر، فالله تعالى بهذا المعنى منشئ كلّ شيءٍ، ومربّي كلّ شيءٍ، فهو من هذه الناحية ربّ كلّ شيءٍ.
ــــــ[26]ــــــ
(1) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 72، تفسير سورة الانشقاق، الجامع لأحكام القرآن 20: 270، تفسير سورة الانشقاق، مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 699، تفسير سورة الانشقاق، وغيرها.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 242، تفسير سورة الانشقاق، ومفردات ألفاظ القرآن: 10، مادّة (أذن)
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 189، مادّة (ربّ).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قال الراغب: يقال: ربّه وربّاه وربّبه … فالربّ مصدرٌ مستعارٌ للفاعل (أي: فاعل التربية يسمّى ربّاً، وهو بمعنى اسم فاعلٍ، أي: صيغة مشبّهة بمعنى الفاعل) ولا يُقال الربّ مطلقاً إلّا لله تعالى المتكفّل بمصلحة الموجودات، نحو قوله: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ}(1) … ويُقال: ربّ الدار، وربّ الفرس لصاحبهما (أي: ربّها بعنوان الملكيّة، أي: المسيطر عليها، والمدبّر لشؤونها، وهو المالك). وعلى ذلك قول الله تعالى: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ}(2) وقوله تعالى: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ}(3)(4).
وهنا خطر لي روايةٌ لا تخلو من طرافةٍ، وهي أنَّه عندما كان الإمام الهادي× في السجن جاءه أحد الموالين، ولمّا دخل على السجّان قال له: هل تريد أن ترى ربّك فقال الموالي: ربّي جلّ جلاله لا يُرى؟ فقال السجّان: إنَّما قصدت علي بن محمّد الهادي×(5).
وفي الآية هنا لم يعبّر بالربّ مطلقاً، حتّى يمكن أن يكون مصداقاً لقول الراغب عندما عبّر بالربّ المطلق؛ فإنَّه يعبّر عن الربّ الحقيقي الذي هو الله تعالى، وإنَّما قال: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}(6)، فيمكن أن يكون بمعنى الصاحب،
ــــــ[27]ــــــ
(1) سورة سبأ، الآية: 15.
(2) سورة يوسف، الآية: 42.
(3) سورة يوسف، الآية: 50.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 189، مادّة (رب).
(5) راجع بحار الأنوار 50: 195، أبواب تاريخ الإمام العاشر والنور الزاهر …، الباب 4، الحديث 8، مع اختلافٍ في ألفاظ الخبر.
(6) سورة الانشقاق، الآية: 2.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
والصاحب يُطلق عادةً على مَن هو أعلى؛ لأنَّ المالك غالباً أعلى من المملوك، ولا يُطلق الربّ على مَن هو أدنى، كالمملوك بإزاء المالك، أو النظير بالنسبة إلى نظيره، أو المثيل بالنسبة إلى مثيله.
ولكنّنا نستطيع أن نقول هنا: إنَّ إطلاق الربّ على مَن هو أدنى مجازٌ، والمجاز هنا إمّا محتاجٌ إلى علاقةٍ، وإمّا باعتبار أنَّها متبادلةٌ بينهما، فكأنَّه أصبح أحدها ربّاً للآخر، أي: هذا صاحبه وهذا صاحبه أيضاً، فكلّ صاحبٍ هو ربٌّ، فتبادل الصحبة وتبادل الربوبيّة بهذا المعنى موجودٌ بينهما.
وأمّا باعتبار أنَّ الربّ بمعنى الصاحب، والصاحب يُطلق على المثيل، ولو لمجرّد الملابسة أو المصاحبة؛ حيث إنَّه أقلّ منه، ولكن يمشيان أو يعيشان في دارٍ واحدةٍ مثلاً، أو يمشيان سويّةً، ونحو ذلك من الأُمور.
وحيث إنَّ الربّ بمعنى الصاحب – أي: مثله في المعنى- إذن فهو يُطلق على الأدنى من الربّ الحقيقي مجازاً.
وحينئذٍ فإذا فهمنا من الربّ ما هو أدنى، فيمكن أن نفهم من الأذن من (أذنت) السماح والمشيئة، وليس السماع، أي: السماء سمحت لربّها، على أن نفهم منه ما هو الأدنى منها، كما قلنا، بمعنى: أذنت لصاحبها وقرينها، وهو غير الله تعالى، بل بعض المخلوقين، كما لو أنَّ السماء سمحت للأرض، أو أنَّ سماء العقل سمحت للنفس، أو أنَّ الروح العليا سمحت لزيدٍ بالعروج نحوها والتكامل إليها، ولا يكون كلّ ذلك إلّا بإذن الله تعالى.
ويوجد فهمٌ آخر للآية – وإن كان شاذّاً- وهو أن نفهم من الأذن السماح لا السماع، ونفهم من الربّ الله تعالى، لكن لا على معنى أنَّ السماء سمحت لله، بل العكس، وهو أنَّ الله تعالى سمح للسماء بشيءٍ مّا، على الفهم
ــــــ[28]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
المقلوب، وهذا موجودٌ في اللغة، كما تقول: أدخلت الخاتم في إصبعي، وأنت تقصد: أدخلت إصبعك في الخاتم.
فتحصّل ممّا سبق: أنَّ (أذنت) لها معنيان -وليس بمعنى النَفَس اللغوي-: (أذنت) و(أطاعت)، و(أذنت) بمعنى (أمرت)، وليس مجرّد الإذن أو السماح، وإنَّما أرادت أو أمرت، فهي إمّا مأمورةٌ وإمّا آمرةٌ.
[قوله تعالى: وَحُقَّتْ]
فإن قلت: إنَّ قوله تعالى: {وَحُقَّتْ}(1) قرينةٌ متّصلةٌ على فهم المشهور الذي مفاده أنَّ السماء مأمورةٌ لا آمرةٌ، وأنَّ المراد بالإذن السماع والطاعة، وليس إصدار الإذن والأمر؛ لأنَّها إنَّما أمرت بذلك ونفّذته حسب ظاهر العبارة (أذنت لربّها وحقّت)، أي: نفّذت أمر ربّها، فهذا يكون قرينةً على أنَّ المراد هو الجانب الآخر من المعنى، وهو أنَّها مأمورةٌ وليست بآمرةٍ.
قلت: إنَّما يُستفاد من العبارة حصول كلا الأمرين متزامنيين نسبيّاً، وهو محصّل (أذنت) ومحصّل (حقّت)، وإلّا فمن الواضح أنَّ مجرّد العطف لا يقتضي حتّى ذلك (أذنت لربّها في يومٍ مّا، وحقّت أيضاً في يومٍ مّا)، ولا يوجد أكثر من ذلك. ولكن لو تنزّلنا وفهمنا السياق، يُلاحظ مجرّد التقارب الزماني، أي: إنَّها (أذنت وحقّت في زمانٍ متقاربٍ).
ولو خطونا خُطوةً أُخرى في هذا المجال فسنفهم من (حقّت) التأخّر الزماني، أي: إنَّها (أذنت أوّلاً ثُمَّ حقّت) إذا جاز لنا التعبير.
وإن تقدّمنا خُطوةً أُخرى أيضاً، فهمنا نحواً من المعلوليّة لـ(حقّت) بالنسبة إلى (أذنت) أي: أذنت لربّها وحقّت نتيجةً لكونها أذنت.
ــــــ[29]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآية: 2.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أمّا الخطوة التي يريدها المستشكل فهي أنَّ (أذنت) نتيجةٌ لكونها أذنت، لكنّها نتيجة الطاعة. وهذا لا يتعيّن، بل نقول: إنَّها متأخّرةٌ رتبةً وزماناً، لكنّها ليست متأخّرةً. نعم، باعتبار الطاعة قد تكون متأخّرةً لأمرٍ آخر.
فإن قلت: (أذنت) إن كانت بمعنى الطاعة لم تكن دالّةً على وجود العقل والإدراك عند السماء؛ لأنَّها طاعةٌ تكوينيّةٌ، فكلّ الخلق يطيع الله تعالى طاعةً تكوينيّةً، لا بالإدراك والعقل والفهم، بما فيها السماء والأرض ونحو ذلك.
وأمّا إذا كانت بمعنى (أمرت) فتدلّ على الإدراك طبعاً؛ لأنَّ الأمر لا يصدر إلّا عن عاقلٍ، وحيث إنَّ الظاهر أنَّها غير مدركةٍ، فالمفهوم عرفاً أنَّها غير مدركةٍ، إذن يتعيّن معنى الطاعة، أي: إنَّها أُمِرت لا أنَّها أمَرت.
قلت: هذا يمكن الجواب عنه بوجهين:
الأوّل: أنَّ هذا النحو من التفكير فرع الفهم المادّي للسماء، بخلاف ما إذا فهمنا منها السماء المجرّدة عن المادّة، كما أفاده الفلاسفة من: أنَّ كلّ مجرّدٍ فهو عاقلٌ ومدركٌ(1).
الثاني: إنَّ ظاهر القرآن هو الإدراك والتعقّل، أي: نسبة الإدراك والتعقّل إلى السماوات والأرض، وأوضح ما دلّ على ذلك قوله تعالى: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}(2) وقوله تعالى: {فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا}(3). هذا والظاهر العرفي من
ــــــ[30]ــــــ
(1) راجع الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 3: 447-448، المرحلة العاشرة، الطرف الثاني، الفصل 1.
(2) سورة فصّلت، الآية: 11.
(3) سورة الأحزاب، الآية: 72.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الآية أنَّه إذا حصل الإدراك أمكن ترتّب أيّ أثرٍ آخر عليه، بما في ذلك إصدار الأوامر. وهذا لا بأس به.
ومن هنا يمكن القول: إنَّه على كلا التقديرين -أي: سواء كان معنى (أذنت) أنَّها آمرةٌ أم كانت مأمورةً- فإنَّ الآية تدلّ على إدراك السماء وفهمها؛ لأنَّها مرّة تكون آمرةً، فهي إذن مُدركةٌ، وأُخرى تكون مأمورةً، فهي إذن مطيعةٌ وسميعةٌ، وهي مدركةٌ أيضاً.
[النقاش في هيئة ومادة (حقّت)]
ثُمَّ إنَّ (حقّت) لها هيئةٌ ولها مادّةٌ، وليست المسألة في المقام بتلك السهولة والسطحيّة، بل يحتاج المطلب إلى دقّةٍ وتدبّرٍ.
ويُلاحظ أحياناً أنَّ السيّد الطباطبائي (جزاه الله خيراً) مع عمق مطالبه قد يتناول بعض البحوث من دون وقفةٍ تستحقّ الذكر(1).
فهيئة (حقّت) فعلٌ ماضٍ مبني للمجهول، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، والفاعل المجهول فيه أُطروحتان:
الأُطروحة الأُولى: أن يكون الله تعالى، أي: إنَّ حقّها هو الله.
الأُطروحة الثانية: الأسباب المقتضية لذلك، أي: حصل ذلك فيها نتيجةً لطاعة ربّها، قال: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}(2)، أي: إنَّ ربّها هو الله سبحانه، بناءً على الفهم المشهور .
وأنا أُشير إلى الشيء الآخر، وهو أنَّ (أذنت) أيضاً أمرها الله، أي: أمرها ربّها فأطاعت، وبإطاعتها حقّت، فحينئذٍ يكون الفاعل هو الله، فهو الآمر، فإن كان ذلك نتيجةً لطاعت ربّها، فالفاعل هو ربّها.
ــــــ[31]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 242، تفسير سورة الانشقاق.
(2) سورة الانشقاق، الآية: 2.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وإمّا أن يكون الفاعل نفسها، أي: إنَّها أطاعت، كما يقول سبحانه للعبد: (صلِّ) فيصلّي، فالفاعل للصلاة هو المأمور. ولكن إذا مشينا باتّجاه الفهم المادّي يكون الفاعل هو الله تعالى؛ لأنَّه فعلٌ تكويني، كإحراق النار، والفاعل للفعل التكويني ليس إلّا الله جلّ جلاله.
وأمّا نائب الفاعل الذي هو المفعول في المعنى أو في الأصل فهو قوله: (السماء حقّت).
وبيان المادّة لا يخلو من صعوبةٍ أيضاً، وهي الحقّ، لكن ما هو الحقّ في (حقّت)؟ أي: ماذا حصل حتّى (حقّت)؟
[ما أفاده الراغب في معنى الحقّ]
وأفاد الراغب هنا في معنى الحقّ ثلاثة أُمورٍ رئيسةٍ بحسب رأيه(1)، وهي:
الأوّل: الله تعالى هو الحقّ؛ لأنَّه موجد الأشياء.
الثاني: الحقّ هو أفعال الله تعالى.
الثالث: أن يكون الشيء مطابقاً للواقع، فيكون الحقّ لله سبحانه.
وفي حدود فهمي أنَّه لو كان القول مطابقاً للواقع -أي: الحكاية بالمعنى المنطقي أو الأُصولي- فهي حقٌّ، أي: صادقةٌ.
وإذا كان شيءٌ آخر غير الحكاية -من قبيل الإنشاء الذي هو الأمر أو الاستفهام أو الأفعال التي يفعلها الإنسان بغضّ النظر عن الأقوال- فحقّانيتها تكون بمطابقتها للحكمة، فإن كانت مطابقةً للحكمة – أو بتعبيرٍ آخر مطابقةً لأحكام العقل العملي- فهي حقٌّ، وإلَّا فهي باطلٌ لا أساس لها {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ
ــــــ[32]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 124-125، مادّة(حقّ).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}(1).
وأشار الراغب أيضاً إلى اسم المفعول؛ لأنَّه من نفس المادّة، وهو حقيقٌ(2)، وهو واردٌ في القرآن، كما في قوله تعالى: {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ}(3)، وقد فهم السيّد الطباطبائي+ -ولو بلسان حاله- من هنا أنَّ (حقّت) بمعنى (حقيق)(4).
وأنا أُريد أن أُقدّم مقدّمةً لإنتاج هذه النتيجة، ثُمَّ لعلّي أُناقشها فيما بعد. ويمكن تقريب المعنى هنا على أنَّها حقّت، فأصبحت حقيقةً، أي: جديرةً، والحقيق بمعنى الجدير عادةً؛ لأنَّ الفعل المبني للمجهول أقرب إلى معنى اسم المفعول، فينبغي أن يكون واضحاًً بأنَّه للمجهول.
والفعل الاعتيادي أو المبني للمعلوم أقرب إلى معنى اسم الفاعل، ويُلاحظ هنا صغرويّاً أو تطبيقيّاً أنَّ (حقّت) فعلٌ مبني للمجهول، فهو أقرب إلى معنى اسم المفعول، فتكون (حقّت) بمعنى: جعلت حقيقةً، أي: جديرةً، وبذلك فسّرها السيّد الطباطبائي+ بمعنى: كونها جديرةً بأن تسمع(5)، أي: تطيع في الحقيقة، و{وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}(6)، أي: أصبحت جديرةً بالسماع.
ويوجد على ذلك تعليقان:
ــــــ[33]ــــــ
(1) سورة إبراهيم، الآيتان: 26- 27.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 124-125، مادّة (حق)
(3) سورة الأعراف، الآية: 105.
(4) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 242، تفسير سورة الانشقاق.
(5) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 242، تفسير سورة الانشقاق.
(6) سورة الانشقاق، الآية: 2.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
التعليق الأوّل -والمناقشة هنا واضحةٌ فيما عليه المشهور، وهو ظاهر الآية أيضاً، وقد ذكرناه في بداية البحث-: أنَّ (حقّت) مترتّبةٌ زماناً أو رتبةً، ومتأخّرةٌ عن (أذنت)، وهذا الترتّب ثابتٌ ظهوراً ومشهوريّاً أيضاً.
وذكر السيّد الطباطبائي+ في المقام: أنَّه أمرها ثُمَّ جعلها حقيقةً، أي: جديرةً بالطاعة(1).
وهنا أتساءل: أليس من المفروض أن تكون أوّلاً كونها جديرةً بالطاعة ثُمَّ يأمرها؟
وإلَّا فلا معنى لذلك من هذه الناحية، وهو واضح السقوط من هذه الجهة، فيكون بهذا الاعتبار أنَّ كونها جديرةً أسبق رتبةً واحدةً، وأمّا حقيقةً فهي متأخّرةٌ رتبةً. وأمّا أنَّها أسبق رتبةً فهذا لا يُحتمل في السياق أصلاً.
وأمّا أن يأمرها وهي غير جديرةٍ بالطاعة فهذا لا يُحتمل أيضاً؛ لأنَّه يكون من تكليف العاجز، والعاجز لا يكلّف بحسب الحكمة العليا والدنيا.
التعليق الثاني: أنَّه لا يخفى علينا أنَّ (حقيقة) لها معنيان لا معنىً واحدٌ، وهي اسم مفعولٍ مأخوذٌ من (حقّت) الذي هو مبني للمجهول، ولكنّه ليس له معنىً واحدٌ، وإنَّما له معنيان:
الأوّل: أنَّها جديرةٌ.
الثاني: أنَّها حقيقةٌ مطابقةٌ للواقع، أي: حقيقةٌ مأخوذةٌ من الحقّ، بمعنى: أنَّها أصبحت حقّاً بعد أن كانت باطلاً.
فنقول: هذه هي الحقيقة، فأُخذت من الحقّ أصلاً، ومن هنا يكون في الإمكان بعد بيان مجموع هذه المعاني تقديم عدّة أُطروحاتٍ في (حقّت) أي: في
ــــــ[34]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 242، تفسير سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
معنى المادّة في (حقّت):
[أطروحات معنى المادّة في (حقّت)]
الأُطروحة الأُولى: أنَّها أصبحت جديرةً، وهذا المعنى ذهب إليه السيّد الطباطبائي(1)، وقلنا: إنَّه مبني على معنى الطاعة في قوله: (أذنت)، وقد تقدّم مناقشة ذلك.
مضافاً إلى نقاش ٍآخر بهذا الصدد، وهو أنَّها حقّت، ففي الإمكان أن يُقال: إنَّ حقّانيتها مهما كان معناها موجودٌ في الخلقة بالأصل، أي: موجودٌ دائمٌ مستمرٌ، وليس متجدّداً، بمعنى: أنَّها (حقّت) في خلقتها، فمن هذه الناحية لا يكون له ربطٌ بالطاعة، أي (أذنت) بمعنى: أمرها ربّها في زمنٍ متأخًرٍ، والله العالم بمقدار الأمر لها من ربّها.
الأُطروحة الثانية: أنَّها أدركت حقيقة ذاتها بعد أن كانت جاهلةً بالإنسان، كما أنَّ الإنسان يعيش في هذه الدنيا طويلاً وهو لا يعرف نفسه، وإنَّما يشعر بنفسه من الناحية العمليّة فقط، إلّا أنَّه لا يعرف حقيقتها، وهو يتخيّل أنَّه رجلٌ دنيوي، مع أنَّه رجل أعمّ من أن يُلحظ بلحاظ عالم الدنيا والآخرة، فلم يُخلق للدنيا فقط، ونحو ذلك.
الأُطروحة الثالثة: أنَّ الآخرين أدركوا حقيقتها بعد أن كانوا يجهلونها.
الأُطروحة الرابعة: أنَّها أصبحت من الواضح من فعل الله سبحانه، والذي هو أحد معاني الحقّ، كما ذكرناه عن الراغب(2).
الأُطروحة الخامسة: أنَّها أصبحت مجلى لقدرة الله وعظمته، وذلك في مرتبة الفناء، فــ(حقّت) أي: أصبحت حقّاً بهذا المعنى.
ــــــ[35]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 242، تفسير سورة الانشقاق.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 124-125، مادّة (حق).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
[أطروحات في كيفيّة ربط (حقّت) بـ(أذنت)]
وهنا خطوةٌ أُخرى، وهي خطوةٌ رئيسةٌ في سياق الآية لا يمكن التغاضي عنها، أعني: ارتباط المعنى، أي: في كيفيّة ربط (حقّت) بـ(أذنت)، وإلى أيّ مقدارٍ ارتبطت بأذنت، أم هما متباينان، بمعنى: أنَّها أذنت في قرنٍ من القرون، وحقّت في قرنٍ آخر؟ ففي ذلك توجد أُطروحتان رئيستان:
الأُطروحة الأُولى: عدم الارتباط، وأنَّ غاية ما تدلّ عليه الآية هو حصول الأمرين معاً أو حصول الأمرين متتابعين، ليس أكثر من ذلك، ومن هنا لا حاجة إلى ربط أحدهما بالآخر.
الأُطروحة الثانية: وجود الارتباط، وأنَّها (حقّت) لأجل أنَّها أذنت لربّها، ومن هنا نكون مسؤولين عن إبداء بعض الأُطروحات لتفسير ذلك:
الأُطروحة الأُولى: أنَّها أمرت أن تكون حقّاً، فكانت كذلك، ولا يوجد في الآية ذكرٌ لكيفيّة الأمر، وإنَّما ذكرت أنَّها أمرت فحقّت، ولكن بأي شيءٍ أمرت؟ فهنا نقول: إنَّها أمرت بأن تحقّ فحقّت، وبأن تكون حقّاً فأصبحت حقّاً.
إلّا أنَّ هذا الأمر يختلف: إمّا بالأمر التكويني، بمعنى: أنَّها (أمرت) بأن تصبح حقّاً فأصبحت حقّاً، وإمّا بالأمر التشريعي، إذا كانت عاقلةً أو مدركةً، كما في (صلِّ). وكذلك يوجد هنا شيءٌ آخر، وهو أنَّها أمرت بمقدّمة ذلك، وبشيءٍ يؤدّي بها إلى أن تكون حقّاً، لا بمعنى: أنَّها من قبيل أن يؤمر الفرد بالطاعة والصلاة والصيام لأجل أن يؤدّي به إلى التكامل والوصول إلى مقاماتٍ عاليةٍ، فأمرت بذلك، فلمّا أمرت أطاعت، وإنَّما حقّت نتيجةً لطاعتها، أي: (حقّت) لأنَّها أصبحت حقّاً، وهذا من كمالها. وأمّا عن طبيعة العمل الذي أدّته بعد الأمر فلا علم لنا بذلك.
ــــــ[36]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ونحوه الكلام في قوله تعالى: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا}(1)؛ إذ لا يعني ذلك أنَّه أمرنا مترفيها بالفسق، وإنَّما أمرنا مترفيها بالطاعة، فعصوا وفسقوا.
الأُطروحة الثانية: أنَّها أمرت بالطاعة فأطاعت، وطاعتها حقٌّ، وهذا ليس نتيجة أنَّ طاعتها حقٌّ، كما في الوجه الأوّل، وإنَّما نفس الطاعة هي حقٌّ، ولها درجةٌ من المراتب العرفانيّة؛ لأنَّها مرتبطةٌ بالحقّ تعالى، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، فيُراد من (حقّت) أنَّها أطاعت وأذنت لربّها فأطاعت.
الأُطروحة الثالثة: أنَّها أمرت، وهذا بلحاظ الجهة الأُخرى التي ذكرناها في الأُطروحات السابقة من أنَّها آمرةٌ لا مأمورةٌ، وأنَّها أمرت عبدها بالطاعة، أو أمرت من هو أدنى منها بالطاعة، أي: بطاعة الله تعالى. وهذا صادقٌ بطبيعة الحال، خاصّة إذا أردنا الجانب المعنوي؛ من جهة أنَّ المعصومين^ هم سماء الكون ويأمرون البشر وغير البشر بطاعة الله تعالى، أو العقل يأمر النفس بطاعة الله سبحانه، فحين أطاعها رأى أنَّها حقٌّ؛ إذ أمرت وليّها، أي: عبدها بالطاعة، وأذنت لربّها، أي: لعبدها أو وليّها بهذا المعنى وحقّت، لا أنَّ وليّها حقٌّ نتيجةً لطاعتها، وإنَّما هي حقّت. فلا يمكن أن نقول: إنَّ نفس طاعة الولي هي حقٌّ، وإلّا نسب الحقّ إلى الولي، وقد نسب هنا إلى السماء لا إلى الولي والآمر أو المأمور. فحينئذٍ ينتج أنَّه حين أطاعها رأى أنَّها حقٌّ، وليست باطلاً، وبعد الطاعة تغيّرت نظرته إليها، فكلّ مستوىً من المستويات له نظرةٌ خاصّةٌ، فهذا تغيّرت نظرته إلى السماء، فبعد أن كان متوهّماً شيئاً أصبح يفهم شيئاً آخر، أو أنَّه أصبح ينظر إلى طاعتها بمنظارٍ جديدٍ كان يرى أنَّها هي الآمرة حقيقةً، ثُمَّ فهم أنَّ أمرها مبلّغٌ من قبل الله تعالى.
ــــــ[37]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 16.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأُطروحة الرابعة: أنَّها أمرت عبدها بالتكامل، وحين تكامل ووصل إلى درجة الفناء رآها (حقّاً) وارتفعت أوهامه بإذن الله تعالى.
****
قوله تعالى: {وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ}:
قال السيّد الطباطبائي+: الظاهر أنَّ المراد به اتّساع الأرض(1).
أقول: قد يكون ذلك مستغرباً؛ لأنَّ الأرض لا تتّسع، بل عمليّاً بحسب النظام الطبيعي غير قابلةٍ لأن تكون عشر أضعافها. ومتّى تتّسع الأرض؟ ذكّر السيّد الطباطبائي+: أنَّ الدالّ عليه قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ}(2)، فإذا تبدّلت أمكن أن تتبدّل بأرض أوسع ممّا هو مشاهدٌ لها الآن، فكما تبدّلت تمتدّ أيضاً(3). ولا بأس بذلك؛ لأنَّ كلّ شيءٍ ممكن الحصول.
قال الراغب: أصل المدّ الجرّ، ومنه المدّة للوقت الممتدّ، ومدّة الجرح، ومدّ النهر ومدّه نهرٌ آخر، ومددت عينيَ إلى كذا. قال: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ}(4). ومدّدته في غيّه، ومددت الإبل سقيتها المديد، وهو بزرٌ ودقيقٌ يخلطان بماءٍ، وأمددت الجيش بمددٍ والإنسان بطعامٍ … وأكثر ما جاء الإمداد في المحبوب، والمدّ في المكروه (وإلّا يكون كلّ الإمداد -أي: المزيد أو ما أُسمّيه بالرباعي- قد جاء في المحبوب، والثلاثي في المكروه) نحو: {وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا
ــــــ[38]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 242، تفسير سورة الانشقاق.
(2) سورة إبراهيم، الآية: 48.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 242، تفسير سورة الانشقاق.
(4) سورة طه، الآية: 131.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يَشْتَهُونَ}(1) … {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ}(2)(3).
وأمّا الثلاثي فنحو قوله تعالى: {وَنَمُدُّ لَهُ مِنْ الْعَذَابِ مَدًّا}(4) وقوله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}(5).
أقول: والفعل في الآية التي نتحدّث عنها من المجرّد لا المزيد؛ لأنَّه يقول: {وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ}(6)، ولم يقل: (أمدّت)، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً. إلّا أنَّ الظاهر أنَّ كليهما يستعمل للإمداد بمعنى المزيد، مدّ وأمدّ بمعنىً واحدٍ الذي هو بمعنى: (أعطى) مزيداً.
قال الراغب: (أمددت الجيش بمددٍ والإنسان بطعامٍ) ولم يقل: (مددت)، مع العلم أنَّ كلاً منهما صادقٌ، أي: أمددت الجيش بمددٍ، ومددت الجيش بمدّدٍ، فهذا ممكنٌ بشيءٍ خارجي كان فاقداً له.
[أطروحات في معنى قوله تعالى: (وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ)]
وهنا نذكر عدّة أُطروحاتٍ في معنى قوله تعالى: {وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ}:
الأُطروحة الأُولى: أنَّها اتّسعت، كما ذهب إلى ذلك السيّد الطباطبائي+(7).
الأُطروحة الثانية: أنَّها مُدّت لمعونةٍ ماديّةٍ، كالمطر أو الرخاء لمَن في الأرض، وليس للأرض نفسها.
ــــــ[39]ــــــ
(1) سورة الطور، الآية: 22.
(2) سورة آل عمران، الآية: 125.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 484-485، مادّة (مد).
(4) سورة مريم، الآية: 79.
(5) سورة البقرة، الآية: 15.
(6) سورة الانشقاق، الآية: 3.
(7) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 242، تفسير سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأُطروحة الثالثة: أنَّها مُدّت بمعونةٍ معنويّةٍ، كما في قوله تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا}(1)، أو أنَّها مُدّت بقوّةٍ ومنعةٍ.
والأطروحة الثالثة وما قبلها على أساس المزيد، مع أنَّه ورد: (مدّت) وليس (أمدّت)، فإن ثبت أمكن أن يُستعمل المزيد، أي: يُستعمل الثلاثي ويُراد به المزيد أو الرباعي على القاعدة؛ لأنَّهما متشابهان لفظاً ومعنىً.
الأُطروحة الرابعة: أنَّها سحبت وجرّت أيضاً، ويتحصّل من المعنى اللغوي أنَّ المدّ هو السحب، وفي هذه الأطروحة نقول: إنَّها سحبت سحباً مادّيّاً من مكانٍ إلى آخر، كما في دوران الأرض حول الشمس في ذلك، كأنَّما تُلحظ الأرض ككلٍّ أنَّها تنسحب باستمرار حول الشمس أو دورانها حول نفسها. وفي هذا التصوّر ينبغي أن نتصوّر منطقةً معيّنةً كمدينة النجف مثلاً تدور وتسحب حول الأرض باستمرارٍ، أو أنَّها تنتقل في الفضاء باستمرارٍ آناً فآناً.
الأُطروحة الخامسة: أنَّها سحبت، أي: إنَّ الأرض سحبت أو جرّت سحباً معنويّاً نحو التكامل، ونريد بالأرض هنا الأرض المادّيّة، فسحبت نحو التكامل. ونحتاج هنا إلى قاعدةٍ كلّيّةٍ صحيحةٍ، وهي أنَّ كلّ شيءٍ له مادّةٌ وروحٌ إنَّما هو يصعد نحو الكمال: سواء كنّا نعلم أم نجهل، ولا يستدعي نتيجةً لذلك أنَّ الأرض في حقبةٍ لاحقةٍ من السنين -الله أعلم بمقدارها- تكون أكمل من وجودها الحالي. وأمّا سنخ الكمال كيف يكون فيها فهذا ينبغي أن نسكت عنه؛ لأنَّنا لا نعلمه، وإنَّما ذلك بحكمة الله سبحانه وتعالى.
الأُطروحة السادسة: أن يُراد بالأرض معنىً باطني، كما يُراد بالسحب
ــــــ[40]ــــــ
(1) سورة الزمر، الآية: 69.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أمراً معنويّاً، وهو التكامل الأعمّ. والذي يُراد بالتكامل الأعمّ هو التكامل العالي والتكامل الداني، فكأنَّه يُسحب في درجات الكمال أيّاً قصدنا من الكمال.
****
قوله تعالى: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ}:
قال الراغب: والإلقاء: طرح الشيء حيث تلقاه، أي: تراه، ثُمَّ صار في التعارف اسماً لكلّ طرحٍ. قال: {فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ}(1)، {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ}(2)، وقال تعالى … {إِذَا أُلْقُوا فِيهَا}(3)، {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ}(4)، {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ}(5)(6).
هذا بالنسبة إلى (لقي). والذي ذكره الراغب هو الرباعي، ولم يذكر الثلاثي، كما أفادنا في المقام؛ لأنَّ مادّتنا في الآية من الرباعي {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ}(7) لا من الثلاثي.
وأمّا بالنسبة إلى المادّة في قوله: {تَخَلَّتْ} فقد ذكر الراغب المجرّد ولم يذكر المزيد؛ حيث ذكر أنَّ مرجعها إلى المادّة (خلا)(8)، مع أنَّ الفعل هنا مزيدٌ،
ــــــ[41]ــــــ
(1) سورة طه، الآية: 87.
(2) سورة الأعراف، الآية: 115.
(3) سورة الملك، الآية: 7.
(4) سورة الملك، الآية:8.
(5) سورة الانشقاق، الآية: 4.
(6) مفردات ألفاظ القرآن: 474، مادّة (لقي).
(7) سورة الانشقاق، الآية: 4.
(8) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 159-160، مادّة (خلا).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وليس مجرّداً؛ فإنَّ تخلّت من المزيد، وعليه فلم ينفعنا الراغب في هذا المجال، وكأنَّه لم يشرح الآية إطلاقاً.
وظاهر الآية: أنَّ التخلي كان مترتّباً على الإلقاء حينما يقول: {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ}(1)، أي: تخلّت بصفتها ملقيةً أو في طول الإلقاء، أو متأخّرةً رتبةً عن الإلقاء، ما شئت فعبّر، أو متأخرةً زماناً عن الإلقاء، وهذا أيضاً ضروري، كما كانت الطوليّة مفهومةً من الآية السابقة: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}(2)، أي: حقّت في المرتبة المتأخّرة عن الإذن، وليس في المرتبة المتقدّمة عليه.
والتخلّي هنا مرتبطٌ بتخلّى، وهذا إمّا أن يكون عمديّاً أو غير عمدي. فالعمدي نحو: تخليّت عن عملي، أو تخليّت عن فلانٍ، أو تخلّى فلانٌ عنّي، وهذا موجودٌ لا إشكال عليه. لكن الإشكال هنا أنَّ ذلك لا ينطبق على الآية؛ لعدم تصوّر العمد بالنسبة إلى الأرض؛ فإنَّ المشهور يميل إلى فهم الأرض المادّيّة(3)، ومن هنا لا يحتمل فيها العمد، أي: التخلّي العمدي؛ لأنَّه لا معنى له.
[أطروحات في فهم الآية]
وعلى كلّ تقديرٍ فالفهم هنا يرقى إلى عدّة أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى -وهي الأقرب إلى فهم المشهور-: أنَّها أصبحت فارغةً وألقت ما فيها وتخلّت، أي: خليت وفرغت؛ وذلك أنَّها ألقت ما فيها.
وليت شعري فإنَّ (تخلّت) إن كانت لا تدلّ على العمد، فلا شكّ أنَّ
ــــــ[42]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآية : 4.
(2) سورة الانشقاق، الآية: 2.
(3) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 73، تفسير سورة الانشقاق، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 287، تفسير سورة الانشقاق، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
(ألقت) تدلّ على العمد، كما في قول الشاعر:
وألقت عصاها واستقرّ بها النوى
كما قرّ عيناً بالإياب المسافر(1)

ولا يصدق الإلقاء من دون ذلك (ألقاها)، أي: قذفها عمداً.
فإن قلت: إنَّ اللغة كلّها تعبّر بالأفعال الاختياريّة عن النتائج القهريّة، فنقول مثلاً: أحرقت النار، وأغرق البحر، وسقى المطر، مع أنَّه ليس هو الفاعل حقيقةً، بل الفاعل غيره، فالنار لم تحرق عمداً، وإنَّما زيدٌ أحرق الورقة في النار، وليس النار، وزيدٌ هو الذي أغرق خالداً عمداً في البحر، وليس البحر أغرقه. والشاهد هنا هو أنَّه إذا كانت الأفعال الاختياريّة تنسب إلى الأسباب القهريّة، فليكن (ألقت) منها، أي: من قبيل: (أحرقت)، وهو فعلٌ اختياري بطبعه، وإن يُنسب إلى الفاعل القهري.
قلنا: تلك نسبةٌ مجازيّةٌ، أي: إنَّ (أحرقت) مجازٌ، والأصل في الحمل هو الحمل على الحقيقة، فحينئذٍ يدور أمرنا بين أن نقول: إنَّ الأرض هنا ألقت قهراً فيكون مجازاً، وبين أن نقول: إنَّها ألقت عمداً واختياراً، فيكون حقيقةً، فنحمله على الحقيقة الذي هو الاختيار.
فإن قلت -دفاعاً عن المشهور-: إنَّ هناك قرينةً على المجاز، وهي نسبتها إلى الأرض (وألقت الأرض)، وهي من العلل والمعلولات القهريّة غير الاختياريّة، فلمّا كان الفاعل قهريّاً غير اختياري يتعيّن أن يكون فعله
ــــــ[43]ــــــ
(1) البيت لمعقل بن حمّار البارقي يصف امرأةً كانت لا تستقرّ على زوجٍ، كلّما تزوّجت رجلاً فارقته واستبدلت آخر به، ثُمَّ تزوّجها رجلٌ فرضيت به، حسبما ذكره في الأغاني 11: 109 و15: 85.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قهريّاً غير اختياري، حتّى لو كان مجازاً. فلو افترضنا أنَّه مجازٌ، فيكون وجود الأرض ونسبته إليها قرينةً على المجاز كذلك.
قلنا: إن أخذنا ذلك مسلّماً، فلا بأس لو أخذنا ما أخذه المشهور من: أنَّ الأرض هي الأرض المادّيّة، ولا بأس أن يكون ذلك قرينةً على أنَّ (ألقت) هنا بالمعنى القهري؛ لأنَّ الفاعل قهري أكيداً، وإلَّا إذا لم نأخذ ذلك مسلّماً، بل نأخذه مجرّد أُطروحةٍ احتماليّةٍ في مقابل أُطروحاتٍ أُخر، فحينئذٍ يصبح أنَّ الأرض في الآية وردت على أنَّها فاعلٌ، أي: ضميرٌ، بمعنى: أنَّه يعود إلى الأرض، فكأنَّما المراد: (وألقت الأرض)، وليس ذلك لقرينيّة المجاز، بل وردت لأجل كونها فاعلاً، لا لأجل كونها قرينةً على المجاز. ومن المعلوم أنَّ المجاز يحتاج إلى قرينةٍ، ويتعيّن معه وجود القرينة إذا كان هناك مجازٌ؛ لأنَّ المجاز بدون قرينةٍ خطأ، على ما هو الصحيح، وأنا ذكرت ذلك، ولكن إذا وجدت قرينةٌ فهل يتعيّن أن يكون معها مجازٌ؟ فلو كان كذلك فلابدّ من وجود قرينةٍ.
والصحيح: أنَّه لا يتعيّن أن يكون معها مجازٌ. هذا مضافاً إلى وجود إشكالٍ آخر، ولا أعلم كيف يجيب عنه المشهور، وهذا كالحبل في رقبة المشهور، لا في رقبتي، وهو أنَّنا لو فهمنا من الأرض الأرض المادّيّة -وهي أرضنا هذه؛ إذ لم يفهم المشهور أنَّها أرض المرّيخ أو أرض القمر- فحينئذٍ نسأل عن كيفيّة الإلقاء، أي: كيف ألقت الأرض قهراً، فهل لها صلاحيّة الإلقاء، مع أنَّها مادّة لا تفهم ولا تعي ولا تفعل إطلاقاً؟ فإنَّ هذا ممّا لا يتيّسر بحسب القانون الطبيعي مع وجود الجاذبيّة والغلاف الجوّي، وليس من قدرة الأرض أن تلقي ما فيها وتفرغ وتتخلّى.
ــــــ[44]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وربما تقول: إنَّ ذلك يحصل بالمعجزة، كما عليه ارتكاز المتشرّعة.
فنقول: لا بأس في حصوله بالمعجزة، ولكنّه يكون من فعل الله سبحانه وتعالى، لا من فعل الأرض، مع أنَّ ذلك منسوبٌ إلى الأرض، لا إلى الله؛ فإنَّ الله يفرغها بأيّ طريقةٍ، وذلك مسلّمٌ، ولكنّه يقول: {أَلْقَتْ مَا فِيهَا}(1)، وظاهر النسبة إلى الأرض نفسها، فلابدّ أن يكون المقصود هنا شيئاً آخر غير ما ذُكر.
الأُطروحة الثانية: أنَّها ألقت ما في ظاهرها من أُمورٍ – بعد التنزّل عن ارتكاز الأُطروحة الأولى- كالبناء والبشر والحيوان، وتصبح فارغةً، ترى ظاهرها تراباً فقط، ولا يوجد عليها شيءٌ آخر.
وفي هذه الأُطروحة نقطة قوّةٍ ونقطة ضعفٍ، فنقطة القوّة أنَّها بإزاء الأُطروحات الآتية؛ لأنَّ المشهور – أو بعضهم على الأقلّ – يفهم أنَّها ألقت ما في باطنها لا ما في ظاهرها(2)، وهنا نقول: إنَّها ألقت ما في ظاهرها لا ما في باطنها.
وأمّا نقطة الضعف فهي أنَّها تكون تفسيراً للأُطروحة الأُولى لا أكثر ولا أقلّ؛ لأنَّنا قلنا في الأُطروحة الأولى: إنَّه كيف تلقي ما في بطنها؟ فهل يكون ذلك بإخراج ما فيها إلى الخارج؟
فهنا نقول: إنَّها تلقي ما في ظاهرها إلى الخارج أيضاً، وعليه فلا تكون أُطروحةً مستقلّةً بهذا المعنى، وإنَّما ترجع إلى الأُولى.
الأُطروحة الثالثة: أنَّها ألقت ما في داخلها من المعادن من الذهب
ــــــ[45]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآية: 4.
(2) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 10: 436، تفسير سورة الانشقاق، جامع البيان في تفسير القرآن 30: 73، تفسير سورة الانشقاق، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
والفضّة وغير ذلك، كما عليه طبقةٌ من المفسّرين(1)، كما أنَّها في عصر ظهور الإمام المهدي# كمصداقٍ للآية سيتحقّق ذلك؛ إذ ورد أنَّ الأرض تخرج خزائنها(2)، وهذا واردٌ في أخبار العامّة أيضاً، كما في >المستدرك على الصحيحين<(3)، ولربما ورد في موارد أُخر أنَّ الأرض تلقي أفلاذ أكبادها نحو: الأُسطوان من الذهب والفضّة(4).
وقد يُلاحظ على الأُطروطة الثالثة أُمورٌ:
الأمر الأوّل: أنَّ معهود المشهور من القدماء أنَّها تخرج المعادن، وهو ما يسمّى بالمعادن المنطبعة، وهي الصلبة: كالذهب والفضّة والحديد، وسمّيت بالمنطبعة؛ لأنَّها لو ضربت بشيءٍ يؤثّر فيها فسوف ينطبع بها الأثر، في حين لو ضربت السوائل مثلاً، فسوف لن يطبع فيه الضرب، بل يرجع مكان الضرب على حاله. وعلى كلّ حال لم يكونوا -أعني: المتقدّمين- يعرفون المعادن السائلة: كالنفط والزئبق، فماذا يحصل إذا أخرجتها الأرض؟ فإذا كانت الأرض تلقي كلّ المعادن التي فيها، فالنفط الذي في باطنها أيضاً سوف
ــــــ[46]ــــــ
(1) راجع تفسير المراغي 30: 89، روح المعاني 5: 287، مجمع البيان 10: 699، مفاتيح الغيب 31: 97، وغيرها.
(2) راجع بحار الأنوار 52: 280، الباب 26، الحديث 6، الاحتجاج 2: 290 احتجاج الحسن بن علي‘ على معاوية، كشف الغمّة 2: 470، باب ذكر علامات قيام القائم×، وغيرها.
(3) أُنظر: المستدرك على الصحيحين 4: 458، الحديث 8547.
(4) أُنظر: صحيح مسلم 3: 84، كتاب الزكاة، سنن الترمذي 3: 334، الحديث 2306، المتسدرك على الصحيحين 4: 515، كتاب الفتن والملاحم، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يتحوّل إلى الظاهر، فهل في ذلك مصلحةٌ؟!
الأمر الثاني: أنَّ ظاهر (تخلّت) أنَّ سطحها أو ظاهرها خالٍ، لا باطنها، فهل الأشياء المعهودة التي يراها العرف هو سطحها؟ أم أنَّ (تخلّت) بمعنى: كونها تخلّت عمّا في الباطن؟ الثاني خلاف الظاهر، وظاهر القرآن حجّةٌ، وهو كونها تخلّت عمّا في ظاهرها، لا عمّا في باطنها.
ونضمّ إلى ذلك التفاتٌ آخر، وهو أنَّ من المفروض – حسب المشهور- كون ظاهرها يبقى على ما هو عليه، وأنَّ باطنها يخرج، فيكثر ظاهرها ازدحاماً وزيادةً في الموادّ الموجودة عليه، فحينئذٍ يكون أكثر مخالفةً لظهور الآية.
الأمر الثالث: أنَّ سياق الآية للتخويف والترهيب، على ما هو المشهور من أنَّه إشارةٌ إلى ارهاصات يوم القيامة(1)، مع أنَّ خروج معادن الذهب والفضّة للترغيب، وفيه مصلحةٌ دنيويّةٌ وماليّةٌ واقتصاديّةٌ وثراءٌ للناس، لا للترهيب والترغيب فحسب.
الأمر الرابع: أنَّه كما قلنا في الأُطروحة الأُولى: كيف يتيسّر للأرض
-وهي غير فاعلةٍ وغير مؤثّرةٍ- أن تلقي ما فيها من ظاهرها، كما أنَّها غير قادرةٍ على أن تلقي ما فيها من باطنها أيضاً؟ وكيف يتمّ تفسير انفجار الداخل إلى الخارج؟
ومن المعلوم أنَّه ليس في داخل الأرض كتلٌ ذهبيّةٌ، وإنَّما الموجود عبارةٌ عن ترابٍ، أي: ترابٍ من الذهب مخلوطٍ بأضعافه من التراب والرمل
ــــــ[47]ــــــ
(1) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 10: 436، تفسير سورة الانشقاق، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 567، تفسير سورة الانشقاق، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 287-288، تفسير سورة الانشقاق، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الاعتيادي، ثُمَّ يخرجوه ويصفّوه، فيكون ذهباً. وأمّا لوتصوّرنا أنَّه موجودٌ كأمثال الأُسطوان في داخل الأرض فهذا غير تامٍّ، ولا وجود له تكويناً، ولم يخلقه الله بهذا الشكل إطلاقاً.
الأمر الخامس: أنَّه لا يتعيّن أن يكون ذلك في يوم القيامة، كما عليه المشهور، بل يمكن أن يحصل ذلك في عصرٍ آخر قبل يوم القيامة، كما في عصر ظهور الإمام المهدي#.
الأُطروحة الرابعة: وهي ما اختاره السيّد الطباطبائي+ في >الميزان< حيث قال: >{وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} أي: ألقت الأرض ما في جوفها من الموتى، وبالغت في الخلوّ ممّا فيها منهم.
وقيل: المراد إلقائها الموتى والكنوز …
وقيل: المعنى: ألقت ما في بطنها وتخلّت ممّا على ظهرها من الجبال والبحار، ولعلّ أوّل الوجوه أقربها(1).
والمقصود بأوّل الوجوه هو إلقائها الموتى، ومعنى ذلك هو الإيذان بحشرهم، وهذا يناسب كون المسألة من إرهاصات يوم القيامة ومقدّماتها، أي: كأنَّهم يبعثون ويقومون من الأرض.
ولو نظرنا إلى هذا الوجه من الناحية المادّيّة، فإنَّه لا يستقيم؛ لعدّة وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ الآية قد استعملت اسم الموصول (ما) الذي هو لغير العاقل، ولم تستعمل (مَنْ) الذي هو للعاقل، مع أنَّ الناس المدفونين فيها يناسب أن ينسب لهم اسم الموصول العاقل، وهذا الوجه يُبعّد أن يكون المراد
ــــــ[48]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 242، تفسير سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
هو إلقاء الموتى من الناس.
الوجه الثاني: أنَّ مقتضى إطلاق الآية الكريمة أنَّها غير خاصّةٍ بالموتى، بل تلقي كلّ مافيها، وأنَّ تخصيصها بالموتى بالذي يحصل فيها خلاف الظاهر. اللّهمّ إلّا أن يُقال: إنَّنا نفهم من القرائن المتّصلة أنَّها من مقدّمات يوم القيامة، فإذا كان كذلك يتعيّن خروج الموتى. لكن يأتي الكلام في حقيقة وجود القرينة المتّصلة، وأنَّ الآيات من أوّل السورة إلى هنا ليس فيها ذكرٌ ليوم القيامة، وإنَّما هي إرهاصاتٌ ليوم القيامة، ولكن المشهور فهم ذلك، فلابدّ من إتيان دلالةٍ مطابقيّةٍ أو قرينةٍ ضمنيّةٍ لفظيّةٍ تدلّ على أنَّ المسألة مرتبطةٌ بيوم القيامة، ولا يوجد في المقام قرينةٌ كهذه، فتكون هذه الدعوى من دون دليلٍ.
الوجه الثالث: أنَّنا لو تنزّلنا عن الإشكالين السابقين وقلنا: إنَّها ألقت ما فيها من الموتى، كما قال السيّد الطباطبائي، فإنَّ هذا يتوقّف على أنَّ فيها موتى، أي: أجساداً بشريّةً كاملةً أو قريبةً لذلك حتّى يصحّ خروجها، إلّا أنَّ المسألة ليست هكذا، فمَن دُفن من الأجيال السابقة قبل الآف السنين فإنَّ جثّته غير موجودةٍ، مع أنَّ المفروض أن يكون القيام للجميع؛ لأنَّ يوم القيامة حشرٌ لكلّ الناس: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا}(1) مع أنَّه لا يوجد للسابقين إلّا التراب، ولربما صاروا بناءً أو نباتاً أو حيواناً أو نفطاً أو صخراً، فمن هذه الناحية لا يوجد جثثٌ ناجزةٌ للبشريّة بأجمعها حتّى تخرج إلى سطح الأرض، وإنَّما الموجود نسبةٌ ضئيلةٌ جدّاً، وهي الجيل المعاصر لذلك الوضع، فعلى فهم المشهور من أين تستطيع الأرض أن تخرج الجثث إذا لم تكن ناجزةً بأجمعها؟
فإن قلت: يأتي نفس الإشكال السابق، وهو أنَّ ذلك يحصل بالمعجزة.
ــــــ[49]ــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 47.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قلنا: نعم، إنَّ الله سبحانه قادرٌ على كلّ شيءٍ: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(1) لكن هذا على خلاف ظاهر الاختيار الموجود في ظاهر الآية في قوله: {أَلْقَتْ}(2) من أنَّها هي الفاعل، لا أنَّ الله هو الفاعل بالمباشرة؛ لأنَّه مع وجود المعجزة يكون الله هو الفاعل لا الأرض. اللّهمّ إلّا أن يُقال: إنَّ ذلك على نحو المجاز، فيُقال: إنَّ المفروض أنَّنا نحمله على الحقيقة، فيرجع نفس النقاش السابق.
الوجه الرابع: لو سلّمنا بكلّ ما سبق، وأنَّ هناك جثثاً من ملايين الملايين من البشر تخرج إلى سطح الأرض، فكيف تسع الأرض لذلك؟ وفي هذا الصدد توجد روايةٌ، ولربما هي من قبيل (كلّم الناس على قدر عقولهم) مضمونها: أنَّه إذا لم يكن الموت موجوداً قام كلّ ألفٍ من البشر في ذراعٍ من الأرض؛ فالله سبحانه قد رحمنا بالموت، وإلَّا لضاقت الأرض بما رحبت؛ لأنَّ البشر في ذلك الوقت يكونون أعداداً هائلةً، وهذه الرواية بمقدار ما يفهمه المخاطبون، ولعلّ الأمر أكثر من ذلك، فإذا كان المطلب هكذا فلا تسع الأرض لجثث الموتى.
هذا مضافاً إلى أنَّنا نعلم أنَّ نسبة اليابسة إلى البحار نسبة الخمس تقريباً لا تحقيقاً، كما ثبت في الجغرافية المتأخّرة، وإلّا فأكثر وجه الأرض ماءٌ لا ترابٌ، وهذا ما لا يعلمه مشهور المتقدّمين أكيداً، فهذه القطعة الصغيرة من اليابسة على ضخامتها، إلّا أنَّها بالنسبة إلى جثث الموتى صغيرةٌ جدّاً.
ــــــ[50]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 117.
(2) سورة الانشقاق، الآية: 4.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فإن قلت: يأتي نفس الكلام السابق، وهو أنَّ ذلك يحصل بالمعجزة.
قلنا: الجواب هو الجواب السابق، وهو أنَّ الله سوف يكون الفاعل لا الأرض.
فإن قلت: إنَّه تعالى قال: {وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ}(1)، أي: اتّسعت، على أن يُراد من (مدّت) الاتّساع في مساحة الأرض، كما ذهب إلى ذلك السيّد الطباطبائي مثلاً(2)، فإذا اتّسعت كفى لاستيعاب هذا العدد الضخم من الجثث، ونحوه قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ}(3)، أي: تبدّل بأرضٍ أوسع، وإذا بدّلت بأرضٍ أوسع أمكن استيعاب كلّ الجثث.
قلنا: إنَّ هذا يتوقّف على فهمين مقترنين: فإذا ضممناهما معاً أمكن القول بذلك، وإلّا فلا، لكن يأتي الكلام في أنَّ الفهمين صحيحان أم لا؟
الفهم الأوّل: أن نفهم من (مدّت) السعة بالمقدار الذي يكفي لاستيعاب جميع جثث البشريّة من أوّل الخلقة إلى يوم القيامة، إلّا أنَّنا لم نفهم من (مدّت) هذا المعنى، وإنَّما هو كأُطروحةٍ ليس إلَّا. وأمّا إذا فهمنا منها أشياءً أُخرى فحينئذٍ يسقط هذا الفهم وانتهى الحال.
الفهم الثاني: أن نفهم تبدّل الأرض، أي: يحصل في أرضنا هذه تبدّل مع حفظ ماهيّتها، أي: إنَّها الأرض بنفسها، وظاهر الآية: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ}(4) أنَّ الأرض تبدّل غير الأرض، أي: تُبدّل بأرضٍ أُخرى، وليست
ــــــ[51]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآية: 3.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 242، تفسير سورة الانشقاق.
(3) سورة إبراهيم، الآية: 49.
(4) سورة إبراهيم، الآية: 49.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
هذه الأرض المادّيّة. كما أنَّ من المستبعد حصول اتّساعها بهذا المقدار الذي يكفي لهذا العدد الهائل من البشر الذين تعود لهم الروح؛ فإنَّها لا تكفي ولو اتّسعت مائة مرّةٍ، وخاصّةً – وهذا قلّ ما يُلتفت إليه- إذا التفتنا إلى قوله تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ}(1)، وليس البشر فقط. وعلى ظاهر هذه الآية يبدو أنَّ الوحوش على أجيالها المتطاولة – من زمان الديناصورات (على فرض وجودها) إلى الآن- كلّها تعود إلى وجه الأرض، فزاد الطين بلّةً والإشكال صعوبةً.
إذن فمن المستبعد حملها على المعنى المادّي، وهل من المحتمل أن يكون سطح الأرض هو أرض المحشر بنفسه، وأنَّ الجنّة والنار والحساب والعقاب يحصل فيها، كما عليه فهم المتشرّعة؟ مع أنَّ المتشرّعة من هذه الناحية في حيرة من التصوّر، والكتاب والسنّة مجملٌ من هذه الناحية؛ لأنَّ ذلك أعلى من المستوى العامّ للفهم.
[سؤالٌ متعلّقٌ بقوله تعالى: أَلْقَتْ مَا فِيهَا]
وهنا يوجد سؤالٌ متعلّقٌ بقوله تعالى: {أَلْقَتْ مَا فِيهَا}(2) وهو متفرّعٌ على تقريبنا من أنَّ الأرجح كون {أَلْقَتْ مَا فِيهَا} أي: ألقت ما على سطحها من الأُمور، و(تخلّت) أي: خلّيت، ولعلّ أرجح الأُطروحات كان ذلك، ومن هنا يتفرّع السؤال المذكور، وهو أنَّ المراد ليس ما ذُكر، بل المراد من قوله تعالى: {مَا فِيهَا} أي: ما في باطنها، ولو أراد ظهرها وسطحها لقال: (ما عليها) ولم يقل: {مَا فِيهَا} فيكون قوله تعالى: {فِيهَا} قرينةً على هذا المعنى، ولعلّ هذا التعبير يميل إلى تعيّن هذا المعنى.
وجواب ذلك من وجهين:
ــــــ[52]ــــــ
(1) سورة التكوير، الآية: 5.
(2) سورة الانشقاق، الآية: 4.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الوجه الأوّل: أنَّ هذا الإشعار موجودٌ بلا إشكالٍ، ولكنّ الكلام في أنَّ ذلك متعيّنٌ أم لا؟ فهذا محلّ الإشكال والصعوبة.
والوجه فيه: أنَّنا يمكن أن نفهم من (في) معنى على؛ لأنَّ الحروف قد يُستعمل بعضها في محلّ بعضٍ، كما يمكن أن يُراد من بعض معنى البعض الآخر، ويمكن أن نسمّي هذا الاستعمال استعمالاً حقيقيّاً، وليس استعمالاً مجازيّاً.
الوجه الثاني: أنَّ قوله: {مَا فِيهَا} يناسب كلا الأمرين، أي: ما في باطنها وظاهرها، فالمهمّ في {في} الظرفيّة أنَّ حرف الجرّ هذا يصدق في حال الظرفيّة أو في الظرفيّة، ولا شكّ أنَّ السطح أيضاً ظرفٌ لما فيه ولما عليه، ومن الصحيح أن يُقال للاشياء التي فوق السطح {عَلَيْهِ} ولكنّها أيضاً في نفس الوقت (فيه) باعتبار الظرفيّة، و(عليه) باعتبار الاستعلاء، أي: بمعنى فوقه، فكلاهما صادقٌ، فاختيار أحدهما دون الآخر ممكنٌ لا متعذّرٌ. وممّا يؤيّد ذلك قولهم: (أدخلت الخاتم في إصبعي) فهنا نقول فيه تارةً: إنَّه ظرفيّة، أي ظرفيّة إحاطةٍ، فيكون من المقلوب أنَّك أدخلت إصبعك في الخاتم؛ لأنَّ الخاتم محيطٌ بإصبعك، وتارةً أُخرى لا نفهم مطلق الظرفيّة، وإنَّما نتصوّر للإصبع ظرفيّةً في خارجه وفي سطحه الأعلى، فندخل الخاتم في الأُصبع ويكون سطحه الأعلى ظرفاً للخاتم، وهذا أيضاً صحيحٌ. فكذلك السطح الأعلى للأرض ظرفٌ لما عليها من الإنسان والحيوان والنبات والجماد وغير ذلك.
****
قوله تعالى: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} وتكرارها
قوله تعالى: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}:
تكرّرت هذه الآية مرّتين في هذه السورة، وقد تكلّمنا عن الأُولى، ولا يوجد اختلافٌ فيما بينهما حتّى يتمّ إيضاحه، سوى فرق إرجاع الضمير،
ــــــ[53]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فالضمير في الأُولى يعود إلى السماء؛ لأنَّه قال: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ}، ثُمَّ {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}، والضمير في الآية الثانية يعود إلى الأرض؛ لأنَّه قال بعد تلك الآيات: {وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ}، مع ملاحظة أنَّ كلّ شيءٍ يحقّ بحسب استحقاقه وبحسب قابليّته، فإذا حقّت السماء تكون على شكلٍ من العلل والمعلولات، وإذا حقّت الأرض تكون على شكلٍ آخر من العلل والمعلولات، لا أنَّها تحقّ بنفس الأُسلوب والنتيجة، فليس الامر كذلك بطبيعة الحال، ولكنّ فكرة الحقّانيّة منطبقةٌ عليهما معاً.
وممّا ينبغي الالتفات إليه في هذا الصورة هو: أنَّ المشهور يرى أنَّ هذه الآيات نزلت في بيان حوادث يوم القيامة(1)، وهي ابتداءً من قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ} أي: من أوّل السورة، إلى قوله تعالى: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}، ثُمَّ يأتي بعد ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}، فمقتضى فهم المشهور هنا أنَّ كلا المجموعتين من الآيات نستطيع أن نرجعهما إلى يوم القيامة، أي: من قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ} إلى نهاية الفقرة الخاصّة بشرح يوم القيامة، ونحوه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا} وما بعدها ليوم القيامة أيضاً.
فعلى ما تقدّم فإنَّ الأمر يدور بين أربعة احتمالاتٍ:
الأوّل: أن تكون كلّ الآيات ليست ليوم القيامة، وهذا في نفسه بعيدٌ؛ لأنَّ الفقرة الثانية من قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا}
ــــــ[54]ــــــ
(1) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 10: 436، تفسير سورة الانشقاق، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 567، تفسير سورة الانشقاق، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 287-288، تفسير سورة الانشقاق، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
كأنَّها ظاهرةٌ في يوم القيامة؛ لقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}، فهذا إنَّما يحصل في يوم القيامة، لكن المحصّل هو أن تكون الفقرة الأُولى دالّةً على ذلك.
الثاني: أن تكون الآيات الأُولى في يوم القيامة أو في غير يوم القيامة، فحينئذٍ يأتي الاحتمال الثاني، أي: إنَّ الفقرة الثانية في يوم القيامة دون الأُولى.
الثالث: أنَّ الآية الأُولى في يوم القيامة دون الثانية، وهذه أيضاً تُردّ بكون الثانية كالنصّ في كونها بيوم القيامة.
الرابع: أن يكونا معاً ليوم القيامة، وهذا الاحتمال الأخير هو المشهور(1)، أي: أن يكون سياق كلا الفقرتين من أوّلهما إلى آخرهما في يوم القيامة. وهذا مدفوعٌ بالاستبعاد؛ لأنَّ كلتا الفقرتين تشرحان نفس الشيء، مع أنَّ كلّ واحدٍ بمضمونه يختلف عن الآخر، فهذه المجموعة من المعاني لا تشبه المجموعة الأُخرى، فكيف أصبح ليوم القيامة؟ وعليه فينتج أنَّ الثانية ليوم القيامة دون الأُولى، وقد أعطينا للأُولى أُطروحاتٍ كافيةً لكونها في غير يوم القيامة، وبعض الأُطروحات كانت تناسب ذلك، فما المانع في ذلك؟
اللّهمّ إلّا أن يدافع المشهور عن نفسه، وذلك بأن يُقال: إنَّ كلاً منهما في يوم القيامة، لكن يوم القيامة معنىً طويل الأمد، وله مراحل وفقراتٌ وفتراتٌ ونحو ذلك من الأُمور، فحينئذٍ يتصوّر المشهور أنَّ الفقرة الأُولى أسبق زماناً في يوم القيامة من الثانية؛ لأنَّ الأُولى تتعرّض إلى مقدّمات يوم القيامة وإرهاصاته، وأمّا الثانية فتتعرّض إلى حوادث الحشر والنشر نفسه، بعد
ــــــ[55]ــــــ
(1) أُنظر: زاد المسير في علم التفسير 4: 419، تفسير سورة الانشقاق، لباب التأويل في معاني التنزيل 4: 408، تفسير سورة الانشقاق، مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 699، تفسير سورة الانشقاق، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
التعرّض لذي المقدّمة -لو صحّ التعبير- الذي هو نفس يوم القيامة، والذي يؤتى المؤمن فيه كتابه بيمينه والكافر وراء ظهره. وحينئذٍ يستقيم المعنى بمقدارٍ مّا كأُطروحةٍ مشهورةٍ، ولعلّه ليس فيها مزيد إشكالٍ. نعم، تبقى أُطروحاتٌ في مقابلها، ولا يوجد إشكالٌ يدفعها بوضوحٍ.
وبالإمكان أن نشير إلى فكرةٍ محتملةٍ قابلةٍ لأن تدفع هذه الأُطروحة المشهورة، وهي أنَّنا لو بنينا على هذه الأُطروحة المشهورة يكون هناك حشوٌ في السياق، فيكون هناك آيةٌ كأنَّها زائدةٌ لا ربط لها بالفقرتين، أو قل: بأوصاف يوم القيامة؛ لأنَّه من الممكن أن يقول: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ … وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ … فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}(1)؛ لأنَّ المقدّمات انتهت، أي: مقدّمات أحداث يوم القيامة، فحينئذٍ يتحدّث عنه بكذا وكذا، وعندئذٍ يكون قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ} يشبه أن يكون حشواً مّا بين مقدّمات يوم القيامة وحوادث نفس القيامة، أو ما بين المجموعة الأُولى وما بين المجموعة الثانية. وهذا على خلاف الظاهر، أي: لا وجود للحشو في القرآن، وهذا يرجّح أنَّ الفقرة الأُولى ليست ليوم القيامة؛ لأنَّها إذا لم تكن ليوم القيامة ينتهي الحديث العامّ والقواعد العامّة إلى نهاية هذه الآية، ثُمَّ يبدأ الحديث حول يوم القيامة، وكأنَّ الحديث عن أعمال الإنسان عموماً، فالأُولى عن أعماله والثانية عن جزائه وثوابه وعقابه، فمن هذه الناحية يمكن دعوى وجود قرينةٍ على خلاف فهم المشهور.
ــــــ[56]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآيات: 1-8.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ}:
وهنا جعل المشهور {فَمُلاَقِيهِ} ذيلاً للآية السادسة، لا أنَّها تستمرّ الى الآية التي بعدها، مع أنَّ {فَمُلاَقِيهِ} من الناحية الذوقيّة أو الجماليّة لا تصلح أن تكون آخر الآية، إلّا أن نخلّي سبيلها، ونربطها بما بعدها هكذا: {فَمُلاَقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه ِ* فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}، فحينئذٍ تكون ضمن الآية، ولكن رؤوس ونهايات الآيات في الحقيقة ليس لها ضابطةٌ، فنحن لا نعلم مَن جعل رؤوس الآيات، وإلَّا فالوحي في نفسه لم ينزل بما فيه من نقاطٍ ولا فواصل في بداية الآيات، وإنَّما جعلها الجاعلون وكتبها الكاتبون ليس إلَّا، فمن الممكن تقليصها وزيادتها. نعم، فيها شيءٌ واحدٌ، وقد ذكرته من بعض الجهات في كتابي >ما وراء الفقه<(1)، وهو أنَّ رؤوس الآيات كانت موجودةً في عصر المعصومين^ وممضاةً من قبلهم، أي: إنَّ المعصومين^ رأوها وسكتوا عنها، وإقرار المعصوم سنّة وحجّة، وإلَّا فلماذا نعطي المسألة أكثر من ذلك؟ وبالتأكيد جُعلت ووضعت رؤوس الآيات، وهم يعترفون بذلك، أي: إنَّه جعلها أصنافهم، وليس منّا من تصرّف بهذا التصرّف، فمن هذه الناحية في نفس الأمر لا يكون حجّةً لولا أن يكون ممضىً من قبل المعصومين^.
[في اختلاف المصاحف في بداية رؤوس الآيات]
ومن هنا يأتي مطلبٌ آخر يدخل في الموضوع، وهو أنَّنا نرى أنَّ جملةً من المصاحف يختلف بعضها عن الآخر في بداية رؤوس الآيات، وهذا ليس في
ــــــ[57]ــــــ
(1) راجع ما أفاده+ في الفصل الباحث حول قراءة القرآن الكريم في ما وراء الفقه 1: 99 وما بعدها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
هذا الوقت -وكأنَّ المصلحة والارتكاز العرفي العامّي على هذه المصاحف المشهورة- وإنَّما في المصاحف القديمة، أي: قبل أكثر من ألف سنةٍ، والتي تدّعي أنَّها بخطّ الأئمة^، ففي تلك الأزمنة كانت بداية رؤوس الآيات في المصاحف تختلف من مصحفٍ إلى آخر، وأنَّ عدد الآيات يختلف أيضاً تبعاً لتحديد بداية ونهاية الآيات، فمن هذه الناحية تكون هناك شبهةٌ مصداقيّةٌ، فهل إنَّه بعد قوله: {مُلاَقِيهِ} كان رأس آيةٍ في زمن الأئمة^ أم لا؟ فلا علم لنا بذلك أكيداً، إلّا أن نرى إجماع المصاحف على ذلك من قبل عدّة قرونٍ وإلى الآن، وإلَّا فلا.
وإلَّا فإنَّ قول السيوطي وغيره لا ينفع في هذا المجال، وليس له حجّيّةٌ، ولكن من المؤسَف له أنَّ مدار إجماع الحوزة على ذلك.
[بيان معنى قوله تعالى: كَادِحٌ]
وأهمّ نقطةٍ في المقام ينبغي توضيحها هي بيان معنى قوله تعالى: {كَادِحٌ}:
قال الراغب: الكدح: السعي والعناء، قال تعالى: {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا}. وقد يُستعمل استعمال الكدم في الأسنان، قال الخليل: الكدح دون الكدم(1).
وذلك لأنَّ الإنسان لو كان عنده رغبةٌ في شيءٍ مّا، فإنَّه يسعى ويحاول ويجاهد ويتعب ويعرق أو يبرد أو يعاني، ما شئت فعبّر، كلّ ذلك في سبيل الحصول على رغبته وهدفه. ومادّة (الكدح) مكرّرةٌ مرّتين: مرّةً بصيغة اسم الفاعل، وأُخرى بصيغة المصدر. وكأنَّ الإنسان في الكدم يمضغ بشدّةٍ، و(الكدح) أن يمضغ بخفّةٍ أو بكسلٍ.
[تعليقات في معنى (الكدح)]
ولنا على ذلك عدّة تعليقاتٍ:
ــــــ[58]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 444، مادّة (كدح).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
التعليق الأوّل: أنَّ (الكدم) هو المضغ بالأسنان، وقبل كلّ شيءٍ ينبغي أن نعيّن أصل معنى كلمة (الكدم).
فـ (كدم) و(الكدمة) الصدمة، وغالباً ينتج الصدم التفسّخ والتحطّم، فإذا صدمت شيئاً تكسّر وتحطّم، فاللقمة تتحطّم بالأسنان، ومن هنا سُمّي كدماً، أي: أنا أكدم اللقمة وأفسخها وأصدمها بأسناني، ومن هنا سُمّي المضغ كدحاً؛ لأنَّ فيه تعباً وعناءً في بعض الأحيان، فحينئذٍ يكون كدح الإنسان كأنَّ هدفه أن يبلعها، ولا تبلع إلّا إذا مضغت، فيعاني بالمضغ قبل بلعها.
التعليق الثاني: أنَّ (الكدح) يمكن أن يكون من (القدح)؛ فإنَّ الحروف بحسب الارتكاز العرفي واللغوي يأتي بعضها في محلّ بعضٍ، خاصّة إذا كان لها تشابهٌ، والقدح هو إيجاد الشرار أو الشرر؛ وذلك للسرعة في السير؛ لأنَّ إيجاد الشرار يكون بالاحتكاك، وأنَّ السير يكون فيه احتكاكٌ ولو خيالاً أو مجازاً. إذن فكأنَّما يحصل فيه شررٌ تقدح في السير ناراً، كما قال جدّنا الأكبر السيّد صدر الدين+ مخاطباً الإمام الرضا× أثناء زيارته لمشهد الرضا المقدّس:
أتتك استباقاً تقدّ القفارا
سوابح تقدح في السير نارا(1)

ولأنَّ القدح يكون بالاحتكاك، فيتخيّل المسرع أنَّ شرراً في سرعته، وبلحاظ العمل الدنيوي والأُخروي تتخيّل سرعتك، فيكون بمنزلة القدح، ثُمَّ يخفّف القاف، فيكون كافاً، فيُقال: كدح.
التعليق الثالث: أنَّ الكدح والكدّ واحدٌ بحسب فهمي، بالرغم من
ــــــ[59]ــــــ
(1) أُنظر: تكملة أمل الآمل: 237.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
اختلاف المادّة اللفظيّة؛ لأنَّ ذلك ثلاثي، أي: الكدح، إلّا أنَّهما بمنزلة المترادفين أو أنَّهما مترادفين فعلاً كلفظٍ، فيقال: يكدّ في رزقه ويكدح فيه، أي: يتعب، إذا كان نشطاً فيه ومتحرّكاً وكثير السرعة والنشاط، ويُقال: يكدح أيضاً، ومضمونها واحدٌ، وإن كان إلى حدٍّ مّا انطباعاً نفسيّاً، لكنّه من حيث المضمون العقلي واللغوي ليس بينهما فرقٌ معتدٌّ به، والآية هنا تقول: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ}. وقد بينّت عدّة مرات أنَّ الإنسان هنا يُراد به أحد أمرين: إمّا مطلق الإنسان أو الإنسان المطلق. وعلى كلّ حالٍ إنَّ المطلق معنىً مضمونٌ في الإنسان، ولا ينافي معنى اسم الجنس؛ لأنَّ الإنسان المطلق أيضاً كلّي قابلٌ للانطباق على أفرادٍ كثيرين، كما أنَّ مطلق الإنسان أيضاً كلّي قابلٌ للانطباق على أفرادٍ كثيرين، فيكون بينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ، وذلك بأن يُقال: إنَّ الإنسان المطلق يندرج ضمن مطلق الإنسان بحصّةٍ من حصصه؛ لأنَّ مطلق الإنسان إمّا ليس بإنسانٍ مطلقاً، وإمّا إنسانٌ عالٍ، الذي هو الإنسان المطلق. وقد فهم السيّد الطباطبائي+ من (الكدح) السير، فقال: ففيه معنى السير(1)، مع العلم أنَّ المراد به التعب، لكنّه كأنَّما – بمعنىً من المعاني المجازيّة- يُراد منه السير بقرينة (إلى)؛ لأنَّه يقول: {كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا}، أي: سائر إلى ربّك سيراً؛ فإنَّ السير يصل إلى النتيجة. ولو أراد مجرّد الجهد لم يصحّ استعمال هذا الحرف (إنَّك كادحٌ)، أي: تاعب، فينبغي أن يقول مثلاً: (في ربّك) إذا كان المراد مجرّد التعب، فيبدو أنَّه يُراد به نحوٌ من أنحاء السير.
فإن قلت: فإنَّ السير لا يكون إلّا في المكان.
ــــــ[60]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 242، تفسير سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قلنا: ليس الأمر كذلك إطلاقاً. نعم، هذا القدر المتيقّن وأوضح المصاديق العرفيّة، وقد عوّدنا الفقهاء والأُصوليّون أن نكون متدّنين في الفهم وماديّين في الفكر مع شديد الأسف. ونظيره قولنا: سرت من البصرة إلى الكوفة، لكن ليس أصله كذلك، فالسير هو الحركة، والحركة لها عدّة عوالم، وليس عالماً واحداً، كما عليه العرف وبعض المتشرّعة، فالحركة في المكان هو المشي مثلاً، وكذلك الحركة في الزمان، نحو: من الأمس إلى اليوم وإلى الغد وإلى … فهذا أيضاً سيرٌ في الزمان. وكذلك السير نحو الأعلى، أي: السير المعنوي التكاملي، وكذلك السير المعنوي التسافلي، فهذا كلّه نحوٌ من السير، ولا نستطيع أن نقول بمصداقٍ دون آخر بكونه حقيقيّاً، وإن كان ذلك لا يدركه العرف، ولكن العرف لو التفت إليه لأقرّ بأنَّ ذلك سيرٌ.
ومن مؤيّدات ذلك: أنَّه يصدق عليه الابتعاد والاقتراب.
فأقول موضّحاً ذلك: أنَّ السير المكاني يصدق عليه الابتعاد – وهذا واضحٌ- وهو الابتعاد والاقتراب العرفي.
نقول: سار فابتعد عنّا، أو سار فاقترب منّا، والسير الزماني هكذا أيضاً، لذا نقول: الفراعنة بعيدون عنّا بمقدار أربعة آلاف سنةٍ زماناً أو أزيد أو أقلّ، وليس مكاناً، وإلَّا فالمكان إنَّما هو ما بيننا وبين مصر لا أكثر ولا أقلّ. وكذلك يصدق القرب والبعد معنويّاً، فنقول: إنَّ فلاناً بعيدٌ عن الدنيا وما فيها، كأنَّ حبّ الدنيا قد خرج من قلبه، وأنَّ شهوته قلّت وتقلّصت وماتت ونحو ذلك من الأُمور، فكونه بعيداً عن الدنيا ليس ذلك بمعنى: أنَّه غير موجودٍ في أوقات النهار أو الليل، أو كونه في مكانٍ مّا، وإنَّما هو بعيدٌ عن الدنيا عاطفةً ورغبةً وهدفاً… وهكذا.
ــــــ[61]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
[المراد بـ(الربّ) في قوله تعالى: كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ]
كما أنَّ المراد بـ(الربّ) في قوله تعالى: {كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ} هو الله تعالى، فتارةً نتعبّد برأي المشهور، وحينئذٍ لا داعي لأن نتكلّف في الفهم للمعاني، وأُخرى لا، بل نعتمد على ما نفهم؛ لأنَّني لم أطرح هذا الدرس لأجل التعبّد برأي المشهور، وعليه فإنَّ المراد بـ(الربّ) هنا عدّة احتمالاتٍ:
أوّلاً: المراد هو الله سبحانه، كما عليه فهم المشهور، وقد أخذه المشهور مسلّم الصحة، لكنّهم يورّطون أنفسهم من جهةٍ أُخرى، وهي قوله تعالى: {مُلاَقِيهِ}، فيرد على المشهور أنَّ المراد إن كان الملاقي هو الله تعالى فهذا محالٌ؛ لأنَّ (يلاقي) تلازم المكان والزمان، وقد ثبت في علم الكلام الإسلامي استحالة ذلك على الله تعالى(1).
إذن فلقاؤه مستحيلٌ، ونحن محدودون، والمحدود لا يدرك إلّا المحدود، وعليه فيلزم حمل {مُلاَقِيهِ} على أنَّه ملاقٍ ثوابه لا شخصه، فيكون التقدير على خلاف الظاهر. فنحن بين أحد أُمورٍ ثلاثةٍ من خلاف الظاهر، وهي إمّا أن نرفع اليد عن الظهور في (ربّك) من أنَّه هو الله تعالى بذاته، أي: أنَّ الملاقي إنَّما هو غير الله سبحانه، وإمّا أن نقرّ بصحّة ذلك، ولكن نقول: لابدّ من التقدير في {مُلاَقِيهِ}، ونقول أيضاً: إنَّ المراد ملاقي ثواب الله، لا ملاقي الله بذاته، وإمّا أن نعترف بكلا الأمرين (ملاقي الله)؛ باعتبار أنَّ إليه المنتهى وإليه الرجعى، على ما سوف يأتي ذكره.
وهذا له درجةٌ من درجات الباطن، لكن نستطيع أن نقول: إنَّ المشهور التقليدي يتمسّك بهذه الأُطروحة، وهي أنَّ ربّك هو الله، لكنّه ملاقي ثوابَه.
ــــــ[62]ــــــ
(1) راجع القبسات: 24، القبس الأوّل، الشواهد الربوبيّة في المناهج السلوكيّة: 289، الإشراق السابع، أُصول المعارف: 96، الباب السابع.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ثانياً: أنَّ معنى (ربّك) هو الروح العليا، والتي هي كمال الإنسان أكيداً، وهذا واضحٌ، ويوجد اصطلاح (ربّ) للنوع، فهذا يشبه هذا من بعض الجهات.
ثالثاً: أنَّ المقصود بـ(ربّك) هو عالم الجبروت الذي هو كمال العقل.
رابعاً: أنَّه يقصد الهدف مهما كان، ويكرّس له حياته، فكأنَّه يطيعه وينفّذ ما كان في سبيل ذلك الهدف، فيكون (ربّك) بمعنى: جعل إلهه هواه(1).
خامساً: أنَّه المحبوب مهما كان، والإنسان بطبعه يسير نحو محبوبه وهدفه.
[أطروحات في معنى الآية]
ومعه يكون لمعنى الآية عدّة أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ معنى الآية هي كسب الرزق بالكدح، أي: يحصّل الرزق، فـ(ملاقيه) أي: يحصل تلاقي الرزق؛ لأنَّه هدفه، ويُراد بالإنسان مطلق الإنسان، بمعنى: أيّ واحدٍ يكون كادحاً إلى رزقه، فهو ملاقي رزقه، وهذا يحصل في الدنيا دون الآخرة.
الأُطروحة الثانية: أنَّ المراد منها مطلق الكسب: ككسب الرزق أو العلم أو الشهرة أو أيّ شيءٍ آخر، كالمؤلّفات أو المرجعيّة أو السلطنة على المجتمع، فعندما يحصل عليها يكون (ملاقيه)؛ لأنَّ ذلك هدفٌ له.
الأُطروحة الثالثة: أن يكون المراد بـ(الربّ) في الآية الكمال المطلق، وكلّ الخلق سائرٌ ومتّجهٌ نحو الكمال المطلق بطبعه، بما فيها الإنسان، وكلّ الخلق كادحٌ له، أي: كادحٌ إلى الكمال المطلق، وليس الإنسان كادحاً خاصّةً إلى الكمال المطلق، بل هو القدر المتيقّن من الكدح إلى الكمال المطلق؛ لأنَّه إلى حدٍّ
ــــــ[63]ــــــ
(1) إشارةٌ إلى قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [سورة الجاثية، الآية: 23].
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
مّا يمكن أن نقول: إنَّ الإنسان واعٍ لذلك، وفاهمٌ له بالعلم الحضوري والحصولي، وليس بالعلم الحضوري فقط. وأمّا الحيوان والنبات والمواد وغير ذلك فهي واعيةٌ لذلك بالعلم الحضوري دون الحصولي، ومع ذلك فهي كادحةٌ إلى الكمال المطلق. ولذا علينا أن نفسّر هذه في الحكمة العليا، وقد فسّروا هذه الأُمور كلّها في الحكمة العليا -أعني: سير النجوم والشمس والقمر والسحاب والمطر وركض الحيوانات في الغابات وإثمار الشجر وكلّ شيءٍ- بكونها مقدّمةً مّا إلى الكمال المطلق.
الأُطروحة الرابعة -وهي الأُطروحة المشهورة والساذجة(1)-: أنَّ الكدح في العبادة تكون قربةً إلى الله تعالى، فـ(كادح) أي متعبّدٌ إلى ربّك، أي: قربةٌ إلى ربّك، كما تقول: أُصلي قربةً إلى الله، فهذه القربة لا إشكال فيها، أي: القرب المكاني، وهذا المعنى مفروغٌ عنه، وأنَّ الربّ هو ذات الله جلّ جلاله أيضاً، وهذا المعنى أيضاً مشهورٌ. وأُستعمل حرف (إلى)؛ لأنَّها قربةً إلى الله. ثُمَّ إنَّ الملاقي هو المتقرّب، أي: لأجل أن يلاقي ثوابه، وليس ذات الله سبحانه وتعالى. فهذه الأُطروحة هي المشهورة، وأستطيع أن أُسمّيها بالأُطروحة الساذجة.
وهذه الأطروحة تواجه أكثر من إشكالٍ:
أوّلاً: أنَّ المشهور هنا يفهم من (الإنسان) مطلق الإنسان، فنقول: هل إنَّ مطلق الإنسان يكدح إلى ربّه؟ والصحيح أنَّ مطلق الإنسان ليس كذلك،
ــــــ[64]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 271، تفسير سورة الانشقاق، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 288، تفسير سورة الانشقاق، مفاتيح الغيب 31: 97-98، تفسير سورة الانشقاق، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فالمشهور يعلمون هنا أنَّ غالبيّة البشر إنَّما هم كفرةٌ وفسقةٌ، وفيهم مَن لم يذكر الله طرفة عينٍ من ولادته إلى موته، فهل يكون هذا الصنف كادحاً إلى ربّه؟!
فالصحيح هو إنَّما يُراد بذلك الإنسان الصالح، أي: الإنسان المطلق بمعنىً من المعاني، وهنا يعجز المشهور عن الإتيان بقرينةٍ دالّةٍ على أنَّ المراد من الإنسان هو الإنسان المطلق أو القريب منه.
ثانياً: أنَّ (ملاقيه) بمعنى: ملاقي الثواب في الآخرة، والمشهور يعترف بهذه النتيجة، مع أنَّ هذا الفهم على خلاف الظاهر من الآية، فالضمير في (ملاقيه) يعود إلى الله، فيحتاج إلى تقديرٍ، فإمّا أنَّه ملاقٍ لثواب الله، وإمّا أنَّه ملاقٍ للآخرة، بمعنى: أنَّه لا يُراد بالضمير الله تعالى بالمرّة.
وإنَّما يُراد شيءٌ آخر يرتبط بالله سبحانه وتعالى، كالآخرة مثلاً، فنتصوّر أنَّ الآخرة ترتبط بالله أكثر ممّا ترتبط الدنيا به، كما عليه ارتكاز المتشرّعة، وأنَّ ذلك من عالم المجرّدات، والله سبحانه منها، في حين أنَّ نسبة الله إلى الآخرة والدنيا سيّان {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ}(1)، فهذا وهمٌ، وليس بصحيحٍ، وعليه فأُطروحة المشهور لا تستقيم في نفسها.
الأُطروحة الخامسة: أنَّ لكلّ إنسانٍ هدفه المعنوي من التكامل، لكنّه ليس هو هو؛ لأنَّ الهدف المعنوي يختلف باختلاف المستويات والأديان والثقافات والطبقات الاجتماعيّة وغير ذلك، فربَّ إنسانٍ هدفه المعنوي أُخروي، وآخر دنيوي محضاً، وثالثٌ هدفه الكمال الحقيقي، ورابعٌ هدفه الكمال السفلي، أو ما يسمّى بعالم الظلام، وخامسٌ هدفه تعلّم السحر أو
ــــــ[65]ــــــ
(1) سورة الزخرف، الآية: 84.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الاختصاص في الكيمياء أو الفيزياء، فكلّ شخصٍ يكدح إلى هدفه، فهنا يكون معنى الآية مطلقاً لكلّ الأهداف. أي: أيّها الإنسان – مطلق الإنسان- إنَّك كادحٌ إلى هدفك فملاقيه، أي: حاصلٌ عليه، أيّ شيءٍ كان هدفك؛ لأنَّك سوف تلاقي نتيجة هذا الهدف.
الأُطروحة السادسة: أنَّ المراد بـ(الربّ) هو الله سبحانه وتعالى، كما عليه المشهور، وهو ظاهر الآية، وكذا الحال في (ملاقيه)؛ فإنَّ ظاهره أنَّه ملاقي الله سبحانه. لكن يُشكل بأنَّ اللقاء مع الله مستحيلٌ، كما عليه السلف (رضوان الله عليهم) في علم الكلام.
ونحن نقول: إنَّ ذلك أيضاً مستحيلٌ، أي: مكاناً ورؤيةً بالمعنى المادّي، وقد علّمنا مولانا أمير المؤمنين وسيّد العارفين× كيف نلاقي الله سبحانه وتعالى بجملةٍ مختصرةٍ وهي: >لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان<(1). وهذا ما نصّ عليه القرآن الكريم كثيراً، نحو قوله تعالى: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}(2)، {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى}(3). وقد شدّد على الذين يكذّبون بلقاء الله وبآياته، وأنَّ من يفعل ذلك فهو على ضلالٍ وفي جهنّم، وهذا هو الظاهر من سياق القرآن، مع العلم أنَّ لقائه تعالى مستحيلٌ،
ــــــ[66]ــــــ
(1) الكافي 1: 97، باب في إبطال الرؤية، الحديث 5، الاحتجاج 2: 321، احتجاج أبي جعفر محمّد بن علي الباقر×، الاختصاص: 235، الإرشاد 1: 224، الأمالي (للصدوق): 341، المجلس 55، الحديث1، التوحيد: 304، باب حديث ذعلب، وإرشاد القلوب 2: 374، مكالمته× مع رأس اليهود.
(2) سورة العلق، الآية: 8.
(3) سورة النجم، الآية: 42.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ونحن عاجزون عن لقائه سبحانه، والله سبحانه يبقينا في جهنّم -والعياذ بالله- لأنَّنا كذّبنا بما هو ممكن الوصول إليه واستهدافه، وهو لقاؤه تعالى والقرب منه معنويّاً لا مادّيّاً.
الأُطروحة السابعة – وهي قريبةٌ من السابقة مع تقدّم خطوةٍ إلى الأمام-: أنَّ المراد بالإنسان الإنسان المطلق لا مطلق الإنسان، وبالربّ الله سبحانه وتعالى، والمراد: أيّها الإنسان المطلق العالي المقام جدّاً {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ}، أي: كادحٌ إلى الله سبحانه وتعالى فملاقيه، أي: باللقاء المعنوي. ولكن هذه الأُطروحة تنتج نتيجةً من الفرق بينها وبين الأُطروحة السابقة، وهذا معناه أنَّ السير إلى الله تعالى والكدح إليه يبدأ من هناك، أي: من حين أن يكون الإنسان إنساناً مطلقاً، لا مطلق الإنسان ولا ما هو دون ذلك، فالإنسان المطلق هو الذي له الحقّ حقيقةً في الكدح إلى الله سبحانه. وليس المراد أنَّه بمجرّد أن يصل إلى ذلك فهو ملاقي الله، بل يوجد هناك مراحل، ربما تكون غير متناهيةٍ إلى حدّ الوصول إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال سيّد العارفين وإمام الموحّدين ×: >أوّل الدين معرفته<(1). فالإنسان حينما يصبح إنساناً مطلقاً يعرف الله حقَّ معرفته، وذلك أوّل الطريق، وليس آخره، وما هو المشهور بين ما يُسمّون بالسالكين أنَّهم يذكرون: أنَّ هذا آخر الطريق، أي: إنَّ السلوك يصل إلى معرفة الله، ثُمَّ لا شيء بعد ذلك، وما علينا بعد ذلك سوى الجلوس، فهذا غير صحيحٍ، وإنَّما ذلك أوّل الطريق وليس آخره، وهو الذي
ــــــ[67]ــــــ
(1) نهج البلاغة: 39، الخطبة 1، عوالي اللئالي 4: 126، الجملة الثانية، والاحتجاج 1: 198، احتجاجه× فيما يتعلّق بتوحيد الله ….
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يعبَّر عنه عند أهل المعرفة بالسير من الخلق إلى الحقّ(1).
الأُطروحة الثامنة: أنَّ قوله: {كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ} أي: ملاقي الكدح، والكدح هو العمل في الدنيا، فهناك يذهب، فيلاقي عمله بعينه.
وهذه الأُطروحة من الناحية اللفظيّة لا بأس بها؛ لأنَّه حينما يدور الأمر بين مرجعين للضمير أو مصدرين للضمير – لو صحَّ التعبير- فيقدّم الأقرب على القاعدة، فـ(إلى ربّك كدحاً فملاقيه) يكون (الكدح) أقرب إلى الضمير من الربّ، فيكون أولى بالرجوع إليه. ومع ذلك فإنَّ هذا في نفسه غير محتملٍ؛ لأنَّه إمّا أن نقدّر شيئاً بعنوان أنَّ عودة الضمير إلى العمل بنفسها غير محتملةٍ، إذن فنقدّر شيئاً كـ(ملاقي جزاءه)، أي: ثواباً وعقاباً، والتقدير يكون على خلاف الظاهر، أو (ملاقي عمله ويتذكّره)، أي: إنَّ الإنسان يتذكّر ما كان قد عمل في الدنيا، وهذا تقديرٌ على خلاف الظاهر أيضاً.
والشقّ الآخر أن نقول: إنَّه لا يحتاج إلى تقديرٍ، وإنَّما يلاقي نفس العمل بذاته.
[مناقشة الروايات التي تقول بتجسّم الأعمال]
وهذا ليس له مبرّرٌ معتدٌّ به، إلّا نظريّةً مذكورةً في بعض أذهان المتشرّعة، ولم أجد عليها روايةً، وربما يوجد عليها بعض الروايات الضعيفة التي تقول بتجسّم الأعمال(2)، فالفعل يكون على شكل جسمٍ ويواجهه الإنسان هناك، فحينئذٍ نقول: إنَّ هذا الجسم الذي هو العمل أصلاً إمّا أن يواجهه في يوم القيامة وإمّا أن يواجهه في الجنّة أو النار. أمّا مواجهته في الجنّة
ــــــ[68]ــــــ
(1) أُنظر: الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 1: 18، مقدّمة المؤلّف، وغيره.
(2) أُنظر: الآيات والروايات الواردة في باب تجسّم الأعمال في ميزان الحكمة 3: 2138-2142.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أو النار فلا أثر له أصلاً؛ لأنَّ المؤمن يقيناً يثاب بأُمورٍ أُخر ليس هي ذات عمله، وإنَّما مثلاً بقصورٍ وبساتين وحورٍ عينٍ وولدان مخلدين وفواكه وأنهرٍ، وليس بعمل نفسه؛ لأنَّ عمله بحسب الفرض ليس ممّا يُثاب به، وإنَّما يثاب بأُمور أُخر، كما أنَّ الكافر والفاسق يعاقب بأُمورٍ أُخر، وليس بنفس عمله ذاتاً. وإمّا أن يراه في يوم القيامة، ورؤيته في يوم القيامة ربما له مجالٌ، ولعلّه هو المركوز في بعض أذهان المتشرّعة، وهو أنَّه يوجد العمل على شكل جسمٍ ليوزن؛ لأنَّه هناك يوجد ميزان الأعمال، وهو أن توضع الحسنات في كفّة والسيئات في كفّة {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}(1)، {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}(2).
وهذا يرد عليه جوابان: بالعقل النظري وبالعقل العملي، ولقد تعرّضنا لذلك في غير واحدٍ من دروسنا وأبحاثنا(3).
الأوّل: أنَّ العمل من زاوية العقل النظري عرضٌ، وليس بجوهرٍ، والعمل إمّا حركةٌ أو فكرةٌ أو عاطفةٌ وغير ذلك، وسواء كان المراد العمل الظاهر أم الباطن، وإذ كان عرضاً فصيرورته على شكل جوهرٍ يكون مستحيلاً، وإذا حصل فليس هو هو، بل غيره، فيقول: هذا ليس عملي، وإنَّما هذا حجارةٌ أو حديدٌ، وليست هذه صلاتي ولا صيامي عيناً؛ لأنَّ صلاتي وصيامي عرضاً، وليست بجوهرٍ، فانقلاب العرض جوهراً مع بقائه على ماهيّته الأصليّة مستحيلٌ.
ــــــ[69]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 8، وسورة المؤمنون، الآية: 102.
(2) سورة الأعراف، الآية: 9، وسورة المؤمنون، الآية: 103.
(3) راجع ما أفاده المصنّف+ في أبحاث سورة الهمزة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الثاني: أنَّ من زاوية العقل العملي -{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}(1)، {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ}(2) – يتجسّد بوزنه، وهذا ليس فيه عدلٌ، والله تعالى عادلٌ لا يظلم أحداً؛ لأنَّه أيّ حجمٍ من أحجام الجسد حصل للعمل؟ فهذا لا يتعيّن، فلعلّه كيلو غرامٍ أو عشرٌ أو أكثر، فإنَّ الصلاة بهذا الحجم أو الصوم بهذا الحجم والزكاة بهذا الحجم والكذب بهذا الحجم والغيبة بهذا الحجم، فلا يتعيّنٌ ذلك بهذا الشكل، فمن هذه الناحية ليس له تعيّنٌ واقعي فيه، بل لا ندرك تعيّنه إطلاقاً، إذن فمن هذه الناحية لا يحتمل أن توزن الأعمال كثقلٍ أو جسدٍ أو حجمٍ معيّنٍ، وإنَّما الحساب بحسب موازين العدل الواقعيّة الإلهيّة التي يعرفها الله سبحانه وتعالى في علمه الأزلي، وليس بميزان كميزان الدنيا. ولذا يُعبّر عن أمير المؤمنين× بميزان الأعمال(3)، وهو ميزانٌ معنوي، فهو كباقي الإنسان يأكل ويمشي، ولكنّه مع ذلك ميزان الأعمال، أي: إنَّه يدرك بعقله الحقيقي وجه الحكمة الأساسيّة في العدل ويطبّقه على كلّ شخصٍ من البشر وغير البشر في عرصة القيامة، كما أنَّه× قسيم الجنّة والنار أيضاً(4).
ــــــ[70]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 8، والمؤمنون، الآية 102.
(2) سورة الأعراف، الآية: 9، والمؤمنون، الآية: 103.
(3) راجع مستدرك الوسائل 10: 222، أبواب المزار، الباب 21، الحديث 1، وبحار الأنوار 97: 287، أبواب زيارة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب×، الباب 4، الحديث 18.
(4) راجع الكافي 4: 570، أبواب الزيارات، دعاء آخر عند قبر أمير المؤمنين×، الحديث 1، الأمالي (للصدوق): 31، المجلس 8، الحديث 4، الأمالي (للمفيد): 213، المجلس 24، الحديث 4، بصائر الدرجات: 414، الجزء 8، الباب 8: باب في أمير المؤمنين× أنَّه قسيم الجنّة والنار، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
[أي شيءٍ هنا يكون ظرف الكدح]
وهناك شيءٌ آخر مرتبطٌ بالآية الكريمة وهو وجيهٌ ولطيفٌ في نفسه، وهو: ما هو ظرف الكدح في الآية المباركة {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ}؟ فهل له عدّة عوالم وظروفٍ كما عبّرت الآية، أي: عالم الذرّ وعالم الدنيا وعالم البرزخ وعالم يوم القيامة وعالم الثواب وعالم العقاب، فأي شيءٍ هنا يكون ظرف الكدح؟
وجوابه واضحٌ جدّاً، وهو مشهورٌ(1)، وأنا أُوافق على هذا المشهور، وذلك أنَّ ظرفه في الدنيا، ولم يحتمل أحدٌ أن يكون ظرفه في الآخرة، وسواء كان الهدف في الكدح دنيويّاً أم أُخرويّاً، أو كان تكاملاً عالياً أم كان تكاملاً سافلاً، فإنَّما هو في الدنيا، فسمّي التكامل العالي آخره، ولكن في ظرفه الدنيا. ويكفي أن نلتفت إلى أنَّ الكدح في الآخرة لا محصّل له وأنَّه خلاف الارتكاز المتشرّعي؛ لأنَّه في الآخرة حسابٌ ولا عمل(2)، فإذن العمل والكدح لأجل تحصيل الثواب، أو نقول بمعنىً من المعاني: إنَّ تحصيل العقاب غير موجودٍ هناك، إلّا من زاويةٍ واحدةٍ محتملةٍ بالآخرة لو كان هذا مقصوده، ولا أعتقد بأنَّ هذا الذي يروى من أنَّ الله سبحانه وتعالى حينما يرى عبده المؤمن لديه محرّمات (والعياذ بالله) فإنَّه يشدّد عليه النكير في الدنيا حتّى يغفر له، فإن بقيت منه بقيّة يشدّد عليه النكير في حال الاحتضار أو النزع، فإن بقيت منه
ــــــ[71]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 271، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 288، مفاتيح الغيب31: 97-98، وغيرها.
(2) راجع الكافي 8: 58، خطبةٌ لأمير المؤمنين×، الأمالي (للطوسي): 117، المجلس4، الحديث 37، الأمالي (للمفيد): 92، المجلس 11، الحديث1، غرر الحكم: 148، الحديث 2695، نهج البلاغة: 83، الخطبة 42، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بقيّة شدّد عليه النكير في قبره، فإن بقيت منه بقيّة شدّد عليه النكير في يوم القيامة، حتّى لا يذهب إلى جهنّم(1)، وهذا ذكرته مكرّراً، وإن كان فوق الطاقة تقريباً؛ فإنَّ الله لا يكلّف نفساً إلّا وسعها، وهذا هو الكدح. ولا بأس في دعوى أنَّ الإنسان يكدح في الدنيا وفي الآخرة ليغفر له، ولكن هذا فيه إشكالٌ واحدٌ، فـ(إنَّك كادحٌ) أي: باختيارك وإرادتك. وأمّا عذاب الاحتضار وعذاب القبر وعذاب البرزخ وعذاب يوم القيامة فليس باختياره وإرادته. نعم، هاهنا معنى أعمّ نسمّيه كدحاً، ولا بأس بذلك؛ لأنَّ في الآخرة عذاباً وصعوبةً، والكدح نحو صعوبةٍ.
[ثلاث فقراتٍ لطيفةٍ للسيّد الطباطبائي]
وهنا يوجد ثلاث فقراتٍ لطيفةٍ للسيّد الطباطبائي+ لا بأس بذكرهن مع شيءٍ من التعليق عليها:
الفقرة الأُولى: قال+: ومن هنا يظهر أوّلاً: أنَّ قوله: {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ} يتضمّن حجّةً على المعاد؛ لما عرفت أنَّ الربوبيّة لا تتمّ إلّا مع عبوديّةٍ، ولا تتمّ العبوديّة إلّا مع مسؤوليّةٍ، ولا تتمّ مسؤوليّةٌ إلّا برجوعٍ وحسابٍ على الأعمال، ولا يتمّ حسابٌ إلّا بجزاءٍ(2).
وهنا في الحقيقة يوجد في النفس شيءٌ من كلامه؛ لأنَّ بعض هذه الفقرات أقرب إلى المجاز منها إلى الحقيقة، ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها؛ لأنَّ الكلام يطول، ولكن تعليقي عليه باختصار: أنَّ هذه العبوديّة
ــــــ[72]ــــــ
(1) راجع الأخبار الواردة في بحار الأنوار 65: 98-149، أبواب الإيمان والإسلام والتشيّع ومعانيها وفضلها وصفاتها، الباب 18: الصفح عن الشيعة وشفاعة أئمّتهم^ فيهم، لا سيّما الحديث 96.
(2) الميزان في تفسير القرآن20: 242، تفسير سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
هي مطلق العبوديّة لا العبوديّة المطلقة، ولعلّه يريد أن يعطينا فكرة العبوديّة المطلقة؛ لأنَّ المراد بـ(ربّك) الربوبيّة المطلقة، والتي يقابلها العبوديّة المطلقة، لا أنَّ الربوبيّة المطلقة يقابلها مطلق العبوديّة، فلا ينبغي أن نقيّد المتضايفين بنفس القيد، وإلَّا لو حصلت العبوديّة المطلقة كقولنا: (محمّد عبده ورسوله’) لم يحتج الفرد إلى الحساب، بل يدخل الجنّة من دون حسابٍ.
الفقرة الثانية: قال+: وثانياً: أنَّ المراد بملاقاته انتهاؤه إلى حيث لا حكم إلّا حكمه من غير أن يحجبه عن ربّه حاجبٌ(1).
وهنا يصطدم المشهور بصخرةٍ كبيرةٍ، وهي استحالة لقاء الله حقيقةً، وأمّا السيّد الطباطبائي+ فهو فاهمٌ لمقاصد أهل المعرفة.
فالإنسان إذا وصل إلى مرتبة الفناء لا يرى حكماً إلّا لله سبحانه وتعالى، أي: لا يوجد حكمٌ حقيقي إلّا ومرجعه إلى الله تعالى.
الفقرة الثالثة: قال+: وثالثاً: أنَّ المخاطب في الآية هو الإنسان بما أنَّه إنسانٌ، فالمراد به الجنس؛ وذلك أنَّ الربوبيّة عامّةٌ لكلّ إنسانٍ(2).
أقول: هذا هو مطلق الإنسان مع مطلق الربوبيّة، لا الإنسان المطلق مع الربوبيّة المطلقة؛ فإنَّ جنس الإنسان مطلق الإنسان، ويقابله الربوبيّة، أي: مطلق الربوبيّة، وليس الربوبيّة المطلقة، والأظهر هو الثاني، أي: أن نفهم منها الربوبيّة المطلقة، وليس مطلق الربوبيّة. ويمكن أيضاً أن نفهم من الإنسان الإنسان المطلق، وليس مطلق الإنسان، وذلك بعد الالتفات إلى نكتةٍ، وهي أنَّ ظاهر الدلالة المطابقيّة في الآية أنَّ المراد به مطلق الإنسان {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ
ــــــ[73]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن20: 243، تفسير سورة الانشقاق.
(2) الميزان في تفسير القرآن20: 243، تفسير سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ}(1) بمعنى: أيّها البشر؛ لأنَّه يوجد جملةٌ من المتعمقيّن في الحكمة العليا والمعرفة الحقيقيّة يقولون: إنَّ هؤلاء البشر ليسوا بإنسانٍ، وإنَّما يصل الإنسان إلى إنسانيّته حينما يصل إلى روحه الحقيقيّة، أي: الروح العليا، وهي الإنسان(2). وليس هذا الذي يأكل ويمشي بإنسانٍ، كما قال تعالى: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}(3)، فهؤلاء أقرب إلى الحيوانات من الإنسان. نعم، إذا وصل إلى روحه العليا فسوف يخرج من الحيوانيّة إلى الإنسانيّة، وهؤلاء يسمّون بالإنسان مجازاً، ونحن نحمل الألفاظ وكلّ ما ورد في الكتاب والسنّة على المعنى الحقيقي؛ لأصالة الحقيقة، إذن يُراد به الإنسان المطلق، وليس مطلق الإنسان. وهذا كنتيجةٍ يعيّن المعنى السابق (يا أيّها الإنسان المطلق، إنَّك كادحٌ إلى ربّك المطلق كدحاً) فيكون السعي والكدح الحقيقي والمقبول المبرور للربوبيّة المطلقة. وحينما يقبل الله تعالى ويبرّ عبده فلا يكون ذلك إلّا للإنسان الحقيقي، وهو (السير) الذي يعبّر عنه أهل المعرفة من الله إلى الله، أو من الحقّ إلى الحقّ(4). وأوضح أمثلته معراج النبي’، وليس المراد أنَّه لم يعرج من الدنيا إلى العرش ونحو ذلك؛ فإنَّه كان من أوّل الأمر هناك، فمعراج النبي’ من الأعلى إلى الأعلى، وليس من الأسفل إلى الأسفل؛ لأنَّه لم يكن ولا في لحظةٍ في الأسفل (والعياذ بالله).
ــــــ[74]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآية: 6.
(2) راجع ما أفاده صدر المتألّهين في الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 9: 150، الباب العاشر، الفصل السابع.
(3) سورة الفرقان، الآية: 44.
(4) راجع ما أفاده صدر المتألّهين في الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 1: 13، مقدّمة المؤلّف.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وهنا يوجد سؤالٌ حاصله: أنَّنا فهمنا من الكدح العمل الصالح -كما هو المشهور على الأقلّ- أي: ملاقي ثوابه، والثواب يكون للعمل الصالح، وليس للعمل الطالح، أو نقول: إنَّنا فهمنا من الإنسان الإنسان المطلق، والإنسان المطلق ليس له عملٌ طالحٌ أو عملٌ ضالٌّ أو ظلمٌ.
والغرض: أنَّنا قد فهمنا سابقاً: أنَّ المراد من الإنسان في الآية الشريفة هو الإنسان المطلق ، والإنسان المطلق ليس له عملٌ طالحٌ أو ضالٌّ أو ظالمٌ (والعياذ بالله).
وكلّ هذا الكلام مبني على فهمنا للكدح من أنَّه العمل الصالح ، وأمّا إذا قصدنا منه شيئاً آخر كمطلق العمل أو نحو ذلك فينسدّ باب السؤال وتكون القضيّة من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع .
ولكن لو فهمنا منه خصوص العمل الصالح فيأتي السؤال : كيف يترتّب عليه الانقسام إلى أهل الثواب وأهل العقاب؟ فقوله تعالى : {مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}(1) واضحةٌ؛ لأنَّها تنسجم مع العمل الصالح، ولكن كيف ينسجم قوله تعالى بعد ذلك : {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ}(2) مع الكدح الذي هو العمل الصالح ؟ فتكون المقدّمة غير النتيجة.
ويؤيّد هذا في حال لو فهمنا من الآيات السابقة عليه شيئاً من هذا القبيل؛ لأنَّنا لا نفهم دلالة هذه الآية فقط {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ}(3) على العمل الصالح، ولكن نفهم ما قبلها أيضاً هكذا.
ــــــ[75]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآية:7.
(2) سورة الانشقاق، الآية: 10.
(3) سورة الانشقاق، الآية: 6.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وأنا قلت -وإن كان هذا كأُطروحةٍ باطنيّةٍ-: إنَّ النفس فيها سماءٌ وفيها أرضٌ، فسماؤها العقل وأرضها الشهوات، فيأتي يومٌ يكون كلاهما حقّاً {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}(1) و{وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}(2) كما أفاده القرآن الكريم، فعندها تكون حقّاً مطلقاً، أي: العقل يصبح حقّاً مطلقاً، والنفس أيضاً تصبح حقّاً مطلقاً.
[لماذا يقول: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِأووَرَاءَ ظَهْرِهِ]
فإذن لماذا يقول: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ}(3) أو {وَرَاءَ ظَهْرِهِ}(4) أو نحو ذلك من الأُمور؟
وجواب كلّ ذلك في ضوء عدّة أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى: أنَّها مبنيّةٌ على فهم العمل الصالح من الآيات السابقة: سواءً السياق الأوّل أم السياق الثاني الذي هو قوله: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ}(5). وأمّا إذا لم نفهم العمل الصالح – بل فهمنا مطلق العمل: صالحاً كان أو طالحاً- فبعد ذلك ينسدّ الباب ويكون سالبةً بانتفاء الموضوع، فـ(ملاقيه) ليس للثواب، وإنَّما المراد الموت مثلاً أو اللقاء للحساب، وليس خصوص الثواب، فهنا أيضاً تكون المسألة سالبةً بانتفاء الموضوع.
ثُمَّ لو تنزّلنا وقلنا: إنَّ هذا السياق السابق كلّه عن العمل الصالح،
ــــــ[76]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآيتان: 1-2.
(2) سورة الانشقاق، الآيات: 3-5.
(3) سورة الحاقّة، الآية: 25.
(4) سورة الانشقاق، الآية: 10.
(5) سورة الانشقاق، الآية: 6.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فحينئذٍ يقال: إنَّ هذا التفريع في قوله: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}(1) وقوله: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ}(2) تفريعٌ على مجمل الحالة لا على خصوص الكدح الصالح. نعم، ذلك يتحدّث عن الكدح الصالح أو العمل الصالح، لكنّه ليس بالضرورة أن يكون التفريع خاصّاً بالعمل الصالح، وخاصّةً بعد أن نتصوّر ونلتفت بأنَّ العمل الصالح لابدّ أن يكون بإزائه عملٌ طالحٌ وظالمٌ، وإنَّما اقتضت المصلحة في السياق السابق التأكيد على العمل الصالح. وهذا لا بأس به، لكن هذا على نحو الإجمال.
الأُطروحة الثانية: أنَّه كدحٌ تكويني في ضمن عالم الإمكان؛ لنيل الكمال، و(حقّت) أي: حصلت على الكمال، فالسماوات في يومٍ مّا تحصل على الكمال، والأرض في يومٍ مّا تحصل على الكمال، والإنسان في يومٍ مّا يحصل على الكمال باللقاء، وهذا عملٌ تكويني؛ لأنَّ كلّ موجودٍ ممكنٌ في ارتكازه وفي وجوده الخارجي السير التدريجي البطيء نحو الكمال.
ثُمَّ إنَّ هذا غير مشروطٍ بالعمل الصالح، فكلّ عملٍ فهو يسير بالإنسان نحو الكمال. وأنا قلت في مؤلّفاتي(3): إنَّ الإنسان يخدم هدفين في عمله من حيث يعلم أو لا يعلم، فهو يخدم نفسه في عمله، وهذا هو الدلالة المطابقيّة العرفيّة، ويخدم هدف الله سبحانه وتعالى، فحتّى لو عصاه فهو يخدم هدفه، فكلّ شيءٍ إنَّما هو يخدم الله سبحانه وتعالى من حيث لا نرغب ولا نريد ولا نلتفت، فمن هذه الناحية يكون ذلك هدفاً تكوينيّاً، فالله سبحانه يحبّبنا إلى
ــــــ[77]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآية: 7.
(2) سورة الانشقاق، الآية: 10.
(3) أُنظر: اليوم الموعود: 129 وما بعدها، مناقشة الفكر الماركسي في الحرية الفردية وعلاقات الإنتاج: السبب الثاني.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ذلك قهراً. وإنَّنا حينما نسيء ونعصي فإنَّما ذلك يفيد الله – بمعنىً من المعاني- أي: يفيد هدفه التكويني في خلقه، وفي ذلك الوقت لا ينافي أن يكونوا قد عصوا، بل هذا العصيان ساعد على قيام الحقّ، ولا يوجد في ذلك بمقدار طرفة عينٍ منافاةٌ للحكمة والهدف الإلهي.
الأُطروحة الثالثة: أن يُراد بالكدح مطلق الكدح، أي: العمل في الدنيا (كادح في الدنيا) كما ذكرت سابقاً، سواء أُريد به العمل الصالح أم أُريد به العمل الطالح.
الأُطروحة الرابعة: أنَّه مَن قال: إنَّ العمل الصالح صالحٌ كلّه؟ ومَن قال: إنَّ الصالحين كلّ أعمالهم صالحةٌ؟ أنا أقول: ليس كلّ أعمال الصالحين صالحةً، وليس كلّ العمل الصالح صالحاً بالمعنى الحقيقي، ولذا قيل: >حسنات الأبرار سيّئات المقربين<(1)، ولذلك أيضاً يبرز المعصومون^ تقصيرهم أمام الله سبحانه وتعالى، فضلاً عن غيرهم؛ لأنَّ حقّ الله تعالى لن يستطيع أيّ مخلوقٍ أداءه، وطاعة الله وحمده وشكره وتعظيمه وهيبته لن يبلغها أيّ مخلوقٍ، فالحقّ تعالى أعلى من ذلك بكثيرٍ. إذن فحتّى مَن هم خير الخلق مقصّرون بهذا المعنى، فضلاً عمّن هو أدنى منهم، وعلى ذلك نستنتج من مجموع البشر ومن مجموع الكون -وليس خصوص المعصومين- أنَّ العمل الصالح فيه طالحٌ أيضاً، وفيه عملٌ متدنٍّ، فإذا كان الأمر كذلك يتفرّع عليه
-حتّى لو فهمنا أنَّ الكدح هو الكدح الصالح، أي: مطلق الكدح الصالح- أنَّ هؤلاء زمرتان لا زمرةٌ واحدةٌ: زمرةٌ يؤتى كتابها بيمينها، وأُخرى يؤتى
ــــــ[78]ــــــ
(1) كشف الغمّة 2: 254، بحار الأنوار 25: 205، أبواب علامات الإمام وصفاته …، الباب 60، الحديث 16، شرح أصول الكافي 10: 175، كشف الخفاء1: 375، الحديث 1137.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
كتابها بشمالها، وعندها يندموا، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا}(1). فالذي أُوتي كتابه وراء ظهره كان في أهله مسروراً، أي: بعمله الصالح الذي كان يظنّ أنَّه ينجيه، و{ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ}(2)، أي: إنَّه ظنّ أنَّه لن يعاقب على ما سوف يأتي. وأمّا يونس× {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}(3)؛ وذلك اعتماداً على عمله، فأدخله عمله -طبعاً بغضّ النظر عن يونس×- الجحيم من حيث لا يتوقّع ظاهراً.
****
قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}:
الفاء هنا للتفريع، وفي حدود فهمي التفريع معنىً اضافي، أي: هنا متفرِّعٌ ومتفرّع عليه، ومدخول الفاء أو ما بعد الفاء هو المتفرِّع {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}، لكن الكلام في المتفرّع عليه، أي: في يمين الفاء، فما هو الذي دخلت عليه الفاء؟ فهذا فيه شيءٌ من الصعوبة، ولذا نعرضه في ضوء أُطروحاتٍ:
[أطروحات في مدخول الفاء]
الأُطروحة الأُولى: أنَّ المتفرّع عليه هو السابق على الآية مباشرةً، أو قل: على هذه الآية المباشرة، وهي قوله: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}، فالآية الأُولى متفرّعةٌ على الثانية، والظاهر أنَّ هذا هو الذي فهمه السيّد الطباطبائي+؛ حيث ذكر أنَّه بعد
ــــــ[79]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآية: 13.
(2) سورة الانشقاق، الآية: 14.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 87.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الكدح يكون اللقاء يوم القيامة(1)، أي: كادحٌ في الدنيا، ثُمَّ يموت، فيلاقي ربّه، ثُمَّ بعد ذلك يحصل: {أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ}، فهذا إلى الجنّة وهذا إلى النار. وماذا بعد ذلك؟ وهذا السؤال الذي لم يجب عنه المتشرّعة.
الأُطروحة الثانية: أنَّ المدخول ما قبل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ}، أي: من أوّل السورة إلى قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ}. وهذا لا بأس به؛ لأنَّ المشهور يرى أنَّ تلك الأُمور -أعني: انشقاق السماء والآيات العظيمة- هي إرهاصات يوم القيامة أو مقدّمات يوم القيامة(2)، فإذا حصلت حصل بعدها يوم القيامة، فعندها يجري قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}. وبهذا الشكل يحصل يوم القيامة، أي: بعدها مباشرةً، ويحصل فيه الحساب والثواب والعقاب، فيصحّ التفريع.
الأُطروحة الثالثة: أن يكون المدخول كلّ الآيات السابقة، ولا داعي إلى تخصيصها بواحدةٍ دون أُخرى، ولا سيّما أنَّه لا توجد قرينةٌ على واحدةٍ منها. وكذلك لو أخذنا بالأُطروحة الثانية وعزلنا قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ}، فعندها يحصل فصلٌ بين المتفرِّع والمتفرّع عليه، وهذا على خلاف الظاهر. إذن لا مانع من أن نقول: إنَّ هذا كلّه هو مدخول الفاء، ولا يعني مدخول الفاء ما دخلت عليه الفاء أو ما تفرّعت عنه الفاء؛ باعتبار أنَّ السياق الأوّل يتحدّث عن علامات يوم القيامة مشهوريّاً، وهذا مسلّمٌ. ثُمَّ إنَّ الآية الأخيرة -أي: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا
ــــــ[80]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 243، تفسير سورة الانشقاق.
(2) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 10: 436، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 567، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 287-288، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فَمُلاَقِيهِ}- لأجل التنبيه، أي: إنَّه يريد أن ينبّهنا بشدّةٍ قبل أن يدخلنا في عرصة القيامة للحساب والثواب والعقاب، ثُمَّ يدخلنا عرصة القيامة.
[معنى(أما)]
ثُمَّ إنَّ (أمّا) للتفصيل بعد الإجمال؛ لأنَّ التقسيم هنا ينقسم إلى قسمين:
القسم الأوّل: من أُوتي كتابه بيمينه.
القسم الثاني: من أُوتي كتابه بشماله.
ولم يكن التقسيم ظاهراً قبل ذلك، وإنَّما جاء ذكرهما بعد (إمّا).
وهنا نقول: إنَّه لماذا أُوتي كتابه بيمينه؟ وكذلك لعلّنا هنا نستطيع أن نلتفت بهذا الصدد إلى قضيّة أصحاب اليمين المذكورين في سورة الواقعة(1)، ولعلّنا أيضاً نستطيع أن نلتفت إلى أنَّ الأعمّ الأغلب من الناس يستخدمون يمينهم في الاستعمالات العاديّة، إلّا القليل على خلاف ذلك.
فحينما يؤتى كتاب أيّ فردٍ فإنَّه يقدّم يمينه، إذن (يؤتى كتابه بيمينه). لكن هذا يردّه: أنَّ حصّة من الناس يُؤتى كتابهم بشمالهم، فهذا على خلاف الطبيعة. فلو فرضنا أنَّه يُراد من اليمين بهذا المعنى الغالبي أو العرفي، إذن فلا نفرّق بين المؤمنين والكفرة؛ فكلّهم يستعملون اليمين في أعمالهم الاعتياديّة. فلماذا يُؤتى ذلك بشماله؟
ومعه فإمّا أن نقول: إنَّ هذا الفهم يسقط أساساً، كما هو الأرجح.
