منّة المنان في الدفاع عن القرآن
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمّد الصدر
بإشراف
مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الخامس
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
النجف الأشرف
بسم الله الرحمن الرحيمن
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ * فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
سورة التكوير
[أطروحات في تسميتها]
في وجه تسميّة السورة أُطروحات عدّة:
منها: التسمية المشهورة، أعني: سورة التكوير.
ومنها: السورة التي ذُكر فيها التكوير، على ما هو منهج الشريف الرضي في تسمية السور(1).
إن قلت: لفظ التكوير لم يُذكر في السورة.
قلنا: إنَّ مادّة (كوّر) مذكورةٌ كفعلٍ ماضٍ، والموادّ مصادرٌ كما هو واضحٌ.
ومنها: سورة كُوِّرَتْ، أي: يؤخذ اللفظ نفسه من الآية الأُولى، ليكون اسماً للسورة، كما في بعض المصادر.
ومنها: سورة {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} من قبيل: سورة {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}، أي: تسميتها باسم الآية الأُولى منها.
ومنها: تسميتها بحسب ترتيبها في المصحف الشريف، أعني: الرقم 81.
****
قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}:
سبق غير مرّةٍ الحديث عن (إذا) وشرطها وجزائها والحكمة من تكرارها في سائر الآيات وإعرابها، وهذه الظاهرة النحويّة أو اللغويّة
ــــــ[7]ــــــ
(1) راجع حقائق التأويل 5: 291، السورة التي يُذكر فيها النساء.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الملحوظة هناك ملحوظةٌ هنا.
قال العكبري: قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} أي: إذا كوّرت الشمس(1).
وهذا التقديم والتأخير لم يكن عبثاً، ولنا تعليقٌ عليه، سيأتي ذكره إن شاء الله.
[جواب (إذا) هو قوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْـضَرَتْ]
وجواب (إذا) هو قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ}، وهو أيضاً العامل في هذا الظرف، أي: أداة الشرط.
أقول: يتضمّن هذا الكلام أمران:
الأوّل: أنَّ الفعل أو المشتقّ هل يمكن أن تتعلّق به أجزاء كثيرة من الكلام كالجارّ والمجرور والظرف ونحو ذلك أو شيءٌ واحدٌ؟
يرى ابن الأنباري جواز ذلك(2)، وإذا لم يكن جائزاً في نظره احتاج كلّ (إذا) إلى متعلّقٍ، مع إنَّنا لا نجد شيئاً من هذا القبيل. وفي حدود الفكرة النحويّة يكون هذا السياق القرآني هو الدّال على الجواز.
الثاني: أنَّ أداة الشرط تعلّقت بالجزاء، أي: بجملة أُخرى متأخّرةٍ عنها لفظاً ورتبة. وهذا – أيضاً- ما يظهر من كلام ابن الأنباري(3).
أمّا قول العكبري: إنَّ {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} بمعنى: إذا كوّرت الشمس(4) فباعتبار أنَّ (إذا) لا تدخل إلّاَ على الفعل، أي: لابدّ أنَّ تدخل على
ــــــ[8]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 282، سورة التكوير.
(2) حسبما يُستفاد ممّا أشار إليه في كتابه البيان في غريب إعراب القرآن 2: 496، غريب إعراب سورة {كوّرت}.
(3) المصدر السابق.
(4) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 282، سورة التكوير.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الجملة الفعليّة لا الجملة الاسميّة، ولذلك قال العكبري: المراد: إذا كوّرت الشمس، فقد أوّلَ الجملة الاسميّة إلى جملة فعليّة. وهذا ما ذكره النحويّون أيضاً في (إن) الشرطيّة، ومثّلوا لها بقوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ}(1)، فقالوا: إنَّ المعنى: وإن استجارك أحدٌ من المشركين.
أقول: لا كلام في جريان ذلك في (إن) الشرطيّة، بخلاف (إذا)؛ إذ ليس الأمر بذلك الوضوح، وإن قال المشهور بذلك والتزم به في أغلب الاستعمالات القرآنيّة؛ إذ أكّد على أنَّ (إذا) تدخل على الأفعال، لا على الأسماء.
[تعليق على كلام المشهور بشريطة دخول(إذا) على الجملة الفعلية]
ولنا تعليقٌ على ذلك، لكن لابدّ أوّلاً من التفريق بين (إذا) الشرطيّة و(إذا) الفجائيّة. فنقول: (إذا) الشرطيّة تدخل على الأفعال، وأمّا الفجائيّة فتختصّ بالدخول على الجملة الاسميّة، كقوله تعالى: {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى}(2). ومن الاستعمال في الموردين قوله تعالى: {إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنْ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ}(3)، فـ(إذا) في قوله تعالى: {إِذَا دَعَاكُمْ} شرطيّةٌ، وفي قوله تعالى: {إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} فجائيّةٌ، وهو جزائها.
ونحوه قوله تعالى: {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}(4)، فـ(إذا) في قوله تعالى: {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ} شرطيّةٌ، وفي قوله تعالى: {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} فجائيّةٌ.
أمّا تعليقنا على كلام المشهور القائل: إنَّ (إذا) الشرطيّة لابدّ أن تدخل
ــــــ[9]ــــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 6.
(2) سورة طه، الآية: 20.
(3) سورة الروم، الآية: 25.
(4) سورة الروم، الآية: 48.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
على الجملة الفعليّة فإنَّه وإن كان الغالب في (إذا) هو دخولها على الجملة الفعليّة: كقوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى}(1)، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}(2)، {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ}(3) و{إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ}(4)، على اختلاف الفعل الماضي والمضارع، إلّاَ أنَّه يُلاحظ أنَّ (إذا) دخلت على الجملة الاسميّة أيضاً، كما في قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}(5) و{إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ}(6). ففي سورة التكوير نرى أنَّ (إذا) دخلت على الجملة الاسميّة في اثني عشر مورداً، وفي سورة الانفطار في أربعة موارد.
والظاهر أنَّ اللزوم – أي: لزوم دخول (إذا) على الجملة الفعليّة- لو كان تاماً وحقيقيّاً لشعرنا في مثل هذه الموارد والاستعمالات بشيءٍ من التسامح والتجوّز، مع أنَّ ذلك غير متحقّقٍ، ما يدلّ على أنَّ كلا الاستعمالين جائزٌ، وأنَّ التغيير والتأويل – كما صنع العكبري- خلاف الأصل.
[بيان مادّة (التكوير)]
وليقع الكلام الآن في بيان مادّة (التكوير). قال الراغب: كور الشيء إدارته وضمّ بعضه إلى بعض ككور العمامة. وقوله: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ}(7) فإشارةٌ إلى جريان الشمس في مطالعها وانتقاص
ــــــ[10]ــــــ
(1) سورة النجم، الآية: 1.
(2) سورة الليل، الآية: 1.
(3) سورة النصر، الآية: 1.
(4) سورة الشورى، الآية: 39.
(5) سورة التكوير، الآية: 1.
(6) سورة الانفطار، الآية: 1.
(7) سورة الزمر، الآية: 5.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الليل والنهار وازديادهما(1).
هكذا فهم الراغب من مادّة (كور) ومن قوله تعالى: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ} فقال: يكوّر النهار على الليل، أي: يأخذ قسماً من النهار فيضعه في الليل حينما يقصر النهار، وحينما يقصر الليل فإنَّه يأخذ قسماً من الليل يدخله في النهار، وهكذا على مدار السنة.
إلّاَ أنَّنا لا نفهم من قوله تعالى: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ} ذلك، بل نفهم أنَّ تكوير الشيء بمعنى: أن يضع شيئاً فوق شيء، لا أن ينقص منه، فالنهار عندما ينتهي يأتي الليل فوقه، فيختفي النهار، ثُمَّ حينما ينتهي الليل يأتي النهار فوقه، فيختفي الليل وهكذا، أي: إنَّ كلّ فرد يكوّر على الذي قبله، فالليل يُكوّر على النهار والنهار على الليل.
وأضاف الراغب: وطعنه فكوّره إذا ألقاه مجتمعاً(2). وهذا من قبيل أن نقول: كوّارة النحل، أي: سبب لاجتماع وتكوّر النحل على بعضه البعض. ويُقال للبلاد الكثيرة المجتمعة: كورة، أي: مجتمع قرى وأرياف. ويقال: كوّارة النحل باستعمال صيغة الصّفة المشبهة، أي: سبب لاجتماع النحل، والكور الرحل بعنوان كونه ملفوفاً.
ويُلاحظ: أنَّ الراغب ذكر معنيين رئيسين لمادّة (كور):
أحدهما: التكوير، وهو التدوير واللّف والدوران، كالعمامة التي تُدار على الرأس.
وثانيهما: اجتماع الأشياء وضمّ بعضها إلى بعض.
ــــــ[11]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 460، مادّة (كور).
(2) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والظاهر: أنَّ الأصل للمادّة هو الاجتماع لا الدوران، وإن يحصل أحياناً الاجتماع على شكل مدوّرٍ، فيسمّى التدوير تكويراً.
نعم، قد يُطلق التكوير على كلّ شيءٍ اتّخذ شكلاً كرويّاً، والشكل الكروي استعمالٌ قديمٌ وملحوظٌ كاصطلاحٍ معروفٍ في الجبر والهندسة القديمة.
ثُمَّ إنَّه ثبت في العلم الحديث أنَّ كلّ واحدٍ من الأجرام السماويّة
– وخاصّة في المجموعة الشمسيّة- كروي الشكل تقريباً، إلّاَ أنَّ هذا لم يكن معروفاً في صدر الإسلام، بل كانت تبدو لهم النجوم كنقاطٍ مضيئةٍ وتبدو الشمس والقمر مدوّرات مسطّحة لا كرويّة، ولم يكن العرف العامّ يفهم الكرويّة بالمعنى الذي نفهمه.
[أطروحات في قوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ]
ومن هنا يمكن الإشارة في قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} إلى عدّة أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: وهي الأُطروحة المشهورة المستندة إلى قاعدة (كلّم الناس على قدر عقولهم)؛ إذ لا يمكن أن ينزل في الآية ما يخالف مستوى إدراكات العصر، وإن كان المعنى المطابقي في بطون القرآن، وحاصلها ما أفاده صاحب “الميزان” بقوله: ولعلّ المراد بتكوير الشمس انظلام جرمها على نحو الإحاطة استعارةً(1).
أقول: هذه الأُطروحة لا تخلو من مناقشةٍ؛ إذ المعنى الذي حملته لتكوير الشمس هو انطماس ضوءها وانظلام جرمها، فيكون الظلام سبباً للتكوير على نحو الاستعارة والمجاز. ومن هنا تنشأ المشكلة، فلابدّ من علاقة مّا بين
ــــــ[12]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن20: 213، تفسير سورة التكوير.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، من قبيل قولنا: (زيدٌ أسدٌ)، فالعلاقة هنا هي الشجاعة، مع أنَّنا لا نجد أيّ علاقةٍ بين الظلام والتكوير، فيكون الاستعمال بدون علاقةٍ، والاستعمال من دون علاقةٍ لا يمكن المساعدة عليه، بل هو غلطٌ، فيكون الوجه الذي ذكره المشهور غير تامٍّ.
الأُطروحة الثانية: أن تكون الشمس ثقباً أسود، ويكون مضمون تكوّرها أمرين:
الأوّل: انظلامها.
الثاني – وهو الأهمّ-: اجتماع سائر توابعها إليها؛ لأنَّ المعنى الأساسي للتكوير هو الاجتماع. وإنَّما فرضنا كونها ثقباً أسود؛ لأنَّ الثقب الأسود له جاذبيّة عاليّة جدّاً لسائر الأجسام التي حوله، فيجرّ الأرض وباقي الكواكب، لتصبح كتلةً واحدةً تأتي يوم القيامة.
الأُطروحة الثالثة: أنَّ الشمس تتكوّر إثباتاً، أي: يعرف الناس والمجتمع كونها كرةً بعد أن كانوا يتوهّمونها مسطّحة، وهذا تنبّؤٌ صادقٌ، وقد حصل فعلاً في الفكر الحديث.
الأُطروحة الرابعة: النظر إلى معلولات الشمس وتأثيرها في الكون أو قل: تأثيرها على توابعها، وهذا التأثير على شكل كروي -إن صحّ التعبير- وذلك من خلال زاويتين:
الأُولى: أنَّ نور الشمس يشعّ في مسافات متساوية وعلى شكلٍ كروي.
الثانية: أنَّ مجموع مدارات التوابع على شكل كرةٍ أيضاً. وكلا هذين الأمرين من مصاديق قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}.
****
ــــــ[13]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ}(1):
الجبال أصلها الجَبْل، وهو الخلط والعجن، ومن ذلك جَبْلُ طينة الإنسان، أي: تكوينه الأصلي، والجبل بمعنى اسم المفعول، أي: مجبول نحو: حصب بمعنى محصوب، وحطب بمعنى محطوب. وعلى هذا فالمراد من الجمع (الجبال) نفس معنى المفرد الذي هو إمّا الجبل المعروف، أو بمعنى المخلوق، فالجبال المقصود بها المخلوقات. ومن الواضح أنَّ الإنسان هو أكثر المخلوقات المجبولة بأطباع مختلفة، فيُراد من الجبال البشر أو المتكامل من البشر. كما أنَّ في الجبال جهاتً أُخرى، كالثبات، فيُشبّه الفرد الصامد بالجبل، وهكذا جانب الأهمّيّة باعتبار ضخامتها وإلفاتها للنظر، فيُشبّه الفرد المشهور مثلاً بالجبل.
كما يمكن الإشارة إلى بعض أنواع البلاء التي ثقل تحمّلها على النفس، أو قد يُعبّر عن النفس الأمارة بالسوء بالجبل.
[مادّة (سير)]
وأمّا مادّة (سير) فالسير يعني قطع المسافة، والمسافات متعدّدة الحصص والمصاديق، والمشهور عرفاً وعملاً هو المسافة المكانيّة، إلّاَ أنَّها قابلة للحمل على أُمورٍ أُخرى، كالمسافة الزمانيّة أو السير الزماني، ودرجات الكمال والتسافل، والانتقال من عالمٍ إلى آخر، وبضرب بعض الاحتمالات بالبعض تكون المعاني كثيرة.
[احتمالات فيما يتحصّل من قوله تعالى: وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ]
والذي يتحصّل من قوله تعالى: {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} عدّة معانٍ واحتمالات:
الأوّل: أنَّ الجبال المعروفة تسير يوم القيامة مع كونها ثابتةً بالأصل؛
ــــــ[14]ــــــ
(1) لم نعثر على ما أفاده السيّد الشهيد الصدر حول تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ}، فلاحظ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وذلك للإشارة إلى أنَّ يوم القيامة من الهول والأهمّيّة بحيث لا تصمد له حتّى الجبال الشامخة والثابتة، فكيف يصمد له هذا الجسم الإنساني البسيط المتكوّن من لحمٍ ودمٍ؟
الثاني: أنَّ الجبال المعروفة دائمة السير في كلّ زمان وفي كلّ مكانٍ، تبعاً لدوران الأرض حول نفسها. وقد فهم المتأخّرون – منهم المحقّق الخوئي(1)- من قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}(2) ذلك المعنى.
الثالث: أنَّ الجبال المعروفة قد تتكامل بالتسبيح؛ لأنَّ الله سبحانه يقول: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}(3)، فتتكامل وتصل إلى درجة التجلّي، كما وصل الجبل الذي صعده موسى.
ويُلاحظ: أنَّ التجلي كان للجبل لا لموسى؛ حيث قال سبحانه: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا}(4).
الرابع: أنَّ المراد بالجبال البشر -كما مرّ بنا- بصفتهم خليطاً من كلّ العناصر والعوالم، فيكون قوله تعالى: {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ}، أي: تسييراً اقتضائيّاً بأن أُعطوا فرصة السير في الدنيا والآخرة بحسب الإرادة والاختيار، فالسير هنا اقتضائي لا علّي؛ لئلاّ يلزم الجبر الباطل.
الخامس: المراد بالجبال الإنسان المتكامل، وقوله تعالى: {وَإِذَا الْجِبَالُ
ــــــ[15]ــــــ
(1) راجع ما أفاده السيّد الخوئي في البيان في تفسير القرآن: 73-77، إعجاز القرآن.
(2) سورة النمل، الآية: 88 .
(3) سورة الإسراء، الآية: 44.
(4) سورة الأعراف، الآية: 143.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
سُيِّرَتْ} يُراد منه سير الإنسان في طريق التكامل والوصول إلى المراتب العالية في رحمة الله الخاصّة.
السادس: أنَّ المراد بها الأرواح العالية التي تسيّر الكون بالولاية التكوينيّة التي تنفّذ أوامر الله سبحانه، كأرواح المعصومين (سلام الله عليهم).
السابع: أنَّ المراد بها السلاطين والمتنفّذون من ذوي الجاه والسمعة الذين أُعطوا فرصة السير والتصرّف في المجتمع بإذن الله تعالى.
****
قوله تعالى: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ}:
أمّا (العشار) فقد أرجعها الراغب إلى عشر يعشر، أي: إلى معنى العدد، فكأنَّ أصل المادّة مأخوذة من العدد، ثُمَّ قال: وناقة عشراء مرّت من حملها عشرة أشهر، وجمعها عشار، قال تعالى: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} وجاءوا عشارى عشرة عشرة، والعشارى ما طوله عشرة أذرع … وقدح أعشار منكسر، وأصله أن يكون على عشرة أقطاع … والعشيرة أهل الرجل الذين يتكثّر بهم، أي: يصيرون له بمنزلة العدد الكامل؛ وذلك أنَّ العشرة هو العدد الكامل(1).
[معانٍ لمادة (الْعِشَار)]
أقول: أمّا أن نقول بأنَّ مجموع العشيرة عشرة، فسمّيت عشيرةً، أو أن نقول: إنَّ العشرة هو العدد الكامل، كما قال تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}(2)، فكأنَّما الإنسان حينما تحيط به عشيرته وأقربائه يكون كاملاً.
وعشر بمعنى: عاشرته، أي: صرت له كالعشيرة. قال تعالى:
ــــــ[16]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 347، مادّة (عشر).
(2) سورة البقرة، الآية: 196.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}(1)، وبمعنى العشير، كما في قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ}(2).
وعلى أيّ حالٍ فقد تبيّن أنَّ للمادّة عدّة معانٍ:
الأوّل: بمعنى العدد عشرة ومشتقّاتها.
الثاني: الناقة التي مرّت عليها عشرة أشهرٍ على حملها، ويُعمّم مجازاً إلى كلّ علّةٍ أو سببٍ قريب الإنتاج والتوليد.
الثالث: القدح المكسور، ويُعمّم مجازاً إلى كلّ مشروعٍ فاشلٍ أو سببٍ عاطلٍ غير منتجٍ، وهذا يعني أنَّ هناك تقابلاً بين المعنى الثاني والثالث أو تضادّاً.
الرابع: العشيرة، وهم الأقارب.
الخامس: العشرة والمعاشرة، وهي المخالطة والاجتماع.
السادس: أن يُقال: إنَّ مكان المخالطة والمعاشرة عشار، أي: منطقة المعاشرة.
[مادّة (عطل)]
وأمّا مادّة (عطل) فقد أفاد الراغب: العطل: فقدان الزينة والشغل، يقال: عطلت المرأة، فهي عطلٌ وعاطلٌ، أي غير مزيّنة بالحلي والجواهر، ومنه قوس عطل لا وتر عليه. وعطّلته من الحلي ومن العمل فتعطّل. قال: {وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ}(3). ويُقال لمن يجعل العالم بزعمه فارغاً من صانع أتقنه وزيّنه معطّلٌ. وهو بالاصطلاح الحديث ملحدٌ، وهو غير سديدٍ، بل هو معطّل؛ لأنَّ الملحد
ــــــ[17]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 19.
(2) سورة الحجّ، الآية: 13.
(3) سورة الحجّ، الآية: 45.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
هو المكذّب، والمعطّل هو المُنكر للخالق. ويُقال: عطّل الدار عن ساكنها والإبل عن راعيها(1).
وعليه فقد رجعت المادّة بذلك إلى فقدان ما هو ضروري الوجود، ولذلك عدّة مصاديق وحصص:
الأوّل: العطل من الزينة للمرأة أو من الجمال، وهذا التعميم من عندنا، فيكون مجازاً.
الثاني: العطل من الشغل أو العمل، أي: البطالة باللغة الحديثة، ويرى العرف أنَّ فقدان العمل أمرٌ باطلٌ وأنَّ من الحقّ أن يعمل الإنسان، وعمله من الجهاد الأكبر؛ ولأنَّهم يرون فقدان العمل أمراً باطلاً يطلقون على فاقد العمل البطّال.
الثالث: عدم الاستفادة من الشيء كالبئر المعطّلة: إمّا لوجود المانع أو لفقدان الشرط.
الرابع: إفراغ الشيء ممّا يناسبه، كتعطيل الدار وتفريغها، أو تعطيل العالم وتفريغه من الخالق جلّ جلاله.
الخامس: سحب الرقابة والمحافظة على الشيء؛ وذلك لأنَّ العامل ينظر إلى الشيء ويراقبه ويحافظ عليه، فإذا انسحب عن العمل تعطّل كلّ شيءٍ عن ما هو مطلوبٌ، كتعطيل الإبل من الراعي الذي هو مراقبٌ ومحافظٌ عليها.
السادس: التعطيل عن الحركة، ومنه -كما في اللغة الحديثة- جهاز عاطلٌ وسيّارةٌ عاطلةٌ، ومنه الشلل الذي يصيب أعضاء الإنسان.
السابع: التعطّل عن النشاط نحو: ترك الدرس لمناسبةٍ معيّنةٍ، فالتعطيل
ــــــ[18]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 338، مادّة (عطل).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
عن الدرس أو الوظيفة أو أيّ نشاطٍ يمارسه الإنسان ويتركه يُسمّى عطلاً وتعطيلاً.
الثامن: التعطّل بمعنى التأخير، فإذا تأخّر العمل وتوقّف يُقال: تعطّل، أي: تأخّر أكثر من الزمان اللازم له.
أقول: إنَّ معاني (العشار) ستّة ومعاني (عطّلت) ثمانية، فيصبح العدد (48) بمجموع ضرب 8 6. ونذكر فيما يلي بعض النماذج كأُطروحات للمعنى، وإنَّما سنذكر عشرة، ونحيل الباقي إلى فطنة القارئ اللبيب.
الأوّل: أنَّ المجتمعات البشريّة تتعطّل في يوم القيامة، وهذا هو المعنى المشهور.
الثاني: أنَّ الأموال تعطّل يوم القيامة، فتصبح كأنَّها لا مالك لها؛ لأنَّ الناس مشغولون بأنفسهم عن أموالهم، وهذا المعنى ذهب إليه صاحب “الميزان”، فراجع(1).
الثالث: أنَّه إشارةٌ إلى البلاء الذي يحصل في بعض المجتمعات من الفقر والمرض، فتفقد الحيوانات راعيها والمراعي حيواناتها والأفراد أموالها.
الرابع: أنَّ شخصاً أو جماعة يأملون التكامل في هدفٍ دنيوي أو أُخروي، فيتأخّرون عنه كثيراً، فيكون قوله تعالى: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ}، بمعنى: أنَّهم يتأخّرون.
الخامس: أنَّ شخصاً يرى لنفسه حسن عبادةٍ، فيختار أن يترك المجتمع وينصرف إلى عبادة الله، وهو بهذا يتعطّل عن عشيرته ومجتمعه، فيصدق عليه قوله تعالى: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ}.
ــــــ[19]ــــــ
(1) راجع الميزان في تفسير القرآن20: 213، تفسير سورة التكوير.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
السادس: أنَّ البيوت والمدن تخرب بالحروب أو البراكين ونحو ذلك.
السابع: عدم اعتقاد المجتمع الكافر أو الفاسق بالرقابة الإلهيّة، فكأنَّما أصبحوا معطلّةً بهذا المعنى.
الثامن: ما يحصل بالمرض والشلل من تعطيل الأعضاء أو التعطيل من الدرس أو الوظيفة، فيتعطّل بذلك الإنسان عن المجتمع وينقطع عن معاشرة الناس، فيصدق عليه قوله تعالى: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ}.
التاسع: اتّفاق جماعة على ترك العمل كتعطيلٍ اختياري.
العاشر: التعطيل الذي يحصل بالموت، فيتعطّل الإنسان بالموت عن معاشرة الناس والاختلاط معهم؛ إذ من مات خرج عن وظائفه ومكانته الدنيويّة في المجتمع.
****
قوله تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ}
الغرض من هذه الآية أن نعرف ما هي الوحوش وما معنى حشرها.
فنقول: إنَّ الوحوش هي الحيوانات غير الأليفة للبشر، ويعبّر عنها في الفقه بالنافر بطبعه، وهو مأخوذٌ من الوحشة، أي: الرهبة والتخوّف، وهذا هو التفسير المشهور لهذه اللفظة.
إلّاَ أنَّه قد يُقال بأنَّه أوسع ممّا هو المفهوم عرفاً؛ لأنَّه يشمل الطيور؛ إذ الطيور في الجملة نافرةٌ بطبعها، إلّاَ أنَّه لا يُقال لها وحوش.
[ما هي الوحوش وما معنى حـشرها]
ومن هنا قد يُقيّد معنى الوحوش بأحد قيدين، فهو ليس النافر بطبعه فقط، بل هناك قيدان: أحدهما: أن يكون أرضيّاً، فيخرج الطائر وثانيهما: أن يكون آكلاً للحوم. وعليه فإمّا أن نقيّده بأحد القيدين أو بكلا القيدين، وكلّما
ــــــ[20]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قيّدناه أكثر قلّ عدده وضاقت دائرته. وإذا قيّدناه بكلا القيدين كان عبارةً عن النافر بطبعه وكان أرضيّاً غير طائر وآكلاً للحوم، فيكون ما يعرف بالسبع بمعنى من المعاني.
وأمّا الحشر فظاهره وقوعه في يوم القيامة، لا كما ذهب له صاحب “الميزان” بأنَّه حشرٌ في الدنيا(1)؛ فإنَّ هذا في نفسه غير صحيحٍ؛ لاستبعاد حصول اجتماعها في الدنيا مع تفرّقها على وجه الأرض، وعدم تصوّر حكمة من وراء هذا الاجتماع، فيتعيّن أن يكون الحشر في يوم القيامة.
وهذا المعنى مفهومٌ من لفظ الآية نفسها، ولا ربط له بالسياق العامّ للسورة.
والسيّد الطباطبائي قد يفهم ببركة السياق العامّ أنَّ الحشر في يوم القيامة؛ لأنَّ هذه الآية: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} وقعت في سياق آيات تتحدّث عن إرهاصات يوم القيامة ومقدّماتها. كقوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} ثُمَّ قال سبحانه: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} فيكون هذا بمنزلة القرينة المتّصلة على أنَّ الوحوش حُشرت في يوم القيامة.
إلّاَ أنَّنا في الحقيقة نفهم من قوله تعالى: {حُشِرَتْ} أي: حُشرت في يوم القيامة بعد استبعاد حشرها في الدنيا، ولا حاجة إلى تلك القرائن المتّصلة. نعم، مع ضمّها إليها نفهم أنَّ الحديث كلّه عن يوم القيامة، وحينئذٍ يكون حشرها في يوم القيامة أوضح. لكن مع ذلك نستطيع -من دون تلك القرائن-
ــــــ[21]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن20: 214، تفسير سورة التكوير.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
القول: إنَّ الحشر في يوم القيامة.
الخطوة الأُخرى في المقام هو الالتفات إلى أنَّ العقل لا يدرك للوحوش أيّ خصوصيّةٍ أو موضوعيّة؛ فالوحوش بما هي وحوشٌ لا دخل لها بالموضوع، ومع إلغاء الخصوصيّة يثبت أنَّ الحشر عامّ لكلّ حيوانٍ، لا للوحوش فقط.
[لماذا سمّى الوحوش بالتعيين]
فإن قلت: فلماذا سمّى الوحوش بالتعيين، وهل هذا إلَّا لخصوصيّة فيها؟
قلت: نعم، يمكن إبراز بعض الخصوصيّات للوحوش من قبيل: كونها أوضح الأفراد، وأنَّ العرف يتصوّرها نافرةً، وهذه الصفة تقتضي عدم إمكان السيطرة عليها، ولذلك بيّن الله سبحانه لنا بأنَّ هذه الوحوش مع نفورها وطبائعها العدائيّة سوف تحشر وتأتي طائعةً منقادةً. ولا يعني ذلك أنَّ غير الوحوش من الحيوان لا تُحشر يوم القيامة؛ لأنَّ الآية الشريفة ليس فيها مفهوم مخالفة.
ومع ذلك يمكن إلغاء الخصوصيّة وتعميم الحشر للجميع، ويؤيّد هذا التجريد والإلغاء الآية الشريفة التي هي كالنصّ في إلغاء الخصوصيّة، أعني: قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}(1). فيصبح المعنى: ما من دابّةٍ في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه إلّاَ يُحشر إلى ربّه، ونلاحظ أنَّها لا تختصّ بالوحوش.
[كيف لا عـقل لها وتـحشر]
الخطوة الأُخرى في المقام هي أنَّ المركوز في الأذهان أنَّ الحشر في يوم القيامة خاصّ بالإنسان، وأمّا الحيوانات والجنّ والملائكة وغيرها فلا يُعلم
ــــــ[22]ــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 38.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
حشرها، لا سيّما مع الالتفات إلى أنَّ الحيوانات لا عقل لها، ومادامت كذلك فلا تكليف عليها، ومن لا تكليف عليه لا حساب عليه، ومن لا حساب عليه فلا حشر له؛ لأنَّ الحشر إنَّما هو لأجل الحساب لا غير.
وأنت خبيرٌ بأنَّ هذا الفهم والاقتصار عليه مخالفٌ لنصّ القرآن كما في الآية المتقدمة من قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}. ومن هنا نحاول الإجابة عن أنَّها كيف لا عقل لها وتحشر؟
ولابدّ في الجواب من رسم مقدّماتٍ:
المقدّمة الأُولى: أن نلتفت إلى وجود المظالم والاعتداءات بين الحيوانات أنفسها، فبعضها يعتدي على البعض الآخر، وهذا ما يعرف بقانون الغاب. وقد يكون الإنسان هو المعتدى عليه، كأن يقتله أو يجرحه حيوانٌ، أو يكون الإنسان هو المعتدي، كما في حالات الصيد أو بالاستخدام السيّئ للحيوانات ونحو ذلك. وحينئذٍ نقول: في كلّ هذه الحالات لابدّ من القصاص، فكل حقّ قد ظلم فمن الحكمة والعدل أن يقتصّ منه.
لا يُقال: إنَّنا نذبح البقر والغنم، فهل هذا ظلمٌ لها، ما يلزم أن يقتصّ منّا يوم القيامة؟
فإنَّه يُقال: إنَّ ذلك جائزٌ شرعاً، والله سبحانه قد أجاز في ذلك من أجل الاستفادة من لحمها وصوفها، فهو ليس اعتداءً بذلك المعنى، بل لو كان اعتداءً فهو اعتداءٌ مباحٌ. وهذا ليس من قبيل أن يترك الإنسان الحيوان بلا أكلٍ أو شربٍ أو يشبعه ضرباً بالسوط؛ لأنَّه ورد النهي عن ذلك في الكتاب والسنّة.
ــــــ[23]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المقدّمة الثانية: أنَّ الحساب لا يكون إلّاَ بعقلٍ؛ إذ لو انعدم حقيقةً لم يبقى معنى للحساب. فنقول: إنَّ الحيوانات لها عقولٌ، ولكن بمقدارٍ معيّنٍ، وهو يتفاوت ما بين أصنافها، وبهذا المقدار تستطيع تكفّل مصالحها، وبهذا المقدار تُحاسب أيضاً. نعم، لا تُحاسب كما يحاسب الإنسان، بل تحاسب بقدر إدراكها وتعقّلها.
وأمّا وجود العقل لديها فدليله واضح بعد ملاحظة تصرّفاتها في طعامها وشرابها وصيدها ونكاحها وتربية صغارها وغير ذلك ممّا يحتاج بطبيعة الحال إلى عقلٍ. وقد تقدّم منّا: أنَّ الشهوة أو الحاجة لا تكفي في تيسير حالة الحيوان ومعيشته، فلو بقيت الشهوة أو الحاجة وحدها لقتلت صاحبها؛ لأنَّه يجوع ولا يعلم أنَّ دواء الجوع هو الأكل، فبالعقل يدرك الحيوان أنَّ دواء الجوع هو الأكل وغيرها من قضايا يستطيع من خلالها الاستمرار والعيش.
ولوحظ: أنَّ العلماء وجدوا في براز القرود مادّة خضراء تعود لنباتٍ معيّن لا يأكله القرد إلّاَ إذا أصابه مرضٌ معيّن من أجل شفائه، وإلّاَ فإنَّ طعامه شيءٌ آخر، وهذا يعني بطبيعة الحال أنَّ لديه عقلاً.
ومن ذلك نفهم أنَّنا إذا قسنا الحيوان إلى النبات والجماد، فسنجد فرقاً كبيراً، وهذا أمرٌ وجداني لا يحتاج إلى نقاش.
والخطوة الأُخرى التي نخطوها في هذا الصدد أن نلتفت إلى عدم معاشرتنا للحيوانات، فلا يمكننا الاطّلاع الكامل على مقدار ما رزقها الله من عقولٍ، وكلّما دقّقنا في تصرّفاتها أكثر انجلى ذلك الأمر لنا، لنجد أنَّ بعض الحيوانات وهبها الله سبحانه حسّاً لم يعطه للإنسان، كالخفّاش والنحل والكلب.
والغرض: أنَّ الله يعلم مدى العقل الذي وهبه لكلّ نوعٍ وصنفٍ من
ــــــ[24]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الحيوانات، فيحاسبها بذلك المقدار، ولا يصل حسابها إلى درجة حساب الإنسان؛ لوضوح عدم وصول عقل الحيوانات إلى مستوى عقل الإنسان.
نعم، نوع الحساب وكيفيّته لم يرد في الكتاب أو السنّة؛ لأنَّه قد يكون أعلى من مستوى الفهم الطبيعي.
وقد لا يفهم العرف ذلك، أعني: إمكانيّة المحاسبة للحيوان يوم القيامة، إلّاَ أنه ورد “إنَّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم”(1). والعرف حاكمٌ في ذلك، فيقول لنا: إنَّ التفاهم بين الإنسان والحيوان غير ممكنٍ. فإذا اعتدى عليَّ حيوانٌ في الدنيا كالكلب مثلاً وأوقفه الله للحساب يوم القيامة، وقال الله سبحانه لي: إنَّ هذا الكلب اعتدى عليك في الدنيا، فكيف لي التفاهم مع هذا الحيوان حينئذٍ؟ وكيف لي أن آخذ حقّي منه؟ ويرد هذا الإشكال في الحيوانين أيضاً، كالقرد والذئب مثلاً، فكلّ حيوانٍ لا يفهم لغة الحيوان الآخر. فإذا كان كذلك، فكيف يحصل الحساب بينها يوم القيامة؟
وجواب ذلك كلّه يكمن في إرادة الله تعالى، ونحن لا نعلم الوضع الحقيقي في ذلك الحين، ولكنّنا نأخذه كنتيجة مسلّمة، وهي: أنَّ الحساب منصوصٌ في القرآن.
المقدّمة الثالثة: أن يُقال: إنَّ الحيوانات وإن كان لها مقدارٌ من العقل، لكنّها غير مكلّفة، والحساب فرع التكليف، وكلّ الأشياء لها بمنزلة المباح، فلا معنى لحسابها.
قلت: يمكن الجواب عن ذلك بأحد مستويين:
ــــــ[25]ــــــ
(1) أُنظر: الكافي1: 23، كتاب العقل والجهل، الحديث 15، الأمالي (للشيخ الصدوق): 418، المجلس 65، الحديث 6، تحف العقول: 37، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المستوى الأوّل: أن نطرح أُطروحةً كان بعض أساتذتنا يذكرها، وقد أشار إليها في “الميزان” أيضاً(1)، وهي وجود أنبياء عندهم، منهم وعلى مستواهم؛ فإنَّ الله سبحانه يختار أفضلهم، فيرسله إليهم رسولاً يعرّفهم بالمقدار المناسب لمستواهم من مسؤوليّة وتكاليف وواجبات ومحرّمات. وهذا المقدار يمكن أن نفهمه من قوله تعالى: {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}(2) وقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ}(3).
ويُلاحظ: أنَّ الآية الشريفة لم تحدّد معنى (الأُمّة) بالبشر، بل كلّ أُمّة، فتكون الكبرى (كلّ أمّة) وتكون الصغرى (أُمّة الحيوانات).
إذن فالأمم – أيّاً كان نوعها- لا تخلو من نذيرٍ، ومنها الحيوانات، وعلى هذا فإنَّهم يعلمون تكاليفهم من خلال الرسل، ويثبت بالتالي أنَّ لهم تكاليف، فيحقّ حسابهم، وحينئذٍ لا يرد الإشكال المتقدّم.
نعم، لا يكون هؤلاء الرسل بمستوى البشر قطعاً.
المستوى الثاني: أن يُقال – بعد التنزّل عن المستوى الأوّل-: إنَّه لا يوجد أنبياء ورسل للحيوانات، لكن مع هذا يمكن التمسّك بما ورد من: أنَّ العقل نبيّ من الداخل(4)، فكلّ عقلٍ هو نبيّ، سواء كان مقداره قليلاً أو كثيراً،
ــــــ[26]ــــــ
(1) راجع ما أفاده في الميزان 7: 73-78، كلام في المجتمعات الحيوانيّة.
(2) سورة الأنعام، الآية: 38.
(3) سورة فاطر، الآية: 24.
(4) إشارةٌ إلى ما ورد عن مولانا موسى بن جعفر بقوله: “يا هشام، إنَّ لله على الناس حجّتين: حجّةً ظاهرةً وحجّةً باطنةً … وأما الباطنة فالعقول” حسبما رواه في جامعه الكافي 1: 16، كتاب العقل والجهل، الحديث 12، وغيره.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والحيوانات تدرك بارتكازها العقلي أنَّ هذا التصرّف اعتداءٌ، ومع ذلك قد يخالف الحيوان ارتكازه، فيحاسب لمخالفته هذا الارتكاز وإدخاله على نفسه حقّ الله وحقّ المعتدى عليه، أو قل: الحقّ العامّ والحقّ الخاصّ.
أمّا الحقّ العامّ فساقطٌ باعتبار عدم التكليف المباشر، بعد التنزّل عن المستوى الأوّل، فيبقى الحقّ الخاصّ، وهو لا مفرّ منه، والذي تقوم عليه فكرة الاعتداء، أي: المعتدي والمعتدى عليه، وهذا الحقّ هو الأهمّ؛ لأنَّ الله تعالى سريع الرضا، والعبد شحيحٌ مطالبٌ بحقّه يوم القيامة.
****
قوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ}:
أفاد الراغب: إنَّ السجر تهييج النار، يُقال: سجرت التنّور، ومنه {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ}(1) …. وقوله: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} أي: أُضرمت ناراً عن الحسن (والظاهر أنَّها روايةٌ عن الحسن البصري) وقيل: غيضت مياهها، أي: تبخّرت، وإذا تبخّرت جفّت مياهها، وإنَّما يكون كذلك لتسجير النار فيه … والسجير الخليل الذي يسجر في مودّة خليله، كقولهم: فلان محرقٌ في مودّة فلانٍ(2).
أقول: على ذلك يكون سجّرت وسعّرت في قوله تعالى: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} بمعنىً واحدٍ، أي: أُضرمت فيها النار. وكذلك قوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ}(3) يمكن أن يرجع إلى هذا المعنى. فالمحصّل: أنَّ سجّرت وسعرت وفجّرت بمعنىً واحدٍ هو إضرام النار فيها.
ــــــ[27]ــــــ
(1) سورة الطور، الآية: 6.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 224، مادّة (سجر).
(3) سورة الانفطار، الآية: 3.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قال السيّد الطباطبائي: فسّر التسجير بإضرام النار، وفسّر بالملأ، والمعنى على الأوّل: وإذا البحار أُضرمت ناراً، وعلى الثاني: وإذا البحار ملئت(1).
[مدلول مادّة (سجر)]
فيكون مدلول مادّة (سجر):
أوّلاً: زيادة الحرارة في البحار.
وثانياً: جفافها لارتفاع درجة الحرارة.
وثالثاً: امتلائها وفيضانها.
ولا بأس بالرجوع إلى بيان المراد من قوله تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ}؛ إذ ربما يُقال: إنَّ في الآية إشارةً إلى دخول الوحوش في جحورها من هول يوم القيامة، ومعه تكون الآية أجنبيّةً عن الدلالة على الحشر في يوم القيامة، فهو ليس حشراً بذاك المعنى، وإنَّما هي تحشر نفسها في مواطن سكناها أو في جحورها، مضافاً إلى أنَّ بعض الحيوانات ليس لها جحورٌ.
أقول: لو صحّت هذه الفكرة، لا تكون دليلاً على نفي حشر الوحوش في يوم القيامة؛ وذلك لأنَّ قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}(2) يدلّ على حشر جميع الحيوانات بما فيها الوحوش يوم القيامة.
مضافاً إلى أنَّ لنا بحثاً في أصل ما قيل ببيان: أنَّ معنى (حشرت) حشرها غيرها، لا أنَّها حشرت نفسها، وإن كان يمكن دفع ذلك بأن يُقال: إنَّ غيرها حشرها، وذلك بوجود الأهوال يوم القيامة، وسبب السبب سببٌ
ــــــ[28]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن20: 214، تفسير سورة التكوير.
(2) سورة الأنعام، الآية: 38.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بالنتيجة، فيكون وجود الأهوال هو الذي تسبّب في دخولها في الجحور وما إلى ذلك.
ومع ذلك نقول: إنَّ أهوال يوم القيامة ستفني كلّ روح على وجه الأرض، فلا يبقى حيوانات حتّى تدخل في جحورها، ومن الصعب تصوّر ذلك.
وقد يُقال: إنَّ المراد بالوحوش ليس وحوش الحيوانات، بل وحوش البشر. أليس في البشر حصّة منهم شياطين الإنس والجنّ؟ كذلك هناك حصّة منهم وحوشٌ، وهم عبارة عن ظلمة البشر وقساتهم؛ لأنَّهم حائزون على مرتبة إيذاء الآخرين والتنكيل بهم، وهذا يكفي في إطلاق صفة الوحوش عليهم.
والمراد من حشرهم في قوله تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} -مع كونهم يحشرون مع البشر في يوم القيامة – مزيد تهديد بسوء الحساب، فهؤلاء من الذين يحاسبهم الله بسوء الحساب.
ثُمَّ إنَّ في المقام أُطروحةً أُخرى طرحها صاحب لسان العرب يحسن التعرّض لها وهي: أنَّ قوله تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} بمعنى حشر جميع الحيوانات وسائر الدوابّ حتّى الذباب للقصاص حيث قال ما نصّه: قال أكثر المفسّرين: تحشر الوحوش كلّها وسائر الدوابّ حتّى الذباب للقصاص، وأسندوا ذلك إلى النبي ثُمَّ قال: وقال بعضهم: حشرها موتها في الدنيا. قال الليث: إذا أصابت الناس سنة شديدة فأجحفت بالمال وأهلكت ذوات الأربع، قيل: قد حشرته السنة تحشرهم … وحشرت السنة مال فلان: أهلكته(1).
ــــــ[29]ــــــ
(1) لسان العرب 4: 191، مادّة (حشر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[مناقشة رأي المشهور في حشر الدواب والذباب للقصاص]
وهناك تعليقٌ على قوله: ذهب مشهور المفسّرين إلى أنَّ سائر الدوابّ تحشر حتّى الذباب للقصاص.
أقول: لا أعلم ماذا يقصد من القصاص، ولعلّ المراد أنَّ الإنسان يقتصّ من الحيوانات يوم القيامة. وهذا وإن كان فيه وجهٌ من الصحّة، إلّاَ أنَّ هذه حصّة من القصاص، وقد تقدّم: بأنَّه كما أنَّ الحيوان آذى الإنسان، كذلك الإنسان آذى الحيوان، فيُقال للحيوان: قمْ واقتصّ من الإنسان، وهذا بحسب محكمة العدل الإلهي. وكذلك هناك حصّة من القصاص بين الحيوانات أنفسها.
ثُمَّ إنَّ هؤلاء المفسّرين الذين نقل عنهم صاحب لسان العرب قالوا كأُطروحة في معنى الحشر: إنَّ حشر الوحوش موتها، وهذا التفسير ناشئٌ، من استبعاد حشر الوحوش في يوم القيامة، فالحشر عندهم خاصّ بالإنسان، ولا يشمل الحيوان.
ويمكن القول بأنَّ مجموع معاني المادّة بحسب كلام ابن منظور: أن الحشر يفيد معاني الضيق والصعوبة والهلاك والإجحاف، ومن ذلك حشر الناس أو الوحوش؛ لأنَّ ازدحامهم في الحشر لا يخلو من تدافعٍ وإزعاجٍ، لاسيّما أنَّ الحشر في يوم القيامة لا يختصّ بواحدٍ دون واحدٍ، بل هو حشرٌ للجميع. وقد يصدق الحشر حتّى على الفرد مجازاً: يُقال: حشر فلان: إمّا مجازاً أو باعتبار أنَّ حشره ملازمٌ مع الاجتماع مع الآخرين أو لأنَّ الحشر بالنسبة له يشكّل له عامل ضغطٍ؛ لأنَّ الحشر لا يخلو من ضيقٍ وصعوبةٍ، وهو كما يُقال: حشرت الورقة في الثقب، يعني: أدخلتها في مكان ضيّق، وكذلك يُقال: حشر المعنى في كلامه حشراً، يعني: ذكره من دون مناسبةٍ. وأمّا ما قاله ابن منظور من أنَّ الحشر بمعنى الموت فلأنَّ الإنسان إنَّما يحشر إذا مات، أو أنَّ الموت
ــــــ[30]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
حشرٌ باعتبار ما يسبّبه من ضيقٍ شديدٍ.
[المعاني المتصوّرة للوحوش]
ويمكن أن نجمل المعاني المتصوّرة للوحوش بما يلي:
الأوّل: الوحوش البرّيّة.
الثاني: الحيوانات جميعاً بعد نفي الخصوصيّة عن الوحوش.
الثالث: الظالمون والقساة من البشر.
الرابع: المشهورون من الناس؛ لأنَّهم غالباً ما يكونون ظالمين وقساة.
الخامس: الكفّار وأهل النفاق والفسق.
وإنَّما يصحّ تسميتهم بالوحوش؛ لعدم استفادتهم من عقولهم؛ فقد ورد: “أنَّ العقل ما عُبد به الرحمن واكتسب به الجنان”(1). ومعه فيكون فاقد العقل كالوحش من هذه الجهة.
السادس: الناس الكاملين؛ لأنَّهم مستوحشون عن الدنيا أو منها، ولذا قيل فيهم: إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفقدوا(2).
ولنرجع إلى بيان قوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ}، وكان الكلام في مفاد قوله: {سُجِّرَتْ} والنصوص اللغويّة وما أفاده السيّد الطباطبائي من أنَّ (سجّرت) فسّرت بالملأ(3).
فيكون المعنى: إذا البحار مُلئت. ولعلّ ذلك يدعمه العلم الحديث
ــــــ[31]ــــــ
(1) الكافي 1: 11، كتاب العقل والجهل، الحديث 3، المحاسن 1: 195، الحديث 15، ومعاني الأخبار: 239، باب معنى العقل، ح1.
(2) أُنظر: عوالي اللئالي 1: 71، الحديث 133، مجموعة ورّام 1: 182، بيان ذمّ الاشتهار، وغيرها.
(3) راجع الميزان في تفسير القرآن 20: 214، تفسير سورة التكوير.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
القائل بأنَّ البحار سوف تصعد منسوباتها إلى أن تستوي كثيراً من اليابسة، ولعلّه تحدث مجاعة في المستقبل، وإن كان هذا كله بيد الله سبحانه.
فالحاصل: أنَّ مدلول مادّة (سجر): إمّا زيادة الحرارة، وهو المدلول اللغوي للسجر، فقولنا: سجر التنور، أي: ازداد فيه النار والحرارة، وإمّا الجفاف، وهو الناتج أو المعلول لارتفاع درجة الحرارة، وإمّا بمعنى الامتلاء، وإنَّما فسّرت بالامتلاء لاستبعاد وجود هذا المقدار من الحرارة في البحار؛ فإنَّ الماء ضدّ النار كما هو واضحٌ؛ باعتبار أنَّ البحار مملوءة بالماء، فيستبعد في نظرهم أن تمتلئ بالنار، وهذا لاقيمة له أمام عظمة الله تعالى.
إلّاَ أنَّ العلم الطبيعي يقول – كأُطروحةٍ-: إنَّ البحار سوف تنفجر؛ لشدّة الحرارة فيها، ولو باعتبار اقتراب الأرض من الشمس اقتراباً شديداً، وهو غير بعيدٍ كأُطروحة لا سيّما أنَّ الأُوكسجين مادّةٌ دخيلةٌ في تركيب الماء، وهي مادّةٌ تساعد على الاشتعال، مع أنَّ الفهم والتفكير القديم ذهب إلى أنَّ الماء مادّة مضادّة للنار.
[أمور أخرى في فهم البحار]
الخطوة الأُخرى هي أن نقول: إنَّه يمكن أن نفهم من البحار أُمور أُخرى بالإضافة إلى البحار المعهودة: كبحار العقل، وعلى هذا قد يكون معنى تسجيرها توقّدها بالنشاط أو نظير احتراقها لكثرة الذنوب.
كما أنَّها لو فسّرت بالجفاف فقد يُراد بها جفاف حبّ الدنيا، وقد يُراد بها جفاف نسيان الآخرة.
ولو فسّرت بالامتلاء فلعلّ المراد أنَّ العقل قد يمتلئ علماً وفطنة، وقد يمتلئ مكراً وخبثاً وغير ذلك. والمهمّ الآن هو مجرّد الإشارة إلى أُطروحات متعدّدة نوكل تفاصيلها إلى القارئ الكريم.
ــــــ[32]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ}:
[فهم المشهور من هذه الآية]
فهم المشهور من هذه الآية أنَّه يُراد بالنفوس أفراد البشر، وأنَّ التزويج يُراد منه الاقتران، أي: اقتران نفسٍ بنفسٍ أُخرى، وأنَّ ذلك يحصل يوم القيامة أو بعده، كما هو ظاهر ما أفاده صاحب “الميزان” بقوله: قوله تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} أمّا نفوس السعداء فبنساء الجنّة. قال تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}(1) وقوله تعالى: {وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ}(2). وأمّا نفوس الأشقياء فبقرنائهم الشياطين. قال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ}(3) وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}(4)(5).
أقول: لا بأس بهذا الفهم، إلّاَ أنَّنا يمكن أن نسير خطوة أُخرى في فهم الآية، وهو فهمٌ باطني بأن نقول: إنَّ النفوس هي نفوس الأفراد: فالفرد السعيد مزوّدٌ ومزوّجٌ بنفسٍ طاهرةٍ، والفرد الخبيث مزوّدٌ ومزوّجٌ بنفسٍ خبيثةٍ.
فإن قلت: قد أُخذ عنوان النفس في جانب الموضوع، فكيف نأخذها في جانب المحمول؟ لأنّ النفس كأنّها مزوّجة بالنفس مع أنَّه لا معنى لازدواج النفس بالنفس لفردٍ واحدٍ.
ــــــ[33]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 57.
(2) سورة الدخان، الآية: 54.
(3) سورة الصافّات، الآية: 22.
(4) سورة الزخرف، الآية: 36.
(5) الميزان في تفسير القرآن20: 14، تفسير سورة التكوير.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قلنا: يمكن الإجابة عن ذلك بعدّة وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أن يكون المراد أنَّ النفس زوّجت بالطهارة والخباثة؛ لأنَّه لم يذكر طرف الزواج ولم يقل: زوّجت بنفسٍ أُخرى، فيمكن أن نحملها على أنَّها زوّجت بالطهارة أو الخباثة.
الوجه الثاني: أنَّه قد يكون المراد بالنفس الفرد، والنفوس هنا الأفراد، والطرف التزويج، والطرف الآخر للتزويج هو النفوس.
الوجه الثالث: أن يكون المراد بالنفوس مجموع الكيان المعنوي للإنسان، وهذا الكيان المعنوي للإنسان مزوّجٌ بالنفس، فكما أنَّ من جملة موجودات الكيان المعنوي للإنسان كونه مزوّداً بالعقل كذلك نقول بأنَّه مزوّدٌ بالنفس.
الوجه الرابع: أنَّ المراد بالنفس إحدى الملكات العليا، كالعقل والروح، وهو مزوّجٌ بالنفس، فالنفوس التي هي العقول مثلاً زوّجت بالنفوس، والعقل هو كلّ ما تنزّه عن النفس والشهوة، وتزويجه بالنفس هو نوع ابتلاء للعقل في عالم الدنيا.
الوجه الخامس: أنَّ المراد أنَّ النفوس كانت بالأصل بسيطةً، فأصبحت مركّبة فقوله: (زوّجت) أي: ركّبت، وذكروا في الحكمة: أنَّ كلّ ممكنٍ زوجٌ تركيبي(1).
****
ــــــ[34]ــــــ
(1) راجع القبسات: 152، القبس الخامس، الحكمة المتعالية 1: 187، المنهج 2، الفصل 10، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}:
أمّا الموؤدة فهي من الوئد، وهو الدفن حال الحياة. هذا ما يمكن أن يُقال في تفسيرها. وقد بحثتُ في المصادر اللغويّة، فلم أجد لها تفسيراً، والظاهر أنَّها أوضح من أن تُفسّر.
وقد ذكر صاحب “الميزان” في تفسيره الموؤدة ما نصّه: الموؤدة البنت التي تدفن حيّة، وكانت العرب تئد البنات؛ خوفاً من لحوق العار بهم من أجلهن، كما يشير إليه قوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ}(1)(2).
ولذا كان أحدهم عندما تولد له أُنثى يشعر بالعيب والعار والخزي، فيريد أن يستر هذا العيب، فيسارع إلى دفنها في التراب بلا غسلٍ ولا كفنٍ ولا لحد، بل تدفن وهي حيّة حتّى تموت.
وقد يخطر في البال أنَّ هذه الظاهرة لو كانت مشهورةً بكثرة في المجتمع لزال ذلك المجتمع؛ لأنَّ المرأة هي أساس بقاء الحياة.
إلّاَ أنَّ الظاهر أنَّ هذه المسألة لم تكن عامّة، بل كانت سائدةً في ضمن طبقة من المتعصّبين، إضافة إلى أنَّ عدداً غير قليل من النساء كانت لهنّ أهمّيّة بدرجة معيّنة.
[أسباب بقاء المجتمع وعدم زواله بالوئد]
لكن مع ذلك نحاول الإجابة عن أسباب بقاء المجتمع وعدم زواله على فرض انتشار هذه الظاهرة. وإليك الإشارة إلى هذه الأسباب:
الأوّل: عدم إيمان البعض بفكرة الوئد والاعتقاد بفسادها.
ــــــ[35]ــــــ
(1) سورة النحل، الآية: 59.
(2) الميزان في تفسير القرآن20: 214، تفسير سورة التكوير.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الثاني: عدم الإيمان بالعار؛ لأنَّ الأُنثى ليست عاراً أصلاً، والوئد فرع كونها عاراً.
الثالث: الإيمان بشرف المولودة، كما لو كانت البنت من أُسرةٍ شريفةٍ، فالشريف لا يئد بنته، ولم نسمع بذلك، بل السفلة من الناس كانوا يفعلون ذلك.
الرابع: غلبة العاطفة على هذه الظاهرة، ولذلك تقول الآية الشريـفة: {أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ}(1)، فكأنَّما تسيطر عليه العاطفة.
الخامس: غلبة الناحية الإنسانيّة والاعتقاد بأنَّ هذه البنت كإنسانة لا ذنب لها.
السادس: الإيمان بالأديان السابقة على الإسلام كالحنيفيّة كما كان عند عبد المطلب واليهوديّة والنصرانيّة وإن تعرّضت للتحريف، إلّاَ أنَّها جميعاً كانت ترفض فكرة الوئد.
السابع: ما نسمّيه بالعقل العملي في الاصطلاح المتأخّر، أعني: أنَّهم كانوا يدركون بعقولهم أنَّ هذا عملٌ ظالمٌ ممّا لا ينبغي فعله.
[التنبيه على أمرين في المقام]
وينبغي التنبيه على أمرين في المقام:
الأوّل: أنَّ هناك نصوصاً تاريخيّة تؤيّد أنَّه وإن كان المعروف وأد البنت بعد ولادتها مباشرة، إلّاَ أنَّ هذه الظاهرة كانت تشمل البنت حتّى عندما تكبر وتبلغ.
الثاني: أنَّ ظاهر “الميزان”(2) أنَّ أباها هو الذي يقتلها وأمّا أُمّها فكانت شفيقةً عليها، فالأب كان هو الذي يبادر قبل عمّها أو خالها؛ لأنَّه يرى بأنَّه أولى بغسل وستر عاره، بل يبادر إلى وأدها قبل أن يُعرف أنَّه ولد له مولودٌ،
ــــــ[36]ــــــ
(1) سورة النحل، الآية: 59.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 214، تفسير سورة التكوير.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فلا يخبر أخاه أو أحداً من أقاربه، فضلاً عن سائر الناس.
[إشارة إلى مصاديق الوئد]
ولعلّه يمكن أن نفهم أيضاً من الوأد كلّ أمرٍ حصل التعمّد في إخفائه أو كلّ أمرٍ حصل التعمّد في الإعراض عنه، فالقبر توئد فيه البنت، وهو نوع إخفاءٍ لها ونوع إعراضٍ عنها. وبحسب المعنى الثاني يمكن الإشارة إلى مصاديق الوئد بما يلي:
الأوّل: النفس الأمّارة بالسوء إذا حصل الإعراض عنها.
الثاني: الدنيا إذا حصل الإعراض عنها.
الثالث: الأهداف الدنيويّة إذا حصل الإعراض عنها.
الرابع: الأهداف الأُخرويّة إذا حصل الإعراض عنها.
الخامس: الإيمان إذا حصل الإعراض عنه.
السادس: الفسق والكفر إذا حصل الإعراض عنهما.
هذا كلّه بالنسبة إلى الإعراض، وأمّا الإخفاء فهناك جملةٌ من المعاني، وهي واضحةُ، فلا حاجة إلى ذكرها.
والمهمّ في الآية معرفة معنى القتل، فقد قال سبحانه: {بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}، فالإعراض هو الوأد أو بالعكس. أمّا القتل فيُراد به في هذا أو نحوه البعد النهائي عن هذه الأُمور بنحوٍ لا يوجد أملٌ في الرجوع، وهو من قبيل الداء الذي لا دواء له، كما ورد عن الصادق مثلا: “مَن تعمّم ولم يتحنّك فأصابه داءٌ لا دواء له، فلا يلومَنّ إلّاَ نفسه”(1).
[سؤال ذكره الرازي في المقام]
ثُمَّ إنَّ في المقام سؤالاً ذكره الرازي حول قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ
ــــــ[37]ــــــ
(1) الكافي 6: 460، باب العمائم، الحديث 1، تهذيب الأحكام 2: 215، الباب 11، الحديث 54، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
سُئِلَتْ} حاصله: أنَّه كيف قال الله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} والسؤال إنَّما يحسن للقاتل لا للمقتول(1)؟
وهذا السؤال ذُكر ضمناً في تفسير “الميزان” وقد التفت إليه السيّد الطباطبائي(2)، إلّاَ أنَّه ذكر الجواب فقط دون السؤال حتّى لا يثير شبهةً في ذهن القارئ، وهذه سيرته جزاه الله خيراً.
وقد أجاب الرازي بقوله: قلنا: إنَّما سؤالها لتبكيت قاتلها وتوبيخه بما تقوله من الجواب؛ فإنَّها تقول: قتلت بغير ذنبٍ. ونظيره في التبكيت والتوبيخ قوله تعالى لعيسى: {أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي} حتّى قال: {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ}(3)(4).
وقد ذكر في “الميزان” الجواب والتنظير نفسهما، ولم يعلّق عليها، فالظاهر أنَّه اختاره، بالإضافة إلى أنَّه لم ينسبه إلى أحد، مع أنَّ الرازي قد ذكره وهو أسبق زماناً منه. كما أضاف السيد الطباطبائي وجهاً آخر بعنوان الاحتمال وهو أنَّ: إسناد المسؤوليّة إلى الموؤدة من المجاز العقلي، والمراد كونها مسؤولاً عنها، نظير قوله تعالى: {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً}(5)(6).
أقول: إنَّ مجرّد إثارة الاستفهام حول ما جاء في قوله تعالى: {وَإِذَا
ــــــ[38]ــــــ
(1) مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل: 367، سورة التكوير.
(2) راجع الميزان في تفسير القرآن 20: 214، تفسير سورة التكوير.
(3) سورة المائدة، الآية: 116.
(4) مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل: 367، سورة التكوير.
(5) سورة الإسراء، الآية: 34.
(6) الميزان في تفسير القرآن20: 214، تفسير سورة التكوير.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} غريبٌ في غير محلّه؛ لوضوح أنَّه لابدّ من سؤال الجاني والمجني عليه، ولا نكتفي بسؤال الجاني فقط، فالسؤال بالنسبة إلى الموؤدة باعتبارها المجني عليه، وهذا بغضّ النظر عن علم الغيب وكون الله سبحانه عالماً بالغيب؛ لأنَّه لو أجرى الله سبحانه علم الغيب في يوم القيامة لما احتاج إلى السؤال أصلاً. فإذا كان علم الغيب جارياً في الحساب، لدخل الناس الجنّة والنار بحسب الواقع، ولكن بما أنَّ علم الغيب غير جارٍ في الحساب، كما أنَّ الأئمّة لم يُعملوا علم الغيب في حياتهم اليوميّة، بل أفادوا من الشريعة الموضوعيّة والحكميّة. وبما أنَّ علم الغيب غير جارٍ في يوم القيامة، فحينئذٍ لابدّ من سؤال الجاني والمجني عليه (أي: الموؤدة)، فيكون سؤالها طبيعيّاً، وعليه يكون استفهام الرازي والطباطبائي في غير محلّه؛ لأنَّ الآية لا مجاز فيها.
كما يُفهم من كلامهما أنَّ سؤال المؤودة من أجل تحميلها المسؤوليّة، أي: مسؤوليّة الجاني، وهذا هو الظلم بعينه، فلذا احتاجوا إلى التقدير والمجاز. والحقّ أنَّ سؤال المجني عليه(الموؤدة) أو أيّ مظلومٍ آخر إنَّما هو من أجل معرفة التفاصيل بمقدار ما هو ممكنٌ؛ ليكون ذلك شهادة ضدّ الجاني، فالمجني عليه في الدنيا إذا كان حيّاً -كما لو كان مجروحاً أو مكسوراً أو قلعت عينه- لو سأل أجاب؛ لأنَّه حيّ، وأمّا لو كان ميّتاً فلا يمكن سؤاله في الدنيا، بل يُسأل في يوم القيامة؛ باعتبار وجوده هنالك، بل السؤال موجّهٌ إلى كلّ مجني عليه، لا خصوص الموؤدة.
وقد يُورد عليه أهل الفقه والقانون بأنَّ شهادة الخصم ضدّ خصمه غير مسموعةٍ.
ويمكن الجواب عن ذلك: بأنَّ كلام الخصم لو كان يولّد الاطمئنان
ــــــ[39]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لكان حجّةً، فيمكن الاعتماد عليه من باب حجّيّة الاطمئنان، إضافةً إلى أنَّ شهادة الموؤدة أبلغ من شهادة غيرها؛ لأنَّها كانت شاعرةً بنفسها حينما قتلت، فتكون شهادتها بالحسّ والعيان، ويكون جواب الجاني إقراراً. كما أنَّ في يوم القيامة لا تزوير ولا كذب، بل لو حاول الفرد الكذب سرعان ما ينكشف ويفتضح أمره، بل قد يجد نفسه مسلّماً تكويناً بكلّ ما فعل، فيتكلّم بكلّ ما هو مطابقٌ للواقع.
فإن قلت: إنَّ دوافع الكذب غير متوفّرة يوم القيامة.
قلت: إنَّها متوفّرة فعلاً وقوّة؛ وذلك من أجل دفع العقوبة ورفع المسؤوليّة، فإذا حاول الكذب شهدت الملائكة وجوارحه ضدّه، وهو يرى أنَّ كلامهم لا يمكن إنكاره.
فإن قلت: إذن لماذا أفاد أنَّ الموؤدة هي التي تُسأل دون الجاني، مع أنَّ الفرض أنَّ الجاني سوف يُسأل أيضاً؟
قلت: وذلك لأهمّيّة طرف الموؤدة؛ فإن الله سبحانه أراد حلّ مشكلةٍ اجتماعيّةٍ قائمةٍ على ظلم المجني عليه بلا ذنبٍ وسببٍ، فمن هذه الناحية نصّ على الموؤدة، كما أنَّه ليس للآية مفهوم مخالفة، يعني: أنَّ غيرها لا يُسأل.
وعلى أيّ حال فمثل هذا السياق خاصّ بيوم القيامة، وكلام في ذلك؛ لأنَّ الموؤدة لا تُسأل في الدنيا، بل عند الحشر والنشر، والألف واللام الداخلة على الموؤدة للجنس لا للعهد.
****
قوله تعالى: {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ}:
المعنى واضحٌ؛ فالصحف -وهي الأوراق المكتوب فيها- تُنشر لكي
ــــــ[40]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
يُعرف ما فيها. وأمّا ما هو مكتوبٌ في تلك الصحف فغير معلومٍ، والآية لم تتعرّض لذلك، ولعلّه لا توجد مصلحة للبيان، وكذلك الآية لم تشر إلى من سيطّلع عليها، فهذه الأُمور غير مذكورةٍ عن علمٍ وعمدٍ وحكمةٍ.
[أطروحات في مدلول الآية]
ومن هنا يكون في مدلول الآية عدّة أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: أنَّها صحف الأعمال التي كتبتها ملائكة الحسنات والسيّئات، وهي الأُطروحة المشهورة بين المفسّرين، وإنَّما تنشر ليطّلع عليها الفرد نفسه بعد أن نسيها؛ لأنَّ ابتلاءات الدنيا وأهوال الموت والبرزخ تجعله ينسى ما فعل أو ليطّلع عليها أهل المحشر. ووجه الحكمة في اطّلاع أهل المحشر عليها هو إنَّها إن كانت حسناتٍ كان ذلك زيادةً في فضل الله لصاحبها ونشراً لمحامده، وإن كانت سيّئاتٍ كان ذلك فضحاً له على رؤوس الخلائق، وهو من جملة عقوبات الفاعل.
فإن قلت: لا يحتاج الفرد إلى معرفة ذنوبه عبر الصحف؛ لأنَّها حاضرةٌ لديه بالعلم الحضوري أو العلم الحصولي بالتذكر، كما قال تعالى: {بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}(1).
قلت: نعم، ولكن هذا العلم الإجمالي أو الارتكازيّ بمقدار ارتكازه لا ينفع؛ لأنَّنا بحاجةٍ إلى العلم التفصيلي في يوم الحساب، أي: إلى دقائق الأُمور والحوادث، مضافاً إلى أنَّ فيه فائدة أُخرى، وهي التحدّي وإبراز قدرة الله سبحانه على ضبط كلّ الأُمور الخاصّة وبدقّةٍ غير متناهيةٍ. ولعلّ المرء يكون منكراً لهذه الأُمور في الدنيا، إلّاَ أنَّه في الآخرة يكون مواجهاً بها.
ثُمَّ في المقام إشكالٌ على مستوى علم الكلام، وحاصله: هل هذا البيان
ــــــ[41]ــــــ
(1) سورة القيامة، الآية: 14.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
محمولٌ على الحقيقة أو على المجاز؟ يعني: هل الملائكة يكتبون الحسنات والسيّئات بقلمٍ حقيقي وصحيفةٍ حقيقةً أو لا، بأن تكون تلك الكتابة مجازاً، كأن تنطبع الأعمال في واقع الفرد، أو تنطبع في العلل العليا في نفوس المعصومين (سلام الله عليهم أجمعين) ثُمَّ يتمّ الاطّلاع التفصيلي عليها في يوم القيامة؟
الأُطروحة الثانية: أنَّ ما ذُكر جائزٌ، ولا نريد الدخول في التفاصيل؛ لأنَّ الغرض الإشارة فقط.
الأُطروحة الثالثة: أن يكون المراد من الصحف القابليّات الداخليّة أو الباطنيّة؛ فإنَّ الإنسان حينما كان طفلاً لا يعرف ولا يلتفت إلى قابليّاته، فتنشر له بالتدريج ويعرفها تفصيلاً بعد أن كان يجهل بها.
الأُطروحة الرابعة: أنَّ صحف قابليّات الفرد تنشر لغيره عن طريق آثار تلك القابليّات، كالخطابة والمؤلّفات والتدريس وغيرها، فيكتب عليها مثلاً: هذا من أعمال فلانٍ بن فلانٍ.
الأُطروحة الخامسة: أنَّ صحف السيّئات تنتشر في الدنيا، أي: أن تكون هناك سمعة سيّئة للإنسان: إمّا بعمل معيّن، كالسرقة والزنا، أو بمجموعة أعماله، فيعرف بأنَّه فاسق ونحو ذلك، فيُفتضح في الدنيا ثُمَّ في الآخرة.
الأُطروحة السادسة: أنَّ صحف الحسنات تنتشر بنفس الأُسلوب الذي تنتشر به صحف السيّئات، فيحبّ الناس ذلك الإنسان لفضله وحسن هديه، ومع أنَّ الفرد في بعض الأحيان يميل إلى عدم كشف حسناته وأعماله، إلّاَ أنَّ الله سبحانه يكشفها؛ لأجل رفع ذكر المؤمن وتأييده ونشر فضله. وهذا بدوره لعلّه لحكمة معيّنة، كأن تكون راجعةً إلى مصلحة الآخرين، كما نشر فضل
ــــــ[42]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأئمة وكثير من العلماء بعد موتهم وذهابهم من عالم الدنيا.
الأُطروحة السابعة: أنَّ الصحف هي غوامض الأفكار التي قد تنشر للفرد أثناء تفكيره في مسألة معيّنة، فبعد الجهد والسعي يهتدي إلى الحلّ وتنشر له النتائج بعد أن كانت مغلقةً مجملة.
الأُطروحة الثامنة: أن تنشر تفاصيل حادثة معيّنة ويعرفها الناس بعد أن كانوا يجهلونها.
****
قوله تعالى: {وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ}:
[مادّة (كشط)]
ويلزم في هذه الآية التعرّف على مادّة (كشط). قال الراغب: هو من كشط الناقة أي: تنحية الجلد عنها – وبتعبيرنا نقول: يسلخها- ومنه استعير انكشط روعه أي: زال(1).
ومادّة (كشط) ثلاثيّة متعدّية، نحو: كشط شيئاً، وكشط ناقته، وكشط السماء، وتأتي رباعيّة، أي: مزيدة لازمة، نحو: انكشط، وانكشطت السماء، وانكشطت الناقة، فلا تحتاج إلى مفعولٍ به، ككسر وانكسر، نحو: كسر زيد الزجاجة، وانكسرت الزجاجة.
أقول: لا زالت الكلمة مستعملةً، كما نستعملها في اللغة الدارجة بالگاف الفارسيّة (گشط)، وأحياناً بالقاف (قشط) أو (قشطة) ونريد بها قشطة الحليب أو القيمر؛ لأنَّه يصير كطبقة معزولة فوق الحليب. والغرض: أنَّ قوله تعالى: {وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ} بمعنى: إذا السماء زالت كما يزول جلد
ــــــ[43]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 449، مادّة (كشط).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الناقة عند سلخها، ولا أقلّ يزول جزءٌ من السماء على شكل فجوات أو أبواب. قال تعالى: {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا}(1). والمتشرّعة يفهمون من زوال السماء الزوال الجزئي؛ لأنَّه يستحيل أن تزول بأجمعها.
أقول: ليس زوال السماء ببعيدٍ، وقد يُقال بأنَّنا باقون مادامت السماوات والأرض، إلّاَ أنَّه يمكن حمل زوال السماء على معانٍ أُخر من قبيل: خروج الإنسان المتكامل أثناء سيره في درجات التكامل عن طبقة السماء والأرض، فلا تبقى سماء فوقه، فكأنَّها مكشوطةٌ بالنسبة إليه.
وليُعلم: أنَّ الكشط قد يكون ثبوتيّاً، والمراد من الثبوت هو الإزالة واقعاً، وقد يكون إثباتيّاً، وهو بمعنى الإزالة علماً وإدراكاً بغضّ النظر عن الجانب الواقعي أو الثبوتي. فإذا أخذنا الجانب الإثباتي كان مدلول الكشط نسبيّاً مختلفاً بين الأفراد: فقد تكون السماء مكشوطةً لشخصٍ وغير مكشوطةٍ لشخصٍ آخر، وقد تكشط السماء كلّها لشخصٍ، وبعضها لشخصٍ آخر، وهكذا.
وأمّا إذا أخذنا الكشط ثبوتيّاً فهنا قد يُقال: إنَّ السماء لا تكشط ثبوتاً وحقيقةً، كما قد يُستدل عليه بمثل قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ}(2).
والوجه فيه: أنَّ أهل الجنة وأهل النار يبقون بشكلٍ مؤبّدٍ مادام هناك مقارنةٌ بين السماء والأرض من ناحيةٍ وبين الجنّة والنار من ناحيةٍ أُخرى، فيكون هناك ملازمةٌ بين البقائين، فما دامت الجنّة والنار مؤبّدةً كان بقاء السماء والأرض مؤبّداً، وعليه فكشط السماء ثبوتاً على خلاف هذه الآية، ولابدّ من
ــــــ[44]ــــــ
(1) سورة النبأ، الآية: 19.
(2) سورة هود، الآية: 108.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
حمل الكشط على الكشط الإثباتي حينئذٍ.
أقول: لا يتعيّن هذا الجواب، بل يمكن الإشارة إلى عدّة وجوهٍ في المقام.
منها: أنَّ المخلوق الذي يصل بالتكامل فوق السماوات لن تكون فوقه سماوات؛ لأنَّ السماوات ليست غير متناهيةٍ، بل هي سبع سمواتٍ، فهي مكشوطةٌ بالنسبة إليه، وإن كانت باقيةً فوقه على حقيقتها.
ومنها: أنَّنا لماذا نستبعد زوال السماوات بالمرّة؟ فإذا كانت هذه الآية دالّة عليها كانت حجّة في ذلك، وقد يكون ذلك من إرهاصات يوم القيامة، ثُمَّ يعيدها الله متى شاء، وعندئذ تكون مصداقاً لقوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ}(1).
ومنها: أنَّنا لو فهمنا من السماء معنى غير السماوات المعهودة، كما لو فهمنا من السماء سماء النفس، والعقل هو سماء النفس، كان المدلول الرئيسي لكشطها باعتبارها حجاباً للعبد المؤمن، فإذا زالت لن يكون له حجاب.
ومنها: أن نفهم من السماء سماء العقل، فيكون كشطها عبارةً عن إهماله وعدم الاستفادة منه، كما لو كان العبد مؤمناً، ثُمَّ صار مطيعاًً لهواه.
ومنها: أن نفهم من السماء زوال عقله بمثل الجنون والسفه الشديد، فالمجنون قد كشطت سماءه، أي: سماء عقله.
****
قوله تعالى: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ}:
[مادّة (الجحيم) ومادّة (سعرت)]
المهمّ في هذه الآية أن نفهم معنى المادّتين: مادّة (الجحيم) ومادّة (سعرت).
ــــــ[45]ــــــ
(1) سورة هود، الآية: 108.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قال الراغب: الجحمة شدّة تأجّج النار، ومنه الجحيم، وجحم وجهه من شدّة الغضب استعارة من جحمة النار؛ وذلك من ثوران حرارة القلب(1).
أقول: الغضبان قد يحمرّ وجهه وقد يسودّ، أي: يزداد سمرةً، فهذه الاختلافات تمثّل ألوان النار، وخاصّة الحمرة.
وأمّا مادّة (سعر) فقال الراغب: السعر التهاب النار، وقد سعرتها وسعّرتها وأسعرتها، والمسعر الخشب الذي يُسعر به، واستعر الحرب واللصوص نحو اشتعل، وناقة مسعورة نحو موقدة ومهيّجة؛ والسعار حرّ النار(2).
أقول: كما أنَّ المادّة تأتي بمعنى الحرارة كذلك تأتي من السعر، وهو الثمن أو القيمة المادّيّة السوقيّة أو المعنويّة الأخلاقيّة، فكلاهما في الحقيقة تسعيرٌ، فإذا قلنا: البيوت سعّرت ووضعنا بدل البيوت الجحيم، يكون المراد: الجحيم سعّرت، ويكون معناها القيمة السوقيّة، وإن قلنا: النشاطات والأعمال لكان معناها القيمة الأخلاقيّة، إلّاَ أنَّه يلزم أن نلتفت إلى كلّ ما هو ممكنٌ من الاحتمالات.
والظاهر: أن ليس هناك ارتباطٌ بين الحرارة والقيمة إطلاقاً، بل هما من الاشتراك اللفظي في مادّةٍ واحدةٍ، وسببه تعدّد الوضع، وليس أحدهما أصلاً للآخر.
فقوله تعالى: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} يمكن أن يكون بكلا المعنيين، فسعرّت بمعنى حميت، وسعرّت بمعنى قيمت.
ــــــ[46]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 86 ، مادّة (جحم).
(2) المصدر السابق: 238، مادّة (سعر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فإذا قلت: المناسب للجحيم زيادة الحرارة لا القيمة، وتكون لفظة الجحيم قرينةً متّصلةً على أنَّ المراد من (سعرت) حميت؛ لأنَّ الجحيم ملازم للحرارة.
قلنا: لعلّ المراد العكس، أي: قد تكون الجحيم قرينةً منفيّة لا تساعد على المدّعى، فالجحيم من كثرة الحرارة والشدّة، بحيث تكون مستغنيةً عن التسعير وزيادة الحرارة، ولا ملازمة بين معني اللفظين، أي: لا ملازمة بين أن يكون الجحيم بمعنى الحرارة، وأن يكون السعر بمعنى الحرارة أيضاً، كما عليه المشهور. فلو حملنا لفظ {سُعِّرَتْ} على ارتفاع وازدياد درجة الحرارة يكون هذا من قبيل التكرار اللفظي، وهذا مستبعدٌ، لعدّة اعتبارات، فيكون المراد من {سُعِّرَتْ} شيئاً آخر، وليس شيئاً آخر إلّاَ القيمة، والأقرب بحسب القرينة القيمة، فـ(سعرت) بمعنى قيّمت.
ثُمَّ إنَّ الجحيم يمكن أن نفهم منه نار جهنّم، وهذا ما عليه الفهم المشهور، ويمكن أن نفهم منه نار الآخرة التي هي أعمّ من نار البرزخ أو القيامة أو جهنّم، فهي معنى كلّي له عدّة حصصٍ، ويمكن أن نفهم منه البلاء الاختياري، وهو الظلم في المجتمع، وهو جحيمٌ أيضاً.
[معنى قوله: وَإِذَا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ]
ويمكن أن نفهم منه البلاء غير الاختياري الذي يقع في المجتمع، كالغرق والزلازل والبراكين ونحوها. كما يمكن أن نفهم الغضب وأسباب دخول جهنّم، كالكفر والفسق والعصيان. وإذا جمعنا معاني الجحيم ومادّة السعير، وعلمنا أنَّ للتسعير ثلاثة معانٍ – الشدّة بمعنى شدّة الحرارة، وإعطاء القيمة السوقيّة، وإعطاء القيمة الأخلاقيّة- فتكون الاحتمالات المتصوّرة في معنى قوله {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} ما يلي:
ــــــ[47]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأوّل: زيادة التأجّج في النار المتأجّجة أصلاً، فهي جحيمٌ، لكن ازدادت استعاراً، وإنَّما قال ذلك لزيادة التخويف والترهيب، وهذا هو الاحتمال المشهور في معنى الآية.
الثاني: إعطاء القيمة الأخلاقيّة لجهنّم، فهناك من المؤمنين من يبغضها ومنهم من يحبّها؛ لأنَّها سبب لإحراق وعذاب الكفّار والمعاندين، فينبغي أن تقيّم الجحيم حقّ قيمتها.
الثالث: ازدياد الذنوب والعيوب التي هي أسباب دخول الجحيم، فـ(سعرت الجحيم) بمعنى ازدادت أسبابها واتّسعت.
الرابع: ازدياد الكفر والتعصّب في الفرد أو المجتمع.
الخامس: ازدياد الظلم أو ما أسميناه بالبلاء الاختياري في المجتمع.
السادس: إعطاء القيمة الواقعيّة لمثل هذا البلاء؛ لأنَّه جحيمٌ ينبغي أن يُسعّر بلحاظ القيمة الأخلاقيّة.
فان قلت: إنَّ أحد معاني السعر هو القيمة السوقيّة -كما ذكرنا سابقاً- ولا محلّ للقيمة السوقيّة هنا، فهل يُقال: إنَّ الذنب والعصيان والظلم لها ربط بالقيمة السوقيّة؟!
قلت: لا موقع لهذا الإشكال؛ وذلك لأنَّ بعض أنواع الجحيم، كالظلم والتعصّب ممّا يدفع بإزاءه المال، بل تبذل في سبيله الملايين من الأموال، فيكون له قيمةٌ سوقيّةٌ بهذا المعنى.
****
قوله تعالى: {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ}:
أفاد الراغب: أنَّ الزلفة: المنزلة والحظوة -بمعنى: إعطاء الأهمّيّة
ــــــ[48]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والتقرّب- وقوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً}(1) قيل: معناه: لمّا رأوه زلفة المؤمنين وتقرّب المؤمنين، وقيل: استعمال الزلفة في منزلة العذاب كاستعمال البشارة ونحوها من الألفاظ(2)، كما في قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}(3) وقوله تعالى {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}(4).
[معاني مادة (الزلفة)]
والظاهر: أنَّ للمادة ثلاثة معانٍ:
الأوّل: القرب، وهو ما سمعناه من الراغب من المنزلة والحظوة.
الثاني: التزلّف، وهو التحسين والتجميل، ومنها استعمال الزلف للشعر؛ باعتبار أنَّه جمالٌ للشعر.
الثالث: الذهاب أو الدخول، ومنه قول المؤرّخين: ازدلف القوم للحرب.
ومنه سمّيت المزدلفة، أي: الأرض التي يذهب إليها الناس، ونحوه قوله تعالى: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ}(5)، أي: أدخلناهم إمّا إلى الجنة أو إلى النار.
ثُمَّ قال الراغب: وفي الحديث: “ازدلفوا إلى الله بركعتين”(6)(7).
ــــــ[49]ــــــ
(1) سورة الملك، الآية: 27.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 219، مادّة (زلف).
(3) سورة الدخان، الآية: 49.
(4) سورة آل عمران، الآية: 21.
(5) سورة الشعراء، الآية: 64.
(6) مفردات ألفاظ القرآن: 219، مادّة(زلف).
(7) أخرج ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث 2: 309، أنَّ رسول الله كتب إلى مصعب بن عمير: “… فإذا زالت الشمس، فازدلف إلى الله بركعتين واخطب فيهما”، ونحوه غيره.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أقول: قد فهم الراغب من الحديث المعنى الأوّل، فيكون المراد: تقرّبوا إلى الله بركعتين.
مع أنَّه يمكن أن يُحمل على المعاني الأُخرى التي ذكرناها، فعلى المعنى الثاني يكون المراد: تجمّلوا أمام الله بركعتين، أي: حسّنوا أعمالكم أمامه سبحانه بركعتين، أو حسّنوا إخلاصكم وبواطنكم بركعتين، وعلى المعنى الثالث يكون المراد: اذهبوا إلى الله أو ادخلوا إلى رحمته بركعتين.
[في التقابل بين الجحيم والجنّة]
ثُمَّ إنَّ هناك نحو تقابلٍ بين الجحيم والجنّة في قوله تعالى: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} وقوله تعالى: {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ}، والتقابل بين الآيات في القرآن كثيرٌ، فهناك تقابلٌ بين الثواب والعقاب، وبين المؤمنين والكفّار، وبين الجنّة والنار، بل يُلاحظ ذلك في أغلب الآيات القرآنيّة، أعني: ذكر الترغيب ثُمَّ ذكر الترهيب، أو ذكر الجنّة وتفاصيلها ثُمَّ ذكر النار وتفاصيلها، وفي بعض الأحيان يذكر العقاب أوّلاً، ثُمَّ يذكر الثواب، أو قل: يذكر الهدم ثُمَّ يذكر البناء، وفي موارد قليلة جدّاً تعرّضت الآيات الشريفة إلى العقاب وحده أو الثواب وحده. وفي هذه السورة ورد التقابل بوضوحٍ؛ لأنَّ في ضوء قوله تعالى: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} نفهم بعض الأُمور والأُطروحات، ثُمَّ نطبّقها على قوله تعالى: {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} بالضدّ، فتكون المقابلة واضحةً.
[الاحتمالات المتصوّرة في قوله تعالى: وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ]
والغرض: أنَّ الاحتمالات المتصوّرة في قوله تعالى: {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} ما يلي:
الاحتمال الأوّل: أنَّ الجنّة قرّبت من المتّقين، أي: إنَّ المتّقين اقتربوا منها ودخلوها، وهذا من القلب في المعنى، والحقّ أنَّ المتّقين هم الذين اقتربوا منها، ولعلّ ذلك نظير قولنا: أدخلت الخاتم في إصبعي، والحقّ أنَّ الأصبع دخل في الخاتم.
ــــــ[50]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الاحتمال الثاني: أنَّ الجنّة زيّنت للمتّقين؛ احتفالاً بدخولهم لها، وزيادة في إكرامهم، فكأنَّه الآن وقبل يوم القيامة لا حاجة إلى زيادة زخرفتها، بخلاف ما لو تحقّقت فعليّة للثواب ودخول حقيقي إلى الجنّة، وكأنَّما الوضع الطبيعي للجنّة على ما هي عليه لا يكفي، فيُضاف إليها تحسينات كثيرة وجمال إضافي حتّى تستقبل زائريها وضيوفها.
الاحتمال الثالث: أن يُقال: إنَّ ازدلف أي: ذهب ودخل الجنّة، ومن الواضح أنَّ أُزلفت مبني للمجهول، وفي فاعله الحقيقي المحذوف أُطروحتان، بأنَّ يكون الله سبحانه أو الملائكة أو المعصومون (سلام الله عليهم)، أو المؤمنون أو حتّى الكفار، وإليك بيانهما:
الأُطروحة الأُولى: حين تنكشف لهم الجنّة يريهم الله تعالى محلّ المؤمنين، وفي ذلك زيادةٌ في عقابهم؛ لازدياد همّهم حينئذٍ، وهو نحوٌ من الازدلاف، فأُزلفت الجنّة للكفّار بمعنى: ظهرت للكفّار وهي محسّنة.
الأُطروحة الثانية: أنَّ الكفار هم سبب البلاء الدنيوي للمؤمنين، والبلاء الدنيوي سببٌ للثواب؛ فإنَّ زيادة بلاء الدنيا زيادة راحة الآخرة.
الاحتمال الرابع: أنَّنا إذا فهمنا من جهنّم أسباب جهنّم كالكفر والعصيان، فقد نفهم من الجنّة أسباب الجنّة التي هي الإيمان والإخلاص ونحوهما، فنقول: إنَّ جنّة الإيمان والإخلاص حصل فيها أحد معاني الزلفى التي تقدّم الإشارة إليها.
الاحتمال الخامس: أنَّ جنّة العلم والعقل حصل فيها أحد معاني الزلفى.
الاحتمال السادس: أنَّ جنّة العدل الإلهي حصل فيها أحد معاني الزلفى، والعدل الإلهي: إمّا بمعنى العدل الإلهي التكويني الذي عليه قوام
ــــــ[51]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الكون واستقراره، فالعدل بهذا المعنى جنّةٌ وراحةٌ، فتحصل فيه الزلفى بإحدى معانيها الثلاثة المتقدّمة، أو بمعنى العدل التشريعي كالإسلام، والإسلام جنّة تتحقّق فيه أحد معاني الزلفى.
الاحتمال السابع: أنَّ جنّة الرحمة تحقّقت فيها أحد المعاني الثلاثة للزلفى، سواء قصدنا منها الرحمة العامّة أم الخاصّة.
والحاصل أنَّ لها عدّة معانٍ بحاصل ضرب 2 3.
ثُمَّ لا يخفى أنَّه كما قد تكون الألف واللام في الجحيم والجنّة في قوله تعالى: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} و{وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} عهديّةً، كما فهم المشهور ذلك، كذلك قد تكون جنسيّةً قابلةً للانطباق على كثيرين، كما في بعض الأُطروحات السابقة.
ونؤكّد على أنَّ مقتضى الظهور الأوّلي للآيتين هو اتّفاقهما في الجنسيّة أو العهديّة؛ لقيام القرينة المتّصلة على ذلك، مع أنَّ فهم الجنس من الألف واللام لا يعني إسقاط العهديّة، بل الجنس يشمل ما هو معهودٌ وما هو غير معهودٍ. وعليه فالجحيم إذا فهمنا منها الجنس يكون لها حصصٌ كثيرة، منها: جهنّم المعهودة، ومنها: أشياء أُخر، وكذا الكلام في الجنّة. كما لا يتعيّن أن يكون كلاهما للجنس، أو كلاهما للعهد، بل قد يكون أحدهما للجنس والأُخرى للعهد، وبالعكس.
****
قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ}:
هذه الآية واقعةٌ في جواب الشرط للآيات المتقدّمة، أعني: قال تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ
ــــــ[52]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
عُطِّلَتْ … عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ}.
وهنا يرد سؤالٌ حول أداة الشرط مفاده: إذا كانت أداة الشرط (إذا) متعدّدةً، فهل يكفي في جواب الشرط أن يكون واحداً، وكذا الكلام في فعل الشرط؟
[سؤالٌ حول أداة الـشرط]
ولهذا السؤال في الحقيقة أكثر من جوابٍ:
منها: أن نقول: نعم، يكفي جواب شرطٍ واحدٍ، لكن بتقدير أجوبةٍ شرطٍ أُخرى مقدّرةٍ يدلّ عليها الموجود.
ومنها: أنَّنا إن قلنا – كأُطروحةٍ-: إنَّ الأدوات المتأخّرة ليست أدوات شرطٍ، وأداة الشرط هي (إذا) الأُولى، وما عداها كلّها زائدة، أو لا أقلّ ليست للشرط، كأن تكون ظروفاً ونحوها، لا نحتاج إلى أجوبةٍ متعدّدةٍ، وهذا المعنى قد تقدّم ذكره في آياتٍ سابقةٍ.
[جهات في هذه الآية ينبغي الإلتفات إليها]
ثُمَّ إنَّ هناك ثلاث جهات في هذه الآية ينبغي أن الالتفات إليها:
الجهة الأُولى: أنَّ {عَلِمَتْ} فعل ماضٍ، إلّاَ أنَّه يدلّ على المستقبل؛ وذلك لأمر بسيطٍ ذكرناه غير مرّةٍ، وهو أنَّ الأفعال الماضية إذا دخلت في جملة شرطيّة تامّةٍ يتحوّل معناها إلى المستقبل، كقولنا: إذا طلعت الشمس فالنهار موجودٌ، أو إذا طلعت الشمس وجد النهار. فطلع فعلٌ ماضٍ، ووجد فعلٌ ماضٍ، لكنّهما يدلاّن على المستقبل.
وحيث إنَّ الفعل المضارع لا تدخل عليه أداة الشرط بهذا النحو؛ لعدم انسجامه، فإنَّهم يستعملون الفعل الماضي ويفهمون منه الاستقبال، وهذا على خلاف رأي سيبويه.
الجهة الثانية: أنَّ زمان هذا العلم في (علمت) مسكوتٌ عنه أو متعمّد
ــــــ[53]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الترك. نعم، هذه الآية وقعت بعد أفعال الشرط أي: إذا حصل كذا وإذا حصل كذا وإذا حصل كذا {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ}. ولعلّ ذلك يشير من خلال السياق العامّ للآيات إلى أنَّ هذا العلم في يوم القيامة، كما عليه المشهور، وذلك لأنَّ أفعال الشرط كلّها تشير إلى يوم القيامة، فجزاء الشرط وجواب الشرط لابدّ أن يشير إلى يوم القيامة، وعليه فالقضيّة واضحةٌ على رأي المشهور.