وإمّا أن نقول: إنَّ هذا بمعنى أنَّه يُسار به على الطبيعة، ومن يستحقّ أنَّ يسار به على الطبيعة هو المؤمن (فيؤتى كتابه بيمينه) وفقاً للطبيعة والعرف والمزاج العرفي -لو صحّ التعبير-. وأمّا ذلك الكافر أو الفاسق ونحوهما فلا يستحقّ أن يُسار بهما على الطبيعة، فيؤتُى كتابه بشكلٍ شاذٍّ، أي: يُعطى إلى
ــــــ[81]ــــــ
(1) أي: الآيات: 8 و27 و38 و90 و91 منها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
شماله. ولعلّه ممّا يؤيّد ذلك قضيّة أنَّ هؤلاء أو هذه الطبقة من الناس الضالّة والمنحرفة لا يُسار بهم مساراً طبيعيّاً إطلاقاً؛ لأنَّ من جملة المسارات الطبيعيّة أنَّ الإنسان يجلس ويرتاح ويأكل جيّداً نسبيّاً ويستنشق الهواء جيّداً نسبيّاً الخ … مع أنَّ الضالّ والمنحرف في جهنّم وساءت مصيراً، وليس في جوٍّ طبيعي اعتيادي، فلا يُسار به مساراً طبيعيّاً إطلاقاً. وفي المقام نكتةٌ يلزم الإشارة إليها: أنَّه حتّى يده الطبيعيّة أيضاً لا يستعملها، وإنَّما يستعمل اليد الشاذّة. وهذا في نفسه أُطروحةٌ حسنةٌ.
[أطروحة معنوية(باطنية) لمعنى اليمين والشمال]
لكن توجد هناك أُطروحةٌ أكثر معنويّةً، أي: لها جهةٌ إلى حدّ مّا نستطيع أن نسمّيها (باطنيّة)، وحاصلها: أنَّه ورد في الخبر -وهو خبرٌ ضعيفٌ أكيداً، لكنّ على كلّ حالٍ ينبغي أن نحمل فكرةً عنه، وربما أنا ذكرته أكثر من مّرة في دروسي-: أنَّ اليمين لمعالي الأُمور والشمال للأُمور الدانية(1)، وحيث إنَّ عامل الحسنات جيّد ومحترمٌ فيعطى بيمينه؛ لأنَّه يمثّل احتراماً لكتاب الحسنات. وبعبارة أُخرى: إنَّه يمثّل احتراماً للحسنات التي عملها الفرد، وبالتالي احتراماً للفرد نفسه.
أمّا بالنسبة إلى عامل السيّئات فمحتقرٌ طبعاً؛ لأنَّ فيه ضلالٌ و عصيانٌ ونحو ذلك، فيحمل بالشمال؛ لأنَّ الشمال أو جهة اليسار إنَّما هي للعصيان والطغيان وللأُمور المتدنيّة ونحو ذلك، فتكون أنسب من جهة الشمال.
وهذا المعنى يواجه إشكالاً حاصله: إذا كان المطلب هكذا بهذه
ــــــ[82]ــــــ
(1) أُنظر: وسائل الشيعة 11: 443، أبواب آداب السفر إلى الحجّ وغيره، باب استحباب التيامن …، ومستدركه 8: 228، أبواب آداب السفر إلى الحجّ وغيره، باب استحباب التيامن … أيضاً.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
[كيف يكون عند الفرد كتاباً للحسنات وكتاباً للسيّئات]
السذاجة، فسوف يكون عند الفرد كتّاباً للحسنات وكتّاباً للسيّئات: الأوّل يحمله الملك الأيمن الحافظ للحسنات، والثاني يحمله الملك الأيسر الحافظ للسيّئات، فيكون كلّ واحدٍ يحمل كتابين: كتاب حسناته بيمينه وكتاب سيّئاته بشماله، مع أنَّه من المفروض أن يحمل كتاباً واحداً. فإمّا أن يُؤتى فيه بيمينه إذا كان حسناً، أو بشماله إذا كان سيّئاً. وهذا جوابه أحد أمرين:
الأمر الأوّل: أن نقول: إنَّ هذا الذي يُؤتى كتابه بيمينه والذي يؤتى كتابه بشماله ليس في أوّل الحشر، وإنَّما بعد التصفية، أي: حينما يصبح من أهل الجنّة محضاً ويُقرّر دخوله إلى الجنّة، أي: بعد الكسر والانكسار والتصفية تذهب سيّئاته – إن كان لديه سيّئاتٌ- وتبقى الحسنات، فيُعطى كتابه بيمينه، ويقولون له: تفضّل وأدخل الجنّة. وبالعكس أيضاً: فمَن كان مسيئاً ولديه سيّئاتٌ أكثر من حسناته، فتذهب حسناته لمَن ظلمهم واغتابهم، إذن في كتابه سيّئاتٌ فقط (فيُؤتى كتابه بشماله) ويقولون له: اذهب إلى النار، وهذا يكون بعد التصفية لا قبلها، وإن كان هذا المعنى على خلاف المرتكز المتشرّعي أكيداً.
الأمر الثاني: أن نقول: لماذا نتصوّر أنَّ لهذا الرجل أو لأيّ مكلّفٍ
-رجلاً كان أو امرأةً- كتابين مستقلّين: أحدهما للحسنات والآخر للسيّئات، وإن كان هذا أيضاً مرتكزٌ متشرّعي، وأنا إلى حدٍّ ما غير مقتنعٍ بهذه المرتكزات المتشرّعيّة؟ بل نقول: يكون لديه كتاب واحدٌ فيه حسناته وسيّئاته، أي: لكلّ فرد كتابٌ فيه كلّ أعمال حياته.
لا يُقال: إنَّه هناك ملكان، وكلّ واحد لديه كتابٌ، وعليه لا يمكن أن نتصوّر كتاباً واحداً؛ لأنَّه إذا حصلت الحسنة فالملك الذي على اليمين يكتبها، وإذا حصلت السيّئة فالملك الذي على الشمال يكتبها، فمن هذه الناحية لا
ــــــ[83]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يفرق.
فإنَّه يُقال: هذا مسلّمٌ، وإنَّما في الحقيقة يكتب ذلك في الكتابة التكوينيّة، أي: إرادة الإنسان للعمل في الصالحات والسيّئات، وهو الذي يكتب ويؤسّس أفعاله بنفسه، وليس بغيره.
وعليه فهذا الكتاب الواحد مرّةً يكون صاحبه مغفوراً له، وأُخرى يكون صاحبه ملعوناً. فلا يخلو الأمر: إمّا هذا وإما ذاك، أي: إمّا أنَّه يُراد به إلى الجنّة وإمّا يُراد به إلى النار. فإن أُريد به إلى الجنّة وكان مغفوراً له أُوتي كتابه بيمينه، وإن كان فيه شيءٌ من السيّئات؛ لأنَّ الأعمّ الأغلب هو الحسنات وغُفرت له السيّئات. كما أنَّه إذا أُريد به إلى النار وكان ملعوناً، فالأعمّ الأغلب هو السيّئات، فيدخل إلى جهنّم، فيلحظ الأعمّ الأغلب، وهذا أيضاً لا بأس به.
[أطروحتان في تسمية أصحاب اليمين في سورة الواقعة]
والخطوة الأُخرى تسمية أصحاب اليمين، فلماذا سُمّوا بأصحاب اليمين؟ وإن كان هذا المعنى في غير محلّ البحث، وإنَّما محلّ بحثه في سورة الواقعة: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ * مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ}(1). وفي هذا أُطروحتان:
الأُطروحة الأُولى: أنَّهم يُسمّون بأصحاب اليمين لأنَّهم أُوتوا كتبهم بأيمانهم، فكانوا من أصحاب اليمين، ومَن يُؤتى كتابه بشماله فهو من أصحاب الشمال.
الأُطروحة الثانية: أنَّهم يُسمّون بأصحاب اليمين احتراماً لهم؛ لأنَّ جهة
ــــــ[84]ــــــ
(1) سورة الواقعة، الآيات: 27- 29.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
اليمين إنَّما هي للأُمور المحترمة، ويسمّون أصحاب الشمال لأنَّهم محتقرون. كما أنَّ أصحاب اليمين إلى يمين العرش مثلاً أو إلى يمين عرصة المحشر، وأمّا أصحاب الشمال فإلى شمال عرصة المحشر.
[(الكتاب) في قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ]
الجانب الآخر من البحث هو (الكتاب) في قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}.
فحسب الارتكاز المتشرّعي الكتاب ورقةٌ كبيرةٌ ومكتوبةٌ، والكتاب عبارةٌ عن مجموعة أوراقٍ، والدلالة المطابقيّة العرفيّة تؤكّد ذلك، والأعمال مكتوبةٌ في هذه الأوراق وتأتي إلى يوم القيامة، والعجيب أنَّه كيف يُعقل أنَّ الأجسام كلّها تبلى والكتاب باقٍ؟ ذلك لأنَّهم يتصوّروه كتاباً مادّيّاً، فعلى هذا الفهم يكون الإشكال وارداً عليه.
ولعلّ هذا في الحقيقة غير صحيحٍ، وإنَّما الشيء الذي أستطيع أن أقوله: إنَّ الكتاب هو جانب الإثبات من الأعمال، أي: عالم التعرّف على الأعمال، وإثبات الشيء يعني: التعرّف عليه والعلم به.
فيكون المقصود: أنَّه في يوم القيامة وعند الحساب يُؤتى بما يُحاسب عليه الفرد، أي: نحاسبه عليه، فنثبت الجريمة، ثُمَّ هكذا نورد العقاب أو نثبت الفضل، ثُمَّ نثبت عليه الثواب أو العقاب، وهذا لا يكون إلّا بضبطٍ، أي: بعلمٍ وحجّةٍ شرعيّةٍ ونحو ذلك من الأُمور، فجانب الإثبات للأعمال هو الكتاب، أي: أُسلوب التعرّف عليها، والله سبحانه وتعالى حشدّ أُموراً كثيرة في الكون للتعرّف على الأعمال، بالرغم من أنَّنا جالسون هنا كالنعامة واضعين رؤوسنا في الرمل، حتّى كأنَّنا لا نتخيّل أنَّ أحداً ناظرٌ إلينا. فليس الله فقط ناظراً إلينا، بل كثيرٌ من المخلوقين ينظرون، بلّ لعلّ كلّ المخلوقين ناظرون
ــــــ[85]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
إلينا.
وهذه القوى التي حشّدها الله تعالى للتعرّف على الأعمال تكون على مستوياتٍ مختلفةٍ:
أوّلاً: ملائكة اليمين والشمال، وهم الكرام الكاتبون(1).
ثانياً: ملائكة الليل والنهار، وهذا كأنَّما غير مشارٍ إليه في الكتاب الكريم، إلّا أنَّه موجود في السُنّة(2)، فعند طلوع الشمس يصعد قسمٌ منهم وينزل قسمٌ آخر، وعند الغروب كذلك.
ثالثاً: السائق والشهيد، كما في قوله تعالى: {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ}(3).
رابعاً: علم الإنسان بأعمال نفسه، وهو العمدة تقريباً؛ لأنَّه إنَّما هو يحاسب بعلمه. قال الله تعالى: {بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ}(4).
خامساً: علم المعصومين^ في الدنيا، كما في ليلة القدر،كما أُشير إليه في السُنّة(5) لا في الكتاب الكريم؛ إذ تنزل صحيفةٌ على الإمام× يوقّع عليها بما يحدث خلال السنة من الصغيرة والكبيرة، ويوقّع عليها تسليماً لأمر الله ولو
ــــــ[86]ــــــ
(1) إشارة إلى الآية: 11، من سورة الانفطار.
(2) راجع الأخبار الواردة في بحار الأنوار 5: 319-331، أبواب العدل،الباب 17، وتدبّر.
(3) سورة ق، الآية:21.
(4) سورة القيامة، الآيتان:14- 15.
(5) راجع الأخبار الواردة في بحار الأنوار 25: 47-99، كتاب الإمامة، أبواب خلقهم وطينتهم وأرواحهم^، الباب 3، وتأمّل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
كان فيها موته أيضاً. فإذن يعلم بعملنا، ويعرض هذا العمل على الإمام، ونحن إذا عصينا الله سوف نؤذي ونظلم صاحب الزمان# الذي هو إمامنا الفعلي والمتحمّل لمسؤوليّتنا، فهل ظلم المعصوم× هيّن أمام الله سبحانه وتعالى؟!
سادساً: علم المعصومين^ بها في يوم القيامة لكي يشفعوا أو لا يشفعوا من خلال العلم بالأعمال السابقة، فذاك علمهم في الدنيا، وهذا علمهم في الآخرة.
هذا مضافاً إلى علم الله سبحانه وتعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ}(1).
[أطروحات في ماهية الكتاب]
والكتاب لا ينبغي أن نتصوّره من ورقٍ أو من طينٍ، كما كانت عليه الألواح القديمة، قال تعالى: {وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ}(2)، فتكسّرت الألواح؛ لأنَّها كانت من طينٍ أو من خزفٍ، وليس كتابة الحافظين كذلك، أي: على الورق، وليس عندهم أقلامٌ. وحينئذٍ فهنا أُطروحتان:
الأُطروحة الأُولى – وهي الأسهل والأقرب عرفاً والأقرب إلى الارتكاز المتشرّعي-: أن نتصوّر نفس هذا الكتاب، ولكنّه بوجودٍ روحي، لا بوجود جسم كتابٍ، ولكن عندما تراه تقول: هذا كتابٌ، وإذا متَّ تراه وترى فيه كتاباً وقلماً، ولكنّه ليس بوجودٍ دنيوي مادّي، وإنَّما بوجودٍ روحي أو قلّ: بوجوده المناسب لعالمه الخاصّ به، كعالم الجبروت ونحوه.
الأُطروحة الثانية: أنَّ الأعمال في الحقيقة تسجّل في نفوس الملائكة
ــــــ[87]ــــــ
(1) سورة إبراهيم، الآية: 38.
(2) سورة الأعراف، الآية:150.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الحافظين لها، فالملك يسجّل أعمالي واحدةً بعد الأُخرى، فحينما تكتمل تنطبع في نفسه، ثُمَّ تصير فتنطبع في نفسه، ثُمَّ تصير فتنطبع في نفسه، فتتكرّر الأعمال أو الكلام أو النظر أو أيّ شيء ممّا نعمله ينطبع في نفس الملك، فكأنَّه يكتب في كتابٍ، فيأتي الملك في يوم القيامة -أي: الملك الذي عاشرني في الدنيا ولم أكن أعلم بوجوده مثلاً – فأرى ما في نفسه من منطبعات الأعمال ليشهد بها في يوم القيامة.
لا يُقال: هذا لا يرتبط بما نحن فيه، بل إنَّما هو مرتبطٌ بالآية؛ لأنَّه يقول: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} فأُوتي مبني للمجهول، وكلّ فعلٍ له فاعلٌ، فمَن هو فاعل المجهول؟ أي: مَن هو الذي أتاه بيمينه؟ قد تقول: الله سبحانه وتعالى. وحينئذٍ يوجد هناك في الآية انطباعٌ بالجبر، كأنَّه يُؤتى كتابه، أي: يُؤتى أعماله في الدنيا، بمعنى: يُؤتى أعمال كلّ واحدٍ من الحسنة والسيّئة، فيكون هناك انطباعٌ بالجبر في الآية. وعلى كلّ حالٍ فهذا مجرّد احتمالٍ ذكرته في المقام.
[أجوبة لإشكال وجود انطباعٌ بالجبر في الآية]
ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الأوّل: أنَّ هذا الإيتاء – كما قلنا- إيتاءٌ إثباتي، وهو الإعلام والتذكير بالأعمال.
والكتاب معنى إثباتي، أي: هو صورةٌ لما عملت، وليس هو عين ما عملت. وأمّا أن أحمل الكتاب على نفس الأعمال التي نعملها عيناً فهذا على خلاف ظاهر الآية، مع أنَّ ظاهر الآية ليس كذلك، وإنَّما التعريف بها والدلالة عليها لا أكثر، إذن فليس في المقام جبرٌ.
الثاني: أنَّ فاعل (أُوتي) محذوفٌ طبعاً، فإذا كان المؤتي هو الله وتنزّلنا عن الجواب الأوّل، لزم الجبر. لكن هذا لا يتعيّن، وإنَّما يمكن تأويل ذلك، فنقول:
ــــــ[88]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الفاعل أشياءٌ أُخرى غير الله سبحانه وتعالى، كالفرد نفسه، أي: يُؤتي كتابه بيمينه، وذلك ببذل الطاعات، وذلك يُؤتى كتابه لنفسه بشماله ببذل المعاصي، أو قل: بشهواته أو قناعاته أو بالأسباب التي أدّت إلى ذلك.
وكلّ ذلك ممكنٌ، ولا ينحصر في أنَّ الفاعل الذي حذف هو الله سبحانه وتعالى.
الثالث: أنَّ الذي يؤتي المؤمن كتابه بيمينه ويؤتي الكافر كتابه بشماله هم الملائكة في يوم القيامة أو في الدنيا، فالملائكة يعينون على الطاعات {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}(1).
الرابع: أنَّ المراد المعصومون^: كأمير المؤمنين× الذي هو قسيم النار والجنّة(2)، فبصفته قسيماً للجنّة يؤتي المؤمن وأهل الجنّة كتبهم بأيمانهم، وبصفته قسيماً للنار يؤتي الكفرة والفسقة والفجّار كتبهم بشمالهم.
الخامس: أنَّ كلّ شيء يحيط بالفرد يتسبّب -بمعنىً من المعاني، والتسبيب اقتضائي لا تسبيبٌ علّي- إلى وجود العلم منّي أو من غيري ثبوتاً، أي: إنَّ ظروفي تحملني على أن أعمل بالعمل الفلاني، وكلّ فردٍ جرّب ذلك الشيء، وهذا بنحو الاقتضاء لا الجبر طبعاً؛ لأنَّ إرادتي تتحكّم بذلك وأستطيع أن أتحمّل الضرر وأُخالف، لكنّه مع ذلك أنا مشيت بهذا الطريق
ــــــ[89]ــــــ
(1) سورة فصّلت، الآية: 31.
(2) راجع الكافي 4: 570، أبواب الزيارات، دعاءٌ آخر عند قبر أمير المؤمنين×، الحديث 1، الأمالي (للصدوق): 31، المجلس 8، الحديث 4، الأمالي (للمفيد): 213، المجلس 24، الحديث 4، بصائر الدرجات: 414، الجزء 8، الباب 8: باب في أمير المؤمنين× أنَّه قسيم الجنّة والنار، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
مثلاً. ونحوه كلّ شيء يؤدّي الى العمل إثباتاً، أي: إنَّ كلّ شيء هو في الحقيقة رقيبٌ عليّ من حيث أعلم أو لا أعلم، ولا حاجة إلى أن نخصّه بالكرام الكاتبين. ولو سألنا الشمس والقمر أو سألنا العرش أو سألنا الجوزاء أو الثريّا بأنَّ فلاناً ماذا فعل؟ فبإمكانها أن تقول: إنَّه بلغني أو إنَّني رأيت أنَّه عمل كذا وكذا؛ لأنَّ في الحكمة العليا أنَّ كلّ عالم الممكنات مترابطٌ بعضه ببعضٍ، ولا يمكن أن يفلت منه الصغيرة ولا الكبيرة إطلاقاً، وهذا الترابط واقعي، أي: ثبوتي وإثباتي، بمعنى: أنَّه موجبٌ لتبادل المعلومات فيما بينها.
****
قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً}:
(سوف) في عالم المعنى للبعيد، كما هو كذلك بالنسبة إلى يوم القيامة، أي: إنَّه يصوّر البعد بين الدنيا التي يعيش فيها الفرد ويوم القيامة، بمعنى: أنَّه أنت الآن سوف تُؤتى -أي: في البعيد- في يوم القيامة (كتابك بيمينك وبشمالك).
والمعنى الآخر -الذي هو المشهور- أنَّه يصوّر الفصل بين إيتاء الكتاب والحساب، وهذا ظاهر السياق في الآية: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}، أي: في الساعة الواحدة في المحشر، وليس هنا {أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً}، فالفاصل يكون ما بين إيتاء كتابه والحصول على النتيجة التي هي الدخول في الجنّة أو في النار، والله العالم كم ينتظر من السنين يقطر عرقاً إلى أن يدخل الجنّة أو أن يدخل النار (والعياذ بالله). أو إنَّ المراد أنَّه فاصلٌ -وهذا له درجةٌ من التفسير الباطني- بين الدنيا
ــــــ[90]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ولقاء الله سبحانه وتعالى في الجانب المعنوي أو الكمالي.
كما تصلح هذه الفاء في قوله: (فسوف) أن تقع في جواب الشرط السابق في أوّل السورة، وهو قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * .. وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ}. إلّا أنَّه يحول دون ذلك أمران:
الأمر الأوّل: الفصل بآيةٍ، وهي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً}.
الأمر الثاني: وجود شرطين لا شرطٍ واحدٍ: الأوّل: قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ} والثاني: قوله تعالى: {وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ}.
مع أنَّ (فسوف) جوابٌ واحدٌ لأحد الشرطين، فالثاني منهما أين يكون جوابه؟
فالأحسن أن لا نجعلها جواب شرطٍ، وإنَّما نجعلها فاءً عاطفةً أو استئنافيّةً.
وفي الحقيقة كلا الإشكالين قابلٌ للجواب، لكن يتوقّف على مقدّمةٍ، وهي أن نتصوّر الانحصار، على أن يكون هذا جواباً إذا لم يكن المعنى منحصراً، فليكن غيره، ويكون الإشكالان واردين. وأمّا مع الانحصار فحينئذٍ نعذر في الحقيقة من كلتا هاتين الحيثيّتين في الإشكالين. وأمّا قضيّة الفصل فنتجاوز عنه، ولا بأس بالفصل أساساً مع الاضطرار والانحصار. وأمّا قضيّة وجود شرطين فينبغي أن يكون جوابه واضحاً، وهو أن نجعل الجزاء الموجود هنا لفظيّاً لأحدهما، والثاني أو الشرط الثاني له جزاءٌ مقدّرٌ يدلّ عليه الجزاء المذكور، وكثير ما طرق سمعنا ذلك على مختلف الأصعدة والمستويات.
ــــــ[91]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ثُمَّ إنَّ اليسر في المقام بحسب فهمي في مقابل ما هو مذكورٌ في آيةٍ أُخرى، أعني: قوله تعالى: {وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ}(1) بمعنى: أنَّ هناك حساباً يسيراً وحساباً سيّئاً، كما نصّ عليه القرآن، وقد وردت في تفسيرها -أي: سوء الحساب- روايةٌ تقول: إنَّهم يخافون؛ لأنَّ (يخافون) وردت بالجمع هنا: {وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ}، أي: إنَّهم يخافون من المداقّة في الحساب(2). والمداقّة من الدقّة، أي: التدقيق في الحساب، وإلَّا فإنَّ الظلم غير محتملٍ عليه سبحانه وتعالى. فسوء الحساب لا يعني: أنَّه يظلمهم في الحساب؛ إذ لا يُحتمل ذلك أساساً، وإنَّما سوء الحساب هو المداقّة في الحساب. فيكون الحساب اليسير بمعنى: عدم المداقّة، وأنَّ الله إذا أراد أن يعامل العبيد بالشدّة بحسب الاستحقاق طبعاً دقّق معهم. وإذا أراد أن يعاملهم بلطفٍ، فهذا أيضاً بحسب الاستحقاق، وإلَّا فمن الواضح أنَّه مع المداقّة في الحساب لا يبقى للإنسان شيءٌ معتدٌّ به من الحسنات، ولا تكتب له النجاة لوجوهٍ لا حاجة إلى الدخول فيها. ولعلّ أوضحها ما كرّرته غير مرّةٍ من: أنَّ الله لا يمكن استيفاء حقّه بأيّ حالٍ من الأحوال، فيقول للشخص: أنت لم تعطني حقّي، فاذهب إلى الجحيم. وقد أفاد السيّد الطباطبائي+ في تفسير قوله تعالى: {يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} ما يلي: الحساب اليسير ما سُوهل فيه وخلا عن المناقشة(3).
ــــــ[92]ــــــ
(1) سورة الرعد، الآية: 21.
(2) راجع البرهان في تفسير القرآن 3: 247، تفسير سورة الرعد، الحديث 5530، تفسير القمّي 1: 364، تفسير سورة الرعد، تفسير نور الثقلين 2: 496، تفسير سورة الرعد، الحديث 92، وغيرها.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 243، تفسير سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أقول: كان الأولى أن يقول: وخلا عن المداقّة لا عن المناقشة، وإن كان كلاهما غير يسيرٍ -أعني: المناقشة والمداقّة- ولربما نستطيع أن نرجع معنى المناقشة إلى المداقّة إذا كان ملتفتاً إلى هذا المعنى الذي أقوله، وإن كان ذلك مستبعداً.
هذا ومن الواضح أنَّ قوله تعالى: {يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} بمعنى: يُحاسب وإن كان حساباً يسيراً، أي: إنَّ الحساب موجودٌ، ولكنّه قليلٌ ويسيرٌ، وليس من أُولئك الطبقة الذين يدخلون الجنّة بغير حسابٍ؛ لأنَّ الناس في الحقيقة هناك على أشكالٍ، وهذا ليس منهم، أي: الذين يدخلون الجنّة بغير حسابٍ، وإنَّما هذا ممّن يستحقّ الحساب.
****
قوله تعالى: {وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً}:
[التعرّف على لفظ (الأهل)]
هذه الآية فيها عدّة نقاطٍ لابدّ من معرفتها، ولعلّ أهمّ الألفاظ الواردة فيها والتي ينبغي التعرّف عليها هو لفظ (الأهل).
قال الراغب: أهل الرجل من يجمعه وإيّاهم نسبٌ أو دينٌ أو ما يجري مجراهما من صناعةٍ(1) وبيتٍ وبلدٍ، وأهل الرجل في الأصل(2) من يجمعه وإيّاهم مسكنٌ واحدٌ، ثُمَّ تجوّز به فقيل: أهل بيت الرجل لمَن يجمعه وإيّاهم نسبٌ. وتُعورف في أُسرة النبي (عليه الصلاة والسلام) مطلقاً إذا قيل: أهل البيت؛ لقوله عزّ وجلّ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
ــــــ[93]ــــــ
(1) أي: عمل، وليس المراد صناعةً يدويّةً (منه+).
(2) أي: الأصل اللغوي (منه+).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
تَطْهِيرًا}(1)، وعبّر بأهل الرجل عن امرأته وأهل الإسلام الذين يجمعهم(2).
أقول: يتحصّل ممّا أفاده: أنَّ المهمّ في صدق الأهل وجود رابطةٍ تربطهم بالفرد، فالرابطة الماديّة الأُولى هي جدار البيت، ثُمَّ استعمل في العائلة النسبيّة، أي: الأب والأُمّ والأولاد والأُخوة ونحو ذلك، والتي هي أخصّ من العشيرة؛ لأنَّه غالبا ما تكون العائلة نسبيّةً، وخاصّة في الزمن القديم، فكانوا يعيشون في دارٍ واحدةٍ وفي محوطةٍ واحدةٍ، ثُمَّ عمّم إلى العشيرة، ثُمَّ إلى كلّ رابطةٍ دينيّة أو دنيويّة.
ولا يخفى: أنَّ الزوجة بالمعنى الأوّل من العائلة، فقد تكون من العشيرة، وقد لا تكون من العشيرة، لكنّها على كلّ حالٍ من العائلة؛ لأنَّها غالباً ما تكون في بيت الرجل. ونحوه الكلام في أهل بيت النبي’ أيضاً، بمعنى: أنَّهم يكونون في بيت النبي’، وإن كان هذا إلى حدٍّ مّا خلاف ما قلناه في أبحاث آية التطهير: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(3). فهناك قرّبنا أنَّ النبي’ لايعيش في بيته أحدٌ، فالبيت غرفةٌ، وغرفة النبي خاصّةٌ به، ومن ثُمَّ قرّبنا أنَّه لم يكن له غرفةٌ خاصّةٌ، وإنَّما كانت غرف الدار موزّعةً بين زوجاته، وكان يبيت عند هذه مرّةً وتلك مرّةً أُخرى(4).
إذن فيُراد بأهل البيت البيت المعنويّ للنبي’ لا البيت المادّي هذا،
ــــــ[94]ــــــ
(1) سورة الأحزاب، الآية: 33.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 25، مادّة (أهل).
(3) سورة الأحزاب، الآية: 33.
(4) أُنظر: شذرات من فلسفة تأريخ الحسين×: 47-48، آية التطهير.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وهناك ذكرنا -وليس هنا محلّ الدخول فيه- أنَّه لا يكون المعني بأهل البيت -أي: أهل بيت النبي’- عامّاً لكلّ عشيرته، بل هو خاصّ بأهل الكساء^.
ومن جملة الدلائل على ذلك والملزمة للعامّة: أنَّه لم يطلق أهل بيت النبي’ على العبّاسيّين، مع أنَّهم إذا كانوا -أي: الأئمّة- عشيرته فالعباسيّون أيضاً من أهل البيت؛ بناء على شمول العشيرة لأهل البيت، ومع ذلك لم يُطلق على العباسيّين إطلاقاً، ولا حتّى كونهم منهم. وإذا كان المقصود العشيرة، كان أحفادهم وأحفاد أحفادهم من عشيرتهم، فيكون السادة الموجودين وغير الموجودين من أهل البيت، مع أنَّهم بإجماع المسلمين ليسوا من أهل البيت، فلو كان يصدق على العشيرة أنَّهم أهل البيت وإن بعدوا، إذن يصدق علينا أهل البيت، وليس الأمر كذلك. فمعنى ذلك أنَّ المسألة خاصّةٌ غير عامّةٍ، أي: خاصّة بأهل الكساء^ أو المعصومين الأربعة عشر^.
وعندئذٍ يتحصّل أنَّ كلّ المعاني المحتملة في الآية وجيهةٌ في نفسها.
ويمكن أن تكون كلّ المعاني مقصودةً ووجيهةً، ويمكن أن تكون مقصودةً من حيث إنَّ الفرد يجتمع في الجملة مع أصنافٍ من الناس كلّهم أهله بمعنىً وآخر. فمثلاً شخص مّا حدّاد ومجموع الحدّادين أهله؛ لأنَّه منهم، وهذه الانطباقات ليست متكاذبةً بطبيعة الحال.
[المتصوّر بالنسبة إلى لفظ (الأهل) في الآية]
والآن ندخل فيما هو متصوّرٌ بالنسبة إلى لفظ (الأهل) في الآية. فالأهل أُسرة الفرد في الدنيا، كما يقول تعالى: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}(1)، بمعنى: أنَّه {يَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} أي: المؤمن حينما يدخل الجنّة يجد أهله في الدنيا
ــــــ[95]ــــــ
(1) سورة الطور، الآية: 21.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
موجودين هناك، فيزداد فرحاً. وأُسرته في الآخرة هم الحور العين والغلمان. وهذا المعنى يستشمّ من تفسير الميزان أيضاً(1)، وإن لم يكن بهذا الوضوح. كما أنَّه يرى المؤمنين المماثلين له في الإيمان وفي الدرجة، كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}(2). وتقدّم أنَّ الراغب قال: إنَّ المماثلين في الدين أُخوة، أي: أهلٌ لا أُخوةٌ، وهنا المتماثلون في درجة الجنّة، أو قل: إنَّ المتماثلين في المقام أهلٌ؛ لأنَّهم كلّهم سواءٌ في هذا المقام، فأهل كلّ جنّةٍ أهلٌ كلّهم. فأهل الجنّة عموماً أهله، ويوجد توادّ بينهم، كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ}(3) وقال تعالى: {عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}(4). وهنا تحسن الإشارة إلى أنَّ هذا ممّا يمكن أن يحدث في الدنيا، وإن كان المشهور له مسارٌ كلاسيكي أو تقليدي، ولذا يرى أنَّه ينقلب، أي: في الآخرة.
أقول: إنَّه ينقلب الآن في الدنيا، وذلك لدى التكامل المعنوي؛ فإنَّ كلّ درجةٍ يصلها الفرد فهي درجةٌ وصل إليها الآخرون قبله، فحينما يصلها فقد وصل إلى درجتهم، وهم أهله؛ لأنَّهم مساوون له في الدرجة، وهذا يصدق في كلّ الدرجات: صعدنا أو نزلنا، فهناك مجموعةٌ موجودةٌ في تلك الدرجة، وحينئذ بعضهم أهلٌ لبعض. فإذا صعد إلى درجاتٍ عاليةٍ جدّاً بتوفيق الله
-ونادراً ما يصعد أحدٌ – يكون المعصومون أهله، ولذا عبّر في بعض الآيات
ــــــ[96]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 243، تفسير سورة الانشقاق.
(2) سورة الحجرات، الآية: 10.
(3) سورة الأعراف، الآية: 43، وسورة الحجر، الآية: 40.
(4) سورة الحجر، الآية: 40.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بالملأ الأعلى(1)، أي: الجماعة العالية المقام. كما ورد عن أهل البيت^: أنَّ سلمان منّا أهل البيت(2)، فانضمام سلمان واستحقاقه لهذا المقام إنَّما جاء بسبب شدّة تكامله وقربه من الله ومن أهل البيت^، فهم باب الله الذي منه يؤتى(3).
والملأ الأعلى في اصطلاح المشهور -في حدود فهمي- هم الملائكة(4)، إلّا أني أدّعي الآن أنَّهم المؤمنون المستقرّون في الأعلى جدّاً المرتفعون في المقام وفي الدرجات العلى، كما أُشير إليه في القرآن.
وهنا توجد نقطةٌ على خلاف فهم المشهور في الجملة الأُولى الواردة في الآية، وهي قوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ}(5) فهل الملائكة يختصمون؟ مع أنَّهم ليسوا من نوع النفس الإنسانيّة كي يختصموا إطلاقاً، ولم يرد في الكتاب ولا السنّة اختصامهم إطلاقاً، أي: هم غير قابلين للاختصام أصلاً تكويناً وخلقةً، وإنَّما نحن في الخلقة مَن له هذه الخاصيّة، فلنا نفسٌ أمّارةٌ بالسوء نختصم بها. إذن فالملأ الأعلى الذين يختصمون من البشر لا
ــــــ[97]ــــــ
(1) كما في قوله تعالى: {لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ} [سورة الصافّات، الآية: 8]، وغيرها.
(2) راجع الاحتجاج 1: 259، الاختصاص: 341، رجال الكشّي: 14، سلمان الفارسي، عيون أخبار الرضا× 2: 64، الباب 31، الحديث 282، المناقب 1: 85، وغيرها.
(3) حسبما ورد في في دعاء الندبة المعروف، فراجع إقبال الأعمال: 297، دعاءٌ آخر بعد صلاة العيد يُدعى به في الأعياد الأربعة، وبحار الأنوار 99: 106، كتاب المزار، الباب 7.
(4) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 3: 60، تفسير سورة آل عمران، الجامع لأحكام القرآن 16: 226، تفسير سورة ص، مجمع البيان في تفسير القرآن 8: 865، تفسير سورة الصافّات، وغيرها.
(5) سورة ص، الآية: 69.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
من الملائكة. وهذا يؤيّد الفكرة التي ذكرتها، وينفي فهم المشهور الذي يدّعي كونهم من الملائكة.
فإن قلت: إنَّ هؤلاء (ملأٌ أعلى)، أي: إنَّهم بدرجةٍ عاليةٍ جدّاً من الإيمان ودرجات اليقين، ونحن من المتدنّين، وأمّا أُولئك فإنَّهم فوق الاختصام ولا يُحتمل أنَّهم يختصمون.
قلت: نعم، هذا ما نصّ عليه القرآن، أي: إنَّهم يختصمون، فالاختلافات موجودةٌ على مختلف المستويات، بل إلى درجة الفناء تبقى الاختلافات موجودةً، وما دام الإنسان موجوداً كإنسانٍ ويشعر بوجوده الاستقلالي، فهو يختلف عن غيره. وأنا وجدت روايةً عن أمير المؤمنين× مفادها: أنَّ أهل الإيمان وأهل التقوى على سبعة أصنافٍ، يسمّون بالمختارين والمصطفين والمهتدين … ولكلّ واحدٍ منهم مزيّة لا يدخله في الصنف الآخر(1). فإذا كانوا سبعة أصنافٍ فلربما يختلف هذا مع ذاك، وإذا تصوّرنا أنَّه يختصّ بمَن كان في درجاتٍ عاليةٍ وأنَّ لكلٍّ منهم تصرّفاً كونيّاً قليلاً أو كثيراً، إذن فأمر هذا قد يختلف عن أمر ذاك، فالنتيجة لمَن تكون؟ فهذا يقول للورقة: كوني بيضاء والآخر يقول لها: كوني سوداء، وعليه تكون النتيجة لإرادة الله. المهمّ أنَّهم يختصمون بحسب ما يرون من المصالح. وهم – حسب الفرض- لم يصلوا إلى الكمال المطلق، وإلّا فالكمال المطلق ليس درجة الفناء العالي جدّاً ما دام يوجد ملأٌ أعلى وكثرةٌ، إذن فهم عالون جدّاً وليسوا في الكمال المطلق الحقيقي، أي: إنهّم محدودون، وإذا كانوا محدودين فآرائهم واجتهاداتهم والمصالح التي يدركونها
ــــــ[98]ــــــ
(1) راجع الآيات والروايات الواردة في بحار الأنوار 66: 154-175، أبواب الإيمان والإسلام والتشيّع ومعانيها وفضلها، الباب 32: درجات الإيمان وحقائقه.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أيضاً محدودةً مهما كانت عاليةً، فمورد الاختصام موجودٌ.
والآن نرجع إلى معنى الأهل، وقد ذكرت في كتاب >فقه الأخلاق< أنَّ من معاني الوطن ما يكون فيه أهل غالباً(1)، ومعنى الأهل هم الذين يتجاوب ويتناسب الفرد معهم عقليّاً وروحيّاً ونفسيّاً ونشاطاً، فلا يتكبّر عنهم في حاجةٍ ولا يحجب عنهم سرّاً، ولا يحصل من ناحيتهم عليه همٌّ أو غمٌّ، وليسوا دائماً هم العشيرة أو الأُسرة، بل غالباً ولعلّه إلى درجة 99% من الحالات أنَّهم ليسوا من العشيرة والأُسرة. قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ}(2) وهل يكون الأعداء أهلاً؟!! وعن مولانا أمير المؤمنين× أنَّه قال: >ربّ أخٍ لم تلده أُمّك<(3). وربّما هو من الأهل إلّا أنَّه عدوّ، كما قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}(4). وفي الرواية: >لو تكاشفتم ما تدافنتم<(5). فليس الأمر إذن إشارةً إلى ذلك المستوى العالي؛ لأنَّهم في ذلك المستوى العالي متكاشفون، ومع ذلك هم أهلٌ. نعم، توجد مجاملةٌ وكتمٌ للباطن. والآخرون لا يرون ما في باطن غيرهم، فلو تكاشفتم وبرزت ما في قلوبكم لما تدافنتم، أي: لما فعلتم ذلك لله تعالى؛ لأنَّ المسلم يحرم
ــــــ[99]ــــــ
(1) أُنظر: فقه الأخلاق 1: 295، الفقرة: (42) في معنى: الوطن.
(2) سورة التغابن، الآية: 14.
(3) غرر الحكم: 424، الحديث 9752.
(4) سورة هود، الآية: 46.
(5) عيون أخبار الرضا× 2: 53، الباب 31، الأمالي (للصدوق): 446، المجلس 68، الحديث 9، شرح نهج البلاغة 5: 147، إرشاد القلوب 1: 24، الباب الرابع، وبحار الأنوار 74: 385، أبواب المواعظ والحكم، الباب 15، الحديث 10.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
دفنه في مقابر الكفّار، والكافر يحرم دفنه في مقابر المسلمين، فحينئذ ما تدافنتم، أي: لو كان شخصٌ مّا نصرانيّاً أو يهوديّاً أو ملحداً فلا يجب عليك دفنه، وإنَّما يجب دفن المسلم -مطلق المسلم- وليس غير المسلم، فلو رأينا شخصاً واطّلعنا على باطنه فوجدناه غير مسلمٍ، فلا يجب علينا دفنه، فلما تدافنتم، أي: لكفّر بعضكم بعضاً.
[قوله: وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً]
[لماذا قال: (ينقلب) ولم يقل: يذهب]
ويوجد في الآية معنى آخر قلّما يلتفت إليه، وهو قوله: {وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} فلماذا قال: (ينقلب) ولم يقل: يذهب، مع أنَّه الأنسب تعبيراً حسب التصوّر الأوّلي؟ مضافاً إلى أنَّنا قد نتصوّر أنَّ الانقلاب أمرٌ سيئٌ لا يناسب الحديث عن أهل الجنّة، فينقلب من قبيل: (انقلبوا على أعقابهم)، وهو أمرٌ سيئٌ خلاف الاعتدال الذي يوضع على قعره.
قال الراغب: قلب الشيء تصريفه وصرفه عن وجهٍ إلى وجهٍ، كقلب الثوب وقلب الإنسان، أي: صرفه عن طريقته. قال: {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} (1)(2). والانقلاب الانصراف. قال: {انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ}(3)(4)، وقال: {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ}(5)، وقال: {أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}(6)،
ــــــ[100]ــــــ
(1) سورة العنكبوت، الآية: 21.
(2) أي: تذهبون، أي: تغيير المكان، بمعنى: كنتم في الدنيا فأصبحتم في الآخرة ونحو ذلك، أو كنتم في مقامٍ متدنٍّ وأصبحتم في مقام عالٍ (منه+).
(3) سورة آل عمران، الآية: 144.
(4) هنا مادّة الانقلاب أُستعملت مرّتين (منه+).
(5) سورة الأعراف، الآية: 125.
(6) سورة الشعراء، الآية: 227.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وقال: {وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ}(1)(2). وقلب الإنسان قيل: سُمّي به لكثرة تقلّبه(3)، ويعبّر بالقلب عن المعاني التي تختصّ به من الروح(4) والعلم والشجاعة وغير ذلك(5).
أقول: الأصل في القلب هو الاختلاف والتغيير والصرف وخروجه من وجهٍ إلى وجهٍ، وهو يحصل في مصاديق كثيرةٍ، منها: الذهاب من مكانٍ إلى مكانٍ، وهو الانصراف، كما قال الراغب، ومنه الانصراف من الدنيا إلى الآخرة، ومن العالم الأدنى إلى العالم الأعلى، ومن العالم الأعلى إلى العالم الأدنى، وإن كان قلّما يحدث منه الانقلاب على وجهه، كما ورد في الآية: {انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ}(6). وهو على خلاف الطبع وإن كان دنيويّاً طبعاً؛ لأنَّ الإنسان إنَّما يكون وجهه غير منقلبٍ حتّى يرى الأشياء. وأمّا أن يكون وجهه منقلباً فليس كذلك. وكذلك الكلام أُخرويّاً: فالانقلاب
ــــــ[101]ــــــ
(1) سورة المطفّفين، الآية: 31.
(2) وهذه الآية الأخيرة تشبه الآية التي نحن فيها: {وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} فمعنى فاكهين أي: فرحين (منه+).
(3) يتقلّب أي: محتوياته تختلف ساعةً بعد ساعةٍ ودقيقةً بعد دقيقةٍ؛ لأنَّ القلب إنَّما هو بيت العواطف، فهو يتغيّر، أي: كثير التغيّر وسريع التغيّر. وفي بعض الروايات [نهج البلاغة: 487، الحكمة 108] عن أمير المؤمنين×: >لقد عُلّق بنياط هذا الإنسان بضعةٌ هي أعجبُ ما فيه، وذلك القلب< والرواية طويلةٌ يصف فيها القلب وعجائبه، وهو أعجب من كلّ أعضاء الإنسان بما فيه الدماغ الذي هو مركز العقل (منه+).
(4) أي: من الأُمور المعنويّة (منه+).
(5) مفردات ألفاظ القرآن: 426، مادّة (قلب).
(6) سورة الحجّ، الآية: 11.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
على الوجه ليس صحيحاً؛ لأنَّ المفروض أنَّ الإنسان وجهه إلى الأعلى حتّى يرى جهة التكامل فيتابعها، لا أنَّ وجهه للأسفل مشغولٌ بالملذات.
وقد يُقال: إنَّنا نتصوّر أنَّ مقتضى الطبع أن يكون الوجه إلى الإمام، فأصبح إلى الوراء في حال تغيّر حاله المعنوي إلى الأسوء، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ}(1) كأن ينظر -مادّيّاً أو معنويّاً- إلى خلفه وإلى وجهه، فكأنَّه تغيّر محلّ سيره ومن ثُمَّ اتّجه وجهه، فيصدق أنَّه انقلب على وجهه. ومنه انقلاب الإناء أو القدر حين يكون على غير حاله الطبيعي أو المتعارف، ومنه الانقلاب العسكري الذي يقتضي الاختلاف في النظام والقانون.
ومنه: (القلب) وهذا اللفظ بالأصل (مصدر) قلب يقلب قلباً، بمعنى: التغيّر، وسُمّي به القلب الذي هو القلب البشري لكثرة تغيّره، حتّى كأنَّه التغيّر نفسه، كما تقول: زيدٌ عدلٌ، أي كأنَّه هو العدل نفسه، إلّا أنَّه عدلٌ مجازاً، لكن القلب أصبح لكثرة استعماله حقيقةً في القلب الإنساني. وهذا التغيّر موجودٌ في قلب كلّ إنسانٍ، ولكن الفرد لا يشعر به تفصيلاً، فيزعم أنَّ قلبه ثابتٌ وراسخٌ. فإن كان صادقاً فيما يقول – إذا كان يشعر أنَّ قلبه ثابتٌ وراسخٌ- فمعناه أنَّه يحسّ بالجهة المشتركة بين مجموعة التقلّبات القلبيّة لنفسه أكثر ممّا يحسّ بتفاصيل تلك التقلّبات، فلو أحسّ بالتفاصيل لأحسّ بكثرة التقلّبات، ولو أحسّ بالجهة المشتركة فلا أقلّ يحسّ بالتقلّبات. ولربما يكون من نعم الله سبحانه وتعالى قلّة الإحساس بالتقلّبات؛ لأنَّ الإنسان إذا أحسّ
ــــــ[102]ــــــ
(1) سورة محمّد، الآية: 25.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بكثرة التقلّبات انحرج موقفه وخرج عن رشده وحالة هدوءه. فمن هذه الناحية يجعلنا الله كأنَّما نتغافل عن التقلّبات القلبيّة والعقليّة والنفسيّة.
[المراد من قلب الإنسان]
والقلب لا يُراد به ذلك العضو المادّي أو الجسدي المسمّى بالقلب؛ لأنَّ هذا القلب المادّي – وبتعبير العلم القديم (الصنوبري)؛ لأنَّه على شكل صنوبرة- وظيفته ضخّ الدم، وليس له ربطٌ بهذه الأُمور. فإن قصدنا من القلب هذا القلب المادّي الذي هو أشبه باللحم مثلاً، فنقصد من تقلّبه حركته التي يضخّ منها الدم في الجسم لا غير.
أمّا أنا فأقول: إنَّ ملكات النفس متعدّدةٌ جدّاً، فمنها: ملكة العقل وملكة العاطفة، وملكة العقل هي مركز العقل نفسه، وملكة العاطفة هي مركز العاطفة نفسه، ونسمّيها مثلاً نفساً أو عاطفةً أو غيرهما.
وفي درجةٍ من درجات التصوّر الباطني يكون جسم الإنسان نفس روحه، بمعنى: أنَّ العين مثلاً موكّلةٌ للملكة الباصرة، فالملكة الباصرة تبصر من خلال العين، والملكة السامعة تسمع من خلال الأُذن، والملكة الشامّة تشمّ من خلال الأنف، والملكة العاقلة تُدرك من خلال المُخّ. ولو لم يكن للإنسان مخٌّ لما أدرك، والملكة العاطفة تحسّ وتحصل فيها العواطف من خلال القلب.
فإذن القلب هو الجهة الروحيّة للقلب التي هي ملكةٌ من ملكات النفس، فتلك تسمّى قلباً، وليس هذا القلب الصنوبري اللحمي، وتلك الروح هي روح القلب، كما أنَّ العقل هو روح الدماغ، وهذا القلب موكّلٌ بتلك الروح، كما أنَّ المخ موكّلٌ بالعقل، ولذا نجد القلب تكثر ضرباته مع الخوف والارتباك، مع أنَّ الذي يخاف إنَّما هي الملكة الروحيّة الموكّلة بالعواطف، وحينئذ فالقلب لا علاقة له، وإنَّما هو موكّلٌ بها، فتزداد ضرباته،
ــــــ[103]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وتقلّ عند الارتياح. وعلى أيّ حالٍ فمحصّل معنى (ينقلب) في الآية هو ينصرف، أي: ينصرف إلى أهله مسروراً. وأنا لم أشرح معنى (مسروراً) ولا داعي إلى ذلك هنا؛ لأنَّني غير مسؤولٍ عن بيان كلّ المطالب في هذا الدرس؛ لأنَّه ليس تفسيراً، وإنَّما يُعنى هنا بذكر الأسئلة الرئيسية وأجوبتها. وعلى كلّ حالٍ فـ(مسرور) له معنىً عرفي الذي هو في لذّة أو في ابتهاجٍ أو في فرحٍ ونحو ذلك من الأُمور. والمؤمن بطبيعة الحال – وهذا لم يلاحظه المشهور- ينقلب، وحاصله أنَّه ينقلب إلى أهله مسروراً يعني: قبل أن ينقلب إلى أهله كان مسروراً، لا أنَّه يجدهم فيسرّ؛ فهذا خلاف ظاهر الآية أكيداً؛ لأنَّه دُعي إلى الدخول إلى الجنّة ولمّا يدخلها بعد، فإذن هو مسرورٌ بطبيعة الحال، مسرورٌ برحمة الله سبحانه وتعالى، لا أنَّه بمجرّد أن يرى أهله يسرّ. وحسب فهمي
– وإن كنت لا أريد أن أتّهم المشهور- أنَّ المشهور يرى أنَّه حينما يجد أهله يسرّ، ولربما إذا كان الشخص ذا مقام عالٍ يدخل إلى أهله مسروراً، ولكن حينما يرى أهله يغتمّ، وإن كان في الآية لا يقول ذلك؛ لأنَّه يريد أن يرغّب بالجنّة جلّ جلاله؛ لأنَّه كما قيل – ومعهم الحقّ-: إنَّ المعصومين^ مثلاً ومَن هم على غرارهم لا يهتمون في أنَّ زوجته حُشرت معه، أو لا أو أولاده أو الحور العين أو الغلمان أو أنَّ تحته أنهاراً جاريةً، فكلّ هذا لا قيمة له عندهم، وإنَّما الاهتمام هو أن يجعل همّه همّاً واحداً (صانع وجهاً واحداً يكفك الوجوه كلّها)(1). وهذه الأشياء تأتي بنعمة الله وكرمه، لكن لا أن نتوجّه لها بكلّ جوارحنا، ونتفاعل معها تفاعلاً حقيقيّاً؛ فإنَّه ينبغي أن لا تفرح بما أتاك من
ــــــ[104]ــــــ
(1) راجع مجموعة ورّام 2: 113.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الدنيا، ولا تغتمّ بما زوي عليك منها؛ لأنَّه ما دام رحمة الله الحقيقيّة موجودةً فهذا بنفسه هو الفوز. وهذا ينطبق على الجنّة أيضاً، أي: لا تفرح بما جاءك من الجنّة التي هي في عالم الكثرة والاستقلال غير الله سبحانه وتعالى، أي: إنَّ الجنّة من مخلوقات الله، وهي غيره سبحانه وتعالى. فلا تهتمّ بما زوي عنك من الجنّة؛ لأنَّك هناك بين يدي جبّار: إن أشحت بوجهك عنه أشاح بوجهه عنك.
****
قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ}:
هناك أُطروحتان لا تخلو من شيءٍ من المناقشة في قوله تعالى: {وَرَاءَ ظَهْرِهِ}:
[أُطروحتان في قوله تعالى: وَرَاءَ ظَهْرِهِ]
الأُطروحة الأُولى: أنَّه يحمل الذنوب على ظهره؛ فإنَّ الذنوب مسؤوليّةٌ، والمسؤوليّة عرفاً إمّا أن نقول: في رقبته وإمّا نقول: على ظهره، أي: إنَّ مسؤوليّة الذنوب على ظهره، ولعلّه هو الأقرب من أن نقول: في رقبته، فتكون مطابقةً للآية في قوله جلّ جلاله: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ…}(1). ويرد عليها أكثر من إشكالٍ:
أوّلاً – وهو الأهمّ-: أنَّه لابدّ فيه من استعمال حرف الاستعلاء (على ظهره) وليس (وراء ظهره)، والتعبير الثاني لا يفهم منه ذلك، وإنَّما (على ظهره) أكثر استعمالاً، والمسؤوليّة إنَّما هي على الفرد، أي: ضدّه وعليه، أي: محملة عليه، ويتحمّل تبعاتها وثوابها وعقابها وغير ذلك من الأُمور.
ــــــ[105]ــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 31.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ثانياً: الذي ينبغي أن نلتفت إليه في جواب ذلك هو أنَّ الكتاب ماذا يكون معناه حينما يوضع وراء ظهره؟ فهل معناه: أن يلصق ببدنه مباشرةً أو مع فاصلٍ؟ والسياق قائمٌ على فهم البعد لا الالتصاق، مع أنَّ الشيء الذي فوق ظهره ومحملٌ عليه يلصق به، فمن هذه الناحية يوجد اختلافٌ بين هذا التصوّر والسياق المفهوم من الآية.
الأُطروحة الثانية: أنَّ الله تعالى يجعل ذنوب الفرد وراء ظهره رحمةً به؛ حتّى تخفى عن الناظرين، ولا يراها أحدٌ.
ويرد عليها إشكالان أيضاً:
أوّلاً: إذا وضعت وراء ظهره فهو لا يراها، وأمّا غيره فقابلٌ لأن يراها.
ثانياً: أنَّه يقول: (كتابه) والكتاب فيه حسناتٌ وسيّئاتٌ، وليس فقط سيّئاتٌ، فإذا كان يريد أن يرحمه فإنَّما يضع سيّئاته وراء ظهره، وليس إخفاء الحسنات، فلعلّ إخفاء الحسنات ليست رحمةً إن كان إخفاء السيّئات رحمةً.
وهناك جوابٌ آخر -وهو كثيراً ما يطرق أسماعنا، وفيه درجةٌ من درجات الباطن- وهو أنَّ الله تعالى كثيراً ما يستر على العبد ذنوبه وينسيه؛ لعدّة نتائج دنيويّةٍ وأُخرويّةٍ. أمّا الدنيويّة فهي أنَّ الإنسان إذا نسي ذنوبه فإنَّه سوف يتوجّه الى ربّه، ولا يهتمّ بالاستغفار الزائد؛ لأنَّ الله تعالى يريد منّا أن نسير نحوه.
وأمّا أُخرويّاً فلأجل أن لا يعاقبه، ولأجل أن يعتبره غير مذنبٍ أصلاً، وهذا يحصل لمَن يستحقّ شيئاً من القرب والثواب، مع أنَّ هذا المعنى منافٍ لنصّ الآية في قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً}(1) وقوله تعالى: {وَيَصْلَى
ــــــ[106]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآية: 11.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
سَعِيراً}(1).
وجوابه: أنَّ الله تعالى ينسي ذنوب مَن لا يريد أن يعاقبه، أمّا من يريد عقابه ومحاسبته فليس كذلك، بل {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً}.
****
قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً}:
(سوف) لإفهام البعد الزماني الاستقبالي، أي: فيما بعد، إلّا أنَّه غير محدّدٍ، فهل هو الفاصل بين الدنيا والآخرة أو الفاصل بين الحساب والعقاب أو الفاصل بين العالم الأدنى والعالم الأعلى؟ فهذا غير معلومٍ.
ثُمَّ إنَّه هناك قال: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} وهنا قال: {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً} وكلاهما فيه نحوٌ من التناظر أو المقابلة أو التشابه، وهذا تشابهٌ أدبي أوّلاً وثانياً عقلي أو فكري، وكلٌّ منهما مطلبٌ صحيحٌ في نفسه. والوجه فيه ما يلي:
أوّلاً: أنَّ هناك تقابلاً أو تماثلاً في قوله: {فَسَوْفَ يَدْعُو} وفي قوله: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ}.
[ما معنى الثبور]
وثانياً: أنَّ التقابل في المقام في الموضوع أو قل: المتعلّق، أي: هناك قومان: قومٌ يحاسبون حساباً يسيراً، وقومٌ يدعون ثبوراً، فالصالحون وغير الصالحين بينهما تقابلٌ أيضاً، ومحمولهما من هذه الناحية – لا أقلّ من ناحيةٍ لفظيّةٍ- متشابهٌ، وإن كان في الواقع غير ذلك. وهنا نشير إلى أهمّ لفظٍ في الآية من الناحية العمليّة وهو (الثبور). فما معنى الثبور؟
ــــــ[107]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآية: 12.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قال الراغب: الثبور الهلاك والفساد، المثابر على الإتيان، أي: المواظب من قولهم: ثابرت. قال تعالى: {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لاَ تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا}(1) وقوله تعالى{وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا}(2). قال ابن عباس (رضي الله عنه): يعني: ناقص العقل. ونقصان العقل أعظم هُلكٍ. وثبيرٌ جبلٌ بمكّة(3).
أقول: هذه المادّة فيها الثلاثي (ثبر) والرباعي أو المزيد (ثابر)، فحينئذٍ يوجد هناك اتّجاهان في اللغة:
الأوّل: أنَّ المزيد والمجرّد لا ربط لأحدهما بالآخر، أي: إنَّ كلاً منهما موضوعٌ بوضعٍ مباينٍ.
الثاني: أنَّ أحدهما يرجع إلى الآخر.
نعم، وُضع كلّ واحدٍ منهما بوضعٍ معيّنٍ، أي: وضع بوضعين باصطلاح الأُصول؛ لأنَّهما مادّتان مستقلّتان، ولكنّه يوجد نحوٌ من التشابه، ولعلّه الأغلب في اللغة. فإذا أرجعنا معناهما إلى محصّلٍ واحدٍ، كما هو المظنون، يكون (ثابر) بمعنى: (أهلك)، أي: هلك حينئذٍ. وحينما نلتفت إلى أنَّ (ثابر) بمعنى كثّر العمل والتزم به واستمرّ عليه، فلماذا نسمّيه (ثابر)؟ وجوابه: أنَّ (ثابر) إمّا بمعنى: (أهلك نفسه من التعب) ولو مجازاً أو تسامحاً، أو أهلك غيره من الأُمور التي يتصرّف بها؛ لأنَّ كثرة العمل تستدعي التحريك. فلو كان عمل شخصٍ مّا عجن العجين فإنَّه يستمرّ في عجنه كثيراً، فيُقال: إنَّ هذا
ــــــ[108]ــــــ
(1) سورة الفرقان، الآيتان: 13- 14.
(2) سورة الإسراء، الآية: 102.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 75 مادّة (ثبر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
العجين قد هلك من كثرة عجنه، ولو تسامحاً؛ فإنَّها تكون عادةً كثيرة الحركة إلى حدٍّ قد يؤدّي بها إلى الهلاك مجازاً. ومن المعلوم أنَّنا في الاشتقاق نقول: (ثابر) وهو ثابر من الثلاثي، أي: اسم الفاعل الثلاثي على وزن فاعل، ثبر فهو ثابرٌ، مع أنَّ ثابر لا يستعمل عادةً، أي: ثبر فهو ثابرٌ ومثبورٌ، وثابر فهو مثابرٌ ومثابَرٌ، مع أنَّ مثابَر أيضاً غير مستعملٍ في اللغة. والمهمّ هنا أنَّ (مثبور) مشتقٌّ من الثلاثي.
فقوله تعالى: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُوراً}(1) من (ثبر) لا من (ثابر). وحسب فهمي أنَّها تدلّ على جهةٍ نفسيّةٍ ناشئةٍ من تمزّق الحال مجازاً، أي: إنَّ الإنسان في نفسه يشعر بتردّدٍ وتمزّقٍ ووضعٍ لا يحسد عليه، فالأُمور التي حوله هالكةٌ أو متمزّقةٌ، أو أنَّ نفسه هالكةٌ ومتمزّقةٌ من كثرة الأفكار وكثرة التردّد وعدم التركيز. ولذا يسمّى المتحيّر (مثبوراً) أحياناً، كما يسمّى المستعجل (مثبوراً) أحياناً أيضاً. وقد يُراد من اللفظ في الآية ذلك أيضاً، أي: المتحيّر بمعنى: (وأنَّي لأظنّك يا فرعون متحيّراً)؛ لأنَّ مَن يعرض عن الآخرة ويلتفت إلى الدنيا يكون حائراً أو بمنزلة الحائر. وابن عبّاس (رضي الله عنه) عندما يقول: (ناقص العقل) يصحّ كلامه على أنَّ نفهمه صفةً وقتيّةً، وليست ثابتةً، أو قل: حينيّةً، أي: حينما يكون متحيّراً ومرتبكاً يصدق عليه أنَّه مثبورٌ، وليس ناقص العقل، أي: سفيهٌ. فلو كان فرعون سفيهاً لما حصل على منصبه الذي هو فيه؛ فإنَّ المستعجل والمتحيّر يكون حال استعجاله وحيرته بمنزلة فاقد العقل، أي: يتصرّف بسرعةٍ وارتباكٍ كأنَّه سفيه أو قل: في ذلك الحين هو سفيهٌ
ــــــ[109]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 103.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فعلاً.
ويُلاحظ: أنَّ قوله: {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً} فيها جانب ثبوتٍ وجانب إثباتٍ، فجانب الثبوت هو الجانب الواقعي، وجانب الإثبات هو جانب العلم، أي: التعرّف عليه والعلم به، وقد تكرّر ذلك كثيراً، ونحوه ما عليه المشهور، بل الإجماع من فهم جانب الإثبات(1). ولذا فسّرها الطباطبائي+ بقوله: (واثبوراه)(2) أي: وا هلاكاه، وهذا على معنى الشكوى و الاستغاثة الذي هو معنى الإثبات. وهذا أمرٌ وجيهٌ، ويؤيّده إلى حدٍّ معتدٍّ به قوله: (يدعو)؛ لأنَّ (يدعو) أقرب إلى هذا الجانب، أو قل: أقرب إلى جانب الإثبات؛ لأنَّ الدعوة تفهيمٌ للآخرين الذي هو إعلامٌ وإثباتٌ بهذا المعنى.
ولكن مع ذلك يبقى جانب الثبوت فيها محتملاً؛ لأنَّه يقول: {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً} ومعناه: أنَّ الثبور يكون مدعوّاً، بمعنى: مطلوباً ومرغوباً، كما تقول: يدعو زيداً تقول: يدعو ثبوراً، أي: يدعو الهلاك لنفسه. والذي يدعو الهلاك لنفسه إنَّما هو الفاسق والفاجر والعاصي والخاطئ؛ لأنَّ الفاسق والكافر يهلك نفسه بأعماله، أو بتصوّر أهدافٍ باطلةٍ ونحو ذلك، من حيث يعلم أو لا يعلم، فكأنَّما يدعو بالثبور إلى نفسه ويناديه.
[محلّ الإعراب لكلمة (ثبوراً)]
ويبقى شيءٌ بسيطٌ في هذه الآية، وهو الجانب النحوي أو محلّ الإعراب لكلمة (ثبوراً). فما هو سبب نصبها؟
ــــــ[110]ــــــ
(1) أُنظر: إعراب القرآن (للنحّاس) 5: 117، سورة الانشقاق، البحر المحيط في التفسير 10: 438، تفسير سورة الانشقاق، الجامع لأحكام القرآن 20: 273، تفسير سورة الانشقاق، وغيرها.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 243، تفسير سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قال العكبري: و(ثبوراً) مفعولٌ به، ويجوز أن يكون مصدراً من معنى دعوا(1).
وفي حدود فهمي أنَّه يصبح مصدراً، أي: مفعولاً مطلقاً بغير لفظه، كما تقول: مشيت سيراً، أو سرت مشياً، فهنا أيضاً نقول: يدعو ثبوراً. هكذا يزعم -أي: العكبري-. ولكن في الحقيقة هذا متوقّفٌ على معنى، وهو أن يكون (ثبور) بمعنى (دعا) حتّى يكون مفعولاً مطلقاً، أي: دعا دعوةً أو دعا دعاءً، على أن يكون (ثبور) بمعنى (دعا)، أي: مادّة (يدعو) فيصلح أن يكون مفعولاً مطلقاً؛ لأنَّه بمعنى المفعول المطلق لا بشيءٍ مباينٍ. وعليه فلا يصحّ أن نقول: سرت صعوداً، بل نقول: سرت مشياً. فمن هذه الناحية لم يثبت ما ذكره في اللغة، بل ثبت عدمه، أي: إنَّ الثبور ليس بمعنى الدعوة، والدعوة ليست بمعنى الثبور، وإنَّما الدعاء بمعنى النداء، والإنسان يستخدمه لهذا المعنى، والثبور بمعنى الهلاك، وهما معنيان متباينان لا ربط لأحدهما بالآخر، فلا يصلح أن يكون مفعولاً مطلقاً بغير لفظه، ويتعيّن أن يكون مفعولاً به. ولربما تجدون له أُطروحات أُخر نحويّة لا حاجة للإطالة فيها.
****
قوله تعالى: {وَيَصْلَى سَعِيراً}:
قال الراغب: السعر: التهاب النار، وقد سعَرتها وسعّرها وأسعرتها، والمسعر الخشب الذي يُسعر به. واستعر الحرب واللصوص، نحو: اشتعل. وناقةٌ مسعورةٌ نحو: موقدةٍ ومهيّجةٍ. والسعار حرّ النار. وسعر الرجل
ــــــ[111]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 161، سورة الفرقان.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أصابه حرٌّ. قال تعالى:{وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}(1) وقال تعالى:{وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ}(2) وقرئ بالتخفيف(3). وقوله:{عَذَابِ السَّعِيرِ}(4) أي: حميم، فهو فعيلٌ في معنى مفعولٍ. وقال تعالى:{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ}(5). والسعر في السوق تشبيهاً باستعار النار(6).
أقول: إنَّ الالتهاب وشدّة الحرارة فيهما جانبان: خارجي ونفسي. أمّا الخارجي فمعروفٌ، وأمّا النفسي فهو الإحساس بشدّتها، أي: الإحساس بشدّة الحرارة والألم الناشئ من شدّة الحرارة ممّا يجعل الفرد في حالةٍ مربكةٍ وغير مستحسنةٍ. وقد ورد في القرآن الكريم كلا الجانبين: أمّا الجانب الخارجي فقال تعالى: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ}(7) أي: سعّرت خارجاً بغضّ النظر عمّن فيها. وأمّا الجانب النفسي فهو موجودٌ – بحسب فهمي- في قوله تعالى: {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}(8) أي: سيعانون ويقاسون الحرارة. وكذلك الكلام في عذاب السعير؛ فإنَّ الجانب النفسي من معنى العذاب هو الأهمّ والملحوظ،
ــــــ[112]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 10.
(2) سورة التكوير، الآية: 12.
(3) وهي القراءة المرويّة عن ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، وعلي، وشعبة، ويحيى، ويعقوب، والأعمش. أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 8: 84، سورة التكوير.
(4) سورة الحجّ، الآية: 4.
(5) سورة القمر، الآية: 47.
(6) مفردات ألفاظ القرآن: 238، مادّة (سعر).
(7) سورة التكوير، الآية: 13.
(8) سورة النساء، الآية: 10.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وإلَّا لم يكن عذاباً، بل سبباً للعذاب. وسبب العذاب ليس بالضرورة أن يكون منتجاً لفعليّة العذاب؛ لأنَّه مقتضي العذاب، وليس العلّة التامّة للعذاب طبعاً. ومنه يُقال: ناقةٌ مسعورةٌ أو كلبٌ مسعورٌ، أي: بلحاظ الجانب النفسي للحيوان. وسعر الرجل أصابه حرٌّ. فقوله تعالى: {وَيَصْلَى سَعِيرًا} أي: يُقاسي ويُعاني هذا الجانب النفسي، كلّ ما في الأمر أنَّ هذا الجانب لا يحصل جزافاً، بل بعلّته، وعلّته هي شدّة الحرّ. ومعه فالآية تدلّ على كلا الجانبين، أي: السبب والمسبّب، بمعنى: شدّة الحرّ والمعاناة منها.
****
قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا}:
[فهم المشهور من هذه الآية]
فهم المشهور من هذه الآية: أنَّه مسرورٌ في الدنيا في أهله ويصلى سعيراً في الآخرة. ولعلّه يمكن أن نقول: إنَّ هذا المعنى عليه إجماع المفسّرين(1)، وإنَّ مرجع الضمير في هذه الآية هو الفاسق الفاجر الذي يصلى السعير.
وقد قدّمنا معنى الأهل في الأبحاث السابقة. وعلى كلّ حالٍ فإنَّه في أهله موجودٌ أيضاً، وينقلب إلى أهله مسروراً، أي: إنَّه كان في أهله مسروراً، وقد سبق الكلام في الأهل. وهنا يوجد إشكالٌ؛ لأنَّني ذكرت معنى الأهل في كتاب >فقه الأخلاق<قائلاً(2): إنَّ الأهل هؤلاء الناس الذين هم متجانسون فيما بينهم ولا يكتم عنهم سرّاً وينفعونه 100% وينفعهم 100%، ولا ينالهم من
ــــــ[113]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 6: 470، الجامع لأحكام القرآن 20: 273، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 289، وغيرها.
(2) راجع فقه الأخلاق 1: 298، كتاب الصلاة، الفقرة (43).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قبله همٌّ ولا غمٌّ، فهؤلاء هم أهلٌ. هذا بالنسبة إلى المؤمن، وهذا صحيحٌ. لكن هل بالإمكان الإتيان بفردٍ واحدٍ من غير المؤمنين ويحصل على أهلٍ من غير المؤمنين بهذا الشكل؟ هذا غير موجودٍ؛ فإنَّ أهل الدنيا ليسوا كذلك، بل قد لا يمكن العثور على واحدٍ منهم إطلاقاً؛ فإنَّهم يتوافقون على مصلحةٍ أو صناعةٍ أو تجارةٍ أو أُسرةٍ أو قرابةٍ، لكنّه لا يكونون بهذا الترتيب من الإخلاص لبعضهم البعض. فحينئذٍ ينتج أنَّ الكافر والفاجر ليس له أهلٌ، والمؤمن له أهلٌ بذلك المعنى، وأمّا الكافر والفاسق فهما أبناء الدنيا، وليس لهم أهلٌ بالمعنى الذي ذكرناه سابقاً.
[أُطروحاتٍ في معنى الآية]
وهنا نذكر عدّة أُطروحاتٍ في معنى الآية:
الأُطروحة الأُولى: أن نفهم من قوله تعالى: {كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا} معنى العائلة أو الأُسرة أو العشيرة أو القرابة، ما شئت فعبّر. وهذا قد يستلزم أنَّ (أهله) هنا غير معنى أهله هناك، فكلّ واحدٍ يُراد منه معنىً، إلّا إذا فهمنا من ذاك أيضاً القرابة، وليس العشيرة بهذا المعنى الذي أشرت إليه.
الأُطروحة الثانية: أن نفهم نفس ذلك المعنى للمؤمن، أي: جماعته وعشيرته، وهذا لا بأس به، ولكنّ المؤمنين أعمق في معنى الإخلاص والأهليّة فيما بينهم، فأهل الدنيا عندهم هذا المعنى، ولكنّه على مستوىً سطحي قليلٍ، فنفهمه بنفس المعنى، ولكن بالمقدار المتيسّر منه في الدنيا، ولو ببعض الخصائص، وهم الجماعة المتحابّون في عملٍ مشتركٍ أو هدفٍ مشتركٍ، وإن حصل انفصالهم بعد ذلك.
الأُطروحة الثالثة: أن نفهم من أهله أهل الصنعة الواحدة بغضّ النظر عن الإخلاص، كالتجارة والنجارة أو الحدادة أو أهل الطبقة الواحدة، وعادةً
ــــــ[114]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ما يكون هؤلاء مشتركين بأمرين:
الأوّل: بالمستوى الاقتصادي.
الثاني: بالعقليّة أو بأُسلوب التفكير.
وهؤلاء يكونون مشتركين أكيداً، كما أنَّنا في الحوزة مشتركون في العقليّة وأُسلوب التفكير.
الأُطروحة الرابعة: أن نفهم نفس الفكرة العامّة المذكورة في المعنى السابق، لكن من حيث لا يتيسّر ذلك في ظاهر الحياة الدنيا بعد التنزّل عن الأجوبة السابقة، كما أنَّ المفروض أنَّنا لا نتحدّث عن المقامات العليا؛ لأنَّ هذا قد انسدّ بابه، لكن بقي بابٌ مفتوحٌ، وهو أنَّنا ننسب مجموعة الأهل إلى الكمال السلبي أو الكمال الأدنى، أو ما يسمّى بالكمال في عالم الظلام أيضاً، ففيه شيءٌ من هذا القبيل. فحينئذٍ يكونون متحابّين وواصلين إلى كمالهم المطلوب لهم فيكونون أهلاً، ويكون بعضهم مخلصاً لبعضٍ، وفي مقامٍ واحدٍ، إلّا أنَّه مقام التسافل لا التكامل.
****
قوله تعالى: {إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ}:
[مطلبان بلحاظ الآية]
وهناك مطلبان يحسن الالتفات إليهما بلحاظ الآية:
المطلب الأوّل: أنَّ الظنّ في قوله تعالى: {إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ}(1) يُراد به العلم لا الظنّ أو الاحتمال؛ وذلك بقرينة (لن)؛ لأنَّها تدلّ على نحوٍ من التأكيد، كما أنَّ انطباعها النفسي كذلك. فعندما يُقال: لن يأتي زيدٌ، فالمراد هو
ــــــ[115]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآية: 14.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
عدم مجيء زيدٍ أكيداً. إلّا أنَّ هذا في نفسه قابلٌ للخدشة من حيث إنَّ (لن) موضوعةٌ لنفي المستقبل، أي: إنَّ شيئاً مّا في المستقبل لن يحدث، لا أنَّه لنفي الماضي، وكلاهما من هذه الناحية على غرارٍ واحدٍ، أي: إنَّ هذه الجهة النفسيّة -وهي التأكيد في (لن)- معترفٌ بها، ولكنّها ليست جهةً لغويّةً أو وضعيّةً أو عقلائيّةً، وإنَّما هي لنفي المستقبل. فإذا أراد المتكلّم خلاف ذلك
-أي: أن ينفي المستقبل بدون تأكيدٍ- فلا يوجد ما يستعمله في الدلالة على ذلك سوى (لن)، فحينئذٍ لا دليل على أنَّ (لن) هنا يُراد بها التأكيد، بل هي لمطلق نفي المستقبل. ومن هذه الناحية إذا لم يرد بـ (لن) التأكيد فـ(ظنّ) أيضاً لا يُراد بها التأكيد، أي: العلم، بل تحمل على الظنّ الاعتيادي.
والمطلب الثاني الذي يمكن أن يورد هنا: قضيّة حذف الألف من نهاية الآية.
فقد يُقال: إنَّ القرينة التي ذكرناها من: أنَّ المشهور لزوم أو وجوب الوقوف على المنصوب بالألف لا بالسكون .
ويجاب عليه: أنَّ القرآن حجّةٌ ضدّ هذا الفهم، ونفس هذه الآية حجّةٌ ضدّه، وفيها وقفٌ على السكون لا على الألف.
****
قوله تعالى: {بلى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا}:
الآية الكريمة بمنزلة الجواب للآية السابقة، ومن هذا القبيل في القرآن الكريم ما نحن بصدده، فتكون آيةٌ بمنزلة فعل الشرط، وأُخرى بمنزلة جواب الشرط، وإن لم تكن قضيّةً شرطيّةً حقيقيّةً، لكنّه بمنزلة ذلك. فالفعل أو السؤال مع جوابه سؤالٌ، وهو ليس بسؤالٍ، ولكنّه مع ذلك ردّ الفعل
ــــــ[116]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الثاني يعتبر عرفاً أو بلغة بعض المتشرّعة جواباً، وهذا من جملتها، أي: قوله تعالى: {بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} وخاصّة مع البدء بـ(بلى) فكأنَّه استفهامٌ عن النفي من قبيل: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}(1) وقولنا: لم يأتِ زيدٌ، فيُقال: بلى. وإلّا لم يكن هناك سؤالٌ سابقٌ، فهو بمنزلة الجواب عن الآية السابقة، وكلّ التصرّف الناتج من (ظنّه) ليس بصحيحٍ؛ لأنَّه اختصرها بجملتين في القرآن؛ ولأنَّ ربّه به بصيرٌ. والله بصيرٌ من جهتين بلحاظ هذا الفاسق:
الأُولى: ما فهمه السيّد الطباطبائي+ من أنَّه مطّلعٌ على أعماله وعلى نواياه(2) أي: إنَّه في الدنيا مطّلعٌ على أعماله السيّئة، ومن هذه الناحية يكون عقوبةً له عليها في يوم القيامة، وهذا من الفهم المتشرّعي الاعتيادي.
الثانية: أنَّه بصيرٌ، أي: مطّلعٌ وحكيمٌ ودقيقٌ؛ لأنَّ العبد يجهل مقدار الحكمة والعدل في عقابه، فالله هو البصير في ذلك، فقد يكون عقابه قليلاً وقد يكون كثيراً، وقد يرحمه وقد لا يرحمه، فصار نحوٌ من الغموض المتعمّد أو قل: الإغماض، فهو العالم بماذا يفعل له. وهذا يعطي رهبةً وهيبةً، وهي متعمّدةٌ طبعاً؛ لأنَّ المتكلّم يريد ذلك. وقوله: {بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} أي: من غير المعلوم ما هي إرادة الله لهذا العبد. وهذه الرهبة والهيبة تكون في قلوب الفاسقين للتخويف والإرهاب. و(كان) لها احتمالان تابعان لمعنيين سابقين:
الأوّل: أنَّنا إن بنينا على ما فهمه السيّد الطباطبائي+ من أنَّه بصيرٌ بأعماله في الدنيا(3)، فحينئذٍ المفروض أنَّ الحديث يكون في يوم القيامة أو قل:
ــــــ[117]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 172.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 244، تفسير سورة الانشقاق.
(3) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
النظر إلى يوم القيامة، فنقول: إنَّ الله كان به بصيراً، أي: كان في الدنيا بصيراً به قبل يوم القيامة، أي: في ذلك الحين تكون الدنيا ماضيةً، فنقول: إنَّ الله كان بأعماله بصيراً، أي: في الدنيا، والآن يعاقبه عليها، أي: في يوم القيامة. فهنا تتّخذ (كان) صيغة الفعل الماضي.
الثاني: أنَّنا إذا غضضنا النظر عن تلك المسألة، استشكل المطلب؛ من جهة أنَّ الله تعالى ليس لديه ماضٍ وحاضرٌ ومستقبلٌ، وليس أنَّ أوصافه كانت ثُمَّ زالت (والعياذ بالله)، ومع ذلك فإنَّ هذا المعنى متكرّرٌ في القرآن كثيراً، أي: نسبة (كان) إلى الأسماء الحسنى، نحو قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً}(1) وقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً}(2) وغير ذلك كثيرٌ في القرآن(3). ومن هنا وقع الأُصوليّون في حيرةٍ وحيص بيص، وكان أحسن جواب مشهورٍ على ذلك -ولعلّ عليه إجماع المتأخّرين، أي: الجيل السابق والجيل الذي قبله من الأُصوليّين- هو أن ينفوا دلالة الفعل على الزمان(4)، إذن فـ(كان) ليس لها دلالةٌ على الماضي في أيّ شيءٍ.
ــــــ[118]ــــــ
(1) سورة الفرقان، الآية: 6.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 9، وسورة الفتح، الآية: 24.
(3) نحو قوله تعالى: {وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً} [سورة النساء، الآية: 17] وقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً} [سورة النساء، الآية: 130] وقوله تعالى: {وَكَانَ اللهُ غَنِيّاً حَمِيداً} [سورة النساء، الآية: 131] وغيرها.
(4) أُنظر: إفاضة العوائد 1: 69، المشتقّ، كفاية الأُصول: 40، المشتقّ، منتهى الدراية 1: 236، المشتقّ، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
[دلالة كان في أبحاث علم الأصول]
ولقد ذكرت ذلك مفصّلاً في أبحاث علم الأُصول(1)، وقد أثبت دلالة الزمان على الماضي، ونفيت الأدلّة التي أقاموها على استحالة هذا المطلب بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى.
والجواب الحقيق في المقام: أنَّ (كان) لا تفيد الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل، وليس معنى ذلك أنَّ الفعل لا يدلّ على مطلق الزمان، بل مطلق الفعل يدلّ على الزمان، إلّا أنَّ هذا الاستعمال لـ(كان) له خصوصيّةٌ وله قرينةٌ عامّةٌ أو قرينةٌ ارتكازيّةٌ تدلّ على أنَّه لا يدلّ على الزمان؛ لأنَّ (كان) هنا تفيد الشأنيّة، أي: من شأنه أن يكون كذا، وليس الزمان، ولهذا المعنى قرينةٌ عقلائيّةٌ وعرفيّةٌ وارتكازيّةٌ. وهذه الشأنيّة لا يختلف فيها إن نسبت إلى الخالق أو إلى المخلوق، ونسبتها إلى الخالق قد عرفناه من قبيل قوله تعالى: {كَانَ غَفُوراً رَحِيماً}(2) أي: من شأنه أن يكون غفوراً رحيماً، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}(3) أي: من شأنه أن يكون كذلك. وأمّا في نسبتها إلى المخلوقين فكذلك نحو قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى}(4) أي: ليس من شأن النبي أن يكون له أسرى. وهذه الشأنيّة محفوظةٌ في الأزمنة الثلاثة. ونحوه قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ}(5) أي: منفكّين عن أديانهم، بمعنى: ليس من شأنهم أن يفارقوا دينهم إلّا بقيام حجّةٍ واضحةٍ
ــــــ[119]ــــــ
(1) راجع منهج الأُصول 2: 88 وما بعدها، الفصل الثالث، دلالة الأفعال على الزمان.
(2) سورة الفرقان، الآية: 6.
(3) سورة النساء، الآية: 94، وسورة الأحزاب، الآية: 2.
(4) سورة الأنفال، الآية: 67.
(5) سورة البيّنة، الآية: 1.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وأدلّةٍ لائحةٍ. ولا يخفى: أنَّ المفسّرين قد اختلفوا في تفسير هذه الآية المزبورة: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا} وأنا في محلّه ذكرت بيان ذلك، وكان أوضح أُطروحةٍ هي: أنَّهم منفكّون عن حالهم ودينهم، أي: إنَّهم لا يؤمنون بك إلّا بالتجزّع لا بالسهولة؛ إذ ليس ذلك من شأنهم أيضاً.
والتفسير الآخر أن نقول: إنَّه لا يصحّ أن يُقال: إذا كان الفعل الناقص في سياق النفي أفاد الشأنيّة، وأمّا إذا كان في سياق الإثبات لم يفد الشأنيّة، بل الفعل في كلا السياقين يفيد الشأنيّة، والشأنيّة ليس لها قرينةٌ معيّنةٌ إلّا القرينة الارتكازيّة. نعم، (كان) قد تفيد الماضي، ولكن في بعض الأحيان بقرينةٍ ارتكازيّةٍ نفهم منها الشأنيّة: سواء كانت مثبتةً أم منفيّةً. أمّا المنفيّة فكما في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى}(1) وقوله: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ}(2). وأمّا المثبتة منها فكثيرةٌ بالنسبة إلى الأسماء الحسنى، نحو قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً}(3) وقوله تعالى: {كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}(4) وقوله تعالى: {وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً}(5) أي: من شأن عهد الله أن يكون مسؤولاً عنه، ونحوه قوله تعالى: {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً}(6). فلا يُقال حينئذٍ: إنَّ (كان) مطلقاً لا تفيد الزمان، وإنَّما هنا لا تفيد الزمان، بل
ــــــ[120]ــــــ
(1) سورة الأنفال، الآية: 67.
(2)سورة البيّنة، الآية: 1.
(3) سورة الفرقان، الآية: 6.
(4)سورة الفتح، الآية: 11.
(5) سورة الأحزاب، الآية: 15.
(6) سورة الفرقان، الآية: 55.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
هنا تفيد الشأنيّة، وهذا واضحٌ في أصل اللغة لـ(كان) بالخصوص، وليس لغيرها. فيكون معنى الآية: بلى إنَّ ربّه كان به بصيراً، أي: إنَّ ربّه من شأنه أن يكون به بصيراً، فقد زال معنى الزمان، وليس في الدنيا ولا في الآخرة، وإنَّما دائماً هو به بصيرٌ.
فإن قلت: إنَّ الشأنيّة لا تلازم الفعليّة، وإنَّما من شأنه أن يكون كذلك، ولكنّه هل هو كذلك فعلاً؟ الله العالم، مع أنَّ المفروض بهذه الآيات كلّها – سواء نسبت إلى الخالق أم إلى المخلوقين- أن تكون على نحو الفعليّة وليس الشأنيّة، فلماذا تقول الشأنيّة؟ فإمّا أن نقول: الفعليّة، وإمّا أن نقول: إنَّ نتائجها مجملةٌ؛ لأنَّنا لا نعلم أنَّ الشأنيّة تحوّلت إلى الفعليّة أو لم تتحوّل إلى ذلك.
قلت: إنَّ الشأنيّة هي الاقتضاء، أي: مقتضى الشأنيّة موجودٌ، والمقتضي قد يقترن بالمانع، وقد يفتقد المانع، إذن في حال العلّيّة التامّة تتحوّل الشأنيّة إلى الفعليّة، وإذا كان المانع موجوداً فلا تتحوّل الشأنيّة إلى الفعليّة، فالمقتضي لا يعمل مع وجود المانع ولا يؤثّر، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً. ومعه فقوله: {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً}(1) لا يعني أن يكون كلّ كافرٍ كذلك، فهناك كفّارٌ ليسوا على ربّهم ظهراء بهذا المعنى؛ لوجود المانع عن هذه الصفة، ولكن صفة الأعمّ من الكفّار كذلك؛ لأنَّ الموانع من هذه الصفة مفقودةٌ، أي: إنَّ المقتضي يؤثّر أثره في وجود هذه الصفة، فينتج ذلك. والغرض: أنَّ الشأنيّة بمعنى المقتضي، والمقتضي أعمّ من وجود المانع وعدمه، فكلاهما مقتض: سواء وجد المانع أم عدمه، أي: إنَّ الشأنيّة سواء كانت فعليّةً فهي شأنيّةٌ، ولكنّها أيضاً
ــــــ[121]ــــــ
(1) سورة الفرقان، الآية: 55.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فعليّة مع القدم الزائد، أم كانت شأنيّةً لم تنزل إلى حيّز الوجود والفعليّة، فهذا يكون أيضاً شأنيّةً في نفسها.
والمسألة الأُخرى في المقام هي: أنَّ الشأنيّة في شأن الخالق جلّ جلاله فعليّةٌ دائماً، ولا يمكن أن تبقى شأناً؛ لأنَّه الكمال المطلق الذي لا يتوقّف على شيءٍ إطلاقاً، ولا يتصوّر في ذاته وجود المانع. نعم، هي شأنيّةٌ في ذاتها، ولكنّها فعليّةٌ من حيث المقتضي، فالمقتضي وصل إلى مرحلة العليّة التامّة لو صحّ التعبير. هذا بالنسبة إلى الأسماء الحسنى لله، إلّا أنَّه ليس كذلك بالنسبة إلى المتعلّقات؛ لأنَّه إذا نسبنا فعل الله سبحانه وتعالى في خلقه فقد لا يكون أكيداً 100% ؛ لأنَّ الله ذو انتقامٍ، ولكنّ ذلك بلحاظ الشأن لا الفعل، فقد يكون عندي شأنيّةٌ أن ينتقم منّي الله جلّ جلاله، ولكن عندما أتصدّق بصدقةٍ لا أُريد بها إلّا وجه الله فيندفع ذلك العذاب، أو أصل رحمي بشكل لا أُريد به إلّا وجه الله فيندفع العذاب. إذن فهذه الاقتضاءات أو الشأنيّات يمنع منها المانع، لا أنَّ المانع في ذات الله، وإنَّما المانع في المتعلّق أو في الموضوع.
ثُمَّ(1) إنَّ (كان) في قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً} تختلف كثيراً عن (كان) في قوله تعالى: {بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} فمعنى الأُولى: أنَّ هذا الإنسان كان مسروراً وفرحاً، إلّا أنَّ (كان) الثانية تعني: أنَّ الخالق مطّلعٌ على حاله وناظرٌ إلى استحقاقه، فسوف يعاقبه كما يستحقّ، فكأنَّ الأُولى عكس الثانية. وقد فهمنا (كان) الشأنيّة، وعليه فهل (كان) في كلا الآيتين شأنيّةٌ أم لا؟ أي: هل إنَّ (كان) الموجودة في قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً} تدلّ
ــــــ[122]ــــــ
(1) لم يتعرّض المشهور لهذه النكتة الأدبيّة ولم يتوجّه لها، إلّا أنَّ الله تعالى خبيرٌ بلحاظ أهمّيّة هذه النكتة(منه+).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
على الشأنيّة، بمعنى: أنَّ مقتضى السرور موجودٌ؟
نعم، ليس معنى ذلك أنَّه دائم السرور في الدنيا ودائم السرور في الآخرة، إلّا إذا انحصر حاله في الجنّة، فمن هذه الناحية يكون مقتضى السرور موجوداً، فكان أيضاً شأنيّةً قابلةٌ لأن تحمل على الشأن جدّاً، وخاصّة إذا عقدنا له نحو وحدة سياقٍ بين (كان) الأُولى والثانية لو صحّ التعبير. فالأخيرة شأنيّةٌ يقيناً، ونشك أنَّ الأُولى: هل هي شأنيّةٌ أم لا؟ فنقول: إنَّها شأنيّةٌ؛ بقرينة ما بعدها.
[والمراد بـ(بصيراً) في قوله تعالى: بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً]
والمراد بـ (بصيراً) في قوله تعالى: {بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} نعرضه في عدّة مستوياتٍ(1):
المستوى الأوّل: أنَّ (بصير) بمعنى فعيل مادّته من البصر، أي: أبصر، أو بصير فعيل من البصر بمعنى فاعل، لا بمعنى مفعول، أي: باصر أو مبصر، ويُراد بذلك أحد معنيين:
المعنى الأوّل: ثبوت البصر إجمالاً أو مطلقاً، أي: له صفةٌ أو قابليّة الرؤية، وإن كانت القابليّة لا تصدق على الله، لكن بهذا المعنى، أي: ثبوت البصر إجمالاً، فيكون بمعنى (مبصر).
المعنى الثاني: شدّة البصر وعمقه، كقوله تعالى في حقّ المخلوقين: {فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}(2). وإذا كان الأمر للعبد أن يكون
ــــــ[123]ــــــ
(1) ولقد كان ببالي منذ مدّة أن أشير إلى معاني الأسماء الحسنى بالمقدار المناسب، لا بالتطاول على الأسرار الإلهية؛ لأن الأسرار الإلهيّة صندوق مقفل لا يمكن فتحه. نعم، يمكن ذكر ما يتيسّر بيانه في المقام؛ باعتبار أنَّ الأسرار الإلهيّة لها مراتب مختلفة (منه+).
(2) سورة ق، الآية: 22.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بصره حديداً، أي: حادّاً ونافذاً بمعنى: أنَّه يرى ما لا يرى غيره، وهذا ما يسمّى عادةً بعلم الباطن أو الكشف الصوري أو الكشف الحقيقي، فكيف بالربّ جلّ جلاله؟ فهو أبصر الباصرين وأسمع السامعين، كما أنَّه أسرع الحاسبين مثلاً.
[معنى البصير والسميع في علم الكلام والفلسفة والعرفان]
المستوى الثاني: أنَّ مشهور المتكلّمين يفسّر (البصير) و(السميع) بمعنى العالم بالمبصرات والمسموعات، وهذا هو المشهور في علم الكلام والفلسفة(1). إلّا أن الثابت في الحكمة العليا والعرفان هو مدلول اللفظ، أي: إنَّه بصيرٌ فعلاً وسميعٌ فعلاً، فهذا المعنى موجودٌ في >الأسفار<(2) أيضاً. وإذا لم أكن أنا حجّةً في هذا المجال فلا أقلّ صدر المتألّهين حجّةٌ، فالخالق ذائقٌ وشامٌّ ولامسٌ، ولا يُقال: إنَّ ذلك يلزم منه صفة الأجسام؛ فإنَّه تعالى لم يقل ذلك رحمةً بنا، كما أنَّها هي الأظهر عرفاً.
فـ (سميع) بمعنى: أنَّه يسمع، لا أنَّه عالمٌ بالمسموعات، وكذا البصير، وهذا ما عليه الحدس الباطني. وأوضح دليلٍ على ذلك -على نحو الإجمال وهو دليلٌ عرفي لا دقّي- إعطاؤه السمع والبصر لجميع خلقه، وأنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، وحيث إنَّه قد أعطاه إذن فهو واجدٌ له، وهذا يشمل كلّ الكمالات النفسيّة والروحيّة والعقليّة، كإدراك الجزئيّات والكلّيّات في العقل
ــــــ[124]ــــــ
(1) راجع رسائل ابن سينا: 251، المبدأ والمعاد: 144، الفنّ الأوّل، المقالة الثانية، مفاتيح الغيب: 272، المفتاح الخامس، المشهد الثالث، شرح التجريد: 32-33، المسألة الخامسة: في أنَّه تعالى سميعٌ بصيرٌ، وغيرها.
(2) أُنظر: الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 6: 422-426، السفر الثالث، القسم الأوّل، الفنّ الأوّل، الموقف السادس: في كونه تعالى سميعاً بصيراً.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
مثلاً، وهكذا.
[نقاش مع الفلاسفة في علم الله تعالى]
ولم أجد هذا الدليل في المصادر، ولكنّه أخصّ دليلٍ وأوضحه في الحقيقة، وأقربه إلى الوجدان، ولذا اختلف ابن سينا والفارابي في علم الله تعالى، كما قال جملةٌ من الفلاسفة القدماء: إنَّ الله عالمٌ بالكليّات ولا يعلم الجزئيّات، وقال فريقٌ آخر: إنَّ الله تعالى عالم بالجزئيّات ولا يعلم بالكليّات(1). أمّا أنا فأقول: إنَّ الله تعالى يعلم بالجميع؛ لأنَّ الإنسان – الذي هو من جملة خلق الله – يعلم الكلّيّات والجزئيّات، فكيف يوصف المخلوق الأدنى بهذا الكمال ولا يوصف الأعلى بذلك؟!
نعم، ننفي عنه صفات الأجسام، فليس كلّ صفات البشر ثابتةً له، كالضخامة والضآلة والهزال والسمن والمرض والصحّة والبعد والقرب (جلّ جلاله عن كلّ ذلك). ومن هنا فإنَّ الله تعالى والإنسان متّصفان بنفس المفاهيم العامّة، فالعلم مشتركٌ، والسمع مشتركٌ، والبصر مشتركٌ. ومن هنا ورد -وإن كان خبراً عامّيّاً ولكنّه بحسب الحدس صحيحٌ- أنَّ الله خلق آدم على صورته(2)، وليس آدم بالتعيين، وإنَّما آدم وذريّته، أي: إنَّ الله خلق آدم على
ــــــ[125]ــــــ
(1) راجع أقوالهم وآرائهم في المسألة في التعليقات: 14، علم الواجب، أجوبة المسائل النصيريّة: 44، قول الحكماء في علم الباري تعالى بالجزئيّات، شرح كتاب النجاة لابن سينا: 281-290، في كيفيّة علمه تعالى بالجزئيّات، الشواهد الربوبيّة، المشهد الأوّل، الشاهد الثالث، الإشراق الخامس، شرح الهداية الأثيريّة: 366-392، القسم الثالث، الفنّ الثاني، وغيرها.
(2) أُنظر: مسند أحمد 2: 251، صحيح البخاري 7: 125، صحيح مسلم 8: 32، كنز العمّال 1: 226، وغيرها. كما ورد نحوه في التوحيد: 103، عوالي اللئالي 1: 53، عيون أخبار الرضا× 1: 119، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
صورته، أي: على صورة الله وصفاته الكماليّة الواقعيّة، وليس صورةً بالمعنى المنطقي أو الهيولاني؛ لأنَّ الله تعالى ليس له صورةٌ بهذا المعنى، أي: لا صورةٌ روحيّةٌ ولا صورةٌ ماديّةٌ (جلّ جلاله عمّا يصفه الواصفون). والمشهور يفسّر هذا الكلام بخلاف ما ذكرنا؛ لأنَّ الله تعالى ليس له صورةٌ، وأنَّ آدم أقلّ من أن يكون على صورة الله. وأنا أجبت على كلا الأمرين بما يلي:
[نقاش في خلق جسم آدم]
أنَّ صورة الله ليست بهذا المعنى الذي يفهمونه، وإنَّما بمعنى صفاته، وليس المراد أنَّ الله خلق آدم على نفس مرتبة كماله، بل أعطاه مصداقاً محدوداً من الكلّي، كالسمع فإنَّ له مصداقين: مصداقاً في الله ومصداقاً في آدم، إلّا أنَّ المصداق الإلهي والحصّة الإلهيّة ذات سعةٍ وغير متناهيةٍ، والحصّة الموجودة في المخلوق يسيرةٌ جدّاً بالنسبة للخالق، ولكن هذا علم وذاك علمٌ، وهذا سمعٌ وذلك سمعٌ، وهذا بصرٌ وذلك بصرٌ … الخ. لكن إذا غضضنا النظر عن ذلك يضطّر المشهور أن يعيد الضمير إلى آدم نفسه، أي: خلق الله آدم على صورته، أي: على صورة آدم ×. والاتّجاه المشهور -الذي يمكن أن نسمّيه مادّيّاً بهذا المعنى- يتصوّر جسم آدم، فخلق الله جسم آدم على صورة جسم آدم.
ويرد عليه أكثر من إشكال:
الأوّل: أنَّه يكون بمنزلة القضيّة بشرط المحمول، أي: إنَّ الله خلق آدم على خلقة آدم نفسه، وهذه قضيّةٌ تكراريّة باللغة الحديثة أو بالفلسفة الحديثة، أو قضيّة بشرط المحمول على المنطق الصوري القديم.
الثاني: أنَّ هذه ليست مزيّةً لآدم، وإنَّما رسول الله’ – إن صحّت هذه الرواية- يريد أن يعطي مزيّةً لآدم، وأنَّ هذا لم يخلق على صورته، وإنَّما
ــــــ[126]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
آدم خلق على صورته، فلا الحيوانات ولا الملائكة ولا الجنّ ولا المادّة، ولا أيّ شيء إلّا آدم، وكذا ذريّته، في حين لو أعدنا الضمير إلى آدم لافتقد المزيّة؛ لأنَّ كلّ شيءٍ مخلوقٌ على صورة نفسه، فيفتقد آدم هذه المزيّة، وإنَّما أيّ شيء هو هكذا، فلماذا جاء باسم آدم؟ فكذلك هذا البساط خلق على صورة نفسه، إلّا أنَّ آدم خلق على صورة الله سبحانه وتعالى، وهذه المعاني كلّها لم أقلها اعتباطاً، فتأمّل تغنم.
[نقاش في إشكال يحسبه السيد الطباطبائي مهماً]
وهنا يتعرّض السيّد الطباطبائي+ إلى إشكالٍ يحسبه مهمّاً في إيتاء الكتاب وراء الظهر، فحينئذٍ يحاول أن يجيب عليه بعدّة وجوهٍ. نعم، بعض الأجوبة منقولةٌ عن غيره، فكأنَّ الإشكال ملتفتٌ إليه من قبل، ولا أعلم عن أوّل مَن كتبه.
يقول: ثُمَّ الآيات كما ترى تخصّ إيتاء الكتاب من وراء الظهر بالكفّار، فيقع الكلام في عصاة المؤمنين من أصحاب الكبائر ممّن يدخل النار فيمكث فيها برهةً، ثُمَّ يخرج منها بالشفاعة على ما في الأخبار من طرق الفريقين، فهؤلاء لا يؤتون كتابهم من وراء ظهورهم؛ لاختصاص ذلك بالكفّار، ولا بيمينهم؛ لظهور الآيات في أنَّ أصحاب اليمين يحاسبون حساباً يسيراً ويدخلون الجنّة. ولا سبيل إلى القول بأنَّهم لا يؤتون كتاباً؛ لمكان قوله تعالى: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ}(1) والآية تفيد العموم(2).
أي: لا يذهبون إلى النار لا برهةً ولا لمدّة قليلةٍ أو طويلةٍ، مع ضمّ هذه المقدّمة أيضاً ضمناً، وهي أنَّهم إنَّما سُمّوا بأصحاب اليمين لإيتاء كتابهم
ــــــ[127]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 13.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 244، تفسير سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بأيمانهم.
إذن فكلّ من يُؤتى كتابه بيمينه يُحاسب حساباً يسيراً ولا يدخل النار. وأمّا أن يُؤتى كتابه لابيمينه ولا بشماله ولا وراء ظهره أو لا يُؤتى كتاباً أصلاً فهذا أيضاً غير محتملٍ.
ويمكن أن نضيف الى كلام السيّد الطباطبائي+ شِقّاً رابعاً، وهو إيتاؤهم بشمالهم، فهذا هو الأكثر نصّاً في القرآن.
وما قيل أو يمكن أن يُقال في جواب ذلك عدّة أُمورٍ:
الأوّل: أنَّ الكفّار فقط هم الذين يؤتون كتبهم وراء ظهورهم، فلا دليل على ذلك من كتابٍ ولا سنّةٍ. وهذا لم يثبت بظهور القرآن ولا في أيّ مكان آخر، وإنمّا عبّر (وراء ظهورهم) فقط في هذه السورة، ولم يذكر أنَّه خاصٌّ بالكفّار، ولم يرد في السنّة الشريفة. ومعه ففي الإمكان أنَّ قسماً من المسلمين يكونون كذلك، أي: يؤتون كتابهم وراء ظهورهم، وهم أصحاب الكبائر؛ فإنَّ الكفّار وأصحاب الكبائر يؤتون كتابهم وراء ظهورهم، وهذا مسلّمٌ.
الثاني: أنَّه إذا أُوتي الفرد كتابه بيمينه فسوف يدخل الجنّة بلا حسابٍ أو بحسابٍ يسيرٍ{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا}(1)، ولكن هل تدلّ الآية على الكبرى الكلّيّة، وهي أنَّ كلّ من يُؤتى كتابه بيمينه يُحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً؟ الآية لا تدلّ على ذلك، وفي الإمكان المنع بالاصطلاح، أي: نفي ذلك، وأنَّه يُؤتى كتابه بيمينه. وإذا كان بعضهم كذلك فلعلّ أكثرهم يُؤتى كتابه بيمينه، ومع ذلك لا يُحاسب حساباً يسيراً، ولا يدخل إلى أهله مسروراً، وإنَّما يُغسل
ــــــ[128]ــــــ
(1) سورة الإنشقاق، الآيات: 7-8-9.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بالحمّام الحار -بحسب تعبيرنا؛ لأجل أن يُنظّف من الذنوب- قبل أن ينقلب إلى أهله مسروراً، أو ينقلب إلى أهله غير مسرورٍ. والإطلاق هو كلّ الحصص، والإطلاق ظهورٌ، والظهور حجّةٌ، إلّا أنَّه مع ذلك يصدق مع الصدق في الجملة، كما أنَّه يصدق مع الصدق المطلق، خاصّةً إذا كان الأكثريّة كذلك، أي: لا يُحاسبون أو يُحاسبون حساباً يسيراً. ولا يلزم أن نقول بأنَّهم بأجمعهم هكذا، فربّ حصّة معتدٍّ بها منهم لا يكونون كذلك بحسب استحقاقهم. إذن فهذا الذي نفاه ليس بصحيحٍ، ولربما أصحاب الكبائر يؤتون بعضهم، لا سيّما إن قلنا: إنَّ الكفّار فقط يؤتون كتبهم وراء ظهورهم، إذن فأصحاب الكبائر يؤتون كتبهم بأيمانهم ويُحاسبون حساباً عسيراً لا يسيراً.
الثالث: الملازمة بين الحساب اليسير وعدم دخول جنّهم؛ فإنَّه إذا حوسب حساباً يسيراً – يعني بالضرورة كلّ من كان كذلك يحاسب حساباً يسيراً- فسوف ينقلب إلى أهله مسروراً، أي: لا يدخل جنّهم، فالآية لا تدلّ على هذه الملازمة، فهذا يُؤتى كتابه بيمينه ويُحاسب حساباً يسيراً، إلّا أنَّه يسيرٌ، أي: من باب قلّة الوقت، وبعضهم يبقون في يوم القيامة تعذيباً لهم، أي: يبقى فترةً طويلةً، وبعضهم فترةً قصيرةً، لكن هذا لا يعني أنَّه لا يذهب إلى جهنّم في هذه الفترة القصيرة، وليس في الآية مفهوم مخالفةٍ نافٍ لذلك. نعم، يوجد مفهوم وصفٍ، لكنّه ليس بحجّةٍ.
الرابع: أنَّه قال: (ولا سبيل إلى القول بأنَّهم لا يؤتون كتاباً؛ لمكان قوله تعالى {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ}(1)) فهل هذا يصلح لأن يكون دليلاً على المدّعى؟ فطائره يعني: كتابه، وهذا الحمل حملٌ على المجاز، وهو خلاف
ــــــ[129]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 13.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أصالة الحقيقة، فمتى كان طائره موضوعاً لمعنى كتابه بالوضع الحقيقي؟ ولماذا لا نفهم منه المعنى الحقيقي؟
إن قلت: هذا مجازٌ على كلّ حالٍ.
قلت: نعم، طائره ليس هو هذا الطير الذي يطير في السماء، وإنَّما هو استعمالٌ مجازي، لكن هل يتعيّن في الكتاب أم لا؟ فهذا ممّا لا تدلّ عليه الآية، وإنَّما يوجد هناك أُطروحاتٌ أُخر لفهمه، من قبيل أنَّ كلّ إنسانٍ ألزمناه بعمله، أو كلّ إنسانٍ الزمناه بمسؤوليّة عمله، أو كلّ إنسانٍ ألزمناه بنتائج عمله، أو كلّ إنسانٍ ألزمناه بقضائه وقدره الأزلي الذي لابدّ منه على كلّ مخلوقٍ. إذن فالمطلب لا يختصّ بالكتاب، ولا يتعيّن على الكتاب، وإنَّما ذكر الطائر باعتبار أنَّ العرب كانت تتفاءل وتتشاءم بزجر الطير، فسمّي طائراً هنا. نعم، هذا لا يعني أنَّنا لا نقول: إنَّ كلّ إنسانٍ لا يُؤتى كتابه، بل كلّ إنسانٍ يُؤتى كتابه، لكن ليس بلحاظ هذه الآية، وإنَّما لابدّ من الاستدلال بالحدس وبارتكاز المتشرّعة لنقول: إنَّ كلّ إنسانٍ يؤتى كتابه. فهناك دليلان أحدهما قابلٌ للمناقشة:
الأوّل: أن نفهم أنَّ كلّ إنسان يُؤتى كتابه، والثاني: أن يُستدلّ عليه بارتكاز المتشرّعة، وهو أيضاً قابلٌ للمناقشة. فهذا الذي يدخل الجنّة بغير حسابٍ أيضاً نزعم أنَّه لا يُؤتى كتابه، وهذا الذي يدخل النار بغير حساب كذلك نزعم أنَّه لا يُؤتى كتابه، وإنَّما إيتاء الكتاب لأجل التخويف منه مهما كان قليلاً، أو فيه تذكيرٌ أو حسابٌ مّا. أمّا هذا الذي لا يحتاج إلى حسابٍ بالمرّة فلماذا يُؤتى كتابه؟ إذن ليس كلّ إنسانٍ ألزمناه طائره في عنقه بهذا المعنى إذا كان المانع الكتاب والشيء الأكيد من حيث الكتاب يفيد أنَّ كلّ إنسانٍ له
ــــــ[130]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
كتابٌ، أي تكتب أعماله في عالمٍ في لوح الواقع، الله أعلم بذلك، أو على يد ملكٍ يكتبها باصطلاح المتشرّعة. لكن هل يُؤتى في يوم القيامة؟ فالإشكال هنا في المقام، لا أنَّ كلّ إنسان يُؤتى كتابه أو لا يُؤتى. وهذا كأُطروحةٍ لا بأس به.
[نقاش على ما أفاده السيد الطباطبائي في معنى طائِرَهُ]
فإن قلت: هذا لا ربط له بهذا الأخير، وإنَّما بمناقشة الآية.
قلت: إنَّ السيّد الطباطبائي+ يرى أنَّ طائره بمعنى: كتابه، وأنا استبعدت ذلك، والآن يمكن أن ندافع عن ذلك، فنقول: نعم، طائره بمعنى: كتابه، والقرينة المتّصلة على ذلك في الآية موجودةٌ؛ لأنَّه يقول {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}(1)، فهذه قرينةٌ متّصلةٌ تدلّ على أنَّ الطائر هو الكتاب، وليس شيئاً آخر؛ لأنَّه يقول: {كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} وأيضاً {اقْرَأْ كِتَابَكَ}، ونحو ذلك من الأُمور.
وفي الحقيقة هذا أيضاً قابلٌ للمناقشة؛ فهذا بابٌ وذلك بابٌ، أي: لا ملازمة بين صدر الآية وذيلها، فقوله: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ}، وكذا قوله: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} صحيحٌ أيضاً. لكن هل هناك ملازمةٌ على أنَّ الطائر والكتاب هو هو؟
أقول: لا ملازمة بينهما ولا قرينة، فكلّ واحدٍ له سياقٌ خاصٌّ به، أي: كأنَّهما خبران متباينان أو أنَّ أحدهما مستقلٌّ عن الآخر ليس إلّاَ.
فإن قلت: بعد التنزّل عن الطائر وعن استدلال السيّد الطباطبائي+
ــــــ[131]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآيتان: 13-14.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بصدر الآية ألم يقل: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً}(1) فنحن نستدلّ بذيل الآية الذي يقول فيه: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً} إذن فكلّ إنسانٍ نخرج كتاباً له، وكلّ إنسانٍ ألزمناه طائره في عنقه. والعطف بتقدير تكرار العامل، أي: وكلّ إنسانٍ نخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً. وهذا يدلّ على العموم، ومن العجيب أنَّ السيّد الطباطبائي+ لم يستدلّ بذيل الآية، بل استدلّ بصدر الآية.
قلت: يُجاب عن ذلك بجوابين: أحدهما لفظي والآخر معنوي:
الأوّل: أنَّ قوله تعالى: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} لا يعني بالضرورة أن يكون كلّ إنسانٍ، بل بعض الناس يخرج له كتاباً يلقاه منشوراً، وسيأتي عن السيّد الطباطبائي+ ما يدلّ على ذلك، فإن كان ظاهر الآية ذلك، كان حجّةً عليه، أي: ليس المراد كلّ إنسانٍ. نعم، هو بنحو القضيّة الغالبيّة لا بنحو القضيّة الكلّيّة التي لا يمكن الاستثناء منها.
الثاني: ما ذكرناه من أنَّ ارتكاز المتشرّعة على ذلك، وهو أنَّ مَن يدخل الجنّة من غير حسابٍ ومَن يدخل النار بغير حسابٍ لا يُؤتى كتاباً يلقاه منشوراً، ثُمَّ ذكر السيّد الطباطبائي وجوهاً أُخر في الجواب:
منها: أنَّهم يُؤتون كتبهم بيمينهم بعد خروجهم من النار، فعند حسابهم العسير لا يُؤتون كتبهم بيمينهم؛ لأنَّ إيتاء الكتاب باليمين يعني الدخول إلى الجنّة(2)؛ لأنَّه {يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً}.
وهذا له أكثر من جوابٍ واحدٍ:
ــــــ[132]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 13.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 244، تفسير سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أوّلاً: أنَّ إيتاء الكتاب ليس تعبّداً أو عبثاً، وإنَّما إيتاء الكتاب لأجل الحساب، بل هو رمزٌ أو قل: دليلٌ على ذلك، ولا شكّ أنَّه بعد خروجه من جهنّم لا يُحاسب مرّة ثانية.
ثانياً: ما قاله السيّد الطباطبائي+(1) من أنَّ دخوله النار والجنّة مترتّبٌ على القضاء في يوم القيامة، أي: المترتّب على الحساب، ومن ثُمَّ على إيتاء الكتب ونشر الصحف، فتنشر الصحف وتُؤتى الكتب لأجل الحساب، ويحصل الحساب لأجل القضاء، وبعد القضاء يقضى به: إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النار. فنشر الكتب وإيتاؤها إنَّما هو لأجل القضاء بأنَّه من أهل الجنّة أو من أهل النار، فحينئذٍ يكون الخارج من جهنّم ناجياً، فلا يحتاج إلى إيتاء الكتاب، فلذا يقول: لا معنى لإيتاء الكتاب بعد الخروج من النار.
ثالثاً: ما ذُكر من الوجوه في الجواب أنَّ هؤلاء الذين يدخلون جهنّم مؤقتاً يؤتون كتابهم بشمالهم، وأنا ذكرته من جملة الأجوبة؛ لأنَّه شِقٌّ رابعٌ؛ لأنَّها على أربع صور: إيتاء الكتاب باليمين، وإيتاء الكتاب وراء الظهر، وعدم إيتاء الكتاب، وله شِقٌّ رابعٌ، وهو الشمال. ومعه يقترح المجيب أنَّه يُؤتون كتابهم بشمالهم، ويكون الإيتاء من وراء الظهر مخصوصاً بخصوص الكفّار، كما ربما يستفيدون ذلك من الآية الكريمة.
وفيه: أنَّ السيّد الطباطبائي+ لا يرتضي ذلك؛ فإنَّه يقول في جوابه: أنَّ الآيات التي تذكر إيتاء الكتاب بالشمال – وهي سورة الواقعة(2) والحاقّة(3)
ــــــ[133]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 244، تفسير سورة الانشقاق.
(2) أي: الآيتان: 9 و41 منها.
(3) أي: الآية: 25 منها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وفي معناها ما في سورة الإسراء(1) أيضاً- تخصّ إيتاء الكتاب بالكفّار، ويظهر من مجموع الآيات أنَّ الذين يؤتون كتابهم بشمالهم هم الذين يؤتون كتابهم وراء ظهرهم(2). وخاصّةً إذا التفتنا إلى تفسيره السابق للإيتاء من وراء الظهر من أنَّه يُؤتى كتابه من جهة ظهره، لا أنَّه يبقى كتابه وراء ظهره، بل يقبضه بشماله من جهة ظهره. إذن فيتّحد المفهومان، وهو أن يُؤتى كتابه بشماله أو يُؤتى كتابه من وراء ظهره، والنتيجة واحدةٌ. فإذا فهمنا أنَّ (من وراء ظهره) للكفّار وفهمنا أنَّ (بشماله) يساوي (وراء ظهره)، إذن مثيل المثيل مثيلٌ، أي: إنَّ الإيتاء بشماله أيضاً ممّا يخصّ الكفّار وهم الذين (يُحاسبون حساباً عسيراً) فيسقط هذا الوجه.
نعم، الكلام فيه ما فيه، وقد ذكرنا أنَّه اشتباهٌ، وهو أنَّنا فهمنا من وراء ظهره أنَّه يبقى وراء ظهره، والذي بشماله يبقى بشماله، والذي في يمينه يبقى في يمينه، فإذن إيتاء الكتاب وراء الظهر مباينٌ لمعنى الإيتاء بالشمال؛ فهذا فرقةٌ وتلك فرقةٌ أُخرى.
ولو قبلنا بأنَّ الكفار يُؤتون كتابهم وراء ظهورهم، فهؤلاء أصحاب الكبائر وأمثالهم يكونون من أصحاب الشمال، وقد مالَ السيّد الطباطبائي+ إلى ذلك في درجةٍ من درجات تفكيره، فذكر: أنَّ الكفّار هم الذين يُؤتون كتابهم وراء ظهورهم، والآيات كما ترى تخصّ إيتاء الكتاب من وراء الظهر بالكفّار. وتساءل عن حال عصاة المؤمنين: كيف يؤتون كتابهم؟(3).
ــــــ[134]ــــــ
(1) أي: الآية: 13 منها.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 244، تفسير سورة الانشقاق.
(3) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
إذن يوجد فصلٌ ارتكازي في ذهنه ما بين الإيتاء وراء الظهر والإيتاء بالشمال، كما أنَّ هناك طبعاً فصلاً بين الكفّار وعصاة المسلمين، وهنا نفا ذلك بصراحةٍ. وفيه ما لا يخفى، فسبحان من لا يخطئ؛ لوضوح أنَّ أصحاب الكبائر إذا أُوتوا كتبهم وراء ظهورهم فسوف يكون حسابهم عسيراً، وهذا يكفي: سواء خرجوا من جهنّم مؤقّتاً أم بقوا دائماً.
والجواب الآخر عن الإشكال: أن يُقال – كما في >الميزان< أيضاً-: إنَّه يمكن أن يُؤتوا كتابهم وراء ظهورهم، أي: عصاة المسلمين، ويكون قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} من قبيل وصف الكلّ بصفة بعض أجزائه، أي: بعضهم يُحاسب حساباً يسيراً وبعضهم يحاسب حساباً عسيراً(1).
وفيه -وهذا جواب السيّد الطباطبائي-: أنَّ المقام لا يساعد على هذا التجوّز؛ فإنَّ المقام مقام تمييز السعداء من الأشقياء، وتشخيص كلّ بجزائه الخاصّ به، فلا مجوّز لإدغام جمعٍ من أهل العذاب في أهل الجنّة. على أنَّ قوله: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} وعدٌ إلهي جميلٌ، ولا معنى لشموله لغير مستحقّيه، ولو بظاهر القول(2).
وقد أجبت عنه في الجواب الأوّل السالف الذكر. ومن وجوه الجواب ما أفاده السيّد الطباطبائي أيضاً بالقول: نعم، يمكن أن يُقال: إنَّ اليسر والعسر معنيان إضافيان، وحساب العصاة من أهل الإيمان يسيرٌ بالإضافة إلى حساب الكفّار المخلّدين في النار، ولو كان عسيراً بالنسبة إلى حساب
ــــــ[135]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 244، تفسير سورة الانشقاق.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
المتقّين(1).
فإذا نظرناهم الى مَن هم أقلّ منهم نقول: إنَّ حسابهم عسيرٌ، وإذا نظرناهم إلى مَن هم أشدّ منهم نقول: إنَّ حسابهم يسيرٌ. فلعلّ المقام هنا النظر الى الأشدّ، فنقول: إنَّ حسابه يسيرٌ.
ويرد على ذلك تعليقان:
التعليق الأوّل: لقد أعطيت سابقاً هذا الارتكاز الذي حاصله: أنَّ كلّ مفهومٍ يمكن أن نفهم منه جهتين: اليسر المطلق ومطلق اليسر، فإن فهمنا مطلق اليسر كان كلام السيّد الطباطبائي+ هنا صحيحاً، أي: نسبيّاً، فمطلق اليسر يسرٌ، أي: عفو عن بعض الذنوب، وهذا يكفي في مقابله. ولكن هذا غير مرادٍ، بل إنَّنا نقول: إنَّه ظاهرٌ في اليسر المطلق (حساباً يسيراً)، أي: كامل اليسر ومن جميع الجهات فيه، أي: يُقال له: عفونا عنك عفواً مطلقاً. فإن فهمنا ذلك سقط كلامه، وحينئذٍ لا يكون اليسر يسراً نسبيّاً بالنسبة الى عذاب الكفّار. ونحوه الكلام في الذين يدخلون عقر الجحيم، بل هو عسرٌ حقيقي كاملٌ.
التعليق الثاني: أنَّه زعم -ولعلّه للارتكاز المتشرّعي- أنَّ كلّ الكفار مخلّدون في النار.
أقول: ليس كلّ الكفّار مخلّدين في النار، وإنَّما يحول دون خلودهم في النار عدّة أُمورٍ. نعم، هذا الحكم بالنسبة إلى المعاندين تامٌّ؛ فهم المخلّدون في النار، حتّى لو كان المعاند شيعيّاً إماميّاً. أمّا إذا كان كافراً غير معاندٍ فلا دليل على أنَّه مخلّدٌ في النار، بل لعلّه لا يدخل النار أصلاً. أليس عندنا قاعدةٌ عقليّةٌ
ــــــ[136]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 244، تفسير سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
صحيحةٌ مفادها أنَّ الجاهل القاصر معذورٌ وأنَّ العاجز غير مكلّفٍ، وهذا الاحتمال ثابتٌ.
لا أقول: لكلّ الكفار (والعياذ بالله)، ولا لأكثرهم، ولكنّه لا أقلّ لبعضهم. نعم، هو لا يستحقّ الجنّة أصلاً أو يستحقّ شيئاً يسيراً من الجنّة بلحاظ بعض الجهات الإنسانيّة التي عملها(1). ولا أقول: إنَّ له جنّة المتّقين، ولكن من المحتمل أن لا يدخل النار، أو أنَّه يدخل النار ويخرج منها، وليس هذا مختصّاً بالكفّار، بل يشمل المسلمين أيضاً. فالمذاهب الأُخرى أيضاً فيها نماذج من هذا القبيل، ومن المؤكّد أنَّ القاصرين فيهم قلّةٌ؛ لأنَّهم على احتكاكٍ بأهل الحقّ، فيقلّ القاصرون منهم جدّاً، لكنّهم بالنسبة الى الكفّار ليس كذلك، وإنَّما تكون نسبة القاصرين أكثر.
فالمهمّ أنَّ نفس الاحتمالات موجودةٌ، أعني: عدم دخول النار أو دخول النار مؤقتاً، وإنَّما الخلود للمعاندين. والمعاندون أعمّ من أيّ مذهبٍ ومن أيّ مسلكٍ ومن أيّ دينٍ، أي: مجرّد أنَّه معاندٌ لله وعدّوٌ لله بمعنىً من المعاني. فحينما كان في الدنيا كان معانداً ومات على عناده، ويكفي أنَّ كثيراً من الشيعة يدركون وجوب الصلاة ولا يستقبلون القبلة ولا مرّةً في حياتهم، فهذا يموت معانداً(2). فمن هذه الناحية يدخل النار ويخلّد فيها. كما نقلت -وإن كان هذا
ــــــ[137]ــــــ
(1) فمثلاً قد يوجد فلاّحٌ في الصين أو عاملٌ في البرازيل وكان عقله مليئاً بأفكارٍ باطلةٍ عن الاسلام، وهو حينئذٍ مطمئنٌّ بأنَّ الاسلام باطلٌ، ودينه هو الصحيح، فهو يعمل على اطمئنانه، والاطمئنان حجّةٌ، فهو جاهلٌ قاصرٌ، وهذا حال كثيرٍ من النساء والرجال (منه+).
(2) وهذا هو العناد بالحمل الشائع ولا شيء غيره (منه+).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الكلام ليس بحجّةٍ لكنّه موافقٌ للحدس-: أنَّ المعاندين في جهنّم يشتمون الله سبحانه وتعالى لأجل إخلادهم في النار، فهؤلاء لا يستحقّون الإخراج من النار أكيداً على أهون تقديرٍ.
ولو قلنا: إنَّهم يستحقّون الخلود، فهذا تعترض عليه الحوزة والمتشرّعة؛ لوضوح أنَّه ليس في الآخرة محرّماتٌ ليعاقبوا على شتم الله، وإن كنت أنا لا أقول بذلك، لكنّه إذا قبلنا فلا أقلّ أنَّهم غير مستحقّين للخروج من جهنّم، فيبقون تحت العذاب ما داموا على قذارتهم، فإن طهّرتهم النار فربما شملهم العفو، وإلّا فهم باقون.
بقي جوابٌ واحدٌ: قال الطباطبائي+: ويمكن أيضاً أن يُقال: إنَّ قسمة أهل الجمع – أي: الحاضرين في يوم القيامة- إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال غير حاصرةٍ، كما يدلّ عليه قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}(1)(2).
أي: ليس لدينا فقط أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، بل ثلاثة، ولا تقولوا: إنَّه يشكل الأمر بقوله: أزواجاً، أي: يكونوا ستّةً؛ لأنَّه إذا كانت ثلاثة وكلّ واحد زوجٌ فيكون ستّةً، فهذا يأتي في محلّه، وله تفسيراتٌ أُخر.
والمهمّ هنا: أنَّ الطوائف ليست اثنتين بل ثلاثاً، فمدلول الآيات خروج المقرّبين عن الفريقين، أي: إنَّ المقرّبين لا يُحاسبون ولا يُؤتَون كتاباً أصلاً لا بيمينهم ولا بشمالهم ولا من وراء ظهرهم؛ لأنَّ الذي يُؤتى بيمينه هم
ــــــ[138]ــــــ
(1) سورة الواقعة، الآيات: 7-11.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 245، تفسير سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أصحاب اليمين، والذي يُؤتى بشماله هم أصحاب الكبائر، والذي وراء ظهره هم الكفار. كذا فهم المشهور(1).
إذن فالمقرّبون لا كتاب لهم، وإنَّما يدفعون إلى الجنّة التي يستحقّونها دفعاً، إلّا أنَّ العبارة توهم أنَّ المقرّبين من الفريقين، فإن كان معناه أنَّ لكلّ فريقٍ مقرّباً فهذا لا بأس به، وليس مقرّباً من الله، وإنَّما مقرّبٌ من الكمال الذي يستحقّه. فالمقربون بالمعنى الاصطلاحي مقرّبون من الكمال الذي يستحقّونه، أي: الكمال الأعلى، فيدخلون إلى الجنّة بلا حسابٍ. وكذلك المقرّبون من الكمال الأدنى الذين بلغوا الذروة في ذلك يدخلون النار بلا حسابٍ أيضاً، وليس لهم كتابٌ.
ونحوهم المستضعفون، أي: يُريد أن يقول بإنَّه هنا قسمٌ وقسمٌ آخر، وربما يصل إلى أربعة أو خمسة أقسامٍ، أي: لا ينحصر الأمر بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، ومنهم المستضعفون، كما ربما يستفاد من قوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ}(2). وأنا لا أُريد أن أُطيل المناقشة؛ وذلك أنَّ {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ} إمّا أن يعذبهم وإمّا أن يتوب عليهم. فمن الجائز أن لا يكون تقسيم أهل الجمع – أي: أهل المجموعين يوم القيامة – إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال تقسيماً حاصراً لجميعهم، بل تخصيصاً بالذكر لأهل الجنّة المتّقين وأهل الخلود في النار، فهؤلاء الذين يُؤتون ولا يُحاسبون بهذا المعنى بتوصيفهم بإيتاء الكتاب باليمين والشمال؛ لمكان الدعوة
ــــــ[139]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن20: 96، تفسير سورة المدّثّر، التفسير القرآني للقرآن 14: 713، تفسير سورة الواقعة، وغيرهما.
(2) سورة التوبة، الآية: 106.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
إلى الإيمان والتقوى، وهؤلاء هم الذين لا يُحاسبون، كما هو ظاهر العبارة.
وعلى أيّ حالٍ فالذين لا يُحاسبون يُؤتون كتابهم بيمينهم وشمالهم، وأمّا الذين يُحاسبون فكتابهم أمامهم يقرأونه؛ لأجل أن يحاسبون مثلاً.
****
قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ}:
[مدخول الفاء وكيف كان نتيجةً ومعلولاً لما سبق]
وهنا دخولٌ في سياقٍ جديدٍ معنىً ولفظاً، وهذا واضحٌ من السياق السابق. أمّا لفظاً فهو النسق المحفوظ بحرف القاف في قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ}، وهذا كلّه متّحدٌ بالقاف. وأمّا معنىً فقد كان السياق السابق سياق بيان الصالحين والطالحين، وهذا سياقٌ آخر قد قُسّم على نتيجةٍ سوف تأتي، لكن العمدة فيه الترتيب، أي: التفريع بالفاء. فقوله: (فلا أقسم) يُلاحظ فيه: أنَّ مدخول الفاء بمنزلة المعلول والنتيجة لسابقه، أي: لما كان على يمين الفاء، أو ما كان قبل الفاء، فعلى ذلك ماذا يتحصّل من النتيجة، وكيف كان مدخول الفاء نتيجةً ومعلولاً لما سبق؟
وهذا في الحقيقة منوطٌ بمفاد قوله تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ} الذي لا يخلو من إجمال وغوض نسبيّاً.
أقول: إنَّ الأشهر(1)-ولا استطيع أن أقول: أظهر- في الآية هو: أنَّه سوف ترى هذه الأُمّة المخاطبين بقوله: (لتركبن) أيّ وعيدٍ بحصول البلاء في المستقبل، بمعنى: لتركبّن من البلاء الدنيوي بنفس السنخ الذي ركب الأُمم
ــــــ[140]ــــــ
(1) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 80، تفسير سورة الانشقاق، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 291، تفسير سورة الانشقاق، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
السابقة، فهي نفسها الدنيا هي هي، مرض في كلّ وقتٍ، وفقر في كلّ وقتٍ، وسجنٌ في كلّ وقتٍ، وموتٌ في كلّ وقتٍ، وحربٌ في كلّ وقتٍ. والغرض بيان تماثل سنخ ونوعيّة البلاء، فهذا هو المعنى الأشهر لهذه العبارة. وحينئذٍ يكون هذا بمنزلة المعلول للسياق السابق؛ لأنَّه فيما سبق بيّن حال المتّقين من غيرهم، وحينئذٍٍ فهناك دعوةٌ إلى الإنسان ليكون صالحاً، وإلّا أصابه البلاء الدنيوي {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ} أي: لترونّ البلاء {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}(1). ولو قلنا: إنَّ البلاء قد يكون علّة للإيمان تارة وعلّة لكفر أُخرى، فسوف يكون قوله تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ} علّة للسياق السابق وليس معلولاً.
فعلى ذلك لا نستطيع أن نسمّيه علّةً، وإنَّما نسمّيه معلولاً.
[ما معنى الشَّفَق]
والآن نأتي إلى أهمّ مفردةٍ في الآية، وهي (الشفق). فما معنى الشفق؟
قال الراغب: الشفق اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند غروب الشمس. قال:{فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ}(2). والإشفاق عنايةٌ مختلطةٌ بخوفٍ؛ لأنَّ المشفق يحبّ المشفق عليه ويخاف ما يلحقه. قال: {وَهُمْ مِنْ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ}(3). فإذا عُدّي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عُدّي بفي فمعنى العناية فيه أظهر. قال: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ}(4) {مُشْفِقُونَ مِنْهَا}(5)
ــــــ[141]ــــــ
(1) سورة الأنفال، الآية: 42.
(2) سورة الانشقاق، الآية: 16.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 49.
(4) سورة الطور، الآية: 26.
(5) سورة الشورى، الآية: 18.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
{مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا}(1) {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا}(2)(3).
[تعليقان على كلام الراغب في معنى الشَّفَق]
ولنا على ذلك تعليقان:
التعليق الأوّل: أنَّ الشفق اختلاط ضوء النهار بسواد الليل، وهو الحمرة، فيسمّى بالشفق. لكن الكلام ليس في ذلك، وإن كان هذا مهمّاً بالنسبة إلى مفهوم الشفق، لكنّه قد زعم أنَّ (الشفق) آخر النهار عند الغروب، وأنا أزعم أنَّ في طرفي النهار شفقاً، أي: لا هو ضوءٌ كاملٌ ولا ليلٌ كاملٌ، بل الحمرة أيضاً موجودةٌ في كلا الطرفين، فكلاهما شفقٌ في الحقيقة، فهو يشمل طرفي النهار ما بين الطلوعين بالاصطلاح الذي هو أوّل النهار وجانب الغروب الذي هو آخر النهار، بل هو في أوّل النهار أظهر عرفاً، أي: ما بين الطلوعين يُقال عنه الشفق، ويُقال عن آخره الغسق، وهذا التعبير حسب الظاهر لغةٌ حديثةٌ. وعلى أيّ حالٍ فهذا موجودٌ في المواقيت الإسلاميّة. ويعبّر عن الحمرة التي تأتي في المغرب (الغسق) لا الشفق، اللّهمَّ إلّا أن يُراد بالشفق الحمرة المشرقيّة عند الغروب، وبـ (الغسق) الحمرة المغربيّة بعد الغروب أيضاً. أو يُراد بالشفق الحمرة: سواء المغربيّة أم المشرقيّة، أي: الأعمّ. ويُراد بالغسق الظلام الكامل حينما تزول الحمرة المغربيّة ويعمّ الليل. وعلى أيّ حالٍ فانطباق مفهوم الشفق على طرفي النهار ممّا لابدّ منه.
التعليق الثاني: أنَّ الراغب في كتابه >المفردات< قد اعتاد في كثيرٍ من الكلمات إعطاء معنىً جامعٍ للفظٍ في أصل اللغة، وهذا ما قد مررنا على كثيرٍ
ــــــ[142]ــــــ
(1) سورة الشورى، الآية: 22.
(2) سورة المجادلة، الآية: 13.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 270، مادّة (شفق).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
من مصاديقه و تطبيقاته، أو قل: للمادّة بالمعنى الأُصولي، إلّا أنَّه هنا لم يعطِ جامعاً للشفق، فالشفق هو اختلاط ضوء النهار بسواد الليل، والإشفاق عنايةٌ مختلطةٌ بخوفٍ، فما هو المعنى الجامع بين الشفق والإشفاق؟ مع أنَّهما من مادّةٍ واحدةٍ، وهو لم يذكر السؤال ولا الجواب مع أنَّه في حدود فهمي من عمله؛ لأنَّه في كثيرٍ من الكلمات قد أعطى حقّها من هذه الناحية، فيقع التساؤل في الجامع بين الشفق بمعنى: حمرة الأُفق والشفقة التي هي المحبّة ونحوها، أو المحبّة المختلطة بخوفٍ. وهنا نقول: أيّ منهما هو الأصل؟ وبذلك نواجه عدّة أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى: أنَّه لا جامع بينهما، بل هما متباينان، وكلّ منهما موضوعٌ بوضعٍ مستقلٍّ عن وضع الآخر، فوضع الشفق بمعنى الحمرة والشفقة لمعنى الشفق الذي هو بمعنى المحبّة، فيكون من المشترك اللفظي، وهذا هو الأرجح ظنّاً والأكثر منطقيّةً في اللغة.
إلّا أنَّ مشهور الأُصوليّين وغيرهم يميلون نفسيّاً إلى أنَّ الاشتراك اللفظي خلاف الأصل(1)، فهم يتنفّرون من أن يقولوا بأنَّ هذا مشتركٌ لفظي، فلابدّ من التخلّص منه مهما أمكن. إذن فالذهاب إلى المشترك اللفظي فيه محذورٌ عندهم أو نتيجةٌ باطلةٌ، وكلّ شيءٍ يؤدّي إلى الاشتراك اللفظي فهو باطلٌ إلّا مع الضرورة القصوى. ويؤيّد الاشتراك اللفظي أنَّ الشفق بمعنى الحمرة غير مشتقٍّ، بخلاف المعنى الآخر الذي هو الشفقة؛ فإنَّه مشتقٌّ، أي: أشفق يشفق اشفق، فهذا كلّه موجودٌ. ولا يُقال: شافق؛ لأنَّه مزيدٌ أو رباعي (مشفق).
ــــــ[143]ــــــ
(1) أُنظر: مبادئ الوصول إلى علم الأُصول: 93، الفصل الثالث، البحث الثاني، قوانين الأُصول 1: 138، الباب الأوّل، المقصد الثاني، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأُطروحة الثانية: أنَّهما مادّةٌ واحدةٌ ومن منشأٍ واحدٍ، وأصله الشفق بمعنى: الحمرة، ولابدّ أنَّ أحدهما أصلٌ والآخر فرعٌ، ولا يمكن أن يكون كلٌّ منهما أصلاً. فعلى هذا المعنى يكون بينهما تباينٌ، أي: إنَّ أحدهما بالأصل حقيقي والآخر مجازي، ثُمَّ أصبح حقيقيّاً بسبب كثرة الاستعمال. والأصل هو الحمرة، وأصله الشفق بمعنى الحمرة، وهي اختلاط الضوء بالظلام. وحينئذٍ نطبّقه على الشفقة، والشفقة اختلاط ضوء المحبّة بظلام الخوف، وفيه أيضاً نحو شفقٍ، لكنّه شفقٌ باطني، وليس شفقاً ظاهريّاً. ويؤيّد هذه النقطة: أنَّه وضعٌ واحدٌ وجامعٌ معنوي أو مشتركٌ معنوي بينهما. والوجه فيه: أنَّ الشفقة والشفق مذكّر ومؤنّث، وقد أضفنا إليه فقط تاء التأنيث، فهل من المحتمل أنَّنا عندما نضيف تاء التأنيث يكون معنىً مبايناً؟ ولعلّ نظيره قولهم: تمر وتمرة. فمن هذه الناحية لا يحتمل على كلّ حالٍ الاستبعاد إلى درجة الظنّ الراجحة، والاطمئنان أنَّ المؤنث لا يكون مبايناً للمذكّر إلّا ما ندر، ولعلّ هذا من النادر، إلّا أنَّ هذا بمنزلة القرينة على وحدة الوضع، لا بنحو الاشتراك اللفظي.
وربما ينقض على ذلك ما ذكرناه قبل هذا الكلام من أنَّ هناك قرينتين لغويّتين متعارضتين: (الشفق) و(الشفقة) أحدهما مؤنّثٍ والآخر مذكّر، أحدهما لازمٌ والآخر متعدٍّ، إذن هما اثنان وليسا أمراً واحداً، وهذه قرينةٌ على ذلك. فماذا نفعل في المقام؟ لا أقلّ أنَّنا نسقط هذه القرينة التي مفادها أنَّ المذكّر والمؤنّث واحدٌ فنسقطها، ولا نقول بوحدتها؛ لأنَّ هذا مشتقٌّ والآخر غير مشتقٍّ، ما يقلّل من احتمال وحدة المذكّر والمؤنّث طبعاً.
الأُطروحة الثالثة -وهي أدون من سابقتيها-: أن يكون لهما أصلٌ واحدٌ وجامعٌ واحدٌ، كما قلنا في الأُطروحة السّابقة، لكنّنا في الأُطروحة
ــــــ[144]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
السابقة قلنا: إنَّ الأصل هو الشفق، أي: الحمرة، والآن نقول: إنَّ الأصل هو الباطن، وليس الظاهر، أي: إنَّ الشفقة هي الأصل، وليس الشفق، وإنَّ الأصل هو الحالة النفسيّة، وذلك بأحد تقريبين:
التقريب الأوّل: أنَّ الضوء بمنزلة الحبّ؛ لأنَّ الأصل هو الحبّ المشوب بالخوف، والذي طبّقناه على الخوف والحمرة، فبدل أن نقول: إنَّ الحبّ ضوءٌ نقول: إنَّ الضوء حبٌّ، وبدل أن نقول: إنَّ الخوف ظلامٌ نقول: إنَّ الظلام بمنزلة الخوف.
التقريب الثاني: أنَّ الفرد في أوقات الشفق – أي: في أوقات أوّل النهار، وهو ما بين الطلوعين وفي آخره، أي: في آخر النهار- يكون في حالةٍ نفسيّةٍ غير محمودةٍ من الاستيحاش أو الخوف، وهذا إلى حدٍّ ما واردٌ في أغلب نفوس الناس، فتختلط الراحة النفسيّة بالألم النفسي. ومن هنا سُمّي (الشفق) بمعنى الحمرة؛ باعتباره وقتاً لمثل هذه الحالة التي لا توجد غالباً إلّا في أوقات الشفق الذي هو طرفي النهار.
[لماذا قال: (لا أقسم) ولم يقل: (أقسم)]
وفي المقام توجد مشكلةٌ لم يتعرّض لها السيّد الطباطبائي+(1)، والذي أعرفه من اتّجاهه بحسب الحدس هو أنَّه لا يذكر السؤال عندما لا يريد أن يذكر الجواب من أجل عدم وقوع القارئ في شبهةٍ من دون جوابٍ مقنعٍ، إلّا أنَّ المسألة هي من وظيفتي في هذا البحث. والمشكلة هي وجود (لا) النافية؛ فإنَّه لم يقل: (أقسم) وإنَّما قال: (لا أقسم)، وظاهرها نفي القسم، فكيف يكون ذلك؟ مع أنَّه إذا أراد المتكلّم أن لا يقسم فإنَّه لا يأتي بـ (لا) النافية،
ــــــ[145]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 245، تفسير سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فذكر النفي مع القسم مع إرادته ليس عرفيّاً إلى حدٍّ ما. وهذه المشكلة موجودةٌ في آياتٍ متعدّدةٍ كقوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}(1) وقوله تعالى: {وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ}(2).
وجواب ذلك من عدّة أُطروحاتٍ أكثرها مشهورة، كما أنَّ السؤال أيضاً مشهورٌ:
الأُطروحة الأُولى: أنَّها لا الناهية، وأنَّها غير مرتبطةٍ بالقسم {فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ}، أي: لا تعملوا أعمالكم السيّئة، ولا تقولوا أقوالكم السيّئة، ولا تتصرّفوا تصرّفاتكم السيّئة، وكأنَّنا أوّلاً حملناها على النهي، وثانياً وضعنا نقطة بعد (لا)؛ لأنَّ الجملة التي بعدها مستأنفةٌ ولا ربط لها إعرابيّاً بـ(لا) الناهية.
الأُطروحة الثانية: أنَّها لا النافية، وهي غير مرتبطةٍ بالقسم أيضاً. ولكن نحملها على ظاهرها من النفي. فقوله: {فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ} أي: أقسم قسماً إثباتيّاً لا منفيّاً. لكن أيّ شيء تنفي هنا؟ والصعوبة إلى حدٍّ ما أنَّ (لا) النافية غير مرتبطةٍ بالقسم. أي: ما سبق ليس كذلك. وأمّا ما سبق فمن قبيل أنَّ تصرّفات الكفّار والفسقة ليس عليها أجرٌ، وليس عليها رجحانٌ، وليس فيها مدحٌ، أو تفسّر بتفسيرات أُخر.
الأُطروحة الثالثة: أنَّها زائدةٌ، كما في الشعر لأجل مراعاة القافية، أو نحو قول الشاعر:
أُفيدكم يا أُخوتي فائدةٌ
إنَّ ما بعد إذا زائدة

ــــــ[146]ــــــ
(1) سورة القيامة، الآية: 1.
(2) سورة القيامة، الآيتان: 2-3.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ومثاله قولنا: إذا ما جاء زيدٌ، فـ(إذا) خاملةٌ بالمرّة ولا معنى لها. كما أنَّ القرآن توجد فيه ألفاظٌ أو أدواتٌ أو حروفٌ خاملةٌ بالمرّة ولا معنى لها، فهذا يكون منها. نعم، هناك من يطعن بهذه الكبرى في خصوص القرآن، لا سيّما عند مشهور المتأخّرين(1). لكن هذه الأُطروحة تعتمد على القول بهذه الكبرى، وهذه من صغرياتها، ولكن إذا طعنّا بالكبرى وأسقطناها فلا موضوع لهذه الأُطروحة.
الأُطروحة الرابعة: أنَّ (لا) هنا في الآية تفيد نفي مدخولها، وهو القسم، أي: نفي القسم (لا أقسم)، بمعنى: أنَّ وظيفة (لا) هو إظهار نفي القسم مع إرادته. والسؤال أنَّه كيف قال: إنَّها تفيد نفي القسم، ومع ذلك يبقى معنى القسم موجوداً؟ نستطيع أن نقول بوجوده أو نثبته في درجةٍ من درجات التفكير، وهذا من معجزات القرآن، أي: إنَّه يقول: (لا) ويريد الإثبات، ويؤكّد الإثبات في نفس الإنسان. وكأنَّه يُقال – وهذه أُطروحةٌ مشهورةٌ طبعاً، إلَّا أنَّها بعرضٍ منّي، وهي موجودةٌ(2)-: إنَّ المورد أعظم وأوضح وأهمّ من أن أقسم عليه، فأنا لا أقسم ولا حاجة إلى أن أقسم عليه، وهذا المعنى لا يتيسّر مع ترك القسم بالمرّة، فالمورد أهمّ وأعظم من القسم، فإذا سكت ولم يذكر النفي فلا يظهر أنَّ المورد أعظم من القسم، وإنَّما يكون حينها اعتيادي جدّاً،
ــــــ[147]ــــــ
(1) راجع البيان في تفسير القرآن: 232، صيانة القرآن من التحريف، مواهب الرحمن في تفسير القرآن 11: 33، تفسير سورة المائدة، وغيرهما.
(2) أُنظر: إعراب القرآن (للنحّاس) 5: 52، سورة القيامة، البحر المحيط في التفسير 10: 343-344، تفسير سورة القيامة، التبيان في تفسير القرآن 10: 190، تفسير سورة القيامة، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وهذا المعنى لا يتيسّر مع ترك القسم بالمرّة.
[أقسام القسم]
والقسم يقع على شكلين:
الأوّل: القسم بهيئة القسم.
الثاني: القسم بمادّة القسم.
أمّا الأوّل فهو القسم بهيئة القسم من قبيل قولنا: والله وبالله وتالله، أي: الهيئة بالمعنى الأُصولي. وأمّا الثاني – وهو مادّة القسم- فهو استعمال مادّة نفس القسم نحو: (أقسم). و(لا) هنا تدخل على مادّة القسم لا على هيئة القسم. فلا يصحّ أن نقول: (لا بالله) ونريد الاثبات؛ إذ لا معنى له، وإنَّما يصحّ مع مادّة القسم فنقول: (لا أقسم) ونريد الاثبات، أي: أقسم.
****
قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ}:
قوله: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} معطوفٌ على القسم، وهو من ناحية المعنى استمرارٌ في القسم، أي: إنَّه يقسم بثلاثة أُمورٍ، وهي: {فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ} و{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} و {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ}. ولا ينبغي أن نهمل الإشارة إلى أنَّ هذا من قسم الخالق ببعض المخلوقين، كما أنَّ المخلوقين يقسمون بالخالق، وكما أنَّ المخلوقين يقسمون بالمخلوقين أيضاً، وهذا حاصلٌ، كما نقسم بأمير المؤمنين×؛ لأنَّ لهم ارتباطاً بالله سبحانه وتعالى. وهو هنا يقسم بأُمورٍ ثلاثةٍ، أي: بمجموعها، وهي الشفق والليل والقمر. وفي ذلك يوجد خطوتان:
الخطوة الأُولى: أنَّها كلّها راجعةٌ إلى الليل، والليل واضحٌ بالدلالة المطابقيّة، والشفق أيضاً ليلٌ؛ لأنَّه أوّل الليل وآخره، والقمر أيضاً في الليل يبزغ، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً.
ــــــ[148]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الخطوة الثانية: أنَّ هذه صورةٌ أدبيّةٌ متحرّكةٌ، وليست ثابتةً بالترتيب {فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ}؛ فإنَّ الشفق يحصل قبل حلول الظلام التامّ، أي: أوّل الليل، ثُمَّ يبدأ الليل الذي هو الآية الثانية، ثُمَّ يبزغ القمر بالليل أيضاً، فمن حيث لا يشعر الإنسان تصبح صورةً متحرّكةً، أي: مترتّبةً، وإلَّا كان يمكن التشويش فيها بتقديمٍ وتأخيرٍ، إلّا أنَّه رتبّها كما خلقها جلّ جلاله.
كما أنَّه اختار قافية القاف أو نسق القاف فيها جميعاً؛ لتكون مناسبةً مع متعلّق القسم، وهو قوله تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ}. ونسق الآيات هذه خطوةٌ أُخرى أيضاً، ونسق الآيات واضحٌ، وهو أنَّه يناسب مع السكون في نهايات الآيات. وأنا كثيراً ما قلت بأنَّ الإنسان إذا فكّر في هذا الأمر فالحكمة تبدو له بوضوحٍ من استحباب السكون في نهايات الآيات؛ لأنَّه إذا حُرّكت لا يصبح نسقها لطيفاً أكيداً من قبيل قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} فعندها يفسد السّياق، فلابدّ حينئذٍ من السكون.
[في مادّة وَسَقَ]
أمّا مادّة {وَسَقَ} فقد قال الراغب: الوسق جمع المتفرّق. يُقال: وسقت الشيء(1) إذا جمعته، وسُمّي قدرٌ معلومٌ من الحمل كحمل البعير وسقاً؛ وقيل: هو ستّون صاعاً. وأوسقت البعير حمّلته حِمله، وناقةٌ واسقٌ ونوقٌ مواسيق إذا حملت. ووسقت الحنطة جعلتها وسقاً، ووسقت العين الماء حملته، ويقولون: لا أفعله ما وسقت عيني الماء. وقوله:{وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ}(2) قيل: وما جمع من
ــــــ[149]ــــــ
(1) جمع الشيء يُراد به أحد أمرين: إمّا كلّ وإمّا كلّي، فالكلّ تُجمع أجزائه، والكلّي تُجمع جزئيّاته ومصاديقه، وهذا من الواضحات (منه+).
(2) سورة الانشقاق، الآية: 17.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الظلام، وقيل: عبارةٌ عن طوارق الليل. ووسقت الشيء جمعته، والوسيقة الإبل المجموعة كالرفقة من الناس. والاتّساق الاجتماع والاطّراد. قال تعالى: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ}(1)(2).
[أُطروحات في الليل وما يجمعه الليل]
أقول: فيكون المعنى: الليل وما جمع، فما المقصود بالليل وما الذي يجمعه الليل؟ وهذا يكون في عدّة أُطروحاتٍ(3):
الأُطروحة الأُولى: أنَّه يجمع ظلامه، كما تقدّم عن الراغب، أي: نتخيّل له قطعاً من الظلام، تنجمع فتتكدّس، فيصبح ليلاً شديداً. إلّا أنَّه يجاب عنه: بأنَّ ظلام الليل هو الليل نفسه، ولا معنى لأن يجمع الشيء نفسه، ولكن لو تمّ لكان مثل قوله تعالى: {غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}(4) وقوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}(5) لكن بألفاظٍ مختلفةٍ، إلّا أنَّ المؤدّى نفس المعنى، وهذا من بدائع القرآن.
الأُطروحة الثانية: أنَّ الليل يجمع الحوادث المؤسفة من أنواع بلاء الدنيا الذي يقع فيه، وهي تكون عادةً بالليل أشدّ منها بالنهار؛ لصعوبة تداركها، وقلّة المتداركين، فالناس نيامٌ لا يعلمون بحال بعضهم البعض، بخلافه في النهار. وهذا أيضاً سمعناه من الراغب إجمالاً، وهو قوله: (وقيل: عبارةٌ عن
ــــــ[150]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآية: 18.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 560، مادّة (وسق).
(3) نعم، بشكلٍ أساسي {اللَّيْلِ} له أُطروحتان: أمّا الأُطروحة العرفيّة فهو الليل المتعارف، وأمّا الأُطروحة الباطنيّة فهو الليل المعنوي. فإذا فهمنا من {اللَّيْلِ} الليل العرفي أو الاعتيادي ففيه عدّة أُطروحاتٍ على وسق الليل الاعتيادي وما يجمع الليل الاعتيادي (منه+).
(4) سورة الناس، الآية: 3.
(5) سورة الليل، الآية: 1.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
طوارق الليل) أي: الطوارق الصعبة من أنواع البلاء، وليس كلّ طارقٍ.
الأُطروحة الثالثة: أنَّه يجمع الحيوانات الليليّة التي تميل إلى الارتزاق ليلاً، وغالباً تنام في النهار.
الأُطروحة الرابعة: أنَّه يجمع الناس على النوم.
الأُطروحة الخامسة: أنَّه يجمع الناس على مطلق الراحة من العمل النهاري: سواء ناموا أم لا.
الأُطروحة السادسة: أنَّه يجمع كلّ قومٍ أو طبقةٍ على ما هو اهتمامهم من الآخرة، كالصلاة، أو الدنيا، كشرب المسكرات أو الملاهي المحرّمة (والعياذ بالله).
الأُطروحة السابعة: أنَّ المراد كلّ ذلك، فهذا يجمعه وهذا يجمعه، وهي ليست أُطروحاتٍ متنافيةً، بل هي قابلةٌ للجمع، فيكون المراد كلّ ذلك وغيره ممّا يخطر في البال أو لا يخطر، ممّا يؤثر الليل في جمعه ويكون سبباً أو مُعدّاً أو شرطاً لجمعه باصطلاح المنطق.
[تفسير معنى الليل معنوياً]
وهذا كلّه إذا فهمنا من (الليل) الليل الاعتيادي، وأمّا إذا فهمنا من (الليل) جانباً معنويّاً فهذا إمّا ظاهري كالبلاء الدنيوي، أو باطني، وهو له عدّة تفسيراتٍ: إمّا الضلال والكفر الذي هو الليل، أو الحجاب عن العالم الأعلى، أي: حجب الظلمة؛ فهي ليلٌ. فحينئذٍ علينا الإتيان بمفاد قوله: (ما وسق) وأنا لا أدخل بالتفاصيل، وإنَّما أقول: إنَّ كلّ واحدٍ من هذه الليالي المعنويّة يجمع ما يناسبه من أجزاءٍ أو جزئيّاتٍ، وأنا لا دخل لي في ذلك؛ لأنَّ التفاصيل قد تكشف سرّاً لا ينبغي أن يُقال.
****
ــــــ[151]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ}:
وقد أدرج الراغب معنى (اتّسق) في مادّة (وسق) فقال ممّا قال: وسقت الشيء جمعته، والوسيقة الإبل المجموعة كالرفقة من الناس، أو الناس المجموعة، والاتّساق الاجتماع والاطّراد. قال الله تعالى: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ}(1).
[تعليقات على كلام الراغب في معنى (اتّسق)]
أقول: لنا على كلامه عدّة تعليقاتٍ:
التعليق الأوّل: قوله: (والاتّساق الاجتماع والاطّراد) والاطّراد هو الحركة والسيل والتحرّك والمشي، اطّرد أي: سال، فكيف يكون الاطّراد هو الاطّراد؟ فهذا غير صحيحٍ، وهي غير ملحوظةٍ في الاتّساق جزماً، وغير ملحوظةٍ في مادّة (وسق) يقيناً، بل مفادها – أي: هذه المادّة- مجرّد الاجتماع. لكن لو تنزّلنا عن هذا، لكانت الآية مشيرةً إلى شيئين أيضاً، وتعطي صورةً متحرّكةً {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} أي: كمل نوره وتحرّك، والقمر دائماً في حركةٍ بطبيعة الحال، والأرض في حركةٍ، والشهر أيضاً في حركةٍ، ونحو ذلك من الأُمور، فإذا كان الاطّراد أيضاً حركةً، فالقمر نحوٌ من الاطّراد.
التعليق الثاني: قد يُقال: إنَّ الاتّساق الذي هو مفاد قوله: {الْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} من (نسق) لا من (وسق) فيُراد به التناسق، وهو تماثل الأجزاء، {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} أي: تناسق، وهي أُطروحةٌ جيّدةٌ، والغرض بيان تماثل الأجزاء من حيث إنَّ القمر الناقص لا تتماثل أجزاؤه، فإنَّ بعضها مظلمٌ وبعضها مضيءٌ، بخلاف البدر؛ فإنَّ أجزاءه متناسقةٌ، وكلّها مضيئةٌ، فهي متناسقةٌ في الضوء.
ــــــ[152]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 560، مادّة (وسق).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ولا يُقال هنا: إنَّها قد تكون متناسقةً في الظلام، وذلك عند المحاق أيضاً، ولكن في الظلام ليس كذلك؛ لأنَّ العرف لا يدرك البدر الممحوق، فالبدر عند المحاق كأنَّما غير موجودٍ عرفاً، فلا يُقال: إنَّه موجودٌ وإنَّ أجزاءه متناسقةٌ ظلاماً.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا لا معنى له. نعم، البدر موجودٌ عرفاً، فيُقال: إنَّ أجزاءه متناسقةٌ ضوءاً.
التعليق الثالث: من الممكن أن لا يكون الاتّساق راجعاً إلى إحدى المادّتين: (وسق) أو (نسق)، بل هو مادّةٌ بنفسه موضوعاً وضعاً لغويّاً مستقلاً (اتسق). ومَن قال: إنَّ كلّ رباعي هو ثلاثي، أي: له أصلٌ ثلاثي. نعم، لعلّ هيئته هيئة المزيد، ولكن مَن قال: إنَّه يرجع إلى مجرّد، وإنَّ مجرّده موضوعٌ، كما أنَّ مزيده موضوعٌ؟ فليس بالضرورة هكذا، أي: ليس كلّ مزيد يكون له مجرّدٌ، فأنا لا أقول غير ذلك، ولكنّه ليس بمعناه، بل بمعنىً آخر، أي: بالاشتراك اللفظي لا بالاشتراك المعنويّ. والارتكاز القائل بأنَّ المادّة ما دامت محفوظةً في الثلاثي والمزيد فإنَّما هي نفس المادّة، إذن فهي موضوعةٌ بنفس الوضع، ليس تامّاً على نحو الاطّراد، بل هو على نحو الغالب؛ إذ هذا لا بأس به. أمّا أنَّه دائمي فلا نستطيع أن نلتزم بذلك. فحينئذٍ (اتسق) موضوعةٌ بوضعٍ مستقلٍّ، ولعلّه تسميةٌ كرباعي، وهو وضعٌ مباينٌ للثلاثي أصلاً، وله معنى أساساً في نفسه.
هذا وفي الصورة أيضاً شكلٌ آخر من الصورة المتحرّكة، أي: في الصورة حركةٌ واضحةٌ؛ لأنَّها تمثّل الخروج من عدم الاتّساق إلى الاتّساق أو من النقصان إلى الكمال، أو من قمرٍ تربيعي -أي: ما كان نصفه مثلاً أو ثلاثة
ــــــ[153]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أرباعه مضيئاً- إلى بدرٍ، فعندها (اتّسق)، هذا إذا كان يشعر بهذه الحركة أكيداً.
وهنا يوجد فهمٌ أقرب إلى الفهم الباطني، وهو أنَّ الإنسان يكون بدراً عند كماله، أي: إذا وصل إلى درجةٍ معتدٍّ بها من الكمال فإنَّه يكون بدراً، وعندئذٍ يفيد الآخرين بنوره، ولذا قال المعصوم×: >أُوصيكم بتقوى الله … وأن تكونوا لنا دعاةً صامتين<(1)، بمعنى: أنَّك بمجرّد أن ترى هذا الشخص المتكامل فأنت تتكامل وتستفيد، أي: بالتكامل ولو بالشيء القليل، فضلاً عمّا إذا تكلّمت معه أو سمعت منه أو تتأمّل فيه أو ترى أفعاله، فعندئذٍ يفيد الآخرين بنوره في ليل البلاء أو في ليل الحجاب، أي: في حجب الظلمة أيضاً بالضبط كالبدر؛ لأنَّ البدر يبزغ في الليل، وهذا البدر أيضاً يبزغ في الليل المعنوي. ومن هنا يُمثّل أمير المؤمنين× بالبدر الكامل، كما يُمثّل رسول الله’ والمهدي# أيضاً في الروايات(2) بالشمس الطالعة: سواءً لاحظناه من الناحية المادّيّة أم المعنويّة. والبدر أقلّ ضوءاً، إلّا أنَّه أكثر نفعاً؛ لأنَّه يأتي في وقت الحاجة إليه، وهو الظلام، ففي الظلام يحتاج الإنسان إلى شيءٍ من شبح النور {وَعَلاَمَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}(3)، ولا يفيد وجوده في النهار مع وجود
ــــــ[154]ــــــ
(1) دعائم الإسلام 1: 56، ذكر وصايا الأئمّة^ أوليائهم …، ومستدرك الوسائل 1: 116، أبواب مقدّمة العبادات، الباب 15، الحديث 136.
(2) راجع بحار الأنوار 15: 204، الباب 2، الحديث 19، 25: 169، الباب 14، الحديث 39، 27: 227، الباب 10، الحديث 29، 52: 194، الباب 25، الحديث 26، الغيبة (للنعماني): 218، الباب 13، الحديث 6، جمال الأُسبوع: 229، الفصل 25، كمال الدين 1: 77، وغيرها.
(3) سورة النحل، الآية: 16.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الشمس، فإذا حضر الماء بطل التيمّم، فمع وجود الشمس يكون القمر عاطلاً، فكأنَّه خالٍ من النور.
وهنا توجد مسألةٌ عند العرف إلى حدٍّ مّا مقبولةٌ، وهي أنَّهم يقولون: إنَّ الشمس تشرق في النهار، ومعنى ذلك أنَّ النهار موجودٌ والشمس تشرق فيه، مع أنَّ النهار بالشمس يكون نهاراً، وعلى قولهم فإنَّ الشمس تضيف نوراً إلى نورٍ، لا أنَّها تأتي وقت الحاجة إليها، ولكن القمر يأتي في وقت الظلام، أي: في وقت الحاجة إليه، فالقمر ينقذنا من السقوط في الهلكة، وهذه الخاصّية غير موجودةٍ في الشمس. نعم، هي زيادةٌ في اللطف.
قال السيّد الطباطبائي+ في >الميزان<: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} أي: اجتمع وانضمّ بعض نوره إلى بعض، فاكتمل نوره وتبدّر(1).
[مناقشة ما أفاده السيد الطباطبائي في فهم الآية]
أقول: وعندئذٍ نحتاج إلى تقديرٍ لأجل فهم الآية على كلّ وجوهها، وهو أنَّ المراد اتّساق نور القمر لا القمر، فالقمر ككرةٍ من قبيل كرة الأرض، فـ(اتّسق) أي: نور القمر إذا اتّسق، فنحتاج إلى تقديرٍ، وليس القمر نفسه.
وجواب ذلك: أنَّ هذا ليس بصحيحٍ؛ فإنَّ الملحوظ في القمر هو النور، وليس الكرة الجامدة، فأصبح النور هو القمر والقمر هو النور، وليس هو الجرم، فلا نحتاج إلى تقدير (اتّسق القمر) بمعنى: نور القمر، فالقمر متضمّنٌ في معنى القمر، كما أنَّ أهل القرية متضمّنٌ في القرية، كما في قوله تعالى: {وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا}(2).
وقوله -أي: الطباطبائي- (وتبدّر) اشتقاقٌ غريبٌ في الحقيقة من
ــــــ[155]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 245-246، تفسير سورة الانشقاق.
(2) سورة يوسف، الآية: 82 .
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
البدر، أي: أصبح بدراً، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، لكنّه يحتاج إلى فهمٍ لغوي في جواز الاشتقاق من البدر. فهل البدر مشتقٌّ؟
أقول: إنَّه جامدٌ، فتبدّر يتبدّر تبدّراً غير موجودٍ، لكنّه مع ذلك – باعتباري من أهل اللغة – أنا أدعم إلى حدٍّ ما اللغة الحديثة، فلا بأس أن نشتقّ ممّا هو ليس بسماعي، والسيّد الطباطبائي (جزاه الله خيراً) اشتقّ فعلاً ممّا ليس سماعيّاً، وهذا لا بأس به، وليس بكفرٍ. نعم، لو قلنا: إنَّ اللغة سماعيّةٌ خالصةً، فهذا الاشتقاق يكون بمنزلة الكفر.
[ما هو إعراب (إذا) في قوله تعالى: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ]
وتوجد في الآية مشكلةٌ لم تتعرّض لها المصادر، والسيّد الطباطبائي(1) محتاطٌ (جزاه الله خيراً)؛ فهو يترك السؤال ويترك الجواب، وحتّى العكبري في >إملاء ما مَنَّ به الرحمن<(2) لم يتعرّض لها، مع أنَّ هذا من وظيفته؛ فلعلّه اعتبرها واضحةً أو أنَّ الرجل فاته التعرّض لها. وباعتبار هذا من وظيفتي فينبغي أن أذكرها، وهي: ما هو محلّ إعراب (إذا) في قوله تعالى: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ}؟ فإنَّ اعرابها لم يُذكر في المصادر، والأعجب أنَّ العكبري لم يذكرها أصلاً.
وجواب ذلك يكون في ضوء عدّة أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى: أنَّها فجائيّةٌ -وقد تكون هذه أُطروحةً شاذّةً، وأنا لا أقول: إنَّها غير شاذّةٍ، ولا بأس أن تكون شاذّةً- بمعنى: أنَّنا لم نكن نتوقّع أن نراه بدراً؛ لأنَّ أغلب أحواله هو النقصان، فالمفروض أنَّه يدوم على النقصان، وإذا به قد أصبح بدراً، وهي صورةٌ متحرّكةٌ مفاجئةٌ.
ــــــ[156]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 245-246، تفسير سورة الانشقاق.
(2) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 284، سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأُطروحة الثانية: أنَّها شرطيّةٌ، نحو: إذا جاء زيدٌ فأكرمه، وهذه الأُطروحة متعارفةٌ ومشهورةٌ، ولكنّني لا أستطيع أن أقول بالشهرة؛ لأنَّه لم يتعرّض لها أحدٌ، لكنّها على ذوق المشهور. والفعل الموجود الذي هو (اتّسق) فعل شرطٍ، وجوابه محذوفٌ تقديره عدّة أُمورٍ على مبنى المشهور، من قبيل: أنَّه أقسم، فكأنَّ الأمر من البداية مورداً للقسم، فحينئذٍ نقول: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} فأقسم بهذا المعنى، أو أنَّه لا أقسم؛ لأنَّه يقول: لا أقسم، أي: فهنا أيضاً لا أقسم، ما شئت فقدّر.
فإن قلت: إنَّ التقديرات الأُخرى تأتي، ولكن يرد إشكالٌ على القسم، فلو قلتم: إنَّ (أقسم) داخلةٌ على الجمل السابقة، وليست داخلةً على هذه الجملة، فتقديرها بخصوص هذه الجملة يكون مخالفاً للقاعدة.
قلنا: نعم، إلّا أنَّ العطف بتقدير تكرار العامل (وأقسم بالقمر إذا اتّسق) أو (لا أقسم بالقمر إذا اتّسق) فالمهم أنَّ (أقسم) يكون جواب شرطٍ مقدّمٍ، و(اتّسق) يكون فعل شرطٍ في محلّه.
وهنا نذكر بعض التقديرات الأُخرى المحتملة:
1. إذا اتّسق تكامل ضوءه.
2. إذا اتّسق أصبح بدراً.
3. إذا اتّسق كان جميلاً.
ونقطة قوّته هنا: أنَّ الإشكال على القسم الذي ذكرناه قبل قليلٍ لا يجري؛ لأنَّ القسم واحدٌ، فكيف يأتي بالقسم مرّةً أُخرى، ونحو ذلك من الأُمور.
الأُطروحة الثالثة: أنَّ (إذا) ظرفيّةٌ، بمعنى: أنَّ المراد حال اتّساقه أو حين
ــــــ[157]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
اتّساقه، ولا شرطيّة في المقام، فلا يحتاج إلى جواب الشرط، وقوله: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} أي: حين اتّساقه، أي: (أقسم بالقمر حين اتّساقه).
الأُطروحة الرابعة: أنَّ (إذا) زائدةٌ، وإن كانت هذه أيضاً أُطروحةً شاذّةً. فعلى كلّ حالٍ يمكن أن تكون زائدةً، فكأنَّه قال: (القمر وقد اتّسق القمر)، فكأنَّما (إذا) زائدةٌ ولا عمل لها، ولكن كون القمر اتّسق لفظيّاً غير لطيفٍ؛ لأنَّها ستكون بمنزلة الحال أو الصفة، ولا بدّ حينئذٍ من وضع(إذا) قبلها.
****
قوله تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ}:
وقرئ أيضاً: (لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) (1)، وضمير الجمع في قوله: {لَتَرْكَبُنَّ} أصله لتركبون، وهو يعود إلى المسلمين، ولكن لا يلزم بالضرورة أن يعود إلى كلّ البشر. كما أنَّني قلت في يومٍ ما: إنَّه إذا اعتبرناه أمراً مشهوراً ومشينا مع المشهور هذه الخطوة – وهو أنَّ الخطاب أو ضمير الجمع الخطابي لأُمّة محمّدٍ’- فحينئذٍ إمّا أن تكون هي الأُمّة الداعية وإمّا الأُمّة المدعوّة، وهذا ما ينبغي أن يفهمه المشهور. فإذا قلنا: إنَّها الأُمّة الداعية فيختصّ الخطاب بالمسلمين؛ لأنَّ المسلمين هم الأُمّة الداعية. وإذا قلنا: إنَّها الأُمّة المدعوّة فعندها يكون الخطاب لكلّ البشر، ولم تخرج عن كونهم أُمّة رسول الله’. هذا إذا كان الضمير ضمير جمع.
وإن كان الضمير مفرداً في {لَتَرْكَبُنَّ} فإمّا أن يكون المخاطب هو رسول الله’ وإمّا أن يكون المخاطب كلّي الإنسان، بمعنى: أيّها الإنسان،
ــــــ[158]ــــــ
(1) وهي القراءة المرويّة عن ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وابن عباس، وابن مسعود، وغيرهم. أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 8: 102، سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
لتركبن طبقاً عن طبقٍ، كما يمكن أن يكون المخاطب كلّي المسلم، كما أنَّه يمكن من الناحية النظريّة أن نقدّر ضمير الأُنثى {لَتَرْكَبُنَّ} ولا مانع لغةً من ذلك، وإن كان أُطروحةً شاذّةً.
قال العكبري: (طبقاً) مفعولٌ، و(عَنْ) بمعنى: بعد، والصحيح أنَّها على بابها، وهي صفةٌ، أي: طبقاً حاصلاً عن طبقٍ، أي: حالاً عن حالٍ. وقيل: جيلاً عن جيلٍ(1).
وقال الراغب: المطابقة من الأسماء المتضايفة، وهو أن تجعل الشيء فوق آخر بقدره، ومنه طابقت النعل(2)، أي: المطابقة بين الشيئين، فيكون مفهوماً إضافيّاً، وهو أن تجعل الشيء فوق شيءٍ آخر، نحو مطابقة الطابقين في الرحى حجماً وسمكاً. وكذلك طوابق البناء، نقول: بناءٌ من طابقين، أي: متشابهين بالشكل والسمك ونحو ذلك. وكذا تقول: غطاء القدر؛ فإنَّهم في سالف الزمان كانوا يعملون غطاءاً من الخوص أو السعف ويغطّون به القدر. ومنه مطابقة النعل، ومن الطبيعي أنَّ النعلين متطابقان؛ لأنَّ شكل النعل كان في السابق متشابهاً، فلا يوجد نعل يسارٍ ونعل يمينٍ، بل هما متشابهان، وفي الأزمنة الأخيرة اختلفت، وإن كانا في هذا الزمان يتطابقان في كثيرٍ من الصفات.
ثُمَّ قال الراغب أيضاً: ثُمَّ يُستعمل الطباق في الشيء الذي يكون فوق الآخر تارةً، وفيما يوافق غيره تارةً أُخرى، كسائر الأشياء الموضوعة لمعنيين، ثُمَّ يُستعمل في أحدهما دون الآخر، كالكأس والرَّاوية ونحوهما. قال: {الَّذِي
ــــــ[159]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 284، سورة الانشقاق.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 311، مادّة (طبق).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا}(1) أي: بعضها فوق بعضٍ. وقوله: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ}(2) أي: يترقّى منزلاً عن منزل (أي: مقاماً بعد مقامٍ) وذلك إشارةٌ إلى أحوال الإنسان من ترقّيه في أحوالٍ شتّى في الدنيا، نحو ما أشار إليه بقوله: {خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ}(3) وأحوال شتّى في الآخرة من النشور والبعث والحساب وجواز الصراط إلى حين المستقرّ في إحدى الدارين. وقيل لكلّ جماعةٍ متطابقةٍ: هم في أُمّ طبقٍ …(4).
أقول: وقد مالَ إلى ذلك السيّد الطباطبائي+ في >الميزان< أيضاً قائلاً: إنَّ ذلك مراحل تكامليّة دنيويّة أو أُخرويّة مرتبطةٌ بالكدح، وزاد على الراغب بأنَّه ربطها بالكدح(5)، أي: بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ}. وهذا الكدح هو الذي ينقل الإنسان من حالٍ إلى حالٍ، ومن مقامٍ إلى مقامٍ، والكدح يكون على مراحل متطابقةٍ.
[تعليق على معاني الطبق]
وتعليقي على كلّ ذلك هو: أنَّ أصل التطابق هو التشابه والمماثلة من بعض الوجوه، وليس من كلّ الوجوه، وقد يكون من كلّ الوجوه أحياناً، كالمتشابهين في الحجم والمطابقة بين الصورتين، أو نحو رؤية الإنسان لشخصه في المرآة. والمهمّ: أنَّ هذه المادّة مشتقّةٌ، وهي (طبق)، ومن غير المعلوم أيّ طبق
ــــــ[160]ــــــ
(1) سورة الملك، الآية: 3.
(2) سورة الانشقاق، الآية: 19.
(3) سورة غافر، الآية: 67.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 311، مادّة (طبق).
(5) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 246، تفسير سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
هو، فهل هو من المشتقّات؟ وذكروا: أنَّ (طبق) الوارد بفتحتين مصدرٌ أو اسم ذاتٍ أو صفةٌ مشبّهةٌ باسم الفاعل، وهذا كلّه محتملٌ، ولا شكّ أنَّ عُرفنا الحالي يستعمله كاسم ذاتٍ، حينما نقول: (طبق) اسم ذاتٍ، وليس مصدراً، فإن كان منها مصدرٌ فهو من الثلاثي، وليس من المزيد. وأنا أفهم الطبق بالسكون، طبقْ يطبقْ طبقاً، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، وإن كان غير مستعملٍ. والمهمّ هنا: أنَّه ليس كلّ المشتقّات دائماً تصادف استعمالاً وذوقاً، لكنّ المصدر المتعارف من المزيد (طابق، يطابق، مطابقةً) وهذا لا بأس به، وهو المتعارف. أمّا الثلاثي فهو غير متعارفٍ، بل حتّى أفعالها غير متعارفةٍ. وعلى كلّ حالٍ فالاحتمالات في معنى الآية عديدةٌ، لكنّه قبل أن ندخل في احتمالات الآية ينبغي أن نلتفت إلى شيءٍٍ، وهو أنَّ قوله تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ} بمنزلة القرينة المتّصلة لفهمه، أي: لفهم طبق، وهذا ينبغي أن يكون أكيداً، وهو دالٌّ على الصعوبة، أي: لتركبن صعوبةً؛ لأنَّهم يقولون -أي: العرف- ركب الأهوال، وركبته الديون، فإذن الركوب للمصاعب والبلايا، وليس للرخاء مثلاً. وكذلك يوجد معنىً آخر لـ(لتركبن) وهو الإشعار بالقهر، بالرغم من أنَّ الصيغة صيغة اختيارٍ، ولو أراد الجبر لقال: (لتُركبن)، وذلك نحو قولنا: أنتَ سوف تتمرّض؛ فهنا يشعر بشيءٍ من الاختيار ويُراد منه القهر، بخلاف قولنا: أنتَ سوف تمرض، فإنَّ فيه شيئاً من القهر، فصيغة الاختيار يمكن أن تُستعمل بمعنى القهر، كما أنَّ فيه إخباراً عن المستقبل (لتركبن)، أي: في المستقبل.
وفيه أيضاً معنى الإخبار عن المستقبل حصراً، أي: هو نصٌّ في الاستقبال، مع أنَّ فعل المضارع للحال والاستقبال؛ وذلك بسبب وجود نون
ــــــ[161]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
التوكيد التي تجعل المضارع نصّاً في الاستقبال وتحذف منه معنى الحال، وهو من التنبّؤ بالمستقبل، وتنبّؤات القرآن ليست كثيرةً، ولكنّها موجودةٌ، من قبيل قوله تعالى: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}(1).
إلّا أنَّه في حديثنا عن قوله تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ} ليس تنبؤاً بحادثةٍ معيّنةٍ، بل بمجموعة حوادث أو أحوالٍ؛ لأنَّ الخطاب لمجموع الناس، ومجموع الناس كثيرون، فلا يعني أنَّهم يمرّون بحالةٍ واحدةٍ، وإنَّما هم كثيرون مكاناً وكثيرون عدداً وكثيرون زماناً، فلا معنى لأن نختار لهم حالةً واحدةً، فحينئذٍ يكون هذا التنبّؤ الذي هو (لتركبن) واضح الصحّة. فالجماعات إذا لوحظت بكثرةٍ فلابدّ أنَّ كثيراً منهم يتمرّض أو يفترق أو يبتلى أو يسجن أو يقتل أو أيّ شيء يتوقّع من بلاء الدنيا، فـ(لتركبن) حالاً بعد حالٍ. وإذا فسّرناها على أنَّ الإنسان يُولد طفلاً ثُمَّ يصير شابّاً ثُمَّ شيخاً، ثُمَّ يموت ثُمَّ يبعث، ثُمَّ كذا وكذا، فهذا أيضاً كقانونٍ عامٍّ يراه الناس أجمعين؛ إذ العمر في الحياة الدنيا ممّا يراه الناس أجمعين.
[لماذا هذا التأكيد في قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ]
فحينئذٍ نقول: لماذا هذا التأكيد؟ والمشهور ترك تفسير ذلك، ولم يذكر سبب التوكيد.
والجواب: أنَّ ذلك لعدّة وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أهمّيّة الأمر الذي حصل فيه التنبّؤ؛ فإنَّه ما دام مهمّاً جدّاً، فبمقدار أهمّيّته نؤكّده، وإن كان واضحاً، ولكنّنا نؤكّده لأجل التخويف منه ولأجل إبراز أهمّيّته.
الوجه الثاني: أنَّ ذلك من قبيل قول أمير المؤمنين×: >ما خلق الله عزّ
ــــــ[162]ــــــ
(1) سورة الروم، الآية: 3.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وجلّ يقيناً لا شكّ فيه أشبه بشكٍّ لا يقين فيه من الموت<(1)، فكذلك بلاء الدنيا، ما رأيت أيضاً يقيناً أشبه بالشكّ من بلاء الدنيا، مع العلم أنَّنا ساهون غافلون عن ذلك، والله مؤيّد الأُمور، ولكنّ الله من تدبيره أن ينزّل البلاء أحياناً، إذن فالبلاء مغفولٌ عنه، فنحتاج إلى صفعةٍ قويّةٍ كـ{لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} فترى البلاء يأتي في يومٍ ما، كما في الموت والفقر والمرض.
الوجه الثالث: لو لاحظنا الجهة الدقّيّة أو العقليّة نجد البلاء محتمل الحصول لا يقينيّاً ؛ لأنَّنا لا نعلم ما هو علم الله سبحانه في وجود البلاء وعدمه، وعقلاً أيضاً لا نعلم بالحكمة منه، فلا برهان على مجيء البلاء غداً أو بعد غدٍ، أو بعد سنةٍ أو بعد ألف سنةٍ، ويمكن أن لا يحدث أصلاً. فمن هذه الناحية يكون الألطف توكيده؛ لأنَّ السامع قد يستعمل جهته العقليّة، فيشكّك في حصول البلاء، فيكون السامع مشكّكاً، فيؤكّد له هذا المعنى.
وعلى أيّ حالٍ بعد أن فهمنا معنى (لتركبن) أي: لتركبُن المصاعب، نحو: ركبته الديون وركبه الفقر وركبه المرض وركب الأهوال، ولم يُستعمل هنا ركب بالمعنى الحقيقي، وإنَّما يستعمل على نحو المجاز، وهنا أيضاً مجازٌ، فهذه تكون قرينةً على الطبق، وأنا قلت ذلك، والآن محلّ تطبيقها.
ويبدو أنَّ فكرة المطابقة لمّا كانت إضافيّةً إذن يوجد أمران: أحدهما يطابق الآخر من جهةٍ من الجهات وفي صفةٍ من الصفات أو في أكثر من صفةٍ. وثانيهما: يطابقه في كلّ شيءٍ، أي: يطابقه مطابقةً، لكن أيّ شيءٍ يطابق؟ فهذا
ــــــ[163]ــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 1: 194، باب النوادر، الحديث 596، وبحار الأنوار 6: 127، أبواب الموت، الباب 4، الحديث 10. ونحوه في تحف العقول: 364، الخصال 1: 14، باب الواحد، الحديث 48، مع اختلافٍ في اللفظ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
مسكوتٌ عنه في الآية، وعليه فنطرح عدّة أُطروحاتٍ، وكلّها محتملة الصحّة انطلاقاً من قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}(1)؛ فإنَّ ضمير الجمع أيضاً يشمل الفرد، (لتركبن) بمعنى: أيّ واحدٍ منكم أو (لتركبن) مجموعكم، وكذلك (لتركبن) بصفتكم مجتمعاً واحداً، كبلدة النجف مثلاً أو غيرها، أو (لتركبن) بصفتكم عدّة مجتمعات، أو قل: عدّة دول، فالمطابقة بالنسبة إلى هذه الأُطروحات تختلف، فهناك مطابقة الفرد لأحوال نفسه، ومطابقة المجتمع لأحوال مجتمعه، ومطابقة البشريّة أو المجتمعات لأحوال سابقيه ولاحقيه وهكذا. وقد تقدّم عن المشهور: أنَّ الإنسان يكون في الأوّل طفلاً ثُمَّ يصير شاباً ثُمَّ كهلاً ثُمَّ شيخاً ثُمَّ يموت وإلى آخره. أو هناك مطابقة الدنيا مع الآخرة في وجود الحياة في كليهما، أو مطابقة المجتمع الواحد لما عليه من أسلافهم في المرض والفقر والموت. وما سرت عليه في هذا الاتّجاه هو أنَّ حصول البلاء في الأُمم السابقة سوف يتكرّر في هذه الأُمّة؛ فإنَّ العلّة والمعلول يجريان باستمرارٍ، بمعنى: أنَّ الأُمم السابقة عصت فاستحقّت العقاب فعوقبت، أو قل: عصت فعوقبت، وهذه الأُمّة بتدبير الشيطان تعصي وتعاقب، ولا أقول ذلك بتدبيرٍ من الله.
[كلام في الأمّة المرحومة]
وهنا شيءٌ لابدّ من ذكره، وهو أنَّ الأُمّة المرحومة تعني كلّ البشريّة التي هي الأُمّة المدعوّة بعد الإسلام، فهذه لا تشملها العقوبات الإعجازيّة، من قبيل أنَّه يقلب الأرض أو يمسخ أهلها، فهذا كان قبل الإسلام. وأمّا بعد الإسلام فرحموا بوجود النبي’ ولكن باقي العقوبات كلّها موجودةٌ، فنحن نسمع بالتدريج أنَّه حدث فيضانٌ أو بركانٌ أو صواعق أو وباءٌ وإلى
ــــــ[164]ــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 38.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
آخره، وكلّ ذلك {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}(1) و{لَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}(2). وأنا قلت لبعضهم: إنَّ سبب عدم العقاب لأهل الأرض جميعاً في زماننا هو سعة رحمة الله، ووجود الإمام المهدي#. وإلَّا لو لم يكن هذان العنصران موجودين، لكان حصول ذلك أكيداً.
[فهم باطني لرواية إنَّ الله خلق ألف ألف عالم وألف ألف آدم]
ثُمَّ لنتقدّم خطوةً إلى الإمام لنقول: إنَّ الله خلق ألف ألف عالم وألف ألف آدم، وعلى ذلك روايات(3)، ولم نقل شططاً، والمطابقة كما يمكن بين أجيال البشريّة، يمكن أن تكون بين هذه الأجيال. فالمطلب أوسع من ذلك، ولملّا هادي السبزواري+ -الذي هو حقيقةً عالي المقام جدّاً في مستواه المعرفي وأنا أُفضّله في بعض إحساساتي على صدر المتألّهين في مستواه المعرفي- نظريّة في الأكوار والأدوار(4)، وهي أنَّ عالم الوجود يوجد ويستمرّ كنارٍ مشتعلةٍ، توجد قليلاً ثُمَّ تعلو وتشبّ، ثُمَّ تخمد بالتدريج إلى أن تنطفئ، وحينئذٍ فإمّا أن تنطفئ مائة بالمائة، وإمّا تنطفئ بحيث تكون بمنزلة المنطفئة، أي: لا يبقى منها إلّا شرارةٌ، ثُمَّ يتيسّر لها الارتفاع من جديدٍ، ثُمَّ تنطفئ، ثُمَّ يتيسر لها الارتفاع من جديدٍ، وهكذا إلى الأبد. والوجود مستمرٌّ، لكنّه بهذا
ــــــ[165]ــــــ
(1) سورة الشورى، الآية: 30.
(2) سورة النحل، الآية: 61.
(3) راجع التوحيد: 277، الباب 38، الحديث 2، الخصال 2: 652، باب الواحد إلى المائة، الحديث 54، وبحار الأنوار 8: 374، أبواب المعاد، الباب 28، الحديث 2.
(4) راجع ما أفاده الملّا هادي السبزواري+ في شرح المنظومة 5: 208، غررٌ في بعض أحكام النفوس الفلكيّة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الترتيب يتّسع ثُمَّ يضيق، وماذا يتصوّروه بعد ذلك لا أعلم، فالمهمّ أنَّه لا يبقى من الوجود إلّا قليلٌ، ثُمَّ يعود الله ليخرجه مرّةً ثانيةً ويأتي بمخلوقاتٍ جديدةٍ ونظامٍ جديدٍ، وهم لا يعلمون بمَن سبقهم طبعاً. فهل هذا الألف ألف عالمٍ وألف ألف آدم كلّهم في كونٍ واحدٍ ودورٍ واحدٍ؟ ومعنى ذلك: أنَّ هذه المجرّات كلّها تذهب، ويأتي كونٌ جديدٌ، فهذا لا يعلمه إلّا الله. وكان سابقاً ملايين من هذه الأدوار والأكوار قد حدثت، وكلّ هذه الأدوار قابلةٌ للمطابقة فيما بينها؛ إذ لا يعلم كم من الصفات التي تشترك فيها هذه الأكوار والأدوار.
ويوجد في المقام إشكالٌ على المشهور؛ لأنَّه قال: إنَّ المطابقة مثلاً بين فترات حياة الإنسان: طفلاً ثُمَّ شاباً ثُمَّ شيخاً ثُمَّ يموت ثُمَّ يقبر ثُمَّ يدخل أحد الدارين، أي: المطابقة بين الدنيا والآخرة، وهنا نقول: إنَّ المطابقة غير موجودةٍ. يا أيّها المشهور، فأيّ مطابقةٍ بين الطفولة والشباب أو بين الشباب والشيخوخة أو بين الدنيا والآخرة؟ بل هي متباينةٌ في هذه المراحل، وليست متطابقةً. ولكن أحسن جوابٍ عن ذلك دفاعاً عن المشهور: أنَّ التطابق بإحدى الصفات المنظورة أو الرئيسة، وهذا يكفي، ولا حاجة إلى أن يكون التطابق بكثيرٍ من الصفات أو بأكثر الصفات حتّى لا يكون هناك تطابقٌ بين المتباينين، بل حتّى المتباينين بينهما اشتراكٌ مّا بصفةٍ منظورةٍ، وهذا كافٍ جدّاً. ونظيره أن نقول بأنَّ الذي يدخل في درجةٍ من الكمال لا يفقد الدرجة السابقة عليه، فحينما يكون فردٌ من المقرّبين لا يخرج من أصحاب اليمين، وإنَّما هو من أصحاب اليمين ومن المقرّبين، أي: عنده ما عندهم وزيادةٌ، إذن لايكون هناك تباينٌ، وإنَّما المرتبة السابقة محفوظةٌ وزيادةٌ، ولكن يوجد نحوٌ من تشاكلٍ بكونهما معاً، فهم من أصحاب اليمين، وهذا صحيحٌ أكيداً، لكنّه مع زيادة في
ــــــ[166]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
هذا الطرف، فمن هذه الناحية التماثل موجودٌ، كما في الشابّ والشيخ، فهو هو زيدٌ الذي يأكل ويمشي، فهو يقول: أنا وأنا، ويتذكّر السابق، وهو إنسانٌ، وكذلك الدنيا والآخرة، فيقوم الناس من قبورهم لا ينكرون من أنفسهم شيئاً ويتعارفون في ما بينهم، وعندما يموت أحدهم فإنَّه يتعرّف على الأموات الذين سبقوه، ويسألونه عن معارفهم، فإن قال لهم: لازال في الدنيا حمدوا الله تعالى، وإن قال لهم: قد مات تألّموا لذلك، أي: لعدم مجيئه في ما بين مجتمع المؤمنين، بمعنى: أنَّه ذهب إلى مكان العصاة.
****
قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ}(1):
توجد نكتةٌ في المقام لم يلتفت إليها المشهور، وهي ليست من عمله، وحاصلها أنَّ فاعل {يُوعُونَ} جمعٌ، وواو الجماعة بمعنى الجمع، فيوعون، أي: هم. وإذا كانت الإشارة إلى ما في قلوبهم كان المراد ما يسمّى بالضمير الجمعي أو باطن المجموع، وهي الأُمور الارتكازيّة المشتركة بين أهل دينٍ واحدٍ أو مذهبٍ واحدٍ أو طبقةٍ واحدةٍ، وهذه الأُمور مشتركةٌ ومتسالمٌ على صحّتها بينهم، وكأنَّ هؤلاء الجماعة على قلبٍ واحدٍ واتّجاهٍ واحدٍ، بمعنى: أنَّ المرتكزات واحدةٌ ومشتركةٌ ومتساويةٌ بينهم، وهذا معقولٌ، وعليه قرينةٌ، وهي كونهم كفّاراً؛ لأنَّه يقول: {بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} فيوعون من زاوية كونهم كفّاراً، ولم يؤخذ في الآية أكثر من ذلك، فتكون الآية إشارةً إلى الأُمور الارتكازيّة المشتركة التي سمّيتها بالضمير الجمعي، أي: ضمير الجماعة. ولكن نريد أن نتقدّم قدماً آخر، وهو أنَّه ليس
ــــــ[167]ــــــ
(1) لم نعثر على تفسير السيّد الشهيد+ للآيات: 20-22، من السورة محلّ البحث، فلاحظ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
من المستبعد أن تشمل الآية تلك الأُمور القلبيّة التي يختصّ بها كلّ فردٍ بمعنىً من المعاني، وهذا الجمع المفهوم من قوله: (يوعون) له إحدى أُطروحتين:
[أُطروحتان في الجمع المفهوم من قوله: (يوعون)]
الأُطروحة الأُولى: أن نفهمه على نحو العموم الاستغراقي.
الأُطروحة الثانية: أن نفهمه على نحو العموم المجموعي.
وما سبق -أي: الضمير الجمعي الذي تكلّمنا عنه- إذا فهمناه على نحو العموم المجموعي، كان بمعنى: أنَّهم ككلٍّ يوجد في قلوبهم شيءٌ، أي: إنَّهم يشتركون في أُمورٍ، فلا ضرورة لأن نفهمها على نحو العموم المجموعي، بل نفهمها على نحو العموم الاستغراقي، أي: فرداً فرداً، ومع ذلك فنحن لا نتنزّل عن الفهم السابق، وذلك بأن يُقال: إنَّ الإشارة إلى كلّ فردٍ فردٍ أكيدٌ، وفي قلب كلّ فردٍ وفي ضمير كلّ فردٍ توجد نوعان من الارتكازات:
الأوّل: ارتكازاتٌ شخصيّةٌ نالها من تربيته ومجتمعه الخاصّ، وارتكازاتٌ نستطيع أن نُسمّيها نوعيّةً يشترك بها مع أهل دينه أو أهل مذهبه أو أهل طبقته أو نحو ذلك من الأُمور.
الثاني: ارتكازاتٌ عقلائيّةٌ بين كلّ البشر التي هي السيرة العقلائيّة، والارتكازات انتساباتها تختلف أكيداً. فالقلب الفردي فيه كلّ هذه الارتكازات، فإذا كانت الإشارة إلى القلب الفردي يكفي؛ لأنَّ الإشارة تكون إلى المرتكزات الخاصّة الفرديّة وإلى الارتكازات العامّة، ولا حاجة إلى أن نرفع يدنا عن المعنى السابق، وكذلك فيه ارتكازات عامّة وضميرٌ جمعي وضميرٌ شخصي. والفرق بينهما نفس الفرق بين الكلّي والجزئي، فالإنسان كإنسان كلّهم عندهم رؤوسٌ وعينان ويدان ورجلان، لكن ليس هناك اثنان متشابهان إطلاقاً، وكذلك الارتكازات بمعنىً من المعاني غير متشابهةٍ إطلاقاً، والكلام
ــــــ[168]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
في الارتكازات الفرديّة. وأمّا الارتكازات المشتركة فهي متشابهةٌ، أي: الارتكازات الجمعيّة.
ولو فاضلنا أو قارنّا بين العموم المجموعي والعموم الاستغراقي -أو قل: الضمير الجمعي والضمير الفردي- فأيّ منهما سوف نختار؟ ففي هذه الخطوة نختار الضمير الفردي الناتج عن العموم الاستغراقي، ولا نختار الضمير الجمعي الناتج عن العموم المجموعي؛ وذلك لعدّة وجوهٍ:
الأوّل – وقد ذكرناه-: أنَّه منتجٌ نفس النتيجة وزيادة، فلا حاجة إلى ملاحظة ذلك أصلاً.
الثاني: أنَّ تصوّر الكلّي مجموعاً يحتاج إلى مؤونةٍ زائدةٍ، وإلَّا فالانطباق الذي يقال بأنَّ الكلّي ينطبق على أفراده هو انطباق استغراقي، وليس بمجموعي بحسب النظر الأصلي والأوّلي، ما لم تقم قرينةٌ على كونه مجموعيّاً.
الثالث – وهو على مستوىً مّا من مستويات التفكير-: أنَّ الضمير الجمعي هل نستطيع أن نقول: له قلبٌ جمعي؟ لأنَّ الضمير الفردي له قلبٌ فردي ودماغٌ فردي ونفسٌ فرديّة، وهذا ملحوظٌ. أمّا نفسٌ جمعيّةٌ أو قلبٌ جمعي فلا يوجد، وإنَّما يُقال ذلك ربما مجازاً. وأمّا حقيقةً بخلقة الله فلا يوجد، وإنَّما القلوب دائماً فرديّةٌ، وليست جمعيّةً، وهو مقلّب القلوب، أي: القلوب الفرديّة، يقلب قلب كلّ فردٍ، بغضّ النظر عن الفرد الآخر. والوجه فيه: أنَّ >قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن<(1) أو شيء من هذا القبيل. وكلّها
ــــــ[169]ــــــ
(1) شرح أُصول الكافي 1: 307، ونحوه في الأمالي (للسيّد المرتضى) 2: 2، عوالي اللئالي 1: 48، الفصل الرابع، الحديث 69، مسند أحمد 2: 168، صحيح مسلم 8: 51، وسنن ابن ماجة 1: 72، مع اختلافٍ يسيرٍ في ألفاظ الحديث.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قلوبٌ فرديّةٌ، ولا يوجد هناك قلبٌ جمعي؛ لأنَّه كلّي، والكلّي معنىً انتزاعي لا وجود له في الخارج، وحتّى مفهوم الإنسانيّة له شيءٌ كلّي، فالإنسان الخارجي في الحقيقة يعيش في الخارج، وليس كذلك القلوب، وكذلك الارتكازات، فهذه الأُمور عبارةٌ عن تصوّرٍ عامٍّ عن مجموعة أفرادٍ، وليس أكثر من ذلك.
وأمّا بالنسبة إلى معنى مادّة (يوعون) فإمّا هي مأخوذةٌ من الوعاء أو من الوعي، وحسب الفهم الأوّلي ربّما يُرجّح معنى الوعي، إلّا أنَّ الأقرب الأوّل، كقوله تعالى: {وَجَمَعَ فَأَوْعَى}(1)، أي: كان وعاءاً للثروة، فهو فعلٌ ماضٍ (أوعى). وهنا في آيتنا التي نتحدّث عنها هو فعلٌ مضارعٌ (يوعون)، والظاهر أنَّ ذلك تصريفٌ واشتقاقٌ خاصٌّ بالقرآن لم يسبق إليه غيره، وإلَّا فالوعاء -حسب فهمي- لازمٌ غير متعدٍّ أو مشتقّ، إلّا أنَّ ظاهر كلام الراغب كونه مشتقّاً، وإن لم يكن مستعملاً اشتقاقه. قال: والإيعاء حفظ الأمتعة في الوعاء. قال: {وَجَمَعَ فَأَوْعَى}. قال الشاعر: والشعر أخبث ما أوعيت من زادِ … . ووعى الجرح يعي وعياً جمع المدّة، ووعى العظم اشتدّ وجمع القوّة(2).
[تعليقات على فهم الراغب لمعنى (يوعون)]
ولنا على كلامه عدّة تعليقاتٍ:
التعليق الأوّل: أنَّ الوعي بمعنى الفهم؛ لأنَّه من الوعاء، وليس شيءٌ آخر؛ لأنَّنا بحسب أصل اللغة نتصوّر الذهن وعاءاً ظرفاً، والأفكار مظروفاً، فوعى أي: وعى الذهن، أي: جمع أفكاراً معتدّاً بها، فأصبح واعياً، أي: ظرفاً لكثيرٍ من الأفكار ونحو ذلك من الأُمور.
ــــــ[170]ــــــ
(1) سورة المعارج، الآية: 18.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 527، مادّة (وعى).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
التعليق الثاني: أنَّ المشهور ربما يميل إلى أنَّ (وعى) بمعنى جمع(1)، نحو قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ}(2) أي: يجمعون. ولكن هذا منقوضٌ بالقرآن أيضاً، فما تفسيركم لقوله تعالى: {وَجَمَعَ فَأَوْعَى}(3) فهل معناه: وجمع فجمع؟!
التعليق الثالث: أنَّ الراغب اعتبر الإيعاء الحفظ في الوعاء، وقال: (ووعى الجرح يعي وعياً جمع المدّة) أي: اعتبره ثلاثيّ الأصل، مع أنَّ القرآن اعتبره رباعيّاً، أي: مزيداً، قال: أوعى يوعي يوعون، فيوعي أصلها (أوعى) {وَجَمَعَ فَأَوْعَى} {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} فكلاهما مزيدٌ، أو قل: رباعي. ولو كان ثلاثيّاً لقال: (يعي) أو (يعون) لا أنَّه يقول: يوعون، والظاهر أنَّه اشتباهٌ من الشيخ الراغب، لكنّه معذورٌ من هذه الناحية؛ لأنَّه يريد أن يرجّع المادّة المجرّدة والمزيدة إلى معنىً واحدٍ مشتركٍ، فكأنَّما الأصل في اللغة الثلاثي، والمزيد طارئٌ، والثلاثي هو الأصل في المعنى وفي المبنى، فمن هذه الجهة قد تصوّره ثلاثيّاً. ولولا هذا لقلنا: إنَّ المادّة الثلاثيّة من الوعي، وهو الفهم، والرباعيّة المزيدة من الوعاء، وهو الإناء، وذكرنا قبل قليل أنَّ أحدهما يرجع إلى الآخر، أي: إنَّ الوعي يرجع إلى الوعاء؛ باعتبار أنَّ الذهن وعاءٌ، ولكنّه ليس هذا بالضرورة، فلعلّهما موضوعان بوضعين مختلفين، أحدهما الوعي الذهني، أي: إنَّ أحدهما ثلاثي للفهم، والآخر مزيد للظرفيّة، أي: الوعاء.
وفي هذه المقدّمات تكون النتيجة خلاف ارتكاز المشهور. فقوله تعالى:
ــــــ[171]ــــــ
(1) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 29: 49، الجامع لأحكام القرآن 19: 289، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 69، وغيرها.
(2) سورة الانشقاق، الآية: 23.
(3) سورة المعارج، الآية: 18.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} أي: أنَّ ظرفهم المعنوي أو قلبهم أو ذهنهم أو غير ذلك كم هو ممتلئ من هذه الناحية!
وهنا يمكن جعل (يوعون) أعمّ من المادّة والصورة، بمعنى: أعمّ من الدنيا والآخرة، أي: إنَّ الله أعلم بما يوعون في نفوسهم، والله أعلم أيضاً بما يوعون في دنياهم من المال والحلال والجاه؛ لأنَّ كلّ واحدٍ يختلف عن الآخر، وليس هناك علمٌ يجمعها إلّا علم الله سبحانه وتعالى.
ولا تقولوا: إنَّ ما هو موجودٌ في الخارج من المال والأُمور الأُخرى يعلمه الله وغير الله؛ لأنَّ الزوجة والأولاد لا أقلّ يعلمون بذلك، فمن هذه الناحية لا يكون ذلك مختصّاً بالله تعالى، مع أنَّ العلم بما في النفوس مختصٌّ بالله سبحانه وتعالى. وهذا السؤال أستطيع أن أصف قائله بالجهل؛ لأنَّ العلم بالنفوس غير مختصٍّ بالله سبحانه وتعالى ولا العلم بالخارج أيضاً؛ فأنا أعلم بشيءٍ ممّا في نفسك وأعلم بشيءٍ ممّا في دنياك، والله تعالى يعلم بالكلّ، لكن حينما نتنزّل إلى الدقّة فلا أحد يعلم بجميع ما في نفسك، ولا أحد يعلم بجميع ما في دنياك.
فإذن اختصّ الأمر بالله على كلا التقديرين، ولا بأس أن نقول: إنَّنا نفهم نحواً من الاختصاص من الآية، أي: إنَّ العلم يختصّ بالله سبحانه وتعالى، ومع ذلك نعمّم إلى ما هو ظاهرٌ وإلى ما هو باطنٌ، أو إلى ما هو من الدنيا وإلى ما هو من الآخرة.
وهذا الفهم -وهو أنَّ الآية من (الوعي)- أُطروحةٌ شاذّةٌ، وليست أُطروحةً طبيعيّةً، أي: والله أعلم بما يوعون، أي: يفهمون؛ لأنَّ من الطبيعي أن يكون من (الوعي)، أي: والله أعلم بما يعون، أو بما يعونه، وليس يوعون،
ــــــ[172]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وحينئذٍ الواو زائدةٌ. وزيادة الواو أُطروحةٌ شاذّةٌ، مع العلم أنَّها واردةٌ وموجودةٌ عندنا باليقين، ولم يقل: (يعون). ولو كانت ضمّةً نقول: إنَّها ضمّةٌ ثقيلةٌ، إلّا أنَّ الياء في (يعون) مفتوحةٌ، وليست مضمومةً حتّى نثقلها، ومع ذلك تكون نفس النتيجة، فـ(يوعون) من الوعاء، والوعاء هنا وعاء الأفكار والنفوس والقلوب، ومعه فـ (يوعون) بمعنى (يفهمون)، أي: تنتج نفس النتيجة بالضبط. ومعه فلا حاجة إلى أن نقول: إنَّ المادّة من الوعي، وإنَّما فقط من الوعاء.
والشيء الآخر المرتبط بالآية هو حرف (ما)، والمشهور هنا أخذها مسلّماً على أنَّها موصولةٌ، وكلّنا يفهم المراد من الموصول، أي: بالذي يوعون، وهذا ينبغي أن يكون أكيداً. وهو جيّدٌ، إلّا أنَّه مع ذلك ستبقى أُطروحاتٌ محتملةٌ وإن كانت شاذّةً، كما لو كانت مصدريّةً، أي: الله أعلم بوعيهم وجمعهم بمعنىً من المعاني، أو ظرفيّةً، أي: زمن ذلك، لكنّها لا تصلح أن تكون نافيةً ولا زائدةً.
والشيء الآخر الذي ينبغي الالتفات إليه أنَّه هاهنا مفعولٌ به محذوفٌ، أي: (يوعونه) كقوله تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ}(1) أي: قاضيه، وهذا يرجّح جانب أن تكون (ما) موصولةً حتّى يكون هذا بمنزلة الضمير العائد، وإن كان لا يتعيّن.
وهذه الأفعال: (قضى) و (يوعي) أفعال متعدّيةٌ، فإذا حذف مفعولها قدّر على كلّ حالٍ، فهناك أيضاً يوجد (ما) من قبيل: (ما أنت قاضيه).
****
ــــــ[173]ــــــ
(1) سورة طه، الآية: 72.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}:
قال الطباطبائي: والجملة متفرّعةٌ على التكذيب(1)، أي: فاء التفريع العاطفة التفريعيّة. وكأنَّما بدأ + بشرح أوّل كلمةٍ، والحرف كلمةٌ طبعاً، وهو أوّل كلمةٍ في الآية. والغرض: أنَّ الكفر والتكذيب والإيعاء الباطل يتفرّع عليه العذاب، وبمعنى آخر سبق نقول: تصلح أن تكون هذه الآية جواباً عمّا قبلها، أي: نتيجةً لما قبلها، وهو أيضاً صحيحٌ.
وفي قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تهديدٌ، وأمّا معنى البشارة في أنَّه لماذا قال: (بشّرهم) فهذا بابٌ آخرسوف يأتي، ولكن هنا يوجد تهديدٌ، أو أنَّ التهديد -كما هو الأرجح- يأخذ طريقاً إلى حصول العذاب فعلاً، وليس مجرّد تهديدٍ، فربما يفهم أنَّه يعفى عنهم بعد ذلك فقال: فبشّرهم بعذابٍ أليمٍ، أي: إنَّهم فعلاً سوف يلقون في النار. فالطريق معناه أنَّ التهديد أخذ طريقاً، كما أنَّي كثيراً ما أُمثّل بتلك الآية وهي قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ}(2) فهذه الآية ليس لمجرّد الشهادة، وإنَّما الشهادة يُراد بها وجود المنظور، أي: وجود الهلال.
ولا يُراد أنَّه شهد فقط، فتؤخذ الشهادة أو النظر طريقاً إلى المشهود، بمعنى: أنَّهم معذّبون في المستقبل حقيقةً، لا أنَّهم فقط موعودون بالعذاب.
فإن قلت: لا يجب الوفاء بالوعيد، وإن وجب الوفاء بالوعد. نعم، يجب الوفاء بالوعيد من الناحية الأخلاقيّة، وربما بالنسبة لنا لا قيمة لخلف الوعد، لكن الله تعالى هل يصحّ منه ذلك؟! فهذا محالٌ على الله تعالى أن يخلف بوعده،
ــــــ[174]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 246، تفسير سورة الانشقاق.
(2) سورة البقرة، الآية: 185.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
لكن الوعيد لا يكون من الرحمة، فهو يهدّد ولا يعمل شيئاً، وهذا من فضل الله، فلا يجب الوفاء بالوعيد، وإنَّما يجب الوفاء بالوعد، وهذا (وعيد) إذن فلا يجب الوفاء به. إذن فكيف نأخذه طريقاً إلى الواقع، مع أنَّ الوعيد بمعنى أنَّه فعلاً منفّذٌ لهذا الوعيد، ولعلّه لا ينفّذ؛ لأنَّه لا يجب الوفاء بالوعيد، فيكون الوعيد أعمّ من فعليّة تنفيذه، إذ لعلّه يحصل ولعلّه لا يحصل، وليس قبيحاً أن لا يحصل، مع أنَّه يقبح عدم حصول الوعد؟
قلت: هذا يُجاب عنه بجوابين:
الجواب الأوّل: صحيحٌ أنَّه ينبغي أن نفصل بين الفكرتين، وأنَّ الوعيد لا يجب الوفاء به، ولكن ما في الآية بحسب اللغة نفهم منه الوعيد، وفهم الوعيد دائماً يكون طريقاً إلى الواقع، كما أنَّ الصورة الذهنيّة تكون طريقاً إلى ما هو واقعٌ وما هو خارجي، فكذلك الوعيد دائماً طريقٌ إلّا فيما ثبت خلافه، فإذا ثبت أنَّه شملته الرحمة، فهذا بابٌ آخر، لكن بحسب الأصل الأوّلي الوعيد نافذٌ.
الجواب الثاني: أنَّ الوعيد لا ينفذ على بعض الناس مثلاً، ولكن نحن نأخذ صورةً واحدةً، وهي الوعيد الذي يكون واجب التنفيذ، ومورده إذا مات الإنسان على كفره وعصيانه وعناده، ولم يتب طيلة حياته، فمثل هذا الوعيد يجب أن ينفذ.
[لماذا قال: فَبَشِّرْهُمْ]
والكلمة الأهمّ في الآية الكريمة هي البشارة، فلماذا قال: {فَبَشِّرْهُمْ}؟ فإنَّها معتادةٌ -أي: البشارة- في الوعد بالخير لا في التهديد، فكيف يكون ذلك؟ والمشهور(1) -بما فيهم السيّد الطباطبائي+- يجيبون بأنَّها للتهكّم
ــــــ[175]ــــــ
(1) أُنظر: كتاب التسهيل لعلوم التنزيل 2: 466، البحر المحيط في التفسير 4: 101، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 1: 286، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
والاحتقار(1)، كما في قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}(2).
ويمكن إفادة أجوبةٍ أُخرى غير ما ذهب إليه المشهور:
[أجوبة أُخرى غير أجوبة المشهور في معنى البشارة]
الأوّل: أن نفهم من البشارة الأعمّ من الوعد والوعيد، فالإشكال إنَّما يتسجّل إذا فهمنا من البشارة عرفاً هو خصوص الوعد بالخير في أصل الوضع اللغوي وإن كان قليل الاستعمال، والبشارة للتنبّؤ بالمستقبل، سواءً كان خيراً أم شرّاً بحسب العرف، فيكون الوعد بالخير حصّةً منه، والوعد بالشر أيضاً حصّةٌ منه، فهنا استعملت بهذه الحصّة التي هي أقلّ استعمالاً من الحصّة الأُخرى، وهذا يكفي، وإن غلب عليها جانب الخير غالباً وعادةً وعرفاً.
الثاني: أن نفهم حصوله في الدنيا، وأنا كثيرٌ من الأشياء صرفتها من الآخرة إلى الدنيا، فليكن هذا منها، فهو يحتاج إلى شخصٍ ملتفتٍ، فقوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} يحصل في الدنيا لا في الآخرة. ولكن العمدة هنا هو العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر، فحينئذٍ تحصل بشارةٌ لا تهديدٌ؛ لأنَّ المؤمن مبتلىً، والعذاب الدنيوي حاصلٌ بالمعنى المناسب للأُمم السابقة الذي عندها تُزال الأرض عن مستقرّها، لا أنَّ العذاب الدنيوي الذي يرى في كلّ جيلٍ عادةً؛ إذ هو سببٌ للتوبة؛ لعمق الإيمان واليقين، فيصبح بشارةً، لا أنَّه يصبح شيئاً غير مطلوبٍ.
الثالث: أنَّ البشارة في الواقع لتقليل العذاب عن استحقاقه -بعد التنزّل عن الوجهين السابقين- أي: إنَّ الله تعالى يلقي العبد في جهنّم، ومع ذلك فهو بشارةٌ لتقليل العذاب عن استحقاقه، فهو يستحقّ الدرك الخامس
ــــــ[176]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 246، تفسير سورة الانشقاق.
(2) سورة الدخان، الآية: 49.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
من النار، ولكن بعد التقليل يدخله بالدرك الرابع من النار، فهذا فضلٌ منه تعالى ورحمةٌ. وهو بهذا المعنى يرحم الجميع على الإطلاق؛ لأنَّ رحمته وسعت كلّ شيء، حتّى في داخل جهنّم. وكذلك الكلام في قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}(1)؛ إذ لو لم يكن كذلك – أي: لو لم يكن معطى أقلّ من استحقاقه ومشمولاً للرحمة بهذا المعنى الدقّي- لما كان عزيزاً ولا كريماً.
****
قوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}:
قد يُقال: إنَّ قوله: { الَّذِينَ آمَنُوا} يُجزي عن قوله: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}؛ إذ مقتضى أنَّهم مؤمنون أنَّهم يعملون الصالحات، وهذا مكرّرٌ في القرآن، وربما عشرات المرّات، وقد ذكرنا سبب ذلك في أبحاثٍ سابقةٍ، ولا حاجة إلى تكراره.
لكن يبقى في الآية الكريمة سؤالٌ: ما هو سبب الاستثناء في الآية الكريمة الذي ابتدأت به؟
وهذا الاستثناء ليس اعتياديّاً، والسيّد الطباطبائي+ قد تنبّه له، فقد ذكر+(2): أنَّه استثناءٌ منقطعٌ؛ لأنَّ المستثنى ليس من جنس المستثنى منه؛ باعتبار أنَّه هناك كان يتكلّم عن الكفّار وأهل جهنّم، وأنَّ لهم عذاباً أليماً، بخلافه هنا {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} فاختلف المراد.
ولكن بالإمكان تصوّر أُطروحاتٍ أُخر في المقام تفيد أنَّه استثناءٌ متّصلٌ:
ــــــ[177]ــــــ
(1) سورة الدخان، الآية: 49.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 246، تفسير سورة الانشقاق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
منها: أنَّ الاستثناء متّصلٌ وليس منقطعاً، كما نجعل المنصوب حالاً أو تمييزاً، فعند الضرورة نجعله منصوباً بنزع الخافض، وهذا حسب القواعد. لكن على كلّ حالٍ لعلّ المشهور يقول هنا: الاستثناء منقطعٌ؛ وذلك للاضطرار في المقام؛ باعتبار أنَّ بالإمكان توجيهه على أنَّه استثناءٌ متّصلٌ بأكثر من توجيهٍ.
ومنها: أنَّ المستثنى منه هو كلّ البشر، والسياق وإن كان خاصّاً بالكفّار، إلَّا أنَّ هذه الصّفة -وهي الكفر- حيث كانت غالبةً للبشر، فكأنَّ كلّ البشر كفّارٌ مجازاً وتغليباً، فيكون الاستثناء من البشر مطلقاً، وهو متّصلٌ، كما قال تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا}(1) فاستثنى الذين آمنوا من الإنسان، فيكون هذا الاستثناء متّصلاً كذلك، فكأنَّما استثناه من الإنسان، فيكون الاستثناء متّصلاً.
ومنها -وهذا هو الأخير، وإن كان يوجد احتمالاتٌ أُخر-: أنَّ (إلَّا) لا تفيد الاستثناء، وإنَّما تفيد الإضراب، فتكون بمعنى (لكن)، أي: (لكن الذين آمنوا وعلموا الصالحات لهم أجرٌ غير ممنون) أو بمعنى بل، بمعنى: (بل الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجرٌ غير ممنون). وإذا لم تكن استثناءً لا تنقسم إلى استثناء متّصلٍ واستثناءٍ منقطعٍ؛ لأنَّ ذلك سالبةٌ بانتفاء الموضوع؛ باعتبار أنَّ ذلك على تقدير قصد الاستثناء، ولم يقصد الاستثناء هنا.
ــــــ[178]ــــــ
(1) سورة العصر، الآيتان: 2-3.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ
ـــــ[179]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع

مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ

ــــــ[180]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع

سورة المطففين
[أسماء السورة]
للسورة المباركة أسماءٌ متعدّدةٌ:
1. المطفّفين كما هو المشهور.
2. التطفيف.
3. السورة التي يُذكر فيها المطفّفون، كما هو مسلك الشريف الرضي+(1).
4. رقمها في المصحف، أعني: (83).
****
قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ}:
قال الراغب: قال الأصمعي: ويلٌ قبحٌ. وقد يُستعمل على التحسّر. وويسٌ استصغارٌ، وويحٌ ترحّمٌ.
ومن قال: (ويلٌ وادٍ في جهنّم) فإنَّه لم يرد أنَّ ويلاً في اللغة هو موضوعٌ لهذا، وإنَّما أراد: من قال الله تعالى ذلك فيه، فقد استحق مقرّاً من النار وثبت ذلك له. {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}(2)، {وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ}(3)،
ــــــ[181]ــــــ
(1) أُنظر: حقائق التأويل في متشابه التنزيل 5: 1، السورة التي يُذكر فيها آل عمران.
(2) سورة البقرة، الآية: 79.
(3) سورة إبراهيم، الآية: 2.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
و{وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}(1) {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا}(2)، {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا}(3)، {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ}(4)، {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ}(5)، {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا}(6) {يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}(7)، {يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ}(8)(9).
ويُلاحظ: أنَّها تُستعمل مضافةً (ويله، وويحه) وتُستعمل مدخولاً للمجرور باللام (ويلٌ له) وتُستعمل مدخولةً للمجرور بمن (ويلٌ من فلانٍ). كما تُستعمل منادىً مضافاً كما في قوله تعالى: {يَا وَيْلَنَا}(10). كما تُستعمل عرفاً منادىً بدون إضافةٍ، كما في قول الشاعر:

يا ويل منها يا ويل
ازعجتنا طول الليل

[معانٍ لمادة (ويل)]
وأمّا المادّة فلها معانٍ محتملةٌ:
أوّلاً: الشرّ.
ــــــ[182]ــــــ
(1) سورة الجاثية، الآية: 7.
(2) سورة مريم، الآية: 37، وسورة ص، الآية: 27، وسورة الذاريات، الآية: 60.
(3) سورة الزخرف، الآية: 65.
(4) سورة المطفّفين، الآية: 1.
(5) سورة الهمزة، الآية: 1.
(6) سورة يس، الآية: 52.
(7) سورة الأنبياء، الآية: 46.
(8) سورة القلم، الآية: 31.
(9) مفردات ألفاظ القرآن: 573، مادّة (ويل).
(10) سورة الأنبياء، الآيات، 14 و46 و97، إلخ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ثانياً: وادٍ في جهنّم.
ثالثاً: ما ذكره في >الميزان< من أنَّه لم يوضع لمعنىً محدّدٍ في اللغة، وإنَّما لإبراز الجانب النفسي في الهلكة والتهديد أو التحسّر والهوان(1).
وهذا محتملٌ، إلّا أنَّه بعيدٌ. وأبعد منه كونه وادياً في جهنّم؛ لما تقدّم عن الراغب من أنَّه غير موضوعٍ له. مضافاً إلى انحصار التلفّظ به منّا، فهو فقط دون غيره، مع أنَّه يُستعمل لغةً من قبل أيّ واحدٍ، وليس أيّ واحدٍ يستطيع أن يقول: إنَّ له وادياً في جهنّم.
فالظاهر: أنَّ المراد منها الشرّ. فيكون الاستعمال الأصلي دخولها مجرّدةً عن النداء على المجرور باللام (ويلٌ له) يعني: (شرٌّ له) وهو نحوٌ من الدعاء عليه أو التنبّؤ بالشرّ له.
وأمّا دخول حرف النداء عليها فباعتبار النداء بالويل والثبور كقولهم: يا للمصيبة. وهنا إمّا أن نقول: إنَّه حالٌ من معنى للنداء، وإمّا أن نقول: إنَّه بتقدير منادى، يعني: يا فلان أو يا أيّها الناس ونحو ذلك. وفي قوله تعالى: {يَا وَيْلَنَا}(2) كذلك.
ومن الواضح: أنَّ الضمير المجرور هو المذموم، فيقال: ويلٌ له أو ويلٌ لك أو ويلٌ لنا، وبنفس المعنى إذا كان مضافاً فيقال: ويله وويلك وويلنا وويلهم.
وأمّا دخوله على المجرور بمن نحو قولنا: (ويلٌ منه) فالمراد صدور الشرّ منه، والتقدير: ويلٌ لنا منه، يعني: يصدر الشرّ منه علينا أو لنا، وليس
ــــــ[183]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 1: 215، تفسير سورة البقرة.
(2) سورة الأنبياء، الآيات: 14 و46 و97، الخ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
المراد به التهديد، بل المراد تحمّل البلاء إلى درجةٍ مشابهةٍ للتهديد.
والتهديد كما يمكن أن يكون للغير، يمكن أن يكون للنفس أيضاً، كقولنا: (ويلي) وقوله: (ويلنا)؛ فإنَّها قد تكون للاستغاثة، وقد تكون للتهديد ويُراد بها الإقرار بالذنب وأنَّ الذنوب موجبةٌ للهلاك، أو يُراد به: أنَّ الله سبحانه يهدّدهم بعقوبته إن لم يستغفروا.
[قوله تعالى: لِلْمُطَفِّفِينَ]
وأمّا قوله تعالى: {لِلْمُطَفِّفِينَ} فقد قال الراغب: الطفيف الشيء النزر، ومنه الطفافة لما لا يعتدّ به. وطفّف الكيل قلّل نصيب المكيل له في إيفائه واستيفائه. قال: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ}(1).
والذي أراه بحسب فهمي اللغوي: أنَّ الطفيف في الأصل هو الشيء المنتشر على الأرض القليل السُمك، كماءٍ أو طحينٍ أو ترابٍ أو صبغٍ أو غيرها. وأصله مقلوب من (طش) وهو ناشئٌ من أحد منشأين: إمّا بمعنى نشر شيئاً على الأرض، ونحن نقول بالعاميّة (طشّ أو طشر أو طشّر)، وإمّا أنَّه مأخوذٌ من نشر الشيء على الأرض، أو من صوت النعل أو القدم إذا غاص فيه؛ فإنَّه يحدث صوت (طش).
وعلى أيّ حالٍ فما كان هذا وصفه فهو (طفيف) أي: طشيش، ولعلّ الشطّ منه، وهو مقلوب (طش) بمعنى: ماء قليل على الشاطئ قرب الأرض، وهو ما يسمى بـ>الگيش<. ولعلّ طفح منه؛ لأنَّ الطفح ينتج طيشةً من الماء على الأرض غير عميقةٍ غالباً أو يكون أقلّ من ذلك.
ولعلّه لأجل ذلك سُمّيت منطقة كربلاء بالطفّ؛ لأنَّها مكسوّةً بالتراب الذي تغور فيه الرجل.
ــــــ[184]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 314، مادّة (طف).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ثُمَّ انتقل الاستعمال إلى كلّ قليلٍ، فهو طفيفٌ، حتّى في عالم المعنى، نحو: الخير الطفيف والشرّ الطفيف والشتم الطفيف والعكرة الطفيفة وهكذا.
وتوجد طبقةٌ من الناس في المعاملات تأخذ الكثير وتعطي القليل، فهؤلاء هم المطفّفون، وذلك بأحد تصوّراتٍ:
أوّلاً: بمعنى: أنَّهم يأخذون لأنفسهم قليلاً من المبيع بدون حقٍّ.
ثانياً: بمعنى: أنَّهم يعطون المشتري أقلّ من حقّه.
ثالثاً: بمعنى: أنَّهم يعطون المشتري شيئاً قليلاً جدّاً، على وجه المبالغة في القلّة، أي: يعطونه شيئاً طفيفاً؛ لأنَّه أقلّ من استحقاقه.
رابعاً: بمعنى: التقليل في العيار، وهو يؤدّي نفس النتيجة، فيكون عياره طفيفاً على وجه المبالغة.
خامساً: أنَّ حركة الميزان طفيفةٌ لا تصل إلى درجة الاستحقاق الذي هو تساوي الكفّتين.
وكلّها معانٍ محتملةٌ، فتكون النتيجة واحدةً، وهي ضدّ المشتري أو الطرف الآخر أيّاً كان: مشترياً أو مستأجراً أو طرفاً في إيجارٍ أو مضاربةٍ أو مزارعةٍ أو أيّة معاملةٍ.
ثُمَّ إنَّ (ويلٌ) مبتدأ والجارّ والمجرور خبره، إلّا أنَّ فيه أمران:
أحدهما: أنَّه مبتدأٌ نكرةٌ يمكن أن يكون بتقدير صفةٍ كشديدٍ، ولكنّه على خلاف القاعدة القائلة بعدم جواز الابتداء بالنكرة، إلّا أنَّ الوجه فيها أنَّها مقيّدةٌ بعموم الإفادة، وهي متحقّقةٌ. وقد يقدّر في المقام معنى (الطافي)، ويكون بمنزلة الوصف باسم الفاعل مطلقاً كصفة للذات، كالظالم والناسي
ــــــ[185]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
والكريم وغيرها. وهذا من موارد مجوّزاته؛ لأنَّ المراد به التضخيم والتخويف والترهيب، وأنَّ هذا الويل المجهول الكمّيّة يذهب فيه الذهن كلّ مذهبٍ، وهي إفادةٌ زائدةٌ؛ لأنَّهم قالوا بجواز الابتداء بالنكرة إن أفاد فائدةً مّا(1).
ثانيهما: يوجد احتمال أن يكون (ويل) مردّداً بين أمرين:
الأوّل: اسم فعلٍ بمعنى: يخسأ أو يعاقب ونحو ذلك، وخاصّة إذا التفتنا أنَّه بمنزلة الإنشاء؛ لأنَّه للتهديد ونحوه، وسياقه سياق الإنشاء، فتكون جملةً خبريّةً يُراد بها الإنشاء، وإن كان بحسب الدقّة لا ملازمة بين الأمرين.
الثاني: أن يكون مصدراً، ولكنّه غير معلوم الاشتقاق.
****
قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ}:
قوله: (اكتالوا) يعني: قبضوا المبيع أو أعدّوه للتبعّض؛ لأنَّ غالب البيع في الأجيال القديمة كان من الحبوب التي تباع كيلاً. وبعد التجريد عن الخصوصيّة يمكن التعميم لكلّ مبيعٍ.
و{الَّذِينَ} هنا نعتٌ للمطففين تابعٌ له في إعرابه، والمهمّ في المعنى أنَّ اسم الموصول وصِلته تفسيرٌ لمعنى المطفّفين؛ لأنَّ التطفيف يمكن أن يقع في موارد كثيرةٍ، لا في خصوص المعاملات، فيكون هذا التفسير تخصيصاً لهم بهذا المورد.
والمفروض أنَّ البائع هو الذي يكيل ويعطي المبيع للمشتري، ولا يبعد أن نفهم من المزيد {اكْتَالُوا} يعني: حملوا غيرهم على ممارسة عمليّة الكيل، بمعنى: أنَّهم مشترون، والمشتري يحمل البائع على أن يكيل له، مع أنَّ المجرّد
ــــــ[186]ــــــ
(1) أُنظر: شرح الرضي على الكافية 1: 230، مغني اللبيب 2: 467، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
(كال) بخلافه، يعني: مارسوا العمل بنفسه، ولذا يقول بعد ذلك: {وَإِذَا كَالُوهُمْ}.
فيكون المعنى: أنَّهم إذا طلبوا من البائع أن يكيل لهم؛ ضغطوا عليه واتّفقوا معه وأخذوا نصيبهم وافياً. ولعلّه يُستشعر من السياق: أنَّهم يأخذون نصيبهم زائداً على استحقاقهم، وخاصّةً إذا تصوّرنا أنَّهم هم الذين يتصدّون للكيل من أموال البائع، ولذا سوف يعطون لأنفسهم الزيادة.
ثُمَّ إنَّه توجد نكتةٌ في المقام، وهي أنَّ الآية الشريفة {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} و{وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} أعطت للمطفّفين صفتين، فأيّ من الصفتين يصدق على المطفّفين؟ القدر المتيقّن هو الثاني. فإمّا أن يأخذ حقّه ويعطي حقّه، وإمّا أن يأخذ قليلاً ويعطي قليلاً، وإمّا أن يأخذ العدل ويعطي القليل، ففي الأخير يكون ظلماً للآخرين؛ لأنَّه لا يتنازل عن حقّه، ولكنّه يسلب الآخرين حقّهم.
والشاهد لما أتينا به في المقام هو: أنَّ الخطوة الأُخرى أن نجعل كلا الصفتين فيها تطفيفٌ، وفيه قرينةٌ، على ما سوف يأتي من قبيل حرف (على).
ويُلاحظ استعمال حرف الجرّ (على) بالرغم من إمكان اتّخاذ تعابير أُخر مثل: (اكتالوا من الناس) يعني: أخذوا كيلهم وحقّهم من الناس، و(اكتالوا الناس) يعني: جعلوا الناس يكيلون لهم، نظير الاستعمال في قوله تعالى: {كَالُوهُمْ} و {وَزَنُوهُمْ}.
[أطروحات في استعمال حرف الجرّ (على)]
وهذا الحرف فيه عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: أن يكون بمعنى (من) والحروف تُستعمل بعضها في محلّ بعضٍ مجازاً أو حقيقةً.
ــــــ[187]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الثانية: أن تكون زائدةً بحيث يكون مجرورها بمنزلة المفعول به، لكنّه مجرورٌ لفظاً بالحرف الزائد.
الثالثة: ما قاله السيّد الطباطبائي+ بقوله: وتعديته بعلى لإفادة معنى الضرر(1)، يعني: بالآخرين الذين هم طرفهم في المعاملة. ومعلوم أنَّ (عليه) أي: (ضدّه)، في حين (له) يعني: موافقاً معه. فتفيد (على) هنا معنى المضادّة للآخرين والإضرار بهم.
إلّا أنَّ هذا فرع أن نفهم من (يستوفون) معنى أخذ الزيادة عن الحقّ، وهو أمرٌ محتملٌ، إلّا أنَّه ليس فيه ظهورٌ؛ فإنَّ مجرّد الاستيفاء يعني أخذ الحقٌ كاملاً، وليس المفروض فيه الزيادة. والإشكال على المطفّفين يسجّل على كلّ حالٍ؛ لأنَّهم يأخذون لأنفسهم حقّهم، ولا يبقون للآخرين حقّهم كاملاً، وليس المراد أنَّهم يأخذون زائداً ويعطون ناقصاً. والمهمّ أنَّه ليس في الآية ظهورٌ في ذلك، وإن كان في نفسه محتملاً. ومَن يفعل التطفيف لغيره ليس له تورّعٌ عن أخذ الزيادة لنفسه.
الرابعة: أن يكون قوله تعالى: {اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ} بيان أنَّهم يكلّفوهم العمل ولا يتعاونون معهم فيه.
إلّا أنَّ هذا فرع أن لا يكون عمل البائع وكيله متعارفاً. وأمّا إذا كان متعارفاً فلا يعتبر ضدّه ولا ظلماً له؛ لأنَّ تصرّفه تجاه عمل المشتري هو ذلك، والظاهر هو ذلك.
الخامسة: أنَّنا نفهم من (على) هنا غمط حقّ البائع، يعني: لا يستوفون فقط، بل يأخذون أكثر من حقّهم. ونفهم هذا من لفظ (على) وإن لم نفهمه
ــــــ[188]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 230، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
من لفظ يستوفون، ونقول: إنَّه لأجل هذا ذكرها. ولعلّ هذا هو مراد السيّد الطباطبائي+ من الضرر، كما تقدّم نقله.
والمراد من (الناس) البائعون أو أيّ شخصٍ يكون طرفاً معهم في معاملةٍ بعد التجريد عن الخصوصيّة، كما سبق. وإنَّما عبّر بالناس لإشعار العموم ولإشعار عموم وقوع البخس والضرر في مجتمع الناس أجمعين.
****
قوله تعالى: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}:
يعني: كالوا لهم أو وزنوا لهم. قال السيّد الطباطبائي+(1): يُقال: كاله طعامه ووزنه وكال له طعامه ووزن له، والأوّل لغة أهل الحجاز، وعليه التنزيل، والثاني لغة غيرهم، كما في >المجمع<(2).
ولا حاجة هنا إلى الدخول في تفاصيل الفرق بين الكيل والوزن؛ لأنَّنا نعلم أنَّهما كانا أُسلوبين من أساليب البيع، فالكيل هو استعمال المكيال، والوزن استعمال الميزان، والكيل يمثّل الحجم في الهندسة، والوزن يمثّل الثقل.
و{يُخْسِرُونَ} رباعي أو مزيد من خسر، والثلاثي منه لازمٌ، والرباعي متعدٍّ لغيره (أخسر غيره). ومفعوله في الآية محذوفٌ، يعني: يخسرونهم أو يخسر من الناس أو المشترين ونحوه، يعني: يسبّبون لهم الخسارة بإعطائهم أقلّ من حقوقهم.
وبحسب ذوقي فإنَّ المتعارف هو الثلاثي، وأمّا الرباعي أو المزيد فهو نادر الاستعمال، والعامّة تقول: خسّر لا أخسر.
ــــــ[189]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 230، تفسير سورة المطفّفين.
(2) أُنظر: مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 686، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: {أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ}:
الآية بمنزلة الجواب أو النتيجة لما سبق، وأنَّ طرف المعاملة إن كان غافلاً عن ذلك فإنَّ الله به عالمٌ، وسوف يجمعهم في يوم القيامة، ويفتح كتابهم، ويعترف المظلوم على ظالمه، ويأخذ منه حقّه.
و{أُولَئِكَ} إشارةٌ إلى المطفّفين، يعني: الذين يعملون العمل المشار إليه. وبعد التجريد عن الخصوصيّة يعمّ كلّ ذنبٍ.
[معنى الظن هنا]
والظنّ هنا بمعنى: العلم أو من دون ذلك؛ لكفاية الاحتمال في أن يكون موضوعاً لوجوب دفع الضرر المحتمل عقلاً، وليس هو مجرّد احتمالٍ، بل هو ظنٌ راجحٌ على أقلّ تقديرٍ، فيكون أولى بالتجنّب، وذلك بالالتزام بالطاعة وإعطاء الآخرين حقوقهم الكاملة.
ولعلّه يمكن المناقشة في ذيل الآية محلّ البحث، ولا نعلم من الذي حدّد الآيات وفصلها، والمصاحف القديمة مختلفةٌ فيما بينها في ذلك، ولذا اختلفت أعداد آيات السور.
والمهمّ هنا أنَّني أُرجّح أنَّ {مَبْعُوثُونَ} لم ترد في ذيل الآية، بل {عَظِيمٍ} وأنَّ هذا المجموع آيةٌ واحدةٌ لا آيتان، كما هو في المصاحف المتعارفة.
قال العكبري: قوله تعالى: {كَالُوهُمْ} في (هم) وجهان: أحدهما: هو ضميرٌ مفعولٌ متّصلٌ، والتقدير: كالوا لهم. وقيل: هذا الفعل يتعدّى بنفسه تارةً وبالحرف أُخرى. والمفعول هنا محذوفٌ، أي: كالوهم الطعام ونحو ذلك(1).
والوجه فيه: أنَّ الكيل معنىً إضافي، وهذا يصدق على اكتالوا وكالوا معاً. وكلّ هذا لا يكتب كالوا ووزنوا بالألف. والوجه الثاني: أنَّه ضميرٌ
ــــــ[190]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 283، سورة التطفيف.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
منفصلٌ مؤكّدٌ لضمير الفاعل، فعلى هذا يكتبان بالألف.
كما أضاف: قوله تعالى: {أَلاَ يَظُنُّ} الأصل (يعني: الظاهر ولا أصل غيره) لا النافية دخلت عليها همزة الاستفهام (يعني: أليس) وليست (ألا) التي للتنبيه؛ لأنَّ ما بعد تلك مثبتٌ، وهاهنا هو منفي(1). أي: هذا فرع أن نفهم النفي، وإلّا كان مثبتاً أيضاً. وعليه فتكون كلتا الأُطروحتين محتملتين. ويكون المعنى: فليظنّ هؤلاء أنَّهم مبعوثون… الخ.
وقال أيضاً: قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} هو بدلٌ من موضع الجارّ والمجرور (أي: قوله: {لِيَوْمٍ عَظِيمٍ}؛ لوضوح أنَّ موضعه النصب. وهو تحمّلٌ واضحٌ). وقيل: التقدير: يُبعثون يوم يقوم الناس. وقيل: التقدير: أعني. وقيل: هو مبني، وحقّه الجرّ أو الرفع(2) ، أي: الجرّ بالبدليّة ليوم والرفع خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديره هو. والنصب على التشبيه بمعنى الظرفيّة.
أقول: قال: (ليوم) ولم يقل: (في يوم) وفيه عدّة محتملاتٍ:
الأوّل: أنَّ اللام بمعنى في.
الثاني: أنَّ اللام زائدة، ويوم تفيد الظرفيّة الزمانيّة.
الثالث: أنَّ اللام لام الغاية، والمراد به العلّة الغائيّة والهدف، يعني: مبعوثون ليتحقّق هدف اليوم العظيم.
[المراد من مَبْعُوثُونَ]
و{مَبْعُوثُونَ} يُراد بها الاستقبال على المشهور(3).
ــــــ[191]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 283، سورة التطفيف.
(2) المصدر السابق.
(3) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 10: 427، التبيان في تفسير القرآن 10: 297، جامع البيان في تفسير القرآن 30: 58، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وقد يُراد بها الفعليّة، كما في قوله تعالى: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}(1) وقوله: {لَفِي نَعِيمٍ}(2) وقوله: {لَفِي جَحِيم ٍ* يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ}(3) وقوله×: >فهم والجنّة كمَن قد رآها، فهم فيها منعّمون، وهم والنار كمَن قد رآها، فهم فيها معذّبون<(4).
وقال السيّد الطباطبائي+: (ألا يظنّ) الاستفهام للانكار والتعجّب(5).
أقول: هو استفهامٌ استنكاري؛ لعدم خطور هذا الظنّ في أذهانهم.
وهذا ثابتٌ إذا كانت (ألا) هي لا النافية مع همزة الاستفهام.
وأمّا إذا كانت (ألا) أداة للتنبيه فلا يوجد استفهامٌ أصلاً، ولا يكون استفهاماً استنكاريّاً. ولم يذكره الطباطبائي+، ولعلّه لم يرَ ما ذكره العكبري في كتابه.