وحيث إنَّنا طرحنا في أكثر من مناسبةٍ أُطروحات متعدّدة في فهم أفعال الشرط، كانت الأزمنة المحتملة متعدّدةً، ومن هنا انفتحت لنا آفاقٌ لم تنفتح للمشهور؛ لأنَّهم أخذوا العلم في يوم القيامة، ولم يلتفتوا إلى الأُطروحات الأخرى، فنستطيع أن نقول: إنَّ الزمان هنا مهملٌ، ويتناسب مع كافّة الأزمنة، أي: مطلقٌ بمعنى من المعاني، وحينئذٍ تكون النتيجة
– كأُطروحةٍ محتملةٍ- أنَّ هذا العلم يمكن أن يكون في الدنيا، ويمكن أن يكون عند الاحتضار، ويمكن أن يكون في القبر، ويمكن أن يكون في يوم القيامة، ويمكن أن يكون في الجميع، وسيزداد الأمر وضوحاً بعد التعرّض للجهة الثالثة.
الجهة الثالثة: أنَّ كلمة (نفس) في قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} نكرةٌ لا معرفةٌ، بل هي مدخولةٌ لتنوين التنكير الذي يفيد الوحدة والتنكير. ومن هنا فإنَّ في (نفس) ثلاثة احتمالات:
الأوّل: أن تكون على نحو القضيّة الكلّيّة، أي: مطلق النفوس.
الثاني: أن تكون على نحو القضيّة الجزئيّة، أي: أن يُراد بها نفس معيّنة.
الثالث: أن تكون على نحو القضيّة المهملة.
ــــــ[54]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وقد سلّم السيّد الطباطبائي بإرادة الجنس، وهو ما أسميناه بالقضيّة الكلّيّة، فقال: والمراد بالنفس الجنس(1).
وإرادة الجنس أمر ممكنٌ ومحتملٌ؛ لأنَّه وإن فقد الألف واللام الجنسيّة، إلّاَ أنَّ اللفظ صالحٌ لذلك، ولا ينافيه التنوين بحمله على تنوين التنكير لا الوحدة، وهذا أحد الوجوه في الجواب.
ويمكن أن يُقال: بأنَّه ولو أفاد التنوين الوحدة فإنَّه لا يضرّ؛ لأنَّ (نفس) واحدة، فتكون إشارةً إلى النفوس كلّ واحدة باستقلالها؛ لا إلى مجموع نفسين فصاعداً، وهو كافٍ في الغرض. كما أنَّ (نفس) اسم جنس كلّي قابل للانطباق على كثيرين.
[لماذا عبّر بالنكرة، ولم يعرّف النفس بالألف واللام أو بالإضافة]
لكن يبقى السؤال: لماذا عبّر بالنكرة، ولم يعرّف النفس بالألف واللام أو بالإضافة؟
والجواب: أنَّ الظاهر – والله العالم-: أنَّه لو عبّر بالمعرفة المحلاّة بالألف واللام لكان الأقرب إلى الفهم العهد لا الجنس، فإذا قال: (علمت النفس ما أحضرت) انصرف إلى النفس المعهودة، مع أنَّ هذا ليس مقصوداً، بل المراد هو الجنس. إلّاَ أن يكون المدخول جمعاً فيقول: (علمت النفوس ما أحضرت)، أي: يكون نصّاً في الاستيعاب، كما يعبّر باللغة الأُصوليّة، إلّاَ أنَّ السياق القرآني يختلّ بذلك، والله تعالى يختار أفضل التعبيرات، ومن هنا تعيّن استعمال اللفظ المفرد لا الجمع.
ومع ذلك يبقى احتمال أن يكون المراد نفساً معيّنةً، أو بعض النفوس على نحو الجزئيّة أو المهملة، ومعه فلابدّ من التساؤل عن المقصود، أو مَن هم
ــــــ[55]ــــــ
(1) الميزان في تفسير الميزان 20: 215، تفسير سورة التكوير.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المقصودون من هذه القضيّة الجزئيّة؟
ويمكن أن يكون الجواب -والله العالم- أنَّه وإن قصد نفساً معيّنةً، إلّاَ أنَّنا نفهم منها الإنسان المطلق؛ لأنَّه لم يشر بشكل محدّدٍ إلى نفسٍ بعينها، فكذلك نحن لا يمكننا الإشارة؛ لأنَّه من الترجيح بلا مرجّحٍ؛ إذ النفوس كلّها متساويةٌ أو مختلفةٌ اختلافاً قليلاً.
نعم، ربما يُقال: إنَّها نور الحقيقة المحمّديّة، أو قل: النفس المطلقة لا مطلق النفس، فيتعيّن الانصراف إليها، وكذلك إذا قصدنا بعض النفوس بنحو القضيّة الجزئيّة، فيكون المراد الأشدّ في جانب الإيمان أو الأشدّ في جانب الطغيان أو هما معاً.
ثُمَّ إنَّ الآية لو حملناها على هذا الوجه -أي: أن يكون المقصود من النفوس بعض النفوس بنحو القضيّة الجزئيّة- فلا يعني ذلك أنَّ سائر النفوس لا تعلم ماذا أحضرت؛ إذ ليس في الآية مفهوم مخالفة يخرج ما عداها.
[معنى (أحـضرت)]
والخطوة الأُخرى التي ينبغي اتّخاذها في الآية بالنسبة إلى معنى (أحضرت) أن نقول: إنَّ (أحضرت) رباعي مزيد من حضر وأحضر من الحضور، ومعناه التحقّق والوجود، وهذا المعنى له مستويان ثبوتي وإثباتي. والظاهر: أنَّ المشهور فهم المعنى الإثباتي، يعني: تعلم النفس ما سبق أن فعلته علماً إثباتيّاً، فهي تتذكّر ما سبق أن فعلته ونحو ذلك.
وأمّا الثبوتي فهو بمعنى أنَّ النفس تستحضر نفس العمل. ويمكن أن نقول: بأنَّ المراد بأحضرت هو الإحضار الثبوتي لا الإحضار الإثباتي؛ لنكتةٍ بسيطة مفادها أنَّ الإحضار الإثباتي مفهومٌ من سياق الآية، لا سيّما قوله: {عَلِمَتْ} ولا حاجة إلى فهمه من {أَحْضَرَتْ} فيبقى {أَحْضَرَتْ} بمعنى
ــــــ[56]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الإحضار الثبوتي، ويكون المراد: فعلمت نفسٌ بما فعلت ثبوتاً.
[مقاصد دقيقة في نفس التعبير بقوله: أَحْـضَرَتْ]
ثُمَّ إنَّ نفس التعبير بقوله: {أَحْضَرَتْ} له مقاصد دقيقة:
منها: أنَّ الفاعل عند حضور الفعل يعلم ماذا فعل، فبدل أن يقول: فعلت، قال: {أَحْضَرَتْ} من باب أنَّهما متلازمان أو متساويان في الصدق في هذا المورد.
ومنها: أنَّ الفعل لا يفنى بعد إنجازه، بل يبقى في قلب الزمان له نحوٌ من الوجود التكويني الثبوتي، فيمكن أن يحسّ به الفرد في لحظةٍ من لحظات وجوده: عند الاحتضار أو في القيامة أو في الدنيا، كما يمكن أن يحسّ به الملائكة أو المعصومون. وأما الله فحاضر العلم به، وهذا نوع من الإحضار: أي يحضر نفس العمل.
ومنها: أن نفهم أنَّ {أَحْضَرَتْ} بمعنى قدّمت من قبيل قوله تعالى في آية أُخرى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ }(1).
فيكون المراد إنجاز العمل أمام الله سبحانه من حيث كونه مرئيّاً ومعلوماً لله سبحانه وبين يديه، سواء علم الفرد به أم لم يعلم.
ولا يخفى: أنَّ الفسقة والكفرة في غفلة عن أنَّ الله تعالى يراهم ويشاهد أعمالهم، وإن انكشف في حال الاحتضار وفي يوم القيامة لهم هذا المعنى، فيكون ذلك حسرةً عليهم.
وبذلك الوجه أيضاً يمكن تصوير حضور نفس العمل في الحساب، لا مجرّد صورة العمل التكويني والتذكير به.
ــــــ[57]ــــــ
(1) سورة الانفطار، الآية: 5.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ومنها: أن نقول: إنَّ {أَحْضَرَتْ} بمعنى: علمت قيمة فعلها، لا فعلها فقط؛ لأنَّ الفعل وحده ليس له أهمّيّة، وإنَّما القيمة الأخلاقيّة للعمل هي التي تُؤخذ بنظر الاعتبار.
ويمكن فهم ما ذُكر على أحد أنحاء:
النحو الأوّل: أن نقدّر (قيمة أو أهمّيّة) ما أحضرت، فتكون الآية على هذا التقدير: (علمت نفس قيمة ما أحضرت)، إلّاَ أنَّ التقدير خلاف الظاهر، ولا يُصار إليه إلّاَ مع الضرورة، ومع صحّة الوجوه الآتية لا ضرورة لهذا التقدير.
النحو الثاني: أنَّ الفرد أو غيره كالملائكة يدركون بنفس العمل قيمة ذلك العمل، فعندما نشاهد شخصاً يصلّي ندرك أنَّه يعمل عملاً صالحاً، وبنفس تذكّر العمل يتذكّر قيمته، أو بإنجازه ينجز قيمته، فيكون إدراك العمل بالمطابقة وإدراك القيمة بالالتزام، وهما متساويان دائماً. وشاهد ذلك أنَّنا عندما نرى زيداً مثلاً ندرك في نفس الوقت أنَّه رجل دينٍ أو عامل … وهكذا.
ولا يخفى: أنَّ هذه المعاني مع أنَّها انتزاعيّة، إلّاَ أنَّها متلبّسة في الإنسان من رأسه إلى أخمص قدمه، كتلبّس النجّار أو الحدّاد بزيد، فيدركان معاً، وهنا لا نحتاج إلى تقديرٍ؛ لأنَّنا ندرك العمل بالدلالة المطابقيّة، والقيمة بالدلالة الالتزاميّة.
النحو الثالث: أنَّنا إلى الآن فهمنا من اسم الموصول في قوله: {مَا أَحْضَرَتْ} الأعمال أو الأفعال، كما فهم المشهور ذلك.
والآن نريد أن نشير إلى معنى آخر؛ لأنَّ الذي تبيّن أنَّ المهمّ هو قيمة العمل لا نفس العمل.
ــــــ[58]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
نعم، القيمة -بما أنَّها وصفٌ- لا يمكن أن تحضر إلّاَ بالعمل؛ لأنَّ الوصف لا يحضر إلّاَ بالموصوف، والذي يحضر هو القيمة الأخلاقيّة. وهنا أيضاً لا نحتاج إلى تقدير القيمة الأخلاقيّة؛ لأنَّ العمل بمنزلة العلّة، والقيمة بمنزلة المعلول؛ لأنَّه متأخّرٌ عنها رتبةً لا وجوداً وزماناً، أو قل: إنَّ العمل نظير ما لو نظرت إلى زيدٍ من الناس فوجدته أسمر أو أبيض، فتدرك بأنَّ زيداً أسمر أو أبيض بإدراكٍ واحدٍ، أي: بنفس الإدراك العرفي، ولا يضرّ إدراك الإثنينيّة بالتحليل العقلي.
وقد تحصّل إلى الآن أنَّنا قد فهمنا من {عَلِمَتْ} عدّة أُمور، كما فهمنا من {أَحْضَرَتْ} و{نَفْسٌ} عدّة أُمور أيضاً، فنوكل إلى القارئ اللبيب ضرب هذه الاحتمالات بعضها ببعض لاستنتاج الأُطروحات والمعاني الحاصلة من ذلك.
****
قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}:
إنَّما ذكرتُ الآيتين معاً؛ لأنَّهما ذات سياقٍ واحدٍ ومضمونٍ واحدٍ، أي: كأنَّهما آيةٌ واحدةٌ، وإن كان القرّاء يضعون فاصلةً أو نقطةً بينهما. والغرض: أنَّ الله سبحانه أعطى ثلاث صفاتٍ لموصوفٍ محذوفٍ في الآيتين (الخنّس، الجوار، الكنّس) الذي هو مدخول القسم، فكلّها صفاتٌ لأمرٍ مقدّرٍ. وقد فهم المشهور من هذا الأمر المقدّر الكواكب أو النجوم، وهذا باب ستأتي الإشارة إليه لاحقاً.
[قوله: فَلاَ أُقْسِمُ]
قوله: {فَلاَ أُقْسِمُ} نفي القسم لا إيجاده، وقد سبق الكلام فيه في غير موردٍ؛ كما في سورة البلد في قوله تعالى: {لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ}(1) وفي سورة
ــــــ[59]ــــــ
(1) سورة البلد، الآية: 1.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الانشقاق في قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ}(1)، فراجع؛ إذ لا حاجة إلى تكرار الحديث فيه. وإن أبيت إلّاَ ذكر مختصر عن مفاد قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ} فنقول: إنَّ من جملة الأُطروحات أنَّ (لا) زائدة، أو يُقال بأنَّ المراد من قوله {فَلاَ أُقْسِمُ} لا حاجة إلى القسم؛ إذ القضيّة أوضح من أن يقسم فيها، ونحو ذلك من كلمات مذكورة في محلّها.
[في معنى (الخنّس)]
وأمّا (الخنّس) فقد أفاد الراغب: أنَّ قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ}(2) أي: الشيطان الذي يخنس، أي: ينقبض إذا ذكر الله سبحانه.
[قوله تعالى: فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ]
وقوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} أي: بالكواكب التي تخنس بالنهار، أي: التي تغيب أو يسيطر عليها ضوء الشمس؛ فتختفي بالنهار. وقيل: الخنّس هي زحل والمشتري والمريخ؛ لأنَّها تخنس في مجراها، أي: ترجع. وهذا ما عليه الفكر القديم، وهو خلاف ما توصّل له في علم الفلك الحديث. وأخنست عنه حقّه أخّرته(3).
والاختفاء والابتعاد معنيان مفهومان من (خنّس)؛ لأنَّ الابتعاد سببٌ للاختفاء على كلّ حالٍ.
وعليه (خنّس) بمعنى ابتعد، وإذا ابتعد اختفى، كما أنَّ عبارة الراغب الأخيرة: (أخنست حقّه أخّرته) تعني: أنَّي عندما أتحجّج بعدم وفاء الدين أو الحقّ للغير، فكأنَّه يظنّ أنَّ حقّه مختفٍ وزائلٌ، أو زائلٌ حقيقةً؛ لأنَّ وفاء الحقّ مع المماطلة زائلٌ في الزمان الأوّل للوفاء مع تأخير أدائه في وقته المحدّد.
ــــــ[60]ــــــ
(1) سورة الانشقاق، الآية: 16.
(2) سورة الناس، الآية: 4.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 161، مادّة (خنس).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فتحصّل: أن مادّة (الخنّس) بمعنى الاختفاء والابتعاد، ولا يخفى أنَّ الابتعاد سببٌ للاختفاء وملازمٌ غالباً أو عادةّ للاختفاء.
وقد أفاد الراغب في عبارته السابقة: أنَّ الشيطان يخنس، أي: ينقبض، ولم يقل: يبتعد أو يختفي، وهذا الرأي هو الأوفق بمعنى الخنس.
والظاهر: أنَّ خنس بمعنى اختفى: إمّا ثبوتاً أو إثباتاً، فاختفى ثبوتاً يعني: زال حقيقةً وانعدم في عالم الواقع وأصبح لا وجود له، وأمّا الاختفاء الإثباتي فهو من قبيل ما لو أخفينا شخصاً في غرفةٍ أو مكانٍ آخر، فهو ليس زوالاً وانعداماً بالمعنى الحقيقي.
وجميع الأسباب المذكورة، كالانقباض والقبض والتأجيل والتأخير تفيد ذلك المعنى، أي: المعنى الأعمّ للخنّس الشامل للثبوتي والإثباتي: إمّا مجازاً وإمّا حقيقةً.
وأمّا (الجواري) فهي جمع (جاري)، وهو اسم فاعل؛ وإذا قصدنا به المؤنّث (جارية) فجمعه جواري، وإذا قُصد به المذكّر فجمعه جواري أيضاً، فنقول: إنَّ مطلق جاري جمعه جواري.
[أطروحات في معنى(الجواري)]
ثُمَّ ينبغي أن نفهم المفرد منه حتّى نفهم الجمع، ويمكن الإشارة إلى عدّة أُطروحات في المقام:
الأُطروحة الأُولى -وهي الأُطروحة المشهورة-: وحاصلها: أنَّ المفرد (جاري) مأخوذ من الجريان، وهو التحرّك، ونسبوها إلى الكواكب والنجوم. ويمكن كأُطروحةٍ نسبة الجريان إلى كلّ شيءٍ متحرّكٍ، وأوضح شيء بالجريان هو الماء.
الأُطروحة الثانية: أنَّ لفظ (جارية) بمعنى المملوكة، والجمع جواري،
ــــــ[61]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أي: مملوكات.
الأُطروحة الثالثة: أنَّ لفظ (جارية) بمعنى الصبيّة؛ لأنَّه من المشترك اللفظي، وجمعها جواري.
الأُطروحة الرابعة: أنَّ المفرد (جار) من الجوار بمعنى الجيران، فالجار مفرد، والجوار جمعه.
وهنا ينبغي الالتفات إلى أنَّ الجريان والجيران لهما مصاديق متعدّدة، ولم نتكلّم هنا عن جميع الأُطروحات المحتملة، ولكنّنا فتحنا عين القارئ اللبيب على المهمّ منها. والغرض: أنَّ الجريان والجيران لهما مصاديق متعدّدة وحصص متكثّرة في مختلف العوالم، بما فيها عالم الدنيا، وعالم الآخرة، فقد يكون المؤمن في الجنّة جاراً للمعصومين، وهكذا، وهذا المعنى مذكورٌ على ألسِنة المتشرّعة.
[مادة (الكنّس)]
وأمّا (الكنّس) فمن الطريف أنَّ الراغب لم يذكر مادتّها إطلاقاً، كما يُلاحظ عدم وضوح المراد في كلام السيّد الطباطبائي في “الميزان”(1). إلّاَ أنَّ صاحب “مجمع البحرين” ذكر ما يلي: قوله تعالى: {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} هي بالضمّ والتشديد الخُنّس؛ لأنَّها تكنس في المغيب كالظباء، أو هي كلّ النجوم؛ لأنَّها تبدو ليلاً وتخفى نهاراً(2).
ويرد عليه: أوّلاً: أنَّه لم يبيّن معنى المادّة إطلاقاً، وإنَّما اكتفى بالقول: هي الخنّس، مع أنَّ لفظة الخنّس بدورها تحتاج إلى تفسيرٍ وبحثٍ عن معناها.
ثانياً: أنَّ (كنس) لو كان بمعنى (خنس) للزم تكرار المعنى في الآية بلا
ــــــ[62]ــــــ
(1) راجع الميزان في تفسير القرآن 20: 221، تفسير سورة التكوير.
(2) مجمع البحرين 4: 100، مادّة (كنس).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ضرورةٍ، وهو غير محتملٍ.
ثالثاً: أنَّنا قلنا غير مرّةٍ: إنَّ أيّ تفسير ورد في طول فهم الآية لغرض تصحيح فهم من قبل المفسّرين فهو غير سديدٍ، بل نلتزم بالمعاني السابقة رتبةً على نزول القرآن الكريم، أو قل: المعاني السابقة زماناً على نزول القرآن الكريم التي كانت شائعةً في المجتمع يومئذ. والطريحي وإن حاول، إلّاَ أنَّه لم يأتِ بالمعاني الأصلية، فيكون كلامه غير سديدٍ؛ لأنَّه لا يخضع للقاعدة التي قلناها.
ثُمَّ إنَّ ابن منظور في “لسان العرب” أعطى تفسيراً للكنّس قد يكون أقرب إلى الفهم واللغة، فقال: الكنس: كسح القمامة عن وجه الأرض … والمكنسة: ما كنس به، والجمع مكانس، والكناسة ما كنس. قال اللحياني: كناسة البيت ما كسح منه من التراب، فأُلقي بعضه على بعض. والكناسة أيضاً ملقى القمام، والمكنس مولج الوحش من الظباء والبقر تستكنّ فيه من الحرّ، وهو الكناس، والجمع أكنسة وكنس، وهو من ذلك؛ لأنَّها تكنس الرمل حتّى تصل إلى الثرى … وكنست النجوم تكنس كنوساً: استمرّت في مجاريها، ثُمَّ انصرفت راجعة. وفي التنزيل: {فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}. قال الزجّاج: الكنس النجوم تطلع جاريةً، وكنوسها أن تغيب في مغاربها التي تغيب فيها. وقيل: الكنس الظباء والبقر تكنس أي: تدخل في كنسها إذا اشتد الحرّ(1).
فتحصّل: أنَّ الكنس في الوضع اللغوي إزالة القمامة والأوساخ، ثُمَّ أُخذ منه معنى الاحتماء عن شدّة الحرّ بعنوان أنَّه يكنس التراب إذا دخل في
ــــــ[63]ــــــ
(1) لسان العرب 6: 197-198، مادّة (كنس).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
جحره. ثُمَّ أُخذ منه معنى الاختفاء؛ لأنَّ الاحتماء ملازمٌ غالباً للاختفاء، فرجع الأمر بهذا التسلسل الفكري إلى أنَّ الكنس بمعنى الخنس، وكنس وخنس بمعنى واحدٍ، كما أفاده الطريحي، لكن يُلاحظ أنَّ ما أفاده في “لسان العرب” أوضح ممّا ذكره الطريحي.
[الكلام عن إشكال رجوع معنى الكنس إلى الخنس]
ويبقى الإشكال القائل بأنَّه إذا رجع معنى الكنس إلى الخنس لزم منه التكرار اللفظي من غير ضرورةٍ. وهذا الإشكال إنَّما يتوجّه على المشهور؛ لأنَّه التزم بأنَّ الموصوف هو الكواكب أو النجوم، فهي الخنّس الجوار الكنّس؛ وذلك لأنَّ الناس لم تكن تعرف صفة أُخرى للكواكب والنجوم غير الغروب، فلزم على المشهور أن يحمل الخنّس والكنّس على معنى واحدٍ، فيرد الإشكال، وهذا إنَّما يدلّ على قصور فهم المشهور.
أمّا نحن فلا نذهب إلى تعيّن الموصوف بالكواكب، فإذا استطعنا تبديل الموصوف إلى شيءٍ آخر يرتفع المحذور، ومادام الموصوف لم يذكر؛ فيمكن تطبيقه على غير الكواكب والنجوم، وعليه فيمكن حمل الموصوف على أحد نحوين:
الأوّل: أنَّ المراد بالموصوف أمر كلّي له من السعة والشمول ما يمكننا التعبير عنه بأنَّه أيّ شيء ينطبق عليه الوصف، أو يُراد به حصّة، لكنّها ليست متعيّنةً على نحو الدقّة. نعم، هي خصوص الكواكب لا حصّة بذاتها، ومن البديهي أنَّ الله تعالى يعلم واقعها، فتكون مرةً مجموع الحصص، وأُخرى حصّة واحدة، كحصّة في كلّي، أي: حصّة من مجموع الحصص، إلّاَ أنَّها غير معلومة الحال، وسبب عدم معلوميّتها هو أهمّيّتها، أو أنَّ المصلحة اقتضت الإهمال أو الإجمال.
ــــــ[64]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الثاني: أن نلاحظ أنَّ هذه الأوصاف الثلاثة (خنّس، جوار،كنّس) إمّا أنَّها أوصافٍ لشيءٍ واحدٍ أو أنَّها أوصاف لأُمور متعدّدة، كأن يكون كلّ وصف وصفاً لشيءٍ غير ما يُراد من الوصف الآخر … وهكذا. وقد يُقال: بأنَّ هذه الأوصاف وصفٌ لشيءٍ واحدٍ، ويعضده أمران:
الأوّل: أنَّ هذا الفهم مطابقٌ لفهم المشهور.
الثاني: أنَّ هذه الصفات وردت متضايفةً بمعنى من المعاني، وبالمعنى الأُصولي مقيّدةً بعضها ببعض، فيتكوّن من مجموعها مفهومٌ وحداني هو الذات المتّصفة بكلّ هذه الصفات، فيتعيّن من حيث هذا الظهور كونها وصفاً لشيءٍ واحدٍ أو لحصّة واحدةٍ، ولعلّ ذلك هو منشأ إرجاع المشهور هذه الصفات إلى موصوفٍ واحدٍ.
هذا. ولكن يمكن استظهار رجوعها إلى الكلّي في نفسه، لا إلى حصّةٍ واحدةٍ، بل إلى كلّ ما يتّصف بهذا الوصف، نظير استظهاره من قوله تعالى: {وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}(1) أي: مطلق الليالي العشر ومطلق الشفع والوتر. وحينئذٍ يتّضح أنَّ هذه الأوصاف غير مقيّدة بعضها ببعض، بل لو كانت مقيّدة فهي تدلّ على الكلّي، ولا تختصّ بالكواكب كما قال المشهور. ويمكن ذكر نموذجٍ قابلٍ للانطباق على ما تقدّم نحو: أنَّ الإنسان المؤمن الصالح المطيع لمولاه يكون من الخنّس، بمعنى: أنَّه يحاول الابتعاد عن عالم الفساد والرذيلة أو يحاول إخفاء معارفه وأسراره.
كما أنَّ صفة الجوار تنطبق على المؤمن؛ لأنَّها إمّا من الجري، والمؤمن يجري في طريق التكامل وفي رحمة الله، أو من الجيران، والمؤمن جار
ــــــ[65]ــــــ
(1) سورة الفجر، الآيتان: 2-3.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
للمعصومين (سلام الله عليهم) أو جار لرحمة الله أو جار لله تعالى.
وقد ورد في الأثر: أنَّ مَن زار المؤمن لغير حاجةٍ -أي: لغير حاجةٍ دنيويّةٍ- فكأنَّما زار الله جلّ جلاله(1)، وفي الزيارة: “وأنت خير مزور”(2).
وأمّا صفة الكنّس -التي نعتقد أنَّها تختلف عن صفة الخنّس- فنقول: إنَّها بمعنى إزالة القمامة والأزبال، ومن الواضح أنَّ المؤمن يحاول أن يزيل عيوب نفسه وذنوبها، بل يسعى لإزالة عيوب الآخرين من خلال الأمر بالمعروف والتعليم والهداية.
وقد يكون بمعنى الاحتماء من شدّة الحرّ، ولا يخفى أنَّ المؤمن يحتمي من بلاء الدنيا والآخرة أو من غضب الله تعالى.
ولو قيل برجوع لفظ (الكنّس) إلى معنى (الخنّس) وتنازلنا عن الإشكال السابق – الذي ملخّصه أنَّ الكنّس والخنّس لو كانا بمعنى واحد، لزم التكرار في المعنى من غير ضرورةٍ في الآية- قلنا: إنَّ المؤمن لا يسعى إلى الظهور، بل يسعى للاختفاء، كما أنَّ من صفات المؤمنين أنَّهم إذا حضروا لم يُعرفوا، كما مرّ غير مرّةٍ.
بعد أن طبّقنا الصفات الثلاثة الواردة (الجوار، الكنّس، الخنّس) على المؤمن، يمكن أن نطبّقها على أُمور أُخرى. أشار ابن منظور(3) -كما مرّ- إلى
ــــــ[66]ــــــ
(1) راجع الأخبار والروايات الواردة في بحار الأنوار 71: 342-356، كتاب العشرة، أبواب حقوق المؤمنين، الباب 21: تزاور الإخوان وتلاقيهم ومجالستهم … .
(2) مصباح المتهجد: 286، أعمال الجمعة، فلاح السائل: 91، صفة دخول المسجد، مستدرك الوسائل 3: 392، أبواب أحكام المساجد، باب استحباب دخول المساجد على طهارةٍ …، الحديث 7، وغيرها.
(3) لسان العرب 6: 197، مادّة (كنس).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أنَّ المراد بالكنّس الظباء والبقر الوحشي الذي يرجع إلى مأواه.
فإذا ضممنا ذلك إلى مقدّمة أُخرى مفادها وحدة المقصود من هذه الأوصاف الثلاثة، ولو بنحو الظهور، كان المراد من الآية أو الآيات أنَّ الموصوف بهذه الصفات الثلاثة حيوان، وهو الظباء أو البقر الوحشي.
وحينئذٍ نكون مسؤولين عن تطبيق معانيها واحدة واحدة، فنقول: أمّا (جوار) فإنَّها تجري راكضةً بحثاً عن الطعام أو خوفاً من الوحوش.
وأمّا (خنّس) فلأنَّها تحاول أن تختفي عن الوحوش ونحو ذلك. إلّاَ أنَّ هذا الاحتمال والفهم يواجه الإشكال السابق مرّةً أُخرى، وهو أنَّ الخنّس يكون بمعنى الكنّس، كما أنَّه يواجه إشكالاً على مبنى المشهور؛ إذ ليس المراد جميع هذه الصفات في الحيوانات من البقر وغيره، بل المراد هو النجوم والكواكب، إلّاَ أن يُقال بجعل الوصفين الأوّلين للكواكب {فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ* الْجَوَارِ…} يعني: الكواكب كما عليه المشهور، والصفة الأخيرة (الكنّس) للظباء أو البقر الوحشي.
ويُلاحظ: أنَّ هذا ممّا لا يرضى به المشهور، بل يؤيّد ما تقدّم من إمكان تعدّد الموصوف في الآية، فكما يمكن تعدّده إلى اثنين كذلك يمكن تعدّده إلى ثلاثة. إلّاَ أنَّ هذا أيضاً قد يواجه بإشكالٍ آخر قد ذكرناه سابقاً، وهو أنَّ مقتضى السياق تقييد هذه الصفات بعضها ببعض، فيكون مجموع هذه الصفات متعلّقاً بموصوفٍ واحدٍ.
ومعه فلابدّ أن نلتزم بإحدى الأُطروحات التي تقدّمت سابقاً، والأُطروحة الأقرب إلى مجموع السياق أن تكون هذه الصفات بمجموعها بصدد الحديث عن المؤمن.
ــــــ[67]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ}:
قال الراغب: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} أي: أقبل وأدبر، وذلك في مبدأ الليل ومنتهاه، فالعسعسة والعساس رقّة الظلام، وذلك في طرفي الليل، والعسّ والعسس نفض الليل عن أهل الريبة، ورجل عاس وعسّاس، والجمع العسس. وقيل: كلب عسّ خير من أسدٍ ربضٍ، أي: طَلَب الصيد بالليل، والعسوس من النساء المتعاطية للريبة بالليل، والعسّ القدح الضخم، والجمع عساس(1).
أقول: الظاهر: أنَّ أصل المادّة من الحركة والمراقبة بالليل أو من المشي بالليل، فإذا نسبناه إلى الليل، كما في قوله تعالى {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ}، كان المراد الإشارة إلى حركة الليل، لا الحركة في الليل، ويكون المعنى: كما يتحرّك من في الليل يتحرّك الليل نفسه، وهو يفيد اشتداد الليل لا خفّة ظلامه، على خلاف ما ذكره الراغب؛ لأنَّ الليل إذا تحرّك فإنَّه يتأكّد ويتوسّط ويشتدّ، كما هو واضحٌ عرفاً. ومن هنا اكتسب المعنى الهيبة والهيمنة، واستحقّ أن يكون مورداً للقسم، بخلاف ما إذا كان المراد خفّة الظلام؛ فإنَّه لا يمتلك تلك الأهمّيّة حتّى يُقسم به.
وعلى هذا الفهم تكون هذه الآية نظير آياتٍ أُخرى، نحو قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى}(2) و{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}(3) و{وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}(4) مع فارقٍ
ــــــ[68]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 346، مادّة (عس).
(2) سورة الضحى، الآية: 2.
(3) سورة الليل، الآية: 1.
(4) سورة الفجر، الآية: 4.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بسيطٍ فيما بينها. ويعضد ما قلناه ما أفاده الراغب من المعاني الأُخر للمادّة، كالقدح الضخم؛ إذ الغالب أن يكون داخله مظلماً نسبيّاً، وكذلك العسوس من النساء المتعاطية للريبة ليلاً؛ فإنَّها إنَّما تتعاطى في وسط الليل، أي: في زمان سيطرته وانتشاره، لا في أوّله ولا في آخره.
هذا مضافاً إلى ما مرّ من أنَّ الريبة بمعنى التخوّف والرهبة الملحوظة بالليل، والليل كما هو واضحٌ لا يتيسّر فيه دفع البلاء، فمن هذه الناحية يكون الليل ذا رهبةٍ وشدّةٍ.
والذي يتعرّض للبلاء في الليل يصعب عليه ردّه، بالذهاب إلى الطبيب أو دفع اللصوص، بل الجيوش القويّة يصعب عليها القتال في الليل.
بقي أن نشير إلى أمرٍ حاصله: أنَّ المادّة التي بحثنا عنها وذكرها الراغب وغيره إنَّما هي (عس)، مع أنَّ الوارد في الآية (عسعس) لا (عس)، فقد يُقال: إنَّ (عسعس) مادّةٌ أُخرى أو لفظٌ آخر غير (عس) موضوعٌ بوضعٍ لغوي آخر يدلّ على معنى آخر.
ويمكن أن يُقال: أنَّ (عسعس) و(عسّ) مادّةٌ واحدةٌ ذات معنىً واحدٍ بتقريبين:
الأوّل: أن نقول: إنَّ العرب نطقوها على نحوين، وفهموها بنحوٍ واحدٍ، فقالوا: (عسّ)، وقالوا: (عسعس)، وأرادوا بها المعنى المتقدّم نفسه.
الثاني: أن نقول: إنَّ (عسعس) بمنزلة التكرار للفظ (عسّ)، فكأنَّه قال: عسّ عسّ، فيُراد به التأكيد. وهذه الأُطروحة تؤيّد ما ذهبنا إليه؛ لأنَّ التأكيد يؤكّد شدّة الظلام لا خفته.
****
ــــــ[69]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}:
قال الراغب في معنى النَفَس: والنَفَس الريح الداخل والخارج في البدن من الفم والمنخر، وهو كالغذاء للنفس، وبانقطاعه بطلانها. ويُقال للفرج نفس … يُقال: اللّهمّ نفّس عني، أي: فرّج عني، وتنفّست الريح إذا هبّت طيّبة … وتنفّس النهار عبارةٌ عن توسّعه. قال: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}(1).
أقول: الظاهر: أنَّ المعنى الأصلي للنَفَس هو التنفّس الذي يصعد وينزل للإنسان والحيوان، ومنه سمّيت النفس، فكأنَّهم كانوا يتصوّرون أنَّ النَفَس هو النَفس، أو باعتبار توقّف استمرار النَفْس على النَفَس.
ويُقال للفرج نفس؛ لأنَّ الإنسان حين يحصل له الفرج يتنفّس نفساً عميقاً باعتبار ملازمته للتنفّس غالباً، ومنه: اللّهمّ نفّس عنّي، أي: فرّج عني.
وإذ كان التنفّس بالهواء أو الريح سُمّيت الريح نفساً أو سمّيت الريح الطيّبة نفساً، فقيل: تنفّست الريح إذا هبّت طيّبة.
وقول الراغب: (تنفّس النهار عبارة عن توسّعه، وقوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} أي: توسّع) لا يخلو من إشكالٍ؛ فإنَّه لو كان المراد من قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} أي: توسّع كان من باب المجاز لا الحقيقة؛ لأنَّ التوسّع لم يُؤخذ في مفهوم اللفظ أصلاً، والمجاز بابٌ واسعٌ، وإنَّما يُطلب المعنى الحقيقي للآية، ولا يصحّ حملها على المجاز؛ لأنَّه خلاف الأصل. أضف إلى ذلك: أنَّ الآية عبّرت بالصبح ولم تعبّر بالنهار، والصبح عرفاً غير النهار؛ إذ الصبح ما بين الطلوعين – طلوع الفجر إلى طلوع الشمس- وهو غير النهار؛ إذ النهار يبدأ بطلوع الشمس، أي: إنَّهما متباينان، ولا يجتمعان إطلاقاً.
ــــــ[70]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 523، مادّة (نفس).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
إن قلت: إنَّ أوّل النهار صبحٌ أيضاً.
قلت: نعم، لكن الكلام: هل الإطلاق مجازي أم حقيقي؟ وفي حدود الأُطروحة اللغويّة القائلة بأنَّ الصبح ما بين الطلوعين يكون هذا الاستعمال استعمالاً مجازيّاً، وإنَّما يُسمّى أوّل النهار صباحاً؛ لأنَّه قريبٌ من الصبح.
[الوجه في اختيار مادّة (التنفّس)]
بقي أن نفهم الوجه في التعبير بقوله: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} واختيار مادّة (التنفّس) مع أنَّه يمكن التعبير بألفاظٍ أُخر، كالصبح إذا أقبل أو إذا حصل، ونحو ذلك.
وقبل الجواب عن ذلك لابدّ من الالتفات إلى أنَّ قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} بقوّة قوله: (والفجر إذا تنفّس)؛ لأنَّنا ذكرنا أنَّ الصبح ما بين الطلوعين يعني: الفجر وآثاره، وهو النور الذي يوجد في الأُفق من طرف الشرق.
وحينئذٍ نقول: يمكن الإشارة إلى عدّة أُطروحات في بيان الوجه في التعبير المزبور:
الأُطروحة الأُولى: ما اختاره السيّد الطباطبائي من أنَّ الليل بمنزلة التعب والصبح بمنزلة الفرج، فكأنَّ الفجر نفس الليل(1).
الأُطروحة الثانية: ما يُستفاد أيضاً من سياق عبارته من تمثيل الضوء الخافت المنتشر عند الفجر بالنفس(2)، أي: الظاهر: أنَّ الليل بمنزلة جسم الإنسان والضوء بمنزلة نفسه، مع أن هذا كلّه من باب المجاز لا الحقيقة.
ــــــ[71]ــــــ
(1) راجع الميزان في تفسير القرآن 20: 217، تفسير سورة التكوير.
(2) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأُطروحة الثالثة: ما نقله الزمخشري في تفسيره “الكشّاف” قائلاً: فإن قلت: ما معنى تنفّس الصبح؟ قلت: إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روحٌ ونسيمٌ، فجعل ذلك نفساً له على المجاز(1).
ويُلاحظ: أنَّ سبب النسيم ليس الفجر، وإن أفادت هذه الأُطروحة بأنَّ هذا الأمر غالبي لا دائمي، أي: في كثيرٍ من الليالي يحصل شيءٌ من هذا القبيل.
الأُطروحة الرابعة: أن نرى أنَّ حصول النسيم دائمي لا غالبي، ولذا يعتبره البعض علامةً على طلوع الفجر، كما أشرنا إلى ذلك في كتابنا “ما وراء الفقه”(2)، ويعتبره البعض الآخر امتحاناً للناس، فقد قيل: إنَّ الله سبحانه يرسل ما بين الطلوعين ريحاً طيّباً امتحاناً للناس، فيرى من يقوم إلى الصلاة ومن يخلد للنوم. وقد يعتبره البعض أمراً طبيعيّاً؛ لأنَّ الأرض أثناء الليل تتبخرّ حرارتها المكتسبة في النهار، فمن الطبيعي أن يكون وجه الأرض بارداً، ومن هنا يكون الهواء أقرب إلى البرودة منه إلى الحرّ.
الأُطروحة الخامسة: أنَّ تنفّس، أي: وجد؛ لأنَّ الطفل إذا وجد في الدنيا بعد خروجه من الرحم يبدأ بالتنفّس، فكذلك الصبح، وكأنَّه ميلاد نهارٍ جديدٍ، وهو ميلادٌ بنحو المجاز لا الحقيقة.
ومن هنا ينبغي أن نلاحظ أنَّ المصادر اتّفقت على المجازيّة في نسبة التنفّس إلى الصبح.
إلّاَ أنَّ ذلك يواجه إشكالاً حاصله: أنَّ المشهور يقول بصحّة المجاز في الأسماء، وأمّا الأفعال فلا يمكن أن يقع فيها مجازٌ، أو تُستعمل استعمالاً مجازيّاً،
ــــــ[72]ــــــ
(1) الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل 4: 711، تفسير سورة التكوير.
(2) راجع ما وراء الفقه 1: 213، كتاب الصلاة: فصل: في أوقات الصلاة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وكذلك الحروف، مع أنَّه يُلاحظ أنَّ تنفّس فعل ماضٍ، ومع ذلك يصرّح المشهور بأنَّ الاستعمال فيها استعمالٌ مجازيّ، ويكون الأمر سواءً بالنسبة إليهم، بأن نلتفت إلى أنَّ المستعمل مجازاً في الآية ليس هو الفعل بمجموع مادّته وهيئته، بل المستعمل هو مادّته فقط (التنفّس)؛ لأنَّ المادّة معنى تحليلي من الفعل، وليس لها وجودٌ استقلالي يمكن استعماله مجازاً، هذا أولاً.
وثانياً: أنَّ المشهور لا يعترف بكون المادّة معنى مصدريّاً، بل يعتبر المصدر معنىً مبايناً للمادّة، فإذا كان كذلك -أي: إذا لم تكن المادّة معنى مصدريّاً اسميّاً- يتعذّر أن تُستعمل مجازاً بوجهٍ من الوجوه. وهذا ما يؤكّد عليه صاحب “الكفاية”(1) ومن بعده من الأُصوليين، كالشيخ العراقي(2) والشيخ الأصفهاني(3) والشيخ النائيني(4) (قدّس الله أسرارهم جميعاً)؛ حيث ذهبوا إلى أنَّ المصدر ليس هو المادّة، بل هو مشتقٌّ في مقابل المادّة، والمادّة ليست هي المصدر، فإذا لم يكن معنى مصدريّاً اسميّاً تعذّر أن يُستعمل مجازاً، ومعه فلا يتمّ ما ذُكر آنفاً.
أقول: إنَّ آراء المشهور قابلةٌ للمناقشة، بل الصحيح خلافها، فيمكن الاستعمال المجازي في الأسماء والأفعال بلا فرقٍ، كما أشرنا إلى ذلك في بحث الأُصول(5)، كما نلتزم بأنَّ المادّة هي المعنى المصدري. أمّا المجازيّة فنشعر بها
ــــــ[73]ــــــ
(1) أُنظر: كفاية الأُصول: 77-78، المقصد الأوّل، الفصل الثاني، المبحث الثامن.
(2) أُنظر: مقالات الأُصول 1: 174، المقالة الثانية عشر: المشتقّ.
(3) أُنظر: نهاية الدراية 1: 251، هل الأمر يدلّ على المرّة أو التكرار؟
(4) أُنظر: فوائد الأُصول 1: 51، المبحث الأوّل، الأمر الرابع.
(5) أُنظر: منهج الأُصول 1: 17، منشأ الدلالة المجازيّة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
من خلال الالتفات إلى أنَّ الصبح لا يمكن أن يتنفّس على وجه الحقيقة والتكوين.
فإذا لم يكن استعمال الفعل لا بمادّته ولا بهيئته مجازاً، فكأنَّ في الآية خللاً وغلطاً؛ وذلك لأنَّ الاستعمال إمّا حقيقي وإمّا مجازي، ولا ثالث لهما، ولا اعتقد أنَّ المشهور يذهب إلى أنَّ القرآن يشتمل على استعمالٍ غلطٍ.
[الإشارة لنحو المقابلة بين الآيتين: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ* وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ]
بقي هنا الإشارة إلى أنَّ بين الآيتين نحواً من المقابلة: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ* وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}، كما في قوله تعالى: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى}(1) وقوله تعالى: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}(2).
ولا حاجة إلى الإفاضة في معنى المقابلة، بعد أن كانت مدركةً بالوجدان -نفسيّاً وعقليّاً- مع أنَّه سبق الحديث عنها في غير موضعٍ.
[البحث عن جواب الشرط في الآيتين الـشريفتين]
ثُمَّ إنَّه لابدّ من البحث عن جواب الشرط في الآيتين الشريفتين.
ويمكن الجواب عن ذلك بوجوهٍ:
الأوّل: أن نقول: إنَّ (إذا) هنا ظرفيّة، لا أداة شرط، فلا تحتاج حينئذٍ إلى جواب شرط، فيكون المعنى: الليل حين تنفّس، والنهار حين عسعس.
الثاني: أن يكون جواب الشرط قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}.
ويرد عليه بأنَّ قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} جواب القسم لا جواب الشرط.
ويمكن الجواب بأنَّه جوابٌ للقسم وللشرط معاً. وبعبارةٍ أُخرى: إنَّنا وإن سلّمنا أنَّه جواب القسم، إلّاَ أنَّه يمكن أن نفهم منه بحسب المعنى كونه
ــــــ[74]ــــــ
(1) سورة الضحى، الآيتان: 1-2.
(2) سورة الشمس، الآيتان: 3-4.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
جواباً للشرط.
إلّاَ أنَّ هذا لا يمكن الاعتماد عليه أيضاً؛ ففي قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} لابدّ أن يكون الأثر الذي يحصل أثراً تكوينيّاً، وأمّا أن يكون الرسول رسولاً كريماً فهو غير مفيدٍ.
الثالث: أن يعرف جواب الشرط من فعل الشرط، أي: يكون بلفظ ويسدّ مسدّه، فيكون المعنى: (عسعس الليل عسعس)، و(تنفّس الصبح تنفّس). وهذا وإن كان بمنزلة تحصيل الحاصل، إلّاَ أنَّ هذا لا يكون سبباً للاستغناء عنه، وإنَّما يكون سبباً لحذفه لفظاً وتقديره معنىً؛ لأنَّنا نحتاج بعد التنزّل عن الوجوه السابقة إلى جواب الشرط، وجواب الشرط قد ينحصر بهذا الوجه.
****
قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}:
الظاهر: أنَّ مجموع السياق جواب القسم، وقد أعطت هذه الآيات للرسول عدّة أوصاف واضحة تأتي الإشارة إليها، وإنَّما يقع الكلام الآن في عدّة نقاط:
النقطة الأُولى: أنَّ الظرف (عند) في قوله تعالى: {عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} بحاجةٍ إلى متعلّق، ويمكن الإشارة إلى عدّة أُطروحات في بيان المتعلّق:
[أطروحات في متعلق الظرف(عند)]
الأُطروحة الأُولى: كونه مستقلاً، أي: مراداً كصفةٍ مستقلّةٍ عمّا قبله وما بعده من الناحية اللغويّة، والتقدير متعلّق بكائنٍ أو مستقرٍّ، والمعنى: كائن عند ذي العرش، أو استقرّ عند ذي العرش، فـ(عند) ظرفٌ مستقلٌّ في نفسه،
ــــــ[75]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وحينئذٍ يمكن إرجاعه إلى ما هو موجودٌ، بل إلى ما هو مقدّر بلا فرقٍ.
الأُطروحة الثانية: أن يكون مرتبطاً ومقيّداً بما قبله، أي: قيداً لما قبله، فـ(ذي) في قوله: {عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ} هنا بمنزلة المشتقّ قابل لأن يتعلّق بها الجار والمجرور أو الظرف، والمعنى: فهو هناك عند ذي العرش.
الأُطروحة الثالثة: أن يكون متعلّقاً بما بعده وقيداً لما بعده، والمعنى: مكين عند ذي العرش، عند ذي العرش مكين.
الأُطروحة الرابعة: أن يكون قيداً للطرفين: لذي قوّةٍ عند ذي العرش، ومكين عند ذي العرش. نعم، قد يكون ذلك غير تامٍّ عند أهل النحو، إلّاَ أنَّ الذي يهمّنا تصوّر كونه قيداً للطرفين.
أقول: إنَّ الظاهر من هذه الأُطروحات -تبعاً للمشهور- هو رجوعه إلى ما بعده، يعني: {عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} أو مكين عند ذي العرش، أي: محترم وذي مكانة عند ذي العرش، وهو الله تعالى، إلّاَ أنَّ ذلك لا ينافي وجود أُطروحات أُخر بطبيعة الحال؛ لأنَّها في نفسها محتملة.
النقطة الثانية: أنَّ المراد بذي العرش عند المتشرّعة هو الله تعالى، ويمكن أن يُقال: إنَّ الله تعالى أجلّ وأعظم وأشرف من أن يُقاس بعرشه، فإذا قسنا العرش إلى الله فكأنَّ الله تشرّف بالعرش، لا أنَّ العرش تشرّف بالله، وهذا سوء أدبٍ من قائله.
وعليه فهذه النسبة لا يُعقل أن تكون تجاه الله سبحانه، بل هذه النسبة لمَن يصلح أن يتشرّف بالعرش؛ ويكون العرش مهمّاً بالنسبة إليه، كالحقيقة المحمّديّة أو أرواح المعصومين (سلام الله عليهم).
النقطة الثالثة -وهي الأهمّ-: أنَّ سياق المعنى العامّ أنَّ المراد بالرسول
ــــــ[76]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
في قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} هو جبرائيل، كما صرّح بذلك السيّد الطباطبائي بقوله: وقد قال الله تعالى بصفته -أي: جبرائيل-: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} فهو مطاعٌ من الملائكة(1).
وأمّا ما قيل من أنَّ المقصود بالرسول هو النبي فضعيفٌ ولا ينسجم مع سياق الآيات التي بعده.
وقد ذكرنا في كتابنا “ما وراء الفقه”(2) فصلاً في خصائص النبي، وذكرنا أنَّ منها: كونه أميناً، ومنها: كونه مطاعاً. وقد اعترض غير واحد بأنَّ المراد بهذه الصفات هو جبرائيل لا النبي؛ لأنَّهم أخذوا هذا الأمر أخذ المسلّمات اعتماداً على ما هو المشهور بين المفسّرين.
أقول: إنَّ هناك قرائن تدلّ على أنَّ المراد به رسول الله لا جبرائيل، منها: أنَّ المسلمين سمعوا القرآن من النبي لا من جبرائيل، والقرآن خطابٌ للبشريّة، وحينئذٍ يكون القرآن قول رسول كريم.
مضافاً إلى أنَّ التعبير بالرسول في القرآن وإرادة النبي أكثر من استعماله وإطلاقه على جبرائيل.
هذا مضافاً إلى أمرٍ آخر، ولابدّ من بيانه عبر رسم مقدّمتين:
المقدّمة الأُولى: أنَّ هذه الآية تناسب أن تكون خطاباً للكفّار؛ لأنَّ التأكيد على صدق القرآن لا يرتبط بالمؤمن، بل يرتبط بالكفّار بالخصوص.
المقدّمة الثانية: أنَّ هؤلاء الكفّار من أمثال: أبو سفيان وأبو جهل وغيرهم لا يعرفون جبرائيل ومكانته، فلو كان المقصود من الرسول جبرائيل
ــــــ[77]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن20: 202، تفسير سورة التكوير.
(2) راجع ما وراء الفقه 6: 55 وما بعدها، فصل: في خصائص النبي.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لم يكن هذا البيان نافعاً، ولو قلنا: إنَّ المقصود هو الرسول الأكرم كان أكثر نفعاً؛ لأنَّ النبي كان معروفاً عندهم بالأمين، والآية وردت لتحتجّ عليهم بصفات النبي المعروفة عندهم والاستفهام عن سبب تكذيبه وعدم الإيمان به.
[في كونه (مطاعاً)]
وأمّا كونه (مطاعاً) ففيه احتمالان:
الأوّل: كونه مطاعاً بالإرادة التكوينيّة والولاية التكوينيّة على عالم الإمكان.
الثاني: كونه مطاعاً بالإرادة التشريعيّة، بعنوان أنَّه صاحب الشريعة. وعلى كلا التقديرين فهو مطاعٌ، أي: ينبغي إطاعته إمّا بالعلّيّة أو بالاقتضاء، وهذا يناسب أن يكون المقصود بالآية هو الرسول الأكرم لا جبرائيل.
ويدلّ على ما تقدّم من أنَّ المقصود هو النبي قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ}؛ إذ الذي اتّهم بالجنون هو النبي، فيكون السياق كلّه دالاًّّ على أنَّ المقصود بالرسول هو النبي . وهذا خلاف ما أفاده الطباطبائي في “الميزان” من: أنَّ سياق الآيات التالية لا تناسب كونه النبي(1).
[مناقشة طرق المشهور في نفي أن يكون المراد به الرسول الأكرم]
نعم، يمكن أن يبقى للمشهور عدّة طرق في نفي أن يكون المراد به الرسول الأكرم:
الطريق الأوّل: استبعاد أن يكون النبي عظيماً عند الله إلى هذه الدرجة، بحيث يوصف بأنَّه {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}؛ لأنَّ هذه الصفات إنَّما يختصّ بها جبرائيل. نعم، قوله تعالى: {وَمَا
ــــــ[78]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 218، تفسير سورة التكوير.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} يُراد به الرسول الذي بين أيديكم الذي يأكل ويشرب ويمشي، وإنَّما العظيم بهذا المقدار هو جبرائيل.
ولعلّهم يستدلّون على صحّة هذه الدعوى ببعض الروايات الواردة في كتب العامّة والخاصّة، من قبيل ما ورد عن النبي عن زر، عن عبد الله، قال رسول الله: “رأيت جبرائيل له ستّمائة جناح”(1)، ونحوها ممّا يفهم منها أنَّ النبي يفتخر أنَّه رأى جبرائيل على حقيقته، يعني: أنَّه رأى شيئاً أعلى منه، وإلّاَ لو كان بمستواه أو أقلّ منه فلا داعي للفخر، فيفهم من ذلك أنَّ النبي أقلّ مرتبةً من جبرائيل، ولا يمكن أن يتّصف الأقل بصفات الأكثر، فيتعيّن أن يكون المراد بالصفات في الآيات جبرائيل.
وقد يعضده الالتفات إلى وجود آيات من قبيل قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ}(2) ونحوها ممّا يدلّ بنظرهم على أنَّ النبي أقلّ درجةً من جبرائيل، فلو كان النبي بمنزلةٍ ساميّةٍ جدّاً لما احتاج إلى نزول جبرائيل بالقرآن. وبهذا يكون النبي قد فهم القرآن من جبرائيل، ولولاه لما عرف القرآن.
والجواب: أنَّ النبي -كما ثبت بالدليل- خير الخلق على الإطلاق، وأوّل الخلق إيجاداً بحسب التكوين في عالم الإمكان، وأقربهم من الله وإلى الله، وأعلاهم شرفاً ومنزلةً، بما فيهم الملائكة، ومن ضمنهم جبرائيل، وكذلك سائر المخلوقات، بل جميع المخلوقات خلقت من نوره، وعلى هذا لا استبعاد أن يكون النبي عظيماً عند الله متّصفاً بهذه الصفات، بل هو أولى
ــــــ[79]ــــــ
(1) علل الدارقطني 5: 56، الحديث 702.
(2) سورة الشعراء، الآية: 193.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
من جبرائيل، بل القياس مع الفارق، مع أهمّيّة جبرائيل وعظمته (سلام الله عليه).
ويبقى أمرٌ آخر، وهو الجمع بين الفكرتين والارتباط والانفصال بينهما، إلّاَ أنَّ هذا من الأسرار، ويجب الإعراض عنه.
فقد انقدح: أنَّ هذا الطريق لاستبعاد اتّصاف النبي بهذه الصفات فاسدٌ.
الطريق الثاني: أنَّ المشهور يذهب إلى أنَّ المراد من قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} هو النبي الأكرم، وبضمّ مقدّمةٍ أُخرى ينتج أنَّ الصفات التي حملتها الآيات السابقة تختصّ بجبرائيل لا بالنبي.
وبيان المقدمة: أنَّ العطف فيه دلالةٌ وظهور في التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، وإذ لا يخفى أنَّ المراد بقوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} هو النبي، فبمقتضى التغاير الذي يظهر من العطف تكون الصفات السابقة خاصّة بغير النبي، فتتعيّن لجبرائيل.
وأنت خبيرٌ: بأنَّ المغايرة محفوظةٌ، ومع ذلك يكون المقصود بكلا السياقين هو النبي.
وبيان ذلك: أنَّ الإنسان عبارةٌ عن جسدٍ وروحٍ، وكذلك النبي، فيكون السياق الأوّل لمجموع الآيات هو روح النبي الأكرم الذي يعبّر عنه بالحقيقة المحمّديّة، والمقصود بالسّياق الثاني في قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} هو جسد النبي كإنسانٍ يأكل ويشرب ويمشي ويهدي الناس.
والمغايرة بهذا المقدار كافيةٌ في حفظ التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه.
ــــــ[80]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الطريق الثالث: أنَّنا إذا فهما من ذي العرش الحقيقة المحمّديّة، فكيف لنا أن نفهم أنَّ الشخص الآخر هو الحقيقة المحمّديّة؟ لأنَّ المعنى يكون (محمّدٌ مكينٌ عند محمّدٍ)، أو قل: لا يصحّ أن يُقال: إنَّ الحقيقة المحمّديّة كريمةٌ وأمينةٌ ومطاعةٌ لدى الحقيقة المحمّديّة، فيتعيّن أن يكون الموصوف جبرائيل ليستقيم المعنى.
ويُلاحظ: أنَّنا قد نلتزم بأنَّ هذه الصفات لجبرائيل، لكن مع الحفاظ على أصل المطلب، وهو أنَّ ذي العرش هو الحقيقة المحمّديّة، فيلزم من ذلك ما لا يلتزم به المشهور، وهو أنَّ جبرائيل مكينٌ وأمينٌ عند الحقيقة المحمّديّة لا عند الله مباشرةً، مع أنَّ المشهور كما قلنا لا يسلّم بهذا اللازم، إلّاَ أنَّنا نلتزم به ونقول: لا ضير منه بعد أن أثبتنا أنَّ الرسول الأعظم أفضل رتبةً ومنزلةً من جبرائيل، ونقول بأنَّ جبرائيل مكينٌ وأمينٌ عند الحقيقة المحمّديّة، لا بمعنى أنَّه ليس كذلك عند الله سبحانه، فالآية ليس فيها مفهوم مخالفة.
ومن جملة ما يدلّ على أنَّ الرسول الأكرم أفضل من جبرائيل حديث الكساء؛ إذ بعد أن اكتمل عدد الخمسة أصحاب الكساء (سلام الله عليهم) نزل جبرائيل يستأذن النبي أن يدخل معهم تحت الكساء، ما يدلّ على عظمة النبي وأهل الكساء والمنزلة الرفيعة التي يرجوها حتّى جبرائيل.
والوجه فيه: أنَّ جبرائيل رجا أن يندرج في ضمنهم، واستأذن الله تعالى في النزول والدخول تحت الكساء، فأذن له تعالى، ولم يكن ذلك مصادفةً أو اعتباطاً، ولو كان كذلك لما أُذن له، ثُمَّ نزل إلى الأرض واستأذن النبي أيضاً، ولم يكن ذلك عبثاً أيضاً، فأذن له النبي، ودخل تحت الكساء. وهذا دليلٌ على أنَّ لجبرائيل درجةً رفيعةً وأنَّه أعلى رتبةً من ميكائيل
ــــــ[81]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وإسرافيل وسائر الملائكة؛ فإنَّ الملائكة بأجمعهم لم يفكّروا في النزول والدخول.
ثُمَّ إنَّ النبي لم يأذن حتّى لأُمّ سلمة بالدخول وقال لها: “إنَّك على خير”، ولم يقل ذلك لجبرائيل، بل أدخله تحت الكساء(1).
وبهذا البيان رجعنا إلى ما تقدّم من أنَّه مكينٌ وأمينٌ عند النبي في وجوده الحقيقي، أي: في كلا وجوديه الباطني والظاهري؛ لأنَّ الظاهري تمثيلٌ للباطني لا أكثر.
وممّا يدلّ أيضاً على أفضليّة النبي من جبرائيل وسائر الملائكة ما ورد في بعض الأخبار من: أنَّ عليّاً حين بات في فراش النبي في ليلة الهجرة أوصى الله تعالى إلى جبرائيل وميكائيل – لا لسائر الملائكة-: أنَّي قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر صاحبه، فمَن منكما يؤثِر صاحبه بطول العمر. فاختار كلّ منهما طول العمر لنفسه، فقال الله لهما: إلّاَ ترون عبدي علي قد نام على فراش عبدي محمّد وفداه بنفسه؟(2) المؤمنون يفدي كلٌّ منهم صاحبه بعمره.
وهذا يدلّ على أنَّ الأعمال التي يقوم بها الكمّل من المؤمنين لا يطيقها حتّى الملائكة، ما يفيد أنَّ هؤلاء الأولياء أعلى من الملائكة بما فيهم جبرائيل
ــــــ[82]ــــــ
(1) أُنظر: تأويل الآيات الظاهرة: 451، سورة الأحزاب، الأمالي (للشيخ الطوسي): 263-264، المجلس العاشر، الحديث 20، كشف الغمّة 1: 45-46.
(2) أُنظر: الأمالي (للشيخ الطوسي): 469، المجلس السادس عشر، الحديث 37، تأويل الآيات الظاهرة: 95، سورة البقرة، كشف الغمّة 1: 309، في بيان ما نزل من القرآن في شأنه، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وميكائيل وإسرافيل.
ويمكن أن يُراد بلفظ الرسول النبي بحياته الظاهريّة وبصفته محمّداً بن عبد الله، ويُراد بذي العرش روحه العليا التي هي الحقيقة المحمّديّة، وبذلك نكون قد صوّرنا الاثنينيّة بين الطرفين، وهذا يكفي لتصحيح السياق العامّ للآيات، ويكون المراد أنَّ محمّداً بن عبد الله بظاهره أمينٌ ومكينٌ عند الروح العليا التي هي الحقيقة المحمّديّة، وهذا مطلب صحيحٌ وصادقٌ في نفسه.
ومعه يكون قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} قول الحقيقة المحمّديّة، وهو قول محمّد بن عبد الله، وكذلك هو قول الله تعالى، وباطن النبي وظاهره هو رسول الله، وكلاهما ناطقٌ بالقرآن.
مع أنَّ الحقيقة المحمّديّة حينما تنطق بالقرآن لا يسمعها إلّاَ ممثّلها الحقيقي الذي هو محمّد بن عبد الله.
[المراد بـ(الكريم)]
ويُراد بـ(الكريم): إمّا السخي وإمّا الشريف، ويتّضح من السّياق أنَّ الأَولى هو المعنى الثاني، أي: الشريف عند الله.
نعم، إرادة السخاء وإن كان محتملاً كأُطروحة، إلَّا أنَّه لا يناسب السياق، وإنَّما المراد به الشرف وعلوّ المنزلة؛ لأنَّ السخاء لا دخل له في الدليل الذي يريد القرآن إقامته، وهو صدق القرآن والإسلام وصدق النبي؛ فإنَّ السخي قد يكذب، وأمّا الشريف وصاحب المنزلة فكذبه بعيدٌ بحسب الاحتمالات إلى درجةٍ يعلم بعدمها، الذي هو معنى العصمة.
[في صفة (المكين)]
وأمّا صفة (المكين) فهي من المكان والمكانة، فالمكين هو الكائن في المكان، وهنا لا يُراد به المكان المادّي، مع أنَّه الأصل في هذا الاستعمال، إلَّا أنَّه
ــــــ[83]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
هنا يُراد به المكان والمكانة المعنوية عند الله سبحانه، ويكون معناه المصون المحفوظ. وعليه فمكين بمعنى وضع في كنّ لكي يُحفظ، فمكين عند الله أي: محفوظٌ عند الله من أنحاء الضلال والانحرافات والبلاءات، وهو أيضاً مطاعٌ. و(ثُمَّ) بمعنى هناك؛ فهو مطاعٌ في الدرجات العلا وفي الملأ الأعلى، فضلاً عمّا تحته، وهو أيضاً ذو قوّةٍ في تلك الدرجات، وليس ضعيفاً كما يتراءى للناس.
[في صفة (أمين)]
وأمّا صفة (أمين) فهي فعيل من أمن أو أمّن، وعلى كلا التقديرين فهو إمّا بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى اسم المفعول، فالاحتمالات أربعةٌ قابلةٌ للصدق في حقّه، وربما تكون أكثر من ذلك؛ لأنَّ أصل المادّة من الأمانة والأمن والأمان.
وحينئذٍ من هو الفاعل ومن هو المنفعل في هذه الأمانة؟ الظاهر: أنَّ الفاعل هو الله تعالى، والمنفعل هو النبي، أي: إنَّ الله أمّنه، فهو أمينٌ عند الله.
وقد يكون الفاعل هو النبي، والمنفعل غيره، وقد ورد في زيارة أمين الله: “السلام عليك يا أمين الله في أرضه”(1). فالله سبحانه قد حمّل المعصومين كثيراً من الأُمور لا يتيسّر لكلّ أحدٍ تحمّلها ولا حفظها وأدائها، لكن هم (سلام الله عليهم) على قدر المسؤوليّة، وتبليغ الدين نحوٌ من الأمانة الظاهريّة، وهناك أمانات باطنيّة، وهي الأسرار التي لا يعرفها سواهم، فيكون الأمين بحسب هذه الأُطروحة هم المعصومون.
ــــــ[84]ــــــ
(1) كامل الزيارات: 39، الباب 11، زيارة قبر أمير المؤمنين، مصباح المتهجد: 738، زيارة أمير المؤمنين يوم الغدير، مصباح الكفعمي: 480، الفصل 41، وغيره.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[احتمالات في مادّة (أمين)]
ثُمَّ إنَّ الاحتمالات الأربعة في مادّة (أمين) يمكن تطبيقها هنا كما يلي:
الأوّل: أن تكون المادّة من الثلاثي بمعنى اسم الفاعل، فتكون بمعنى المجير والآمن لغيره والمدافع عن أصحابه في الدنيا والشفيع لهم في الآخرة.
الثاني: أن تكون من الثلاثي بمعنى اسم المفعول، فيكون المعنى: أنَّ الله سبحانه آمنه وحفظه، أو أنَّه محفوظٌ من قبل قومه وتابعيه، وهم المسلمون، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ}(1).
الثالث: أن تكون من الرباعي أو المزيد بمعنى اسم الفاعل، بمعنى الأمانة والتأمين والأمين، والأمين في قبال السارق والخائن؛ لأنَّه فاعل لهذه الأمانة ومتكفّلٌ لها، والمصداق الرئيسي لتلك الأمانة هي الشريعة التي يبلّغها النبي عن الله بصدقٍ وأمانةٍ.
الرابع: أن تكون من الرباعي أو المزيد بمعنى اسم المفعول، فيكون المعنى تأمينه وتحميله الأمانة بمختلف مستوياتها التكوينيّة والتشريعيّة. وسبب هذا التحميل معرفة الله سبحانه بالنبي وأنَّه على قدر المسؤوليّة، ومن كان طبعه الخيانة لا يقدر على حمل أي شيءٍ، كما قال تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(2).
****
قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ}:
الخطاب في الآية للمجتمع المعاصر للنبي بحسب فهم المشهور، وصاحبكم من المصاحبة من قبيل الصداقة والأُلفة والمجاورة ونحو ذلك،
ــــــ[85]ــــــ
(1) سورة الأنفال، الآية: 64.
(2) سورة البقرة، الآية: 124.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ويُراد به النبي؛ لأنَّه صاحب المجتمع أربعين سنة قبل النبوّة، ولم يرد عليه ما يدلّ على الجنون، بل كان معروفاً بكمال الرشد والأمانة والاعتدال والإنسانيّة، فيكون السياق لأجل تأكيد الاستدلال على صدق الإسلام والقرآن بمدح النبي.
والوجه فيه: أنَّ القرآن يمدح ظاهر النبي وباطنه، وقوله: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} مدحٌ للظاهر، وقوله: {مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} مدحٌ للباطن، وكلاهما صالحٌ لباطنه وظاهره. هذا كلّه بحسب ما فهمه المشهور من الآية.
[لو كانوا يشكّون بأنَّ النبي مجنونٌ فكيف أسلموا وصدّقوا بما يقول؟]
لكن الإشكال الذي يرد على هذا الفهم هو لزوم الدور بتقريب: أنَّه لو كان المقصود من قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} النبي الأكرم، والمخاطب به الكفّار -مع احتمال أن يكون النبي بنظرهم مجنوناً- فيكون المحصّل أنَّ المجنون أو المحتمل الجنون يدفع التهمة عن نفسه ويقول: أنا لست بمجنونٍ مع أنَّ الكفّار لم يكونوا على يقينٍ بأنَّ القرآن نزل من الله سبحانه، فيلزم الدور؛ لتوقّف دفع تهمة الجنون على نفس من هو متّهمٌ بالجنون.
فإن قلت: الخطاب في قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} خطابٌ للمسلمين، والمعنى: يا أيّها المسلمون، ما صاحبكم بمجنونٍ.
قلت: هذا المعنى غير محتملٍ؛ إذ لو كانوا يشكّون بأنَّ النبي مجنونٌ فكيف أسلموا وصدّقوا بما يقول؟ مع أنَّ المجنون لا يصدّق ولا يؤخذ بكلامه، بل الخطاب للكفّار بالمباشرة.
ويمكن الإجابة عن هذا الإشكال بعدّة وجوه، لا يلزم أن تكون هذه الوجوه دفاعاً عن المشهور، وإنَّما هي دفاع عن القرآن لو صحّ التعبير. وإليك هذه الوجوه:
ــــــ[86]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأوّل: أنَّ قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} أُطروحةٌ في مقابل أُطروحة الكفار ومقالتهم: بأنَّ النبي مجنونٌ، فالقرآن يهتف بأنَّ النبي غير مجنونٍ، وهي أُطروحةٌ وجيهةٌ بعد أن لم يكن للكفّار أيّ تقريب من التقريبات الاجتماعيّة أو العقليّة على صحّة مدّعاهم بأنَّ النبي مجنونٌ، فتكون الأُطروحة التي يطرحها القرآن أقوى، ويعضدها الواقع الخارجي، أعني: الخصائص والصفات التي يتمتّع بها النبي.
الثاني: أنَّ الجواب عن تلك التهمة لا يختصّ بهذه الآية، بل بمجموع السياق القرآني للآيات السابقة، فإذا كان ذي قوّة عند ذي العرش، وكان مكيناً ومطاعاً وأميناً، فكيف يكون مجنوناً؟
وما ذكر ليس انتصاراً للمشهور؛ لأنَّ المشهور يرى أنَّ تلك الأوصاف تختصّ بجبرائيل لا بالنبي، وما يرتبط بالنبي إلّاَ قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ}؛ فإنَّ السياق وسائر الصفات خاصّة بالنبي، وهذه الصفات كافيةٌ لدفع احتمال الجنون.
الثالث: أنَّ هذه الآية انتقالٌ وجداني إلى واقع عاشته قريش طوال عمر النبي، فقد كانوا يثقون به ويعتمدون عليه، ويسمّونه الصادق الأمين، وعليه فقوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} ليس مجرّد دعوى أو أُطروحةٍ
-كما عليه الوجه الأوّل- بل الدليل الاجتماعي قائمٌ على صحّة هذه المقالة.
الرابع: أن يكون المقصود من قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ} غير النبي، وهذا خلاف المشهور، فنفهم من {صَاحِبُكُمْ} فهماً كليّاً لا جزئيّاً، ونفهم من ضمير المخاطب فهماً كلّيّاً يكون المقصود منه جيلاً من الأجيال أو جماعةً من الجماعات.
ــــــ[87]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[أطروحات في فهم الآية]
ومن هنا يمكن الإشارة إلى عدّة أُطروحات في فهم الآية:
الأُطروحة الأُولى: أن يكون قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} إشارةً إلى العقل، وأنَّ مدركاته مطابقةٌ للواقع، وليست جنونيّةً أو وهميّةً.
الأُطروحة الثانية: أن تكون الآية إشارةً إلى الإمام المعصوم أو المرشد العامّ.
الأُطروحة الثالثة: أن تكون الآية إشارةً إلى الهادي والمرشد في كلّ عصرٍ، وهو من يريد إهداء غيره إلى سواء السبيل، فيقول له الطرف الآخر: أنت مجنونٌ.
الأُطروحة الرابعة: أن تكون الآية إشارةً إلى المدرِّس للدروس الحقّة المطابقة للقواعد الصحيحة.
الأُطروحة الخامسة: أن تكون الآية إشارةً إلى قلب المؤمن الذي يحبّ في الله ويبغض في الله، ويعرض عن الدنيا كإعراض المجنون حتّى يُقال عنه بأنَّه مجنونٌ؛ لأنَّه يتنازل لغيره مائة بالمائة مثلاً، أو لأنَّ موازينه تختلف عن موازين مَن يسمّون بالعقلاء؛ إذ العقل “ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان”(1)، وليس العقل ما اكتسب به المال أوالشهرة أو العداوة أو الكلام الفضول، بل هذا هو الجنون بعينه.
وفي المقام دفع دخلٍ حاصله: أنَّه يُلاحظ أنَّه بحسب القرينة القرآنيّة لا يريد الله من قوله: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} أنَّ الفاسدين أيضاً ليسوا بمجانين؛ فإنَّ من يُعلّم الناس الباطل لا يُقال عنه: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ}، بل يختصّ ذلك بتعليم الهداية، وهو ممّا أُشير إليه بحسب قرينة الحال والمقال في القرآن الكريم.
ــــــ[88]ــــــ
(1) الكافي 1: 11، كتاب العقل والجهل، الحديث 2، والمحاسن 1: 195، باب العقل، الحديث 15، معاني الأخبار: 239، باب معنى العقل، الحديث1، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ}:
رآه فعلٌ ومفعولٌ به، والفاعل ضميرٌ مستترٌ، فتكون الآية مجملةً من هذه الناحية.
[من هو الفاعل؟]
ويقع الكلام هنا في أنَّ هذا الفاعل مَن هو؟ ويمكن الجواب عن ذلك بوجوهٍ:
الوجه الأوّل: أن يكون الفاعل هو النبي، أي: هو الرائي، والمفعول به(المرئي) هو جبرائيل، ويعضد هذه الأُطروحة الروايات الدالّة على أنَّ النبي رأى جبرائيل على حقيقته(1)، وهو المقصود من الأُفق المبين؛ لأنَّه في ذلك الأُفق يمكن رؤيته على حقيقته دون سائر الآفاق.
وقد يدافع المشهور عن هذه الأُطروحة فراراً من أن يكون المعنى أنَّ النبي هو الفاعل (الرائي) والله سبحانه هو (المرئي)؛ لأنَّ فيه شبهة الرؤية البصريّة المادّيّة لله التي هي مستحيلةٌ، وإن أمكن توجيه هذا المعنى كأُطروحةٍ.
الوجه الثاني: أن يكون الفاعل (الرائي) هو النبي والمفعول به (المرئي) هو الله سبحانه، وذلك ليس بالرؤية المادّيّة، بل بالرؤية القلبيّة، نظير ما ورد: “يا علي ما عرف الله إلّاَ أنا وأنت”(2)، والمعرفة في تلك المراتب العليا بمنزلة الرؤية. والمراد بالأُفق المبين أمرٌ لا نفهمه، ولعلّه ما يصطلح عليه بعالم اللاهوت، لكن لا يعني ذلك أنَّ الله موجودٌ في عالم اللاهوت أو في الأُفق
ــــــ[89]ــــــ
(1) أُنظر: الصراط المستقيم 1: 3، شرح نهج البلاغة 6: 428، الخطبة 90، متشابه القرآن 1: 101، وغيرها.
(2) تأويل الآيات: 145، سورة النساء، وقريبٌ منه – مع اختلافٍ في اللفظ- ما رواه في المناقب 3: 267، فصل: في المفردات، وكتاب سليم: 853، الحديث 44.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المبين؛ إذ لا يمكن تصوّر ذلك؛ لأنَّ نسبته سبحانه إلى عالم الإمكان نسبةٌ واحدة، فمن هذه الناحية لا يحدّه مكانٌ ولا زمانٌ. والقيد في الأُفق المبين قيدٌ للرائي لا للمرئي.
الوجه الثالث: أن يكون الرائي هو النبي والمرئي هو النبي، بأن يكون ظاهره مطّلعاً على باطنه وروحه العليا التي هي الحقيقة المحمّديّة، وهذا أيضاً معقولٌ جدّاً.
الوجه الرابع: أن يكون الرائي هو جبرائيل والمرئي هو النبي، أي: بعكس ما ذهب إليه المشهور. وبتعبيرٍ أدقّ: إنَّ جبرائيل شاهد النبي بظاهره، وهذا ليس فخراً؛ لأنَّ جميع من عاصر النبي قد شاهده بظاهره وشخصه حتّى الكفّار، بل الفخر برؤية النبي على حقيقته، فالمعنى أنَّ جبرائيل نظر إلى حقيقة النبي بالمقدار المناسب لجبرائيل، ومن حقّ جبرائيل أن يفتخر برؤية النبي بهذا المقدار، وإلّاَ فحقيقة النبي الكاملة لا تنكشف لكلّ أحدٍ.
فإن قلت: إنَّ مقتضى السياق رجوع الضمير إلى النبي؛ لأنَّ الضمير المستتر يرجع إلى ما قبله، وهو النبي في السياق، فإذا قلنا: إنَّ الرائي هو جبرائيل كان على خلاف السياق.
قلت: ها هنا سياقٌ أهمّ من هذا السياق، وهو أنَّ الآيات جميعها سيقت لأجل البرهنة على صدق الإسلام والقرآن والنبي، وبتعبيرٍ آخر لمدح النبي وإثبات عظمته الذي هو من مقدّمات الصدق بالرسالة، وهو ينسجم مع كون الرائي جبرائيل؛ فإنَّ رؤية جبرائيل للنبي مورد فخر لعظمة النبي وعلوّ منزلته، ويكون المراد بالأُفق المبين هنا نفس مرتبة وجود الحقيقة المحمّديّة.
ــــــ[90]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الوجه الخامس: أن يكون الرائي من اتّصف بعلوّ الدرجة من المؤمنين، والمرئي هو الحقيقة المحمّديّة؛ لأنَّ الإنسان المؤمن إذا ترقّى في اليقين يرى الحقيقة المحمّديّة، وينكشف له شعاعٌ من نورها أكثر ممّا يراه جبرائيل؛ لأنَّ قابلية الإنسان الباطنيّة تفوق قابليّة الملائكة الباطنيّة.
الوجه السادس: أن يكون الرائي هو ذلك المؤمن، والمرئي هو الله سبحانه بالرؤية القلبيّة، كما يُنقل كثيراً عن المتصوّفة وأهل الطريقة.
الوجه السابع: أن يكون الرائي هو الحقيقة المحمّديّة، والمرئي هو المؤمن الذي ارتقى في الأُفق المبين؛ إذ العبد المؤمن حينما يرتقي يحصل تبادلٌ في الرؤية، فيرى الحقيقة المحمّديّة، والحقيقة المحمّديّة تراه.
وها هنا أيضاً احتمالاتٌ قائمةٌ على أساس أنَّ مرجع الضمير في أحدهما أو كلاهما كلّي لا جزئي، يعني: مطلق المؤمن أو مطلق الملائكة.
[حرف الباء في قوله تعالى بِالأُفُقِ المُبِينِ]
ثُمَّ إنَّ حرف الباء في قوله تعالى {بِالأُفُقِ الْمُبِينِ}: إما بمعنى الظرفية أي (في)، وإمّا بمعنى السببيّة. وعلى كلا التقديرين فالأُفق المبين: إما هو قيدٌ للرائي أو قيدٌ للمرئي أو قيدٌ لكليهما. وقد ذهب المشهور إلى أنَّ الباء بمعنى (في) أي: الظرفيّة، مع أنَّه قد لا تكون كذلك، بل تكون للسببيّة، يعني: أنَّ الأُفق المبين صار سبباً في الرؤية. وبغضّ النظر عن أن يكون الرائي في الأُفق المبين أو المرئي في الأُفق المبين، فالأُفق المبين ما هو إلّاَ سببٌ للرؤية لا غير.
[ما هو معنى لفظة (المبين) لغةً وقرآناً]
الخطوة الأُخرى في المقام بيان المراد من (المبين) فما هو معنى لفظة (المبين) لغةً وقرآناً؟
أصل المادة من الإبانة التي هي الظهور والإظهار، فالإبانة الإظهار،
ــــــ[91]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والهيئة اسم فاعل من المزيد: أبانه فهو مبينٌ، ففاعل الإبانة هو المبين، ومفعول الإبانة هو المبان.
وإنَّما قلنا: إنَّ اسم الفاعل هنا من المزيد؛ لأنَّ اسم الفاعل من الثلاثي بائنٌ أي: ظاهر، واسم الفاعل من المزيد مبينٌ، والثلاثي لازمٌ، أي: ظاهرٌ في نفسه وبائنٌ لا يحتاج إلى مفعولٍ به. والمزيد متعدّ، أي: مظهرٌ لغيره مبينٌ للشيء، والإظهار والتبيين نسبةٌ إضافيّةٌ قائمةٌ بين طرفين: مُظهِر، ومُظهَر، ولا يمكن أن يكون مُظهِرٌ بدون مُظهَرٍ؛ لأنَّ الإضافة لا تقوم بطرفٍ واحدٍ، فلابدّ من طرف إضافةٍ مقدّرٍ أو مبيّنٍ.
ومن هنا يكون المراد من (المبين) هو ما كان سبباً للإظهار والإبانة بين الرائي والمرئي، وهذا ينطبق على جملةٍ من الاستعمالات القرآنيّة، والجامع بينها أنَّها من سنخ الخير لا من سنخ الشرّ، كقوله تعالى: {نَذِيرٌ مُبِينٌ}(1) و{كِتَابٍ مُبِينٍ}(2) و{لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}(3) وغير ذلك. وأمّا قوله تعالى: {وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}(4) فهو نفي للإبانة، أي: إنَّه لا يستطيع أن يبيّن لخصمه حقّانيّة نفسه.
وقد تكون المادّة من الإبانة بمعنى الفصل والمفارقة، أبان الشيء يعني: فصله وقطعه، والهيئة دالّة على اسم الفاعل لذلك المبين، أي: القاطع. ومنه قولنا: طلاقٌ بائنٌ، أي: منقطعٌ ومنفصلٌ. ويمكن أن نفهم ذلك من بعض الاستعمالات القرآنيّة، ولعلّ الجامع لها هنا كونها من جنس وسنخ الشرّ لا
ــــــ[92]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 184، وسورة هود، الآية: 25 … الخ.
(2) سورة الأنعام، الآية: 59، وسورة يونس، الآية: 61، …. الخ.
(3) سورة النحل، الآية: 103.
(4) سورة الزخرف، الآية: 18.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الخير، كقوله تعالى: {سِحْرٌ مُبِينٌ}(1) {عَدُوٌّ مُبِينٌ}(2) و{خَصِيمٌ مُبِينٌ}(3) وغيرها مع أنَّها تكون نحواً من الشرّ والنقص الدنيوي بإيجاد الضلال والبلاء والتسبيب بالفرقة.
ويمكن أيضاً أن نشير إلى أُطروحةٍ أُخرى مفادها: أنَّ {مُبِينٌ} بمعنى اسم المفعول؛ لأنَّ اسم الفاعل قد يُستعمل في اللغة بمعنى اسم المفعول، وهو ملحوظٌ على الرغم من قلّة أمثلته، فيكون {مُبِينٌ} بمعنى مبانٍ. وهذه الأُطروحة يمكن تطبيقها على بعض الاستعمالات القرآنيّة، كما في قوله تعالى {الْفَضْلُ الْمُبِينُ}(4) و{رَسُولٌ مُبِينٌ}(5) و{شِهَابٌ مُبِينٌ}(6) و{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}(7) وغيرها؛ لأنَّ كلّ هذه الأُمور مفاضةٌ من قبل الله سبحانه، فتكون بمعنى اسم المفعول لا اسم الفاعل، فهي منعمٌ بها من قبل الله سبحانه.
وفي المقام أُطروحةٌ أُخرى حاصلها: أنَّ هاهنا معنيين من (بَيَنَ): إمّا بمعنى انفصل، وإمّا بمعنى ظهر، فلماذا لا نطرح أُطروحةً مفادها أن يكون من (البون) أي: البعد، ولم يكن في المعاني السابقة (بعد)، فالقطع غير البعد، فيُقال: (بونٌ بعيدٌ)، ويكون اسم الفاعل من الثلاثي أيضاً (بائنٌ) بمعنى بعيد،
ــــــ[93]ــــــ
(1) سورة المائدة، الآية: 110، وسورة الأنعام، الآية: 7 … الخ.
(2) سورة البقرة، الآية: 168، وسورة الأنعام، الآية: 142 … الخ.
(3) سورة النحل، الآية: 4، وسورة يس، الآية: 77.
(4) سورة النمل، الآية: 16.
(5) سورة الدخان، الآية: 13.
(6) سورة الحجر، الآية: 18.
(7) سورة النحل، الآية: 103.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ومن الرباعي (مبين) بمعنى مُبعد وسبب للبعد.
ويُلاحظ: أنَّ لـ(المبين) في اللغة معانٍ متعدّدة، وأمّا في الاستعمال القرآني فالمبين بمعنى واحدٍ لا متعدّد، وهذا المعنى عبارةٌ عن شيءٍ ذي أهمّيّة وعظمةٍ وشدّة تأثيرٍ وتركيزٍ في بابه بحسب ما يناسبه: إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ، مع إسقاط المعاني اللغويّة التي أشرنا إليها. وهذا هو الأظهر، وعليه نحمل المراد من قوله تعالى: {بِالأُفُقِ الْمُبِينِ} أي: الأُفق المهمّ العظيم.
ولابدّ أيضاً من ملاحظة أنَّ الأُفق وإن كان في اللغة عبارةً عن مكان انطباق السماء على الأرض حسب الرؤية، إلّاَ أنَّ المراد بالآية ليس ذلك، بل يُراد به العالم المناسب لتلك الرؤية، وإنَّما عبّر بالأُفق مجازاً باعتبار أنَّ الأُفق محلّ رؤية الأُمور المرتفعة العالية كالشمس والقمر والنجوم، نظير العالم الروحي الذي هو محلّ للرؤية، فيكون عالياً رفيعاً.
****
قوله تعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ}:
[عدم صحة قراءة ضنين (بالظاء)]
ضنين بمعنى بخيل، فضنّ أي: بخل، ولا ينبغي قراءة ضنين (بالظاء)؛ إذ ليس ضنين من الظنّ، كما عليه سائر القراءات، ولا خلاف في أنَّها نزلت بالضاء.
قال الراغب: قال: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} أي: ما هو ببخيلٍ، والضنّة هو البخل بالشيء النفيس، ولهذا قيل: علق مضَنّة ومضِنّة، وفلان ضنيٌ بين أصحابي، أي: هو النفيس الذي أضنّ به(1).
ــــــ[94]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 308، مادّة (ضن).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فضنين فعيلٌ بحسب الهيئة، وهذه الهيئة تأتي بمعنى اسم الفاعل واسم المفعول، ويُراد باسم الفاعل (البخيل) ويُراد باسم المفعول المبخول به، وهو الأمر النفيس الذي يُحافظ عليه ويُضنّ به.
[الضمير (هو) في قوله تعالى: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ]
والآن نسأل عن رجوع الضمير (هو) في قوله تعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ}.
والجواب: أنَّ فيه احتمالين:
أحدهما: أن يرجع إلى فاعل رآه في قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ}.
وثانيهما: أن يرجع إلى المفعول به في رآه. نعم، إرجاعه إلى غير ذلك ممكنٌ، لكن لا مرجع له في العبارة. إذن فمرجعه أحد هذين الضميرين، أي: ضمير يرجع إلى ضمير، وبتعبيرٍ آخر: ضمير يرجع إلى معنى الضمير، لا إلى نفس الضمير.
وقد التزم المشهور بذلك وأرسله إرسال المسلّمات، فالسيّد الطباطبائي أرجعه إلى النبي(1). فيكون المعنى: ما النبي على الغيب بضنينٍ، فالنبي هو فاعل رآه عند المشهور، والسياق القرآني للآيات يتحدّث كلّه عن النبي، فيكون السياق قرينةً على إرادة النبي، والقرينة هنا قرينةٌ متّصلةٌ التي هي أظهر القرائن. هذا كلّه بحسب ما فهمه المشهور. إلّاَ أننا – طبقاً لما تقدّم سابقاً- يمكن أن نفهم غير ذلك، كأن نفهم الله أو جبرائيل أو الحقيقة المحمّديّة أو المؤمن المتكامل ونحو ذلك بحسب الأُطروحات التي ذكرناها في (رآه).
ثُمَّ إنَّ المشهور فهم أنَّ الجملة منفيّة، يعني: ليس هو على الغيب بضنينٍ.
ــــــ[95]ــــــ
(1) راجع، الميزان في تفسير القرآن 20: 219، تفسير سورة التكوير.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
إلَّا أنَّ هذا الفهم يرد عليه إشكال، وهو: أنَّ التصريح بأُمور الغيب ليس دائماً محموداً حتّى يُقال: وما هو على الغيب بضنينٍ؛ فقد يكون الغيب في الغالب من الأسرار الإلهيّة التي لا ينبغي كشفها والإباحة بها، ما يُفرض معه أن يكون النبي بخيلاً بكشف الأُمور الغيبيّة لا العكس، فالمحمدة ليست بكشف الغيب، بل المحمدة بستره، أي: البخل به هو المحمدة لا الكرم. وبما أنَّ الآية في سياق مدح النبي فالذي يناسب المدح الإثبات لا النفي، أي: يناسبه أن يكون بخيلاً وضنياً بالغيب، لا العكس.
ومعه فلابدّ من القول بأنَّ الآية للإثبات لا للنفي، ونحمل النفي (ما) الوارد في الآية على الظرفيّة أو الزيادة أو المصدريّة أو نحوها، فينتفي فهم النفي فيكون (هو على الغيب ضنين).
[مناقشة فهم المشهور لحرف الجرّ (على)]
ثُمَّ إنَّ المشهور فهم من حرف الجرّ (على) في الآية أنَّه بمعنى الباء، فيكون المعنى ليس هو بضنينٍ بالغيب. وما أُفيد أُطروحةٌ وجيهةٌ، أي: أن تكون (على) بمعنى الباء حقيقةً أو مجازاً؛ بناءً على ما تقدّم من استعمال الحروف مجازاً، أي: بعضها في محلّ بعض؛ لأنَّ المجاز(1) ليس إلّاَ استعمال الشيء في غير ما وضع له، والحروف أيضاً وُضعت لمعانٍ وتُستعمل لمعانٍ بغير ما وضعت له.
لكن قد يكون حرف الجرّ (على) مستعملاً في معناه الأصلي، وهو الاستعلاء، ولعلّ هذا أظهر من استعماله بمعنى الباء. وإذا كانت (على) مستعملةً بمعنى حرف آخر، فلا يتعيّن أن تكون هي الباء، بل قد تكون بمعنى (في) أو (عن) أو (اللام) أو غيرها.
ــــــ[96]ــــــ
(1) اللغوي.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ثُمَّ إنَّه يمكن أن يُراد بالغيب في قوله تعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} الغيب الثبوتي، ويمكن أن يُراد به الغيب الإثباتي. والغيب الثبوتي عبارةٌ عن عالم الغيب الموجود في علم الله تعالى، فيعلمه الله سبحانه، ولا نعلمه نحن، والغيب الإثباتي عبارةٌ عن بيان المغيّبات.
وقد فهم المشهور من الغيب في الآية الغيب الإثباتي الذي هو عبارة عن كشف وبيان الرسالة والأحكام التي أُوحيت للنبي.
وعلى كلا التقديرين فمدخول الحرف (على الغيب) قد يكون ظاهراً، وهو الغيب نفسه، وقد يكون مقدّراً، كالبيان والإظهار، فيكون المعنى: وما هو على إظهار أو بيان الغيب بضنينٍ بتقدير مضافٍ.
ولا يخفى: أنَّ الإظهار قد يكون بالكلام، كما عليه فهم المشهور، أي: إنَّه يبيّن وجود الجنّة والنار والقيامة، وقد يكون بالكشف الصوري، وقد يكون بالكشف الحقيقي، وهذا من الأسرار، فلا يناله إلّاَ من وصل إليه. وما ذكر كلّه ممّا يختصّ به النبي بحقيقته العليا، إلّاَ أنَّه كريمٌ به لمن يستحقّه، وبخيلٌ به عمّن لا يستحقّه. ومعه تتحصّل معانٍ كثيرة جدّاً من هذه الآية لا مجال لاستقصائها، بل نوكلها إلى فهم القارئ؛ لأنَّ المقام يطول بنا إذا شرحنا بعضها فضلاً عن ذكر كافّة معانيها، بل يكفي أن نفهمها فهماً رياضيّاً بضرب رقمٍ برقمٍ، ليكون المجموع هو فهم الآية.
****
قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ}:
قال الراغب: الشيطان النون فيه أصليّة، وهو من شطن، أي: تباعد، ومنه بئر شطون، وشطنت الدار، وغربة شطون. وقيل: بل النون فيه زائدةٌ من
ــــــ[97]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
شاط يشيط: احترق غضباً، فالشيطان مخلوقٌ من النار، كما دلّ عليه: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ}(1)(2). مع أنَّ الشيطان كان من الجنّ، والجنّ من النار، فالشيطان من النار.
وأفاد الراغب: أنَّه لكونه من ذلك اختصّ بفرط القوّة الغضبيّة والحميّة الذميمة، وامتنع من السجود لآدم، بل كان عدوّاً لآدم وذريّته. قال أبو عبيدة: الشيطان اسم لكلّ عارمٍ من الجنّ والإنس والحيوانات. قال تعالى: {شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ}(3)(4).
أقول: شيطان صفةٌ مشبّهةٌ، كجوعان وعطشان، ولم يُلحظ الراغب جنبة البعد، فالشيطان متّصف بالشطن، وهو البعد عن رحمة الله سبحانه، وكلّ من كان كذلك من الخلق فهو شيطانٌ، فلذا توصف الإنس بكونهم شياطين.
أقول: إنَّ شيطان الإنس أشدّ من شياطين الجنّ؛ فإنَّ شيطان الإنس يغلب ويخدع شيطان الجنّ، وليس للشيطان على الإنسان سيطرة. قال تعالى على لسان الشيطان: {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي}(5).
واختصّ الشيطان عرفاً بمن فيه دهاءٌ ومكرٌ وشدّة النشاط الفاسد، ولذلك قال أبو عبيدة: الشيطان اسم لكلّ عارمٍ من الجنّ والإنس. ومن
ــــــ[98]ــــــ
(1) سورة الرحمن، الآية: 15.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 267-268، مادّة (شطن).
(3) سورة الأنعام، الآية: 112.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 267-268، مادّة (شطن).
(5) سورة إبراهيم، الآية: 22.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
البعيد أن يكون (شيطان) من (شاط) كما مرّ؛ وذلك لسببين:
الأوّل: أن الأصل عدم الزيادة في النون، ولو كانت زائدةً لما نطقت.
الثاني: أنَّ اسم الفاعل من (شاط) هو (شائط) لا (شيطان).
وأمّا (الرجيم) فهو فعيلٌ من رجم، ويُراد به هنا اسم المفعول، أي: مرجوم. قال الراغب: الرجام الحجارة، والرجم الرمي بالرجام، يُقال: رجم فهو مرجومٌ. قال تعالى: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنْ الْمَرْجُومِينَ}(1) أي: المقتولين أقبح قتلة. وقال: {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ}(2)، {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ}(3). ويُستعار الرجم للرمي بالظنّ والتوهّم والشتم والطرد نحو قوله تعالى: {رَجْمًا بِالْغَيْبِ}(4). قال الشاعر:
وما هو عنها بالحديث المرجّم(5) (أي: المتوهّم).
وقوله تعالى: {لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا}(6) أي: لأقولنّ فيك ما تكره. والشيطان الرجيم: المطرود عن الخيرات وعن منازل الملأ الأعلى. قال تعالى: {اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}(7) وقال تعالى: {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}(8)
ــــــ[99]ــــــ
(1) سورة الشعراء، الآية: 116.
(2) سورة هود، الآية: 91.
(3) سورة الكهف، الآية: 20.
(4) سورة الكهف، الآية: 22.
(5) البيت للشاعر زهير، وصدره قوله: وما الحرب إلّاَ ما علمتم وذقتم. راجع جمهرة أشعار العرب 1: 33.
(6) سورة مريم، الآية: 46.
(7) سورة النحل، الآية: 98.
(8) سورة الحجر، الآية: 34.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وقال في الشهب: {رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ}(1)(2).
فتحصّل: أن الرجيم بمعنى المرجوم، وهو المرمي. وهناك أمرٌ لم يلتفت إليه الراغب، وهو: أنَّ الرجيم قد يُقصد به الفعل اللازم، أي: المرمي بنفسه، والمعنى: أنَّ الشيطان مرمي كالحجارة، وقد يُقصد به المتعدّي، أي: مرمي عليه كالجمرات مرميّة على الشيطان، ويمكن أن يُقصد من الفعل كلا المعنيين، فرجمته: رميته أو رميت عليه، أي: لرجمناك أو لتكوننّ من المرجومين وهكذا.
ومع أن المشهور فهم من (رجيم) المعنى الأوّل، أي: الخارج عن رحمة الله، وهو مرجوم، أي: مرمي، إلّاَ أنَّ المعنى الثاني أيضاً محتملٌ في نفسه، ولا ينبغي إهماله.
ثُمَّ إنَّنا نقول: إذا كان الرجيم بمعنى الفعل اللازم، أي: المرمي والمبعد والخارج، فيقع السؤال عن أنَّه خرج عن أيّ شيءٍ وأُبعد عن أيّ شيءٍ؟
والجواب – كما هو واضحٌ- أنَّه خارج عن رحمة الله ومطرود عنها.
وهناك أُطروحات أُخرى في الجواب: منها: ما عن المشهور من أنَّه أُبعد عن الجنّة حين قيل له: {… فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}(3).
إلَّا أنَّ ما ذُكر قابلٌ للمناقشة بأن نلتفت إلى أنَّ آدم أيضاً أُخرج من الجنّة، فهل يلتزم المشهور بأنَّ آدم رجيم؟ فكلاهما أُخرج من الجنّة. وعليه لا يلزم أن يكون (الرجيم) بمعنى المبعد عن الجنّة، وإلّاَ انطبق على آدم، وهو ممّا لا يلتزم به المشهور.
ــــــ[100]ــــــ
(1) سورة الملك، الآية: 5.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 195، مادّة (رجم).
(3) سورة الحجر، الآية: 43.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ومن معاني الرجيم الإبعاد عن رحمة الله، أو الإبعاد عن الملأ الأعلى، أو منازل القدس بحسب تعبير السيّد الطباطبائي، أي: الإبعاد عن المنزلة التي وصل إليها إبليس قبل إبعاده، أعني: المنزلة التي وصل لها على إثر عبادته. وبسبب هذه العبادة الكثيرة حصل أمران:
الأوّل: أنَّه أصبح ملكاً حقيقيّاً، فكان مشمولاً للأمر بالسجود لآدم، وإلّاَ لو لم يكن كذلك لكان له أن يعتذر بأنَّه ليس منهم، فلا يشمله الخطاب.
الثاني: أنَّه أُستجيبت دعوته حينما قال: {أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}(1)؛ جزاءً لعبادته الطويلة.
كما قد يكون الرجم إبعاداً عن الطاعات أو نتائج الطاعات، كالثواب والجنّة، لا إبعاداً عن الجنّة التي خرج منها، فآدم وذرّيته يدخلون جنّة المتّقين، وأمّا إبليس فلن يدخل جنّة المتّقين إطلاقاً. نعم، قد يخفّف عنه العذاب في جهنّم، وأمّا دخوله جنّة المتّقين فبعيدٌ جدّاً.
وليتفطّن: أنَّ إبليس يشمل أبالسة البشر وشياطين الإنس، ويلزم التأكيد على هذا المعنى؛ لأنَّ وجه الأرض مملوءة من الأبالسة تقريباً بل تحقيقاً، وهذا معنى يعمّ كلّ من كان كذلك لا يستحقّ الدرجات المعنويّة العالية. فإذا كان التكامل عشر درجات وكنت أنا في الدرجة السابعة، كنت محجوباً عن الدرجة الثامنة والتاسعة والعاشرة، فحينئذٍ أكون بمعنى أعمّ مصداقاً لهذه الآية.
وأما مرجع الضمير (هو) في قوله تعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} و{وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} فمقتضى القاعدة أن يكون واحداً؛ لوحدة سياق الآيات، ولأنَّها آيات قصار واحدة بعد الأُخرى، إلّاَ أنَّ المشهور لا يرى
ــــــ[101]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 14.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أنَّ مرجعهما واحد، بل إنَّ مرجع الضمير في قوله تعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} هو النبي وفي قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} هو القرآن، مع أنَّ هذا على خلاف السياق. فما هو الجواب؟
ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ القرينة المتّصلة أوجبت قطع وحدة السياق؛ وذلك لأنَّه يقول: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} والقول لا ينطبق إلّاَ على الكلام، ولا يطلق على النبي، فلابدّ من حمل القول على القرآن بالقرينة المتّصلة.
الوجه الثاني: أنَّه بعد التنزّل عن الوجه الأوّل نقول: إنَّ مرجع الضمير واحدٌ بتقدير مضافٍ، وهو ممّا لا يلتزم به المشهور، فالمعنى: وما قوله بقول شيطان رجيم، ونحمل القول على الأُطروحات السابقة التي مرّت: كقول الله سبحانه، أو قول جبرائيل، أو قول النبي، أو قول المؤمن. والقرآن هو قول كلّ هؤلاء، وينطبق بالحمل الشائع -لو صحّ التعبير- على كلّ هؤلاء، وحينئذٍ لا يكون قول كلّ هؤلاء قول شيطانٍ رجيمٍ.
الوجه الثالث: أنَّنا قلنا في وجه التقريب الأوّل: إنَّ القرينة هي (قول) والقول لا ينطبق على الفرد، فلا يُراد به النبي، بل يُراد به القرآن، إلّاَ أنَّنا هنا نناقش هذا الوجه ونقول: إنَّ القول ينطبق على الفرد، فعيسى كلمةٌ من الله ألقاها إلى مريم(1)، والكلمة قولٌ، كما عبّر عن النبي بالذكر(2)، والذكر
ــــــ[102]ــــــ
(1) كما يشير إليه قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [سورة النساء، الآية: 171].
(2) حسبما أفاده قوله تعالى: {قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ} [سورة الطلاق، الآيتان: 10-11].
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قولٌ. إذن يمكن أن ينطبق القول على الفرد، ولو مجازاً.
فيُقال هنا: النبي ليس قول شيطانٍ رجيمٍ، ويُراد بقوله شريعته، ولكن بلا حاجةٍ إلى تقدير مضافٍ؛ لأنَّ المعنى مستبطنٌ في نفسه، أي: في معنى النبي نفسه.
ثُمَّ لا يخفى: أنَّ الشيطان في الآية نكرةٌ، فلا يُقصد به إبليس خاصّة، مع أنَّ المشهور ذهب إلى أنَّه إبليس؛ لأنَّ شيطان اسم جنسٍ، ورجيم اسم جنسٍ، والمجموع من القيد والمقيّد يتكوّن منه مفهومٌ تصوّري واحدٌ بمنزلة اسم الجنس، وهو كلّي قابلٌ للانطباق على كلّ شيطانٍ رجيمٍ.
****
قوله تعالى: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ}:
استفهام استنكاري أو بمنزلة الاستفهام الاستنكاري؛ لبيان الخطأ في ذهابهم ومذهبهم؛ فإنَّه بعد أن برهنت الآيات السابقة على صدق النبي، والقرآن لم يبقِ هناك مذهب حقّ غير الإيمان بالقرآن، والتصديق بتعاليمه، والقائل بخلاف ذلك مستحقٌّ للتعنيف المستفاد من الاستفهام الاستنكاري، أي: قوله تعالى: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ}، فهو تعنيفٌ في الحقيقة واستنكارٌ بمعنى آخر.
ومن الواضح أنَّ المراد من مادّة الذهاب هو الذهاب المعنوي والاتّجاه الفكري، وهو بالأصل معنى مجازي؛ لأنَّ الأصل هو الذهاب في الطريق المادّي لا المعنوي، إلّاَ أنَّ أهل اللغة تصوّروا أنَّ للذهن مسالك وطرقاً تشبه الطرق الحقيقيّة المادّيّة، فاستعملوا فيه هذا اللفظ إلى درجة صار حقيقةً فيه من كثرة الاستعمال، وهذا ما يُعرف بأنَّ كثرة الاستعمال يؤدّي إلى الحقيقة، وإن ذكروا بأنَّ الأجيال المتأخّرة ليس لها حقّ الوضع ولا التغيير ولا الحقيقة ولا
ــــــ[103]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الاشتراك ونحوها من الأساليب. إلّاَ أنَّ المشهور وإن أفاد ذلك؛ إلّاَ أنَّه لا شعوريّاً ذهب إلى هذا المعنى، مع القول بجوازه عندنا.
ومع ذلك -كأُطروحةٍ- يمكن أن يُراد من الذهاب في الآية الذهاب في الاتّجاه المادّي، وهو ذهاب الفسقة والكفّار وعبدة الأصنام إلى محلّ العبادة الباطلة وأماكن الفسق والفجور. إلّاَ أنَّ هذا غير مذكورٍ في المصادر، مع أنَّه موافقٌ للنظرة المادّيّة المشهورة.
****
قوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}:
أقول: الكلام في الضمير (هو) كالكلام السابق بلحاظ أنَّه قد يُراد به النبي أو القرآن أو غير ذلك من الأُطروحات المتقدّمة، فلا نعيد.
[في قوله: لِلْعَالَمِينَ]
أمّا {لِلْعَالَمِينَ} فقد فهم المشهور منها البشريّة، وتبعهم السيّد الطباطبائي في “الميزان” بقوله: قوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} أي: تذكرة لجماعات الناس كائنين من كانوا(1).
[مناقشة ما أفاده السيد الطباطبائي في تفسيرهلِلْعَالَمِينَ]
أقول: إنَّ تفسير “الميزان” لا يمثّل بحقّ فهم السيّد الطباطبائي بتمامه، إلّاَ أنَّه وجد المصلحة في أن يحرّر ويكتب كذلك، وهو أجلّ من أن يفكّر بمثل هذه الأفكار، إلّاَ أنَّه رأى المصلحة في أن يكتب بهذا المستوى، وتحفّظ على ما عداه وسلك سبيل الكتمان، وجزاه الله خيراً على ذلك، وإن كان على كلّ حالٍ قد التزم بأنَّ المقصود هو البشريّة.
وقد يُقال: إذا كان المقصود من الآية أنَّ الذكر للبشريّة، فينبغي أن يكون اللفظ (العالمين) مفرداً أي، أن يُقال: إنْ هو إلّاَ ذكرٌ للعالم؛ لأنَّ البشريّة عالمٌ
ــــــ[104]ــــــ
(1) الميزان في تفسير الميزان 20: 220، تفسير سورة التكوير.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
واحدٌ، وتكون النتيجة واحدةً.
والجواب يمكن أن نفهمه من عبارة السيّد الطباطبائي، وإن لم يذكر السؤال أيضاً؛ لإخفائه عن أذهان العوام، فقال: أي: تذكرة لجماعات الناس. فيكون المقصود جماعات الناس ومجتمعاتهم، فكلّ مجتمع وكلّ جماعة عالمٌ، فيصدق على البشريّة أنَّها عالمين، فيكون العالمين عبارة عن مجموع وجماعات البشريّة.
إلّاَ أنَّ هذا أيضاً قد يواجه إشكالاً، وهو أنَّ العالم لا يصدق على مجموعات البشريّة بما هي مجاميع وطبقات، بل المقصود من العالم مجموعةٌ مترابطةٌ من الموجودات والقوانين والأنظمة، فالعالم المادّي الذي نعيش فيه (عالم الناسوت) أو الدنيا يطلق عليه عالم؛ لوجود قوانين حاكمةٍ بين مجموعة أفراده، فهل يمكن أن نطلق على النجف بأنَّها عالمٌ وبغداد عالم ولندن عالم؟ ولو صحّ بنحو المجاز، فلا يمكن حمل الآية على المجاز وترك الحقيقة، فيُقال: إنَّ المراد بالعالم النظام التكويني المتكامل القائم بذاته، كالدنيا والبرزخ وعالم الجبروت وعالم الثواب وعالم العقاب. فالدنيا عالمٌ قائمٌ بذاته وبنظامه وسكّانه، وكذلك الجنّة عالمٌ قائمٌ بنظامه وسكّانه، ونحوها جهنّم.
وبعبارة أُخرى: لوجود النظام التكويني المتكامل القائم بذاته وبنظامه يُطلق على عالم الدنيا عالم وعلى عالم الآخرة عالم؛ لأنَّ نظامهما ليس واحداً، فلكلّ عالمٍ نظامه الخاصّ، وبهذا يكون الإشكال قد اتّضح أكثر، فلا يمكن أن نعتبر مجاميع الناس وجماعاتهم وطبقاتهم عوالم؛ لأنَّ نظامهم التكويني من جنسٍ واحدٍ.
والغرض: أنَّ النبي ذكرٌ لكلّ العالمين، والألف واللام هنا جنسيّة
ــــــ[105]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لا عهديّة؛ إذ لا يوجد عهدٌ إلى أمر معيّن في السياق: لا بقرينة الحال ولا المقال.
الخطوة الأُخرى هي الإشارة إلى فكرة قلّما التفت إليها الأعلام، وهي فكرة الأدوار والأكوار التي أشار لها الحاجّ الملاّ هادي السبزواري(1)، الذي اعتقد أنَّه أعمق من صدر المتألّهين صاحب “الأسفار” وغيره. وقد نسب الملاّ هادي السبزواري هذه الفكرة إلى الإشراقيّين، وهي عبارة عن أنَّ عالم الوجود الإمكاني يمرّ بأدوار وأكوار متعاقبة، كالنار المشتعلة تهبّ وتخبو ثُمَّ تهبّ وتخبو ثُمَّ تهبّ وتخبو، فكلّما هبّت ابتدأ دورٌ، ثُمَّ عندما تخبو ينتهي هذا الدور، وعندما تهبّ من جديد يبتدأ دورٌ جديد وهكذا.
وأنا أُريد أن أضمّ إلى هذه الفكرة أمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ هذه الأدوار قد تكون متشابهةً فيما بينها، أي: إنَّ نظام كلّ دورٍ يشبه نظام الدور الآخر، وقد يكون لكلّ دورٍ نظامه الخاصّ الذي يختلف عن نظام الدور الآخر، فربما يوجد إنسانٌ أو ما يشبه الإنسان، وربما يوجد ملائكة وما يشبه الملائكة، وفي كلّ دورٍ الله قادرٌ على كلّ شيءٍ، وربما لا يشبه الدور الدور الآخر إلّاَ قليلاً أو لا يشبهه إطلاقاً: لا في نظامٍ ولا في أفرادٍ ولا في علاقاتٍ ولا غيرها. نعم، النظم العقليّة بالعقل النظري الأساسي لا تتغيّر، ولكنّها بلحاظ ما هو الخارجي تتغيّر.
ثُمَّ من قال: إنَّه يوجد حيوانٌ وإنسانٌ ونباتٌ؟ ومن قال: إنَّ شروط الحياة هي نفسها؟ ومن قال بأنَّ المنظومات السماويّة على هذا الشكل؟ فكلّ
ــــــ[106]ــــــ
(1) راجع، شرح الأسماء للحكيم الملاّ هادي السبزواري: 646، الفصل الحادي والسبعون.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
هذه الأُمور موجودةٌ في علمه تعالى، فيعمل على كافّة الاحتمالات الممكنة لأجل إبراز قدرته. وإذا كان هناك ناظرٌ على كلّ هذه الأدوار والأكوار فسوف يرى عظمة الله سبحانه، إلّاَ أنَّه سبحانه لا يحتاج إلى ناظرٍ غيره جلّ جلاله. وقد يُقال بأنَّ الله سبحانه يرتاح إلى عمله ويتمجّد بعمله الذي لا يقدر عليه شيءٌ من الموجودات على الإطلاق إلّاَ هو سبحانه.
وهاهنا رواية مفادها: أنَّ الله تعالى يخلق على كلّ الاحتمالات كما مرّ، وكنموذج للفرد البشري يخلق سبحانه شخصاً طويلاً وآخر قصيراً وشخصاً أسمر وآخر أبيض … إلى ما شاء الله من الصفات والاحتمالات، وبضرب هذه الاحتمالات بعضها ببعض ينتج ملايين الملايين من الاحتمالات في الفرد المخلوق الواحد. بل هاهنا احتمالات نادرة كشخص له رئةٌ واحدةٌ أو توأمين أو شخص له ستّة أصابع، كذلك تضرب كلّها مع الاحتمالات الأُخرى الممكنة وغير الممكنة؛ لأجل إبراز قدرته وعظمته سبحانه. وكما قلنا آنفاً أنَّه كان هناك ناظرٌ مشرفٌ على هذا الخلق (غير الله) لرأى تلك العظمة والقدرة مع أنَّ الله تعالى لا يحتاج إلى أنَّ يكون هناك ناظرٌ غيره سبحانه. ورد في بعض النصوص الشريفة أنَّه يرتاح إلى عمله(1)، ويحبّ عمله بهذا المعنى، ويتمجّد بعمله؛ لأنَّه القادر الوحيد على ذلك، ولا يوجد من يقدر عليه غيره. بل ورد في بعض النصوص أنَّه جّل جلاله يتمجّد بخلق علي بن أبي طالب سلام الله
ــــــ[107]ــــــ
(1) كما لعلّه إشارة إلى الدعاء الوارد في النصف من رجب الموسوم بدعاء أُمّ داود وغيره، أعني: قوله: “يا فتّاح يا نفّاح يا مرتاح يا مَن بيده كلّ مفتاحٍ” حسبما رواه في الإقبال: 661، فصل: فيما نذكره من دعاء يوم النصف من رجب الموصوف بالإجابة، وغيره.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
عليه، فكيف لا يتمجّد بهذا المجموع الذي يكون علي بن أبي طالب جزءً منه؟!
الأمر الثاني: أنَّنا نستطيع أن نقول: إنَّ كلّ دورٍ من هذه الأدوار هو عالمٌ؛ لأنَّه لا ربط له بما قبله وبما بعده إطلاقاً، فلا ربط له إلّاَ بالله سبحانه، والنبي هو الحجّة على كلّ هذه الأدوار والأكوار؛ لأنَّ وجود الحقيقة المحمّديّة أزليّة سرمديّة، والموجود الأوّل الذي صدر منه كلّ هذه الأدوار والأكوار والمشرف والمدّبر بحسب التسبيب والتدبير والمدبّر الحقيقي هو الله سبحانه على كلّ هذه الأدوار والأكوار تكويناً وتشريعاً.
والمراد بالذكر في الآية التذكير والهداية للعالمين، إلّاَ أنَّه يمكن الإشارة إلى عدّة أُطروحات بلحاظ المراد من الذكر:
الأُولى: أن يكون المراد شخص النبي، كما مرّ بنا؛ لأنَّنا قلنا: إنَّ القول يمكن أن ينطبق على الفرد، كما ينطبق على الكلام.
الثانية: أن يكون المراد العدل أو الشريعة العادلة، وهي الإسلام حسب واقعه الموجود في النصوص الشريفة أو اللوح المحفوظ.
الثالثة: أن يكون المراد ذكر الله، كما قال تعالى: {وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ}(1).
الرابعة: أن يكون إشارةً إلى نظريّة المثل المنسوبة إلى أفلاطون(2)، مع أنَّنا نجلّ افلاطون أن يقول بها، إلّاَ بعد تفسيرها وتأويلها، وهي عبارة عن أنَّ
ــــــ[108]ــــــ
(1) سورة العنكبوت، الآية: 45.
(2) أُنظر: رسائل الشجرة الإلهيّة في علوم الحقائق الربّانيّة 3: 426، الفنّ الثاني، الفصل العاشر، الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 2: 46، السفر الأوّل، المرحلة الرابعة، الفصل 9، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأرواح موجودةٌ في عالم المثال أو في عالم المثل، وبحسب هذه النظريّة تنزل وتتلبّس بالبدن وتنسى عالمها السابق، ثُمَّ بعد ذلك تتذكّر ذلك العالم وتحبّ الرجوع إليه وتبكي وتتأسّف بنزولها إلى الدنيا حسب زعمه.
فالذكر في الآية هو التذكّر لذلك الوجود السابق.
إنْ قلت: كيف يعود معنى العالمين إلى هذه السعة التي تقدّمت، مع أنَّه تعالى يقول في الآية التي تليها: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} فالخطاب لخصوص البشريّة؛ بدلالة الضمير (منكم) والمعنى: أيّها البشر أو أيّها السامعون، ولا دخل له للأدوار والأكوار والعوالم السابقة.
قلت: يمكن الجواب عمّا ذكر بوجوهٍ:
الأوّل: أن يُراد بالخطاب في (منكم) شموله لكلّ أفراد العالمين على الإطلاق، كما فسرّنا به العالمين، فنقول بأنَّ الضمير (منكم) يرجع إلى الجميع بلا استثناءٍ، فالمتكلّم في الحقيقة هو الله سبحانه، وهو سبحانه له من القابليّة على مخاطبة كلّ خلقه دفعةً واحدةً، وفي الأزمنة الثلاثة، أعني: الماضي والحاضر والمستقبل.
الثاني: أنَّنا نتنزّل ونقول: إنَّ الضمير (منكم) راجع إلى البشر المخاطبين والسامعين، لكن أليس البشر جزءاً من العالمين، فيكون خطابهم خطاباً للعالمين؟ وقد عبّر عن النبي بأنَّه رحمةٌ للعالمين(1)، وذكرٌ للعالمين(2)، فالخطاب للسامعين، لكن باعتبارهم نموذجاً من العالمين.
ــــــ[109]ــــــ
(1) في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [سورة الأنبياء، الآية: 107].
(2) إشارةٌ إلى قوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [سورة ص، الآية: 87، وسورة القلم، الآية: 52، وسورة التكوير، الآية: 27].
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}:
المشيئة والإرادة عرفاً بمعنى واحدٍ. ويمكن أن يُقال: إنَّ الإرادة والمشيئة بالنسبة إلى الله سبحانه تختلف، وأما بالنسبة إلى المخلوقات فهي واحدةٌ.
ومعنى الآية: لمن أراد منكم أن يستقيم. وإنَّما ذكر (شاء) بعنوان المقابلة مع (شاء) التي هي منسوبة إلى الله سبحانه في قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}(1).
والمراد من الاستقامة الاستقامة على الحقّ بمقدار ما هو ممكنٌ، وأوضح مصاديق الاستقامة الاستقامة على طريق العدالة والهداية وأن لا تأخذ الفرد في الله لومة لائمٍ.
[(من) في قوله تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ]
وذكر الفقهاء: أنَّ العدالة هي الاستقامة على الطاعة أو هي الاستقامة على جادّة الشرع، والعدالة معنى انتزاعي من الاستقامة على جادّة الشرع، وهذا الاستعمال في الأصل استعمال مجازي، وإلّاَ فإنَّ المعنى الحقيقي هو الاستقامة في الطريق المادّي عند المشي وعدم الانحراف عنه، إلّاَ أنَّه صار حقيقةً في المدلول المعنوي (الهداية) من كثرة الاستعمال. كما يُلاحظ أنَّ فهم المتشرّعة للاستقامة أنَّها لا تكون إلّاَ على جادّة الحقّ، وبهذا الاعتبار يُقال للكفّار والفسقة وأضرابهم: إنَّهم منحرفون ومائلون، وإن كانوا مستقيمين في طريقهم، كما لو كان الفرد يهوديّاً ملتزماً بشريعته ونصرانيّاً ملتزماً أيضاً بشريعته ودنيويّاً ملتزم بدنيويّته، فيكون المراد من قوله تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ
ــــــ[110]ــــــ
(1) سورة الإنسان، الآية: 30.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أَنْ يَسْتَقِيمَ} أي: أراد أن يرجع إلى طريق الاستقامة، وهو طريق الهداية والفطرة التي فطر الله الناس عليها بعد أن تركها الفسقة والكفّار. وبمعنى آخر: لمن أراد التوبة والرجوع إلى جادّة الصواب.
لا يقال: لو لم يكن شخصٌ على الحقّ، كأن ولد نصرانيّاً أو يهوديّاً أو ملحداً، فكيف تصدق هذه الآية في حقّه، ليُقال: المراد أن يرجع إلى الحقّ؟ فإنه لم يخرج من حقّ حتّى يرجع إليه مرّةً ثانيةً، فالأصحّ أن نقول في حقّه: إنَّه ذهب إلى الحقّ.
فإنَّه يُقال: بل يصدق أنَّه يرجع إلى الحقّ، والارتكاز المتشرّعي أيضاً على ذلك؛ لأنَّ الأصل كونه على الحقّ وكونه على الفطرة، فخلقة الإنسان خلقة حقّ وعقله بقسميه النظري والعملي عقل حقّ، وحتّى لو ولد على شاكلةٍ أُخرى فيصدق عليه الرجوع إلى الحقّ.
ويمكن تطبيق هذه الفكرة نفسها على الفيء في قوله تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ}(1) فالفيء معناه البلدان المفتوحة التي لم تكن تحت سيطرة أهل الحقّ، ومعنى الفيء في اللغة الرجوع أو الظلّ الراجع بعد انعطاف الشمس، وبملاحظة المعنى الاصطلاحي واللغوي يصحّ إطلاق الرجوع عليها مع أنَّها لم تكن حتّى ترجع إليهم.
نعم، بملاحظة أنَّ أصل هذه الأرض هي للحقّ الذي هو الله أو المعصوم يصحّ إطلاق الرجوع عليها، فكلّ شيء يعود إلى الحقّ فهو رجوع، وإن كان الكافر قد أحياها ابتداءً وملكها قديماً.
و(من) في قوله تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ} للتبعيض. ويمكن القول: إنَّها
ــــــ[111]ــــــ
(1) سورة الحشر، الآية: 6.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لمجرّد الإيضاح والتركيز الأفرادي، أي بمعنى: أيّ واحدٍ منكم يستقيم أحسن، وإن كان يكفي أن يقول: (لمن شاء أن يستقيم).
الخطوة الأُخرى: أنَّ التبعيض نظريّاً من الناحية اللغويّة تامٌّ، لكن هنا لا يُراد به التبعيض؛ لأنَّ قولنا: (هذا منكم) يشمل الجميع، فإذا شمل الجميع، كان استغراقيّاً لا تبعيضيّاً، وإن كان في اللغة كذلك، إلّاَ أنَّه بالدقّة ليس بهذا المعنى. وقد فهم المشهور والسيّد الطباطبائي(1) والرازي(2) وابن الانباري(3): أنَّ (من) الموصولة في قوله تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ} هنا بدل من العالمين مع تكرار الجارّ والمجرور، أي: مع تكرار العامل كأنَّه قال: ذكر للعالمين من شاء منكم أن يستقيم، بحذف اللام وتكرار الحرف، مع أنَّ تكرار أن الحرف ليس بلا مبرّرٍ، بل النسق القرآني يقتضيه، مضافاً إلى أنَّه نحو تأكيدٍ، فيكون المحصّل: أنَّه ذكرٌ لمن شاء منكم أن يستقيم، والعالمين يمكن حذفها ويكون المعنى: (إلّاَ ذكرٌ لمن شاء منكم أن يستقيم) و(لمن) يستغرق كلّ العالمين.
[أُطروحات أُخرى في المقام]
ويمكن الإشارة إلى أُطروحات أُخرى في المقام:
منها: أن نقدّر حرف عطف (للعالمين ولمن شاء منكم أن يستقيم).
ومنها: أن نقول: إن البدليّة تصحّ إذا كان معنى اللام في قوله (للعالمين) وفي قوله (لمن) بمعنى واحدٍ، وهنا ليس كذلك. ولا يخفى أنَّ الحروف تُستعمل بمعانٍ مختلفة، ولا تكون بمعنى واحدٍ دائماً، وحينئذٍ نقول: إنَّ المراد
ــــــ[112]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 220، تفسير سورة التكوير.
(2) أُنظر: مفاتيح الغيب 31: 71، تفسير سورة التكوير.
(3) أُنظر: البيان في غريب إعراب القرآن 2: 497، غريب إعراب سورة كوّرت.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
باللام في (للعالمين) ما كان سبباً للتكامل وما فيه المصلحة؛ لأنَّ له ما يقابله (عليه) أي: ضدّه، فللعالمين أي: في مصلحة العالمين ولأجل تكاملهم، ويُراد باللام في (لمن) التحميل؛ لأنَّ الطاعة والعمل إنَّما هي تحميلٌ في الحقيقة، وحينئذٍ تكون اللام في الموردين مختلفة، فلا تصلح اللام للبدليّة من ناحية المعنى.
والأرجح عندئذٍ تقدير معنى العطف، أي: كأنَّه قال: للعالمين ولمن شاء منكم أن يستقيم، ويكون من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأنَّ العطف هنا إمّا أن نقدّره مع الإذعان بوحدة معنى اللامين، وإمّا أن نقدره مع الإذعان باختلاف معنى اللامين، وما ذكرناه سابقاً ينسجم مع اتّحاد معنى اللامين، لا مع اختلافهما. وأمّا هنا فيكون مع اختلاف معنى اللامين، فيكون تقدير العطف أكثر أهمّيّةً وضرورةً.
وغني عن البيان أنَّ (أن) في قوله تعالى: {أَنْ يَسْتَقِيمَ} مصدرية داخلة على الفعل المضارع فتؤول بالمصدر، ويكون المعنى: لمن شاء منكم الاستقامة، وأمّا الجملة فهي في محلّ نصب مفعول به.
و(أن) في قوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ} مصدريّة أيضاً داخلة على المضارع، فتسبك بمصدر يكون مفعولاً به للفعل الذي قبله، وهو تشاءون في قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ} يعني: وما تشاءون إلّاَ مشيئة الله، ووجود (إلّاَ) لا يضرّ بذلك، وإنَّما يختلف المعنى ولا يختلف الإعراب. والمشيئة هنا بمعنى الإرادة عرفاً، فيكون المعنى وما تريدون إلّاَ أن يريد الله ربّ العالمين، وإن كان نسبته إلى الله تعالى بالدقّة تختلف كما تقدّم سابقاً، ولهذا المقال مقامٌ آخر.
والآية تدلّ على الحصر أو الانحصار مستفاداً من الاستثناء بعد النفي؛ لأنَّه يقول: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} ويكون المعنى البدوي: لا مشيئة
ــــــ[113]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
للبشر إلَّا بمشيئة ربَّ العالمين، وهو معنى يوحي بالجبر، وقد ذكر السيّد الطباطبائي جواباً عن تلك الشبهة(1)، ولم يذكر السؤال، وإنَّما دار في كلامه حتّى يخرج عن ذهن القارئ أن هذا جبري.
الخطوة الأُخرى: أن نقول: إنَّه من الواضح أنَّ الضمير في {تَشَاءُونَ} راجع إلى ما يرجع إليه ضمير (منكم) في قوله {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} والفارق أنَّ أحدهما ضمير جمع، والآخر ضمير مفرد، ولكن محصّلهما المعنوي واحدٌ.
وهنا لو لاحظنا العبارة لا نجد مرجعاً لهذه الضمائر: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} و{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ} و{وَمَا تَشَاءُونَ}. وهنا قد يُقال: إنَّ ضمير الغائب يحتاج إلى مرجع، وأمّا ضمير المخاطب والمتكلّم فلا يحتاج إلى مرجع، فعندما يُقال: (جئت)، فمن الواضح أن يكون مرجعه نفس الإنسان الخارجي؛ لأنَّ القرينة الحالية دالّة عليه؛ والالتباس مفقودٌ، فلا يحتاج إلى مرجعٍ، والمورد من هذا القبيل.
إذن فهذه الضمائر ممّا لا تحتاج إلى مرجعٍ. نعم، الضمير الذي للغائب يحتاج إلى مرجعٍ؛ لأنَّه لا يؤمن الالتباس، فلابدّ من مرجعٍ لفظي أو قريبٍ من اللفظ.
[الكلام في الجواب عن دلالة الآية على الجبر]
وأمّا الكلام في الجواب عن دلالة الآية على الجبر ففيه عدّة وجوهٍ:
الأوّل: أن يكون المعنى: أن يشاء الله سبحانه هدايتكم واستقامتكم بإرسال الرسل والكتب والتشريع العادل؛ إذ لولا ذلك لبقي الناس في ضلالٍ وظلامٍ دائمين، والله تعالى بلطفه الواجب لا يفعل ذلك، وإنَّما يهديهم، فما
ــــــ[114]ــــــ
(1) راجع، تفسير الميزان 20: 221، تفسير سورة التكوير.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
تشاءون الاستقامة إلَّا أن الله يهديكم بهذه الطريقة المتعارفة التي عليها القانون الإلهي.
الثاني: أن يكون المعنى: أنَّ الله سبحانه يريد هدايتكم بإعطاء العقل والفكر والإحساس ونحوها ممّا له دخلٌ في الهداية.
الثالث: أن يكون المعنى: أنَّ الله تعالى يريد هدايتكم بإتاحة الفرصة لذلك، أي: للهداية والإيمان، وليست الفرصة متوفّرةً سواءً لكلّ البشر. ومن تلك الفرص أن يخلق الإنسان ويأتي إلى الدنيا في عصر الإسلام وفي عصر المعصومين لا في عصر الطغاة والظالمين ونحو ذلك، فتوفير الفرص من نعم الله تعالى.
الرابع: أنَّ الله سبحانه هو الذي يجعل الرغبة والحبّ للمذهب والمنهج الذي تسير عليه، أي: يجعل الحبّ في النفس للحقّ، كما قال تعالى: {حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ}(1). وهذا ليس بنحو الجبر، وإنَّما هو إحساسٌ نفسي قلبي أو عقلي، فالحبّ هنا بنحو الغاية لا العلّيّة حتّى يلزم الجبر، وهذا من قبيل حبّك لولدك أو أبيك، فتخدمه وتقوم بقضاء حاجاته ونحو ذلك.
الخامس: أن نحمل المشيئة الإلهيّة على المستوى الاقتضائي للمشيئة، يعني: كلّ ما يلزم من عدَمِه عَدَمُه. وهذا الوجه أعمّ من الوجوه السابقة؛ إذ من الواضح أنَّ المشيئة تصدق على المشيئة الاقتضائيّة والعلّيّة، والإرادة أيضاً تصدق على الإرادة الاقتضائيّة والعلّيّة. وحينئذٍ نقول: إنَّ الله سبحانه يعاملنا على مستوى المشيئة الاقتضائيّة، وقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ
ــــــ[115]ــــــ
(1) سورة الحجرات، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الْعَالَمِينَ} إشارةٌ إلى المشيئة الاقتضائيّة لا العلّيّة، والمشيئة الاقتضائيّة لا تؤثّر إلّاَ إذا انضمّ إليها مشيئتنا.
بقي أمرٌ واحدٌ حاصله: أنَّ لفظ العالمين وردت مرّتين: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} {إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ويُلاحظ: أنَّ بينهما نحواً من العلاقة المعنويّة، وهو أنَّ ربّ العالمين أنزل ذكراً للعالمين وأنَّ ربّ العالمين هو الذي يرحم العالمين ويهديهم إلى الصراط المستقيم.
ــــــ[116]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ــــــ[117]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ــــــ[118]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
سورة عبس
[أطروحات في تسميتها]
ولنأخذ أوّلاً ببيان أُطروحات التسمية، وقد تكون بعض الأُطروحات ممّا لم يتعرّض لها أحدٌ من ذي قبل، إلّاَ أنَّها تستحقّ أن تقدّم كأُطروحةٍ.
الأُولى: أن يُقال: سورة الأعمى؛ لقوله تعالى: {أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى}.
الثانية: أن يُقال: سورة عبس؛ لافتتاح السورة بفعلٍ ماضٍ، وهو عبس، وهو اسم السورة على المشهور.
الثالثة: أن يُقال: سورة عبس وتولّى.
الرابعة: أنَّه لا معنى لأن نتبنّى رأي السيّد الشريف الرضي في المقام(1)، فنقول: السورة التي ذُكر فيها الأعمى، ولا نقول: السورة التي ذُكر فيها عبس.
الخامسة: الإشارة إلى ترتيبها ورقمها في المصحف، أعني: (80).
****
قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى}:
أمّا عبس فقال الراغب: العبوس قطوب الوجه من ضيق الصدر. قال: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ}(2) ومنه قيل: يوم عبوس. قال: {يَوْماً عَبُوساً
ــــــ[119]ــــــ
(1) أُنظر: حقائق التأويل في متشابه التنزيل 5: 291، السورة التي يُذكر فيها النساء.
(2) سورة المدّثّر، الآية: 22.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قَمْطَرِيراً}(1)(2).
فالعبوس قطوب الوجه الناشئ من ضيق الصدر، والضيق وإن كان منسوباً إلى الصدر على ظاهر اللفظ، إلّاَ أنَّه في الحقيقة ينتسب إلى النفس؛ لأنَّها هي التي تغضب أو تحزن أو تتضايق، والمرء حينما يتضايق يقطّب وجهه. فعبس بمعنى: قطّب وجهه. قال تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى}، وفي آية أُخرى: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ}، ومنه ما قيل: يومٌ عبوسٌ. وجاء في الذكر: {يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً}. فكأنَّما أصبح اليوم عبوساً، وهو مجازٌ؛ لأنَّ حقيقة العبوس هو تقطيب الوجه، وليس لليوم وجهٌ، وإنَّما الاستعمال تمثيلٌ مجازي؛ باعتبار أنَّ صفحة السماء هي وجه الدنيا، وهي وجه اليوم، فيكون المعنى مجازاً. فإذا ادلهمّت السماء وأظلمت أو احمرّت أو اسودّت، كان ذلك عبوساً في وجه اليوم أو في وجه الدنيا، فهو يوم مكفهرٌّ أو يومٌ عبوسٌ.
وأمّا تولّى فأفاد الراغب: وقولهم: تولّى إذا عدّي بنفسه اقتضى معنى الولاية، بمعنى السيطرة وحصوله في أقرب المواضع منه. فكون فلانٍ وليّاً لفلانٍ أنَّ الثاني حاصل في أقرب المواضع منه، فهو وليّه؛ لأنَّه خاضع له ومطيعٌ مثلاً. وقد تكون الولاية مع الحبّ والقناعة، فيكون في أقرب المواضع منه معنويّاً.
ويُقال: ولّيت سمعي كذا وولّيت عيني كذا وولّيت وجهي يعني: إذا كانت هذه الأُمور في أقرب المواضع. ومن الواضح أنَّ هذا يتعدّى بنفسه كقوله: ولّيت عيني أو سمعي كذا، وولّيت لكذا أو على كذا: إذا أقبلت به
ــــــ[120]ــــــ
(1) سورة الإنسان، الآية: 10.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 332، مادّة (عبس).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
عليه. قال الله عزّ وجلّ: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا * فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}(1). وإذا عُدّي بعن لفظاً أو تقديراً اقتضى معنى الإعراض وترك قربه، فذلك يقتضي القرب في أقرب المواضع منه، وهذا يقتضي الإعراض والبعد عنه. وولّى تولّى عنه، وتولّى منه أي: تخلّص منه، فكأنَّما أصبح هذا اللفظ من المتضادّات بمعنىً من المعاني. فمن الأوّل قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}(2) من الولاية وهي القرب والسيطرة؛ لأنَّ السيطرة بهذا المعنى تتضمّن معنى القرب المعنوي. ونحوه قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}(3) فهو من الولاية. ومن الثاني قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ}(4) أي: ذهبوا ولو ذهاباً معنوياً، بأن أعرضوا وذهبوا عن الإيمان والإسلام وعن الطاعة. ومنه قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ}(5) وقوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا}(6) وقوله: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(7)(8). وهناك موارد متعدّدة في القرآن تتحدّث عن التولّي بالمعنيين.
وأضاف الراغب: أنَّ التولّي قد يكون بالجسم، وقد يكون بترك الإصغاء
ــــــ[121]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 144.
(2) سورة المائدة، الآية: 51.
(3) سورة المائدة، الآية: 57.
(4) سورة آل عمران، الآية: 63.
(5) سورة الغاشية، الآية: 23.
(6) سورة آل عمران، الآية: 64.
(7) سورة آل عمران، الآية: 82.
(8) مفردات ألفاظ القرآن: 571، مادّة (ولى).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والائتمار، أي: من لا يأتمر ولا يطيع فهو متولٍّ بالجسم، فتولّى بمعنى: هرب وابتعد. وقوله: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}(1) بمعنى: من عصى بترك الإصغاء والائتمار. وقال تعالى: {وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ}(2) بمعنى: قربه من الناحية الجسديّة وسماعه الخطاب، إلّاَ أنَّه يتولّى أي: يعصي. ثُمَّ قال الراغب: يُقال: ولاّه دبره إذا انهزم. قال تعالى: {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ}(3) وقوله: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} (4) أي: ظهره(5).
أقول: إن أصل التولّي هو الإقبال، وأصله الإقبال المادّي، كالإنسان يُقبل على إنسان آخر فيما إذا اتّجه نحوه، ومنه سرى إلى الإقبال المعنوي الذي هو بمعنى الولاية والطاعة؛ لأنَّه مُقبلٌ عليه معنويّاً، وراضٍ بسيطرته عليه وطاعته له. ومنه سرى إلى الولاية القهرية، سواء كانت عادلةً، كولاية الله تعالى وولاية الأئمّة المعصومين، أم كانت ظالمةً، كولاية الطواغيت (قبّحهم الله). والولاية بهذا المعنى – أي: الإقبال- متعدّية بنفسها لا تحتاج إلى حرفٍ، فنقول: ولاّه وتولاّه ونحو ذلك. ثُمَّ سرى هذا المعنى إلى التولّي المضادّ؛ لأنَّ الأصل في التولّي هو مقابلة الوجه، فسرى ذلك إلى مقابلة الظهر والقفا، كما لو صار قفاه متّجهاً نحو وجهي. وكذا ولّيته ظهري يعني: كأنَّني أريته ظهري بدل أن أُريه وجهي.
ــــــ[122]ــــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 82.
(2) سورة الأنفال، الآية: 20.
(3) سورة آل عمران، الآية: 111.
(4) سورة الأنفال، الآية: 16.
(5) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 570-572، مادّة (ولى).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والتولّي أيضاً إمّا مادّي كالهرب، أو معنوي كالضلال (والعياذ بالله)، وكلاهما متعدٍّ بنفسه، وقد ورد كلاهما في القرآن الكريم. فممّا ورد في التولّي المادّي قوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ}(1). وممّا ورد فيه في المعنوي قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}(2). ولا حاجة إلى القول بوجود حرف جرٍّ مقدّرٍ، كما هو ظاهر الألفاظ. غاية الأمر: أنَّ الحرف إنَّما يُؤتى به لرفع الالتباس، مع أنَّ تولّى تتضمّن معنى الإقبال ومعنى الإعراض معاً؛ فحينما يُقال: (تولّى زيدٌ) يحصل التباس في المعنى المراد، وهنا نحتاج إلى قرينةٍ متّصلةٍ تدلّ على تعيين أحد المعنيين. وأفضل قرينة هي حرف الجرّ، فتولاّه تأتي بمعنى الإقبال أو الولاية بمعناها المتقدّم، وتولّى عنه أو منه بمعنى: أعرض وابتعد، وحرف الجرّ هو القرينة التي ترفع الالتباس.
هذا كلّه فيما إذا حملنا الرباعي المزيد على الثلاثي، كما هو الاتّجاه المشهور، ويميل إليه الراغب أيضاً، ويُرجع المادّة إلى أصلها، ولذا نراه يختار أنَّ الأصل هو الثلاثي، وكأنَّ الرباعي أو المزيد هو الثلاثي نفسه. فإن أرجعناهما إلى مادّةٍ واحدةٍ هي الأصل الثلاثي فبها ونعمت، وجرى عليه الكلام الذي تقدّم، وأمّا إذا فرّقنا بينهما – ولو باعتبار كون الثلاثي متعدّياً والرباعي أو المزيد لازماً حيث لا يتعدّى إلّاَ بالحرف- فحينئذٍ نواجه شيئاً من الصعوبة. فما هو معنى الثلاثي وما معنى المزيد؟
وإذا ما قارنّا بينهما وقلنا: إنَّ كلّ واحدٍ منهما موضوعٌ بوضعٍ مستقلٍّ لمعنىً يغاير المعنى الذي وضع له الآخر، وهذا لازمٌ وذاك يتعدّى بالحرف،
ــــــ[123]ــــــ
(1) سورة الأنفال، الآية: 16.
(2) سورة المائدة، الآية: 51.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فيمكن ادّعاء أنَّ الثلاثي يفيد القرب وخصائصه كالولاية ونحوها، وهو المعنى الأوّل المتقدّم. وأمّا الرباعي أو المزيد فهو يفيد البُعد وخصائصه بما فيها الهرب والفرار ونحوهما أو بالعكس. ومع ذلك يبقى الأمر مشكلاً من الناحية اللغويّة؛ لأنَّ الظاهر أنَّ أحدهما يُستعمل في محلّ الآخر بوضوحٍ؛ فالمزيد يُستعمل محلّ الثلاثي، وبالعكس أيضاً، فهناك تقاربٌ كبيرٌ بين اللفظين، وهو معنى رجوع المزيد إلى معنى الثلاثي بكلا شقّيه أو بكلا حصّتي المعنى.
ثُمَّ إنَّ سياق الآيات: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى}(1) في مقام بيان أصل حادثةٍ، وفيه إشكالٌ ينبغي الإجابة عنه:
[إشكال وجوابه في مقام بيان أصل الحادثة المذكورة في الآية]
ويلزم أوّلاً تقريب الإشكال ثُمَّ الإجابة عنه. ولابدّ من الإشارة إلى مقدّمات:
المقدّمة الأُولى: أنَّ سياق الآيات العشر سياق عتابٍ على فعلٍ مرجوحٍ أخلاقيّاً، بل شديد المرجوحيّة، مع بيان تبريرات الخطأ، كبيان أنَّ هذا الشخص لعلّه يزكّى، فلماذا تعرض عنه؟!
المقدّمة الثانية: أنَّ الخطاب في هذه الآيات متوجّهٌ إلى رسول الله، أو أنَّ ظاهر الخطاب هو ذلك؛ لأنَّه هو المخاطب المباشر بالقرآن.
المقدّمة الثالثة: أنَّنا نعتقد بعصمة الأنبياء وعلى رأسهم وأولاهم بها الرسول الأكرم محمّد بن عبد الله، مع أنَّ في المقام عتاباً، وكلّ عتابٍ وعقابٍ بعيدٌ عن ساحة المعصوم أيّاً كان، فكيف يوجّه هذا العتاب إلى
ــــــ[124]ــــــ
(1) سورة عبس، الآيات: 1-4.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
رسول الله.
ويمكن الجواب عن ذلك بعدّة وجوهٍ:
ويُلاحظ: أنَّ المفسّرين الشيعة واجهوا إشكالاً في تفسير هذه الآيات؛ لأنَّهم آمنوا بعصمة الأنبياء، فهم بحاجةٍ إلى توجيه ظواهر بعض الآيات التي تنسب إلى الأنبياء ما لا يتلائم مع العصمة. وأمّا العامّة فهم في مندوحةٍ من هذه الجهة؛ حيث إنَّهم لم يؤمنوا أساساً بعصمة أيّ واحدٍ من البشر، لا الأنبياء ولا غيرهم، فكلّ إنسانٍ عندهم يمكن أن يصدر منه الذنب، أو أن يتّصف بالعيب، بل إنَّ بعضهم أجاز تولية المفضول على الفاضل. وعلى كلّ حالٍ فهؤلاء في سعةٍ حينما يتعاملون مع ظواهر الآيات القرآنيّة التي تنسب الذنب إلى الأنبياء، فلا بأس عندهم في هذه النسبة. إذن نحن الإماميّة بحاجةٍ إلى تقديم أجوبةٍ لدفع الإشكال المتقدّم في تفسير هذه الآية. وإليك جملة من الوجوه في الإجابة:
الوجه الأوّل: ما يمكن استفادته من كلام السيّد الطباطبائي(1) من: أنَّنا نمنع إحدى المقدّمات السابقة، كأن نمنع المقدّمة الأُولى القائلة بأنَّ الخطاب في الآية متوجّهٌ إلى النبي، فنقول: هذه الآية تشتمل على الفعل الماضي، أي: عبس وتولّى، والفاعل فيه ضميرٌ مستترٌ، ولا مرجع له في اللفظ، فلا يتعيّن في واحد بعينه حتّى يكون هو رسول الله، والله أعلم بمن عبس وتولّى. فمنشأً الإشكال هو أنَّ هناك خطاباً، والقدر المتيقّن من المخاطبين هو رسول الله، ودفع الإشكال يبتني على أنَّ الآية لا تشتمل على الخطاب، وإنَّما على الفعل الماضي.
ــــــ[125]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 203-204، تفسير سورة عبس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فإن قلت: إنَّ الآية تشتمل على الخطاب، وهو قوله تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} فكلمة (يدريك) اشتملت على كاف الخطاب، فإذن الآية فيها خطابٌ.
قلت: نعم، الآية بهذا المعنى تشتمل على الخطاب، إلّاَ أنَّه خطابٌ لمرجع الضمير الذي هو فاعل الفعل الماضي السابق المجهول في حينه، فالخطاب موجّهٌ لمن عبس وتولّى، وهو مجهولٌ، ولا مرجع له في العبارة، ومعه فكلّ تبعاته وآثاره حتّى الخطاب المتأخّر تكون مجهولةً، ولا تتعيّن في أحدٍ.
ويكفي أن نلتفت عرفاً إلى الفرق بين الأُسلوب الذي اتّبعته الآية والخطاب المباشر كما لو قال: (عبست وتولّيت).
الوجه الثاني: الإذعان بأنَّ المخاطب والفاعل هو النبي وهو المعاتَب أيضا، كما ورد في بعض الروايات الضعيفة(1)، إلّاَ أنَّ ذلك لا ينافي الإيمان بعصمة الأنبياء؛ لأن الإشكال الرئيسي يبتني على أنَّ هذا ينافي العصمة، فإذا قلنا: أنَّه لا ينافي العصمة يندفع الإشكال.
وأمّا وجه عدم منافاته للعصمة فلأنَّ ذلك من الذنوب الدقّيّة، وهي لا تتنافى مع عصمة الأنبياء والأئمّة، وإنَّما هم معصومون عن بيان الشريعة العامّة للبشر من الواجبات والمحرّمات ونحو ذلك، فلا يحتمل ارتكابهم لشيءٍ من المخالفة فيها، وهي ما نسمّيها الذنوب العامّة. وأمّا الخصائص المنحصرة بهم والتكاليف التي تخصّهم فليسوا معصومين عنها، وهي ما نسمّيها بالذنوب الدقّيّة، فيكون حالها حال قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ
ــــــ[126]ــــــ
(1) أُنظر: بحار الأنوار 17: 76-77، الباب 15، عصمته وتأويل بعض ما يوهم خلاف ذلك.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أَذِنْتَ لَهُمْ}(1) وقوله تعالى: {تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ}(2). وبالتعبير المتشرّعي ما ذكر تركٌ للأولى، لا ذنبٌ بالمعنى الحقيقي، وانتساب الذنب الدقّي لا ينافي العصمة؛ لأنَّه ممّا يرتبط بالخلق، وليس من المحرّمات.
الوجه الثالث: أن نذعن أيضاً بأنَّ الخطاب متوجّهٌ إلى النبي وهو الفاعل، ولكنّنا نقول: إنَّ هذا العمل وإن كان بنفسه يعدّ عملاً أخلاقيّاً مرجوحاً، إلّاَ أنَّ المصلحة اقتضت ارتكابه، وحينها يخرج عن المرجوحية ليصير فعلاً راجحاً أو ضروريّاً، فتكون عدم منافاته للعصمة أوضح، بل ربما لو تركه لكان مخطئاً.
ويمكن بيان ذلك على أحد مستويين:
المستوى الأوّل: أن نعرضه كأُطروحةٍ إجماليّةٍ، بأن نحمل فعل النبي على الصحّة، وهو أهلٌ للحمل عليها، فحينئذٍ نقول: لعلّه اقتضت المصلحة أن يقوم بهذا العمل. ويكفي هذا الاحتمال لإبطال استدلال من يحاول نفي عصمة النبي، فإذا استدلّ على نفي عصمة النبي كان هذا الاحتمال صالحاً لدفع الإشكال. فيُقال: إنَّ النبي فضّل العمل بالمصلحة وتقديم الأهمّ على المهمّ، وهذا التقديم راجحٌ بلا كلامٍ.
المستوى الثاني: أن نقول: إنَّ المصلحة اقتضت ذلك بالفعل لا على مستوى الاحتمال والفرض، بل روي أنَّ هذه الآية نزلت في عبد الله بن أُمّ مكتوم، كما أفاده في “مجمع البيان” قائلاً: قيل: نزلت الآيات في عبد الله بن أُمّ مكتوم، وهو عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن
ــــــ[127]ــــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 43.
(2) سورة التحريم، الآية: 1.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لؤي. وذلك أنَّه أتى رسول الله وهو يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعبّاس بن عبد المطّلب وأُبيّاً وأُميّة ابني خلف يدعوهم إلى الله ويرجو إسلامهم، فقال: يا رسول الله، اقرئني وعلّمني ممّا علمّك الله. فجعل يناديه ويكرّر النداء، ولا يدري أنَّه مشتغلٌ مقبلٌ على غيره، حتّى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله، لقطعه كلامه. وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد: إنَّما أتباعه العميان والعبيد، فأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين يكلّمهم، فنزلت الآيات. وكان رسول الله بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه قال: “مرحباً بمن عاتبني فيه ربّي”، ويقول له: “هل لك من حاجةٍ؟”. واستخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين (1).
فالنبي حسب هذه الرواية كان يناجي جماعة من الشخصيّات الهامّة الذين كانوا من عتاة المجتمع، وكان يدعوهم إلى الإسلام ويرجو هدايتهم، فدخل عليهم هذا الشخص الأعمى – ابن أُمّ مكتوم – لا يدري بأنَّ هؤلاء جالسون في المسجد، فقال للنبي: يا رسول الله، اقرئني وعلّمني ممّا علّمك الله. فأعرض عنه النبي، فنزلت هذه الآيات بعتابه. ثُمَّ كان رسول الله بعد ذلك يكرم ابن أُمّ مكتوم، واستخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين؛ لأنَّه كان إذا خرج إلى غزوة استخلف شخصاً على المدينة، ولا يتركها دون نائبٍ عنه، مع أنَّ مدّة الغزوة قد تستمرّ عدّة أيّامٍ، فهل يعقل أن ينسى أُمّته بعد رحيله عن الدنيا دون أن ينصب خليفةً فيهم من بعده. وعلى أيّ حالٍ فالمصلحة واضحةٌ هنا في أكثر من موردٍ. ويمكن بيان المصلحة المستفادة من الرواية على عدّة أُطروحات:
ــــــ[128]ــــــ
(1) مجمع البيان 10: 664، تفسير سورة عبس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأُولى: أنَّ مقاطعة ابن أُمّ مكتوم كلام رسول الله جعلته هو الظالم حقيقةً، فيجوز الردّ عليه والتعامل معه بالشدّة؛ عقوبةً على تجاوزه حدوده.
الثانية: ما أفاده النبي في نفسه حسب نقل الرواية من: أنَّ هؤلاء الصناديد والشخصيّات المشهورة الهامّة في المجتمع سيقولون: إنَّما أتباعه العميان والعبيد، وستهبط منزلته لديهم، ولن يأخذوا بكلامه، وبالنتيجة لن يدخلوا في الإسلام، وهي نتيجةٌ سيّئةٌ.
وهنا ينبغي ملاحظة أنَّ ابن أُمّ مكتوم جاء إلى النبي بصفته أحد أصحابه، ولذا قال له: (اقرئني أو علّمني)، وهؤلاء القوم يشاهدون ما جرى: فإن أجابه النبي كان يكون إقراراً منه بصحبته، وإذا أعرض عنه فهو إنكارٌ لتلك الصحبة. فكأنَّه أراد بهذا الإعراض عنه أن يثبت لهؤلاء أنَّه ليس من أصحابه، وإن كان من المؤمنين به.
كما ينبغي الالتفات إلى أنَّ هؤلاء الذي وصفتهم الرواية بالصناديد الذين يتمتّعون بمنزلةٍ اجتماعيّةٍ رفيعةٍ لو اهتدوا إلى الإسلام لقويت شوكته ولأصبح موقف النبي في غاية القّوة. بل أقول – على نحو الأُطروحة-: إنَّ هؤلاء لو أسلموا حينها لما احتاج النبي إلى خوض معركة بدر، ولكنّ الله لم يهدهم إلى الإسلام؛ لعدم استحقاقهم، فلم يهتد منهم سوى العبّاس بن عبد المطّلب، وبقي الآخرون على كفرهم وضلالهم، ومنهم من قتل في معركة بدر. فمن حقّ النبي أن يصرّ على هدايتهم، وعلى التشديد في وعظهم؛ لكي ينتفع الدين والمجتمع عموماً من انضمامهم إليه.
الثالثة: أنَّ بعض الأفراد يشعرون بأنَّهم أفضل من سواهم، فهم يعيشون حالة الاستعلاء والتكبّر، ويريدون أن يتمّ التعامل معهم بنحوٍ خاصٍّ
ــــــ[129]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
متميّزٍ عن سواهم، ومن مصاديق ذلك عمليّاً الواقعة التي تتحدّث عنها سورة عبس؛ حيث إنَّ هؤلاء الصناديد يشعرون بالتميّز، فلو انصرف النبي عنهم وتوجّه إلى ابن أُمّ مكتوم -وهو في نظرهم أحد الرعاع- لكان هذا في نظرهم خللاً في النبي وكان هذا التصّرف إساءة أدبٍ منه في حقّهم (وحاشاه من ذلك) وأنَّه ازدراهم واحتقرهم، ومن ثُمَّ يؤدّي ذلك إلى طعنهم فيه، ولا أقلّ من أنَّهم لن يتّبعوه ولن يدخلوا في الإسلام، مع أنَّ دخولهم في الإسلام مطلوبٌ بنحوٍ من الأنحاء؛ لأنَّه يصبّ في مصلحة المجتمع، كما تقدّم في الوجه السابق.
وكيفما كان يمكن القول بأنَّ المصلحة اقتضت أن يتّخذ النبي مثل هذا الموقف.
فإن قيل: إذا كان الأمر لا شائبة فيه فلماذا نزل العتاب من ربّ العالمين. ألا يعني هذا أنَّ الأُطروحات المتقدّمة فيها خللٌ وفسادٌ؟
قلت: نحن نسلّم أنَّه يوجد مستوى من الشائبة، وإن كانت ضعيفةً جدّاً، إلّاَ أنَّ النبي أدّى وظيفته الفعليّة الصحيحة وعمل بأرجح المحتملات، مع أنَّ الاحتمالات الأُخرى غير خالية عن نوعٍ من الخلل، ويكفي فيها أنَّ ابن أُمّ مكتوم رجلٌ مسلمٌ ومهتدٍ وطالبٌ للهداية، وأُولئك كفّارٌ وعتاةٌ لم يدخلوا في الإسلام لحدّ الآن، وتصرّف النبي يدلّ على تفضيلهم عليه؛ حيث أعرض عنه والتفت إليهم، وهذا نحوٌ من الخلل في المقام. ومع ذلك نقول بأنَّ الأصلح هو أن يدخل هؤلاء في الإسلام، بدلا من أن يجلس ساعةً يتحدّث مع ابن أُمّ مكتوم.
ومن هذه الناحية نرى أنَّ الله تعالى يدقّق كثيراً مع رسوله، ويريد
ــــــ[130]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
منه أن يحصر جميع الاحتمالات، فيعاتبه على دقائق الأُمور وصغارها، مع أنَّه لم يخالف وظيفته الفعليّة الواقعيّة. وبذلك يزداد وضوح ما قلناه في الوجه الثاني من أنَّ هذه المخالفة إنَّما هي من الأُمور الدقّيّة، لا من الذنوب العامّة والمظالم الهامّة لكي تنافي العصمة.
الوجه الرابع: أنَّ أغلب الوجوه السابقة كانت تذعن بأنَّ المخاطب في هذه الآية هو رسول الله، إلّاَ أنَّنا نقول هنا: إنَّه بناء على وجود خطابٍ في هذه الآيات غير متوجّهٍ إلى النبي، بل متوجّه إلى فاعلٍ مجهولٍ غير مسمّى في الآية، وهو مرجع الضمير في قوله: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} فنقول: إنَّه روي أنَّه رجلٌ من بني أُميّة، وفي “تفسير القمّي”(1) أنَّها نزلت في ثالث القوم، أي: عثمان.
فإن قيل: الرواية ضعيفة السند.
قلنا: وليكن ذلك؛ فنحن لا نريد الاستدلال بها، بل يكفينا أنَّها تقدّم لنا احتمالاً يمنع الاستدلال المضادّ، ونحن لا نحتاج هنا إلى صحّة الرواية، بل نكتفي بها كأُطروحةٍ لدفع استدلال الخصم.
الوجه الخامس: ما احتمله بعضٌ -وقيل: إنَّه ورد أيضاً- من أنَّ الأوصاف كلّها تعود إلى نسقٍ واحدٍ من أوّل السياق إلى آخره، ومقتضى وحدة السياق مع الشكّ في الظهور أنَّه يرجع إلى واحدٍ لا أكثر، ومن هذه الجهة نستطيع أن نستفيد ظهوراً قرآنيّاً بأنَّ المرجع واحدٌ، وهذا الظهور حجّة، فيكون المقصود أنَّ شخصاً ما عبس وتولّى أن جاءه الأعمى. ولكن لا ينبغي إساءة الظنّ بهذا الشخص الذي عبس، بل لعلّه يتوب ويتزكّى، أو يذّكر
ــــــ[131]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير القمي 2: 404-405، تفسير سورة عبس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فتنفعه الذكرى، فكأنَّما الشخص العابس هو نفس الذي يزكّى ويذكّر، ثُمَّ يخاطبه القرآن مباشرةً من باب إلفات النظر والتعنيف فيقول: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى} إلى آخر السياق. وهي أُطروحةٌ وجيهةٌ تبتعد بالمعنى عن فعل النبي، وبذلك يندفع الإشكال المتقدّم.
الوجه السادس: أن ما سبق كلّه مبني على أنَّ المراد بمرجع الضمير أمرٌ جزئي معيّنٌ ومعهودٌ، سواء كان النبي أم غيره، فالنظر متّجهٌ إلى حادثةٍ وقضيّةٍ معيّنةٍ جزئيّةٍ، ولكن في مقابل هذا نقدم أُطروحةً جديدةً تقول: إنَّ مرجع الضمير قد يكون كلّيّاً منطبقاً على كثيرين، ولا نقول: إنَّ مرجعه إلى الفرد، بل المرجع كلّي يُراد به من عبس وتولّى أن جاءه الأعمى، أو قل: هو منطبقٌ على كلّ من كان متّصفاً بهذا الوصف، ويقوم بهذا التصرّف، وهو التقرّب إلى الأغنياء والاشمئزاز من الفقراء. ومعه فلا تكون هذه الآيات مشيرةً إلى قصّةٍ معيّنةٍ أو حادثةٍ خاصّةٍ، وإنَّما تشير إلى حادثةٍ وقضيّةٍ كلّيّةٍ متكّررةٍ يقوم بها الأفراد في كلّ زمانٍ ومكانٍ، ويمكن انطباقها على كثيرين، كما هو حالة القضايا الكلّيّة.
الوجه السابع: أن نلتفت – على مستوى الفهم الباطني- إلى أنَّ هذه الآيات توجّه نصيحةً إلى المؤمنين، وهي أنَّه لا ينبغي العبوس والابتعاد عمّن يكون أعمى، والمراد بالأعمى هو الغافل عن ذكر الله وعن الآخرة، كما قال تعالى: {وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}(1) وقال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}(2) وقال تعالى: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي
ــــــ[132]ــــــ
(1) سورة الروم، الآية: 7.
(2) سورة يوسف، الآية: 105.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فِي الصُّدُورِ}(1). ومقتضى الطبع الأوّلي للمؤمن الاشمئزاز من هؤلاء الناس، إلّاَ أنَّ الآية الكريمة تنصحه بعدم الاشمئزاز؛ لأنَّهم قابلون للهداية والطهارة والذكرى، فيرتفع عماهم ويدخل الإيمان في قلوبهم.
ثُمَّ إنَّ هذا التفسير لا يعني أنَّ المعاملة مع الجميع تكون كذلك، أي: بالمجاملة والرعاية؛ لأنَّ موضوع السياق القرآني هو الأعمى. وأمّا إذا كان الفرد معانداً فقد برئت الذمّة منه، وحصل اليأس من هدايته، فيستحقّ الاشمئزاز والابتعاد عنه. وهناك حثّ على الاقتراب من الأعمى؛ لعلّه يهتدي، وأمّا المعاند فيجب الابتعاد عنه.
ثُمَّ إنَّه يُستفاد من سياق هذه الآيات ثلاث نصائح؛ لأنَّ الناس غير المعاندين على ثلاثة أقسام، والقسم الرابع هم المعاندون، والخامس هو الطرف المخاطب، وهم المؤمنون الذين هم أعلى درجةً من الجميع، فيوجّه الخطاب إلى المؤمن بأن يُحسن التعامل مع هؤلاء الثلاثة مادّيّاً ومعنويّاً، وغير المعاندين على ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: الأعمى، وهو الغافل والجاهل، وهو موضوع الحديث في النصيحة الأُولى.
القسم الثاني: مَن استغنى، وبما أنَّ الكلام يقع في درجةٍ من درجات الباطن فينبغي أن يقال: إنَّ (من استغنى) هو من استغنى عن الدنيا وشهواتها وعلاقاتها، فاستغنى بالله تعالى عمّا سواه، وهو موضوع النصيحة الثانية. والآية تقول: إنَّ تكليفك – أيّها المؤمن- تجاه أمثال هذا الشخص هو وجوب التصدّي له وإقامة العلاقات الحسنة معه. وهنا نقيم قرينةً على أنَّ هذا هو
ــــــ[133]ــــــ
(1) سورة الحجّ، الآية: 46.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المراد من الآية، لا التفسير المشهور؛ حيث إنَّه على التفسير المشهور يكون تصدّى بمعنى: تتصدّى، ويكون المعنى: إنَّ من استغنى دنيويّاً مثلاً أنت له تتصدّى، والآية تعاتب الذي يتصدّى؛ حيث لا ينبغي ذلك، فهنا توجد تاءٌ محذوفةٌ، كما هو المشهور.
والقرينة هي أن نقول: إنَّ حذف التاء وتقديرها مخالفٌ للأصل والظاهر، والتفسير المشهور يقول: إنَّ تصدّى فعلٌ ماضٍ لا فعل أمرٍ بمعنى: تصدّ، وهو تأويل على كلّ حال ومخالفٌ للظاهر. أو نقول بأنَّ تصدّى فعلٍ ماضٍ، والجملة خبريّةٌ مسوقةٌ مساق الإنشاء، ويُراد بها الأمر، وهو جائزٌ أيضاً، ولعلّه أولى من قول المشهور(1)؛ لأنَّ الظاهر من جملة (تصدّى) أنَّها خبريّةٌ في مقام الأمر، وتدلّ على الوجوب.
وربما يُقال: إنَّنا لا نرى أمثال هؤلاء الذين تركوا الدنيا وأقبلوا على الله تعالى، فاختصّوا به، فلا نرى من يتعبّد كثيراً ويقوم بالنوافل ويلتزم بالفضائل كما هو المرجوّ منه.
والجواب: أنَّ الآية اللاحقة -أي: {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى}- تفيد أنَّ تركه للزكاة والعبادة إنَّما هو لاستغنائه عنها بفضل الله تعالى، وبدرجاتٍ وعبادات باطنيّة تختصّ به، وليس عليه من العبادات الظاهريّة إلّاَ أداء الواجبات؛ لأنَّ العبادة في تلك المراتب تكون مختلفةً تماماً عن العبادة العامّة من أداء المستحبّات وترك المكروهات؛ لأنَّ الآية تقول: {وأَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى}. أي: أنت أعرِضْ عن هذه الجهة، وما عليك ألّا يزكّى، فحتّى لو لم تعرف أنَّه يزكّى فإنَّ عليك التصدّي له والاتّصال به.
ــــــ[134]ــــــ
(1) راجع مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 662، تفسير سورة عبس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
القسم الثالث: أنَّ طالب الهداية والحقّ يأتيك قائلاً: اهدني الصراط المستقيم، وهو {مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى} أي: يخشى الله عزّ وجلّ، ويطلب منك الهداية، كما أفاده المشهور. وعليه سيكون تكليفك -أيّها المؤمن- تجاهه أن تتلهّى عنه: {وأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى}. فتدلّ بالدلالة المطابقيّة على أنَّه طالب الهداية منك، وأنت لا تهديه. وبما أنَّ هذا المعنى غير محتملٍ؛ لأنَّه يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنحمله على معنىً أدقّ هو: أنَّه إذا طلب منك أُموراً لا يطيقها أو لا يفهمها أو لا تناسبه، فليس عليك إخباره بها، بل تلهّى عنه ولا تحمّله ما لا يطيق من العبادات والأحكام، بل عليك أن تجيبه بحسب استيعابه، لا بحسب ما يريد أو يتوقّع، وكأنَّما يريد أن تمنحه كلّ علمك، مع أنَّه قد لا يستوعب بعض الأسرار والحقائق فتضّره، وربما تؤدّي بعض الحقائق والمعارف به إلى الارتداد عن الدين؛ لأنَّه لا يطيقها أو يقع في حرجٍ دنيوي أو ديني شديدٍ، فعليك السكوت؛ لأنَّ الكذب وإن كان محرّماً، إلَّا أن الصدق غير واجبٍ كما يُقال، فينبغي أن تتلهّى وتعرض عنه. وإن أراد منك حقائق إضافيّة، ينبغي عليك كتمها عنه وعدم إعلانها له.
الوجه الثامن: أن يكون المخاطب هو الإنسان الدنيوي السافل، ويكون السياق على سبيل الاستنكار والتبكيت. والناس هنا أيضاً على ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: ذوو العاهات من البشر، وهم الذين يُشمئَزّ منهم عادةً؛ إذ لا داعي للجمود على الأعمى بخصوصه، بل نتعدّى منه إلى الأفراد المماثلين له من قبيل: الأعرج والأكتع والأحدب والأخرس، ونحوهم الأشخاص غير المرغوبين بنحوٍ من الأنحاء، ويكون ردّ الفعل تجاههم هو
ــــــ[135]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
العبوس والابتعاد، مع أنَّه لا ينبغي ذلك؛ إذ لعلّ بعضهم مهتدٍ أو على طريق الهداية، وليس من حقّ الطرف الآخر احتقاره والابتعاد عنه. ومن هنا قال تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى}. فهو إمّا مهتدٍ بالفعل، فلعلّه يزكى، أو يذكّر أي: في المستقبل القريب، فهو طالب هدايةٍ بمعنىً من المعاني أو يترقّب منه أن يهتدي.
القسم الثاني: من استغنى، وهو الذي يشعر بالاستغناء الدنيوي، وأنَّه ذو شأنٍ في المجتمع باعتبار امتلاكه الثروة أو العلم أو السلطة ونحو ذلك وعادة ما يكون ردّ فعل الناس تجاهه هو التقرّب منه والتصدّي له دون أن يأخذوا بنظر الاعتبار أنَّ هذا الاقتراب ناشئٌ من دوافع دنيويّةٍ خالصةٍ، وبذلك يتجاهلون فسقه من هدايته، وظلمه من عدله، والمهمّ عندهم هو الانتفاع الدنيوي الاقتصادي أو الاجتماعي، فيوجّه العتب: إنَّك تصدّى، أي: تتصدّى لمن استغنى، مع غضّ النظر عن أنَّه معتدٍ أم لا، وما عليك ألاّ يزكّى. مع أنَّ مقتضى القاعدة أنَّ أمثال هؤلاء ينبغي الحذر من الاقتراب منهم، ويجب النظر إليهم بمقياس الهداية والدين والتزكّي، ولا ينبغي إهمال كلّ ذلك لمجرّد كسب الربح المادي.
إن قلت: إنَّ هذا يساوق الفهم المشهور، وهو أن يكون (تصدّى) بمعنى: (تتصدّى)، وهو تأويل خلاف الظاهر، كما سبق.
قلت: ليس من الخطأ أن تأتي كلمة (تصدّى) بمعنى: (تتصدّى)، ويمكن أن ندعم هذا الفهم وما أفاده المشهور، ولكن لا نحتاج معه إلى (تاء) زائدةٍ، وذلك بأن يُقال: إنَّ (تصدّى) جملة خبريّة يُراد بها الإنشاء أو الأمر، ويكون المقصود من الأمر نحواً من التبكيت والاستنكار، لا الأمر الحقيقي،
ــــــ[136]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
كما قال تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}(1).
القسم الثالث: من يأتي من أجل مصلحةٍ دنيويّةٍ، أي: من يأتي إليك لتقضي له حاجته أو تعطيه مالاً أو تعلّمه علماً، ولو كان من العلوم الطبيعيّة، كالفيزياء أو الكيمياء، فيكون ردّ الفعل تجاهه هو الابتعاد والتلهّي عنه، بالرغم من إيمانه وخشيته من الله عزّ وجلّ. وفي الحقيقة هذا الشخص لم يلحظ الإيمان في السائل، ولذا يتجاهله، سواء كان مؤمناً أم كافراً، ولعلّه يتزكّى: {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} مع أنَّ الموقف الأصّح والأصلح هو الاهتمام به وقضاء حاجته.
ويأتي في (تلهّى) البحث المتقدّم في (تصدّى)، وهل تشتمل على تاء محذوفة (تتلهّى) أو هي فعل أمر استنكاري.
وينبغي الالتفات إلى أنَّ (يخشى) محذوفة المتعلّق، أي: إنه لا يوجد تصريح بمتعلّق الخشية، وأنَّه يخشى مَنْ أو ماذا. وبتعبيرٍ آخر: إنَّ الخشية مفهوم إضافي بين الخاشي والمخشي منه، وهما طرفا هذه النسبة، والخاشي هنا المخاطب، وأمّا المخشي منه فمن هو؟
لقد فهم المشهور من هذه الآية أنَّ المخشي منه هو الله سبحانه، ولكن يمكن إلباسه لباساً آخر بحسب الأُطروحات، فنفهم منها معانٍ أُخر، كما لو كان يخشى إنساناً قصده وجاء إليه، بمعنى: أنَّه يهابه، أو يخشى رفضه أو عدم قضاءه لحاجته، فيحقّق ظنّه بعدم قضاء الحاجة، بأن يتلهّى عنه، وكأنَّه قال: (من جاءك يسعى وهو يخشاك)، أو أن يخشى إنساناً آخر أو جماعةً آخرين، أو يخشى البلاء الدنيوي، أو يخشى ضغط حاجته التي يطلب قضاءها، فالفقير
ــــــ[137]ــــــ
(1) سورة الدخان، الآية: 49.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
يخشى الفقر، والمريض يخشى المرض هكذا. وهذا هو مجمل الكلام في السياق العامّ في الآية كقصّةٍ أو واقعةٍ. وأمّا تفاصيل بعض المعاني فسيأتي الكلام عنها عند التعرّض إلى مفردات الآيات بعد قليل بعونه تعالى.
****
قوله تعالى: {أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى}:
[في معنى الأعمى]
لقد ارتأيت أن أتّجه أوّلا للبحث في معنى الأعمى مع أنَّ معناه ينبغي أن يكون واضحاً جدّاً، ويعضد هذا التوجّه ما أفاده الراغبُ في “مفرداته” قائلاً: العمى يُقال في افتقاد البصر والبصيرة، ويُقال في الأوّل أعمى، وفى الثاني أعمى وعمٍ. وعلى الأوّل قوله: {أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} وعلى الثاني ما ورد من ذمّ العمى في القرآن نحو قوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ}(1). فالراغب يفهم من قوله تعالى: (أن جاءه الأعمى) الأعمى البصري، ومن قوله: (صم بكم عمى) عمى البصيرة، وهم لا صمّ ولا بكمٌ، بل هم مَكَرةٌ وناشطون في الأُمور الدنيويّة، وأمّا من الناحية المعنويّة والبصيرة فهم صمٌّ بكمٌ. ثُمَّ يخطو الراغب خطوةً إلى الأمام قائلاً: بل لم يعدّ افتقاد البصر في جنب افتقاد البصيرة عمى حتى قال: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}(2). فكأنَّ الأعمى جسديّاً مع انفتاح قلبه ليس بأعمى؛ لأنَّ عمى الجسد لا يهمّ إطلاقاً، فهو لا شيء بإزاء انفتاح بصيرة الإنسان، فالعمى الجسدي مع انفتاح البصيرة مُنزَّل منزلة العدم، والمصيبة الكبرى هي أن تعمى القلوب التي في الصدور. هكذا قال الراغب، فجزاه الله خيراً؛ لأنَّه فهم المراد فهماً حسناً جدّاً، وهو درجةٌ من
ــــــ[138]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 18.
(2) سورة الحج، الآية: 46.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
درجات الباطن. ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً}(1)(2).
أقول: وهذا يعضد ما تقدّم في بعض الأُطروحات المتقدّمة من: أنَّ المراد بالأعمى في قوله تعالى: {أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} هو الأعمى عن الإيمان وعن ذكر الله سبحانه وعن الآخرة، وإن فهم المشهور وكذلك الراغب منها أن المقصود هو العمى المادّي والجسدي.
ثُمَّ إنَّ ابن الأنباري أفاد في كتابه “البيان في غريب إعراب القرآن” أنَّ (إن جاءه) في محلّ نصب؛ لأنَّه مفعولٌ له، وتقديره: (لأن جاءه الأعمى)، فحذف اللام، فاتّصل الفعل (تولّى) به. ومنهم من جعله في موضع خفضٍ بإعمال حرف جرّ مقدّرٍ مع حذفه(3)؛ لكثرة حذفها معه، والتقدير: (بأن جاءه) أو (لأن جاءه). أمّا لماذا حذفه فلأنَّه من المتعارف حذفه، أو أنَّ حذفه كثير. وحرف الجرّ في موضع نصب بالفعل مفعولاً لأجله.
ولدينا هنا أُطروحةٌ نحويّة ترى أنَّه يمكن سبك كلمة (أنْ) هي ومدخولها بمصدرٍ، أي: (عبس وتولّى لمجيء الأعمى) واللام تقدّر أيضاً، وكذلك يتمّ تحويل الجملة إلى اسمٍ ومصدرٍ، أي: (لمجيء الأعمى).
[الزكاة في يَزَّكَّى]
أمّا الزكاة في {يَزَّكَّى} فقد بحثناها مراراً فيما تقدّم، وفي “ما وراء الفقه”(4) وفي “فقه الأخلاق”(5)، ونقول هنا بإيجاز: الزكاة تفيد معنيين: الزيادة
ــــــ[139]ــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 101.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 360-361، (عمى).
(3) راجع البيان في غريب إعراب القرآن 2: 494، غريب إعراب سورة عبس.
(4) أُنظر: ما وراء الفقه 2:9-82، كتاب الزكاة.
(5) أُنظر: فقه الأخلاق 2: 9-10، كتاب الزكاة، الفقرة 1: معنى الزكاة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والطهارة. زكى بمعنى: زاد، وزكى بمعنى: طَهُر. ثُمَّ هل هما موضوعان بوضعٍ واحدٍ أم بوضعين؟ أي: هل هما مشتركٌ لفظي أم معنوي، أو أحدهما أصل للآخر؟ ذهب الراغب الأصفهاني إلى أنَّ أحدهما أصلٌ للآخر(1)، وهذا هو منهج الراغب غالباً. ولعلّ الأصل هو الزيادة، والطهارة فرعٌ عن معنى الزيادة، وذلك بأحد نحوين:
الأوّل: أنَّ الطهارة هي الزيادة، وأمّا النجاسة فهي في الحقيقة نقصٌ، سواء النجاسة الحكميّة أم المعنويّة، والشيء أو الإنسان إذا طهر زاد في الحقيقة وتكامل، فالطهارة مصداقٌ للزيادة بمعنىً من المعاني، فيصدق هنا الاشتراك المعنوي بنحوٍ من الأنحاء.
الثاني: أنَّ المطلوب في الطهارة هو زيادة الطهارة، كما هو الأغلب، لا الاقتصار على طهارةٍ مّا، فهي تعود في النهاية إلى معنى الزيادة.
[(ما) في قوله: وَمَا يُدْرِيكَ]
وهناك ثلاثة احتمالات في (ما) في قوله: {وَمَا يُدْرِيكَ}، وبحسب ظاهر الآية هي إمّا نافية أو استفهاميّة أو تعجبيّة.
والمراد من النافية: أنَّك لا تدري شأنه؛ فلعلّه يزكّى، أو نجعل لعلّه يزّكى كجملة تجوّزاً، فتكون بمنزلة المفعول ليدريك، أي: ما يدريك تزكيته من عدمها، مع إسباغ معنى الاحتمال عليه؛ لعلّه يزكّى.
أو تكون (ما) استفهاميّةً، ومفاد الاستفهام هو: كيف تدري حاله؛ فلعلّه يزكى؟
أو تكون للتعجّب بمعنى: ما أكثر علمك بحاله، وإنَّه لعلّه يزكى. إلّاَ أنَّ في التعجب أمرين:
ــــــ[140]ــــــ
(1) راجع مفردات ألفاظ القرآن: 218، مادّة (زكا).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأوّل: أنَّ ما داخلةٌ على المضارع دون الماضي: {وَمَا يُدْرِيكَ} وهذا الاحتمال يقول: إنَّ هذا التركيب نظير قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}(1).
الثاني: أنَّ التعجب ليس تعجّباً حقيقيةً، بل هو تعجّبٌ استنكاري، كحال السياق في سائر الآيات، كما هو مفاد غير واحدةٍ من الأُطروحات، وعليه الفهم المشهور؛ فإنَّه استنكارٌ كلّه. لماذا عبس؟ ولماذا تولّى؟ وقد يكون التعجّب هنا للتبكيت أو للاستنكار، فيكون بمعنى نفي التعجب.
ولا يخفى: أنَّ أصل (تزكّى) و(يذكّر) هو يتزكّى ويتذكّر، فأُدغمت التاء بالحرف الذي يليها، وكلٌّ منهما فصيحٌ وصحيحٌ، وفيهما جهةٌ بلاغيّةٌ أيضاً من حيث وحدة الأُسلوب، حيث أُدغم فيهما معاً.
والتزكية أيضاً مفهومٌ إضافي، وطرفها محذوفٌ هنا، فيزكّى يعني: يزكّي شيئاً مثلاً، لكنّه حذف ما يُراد أن يزكّيه اعتماداً على الوضوح. والمشهور أنَّ المراد به النفس: يزكّي نفسه؛ باعتبار أنَّها نجسةٌ بالأمر بالسوء؛ لأنَّها أمّارةٌ بالسوء، فإذا زكّيت عادت طاهرةً، فينتفي عنها السوء.
والأقرب أن يكون الطرف هو نفسه، فهو الفاعل والمنفعل بالتزكية، لا نفسه بمعنى: النفس الأمّارة بالسوء، بل النفس بمعنى التأكيد من قبيل: جاء زيدٌ نفسه، فزيد يزكّي زيداً أو نفسه، وإنَّما هو تعبيرٌ لغوي، فالمزكّي هو زيدٌ، والمزكّى هو زيدٌ أيضاً. والكثرة هنا عين الوحدة بالمعنى الباطني، كما أفاد السبزواري في “منظومته”: (والنفس في وحدتها كلّ القوى)(2). ومن هذه الناحية هو المزكّي والمزكّى؛ لتعدّد ملكاته الباطنيّة والخلقيّة.
ــــــ[141]ــــــ
(1) سورة القدر، الآية: 2.
(2) شرح المنظومة 5: 180، غرر في أنَّ النفس كلّ القوى.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى}:
تذكّر أصله يتذكّر، والمادّة فيه التذكّر أو الذكر، وسيأتي البحث فيه.
[ورود الذكرى بصفتها مصدراً للتذكّر: أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى]
ثُمَّ إنَّ التذكّر معنى إضافي يقوم بطرفين، ومن هنا يُعلم أنَّ متعلّق التذكّر أو الذكر محذوفٌ، والمشهور أنَّ المتعلّق هو الله سبحانه أو الحقّ أو الهداية، وقد يكون الاعتبار، كالاعتبار بالبلاء الدنيوي الذي مرّ على الإنسان أو على غيره، أو على الأجيال السالفة، أو الاعتبار بالآيات الآفاقيّة والأنفسيّة.
كما قد يكون المراد: تذكّر ما ينفعه في أمرٍ من أُمور الدنيا، لا في أُمور الآخرة، وإن كان هذا مخالفاً لسياق الآيات، إلّاَ أنَّه أُطروحةٌ شاذّةٌ جائزةٌ في نفسها، بأن يكون المراد: أنَّه يذكّر ما ينفعه في الدنيا من خيراتٍ ومصالح دنيويّةٍ اقتصاديّةٍ أو اجتماعيّةٍ أو غيرها.
ولعلّ السؤال الأهمّ في الآية الكريمة أنَّ الذكرى وردت بصفتها مصدراً للتذكّر: {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} فكأنَّ الذكرى مصدرٌ ليذكّر مع أنَّها ليست كذلك؛ فإنَّ مصدر تذكّر هو التذكّر لا الذكرى، فينبغي حينئذٍ أن يفترض السياق هكذا: أو (يذكّر فينفعه التذكّر) لا الذكرى.
أفاد الراغب: أنَّ الذكر تارةً يُقال ويُراد به هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ، أي: الذاكرة. يُقال: حفظت الشعر مثلاً أو حفظت القرآن، أي: عن ظهر قلبٍ. إلّاَ أنَّ الحفظ يُقال اعتباراً بإحرازه أي: أحرزته داخل نفسي، والذكر يُقال اعتباراً باستحضاره، وهو محرزٌ في اللاشعور، ولكننا نتذكّره بعد نسيانٍ. وتارةً يُقال لحضور الشيء القلب أو القول، ولذلك قيل: الذكر ذكران: ذكرٌ بالقلب وذكرٌ باللسان. فيحضر شيءٌ في القلب، وهي رغبةٌ قلبيّةٌ شديدةٌ، أو شيء ما نحو الله أو نحو
ــــــ[142]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الدنيا. وكلّ واحد منهما ضربان: ذكرٌ عن نسيانٍ وذكرٌ لا عن نسيانٍ، بل عن إدامة الحفظ(1). فالدنيا تجتذب الإنسان نحوها، فينسى الله تعالى، ثُمَّ يتذكّره، ثُمَّ ينساه، ثُمَّ يتذكّره، وهكذا. هذا إذا كان له حظٌّ من الإيمان، وأمّا من لا حظّ له فينساه ولا يتذكّره أبداً. وقد روي أنَّه: “يوقظ العبد يوم القيامة، فيؤمر به إلى النار فيقول: يا ربّي، كيف تأمر بي إلى النار، وقد كنت أذكرك في الحياة الدنيا، فيقول سبحانه: يا ملائكتي، إنَّ هذا لم يذكرني طرفة عينٍ في الحياة الدنيا، ولكن أجيزوا له كذبه، وأدخلوه الجنّة”(2) جلّت رحمته. فهناك مَن لم يذكر الله طرفة عينٍ، وفي المقابل هناك من لم ينس الله طرفة عينٍ؛ لأنَّه أسقط الدنيا عن التأثير، وركّز اهتمامه على عناية الله، لا على قدرته الشخصيّة، فهو دائم الذكر لله سبحانه، كأمير المؤمنين علي بن أبي طالب حيث يقول: “ما رأيت شيئاً إلّاَ ورأيت الله قبله وفيه ومعه”(3). وقد روي أنَّه: “من صلّى ركعتين
ــــــ[143]ــــــ
(1) أُنظر مفردات ألفاظ القرآن: 181، مادّة (ذكر).
(2) ورد في ثواب الأعمال: 173 عن مولانا أبي عبد الله قال: “إنَّ آخر عبدٍ يؤمر به إلى النار فيلتفت، فيقول الله عزّ وجلّ: أعجلوه. فإذا أُتي به قال له: عبدي، لِمَ التفتّ؟ فيقول: يا ربّ، ما كان ظنّي بك هذا. فيقول الله جلّ جلاله: وما كان ظنّك بي؟ فيقول: يا ربّ، كان ظنّي بك أن تغفر لي خطيئتي وتدخلني جنّتك. فيقول الله: ملائكتي، وعزّتي وجلالي وبلائي وارتفاع مكاني، ما ظنّ بي هذا ساعة من حياته خيراً قطّ. ولو ظنّ بي ساعةً من حياته خيراً ما روّعته بالنار. أجيزوا له ندبه وأدخلوه الجنّة…”.