وقال الرازي: فإن قيل: هلّا قال الله تعالى: (إذا اكتالوا أو اتّزنوا على الناس يستوفون) كما قال سبحانه في مقابله: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}. وقد أشار إلى هذا الإشكال في >الميزان<(6) أيضاً.
ــــــ[192]ــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 29.
(2) سورة الانفطار، الآية: 13.
(3) سورة الانفطار، الآيتان: 14-15.
(4) نهج البلاغة: 303، الخطبة 193، مكارم الأخلاق: 475، الفصل السابع، الأمالي (للصدوق): 570، المجلس 84، الحديث 2، صفات الشيعة: 18، كتاب سليم: 849، الحديث 43.
(5) الميزان في تفسير القرآن 20: 231، تفسير سورة المطفّفين.
(6) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 230-231، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قلنا: لأنَّ المطفّفين كانت عادتهم أنَّهم لا يأخذون ما يُكال وما يُوزن إلّا بالمكيال؛ لأنَّ استيفاء الزيادة للمكيال كان أمكن لهم وأهون عليهم منه بالميزان، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا؛ لتمكّنهم من البخس فيهما(1).
أقول: إذا ثبتت هذه العادة تمّ الجواب. ولكنّه عندئذ تكون الآية إشارةً إلى قومٍ معيّنين في الجزيرة العربيّة، وهو خلاف أخبار الجري(2) حتماً، وخلاف عموم معنى القرآن جزماً. مضافاً إلى إمكان التشكيك بهذه العادة، وهو أنَّهم يخالفون السوق بصراحةٍ، فيعطون ما اعتاد الناس وزنه بالمكيال. وهذا ما يؤدّي إلى أنَّ الناس ينصرفون عنهم ولا يشترون منهم شيئاً؛ لوضوح حالهم، وليس المفروض فيهم ذلك.
وأجاب السيّد الطباطبائي+ عن هذا الإشكال بأحد وجوهٍ:
قيل: لأنَّ المطفّفين كانوا باعةً، وهم كانوا في الأغلب يشترون الكثير من الحبوب والبقول ونحوها من الأمتعة، ثُمَّ يكسبون بها، فيبيعونها يسيراً يسيراً تدريجاً، وكان دأبهم في الكثير من هذه الأمتعة أن يُؤخذ ويُعطى بالكيل لا بالوزن، فذكر الاكتيال وحده في الآية مبني على الغالب. (ولم يناقش فيه).
وقيل: لم يذكر الاتّزان لأنَّ الكيل والوزن بهما البيع والشراء، فذكر أحدهما يدلّ على الآخر. وفيه: أنَّ ما ذكر في الاكتيال جارٍ في الكيل أيضاً، وقد ذكر معه الوزن، فالوجه لا يخلو من تحكّمٍ.
وقيل: الآيتان تحاكيان ما كان عليه دأب الذين نزلت فيهم السورة؛ فقد
ــــــ[193]ــــــ
(1) مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل: 368، سورة المطفّفين.
(2) راجع الباب 12 من كتاب القرآن من بحار الأنوار 89: 114-116، لاسيّما الحديث 4 منه.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
كانوا يشترون بالاكتيال فقط، ويبيعون بالكيل والوزن جميعاً. وهذا الوجه دعوى من غير دليلٍ.
إلى غير ذلك ممّا ذكروه في توجيه الاقتصار على ذكر الاكتيال في الآية، ولا يخلو شيءٌ منها من ضعفٍ(1).
أقول: لو ضممنا مقدّمتين لكان الجواب واضحاً:
الأُولى: عدم مناسبة ذكر الوزن في صدر الآية مع الكيل في سياق القرآن؛ لفساد السياق اللفظي عندئذٍ. وخاصّةً إذا التفتنا أنَّ اللازم أن يقول عندئذٍ: اتّزنوا لا (وزنوا)؛ فإنَّ اتّزنوا بإزاء اكتالوا، يعني: اشتروا بالكيل أو الوزن. ولذا ورد (وزنوا) في الآية الثانية إشارةً إلى البيع بالوزن، ومعه يزداد السياق فساداً.
والثانية: أنَّ ذكر الكيل في صدر الآية يغني عن ذكر الوزن؛
1. لأنَّه طريقةٌ للبيع، فيعمّ الوزن معنىً.
2. أنَّ ذيل الآية قرينةٌ عليه.
3. أنَّ مادّة الكيل استعملت في الأعمّ منهما.
[المستفاد من قوله تعالى: لِيَوْمٍ عَظِيمٍ]
وقوله تعالى: {لِيَوْمٍ عَظِيمٍ}: العظمة مستفادةٌ لفظيّاً من جهتين:
أوّلاً: التصريح بالعظيم، وثانياً: تنكير اليوم والعظيم؛ لأجل التخويف والترهيب والتأديب.
والعظمة مستفادةٌ واقعيّاً من عدّة جهاتٍ:
الأُولى: هول المطّلع، وذلك بتغيّر حال الإنسان ووجوده تغيّراً جذريّاً لا
ــــــ[194]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 230-231، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
اختياريّاً، مهما كان حاله من الإيمان والكفر.
الثانية: العذاب النسبي (مهما قلّ أو كثر) الذي يمرّ به العبد في القبر والحشر والحساب، ولا أقلّ من الحيرة والوحشة والارتباك.
الثالثة: أنَّه يجد نفسه في عالم الروح أمام الله سبحانه كأنَّه يراه ويحاسبه بالمباشرة، فالعظمة عظمة الله سبحانه على الحقيقة.
****
قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}:
اللام بإزاء (على) التي تعني: ضدّه، و(له) يعني: في إرادته ومصلحته. ولا يوجد مصلحةٌ له عزّ وجلّ، ولكن حيث كان القيام في الآخرة فإنَّهم يقهرون بإرادتهم، ويتمّ التعرّف بهم بإرادة الله سبحانه، ويحكم فيهم حسب العدل المطلق وحسب استحقاقاتهم من الذنوب. وكلّ منهم يعلم أنَّه مذنبٌ وأنَّه مستحقٌّ للعقاب. فماذا سوف يكون حكم الله فيه: العذاب أم الرحمة؟ ومن هنا اكتفت الآية بذلك عن ذكر العذاب، فتشكّل تخويفاً لا يقلّ عن العذاب، بل يزيد عليه.
ويمكن أن نفهم معنى الآية بحصول درجةٍ من درجات الانكشاف وارتفاع بعض الحجب، أي: لكلّ فردٍ حسب استحقاقه أكثر ممّا يحصل في الدنيا بكثيرٍ، بحيث يقول كلّ فردٍ منهم: إنَّني بين يدي الله سبحانه.
ويمكن أن نفهم منها معنىً آخر، وهو مبني على أنَّ ارتفاع الحجب عن رؤية الله مستحيلٌ، فما تحصل رؤيته لا يعبّر عن الله.
وعلى كلّ حالٍ فقد روي عن مولانا الإمام الباقر×: >كلّ موهومٍ
ــــــ[195]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بالحواسّ مدركٌ بها تحدّه الحواسّ ممثّلاً فهو مخلوقٌ<(1). وكان شيخنا المظفّر& يكرّر هذه الرواية في دروسه.
إذن فالمرئي ليس هو الله، وإنَّما هو خلقٌ من خلق الله، وهو أعلى الخلق وخير الخلق، وهو نور الحقيقة المحمّديّة’، وقد ورد عنه’ أنَّه هو الحاشر والمعاقب، وأنَّه تحشر الخلائق على قدمه، وأنَّ السماوات والأرض خلقت من نوره(2)، فلا يبعد أنَّه يعبّر عنه بهذه الصفة العليا؛ بصفته أعلى المخلوقات وأشرفها إطلاقاً.
****
قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}:
كأنَّه جواب {أَلاَ يَظُنُّ}. وحيث إنَّ هذا جواب السابقة أيضاً فيكون (كلا) جواباً عن هذا السياق من أوّل السورة إلى محلّه هنا.
ومفاد (كلا) أنَّهم لا يظنّون، وليس معناه عدم خطوره في بالهم، بل المراد عدم الظنّ العملي أو عدم ترتيب الأثر على الظنّ؛ إذ لو كان الظنّ نافذاً عمليّاً لتاب الإنسان وارتدع. وحيث إنَّه مستمرٌّ على الشرّ وذنوبه وتطفيفه، إذن فهو لا يظنّ عمليّاً، كأنَّه لا يخطر في باله الحساب والعقاب.
ــــــ[196]ــــــ
(1) الكافي 1: 83، باب إطلاق القول بأنَّه شيءٌ، الحديث 6، التوحيد: 243، الباب 36، الحديث1، والاحتجاج 2: 331، احتجاج أبي عبد الله الصادق× في أنواع شتّى من العلوم الدينيّة … .
(2) راجع الأخبار والأحاديث الواردة في الباب 6 من كتاب تاريخ نبيّنا’ من بحار الأنوار 16: 82-135 والباب 40 من أبواب النصوص على أمير المؤمنين والنصوص على الأئمّة الاثني عشر^ من البحار 36: 192-225 أيضاً.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ولعلّ هذا هو مراد السيّد الطباطبائي+ عندما قال: ردع -كما قيل- عمّا كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب(1). وقد ضعّفه بالقيل، ولم يبيّن لنفسه وجهاً مختاراً.
كما يمكن أن نفهم من مرادهم من الردع النهي المولوي التشريعي عن ذلك، يعني: لا تطفّفوا ولا تغفلوا، ويكون المراد من (كلا) هو ذلك، وهو بعيدٌ. والظاهر أنَّه لأجل هذا ضعّفه السيّد الطباطبائي.
[في معنى الفجّار]
وفي معنى الفجّار قال الراغب: الفجر شقّ الشيء شقّاً واسعاً كفَجَرَ الإنسان السكر. يُقال: فجرته فانفجر وفجّرته فتفجّر. قال: {وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً}(2). إلى أن قال: ومنه قيل للصبح: (فجرٌ) لكونه فَجَرَ الليل (أي: شقّه).
قال: {وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ}(3)، {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}(4). إلى أن قال: والفجور شقّ ستر الديانة، يُقال: فجر فجوراً فهو فاجرٌ، وجمعه فجّارٌ وفجرةٌ. قال: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}(5)، {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}(6)، {أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ}(7)(8).
ــــــ[197]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 231، تفسير سورة المطفّفين.
(2) سورة القمر، الآية: 12.
(3) سورة الفجر، الآيتان: 1-2.
(4) سورة الإسراء، الآية: 78.
( 5) سورة المطفّفين، الآية: 7.
(6) سورة الانفطار، الآية: 14.
(7) سورة عبس، الآية: 42.
(8) مفردات ألفاظ القرآن: 387، مادّة (فجر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وبذلك تمّ له فهم المادّة الرباعيّة من المادّة الثلاثيّة، وأرجعه كلّه إلى معنى الشقّ. وفي مقابل ما قاله أُطروحتان:
[أطروحتان في مقابل ما قاله الراغب في معنى الفجار]
الأُولى: أنَّه بمعنى الشقّ، غير أنَّ المراد به شقّ الموطوء، سواء في الزنا أم اللواط؛ إذ لا يُستعمل الفجور إلّا في ذلك. ولو كان المراد شقّ ستر الديانة
-كما عبّر- لشمل السرقة وشرب الخمر، وهو غير عرفي ولا متشرّعي.
الثانية: أن نقول: إنَّ الفجور موضوعٌ بوضعٍ ثان بنحو المشترك اللفظي لمعناه، ولا يمكن أن يرجع الفجور إلى معنى الانفجار، ونلاحظ أنَّ الثلاثي (فجر) له مصدران: فجرٌ وفجورٌ، ولا يحتمل لغةً استعمال أحدهما في محلّ الآخر، وهو دليل تعدّد الوضع.
[ما معنى أن يكون كتاب الفجّار في(سجين)]
ثُمَّ إنَّنا ذكرنا في سورة الفيل(1) في قوله تعالى: {تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ}(2) معنى سجّيل ومعنى سجّين ومعنى الكتاب، وأشرنا تفصيلاً إلى الآيات التي في سورة المطفّفين وشرحناها، فلا حاجة إلى تكرارها. ولكن السؤال الذي يختصّ بهذه الآية هنا: أنَّه بعد أن تحصّل أنَّ السجّين هو السجن الشديد، فما معنى أن يكون كتاب الفجّار فيه؟
والجواب عنه بوجوهٍ:
الأوّل: أنَّ المراد به الكتاب التكويني للكفّار، وهو نفس أعمالهم التي عملوها، فتكون في سجّين، أو يعاقبون عليها هناك.
الثاني: أنَّ المراد بالكتاب قضاء الله وقدره، بأن يكون الكفّار مسجونين
ــــــ[198]ــــــ
(1) راجع أبحاث سورة الفيل في الجزء الأوّل من هذا الكتاب.
(2) سورة الفيل، الآية: 4.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
في سجّينٍ سجناً طويلاً لابثين فيها أحقابا (وقد يكون في الدنيا). والجملة فيها تأكيدان بـ(إنَّ) وبـ(اللام)؛ باعتبار عناد السامع.
****
قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ}:
تكلّمنا عن مثل هذا الاستفهام في سورة الهمزة(1) في قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ}(2)، كما تكلّمنا عن معنى الإدراك، ومن هو المخاطب بهذه الجملة، والكلام هنا مثله تماماً. وخاصّةً بعد أن نلتفت إلى أنَّ المراد بسجّين والحطمة بحسب النتيجة واحدٌ، وهو جهنّم، وقد تكلّمنا هناك عن معنى سجّين وقارنّا بينه وبين سجّيل، فراجع.
وقد اختصر الطباطبائي+ شرحه بكلمتين فقال: مسوقٌ للتهويل(3). وهو على حقٍّ بهذا المقدار.
****
قوله تعالى: {كِتَابٌ مَرْقُومٌ}:
مرقومٌ: مكتوبٌ. قال الراغب: الرقم الخطّ الغليظ، وقيل: هو تعجيم الكتاب (يعني: متخبّط الكتابة). وقوله تعالى: {كِتَابٌ مَرْقُومٌ} حُمل على الوجهين. وفلانٌ يرقم في الماء يُضرب مثلاً للحِذق في الأُمور(4).
فإن قلت: كلّ كتابٍ مرقومٌ، وإلّا لم يكن كتاباً.
ــــــ[199]ــــــ
(1) راجع أبحاث سورة الهمزة في الجزء الأوّل من هذا الكتاب.
(2) سورة الهمزة، الآية: 5.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 232، تفسير سورة المطفّفين.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 207، مادّة (رقم).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قلنا: هذا معناه أنَّ المرقوم هنا يُراد به صفة الكتابة الدقيقة {لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا}(1)، كما قال الراغب: (الحذق في الأُمور) سواء كان الكتاب بالمعنى الحقيقي أم لا، يعني: المادّي أو المعنوي. والفهم الابتدائي له هو أنَّ السامع قد يفهم المجاز من الكتاب، فيقول: هو ليس بكتابٍ حقيقةً، فتجيبه الآية الكريمة: أنَّه {كِتَابٌ مَرْقُومٌ} يعني: هو كتابٌ دقيقٌ محتوٍ على كتابةٍ.
إلّا أنَّه يمكن أن يُجاب: بأنَّه يمكن الاكتفاء بإقامة الحجّة ضدّ ذلك بأصالة الحقيقة، وأنَّه لابدّ من الحمل على الحقيقة لا المجاز، وهذا الوجه ناتجٌ من الحمل على المجاز لا الحقيقة.
وقد ذكرنا في أبحاثٍ متقدّمة ما له صلة في محل البحث، أي: في قوله تعالى: {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ}(2) من سورة البيّنة(3).
والرقيم والمرقوم واحدٌ، وهو فعيلٌ بمعنى مفعولٍ. ولعلّه كان الرقيم بمعنى الطين، فأصبح هو الطين، ثُمَّ أصبح هو الورق الاعتيادي.
ولذا تقدّم عن الراغب: أنَّ الرقم الخطّ الغليظ؛ لأنَّه على كلّ حالٍ يناسب ذلك كالطين، ومنه الرقم بمعنى العدد؛ فإنَّه من جهة الكتابة، لكن خصّها العرف بالاستعمال فيها دون غيرها.
[أطروحتان في مبتدأ (كتاب) المحذوف]
ثَمَّ إنَّ (كتاب) هنا خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديره (هو) يعود إلى مرجعٍ سابقٍ. وفيه أُطروحتان:
الأُولى: ما قاله السيّد الطباطبائي+ من: أنَّه يعود إلى سجّين، والجملة
ــــــ[200]ــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 49.
(2) سورة البيّنة، الآية: 3.
(3) راجع أبحاث سورة البيّنة في الجزء الأوّل من هذا الكتاب.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بيانٌ لسجّين(1). وهو غريبٌ بالقياس إلى الأُطروحة الثانية.
الثانية: أنَّه يعود إلى (كتاب) أو قل: (كتاب الفجّار)، فيكون المراد: أنَّ كتاب الفجّار كتابٌ مرقومٌ.
وهذا ينبغي أن يكون واضحاً لأكثر من وجهٍ:
1. المناسبة بين مادّتي الكتابين.
2. أنَّ كلّ كتابٍ فهو مرقومٌ.
3. أنَّ سجّين لا معنى لأن يكون كتاباً ولا أن يكون مرقوماً، إلّا أنَّه يُحمل على معنى قضاء الله وقدره، يعني: أنَّ جهنّم مقضيّةٌ لهم حتماً، وهو يفيد معنى الجبر، ولا نقول به.
مع أنَّنا قلنا: إنَّ كتاب الفجّار بمعنى أعمالهم، وهم كتبوها باختيارهم تكويناً في الدنيا، فالراقم هو الكفّار، وليس هو الله سبحانه. وعليه فالمراد بسجّين جهنّم، فهي ليست مرقومةً، وإنَّما قضائها مرقومٌ، فيحتاج إلى تقدير مضافٍ. وهذا بخلاف رجوعه إلى كتاب الفجّار.
وقد يُراد بكونه مرقوماً كونه مسجّلاً عند إنجاز العمل في سجّلات الأعمال عند الملائكة الكرام الكاتبين، فهم الذين كتبوه ورقموه، ويُعرض على الفجّار يوم القيامة، يعني: أنَّه يحمل على مضمون الكتاب لا على الكتاب نفسه، وهذا خلاف الظاهر؛ لأنَّه ذكر (كتاب) فيُحمل على نفس الكتاب لا على مضمونه.
وإذا حملنا كتاب الفجّار على أعمالهم تكويناً، بمعنى: أنَّهم كتبوها بأنفسهم واختيارهم وسوء إرادتهم، ونفّذوها في الدنيا، فالراقم هو الكفّار،
ــــــ[201]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 233، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وليس الله سبحانه. ولو كان الراقم بأعمال العباد هو الله للزم الجبر؛ لأنَّ (مرقوم) اسم مفعولٍ، وفيه فاعلٌ مستترٌ معنىً، فإن كان ذلك الفاعل هو أعمال الكفّار فهم الراقمون تكويناً باختيارهم، والقضيّة بهذا المعنى مجازيّة، ولو كان المراد بسجّين جهنّم والمراد بالكتاب قضاء الله، فالراقم هو الله سبحانه لا الكفّار.
ثُمَّ إنَّ الكتاب ليس هو الكتاب التكويني في الدنيا، وإنَّما هو كتاب تسجيل الأعمال من حسناتٍ وسيّئاتٍ عند الملائكة، (كتاب مرقوم) أي: ذلك الكتاب الذي كُتبت فيه أعمال الكفّار والفجّار، فالراقم هو الملائكة؛ لأنَّ الكرام الكاتبين هم الذين كتبوه ورقّموه، ويُعرض على الفجّار والكفّار يوم القيامة.
فإن قلت: إن كان الضمير يعود إلى (كتاب)، فلا يحتاج إلى تكرار كلمة (كتاب)، بل يكفي أن يقول: (هو مرقومٌ).
قلنا: هذا للبعد اللفظي بينها بحيث اقتضت الضرورة تكرار الكتاب. مع الالتفات إلى أنَّه ليس تكراراً؛ فإنَّ {كِتَابٌ مَرْقُومٌ} معنى كلّي مصداقه {كِتَابَ الفُجَّارِ}. وعليه فليس المقصود من كلا لفظي الكتاب معنىً واحداً ليلزم التكرار.
وأمّا ما هو مرتبطٌ بمعنى مادّة (مرقوم) فأقول: مرقوم بمعنى (مكتوب)، أي: كتاب مرقّم. ومادّة الرقم وردت في موردين: أحدهما: في سورة الكهف، الذي هو الرقيم الوارد في قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً}(1)، والثاني في سورة المطفّفين، الذي هو
ــــــ[202]ــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 9.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
محلّ البحث.
قال الراغب: الرقم الخطّ الغليظ، وقيل هو تعجيم الكتاب(1). أي: وضع النقاط على الحروف، وخطٌّ معجمٌ، أي: منقّطٌ، أو أكثر من ذلك من قبيل الحركات. والحرف المهمل هو الذي ليس فيه نقطة كالحاء، والحرف المعجم هو الذي فيه نقطة كالخاء. فهو بالأصل يسمّى (معجماً)، أي: الأصل المأخوذ مجازاً من هذا الكلام.
فالرقم حسب فهم الراغب أحد أمرين: إمّا نفس الخطّ، ولكن على أن يكون غليظاً، وإمّا الخطّ، ولكن من دون نقاطٍ(2).
فالتنقيط كان في الأجيال السابقة القديمة غير موجودٍ، ثُمَّ بالتدريج وجد؛ لأجل بيان المقصود منها.
فالإعجام هو التنقيط، أي: تعجيم الكتاب، بمعنى الكتابة، فتعجيم أي: تنقيط الكتابة. وقوله: (كتاب مرقوم) حُمل على الوجهين، أي: كتابٌ منقوطٌ بأصل الكتابة، أو كتابٌ مرقومٌ، أي: تنقيط الكتابة الموجودة في الكتاب.
وقد ورد عن النبي’ أنَّه قال لمعاذ بن جبل: >تعلّم كتاب يهود<، قال: فتعلّمتها في ثلاثة أيّام. وذلك كان ببركة النبي’، ولعلّ المراد كتابة العبريّة، فكتاب يهود بمعنى كتاب اليهود أو كتابتهم.
ــــــ[203]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 207، مادّة (رقم).
(2) وقد رأيت أحد أسلافي – الذي هو آية الله العظمى المرجع الشيخ محمّد رضا آل ياسين+- يكتب كلمتين أو ثلاثة، ثُمَّ يرجع لينشغل بالتنقيط وهكذا (منه+).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
لكن هنا من غير الممكن أن نفهم من الكتاب الكتابة؛ لأنَّ (مرقوم) بمعنى (مكتوب)، والكتاب بمعنى (مكتوب)، فيكون كلّيّاً بشرط المحمول، في حين أنَّه كتابٌ لا ظرفٌ، وليس الظرف والمرقوم عبارةً عن المظروف.
وقال الراغب أيضاً: وفلان يرقم في الماء يُضرب مثلاً للحذق في الأُمور(1).
فكأنَّما يكتب على سطح الماء مع أنَّه متعذّر مائة بالمائة، لكنّه إذا كان الإنسان حاذقاً يتصوّرونه يكتب حتّى على سطح الماء ولو مجازاً، فإنَّنا نقول: إنَّه مرقومٌ يعني حاذقٌ وليس مجرّد كتاب.
[لماذا قال: (كتابٌ مرقومٌ)]
فإن قلت: لماذا قال: (كتابٌ مرقومٌ)؟ وكلّ كتابٍ هو مرقومٌ، فأيّ مرقومٍ هذا؟
قلنا: إنَّ المقصود من الكتاب هو الظرف الذي هو الأوراق مثلاً، وعادة هو مرقومٌ، وإلّا لم يكن كتاباً، بل يكون من قبيل الدفتر الأبيض.
ومن المؤكّد في اللغة أنَّ الكتاب هو المكتوب، أي: إمّا نفس الكتابة وإمّا الظرف المكتوب فيه. وأمّا مع زوال الكتاب وانعدامها فلا كتاب، وإنَّما هو ورقٌ.
ثُمَّ إنَّه يتفرّع على ذلك أنَّ لفظ الكتاب يغني عن لفظ المرقوم، فلماذا قال: (كتابٌ مرقومٌ)؟
وجوابه: أنَّ (مرقومٌ) أفادت شيئاً جديداً، وليس مجرّد الكتابة، وإلّا إذا قصد القرآن – أو بتعبيرنا: أنَّنا إذا قصدنا مجرّد الكتابة- فيغني عنها لفظ الكتاب؛ لأنَّ لفظ الكتاب مستبطنٌ ومتضمّنٌ للكتابة، لكن يبدو أنَّ المسألة
ــــــ[204]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 207، مادّة (رقم).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ليست هكذا، فالمرقوم شيءٌ زائدٌ، وهذا الزائد فيه أحد وجوهٍ، لا أقلّ من اثنين:
أوّلاً: إمّا أن نقول بما أشرتُ إليه قبل قليلٍ من: أنَّه يُراد به الدقّة، ولا يُراد به مجرّد الكتابة، (كتابٌ مرقومٌ) أي: دقيقٌ في كتابته، كما قال تعالى: {لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}(1)، وهذا مطلبٌ في نفسه لطيفٌ، لا أقلّ دافعٌ للاحتمال المقابل، أي: مسقطٌ للسؤال، وهذا كافٍ.
ثانياً: أنَّ الإنسان حينما يقرأ قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}(2) فربما يفهم أنَّه لا وجود للكتاب؛ لأنَّ الملائكة لديهم كتبٌ لتسجيل الأعمال، وهذا تفكيرٌ غير سليمٍ، وجوابه قوله تعالى: {كِتَابٌ مَرْقُومٌ} ولو كان كتاباً مجازيّاً، فهو ليس بمرقومٍ، بل كتابٌ حقيقي، فهذا يريد أن يركّز معنى (كتاب الفجّار لفي سجّين) وهو مرقومٌ فعلاً، لا أنَّه معنى مجازي أو معنى روحي، بل كتابٌ موجودٌ ومرقومٌ فعلاً.
والرقيم المذكور في سورة الكهف والمرقوم المذكور في سورة المطفّفين شيءٌ واحدٌ؛ فإنَّ (المرقوم) فعيلٌ بمعنى المفعول، كما تُستعمل بمعنى الفاعل، و(رقيم) بمعنى المفعول أكيداً، فيكون نصّاً، أي: كأنَّما هو مرقومٌ، وليس شيئاً آخر.
ولقد تقدّم في الأبحاث السابقة الكلام عن الألواح، ولا بأس بذكر شيءٍ في المقام، فقد كان في السابق يأتون بألواحٍ من طينٍ طري، ويجعلونه على
ــــــ[205]ــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 49.
(2) سورة المطفّفين، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
شكل لوحةٍ، فيكتبون عليه بمسمارٍ أو خشبةٍ أو بشيءٍ آخر، ثُمَّ يدعوه يجفّ، فعند ذلك يكون (رقيم). وهذا له مصداقان: أحدهما: الألواح التي كسّرها موسى×، وثانيهما: ما يسمّى بحجر الرشيد، الذي وجد قرب الأهرام، وفيه ثلاث لغاتٍ: مسماريّة، ويونانيّة، وسريانيّة أو شيءٌ آخر. وكلّ لغةٍ موجودٌ منها عشرة أسطرٍ تقريباً على الألواح.
وقورن بين هذه اللوحات على أساس نفس المضمون قبل حوالي القرن، وعرفت الكتابة المسماريّة من ذلك الحين إلى الآن بفضل المختصيّن. ولا أعرف وجه تسمية (حجر الرشيد) بهذه التسمية.
ثُمَّ بعد ذلك تطوّر الأمر إلى هذا الذي أردت أن أقوله، فلذا قال الراغب: الخطّ الغليظ؛ لأنَّ الكتابة على الطين يكون على شكلين: إمّا أن يكون مثبتاً، أي: بكتابةٍ مرتفعةٍ، وإمّا أن يكون منفيّاً، أي: بكتابةٍ محفورةٍ، فالكتابة على الرقيم بهذا المعنى لا تكون إلّا خشنةً، مهما صغّرتها فهي كبيرةٌ، لكن حجر الرشيد مكتوبٌ بالحفر لا بالظاهر. إلّا أنَّ الشيخ الراغب تصوّر ذلك، أي: أن يكتب على الطين بخطٍّ مرتفعٍ، من قبيل: -كما مثّل له- الورقة، أي: بمنزلة الخطّ المرتفع، وليس مشابهاً للحفر. ولكن ما أفهمه أنَّ الطريقة السهلة والميسّرة تكتب حفراً على الطين، والأشياء الموروثة والمأخوذة من الحفريات والموجودة في الكهوف كلّها حفرٌ، أي: خطٌّ محفورٌ، وليس خطّاً بارزاً. فالمرحلة الأُولى هي الكتابة على الطين، ثُمَّ تطوّرت، فأصبحت كتابة على الرق، الذي هو جلد الحيوان، ثُمَّ بعد ذلك تطوّرت إلى الورق. كما أنَّ القرآن الكريم في زمن رسول الله’ لم يكن قد كتبه من أوّله إلى آخره، وليس مكتوباً عنده مرتباً، وخاصّة إذا قصدنا وجود مصحفٍ معلنٍ ما بين
ــــــ[206]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الناس؛ إذ لم يكن موجوداً. نعم، كأنَّ هناك تسالماً مّا بين أصحابه بأنَّ ترتيب المصحف يكون كذا وكذا، وترتيب الآيات يكون كذا وكذا بأمرٍ منه’.
لكنّنا نتصوّر مصحفاً موجوداً كان عند وفاة رسول الله’، وقد أخرجه أمير المؤمنين× مرّةً واحدةً، فقالوا له: لا نقبل بذلك، وعندنا قرآنٌ خاصٌّ؛ لعلمهم أنَّ في القرآن الذي أخرجه أمير المؤمنين× أشياءً ضدّهم. فقال× لهم بلسان الحال: سأُخفيه عنكم، وسيبقى مخفيّاً إلى ظهور قائمنا#(1). وفعلاً هو الآن مخفي حتّى يظهر القائم#. والله العالم بما هو موجودٌ فيه.
ثُمَّ إنَّ ما عليه المشهور(2) -وهو الأرجح- عدم تحريف القرآن، وما أشرنا له إشارةٌ إلى وجود شروحاتٍ وإيضاحاتٍ زائدةٍ ليست من القرآن.
****
قوله تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ}:
تكلّمنا عن الويل في سورة الهمزة وفي أوّل هذه السورة {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ}.
وتنوين {يَوْمَئِذٍ} للتعويض عن محذوفٍ، ولذا تسمّى تنوين العوض. فما هو المحذوف؟ فيه عدّة أُطروحاتٍ باعتبار إمكان رجوعه إلى أكثر من آيةٍ سابقةٍ.
[أطروحات في محذوف تنوين العوض في قوله: (يوْمَئِذٍ)]
الأُولى: يوم إذ يبعثون، وهو مأخوذٌ من قوله تعالى: {أنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ
ــــــ[207]ــــــ
(1) أُنظر: الأحاديث الواردة في الباب 7 من كتاب القرآن من بحار الأنوار 89: 40-77، وتدبّرها حقّ التدبّر.
(2) راجع ما أفاده السيّد الخوئي+ في الفصل الباحث عن صيانة القرآن من التحريف من كتابه البيان في تفسير القرآن: 200-201.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ}(1)، وإن كانت هذه الأُطروحة بعيدة، إلّا أنَّها محتملةٌ.
الثانية: يوم إذ يتحقّق اليوم العظيم.
الثالثة: يوم إذ يقوم الناس لربّ العالمين.
الرابعة: يوم إذ يكون كتاب الفجّار في سجّينٍ.
الخامسة: يوم إذ يكون الكتاب مرقوماً أو يُعرض عليهم الكتاب المرقوم.
ويوجد إشعارٌ في الآية بأنَّ الفجّار والمكذّبين بمعنىً واحدٍ، أو يُراد بهما جماعةٌ واحدةٌ، وهم أيضاً كتابهم في سجّينٍ.
ولكن يكفي أن يكون (المكذّبين) أعمّ وأوسع من الفجّار؛ فإنَّ كلّ فاجرٍ كاذبٌ دون العكس. فإذا كان {يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} فإنَّه يشمل الفجّار المذكورين في الآية، فهو بمنزلة إعطاء القاعدة العامّة المنطبقة عليهم، وهذا يكفي. إلّا أن نفهم من الفجّار معنىً أوسع من مدلوله المطابقي، كما هو في بعض الأقوال المنقولة في >الميزان<(2).
ولعلّ ذلك مقتضى التجريد عن الخصوصيّة، فكأنَّه يصبح المراد: كلّ مكذّبٍ مهما كانت صفته، فاجراً كان أم غيره، فتكون النسبة بينهما هي التساوي.
فإن سلّمنا بظهور التساوي بينهما في سياق الآية تعيّن ذلك؛ إذ لا يحتمل العكس، وهو أن يُراد من المكذّبين خصوص الفجّار، إلّا أن يُراد من الألف واللام فيها العهد، وهو خلاف الظاهر. مضافاً إلى كونها مدخولةً للام الجرّ،
ــــــ[208]ــــــ
(1) سورة المطفّفين، الآيتان: 4-5.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 232-233، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ومثلها لا تكون للعهد غالباً.
ونذكر شيئاً لتقوية الملكة، فنقول: إنَّ الظاهر أنَّ المراد من الألف واللام الجنس، إلّا أن تقوم قرينةٌ على العهد، ولا قرينة في المقام على ذلك. فـ{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} أي: كلّ المكذبين أو طبيعي المكذّبين.
[لماذا قال: (للمكذّبين) ولم يقل: (المكذّبين)]
ثُمَّ إنَّه لم يقل: (المكذّبين) وإنَّما قال: (للمكذّبين) أي: لا للمكذّبين، فاللام دخلت على الألف واللام التعريفيّة. فحينئذٍ نسأل مشهور النحويّين والبلاغيّين أنَّه لو لم يكن حرف الجرّ قد دخل على المكذبين فهل نفهم الجنس أو العهد؟ لكن إذا قال: (للمكذّبين) فكأنَّما اندمجت الألف واللام، فإذا اندمجت الألف واللام فهل يُفهم منها الجنس أو العهد، أو نفهم منها شيئاً واحداً؟ ولا يمكن أن يكون هذا الشيء الواحد هو العهد، إذن فنفهم منها الجنس. وهذه كأُطروحةٍ محتملةٍ خطرت في بالي، والالتفات إليها طيّب، بالرغم من أنَّها ليست واضحة الصحّة؛ بدليل أنَّه قد يُقال: إنَّ اللام إنَّما هو حرف جرٍّ، وحرف الجرّ يمكن تبديله، كما لو يُقال مثلاً: (من المكذّبين) أو (على المكذّبين) فحينئذٍ يكون الألف واللام كاملاً، فإذا بدا كاملاً يكون منقسماً إلى جنسٍ وعهدٍ.
اللّهمّ إلّا أن نقول: إنَّ اللام قد تُكتب متّصلةً، ولا وجود للهمزة لا كتابةً ولا لفظاً، فحينئذٍ يكون ذلك مثلاً قرينةً على إلغاء العهد والتعيّن في الجنس. مع أنَّ (من) و(على) ليست كذلك، فتكتب الألف واللام، ولا أقلّ إن لم تلفظ الهمزة فهي مكتوبةٌ. وعلى كلّ حالٍ فهذا شيءٌ يرجع إلى الوجدان.
****
ــــــ[209]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: {الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ}:
(الذي) اسم الموصول نعتٌ للمكذّبين، والآية شرحٌ للمراد منهم.
وقد كان معنى (المكذّبين) عامّاً، من حيث إنَّ التكذيب معنىً إضافي، وطرفه محذوفٌ هنا، فيقيّد العموم. إلّا أنَّ هذا الشرح خصّه بيوم الدين.
إلّا أنَّه يمكن أن يُقال: إنَّه شرحٌ بالأخصّ؛ لأنَّ كلّ مكذّب (مطلقاً) فهو يكذّب بيوم الدين أيضاً في ضمن ما يكذّب به من العقائد الحقّة. إلّا أنَّه مع ذلك قد يصبح قرينةً متّصلةً على أنَّ المراد بالويل هو الأخصّ لا الأعمّ.
وليس المراد نفيه عن الأعمّ؛ لأنَّه ليس في الآية مفهومٌ يخالفه، وإنَّما أرادت أن تذكر هذه الطائفة من الناس فقط، وتهدّدهم بالعذاب، بينما الطوائف الأُخرى موجودون أو مذكورون في مواضع أُخر من القرآن.
لكن مع ذلك يبقى شيءٌ معنوي في الآية، وليس معنىً روحيّاً، فـ{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} أي: لمطلق المكذّبين الذين يكذّبون بيوم الدين، بمعنى: ويلٌ للمكذبين بيوم الدين، لكن هل معنى ذلك أنَّ الذي يكذّب بحرمة الزنا أو بوجوب الصلاة ولا يكذب بيوم الدين لا ويل له؟! فليس في الآية مفهوم مخالفةٍ، أي: ويلٌ لخصوص هذا دون غيره، وإنَّما أكثر من ذلك. وربما نستطيع أن نجرّده عن الخصوصيّة، فنقول: نعم، هذا وإن كان مقيّداً بالتكذيب بيوم الدين، إلّا أنَّه ليس له مفهوم مخالفةٍ، وبعد التجريد عن الخصوصيّة نوسّع الشمول لكلّ المكذّبين؛لأنَّ كلّ مكذّبٍ لرسول الله ’ أو للقرآن أو لله سبحانه وتعالى -لو صحّ التعبير- ويلٌ له بطبيعة الحال، وإنَّما ذكر هذا الوصف أو هذا القيد بالخصوص -وهو التكذيب بيوم الدين- لأهمّيّته مثلاً .
والتكذيب يتعدّى بالباء عادةً، كما في الآية؛ فإنَّك إن أردت الشخص
ــــــ[210]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
كان متعدّياً بنفسه، فنقول: كذّبته، وإن أردت قوله كان متعدّياً بالباء، فنقول: كذّبت بقوله.
فإن قلت: يأتي أيضاً: (كذّبت قوله) بدون الباء.
قلنا: نعم، إلّا أنَّه غير مناسبٍ مع المقصود من الآية؛ إذ تضطرّ إلى إعراب (يوم) ظرفاً لا مفعولاً به، فيتغيّر المعنى المطلوب.
فإن قلت: فإنَّ يوم الدين ليس قولاً، بل هو واقعٌ خارجي، فكيف يصدق تكذيبه، وإنَّما يكذّب القول فقط؟
قلنا: أوّلاً: إنَّ المراد به تكذيب قول الأنبياء والقرآن بحصول يوم الدين.
ثانياً: إنَّه تكذيبٌ مجازي لنفس حصول ذلك اليوم، وهو عدم ترتيب الأثر عليه في مقام الاعتقاد والعمل.
وقد فسّرنا الدين في سورة الماعون في قوله: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ}(1) وأعطينا له ثلاثة معانٍ متلازمةٍ:
الأوّل: الإدانة ومطلق المسؤوليّة.
الثاني: يوم القيامة باعتباره يوم الإدانة.
الثالث: الملّة والعقيدة. فيكون المراد التكذيب بالعقيدة.
إلّا أنَّ الدين هنا مضافٌ إلى (يومٍ)، أي: يوم الإدانة، فلا يكون المراد بالدين وحده يوم القيامة ولا الملّة. نعم، يوم الإدانة قد يتوقّف في معناه الرئيسي المشهور، وهو يوم القيامة. وقد يتحقّق في الدنيا بعدّة اعتباراتٍ: منها:
ــــــ[211]ــــــ
(1) سورة الماعون، الآية: 1.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله’: >حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا<(1). ومنها: قوله’: >خف الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك<(2). ومنها قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ}(3). والاستغفار نحوٌ من الإقرار بالإدانة. ولا يُحتمل أن يُراد أنَّه يكذّب في يوم الدين؛ أوّلاً: لعدم المحرّمات هناك، وثانياً: أنَّ (يكذّب) ليس بمعنى (يكذب).
وهنا يوجد احتمالٌ، وفي مقدّمته الرئيسية ينبغي أن نقول: إنَّ الباء في قوله تعالى: {الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} بمعنى (في).
ومقدّمته الثانية عاميّة: نحن نقول: هذا (يكذب) في حال إخباره خلاف الواقع، فيكون يُكذِب بمعنى يَكْذِب، فهنا يكون (الذين يَكْذِبون في يوم الدين) وإن كانت هذه أُطروحةً شاذّةً ومبتنيةً على مقدّماتٍ، أي: هذا يُكذِب بمعنى يَكْذِب. وإن التزمنا بهذا المعنى -ولو تنزّلاً- فعندها يكون المعنى: إنَّ الذين يكذّبون، وحينئذٍ إمّا أن يقول لهم الله: أنتم لم تصلّوا، فيقولون: بل نحن صلّينا. وتوجد رواياتٌ على هذا المعنى: منها: ما رواه الصدوق في كتابه >ثواب الأعمال< عن أبي عبد الله×أنَّه قال: >إنَّ آخر عبد يُؤمر به إلى النار، فيلتفت فيقول الله عزّ وجلّ: أعجلوه. فإذا أُتي به قال له:
ــــــ[212]ــــــ
(1) محاسبة النفس: 13، الباب الثاني، مصباح الشريعة: 85، الباب 88، غرر الحكم: 236، الحديث 4741، أعلام الدين: 250، ووسائل الشيعة 16: 99، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الباب 96، الحديث 21082.
(2) مستدرك الوسائل 11: 229، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الباب 14، الحديث 12822. وورد أيضاً في المحاسن 1: 3، باب الثلاثة، وتحف العقول: 9، وكتاب الزهد: 68، الباب 11، الحديث 180، مع اختلافٍ يسيرٍ في ألفاظ الحديث.
(3) سورة آل عمران، الآية: 133.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
عبدي لِمَ التفتّ؟ فيقول: يا ربّ، ما كان ظنّي بك هذا. فيقول الله جلّ جلاله: عبدي، وما كان ظنّك بي؟ فيقول: يا ربّ، كان ظنّي بك أن تغفر لي خطيئتي وتدخلني جنّتك. فيقول الله: ملائكتي، وعزّتي وجلالي وبلائي وارتفاع مكاني ما ظنّ بي هذا ساعةً من حياته خيراً قطّ، ولو ظنّ بي ساعةً من حياته خيراً ما روّعته بالنار. أجيزوا له كذبه وأدخلوه الجنّة<. ثُمَّ قال أبو عبد الله×: >ما ظنّ عبد بالله خيراً إلّا كان عند ظنّه به؛ وذلك قوله عزّ وجلّ: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(1)<(2).
[سؤالٌ حول النوعيّة التي يتحدّث عنهم سياق الآية]
يبقى سؤالٌ حول النوعيّة التي يتحدّث عنهم السياق؛ فإنَّه ذكر عدّة عناوين: المطفّفين والفجّار والذين يكذّبون بيوم الدين، لا سيّما إذا تلاه قوله تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}(3).
وقد التفت السيّد الطباطبائي+ إلى الجواب(4) إجمالاً ببيان: أنَّنا إن فهمنا من السياق الكفر القولي كما في قوله: {قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} انحصر التهديد في الكفّار، ولا يشمل المطفّفين والفجّار من المسلمين. وإن فهمنا الكفر العملي شملهم، ويكون قوله: {أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} بلسان الحال لا بلسان المقال.
إلَّا أنَّنا نجد: أنَّ المطفّفين والفجّار من المسلمين أو المحسوبين على المسلمين يقولون ذلك بلسانهم، وليس بحالهم فقط، ومع ذلك يحسبهم
ــــــ[213]ــــــ
(1) سورة فصّلت، الآية: 23.
(2) ثواب الأعمال: 173، ثواب حسن الظنّ بالله تعالى عزّ وجلّ، جامع الأخبار: 99، الفصل 55، كتاب الزهد: 97، الباب 18، الحديث 262، ووسائل الشيعة 15: 231، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الباب 16، الحديث 20354.
(3) سورة المطفّفين، الآية: 3.
(4) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 233، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
المجتمع على الإسلام ولا يعاملهم معاملة المكذّبين.
ومن ذلك قولهم باللغة الدارجة: (مَن قام من قبره مضروب) وهو تكذيبٌ ليوم القيامة، مع أنَّه صادرٌ من مجتمعٍ مسلمٍ مع شديد الأسف.
قال العكبري: قوله تعالى: {فِي كِتَابٌ} أي: هو محلّ كتابٍ؛ لأنَّ السجّين مكانٌ. وقيل: التقدير: (هو كتابٌ) من غير حذفٍ، والتقدير: وما أدراك ما كتاب سجّينٍ؟!(1).
أقول: فكتابٌ سجّينٌ كتابٌ مرقومٌ. وهل هذا فرع إعادة الضمير على سجّين؟ وهذا الأخير فرعٌ بالتقدير. لكنّه نقله من هذه الآية إلى ما قبلها، وأعاد الضمير إلى المقدّر، وهو أسوأ في الظهور. بخلاف ما إذا رجع الضمير إلى الكتاب نفسه في قوله تعالى: {إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ}، أي: إنَّ كتاب الفجّار كتاب مرقومٌ، كما سبق أن قلنا.
وقال الرازي: فإن قيل: كيف فسّر سبحانه وتعالى سجّيناً بكتاب مرقومٍ، فقال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ}؟ وكذا فسّر تعالى علّيّين به، مع أنَّ سجّيناً اسمٌ للأرض السابعة، وهو فعيلٌ من السجن، وعلّيّين اسمٌ للجنّة أو لأعلى الأمكنة أو للسماء السابعة أو لسدرة المنتهى؟
قلنا: قوله تعالى: {كِتَابٌ مَرْقُومٌ} وصفٌ معنوي لكتاب الفجّار ولكتاب الأبرار، لا تفسيرٌ لسجّين ولعلّيّين، تقديره: (وهو كتابٌ مرقومٌ)(2).
أقول: وهذا عين ما قلناه ورجّحناه، إلّا أنَّنا لم نحتج إلى كونه تفسيراً
ــــــ[214]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 283، سورة التطفيف.
(2) مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل: 368-369، سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
معنويّاً، بل يكفي في حصول المعنى أن يكون مرجع الضمير هو كتاب الفجّار أو كتاب الأبرار.
****
قوله تعالى: {وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ}:
فيها إشكالٌ واضح، وهو أنَّ التكذيب بيوم الدين أعمّ وأوسع من المعتدين؛ فقد يكذّب به الهادئ ذو القلب الرحيم أيضاً.
وجوابه في ضوء أُطروحاتٍ:
الأُولى: ما أجاب به السيّد الطباطبائي+(1) من: أنَّ المراد بالمعتد الأثيم المكذّب بالله والشريعة، وهذا يلازم التكذيب بيوم الدين. وإشكاله أنَّه تقييدٌ بلا قرينةٍ؛ فإنَّه قد يصدق هذا العنوان بدون هذا القيد.
وجوابه: أنَّه إذا كان معتدياً في فعله لا في عقيدته، فهو يصدّق بيوم الدين، ولكنّه معتدٍ في عقيدته، فهو يكذّب به.
إلّا أنَّ هذا يتوقّف على أن نفهم من المعتدي المعنوي المطلق لا مطلق المعنوي، بحيث يشمل الخالق والمخلوقين، يعني: المعتدي على الله وعلى خلقه، فيشمل تكذيب أُصول الدين ويوم القيامة.
[إشكالٌ في أنَّ التكذيب بيوم الدين أعمّ من المعتدين]
إلّا أنَّه يأتي الإشكال في عدم انحصار التكذيب في المعتدي المطلق. وبتعبيرٍ آخر: إنَّنا لو لاحظنا المعتدي المطلق كان التكذيب أوسع منه، وإن لاحظنا مطلق المعتدي كان التكذيب أخصّ، فيبقى السؤال عن المراد في الآية.
الثانية: أن نحمله على المعنوي المطلق، لكن نحمل مادّة التكذيب على التكذيب المطلق، وهو مناسبٌ معه. أمّا مطلق المعتدي فهو يكذّب به مطلق
ــــــ[215]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 233، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
التكذيب، كالتشكيك والاستبعاد ونحوها، كلّ واحدٍ بحسب مستواه العقلي والنفسي الدنيء.
الثالثة: أن نحمل المعتدي على مطلق المعتدي، ويُحمل التكذيب على مطلق التكذيب، لكن لا بنحو القول أو الاعتقاد، بل على نحو العمل والتطبيق، يعني: عدم ترتيب الأثر له.
ومن الواضح أنَّه عندئذٍ تكون النسبة بين المفهومين التساوي؛ لأنَّه لو لم يكن معتدياً لم يكن مكذّباً، ولو لم يكن مكذّباً لم يكن معتدياً.
وقد يُقال: إنَّ الملازمة في قوله تعالى: {إلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} بالعكس، يعني: أنَّ كلّ مكذّبٍ معتدٍ.
****
قوله تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}:
التلاوة القراءة، وخصّها الراغب بالقرآن؛ باعتبار الاعتقاد القلبي بتفاصيل آياته. ولا يُقال لقراءة غيره تلاوةٌ. فكلّ تلاوةٍ قراءةٌ، وليس كلّ قراءةٍ تلاوةً(1).
أقول: يدفعه أنَّه قال: والتلاوة تختصّ باتّباع كتب الله المنزلة تارةً بالقراءة وتارةً بالارتسام لما فيها من أمرٍ ونهي … إلخ(2).
أقول: إذن فالارتسام في نفسه تلاوةٌ. إذن فليس كلّ تلاوةٍ قراءةً، مضافاً إلى أنَّه في نفسه غير محتملٍ.
ــــــ[216]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 71-72، مادّة (تلى).
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قال الراغب: تلى: تبعه متابعةً ليس بينهم ما ليس منها، وذلك يكون تارةً بالجسم، وتارةً بالاقتداء في الحكم، ومصدره تلوٌّ وتلوٌ، وتارةً بالقراءة أو تدبّر المعنى، ومصدره تلاوةٌ(1).
[في معنى التلاوة]
والذي أفهمه: أنَّ التلاوة هي القراءة البطيئة من باب العناية والتمعّن، إمّا باللفظ وإمّا بالمعنى، وهذا لا يكون غالباً إلّا في القرآن الكريم. نعم، لو صحّ في غيره لصدق أنَّه تلاوةٌ، كتلاوة قصيدةٍ بتدبّرٍ وصحّةٍ، وكذلك خطبةٍ ونحوها، فصحّ أنَّ كلّ تلاوةٍ قراءةٌ ولا عكس، بعد إخراج الجانب النفسي المجرّد عنها.
وبما أنَّ التلاوة هي القراءة فقد استنتج العلّامة الطباطبائي+ أنَّ المراد بالآيات: آيات القرآن الكريم؛ لأنَّها هي المقروءة دون غيرها من أجناس الآيات، كالآيات الآفاقيّة والأنفسيّة(2).
أقول: نعم، إذا أردنا المعنى الحقيقي الوضعي للتلاوة فإنَّ الآيات الأنفسيّة والآفاقيّة ليس فيها دلالة وضعيّة بأن تتلى بالمعنى العرفي، ويبعّد رأي الطباطبائي التعبير عن القرآن بآياتنا، بل يمكن الاطمئنان بأنَّ المراد بآياتنا كلّما وردت في القرآن غير القرآن، كما في قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ}(3) وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا}(4).
وإنَّما ورد في القرآن مضافاً إلى ضمير الغائب { آيَاتِهِ} كقوله: {يَتْلُو
ــــــ[217]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 71-72، مادّة (تلى).
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 233، تفسير سورة المطفّفين.
(3) سورة فصّلت، الآية: 53.
(4) سورة فصّلت، الآية: 40.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ}(1) وقوله: {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}(2).
بل إنَّ هذا أيضاً قليلٌ في القرآن، وغالب مادّة الآيات في القرآن أُريد بها غير القرآن، فيمكن إلحاق الآية التي تحدّثت عنها في ما هو الأعمّ الأغلب.
فإن قلت: فإنَّ عليها هنا قرينةً مختصّةً بالقرآن، وهو قوله: (يتلو).
قلنا: نعم، هذا مع الانحصار، وأمّا مع وجود وجوهٍ أُخرى فلا، كما سيأتي.
وما يمكن أن نقوله بإزاء ذلك أحد أمرين:
الأوّل: أنَّ الآيات الآفاقيّة تشمل القرآن الكريم؛ فإنَّه من جملتها وأهمّها. إذن فبعض الآيات الآفاقيّة ممّا يُقرأ، فصحّ تعميم مفهوم القراءة على الجميع.
الثاني: أن نفهم من معنى القراءة معلولها ونتيجتها، وهو التأمّل والتفكير، وخاصّةً إذا فهمنا من معنى التلاوة ذلك. والتفكير يناسب الآيات الآفاقيّة بل مطلق الآيات.
وبقي في المقام نقطتان:
النقطة الأُولى: أنَّ قوله تعالى: {وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} يُفيد: أنَّ الملازمة من هذا الطرف، أي: إنَّ المعتدي الأثيم هو الذي يكذّب. ومن هنا ورد الإشكال بأنَّ الذي يكذّب قد لا يكون معتدياً أثيماً بذاك المعنى.
وجوابه: أنَّنا يمكن أن نقلب الملازمة، فلماذا نقول: إنَّ المعتدي الأثيم هو الذي يكذّب، بل نقول: الذي يكذّب هو معتدٍ أثيمٌ، فمن هذه الناحية
ــــــ[218]ــــــ
(1) سورة الجمعة، الآية: 2.
(2) سورة ص، الآية: 29.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ينسدّ السؤال، ويكون بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع.
لكن هل نفهم ذلك من الآية على أنَّه أُطروحةٌ واحتمالٌ محضٌ، أي: أن يكون الفهم العرفي مساعداً عليها؟ يُلاحظ: أنَّنا لا نستطيع أن نجزم بها عرفاً. فهل كلّ من يكذّب حسب سياق الآية يصبح معتدياً أثيماً؟ وهل يُفهم من الآية ذلك؟ هذا من الصعب فهمه.
النقطة الثانية: أنَّ قوله تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} أي: (تقرأ) على فهم المشهور(1). ولكن يوجد في اللغة ما يساعد على كلامه هذا، وذلك أنَّ المادّة من التوالي والتتابع، كما ذكره الراغب آنفاً، فتبعه متابعةً، أي: ليس بينهما شيءٌ مباينٌ. والاقتداء الذي هو المتابعة المعنويّة اقتداءٌ إمّا بنبيّ أو بإمامٍ أو بمرجعٍ أو بمدرّسٍ، فمتابعته نوع اقتداءٍ به وتتالٍ له.
فتتلى أي: تتوالى وتتجدّد وتتكثّر وتتدرّج. والمراد من التوالي في الآيات الآيات الأنفسيّة والآفاقيّة، فهي تتوالى وجوداً لا قراءةً.
نعم، يُلاحظ: أنَّ الشيخ الراغب من هذه الناحية ذكي يُريد أن يرجع جملةً من الموادّ إلى معنىً واحدٍ، واهتمّ بهذه الموادّ اهتماماً خاصّاً، وبتعبيري أنَّه يرجع الثلاثي والرباعي إلى معنىً مشتركٍ. لكن ليس ذلك صحيحاً دائماً؛ لأنَّ قسماً معتدّاً به من المزيد (والذي أُسمّيه الرباعي) موضوعٌ بوضعٍ جديدٍ، أي: إنَّ الثلاثي موضوعٌ لمعنىً، والرباعي موضوعٌ لمعنىً آخر، وليس بنفس المعنى. فحينئذٍ هنا نتصوّر هذه الآية بوضوح {إِذَا تُتْلَى} أي: من التلاوة، وهناك نقول: (إذا تتالى عليه آياتنا) الذي هو من التتالي لا من التلاوة، أي: إنَّ
ــــــ[219]ــــــ
(1) أُنظر: التبيان في تفسير القرآن 10: 299، جامع البيان في تفسير القرآن 30: 62، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
اختلاف المصدر موجودٌ. نعم، الفعل المضارع نفسه يتلو، أي: يقرأ ويتلو، لكن الفعل الماضي والمصدر يختلف، واختلاف الفعل الماضي والمصدر دليلٌ على تعدّد الوضع، أو هو قرينةٌ معتدٌّ بها على تعدّد الوضع، ونحن نفهم معنيان لا معنىً واحداً، وهذه القراءة مباينةٌ للتدرّج والتتالي عرفاً. نعم، هما يرجعان بالمعنى الدقّي إلى أمرٍ واحدٍ، لكن المعنى العرفي والوضعي يختلف أكيداً، فإذا كان يختلف، فلا نستطيع أن نفهم من (تتلى) تتالى.
[في معنى الأساطير]
وأمّا عن الأساطير فقد قال الراغب: وأمّا قوله: {أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} فقد قال المبرّد: هي جمع أُسطورةٍ نحو أُرجوحةٍ وأراجيح وأُثفيةٍ وأثافي وأُحدوثةٍ وأحاديث. وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}(1). أي: شيءٌ كتبوه كذباً وميناً فيما زعموا، نحو قوله تعالى: {أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}(2)(3).
أقول: أصله من السطر. والسطر -كما قال الراغب-: الصفّ من الكتابة ومن الشجر المغروس ومن القوم الوقوف(4).
فالأُسطورة يمكن أن تكون بمنزلة اسم المفعول بمعنى: (مكتوبة)، وهي مؤنّث الأُسطور، أي: المسطور، يعني: (المكتوب). فأساطير الأوّلين يعني: (كتابات الأوّلين).
ولكن حيث إنَّهم يحتقرون كتابات الأوّلين ويجدونها باطلاً؛ باعتبار ما
ــــــ[220]ــــــ
(1) سورة النحل، الآية: 24.
(2) سورة الفرقان، الآية: 5.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 237، مادّة (سطر).
(4) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يجدون عندهم من الوعي وتطوّر الفكر، فقد أصبحت بنحو الوصف الثابت لهم.
كما أنَّ هذا لا يتعيّن في قوله تعالى: { أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا}؛ لأنَّ المراد اتّهامه بأنَّه يأخذ علمه من كتابات السابقين، أعمّ من أن تكون حقّاً أو باطلاً، بل لعلّه مع اعتقادهم بأحقّيتها؛ لأنَّها من مواريث أنبيائهم.
ولا شكّ أنَّنا الآن نطلق معنى الأُسطورة على كلّ فكرةٍ كاذبةٍ أو خرافيّةٍ، سواء كانت مكتوبةً أم لا، بل كانت مجرّد فكرةٍ موروثةٍ. فيُراد عندئذ من الآية الكريمة أساطير الأوّلين أي: أفكار الأوّلين بصفتها أفكاراً فاسدةً وباطلةً ومتخلّفةً.
بقيت بعض الخطوات التي أهملها الراغب:
أوّلاً: أنَّ المتكلّم الذي يقول: (هذه أساطير الأوّلين) يعني: أنَّه يحتقر أساطير الأوّلين، ففي الآية إشعارٌ بأنَّ أساطير الأوّلين محتقرةٌ ومهانةٌ أو قل: باطلةٌ.
فلماذا كان هذا الرجل يحتقر أساطير الأوّلين، مع أنَّ البشريّة دائماً في تطوّرٍ، فكلّ جيلٍ يعتبر نفسه آخر الأجيال، والأجيال السابقة كانت أدنى فهماً ووعياً وثقافةً، فأساطيرهم أقلّ فهماً ووعياً وثقافةً؟!
ثانياً: أنَّنا الآن نشعر أنَّ الأساطير لا ضرورة إلى كتابتها إلّا أن تكون مسطورةً أو مكتوبةً، وإنَّما هي فكرةٌ تسمّى باللغة اللاتينيّة (إيديولوجي)، أي: هي ارتكازاتٌ اجتماعيّةٌ عرفيّةٌ أغلبها باطلٌ ومتدنٍّ.
ويُراد بقوله: (اكتتبها) أي: إنَّه حُمل على كتابتها، ولم يكن ذلك بمحض اختياره وإرادته، وأنَّها كانت مجرّد أفكارٍ، فكتبها على الورق. إلّا أنَّ هذا الفهم
ــــــ[221]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يحتاج إلى إحراز ظهوره في عصر نزول القرآن الكريم، وإلّا فهو مجازي بعد أن علمنا أنَّ الأُسطورة من السطر، وهو الكتابة، كقوله: أُحدوثة وأُكذوبة، فقد أُخذ فيها معنى الفعليّة للكتابة، ما لم تُستعمل مجازاً في الفكرة غير المكتوبة. والمجاز خلاف الأصل، فيكون المعنى: أنَّه استنسخها بكتابةٍ من كتابة الأوّلين.
اللّهمّ إلّا أن تكون الأسطورة موضوعةً بوضعٍ آخر لا ربط له بالسطر، فتدلّ على الفكرة الباطلة والكاذبة، سواء كتبت أم لا. وهذا ما نفهمه الآن. إلّا أنَّنا نحتاج إلى الاطمئنان بوجود نفس الفهم في عصر النزول. وهو يتمّ بالاستصحاب القهقرائي. إلّا أنَّه ينبغي أن ينتج الاطمئنان بالنتيجة، وإلّا تعذّر العمل بها. وإنَّما يقول: (أساطير الأوّلين) لكي يصفها بوصفٍ ينفر الناس منها. وأمّا عن ارتباط الآية بما قبلها فيلاحظ أنَّها نعتٌ لكلّ معتدٍ أثيمٍ، مادّيّاً كان أو معنويّاً.
[المراد من الأوّلين]
والمراد من الأوّلين لا يُعلم، فهل هم أهل الحقّ منهم أو الباطل أو الأعمّ باعتبار تخلّفهم السابق وتنوّرهم اللاحق؟ ولا يتعيّن كونها حقيقةً في أهل الباطل، كما لا يتعيّن أن المتكلّم يراها أباطيل في باطن نفسه، وإنَّما يريد أن يبرز ذلك لا أكثر.
مضافاً إلى أنَّنا ينبغي أن نلتفت إلى أنَّ الأساطير لم تكن كثيرةً، بل لم تكن موجودةً في التأريخ إطلاقاً، وإنَّما المكتوب هو الكتب المنسوبة إلى الأنبياء السابقين فقط، فيتعيّن أن يُراد بالأوّلين الأنبياء^، ويريد المتكلّم أن يقول: إنَّ هذه النبوّة أخذت علمها من الأنبياء السابقين، وليس لها خبرٌ جديدٌ أو علمٌ جديدٌ، بل إنَّ اليوم الآخر ممّا يتدبّر به السابقون أيضاً، كما حُثّوا على التفكير في آيات الله وغير ذلك ممّا هو مشتركٌ بين أفكار الأنبياء^.
ــــــ[222]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}:
(كلا) إشارةٌ إلى أنَّ التكذيب المشار إليه في الآيات السابقة ليس عشوائيّاً، بل كان نتيجة قانونٍ معيّنٍ، وهو وجود الرين على القلب. فلو لم يكن موجوداً لما حصل التكذيب، كما أنَّ حصول الرين ليس عشوائيّاً، بل هو نتيجة ما كانوا يكسبوه، يعني: يعملون من أعمالٍ سيّئةٍ وعصيانٍ، على ما سوف يأتي في بيانه.
فكأنَّه حصل السؤال: أنَّه هل كذّب المكذّب بطبعه وبصفاء نفسه؟ إذن فالبشر كلّهم يجب أن يكذّبوا؛ لأنَّ المطلب أساساً مخالفٌ للطبع البشري. أو يُقال: بل حصل التكذيب باعتبار الطبع الثانوي الذي حصوله نتيجةٌ للأعمال السيّئة السابقة، وهو الرين على القلب.
قال الراغب: الرين الصدأ يعلو الشيء الجليل. قال: {بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ}(1) أي: صار ذلك كصدأ على جلاء قلوبهم، فعمي عليهم معرفة الخير والشرّ. قال الشاعر: (إذا ران النعاس بهم)(2). وقد رين على قلبه(3).
[مناقشات في تفسير الراغب لمعنى (الرَّيْن)]
وفي تفسيره بعض المناقشات:
أوّلاً: أنَّ الرين هو الصدأ، ولا دخل للشيء الجليل به، إلّا أن يوصف الصدأ بالجليل يعني: الكثير، إلّا أنَّه خلاف ظاهر عبارة الراغب، يعني: هو مطلق الصدأ، سواء أصاب شيئاً جليلاً أم حقيراً. وإنَّما المهمّ أن يكون الصدأ
ــــــ[223]ــــــ
(1) سورة المطفّفين، الآية: 14.
(2) ورد نحوه مع اختلافٍ يسيرٍ في أمالي القالي 1: 130، والمفضلّيات 1: 23.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 214، مادّة (رين).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
نفسه مسيطراً على أكثر الجسم، لا على قسمٍ قليلٍ منه.
ثانياً: أنَّ المراد به النعاس، أي: سيطر النعاس، ومنه نفهم أنَّ الرين هو السيطرة فقط بدون صدأ؛ إذ تمثيل النعاس بالصدأ وفهم المجاز من البيت بعيدٌ غاية البعد وخلاف الأصل اللغوي.
ومعه تكون في الآية أُطروحةً أُخرى غير مشهورة، وهي الصدأ، بل نقول: إنَّه سيطر على قلوبهم ما كانوا يعملون بالسيطرة المناسبة له. وهذا يكفي هنا، فأصبح القلب يحبّ ويبغض ويريد ويكره الدنيا لله سبحانه.
والقلب هو المتعة النفسيّة التي تحملها العواطف كالحبّ والبغض، ومنه ينشئ التكذيب؛ لأنَّه يبغض الحقّ، وكذلك له دخلٌ في الإيمان. قال الله تعالى: {حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}(1). وهذا قد يحصل في المرتبة السابقة على الإيمان، فيكون سبباً له، وقد يحصل في المرتبة اللاحقة له كمسبّبٍ عنه.
[أطروحات في معنى قوله: يَكْسِبُونَ]
وقوله: {يَكْسِبُونَ} فيه أُطروحاتٌ:
الأُولى: المشهور أنَّه بمعنى: يعملون(2)، والمراد هنا الأعمال السيّئة.
الثانية: أنَّه بمعنى: نتائج الأعمال؛ لأنَّ الكسب هو الربح الناتج عن التجارة، وخاصّةً إذا أُسند إلى اسم الموصول {مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(3). والتجارة وإن سمّيت كسباً، إلّا أنَّنا عندئذٍ نحتاج إلى أن نحمل (ما) على أنَّها
ــــــ[224]ــــــ
(1) سورة الحجرات، الآية: 7.
(2) أُنظر: التبيان في تفسير القرآن 10: 300، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 279، وغيرهما.
(3) سورة الزمر، الآية: 50.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
مصدريّةٌ بمعنى: كسبهم، أي: عملهم، وهو خلاف الظاهر.
فالرين: إمّا هو من نتائج عملهم أو هو معلولٌ متأخّرٌ رتبةً عن ذلك أيضاً، أي: نتائج النتائج. فأوّلاً حصلت نتائج عملهم، وذلك سبب الرين. وعلى أيّ حالٍ فقوله: {يَكْسِبُونَ} موجودٌ مكرّراً في القرآن ممّا حدى المعتزلة أن يجعلوا الكسب اصطلاحاً لهم في علم الكلام(1)، بمعنى العمل أو نتائجه، كما أشرنا.
قال السيّد الطباطبائي+: ويظهر من الآية أوّلاً: أنَّ للأعمال السيّئة نقوشاً وصوراً في النفس تنتقش وتتصوّر بها(2).
[تعليق على انتقاش الأعمال السيئة في النفس]
أقول: يعني: مجرّد الأثر أو التأثير، وهو السيطرة على القلب أوّلاً وعلى السلوك ثانياً. وكما أنَّ للأعمال السيّئة أثرها فإنَّ للأعمال الحسنة أثرها أيضاً، ولا أقلّ أن تكون سبباً لإزالة الرين الحاصل بالأعمال السيّئة.
وأضاف+: ثانياً: أنَّ هذه النقوش والصور تمنع النفس أن تدرك الحقّ كما هو وتحول بينها وبينه(3).
أقول: تمنع العقل لأنَّ من وظيفته الإدراك.
وقال: وثالثاً: أنَّ للنفس بحسب طبعها الأوّلي صفاءً وجلاءً تُدرك به الحقّ كما هو، وتميّز بينه وبين الباطل، وتفرّق بين التقوى والفجور. قال تعالى:
ــــــ[225]ــــــ
(1) راجع ما أفاده التهانوي في كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم 2: 1362-1363، الكسب.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 234، تفسير سورة المطفّفين.
(3) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}(1)(2).
أقول: يعني: أنَّ مقتضى إدراك الحقّ بالاقتضاء الكامل والإدراك الكامل موجودٌ في النفس، غير أنَّه تحوّل وهبط دون ذلك لمكان الموانع والحجب لا محالة، كالاهتمام بأُمور الدنيا ورين القلب وغيره.
وهذا مشارٌ إليه في عددٍ من آيات القرآن، كقوله تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}(3) وقوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}(4) وقوله تعالى: {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ ِلأَولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنْ النَّارِ}(5) الدالّة على أنَّه لولا الإضلال لكانت الهداية.
****
قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}:
جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ: أنَّهم هل يحصلون على النتائج الحقّة والكاملة؟ وتكرار (كلا) واضحٌ في أنَّه سياق الغضب، وأنَّ المراد به تركيز النفي أو لأهمّيّتهم أو لذواتهم، كأنَّهم غير موجودين.
وهي أيضاً تدلّ على أنَّ الطبع الأوّلي في خلقة الإنسان هو عدم الحجاب عن الحقّ، وإنَّما يحصل الحجاب نتيجةً للرين الذي يحصل نتيجةً للذنوب والأعمال السيّئة التي تحصل نتيجة أوامر النفس الأمّارة بالسوء واتّباع الهوى.
ــــــ[226]ــــــ
(1) سورة الشمس، الآيتان: 7-8.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 234، تفسير سورة المطفّفين.
(3) سورة الروم، الآية: 30.
(4) سورة المدّثّر، الآية: 42.
(5) سورة الأعراف، الآية: 38.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وإلَّا فلولا ذلك، لكانت النفس الأصليّة للإنسان مرآةً صافيةً خاليةً من الكدورة؛ لانطباع الحقّ فيها.
والآية أيضاً تدلّ على أنَّ هذا الحجاب نحوٌ من العقوبة على الذنوب، كما تدلّ على أنَّه مستوىً متدنٍّ ورديءٌ، أو قل: إنَّه مصيبةٌ للإنسان، وإنَّه خيرٌ له أن لا يكون محجوباً من أن يكون محجوباً، وهذا ما لا يدركه أهل الدنيا.
[أطروحات في المراد (بربّهم)]
والمراد بربّهم عدّة أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى: الله سبحانه بمقدار ما يتيسّر للطاقة البشريّة إدراكه.
فإن قلت: إنَّ الله سبحانه لا يرى، فتنتفي الرؤية؛ لأنَّه سبحانه لا يُرى إطلاقاً، فلا تصله العقول والأفكار.
قلت: أوّلاً: إنَّ هذا المطلب مضمونه باطني صادرٌ عن مولانا سيّد العارفين×: >لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان<(1). وكذا قال في دعاء كميل: >فكيف أصبر على فراقك<(2)؛ لأنَّ الأصل عدم الفراق.
ثانياً: إنَّ ذات الله سبحانه لا يدركها أحد، إلّا أنَّه ذكر جملةٌ من العارفين: أنَّ وجود الله سبحانه يُدرك بقدر استحقاق الإنسان.
ــــــ[227]ــــــ
(1) الكافي 1: 97، باب في إبطال الرؤية، الحديث 5، الأمالي (للصدوق): 341، المجلس 55، الحديث 1، التوحيد: 109، الباب 8، الحديث 6، وإرشاد القلوب 2: 374، مكالمته مع رأس اليهود.
( ) مصباح المتهجّد: 847، دعاءٌ آخر وهو دعاء الخضر×، إقبال الأعمال: 708، فصل فيما نذكره من الدعاء … ليلة النصف من شعبان، البلد الأمين: 190، شهر شعبان، ومصباح الكفعمي: 557، الفصل 44.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأُطروحة الثانية: نور الحقيقة المحمّديّة (إذا ناقشنا في المرتبة السابقة) وهو المسيطر على الكون، وأقصى سير أهل المعرفة هو أن يصلوا إلى نور الحقيقة المحمّديّة، وهو الربّ المدبّر للكون.
الأُطروحة الثالثة: الروح العليا للإنسان نفسه؛ بقرينة (ربّهم)، والله ربّ العالمين. فكلّ واحدٍ من الأفضل والأكمل له أن يتّصل بروحه العليا.
الأُطروحة الرابعة: ربّ النوع الذي تقول به الفلسفة المنسوبة إلى أفلاطون(1)، بمعنى: أنَّه وجودٌ مثالي في عالم الجبروت، أو أيّ مكانٍ واجدٍ لكلّ كمالات النوع وفاقدٍ لكلّ نقائصه. فالمهمّ أنَّ من الراجح أنَّ الإنسان يتّصل بذاك الوجود المثالي أي: يكون واجداً لكلّ كمالات نوعه وفاقداً لكلّ نقائصه.
الأُطروحة الخامسة: الهداية الحقّة أو الحقّ بالمعنى الفعلي والمفهومي.
[كيف كانوا محجوبين عنه]
والحجاب معنىً إضافي، له محجوبٌ ومحجوبٌ عنه، وظاهر الآية أنَّهم هم المحجوبون، والربّ هو المحجوب عنه، فيلزم الانسداد. ثُمَّ إذا كان المراد بالربّ هو الله سبحانه، فالله لا يحتجب عن شيءٍ، فكيف كانوا محجوبين عنه؟ والجواب عن ذلك على مستويين:
المستوى الأوّل -مع المحافظة على سياق الآية-: أن يُقال مثلاً: إنَّ المراد: أنَّه يريهم ثواب ربّهم ورحمة ربّهم أو القرب المعنوي منه، وهم محجوبون معزولون عنه لا يصلون إليه.
ــــــ[228]ــــــ
(1) راجع رسائل الشجرة الإلهيّة في علوم الحقائق الربّانيّة 3: 431، الفصل 10، الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 2: 46، المرحلة الرابعة، الفصل 9، شرح المنظومة 3: 702، المقصد الثالث، الفريدة الثالثة، الغرر90-92، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وجوابه: أنَّه يحتاج إلى تقدير مضافٍ على كلّ حالٍ، ولا نصير إليه إلّا مع الضرورة والانحصار.
المستوى الثاني: القلب في السياق، يعني: أنَّ ربّهم محجوبٌ عنهم، لا أنَّهم محجوبون عن ربّهم. وهذا يصحّ، سواء فسّرنا الربّ بالله سبحانه أم بصفاته، كالهدى ودين الحقّ؛ فإنَّهم كما هم محجوبون عن الهدى، فالهدى محجوبٌ عنهم بسبب رين قلوبهم.
[لماذا هذا القلب في سياق الآية]
ولكن لماذا هذا القلب في الآية؟ مع أنَّ من الزاوية الأهمّ -التي يتسجّل فيها الإشكال- أن يكون المراد بالربّ هو الله سبحانه.
والسبب في القلب حسب فهمنا: أنَّه لو قال: (إنَّ ربّهم عنهم محجوبٌ) لأوهم غير المراد؛ لأنَّ للحجاب مراتب، والمراد به نفي مرتبةٍ معيّنةٍ منه؛ لأنَّه على أحد المستويات يُقال: إنَّ الحجاب غير موجود تجاه كلّ أحدٍ، كما ورد في الدعاء: >فما جهلك شيءٌ<(1) و>أنت الظاهر، فلا شيء فوقك<(2) وأنَّه >الظاهر لكلّ شيءٍ<(3) وأنَّه >أظهر من كلّ ظاهر<(4). فإن قال في الآية: (إنَّه محجوبٌ) فإنَّه قد يتبادر إلى الذهن نفي هذه المرتبة، ونفيها باطلٌ.
ــــــ[229]ــــــ
(1) إقبال الأعمال: 349، فصل فيما نذكره من أدعية يوم عرفة، وبحار الأنوار 95: 226، أبواب ما يتعلّق بشهر ذي الحجّة …، الباب 2.
(2) مصباح المتهجّد: 122، ما يستحبّ فعله بعد العشاء الآخرة …، البلد الأمين: 30، ما يختصّ به صلاة العشاء، وفلاح السائل: 285، الفصل 30.
(3) إقبال الأعمال: 349، فصل فيما نذكره من أدعية يوم عرفة، وبحار الأنوار 95: 226، أبواب ما يتعلّق بشهر ذي الحجّة، الباب 2.
(4) مصباح الكفعمي: 349، الفصل 32.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ولكن المراد نفي مراتب أعمق من ذلك لا تظهر إلّا للخاصّة، فتكون تلك المراتب محجوبةً عنهم باعتبار الرين، ولأنَّ الداني لا يرى العالي، أو لا يمكن أن يراه، بخلاف العكس.
وأمّا الظرف المقدّر أو المعوّض في قوله: (يومئذٍ) فالمشهور أنَّه يوم القيامة، فيكون المعنون مشابهاً بها؛ لما ورد في أخبار العامّة في كتب علم الكلام من قول سول الله’ -لو صحّ السند-: >ترون ربّكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة البدر<(1). يعني: بينما يرى الناس ربّهم كالقمر الطالع، يكون المذنبون محجوبين عن ذلك.
إلّا أنَّ هذا الوجه لا يخلو من مناقشةٍ:
الأوّل: ضعف سند الخبر؛ لأنَّه عامّي مروي عن أبي هريرة.
الثاني: كونه مخالفاً لحكم العقل؛ لأنَّ ظاهر الرواية الرؤية المادّيّة، وهي مستحيلةٌ على الله سبحانه؛ فإنَّه قد نفهم من التشبيه بالقمر الطالع ذلك؛ لأنَّ القمر إنَّما يُرى رؤيةً مادّيّةً.
الثالث: أنَّ ذكر يوم القيامة غير قريبٍ في الآيات؛ فإنَّه على أحسن تقديرٍ ورد في قوله تعالى: {الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ}(2). وهذا قابلٌ للمناقشة:
أوّلاً: أنَّه لا يتعيّن أن يكون المراد بيوم الدين يوم القيامة، كما سبق.
ــــــ[230]ــــــ
(1) الجواهر الحسان في تفسير القرآن 2: 503، تفسير سورة الأنعام. وراجع أيضاً الحديث بألفاظٍ مختلفة في السنن الكبرى للنسائي 4: 419، والمعجم الأوسط 8: 90، والمعجم الكبير 2: 295، كنز العمّال 14: 292، وغيرها من كتب الحديث والتفسير والكلام عندهم.
(2) سورة المطفّفين، الآية: 11.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ثانياً: أنَّ الفاصل اللفظي طويلٌ بينها.
ثالثاً: أنَّ الفاصل بحسب المعنى موجودٌ؛ لأنَّ الكلام تحوّل إلى الحديث عن أُمورٍ تحدث في الدنيا، وهو قوله: {وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ}(1)، {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}(2)، {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(3). فخرج السياق عن الحديث عن يوم القيامة.
[أُطروحات في الظرف المقدّر في قوله: (يومئذٍ)]
إلّا أنَّ هاهنا أُطروحاتٍ أُخر تصلح تفسيراً لليوم المقدّر:
الأُولى: أنَّه (يوم الدين) دون أن يتعيّن أن يكون المراد به يوم القيامة؛ لأنَّ الإدانة موجودةٌ منذ الأزل وإلى يوم القيامة.
الثانية: أنَّه (يومٌ) يتّصف بكونه معتدياً أثيماً.
الثالثة: أنَّه (يومٌ) يكذّب بالآيات ويقول عنها: هي أساطير الأوّلين.
الرابعة: أنَّه (يومٌ) يرين على قلوبهم ما كانوا يعملون أو ما دام الدين مستمرّاً.
الخامسة: أنَّه (يومٌ) يتّصفون بالذنوب والعيوب عموماً، سواء منها المذكور في الآيات السابقة أو غيرها.
وكلّ هذه الأُمور على أيّة حالٍ تشكّل حجاباً عن رؤية الحقّ، وقد يستمرّ الحجاب إلى يوم القيامة؛ فإنَّ الإنسان يحشر بالمستوى المعنوي الذي مات عليه، فإذا مات محجوباً حشر محجوباً، وإذا مات متّقياً حشر متّقياً وهكذا.
ــــــ[231]ــــــ
(1) سورة المطفّفين، الآية: 12.
(2) سورة المطفّفين، الآية: 13.
(3) سورة المطفّفين، الآية: 14.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ}:
قال الراغب: أصل الصلي لإيقاد النار، ويُقال: صلي بالنار وبكذا (من بلاء الدنيا) أي: بُلي بها واصطلى بها، وصليت الشاة شويتها، وهي مصليّةٌ. قال: {اصْلَوْهَا الْيَوْمَ}(1) وقال: {يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى}(2) {تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً}(3)، {وَيَصْلَى سَعِيرًا}(4)، {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}(5)، قرئ: >سيُصلون< بضمّ الياء وفتحها(6) … . وقوله: {لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}(7) فقد قيل: معناه: لا يصطلي بها إلّا الأشقى الذي. قال الخليل: صلي الكافر النار قاسى حرّها (أعمّ من أن يكون بداخلها أو بخارجها) {يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ}(8). وقيل: صلى النار دخل فيها، وأصلاها غيره. قال: {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا}(9)، {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا}(10). قيل: جمع صالٍ(11).
ــــــ[232]ــــــ
(1) سورة يس، الآية: 64.
(2) سورة الأعلى، الآية: 12.
(3) سورة الغاشية، الآية: 4.
(4) سورة الانشقاق، الآية: 12.
(5) سورة النساء، الآية: 10.
(6) وهي القراءة المرويّة عن ابن عامر، وعاصم، وأبي بكر، والحسن. أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 2: 112، سورة النساء.
(7) سورة الليل، الآيتان: 15-16.
(8) سورة المجادلة، الآية: 8.
(9) سورة النساء، الآية: 30.
(10) سورة مريم، الآية: 70.
(11) مفردات ألفاظ القرآن: 293، مادّة (صلا).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أقول: يمكن أن يكون مصدراً، يعني: صلي منصوباً به، بمعنى: صلّى صلياً، يعني: الأَوْلى اصطلاءً بها، أو هو صفةٌ مشبّهةٌ باسم الفاعل (مصطلون) أو اسم المفعول (مصليّون)، أو هو استعمال المصدر محلّ اسم الفاعل، كقولنا: زيدٌ عدلٌ، أي: عادلٌ.
[المراد بالجحيم]
وقال في جحم: الجحمة شدّة تأجّج النار، ومنه الجحيم. و(جحم وجهه من شدّة الغضب) استعارةٌ من جحمة النار؛ وذلك من ثوران حرارة القلب. وجحمت الأسد عيناه؛ لتوقّدهما(1).
أقول: المراد بالجحيم النار الشديدة، ولو دقّقنا أكثر لوجدنا الجحيم على وزن فعيلٍ بمعنى المفعول، يعني: النار التي تسبّبوا بزيادة اشتعالها وتأجّجها، وقد تكون بمعنى اسم الفاعل بمعنى: المحرقة بشدّة لمن فيها.
بقي الكلام في (ثُمَّ) التي في أوّل الآية، وهي للترتيب بالفصل، كما يقول ابن مالك(2)، مع أنَّنا لا نفهم هنا ترتيباً؛ فإنَّهم في عين الوقت يحجبون عن ربّهم وموجودون في الجحيم، فليس هناك انفصالٌ بين الصنفين أو الفريقين.
ولعلّه لأجل ذلك قال السيّد الطباطبائي+: و(ثُمَّ) في الآية وما بعدها (يعنى: قوله تعالى: {هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}(3)) للتراخي بحسب رتبة الكلام(4).
ــــــ[233]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 86، مادّة (حجم).
(2) أُنظر: شرح ابن عقيل 3: 227، عطف النسق.
(3) سورة المطففين، الآية: 17.
(4) الميزان في تفسير القرآن 20: 234، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وهذا لا يفهم؛ لعدم وجود انفصالٍ وتراخٍ في الكلام؛ لتتابع الآيات بشكلٍ متّصلٍ، كما هو واضحٌ.
والآن نتكلّم عن (ثُمَّ) في الآية الأُولى التي نتكلّم فيها، ليأتي الكلام عن (ثُمَّ) الموجودة في الآية التي بعدها.
[وجوه عن (ثُمَّ) في هذه الآية]
ففي هذه الآية نقول: إنَّ لها وجوهاً:
الوجه الأوّل – وهو الأنسب بالفهم المشهور والمتشرّعي(1)-: أنَّهم عن ربّهم محجوبون في يوم القيامة، وهم صالوا الجحيم في جهنّم. وبين يوم القيامة وجهنّم مسافةٌ زمنيّةٌ طويلةٌ يقاسي فيها الكافر أنواع المصاعب والعذاب، والمهمّ أنَّ العطف بـ(ثُمَّ) لإيضاح ذلك ولو إجمالاً.
الوجه الثاني: أنَّ (ثُمَّ) لبيان استقلاليّة الصفة وأهمّيّتها في نفسها، ولو عطف بالواو لم يتبيّن ذلك.
الوجه الثالث: أنَّ (ثُمَّ) لأجل بيان خصوصيّة هذه الصفة وأهمّيّتها من جهة أنَّها أخصّ من صفة الحجب. والغرض: بيان أنَّ كلّ صالٍ هو محجوبٌ، ولا عكس؛ فإنَّ الفرد المنحرف يحجب أوّلاً، وبعدها قد يصلى الجحيم إذا كان يستحقّها. وهذا العموم المطلق موجودٌ عمليّاً في الأفراد أيضاً؛ فإنَّه يوجد مَن هو محجوبٌ ولا يستحقّ الجحيم، ويوجد مَن هو محجوبٌ ويستحقّ الجحيم، ولا يوجد مَن يستحقّ الجحيم وغير محجوبٍ، بل كلّ من يستحقّ الجحيم فهو محجوبٌ. وهذا لا يفرّق فيه عالم الدنيا عن عالم الآخرة.
الوجه الرابع: أنَّها تعبيرٌ عن بعض درجات عالم التسافل أو السالب؛
ــــــ[234]ــــــ
(1) أُنظر: إعراب القرآن وبيانه 10: 416، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 280، زاد المسير في علم التفسير 4: 416، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فإنَّهم أوّلاً يكونون محجوبين، ثُمَّ إذا حصل لهم التكامل -في التسافل- الأكثر استحقّوا النار، فإن جعل لهم التكامل الأكثر دخلوها.
ومن هنا ينبغي أن نلتفت إلى أنَّ (صالوا) اسم فاعلٍ لا فعلٌ مضارعٌ ليدلّ على المستقبل، إذن فهو يدلّ على الحال، ومؤكّدٌ باللام. وهذا يعني: أنَّ هذا يحصل في الدنيا، كقوله: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}(1) وغيرها من الآيات.
****
قوله تعالى: {ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}:
[معنى (ثُمَّ) في هذه الآية]
والسؤال في (ثُمَّ) نفس السؤال؛ إذ إنَّنا في التصوّر الأوّلي لا نجد ترتيباً وانفصالاً بين هذه الأُمور، فكأنَّ الأنسب العطف بالواو، وخاصّةً في هذه الآية، فإنَّهم بمجرّد أن يدخلوا الجحيم يُقال لهم ذلك.
وجوابه: أنَّ هذا تصوّرٌ خاطئٌ قد نصّ القرآن الكريم في هذه الآية على خلافه، بل من الممكن أن يتأخّر عنهم هذا الخبر كثيراً، ويكون إخبارهم فيه زيادةً في تعذيبهم النفسي لا محالة، كقولهم: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ}(2).
وإذا تنزّلنا عن ذلك، فلا أقلّ من الالتفات إلى تعدّد الرتبة وأنَّه يُقال لهم ذلك بعد دخولهم، فهومترتّباً على دخولهم، ولو عطف بالواو لم يتحصّل ذلك.
[من القائل لهذا القول]
والسؤال عن القائل لهذا القول في قوله: (يُقال)؛ فإنَّه مبني للمجهول، فمَن هو الفاعل المحذوف؟ وهذا له عدّة أُطروحاتٍ:
ــــــ[235]ــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 29.
(2) سورة المدّثّر، الآيات: 43-45.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأُولى: خزنة النار، كما ذكر السيّد الطباطبائي+(1).
الثانية: أهل الجنّة، كما ذكره أيضاً(2).
الثالثة: الملائكة المحتفّون بالفرد.
الرابعة: قسيم الجنّة والنار.
الخامسة: الله سبحانه وتعالى مباشرةً بالإلهام.
السادسة: أن الله تعالى يوفّقه للالتفات إلى هذه الجهة، كما في قوله تعالى: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}(3) من دون وجود قولٍ وصوتٍ خارجي، كما في بعض التفاسير(4) لقوله تعالى: {نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(5)؛ فإنَّ الله تعالى أجلّ من أن يحتاج إلى هذا القول، وقدرته تؤثّر بدونه قطعاً، وإنَّما هو رمزٌ عن إعمال القدرة السريع. من قبيل قوله تعالى: {كُنْ فَيَكُونُ} وقوله: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} ومن المؤكد أنّ الله أقدر من آصف بن برخيا.
وجامع كلّ هذه الاحتمالات هو أنَّ القول -مهما كان تفسيره- صادرٌ من جهة الله سبحانه: إمّا مباشرةً أو بالواسطة أو بعدّة وسائط؛ فإنَّ المهمّ أنَّ الله تعالى يريد أن يلفته إلى ذلك. ومن هنا لم يكن المهمّ القائل المباشر، وعليه
ــــــ[236]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 234، تفسير سورة المطفّفين.
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) سورة يس، الآية: 52.
(4) راجع إرشاد الأذهان إلى تفسير القرآن: 481، تفسير سورة المؤمن، الأصفى في تفسير القرآن 2: 1111، تفسير سورة فصّلت، تفسير ابن عربي 1: 51، تفسير سورة البقرة، وغيرها.
(5) سورة النحل، الآية: 40.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أغمض عنه في الآية، أي: إنَّهم يبلّغون بذلك إجمالاً، وهذا يكفي لكي يعرف المنحرف والكافر أنَّ ما كان يكذّب به هو واقعٌ خارجي وحقيقةٌ ملموسةٌ، فتكذيبه السابق كان على خطأٍ.
وهذا بطبيعة الحال له نفعٌ في الدنيا بمعنىً، كأنَّه يقول للكفّار: إنَّكم يجب أن تدركوا من الآن أنَّكم على خطأ، فتغيّروا من سيرتكم وعقائدكم، وتوبوا إلى الله توبةً نصوحاً.
[قوله: (به) وهل هي للسببيّة أو للإلصاق]
والسؤال الآخر في الآية عن هذا الذي كنتم به تكذّبون. وحسب فهمي فإنَّه مرتبطٌ بمعنى الباء، في قوله: (به) وهل هي للسببيّة أو للإلصاق؟
والمشهور هو الإلصاق(1) بمعنى إلصاق التكذيب بالواقع المحسوس، فهذا هو الواقع الذي كنتم تكذّبون به.
ولكن يمكن – ولو كأُطروحةٍ- أن تكون الباء للسببيّة، يعني: هذا هو الشيء الذي كنتم به تكذّبون بسببه وعن طريقه، وهو أعمالهم وذنوبهم. يعني: هذه هي أعمالكم التي تكذّبون عن طريقها؛ إذ تظهر من تكذيبكم عن طريقها. وحينئذٍ يقع السؤال: أنَّ ذلك ليس هو الأعمال، بل هو العقاب عليها. فكيف أُشير إليه على أنَّه هو هذا؟ وجوابه من عدة وجوهٍ:
الأوّل: بتقدير مضافٍ، يعني: عقوبة ما كنتم به تكذّبون، أي: عقوبة الأعمال السيّئة.
الثاني: القول بتجسّد الأعمال وأنَّ العقاب إنَّما هو في الحقيقة نفس العمل متّخذاً صورة أُخرى، وهو العقوبة. غاية الأمر أنَّ الفرد في الدنيا كان يلتذّ بعمله، وفي الآخرة يتألّم من عمله بعد أن ينكشف له زيفه وحقيقته
ــــــ[237]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة 4: 193، وغيره.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
المنحطّة.
الثالث: أنَّه عبارةٌ عن الآثار الوضعيّة السيّئة التي تكون في الدنيا للأعمال السيّئة، كرين القلب والإثم ونحو ذلك.
الرابع: أنَّه إشارةٌ إلى الأعمال نفسها، بحيث تكون ماهيّةً موجودةً في الجحيم مع فاعليها، بعد الالتفات إلى أحد أمرين:
الأوّل: تساوي الأزمنة الثلاثة بالنسبة إلى عالم الحقيقة، فالموجود في الماضي موجودٌ في الحال الحاضر، بل هو موجودٌ فيه فعلاً.
الثاني: أنَّ جماعةً من أنصار العلم الحديث قالوا: إنَّ القول والحركة لا يفنيان بعد صدورهما، بل يبقيان موجودين في الفضاء، أو في بعض بطن الزمان، أو في ضمير الكون على اختلاف المعايير.
وهذا في الحقيقة فهمٌ مادّي ضيّقٌ نأخذ به اعترافهم بذلك، وهو تفسير العاجز للمعنى الأوّل؛ لأنَّه بدون وجود الأرواح العليا المدركة للأزمنة الثلاثة على حدٍّ سواءٍ لا يمكن عقلاً أن يحدث ذلك، بل تزول فعل الأشياء بدخولها في الزمن الماضي.
[محتملات في المشار إليه بقوله: (هذا)]
وعلى أيّ حالٍ يكون المشار إليه بقوله: (هذا) عدّة محتملاتٍ:
الأوّل: الجحيم؛ لأنَّه هو الموجود في الآية السابقة عليه، وهو مبني على أن تكون الباء للإلصاق، كما هو المشهور، على ما سبق.
الثاني: مطلق العقوبة الأُخرويّة، سواء كانت في البرزخ أم في يوم القيامة أم في جهنّم، وإنَّما الجحيم مصداقٌ لها.
الثالث: مطلق الآخرة التي اطّلعوا عليها بعد الموت وكانوا بها يكذّبون.
الرابع: اطّلاعهم على بعض جهات العظمة الإلهيّة التي كانوا بها
ــــــ[238]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يكذّبون، وخاصّةً بعد أن نفهم أنَّه إليه ترجع الأُمور، سواء فاسدها أم جيّدها وفاسقها أم مؤمنها.
****
قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ}:
أمّا (كلّا) فهي في اصطلاح >الميزان<(1) ردعٌ بعد ردعٍ، وهو قوله: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}(2) وقوله: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ}(3).
وبحسب فهمي يرد سؤالٌ مقدّرٌ، وهو أن نقول: إنَّ كلّ البشر معاقبون ومحجوبون ونحو ذلك، فيُقال: كلّا، بل الذين آمنوا لهم حالٌ حسنٌ. أو نقول: هل المؤمنون والكفّار معاً معاقبون ومحجوبون؟ فيُقال: كلّا، بل المؤمنون لهم حالٌ حسنٌ.
وهذا السؤال يُعرف من السياق، كما فهمنا من (كلّا) السابقة أنَّها جوابٌ على سؤالٍ مقدّرٍ أيضاً.
[المراد من (علّيّين)]
ثُمَّ إنَّنا نحاول فهم المراد من (علّيّين)؛ لأنَّه بمنزلة الموضوع المتقدّم رتبةً على فهم المحمول في الآية الكريمة.
ويظهر: أنَّ هذا ممّا تحيّر به المفسّرون. وأفضل مَن تعرّض له الراغب الأصفهاني، قال الراغب: وقوله {لَفِي عِلِّيِّينَ}(4) فقد قيل: هو اسم أشرف الجنان، كما أنَّ سجّيناً اسم شرّ النيران. وقيل: بل ذلك في الحقيقة اسم سكّانها،
ــــــ[239]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 232، تفسير سورة المطفّفين.
(2) سورة المطفّفين، الآية: 15.
(3) سورة المطفّفين، الآية: 7.
(4) سورة المطففين، الآية: 18.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وهذا أقرب في العربيّة؛ إذ كان هذا الجمع يُختصّ بالناطقين (لأنَّه جمع مذكّرٍ سالمٍ). قال: والواحد علّيٌّ نحو بِطّيخ، ومعناه أنَّ الأبرار في جملة هؤلاء، فيكون ذلك كقوله: {فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ}(1)، وباعتبار العلوّ قيل للمكان المشرف وللشرف: العلياء، والعُلّيّة تصغير عالية، فصار في التعارف اسماً للغرفة(2).
ومن الطريف أنَّ مشهور المفسّرين يقارن بين علّيّين وسجّين، كما تقدّم عن الراغب، مع أنَّه لا نسبة بينهما، وإنَّما تقارب لفظاهما على سبيل الصدفة. ويكفي أن نلتفت إلى أنَّ علّيّين بيائين بحيث أمكن أن تكون جمعاً مذكّراً سالماً، وسجّيناً بياءٍ واحدةٍ، فلا يُحتمل فيها ذلك. فإذا كان ولابدّ فسجّينٌ للمكان وعلّيّين لساكني المكان.
ولا يُستبعد أن يكون اسماً للساكنين؛ فإنَّ بعض الألفاظ هي للساكنين في اللغة، ونحن نستعملها للمكان، كالهند والصين واليابان واليونان؛ فإنَّها بتقدير بلاد الهند وبلاد الصين وهكذا، ويُراد بالهند والصين الشعب نفسه أو الساكنين في المكان على وجه الحقيقة. وعلى أيّ حالٍ يمكن أن يُطلق على المكان اسم الساكن فيه مجازاً، ثُمَّ يصبح بكثرة الاستعمال حقيقةً.
وقولهم عن علّيّين: (إنَّها أشرف الجنان) أمرٌ لطيفٌ؛ لأنَّنا نفهم من مادّة العلوّ فيه العلوّ المطلق لا مطلق العلوّ، فيكون المراد أعلى الجنان والوجود في عالم المجرّدات، بل مطلقاً، فكلّما كان أعلى كان أشرف، فتكون أعلى الجنان أشرفها.
ــــــ[240]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 69.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 358، مادّة (علا).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
والمراد بالعلوّ هنا ليس العلوّ المكاني المادّي، بل هو الشرف نفسه أو الأهمّيّة أو القرب في الدرجات العليا إلى الله سبحانه الذي هو أشرف الموجودات على الإطلاق ومنبع الشرف ومعدنه.
[مناقشة أقاويل من نقل عنهم صاحب الميزان في هذه الآيات]
وقال في >الميزان<: وللقوم أقاويل في هذه الآيات … من أقوالهم في علّيّين أنَّه السماء السابعة تحت العرش فيه أرواح المؤمنين، وقيل: سدرة المنتهى التي إليها تنتهي الأعمال، وقيل: لوحٌ من زبرجدةٍ تحت العرش معلّقٌ مكتوبٌ فيه أعمالهم، وقيل: هي مراتب عاليةٌ محفوفةٌ بالجلالة(1).
أقول: كلّ واحد يكتب بمقدار فهمه ومستواه، ونلاحظ أنَّهم يجدون أنَّ أقصى ما تصل إليه أرواح المؤمنين هو ما تحت العرش، ولا تتعدّاه؛ لأنَّ ما فوق العرش هو الله باعتقادهم، مع أنَّ نسبة الله تعالى إلى كلّ الخلق نسبة واحدة، لا يختلف ما فوق العرش عمّا تحته. كما أنَّ كلّ الخلق المتصوّر هو تحت العرش، حتّى نحن الآن في الدنيا، بل حتّى جهنّم هي تحت العرش، أي: أدنى منه في الجملة، فليس لكونهم تحت العرش مزيّةٌ أو لذّةٌ أو شرفٌ.
كما أنَّ من الواضح: أنَّهم اختلفوا أنَّ ما هو هناك هل هم المؤمنون أنفسهم أو أعمالهم؟ وفي الآية إشارةٌ إلى كلا الجهتين: أمّا المؤمنون أنفسهم فباعتبار علّيّين الذي هو جمع مذكّرٍ سالمٍ، وأمّا أعمالهم فباعتبار التعبير بكتاب الأبرار، وهو ما يُكتب فيه الأعمال.
والذي أفهمه: أنَّه لا تناقض بين الأمرين، بل هما معاً في علّيّين. أمّا المؤمنون فواضحٌ، وأمّا كتابهم فسيأتي تفسيره. والمهمّ الآن أنَّنا نفهم منه
ــــــ[241]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 235، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأعمال الصالحة نفسها أو نتائجها الوصفيّة الصالحة على النفس؛ لأنَّها على أثر تلك الأعمال تصبح متّصفةً بصفاتٍ جيّدةٍ، فتحشر هي بصفاتها الجيّدة إلى علّيّين، فكأنَّها مع أعمالهما في الجنّة؛ لأنَّ هذه النتائج إنَّما هي من أعمال الفرد نفسه؛ لأنَّها من نتائج أعماله، ونتائج العمل من العمل؛ لأنَّ القدرة على المقدّمة قدرةٌ على النتيجة.
وذلك كلّه بالنظر إلى عالم الأسباب، وقد أكّد عليه القرآن الكريم كثيراً؛ احتراماً لأعمال الصالحين، واحتقاراً لأعمال الطالحين والكافرين.
[أطروحات في المراد بـ(الكتاب)]
وأمّا الكتاب ففي المراد منه عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: ما فهمه السيّد الطباطبائي+ من: أنَّه القضاء الإلهي في كونهم في الجنّة(1). وهذا يعني: أنَّ الكتاب ليس هو كتاب أعمالهم، كما فهم مشهور المفسّرين(2).
الثانية: الكتاب الذي يُكتب فيه أعمالهم، كما هو المشهور. إلّا أنَّه يُعترض عليه: أنَّ وجود الكتاب في سجّينٍ أو في علّيّين لا دخل له إطلاقاً في الثواب والعقاب، وإنَّما المهمّ وجودهم أنفسهم.
الثالثة: أنَّ المراد وجود أعمالهم نفسها، من باب أنَّ الكتاب بمنزلة الإثبات، أي: تكتب لأجل التعرّف على الأعمال، والأعمال نفسها بمنزلة الثبوت، أي: واقع المعنى للكتاب هو نفس الأعمال. والتعبير بالإثبات عن الثبوت جائزٌ وعرفيٌ، وهو متحقّقٌ في عدد من الآيات، كقوله: {فَمَنْ شَهِدَ
ــــــ[242]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 235، تفسير سورة المطفّفين.
(2) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 10: 430، الجامع لأحكام القرآن 20: 263، لباب التأويل في معاني التنزيل 4: 405، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}(1) وقوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا}(2) وقوله: {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ}(3) وغيره.
فإن قلت: إنَّ وجود الأعمال نفسها أيضاً لا دخل لها في الثواب والعقاب.
قلنا: سبق أن فسّرناها بنتائجها وقلنا: إنَّ النتائج هي من الأعمال أيضاً؛ لأنَّ القدرة على المقدّمة قدرةٌ على النتيجة، والنتائج متمثّلةٌ بالساكنين أنفسهم.
الرابعة: أنَّ المراد من الكتاب المؤمنون أنفسهم، إمّا مجازاً أو حقيقةً كما ذكرنا، أو باعتبارٍ آخر، وهو أنَّ الأعمال تظهر بفاعلها، فالفاعل لمجموعةٍ من الأعمال كأنَّه هو الأعمال نفسها، ولذا تتّصف بها شخصيّته وتكون اسماً وصفةً له.
بقي سؤالٌ لا يخلو من أهمّيّةٍ، وهو أنَّنا نعلم أنَّ منزلة الأبرار مهما كانت شريفةً فهي أدنى من منزلة المقرّبين؛ فإنَّ الأبرار إنَّما هم من أصحاب اليمين بحسب التقسيم الثلاثي الموجود في سورة الواقعة(4)، فكيف يُقال هنا: إنَّهم في علّيّين، وهي أشرف الجنان على الإطلاق، مع أنَّ المقرّبين هم في أشرف الجنان لا الأبرار.
كما أنَّه يقول: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} وكأنَّ المقرّبين والأبرار في مرتبةٍ واحدةٍ يشهد بعضهم بعضاً.
والجواب التفصيلي عن ذلك من الأسرار، ولكن لا بأس بإعطاء بعض
ــــــ[243]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 185.
(2) سورة الإنسان، الآية: 20.
(3) سورة النساء، الآية: 61.
(4) راجع الآيات: 7-10 منها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
جهاته العامّة ضمن بعض النقاط.
أوّلاً: أنَّ الأبرار في أشرف الجنان على الإطلاق من جنان أصحاب اليمين التي هي أيضاً على مراتب، وهذا يعني أنَّ الأبرار هم أعلى درجات أصحاب اليمين، وهم مختلفوا الدرجات أيضاً.
ثانياً: أن نقول: إنَّه يُراد بالأبرار هنا مطلق فاعل الخير والبرّ، بحيث يشمل المقرّبين الذين هم في أشرف درجات الجنان.
ثالثاً: أنَّ الداني لا يرى العالي ولكن العالي يرى الداني، بل أكثر من ذلك؛ فإنَّ شرف الداني وسعادته أن يراه العالي ويكون موضع اهتمامه وعنايته. ولذا ورد أنَّ الأنبياء يزورون المؤمنين في جنّاتهم(1)، وفي هذا زيادةٌ في البهجة والثواب لهم. ومن هنا ورد قوله: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} بصفتهم أعلى درجة من الأبرار، وتكون شهادتهم لهم حبّاً وعنايةً بهم.
وأمّا أُسلوب هذه الشهادة أو المشاهدة فهو على ما سيأتي قريباً في تفسير الآية نفسها، إمّا بالانكشاف وإمّا بالزيارة ونحو ذلك.
ولا يخفى: أنَّه إذا انكشف حال الأبرار وثوابهم للمؤمنين فذلك كما هو خيرٌ للأبرار من حيث العناية بهم، كذلك هو خيرٌ للمقرّبين من حيث المقايسة بين المستويين. وأمّا النعمة الإلهيّة عليهم فهي أضعاف النعمة على الأبرار، وبذلك يزداد حمدهم لله عزّ وجلّ وتقديرهم لنعمته.
وعلى أيّ حالٍ فقد انسدّ ما في السؤال من أنَّ الأبرار والمقرّبين يعيشون سويّةً يشهد بعضهم بعضاً.
ــــــ[244]ــــــ
(1)عقد صاحب بصائر الدرجات: 274-282 باباً في زيارة الأئمّة^ للموتى.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
[حرف الجرّ في قوله: لَفِي عِلِّيِّينَ]
وأمّا حرف الجرّ في قوله: {لَفِي عِلِّيِّينَ} فإن كان علّيّين اسم مكانٍ فواضحٌ؛ لأنَّه يكون في ذلك المكان، وهذا الحرف ظرف مكانٍ. وإن كان علّيّين بمعنى (ساكن المكان) كان المراد أنَّها بينهم ومعهم؛ باعتبار أنَّ أصحاب المستوى الواحد يكون بعضهم إلى جنب بعضٍ معنويّاً.
ولكنّنا بعد أن فهمنا من الكتاب آثار الأعمال الصالحة، فيمكن أن يكون المراد من علّيّين نفس الفرد المؤمن؛ فإنَّها تكون بمنزلة الجنّة له، أو يعبّر عنها بذلك باعتبار علوّ مقامها وارتفاعها المعنوي، فكلّ (برّ) هو (علّيّ) مفرد علّيّين، فيكون المراد أنَّ آثار الأعمال الصالحة تتّصف بها نفوس المؤمنين التي هي عاليةٌ، يعني: أنَّ تلك الآثار موجودةٌ في النفس وتكون بمنزلة الجنة لصاحبها، وهذا يكفي.
فإن قلت: فإنَّه لو كان يتحدّث عن الفرد لصدق أنَّه بين المجموع أو معهم، ولكنّه يتحدّث عن المجموع ككلٍّ؛ بقرينة الجمع، وهو قوله: (الأبرار) وهم أنفسهم في علّيّين، أي: العالين، فهذه قرينةٌ على عدم إفادة هذا المعنى من علّيّين، فيتعيّن أن يكون المراد به أنَّه ظرف مكانٍ؛ ليكونوا حالّين به.
وجواب ذلك: أنَّه يصحّ حتّى لو كان المراد بالعلّيّين الساكنين، وهم الأبرار أنفسهم، لكن يكون ذلك بأحد تقريبين:
الأوّل: أنَّ بعضهم مع بعضٍ، وهذا يكفي. نعم، لو كانوا ملحوظين على نحو العموم المجموعي لم يصحّ، ولكن الظاهر أنَّهم ملحوظون على وجه العموم الاستغراقي، يعني: فرداً فرداً، فيصحّ أنَّ أيّ واحدٍ منهم في ضمن المجموع.
الثاني: أنَّ المراد من الأبرار البرّ الواحد، فيكون في ضمن المجموع ويصحّ من هذه الجهة؛ وذلك بقرينة إفراد كتابٍ. ولو أراد المجموع لقال:
ــــــ[245]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
[لماذا الكتاب مفردٌ والأبرار جمعٌ]
كتب الأبرار. إلّا أنَّ هذا بمجرّده لا يكفي، إلّا أن يكون الظهور موافقاً لهذا المعنى، وإلّا فلا. وهذا يتوقّف على عرض السؤال بنفسه: لماذا الكتاب مفردٌ والأبرار جمعٌ؟
وجوابه من وجوهٍ:
الأوّل: أنَّه أُريد به الجنس، يعني: النظر إلى كتب أعمال هؤلاء كجنسٍ كلّي واحدٍ، والجنس يعبّر عنه بالفرد.
الثاني: أنَّه كتابٌ واحدٌ، والمراد أنَّ الذي كُتب للأبرار لفي علّيّن، وهو كتابٌ مرقومٌ يعبّر عن قضاء الله سبحانه، كما فهم السيّد الطباطبائي+(1).
الثالث: أنَّه كتابٌ واحدٌ بمعنىً آخر، وهو أن نتصوّر أنَّ لكلّ طبقةٍ في الجنة كتاباً واحداً إجماليّاً يخصّ الطبقة بكلّ أفرادها. فالأبرار لهم كتابٌ، والفجّار لهم كتابٌ، والمقرّبون لهم كتابٌ، والكفّار لهم كتابٌ وهكذا. فهنا يُقال: إنَّ كتاب الأبرار لفي علّيّين، كما كان كتاب الفجّار في سجّينٍ.
الرابع: أن يُراد بالجمع (أعني: الأبرار) المفرد، وإنَّما عبّر بالجمع باعتبار كثرتهم، فتتكّثر كتبهم بكثرة أفرادهم.
وعلى أيّ حالٍ لا حاجة إلى الإشارة إلى أنَّ لام الابتداء التي هي للتأكيد دخلت على الخبر بدل دخولها على المبتدأ، كما تقول: زيدٌ لعالم، بدل أن تقول: لزيدٌ عالمٌ. وقد منع عن دخولها على المبتدأ وجود (أنَّ) قبله التي هي للتأكيد أيضاً، كما تقول: إنَّ زيداً لعالمٌ. إذن فالسياق في الآية فيه تأكيدان بإنَّ واللام؛ باعتبار افتراض السامع شديد التشكيك في ذلك. أمّا الكفّار والفسقة فإنَّهم يشكّكون أساساً في قيمة أعمال المذنبين، وهذا واضحٌ. وأمّا المؤمن نفسه فلا
ــــــ[246]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 235، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يرى لعمله قيمةً مهمّةً إزاء عظمة طاعة الله ونعمته ولطفه. فإن وجد لعمله قيمةً، لم يكن من الأبرار بطبيعة الحال، بل هو دون ذلك.
وكثيرٌ من الناس لا يعلمون قيمة العمل، كما قال تعالى: {أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمْ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ}(1) وإنَّما الذي يعلم قيمة العمل حقيقةً الله سبحانه. فحين يعلم الاستحقاق، فإنَّه يجعله في علّيّين لا محالة. ولهذا ورد التأكيد: إمّا باعتبار جهل الآخرين، أو إنكارهم، أو وجود شكل من أشكال اليأس من العمل الذي قد يؤدّي إلى اليأس من رحمة الله سبحانه، فهو تأكيدٌ لقطع هذه الجهة لا محالة.
****
قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ}:
هذه الصيغة متكرّرةٌ في القرآن الكريم للتركيز على أهمّيّة الشيء باعتبار صعوبة إدراكه لأجل أهمّيّته وارتفاعه. وقد سبق الكلام عنه عدّة مرّات: منها: ما في سورة القدر: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}(2) وما في سورة القارعة: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ}(3)، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ}(4) وما في سورة البلد: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ}(5) وما في سورة الطارق: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ}(6) وما في سورة
ــــــ[247]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 49.
(2) سورة القدر، الآية: 2.
(3) سورة القارعة، الآية: 3.
(4) سورة القارعة، الآية: 10.
(5) سورة البلد، الآية: 12.
(6) سورة الطارق، الآية: 2.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
المطفّفين التي نحن فيها الآن: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ}(1).
وسيأتي بعضها الآخر، كما في سورة الانفطار: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ}(2) وما في سورة المرسلات: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ}(3) وغيرها إن شاء الله تعالى.
****
قوله تعالى: {كِتَابٌ مَرْقُومٌ}:
الرقم بالمعنى المصدري أو الاسم المصدري هو الكتابة في أصل اللغة، والكتاب هو الكتابة، فيُراد به الكتابة المكتوبة من باب الإيضاح والتأكيد، وأنَّ ما نتكلّم به ليس مجازاً بل حقيقةً؛ إذ لو كانت مجازاً لكانت كتابةً غير مكتوبةٍ.
أو يُراد بكونها في قوّته مضبوطةً في أعلى درجات الضبط والدقّة، كما في الكتابات الخالية من الخطأ والتسامح.
ويأتي هنا ما قلناه في قوله تعالى: {كِتَابَ الفُجَّارِ} من أنَّه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديره (هو) يعود على أحد أمرين: إمّا علّيّين على ما هو الأشهر والأقرب في العبارة، كما أعادوه هناك على سجّينٍ. وقد ناقشناه هناك، ويرد نفس النقاش هنا، فلا نعيد.
وإمّا أن يعود على كتاب الأبرار، كما كان هناك يعود إلى كتاب الفجّار، يعني: أنَّ كتاب الأبرار كتابٌ مرقومٌ، فيندفع الإشكال السابق.
فإن قلت: إنَّنا فهمنا من كتاب الأبرار نفس الأبرار؛ باعتبار نتائج
ــــــ[248]ــــــ
(1) سورة المطفّفين، الآية: 8.
(2) سورة الانفطار، الآيتان: 17-18.
(3) سورة المرسلات، الآية: 14.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أعمالهم الصالحة المنطبعة على نفوسهم، وهي ليست كتاباً مرقوماً على وجه الحقيقة، فكيف كان ذلك؟
قلنا: إنَّه لابدّ من وجود إعجازٍ في السياق على أحد المحتملات، فإن فهمنا من علّيّين المكان وعاد الضمير إليه – يعني: أنَّ علّيّين كتابٌ مرقومٌ- كان مجازاً؛ لأنَّ المكان ليس كتاباً. وهذا هو الفهم المشهور مع إشكاله.
وإن فهمنا من علّيّين الساكنين وعاد الضمير إليهم، كان مجازاً أيضاً، كما هو واضحٌ؛ إذ يُراد بها الكتابة التكوينيّة بالخلقة. وإن فهمنا من كتاب الأبرار كتاب أعمالهم – أي: الكتاب المرقوم، وهذا أوضح المعاني في السياق- قلنا: هذا مجازٌ؛ لأنَّه ليس كتاباً مادّيّاً بطبيعة الحال. كما أنَّ لوجوده في علّيّين كأنَّه سعادةٌ للأبرار، مع أنَّ سائر الكتب لا تتّصف بذلك.
وإن فهمنا من كتاب الأبرار أعمال الأبرار، وهي الكتاب المرقوم، فأيضاً هو مجازٌ؛ إذ يُراد به الكتاب التكويني الذي فعله الأبرار باختيارهم لطاعة الله سبحانه.
****
قوله تعالى: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}:
قال الراغب: الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة، إمّا بالبصر أو بالبصيرة(1). وتكلّم عنه طويلاً؛ إذ وردت هذه المادّة في القرآن بمختلف الصيغ كثيراً.
والرباعي (المزيد) منه على أشكالٍ: منها: شاهدٌ، وهو بمعنى شهد، أي: رأى، وهو مثله لازمٌ. ومنها: أشهد وشهد، وهو متعيّنٌ في بيان المشاهدة
ــــــ[249]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 274-276، مادّة (شهد).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
والرواية.
فيشهده هنا بمعنى: يشاهده ويراه المقرّبون.
وقد يكون المقصود منه الشهادة الإثباتيّة، أي: أداء الشهادة، وهو خلاف الظاهر، ولا ملازمة بين المرتبتين. إلّا أنَّها من الممكن أن تحدث أحياناً، بأن يرى الفرد شيئاً ويخبر عمّا رأى.
[مادة المُقَرَّبُونَ]
و{الْمُقَرَّبُونَ} من مادّة قريب، ويُراد به القرب المعنوي الإلهي. ومقرّب اسم مفعول، يعني: جعل فيه القرب، والفاعل الحقيقي لذلك هو الله سبحانه، كقوله تعالى: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}(1)، و{يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ}(2) وقوله: >فأجمعني عليك بخدمةٍ توصلني إليك<(3). وليس ذلك جزافاً طبعاً، وإنَّما بالحكمة التي يكون الله تعالى أعلم بأسبابها. وقد يفسّر بالقريب من رحمة الله، كما قال الله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ}(4). إلّا أنَّ الفرق يكون منتفياً بين الأبرار والمقرّبين، وكذلك بين أصحاب اليمين والمقرّبين؛ لأنَّهم كلّهم محسنون في الجملة بمختلف المراتب.
وفي سورة الواقعة عُقدت مقارنة بين أصحاب اليمين والمقرّبين، وهذا قلّ ما يلحظه الفرد الاعتيادي، وهي تتكفّل بتقسيم البشريّة إلى ثلاثة أقسامٍ، وهو واضحٌ في ضوء قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاَثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَة ِ*
ــــــ[250]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآيات: 142 و213 و272، إلخ.
(2) سورة الرعد، الآية: 27، وسورة النحل، الآية: 93، وسورة فاطر، الآية: 8.
(3) إقبال الأعمال: 348، فصل فيما نذكره من أدعية يوم عرفة، وبحار الأنوار 95: 225، أبواب ما يتعلّق بشهر ذي الحجّة …، الباب 2.
(4) سورة الأعراف، الآية: 56.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ}(1) في حين لم يقل عن أصحاب اليمين: إنَّهم في جنّات النعيم، وإنَّما بدأ بوصف الجنّة مباشرةً. قال تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُود * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُود ٍ* وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ}(2)، وهم: {ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ}(3). وهم بهذا أكثر عدداً من المقرّبين؛ لأنَّ القيود كلّما قلّت زاد العدد، وكلّما كثرت قلّ العدد.
وكذلك الكلام في المقرّبين؛ لأنَّ أصحاب اليمين: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا * إِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا}(4).