(3) لم نعثر على الخبر المذكور في المجامع الحديثيّة المعروفة، وإنَّما ذكره أهل المعرفة وآل الحكمة في تصانيفهم الثمينة، فراجع الحكمة المتعالية 1: 117، حكمة عرشيّة، مفاتيح الغيب: 60، الفاتحة الثانية، إيقاظ النائمين: 46، نفحات قدسيّة، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ولم يحدّث نفسه فيهما بشيءٍ من أُمور الدنيا، غفر الله له ذنوبه”(1). ومع ذلك فهذا المقدار من الإخلاص متعذّرٌ على الإنسان العادي، مع أنَّ هذه الصلاة لا تستغرق سوى دقائق، فما بالكم بأن يكون الإنسان دائم الذكر لله سبحانه، فكيف يأمل هؤلاء الذين اعتلوا منابر أن يذكروا الله باستمرار. كلاّ فإنَّ هذا يحتاج إلى تسديدٍ خاصٍّ من الله سبحانه، وهو في الحقيقة درجةٌ من درجات العصمة.
وعلى كلّ تقديرٍ فقد يكون طرف الذكر – أي: المذكور- هو الله سبحانه، وقد يكون غيره، بل قد يكون حقّاً، وقد يكون باطلاً، وهذا الذكر والنسيان قد يكون للحقّ، وقد يكون للباطل.
وأضاف الراغب: أنَّ الذكرى كثرة الذكر، وهو أبلغ من الذكر. قال تعالى: {رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ}(2) {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}(3)(4).
وينبغي أن نلتفت هنا إلى أنَّ كلاًّ من الذكر اللساني والقلبي له نحو علّيّة ناقصة للآخر، فأحدهما يسبّب الآخر، ويكون مُعِّداً وعلّةً ناقصةً له، فإذا ذكَرتَ لسانا أدّى ذلك إلى الذكر القلبي، وإذا ذكرتَ قلباً فقد يؤدّي إلى الذكر اللساني، وهكذا.
ــــــ[144]ــــــ
(1) عوالي اللئالي 1: 322، الملك الأوّل، الحديث 59، مستدرك الوسائل 4: 98، أبواب أفعال الصلاة، الباب 2، الحديث 13، وبحار الأنوار 81: 249، أبواب مكان المصلّي، الباب 16، الحديث 41.
(2) سورة ص، الآية: 43.
(3) سورة الذاريات، الآية: 45.
(4) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 182، مادّة (ذكر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[أطروحات في المراد من صيغة (يذكّر)]
وينبغي الالتفات أيضاً إلى أنَّ الذكر على أقسامٍ ثلاثة لا قسمين: ذكر لساني، وذكر قلبي، وذكر ذهني. والذكر القلبي ليس هو الذكر الذهني في حدود المعرفة الباطنيّة، وهذه الأقسام يعاضد بعضها بعضاً، فإذا حصل بعضها يغلب على الظنّ جدّاً بحصول الآخر. ومن هنا يكون المقصود إحدى الأُطروحات التالية:
الأُطروحة الأُولى: أن لا يُراد من صيغة (يذكّر) معنى (يتذكّر)؛ فليس المراد مجرّد التذكّر والخطور بعد النسيان، بل المراد التذكّر والذكر المركّز الكثير، لا الدائم بالضرورة، فيكون مصدره الذكرى؛ لأنَّ الذكرى هي الذكر الكثير، كما نقلناه عن الراغب، وكأنَّما حصل الإدغام في يتذكّر، فقال: (يذكّر)، ولم يقل: (يتذكّر)؛ لأجل مصلحةٍ من قبيل الإعلام أو الظهور في أنَّ المقصود أنَّ (من يتذكّر) أمرٌ، و(من يذكّر) أمرٌ آخر أهمّ منه وأسمى، وحينئذٍ يكون مصدره الذكرى، لا التذكر، وتذكّر تذكّراً، من قبيل: تذكّرت أنَّ عندي درس تفسيرٍ.
الأُطروحة الثانية: أن لا يُراد بالذكرى مصدر التذكّر، بل بعض معلولاته المتأخّرة عنه رتبةً، بعد التنزّل عن الجواب الأوّل، فنقول: نسلّم أنَّ يذكّر بمعنى: يتذكر، ولا ضير في ذلك، وإذا تذكّر فإنَّه ينفعه التذكّر، وهو وجيهٌ، لكنّ التذكّر فيه معلولٌ، وهو الذكرى؛ لأنَّه إذا تذكّر فربما تحصل له ذكرى نتيجة للتذكّر، فالذكرى معلولةٌ للتذكّر فينفعه. ولم ترد الذكرى هنا كمصدر لتذكّر، بل هي معلولٌ ونتيجةٌ أو هدفٌ له بمعنىً من المعاني.
الأُطروحة الثالثة: أن يُراد بها المصدر من غير لفظه، كقولنا: ركضت عدواً؛ لأنَّهما بمعنىً واحدٍ تقريباً لا تحديداً، وكذلك الذكرى والتذكّر، بل
ــــــ[145]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الذكرى والتذكّر أولى من الركض والعدو؛ لأنَّهما من لفظٍ واحدٍ ومادّةٍ واحدةٍ عرفاً، ويبقى الفرق الدقيق بينهما مبنيّاً على التسامح والمجاز في استعمال أحدهما محلّ الآخر.
الأُطروحة الرابعة: أنَّ الذكرى ليس لها فعلٌ، فلاحظوا أنَّ تذكّر أو يتذكّر هي أفعال مصدرها التذكّر، وأمّا الذكرى فليس لها فعل ماضٍ أو مضارعٍ، فالذكرى ليس لها فعلٌ يدلّ على زمن حصولها، بغضّ النظر عن التسامح والمجاز؛ إذ المتكّلم إذا أراد بيان ذلك فلابدّ له من صياغة فعلٍ من غير لفظه، فيقول: يتذكّر ذكراً، كما يقول: يتذكّر تذكّراً؛ لأنَّ الذكرى ليس لها فعل ماضٍ ولا مضارعٍ، فيضطّر المتكلّم لأن يصيغ لها مادّةً أُخرى قريبةً، وهذا ما ورد في القرآن الكريم، وهذا من قصور اللغة في الحقيقة لا القرآن.
****
قوله تعالى: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى}:
لقد عرفنا معنى الاستغناء والتصدّي، وتكّلمنا في هيئة تصدّى، ومع غضّ النظر عن ذلك هل هي فعلٌ مضارعٌ بمعنى: تتصدّى، أو فعل أمرٍ بمعنى: تصدّ؟ وعلى كلّ تقديرٍ فمع كونها مضارعاً فهل يُراد بها الإخبار أو الإنشاء؟ وعلى الثاني فهل يُراد بها الأمر الجدّي أو التبكيتي والتعنيف؟
يبقى إشكالٌ واحدٌ هو أنَّ (تصدّى) لو كانت فعل أمرٍ لكانت مجزومةً، ومقتضى ذلك حذف حرف العلّة، فتكون (تصدّ) لا تصدّى، وعليه فوجود حرف العلّة آخر الكلمة قرينةٌ على عدم كونها فعل أمرٍ، بل هي فعل ماضٍ أو مضارعٍ.
ويُمكن أن يُقال: نعم، الأمر مجزومٌ، وهو يقتضي حذف حرف العلّة
ــــــ[146]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
-أي: الألف المقصورة في تصدّى- إلّاَ أنَّنا نقول:
أوّلاً: إنَّ صوت الألف ناشئٌ من الوقف على الفتحة، وهو الموافق لحفظ النسق القرآني، فنمدّ فتحة (تصد) لتصبح (تصدّى).
وثانياً: إنَّ هذه الآيات مختومةٌ بكلماتٍ مقصورةٍ من قبيل: يزكّى وتلهّى واستغنى ونحوها. فحينئذٍ يُضاف ألف أو تُمدّ الفتحة قليلاً لأجل حفظ النسق القرآني.
وأمّا التصدّي فقد أفاد الراغب: أنَّ أصلها ثلاثي (صَدَيَ)، لا الرباعي (التصدي)، والصدى صوت يرجع إليك من كلّ مكانٍ صقيلٍ، والتصدية كلّ صوت يجري مجرى الصدى في أن لا غناء فيه، أي: لا قيمة له؛ لأنَّ الصدى لا قيمة له، فهو مجّرد وهمٍ بالمعنى العرفي، فتصير التصدية إيجاد الصدى، أي: إيجاد صوتٍ: إمّا على نحو الحقيقة بأن يصيح، فيخلق الصدى، أو إيجاد الصدى مجازاً، أي: إيجاد ما لا غناء فيه، فسقط عن المنفعة، من قبيل الصفير ونحوه، وكلّ ما ليس له سببٌ معقولٌ مكاءٌ وتصديةٌ. وأضاف الراغب: أنَّ قوله: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً}(1) أي: غناء ما يوردونه غناء الصدى، ومكاء الطير، أي: زغردة الطير، والتصدية هي الصوت الذي لا غناء فيه، فهؤلاء المشركون كانوا يصفّرون ويصفّقون لإرباك المسلمين في صلاتهم. والتصدّي أن يُقابل الشيء مقابلة الصدى، أي: الصوت الراجع من الجبل(2).
فنرى الراغب يربط بين المعاني ويرجع كلّ واحد منها إلى الآخر، وهو
ــــــ[147]ــــــ
(1) سورة الأنفال، الآية: 35.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 286، مادّة (صدى).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وجيّه جدّاً؛ فأنا أراك وأتصدّى لك، كما أتصدّى لصوتي الراجع من الصدى. ولا يقتصر التصدي على أنْ يتصدّى لإنسانٍ، فيمكن أن يتصدّى لغيره من قبيل الحيوان أو الجماد، بل وللحوادث المعنويّة، أو لأيّ شيءٍ يقابله مقابلة الصدى. قال تعالى: {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى} وهو من التصدّي، وهو مزيد أو رباعي: وقد يُقال للعطش صدى، يُقال: رجل صديان وامرأة صدياء وصادية. انتهى كلام الراغب(1).
[احتمالات في مادّة (صدى)]
إذن ففي مادّة (صدى) أربعة احتمالات على الأقلّ:
الأوّل: أنَّ الصدى هو رجع الصوت، ورجع الصوت على أقسام: منها: القسم الطبيعي، وهو الصدى، سواء الاعتيادي منه أم الصدى المجازي من قبيل أن يردّد شخص أقوال شخصٍ آخر وآراءه، فهو صدى له.
الثاني: أنَّه كلّ صوت لا فائدة فيه، كالصفير ونحوه.
الثالث: أنَّ التصدّي بمعنى المقابلة.
الرابع: أنَّه العطش.
والمادّة بما هي تشتمل على هذه المعاني والمحتملات اللغويّة، لاسيمّا إذا أرجعنا المزيد إلى الثلاثي وقلنا بأنَّ أصلهما واحدٌ، كما يميل إليه الراغب.
ويمكن المناقشة فيما ذكر: بأنَّ احتمال كون الصدى بمعنى العطش غير وجيهٍ؛ لأنَّه لازمٌ لا يتعدّى لا بنفسه ولا بالحرف. يُقال: صدي فلان، أي: عطش، ولا يُقال: صدي له، ولا يُقال: صدي عمرواً، إلّاَ أن يُقال: صدي له، أي: تحمّل العطش من أجله، فيجوز من هذه الناحية، ويراد من الآية تصدّى أي: تحمّل العطش -أعني: الصعوبات- من أجله، فيكون المراد:
ــــــ[148]ــــــ
(1) راجع مفردات ألفاظ الراغب: 286، مادّة (صدى).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أعطش نفسه أو تحمّل العطش في سبيله: إمّا احتراماً له أو ذمّاً له. والمراد حينئذٍ ما يلي:
أوّلاً: أعطش نفسه من أجله.
ثانياً: صفّر له: إمّا ابتهاجاً لقدومه واحتراماً له، أو ذمّاً واحتقاراً له.
ثالثاً: أنْ يُقال: رفع صوته له: إمّا اهتماماً به أو احتقاراً له.
ويمكن تطبيق هذه المحتملات على الأُطروحات السابقة والمعاني المتقدّمة واختيار ما يناسب منها.
****
قوله تعالى: {وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى}:
الواو هنا عاطفة أو حاليّة، و(عليك) جارّ ومجرور يُراد به معنى اسم الفعل، أي: تعجّبه من مسؤوليّتك واهتمامك مع أنَّك لا تفعله، وهو استعمالٌ عرفي إلى يومنا هذا. إلّاَ أنَّ نفي ذلك في قوله {وَمَا عَلَيْكَ} يحتمل أحد معنيين: ثبوتي أو إثباتي. أمّا الثبوتي فيُراد به الإخبار بعدم تحمّله المسؤوليّة، وبتعبيرٍ آخر: إمّا أن يكون إنشائيّاً أو إخباريّاً، بمعنى: أنَّه إما أن يُلزِم الفرد به نفسه فيكون ثبوتيّاً، وإمّا أن يجعله في عهدة الآخر، أي: يَكِله إلى الآخر (أنت ما عليك) فيصير إثباتيّاً، وهذا هو الأوفق بالمقصود.
[(ما) في قوله وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى]
و(ما) في قوله {وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى} إمّا نافيةٌ أو استفهاميّةٌ، كما أشار إليه السيّد الطباطبائي قائلاً: وقوله: {وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى} قيل: ما نافية، والمعنى: وليس عليك بأسٌ أن لا يتزكّى حتّى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض والتلهّي عمّن أسلم والإقبال عليه. وقيل: ما للاستفهام الإنكاري، والمعنى: وأيّ شيء يلزمك إن لم يتطهّر من الكفر والفجور؟ فإنَّما أنت رسولٌ
ــــــ[149]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ليس عليك إلّاَ البلاغ(1).
ويُلاحظ: أنَّ الطباطبائي يرى أنَّ المخاطب في هذا السياق ليس رسول الله، فكيف يكون هو المقصود بهذه الآية: وما عليك يا رسول الله ألاّ يزكّى؟ لأنَّ سياق الآيات سياقٌ واحدٌ، فإذا لم يكن من عبس وتولّى رسول الله، فلابدّ أن يكون المخاطب بـ {مَا عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكَّى} غير رسول الله؛ لوحدة السياق، وهو واضحٌ جدّاً. ولا يوجد إلّاَ عذرٌ واحدٌ لصاحب “الميزان” وهو أن يتبنّى الفهم التجزيئي للقرآن، بمعنى: أن نفهم كلّ آية لوحدها كأنَّها نزلت بمعزلٍ عن غيرها من الآيات، ودون قرائن سابقةٍ أو لاحقةٍ. وهذا أُسلوبٌ في فهم القرآن، ولا نريد تحقيق صحّته من سقمه، ولكن السيّد الطباطبائي لا يؤمن به على أيّ حالٍ، ولا يلتزم المشهور بهذا النوع من الفهم أيضاً.
****
قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى}:
[قراءة (وَهُوَ) بسكون الهاء (وَهْوَ)]
قرأ البعض: (وَهْوَ) بسكون الهاء وقيل: إنَّها لغةٌ عند العرب، لكنّه لم يثبت عندي بحجّةٍ شرعيّةٍ أنَّها لغةٌ، وكلّ القراءات التي ورثناها بضمّ الهاء (وَهُوَ) ولا أقلّ من الاحتياط الوجوبي بترك قراءة السكون. أمّا السعي فهو الإسراع في المشي.
أفاد الراغب: أنَّ السعي المشي السريع، وهو دون العدو، ويُستعمل للجدّ في الأمر: خيرّاً كان أو شرّاً. قال تعالى: {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا}(2) وقال:
ــــــ[150]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 201، تفسير سورة عبس.
(2) سورة البقرة، الآية: 114.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
{نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}(1) وقال: {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً}(2)، {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ}(3)، {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}(4)، {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى}(5)، {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}(6)، وقال تعالى: {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً}(7) وقال تعالى: {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ}(8)(9).
ثُمَّ إنَّ السعي معنى إضافي، وتكثر المعاني الإضافيّة في سياق آيات القرآن الكريم، كما تقدّم في التذكّر، نظير أن يُقال: (سِرتُ من البصرة إلى الكوفة) ويصحّ أيضا أن يُقال: (سرت إلى الكوفة) لكن من أين؟ وكذلك لو قلت: (سِرتُ) فلم تُبيّن الطرفين: من أين وإلى أين؟ وأمّا في الآية فأحد الطرفين محذوفٌ والآخر مذكورٌ: {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى}. نعم، لم توضّح الآية الطرف الآخر للسعي، وأنَّه يسعى إلى أين، مع أنَّ وجود هذا الطرف في الواقع أو في علم الله أمرٌ ضروري، إلّاَ أنَّه لم يبيّن صراحةً في الآية. والمشهور أنَّه جاء يسعى نحوك، سواء أُريد به النبي أو شخص آخر. وهذا هو أقرب الاحتمالات.
ــــــ[151]ــــــ
(1) سورة التحريم، الآية: 8.
(2) سورة المائدة، الآية: 33.
(3) سورة البقرة، الآية: 205.
(4) سورة النجم، الآية: 39.
(5) سورة النجم، الآية: 40.
(6) سورة الليل، الآية: 4.
(7) سورة الإسراء، الآية: 19.
(8) سورة الأنبياء، الآية: 94.
(9) مفردات ألفاظ القرآن: 238، مادّة (سعى).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والخشية هي الخوف مع رهبةٍ وتهيّبٍ، ولقد تكلّمنا عنها في كتابنا “ما وراء الفقه”(1) وتعرّضنا هناك لمحتملاتها ومتعلّقاتها، فلا نعيد هنا.
****
قوله تعالى: {فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى}:
اللهو هو التشاغل، وفي الأغلب يستعمل للتشاغل بالدنيا عن الآخرة. قال تعالى: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ}(2)، أي: إنَّ الدنيا لهوٌ عن الآخرة، فهي ملهيةٌ وشاغلةٌ للذهن وللجسم عن الطاعة. فاللهو هو التشاغل عن الهموم بالمؤنسات، أو التشاغل عن المصالح بالمفاسد والموبقات.
وقد يكون اللهو لهواً عن الآخرة، وقد لهواً واشتغالاً عن المصالح الدنيويّة، فنراه يتلهّى بالقمار مثلاً عن عمله والكدّ على عياله. وعلى كلّ حالٍ فاللهو يُراد به في الغالب نسيان المصاعب وتناسيها والخلود إلى الراحة.
والكلام في هيئة (تلهّى) من حيث كونها إخباراً أو إنشاءً أو أمراً، أو هل هي بتاءٍ واحدةٍ أم بتائين أحدهما محذوفةٌ ومقدّرةٌ كالكلام في (تصدّى) ولا حاجة إلى التكرار.
****
قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ}:
وردت (كلاّ) الدالّة على الردع ثلاثة وثلاثين مرّة في القرآن الكريم، وقد تنوّع وتعدّد ورودها في القرآن كلّه تقريباً، ولقد مرّ منها علينا في بحوثنا في 15 مورداً، وهذا هو المورد السادس عشر، وهذا يعني أنَّها ترد في السور
ــــــ[152]ــــــ
(1) أُنظر: ما وراء الفقه ج2 ق2: 189، كتاب الاعتكاف، فصل فلسفة الاعتكاف.
(2) سورة محمّد، الآية، 36.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
القصار التي يغلب عليها الحماس والعاطفة بنسبة أعلى من كثير من السور المتوسّطة أو الطوال. ومن الموارد التي مرّت علينا قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ}(1) وقوله: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً}(2) وقوله: {كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى}(3) وقوله: {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}(4) وقوله: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ}(5) وقوله: {كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ}(6). وأغلب مدخولاتها من السوء والتهديد كالآيات المتقدّمة من قبيل: {كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ} وقلّما تأتي في سياق الخير، وربما وردت في القرآن بهذا السياق مرّات قليلة. والآية التي نحن بصددها من هذا القبيل: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} فهي خيرٌ، وكذلك قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ}(7) وقوله: {كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ}(8) وقوله: {كَلَّا وَالْقَمَرِ}(9). إذن فهذه الآية حالها حال أمثالها، فلا حاجة بنا إلى الإعادة. غاية ما في الأمر أنَّنا إذا أخذنا بفهم المشهور للآيات السابقة، وسألنا: من عبس وتولى؟ ولماذا يعنَّف ويُعاتَب؟ فإن الآية تكون نفياً يُراد به النهي(10)، أي: لا
ــــــ[153]ــــــ
(1) سورة الفجر، الآية: 17.
(2) سورة الفجر، الآية: 21.
(3) سورة العلق، الآية: 6.
(4) سورة العلق، الآية: 19.
(5) سورة التكاثر، الآية: 5.
(6) سورة الهمزة، الآية: 4.
(7) سورة المطففين، الآية: 18.
(8) سورة المعارج، الآية 39.
(9) سورة المدّثر، الآية: 32.
(10) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 201، تفسير سورة عبس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[أطروحات في مرجع الضمير في إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ]
تكن كذلك، وهو معنى الردع الذي أشار إليه السيّد الطباطبائي، وفي المقام أُطروحاتٌ أُخر. والضمير في {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} ليس له مرجعٌ لفظيٌ، وإنَّما يتحصّل من السياق، ويمكن أن يُراد به عدة أُمور بعضها أوسع دائرةً من بعض:
منها: السياق السابق للآيات، فيكون المراد بـالتذكرة الآيات من أوّل سورة عبس إلى قوله: {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ}.
ومنها: القرآن الكريم كلّه.
ومنها: الدين الإسلامي كلّه.
ومنها: مطلق الآيات الأنفسيّة والآفاقيّة.
ومنها: كلّ فردٍ فردٍ من الآيات الأنفسيّة والآفاقيّة.
ومنها: أنَّ الضمير يعود إلى ما بعده، وهو التذكرة، فكأنَّه يريد أن يقول: إنَّ التذكرة تذكرةٌ.
فإن قلت: إنَّ هذا من قبيل القضيّة بشرط المحمول.
قلت: ليس الأمر كذلك، وإنَّما ما هو تذكرة بالحمل الشائع تذكرةٌ، أي: بالحمل الأوّلي، يعني: أنَّ التذكّرات الواقعيّة يُطلق عليها تذكرة أيضاً، فهي تذكرةٌ بالحمل الأوّلي، فينتفع بها بتذكّر الهداية والإيمان واليقين، ولا يلزم هنا تكرارٌ، وإن كان يلزم منها رجوع الضمير إلى ما بعده، وهو مخالف لما هو المعروف بين النحويّين.
[الباعث على تأنيث الضمير في إِنَّهَا]
والضمير في {إِنَّهَا} مؤنّث، والظاهر أنَّ الباعث على تأنيثه – وهو ما أشار إليه السيّد الطباطبائي(1) أيضاً- هو أنَّ مدخوله (تذكرة)؛ لأنَّ الضمير لو
ــــــ[154]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن20: 201، تفسير سورة عبس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
كان مذكّراً لم يناسب الخبر المؤنّث، فليس من المناسب أن يقول: (إنَّه تذكرةٌ). وعلى أيّ حالٍ فإنَّ تذكيره أو تأنيثه مجازي، ويمكن إرجاع الضمير إليه على أيّ من النحوين؛ لأنَّ مرجع الضمير في علم الله أو في عالم التكوين ليس مذكّراً حقيقيّاً ولا مؤنّثاً كذلك، فيمكن إرجاع الضمير إليه بأي واحد من النحوين.
ولا بأس هنا بالإشارة إلى ما ذكره الشهيد الثاني في “اللمعة” في صلاة الميّت قال: وإن لم يعرفه، حتّى لو جهل ذكوريّته وأُنوثيّته جاز تذكير الضمير وتأنيثه مؤّولاً بالميّت والجنازة (1). فعلى التذكير يقصد الميّت، وعلى التأنيث يقصد الجنازة، ولا حاجة إلى التأكّد من أنَّه ذكرٌ أو أُنثى.
وكيفما كان فلابدّ من تأويله لغويّاً بلفظ مؤنّثٍ، كالآية أو الآيات أو الحجّة أو العبرة ونحوها، كما يمكن أن يُقال هنا: إنَّ مرجع الضمير ليس واحداً بل مجموعة أشياءٍ، فهي بمعنى الجمع، ومعنى الجمع مؤنّثٌ بحسب الارتكاز اللغوي العربي، فأُعيد الضمير إلى الجمع مؤنّثاً، وهذا وجيهٌ في حدّ نفسه.
[معنى التذكرة]
وأمّا التذكرة فهي من التذكّر، وقد سبق الحديث عن هذا المعنى في هذه السورة عند قوله: {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} فراجع؛ لأنَّ المادّة واحدةٌ، وهي التذكُّر أو الذِكر. ومن هنا يتحصّل أيضا معنى قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ}، فقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} يعنى: أنَّه استعمل هذه التذكرة بإرادته ومشيئته، وأثّرت فيه تأثير الهداية والإيمان.
[المشيئة في قوله: فَمَنْ شَاءَ]
وأمّا المشيئة في قوله: {فَمَنْ شَاءَ} فقد سبق الحديث عنها في سورة
ــــــ[155]ــــــ
(1) الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة 1: 428، القول في أحكام الأموات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
التكوير عند قوله تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}(1)، فراجع.
[المفاد في قوله تعالى: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ]
ولعلّ المفاد في قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} وقوله: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} واحدٌ، وهو تشديد عزم الإنسان على الاهتداء والصلاح، فمن شاء ذكره أي: ذكر الهدى والصلاح، أو ذكر الله مثلاً، فاستقام واهتدى. غاية الأمر: أنَّ إحدى الآيتين تشير إلى العلّة، وهي التذكرة، والأُخرى تشير إلى المعلول، وهو الاستقامة؛ لأنَّ الإنسان متى تذكّر استقام، لا أنَّه متى استقام تذكّر؛ بالدليل الإنَّي، مع أنَّ المطلوب الدليل اللمّي، يعني: أوّلاً نذكر العلّة، وهي التذكرة، ثُمَّ المعلول، وهو الاستقامة.
[الوجه في تذكير الضمير في قوله: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ]
وأمّا الوجه في تذكير الضمير في قوله: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} مع عوده إلى ضميرٍ مؤنّثٍ في قوله: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} ولم يقل: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} فيمكن تقريره فيما يلي:
الوجه الأوّل: أنَّه ورد مذكّراً لضرورة النسق في السياق القرآني الذي بدأ بهذه الآيات، فلو قال: ذكرها لاختلّ النسق، أي: ستختلف نهايات الآيات الواردة في قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ * قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}(2)، فضرورة النسق اقتضت التذكير هنا، وهي من قبيل الضرورة الشعريّة.
الوجه الثاني: ما تقدّم من أنَّ المرجع الحقيقي لهذه الضمائر مذكّر أو مؤنّث مجازي، فيصحّ إرجاع الضمير إليه بأيّ أُسلوبٍ حسب اختيار المتكّلم،
ــــــ[156]ــــــ
(1) سورة التكوير، الآيتان: 28 – 29.
(2) سورة عبس، الآيات: 11-17.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فيرجع الضمير إليه مذكّراً؛ لأنَّه مؤنّثٌ مجازي.
ويمكن الجمع بين هذا الوجه وسابقه بأنَّ هذا الوجه يرى جواز التذكير (ذكره)، وأمّا الوجه السابق فيرى ضرورة التذكير لحفظ النسق، فإذا جاز في هذا الوجه وجب بحسب الوجه السابق.
الوجه الثالث: أن يُراد بالمذكّر الكلّي أو الكل أو المجموع {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ}، وبالمؤنّث مصاديقه: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ}؛ لأنَّ الإنسان الجاهل القاصر لا يحصل على مطلق التذكرة الموجودة في عالم الإمكان، بل يحصل على شيءٍ منها، فهو ينال شيئاً من مصاديقها من عبادةٍ أو علمٍ، ولا ينال التذكرة على اختلاف أنحائها، فلا ينال علوم القرآن كلّها، بل بعضها، فيُراد بالمذكَّر الكلّي، وبالمؤنّث مصاديقه، كما هو ظاهر كلام السيّد الطباطبائي، وإن لم يصرّح به، قال: والضمير في {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} للآيات القرآنيّة أو للقرآن، وتأنيث الضمير لتأنيث الخبر، والمعنى: أنَّ الآيات القرآنيّة أو القرآن تذكرةٌ(1). فالتأنيث بناء على أنَّ المقصود هو الآيات القرآنيّة، وهي مصاديق القرآن وأجزاءه، والمراد بالمذكّر القرآن نفسه. والغرض أنَّه يُراد بالمذكّر الكلّي أو الكلّ، وبالمؤنّث مصاديقه أو أجزاءه أو حصصه، فيكون القرآن بمنزلة الكلّ أو الكلّي، وتكون الآيات مصاديقه وأفراده.
الوجه الرابع: عكس الوجه الثالث: بأن يُراد بالمؤنّث الكلّ أو الكلّي، وبالمذكّر أحد أفراده أو أفراده من حيث لحاظها فرداً فرداً. ولعلّ هذا الوجه أرجح من سابقه:
أمّا أوّلاً: فلأنَّ الأقرب والأسبق في العبارة يكون مشيراً إلى الكلّ أو
ــــــ[157]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 201، تفسير سورة عبس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المجموع، ويكون الثاني مشيراً إلى الفرد، وهو أرجح من العكس، كما هو واضحٌ.
وأمّا ثانياً: فلأنَّ الكلّ أو المجموع فيه كثرةٌ، فيكون فيه معنى الجمع، فيصّح إرجاع الضمير إليه مؤنّثاً؛ لأنَّ الجمع مؤنّثٌ بالارتكاز العربي، خلافاً للفرد؛ فإنَّه مذكّرٌ غالباً، فيتعيّن إرجاع الضمير إليه مذكّراً.
وأمّا ثالثاً: فلأنَّه يمكن إرجاع الضمير إلى الله تعالى -وإن لم نذكر هذا الاحتمال سابقا- لا إلى مرجعٍ في العبارة، فلا يرجع حتّى للضمير في (إنَّها) وإن كان رجوعه إلى العبارة هو المنساق حسب الظهور الابتدائي، إلّاَ أنَّه يمكن إرجاع الضمير إلى مرجعٍ غير موجودٍ في العبارة، وهو الله تعالى. وإرجاع الضمير إليه سبحانه لا يحتاج إلى تعيينٍ كمرجعٍ في ظهور العبارة، بل متى شاء المتكّلم أن يُرجع الضمير إليه سبحانه جاز له ذلك، بل بحسب تعبير بعض أهل الباطن تعود كلّ الضمائر إليه سبحانه.
[فهم السيّد الطباطبائي للآية: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ]
يقول السيّد الطباطبائي: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} أي: فمن شاء اتّعظ به؛ فإنَّما هي دعوةٌ في ظرف الاختيار من غير إكراهٍ (1).
فهنا تلويحٌ إلى أنَّه لا إكراه في الدعوة إلى التذكّر، فمن شاء أي: أراد التذكّر بدون إكراهٍ، فلا نفع في الإكراه، حيث لا نفع إلى الداعي، وهو الله تعالى، بل المنتفع هو المتذكّر. وهذا نظير قوله تعالى: {مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}(2)؛ إذ الله سبحانه لا يضّره كفر الكافرين ولا ينفعه إيمان المؤمنين، وأنتم أيّها البشر اختاروا ما شئتم، ونحن نعلم نتائج أعمالكم. ولذا وردت
ــــــ[158]ــــــ
(1) حسبما أفاده السيّد الطباطبائي في تفسيره 20: 100، تفسير سورة المدّثّر، الآية: 55.
(2) سورة الكهف، الآية:29.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
تتمّة هذه الآية لتؤكّد هذا المعنى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً}(1).
[أمران يحولان دون امتلاك الحرّية المطلقة في الكفر والإيمان]
أقول: لو كان قوله تعالى: {مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} لوحدها وهكذا قوله تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ}(2) لكان مؤدّاها كقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}(3)، إلّاَ أنَّ هذه الآيات ليست منفصلةً عن سائر القرآن بنحو القرينة المتّصلة أو القرينة المنفصلة؛ فإنَّ القرآن بعضه قرينةٌ على بعضٍ، وبعضه مُفسّرٌ لبعضٍ، والقرآن يدلّ بوضوحٍ على وجود أمرين يحولان دون امتلاك الإنسان للحرّية المطلقة في مسألة الكفر والإيمان، فلا يمكنه أن يتصّرف كما يعجبه: إما أن يؤمن أو يكفر. وإليك بيان هاتين القرينتين:
الأُولى: سيطرة الإرادة الإلهيّة على إرادة الإنسان، كما يشير إليه قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}(4) وهي السيطرة الاقتضائيّة، لا الجبريّة والعلّيّة؛ لأنَّنا لا نؤمن بالجبر، لكن الإرادة الإلهيّة موجودة اقتضاءً، وهي بمعنى التوفيق مثلاً، كما قال سبحانه: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} ثُمَّ قال مباشرة: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}. وقد سبق الحديث عن ذلك في محلّه، ونفينا أن يكون المراد بها الجبر، بل هو مجرّد الاقتضاء.
الثانية: أنَّ الإنسان لا يمتلك الحرّية في أن يفعل ما يشتهيه في فروع
ــــــ[159]ــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 29.
(2) سورة التكوير، الآية: 28.
(3) سورة البقرة، الآية: 256.
(4) سورة التكوير، الآيتان: 28-29.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الدين وأُصوله؛ لوجود التهديد بمعاقبة غير المهتدين، وهذا يعدّ من ضروريّات الدين، وفي القرآن الكريم آياتٌ توضّح أنَّ الإنسان لا يستطيع أن يختار ما يشاء ويفعل ما يحلو له وما يرغب به حسب ما تخدعه به نفسه الأمّارة بالسوء، بل عليه أن يختار ما هو الأصلح له في المدى القريب والبعيد بحسب إرشاد عقله ووعيه الصحيح، لا بحسب هواه وشهوات نفسه الأمّارة بالسوء.
****
قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ *كِرَامٍ بَرَرَةٍ}.
[بحوث في هذه الآيات]
وفي هذه الآيات بحوث:
البحث الأوّل: حول المراد من الصحف. وفي المقام عدّة أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: ما رجّحه السيد الطباطبائي من أنَّ المراد بها صحف القرآن الكريم(1).
فإن قلت: إنَّ الصحف لم تكن في عهد رسول الله، بل كانوا يكتبون القرآن على العظام والجلود ونحوها، وجمعوه بهذه الطريقة.
قلنا: نعم، إلّاَ أنَّ الصحف هنا لا تعني الأوراق، فإمّا أنَّ يُراد منها نفس الأشياء المكتوب عليها في زمن النبي، وإمّا أنَّ يُراد منها الصحف المعنويّة، أي: إنَّ القرآن المعنوي مكتوبٌ على صحفٍ معنويّةٍ في عالم الروح أو في قلوب المؤمنين أو في قلب النبي وقلوب المعصومين، فهي صحف القرآن على أيّ حالٍ.
ــــــ[160]ــــــ
(1) أُنظر الميزان في تفسير القرآن 20: 202، تفسير سورة عبس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ثُمَّ إنَّ السيد الطباطبائي أفاد قائلاً: (في صحف): خبرٌ بعد خبر(1). وتوضيحه: أنَّ (إنَّها) في قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ} حرفٌ مشبّهٌ بالفعل، والضمير (ها) اسمها، وتذكرة خبرها. وقوله (في صحف مكرمة) خبرٌ ثانٍ، بتقدير كائنة أو مستقرة. وهذا الإعراب متوقّفٌ على أن يُراد بالضمير في (إنَّها) آيات القرآن كما فهمه السيّد الطباطبائي.
الأُطروحة الثانية: المقصود من الصحف صحف الأعمال لا القرآن الكريم، وربما يكون هذا فهم المشهور للصحف، أي: إنَّ المراد هو صحف الأعمال التي تكتبها الملائكة، ويُراد بالتذكرة القرآن، فيكون السياقان منفصلين. ولقد تقدّم الكلام في التذكرة وما لو كان المقصود بها القرآن. ولو كان المراد بالصحف صحف الأعمال، كان الكلام عن إطاعة القرآن وعصيانه. فقوله {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} يعني: القرآن، و{فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ} أي: في صحف الأعمال، فلا يكون خبراً بعد خبرٍ، بل يكون قوله: {فِي صُحُفٍ} جارّاً ومجروراً متعلّقاً بتذكرة، والمراد أنَّ كلّ ما يقوله أو يفعله الإنسان محفوظٌ في صحفٍ مُكَرَّمَةٍ لا يضيع منه شيءٌ.
الأُطروحة الثالثة: أنَّ المقصود من (صحُف) هي صحف القضاء والقدر الإلهي؛ لتدوين كلّ الأشياء في عالم الإمكان فيها من القرآن وأعمال العباد وسواهما. إلّاَ أنَّ هذه الأُطروحة تواجه إشكالين في السياق:
الإشكال الأوّل: التعبير بالجمع في قوله (صُحُف) مع أنَّ لوح القضاء والقدر واحدٌ، وهو اللوح المحفوظ التكويني.
والجواب: نعم إنَّه واحدٌ بالمعنى الكلّي إذا لاحظناه ككلّي أو ككلّ أو
ــــــ[161]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 202، تفسير سورة عبس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
كمجموعٍ واحدٍ، إلّاَ أنَّه يمكن لحاظه جزئيّاً، فيكون لكلّ شيء قضاءه وقدره الخاصّ به أو لوحه الخاصّ به.
الإشكال الثاني: أنَّه ورد في الآية: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ} ويرى المشهور أنَّهم الملائكة، مع أنَّه لا يخفى أن القضاء والقدر الإلهي بيد الله سبحانه لا بيد الملائكة.
ويُلاحظ: أنَّ ما ينحصر أمره بيد الله وحده هو تأسيس وجعل القضاء الإلهي، وهذا ممّا لا كلام فيه، فلا دخل لأحد فيه حتى محمّد بن عبد الله وجبريل، فليس لأحدٍ التصّرف فيه. إلّاَ أنَّ الكلام ليس في جعل القضاء والقدر وتأسيسه، بل في تنفيذه وإنزاله إلى حيّز التنفيذ والعمل، وهذا وإن كان مرتبطا بالله بالتأكيد إلّاَ أنَّه سبحانه جعل له أسباباً، وهم هذه العقول والأرواح العليا. فالأمر المنحصر بيد الله سبحانه هو تأسيس وجعل القضاء والقدر، ولم تقل الآيات: إنَّه بيد الملائكة. وأمّا تنفيذ القضاء والقدر فلا شكّ أنَّ الله سبحانه جعله بيد الملائكة؛ فهم النازلون بالخير والشرّ إلى أنحاء الكون، ومعه يصدق أنَّ القضاء والقدر في صحفٍ مكّرمةٍ، وأنَّه بأيدي سفرةٍ، وهما صفةٌ بعد صفةٍ، والصفة في الحقيقة ليست هي الجارّ والمجرور، بل متعلّقه، أي: (كائنة في صحفٍ) و(كائنة بأيدي سفرةٍ).
الأُطروحة الرابعة: ما أشار إليه الطباطبائي(1) وضعَّفهُ من أنَّ المراد من قوله: (صُحُف) صحف الأنبياء والمرسلين التي نزلت الملائكة بها عليهم بالوحي. وأشكل عليه الطباطبائي بعدم ملاءمته لظهور قوله: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} في أنَّه صفةٌ لصحف، يعني: أنَّ الصحف بأيدي الأنبياء لا بأيدي الملائكة،
ــــــ[162]ــــــ
(1) راجع الميزان في تفسير القرآن 20: 202، تفسير سورة عبس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فكيف يُقال: بأيدي سفرة، وهم الملائكة؟!
يمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الأوّل: أنَّها بأيدي الملائكة حين نزولها إلى الأنبياء، والرسل النازلون إلى الأنبياء من الملائكة، وهذا يكفي في صحّة النسبة.
الثاني: أن يُراد بالكرام البررة الأنبياء المرسلون أنفسهم، وبما أنَّ الموصوف غير مصرّحٍ به في الآية، فيمكن أن نصرفه عمّا فهمه المشهور من إرادة الملائكة إلى الأنبياء، ويستقيم المعنى.
الأُطروحة الخامسة: أن يُراد بالصحف نفوس المؤمنين؛ فإنَّ صحيفة كلّ فردٍ نفسه أو قلبه، إلّاَ أنَّ صحيفة الكافر سوداء مظلمةٌ، وصحيفة المؤمن بيضاء مشرقةٌ. ومن هنا يُقال في العرف: إن الطفل يولد صحيفةً بيضاءً، أي: إنَّ نفسه وعقله لم يسجّل فيهما شيءٌ محدّدٌ قبل دخوله إلى الدنيا، بل التسجيل خلال هذه الحياة.
فإن قلت: إنَّ نفوس المؤمنين ليست بيد الملائكة، مع أنَّ ظاهر السياق أنَّ هذه الصحف بأيديهم، فلا يصحّ أن يكون المراد من الصحف النفوس، مع أنَّ الكرام البررة هم الملائكة، كما فهم المشهور.
قلت: أوّلاً: قد تكون نفوس المؤمنين بيد الملائكة بالتسبيب لا بالمباشرة؛ لأنَّهم هم الذين ينزلون بالكتب السماويّة والشرائع فيؤثّرون في نفوس المؤمنين بواسطة الأنبياء والكتب، وهم الذين ينزلون بالخير والشرّ على المجتمعات والأفراد، فيؤثّرون على النفوس عن طريق التسبيب، وهذا أيضاً واضحٌ، فهم يؤثّرون في النفوس بأسباب قريبة من التأثير.
وثانياً: إنَّ الإشكال مبني على أن يكون المراد من (السفرة الكرام البررة)
ــــــ[163]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الملائكة، كما فهم المشهور، مع أنَّه يمكن أن نفهم فهماً آخر بأن يكون المراد من (الكرام البررة) المؤمنون والمؤمنات أنفسهم، لا الملائكة؛ فإنَّ نفس كلّ إنسان بيده وتحت سيطرته بمعنىً من المعاني، وله أن يهديها سواء السبيل. ولا يخفى أنَّه لو حصلت التذكرة حصل الإيمان، وإذا حصل الإيمان كانت النفس كريمةً بارةً صالحةً، لا أمّارةً بالسوء، كما هي لدى الفاسق والكافر، ولم يقل القرآن الكريم: (كل نفس أمارة بالسوء) كما قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}(1)، بل قال: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي}(2). فإذا جاءت هذه الرحمة خرجت النفس عن كونها أمّارةً بالسوء، وأشرقت بنور ربّها، والحمد لله ربّ العالمين.
البحث الثاني: حول الجارّ والمجرور في قوله: {فِي صُحُفٍ}:
وفيه عدة أُطروحات:
الأُولى: أنَّ الجار والمجرور في قوله: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ}: إمّا متعلّق بتذكرة، فيكون خبراً بعد خبر، كما تقدّم عن السيّد الطباطبائي، وإمّا متعلّق بقوله: (ذكره) وحينئذٍ لا يستقيم قوله: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ} أي: ذكره في صحفٍ مكّرمةٍ مرفوعةٍ مطهّرةٍ. ومحلّ الشاهد قوله: {ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ}. ولعلّ الأرجح أن يُراد من الصحف النفس أو العقل، وأمّا إذا أُريد بها الصحف المادّيّة فحينئذ ينبغي أن يُفترض بأنَّه ذكره بنحو الكتابة في الصحف، وهو بعيدٌ عن مراد القرآن الكريم.
الثانية: أنَّ الجارّ والمجرور متعلّقٌ بـ (شاء)، أي: (شاء في صحف).
ــــــ[164]ــــــ
(1) سورة آل عمران، الآية: 185. سورة الأنبياء، الآية: 35. سورة العنكبوت، الآية: 57.
(2) سورة يوسف، الآية: 53.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الثالثة: أنَّ الجارّ والمجرور ليس متعلّقاً بشيءٍ من هذه الأفعال، وإن كان ذلك جائزاً، وإنَّما هو متعلّقٌ بمحذوفٍ صفةً لاسمٍ سابقٍ عليه، ولو لمادّة من المواد السابقة، من قبيل مادّة الذكر، أي: هذا الذكر الكائن في صحفٍ، وهو معقولٌ في نفسه.
البحث الثالث: حول المراد من (سَفَرَة) في قوله {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ}:
أفاد الراغب: أنَّ السفرة جمع سافر ككاتب وكتبة، والسفر كشف الغطاء، ويختصّ ذلك بالأعيان نحو: سفر العمامة عن الرأس والخمار عن الوجه، وسفر البيت كنسه بالمسفر، أي: المكنس، وذلك إزالة السفير عنه، وهو التراب الذي يكنس منه، والأسفار يختصّ باللون نحو: {وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ}(1) أي: أشرق لونه(2). ثُمَّ يجيب الراغب عن إشكالٍ مقدّرٍ قائلاً: وسافر خصّ بالمفاعلة اعتباراً بأنَّ الإنسان قد سفر عن المكان، والمكان سفر عنه(3). يريد أنَّ المفاعلة تحتاج إلى طرفين، وصحّتها هنا باعتبار أنَّ الإنسان قد سفر عن المكان، بمعنى: كشفه بعد أن كان يغطّيه، فهناك نوع مفاعلةٍ بين المكان والمكين. ونحن نرى أنَّ هذا غير كافٍ في صدق المفاعلة؛ لأنَّها تحتاج إلى تفاعلٍ بين مؤثّرين كالمصارعة والمحاربة، والأمر هنا ليس كذلك، بل عندنا مؤثّرٌ ومتأثّرٌ، فالمؤثّر هو المسافر، والمتأثّر هو المكان. وعلى كلّ حالٍ فقول الراغب كأُطروحةٍ لا بأس به.
ــــــ[165]ــــــ
(1) سورة المدّثّر، الآية: 34.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 229، مادّة (سفر).
(3) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أقول: إنَّ العمدة في صحّة هذا الكلام يرجع إلى الذوق العرفي السائد في أيّام نزول القرآن.
وأفاد الراغب: ومن لفظ السفر اشتقّ السفرة لطعام السفر ولما يوضع فيه. قال تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ}(1). والسفر الكتاب الذي يسفر عن الحقائق، وجمعه أسفار. قال تعالى: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً}(2) وقوله تعالى: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ}(3) فهم الملائكة الموصوفون بقوله {كِرَاماً كَاتِبِينَ}(4). ولعلّه فهم أنَّ (سفرة) من (السِفر) وهو الكتاب، فسفر بمعنى: كتب، و(سَفَرة) بمعنى: (كَتَبَة) فإذن الملائكة هم كَتَبَةٌ أو كاتبون، فسمُّوا سفرة بهذا المعنى. والسفرة جمع سافر ككاتب وكتبة(5).
أقول: تحصّل من هذه المادّة عدّة معانٍ متباينة منطقيّاً، بغضّ النظر عن أصلها اللغوي الواحد، من قبيل: الإظهار، وقلّة اللون، والتنوير، والصبح، والرحلة، وإيجاد الكتاب، ونقل الكتاب من مكانٍ إلى آخر. وأمّا من هو الفاعل للسفر فهم يقولون: إنَّهم الملائكة، ولا بأس به، لكن يمكن تقديم أُطروحاتٍ أُخر.
والغرض: أنَّ هذه المادة (سفر) تصدق على مجموعاتٍ من الخلق، فإذا طبّقنا هذا الأمر على المعنى المشهور كانوا مظهري الحقّ، ومنوِّري الخلق،
ــــــ[166]ــــــ
(1) سور النساء، الآية: 43، وسورة المائدة، الآية: 6.
(2) سورة الجمعة، الآية: 5.
(3) سورة عبس، الآيتان: 15-16.
(4) سورة الانفطار، الآية: 11.
(5) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 239، مادّة (سفر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ومغيّري لونهم -أي: لون الخلائق- من الظلام إلى النور ومن العتمة إلى الصبح، وهم المسافرون بالكتب الإلهيّة والوحي من الحقّ إلى الخلق، ولا أقلّ إلى الأنبياء، وهم كتبة الكتاب، أي: كتّاب الحسنات والسيّئات، وهم نقلة الكتاب من الحقّ إلى الخلق، من الله إلى خلقه. وهذا كلّه ينطبق ويصحّ على الملائكة وعلى جملةٍ من البشر، لا سيّما الأنبياء والمرسلين والخواصّ من المؤمنين. نعم، لا يعني ذلك أنَّهم يقومون بأعمال الملائكة؛ لأنَّ للملائكة أعمالهم الخاصّة التي تكون مصداقاً لعنوان (سفرة)، وللمؤمنين ما يناسبهم من هذه الصفات.
البحث الرابع: حول المراد من {كِرَامٍ بَرَرَةٍ}
وهنا نشير إلى أنَّ هذه الصفات حذف موصوفها، فلم يصرّح بأيدي مَنْ، وإن وصفهم بأنَّهم سفرةٌ كرامٌ بررةٌ. والمشهور أنَّها صفاتٌ للملائكة، وهي أُطروحةٌ وجيهةٌ، إلّاَ أنَّها تواجه إشكالاً؛ لأنَّ المشهور يرى أنَّ الواسطة الوحيدة والسفير بين الله ورسوله هو جبرائيل، وهو واحدٌ، والآية عبَّرت بـ (سَفَرَة). ومن ناحيةٍ أُخرى ورد في الآية التعبير بالجمع (صحف)، والقرآن واحدٌ، فيقع المشهور في إشكالٍ.
فإن قلت دفاعاً عن المشهور: يمكن الجمع بين فِكرتَي المشهور بأن يكون المراد من الصحف هو مجموع الصحف التي نزلت على الأنبياء السابقين وعلى نبيّنا.
قلت: هذا منافٍ لما قد يتبنّاه المشهور من: أنَّ المقصود هو نبوّة نبي الإسلام دون غيرها، والآيات من أوّل السورة إلى آخرها مختصّة بالإسلام من قبيل: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى}. فهل المقصود أنَّه يصير يهوديّاً أو نصرانيّاً؟ كلاّ
ــــــ[167]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بل يصير مسلماً ومؤمناً، وعليه فالسياق خاصّ بالإسلام، والنبوّة فيه هي نبوّة نبي الإسلام دون غيرها، ولا يخفى أنَّ للإسلام نبيّاً واحداً وكتاباً واحداً وسفيراً واحداً، وهو جبرائيل. إلّاَ أن تُفهم أُطروحات أُخرى في المقام:
منها: أن يكون المراد الملائكة، ومن الصحف صحف جميع الأنبياء، مع إسقاط القرينة التي ذكرناها قبل قليلٍ.
ومنها: أن يكون المراد الملائكة، ويكون المراد من الصحف النظر التجزيئي إلى القرآن الكريم، كأن يكون كلّ دفعةٍ من نزول الوحي صحيفةً، أو كلّ سورةٍ هي صحيفةً، أو كلّ صفحة صحيفةً.
ومنها: أن يكون المراد الملائكة، وأمّا الصحف فالمراد بها مجموع القرآن والحديث القدسي؛ لأنَّ النبي كما نزل عليه القرآن كان يتلقّى الإلهامات والحديث القدسي، فيكون كلّ واحد من هذه صحيفةً مجازاً، أو حصّةً من الصحف بمعنىً من معاني الاتّصال بالله تعالى.
ومنها: أن يكون المراد الملائكة، ويكون المراد من الصحف صحف التكوين؛ إذ إنَّ لهم دخلاً باستمرارٍ في بناء الكون وحركته. وفي الخبر: “إنَّ الأمر تنزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر”(1). وعليه فالأوامر التكوينيّة تنزل باستمرار؛ لأنَّ الكون في تجدّدٍ مستمّرٍ وحركةٍ دائمةٍ، لا سيّما إذا قلنا بالحركة الجوهريّة، وهذه الأوامر تنزل على يد الملائكة.
ومنها: أن يكون المراد المعصومين؛ فهم السفرة الكرام البررة، وهم كذلك؛ لأنَّ بأيديهم الشريعة والقرآن الكريم، وبأيديهم صحف الأنبياء
ــــــ[168]ــــــ
(1) الكافي 5: 57، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث 6، تفسير القمّي 2: 36، قصّة أصحاب الكهف، قرب الإسناد: 19، مع فارقٍ يسيرٍ، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
السابقين؛ لأنَّها من مواريث الأنبياء التي وصلت إلى النبي وأوصلها إلى أهل بيته ثُمَّ تصل إلى الخاتم منهم، وهو المهدي#.
ومنها: أن يكون المراد من السفرة الكرام البررة المؤمنين، ومن الصحف ما في نفوسهم وعقولهم من الهداية والعلوم الحقّة.
كما قد يكون المراد أكثر من وجهٍ واحدٍ من هذه الوجوه؛ لأنَّ هذه الوجوه ليست متعارضةً ولا منحصرة، فيمكن أن يُراد غير واحدٍ منها أو مجموعها.
****
قوله تعالى: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ}:
قوله: (قُتل) لفظ يُراد به الاعتراض عليه والانتقاص منه، بحيث يكون المنتقَص منه من الدناءة التي يستحقّ معها القتل، فهو مجرمٌ حدّه القتل. ولن ندخل في أنَّ قوله: (قُتل) إنشاءٌ أو إخبارٌ؛ لأنَّ كلاًّ منهما جائزٌ في نفسه، فقد يكون (قتل) فعلاً ماضيّاً كإخبار، وقد يكون إنشاءً يُراد به الدعاء، كما هو ظاهر كلام السيّد الطباطبائي(1)، يعني: إن شاء الله يُقتل. والحقّ: أنَّ (قُتل) مجرّد اعتراضٍ وانتقاصٍ ولعنٍ.
[سبب القتل]
وأمّا سبب القتل فقد أفادته الآية بقوله: {مَا أَكْفَرَهُ} أي: ما أشدّ كفره وتطرّفه في الباطل. والظاهر: أنَّ هذا التركيب كان متعارفاً في العرف الجاهلي أو المعاصر للإسلام، بأن يُقال: (قُتِل فلان) كأُسلوبٍ للعن والتنقيص والاعتراض، وما ورد في الآية على هذا النهج، فلذا لم يستغرب العرف حينما
ــــــ[169]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 206، تفسير سورة عبس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
سمع الآية؛ لأنَّ (قُتل) كان لفظاً متعارفاً لديهم في اللعن(1).
[لماذا قال: قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ؟ والألف واللام للجنس]
والموضوع في الآية هو الإنسان: {قُتِلَ الإِنْسَانُ}، ويُراد به النوع، ومعه يرد إشكالٌ حاصله: أنَّ (الإنسان) شاملٌ للجميع حتّى المؤمنين بل المعصومين، مع أنَّه لا يُراد منه ذلك، فلماذا قال: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}؟ والألف واللام للجنس.
ويمكن الجواب عنه بوجهينٍ:
الأوّل: أن يُقال بأنَّ المراد من الإنسان نوع الإنسان إلّاَ ما ندر أو إلّاَ من رحم الله أو الغالب.
الثاني: أن يُقال باقتضاء بعض مراتب الخلقة لذلك، أي: ما أكفره اقتضاءً لا فعليّةً وعلّيّةً، وبلحاظ الفعليّة والعلّيّة يختلف الناس باختلاف سيطرة النفس والشهوات على العقل و باختيار الإنسان وقناعته، وأمّا الاقتضاء فهو مشتركٌ في الجميع، فيشمل المعصومين أيضاً.
وبهذا يرتفع ما يظهر من التنافي بين قوله تعالى: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} وقوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}(2)؛ فإنَّ المراد بأحسن تقويمٍ في أصل الخلقة بغضّ النظر عن التفاصيل، ويُراد بالذّم في قوله: {مَا أَكْفَرَهُ} ظاهر الحياة الدنيا وأغلب البشر وأنَّهم مذمومون؛ لأنَّهم يفضّلون الباطل على الحقّ. فالذّم متوجَّهٌ إلى الإنسان بعنوان الإنسان بألف ولام الجنس في عددٍ من
ــــــ[170]ــــــ
(1) أفاد الزمخشري في الكشّاف 4: 702: أنَّ قوله تعالى: {قُتِلَ الإنسان} دعاءٌ عليه، وهي من أشنع دعواتهم؛ لأنَّ القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها.
(2) سورة التين، الآية: 4.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الآيات كقوله تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}(1) وقوله: {وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً}(2) وقوله تعالى: {وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}(3) وقوله تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ}(4) وقوله: {إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً}(5).
والكفر هو الغطاء والحجاب، وغالبا ما يكون الإنسان محجوباً عن الهداية بمختلف مستوياتها الواضحة والدقيقة والظاهرة والباطنة، كما قال تعالى: {وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}(6).
وجديرٌ ذكره: أنَّ السيّد الطباطبائي أفاد أنَّ الغفلة لا تكون إلّاَ عن شيءٍ يمكن الإحساس به ورؤيته، فمعنى ذلك: أنَّ الآخرة يمكن الإحساس بها ورؤيتها في الدنيا، إلّاَ أنَّنا غافلون عنها، وإلّاَ لم تصدق الغفلة؛ إذ الشيء الذي لا يمكن الإحساس به ولا رؤيته فمن حقّ المرء أن لا يراه، ولا يصدق عليه أنَّه غفل عنه؛ لأنَّه حتّى لو ذهبت عنّي الغفلة لن أراه(7). وفي الحقيقة كلّ مرتبةٍ من مراتب الوجود -سواء كانت عاليةً أم سافلةً- في حجابٍ عما فوقها، ومن كان في المرتبة التاسعة فهو بعدُ لم يصل إلى العاشرة، ومن كان في
ــــــ[171]ــــــ
(1) سورة إبراهيم، الآية: 34.
(2) سورة الإسراء، الآية: 11.
(3) سورة الكهف، الآية: 54.
(4) سورة الزخرف، الآية: 15.
(5) سورة المعارج، الآية: 19.
(6) سورة الروم، الآية: 7.
(7) راجع ما أفاده السيّد الطباطبائي في الميزان 1: 92، لدى تفسيره الآيتين 266-27 من سورة البقرة تحت عنوان: بيان: المجازات وتجسّم الأعمال، وافهم واغتنم.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المرتبة الخامسة فهو لم يصل إلى السادسة، فكلّهم في كفرٍ وغطاءٍ عن المرتبة التي فوقها، ومن هذه الناحية يشمل الجميع، إلّاَ من كان متّصلاً بالله مباشرةً، وهو في مرتبة الحقيقة المحمّديّة، وإلّاَ فسائر الناس محجوبون بمعنى أو بآخر.
ثُمَّ يأتي سياقٌ قرآني جديدٌ من سبع آياتٍ بمناسبة ذكر الإنسان، يتعرّض إلى قدرة الله سبحانه على الإنسان وقهره وهيمنته عليه وفضله عليه، إلّاَ أنَّ ذكر السيطرة أوضح كما سيأتي بيانه، وهذا يدلّ على أنَّه لا موجب لكفر الإنسان وعصيانه وطغيانه ما دام مربوباً مقهوراً مُدَبَّراً ومقدوراً على كلّ شأنٍ من شؤونه.
وهذه الآيات هي قوله تعالى: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ}.
فقوله تعالى: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} يتعرّض لذكر الموضوع، وهو الإنسان، ولسبب الموعظة، وهو الكفر، فسبب هذه الموعظة هو كفر الإنسان، والآيات الستّ اللاحقة لهذه الآية تتعرّض لذكر المحمول، وهو القهر الإلهي عليه بتفاصيله؛ لأنَّه من قبيل أنَّه سبحانه يفعل بالإنسان هذه الأُمور دون أن يكون للإنسان يدٌ في ذلك، وهذا هو معنى القهر في الحقيقة.
وهذا السياق القرآني يتعرّض إلى مختلف مراحل الإنسان من أولّها إلى آخرها: من حال كونه جنيناً إلى النشأة الآخرة ويوم القيامة، فقوله: {مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ} إشارةٌ إلى تكّونه جنيناً {فَقَدَّرَهُ} أي: كتب له قدره الذي يسير عليه في الحياة. والإشارة هنا ليست إلى كتابة القدر نفسه، بل إلى تنفيذه؛ فإنَّه يأخذ درجة التنفيذ منذ الولادة شيئاً فشيئاً، ويستمّر معه التقدير مادام الإنسان على
ــــــ[172]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وجه الأرض.
ولعلّ {قَدَّرَهُ} من القدرة، أي: أقدره، وإن كان التفسير الأوّل أرجح، إلّاَ أنَّ المراد في ضوء الأُطروحة الثانية أنَّه سبحانه الذي أقدره على الأشياء التي هو قادر عليها، سواء كانت مادّيّةً أم معنويّةً.
****
قوله تعالى: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ}:
أي: بعد أن خلقه وجاء إلى الدنيا يسَّر له السبيل للمشي في مناكبها. والعطف بثُمَّ يدلّ على الاختلاف في الزمان؛ فبعد أن قضى الإنسان فترة الجنين وحده والطفولة، انتهى وواجه فترة العقل والرشد الذي هو معنى (قدّره)، فلاحظ أنَّ الله سبحانه يسّره إلى السبيل بمنحه العقل والرشد. والسبيل إمّا مطلق، أي: يشمل كلاًّ من معنيي الخير والشر، كما في قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}(1)، أو المراد سبيل الحقّ والنجاة في الآخرة، وكلٌّ منهما جائزٌ. فإذا قصدنا المعنى الباطني كان المراد كلا المعنيين، وإذا قصدنا المعنى الظاهري كان المراد أنَّ الله سبحانه في الشريعة الظاهريّة يريد لنا الهداية لا الكفر.
****
قوله تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ}:
أي: حينما انتهت مدّة حياته الدنيا ودنى أجله، أماته فأقبره، فالإنسان يموت أوّلاً ثُمَّ يُقبر. وأمّا نسبة الإقبار إلى الله سبحانه فقد تقدّم طرفاً من الحديث عنها. ونقول هنا: كلّ شيءٍ يصحّ نسبته إلى الله جلّ جلاله، وإن كان له سببه الخاصّ، فزيدٌ حينما يدفن عمرواً، يصحّ أيضاً أن نقول: إنَّ الله دفنه
ــــــ[173]ــــــ
(1) سورة البلد، الآية: 10.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وأقبره، كما ورد نظير ذلك في قوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ}(1)؛ حيث نسب الحمل إلى الله لا السفينة، وقوله: {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}(2) فالله هو الزارع؛ لأنَّه مسبّب الأسباب. ونحوه قوله تعالى: {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا}(3) والله هو الذي هدى لا النبي، والمعلّم هو الله لا المدرِّس، وكلّ الأشياء تجري على هذا النحو. وقد نحمله على الإقبار الاقتضائي، وذلك بإيجاد سببه: أقبره يعني: أماته لكي يُقبر، أي: جعل الفرد بحالة لا سبيل معها إلّاَ القبر ليستره.
وبعد أن تنتهي مدّة القبر والبرزخ نصل إلى الزمان اللاحق، وهو يوم القيامة المدلول عليه بقوله: {ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} أي: نشره، وهو الإحياء والنشور ويوم القيامة؛ وذلك أنه ينتشر الناس. والانتشار في الحقيقة للمجموع لا للواحد. والظاهر: أنَّ الراغب الأصفهاني(4) أشار إلى هذا المعنى، وإنَّما يُنسب إلى الفرد تجوُّزاً، ولكنه صار حقيقة لكثرة الاستعمال.
ثُمَّ ينتهي سياق هذه الآيات بأن يُوقَف الإنسان للحساب، فيجد نفسه ظالماً مقصّراً وعاصياً، كما قال تعالى: {كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ}، يعني: لم ينجز ما أمره. والقضاء بمعنى الإنجاز، كما قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ}(5)، يعني: أُنجزت الصلاة وانقضت. ويحتمل أن (لمّا) بمعنى: إلى الآن، فهناك الكثير من الأوامر لم يؤدّها هذا الشخص إلى الآن، أي: إلى يوم
ــــــ[174]ــــــ
(1) سورة مريم، الآية: 58.
(2) سورة الواقعة، الآية: 64.
(3) سورة مريم، الآية: 58.
(4) راجع مفردات ألفاظ القرآن: 514، مادّة (نشر).
(5) سورة الجمعة، الآية: 10.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
القيامة، فقوله: {لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} أي: لم ينجز ما أمره؛ لأنَّه أُمِر بأوامر، فيلزم أن يطيعها، لكنّه لم يفعل، فيعاقب على تركها.
[التنبيه إلى أُمورٍ ممّا يرتبط بالآيات المارّة الذكر]
وينبغي في المقام التنبيه إلى أُمورٍ ممّا يرتبط بالآيات المارّة الذكر:
الأمر الأوّل: أنَّ الضمير الغائب في الأفعال يعود إلى الله تعالى كما في قوله: (خلقه، قدّره) ومع أنَّه لا مرجع لهذا الضمير في العبارة، إلّاَ أنَّه من الواضح أنَّه يعود إلى الله تعالى، ولا أقلّ أنَّنا نقول – بحسب قاعدةٍ ارتكازيّةٍ لدى بعض المتشرّعة-: إنَّه إذا شكّ في مرجع الضمير فالأصل عوده إلى الله سبحانه. ثُمَّ إنَّ نفس الفعل يعضد هذا المعنى وقرينةٌ عليه؛ لأنَّ الخلق خلقه سبحانه، والتدبير تدبيره، والتقدير لا يتمّ إلّاَ من الله تعالى.
الأمر الثاني: أنَّ النسق القرآني -أي: نهايات الآيات- قائمٌ على ضمير الغائب من قبيل (فقدّره، يسّره، أقبره) والروي -أي: الحرف قبل الأخير- هو الراء المفتوحة، والضمائر في قوله: (خلقه) الثانية وفي (قدَّره) وما بعدها في قوله تعالى: {مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} تعود كلّها إلى الإنسان، وهذا له مرجعٌ في العبارة؛ لأنَّه أفاد قبل هذه الآيات: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}.
الأمر الثالث: أنَّ الوجه في قوله: {إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} أنَّه قد يُقال: وقد لا يشاء أن ينشره، مع أنَّ من الواضح بل من ضروريّات الدين أنَّ النشور للناس جميعاً، وربما للخلق أجمع، كما يشير إليه قوله تعالى: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً}(1).
وعلى كلّ حالٍ فالقرآن بعضه قرينةٌ على بعضٍ، وهو ينصّ على شموليّة
ــــــ[175]ــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 47.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الحشر والنشر، فيدلّ على أنَّ المشيئة شاملةٌ للكلّ لا خاصّة بالبعض. وحينئذ يمكن أن يُجاب عن هذا الإشكال بعدّة وجوهٍ:
الأوّل: ما أفاده القرآن بقوله: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً}.
الثاني: أن يكون إشارةً إلى أصل المشيئة؛ فإنَّ إيجاد البعث والنشور وإن كان ضروريّاً في الدين، إلّاَ أنَّه ليس قهراً على الله سبحانه، بل كلّ شيءٍ بمشيئته وإرادته.
الثالث: أنَّه إشارةٌ إلى الزمان، وكأنَّ (إذا) هنا زمانيّة، فكأنَّه قال: متى شاء أنشره، وهذا معنىً لطيفٌ في نفسه.
الرابع: أن يكون الضمير في قوله: (إذا شاء) عائداً إلى الإنسان، وكأنَّما إذا شاء الإنسان نشره الله سبحانه في يوم القيامة. وهذا المعنى وإن كان مخالفاً لذوق المتشرّعة، ولا يمكن أن يحصل لمطلق الإنسان، إلّاَ أنَّه يمكن أن يحصل للإنسان المطلق. وقد ورد أنَّه: “لمّا حضرت النبي الوفاة استأذن عليه رجل، فخرج إليه علي فقال: حاجتك ؟ قال: أردت الدخول على رسول الله، فقال علي: لست تصل إليه، فما حاجتك ؟ فقال الرجل: إنَّه لابدّ من الدخول عليه. فدخل علي، فاستأذن النبي، فأذن له. فدخل فجلس عند رأس رسول الله، ثُمَّ قال: يا نبي الله، إنَّي رسول الله إليك. قال: وأيّ رسل الله أنت ؟ قال: أنا ملك الموت: أرسلني إليك نخيّرك بين لقائه والرجوع إلى الدنيا. فقال له النبي: فأمهلني حتّى ينزل جبرئيل فأستشيره. ونزل جبرئيل فقال: يا رسول الله، الآخرة خيرٌ لك من الأُولى، ولسوف يعطيك ربّك فترضى. لقاء الله خيرٌ لك. فقال: لقاء ربّي خيرٌ لي، فامض لما أُمرت به”(1).
ــــــ[176]ــــــ
(1) كشف الغمّة 1: 19-20، ذكر مدّة حياته، وبحار الأنوار 22: 533، الباب 2، وفاته وغسله والصلاة عليه ودفنه، الحديث 36.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فإذا كان الإنسان المطلق المتمثّل برسول الله يُخيَّر في موته، فيمكن أيضا أن يُخيَّر في نشره، ويمكن أن يُخيَّر في أُمورٍ كثيرةٍ.
الأمر الرابع: أن (أنشر) مزيد أو رباعي، مع أنَّ أصله ثلاثي، ولم يُستعمل في الرباعي إلّاَ قليلاً، والمستعمل هو (نشر) فلو قال: (ثُمَّ إذا شاء نشره) كان مناسباً للسياق والنسق القرآني، فلماذا أُضيفت الهمزة في قوله (أنشره)؟
وما يمكن أن يُقال هنا هو: أنَّ (نشره) و(أنشره) بمعنىً واحدٍ، فكأنَّهما مترادفان، ولا يخفى أنَّه توجد في اللغة عدّة ألفاظٍ من هذا القبيل. وأفاد الراغب ما يلي: نشر الميّت نشوراً. قال: {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}(1)، {بَلْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً}(2)، {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً}(3). وأنشر الله الميّت فنشر. قال: {ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ}(4) {فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً}(5) وقيل: نشر الله الميّت وأنشره بمعنى(6)، أي: هما بمعنىً واحدٍ.
أقول: وهو كذلك ظاهراً، أي: هما بمعنىً واحدٍ من قبيل: سقاه وأسقاه، وحباه وأحباه، وكساه وأكساه، فكلّها بمعنىً واحدٍ، وإذا كانا بمعنىً واحدٍ فالإنسان مخيَّرٌ أن يستعمل أيّهما شاء، وكأنَّ الله سبحانه اختار أن
ــــــ[177]ــــــ
(1) سورة الملك، الآية: 15.
(2) سورة الفرقان، الآية: 40.
(3) سورة الفرقان، الآية: 3.
(4) سورة عبس، الآية: 22.
(5) سورة الزخرف، الآية: 11.
(6) مفردات ألفاظ القرآن: 514، مادّة (نشر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
يستعمل المزيد أو الرباعي دون الثلاثي لحكمةٍ.
وسبق أن قلنا: إنَّ هذا السياق يتعرّض إلى قهر الله سبحانه للإنسان بشكلٍ رئيسٍ، والى فضله عليه بنحوٍ أقلّ، وهذا واضحٌ في السياق؛ لأنَّ أغلب الآيات تفيد القهر من قبيل قوله تعالى: {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ}. وما ذكر كلّه خارجٌ عن إرادة الإنسان، وإنَّما هي بإرادة الله، وهذا معنى قهر الله تعالى، فهو القهّار بمعنى: أنَّه يريد ما لا يريده المخلوقون، وتنفذ إرادته لا إرادتهم. وهذا المعنى واضحٌ من خلال أغلب الآيات إلّاَ قوله تعالى: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ}. وأصل التيسير وإن كان بالخلقة أيضاً، إلّاَ أنَّ نفس التيسير وتطبيقه أمرٌ راجعٌ إلى إرادة الإنسان؛ لأنَّ الله تعالى جعله راجعاً إلى إرادته، ولو أراد الله أن يكون الإنسان مجبوراً لكان، فيكون قوله: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} لبيان فضل الله سبحانه على الإنسان.
[علاقة الإنسان بالنبات]
ثُمَّ إن في المقام أكثر من مناسبةٍ للسياق الذي بعده، أعني: قوله تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً}. فيقع السؤال عن علاقة الإنسان بالنبات؛ حيث تحدّثت الآيات أوّلاً عن الإنسان، ثُمَّ تطّرقت للحديث عن النبات، فما المناسبة بينهما؟
ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الأوّل: أنَّه بمناسبة التعرّض لخلقة الإنسان تعرّض للحديث عن خلقة النبات، وكلاهما من الآيات الآفاقيّة، وينبغي للإنسان أن يتأمّل في كلتا الحصّتين من الآيات، والتعرّض لأيٍّ منهما فيه هدايةٌ ونفعٌ للسامعين.
الثاني: أنَّه من أجل هداية الإنسان تعرّض لبيان قدرة الله في النبات.
ــــــ[178]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الثالث: أنَّه بيّن فضل الله سبحانه على الإنسان بالنبات، ولعلّ قليلاً من الناس يذكرون هذا الفضل ويشكرون الله عليه؛ لأنَّهم يأكلون الفواكه والحنطة ونحوها، إلّاَ أنَّهم لا يلتفتون إلى اللطف الإلهي المباشر فيها، ولا يشعر بهذا اللطف إلّاَ القليل، فيرد قوله تعالى: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}. ومع توفّر النعم الباطنيّة كتيسير السبيل له والنبات في السياق الذي يليه، يعيش الإنسان حالة الغفلة والغرق في غيّه وشهواته. وهذا سياقٌ متكوّنٌ من تسع آيات: الأُولى منه ملحقةٌ بالنسق السابق عليها. والنسق في قوله: {ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} عبارةٌ عن ضمير الغائب ليتغيّر إلى قوله: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً}، ويختم هذا النسق بآيةٍ واحدٍ ذات نسقٍ مستقلٍّ، وهي قوله تعالى: {مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}. وهذا له مغزىً، وهو أنَّ الكلام أو السياق السابق قد انتهى، وبدأ سياقٌ جديدٌ، ويمكن أن نقول بأنَّ نسق قوله تعالى: {مَتَاعاً لَكُمْ وَِلأَنْعَامِكُمْ} لا يختلف تماماً عمّا سبقه. وبيان عدم اختلافه وهو: أنَّ هذه الآية: {مَتَاعاً لَكُمْ وَِلأَنْعَامِكُمْ} لا تختلف كثيراً عن سابقاتها، بل فيها تشابهٌ معها في النسق، والتشابه بالسكون؛ لأنَّ الميم في (أنعامكم) ساكنة، وألف الإطلاقٍ في (صبّاً، شقّاً، عنباً، قضباً) ساكنة كذلك. وقد يكون المراد منها ضمناً وجود الألف في {أَنْعَامِكُمْ} فكأنَّه قال: (ولأنعامكا) إلّاَ أنَّه أبدله بالميم إيضاحاً، وهذه الألف لا تأتي إلّاَ في كافٍ مفردٍ في الضمير المفرد المخاطب، ولا تأتي إلّاَ في الجمع. نعم، يكون ضمير الجمع بدل ضمير الإفراد الذي يصحّ مع الألف.
[ليس كلّ ميّت يقبر فكيف قال تعالى: ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ]
الأمر الخامس: أنَّه قد يُقال: ليس كلّ ميّت يقبر، بل إنَّ بعض المعلومات تشير إلى أنَّ ما نسبته 10% من الموتى لا يُقبرون، فكيف قال تعالى:
ــــــ[179]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
{ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ}؟
ويمكن الجواب عنه بوجوه:
الأوّل: أنَّ هذه الآية تُشير إلى أنَّ غالب الموتى يقبرون، فكأنَّ الآخرين ملحقون بالعدم، وقد غُضّ عنهم النظر، وهذا يكفي في صدق العبارة.
الثاني: أنَّ الآية تتعرّض لخصوص الذين يتمّ إقبارهم، فهو ينظر إلى خصوص هذه الحصّة، والحصّة الأُخرى مسكوتٌ عنها.
الثالث: أنَّ الميت حيث كان جسده فهو قبره، حتّى لو غرق في البحر أو وقع في بطون الوحوش والأسماك أو احترق وتحوّل إلى رمادٍ، فحيث ما مات كان قبراً له، ولو مجازاً، وإن كان بمعنى باطني قبراً حقيقيّاً، فيصدق الإقبار على كلّ أحدٍ.
الرابع: أنَّ البرزخ قبرٌ للميّت؛ لأنَّ الإنسان حينما يموت ينتهي احتضاره وينتقل إلى عالم البرزخ، فذلك هو قبره الذي يبقى فيه إلى يوم القيامة والنشور، فالبرزخ قبرٌ للميّت من حين موته إلى زمان نشره، وهو العالم الذي تعيش فيه روحه إلى يوم القيامة، ولا يخفى أنَّ كلّ ميّت ينتقل إلى عالم البرزخ أينما كان جسده، فكلّ ميّت مقبورٌ بهذا المعنى، فتصدق الآية على الموتى كلّهم.
الأمر السادس: أنَّ في السياق فعلين مَزِيدَين هما: (أقبره) و(أنشره)، وتقدّم الكلام في (أنشره)، وأمّا (أقبره) فالكلام فيه كما تقدّم في (أنشره)، وكما يمكن أن يقول: (نشره) كذلك يمكن أن يقول: (قَبَرَه) وقد عرفنا أنَّ قَبَرَه وأقبره بمعنىً واحدٍ.
مضافاً إلى احتمالٍ آخر حاصله: أنَّه قد تكون هناك قراءةٌ بالثلاثي: (ثُمَّ أماته فقبره، ثُمَّ إذا شاء نشره) وهذه القراءة تصلح للإجابة عن هذا السؤال.
ــــــ[180]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}:
والنظر إلى الطعام كاشفٌ عن قدرة الله سبحانه، كما أنَّ جميع الآيات الآفاقيّة كاشفةٌ عن قدرته سبحانه. وأشار السياق القرآني إلى حصّةٍ من الطعام، وهو الطعام الناشئ من النبات، أو قل: حصّة من النبات، وهو النبات المأكول؛ لأنَّه يمثّل أساس ما يتناوله الإنسان، بل الحيوانات المأكولة للإنسان تتغذّى على النبات أيضاً، وسائر المخلوقات من إنسانٍ ونباتٍ وحيوانٍ يعود إلى التراب.
وينبغي أن نلتفت إلى أنَّ قصّة النبات تبدأ بالمطر. كما أشار إليه تعالى في الآية اللاحقة بقوله: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً}، أي: بالمطر. وهذا المعنى أرسله السيّد الطباطبائي(1) إرسال المسلّمات، مع أنَّ ها هنا غير واحدٍ من الأحتمالات، كأن يكون صبُّ الماء بفعل الإنسان من قبيل الدلاء أو النواضح أو المحّركات في وقتنا الراهن. وهذه الأفعال وإن كانت بمباشرة الإنسان فهو الذي يصبّ الماء بالدلو مثلاً، إلّاَ أنَّه يصحّ نسبتها إليه تعالى أيضاً، كما قال: {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ}(2) وقوله: {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}(3)؛ لأنَّ الأسباب مؤثّرةٌ، إلّاَ أنَّ الحقّ نسبتها إلى مسبّب الأسباب تعالى.
ومن الواضح أنَّ السياق كلّه يتعرّض إلى الفعل الإلهي مع قطع النظر عن فعل الإنسان. قال تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً
ــــــ[181]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 209، تفسير سورة عبس.
(2) سورة مريم، الآية: 58.
(3) سورة الواقعة، الآية: 64.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}. وما أُفيد كلّه فعل الله جلّ جلاله، ولم يتعرّض السياق إلى شيءٍ من فعل الإنسان. فهذا السياق ينسب وجود النبات من أوّله إلى آخره إليه سبحانه، كما قال تعالى في آيةٍ أُخرى: {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}. فليس الإنسان هو الزارع، وإن توهّم ذلك، بل الله هو الزارع، ومن هنا فإذا أردنا أو أراد القرآن إيضاح الحقيقة بدقّةٍ فعلينا نسبة الفعل مباشرةً إلى الله تعالى.
[تعرّض لصبّ الماء وشقّ الأرض وإنبات النبات دون عمليّة البذار]
ثُمَّ إنَّ سياق الآيات: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً} يتعرّض لصبّ الماء وشقّ الأرض وإنبات النبات، ولا يتعرّض لعمليّة البذار، ومن الواضح أنَّها أحد مراحل الزراعة، ولا يخرج النبات بدونها. فلماذا لم يتمّ التعرّض لها في سياق الآيات؟
ولعلّه يمكن تفسير ذلك بأحد الوجوه التالية:
الأوّل: أنَّ سياق الآيات يوضّح ما يرتبط بالله سبحانه من عمليّة الإنبات، فحذف العمل المنتسب إلى الإنسان، وهو البذار، وذكرت المراحل التي تنحصر به سبحانه، ونحن نفهم سائر المراحل ضمناً دون الحاجة إلى التعرّض لها؛ لأنَّ التأكيد فيها على قدرة الله سبحانه، فإذا ذكر عمل الإنسان فلعلّه يؤثّر على السياق.
الثاني: أنَّ وجود البذر في الأرض أمرٌ مسلَّمٌ؛ لعدم معقوليّة الإنبات دون بذرٍ، والآيات تتحدّث عن المراحل اللاحقة من صبّ الماء وما بعدها، وأمّا الباذر فهو مسكوتٌ عنه؛ لعدم تعلّق الغرض بذكره.
الثالث: أنَّ أصل الخلقة بالإبداع؛ لعدم الإيمان بنظريّة دارون، بل أصل البشريّة من آدم وحوّاء، وكلّ واحدٍ من الحيوانات له أصلٌ من ذكرٍ وأُنثى، ولذا فالأصل في قضيّة البيضة والدجاجة هو وجود الدجاجة
ــــــ[182]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والديك، ثُمَّ حصل التكاثر، وكما أنَّ الإنسان والحيوان لهما أصلٌ، فكذلك الحال في النبات، فنبتت شجرةٌ بقدرة الله بدون بذرٍ، وكانت أوّل شجرةٍ موجودةٍ على وجه الأرض، وأعطت بذراً، وحينئذ يكون قوله: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً} بمعنى: الإنبات بدون بذرٍ؛ لأن النبات الأصلي كان بدون بذرٍ، وهذا يدفع الإشكال؛ لأنَّ الآيات تشير إلى أصل الخلقة.
****
قوله تعالى: {ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً}:
الشقّ هنا بمعنى: فتح أُخدودٍ صغيرٍ في الأرض توضع فيه البذور لتنبت، وهذا الشقّ قد يكون عبارةً عن الحرث وتقليب التراب، إلّاَ أنَّ الأرجح أنَّه عبارةٌ عن الشقّ الذي يحدثه النبات أوّل خروجه من البذر؛ فإنَّه يدفع وجه التربة ويشقّ الأرض ليخرج.
ومن الواضح أنَّ هناك ترتيباً مرحليّاً في قوله تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً}؛ إذ ينزل المطر أوّلاً، ثُمَّ تُشقّ الأرض، ثُمَّ يخرج النبات، فكلّ واحدٍ منها له رتبةٌ زمانيّة أو عقليّة. نعم، ليس بين الشقّ والإنبات ترتّبٌ زماني؛ لأنَّ الشقّ والإنبات يحدثان في زمنٍ واحدٍ، إلّاَ أنَّ بينهما ترتّباً عقليّاً وعلّيّاً، فبحسب الرتبة يكون الشقّ متقدّماً على الإنبات، فيحصل الشقّ حتّى تصعد النبتة، وإلّاَ فلو كانت الأرض صلبةً لما صعدت النبتة، فيلزم من عدم الشقّ عدم الإنبات، والشقّ ليس سابقاً زماناً على الإنبات، إلّاَ أنَّ السبق هنا بالرتبة والعلّيّة.
ويمكن أن يُراد بالشقّ هنا الشقّ الاقتضائي لا الفعلي؛ فمّرةً نريد الشقّ
ــــــ[183]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
كما عليه مشهور المفسّرين من: أنَّ النبات يشقّ وجه الأرض ويخرج، وأُخرى يكون الشقّ اقتضائيّاً، أي: اقتضاء الأرض للشقّ لليونتها، فلو كانت صلبةً أو صخريّةً لم يستطع النبات من شقّها، ولم يوجد فيها زرعٌ. ولا يخفى: أنَّ الآية الكريمة تنسب الشقّ إلى الله سبحانه: {شَقَقْنَا الْأَرْضَ} مع أنَّه يحصل بدفع النبات حسب القانون الطبيعي، وهذه النسبة تشبه الكثير من الأفعال الطبيعيّة التي نسبها الله إلى نفسه في كتابه الكريم، كما في قوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ}(1) وقوله: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً}(2) وقوله: {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}(3).
****
قوله تعالى: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً}:
ويُراد به أحد أمرين: الأوّل: أنَّ المقصود من (أنبتنا فيها حبّاً) أي: نباتاً، كما لو قال: أنبتنا فيها الحبّ المزروع في الأرض، وحينئذ يكون السياق مشيراً إلى البذر. الثاني: أن يكون المقصود من الحبّ هو الحبّ المعلوم، فيكون المقصود: أنبتنا فيها نباتاً يكون سبباً لوجود الحبّ، وهو سنابل الحنطة والشعير وغيرهما. وهذا السياق فيه امتنان إلهي على المجتمع؛ حيث أنبت سبحانه ما لا يحصى من الحبوب من حبّةٍ واحدةٍ، وتكون الإشارة إلى الحبّ المعلول الناتج، لا الحبّ العلّة الذي هو البذر.
ومن الواضح أنَّ الزرع يتعلّق مباشرة بالساق أو بالورق لا بالحبّ،
ــــــ[184]ــــــ
(1) سورة مريم، الآية: 58.
(2) سورة الفرقان، الآية: 48.
(3) سورة الواقعة، الآية: 64.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ولكنّه جلّ جلاله أشار إلى الحبّ باعتبار أنَّه الأهمّ والمقصود، لا الساق والورق، وهو يأتي من الأرض لا بالمباشرة، بل بالتسبيب عن طريق النبات الذي أثمره. ويأتي الكلام في الثمرة من حيث إنَّه تعرّض للثمرة دون الشجرة، فذكر العنب والزيتون والفاكهة، مع أنَّه لم يُنبت العنب، بل شجره، وهو الكرم، ونحوه الكلام في الفاكهة، فالآيات تشير إلى ما هو المهمّ، وهو الثمار.
وقد يُقال: إنَّ المراد من العنب والزيتون ونحوها الأشجار، وهذا المعنى لا بأس به، كما يصحّ أيضاً في الحبّ، فيكون المقصود به: أنبتنا سنبلة الحبّ، وكأنَّما الشجرة والنبتة مستبطنةٌ في عنوان الحبّ والفاكهة. وهذا في الزيتون واضحٌ جدّاً؛ لأنَّك تسمّي الشجرة زيتوناً، ولا حاجة لأن يُقال: شجرة الزيتون، وربما أُطلق على شجرة العنب لفظة العنب تجوّزاً.
وينبغي هنا الالتفات إلى القانون الإلهي المودع في النباتات، فإذا غرس نبتةً صغيرةً نرى بعد مدّةٍ أنَّ الجذور تتّجه إلى الأسفل، والساق والأوراق إلى الأعلى، ولا يتّجهان باتّجاهٍ واحدٍ، أو ينعكس الحال، ومن هنا يُعلَم أنَّ الله سبحانه أودع فيها هذه العمليّة. ومنه يتّضح السرّ في قوله تعالى: {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}(1). وكذا الحال في الإنسان. ولذا يُلاحظ أنَّ العظام المكسورة تلتحم وتنجبر بقانونٍ إلهي، ويلتحم الجلد بعد جرحه، ولولا هذه القوانين الإلهيّة لما استطاع طبيبٌ أن ينجز أيّ عمليّةٍ جراحيّةٍ، أو أن يشفي مريضاً. وهذا غيضٌ من فيضٍ.
****
ــــــ[185]ــــــ
(1) سورة الواقعة، الآية: 64.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {وَعِنَباً وَقَضْباً}:
أمّا العنب فقد أفاد الراغب: أنَّ العنب يُقال لثمرة الكرم، وللكرم نفسه، الواحدة عنبة، وجمعه أعناب. قال: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ}(1) وقال تعالى: {جنّة من نخيل وعنب}(2)، {وجنّات من أعناب}(3)، {حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً}(4)، {وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً}(5)، {جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ}(6) والعَنَبة بثرةٌ على هيئته(7).
وأمّا القضب فهو الرطبة أفاد الراغب: أنَّ قضباً بمعنى: رطبة، والمقاضب الأرض التي تنبتها، والقضيب نحو القضب، لكن القضيب يستعمل في فروع الشجر، والقضب يستعمل في البقل. والقضب قطع القضب والقضيب… وسيفٌ قاضبٌ وقضيبٌ أي: قاطعٌ، فالقضيب ههنا بمعنى الفاعل، وفى الأوّل بمعنى المفعول. وكذا قولهم: ناقةٌ قضيبٌ: مقتضبةٌ من بين الإبل ولما قرض. ويُقال لكلّ ما لم يهذّب مقتضبٌ، ومنه اقتضب حديثاً إذا أورده قبل أن راضه وهذّبه في نفسه(8).
ــــــ[186]ــــــ
(1) سورة النحل، الآية: 67.
(2) سورة الإسراء، الآية: 91.
(3) سورة الأنعام، الآية: 99، وسورة الرعد، الآية: 4.
(4) سورة النبأ،الآية: 32.
(5) سورة عبس، الآية: 28.
(6) سورة الكهف، الآية: 32.
(7) مفردات ألفاظ القرآن: 361، مادّة (عنب).
(8) راجع المصدر السابق: 420-421، مادّة (قضب).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وقال في “الميزان”: القضب هو الغضّ الرطب من البقول الذي يأكله الإنسان يقضب، أي: يقطع مرّةً بعد أُخرى. و قيل: هو ما يقطع من النبات، فتعلف به الدوابّ(1).
[في انطباق القضب على البقول]
والذي يتحصّل من ذلك أنَّ القضب هو النبات الأخضر، وهذا معنىً عامٌّ لما أكله الإنسان والحيوان، بل لما لم يُؤكل أيضاً إذا كان على غراره من هذه الناحية، فكلّ النباتات الهشّة القابلة للقطع يمكن أن تسمّى قضباً، فيشمل الخضراوات التي يأكلها الإنسان، كالبقدونس والريحان، ويشمل ما تأكله الدوابّ، كالقصيم ونحوه. وأمّا شموله للثمرات، كالباذنجان والطماطم أو الفواكه، كالتفّاح والبرتقال فباعتبار أنَّها هشّةٌ كذلك، فينشأ إشكالٌ في الانطباق اللغوي؛ لأنَّ القضب هو الغصن الهشّ، مع أنَّ أغصان هذه الأشجار ليست هشّةً، بل ثمارها، فأغصان الرمّان والحمضيّات ليست هشّةً، بل هي خشبٌ صلبٌ، والهشّ هو ثمارها، إلّاَ أن يُراد بالهشاشة هنا مطلق الرقّة، لا خصوص قابليّتها للأكل. وعلى كلّ حالٍ فانطباق القضب على البقول على أحد الأنحاء التالية:
الأوّل: أن يكون القضب هو الغصن الرطب نفسه.
الثاني: أن يكون القضب بمعنى القطْع، ويراد به الغصن المقطوع بالالتزام.
الثالث: أن تكون الباء في القضب بدلاً من الميم، وأصله القضم، وهو طحن الطعام بالأسنان، فيكون النبات قضباً باعتبار قابليّته للأكل، وهذا يُستفاد ممّا مر ذكره عن “الميزان”: يقضب أي: يقطع مرّةً بعد أُخرى.
ــــــ[187]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 209، تفسير سورة عبس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً}:
وهما معروفان، ولا حاجة إلى توضيح الواضحات. لكن يوجد هنا إشكالٌ يقول: إنَّ الطريقة الموصوفة في السياق القرآني لا تشمل الزيتون والنخل، بل تشير إلى النبات الصغير في قوله تعالى: {ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً} وكأنَّ هذا السياق لا يشمل الزيتون والنخيل.
ويُلاحظ عليه: أنَّ كلّ شجرةٍ كانت في أوّل أمرها نبتةً صغيرةً، فكلّ هذه الأشجار الواردة في السورة كانت أوّل أمرها نباتات صغيرة، وهي ناتجةٌ عن الأُمور الموصوفة في السياق من شقّ الأرض والإنبات. والزيتون قد يُراد به الثمرة، وقد يُراد به الشجرة، إلّاَ أنَّ النخل اسم الشجرة، فيكون وروده هنا ظاهراً في أنَّ المراد هو نوعَي الشجر لا الثمرة، أي: يمكننا أن نفهم وحدة سياقٍ بين قوله {وَزَيْتُوناً} وقوله {وَنَخْلاً} فيكون المقصود شجر الزيتون وشجر النخل.
****
قوله تعالى: {وَحَدَائِقَ غُلْباً}:
الحديقة: قطعة أرض ذات ماء سُمَّيت تشبيهاً بحدقة العين في الهيئة وحصول الماء(1)، وبريق العين شبيهٌ ببريق الماء.
أقول: إنَّ الحديقة بحسب المرتكز المعاصر هي ما كان فيها نباتٌ لا أرضٌ وماءٌ فحسب، إلّاَ أنَّ يُراد أنَّ أغلب الأراضي التي فيها ماء ينبت فيها النبات عادةً. والحديقة فعيلٌ من حدق وأحدق تشبيهاً لها بحدقة العين، وقد يكون بمعنى اسم المفعول، ويُراد أنَّ النبات يلتفّ حولها، أو الحائط يلتفّ
ــــــ[188]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 109، مادّة (حدق).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
حولها، وقد تكون من الحدق بمعنى: جذب النظر، فتكون بمعنى اسم الفاعل، كما قد يُراد أنَّها منظورٌ إليها، فتكون بمعنى اسم المفعول. والحدْق بالسكون شدّة النظر، ومنه التحديق، وهو التعمّق بالنظر.
وأمّا {غلباً} فقد قال الراغب في مادّة (غلب): الغلبة القهر، يُقال: غلبته غلباً وغلبةً وغلباً، فأنا غالبٌ. قال تعالى: {الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}(1)، {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً}(2) {يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}(3) {يَغْلِبُوا أَلْفاً}(4) {لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي}(5) {لاَ غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ}(6) {إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ}(7) {إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ}(8) {فَغُلِبُوا هُنَالِكَ}(9) {أَفَهُمْ الْغَالِبُونَ}(10) {سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ}(11) {ثُمَّ يُغْلَبُونَ}(12). وغلب عليه كذا أي: استولى {غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا}(13). قيل: وأصل غَلَبت
ــــــ[189]ــــــ
(1) سورة الروم، الآيات: 1-3.
(2) سورة التوبة، الآية: 249.
(3) سورة الأنفال، الآية: 65.
(4) سورة الأنفال، الآية: 65.
(5) سورة المجادلة، الآية: 21.
(6) سورة الأنفال، الآية: 48.
(7) سورة الأعراف، الآية: 113، وسورة الشعراء، الآية: 44.
(8) سورة الشعراء، الآية: 44.
(9) سورة الأعراف، الآية: 119.
(10) سورة الأنبياء، الآية: 44.
(11) سورة آل عمران، الآية: 12.
(12) سورة الأنفال، الآية: 36.
(13) سورة المؤمنون، الآية: 106.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[مناقشة ما أفاده الراغب في تفسير الغلبة]
أن تناول وتصيب غَلَبَ رقبته، والأغلب الغليظ الرقبة. يُقال: رجل أغلب وامرأة غلباءٌ وهضبةٌ غلباءٌ كقولك: هضبةٌ عنقاءٌ ورقباء أي: عظيمة العنق والرقبة، والجمع غلبٌ. قال {وَحَدَائِقَ غُلْباً}(1).
أقول: لم يجد الراغب في تفسير الغلبة معنى سوى القهر، مع أنَّ هذا المعنى لا يتوفّر في الكثير من استعمالات المادّة، وليس كلّ غالبٍ قاهراً إلّاَ في الحروب. والظاهر: أنَّ الغلبة نجاح التجربة في السيطرة على الطرف الآخر بالنحو المطلوب، فيكون غالباً، سواء كان في حربٍ أو في دربٍ أو تجارةٍ أو مناقشةٍ، كما لو غلب شخصاً آخر في النقاش بقوّة الاستدلال، فهو غالبٌ. ومنه سُمّي الرجل الشاهق بالغالب؛ لأنَّه مسيطرٌ على أذهان الناس والمجتمع. ومنه قولنا: (غالبا) أي: في الحصّة الكبيرة والمسيطرة من الزمان أو المكان. وقوله: {غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا}(2) أي: سيطرت علينا شهواتنا وأوصلتنا إلى الشقاء والعذاب.
والظاهر: أنَّ غليظ الرقبة سمّي أغلب؛ لأنَّ المجتمع والعرف يتصوّر لا شعورّياً أنَّ المسيطر غليظ الرقبة؛ لأنَّه ضخمٌ مثلاً، وهذا وهمٌ غالبٌ. وإذا رجعنا إلى فهم الآية {وَحَدَائِقَ غُلْباً} لوحظ أنَّ الوصف فيها للحدائق لا للأشجار، ومن هنا لا نوافق صاحب “الميزان” في تفسير الآية بأنَّها الأشجار العظيمة(3)، فأرجع قوله: (غُلباً) إلى الأشجار، وهو لا يخلو من تسامحٍ. بل المراد أنَّ نفس الحدائق في غلبةٍ، أي: إنَّها ذات نوعٍ من السيطرة، يعني: أنَّها
ــــــ[190]ــــــ
(1) سورة عبس، الآية: 30.
(2) سورة المؤمنون، الآية: 106.
(3) راجع الميزان في تفسير القرآن 20: 209، تفسير سورة عبس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
تسيطر على عيون الناظرين بجمالها الأخّاذ، كما قال تعالى: {حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ}(1) لأنَّها تنفع وتسيطر اقتصاديّاً أو لأنَّها تسيطر على صاحبها بالعمل والنظر والتعب فيها.
****
قوله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً}:
قال الراغب الأصفهاني: الفاكهة قيل: هي الثمار كلّها، وقيل: بل هي الثمار ما عدا العنب والرمان (2). ونقله في الميزان من دون إسنادٍ إلى الراغب(3) ولعلّه تبنّى هذا الرأي. وأضاف الراغب: والفكاهة حديث ذوي الأُنس. وقوله: {فَظَلَلْتُمْ تَتَفَكَّهُونَ} قيل: تتعاطون الفكاهة، وقيل: تتناولون الفاكهة(4). ولعلّ الفاكهة عاطفة نفسيّة مريحة ومطلوبة تُسمَّى بالأُنس أو الطيب أو الراحة ونحو ذلك، ومن هنا سُميَّت أسبابها بنفس المادّة، أي: الأُمور التي تُحدِث الأنس، ومنه الحديث المؤنس الذي هو التفكّه. ومنه مطلق الأكل اللذيذ، يُقال يتفكّه في طعامه، ومنه الثمرة اللذيذة، وهي التي تؤكل دون طبخٍ وإعدادٍ، بل تُقطف وتؤكل من قبيل: البرتقال والكمّثرى والموز ونحوها. فانقدح: أنَّ الفاكهة هي التي تؤكل دون طبخٍ، دون مطلق الثمار، كما قاله الراغب؛ لأنَّه على قوله ستدخل ثمار من قبيل: اليقطين والباذنجان وكثير من الخضراوات فيها، مع أنَّها تؤكل بالطبخ.
ــــــ[191]ــــــ
(1) سورة النمل، الآية: 60.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 399، مادّة (فكه).
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 210، تفسير سورة عبس.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 399، مادّة (فكه).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ويمكن تقديم أُطروحةٍ أُخرى بأن يُقال: الفاكهة في الأصل هي الثمرات التي تُؤكل من دون طبخٍ، وحيث إنَّ أكل هذه الثمرات يُحدِث لذّةً في النفس وراحة سُميَّت هذه الراحة بالتفكُّه، ثُمَّ سُميَّت أسبابها الأُخرى – غير أكل الفاكهة – كالحديث المؤنس وغيره بالتفكّه، وإلّاَ فالفاكهة في الأصل هي ما تقدّم.
فقد اتّضح لدينا فكرةٌ عن حدود الفاكهة، لكن ما يزال هناك إجمالٌ وغموضٌ في اللغة والعرف، وربما لا يُعلَم حال التمر مثلاً؛ لأنَّه إن كانت الفاكهة هي الثمار التي تؤكل دون طبخ فالتمر كذلك، ولكنه يوجد ارتكازٌ أنَّ الفاكهة لا تشمل التمر، كما أشار إليه الراغب من: أنَّها لا تشمل العنب والرمان. والغرض: أنَّ ظاهر الآية خروج التمر الذي هو ثمرة النخل من الفاكهة. قال تعالى: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً}. والسياق القرآني يجعل الفاكهة بإزاء النخل، وكأنَّما يستظهر من العطف أنَّه عطفٌ على المباين، فكأنَّ القرآن يشهد – ولو بالدلالة الالتزاميّة- أنَّ ثمر النخل ليس فاكهةً، وقد يكون من عطف العامّ على الخاصّ، فذكر النخل أوّلاً لأهمّيّته، ثُمَّ ذكر مطلق الفاكهة؛ لأنَّ لها نحواً من الأهمّيّة.
[في مواد الأب]
وأمّا الأب فيظهر أنَّ له ثلاث موادّ: الأُولى من (أبو) بمعنى الوالد، والثانية (أب إباً) من الإباء، والثالثة ما في الآية التي نحن بصددها، وهي أب من أبب، وهو اسم الشيء الذي سنتطرّق للكلام عنه.
قال الراغب: الأب: الوالد، ويسمّى كلّ من كان سبباً في إيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره أباً، ولذلك يُسمّى النبي أبا المؤمنين. قال الله تعالى:
ــــــ[192]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}(1). وفي بعض القراءات: (و هو أبٌ لهم)(2). ولا يوجد تصريحٌ في الآية بأنَّ النبي أبٌ للمؤمنين، وإنَّما يُفهم ذلك من وصف أزواجه بأنَّهن أُمّهاتهم. وأضاف الراغب: وروى أنَّه قال لعلي: “أنا وأنت أبوا هذه الأُمّة”(3). وإلى هذا أشار بقوله: “كلّ سببٍ ونسبٍ منقطعٌ يوم القيامة إلّاَ سببي ونسبي”(4).
أقول: قوله: و”أبوا” أي: كلٌّ منهما أبٌ لهذه الأُمّة؛ إذ كلٌّ منهما موجدٌ له بعد الطمس، ومصلحٌ لها بعد الفساد. وقال الراغب: وقيل: أبو الأضياف لتفقّده إيّاهم، وأبو الحرب لمهيجها، وأبو عذرتها لمفتضّها. ويُسمّى العمّ مع الأب أبوين، وكذلك الأُمّ مع الأب، وكذلك الجدّ مع الأب. قال تعالى في قصّة يعقوب: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً}(5) وإسماعيل لم يكن من آبائهم، وإنَّما كان عمّهم(6).
ــــــ[193]ــــــ
(1) سورة الأحزاب، الآية: 6.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 3، مادّة (أبا).
(3) الأمالي (للشيخ الصدوق): 331، المجلس 53، الحديث 13، معاني الأخبار: 118، باب معنى عقوق الأبوين …، الحديث 1، المناقب 3: 105، فصل: في أنَّه المعني بالإنسان والرجل … . كما ورد الخبر بألفاظٍ مختلفةٍ في غير موردٍ من المجامع الحديثيّة، فراجع.
(4) الخصال 2: 559، احتجاج أمير المؤمنين بمثل هذه الخصال …، الحديث 31، عوالي اللئالي 1: 302، المسلك الأوّل، الحديث 1، المناقب 2: 168، فصل: في القرابة.
(5) سورة البقرة، الآية: 133.
(6) مفردات ألفاظ القرآن: 3، مادّة (أبا).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[أطروحات في مادة أب]
أقول: مادّة الأب التي نتحدَّث عنها يخرجها الراغب بعنوانٍ آخر، فهو يذكر هذه المادّة ثلاث مرّاتٍ، يعني: (أب) له ثلاث موادّ بثلاثة أوضاع لغويّة. وربما تكون الدلالة على ذلك أنَّ الأب بمعنى الوالد ساكن الباء، والأب بمعنى النبات مشدّد الباء (أبّ)، لكن هذا لا يعني المغايرة بين المادّتين مغايرةً حقيقيّةً وأنَّهما متباينان لمجرّد مغايرة الثلاثي مع المزيد. ولعلّ الأب الذي بمعنى الوالد بمنزلة الثلاثي، والأبّ المشدّد بمنزلة المزيد، اللّهمّ إلّاَ أن يُقال: إنَّ الأب بمعنى الوالد أصله (أبو) والآخر أصله (أبب) فيكون من مادّةٍ أُخرى، كما لا يبعد. وحينئذٍ يرد الإشكال على الراغب من أنَّ عليه أن يقدّم (أبب) على (أبو)، مع أنَّه في “المفردات” قدَّم (أبو) على (أبب)، وربما فاته ذلك، مع أنَّه حاذقٌ في فنّه والعصمة لأهلها.
ويقول الراغب في مادّة (الأب) بمعنى النبات الذي نتكلّم عنه في الآية الشريفة {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} ما يلي: الأب المرعى المتهيّئ للرعي والجزّ، من قولهم أبّ لكذا، أي: تهيّأ أبّاً وإبابةً وإباباً. وأبّ إلى وطنه إذا نزع إلى وطنه نزوعاً تهيّأ لقصده، وكذا أبّ لسيفه إذا تهيّأ لسلّه. وإبّان ذلك فعلان منه، وهو الزمان المهيّأ لفعله ومجيئه(1).
أقول: يمكن تقديم أكثر من أُطروحةٍ في الأصل اللغوي لهذه المادّة:
الأُولى: أنَّ (أبَّ) محرَّفٌ أو مأخوذٌ من هبّ، كما يقال: (هبّ ودبّ) وهبّ بمعنى: نهض وهمّ بالشيء، ومن هنا فسّره الراغب بالتهيّؤ؛ لإفادته المعنى بنحوٍ وآخر.
الثانية: أنَّه مادّةٌ مستقلّةٌ أصلها (أبَبَ) بمعنى: تهيّأ، ويكون الأب
ــــــ[194]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 2، مادّة (أب).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
مصدراً أو اسم مصدرٍ لها، أبّ أبّاً وإباباً.
الثالثة: أنَّ أصل المادّة (أبَوَ) فترجع إلى معنى الأُبوّة، والأُبوّة بالمعنى العامّ مطلق ما كان سبباً لوجود الشيء أو إصلاحه، كما تقدّم عن الراغب، ولا شكّ أنَّ الطعام سببٌ لإصلاح الإنسان والحيوان، ولا حياة لهم من دونه، كما أنَّ الكلأ سببٌ لإصلاح الحيوان. ومن هنا فُسِّر الأبّ على المشهور بأنَّه الكلأ الذي تأكله الدوابّ؛ لأنَّه ضروري، وكأنَّه يشبه الأب أو بمنزلة الأب لهم؛ لأنَّه مُصلحٌ لحالهم.
فإن قلت: بناءً على الأُطروحة الثالثة التي تُرجِع (أبّ) إلى معنى الأُبّوة ينبغي أن يقول: (وفاكهة وأبَا) دون تشديد الباء.
قلت: يمكن الجواب عن ذلك بوجوهٍ:
الأوّل: التنازل عن المعنى الثالث؛ لأنَّ ذلك قرينةٌ على عدمه، يعني: كون الباء مشدّدةً في الآية قرينةٌ على بطلان الأُطروحة الثالثة.
الثاني: أن نقول: إنَّ الأب بمعنى الوالد مشدّدٌ أيضاً، فالأب مضاعفٌ عرفاً، وإن كان مخفّفاً لغةً، فنعترف أنَّه بالأصل مخفّفٌ، إلّاَ أنَّه بالعرف تقول: (أب وأُمّ) وكأنَّك لفظت باءين، ولفظت ميمين في الأُمّ (أُمّ، عمّ) كما يمكن عرفاً أن تقول: (أبّ) وتريد (أبٌ) وحينئذٍ يندفع الإشكال.
الثالث: أنَّه ضُعِّف أي: شُدِّد، إلّاَ أنَّ المقصود هو الأب بمعنى الأُبّوة، والتشديد لأجل حفظ النسق بين الآيات؛ لأنَّه ضمن سياقٍ يحتاج إلى تشديدٍ من قبيل قوله: (غلباً) فلو قال: (وأبا) دون تشديد لم يكن ملائماً للنسق، فشدّده لأجل حفظ نسق الآيات. فإذا ضممنا كلا الوجهين الثاني والثالث
-يعني: أنَّ العرف يعتبر الأب بمعنى الوالد واقتضاء النسق- لزم تشديده،
ــــــ[195]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وليس هذا غلطاً لغةً.
ثُمَّ إنَّ المشهور مع تفسيرهم (أبّاً) بالمرعى الذي تأكله الحيوانات فسّروا القضب أيضاً بالنبات الذي تأكله الحيوانات، فيكون معنى القضب والأبّ واحداً، وهما وإن لم يكونا بالدقّة شيئاً واحداً، إلّاَ أنَّهما في العرف شيءٌ واحدٌ، فيرجع أحدهما إلى الآخر، ويلزم التكرار في السياق، وهو منافٍ لفصاحة القرآن الكريم.
ويمكن الجواب عن هذا الإشكال بوجوهٍ:
الأوّل: أن نناقش الكبرى فنقول: ليس كلّ تكرارٍ غلطاً وقبيحاً، بل إنَّما يكون غلطاً إذا اشتمل على أُمور: أحدها: أن يكون لفظيّاً، وثانيها: أن يكون بدون حكمةٍ وبلا مناسبةٍ. ويرتفع المحذور بفقدان أحد هذين الأمرين، فإذا كانت هناك مناسبة وحكمة فإنَّه يحسن التكرار، وذلك من قبيل تكرار قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}(1) في سورة الرحمن، ونحوه ما إذا لم يكن التكرار لفظيّاً بل معنويّاً. ومحلّ كلامنا من الثاني؛ إذ لا تكرار لفظي، بل هناك تكرارٌ للمعنى بألفاظٍ مختلفةٍ أحدهما مادّته (الأبّ) والآخر (القضب) فيرتفع المحذور من هذه الناحية.
الثاني: أنَّ التكرار وإن كان في الأصل منافياً للبلاغة – بعد التنزّل عن الوجه الأوّل- إلّاَ أنَّه لا مانع منه عند اقتضاء المصلحة، وهي هنا ضبط نسق الآيات؛ إذ لا توجد كلمة تحفظ نسق الآيات سوى كملة (أبَّا).
الثالث: أنَّه لا تكرار في المعنى في المقام؛ لاحتمال اختلاف المعنى بين القضب والأب، فإنَّه يمكن جعل القضب خاصّاً بالإنسان بأن يُقال: هو
ــــــ[196]ــــــ
(1) تكرّرت هذه الآية في سورة الرحمن 31 مرّةً.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
النبات الرطب الذي يأكله الإنسان من قبيل الخضراوات، كالكرّاث والكرفس، والأبّ خاصّاً بعلف الحيوان، فيكونان متباينين، ولا تكرار. أو يُقال بأنَّ القضب يشمل الإنسان والحيوان، والأبّ خاصٌّ بالحيوان، فالقضب أعمّ من مأكول الإنسان والحيوان، فهو كلّ نباتٍ رقيقٍ مثلاً، والأبّ هو المرعى الذي يأكله الحيوان، ولا يشمل الإنسان، فيختلف المعنى من حيث العموم والخصوص، ولا تكرار.
الرابع: أنَّ الأبّ مرجعه إلى التهيّؤ، كما قال الراغب، والقضب مرجعه إلى الوجود والفعليّة، فهو موجودٌ لا متهيّئ، فالأبّ تهيّؤ والقضب نتيجة التهيّؤ، وهو حصول الشيء المتهيّئ. فإما أن نقول: إنَّ بينهما تبايناً؛ لأنَّ معنى التهيّؤ غير معنى الفعليّة، وإمّا أن نقول: إنَّ التهيؤ أعمّ من الفعليّة؛ لأنَّ الشيء الذي يتهيّأ له قد يصبح فعليّاً وقد لا يصبح. هذا من جهةٍ. ومن جهةٍ أُخرى قد نلاحظ الفعليّة في القضب، فيكون بينهما نسبة العموم والخصوص أو العموم والخصوص المطلق.
****
قوله تعالى: {مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}:
قال الراغب: والمتاع انتفاع ممتدّ الوقت. يُقال: متّعه الله بكذا وأمتعه وتمتّع به.
قال: {وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}(1)، {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً}(2)، {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً}(3)
ــــــ[197]ــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 98.
(2) سورة لقمان، الآية: 24.
(3) سورة البقرة، الآية: 126.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
{سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}(1) … وكلّ ما يُنتفع به على وجهٍ مّا فهو متاعٌ ومتعةٌ، وعلى هذا قوله: {وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ}(2) أي: طعامهم فسمّاه متاعاً، وقيل: وعاءهم، وكلاهما متاعٌ، وهما متلازمان؛ فإنَّ الطعام كان في الوعاء(3).
أقول: الظاهر: أنَّ المتاع في أصل اللغة ما كان سبباً لقضاء بعض حوائج الدنيا، ولذا كان متاع الدار الدنيا ومتاع السفر متاعاً، والطعام متاعاً، وكانت الدنيا نفسها متاعاً قليلاً بالنسبة إلى الآخرة، كما نصّ عليه القرآن في غير موضعٍ من آياته من قبيل: قوله تعالى: {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ}(4). إلّاَ أنَّه أُخذ فيه معنى التوقيت ونفي التأبيد، فلا يصدق المتاع على المنفعة الأبديّة، بل يصدق على المنفعة المؤقّتة، ومن هنا لا تكون الجنّة والآخرة متاعاً؛ لأنَّها مؤبّدةٌ، ومن هنا تكون الحياة الدنيا متاعاً، لا الآخرة. وكلُّ ما صدق عليها متاعٌ إنَّما هو مؤقّت من قبيل: متاع البيت ومتاع السفر والدنيا والنكاح، وهذه انتفاعاتٌ محدودةٌ لا أبديّةٌ.
ومن الواضح أن قضاء الحاجة يؤدّي إلى أثرٍ نفسي مريحٍ، فالإنسان يشعر بالارتياح حينما يقضي حوائجه من قبيل أنَّه يأكل فيشبع، أو يشرب فيرتوي، ومن هنا كانت الراحة هي المتعة والتمتّع، ومن هنا سرى اللفظ فقيل: الطعام متاعٌ؛ لما يوجبه من أثرٍ نفسي طيّبٍ.
[المراد بالمتاع في قوله تعالى: مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ]
والمراد بالمتاع في قوله تعالى: {مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}. إمّا العلّة، وهي
ــــــ[198]ــــــ
(1) سورة هود، الآية: 48.
(2) سورة يوسف، الآية: 65.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 481، مادّة (متع)
(4) التوبة، الآية: 38.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الطعام الناتج من النبات، أو قل: النباتات المذكورة في الآية من قبيل: الزيتون والنخل والعنب والأبّ، فهي متاعٌ لكم ولأنعامكم، أي: ما يوجب لذّةً لكم وبهجةً وراحةً. أو يُراد المعلول الذي هو اللذّة النفسيّة أو لذّة تذوّق الطعام، وهذا يحصل للإنسان والحيوان، ولذا قال تعالى: {لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}.
فإن قلت: قوله تعالى: {مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} يفيد: أنَّ كلّ واحدٍ من هذه الأشياء المذكورة متاعٌ للإنسان، كما أنَّها متاعٌ للحيوان، مع أنَّ الأمر ليس كذلك؛ لوضوح أنَّ بعضها مختصٌّ بالحيوان مثلاً، وهو الأبُّ، وبعضها مختصٌّ بالإنسان، كالتمر.
قلت: الجواب واضحٌ؛ لأنَّ المراد أنَّ المجموع المذكور في الآيات السابقة يتّصف بكونه متاعاً للإنسان والحيوان معاً، بغضّ النظر عن التفاصيل، واختصاص بعضه بالإنسان كالتمر، وبعضه بالحيوان كالأبِّ، واشتراك البعض كالحبّ والقضب.
كما توجد ملاحظةٌ يمكن أن يندفع بها الإشكال المتقدّم، وهي أنَّ الأُمور المعدودة في الآيات من قبيل (النخل) لم يُؤخذ فيها الثمار، بل النخلة ككلّ: الثمار والجذوع والسعف والنوى، وبهذا يمكن أن يأكل الإنسان التمر، والحيوان كالغنم يأكل النوى، فصحّ أنَّ التمر يأكله الإنسان والحيوان.
ولا يخفى: أنَّ السياق العامّ للسورة بدأ بذكر الله سبحانه قائلاً: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} بعد تجاوز حادثة الأعمى في بداية السورة، ثُمَّ نحى باللائمة على من ترك الذكر قائلاً: {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}، ثُمَّ صار بصدد تعداد نعم الله على الإنسان التي تستوجب أن يكون الإنسان ذاكراً لربّه شاكراً لنِعَمه جلّ جلاله. واتَّبع السياق أُسلوبين للتنبيه على هذا الأمر: الأوّل:
ــــــ[199]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ببيان قهر الله سبحانه للإنسان في خلقه وحياته وموته منذ بدايته كنطفةٍ إلى إقباره، وثانياً: بذكر النعم الدنيويّة التي هي الحدائق والطعام النبات، وكلّها نعم تستوجب الشكر والذكر. وهذا كلّه بمنزلة المقدّمة للسياق الآتي، وهو ذكر يوم القيامة، فإذا تذكَّر الإنسان ربّ العالمين نجا، وإذا نسيه هلك. ويعضد ذلك أنَّ الله لا يُهمل الإنسان، بل سيعيده يوم القيامة، فإذا كان مقصّراً في الذكر والشكر هلك. ومن هنا دخلت السورة في بيان سياقٍ جديدٍ لوصف يوم القيامة وصفاً عاطفيّاً مخيفاً.
****
قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ}:
قال الراغب: الصاخّة شدّة صوت ذي المنطق. يُقال: صخّ يصخّ صخّاً، فهو صاخٌ. قال: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ} وهى عبارةٌ عن القيامة حسب المشار إليه بقوله: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ}(1). وقد قُلب عنه أصاخَ يصيخ(2).
ومقتضى كلام الراغب أنَّ صخ ّيصخ ّبمعنى: علا الصوت ذو المنطق. والظاهر: أنَّ المراد ليس ذلك؛ لأنَّ الصوت الشديد له جانبان، فكأنَّما هو معنى إضافي: جهةٌ فاعلةٌ للصوت، وجهةٌ منفعلةٌ، فالجهة المنفعلة هي التي تصخّ أي: تتأذّى لمكان الاندهاش أو الارتعاب.
وليُعلم: أنَّ الصوت لغةً على قسمين: أحدهما الكلام، والآخر الصيحة المهملة من قبيل الانفجار أو الصرخة، وكلٌّ منهما قد يكون صوتاً شديداً أو منخفضاً، فهنا أربعة أقسام، أحدها الصاخّة، وهو الصوت المرتفع المفهوم
ــــــ[200]ــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 73.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 283، مادّة (صخ).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
حسب تفسير الراغب الأصفهاني، وهو مراده من قوله: الصاخّة شدّة صوت ذي المنطق، يعني: الكلام المفهوم، ولا يشمل الصيحة المهملة مهما كانت مرتفعةً.
ثُمَّ إنَّ الصاخّة مأخوذ فيها قِصَرُ زمنها، ولو بمقدارٍ صيحةٍ، بأن تمتّد لثوانٍ أو لدقائق، فلو كان كلاماً طويلاً لم يكن صاخّة، سواء كانت من الكلام المهمل أم المستعمل. فتحصّل أنَّ الصاخة كلامٌ منطوقٌ قصير الزمن مرتفعٌ جدّاً.
ولا يخفى: أنَّ استشهاد الراغب بقوله تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} على أنَّ المراد بالصاخّة هي القيامة قابلٌ للمناقشة؛ لأنَّه بعد أن اعترف بأنَّ الصاخّة هي الكلام المنطوق أو المفهوم لم تصدق على نفخة الصور؛ لأنَّها وإن كان مرتفعةً جدّاً بحسب تصوّر المتشرّعة، إلّاَ أنَّها مهملةٌ أيضا حسب تصوّر المتشرّعة، فهي صوتٌ لا من جنس الكلام، فكيف يصدق عليه معنى الصاخة الذي هو معنى الكلام المنطوق.
فإن قلت: يصدق مجازاً على الأقلّ.
قلت: الحمل على المجاز جائزٌ، إلّاَ أنَّه يحتاج إلى قرينةٍ، ولا تكفي العلاقة المجازيّة فقط، والقرينة مفقودةٌ في السياق، فيكون استعمال المجاز خلاف الأصل، بل هو غلطٌ، بل هناك شهرةٌ أو تسالمٌ بين علماء البلاغة والنحو والأُصول على عدم صحّته بدون قرينةٍ.
فإن قلت: القرينة موجودةٌ هنا في السياق، وهي قوله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ}، ولا يكون ذلك إلّاَ يوم القيامة.
قلت: إنَّ فرار المرء من أخيه وأُمّه وأبيه لا يحدث يوم القيامة؛ لأنَّ الفرد
ــــــ[201]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
هناك قد لا يجد أُمّه وأباه وأخاه لكي يفرّ منهم، إلَّا أن يُحمل على بعض الموارد كمن وجد أقاربه، أو على الاقتضاء دون الفعليّة، يعني: أنَّ حاله يقتضي أنَّه لو وجدهم لفرّ منهم، فيكون نحواً من أنحاء المجاز والتكلُّف المخالف للظهور العرفي، وسيأتي أنَّ هذا الفرار ممّا يمكن حصوله في الحياة الدنيا.
ثُمَّ إنَّه ليس المراد من القلب في قول الراغب: وقد قُلب عنه أصاخ يصيخ القلب اللفظي؛ لوضوح أنَّه منسجمٌ معه لفظيّاً: صاخ وأصاخ؛ إذ لم يحصل فيه تقديمٌ لأحد الحروف على الآخر، بل أراد قلب المعنى؛ إذ الأصل في الصاخّة هو الصوت المرتفع، فصار المعنى هو سماع الصوت، أصاخ يعني: سمع. كما يوجد احتمالٌ آخر في القلب؛ لأنَّ المعنى هو الصياح المرتفع، فصار المعنى هو سماع الصوت المنخفض؛ لأنَّ إصاخة السمع تعني التدقيق في السماع، وغالباً ما يصدق على الصوت المنخفض دون المرتفع. كما أنَّه قد يُراد به الاستماع الحسن لأيّ مستوى من الكلام أو الإطاعة أو التنفيذ. يُقال: اسمع بمعنى: أطع، فالإصاخة هي الدقّة في السماع، ما يعني الدقّة في الطاعة.
[ما تحصَّل من معنى الصاخَّة]
فتحصَّل من معنى الصاخة أُمورٌ:
الأوّل: الكلام المرتفع مطلقاً، لا الصوت المرتفع خاصّة.
الثاني: الكلام المرتفع حينما يكون مزعجاً.
الثالث: الكلام المرتفع حينما يكون مؤثّراً.
الرابع: أنَّه اسم فاعلٍ من الإصاخة، يعني: ما يحمل على ذلك، وصخَّ غيره أي: سبّب له الإصاخة، يعني: حمله على أن يستمع له، فهو صاخٌّ له.
الخامس: التوسّع في ذلك إلى مطلق البلاء الدنيوي؛ لأنَّه يصخّ أيضاً بمعنى: أنَّه يؤذي، والبلاء الدنيوي لا يخلو من فائدةٍ؛ لما يوجبه من التذكير
ــــــ[202]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والهداية. وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}(1). فيكون نتيجته نتيجة الكلام المنطوق؛ لأنَّ الكلام الحقّ المنطوق يوجب الهداية، كما أنَّ البلاء الدنيوي يوجبها.
ثُمَّ إنَّ الصاخّة تشتمل على أمرين: الأوّل: الكلام المنطوق بالحقّ، والمفروض أنَّها مبعوثةٌ من قبل الله سبحانه والثاني: أنَّها تؤذي السامع، كما أنَّ البلاء الدنيوي حقّ وموجبٌ للأذى، ومعه يمكن التوسّع بهذا المعنى إلى مطلق البلاء الدنيوي.
السادس: أنَّ المعنى المشهور للصاخّة هو البلاء الأُخروي الحاصل يوم القيامة.
وليتفطّن: أنَّ الصاخّة صفةٌ حُذِف موصوفها، ويمكن تفسيره بما يناسب السياق مع الالتفات إلى أنَّه لا يمكن تقديره بالشيء؛ لأنَّه مذكّرٌ والصاخّة مؤنّثٌ، وليس لدينا لفظٌ عامٌّ مؤنّثٌ شبيهٌ بلفظ الشيء، ولو افترضنا أنَّ المحذوف معنى الشيء لا لفظه، كان المراد أنَّ مدخول كلمة الصاخّة معنىً كلّي واسعٌ قابلٌ للانطباق على كثيرٍ من الحصص والمصاديق.
ويُلاحظ: أنَّ المشهور فهم أنَّ الصاخّة صفةٌ لحصّةٍ خاصّةٍ، وهي يوم القيامة لا غير، وهذا الفهم موقوفٌ على أن يكون الألف واللام في الصاخّة للعهد، مع أنَّ الأصل فيهما الجنس، ومن هنا يمكن أن نستظهر من الآية الجنس ونفهم منه فهماً واسعاً.
[كلام عن فرار الفرد من أخيه وأُمّه وأبيه]
ثُمَّ إنَّه تقدّم أنَّ الفرد كما يفرّ من أخيه وأُمّه وأبيه في البلاء الأُخروي، فإنَّه يفرّ منهم عند استحكام البلاء الدنيوي، كالفقر والمرض والحرب
ــــــ[203]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 130.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ونحوها، وكذا لو اتّخذ مسلك البلاء الدنيوي الاختياري، كما لو انقطع الإنسان عن الشهوات وزهد في الدنيا، فيفرّ حينئذٍ من أخيه وأُمّه وأبيه، فيكون هدفه رضا الله سبحانه، فيفّر من هؤلاء. ونحوه ما إذا وصل الفرد إلى مدارج اليقين؛ فإنَّه يفّر منهم؛ إذ لا قيمة عندئذٍ لمثل هذه القرابات والمنافع الدنيويّة، وهكذا الكلام في حالة الاحتضار.
فإن قلت: إنَّ الفرد في حالة الاحتضار يكون أشدّ تعلّقاً بهؤلاء المذكورين في الآية كما في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}(1)، وقيل: إنَّ أحدهم مات وعينه على أمواله وأبناءه وعياله وأقاربه وعلاقاته الدنيويّة، فكيف نقول بأنَّه في حالة الاحتضار يفرّ من أخيه وأُمّه وأبيه؟
قلت: المحتضرون على قسمين: فإمّا أن يكون فارّاً عاطفيّاً من الدنيا ومن فيها؛ لإسقاطه أهمّيّتها في عينه، أو لاشتغاله بمزيدٍ من الثواب أو مزيدٍ من العقاب، أو بنزع الروح، فلا يتذكّر الدنيا ومن فيها، وإمّا أن يكون فارّاً من هؤلاء قهراً بقهر الله تعالى، فيسحبه من بينهم بعد انقضاء أجله في الدنيا، وكذا ما يحصل في حال الاحتضار والموت.
ولا يقصد بالفرار في الآية خصوص الحقيقي والهرب كما يفرّ المرء من الأسد، وبمجرّد أن يرى أُمّه وأباه يهرب منهم، بل الفرار معنى عامّ مفاده الانزجار والضيق من هؤلاء فضلاً عن غيرهم، فيحصل نتيجة لهذا الضيق ما نطلق عليه بنتيجة الفرار. وله مصاديقٌ كثيرةٌ، منها: أن يطرد هؤلاء، فيفرّون عنه، وقد يكون بمجرّد الإعراض عنهم، وقد يكون بمجرّد البغض
ــــــ[204]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآيتان: 94 – 95.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والكراهية، وكلّ هذه مصاديق لقوله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ}.
بقي سؤالٌ عن جواب الشرط في قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ} إذ لا يوجد ظهورٌ واضحٌ له في الآية، فنحتاج حينئذٍ إلى تقديم أُطروحاتٍ في المقام:
منها: أن لا تكون (إذا) شرطيّةً، بل هي ظرفيّةٌ، فلا تحتاج إلى جواب. إلّاَ أنَّه يبعده وجود الظرف وهو قوله: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ}. وحينئذٍ يصير تكرارٌ في الظرف، وكلا الظرفين يُراد بهما زمانٌ واحدٌ حسب الفرض، ولا أقلّ هذا ما يفيده وحدة السياق، فيغني أحدهما عن الآخر.
ومنها: أن نقول: إنَّ (إذا) شرطيّةٌ لا ظرفيّةٌ، وجواب شرطها هو قوله: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ}. إلّاَ أنَّ هذا بمجرّده قابلٌ للنقاش؛ لأنَّ جواب الشرط يتعيّن أن يكون فعلاً، في حين يتصدّر هذه الجملة اسمٌ، وهو الظرف (يوم).
[جواب الشرط في قوله تعالى: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ]
ومنها: أن نقول: إنَّ جواب الشرط هو جملة {يَوْمَ يَفِرُّ} لكن جواب الشرط ليس {يَوْمَ}، بل قوله: {يَفِرُّ}، ويوم من متعلّقاته وتوابعه، فيرتفع الإشكال المتقدّم في الأُطروحة الثانية.
ومنها: أن يكون جواب الشرط هو الجملة المتحصّلة من قوله تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}، وهي جملةٌ اسميةٌ قابلةٌ لأن تكون جواب شرطٍ، والمبتدأ فيها نكرةٌ متأخّرةٌ، و(لكلّ) جارّ ومجرور متقدّم خبر، {شَأْنٌ يُغْنِيهِ} مبتدأ متأخّر، وهو نكرةٌ للتعظيم، أي: شأنٌ عظيمٌ، ويكون الظرف وشؤونه من متعلّقات فعل الشرط. وبعد أن انتهى منها ذكر الجواب، أي: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ} فبعضها معطوفٌ على بعضٍ، وتنتهي الجملة التي هي فعل الشرط، ثُمَّ يأتي جواب الشرط، وهو قوله: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}.
ــــــ[205]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فإن قلت: إنَّ جواب الشرط المذكور بعيدٌ، وتفصله عن الشرط ثلاث آياتٍ عن فعل الشرط.
قلت: نعم، إلّاَ أنَّه بحسب التركيب الجُملي غير بعيدٍ؛ فإنَّ قوله تعالى: {يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ} جملةٌ واحدةٌ تشتمل على معطوفاتٍ متعدّدةٍ، والمعطوف لا يكون فاصلاً مضرّاً بين فعل الشرط وجوابه.
ومنها: أن يكون الجواب قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ}(1) أو قل: إنَّ هذا التقسيم بين الصنفين هو الجواب، يعني: عندما تقع الصاخّة ينقسم الناس إلى هذين القسمين أيضاً. وهذا معنىً لطيفٌ، إلّاَ أنَّه يرد عليه أنَّه يفصله عن جملة الشرط جملٌ أُخرى تصلح لأن تكون جزاءً للشرط، فالأَولى أن تكون أقرب الجمل هي الجزاء.
****
قوله تعالى: {وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ}:
والصاحب اسم فاعل، ومؤنّثه الصاحبة، ومادّة صاحب يصاحب تأتي مجرّدة: صحب فهو صاحبٌ، ومزيدة: صاحَبَ فهو مُصاحبٌ، ومصدرهما صحبةٌ. وأمّا مصاحب فهو مصدرٌ ميمي. ولم يقل: مُصاحبته، بل قال: صاحبته؛ لأنَّه المعنى العرفي واللفظ المشهور. و(صحب وصاحب) متعدّيان.
ثُمَّ إنَّ المشهور يرى أنَّ صاحبته بمعنى زوجته، وهذا المعنى بنفسه وجيهٌ وموافقٌ للعناوين الأُخرى المذكورة إذا فهمنا من السياق أنَّ المقصود الإشارة إلى الرحميّة والعلاقة الأُسريّة، فيتعيّن بالقرينة المتّصلة أن يكون المراد هو الزوجة. إلّاَ أنَّنا إذا فهمنا من السياق معانٍ أُخر باطنيّة أو اجتماعيّة، دنيويّة أو
ــــــ[206]ــــــ
(1) سورة عبس، الآية: 38-40.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أُخرويّة أو علميّة، نظير أُبوّة العلم للأُستاذ مثلاً، قد نفهم من صاحبته عناوين أُخرى:
منها: أن تكون النفس هي صاحبة المرء؛ إذ الإنسان متكوّنٌ من عدّة أُمور أهمّها اثنان: أحدهما بمنزلة الذكر وهو العقل، والآخر بمنزلة الأُنثى وهي النفس، وهما متزوّجان تكويناً، وأحدهما ملحقٌ بالآخر بخلقة الله سبحانه، فصاحبته أي: نفسه؛ بملاك أنَّ النفس صاحبة العقل.
ومنها: أن تكون الصاحبة هي الدنيا، كما ورد نظيره في نهج البلاغة عن مولانا أمير المؤمنين للدنيا: “هيهات غرّي غيري. لا حاجة لي فيك. قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة فيها” (1). وعليه فالدنيا قد تُمثَّل بامرأةٍ جميلةٍ، وقد طلّقها الإمام ثلاثاً. وقال مولانا أمير المؤمنين أيضاً:
طلّق الدنيا ثلاثاً
إنَّها زوجة سوءٍ
واطلبن زوجاً سواها
لا تبالي مَن أتاها(2)
وعليه فالدنيا تمثّل بالمرأة والزوجة، والإنسان يتزوّج الدنيا من زمان رشده إلى أن يموت، كما يصدق عنوان صاحبته على من اتّخذ صاحبةً بالحرام.
[لماذا ورد لفظ صاحبته مفرداً في الآية؟]
فإن قيل: ربما يكون للإنسان أكثر من زوجةٍ، فلماذا ورد لفظ صاحبته مفرداً في الآية؟
قلت: يمكن الجواب عن ذلك بوجهين:
ــــــ[207]ــــــ
(1) نهج البلاغة، 480، حكم أمير المؤمنين، الحكمة 77.
(2) مناقب آل أبي طالب 3: 267، فصل: في المسابقة بالزهد والقناعة، ديوان الإمام علي: 35، وبحار الأنوار 40: 328، الباب 98، الحديث 10.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأوّل: أنَّ الغالب هو الزوجة الواحدة.
والثاني: أن (صاحبته) اسم جنس، وهو بمنزلة الجمع، كما تقدّم.
بقي السؤال عن سبب الفرار، فلماذا يفرّ الإنسان عن هؤلاء المقرّبين إليه؟
والظاهر: أنَّ له جواباً جامعاً يكون مرادا للآية الكريمة بغضّ النظر عن التفاصيل والحصص والأقسام، وهو أنَّ المرء قد انشغل بشيءٍ يستغرق تمام كيانه وشعوره، فلا يبقى مجالٌ لأُمورٍ أُخرى في عقله وعاطفته، ولم يُبيَّن هذا الأمر في الآية، فهو كلّي قابلٌ للانطباق على الكثير من الحصص والأشكال والمستويات.
[سبب الاستغراق في الذات بحيث لا يرغب المرء في أيّ أحد]
وأمّا سبب هذه الاستغراق في الذات بحيث لا يرغب المرء في أيّ أحد فهناك عدّة وجوهٍ، ويمكن أن تكون جميعها صحيحةً وصادقةً، وهذه الوجوه ما يلي:
الوجه الأوّل: أن السبب هو أهوال يوم القيامة، كما عليه المشهور، وتبعه في “الميزان”(1)، فأحداث الحشر وأهوال يوم القيامة تجذب الإنسان في خضمَّها، وتصرفه عن التفكير في ما سواها.
ويرد عليه أوّلاً: أنَّ هذا التصوير لسبب الفرار يوجب كونه فراراً اضطراريّاً لا اختياريّاً، فلا ينطبق على الآية؛ لأنَّها تتحدّث عن فرارٍ اختياري.
وثانيا: أنَّ الفرد حينما يمرّ بالأهوال والبلبلة يجنح إلى الشعور بالراحة، فيرغب في أن يرتاح ويتخلّص من هذا البلاء، أو التخفيف منه على الأقلّ، وهؤلاء إن لم يستطيعوا إنقاذه ممّا هو فيه، فلا أقلّ أنَّهم يتوجّعون له ويتفجّعون
ــــــ[208]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 210، تفسير سورة عبس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لحاله، فيشعر بشيءٍ من الراحة، فلماذا يفرّ منهم. وكما قال الشاعر:
ولابدّ من شكوى إلى ذي مروءةٍ يواسيك أو يسليك أو يتوجّع(1)
وعليه فالرأي المشهور غير وجيهٍ.
الوجه الثاني: أنَّ الوجه فيه هول يوم القيامة أيضاً، ويحمل على الفرار الاضطراري لا الاختياري، كما لعلّه مراد المشهور، وهو ظاهر عبارة “الميزان”(2)، إلّاَ أنَّه خلاف ظاهر الآية؛ لأنَّ ظاهرها الفرار الاختياري لا الاضطراري.
الوجه الثالث: أنَّ الوجه فيه هول يوم القيامة أيضاً مع الالتفات إلى أنَّ الفرد قد يكون أساء وارتكب ذنوباً كثيرة، ولا يخفى أنَّ أكثر العلاقات مع أفراد الأُسرة، فتكون الإساءات مع أفراد الأسرة أكثر وأشدّ، وسوف تُعرض يوم القيامة، فحينئذٍ يفرّ المرء من هؤلاء، ومن هنا يكون أحبّاؤه في الدنيا خصومه في الآخرة، فيفرّ منهم؛ لكي ينجو من مطالبتهم بحقوقهم، ولن ينجو قطعاً.
الوجه الرابع: أنَّ المؤمن يفرّ من هؤلاء؛ لكثرة ما يرى من الثواب الذي حصل عليه في الجنّة؛ لأنَّ وجود هؤلاء قد يكدِّره وينفِّره.
ويُلاحظ عليه: أنَّ ظاهر بعض الآيات يدلّ على أنَّ من سعادة المؤمنين وجود أُسرهم معهم في الجنّة، ولذا يبشّرهم الله سبحانه بذلك: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ
ــــــ[209]ــــــ
(1) البيت للشاعر بشّار بن برد، حسبما ذكره في نهاية الأرب في فنون الأدب 3: 79.
(2) راجع الميزان في تفسير القرآن 20: 210، تفسير سورة عبس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
كُلِّ بَابٍ}(1).
الوجه الخامس: أنَّ المؤمن يفرّ من هؤلاء المذكورين في الآية؛ لما يرى من الثواب العظيم في درجات اليقين والمقامات العالية التي لا يناسبها إطلاقاً حضور أمثال هؤلاء الذين يكونون في الأعمّ الأغلب من المتدنّين والساقطين. وهذا أمرٌ معقولٌ، إلّاَ أنَّ هذا كما يحدث في الآخرة يمكن حدوثه في الدنيا أيضاً؛ حيث إنَّ وجود هؤلاء والانشغال معهم يبعد المرء عن ذكر الله وعن التوجّه نحو نور عظمته، ويجرّ الإنسان إلى الدنيا، بل إنَّ حدوث هذا الأمر في الدنيا أوضح منه في الآخرة.
الوجه السادس: أنَّ المرء يفرّ من هؤلاء؛ لشدّة العذاب في جهنّم، لا في يوم القيامة، كما عليه المشهور، أي: يحصل الفرار في جهنّم، فيفرّ المرء من أُمّه وأبيه؛ لشدّة العذاب. إلّاَ أنَّ هذا يرد عليه مؤدّى الإشكالين السابقين:
الأوّل: أنَّ هذا بعدٌ وفرارٌ اضطراري لا اختياري، كما هو ظاهر الآية؛ لأنَّ شدة العذاب تبعده نفسيّاً، فلا يلتفت إلى أقرب المقرّبين منه، ولكنّه بُعدٌ اضطراري، فلا تنطبق الآية عليه التي يظهر منها أنَّ الفرار اختياري.
الثاني: أن الإنسان المعذّب في جهنّم وإن مرّ بحالاتٍ وظروفٍ وأهوالٍ، إلّاَ أنَّ بعضهم لديه شيءٌ من الشعور بما حوله، ويحتاج إلى مواساةٍ ليشعر بشيءٍ من التخفيف، فلا يفرّ من هؤلاء الذين ربما خفّفوا عنه شيئاً مّا.
الوجه السابع: أنَّ الفرار حاصلٌ في جهنّم أيضاً، وأمّا سبب الفرار من هؤلاء فلأنَّهم أشدّ عذاباً منه، فهو يراهم في دركٍ أسفل منه، فيكون التقارب معهم موجباً لشدّة عذابه عن واقعه الذي هو فيه، فهو يفرّ لأنَّه لا يريد ازدياد
ــــــ[210]ــــــ
(1) سورة الرعد، الآية: 23.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
عذابه بسببهم.
الوجه الثامن: أنَّ هذا الفرار يحصل في بعض أشكال البلاء الدنيوي، فالإنسان يكون في بلاءٍ من مرض شديد أو فقرٍ مُدقعٍ أو تقيّةٍ شديدةٍ أو حربٍ.
فإن قلت: تقدّم أنَّ هؤلاء يواسون المرء ويخفّفون عنه ما فيه من بلاءٍ.
قلت: هذا صحيحٌ، إلّاَ أنَّه يمكن افتراض أنَّ الإنسان يكون في بلاءٍ شديدٍ بحيث لا يتوقّع أن ينفعه هؤلاء أو يدفعوا عنه البلاء، وربما يكون وجودهم ضرراً عليه، كما لو كانت كثرة العيال موجبةً لزيادة النفقة وشدّة الفقر وتراكم الهموم، فهو إمّا يائس من نفعهم، أو مستشعرٌ لضررهم في الآخرة، فيفّر منهم بأحد معاني الفرار المتقدّمة، ولا أقلّ من الفرار من الناحية النفسيّة.
الوجه التاسع: أنَّ سبب فرار المرء من هؤلاء هو شعوره بالاستغناء المادّي واعتداده بنفسه وإحساسه بأنَّه أرقى من الآخرين وأنَّه مستغنٍ عنهم مادّيّاً، فاعتداد المرء بعلمه أو بمكره أو بسلطانه أو بماله واستغناؤه عن الآخرين ربما يدفعه للفرار عن هؤلاء المذكورين في الآية وعن غيرهم بالأولويّة، بل ربما يتسّببون له بالمشاكل، بأن يكدِّروا عليه صفو عيشه، فيفرّ منهم ويتخلّص من مشاكلهم.
الوجه العاشر: أنَّ سبب الفرار هو شعور الإنسان بالاستغناء المعنوي، فهو مستغنٍ بالله عمّا سواه؛ حيث يرى أنَّه هو النافع دون سواه، فتسقط الأسباب من عينه عن الاعتبار إلّاَ سبباً متّصلاً بسببه، فإذا جاء أحدهم إليه لينفعه رفض الاعتماد عليه؛ لأنَّه يرفض كلّ الأسباب ويعتمد على مسبّب
ــــــ[211]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأسباب. ثُمَّ إنَّ هذا المؤمن يعتقد أنَّ في البلاء الدنيوي حكمةً إلهيّةً، وليس البلاء عبثاً؛ لأنَّه يؤدّي إلى التكامل أو الثواب في الآخرة، فإذا جاءه شخص يحاول رفع البلاء عنه سيجيبه: لقد شاء الله، ولا أشاء على خلافه، ويشكره ويطلب منه أن يبتعد عنه.
ثُمَّ إنَّ بذكر الصاحبة أو الزوجة تلتئم الأسرة؛ فالأُسرة في الأعمّ الأغلب متكوّنة من أبوين وأولادٍ وزوجةٍ، وقد يُوجد فيها أخٌ، كما هو متحقّقٌ في الغالب، وأُشير إليهم جميعاً في الآية. نعم، هناك حصّتان غير مشار إليهما:
الحصّة الأُولى: الإناث، أي: البنات والأخوات، حيث لم يُشر إليهما، مع أنَّه أُشير إلى الإناث مرّتين في أُمّه وصاحبته.
ويمكن الجواب عنه بوجهين:
الأوّل: أن يكون المراد من اللفظ المذكّر ما هو أعمّ من المؤنّث، فيُراد من الأخ ما يعمّ الأُخت، ومن الابن ما يشمل البنت.
الثاني: أن يكون المراد خصوص الذكور، إلّاَ أنَّ الإناث مشمولات للحكم بالمماثلة أو بالأولويّة، فإذا فرّ المرء من أخيه فرّ من أُخته، وإذا فرّ من ابنه فرّ من بنته: إمّا بالمماثلة؛ لأنَّهما سيّان من هذه الناحية، أو بالأولويّة؛ لأنَّه إذا فرّ من الذكر فرّ من الأنثى.
الحصّة الثانية: الأجداد والجدّات، مع أنَّ كثيراً من الأُسر تشتمل عليهم، فلماذا لم يذكرهم؟ وهنا يأتي الجواب الثاني المتقدّم بوضوحٍ، أعني: أنَّ الأجداد والجدّات مشمولون حكماً: إمّا بالمماثلة أو بالأولويّة، فإذا كان الإنسان يفرّ من آباءه فكيف لا يفرّ من أجداده؟!
فإن قلت: لا حاجة إلى ذكر الأجداد؛ لأنَّهم ليسوا من أركان الأُسرة
ــــــ[212]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
التي تتكوّن من زوجٍ وزوجةٍ وأولادٍ، فعدم ذكرهم إنَّما هو لأنَّهم خارج نطاق الأسرة.
قلت: ما ذُكر ليس صحيحاً؛ لأنَّ الآية في الحقيقة لم تتعرّض لأفراد الأسرة ضمن هذا النطاق الخاصّ، وإلّاَ لما ذكرت الأخ؛ لأنَّ الأخ ليس في النطاق الخاصّ للأُسرة، فكما ذكرت الأخ ينبغي أن تذكر الجدّ مثلاً، فترجع المسألة إلى اختيار المتكلّم، وهو الله تعالى، فذكر بمقدار ما يجد فيه المصلحة.
ويُلاحظ هنا: أنَّ (أخيه) مفرد و(بنيه) جمع، مع أنَّ الزوجة غالباً ما تكون واحدةً، ولعلّه لهذا السبب جاء التعبير عنها بالمفرد (صاحبته). وأمّا الأب والأُمّ فهما لا يتعدّدان. فما هو سرّ إفراد الأخ، مع أنَّه غالباً يتعدّد؟ ويمكن الجواب عنه بوجهين:
الأوّل: أنَّ الجمع ليس ضروريّاً، بل هو أمرٌ اختياري للمتكّلم، ولا سيّما إذا التفتنا إلى أنَّ الأخ اسم جنس، فهو يقبل الانطباق على الواحد والكثير، ومحصّل اسم الجنس لغةً أو مفهوماً محصّل الجمع، ولا فرق بينهما إلّاَ نحويّاً.
الثاني: أنَّه ورد بصيغة المفرد لحفظ النسق القرآني: (أخيه وبنيه وأُمّه وأبيه) فلو قال: أُخوته لاختلّ النسق.
وإذا ضممنا الوجهين تبيّن لدينا وجهٌ لطيفٌ: فمن جهة يُلاحظ أنَّ اسم الجنس بمعنى الجمع، ومن جهة أُخرى فإنَّ التعبير بالمفرد يحفظ النسق القرآني، فيكون استعمال المفرد أرجح.
[مجيء المرء بصيغة المذكر يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ]
ويُلاحظ أيضاً: أنَّ المرء جاء بصيغة المذكر {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ} ولم يقل المرأة، وكذلك قوله: {لِكُلِّ امْرِئٍ} فهل هذا التعبير خاصّ بالذكور، أو يشمل الإناث؟
ــــــ[213]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ويمكن الجواب عنه بوجهين:
الأوّل: أنه يشمل الإناث حكماً بالمماثلة أو بالأولويّة كما سبق.
الثاني: الشمول موضوعاً، أي: إنَّ لفظ المرء يشمل المرأة بنحوٍ من أنحاء التجريد عن الخصوصيّة، فلا خصوصيّة للذكور أو للإناث، وإنَّما الذكورة والأُنوثة سيَّان من هذه الناحية. أو يُقال: بأنَّ هناك تطابقاً لفظيّاً، أعني: أنَّ المرء بمعنى الإنسان، وكما أنَّ الذكر إنسان فكذلك الأُنثى، بعد إسقاط الفرق في الدلالة بين المذكّر والمؤنّث؛ فإنَّهما في أصل اللغة بمدلولٍ واحدٍ لولا الاختلاف في التذكير والتأنيث. وبتعبير آخر: هما مختلفان نحويّاً، وليس بينهما اختلاف في المعنى والمحصّل.
فإن قيل: إنَّه ذكر الأُسرة والأرحام، ولم يذكر الأصدقاء، وما أكثر ما يرتبط الإنسان بعلاقات صداقة ونحوها من العلاقات، وفي المثل: (ربّ أخٍ لك لم تلده أُمّك)؛ فإنَّ المسلمين أُخوة في الإسلام وفي الإيمان، والآية ساكتة عن هذه الناحية.
ويُلاحظ: أنَّنا إمّا أن ندخلهم حكماً ومحمولاً، بأن يشملهم حكم الهرب منهم بالأولويّة؛ فإنَّه مادام المرء يفرّ من أُسرته وخاصّته، فكيف لا يفرّ من غيرهم؟
وإمّا أن ندخلهم موضوعاً: بأن يُحمل معنى هذه العلاقات من الأب والأُمّ والأخ ونحو ذلك على ما يشمل الرحميّة والسببيّة والنسبيّة جميعاً، ومن جملتها الأُخوة في الإيمان والإسلام؛ فهذه أُخوّة سببيّة، وإن لم تكن نسبيّة، وهذه السببيّة والأُخوّة قد تكون دنيويّة أو أُخرويّة، فتوجد هذه العلاقات بالنسب كالأُمّ والأب والأخ النسبي، وقد توجد بالسبب، كما سُميّ الكافر
ــــــ[214]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المعاند أباً لإبراهيم في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ}(1)؛ وذلك لتوفّر نحوٍ من التربية بينه وبين ذلك الرجل، مع أنَّه كان عمّه، ويكون ما ذكرناه من صدق الأُخوّة في الإسلام والإيمان مؤيّداً للشمول، لا مؤيّداً لعدمه.
****
قوله تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}:
شأن مبتدأ مؤخّر نكرة، وسبب جواز تأخيره هنا هو التهويل والتخويف، يعني: شأن عظيمٍ يغنيه، بدون حاجةٍ إلى تقدير الموصوف، بل هو مستبطنٌ ومقدّرٌ معنويّاً في لفظ الشأن نفسه، من قبيل تقدير الأهل في القرية في قوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}(2)، يعني: واسأل أهل القرية.
[في قوله: شَأْنٌ يُغْنِيهِ]
وفي قوله: {شَأْنٌ يُغْنِيهِ} ليس الشأن متعيّناً في شيء، وفي أيّ شأنٍ، بل هو قابلٌ للانطباق على حصصٍ متعدّدةٍ قد تكون خيراً وقد تكون شرّاً، كما قد تكون في الدنيا وقد تكون في الآخرة، وقد تكون ثواباً وقد تكون عقاباً. ومن هنا صحَّ تقسيمه إلى النوعين الآتيين من الوجوه المسفرة التي عليها غبرة.
ويدعم هذا الفهم في تفسير قوله تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}(3) ما روي من أنَّه يوم القيامة: “لا يبقى أحدٌ إلّاَ قال: نفسي نفسي، وإنَّ محمّداً يقول: أُمّتي أُمّتي”(4). واستثناء النبي والمعصومين من الآية
ــــــ[215]ــــــ
(1) سورة مريم، الآية: 42.
(2) سورة يوسف، الآية: 82.
(3) سورة عبس، الآية: 37.
(4) تأويل الآيات الظاهرة: 767، سورة الفجر وما فيها من الآيات في الأئمة الهداة، وبحار الأنوار 7: 124، الباب 6، مواقف القيامة … .
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
واضحٌ؛ لأنَّهم خارجون تخصّصاً، كما أنَّ السيّدة الزهراء÷ تهتمّ في ذلك اليوم بغيرها أكثر ممّا تهتمّ بنفسها وتشفع لهم، وهكذا الكلام في سائر المعصومين، إلّاَ أنَّ غيرهم يصيح: نفسي نفسي، لا سيّما إذا كان مشغول الذمّة؛ إذ يكون على خطرٍ.
[قوله: يُغْنِيهِ]
وقوله: {يُغْنِيهِ} من الغنى والرفعة عن الحاجة، أو الترفّع عن الحاجة إلى الآخرين، ومن هنا سميّت الثروة غنىً؛ لأنَّها تغني صاحبها اقتصاديّاً عن الآخرين، والله هو الغني، أي: غير محتاج إلى الآخرين. ويُراد هنا أنَّه في شأنٍ يغنيه عن الآخرين، فهو مستغنٍ عنهم وغير محتاجٍ إليهم. وهذا الاستغناء لا يشمل الله سبحانه، بل يبقى العبد مفتقراً إليه سبحانه، وإنَّما يفرّ المرء من الخلق؛ لأنَّه في غنىً عنهم، ولا يفرّ من الله سبحانه؛ لأنَّه بحاجةٍ إليه.
فإن قلت: هذا ينطبق على أهل الثواب والقرب الإلهي الذين يغنيهم الله من فضله، ولا ينطبق على أهل العذاب والعقاب، فكيف صحّ التقسيم الآتي في السياق القرآني؟ فالذي يستغني بالله عن خلقه له شأنٌ يغنيه، وهو الوصول إلى الأنوار الإلهيّة، فكيف صحّ التقسيم إلى وجوهٍ مسفرةٍ ووجوهٍ عليها غبرةٌ، مع أنَّ هذا المعنى لا يشمل القسم الثاني، أعني: الوجوه التي عليها غبرةٌ، وهم الكفرة الفجرة؟
ويمكن الجواب عن ذلك بوجوهٍ:
الأوّل: أن نقول: إنَّ وجوه وما بعدها بيان ابتداءً، لا تقسيمٌ لما أُجمل في السياق السابق، بل يقول ابتداءً: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ}، ولا ربط له بما قبله، بل هو تقسيمٌ مستقلٌّ، ويبقى السياق السابق خاصّاً بأهل الثواب. ومنه نعرف بالقرينة المتّصلة – وهي قوله: {شَأْنٌ يُغْنِيهِ}-: أنَّ الصاخّة الموجبة للفرار لا
ــــــ[216]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
يلزم أن تكون عقاباً أو غضباً، بل ربما تكون خيراً، ولعلّها خيرٌ مطلقٌ، فلذا تقدّم أحد الاحتمالات في تفسيرها بأنَّ سبب الفرار هو أن يفرّ من الخلق إلى الخالق سبحانه.
الثاني: أنَّ انطباق الغنى على حصّة العقاب مجازٌ، وانطباقه على حصة الثواب حقيقةٌ، والمراد كلا الحصّتين.
الثالث: أنَّ المراد من الغنى مجرّد عدم الحاجة إلى الآخرين والشعور بذلك إثباتاً أو ثبوتاً، أي: إنَّ واقع الأمر أنَّ هؤلاء لا ينفعونهم، مع الشعور بتفاهتهم وعدم احتمال تأثيرهم ونفعهم، وهذا المعنى يصحّ في حالتي الثواب والعقاب، ولا يختصّ بمعنى من معاني الاستغناء والتعالي ليكون خاصّاً بالثواب. ومن الواضح حينئذٍ أنَّ انطباقه على حصّة العقاب انطباقٌ حقيقي على هذا التفسير.
[لماذا عبرت الآية بـالمَرْء ثُمَّ قالت: امْرِئٍ]
وهنا نكتةٌ لفظيّة ينبغي الالتفات إليها، وهي أنَّ الآية عبّرت أوّلاً بـ{الْمَرْء} ثُمَّ قالت: {امْرِئٍ} والظاهر أنَّهما صيغتان لمعنىً واحدٍ من قبيل المترادف أو أخصّ من المترادف؛ لأنَّ المترادف هو الألفاظ المتباينة الدالّة على معنىً واحدٍ، وهذان اللفظان في الارتكاز اللغوي العربي كأنَّهما مادّةٌ واحدةٌ ولفظٌ واحدٌ يدلّ على معنىً واحدٍ، فكأنَّهما هو هو لا مرادفه. قال الراغب: يُقال: مرءٌ ومرأةٌ وامرؤٌ وامرأةٌ. قال تعالى: {إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ}(1) {وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِراً}(2)(3).
ولنتعرّض قبل الاستمرار في البحث لبيان بعض المسائل الإعرابيّة في
ــــــ[217]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 176.
(2) سورة مريم، الآيتان: 5 و8.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 485، مادّة (مرأ).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
السورة الكريمة.
أفاد الفخر الرازي أنَّ: {أَنْ جَاءَهُ} منصوبٌ بتولّى أو بعبس على اختلاف المذهبين في إعمال الأقرب أو الأبعد. ومعناه: عبس لأن جاءه الأعمى، أو أعرض لذلك. وقرىء: (أن جاءه) بهمزتين وبألفٍ بينهما، ووقف على {عَبَسَ وَتَوَلَّى} ثُمَّ ابتدأ، على معنى: ألأن جاءه الأعمى(1).
ثُمَّ قال: وقرىء: (فتنفعه) بالرفع عطفاً على (يذَّكر)، وبالنصب جواباً للعلَّ (2).
بحوث نحويّة في الجهات الإعرابيّة في السورة
ولا بأس بالتعرّض إلى جملة من الجهات الإعرابيّة في السورة:
أفاد ابن الأنباري أنَّ قوله تعالى: {أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى} في موضع نصب مفعولاً له، والتقدير: (لأَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى)، فحذف اللام، فاتّصل الفعل به. والمصدر المنسبك من (أن) والفعل بمعنى(مجيئه) أي: لمجيء الأعمى(3).
وأفاد أيضاً أنَّ في قوله تعالى: {فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} يجوز الوجهان في (تنفع)، أي: إنَّ هاهنا قراءتين: الأُولى بالرفع بالعطف على قوله: {يَذَّكَّرُ} فإنَّه مرفوعٌ؛ لعدم الناصب له أو الجازم، والثانية بالنصب على جواب {لعلّ} بالفاء بتقدير (أن)(4).
وبيان ذلك أنَّ التمنّي له جوابٌ، والجواب فيه منصوبٌ.
ــــــ[218]ــــــ
(1) الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل 4: 701، تفسير سورة عبس.
(2) المصدر السابق.
(3) راجع البيان في غريب إعراب القرآن، 2: 494، غريب إعراب سورة عبس.
(4) راجع المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وقد يُقال: إنَّ الجواب في حالات الأمر والشرط مجزومٌ، فكان مقتضى القاعدة أن يكون جواب التمنّي مجزوماً أيضاً؛ لأنَّه جوابٌ على القاعدة، إلّاَ أن يكون له شاهدٌ من كلام العرب شعراً كان أو نثراً. ولعلّ ما ذكر لا يصلح أن يكون تفسيراً للزوم النصب في الكلام، إلّاَ أن يُقال: إنَّه منصوبٌ بأن المضمرة والمقدَّرة، أي: بأن تنفعه الذكرى. وهو -أي: التقدير- وإن كان ممكناً وجائزاً، إلّاَ أنَّه مفسدٌ للمعنى، إلّاَ أن نلتزم بمقالة ابن الأنباري في كتابه “غريب إعراب القرآن” بأنَّ النصب على جواب (لعلّ) بتقدير (أن).
إلّاَ أنَّه يُلاحظ عليه أمران:
الأوّل: أنَّ (لعلّ) للترجّي لا للتمنّي، واللفظ الدالّ على التمنّي اصطلاحاً هو (ليت).
الثاني: أنَّ قوله: (بالمعنى) يفيد أنَّه غير موجود لفظاً أو تقديراً، فلا يحتاج إلى جواب.
ثُمَّ إنَّ الرازي ذكره في تفسيره في إعراب قوله تعالى: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} أنَّ السبيل بالنصب بإضمار يسّره، أي: النصب على أنَّه مفعولٌ به لفعلٍ محذوفٍ يفسّره الفعل المذكور لاحقاً، أي: ثُمَّ يسّر السبيل للإنسان ثُمَّ السبيل يسّره(1).
وقال أيضاً: يجوز النصب على أنَّه مفعولٌ ثانٍ، أي: يسّر الله الإنسان السبيل، فيعود الضمير إلى الإنسان لا إلى السبيل، ويكون الفعل من الأفعال الناصبة لمفعولين ليس أصلهما مبتدأً وخبراً. وبعبارة أخرى: إنَّ (السبيل) مفعولٌ ثانٍ مقدّمٌ على الفعل (يسّر).
ــــــ[219]ــــــ
(1) أُنظر: مفاتيح الغيب 57:31، تفسير سورة عبس.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والظاهر: أنَّ الهاء عائدة إلى الإنسان، أي: يسّره السبيل، بمعنى: هداه إليه، ولعلّه يمكن أن يُقال أيضاً: إنَّ الهاء للسكت، والسبيل مفعولٌ به مقدّم على الفعل المضارع، ولا يُقال حينئذٍ: إنَّ الفعل ينصب مفعولين، بل لعلّ الهاء في الآية للسكت، والله العالم.
كما أفاد الرازي بأنَّ الضمير (الهاء) يمكن أن يعود إلى السبيل، والفعل ناصبٌ لمفعولين: الأوّل: الضمير العائد إلى الإنسان والثاني: السبيل، فالضمير والاسم الظاهر مفعولان، مع أنَّ الضمير ومرجعه واحدٌ، ولعلّ المراد أنَّ الكثرة عين الوحدة، كما في الكتاب وورقه، فيُقال في المقام: إنَّ الضمير ومرجعه أمرٌ واحدٌ.
و(ما) في قوله تعالى: {كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} بمعنى: (الذي)، أي: لم يقض ما أمره، والعائد محذوفٌ، ولا يُقال: إنَّ الهاء في (أمره) هو العائد؛ لأنَّه لا يصحّ أن يعود إلى الاسم الموصول في المقام، بل ينبغي تقدير العائد، كما في قوله تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ}(1)، أي: ما أنت قاضٍ به أو قاضيه.
ولعلّه يُقال -كأُطروحة-: إنَّ الضمير المتّصل في {أَمَرَهُ} عائد إلى ما أمره، أي: إلى الاسم الموصول، فيكون الغرض بيان الأمر والجعل من قبل الشارع المقدّس، والتقدير: ما أمره به. وما ذكرناه جائزٌ ومعقولٌ في نفسه؛ إذ معه يكون الضمير العائد إلى الإنسان مفهوماً من سياق الآية. نعم، في ضوء هذه الأُطروحة يكون الإنسان هو المأمور، وهو كافٍ في الغرض المطلوب من الآية.
ــــــ[220]ــــــ
(1) سورة طه، الآية: 72.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وأما قوله تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا} في الآية الكريمة {فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا} ففيه وجهان -كما أفاده ابن الانباري-:
الأوّل: بالفتح، أي: أنَّا لا إنَّا، على البدليّة من طعامه، فيكون المصدر المنسبك مجروراً؛ لأنَّ البدل تابعٌ للمبدل منه في الإعراب والحركات، أو على تقدير اللام، أي: لأنَّا صببنا وسبب أنَّا صببنا الماء صبّاً.
وأمّا الكسر فعلى الابتداء والاستئناف(1).
وفسّر ابن الأنباري البدل في المقام بأنَّه بدل اشتمالٍ؛ لأنَّ هذه الأشياء تشتمل على الطعام، أي: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا… وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً}…(2).
وما أفاده غريبٌ غايته:
أمّا أوّلاً: فلأنَّ هذه الأشياء هي الطعام نفسها، لا أنَّ الطعام مشتملٌ على هذه الأشياء، إلّاَ أن يُقال: إنَّ المجموع مشتملٌ على طعام الإنسان والحيوان، مع أنَّ الآية الكريمة أفادت بالقول: {إِلَى طَعَامِهِ}، يعني: خصوص طعام الإنسان. اللّهمّ إلّاَ أن يكون المراد الطعام الذي يضع يده عليه، أي: الأعمّ من أن يأكله الإنسان أو الحيوان. فيكون القول بالاشتمال حينئذٍ على العكس ممّا أفاده ابن الأنباري؛ لأنَّه يدّعي أنَّ الطعام يشتمل على النخل والعنب والزيتون ونحوها، ونحن نقول بأنَّ الأصناف المذكورة مشتملةٌ على الطعام، فبينهما فرقٌ.
وأمّا ثانياً: فلأنَّ بدل الاشتمال مفاده أن يكون المبدل منه أعمّ دون
ــــــ[221]ــــــ
(1) راجع البيان في غريب إعراب القرآن 495:2، غريب إعراب سورة عبس.
(2) راجع المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
العكس، كما هو مقتضى كلامه، أي: إنَّ المدخول والأشياء كالعنب والزيتون والنخل أعمّ. هذا بناءً على أن يكون المراد من كلامه الطعام الذي يأكله الإنسان، فيُقال: إنَّ هذا طعامٌ يأكله الإنسان والحيوان، فصار أوسع من طعامه، ما ينافي معه اشتماله؛ لأن الإنسان لا يتناول القضب ونحوه.
وأمّا ثالثاً: فلأنَّهم قالوا في المنطق: إنَّ بين الإنسان والحيوان عموماً وخصوصاً مطلقاً وبين الطائر والأسود عموماً وخصوصاً من وجهٍ، وهكذا بين الأسود والتمر، أي: إنَّ في المقام مفهوماً تصوّريّاً واحداً هنا ومفهوماً تصوّريّاً آخر هناك، فلا يصحّ أن يقال بوجود النسبة بين الطعام الذي هو مفهومٌ واحدٌ وبين العنب والنخل والقضب والزيتون ونحوها التي تمثّل مجموعةً من أصناف الطعام، أعني: لا يصحّ أن ننسب المفهوم الواحد إلى المجموع، فنقول: إنَّ بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً أو من وجهٍ.
****
قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ}:
ويقع البحث في هذه الآية عن ثلاث جهات:
الجهة الأُولى: في تحديد الظرف (يومئذٍ).
والوجه فيه: أنَّه يشير إلى الظرف السابق في قوله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ}، والمعنى: أنَّ هذا اليوم الذي تكون فيه الوجوه على قسمين هو اليوم الذي يفرّ فيه المرء من أخيه. ومن هنا ربما يرد إشكالٌ؛ لأنَّ اليوم الذي يفرّ فيه المرء هو يوم القيامة، وفي يوم القيامة لا وجوه مسفرة ضاحكة، أو فقل: لا يوجد هذا الانقسام المشار إليه في الآية، بل ينقسمون بعد يوم القيامة: قسمٌ إلى الجنّة وقسمٌ إلى النار.
ويُلاحظ: أنَّ هذا الانقسام قد يكون حاصلاً ومتحقّقاً في يوم القيامة،
ــــــ[222]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فالذين يحشرون بغير حسابٍ لارتفاع شأنهم عند الله يصدق عليهم أنَّ وجوههم وجوهٌ مسفرةٌ ضاحكةٌ مستبشرةٌ، فيصدق ذلك يوم القيامة، فضلاً عمّا إذا دخلوا الجنّة، وإن لم يدخلوا الجنّة بعد.
[الجهة الثانية: أنَّ المراد من وُجُوهٌ]
الجهة الثانية: أنَّ المراد من {وُجُوهٌ} المعنى الطريقي إلى الذات، وليس المراد هو الوجوه بما هي، كما لو قلت: (وجهه أبيض أو أسود، أو في وجهه خالٌ). فالمراد من الوجه في هذه الأمثلة هو الوجه بالذات، خلافاً لما هو المراد منه في الآية؛ إذ المراد من الوجه هو الطريق إلى ذات الإنسان ونفسه، وإنَّما نسب السرور والحزن إلى الوجه؛ لأنَّهما يظهران على الوجه بوضوحٍ، وإلّاَ فإنَّ السرور والحزن يحصلان في القلب والنفس قبل أن يظهرا على الوجه، أو قل: يحصلان في المرتبة السابقة في النفس، ثُمَّ ينعكسان على الوجه. ونحوه الكلام في الوجوه التي عليها قترةٌ، أي: الوجه طريقٌ وإشارةٌ إلى الحالة النفسيّة السيّئة التي يعيشها الإنسان، فكأنَّ النفس عليها قترةٌ.
[الجهة الثالثة: بيان مادّة (سفر)]
الجهة الثالثة: بيان مادّة (سفر). ولقد تقدّم البحث عن هذه المادّة عند قوله تعالى: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} فلا حاجة إلى التكرار. لكن أوّد أنَّ أُشير هنا إلى قول الراغب: السفر: كشف الغطاء (1). وما أفاده نافعٌ في فهم الآية؛ فإنَّه ليس المراد من الآية الكريمة {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ} أي: مكشوفة؛ بقرينة قوله: {ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ} لأنَّه لو فسّرناها بالانكشاف فلا ملازمة بين انكشافها وبين الضحك والاستبشار هذا أوّلاً.
وثانياً: أنَّه يمكن أن نقول: إنَّ كلّ الوجوه مكشوفةٌ يوم القيامة، فوصفها بكونها مسفرةً مستدركٌ بمنزلة اللغو، فلابدّ من فهم السفر بمعنى
ــــــ[223]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن 239، مادّة (سفر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
غير الكشف. ولعلّه واضحٌ من السياق؛ إذ المراد وجود علامات الاستبشار على تلك الوجوه، فكأنَّ الحزن والهمّ نحوٌ من الغطاء والتلبُّد عليها، فإذا زال هذا الغطاء أسفرت وأشرقت بالاستبشار.
ولعلّ ذلك فهم المشهور، وهو الأقرب، إلّاَ أنَّ الإشكال الذي يرد عليه هو لزوم التكرار؛ لأنَّ الأوصاف الثلاثة (مسفرة، ضاحكة، مستبشرة) لها محصّلٌ واحدٌ، وكثيراً ما يكون التكرار مخالفاً للحكمة؛ إذ يكفي منها لفظٌ واحدٌ أو لفظان، فلماذا التعبير بألفاظ ثلاثة؟ فيكون ذلك قرينةً على أنَّ المراد من (مسفرة) غير مجرّد الضحك والفرح؛ ليختلف المعنى.
ويمكن الجواب عنه بوجهين:
الوجه الأوّل: أنَّه لا مانع من التكرار؛ لأنَّ زيادة الأوصاف تفيد التأكيد على المعنى، بحيث لو لم يفهم المخاطب أحد الألفاظ فهم الآخر، وبذلك ينتفي احتمال المجاز أو التسامح أو التأويل، بل يعود نصّاً في المطلوب إثباتاً.
وأمّا على مستوى الثبوت فإنَّ العبارة تدّل على زيادة مراتب الفرح والراحة عندهم وفي نفوسهم، فلو قيل مرّةً واحدةً: إنَّ هناك فرحاً، لدلّ على وجود فرحٍ في الجملة، وأمّا بيان الفرح مرّتين وثلاث مرّات فإنَّها دليلٌ على الفرح المتزايد الثابت فيهم، وهذا يكفي في الفائدة من التكرار، كما هو واضحٌ. ومع أنَّه يُلاحظ التكرار في بيان حالات وأوصاف الكّفار في قوله تعالى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} والتكرار واقعٌ مرّتين.
الوجه الثاني: أنَّنا لو تنزّلنا عن الوجه الأوّل أمكن أن نقول: إنَّ {مُسْفِرَةٌ} بمعنى مكشوفة مجرّد الكشف، إلّاَ أنَّ الغرض منه أن يُرى منها الاستبشار والضحك؛ لأنَّه يقول: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ}
ــــــ[224]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
يعني: يُرى منها هذه الحالة.
فإن قلت: بناءً على هذا التفسير للإسفار بمعنى الانكشاف يُلاحظ أنَّ أغلب الوجوه مكشوفةٌ، فلا يكون الوصف وصفاً احترازيّاً، بل يكون لغواً؛ لأنَّه يكفي أن يقول: (وجه) ولا حاجة لأن يصفه بأنَّه مكشوفٌ.
قلت: بل الملحوظ هنا مقابلتهم مع أهل النار، وأهل النار وجوههم ملفوفةٌ ومغشيّة بالعذاب: إمّا حقيقةً وإمّا مجازاً، أو المراد: أنَّها مغطّاة بالحزن والألم.
ثالثاً: أنَّ الوجوه – أعني: وجوه المؤمنين- مكشوفةٌ بالانكشاف الصوري، أي: منكشفةٌ لغيرهم يرونها على حقيقتها النورانيّة، فينكشف باطنها كما يقول أهل المعرفة وآل الحكمة كصدر المتألّهين القائل: إنَّ باطن الإنسان يكون ظاهراً يوم القيامة، وأمّا في الدنيا فظاهره شيءٌ وباطنه شيءٌ آخر، ففي يوم القيامة يُرى الإنسان مسفراً على حقيقته(1).
****
قوله تعالى: {ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ}:
[رجوع اللفظين ضَاحِكَةٌ ومُسْتَبْشِرَةٌإلى معنىًواحد]
قد يُقال هنا: إنَّ كلا اللفظين يرجعان إلى معنىً واحدٍ، حتّى لو حملنا {مُسْفِرَةٌ} على معنىً غير الضحك والاستبشار.
والجواب: أنَّ {ضَاحِكَةٌ} و{مُسْتَبْشِرَةٌ} ليسا بمعنىً واحدٍ، فلا يلزم التكرار بحسب اللفظ وبحسب المعنى. أمّا بحسب اللفظ فواضحٌ، وأمّا بحسب المعنى فلوضوح أنَّ الإشارة في أحدهما إلى العلّة، وفي الآخر إلى
ــــــ[225]ــــــ
(1) راجع ما أفاده صدر المتألّهين في الحكمة المتعالية 9: 232-334، الفصل 26، تبصرة وتذكرة وأسرار الآيات: 219، الطرف الثالث، المشهد التاسع، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المعلول. أمّا العلة فهي الاستبشار النفسي والفرح الباطني، وأمّا المعلول فهو الضحك، وهما يوجدان دفعةً واحدةً؛ لأنَّ العلّة والمعلول متزامنان، فكأنَّما قال: ضاحكة؛ لأنَّها مستبشرةٌ.
وربما يُقال: إنَّ من الحكمة أن لا تفرح بما أتاك، ولا تحزن بما فاتك(1)، فلماذا نرى هؤلاء المؤمنين فرحين يضحكون؟ وهل ذلك إلّاَ لضعف إيمانهم؟
ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الأوّل: أنَّ من الحكمة أنَّ لا تفرح بما أتاك من الدنيا، ولا تحزن بما فاتك منها، لا من الآخرة، والفرح في الآية مختصّ بالآخرة، فاختلف الموردان.
الثاني: أنَّه بعد التنزّل عن الوجه الأوّل نقول كأُطروحةٍ: إنَّ الآية تتحدّث عن مؤمنين من ذوي مستوى سافلٍ، أي: ممّن لا اعتناء لهم بالهمم والحكم العالية، ولذا فهم يفرحون بالجنّة ويأكلون ويشربون وينكحون فيها كما يشاؤون.
فإن قلت: لماذا يتحدّث عن المؤمنين من ذوي الدرجات السافلة ويُعرض عن المؤمنين من ذوي القرب؟
قلت: التعرّض لهم لأجل الجهة الإعلاميّة، أي: لأجل أن يفيدنا بأنَّهم يفرحون ويضحكون ويستبشرون، وهذا وجيهٌ، وباعتبارٍ تنكير الوجوه {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} يكون المقصود بعض الوجوه، أو طبقة منهم، ولا يدلّ على أنَّ جميع المؤمنين كذلك.
الثالث: أن يُقال: إنَّ الآية تتحدّث عن مستوى عالٍ جدّاً من المؤمنين،
ــــــ[226]ــــــ
(1) إشارة إلى قوله تعالى: {لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [سورة الحديد، الآية: 23].
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وهم الذين يتلقّون البهجة الإلهيّة، ويلتذّون بالكمال الإلهي، وحصول هذه البهجة والاستبشار في هذا المستوى لا مناص منه، ولا يمكن التنازل عنه مهما كان الأمر. غاية ما في الأمر أنَّ هذا ليس من سنخ الضحك، بل هو نحو بهجةٍ خالصةٍ، وقد عبَّر عنها بالضحك مجازاً. ومع صدق هذه الأُطروحة ينبغي أن نلتفت إلى أنَّ التركيب بين الوجهين الأخيرين يُستفاد منه أنَّ المؤمنين كلّهم مستبشرون، كلٌّ بحسب مستواه، فالمؤمنون ذوو الإيمان الضعيف مستبشرون بنحوٍ، والمؤمنون المقّربون بنحوٍ آخر يختلف جذريّاً عنه، وهذا ما تشير إليه سورة الواقعة، فتسمّي أحد الفريقين بالمقرّبين، والفريق الآخر بأصحاب اليمين(1).
****
قوله تعالى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ}:
أفاد الراغب في حديثه عن مادّة (غبر): الغابر الماكث بعد مُضي ما هو معه. قال: {إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ}(2) يعنى: فيمن طال أعمارهم، وقيل: فيمن بقى ولم يسر مع لوط، وقيل: فيمن بقى بعد في العذاب. وفي آخر: {إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ}(3). وفى آخر: {قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ}(4). ومنه الغُبرة: البقيّة في الضرع من اللبن، وجمعه أغبار، وغبر الحيض، وغبر الليل. والغبار ما يبقى من التراب المثار، وجعل على بناء الدخان والعثار ونحوهما من البقايا.
ــــــ[227]ــــــ
(1) أُنظر: سورة الواقعة، الآيات: 8-11.
(2) سورة الشعراء، الآية: 171.
(3) سورة الأعراف، الآية: 183.
(4) سورة الحجر، الآية: 60.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وقد غبر الغبار أي: ارتفع(1).
والمرتكز في أذهاننا أنَّ الغبار هو التراب المُثار في الهواء، أو لا أقلّ هو مع التراب الذي يستقّر على الأرض، ولكنّه بحسب أصل اللغة – كما ينقل الراغب- يختصّ بالماكث على الأرض لا الثائر.
وأضاف الراغب: وقيل: يُقال للماضي غابرٌ، وللباقي غابرٌ. فإن يك ذلك صحيحاً، فإنَّما قيل للماضي غابرٌ تصوّراً بمضيّ الغبار عن الأرض، وقيل للباقي غابرٌ تصوّراً بتخلّف الغبار عن الذي يعدو فيخلفه. ومن الغبار اشتقّ الغَبرة، وهو ما يعلق بالشيء من الغبار وما كان على لونه. قال: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ}(2) كنايةً عن تغيّر الوجه للغمّ كقوله: {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً}(3) يقال: غَبَر غبرةً واغبرّ واغبارّ. قال طرفة:
رأيت بني غبراء لا ينكرونني(4)
أي: بني المفازة المغبّرة، وذلك كقولهم: بنو السبيل(5).
ونحن نقول: غُبْرة كحُمْرة وخُضْرة وصُدْفة، والظاهر: أنَّ كلا اللفظين – أي: غَبَرَة، وغُبْرَة- بمعنىً واحدٍ، وهو التراب الذي يكون على الشيء، ويُراد به أثر الحزن أو الغضب ونحو ذلك.
ــــــ[228]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 369، مادّة (غبر).
(2) سورة عبس، الآية: 40.
(3) سورة النحل، الآية: 58، وسورة الزخرف، الآية: 17.
(4) صدر بيتٍ للشاعر طرفة بن العبد، وعجزه – كما في جمهرة أشعار العرب 1: 46-: ولا أهل هذاك الطراف الممدّد.
(5) مفردات ألفاظ القرآن: 369-370، مادّة (غبر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ويمكن حمل غبرة على المعنى المطابقي، فلماذا نحملها على المعنى المجازي من الغمّ؟ لا بل نقول حقيقةً :عليها غبرةٌ. ولا مانع من ذلك؛ فنحن لا نتصوّر جهنم؛ إذ لعلّ فيها أشكالاً من العذاب منها: أنَّها تغبِّر الوجه، فهو وصف للكفّار، وربما كانت وجوههم عليها غبرةٌ، وترهقها قترةٌ.
****
قوله تعالى: {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ}:
قال الراغب: رهقه الأمر غشيه بقهرٍ. يُقال: رهقته وأرهقته نحو ردفته وأردفته وبعثته وابتعثته. قال: {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ}(1)، وقال: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً}(2). ومنه أرهقت الصلاة إذا أخّرتها حتّى غشي وقت الأُخرى(3).
أقول: المهمّ هنا في الإرهاق هو المعلول أو النتيجة؛ فإنَّ الإنسان إذا غشيه شيء بقهرٍ فإنَّه يتعب ويضطرب، فتسمّى حالته إرهاقاً، فغشيان الشيء هو العلّة، والمعلول هو الإرهاق والتعب والنصب الناشئ عن ذلك. والراغب سمَّى العلة إرهاقاً قائلاً: غشيه شيء بقهرٍ، ولكنّنا نسمِّي المعلول إرهاقاً، وهو النتيجة النفسّية أو الجسديّة التي تحصل للإنسان.
وربما قيل كأُطروحة: إنَّ الإرهاق يشمل كلتا الجهتين، ونحمل عليهما الآيات القرآنيّة، فيُراد بها العلّة أحياناً، كما في قوله تعالى: {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ}، أي: تغشاهم، وقوله: {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} أي: تغشاها، ويُلاحظ هنا جانب العلّة، أي: تصير عليها دون إرادتها. وقد يُراد المعلول، كقوله تعالى: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً}،
ــــــ[229]ــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 27.
(2) سورة المدّثّر، الآية: 17.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 210، مادّة (رهق).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أي: سأُتعبه وأُذيقه العناء والنصب، الذي هو الجانب النفسي، وهو معلولٌ لا علّةٌ؛ لأنَّ العلة هي الصعود لا الإرهاق. والآية الأخيرة {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} واضحةٌ في بيان الجانب النفسي، إلّاَ أنَّه قد يكون الجميع ناظراً إلى الجانب النفسي وجانب المعلول؛ فإنَّ الذلّة مرهقةٌ نفسيّاً واجتماعيّاً لا محالة، وكذلك القترة مرهقة نفسيّاً؛ لأنَّ المهمّ فيها ليس اللون، بل علّته أو جانبه النفسي.
إن قلت: في قوله: {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} كأنَّ اللفظين بمعنىً واحدٍ، فيكون نوعاً من التكرار؛ فرهقه بمعنى: غشيه بقهرٍ.
قلت: أوّلاً: إنَّ علّة القترة ليس هو الإرهاق، وإن كان يعبَّر به، بل علّته جملةٌ من الجوانب النفسيّة المزعجة، كما لو قلنا: أرهقه الحزن، أو أرهقه الغضب.
وثانيا: لو تنزّلنا عن الجواب الأوّل يُلاحظ: أنَّ تكرار المعنى مع تغيير اللفظ ليس بعزيزٍ، فليكن تكرارٌ في المعنى، ولكنّه لا بأس به مع تغيير اللفظ، كما لو قلنا: أرهقه التعب، مع أنَّ التعب إرهاقٌ أيضاً، فيكون بمنزلة المفعول المطلق من غير لفظه من قبيل: ركضت عدواً، والعدو والركض بمعنىً واحدٍ، وهنا قوله: {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} ليس فيه تكرارٌ للفظ.
وأمّا (القترة) فقد أفاد الراغب: أنَّ القتر تقليل النفقة، وهو بإزاء الإسراف، وكلاهما مذمومان. قال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}(1). ورجل قتور ومقتر. وقوله: {وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُوراً}(2) … وأصل ذلك من القُتار والقَتر، وهو الدخان الساطع من الشواء والعود
ــــــ[230]ــــــ
(1) سورة الفرقان، الآية: 67.
(2) سورة الإسراء، الآية: 100.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ونحوهما، فكأنَّ المقتر والمقتّر يتناول من الشيء قُتاره. وقوله: {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} نحو {غَبَرَةٌ} وذلك شبه دخانٍ يغشى الوجه من الكذب(1).
فإن قلت: على هذا يكون الأمر متكرّراً بنحوٍ آخر؛ فإنَّ احتمالات التكرار في الآية متعدّدةٌ، فيكون التكرار في (غبرة وقترة) بالمعنى المجازي بلحاظ أنَّ محصّلهما واحدٌ، وبالمعنى الحقيقي بلحاظ أنَّنا نفهم من القتيرِ الغبارَ؛ فإنَّه من أسماء التراب والغبار، فيُقال: الغبار، والعثير، والقتير، والنقع، أسماء لشيءٍ واحدٍ، فتكون الغبرة والقترة مترادفين، ولازمه التكرار.
قلت: أوّلاً: ما تقدّم من أنَّ التكرار لا بأس به مع عدم تكرار اللفظ.
وثانياً: إنَّنا نمنع التكرار؛ لأنَّه لا تكرار في المقام؛ وذلك لعدّة أُطروحات: منها: أنَّ المراد بالأوّل الغبار، وبالثاني الدخان، {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} أي: الغبار، و{تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} أي: دخان جهنّم.
ومنها: إنَّه لا تكرار لأنَّ النظر في الأوّل إلى المعلول؛ حيث أُخذ صفة الوجه {عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} وفي الثاني النظر إلى العلّة، أعني: الجهة النفسّية، وهي قوله {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} ففي الإمكان منع التكرار لأكثر من وجهٍ.
****
قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ}:
[قوله: أُولَئِكَ]
قوله: {أُولَئِكَ} إشارةٌ إلى الوجوه التي ترهقها قترةٌ، وهو دليل على ما تقدّم من أنَّه يُراد بالوجوه الذات، والوجه مأخوذٌ على نحو الطريقيّة إلى الذات والنفس، ومن هنا صحّ التعبير بأُولئك، وإلّاَ للزم أن يشير إلى الوجوه بـ(هذه). وإن تنزّلنا عن الطريقيّة لزم التقدير: بأن يُراد أصحاب الوجوه، أو
ــــــ[231]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 407، مادّة (قتر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ذوو الوجوه أُولئك هم الكفرة الفجرة، مع أنَّنا لسنا بحاجةٍ إلى التقدير، وإنَّما نفهم من الوجوه الطريقيّة إلى الذات.