وقال تعالى: {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لأَصْحَابِ الْيَمِينِ}(5). ولم يقل ذلك في المقرّبين؛ لأنَّ النفس في هذه المرتبة أوّل ما يلج فيها الإيمان، فهي بكرٌ لم تفتح درجة يقينها، بخلاف ما فوقها من درجة المقرّبين؛ فإنَّ هذا سبق أن حصل لهم. وإنَّما قال فيهم: {وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ}(6) أي: من البياض والطهارة، والمكنون يعني: أنَّ له درجةً من الصون والسريّة لا يعرفه أحد إلّا الخاصّة، وهذا لم يرد صفةً لأصحاب اليمين.
بقيت في الآية نقطتان:
ــــــ[251]ــــــ
(1) سورة الواقعة، الآيات: 7-14.
(2) سورة الواقعة، الآيات: 27-31.
(3) سورة الواقعة، الآيتان: 39-40.
(4) سورة الواقعة، الآيتان: 25-26.
(5) سورة الواقعة، الآيات: 36-38.
(6) سورة الواقعة، الآيتان: 22-23.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
[السبب لهذه الشهادة في قوله: يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ]
النقطة الأُولى: السؤال عن السبب أو العلّة الغائيّة لهذه الشهادة والرؤية في قوله: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}.
وجوابه في أكثر من مستوىً واحدٍ:
منها: ما ذكرناه أنَّه يكون زيادةً في شرف الأبرار وسعادتهم ونعيمهم برؤية المقرّبين لهم وزيارتهم لهم.
ومنها: أنَّ المقرّبين يشهدون كلّ الأُمور التي دونهم؛ لأنَّ العالي يرى الداني، ولا عكس، فهم يرون الأبرار وغير الأبرار، ويكشف الله لهم من خلقه ما يشاء. وهذا لا ينافي المستوى الأوّل؛ لأنَّ الأبرار يحسّون بالسعادة لرؤية المقرّبين لهم. وفي الآية دلالةٌ على معرفة المقرّبين ليس فقط بنعيم الأبرار، بل بمستواهم الحقيقي وأعمالهم الصالحة تفصيلاً. وهو واضحٌ من قوله: {إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ} وقوله: {كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} بعد أن نفسّر الكتاب بأعمالهم أو مستوياتهم أو أنفسهم؛ من حيث إنَّ الأعمال بالتدريج تبني النفس وتقولبها بقالبها؛ باعتبار الآثار الوضعيّة الناتجة عنها. فهذا هو المكشوف للمقرّبين من حال الأبرار.
[مكان حصول المشاهدة]
النقطة الثانية: مكان حصول المشاهدة.
والمشهور أنَّها في الجنّة، ولا بأس بذلك. ولكن أقول: إنَّه يمكن أن تحصل في الدنيا أيضاً؛ باعتبار النظر بعين البصيرة، كما أشار إليه الراغب(1).
فإن قلت: فإنَّه يقول {إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} وعلّيّون هو الجنّة، والجنّة لا يمكن رؤيتها في الدنيا؛ لأنَّها في عالمٍ آخر.
قلنا: إنَّنا علمنا: أنَّ الأرجح أن يكون المراد معرفة المستوى للأبرار،
ــــــ[252]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 274-275، مادّة (شهد).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وهذا ما يحصل في الدنيا، يعني: يحصل نفس المستوى في الدنيا وتحصل مشاهدته من قبل المقرّبين. إلّا أنَّ إحساس الأبرار بمشاهدة المقرّبين لهم في الدنيا قليلٌ. ومن هنا لا يصدق ما قلناه من: أنَّهم يحسّون باللذّة والبهجة لهذه الرؤية، وإنَّما يحصل ذلك في الآخرة بعد انكشاف بعض الحقائق للأبرار. إلّا أنَّ حصول البهجة غير منصوصٍ في الآية، وإنَّما المذكور فيها هو مطلق المشاهدة، وهذا ممّا يحصل للمقرّبين تلقائيّاً في الدنيا والآخرة.
[كيف أنَّ المقرّبين أعلى وأفضل من الأبرار]
فإن قلت: كيف تقول: إنَّ المقربين أعلى وأفضل من الأبرار، والآية تقول: إنَّهم في علّيّين، وعلّيّون أعلى مراتب الجنّة، وليس هناك مرتبةٌ فوقها؟
قلنا: إنَّ سورة الواقعة(1) تنصّ على التفصيل والتفضيل، فتكون قرينةً منفصلةً على فهمه من الآية، وإنَّما فهم المفسّرون من علّيّين أنَّه أعلى مراتب الجنّة(2)، وهذا غير واضحٍ من السياق، بل يكفي فيه أن تكون جنّةً عاليةً جدّاً، والجنّة بهذا المعنى ذات درجاتٍ أيضاً.
كما يمكن أن يُجاب بأمرين آخرين غير متنافيين:
الأوّل: أنَّ علّيّين هي أعلى الجنان في درجة أصحاب اليمين أو الأبرار، أو قل: إنَّ علّيّين أفضل الجنان على الإطلاق بالنسبة إلى المراتب التي هي دونها، أو قل: إنَّ الأبرار هم أفضل أصحاب اليمين، ومن هنا كانت جنّاتهم أعلى الجميع.
الثاني: أنَّ الجنان تنتهي بجنان الأبرار، وليس فوقها جنّةٌ. وأمّا المقرّبون
ــــــ[253]ــــــ
(1) أي: الآيات: 7-10 منها.
(2) أُنظر: التبيان في تفسير القرآن 10: 301، جامع البيان في تفسير القرآن 30: 65، الجامع لأحكام القرآن 20: 263، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فليسوا في جنّةٍ، وإنَّما لهم لذائذ عقليّةٌ وروحيّةٌ ونفسيّةٌ خاصّةٌ بهم في عالم التجرّد والفناء. ولذا قلنا مراراً: إنَّ جنان المقرّبين تختلف سنخاً عن جنان أصحاب اليمين، و(علّيّين) تمثّل المرتبة العليا من سنخ جنان أصحاب اليمين.
فإن قلت: قد يُلاحظ أنَّ الآية في سورة الواقعة ذكرت المقرّبين أنَّهم {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}(1) فكيف تقولون: إنَّهم ليسوا في الجنّة؟
قلنا: هذه الجنّات عنوانٌ مجازاً؛ لأنَّ مستواهم لا يناسب أيّ جنّةٍ، وإنَّما المراد نتيجة الحصول في الجنان، وهو اللذّة والبهجة الحاصلة لهم.
فإن قلت: فإنَّه يقول بعد ذلك في سورة المطفّفين عن الأبرار: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}(2) فكيف يتنافس المتنافسون في درجةٍ متدنيّةٍ من الجنّة؟
قلنا: هي ليست درجةً متدنّيةً من الجنّة، بل هي عاليةٌ جدّاً، بل أعلى درجاتها، وهذا لا ينافي كون المقرّبين أعلى من ذلك؛ لأنَّ الأبرار لا يتّصفون بالقرب الإلهي بل يكونوا في الجنّة فقط.
وأمّا التنافس فيؤمر به مَن هو دونهم لا محالة، سواء كانوا كفّاراً أم فسّاقاً أم من أهل الإيمان؛ لكي يصلوا إلى تلك الدرجة، وكلّ من يصل إليها يكون مستحقّاً للوصول إلى ما فوقها.
فإن قلت: فإنَّه يقول بعد ذلك مباشرةً: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ}(3) إذن فالمقربون يشربون من العين التي يشرب بها
ــــــ[254]ــــــ
(1) سورة الواقعة، الآية: 10.
(2) سورة المطفّفين، الآيتان: 25-26.
(3) سورة المطفّفين، الآيتان: 27-28.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأبرار، ومهما فسّرنا العين من ناحية مادّيّةٍ أو معنويّةٍ، فإنَّه يتعيّن أن يكونوا بمنزلة الأبرار أنفسهم.
قلنا: كلّا؛ فإنَّ هذا يُجاب عنه بعدة أجوبةٍ:
منها: ما قلناه من أنَّ الأبرار تحصل لهم السعادة برؤية المقرّبين لهم، وكذلك يحصل لهم ذلك بشرب المقرّبين من مائهم أحياناً وتأثّرهم بمواعظهم أحياناً؛ فإنَّ الفرد يجب أن يأخذ الحكمة والموعظة من كلّ خلق الله تعالى ولو من النملة والنحلة.
ومنها: أنَّ (تسنيم) هي العين التي يشرب بها المقرّبون، وعين الأبرار مخلوطٌ بشيءٍ قليلٍ من ماء التسنيم الذي هو للمقرّبين، وبذلك يصبح أعلى وألذّ للأبرار.
فالرحيق المختوم هو عين الأبرار، والتسنيم هو عين المقرّبين، والرحيق المختوم مخلوطٌ بشيء من التسنيم الخاصّ بالمقرّبين؛ لزيادة لذّة الأبرار. وهذا واضحٌ من السياق حين يقول: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ} أي: ممزوجٌ {مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ}(1). وواضحٌ أنَّ المقرّبين يشربون من التسنيم، لا من الرحيق المختوم، وسيأتي الحديث في خصائص هذه الآيات كلّها بعونه سبحانه.
****
قوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}:
الحديث مستمرٌّ عن الأبرار من قوله: {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} وإنَّما نعرض للمقرّبين عرضاً باعتبار أنَّهم يشاركون في زيادة بهجة الأبرار.
ــــــ[255]ــــــ
(1) سورة المطفّفين، الآيات: 24-28.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قال الراغب: النِعمة (بالكسر) الحالة الحسنة، وبناء النعمة بناء الحالة التي يكون عليها الإنسان: كالجلسة والركبة (بالكسر من الركوب). والنعَمة (بالفتح) التنعّم، وبناؤها بناء المرّة من الفعل: كالضربة والشتمة. والنعمة (بالكسر) للجنس يُقال للقليل والكثير. قال: {إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}(1)، {اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}(2). إلى أن قال: والنعيم: النعمة الكثيرة. وقال: {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}(3) وقال: {جَنَّاتِ النَّعِيمِ}(4). وتنعّم تناول ما فيه النعمة وطيب العيش. يُقال: نعّمه تنعيماً فتنعّم، أي: جعله في نعمةٍ، أي: لين عيشٍ وخصب. قال: {فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ}(5)(6).
أقول: واسم الفاعل هو المنعم، وهو الخالق أو المخلوقون. لا يُقال: ناعمٌ ومنعّمٌ، إلّا بمعانٍ أُخر؛ لأنَّ الثلاثي لازمٌ؛ فإنَّ (نَعم) التذّ هو بالنعيم بغضّ النظر عن سبب حصوله. وأمّا أنعم ونعّم فهو معنوي، أي: بلحاظ السبب. واسم الفاعل من الثلاثي (ناعم) أي: مرتاح في عيشه، ولا يُقال: (منعوم). واسم الفاعل من الرباعي أنعم فهو منعِمٌ ونعّم فهو منعّمٌ.
وخفض العيش والراحة لا يكون نعمةً إلّا إذا نسب إلى الله سبحانه،
ــــــ[256]ــــــ
(1) سورة النحل، الآية: 18.
(2) سورة البقرة، الآيات: 40 و47 و122.
(3) سورة يونس، الآية: 9، وسورة الحجّ، الآية: 56، وسورة الصافّات، الآية: 43، وسورة الواقعة، الآية: 12.
(4) سورة المائدة، الآية: 65، وسورة لقمان، الآية: 8، وسورة القلم، الآية: 34.
(5) سورة الفجر، الآية: 15.
(6) مفردات ألفاظ القرآن: 520، مادّة (نعم).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وكان العرب يشعرون بذلك إجمالاً، ومن هنا تكلّموا بهذه الكلمات.
إلّا أنَّ هذا فرع أن يكون الأصل هو ذلك دون العكس. ولعلّ المراد العكس، ولذا يُقال: قدّر النعمة عليه، فإذا توقّفت على الجارّ والمجرور، كانت نعمةً من الله.
ونعيم فعيلٌ بمعنى مفعولٍ أو بمعنى الفاعل. فإن كان بمعنى اسم المفعول كان بمعنى الشخص المتنعّم نفسه، ولم يصدق أنَّه في نعيمٍ. وإن كان بمعنى اسم الفاعل كان بمعنى السبب الذي أوجب الراحة للفرد، وهو المكان والمناخ ونحوه، فيكون ظرفاً فيمكن استعمال (في) في تعديته.
ومن المحتمل -كأُطروحةٍ- أنَّ بعض حالات ما كان على صيغة فعيل لم يلحظ فيها العرب كونها بديلاً عن اسم الفاعل أو المفعول، وإنَّما هو لفظٌ وضع لمعناه فقط، كما في النعيم والجحيم، فيكون بمنزلة اسم مكانٍ يقبل حرف (في)، أو أنَّه وصفٌ للمكان، كما نقول: فلان في حرٍّ أو بردٍ أو مرضٍ ونحوه. فهل البرد والحرّ مكانٌ؟ يمكن القول: إنَّ هذا من المجاز؛ لأنَّنا نأخذه كصفةٍ، وليس كمكان نعيمٍ أو جحيمٍ.
[فكرة عن معنى الأبرار]
ولا بأس أن نحمل فكرةً هنا عن معنى الأبرار. ويُلاحظ: أنَّ مادّتها البرّ بالكسر.
قال الطريحي في >المجمع<: قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}(1) البرّ -على ما قيل- اسمٌ جامعٌ للخير كلّه، والمراد به هنا الجنّة، والبرّ الصلة. ومنه بررت والدي، أي: أحسنت الطاعة إليه ورفقت به. إلى أن
ــــــ[257]ــــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 92.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قال: {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ}(1) أي: الصادق. وقيل: الذي من عادته الإحسان. ومنه برّ فلان بيمينه إذا صدق. ومنه قوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً ِلأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا}(2). والبرّ بالفتح البارّ، ومنه قوله تعالى: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ}(3). قوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}(4) الأبرار أولياء الله المطيعون في الدنيا لفي نعيم، وهو الجنّة. ومنه قوله تعالى: {وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ}(5). قوله: {كِرَامٍ بَرَرَةٍ}(6) البررة جمع بار، وهو فاعل البرّ، أي: الخير … . وكثيراً ما يخصّ الأولياء والزهّاد والعبّاد. والكرام البررة هم الملائكة المطيعون المطهّرون من الذنب والمآثم. والبرّ بالكسر الاتّساع في الإحسان والزيادة. ومنه سمّيت البريّة بالفتح والتشديد لاتّساعها، والجمع براري(7).
أقول: ويُحتمل أن يكون منه (البريّة) بالتضعيف وهم المخلوقون أو البشر، إلّا أنَّ الظاهر أنَّها من (برأ) لا من (برر).
وعلى أيّ حالٍ فقد تحصّل أنَّ لمادّة البر عدّة معانٍ كلّها راجعةٌ إلى معنى الخير والإحسان والثواب والصلة، وهي قضاء حاجة المحتاج والصدق والطاعة لله عزّ وجلّ من قبل الملائكة أو البشر والسعة في الخير أو مطلق
ــــــ[258]ــــــ
(1) سورة الطور، الآية: 28.
(2) سورة البقرة، الآية: 224.
(3) سورة مريم، الآية: 14.
(4) سورة الانفطار، الآية: 13.
(5) سورة آل عمران، الآية: 193.
(6) سورة عبس، الآية: 16.
(7) مجمع البحرين 3: 318-319، مادّة (برر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
السعة.
أمّا صيغته فالبرِّ بالكسر مصدر بَر، واسم الفاعل بَرٌّ بالفتح وبارٌّ، وهو فاعل الخير، وقد يكون وصفاً للخالق أو المخلوقين. واسم المفعول مبرورٌ، أي: معطى عليه البرّ، وهو الثواب. يُقال: سعي مشكورٌ وحجّ مبرورٌ، أي: مقبولٌ أو مثابٌ عليه.
واسم الفاعل بَرٌّ بالفتح أو بارٌّ بالتشديد يجمع على البرّ وبررة، وحسب ما عرفنا من معنى المادّة يكون معنى البرّ بالفتح هو فاعل الخير أو المطيع لله أو الصادق بعمله واعتقاده أمام الله أو المتّسع في طاعة الله أو الكثير الصلة للآخرين في قضاء حوائجهم، وكلّها صفاتٌ صالحةٌ. وأمّا البِرّ بالكسر فلا جمع له؛ لأنَّه مصدرٌ لمصدرٍ لا جمع له في العربيّة.
ولعلّ منه (بُرير) أصله فعيلٌ (برير) بمعنى اسم الفاعل، وهو البارّ، ثُمَّ صُغّر للاستلطاف، فقيل: بريرٌ. ويمكن أن يكون بمعنى اسم المفعول، يعني: أن يكون معطىً من الله سبحانه. وأمّا تصغيره فهو إمّا من استصغار اللغة وإمّا استلطافها وإمّا هي لهجة في تصغير كثيرٍ من الأُمور، لا زال أهل الأرياف ملتزمون بها في لغتهم الدارجة.
[قوله: لَفِي نَعِيمٍ]
وقوله: {لَفِي نَعِيمٍ} إشارةٌ إلى المكان، ولا إشارة له إلى الزمان، ومن هنا كان إطلاقه يشمل الدنيا والآخرة. فالفجّار في جحيمٍ في الدنيا، والأبرار في نعيمٍ في الدنيا من الناحية المعنويّة، على الرغم أنَّه من الناحية المادّيّة بالعكس غالباً، كقوله تعالى {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}(1) أي: في الدنيا، على ما فهم مشهور
ــــــ[259]ــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 29.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
المفسّرين(1)، وإنَّما تُفتح لهم آلامهم في الآخرة. وأمّا الأبرار والمقرّبون فيحسّون باللذّة في الدنيا والآخرة.
ولعلّه يدلّ عليه قوله تعالى: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ}(2)، أي: يُعرف من وجوههم نور العبادة أو الطهارة أو الإيمان التي هي من نعمة الله ونعيمه عليه.
[الوجه في تنكير (نعيم)]
أمّا الوجه في تنكير (نعيم) وحذف الألف واللام منه فقد ذكر السيّد الطباطبائي+ أنَّ في تنكيره دلالةً على فخامة قدره(3).
أقول: هذا لا يكفي؛ لأنَّه لو كان معرّفاً بالألف واللام، لدلّ على ما هو أكثر.
نعم، لو ضممنا هذه المقدّمة لصحّ في الجملة، وهو أن يُقال: إنَّه يذهب فيه الذهن كلّ مذهبٍ.
ويمكن أن يُراد من تنكيره تبعيضه، أي: نعيمٌ في الجملة، لا في النعيم الكامل والمطلق؛ وذلك من جهتين:
الأُولى: أنَّ الأبرار وإن كان جمعاً، إلّا أنَّ نعيم كلّ فردٍ منهم نعيمٌ يخصّه، ولا يشمل غيره. فبلحاظ الثواب يكون النظر إلى النعيم باعتبار التبعيض، يعني: لكلّ واحدٍ منهم يخصّه.
الثانية: مقايسته بالبهجة التي يحصل عليها المقرّبون، والتي هي النعيم
ــــــ[260]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير القرآن الكريم (لصدر المتألّهين) 4: 170، تفسير سورة البقرة، المقالة التاسعة، اللمعة الرابعة، وغيره.
(2) سورة المطفّفين، الآية: 24.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 237، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
المتبقّي. وأمّا نعيم الأبرار فهو قسطٌ من النعيم، وليس هو النعيم المطلق، يعني: أنَّهم في نعيمٍ ما وفي نعيمٍ في الجملة، وهذا يكفي.
لا يقال: إنَّ المقرّبين أيضاً أبرارٌ؛ لأنَّ للعالي ما للداني وزيادةً، إذن فمعنى الأبرار يشمل الجميع، وهم بهذا المعنى يكون نعيمهم مطلقاً، فيمثّل بنعيم المقرّبين.
قلنا: القاعدة صحيحةٌ، إلّا أنَّه يُراد بالأبرار من لا يكون من المقرّبين، وإلّا سمّي من المقرّبين لا من الأبرار، ومن هو عالٍ لا يعتني بصفة الداني وإن كانت فيه، كما لا يعتني بثوابه وإن كان يستحقّه. فالمقصود من الأبرار من كانت صفاتهم الفعليّة تؤهّلهم لهذا المعنى لا لما فوقه، أو قل – كما قلنا-: الذين هم أبرارٌ وليسوا مقرّبين.
****
قوله تعالى: {عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ}:
قال الراغب: الأريكة حَجَلَةٌ على سريرٍ (أو بدون سريرٍ، قال ذلك على نحو الاقتضاء لا العلّيّة) جمعها أرائك. وتسميتها بذلك: إمّا لكونها في الأرض متّخذةً من أراكٍ، وهو شجرةٌ، أو لكونها مكاناً للاقامة من قولهم: أرك بالمكان أُروكاً. وأصل الأُروك الإقامة على رعي الأراك، ثُمَّ تُجوّز به في غيره من الإقامات(1). والأراك شجر السواك(2). قال الشاعر:
عن ريقها يتحدّث المسواك
أرجاً فهل شجر الكباء أراك(3)

ــــــ[261]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 12، مادّة (أرك).
(2) لسان العرب 10: 388، مادّة (أرك).
(3) الروضة المختارة (شرح القصائد الهاشميّات والعلويّات): 110.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وتعليقنا على ذلك: إنَّ قوله: (حجلة) قال في >المنجد<: حجل العروس اتّخذ لها حجلةً، أدخلها في الحجلة. الحجلة ج حجالٌ، وحَجَل سترٌ يُضرب للعروس في جوف البيت (الغرفة). بيت يزيّن للعروس. ربات الحجال: النساء. وقولهم: (الحجول لربّات الحجال) معناه: أنَّ الخلاخيل للنساء(1). ونتذكّر هنا قول أمير المؤمنين×: >حلوم الأطفال وعقول ربّات الحجال<(2).
فيُراد بالحجلة في كلام الأصفهاني ما يُسمّى بـ(المندر)، واسمه (الحشية) باللغة السابقة. وقد يكون ليّناً جميلاً يوضع على السرير ليسهل الجلوس عليه، فيُقال له: حجلة، كما يقال له: أريكة. إلّا أنَّني أفهم: أنَّ الأريكة هي الوسادة أو المخدّة، وليس المندر، وكلاهما (حشية) بالقطن أو بريش الطير، ولعلّه يُطلق على كلا الأمرين. والظاهر: أنَّ أحدها يوضع تحت الفرد والآخر وراء ظهره أو تحت رأسه خلال النوم. وأمّا الحجلة فلم تُؤخذ في الفهم اللغوي الأصلي، وينافيه البيت المزيّن للعروس؛ لأنَّه غير مقصودٍ هنا قطعاً، وربما لأنَّه لا يوضع على السرير.
ويُلاحظ: هذا النصّ ورد في السورة نفسها مرّتين: أوّلهما: قوله: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ}(3) وثانيهما: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ
ــــــ[262]ــــــ
(1) المنجد: 119، مادّة (حجل).
(2) الكافي 5: 4، كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد، الحديث 6، الاحتجاج 1: 173، الإرشاد 1: 278، ونهج البلاغة: 70، الخطبة 27.
(3) سورة المطفّفين، الآيات: 22-24.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}(1).
وهو تكرارٌ جيّدٌ لا خلّة فيه؛ لوجود المقتضي وعدم المانع. أمّا المقتضي فهو زيادة الإيضاح والتأكيد. وأمّا عدم المانع فلوجود الفصل الكبير بين الآيتين.
[جهتها الإعرابيّة]
وأمّا جهتها الإعرابيّة فالأبرار اسم إنَّ و(في نعيم) خبره، وهذا واضحٌ. وعلى الأرائك متعلّقٌ بمحذوفٍ نعتاً أو حالاً أو خبراً آخر بعد التنازل عن الخبر الأوّل، كما تقول: (زيدٌ عالمٌ فاضلٌ) أو هو متعلّقٌ بما بعده، أي: (ينظرون).
قال العكبري: (ينظرون) صفةٌ للأبرار، ويجوز أن يكون حالاً وأن يكون مستأنفاً(2).
أقول: نفس الكلام يأتي في (تعرف) وفي (يسقون). وفيهما أُطروحةٌ أُخرى، وهي أن تكون الجملة خبراً بتقدير تكرار العامل، وهو المبتدأ، يعني: أنَّ الأبرار تعرف في وجوههم وأنَّ الأبرار يُسقون.
[أُطروحات إلى أين ينظرون]
ولكن إلى أين ينظرون؟ ذكر الطباطبائي+ ثلاث أُطروحاتٍ:
الأُولى: أنَّه يمكن استفادة الإطلاق من حذف المتعلّق في قوله: {يَنظُرُونَ}.
الثانية: أنَّهم ينظرون إلى مناظر الجنّة البهيجة وما فيها من نعيمٍ مقيمٍ.
الثالثة: النظر إلى ما يجزى به الكفّار، يعني: جهنّم وعذابها. قال: وليس
ــــــ[263]ــــــ
(1) سورة المطفّفين، الآيات: 34-36.
(2) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 283، سورة التطفيف.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بذاك(1).
وإليك سائر الأُطروحات ممّا يمكن أن يُقال في المتعلّق:
الرابعة: أنَّهم ينظرون كما ينظر غيرهم. وهذا غير محتملٍ؛ لأنَّ السياق واضحٌ في أنَّ النظر فيه مزيّة وأنَّه نظرٌ إلى شيءٍ مهمٍّ.
الخامسة: أنَّهم ينظرون إلى نعم الله ورحماته.
السادسة: أنَّهم ينظرون إلى عظمة الله تعالى.
السابعة: أنَّهم ينظرون إلى ربّهم – بأيّ معنى سبق أن قلناه- وهذه مزيّةٌ للأبرار، بينما الفسّاق والفجّار {عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}. وهذه الآية تكون بمنزلة القرينة المتّصلة على تفسير الأُخرى.
فإن قلت: فإنَّ الأبرار لا يصلون إلى تلك المرتبة، وإنما يختصّ بها المقرّبون.
قلنا: إنَّنا عرفنا أنَّ الأبرار هم أعلى مراتب أصحاب اليمين، فمن غير المستبعد أن تحصل لهم بعض الاستكشافات والانفتاحات الواقعيّة بمقدار ما يناسب حالهم، خاصّة وقد قال: {يَنظُرُونَ} يعني: في الجملة، وليس النظر المطلق، بل مطلق النظر.
****
قوله تعالى: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ}:
الإثبات هنا يُراد به كلتا المرحلتين: الإثباتيّة والثبوتيّة. أمّا الثبوتيّة فباعتبار أنَّ نضرة النعيم فعلاً موجودةٌ، وأمّا الإثباتيّة فباعتبار أنَّها من الشدّة والوضوح بحيث يراها الآخرون ويتوسّمونها.
ــــــ[264]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 238، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
[مادّة نضر في هذه الآية]
ومادّة نضر هنا بالضادّ لا بالظاء كالنظر، وهو البصر، يعني: أنَّ معناها شيءٌ آخر. قال الراغب: النضرة الحسن كالنضارة. قال: {نَضْرَةَ النَّعِيمِ}(1) أي: رونقه. قال: {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا}(2). ونضر وجهه ينضر فهو ناضرٌ. وقيل: نَضِر (بالكسر) ينضَر. قال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}(3) (الأوّل بالضادّ والثاني بالظاء). ونضّر الله وجهه، وأخضر ناضرٌ غصنٌ حسنٌ. والنضر والنضير الذهب لنضارته. وقَدَح نُضار خالصٌ كالتبر(4).
أقول: في الغالب يسمّون الذهب نضاراً لا نضيراً.
وقال الطباطبائي+ في النضرة: البهجة والرونق(5).
أقول: البهجة حالةٌ في النفس، فلا معنى لقصدها حقيقةً، وإنَّما المراد أثرها الظاهري في الوجه.
وهذه مزيّةٌ أُخرى زائدةٌ على النعيم؛ لأنَّ الفرد أوّل ما يبدأ نعيمه لا يكون وجهه كذلك حتّى يستمرّ ردحاً من الزمن ويتمكّن في النعيم حقيقةً وتنقطع عنه كلّ أنواع البلاء.
ولا شكّ أنَّ الخطاب في (تعرف) مباشرة للنبي’؛ لأنَّه صاحب الوحي حقيقةً. وقد اختصّ المراد به؛ باعتبار أنَّ له أن ينظر بعين البصيرة إلى عالم الجنان.
ــــــ[265]ــــــ
(1) سورة المطفّفين، الآية: 24.
(2) سورة الإنسان، الآية: 11.
(3) سورة القيامة، الآيتان: 22-23.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 517، مادّة (نضر).
(5) الميزان في تفسير القرآن 20: 238، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
إلّا أنَّ الظاهر أنَّ الحكم عامٌّ، يعني: يعرفه كلّ من يراه، والمسألة غير خاصّةٍ بالدنيا ليُقال: إنها خاصّةٌ بالنبي’ أو أهل البصيرة، بل المراد أنَّك حين تراهم تعرف في وجوههم ذلك، فقد يراهم الفرد هناك حين يجتمعون في الجنّة. وعلى تفسيرنا فهذا يمكن أن يحدث في الدنيا، فتكون الرؤية هنا أيضاً- كما سبق أن قلنا- من قبيل رؤية سيماء الصلاح.
****
قوله تعالى: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ}:
قال في >المنجد<: الرحاق الخمر، الرحيق الرُحاق (يعني: الخمر) ضربٌ من الطيب. مسكٌ رحيقٌ لا غشّ فيه. حسبٌ رحيقٌ خالصٌ لا شوب فيه(1).
فنفهم من مادّة رحق يعني: خلص من الشوائب والغشّ. ومنه سُمّي الطيب والخمر رحيقاً؛ لأنَّهم يتصوّرون أنَّها خالصةٌ، وكذا العسل الخالص الطبيعي.
[مادّة (رحيق)]
ومادّة (رحيق) فعيلٌ يعني: هو شيءٌ جعل فيه الخلوص. وأمّا مادّته فمجهولةٌ، إلّا أنَّه من الواضح أنَّها سائلٌ؛ بقرينة السقاية، وهي لا تكون إلّا للسائل. ولا يتعيّن أن يكون هي الخمر، كما جزم به الراغب(2)، وإن كان الخمر في الجنّة موجوداً.
[أنحاء السقي]
و(يُسقون) مبني للمجهول. فمَن هو الساقي؟ وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أنَّ السقي على أنحاءٍ:
ــــــ[266]ــــــ
(1) المنجد: 253، مادّة (رحق).
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 196، مادّة (رحق).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأوّل: توفير السائل لدى الفرد {وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ … وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ}(1).
الثاني: صبّ السائل في فمه.
الثالث: إعطاؤه الكأس بيده.
فعلى الأوّل يكون الساقي هو الله سبحانه؛ لأنَّه خالق الأنهار المتوفّرة في الجنّة. وعلى الآخر يكون الساقي بعض خلق الله، كالملائكة أو الحور أو الولدان المخلّدين أو أزواجهم أو مَن لحق بهم في الدنيا. والمهمّ في الآية هو مجرّد السقاية للإحساس بالسعادة أيّاً كان سببه، كما أنَّ المهمّ من النظرة هو ذلك بغضّ النظر عن الطرف أو الشيء المنظور إليه.
[مادّة (مختوم)]
وأمّا مادّة (مختوم) فقد قال الراغب: الختم والطبع (والظاهر: الختم: الطبع) يُقال: على وجهين: مصدر ختمت وطبعت، وهو تأثير الشيء، كنقش الخاتم والطابع. والثاني الأثر الحاصل عن النقش. ويُتجوّز بذلك تارةً في الاستيثاق من الشيء والمنع منه؛ اعتباراً بما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب نحو: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}(2)، {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ}(3)، وتارةً في تحصيل أثرٍ عن شيء؛ اعتباراً بالنقش الحاصل، وتارةً يُعتبر فيه بلوغ الآخر. ومنه قيل: ختمت القرآن، أي: انتهيت إلى آخره. إلى أن قال: وقوله تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ}(4) أي: نمنعهم من الكلام. و{خَاتَمَ النَّبِيِّين}(5) لأنه:
ــــــ[267]ــــــ
(1) سورة محمّد، الآية: 15.
(2) سورة البقرة، الآية: 7.
(3) سورة الجاثية، الآية: 23.
(4) سورة يس، الآية: 65.
(5) سورة الأحزاب، الآية: 40.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ختم النبوّة، أي: تمّمها بمجيئه. وقوله عزّ وجلّ: {خِتَامُهُ مِسْكٌ}(1) قيل: ما يُختم به، أي: يُطبع، وإنَّما معناه منقطعه(2) (يعني: نهايته).
فتحصّل للختم معنيان: الأوّل الطبع الموجب للحفظ والصيانة، والثاني الانتهاء منه. وكلاهما محتملٌ في الآية. ويُراد بالأوّل: أنَّه رحيقٌ محفوظٌ لهم إلى حين ينالونه بأنفسهم، ويُراد بالثاني أنَّهم ينالونه كلّه، ولا يبقى منه شيءٌ بعيدٌ عنهم. والأوّل مثل قوله تعالى: {وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ}(3) أي: تحفظ له إلى حين مجيئه، لا ينالها أحد غيره.
****
قوله تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ}:
يعني: مختومٌ بالمسك بحسب سياق الآيتين، وكأنَّه كان مختوماً، يعني: محفوظاً. فيكون المراد أنَّ السبب في حفظه هو المسك، كما أنَّ السبب في غيره هو الطين قديماً والشمع الأحمر حديثاً أو الرصاص ونحو ذلك.
وإن كان (مختوم) بمعنى: (منتهي) أو (منتهى) منه، فختامه: نهايته مسكٌ أو من مسكٍ أو ذات رائحة المسك أو ذات رائحةٍ نقيّةٍ وبهيّةٍ كرائحة المسك، وهو إشارةٌ إلى أنَّ نهاية طاعة الله وأنَّ عطاء الله يكون في غاية البهجة والطيبة.
وتفيد الآيتان بالدلالة المطابقيّة أمرين يشتملان على رائحةٍ طيّبةٍ: الرحيق والمسك، والرحيق هو المختوم، والمسك هو المختوم به. وفيها إشعارٌ
ــــــ[268]ــــــ
(1) سورة المطفّفين، الآية: 26.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 143-144، مادّة (ختم).
(3) سورة الواقعة، الآيتان: 22-23.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بأنَّ رائحة المسك في الختام أهمّ وألطف من رائحة الرحيق الذي هو أسبق منه رتبةً أو زماناً. ولعلّ المراد أنَّ الرحيق هو طاعة الله، والمسك هو عطاء الله، أو أنَّ الرحيق هو الصفات الحسنة حال كونها بالقوّة، ومختومة المسك هي الصفات الحسنة حال كونها بالفعل، وهي أشدّ تأثيراً وفاعليّةً لا محالة.
ولم يعرّف الراغب حقيقة المسك (1) ولا الطريحي(2) ولا الطباطبائي(3)، وإنَّما قال عنه الطريحي: طيب معروفٌ(4).
أقول: وهو الآن غير متعارف جدّاً ونادر الوجود إلى حدٍّ يصعب التعرّف على ماهيّته. وقد أعطاني قبل حوالي سنةٍ شخصٌ قطعةً مكعّبة الشكل بيضاء اللون وقال: (هذا مسكٌ). وكانت ذات رائحةٍ طيّبةٍ غير قويّةٍ.
قال الشاعر: (وإنَّ المسك بعض دم الغزال)(5) حيث كانوا يقولون: إنَّه في أحشاء الغزال كيس لحمي يحتوي على مادّةٍ سائلةٍ ثخينةٍ حمراء ذات رائحةٍ زكيّةٍ تُسمّى بـ(المسك). وهذا خلاف قول هذا الرجل الذي أعطاني المادّة البيضاء. وأنا لست من أهل الاختصاص، والله العالم.
وفي هذه المادّة (أي: المادّة اللغويّة) احتمالٌ آخر، وهو أنَّ المسك من
ــــــ[269]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 488، مادّة (مسك).
(2) أُنظر: مجمع البحرين 5: 287-288، مادّة (مسك).
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 238، تفسير سورة المطفّفين.
(4) مجمع البحرين 5: 288، مادّة (مسك).
(5) البيت لأبي الطيّب المتنبّي، وصدره: (فإن تفق الأنام وأنت منهم)، كما ذكره في المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر 1: 318، المستطرف في كلّ فنٍ مستظرفٍ: 41، ونهاية الأرب في فنون الأدب 7: 46.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الإمساك يعني: الممسوك، كالشرب يعني المشروب، ويُراد به أنَّ ختامه تحت المتناول جدّاً وأنَّه تحت اليد وتحت تصرّف المؤمن، أيّاً كان معنى الختام على ما سبق.
****
قوله تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}:
التنافس التغالب على هدفٍ معيّنٍ، كلّ واحدٍ منهم يحبّ أن يكون أسرع من صاحبه في الوصول إليه.
والهدف هنا هو حال الأبرار الموصوف في سياق الآيات المتقدّمة. وفي الآية أمرٌ بالتنافس على هذا الهدف بلام الأمر الداخلة على المضارع. والمتنافسون فاعلوا التنافس، والمراد: فليتنافس الخلق أو الناس أو المؤمنون على ذلك. وإنَّما عبّر بالمتنافسين لأحد وجوهٍ:
[لماذا عبّر عنه بالمتنافسين]
الأوّل: الإشارة إلى ذات المتنافسين لا من حيث هم متنافسون.
الثاني: أنَّ الأفراد غالباً ما يكونون متنافسين، إمّا على الدنيا أو على الآخرة أو على أيّ هدفٍ. فيُقال لهم هنا: إنَّ هذا الهدف هو الذي يستحقّ التنافس عليه دون الأهداف الأخرى.
الثالث: أنَّ المراد النظر إلى الناس بعد إطاعة هذا الأمر وصيرورتهم متنافسين.
الرابع: أنَّ المؤمنين متنافسون على طاعة الله بدون هدفٍ محدّدٍ ومنطقي أمامهم، ولكن بعد أن بيّنت الآيات هذا الهدف، قالت: إنَّ التنافس الحقيقي ينبغي أن يكون على هذا الهدف بعينه، وعندها أصبح الهدف واضحاً.
وأمّا استفادة الوجوب من هذا الأمر فهو من الناحية الأخلاقيّة أكيدٌ؛
ــــــ[270]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
لأنَّه لا توجد قرينةٌ على نفيه بعد أن كانت الصيغة بنفسها مقيّدةً له، أعني: الوجوب.
وأمّا من الناحية الفقهيّة فالأمر مختلفٌ؛ لوضوح أنَّ طاعة الله وأسباب الحصول على الثواب مطلوبةٌ كمطلوبيّة الواجبات والمستحبّات.
فإذا قلنا بالوجوب أصبح الحصول على المستحبّات واجباً، وهو غير محتملٍ، فالمراد بها هنا الأعمّ من الوجوب والاستحباب، وهو ما نسمّيه في علم الأُصول بمطلق الطلب.
واستعمال الحرف (في) أمرٌ معقولٌ وعرفي، يُقال: تنافسوا فيه وتنافسوا عليه، بل الحرف (في) هنا أرجح؛ لأنَّه يعطي معنى الظرفيّة، كأنَّه حين يتنافس على الهدف هو في الهدف وواصلٌ إليه، ولو باعتبار الأول والمشارفة.
[لماذا أمر بالتنافس على حال الأبرار]
فإن قلت: فإنَّ السياق السابق للآيات هو وصف ثواب الأبرار، وهو ليس هدفاً حقيقيّاً، وإنَّما حال المقرّبين هو الهدف الحقيقي، فلماذا أمر بالتنافس على حال الأبرار؟
قلنا: ذلك لعدّة وجوهٍ:
الأوّل: أنَّه هدفٌ في الجملة جيّدٌ جدّاً لمن يكون دون ذلك.
الثاني: أنَّه هو الهدف الغالبي؛ لأنَّ الأعمّ الأغلب من الناس هم دون ذلك لا محالة، فالمنظور هو الغالبيّة.
الثالث: أنَّ التنافس يصحّ فقط على هذا الهدف، وأمّا هدف المقرّبين فلا يصحّ فيه التنافس؛ لأنَّه ممّا لا يتحمّله الناس ولا يقيمونه، فلا ينبغي أن يؤمروا بالتسبيب إليه.
الرابع: أنَّ التنافس إنَّما يكون في هذا الهدف فقط، وأمّا هدف المقرّبين
ــــــ[271]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فلا يمكن التنافس فيه؛ لأنَّه إنَّما هو عطاءٌ محضٌ من قبل الله سبحانه، وليس بيد العبد التسبيب إليه، كما قال في الدعاء: >بخدمةٍ توصلني إليك<(1) وقال: >يا مَن دلّ على ذاته بذاته<(2).
الخامس: أنَّ التنافس إنَّما يمكن في هذا الهدف فقط دون هدف المقرّبين؛ لأنَّ المقرّبين في حالة فناءٍ، فلا يصلحون للتنافس، وإنَّما التنافس يكون في عالم الأسباب والنظر الاستقلالي إلى الأشياء، وهو مناسبٌ مع نظر الأبرار لا مع نظر المقرّبين. وإلّا فهذا التنافس هو عين الشرك بالنسبة إلى المقرّبين، ومن هنا لزم أن يكون هذا خطاباً للمستويات التي تناسبه، والتي يكون هذا التنافس نافعاً لها ومنتجاً لنتائجه الحسنة فيها.
[الفاء في قوله: فَلْيَتَنَافَسِ]
ثُمَّ إنَّه يحسن الالتفات إلى الفاء في قوله: {فَلْيَتَنَافَسِ}؛ لأنَّه يقول في >الألفيّة<: والفاء للترتيب باتّصال، يعني: باتّصال الزمان، وثُمَّ للترتيب بانفصال(3)، فالفاء هنا تكون مصداقاً لما ذكره.
والواقع أنَّ الفاء تفيد عدّة أُمورٍ:
الأوّل: مجرّد عطف السابق على اللاحق، وبهذا الصدد كأنَّه قال: ففي ذلك ليتنافس المتنافسون؛ لأنَّ الجارّ والمجرور داخلٌ في مدخول الفاء معنويّاً ولفظيّاً؛ باعتبار كونه متعلّقاً بفعل المضارع.
ــــــ[272]ــــــ
(1) إقبال الأعمال: 348، فصل فيما نذكره من أدعية يوم عرفة، وبحار الأنوار 95: 225، أبواب ما يتعلّق بشهر ذي الحجّة …، الباب 2.
(2) بحار الأنوار84: 339، أبواب النوافل اليوميّة وفضلها وأحكامها وتعقيباتها، الباب 13، الحديث 19.
(3) أُنظر: شرح ابن عقيل 3: 227، عطف النسق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الثاني: أنَّ عدمها يوجب الاخلال بالجمال اللفظي، فقد وجدت أو قيلت أو تلفظ بها من أجل ذلك.
الثالث: التفريع أو النتيجة لما سبق، وهذا واضحٌ أيضاً.
الرابع: وهو ما أشرنا إليه في السؤال من كون النتيجة سريعةً لا فاصل زماني بينها وبين أسبابها.
الخامس: نفس الأمر السابق، لكن بعد أن نفهم أنَّها داخلةٌ على الأمر أو على لام الأمر، فينتج وجوب المبادرة السريعة إلى التنافس وعدم تأجيل ذلك والتسامح فيه، وهذا أيضاً واضحٌ.
[عرض إشكالٌ في الميزان ومناقشته]
وهناك إشكالٌ في >الميزان< يحسن عرضه وفهم الجواب عنه:
قال: وأُستشكل في الآية: بأنَّ فيها دخول العاطف على العاطف(1).
أقول: المراد منها: الواو والفاء، وكأنَّ المراد تقدير الجارّ والمجرور متأخّراً، كما لو قال: فليتنافس في ذلك المتنافسون أو فليتنافس المتنافسون في ذلك، وإذا كان الحال هكذا أصبح حرفا العطف متجاورين تماماً، وهو ما يخلّ بالبلاغة حتماً.
وقد أجاب السيّد الطباطبائي+ عنه بجوابين:
الأوّل: ما أفاده بالقول: وأُجيب بأنَّ الكلام على تقدير حرف الشرط، والفاء واقعةٌ في جوابه، وقدّم الظرف ليكون عوضاً عن الشرط. والتقدير: إن أُريد تنافسٌ فليتنافس في ذلك المتنافسون(2).
أقول: يعني: مع اختلاف السنخيّة بين الحرفين يرتفع المحذور، فلا
ــــــ[273]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 238، تفسير سورة المطفّفين.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 238، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يكونان معاً عاطفين. إلّا أنَّ المناقشة في ذلك واضحةٌ؛ لأنَّ تقدير الشرط خلاف الظاهر أكيداً، وكون ظهور الفاء في الشرطيّة -يعني: واقعةً في جواب الشرط- خلاف الظاهر أكيداً.
مضافاً إلى كونه خلاف الواقع، فإنَّ التنافس على الخيرات مطلوبٌ في نفسه، لا أنَّه منوطٌ بإرادة المكلّفين، كما هو ظاهر الشرط.
الثاني: ما استنتجه العلّامة الطباطبائي+ بنفسه حين قال: ويمكن أن يُقال: إنَّ قوله: {وَفِي ذَلِكَ} معطوفٌ على ظرفٍ آخر محذوفٍ متعلّقٍ بقوله: {فَلْيَتَنَافَسِ} يدلّ عليه المقام؛ فإنَّ الكلام في وصف نعيم الجنّة، فيفيد قوله: {وَفِي ذَلِكَ} ترغيباً مؤكّداً بتخصيص الحكم بعد التعميم. والمعنى: فليتنافس المتنافسون في نعيم الجنّة عامّةً وفي الرحيق المختوم الذي يُسقونه خاصّةً. فهو كقولنا: أكرم المؤمنين (عامّةً) والصالحين منهم (خاصّةً). ولا تكن عيّاباً وللعلماء خاصّةً(1).
أقول: فيكون معنى الآية عود الإشارة {وَفِي ذَلِكَ} إلى الرحيق المختوم، ويكون التركيز عليه لأهمّيّته، كأنَّه قال: {وَفِي ذَلِكَ} خاصّةً.
ويرد عليه: أوّلاً: أنَّ هذا تقديرٌ بعيدٌ جدّاً وتعسّفٌ بلا إشكالٍ، على أنَّ أصل التقدير خلاف الظاهر وخلاف الأصل.
ثانياً: أنَّ أمثلته لا تنطبق على القاعدة التي أعطاها؛ لأنَّه قال: {وَفِي ذَلِكَ} معطوفٌ على ظرفٍ آخر محذوفٍ متعلّقٍ بقوله: فليتنافس، وهذا يعني: أنَّ هناك ظرفاً سابقاً عليه مقدّراً؛ ليصحّ أن يكون الجارّ والمجرور معطوفاً عليه؛ فإنَّ كلّ عطفٍ إنَّما يكون على ما قبله لا على ما بعده، كما لو قلنا: وعندئذٍ
ــــــ[274]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 238، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أو يومئذٍ {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.
أقول: إنَّ كلا هذين الوجهين اللذين ذكرهما الطباطبائي+ يشتملان على الإقرار بمضمون الإشكال، وهو دخول العاطف على العاطف في الآية الكريمة، ويحاولان دفعه بالتقدير، يعني: لولا التقدير لكان الإشكال وارداً.
إلّا أنَّ هذا غريبٌ حقيقةً؛ فإنَّه لم يدخل العاطف على العاطف إطلاقاً، فإن ما هو مخلٌّ بالبلاغة هو دخول الواحد على الآخر مباشرةً. كقول الشاعر: (فوكل نفس هانية) فأدخل الفاء على الواو مباشرةً، وهو غلطٌ لا يجوز حتّى في ضرورة الشعر.
أمّا في الآية الكريمة فالأمر يختلف تماماً؛ لأنَّ الواو داخلةٌ على الجارّ والمجرور، والفاء على الفعل المضارع وهذا يكفي.
فإن قلت: فإنَّ الجارّ والمجرور في تقدير المتأخّر من المعنى؛ لأنَّه بتقدير: فليتنافس في ذلك، فيكون العاطفان متجاورين حقيقةً، كأنَّه قال: وفليتنافس.
أقول: هذا هو التقريب الأهمّ والأوضح للإشكال، وهو ساقطٌ بوضوحٍ؛ لأنَّ الفعل اللفظي كافٍ في جواز التعاطف، وإن كان الجارّ والمجرور بتقدير المعنى متأخّراً.
وبتعبيرٍ آخر: إنَّ سياق الآية الكريمة بحاجةٍ إلى كلا الحرفين: الأوّل: الواو للدلالة على العطف على ما قبلها، والثاني: الفاء للدلالة على بيان النتيجة لما قبلها، وكلٌّ منها لا تقوم به الأُخرى. ومع ضرورة الجمع بينهما لابدّ من اختيار ترتيب اللفظ بحيث ينسجم ذوقاً ويكون مناسباً مع البلاغة. وقد اختارت الآية أحسن تلك الوجوه، كما هو واضحٌ لمن يقلب الاحتمالات الأُخرى: منها: أن
ــــــ[275]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يقول: في ذلك فليتنافس (بدون حرف عطفٍ). أو يقول: وفي ذلك ليتنافس (بدون فاء). أو يقول: في ذلك لينافس، أو يقول: ففي ذلك لينافس، أو: ففي ذلك وليتنافس. وهذه الوجوه كلّها ضعيفةٌ، وما في الآية هو المتعيّن.
****
قوله تعالى: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ}:
استمرارٌ في الحديث عن ثواب أصحاب اليمين حين يقول: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ}(1).
فكان قوله: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} كالجملة المعترضة، فكأنَّه قال: {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ … * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ}.
ومزاجه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديره (هو) أو هو مرجع الضمير ابتداءً بعد تعريفه؛ لأنَّ الضمير معرفةٌ. ومرجع الضمير إمّا الرحيق، كما هو ظاهر السياق، وإمّا الختام. وعلى أيّ حالٍ فهي بالرحيق أوفق. ومن هنا يكون الرحيق قد وصف بجملتين متناسقتين لفظاً ومعنىً: (ختامه مسك) و(مزاجه من تسنيم). ولا ينبغي أن تغفل عن التوافق بالألف بين ختامه ومزاجه؛ فإنَّه لطيفٌ من الناحية الأدبيّة.
كما يمكن من ناحية المعنى أن نخطو خطوةً أُخرى؛ وذلك بأن نوافق ونناسق أكثر بين الآيتين، إمّا بحذف (من) من الثانية وإمّا بإيجاد (من) في الأُولى. وهذا هو الأوفق معنىً؛ لأنَّ المراد ليس طبيعي المسك، بل مصداقاً منه، فيكون المحصّل أنَّ ختامه من مسكٍ.
ــــــ[276]ــــــ
(1) سورة المطفّفين، الآيات: 25-28.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
كما أنَّها من ناحية الإعراب يمكن أن تكون واحدةً، فختامه ومزاجه كلاهما خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديره (هو) أو هو نفس مرجعه، أي: الرحيق، كما رجّحناه آنفاً. والمراد: الرحيق ختامه مسكٌ والرحيق مزاجه من تسنيمٍ. أو كلاهما حالٌ من رحيق، أمّا الأُولى فواضحٌ لقربها، وأمّا الثانية فهي معطوفةٌ عليها، فيكون مجموع المعطوف والمعطوف عليه حالاً، أو قل: حالين. أو قل: إنَّ العطف بتقدير تكرار العامل لا يختلف فيه العامل اللفظي، كحرف الجرّ أو الفعل الناصب، والعامل المعنوي، كمحلّ الحال والتمييز والخبر، وخاصّةً المنصوبات لو ناقشنا في المرفوعات، فنحمل (زيدٌ عالمٌ وفاعلٌ) على أنَّ المراد: وزيدٌ فاعلٌ.
ومن الواضح: أنَّ العطف في هذه الآية ليس على ما قبله مباشرةً، وإنَّما على تلك الآية التي اقترنت بها، ومعه يكون قوله: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} كالجملة المعترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، ويستمرّ السياق المعنوي واللفظي والإعرابي، وكأنَّها غير موصوفةٍ.
فإن قلت: إنَّ هذه الآية وما بعدها واقعةٌ بعد قوله: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} فمقتضى السياق أنَّها غير داخلةٍ في التنافس، مع أنَّها داخلةٌ ضمن ثواب الأبرار، ومقتضى القاعدة أنَّها داخلةٌ في التنافس.
وبتعبيرٍ آخر: إنَّه كان ينبغي تأخير هذه الفقرة إلى نهاية وصف ثواب الأبرار، وليس وضعها في هذا المجال.
وجواب ذلك متكوّنٌ من مقدّمتين:
الأُولى: أنَّ قوله: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} فاقدٌ لنسق سائر الآيات. ولذا تعذّر أن يكون نهاية آيةٍ في نفسه، إلّا أن يضاف إليه فقرةٌ تحفظ النسق. ومن هنا أُضيف إليها قوله: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} لتتميم النسق. إذن فالحاجة اللفظيّة لها بحسب الحكمة هنا، وليس بعد ذلك.
ــــــ[277]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الثانية: أنَّ ما بعدها -وهو آيتان- إنَّما هو استمرارٌ في وصف ثواب الأبرار، فيدخل تحت حكمه أو محموله، وهو وجوب التنافس عليه؛ إذ لا خصوصيّة للسابق، فكلّ ما كان كذلك شمله الوجوب، وخاصّةً هو معطوفٌ عليه ومرتبطٌ به لفظيّاً، كما سبق.
مع إمكان إعطاء جوابٍ آخر، وحاصله مرتبط بالمقرّبين؛ فإنَّهم مذكورون مرّتين: أحدهما: في السياق السابق على قوله: {فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}، وهو قوله: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}. وثانيها: في سياق اللاحق لها، وهي قوله: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ}.
ومن الواضح: أنَّ مجرّد أن يشهده المقرّبون أخفّ وأدنى من العين التي يشرب بها المقرّبون؛ لأنَّ معناه أنَّ المقرّبين يتعايشون نسبيّاً مع الأبرار، ولا ينظرون إليهم فقط.
إذن فمن الممكن أن يكون المستوى السابق الموصوف من الثواب هو الذي يجب التنافس فيه. وأمّا المستوى اللاحق له فهو أعلى وأجلّ من أن يمكن التنافس فيه. ولذا جعله الله لفظيّاً بعد قوله: {فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.
[التفسير اللغوي للكلمات]
أمّا التفسير اللغوي للكلمات فالمزاج من المزج. قال الراغب: مزج الشراب خلطه، والمزاج ما يُمزج به. قال تعالى: {مِزَاجُهَا كَافُورًا}(1)، {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ}(2)، {كانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً}(3)(4).
ــــــ[278]ــــــ
(1) سورة الإنسان، الآية: 5.
(2) سورة المطفّفين، الآية: 27.
(3) سورة الإنسان، الآية: 17.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 487، مادّة (مزج).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
[أطروحات في تفسير المزاج]
أقول: يمكن في المزاج عدّة أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى: أن يكون مصدراً بمعنى المزج، غايته أنَّه اسم مصدرٍ، وليس بمصدرٍ حقيقةً.
أو قل: إنَّ الفرق بين المزاج والمزج هو الفرق بين المصدر واسم المصدر.
الأُطروحة الثانية: الممزوج وهو ما يمتزج به، كما سمعنا من الراغب، فإذا خلطت الحليب بالماء كان الحليب مزاجه الماء، أي: الممزوج به.
الأُطروحة الثالثة: المجموع المخلوط، وليس فقط المادّة المضافة، فيُقال: هذا المزاج متكوّنٌ من حليبٍ وماءٍ، ويُعبّر عنه بالممزوج أيضاً، ونريد المجموع لا الماء فقط؛ لأنَّه كما مزج الحليب بالماء فقد مزج الماء بالحليب، فأصبح المجموع ممزوجاً أو مزيجاً أو مزاجاً، ومنه يعبّر بالمزاج عن صحّة الإنسان. وهو تعبيرٌ عن المزج والتناسب والتنافس بين الأخلاط الأربعة: الصفراء والسوداء والدم والبلغم، والأمزجة الأربعة: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة(1).
والوجه فيه: أنَّهم كانوا يعتقدون في الطبّ القديم(2) أنَّ لهذه الأُمور تناسقاً معيّناً يحفظ الصحّة، فإذا زال بعضها على بعض اختلّت الصحّة، ومن هنا كانوا يقولون: اختلّ مزاجه أو مزاجه غير مستقيمٍ، أو تقول حين تسأل عن صحّته: كيف مزاجك؟
ــــــ[279]ــــــ
(1) وهناك العناصر الأربعة: الهواء والتراب والماء والنار. وقال في الشرائع [1: 52، وقت النوافل اليومية]: (يمنعه رطوبة رأسه)، يريد الرطوبة المزاجيّة والفعليّة. (منه+).
(2) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 10: 431، جامع البيان في تفسير القرآن 30: 69، الجامع لأحكام القرآن 20: 266، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
[شرح كلمة (تسنيم)]
وسيأتي المعنى التركيبي للآية الكريمة بعد شرح الكلمة الأُخرى، وهي تسنيم. ولم يتعرّض لها الراغب بالتفصيل وإن ذكرها إجمالاً(1). وقال الطريحي في >المجمع<: وهو عينٌ في الجنّة، وهو أشرف شرابٍ في الجنّة. وعن ابن عبّاس -وقد سُئل عن تسنيم- فقال: هذا ممّا يقول الله تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}(2). وقيل: هو نهرٌ يجري في الهواء وينصبّ في أواني أهل الجنّة بحسب الحاجة. كذا في تفسير الشيخ أبي علي(3) (يعني: الطبرسي في >مجمع البيان<(4)). و(عيناً) مفعولٌ له أو حالٌ، كما قيل، ويمكن أن يُقال في معناه عدّة أُمورٍ:
[أقوال في معنى (تسنيم)]
الأوّل: أنَّه عينٌ في الجنّة.
الثاني: أشرف شرابٍ في الجنّة.
الثالث: نهرٌ في الهواء في الجنّة.
الرابع: (تسنيم) تفعيلٌ، وهي صيغة مصدرٍ من سنّم يسنّم تسنيماً، وهو من السنام، أي: رفعه عالياً وجعله كالسنام، وهو إشارةٌ إلى الشرف والمنزلة مهما كان موضوعه ومعناه.
الخامس: لعلّ هناك قراءةً بالقلب (تنسيم) والمراد به لطافة كلطافة النسيم، وهو أيضاً مصدرٌ أو اسم مصدرٍ من نسم ينسم إذا أعطى النسيم أو لطافة النسيم. إلّا أنَّه يتوقّف على وجود قراءةٍ فيه، فتبقى الأُطروحة شاذّةً
ــــــ[280]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 251، مادّة (سنم).
(2) سورة السجدة، الآية: 17.
(3) أُنظر: مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 456، تفسير سورة المطفّفين.
(4) مجمع البحرين 6- 92-93، مادّة (سنم).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
متوقّفةً على ثبوت القراءة.
السادس: أن يُراد بالتسنيم التنسيم من باب إرادة القلب، وهو نادرٌ في اللغة، إلّا أنَّه موجودٌ، وتكون نتيجته نفس نتيجة الوجه السابق.
وأمّا (من) فهي تبعيضيّة، غير أنَّ البعض يصدق على جزء الكلّ وعلى جزئي الكلّي، فإن كان التسنيم جزئيّاً كعين أو نهر في الجنّة. فالمقصود من التبعيض جزء الكلّ، أي: يخلط من ماء هذه العين بالرحيق المختوم؛ لكي يشربه الأبرار، فيكون ألذّ وأبهج لهم.
وإن كان (تسنيم) كلّيّاً كما لو أُريد به معنى الشرف والارتفاع، كان هذا مصداقاً من الكلّي. إلّا أنَّ المزج يكون عندئذ مجازيّاً، أي: إنَّ الرحيق ممزوجٌ بالشرف المعنوي.
ثُمَّ إنَّه ذكر المفسّرون: أنَّ (تسنيم) عينٌ في الجنّة يشرب منها المقرّبون صفاءً ويخلط من مائها لشراب الأبرار، فالأبرار يشربون المخلوط بتسنيم وليس تسنيماً خالصاً، وهو أشرف شرابٍ في الجنّة.
وهذا التفكير متوقّفٌ على أمرين: معنوي ولفظي:
أمّا المعنوي فباعتبار فهمهم لمستوى المقرّبين أو قل: لعدم فهمهم له، بحيث إنَّ المقرّبين يشربون من عينٍ ويأكلون وينكحون.
أقول: وإنَّما كلّ ذلك للأبرار، وليس للمقرّبين منه شيءٌ؛ لما قلناه من أنَّ ثوابهم يختلف سنخاً.
ومن الواضح: أنَّنا يمكن أن نلاحظ أنَّه أشرف شرابٍ في الجنّة مع أنَّه ماءٌ كسائر المياه يروي من العطش، فكيف يختلف عن غيره، مع أنَّ الشرفيّة فيها مميّزاتٌ محسوسةٌ وعمليّةٌ، كشرفيّة القرآن على سائر الكلام؟
ــــــ[281]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وأمّا اللفظي فباعتبار أنَّ (تسنيم) عينٌ عند المقرّبين يشربونها صرفاً ويخلط شيءٌ من مائها للأبرار، ولذا قال: {تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ}.
وفي مقابله فهمٌ آخر، وهو أنَّ العين موجودةٌ عند الأبرار لا عند المقرّبين(1)، ولكن لها عدّة مزايا مستقلّةٍ عن بعضها البعض: منها: أنَّ مزاجها من تسنيم (بدون أن نشير إلى معناه). ومنها: أنَّها يشرب منها المقرّبون، وفي ذلك زيادةٌ لسعادة وبهجة الأبرار حين يرون مشاركة المقرّبين لهم في حياتهم، لو صحّ التعبير. ولذا قال: (يشرب بها) ولم يقل: (منها) أو (يشربها) على ما سيأتي من شرحه.
وعلى أيّ حالٍ فإن فهمنا من (تسنيم) معنىً كلّيّاً كارتفاع الشأن، فقد تمّ المطلب، كما قلنا. وإن كان معناه عيناً لدى المقرّبين، لم ينافِ ما قلناه؛ إذ من الممكن أن تكون هناك عيونٌ عديدةٌ بعضها عند الأبرار وبعضها عند المقرّبين ويخلط من ماء المقرّبين بماء الأبرار، أو يأتي المقرّبون للشرب من ماء الأبرار.
ولا يخفى: أنَّ شرب المقرّبين من ماء الأبرار وإن كان فيه خيرٌ وبهجةٌ للأبرار، إلّا أنَّ فيه نقصاً للمقرّبين؛ لأنَّه لا يكون إلّا بتقمّصهم قميص الأبرار ودخولهم في مستواهم وتناولهم ممّا يناسبهم، وهذا قد يحدث في الدنيا، وقد سمعنا بهذا الصدد: أنَّ >حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين<(2).
ــــــ[282]ــــــ
(1) وإن فهم المشهور: أنَّ العين موجودةٌ عند المقرّبين، ثُمَّ يُحمل من ماءِها شيءٌ، فيُراق في شراب الأبرار، فيخلط منها للأبرار شيءٌ (منه+).
(2) كشف الغمّة 2: 254، ذكر الإمام السابع أبي الحسن موسى الكاظم× …، قصص الأنبياء (للجزائري): 37، الباب الأوّل، الفصل الثالث، وبحار الأنوار 25: 205، كتاب الإمامة، أبواب علامات الإمام وصفاته وشرائطه …، الباب 6.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فإذا شرب المقرّب من ماء البرّ -يعني: عمل عمله وشابه مستواه- كان خاطئاً واعتبرت له من الناحية الأخلاقيّة سيّئةً وجريمةً.
وينبغي أن نلاحظ: أنَّه ليس المراد أنَّ المقرّبين يشربون من نفس الماء الذي يشرب به الأبرار فعلاً؛ لتعذّر ذلك بل استحالته؛ فإنَّ الرزق الذي يأتيك لا يذهب إلى غيرك، وإنَّما مثله ومن سنخه.
****
قوله تعالى: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ}:
[لماذا قال: بِهَا ولم يقل: منها أو فيها أو عليها]
لماذا قال: {بِهَا} ولم يقل: منها أو فيها أو عليها؟ والأقرب عرفاً أن يقول: منها، أي: من بعض مائها.
وجوابه عدّة أُمورٍ:
الأوّل: أن تكون الباء بمعنى (من)؛ فإنَّ الحروف قد يُستعمل بعضها في محلّ بعضٍ.
الثاني: أنَّ الباء تُفيد معنى المكان، فيُراد من العين وجودها الطبيعي، وحين يشربون منها يذهبون إليها ويكونون بها، أي: في المحلّ التي تكون موجودةً.
الثالث: أنَّ الباء تُفيد معنى الظرفيّة، كالكأس الذي يشرب به الماء، فيكون المراد معنىً معنويّاً؛ لأنَّ العين المعنويّة يشرب بها لا أنَّه يشرب منها؛ لأنَّها في الحقيقة تشرب كلّها لا بعضها ليصدق استعمال (منه). وإنَّما تكون هي طريقاً إلى التكامل، فيصدق معنى الباء السببيّة.
قال العكبري: قوله تعالى {عَيْنًا} أي: أعني: عيناً. وقيل: التقدير: يُسقون عيناً، أي: ماء عينٍ. وقيل: هو حالٌ من تسنيم، وتسنيم علمٌ (فيكون معرفةً بالرغم من أنَّ لفظه نكرةٌ) وقيل: تسنيم مصدرٌ، وهو الناصب عيناً(1)،
ــــــ[283]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 283، سورة التطفيف.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يعني: كمفعول به. وإلّا لو غضننا النظر عن ذلك لكان نعتاً لتسنيم، فيجب أن يكون مجروراً.
ويمكن فيها بعض الوجوه الأُخرى: منها: كونه مفعولاً به لقوله: {فَلْيَتَنَافَسِ}، ويكون قوله: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} بمنزلة الجملة المعترضة.
فإن قلت: إنَّه يأتي في اللغة تنافس على كذا، ولا يأتي متعدّياً بدون حرفٍ.
قلنا: أوّلاً: إنَّه يمكن لغةً بالحرف وبدون الحرف.
ثانياً: إنَّنا لو أثبتنا عدم كونه متعدّياً بدون حرفٍ، أمكن القول بكونه منصوباً بنزع الخافض.
كما أنَّه يمكن أن يكون مفعولاً به ليسقون السابقة، كأنَّه قال: ليسقون عيناً من رحيقٍ مختومٍ، كما يصحّ أن يكون حالاً من الرحيق.
****
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ}:
هذا سياقٌ طويلٌ في المقارنة بين حال الكفّار وحال المؤمنين، أو قل:
– حسب فهم مشهور المفسّرين(1)-: إنَّه مقارنةٌ بين حال الكفّار في الدنيا وحال المؤمنين في الآخرة.
والحديث كأنَّه صادرٌ في الآخرة نفسها؛ بقرينة شرح ثواب الأبرار وعقاب الكفّار، ولذا يقول: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} أي: كانوا كذلك في الحياة الدنيا، في مقابل قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ
ــــــ[284]ــــــ
(1) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 70، الجامع لأحكام القرآن 20: 267، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 283، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} يعني: في الحياة الأُخرى، حسب فهم المشهور.
وهنا قال السيّد الطباطبائي+: ويعطي السياق: أنَّ المراد بالذين آمنوا هم الأبرار الموصوفون في الآيات، وإنَّما عبّر عنهم بالذين آمنوا لأنَّ سبب ضحك الكفّار منهم واستهزائهم بهم إنَّما هو إيمانهم، كما أنَّ التعبير عن الكفّار بالذين أجرموا للدلالة بذلك على أنَّهم من المجرمين(1).
وقد أجاب عن سؤالين:
[لماذا بدّل لفظ (الأبرار) إلى (الذين آمنوا)]
السؤال الأوّل: لماذا بدّل لفظ (الأبرار) إلى (الذين آمنوا)؟ وجوابه من وجهين:
الوجه الأوّل: ما أفاده السيّد الطباطبائي+ من: أنَّه إشارةٌ إلى أنَّ ضحك الكفّار من أجل جهة الإيمان التي عندهم(2). وهذا متوقّفٌ على أحد أمرين كلاهما باطلٌ: أمّا أنَّ الكفار يضحكون على الأبرار فقط دون المقرّبين فهو باطلٌ؛ لأنَّهم يضحكون على كلا المجموعتين. وأمّا أنَّ المقرّبين ليسوا من المؤمنين -والعياذ بالله- فهو واضح البطلان. ومعه يتعيّن الوجه الثاني.
الوجه الثاني: أنَّ المراد حصول الضحك عند كلتا المجموعتين المشار إليهما في السياقات السابقة؛ فإنَّه ذكر الأبرار وذكر المقرّبين. ومن الواضح: أنَّ الكفّار ضدّ مطلق المؤمنين المتمثّل بهما معاً.
[لماذا بدلّ لفظ (الكفّار) إلى عنوان (الذين أجرموا)]
السؤال الثاني: الذي أجاب عنه العلّامة الطباطبائي+(3): أنَّه لماذا بدلّ لفظ (الكفّار) إلى عنوان (الذين أجرموا)؟
ــــــ[285]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 239، تفسير سورة المطفّفين.
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ويرد عليه: أنَّما ذكره السيّد الطباطبائي+ من: أنَّه إشارةٌ إلى أنَّ الضحك بنفسه جريمةٌ، فهم يضحكون بصفتهم من الذين أجرموا(1). وهذا مطلبٌ صحيحٌ، إلّا أنَّه يتوقّف على أمرين:
الأمر الأوّل: أن يكون هناك عنوانٌ محدّدٌ في السياق السابق للكفّار؛ لكي نتوقّع ذكره في هذا السياق غير عنوان (الذين أجرموا)، في حين أنَّ هذا لا وجود له؛ لأنَّه فيما سبق عبّر بعدة تعبيراتٍ حسب المناسبات من قبيل: المطفّفين، الفجّار، المكذّبين، كلّ معتدٍ أثيمٍ. فمن المنطقي أن يختار الآن لفظاً جديداً، كما اختار في كلّ مرةٍ لفظاً جديداً، ويكون سبب اختياره هو الإشارة إلى إجرامهم، كما قال السيّد الطباطبائي+(2).
الأمر الثاني: أن يكون لفظ الكفّار موجوداً فيما سبق لنتوقّع وجوده في هذه الآية، وهو مفقودٌ بالمرّة في السورة كلّها، وإنَّما كان التعبير عنهم بألفاظٍ مختلفةٍ غير ذلك، كما سبق.
وضحك الكفّار من المؤمنين أمرٌ ثابتٌ ودائمٌ على مرِّ الأجيال ووجداني، وهو ممّا يضرّ المؤمنين دنيويّاً وينفعهم أُخرويّاً. كما أنَّه ينفع الكفّار دنيويّاً ويضرّهم أُخرويّاً. والكفّار حين أنكروا الآخرة فهم يلاحظون النفع الدنيوي فقط.
[الضحك الثبوتي والإثباتي]
والضحك ثبوتي وإثباتي، فالضحك الإثباتي نريد به الاستهزاء الظاهري مع اعترافهم في الباطن، أي: في دخيلة أنفسهم. ولكنّهم يستهزئون بهم لأجل إبعاد الناس عنهم وإفشال أهدافهم. وهذا -أعني: الضحك الإثباتي- هو
ــــــ[286]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 239، تفسير سورة المطفّفين.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأعمّ الأغلب بين الكفّار.
وأمّا الضحك الثبوتي فهو يصدر ممّن يرى حقيقته في فلسفته ونظرته للكون والمجتمع وأنَّ فلسفة المؤمنين ونظرتهم خاطئةٌ ومتدنّيةٌ، كالشيوعيّين والوجوديّين وأضرابهم، وهم قلّةٌ؛ لأنَّه عادةً لا يكون إلّا بعد قناعة الفرد بالفلسفة المادّيّة التي يسير عليها.
إلّا أنَّه من المستطاع القول: إنَّ هذا غير موجودٍ إطلاقاً.
أوّلاً: لأنَّ هؤلاء الكفّار وإن كان عندهم فلسفةٌ ونظرةٌ خاصّةٌ، إلّا أنَّهم يعلمون أنَّ للمؤمنين فلسفةً ونظرةً مّا، وليس عملهم سائباً أو متفرّقاً. فهم من هذه الناحية يحترمونهم وإن آمنوا بخطأ فلسفتهم؛ لأنَّ كون الفرد أو المجموعة ذا فلسفةٍ في الحياة إنَّما هو نقطة قوّةٍ توجب الاحترام والتقدير في الجملة؛ فإنَّ صاحب الفلسفة مهما كان فهو خيرٌ من الفرد المتسيّب البوّال على عقيبه.
ثانياً: أنَّه لا يوجد إبرازٌ كاملٌ عن الكفّار بفلسفاتهم ولا برهان حقيقي على صحّتها، وإنَّما هي متكوّنةٌ من استبعاداتٍ وظنونٍ لا أكثر ولا أقلّ. مضافاً إلى أطماعٍ دنيويّةٍ متدنّيةٍ. والكفّار يعلمون ذلك بلحاظ أنفسهم. إذن فضحكهم من المؤمنين لن يكون ثبوتيّاً حقيقيّاً، وإنَّما هو ظاهري أو إثباتي، كما سمّيناه.
وبهذا نفهم: أنَّ قوله تعالى -فيما يأتي-: {وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ}(1) إنَّما هو كلامٌ مصلحي وشخصي، وليس عن قناعةٍ وفلسفةٍ حقيقيّةٍ ودقيقةٍ.
ــــــ[287]ــــــ
(1) سورة المطفّفين، الآية: 32.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وإذا قارنّا بين الضحكين أو الاستهزاءين -أعني: استهزاء الكفّار من المؤمنين واستهزاء المؤمنين من الكفّار المذكور في قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ}- وجدنا أنَّ ضحك الكفّار ضدّ المؤمنين لا يكون إلّا في الدنيا، ويستحيل – أي: استحالة واقعيّة لا عقليّة- أن يكون في الآخرة بعد انكشاف الحقائق أو بعضها للكفّار. فإذا رأوا الآخرة فحينها يقولون: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}(1) أو يقول أحدهم: {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}(2). أو يقولون: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ}(3) وهكذا. فضحك الكفّار من المؤمنين منتفٍ في الآخرة قطعاً، بل هو بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع.
غير أنَّ ضحك المؤمنين من الكفّار قد فهمه مشهور المفسّرين في الآخرة فقط(4)، وليس كذلك.
فإمّا أن نقول: إنَّه في كلا الدارين، غاية الأمر أنَّه يكون في الدنيا بأحد سببين: أحدهما: الإيمان العميق في القلوب بأنَّ الكفّار على خطأٍ، فهم يستهزئون باعتقاداتهم وبأفعالهم. وثانيهما: أنَّه قد يحدث في بعض الأحيان انتصارٌ للمؤمنين بحيث يتسلّطون ضدّ الكفّار، ويكون لهم القوّة والكبرياء في الأرض، فتنفتح فرصة الضحك على الكفّار، وهذا قد يحدث في بعض
ــــــ[288]ــــــ
(1) سورة يس، الآية: 52.
(2) سورة المؤمنون، الآيتان: 99-100.
(3) سورة السجدة، الآية: 12.
(4) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 10: 432، الجامع لأحكام القرآن 20: 268، مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 694، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأحيان، كزمن حكم رسول الله’ في المدينة المنوّرة، وحكم البويهيّين وحكم الصفويّين وحكم القائم المهدي×.
وإمّا أن نقول: إنَّه يحدث في الدنيا فقط لأحد ذينك السببين، ولا يحدث في الآخرة إطلاقاً. إذن المؤمنون في الآخرة في غنىً عن هذا الضحك نفسيّاً واجتماعيّاً لو صحّ التعبير، وفي درجاتٍ عليا لا يتذكّرون فيها الكفّار إطلاقاً ليضحكوا منهم. وإنَّما إذا تذكّروهم فإنَّهم يقولون لهم: {قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}(1).
وإمّا أن نقول: إنَّ الضحك إنَّما يحدث من الكفّار في الدنيا. وأمّا من المؤمنين فلا يحدث لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنَّهم دائماً في غنىً عن ذلك، وليسوا أهل إسفافٍ وإسرافٍ بحيث يكون الضحك مناسباً لهم أو موافقاً لحالهم وفعالهم ومقامهم.
فإن قلت: فإنَّ الضحك منصوصٌ في الآية الشريفة: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ}(2).
قلنا: هذا له أحد سببين: إثباتي وثبوتي:
أمّا الإثباتي فهو المقابلة اللفظيّة للضحك بالضحك. فكما قال عن الكفّار: (إنَّهم يضحكون)، فإنَّه يعبّر عن شعور المؤمنين بالضحك أيضاً.
وأمّا الثبوتي فإنَّه من الممكن أن يصدر منهم الضحك أحياناً على الكفّار ولو أحياناً قليلةً، لا أنَّهم يندفعون بالضحك المستمرّ على الكفّار، كما هو واضحٌ، بل ولا في غالب الأحيان. وإنَّما الحال الغالب في الدنيا هو الاعتقاد
ــــــ[289]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 44.
(2) سورة المطفّفين، الآية: 34.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بخطئهم وتدنّيهم وفسادهم، وكذلك الفرح أحياناً، كما قال سبحانه: {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ …}(1).
والحال الغالب في الآخرة هو التبكيت بالكفّار {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا}(2)، مضافاً إلى الفرح بزوال بلائهم عنهم وحصول الانتقام منهم، كما قال الله تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(3) وهذا الانقطاع يحصل في كلا الدارين.
فإن قلت – دفاعاً عن المشهور-: إنَّ الآيات الأخيرة في السورة نصٌّ في حدوث الضحك في الآخرة بقرينتين:
الأُولى: قوله تعالى: {عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} أي: إنَّهم يضحكون حال كونهم على الأرائك ينظرون، وهذا لا يحصل إلّا في الآخرة، ولا يحصل في الدنيا؛ لأنَّ حال المؤمنين في الدنيا ليس كذلك غالباً، كما هو واضحٌ.
الثانية: قوله تعالى: {هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} -كما يأتي- معنىً ثبوتيّاً ومعنى إثباتيّاً. أمّا المعنى الثبوتي فهو الذي فهمه المشهور(4) من: أنَّهم واقعاً لم يستفيدوا الثواب من أعمالهم السيّئة ومن ضحكهم ضدّ المؤمنين.
وأمّا المعنى الإثباتي فهو: أنَّ من أسباب ضحك المؤمنين ضدّ الكفّار هو استهزائهم من هذه الناحية، وهو عدم حصول الكفّار على الثواب بإزاء
ــــــ[290]ــــــ
(1) سورة التوبة، الآيتان: 14-15.
(2) سورة الأعراف، الآية: 44.
(3) سورة الأنعام، الآية: 45.
(4) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 71، الجامع لأحكام القرآن 20: 268، مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 694، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
عقائدهم وأعمالهم، في حين كانوا يتخيّلون ذلك في الدنيا. فقوله تعالى: {هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} من أسباب ضحك المؤمنين ضدّهم، وهذا لا يكون إلّا في الآخرة؛ لأنَّ المهمّ إدراك الكفار بوضوحٍ عدم حصولهم على الثواب بإزاء أعمالهم الدنيويّة، وهذا لا يكون إلّا في الدار الآخرة. إذن لا يكون الضحك إلّا في الآخرة.
قلت: أوّلاً: يمكن أن يكون ضحك المؤمنين على الكفّار في الدنيا والآخرة.
ثانياً: إنَّ قوله: {عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} يمكن أن ينطبق على الدنيا، كما يمكن أن ينطبق على الآخرة. أمّا انطباقه على الآخرة فيمكننا أن نسمّيه مادّيّاً؛ لأنَّهم فعلاً على الأرائك في الجنان، وأمّا انطباقه على الدنيا فمعنوي. نعم، هم على التراب في الدنيا، أي: مادّيّاً، إلّا أنَّهم على الأرائك معنويّاً وإيمانيّاً وإنسانيّاً.
ثالثاً: إنَّنا إذا نفينا ضحك المؤمنين بهذه الصفة في الدنيا والآخرة، فلا يمكن أن تكون تلك الآيات قرينةً على ذلك.
كما يمكن أن يكون {الْيَوْمَ} إشارةً إلى أُمورٍ أُخرى منها:
الأوّل: يوم نزول القرآن.
الثاني: يوم نزول الإسلام.خ
الثالث: يوم انتشار الإسلام.
الرابع: يوم قوّة الإسلام بالمعنى المتكامل.
الخامس: درجة من الوعي والثقافة الدينيّة ينالها المؤمنون بحيث يدركون أنَّ عقائد الكفّار مضحكةٌ حقّاً.
ــــــ[291]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
السادس: درجةٌ من الإيمان ينالونها، فيدركون ذلك أيضاً. وهنا لا ننسى أنَّ المراد هنا هو الأبرار ممّا فوقهم، وليس من هو دونهم من أصحاب اليمين.
[لماذا تعدّى بـ(من) ولم يتعدَّ بـ(على) في الآية]
ثُمَّ إنَّه يُلاحظ: أنَّ قوله تعالى: {كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} تعدّى بـ(من)، والغالب أنَّه يتعدّى بـ(على)، نقول: ضحكت عليه. فكيف حصل ذلك؟
أقول: كلاهما فصيحٌ، والواو في التنزيل هو التعدية بـ(من)، كما في هذه الآية، وفي قوله تعالى: {وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ}(1) بل هو أقرب إلى البلاغة والفصاحة، ولا يخلو جرّه بعلى من ابتذالٍ ونقصٍ بلحاظ جهته اللغويّة.
مضافاً إلى أنَّ (من) تفيد التسبيب، أي: إنَّهم سببٌ للضحك، و(على) تفيد المضادّة، يعني: يضحكون ضدّهم، والمضادّة غير مستلزمةٍ للتسبيب؛ إذ يمكن أن يضحكوا ضدّه بسببٍ آخر. إلّا أنَّ التسبيب لابدّ أن يكون للمضادّة في الأعمّ الأغلب. ومن هنا يتّضح أنَّ (من) يظهر منها كلا الأمرين، و(على) تدلّ على معنىً واحدٍ، فيكون (من) أولى بالاستعمال(2).
****
ــــــ[292]ــــــ
(1) سورة المؤمنون، الآية: 110.
(2) فإن قلت: قوله {كَانُوا} يدلّ على أنَّ العمل في الآخرة وأنَّهم كانوا في الدنيا.
قلنا: كلّا؛ فإنَّ الظاهر أنَّها للشأنيّة، كما ذكرنا في بحث الأُصول، كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [سورة الأنفال، الآية: 33] وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [سورة الأنفال، الآية: 33] وقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [سورة النساء، الآية: 134] (منه+).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ}:
فيها عدّة أُمور ممّا يدخل في بحثنا:
[مرجع الضمائر في قوله: مَرُّوا بِهِمْ]
منها: مرجع الضمائر في قوله: {مَرُّوا بِهِمْ}؛ فإنَّ المشهور(1) -كما عليه السيّد الطباطبائي+(2) أيضاً- يجعل الضمير الفاعل عائداً على الكفّار، ويجعل الضمير المجرور عائداً على المؤمنين، يعني: إذا مرّ الكفّار بالمؤمنين، فإنَّهم يتغامزون.
إلّا أنَّه يمكن العكس، يعني: أنَّه إذا مرّ المؤمنون بالكفّار، فإنَّ الكفّار يتغامزون.
كلّ ما في الأمر: أنَّ هناك قرينةً سياقيّةً تدلّ على أنَّ الضمير في (يتغامزون) راجعٌ إلى الكفّار، أو قل: راجعٌ إلى نفس مرجع الضمير في (يضحكون)، وهو الكفّار، وإن كان في الإمكان إرجاعه إلى المؤمنين، أي: إنَّ المؤمنين يتغامزون ضدّ الكفار. إلّا أنَّه بعيدٌ في السياق، ولكنّه غير مرتبطٍ بالضميرين السابقين عليه، بل يصحّ كلا التقديرين على كلا التقديرين فيها.
[التعرّض إلى معنى (يتغامزون) مادةً وهيئة]
ومنها: التعرّض إلى معنى (يتغامزون) من ناحية الهيئة ومن ناحية المادّة. أمّا من ناحية الهيئة فهي تفاعلٌ، ويفيد التبادل والتشارك بين جماعة كالتعارف والتضارب والتفاهم ونحوها. فالمحصّل: أنَّهم يتشاركون في الغمز لبعضهم البعض.
وأمّا المادّة فقد قال الراغب: أصل الغَمز الإشارة بالجفن أو اليد طلباً
ــــــ[293]ــــــ
(1) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 10: 432، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 566، وغيرها.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 239، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
إلى ما فيه مُعابٌ، ومنه قيل: ما في فلان غميزةٌ، أي: نقيصةٌ يُشار بها إليه، وجمعها غمائز. قال: {وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ}(1)(2).
وحسب فهمي: أنَّ هذا المقدار الذي بيّنه الراغب لا يكفي، وإنَّما لهذه المادّة أحد منشأين لغويّين:
المنشأ الأوّل: أنَّ الغمز هو الضغط بقوّةٍ، يُقال: غمزته بيدي، ومنه غمزة القماش خلال الغسل، وهو ضغطه وفركه.
ومن المعلوم: أنَّ الضغط قد يحصل بشكلٍ نفسي أو معنوي، وأنَّ تأثير العين ليس بأقلّ من تأثير اليد، ومن هنا سُمّي غمزاً.
المنشأ الثاني: أنَّه أصلٌ من الغمض، وهو إغلاق العين، ومن المعلوم أنَّ طريقة الغمز توجب غمض العين، كما أنَّ من المعلوم أنَّ الزاي كأنَّه مخفّفٌ عن الضادّ، فيكون كأنَّه لوحظ فيه الغمض الخفيف، أو أنَّهم لطّفوه بالزاي ليكون فرقاً عن الإغماض الكامل.
وعلى أيّ حالٍ فكلا الوجهين لا ينافي ما قاله الراغب من إرادة الغمز بالعين لإظهار العيب، كما عليه فهم المشهور من الآية والارتكاز المتشرّعي(3).
إلّا أنَّ الإنصاف أنَّ متعلّق التغامز أو أداته التي يمكن أن تذكر إمّا العين أو اليد، وقد سمعنا من الراغب إمكانه باليد، كما فهمنا من الوجه الأوّل السابق ذلك أيضاً، ومن هنا يمكن فهمه من الآية الكريمة، كأنَّه يغمز
ــــــ[294]ــــــ
(1) سورة المطفّفين، الآية: 30.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 378، مادّة (غمز).
(3) أُنظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 5: 296، الجامع لأحكام القرآن 20: 267، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بعضهم لبعض بيده؛ لكي يلفته إلى وجود المؤمنين من زاوية الاستهزاء والزراية بهم.
ومنها: أنَّ المهمّ ليس هو المرور، وإنَّما ذلك هو مورد النزول؛ لأنَّ المؤمنين مشغولون بصلاتهم وذكرهم، فيمرّ عليهم الكفّار فيتغامزون، وإلّا فالمراد هو مجرّد رؤيتهم أو مجرّد الالتفات إليهم وتذكّرهم؛ بدليل أنَّه كلّما مرّ ذكرهم – وإن لم يكونوا حاضرين- فإنَّهم يتغامزون ويضحكون.
ولا يخفى: أنَّ هذا من مورد علم الغيب في مورد النزول؛ فإنَّ تغامزهم غير معروفٍ لدى المؤمنين، وبالأولى أن لا يكون فكاهتهم عند أهلهم معروفاً، فأخبر عنهم القرآن الكريم وكشفهم.
نعم، هذا بالنسبة إلى أُناسٍ معيّنين أينما كانوا، وأمّا بالنسبة إلى الكلّي فلا يحتاج إلى علم الغيب، بل نعلم أنَّ بعض أفراد الكلّي هم كذلك، أعني: الكلّي من الكفّار والفجّار.
****
قوله تعالى: {وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ}:
[مادّة (انقلبوا)]
أمّا مادّة (انقلبوا) فقد قال الراغب: قلب الشيء تصريفه وصرفه عن وجهٍ إلى وجهٍ، كقلب الثوب، وقلب الإنسان أي: صرفه عن طريقته. قال تعالى: {وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ}(1). والانقلاب الانصراف. قال: {انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ}(2) وقال: {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}(3) وقال:
ــــــ[295]ــــــ
(1) سورة العنكبوت، الآية: 21.
(2) سورة آل عمران، الآية: 144.
(3) سورة الأعراف، الآية: 125.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
{أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}(1) وقال: {وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ}(2).
أقول: يعني: انصرفوا، وهو بمعنى تغيير العزم من الخروج من البيت إلى الرجوع إليه والدخول فيه؛ فإنَّ قوله: {إِلَى أَهْلِهِمُ} أي: إلى دار أهلهم ومسكنهم، والأهل هم الأُسرة والأصدقاء.
و(انقلبوا) هنا فعل ماضٍ، إلّا أنَّنا قلنا في بحث الأُصول: إنَّ أداة الشرط تقلبه إلى معنى المستقبل(3)، ولذا فإنَّ (إذا) هنا نصٌّ في المستقبل. وهذا ثابتٌ ما لم تقم قرينةٌ على الخلاف؛ لأنَّه قد يُقال: إنَّ قوله: {وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} لا يُراد به المستقبل.
وجوابه من وجهين:
الأوّل: أنَّه دلّ السياق على التوسّع من هذه الناحية، يعني: في كافّة الأزمنة الثلاثة؛ لأنَّ عادتهم تقتضي ذلك.
الثاني: أنَّ (إذا) هنا(4) ليست شرطيّةً، بل ظرفيّةً، فلذا لم يدخل الفاء في جوابها. وأمّا الثانية(5) فيتعيّن كونها شرطيّةً.
[قوله: فَكِهِينَ]
وأمّا قوله: {فَكِهِينَ} فقد قال الراغب: الفكاهة حديث ذوي الأُنس. وقوله: {فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ}(6) قيل: تتعاطون الفكاهة. وقيل: تتناولون
ــــــ[296]ــــــ
(1) سورة الشعراء، الآية: 227.
(2) سورة المطفّفين، الآية: 31.
(3) أُنظر: منهج الأُصول 5: 360، الواجب المطلق والمشروط.
(4) أي: الواردة في قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ}.
(5) أي: الواردة في قوله تعالى: {وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ}.
(6) سورة الواقعة، الآية: 65.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الفاكهة. وكذلك قوله: {فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ}(1)(2).
وقد فهم السيّد الطباطبائي+ منه مطلق اللذّة، فقال: انقلبوا ملتذّين فرحين بما فعلوا، أو هو من الفكاهة بمعنى: حديث ذوي الأُنس، والمعنى: انقلبوا وهم يحدّثون بما فعلوا تفكّهاً(3).
والمعنى الذي كنت ولا زلت أفهمه: أنَّهم إذا رجعوا إلى أهلهم ذكروا أنَّهم رأوا المؤمنين وضحكوا عليهم بين أهلهم، كما ضحكوا عليهم في الطريق بين أصحابهم، وليس المراد: أنَّهم فرحون بما فعلوا، بل هو فعلٌ آخر وإضافة استهزاءٍ إلى استهزاءٍ.
فيكون السياق دالاً على وجود سببٍ مشتركٍ لكلا الأمرين، وهو أنَّ المرور بالمؤمنين يكون سبباً للتغامز في الطريق والفكاهة لدى الأهل. وعلى ما ذكر الطباطبائي+ يكون سبباً للتغامز، ويكون التغامز سبباً للفكاهة؛ لأنَّهم مرتاحون لما فعلوا، وهو بعيدٌ.
وأوضح من ذلك أن يُراد من قوله: {فَكِهِينَ} أنَّهم يأكلون الفاكهة؛ فإنَّ ذلك أجنبي بالمرّة عن السياق، مضافاً إلى أنَّ المراد لابدّ أن يكون أنَّهم أكلوا الفاكهة بعد وصولهم، مع أنَّه يقول: {انقَلَبُوا فَكِهِينَ} الدالّ على أنَّهم رجعوا حال أكلهم الفاكهة، يعني: أكلوا الفاكهة عند رجوعهم لا عند وصولهم، وهو بعيدٌ، كما لا ربط له برؤية المؤمنين أصلاً، كما لا يعتبر عيباً على الشخص إذا أكل الفاكهة.
ــــــ[297]ــــــ
(1) سورة الطور، الآية: 18.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 399، مادّة (فكه).
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 239، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
كما أنَّنا ينبغي أن نلاحظ: أنَّ قوله تعالى: {وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ} واقعٌ بين سياقين للاستهزاء بالمؤمنين قبله وبعده، وهي قرينةٌ قطعيّةٌ على أنَّ ذلك يُراد به أيضاً ما تقدّم، يعني: فكهين ضدّ المؤمنين.
[الترتيب الأدبي اللفظي في الآيات]
ولا ينبغي أن نغفل عن الترتيب الأدبي اللفظي في الآيات من حيث ترتيب الأفعال المضارعة: (يضحكون) و(يتغامزون)، وترتيب الأفعال الماضية: (أجرموا)، و(انقلبوا) مكرّراً، و(رأوهم)، و(أُرسلوا)، وترتيب أسماء الفاعل: (فكهين) أي: فاكهين و(ضالّون) و(حافظين)، وترتيب ذكر (الذين آمنوا) في الآيات: أوّلاً: بعنوان: (الذين آمنوا) ثُمَّ (بهم) ثُمَّ بتقدير (فكهين) منهم أو بهم ثُمَّ إذا (رأوهم) ثُمَّ (إنَّ هؤلاء) ثُمَّ (عليهم) ثُمَّ (الذين آمنوا)، فانتهى كما ابتدأ به.
وكذلك الكفّار، فقد بدأ بذكرهم بعنوان (الذين أجرموا)، ثُمَّ أُعيد إليهم واو الجماعة باستمرارٍ في (كانوا يضحكون) (مرّوا) و(يتغامزون) (انقلبوا) (انقلبوا) (قالوا) (أُرسلوا) إلّا في موضعٍ واحدٍ وهو (أهلهم). ثُمَّ في النهاية بعنوان الكفّار مرّتين، فقد بدأ بالظاهر وانتهى بالظاهر، كما في المؤمنين تماماً.
وكذلك المقابلة بين (مرّوا بهم) و(رأوهم)؛ فإنَّ محصّلها العرفي واحدٌ؛ لأنَّهما متلازمان متساويان. وإنَّما تعدّد اللفظ لقبح التكرار أحياناً، فهنا شرطيّتان متعدّدةٌ بالشرط والجزاء لفظاً، إلّا أنَّهما واحدٌ معنىً؛ لأنَّهم إنَّما يتغامزون لأنَّهم يحسبونهم ضالّين.
كما أنَّ هناك اثنين من ردود الفعل تجاه كلتا الشرطيّتين: الأُولى: بقوله: {وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ} والثانية: بقوله: {وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ
ــــــ[298]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
حَافِظِينَ}. ولكنّهما يختلفان من حيث السياق الأوّلي، وكأنَّها إلى صالح الكفّار والثانية عندهم، بل هي تبدأ بالمناقشة، لتنتهي بالسياق الجديد الذي يضادّ الكفار بكلّ أفعالهم وأقوالهم.
****
قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ}:
هذا القول إمّا باطلٌ، كما عليه المشهور(1)، وإمّا حقٌّ، على ما سنشير. وإمّا أن يُراد به الإثبات يعني: الدعاية والتشهير، وإمّا أن يُراد به الثبوت. وعلى التقديرين: إمّا أن يُراد به نفع النفس، أعني: نفس المتكلّم للتشفّي أو نفع الغير، أعني: السامع أو ضرر الذين يتكلّم عنهم أو نفعهم. وقد أضاف السيّد الطباطبائي+: أنَّه إمّا على سبيل الشهادة عليهم بالضلال أو القضاء عليهم(2).
يعني: بحكم القاضي ولا يُريد بالقضاء الإبادة.
ونذكر فيما يلي أهمّ المحتملات ليتّضح المقصود:
أمّا التقسيم إلى الحقّ والباطل فكونه باطلاً واضحٌ ومفروضٌ، وعليه فهم المشهور وظهور السياق. ولكن بالتعمّل يمكن إرجاعه إلى معنىً حقٍّ؛ لأنَّ الحديث عن الأبرار، وقد فهمنا فيما سبق منهم أنَّه يُراد بهم أعلى درجات أصحاب اليمين، إذن فهم من أصحاب اليمين عموماً، وليسوا من المقرّبين. ومن هنا جاء ضلالهم باعتبارهم ضاليّن عن درجات المقرّبين، وقد قصّروا في
ــــــ[299]ــــــ
(1) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 10: 432، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 284، وغيرهما.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 239، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
تحصيلها في دار الدنيا.
وأمّا التقسيم إلى الإثبات والثبوت فالإثبات واضحٌ ومفروضُ؛ لأنَّ الأهمّ هو التشهير والدعاية في نظرهم، وأمّا الثبوت فهو باعتبار شهادتهم بأنَّهم يرونهم حقّاً من الضالّين، بغضّ النظر عن التفسير السابق طبعاً. والوجه فيه: أنَّه سبق أن نفينا ذلك المعنى وقلنا بأنَّ الكافرين والفاسقين ليس لهم الدليل الكافي على صدق مدّعاهم وكذلك مدّعى المؤمنين، وإنَّما هي مجرّد ظنونٍ واستبعاداتٍ ناتجةٍ من الاعتياد على حدود الزمان والمكان والعادة ونحو ذلك، بحيث تميل النفس إلى نفي ما لم تره وعصيان ما لا يكون موافقاً لشهواتها وأهدافها الشخصيّة.
فالمهمّ أنَّ الكافرين ليسوا فقط لا يستطيعون هذه الشهادة ضدّ المؤمنين، بل المظنون أنَّ كثيراً منهم يعلمون بذلك، ويستبدّون به ظاهراً، أي: يعلمون الكذب في دخيلة أنفسهم، كما قال سبحانه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}(1). وأمّا كونهم شاكّين بصدقهم فالجامع أنَّهم غير عالمين بصدقهم ولا معتقدين حقيقةً لما يقولون -الأعمّ من الشكّ والاعتقاد بالعدم- وهو شاملٌ لهم جميعاً يقيناً، قبّحهم الله أجمعين.
وأمّا التقسيم الثالث فمن الواضح أنَّ هذه الشهادة الإثباتيّة تفيد المتكلّم في التشفّي، وتفيد في نظرة السامع من حيث تحذيره من مصادقة المؤمنين وأتباعهم، ويكفي في ذلك أن ينبزوهم بعنوانٍ منفرٍ للآخرين عنهم، وهذا موجودٌ إلى العصر الحاضر أيضاً.
وكذلك يوقع المؤمنين بكلامه، وفي ذلك ضررٌ اجتماعي عظيمٌ، ولا أقلّ
ــــــ[300]ــــــ
(1) سورة النمل، الآية: 14.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
في تفريق الناس عنهم وازدرائهم لهم.
لكن هنا ينبغي أن ننظر إلى أمرين:
الأوّل: أنَّ تأثير هذا الكلام من الكفّار إنَّما هو بالتسبيب، في حين أنَّ مسبّب الأسباب ناصرهم ودافع البلاء عنهم.
ونحن نجد أنَّ المدد الإيماني في كلّ الأجيال متصاعدٌ رغم أنف الجاحدين والمعاندين؛ طبقاً لقوله تعالى: {إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(1).
الثاني: أنَّ الصحيح أنَّهم يسبون المؤمنين ظاهراً، إلّا أنَّهم يحترمونهم في دخيلة نفوسهم ويعتبرونهم خيراً منهم، وقد يصرّحون أحياناً بذلك من باب زلّة اللسان، كقوله تعالى: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}(2). فإذا اختلف اللسان والجنان لم يتجاوز القول الأذان.
وهذه القاعدة لا يختلف فيها الحال في القول الحقّ عن القول الباطل. وأمّا كونه نفعاً للمؤمنين فمن عدّة وجوهٍ محتملةٍ:
أوّلاً: أنَّه من البلاء الدنيوي الذي يحصلون الثواب عليه.
ثانياً: أنَّه من البلاء الدنيوي الذي يكون سبباً لتكاملهم.
ثالثاً: أنَّه ضمناً من النصيحة؛ لأنَّه يمكن للفرد من المؤمنين أن يرجع إلى نفسه ويقول: هل فيَّ نقصٌ أو عيبٌ أو ذنبٌ حتّى قالوا عنّي ذلك؟ فإذا التفت إلى نفسه بادر إلى إصلاحها، وخاصّةً إذا التفت إلى المعنى الذي أعطيناه حين قلنا: إنَّه يمكن حمل هذا الكلام على كونه صواباً وحقّاً، فإذا كنت ضالاً حقّاً
ــــــ[301]ــــــ
(1) سورة محمّد، الآية: 7.
(2) سورة النمل، الآية: 56.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
كان ذلك موجباً للبحث عن الكمال الذي هو تائهٌ عنه.
وأمّا ما أفاده السيّد الطباطبائي+ من القضاء(1) -بمعنى: أنَّ قاضي المشركين يعقد جلسة مرافعةٍ فيحكم على المؤمنين بالضلال- فيرد عليه:
أوّلاً: أنَّ هذا لم يحدث تاريخيّاً.
ثانياً: أنَّه لا تسعه عقول الناس في ذلك الحين، فيكون خلاف الحكمة القائلة: كلّم الناس على قدر عقولهم.
ثالثاً: أنَّه خلاف شرط الشرطيّة؛ لأنَّ شرطه هو الرؤية في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْهُمْ}. ولم يقل: إذا قاضوهم أو حاكموهم.
نعم، الرؤية تشمل الرؤية حال المحاكمة، إلّا أنَّه بعيدٌ عن سياق الآية، ولا تنصرف إليه إطلاقاً.
[الإشارة إلى أمور]
وهنا ينبغي الإشارة إلى أُمورٍ:
الأمر الأوّل: أنَّه قد يُقال: إنَّنا قلنا في السياق اللفظي القرآني لهذه الآيات أنَّه ينتهي إلى قوله: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ}(2) وبه قد ورد الذين آمنوا والكفّار معاً بالاسم الظاهري لا بالضمير؛ فيستشكل هنا من حيث إنَّ فيه إجمالاً للآيتين اللتين بعده وإنَّ السياق ينتهي في نهاية السورة لا هنا.
وجوابه من وجهين:
أوّلاً: ما قلناه من: أنَّ هذه الآية بمنزلة نهاية سياقٍ سابقٍ وبدء سياقٍ جديدٍ يسجّل الاعتراض على الكافرين، وهذا يكفي لاستغلال هذه الجهة،
ــــــ[302]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 239، تفسير سورة المطفّفين.
(2) سورة المطفّفين، الآية: 34.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وهي نهاية السياق السابق.
ثانياً: أنَّنا لو سلّمنا استمرار السياق، أمكن ملاحظة تسمية الكفّار بالاسم الظاهر في آخر آيةٍ وتسمية الذين آمنوا في نفس الآية المشار إليها سابقاً. أو نقول: إنَّهم مذكورون تقديراً في نهاية السورة؛ لأنَّ معناها: (هل ثوّب الكفّار ما كانوا يعملون)، ولكن (ثوّب الذين آمنوا ما كانوا يعملون).
الأمر الثاني: أنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ (فكهين) من الفكاهة، وهو حديث ذوي الأُنس، وليس من الفاكهة، إلّا إذا كان بالألف، والقراءة المشهورة بدونه، فيبعد أن يكون كذلك.
الأمر الثالث: أنَّ السياق الأخير في الآيات من السورة ورد ثلاثة منه بصيغة اسم الفاعل: (فاكهين)، (خالدون)، (حافظين)، وثلاثة بصيغة فعل المضارع: (يختلفون)، (ينظرون)، (يفعلون).
الأمر الرابع: في بيان أُطروحةٍ محتملةٍ، ولكنّها شاذّةٌ، إلّا أنَّها يمكن أن تكون مبنيّةً على الفهم التجزيئي للقرآن.
وهي فهم العكس من رجوع الضمائر، فيكون المراد: أنَّه إذا مرّ الذين آمنوا بالكفار يتغامزون، أي: المؤمنين (كما يحتمل أن يكون هم الكفّار).
وقد سبق (وإذا انقلب المؤمنون إلى أهلهم انقلبوا فكهين) و(إذا رأى المؤمنون الكفّار قالوا: إنَّ هؤلاء -أي: الكفّار- لضالّون).
وفيها بعض النتائج الطيّبة؛ لأنَّ الكفّار مستحقّون للتغامز والتفكّه ضدّهم، وهم ضالّون فعلاً، ويوحي السياق بالقوّة والقدرة إلى المبادرة بالنسبة إلى المؤمنين، مضافاً إلى ضآلة الكفّار وتفاهة حالهم وعجزهم عن الدفاع لأنفسهم، وهذا كلّه طيّبٌ. ويمكن المصير إليه بناءً على صحّة الفهم التجزيئي
ــــــ[303]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
من القرآن، يعني: كأنَّ هذه الآيات نزلت وحدها تقريباً.
وهذا الفهم قد يكون مشهوراً أحياناً، إلّا إذا كان في السياق ما ينفيه، ولا شكّ أنَّ السياق نافٍ لذلك بكلّ تأكيدٍ، كما هو واضحٌ لمن فكّر بالآيات السابقة على هذا السياق والآيات اللاحقة له.
الأمر الخامس: أن يُراد من التنافس في قوله تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} التنافس في ثواب الله ورضوانه. وهذا على غرار ما ورد: أُنظر في الدنيا إلى من هو دونك، وأُنظر في الآخرة إلى من هو فوقك(1). أمّا الأوّل فلأجل أن يحمد السعيد نعمة ربّه التي خصّه بها دون طبقاتٍ أُخر من الناس. وأمّا الثاني فلأجل أن يستهدف الهدف الأُخروي العالي الذي يحوزه غيره وينافس عليه.
ولو حصل العكس حصل الفشل أمام الله سبحانه، فلو نظر العبد في الدنيا إلى مَن فوقه، فلعلّه يحصل الاعتراض على نعمة الله سبحانه؛ لأنَّه سوف يرى قلّتها عن غيرها. وإذا نظر الفرد في الآخرة إلى مَن هو دونه، حصل أمران: أحدهما أن يكتفي الفرد بما عنده، وثانيهما العجب؛ لأنَّه يشعر بأنَّه أعلى من صاحبه، وكلاهما باطلٌ ومضرٌّ.
وهناك نكتةٌ أُخرى أودّ الإشارة إليها، وهو أنَّ النظر إلى مَن هو أقلّ في أُمور الدنيا قد توجب الشعور بالعظمة والجبروت مع استحقار الآخرين واستصغارهم، كما أنَّ النظر إلى مَن هو فوقك في أُمور الآخرة قد توجب
ــــــ[304]ــــــ
(1) راجع الكافي 8: 140، كتاب الروضة، حديث عيسى بن مريم‘، بحار الأنوار 72: 367، الباب 81، الحديث 7 وبحار الأنوار أيضاً 74: 74، الباب 4، الحديث 1، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
جحود نعمة الله سبحانه لدى الفرد؛ لقلّتها في نظره أو الاعتراض على الله سبحانه في عدم إيصاله إليه.
وبالطبع فإنَّ كلا هذين الانطباعين باطلٌ شديد البطلان. والأساس في دفع الإحساس الباطل الدنيوي هو إلغاء أهمّيّة الدنيا من حيث كونها معياراً للعظمة والتقدّم والشرف؛ فإنَّ التفاضل إنَّما يكون بالمميّزات الواقعيّة، وليس بالصفات الزائلة والعواري المستردّة، والدنيا كلّها عواري مستردّة، نحو قول الشاعر: (وقريباً ما تستردّ العواري).
وما ثبت كونه ميزاناً للمفاضلة هو العلم {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}( ) والتقوى {الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}( ) والجهاد {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيماً}( ). ونحن كمسلمين ليس لنا أن نحكم بغير ذلك من الموازين، حتّى لو كانت مزايا باطنيّةً أو عقليّةً أو روحيّةً، فضلاً عمّا إذا كانت مزايا اقتصاديّةً أو اجتماعيّةً.
والأساس في دفع الإحساس الثاني ما يذكره أهل المعرفة من: أنَّ التنافس المنتج للتباغض إنَّما هو التنافس على الرزق القليل المحدود، وهو رزق الدنيا. وأمّا رزق الآخرة فهو غير محدودٍ وغير قليلٍ، بل هو مبسوطٌ للمستحقّين عموماً، فلا يمكن أن يكون من التنافس عليه تباغضٌ وتشامتٌ.
كلّ ما في الأمر أنَّ شرطه الرئيسي هو الاستحقاق، فإذا لم ينل الفرد درجة مَن هو أعلى منه، فلا يلومنّ إلّا نفسه؛ فإنَّه إنَّما تعطّل لأجل ذنوبه
ــــــ[305]ــــــ
(1) سورة الزمر، الآية: 9.
(2) سورة الأعراف، الآية: 128، وسورة القصص، الآية: 83.
(3) سورة النساء، الآية: 95.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وعيوبه ونقصه، وليس له الحقّ أن يعتب على ربّه.
والوجه فيه: أنَّ الله جلّ جلاله لا يفعل فعلاً إلّا بمقتضى الحكمة والمصلحة. ويقول في الدعاء: >ولعلّ الذي أبطأ عني هو خيرٌ لي؛ لعلمك بعاقبة الأُمور<(1).
فالنتيجة التي وصلت لي هي غاية ما استحقّ، بل غاية ما أتحمّل وأكثر ممّا استحقّ، ولو كنت أتحمّل نعمةً أُخرى لحصلت أيضاً، إلّا أنَّها إذا حصلت فسوف تغرّني، فيكون دفعها نعمةً ورحمةً. ومن هنا قيل: إنَّ منعه عطاء(2). ومن هنا ورد في الحديث النبوي ما نصّه: >إنَّ من عبادي المؤمنين لَمن لا يصلح إيمانه إلّا بالفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك. وإنَّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّا بالغناء، ولو أفقرته لأفسده ذلك<(3).
وممّا ينتج عن ذلك لزوم النظر بعين الاحترام الحقيقي إلى المرتفعين في مدارج الكمال؛ لأنَّهم أعلى منّي ومنك موضوعاً ومحمولاً، أو قل: علّةً ومعلولاً. أمّا العلّة والموضوع فهو الاستحقاق، وأمّا المعلول أو المحمول فهو العطاء.
ــــــ[306]ــــــ
(1) مصباح المتهجّد: 577، دعاء كلّ ليلةٍ من شهر رمضان …، تهذيب الأحكام 3: 108، دعاء أوّل يوم من شهر رمضان، مصباح الكفعمي: 573، الفصل 45، البلد الأمين: 193، شهر رمضان، وإقبال الأعمال: 56.
(2) إشارةٌ إلى ما أورده شيخ الطائفة من الدعاء عقيب صلاة الفجر في مصباح المتهجّد: 203، فراجع.
(3) التوحيد: 398، الباب 62، الحديث 1، علل الشرائع 1: 12، الباب 9، الحديث 7، وعوالي اللئالي 2: 108، المسلك الرابع، مع فارقٍ في اللفظ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ}(1):
سبق أن حلّلناها، فلا نعيد، إلّا أنَّنا ينبغي أن نلتفت إلى أنَّ كلّ الفوائد التي ذكرها في صالح الكفّار ضدّ المسلمين تتحقّق الآن في صالح المؤمنين ضدّ الكفار، وبه يندفع كلّ شرّهم السابق.
لكن بشرطٍ واحدٍ، وهو أن نفهم حصول ردّ الفعل هذا من المؤمنين في الدنيا لا في الآخرة. كما فهم المشهور وهو غير تامّ، بل يكون الكبت الكامل للمؤمنين في الدنيا، كما أنَّ الكبت الكامل للكافرين في الآخرة، ويقابله أنَّ الحركة والحرّيّة والضحك للكافرين وحدهم في الدنيا، والحرّيّة والضحك للمؤمنين وحدهم في الآخرة.
مع أنَّ هذا ليس شديد الوضوح باستمرار وإن كان غالبيّاً. إذن من الممكن القول حصول فرصٍ كثيرةٍ خلال الأجيال للمؤمنين وانتصارهم وحرّيّتهم، فليس الكبت عليهم دائماً، كما أنَّ الكفّار قد يكونون قاصرين، فلا ينالون العقاب الكامل حقيقةً، وإنَّما ذلك للمقصّر دائماً، ومعه لن يكون القاصرون منهم مكبوتين، كما يتصوّر المشهور. وما أدرانا لعلّ القاصرين من الكفّار كثيرون بالنظر إلى مجموع الأجيال.
ونسبة الضحك إلى الذين آمنوا من باب المقابلة، وإلّا فأغلبهم في غنىً عن ممارسة الضحك فعلاً، أو بعضهم أجلّ من أن يفعل ذلك إلّا من يكون ثرثاراً أو محباً للضحك، وهو فردٌ ليس غالبيّاً. وإنَّما الموجب لشكر الله والفرح بأمرين في الآخرة: فوز المؤمنين وخسران الكافرين، ويقابلهما أمران في الدنيا
ــــــ[307]ــــــ
(1) ليُعلم: أنَّنا لم نعثر على ما أفاده السيّد الشهيد+ في تفسير الآية السابقة عليها، أعني: قوله تعالى: {وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} [سورة المطفّفين، الآية: 33].
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
هما: هداية المؤمنين وضلال الكافرين. أو قل: مطابقة اعتقاد المؤمنين للحقّ ومخالفة اعتقاد الكافرين له. وهو أمرٌ مفرحٌ ومبهجٌ للمؤمنين بطبيعة الحال.
فإن قلت: كيف يكون هناك مقابلةٌ في عنوان الضحك، مع أنَّه لم يذكر فيما سبق؟
قلنا: نعم، ذكر ضمناً في قوله تعالى: {يَتَغَامَزُونَ} و{فَكِهِينَ}؛ فإنَّه لازمٌ غالبي للضحك، بل هو عرفاً لازمٌ حقيقي وكاملٌ. والظواهر اللفظيّة عرفيّةٌ. فمن الممكن أن يفهم العرف من العبارة حصول الضحك فعلاً من الكفّار ضدّ المسلمين، فاليوم يحصل العكس برحمة الله وحسن توفيقه، وهو أنَّ المؤمنين يضحكون ضدّ الكفّار.
****
قوله تعالى: {عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ}:
[وجوه في سبب تكرارها في السورة]
سبق تفسيرها؛ لأنَّها متكرّرةٌ بلفظها، وليس ذلك عبثاً، وإنَّما يمكن عرض عدّة وجوهٍ:
أولاً: أنَّ التكرار حاصلٌ مع الفصل الكبير المبيح له عرفاً ولغةً.
ثانياً: أنَّه زيادةٌ في شرح ثواب المؤمنين في الجملة، وأنَّ الضحك والبهجة ليس فقط ضدّ الكفار، بل لأجل الحصول على الثواب.
ثالثاً: الإشارة إلى ما سبق شرحه في السورة تفصيلاً من ثواب الأبرار، وكأنَّه من ضميمة قوله تعالى: {عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} فالآن هم أيضاً في نفس موضعهم ذاك وفي نفس المكان ونفس الصفة، ولا حاجة إلى شرحه تفصيلاً، وإنَّما نشير فقط إلى عبارةٍ منه أوصفةٍ منه للتذكّر، وهو أنَّهم {عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ}.
ــــــ[308]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
رابعاً: أنَّنا يمكن أن ننكر التكرار معنىً وإن تكرّر لفظاً من حيث تغيّر السياق لا محالة، فهناك هم على الأرائك في نعيمٍ، وهنا هم على الأرائك يضحكون. كما أنَّهم هناك ينظرون إلى ثواب الله سبحانه، وهنا ينظرون إلى حال الكفّار وعقوباتهم في النار؛ لأجل أن يتيسّر لهم معرفة نعمة الله لهم بوجود ثوابهم من ناحيةٍ، وبإنزال العقاب على العصاة من ناحيةٍ أُخرى.
قال السيّد الطباطبائي+: وقوله: {عَلَى الأَرَائِكِ} خبرٌ بعد خبرٍ للذين آمنوا، وينظرون خبرٌ آخر(1). فالعبارة محتويةٌ على ثلاثة أخبارٍ على مستوى واحدٍ. وهذا هو ما أشرنا إليه أكثر من مرّةٍ من: أنَّنا يمكن أن نخبر عن المبتدأ الواحد بعدّة أخبارٍ، كلّ واحد منهما للحفظ مستقلاً عن الآخر، كقولنا: (زيدٌ عالمٌ فاهمٌ)، ولا يفرّق في ذلك بين الاسم المفرد والجارّ والمجرور وغيرهما. إلّا أنَّنا قلنا: إنَّ هذا ممّا لا يحتمل أن يوافق عليه مشهور علماء اللغة والبلاغة، وإنَّما ذكر الطباطبائي+ ذلك على سجيّته. والمشهور يعتبر هذه الجمل: (يضحكون) و(ينظرون) كصفاتٍ أو أحوالٍ أو أنَّ الجملة الثانية معطوفة بحذف حرف العطف وتقدير مبتدأ يعني: (وهم ينظرون).
وقد اعتبر العلّامة الطباطبائي+ الأخبار ثلاثةً كما يلي: (من الكفّار) يضحكون، يعني: يضحكون من الكفّار، و(على الأرائك) كخبرٍ مستقلٍّ، و(ينظرون) كخبرٍ مستقلٍّ.
وهو لا يخلو من مناقشةٍ؛ لأنَّ جملة (على الأرائك ينظرون) كافيةٌ لأن تكون خبراً واحداً لا خبرين، ويكون الجارّ والمجرور متعلّقاً بهذه الجملة، ولو كان خبراً مستقلاً لكان اللازم أن يكون متعلّقاً بمحذوفٍ، وهو ممّا يصعب
ــــــ[309]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 240، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
تصوّره، مع قابليّة الفعل الموجود لذلك.
مضافاً إلى أنَّه يكون ظاهراً عندئذ بأنَّهم على الآرائك في الجملة وهم ينظرون في الجملة، ويلزم التركيب بين المعنيين، كما هو ظاهر السياق، يعني: أنَّهم ينظرون وهم موجودون على الأرائك، وهذا ما نفقده بناءً على تفسيره. إذن فالاقتصار على خبرين هو الأحجى.
****
قوله تعالى: {هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}:
قال السيّد الطباطبائي+: وقوله {هَلْ ثُوِّبَ} الخ متعلّقٌ بقوله: (ينظرون) قائم مقام المفعول(1).
[مناقشة ما أفاده السيد الطباطبائي في تفسير الآية]
وهذا قابلٌ للمناقشة من عدّة جهاتٍ:
الأُولى: أنَّنا يمكن أن ننكر حاجة الاستفهام إلى التعلّق بأحد الأفعال، كالذي قالوه في الجارّ والمجرور والظرف، بل لم أسمع بذلك إلى حدّ الآن.
الثانية: أنَّ الفعل (ينظرون) غير محتاجٍ إلى مفعولٍ؛ لأنَّ المراد بيان عمومه وسعته بحذف المتعلّق أو المفعول؛ فإنَّ الفعل وإن كان متعدّياً في نفسه، إلّا أنَّه قد لا يكون مقصود المتكلّم بيان المفعول، بل ملاحظة نسبته إلى الفاعل فقط، كمَن كان غير ناطقٍ لحبسٍ في لسانه فنقول: إنَّه قد تكلّم، ولا حاجة إلى الإشارة إلى ما قال في كلامه ذاك.