ولا يخفى: أنَّ الضمير أُعيد إليهم بما يناسب السياق، وإن كان المراد واحداً، فأُعيد أوّلاً مؤنّثاً في قوله: (عليها، ترهقها) ثُمَّ مذّكراً في قوله: (أُولئك، هم).
[قوله: الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ]
أمّا قوله: {الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} فقد يُقال: لماذا هذا التكرار، مع أنَّه يمكن الاكتفاء بأحد الوصفين؟
أجاب السيّد الطباطبائي: بأنَّ المراد: الجامعون بين الكفر اعتقاداً و الفجور، و هو المعصية الشنيعة عملاً، أو الكافرون بنعمة الله الفاجرون (1). فلا يكون في المقام تكرارٌ، وإنَّما النظر إلى الباطني والظاهري معاً. ثُمَّ يقول السيّد الطباطبائي: وهذا تعريفٌ للطائفة الثانية، وهم أهل الشقاء، ولم يأت بمثله في الطائفة الأُولى، وهم أهل السعادة؛ لأنَّ الكلام مسوقٌ للإنذار والاعتناء بشأن أهل الشقاء(2).
والغرض: أنَّ قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} لم يتكّرر في أهل السعادة، فلم يقل: (أُولئك هم)، وعللّه السيّد بأنَّ الكلام مسوقٌ للإنذار والتهديد بشأن أهل الشقاء، وكأنَّما سياق سورة عبس للإنذار، فيكون الأنسب حينئذ التركيز على جانب الكفرة، ويكون ذكر أهل السعادة ثانويّاً لا حاجة إلى التأكيد عليه.
أقول: هذا أحد وجوه الإجابة، وهناك وجوه أُخرى:
ــــــ[232]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 210-211، تفسير سورة عبس.
(2) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
منها: أنَّه لا توجد في اللغة ألفاظٌ بنفس السياق اللفظي والنسق القرآني تكون من قبيل الكفرة الفجرة. فلو قال مثلاً: (أُولئك هم المؤمنون الصالحون أو المقرّبون) لاختلّ السياق والنسق معاً، والمفروض أنَّ الحكمة الإلهيّة اقتضت أن يكون السياق واحداً متناغماً.
ومنها: أنَّ الآية للتحذير، أي: لا تكونوا كفرةً فجرةً، أو إذا لم تكونوا كفرةً فجرةً تنجون من هذا البلاء، مع أنَّ الثواب لا يحتاج إلى تحذيرٍ.
ومنها: بعث الاطمئنان في نفوس البعض لسعة رحمة الله؛ لأنَّ جميع المذنبين يتصوّرون أنَّ العذاب الإلهي في هذه الآيات شاملٌ لهم، فتأتي الآية الأخيرة لتؤكّد على أنَّ العذاب مختصٌّ بقسمٍ من المذنبين، وهم الكفرة الفجرة، ولا يشمل الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً، فتكون باعثةً على الأمل في نفوس هؤلاء.
ــــــ[233]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ــــــ[234]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ــــــ[235]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ــــــ[236]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
سورة النازعات
[أطروحات في تسميتها]
وللسورة المباركة عدّة أسماءٌ، نذكرها في ضوء الأُطروحات التالية:
الأولى: التسمية المشهورة ، أي: النازعات.
الثانية: الالتزام باللفظ القرآني، أعني: {وَالنَّازِعَاتِ}.
الثالثة: التسمية بالآية الأُولى منها: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً}.
الرابعة: ما سلكه الشريف الرضي بالقول: السورة التي ذُكر فيها النازعات(1).
الخامسة: رقمها في المصحف، أي: (79).
****
قوله تعالى: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً}:
الواو واو القسم، وسيأتي الحديث عن جواب القسم. والواوات المتأخّرة قد تكون للقسم، وقد تكون للعطف، وعلى كلا التقديرين يكون المعنى محفوظاً.
إلَّا أنَّه توجد قرينةٌ على كونها للعطف؛ بدليل تبديلها بالفاء في آيتين متأخّرتين، وهما قوله تعالى: {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا}(2). ولا نعلم استعمال الفاء في القسم، كما لا يناسب أن تكون كلّ الواوات للقسم، ثُمَّ
ــــــ[237]ــــــ
(1) أُنظر: حقائق التأويل: 291، السورة التي يُذكر فيها النساء.
(2) سورة النازعات، الآيتان: 4-5.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
يرتفع معنى القسم باستعمال الفاء، مع أنَّ السياق سياقٌ واحدٌ بوضوحٍٍ.
[الكلام في مادّة النازعات]
وأمّا مادّة النازعات فقد قال الراغب: نزع الشيء جذبه من مقرّه، كنزع القوس عن كبده. ويُستعمل ذلك في الأعراض (كأنَّه نزعٌ معنوي) ومنه نزع العداوة والمحبّة من القلب. قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ}(1). ونزع فلانٌ كذا أي: سلب. قال تعالى: {تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ}(2). وقوله: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا}(3) قيل: هي الملائكة التي تنزع الأرواح عن الأشباح.
…. والتنازع والمنازعة المجاذبة، ويعبّر بهما عن المخاصمة والمجادلة. قال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ}(4)، {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ}(5). والنزع عن الشيء الكفّ عنه. والنزوع الاشتياق الشديد … ونازعتني نفسي إلى كذا.
… ورجل أنزع زال عنه شعر رأسه، كأنَّه نزع عنه ففارق، والنزْعة الموضع من رأس الأنزع(6).
[استعمالات تناسب معنى النزع]
أقول: فالنزع هو جذب الشيء وقلعه بقوّةٍ، بعد أن كان ثابتاً أو له اقتضاء الثبوت. وكلّ هذه الاستعمالات تناسبه.
أوّلاً: نزع القوس من كبده يعني: نزع النبلة عن السبة، وهو نزعٌ مادّي.
ثانياً: الإعراض يُقال: نزعت عنه أي: أعرضت عنه، وهو نزعٌ وإزالةٌ
ــــــ[238]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 43، وسورة الحجر، الآية: 47.
(2) سورة آل عمران، الآية: 26.
(3) سورة النازعات، الآية: 1.
(4) سورة النساء، الآية: 59.
(5) سورة طه، الآية: 62.
(6) مفردات ألفاظ القرآن: 508-509، مادّة (نزع).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لرغبة النفس فيه، فيحصل الإعراض عنه.
ثالثاً: نزع العداوة من القلب بعد أن كانت ثابتةً فيه، كما في قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ}(1).
رابعاً: نزع المحبّة. والظاهر أنَّه هو الإعراض نفسه، ولكن الإعراض قد يكون بسيطاً، وقد يكون قويّاً، كما لو أعرض الفرد عن وطنه أو أُسرته أو صديقه الحميم ونحو ذلك.
خامساً: النزع القلع والإزالة، كنزع المسمار من الحائط والثوب عن الجسد والروح عن الجسد أيضاً. يُقال: هو في حال النزع أو النزاع أو المنازعة، يعني: في حال الاحتضار، ويُسمّى السوق أيضاً؛ لأنَّه يُساق به الفرد إلى الآخرة.
ومنه السلب، كما عبّر الراغب، يعني: الإزالة كسلب الملك، كما في قوله تعالى: {تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ}(2). أو نزع شيء من تحت اليد تقول: نزعت منه الدار، أي: أخذتها بالقوة.
سادساً: ومنه التنازع؛ لأنَّ صيغة المنازعة تدلّ على تبادل عملٍ معيّنٍ كالمصارعة والمغالبة. يُقال: التصارع والمصارعة، كما يُقال: التنازع والمنازعة. وسرّه تصوّر أنَّ كلاً منهما ينزع شيئاً من الآخر، أو ينتزع حقّه من يد الآخر، فيحصل بذلك شجارٌ وعداوةٌ، فيُسمّى نفس الشجار والعداوة نزاعاً.
ومنه المجادلة على صحّة أيّة فكرةٍ عقليّةٍ أو اجتماعيّةٍ أو غيرها، كأنَّ كلّ طرفٍ يريد أن ينزع ويسلب اعتقاد الطرف الآخر بصحّة ما يعتقده، ويحاول
ــــــ[239]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 43، وسورة الحجر، الآية: 47.
(2) سورة آل عمران، الآية: 26.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أن يرجعه ويقنعه باعتقاد نفسه، أعني: الآخر، أو أن يسلب دليله عليه أو يسلب دفاعه عنه وهكذا.
سابعاً: والنزوع هو الاشتياق. وهذا له أحد تفسيرين:
الأوّل: ما هو منسجمٌ من السابق، كأنَّنا نتصوّر أنَّ النفس خرجت من مقرّها في الجسد والتحقت بهدفها وما ترغب به، فكأنَّ خروجها نزعاً وانتزاعاً ونزوعاً.
الثاني: أنَّه من ملاحظة القوّة، فقد لوحظ في الأوّل الخروج والابتعاد، ولوحظ في الثاني الوصول إلى الهدف والاقتراب منه. فسُمّي الاقتراب نزوعاً من باب التسمية المضادّة، كما قد سُمّي الأعمى بصيراً. وهذا المعنى مقرّبٌ عاطفيّاً لطبيعة الحال لا حقيقةً. وهو معنى الرغبة والإرادة والاستهداف.
ثامناً: رجل أنزع يعني: في مقدم رأسه صلعٌ؛ لأنَّ الخلقة النوعيّة للإنسان تقتضي وجود الشعر، وكان هذا الشعر الذي له اقتضاء الوجود قد زال وقلع، وإن لم يكن موجوداً حقيقةً.
وحسب فهمي اللغوي أنَّه لا يشمل الأصلع من كلّ شعره أو معظمه، وإنَّما فقط في مقدّم الرأس. ومنه وُصف أمير المؤمنين بالأنزع البطين(1). وفُسّر بأُمورٍ معنويّة: كنزع الشرّ والسوء عن نفسه المقدّسة. وهو مبتنٍ على نفس المعنى اللغوي، وهو الإزالة.
ومنه ما أفاده الشهيد الثاني في باب الوضوء، قال: والنزعتان
ــــــ[240]ــــــ
(1) راجع إرشاد القلوب 2: 258، الأمالي (للطوسي): 293، المجلس، الحديث 17، علل الشرائع 1: 159، باب علّة الصلع في رأس أمير المؤمنين والعلّة التي من أجلها سُمّي الأنزع البطين، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بالتحريك، وهما البياضان المكتنفان للناصية(1).
أقول: وهو يوجد عادةً في المتقدّمين في العمر، ولا تجد في الأطفال والشباب هذا إلّاَ قليلاً، كما أنَّ الأغلب اتّصاف الرجال به دون النساء. ومعنى ذلك: أنَّ الشعر يكون فيه، ثُمَّ ينزع أو يسلب منه، ويلحق بياضه بالجبهة.
هذا كلّه من ناحية المادة، وأغلب بل كلُ هذه المعاني من الممكن أن تكون مقصودةً في الآية، وتصلح أن تكون أُطروحاتٍ محتملةً لها. وسنشير إلى بعضها فيما يلي من الكلام.
[الكلام في هيئة فالنازعات]
وأمّا من ناحية الهيئة فالنازعات اسم فاعلٍ مجموعٌ بالجمع المؤنّث السالم، وهو وصفٌ حُذف موصوفه، فليس لنا من دلالةٍ عليه إلّاَ التأنيث، يعني: أنَّه موصوفٌ مؤنّثٌ وأنَّ أفراده متعدّدةٌ بقرينة الجمع.
غير أنَّ هذا ممّا يمكن التجاوز عنه، أعني: التأنيث؛ لأنَّ الجمع له سمة التأنيث في اللغة، حتّى لو كانت مفرداته موصوفةً بالتذكير. يُقال: جاءت جماعة الرجال أو جاءت الرجال. ومن هنا لا يتعيّن أن يكون الموصوف المحذوف في الآية مؤنّثاً، بل هو أعمّ من التأنيث والتذكير. ولذا لم يفهم المشهور منها معنى التأنيث، كالنساء مثلاً.
فإذا أضفنا إلى ذلك الالتفات إلى أنَّ اسم الفاعل قد يُستعمل في معناه، وقد يُستعمل بمعنى اسم المفعول، فيكون النازعات بمعنى المنزوعات أو بمعنى المنزوع منها، طبقاً لأيّ أُطروحةٍ من الأُطروحات السابقة.
ومعه فالنازع للروح هو ملك الموت، والمنزوع هو الروح، والمنزوع منه
ــــــ[241]ــــــ
(1) الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة 1: 323، كتاب الطهارة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
هو الجسد، وكلّ ذلك أو أيّ واحدٍ منه يمكن أن يكون مقصوداً.
وبطبيعة الحال فإنَّ المتعلّق المحذوف يتعيّن حسب معنى المادّة من المعاني السابقة، ولا يمكن تقدير أيّ شيءٍ إلّاَ بما يناسبه.
كما أنَّنا ينبغي أن نلتفت إلى أنَّ النزع معنىً إضافي، يحتاج إلى طرفين، وكلا الطرفين محذوفان في الآية، وهذا أيضاً يتعيّن حسب السياق وإن كانت أغلب التقديرات ممكنةً.
مع الالتفات أيضاً إلى أنَّ حذف المتعلّق يقتضي العموم، فمن الممكن أن تكون كلّ هذه الاحتمالات وغيرها مقصودةً، وليس هو ببعيدٍ على مستوى القرآن الكريم النازل من عند الله العزيز الحكيم.
فهذا هو الحديث بكلمةٍ واحدةٍ من حيث معناها التصوّري، وهو النازعات.
وأودّ فيما يلي أن أُعطي بعض الأُطروحات عنها، فالنازعات قد تكون هي النفوس، وهي قد تُنتزع عن الدنيا، أي: تعرض عنها، وتنزع إلى الجنّة أو إلى الله سبحانه، أي: تشتاق إليه. وقد يحصل العكس، أي: أن تشتاق إلى الدنيا وتعرض عن الله تعالى.
وقد تكون بمعنى: أنَّها تنزع الشهوات من نفسها، أو تنزع جانب الشرّ من نفسها، أو تنزع جانب الخير من نفسها، أو تنزع حقوق الآخرين وتعتدي عليهم، أو تنزع حقّها الذي في أيدي الآخرين، أو تنزع الرحمة من قلبها، أو تشتاق إلى الرحمة الإلهيّة بكثرة التضرّع والدعاء.
وهناك صورةٌ أُخرى لو صحّ التعبير، كما قلنا بأنَّ الحلّاق ينزع الشعر من الرأس، وكذلك النامصة والمتخمّصة، وهو ما يُسمّى في عرفنا بالحفّ، كما
ــــــ[242]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أن البنّاء يهدم ويزيل البناء القديم وينزعه، وكذلك الزارع ينزع الزرع القديم عن الأرض أو ينزع الزرع الجديد؛ ليزرعه في محلٍّ آخر. ومن الواضح أنَّ السير في هذه الأُطروحات يؤدي إلى عشرات النتائج.
أفاد الراغب(1): أنَّ الغرق الرسوب في القعر، أي: في أرض الماء، ولو صحّ التعبير: الرسوب في الماء، وكذلك يغرق في البلاء. وظاهر العبارة أنَّه معنى حقيقي لا مجازي، وغرق يغرق غرقاً وأغرقه، فالثلاثي منه لازم، والرباعي أو المزيد يأخذ مفعولاً به، وفلانٌ غرق في نعمة فلانٍ، تشبيهاً بذلك.
أقول: كمثالٍ آخر: أنا غريق نعمتك، وقد أغرقتني بنعمتك، إذن فالغرق هو الرسوب، مع غضّ النظر عن الشيء الذي غرق به، فقد يكون ماءً، وقد يكون بلاءً، وقد يكون نعمةً، فكلّ ذلك مناسبٌ مع مفهوم الغرق لغةً، مع غضّ النظر عن اختيار ذلك أو حصوله قهراً. فالإنسان قد يغرق نفسه في شيءٍ ما، فيحصل الغرق اختياراً، أو يحصل ذلك قهراً من حيث لا يريد، فيستغيث ولا يُغاث إلى أن يموت. وحسب فهمي فالرسوب هو الوصول إلى قاع النهر، فلا دخل له في مفهوم الغرق، وإن كان الغالب في الغرق هو الوصول إلى قاع الماء، وبه صرّح الراغب(2)، إلّاَ أنَّ الوجدان قاضٍ بأنَّ مجرّد الدخول في الماء بدون إمساكٍ أو سيطرةٍ خارجيّةٍ يُسمّى غرقاً، سواء وصل إلى القعر أم لا.
وعندما نقول من دون إمساكٍ خارجي فهو من قبيل أن يربط شيئاً بحبلٍ ويدخله في الماء؛ فإنَّ ذلك لا يُسمّى غرقاً؛ لأنَّه مسيطرٌ عليه.
ــــــ[243]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 372، مادّة (غرق).
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وهناك فكرةٌ لابدّ من الإشارة إليها، وهو أنَّ الماء له قعرٌ، وهذا صحيحٌ، لكن هناك أنواع من الغرق لا قعر لها، من قبيل الغرق في البلاء أو الغرق في النعمة، وعليه نقول: إنَّ الرسوب في قعر البلاء مثلاً ليس له معنىً؛ لأنَّه أمرٌ معنوي، فلا يؤخذ الرسوب شرطاً في صدق الغرق، كما أنَّه لا دخل لكثرة الماء في صدق الغرق ومفهومه، فيمكن أن يغرق الإنسان في نهرٍ، ويمكن أن تغرق الحشرة في إناءٍ صغيرٍ، فالغرق أعمّ من هذا كلّه، فهذه المحتملات كلّ واحدةٍ منها تصلح كأُطروحةٍ لغويّةٍ في معنى الغرق.
[قوله تعالى: غَرْقاً]
وعليه فهذه المعاني قد تصل إلى (42= 16) احتمالاً. والإشكال الرئيسي في قوله تعالى: {غَرْقاً} إنَّما هو في الهيئة؛ فإنَّ الغرق المستعمل في الآية بسكون العين (غَرْقاً) لا (غَرَقَاً)، فيتعيّن أن يكون مصدراً لغرق يغرق، مع العلم أنَّ المصدر المشهور بفتح العين لا سكونها، وهو (غَرَق).
وجواب ذلك من عدّة وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أن نقول: إنَّ (غَرْق) و(غَرَقَ) كلاهما مصدرٌ بمعنىً واحدٍ، كما هو الحال في المترادفين، أي: نطقه العرب على كلا الشكلين، واختار الله في كلامه ما هو ساكنٌ منهما؛ لأجل النسق القرآني في سائر آيات هذه السورة، وكلاهما فصيحٌ وصحيحٌ. لكن أهل اللغة لم يصرّحوا بذلك، وهو أنَّ (غَرْقاً) بالسكون مصدرٌ لغرق يغرق، إلّاَ أنَّنا نستطيع الاستدلال بشيءٍ واحدٍ، وهو أنَّ المصادر التفسيريّة واللغويّة من قبيل الراغب وغيره لم يحتجّوا بأنَّ (غَرْق) ليس بمصدرٍ، بل سكتوا واعتبروه مصدراً فصيحاً(1)، وسكوتهم إقرارٌ بالمعنى اللغوي. إلّاَ أنَّني لا أستطيع أن آخذ بهذا الوجه؛ وذلك لعدم
ــــــ[244]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 372، مادّة (غرق)، وغيره.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
تماميّة إقرارهم؛ وذلك أنَّهم يظهرون التورّع؛ لأنَّهم إذا سألوا مثل هذا السؤال كأنَّهم ينتقدون القرآن الكريم (والعياذ بالله)، فلذا نراهم يسكتون من هذه الناحية، فهو ليس إقراراً منهم؛ لأنَّ مقدّمات الحكمة تقول: إنَّه كان يستطيع أن يبيّن ولم يبيّن، وهم هنا لا يستطيعون أن يبيّنوا؛ تورّعاً عن انتقاد القرآن الكريم.
الوجه الثاني: أنَّه صياغةٌ خاصّةٌ للمصدر اختارها المتكلّم؛ لتناسب النسق القرآني للآيات اللاحقة، أي: لو لاحظنا اللغة الثابتة في المرتبة السابقة على القرآن، لما وجدنا الغرْق مصدراً. لكن القرآن غيّر حركة الراء من الفتحة إلى السكون اختياراً؛ لأجل مصلحة النسق، مع ضمّ هذه الفكرة، وهي أنَّ الذوق الأدبي واللغوي يعطي حرّيّةً وفرصةً لأديبٍ متبحّرٍ أن يخترع الألفاظ من نفسه، ولا يعتب عليه في ذلك؛ لأنَّه – لو صحّ التعبير- ثقةٌ من الناحية الأدبيّة وفاهمٌ ومتعمّقٌ جدّاً، بل وضعها عن علمٍ وعمدٍ ككلمةٍ لغويّةٍ جديدةٍ؛ لأنَّه أفضل من كلّ المجتمع الذي وضع الألفاظ اللغويّة، فمن حقّه أن يتكلّم بالكلام اللطيف المناسب المفهوم. فإذا كان هذا ممكناً وثابتاً للمخلوق، فكيف لا يكون ثابتاً للخالق؟! فحتّى لو كانت الكلمة غير موجودةٍ في المرتبة السابقة لنزول القرآن، فإنَّ من حقّ الله سبحانه وتعالى كمتكلّمٍ بالقرآن أن يقول شيئاً من هذا القبيل طبقاً لهذا الارتكاز.
الوجه الثالث: بعد التنزّل عن الوجهين السابقين نقول: إنَّ مصدر غَرَق يغرَق ليس (غَرْقاً)، وهذا قرينةٌ على أنَّ اللفظ الوارد في الآية ليس مصدراً لغرق يغرق، كما زعمت مصادر التفسير(1)، وإنَّما (غَرْقاً) الوارد في الآية هو
ــــــ[245]ــــــ
(1) أُنظر: إعراب القرآن وبيانه 10: 365، سورة النازعات، إعراب القرآن (للنحّاس) 5: 88، سورة النازعات، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
جمع غريقٍ، فجمع غريقٍ هو غرقى، أي: نفس اللفظ بالضبط، لكن كتابته تختلف، فغرْقا في القرآن مكتوبة بالألف الممدودة، وغرقى الذي هو جمع غريق يكتب بالألف المقصورة. وهذا يمكن تبريره بأنَّه غلطٌ من كتّاب المصحف، فكتبوا بالألف الممدودة بدلاً عن المقصورة. ويؤيّد ذلك أنَّ الوحي نزل بصفتين:
الأولى: صوتيّاً لا كتابيّاً.
الثانية: وبسكون نهايات الآيات.
فيكون صوت (غرقى) مناسباً مع كلا المعنيين، فإذا نفينا أحد المعنيين وهو المصدر، يتعيّن الآخر وهو الجمع، أي: جمع غريق.
فإن قلت: إنَّ (غَرْقاً) الموجودة في المصحف منوّنةٌ بالفتح، وهذا ينسجم مع كون الألف ممدودةً؟
قلنا: أنَّ الوحي نزل بالوقف على نهايات الآيات، ولم ينزل منوّناً؛ لأنَّ هذا على خلاف البلاغة، وعليه فهو قال: (والنازعات غَرْقا) ولا وجود للتنوين في الصوت الذي نزل وحياً، فلعلّ التنوين أيضاً اشتباهٌ من كتّاب المصحف؛ لأنَّهم تخيّلوا أنَّ (غَرْقا) مصدرٌ، فكتبوه بالتنوين.
لا يُقال: إنَّ (غرقا) يكون صفةً أو بمنزلة الصفة للنازعات، والنازعات مؤنّثةٌ، مع أنَّ (غرقى) لفظ مذكّرٌ؛ لأنَّه جمع غريقٍ بحسب الأُطروحة، ولابدّ من اتّحاد الصفة والموصوف في التأنيث والتذكير، وهذا قرينةٌ على أنَّه لا يُراد به جمع غريقٍ، بل يُراد المصدر المشهور.
فإنَّه يُقال: إنَّ بعض الصفات تُستعمل وصفاً للمؤنّث والمذكّر، ومنها غرقا وعطشى، ولا يمكن أن يكون الصفة والموصوف مختلفين في التأنيث والتذكير.
ــــــ[246]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
يُقال: رجالٌ عطشى، ونساءٌ عطشى، ورجالٌ جوعا، ونساءٌ جوعا، لو أُريد به الجمع كما في المقام؛ لأنَّ النازعات جمعٌ، فيمكن أن يكون غرقى جمعاً للمؤنّث إذا كان المقصود من النازعات المؤنّث. على أنَّنا سنقول: إنَّ نازعات لفظٌ مؤنّثٌ، إلّاَ أنَّه لا يُراد به المؤنّث، وهذا بابٌ آخر يصلح جواباً عن هذا السؤال. وأمّا إذا أُريد به المفرد فتعيّن أن يكون للمؤنّث لا للمذكّر. يُقال: امرأةٌ غرقى وعطشا، ورجلٌ عطشان، لكن المورد ليس كذلك؛ لأنَّ الموصوف جمعٌ لا مفردٌ.
وأمّا الإعراب فإن كان جمعاً لغريق كان حالاً، منصوباً على الحاليّة بما قبله، أي: والنازعات حال كونها غرقا، فلذا قلت: إنَّها إمّا صفةٌ أو شيءٌ يشبه الصفة أو الحال، وفتحته تعذّر النطق بها؛ لأنَّ الألف لا يناسب حالها. وأمّا كونه صفةً بالمعنى النحوي فهو أُطروحةٌ شاذّةٌ؛ لأنَّه لا يصلح أن يكون صفةً بالحقيقة، للزوم التفريق بين الصفة والموصوف بالتعريف والتنكير، فالنازعات فيها الألف واللام، فهي معرّفةٌ، وغرقا ليست كذلك، بل نكرةٌ، ولكنّه من ناحيةٍ إعرابيّةٍ يكون مجروراً إذا كان صفةً، والمفروض أنَّها جمع غريقٍ، فتكون مجرورةً بكسرةٍ مقدّرةٍ على الألف منع من ظهورها التعذّر.
[مناقشة رأي المشهور بتقدير كون (غرقا) مصدراً]
وأمّا على تقدير كون (غرقا) مصدراً كما هو المشهور فقد سبق مثله في سورة العاديّات عند قوله: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً}(1) . وقد ذكرنا هناك ثلاث أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى -وهي للعكبري(2)-: أنَّها مصدرٌ في موضع الحال،
ــــــ[247]ــــــ
(1) سورة العاديات، الآيتان: 1-2.
(2) أُنظر: إملاء ما مَنّ به الرحمن 2: 280، سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أي: والعاديات ضابحةٌ، فالضبح مصدرٌ وقع حالاً، وإن كان الحال عادةً يأتي بصيغة اسم الفاعل أو المفعول، نحو: أقبلت راكضاً. ويمكن أن نقول: قمت نهوضاً، وهو مصدرٌ في موضع الحال، نحو: والعاديات ضابحةٌ، وليس حالاً بالمعنى الدقّي أو المطابقي. ويُستعمل المصدر بمعنى اسم الفاعل، وهو مجازٌ صحيحٌ في اللغة. وذكر أنَّ (غرقاً) في سورة النازعات مصدرٌ محذوف الزيادة، وأيّده في “الميزان”(1)، فقال: غرقاً، أي: إغراقاً، فحذف الألف الأُولى، والألف الوسطى، فصار غرقاً.
ولكن يشكل عليه:
أوّلاً: ما هو وجه الحذف؟
وثانياً: أنَّه إذا حذف الألف لا يبقى غرْقاً؛ لأنَّ الراء التي هي قبل الألف مفتوحةٌ، فيكون غَرَقاً، فلماذا تحوّلت حركة الراء إلى السكون. وعليه فالقول بأنَّ أصلها (إغراقاً) ليس بصحيحٍ. نعم، لو وقعنا في ضرورة وعدم مندوحةٍ لكان لذلك مجالٌ، لكنّنا وجدنا وجوهاً أُخرى للتصحيح التي لا ضرورة معها لاختيار هذا الوجه، ولذا قلنا: إنَّها أُطروحةٌ قابلةٌ للمناقشة؛ لأنَّ كلّ تقدير خلاف الأصل، فلا ينبغي أن يُصار إليه إلّاَ مع الضرورة. هذه هي الأُطروحة الأُولى في الإعراب، وهو أن يكون (غرقاً) مصدراً في موضع حالٍ، ولعلّها أرجح الاحتمالات.
الأُطروحة الثانية: أنَّ (غرقاً) منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ من غير لفظه، فهو يحتاج إلى تقدير فعلٍ قبله، من قبيل: (والعاديات تضبح ضبحاً) أو (تركض ضبحاً). وعلى أي حالٍ فهو خلاف الأصل لا يُصار إليه
ــــــ[248]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 179، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
إلَّا مع الضرورة والانحصار.
الأُطروحة الثالثة: أنَّ (غرقاً) منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ به لفعلٍ محذوفٍ، تقديره: اغرقي غرقاً، على أن يكون المصدر مفعولاً به، أي: اغرقي الغرق. وكذلك الحال في قوله: (ضبحاً) والتقدير: (اضبحي ضبحاً). وقد ناقشنا كلا الأُطروحتين في غير موضعٍ من البحث: بأنَّ هذا لا يناسب القَسم، فإذا أقسم بالنازعات، فلا مجال لأن نقول: اغرقي غرقاً واضبحي ضبحاً، كما هو واضحٌ.
****
قوله تعالى: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً}:
[المحصّل من قوله تعالى: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً]
بعد أن عرفنا معنى النازعات ومعنى (غرقا) ندخل فيما هو المحصّل لهذا السياق ومعنى الآية ككلٍّ. وهاهنا مرحلتان: الأُولى بحسب فهمي للآية، والثانية بحسب فهم المشهور لها.
[مرحلتان لفهم الآية ككل]
[المرحلة الأُولى: التطبيق على مجموعة المعاني التي أعطيت للنازعات]
المرحلة الأُولى: في التطبيق على مجموعة المعاني التي أعطيناها للنازعات، فإنَّ لكلٍّ من تلك الأحوال والأعمال غرقه المناسب له، والغرق مناسبٌ أيضاً لكثير من الأمور، كما عرفنا، فقد يكون غرقاً حقيقيّاً، وقد يكون مجازيّاً، كالاستغراق في الله أو التفكير أو في التأمّل في حادثةٍ معيّنةٍ، أو بلاءٍ معيّنٍ، أو أن يكون مستغرقاً في مستقبل حياته، كما أنَّ الفرد قد يغرق في شهواته أو في ماله أو بلائه أو رفاهه أو في حبّه أو في بغضه. فعندما نتذكّر معنى (النازعات) يكون لكلّ معنىً غرقه المناسب له، وإذا سرنا بهذا المسير أمكن اندراج كلّ الأقوال التي ستأتي ممّا قاله المفسّرون كمصاديق وتطبيقات لهذا المعنى الواسع الذي أعطيته.
ــــــ[249]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ولكن مشهور المفسّرين سار على الطريق التي اختطّها لنفسه، وهو أن نفهم معنىً واحداً من الآية، ومن هنا احتاروا في تعيين ذلك المعنى، فذكر كلّ منهم المعنى الذي يقتنع به ويجده أقرب إلى وجدانه، وقد عرفنا في هذا الدرس أنَّ هذا السير الذي خطّوه لأنفسهم خاطئٌ.
نعم، في الفقه والأُصول نفهم من الكتاب والسنّة معنىً واحداً هو الدلالة الظاهريّة، لكن في التفسير لا ينبغي أن نكون كذلك؛ لأنَّ القرآن له عدّة معانٍ، وهو نازلٌ من المصدر اللانهائي، فيمكن أن يكون له معانٍ لا نهائيّةٌ. ويؤيّد ذلك ما ورد من أنَّ للقرآن سبعة بطونٍ أو سبعين بطناً ونحو ذلك(1)، والقرآن قابلٌ للحمل على معانٍ كثيرةٍ. فإذا قلنا: إنَّ هذا التفسير هو الوحيد، فأنا استطيع أن آخذ به، وأنت لا تستطيع أن تأخذ به مثلاً؛ لأنَّه من المعاني المتأخّرة رتبةً عن زمان نزول القرآن، فتكون حجّةً على قائلها، وإنَّما نأخذ بالمعاني اللغوية والفصاحة السابقة رتبةً وزماناً على نزول القرآن. وعليه فكلّما قاله المشهور يرجع إلى القسم الأوّل دون الثاني، ومن هنا ستكون المعاني التي نذكرها في المرحلة الثانية قابلةً للمناقشة، إلّاَ من زاوية الفهم العامّ أو الواسع الذي فهمناه، فإذا تمّ ذلك المعنى الواسع لم يتعيّن أيّ واحدٍ من هذه المعاني التي ذكرها المشهور.
[المرحلة الثانية: في استعراض أهمّ أقوال المفسّرين]
المرحلة الثانية: في استعراض أهمّ أقوال المفسّرين مع التنزّل عمّا قلناه في المرحلة الأُولى.
وقد اختلفوا في ذلك اختلافاً شديداً إلى حدٍّ لا يُستطاع القول بوجود
ــــــ[250]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير الصافي 1: 61، المقدّمة الثامنة، تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة 1: 57، تفسير سورة البقرة، تحقيق مراتب القلب وإطلاقاته، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
رأيٍ مشهورٍ منها، وإنَّما الاتّجاه المشهور هو أنَّ كلّ مفسّرٍ يحاول أن يفهم معنىً معيّناً من الآية. أمّا أنَّ هذا المعنى المعيّن ما هو؟ فهذا لم يتّفق عليه المفسّرون، وكما أنَّ ذلك أنتج هذه الحيرة المشهوريّة لو صحّ التعبير، فقد أنتج أن يقتصر السيّد الطباطبائي على نقل الأقوال وأن لا يختار واحداً منها؛ باعتبار أنَّ كلاً منها معنىً محتملٌ للآية الكريمة، وهذا يكفي في تفسيرها، وذلك خيرٌ له أمام الله سبحانه وتعالى من أن يفسّر القرآن برأيه.
قال(1): وقيل: المراد بها الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفّار من أجسادهم بشدّةٍ. والوجه فيه: أنَّهم فهموا من المفعول المطلق (غرقاً) الشدّة، فحينئذٍ يُقال حسب تسلسل تفكير المشهور: إنَّ المؤمن لا تخرج روحه بشدّةٍ، وإنَّما يكون الموت له كشمّ الرياحين والورود، أو يكشف الله تعالى له مقامه في الجنة، فلا يكون شيءٌ أحبّ إليه من الوصول إلى ذلك المقام. أمّا أرواح الكفّار فتنزع بشدّةٍ، فلا يصدق غرقاً إلّاَ على الكفّار، ولا يصدق على المسلمين. هذا بحسب تصوّر المشهور.
وقيل: هو الموت بنزع الأرواح من الأبدان نزعاً شديداً.
وقيل: المراد به النجوم تنتزع من أُفقٍ لتغيب في أُفقٍ، فعندما تبزغ من جهة الشرق تنزع، فتبقى منزوعةً إلى أن تغيب.
وقيل: المراد بها القسي، وهي النبلة التي تطلق من السهم، والقسي تنزع بالسهم أي: تحدّ بجذبٍ وترها، إغراقاً في المدّ، فالإقسام المستفاد من واو القسم إقسام بقسي المجاهدين في سبيل الله؛ لأنَّه لا يمكن القسم بكلّ سهمٍ حتّى سهام الكفّار؛ لأنَّه لا شأن ولا قيمة لها حتّى يقسم الله تعالى بها، وإنَّما
ــــــ[251]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 179، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
يقسم بسهام المجاهدين في سبيل الله.
وقيل: المراد بالنازعات الوحش تنزع إلى الكلأ، أي: تجوع وتريد أن تأكل، فتبحث عن الطعام أيّاماً، فتركض من جهةٍ إلى جهةٍ حتّى تجد ما يصلح طعاماً، فما يلاقيه الحيوان من التعب والنصب يصدق عليه غرقاً أنَّه إغراقٌ في البحث.
****
قوله تعالى: {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً}(1):
المادّة هنا في اللفظين واحدة، والناشطات اسم فاعلٍ، ونشط مصدرٌ، وكلاهما من مادّةٍ واحدةٍ، ونبحث أوّلاً عن معناهما اللغوي:
أفاد الراغب(2): أنَّ النشط من قولهم: ثورٌ ناشطٌ، أي: خارجٌ من أرضٍ إلى أرضٍ، ومن قولهم: نشطت العقدة، وتخصيص النشط – وهو العقد الذي يسهل حلّه- تنبيهاً على سهولة الأمر عليهم، وبئرٌ أنشاطٌ قريبة القعر يخرج دلوها بجذبةٍ واحدةٍ، والنشيطة ما ينشط الرئيسي لأخذه قبل القسمة، أي: حينما ينتصر الجيش ويأخذ الغنائم، فإنَّ رئيسه أو قائده يأخذ قبل التقسيم على الآخرين، وقيل: النشيطة من الإبل هي أن يجدها الجيش، فتساق من غير أن يحدى لها. ويُقال: نشطته الحيّة أي: نهشته.
أقول: يبدو أنَّ المادّة موضوعةٌ للتحوّل السهل، كخروج الثور من أرضٍ إلى أرضٍ، وفتح العقدة السهلة، وجذب الدلو بسهولةٍ، وسوق الإبل
ــــــ[252]ــــــ
(1) يظهر: أنَّ هناك قسماً من المحاضرة لم يتمّ تسجيله، وما وجدناه في شريط التسجيل هو هذا المقدار المذكور، فلاحظ.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 515، مادّة (نشط).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بسهولة، ونشطته أي: أخرجته بسهولةٍ. والنشيطة اسم مفعولٍ، وهو الشيء المخرج، كالشيء الذي يأخذه الرئيسي قبل القسمة، والإبل التي يأخذها الجيش من المعسكر الذي يُغار عليه. إلّاَ أنَّ كلّ تلك المعاني قد تحوّلت الآن؛ ففي الارتكاز اللغوي نحن الآن لا نفهم من نشط: أخرج ونحو ذلك من المعاني، بل أصبحت المادّة تعبّر عن القدرة على التصرّف وسرعة الحركة. يُقال: نشيطٌ أو ناشطٌ، بإزاء الخامل والكسلان والمريض الذي تصعب عليه الحركة، والظاهر أنَّ الارتباط بين المعنيين موجودٌ؛ لأنَّ النشاط بالمعنى الثاني يؤدّي إلى سهولة العمل، وتمشية الإبل بسرعةٍ مثلاً، والإخراج بسرعةٍ؛ لأنَّه نشيطٌ مثلاً يصعد بسرعةٍ وينزل بسرعةٍ، فسُمّي نشيطاً.
ولا يبقى إشكالٌ إلّاَ في فهم هذا التعبير (وهو نشطته الحيّة أي: نهشته أو لدغته)؛ من حيث إنَّ لدغتها توجب المرض والخمول لا النشاط، فيكون منافياً للمعنى الثاني أو للمعنى المتعارف الآن، وهو منافٍ حتّى مع المعنى الأوّل؛ لأنَّ فيه صعوبةً لا سهولةً، إلّاَ أن نقصد السهولة على الحيّة نفسها لا على الإنسان الملدوغ.
وهذا له أحد تبريرات: إمّا هو استعمالٌ مجازي، أو استعمالٌ بالاشتراك اللفظي، أي بوضعٍ آخر لمادّة (نشط) أو من بعض الاستعمال في المعنى المراد، فنشط غالباً يُستعمل في معنى النشاط والسرعة، لكن هنا مستعملٌ بمعنى الخمول والبطء، كما سُمّي الأعمى بصيراً.
ويبقى الكلام في أنَّنا هل نحمل الآية {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} على المعنى الأوّل الذي يميل إليه المشهور والسيّد الطباطبائي(1)، أو على المعنى
ــــــ[253]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 179، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الثاني؛ باعتباره هو المنساق والمتبادر لنا الآن، والتبادر حجّةٌ مثلاً؟
جوابه: أنَّ مقتضى القاعدة حمل الآية على المعنى الأوّل؛ لأنَّه هو الذي كان متبادراً في عصر نزولها، ولا نعلم أنَّ المعنى الثاني كان حاصلاً أو مفهوماً آنذاك، وبالتالي لا يمكن استصحابه بالاستصحاب القهقرائي؛ وذلك لسببين:
الأوّل: وجود الأمارة على عدمه، وهي شهادة اللغويّين على خلافه، وأنَّ المعنى الأوّل هو الذي كان مستعملاً ومفهوماً لا المعنى الثاني.
الثاني: لمعارضته باستصحابٍ آخر؛ لأنَّ المعنى الأوّل كان موجوداً في بعض الأزمنة، فيمكن استصحاب استمرار فهمه، فيتعارض مع الاستصحاب القهقرائي للمعنى الثاني ويتساقطان. بل الأمر أكثر من ذلك، وهو أنَّ استصحاب المعنى الأوّل اعتيادي من الماضي إلى الحاضر، وهذا قهقرائي، أي: من الحاضر إلى الماضي، ومع تعارض أمثال هذين السنخين من الاستصحاب يتقدّم الاعتيادي ويسقط القهقرائي، فيتعيّن حينئذٍ القول بأنَّ المعنى الأوّل هو المقصود بالآية. اللّهمّ إلّاَ أنَّ نلتفت إلى أحد أمرين:
الأمر الأوّل: أن نقول: إنَّ العرب وإن كانوا يستعملون (نشط) بمعنى الإخراج بسرعة، إلّاَ أنَّنا نستطيع أن نفهم معنىً واسعاً جامعاً لكلّ هذه الأُمور، بما فيها المعنى السابق والمعنى الموجود الآن، وإنَّما استعمله العرب السابقون في المعنى الأوّل باعتباره أحد الحصص أو مصداقاً من المصاديق، ونحن استعملناه في مصداقٍ آخر، وإلّاَ فالمعنى محفوظٌ لغويّاً في كلا الاستعمالين في جميع الأزمنة، ولم يتحوّل، فيكون المراد من القرآن هذا المعنى الجامع، وليس خصوص حصّةٍ بعينها.
ــــــ[254]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأمر الثاني: أن نتنزل عمّا قلناه في الأمر الأوّل ونقول: إنَّ هذين المعنيين متباينان، وليسا حصّتين لمعنىً واحدٍ، ولكن نلتفت إلى معنىً نستطيع أن نسمّيه باطنيّاً، ولكن عليه دليلٌ ظاهري؛ لأنَّنا في الظاهر والفقه والأُصول نقول: إنَّه لابدّ أن يحمل النصّ على معنى عصر النزول، ولا نستطيع أن نحمله على المعاني المتأخّرة عنه، لكنّه في الباطن يمكن أن نتصور أنَّ القرآن الكريم يقصد معاني سوف تفهم في المستقبل، فمن هذه الناحية هذا المعنى قابلٌ لأن يكون كذلك. وهذا عليه دليلٌ ظاهري، وهو قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}(1) أي: حتّى المعاني المستقبليّة موجودةٌ فيه، فمن الممكن على المستوى العالي صدور كلماتٍ ذات معانٍ غير منجّزةٍ، وإنَّما هي معلّقةٌ على وجود من يفهمها ولو في المستقبل البعيد من الزمان، وهذا ليس على القرآن ببعيدٍ، ولكنّه معنىً باطني، وليس حجّةً بالمعنى الظاهري.
وعلى أيّ حالٍ فلفظ الناشطات له طبيعةٌ واسعةٌ، كما قلنا في لفظ النازعات، ويكفي أن نلتفت إلى أنَّ النشاط قد يكون في طاعة الله وطلب الآخرة، وقد يكون لطلب الدنيا وطلب الرزق، فيختلف من حيث الهدف، وتفاصيل الدنيا كثيرةٌ، وبذلك تكثر الاحتمالات جدّاً. كما أنَّ النشاط مهما كان معناه فهو معنى إضافي له طرفان: طرف الفعل، وطرف الشيء الذي أخرجه الفاعل، وكلا الطرفين غير مذكورين في الآية الكريمة، فتكون تطبيقاته ومصاديقه فوق حدّ الإحصاء. ثُمَّ إنَّ حذف المتعلّق يدلّ على الإطلاق والسعة، أي: يمكن أن نجعل المتعلّق أيّ شيءٍ يناسب الحال إذا لم توجد قرينةٌ تعيّن شيئاً مّا.
ــــــ[255]ــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 38.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
كما يمكن أن نضيف إلى ذلك الهدف المكان والزمان بالمعنى المناسب له، والمكان إمّا بالمعنى المادّي أو بمعنى الدرجات المعنوية العالية أو السافلة، والزمان إمّا بمعنى الزمان الذي هو أقرب إلى المعنى المادّي أو بمعنى الدهر أو السرمديّة، فيكون معنى الناشطات من هذه الناحية واسعاً جدّاً إلى درجة تفوق التصوّر.
ومن الطريف أنَّنا إذا لاحظنا المعاني المشهورة لهذه الآية، نجد أنَّها نفس المعاني التي ذكرت في الآية السابقة، فالمشهور يميل إلى حدٍّ كبيرٍ إلى هذه الصفات، وهي صفاتٌ للملائكة التي تقبض الأرواح، ولعلّ أفضلهم يقول(1): إنَّ النازعات هم الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفّار بشدّةٍ، والناشطات هم الملائكة الذين ينزعون أرواح المؤمنين برفقٍ؛ لأنَّ النشط هو الإخراج بسهولةٍ، فيفرّق بين السياقين في هذه الآية والآية السابقة. أمّا المعاني الأُخرى فإنَّها لا تختلف في الآيتين عند المشهور، فكأنَّ هناك تكراراً أربع مرّات في السياق القرآني.
وقد ناقشنا المعنى المشهور هناك، وأعطينا معنىً للآية يكون المعنى المشهور أحد مصاديقه وتطبيقاته، ولولا ذلك لما أخذنا بالمعنى المشهور؛ لأنَّه متأخّرٌ زماناً عن صدور القرآن الكريم.
[الكلام عن (الواو): هل هي واو عطفٍ أو واو قسمٍ]
كما سبق الكلام عن (الواو): هل هي واو عطفٍ أو واو قسمٍ؟ وكذلك الكلام في المصدر، إلَّا أنَّ الاشكال الذي ذكرناه في قوله تعالى: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} من كون المصدر هو{غَرَقًا} لا {غَرْقًا} منتفٍ هنا في قوله:
ــــــ[256]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 191-192، تفسير سورة النازعات، الجواهر الحسان في تفسير القرآن 5: 547، تفسير سورة النازعات، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
{وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا}؛ فإنَّ (نشط ينشط) مصدرها (نشطاً ونشاطاً)، وكلاهما صحيحٌ. فالإشكال في المصدر هنا منتفٍ من تعيينه للمصدريّة لغةً، ولم يذكر النشاط بوصفه مصدراً أو اسم مصدرٍ، بالرغم من أنَّنا نستعمله الآن كثيراً.
وينبغي الالتفات إلى أنَّ (نشط) الثلاثي المجرّد هو المذكور في الآية الكريمة، وليس المزيد، وهو غالباً ما يأتي بالتشديد، يُقال: نشّط غيره، فيكون متعدّياً، والظاهر أنَّه معنىً مناسبٌ للاستعمال الثاني، وهو المتداول الآن، فنشّطه، أي: قوّاه أو أعطاه الدواء المنشّط مثلاً، وليس مناسباً للمعنى الأوّل، أي: سهولة الإخراج. اللّهمّ إلّاَ أنَّ يُراد به أنَّه جعل إخراجه سهلاً بعد أن كان صعباً، والظاهر أنَّ هذا المعنى لم يلحظه العرب السابقون، ولذا لم يسجّل في المصادر السابقة على أنَّه مزيدٌ، مثل نشّط أو أنشط، بالرغم من أنَّه قياسي.
****
قوله تعالى: {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً}:
[فهم الآية من حيث المادّة]
والمهمّ في الآية فهمها من حيث المادّة، وكلا اللفظين من مادّةٍ واحدةٍ أيضاً.
أفاد الراغب(1): أنَّ السبح المرّ السريع في الماء وفي الهواء، يُقال:سبح سبحاً وسباحةً، وأُستعير لمرّ النجوم في الفلك، نحو: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}(2)، ولجري الفرس نحو: {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً}(3) ولسرعة الذهاب في العمل نحو: {إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً}(4) أي: سرعةً في العمل الكسبي والدنيوي.
ــــــ[257]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 226، مادّة (سبح).
(2) سورة الأنبياء، الآية: 33.
(3) سورة النازعات، الآية: 3.
(4) سورة المزّمّل، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والتسبيح تنزيه الله سبحانه وتعالى، وأصله المرّ السريع في عبادة الله تعالى. وليس مقصوده من المرّ السريع السرعة في أداء العبادة. وجعل ذلك في فعل الخير، أي: تسبيحٌ في فعل الخير، فيكون تسبيحاً لله سبحانه، كما جعل الإبعاد في الشرّ، فقيل: أبعده الله أو لعنه الله ونحو ذلك، وجعل التسبيح عامّاً في العبادات قولاً أو فعلاً أو نيّةً، فالنيّة الحسنة تسبيحٌ، والقول والفعل الحسن تسبيحٌ كذلك(1).
وفي حدود فهمي يمكن تفسير السبح بالمرور والحركة والانتقال، بغضّ النظر عن مكانه، ولذا قال الراغب(2) بأنَّه الحركة في الماء أو الهواء، فالسبح ليس في الماء فقط، وإن كان هو الفرد الغالبي الآن، وليس هو الفرد المتعيّن لغةً؛ بعد الالتفات إلى أنَّ المشي على الأرض سبحٌ في الهواء أيضاً. ولا يتعيّن أن يكون في الهواء محضاً كالطائر أو الطائرة؛ لأنَّ الإنسان يمشي في طبقةٍ هوائيّةٍ، كما أنَّه لم تؤخذ السرعة في معنى السبح؛ لصدقه على البطيء جزماً، فالحركة السريعة ليست ضروريّةً في تحقّق المعنى، وإنَّما يكفي أصل الحركة والانتقال.
وقد أفاد الراغب(3) أنَّ السبح استعير لمرّ النجوم في الفلك، نحو قوله: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}(5).
أقول: لا توجد استعارةٌ في المقام، وإنَّما هو مصداقٌ حقيقي للسباحة، فحركة النجوم وإطلاق السبح عليها ليست استعارةً؛ لأنَّنا قلنا: إنَّ السبح في
ــــــ[258]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 226، مادّة (سبح).
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) أُنظر المصدر السابق.
(4) سورة الأنبياء، الآية: 33.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الهواء سبحٌ، ولا نريد من الهواء خصوص الطبقة الهوائيّة، بل كلّ الفضاء الكوني، ولا شكّ أنَّ النجوم تسبح في الفضاء الكوني في ضمن طريقٍ محدّدٍ لها، وهو معنى الفلك. نعم، التصوّر القديم للفلك يعتبر أنَّ الفلك نفسه يسبح، وليس النجوم التي فيه، فتكون هناك استعارةٌ بالاستعمال من باب الوصف المتعلّق كما يعبّرون مجازاً. ولعلّ هذا الذي حدى بالراغب أن يعتبره استعارةً.
[لماذا قال:كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَولم يقل في الفضاء الكوني]
فإن قلت: إنَّه تعالى قال: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}(1) ولم يقل في الفضاء الكوني؟
قلنا: نعم، قال في الفلك، ويريد بذلك أنَّها تسبح في ضمن الفلك أو مع تقيّدها بالفلك، وهو المسار المخصّص لها، فيكون سيرها في الفضاء وفي الفلك معاً، فكونها في فلك لا يعني: أنَّها ليست في الفضاء؛ لأنَّ الفلك نفسه من جملة الفضاء.
وعلى مستوىً آخر نتعرّض لمسألةٍ أُخرى في الآية، وهي وجود المصدر (سبحاً) في الآية، وهو يقتضي مزيّةً زائدةً لا محالة؛ لأنَّ وجوده لابدّ أن يكون عن حكمةٍ وقصدٍ.
وفي الحقيقة لا نستطيع القول: إنَّه جاء لمجرّد حفظ النسق ونهاية الآيات، بل ورد لحفظ المعنى، مضافاً إلى حفظ النسق، وإلّاَ بالإمكان أن يحفظ النسق بلفظٍ آخر، لا بالمفعول المطلق من لفظه ومادّته (سبحاً). فلذا قال: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}(2) ولم يقل: (والمدبرات تدبيراً) فوجود المصدر في {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً} يؤدّي معنى الشدّة في العمل أو الكثرة في الهمّة أو الكثرة
ــــــ[259]ــــــ
(1) سورة الأنبياء، الآية: 33.
(2) سورة النازعات، الآية: 5.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
في العدد ونحوه، ويكون محصّل ذلك تطبيقاتٍ كثيرةً، كالسابحين في عبادة الله وفي درجات اليقين، وفي طلب الدنيا، وكلّ الناس ناشطون وسابحون في طلب الرزق، أو سابحون في الدعاء، أو في أيّ هدفٍ آخر. والملائكة أيضاً ناشطون في أعمالهم في تدبير الكون أو قبض الأرواح أو تبليغ الرسالات، وهكذا الكلام في الجنّ والشياطين الناشطين في إغواء البشر، إلى غير ذلك.
فإن قلت: إنَّ السابحات والناشطات أصبحت بمعنىً واحدٍ، فلماذا هذا التكرار؟
قلنا: لذلك أكثر من جوابٍ واحدٍ:
منها: أنَّنا إذا قلنا بأنَّ معنى الآيات واحدٌ، فإنَّما هو لأهمّيّة الأمر والتركيز عليه ثلاث وأربع مرّاتٍ، وعندئذٍ يقتضي أن نفهم منه معنىً جليلاً ذا أهمّيّةٍ كبيرةٍ، بحيث صار بهذا المقدار من التركيز القرآني. وهذا المعنى سوف يأتي بيانه لاحقاً.
ولكن نقول ردّاً على الإشكال: إنَّ هذا إنَّما يلزم على بعض الأُطروحات دون جميعها، ولعلّه يتوجّه إلى الأُطروحات المشهورة في فهم الآيات التي افترضت أنَّ المقصود في كلا الآيتين (الناشطات) و(السابحات) هم الملائكة. ويلزم الإشكال حتّى على الآيتين معاً بمعنى الحركة على نحو يكون معنى (الناشطات) و(السابحات) المتحرّكات والمتنقّلات، أي: المتنقّلات والمتحرّكات.
وجوابه: أنَّه يمكن أن يكون أحدهما للحركة السريعة، والآخر لمطلق الحركة، كما يمكن أن يكون الفرق بالمصدر المدخول له، فكلاهما يحتويان على مصدرٍ مدخولٍ له، فنحمل أحدهما مثلاً على أنَّه مفعولٌ به والآخر مفعولٌ
ــــــ[260]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
مطلقٌ، فيختلف المعنى بينهما حينئذٍ.
وينبغي الالتفات إلى أنَّ التسبيح مزيدٌ؛ إذ إنَّ (سَبَحَ) مجرّدٌ، و(سَبَّحَ) مزيدٌ، ومقتضى القاعدة أنَّ الثلاثي يكون لازماً، سَبَح زيد، والمزيد يكون متعدّياً، بمعنى: يجعل غيره يسبح. وهذا لا نقاش فيه، إلّاَ أنَّ الإشكال في تطبيقه على الله سبحانه وتعالى.
[جواب إشكال تطبيق المزيد على الله في لفظ(سَبَّح)]
وجواب ذلك من عدّة وجوهٍ:
الأوّل: ما قاله المشهور من: أنَّ المقصود من قوله تعالى: {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا} هو النشاط والسبح في طاعة الله، فالسابح هو العبد لا الله سبحانه، فكأنَّ الفرد قد سبّح نفسه وحرّكها في طاعة الله تعالى.
الثاني: أنَّ الفرد قد حرّك عالم المعنى، وهو الشهادة لله بالنزاهة، أو حرّك ذهنه بمعنىً من المعاني.
الثالث: أنَّ الفرد قد حرّك عقله أو روحه باتّجاه التكامل.
الرابع: أنَّ العبد يكون قد حرّك المزيد من فيض رحمة الله عليه.
الخامس: أنَّ الله تعالى قد حرّك العبد لطاعته بحسن توفيقه، فيكون من النسبة المقلوبة، كما يُقال: أدخلت الخاتم في إصبعي، والحقيقة أنَّه أصبعه دخل في الخاتم.
السادس: أنَّ ذلك من الاشتراك اللفظي، فـ (سبّح) موضوعٌ بوضعٍ آخر لتسبيح الله سبحانه وتعالى، و(سَبَح) موضوعٌ بوضعٍ آخر لمجرّد الدلالة على تنزيه الله تعالى، أو لمجرّد الدلالة على قوله: سبحان الله، بدون أيّ دلالةٍ على الحركة والنشاط، وبهذا المعنى يكون لازماً لا متعدّياً.
وممّا يشهد على ذلك أنَّه لو كان بالمعنى المتعدّي الذي قلناه لصحّ فيه:
ــــــ[261]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
سَبَّح وأسبح، كما يُقال: خرّج وأخرج، في حين لا يصدق المهموز على تسبيح الله سبحانه، فيتعيّن أن يكون بوضعٍ جديدٍ.
ثُمَّ إنَّ ما قلناه إلى الآن يتوقّف على كون الواو فعلاً واو القسم، كما تسالم عليه المشهور، فنحتاج حينئذٍ إلى جواب القسم. وأمّا إذا لم تكن واو قسمٍ فلا نحتاج حينئذٍ إلى البحث عن جواب القسم. وسوف نثبت أنَّ الواو ليست للقسم، بل نذكر أُطروحةً أُخرى، وهي أنَّ الواو هنا من حروف الجرّ، ومن سنخ واو ربّ، وهي جارّة، إلّاَ أنَّ الفرق بينهما هو أنَّ واو ربّ تدخل على النكرة فقط، مع أنَّ هذه الواو داخلةٌ على المعرفة، فهي واو جرٍّ لا واو قسمٍ، وهي كأُطروحةٍ معقولةٌ في نفسها(1).
****
قوله تعالى: {تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ}:
في حدود فهمي أردفه أي: أردفه على الدابّة، فالأوّل ركب على وسط ظهرها، وأردفه الآخر، أي: أركبه خلفه على الدابّة، فصار بمنزلة التابع فقالوا: ردف التابع؛ لأنَّ السائق الحقيقي للدابّة هو الأصلي المتقدّم، وذاك تابعٌ له في السير، فمن هنا سُمّي كلّ تابعٍ بالردف ردفاً. ولذا أفاد الراغب: أنَّ الردف التابع، وردف المرأة عجيزتها، والترادف التتابع؛ لأنَّ شيئاً يأتي وراء شيءٍ آخر، والرادف المتأخّر، والمردف المتقدّم الذي أردف غيره. قال تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ}(2) ولم يقل: رادفين.
ــــــ[262]ــــــ
(1) يظهر: أنَّ هناك قسماً لم يتمّ تسجيله كما هو واضح، وما وجدناه في شريط التسجيل هو هذا المقدار المذكور، فلاحظ.
(2) سورة الأنفال، الآية: 9.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فمردفين أي: متقدّمون؛ لأنَّه قال: والمردف المتقدّم(1).
ثُمَّ يقول: قال أبو عبيدة: مردفين جائين بعدُ، أي: متأخّرين، لا بمعنى متقدّمين(2). وهذا في حدود فهمي صحيحٌ، فجعل ردف وأردف بمعنىً واحدٍ، فاستعمل أردف بمعنى ردف، أي: تأخّر، واستعمال المزيد في المعنى المجرّد ولو بشيءٍ من المجازيّة ليس غلطاً.
ثُمَّ قال الراغب: وأردفته حملته على ردف الفرس، والرادف راكب الردف، وجاء واحدٌ فأردفه آخر، وأرداف الملوك الذين يخلّفونهم(3).
[المعاني الرئيسة لمادة (الرادفة)]
أقول: ومعه يتحصّل للمادّة ثلاثة معانٍ رئيسةٍ: الحصول المتقدّم على غيره، والحصول المتأخّر عن غيره، والحصول على الردف أو الحصول المسّبب عن غيره. والأوّل غير محتملٍ في الآية (تتبعها الردافة)؛ لوجود القرينة المتّصلة، وهي قوله: (تتبعها)؛ لأنَّ المتابعة تقتضي التأخّر، ولا معنى لأن نفهم التقدّم. ولكن كلا المعنيين الآخرين محتملٌ، وهو مجرّد التأخّر بعلّةٍ أُخرى مسكوتٍ عنها، فيكون المتأخّر معلولاً للمتقدّم، والمعلول متأخّرٌ عن علّته رتبةً، والارتكاز المتشرّعي والمشهوري يفهم الأوّل من المعنيين، أي: أنَّ أحدهما متأخّرٌ عن الآخر بعلّةٍ ثالثةٍ؛ لأنَّ الأوّل منهما علّةٌ للثاني من قبيل النفختين في الصور، فكلاهما معلولان لعلّةٍ ثالثةٍ، وهي نفخ إسرافيل سلام الله عليه. وإنَّما السؤال الرئيسي في هذه الآية هو تكرّر معنى التأخّر في كلا اللفظين الموجودين فيها، (تتبعها) أي: تتأخّر عنها، و(الردافة) أي:المتأخّرة،
ــــــ[263]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 198، مادّة (ردف).
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فهناك شيءٌ من التكرار في المعنى، فكأنَّه قال: تتبعها التابعة، أو قال: تردفها الرادفة، فكيف حصل ذلك؟
وجواب ذلك من وجوهٍ:
الوجه الأوّل: ما قلناه في أمثاله من منع وجود التكرار؛ لأنَّ المعنى تكرّر بلفظين، لا بلفظٍ واحدٍ، وهو جائزٌ؛ لعدم إخلاله بالبلاغة.
الوجه الثاني: أنَّ المراد هنا هو الجانب الإثباتي والإعلامي، وهو التهويل والتخويف، فهناك مصلحةٌ في تكرار المعنى، لما فيها من جهالة الحادث حقيقةً عمّا هو الرادف؟
فإنَّ مجهوليّة الرادف وماذا يحصل حين تردف الرادفة مسائل تجعل الذهن يذهب فيها كلّ مذهبٍ، وهو نوع تهويلٍ أو تجهيلٍ.
الوجه الثالث: أنَّ الرادفة هنا أُخذت عنواناً مشيراً إلى ذات الحادثة التي تقع عندئذٍ، فكأنَّه قال: تتبعها تلك الحادثة التي يُسمّيها العوامّ بالرادفة، وإلّاَ فهو إشارةٌ إلى الحادثة الأصليّة، وليس بعنوان الرادفة تفصيلاً. ونظيره قولهعندما يسأل السائل عن الوصي من بعده، فيشير إلى أمير المؤمنينويقول: خاصف النعل(1)؛ لأنَّه كان أثناء السؤال جالساً يخصف نعله بيديه ، فليس الوصي عنواناً خاصّاً بالنعل، بمعنى كلّ من كان خاصف نعلٍ يكون وصيّاً! وإنَّما هو إشارةٌ طريقيّةٌ توصل من هذا المعنى إلى
ــــــ[264]ــــــ
(1) أُنظر: الاحتجاج 1: 165و171، احتجاج أُمّ سلمة (رض) واحتجاج أمير المؤمنين بعد دخوله البصرة بأيّام، الاختصاص: 119، وبحار الأنوار 32: 149، أبواب ما جرى بعد قتل عثمان من الفتن والوقائع والحروب وغيرها، الباب 2، الحديث 124.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ذات أمير المؤمنين، وفيها حكمةٌ في الحقيقة؛ لأنَّه لا يكون وصيّاً إلّاَ الترابي الذي ارتفعت أنانيته بالمرّة، بحيث يجلس على التراب ويأكل على التراب ويتمرّغ لله على التراب ويخصف نعله بيديه على التراب.
ثُمَّ إنَّ الراجفة والرادفة حادثتان، تحدث الأُولى ثُمَّ تحدث الأُخرى بعدها، لكن هل هما من سنخٍ واحدٍ أو من سنخين؟
وفي السياق قرينتان متعرّضتان لذلك جزئيّاً: إحداهما: وحدة السياق الدالّة على وحدة السنخ إلى حدٍّ مّا، والأُخرى: تعدّد العنوان الذي يدلّ على تعدّد المعنون، مع الالتفات إلى أنَّ الرديف المأخوذ في الآية الأُولى لم يُؤخذ في الثانية. إلّاَ أنَّ كلتا القرينتين قابلٌ للمناقشة، فلا وحدة السياق تثبت وحدة السنخ؛ لأنَّها قرينةٌ ظنّيّةٌ، والعمدة هو القرينة الثابتة بالظهور الفعلي، ولا تعدّد العنوان يثبت عدم وحدة السنخ؛ لأنَّ تعدّد العنوان مفقودٌ؛ لأنَّه لم يسمّ الثانية بل الغرض بيان مجرّد كونها ثانيةً ليس أكثر من ذلك، فلا تعدّد للعنوان حتّى نقول: إنَّه يدلّ على تعدّد المعنون، نظير خروج الدجّال قبل ظهور المهدي سلام الله عليه، وكذلك ظهور السفياني، فهل إنَّهما شيءٌ واحدٌ أو شيئان مختلفان؟
ففي مثل ذلك يُقال: إنَّ تعدّد العنوان يدلّ على تعدّد المعنون؛ لأنَّ هذا ظهورٌ وهذا ظهورٌ، لكن الرادفة ليست كذلك، بل تشير إلى شيءٍ مّا يأتي بعد ذلك، وهو غير مشخّصٍ أو معلومٍ، فيبقى كلا الأمرين محتملاً في علم الله سبحانه. والمشهور يميل إلى أنَّهما من سنخٍ واحدٍ، كما أنَّ السيّد الطباطبائي يقول بذلك(1)، ويؤيّده ما قلناه من احتمال أن يكون الثاني
ــــــ[265]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 184-185، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
معلولاً للأوّل، مع ضمّ ضرورة التسانخ بين العلّة والمعلول وأنَّهما من سنخٍ واحدٍ، فهما من سنخٍ واحدٍ، وليس أحدهما مبايناً للآخر بتمام ماهيّته. وهذا يدعم فهم المشهور من هذه الناحية وإن كان يخالفه من ناحيةٍ أُخرى، وهو أنَّ المشهور لا يعتقد بأنَّ الأُولى علّةٌ للثانية، وإنَّما هما معلولان لعلّةٍ ثالثةٍ، وهي مشيئة الله سبحانه. ومعه يكون عدم تعيّن السنخية بين الحادثتين هو الأُولى، فلم يثبت أنَّهما علّةٌ ومعلولٌ عند المشهور، فلا توجد سنخيّةٌ بينهما، وخاصّةً إذا التفتنا إلى أنَّ حوادث وإرهاصات القيامة كثيرةٌ، ومن أجناسٍ مختلفةٍ، والإشارة هنا مجملةٌ، وليس إلى أحدها بالخصوص، بل هي تدخل في باب القابل للانطباق على كثيرين أو قل: على كلّ حادثتين متتابعتين.
ولا يُقال هنا: إنَّ الراجفة متعيّنةٌ في الحركة والارتجاف؛ لأنَّه يُقال: إنَّ كل الحوادث فيها شيءٌ من الارتجاف: إمّا المادّي أو المعنوي، وعليه فهما إشارةٌ إلى حادثتين متتابعتين نسبيّاً.
الأمر الآخر: أن ننظر إلى اتّحاد الظرف أو الظرفين واختلافهما في قوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} وقوله: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} فهناك قرائن دالّةٌ على اتّحادهما.
أوّلاً: وحدة السياق، وهو واضحٌ.
ثانياً: المضاف المقدّر المعوض بتنوين التعويض (يومئذٍ) والظاهر منه أنَّه بمعنى: إذ ترجف الراجفة. هذا بحسب السياق اللفظي.
وأمّا إذا قلنا: إنَّه يوم آخر غير الظرف السابق، فيكون المعوّض عنه بالتنوين في (يومئذٍ) إمّا مجهولاً، وهو على خلاف البلاغة إلى حدّ مّا، وإمّا أن يكون مقدّراً بنفس الجملة، أي: مأخوذاً في معنى الجملة نفسها التي هو فيها {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} أي: يومئذٍ تجف القلوب، فهي واجفةٌ، وهذا ليس له
ــــــ[266]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
معنى، فهو من قبيل التكرار الذي ليس له محصّلٌ، فيتعيّن وحدة الظرفين.
نعم، لو فرض أنَّنا فهمنا أحد اليومين في الدنيا واليوم الآخر في الآخرة، تعيّن الفصل بينهما، إلّاَ أنَّ قرينة الظهور في الاتّحاد تمنع من هذا الفهم، وأيّ شيءٍ فهمنا من أحدهما، تعيّن فهم الآخر في العالم المناسب له، فإمّا أن يكون كلاهما في الدنيا أو يكون كلاهما في الآخرة.
****
قوله تعالى: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ}:
[السؤال عن أصحاب تلك القلوب، فقلوب من هي]
ليس في هذه الآية ما يدخل في منهجنا إلّاَ السؤال عن أصحاب تلك القلوب، فقلوب من هي؟ وحيث إنَّها نكرةٌ وفيها تنوين التنكير الذي يفيد التقليل والتبعيض، فهي تختصّ ببعض القلوب، ومن المعلوم أنَّها لا تشمل من يدخل الجنّة بغير حسابٍ، أي: بعض القلوب تجفّ وترتعد، وليس جميعها، فالذي يدخل الجنّة بغير حسابٍ لا يرتجف قلبه، وكذلك الذي يدخل الجحيم بغير حسابٍ ليس له فرصة لأن يرتجف قلبه.
وأمّا إذا فهمنا حصول ذلك في الدنيا فإنَّها تختصّ بمن يكون في الراجفة والرادفة دون غيرهم؛ لأنَّ الرادفة والراجفة تحصل في الدنيا لكثيرين، كمن كان في البلاء أو في خوف الله سبحانه ونحو ذلك، فقلوبٌ يومئذٍ واجفةٌ، أي: من خوف الله؛ لأنَّهم متّقون متعبّدون {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} أي: لله سبحانه وتعالى. ولماذا لا؟ فهؤلاء هم – لو صحّ التعبير- المطبوخون بحرارة البلاء الدنيوي، فلماذا نقول: إنَّها أبصارٌ وقلوب الكفّار والفسقة؟ نعم، هذا في الآخرة صحيحٌ، لكن في الدنيا ينقلب المطلب على عكس ما فهمه المشهور.
****
ــــــ[267]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[وقوله تعالى: أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ]
وقوله تعالى: {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} إمّا أن نقول هنا بتقدير شيءٍ من قبيل: (أبصار أصحابها خاشعةٌ) كما هو الفهم المشهور، فهو يعود على القلوب لا بذاتها، وإنَّما بعنوان كونها قلوب أشخاصٍ. وإّما أن نقول: إنَّ للقلوب أبصاراً، وتلك الأبصار خاشعةٌ، وهو أقرب إلى الدلالة المطابقيّة للآية، كما نسمع قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}(1). فكيف تعمى؟ مع أنَّ العمى لا يصلح لمن ليس له قابليّة الإبصار، فالقلوب لها أبصارٌ، وتلك الأبصار خاشعةٌ، ومن المعلوم أنَّه كما أنَّ البصر الظاهري قد يكون خاشعاً، فكذلك البصر القلبي قد يكون خاشعاً. ومن الواضح أنَّ واجفةً وخاشعةً صفتان مقترنتان للقلب نفسه.
****
قوله تعالى: {يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ}:
أمّا عن الحافرة فقد قال الراغب: قال الله تعالى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ}(2) أي: مكانٍ محفورٍ، ويُقال لها حفيرةٌ(3).
أقول: وهي صيغة فعيلٍ بمعنى المفعول، فحفيرةٌ أي محفورةٌ.
ثُمَّ قال: الحفر التراب الذي يخرج من الحفرة(4)، فيصبح صفةً مشبّهةً، وهو بنفس صيغة المصدر حفر. والحفر هو عمليّة الحفر الذي هو معنى اسم المصدر. والحفر بمعنى التراب الذي يخرج من الحفر، فهو نفسه، فيكون
ــــــ[268]ــــــ
(1) سورة الحجّ، الآية: 46.
(2) سورة آل عمران، الآية: 103.
( 3) مفردات ألفاظ القرآن: 123، مادّة (حفر).
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 123، مادّة (حفر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بمنزلة الترادف للاشتقاقات.
ثُمَّ يبيّن الراغب: أنَّ قوله تعالى: {أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ}(1) مثالٌ لمن يرد إلى حيث جاء، أي: ردّ إلى المكان الذي جاء منه، والمعنى: أنحيا بعد أن نموت؟ لاستبعاد البعث في القيامة. وقيل: الحافرة الأرض التي جعلت فيها قبورهم، والمعنى: أءنا لمردودون ونحن في الحافرة؟! وقوله: {فِي الْحَافِرَةِ} في موضع حالٍ(2).
أقول: الحافرة مؤنّث الحافر، وهو اسم فاعلٍ من الحفر، فإمّا أن يُراد به معناه حقيقةً، أي: اسم الفاعل، أو يُراد به اسم المفعول، أي: محفورٌ، فيُراد بالحافرة المحفورة. ولعلّ المقام من أصلح الموارد لاستعمال اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول، وعليه إذا فهمنا ذلك وأنَّ الحفر بمعناه المادّي كان عبارةً أُخرى عن حفر القبر. وحيئنذٍ يتوجّه الإشكال على الآية، وهو أنَّ المراد الأصلي من الآية هو تأكيد حصول الردّ في الحافرة، فأنتم فعلاً ستردّون إلى الحافرة؛ لأنَّ الكفّار يستنكرون ذلك بالاستفهام الاستنكاري، والله سبحانه بحسب سياق الآيات يستنكر استنكارهم أو يكذّب استنكارهم.
[جواب أنَّ الفرد يُدفن، ثُمَّ يردّ للحافرة، أي: يُدفن مرّتين]
إذن فمضمون الاستنكار في نظر المتكلّم -وهو الله سبحانه- صحيحٌ، أي: إنَّكم فعلاً مردودون في الحافرة، وهذا معناه أنَّ الفرد يُدفن، ثُمَّ يردّ للحافرة، أي: يُدفن مرّتين.
وجواب ذلك من وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّنا نقبل استنكار القائلين: {أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ}
ــــــ[269]ــــــ
(1) سورة النازعات، الآية: 10.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 123، مادّة (حفر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ونقول: إنَّه استنكارٌ صحيحٌ، والسياق لا يدلّ على نفيه، والإشكال إنَّما جاء لأنَّ السياق يدلّ على نفي الاستنكار، مع أنَّه لا دليل على أنَّ السياق يدلّ على نفيه، بنحوٍ يكون مضمون السياق: أنَّنا غير مدركين للحافرة، نموت مرّةً أُخرى، ثُمَّ ندفن مرّةً أُخرى، وندفن بعد أن ندفن؟!
إلّاَ أنَّ هذا الوجه قابلٌ للمناقشة؛ لأنَّنا نسأل: أنَّهم لماذا يقولون هذا الكلام؟ لأنَّ هذا الأمر إذا كان مشكلةً اجتماعيّةً معاشةً أو سؤالاً عامّاً في الأذهان، فيُجاب عنه: بأنَّه لا يوجد هكذا شيءٌ، ولكن الحال ليس كذلك، فيكون هذا الكلام منهم مستأنفاً ولغواً؛ لأنَّهم يتابعون جواباً عن سؤالٍ لا وجود له.
الوجه الثاني: ما أفاده الراغب من: أنَّ قوله: {فِي الْحَافِرَةِ} حالٌ(1)، أي: هل نحن مردودون إذا كنّا في الحافرة، أو حال كوننا في الحافرة، وهو استبعاد الحياة بعد الموت، وهذا في نفسه صحيحٌ.
الوجه الثالث: أن تكون (في) بمعنى (من)، وقد ذكرنا أكثر من مرّةٍ أنَّ الحروف بعضها يُستعمل محلّ البعض الآخر، إمّا حقيقةً أو مجازاً، والمراد: أنَّنا راجعون إلى الحياة من القبر، أو راجعون إلى الآخرة بعد الموت، فمردودون أي: راجعون. إلّاَ أنَّه يرد على هذين الوجهين الأخيرين: أنَّ معنى الرجوع هو الرجوع إلى الحال الذي كان عليه، وهو الكون في الدنيا، فمردودون يعني إلى نفس المكان الذي خرجوا إليه، وهو الدنيا، فالردّ إذا كان للآخرة سيكون خلاف الظاهر، فيكون المراد هو الرجوع إلى الدنيا. اللّهمّ إلّاَ أن يُقال: إنَّه بمعنى مجرّد الرجوع إلى الحياة الأعمّ من الدنيا والآخرة، وهذا في نفسه يحتاج
ــــــ[270]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 123، مادّة (حفر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
إلى تأويل الظاهر.
الوجه الرابع: أن يُراد ما يلتزم به البعض، وهو مذهبٌ ضعيفٌ في الفلسفة وعلم الكلام(1)، وهو ما يسمّى بالولادة الثانية، وأنَّ الإنسان قد يولد في الدنيا عدّة مراتٍ، وفي كلّ مرّةٍ يُولد ويحيى ويموت ويدفن وهكذا، وعليه يكون استنكارهم إنكاراً لرجوعهم مرّةً ثانيةً للدنيا، ويكون السياق على تقدير صحّة هذا الجواب دالاً على إنكار هذا الاستنكار، وأنَّ الولادة الثانية صحيحةٌ بناءً على صحّة هذه الأُطروحة.
الوجه الخامس: أن لا نفهم من الاستفهام الاستنكار، بل هو استفهامٌ للإخبار، بمعنى: أنَّنا ميّتون في المستقبل ومدفونون في الحاضر.
الوجه السادس: أنَّ الوجوه المتقدّمة كلّها مبنيّةٌ على الفهم المادّي أو الطبيعي للموت، لكن يمكن حمله على الجانب المعنوي، فيكون لها عدّة معانٍ، أوضحها استبعاد الرجوع إلى المقام الذي كان فيه بعد أن تعدّاه إلى غيره، فالإنسان في مقام رقم (5) مثلاً يتكامل، فيصعد إلى المقام رقم (6)، فحال وجوده في هذا المقام يستبعد رجوعه إلى المقام رقم (5)، أي: تدنّيه وتسافله بعد تكامله.
وفي الحقيقة كأنَّ سياق الآية على تقدير صحّة هذه الأُطروحة ينفي هذا المعنى، أي: إنَّ النفس لا تستبعد التدنّي، فلا تثق بقدرتها على التقدّم بالتكامل، وإنَّما تتقدّم في التكامل وتسمو في طريق التكامل برحمة الله وقدرته، وإلّاَ فإنَّ الإنسان لو أُوكل إلى نفسه، فإنَّ ذنوبه وعيوبه تقتضي التدنّي والسقوط حتّى لو كان واصلاً إلى مقامٍ عالٍ، والسقطة – كما يعبّرون- من ارتفاعٍ شاهقٍ تكون
ــــــ[271]ــــــ
(1) راجع ما أفاده العلّامة الطباطبائي في الميزان في تفسير القرآن 10: 290، تفسير سورة هود، التناسخ عند الوثنيّين.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أكثر ألماً من السقطة من ارتفاع قليلٍ. وقد ذكرنا في بعض المناسبات قوله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}(1).
و(الظنّ) في قوله تعالى: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} فُسّر من قبل بعض أهل المعرفة بأنَّه يظن أنَّه لن يتسافل في المقامات ووصل إلى درجةٍ يكون فيها محفوظاً من تسافله، فلا يحتاج إلى امتحانٍ آخر للتكامل(2).
نعم، إذا مات الإنسان على مقامه العالي، فإنَّه يدخل الجنّة بغير حسابٍ، لكن ليس بذاك المعنى، ولذا مرّ يونس سلام الله عليه بهذه المحنة الكبيرة من أجل أن يعي أنَّه ترك الأَولى، ولذلك فإنَّ الإنسان حينما يمرّ في مثل هذه المحنة والصعوبة البالغة، فهو قابلٌ لأنَّ يرتدّ ويتسافل.
الوجه السابع: ما سمعته من بعض الإخوة (جزاهم الله خيراً) من: أنَّ الآية فيها إشارةٌ إلى تكوّن الإنسان من الطين، كما نصّ عليه القرآن الكريم(3)، وعليه فالطين مأخوذٌ من الأرض، وهناك رواياتٌ بهذا المضمون(4)، ثُمَّ ولجته
ــــــ[272]ــــــ
(1) سورة الأنبياء، الآيتان: 87-88.
(2) أُنظر: تفسير القرآن الكريم (لصدر المتألّهين) 3: 122، فصل في بيان عصمة الأنبياء، تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة 3: 59، تفسير سورة الأنبياء، لطائف الإشارات 2: 518-520، تفسير سورة الأنبياء، وغيرها.
(3) أُنظر: سورة الأنعام، الآية: 2، وسورة المؤمنون، الآية: 12، وسورة السجدة، الآية: 7، وسورة الصافّات، الآية: 11، وغيرها.
(4) راجع الأحاديث الواردة في باب الطينة والميثاق من بحار الأنوار 5: 230، و246، الحديثان 6 و36، وباب حكمة الموت وحقيقته منه أيضاً 6: 117، الحديث 4، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الروح، فأصبح على صورة إنسانٍ. فعندما أُخذ الطين من الأرض حدثت حفرةٌ أو حافرةٌ، وكذلك عندما يموت الإنسان تحصل حفرةٌ أُخرى، وهي قبره، وحينئذٍ يقول الكافر: {أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} أي: يستنكر هذه الجهة، ويكون مؤدّى الاستنكار هو إنكار الحفرة الأُولى، وأنَّ الإنسان لم يخلق من طينٍ، فقالوا: {أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ} أي: إنَّ الدفن باعتقادهم ليس ردّاً للحفرة الأُولى.
الوجه الثامن: أنَّ الإشكال يرد بعد فهم الردّ من حيث كونه ردّاً إلى الدنيا، وأمّا إذا كان ردّاً إلى الآخرة فيرتفع الإشكال، كما يفسّره المشهور.
فإن قلت: إنَّ هؤلاء المستنكرين لم يكونوا موجودين في الآخرة ليصدق ردّهم إليها؛ لأنَّه لابدّ أن يُردّ إلى المكان الذي كان فيه، وهو الدنيا، فإذا ذهب إلى الآخرة لا يصدق أنَّه ردّ؛ لأنَّه لم يكن موجوداً في الآخرة ليردّ إليها.
قلنا: يمكن تقريب أنَّهم كانوا موجودين في الآخرة بأحد تقريبين واضحين مستفادين من الآيات الكريمة:
التقريب الأوّل: أنَّ آدم كان في الجنّة، ونقول كما هو المشهور(1) متشرّعيّاً: إنَّ الجنّة التي كان فيها آدم هي الآخرة، وبعد ذلك خرج من الجنّة {اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}(2)، فعندما نموت نرجع إلى ذلك العالم، {أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} أي: في الحفرة التي تؤدّي بنا إلى الآخرة.
التقريب الثاني: ما يدلّ من الكتاب والسنّة على وجود الآخرة في هذه
ــــــ[273]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير القرآن العظيم (لابن كثير) 1: 146، تفسير سورة البقرة، تفسير روح البيان 3: 419، تفسير سورة التوبة، وغيرهما.
(2) سورة طه، الآية: 123.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الدنيا، وأنَّنا الآن نعيش في مجموع الدنيا والآخرة، وليس الدنيا فقط، لكنّنا غافلون عن ذلك، كقوله تعالى: {وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}(1). وقد أفاد في تفسير “الميزان”(2): أنَّ الغفلة لا تحصل إلّاَ عن شيءٍ موجودٍ، وأمّا غير الموجود فلا معنى للغفلة عنه، فالآخرة موجودةٌ الآن، وأنا غافلٌ عنها. ونحوه قوله تعالى: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}(3) أي: في الدنيا أحاط بهم سرادق جهنّم، فجهنّم موجودةٌ في الدنيا، وليست فقط في الآخرة. ونحوها الآيات التي تشير إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض(4)، وملكوت السماوات والأرض ليس من عالم المادّة، بل من العالم الآخر، فقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا}(5) يعني: يمكن النظر إليه، فهو موجودٌ فعلاً.
الوجه التاسع: أن يكون استبعاداً للرجوع إلى الحياة داخل القبر؛ لأنَّ المتشرّعة يقولون: إنَّه بعد الدفن يأتي منكرٌ ونكيرٌ، فترجع فيه الحياة بحيث يرى ويسمع ويفهم، فهذه حياةٌ تشبه الحياة الدنيا في حدود تصوّر ا لمتشرّعة، فهذا الاستفهام استنكارٌ لهذه الحالة، فيكون إنكاراً للحساب البرزخي لا للحساب الأخروي.
الوجه العاشر: ما أشار إليه بعض الإخوان -وهو يصلح كأُطروحةٍ-
ــــــ[274]ــــــ
(1) سورة الروم، الآية: 7.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 1: 92، تفسير سورة البقرة، المجازاة وتجسّم الأعمال.
(3) سورة الكهف، الآية: 29.
(4) كما في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [سورة الأعراف، الآية: 185].
(5) سورة ق، الآية: 6.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
من: أنَّ المراد نفي الرجعة التي نطقت بها بعض الأخبار(1)، والآية تفيد رجوع مَن مُحض الإيمان محضاً ومَن مُحض الكفر محضاً، فيرجع للحياة بعد الموت، لكن لا بولادةٍ ثانيةٍ، وإنَّما يخرج من قبره، كما في دعاء العهد: “مؤتزراً كفني، شاهراً سيفي”(2).
وهذه هي الرجعة أو الكرّة، والكرّة مذكورةٌ في القرآن(3)، فهو دفنٌ في حياته الأُولى بعد الموت، ويموت مرّةً أُخرى ويُدفن، كما لو قُتل بين يدي الإمام المهدي، فيُقال: {أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ}. وهذا السؤال يكون من قبل المنحرفين والفسقة والكفّار؛ استنكاراً لمثل هذه الرجعة، ويكون مراد القرآن إثباتها؛ لأنَّ السياق القرآني يقتضي إنكار الاستنكار، أي: إثبات المضمون الأصلي، وأنَّكم فعلاً ستردّون إلى الحافرة، وسوف تحصل الرجعة حسب هذه الأُطروحة.
فإن قلت: إنَّ الرجعة ليست عامّةً بل خاصّةً بالبعث، ولربما بنسبةٍ قليلةٍ إذا نسبناها إلى مجموع البشريّة، في حين يوجد في الآية من قبيل الظهور السياقي أنَّ هذا الردّ الى الحافرة عامٌّ، وليس خاصّاً، مع أنَّ الأُطروحة تفيد
ــــــ[275]ــــــ
(1) راجع الأحاديث الواردة في باب الرجعة من بحار الأنوار 53: 39-144، وتدبّر فيها كمال التدبّر.
(2) البلد الأمين: 82، الصلاة في يوم الجمعة، مصباح الكفعمي: 550، الفصل 44، مستدرك الوسائل 5: 74، الباب22، الحديث 5388، وبحار الأنوار 53: 93، باب الرجعة، الحديث 111.
(3) أُنظر: الآية: 6 من سورة الإسراء، والآية: 102 من سورة الشعراء، والآية: 58 من سورة الزمر، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الرجعة الخاصّة.
قلنا: يمكن الجواب عنه بوجهين:
الأوّل: أنَّنا ننكر الظهور السياقي المذكور في الآية، بل ظهور الآية خاصٌّ لا عامٌّ؛ لأنَّ الذين يقولون: {أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} ليس كلّ البشر، بل نسبةٌ ضئيلةٌ منهم، فيكفي هنا لتصحيح الأُطروحة أن نقول: لا نعلم أنَّ النسبة قليلةٌ أو كثيرةٌ.
الثاني: مَن قال: إنَّ الرجعة تكون بنسبةٍ قليلةٍ؟! نعم، أفادت الرواية: أنَّه لا يعود إلّاَ من محض الإيمان محضاً ومن محضّ الكفر محضاً(1)، ونحن كمتشرّعةٍ لا نزعم أنَّ هؤلاء نسبةٌ قليلةٌ من البشر، أنا أقول: إنَّهم عشرات الآلاف، ولماذا لا؟
ألا يوجد عندنا على الأقل أربعٌ وعشرون ألف نبيٍ(2) محضوا الإيمان محضاً؟ وكذلك لو نظرنا إلى أجيال البشريّة نجد أنَّ من محض الكفر محضاً كثيرون جدّاً، ربمّا بالملايين، فإذا كان ظهور الآية كثرة النسبة، فهنا أيضاً كثرة النسبة. وعلى كلّ حالٍ يوجد بعض الأفراد يبشّرون بقرب الظهور، إذن يبشّرون بقرب موتهم وبلائهم؛ لأنَّ الظهور ليس سهلاً إلى هذه الدرجة التي تتصوّرونها، بل هو أصعب بملايين المرّات من ناحية إحراز النجاة في الأرض.
ــــــ[276]ــــــ
(1) راجع بحار الأنوار 53: 39-142، باب الرجعة، الأحاديث 1 و30 و49 و162، وغيره.
(2) راجع الأخبار الواردة في باب معنى النبوّة وقلّة بعثة الأنبياء وبيان عددهم وأصنافهم وجمل أحوالهم وجوامعها (صلوات الله عليهم أجمعين) من بحار الأنوار 1: 1-61، الأحاديث 24 و25 و61 وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ثُمَّ إنَّ قوله: {مَرْدُودُونَ} مفرد مردود، وهو اسم مفعولٍ من ردّ بمعنى: رجع، أي: مرجوعون، وهو يفيد القهر بالرجوع، أي: يُحمل على الرجوع حملاً وقهراً.
ولا يُحتمل أن يُراد منه المرّة الأُولى، أي: أن يموت الإنسان ويُدفن، فيصدق عليه أنَّه مردودٌ في الحافرة، وإنَّما تعني المرّة الثانية التي يحصل فيها هذا الشيء؛ لأنَّ هذا الاحتمال يستلزم إنكار الموت؛ لأنَّهم يستنكرون أنَّهم سيدفنون، ومن المعلوم أنَّه لا يوجد أحدٌ ينكر الموت، بل كلّ الناس يؤمنون بالموت، سواء كانوا مؤمنين أو غيرهم. فإذا كان سياق الآية هكذا أي: سياق استنكار الموت (أي الموتة الأُولى)، فهذا غير محتملٍ أصلاً.
و(في) هنا يمكن أن تفيد معناها الأصلي، وهو الظرفيّة، فتكون الحافرة ظرفاً، ويمكن أن تفيد الغاية، أي: مردودون إلى الحافرة؛ بقرينة الردّ، فإنَّك تقول: رددت إليه، ولا تقول: رددت فيه، فأنت تلاحظ الطريق قبل وصوله إلى الهدف، فتقول: (ردَّ إلى)، لكن الله تعالى لاحظ الوصول فقال: (في الحافرة)، وكلاهما ممكنٌ حسب اللحاظ المقصود.
الوجه الحادي عشر: ما ذكره في تفسير “الميزان” نقلاً عن غيره، قال(1): قيل: الآية تخبر عن اعترافهم بالبعث يوم القيامة، والكلام كلامهم بعد الإحياء. (أي: حينما رجعت إليهم الحياة يوم القيامة، يقولون: {أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ}، أي: عجباً نحن جئنا من قبورنا! كيف حصل ذلك؟!). والاستفهام للاستغراب، كأنَّهم لـمّا بعثوا وشاهدوا ما شاهدوا، يستغربون ذلك، فيستفهمون عن الردّ إلى الحياة بعد الموت. يقول في “الميزان”: وهو
ــــــ[277]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 185-186، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
معنى حسنٌ لو لم يخالف السياق(1)، وكأنَّ السيّد الطباطبائي يعتقد أنَّ فيه مخالفةً للسياق.
[في أن زمان القول: أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحَافِرَةِ هل هو في الدنيا أم في الآخرة]
أقول: وإذا تمّ ذلك كانت (في) بمعنى (من)؛ لأنَّهم خرجوا من قبورهم وردّوا في الآخرة، أي: ردّوا من قبورهم؛ وليس في قبورهم؛ لأنَّ الملحوظ هو الرتبة المتأخّرة. والمهم الالتفات إلى أنَّ زمان القول: {أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} هل هو في الدنيا أم في الآخرة؟
والجواب: أنَّه غير محددٍ ولا معلومٍ في هذه الآية، فيكون مهملاً، لا يعلم أنَّه في الدنيا أم في الآخرة، وقد فهم المشهور أنَّه في الدنيا، وهذا الوجه الذي نقله في “الميزان”(2) مبني على أنَّ القول في الآخرة، ومعه لا يكون هذا الوجه مخالفاً للسياق الذي قبله حسب الفهم المشهور؛ لأنَّ ما قبله يقول: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ}(3)، وهذا يحصل في الآخرة وهم في ذلك الحال، فيكون السياق موافقاً لهذا المعنى تماماً على الفهم المشهور.