الثالثة: أنَّه على هذا التقدير يتحوّل معنى الجملة الاستفهاميّة إلى جملةٍ خبريّةٍ؛ فإنَّ النظر لا معنى لتوجّهه إلى الاستفهام، بل سيكون المراد معنى
ــــــ[310]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 240، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
خبريّاً، كأنَّه قال: ينظرون عدم حصول الكفّار على الثواب، مع أنَّ سياق الاستفهام لا حاجة إلى رفع اليد عنه بعد أن شكّل دلالةً مطابقيّةً للآية.
فإن قلت: فإنَّه استفهامٌ استنكاري، وهو بمنزلة النفي، وهو قرينةٌ على إرادة الإخبار فيه، فتتحوّل الجملة إلى خبريّةٍ.
قلنا: أوّلاً: إنَّ المفعول به مفردٌ، ولا يمكن أن يكون جملةً.
ثانياً: أننا كيف نحوّله عمّا أراده المتكلّم، وهو الاستفهام، وهو لا يصحّ أن يكون مفعولاً به.
فإن قلت: كيف ينظرون إلى عدم الثواب، وهل يمكن للعدم أن يكون موضعاً للنظر؟
قلنا: هذا معناه الإشارة إلى لازمه، وهو حصولهم على العقاب؛ لوجود الارتكاز المتشرّعي بدوران حال الفرد بين الثواب أو العقاب. فإذا لم يكن في ثوابٍ فهو في عقابٍ.
أو يُقال: إنَّ الكفّار كانوا في الدنيا يتوهّمون أنَّهم محسنون وعلى صوابٍ ونحو ذلك، وكلّ مَن كان كذلك يستحقّ الثواب، مع أنَّهم لم ينالوا منه شيئاً.
فالمنظور إذن يكون هو تلك النتيجة المعنويّة العظيمة واللطيفة، أو العبرة في الحقيقة، كما قال سبحانه: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}(1).
وعلى أيّ حالٍ ففهم الطباطبائي+ يعتبر أُطروحةً من أُطروحات فهم هذه الآية المباركة، وهو فرع ورودها بصدد العلاقة بين المؤمنين والكافرين. وهو ممّا أثبته الطباطبائي+ حين زاد على ذلك بأنَّ الجملة الاستفهاميّة
ــــــ[311]ــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 104.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بمنزلة المفعول به لينظرون(1)، فيكون فاعل (ينظرون) هو المؤمنين، ومفعوله هو حال الكافرين.
إلّا أنَّنا بعد أن نفينا المفعوليّة، أمكن أن تكون الجملة عبارةً مستقلّةً كاستفهامٍ قائمٍ وحده؛ للإشارة إلى عدم استحقاق الكفّار للثواب من حين وروده في سياق الحديث عن حال الكفّار ولو باختصارٍ. وعلى أيّ حالٍ فأهمّ سؤالين يردان في هذه الآية الكريمة هما عن المتكلّم أو الناطق بهذا الاستفهام وعن المخاطب به.
فنقول: إنَّه إنَّما ينفتح هذا السؤال إذا تجاوزنا أُطروحة الطباطبائي+ المتقدّمة. وأمّا إذا أخذناها بنظر الاعتبار انسدّ هذا السؤال ولم نحتج إلى ناطقٍ ولا مخاطبٍ؛ لما قلناه: من أنَّ الجملة عندئذٍ بمنزلة الخبريّة عن عدم حصول الكفّار على الثواب وأنَّ المؤمنين ينظرون إلى ذلك، وإنَّما يكون الناطق والمخاطب هو مَن كان في القرآن كلّه.
[من هو المتكلّم]
ولكن لو تجاوزنا تلك الأُطروحة انفتح السؤال واحتجنا إلى تعيين المخاطب والمتكلّم، والمهمّ هو المتكلّم. وفيه عدّة أُطروحاتٍ:
الأُولى: الله سبحانه.
الثانية: النبي’.
الثالثة: المؤمنون.
الرابعة: العقل.
الخامسة: العلل العليا في الكون.
ــــــ[312]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 240، تفسير سورة المطفّفين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
[من هو المخاطَب]
وأمّا المخاطب فهو على أُطروحاتٍ:
الأُولى: المؤمنون.
الثانية: الكفّار.
الثالثة: البشر كلّهم.
الرابعة: الفرد المخاطب بالقرآن اعتياديّاً.
الخامسة: العقل.
وبضرب بعضها في بعضٍ تنتج احتمالاتٍ كثيرةً، فضلاً عمّا إذا استطعنا إضافة أُمورٍ أُخرى، وسنرى أنَّ نفس العنوان متكرّرٌ في المتكلّم والسامع كالمؤمنين والعقل. ولا بأس بذلك؛ فإنَّ العبرة قد تأتي للفرد من نفسه، فيخاطب العقل نفسه بالعبرة، وهكذا.
ــــــ[313]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع

ــــــ[314]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِله

ــــــ[315]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع

ــــــ[316]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
سورة الانفطار
[الوجوه المحتملة في تسمية السورة]
لا بأس أولاً بالإشارة إلى الوجوه المحتملة في تسمية السورة المباركة:
الأوّل: الانفطار، وهو المشهور.
الثاني: أن يُقال: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ}، أي: بالإشارة إلى الآية الأُولى منها.
الثالث: السورة التي ذُكر فيها الانفطار، كما عليه السيّد الشريف الرضي+.
إن قلت: إنَّ الانفطار غير مذكور في السورة، وإنَّما قال: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ}، وهو فعلٌ ماضٍ لا مصدرٌ، وهو ملحوظٌ في مثل سورة الممتحنة وسورة الأنبياء؛ إذ لم يُذكر الأنبياء جميعهم في هذه السورة، وإنَّما ذكر عددٌ منهم، كما في قوله تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ}(1).
قلنا: إنَّ الانفطار بالمعنى المصدري يُستفاد من مادّة انفطرت.
الرابع: الإشارة إلى ترتيبها ورقمها في المصحف، أعني: (82).
****
قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ}:
[معاني الإنفطار]
للانفطار عدّة معانٍ بيّنها الراغب في >المفردات<، إلّا أنَّه على خلاف عادته لم يحاول إرجاعها إلى أصلٍ واحدٍ، مع أنَّه أرجع جملةً من المعاني إلى
ــــــ[317]ــــــ
(1) سورة الأنبياء، الآية: 89.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أصلٍ واحدٍ، وهذه مزيّةٌ في >المفردات<، إلّا أنَّه هنا قد يكون عجز عن ذلك أو نسي. ومع أنَّه قال: أصل الفطر الشقّ طولاً، إلّا أنَّه لم يطبّقه على سائر المعاني؛ إذ لو لاحظنا كلامه في >المفردات< لوجدنا أنَّ المعاني التي ذكرها متباينةٌ، وإذا كانت المعاني متباينةً لم تكن بنحو المشترك المعنوي بل بنحو الاشتراك اللفظي، أي: بنحو تعدّد الوضع، كما في (عين) الموضوعة لأُمورٍ متباينةٍ. وبعد التأمّل والتدقيق يمكن أن نستغني عن الاشتراك اللفظي ونرفع اليد عنه؛ وذلك بفرض التدرّج المجازي في تلك المعاني إلى أن انتقلت إلى الحقيقة، فأصبحت معاني متباينةً، وإلَّا فإنَّها تعود إلى أصلٍ واحدٍ.
إذن فالوضع واحدٌ، ولكن حصل النقل بمعنىً من المعاني، والنقل لا يخلُّ في الاشتراك المعنوي.
ثُمَّ إنَّ أصل الفطر الشقّ طولاً، ثُمَّ أمكن التوسّع منه إلى أيّ اتّجاهٍ، طولاً كان أم غيره، وحيث إنَّ الشق يحدث فساداً في المحلّ الذي يحصل فيه، أمكن التوسع في الاستعمال إلى كلّ أشكال الفساد، كما في قوله تعالى: {فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور}(1) (2)، أي: فسادٍ واختلالٍ وتقطّعٍ وتغيّرٍ.
وفطور مصدر فطر بمعنى اسم المصدر أو اسم الذات، وفطور يصلح أن يكون مصدراً أي: انفطاراً، ونحن نسمّي الفطور في شهر رمضان بمعنى الفطور من الصوم، أي: فساد الصوم وانتهاؤه وانعدامه، فهو على هذا مفردٌ لا جمعٌ لكنّه اسم جنسٍ يوحي بالتعدّد، فهو ذو أفرادٍ كثيرةٍ كمصدرٍ لا كجمعٍ.
ــــــ[318]ــــــ
(1) سورة الملك، الآية: 3.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 396، مادّة (فطر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
والفطرة هي الخلق والإيجاد بالمعنى المصدري، قال تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}(1)؛ باعتبار أنَّنا نتصوّر أنَّ العدم انشقّ وحصل منه الوجود.
وبعبارةٍ أُخرى: انفطر العدم وخرج منه شيءٌ، أو طرأ عليه تغيّر مّا، يمكن أن يُتصوّر هنا، وهو أنَّ العدم فسد واختلّ حاله، فتبدّل إلى وجودٍ؛ لأنَّ فساد العدم يقتضي التحوّل إلى الوجود، كما أنَّ الموجود إذا فسد حاله تحوّل إلى العدم. ومنه – أي: الفطرة بمعنى الإيجاد والإبداع- قوله تعالى: {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}(2) وقوله: {الَّذِي فَطَرَهُنَّ}(3) وقوله: {وَالَّذِي فَطَرَنَا}(4). والفطر ترك الصوم على اعتبار فساده واختلاله وزواله، ومنه عيد الفطر وزكاة الفطرة.
ومن المعاني ما أفاده الراغب بقوله: وقيل للكمأة فُطُرٌ؛ من حيث إنَّها تفطر الأرض فتخرج منها(5). ولعلّ الكمأة غير الفطر، وإن كان لهما نحو اشتراكٍ في كون كلّ منها جسماً نباتيّاً ليّناً كثير الرطوبة، فالفطر له ساقٌ فوق الأرض، والكمأة ليس لها ساقٌ، وإنَّما تنبت في باطن الأرض من قبيل البطاطس.
وأشار الراغب أيضاً إلى معنىً آخر من الفطر فأفاد: بأنَّ فطرت العجين
ــــــ[319]ــــــ
(1) سورة الروم، الآية: 30.
(2) سورة فاطر، الآية: 10.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 56.
(4) سورة طه: الآية: 72.
(5) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 396، مادّة (فطر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
إذا عجنته فخبزته من وقته(1). وهذا الاستعمال مشهورٌ لدى الناس إلى وقتنا الحاضر؛ لأنَّهم يصفون العجين غير المختمر بالفطير، وهو فعيل بمعنى اسم الفاعل أو الصفة المشبهة باسم الفاعل، أي: متّصف بالفطر. وحال الفطير يختلف عن حال المختمر حتّى في الرائحة واللون، وإنَّما يحتاج في اختمار العجين إلى مدّةٍ، فإذا خبزته من وقته كما يعبّر الراغب فقد فطرته أي: استعملته وهو فطير.
ويسمّى الناتج منه باللغة الحديثة فطيرة، وهو الخبر والكعك المصنوع من عجينٍ غير مختمر، ثُمَّ توسّعوا في تسمية سائر المعجّنات منه.
ولعلّ العجين يتغيّر حاله ويفسد إذا اختمر، والاختمار نحوٌ من الفساد والبكتريا، كما لا يخفى، وهو -أي: الاختمار- أقلّ الفساد إلى أن يتعفّن. وقد يكون النظر العرفي على خلاف ذلك؛ حيث إنَّهم يسمّونه فطيراً قبل تغيّر حاله، ولعلّ ذلك ناشئٌ من كونهم يستلذّون ما كان مختمراً منه، فيعدّون ما كان فطيراً متغيّراً وفاسداً؛ لأنَّه غير طيب الطعم.
والحاصل: أنَّ المادة إن رجعت إلى أصلٍ واحدٍ فالوضع واحدٌ، وأمّا إذا كانت متعدّدةً فالوضع لابدّ أن يُفرض متعدّداً؛ لأنَّ كلّ مادّةٍ وضعت لمعنى، ولعلّ هناك قرينةً على تعدّد المادّة في فطر ببيانين:
الأوّل: أنَّ المصدر متغايرٌ؛ فهناك فَطر وهناك فِطر، وتعدّد المصدر دليلٌ على تعدّد المادّة، ومن ناحية أُخرى هناك ثلاثي فَطَر وهناك الرباعي أو المزيد، إمّا بإضافة همزة وهو أفطر أو بالتضعيف الذي هو فَطَّر.
ــــــ[320]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 396، مادّة (فطر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الثاني: أنَّ الارتكاز اللغوي مضطرب في تفسير فطَّر: فهل هو من الإفطار في الصيام، والمراد أنَّه فَطَّر غيره أي: حمل غيره على إيجاد فَطْر في شيء أو هو أوجد فَطراً في شيءٍ؟ وعدم الوضوح في معاني تلك التراكيب قد يدعو إلى القول بتعدّد المادّة.
ثُمَّ إن انفطر فعل ماضٍ دخلت عليه (إذا) الشرطيّة، فقلبته إلى الحال، ومصدره الانفطار، وهو من الانفعال، وغالباً ما يُراد به التأثّر بفعلٍ خارجي، كما يقال: كسّرته فانكسر انكساراً، وإن كنت أرى التسامح في ذلك، بمعنى: إهمال النظر إلى السبب وقصر النظر على ما هو حاصلٌ. فلذا تقول عن الشيء: إنَّه انكسر يعني (مكسور) دون النظر إلى سببه. ولذا فللهيئة معنيين: الأوّل: النظر إلى الانفعال، أي: النظر في السبب، كما لو نظرنا إلى سبب الانفطار وأنَّ الله عزّ وجلّ هو الذي فطرها، والثاني: عدم النظر إلى السبب، كما لو لم ننظر إلى السبب، بل اقتصرنا على حالة الانفطار بأيّ معنى من معاني الفطر. والمعنى الثاني أقرب إلى السياق والفهم العرفي؛ إذ كان المراد بيان حصول ذلك ليس غير.
[ما يحتمل أن يكون المراد من الإنفطار في الآية]
وما يحتمل أن يكون المراد من الانفطار في الآية الكريمة أُمورٌ:
الأمر الأوّل: حصول فطر أي: شقٍّ في السماء، وهذا هو فهم المشهور(1)، ولعلّه أقرب إلى الدلالة المطابقيّة، كما زعمه المشهور في نحو قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ}(2) وقوله تعالى: {وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ}(3).
ــــــ[321]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 244، تفسير سورة الانفطار، مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 682، تفسير سورة الانفطار، والميزان في تفسير القرآن 20: 223، تفسير سورة الانفطار، وغيرها.
(2) سورة الانشقاق، الآية: 1.
(3) سورة الحاقّة، الآية: 16.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأمر الثاني: حصول فطر أو شقّ معنوي يصعد فيه الدعاء وينزل منه الرزق ويصل إليه الفرد المؤمن بالتكامل.
فإن قيل: إنَّ الدعاء يعرج والرزق ينزل اطّراداً، مع أنَّ مضمون الآية تجدّد الانفطار على السماء وحدوث هذه الصفة وطروّها عليها.
قلنا: يمكن الجواب عنه من خلال نقطتين:
النقطة الأُولى: أن نسلّم أنَّ حالة الانفطار أمرٌ مطّردٌ، أي: دائماً منفطرة، بمعنى: أنَّ فيها أبواباً وفتحاتٍ لصعود الدعاء ونزول الرزق ونحو ذلك من قبيل: نزول الملائكة وصعود المؤمنين بالتكامل – وربما كانت الأبواب من سنخيّاتٍ مختلفةٍ لا من سنخٍ واحدٍ- وهذا لا ينافي قوله: {انفَطَرَتْ}؛ لأنَّ فيه إشارةً إلى أصل الانفطار، فمنذ الخلقة كانت السماء مفطورة وليس بالضرورة أن تكون مفطورةً بعد أن كانت ملتحمةً.
النقطة الثانية: أن نقول بمعنى التجدّد؛ لأنَّ الانفطار نسبي، والسماء قد تكون مرتوقة {كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا}(1) وقد تكون منفطرةً مفتوحةً؛ إذ الدعاء لا يُستجاب دائماً، بل الكثير من الأدعية لا تفتح لها أبواب السماء، والبعض الآخر تفتح السماء لها أبوابها، وكذا الكلام في الرزق.
والسماء قد تكون مغلقةً بإزاء الرزق وقد تكون مفتوحةً، فالانغلاق والانفتاح نسبي يعود إلى كلّ جزئي من هذه الجزئيّات المنظورة إلينا، فإذا حصل الجزئي مثلاً نزل رزقٌ ما، وبذلك تكون قد انفطرت السماء أو انشقّت أو انفتحت، وإذا لم ينزل رزقٌ ما فهي منغلقةٌ ومرتوقةٌ وهكذا.
الأمر الثالث: أنَّ المراد من الانفطار التلاشي والزوال، إمّا إلى العدم
ــــــ[322]ــــــ
(1) سورة الأنبياء، الآية: 30.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
المطلق، كما عليه بعض الفلاسفة القائلين بأنَّ الكون وجد في لحظةٍ ما ويفنى في لحظة، ويبقى وجهه الكريم جلّ جلاله، وهو محلّ تأمّلٍ، ولا يلزم علينا في المقام الدخول في تفاصيله.
أو يُقال: إنَّ التلاشي والزوال لا إلى العدم بالمعنى الفلسفي، بل إلى الفناء في الله؛ فإليه المنتهى وإليه الرجعى(1)، وكلّ شيءٍ تزول ذاته، أي: تفاصيله، ولكن وجوده الأصلي لا يزول بل يتأكّد؛ لأنَّ وجوده كان إمكانيّاً، ثُمَّ أصبح في ذات الله واجباً حقيقيّاً، فهو كوجودٍ إمكاني ينعدم، ولكنّه كوجودٍ واقعي يتكامل.
الأمر الرابع: أن نطبّق معنى الانفطار على هيئة العجين الذي لم يختمر والفطير، لكنّ الاختمار نحوٌ من التعقيد والفطير نحوٌ من السذاجة، والعجين إذا صار مختمراً فكأنما أصبح له درجةٌ من التعقيد وأصبح سبباً لحسن طعمه ولذّته. لكن نقول: إنَّ هناك فهماً آخر، وهو عدم ضرورة القول بسبق الفطر على التعقيد في كلّ شيءٍ أو سبق السذاجة، بل إنَّ التعقيد قد يسبق السذاجة في كثيرٍ من الأحيان، أي: يكون الشيء معقّداً ثُمَّ يعود ساذجاً؛ ولعلّ العالم الإمكاني معقّدٌ، وسوف تأتي عليه مرحلةٌ يكون ساذجاً صافياً قليل الحركة وأكثر أدباً أمام الله سبحانه وتعالى. ولعلّ ذلك أحد بطون قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} أي: سماوات ساذجة وأكمل وأهدأ من ناحية أُخرى.
الأمر الخامس: أن نفهم من مادّة الانفطار معنى الفِطر، وهو الكمأة
ــــــ[323]ــــــ
(1) إشارة إلى قوله تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [سورة النجم، الآية: 42] وقوله تعالى: {إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى} [سورة العلق، الآية: 8].
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
حسب فهم الراغب، فكما أنَّ الأرض تنفطر ويخرج منها الفِطر وتنشقّ ويخرج منها النبات كما قال سبحانه وتعالى: {ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْبًا}(1)، فكذلك يمكن للسماء أن تنشقّ وتنفطر عن نتائج عديدةٍ قد نعرفها وقد لا نعرفها. هذا بالإضافة إلى أنَّ انشقاق السماء يختلف عن انشقاق الأرض في النتائج؛ فالأرض تنشقّ فيخرج من سطحها إلى الأعلى، مع أنَّ السماء يمكن أن تنشقّ من كلتا الجهتين ليخرج من سطحها إلى الأعلى أو يخرج من سطحها إلى الأسفل كنزول الرزق ونزول الرحمة، وأمّا في الأرض فلا يوجد ما ينزل.
وكيف كان فالسماء لو كانت طبقةً -كما يتصوّر المتشرّعة- ذات سمكٍ وحجمٍ وكانت مجوّفةً من الداخل مكشوفةً من الخارج، لكانت هذه الطبقة قابلةً للانفطار والانشقاق.
وأمّا إذا قلنا: إنَّ مثل هذا التصوّر ممّا لا دليل عليه بل السماء عبارةٌ عن عالمٍ متكاملٍ، أي: كلّ واحدةٍ من السماوات عالماً متكاملاً، لكان العالم المنظور هو السماء الأُولى وبعدها السماء الثانية وهكذا إلى السابعة، وكلّ واحدةٍ هي عالم بما يناسبه من الموجودات والقوانين ونحوها من القوانين الكونيّة أو القوانين التشريعيّة.
والارتكاز المشهور لدى الحكماء أنَّ هذه السموات السبعة متداخلةٌ؛ لأنَّها مختلفةٌ في درجة التجرّد الروحي، فكلّما زدنا عروجاً زاد التجرّد، فالسماء الثانية أكثر تجرّداً من الأُولى، والثالثة أكثر تجرّداً من الثانية إلى السابعة، ومعه
ــــــ[324]ــــــ
(1) سورة عبس، الآيات: 26-30.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فالتداخل حينئذٍ إمّا يمتنع بمستوى واحدٍ وبرتبةٍ واحدةٍ، وإمّا بمعنى تعدّد مراتب التجرّد أو المقامات المعنويّة.
والغرض: أنَّ السماء لا تكون قابلةً لحصول شقٍّ فيها بالمعنى اللفظي، فلا يمكن أن تنشقّ عوالم كاملة، بل هذا بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع، ولذا يكذب من يقول: إنَّي رأيت في السماء باباً أو ثقباً أو شقّاً، ومنهم من يقول ويدّعي ذلك بالكشف الصوري. وهو على أيّ حال إنَّما يقول ذلك بناءً على فهمه للسماء، وأمّا بناءً على الفهم الأرجح والأقرب إلى الحكمة فليس الأمر كذلك.
نعم، قد يرى ذلك في بعض الأحلام أو في بعض المكاشفات الصوريّة؛ غير أنَّ لذلك معنى؛ لأنَّّ الله تعالى يكشف لكلّ فردٍ حسب فهمه أو حسب تحمّله واستحقاقه، فإن كان لا يتحمّل المعنى الحقيقي، فيحصل تنزل
-حسب اصطلاحهم- للمعنى إلى الدرجة التي يستطيع أن يستوعبها ويفهمها، وما يستطيع أن يفهمه هو أن يرى ثقباً في السماء، لا أن يفهم معنى الثقب الحقيقي الذي هو المعنى الروحي أو العقلي لثقب السماء؛ فإنَّ ذلك لا يفهمه ولا يستطيع أن يراه، فيحصل تنزّل حتّى يريه الله الشيء الذي يناسبه ولعلّ نظير ذلك أُشير إليه بقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}(1) وهذا نحوٌ من التنزل أيضاً من العالم الأعلى إلى العالم الأدنى، فلذا قيل: إنَّ المراد: خلق الحديد في العالم الأدنى(2).
ــــــ[325]ــــــ
(1) سورة الحديد، الآية: 25.
(2) راجع البرهان تفسير القرآن 5: 834، باب في ردّ متشابه القرآن إلى تأويله، مجمع البحرين 5: 480، مادّة (نزل)، الميزان في تفسير القرآن 19: 172، تفسير سورة الحديد، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وعلى أيّ حال فقد اتّضح العديد من معاني الانفطار، ولا حاجة إلى الاختصاص بفهم معيّن، لا سيّما بعد تعذّر أو استحالة وجوده كمدلول مطابقي أو مشهور.
ثُمَّ إنَّ هناك قولاً لبعض المفكّرين ذكره الراغب في >المفردات< يدعم المعنى المتشرّعي المزعوم للسماء وكونها طبقةً، إذ يقول: كلّ سماءٍ بالإضافة إلى ما دونها سماءٌ وبالإضافة إلى ما فوقها أرضٌ، فتكون هناك سبع أراضي وسبع سموات، كلّ واحدةٍ أرض بالنسبة إلى ما فوقها وسماءٌ بالنسبة إلى ما تحتها(1).
وبعبارةٍ أُخرى: كلّ واحدةٍ أرضٌ من حيثيّة وسماءٌ من حيثيّة أُخرى، إلّا السماء العليا؛ فإنَّها سماءٌ بلا أرضٍ، أي: من دون أن تكون أرضاً لشيء فوقها. وحمل على ذلك قوله تعالى: {خَلقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}(2) أي: في العدد، مع أنَّنا لا نجد أرضاً أُخرى حقيقةً.
وهذا فيه مناقشة يحسن الالتفات إليها – وهي خارج الموضوع- حيث ذكر أنَّ السماء العليا (السابعة) ليست أرضاً؛ إذ ليس فوقها شيء، غير أنَّ المتشرّعة إذا دقّقنا في فهمهم يرون أنَّ فوقها أرضاً، وهو العرش؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ العرش فوق السماء السابعة، فالسماء السابعة إذن أرضٌ للعرش، والعرش سماءٌ للسماء السابعة. وهذا من جملة الإشكالات؛ إذ تصير الأرض ثمانيةً مضافاً إلى الأرض الحقيقيّة التي نحن عليها، وتكون السماوات ثمانيةً أيضاً؛ لأنَّ العرش يعود سماءً بمعنى من المعاني.
ــــــ[326]ــــــ
(1) راجع مفردات ألفاظ القرآن: 249، مادّة (سما).
(2) سورة الطلاق، الآية: 12.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وقد يُقال: إنَّ المشهور يرى أنَّ هذه السماوات تارةً تكون سماءً وأُخرى أرضاً، وقد يُقال أيضاً: إنَّ هذا الفهم صادقٌ على افتراضه أنَّ السموات طبقات، ولا ينطبق على فهم العوالم؛ إذ لو كانت عوالم فلا معنى لافتراضه أنَّ السماء سماءٌ لشيءٍ وأرضٌ لشيءٍ آخر.
أقول: إنَّ المعنى المذكور قد يصدق على كلا الفهمين، أمّا على الفهم المتشرّعي أو المشهور فواضحٌ، وأمّا على الفهم الآخر فالأمر كذلك؛ لأنَّ المراد بالسماء يمكن أن نفترضه على مستويين:
[مستويان للمراد بالسماء]
الأوّل: أنَّ كلّ عالم فيه أرضٌ وسماءٌ، فتعدّدت السماوات إلى سبعةٍ والأراضي إلى سبعةٍ، والسماء الأُولى هي السماء المادّيّة، وهذه أرضها وما فوقها سماؤها، والسماء الثانية أيضاً فيها أرضٌ وسماءٌ، والثالثة كذلك إلى السابعة فلا تكون الأراضي ثمانيةً ولا السماوات ثمانيةً؛ لعدم الزيادة في المقام؛ لأنَّنا ألحقناها بالسماء الأُولى، ولا ينبغي تصوّر أنَّ العرش سماءٌ ثامنةٌ؛ لأنَّنا نقول: إنَّ العرش من سنخٍ آخر غير سنخ السماوات، فلا تعدّ من السماوات على كلّ حالٍ.
الثاني: أنَّ المراد بالسماء مطلق الفوقيّة والارتفاع ولو بالرتبة أو الشرف، والرتبة بالمعنى الفلسفي الشرف؛ لأنَّه كلّما زاد التجرّد الروحي زاد الشرف، بمعنى: القرب من الله تعالى، فيكون من بلغ هذه المرتبة أشرف طبعاً، مع أنَّ الشرف الحقيقي وجود الله. فالمراد حينئذٍ من السماء هو الأكثر شرفاً، والأرض هي الأدنى والأقلّ شرفاً؛ فتكون كلّ سماءٍ أعلى الأرض التي تحتها شرفاً وتجرّداً، وإن كانت متداخلةً معها خارجاً وعملاً، ولا يضرّ ذلك في كونها سماءً لها.
ــــــ[327]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
زرقة السماء
وربما يُقال: إنَّ لون السماء أزرقٌ، فلابد أن تكون السماء طبقةً كالبساط الأزرق، كما يفهم المتشرّعة وعوامّ الناس، وقد تلاشى هذا الكلام بتطوّر العلم الحديث، بعد أن ثبت أنَّ الفضاء المادّي ضخمٌ جدّاً، فتحوم وتعوم فيه الكواكب والنجوم، وما بينها فضاءٌ مظلمٌ {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}(1) أي: من قبيل النور المادي، والمسافة بين نجمة ونجمة مليون سنةٍ ضوئيّة مثلاً، فكيف يصل الضوء المادّي إليك حتّى تراها وأنت في الوسط مثلاً، هذا اللون (الزرقة) إنَّما يُلحظ قريباً من الأرض في الطبقات الهوائية لا في الفضاء الأعلى.
نعم، تفسير هذه الزرقة لا يخلو من صعوبةٍ، ولم أجد تحليلاً معقولاً قدّمه الفلك الحديث لهذه الظاهرة بعد مراجعة بعض المصادر.
أقول: إنَّ ضوء الشمس يسقط على الذرّات الموجودة في الفضاء من غازٍ ونحوه، فينعكس من كلّ ذرّةٍ ضوءٌ، فتصبح كلّ واحدةٍ من تلك الذرّات مضيئةً في نفسها، فيتشكّل النهار من تلك الذرّات. وإلَّا فإنَّ الضوء في الفضاء لا يرى، وإنَّما يرى عند سقوطه على مادّةٍ، ولا شكّ أنَّ هذه الذرّات تكشف عمّا فوقها. فيتحصّل أنَّ هذه الذرّات مضيئةٌ من جانب وكاشفةٌ عن الظلام الكوني من جانبٍ آخر؛ إذ إنَّ ما بين النجوم ظلامٌ دامسٌ، فتكون هذه الطبقة التي بيننا وبين الظلام الدامس شفّافةً ومضيئةً، إلّا أنَّها في نفس الوقت تشقّ عن شيءٍ من الظلام الذي فوقها، فهي ضوءٌ مختلطٌ بظلمةٍ، وهذا الذي يشكّل
ــــــ[328]ــــــ
(1) سورة النور، الآية: 40.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الزرقة أو اللون الأزرق. ولذا كلّما ارتفعت الشمس عند الظهر زاد الضوء فقلّت الزرقة، أي: إنَّ شفّافيتها لرؤية الظلام الذي فوقها تكون أقلّ، فتصبح السماء بيضاء إلى حدٍّ كبيرٍ، وكلّما قلّ الضوء زادت الزرقة؛ لأنَّ ذلك يعني أنَّ الأشعة زالت وانعدمت، فتكثر شفّافيتها للسواد الذي فوقها، فتكون الزرقة من هذه الناحية أقتم وأكثر وجوداً وأشدّ تركيزاً إلى أن تصبح سواداً، وذلك حينما تنطبع بالغروب فتصبح سواداً أي: ليلاً.
وعلى كلّ حال فإنَّ هذه الزرقة لا تمثّل السماء ولا لونها، وإنَّما نقول ذلك تجوّزاً، بل جعلها الله عزّ وجلّ في النهار لكي يحجب عنّا الظلام الكوني الموجود بين الكواكب، ولكنّه يكشف لنا الظلام الكوني في الليل عندما تغيب هذه الزرقة، فلو كانت السماء زرقاء حقيقةً وذات لونٍ ثابتٍ لما اختلف الحال في الليل والنهار.
ثُمَّ إن المتشرّعة يعتقدون أنَّ النجوم والكواكب تحوم في السماء الأُولى ككرةٍ ضخمةٍ تتحرّك النجوم في داخلها، فالسماء -حسب تصوّرهم- جرمٌ كبيرٌ يحيط بهذه النجوم المترامية الأطراف والمترامية في البعد السحيق، فإذا جمعنا بين الفكرتين تحصّل أولاً: أنَّ النجوم في داخل السماء، وثانياً: أنَّ السماء هي الطبقة الزرقاء، والنجوم تحوم داخل الطبقة. وهذا واضح البطلان من وجوهٍ:
الأوّل: أنَّنا لا نجد ذلك وجداناً، فإذا نظرنا في النهار فلا نجد أيّ نجمٍ حائمٍ داخل هذه الطبقة الزرقاء، ولو كان موجوداً لشوهد ولتبيّن وجوده؛ لأنَّه قريب، والقريب يُرى بطبيعة الحال.
الثاني: أنَّ فضاء النجوم أوسع بملايين المرّات من هذه القبّة الزرقاء
ــــــ[329]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
المرئيّة بالنهار، بحيث لو قدّر للنجوم أن تدخل تحت هذه القبة الزرقاء لالتصق بعضها ببعضٍ، ولزاد عليها إلى حدّ يمكن القول بأنَّ هذه القبة مع ضخامتها في نظر الإنسان البسيط أصغر بكثير من جملةٍ من الأجرام السماويّة ربما بملايين أو آلاف المرّات. وهذا يؤيّد أنَّ النجوم لو كانت تحوم كلّها في داخل هذه القبّة الزرقاء لالتصق بعضها ببعض. ولذلك لا يُراد بالسماء إلّا ما أفاده الشهيد الثاني+ في بيان قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً}(1) قائلاً: والمراد بالسماء هنا جهة العلوّ(2)؛ لأنَّ المطر ينزل من السماء، وهو لا ينزل من السماء، بل ينزل من السحاب، وحيث إنَّه ينزل من جهةٍ عاليةٍ قيل: ينزل من السماء، أي: من جهة العلو. وقال الراغب: سماء كلّ شيءٍ أعلاه(3). وعلى الأوّل نقول: إنَّ المطر ينزل من السماء مع أنَّه ينزل من السحاب أي: من جهة العلوّ، وعلى الثاني – أي: سماء كلّ شيء أعلاه- نقول: إنَّ العقل سماءُ النفس؛ لأنَّه في رتبةٍ شريفةٍ معنويّاً، كما تقول لمجرّة درب التبّانة أنَّه سماء؛ لأنَّنا نراها فوقنا وتشغل رقعةً ضخمةً من الفضاء، فتستحقّ هذه التسمية ولو بشيءٍ من المسامحة.
[أداة الشرط (إذا) ودخولها على الإسم]
وأمّا أداة الشرط (إذا) فدخلت على الاسم لا على الفعل، بخلاف قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}(4)، إلّا أنَّ (إن) الشرطيّة يتعيّن دخولها على الفعل، ولا تدخل على الاسم بخلاف (إذا)، ولذا تأوّلوا قوله تعالى: {وَإِنْ
ــــــ[330]ــــــ
(1) سورة الفرقان، الآية: 48.
(2) الروضية البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة 1: 12، كتاب الطهارة.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 249، مادّة (سما).
(4) سورة النصر، الآية: 1.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ}(1) وقدّروا الفعل بعد الأداة، فأصبح الكلام: (وإن استجارك أحدٌ من المشركين). وعلى أيّ حال فإن قلنا بالتعيّن في مجيء فعل بعد (إذا) أمكن التقدير أيضاً في قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ} والتقدير: إذا انفطرت السماء. ولكنّنا قلنا في غير موضعٍ: إنَّ القرآن حجّةٌ على اللغة وأرباب النحو، فورود هذه الأمثلة فيه دليلٌ على الجواز، ولا يمكن أن ندّعي المنع بعد وروده في القرآن الكريم، وهذا معناه القول بجوازه في (إن) الشرطية فضلاً عن (إذا). وأمّا المصير إلى التقدير فهو على خلاف الأصل، ولا يُصار إليه إلّا عند الضرورة، وهذا ليس من مواردها النحويّة.
وقد ذكرنا في سورة الانشقاق في قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ}(2) عدّة احتمالات لاستعمال الأداة (إذا): منها: أن تكون شرطيّةً غير ظرفيّةٍ، ومنها: أن تكون شرطيّةً، ظرفيّةً تدلّ على كلا المعنيين أو قل: شرطيّة ظرفيّة، وأن تكون ظرفيّة غير شرطيّة، ويكون محصّلها الإخبار عن الحادثة فقط، كما لو قال: قد انفطرت السماء وقد انتثرت الكواكب، وإنَّما أخبر بالفعل الماضي من باب التأكيد على وقوعه حتّى كأنَّه واقعٌ محسوسٌ. وعلى ذلك -أي: إذا كانت ظرفيّة غير شرطيّة- فإنَّها لا تحتاج إلى جواب شرط؛ لأنَّها ليست شرطيّة. فإذا كان في جواب الشرط إشكال كانت تلك الإشكالات بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع؛ لأنَّ الشرط مفقودٌ. وأمّا إذا قلنا: إنَّها شرطيّة لوردت بعض الإشكالات منها: السؤال عن جواب الشرط، والظاهر أنَّه يتعيّن في
ــــــ[331]ــــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 6.
(2) سورة الانشقاق، الآية: 1.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}(1) لأنه لا يحتمل في غيره عادة وعرفاً، ومنها: السؤال عن السبب في تجرّده عن الفاء في قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ} إذ كان ينبغي أن يقول مثلاً: (فعلمت نفس) فلماذا لم يأت بالفاء في جواب الشرط؟ في حين أنَّه جاء بالفاء في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} إلى أن يقول: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ …}(2). والظاهر أنَّ النحويّين يفرّقون بين الموارد: فإذا كان جواب الشرط أمراً أوجبوا دخول الفاء عليه، بخلاف ما إذا كان الفعل ماضياً فلا حاجة إلى ذلك، مضافاً إلى عدم انسجام الفاء مع السياق اللفظي للقرآن الكريم؛ إذ بوجود الفاء يحدث شذوذٌ في السياق وعدم انسجام، فيكون حذفه أولى.
[إشكال تعدّد الأداة (إذا) وفعل الشرط]
ومن جملة الإشكالات في المقام تعدّد الأداة (إذا) وفعل الشرط في قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} فذكر أربع جمل كلّها مشتملة على أداة الشرط مع فعل الشرط مع أنَّ الجزاء واحدٌ، وهو قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} فما هو تفسير ذلك؟ ويمكن الإجابة عن ذلك في عدّة نقاط:
الأُولى: إنكار أن تكون إذا الشرطية كما سبق، فلا يبقى إشكالٌ من هذه الناحية، ولا أقلّ من أنَّ الاحتمال يبطل الاستدلال، أعني: احتمال كونها ظرفيّةً لا شرطيّةً.
الثانية: التسليم بكونها شرطيّة مع وجود جزاءٍ مقدّرٍ لكلّ جملةٍ يدلّ عليه المذكور، وهو قوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}. وعلى سبيل
ــــــ[332]ــــــ
(1) سورة الانفطار، الآية: 5.
(2) سورة النصر، الآيات: 1-3.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الإيضاح يكون التقدير هكذا: إذا السماء انفطرت علمت نفس ما قدّمت وأخّرت وإذا الكواكب انتثرت علمت نفس ما قدّمت وأخّرت… الخ.
وقد يُلاحظ عليه: أنَّ جواب الشرط يدلّ عليه المذكور، أي: يدلّ عليه ما قبله؛ لأنَّ المتكلّم والسامع يكونا قد مرّا عليه، فإذا جاء بعده ما يحتاج إلى تقدير دلّ عليه ما قبله؛ لأنَّه مسموعٌ ومعهودٌ. وأمّا ما نحن بصدده فيدلّ عليه ما بعده، وهو غير مسموعٍ ولا معهودٍ، فإذا قلنا: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ} فإن قوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} بعد لم يأت.
وبعبارةٍ أُخرى: ما يدلّ عليه ما قبله معقول، وأمّا ما يدلّ عليه ما بعده فليس بذلك الوضوح، فهو قابلٌ للإنكار.
والحل: إنَّ الكلام مذكورٌ أساساً في علم الله أو في الواقع، وبعبارةٍ أُخرى: كان العزم على التكلّم بهذا كلّه دفعةً واحدةً، فإذا كان السامع غير مسبوق من أوّل الجملة فسوف يكون مسبوقاً في آخر الجملة، وهذا يكفي، والمهمّ أنَّ أصل الانتباه والالتفات والسبق ملحوظٌ، سواء كان متقدّماً أو متأخّراً.
الثالثة: أن لا يقال: إنَّ الشرط متكرّر والجزاء واحد، بل نقول: إنَّ جواب الشرط محذوف في قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ}، ولكن لا يدلّ عليه ما بعده، أي: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} وإنَّما هذا جزاء الشرط الأخير، أمّا قبله فأشياء أُخرى تؤّول بالقرائن العامّة للدين أو السياق القرآني العامّ، فيذهب الذهن في ذلك كلّ مذهب، وهو واضحٌ في الترهيب والتخويف، فبقاء جواب الشرط مجهولاً له مقاصدٌ وحكمٌ في بقاء الإنسان متحيّراً في معرفة ما الذي يحدث عندما تنفطر السماء و… الخ.
ــــــ[333]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الرابعة: أنَّ أداة الشرط حقيقةً هي الأُولى {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ} وجواب الشرط {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} على خلاف ما تقدّم، فتكون إذا المتكررة زائدة، لكن يبقى السؤال عن الحكمة في تكرارها ولا شيء في القرآن بلا حكمةٍ، وهنا يمكن إبراز وجهٍ للحكمة، بأن نقول: إنَّ تكرار (إذا) لأجل التركيز على هذه الحوادث والإلفات إليها واحدة واحدة، وهذا لا يحصل بالتعاطف المجرّد، كما لو قال: إذا حصل كذا وكذا وكذا، مع أنَّ الإنسان قد يضطّرب إذا نظر إليها كمجموع، بخلاف ما لو تكررت؛ إذ سوف يركّز على كلّ منها، فيحصل الغرض وتتمّ الحكمة، فيزداد الترهيب والتخويف.
****
قوله تعالى: {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ}:
ندخل في هذه الآية والسياق لا زال يربطنا بالسماء، والكواكب مرتبطةٌ بالسماء، فكأنَّ السياق سياق حديثٍ عن السماء وأحوالها في يوم القيامة.
والكواكب جمع كوكب، وهو في اللغة الحديثة الجرم السماوي غير المشتعل أو الذي لا يكون نوره ذاتيّاً، وإنَّما يكتسب النور من غيره، ويقابله النجم، وهو ما كان نوره ذاتيّاً أو ما كان مشتعلاً أو مشعاً، ويطلق عليها أحياناً (شمس) تشبيهاً لها بالشمس الموجودة. وهو -أي: النجم- ذاتي الإضاءة، كما هو الحال في الأعم الأغلب من الأجرام السماويّة، والأجرام المنطفئة
– لو صحّ التعبير- التي ليس لها إضاءة ذاتيّة توابع، أي: وجودها بالتبع لا بالأصل، ولذا كانت التوابع الشمسيّة كواكباً لا نجوماً، والشمس نجم لا كوكبٌ، كما في علم الفلك الحديث.
أمّا في الأصل اللغوي فالنجم والكوكب بمعنىً واحدٍ، وهما بمنزلة
ــــــ[334]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
المترادفين، ولذا أفاد الراغب: أنَّ النجم الكوكب الطالع وجمعه نجوم(1). والطالع يعني الصاعد، ونَجَم يعني تحرّك إلى فوق، فيسمّى نجماً، فلذا النجم النبات الذي يخرج من الأرض، والإشارة إليه بقوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}(2) أي: إنَّ النبات على نوعين: الشجر والنبات، وكلاهما يؤدّيان فريضة السجود.
وكانت بعض النجوم عند القدماء وفي الأجيال السابقة موضع اهتمام وانتباه لهم كالثريّا والعيوق والشعرا والجدي الذي هو النجم القطبي، فاطلق النجم على مثل هذه الأُمور، كما أنَّهم اكتشفوا بالتدريج أنَّ بعض النجوم ثوابت وبعضها سيّار؛ لأنَّهم رأوا بعض الأجرام السماويّة لا تتغيّر مواقعها طوال السنة شتاءً وصيفاً، وبعضها سريع التغيّر يشرق أوّل الليل ويغرب آخره، فسمّوا الأُولى بالثوابت والثانية بالنجوم السيّارة، وعلى الأرجح أنَّهم خصّوا الثوابت باصطلاح النجوم والسيّارات باصطلاح الكواكب. أمّا حين تقدّم علم الفلك علموا أنَّ هذه السيّارات إنَّما هي من التوابع الشمسيّة، كالزهرة والمرّيخ والمشتري وغيرها، فكانت هي الكواكب، أو قل: بقي الاصطلاح عليها. وحيث إنَّها غير ذاتيّة الإنارة والإضاءة أمكن إطلاق المصطلح على كلّ كوكب يتّصف بهذه الصفة من أيّ جرمٍ من الأجرام السماويّة، كتوابع المشتري وأُورانوس وتابع الأرض الذي هو القمر، وللمشتري خمسة أو ستّة توابع، ولأُورانوس تابعان.
ثُمَّ إنَّهم دقّقوا أكثر فسمّوا التابع كوكباً، فصار للمسألة عندنا ثلاث
ــــــ[335]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 504، مادّة (نجم).
(2) سورة الرحمن، الآية: 6.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
مراتب: مرتبة يمكن أن نسمّيها الأصل أو المركز الذي هو النجم المشع بمنزلة الشمس، ثُمَّ التوابع لذلك النجم، كالمشتري والزهرة والمريخ، وللتوابع توابع، فسمّوا التابع كوكباً، وتابع التابع قمراً، والأصل شمساً. والمهمّ أنَّنا لا نستطيع أن نحمل النصّ المتقدّم على معنى متأخّر، وهذا معناه أنَّ النجم والكوكب اصطلاحان متأخّران عن عصر نزول القرآن، فإذا ورد شيء من هذا القبيل فهو بمعنى واحد؛ لأنَّهما في اللغة بمعنى واحدٍ، أي: مترادفان.
[في معنى الإنتثار]
وأمّا الانتشار فقال الراغب: نثر الشيء نثره وتفريقه، يُقال: نثرته، فانتثر قال تعالى: {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ}(1). وقد جعله السيّد الطباطبائي+ تعبيراً عن انتثار العقد المنظّم إذا انقطع خيطه وانفرط(2).
(انتثرت) فعل ماض، ومصدره انفعال، تقول: نثرته فانتثر كما تقول: كسرته فانكسر، والكلام هنا يشابه الكلام في الانفطار؛ إذ قد يلحظ جانب الانفعال والتسبيب كما لو أنَّ شخصاً ما حملها على الانفطار أو الانتثار، وقد لا يكون هذا مراداً، بل المراد مجرّد بيان النتيجة، فلذا يقول: منكسر، أي: حصول النتيجة، وهي الانكسار بغضّ النظر عن فاعله. والمهم في معنى الآية أنَّه لا شكّ على مختلف المستويات العرفيّة والعقليّة أنَّ الكواكب والنجوم تسير على نظامٍ مضبوطٍ ودقيقٍ لا يمكن فيه التخلّف والشطط حتّى قال جملةٌ من الفلاسفة باستحالته(3)، لكن مع ذلك يأتي عليه زمان يتفرّق وينتثر ويخرب
ــــــ[336]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 503، مادّة (نثر).
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 223، تفسير سورة الانفطار.
(3) أُنظر: تفسير القرآن الكريم (لصدر المتألّهين) 2: 278، تفسير سورة البقرة، وغيره.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ويتلاشى، وذلك من علامات وإرهاصات يوم القيامة؛ كما فهم المفسّرون(1). ولا شكّ أنَّ هذا النظام قريب الشبه بالعقد، فيكون نظامه بمنزلة الخيط الماسك له، وتكون النجوم كحبّات العقد نفسه، ويكون زوال النظام بمنزلة انقطاع هذا الخيط، ما يسبّب انتثار الحبات وتفرّق الكواكب والنجوم، وذلك يكشف عن ذوق السيد الطباطبائي حينما تصوّر هذا المعنى.
[كيف يحصل الإنتثار مع أن الكواكب قائمة على نظام وقانون دقيق]
ولعلّ أهم سؤالٍ بهذا الصدد هو إمكان انتثار الكواكب مع أنَّها قائمة على نظامٍ وقانونٍ دقيقٍ؛ إذ يرى القدماء من الفلاسفة أنَّه أحكم قانون في العالم، فكيف يمكن حصول الانتثار فيه أو في كواكبه؟
وفي مقام الجواب لا بأس بذكر عدّة أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: ما عليها فهم المشهور من المفسّرين(2)، فيُراد زوال هذا النظام الفلكي الذي تسير عليه الكواكب والنجوم بإرهاصات ومقدّمات يوم القيامة؛ فإنَّ هذا النظام يبقى إلى ذلك الحين، وأمّا في ذلك الحين فيزول وينتهي حاله. ويُستشهد لذلك بأمرين: أحدهما إثباتي والآخر ثبوتي.
الأمر الإثباتي: أن يُقال: إنَّ سياق الآيات يدلّ على ذلك؛ فإنَّ هذه السياقات تتحدّث عن إرهاصات يوم القيامة ولا سيّما قوله تعالى: {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} أي: عند الخروج إلى يوم القيامة {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} أي: عند الحساب يوم القيامة، فإذن (انتثرت) فيه قرينةٌ متّصلةٌ على
ــــــ[337]ــــــ
(1) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 54، الجامع لأحكام القرآن 20: 244-245، كتاب التسهيل لعلوم التنزيل 2: 458، وغيرها.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أنَّه في سياق يوم القيامة.
الأمر الثبوتي: أنَّ القانون الحاكم على الفلك وغيره من القوانين الكيماويّة والفيزياويّة والفلكيّة إنَّما تعتبر دقيقةً بالنسبة إلى مَن تحتها لا بالنسبة إلى مَن فوقها، كما لا يخفى، مع الالتفات إلى أنَّنا لا نستطيع تغيير القوانين؛ لأنَّنا تحتها ومحكومون لها، وأمّا قدرة الله تعالى فهو أعلى منها وأقوى، فكما أنَّ خلقه يوجدهم ويفنيهم، فالأنظمة والقوانين مستمرّة بقدرته، وقد تزول بقدرته. وبعد أن يتمّ هذان الأمران يتّضح أنَّ هذا كلّه من إرهاصات يوم القيامة، والله تعالى بقدرته التي فوق هذه القوانين يزيل هذا النظام، كما يظهر أنَّ هذا السياق القرآني في أوّل سورة الانفطار سياقٌ للترهيب من حوادث يوم القيامة.
وما ذكر كلّه مبني على وجهٍ معيّن من محمولات الآيات المتقدّمة، أعني: قوله: فجّرت وبعثرت وانتثرت، بما ينسجم مع المسلك المشهور. وأمّا إذا فهمناها بشكلٍ آخر كما عرفنا ذلك ضمن أُطروحاتٍ عديدةٍ مضى بعضها في قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ} وسوف نعرف الباقي في الأُطروحات الآتية فإنَّ الدلالة المعروفة تكون بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع.
ثُمَّ إنَّ الأُطروحات المتعدّدة غير المشهورة يمكن أن تفرض في آيةٍ واحدةٍ أو آيتين ونحو ذلك، وأمّا في السياق الكامل فتوجد قرائن متّصلة تعيّن فهم المشهور وتنفي الأُطروحات الأُخرى. وبتعبيرٍ آخر: إنَّ السياق القرآني يتحدّث عن حالٍ واحدٍ هامّ موصوفٍ في كلّ هذه الآيات، تمثّله وتحكي عنه كلّ آية من منظورها الخاصّ أو تتحدّث عن جانب منه، فإن تعيّن هذا الحال الواحد بيوم القيامة فهو المطلوب الذي عليه فهم المشهوري، وإن كان غيره كانت الآيات مجملةً أو ليست متّحدةً سياقاً من هذه الناحية، فكأنَّ كلّ واحدةٍ
ــــــ[338]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
منها تتحدّث عن شيءٍ غير مرتبطٍ بالآخر ومباينٍ له، وهو خلاف ظهور السياق العامّ بلا إشكالٍ، أي: إنَّ ملخّص الإشكال هو أنَّ السياق قرينةٌ على فهم المشهور.
وقد يُلاحظ عليه: أنَّنا مخيّرون بين أمرين لا ثالث لهما: وهما: نفي ظهور السياق بوحدة الحال، فنقول: يمكن أن تتحدّث كلّ آية عن شيءٍ مباينٍ للآية الأُخرى، وأنَّ الظروف المشار إليها في الآيات الكريمة ليست ظرفاً واحداً، بل ظروفاً متعدّدة متباينةً ومختلفة المراتب والأزمان والأماكن، فننفي سياق الحال، وهذا لا يخلو من صعوبةٍ. والأقرب إلى الوجدان أن نقول: إنَّ هذه الظروف كلّها تعبيرٌ عن ظرفٍ واحدٍ، لكن واحد منها يمثّل هذا الظرف من زاويةٍ معيّنةٍ. وأمّا أن نقبل الاتّحاد في الحال غير أنَّه لا يتعيّن بظرف يوم القيامة، وإنَّما نتصوّر له حالاً واحداً غير يوم القيامة، أو نتصوّر له عدّة أُطروحات: منها يوم القيامة ومنها غيره، وتكون كلّ أُطروحة مستوعبة للسياق، وهذا ما سنحاول طرحه في الأبحاث القادمة إن شاء الله تعالى.
وقد سار السيّد الطباطبائي+ مع المشهور في تفسير الآية فقال ما هذا لفظه: انتثرت أي: تفرّقت بتركها مواضعها التي ركزت فيها(1).
وهذا الرأي غريبٌ منه؛ بعد علمه أنَّ الكواكب والنجوم ليس لها مواضع ركزت فيها، وإنَّما هي دائمة السير بحيث لا تعود حقيقة إلى نفس المحلّ الذي كانت عليها قبل شهرٍ أو عامٍ أو قرن. ومثال ذلك ما يظهر بالنظر النسبي لا بالنظر الدقي، فالقمر يعود إلى موقعه بالنسبة إلى الأرض بعد شهرٍ، مع أنَّ ذلك قابلٌ للمناقشة، غير أنَّه لا يعود إلى نفس موقعه بقولٍ مطلقٍ. بل
ــــــ[339]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 223، تفسير سورة الانفطار.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ذلك متعذّر حتّى في الفضاء اللانهائي كما يعبّرون؛ لأنَّ الأرض بنفسها تكون قد تحرّكت، كما أنَّ الشمس أيضاً بنفسها تكون قد تحرّكت، كما أنَّ المجرّة بنفسها تكون قد تحرّكت، فلن تعود إلى الموضع المعهود لها إلى يوم القيامة، ولن يتكرّر هذا الموضع إطلاقاً لأيّ نجم من النجوم، وهذا واضحٌ. والوجه فيه: أنَّ النجوم كلّها في حركة، اللّهمّ إلّا أن يقصد من المواضع القانون الذي يحكمها، وهو معنى محتمل، غير أنَّ العبارة لا تحتمله.
الأُطروحة الثانية: إنَّ انتثار الكواكب يعني انتثارها بالخلقة، فهي منتثرةٌ منذ أن خلقت، ولا زالت منتثرةً ومتفرّقةً في السماء، ولا يكون المراد من الآية أكثر من ذلك، وهذا ما يتّفق في عالم الدنيا ونشاهده بوضوحٍ، ولا نخاف منه.
الأُطروحة الثالثة: التأمّل في الانفجار أو ما يسمّى بالانفجار العظيم الذي زعمه الفكر الفلكي الأُوربي الحديث، وحاصله أنَّ انفجاراً حصل قبل بلايين السنين في كتلةٍ ضخمةٍ، فتحوّلت إلى جزئيّاتٍ صغيرةٍ جدّاً، وقد حصل تلاقي تدريجي بين تلك الجزئيّات إلى أن تكوّنت الأجسام الضخمة من قبيل الكواكب والنجوم ومجموعات أُخر. ثُمَّ إنَّ هذه المجاميع أيضاً تجمّعت، وهكذا تكوّنت المجموعة الشمسيّة، وكذلك المجموعة الأعمّ منها، ثُمَّ المجرّات، وكذا يُفسّرون التباعد بين المجرّات من أنَّها نتيجة لذلك الانفجار الهائل وأثرٌ له(1).
وطبقاً لهذه الأُطروحة يمكن أن نقول: إنَّ الكواكب والنجوم كانت
ــــــ[340]ــــــ
(1) لا يمكن أن نتعقّل هذه النظريّة، وهم – أي: أصحاب النظريّة- لا يملكون جواباً عن كيفيّة حصول هذا الانفجار ولماذا حصل؟ وكيف نجم عن هذه الانفجارات تلك الجزئيّات الصغيرة؟ ثُمَّ حسب قانون القصور الذاتي كيف حصل بين تلك الجزئيّات التلاقي التدريجي؟ لوضوح أنَّه لابدّ من مؤثّرٍ، وما هو المؤثّر؟!! (منه+).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
منظّمةً ومتراكمةً في كتلةٍ واحدةٍ التي هي الكتلة الأصليّة التي انفجرت ثُمَّ تفرّقت وانتثرت عند حصول ذلك الانفجار.
أو يصدق ذلك التناثر والتفرّق حينما تكوّنت من الذرّات المتفرّقة الأجسام الفضائيّة للنجوم؛ لأنَّ كلّ واحدةٍ صارت في مكانٍ، فانتثرت النجوم في السماء.
الأُطروحة الرابعة: أن نفهم من الكواكب الهداة وأهل الحقّ بصفتهم كواكب الهداية وأهل نور العلم في ظلمات الجهل، وهم كثيرون ومتفرّقون زماناً ومكاناً حسب خلق ربّ العالمين وحسب توثيقه باعتبار النظر أو اختلاف النظر إلى الأجيال والبلدان بالنسبة إلى الأجيال زماناً وبالنسبة إلى البلدان مكاناً، فهم متفرّقون، وانتثار الكواكب ناظرٌ إلى هذا المعنى.
الأطروحة الخامسة: أن ننظر إلى كلّ واحدٍ من الكواكب يعني: كلّ واحدٍ من الأولياء والمتكاملين والهداة في أنَّه يصدق عليه الانتثار لأكثر من وجهٍ:
أمّا أوّلاً: فلأّنه يفرّق هدايته ومواعظه وتعليمه بين الناس.
وأمّا ثانياً: فلزوال وانتثار متعلّقات شهواته ونفسه الأمّارة بالسوء.
وأمّا ثالثاً: فلزواله أو زوال ذاته وانتثارها بحصول صفة الفناء له كما قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ}(1).
الأطروحة السادسة: أن ننظر إلى الموت الطبيعي بصفته القيامة الصغرى
ــــــ[241]ــــــ
(1) سورة الرحمن، الآيتان: 26-27.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
للفرد، كما ورد في الحديث: >مَن مات فقد قامت قيامته<(1)، وسمّوها الفلاسفة والحكماء بالقيامة الصغرى في مقابل القيامة الكبرى حينما يجمع الله الناس في عرصة واحدة؛ فإنَّ الفرد عند الموت تنتثر كلّ كواكبه، وهي وجوه نشاطه وفعاليّاته التي كانت له في الحياة الدنيا، فتذهب وتزول بالمرّة من قبيل حركة الجسم والحسّ والتفكير والنشاطات الأُخرى. وهذا الانتثار حاصل، سواء سمّينا الموت بالقيامة الصغرى أم لا، وإنَّما ذكرنا ذلك آنفاً لأجل الاقتراب إلى ذوق المشهور، غايته أنَّهم يقولون: القيامة الكبرى، ونحن نقول الصغرى.
وقد يُستفاد من هذه الأُطروحات أنَّ الانتثار بمعنى الزوال والانعدام، فتزول شهوات المرء أو تزول حركته (كالميت)، وذلك يعني الانعدام لا الانتثار؛ لما مرّ من أنَّ الانتثار بمعنى الزوال والانعدام، مع أنَّ الأمر ليس كذلك، بل هو مجرّد تفرّق وتبعثر، فكيف يُدعى أنَّه الزوال والانعدام؟
وأنت خبير بأنَّ الانتثار وإن كان يعني التفرّق، إلّا أنَّ التفرق يزيل الصورة المتكوّنة من الاجتماع؛ إذ من الواضح أن العقد إذا انتثر لا يبقى له وجودٌ إطلاقاً، بل يزول وينعدم، كعقد مجتمعٍ أو إبريق خزفي تمزّقه وتكسّره إلى أجزاء؛ فإنَّه لا يبقى إبريق أصلاً، بل يصير عدماً حقيقيّاً بزوال صورته.
ــــــ[342]ــــــ
(1) كذا أورده في بحار الأنوار 58: 7، أبواب الإنسان والروح والبدن …، الباب 42، عن رسول الله’، ونحوه في إرشاد القلوب مع فارقٍ يسير في اللفظ. وأمّا الحكماء والمتألّهون من الخاصّة والعامّة فقد أرسلوه إرسال المسلّمات في آثارهم وأسفارهم، فراجع مجموعه مصنّفات شيخ الإشراق 4: 89، اللوح الرابع، رسائل إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء 2: 88، الرسالة الخامسة، المظاهر الإلهيّة: 97، المظهر الثاني، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ومن حقّنا لغةً أن نفرض الانتثار بمعنى مجرّد التفرّق تارةً وأُخرى بمعنى الزوال الكامل، وكلاهما على ما يظهر معنى حقيقي وليس أحدهما مجازاً. غايته أنَّ أحدهما وهو التفرّق ملزوم، والآخر وهو الزوال لازم؛ لأنَّ الزوال لازم التفرّق في الحقيقة.
الأُطروحة السابعة: أن ننظر إلى العقل وما فيه من نشاطٍ وتفكيرٍ واستنتاجٍ، فهو ينتثر بالحمل الشائع، أي: خارجاً وحقيقةً في عدّة موارد:
الأوّل: في إيصال نتائج أفكاره إلى المجتمع أو إلى الآخرين مهما كانت تلك الأفكار وفي أيّ مستوى وفي أيّ حقل من حقول المعرفة، وفي أيّ مرتبة من مراتب الوجود وأوضحها صورة الأُستاذ مع طلاّبه. وهنا نقول بشموله الأفكار الحقّة والباطلة؛ لأنَّ كلّ عقلٍ يفرّق بين الآخرين حتّى لو كانت مواضيعه ومطالبه شهويّة أو فلكيّة أو فيزياويّة أو رياضيّة أو تفسير أو فقه أو أُصول أو منطق أو فلسفة أو أيّ شيءٍ آخر.
الثاني: أن يوصل العقل أفكاره إلى الآخرين بصفتها أفكاراً حقّة لهدايتهم؛ باعتبار أنَّ الكواكب نور الله في ظلمات الأرض، بخلاف ما تقدّم من كون العقل كوكباً لصاحبه، أي: مقتضياً لهدايته وفهمه.
الثالث: أن يُقال: إنَّ تفكيره ينتثر في ذهنه؛ لأنَّ تداعي المعاني الذهنيّة ممّا يتعذّر السيطرة عليها، فتتناثر الأفكار في ذهني بحيث لا أستطيع ردّها.
الرابع: أنَّ يُقال: إنَّ الأفكار تنتثر أحياناً وتكون حالتها سقيمة خارجةً عن الوضع الطبيعي، كما في بعض مستويات السكر أو انفصام الشخصيّة أو بعض مستويات الجنون. ومن الطريف أنَّ المسكر والمخدّر يوصل إلى درجة الجنون، فتحصل نفس النتيجة، وهي تفرّق الأفكار وتبعثرها.
ــــــ[343]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الخامس: أن يُقال: إنَّ الأفكار تزول وتنعدم إذا قام الفرد بين يدي الله تعالى للثواب أو العقاب، ويكون التصرّف كلّه موكولاً إلى الله وتابعاً لمشيئته تعالى.
السادس: أن يُقال: إنَّ العقل يتعطّل ويزول، ولا أقلّ من زوال وتعطّل العقل الدنيوي عند الموت الطبيعي، وإن كان قابلاً للمناقشة؛ وذلك بأنَّ العقل بصفته جهازاً دنيويّاً يزول عند الوفاة، إلّا أنَّ ذاته تبقى متمثّلةً في العالم الذي يصل إليه، فيبقى في عالم البرزخ مثلاً يفكّر ويتحرّك.
السابع: أن يُقال: إنَّ العقل يزول كما تزول الذات إذا وصل الفرد حقيقةً إلى عالم الفناء كما قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ}(1).
****
قوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ}:
[الكلام عن (فُجِّرَتْ) مادةً وهيئةً]
نتناول هنا الهيئة والمادّة كما جرت العادة عليه في الأبحاث السابقة.
أفاد الراغب: أنَّ الفجر شقّ الشيء شقّاً واسعاً، وشقّ أيضاً مصدر أو اسم مصدر، كفَجَر الإنسان السكر، ويقال: فجّرته فانفجر وفجّرته فتفجّر. قال تعالى: {وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا}(2) {وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَرًا}(3) {فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ}(4) {تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا}(5). وقرئ: (تفجّر)، ومنه قيل
ــــــ[344]ــــــ
(1) سورة الرحمن، الآيتان: 26- 27.
(2) سورة القمر، الآية: 12.
(3) سورة الكهف، الآية: 33.
(4) سورة الإسراء، الآية: 91.
(5) سورة الإسراء، الآية: 90.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
للصبح فجر؛ لكونه فجر الليل، أي: شقّه. والفجور شقّ ستر الديانة، يُقال: فجر فجوراً فهو فاجرٌ وجمعه فجّار وفجرة إلى أن يقول: وسمّي الكاذب فاجراً لأنَّ الكذب بعض الفجور(1).
أقول: إنَّ الانفجار في اللغة الحديثة يتعلّق بالموادّ القابلة للاشتعال كالقنابل بحيث يكون انطلاق المواد المخزونة فيه بسرعةٍ عاليةٍ وصوتٍ عظيمٍ، فهذا مأخوذٌ من الشقّ الذي يكون على السطح، كما سمعنا أنَّ معنى الانفجار لغةً هو إحداث الشقّ، وكلّ ما في الأمر أنَّ ما يخرج من الشقّ يكون على أشكالٍ مختلفةٍ من ماءٍ أو دمٍ أو موادّ مشتعلة سريعة الحركة وغيرها.
و(فجرت): فعل ماض مضاعف بالتشديد مبني للمجهول؛ وقد تقدّم في مثله عدم الدلالة على الزمان الماضي؛ لأنَّه مدخول أداة الشرط، فتدلّ على المستقبل {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} أي: في المستقبل.
[عدة أطروحات ممّا يرتبط بتفسير الآية الكريمة]
وهنا يمكن الإشارة إلى عدّة أُطروحات في المقام ممّا يرتبط بتفسير الآية الكريمة:
الأُطروحة الأُولى: ما يفهمه المتشرّعة المحدّثون من الأخبار بحصول الانفجار لمياه البحار كانفجار القنبلة(2)، حيث تبقى بعد الانفجار فارغةً جافّةً، ويكون ذلك من إرهاصات ومقدّمات يوم القيامة، وهذا الفهم متوقّفٌ على مقدّمتين:
الأُولى: تقدير مضاف، فكأنَّه قال: (وإذا مياه البحار فجّرت) وبناءً على
ــــــ[345]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 387، مادّة (فجر).
(2) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 10: 421، الجامع لأحكام القرآن 20: 244، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 559، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
هذا لابدّ من تقدير مضافٍ؛ لأنَّ ما ينفجر هو المياه لا الأرض والبحار، وإنَّما نسب الانفجار إلى البحار مجازاً؛ لأنَّ محلّ المياه البحار.
والثانية: قابليّة الماء للانفجار.
وهنا قد نمنع كلا المقدّمتين: أما الأُولى فلأنَّ التقدير خلاف الأصل، وعلى ذلك فالمقدّمة الأُولى باطلة.
وأمّا المقدمة الثانية فلأنَّ رطوبة الماء مانعةٌ عن انفجاره.
ويمكن أن يُجاب عن الإيراد الأوّل بأنَّنا لا نحتاج إلى تقدير؛ لأنَّ معنى المياه مستبطن في معنى البحار؛ فإنَّ البحر عبارةٌ عن الحفرة الواسعة المملوءة بالماء، وما ينفجر بطبيعة الحال هو الماء لا الحفرة.
ويمكن أن يجاب عن الإيراد الثاني أنَّه ثبت من خلال النظريّات الحديثة قابليّة الماء للاشتعال، فيكون الماء قابلاً للانفجار؛ وذلك لاحتوائه على غاز الأُوكسجين، وهو من الموادّ السريعة الاشتعال. بل إنَّ المحاولات والتجارب الحديثة مستمرّة في الاستفادة من الماء كمادّة حارقة أو وقود، وإنَّما يفكّرون بذلك لإيجاد البديل عن النفط مستقبلاً؛ على اعتبار أنَّ النفط سينفد بعد خمسين سنةٍ أو أقلّ كما يتوقّع المتخصّصون، فإذا نفد النفط سيحاولون التعويض عنه بالطاقة. ومن جملة بدائل الطاقة التي يعقدون عليها الآمال هو التعويض بالطاقة الشمسيّة، أو التعويض بطاقة الهواء، ومنها التعويض بطاقة الماء، أي: استعمال الماء كوقود. بيد أنَّهم قالوا: إنَّ الوقود المشتعل من الماء أمرٌ صعبٌ جدّاً وغالي الثمن، ومن هنا لم تنجح التجارب في استغلاله استغلالاً حقيقيّاً وواسعاً، لكن مع ذلك فإنَّ فكرته ثابتة. وقد رأينا مواقد حمام ضخمة يبثّ فيها نفط مشتعل، ثُمَّ يبث عليه ذرّات من الماء فتزداد النار اشتعالاً، مع
ــــــ[346]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أنَّها ينبغي أن تنطفئ، ولا تزداد اشتعالاً. ومعه يمكن أن نفهم معنى انفجار البحار تحت تأثير حرارة عالية جدّاً يسلّطها الله فتنفجر البحار(1).
الأُطروحة الثانية: أن يقال: إنَّ المراد جفاف مياه البحار بأيّ سببٍ كان، وذلك من إرهاصات يوم القيامة، وهذا هو الفهم المشهور لدى المفسّرين(2). ومن الواضح أنَّ الجفاف لا يعني الانفجار ولا التفجير بأيّ معنى أخذنا التفجير والانفجار، إلّا أن يراد منه مجازاً، والمجاز خلاف الأصل والظاهر. اللّهم إلّا أن يُقال كما سبق أن أشرنا إليه بأنَّ البحار تجفّ بالتبخّر السريع نتيجة للحرارة العالية، وهو نحوٌ من الانفجارات على أيّ حال.
ولا تتمّ هذه الأُطروحة لإشكالين:
ــــــ[347]ــــــ
(1) وفي المقام أُطروحة سوف تأتي في مقابل ذلك، وهي أنَّه ليس المقصود بالانفجار ما كان باللغة الحديثة؛ لأنَّ النقص الأساسي في هذه الأُطروحة هو فهم الآية باللغة الحديثة وتطبيق الظواهر الحديثة عليها كما في الانفجار الذي نفهمه الآن، وهذا من حمل النصّ المتقدّم على المعنى المتأخّر؛ لأنَّ معنى الانفجار متأخّر، والنصّ متقدّم قبل حوالي 1400 سنةً، فلا يمكن حمل النصّ المتقدّم على المعنى المتأخّر. كما سيأتي أنَّ الانفجار لا يتعيّن أن يكون بالمعنى الذي فهمناه، بل ربما يكون بالتبخّر والحرارة العالية التي سوف تتوفّر يومئذٍ، فتوجب تبخّر المياه لا انفجارها بالمعنى المفهوم، وهذا يكفي لحصول النتيجة، وهو أنَّ البحار تزول وتجفّ لا بطريقة الانفجار، بل بطريقة التبخّر، وهو نحوٌ من المجاز أيضاً، فيمكن أن نتصوّر نحواً من أنحاء الانفجار خاصّة إذا تصوّرنا أنَّه تبخّر سريع يحدث خلال ساعات أو دقائق مثلاً. (منه+).
(2) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 244، مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 682، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأوّل: أنَّ ذلك من الاستعمال الحديث، ونمنع حمل الاستعمال الحديث على النص القديم، وإحداث شقّ بالمعنى القديم لا يوجد إطلاقاً بالتبخّر، ولعلّ ذلك من قبيل سبك المجاز في المجاز، وهو خلاف الأصل.
الثاني: أنَّه مجازٌ على كلا الاستعمالين، فهو مجازٌ في الحقيقة، لا انفجار باللغة الحديثة ولا باللغة القديمة.
وقد ينقدح في الأذهان سؤال عن علّة حصول هذه الحرارة العظيمة التي تفجّر البحار، وهذا ممّا تتوقّف عليه الأُطروحة الأُولى والثانية التي تنسجم مع ذوق المشهور.
ويُلاحظ: أنَّ المشهور لا يُقدّم تفسيراً لسبب انفجار البحار، وإنَّما يوعزها مباشرة إلى قدرة الله تعالى، ولكن لا حاجة إلى القول بالإعجاز المباشر، بل بالإمكان فهم واستقصاء السبب ولو بمقدار ما، فنقول: إنَّها تنفجر من الشمس نفسها، وهذه المعاني مأخوذةٌ من الفلك الحديث؛ فإنَّ الشمس لن تبقى على شكلها الحاضر إلّا عدّة ملايين من السنين، ثُمَّ تتحوّل إلى ما يسمّى بالعملاق الأحمر، ثُمَّ تتحول إلى ما يسمّى بالسوبر نوفر أو المستعمرة العظيمة، ثُمَّ تتحوّل إلى ثقبٍ أسود، وحينئذٍ تحدث كلّ هذه التحوّلات حرارةً عاليةً جدّاً قابلةً لمثل هذه النتائج، أي: انفجار البحار. ومن هنا نعرف أنَّنا إذا التفتنا إلى الفاعل الحقيقي المحذوف في قوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} يمكن أن نذكر له جوابين:
أحدهما: أنَّه الله تعالى، فهو الفاعل الحقيقي لكلّ شيء.
وثانيهما: الأسباب التي هي الحرارة العالية.
ثُمَّ إنَّ الحرارة العالية التي تؤدّي إلى تجفيف مياه البحار على كثرتها
ــــــ[348]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
واتّساعها -إذ تشكّل أربعة أخماس وجه الأرض- ستسحق وتصهر ما فوق الأرض من حيوانٍ أو إنسانٍ أو نباتٍ بل الجراثيم والبكتريا من أيّ نوع كانت. نعم، لا ينصهر التراب بهذا المقدار من الحرارة؛ لوضوح أنَّ الماء أسرع انصهاراً أو تبخّراً من التراب والصخور، ولذا فإنَّ شكل الأرض كجسم صلب سيبقى. كما لابدّ أن نلتفت إلى حال الأنهار والبحيرات، فإنَّها سوف تنفجر بنفس الأسلوب، كما تقدّم، ولا شكّ في زوال الأحياء في داخلها وراكبيها إذا كان هناك سفن. كما لنا أنَّ نلاحظ أن مياه البحار الملوّثة والمسكونة والمالحة التي تلحق بالماء المضاف -وإن كان غير وجيهٍ فقهيّاً- أبطأ تفجّراً وتبخّراً من الماء الصافي المطلق بطبيعة الحال.
الأُطروحة الثالثة: أن نستقصي معاني البحار ومعاني التفجّر؛ فإنَّ نسبة بعض تلك المعاني إلى بعض يؤدّي إلى استحصال معانٍ عديدة، ليشكّل بعض تلك المعاني جوانب باطنيّة على ما سوف نسمع، ولا يُقال في الباطن: إنَّه نحو مجاز أو حقيقة ينبغي أن نأخذه على واقعه.
فمن معاني البحار:
أوّلاً: بحار العلم.
ثانياً: بحار النار، ومنه ما ورد من أنَّ قطرة دمع تطفئ بحار النار(1).
ثالثاً: بحار العقل.
رابعاً: بحار الدنيا، وهي أهدافها وفعاليتها أو قل: إنَّ كلّ مجتمع يمثّل بحراً.
ــــــ[349]ــــــ
(1) إشارة إلى ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين× بقوله: >يا نوفُ، إنَّه ليس من قطرة قطرت من عين رجلٍ من خشية الله إلَّا أطفأت بحاراً من النيران< حسبما رواه في مستدرك الوسائل 11: 237، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الباب 15.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
خامساً: بحار عالم الملكوت أو عالم الروح، وهي أهدافها وفعاليتها.
سادساً: بحار القدرة، ومنه ما ورد من أنَّ المطر ينزل من بحار القدرة(1). مضافاً إلى المعنى المادّي أو الدنيوي للبحار.
ومن معاني قوله تعالى: {فُجِّرَتْ}:
أوّلاً: الانفجار باللغة الحديثة.
ثانياً: التبخّر والزوال.
ثالثاً: الوجود والحصول كالفجر الملحوظ في الليل؛ إذ التفجير يؤدّي إلى معنيين متناقضين هما: الزوال والوجود والتحقّق أيضاً.
رابعاً: العصيان وسوء السلوك.
خامساً: الكذب والتكذيب، فإنَّ الكذب من الفجور، كما سمعنا من كلام الراغب.
هذه معان لكلتا الكلمتين، ويمكن ضرب بعضها ببعض، ومن ضرب خمسةٍ في ستّةٍ ينتج ثلاثون وجهاً أو أُطروحة في فهم الآية على الأقلّ؛ لوجود احتمالات أُخرى بطبيعة الحال لكلٍ من المعنيين أو المادّتين.
منها: وجود بحار العلم، والتفجير بمعنى الوجود كوجود الفجر، فبحار العلم وجدت للمشتغلين بالعلم والعمل الصالح.
ومنها: بحار النار، وقد وجدت للمستحقّين من الكفّار والفسّاق.
ومنها: بحار عالم الملكوت التي وجدت أي: انفتحت في طريق التكامل. هذا إذا لاحظنا الانفجار بمعنى الوجدان (أي: وجد).
ــــــ[350]ــــــ
(1) راجع بحار الأنوار 57: 27، كتاب السماء والعالم، أبواب العناصر، الباب 30، الماء وأنواعه والبحار وغرائبها … .
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أمّا إذا لاحظنا الانفجار بمعنى الزوال والانعدام فإنَّ ما يحصل لدينا من معانٍ كما يلي:
منها: زوال بحار العلم بالجهل والإسفاف وسوء التصرّف.
ومنها: زوال بحار النار بالاستغفار والتوبة والبكاء من خوفٍ.
ومنها: زوال بحار الملكوت بالانغماس في عالم المادّة وحبّ الدنيا.
وأمّا في صورة حمل المادّتين على الانفجار لمعنى التكذيب فالمراد أُمورٌ:
منها: تكذيب بحار العلم بالنسبة إلى موقف الملحدين والمشكّكين.
ومنها: تكذيب بحار النار بالنسبة إلى المنكرين ليوم الآخرة والقيامة.
ومنها: تكذيب بحار عالم الملكوت بالنسبة إلى النظرة المادّيّة للحياة والكون.
والفاعل لذلك كلّه – أي: لجميع الأُطروحات- قد يتعيّن في الله تعالى؛ لأنَّه فاعل كلّ شيءٍ، وقد يكون الفاعل الأسباب التكوينيّة الخارجة عن الاختيار، وقد يكون الأسباب الاختياريّة الراجعة إلى عمل الفرد وتصرّفه، كالفرد الذي يسعى إلى تنمية عقله وزيادة علمه أو تربيته، وكذلك الفرد الذي يسعى إلى تحصيل الدنيا وأهدافها، فيكون ذلك سبباً لأن يشقى في الآخرة.
وأفاد السيّد الطباطبائي+ في المقام أنَّه إليه يرجع تفسيرهم لتفجير البحار بفتح بعضها في بعضٍ، فكأنَّه تصوّر حصول شقّ بين البحار بعضها إلى بعض حتّى يزول الحائل، ويختلط العذب منها والمالح، ويعود بحراً واحداً، وهذا المعنى يناسب تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ}(1) أي: بامتلاء البحار(2). والمراد أنَّه إذا تمتلئ البحار يفيض بعضها على بعض، وتتلاقى
ــــــ[351]ــــــ
(1) سورة التكوير، الآية: 6.
(2) راجع الميزان في تفسير القرآن 20: 223، تفسير سورة الانفطار.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بعضها مع بعض، ويزول المانع من بعضها للبعض، فتصبح بحراً واحداً، ولربما يصبح سطح الكرة الأرضيّة كلّه ماءً.
ولعلّ المعنى الذي ذكره من معطيات البحوث الحديثة، ولعلّ سببه يعود إلى أنَّ البحار يعلو منسوبها سنتميتراً واحداً كلّ سنة أو بمقدار معيّن في كلّ سنة؛ وذلك لأنَّهم يقولون: إنَّ الأرض مقبلةٌ على حقبةٍ حارّةٍ تزداد بالتدريج، إلى حدّ يذوب معها قسمٌ من الثلوج الموجودة في القطبين، ليؤدّي إلى ارتفاع مناسيب البحار، ما ينجم عن حدوث أُمورٍ خطرة جدّاً على الغرب، منها غرق مدينة البندقيّة أو (فينيس) في إيطاليا؛ لانخفاض أراضيها، وغرق آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعيّة؛ لأنَّها منخفضة قريبة للماء، وما يتبع ذلك من انعدام الزراعة وموت الحيوانات والأشجار وأمثال ذلك. فمن الناحية الاقتصاديّة سوف تتضرّر البشريّة ضرراً كبيراً، وهذا ما لا يمكن لأُوربا تلافيه، فإذا زال النفط وكثر الماء كان إيذاناً بزواله وانعدامه وسقوط الحضارة الأُوربيّة ، وهذا إن لم يحصل في زماننا فقد يحصل في الأجيال القريبة حتّى يظهر صاحب الأمر# فيفتحها من دون قتالٍ.
غير أنَّ هذا التفكير فرع أن يكون التفجير المقصود بالآية هو المعنى المتقدّم، أعني: سريان بعضها إلى بعض وانفتاح بعضها على بعض وصيرورتها بحراً واحداً، وهذا ممّا لا تساعد عليه اللغة، كما عرفنا. كما أنَّ قوله تعالى {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ}(1) لا يُراد به امتلاء البحار بل حرارتها، كما في قوله تعالى: {فُجِّرَتْ}؛ فإنَّ كلاًّ منهما يفيد معنى الحرارة(2) فيكون مؤدّى الآيتين واحداً.
ــــــ[352]ــــــ
(1) سورة التكوير، الآية: 1.
(2) سجّرت في الحقيقة من سجّرت التنور إذا أشعلت فيه النار. (منه+).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ}:
[أُطروحات أقرب إلى الفهم الباطني للآية]
ولفهم الآية أُطروحات أقرب إلى الفهم الباطني، وأساسها أنَّ كل شيء بمنزلة المدفون فيه، فإذا جاء وقت خروجه وظهوره فكأنَّه قد خرج من قبره. ولمجرّد التقريب للأذهان نضرب مثالاً على ذلك: يُلاحظ أنَّه في الأجيال السابقة كانوا يحفظون الثياب في صندوقٍ، فإذا كانوا بحاجةٍ إليها فتحوا الصندوق وأخرجوا الثياب، فالصندوق بمنزلة القبر لهذه الثياب. وهذا يحصل كثيراً في الدنيا لا في الآخرة، كما يتّفق على المدى اللامتناهي.
ومن مصاديق هذا المعنى ما يلي:
أوّلاً: قابليّات الطفل الكامنة والمدفونة حتّى يحين وقتها بالبلوغ والرشد.
ثانياً: الطاقات والقابليّات الكامنة في الفرد، كالشجاعة والشعر أو الصناعات اليدوية التي لم يكن يعرفها قبل تفجّرها فيه في سنّ متأخّرٍ من عمره مثلاً.
ثالثاً: استخراج المعادن، كالنفط والذهب وغيرها من الأحجار الكريمة أو أيّ شيءٍ آخر.
رابعاً: الاستخراج من البحر بالغوص، سواء الموجود فيه أصلاً، كاللؤلؤ أو الساقط فيه، كالسفن الغارقة ونحو ذلك، فكأنَّ السفينة دُفنت في البحر عندما غرقت، فيأتي يوم تُستخرج من قبرها ويُستفاد منها.
خامساً: الوصول إلى مدارج الكمال العليا بعد أن كانت مدفونةً في حجب الظلمة وغياهب الشهوات والبلاء، ومعه يصدق مضمون الآية {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} على انتقال كلّ شيء من القابليّة إلى الفعليّة، وتكون البعثرة
ــــــ[353]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
لمجرّد الإشارة إلى خروج ما فيها(1).
وقد يظهر ممّا مرّ بيانه أنَّ الآية تنطبق على الدنيا، مع أنَّ المشهور قد يدّعي توفّر بعض القرائن الدالّة على إرادة الآخرة(2).
منها: أنَّ قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} يُراد به يوم القيامة، فيكون قرينةً متّصلةً على أنَّ المراد أنَّ القبور بعثرت يوم القيامة.
ويمكن الجواب عنه: بأنَّ هذه الآية كما سيأتي ليس فيها إشارةٌ إلى يوم القيامة؛ إذ في أيّ زمان علمت نفس ما قدّمت وأخّرت؟ فإنَّ الله هو العالم بذلك، ولم يشر إلى يوم القيامة لا بالدلالة المطابقيّة ولا بالالتزاميّة ولا بالتضمّنيّة إطلاقاً، وإنَّما ذلك من فهم المشهور. فاذا استطعنا أن نفهم منها معنى مناسباً مع ما فهمناه من الآية التي قبلها ومن الآية التي تتحدّث عنها فقد حصل الغرض.
ومنها: أن يُقال: إنَّ الآيات السابقة على هذه الآية تمثّل ارهاصات يوم القيامة ومقدّماته، فتكون قرينةً متّصلةً على أنَّ المراد من {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} يوم القيامة أو في يوم القيامة، والسياق دالٌّ على ذلك؛ فإنَّه منظّم بشكلٍ مناسبٍ يمكن الالتفات إليه، فأوّلاً تحصل علامات يوم القيامة من قبيل انفطار السماء وانتثار الكواكب وتفجير البحر، ليليه تبعثر القبور وخروج الموتى إلى الحشر، فإذا خرجوا حوسبوا، فتعلم كلّ نفس ما قدّمت وأخّرت، وهذا هو السياق القرآني نفسه.
ــــــ[354]ــــــ
(1) ذُكر في الأبحاث الفلسفيّة أنَّ شيئاً ما قد يكون في مرتبة الامكان والقابليّة، ثُمَّ يوجد خارجاً ويتحدّد بحصول المعلول من علّته. (منه +).
(2) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 244، مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 682، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 559، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ويُلاحظ عليه: أنَّ ما ذكر موافقٌ مع ذوق وفهم المشهور، وهو وجيهٌ، إلّا أنَّه يصلح أن يكون جهة من المعنى القرآني لا كلّ المقصود منه؛ لأنَّ القرآن على مستويات من الفهم غير متناهية. ثُمَّ إنَّنا قد أعطينا أُطروحات عديدة للآيات السابقة، مضافاً إلى إشكال سبق أن ذكرناه، وهو أنَّ البعث إن كان على وجه الأرض كما فهم المشهور من ظاهر القرآن الكريم فسوف تضيق الأرض جدّاً عن تحمّل الناس، ولعلّ ذلك مستحيل.
فإن قيل: إنَّهم يجتمعون، ويُحفظ اجتماعهم بالمعجزة.
قلنا: هذا ممكن، إلّا أنَّنا إذا أدخلنا المعجزة في الكلام أمكن لها أن تعمل كلّ شيء من قبيل توسيع الأرض أو تبديل مكان الحشر إلى مكان آخر، كما هو المستفاد من سياق قول مولانا رسول الله’: >لتبعثنّ كما تستيقظون<(1)، أي: إنَّكم تستيقظون في عالم آخر، وهو العالم المناسب لكم.
وقد يقرّر إشكالٌ آخر على ما قيل من الحشر على وجه الأرض ببيان أنَّ المعجزة التي يمكن أن يتصوّرها المشهور في اجتماع الناس مع عددهم الهائل لا يمكن أن تعمل المستحيل؛ وذلك أن الله لا يدخل الأرض في بيضة؛ لأنَّ هذا مستحيلٌ، وإن كان منشأ الاستحالة النقص في قابليّة القابل، لا النقص في فاعليّة الفاعل (والعياذ بالله). أي: إنَّ هذه الاشياء ذاتاً غير قابلة لذلك، فإذن من جملة المستحيلات تداخل الأجسام – وإن لم يكن في الحقيقة بجسمٍ على خلاف حاله الظاهر الطبيعي- والمشهور يلتزم بذلك فلسفيّاً، أعني: أنَّ
ــــــ[355]ــــــ
(1) المناقب 1: 46، فصل في مبعث النبي’، روضة الواعظين 1: 53، باب الكلام في مبعث نبيّنا محمّد’، وبحار الأنوار 7: 47، كتاب العدل والمعاد، أبواب المعاد، الباب 3، الحديث 31.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأرض كلّما زاد عليها الضغط فإنَّها لا تسع هذه الملايين من الناس، إلّا أن نقول بتداخل الأجسام، وهو محالٌ.
****
قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}:
يُراد بالنفس هنا الإنسان أو النفس الإنسانيّة، أو قل: إنَّها القدر المتيقّن منها أو ما كان على غرارها بحسب الإدراك العقلي، كالملائكة والجنّ، وهو واضحٌ. وهي تفيد الوحدة بشرط لا عن الزيادة، وذكر المشهور أنَّها تفيد الشمول(1)، ولكي يفيد اسم الجنس الشمول لابدّ أن يقترن بالألف واللام، أو لا أقل أن لا يقترن بقرينةٍ تفيد الوحدة، وفي المقام قد اقترن بقرينة تفيد الوحدة، وهي تنوين التنكير، فكيف يفيد الشمول؟ مع أنَّه لا يمكن التنازل عن إفادة الشمول، لكن الاشكال: كيف نفهم الشمول بالرغم من وجود تنوين التنكير؟ وهنا نقول: مع أنَّ المشهور يفهم منها الشمول (النفس)، غير أنَّ جوابه لابدّ أن نفرضه على مستويين:
المستوى الأوّل: أن نقول باختصاص النفس بنفسٍ واحدةٍ، ومعه نقول: إنَّ هذه النفس الواحدة -كأُطروحة راجحة- قد تكون للإشارة إلى نفوس مَنْ محض الإيمان محضا ومَنْ محض الكفر محضاً ونحو ذلك، إلّا أنَّ هذا المقدار غير كافٍ؛ لما أشرنا إليه من أنَّ المراد قد يكون أعلى الخلق أو الموجود الأوّل أو نفس رسول الله’.
ولا يخفى: أنَّ القرآن الكريم بشّر بيوم القيامة وأنذر بوجود، يوم القيامة
ــــــ[356]ــــــ
(1) أُنظر: الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 559، لطائف الإشارات 3: 696، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ومن هنا بدأ علم الكلام منذ عصر التابعين وإلى يومنا هذا، فأصبحوا ينظرون إلى يوم القيامة بعقولهم، فأورد علماء الكلام بعض الاشكالات على حصول يوم القيامة، ثُمَّ حاولوا الإجابة عنها:
[كلام ونقاش في شبهة الآكل والمأكول]
منها: شبهة الآكل والمأكول:
إنَّ فكرة الآكل والمأكول تقوم على أساس أنَّ الاجساد تتحلّل وتصبح تراباً، ثُمَّ لا يعلم إلى أين تصير إمّا تبنى حائطاً أو تمتصّها النباتات أو نحو ذلك من الأُمور أو يؤكل الجسد مباشرةً من قبل حيوانٍ ما أو إنَّ النباتات تصبح فاكهةٌ فيأكلها إنسانٌ آخر. فإذا اقتصرنا على مستوى معيّن من التفكير نجد أنَّ ذرّاتي مثلاً أصبحت في هذا الحائط أو في هذا الحيوان أو في هذا النبات، فيجمعها الله يوم القيامة بقدرته؛ لأنَّ المتكلّمين لا يؤمنون بحشر النبات أو الحيوان، فلا إشكال لديهم من هذه الناحية. وإنَّما الإشكال في ما يحشر في الإنسان وكيف يجمع الله ذرّاته وأعضائه ويحشره. وجوهر الإشكال في الشبهة في الإنسان بالنسبة إلى إنسان آخر؛ فإنَّ ذرّات أو جسد زيد الذي صار إلى نباتٍ، ثُمَّ جاء خالد وأكل تلك الثمرة النابتة، فكيف يكون الحال هنا؟ هل يحشر هذا الجزء مع زيدٍ أم خالدٍ؟
وفي المقام تقريرٌ آخر للكلام، وهو في نفس الاتّجاه؛ بأن يُقال: إنَّ الجسد يعاقب؛ لأنَّه مذنب، ويثاب؛ لأنَّه مطيع، فإذا كان الجسد قد تحلّل وتحوّل، فماذا يستحقّ: هل الثواب أم العقاب؟
ولربما صار جزء من شخص كافر جزءً من شخص مسلم مطيع من الأولياء أو بالعكس، فيستحقّ جزء مثلاً منّي العقوبة، إلّا أنَّ واحداً بالمليون من جسدي يستحقّ الثواب، فكيف تُحلّ هذه الشبهة؟
ــــــ[357]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وقد أجاب عن ذلك الفلاسفة والمتكلّمون بجواب حاسمٍ(1)، كما صنع السيّد عبد الله شبّر+ في >حقّ اليقين<(2) والشيخ المظفّر+ في >عقائد الإماميّة<(3)، غير أنَّ الشيخ لم يتعرّض للسؤال والجواب، بخلاف ما أفاده+ في >حقّ اليقين<. والحاصل: أنَّ جزءً أصليّاً من الإنسان يبقى لا يتحلّل أو غير قابل للتحلّل، وذاك كافٍ في إثبات وحدانيّة البدن، كما لو أنَّ زيداً الذي كان في الدنيا مات، وجزءه موجود بحسب الفرض، فيضاف إليه أجزاء أُخرى إلى أن يتمّ تمام البدن ويحشر.
ويُلاحظ: في الحقيقة أنَّ هذا المقدار من الصعب أن يكون كافياً في حلّ الشكلين المتقدّمين من الشبهة. أمّا الشكل الثاني فواضحٌ؛ لأنَّ العين الناظرة هي التي تعاقب، واللسان الناطق هو الذي يعاقب، واليد السارقة هي التي تعاقب، وكلّها قد فنيت وتحلّلت. والجزء الصغير إن قلنا ببقائه فهو ليس عيناً ولا أُذناً ولا رجلاً ولا لساناً ولا أيّ شيء؛ إذ الأجزاء التي تستحقّ العقاب والثواب قد زالت، ولم يعطِ المتكلّمون لذلك جواباً مقنعاً. وأمّا الشكل الأوّل فمن القطعي بحسب قوانين الطبيعة أن لا يحصل شيء من ذلك؛ فإنَّ كلّ الأجزاء تتحلّل مطلقاً، ولا يبقى جزءٌ واحدٌ غير قابلٍ للتحلّل، اللّهمّ إلّا أنَّ نقول: إنَّه يبقى بالإرادة الإلهيّة الخاصّة. أي: إنَّه تعالى بالمعجزة يبقي شيئاً لا يتحلّل لكلّ البشر على الإطلاق بأجيالهم المتعاقبة واحداً واحداً. إلّا أنَّ ذلك ممّا لم يثبت، وبتعبير آخر: إنَّ ذلك منوطٌ بتوقّف العدل الإلهي على ذلك،
ــــــ[358]ــــــ
(1) أُنظر: الشواهد الربوبيّة: 271، العرشيّة: 256، شرح المنظومة 5: 343، وغيرها.
(2) أُنظر: حقّ اليقين في معرفة أُصول الدين: 349، كتاب المعاد، الفصل الثاني.
(3) أُنظر: عقائد الإماميّة: 126-130، عقيدتنا في المعاد الجسماني.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
والعدل الإلهي لا يتوقّف عليه لنقول: إنَّه لابدّ لله من حفظ عدله بحفظ الأجزاء الأصليّة؛ لأنَّه لا حاجة إلى ذلك كما سيظهر، بالإضافة إلى عدم الدليل من الكتاب والسنّة على ذلك، وإنَّما هي أُطروحة طرحها المشهور لدفع الاحتمال المقابل أو بتعبير آخر للحفاظ على عدل الله تعالى.
وربما يُقال: إنَّنا نُسلّم بالأصل الأساسي الذي انطلقت منه الشبهة، وهو المعاد الجسماني، ويدلّ على ذلك أمران:
الأوّل: الإجماع.
الثاني: ظهور إطلاقات بعض الآيات من قبيل قوله تعالى: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ}(1)، أي: نفعل بنانه بالخلقة الولاديّة في الدنيا، و(نسوّي) يُراد بها التسوية والفعل ثانياً في يوم القيامة.
ولابدّ أن نلتفت إلى أنَّ المشهور يفهم من (قادرين) الفعليّة والعلّيّة حتّى يتعيّن المعاد الجسماني في يوم القيامة، علماً أنَّه لا يدلّ على الفعليّة. نعم، الاقتضاء موجود. وقد ظهر أنَّ القدرة على تسوية البنان ليست نصّاً في العليّة، بل لعلّها إلى الاقتضاء أقرب، أي: نحن قادرون على ذلك، أمّا إنَّه قد لا يتعيّن. مضافاً إلى لحاظ معانٍ أُخر للآية منها: أنَّ معنى (نسوّي بنانه) بمعنى: تعديل أصابعه حتّى تصير كلّها بمستوىً واحدٍ من الطول، وهذا هو الأرجح، كما تساعد عليه اللغة؛ اذ لا يوجد (نسوّي) بمعنى: نعمل أو ننتج، وإنَّما (نسوّيه) بمعنى: أن نعملها مسطحة على مستوى واحد، وبتعبيرٍ آخر: نجعلها على رؤوسها على مقدارٍ واحدٍ. فتحصّل أنَّ معنى الآية: أنَّنا قادرون
ــــــ[359]ــــــ
(1) سورة القيامة، الآية: 4.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
اقتضاءً على ذلك، وهذا لا بأس به، والله تعالى قادرٌ على كلّ شيءٍ، ومعه فالمسألة تبتعد على هذا البيان عن المعاد الجسماني.
مع أنَّ الاستدلال بالاجماع منقوضٌ وموضع تأمّل؛ وذلك أنَّ الاجماع إنَّما يكون حجّةً في الأحكام الشرعيّة لا في الأُصول العقائديّة، على أنَّ نتيجة الاجماع قد تكون مظنونة، والأُصول العقائدية يجب أن تكون متيقّنة ومقطوعة، وهذا الاجماع لا قيمة ولا اعتبار له، وهو من قبيل الإجماع الذي يدّعى في المسائل اللغويّة. والوجه فيه اختصاص الإجماع بالمسائل والأحكام الشرعيّة الدينيّة، وأمّا غيرها فلا. لكنّنا هنا مع ذلك نسلِّم بالمعاد الجسماني، ولكن لا ربط له بشبهة الآكل والمأكول إطلاقاً؛ لأنَّ الله تعالى يجمع أجزاء الإنسان ما أمكن منها أن يجمع أو يأتي بأجزاء مادّيّة في ما لا يمكن أن يجمع حتّى يتكوّن الإنسان، وذلك الإنسان يسلّم أنَّه زيدٌ مثلاً، وهو الفاعل للحسنات والسيّئات، ويشعر بنفسه، وهذا كافٍ سواء أكانت أجزاءه هي الأجزاء الدنيويّة أم بعض الأجزاء الدنيويّة.
وأمّا الإشكال القائل بأنَّ الجسم هو المذنب، فهو الذي يستحقّ العقوبة، والجسم هو المطيع فهو الذي يستحقّ المثوبة، فيمكن الإجابة عنه بالنقض والحلّ:
أمّا النقض فنقول: إنَّ الإنسان طوال عمره معرّضٌ لأنَّ تتحلّل أجزاءه وتتبدّل خلاياه، كما لا يخفى، غير أن الطبّ الحديث أعطى المسألة وضوحاً وتفصيلاً أكثر، ونستطيع أن نطبّق هذه الفكرة بشكلٍ أوضح في مثالٍ فنقول: إنَّ زيداً كان سميناً أو بديناً فنحف وضعف، أو إنَّ بعض من أجزاء بدنه هزلت نتيجة مرض أو شيء آخر، فحينئذٍ لنا أن نسأل المشهور بأيّ جزء من
ــــــ[360]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
هذه الأجزاء الدنيويّة يحشر الإنسان؟
ولابدّ لهم أن يجيبوا أنَّه يحشر مع الجسم الذي مات فيه، وليس عندهم جوابٌ آخر، فالإشكال هو الإشكال؛ إذ إنَّ الجسم الذي مات فيه لابدّ أن يكون أدّى بعض الطاعات والمعاصي؛ إلّا أنَّ المعاصي التي حدثت في الشباب مثلاً من الجسم الذي تحلّل وانفصل عن الجسم أو المعاصي التي حدثت قبل قلع السنّ أو قبل السمنة أو قبل تبديل القرنيّة أيّ منها يُعاقب؛ فإنَّ هذا الجسم ليس ذاك؟ فماذا يقول مشهور المتكلّمين؟
فإن قلت: إنَّ هذه الأجزاء لابدّ أن تجتمع للإنسان من ولادته إلى مماته قلّت أو كثرت حتّى تحشر يوم القيامة.
قلت: ما أُفيد غير مفيدٍ؛ لأنَّه لا يكون على صورة إنسانٍ حينئذٍ، بل لعلّه يكون أقرب إلى صورة وحش، مضافاً إلى ورود نفس الإشكال عليه من كون هذا الجزء أطاع ولم يعص، ولم يكن موجوداً عند المعصية، ومعه نكون قد عاقبنا جزءاً مطيعاً وأثبنا جزءاً عاصياً، فما يقول مشهور المتكلّمين في ذلك؟
وأمّا الحلّ فنقول: إنَّ القول بأنَّ الإثابة والعقوبة للجسم غير وجيهٍ؛ لأنَّ العقوبة للفاعل، فنسأل حينئذٍ: مَن هو الفاعل؟ هل الجسم أم النفس أم الروح أم الكيان المعنوي للإنسان؟ ويلزم أن لا نكون ملحدين ومادّيين إلى درجة نعزو هذه الفعاليات لمادّة ما، كما لو كان المخّ هو الذي يفكّر والمعدة هي التي تهضم والعين هي التي ترى. نعم، نحن نرى بالعين، لكن بروح العين، لا بالعين بصفتها سوائل وأغشية، ولا المخ بصفته جهازاً، وإنَّما هذه الأُمور وسائط ووسائل. ولو مشينا قدماً في الفلسفة أو الحكمة أمكن أن نقول: إنَّ الروح محكومة في عالم الدنيا أن تكون ملتصقة بكلّ واحدٍ من هذه الوسائط،
ــــــ[361]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فالروح لا تفكّر إلّا عن طريق المخّ، والروح لا ترى إلّا عن طريق العين، ولا تسمع إلّا عن طريق الأُذن، وهكذا الحال في كلّ الأفعال. فالفاعل الحقيقي إذن هو المعنى الذي نُعبّر عنه بأنا وأنت وهو، وليس الجسد بما هو هو؛ اذ من دون الروح لا ثواب ولا عقاب؛ لغياب الفاعل عندئذٍ. فمقتضى الابتلاء الالهي ربط الروح بالجسد، أي: ربطني أنا الكيان المعنوي بجسدي، وإلَّا فالجسد لا اعتبار له. ودخول الجنّة بهذا الجسد ما هو إلّا مجرّد مطيّة لأجل الشعور بالثواب والراحة والسعادة عن طريقه، ودخوله النار – أي: الجسد- لأجل نفس الاعتبار، وهو شعور الروح أو شعور الأنا أو شعور زيد وهو في الحقيقة كيانه المعنوي وهو الفاعل حقيقة، ولذا كان شعوره بالألم عن طريق الجسد، وإلَّا فإنَّ الجسد يحترق كما لو ألقينا حجارةً في النار أو ألقينا حجارة في الجنّة مثلاً، ومعه فلا قيمة للجسد من دون الروح أو الكيان المعنوي. وحينئذٍ تسقط شبهة الآكل والمأكول بكلا شكليها وقسميها؛ لأنَّنا نتكلّم عن الشبهة الثانية، وهي بمَ يختصّ ويتعلّق الثواب والعقاب؟ هل بالجسد الذي تحلّل أو بالسنّ الذي سقط أو بالقرنيّة التي تبدّلت أو بالقلب الذي تبدّل أم بالجسم الذي مات فيه؟ وقد يمكن الإشارة إلى طريقين – حسب الأُطروحتين السابقتين- يسلكهما الله عزّ وجلّ في هذا المضمار:
الأوّل: ما ذهب اليه مشهور المتكلّمين(1) من أنَّه تعالى يحفظ جزءً أساسيّاً من الإنسان، ثُمَّ يضيف إليه الباقي، والباقي مادّة أيضاً، وليس فاعلاً، وإنَّما يكون طريقاً للثواب والعقاب.
الثاني: أن لا يحفظ جزء منه، وإنَّما يخلق جسداً مادّيّاً كاملاً ويدخل فيه
ــــــ[362]ــــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 77.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الروح، وهو بذلك قد أدخل الفاعل وهي الروح في غير الفاعل وهو الجسد، كما يدخل الروح في الجنين، ويدخلها في آدم×، ويدخلها في يوم القيامة، وحينئذٍ عندما ترى وجهي تعرفني أنا فلان بن فلان، لكنّي لا أعرف نفسي بوجهي، بل لا يعرف الإنسان نفسه بوجهه، بل بإحساسه ووجدانه وشعوره، فهو الذي ذهب إلى المسجد وصلّى وصام وحجّ وفعل كذا وكذا، فحينئذٍ يستحقّ الثواب والعقاب. وهذا لا ينافي المعاد الجسماني؛ وذلك لأنَّ الشيء الذي حصل وخُلق هو المادّة كالمادّة التي في عالم الدنيا، فقد خلقها الله وأعاد لها الروح ثانياً بعد أن كان أخرجها عزرائيل ×، فزيدٌ في الدنيا هو زيدٌ في الآخرة، لكن بموادّ جديدة مخلوقة إبداعيّة، وهي معادٌ جسماني؛ لأنَّ الناس يجتمعون بأجسامهم إجماعاً أو حسبما يُستفاد من ظواهر الكتاب والسنّة.
ولو تنزلّنا عن استظهار المعاد الجسماني، فلنا أن نجيب بالقول: إنَّ الفاعل ليس هو الجسم، والناس يُحشرون ويتعارفون فيما بينهم، ولكن ليس بمادّة دنيويّة، بل بمادّة مناسبة مع ذلك العالم، فإذا نسبت إلى المادّة الدنيويّة نسمّيها روحاً، وإذا نُسبت إلى عالم التجريد الأعلى فهي مادّة؛ لأنَّها ألطف من ذلك وأخفّ من هذا، وبمعنى متشرّعي هي مادّة البرزخ؛ أو حالة البرزخ، فالميّت يبقى بنفس الجسم ويستمرّ من البرزخ إلى ما بعد حسابه وعقابه.
والحاصل: أنَّ الجسم وجود برزخي، وهو مادّة، لكن ليس كالمادّة الدنيويّة، بل أرقّ وألطف منها، وصورته أيضاً صورة المادّة الدنيويّة التي يُحفظ فيه الفاعل؛ لأنَّ الفاعل أيضاً ليس هو، وإنَّما أنا، أي: الكيان المعنوي المطلق، وذاك الجسد موجود الآن بمعنىً من المعاني؛ لأنَّ جميع العوالم تجتمع في الدنيا، كعالم الناسوت وعالم الملكوت وعالم الجبروت وعالم اللاهوت. فعالم
ــــــ[363]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الناسوت هو عالم الاجسام الذي لا يكون فاعلاً، وإنَّما مطيّة، وأمّا الفاعل فهو العوالم الوسطى، وهما عالم الملكوت، أعني: ذاك الجسم البرزخي الملكوتي، وعالم الجبروت الذي هو عالم العقل القائد لهذا الجسم، وهذان العالمان هما راكبان وقائدان للمادة، أي: الجسم الدنيوي، فالفاعل الحقيقي بمرتبة إنَّما هو عالم الملكوت وعالم الجبروت للانسان.
والنفس والعقل هما الفاعل الحقيقي، وعليهما تقع العقوبة، ولهما يحصل الثواب، وهذا لا يتنافى مع المعاد الجسماني، وليس إنكاراً له، بل المعاد جسماني، ولكنه ليس جسماً دنيويّاً، وإنَّما جسم بالمقدار الذي يناسب عالمه. نعم، إذا خطونا خطوة أُخرى وأنكرنا المعاد الجسماني كما أنكره بعض الحكماء(1)؛ اذ يعتقد هؤلاء بعدم الحاجة إلى الإقرار بالجنّة والنار؛ لأنَّهم يُنكرون الجنّة بالمعنى المتعارف وينكرون النار بالمعنى المتعارف، وينكرون القيامة كما ينكرون الحشر المشهور، ويقتصرون على القول بأنَّ الإنسان يحصل نتيجة ذنوبه على ألم شديد، ويحصل بطاعاته على بهجة كبيرة وسرور عظيم، وهو يكفي في المقام. إلّا أنَّ ما ذكر خارج عن ظواهر الكتاب والسنّة (والعياذ بالله). وما قرّرناه آنفاً مناسبٌ جدّاً وقابلٌ لدفع الاشكالين؛ لأنَّ شبهة الآكل والمأكول بالمعنى الأوّل التي تفترض تحلّل الجسم وانعدامه تندفع بكون التحلّل إنَّما يصيب الجسم الدنيوي، ولا ينال الجسم البرزخي؛ لأنَّه الفاعل الحقيقي، فهو الذي يعاقب ويثاب. وأمّا الجسم الدنيوي فليذهب بكلّ تفاصيله، فلسنا بحاجةٍ اليه، وعلى
ــــــ[364]ــــــ
(1) راجع ما أفاده صدر الحكماء والمتألّهين+ في غير واحدٍ من تصانيفه الثمينة، كمفاتيح الغيب: 605، المبدأ والمعاد: 376، الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 9: 166، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ذلك لا تنتقل ذرّة ولا جزء من الجسم البرزخي من زيد إلى بكر إطلاقاً، فهو محفوظٌ من الولادة إلى الوفاة، فلا يتغيّر. ولذا قال بعض مشائخنا بأنَّه غير قابل للقطع والبتر، فالإنسان الذي تُقطع يده تبقى يده البرزخيّة موجودة، لكنها غير مرئية، وكذلك السنّ المقلوع، فالسنّ البرزخي يبقى موجوداً، فلذا إذا حُشر يوم القيامة فإنَّ أسنانه تكون محفوظةً، بل يكون على صورته الدنيويّة تماماً.
وليعلم: أنَّ الكلام في الإشكال القائل: بأنَّ (نفسٌ) منونة بتنوين التنكير، وهي تفيد الوحدة، مع أنَّ المراد منها الشمول قطعاً، وقد أجبنا عن ذلك بمستويين تكلّمنا عن الأوّل منهما، فلنذكر الثاني.
المستوى الثاني: أن نفهم العموم، أي: إنَّها نفوسٌ كثيرةٌ لا نفسٌ واحدةٌ، ولكن يبقى الالتفات إلى السبب، فإذا كان مراده العموم فلماذا قصد وذكر تنوين التنكير؟
ويمكن الإجابة عن ذلك مضافاً إلى انسجامه مع السياق اللفظي القرآني للآية فإنَّ المراد الإشارة إلى كلّ نفسٍ بحيادها واستقلالها.
[زمان العلم بما قدّمت وأخّرت]
وأمّا زمان العلم بما قدّمت وأخّرت فمحذوف في الآية الكريمة، ولكنّه منوطٌ ومتوقّف على حصول الشرط في الجملة الشرطيّة، ويحسن الالتفات هنا إلى أنَّ (علمت) فعل ماض، ولكنّنا لا نفهم منه الماضويّة، بل المراد أنَّه في المستقبل ستعلم كلّ نفس ما قدّمت وأخّرت، أو لا أقل: إنَّ الزمان محذوفٌ منه، فتكون (علمت نفس) في أحد الأزمنة الثلاثة، وعدم الدلالة على الماضويّة واضحٌ بتأثير أداة الشرط؛ لأنَّها تقلب الماضي إلى المستقبل فتقول: إذا أشرقت الشمس فالنهار موجود، ولا شكّ أن (أشرقت) (فعل ماض)، لكن
ــــــ[365]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
مع ذلك يفيد الاستقبال، ولا يفيد الماضويّة إطلاقاً؛ لدخول أداة الشرط عليه.
أمّا في أيّ زمان تحصل هذه الأمور؟ أي: هل تحصل عند حصول مجموع الشرط؟ أي: إذا السماء انفطرت واذا حصل كذا وكذا علمت نفس ما قدّمت وأخّرت، أي: هل إنَّ زمان (علمت) هو مجموع هذه الأمور؟ وهذا تابع للأُطروحات السابقة لمعاني الآيات في الشرط: (إذا السماء انفطرت وإذا النجوم انتثرت …). وبطبيعة الحال فإذا كان المعنى المشهور هو حصول ذلك في يوم القيامة، فعندئذٍ تلتفت النفس إلى أعمالها وتعلم ما قدّمت وأخّرت، كما فهمه المشهور. ولكن الأمر ينسجم أيضاً مع عددٍ من الأُطروحات التي عرضناها من معاني الآيات السابقة كحصول الرشد للفرد، أو حصول الرشد للمجتمع، أو حصول الكمال، أو حصول الفناء الروحي، ونحو ذلك، فعند تلك المراتب تعلم النفس ما قدّمت وأخّرت. يعني: أنَّ جزاء الشرط يتناسب مع جملة الأُطروحات الأُخرى التي طرحناها لمعاني فعل الشرط في الآيات السابقة، كما لا دليل على اجتماع كلّ هذه الأُمور مرّة واحدة، كما يحاول المشهور أن يفهم ذلك، ولا توجد قرينةٌ متّصلةٌ أو منفصلةٌ من السياق القرآني تدلّ على اجتماع هذه الأُمور في يوم القيامة. بل حتّى لو كانت في يوم القيامة فإنَّها لا تكون مجتمعة بل متتابعة، وقد يكون بين بعضها والبعض الآخر آلاف السنين، كما لا دليل على أنَّ الجزاء – وهو علم النفس بأفعالها وما قدّمت وما أخّرت- يترتّب على مجموع تلك الأمور. فإذا قلنا: (إذا جاء زيد وحمل إليك هديّة فأكرمه) فلنا أن نسأل: هل الجزاء (أكرمه) تابعٌ لكلا الشرطين أو فعلي الشرط أو إنَّه منوط ومتوقّف على واحدٍ منهما؟ وإذا كان كذلك فهل هو الأوّل أم الثاني؟
ــــــ[366]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ويمكن الإشارة إلى عدّة أُطروحاتٍ في المقام:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ كلّ جمل الشرط تعود إلى الجزاء، أي: إذا حصل ذلك كلّه علمت نفس ما قدّمت وما أخّرت.
الأُطروحة الثانية: أن تكون جملة الشرط هي الجملة الأُولى {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ} وأداة الشرط هنا حقيقة، وأمّا سائر الأفعال فليس كل منها فعل الشرط، وإذا زائدة فيها. وبتعبيرٍ آخر: إنَّ فعل الشرط الأوّل هو الذي يرتبط بجواب الشرط، فيكون المعنى: إذا حصل الفعل الأوّل علمت نفس ما قدّمت وأخّرت.
الأُطروحة الثالثة: أن تكون جملة الشرط الأخيرة هي المرتبطة والمتوقّف عليها جواب الشرط؛ لأنَّها الأقرب لفظاً إلى الجزاء.
ولو فرضنا أنَّنا أخذنا بالفهم المشهور فقلنا إنَّ هذه الأُموركلّها تّتفق في يوم القيامة أو قبيل يوم القيامة ويحصل معلولها وهو (علمت نفس ما قدّمت وأخّرت) فلنا أن نسأل حينئذٍ: هل إنَّ هذا العلم ترتّب على مجموع ما حصل؟
فمن الواضح أنَّه لا دليل على ذلك؛ فربما حصول واحد منها كافٍ في إنتاج العلم ويكون انضمام الباقي إليه بالاتفاق، لا بنحو العلّيّة لعلم النفس بما قدّمت وأخّرت.
الأُطروحة الرابعة: وهذه الأُطروحة وإن كانت أضعف احتمالاً ممّا سبق؛ إذ نفترض أن لا يكون شيء ممّا سبق علّة ولا مؤثّراً إطلاقاً في هذا العلم المذكور، وهذا يحتاج إلى فهم لغوي معيّن حتّى ينتج الفهم المطلوب. والوجه فيه: أنَّ الفهم المشهور مبني على أنَّ ما سبق كلّها أفعال شرط، وهذا جزاء الشرط (علمت نفس)، ولأجل تصحيح هذه الأُطروحة لابدّ أن نقول بأنَّ
ــــــ[367]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
هذا ليس جزاء شرط وإنَّما يندرج في أفعال الشرط، وتكون كلّها أفعال شرطٍ إلّا أنَّ جزاءها محذوف، فلا نعلم ما هو مثلاً، أو يدلّ عليه السياق، فهو ليس جزاء شرط، وإنَّما إخبار مستقلّ عن الإخبارات السابقة. فيكون السياق هكذا: تنفطر السماء وتنتثر النجوم ويحصل كذا وكذا وأيضاً تعلم كلّ نفس ما قدّمت وأخّرت، ونكون قد قطعنا وفككنا ارتباطها العلّي عن السابق بشرط حصول القناعة بهذا المعنى، وهو عدم كونه جزاءً، وإلَّا لو كان جزاء الشرط لكان قرينةٌ لفظيّةٌ على كونه معلولاً.
[المراد من قوله: (قدّمت وأخّرت)]
ويبقى الكلام عمّا يمكن أن يكون مراداً من قوله: (قدّمت وأخّرت)، والأصل فيهما ما قدّمته وما أخّرته؛ لأنَّ الموصول يحتاج إلى صلة، وفي الحقيقة يوجد هناك عام لابدّ من الالتفات إليه قبل الدخول في التفاصيل، وهو أنَّنا نفهم من هذين اللفظين: ما قدّمت وأخّرت للأفعال الاختياريّة، أي: ما فعلت أو عملت ونحو ذلك من الأُمور، سواء كان المتقدّم منها أم المتأخّر، وذلك بقرينة صحّة النسبة إلى النفس، وعليه فالتقديم والتأخير منسوب إلى النفس، وإنَّما ينسب إلى النفس أفعالها أي: أفعال الإنسان، ولا تنسب غير أفعاله إليه، فصحّة النسبة بالمعنى الحقيقي – العرفي أو العقلي- يدلّ بوضوح على أنَّ المراد به الأفعال. لكن من الواضح أنَّ الأمر لا يختلف في عدّة حصص من الأفعال أو عدّة أنواع من الأفعال كما يلي:
النوع الأوّل: الأفعال الظاهريّة من قبيل: الكلام والذهاب والمشي ونحوها ممّا يميل المشهور إلى فهمها عادةً.
النوع الثاني: الأفعال الباطنيّة من قبيل: الصبر والتوكّل والإيمان والشكّ ونحوها.
ــــــ[368]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
النوع الثالث: نتائج الأفعال من باب أنَّ القدرة على المقدّمة قدرة على النتيجة، فقد تفعل فعلاً يؤدّي إلى حصول شيء لم تفعله مباشرة، وإنَّما تسبّبت في إيجاده؛ اذ لولا عملك لما حصل ذلك، كما لو تضغط على الزرّ فتأتي الكهرباء، أو تضغط على الزرّ فتنفجر القنبلة، فالقدرة على المقدّمة قدرة على النتيجة، وإلَّا يلزم من عدَمه عدمُه، أي: لولا المقدّمة لما حصلت النتيجة، والقدرة على السبب قدرة على المسبب. ولذلك مصاديق ظاهريّة وباطنيّة منها قوله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}(1). فباختيارهم كانوا يخلفون ما وعدوا الله، وكانوا يكذبون، فكانت النتيجة أن أعقبهم الله نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه. وبالعكس من ناحية الكمال كما يشير إليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ}(2)، ونحوه ما ورد عن رسول الله’ بقوله: >مَن سنّ سنّةً حسنةً فله أجرها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة<(3).
[لماذا قال: مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ]
والبحث في هذه الآية هو أنَّه لماذا قال: {مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}، فعلم النفس بأفعالها أمر واضح، أمّا أنَّ بعضها متقدّم وبعضها متأخّر فهو غريب وملفت لنظر المفسّرين جميعاً، ولا أستطيع القول أنَّ فيها ما هو مشهور؛ لأنَّهم اختلفوا في تفسير ذلك اختلافاً كبيراً. وإليك بعض ما يستفاد من كلمات
ــــــ[369]ــــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 77.
(2) سورة محمّد، الآية: 17.
(3) الكافي 5: 9، باب وجوه الجهاد، الحديث 1، تهذيب الأحكام 6: 124، باب أقسام الجهاد، الحديث 1، وسائل الشيعة 15: 24، باب أقسام الجهاد وكفر منكره …، الحديث 19937، صحيح مسلم 3: 87، باب الحثّ على الصدقة …، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
القوم:
الأوّل: ما ظهر ممّا قلناه واختاره في >الميزان< من أنَّ ما قدّمت هو ما فَعَلته في حياتها، وما أخّرت هو ما فَعَلته بعد موتها، بمعنى: نتائج أفعالها الحسنة والسيّئة، كما تقدّم فيما سبق في الحديث القائل: >مَن سنَّ سنّة حسنةً … ومَن سنّ سنّة سيئةً<، فنتائج أفعالها كأنَّما هو فعلها، فقد أخّرت بهذا المعنى، ولكن السيّد الطباطبائي في >الميزان< استشهد بآيةٍ واحدةٍ، وهي قوله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}(1)(2).
فالمراد من (مَا قَدَّمُوا) هو ما قدّمت، والمراد من (وَآثَارَهُمْ) هي ما أخّرت، فكأنَّما هناك تشابه في المراد من الآيتين، ولكلام السيّد الطباطبائي ولعبارته معنى لطيف ووجيه، إلّا أنَّه غير متعيّن لوجود احتمالاتٍ أُخرى في المقام.
الثاني: أن لا تنحصر النتائج بما يكون بعد الموت؛ فقد تكون النتائج حاصلة فوراً في حياة الفرد نفسه، كما لو هدى شخصاً أو أضرّ شخصاً أو أحدث فتنةً أو عمل عملاً فيه مصلحة عامّة دينيّة أو دنيويّة، فيكون المراد ممّا قدّمت هو أعمالها الشخصيّة من تصرّفات وأقوال، والمراد ممّا أخّرت نتائج أعماله، سواء أحدثت هذه النتائج في الدنيا أم بعد الممات، وسواء أكانت ظاهريّة أم باطنيّة.
الثالث: ما أشار إليه في >الميزان< بقوله: وقيل: المراد ممّا قدّمت وأخّرت ما عملته في أوّل العمر وما عملته في آخره؛ فيكون كلامه كناية عن
ــــــ[370]ــــــ
(1) سورة يس، الآية: 12.
(2) راجع الميزان في تفسير القرآن 20: 223.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الاستقصاء(1)، أي: استقصاء جميع الأعمال: صغيرها وكبيرها.
ولعلّ السيّد الطباطبائي أراد من الاستقصاء أنَّ الله تعالى استقصى جميع الأعمال، فالمراد من الاستقصاء هو استقصاء الله للأعمال.
أقول: إنَّ استقصاء الله للأعمال ممّا لا كلام فيه، إلّا أنَّ ذلك ليس المراد من الآية الشريفة. فان كان المراد الاستقصاء فهو استقصاء العلم الذي في النفس {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}، أي: المراد استقصاء علم النفس بأفعالها وليس استقصاء الله لأفعال النفس؛ فذاك باب آخر، ولكن هذا أيضاً ليس مراداً للآية. ولعلّ هذا مراد السيّد الطباطبائي؛ لأنَّه أشار إلى الاستقصاء فقط، ولم يحدّد ويذكر من هو المستقصي: هل هو الله ام النفس؟
الرابع: أنَّ ما قدّمت أشارة إلى الحسنات؛ لأنَّها تقدّم الإنسان نحو الكمال، وما أخّرت تعبيرٌ عن السيئات؛ لأنَّها توجب تأخير الإنسان عن الكمال والهدى والحقّ.
الخامس: أنَّ ما قدّمه هو ما فعله، وما أخّره ما فكّر فيه ولم يفعله، وهو معنى معقول.
السادس: أنَّ (ما قدّمت) أي: ما شعر الفرد بأهمّيّته من العمل، وهذا ملحوظٌ على مستوى الاصطلاح؛ اذ يُقال: قدّم أعمالي أمام الله ويُقال: أنت لا تقدّم حسناتك أمام الله، وإنَّما قدّم سيئاتك أمام الله كي تفوز وإلَّا ستوكل إلى حسناتك، فتُعطى اليسير جدّاً وتُحرم من الثواب الجزيل. وهذا الوجه يقول: إنَّ ما قدّمت أي: ما شعر الفرد بأهمّيّته من عمله، فقدّمه أمام الله، أو ما شعر بأهمّيّته، فقدّمه أمام الناس، والمراد من (وأخّرت) أي: ما احتقره من عمله ولم
ــــــ[371]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 223، تفسير سورة الانفطار.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يجعل له أهمّيّة، كما ورد: >اللّهمّ لا عمل لي أرجو به نجاح حاجتي<(1). ولا يخفى: أنَّ لكلّ فردٍ شكلاً من أشكال العمل الذي يحترمه وشكلاً من أشكال العمل الذي يحتقره سواء كان مهتدياً أم لا، فلا يُتصوّر أنَّ ذلك خاصّ بالمهتدين؛ لأنَّ الآخرين أيضاً يهتمّون ببعض أعمالهم ويحتقرون بعض أعمالهم. ويُلاحظ: أنَّ القرآن الكريم كرّر ذلك المعنى في عدد من آياته، ويشير ذلك إلى حقيقة هذا المعنى وأنَّه مستحقّ للتكرار والتفهيم، وهو الانقسام إلى التقديم والتأخير في الأفعال. قال تعالى: {يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ}(2) وقال: {مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}(3).
السابع: أنَّ الاعمال المتقدّمة هي التي يعملها الإنسان في الدنيا من حين بلوغه إلى حين موته، والأعمال المتأخّرة هي التي يعملها في الآخرة.
فإن قلت: إنَّ الآخرة حساب ولا عمل(4).
قلت: إنَّ نفي العمل بالمرّة غير محتمل. نعم، الأعمال الظاهريّة، كالصوم، والصلاة منتفية هناك، والأعمال الباطنيّة منتفية أيضاً؛ إذ لا معنى
ــــــ[372]ــــــ
(1) إقبال الأعمال: 379، فصل: فيما نذكره من أدعية يوم عرفة، مصباح المتهجد: 420، دعاء ليلة السبت، مع فارقٍ يسير في اللفظ، ونحوه في جمال الأسبوع: 160، الفصل الخامس.
(2) سورة القيامة، الآية: 13.
(3) سورة الفتح، الآية: 2.
(4) إشارةٌ إلى ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين× بقوله: >فإنَّ اليوم عملٌ ولا حساب، وإنَّ غداً حسابٌ ولا عمل<. حسبما ورد في الكافي 8: 58، خطبة لأمير المؤمنين×، الأمالي (للشيخ الطوسي): 117، المجلس الرابع، الحديث 37، مع اختلافٍ يسيرٍ، الأمالي (للشيخ المفيد): 92، المجلس الحادي عشر، الحديث 1، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
لقضاء حاجة الآخرين في الجنّة؛ لوضوح أنَّه لا حاجة حينئذٍ، وكذلك في جهنّم، لكن مع ذلك فالعمل في الجملة موجود من قبيل: ذكر الله تعالى وحسن الظنّ بالله تعالى وانتظار الفرج في جهنّم، فهو من العبادة، أو الشعور باستحقاق العقاب مثلاً.
****
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}:
[ما) في قوله تعالى: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ]
(ما) في قوله تعالى: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}: إمّا أنَّ تدلّ على الاستفهام، وإمّا أنَّ تدلّ على الاستفهام الاستنكاري، وإمّا تعجبيّة، وإمّا أن تكون نافيةً أو مصدريّة أو ظرفيّة، واحتمال كونها موصولة ضعيف؛ لأنَّ (ما) مبتدأ -على بعض التقادير- ليس له خبر، مع أنَّه مخالفٌ للسياق.
[احتمالات في المراد من (ربّ)]
وفي المقام احتمالات في المراد من (ربّ) وهل هو بمعنى المالك أو المتسلّط، مع أنَّ الشهوة قد تملك الإنسان وقد تتسلّط عليه، كما أُشير إليه في بعض الروايات على لسان هود×: >ما خلق الله مؤمناً إلّا وله عدّوٌ يؤذيه، وهي [أي: امرأته] عدّوة، فلأن يكون عدّوي ممّن أملكه خيرٌ من أن يكون عدوّي ممّن يملكني<(1) فيملكني أي: يسيطر عليّ؛ ومعه يمكن أن نفهم من الربّ مطلق المسيطر أو خصوص المسيطر بالضلال، كالنفس والهوى ونحو ذلك.
وما ذُكر غير وجيه في المقام؛ وذلك لوجود قرينةٍ متّصلةٍ على نفي هذا المعنى؛ لأن المسيطر بالضلال لا يعدّ كريماً مع أنَّه موصوف بالكريم، ولا
ــــــ[373]ــــــ
(1) تفسير القمّي 1: 328، قصّة هود، وبحار الأنوار 11: 350، الباب 4: قصّة هود وقومه.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يحتمل أن يكون المسيطر بالضلال مستحقّاً لمثل هذه الصفة.
اللّهمّ إلّا أن نفهم من الكرم معاني أُخرى؛ ذلك لأنَّ الكرم قد يكون عالياً وقد يكون دانياً، أو قد يكون دنيويّاً وقد يكون أُخرويّاً، فالنفس تُكرم بزيادة الشهوات وزيادة الأهداف، وهذا كرمٌ من النفس، لكنّه كرمٌ دنيويّ، لا كرمٌ أُخروي.
كما يمكن أن نفهم من كلا اللفظين – يعني: الربّ والكريم- معناهما الأعمّ من الحسن وخلافه، ونَصف كلّ حصّة من الكريم بما يناسبها، ولا بأس به.
[أطروحات في زمان حدوث مضمون هذه الآية]
ثُمَّ إنَّ أهمّ الأُطروحات التي ينبغي البدء بها الاطروحة المشهورة التي تحدّد زمان حدوث مضمون الآية في يوم القيامة(1)، وزمان هذا الكلام قابل لعدّة أُطروحات، فيُقال مثلاً: إنَّ ما غرّك بربّك الكريم في الدنيا أو في حالة النزع أو في حالة الاحتضار أو في البرزخ أو في يوم القيامة أو حتّى في الجنّة أو النار. وكلّ هذه أزمنة محتملة، والمشهور يذهب إلى أنَّ الإنسان يسأل عند الحساب ويوم القيامة: (ما غرّك بربّك الكريم؟) وهذا أيضاً يتناسب مع ما الاستفهاميّة الاستنكاريّة، أي: ما الذي غرّك بربّك ولماذا غررت بربّك الكريم؟ ويُقصد بالربّ الله تعالى بحسب فهم المشهور(2)، والكريم من الأسماء الحسنى. وسبب هذا الكلام أنَّ الإنسان إذا غرّه
ــــــ[374]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 244، مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 682، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 559، وغيرها.
(2) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 55، الجامع لأحكام القرآن 20: 246-247، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 560، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الغرور بربّه فسوف يسوء عمله، ويكون ردود فعله تجاه البلاء الدنيوي سيّئاً، ومعنى ذلك: أنَّه يسأل عن العلّة ويريد المعلول يعني: لماذا أذنبت؟ فليس الغرور هو الغرور النفسي، فلو افترضنا أنَّ الغرور حاصل، ولم يذنب، فلماذا يُعاتب عليه؟ وإنَّما المقصود نتائج الغرور ومعلولاته، فما غرّك بحيث وصل غرورك إلى مستوى العمل والعصيان. وينبغي الالتفات إلى أنَّنا نريد من الإنسان مطلق الإنسان لا الإنسان المطلق، وهو جزء الأُطروحة وبلحاظ ما أفاده المشهور.
[أسباب الغرور]
وتماشياً مع أُطروحة المشهور لهذه الآية نطرح أسباب الغرور، مع أنَّ المشهور يقول: إنَّ السؤال يقع في الآخرة، لكن زمان الغرور في الدنيا، وأسباب الغرور كثيرة:
منها: عدم الشعور بأهمّيّة طاعة الله تعالى، الأهمّيّة الحقيقيّة والمناسبة لله تعالى؛ اذ لو كان يشعر بالأهمّيّة الحقيقية والمناسبة له لأطاع، ولكنّه أهمل تلك الجهة، وقد يصل الإهمال إلى درجة نسيان حتّى وجود الله تعالى، كما في الكفّار والفسقة.
ومنها: عدم الشعور برؤية ونظر الله اليه ورقابته عليه، كما ورد في دعاء عرفة: >عميت عين لا تراك عليها رقيباً<(1)، بمعنى: أنَّه يتورّط بالعصيان مَن لا يراك عليه رقيباً، وهذا هو الفرق بين القانون الشرعي والقانون المدني والعرفي؛ إذ إنَّ المقنّن المدني يمكن الهروب منه والاختفاء عنه بأيّ حيلةٍ كانت، ولا ضير سواء أغضب المقنّن المدني أم لم يغضب بينما الله عزّ وجلّ
ــــــ[375]ــــــ
(1) إقبال الأعمال: 349، فصل: فيما نذكره من أدعية يوم عرفة، وبحار الأنوار 95: 226، الباب 2: أعمال خصوص يوم عرفة وليلتها… .
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يراك في الصغيرة والكبيرة، ولا يوجد مكان إلّا ويراك فيه {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}(1).
ومنها: الحجاب عن عظمة الله تعالى؛ لأن الالتفات إلى عظمة الله يستدعي الطاعة ويقتضي الخضوع والخشوع له، فالإنسان يذوب ويتقطّع حقيقة أمام عظمة الله؛ فينساق بالضرورة إلى الطاعة، ولا يحتمل أن يخطر في ذهنه العصيان، وهذا حال المعصومين^، غير أنَّ الإنسان يتدرّج في التدنّي إلى أن يزول الشعور بالعظمة من رأسٍ.
فاذا اقترنت كلّ هذه الأُمور التي ذكرناها في شخص – ولا تقترن إلّا عند ذي حظٍّ عظيمٍ- وهي الشعور بأهمّيّة طاعة الله والشعور بنظر ورقابة الله والشعور بعظمة الله فإنَّ ذاك الشخص سوف يكون على قمّة الطاعة والتسليم. وعلى العكس من ذلك حينما تنتفي كلّ هذه الأُمور ويَسَّودُ الأُفق بمعنى من المعاني بنظر الفرد، فيصبح من كلاب الهراش، وهو في قمّة المعصية والتمرّد.
[إشاراتٌ في الآية ينبغي الإلتفات إليها]
أفاد بعض المفسّرين: أنَّ الله تعالى أعطى الضوء الأخضر للاعتذار في هذه الآية، وهو لفظ الكريم أو الوصف بالكريم؛ إذ إنَّه إذا سأل في يوم القيامة {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} يقول العبد: ياربّ، غرّني كرمك وانتهى الحال(2). وفي ذلك إشاراتٌ ينبغي الالتفات اليها:
ــــــ[376]ــــــ
(1) سورة الحديد، الآية: 4.
(2) راجع الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 560، تفسير سورة الانفطار، مفاتيح الغيب 31: 75، تفسير سورة الانفطار، لطائف الإشارات 3: 697، تفسير سورة الانفطار، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الإشارة الأُولى: أنَّ الله سبقت رحمته غضبه(1).
الإشارة الثانية: أنَّه عزّ وجلّ لا يضرّه التنازل؛ فهو عظيمٌ على كلّ حالٍ بحيث لا يحتمل فيه النزول ولو بمقدار رأس الإبرة، وهو من هذه الناحية يتكلّم من نقطة قوّةٍ لا متناهية، فلو صدر من غيره هذا الكلام لكان له نحوٌ من الذلّة والضعة، ولكنه تعالى لا يتسبّب إلى ضعة نفسه بحال؛ لأنَّه أعظم من ذلك، ويلقّن عبيده التوبة وكيفيّة الاعتذار. فكأنَّما يعطي هنا رأس الخيط للاعتذار {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} من نقطة قوّة، وأمّا نحن فربما نعطي رأس الخيط في أمر مّا أو مسألة مّا لكن لا من باب الغنى، بل من باب الحاجة. وأفاد الطريحي في >مجمع البحرين< أنَّ الله يُلقّن بحجّته مَن يشاء. كما قالوا في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} من أنَّ ذكر الكريم تلقين للعبد وتنبيه له على أن يحتجّ ويقول: غرّني كرمك(2).
كما روي من طرق العامّة أنَّ مولانا أمير المؤمنين × دعا غلامه مرّات فلم يجبه، فنظر فإذا هو بالباب، فقال له: >لِمَ لمْ تجبني؟<. فقال: لثقتي بحلمك وأمني من عقوبتك. فاستحسن جوابه واعتقه(3).
وفي المقام روايات مخيفة وروايات مُطَمئِنة ومقتضية للرحمة الإلهيّة
ــــــ[377]ــــــ
(1) إشارةٌ إلى ما ورد في الدعاء عن مولانا علي بن الحسين زين العابدين×: >يا مَن سبقت رحمته غضبه< حسبما رواه في مصباح المتهجّد: 696، دعاء الموقف، وإقبال الأعمال: 362، فصل: فيما نذكره من أدعية يوم عرفة، والبلد الأمين: 249، وغيرها.
(2) مجمع البحرين 6: 311، مادّة (لقن).
(3) راجع مفاتيح الغيب 31: 75، تفسير سورة الانفطار، الجامع لأحكام القرآن 20: 246، تفسير سورة الانفطار، تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 6: 458، تفسير سورة الانفطار، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
والغفران الربوبي والشفاعة، منها ما ورد في تفسير قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}(1): روى حرث بن شريح البصري قال: >قلت لمحمّد بن علي×: أيّ آية في كتاب الله أرجى؟ قال: ما يقول فيها قومك؟ قال يقولون: {قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}(2) قال: لكنّا أهل البيت لا نقول ذلك. قال: قلت: فأيّ شيء تقولون فيها؟ قال: >{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}. الشفاعة، والله الشفاعة، والله الشفاعة<(3). وهذه الرواية وما شابهها ذكرت للخاصّة والمستحقّين، ولكنّها ذاعت وانتشرت، وقد تصل إلى غير المستحقّين؛ لأنَّها إذا وصلت إلى غير المستحقّين يتذرّعون بها لاقتراف الذنوب واقتحام المعاصي، ولذا أُوصي المبلّغين وقادة المجتمع أن لا يُركّزوا على الروايات الباعثة على الاطمئنان والشفاعة وغفران الذنوب؛ لأنَّ الناس ليسوا على مستوى التطميع برحمة الله، فينفتح باب الذنوب ويستغلّ الشيطان هذه الثغرة للمرور إلى نفوس الناس وإغوائهم، وتكون ذممكم مشكولة من هذه الناحية. وأذكر أنَّي كنت ذات يوم في مجلس تعزية، فصاح أحدهم: >مَن صلّى عليّ مرّة لم تبقَ من ذنوبه ذرّة<(4). فهذا القول
ــــــ[378]ــــــ
(1) سورة الضحى، الآية: 5.
(2) سورة الزمر، الآية: 53.
(3) تفسير فرات الكوفي: 571، تفسير سورة الضحى، الكشف والبيان عن تفسير القرآن 10: 224، تفسير سورة الضحى، مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 765، تفسير سورة الضحى، مع اختلافٍ في اللفظ.
(4) جامع الأخبار: 59، الفصل 28، مستدرك الوسائل 5: 234، أبواب الذكر، الباب 31، الحديث 13، وبحار الأنوار 91: 63، فضل الصلاة على النبي وآله، الحديث 52.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قد يكون صدر من النبي’ غير أنَّه صدر للمتسحقّ لا لمن لا يستحقّ. أمّا أن يُعلن في مجلسٍ عامٍ فهو مصيبة المصائب، وحينها اعترضت على صاحب المجلس& -وكان من فضلاء الحوزة – أن لا يسمح بمثل ذلك.
وقد يقال: إنَّ الله تعالى أعطى فرصةً لأن يذنب الإنسان بقوله: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}، فإذا فهم الناس هذا المعنى تنفتح فرص الذنوب أمامهم.
ويُلاحظ عليه: أنَّ الذين لا يستحقّون لا يفهمون مضمون الآية إطلاقاً؛ لأنَّه لم يقل: أجب بهذا الجواب بصراحة وبالدلالة المطابقيّة، وإنَّما وصف لفظ الجلالة (الله) بالكريم واكتفى، نظير أن نقول: هو الرحمن الرحيم السميع البصير؛ لأنَّ الله تعالى في الجملة يتّصف بهذه الأوصاف، فالمعنى يشكّل البعد الظاهري في الآية. أمّا أنَّه يُلقّن العبد ويعطيه رأس الخيط في المغفرة والرحمة، فهذا درجة من درجات الباطن، ودرجات الباطن لا يفهمها أهل الظاهر إطلاقاً، فإذا كان الفرد مستحقّاً لفهمها كان مستحقّاً لتطبيقها ويتحمّل مسؤوليّتها. أمّا السائرون في المعصية والموغلون في الرذيلة فلا يعرفونها ولا يفهمونها أبداً، وليس لهم التوفيق في الرجوع إلى مصادر التفسير. ولذا فالروايات المطمئنة والمطمعة غير معلنة بين الناس، ولا يعرفها إلّا القليل، وحذار أن يعرفها الكثير. ولعلّ هذا الذي حدى بالسيّد الطباطبائي إلى نفي هذا المعنى إذ قال(1) ما مضمونه: ليس من حقّ الإنسان أن يقول في
ــــــ[379]ــــــ
(1) قال السيّد الطباطبائي في الميزان: وليس للإنسان أن يجيب فيقول: (أي ربّ، غرّني كرمك) فقد قضى الله سبحانه وتعالى فيما قضى وبلّغه بلسان أنبيائه: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [سورة ابراهيم، الآية: 7]، وقال: فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [سورة النازعات، الآيات: 37 -39]، إلى غير ذلك من الآيات الناصّة في أن لا مخلص للمعاندين من العذاب وأنَّ الكرم لا يشملهم يوم القيامة. قال: … وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ … [سورة الاعراف، الآية: 156]. ولو كفى الإنسان العاصي قوله: (غرّني كرمك) لصرف العذاب عن الكافر المعاند، كما صرفه عن المؤمن العاصي، ولا عذر بعد بيان. ومن هنا يظهر أن لا محلّ لقول بعضهم: إنَّ توصيف الربّ بالكريم من قبيل تلقين الحجّة، وهو من الكرم أيضاً … راجع الميزان في تفسير القرآن 20: 225، تفسير سورة الانفطار.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الآخرة: غرّني كرمك، وإنَّ ما فهمه المشهور من الآية ليس بوجيهٍ. وقد ردّ ذلك السيّد الطباطبائي لكي لا يكون كلام المشهور سبباً للذنوب، فجزاه الله خيراً، فقد سدّ الباب وبيّن أنَّ هذه الآية لا تعطي ذلك إطلاقاً حتّى أنَّ الناس إذا قرأوا القرآن أو قرأوا التفاسير لا يكونوا مطمئنّين لذنوبهم، وإلَّا لولا هذا العنوان الثانوي في الحقيقية – وهو انسداد باب الذنوب- فإنَّ الآية تعطي ذلك حقّاً (غرّني كرمك)، فالله يعطي رأس الخيط للمكلّف المسكين، ولكنّه يعطي رأس الخيط للمكلّف بناءً على الأُطروحة المشهورة في يوم القيامة لا في الدنيا. فهنا في الواقع للإنسان شكلان بالنسبة إلى موقفه: أمّا أن يقال له: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} قبل الذنب أي: في الدنيا؟ وهو غير وارد على المشهور، وإمّا أن يقال له ذلك في الآخرة وعند الحساب، وهو المفروض؛ لأنَّ الله لم يقل للإنسان قبل الذنب {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}، وإنَّما كان ذلك بعد أن أذنب الإنسان وترتّبت الآثار السيّئة ومات وحشر فحينئذٍ قال له: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}. فمن المناسب هناك أن يعطيه رأس الخيط مباشرة، فيجيب العبد: غرّني كرمك حتّى يعفو عنه {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ}(1). بل
ــــــ[380]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 147.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فماذا يفعل الله بعذابكم اصلاً؟
وإذا أمكنه أن يعفو ولو بمقدار حبّة خردل، فالرحمة واسعةٌ إلى هذه الدرجة، وكيف كان فالآية واردة في الكلام بعد العصيان، لا في الكلام قبل العصيان.
ومن الأُمور المرتبطة بالآية: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} أنَّ الجواب قد يكون كاذباً، أي: حينما يُقال للعبد {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} فيكون الجواب (غرّني كرمك)، فقد يكون ذلك غير صحيح، كما لو غرّه الشيطان لا كرم الله. نعم، ورد في الدعاء عن مولانا زين العابدين× أنَّه قال: >ما عصيتك إذ عصيتك…<(1).
وهذه كلمات الامام ×، وهو صادق فيما يقول، ولكن ليس كلّ مَن قال ذلك صادقاً، أو يقول: >إن أدخلتني النار أعلمت أهلها أنَّي أُحبّك<(2). وليس بالضرورة أن يقال ذلك حقيقة، فقد يكون الجواب كذباً، وإن كان كذباً لا يُستجاب، فماذا يكون ردّ الفعل حينئذٍِ، أي: فعل الله أو الملائكة فهل يقولون له: أنت تكذب، ويأمرون به إلى النار؟
يمكن أن يجاب عن ذلك بوجوهٍ:
ــــــ[381]ــــــ
(1) المناقب 4: 151، فصل: في زهده (الإمام علي بن الحسن‘)، وبحار الأنوار 46: 81، أبواب تاريخ سيّد الساجدين وإمام الزاهدين علي بن الحسين زين العابدين صلوات الله عليه …، الباب 5.
(2) كذا في الدعاء الموسوم بدعاء كميل عن مولانا أمير المؤمنين×، حسبما أورده في الإقبال: 685، فصل: فيما نذكره من الدعاء في شعبان، وبحار الأنوار 91: 98، أبواب الدعاء، الباب 32، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الوجه الأوّل: ما يُستفاد من مضمون روايةٍ(1) تتحدّث عن أنَّ الفرد يأتي يوم المحشر، فيؤمر به إلى النار، فيقول: يا ربّ كان ظنّي بك أن تغفر لي خطيئتي وتسكنني جنّتك، فيقول الله سبحانه وتعالى: يا ملائكتي، هذا لم يذكرني في حياته طرفة عين، أي: يكذب ولكن أجيزوا له كذبه وادخلوه الجنّة. ولا يوجد في الأمر ذلّة؛ لأنَّه لو قالها الإنسان لكان فيها ذلّة، ولكنّها من ساحة الكرم المطلق. وعلى مستوى آخر يُلاحظ أنَّ الآية الكريمة: {وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ}(2) أيضاً تفيد هذا المعنى، فعلى الرغم من كذب ادّعاءات الانسان العريضة التي يدّعيها زوراً وبهتاناً، فإنَّ الله يقول أيضاً: أجيزوا له كذبه وأدخلوه الجنّة، وأعطوه ما يدّعي.
الوجه الثاني: أنَّ الآية تخصّ صورة الصدق، فنقول: إنَّ الكذب لا يجاز ولا يجاب، فاذا صدّق الفرد في كلامه في كونه مغروراً بكرم الله يؤمر به إلى الجنّة، وإذا كان كاذباً يؤمر به إلى النار.
الوجه الثالث: أن نفترض الصدق من العاصي دائماً، فهو لا يشعر بأنَّ
ــــــ[382]ــــــ
(1) أورد المحدّث القمّي في تفسيره 2: 262-265، قال: حدّثني أبي عن أبي عمير عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال: قلت لأبي عبد الله× …. فقال: >قال رسول الله’: إنَّ آخر عبد يؤمر به إلى النار، فإذا أُمر به التفت، فيقول الجبار جلّ جلاله: ردّوه فيردّونه فيقول: لم التفتّ إليَّ؟ فيقول: ياربّ، لم يكن ظنّي بك هذا. فيقول: وما كان ظنّك بي؟ فيقول: ياربّ، كان ظنّي بك أن تغفر لي خطيئتي وتسكنني جنّتك. قال: فيقول الجبار: يا ملائكتي، وعزّتي وجلالي وآلائي وعلوّي وارتفاع مكاني، ما ظَنَّ بي عبدي هذا ساعةً من خيّر قطّ. ولو ظنّ بي ساعةً من خيرٍ ما روّعته بالنار. أجيزوا له كذبه فأدخلوه الجنّة<. كما رواه غير واحد مع اختلافٍ يسيرٍ، فلاحظ.
(2) سورة يس، الآية: 57.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
كرم الله هو الذي غرّه، بل لعلّه يشعر أنَّ الشيطان غرّه أو الهوى أو حبّ الدنيا أو أيّ شيء آخر، ولكنّ الله يدرك أن لولا كرمه لعاجله بالعقوبة. والغرور التفصيلي في كلّ حادثة وإن لم يكن منشأه كرم الله بناءً على أنَّ العاصي لا يشعر أنَّ كرم الله هو الذي حدى به إلى العصيان، إلّا أنَّ حقيقة الأمر أنَّ كرم الله هو الذي ستر عليه، فكلّ الحصص وكلّ صور العصيان إنَّما تدخل في كرم الله، وتندرج كمصاديق من كرم الله، فاذن العاصي صادقٌ على كلّ حالٍ ومهما كان سببه وشعوره في الدنيا.
وربما يُقال: إنَّ اسم الحليم أكثر مناسبة في العفو والرحمة من الكريم، فكان لابدّ أن يقول: (غرّني حلمك لا كرمك) فلماذا قال: (الكريم)، مع أنَّ الاتيان بالحليم لا ينافي السياق القرآني وكذا نهايات الآيات الذي هو النسق القرآني؟ وبتعبير آخر: لماذا ذكر الكريم مع أنَّ الحليم أولى؛ على اعتبار أنَّ الحلم هو الذي يتضمّن التغاضي عن الذنوب والسوابق السيّئة؟
ولعلّ: أحسن جواب أن يقال: إنَّ الحلم أخصّ من الكرم أو أضيق دائرةً من الكرم، فكلّ حلمٍ كرم، وليس كلّ كرم حلماً.
فإعطاء عشرة دنانير ليس حلماً، لكن حينما أعفو عنه فذلك حلماً، وهو الكرم، كما قيل: >تصدّق عليَّ بعفوك<(1).
ومن هنا فإنَّ العبد يطمع بما هو أوسع لا بما هو أضيق؛ لأنَّه لا يطمع
ــــــ[383]ــــــ
(1) من فقرة الدعاء الموسوم بدعاء أبي حمزة الثمالي عن مولانا زين العابدين علي بن الحسين‘، كما ورد في مصباح المتهجّد: 582، دعاء السحر في شهر رمضان، وإقبال الأعمال: 67، فصل: فيما نذكره من أدعية تتكرّر كلّ ليلة منه وقت السحر، البلد الأمين: 206، أعمال شهر رمضان، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بالحلم فقط، بل يطمع بالحلم مع زيادة الكرم، فلا يطلب عدم السكوت عنه فقط، وإنَّما يريد عطاءً؛ ذلك لأنه لا يُطلب من العظيم إلّا العظيم ولا من الكبير إلّا الكثير، فيكون قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} أنسب من قوله: (يا أيّها الإنسان ما غرّك بربك الحليم)؛ لأنَّ طمع العبد بالله أكثر وترقّبه منه أكثر.
إنَّ فهم المشهور لا يختلف فيه بين أن يكون الاستفهام، محضاً أو استنكاريّاً أو أن يكون السياق تعجّبيّاً، إلّا أنَّ الأنسب هو الاستفهام الاستنكاري؛ لأنَّ التعجّب سياق ضدّ المذنب والعاصي. فعندما نقول: إنَّ {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} سياق تعجّبي فمعنى ذلك أنَّ الخطاب يكشف عن عمق حالة التعجّب والاستغراب في نفس السائل عن التمادي والتعدّي بالغرور، بينما الاستفهام الاستنكاري والمحض أهون في الحساب. غير أنَّنا يمكن أن نفرض بُعداً باطنيّاً في التعجب؛ إذ قد يكون فضيلةً لا رذيلةً، فحينما نقول: إنَّ {ما} للتعجّب إذا صحّت في (ما غرّك بربك الكريم) فلأنَّ الإنسان كلّما زاد علماً بكرم الله تعالى زاد غروراً ودلالة عليه، فكأنَّما قد رفع الحجاب بينه وبين الله، وهو خاصّ بأهل المقامات العالية لا المقامات السافلة، لكن بشرط أن لا يجرؤه ذلك على الذنوب؛ فإنَّ المسألة دقيقة وينبغي أن نتناولها بحذرٍ. إذن هذا صادق في بعض درجات الكمال فضلاً عن الإنسان المطلق، فيصدق التعجب إذا فهمنا من الإنسان الإنسان المطلق. ولكن بإزاء ذلك توجد مسألة أُخرى يعبّر عنها في الأدعية كثيراً، وهي التي تنفع الناس بخلاف ما يوجب الدلال؛ فإنَّها تضرّ الناس؛ لانّها تكون سبباً للذنوب إذا لم تُفهم حقّ فهمها. وقد ورد في دعاء الصباح: >سبحانك وبحمدك مَن ذا يعرف قدرك فلا يخافك، ومَن ذا
ــــــ[384]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يعلم ما أنت فلا يهابك<(1)، وهذا كلام ينفي ويتخطّى الدلال، والنتيجة أن
ها هنا موقفين، وكلّ موقف يُسمّى حسب حال الفرد أمام الله سبحانه وحسب تصوّراته تجاهه، وقد يصحّ هذا أحياناً، ويصحّ ذاك أحياناً أُخرى. ولا شكّ أنَّ الأنسب والأنفع للدرجات عند الله هو الشعور بعظمة الله وهيبته لا بنحو الدلال، وكلاهما ممّا يمنّ به الله على عبده، وقد لا يجتمعان. ومن هنا يكفي أن نفهم أنَّ المشهور قد فهم من الإنسان في قوله: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} مطلق الإنسان(2)، وهو الإنسان المذنب والمتدنّي والمعاتب والمحاسب، إلّا أنَّنا حسب البيان السابق أثبتنا الجانب الآخر، وهو الإنسان المطلق، فتكون الآية ناظرةً إلى الطاعة والكمال والعظمة.
وعلى كلا التقديرين: سواء أكانت (ما) استفهاميّة أم تعجّبيّة فإنَّها مبتدأ، و(غرّك) جملة في محلّ خبر، وأمّا إذا كانت ظرفيّة لا غير، فإنَّ الظرف جملة ناقصة لها متعلق، وهو لا يقع مبتدأ عادةً. نعم، قد يقع مبتدأ كما في قولنا: (اليوم يوم الجمعة) لكنه لا يقع مبتدأ بصفته ظرفاً نحوياً اصطلاحياً.
وفي متعلّق الظرف أُطروحتان:
الأُولى: أنَّه متعلّق بـ (غرّك).
أقول: إنَّ ذلك غير ممكن؛ لأنَّه متأخّر عنه لفظاً ورتبةً، ولا يمكن للظرف أن يتعلّق به، وإنَّما يتعلّق بشيءٍ متقدّم لفظاً ورتبةً.
ــــــ[385]ــــــ
(1) من فقرة الدعاء الموسوم بدعاء الصباح الوارد عن مولانا أمير المؤمنين×، حسبما أخرجه في بحار الأنوار 84: 339، الباب 13، نافلة الفجر وكيفيّتها …، الحديث 19.
(2) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 246-247، جامع البيان في تفسير القرآن 30: 55، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 560، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الثانية: أنَّه متعلق بالنداء؛ إذ إنَّ معنى النداء قابلٌ لتعلّق الظرف والجارّ والمجرور فيه، أي: يكون له نحوٌ من الاستقلاليّة أو المفهوميّة التي يتعلّق بها الظرف. فإذا أشكل على هذا أيضاً فلا يبقى هناك متعلّق للظرف ويكون ذلك بمنزلة قرينةٍ أو دلالةٍ على أنَّها ليست ظرفيّة.
****
قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}:
وفي الآية مستويان من الكلام:
المستوى الأوّل: ارتباطها بالآية السابقة.
المستوى الثاني: تناول الآية على نحو الاستقلال وفهمها بنحوٍ يمكن أن يخطر في الأذهان؛ للزوم أن نفهم الآية وألفاظها أوّلاً ثُمَّ ننتقل إلى فهم ارتباطها بالآية السابقة، غير أنَّ هذا ليس بصحيح؛ لأنَّه قد يُورد عليه إشكال، وهذا الإشكال لا ربط له بفهم ألفاظ الآية، ومن هذه الناحية يقدّم المستوى الأوّل، وهو ارتباطها بالآية السابقة. وهذا الارتباط ينبغي أن يكون مسلّماً ومفهوماً عند المشهور.
كما ثبت نحويّاً أنَّ (الربّ) في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} موصوف بنعتين: أحدهما الكريم والآخر الجملة من اسم الموصول وصلته ونحو ذلك، وهذه الجملة بمثابة التكملة والتتمّة للكلام، فهو مرتبط بها ارتباطاً عضويّاً.
وقد يقال بمنافاة هذا الارتباط لفهم المشهور للآية الاولى؛ فالمشهور قدّم لنا أُطروحة في إطار هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} وقال(1):
ــــــ[386]ــــــ
(1) أُنظر مصادر الهامش السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
إنَّ معناها الحساب والعقاب في يوم القيامة، وفهم من هذه الآية ارتباطها بالآية السابقة. وهذان المعنيان متنافيان؛ وذلك بأن نلتفت إلى أنَّ اسم الموصول نعت لربّك الكريم، والنعت قيد بالمعنى المنطقي والأُصولي، وحينئذٍ يتكوّن من القيد والمقيّد مفهوم تصوّري أفرادي واحد مثل: سرج الفرس أو الرجل الكريم، فلا يكون الربّ في الآية موصوفاً بالكريم فقط، بل بكلا الآيتين اللاحقتين {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} و{فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، فيكون مضمون الآيتين نعتاً للربّ، ما يلزم منه ما لا يمكن الالتزام به، وهو أنَّه كيف يمكن للفرد أن يقول: (غرّني كرمك)، فالكرم وحده جزء من المفهوم الإفرادي الواحد الذي تشكّل من مجموع النعتين في الآيتين، فقوله: (غرّني كرمك) فرع وجود الكرم مطلقاً، أي: وحده في العبارة مع أنَّه ورد مقيّداً بما بعده، وإيراد هذا المفهوم المتكوّن من كلّ هذه الأُمور – بأن يقول مثلاً: غرّني كرمك بصفتك قد خلقتني وسوّيتني وعدّلتني وفي أيّ صورة ما شئت ركّبتني- لا معنى له؛ لعدم دخله بالعفو والمغفرة، بل الكرم وحده دخيل في العفو والمغفرة. فماذا يقول المشهور مع أنَّه قدّم مثل هذا الفهم للآية السابقة وقدّم فهماً للآية اللاحقة، وهما فهمان متنافيان وكلاهما مشهور؟ فيقع المشهور في إشكال من أمره.
ويمكن الجواب عنه من وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ الفهم المشهور قائم على الفهم التجزيئي للقرآن الكريم، وذلك بأن نفهم كلّ مجموعة من الألفاظ أو قل: كلّ آية كأنَّها نزلت وحدها، فيرتفع الاشكال بعد أن نتناول الآية {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} وحدها، ولو نزلت الآية السابقة وحدها لكان الكريم مطلقاً غير مقيَّد بمفهوم تركيبي إفرادي، وصحَّ رأي المشهور.
ــــــ[387]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الوجه الثاني: أن نقول: إنَّ اسم الموصول ليس نعتاً لما سبق؛ ذلك لأنَّ الإشكال قائم على أنَّه نعت، ويتكوّن من النعت والمنعوت مفهومٌ إفرادي، بل هو جملة مستقلّة، وهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، وتقدير الكلام: (هو الذي خلقك فسوّاك فعدلك …) فنفصل ما بين الآيتين. وبتعبير آخر: نقطع السياق اللاحق عن السياق السابق، وينتفي الاشكال.
الوجه الثالث: وهي أُطروحة بنحو القاعدة في القرآن، ولم أجد أحداً تعرّض لها إطلاقاً، وهي من السياقات العرفيّة، فأنا حينما أقرأ كلام الراغب الأصفهاني في >المفردات< أو كلام السيّد الطباطبائي في >الميزان< فلابدّ أنَّ أُعلّق عليه بشيء من الكلام، فأخلط شيئاً من لفظه وشيئاً من لفظي، وهو سياق عرفي تقتضيه النفس أو المصلحة والحكمة الواقعيّة، فاذا ابتنى كلامنا على أن نضع عند نهاية كلام عند نقل النصوص لفظة (أقول) أُبتلي السياق والكلام بكثرة النقل، ممّا يؤدّي إلى سماجته، وهذا جار أيضاً في السياقات القرآنيّة، فالقرآن دائماً يمزج تعليقه على مثل هذا، وهو ما نسمّيه بالاستطراد أو الدمج ونحوه. يظهر ذلك بوضوح في كثير من الآيات القرآنيّة، ومنها الآية التي نحن بصددها؛ فقوله: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} استطراد بهذا المعنى لا قيد أُصولي للكريم، فينتفي الإشكال.
ونظير ذلك قوله تعالى في سورة نوح: {قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِي * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا}(1).
ــــــ[388]ــــــ
(1) سورة نوح، الآيات: 2- 6.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أقول: إنَّ قوله: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ} استطرادٌ لهذا المعنى وإيضاحٌ وليس من كلام نوح، وإنَّما هو استغلال السياق لبيان هذه الحقيقة، وقرينته الواضحة قوله: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ} إذ لو كان ذلك من كلام نوح لما اضطرّ إلى تكرار (قال). وهنا يحسن الالتفات إلى مسألتين:
الأُولى: أنَّ المصلحة اقتضت أن يقال {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ} لأنَّ نوحاً قال: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} فأراد الله أن يقيّد كلام نوح المطلق؛ إذ قال (يؤخّركم) فليس لذلك معنى بالقضاء الأزلي، فلا يوجد تقديمٌ وتأخيرٌ؛ فإنَّ أجل الله إذا جاء لا يؤخر إن كنتم تعلمون.
الثانية: أنَّ المخاطب هنا غير المخاطب هناك؛ فإنَّ نوحاً هناك كان يقول لقومه: {أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِي * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} مع أنَّ الله يقول لنا لا لقوم نوح: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ثُمَّ قال نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا}.
ونظيره ما ورد في سورة نوح أيضاً من قوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجًا * قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا}(1). والوجه فيه: أنَّ التفاصيل اللاحقة بعد قوله:
ــــــ[389]ــــــ
(1) سورة نوح، الآيات: 10-21.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
{أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} ليست من كلام النبي نوح بنفس القرينة، وهي عدم الحاجة إلى التكرار في قوله: {وَقَالَ نُوحٌ}، فعلى ذلك يكون قوله: {مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} خطاباً للبشريّة لا لقوم نوحٍ.
ونظيره أيضاً ما ورد في قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ}(1).
وهذه الكلمات لمؤمن آل فرعون، ولكن ليس كلّ هذا الكلام صدر منه، فإنَّ كلامه يبدأ من قوله: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ} إلى قوله: {قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً} ثُمَّ الله تعالى يُعلّق على ذلك ليوضّح لنا الموضوع كما هو كذلك بقوله: {يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} فليس هذا من شأن مؤمن آل فرعون. ثُمَّ يضيف الله تعالى: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}(2).
والسرّ فيه: أنَّه ليس من شؤون مؤمن آل فرعون أن يقرّر أنَّ الجدال في آيات الله بغير سلطان يُعد مقتاً كبيراً.
ولعلّ سائلاً يسأل: أليس من المناسب أن يقول تعالى: (كذلك يطبع الله على قلب كلّ متكبّرٍ جبّارٍ) ولا يقول: (على كلّ قلب متكبّر جبّار)؟ فماذا يعني على (كلّ قلب متكبر) فلا أقلّ من أن يقول: كلّ قلوب المتكبّرين.
ويُلاحظ عليه: أنَّ من الخطأ أن نتصوّر أنَّ القلب هو القلب الصنوبري باللغة القديمة، وإنَّما هو روح القلب، وروح القلب ذات ملكات عديدة، فكما
ــــــ[390]ــــــ
(1) سورة غافر، الآية: 34.
(2) سورة غافر، الآية: 35.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أنَّ هناك ملكات من قبيل القوّة الغضبيّة والقوّة الشهويّة فالقلب كذلك ذو ملكاتٍ عديدةٍ مختلفةٍ في السنخيّة يقدّره العزيز القهّار، وكلّ قوّة من قوى القلب قابلةٌ للطبع عليها، فهذا يُطبع عليه أي: يحجب عن العمل وعن الهدى؛ لأنَّه يحبّ في غير الله، ويبغض في غير الله، ويوالي في غير الله، ويعادي في غير الله. وإذا انهدم القلب انهدمت قواه كلّها، كما أنَّ الدار تتكوّن من غرف وساحة وسطح، فقد تنهدم غرفة واحدة من الدار، وقد تنهدم كلّ الغرف، فالقلب كذلك يُطبع على كله {يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}(1).
كما قد يقال: إنَّ القلب اسم جنس لا يحتاج إلى (كلّ) بعده، وإنَّما يكفي قوله: (على قلب متكبّر جبّار)، فاسم الجنس بمنزلة الجمع أو بمنزلة كلّ.
ونظير ما مرّ قوله تعالى على لسان مؤمن آل فرعون: {يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ}(2).
ولا يخفى: أنَّ قوله: {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى …} ليس من كلام مؤمن آل فرعون، بقرينة قوله: (يا قومِ) ولو كان من كلامه لما احتاج إلى أن يقول: (يا قوم).
ونحوه قوله تعالى في سورة لقمان: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ ِلأَبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا
ــــــ[391]ــــــ
(1) سورة غافر، الآية: 35.
(2) سورة غافر، الآيات: 39-41.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ}(1).
فقوله {يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ} قرينةٌ على أنَّ الكلام السابق وهو قوله: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ …} إلى هذه الآية ليس من كلام لقمان، ولو كان من كلامه لما احتيج إلى القول {يَابُنَيَّ}.
وهكذا الكلام في قوله تعالى في سورة الكهف {قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرً * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا}(2) فإنَّ الكلام الأوّل وهو قوله: {قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} من كلام الأسكندر، وأمّا الكلام اللاحق وهو قوله: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ …} فهو من كلام الله. والقرينة على ذلك قوله تعالى: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي}(3)؛ إذ لو كان من كلام الاسكندر لما احتاج أن يذكر {قال}، ثُمَّ يقول الله: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً}(4). فلو افترضنا أنَّ هذا من كلام ذي القرنين، فلا يمكن أن ندّعي أنَّ ما بعده من كلامه، وهو قوله: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً}(5)، فهذا الكلام قطعاً ليس من كلام ذي القرنين. وهذه مسألة عرفيّة يلتزمها الجميع وذلك ليس مخالفاً للغة القرآن، بل يندمج الكلام بعضه ببعض، ويكون الفهم منوطاً بالقارئ.
ــــــ[392]ــــــ
(1) سورة لقمان، الآيات: 13- 16.
(2) سورة الكهف، الآيتان: 96-97.
(3) سورة الكهف، الآية: 98.
(4) سورة الكهف، الآية: 98.
(5) سورة الكهف، الآية: 99.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وقد تقدّم أنَّ العرف والقرآن الكريم قد يدمج ويركّب بين كلامين، وليس كلاماً واحداً، وعلى أيّ حال فقد يكون السياق عن الآيات التي نتحدّث عنها من هذا القبيل، وبهذا نفهم صفة الكريم في قوله تعالى: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ} فيقال: إنَّها وردت وحدها بحسب السياق وإنَّ ما بعدها استطراد خارجي من قبيل الاستطرادات في الآيات التي استشهدنا بها، وبذلك نقيم قرينةً سياقيّة، والاحتمال دافع للاستدلال، على أنَّ الصفة والموصوف لا يتكوّن منهما مفهومٌ واحدٌ لكي يرد الإشكال. أو نفهم أنَّ هناك مبتدأ مقدّراً تقديره (هو) لينفصل السياق المتأخّر عن المتقدّم. وعلى أيّ حال لا يتوقّف هذا الوجه على الفهم التجزيئي للقرآن؛ لأنَّ الفهم التجزيئي لا يحاول إعطاء أيّ فلسفة للتجزئة، مع أنَّنا فصلنا بين السياقين، وأعطينا سبب ذلك كما عرضناه سابقاً.
وينبغي التنبيه على أمرين:
الأوّل: أنَّ الاستطراد في الآيات التي استشهد بها باعتبار تعدّد القائل؛ لوضوح أنَّ مؤمن آل فرعون كان يتحدّث والله يتحدّث، ولقمان يتحدّث والله يتحدّث خلال كلامهما، إلّا أنَّه يلاحظ في الآية التي نحن بصددها أنَّ القائل واحد، وهو الله تعالى، والاختلاف إنَّما هو في الداعي أو في الغرض، لا في القائل.
أقول: إذا أمكن الاختلاف في وجهٍ أمكن الاختلاف في الوجوه الأُخرى.
الثاني: أنَّه قد يقال بإمكانيّة الجواب عن السؤال الأصلي السابق، وهو أنَّه ما علاقة قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} بالرحمة والمغفرة؟ وبتعبيرٍ آخر: ما دخل هذه الأوصاف في الرحمة والغفران؟
ــــــ[393]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وأنت خبيرٌ بأنَّ هذه الأوصاف ذُكرت لزيادة الثناء، وزيادة الثناء على الله مؤثّر في سرعة الإجابة وفي سعة الرحمة، والسؤال إنَّما يتوجّه فيما إذا لم نلتفت إلى هذا الجواب. وأمّا إذا التفتنا إلى ذلك فيسقط السؤال، وهذا في نفسه أمر عرفي، أعني: أن أمدحك مثلاً لتقضي حاجتي أو نحو ذلك.
وربما يُقال: إنَّ زيادة المدح إنَّما تكون بالأسماء الحسنى، كالكريم والرحيم واللطيف والخبير والعالم ونحو ذلك، لا بما ذُكر في الآية {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}.
إذ قد يُقال بوجود شيء من المنافاة بينه وبين هذا الكلام، إلّا أن نرجع هذه الجمل إلى معانٍ أفراديّة، أي: إلى الأسماء الحسنى، فالذي خلقك راجعٌ إلى الخالق وهكذا.
وقد تقدّم أنَّ الكلام في هذه الآية – أعني: قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} – يقع في مستويين، وتكلّمنا عن المستوى الأوّل الذي كان يخصّ ارتباط هذه الآية بما قبلها، فلنأتِ إلى المستوى الثاني، ويقع الكلام فيه حول العناوين الثلاثة التي ذُكرت في الآية (خلقك، فسوّاك، فعدلك) وما هو المراد منها؟
قد يُقال: إنَّ محصّلها واحدٌ، فتكون بمنزلة التكرار الذي لا حاجة إليه؛ إذ يكفي حينئذٍ وصف أو عنوان واحد، ولا حاجة إلى الثلاثة. ثُمَّ إنَّها معطوفة بإلفاء، فإذا كانت بمعنى واحد فما معنى عطفها بإلفاء؟ إذ من المناسب أن تعطف بالواو إن كان لا يريد الاكتفاء بواحدة حتّى يكون عطف تفسير. وأمّا بإلفاء فلا يكون عطف تفسير، بل يكون معناه ومحصّله التأخّر الرتبي أو الزماني، أي: حصل هذا ثُمَّ حصل ذاك ثُمَّ حصل ذلك مع أنَّها إذا
ــــــ[394]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
كانت بمعنى واحد كان معنى العطف بإلفاء مجملاً بحاجةٍ إلى تفسيرٍ(1).
[ما المبرّر للتكرار الحاصل في (سوّاك وعدّلك)]
ويمكن السؤال من جهة أُخرى بأن نقول: نعم، إنَّ هذه المعاني الثلاثة ليست بمعنى واحد؛ لأنَّ الخلق يختلف عن المعنيين الآخرين (فسوّاك فعدّلك) لكن (سوّاك وعدّلك) يرجعان إلى معنى واحدٍ، فما المبرّر في هذا التكرار الحاصل؟ لوضوح أنَّه يمكن الاستغناء عنه.
وفي مقام الجواب لابدّ من النظر إلى المعاني اللغوية الأساسيّة لموادّ هذه الكلمات وهي (خلقك، سوّاك، عدّلك) معتمدين على ما أفاده الشيخ الراغب في >المفردات< وهو كلامٌ يطول إلى حدّ ما، ثُمَّ بعد ذلك نأتي إلى الأُطروحات المحتملة في فهم هذه الآية ككلّ، والتي تشتمل على الجواب عن هذا السؤال.
أفاد الراغب: أنَّ الخلق أصله التقدير المستقيم، ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصلٍ ولا احتذاء. قال: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}(2) أي: أبدعهما؛ بدلالة قوله تعالى {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}(3). ويستعمل في إيجاد الشيء من الشيء نحو: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة}(4)، {خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ}(5)، {خَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ}(6). وليس الخلق – والكلام للراغب-
ــــــ[395]ــــــ
(1) لم يُطرح هذا السؤال في الميزان، وقد ذكرنا غير مرّةٍ أنَّ السيّد الطباطبائي+ يهمل الإشارة إلى بعض الأسئلة عن عمدٍ؛ إذ قد يعتبر جوابها من الإسرار، فيحذف السؤال حتّى لا تبقى شبهةٌ في ذهن السامع. (منه +).
(2) سورة الأنعام، الآية: 1.
(3) سورة البقرة، الآية: 117.
(4) سورة النساء، الآية: 1.
(5) سورة النحل، الآية: 4.
(6) سورة الرحمن، الآية: 15.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الذي هو الإبداع إلّا لله تعالى، ولهذا قال في الفصل بينه تعالى وبين غيره: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}(1)(2).
هذا بالنسبة إلى تفسير مادّة الخلق فقال: إنَّ أصله التقدير المستقيم، ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل واحتذاء، أي: أن يخلق شيئاً دون محاكاة أو تقليد، بل لأوّل مرّة، ما يطلق عليه بالإبداع.
وأفاد الراغب في الإبداع: الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاءٍ واقتداءٍ، أي: لا أقتدي بغيري وأعمل كفعل غيري، بل أعمل بغضّ النظر عن الآخرين، ومنه قيل: ركيّة بديع أي: جديد الحفر، بمعنى: محفورة لتوّها أو في زمانٍ قريبٍ. وإذا استعمل الإبداع في الله فهو إيجاد الشيء بغير آلةٍ ولا مادّةٍ ولا زمانٍ ولا مكانٍ، وليس ذلك إلّا لله(3).
أقول: هكذا فهم الراغب من الإبداع أنَّه بغير آلةٍ ولا مادّةٍ ولا زمانٍ ولا مكانٍ، لكن الظاهر أنَّ هذا بلا احتذاء واقتداء، وهو أيضاً يذهب إلى ذلك، لكنّه حينما يطبقّه على الله يفيد معنى جديداً.
وليس هذا بصحيح، فالإبداع هو عدم المماثلة أو عدم قصد المماثلة في الحقيقة، وهذا يكفي في أن ينطبق على الله وينطبق على أيّ واحدٍ حينما يعمل شيئاً جديداً. فمخترع الثلّاجة أو الغسّالة بدون احتذاءٍ سابقٍ أو اقتداءٍ سابقٍ مبدعٌ لها بهذا المعنى، والله تعالى حينما أوجد الكون أوجده من دون احتذاء
ــــــ[396]ــــــ
(1) سورة النحل، الآية: 17.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 158، مادّة (خلق).
(3) أُنظر المصدر السابق: 36، مادّة (بدع).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
واقتداء سابقين، بل أبدعه بهذا المعنى {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}(1).
إذن الخلق هو الإبداع، ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصلٍ ولا احتذاء، فالخلق هو الإبداع، والإبداع هو الإيجاد.
فالخلق إذن هو الإيجاد، والإيجاد بالنسبة إلى الله تعالى هو إعطاء فيض الوجود من بعد العدم، وهو خاصّ به تعالى، فنحن نحتاج إلى مادّة خشبيّة كي نصنع كرسيّاً مثلاً، ولكن الله تعالى يخلق الكرسي من دون حاجةٍ إلى مادّة الذي هو معنى من معاني الإيجاد، أي: إفاضة الوجود من العدم.
[لماذا يقول بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ]
وأمّا كونه على غير مثال سابق فقد يستشكل في ذلك بالنسبة إلى خلق الله تعالى من حيث تماثل أفراد النوع في كلّ الأنواع، فأبناء هذا الجيل من البشر يماثلون الجيل السابق، والجيل السابق مماثلٌ له، فأيّ واحد من الجيل هو مماثل نوعاً لغيره من إنسانٍ أو حيوانٍ أو نباتٍ، فإيجاد مثل هذه الأنواع ليس إبداعاً، فلماذا يقول {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}؟
ويحتمل في الجواب عدّة وجوه:
الأوّل: أنَّنا نسلّم أنَّ في مثل تكثير أفراد النوع – أيّاً كان – لا يصدق عليه الإبداع، وإنَّما هو مجرّد خلق، أي: يصدق عليه الخلق، ولا حاجة إلى صدق الإبداع، فالخلق هو مطلق الإيجاد، سواء كان على مثالٍ أم لا، والإبداع هو الإيجاد على غير مثالٍ، فيكون الإبداع أخصّ من الخلق، فتكون أفراد النوع مخلوقة، إلّا أنَّها ليست بالإبداع، ولا محذور في ذلك، وإنَّما خلق الله تعالى من دون إبداع، كما أفاده بقوله: {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ}(2).
ــــــ[397]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 117، وسورة الأنعام، الآية: 101.
(2) سورة الاحقاف، الآية: 4.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الثاني: أن يُراد بالإبداع خصوص ما كان على غير مثالٍ، لا كلّ الخلق، يعني: أنَّ الله تعالى عنده خلق، وليس إبداع، لكن هذا لا يعني أنَّه ليس لديه إبداع أصلاً، بل كثير من الموارد خلقها إبداعاً، كخلق الكون لأوّل مرّة، ولذا قال: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}، وكذلك خلق أيّ نوعٍ بعينه لأوّل مرّة كآدم×؛ فإنَّه بديع الله من هذه الناحية، أي: مخلوق عن غير مثال، فلم يكن هناك إنسان قبله لكي يخلق على مثاله. وبهذا المعنى نستطيع أن نتصوّر أنَّ آدم معنى كلّي ينطبق على كلّ نوع سواءً كانت ذوات مدركة أم غير مدركة، ولعلّ هناك ألف ألف آدم من الذوات المدركة فيها مليون مليون آدم، بالإضافة إلى الحيوانات والجراثيم والنباتات. وإلَّا كيف وجدت شجرة البرتقال؟ فإنَّها وجدت بالإبداع لأوّل مرّة بطبيعة الحال. والسؤال العويص في المقام: هل وجدت البيضة قبل الدجاجة أم الدجاجة قبل البيضة؟ أنا أقول: إنَّ الدجاجة وجدت بالإبداع، ثُمَّ باضت على غير مثالٍ سابقٍ، وإلَّا فإنَّ البيضة وجدت لا كما وجد آدم؛ فإنَّ للدجاج آدم(1)، فيكون الأوّل من كلّ نوعٍ إبداعاً حتّى النبات والجماد. أمّا غيره(2) فقد خلق وما أبدع؛ لأنَّه على مثالٍ سابقٍ.
الثالث: أن يُقال: إنَّ الإبداع هو الخلق على غير مثال يصنعه غيره، فإذا
ــــــ[398]ــــــ
(1) تقدّم: أنَّ آدم معنى كلّي ينطبق على رأس الهرم لكلّ نوع، سواء كانت ذواتاً مدركة أم غير مدركة. (منه+).
(2) من الأنواع التي تقع تحت كلّ آدم من الإنسان والحيوان والنبات وغيره. (منه+).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
رأيتك مثلاً قد صنعت إبريقاً أو صنعت كرسيّاً فأنا أُريد وأُحاول أن أصنع مثله، فذلك ليس بإبداع، وأمّا إذا صنعت أنا نفس الكرسي الأوّل فهذا من الإبداع؛ لأنَّ الأوّل أنا صنعته وليس غيري. فإذا كان تمثيلاً لما يصنعه غيره فهو ليس بإبداع، وإن كان تمثيلاً لما صنعه هو فهو إبداع، والله تعالى كذلك: فإن كان ما خلقه تمثيلاً فهو تمثيلٌ لما خلقه هو، لا ما صنعه غيره، فالله لا يخلق على مثالٍ يصنعه غيره، بل على مثال يصنعه هو بنفسه جلّ جلاله كأفراد النوع المتشابهة. والجيل السابق هو خالقه، والجيل اللاحق خالقه أيضاً، وهكذا تتوالى الأجيال، فتكون كلّها إبداعاً بهذا المعنى؛ لأنَّها ليست على مثالٍ صنعه غيره، فيتساوى معنى الخلق والإبداع بمعنى: أنَّ كلّ خلق إبداع.
رابعاً: أن يُقال: إنَّ الله تعالى لا يخلق الأفراد على مثال سابقاتها، فمثلاً أنا رأيت كرسيّاً مصنوعاً، فلكي أصنع مثله أنظر كلّ مدة إلى وضع الخشبة والمسمار إلى أن تنطبع صورته في ذهني فاصنعه، وهذا ليس بإبداع، لكنّه إذا رأيت كرسيّاً مصنوعاً فأعرضت عنه وعملت كرسيّاً بغضّ النظر عن الكرسي الأوّل، فهو الإبداع؛ لأنَّه ليس على مثال ذاك الكرسي الأوّل. وحينئذٍ نقول: إنَّ الله تعالى في كلّ أعماله كذلك، فحينما خلقني لم ينظر إلى خلق زيدٍ، وحينما خلق الثاني لم ينظر إلى خلق الثالث، وحينما خلق الثالث لم ينظر إلى خلق الرابع، وإنَّما تماثلت بمشيئة الأفراد، لكلّ واحد منها مشيئة مستقلّة، وليس احتذاء بذاك المعنى. نعم، هي عرفاً متشابهة، لكن هو شاء أن تكون متشابهة، لا أنَّه رأى شيئاً، فعمل مثلاً اضطراراً، ولا يوجد شيء من هذا القبيل لا من فعله على مقتضى الجواب السابق ولا من فعل غيره.
ــــــ[399]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وقد يُقال: إنَّه في ضوء قوله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ}(1) يندفع الإشكال بالقيامة على أساس عدم وجود الإبداع رغم مماثلة أفراد النوع بعضها لبعض، مع أنَّها متماثلة من جهة وغير متماثلة من جهة أُخرى(2)، فالمتماثلات من حيث كونها متماثلة في أفراد النوع ليست إبداعاً، وإنَّما هي خلق. لكن يوجد في الأفراد مزايا جديدة، ولذا يقول: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ}(3). وليس الاختلاف في ألسنتكم والألوان فقط، وإنَّما كلّ شيء في الفرد غير الشيء في الفرد الآخر بصوته وطريقة مشيه وكتابته وأكله وطريقة تفكيره والنواحي النفسيّة في كثرة فرحه وحزنه وغضبه ورضاه. فكلّ هذه المحتملات إبداع؛ لأنَّ الفرد بجميع تفاصيله لم يكن قبل ذلك ولن يكون بعد ذلك، فكلّ الخلق من هذه الناحية إبداعٌ.
[المعنى الفلسفي للخلق والإبداع]
وأمّا إذا نظرنا إلى المعنى الفلسفي للخلق والإبداع فنلاحظ أنَّه بمعنى إعطاء الحدّ؛ فإنَّ الوجود إذا لم يكن محدوداً كان هو الوجود الواجب، وإن كان محدوداً فهو الوجود الممكن، والحدّ يعني: إعطاء الحدّ، أي: تحديد
ــــــ[400]ــــــ
(1) سورة الروم، الآية: 22.
(2) كان شيخنا الأُستاذ المظفّر رحمة الله عليه يقول بأنَّ الله تعالى هل خلق البشر على قالبٍ واحدٍ أم لا؟ فإن كان على قالبٍ فلماذا هذه الاختلافات؟ إذ لابدّ أن يكون شكلاً واحداً. وإن كان بدون قالب فلماذا هذه الاتّفاقات والمماثلات؟ وكلاهما لا جواب له. (منه+).
(3) سورة الروم، الآية: 22.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الوجود بهذا المعنى، والحدّ هو إعطاء المقدار أو التقدير، كحدّ الزمان والمكان والطول والعرض. فزيد مثلا يولد في سنة كذا، ويموت في تأريخ كذا، ويكون في مكان كذا، وطوله ولونه كذا، وأشياء كثيرة أُخرى، ولذا قلنا في القضاء والقدر: أنَّ القدر هو الحدّ والقضاء هو الحتم، فكون شيءٍ محتوماً أي: أنَّ هذا القدر محتومٌ أي: أن يُعطى زيد مثلاً المواصفات دون غيرها، فمن حيث الحتم يكون قضاءً ومن حيث الحدّ يكون قدراً.
فإن قلت: إنَّ الحدّ صار تفسيراً للخلق وللقدر، فكلاهما حدّ: الخلق حدّ والقدر حدّ، فكأنما أصبحا شيئاً واحداً.
قلنا: إنَّهما في الحقيقة ليسا بمعنى واحد. ويمكن تفسير ذلك على وجهين:
الأوّل: أن نقول: إنَّ مجموع القضاء والقدر هو الخلق لا القدر وحده.
الثاني: أن ننظر إلى الحدّ كعلّة غائيّة، والعلّة الغائيّة كما ذكر في الفلسفة أوّلها فكرة وآخرها تطبيق، نظير مَن يرغب في الجلوس على الكرسي؛ فإنَّ ذلك أوّل العلّة الغائيّة، ثُمَّ يقوم فيصنع كرسيّاً يجلس عليه، وهو نهاية العلّة الغائيّة. وهو كما ينطبق على المخلوق ينطبق على الخالق جلّ جلاله، فإذا نظرنا إلى العلّة الغائية من أعلاها أي: من بدايتها نقول: هو تقدير أو قدر، وإذا نظرنا إلى العلّة الغائيّة من حيث تطبيقها نقول: هو خلق.
[قوله تعالى: فَسَوَّاكَ]
وأمّا قوله تعالى: {فَسَوَّاكَ} فقد أفاد الراغب(1): أنَّ المساواة: المعادلة المعتبرة -من الناحية العرفيّة والسوقيّة – بالذرع والوزن والكيل، هذا يساوي هذا وزناً وهذا يساوي هذا ذرعاً، أي: طولاً ومساحة، ولا بأس في أن يُقال:
ــــــ[401]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 257، مادّة (سوا).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يساوي ساواك؛ لأنَّه مادّة المساواة. يُقال هذا ثوب مساوٍ لذلك الثوب، أي: بالذرع، وهذا الدرهم مساوٍ لذلك الدرهم، أي: بالوزن في حدود الدراهم التي كانت في حينه؛ لأنَّ الدراهم لم تكن أحياناً متساوية وزناً بالدقّة … وتسوية الشيء جعله سواء: إمّا في الرفعة أو في الضعة. وقوله {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ} أي: جعل خلقتك على ما اقتضت الحكمة. وقوله {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا}(1) إشارةٌ إلى القوى التي جعلها للنفس، فنسب الفعل إليها، فما سوّاها أي: التكوين داخل أجزاء النفس وملكاتها وجوانبها بإزاء احتمال آخر، وهو أنَّ (وما سوّاها) أي: الله سوّاها بمعنى: خلقها.
وقد يُلاحظ عليه أمران:
الأوّل: أنَّ (ما) وضعت لغير العاقل، فارجاع اسم الموصول إلى الله
-وهو أحكم الحاكمين- ممّا لا يجوز ولا يعقل، فلابدّ أن نقول: (ونفس ومَن سوّاها) حتّى يصح الإرجاع لا (ونفس وما سوّاها).
الثاني: أنَّ (ما) لا يُعبر به عن الله تعالى؛ إذ هو موضوعٌ للجنس، أي: الموضوع لمعنى كلّي، والله تعالى ليس بكلّي، ولم يرد به سمعٌ يصحّ.
فتحصّل: أنَّ للتسوية معنيين أساسيين أوّلهما وأصلهما من المعادلة والمساواة، وهذا يقتضي وجود شيئين لا شيء واحد؛ لأنَّ المساواة معنى إضافي، والمعاني الإضافية تحتاج إلى طرفين؛ إذ لا تقوم إلّا بطرفين. فقوله {فسوّاك} بتقدير الكثرة أي: ساوى بين قواك وملكات عقلك وملكات نفسك، مع أنَّها متناثرة ومتعارضة. وهنا قد يُقال: إنَّ هذا التقدير خلاف الظاهر، كما أنَّ الثلاثي منه غير المزيد؛ لأنَّه قال: (سوّاك) و(سوّاها) ولم يقل:
ــــــ[402]ــــــ
(1) سورة الشمس، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ساواك وساواها؛ إذ يتعيّن أن يكون المعنى الثاني (ساواك) من المساواة، لا سوّاك، وهو -أي: سوّاك- يرجع إلى معنى الخلق والإيجاد، وأصله إيجاد المتساوي والمتوازن. ولذا يستعمل في اللغة العاميّة (سوّاها) بمعنى: أوجدها وخلقها، وهو معنى له أصل في اللغة على ما يظهر، إلّا أنَّه إذا كان سوّاها بمعنى خلقها يكون تأكيداً وتشديداً في السؤال من المولى بقوله: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ} بمعنى (الذي خلقك فخلقك) أي: أوجدك بهذا المعنى، فكلاهما يصبح بمعنى الإيجاد، فعاد السؤال مرّةً ثانيةً.
[قوله تعالى: فَعَدَلَكَ]
وأمّا قوله تعالى: {فَعَدَلَكَ} فقد أفاد الراغب في المقام: أنَّ العدالة والمعادلة لفظ يقتضي معنى المساواة، ويستعمل باعتبار المضايفة، هذا معادل لهذا أي: مساو له، والعَدل والعِدل يتقاربان أي: من ناحية المعنى، لكن العدل يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام، وعلى ذلك قوله {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا}(1) يعني: معادل للجريمة، فالعقاب معادل للجريمة، والكفّارة والفدية أيضاً معادلة للإفطار ونحو ذلك، فيصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستّين مسكيناً. وهذه العدالة تدرك بالبصيرة لا بالبصر. والعِدل والعَدِيل فيما يدرك بالحاسّة، كالموزونات والمعدودات والمكيلات، ولا يخفى أنَّ منه العِدل الذي يلي أحد الجانبين من حمل الدابة، فعِدل أي: معادل للحمل الموجود على الجانب الآخر. وعليه فالعَدل هو التقسيط على سواء، وعلى هذا روي >بالعَدل قامت السماوات والأرض<(2) تنبيهاً على أنَّه لو كان ركن من الأركان
ــــــ[403]ــــــ
(1) سورة المائدة، الآية: 95.
(2) عوالي اللئالي 4: 102، الجملة الثانية: في الأحاديث المتعلّقة بالعلم وأهله وحامليه، الحديث 150.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الأربعة في العالم زائداً على الآخر أو ناقصاً عنه على مقتضى الحكمة لم يكن العالم منتظماً(1).
أقول: فرجع العدل إلى المساواة، ورجع الإشكال والسؤال الأصلي؛ لأنَّه قال: {فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}، فكأنَّ سوّاك وعدلك يرجعان إلى نفس المعنى، والعدل وإن كان أصله اللغوي ذلك، يعني: المساواة، وهو القائم على التصوّر الساذج الذي سمعناه من الراغب، إلّا أنَّ في الحكمة العليا يقولون: إنَّ العدل هو وضع الشيء في موضعه الصحيح المناسب له، والله تعالى عادل أي: واضع كلّ شيء بالخلقة في موضعه المناسب له، وبالعدل قامت السماوات والأرض، وبذلك استغنينا عن الأركان الأربعة التي توهّمها الراغب في كلامه.
والعدل بهذا المعنى -وضع الشيء في موضعه المناسب- له مادّة ثلاثيّة: عدل يعدل، وأمّا الرباعي أو المزيد وهو قولنا: عدّل يُعدّل فقد يُراد به الإثبات وقد يُراد به الثبوت. فإن أُريد به الإثبات كان بنفس المعنى، وأفاد أيضاً الشهادة بعدالة شخص، فعدّله أي: شهد بعدالته إثباتاً، أي: بحسب الصورة الذهنيّة والمعرفة والإثبات. وإن أُريد به الثبوت أو عالم الثبوت أفاد معنى المساواة: عدَّل الأرض أي: ساواها ونحو ذلك، لا العدالة بالمعنى الذي تحدّثنا عنه، أعني: وضع الشيء في موضعه؛ فإنَّ المزيد لا يفيد هذا المعنى، وهو عدَّل، مع أنَّ الآية قرئت على كلا الشكلين (الذي خلقك فسواك فعَدَلَك، وفعدَّلك) (2)، ويلزم أن يؤخذ ذلك بنظر الأعتبار.
ــــــ[404]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 336- 337، مادّة (عدل).
(2) وهي القراءة المرويّة عن أبي عمرو، وابن عامر، وابن كثير، ونافع، وغيرهم. أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 8: 89، سورة الإنفطار.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
[معاني الخلق والتسوية والعدل]
وهاهنا معنى آخر للعدل وهو الانعطاف، فعدل عن الطريق أي: انعطف عنه، وأصله إيجاد العِدل للشيء الأوّل، وإعطاء الأهمّيّة للشيء الثاني، أي: كنت اختار هذا الطريق والآن عدلت أي: اسقطت أهمّيّة الطريق الاوّل وأعطيت الأهمّيّة للطريق الثاني. ومن هذا القبيل جملة من الأساليب والأفعال، فيقال مثلاً: عدلت عن العمل الأوّل واخترت العمل الثاني، ويستعمل في غيرها أيضاً، فيُقال: عدل برأيه عن كذا، أو عدل بصداقته عن فلان، أو عدل بتقليده عن المرجع الفلاني. ومنه قوله تعالى: {بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}(1) وقوله: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ}(2) أي: يشركون ويجعلون لربهم عديلاً أي: مساو في الأهمّيّة، وربما كان في نظرهم أهمّ من الله تعالى. ولا يراد به في المقام العدل الحقيقي أو المادّي، بل يفيد معنى البداء أي: تغيير الرأي أو تغيير وجه المصلحة، وهو أمر ممكن للبشر وللمخلوقين بأن يتركوا أمراً ويعدلوا إلى آخر، فالبداء والعِدل هنا بمعنى واحد، وهو أمر جائزٌ للبشر وللمخلوقين عموماً، سواء قلنا بجوازه في حقّ الله تعالى أم لا.
فقد ظهر: أنَّ للخلق ثلاثة معانٍ:
أوّلاً: التقدير المستقيم.
ثانياً: الإبداع.
ثالثاً: الإيجاد.
وأمّا التسوية: فلها معنيان:
الأوّل: الإيجاد.
ــــــ[405]ــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 1.
(2) سورة النمل، الآية: 60.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الثاني: المعادلة والتسوية.
وأمّا العدل فله عدّة معانٍ:
أوّلاً: مطلق المعادلة والتسوية.
ثانياً: المعادلة والتسوية الحسّيّة.
ثالثاً: المعادلة والتسوية القضائيّة (كالعدل في القضاء).
رابعاً: المعادلة والتسوية الحكميّة، أي: العدل في الأحكام أو الشريعة العادلة غير قضيّة العدل في القضاء.
خامساً: العدالة والتسوية التكوينيّة التي يوصف بلحاظها الله تعالى بأنَّه عادلٌ في خلقه.
سادساً: جعل العدالة كصفة للشخص، عدلته أي: ربّيته فأصبح عادلاً ثبوتاً.
سابعاً: الشهادة بالعدالة للشخص إثباتاً.
ثامناً: وضع الشيء في موضعه المناسب له.
ولا يخفى: أنَّ القراءة بالتخفيف تارةً كما هو المشهور وبالتشديد أُخرى(1)، أي: عدَّلك، بالإضافة إلى أنَّ هذه المعاني أحدها أقرب إلى الآخر. وعلى العموم فإنَّ كلا القراءتين تناسبان المعاني المزبورة من حيث قرب المفهوم اللغوي إليهما معاً، فصارت المعاني المحتملة للموادّ الثلاث اثنين في ثلاثة في ثمانية، ويلاحظ أنَّ المعنى لتلك الموادّ لم يتكرّر في الصور المحتملة لها، ما يقتضي خطأ السؤال الأساسي الذي كان مبنيّاً على أنَّ الموادّ الثلاث كلّها
ــــــ[406]ــــــ
(1) وهي القراءة المرويّة عن أبي عمرو، وابن عامر، وابن كثير، ونافع، وغيرهم. أُنظر: معجم القراءات القرآنيّة 8: 89، سورة الإنفطار.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بمعنى الإيجاد، وحينئذٍ يتكرّر ثلاث مرّات. فليس العدالة بمعنى الإيجاد إطلاقاً. بل غاية ما يمكن أن يقوله السائل: إنَّ التكرار يقع في اثنين: إمّا أن يكون الخلق والتسوية بمعنى الإيجاد، فخلقك وسوّاك بمعنى: أوجدك، وعدَلك يعني: ركّبك بشكلٍ متساوٍ، وإمّا أن يكون (سوّاك فعدلك) بمعنى التسوية والأوّل (خلقك) بمعنى الإيجاد. والقول بأنَّ الموادّ الثلاث بمعنى الإيجاد كما أفاده السؤال فهو غير وجيه إطلاقاً.
[مناقشة اتحاد معاني (الخلق والتسوية والعدل) بمعنى الإيجاد]
كما يمكن التأمّل فيما تقدّم من اتّحاد المعنى من وجوهٍ:
الأوّل: ما قلناه من عدم احتمال أن يكون الثلاثة بمعنى واحدٍ.
الثاني: أن نسلّم بأن يكون اثنان منها بمعنى واحد بالنحو الذي أشرنا إليه، أي: في حالة التأكيد، فيكون تقدير الآية: خلقك فخلقك أو فسوّاك وسوّاك. فإن قيل: إنَّ ذلك يناسب العطف بالواو مع أنَّه عطف بالفاء. وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ التأكيد يناسب العطف بالواو مع أنَّه عطف بإلفاء. قلنا: إنَّ بعض الحروف قد تستعمل في محلّ بعضها الآخر حقيقةً أو مجازاً، وقد تقدّم منّا القول بجواز استعمال الحروف مجازاً محلّ بعضها الآخر عند المناسبة، فليكن هذا المورد هنا كذلك، أي: إنَّ الفاء مستعملة حقيقة أو مجازاً بمعنى الواو لا بمعناها الخاصّ بها. نعم، إذا كانت بمعناها الخاصّ بها فلا يناسب أن يكون بهذا المعنى، وهو التأكيد، وإنَّما التأكيد يناسب معنى الواو، والفاء بمعنى الواو في الحقيقة.
الثالث: لو تنزّلنا عن ذلك تعيّن اختلاف المعنى بينها جميعاً، فإذا التفتنا إلى أنَّ الفاء للترتيب وأخذنا بمعناها الحقيقي أمكن إفادة بعض الأُطروحات في معنى الآية، مع أنَّ اختلاف المعنى هنا لا يحتاج إلى قرينة. ولا يُقال بأنَّ
ــــــ[407]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
التفسير الذي سيأتي تفسير تبرّعي ولا دليل عليه، بل الدليل إجمالاً ثابتٌ، وهو صيغة السؤال نفسها؛ إذ لا يناسب أن تكون اثنان أو جميع الموادّ (خلقك فسواك فعدلك) بمعنى واحد، فحينما لا يناسب نضطرّ أن نحمل واحداً على معنى والآخر على معنىً آخر، وهو قرينةٌ عامّةٌ على تعدّد المعنى في هذه الموادّ الثلاثة. ولذا نقول: إنَّ اختلاف المعنى لا يحتاج إلى قرينةٍ، وإنَّما يكفي فيه القرينة العامّة، وهو عدم إمكان تكرار المعنى، كما هو مفروضٌ الآن. وحينئذٍ يلزم الإشارة إلى بعض الأُطروحات في معاني تلك الموادّ، وهذه الأُطروحات تتضمّن أكثر من وجه واحد، كما سوف يظهر، وهي بمجموعها أيضاً ليست أُطروحات منحصرة؛ إذ يمكن أن يُتصوّر أُطروحات أُخرى على ضوء المعاني اللغويّة السابقة على الأقل.
فمنها: أن يُقال: إنَّ (خلقك) إشارة إلى أصل الخلق أو الجنين حال وجوده في بطن أُمّه، و(سوّاك) إشارة إلى الولادة والطفولة بمعنى: تسوية الأعضاء الكاملة للإنسان من أوّل وجوده في الدنيا إلى آخرها، و(عدّلك) إشارة إلى الرشد والكبر بمعنى: تسوية وتعديل القوى النفسيّة والعقليّة.
ومنها: أن نلتزم بنفس الأُطروحة السابقة مع حذف الزمان، فلا حاجة إلى أن نقول: إنَّ هذا أسبق ثُمَّ هذا أسبق، بل هو تعالى خلق وأعطى الأعضاء كاملة وسويّة، كما عدّل القوى النفسيّة والملكات.
ولعلّ هذا المعنى أقرب إلى المشهور، إلّا أنَّ فيه إسقاطاً للترتيب المستفاد من الفاء؛ فإنَّ المعنى المشتمل على الترتيب أفضل وأقرب إلى ظهور الآية، وهذا المعنى المفترض ليس فيه ترتيب بلحاظ الخلق والعدل والتسوية، ولا أقلّ من المصير إلى أنَّ الخلق أسبق رتبةً، لكن تعديل الظاهر والباطن متساوية
ــــــ[408]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
رتبة {فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}. وحينئذٍ تلغي الفاء الثانية، ولابدّ أن نحملها على معنى الواو، فالأُولى بمعنى الفاء الحقيقيّة، والثانية بمعنى الواو مجازاً، فيكون ذلك على خلاف وحدة السياق بين الفاءين، ما يناسب أن نحملها على معنى واحد لا على معنيين.
ومنها: أن يقال: إنَّ (خلقك) إشارةٌ إلى أصل الخلق، و(سوّاك) إشارةٌ إلى مطلق التسوية للجهة المادّيّة والمعنويّة معاً ولكلّ من الجسم والنفس والعقل، و(عدّلك) إشارةٌ إلى عدالة النظام الذي خلقه الخالق جلّ جلاله. والعدالة تتصوّر بجميع أنحاءها، فعدّلك أي: وضعك في نظام تكويني عادل، أو أنزل لك شريعة عادلة، وأمرك بالتصرّفات والأقوال والأفعال العادلة، أو ربّاك بحيث تكون عادلاً ولو اقتضاءً إن لم يكن بنحو العلّيّة.
ومنها: أن يكون المراد بالإنسان في قوله {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} الإنسان المطلق لا مطلق الإنسان، فخلقك يعني: أوجدك بالخلق البسيط لا بالخلق المركّب، و(سوّاك): إمّا بمعنى: ساواك مع مصاديق أمثالك، أي: رفعك إلى درجة الإنسان المطلق، وإمّا بمعنى: أخذ الخلاصة الصافية والمتجانسة للعقل والنفس بعد طرح البلايا والشهوات والحجب، حتّى يصير الإنسان مطلقاً؛ إذ لا تصعد كلّ ملكات الإنسان إلى فوق، بل الخلاصة الصافية والمتجانسة المتعادلة منها.
و(عدّلك): إمّا بمعنى: شهد بعدالتك، أي: بمستواك العالي الذي أعطاه لك، وإمّا جعلك عادلاً في حكمك على الأشياء بعد أن كشف لك حقائقها -والكلام في الإنسان المطلق- وكلّه لطفٌ إلهي، وإمّا جعلك عادلاً في تصرّفك تضع الأشياء في موضعها المناسب، كما قال تعالى في الحديث
ــــــ[409]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
القدسي: >عبدي أطعني أجعلك مثلي<(1). فكما أنَّ الله تعالى عادل يضع الأشياء في مواضعها، فكذلك الإنسان المطلق بالضرورة؛ لأنَّه ليس هناك إنسان مطلق فاسق (والعياذ بالله).
****
قوله تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}:
[السؤال عن معنى الصورة]
في الآية عدّة أُمور تدخل في منهجنا، منها: السؤال عن معنى الصورة.
أفاد الراغب: أنَّ الصورة ما يُنقش به الأعيان، ويتميّز بها عن غيرها، وذلك ضربان(2): أحدهما محسوس يدركه الخاصّة والعامّة، بل يدركه الإنسان وكثير من الحيوان، وهي الصورة المادّيّة كصورة الإنسان والفرس والحمار بالمعاينة(3). وممّا يلفت النظر أنَّه عبّر بالقول: يدركه الإنسان وكثير من الحيوان. والوجه فيه: أنَّ بعض الحيوان لا يدرك ذلك: إمّا لأنَّه ليس له عيون، كما يقُال عن النمل، أو لأنَّه من الصغر بحيث لا يدرك ذلك، كالجراثيم والحشرات الصغيرة. وأضاف الراغب: أنَّ الثاني معقول يدركه الخاصّة دون العامّة أي: من كان من ذوي الألباب أو ألقى السمع وهو شهيد، كالصورة التي اختصّ بها الإنسان من
ــــــ[410]ــــــ
(1) الجواهر السنيّة: 361، ومشارق أنوار اليقين: 100.
(2) ضربان أي: نحوان، نقول: الماء على ضربين أي: نوعين؛ لأنَّ الضرب من ضرب الدراهم؛ لأنَّهم كانوا يضعون قالباً ويضعون فيه الذهب أو الفضة ويضربوه، فيصير على شكل القالب درهم أو دينار، وكانت الدراهم بعضها أكبر من بعض؛ لأنَّ الصناعة يدويّة والقوالب مختلفة، فيقال: إنَّ هذا على ضرب بغداد، وهذا على ضرب دمشق، وهذا على ضرب عشر حبّات، وهذا على ضرب اثني عشر حبّة. (منه+).
(3) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 297، مادّة (صور).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
العقل والرويَّة والمعاني التي خصّ بها شيءٌ. وإلى الصورتين أشار بقوله تعالى: {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}(1) أي: صوّرناكم من الجهة المادّيّة والمعنويّة، وقوله تعالى: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ}(2). وقال: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}(3)، {يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ}(4) أي: يُلبسه صورة الإنسان الكامل من الناحية المادّيّة والمعنويّة، كما في قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ}(5)(6). فالخلق الآخر هو الروح(7) وهو جانب الصورة المعنويّة، وتلك المراحل من جعل النطفة في الرحم إلى اكساء العظام لحماً هي الصورة المادّيّة، ومعه فالصورة المادّيّة والمعنويّة قد تأسّست كلّها في ذلك العالم الصغير.
[تعليقان على ما أفاده الراغب في المقام]
ولنا تعليقان على ما أفاده الراغب في المقام:
التعليق الأوّل: أنَّ الصورة المعنويّة للإنسان هي التي خلقت في أحسن تقويم(8)، لا الصورة المادّيّة؛ ذلك أنَّ صورة الإنسان المعنويّة أفضل من الصور
ــــــ[411]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 11.
(2) سورة غافر، الآية: 64.
(3) سورة الانفطار، الآية: 7.
(4) سورة آل عمران، الآية: 6.
(5) سورة المؤمنون، الآيتان: 13- 14.
(6) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 297، مادّة (صور).
(7) حسبما روي عن مولانا أبي جعفر الباقر× قال في قوله تعالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ}: >فهو نفخ الروح فيه<. راجع تفسير القمّي 2: 91، تفسير سورة المؤمنون.
(8) إشارة إلى قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [سورة التين، الآية: 4].
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
المعنويّة لكلّ الخلق بما فيها من الحيوانات والجنّ والملائكة فضلاً عن غيرها. غاية ما في الأمر أنَّ البدن أو الجسم جُعل كصورة محدودة عن الروح؛ لأنَّه يحتوي على كثير من الملكات التي تشتمل عليها الروح، ولعلّ أوضحها الحواسّ الخمس، فالجسم فيه هذه الحواسّ، والروح فيها هذه الحواس، ولو كانت الروح خالية عن هذه الحواسّ لما اشتغلت حواسّ الجسم.
التعليق الثاني: أنَّه يمكن القول بتقسيم الصورة إلى إثباتيّة وثبوتيّة، والصورة الثبوتيّة هي الوجود التكويني للشيء، فالمادّة مثلاً خشب والصورة كرسي بالتكوين ثبوتاً، سواء وجدت ذات مدركة أم لا، إذن فالصورة الثبوتيّة هي الوجود التكويني للشيء، وهي جزء من قدره، والقدر هو الحدّ، والحدّ على ضربين: حدّ لماهيّة الشيء من قبيل: لونه وطوله وعرضه، فهذه صورته، وحدّ للأشياء الخارجيّة ونسبته إلى غيره من قبيل كون كذا في مكان كذا، وفي زمان كذا، وبيد فلان، وباعه إلى فلان، واشتراه من فلان، ونحو ذلك من الأُمور، فهذا كلّه قدر. لكن الصورة أخصّ من القدر؛ فكلّ صورة قدر، وليس كلّ قدر صورة؛ فإنَّ نسبته إلى غيره ليست بصورة، وإنَّما صورته في ذاته، فهذه هي صورته، وهي جزء من قدره. والوجه فيه: أنَّ القدر هو الحدّ، فهو الخلقة نفسها (هي صورتها)، والحدّ الآخر هو زمانها ومكانها ومقارناتها، وبهذا المعنى -أي: الصورة الثبوتيّة- فإن لكلّ واحدٍ من الخلق في كلّ المستويات والرتب والعوالم صورة تخصّه ابتداءً من خير الخلق إلى أدنى المخلوقات إلّا الله تعالى، فليس له صورةٌ؛ لأنَّه ليس له حدّ، وليس له قدر.
والسرّ فيه: أنَّ القدر والصورة نحوٌ من الحدّ، والله غير محدود، فقولنا: إنَّه لا يشبهه شيء من خلقه أو لا يشبه شيئاً من خلقه، أي: أنَّه ليس له صورة،
ــــــ[412]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وليس له حدّ، وليس له قدر، وإنَّما القدر من أفعاله الذي يدير به أمر مخلوقيه، أي: من صفات المخلوق لا من صفات الخالق. هذا من ناحية الصورة الثبوتيّة، وهو خلِقة التكوين (الأشياء على حالها).
أمّا الصورة الإثباتية فهو نقش نظير الصورة التكوينيّة، أي: صورة إثباتيّة كالتصاوير والتماثيل، فالتماثيل صورة إثباتيّة لزيد، وكذلك الصورة اليدويّة أو الصناعيّة (آلة الكاميرا) أو الصورة المتحرّكة (الفيديو)، فكلّها صورة إثباتيّة لواقع معيّن.
وبعبارةٍ أُخرى: هي صور إثباتيّة لصور ثبوتيّة، وليست هي الصورة الحقيقية، وقد ذكر الراغب آنفاً للصورة ضربين: أحدهما مادّي والآخر معنوي، وكلاهما صورة ثبوتيّة. أمّا الصورة بالمعنى الاثباتي الذي نتكلّم عنه فلم يذكره الراغب من رأسٍ، مع أنَّ من المتداول عندنا أنَّ كذا صورة؛ فإنَّ الصورة بالمعنى اللغوي الأصلي هي الصورة الثبوتيّة لا الإثباتيّة، ولكننا الآن نسمّي المثيل صورة، ولا نعلم إذا كانت اللغة القديمة على ذلك أو لا.
والظاهر: أنَّه لم تكن على ذلك، مع أنَّنا ندركها الآن على وجه الحقيقة لا المجاز، ويترتّب عليه أنَّ الأجيال المتأخّرة هل لها تغيير الوضع اللغوي والنقل والاشتراك ونحو ذلك أم إنَّ المجتمع العربي اختلط بالأعاجم، فليس هناك وضع ولا اشتراك ولا تغيير معنى، بل ذلك من حقّ العصور الجاهليّة لا من حقّ المسلمين؟
أقول: من حقّ العصور المتأخّرة أن تتصرّف في اللغة، ولذا نرى أن لا مجازيّة إطلاقاً في قولنا صورة بمعنى: صورة كاميرا، بل هو معنى حقيقي، بالرغم من أنَّها لم تكن موجودة أصلاً: لا موضوعاً ولا محمولاً.
ــــــ[413]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
[إشارة إلى خصائص الصور الثبوتيّة والإثباتيّة]
ولا بأس بالإشارة إلى خصائص الصور الثبوتيّة والإثباتيّة:
الأُولى: أنَّ لكلّ شيء صورة إثباتيّة حتّى صورة الخطّ، فتقول: صورة طبق الأصل والصورة الذهنيّة والصورة الملكوتيّة التي هي ربّ النوع باصطلاح أفلاطون(1)، ففي كلّ هذه الموارد توجد صورة لا نفس الشيء، وليست من الماهيّة الثبوتيّة حقيقةً، لا الصورة الذهنيّة ولا الصورة الملكوتيّة، والصورة الإثباتيّة تشمل كلّ شيء حتّى الله تعالى، وقد تقدّم: أنَّ الله ليس له صورة ثبوتيّة؛ لأنَّه غير محدود، لكن توجد له صورة إثباتيّة، بمعنى: أنَّنا نحمل عنه فكرة معيّنة وصورة ذهنيّة محدودة، لأنَّنا لو لم نحمل عنه أيّ صورة بحيث يصير بالنسبة إلينا مجهولاً مطلقاً، لما صحّ الحمل؛ لأنَّ الحمل على المجهول المطلق مستحيلٌ، ولا نفهم عن الله شيئاً مطلقاً، فكيف نقول: الله قادر، الله موجود، الله معبود؟ بل نحن نمتلك صورة ذهنيّة عن الله ولو ناقصة، وبذلك يصحّ الحمل عليها من وجهين. وهو يكفي في الحمل، ويكفي في الإيمان بأُصول الدين. والوجه فيه: أنَّنا لا نعرف محمّداً’ بكلّ حقيقته الثبوتيّة والإثباتيّة، وإنَّما عندنا عنه صورة ناقصة، وكذلك عندنا صورة ناقصة عن مولانا علي×، وهذا يكفي في الإيمان بأُصول الدين؛ لأنَّه يتناسب مع استعداداتنا وإمكاناتنا وقابليّاتنا. والغرض: أنَّ الصورة الإثباتيّة تعمّ وتشمل الله عزّ وجلّ، لأنَّ له صورة إثباتيّة، ولعلّ تلك الصورة تتعدّى من ذهن الإنسان إلى أذهان الجنّ والملائكة والحيوانات ونحو ذلك.
الثانية: أنَّ الصورة الثبوتيّة مستوعبة – على خلاف الصورة الإثباتيّة-
ــــــ[414]ــــــ
(1) أُنظر: شرح المنظومة 3: 713، غرر في تحقيق ماهيّة المثل الأفلاطونيّة بعد الفراغ عن إنيّتها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
لكلّ الأشياء على الإطلاق؛ فإنَّ هذا الشيء مثلاً له صورة في واقع الأمر وفي عالم الخلق، وصورته مستوعبة للأشياء. ومعه فقد تتصوّر الصورة الذاتيّة وحسب، إلّا أنَّ الصورة الثبوتيّة أعمّ من علاقاته مع غيره، فعلاقاته مع غيره تستوعب ملايين الملايين من الأشياء. وهذا الموجود البسيط له علاقة مع الجوزاء ومع الشمس وغيرهما، فكلّ شيء له علاقة مع كلّ شيء على مستوى الصورة الثبوتيّة. أمّا الصورة الإثباتيّة فهي غير مستوعبة، فليس للعقل قدرة على التعرّف على كلّ الصور التي تخطر في الذهن من الصور الثبوتيّة؛ لأنَّ الصور الثبوتيّة لا محدودة، والذهن أقل قدرةً من أن يحصر كلّ تلك الصور، فلا يمكن له أن يتصوّر مكان زيدٍ وزمانه وبيته وأولاده وطعامه وشرابه ومنامه وموته وولادته. بل له أن يكوّن فكرة ناقصة عن الله والرسول، كما أنَّنا نعمل صورة ناقصة عن بعضنا البعض، وكذا الحال عن الحصاة التي لا نعلم ما في داخلها. فتحصّل أنَّ الصورة الإثباتيّة غير مستوعبة، على خلاف الصورة الثبوتيّة المستوعبة بإذن الله وإرادته.
فقد انقدح: أنَّه يمكن تقسيم الصورة إلى صورة ثبوتيّة، أي: في عالم الخلق والتكوين، وصورة إثباتيّة من قبيل ما يُقال من الصورة الذهنيّة أو صورة الخطّ أو الصورة الاعتياديّة كصورة الكاميرا، فالصورة من جملة آثار ذلك. والصورة الثبوتيّة بهذا المعنى تشمل كلّ شيء إلّا الله تعالى؛ إذ ليس له صورة؛ لوضوح أنَّ كلّ مفردات وجزئيّات عالم الإمكان من جماد وحيوان وروح ونفس وعقل لها صورة بالمعنى الذي يناسبها، وليست صورة مادّيّة، فالمادّيّات لها صورة مادّيّة، والمجرّدات لها صورة تناسبها وتناسب عالمها. وأمّا الصورة الإثباتيّة فلا تستوعب كلّ شيء، بل تخصّ شيئاً دون شيء، ولعلّها
ــــــ[415]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
تخصّ حدوداً معيّنة، ولذا تقدّم أنَّنا لا نحمل عن أيّ شيء فكرة متكاملة، فلا أنت تحمل عنّي، ولا أنا أحمل عنك، ولا نحمل عن هذا المسجد ولا عن السماء ولا عن الأرض ولا عن الطعام الذي نأكله أيّ فكرة تامّة، بل نحمل فكرة إجماليّة ليس أكثر. وأمّا ما زاد على ذلك من الذرّات والتفاصيل والصفات التي في علم الله فنحن لا نحمل فكرة عنها في القريب فيها فضلاً عن البعيد، ولاسيّما إذا قلنا بعدم تناهي المخلوقات في رحمة الله اللا متناهية؛ إذ قد تكون المخلوقات لا متناهية، وحينئذٍ لا يمكن إدراك كلّ الصور الإثباتيّة لكلّ المخلوقات؛ لأنَّ المحدود لا يدرك اللامحدود، وعليه فالاستيعاب في الصورة الإثباتية محالٌ.
الثالثة: أنَّ الصور الإثباتيّة تختلف عن الصور الثبوتيّة بعدّة اختلافات:
منها: أنَّ الإثباتيّة ليس لها آثار، فالصورة المنقوشة غير زيد؛ إذ ليس لها نفس زيد ولا عقل زيد ولا أيّ شيء منه، وإن كانت الصورة مجرّدةً، ما يلزم أن نلتفت إلى أنَّ الصورة الذهنيّة التي هي أيضاً من صورة عالم الإثبات – أي: صورة إثباتيّة- لا تحمل نفس الصفات في ذيها، أي: المصوّر الخارجي. فالصورة الذهنيّة للنار لا تحرق، والصورة الذهنيّة للماء لا تُغرق، والصورة الذهنيّة هي أهمّ الصور في عالم الإمكان، فهي أهمّ من الصورة الورقيّة والتمثال ونحو ذلك من الصور؛ لأنَّها صورة مجرّدة وتفصيليّة نسبيّة، ومع ذلك فإنَّها مجرّدة عن الآثار.
والصورة الثبوتيّة يمكن أن تدرك بالعلم الحضوري مع أنَّ الصورة الإثباتيّة إنَّما تدرك بالعلم الحصولي، أي: بالعلم (بالصورة الذهنيّة)، ولكن ليس كلّ صورة ثبوتيّة تدرك بالعلم الحضوري؛ فإنَّ الله أعلم بذلك، لكن
ــــــ[416]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يمكن لبعضها أن يُدرك بالعلم الحضوري كإدراك الإنسان لنفسه؛ فإنَّه يدرك الصورة الثبوتيّة لنفسه. ومعه فالنفس لها صورة ثبوتيّة وتكوين وحدّ وقدر ومقدار يدركه بالتفصيل مع أنَّه حضوري لا حصولي مُدرك ذهنيّاً.
الرابعة: أنَّ الصورة الثبوتيّة هي الصورة المقصودة في تقسيم العلل إلى أربع: مادّيّة وصوريّة وفاعليّة وغائيّة، فالعلّة الصوريّة هي الصورة الثبوتيّة؛ لأنَّ النجّار يجعل صورة ثبوتيّة للكرسي؛ لعدم كفاية الصورة الذهنيّة، ومن أرباب المنطق مَن يُسمّي الفصل صورة، والجنس مادّة له(1)، فالفصل بمنزلة الصورة والجنس بمنزلة المادّة، وهو أيضاً معنى ثبوتي، أي: الجنس والفصل الموجودان في الخارج، ولا نريد بالمادّة المادّة المتعارفة، بل المادّة بمعنى الهيولى أو الماهيّة. وكذلك منهم من يسمّي البسط في الكسور الاعتياديّة صورة، ويكون المقام بمنزلة المادّة، ومنهم من يسمّي الوجود صورة والماهية مادّة له. وهنا ينبغي أن تلفت أنَّ الماهيّة المتكوّنة من الجنس والفصل تقع في جواب ما هو الذي هو الجنس والفصل، أي: الحيوانيّة والناطقيّة، والتركيب بين الجنس والفصل يوجد ماهيّة يطرأ عليها الوجود. وبحسب الاصطلاح السابق يكون الفصل صورة والجنس مادّة، مع أنَّه هنا بحسب هذا الاصطلاح أصبح جزءً من المادّة؛ لأنَّ الفصل هذا جزء من الماهيّة المقابلة للوجود، والمفروض أنَّ الماهيّة بهذا الاصطلاح مادّة والوجود صورة. ومن الطبيعي أن يُراد بالوجود الذي هو صورة هذا الوجود الإمكاني؛ لأنَّ قوام الصورة بالحدّ، فالصورة
ــــــ[417]ــــــ
(1) أُنظر: الشفاء (المنطق): 128، الفصل الثاني، رسائل الشجرة الإلهيّة في علوم الحقائق الربّانيّة: 229، الفنّ الأوّل، الفصل الرابع، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
حُدّت ثُمَّ أصبحت ماهيّة، والماهيّة أو المادّة أيضاً حُدّت فأصبحت ماهيّة، وعليه فالوجود الإمكاني محدود والواجب غير محدودٍ. فحينئذٍ لا يرد الإشكال في أنَّ الوجود صورة، وهذا شامل لوجود الله، فيكون لله صورة، وإنَّما الوجود الإمكاني بوصفه محدوداً تكون له صورة، والوجود الواجب ليس بمحدودٍ، فإذن ليس له صورة.
الّلهمّ إلّا أن يُراد اتّصاف الوجود الواجب تعالى بالأسماء الحسنى، فيكون وجود له صورة هي الأسماء الحسنى. وبعبارةٍ أُخرى: الأسماء الحسنى صورة من صور الوجود الواجب، كما أنَّ صورة الأشياء هي صفاتها.
ويُلاحظ عليه: أنَّ الوجود الواجب ليس بصورة؛ وذلك أنَّ الأسماء التي ذكرها المستشكل على ضربين: إمّا أنَّها صفات تكون عين ذاته، ومعه فهي ليست بصورة؛ لأنَّ ذاته ليست بصورة، فهذا النحو من الأسماء ليس بصورة من قبيل: الحي والقادر والعليم. وإمّا أنَّها زائدة على ذاته-حينما تكون على نحو الإضافة، أي: منتزعة من معنى إضافي- كالخالق والرازق والسميع والبصير، فلو لم يوجد مخلوق كانت تلك الأسماء بلا معنى، أعني: من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، ولا يبقى إلّا الصفات التي هي عين ذاته، فالصفات المتعلّقة بالمخلوق إنَّما هي صفات الأفعال لا صفات الذات. ومن هنا يمكن أن يُقال بأنَّها زائدة على الذات المقدّسة؛ لأنَّها من صفات الفعل لا من صفاته جلّ وعلا، ولذا سُمّيت في الشريعة أسماء لا صفات، فإذا كانت صفات أفعال فلا نقول بأنَّ الأسماء وجود صفة الوجود الواجب حتّى تكون صورة أو بمنزلة الصورة.
[قوله تعالى: ركّبك]
وأمّا قوله تعالى: {ركبك} فقد أفاد الراغب: أنَّ الركوب في الأصل كون
ــــــ[418]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الإنسان على ظهر حيوان، وقد يُستعمل في السفينة، مع أنَّ السفينة ليست بحيوان، فيُقال: ركبت السفينة. وقد توسّع الاستعمال في اللغة الحديثة ليشمل موارد عديدة منها ركوب السيّارة والطائرة وأشياء أُخرى. قال تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}(1) وقال: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ}(2) أي: قد يصدق الركوب في السفينة. ومنها قوله تعالى {وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ}(3) أي: الراكبين… .
ركب وركاب وركوب؛ لأنَّ ركوب يأتي بمعنى المصدر ويأتي بمعنى الجمع مثل: عدول فهو مصدر، عدل يعدل عدولاً إذا حصل له بداء مثلاً، وفي عين الوقت جمع عادل. ونحوه ما أشار إليه الراغب بقوله تعالى: {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً}(4)(5).
[تعليق على ما أفاده الراغب في معنى (ركّب)]
أقول: ولا يتحصّل من كلامه التركيب، فقد ذكر الركوب خاصّةً، ولم يذكر التركيب إلّا بقوله: والمتراكب ركب بعضه بعضاً(6). قال تعالى: {حَبًّا مُتَرَاكِبًا}(7). وعليه فالمركب في الأصل هو الذي تركّب بعض أجزائه من بعض من قبيل: السكنجبين المركّب من الخلّ والسكّر، أو البساط المركّب من خيوط وألوان ونحو ذلك، وهذا في التركيب المادّي. ويمكن التوسّع لغةً إلى
ــــــ[419]ــــــ
(1) سورة النحل، الآية: 8.
(2) سورة العنكبوت، الآية: 65.
(3) سورة الأنفال، الآية: 42.
(4) سورة البقرة، الآية: 239.
(5) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 207، مادّة (ركب).
(6) المصدر السابق: 207، مادّة (ركب).
(7) سورة الأنعام، الآية: 99.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
التركيب المعنوي، كتركّب الإنسان من نفس وعقل، وأمّا المتراكب فلا يلحظ فيه تركّب الأجزاء، بل أشياء متعدّدة ومتباينة يكون بعضها على بعض، كحبّات العنب في العنقود وحبات التمر في العذق.
ثُمَّ إنَّه لو قيل بأنَّ الرباعي المزيد (ركّب) يرجع إلى الثلاثي (رَكِبَ) فإنَّنا نكون قد وافقنا الراغب؛ لأنَّه يميل إلى أن لا يعطي الرباعي معنى مستقلاً، وإنَّما يعطي له نفس معنى الثلاثي، فإذا أعطينا الرباعي نفس معنى الثلاثي فالكلام فيه نفس الكلام السابق. ولكن حسب الوجدان اللغوي نرى أنَّ (ركب) و(أركب) ليس فيها وضع جديد، فأركب من الركوب أي: جعله يركب، وأعانه على الركوب، وركب أي: ركب بنفسه، وأركب غيره، فذاك لازم وهذا متعدّ، إلّا أنَّ هذا يختلف في ركّب.
نعم، يصحّ أن يُقال: أركبتُ زيداً وركبّت زيداً على الدابّة، لكن المعنى الغالب له هو: أوجد المركب أو ركّب الأجزاء بعضها على بعض، لا بمعنى: ركب الدابة، فإذا التفتنا من هذه الناحية إلى التركيب بهذا المعنى -وهو إيجاد المركب- فيمكن أن نقول: إنَّ هذا الفعل المزيد أو الرباعي كما نطلق عليه
-ركّب- موضوع بوضع آخر غير الوضع الثلاثي الذي هو تركيب.
وليُعلم: أنَّ الصور التي تركّب منها الإنسان بوصفه المخاطب في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} إلى أن يقول: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، ملحوظة مشهودة بقرينةٍ متّصلةٍ في الآية.
والذي ينبغي التنبيه عليه هو أنَّ تركيب الإنسان يمكن تصوّره من عدّة نواحٍ أكثرها عرفيّة، ويمكن أن أُشير أوّلاً إلى التركيب الجسدي، فالجسد مكوّن من أعضاء، وكلّ عضو مركّب من أعضاء داخليّة من قبيل الرأس؛ فإنَّ
ــــــ[420]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فيه العين، والعين فيها أعضاء وهكذا، وكلّه تركيب واحد بقدرة الله جلّ جلاله، مضافاً إلى الأعضاء الباطنيّة أو الداخليّة، كالقلب والرئة والمعدة والأمعاء وأجزائها.
ومنها تركيب كيان الإنسان المعنوي من العوالم الأربعة، أعني: الجسد الذي هو من عالم الناسوت، والنفس التي هي من عالم الملكوت، والعقل الذي هو من عالم الجبروت، والروح التي هي من عالم اللاهوت.
وكما قسّمنا الجسد إلى أجزاء، ثُمَّ أجزاءه فيه إلى أجزاء ثُمَّ إلى أجزاءه، كذلك عالم المعنى ينقسم هذا الانقسام، إلّا أنَّنا غافلون عنه، ونحوه تركيب كلّ واحد منها – أي الأجزاء المعنويّة- من قوى عديدة، كالشهوة والغضب والجوع والعطش والفرح والحزن والتفكير، وما خفي علينا أكثر بطبيعة الحال، حتّى قال المادّيّون الأُوربيّون: إنَّ العقل ظهر منه واحد بالمائة أو اثنين بالمائة، أمّا ثمانية وتسعون بالمائة منه فهو خفي لا نعلم ما هي آثاره ونتائجه. ولو انفتح هذا الأُفق في العقل للإنسان لصدرت منه الكرامات بإرادة الله لا بالاستقلال قطعاًً. ومنها تركيب أفعاله وانحلالها في الزمان والمكان والمتعلّقات والعلاقات في الآخرين. ومنها تركيب ظرفه الذي وُجد فيه والذي يحتاجه في حياته لا محالة، كالزمان والمكان، لكن من زوايا أخرى(1)، كما لو وُلد في النجف أو الناصريّة أو البصرة في زمان كذا مع أهله عشيرة فلان … الخ. وإناطة التركيب بالمشيئة الإلهية(2) واضح جدّاً ولو لأبسط الخلق؛
ــــــ[421]ــــــ
(1) هناك فرق بين الزمان والمكان في الأفعال والزمان والمكان هنا، فهو هناك خاصّ بأفعال الإنسان ومكانها، وهنا يختصّ بذاته وأفعالها. (منه+).
(2) في قوله تعالى: {مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
لوضوح أنَّ الإنسان لا اختيار له في أيّ تركيب من هذه التركيبات إطلاقاً، فلا الذكي هو الذي جعل نفسه ذكيّاً، ولا البليد والغبي هو الذي تسبّب في بلادته وغباءه، ولا الطويل والقصير لهما شأن في إيجاد تلك الصفتين أصلاً. وكذا ليس للإنسان اختيار أُمّه ولا أبيه ولا عشيرته، مع أنَّه لا يتشابه اثنان – أي: فردان من الناس – في شيء إطلاقاً بالدقّة، وإلَّا فإنَّ التشابه العرفي ملحوظ، لاسيّما بين التوائم، إلّا أنَّها بالدقّة غير متشابهة إطلاقاً، والله تعالى يخلق على كلّ هذه الاحتمالات وعلى غيرها من الاحتمالات. هذا مضافاً الى احتمالات أُخرى تمثّل احتمالات التشويه والمرض ونحوه، فقد يولد أعمى أو ناقصاً جسديّاً أو عقليّاً ونحو ذلك، ولذا يُقال: (الحمد لله على تمام الخلقة)(1) إذا جاء ولد أو بنت ليس فيه تشويه أو نقصٌ، وهي احتمالات كثيرة جدّاً، بل هي فوق الإحصاء تحقيقاً، مع احتمالات أُخرى أشرنا إليها لكن نتناولها من زاوية ثانية، وهو الانتساب الى عشيرته ووالديه؛ فإنَّ البشريّة فيها الكثير من النساء والكثير من الرجال، واحتمالات التزاوج بين كلّ امرأة وكلّ رجل في البشريّة، فيولد زيدُ من الناس عن تزاوج من ملايين الملايين من الزيجات، والله تعالى اختار له واحدة من هذه الملايين بحكمته وعدله.
كما أنَّ هاهنا احتمالات أُخرى أسبق رتبةً من الوجود الخارجي في الدنيا، وهي أنَّ الكيان المعنوي لزيد يمكن أن ينزل في أيّ جسد إنسان أو
ــــــ[422]ــــــ
(1) إشارة إلى ما ورد في بعض الأدعية الشريفة بالقول: >الّلهمّ لك الحمد كما خلقتني فجعلتني سميعاً بصيراً، ولك الحمد كما خلقتني فجعلتني بشراً سويّاً< حسبما أورده في بحار الأنوار 94: 318، أعمال أيّام مطلق الشهر، اليوم الثلاثون، ونحوه غيره.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ينزل في أيّ جسد حيوان أو في أيّ حشرة، فيقال: إنَّ هذا الإنسان أو الحيوان له روح، وينزل زيد فيه، بل جسد حيوان يُكوّن روحه وروح زيد، وقد يكون من الجنّ، وقد يكون من الملائكة، وقد يكون خلقاً آخر. فمن بين هذه الاحتمالات الكثيرة جدّاً التي تفوق حدّ الإحصاء يخرج الإنسان، فإذا ضربنا كلّ هذه المجموعات – التي كلّ واحد منها فوق الإحصاء- كان الناتج فوق الإحصاء أيضاً، بل لعلّه غير متناهٍ، ولاسيّما لو نظرنا في مدى الأزليّة أو في المدى الأزلي؛ إذ يكون معه تعيين كلّ واحد أو يكون تعيين واحد من هذه الاحتمالات اللانهائيّة كشيء جزئي خارجي بيد المشيئة الإلهيّة لا بيد غيره في عدد لا يتناهى من الأفراد، وما ذلك على الله بعزيز، بل القدرة الإلهيّة لا يعجزها شيء، بخلاف الإنسان الذي هو محض الفقر والعجز والحاجة.
[أمران مرتبطان بمفاد الآية]
ويجدر بنا الإشارة إلى أمرين ممّا يرتبطان بمفاد الآية الكريمة:
الأمر الأوّل: تذكير (أي) في قوله: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}
الأمر الأوّل: تذكير (أي) في قوله: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} مع أنَّ من المناسب تأنيثها حسب قواعد ما يسمّى باللغة الحديثة، فهم يقولون: على أيّة حال وأيّ شيء مثلاً، مع أنَّ الحال مؤنّث مجازي، فكيف بالمؤنّث الحقيقي المشتمل على تاء التأنيث كصورة الواردة في الآية الكريمة؟ وهذا ملحوظ في القرآن في غير موردٍ وهو إعادة الضمير المذكّر الى المؤنّث، كما في قوله تعالى: {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}(1)، ونحوه قوله تعالى: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا}(2) وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً}(3) وقوله
ــــــ[423]ــــــ
(1) سورة الزخرف، الآية: 25.
(2) سورة الأعراف، الآية: 5.
(3) سورة الأنفال، الآية: 35.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
تعالى: {فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ}(1) وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ}(2)، وكذا في آيات أُخر من قبيل: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}(3) لا بأيّة أرض تموت، وقوله: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ}(4) وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}(5)، مع أنَّ الجمع فيه معنى التأنيث في اللغة العربيّة، وآلاء جمع، فينبغي الإشارة إليه بالمؤنّث بأن يقول مثلاً: (فبأيّة آلاء ربّكما تكذّبان). وينبغي الإقرار بأنَّ هذا ليس هو المنحى الغالب في القرآن؛ إذ الآيات التي تعود فيها الكلمة المؤنّثة الى الكلمة المؤنّثة أو الضمير المؤنّث الى الكلمة المؤنّثة كثيرة جدّاً، ولكن ذلك لا يعني أنَّ الطرف المقابل – وهو عود الضمير المذكّر الى الكلمة المؤنّثة كما مثّلنا في الآيات الكريمة- غير مشهود، ونحن كمسلمين لا يمكن أن ننسب الخطأ أو الاشتباه الى القرآن (والعياذ بالله) بل ينبغي التعبّد بصحّته مطلقاً، وعندئذٍ يمكن أن نوجّه هذا الاستعمال في نقاط:
النقطة الأُولى: أن لا نقول: إنَّه استعمال خاطئ، بل هو تعبير خاصّ لا نتعدّاه إلى غيره، ولا يُقاس عليه، وكأنَّ الله تعالى استعمله لحكمة ومصلحة لا نعلمها، ولكن نتعبّد على أن تكون اللغة العامّة مثلاً التي نتكلّم بها خالية عن هذه الاستعمالات.
ــــــ[424]ــــــ
(1) سورة القصص، الآية: 81.
(2) سورة الممتحنة، الآية: 6.
(3) سورة لقمان، الآية: 34.
(4) سورة غافر، الآية: 81.