إلَّا أنَّه سيكون مخالفاً للسياق الذي بعده وهو قوله: {أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً}(4) وأداة الشرط تفيد الاستقبال، أي: أءذا كنّا في المستقبل عظاماً نخرةً، فهي تفيد الاستقبال وإن دخلت على الفعل الماضي: (كنّا). وقد ذكرت في أبحـاث الأُصول أنَّ أداة الشرط تحـوّل معنى الماضي إلى معنى الاستقبال،
ــــــ[278]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 186، تفسير سورة النازعات.
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) سورة النازعات، الآيتان: 8-9.
(4) سورة النازعات، الآية: 11.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وهذا يعني: أنَّ الكلام الصادر منهم هو قبل الردّ إلى الحافرة، وقبل أن يكونوا عظاماً نخرةً، يعني: في الدنيا. ومن هذه الناحية يحصل تعارضٌ بين السياقين، فتسقط الأُطروحة؛ لأنَّ معنى ذلك أنَّ قوله: {أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً} قرينةٌ متّصلةٌ على نفي الأُطروحة؛ إذ يتعيّن أن نفهم السياق اللاحق، وهو قوله: {أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً} كونه في الدنيا، ويتعيّن أن نفهم السياق السابق، وهو قوله: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} كونه في الآخرة؛ لأنَّ وجوه الكفّار لا تكون خاشعةً في الدنيا ولا أبصارهم خاشعةً، وإنَّما تكون خاشعةً في الآخرة. نعم، قلوب المؤمنين وأبصارهم تكون خاشعةً في الدنيا، فيحصل التنافي بين السياقين حسب هذا الفهم للآيتين.
وهذا ممّا يسجّل فعلاً كإشكالٍ على الفهم المشهور، وهو لا يصحّ إلّاَ بناءً على الفهم التجزيئي للقرآن الذي لا يأخذ به المشهور، بحيث نفترض أنَّ كلّ آيةٍ لها معنىً مستقلٌّ، ونزلت وحدها، ومعنى ذلك: أنَّه لابدّ من التنزّل عن بعض ما يعتقد به المشهور في تفسير هذه الآيات.
[أطروحات في جواب سؤال من القائل في قولهيَقُولُونَ]
وأمّا بناءً على الأُطروحات السابقة فالأُطروحات الرئيسية لفهم السياق أربع كلّ واحدةٍ منها متكاملةٌ في نفسها؛ لأنَّ القائل في {يَقُولُونَ} إمّا الكفّار أو المؤمنون، وعلى كلا التقديرين يكون القول: إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة، فتكون النتيجة أربع أُطروحات نشرحها في الجملة:
الأُطروحة الأُولى: أن يكون هذا قول الكفّار في الدنيا، على ما هو المشهور، فيكون اضطراب قلوبهم وخشوع أبصارهم لما يرون من بلاء الدنيا وصعوباتها، فالله تعالى يمرّرهم بالبلاء العالي جدّاً حتّى تضيق منه نفوسهم وتخشع أبصارهم، وإن كانوا كافرين بذلك، يستنكفون من ذلك، ولا يعطون
ــــــ[279]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ما عليهم من حقوقٍ. وقولهم: {أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً} أيضاً في الدنيا؛ وذلك لشدّة البلاء الذي هم فيه مثلاً.
الأُطروحة الثانية: أن يكون هذا قول المؤمنين في الدنيا، وخشوع أبصارهم واضطراب قلوبهم لخوف الله سبحانه وتعالى في الدنيا، والحافرة كما في بعض الأُطروحات هي المقام السابق الذي خرجوا منه، فهم يستبعدون العود إليه، ويكون قوله: {أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً} أي: من كثرة الذنوب والعيوب المناسبة لمستواهم، يعني: لن نكون عظاماً نخرةً، ولن نكون مردودين في الحافرة، كأنَّ الذي دخل في مقامٍ عالٍ لا تناسبه الذنوب والعيوب الموجودة في المقام السابق، فهم يستبعدون، والله سبحانه وتعالى لا يستبعد، بل يستنكر استبعادهم؛ لأنَّ الإنسان قابلٌ للسقوط، وعليه الحذر من ذلك دائماً.
الأُطروحة الثالثة: أن يكون القائل هم الكفّار في الآخرة طبقاً للأُطروحة التي ذكرناها عن تفسير “الميزان”(1)، أي: يستغربون أنَّهم مردودون في الحافرة، ويكون قولهم: {أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً} منسلخاً عن الدلالة على المستقبل مجازاً، وإن كانت القاعدة العامّة على أنَّ أدوات الشرط تحوّل معنى الماضي إلى المستقبل. إلّاَ أنَّه هنا ينبغي التنزّل عن القاعدة القائلة: إنَّه (ما من عامٍّ إلّاَ وقد خُصّ) كما أنَّه هنا يفيد الماضي لا المستقبل حقيقةً؛ بقرينةٍ خاصّةٍ بناءً على هذه الأُطروحة، وهي أنَّ الإنسان لن يكون في الآخرة عظاماً نخرةً، أو نحمل (إذا) على الظرفيّة لا على الشرطيّة، والظرفيّة لا تقلب المعنى الماضي
ــــــ[280]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 185-186، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
إلى معنى المستقبل. ثُمَّ إنَّ (إن) الشرطية لا تُحمل على الظرفيّة، لكن (إذا) قابلةٌ للحمل، وفي المقام أُستعملت (إذا) ويُستدلّ على الظرفية بأنَّها محذوفة الجواب؛ لأنَّ (إذا) لو كانت شرطيّةً فأين جواب الشرط؟
إلّاَ أنَّ الأمر بهذا المقدار قابلٌ للمناقشة؛ لأنَّ (إذا) ظاهرةٌ في الشرطيّة دون الظرفيّة، كما هو واضحٌ.
الأُطروحة الرابعة: أن يكون ذلك قول المؤمنين في الآخرة، ومن الواضح أنَّ المؤمنين كما أنَّ قلوبهم مضطربةٌ وأبصارهم خاشعةٌ في الدنيا، كذلك هم في الآخرة، وكلاهما لأجل الارتباط بالله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ نسبة الله إلى الدنيا والآخرة على حدٍّ سواءٍ جلّ جلاله، فلا إشكال من هذه الناحية، لكن استبعادهم للردّ في الحافرة هو استبعادٌ للعود إلى الدنيا من الآخرة التي هم فيها.
أمّا الردّ على الدنيا فيتمّ بأحد طريقين: إمّا الردّ عن طريق الرجعة، وإمّا الردّ عن طريق الولادة الثانية، والالتفات إلى الرجعة هنا أفضل؛ لأنَّها تناسب نخر العظام؛ لأنَّها ستكون بعيدةً جدّاً إذ كانت العظام نخرةً، وقد تحوّلت تراباً، ويكون قولهم: {أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً} إمّا أن يُراد به الماضي يعني: بعد أن كنّا عظاماً نخرةً، أي: بعد تأويله؛ لأنَّه نصّ في الدلالة على المستقبل. وإمّا أن يُراد به المستقبل؛ وذلك لاحتمال تكرّر الرجعة عدّة مراتٍ، فسوف يكون في المستقبل أنَّ حالهم عظامٌ نخرةٌ أيضاً.
إلّاَ أنَّ الكلام ينبغي أن يكون في الآخرة أو في مطلق الآخرة لا في يوم القيامة؛ لأنَّه إذا حصل يوم القيامة انسدّ باب الرجوع إلى الدنيا بأيّ طريقٍ كان.
****
ــــــ[281]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً}:
[في شرح الآية وبيانها التفصيلي]
تعرّضنا إلى هذه الآية فيما سبق كقرينةٍ على فهم الآيات الأُخرى، والآن ندخل في شرحها وبيانها التفصيلي.
النخرة مؤنّث نخر، وهو فَعِل، صفةٌ مشبّهةٌ بمعنى اسم المفعول، كجلي وصفي وعلي، فكلّها صفاتٌ مشبّهةٌ باسم المفعول، جلي أي: مجلي، وصفي أي: مصفى، وعلي أي: مسبّب إلى العلو، معلّى به.
[الحديث عن مادّة (نخر)]
وأمّا الحديث عن مادّة (نخر) فقد أفاد الراغب أنَّها من قولهم: نخرت الشجرة إذا بليت وتلفت، فهبّت بها نخرة الريح(1). كأنَّ الريح حينما تهبّ في الثقوب الحاصلة في الشجرة التالفة تحدث صوتاً كصوت الأنف، وهو النخير أو الشخير، فحينئذٍ يُحصر صفير الريح داخل ثقوب الشجرة، فسمّي نخراً من هذه الجهة. قال: والنخير صوتٌ من الأنف، ويسمّى حرفا الأنف – أي: طرفا الأنف- اللذان يخرج منهما النخير: نُخرتاه ومنخراه(2).
أقول: بهذا المعنى يكون النخير والشخير بمعنىً واحدٍ، والظاهر هكذا، ولربما شخير مستحدثٌ في النخير، أي: لم يكن اسمه (شخير) سابقاً. والذي أفهمه من المادّة أنَّها إشارةٌ إلى أمرين: أحدهما: بمنزلة العلّة، والآخر: بمنزلة المعلول.
أمّا العلّة فهو وجود ثقوبٍ وقنواتٍ داخل الجسم الذي يكون بطبعه مصمتاً، أو الذي يكون بحسب طبيعته النوعيّة وخلقته الأصليّة مصمتاً، إلَّا أنَّه حينما يتلف يتكثّر ويتمزّق، فتحدث فيه قنواتٌ وثقوبٌ كثيرةٌ. ولعلّ
ــــــ[282]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 507، مادّة (نخر).
(2) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أوضح الأمثلة هو الشجرة التالفة، لكنّه لا يختصّ بالشجرة، بل يعمّ كلّ شيءٍ يحدث فيه هذا المعنى، والقنوات لا تكون إلّاَ عند التلف، فيصير منخوراً، وهذا المعنى موجودٌ في لغتنا. والنخر مصدرٌ، والنخير اسم مصدرٍ أو اسم مفعولٍ، فعيلٌ بمعنى اسم المفعول، وكذلك يُستعمل (نخير) كمصدرٍ، وليس مصدراً بالمعنى الحقيقي، وإنَّما هو اسم مصدرٍ، ونحن نعلم أنَّ في اللغة العربيّة المصدر واسم المصدر بلفظٍ واحدٍ، ولذا يتعذّر على جملة من الباحثين التفريق بين المصدر واسم المصدر.
وأمّا المعلول فهو الصوت الذي يخرج عند تردّد الهواء في هذه الثقوب والقنوات، وهو نوعٌ من الصفير الخافت أو العالي، ومن هنا كان نخر وشخر بمعنىً واحدٍ للدلالة على الصوت، وتسمية الأنف منخراً بسبب كلا المعنيين؛ لأنَّه يحتوي على ثقوبٍ، وهذه الثقوب ذات صوتٍ عند بعض الناس، فهو قناةٌ من ناحيةٍ ومصدرٌ للصوت من ناحيةٍ أُخرى. وعلى أي حالٍ فالبلى والتلف مصداقٌ حقيقي للنخر، فالعظام نخرةٌ بمعنى: تالفةٌ أو متلفةٌ، مع فارق أنَّ الشجرة حينما تتلف تحصل فيها قنواتٌ وثقوبٌ، لكن العظم ليس كذلك، ولذا يكون فيه نحوٌ من المجاز، فكلّ تالفٍ منخورٌ مجازاً، والتالف هنا بمعنى اسم المفعول أي: المتلوف؛ لوضوح أنَّ الشيء لا يتلف باختياره.
فإن قلت: إنَّ العظام لا تكون نخرةً، بل تكون تراباً حقيقيّاً بعد ردحٍ من الزمن؛ بعد الالتفات إلى أنَّ الملحوظ هنا هو يوم القيامة على المشهور(1)، وهو قد يتأخّر ملايين السنين، فلا يبقى للعظام أثرٌ، فكيف يقول: {أَئِذَا كُنَّا
ــــــ[283]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 195، تفسير سورة النازعات، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 229، تفسير سورة النازعات، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
عِظَاماً نَخِرَةً}؟ إذ هي ليست عظاماً نخرةً أصلاً، بل تصبح تراباً.
قلنا: أوّلاً: أنَّ هذا نقلٌ لكلام الناس، وليس الله هو القائل؛ لأنَّ الآية قالت: (ويقولون: أءذا كنّا عظاماً نخرة). وفي الحقيقة القائل الناس المتدنّين في الفهم، والمتكلّم هنا إمّا أن نقول: إنَّه متدنّي الفهم وقليل الملاحظة للمستقبل البعيد، وهذا صحيحٌ. والشيء الآخر أنَّه يمكن أنَّه قد لاحظ مرحلةً من التلف بالعظام، وهي المرحلة التي تكون فيها نخرةً، وليس تلك المرحلة التي تكون فيها العظام تراباً محضاً، وهو أمرٌ معقولٌ مع الالتفات إلى مستوى المتكلّم الذي لا يعي التدقيقات الفلسفيّة والفيزيائيّة والكيمياويّة أو التفاعلات بين العظام والتراب ممّا لا يُحتمل أنَّها تخطر في ذهنه.
ثانياً: أنَّنا ندّعي أنَّ العظم يبقى على حاله إلى يوم القيامة، وليس كلّ عظمٍ طبعاً، لكن طبيعة العظم ونوعه يبقى ملايين السنين، إذن فهي عظامٌ نخرةٌ، معروفةٌ بأنَّها عظامٌ بالرغم من تلفها وقدمها، فالعظم بطيء التلف جدّاً، بخلاف الجلد واللحم وأضرابهما؛ فإنَّها تتلف بسرعةٍ، وتستحيل تراباً حقيقيّاً. والحفريّات التي عثر عليها من الإنسان والحيوان والديناصورات مثلاً تكفي في تأييد ذلك المعنى؛ فإنَّها تصبح نوعاً من الحجر من دون أن يتغيّر شكلها الخارجي، فيبقى الصدق العرفي عليها بأنَّها عظمٌ.
فإن قلت: إنَّ ذلك لا يحصل لكلّ العظام حتّى في عظام ميّتٍ واحدٍ، فضلاً عن متعدّدين، فبعض العظام تتلف بسرعةٍ، فما الضابط في أنَّ عظماً يتلف وعظماً يبقى؟
قلنا: لقد ذكرنا: إنَّ ذلك بقدرة الله محضاً، ولو لاحظنا الأسباب لاستبعدناه.
ــــــ[284]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ}:
[لماذا تكون كرّةً خاسرةً في نظر هؤلاء المتكلّمين]
السؤال الرئيسي في هذه الآية حول أنَّها لماذا تكون كرّةً خاسرةً في نظر هؤلاء المتكلّمين؟ وهذا يختلف باختلاف الأُطروحات السابقة المقصودة في الضمير في قوله: (قالوا)، فنذكر بعض الأُطروحات السابقة ونطبّق هذه الآية عليها.
إذا كان القائل هو الكفّار كما هو المشهور(1)، فتكون كرّتهم خاسرةً في الآخرة لا محالة؛ لأنَّ آخرتهم جهنّم وساءت مصيراً.
فإن قلت: إنَّ المفروض أنَّ الكفّار يقولون ذلك في الدنيا لا في الآخرة، فحينئذٍ هم لا يؤمنون بالذهاب إلى الآخرة حتّى تكون كرّتهم خاسرةً، فلماذا يقولون: إنَّ كرّتهم خاسرةٌ؟ وهذا إشكالٌ على فهم المشهور.
قلنا: إنَّ المشهور يمكن أن يجيب عن ذلك ولو ارتكازاً: بأنَّ هذا السياق في الحقيقة سياقٌ تعليقي، يعني: إذا صحّت الآخرة وإذا ذهبنا إليها، فسوف تكون كرّةً خاسرةً علينا. ولعلّه إليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً}(2) مع أنَّ هذا قول الشخص غير المؤمن في الحادثة، فلماذا يقول: لئن رددت إلى ربّي …؟ مع أنَّه غير مؤمنٍ بالآخرة؟
[جواب المشهور على هذا السؤال]
أجاب المشهور(3): بأنَّ هذا على تقدير صحّته يعني: لو رددت إلى ربّي
ــــــ[285]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 195، تفسير سورة النازعات، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 229، تفسير سورة النازعات، وغيرهما.
(2) سورة الكهف، الآية: 36.
(3) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 11: 404، تفسير سورة الكهف، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 8: 263، تفسير سورة الكهف، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وصحّت عقيدة المؤمنين، لأجدنّ خيراً من بستاني منقلباً وأذهب إلى الجنّة.
أمّا إذا كانوا مؤمنين فيكون قوله: {كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ}، صادراً من المؤمنين فمعناه أنَّهم يسيئون الظنّ بأعمالهم، أي: قال المؤمنون: تلك إذن كرّةٌ خاسرةٌ علينا، بمعنى: أنَّه ليس لدينا عملٌ منتجٌ أو نستحقّ به الجنان، فالمؤمنون إذا جازاهم الله بأعمالهم محضاً، إذن فهم خاسرون، كما قال في الدعاء: “وعدلك مهلكي، ومن كلّ عدلك مهربي”(1).
فإن قلت: فإنَّهم ناجون برحمة الله سبحانه ماداموا مؤمنين وذي ظنٍّ حسنٍ بالله سبحانه وتعالى، والله تعالى عند حسن ظنّ عبده به(2).
قلنا: إنَّ ما قلناه إنَّما هو بتقدير النظر إلى العمل والإيكال إلى النفس، فالإنسان إذا أُوكل إلى نفسه وعمله كان حتماً من الخاسرين لا نقول: إنَّه يدخل جهنّم، لكنه سوف يخسر المراتب التي يتوقّعها لنفسه من كرم الله سبحانه ورحمته، وتلك المراتب من الممكن الحصول عليها لكن برحمة الله، وليس بعمل الإنسان نفسه.
وإذا كان المراد من قولهم: {تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} العود إلى المقام الذي كانوا فيه بعد أن تكاملوا وتعدّوه إلى غيره، فمن الواضح أنَّه حينما يعود إلى المقام ويتسافل، ستكون تلك كرّةً خاسرةً؛ لأنَّها تمثّل التسافل لا محالة.
ــــــ[286]ــــــ
(1) إقبال الأعمال: 345، فصل فيما نذكره من أدعية يوم عرفة، البلد الأمين: 256، ذكر عمل السنة، ذو الحجّة، وبحار الأنوار 95: 222، أبواب ما يتعلّق بشهر ذي الحجّة من الأعمال والأدعية …، الباب 2، الحديث 3.
(2) راجع الأحاديث الواردة في باب وجوب حسن الظنّ بالله وتحريم سوء الظنّ به من وسائل الشيعة 15: 229-232، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وإذا كان المراد من قولهم: {كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} الرجعة، فالقائل إن كان هم الكفّار فمن الواضح أنَّهم خاسرون عند الرجعة، وإن كان القائل هم المؤمنين فمن الواضح أنَّ الدنيا مظنّة الذنوب والعيوب، فلعلّها من الراجح أن تكون كرّةً خاسرةً في الامتحان الإلهي؛ لأنَّ الإنسان المؤمن إذا مات تستر عيوبه وتنتهي ذنوبه، فالرجوع إلى الدنيا فيه فرصةٌ للذنوب والعيوب والشهوات، وقد تلتفّ حبال الدنيا حول عنقه، فيفشل في الامتحان الإلهي، وتكون كرّةً خاسرةً عليه.
والسيّد الطباطبائي في درجةٍ من درجات كلامه يفسر الكرّة بمعنى الرجعة(1)، في حين لم يفسّر السياق السابق كذلك، أعني: قوله تعالى: {أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ}، مع أنَّ قوله تعالى: {كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} إشارةٌ إلى السياق السابق من الآيات، أي: حينما نكون مردودين في الحافرة فتلك إذن كرّةٌ خاسرةٌ، أو على الأقل نجعل بعض السياق قرينةً متّصلةً على البعض الآخر، فالعالم الذي تتحدّث عنه مجموع الآيات لابدّ أن يكون عالماً واحداً لا متعدّداً. إلّاَ أن يُراد بالكرّة الرجعة إلى الآخرة، لا الرجعة الاصطلاحيّة، وكلامه متذبذبٌ في ذلك، ولم يصرّح بمراده بدقّةٍ.
ثُمَّ إنَّ كرّ عليه: رجع عليه وعاد. أفاد الراغب(2): أنَّ الكرّ العطف على الشيء بالذات، أي: يعود مرّةً أُخرى على نفس الشيء بذاته، أو يكرّ عليه بالفعل، كما لو أكرمه ثُمَّ يكرّ فيكرمه مرّةً ثانيةً أو بالقول. ويُقال للحبل المفتول كرٌّ، وهو في الأصل مصدرٌ، وصار اسماً للمصدر، وجمعه كُرورٌ. قال تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَا
ــــــ[287]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 186، تفسير سورة النازعات.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 445، مادّة (كر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ}(1)، {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ}(2).
[تعليقٌ نحوي أو على فهم النحويّين في حروف العطف]
أقول: العطف والانعطاف هو الرجوع، وهنا يوجد تعليقٌ نحوي أو على فهم النحويّين في حروف العطف، فلماذا سُمّيت حروف العطف؟ في الحقيقة العطف النحوي هو الزيادة، تقول: جاء زيد وعمرو، فبدل أن يكون الجائي واحداً صار اثنين أو أكثر، وفي اللغة لم يرد العطف بهذا المعنى، بل هو لغويّاً بمعنى الرجوع، والرجوع في النحو لا يصدق، فلماذا سُمّي العطف عطفاً والمعطوف معطوفاً والحرف حرف عطفٍ في النحو؟
والمتشرّعة يفهمون من الكرّة في القرآن الرجوع إلى الدنيا، ويفهمون من الرجوع الرجوع إلى الآخرة؛ لأنَّ الكرّة واردةٌ في القرآن عدّة مرّاتٍ، فيفهمون منها الكرّة إلى الدنيا، والرجوع أيضاً واردٌ في القرآن عدّة مرّاتٍ. ويفهم المتشرّعة من قوله تعالى {إِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}(3) وقوله: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}(4) الرجوع إلى الآخرة، فهذا هو فهم المتشرّعة الارتكازي، فيكون الأوضح لدى المتشرّعة في قوله تعالى: {كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} هو الرجوع إلى الدنيا، مع أنَّ المشهور(5) فسّرها بالرجوع إلى الآخرة، وهذا مخالفٌ للفهم المتشرّعي، مع أنَّ المشهور قسمٌ من المتشرّعة ليس أكثر.
ــــــ[288]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 6.
(2) سورة الشعراء، الآية: 102.
(3) سورة غافر، الآية: 77.
(4) سورة البقرة، الآية: 156.
(5) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 195، تفسير سورة النازعات، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 229، تفسير سورة النازعات، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[فهم المتشرعة لمعنى (الكرَّة)]
يبقى السؤال عن المعوّض بالتنوين في قوله: {تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} أي: يحصل شيءٌ مّا، فما هو ذلك الشيء الذي من المحتمل أن يحصل؟
وجوابه من عدّة وجوهٍ:
الأوّل: أنَّ هذا ليس من تنوين التعويض، وإنَّما (إذن) أداةٌ مستقلّةٌ، وليس أصلها (إذ) الظرفيّة، ويكون مدخولها تنوين التعويض. وقد يُستشهد لذلك بمنع تنوين الحرف، وإنَّما الذي ينوّن هو الاسم فقط، وهذا حرفٌ، فكيف دخل عليه التنوين، سواء كان تنوين تعويض أم غيره؟ وكلّ مبني لا ينوّن، والحروف مبنيّةٌ، فلا معنى لتنوينها.
إلّاَ أنَّه منقوضٌ بقولهم: عندئذٍ، ويومئذٍ، وعامئذٍ، فحينئذٍ نسلّم مثلاً أنَّ العرب نطقوا التنوين في هذه الموارد فقط، وليس بشكلٍ عامٍّ.
الثاني: أن نفهم المقدّر من ما هو موجود، بمعنى: إذ تحصل الكرّة تكون كرّةً خاسرةً، وهو بعيدٌ؛ لأنَّه يستلزم تكرار معنى (الكرّة)، وهو تكرارٌ مستغنىً عنه.
فإن قلت: إنَّه تكرارٌ بالمعنى، وليس تكراراً باللفظ، وهو معقولٌ.
قلنا: نعم، التكرار بالمعنى معقولٌ، لكن عند استغناء المتكلّم عنه فلا حاجة إليه، أو قل: إنَّنا نقبله مع الانحصار.
الثالث: أنَّ المراد هو حصول نتيجة الكرّة ومعلولاتها، فإذا كانت الكرّة في الآخرة فمعلولها هو الحساب والعقاب، وإذا كانت في الدنيا فسوف تكون معلولاتها الذنوب والعيوب، يعني: إذ يحصل العقاب أو تحصل الذنوب فهي كرّةٌ خاسرةٌ.
الرابع: أن يكون المراد الإشارة إلى بعض الحوادث المذكورة في السياق
ــــــ[289]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
السابق، كقوله: نحن مردودون في الحافرة. ويشكل عليه بحصول التكرار؛ لأنَّ (تلك) إشارة أيضاً إلى ما سبق، وهو تكرارٌ مستغنىً عنه أيضاً.
الخامس: أنَّ المشار إليه بقوله: (تلك) والمعوّض بالتنوين أمران، وليس أمراً واحداً، فـ(تلك) إشارةٌ إلى الردّ في الحافرة، والمعوّض هو ظرفٌ، وهو وجف القلوب وخشوع الأبصار.
السادس: أنَّه إشارةٌ إلى ظرفٍ أسبق من ذلك، وهو قوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ}(1).
****
قوله تعالى: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ}:
أفاد الراغب: أنَّ الزجر طردٌ بصوتٍ، أي: مع صوتٍ مرتفعٍ، وليس مع صوتٍ منخفضٍ. يُقال: زجرته فانزجر. ثُمَّ إنَّه تارةً يُستعمل في الطرد بدون صوتٍ، وتارةً أُخرى يُستعمل مع الصوت العالي وإن لم يكن فيه طردٌ. وقوله: {فَالزَّاجِرَاتِ زجْراً}(2) أي: الملائكة الموكّلة بزجر السحاب. وقوله: {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ}(3)، أي: طردٌ ومنعٌ من ارتكاب المآثم(4).
أقول: حسب فهمي الزجر يؤدّي إلى معنى المنع، والطرد عبارةٌ عن المنع عن البقاء أو المنع من الدخول، سواء كان بصوتٍ أو بدونه، وكذلك المنع عن عملٍ معيّنٍ أو هدفٍ مّا؛ فهو زجرٌ أيضاً.
ــــــ[290]ــــــ
(1) سورة النازعات، الآية: 6.
(2) سورة الصافّات، الآية: 2.
(3) سورة القمر، الآية: 4.
(4) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 216، مادّة (زجر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[احتمالات في الضمير في قوله: فَإِنَّمَا هِيَ]
ثُمَّ إنَّ في الضمير في قوله: {فَإِنَّمَا هِيَ …} عدّة احتمالاتٍ:
منها: ما أفاده الطباطبائي من: أنَّه يُراد به الكرّة، أو هو راجعٌ إلى الكرّة المذكورة في الآيات السابقة، وقيل: للرادفة، والمراد بها النفخة الثانية(1).
أقول: ويمكن أن يُراد به الزجرة نفسها، يعني: أنَّ الزجرة زجرةٌ واحدةٌ، ويكون فيه تأكيدٌ على عدم لزوم تعدّدها؛ فإنَّما هي زجرةٌ واحدةٌ، ولا حاجة إلى زجرتين أو أكثر؛ لأنَّ الامتثال يكون قطعيّاً وفوريّاً، والمهمّ في الزجر هو النقل أو الانتقال من مكانٍ إلى آخر. والمشهور يقول: إنَّه الانتقال من الدنيا إلى الآخرة، وحسب التسلسل الذهني للمشهور فإنَّ الانتقال يكون من البرزخ إلى المحشر؛ لأنَّ الانتقال لا يعقل من الدنيا إلى المحشر مباشرةً؛ فإنَّ الله تعالى يقول: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}(2). وبحسب الأُطروحات السابقة تحصل هنا أُطروحاتٌ أُخرى في الانتقال من مكانٍ إلى مكانٍ، مثل الانتقال بالرجعة من الآخرة إلى الدنيا، أو الانتقال من مقامٍ عالٍ إلى مقامٍ أدنى منه، وأيّ شيءٍ ينتقل إليه فهو (الساهرة)، فالساهرة معناها المكان الثاني الذي وصل إليه. ولكن ينبغي أن نلتفت إلى أنَّ المشهور والطباطبائي(3) أخذوا وحدة المقصود من هذه الآية والآيات السابقة أمراً مسلّماً.
ويدلّ على ذلك وحدة السياق العامّ؛ فهي خمس أو ستّ آياتٍ تتكلّم عن الموضوع، والضمير (هي) في قوله: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ …} إن كان راجعاً إلى كلمةٍ سابقةٍ كالكرّة أو الرادفة، فهذا يعني ربط الآية بالآيات السابقة،
ــــــ[291]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن: 20: 186، تفسير سورة النازعات.
(2) سورة المؤمنون، الآية: 100.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن: 20: 186، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فيكون السياق والمعنى واحداً.
أقول: إنَّ كلاً من هاتين القرينتين غير متعيّنٍ، وخاصّةً بعد إمكان إرجاع الضمير إلى الزجرة نفسها، فيكون السياقان مختلفين، فمن الممكن أن يُراد من السياق السابق الرجعة من الآخرة إلى الدنيا، ويكون المراد من قوله: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} الزجرة من الدنيا إلى الآخرة حسب الأُطروحات في كلّ منهما، ولا تتعيّن وحدة المكان المنتقل إليه. وهذا ما كنت أفهمه عند قراءة السورة المباركة في الماضي، فكأنَّما بدأ سياقٌ جديدٌ نسبيّاً، لا يلزم أنَّه مرتبطٌ بما سبق، وواضح أنَّ (إنَّما) مع الضمير الذي هو مدخولها للتأكيد على وحدة الزجرة.
****
قوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ}:
[ما أفاده الراغب في معنى الساهرة]
أفاد الراغب: أنَّ الساهرة قيل: وجه الأرض، وقيل: هي أرض القيامة(1)، أي: ساحة المحشر {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} أي: فإذا هم في ساحة المحشر. ثُمَّ أضاف: أنَّ حقيقتها الأرض التي يكثر الوطء بها، فالأرض التي يمشى عليها وتطرق كثيراً تكون ساهرةً ولو مجازاً. قال الشاعر:
تُحرّك يقظان الترابِ ونائمه(2)(3)
يعني: على فهم أنَّ النائم من التراب لا يُمشى عليه فينام، وفي مقابله الطريق الذي يُمشى عليه كثيراً ويُطرق بالأقدام، فيكون يقظان.
ــــــ[292]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 251-252، مادّة (سهر).
(2) الحماسة البصريّة 1: 8، وخزانة الأدب وغاية الأرب 1: 158.
(3) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 252، مادّة (سهر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أقول: وعلى هذا يكون اسم الفاعل (الساهرة) بمعنى اسم المفعول، أي: الموطوءة أو المداسة، كما يلزم مراجعة هذه الكلمة من الناحية اللغويّة؛ إذ قد تكون بمعنى (الممشي) عليها.
وقال الطباطبائي: الساهرة الأرض المستوية أو الأرض الخالية من النبات(1).
وعلى أيّ حالٍ نقول:
إنَّ الآيتين أشارتا إلى علّةٍ ومعلولٍ، فالعلّة هي الزجرة، والمعلول هو الكون في الساهرة، وكلّ انتقالٍ ممّا عرفناه في الأُطروحات السابقة يحتاج إلى أمرٍ إلهي، فالزجرة صادرةٌ من الله حقيقةً، وكما أنَّ العالم الذي كنّا فيه قبل الزجرة فيه أرضٌ وسماءٌ مثلاً، فكذلك العالم الذي ننتقل إليه بعد الزجرة فنشعر أنَّ فيه أرضاً وسماءً، فيكون المراد بالساهرة هذا المعنى. وقالوا: إنَّ المراد سطح الأرض، والحشر كأنَّما يحصل في سطح الأرض، فالموتى يبعثهم الله من قبورهم عند نفخة الصور، فيكونون أحياءً بنفخة الصور على وجه الأرض؛ لأنَّ قبورهم موجودةٌ في الأرض، فقالوا: إنَّ الساهرة هي وجه الأرض.
إلّاَ أنَّ هذا الفهم يواجه إشكالاً ذكرناه سابقاً، وهو عدم قابليّة الأرض لاستيعاب هذه المليارات من البشر وغير البشر، إلّاَ أنَّ تحصل معجزةٌ تغيّر وجه الأرض، ومع المعجزة لا حاجة إلى وجه الأرض؛ فهم ينتقلون بأمر الله أو بالإعجاز إلى مكانٍ آخر هو ساحة القيامة.
[(إذا) الفجائية في قوله: فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ]
وأمّا (إذا) الفجائية في قوله: {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} فالمراد بها المفاجئة عليهم، أي: عندما يجدون أنفسهم هناك يفاجئون ويبهتون، كما قال تعالى:
ــــــ[293]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 186، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
{فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}(1)وقوله على لسان الكفرة والفسقة: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}(2) فهذا شيءٌ عجيب! أين كنّا؟ وأين صرنا؟! وفي بعض الروايات أنَّ هذا الانتقال في الساهرة -أي: الانتقال إلى الآخرة- يحصل بنحو الانكشاف أو الكشف بلغة أهل الباطن(3)، لا أنَّ الفرد يحسّ بالانتقال المادّي من مكانٍ إلى آخر، ولذا ورد: “كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تبعثون، وكما تبعثون تحشرون”(4).
ومن الواضح أنَّ الانتقال من عالم الدنيا إلى عالم الرؤى والأحلام مثلاً لا يشعر به الفرد أصلاً، بل هو يحصل بنحوٍ من أنحاء الانكشاف، فكذلك الحال في يوم القيامة والرجعة.
[الفاء في قوله: فَإِذَا هُمْ]
والفاء في قوله: {فَإِذَا هُمْ …} تفريعيّة داخلةٌ على جهة المعلول، وهو الكون في الساهرة، إلّاَ أنَّها في عين الوقت تفيد معنى الشرطيّة، كأنَّه قال: إذا حصلت زجرةٌ واحدةٌ، فإنَّهم يكونون في الساهرة، ومن الواضح أنَّ وجود العلّة شرطٌ لوجود المعلول، والزجرة شرطٌ للكون في الساهرة. فالشرطيّة بحسب المعنى واضحةٌ.
أفاد السيّد الطباطبائي(5): أنَّ الآيتين في محلّ الجواب عمّا يدلّ عليه
ــــــ[294]ــــــ
(1) سورة الزمر، الآية: 68.
(2) سورة يس، الآية: 52.
(3) أُنظر: تفسير القرآن الكريم (لصدر المتألّهين) 7: 414، تفسير سورة الزلزلة، تنويرٌ قرآني وتذكيرٌ برهاني، وغيره.
(4) عوالي اللئالي 4: 72، الجملة الثانية، الحديث 46.
(5) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 186، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قولهم -حسب المشهور-: {أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} من استبعاد البعث واستصعابه، والمعنى: لا يصعب علينا إحياؤهم بعد الموت وكرّتهم؛ فإنَّما كرّتهم زجرةٌ واحدةٌ، فإذا هم أحياءٌ على وجه الأرض بعدما كانوا أمواتاً في بطنها.
أقول: وهذا الاستبعاد موجودٌ طبقاً لكثيرٍ من الأُطروحات السابقة، والسؤال التقديري حاصلٌ في ثلاث آياتٍ هي قوله: {يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ * أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} فيأتي الجواب بعدها مباشرة: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ}. وهذه التفاتةٌ لطيفةٌ من السيّد الطباطبائي نوافقه عليها. لكن من الواضح أنَّه ليس جواباً نظريّاً، وإنَّما هو جوابٌ عملي؛ لأنَّه إذا كانت مخاطبته للكفّار كما عليه المشهور، لم يكن هذا إقناعاً لهم، وإنَّما يكون إقناعاً لمن يؤمن بصدق القرآن الكريم، والكفّار ليسوا كذلك، فبمجرّد أن يقول لهم: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} لا يعني ذلك شيئاً للكفّار من الناحية النظريّة.
وجواب ذلك: أنَّ الجواب العملي هو من جهة الله سبحانه وتعالى، بمعنى أنَّه يقول: لا يهمّنا تشكيكهم؛ فإنَّنا سنفعل ذلك على كلّ حالٍ، وسوف يمتثلون الأمر التكويني قهراً من حيث يريدون أو لا يريدون، ولا يحتاجون إلى أكثر من زجرةٍ واحدةٍ لإثبات المطلوب، ولا حاجة إلى جدلٍ نظري، والله يتكلّم من زاوية قوّةٍ وقهرٍ، من حيث إنَّه لا يعجزه شيءٌ لا في السماوات ولا في الأرض.
وهنا ينتهي سياقٌ قرآني كاملٌ ليبدأ سياقان آخران إلى نهاية السورة، كلاهما لأجل البرهنة على قدرة الله وقهره وهيمنته وسيطرته على كلّ شيءٍ.
ــــــ[295]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فالسياق الأوّل منهما يتحدّث عن إرسال موسى إلى فرعون، ومحلّ الشاهد فيه أنَّ فرعون بالرغم من جبروته وسيطرته وعظمته الظاهريّة لم يعجز الله سبحانه عن قهره ودحره، فيقول في النهاية: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى}(1). والسياق الثاني معني بإبراز قدرة الله في الكون، وأنَّه هو الذي خلق السماء والأرض، فلماذا يستبعد أن يفعل شيئاً آخر؟!
ثُمَّ يرجع سياق السورة إلى النتيجة، وهي حصول القيامة والحساب والثواب والعقاب، وهو بحسب الأُطروحة المشهورة مشابهٌ لما بدأت به السورة، وأنَّ هذا ممّا لا يمكن الشكّ فيه، بل لابدّ من حصوله على كلّ حالٍ، ويكون الغرض الأساسي للسورة هو حصول يوم القيامة وإيجاده من قبل الله سبحانه بغضّ النظر عن التفاصيل الأُخرى المذكورة في السورة.
وهذا هو أحد الأجوبة عمّا يسأل عنه الكثيرون، وهو سبب تكرار ذكر موسى في القرآن الكريم كثيراً، فيكون من جملة الأجوبة أنَّه في كلّ مرّةٍ من ذكره يُراد به شاهداً على شيءٍ غير المراد من ذكره في المرّة الأُخرى، فتارةً يكون النظر إلى مجرّد سرد القصّة للعبرة العامّة، وأُخرى يكون لأجل عرض أُسلوب النبوّة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وباللغة الحديثة عند بعض المتشرّعة التجربة التي خاضها موسى في نبوّته. وثالثةً يكون لأجل عرض تكذيب الكافرين والمنافقين، كما في عبادة العجل وما صاحبه من حوادث. ورابعة: يكون لأجل بيان قسوة القلب في مقابل الإيمان، كما في قسوة قلب فرعون الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}(2). وخامسة: يكون لأجل
ــــــ[296]ــــــ
(1) سورة النازعات، الآية: 26.
(2) سورة النازعات، الآية: 24.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
عرض بعض العقوبات التي أنزلت على المكذّبين بما فيهم قوم لوطٍ وفرعون وغيرهم. وسادسة: يكون لبيان القهر الإلهي، وأنَّ الله لا يعجزه شيءٌ من الخلق مهما بدا عظيماً ومتعالياً.
ويؤيّد ذلك – أي: اختلاف اللحاظ في تعدّد النقل-: أنَّ الحوادث المنقولة ستكون مذكورةً ومختارةً بمقدار محلّ الشاهد منها في كلّ مرّةٍ، وليس المتكلّم مسؤولاً عن سرد القصّة كلّها، ولذا نجد بعض السياقات تتحدّث عن بعض الحوادث وتحذف البعض الآخر، إلّاَ أنَّ الشيء الأساسي في حياة موسى ينبغي تكرّره ولو ضمناً، وهو نبوّته وإرساله إلى فرعون، ثُمَّ إرساله إلى بني إسرائيل؛ لأنَّ ذلك هو الأساس الذي تبتني عليه العبرة. ومن الواضح أنَّ العبرة في هذه السورة لا تقتضي ذكر بني إسرائيل، بل ذكر فرعون وتكذيبه؛ للدلالة على أنَّه قد تمّ إهلاكه بالرغم من سلطنته وجبروته.
فإن قلت: إنَّ الإيمان بالقصص القرآني يتوقّف على الإيمان بصدق القرآن، والمفروض أنَّ الخطاب للكفّار، وهم غير مؤمنين بالإسلام والقرآن، فكيف يصحّ خطابهم بذلك؟
قلنا: جواب ذلك من وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ وجود هذه الأحداث التأريخيّة مركوزٌ في أذهان الكفّار، فهم سمعوا بموسى وعيسى وإبراهيم وآخرين، فلا يُحتمل تكذيبها من قبلهم، بل هي مسموعةٌ ومتداولةٌ عندهم، وهذا يكفي لإلزامهم بالتصديق.
الوجه الثاني: أنَّ الاعتماد في تصديقهم هو وصول هذه القصص إليهم عن طريق الكتب السابقة، كالتوراة والإنجيل. قال تعالى: {وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ
ــــــ[297]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ}(1) وفيها كثيرٌ من قصص الأنبياء السابقين أكثر ممّا موجودٌ في القرآن، وهذا يكفي لإلزامهم بالتصديق.
الوجه الثالث: أنَّنا لو تنزّلنا عن الوجهين السابقين، كفى للقرآن الاستقلاليّة في الرواية؛ لأنَّ الله تعالى يتكلّم من زاوية قوّةٍ وقهرٍ، ولا يتوقّف كلامه على تصديق ذوي النفوس المريضة، فهو يقول كلمته على كلّ حالٍ. قال تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا}(2) أي: لعلّك لا تتوقّع أنَّ الكافرين يصدّقون؟ مع أنَّه لا أهمّيّة لذلك، سواء آمنوا أم لم يؤمنوا. وقال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ}(3). نعم، هؤلاء هم المهمّون الذين لا يحتاجون إلى مجادلةٍ أو معجزةٍ، وإنَّما بمجرّد أن يسمعوا الكلام يخشعون له ويخضعون لمضمونه.
الوجه الرابع: مع التنزّل عن كلّ ما سبق يكفي مجرّد سرد الرواية لأخذ العبرة، حتّى لو فرضت بزعم بعض السامعين أنَّها غير واقعيّةٍ، إلّاَ أنَّ المحصّل منها واضحٌ. وهذا لا يعني: أنَّها غير واقعيّةٍ فعلاً، بل هي صادقةٌ أكيداً، إلّاَ إنَّ مقصودي هو أنَّ العبرة منها لا تتوقّف على صدقها، فالمؤمن يعتبر بها؛ لأنَّه يصدّق بها، والكافر يمكن أن يعتبر بها حتّى لو كان مكذّباً لمضمون القصّة، إلّاَ أنَّ درجة الاعتبار تختلف بين المستويات لا محالة. والمهمّ أنَّ السامع لا يكون منكراً كاملاً، بل له درجةٌ ولو احتماليّة من التصديق لكي يستطيع أخذ العبرة؛ لأنَّ الاحتمال الموجود في ذهنه دافعٌ للاستدلال المضادّ، أي: لإيمانه
ــــــ[298]ــــــ
(1) سورة المائدة، الآية: 43.
(2) سورة الكهف، الآية: 6.
(3) سورة الحجّ، الآية: 54.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بالكفر (والعياذ بالله) ودفاعه عنه، وهذا يكفي في أخذ العبرة.
نعم، لو كان جازماً بكذب القرآن لم يكن له أخذ العبرة، إلّاَ أنَّ مثل هذا الفرد نادر الوجود، وخاصّةً بعد الالتفات إلى الوجهين السابقين، أو ورود تلك القصص في التوراة والإنجيل ووجود الارتكاز التاريخي في ذلك الحين، والالتفات أيضاً إلى شهادة المجتمع المعاصر للنبي بأنَّ محمّداً هو الصادق الأمين في سيرته الاعتياديّة، فكيف يكون في نبوّته قابلاً للتكذيب؟
وينبغي الالماع هنا إلى أنَّ سياق هذه الآيات يشتمل على ثلاث مجموعاتٍ من النسق، وكلّها تشتمل على كلماتٍ متشابهةٍ إلى حدٍّ كبيرٍ، وهذا معناه أنَّه نسقٌ محفوظٌ إلى درجةٍ معتدٍّ بها جدّاً. وإليك هذه المجموعات:
أوّلاً: (نشطاً) و(سبحاً) و(سبقاً).
ثانياً: (الرادفة) و(الواجفة).
ثالثاً: (الحافرة) و(نخرة) على تقدير أنَّها بمعنى: ناخرة، أي: منخورة؛ فالحافرة والناخرة والخاسرة والساهرة تفيد نفس النسق مع شيءٍ من الاختلاف.
****
قوله تعالى: {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى}:
[الإستفهام في قوله: هَلْ أتَاكَ]
الاستفهام في قوله: {هَلْ أتَاكَ…} للإقرار، أي: لأخذ الإقرار من الطرف السامع بقوله: نعم، أو يكون جوابه بنعم.
[والمراد بالحديث (حديث موسى)]
والمراد بالحديث -حديث موسى – الحديث عنه لا حديث موسى نفسه؛ لأنَّ (حديث) مصدرٌ، فهل الكلمة التي بعده مضافةٌ إليه بإضافة الفاعل أو بإضافة المفعول؟ إذا كان بإضافة الفاعل كان المراد: حديث موسى نفسه، أي: ما تحدّث به موسى، وإذا كانت بإضافة المفعول كان المراد: الحديث
ــــــ[299]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
عن موسى، فهنا يتعيّن المعنى الثاني، وهو الحديث عنه لا حديثه هو. ومن هنا يكون الاستفهام إقراراً، ويتوقّع أن يكون جوابه بنعم، وعليه يتعيّن علم السامع بالحديث في المرتبة السابقة، أي: قبل نزول هذه الآية، أو في المرتبة السابقة على هذا الاستفهام؛ لأنَّه لو لم يعلم بذلك سوف يجيب بالنفي، وهو خلاف سياق الكلام.
قال الطباطبائي: ولا ينافي هذا النوع من الاستفهام تقدّم علم السامع بالحديث؛ لأنَّ الغرض توجيه نظر السامع إلى الحديث(1). ومؤدّى الكلام: التفت إلى حديث موسى الذي سوف أقوله. هكذا يفهم السيّد الطباطبائي معنى الاستفهام.
ثُمَّ يذكر الطباطبائي أنَّ هذه الآيات ليست هي أوّل ما نزل من قصّة موسى؛ فالسامع يعلم بالقصّة؛ لأنَّها نزلت في سورة المزّمّل، والمزّمّل نازلةٌ قبل هذه السورة(2)، مع أنَّه يلزم على مفروض كلام الطباطبائي أن يجيب بنعم؛ لأنَّه يعلم الحادثة مسبقاً.
[تعليقان على كلام السيد الطباطبائي في نوع الاستفهام]
ولنا على ذلك تعليقان:
التعليق الأوّل: أنَّنا قلنا: إنَّه استفهامٌ إقراري، فيتعيّن علم السامع، وليس أنَّه فقط لا ينافي علم السامع.
التعليق الثاني: أنَّ السيّد الطباطبائي يفترض علم المجتمع المسلم بحال الأنبياء السابقين: كموسى إنَّما هو من القرآن الكريم، فلذا يقول: إنَّ سورة المزّمّل نزلت قبل سورة النازعات، حتّى كأنَّهم لم يفهموا شيئاً عن
ــــــ[300]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 187، تفسير سورة النازعات.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
موسى إلَّا من سورة المزّمّل. وهذا خطأٌ بطبيعة الحال.
وقد تقدّم: أنَّ المجتمع المسلم لديه علمٌ مسبقٌ بموسى وغيره من الأنبياء بالارتكاز التاريخي الموجود قبل نزول القرآن، وكذلك من كتب العهدين، أعني: التوراة والإنجيل، ولذا سيكون جواب الاستفهام بالإيجاب، ولو لم يكن معهوداً بقضيّة موسى بالقرآن أصلاً.
****
قوله تعالى: {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}:
[الإشارة إلى معناها اللغوي]
هناك عدّة كلماتٍ لابدّ من الإشارة إلى معناها اللغوي لنفهم السياق حينئذٍ ككلٍّ.
قال الراغب: النداء رفع الصوت وظهوره(1).
أقول: وهذا يصدق حتّى لو قرأ نصّاً بصوتٍ عالٍ بحسب ظاهره، وأنا لا أقبل ذلك؛ لأنَّه خلاف وجداني اللغوي، بل أفهم من النداء أن يدعو الإنسان، فيُقال: يا فلان: إمّا صراحةً أو ضمناً، وليس بمعنى: أنَّي رفعت صوتي، أي: ليس كلّ رفعٍ صوتٍ نداءً، وأغلب الآيات التي ورد فيها النداء تؤيّد ذلك.
وقال الراغب: وقوله: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ}(2)، أي: دعوتم(3). وهذا يؤيّد ما قلناه أي: دعوتم الناس للصلاة.
أقول: وكذلك قوله: {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ}(4)، أي:
ــــــ[301]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 507، مادّة (ندا).
(2) سورة المائدة، الآية: 58.
(3) مفردات ألفاظ القرآن: 507، مادّة (ندا).
(4) سورة ق، الآية: 41.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ينادي البشر، قال تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ}(1)وقوله: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً}(2). ولو كان مجرّد إظهار الصوت لكان فعلاً لازماً لا يأخذ مفعولاً به، مع كونه متعدّياً في اللغة. يُقال: نادى زيداً، وإذا لم يأت بعده مفعولٌ كما في بعض الآيات، فهو مقدّرٌ مثل: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ}، أي: ناديتم الناس، وقد ورد في الآية التي نتحدّث عنها متعدّياً: {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ}، والمفعول هو الضمير الظاهر.
[معنى الوادي]
وأمّا الوادي فقد قال الراغب: أصل الوادي الموضع الذي يسيل فيه الماء، ومنه سمّي المفرج بين الجبلين وادياً، وجمعه أوديةٌ … . ويُستعار الوادي للطريقة كالمذهب والأُسلوب، فيُقال: فلان في وادٍ غير واديك (أي: في مذهبٍ غير مذهبك). قال: {أَلَمْ تَرَى أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ}(3) فإنَّه يعني: أساليب الكلام من المدح والهجاء والجدل والغزل(4). قال الشاعر(5):
إذا ما قطعنا وادياً من حديثنا إلى غيره زدنا الأحاديث وادياً
أقول: فالوادي إمّا مادّي وإمّا معنوي، ويبدو من الراغب أنَّ وضعه للمذهب والأُسلوب وضعٌ حقيقي، وليس استعمالاً مجازيّاً، مضافاً إلى أنَّه ينبغي الالتفات إلى أنَّه موضوعٌ للجامع بين المادّي والمعنوي، وليس بوضعين على نحو الاشتراك اللفظي.
ــــــ[302]ــــــ
(1) سورة مريم، الآية: 52.
(2) سورة مريم، الآية: 3.
(3) سورة الشعراء، الآية: 225.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 554-555، مادّة (ودي).
(5) لم نعثر عليه في مظانّه.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[في لفظ (المقدّس)]
وأمّا لفظ (المقدّس) فقد أفاد الراغب: أنَّ التقديس التطهير الإلهي، دون التطهير الذي هو إزالة النجاسة المحسوسة. وقوله: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}(1) أي: نطهّر الأشياء ارتساماً لك. وقيل: نقدّسك أي: نصفك بالتقديس، ونقدّس لك، أي: الملائكة: نقدّس الأشياء ونطهّرها لأجلك ثبوتاً، أو حتّى إثباتاً، كتقديسهم له تعالى بالقول، كما أنَّهم يسبّحون بحمده قولاً وإثباتاً، كذلك يقدّسونه قولاً وإثباتاً، أي: نقول: إنَّك طاهرٌ ومقدّسٌ(2). ولربما وحدة السياق تقتضي الإثبات.
وقوله تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ}(3) يعني به جبرئيل؛ من حيث إنَّه ينزل من الله بما يطهّر به نفوسنا من القرآن والحكمة والفيض الإلهي، أو ينزل بالشريعة والقرآن والهداية التي تطهّر النفوس. وليس معنى ذلك أنَّه يقدّس نفوسنا ويطهّرها بنحو العلّة والمعلول، بل هو روح القدس أو الروح المطهّرة أو روح الطهارة.
والبيت المقدّس هو المطهّر من النجاسة(4)، أي: الشرك، وكذلك الأرض المقدّسة المذكورة في القرآن(5)، والمقصود منهما أرض فلسطين وبيت المقدس.
أقول: ومن هنا نفهم أنَّ التقديس هو التطهير المعنوي، وليس التطهير
ــــــ[303]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 30.
(2) انُظر: مفردات ألفاظ القرآن: 411، مادّة (قدس).
(3) سورة النحل، الآية: 102.
(4) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 411، مادّة (قدس).
(5) إشارةٌ إلى قوله تعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ} [سورة المائدة، الآية: 21].
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المادّي، سواء كان فيضاً من الله سبحانه، أي: إعطاء ابتدائيّاً، أو كان بعمل الإنسان، أي: إنَّ الإنسان يطهّر نفسه من الشرك والشهوات والعيوب والذنوب، وسواء كان قليلاً أم كثيراً، لكن لا يستحقّ الفرد صفة التقديس إلّاَ من غلبت عليه، أي: يصبح طاهراً بوضوحٍ في أغلب صفاته، فيسمّى مطهّراً أو مقدّساً، ونحن نسمّي كثير العبادة وطيّب القلب مقدّساً، وإن كان هذه الأيّام قليل الوجود.
وفسّر الراغب القدس أو الطهارة بترك الشرك(1).
أقول: فإنَّ الشرك نوعٌ من النجاسات المعنويّة، بل هو أوضحها، سواء قصد به الشرك الجلي أم الخفي؛ لأنَّ الشرك ليس هو دائماً عبادة هبلٍ مثلاً، وإنَّما هناك شركٌ خفي.
[معنى طوى]
وأمّا طوى فقد أفاد الراغب: أنَّ قوله: {إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى}(2) قيل: هو اسم الوادي، وقيل: إنَّ ذلك جعل إشارةً إلى حالةٍ حصلت له عن طريق الاجتباء، طوى أي: طويت له الأرض(3).
أقول: فيكون لـ(طوى) أربعة احتمالات: إمّا اسم علمٍ للوادي، أو من الطي، وهو الدرج كطي القماش، أو من الطي أو الهلاك والموت، أو من طيّ الأرض، وهو السير الإعجازي.
ومن هنا يكون للآية سنخان من المعنى: مادّي ومعنوي، وهما غير متنافيين؛ لأنَّ القرآن يصدق على حصصٍ كثيرةٍ، والمعنى المادّي هو
ــــــ[304]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 411، مادّة (قدس).
(2) سورة طه، الآية: 12.
(3) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 321، مادّة (طوى).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المشهور(1)، وهو أنَّ موسى وصل إلى وادٍ يُقال له (طوى)، فيه شجرةٌ، وشاهد النور الإلهي هناك. وهذا المعنى حسنٌ، وعليه قرائن كثيرةٌ في القرآن، ومناسبٌ مع مستوى النبوّة التي بعث فيها موسى.
[بعض الأسئلة حول الآية]
إلَّا أنَّه تبقى بعض الأسئلة حول الآية:
[السؤال الأول: لماذا وصف هذا الوادي بأنَّه مقدّسٌ وطاهرٌ من دون الأودية الأُخرى]
منها: لماذا وصف هذا الوادي بأنَّه مقدّسٌ وطاهرٌ من دون الأودية الأُخرى؟
وهذا له أحد جوابين:
الأوّل: أنَّه أصبح مقدّساً بدخول موسى فيه، ونزول الوحي وظهور النور الإلهي فيه. لكن هذا غير تامٍّ؛ لأنَّ ظاهر الآية هو كونه مقدّساً في ذاته بغضّ النظر عن دخول موسى فيه، أي: هو مقدّسٌ في الرتبة السابقة على دخول موسى فيه.
[السؤال الثاني: لماذا نستبعد أن يكون بعض الوديان مقدّساً]
الثاني: أنَّنا لا نستبعد أن يكون بعض الوديان مقدّساً، كما يوجد بعض الأماكن مقدّسةً، كالمسجد الحرام، وبعض الأزمنة مقدّسةً: كشهر رمضان والأعياد، وهنا نستطيع أن نعطي تبريراً لكون بعض البراري والوديان مقدّساً؛ فإنَّ المكان أو القطعة في الأرض إنَّما يتدنّس بنفوس وذنوب من يمرّ به، فإذا لم يمرّ به أحدٌ يبقى طاهراً على فطرته التي خلقه الله عليها، كما ورد كمثال أنَّ الحجر الأسود أو الأسعد نزل من الجنّة، وهي درّةٌ بيضاء، وإنَّما صار أسود لكثرة من يلمسه من الناس، فأصبح أسود من ذنوبهم(2).
فإن قلت: إنَّ الآية الكريمة تخبر عن طهارته وقدسه.
ــــــ[305]ــــــ
(1) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 25، تفسير سورة النازعات، لباب التأويل في معاني التنزيل 4: 392، تفسير سورة النازعات، وغيرهما.
(2) راجع الأخبار الواردة في باب فضل الحجر وعلّة استلامه واستلام سائر الأركان من بحار الأنوار 96: 216-228، كتاب الحجّ، أبواب الحجّ والعمرة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قلنا: إنَّ هذا يمكن المناقشة فيه؛ لأنَّه بحسب قواعد علم الأُصول لا يتضمّن وصف الوادي بالمقدّس إخباراً؛ لأنَّه نسبةٌ ناقصةٌ، وهي النسبة بين الصفة والموصوف، والحال أنَّ الإخبار يحصل بالنسبة التامّة، كما لو قال: الوادي مقدّسٌ، إلّاَ أن نفهم من معنى النسبة الناقصة معنى النسبة التامّة. وهو ممكنٌ، لكنه على مسلكٍ نادرٍ غير مشهورٍ في علم الأُصول، وأنا أميل إليه كما كان السيّد الخميني(1) يميل إليه أيضاً. فجملة: (اذهب إلى زيدٍ العالم) تعني: اذهب إلى زيد وهو عالمٌ، وإلّاَ إذا لم يكن عالماً يكون المطلب كاذباً. وفي علم الأُصول(2) الحديث يقولون: صدق القضيّة ينطبق على كذب النسبة التامّة لا الناقصة. فإذا قلتُ: زيدٌ عالمٌ وكان جاهلاً، فقد كذبتُ. أمّا إذا قلتُ: (اذهب إلى زيد العالم) وكان جاهلاً، لم أكذب. ولكن كما قلنا: إنَّ الفهم العرفي يُساعد على فهم النسبة التامّة من الناقصة، وعليه قولنا: اذهب إلى زيدٍ العالم، بمعنى: أنا أتكفّل صدق أن يكون عالماً، فكأنَّما هو إخبارٌ عن كونه عالماً.
وعليه تكون النسبة الناقصة في قوله: (الواد المقدس) من الناحية العرفيّة بمعنى النسبة التامّة التي تخبر عن أنَّ الوادي مقدّسٌ، والقرآن صادقٌ فيما يقول، فتكون نفس الآية دليلاً على صحّة اتّصافه بالقدس والطهارة.
ولكن بناءً على مذهب المشهور من أنَّ النسبة الناقصة لا يمكن فهم الأخبار منها، فلا تدلّ الآية في نفسها على ذلك، وعليه لا يكون للمشهور فهمٌ كاملٌ للآية، مع عدم وجود دليلٍ على أنَّ الوادي مقدّسٌ وطاهرٌ.
ــــــ[306]ــــــ
(1) أُنظر: تهذيب الأُصول 1: 22-26، القول في الهيئات.
(2) أُنظر: الرسائل 1: 141، في بيان مناط الصدق و الكذب، وتهذيب الأصول 2: 25، المقصد الرابع، القول في المخصّص اللبّي.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ومن هنا ينفتح الباب للفهم المعنوي للآية؛ من حيث إنَّ الوادي هو المقام الذي وصل إليه المؤمن، وهو مقامٌ عالٍ وطاهرٌ ومقدّسٌ، وصاحبه مقدّسٌ، أو نقول: إنَّ المكان والمكين مقدّسان، وهو مطوٍ – أي: طُوى- بيمين الله سبحانه، أو هو ميّت الشهوات؛ لأنَّ الطي هو الموت، ما يعني أنَّه ميّت الشهوات والنفس الأمّارة بالسوء، فوصل إليه بسرعةٍ غير متوقّعةٍ بطي المسافات المعنوية برحمة الله سبحانه وتعالى.
وبعد أن حصل في ذلك المقام ناداه ربّه؛ لأنَّه صار صالحاً للاستماع للنداء الإلهي، وكذلك عاد صالحاً لهداية الآخرين والتكفّل بالسفارة الإلهيّة لهداية الناس، ومن هنا يأمره الله سبحانه أن يذهب إلى المجتمع للهداية {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}(1) ويخصّ فرعون بالذكر؛ لأنَّه الحاكم الأعلى في المجتمع، أو هو كلّ عاتٍ ومتعصّبٍ في فسقه وكفره، أو هو النفس الأمّارة بالسوء، أو هو العقل المختلط بالباطل مع العلم، والقلب المختلط بالباطل مع العواطف.
وقد يُفسّر أنَّ الروح تدعو العقل للذهاب إلى النفس لأجل هدايتها، كلٌّ في باطن فردٍ واحدٍ، أو إلى القلب لأجل تصفيته.
والمنادي هو الله سبحانه وتعالى، وفي الآية: {ربّه}(2)، وفي موضع آخر: {ربّك}(3)، والصوت الذي صدر من الشجرة قال: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}(4)؛
ــــــ[307]ــــــ
(1) سورة طه، الآية: 24.
(2) أي: الآية: 16 من سورة النازعات.
(3) كما في الآية: 10 من سورة الشعراء، أعني: قوله تعالى: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[سورة الشعراء، الآية:10].
(4) سورة القصص، الآية: 30.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لأنَّه ربّ كلّ شيءٍ جملةً وتفصيلاً؛ لأنَّ ربّ الكلّ هو ربّ كلّ جزءٍ بحياله واستقلاله، فيصدق أنَّه ربّه وربّك وربّ العالمين في الوقت ذاته.
ثُمَّ إنَّ هناك نقطةً في الآية الكريمة لم نتعرّض لها فيما سبق، وهي أنَّ الكتابة المشهورة الموجودة في المصاحف لكلمة (الوادي) تركت كتابة الياء واكتفت بوضع الكسرة.
أقول: إنَّ هذا خطأٌ، بالرغم من أنَّ لفظ الكسرة والياء المحذوفة نطقاً بعنوان الوصف مع الألف واللام (الواد المقدّس)، فهي لابدّ أن تكتب بحسب القواعد العربيّة.
فإن قلت: إنَّ ذلك واردٌ في آيات أُخر – أي: حذف الياء- كقوله تعالى: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ}(1) وهذا دالٌّ على جواز حذف الياء اختياراً من قبل المتكلّم.
قلنا: بحسب اللغة فإنَّ الياء إنَّما تُحذف في حالة الجزم فقط، كقوله تعالى: {لَمَّا يَقْضِ}(2)، و ليس هناك سببٌ آخر للحذف، وخاصّةً في الأسماء؛ لأنَّه لا جزم فيها أصلاً، كالقاضي والوادي، فليس هناك حذفٌ للياء، وإذا جاءت محذوفةً فلابدّ من التقدير، كما قدّروا قوله تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ}(3) أي: ما أنت قاضيه، ومعه يمكن أن يكون (بالواد) محذوف الياء؛ لأجل نسق الآيات في قوله: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}(4)، فهناك حذفٌ لأجل
ــــــ[308]ــــــ
(1) سورة الفجر، الآية: 9.
(2) سورة عبس، الآية: 23.
(3) سورة طه، الآية: 72.
(4) سورة الفجر، الآيات: 9-12.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
مصلحةٍ. أمّا هنا فإنَّ نسق الآيات ليس مرتبطاً بكلمة (واد) حتّى نقول: إنَّ حذف الياء جاء لحفظ النسق؛ لأنَّه لو تركنا الآيات محرّكةً فلابدّ من ذكر الياء، فنقول: (الذين جابوا الصخر بالوادي وفرعون ذي الأوتادي والذين طغوا في البلادي)، فيكون النسق إلى حدٍّ مّا مختلفاً، وعليه فلا تكون أيّ آيةٍ من الاستعمالات القرآنيّة الأُخرى لحذف الياء مماثلةً لمورد الآية التي نتكلّم عنها. فمن المظنون جدّاً أنَّ حذف الياء من الكتابة في قوله: {بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ} لا مبرّر له، وهو خطأ النسّاخ.
****
قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}:
[أطروحات السيد الطباطبائي في تفسير الآية]
لا شكّ أنَّ (فرعون) ممنوعٌ من الصرف للعَلَميّة والعجمة، والمهمّ هو قوله: (اذهب)؛ لأنَّه قال قبل ذلك: {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ} فـ(اذهب) أي: مضمون النداء. وقد طرح فيها الطباطبائي(1) ثلاث أُطروحاتٍ:
الأُولى: أن تكون (اذهب) تفسيراً للنداء، أي: إنَّ النداء كان بهذا المضمون، وهو الذي اختاره، ولربما هو الأرجح.
الثانية: أنَّه قيل: إنَّ الكلام على تقدير القول، أي: ناداه قائلاً: اذهب، أو ناداه وقال له: اذهب، ونحو ذلك.
الثالثة: أن يكون بتقدير (أن) المفسّرة، أي: ناداه أن اذهب.
ثُمَّ قال: وفي الوجهين إشكالٌ، وهو أنَّ التقدير مستغنىً عنه، سواء كان القول أو (أنَّ) المفسّرة. وهذا صحيحٌ؛ لأنَّه لو كان السياق وحده بدون تقديرٍ، لكان مفهوماً، ولا حاجة إلى التقدير؛ لأنَّه لا يُصار إليه إلّاَ مع الضرورة.
ــــــ[309]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 187، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[البحث في معنى (الذهاب)]
والخطوة الأُخرى في البحث هي أنَّ (الذهاب) معنىً إضافي، أي: اذهب من كذا إلى كذا، وهنا لم يبيّن ذلك إلّاَ بمقدار المصلحة، أي: لم يبيّن جميع التفاصيل، فالذهاب معنىً إضافي متقوّمٌ بطرفين، فيُراد به اذهب من هنا إلى فرعون، وليس المراد شخص فرعون، بل إلى المحلّ الذي ترى فيه فرعون أو تقابل فيه فرعون ونحو ذلك.
[في معنى فرعون]
وفرعون في الحقيقة مفرد الفراعنة، والفراعنة ملوك المنطقة التي تسمّى (مصر) حالياً، وكانت تُسمّى كذلك منذ صدر الإسلام، وفي القرآن الكريم وردت تسميتها صريحاً، ولم يرد مثلاً العراق أو سوريا أو لبنان، بل ورد في القرآن (مصر) وهذا من مميّزاتها.
[في معنى مصر]
وقد قيل: إنَّ (مصر) إن وردت مصروفةً، فيُراد بها البلد الكلّي، أعني: أيّ بلدٍ من البلاد، كما قال: {اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ}(1). وإن وردت ممنوعةً من الصرف فيُراد بها البلد المعيّن أو الجزئي، وهو مصر المعهودة.
وحسب فهمي فإنَّها قبل ذلك كانت تُسمّى بلاد القبط، وإلى الآن تسمّى (Egypt) باللغة الإنجليزيّة، ومعناها القبط؛ لأنَّهم سكّانها الأصليّون، وكان بنو إسرائيل الذين هم من ذرّيّة إسحاق بن إبراهيم الخليل واردين عليها من فلسطين والعراق، فكانوا يعدّون غرباء على أرض القبط. وأمّا المواطن الأصلي فهو القبطي، والمعروف والمنصوص عليه في التوراة وبعض رواياتنا(2) أنَّ بني إسرائيل في مصر لم يكونوا محتقرين فقط، بل كانوا يعاملون
ــــــ[310]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 61.
(2) أُنظر: الأحاديث والأخبار الواردة في باب أحوال موسى من حين ولادته إلى نبوّته من بحار الأنوار 13: 13-63، كتاب النبوّة، أبواب قصص موسى وهارون.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
معاملة العبيد في كثرة العمل بلا أُجورٍ، ولم يكن الفراعنة يرضون ذلك لمواطنيهم القبط، فبنو إسرائيل خدمٌ، والأقباط سادةٌ، وفي الرواية(1) أنَّ الفراعنة ظلموا بني إسرائيل أربعمائة عامٍ حتّى بعث الله إليهم موسى، وفي القرآن ما يدلّ على ذلك، فقال عن لسانهم: {… أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا}(3).
والمعروف أنَّ الفراعنة ثلاث عشرة أُسرةً، ويُحتمل أنَّهم خمس عشرة أُسرةً تعاقبت على حكم مصر، وكان اسم الحاكم عموماً (فرعون) كقيصر وكسرى. وأمّا الأفراد -أي: الحاكم نفسه- فلهم أسماءٌ تخصّهم، والقرآن عندما يقول: (فرعون) فإنَّما يحكيه بلحاظ منصبه، ولا يذكر اسمه الشخصي.
وقد استمرّ حكمهم – بالاصطلاح الحديث- أكثر من عشرة آلاف عام، ولربما خمسة وعشرين ألف عامٍ، غير أنَّ هذا ينافي الاعتقاد المشهور الموجود بتركيزٍ في الكتب القديمة وفي التوراة وعند المؤرّخين السابقين من: أنَّ عمر البشريّة من آدم إلى يوم القيامة خمسة آلاف سنةٍ، فلا يبقى للفراعنة إلّاَ حصّةٌ قليلةٌ، والله العالم. والظاهر بطلان هذا الاعتقاد التقليدي، وهذا خلافٌ معروف بين الفكر الحديث والفكر القديم.
والظاهر: أنَّ الفراعنة بناءً على هذا العهد الطويل – بغضّ النظر عن الخمسة آلاف سنة- كانوا على عهد إبراهيم الخليل، بل قبله، بحيث إنَّ إبراهيم بُعث والفراعنة موجودون، وليس ثمود من الفراعنة.
نعم، هو معاصرٌ لإبراهيم، وفي التوراة وبعض الأخبار أنَّ
ــــــ[311]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير روح البيان 4: 229، تفسير سورة يوسف، تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان 1: 282، مفاتيح الغيب 3: 505، تفسير سورة البقرة، وغيرها.
(2) سورة الأعراف، الآية: 129.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
إبراهيم ذهب إلى مصر وكان فرعون موجوداً، والمهمّ أنَّ حكم الفراعنة استمرّ إلى زمان موسى، وهذا بنصّ القرآن، واستمرّ بعد ذلك أيضاً.
فإن قلت: إنَّ فرعون مات وغرق عند العبور إلى فلسطين، ولا دليل على أنَّه خلّفه شخصٌ آخر في الحكم.
أقول: إنَّ شخصاً آخر خلّفه في الحكم؛ لأنَّه يوجد نظامٌ في الدولة يقتضي تعيين شخصٍ آخر يسمّى فرعون، ويستمرّ الملك الفرعوني؛ لأنَّ موت فرعون غرقاً لا يعني زوال حكم الفراعنة بطبيعة الحال، وخاصّةً بعد وضوح أنَّ موسى وبني إسرائيل كانوا قد نزحوا من مصر إلى فلسطين، ولا يُحتمل أنَّهم أسّسوا حكماً في مصر بعد موت فرعون، ولم يحصل ذلك أصلاً.
نعم، هم أسّسوا حكماً في أرض كنعان التي هي فلسطين لا مصر، وهم نزحوا إلى فلسطين، وتخلّص منهم الحكم الفرعوني.
والمهمّ أن نلتفت إلى أنَّ الدولة التي أقامها موسى وحكمها لم تكن في مصر لكي تعوّض عن حكم الفراعنة أو تؤذن بذهابه وزواله.
ولفظ فرعون غير عربي، بل مأخوذٌ من نصٍّ أجنبي، وأصله من لغة القبط لا محالة؛ لأنَّها لغة مصر آنذاك، ولا نعلم صوته الأصلي بالتحديد؛ لأنَّنا نعلم أنَّ العرب حينما ينقلون الألفاظ إلى لغتهم العربيّة يحرّفونها حسب ذوقهم العربي، ولا تبقى بالنصّ الأجنبي مئة بالمئة. فمثلاً حتّى القرآن سار عليها، فـ(داود) أصله دافيد، ويعقوب أصله جاكوب، ويوسف أصله جوزيف، كما بالنصّ الإنجليزي، ولا نعلم ما هو بالضبط النصّ العبري، فأسماؤهم ليس بالضبط كما نطق بها القرآن، وإنَّما هو تعريبٌ للنصّ الذي هو عَلَم لهؤلاء الأنبياء.
ــــــ[312]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ولكن بالنسبة إلى فرعون توجد خطوةٌ احتماليّةٌ كأُطروحةٍ، فيمكن أن يكون عربيّاً بالأصل؛ لأنَّنا نفهم من الفراعنة والتفرعن السيطرة أو محاولة السيطرة القاسية أو الظالمة على الآخرين. يُقال: تفرعن يتفرعن فهو متفرعنٌ، وهو من الألفاظ الخماسيّة، أي: خماسي المادّة، إلّاَ أنَّ المظنون كونه اشتقاقاً منحوتاً دخيلاً من اللغة القبطيّة، وإن أصبح بالتدريج مستعملاً في اللغة العربيّة.
والخطوة الأُخرى: أنَّ القراءة المشهورة(1) هي أنَّ فاء (فرعون) بالكسر، وليس بالفتح أو الضمّ، ومتى ورد لفظ فرعون في القراءة فإنَّه يأتي بكسر الفاء، ولعلّه أصبح من الارتكازات الضروريّة عند المتشرّعة، غير أنَّ القياس هو القراءة بالفتح؛ لأنَّنا نقول: تفرعن يتفرعن فرعنةً فهو فَرعون، وليس فِرعون؛ لأنَّه لفظٌ مصاغٌ من المصدر، فينبغي أن يكون فاؤه مفتوحاً، اللّهمّ إلّاَ أن يُقال بالتسالم اللغوي على خلاف القاعدة، ولا إشكال في ذلك، لكن أصل القاعدة أن يكون بالفتح.
والظاهر: أنَّ (فرعون) ليس من الاستعمالات الخاصّة بالقرآن، بل كان مستعملاً قبل ذلك، ككسرى وقيصر، فهذه الألفاظ معروفةٌ قبل الإسلام، وقد أخذها القرآن من الاستعمالات العرفيّة.
ثُمَّ إنَّنا لا نعرف تاريخ زوال دولة الفراعنة، فلا نعرف بدؤها ولا نهايتها بالتحديد، ولكن قد يُقال: إنَّ تاريخ بدئها متعذّرٌ؛ لأنَّ مرجعه إلى التاريخ القديم، فيصعب الحصول عليه، لكن زوالها ليس كذلك، فلا يتعذّر
ــــــ[313]ــــــ
(1) أُنظر: مجمع البحرين 4: 375، مادّة (فرع)، المصباح المنير 2: 470، مادّة (فرع) وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الحصول على وقت زوالها.
والمظنون: أنَّهم كانوا موجودين إلى زمن النبي عيسى، لكن من الأكيد أنَّهم لم يكن لهم وجودٌ في زمان نبي الإسلام؛ بقرينة أنَّه أرسل رسالته إلى حاكم مصر آنذاك، وهو المقوقس(1). وهناك احتمالٌ آخر، وهو أن يكون المقوقس اسماً شخصيّاً للحاكم، مع كونه من سلالة الأُسر الفرعونيّة، وهذا في نفسه احتمالٌ وجيهٌ.
وإذا تمّ هذا الاحتمال، فلا يكون أحدٌ قد أزال حكم الفراعنة غير الفتح الإسلامي في زمن الخلافة الأُولى على يد عمرو بن العاص، وهذا يعني: أنَّ حكم الفراعنة استمرّ ممّا قبل وجود إبراهيم إلى ما بعد وجود الإسلام، وهو ردحٌ طويل جدّاًَ من الزمن.
والمعروف: أنَّ الفراعنة كلّهم كفرةٌ، إلّاَ من ندر، فهم لا يعبدون الله سبحانه وتعالى، وإنَّما يعبدون غيره، كالنجوم والأصنام أو أشخاص الفراعنة أنفسهم، أو يؤمنون بتعدّد الآلهة. أمّا الأصنام فلم يكن عندهم أصنامٌ بالشكل المعروف عند قريش، وربما لهم أشكالٌ أُخرى من العبادة، ولعلّ كلّ هذه العقائد مرّت على مجتمعهم خلال عصور حكمهم الطويلة. ويدّعي(2) التاريخ المصري الحديث للفراعنة أنَّ أحدهم كان موحّداً، وهو اخناتون، وأنَّه كان يقدّس الشمس؛ باعتبارها مصدر الإشعاع والنور، كما لا يعترف التاريخ المصري الحديث بأنَّهم كانوا ظلمةً، إلّاَ فرعون موسى، فيعترفون بظلمه من
ــــــ[314]ــــــ
(1) أُنظر: بحار الأنوار 20: 382-383، كتاب تاريخ نبيّنا، أبواب أحواله من البعثة إلى نزول المدينة، الباب 21.
(2) أُنظر: في ظلال القرآن 2: 813، تفسير سورة النساء.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ناحية أنَّهم مسلمون؛ لأنَّه ظالمٌ بنصّ القرآن الكريم، كما قال: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}(1).
والخطوة الأُخرى: أنَّ من المستبعد أنَّ التاريخ الحديث على سعته وعمقه في التنقيبات والمخطوطات القديمة يستطيع أن يشخّص فرعون موسى عن سائر الفراعنة، ولا نعرف ما كان اسمه الشخصي، وإلى أيّ أُسرةٍ ينتمي من أُسر الفراعنة، وقد حاولوا معرفة ذلك بنحو الأُطروحة والاحتمال لا الجزم واليقين.
ومن الواضح في القرآن أنَّ فرعون موسى كان يدعو إلى نفسه، ولم تكن له عقيدة آبائه وأسلافه في عبادة النجوم أو الآلهة الأُخرى، وإنَّما كان يدعو إلى نفسه حيث قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}(2) وإن كان يشترك مع أسلافه بشيءٍ واحدٍ، وهو نفي ربوبيّة الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى نقلاً عن فرعون: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ}(3).
فهو يقول: (أظنّه)، وهو ليس على يقين بكذب موسى، وسيرة جميع الملاحدة هكذا؛ لأنَّه جلّ جلاله ذاته فوق العقل، فحينما يفكّرون لا يصلون إلى شيءٍ فيصبحون ملاحدةً. وهذه الآية واضحةٌ في أنَّ موسى عندما جاء وقال لفرعون: إنَّ لنا ربّاً وإلهاً، وهو ربّ العالمين، فقال فرعون لهامان: ابن صرحاً لكي أراه، فهذا يعني: أنَّ موسى لم يقل له: إنَّ الله مجرّدٌ عن
ــــــ[315]ــــــ
(1) سورة طه، الآية: 24، وسورة النازعات، الآية: 17.
(2) سورة النازعات، الآية: 24.
(3) سورة القصص، الآية: 38.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المادّة، ولا يمكن أن يُرى، ولو قال له: إنَّ ربّي مجرّدٌ، فسيكون هذا الكلام من فعل المجانين. وقد ترّتب على هذا المعنى أمران:
أحدهما: أنَّ فرعون نفسه لم يفهم أنَّ إله موسى كان مجرّداً.
ثانيهما: أنَّ اليهود أصبحوا مجسّمةً؛ لأنَّه ليس لهم نصٌّ واضحٌ في شريعتهم على التجريد، ولو كان لهم نصٌّ لآمنوا به، فأصبحوا مجسّمةً نتيجة لمعهوداتهم المادّيّة.
أمّا لماذا سكت موسى عن التجريد؟ فإنَّ هذا حدث لحكمةٍ، وليس جزافاً، وهي عدم تحمّل المجتمع في ذلك الحين فكرة التجريد التي جاء بها الإسلام بعد ذلك، كما أنَّ عيسى سكت عن التوحيد؛ لأنَّه قال:إنَّ الخالق موجودٌ فقط، ولم يقل: إنَّه واحدٌ، وإنَّما سكت عن النصّ بالتوحيد، ومن هنا قال المسيحيّون بالتعدّد (والعياذ بالله) أو الثالوث المقدّس عندهم.
ثُمَّ إنَّ قوله تعالى: {إِنَّهُ طَغَى} تعليلٌ للأمر في قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ}(1) أي: إنَّ هناك سؤالاً مقدّراً على لسان موسى، وهو لماذا أذهب؟ أو لماذا ترسلني إليه؟ فيقول: (لأنَّه طغى).
****
قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}:
[الكلام عن معنى الطغيان]
ولنتكلّم عن معنى الطغيان، وقد عرّفه الراغب(2): بأنَّه تجاوز الحدّ في العصيان، ويُمثّل لذلك بعدّة أمثلةٍ، كقوله تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى}(3) و{وَلَا
ــــــ[316]ــــــ
(1) سورة النازعات، الآية: 17.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 314، مادّة (طغي).
(3) سورة العلق، الآية: 6.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي}(1) و{فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً}(2).
والمهمّ أن نلتفت إلى أنَّ الطغيان بمعنى تجاوز حدّ العصيان قد يكون اعتياديّاً، وقد يكون بالتسلّط، أي: له حصّتان: إحداهما بدون تسلّطٍ، والأُخرى مع التسلّط، وهو مع التسلّط أمرّ وأدهى وأصعب، وطغيان فرعون من هذا النوع بطيعة الحال.
[منشأ طغيان فرعون]
والمعروف أنَّ طغيان فرعون ناشئٌ من أمرين:
أحدهما: مرتبطٌ بأُصول الدين.
والآخر: مرتبطٌ بفروع الدين.
أمّا الأوّل فهو كفره بالله ودعوته إلى عبادة نفسه.
وأمّا الثاني فلأنَّه كان يستعبد بني إسرائيل ويستحقرهم، وعلى هذا جرى عددٌ من ملوك الفراعنة قبله، ومضى على هذا الطغيان زمنٌ طويلٌ جدّاً يصل إلى الأربعمائة سنة، حتّى أرسل الله إليهم موسى؛ رحمةً بهم، ولأجل إنقاذهم من هذا الشرّ الشديد والبلاء العظيم، وخرج بهم من مصر، وأسّس لهم دولةً كاملةً في فلسطين أو أرض كنعان.
فإن قلت: إنَّ موسى من أُولي العزم، ولعلّ ذلك من ضروريّات الدين، وهذا يعني كونه نبيّاً عالميّاً مبعوثاً إلى كلّ البشر، لا إلى خصوص بني إسرائيل وحدهم.
قلت: لا منافاة بين الفكرتين؛ فبعثته إلى بني إسرائيل صحيحةٌ، وربّما فعلاً يظهر من بعض آيات القرآن ذلك، وبعثته إلى البشريّة جمعاء تكون بمعنى
ــــــ[317]ــــــ
(1) سورة طه، الآية: 81.
(2) سورة الكهف، الآية: 80.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أنَّه مبعوثٌ إلى البشريّة عامّةً وإلى بني إسرائيل خاصّةً.
أمّا إرساله إلى غير بني إسرائيل فلا ينبغي الشكّ فيه، حتّى نلاحظ أنَّ أوّل مدعوٍّ بالدعوة الموسويّة هو فرعون القبطي، وهو ليس من بني إسرائيل؛ حيث دعاه موسى إلى الإيمان بالله، فخطاب موسى أوّل ما وقع على غير بني إسرائيل، ولم يخاطبهم إلّاَ بعد ذلك، وهذا يدلّ على أنَّ دعوته عامّةٌ.
وكذلك لو لاحظنا حادثة السحرة، فإنَّهم أيضاً ليسوا من بني إسرائيل، فهم إمّا أقباطٌ وإمّا جمعهم فرعون من مدنٍ كثيرةٍ؛ لأنَّ القرآن نصّ على أنَّهم متفرّقون، وجمعهم فرعون لأجل غرضٍ في نفسه، وهو دحض حجّة موسى، وعموم دعوته للبشر لا ينافي كونه رسولاً من أجل الرحمة ببني إسرائيل الذين عانوا من البلاء لقرونٍ طويلةٍ، وقد كانوا هم الفئة الوحيدة المؤمنة في مصر آنذاك. وقد ذكرت في كتاب “اليوم الموعود”(1) أنَّ بني إسرائيل كانوا على خيرٍ في زمن إبراهيم إلى زمن موسى ولكن في زمن موسى وما بعده ضلّوا وعبدوا عجل نفوسهم الأمّارة بالسوء، وهم كذلك إلى الآن، بل إلى عصر الظهور. وقد أشار القرآن إلى حالهم قبل موسى حيث قال: {وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}(2). وقد رحمهم الله بإرسال موسى لإنقاذهم من ظلم فرعون ومن هنا قالوا: نحن شعب الله المختار، ولكن اختيار الله لهم هو اختيار رحمةٍ وطاعةٍ، بمعنى: أنَّه لا تبقى هذه المجموعة هي شعب الله المختار مع فعل المعاصي والانحراف.
ــــــ[318]ــــــ
(1) أُنظر: اليوم الموعود بين الفكر المادّي والديني: 595 وما بعدها، المرحلة الرابعة: النبوات العالمية.
(2) سورة الدخان، الآية: 32.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
إلَّا أنَّ كلاً من الطائفتين -أعني: بني إسرائيل والعرب- انحرفوا في زمان نبيّهم، فالعرب انحرفوا في زمان النبي محمّد وازدادوا عتوّاً ونفوراً من يوم السقيفة وإلى الآن، وبنو إسرائيل أيضاً كان لهم سقيفةٌ، وهي عبادة العجل.
وحينئذٍ ينبغي أن نلتفت إلى أنَّ هذا الذي يعتقده الفكر الإسلامي الحديث من: أنَّ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد (صلوات الله عليهم أجمعين) أنبياء عالميّون صحيح، لكنّه من الناحية النظريّة فقط، بمعنى: أنَّه لو آمن بهم شخصٌ من اليابان أو استراليا مثلاً، لأجزأه ذلك أمام الله سبحانه ورضي الله تعالى عنه. أمّا من الناحية العمليّة فكانت الطرق بعيدةً جدّاً، والأخبار لا تصل إلّاَ ببطءٍ شديدٍ، وربّما لمناطق كثيرة من العالم لم يصل خبر هؤلاء الناس في حياتهم، فقد يولد الإنسان ويموت جيلاً بعد جيلٍ ولا يعرف إبراهيم أو موسى أو عيسى. فالدعوة العالميّة آنذاك متعذّرةٌ عمليّاً، ويكفينا أن نتصوّر أنَّ الدعوة الموسويّة والعيسويّة لم تصل إلى الجزيرة العربيّة في حياة موسى وعيسى، فضلاً عن المناطق البعيدة والأصقاع النائية: كأُوربّا واليابان.
****
قوله تعالى: {فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}:
[الاستفهام في قوله: هَلْ لَكَ]
الاستفهام في قوله: {هَلْ لَكَ …} من أجل تحقيق القول الليّن والمؤدّب، كما قال تعالى: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً}(1)، أو يكون نوعاً من الاحترام
ــــــ[319]ــــــ
(1) سورة طه، الآية: 44.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
للملوك من الناحية الشكليّة، فكان من الملائم لموسى أن يجامل فرعون بهذا الأُسلوب في أوّل دعوته له للإيمان، فلم يقل بنحو فعل الأمر المباشر بالإيمان، بل قال: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى}.
وكأُطروحةٍ أُخرى يمكن أن يكون هذا الأُسلوب نوعاً من الامتحان لفرعون بقبول الدعوة أو رفضها؛ لأنَّه كلّما كان القول ليّناً وسهلاً كان ردّه عليه أسهل أيضاً؛ لأنَّه إذا جاءه بعنفٍ وقوّةٍ فقد يرتبك، ومن هنا يكون الامتحان أعظم في إمكان قبوله. وفرعون طبعاً يتكلّم من زاوية قوّةٍ من الناحية الدنيويّة، فيمكن أن يطرد موسى ويعنّفه، فيكون الامتحان من هذه الناحية أعسر والقبول أصعب على فرعون، وإلّاَ فليس المراد التساهل معه حقيقةً.
[أطروحات في الجارّ والمجرور (لك)]
وأمّا الجارّ والمجرور (لك) ففيه عدّة أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى: أنَّها صيغةٌ عرفيّةٌ في التأدّب والقول الليّن، فهي من قبيل: أنَّي أتكلّم بشيءٍ لمصلحتك ولمنفعتك.
الأُطروحة الثانية: أنَّ المراد: هل تعتقد أنَّ في مصلحتك أن تتزكّى؟ ويتحصّل من ذلك سياقٌ آخر بمعنى: هل لك رغبةٌ أن أدعوك إلى أن تتزكّى؟ مضافاً إلى تقدير جارٍّ ومجرورٍ آخر بالتقدير المعنوي الذهني لا اللفظي؛ لأنَّ التقدير اللفظي لا يصحّ هنا، فيكون معنى الجملة: اذهب إلى فرعون وقل له: هل لك أن تتزكّى؟
الأُطروحة الثالثة: ما ذكره الطباطبائي من: أنَّ المراد: هل لك ميلٌ أو رغبةٌ إلى أن تتزكّى(1)؟
ــــــ[320]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 187، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأُطروحة الرابعة: أنَّه بمعنى: هل تعتقد أنَّي أدعو لك وفي مصلحتك أن تتزّكى؟
[أطروحات في حرف الجرّ (إلى)]
وأمّا حرف الجرّ (إلى) فيبدو في بدو النظر أنَّه زائدٌ يمكن حذفه، والمقصود: هل لك أن تتزكّى؟ وهذا أحد الأُطروحات في فهمه، لكن الإشكال في ذلك هو كيف يكون حرفٌ زائداً في القرآن والقرآن نازلٌ من الحكيم العليم؟
فإن لم يكن ذلك فلابدّ من التحوّل إلى أُطروحاتٍ أُخرى:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ هناك جاراً ومجروراً آخر غير قوله: (لك)، وهو قوله: {إِلَى أَنْ تَزَكَّى} حيث إنَّ (أنْ) تسبك مع ما بعدها لتكون مصدراً، ويكون المصدر مجروراً بـ(إلى)، فتكون (لك) متعلّقاً بنفس ما تعلّقت به (إلى)، وهو المصدر من (أن) وما بعدها.
إلّاَ أنَّ هذه الأُطروحة متوقّفةٌ على كبرى نحويّة كررّناها مراراً في أبحاث التفسير، وهي أنَّه هل يمكن أن يتعلّق أكثر من جارٍّ ومجرورٍ بمتعلّقٍ واحدٍ؟ والأرجح هو إمكان التعلّق بأكثر من جارٍّ ومجرورٍ واحدٍ.
الأُطروحة الثانية: ما ذكره العكبري من: أنَّ (لك) بمعنى: أدعوك(1)، فيكون المعنى: أدعوك إلى أن تزكّى.
وينبغي الالتفات إلى أنَّ الفعل (تزكّى) وإن كان بظاهر صيغته من الفعل الماضي، إلّاَ أنَّ المراد به المضارع جزماً؛ لأنَّ (أن) المصدريّة لا تدخل إلّاَ على المضارع، ومن هنا يتعيّن أن يكون أصله (تتزكّى).
والزكاة هي الطهارة والزيادة، وكلٌّ منهما يمكن أن يكون مقصوداً أو
ــــــ[321]ــــــ
(1) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 280، سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
مجموعهما، فالطهارة يُراد بها الطهارة من الذنوب والعيوب والطغيان التي هي من النجاسات المعنويّة، فتزّكى منها بمعنى: تطهّر منها، والزيادة بمعنى: التكامل في طريق الإيمان واليقين. فموسى -بل الله سبحانه وتعالى- يريد من فرعون وغير فرعون أن يسير في طريق الكمال واليقين، سواء حصل ذلك فعلاً أم لم يحصل.
[الهداية التي في قوله: (أهديك)]
والهداية التي في قوله: (أهديك) هي الدلالة على الطريق، ويُراد به طريق الإيمان بالله سبحانه وتعالى وطريق الحصول على رحمته، ولذا قال: {وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ} أي: تصل إلى رحمته ومعرفته.