(5) تكرّرت الآية الكريمة في سورة الرحمن 31 مرّةً.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ويُلاحظ عليه: أنَّ هذا الأمر على خلاف القاعدة الاجتماعيّة التي تفيد أنَّ القرآن الكريم حجّة على أهل اللغة جميعاً، وأنَّ الاستشهاد بآية واحدة يكفي في إثبات أيّ قاعدة نحويّة أو صرفيّة أو بلاغيّة، أو نفيها بآية، فكيف صارت أمثال هذه الآيات والسياقات غير صالحة للاستشهاد، وليست بحجّة في نظر بعض اللغويّين؟
وبحقّ: أنَّها حجّة وقابلة لنفي القواعد التي يؤسّسونها ممّا هو مناف مع التعبير القرآني، فيتحصّل أنَّ كلا الوجهين جائز؛ لأنَّ القرآن استعمل كلا السنخين، فيجوز أن يقال: على أيّ حال وعلى أيّة حال، وفي أيّ صورة وأيّة صورة. قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}(1)(2).
النقطة الثانية: أن نسلّم بصحّة التعبير القرآني ونعتبره حجّة ونطبّقه على كلامنا، كما تقدّم في جواب النقطة الأُولى، مع أنَّه لا يخفى أنَّ القرآن نزل في مجتمع عربي فصيح، وسمعه العرب الفصحاء من أعداء الإسلام وفصحاء قريش وعبدة الأصنام وغيرهم، ما يدلّ على أنَّ هذا الأسلوب في التأنيث والتذكير كان ملحوظاً في ذلك المجتمع، وإلَّا فما أسهل لأعداء القرآن والإسلام أن يطعنوا فيه من هذه الناحية. فنحن كمسلمين ليس لنا أن نقول: إنَّه خطأ، ولكنهم يمكنهم أن يقولوا ذلك، ومع ذلك لم يقولوا، الأمر الذي يدلّ على أنَّ هذا الأسلوب ليس قرآنيّاً فقط، بل هو لغوي واجتماعي مشهود ومشهور بصحّته في حينه؛ فإنَّ اللغة القديمة تعبّديّة وسماعيّة وحجّة، وذلك من اللغة القديمة، أو قل: هو جائزٌ على الأقلّ.
ــــــ[325]ــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 38.
(2) إشارة إلى استعمال القرآن لكلا التركيبين اللغويّين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
النقطة الثالثة: أن نؤوّل هذه الآيات بمعنى المذكر، فنعطيها معنى مذكّراً، فيكون الأُسلوب مطابقاً مع اللغة الحديثة. ويمكن إفادته بعدّة طرق أوضحها أن نقدّر (شيء) وشيء مفرد مذكّر، فقوله: {فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}(1) تقديره: وما كان شيء هو عاقبة المكذّبين أو شيء نعبّر عنه بلفظ آخر هو عاقبة المكذبين. وقوله: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ}(2) تقديره: وما كان شيء هو صلاتهم وهكذا. وأنت خبيرٌ بما فيها من نقاط الضعف:
الأُولى: أنَّ التأويل خلاف الظاهر والأصل، ولا يُصار إليه إلّا في موارد الضرورة، ونحن نقول: لا ضرورة إلى التأويل.
الثانية: أنَّ التأويل في القرآن صحيح ووارد بعد التنزّل عن النقطة الأُولى، لكن كما هو صحيح ووارد في القرآن كذلك صحيح ووارد في غيره، فالتأويل في القرآن لا يستدعي عدم استطاعتنا أن نتكلّم مثل القرآن، فإن أوّلنا القرآن أوّلنا ما نتكلّم به أيضاً، وإن لم نؤوّل القرآن لم نؤوّل كلا الطرفين أيضاً. وكما يمكن تأويل القرآن يمكن تأويل كلامنا، وهذا لا يعني أنَّ القضية خاصّة بمورد واحد في واقعة واحدة، بل هي قاعدة وفي نفس الوقت تخضع كلّ المصاديق للتأويل؛ لأنَّ في دعوى أنَّها عبارة فصيحة.
الثالثة: أنَّ التأويل غير جائزٍ في بعض الموارد من الآيات كصورة الجمع، أي: فيما إذا كان اللفظ جمعاً من قبيل: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} لأنَّنا قلنا: إنَّ الجمع بمنزلة المؤنّث، فلابدّ أن يؤنّث، فالتأويل هنا غير جائزٍ؛ لأنَّ التأويل قائم على تقدير (شيء) أي: في المفرد المذكّر، وأمّا الجمع فلا
ــــــ[426]ــــــ
(1) سورة الزخرف، الآية: 25.
(2) سورة الأنفال، الآية: 35.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يمكن أن يقال: {فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}.
وربما يُقال: أنَّ صورة مذكّر لا مؤنّث، فأعاد المذكّر إليه، وهو (أي) على القاعدة، فيكون السؤال بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع. ونظيره ما ورد في كلام الشهيد الثاني+ في >شرح اللمعة< تعليقاً على ما أفاده الشهيد الأوّل في بيان المراد من الرهن بقوله: (وهو وثيقة للدين). قال: والوثيقة فعيلة بمعنى المفعول، أي: موثوق به لأجل الدين(1).
ثُمَّ يأتي سؤال يفترضه ويبدأ بالجواب عنه، وعادةً لا تذكر الأسئلة في الكتب، والسؤال هو أنَّ قوله: (هو وثيقة) اختلف فيه المبتدأ والخبر من حيث التذكير والتأنيث، والمفروض الاتّحاد بين المبتدأ والخبر في التذكير والتأنيث، فهو مذكّر، ووثيقة مؤنث، فكيف صحّ ذلك؟ وأجاب الشهيد الثاني+ بالطعن في الصغرى بأنَّ توهّم اختلاف المبتدأ والخبرفاسدٌ، بل هما متّفقان في التذكير. فإن قيل: ما هو تخريج وجود تاء التأنيث؟ وبعبارة أُخرى: كيف يكون مؤنّثاً وفيه تاء دالّة على التأنيث؟ ويُستفاد من عبارته وجهان في الجواب:
الوجه الأوّل: أن يُقال: إنَّ هذه التاء لنقل اللفظ من الوصفيّة الى الاسميّة أي: نقله من كونه وصفاً بمعنى المشتقّ؛ لأنَّ وثيق بمعنى فعيل، سواء أكان اسم فاعل أم اسم مفعول إلى اسم ذات، وذلك بإضافة تاء، فنقول: الوثيقة. فبدل أن يكون هذا وصفاً أصبح اسم ذات، وانتهى الحال، فهذا لا يدلّ على التأنيث، وإنَّما هو لمجرّد التبديل اللغوي.
الوجه الثاني: ولعلّه مستفاد من العبارة وحاصله كقاعدة عامّة أو
ــــــ[427]ــــــ
(1) الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة 4: 51، كتاب الرهن.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
كبرى: أنَّ تاء الحقيقة غير تاء التأنيث؛ فهي تدخل على الألفاظ ولا تجعلها مؤنّثة، مع أنَّ تاء التأنيث شيء آخر. وتاء (صورة) من تاء الحقيقة لا من تاء التأنيث(1)، وللتفريق بينهما نحتمل أن يكون الفرق بينهما في المؤنّث الحقيقي والمجازي، فإن كان المؤنث حقيقيّاً فالتاء تاء التأنيث، وإن كان مجازيّاً فهي تاء الحقيقة لا تاء التأنيث. وحسب هذا الأساس من التفريق نرجع الى نفس النتيجة، وهي أنَّ التاء في لفظ (صورة) تاء الحقيقة، وهو مذكّر.
ويُلاحظ على الوجه الأوّل أمران:
الأوّل: أنَّنا لو قصدنا نقل المعنى من الوصفيّة إلى الاسميّة فذلك لا ينافي أنَّنا بهذا النقل جعلناه مؤنّثاً، وانتهى الحال، فتأنيثه هو الذي نقله إلى الاسميّة، وهو تأنيث لفظي لا حقيقي، وهذا كافٍ، ولا معنى لأن نلتزم بكونه مذكّراً.
الثاني: أن الارتكاز العرفي واللغوي العربي يقتضي أن تكون كلّ كلمة منتهية بتاء (مدوّرة) مؤنّثة، سواء كانت للتأنيث الحقيقي أم للتأنيث المجازي، وهذا الارتكاز اطمئناني فيصعب التنازل عنه.
كما يرد على الوجه الثاني أمران:
الأوّل: أنَّ فهم معنى (تاء) الحقيقة من عبارة الشهيد الثاني غير صحيح؛ فهو لا يقصد أنَّ هناك قاعدة عامّة بثبوت تاء الحقيقة في مقابل تاء التأنيث، وإنَّما يمثّل بلفظ الحقيقة؛ لأنَّ أصله حقيق، وأدخلنا عليه التاء فصار حقيقة، والتاء تاء الحقيقة، أي: تاء هذا اللفظ، لا تاء مقابل تاء التأنيث، فهناك (وثيق)
ــــــ[428]ــــــ
(1) وإليك نصّ كلام الشهيد الثاني في المقام: والتاء فيه لنقل اللفظ من الوصفيّة إلى الاسميّة، كتاء الحقيقة، لا للتأنيث، فلا يرد عدم المطابقة بين المبتدأ والخبر. راجع الروضة البهيّة 4: 51 -52، كتاب الرهن.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
جعلناه (وثيقة) و(حقيق) جعلناه (حقيقة)، وهما من باب نقل الوصفيّة الى الاسميّة. وأمّا إذا ناقشناه ومنعناه صار وثيق مذكّراً، ووثيقة مؤنّثاً وحقيق مذكّراً وحقيقة مؤنثةً، وعليه فما يجب أن نقول إذا أردنا تأنيثه؟ لابدّ أن نقول: حقيقة.
الثانية: الطعن بإحدى مقدّمات القياس، وهي الكبرى التي أرسلها الشهيد الثاني إرسال المسلّمات، وهي ضرورة تماثل المبتدأ والخبر في التأنيث والتذكير، فنقول: لا ضرورة الى تماثل المبتدأ والخبر في التذكير والتأنيث. نعم، هذا يجري في النعت والتوكيد والبدل مثلاً، وأمّا في المبتدأ والخبر فليس كذلك، ولربما تجب المطابقة في الارتكاز العرفي واللغوي بين المذكّر والمؤنّث الحقيقيين؛ لتعذّر حمل المؤنّث الحقيقي على المذكّر الحقيقي، وبالعكس من الناحية العقليّة، فلا يصدق الحمل خلاف ذلك، أي: يصبح سمجاً. وأمّا المؤنّث المجازي فلا بأس أن تحمل فيه المذكّر على المؤنّث وتحمل المؤنّث على المذكّر. ويمكن التنظير له بقولنا: (الصوم سبيل الجنّة) فالصوم مذكّر وسبيل مؤنّث كما في قوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي}(1) أو قولنا: الفضاء سماء دانية والعرش سماء عالية، فالفضاء والعرش مذكّران والسماء مؤنّث، وكذلك يصحّ العكس، وهو أن يكون المبتدأ مؤنّثاً والخبر مذكّراً مثل قولنا: الجنّة ثواب المؤمن.
والذي ينبغي التنبيه عليه – وهو بمثابة العذر للشهيد الثاني حينما قال: الرهن وثيقة- أنَّنا إذا جعلنا ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر عاد الضمير إلى المبتدأ، وفي قولنا: الصوم سبيل الجنّة لا نقول: هي سبيل الجنّة، بعنوان أنَّ
ــــــ[429]ــــــ
(1) سورة يوسف، الآية: 108.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
سبيل مؤنّث، وكذلك الجنّة هي ثواب المؤمن، فالضمير تابع للمبتدأ وليس تابعاً للخبر، لأنَّه هو المقصود به، وهو ضمير يعود إلى المبتدأ لا إلى الخبر، فيُذكّر بتذكير المقصود منه والعائد إليه. والمهمّ أنَّ الطعن في الكبرى تامّ، فإذا تمّ انتفى هذا الكلام، ومعه يندفع الإشكال القائل بأنَّ الصورة في الآية مؤنّثة لا مذكّرة.
الأمر الثاني: في (ما) في قوله: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}
الأمر الثاني: في (ما) في قوله: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} – كما أفاده ابن الانباري – وجهان:
الأوّل: أن تكون زائدة و(في) تتعلّق بـ (ركّبك) أي: إنَّ الجارّ والمجرور {فِي أَيِّ صُورَةٍ} تقديره: في أيّ صورة شاء بحذف ما؛ لأنَّها زائدة(1).
أقول: يعني ركّبك في أيّ صورة شاء، وشاء جملة في محلّ جرّ صفة؛ إذ إنَّ شاء فعل ماض وله فاعل، وشاء في محلّ جرّ صفة لصورة. وينبغي أن نلتفت إلى أنَّ الزيادة بهذا المعنى غير موجودة في القرآن الكريم، كما قد يقوله المشهور من أنَّ القرآن يجلّ عن الزيادة بحيث يصبح وجودها كعدمها، بل لعلّ حذفها أفضل. نعم، هذا غير صحيح، إلّا أن نقول: إنَّ هناك قراءة بحذف (ما) وهو أمر قد يكون مستساغاً، أو نقول بأنَّها وجدت للعنوان الثانوي، وهو الأُسلوب البلاغي والأدبي، ومعه يصحّ ذلك، ولكنها بحسب المعنى لا مفاد لها إطلاقاً.
الثاني: أن تكون ما شرطيّة، وشاء في محلّ جزم بـ (ما) وركّبك جواب الشرط، فيصير المعنى: إذا شاء تركيبك ركّبك، و(في) في هذا الوجه -أي الجارّ والمجرور- متعلّق بعامل مقدّر؛ لأنَّ ما بعد حرف الشرط لا يعمل فيما
ــــــ[430]ــــــ
(1) أُنظر: البيان في غريب إعراب القرآن 2: 498، غريب إعراب سورة انفطرت.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قبله، فلا يتعلّق (في أيّ) بركّبك؛ لأنَّ ما شرطيّة، فركّبك متأخّرة عن فعل الشرط والجارّ والمجرور متقدّم على فعل الشرط، فلا يتعلّق ما قبل أداة الشرط بما بعدها، فلابدّ أن نقدّر للجارّ والمجرور فعلاً آخر على كلّ حالٍ(1).
أقول: وهذا خلاف السياق قطعاً؛ لأنَّ الإعراب يُعرف من المعنى، والمعنى يتعيّن في أنَّه ركّبك في أيّ صورة، وأمّا تقدير عامل آخر فهو يفسد المعنى كما لو قدّرنا كائن في أيّ صورة ركّبك.
وأمّا قوله: (إنَّ ما بعد حرف الشرط لا يعمل فيما قبله) فيمكن الجواب عنه بأنَّه وإن تقدّم لفظاً إلّا أنَّه متأخّر رتبةً أو محلاً، وهذا يكفي في صحّة التعلّق. نعم، لو كان متقدّماً لفظاً ورتبةً لأمكن القول بأنَّ ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، لكنّه متقدّم لفظاً ومتأخّر رتبةً، وهذا معنى تعلّقه بالفعل، أي: إنَّه متأخّر عنه رتبةً، كما لا يخفى.
ثُمَّ قال: ولا يكون -أي: الجارّ والمجرور- متعلّقاً بعدّلك؛ لأنَّ الاستفهام لا يتعلّق بما قبله(2).
أقول: يُلاحظ عليه أمران:
الأوّل: أنَّ ما أفاده في نفسه غير محتمل، وهو تعلّق الجارّ والمجرور بـ(عدلك)؛ لأنَّ الإعراب أيضاً يعرف من المعنى وليس المعنى (عدلك في أيّ صورة)، بل (ركبّك في أي صورة)، وهو واضحٌ جدّاً من السياق.
الثاني: أنَّه اعتبر أيّ استفهاميّة، وهي أُطروحة على أيّ حال محتملة، ومعناها السؤال عن الصورة في أيّ صورة ركّبك؟ لكنّه بعيد عن سياق الآية
ــــــ[431]ــــــ
(1) أُنظر: البيان في غريب إعراب القرآن 2: 498، غريب إعراب سورة انفطرت.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فليس هو المقصود، بل المقصود من الآية أنَّ (أي) قد تأتي للتنكير نحو: أعطني كتاباً أيّ كتاب أو أيّاً كان، وهي ليست موصولة ولا شرطيّة ولا استفهاميّة، كما هو الحال في الآية. ويمكن التمييز بينها وبين الاستفهاميّة التي يدّعيها ابن الانباري أنَّنا قد نقول: أيّ طريق أسلك؟ بنحو الاستفهام ثُمَّ نحوّله الى إخبار فنقول: أُنظر في أيّ طريق أسلك، مع أنَّنا لم نفعل شيئاً سوى إضافة (أُنظر) فتحوّل المعنى من الاستفهام والإنشاء إلى الإثبات، أي: إنَّ (أي) كانت استفهاميّة فأصبحت للتنكير، فتكون مفعولاً به، ويراد بها التنكير، مع أنَّ العبارة لم تختلف. فبحسب هذه الأطروحة يكون المراد من (أي) التنكير أو التخيير، أي: التنكير الذي يفيد التخيير؛ لأنَّ النكرة عبارة عن اسم جنس له مصاديق كثيرة، ولله تعالى أن يختار أيّ مصداق من مصاديق الصورة، فيصبح بحسب النتيجة العقليّة أنَّ (أي) تفيد التخيير يعني: ركّبك في أيّ صورة يختارها لك.
الّلهمّ إلّا أن يُقال كدفاع عن ابن الأنباري: إنَّ (أي) استفهاميّة، ومع ذلك لا تفسد المعنى، فيقال: إنَّ الجملة الاستفهاميّة إذا وقعت في مثل هذا السياق أفادت التنكير، فهي جملة استفهاميّة في جوهرها كما نستشعر السؤال في مثل هذا التركيب في أيّ صورة، لكن إذا وقعت في مثل ذلك تفيد التنكير، غير أنَّ هذا معناه خروج الاستفهام عن كونه استفهاماً، فإذا لم نفهم منها الاستفهام فهو ليس باستفهام؛ لتمحضّه في التنكير.
ويُلاحظ في الآية أنَّ (شاء) و(ركّبك) أفعال ماضية، مع أنَّه قد يخطر في الذهن أنَّ المراد ضرب القاعدة العامّة للخلق وترتيب صورها، أي: إنَّ الله تعالى يختار أيّ صورة، فيكون الأنسب أن تكون الأفعال مضارعة بأن يقول:
ــــــ[432]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
[لماذا جاء (شاء) و(ركّبك) بصيغة الماضي]
في أي صورة يشاء يركّبك أو فإنَّه يركّبك، فلماذا جاء بصيغة الماضي؟
وجوابه: أنَّ الآية فيها إشارة الى الصغرى والتطبيق بالدلالة المطابقية أوّلاً، وإلى الكبرى والقاعدة العامّة بالدلالة الالتزاميّة ثانياً، فالقاعدة العامّة هي أنَّ الله تعالى يختار، لكن خلق صورته التي يريدها، والتطبيق أنَّه اختار لي كفرد صورتي التي أنعمها عليّ، فالآية على أي المضمونين تدلّ؟ أقول: إنَّها تدلّ على الصغرى بالدلالة المطابقيّة وتدلّ على الكبرى بالدلالة الالتزاميّة؛ لأنَّها خطاب للفرد {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، أي: أعطاك الصورة التي أنت عليها تطبيقاً كفرد، ثُمَّ وجدت للدلالة على الكبرى، أي: كان يحتمل أن يبدّل صورتك، فبدل أن تكون قصيراً تكون طويلاً، وبدل أن تكون أسمر تكون أبيض، فهي إشارةٌ إلى الكبرى، فدمجت الآية ما بين الصغرى والكبرى. ولعلّ ذلكً متعذّر في الكلام، لكن الآية ضمّنت ذلك المعنى عن طريق البلاغة. ومن الناحية الأُصوليّة أو المنطقيّة نقول: إنَّ الآية أشارت الى الصغرى بالدلالة المطابقيّة؛ لأنَّها بالدلالة المطابقيّة خطاب لفرد، فهي تريد صورة فرد معيّن بهذا المعنى، وصورة أيّ فرد مخاطب، ولكنها تفيد في نفس الوقت معنى آخر بحسب القاعدة العامّة أنَّه في أيّ صورة ما شاء ركّبك. ولا يُقال بأنَّ (أي) لا تتناسب مع الصغرى التي تعني: أنت ركّبك في هذه الصورة، فلا حاجة الى (أي)؛ لأن نقول: إنَّما جاءت (أيّ) للإشارة الى الكبرى.
ويجدر في المقام الإشارة إلى ما يمكن أن نطلق عليه بالتخيير الابتدائي والتخيير المستمرّ، فأيّهما مناسب للصورة التي يشاءها الله تعالى؟ ومفاد التخيير الابتدائي أنَّ شيئاً ما قد يمكن أن أصنعه أو لا أصنعه، ولكن إذا
ــــــ[433]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
صنعته، فليس لي أن أُغيّره بل يستمرّ على الصورة التي هو عليها، وهذا هو التخيير أو التغيير الابتدائي، وتارةً يمكن لي أن أُغيّره كيفما أشاء وهذا هو التخيير أو التغيير المستمر، ويمكن تسميته التخيير في التغيير. فلنا هنا أن نسأل: هل عمل الله عزّ وجلّ تخييري ابتدائي بالنسبة إلى الصورة أم تخييري مستمرّ؟ ولو سألنا المتشرّع العامّي فقد يختار ارتكازاً الأوّل، وهو أنَّ التخيير ابتدائي، فإذا جعلني طويلاً مثلاً لا يمكنه أن يجعلني قصيراً. إلّا أنَّ الظاهر أنَّ الصحيح هو القول بالتخيير المستمرّ، وإن كان بحسب ظاهر الشريعة وظاهر الحياة الدنيا أنَّه بالتخيير الابتدائي. إلّا أنَّه أجلّ من ذلك، ولذلك تطبيقات ومصاديق، فالإنسان يمرض ويتعافى، وكذلك الأبيض يقف في الشمس فيصير أسمر، أو السمين يضعف وبالعكس، فكلّ هذا من التخيير المستمرّ. لكن جملة من الأشياء تكفّل الله جلّ جلاله بعدم تغييرها، واعتدنا عليها، كالطويل مثلاً لا يقصر، وبإرادته لا يقصر لا بالرغم عنه؛ بدليل أنَّ القصير يطول. نعم، هاهنا موارد التزمها الله تعالى لقانون يريد تطبيقه في الدنيا، وإلَّا فبيده التغيير المستمرّ لا التغيير الابتدائي.
ومثال آخر: إنَّ الإنسان يولد صغيراً، ثُمَّ يكبر، ثُمَّ يشبّ ثُمَّ يهرم، ونحوه الكلام في التغيير في العوالم الأُخرى. ولذا يُقال: إنَّ العقل يتغيّر والنفس تتغيّر، فالعقل يتغيّر كثيراً، فشخص يكون في مرتبة ملحداً (والعياذ بالله) أو كافراً أو مسيحيّاً، ثُمَّ يؤمن أو بالعكس فيكون مرتدّاً؛ إذ القناعة قد تتغيّر، أي: عقله يتغيّر، وليس العقل كملكة، وإنَّما العقل كظرف لقناعة ما، ثُمَّ يكون ظرفاً لقناعة أُخرى. كما أنَّ عقلك قد يتّسع وثقافتك أو كمالك قد يزيد، وهكذا. وهذا نحو من التغيّر والحركة كما توجد حركة في المادّيّات بهذا
ــــــ[434]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
المعنى، فهناك حركة في المعنويّات أيضاً.
وليعلم: أنَّ (ربّك) خطابٌ للإنسان كما في قوله: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ} والمشهور أنَّ المراد مطلق الإنسان، غير أنَّنا ذكرنا بعض الأُطروحات الدالّة على كون المقصود الإنسان المطلق لا مطلق الإنسان، فالتقدير (يا أيّها الإنسان المطلق … في أيّ صورة شاء ركّبك). وهو أيضاً صحيح؛ لأنَّ الإنسان المطلق له صورة كما له مادّة، فله صورة بالشكل المناسب مع عالمه. ولكن يبقى سؤال هو: أنَّ الإنسان المطلق واحد لا يتعدّد، مع أنَّ مفاد الآية أنَّ هناك تعدّداً وليس صورة واحدةً، فالله عزّ وجلّ يمكن له أن يختار سبع صور أو مائة صورة لزيد كإنسان مطلق أو لا؟
ويمكن التأمّل فيما ذكر؛ لأنَّ الإنسان إذا بلغ درجات عالية في الكمال قد يصدق التعدّد عليه. ولعلّه إلى هذا أشارت الرواية الواردة عن مولانا أمير المؤمنين× الدالّة على أنَّ المؤمنين على سبعة أقسام، وأفاد أنَّه لا يُدخل قسمٌ في قسم وصنفٌ في صنف، فكلّ واحد له حالاته الخاصّة ولا يتداخلون(1). وعلى كلّ حال ليس ذلك على الله بعزيز، فالتكثّر موجود. ولكن أقول بأنَّ هذا أيضاً ذو مراتب؛ إذ الكمال المطلق الحقيقي واحد، ولذا فإنَّ الحقيقة المحمّديّة التي هي خير الخلق على الإطلاق واحدة لا يمكن أن تتعدّد، كما أنَّ الله فوقها واحد لا يمكن أن يتعدّد؛ لأنَّ المطلق لا يمكن أن يكون اثنين بطبيعة الحال، والفارق أنَّ الحقيقة المحمّديّة إنَّما هي في عالم الاستقلال، أي: في عالم الخلق،
ــــــ[435]ــــــ
(1) راجع الأحاديث الواردة في بحار الأنور 66: 154- 175، كتاب الإيمان والكفر، أبواب الإيمان والإسلام والتشيّع ومعانيها وفضلها وصفاتها، الباب 32: درجات الإيمان وحقائقه، واقرأ وارق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أي: إنَّنا نتصوّر هذه الأشياء على كثرتها موجودة، فالحقيقة المحمّديّة موجودة من هذه الناحية. وأمّا في عالم الغناء فكلّ الخلق يزول حتّى الكمال المطلق -أي: كمال الخلق المطلق- إلّا الله تعالى؛ لأنَّه باقٍ وما عداه فانٍ.
****
قوله تعالى: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ}:
كلاّ للنفي، والمراد نفي المضمون السابق في السورة أعني: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} وهو الغرور في الربّ الكريم، فكأنَّ شخصاً يسأل: هل يجوز أن أغتّر بالربّ الكريم؟ فيجيب: كلاّ، فكلاّ إنَّما هي للنفي بدلالةٍ مطابقيّة. وفي >الميزان< أفاد: أنَّ (كلا) ردع عن المضمون السابق(1). ويمكن أن نقول: إنَّها ردع بالدلالة الالتزاميّة؛ فإنَّه نفي للسابق، فالمنفي لا ينبغي التورّط فيه، ويجب أن نبعده عن حياتنا، ولذا صارت بمنزلة الردع، وإلَّا فكلمة (كلا) غير موضوعة للردع، ولا تدلّ عليه بالمطابقة، واستعمالها هنا بنحو المجاز.
فإن قيل: إنَّه لا بأس في استعمالها مجازاً للردع بدل النفي.
قلنا: إنَّ المشهور لا يرى جواز استعمال الحروف مجازاً بعضها محلّ بعض.
ومن جانب آخر يُلاحظ التصاعد والترقّي في البيان في الآية أعني: قوله تعالى: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ}. والغرض: وهو أنَّ الإنسان لا يغتّر بالربّ الكريم فحسب، بل يكذّب بيوم الدين، فلو كان يغتّر ولا يكذّب لكان أهون، ولكن يقترف الذنوب لا لمجرّد الاغترار -مع أنَّه سبب للذنوب- بل لما هو
ــــــ[436]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 225، تفسير سورة الانفطار.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أسوأ من الاغترار، وهو التكذيب بيوم الدين، ذلك يعني الترقّي في البيان.
ونحاول هنا أن نفهم المراد من التكذيب بالدين، كما يُستفاد من (تكذّبون).
[مراتب التكذيب]
أقول: التكذيب له مراتب، ظاهره اليقين بالعدم، أي: دعوى نفي يوم القيامة {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ}، كما فهم المشهور(1).
بل هناك مراتب أُخرى، منها التشكيك بيوم القيامة؛ فهو أيضاً تكذيب؛ لأنَّ المترقّب من الإنسان أن يكون على يقين من ربّه ومن إخبارات ربّه بما فيها يوم القيامة، فإذا كان مشكّكاً فكأنَّما كان مكذّباً، كما قد يُقال: إنَّ مَن لم يكن معنا فهو ضدّنا.
ومن تلك المراتب التي فرضناها للتكذيب بالدين هو الإهمال في الانقياد للأوامر الإلهيّة، فكثير من الناس (والحمد لله) يؤمنون بالدين ويشهدون أن لا إله إلّا الله وأنَّ محمّداً رسول الله وأنَّ المعاد من أُصول الدين، لكن يهملوه وينسوه ويسقطوه عن نظر الاعتبار في تصرّفاتهم، فهذا وإن كان تصديقاً بالدين باطناً، إلّا أنَّه تكذيب بالدين ظاهراً؛ إذ لو كان مصدّقاً لفعلٍ، أي: لمشى على تصديقه، وبما أنَّه لم يمشِ على تصديقه فهو والكافر على حدٍّ سواء. فهذا تكذيب بالمعنى اللغوي المجازي، لكنّه حقيقي بالمعنى الأخلاقي، ومن هنا يكون المدلول الالتزامي هو أنَّكم تكذّبون وأنَّ ديدنكم إهمال طاعة الله تعالى. نعم، ما يدلّ بالدلالة المطابقيّة هو {بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} ولكن المراد الدلالة الالتزاميّة، أي: إنَّكم تذنبون وتهملون طاعة الله، فالمتكلّم أحياناً يريد
ــــــ[437]ــــــ
(1) راجع جامع البيان في تفسير القرآن 30: 56، تفسير سورة الانفطار، والميزان في تفسير القرآن 20: 255، تفسير سورة الانفطار، ونحوهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الدلالة الالتزاميّة أكثر ممّا يريد الدلالة المطابقيّة. ونظير ذلك قولهم: زيد كثير الرماد أي: كريم، فالمراد هنا ليس التأكيد على كثرة الرماد التي هي الدلالة المطابقيّة، بل المراد لازمه، وهو الكرم الذي هو مدلول التزامي للكلام.
[مناقشة فهم المشهور من الإنسان]
ثُمَّ إنَّ فهم المشهور من الإنسان في قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} مطلق الإنسان، ينسجم واختيارهم مع الآية السابقة: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ}. إلّا أنَّ التحقيق – كما ظهر من بعض الأُطروحات -: أنَّ المقصود هو الإنسان المطلق، ولعلّ هذا الفهم يتعارض مع مضمون الآية {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ}؛ لتغيّر الأمر حينئذٍ، فيلحق بالإنسان المطلق كلّ ما تتحدّث عنه الآية من الذنوب وعدم الإيمان بالدين، فكانّما الآية تقول: أيّها الإنسان المطلق، لا تؤمن بالدين، وإنَّ كذا سبب للذنوب والعيوب والعاهات والبليّات.
ويمكن أن يُقال: هناك مستويان للجواب أحدهما مرتبط بالآخر.
المستوى الأوّل: أن تكون (ما) استفهاميّة، يعني: يا أيّها الإنسان، ما الذي غرّك بربّك الكريم؟ ويكون جواب الاستفهام (كلا) أي: لم يغرّك بربّك الكريم شيء.
المستوى الثاني: أنَّه بعد هذا الجواب -أي: بعد ثبوت عدم اغتراره بشيء- يتغيّر السياق؛ لأنَّه لم يقل: بل أنت تكذّب بيوم الدين، بل قال: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} أي: إنَّ المعنى هنا غير المعنى هناك، فالمعنى هناك خاصّ بالإنسان المطلق، وهنا عامّ لكلّ البشر.
مع أنَّ سياق الآية {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} يُفيد أنَّ الخطاب للناس، مع أنَّ لفظ الناس غير موجود. وبتعبيرٍ آخر: إنَّ مرجع واو الجماعة وإن لم يكن في البين أصلاً، إلّا أنَّ الناس هم المخاطبون خاصّة حسبما يُستفاد من
ــــــ[438]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ}(1) وبقرينة الآيات الأُخرى نحو قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ}(2). ويمكن الإشارة إلى قرينة أُخرى هي ما تقدّم من أنَّ غالب استعمالات الناس في القرآن الكريم إنَّما هي للناس السافلين أخلاقيّاً وعقليّاً وثقافيّاً وطبقيّاً، وهي تسمية تطلق على الأراذل من الناس على وجه الإجمال. قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ}(3) فكلا النوعين من الناس سيء: فالنوع الأوّل من الناس قد كذّبوا بقولهم: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} والنوع الثاني منهم أيضاً تآمروا ومكروا ضدّ النبي’ والإسلام. وتقدير الكلام: أيّها الناس المتدنّون المنحطّون بل تكذّبون بالدين بقرينة (تكذبون بالدين)، وحيث إنَّ المخاطب هم الناس، فينتج أنَّ الناس هم الذين عليهم حافظون، ما يعني أنَّ جملة من درجات التكامل المتدنّي تحتاج الى شيء من هذا القبيل، وهو حفظ الأعمال على ما سوف يأتي من شرح لهذه الآيات. ومعنى ذلك أنَّ الإنسان المطلق المتمثّل بالمعصوم× ربما لا يكون عليه حافظ، فلا دليل على أنَّ المعصومين سلام الله عليهم تضبط أعمالهم كما تضبط أعمالنا نحن، فالإنسان المطلق ليس عليه حافظ، وإنَّما حافظه الله لا الملك. والقرينة على ذلك أنَّه فوق مستوى الملائكة، فالملائكة لا تفهمه ولا تفهم أعماله حتّى تسجّلها، وإنَّما الله تعالى هو الحافظ لهم وإن كان يوجد ذنوب بينه وبين ربّه، إلّا أنَّ تلك الذنوب دقّيّة بالمستوى المناسب له.
ــــــ[439]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 158.
(2) سورة، سبأ، الآية: 28.
(3) سورة آل عمران، الآية: 173.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وإنَّما عبّر القرآن الكريم {بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} ولم يقل: (تكذّبون بيوم الدين) لكي يُفسّر بالدلالة المطابقيّة بـ(يوم القيامة) كما هو المشهور(1). نعم، ورد في آيات أُخرى التعبير (بالدين) إلّا أنَّ الغرض يختلف عمّا نحن فيه، ولا ملازمة بين معنى تلك الآيات ومفاد هذه الآية كما هو واضحٌ، وليس لهما سياق واحدٌ؛ لأنَّها بعيدة. فالدين هو الإدانة على المسؤوليّة وترتيب حكم الجزاء بالعدل، ومن المسلّم أنَّ يوم القيامة من أوضح مصاديقه، إلّا أنَّ الذي يتّفق في الدنيا من معنى الدين أمران على الأقلّ أحدهما العلّة والآخر بمنزلة المعلول، أو قل: إنَّ الأوّل متقدّم على الثاني رتبةً، وهما:
الأوّل: هو الإدانة بالنسبة الى الله تعالى، أي: إدانة البشر والناس، فالإدانة بمعنى السيطرة والقهر والإذلال للناس بإرسال الدين والتشريعات، ولا يوجد نحو قهر في تلك الإدانة، بل هي بمعنى أنَّه تعالى لم يجعل الناس على حرّيّتهم يتصرّفون ولا على إدراكهم يعملون. وبهذا المعنى يكون الدين بمعنى الشريعة كالدين الإسلامي، فيكون المعنى بل تكذّبون بالدين الإسلامي.
الثاني: الإدانة والمسؤوليّة واشتغال الذمّة بتلك التعاليم الدينيّة، أي: اشتغال ذمّة الناس بوجوب طاعة تلك التعاليم، فيكون المراد: أنَّكم مهملون من هذه الناحية، فلا تشعرون أنَّ ذممكم مشغولة بوجوب إطاعة تلك التعاليم -على مستوى الدنيا لا الآخرة- وقد أخذتم حرّيّتكم التي سلبها منكم الله حسب حكمته وعدله ورجعتم إلى الحرّيّة المناسبة مع الشهوات والنفس الأمّارة بالسوء، فبدل أن يكون الإنسان عبداً لله صار عبداً لشهواته: {أَرَأَيْتَ
ــــــ[440]ــــــ
(1) أُنظر: لباب التأويل في معاني التنزيل 4: 402، لطائف الإشارات 3: 697، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}(1).
وقد يرد إشكال على الفهم المشهور للسياق، أعني: ما إذا فهمنا من الإنسان مطلق الإنسان، فيكون المراد: أنَّ سلوكك وتصرّفك يا مطلق الإنسان باطلٌ بالغرور، ما يُغني عن قوله تعالى: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} فيكون أقرب إلى تكرار المعنى بعده مباشرة بقوله: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ}. وكأنَّما يُصبح هذا التكرار سمجاً على الفهم المشهور القائل بأنَّ المقصود مطلق الإنسان.
ويمكن الجواب عن الإشكال -حتّى لو فهمنا من الإنسان مطلق الإنسان- من وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ المتكلّم في القرآن -أي: الله تعالى- قد بيّن المعلول وهو الغرور، ثُمَّ بيّن العلّة وهو التكذيب، فالتكذيب بالدين يكون سبباً للغرور، والغرور سبباً للذنوب، وبيان العلّة مع بيان المعلول لا محذور فيه ولا شائبة.
الوجه الثاني: ما يظهر من >الميزان<(2) من أنَّ الأوّل توبيخ والثاني إخبار، فالآية {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} إخبارٌ في مقام وصف حالنا، وهو التكذيب بالدين. وأمّا الأوّل وهو قوله: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} فهو توبيخ في أُسلوب الاستفهام الاستنكاري، فكلّ واحد من التعبيرين يشكّل أسلوباً، ومع اختلاف الأسلوب ترتفع السماجة.
[إشكال على الفهم المشهور للسياق]
وقد يُلاحظ عليه أنَّ هذا وجيه لو كان هناك فرق بين الآيتين، فلو كان السؤال: ما الفرق بين آية الغرور وهذه الآية (التكذيب)، فحينئذٍ نقول: إنَّ
ــــــ[441]ــــــ
(1) سورة الفرقان، الآية: 43.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 224، تفسير سورة الانفطار.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
آية الغرور تدلّ على التوبيخ وآية التكذيب إخبار، لكن السؤال مختلفٌ؛ إذ الإشكال في المقام عن الفرق بين (كلا) و(بل) مع مدخولها {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} في آية واحدة لا في آيتين، وبذلك يكون قد سقط الجواب؛ لأنَّ (كلا) وحدها ليست توبيخاً، وإنما إخبار، فيتعيّن الوجه الأوّل من الجواب، وهو أنَّه ذكر العلة أوّلاً ثُمَّ ذكر المعلول.
ثُمَّ إنَّ المشهور فهم مطلق الإنسان من قوله: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} وهو كلّي قابل للصدق على كثيرين، فلماذا غيّر الضمير من المفرد الى الجمع في قوله تعالى: {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} وكان الأنسب أن يقول: (بل تكذّب بيوم الدين) ويكون المحصّل واحداً؛ لأنَّ الإنسان أيضاً ينطبق على كثيرين حسب الفهم المشهور. ويمكن الجواب عنه من وجهة نظر المشهور أيضاً مع الغضّ عن وجهات النظر المتقدّمة في نقاط:
الأُولى: أن يُقال: إنَّ الإضراب نحو من الأدب واللطف في البيان، فيكون موافقاً للذوق البلاغي، وهذا يكفي وإن كان المقصود واحداً.
الثانية: أنَّ المراد في الآية السابقة {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} الإنسان جملةً ومجموعاً، أي: كلّ البشر جملة، وفي الآية الثانية المراد به متفرّقاً فرداً فرداً، وخاطبهم بالجمع (تكذّبون) يعني: أنت تكذّب وأنت تكذّب وأنت تكذّب وهكذا، وهذا غير الإنسان مجموعاً، فاختلف اللحاظ، فارتفع الإشكال.
الثالثة: ما ذكره السيّد الطباطبائي من: أنَّ المقصود بالإنسان في الآية السابقة هو البشر(1)، والمقصود بالجمع في هذه الآية {بَلْ تُكَذِّبُونَ} هو
ــــــ[442]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 223-224، تفسير سورة الانفطار.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الإنسان وكلّ من يشاركه في كفره ومعصيته. ولم يصرّح السيّد الطباطبائي بمَن هو المقصود، فهناك خاصّ بالبشريّة، وهنا أعمّ من البشريّة وغيرها.
وينبغي التنبيه على أمرين ممّا يرتبط بكلمات السيّد الطباطبائي في المقام:
الأوّل: أنَّ ما أفاده خلاف المشهور؛ لأنَّ المشهور يذهب الى عدم وجود مكلّفين غير بني آدم وأنَّ يوم القيامة خاصّ ببني آدم، فمن ناحية المشهور يعود جواب السيّد الطباطبائي بلا وجه؛ لأنَّه لا يوجد هناك شيء معه في كفره وعصيانه حتّى يخاطبوا بالجمع (بل تكذّبون)، بل يختصّ الجمع أيضاً بالبشريّة، فيكون هو نفسه الإنسان، فيسقط الجواب عن النظر.
الثاني: أن يُقال: إنَّ هناك مكلّفين آخرين غير أولاد آدم، ويكفي في ذلك الرواية التي نقلها الصدوق في >الخصال<(1) الدالّة على أنَّ الله خلق ألف آدم غير آدمكم وألف عالم غير عالمكم، وربما يوجد إشعار في هذه الرواية إلى أنَّ هذا ليس هو آدم الأخير، بل يستمرّ الخلق إلى ما شاء الله. وأيّ ضير في ذلك؛ فإنَّ قدرة الله تتعلّق بكلّ شيء، فتتكون نتيجة ذلك ملايين ملايين الأجيال، وهذه النماذج السيّئة من كلّ هذه المليارات هم المخاطبون {كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ}. وإذا أردنا أن نتوسّع فيمكن إدخال حصّة أُخرى، وهم الملائكة، فهم أيضاً ذوات عاقلة ومدركة، ولها بمعنى من المعاني تكاليف خاصّة، فلذا يسبّحون دائماً ويقدّسون، ولهم أيضاً تقصيراتهم الخاصّة بهم، وذنوبهم التي لا نعلمها. ومعنى ذلك أنَّه في حدود تلك التقصيرات يمكن أن يُقال عنهم
ــــــ[443]ــــــ
(1) أُنظر: الخصال 2: 652، باب الواحد إلى المائة، الحديث 54، وفيه عن مولانا أبي جعفر الباقر× قال: >والله، لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم وألف ألف آدم، أنت في آخر تلك العوالم وأُولئك الآدميّين<.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
مجازاً: إنَّكم لو كنتم ملتفتين تمام الالتفات ومستغرقين في طاعة الله تمام الإطاعة لكنتم على حالٍ آخر غير هذا، فهذا الضعف ولو مجازاً نحو من التكذيب بالدين.
والحصّة الأُخرى التي يمكن عرضها هو الحيوان، فالحيوان ليس له عقلٌ، ولكن من ادّعى أنَّه غير مكلّف بالمرّة؟ وإلَّا لماذا تُحشر الوحوش في يوم القيامة؟
بل لا تُحشر عن عبث، وإنَّما لحكمة في أخذ القصاص لها ومنها، فلو قتل شخص وحشاً من دون أن يعتدي عليه فلابدّ أن يأخذ الوحش حقّه من ذلك الشخص، وكذا لو أنَّ وحشاً قتل إنساناً مؤمناً فلابدّ من أخذ القصاص من الوحش. وقد يُثاب الوحش لو قتل شخصاً كافراً ملحداً، ولعلّ ذلك غير بعيد بمقدار ما يفهمه الحيوان. نعم، الحيوان لا يفهم الفهم البشري، وليس لهم لغة البشر ولا إدراك الكلّيّات، ولكن مع ذلك يحاسبهم الله بمقدار ما عندهم من الإدراك، ومعه يمكن توجيه عبارة السيّد الطباطبائي القائل: وكلّ من يشاركه في كفره ومعصيته. فإن لم يكن من يشاركه في كفره ومعصيته من الملائكة والحيوانات، فلا أقلّ من الجنّ أو من الأجيال الأُخرى من آدم آخر.
****
قوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}:
يصف القرآن الكريم في هذه الآية جماعة من المخلوقين في سياقٍ واحد بثلاث صفات: (حافظين)، و(كراماً كاتبين)، و(يعلمون ما تفعلون). ولنتكلّم أوّلاً عن معاني المفردات المذكورة في الآيات.
أفاد الراغب: أنَّ الحفظ تارةً يًقال لهيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدّي
ــــــ[444]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
إليه الفهم، فهي هيئةٌ في النفس يثبت ويتعلّق ويلتصق ما يؤدّي إليه الفهم، وبعبارةٍ أُخرى: ما تفهمه يتعلّق ويلتصق بتلك الملكة والهيئة النفسيّة؛ وتارةً لضبط الشيء في النفس، ويضادّه النسيان، والضبط أيضاً الحفظ، ويقابله النسيان، وتارةً لاستعمال تلك القوة، فيقال: حفظت كذا حفظاً. ثُمَّ المعنى الأخير يستعمل في كلّ تفقّد وتعهّد ورعاية(1).
[معاني الحفظ]
ومعه يكون لدينا أربعة معانٍ للحفظ:
الأوّل: هيئة النفس التي بها تثبت ما يؤدّي إليه الفهم، وهي الذاكرة التي تثبت الصور الغائبة والحاضرة، وعبّر عن الذاكرة بالهيئة، وقد نعبّر عنها بالملكة، وهذا يعني أنَّ الحفظ عبارة عن قابليّة التذكّر، والحفظ عبارة عن نفس الذاكرة، والملكة الحافظة يمكن أن تطلق عليها (حفظ)، وتسمّى قابليّة الحفظ قابليّة التذكّر. فالحفظ هنا ملحوظ بنحو القابليّة، لا بنحو الفعليّة، فلعلّ زيداً لا يتذكّر المعلومة وإن كانت مخزونة عنده.
الثاني: ضبط النفس، ويضادّه النسيان، وهي فعليّة الذاكرة، فالحافظ بهذا المعنى هو الذكور، أي: يتذكّر، فيُقال: الفرد حافظ لما يتذكّره، والناسي لا يتذكّر، وهذا ليس من الأوّل بقرينة قوله: (ويضادّه النسيان) لأنَّ النسيان لا يذهب بقابليّة التذكّر بل بفعليّته.
الثالث: استعمال تلك القوّة، أي: محاولة التكرار لكي يرسخ النصّ في الذاكرة.
الرابع: استعمال الحفظ لكلّ رعاية وتعهّد وتفقّد، وهو بهذا المعنى معروف يشمل الأعيان والأشخاص، ولا ربط له بالحفظ مقابل النسيان، كما
ــــــ[445]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 123- 124، مادّة (حفظ).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
تقول: أُحافظ على أخي أو على صديقي، وقد يسند الى الله تعالى فنقول: الحافظ الله وحفظه الله أو الله يحفظه(1).
وقد يُسند الى غيره فنقول: الكتاب محفوظ عندي، يعني: مادّة الكتاب محفوظة عندي. وبعبارةٍ أُخرى: هو مخزونٌ عندي وتحت عنايتي ورعايتي. وكذا الكلام فيما لو بذلت عناية في ذلك كالحراسة ونحوها، وفي مقابله التفريط والإهمال، مع أنَّ النسيان يقابل المعاني السابقة لا الإهمال. وقد يُقال: إنَّ هذا معنىً آخر موضوع في اللغة بوضع ثانٍ من باب الاشتراك اللفظي، فيوجد معنيان للحفظ: حفظ يرتبط بالذاكرة، وحفظ يرتبط بالخارج، وهو أن تضع الشيء في مخزن وتغلق عليه الباب. ومعه قد يُتصوّر أنَّ هذين المعنيين من باب المشترك اللفظي، ولهما وضعان مستقلّان لا وضع واحد، وهذا غير صحيح، بل هما موضوعان بوضع واحد وإن اختلف المؤدّى، وافترق الانطباع النفسي والاجتماعي، إلّا أنَّ أصلهما واحد. والراغب ارتكب خطأً حين قدّم الذاكرة وأخّر الحفظ الذي هو بمعنى الخزن. والظاهر: أنَّ الأصل هو الحفظ بمعنى: العناية والرعاية في المخزن، ثُمَّ بعد ذلك انتقل إلى الحفظ في الذاكرة؛ لأنَّني كما أحفظ في المخزن أعتبر ذاكرتي مخزناً تحفظ فيه المعاني، أي: كما أنَّ المخزن تحفظ فيه الأشياء كذلك الذاكرة تحفظ فيها المعاني، وهذا أيضاً صحيح، والمعاني محفوظة فيها أي: مخزونة فيها ولا تخرج.
والأمر الذي لم يلتفت إليه الراغب هو أنَّي أدّعي أنَّ الحفظ في القرآن
ــــــ[446]ــــــ
(1) عندما نقول: (حفظه الله أو الله يحفظه) لا نقصد: أنَّ الله يحفظ المعنى؛ لأنَّ هذا من صفة الإنسان، والله عزّ وجلّ لا يتجدّد عليه الحفظ، فهو عالم بكلّ شيء، فيحفظ الإنسان أي: يعتني به أكثر ممّا يعتني بغيره. (منه+).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
ورد بالمعنى الأخير، أي: الحفظ الخارجي في المخزن، ولم يرد مورد بمعنى: الحفظ بالذاكرة، كقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(1) فإنَّه بمعنى العناية والرعاية، وكقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ}(2) وقوله: {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ}(3) وقوله: {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً}(4) وقوله: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}(5) وقوله: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى}(6) وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ}(7). فكلّ هذه الآيات لم يمت الحفظ فيها بصلة إلى الحفظ بمعنى الذاكرة، بل يفيد العناية. وينبغي الالتفات إلى أنَّ كلّ ما ورد في القرآن من الحفظ فهو بمعنى العناية والرعاية لا بمعنى التذكر، إلّا ما ورد في الآية الكريمة {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ}، وإن كان سيأتي أنَّ (حافظين) أيضاً بمعنى: معتنين لا متذكّرين، إلّا أنَّنا تعرّضنا له لمجرّد الإشارة هنا.
[مادّة الكرم]
وأمّا مادّة الكرم فالمعنى الأصلي للكرم هو الشرف والعزّة والعظمة(8)، وإنَّما قيل للجواد كريم لأنَّه إمّا يُصبح شريفاً وعزيزاً بكثرة العطاء، فيصبح
ــــــ[447]ــــــ
(1) سورة الحجر، الآية: 9.
(2) سورة المؤمنون، الآية: 5.
(3) سورة الأحزاب، الآية: 35.
(4) سورة الشورى، الآية: 48.
(5) سورة يوسف، الآية: 64.
(6) سورة البقرة، الآية: 238.
(7) سورة المعارج، الآية: 34.
(8) راجع مفردات ألفاظ القرآن: 446، مادّة (كرم).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
كريماً بذلك المعنى، وإمّا لأنَّه شريف وعزيز بكثرة المال، فهو كريم في المجتمع؛ لأنَّه ثري. وعلى أيّ حالٍ فالثروة والمال شرف دنيوي في حدّ ذاتها، وإن لم يكن صاحبها معطاءً، بل بمجرّد كونه ثرياً. فتحصّل أنَّ الكرم له حصّتان: الشرف والعطاء، والمعنى الأصلي هو الشرف.
وأمّا الكتب فقد أفاد الراغب(1) أنَّه بمعنى: ضمّ أديم الى أديم بالخياطة، والأديم بمعنى الجلد الحقيقي الذي هو الأصل في استعمال هذه المفردة، ثُمَّ استعمل مجازاً في الأرض، فيقال: أديم الأرض، ثُمَّ انقلب حقيقة بكثرة الاستعمال، فيقال: كتبت السقاء، وكتبت البغلة، جمعت بين شفريها بحلقة، وفي التعارف ضمّ الحروف بعضها الى بعض بالخطّ، وقد يقال ذلك للمضموم بعضها الى بعض باللفظ. فالأصل في الكتابة النظم بالخطّ، لكن قد يُستعار كلّ واحد للآخر، ولهذا سمّي كلام الله وإن لم يكتب كتاباً، كقوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ}(2) أي: القرآن، والقرآن يعني الوحي، والوحي لفظ غير مكتوب، إلّا أنَّه مع ذلك سمّي كتاباً. ونحوه قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ}(3).
والكتاب في الأصل مصدر، ثُمَّ سمّي المكتوب فيه كتاباً، وكتب كتابة وكتبت كتباً وكتبت كتاباً، أي: كتابة مؤنّث كتاب، والمؤنّث والمذكّر معناهما واحد في الأصل اللغوي، والاختلاف في اللفظ فقط، كما نقول: برتقال برتقالة. ولكن في اللغة الحديثة يختلف التعبير فيه فالكتاب شيء، والكتابة شيء آخر، لكن الأصل اللغوي لا ينبغي أن نتجاوزه. وإن زعمت اللغة
ــــــ[448]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 440، مادّة (كتب).
(2) سورة البقرة، الآية: 2.
(3) سورة مريم، الآية: 30.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الحديثة أنَّ الكتاب يطلق حتّى على الصفحة الواحدة، ويعبّر عن الإثبات والتقدير والإيجاب والفرض والعزم.
[المعاني التي أفادها الراغب في المقام]
وأراد الراغب في ذكره لتلك المعاني أن يعطي معنى الإلزام والقهر، فالكتابة شيء يثبت بالقوّة والقهر على الآخرين، فقوله: {كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ}(1) أي: رغماً عليهم. والظاهر أنَّ تلك المعاني الخمسة التي ذكرها يريد بها معنى واحداً وهو الإلزام. ووجه ذلك أنَّ الشيء يُراد ثُمَّ يُقال ثُمَّ يُكتب، فالإرادة مبدأ، والكتابة منتهى، ثُمَّ يعبّر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أُريد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى. قال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي}(2) أي: قدر وأراد. وقال تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}(3). وقال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}(4). وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ}(5). وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ}(6).
وإليك المعاني التي أفادها الراغب في المقام:
الأوّل: ضمّ الأديم الى الأديم بالخياطة، فإذا أردنا أن نجرّده عن الخصوصيّة ونعمّم المعنى -أي: نجعله شاملاً وعامّاً- نقول: ضمّ شيئين مع جعل صلة بينهما.
ــــــ[449]ــــــ
(1) سورة المائدة، الآية: 32.
(2) سورة المجادلة، الآية: 21.
(3) سورة التوبة، الآية: 51.
(4) سورة المائدة، الآية: 45.
(5) سورة البقرة، الآية: 180.
(6) سورة البقرة، الآية: 183.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الثاني: ضمّ الحروف بعضها إلى بعض، وهي مباشرة الكتابة.
الثالث: ما هو مكتوب ومعلول الكتابة وأثرها، وهي الكتاب الموجود على الصفحة، أعني: الحروف المضموم بعضها إلى بعض فعلاً.
الرابع: محالّ انضمام الحروف بعضها إلى بعض، وهو الورق أو المجلّد الذي نسمّيه كتاباً، وهو مذكّر الكتابة، وقد تقدّم أنَّ المذكّر والمؤنّث بالأصل محصّله واحد.
الخامس: القهر بالتخريج الذي ذكره الراغب، والقهر قهران: قهر تكويني وقهر تشريعي، والله تعالى مسيطر على الكون بقهرٍ تكويني يخلق ما يشاء ويعطي ويحرّك ويؤدّي ويجيب من قبيل ما أُشير إليه بقوله تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي}(1) بالقضاء التكويني، وقوله: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}(2) أي: بالتكوين، فلا أعلم متى أموت: الآن أم بعد عشر سنوات أم في أيّ وقت؟
السادس: الكتابة التشريعيّة، فالله تعالى مسيطر على الكون تشريعاً، ومنه قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ}(3) أي: كتب تشريعاً، وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ}(4) وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ}(5). فكلّ تلك المعاني من الكتاب على مستوى التشريع.
ــــــ[450]ــــــ
(1) سورة المجادلة، الآية: 21.
(2) سورة التوبة، الآية: 51.
(3) سورة المائدة، الآية: 45.
(4) سورة البقرة، الآية: 180.
(5) سورة البقرة، الآية: 183.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
السابع: الصوت الذي يضمّ الحروف بعضها إلى بعض، وهو الكلام، لكن قد يسمّى كتاباً؛ لقابليّته للكتابة، وهي عبارة لم يذكرها الراغب، فالكلام الكثير يسمّى كتاباً ولو مجازاً، ومنه يُسمّى القرآن الذي هو صوت يوحى كتاباً(1).
[كلام في اللوح المحفوظ]
وليتفطّن: أنَّ اللوح المحفوظ على نحوين: لوح تكوين ولوح تشريع، فما كتب فيه القضاء والقدر التكوينيين فهو لوح تكوين، وما كتب فيه التشريع من الأوامر والنواهي من الأحكام الظاهريّة والواقعيّة فهو لوح تشريع، وكلاهما مكتوب بلوح محفوظ، ولذا سمّي اللوح المحفوظ التكويني كتاباً بالمعنى الخامس؛ لأنَّه تقدّم أنَّ الكتابة التكوينيّة هي القضاء الإلهي، وسمّي اللوح المحفوظ التشريعي كتاباً بالمعنى السادس الذي هو الكتابة التشريعيّة، وسُمي الوحي كتاباً بالمعنى السابع.
وقد يُطرح سؤال عن نوعيّة الخلق الذي تتحدّث عنه الآية، نظير ما أُشير إليه في موضع آخر بقوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}(2). فمن أيّ خلق هؤلاء الذين يحملون العرش؟ ومن أيّ عالم هم؟ هل هم بشر أم ملائكة أم شيء آخر؟
والمشهور يجيب مباشرة بأنَّهم ملائكة، وبذلك سلّم السيّد الطباطبائي(3)، وذكر أنَّ فيه روايات ذات مضامين مختلفة، ولعلّه إلى هذا المعنى يشير قوله
ــــــ[451]ــــــ
(1) إلى الآن تحصّل أنَّ للحفظ أربعة معان وللكرم معنيين وللكتابة سبعة معان، فيكون ناتج ضرب 4 × 2 × 7= 56.(منه+).
(2) سورة الحاقّة، الآية: 17.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 226، تفسير سورة الانفطار.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(1). ومعه فهناك ملائكة على يمين الفم وعلى شماله، كما قد يُقال: إن الملائكة حصّتان على الفم وعلى الكتف، فالملك اليمين يكتب الحسنات وملك الشمال يكتب السيّئات وقد يكون بالعكس. ويمكن التمسّك بما ذكر تعبّداً أو بالاستناد إلى روايات غير معتبرة السند، مع أنَّه لا حاجة في هذه الأُمور إلى الإسناد.
كما أفادت بعض الروايات أنَّ اليمين لمعالي الأُمور والشمال لسفاسفها، وبما أنَّ الحسنات من معالي الأمور فتعطى لصاحب اليمين والسيئات من سفاسف الأُمور فتعطى لصاحب الشمال. كما أنَّ هناك ملائكة الليل والنهار، ولا يُتصوّر أنَّ ملائكة النهار مثلاً تذهب في الليل ثُمَّ ترجع نهاراً؛ لأنَّ عدد الملائكة هائل جدّاً، وقد ورد أنَّ تسعة أعشار الخلق ملائكة والعشر الباقي شامل لكلّ الخلق بما فيهم العالم الذي نحن فيه(2). وعليه فملائكة الله كثيرون، وقد ورد(3) أنَّه ينزل مجموعة من الملائكة فيطوفون بالكعبة، ويصعد وينزل آخرون، ويطوفون ويصعدون وهكذا إلى ما لا نهاية، ولا تكرّر في الأمر؛ إذ ليس نفس الملائكة تنزل وتصعد، بل يأتي آخرون، ولا يرجع من طاف مرّة أُخرى. وفي المقام رواية أيضاً مفادها أنَّ الملائكة ينزلون إلى حرم الحسين×(4) يزورون ويبكون ويصعدون ويأتي آخرون وهكذا بمقدار عمر
ــــــ[452]ــــــ
(1) سورة ق، الآية: 18.
(2) راجع الأحاديث الواردة في بحار الأنور 56: 144- 245، أبواب الملائكة، الباب 23: حقيقة الملائكة وصفاتهم وشؤونهم وأطوارهم.
(3) أُنظر: وسائل الشيعة 4: 421، أبواب المزار، الباب 37، الحديث 19504.
(4) أُنظر: الأحاديث الواردة في كامل الزيارات: 113 – 116، الباب 39: زيارة الملائكة للحسين بن علي‘.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الدنيا، فسبحان القادر على كلّ شيء.
إذن المشهور يرى أنَّ الخلق الذين ذكروا في هذه الآيات هم ملائكة بحسب التقريبات التي أقرّها السيّد الطباطبائي وأشار إليها مختصراً(1)، إلّا أنَّ هذا غير متعيّن، بل يمكن أن تكون له مصاديق أُخر. وبما أنَّ له مصاديق أُخر فلا ننفي كون تلك الأوصاف التي ذكرت لها معاني ومستويات؛ إذ الكلّي ينطبق على كثيرين وعلى حصص متعدّدة، والقرآن له وجوه وبطون. منها: أن يُقال: إنَّها إشارة إلى الحاكم الدنيوي، سواء كان بحقّ أم بباطل أم كلّ متسلّط وإن لم يكن حاكماً، كالأب أو رئيس القبيلة أو الزوج أو الزوجة. وحسب التسجيل الحديث للتاريخ القديم – ولا أقول التسجيل الديني الأوربي للتاريخ- كانت عشائر متدنيّة الفهم ترى بعض الأُمور غير الطبيعيّة، فترسلها إلى مشائخ عشائرهم فيقدّسونها ويعتبرونها روحاً إلهيّة ويسمّونها بالوطن، فالوطن على كلّ حال نحو من التسلط. وهناك مصاديق أُخرى كوجود خلق أعلى من الملائكة أيضاً حافظين كاتبين يعلمون ما تفعلون، كبعض الأولياء أو أرواح المعصومين سلام الله عليهم أو كالحقيقة المحمّديّة التي هي خير الخلق وأعلى الخلق.
وربّما يُقال: إنَّ الحقيقة المحمّديّة واحدة مع أنَّ الأوصاف وردت بضمير الجمع كما في: (حافظين كراماً كاتبين يعلمون) فكيف ينطبق ذلك على معنى الواحد؟
وفيه: أنَّ معنى ذلك أنَّها ناظرة إلى المستوى التي هي فيه، وهو عالم
ــــــ[453]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 226، تفسير سورة الانفطار.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الكثرة، أي: إلى المستوى الأدنى من الحقيقة المحمّديّة من قبيل نظرها إلى المعصومين الاثني عشر أو الملائكة، وكل ما يُـتدّنى يكثر العدد، وليست ناظرة إلى المنطقة التي فيها روح واحدة التي هي الحقيقة المحمّديّة. وتبعاً لذلك يرد سؤال وهو لماذا هي ناظرة إلى الكثرة لا إلى الوحدة مع أنَّ الوحدة أعلى من الكثرة وأهمّ وأشرف؟
والجواب: أنَّ الغرض هو التخويف والإرهاب والقهر للسامع، فتصوّر له أنَّه محاط بالرقباء حتّى يخاف أكثر، وهو أبلغ في الموعظة من أن نذكر له أنَّ لديك أو عليك رقيباً، فما يقتضيه البيان دعى إلى النظر إلى عالم الكثرة لا إلى عالم الوحدة.
[إنَّ الملائكة لا تعلم بالمقاصد والنيّات، فلماذا عبّر بقوله: يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ]
وقد تسأل قائلاً: إنَّ الملائكة لا تعلم بالمقاصد والنيّات، فلماذا عبّر بقوله: {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}؟
يمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الأوّل: أن يُقال: إنَّهم يعلمون النيّات، ولكن هناك أُمور عليا يجهلونها.
الثاني: أنَّهم يعلمون ذلك بقرائن الأعمال؛ لأنَّ الأعمال تدلّ على المقاصد غالباً أو دائماً، وهذا ما نفهمه، فكما نحن نفهمه فالملائكة أيضاً يفهمونه.
الثالث: أنَّ الآية لا تدلّ بوضوح على أنَّ الملائكة يكتبون تكذيبهم بالدين. نعم، وإن ورد التعبير عنهم بـ (كراماً كاتبين) إلّا أنَّ كونهم يكتبون تكذيبهم بالدين غير مذكور في الآية، بل يمكن أن تكون كلّ حصّة مستقلّة عن الأُخرى، فتكذيبهم بالدين جانب، والكتابة جانب آخر، ولعلّهم يكتبون أُموراً أُخرى غير المقاصد التي منها تكذيبهم بالدين.
ــــــ[454]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فإن قلت: إن هناك نحو اختلاف بين صفتي الملائكة، كتابتهم من ناحية ويعلمون ما تفعلون من ناحية، فهل المراد مجرّد العلم أو الكتابة، ولعلّ هاهنا اختلافاً بينها؟
ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الأوّل: لعلّه المشهور(1) من أنَّ المراد الجمع بين الصفتين يعني: (يعلمون) و(يكتبون).
الثاني: أنَّ للملائكة قابليّة الكتابة، ولم يقل: إنَّهم يكتبون ما تفعلون، وإنَّما (يعلمون ما تفعلون) وهم كاتبون متّصفون بأنَّهم كرام كاتبون، فهم كاتبون بنحو الاقتضاء، أي: القابليّة لا بنحو العلّيّة والفعليّة، فليس في الآية إشارة إلى أنَّهم يكتبون ما تفعلون، وإنَّما هم يعلمون ما تفعلون.
الثالث: النظر إلى ما أشرنا إليه سابقاً من أنَّه لا تلازم بين معاني السياق في الآيات الثلاثة، وأنَّ كلّ صفة مستقلّة عن الأُخرى فيمكن أن نأخذ معنى كلّ صفة في نفسه، ولا تنافي بين هذه الصفات من حيث اتّصاف الملائكة بها.
الرابع: إرجاع الكتابة إلى العلم، فالكتابة هنا ليست بمعنى الكتابة المحضة، بل بمعنى العلم، و(كاتبين) بمعنى: (يعلمون ما تفعلون)؛ باعتبار أنَّها ليست كتابة مادّيّة، وإنَّما هي كتابة معنويّة، ولا نعرف للكتابة المعنويّة معنى إلّا العلم. بل إنَّ الآية تفسّر الكاتبين بالعلم كما في قوله {كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}. ولعلّ ذلك نظير الرواية الواردة في تفسير سورة
ــــــ[455]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة 4: 239، الجامع لأحكام القرآن 20: 248، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الإخلاص، وحاصلها أنَّ قوله تعالى {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}(1) يُفسر المراد من الصمد(2). وفي المقام قوله: (كاتبين) فُسّرت بقوله {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}.
وهذه الكتابة مذكورة في آيات أُخرى عديدة: كقوله تعالى: {بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}(3). وقد تقدّم إرجاع الكتابة إلى العلم وسبق أيضاً أنَّنا لا نفهم من الكتابة إلّا العلم، مع أنَّ المشهور يرجع العلم إلى الكتابة(4)، فلا عبرة عندهم بالعلم وحده؛ إذ الكتاب الذي يُنشر في يوم القيامة ليس من علم الملائكة، وإنَّما هو كتاب {يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}(5). فالملائكة هم الذين كتبوا هذا الكتاب، والعلم وحده لا يكفي، فلذا يتصوّر المشهور أنَّ هناك قرطاساً وقلماً في يد الملك الحافظ يكتب ما يعمله الفرد وما يقوله، وكلّ ما في الأمر أنَّ القلم والقرطاس غير ملحوظ لنا
ــــــ[456]ــــــ
(1) سورة الإخلاص، الآية: 1.
(2) روي عن مولانا الصادق جعفر بن محمّد× عن أبيه الباقر× عن أبيه×: >أنَّ أهل البصرة كتبوا إلى الحسين بن علي‘ يسألونه عن الصمد، فكتب إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم أمّا بعد، فلا تخوضوا في القرآن، ولا تجادلوا فيه، ولا تتكلّموا فيه بغير علمٍ، فقد سمعت جدّي رسول الله’ يقول: مَن قال في القرآن بغير علمٍ فليتبؤّ مقعده من النار. وإنَّ الله سبحانه قد فسّر الصمد فقال: {اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ}، ثُمَّ فسّره فقال: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} …<. أُنظر: التوحيد: 90- 91، باب تفسير {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} إلى آخرها.
(3) سورة الزخرف، الآية: 80.
(4) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 248، جامع البيان في تفسير القرآن 30: 56، زاد المسير في علم التفسير 4: 411، وغيرها.
(5) سورة الإسراء، الآيتان: 13- 14.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أو قل: هما مناسبان للعالم الذي يعيش فيه الملك أو قل: يتناسبان لخلقه، وهذا هو تصورهم بالنسبة إلى اللوح الأعلى والقلم الأعلى.
أقول: ما أكثر الألواح والأقلام عند الله تعالى، إلّا أن المراد الحقيقي لا يعلمه إلّا الله تعالى، وأمّا تصوّراتنا فتختلف فيه: فالمتشرّعة يفهمونه بشكل، وعلماء الكلام يفهمونه بشكل آخر، والفلاسفة لهم فهم ثالث، والعارفون بشكل رابع. ولعلّ القرآن ذكر شيئاً بنحوٍ يمكن معه إخفاء الحكمة على غير أهلها، ولا يصل إلى المقاصد الواقعيّة من القرآن إلّا الأوحدي من الناس.
قال في >الميزان<: ولا تعيين في هذه الآيات لعدّة هؤلاء الملائكة(1) الموكلّين على كتابة أعمال الإنسان(2).
والغرض: أنَّه من غير المعلوم هل أنَّ الآية أجملت أو أهملت ذكر العدد؟
أقول: المراد هو بيان أصل الثبوت بغضّ النظر عن العدد، وإذا نظرنا إلى قوله: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ}(3) لوحظ: أنَّ قعيدين يعني قاعدين، فعيل بمعنى الفاعل، وقوله تعالى: {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ}(4). ومؤدّى الروايات التي تتحدّث عن تبدّل الملائكة في الليل والنهار وهكذا قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}(5)، ونجد أنَّ الملائكة كثيرة وفوق حدّ الإحصاء. وهذا فيما يخصّ
ــــــ[457]ــــــ
(1) لأنَّ السيّد الطباطبائي يعتقد أنَّ الكرام الكاتبين ملائكة لا خلق آخر (منه+).
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 226، تفسير سورة الانفطار.
(3) سورة ق، الآية: 17.
(4) سورة ق، الآية: 12.
(5) سورة القدر، الآية: 4.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الملائكة الموكّلة بالفرد الواحد، فكيف بالجميع؟ ولكننا إذا نظرنا إلى الآيتين{إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ}(1) وقوله: {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ}(2) نجد اثنين من الملائكة في كلّ آية، مع أنَّ الآية التي نتكلّم عنها – أي: قوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} – تتحدّث عن الكثير مع أنَّ الاثنين لا يناسب الجمع، فلابدّ من ثلاثة فأكثر(3) حتّى ينسجم مع الجمع المذكور في الآية.
وأنت خبيرٌ بما فيه:
أمّا أوّلاً: فلأنَّه قد يُقال: إنَّه ليس المراد من قوله {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ} الفرد، بل المراد مجموعكم أو جميعكم، ومعه فإذا كان المراد الفرد فيمكن أن يُدّعى أنَّ لكلّ واحدٍ اثنين من الملائكة، لكن المراد المجتمع ككل، فإذا كان هناك مليون فرد كان هناك مليوني من الملائكة، فيصحّ الجمع في قوله: {كِرَاماً كَاتِبِينَ} حتّى ولو في اثنين من الأفراد؛ إذ يصبحون عليهم أربعة من الملائكة، وهذا يكفي لصحة الجمع.
وأمّا ثانياً: فلأنَّنا نقول: إنَّ المخاطب واحد وإن كان اللفظ الموجود في الآية (عليكم) لا (عليك)، لكننا نعتبر لحاظ الأفراد مستقلّة بعضها عن
ــــــ[458]ــــــ
(1) سورة ق، الآية: 17.
(2) سورة ق، الآية: 12.
(3) أي: إنَّ الآيتين المذكورتين أعلاه ذكرتا أنَّ الملائكة الموكّلين بالإنسان اثنان، وهو لا ينسجم مع العدد الكثير الذي ذكرته الآية مورد البحث؛ إذ إنَّ الكثير لغويّاً لابدّ أن يتخطّى الثلاثة حتّى يُطلق عليه كثير، فقد يتصوّر التهافت (والعياذ بالله) بين مضمون الآيتين المذكورتين مع هذه الآية. (منه+).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الآخر فـ (عليكم) أي: كلّ فرد منكم، فنقول: إنَّ ضمير الجمع ينطبق على المثنّى باعتباره جمعاً منطقيّاً، فالجمع في المنطق هو ما كان أكثر من واحد، وتعتبره اللغات غير العربيّة جمعاً أيضاً؛ ذلك لأنَّه ليس لديها مثنى في الجملة.
ومن هنا يمكن اعتبار المثنّى كسيرة عقلائيّة خارج نطاق اللغة العربيّة، وكذلك طبقاً للإدراك العقلي المنطقي الذي يعدّ الاثنين جمعاً، ومن هذه الناحية فلا يبعد إرجاع ضمير الجمع إلى ما هو اثنان أو مثنّى.
وأمّا ثالثاً: فلأنَّنا إذا نظرنا إلى مجموع الآيتين لكان مجموع الملائكة أربعة؛ لأنَّ لكلّ فرد متلقيّين (سائق وشهيد)، فيكون المجموع أربعة، وهذا يكفي للجمع. ولعلّ المشهور يذهب إلى أنَّ المقصود من الملك الشهيد في قوله: {سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} إشارة إلى المتلقيّين؛ لأنَّهم يتلقّوهم ويشهدون يوم القيامة، فشهيد مفرد، لكن يُقصد به الجنس وعلى أيّ حال فتكون الملائكة ثلاثة، أي: المتلقيان والسائق، وهو كافٍ في بيان الجمع.
وأمّا رابعاً: فلأنَّ الألفاظ الواردة: (حافظين) و (كراماً كاتبين) و(يعلمون ما تفعلون) بمنزلة أسماء الأجناس، واسم الجنس كلّي قابل للصدق على كثيرين، فحينئذٍ نجمع بين فكرتين كلاهما صحيحة، وهما أنَّ الملكان اثنان دائماً كما في قوله: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ} لكن التبدّل في الليل والنهار يجعلهم كثيرين (حافظين)، فهم اثنان لا يزيدون، ومع ذلك فهم أكثر من اثنين إلى حدّ خارج عن الإحصاء للتبادل الموجود ليلاً ونهاراً.
وقد يُقال: إنَّ الملائكة يطّلعون على كلّ الأعمال والأقوال الصادرة من الفرد، فيستطيعون أنَّ يفهموا أنَّ هذه سيئة وهذه حسنة، كما أنَّ المقاصد والدوافع مرصودة من قبل الملائكة، وهنا تأتي شبهة إلى الذهن حاصلها:
ــــــ[459]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أليست الملائكة تتبدّل في الليل والنهار؟ وهذا التبدّل يجعلها غير مطّلعة على مقاصد ونوايا الفرد؛ لأنَّ الملك سوف يجتمع في فترة قليلة مقدارها ساعات في الليل أو في النهار، ثُمَّ يذهب، فكيف يتسنّى له أن يعرف المقاصد الواقعيّة للفرد مع هذه المدّة اليسيرة.
يمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الأوّل: أنَّ هناك ملائكة لا تتبدّل، ولعلّ عملها الإشراف على المجموع الذي يتبدل، فالملائكة أيضاً مجموعات هرميّة، كلّ مجموعة منهم يحكمها واحد، إلى أن تصل إلى الملائكة الكبار، وهم إسرافيل وجبرائيل وميكائيل، وحينئذٍ يوجد ملك مراقب على ملائكة الليل والنهار، وهو الذي يجمع كلّ شؤون الفرد الواحد.
الثاني: أنَّ الغرض المهمّ للملائكة هو التلقّي والكتابة، فيُجمع المجموع في كتاب، وهذا الكتاب هو الذي يُعرض عليه يوم القيامة. فإذا تصوّرنا حسب المشهور أنَّ هناك كتاباً، فيكون الإنسان في لحظة ولادته خالياً من الذنوب، ثُمَّ تبدأ الملائكة عند سنّ البلوغ بالكتابة، فكلّ ملك ينزل ليكتب بمقدار ما يبقاه مع هذا الفرد مثلاً إلى أن يأتي الآخر، ويكتب أيضاً المدّة التي قضاها مع الفرد، وهكذا إلى آخر عمر الإنسان، ثُمَّ يموت، فيكون له كتاب يجمع جميع أفعاله وأقواله. إذن هو كتاب واحد يجمع كتابات عدد ضخم من الملائكة، وهذا هو فهم المشهور على أي حال(1).
الثالث: أنَّ هذا المجموع يُخزن في نفوس الملائكة الكبار أو الأولياء أو
ــــــ[460]ــــــ
(1) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 56، الجامع لأحكام القرآن 20: 248، زاد المسير في علم التفسير 4: 411، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
المعصومين سلام الله عليهم.
الرابع: أنَّ هذا المجموع يخزن في نفس الإنسان، ولا حاجة إلى أن يخزن في أماكن أُخرى؛ لأنَّه أنا الفاعل، فيخزن في نفسي، ولكلّ عمل انطباع موجود في نفس الإنسان، كما قال تعالى: {كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}(1).
****
قوله تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ}:
[الزمان الذي يقع فيه مضمون هذه الآيات]
والذي ينبغي التنبيه عليه في هذا السياق هو الزمان الذي يقع فيه مضمون هذه الآيات: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} فمتى يقع ذلك؟
ذهب المشهور إلى أنَّه يوم القيامة(2)، ولعلّ التحقيق أنَّه عالم الدنيا والآخرة. ولعلّ المشهور يستشهد بقرينة مذكورة في السياق وهو قوله: {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ} أي: يوم القيامة، وهي قرينة متّصلة، فتدلّ على هذا المعنى الذي أفاده المشهور. إلّا أنَّ ذلك في الحقيقة دليل على خلاف دعوى المشهور، فيكون المراد أنَّ الأبرار دائماً في نعيم؛ باعتبار عطاء الله تعالى لهم، ومن باب أولى أن يتّصف بهذه الصفة مَن هم أعلى منهم مرتبةً، وهم المقرّبون، فالأبرار وما فوقهم من المراتب في نعيم دائماً في الدنيا والآخرة، وليس هناك ما يشير إلى أنَّ ذلك في يوم القيامة أو في الجنّة مثلاً.
ــــــ[461]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 14.
(2) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 10: 423، الجامع لأحكام القرآن 20: 249، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 560، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
كما يمكن أن نوسّع اللفظ ليشمل المقرّبين بمعنى آخر، وهو أن نقول: إنَّ الأبرار يُراد بهم الأعمّ من الأبرار والمقرّبين، لا خصوص الأبرار بشرط لا عن الزيادة، لاسيّما إذا لاحظنا أنَّ الأكمل له ما للأقلّ وزيادة، يعني: أنَّ المقرّبين أبرار وزيادة على هذه المرتبة فكلّ مَن كان برّاً بذلك المعنى فهو في نعيم، وكلّ من كان فاجراً -ما لم يتب- فهو فعلاً في جحيم، أي: هم كذلك في الحياة الدنيا؛ نتيجة لعقوبة الربّ لهم. والقرائن على ذلك من السياق عديدة:
الأُولى: التأكيد الشديد في قوله: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ}؛ إذ لو كان المقصود مجرّد يوم القيامة لم يحتج إلى هذا المستوى من التأكيد؛ لأنَّه إنَّما يحتاج إلى التأكيد في ما هو مستبعد وفي ما هو غير معهود للسامع، وهو النعيم والجحيم في الدنيا.
الثانية: قوله: {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ} أي: الآن كلّ واحد له حصّة: إمّا النعيم وإمّا الجحيم. ولو كان المراد المعنى الآخر –أي: كونه منحصراً بيوم القيامة- لكانوا عنها غائبين الآن، والمفروض أنَّ هؤلاء موجودون، فتراهم في الدنيا، وليسوا عنها بغائبين، على خلاف ما لو كان الأمر في يوم القيامة؛ فهم قطعاً غائبون الآن.
فإن قلت (دفاعاً عن المشهور): إنَّهم إذا دخلوا جهنّم لم يكونوا عنها بغائبين.
قلت: إنَّ كونهم إذا دخلوا جهنّم لم يكونوا بغائبين من توضيح الواضحات؛ فإنَّ المفروض أنَّ كلّ مَن دخل مكاناً لم يكن بغائب عنه حال كونه فيه، ولا حاجة إلى إيضاح هذا المعنى الذي هو مستأنف وبمنزلة اللغو؛
ــــــ[462]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
لأنَّ توضيح الواضحات لغو.
الثالثة: قوله: {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ} أي: يحترقون بها ويتألّمون فيها، فيحسّون بالألم مباشرة يوم الدين، ففي ذاك الوقت يحيط بهم سرادقها. أمّا قوله تعالى: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} تدلّ على أنَّهم في الجحيم، ولكنّهم لا يحسّون بها ولا يصلونها، بل هناك عندما تنكشف لهم حقيقة أنفسهم الرديئة يحسّون ويشعرون بها. فلفظ (يصلونها) يشكّل قرينةً على أنَّهم الآن في جحيم، ولكنّهم لا يصلونها، وهذا قرينة على خلاف قرينة المشهور التي ساقها لرأيه. وهذا البعد خاصّ بالفجّار، أي: إنَّ الفجّار في جحيم الآن، ولكنّهم لا يصلونها ولا يعلمون بوجودها، إلَّا الأبرار في نعيم ويعلمون ويشعرون بوجوده، وليس المراد أنَّهم يتنعّمون به يوم الدين فقط؛ فالنعيم شيء فعلي لهم يشعرون به الآن فضلاً عن يوم القيامة. فيوم الدين يكشف عن احساس الفجّار بجهنّم ولا يكشف عن احساس الأبرار في الجنّة حصراً؛ لأنَّه حاصل في الدنيا بالنسبة إلى الأبرار.
الرابعة: قوله: {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ} بعد قوله {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ} فكأنَّما يريد أن يقول: لا تتوهّموا أنَّهم يصلونها يوم الدين وأنّهم غائبون عنها الآن، وإنَّما يصلونها يوم الدين وما هم بغائبين عنها الآن، وقوله تعالى: {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ} لا يعني أنَّهم الآن منفصلون عنها، فهم فيها الآن وحاضرون لديها.
الخامسة: القرينة المنفصلة في قوله تعالى: {سَرِيعُ الْحِسَابِ} وقد ورد في القرآن كثيراً بإنَّه تعالى سريع الحساب. ولسريع الحساب معنيان:
الأوّل: إعطاء القيمة للعمل بسرعة.
والثاني: عبارة عن الثواب والعقاب، وهو جلّ جلاله سريع الثواب
ــــــ[463]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
والعقاب، ولا يحتاج إلى زمان ولا إلى مكان. فلو أخذنا المعنى الثاني
-وهو سريع الثواب وسريع العقاب- حينئذٍ نسأل: إذا كان الثواب والعقاب مؤجّلاً عدّة ملايين من السنين إلى حين حصول يوم القيامة فهل يصدق قوله تعالى: {سَرِيعُ الْحِسَابِ}؟ بل يصبح في غاية البطء والبعد. نعم، يصدق النفي وأنَّه ليس بسريع الحساب بالحمل الشائع، ولا سريع العقاب، ما يؤدّي إلى عدم صدق الآية الكريمة (والعياذ بالله) مع أنَّ القرآن حجّة على كلّ من يحتجّ به، فهو سريع الحساب قطعاً، ويُعطي نتيجة الأعمال مَن ثوابٍ وعقابٍ فوراً من دون تأخير، فالأبرار يأخذون ثوابهم فوراً، والفجّار يأخذون عقابهم فوراً، ولا يحتاج إلى التأجيل في الآخرة؟ وهنا يجب الالتفات إلى أنَّ المشهور إذا أوكل ذلك إلى الآخرة فلا ينطبق كلا المعنيين، فلا يكون سريع التقييم ولا سريع الثواب والعقاب؛ لأنَّ المشهور يقول أيضاً: إنَّ التقييم في يوم القيامة ونحوه الثواب والعقاب(1)، فإذن ما أبطأه وما أبعده! أمّا نحن فنقول: إنَّ سريع الحساب بكلا المعنيين فلا زمان فيه ولا مكان.
****
قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ}:
تقدّم إجمالاً الحديث عن هذه الآية وتبيّن أنَّ ذلك يقع في إطار التخويف والتهويل من يوم الدين، وهو يوم الحساب والإدانة. وأمّا محتملات الصيغة (ما أدراك) في كونها صيغة تعجّب أو استفهمام أو غيرهما فقد سبقت أكثر من مرّة في سورة القارعة {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} وفي سورة القدر {وَمَا أَدْرَاكَ مَا
ــــــ[464]ــــــ
(1) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 10: 423، الجامع لأحكام القرآن 20: 249، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 560، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
لَيْلَةُ الْقَدْرِ}(1) وقوله في سورة البلد: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ}(2) وفي سورة الطارق {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ}(3) وفي سورة المطفّفين التي ورد فيها هذا التركيب مرّتين في قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ}(4) وقوله {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ}(5) فلا حاجة إلى استئناف كلام جديد. وينبغي أنَّ نلتفت إلى أنَّ هذه الصيغة وهذه الطريقة أُسلوب قرآني يختصّ بالسور القصار لاسيّما الأجزاء الأخيرة من القرآن، ولا وجود له في السور الطوال، ويُراد به التهويل مع بعض التفاصيل التي ذكرناها في محلّها، ولا حاجة إلى تكرارها. كما ينبغي التنبيه إلى أنَّ التكرار المذكور في الآية {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} غير مذكور في كلّ السور السابقة عليها.
والعطف بـ(ثُمَّ) يُراد به معنيان أو أحد معنيين أو كلا المعنيين، فلا بأس بذلك؛ لأنَّ الله قادرٌ على كلّ شيءٍ، وهما:
الأوّل: إثباتي أي: في عالم البيان والدلالة والكلام والمراد: (أقول ثُمَّ أقول، أقول: ما أدراك ما يوم الدين، ثُمَّ أقول: ما أدراك ما يوم الدين). ولا يخفى: أنَّ (أقول) ضمني لا حاجة إلى تقديره لفظاً، وإنَّما كان قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} إثباتاً أي: للبيان وإلفات السامع على معنى أنَّه أقول ثُمَّ أقول، وتكرار القول أيضاً لزيادة التأكيد وزيادة التهويل.
ــــــ[465]ــــــ
(1) سورة القدر، الآية: 2.
(2) سورة البلد، الآية: 12.
(3) سورة الطارق، الآية: 3.
(4) سورة المطفّفين، الآية: 8.
(5) سورة المطفّفين، الآية: 19.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الثاني: ثبوتي، والمراد به أنَّ يوم الدين على أحد الأُطروحات السابقة في القارعة فوق إدراك المدركين وتصوّر المتصوّرين، فيعجز الإنسان عن إدراكه، والتكرار إشارةٌ إلى تعجيز الفرد في أنَّه لا يدرك يوم الدين ولو فحص وبذل جهداً وأراد معرفة التفاصيل. ويمكن للقارئ أن يطبّق الأُطروحات السابقة على معنى (ما أدراك) المذكورة في القارعة لعلّه ينال معاني أُخر.
إلَّا أنَّ هذا يمكن الجواب عنه، فنقول: إنَّه منصوبٌ على الظرفيّة لوجهين:
الوجه الأوّل: أن يكون للزمان زمان لا يستلزم المحال المذكور؛ لأنَّ الزمان زماني بذاته. وبتعبيرٍ آخر: إنَّ المراد من تكرار اليوم في (يوم الدين) و(يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً) الإشارة إلى يوم واحدٍ أو إلى نفس اليوم، لا إلى يومين ليكون يوم في يوم.
الوجه الثاني: أنَّ هذا تعبير عرفي عن الزمان فيقال: (يحصل يوم الجمعة، وفي يوم الجمعة)، وإذا وجدنا أنَّ هذا غير مناسب فعدم المناسبة تندفع ولا تحصل عند اختلاف الصفات واختلاف القيود، فهناك يوم الدين، وهنا لا تملك نفس لنفس شيئاً، فكلّ يوم موصوف بشيء، فإذا عطفنا على ذلك الفكرة التي تكرّرت كثيراً، وهي أنَّه يتكوّن من القيد والمقيّد مفهوم افرادي مركّب، فيكون ذلك المفهوم الافرادي غير هذا المفهوم الافرادي؛ لأنَّ قيد ذلك مباينٌ لقيد هذا، فلا بأس أن يكون المفهوم الافرادي المباين ظرفاً أو نعتاً أو أيّ شيء للمفهوم الافرادي المتكوّن قبل ذلك وإن كان جزءه.
****
ــــــ[466]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}:
من الواضح أنَّ النفس لا تملك لنفسها شيئاً إطلاقاً من رزقٍ أو موتٍ أو حياةٍ أو نشورٍ أو غيرها، فكيف تملك لغيرها؛ فإنَّ عدم ذلك أولى من غيرها، ولذا يقول: {يوم لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} وإن يمكن أن نفهم من النفس الثانية الأعمّ من نفسها وغيرها، إلَّا أنَّ الأشهر أنَّه لغيرها(1)، ومن هنا يصدق قوله تعالى: {لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً}.
ثُمَّ إنَّ (يوم) في قوله: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ} إشارةٌ إلى أيّ يوم؟ ومتى يحصل هذا اليوم؟ يقول المشهور: إنَّه يوم القيامة(2)، إلّا أنَّه يواجه هذا الإشكال القائل: إنَّ النفوس لا تملك شيئاً إطلاقاً لا في الدنيا ولا في الآخرة، فنصّ الآية يصدق صدقاً سرمديّاً على غير الله تعالى. ويجيب المشهور على ذلك بأنَّ النفوس في الدنيا تتخيّل أو تتوهّم أو تقتنع أنَّها تعمل بعض الأُمور، وأنها تملك لنفسها النفع والضر ولغيرها أيضاً، نظير ما يُقال من أنَّ زيداً ينفع خالداً أو ينفع الناس، والناس ينفعونه، وكما قال الشاعر:
إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنَّما
يراد الفتى كيما يضرّ وينفع(3)

أي: يضرّ أعداءه وينفع أصدقائه في حدود الفهم الجاهلي.
وهذا على مستوى الدنيا أمر مقنع وظاهر ملحوظ، وهو تبادل النفع
ــــــ[467]ــــــ
(1) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 57، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 273، مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 683، وغيرها.
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) البيت للشاعر عبد الله بن معاوية، حسبما أفاده في التذكرة الحمدونيّة 7: 94، باب ما جاء في النفع والضرّ ومعايبهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
والضرر، وأمّا في يوم القيامة فسيكون عجز النفس صريحاً وواضحاً ومكشوفاً ومدرك بالوجدان؛ إذ النفس لا تملك لنفسها شيئاً فضلاً عن غيرها، وإنَّما الأمر والملك لله تعالى: {لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}(1). وعليه فهذا الكلام والبيان حسنٌ في حدّ ذاته، لكن يمكن القول: إنَّنا إذا أردنا مرحلة الإثبات والتعرّف كانت الدنيا مختلفة عن الآخرة، فالإثبات في الآخرة محض لله تعالى، إلّا أنَّ الإنسان في الدنيا لا يعرف أنَّ الأمر لله، فهو جاهل من هذه الناحية، ولذا فهو يتخيّل أنَّ الأمر بيد زيد أو بكر أو خالد، إلّا أنَّ الأمر في مرحلة الثبوت -أي: الواقع- أنَّ الأمر لله في الدنيا والآخرة. وهذا يعني: أنَّ الآية إن إشارت إلى مرحلة الإثبات كان الحقّ مع المشهور، أي: اختصّت المعرفة بيوم القيامة أو بالآخرة، وإن كانت تتعرّض إلى مرحلة الثبوت فالأمر على خلاف ما زعمه المشهور، أي: إنَّ الأمر بيده كلّ يوم إلى يوم القيامة. والمسألة التي ينبغي التأكيد عليها أنَّ الآية تتعرّض إلى مرحلة الثبوت لا الإثبات، ومفاد ذلك أنَّ النفس لا تملك لنفس شيئاً، فهي لا تختصّ بيوم القيامة، وبذلك سقط رأي المشهور.
فإن قلت: هذا على خلاف ظاهر لفظ اليوم الذي يُشعر بأنَّ ذلك الأمر بعد ملايين السنين، فاليوم مثلاً يمكن أن يتمثّل بالعهد أو المدّة أو الزمان أو من طلوع الشمس إلى غروبها، أمّا أنَّه متكوّن من الدنيا والآخرة كلاهما فمردّ ذلك إلى القول بالأزليّة، فاليوم تعبيرٌ عن الأزليّة أو السرمديّة، وهو خلاف الظاهر. فيدور الأمر إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة، وكونه في الآخرة أوضح وأظهر فرجع فهم المشهور.
ــــــ[468]ــــــ
(1) سورة غافر، الآية: 16.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قلنا: نعم، لو لوحظت المّدة دفعةً واحدةً كان الإشكال وارداً، فليس من العرف أن نعبّر عن ملايين السنين بأنَّها يوم، ولكنّه لا دليل عندنا على ذلك، بل لا نحتاج في الحقيقة إلى ذلك، فاليوم إشارة إلى أيّ يوم بعينه وإلى أيّ مدّة بعينها، وهذا كافٍ، فأيّ مقطع أو قطعة من هذا الزمان الطويل، سواء كانت ثانية أو سنة أم مليون سنة فإن الأمر والنفع والضرّ فيها لله.
ومعه فالتعبير عن العهد باليوم لا بأس به، وتوجد شواهد على ذلك، منها التعبير عن الدنيا بصوم يوم، أو ما ورد في خلق السموات والأرض في ستّة أيّام(1)، وهذه الأيام ليست أيّام عرفيّة من طلوع الشمس إلى غروبها، وإنَّما إشارةٌ إلى عهد أو فترة أو مرحلة، فالتعبير عن المرحلة باليوم لا بأس به. نعم، التعبير عن مجموع المراحل باليوم غير عرفي، بل هو مجازي إلى حدّ كبير، وقلنا بأنَّه لا نحتاج إلى ذلك.
وربما يُقال: إنَّ الآية أفادت بالقول: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} والظاهر أنَّ بعض النفوس قادرة على العمل، ولها عطاء فعلي، لا أقلّ من نفوس المعصومين^، مع أنَّ الآية مطلقة، فكيف صحّ ذلك؟
يمكن الجواب عنه من عدّة وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أن يُراد بالآية ضرب ذلك بنحو القاعدة العامّة أو إعطاء القاعدة العامّة، وقد قيل: ما من عامّ إلّا وقد خصّ، وقد خرج منه استثناء بعض الأُمور، فالآية {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} بنحو القاعدة العامّة إلّا في
ــــــ[469]ــــــ
(1) إشارة إلى قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [سورة الأعراف، الآية: 54] ونحوها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
بعض النفوس، وهي القليل، فإنَّها تملك، فيكون الأمر كذلك إلّا مَن خرج بدليل، ونحن نقرّ أنَّ بعض النفوس خرجت بالدليل كنفوس المعصومين^.
الوجه الثاني: ويمكن تقريره بالقول: بأنَّ بعض العمومات أو المطلقات غير قابلةٍ للتخصيص من قبيل قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}(1) وقوله تعالى في المقام: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً} فإطلاقه يشمل كلّ نفس، فلا يكون قابلاً للتخصيص، فإذا كان نصّه غير قابل للتخصيص لا يدخل في قاعدة (ما من عامّ إلّا وقد خصّ)، فحينئذٍ ينفتح المجال أمام وجه آخر، وهو الثاني. فنقول: أن يراد أنَّ النفوس لا تملك أيّ شيء بالاستقلال عن مشيئة الله سبحانه وعن أقدار الله وعن السلطة من قبل الله، فإن لم تكن هناك سلطة من قبل الله فلا تملك نفس لنفس شيئاً، وهذا يشمل حتّى النبي’، ولا يوجد أحد يملك أيّ شيء، وإنَّما بالسلطة التي يعطيها الله تعالى وبالقدرة الإلهيّة التي يزوّدها للإنسان ولأيّ خلق من خلقه، فيفعل بمقدار القدرة التي أعطاها. فالشمس أعطاها القدرة على الضوء والحرارة، وزيد من الناس أعطاه القدرة على التعمّق بالرياضيات أو الفلك أو الطبّ وهكذا. فإذن النفوس لا تملك شيئاً بالاستقلال من دون إقدار الله لها، وهذا أيضاً لا يفرّق بين الدنيا والآخرة، فالله عزّ وجلّ يعطي كلّ نفس بمقدار ما تستحقّ من العمل والتأثير، ويُعطي المعصوم ما يستحقّ أو ما يتحمّل من الولاية التكوينيّة والولاية العامّة التشريعيّة في عالم الإمكان كلّه، أي: سواء كان في الدنيا أم في الآخرة.
ــــــ[470]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 23.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الوجه الثالث: أنَّ الوارد في الآية الكريمة عنوان النفس {نَفْسٌ لِنَفْسٍ} فلو حملناه على مطلق الكيان المعنوي للإنسان لزم الإشكال؛ لأنَّ الروح العليا فعّالة ومالكة، فلابدّ أن نفهمها بشكل لا يشمل الروح العليا بعد التنزّل عن الوجهين السابقين. وهنا يمكن حملها على مراتب معنى النفس، يعني: حملها على مراتب متدنّية من النفس، كالنفس التي وصفت في القرآن الكريم بأنَّها أمّارةٌ بالسوء(1). والظاهر – لا أقلّ بحسب الفهم المتشرّعي المعتضد بإقرار المعصومين سلام الله عليهم- أنَّ النفس يُراد بها المرتبة البرزخيّة أو الضعيفة أو المتدنّية، ومن الواضح أنَّ النفس الأمّارة بالسوء لا تملك أيّ شيء من النفع الحقيقي ولا الضرر الحقيقي لصاحبها أو لغيره، وإنَّما تتوهّم ذلك؛ لمكان غطرستها وجبروتها، وإنَّما لها مقتضي الأمر والشهوة، أعني: الأمر بالعصيان وشهوة المعاصي. ولعلّه إلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ}(2). وعلى كلّ حالٍ فهي كافرة غير مذعنة ومعاندة لا تستسلم، إلَّا أنَّها حقيرة وضعيفة ومهينة، ولا تملك أيّ شيء في عالم الثبوت إطلاقاً.
فإن قلت: اليوم في الآية الكريمة إشارةٌ إلى يوم الدين؛ لأنَّه ظرف ليوم الدين كما قلنا أو صفة، وعليه فيوم الدين إمّا مرفوع أو منصوب، ويوم الدين هو القيامة، فيتعيّن أن يكون المقصود يوم القيامة بقرينةٍ متّصلةٍ.
قلنا: تقدّم أنَّ الدين بمعنى الإدانة وتحمّل المسؤوليّة، فيوم الدين هو
ــــــ[471]ــــــ
(1) إشارة إلى قوله تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة يوسف، الآية: 53].
(2) سورة إبراهيم، الآية: 22.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
يوم الإدانة وتحمّل المسؤوليّة، كما لا يخفى، وهذا كما يحدث في الدنيا يحدث في الآخرة، وفي الدنيا يكون يوم الدين يوم الإدانة وتحمّل المسؤوليّة، وفي الآخرة أيضاً يوم الدين يوم الإدانة وتحمّل المسؤوليّة. والوجه فيه: أنَّ الإنسان متحمّل للمسؤوليّة تجاه الله تعالى باستمرار. نعم، يكون ذلك أوضح في يوم القيامة؛ لأنَّ ممارسة الحساب والعقاب فيه أصرح، ولكنه إذا كان الإنسان على مستوى بحيث يراقب الله في القليل والكثير ويذكر الله دائماً ويحاسب نفسه تجاه الله فهو دائماً على مستوى يوم الدين أو هو في يوم الدين، فهو محاسبٌ في الحقيقة وشاعرٌ بالحساب والعقاب قبل يوم القيامة.
****
قوله تعالى: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله}:
[المراد من ذيل الآية]
المراد من ذيل الآية: أنَّ الأمر في النفوس كلّها لله وحده، لا للنفوس بحدّ ذاتها؛ لأنَّه أفاد بالقول: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا}، أي: إنَّ الأمر في كلّ نفسٍ له تعالى شأنه، لا للنفس أو الإنسان أو لنفسٍ أُخرى، كما هو واضحٌ من سياق الآية. ومنه ظهر أنَّ اليوم المشار إليه في قوله: {يَوْمَئِذٍ} هو اليوم المقصود في صدر الآية بقوله: {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا}.
إن قلت: فما وجه التكرار؟
قلنا: لغرض الإيضاح، ولذا لا يستقيم المعنى فيما لو قال: (يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً والأمر لله)؛ إذ يكون المراد أوسع ممّا أفادته الآية حينئذٍ، مع أنَّ الغرض مقابلة ما تزعمه النفس من أنَّها تملك شيئاً، فأجيب: كلاّ أيّتها النفس، أنتِ لا تملكين شيئاً البتّة. وأمّا أنَّ الأمر كلّه لله فهو من بابٍ آخر، فلو حذف (يومئذٍ) لكان المراد أنَّ الأمر كلّه لله، مع أنَّه ليس بمرادٍ في المقام.
ــــــ[472]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وممّا يدلّ على الارتباط بين صدر الآية وذيلها -مضافاً إلى التتابع اللفظي بينهما- هو تقدير المحذوف بتنوين العوض في قوله: (يومئذٍ)، أي: يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً، كما هو ظاهرٌ. وكأنَّ صدر الآية وذيلها مندمجان إثباتاً وثبوتاً، أي: بياناً وتفهيماً.
وجدير ذكره: أنَّه لو انسحب الأمر كلّه من غير الله، لانحصر بالله وحده، وكذا العكس، أي: لو انحصر الأمر بالله انسحب من غير الله، كما هو ظاهرٌ إثباتاً وثبوتاً. وبعبارة أُخرى: لو نظرنا إلى الأسباب والفعاليات والوسائل لتبيّن لنا أنَّ الأمر ينحصر بالله وحده، أي: بنحو الإثبات والمعرفة، فينسحب الأمر من غيره قطعاً.
وفي الآية محلّ البحث سؤالٌ واحدٌ ممّا يرتبط بمنهجنا في التفسير وهو: أنَّ الأمر على كلّ حالٍ لله سبحانه، فلماذا اختصّ الأمر بيومئذٍ؟
يمكن الجواب عنه من وجوهٍ عدّةٍ:
الأوّل: ما عليه المشهور(1) من أنَّ المراد لحاظ الإثبات، يعني: انكشاف الأمر ومعرفته، أعني: معرفة أنَّ الأمر لله فقط، فيختصّ بيوم القيامة أو بدرجاتٍ عاليةٍ من اليقين، فيجد العبد أنَّ الأمر كلّه لله وحده. والغرض: أنَّ هذه المعرفة لا تشمل الخلق كلّهم؛ إذ لا يؤمن سائر العباد أنَّ الأمر كلّه لله. فالبقّال والنجّار والخيّاط ونحوهم ممّن يعتمد على الأسباب والوسائط في تحصيل الرزق لا على الله محضاً لا حظّ لهم من تلك المعرفة، ولذا فلا تعمّ الآية الخلائق أجمعين، لاسيما مع وجود الفسّاق والكفّار وأهل الغفلة.
ــــــ[473]ــــــ
(1) أُنظر: مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 683، مفاتيح الغيب 31: 81، لباب التأويل في معاني التنزيل 4: 402، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
الثاني: أنَّه لو لوحظ جانب الثبوت وقلنا: إنَّ الأمر لله في الواقع، أمكن أن نلتزم بأنَّ المراد باليوم هو اليوم السرمدي، كما أشرنا إلى هذا المعنى في أبحاثٍ سابقةٍ، فيرتفع الإشكال؛ إذ ليس المراد باليوم حينئذٍ يوماً خاصّاً، بل سائر الأيام، فيرجع مضمون الآية إلى ما تقدّم من أنَّ الأمر -ثبوتاً لا إثباتاً- لله.
الثالث: أنَّنا لو تنزّلنا عمّا تقدّم لاختصّ الإخبار في الآية بلحاظ ذلك في حقبةٍ معيّنةٍ من الزمن، إلّا أنَّ الآية لا تنفي ما سواه؛ إذ ليس المراد أنَّ الأمر لله في يوم السبت دون يوم الأحد، بل لو كان المقصود أنَّ الأمر لله يوم السبت لكانت ساكتةً عن يوم الأحد لا نافيةً له.
والوجه فيه: أنَّها إن دلّت على ذلك المعنى فإنَّما تدلّ عليه بمفهوم الوصف، أي: نفي أنَّه لله في غير تلك الحقبة من الزمن، مع أنَّه لا مفهوم للوصف، كما حُقّق في علم الأصول(1). فلو قيل: إنَّ الأمر كلّه لله في يوم السبت، لم يكن نافياً له في يوم الأحد، بل المراد حينئذٍ التأكيد على إثبات السلطنة لله تعالى في كلّ حقبةٍ زمنيّةٍ، ومعه لا نفي فيها لحقبةٍ دون أخرى إثباتاً وثبوتاً. فلو أدرك العقل أنَّ لله تعالى السلطنة والسيطرة على مجاري الأمور في حقبةٍ معيّنةٍ، كيوم القيامة، فهل يعني ذلك نفي السلطنة والسيطرة عنه في الدنيا أو في غيرها؟ كلاّ! غاية الأمر أنَّ الآية غرضها الإشارة إلى تلك الحقبة من الزمن دون غيرها؛ لأهمّيّتها وخطورتها.

ــــــ[474]ــــــ
(1) أُنظر: كفاية الأُصول: 206، المقصد الثالث، منتهى الدراية 3: 397، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فهرس الكتاب
سورة الإنشقاق…..7
أطروحات في تسميتها…..7
قوله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ…..8
أطروحات في جواب الشرط لقوله: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ…..9
المصلحة في مجيء الجملة الإسميّة بعد إذا…..12
أطروحات في معنى انشقاق السماء…..14
أطروحات في سبب الانشقاق…..20
قوله تعالى: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ…..24
تطوير لغة الراغب لفهم قوله: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ…..24
مناقشة فهم المشهور من (ربّها)…..25
قوله تعالى: وَحُقَّتْ…..29
النقاش في هيئة ومادة (حقّت)…..31
ما أفاده الراغب في معنى الحقّ…..32
أطروحات معنى المادّة في (حقّت)…..35
أطروحات في كيفيّة ربط (حقّت) بـ(أذنت)…..36
قوله تعالى: وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ…..38
…..[475]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أطروحات في معنى قوله تعالى: وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ…..39
قوله تعالى: وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ…..41
أطروحات في فهم الآية…..42
سؤالٌ متعلّقٌ بقوله تعالى: أَلْقَتْ مَا فِيهَا…..52
قوله تعالى: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ وتكرارها…..53
قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ…..57
في اختلاف المصاحف في بداية رؤوس الآيات…..57
بيان معنى قوله تعالى: كَادِحٌ…..58
تعليقات في معنى (الكدح)…..58
المراد بـ(الربّ) في قوله تعالى: كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ…..62
أطروحات في معنى الآية…..63
مناقشة الروايات التي تقول بتجسّم الأعمال…..68
أي شيءٍ هنا يكون ظرف الكدح…..71
ثلاث فقراتٍ لطيفةٍ للسيّد الطباطبائي…..72
لماذا يقول: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِأووَرَاءَ ظَهْرِهِ…..76
قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ…..79
أطروحات في مدخول الفاء…..79
معنى(أما)…..81
أطروحة معنوية(باطنية) لمعنى اليمين والشمال…..82
كيف يكون عند الفرد كتاباً للحسنات وكتاباً للسيّئات…..83
…..[476]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أطروحتان في تسمية أصحاب اليمين في سورة الواقعة…..84
(الكتاب) في قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ…..85
أطروحات في ماهية الكتاب…..87
أجوبة لإشكال وجود انطباعٌ بالجبر في الآية…..88
قوله تعالى: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً…..90
قوله تعالى: وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً…..93
التعرّف على لفظ (الأهل)…..93
المتصوّر بالنسبة إلى لفظ (الأهل) في الآية…..95
قوله: وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً…..100
لماذا قال: (ينقلب) ولم يقل: يذهب…..100
المراد من قلب الإنسان…..103
قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ…..105
أُطروحتان في قوله تعالى: وَرَاءَ ظَهْرِهِ…..105
قوله تعالى: فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً…..107
ما معنى الثبور…..107
محلّ الإعراب لكلمة (ثبوراً)…..110
قوله تعالى: وَيَصْلَى سَعِيراً…..111
قوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً…..113
فهم المشهور من هذه الآية…..113
أُطروحاتٍ في معنى الآية…..114
…..[477]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ…..115
مطلبان بلحاظ الآية…..115
قوله تعالى: بلى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً…..116
دلالة كان في أبحاث علم الأصول…..119
والمراد بـ(بصيراً) في قوله تعالى: بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً…..123
معنى البصير والسميع في علم الكلام والفلسفة والعرفان…..124
نقاش مع الفلاسفة في علم الله تعالى…..125
نقاش في خلق جسم آدم…..126
نقاش في إشكال يحسبه السيد الطباطبائي مهماً…..127
نقاش على ما أفاده السيد الطباطبائي في معنى طائِرَهُ…..131
قوله تعالى: فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ…..140
مدخول الفاء وكيف كان نتيجةً ومعلولاً لما سبق…..140
ما معنى الشَّفَق…..141
تعليقان على كلام الراغب في معنى الشَّفَق…..142
لماذا قال: (لا أقسم) ولم يقل: (أقسم)…..145
أقسام القسم…..148
قوله تعالى: وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ…..148
في مادّة وَسَقَ…..149
أُطروحات في الليل وما يجمعه الليل…..150
تفسير معنى الليل معنوياً…..151
…..[478]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ…..152
تعليقات على كلام الراغب في معنى (اتّسق)…..152
مناقشة ما أفاده السيد الطباطبائي في فهم الآية…..155
ما هو إعراب (إذا) في قوله تعالى: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ…..156
قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ…..158
تعليق على معاني الطبق…..160
لماذا هذا التأكيد في قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ…..162
كلام في الأمّة المرحومة…..164
فهم باطني لرواية إنَّ الله خلق ألف ألف عالم وألف ألف آدم…..165
قوله تعالى: وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ…..167
أُطروحتان في الجمع المفهوم من قوله: (يوعون)…..168
تعليقات على فهم الراغب لمعنى (يوعون)…..170
قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ…..174
لماذا قال: فَبَشِّرْهُمْ…..175
أجوبة أُخرى غير أجوبة المشهور في معنى البشارة…..176
قوله تعالى:إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ…..177
سورة المطففين…..181
أسماء السورة…..181
قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ…..181
…..[479]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
معانٍ لمادة (ويل)…..182
قوله تعالى: لِلْمُطَفِّفِينَ…..184
قوله تعالى: الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ…..186
أطروحات في استعمال حرف الجرّ (على)…..187
قوله تعالى: وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ…..189
قوله تعالى: أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ…..190
معنى الظن هنا…..190
المراد من مَبْعُوثُونَ…..191
المستفاد من قوله تعالى: لِيَوْمٍ عَظِيمٍ…..194
قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ…..195
قوله تعالى: كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ…..196
في معنى الفجّار…..197
أطروحتان في مقابل ما قاله الراغب في معنى الفجار…..198
ما معنى أن يكون كتاب الفجّار في(سجين)…..198
قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ…..199
قوله تعالى: كِتَابٌ مَرْقُومٌ…..199
أطروحتان في مبتدأ (كتاب) المحذوف…..200
لماذا قال: (كتابٌ مرقومٌ)…..204
قوله تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ…..207
أطروحات في محذوف تنوين العوض في قوله: (يوْمَئِذٍ)…..207
…..[480]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
لماذا قال: (للمكذّبين) ولم يقل: (المكذّبين)…..209
قوله تعالى: الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ…..210
سؤالٌ حول النوعيّة التي يتحدّث عنهم سياق الآية…..213
قوله تعالى: وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ…..215
إشكالٌ في أنَّ التكذيب بيوم الدين أعمّ من المعتدين…..215
قوله تعالى: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ…..216
في معنى التلاوة…..217
في معنى الأساطير…..220
المراد من الأوّلين…..222
قوله تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ…..223
مناقشات في تفسير الراغب لمعنى (الرَّيْن)…..223
أطروحات في معنى قوله: يَكْسِبُونَ…..224
تعليق على انتقاش الأعمال السيئة في النفس…..225
قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ…..226
أطروحات في المراد (بربّهم)…..227
كيف كانوا محجوبين عنه…..228
لماذا هذا القلب في سياق الآية…..229
أُطروحات في الظرف المقدّر في قوله: (يومئذٍ)…..231
قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ…..232
المراد بالجحيم…..233
…..[481]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
وجوه عن (ثُمَّ) في هذه الآية…..234
قوله تعالى: ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ…..235
معنى (ثُمَّ) في هذه الآية…..235
من القائل لهذا القول…..235
قوله: (به) وهل هي للسببيّة أو للإلصاق…..237
محتملات في المشار إليه بقوله: (هذا)…..238
قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ…..239
المراد من (علّيّين)…..239
مناقشة أقاويل من نقل عنهم صاحب الميزان في هذه الآيات…..241
أطروحات في المراد بـ(الكتاب)…..242
حرف الجرّ في قوله: لَفِي عِلِّيِّينَ…..245
لماذا الكتاب مفردٌ والأبرار جمعٌ…..246
قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ…..247
قوله تعالى: كِتَابٌ مَرْقُومٌ…..248
قوله تعالى: يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ…..249
مادة المُقَرَّبُونَ…..250
السبب لهذه الشهادة في قوله: يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ…..252
مكان حصول المشاهدة…..252
كيف أنَّ المقرّبين أعلى وأفضل من الأبرار…..253
قوله تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ…..255
…..[482]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
فكرة عن معنى الأبرار…..257
قوله: لَفِي نَعِيمٍ…..259
الوجه في تنكير (نعيم)…..260
قوله تعالى: عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ…..261
جهتها الإعرابيّة…..263
أُطروحات إلى أين ينظرون…..263
قوله تعالى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ…..264
مادّة نضر في هذه الآية…..265
قوله تعالى: يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ…..266
مادّة (رحيق)…..266
أنحاء السقي…..266
مادّة (مختوم)…..267
قوله تعالى: خِتَامُهُ مِسْكٌ…..268
قوله تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ…..270
لماذا عبّر عنه بالمتنافسين…..270
لماذا أمر بالتنافس على حال الأبرار…..271
الفاء في قوله: فَلْيَتَنَافَسِ…..272
عرض إشكالٌ في الميزان ومناقشته…..273
قوله تعالى: وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ…..276
التفسير اللغوي للكلمات…..278
…..[483]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
أطروحات في تفسير المزاج…..279
شرح كلمة (تسنيم)…..280
أقوال في معنى (تسنيم)…..280
قوله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا المُقَرَّبُونَ…..283
لماذا قال: بِهَا ولم يقل: منها أو فيها أو عليها…..283
قوله تعالى:إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ…..284
لماذا بدّل لفظ (الأبرار) إلى (الذين آمنوا)…..285
لماذا بدلّ لفظ (الكفّار) إلى عنوان (الذين أجرموا)…..285
الضحك الثبوتي والإثباتي…..286
لماذا تعدّى بـ(من) ولم يتعدَّ بـ(على) في الآية…..292
قوله تعالى: وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ…..293
مرجع الضمائر في قوله: مَرُّوا بِهِمْ…..293
التعرّض إلى معنى (يتغامزون) مادةً وهيئة…..293
قوله تعالى: وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ…..295
مادّة (انقلبوا)…..295
قوله: فَكِهِينَ…..296
الترتيب الأدبي اللفظي في الآيات…..298
قوله تعالى: وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ…..299
الإشارة إلى أمور…..302
قوله تعالى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ…..307
…..[484]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ…..308
وجوه في سبب تكرارها في السورة…..308
قوله تعالى: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ…..310
مناقشة ما أفاده السيد الطباطبائي في تفسير الآية…..310
من هو المتكلّم…..312
من هو المخاطَب…..313
سورة الإنفطار…..317
الوجوه المحتملة في تسمية السورة…..317
قوله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ…..317
معاني الإنفطار…..317
ما يحتمل أن يكون المراد من الإنفطار في الآية…..321
مستويان للمراد بالسماء…..327
زرقة السماء…..328
أداة الشرط (إذا) ودخولها على الإسم…..330
إشكال تعدّد الأداة (إذا) وفعل الشرط…..332
قوله تعالى: وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ…..334
في معنى الإنتثار…..336
كيف يحصل الإنتثار مع أن الكواكب قائمة على نظام وقانون دقيق…..337
قوله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ…..344
الكلام عن (فُجِّرَتْ) مادةً وهيئةً…..344
…..[485]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
عدة أطروحات ممّا يرتبط بتفسير الآية الكريمة…..345
من معاني قوله تعالى: فُجِّرَتْ…..350
قوله تعالى: وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ…..353
أُطروحات أقرب إلى الفهم الباطني للآية…..353
قوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ…..356
كلام ونقاش في شبهة الآكل والمأكول…..357
زمان العلم بما قدّمت وأخّرت…..365
المراد من قوله: (قدّمت وأخّرت)…..368
لماذا قال: مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ…..369
قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ…..373
(ما) في قوله تعالى: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ…..373
احتمالات في المراد من (ربّ)…..373
أطروحات في زمان حدوث مضمون هذه الآية…..374
أسباب الغرور…..375
إشاراتٌ في الآية ينبغي الإلتفات إليها…..376
قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ…..386
ما المبرّر للتكرار الحاصل في (سوّاك وعدّلك)…..395
لماذا يقول بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ…..397
المعنى الفلسفي للخلق والإبداع…..400
قوله تعالى: فَسَوَّاكَ…..401
…..[486]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
قوله تعالى: فَعَدَلَكَ…..403
معاني الخلق والتسوية والعدل…..405
مناقشة اتحاد معاني (الخلق والتسوية والعدل) بمعنى الإيجاد…..407
قوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ…..410
السؤال عن معنى الصورة…..410
تعليقان على ما أفاده الراغب في المقام…..411
إشارة إلى خصائص الصور الثبوتيّة والإثباتيّة…..414
قوله تعالى: ركّبك…..418
تعليق على ما أفاده الراغب في معنى (ركّب)…..419
أمران مرتبطان بمفاد الآية…..423
الأول: تذكير (أي) في قوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ…..423
الثاني: (ما) في قوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ…..430
لماذا جاء (شاء) و(ركّبك) بصيغة الماضي…..433
قوله تعالى: كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ…..436
مراتب التكذيب…..437
مناقشة فهم المشهور من الإنسان…..438
إشكال على الفهم المشهور للسياق…..441
قوله تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ…..444
معاني الحفظ…..445
مادّة الكرم…..447
…..[487]…..
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الرابع
المعاني التي أفادها الراغب في المقام…..449
كلام في اللوح المحفوظ…..451
إنَّ الملائكة لا تعلم بالمقاصد والنيّات، فلماذا عبّر بقوله: يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ…..454
قوله تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي…..461
الزمان الذي يقع فيه مضمون هذه الآيات…..461
قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ…..464
قوله تعالى: يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلهِ…..467
المراد من ذيل الآية…..472