والخشية هي الخوف أو بعض درجات الخوف، والمراد بها الخشية من الله سبحانه وتعالى، وإن كان أمير المؤمنين، يقول -بناء على صحّة الرواية-: “فلا يخافنّ إلّاَ ذنبه”(2) فالخوف ليس من الله مباشرةً، وإنَّما من عقاب الله الذي سببه الذنب. فأنت أيّها الإنسان، لابدّ أن تخاف من ذنبك أوّلاً، فابدأ بنفسك، فانهها عن غيّها، وإلّاَ فالربّ كريمٌ ورحيمٌ وعطوفٌ وذو إفضالٍ، بشرط أن يُهذّب الإنسان نفسه.
وهاهنا إشكالٌ حاصله: أنَّ الهداية والخشية في الآية الكريمة جُعلا بمنزلة المتباينين، قال: {وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}؛ فالفاء للتفريع، بمعنى: حصول الهداية أوّلاً ثُمَّ الخشية، مع أنَّنا نعلم أنَّ الإنسان لابدّ أن يخشى الله ثُمَّ يهتدي، لا بالعكس: بأن يهتدي ثُمَّ يخشى الله.
وجواب ذلك بهذا المقدار من العرض واضحٌ؛ لأنَّ الهداية والخشية لها
ــــــ[322]ــــــ
(1) نهج البلاغة: 482، الحكمة 82، الخصال 1: 315، باب الخمسة، الحديث 96، الإرشاد 1: 297، وتحف العقول: 218.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
مصاديق متعدّدةٌ بنحو التشكيك، أي: الخشية لها مراتب متعدّدةٌ، والهداية كذلك، فبعض المراتب ينشأ من البعض الآخر، ففي المرتبة الأُولى يهتدي ثُمَّ يخشى، ثُمَّ هذه الخشية تنتج هدايةً أكبر من الأُولى، ثُمَّ هدايته تنتج خشيةً أكبر، وهكذا تتسلسل المراتب، فبينما تكون درجةٌ معيّنةٌ من الهداية معلولةً للخشية، فإنَّها تكون علّةً لدرجةٍ أُخرى من الخشية.
[إشكال: ما هو موجب الخشية مع تحقق الهداية]
إلَّا أنَّ الإشكال: أنَّ ظاهر الآية جعل الخشية مترتّبةً على الوصول إلى معرفة الله سبحانه وتعالى، ولذا قال: {وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}، فالإنسان إذا وصل إلى هذه المرتبة العليا من الهداية، فلا موجب للخشية حينئذٍ؛ حيث إنَّ الإنسان يخشى ذنبه، والحال أنَّ تلك المقامات العالية لا ذنب فيها، فلا حاجة إلى الخشية، فكيف يقول: أهديك إلى ربّك فتخشى؟
وهذا الإشكال له أحد جوابين:
الجواب الأوّل: أنَّ تلك المرتبة العليا من المعرفة مقترنةٌ لا محالة بدرجةٍ عليا من الخشية، بل هي الأهمّ والأعظم والأشدّ تركيزاً، كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}(1) أي: العلماء بالله، ومع ذلك فهم يخشون الله سبحانه وتعالى.
الجواب الثاني: أن ننكر ظهور الآية في ذلك؛ باعتبار أن ليس فيها وضوحٌ بالوصول إلى المعرفة، وإنَّما صرّحت بالهداية فقط {وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ} بمعنى: أنَّ موسى أشار إلى أوّل الطريق إلى الله. وأمّا الوصول إلى النهاية والمعرفة فمسكوتٌ عنه، فالخشية حينئذٍ تكون مترتّبةً على الهداية لا على المعرفة، فيكون الإشكال بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع.
ــــــ[323]ــــــ
(1) سورة فاطر، الآية: 28.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى}:
[الفاء في قوله: (فأراه)]
من الواضح أنَّ الآيات السابقة كانت هي أوّل ما أوحى الله سبحانه إلى موسى بخصوص قضيّة فرعون ودعوته إلى الهداية، وهو لم يكن قريباً على بلد فرعون، وأطاع موسى ما أمر الله به، وذهب إلى فرعون، وقال له ما ينبغي أن يقول، فطالبه فرعون بالمعجزة، كما تدلّ عليه مواضع أُخر من القرآن الكريم، فأقام المعجزة وأراه الآية الكبرى. فهناك جملةٌ من الحوادث لم يذكرها القرآن في هذه السورة، بل انتقل مباشرة إلى قوله: {فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى} وأهمل التعرّض للتفاصيل الموجودة بين الحادثتين؛ وهذا لأنَّ القرآن في الحقيقة ليس كتاب قصّةٍ ولا تاريخٍ، وإنَّما له غرضٌ معيّنٌ، وهو هداية العالم، فما يرتبط بالهداية يقوله، وما لا يرتبط بالهداية لا حاجة إلى التعرّض له.
مضافاً إلى أنَّ تلك التفاصيل قد تعرّض لها القرآن في مواضع أُخر(1). وهناك أمثلةٌ أُخرى على ذلك من القرآن، كما في قوله تعالى: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ}(2)، فهناك أُمورٌ حصلت بين قول آصف بن برخيا وبين استقرار العرش عند سليمان لم يتعرّض لها القرآن، وأهمل ذكرها.
والفاء في قوله: (فأراه) للترتيب، وقد قال ابن مالك: إنَّ الفاء للترتيب باتّصالٍ(3)، وهذا يعني: أنَّ موسى امتثل ما قيل له، أي: إنَّ قوله: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ …} بمنزلة العلّة التي تدفع موسى وتبعثه إلى فرعون، والمعلول هو
ــــــ[324]ــــــ
(1) كما في الآيات: 103-162من سورة الأعراف وغيرها.
(2) سورة النمل، الآية: 40.
(3) أُنظر: شرح ابن عقيل 2: 227، عطف النسق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أنَّه أراه الآية الكبرى، فكان وجود المعجزة وتحقّقها بعد امتثاله ما قيل له.
ومن هنا يمكن أنَّ يُشكل: بأنَّ الفاء للترتيب القريب باتّصالٍ، مع العلم أنَّ الترتيب هنا ليس قريباً؛ لأنَّه بعد أن أمره الله سبحانه بالذهاب إلى فرعون مرّت مدّةٌ -كأن تكون شهراً أو شهرين أو أكثر- حتّى وصل فرعون، وأراه الآية الكبرى؛ لأنَّه في ذلك الزمان يذهب مشياً أو على دابّةٍ، فهناك فاصلٌ زماني طويلٌ بين قوله: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ} وقوله: {فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى}، فكيف استعمل الفاء التي هي للترتيب القريب باتّصالٍ؟
وجوابه: أنَّ المراد بالاتّصال ليس هو الزماني، وإنَّما المراد الترتّب العلّي، أي: إنَّ ذاك متوقّفٌ على هذا، فموقفه أمام الله سبحانه في جزيرة سيناء بمنزلة العلّة لموقفه أمام فرعون، وهذا الترتّب العلّي يكفي لاستعمال الفاء في الآية.
مضافاً إلى أنَّه يمكن القول: إنَّ الظواهر في الكلام جميعها اقتضائيّة، أي: إنَّ الظهور يمكن أن يمنع منه المانع إذا قامت القرائن على خلاف الظهور، وهذا موجودٌ في العرف واللغة والشريعة وفي القرآن أيضاً، وحينئذٍ نقول: إنَّ الظهور الاقتضائي للفاء هو الاتّصال. أمّا إذا قامت القرائن على الانفصال فنأخذ بالقرائن، ومع ذلك لا يكون استعمال الفاء غلطاً، فيمكن أن تكون بنحو المجازيّة إذا قبلنا المجازيّة في الحروف.
[ما هي الآية الكبرى]
ثُمَّ ما هي الآية الكبرى؟
أفاد السيّد الطباطبائي(1): المراد بالآية الكبرى على ما يظهر من تفصيل القصّة في مواضعها أنَّها آية العصا؛ لأنَّها هي التي أنجزت أمام فرعون. وقيل: المراد بها مجموع معجزاته التي أراها فرعون وملأه. وهو بعيدٌ.
ــــــ[325]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 188، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ويمكن كأُطروحةٍ أُخرى أن يكون المراد مجموع ما فعله في ذلك المجلس أمام فرعون، وهما آيتان، وليست واحدةً، أي: آية العصا واليد البيضاء. ومهما يكن فالمراد بالآية هنا معنىً كلّي ينطبق على كثيرين.
أقول: إنَّ فهم السيّد الطباطبائي من أنَّ المراد بالآية الكبرى هو آية العصا فقط متوقّفٌ على أن تكون الألف واللام عهديّةً، أي: تلك الآية المعهودة التي حصلت، أو أن تكون الألف واللام جنسيّةٌ، فيكون المراد كلّ الآيات التي حصلت، أي: كافّة الآيات التي اتّفق حدوثها حينها.
إن قلت: إنَّ لفظ (الآية) مفردٌ ولم يقل: (الآيات) فيكون ذلك قرينةً على أنَّ الألف واللام للعهد، أي: المقصود آيةٌ معيّنةٌ، وهي العصا.
قلت: إنَّ كون لفظ الآية مفرداً لا يعيّن العهد؛ وذلك لأنَّ المفرد بمنزلة اسم الجنس، أي: إنَّه كلّي قابلٌ للانطباق على كثيرين، فيكون بمعنى الجمع، بمعنى: أراه الآيات الكبرى، وهو ممكنٌ، وليس ببعيدٍ. لكن يشكل عليه: أنَّ الشيء الذي حصل في المجلس في أوّل مقابلةٍ نبويّةٍ بين موسى وفرعون ليس آيةً واحدةً، وإنَّما آيتان، وهما العصا واليد البيضاء، فإذا كانت الألف واللام للعهد يتعيّن أن يكون العهد لاثنين، وليس لواحدٍ، وإن كان لفظ الآية مفرداً. لكنّه مع ذلك فإنَّ هذا نحوٌ من فهم الجنس، لكنّه جنسٌ له فردان فقط، وهما آية العصا وآية اليد البيضاء.
[الوجه في وصف الآية أو الآيات بالكبرى]
ثُمَّ يقع السؤال عن الوجه في وصف الآية أو الآيات بالكبرى، وهو معنى متكرّرٌ في القرآن الكريم، كقوله: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى}(1) والآيات التي ذكرها القرآن متعدّدةٌ منفصلةٌ. كالضفادع والدم والقمّل، فلماذا هذا
ــــــ[326]ــــــ
(1) سورة طه، الآية: 23.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الاهتمام بها، مع أنَّ الله تعالى أجلّ وأعظم من ذلك؟
ويمكن الجواب عنه بوجهين:
الأوّل: أنَّ كلّ آيةٍ بالنسبة إليه تعالى هي هيّنةٌ وبسيطةٌ، ولا معنى لأن يعجب بها أو يمدحها.
الثاني: أنَّ هناك آياتٍ خيراً منها وأعظم وأعجب من كلّ آيات موسى، كالآيات الخالدة المستمرّة إلى يوم القيامة، وهي الآيات التي وفّق إليها نبي الإسلام، وهما آيتان خالدتان: إحداهما القرآن الكريم والثانية التشريع الإسلامي العادل، والذي هو قابلٌ للانطباق على كلّ المشاكل والمسائل إلى يوم القيامة، بمختلف الأزمان والمجتمعات، مع أنَّ آيات موسى مؤقّتةٌ بزمانها، فهي ليست كبرى بهذا المعنى.
وجواب ذلك يكون على عدّة وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّها أعظم الآيات التي كانت قد حدثت في عمر البشريّة، فهي آياتٌ كبرى من ناحية ما سبقها من الآيات، أي: لم يكن قد حصل في البشرية آياتٌ أهمّ منها إلى زمان موسى، وحينئذٍ يصدق عليها كأُطروحةٍ أنَّها آياتٌ كبرى.
الوجه الثاني: أنَّها وقعت متتابعة نسبيّاً وبشكلٍ مركّزٍ، فتستفاد الأهمّيّة من هذا التركيز، لا من مجرّد وجودها، فهذا التركيز يكسبها الأهمّيّة، والأهميّة تعبيرٌ آخر عن أنَّها كبرى، أي مهمّةٌ.
الوجه الثالث: أنَّ المراد هو أنَّ المعجزات قد حصلت بالمقدار الذي يفي ويزيد عن المقدار الذي يناسب هدايتهم وإيمانهم؛ لأنَّ كلّ فردٍ غير مهتدٍ أو كافرٍ أو ضالٍّ له معجزاتٌ مناسبةٌ لهدايته، فذلك المجتمع له معجزاتٌ مناسبةٌ مع هدايته في علم الله، والله تعالى أعطاهم أكثر ممّا هو مناسبٌ لهدايتهم،
ــــــ[327]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بحيث لو لم يكونوا متعصّبين أو متطرفين لآمنوا وخضعوا لها.
إذن فهي آياتٌ كبرى بالنسبة إلى استحقاق المجتمع وأكثر، وهي رحمةٌ بالمجتمع؛ لعلّهم يؤمنون أو يتفكّرون أو يتذكّرون.
ومن المعلوم أنَّ القلب كلّما كان أقسى، كان أحوج إلى مزيدٍ من الآيات، وكانت الآيات الحاصلة له كبرى بالنسبة إلى الآيات التي يحتاجها القلب الاعتيادي، فهي كبرى نسبيّاً، وقد أنزل الله تعالى من المعجزات ما يكفي لإيمان القلوب القاسية، ومن هنا وُصفها بأنَّها كبرى.
****
قوله تعالى: {فَكَذَّبَ وَعَصَى}:
أي: كذّب الخبر بالرسالة وعصى الأوامر بالاتّباع والإيمان والطاعة. وعلى كلّ حالٍ فالفعلان متعدّيان حُذف مفعولهما لحكمةٍ، ويمكن تقدير عدّة أُمورٍ كمفعولٍ به للفعل (كذّب) و(عصى): منها: الله، أي: كذّب الله وعصى الله، ومنها: موسى، أي: كذّب موسى وعصى موسى، ومنها: بالتلفيق فيكون لفظ الجلالة مفعولاً به في أحدهما وموسى في الآخر، أو عصى فكذّب الخبر وعصى الأمر، أو كذّب أوامر الله وعصى أوامر الله، وهكذا.
****
قوله تعالى: {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى}:
الإدبار والاستدبار توجيه الدبر أو الظهر أو القفا للغير، فأدبر أي: أدار ظهره، ومن خلال الملازمة العرفيّة نفهم أنَّه مشى وابتعد، فنفهم الذهاب والابتعاد، ومنه قوله تعالى: {وَإِدْبَارَ النُّجُومِ}(1) أي: ذهابها وابتعادها
ــــــ[328]ــــــ
(1) سورة الطور، الآية: 49.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وغروبها؛ لأنَّ ابتعاد النجوم عبارةٌ أُخرى عن غروبها.
والسعي هو المشي السريع بهمّةٍ وجدٍّ، والسياق يدلّ على أنَّ فرعون يريد أن يرتّب أثراً عمليّاً على تكذيبه وعصيانه لموسى، وأن يعمل عملاً يدحض به حجّته، وحيث زعم له أصحابه أنَّ موسى ساحرٌ باعتبار إقامته للمعجزات؛ لأنَّها تشبه السحر من جهة خرقها للقانون الطبيعي، فتكون أحسن طريقةٍ لردّ موسى هي مقابلته بالسحر، وإثبات أنَّه ليس الوحيد القادر على ذلك؛ لكي تصدّق دعواه بالنبوّة، بل كلّ السحرة قادرون على ذلك.
إذن ففرعون يحاول أن يجمع السحرة؛ لكي يظهر أمام الناس عجز موسى عن إقامة حجّته ومقابلتهم بالمعجزات، هذا هو غرض فرعون، ولكي يستنتج نتيجةً أُخرى، وهي واضحةٌ في ذهنه، أي: دعوى الربوبيّة، وقد فشل بالتأكيد.
[الكلام عن أمور في الآية]
بقي في الآية عدّة أُمورٍ:
[الأمر الأول: نسبة العمل إلى فرعون نفسه]
الأمر الأوّل: أنَّها تنسب العمل إلى فرعون نفسه، حيث قالت: {أَدْبَرَ يَسْعَى}، وفاعل (يسعى) ضميرٌ مستترٌ يرجع إلى فرعون نفسه، مع أنَّه ينبغي أن تنسبه إلى أصحابه؛ لأنَّه أمرهم بالعمل، كما هي عادة الملوك.
وجواب ذلك من وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّه أمر أصحابه به فعلاً، وإنَّما نسب العمل إليه باعتبار أنَّ الفكرة الرئيسية راجعةٌ له، كما يُقال: فتح الأمير المدينة، وإنَّما فتحها الجيش، وليس هو شخصياً.
الوجه الثاني: أنَّ المراد لو كان هو جمع السحرة، كان الجواب السابق متعيّناً، أي: إنَّ أصحابه جمعوا السحرة، وليس هو شخصياً قام بالجمع، فإذا
ــــــ[329]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
تنزّلنا عن الوجه الأوّل كان الإشكال وارداً؛ لأنَّ السحرة جمعهم فرعون بأوامره لا بعمله المباشر.
وأمّا إذا كان المراد النداء بالربوبيّة -لأنَّه قال: {فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}(1) وهذه قرائن متّصلةٌ بالسياق- فهو يتوقّف على سماع الناس منه مباشرةً بلا شكٍّ؛ لأنَّه قال: أنا ربكم الأعلى، فهو لابدّ أن يصرّح بوضوحٍ أمام الناس أنَّه هو ربّهم الأعلى، فيتوقّف ذلك على سماع الناس منه مباشرةً؛ إذ يُحتمل الكذب أو التحريف بالنقل. ومن الواضح هنا أنَّ الآية تشير إلى ادّعاء الربوبيّة لا إلى جمع السحرة، وذلك يتعيّن بعمله المباشر، ولا يكون ذلك مستبعداً، فهو الذي نادى فعلاً. نعم، هو الذي حشر بأوامره، لكن المهمّ أنَّ النداء صدر منه مباشرةً.
[الأمر الثاني: عطف الآية بـ(ثُمَّ)]
الأمر الثاني: أنَّ الآية عطفت بـ(ثُمَّ) حيث قال: {فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى}، وكلامنا في قوله {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى} فهي معطوفةٌ بـ(ثُمَّ) على ما قبلها، و(ثُمَّ) دليل الانفصال والتراخي لا الفوريّة، كأنَّ فرعون فكّر واستشار حتّى نضجت الفكرة لديه؛ لأنَّه عندما دخل عليه موسى في أوّل الأمر كذّب وعصى، ثُمَّ أدبر يسعى، فيوجد زمانٌ فكّر فيه وجمع أصحابه واستشارهم، ثُمَّ حشر فنادى.
[الأمر الثالث: في المعنيين الأضافيين لـ(أدبر) و(يسعى)]
الأمر الثالث: أنَّ (أدبر) و(يسعى) أمران إضافيّان، لهما أوّلٌ ولهما آخر، أي: أدبر من مكان كذا إلى مكان كذا، وسعى من مكان كذا إلى كذا، وهذا محذوفٌ في الآية عن عمدٍ وحكمةٍ. وحينئذٍ لابدّ أن نعرف ذلك ولو كأُطروحةٍ. أمّا من أين؟ فهذا واضحٌ من السياق؛ لأنَّه أدبر عن موسى الذي
ــــــ[330]ــــــ
(1) سورة النازعات، الآيتان: 23-24.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
كذّبه وعصاه، وسعى أيضاً ضدّ موسى، كأنَّما جعله خلفه وذهب يسعى ضدّه، وهو معنى لطيفٌ مجازاً، وصورةٌ قرآنيّةٌ لطيفةٌ، فيتصوّر القارئ أنَّ موسى واقفٌ، فحجّه فرعون وتركه واقفاً ودار ظهره وذهب؛ لعدم الاعتناء به.
وأمّا إلى أين؟ فنقول: إنَّه سعى إلى الأماكن التي يعلم فيها فرعون المصلحة لإنجاز مهمّته وتحقيق هدفه في الأعمال المذكورة في الآيات اللاحقة.
****
قوله تعالى: {فَحَشَرَ فَنَادَى}:
[معنى الحشر]
حسب فهمي الحشر نوعٌ من الضغط والكبس، ولربما ذكرنا هذا المعنى أكثر من مرّةٍ، فنقول مثلاً: حشرت شيئاً في الجدار، أو حشرت إنساناً في مكانٍ ضيّقٍ، أو حشرت جماعةً في السجن، أو في غرفةٍ صغيرةٍ، وهذا يحصل لدى ازدحام الناس بكثرةٍ، كأنَّما يحشر بعضهم بعضاً، ويضغط بعضهم بعضاً؛ لكثرتهم وازدحامهم، فسُمّي الازدحام حشراً. ومن هنا فسّره اللغويون بأنَّه جمع الناس بإزعاج؛ لأنَّ نفس الاجتماع يولّد ازدحاماً وإزعاجاً، كأنَّ الناس مكبوسون بعضهم ببعضٍ. ومن هنا أيضاً سُمّي يوم القيامة يوم الحشر في عددٍ من آيات القرآن(1)، والحشر هو الذي حصل نتيجة لفعل فرعون وأوامره.
[أطروحات في الإجابة على سؤال: ماذا حشر]
ومن الواضح أنَّ متعلّق الحشر هنا محذوفٌ، قال: (فحشر)، فماذا حشر؟ وطبعاً ديدن القسم الأخير من القرآن هو الاختصار الشديد، لو صحّ التعبير، إلّاَ أنَّ المتعلّق المحذوف واضحٌ، وهو الناس أو أفراد المجتمع، لكنّه مع ذلك لا يخلو من إجمالٍ. وفي تفسيره نذكر عدّة أُطروحاتٍ:
ــــــ[331]ــــــ
(1) إشارةٌ إلى الآية: 6 من سورة الأحقاف والآية:44 من سورة ق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأُطروحة الأُولى: أنَّه حشر الناس لمشاهدة السحرة، وهي المرّة الرئيسية المعروفة والمذكورة في القرآن وغير القرآن، أي: تاريخيّاً، أي: حشر الناس ليشاهدوا الجدل العملي الواقع بين موسى والسحرة، وإذا خاب موسى فإنَّه سيخيب أمام الناس جميعهم، وهذا أمر محتملٌ. إلّاَ أنَّه لا استبعاد أنَّه حشر الناس أكثر من مرّةٍ أو لعدّة مرّاتٍ لأهدافٍ مختلفةٍ؛ فقد يكون حشرهم لا لمشاهدة السحرة، بل ليناديهم ويفهمهم أنَّه هو ربّهم الأعلى مثلاً.
الأُطروحة الثانية: ما نقله في “الميزان”(1) من: أنَّه قيل: المراد بالحشر جمع السحرة أنفسهم، وليس جمع الناس، فهو حشر السحرة؛ لقوله تعالى: {فَحَشَرَ فَنَادَى}، أي: حشر السحرة فنادى. وقد يُستشهد بآيةٍ أُخرى هي قوله تعالى: {وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ}(2)، فحاشرين مفعول لأرسل، أي: أرسل أُناساً يحشرون، فاعلين للحشر، فحاشرين مفعولٌ به، وليس حالاً، كما قد يخطر في الذهن، ولو كان حالاً لكان ينبغي أن يكون مفرداً، أي: (فأرسل فرعون في المدائن حاشراً) أي: حال كونه حاشراً لا حاشرين.
قال الطباطبائي: وفيه أنَّه لا دليل على كون المراد بالحشر في هذه الآية هو عين المراد بالحشر والجمع في تينك الآيتين(3).
أقول: وهذا يشبه ما قلناه من: أنَّ فرعون لعلّه حشر أكثر من مرّةٍ، فمن قال: إنَّه حشر السحرة فقط؟! مضافاً إلى أنَّه لو قلنا: إنَّه حشر السحرة فقط
ــــــ[332]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 188، تفسير سورة النازعات.
(2) سورة الأعراف، الآية: 111.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 188، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
سيكون معنى قوله: {فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} أي: ربّ السحرة، مع العلم أنَّ مشهور المتشرّعة والمفسّرين لا يفهم هذا المعنى من أنَّه ربّ السحرة؛ لأنَّه ليس لذلك قيمةٌ، وإنَّما هو ربّ المجتمع كلّه بحسب قصده.
وهناك مناقشةٌ أُخرى لفكرة أنَّ المراد هو حشر السحرة فقط، وهي أنَّ جمع السحرة لا يُسمّى حشراً حقيقةً؛ لأنَّهم ليسوا عدداً كبيراً بحيث يحصل الازدحام والإزعاج، وإنَّما هم أفرادٌ معدودون خمسةٌ أو عشرةٌ أو خمسون مثلاً، فالمقصود هو جمع الناس وحشرهم لمشاهدة السحرة. وهو الأرجح، فيكون المراد من قوله تعالى: {وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} أي: داعين الناس للمجيء لمشاهدة السحرة، وليس للسحرة أنفسهم.
الأُطروحة الثالثة: أنَّه حشر الناس لا لمشاهدة السحرة، بل لتبليغ دعواه في الربوبيّة إليهم، وهذا هو ظاهر السياق، ولذا قال: فنادى: أنا ربّكم الأعلى. ومن المحتمل أيضاً أنَّه حشر الناس مرّةً واحدةً في حياته، كما هو المركوز متشرّعيّاً وإن كان لا دليل عليه، لكن نفترض أنَّه هكذا، بمعنى: أنَّه حشر الناس مرّةً واحدةً لأجل السحرة، ولمّا رآهم مجتمعين ناداهم بادّعاء الربوبيّة، أي: اغتنم الفرصة في أن يعلن ادّعاء الربوبيّة، فقد أنجز كلا الغرضين باجتماعٍ واحدٍ. إلّاَ أنَّ ذلك ممّا لا دليل عليه، ومجرّد تكرار لفظ الحشر في القرآن لا يدلّ عليه، فهذا حشرٌ وذاك حشرٌ آخر، والحشر معنىً كلّي قابلٌ للصدق على كثيرين.
والنداء هو التلفّظ بالدعوة، تقول:يا فلان، وإذا كانت الدعوة عامّةً تقول: يا أيّها الناس، ونحو ذلك، والنداء هنا أيضاً محذوف المتعلّق، إلّاَ أنَّه واضحٌ من السياق في أنَّه نادى من حشره، وكذلك قوله: (أنا ربّكم)، فقد
ــــــ[333]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أرجع الضمير إلى المحشورين جمعاً.
وهنا لابدّ أن نلتفت إلى الفاء في قوله: (فحشر) و(فكذّب) للمعلوليّة؛ لأنَّه حصل أمران: أحدهما بمنزلة العلّة، والآخر بمنزلة المعلول، فالعلّة عبارةٌ عن أنَّه أدبر يسعى، أي: دبّر أمره، بمعنى: عمل الأشياء التي تتناسب أن يدعو الناس، وترتّب على ذلك الحشر، وهو اجتماع الناس، وترتّب على ذلك النداء بعد أن حشر الناس، فهذه الفاءات لأجل إظهار تعدّد الرتبة والمعلوليّة.
****
قوله تعالى: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}:
[الجواب عن إشكال زيادة البيان عن مقدار الحاجة]
لعلّ الإشكال الأهمّ هنا هو زيادة البيان عن مقدار الحاجة؛ لأنَّه قال: {فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} وكأنَّ هناك ثلاثة ألفاظ متشابهةٍ إلى حدٍّ مّا، وهي: (فحشر، فنادى، فقال)، مع أنَّه كان يمكن الاكتفاء باثنين منها؛ لأنَّ النداء الذي حصل إمّا بمعنى الدعوة، أي: (تعالوا أيّها الناس)، فيكون بمعنى الحشر، وإمّا أن يكون بمعنى رفع الصوت بالكلام، فيكون بمعنى (قال)، وحيث إنَّ قوله: (فحشر) غير مستغنى عنه في السياق، أي: إنَّ (حشر) صحيحةٌ وفي محلّها؛ لأنَّه يدلّ على مضمونٍ زائدٍ على ما بعده، إلّاَ أنَّ الفعلين بعده (فنادى، فقال) يمكن الاكتفاء بأحدهما، فيمكن أن يقول: (فنادى أنا ربّكم الأعلى) أو (فقال: أنا ربكم الأعلى)، فتكون الآية اقتراحاً هكذا: (فحشر فقال أنا ربّكم الأعلى)، أي: إمّا أن نحذف (نادى) أو نحذف (فقال).
والجواب: أنَّ هذا التفكّر يحتوي على جهلٍ بالأُسلوب العرفي السائد في الخطابات وإلقاء المحاضرات؛ فإنَّها تبدأ عرفاً بقوله: (يا أيّها الناس) ونحو ذلك، ثُمَّ يبيّن المتكلّم مقصوده بالقول، فيكون هكذا: فحشر، أي: جمع
ــــــ[334]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الناس، فنادى، فقال: يا أيّها الناس، ثُمَّ أعرب عن مقصوده، فقال: أنا ربّكم الأعلى. وليس المراد من (نادى) أنَّه نادى الناس للاجتماع، وأوضح قرينةٍ على ذلك وجود الفاء في قوله: (فنادى)، أي: إنَّ ذلك بعد الحشر لا قبله؛ لأنَّ الفاء للترتيب، ومعناه ترتّب النداء زماناً وتأخّره عن الحشر.
ومن هنا نجد أنَّ كلّ هذه الأفعال الثلاثة متعاطفةٌ بالفاء، أو قل: مبدوءةٌ بالفاء (فحشر، فنادى، فقال)، وهو صحيحٌ؛ لكي يدلّ على الترتيب العلّي والزماني معاً. والترتيب الزماني يعني: أنَّه حشر، وفي الزمان المتأخّر عن الحشر نادى، وفي الزمان المتأخّر عن النداء قال، سواء كان الزمان المتأخّر بعيداً أم قريباً. والترتّب العلّي بمعنى جزء العلّة طبعاً؛ فإنَّه حشر، ولولا الحشر لم يحصل النداء، ولولا النداء لم يحصل القول، وهذا كافٍ في الترتّب العلّي؛ لأنَّه يلزم من عدم السابق عدم اللاحق.
[تعليق على كلام السيد الطباطبائي في ادّعاء فرعون للربوبيّة]
وذكر السيّد الطباطبائي في ادّعاء فرعون للربوبيّة: أنَّ فرعون كان يدّعي الربوبيّة لأهل مملكته جميعاً، لا لطائفةٍ خاصّةٍ منهم(1).
أقول: في حدود فهمي فرعون كان قبطيّاً، ويدّعي الربوبيّة على الأقباط الذين كانوا أكثريّة الشعب المصري في ذلك الحين، بل جميعه إلّاَ من ندر، وهم السكان الأصليّون في مصر، والغرباء كانوا قليلين؛ لصعوبة الانتقال من البلاد البعيدة آنذاك. والمهمّ أنَّ بني إسرائيل وهم طائفة غريبةٌ هناك لم يكونوا يؤمنون بربوبيّة فرعون؛ لأنَّهم كانوا على دين جدّهم إبراهيم، وكان فرعون وأجيال الفراعنة تحتقرهم وتسخّرهم، فهم في نظر فرعون موسى أقلّ وأحطّ من أن يدّعي عليهم الربوبيّة، بل إنَّ ما يناسب أن يدّعي عليهم
ــــــ[335]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 188، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الربوبيّة هم المواطنون الأصليّون والمحترمون في نظره من شعبه.
[الكلام عن معنى الربوبيّة المدّعاة من قبل فرعون]
يبقى الكلام عن معنى الربوبيّة المدّعاة من قبل فرعون، وربما فسّره المشهور بأنَّها دعوى الإلوهيّة(1)، وكأنَّما قال: أنا الله، أي: إنَّ الله الذي يدّعيه موسى غير موجودٍ وأنا الإله المعبود. فهل نفهم ذلك من قوله: أنا ربّكم الأعلى؟
أقول: لا نفهم ذلك؛ لأنَّ الربّ ليس بمعنى الله مباشرةً، لكي يُقال: إنَّه يدّعي الإلوهيّة، وإنَّه هو الله، كما ادّعى البعض في المسيح، والبعض في الإمام عليّ، وإن كان حاشاهم؛ لأنَّهم لم يدّعوا لأنفسهم ذلك، لكن أُدّعي لهم ذلك من قبل طوائف منحرفةٍ. والغرض: أنَّ فرعون ادّعى الربوبيّة لا الإلوهيّة، والربّ هو المالك والمسيطر، فهو يصدق على مستوياتٍ مختلفةٍ، كمالك الدار، والمسيطر على العائلة، يُقال: ربّ الدار، وربّ الأُسرة، ونحو ذلك، فضلاً عمّا إذا كان أعلى من ذلك وأكبر، كما لو كان حاكماً على بلدٍ أو مجتمعٍ كبيرٍ.
ومن هنا يكاد الأمر ينحصر في احتمالات ثلاثةٍ غير متكاذبةٍ، أي: يمكن أن تكون جميعها مقصودةً لفرعون، وأيّ منها قصده كان صادقاً فيما يقول، ولا دليل في الآية على كذبه.
[في كونه ادّعى الربوبية ولم يدّعِ الألوهيّة]
نعم، لو ادّعى الإلوهيّة كان كاذباً، لكنه لم يدّع ذلك، وإنَّما ادّعى الربوبيّة، والمخاطب ينبغي أن يفهم، فهو لم يدّع الربوبيّة على كلّ البشر، وإنَّما قال: ربّكم، أي: المجتمع المخاطب، فلذا لم يكذّبه أحدٌ من الناس ولا حتّى
ــــــ[336]ــــــ
(1) أُنظر: البحر المحيط في التفسير 8: 145، تفسير سورة الشعراء، تفسير المراغي 16: 107، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
موسى، وليس له أن يقول شيئاً خارجاً عن المتعارف بحيث يفتضح به مثلاً.
[إحتمالات في سبب إدعائه الربوبية]
وإليك هذه الاحتمالات:
الاحتمال الأوّل: أنَّه يريد بيان سيطرته وملوكيّته أو أنَّه ملك مصر الأعلى ونحو ذلك من الأُمور.
الاحتمال الثاني: أنَّه يريد بيان فضله عليهم كما هو ظاهر تفسير “الميزان”(1) من أنَّه يريد بيان فضله عليهم وأنَّه بيده تدبير أرزاقهم ومصالحهم وإصلاح شؤونهم، وكلّ ذلك بيد الملك، خاصّةً في الأزمنة السابقة.
الاحتمال الثالث: أنَّه كان يرى أنَّه النموذج الأمثل في نظر شعبه الذي يُحتذى أو يُقتدى به، ويستهدف في طريق الكمال الذي يفهمونه ويتصوّرونه، كأنَّه جامعٌ لشرائط الكمال في نظرهم، ففرعون حسب هذه الأُطروحة هو النموذج الأمثل للأقباط أو لعامّة المجتمع القبطي مثلاً، وهذا هو الذي فهمه ابن عربي في تفسيره على ما أتذكّر(2)، وفيه شيءٌ من شمّة الباطن.
ويمكن أن يؤيّد هذا الاحتمال الأخير بأنَّ الاحتمالين الأوّلين لا حاجة إلى بيانهما؛ لأنَّه أمرٌ واضحٌ ومعاشٌ في المجتمع، فيكون من توضيح الواضحات لو قال: أنا ملك عليكم، وكذلك لو قال: إنَّه بيده أرزاقهم وتدبير أُمورهم؛ فإنَّ ذلك معروفٌ عندهم وواضحٌ، بل كان مراده أن يقول: إنَّه هو مثالهم الأكمل، ولا ينبغي أن يجعلوا غيره مثالاً لهم: كموسى أو أيّ شخصٍ آخر.
ــــــ[337]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 188، تفسير سورة النازعات.
(2) لم نعثر عليه فيه.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ويتّضح من السياق: أنَّ ادّعاء الربوبيّة حاصلٌ بعد تكذيب موسى، أي: بعد الجلسة الأُولى الرئيسية التي استعمل فيها العصا واليد البيضاء، وهذا له مدخليّة في المطلب؛ لأنَّ تكامل فرعون سلبي، أي: تكاملٌ في التسافل وفي عالم الظلام، كما يعبّرون، وقد وصل في التكامل السلبي بهذا الاختبار الأخير – وهو دعوة موسى إيّاه وتكذيبه له- إلى ذروةٍ عاليةٍ من الكمال الخاصّ في التسافل، وقد أحسّ بذلك هو؛ لأنَّ الإنسان يعلم ما في نفسه بالعلم الحضوري، وهي ملازمةٌ لدعوى الربوبيّة مع كلّ الذين كذّبوا موسى مع فرعون، أي: يدّعي الربوبيّة على كلّ قومه الذين لم يؤمنوا بموسى، فهو ربّ كلّ من كذّب موسى من الأقباط.
والظاهر: أنَّه لم يؤمن بموسى من الأقباط إلّاَ شخصٌ واحدٌ، وهو مؤمن آل فرعون، أي: الأقباط، والباقي كلّهم متعصّبون.
[لماذا عوقب رغم صدقه كما جاء في الاحتمالات المتقدّمة]
يبقى السؤال: أنَّ فرعون إذا كان صادقاً فيما يقول، كما جاء في الاحتمالات الثلاثة المتقدّمة لتفسير قوله: (أنا ربّكم الأعلى)، فلماذا عوقب بعد ذلك، كما تنصّ الآية بالقرينة المتّصلة، وهو قوله سبحانه: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى}(1)؟
وجواب ذلك في أكثر من وجهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ ذلك عقابٌ على عصيانه وتكذيبه لموسى في قوله تعالى: {فَكَذَّبَ وَعَصَى}(2) لا على قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}، وأيضاً عقابٌ على
ــــــ[338]ــــــ
(1) سورة النازعات، الآية: 25.
(2) سورة النازعات، الآية: 21.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ترتيب الأثر على ذلك في قوله: {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى}(1).
الوجه الثاني: أنَّه تبيّن ممّا سبق: أنَّ هذا القول وإن كان صادقاً، إلّاَ أنَّ مضمونه باطلٌ؛ لأنَّه ملازمٌ لدرجةٍ من الكمال السلبي الذي يجعل الفرد شديد التطرّف نحو الكفر والضلال. نعم، هو صادقٌ لكنّه في نفسه ووضعه وواقعه كلّه باطلٌ بطبيعة الحال، فإذا كان وضعه باطلاً فلا يكفي صدقه في هذا التعبير أن ينجو من العقاب؛ لأنَّ الكمال السلبي كلّه عقابٌ لا ثواب فيه.
الوجه الثالث: أن نتنزّل عمّا قلناه من أنَّ قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} هي دعوة للربوبيّة، بل هي دعوة للإلوهيّة، كما فهم المشهور، ودعوة الإلوهيّة محرّمةٌ، وهي الإلحاد والشرك بعينه، فيستحقّ العقاب، وتكون كذباً لا صدقاً.
الوجه الرابع: أن نقول: إنَّ هذا القول مهما كان مضمونه فهو كاذبٌ، فيعاقبه الله على كذبه، سواء كان ادّعاءً للربوبيّة أم للإلوهيّة. أمّا ادّعاء الإلوهيّة فكذبه واضحٌ، وأمّا الربوبية فكذلك؛ لأنَّ الله تعالى هو الربّ الحقيقي؛ لأنَّ غاية هذه الأُطروحة أنَّه يظن نفسه أنَّه هو المثال الأعلى للشعب القبطي، ولم يكن حقيقةً كذلك؛ لأنَّه كان ظالماً جائراً، فهو كاذبٌ على كلّ حالٍ، فيكون مستحقّاً للعقوبة.
ومن الواضح: أنَّ هذا المستوى من الكمال السلبي ملازمٌ للشعور بالأنانيّة وتركيز الذات، ولذا يقول: أنا ربّكم، أي: إنَّه يشعر بالأنا، وهذا بخلاف الكمال الإيجابي أو النوراني؛ فإنَّه ملازمٌ لنكران الذات والفناء ونسيان الذات بمعنىً من المعاني.
ــــــ[339]ــــــ
(1) سورة النازعات، الآيتان: 22-23.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[التناقض بين ادّعاء فرعون الربوبيّة وبين عبادته للآلهة]
ويبقى السؤال المثار في أذهان المفسّرين بما فيهم السيّد الطباطبائي(1) من استشعار التناقض أو التهافت بين ادّعاء الربوبيّة من قبل فرعون وبين عبادته للآلهة، كما في قوله تعالى: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ}(2).
إذن ففرعون عنده آلهةٌ، وليس هو المعبود، مع أنَّ قوله: (أنا ربّكم) يدلّ على أنَّه هو المعبود لا الآلهة، فهذا نحوٌ من التناقض بين المضمومنين (والعياذ بالله)، فما هو جواب ذلك؟ وقد أجاب عنه السيّد الطباطبائي(3)، وأنا أذكر عدّة أجوبةٍ أحدها للطباطبائي:
الوجه الأوّل: ما قلناه من: أنَّ دعوى الربوبيّة غير دعوى الإلوهيّة، فيكون كلا الأمرين صادقاً في نظره، فالآلهة معبودةٌ من ناحية الإلوهيّة، وهو الربّ من ناحيةٍ أُخرى، أي: المثال الأعلى، هذا مع اعترافه حدساً بأنَّ الربّ بهذا المعنى أقلّ درجةً من الآلهة، فهو وغيره يعبدون الآلهة، وهذا لا ينافي أن يجعلوه ربّاً ومثالاً يُقتدى به.
الوجه الثاني: مع التنزّل عن الوجه الأوّل يمكن أن يكون هو المعبود للآخرين كأُطروحةٍ، والآخرون يعبدونه، إلَّا أنَّ فرعون يعبد الآلهة؛ لأنَّه قال في الآية: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ}(4)، ولم يقل: آلهة الأقباط جميعاً، فيمكن أن يكون هو المعبود للآخرين. وأمّا الآلهة فهي معبودة له باعتباره الأعلى درجةً من غيره، فلا يستحقّ عبادة الآلهة إلّاَ هو، ولذا قال: {وَآلِهَتَكَ} وهو غير ملازمٍ
ــــــ[340]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 188، تفسير سورة النازعات.
(2) سورة الأعراف، الآية: 127.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 188، تفسير سورة النازعات.
(4) سورة الأعراف، الآية: 127.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لأن تكون آلهةً للجميع إلَّا بواسطة معبود المعبود، ولذا لم يقل: (وآلهتنا).
مضافاً إلى أنَّ قوله: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} معناه أنَّه يدّع عبادتك وعبادة آلهتك، ويدعو إلى تركهما معاً؛ لأنَّهما في نظر موسى كلاهما باطلٌ، فليس فرعون مثالاً يُحتذى به، وليس الآلهة التي يعبدها حقّاً.
الوجه الثالث: ما ذكره السيّد الطباطبائي(1) من أنَّ مراده: أنَّه أقرب من الآلهة إليهم، أي: إلى المجتمع، بمعنى: أنَّ أرزاقهم تجري على يديه وتصلح به أُمورهم وشؤون حياتهم، وسائر الآلهة على هذه الصفة، والمهمّ أنَّ البشر كبشرٍ والمجتمع كمجتمعٍ لا يحسّ بأثر الآلهة، وإنَّما يحسّ بأثر فرعون وتدبيره، فمن هذه الناحية ادّعى الربوبيّة، كأنَّما هو أقرب وأكثر نفعاً من الآلهة للمجتمع، بمعنى: أنَّه تضليلٌ للعوامّ، كما يعبّرون.
ونقل السيّد الطباطبائي عن فرعون: أنَّه كان وثنيّاً يعبد الآلهة(2)، ولعلّه سهوٌ منه ؛ لأنَّ الوثنيّة عبادة الأوثان، وهي الأصنام المنصوبة، وهي عبادة المجتمع في الجزيرة العربيّة، ولم يكن لها في مصر وجودٌ معتدٌّ به، فعلى الأقلّ لا يريدون بالآلهة تلك الآلهة التي تعني الأصنام، وإنَّما كان الشائع في مصر كما في اليونان الإيمان بما نسمّيه بالشرك الجلي، وهو تعدّد الآلهة، بالرغم من أنَّهم يؤمنون أنَّهم متعالون وكاملون ومجرّدون عن المادّة، وكانوا يتصوّرن أنَّهم سكان الأُوليمب أو عالم الأُوليمب، وهو حسب فهمي عالم الجبروت باصطلاح الحكمة العليا أو العرفان. نعم، عالم الجبروت صحيحٌ، ويسكنه طبقةٌ مهمّةٌ وعليا من الملائكة تُسمّى بالعقول القاهرة في لغة
ــــــ[341]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 188، تفسير سورة النازعات.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 188، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الفلاسفة، وهذه العقول مسيطرةٌ على الكون ومدبّرةٌ له فعلاً، وهذا معناه أنَّهم يريدون بالآلهة الملائكة، وكانوا يؤمنون بتأثيرهم في الكون، ونحن نؤمن بهم ونقدّسهم أيضاً. وإليه الإشارة بقوله في الصحيفة السجّاديّة: “والهابطين مع قطر المطر إذا نزل، والقوّام على خزائن الرياح”(1). ونحن نؤمن أنَّ أفعالهم كلّها بأمر الله الواحد الأحد لا بالاستقلال، وأنَّهم لا يمكن أن يفعلوا شيئاً بالاستقلال إطلاقاً، وإنَّما يفعلون ما يؤمرون.
والظاهر: أنَّ هذا الاعتقاد كان موجوداً أيضاً بشكلٍ مجملٍ في أذهان الكثيرين في ذلك الحين، وأنَّه يوجد هناك مسيطرٌ على الآلهة أو إله الآلهة أو ربّ الأرباب أو مدبّر المدبّرين، فيرجع الإيمان بتعدّد الآلهة إلى التعدّد في المرتبة الدنيا. وأمّا في المرتبة النهائيّة للكون وعالم الوجود فالمدبّر الحقيقي واحدٌ. وكقرينةٍ ولو ناقصةٍ قول قريش الذي ينقله القرآن الكريم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}(2). فلعلّ أُولئك لا يعبدون الآلهة ولا يقدّسونهم، إلّاَ أنَّهم يقرّبونهم إلى ربّ الأرباب وإله الآلهة، وكلّ واحدٍ من الآلهة له اسمٌ خاصٌّ، كما أنَّ هناك أسماءً لله سبحانه في الأزمنة القديمة وبلغاتٍ مختلفةٍ.
[في لفظ الآلهة]
وأمّا لفظ الآلهة فلعلّه من خطأ الترجمة إلى اللغة العربيّة، أو أنَّه اللفظ العربي المنحصر في الترجمة، وإلّاَ فإنَّنا لا نعرف ألفاظهم بالضبط وماذا كانوا يقصدون بالتحديد من اللفظ الأصلي في لغتهم، ولذا استعمله القرآن أيضاً، أو أنَّهم كانوا يرون نوعاً من السنخيّة بين الله وبين الآلهة التي يتصوّرونها أو
ــــــ[342]ــــــ
(1) الصحيفة السجّاديّة: 36، دعاؤه في الصلاة على حملة العرش، وبحار الأنوار 56: 216، أبواب الملائكة، الباب 23، الحديث 85.
(2) سورة الزمر، الآية: 3.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بين الملائكة الذين نتصوّرهم؛ فالله مجرّدٌ عن المادّة والملائكة أيضاً مجرّدون عن المادّة، فيتخيّلون نحواً من السنخيّة في أنَّهم ليسوا من عالم المادّة. لكن نحن نؤمن بأنَّ الله تعالى ليس كمثله شيءٌ(1)، ولا يشبهه أحدٌ من خلقه، لا في عالم الروح ولا في عالم المادّة. لكنّهم من هذه الناحية بسطاء، ولذا يُسمّونهم بالآلهة: إمّا اشتقاقاً من كلمة الله، أو لاشتراكهم في العمل الكوني أو السيطرة على الكون، فالآلهة عندهم مسيطرةٌ على الكون، وكذلك الله، فمن هذه الناحية يشتركون في عموم السيطرة على الكون، فيسمّونهم آلهةً.
والظاهر: أنَّ من يؤمن بذلك يختلف؛ فقد يؤمن بربّ الأرباب وقد لا يؤمن، فالمجتمعات كانت متعدّدةً ومتباعدةً، ولا يمكن وصول بعضها إلى البعض الآخر، والأجيال تنمو في مدينةٍ واحدةٍ، فلا يعرفون المدن الأُخرى خاصّةً البعيدة منها. ومنه ينتج أنَّ الإيمان بأوصاف الآلهة وبأنَّ فوقهم ربّاً واحداً أو لا، يختلف من مجتمعٍ إلى آخر، والظاهر أنَّهم في اليونان مثلاً يؤمنون بربٍّ واحدٍ فوق الآلهة، ومن هنا وجد فيهم الواعون والمدقّقون مثل: سقراط أفلاطون وأرسطو، وغالبيّتهم كانوا موحّدين، وكذا غالبيّة الشعب اليوناني في ذلك الزمان كانوا من الموحّدين، بالرغم من أنَّهم يؤمنون بالآلهة بهذا المعنى ويؤمنون بعالم الأُوليمب، أي: عالم الجبروت أو عالم العقول، ولكنّهم لا يؤمنون بالشرك الجلي. ومع ذلك فإنَّ عالم الأُوليمب له موجّهٌ واحدٌ، وهو الله سبحانه. وعندما ننتقل إلى مصر نجد أنَّهم يؤمنون بالآلهة، لكن لا يوجد عندهم لفظ الأُوليمب باللغة القبطيّة، ولا نعرف أنَّهم كانوا يؤمنون بإلهٍ واحدٍ فوق الآلهة أو لا.
ــــــ[343]ــــــ
(1) إشارة إلى الآية: 11 من سورة الشورى.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ومن هنا وجدت فرصةٌ لفرعون أن يقول: (أنَّا ربّكم الأعلى)، وبعدها يمكن أن يدّعي الإلوهيّة؛ لأنَّه لا يوجد عندهم إلهٌ واحدٌ فوق الآلهة يؤمنون به، فالفكرة عند اليونان أكثر ترتيباً منها عند المصريّين.
****
قوله تعالى: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى}:
قال الراغب: الأخذ حوز الشيء وتحصيله(1).
أنا أقول: المراد: حوز الشيء وتحصيله بعد العدم، أي: لم يكن لديه فأخذه، وإلّاَ لو كان موجوداً عندي فلا معنى لأخذه، من قبيل ما لو تذكّرته بعد النسيان، ولو كنت ذاكراً له لما كان معنى للتذكّر؛ لأنَّه تحصيلٌ للحاصل.
وأفاد الراغب: أنَّ الأخذ تارةً بالتناول، كتناول اليد، نحو قوله تعالى: {مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ}(2)، وتارةً بالقهر، أي: الأخذ بالقهر، وهو أخذٌ مجازي، وليس حقيقياً؛ لأنَّه يقهره، فيُقال: أخذه، من قبيل ما نحن فيه {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى}.
ونحوه: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}(3)؛ إذ الذي ينام يأخذه النوم أو يقهره النوم، فالله سبحانه وتعالى أعز وأجلّ من أن تقهره السِنَة أو النوم. ويُقال: أخذته الحمّى، أي قهرته الحمّى وسيطرت عليه. وقال تعالى: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ}(4) أي: قهرتهم، و{فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى}
ــــــ[344]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 8، مادّة (أخذ).
(2) سورة يوسف، الآية: 79.
(3) سورة البقرة، الآية: 255.
(4) سورة هود، الآية: 67.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أي:قهرهم الله بنكال الآخرة والأُولى. ويعبّر عن الأسير بالمأخوذ والأخيذ، وهو إمّا من التناول؛ لأنَّهم أمسكوا به، أو من القهر؛ لأنَّه تناول بقهرٍ، ولو لم يكن مقهوراً لما أصبح أسيراً(1).
[المراد بالأخذ هنا]
والذي أفهمه أنَّ المراد بالأخذ هنا وأمثاله: تحميل المسؤوليّة واستحقاق العقوبة، وهو لا ينافي معنى القهر؛ فتحميل المسؤوليّة أيضاً بالقهر، والله قادرٌ على أن يشغل ذمّتك ويعاقبك إذا عصيت، وهو المتسلّط الحقيقي جلّ جلاله، فمعنى (أخذه الله): أنَّ الله تعالى أخذ فرعون وحمّله المسؤوليّة على أعماله وأقواله واعتقاداته، وعاقبه على ذلك؛ لأنَّه عصاها. وهذا معناه أنَّ نظرنا تارةً ينصبّ على العلّة وأُخرى على المعلول؛ لأنَّ إشغال الذمّة بمنزلة العلّة، والعقوبة بمنزلة المعلول.
وإذا اشتغلت الذمّة فهي سببٌ للوجوب؛ لأنَّه أمره بإطاعة موسى، وهو لم يطع وعصى، فيعاقب، وكل عصيان الخلق هكذا يبدأ باشتغال الذمّة والمسؤوليّة، وينتهي بالعقوبة.
[في معنى النكل]
قال الراغب: النكل قيد الدابّة وحديدة اللجام(2).
كأنَّما يقيّد به يديها أو رجليها، ولربما كان يصنع من المعدن سابقاً؛ لأنَّ القيد وحديدة اللجام مانعين؛ لأنَّ (نَكَل) يعني: أعرض وامتنع عن العمل، فاللجام والقيد يمنعان الدابّة عن بعض التصرّفات والحركات.
والجمع أنكال، قال تعالى: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً}(3)، أي: قيوداً
ــــــ[345]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 8، مادّة (أخذ).
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 527، مادّة (نكل).
(3) سورة المزّمّل، الآية: 12.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
للأيدي والأرجل والرؤوس والرقاب، ونكلت به: أي فعلت به ما ينكل، أي: البسته النكل، وهو القيد بالدلالة المطابقيّة، ونقول: نكّلت به إذا ضربته أو قتلته، وهو توسّعٌ مجازي.
ومنه على سبيل المثال: الهجوم على شخصٍ بالكلام والشتم والإشاعات إلى أن يسقط، وهذا نكلٌ معنوي؛ لأنَّهم يمنعون الشخص من عمله، ويمنعونه عن بعض التصرّفات التي توصله إلى أهدافه التي رسمها لنفسه، وهذا يحصل في الحوزة كثيراً!
والاسم المشتقّ من ذلك الفعل نكالٌ، نكّلت به نكالاً، أي: اسم مصدر، قال: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا}(1)، أي: عذاباً وقهراً لما بين يديها.
أقول: والمهمّ أنَّ النكال هو العذاب، أو في الحقيقة جزاء السوء بالسوء، سواء كان بعدلٍ أو بظلمٍ، أو بحقٍّ أو بباطلٍ، فهو نكالٌ على كلّ حالٍ، فأصل النكال لم يؤخذ في مفهومه أن يكون عن عدلٍ أو ظلمٍ، بل له حصّتان ينطبق عليهما لغةً، ويُراد به في الآية تحميل المسؤوليّة منظوراً إلى جانب المعلول والنتيجة، أي: تحميل المسؤوليّة التي عصيت، فيعاقب عليها منظوراً إلى جانب المعلول، أي: العقاب، مع أنَّ المراد من (الأخذ) تحميل المسؤوليّة منظوراً إلى جانب العلّة والسبب، فأخذه الله يعني جانب العلّة، ونكال الآخرة والأُولى جانب المعلول.
[لماذا نصبت (نكال) في الآية]
سؤال: لماذا نصبت (نكال) في الآية؟
قد يُقال كأُطروحةٍ: إنَّ (نكال) مفعولٌ به لأخذ، لكنّه ليس بصحيحٍ؛ لأنَّ الفعل (أخذ) مشغولٌ بمفعولٍ به آخر، وهو الضمير الموجود معه
ــــــ[346]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 66.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
(أخذه)، وهو فعلٌ لا ينصب مفعولين، فلا تصلح (نكال) أن تكون مفعولاً به لأخذ، فلابدّ من البحث عن تفسيرٍ آخر لسبب النصب في (نكال).
أفاد العكبري(1): أنَّ في نصبه وجهين:
أحدهما: هو مفعولٌ له، وباصطلاح ابن عقيل(2) مفعولٌ لأجله.
والثاني: أنَّه مصدرٌ. لكن المصدر بنفسه لا ينبغي أن يكون منصوباً، بل يمكن أن ينصب ويرفع ويجرّ، وهو يعني هنا أنَّه مفعولٌ مطلق؛ لأنَّه هو المصدر المنصوب. ولكن من أين جاء المفعول المطلق في الجملة؟
[معنى الجملة إذا كان (نكال) مفعولاً مطلقاً]
العكبري يبرّر ذلك بأنَّ (أخذه) و(ونكل به) هنا بمعنىً واحدٍ، فهو مفعولٌ مطلقٌ من غير لفظه، من قبيل: مشيت هرباً، أو سعيت ركضاً.
لا يُقال: إنَّ (ركضاً) و(هرباً) منوّنةٌ، ونكال غير منوّنةٍ؛ لأنَّ المهمّ أن يكون المفعول المطلق منصوباً، لا أن يكون منوّناً؛ لأنَّه إذا كان مضافاً حذف التنوين.
ونحو ذلك قال ابن الأنباري أيضاً(3).
[ما هو معنى الجملة إذا كان (نكال) مفعولاً لأجله]
وحينئذٍ ما هو معنى الجملة إذا كان (نكال) مفعولاً لأجله؟
والجواب: أنَّ معنى المفعول لأجله أنَّ الله تعالى أخذه لأجل نكال الآخرة والأُولى، وهذا يعني: أنَّ النكال ليس هو العذاب، وإنَّما أخذه لأجل تحميل المسؤوليّة الملازم للعذاب؛ لأجل كونه عاصياً، أي: عصى ما في ذمّته ومسؤوليّته. ويكون المعنى إذا كان مفعولاً مطلقاً: أنَّه أخذه أخذاً، إلَّا أنَّه بغير
ــــــ[347]ــــــ
(1) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 280، سورة النازعات.
(2) أُنظر: شرح ابن عقيل 1: 576، المفعول له.
(3) أُنظر: البيان في غريب إعراب القرآن 2: 493، غريب إعراب سورة والنازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لفظه، وهو مطلبٌ واضحٌ مع الالتفات إلى أنَّهما -أي: الأخذ والنكل- بمعنىً واحدٍ، كما تقدّم عن العكبري.
أقول: ويكفي تقاربهما في المعنى، ولا يشترط التساوي كالمترادفين، أي: لا يُشترط في المفعول المطلق أن يكون مساوياً مئةً بالمئة للفعل المضارع أو الماضي الموجود في الجملة، والأمر في الآية كذلك؛ لأنَّ التقارب حاصلٌ بين الأخذ والنكال، وإن كان أحدهما يُراد به جانب العلّة والآخر يُراد به جانب المعلول.
وبعد أن اتّضح معنى النكال، نسأل عن معنى كون النكال للآخرة والأُولى؟
وتوضيحه: أنَّنا إمّا أن ننظر إلى جانب العلّة، أو ننظر إلى جانب المعلول، وعلى الأوّل يكون المعنى: أنَّ الله تعالى حمّل فرعون مسؤوليّة ذنوبه الدنيويّة وذنوبه الأُخرويّة؛ من حيث إنَّه كان مقصّراً على كلا المستويين الدنيوي والأُخروي، وتحميل المسؤوليّة هو جانب العلّة للعصيان.
وعلى الثاني يكون المعنى: أنَّه حمّله مسؤوليّة وإيقاع عذاب الدنيا بإغراقه في البحر مع قومه، كما حمّله مسؤوليّة عذاب الآخرة بإدخاله جهنّم مع قومه، كما قال تعالى: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ…}(1).
فإن قلت: إنَّ الذنوب كلّها نوعٌ واحدٌ، فإمّا أن ننظر إلى وجودها ومكانها وزمانها، وهي كلّها دنيويّةٌ، وإمّا أن ننظر إلى عقابها، وهي كلّها أُخرويّةٌ، فكيف قلتم في معنى نكال الأُخرة والأُولى: أنَّ هناك ذنوباً أُخرويّةً
ــــــ[348]ــــــ
(1) سورة هود، الآية: 98.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وأُخرى دنيويّةً؟
قلنا: نعم، هذا هو الظاهر، إلّاَ أنَّ الأمر ليس كذلك بالدقّة، فبالإمكان اعتبار العبادات من قبيل: الصلاة والصوم والحجّ طاعاتٍ أُخرويّةً لا ربط مباشر لها بالمجتمع، وتركها ذنوباً أُخرويّةً، بينما التقصير في المعاملات مع الناس ذنوبٌ دنيويّةٌ. وبعبارةٍ أُخرى: التقصير في حقّ الله ذنبٌ أُخروي، والتقصير في حقّ الناس ذنبٌ دنيوي، وعليه فهذا المعنى ليس بمتعذّرٍ من هذه الجهة.
وما هو المراد من الآخرة والأُولى؟
لا يخفى: أنَّ المفهوم من الأُولى هو الدنيا؛ لأنَّها الدار السابقة على الآخرة، وإنَّما سُمّيت الآخرة آخرة؛ لأنَّها بعد الدنيا، أي: متأخّرةٌ، والقرآن أيضاً سمّاها آخرة، فالأُولى هي هذه الدنيا، والآخرة هي تلك، وهي ليست ثانيةً. نعم، ليس بعدها ثالثةٌ، وإنَّما هي أخيرةٌ.
[لماذا لم تقل الآية: (نكال الآخرة والدنيا)]
وهنا نسأل: أنَّ الآية قالت: {نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى}، فلماذا لم تقل: (نكال الآخرة والدنيا)؟
والجواب: أنَّه عبّر عن الدنيا بالأُولى لحفظ السياق اللفظي أوّلاً، وللجهة الأدبيّة، وثانياً لأنَّ المناسب للفظ الآخرة هو الأُولى؛ إذ إنَّ الدنيا يقابلها العليا لا الآخرة، فالتقابل بين الأُولى والآخرة صحيحٌ في الآية.
وإذا لم تكن الأُولى واضحةً في معنى الدنيا، فإنَّه يمكن جعل لفظ الآخرة قرينةً متّصلةً على فهم ذلك، والنكال يفهم منه أيضاً نكال الدار الآخرة والدار الأُولى التي هي الدنيا.
ولكن هناك اتّجاهٌ بين المفسّرين يذهب إلى عدم فهم الدنيا من لفظ
ــــــ[349]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأُولى، ومن ثُمَّ عدم فهم الآخرة من لفظ الآخرة، فلا الأُولى هي الدنيا، ولا الآخرة هي دار الآخرة، وإنَّما يفهمون شيئاً آخراً من ناحيتها اللغويّة الصرفة، وهي الناحية الزمانيّة. وبتعبيرٍ آخر: هي إشارةٌ إلى تاريخ حياة فرعون أو إلى ذنوب فرعون المتقدّمة وذنوبه المتأخّرة، فيكون المعنى: أنَّه أخذه الله نكال ذنوبه الأخيرة والأُولى، وحينئذٍ يحتاج لفظ الآخرة إلى موصوفٍ مقدّرٍ، أي: تكون وصفاً لموصوفٍ محذوفٍ. وأحسن موصوفٍ يمكن أن يكون هنا هو ذنوب فرعون، أي: ذنوب فرعون الآخرة وذنوبه الأُولى حسب فهمهم، وإن كان التقدير خلاف الأصل.
[ما هي ذنوب فرعون السابقة والأُولى والمتقدّمة]
أمّا ما هي ذنوبه السابقة والأُولى والمتقدّمة؟ فقد اختلفت كلماتهم في ذلك، وقد نقل منها في تفسير “الميزان”(1) ثلاثة، وكلّ قولٍ منها يصوّر قدراً جامعاً لبعض ذنوب فرعون.
القول الأوّل: القدر الجامع في ادّعاء الربوبيّة، وكأنَّ فرعون ادّعى الربوبيّة مرّتين، مرّةً في قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}(2) ومرّة في قوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}(3). فالمفسّر هنا – والله العالم- يعتقد أو يتخيّل أنَّ قوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} أسبق، أي: هو السابق، وقوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} هو اللاحق والمتأخّر، وكلاهما دعوةٌ للربوبيّة، فأخذه الله نكال كلمته الأخيرة التي هي ذنبٌ طبعاً، ونكال كلمته الأُولى التي هي ذنبٌ أيضاً، فالآخرة هي قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} والأُولى هي قوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}.
ــــــ[350]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 189، تفسير سورة النازعات.
(2) سورة النازعات، الآية: 24.
(3) سورة القصص، الآية: 38.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
القول الثاني: أنَّ الجامع بين الأُولى والآخرة من ذنوب فرعون هي القصّة المذكورة في السورة نفسها، وهذا لم نذكره فيما سبق، فالأُولى هي ذنوبه السابقة، والآخرة هي ذنوبه اللاحقة، وذنوبه السابقة حينما دخل عليه موسى وأنذره وحذّره، وكذا وقوع المعجزة وتكذيبها من قبل فرعون، وذنوبه اللاحقة أنَّه بعد ذلك عصى وقال: أنا ربّكم الأعلى.
القول الثالث: أنَّ الجامع هو ذنوب فرعون الحياتيّة من أوّلها إلى آخرها، فالمراد بالأُولى هي معاصيه الأُولى والمتقدّمة، والآخرة هي معاصيه المتأخّرة، فيكون النظر هنا إلى مجموع حياته أو مجموع ذنوبه بعد دعوة موسى إلى مماته، فأخذه الله نكال ذنوبه من أوّلها إلى آخرها.
وعلى أي حالٍ أقول: لا حاجة إلى أن نقدّر ذنوب فرعون أو أفعال فرعون، وبذلك تنتفي جميع هذه الوجوه، مضافاً إلى أنَّ الانصراف المتشرّعي والاطمئنان العرفي يرى أنَّ الآخرة والأُولى يُراد بهما الدار الآخرة والدار الأُولى، ولفظ الدار لا حاجة إلى تقديره؛ لأنَّ الآخرة اسمٌ للدار الآخرة والأُولى اسمٌ للدار الدنيا.
****
قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى}:
[الإشارة باسم الإشارة (ذلك)]
الإشارة باسم الإشارة (ذلك) إلى أحد أمرين: إمّا قصّة موسى، وإمّا قصّة فرعون، وكلاهما عبرةٌ، أو الإشارة إلى المجموع، وهذا المعنى يُستفاد إلى حدٍّ ما من كلمات الطباطبائي في “الميزان”(1)، إلّاَ أنَّ الأهمّ هو إنزال العقوبة عليه في الآية السابقة مباشرةً نتيجةً لذنوبه وعيوبه، حيث قال:
ــــــ[351]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 189، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
{فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى}، أي: عبرةً في هذا النكال والعقوبة التي نزلت عليه.
[ما أفادة الراغب في معنى(عبرة)]
أفاد الراغب: أنَّ أصل العبر تجاوزٌ من حالٍ إلى حالٍ.
(وعبرة واحدة العبور، من قبيل تمرة تمور). فأمّا العبور فيختصّ بتجاوز الماء: إمّا بسباحةٍ أو في سفينةٍ أو على بعيرٍ أو قنطرةٍ. واشتقّ منه عبر العين للدمع، والعبرة كالدمعة (لأنَّ الدمع ماءٌ، وعبور الماء يشبه عبور البكاء، وربما يستفاد منه أيضاً أنَّه انتقالٌ من حالٍ إلى حالٍ، أي: من حال الهدوء إلى حال البكاء، وهو عبورٌ معنوي). قال تعالى: {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ}(1) أي: يعبر من مكان إلى مكان، وناقة عُبُر أسفارٍ، أي: ناقةٌ ممكنٌ استخدامها في الأسفار الطويلة، وعبر القوم إذا ماتوا، أي: عبروا من الدنيا إلى الآخرة(2).
وأضيف هنا: عبر أي: غفا في النوم، أي: عبر من عالم الدنيا إلى عالم الأحلام، أو من عالم الإحساس إلى العالم الآخر، وهكذا.
ثُمَّ قال: وأمّا العبارة فهي مختصّةٌ بالكلام العابر الهواء من لسان المتكلّم إلى سمع السامع(3). وكذلك يمكن تبريره بنحو عبورٍ آخر، وهو أن نقول: إنَّه عبر من حال السكوت إلى حال النطق.
ثُمَّ يعود إلى ما يرتبط بالآية فيقول: والاعتبار والعبرة بالحالة التي يتوصّل بها في معرفة المُشاهَد إلى ما ليس بمُشاهَدٍ(4)، أي: عبورٌ بالمعنى
ــــــ[352]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 43.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 331، مادّة (عبر).
(3) المصدر السابق.
(4) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المعنوي، يعبّر به السامع أو المعتبر والمتّعظ من حالٍ إلى حالٍ: إمّا عقليّاً أو نفسيّاً أو روحيّاً، فالعبرة تنتج الكشف الصوري، فبينما كنت أرى الدنيا أصبحت أرى شيئاً يكشفه الله لي. وكلّ انتقالٍ من حالٍ إلى حالٍ هو عبرةٌ بمعنىً من المعاني، فالسبب الذي هو العبرة والموعظة كأنَّما يُسمّى عبرةً أيضاً.
[الكلام في مادة (يخشى)]
وأمّا الخشية التي مادة (يخشى)، فقد عرفنا أكثر من مرّةٍ أنَّها نوعٌ من الخوف يخالطه هيبةٌ وتوجّسٌ، فإذا كان الإنسان يخاف شيئاً من أجل أن يهابه ويتوجّس منه فهو يخشاه. قال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}(1).
والمهمّ: أنَّ الخشية معنىً إضافي يحتاج إلى طرفين، وأحدهما موجودٌ في الآية باسم الموصول (لمن يخشى)، والطرف الآخر محذوفٌ، وقد حاول السيّد الطباطبائي أن يصوّر المعنى بأنَّه غير إضافي، ولا يحتاج إلى طرفٍ آخر(3)، بمعنى: أنَّ ذلك لعبرة لمن كان له خشيةٌ وغريزة أن يخشى، أي: لديه طبيعة الخوف، فالإنسان من غريزته ذلك، فيكون المعنى عامّاً لكلّ إنسانٍ. وهي أُطروحةٌ حسنةٌ، إلّاَ أنَّها لا تنافي ضرورة تقدير المفعول، أي: المخوف منه أو المخشي منه، فإنَّ قدّرناه لم تبقّ حاجةٌ إلى أن ننظر إلى كون الخشية غريزةً أم لا؟ بل نقول: إنَّه يخشى شيئاً مّا، كأن يخشى الله أو يخشى ذنبه. والمفعول المقدّر يختلف باختلاف فهم الفرد، فقد نقول: إنَّه يخشى الله سبحانه وتعالى، وقد نقول: إنَّه يخشى العقاب الأُخروي أو مطلق العقاب، أو يخشى غضب الله سبحانه، أو يخشى ذنوبه. وإليه الإشارة بما روي عن أمير المؤمنين من
ــــــ[353]ــــــ
(1) سورة فاطر، الآية: 28.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 189، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله: “فلا يخافن إلّاَ ذنبه”(1). أو أن يخشى الشقاء الذي يُراد به ابتناء الدنيا على الذنوب، كما يقول الإمام السجّاد: “أللشقاء ولدتني أُمّي أم للعناء ربّتني”(2)، أي: الدنيا التي تكون مملوءةً بالذنوب والتي تكون منتجةً للعقوبة، ويُراد به انضمام شرّ الدنيا إلى شرّ الآخرة.
وعندما نقول: إنَّ الطرف المحذوف ممكنٌ تقديره بأيّ شيءٍ، فإنَّنا نقصد الأُمور التي تناسب سياق الآيات الكريمة، وليس بأيّ شيءٍ مطلقاً، كما لو كان يخشى لدغة العقرب وعضّة الحيّة، بل يخشى الآخرة ومن هو خالق الآخرة.
وإلى هنا تكون العبرة قد حصلت في الكلام القرآني في هذه السورة لأُولئك المذكورين في أوّل السورة، وهم الذين لهم قلوبٌ يومئذٍ واجفةٌ، أبصارهم خاشعةٌ، يقولون: أئنّا لمردودون في الحافرة؛ فإنَّهم على أيّ حالٍ ليسوا أهمّ من فرعون ولا أقوى ولا أشهر منه، فإن كان الله قد أخذ فرعون بنكال الدنيا والآخرة، فكيف لا يأخذ هؤلاء كذلك وهم ليسوا أقوى وأهمّ من فرعون إلّاَ إذا تابوا وأخلصوا؟!
ثُمَّ يأتي سياقٌ آخر لتأييد نفس هذه الفكرة، فتتصدّى السورة لذكر آيات الله سبحانه المرئيّة في هذه الدنيا، وأنَّ من خلق هذه الآيات لا يعجزه أن يخلق الآخرة والعذاب، وأن يثيب في الجنّة، ويعاقب في جهنّم. ومن هنا ينقسم الناس قسمين: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ
ــــــ[354]ــــــ
(1) نهج البلاغة: 482، الحكمة 82، الخصال 1: 315، باب الخمسة، الحديث 96، الإرشاد 1: 297، وتحف العقول: 218.
(2) بحار الأنوار 91: 143، أبواب الدعاء، الباب 32، المناجاة الثالثة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}(1). وسوف يأتي بيان هذه الآيات لاحقاً، والمهمّ أنَّ الإنسان يختار لنفسه: إمّا هذا الطريق وإمّا ذاك الطريق.
****
قوله تعالى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا}:
[إعتقاد المشهور والسيّد الطباطبائي في فهم الآية]
الآية تتضمّن سؤالاً متوجّهاً -حسب اعتقاد المشهور بما فيهم السيّد الطباطبائي(2)- إلى المشركين المنكرين للبعث ويوم القيامة والمستهزئين به، وكأنَّما يتوجّه إليهم على سبيل العتاب، وكذلك يتضمّن الجواب عن استبعادهم ليوم البعث بقولهم: {أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ}(3).
وحاصله: أنَّ الله تعالى قد خلق ما هو أشدّ منكم خلقاً، وعليه فهو أقدر على خلق النشأة الأُخرى، وهذا هو الفهم المشهور والذي ذكره في “الميزان”(4) أيضاً، ولعلّكم اقتنعتم به إلى حدٍّ مّا.
[إشكال على التفسير المشهور أن الإنسان أشدُّ خلقاً من السماء]
أقول: إنَّ الفهم المذكور متوقّفٌ على أن يكون معنى (الأشدّ خلقاً) هو الأصعب في عمليّة الخلق، فمن خلق الأصعب يستطيع أن يخلق الأسهل، كما في قوله: {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ}(5) أي: تعب، وقوله: {وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}(6)
ــــــ[355]ــــــ
(1) سورة النازعات، الآيات: 37-41.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 190، تفسير سورة النازعات.
(3) سورة النازعات، الآية: 10.
(4) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 190، تفسير سورة النازعات.
(5) سورة ق، الآية: 38.
(6) سورة البقرة، الآية: 255.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أي: السماوات والأرض.
وحينئذٍ سوف يتوجّه إشكالٌ واضحٌ على هذا التفسير المشهور، وهو إشكالٌ مستنتجٌ من القرآن نفسه، من قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}(1) أي: أحسن تقويماً من كلّ المخلوقات على الإطلاق، أو هو أفضل عالم الإمكان، فالإنسان أعلى خلقاً من السماء والأرض وما بينهما.
والخطاب في قوله تعالى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا}(2) متوجّهٌ إلى الإنسان، ومن الواضح أنَّ المخلوق كلّما كان أعلى وأهمّ كان خلقه أصعب، إذن فالإنسان أشدّ خلقاً من السماء، وعليه فلا يتمّ الدليل على المطلوب، وهو البعث والنشور، مع وضوح كون الآية بصدد الاستدلال على ذلك، فيستحكم الإشكال.
[دفع الإشكال على فهم الآية بكون الإنسان أشدّ خلقاً من السماء]
وجواب ذلك يكون على عدّة مستوياتٍ:
المستوى الأوّل: أن نتنزّل عن كون هذا السياق معقوداً للبرهان على البعث والنشور، وإنَّما هو معقودٌ لأجل بيان قدرة الله ونعمته فقط، فقد تعرّض لخلق الله ونعمه التي يعيش فيها الإنسان، ولا توجد دلالةٌ مطابقيّةٌ على كونه برهاناً على البعث ويوم القيامة. مضافاً إلى أنَّ القرينة المتّصلة إذا قامت على خلاف ذلك فلا بأس أن نأخذ بالقرينة المتّصلة.
المستوى الثاني: أنَّ الشيء الذي خلقه الله في أحسن تقويم ٍ-وهو أعلى مقاماً من السماء والأرض- ليس هو البشريّة الظاهرة، بل هو الروح العليا للإنسان التي هي أعلى وأفضل من الملائكة ومن السماء والأرض، ومن
ــــــ[356]ــــــ
(1) سورة التين، الآية: 4.
(2) سورة النازعات، الآية: 27.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المعلوم أنَّ الخطاب في قوله تعالى: {أَأَنْتُمْ} لا يُراد به تلك الروح العليا، بل هو موجّهٌ إلى ظاهر البشريّة المحجوبة عن تلك الروح، ومنه تكون السماء وسكّانها أعلى وأهمّ من المستوى الظاهري للوجود البشري.
المستوى الثالث: أنَّ الخطاب في الآية ليس للمسلمين أو المرتفعين في درجات اليقين، بل هو للكفار والمكذّبين، وهم بطبيعتهم يكونون محجوبين عن الروح العليا، ولا تخطر في بالهم إطلاقاً، بل لا يعتقدون بوجودها أصلاً، فيقولون: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا}(1)، وإنَّ الإنسان إنَّما هو جسدٌ بلا روحٍ، فالآية تخاطبهم بمقدار ما يعتقدون.
المستوى الرابع: كأنَّ الإشكال نشأ من أنَّ خلق السماء أصعب أم خلق الإنسان أصعب؟ وفي هذا المستوى نريد أنَّ نفسّر (الأشدّ) بمعنىً آخر يرتفع معه الإشكال، فنقول: ليس المراد من الأشدّ الأصعب في عمليّة الخلق، بل المراد الخلق الشديد القوي في نفسه، كما نقول: زيد أقوى من عمرو، وليس مرادنا في عمليّة خلقه، بل قوّته في نفسه. ومن المعلوم أنَّ السماء أقوى من الإنسان بكثيرٍ؛ لأنَّ حياته تتوقّف على وجود السماء أساساً؛ لما فيها من شمسٍ وقمرٍ ونحوها من الهواء والمطر وغيرها من الظواهر السماويّة. وبتعبيرٍ آخر: الإنسان محتاجٌ إلى السماء، وليس السماء محتاجةً إلى الإنسان، ويلزم من عدم السماء عدم البشريّة في هذه النشأة، فهذا المقدار من القوّة كافٍ في أشدّيّة السماء من الإنسان.
المستوى الخامس: أن لا نفهم من السماء السماء الظاهريّة، بل السماء الباطنيّة؛ فإنَّ النفس لها أرضٌ وسماءٌ، وسماء النفس هي تلك الروح العليا،
ــــــ[357]ــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 29 وسورة المؤمنون، الآية: 37.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فيكون المراد من الآية التساؤل عمّا إذا كان الظاهر أشدّ خلقاً – وهو أنتم الذين تأكلون وتمشون- أم روحكم العليا، ومن الواضح أنَّ الروح العليا أشدّ خلقاً منكم؛ لأنَّ الباطن أشدّ خلقاً من الظاهر.
ومن الواضح: أنَّ (أم) حرف عطفٍ، والسماء معطوفةٌ على (أشدّ) الذي هو خبر (أنتم)، و(خلقاً) حالٌ.
[أطروحات من حيث الإعراب لقوله: (بناها)]
وأمّا قوله: (بناها) فهي من حيث الإعراب فيها ثلاث أُطروحاتٍ؛ لأنَّها جملةٌ كاملةٌ، فعلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ به.
الأُطروحة الأُولى: أن لا يكون لها صلةٌ إعرابيّةٌ بما قبلها، وإنَّما هي تصدّي بالإخبار من جديدٍ، وليس من الضرورة أن تكون كلّ الأشياء مرتبطةً في الكلام الواحد من ناحية الإعراب.
الأُطروحة الثانية – وهذه في الاصطلاح أُطروحةٌ شاذّةٌ على خلاف القواعد المتعارفة-: أن تكون الجملة صفةً للسماء؛ طبقاً للقاعدة القائلة: إنَّ الجمل بعد المعارف أحوالٌ وبعد النكرات صفاتٌ.
الأُطروحة الثالثة: أن ننكر القاعدة النحويّة السابقة؛ فإنَّها تعبّدٌ من النحويّين، ولا دليل عليها، ولا يمكن وروده عن العرب؛ لأنَّنا سمعنا من العرب الجاهليّة هذا الكلام، وهمّ لا يفهمون الصفات ولا الأحوال، وإنَّما ينطقون على سجيّتهم، فمن قال: إنَّ هذه صفاتٌ وهذه أحوالٌ؟! فمن الممكن أن يحصل العكس ونختار الشقّ الآخر: فإمّا أن نجعلها صفةً أو نجعلها حالاً، وهي جملةٌ، فبالإمكان أن نجعلها في محلّ رفعٍ صفةً، أو في محلّ نصبٍ حالاً، فهي ليست محرّكةً لفظيّاً لكي يتعيّن أحدهما.
وأمّا من حيث المادّة فالبناء معروفٌ، وعمل البنّائين في إيجاد الدور
ــــــ[358]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والقصور معروفٌ عرفاً، وهو عملٌ يؤدّي إلى وجود هذه الأُمور بعد عدمها، فيكون المراد من بنائها إيجاد السماء: إمّا دفعةً بمعنى الإبداع المجموعي، أو تدريجاً، والتدريجية موجودةٌ في بناء السماء ومنصوص عليها في القرآن. قال: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}(1) أي: مكثرون حجم السماء، وأنتم تقرؤون في الكتب التي تحمّل النظريّات الدينيّة على النظريّات العلميّة أنَّ (موسعون) معناها أن تتّسع نفس موجوداتها، كأن تتباعد المجرّات والموجودات السماويّة، ولكن نحن نفهم أنَّ (موسعون) تعني الزيادة.
ونفس مادّة البناء مستعملةٌ في الآيتين: {أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} {بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ} والمراد من (أيدٍ): إمّا القوة وإمّا الواسطة السببيّة، فيد الله هي أسبابه، فالواسطة السببيّة تكون بمنزلة اليد في خلقه وإنشائه، وهذا المعنى غير مشارٍ إليه في الآية التي نتحدّث عنها، وإنَّما ذكر البناء فقط.
[البحث في قوله تعالى: أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا]
وما زال البحث في قوله تعالى: {أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} وقوله تعالى: {بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ}.
والمراد باليد في هذه الآية إمّا القوّة أو الأسباب التي شاء الله أن تكون أسباباً لوجود السماء. وفي الآية المبحوث عنها في المقام -أي: قوله: {السَّمَاءُ بَنَاهَا}- لا يذكر الأيدي أو الأسباب، ومن هنا قد يتصوّر الإنسان بدويّاً نحواً من التعارض بين الآيتين، فإحداهما تقول: إنَّ الله خلق السماء بالأسباب التي هي الأيدي، والأُخرى تقول: إنَّها خلقت مباشرةً (السماء بناها). وهذا التعارض يمكن رفعه بأحد وجوهٍ:
[وجوه رفع التعارض بين الآيتين: أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا وبَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ]
الوجه الأوّل: أنَّ قوله: {السَّمَاءُ بَنَاهَا} مجملٌ، وليس فيه إطلاقٌ لنفهم
ــــــ[359]ــــــ
(1) سورة الذاريات، الآية: 47.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
منها المباشرة، بمعنى: أنَّ الفعل منسوبٌ إلى الله بدون أسبابٍ، بل هي تقرّر أنَّ الله بناها في الجملة، أمّا كيف خلقها؟ بأسبابٍ أو بدون أسبابٍ؟ فهذا لم تتعرّض له الآية، بل هي تتعرّض باختصارٍ لأصل وجود السماء.
الوجه الثاني: لو تنزّلنا عن الوجه الأوّل وسلّمنا بإطلاق الآية، ففي الإمكان تقييدها بالآية الأُخرى، ولا تعارض بين المطلق والمقيّد، فالآية الثانية قرينةٌ منفصلةٌ على فهم الآية الأُولى.
الوجه الثالث: أنَّه ثبت في الفلسفة وعلم الكلام عدم وجود المنافاة بين الفعل والتأثير الإلهي من ناحيةٍ والفعل والتأثير السببي من ناحيةٍ أُخرى.
فكلاهما صادقٌ وصحيحٌ ونافذٌ خارجاً، والقرآن نسب كثيراً من الأشياء إلى الله سبحانه وتعالى، ونسبها أيضاً إلى الأسباب، والقرآن صادقٌ في كلا النسبتين، مع الالتفات إلى أنَّ الله سبحانه لا يحتاج إلى الأسباب، وإنَّما جعلها لحكمة الحجاب. قال بعض أهل المعرفة: إنَّ الله تعالى جعل أسباب الموت من المرض والقتل والغرق والحرق لأجل حجب ملك الموت؛ لكي يفهم الناس أنَّ الأسباب هي التي تقتل، لا ملك الموت، حتّى لا يذكرون ملك الموت بسوءٍ مثلاً. وهكذا بالنسبة إلى الله تعالى، فلأجل رحمته بالناس صاروا يقولون: إنَّ الأسباب هي التي أفقرت وهي التي أمرضت وهي التي أماتت، فتكون الأسباب حجاباً بين الله وبين خلقه. والنسبة العرفيّة إنَّما هي للأسباب، وإلّاَ فالله هو الفاعل الحقيقي والأصلي في الوجود، وبدون الفعل الإلهي فالأسباب قاصرةٌ تماماً عن التأثير، فالأسباب هي التي تحتاج إلى قدرة الله سبحانه، لا أنَّه هو محتاجٌ إليها.
وعلى أيّ حالٍ فالآيتان كلاهما صادقتان، فالله خلق السماء بالأسباب،
ــــــ[360]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وكذلك خلقها مباشرةً؛ لأنَّنا لو نسبنا الفعل السببي إلى الفعل الإلهي لكان الأوّل فانياً، فالفعل السببي لا يُلحظ أصلاً تجاه الفعل الإلهي.
الوجه الرابع: أنَّ الإشكال إنَّما يرد لو كان المراد من الأيدي الأسباب، وأمّا إذا كان المراد بها القوّة، فهذا إشارةٌ إلى قوّة الله سبحانه وقدرته، فتّتفق الآيتان بدون تعارضٍ، وتكون النسبة فيهما معاً إلى الله مباشرةً.
لا يُقال: إنَّ البناء إنَّما يصدق على السبب، ولا يصدق على مسبّب الأسباب؛ لأنَّ البناء دائماً من الأسباب، لا مسبّب الأسباب.
لأنَّه يُقال: إنَّ ذلك تفكير العاجز؛ لأنَّ البناء يناسب كلا النحوين من أنحاء الإيجاد والإبداع الدفعي فضلاً عن الخلق التدريجي، فكلّ ذلك نحوٌ من البناء، ونسبة ذلك إلى الله سبحانه لا إشكال فيها. مضافاً إلى إمكان أن يُراد بالبناء الإشارة إلى الأسباب، فحينما يقول: {أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} أي: بأسبابها، وإن نسب البناء إلى الله في ظاهر الآية؛ وهذا لأجل التنبيه على عدم أهمّيّة تلك الأسباب بإزاء عمله وتأثيره سبحانه وتعالى، فكلتا الآيتين تشير إلى الأسباب، ولا تعارض بينهما.
****
قوله تعالى: {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا}:
[ما أفاده الراغب في مادّة (السَّمْك)]
أمّا مادّة (السمك) فقال الراغب: السمك سمك البيت، وقد سمكه أي: رفعه. قال: {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا}(1). وقال الشاعر:
إنَّ الذي سمك السماء بنا لنا بيتاً دعائمه أعزُّ وأطول(2)
ــــــ[361]ــــــ
(1) سورة النازعات، الآية: 28.
(2) البيت للفرزدق، أُنظر: الأغاني 20: 214، أخبار سلمة بن عياش.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وفي بعض الأدعية: “يا بارئ السماوات المسموكات”(1).
وسنامٌ سامكٌ: عالٍ. والسماك ما سَمَكتَ به البيت، والسِماك نجم(2).
[مناقشة ما أفادة الراغب في(السَمْك)]
أقول: إنَّ هناك إشكالاً واضحاً يتوجّه على هذا التفسير؛ وذلك لأنَّ الرفع مذكورٌ في الآية {رَفَعَ سَمْكَهَا} أي: رفع ارتفاعها، فيلزم التكرار، وهو وإن كان ممكناً مع تعدّد اللفظ، ولكنه خلاف الأصل والظاهر، ولا يُصار إليه إلّاَ مع الضرورة.
ولكن الذي أفهمه من(السَمْك) هو ما يعبّر عنه باللغة الحديثة بـ(السُمك بالضمّ) وهو الكثافة، كما نقول: سُمك الخشبة أو سُمك الطابوقة، وهناك معنيان كلاهما يُطلق عليهما لفظ السُمك، وهو إمّا يُطلق على شيءٍ جامدٍ أو شيءٍ سائلٍ، وكلاهما يتّصف بالسُمك. أمّا الجامد فسمكه ارتفاعه، وأمّا السائل فسمكه عبارةٌ عن قوامه، مثل الدبس نُسمّيه سميكاً، وهما معنيان مختلفان في الحقيقة.
لكن يمكن الملابسة بين المعنيين، فنقول: يوجد بين المفهومين نسبة عمومٍ من وجهٍ خارجاً، فالطابوق مثلاً له سمكٌ بمعنى الارتفاع، وله سمكٌ بمعنى تماسك أجزائه أو كثافته أو قوامه، والسائل له سمكٌ بمعنى الكثافة والقوام، وله سمكٌ بمعنى الارتفاع.
والظاهر: أنَّ السمك بمعنى القوام والتماسك ناشئٌ من المعنى الأوّل؛ لأنَّه لازمٌ غالبي للمعنى الأوّل، فإنَّ كلّ مرتفعٍ وسميكٍ له كثافةٌ وتماسكٌ، وهذا واضحٌ عرفاً، واللغة تعتمد على الظواهر العرفيّة والفهم العرفي،
ــــــ[362]ــــــ
(1) حسبما أورده الكفعمي بلفظه في مصباحه: 431، الفصل 38.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 249، مادّة (سمك).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فالسميك بالمعنى الأوّل يكون سميكاً بالمعنى الثاني، ومن هنا أُطلق لفظ المعنى الأوّل على المعنى الثاني.
فإنَّ قلت: إنَّ هذا خلاف نصّ اللغويّين؛ لأنَّنا سمعنا من الراغب ومن غيره أنَّ السمك يفيد معنى الارتفاع لا معنى القوام والتماسك.
قلنا: نعم، ومن المعلوم أنَّ السمك بالمعنى الرياضي نحوٌ من الارتفاع، لكن لا ينبغي أن نفهم الارتفاع العرفي بمعنى وجود الفضاء المتخلّل، فلا يكون كلامنا منافياً لكلام اللغويّين، بل لعلّهم يقصدون المعنى الذي ذكرناه، فكلاهما ارتفاعٌ. يُقال: سنام سامكٌ أي: عالٍ.
ومن هنا نطبّق المعاني التي ذكرناها على الآية الكريمة، فيكون هذا الارتفاع هو المقصود من الآية، وهو المعنى الذي كنت أفهمه طيلة السنين السابقة، وهو أنَّ السماء كما هي عريضةٌ وواسعةٌ، فهو يريد أن يعرفنا بأنَّها سميكةٌ، أي: لها ارتفاع عالٍ جدّاً إلى حدٍّ يدخل كلّ هذا الفضاء ضمن قوامها، فيكون المراد من {رَفَعَ سَمْكَهَا} أي: جعلها عاليةً ومضاعفةً في الحجم والسمك على أحد أُطروحتين. فإذا فهمنا من (رفع) معنى أزاد، فيكون معنى (رفع سمكها) بمعنى: جعل لها كثافةً عاليةً جدّاً.
وإذا كانت (رفع) بمعنى أزال، فالمقصود أنَّ السماء ليس لها مادّةً دنيويّةً لكي يكون لها سمكٌ، وإنَّما هي روحيّةٌ أو معنويّةٌ أو من عالم الملكوت، فليس لها سمكٌ بالمعنى المادّي، فسمكها موضوعٌ، أي: مزالٌ.
[قوله تعالى: فَسَوَّاهَا]
[ما أفاده السيّد الطباطبائي في المقصود من (سوّاها)]
وأمّا قوله تعالى: {فَسَوَّاهَا} فقد أفاد السيّد الطباطبائي(1): أنَّ المقصود من (سوّاها) هو ترتيب أجزائها وتركيبها بوضع كلّ جزءٍ في موضعه
ــــــ[363]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 190، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الذي تقتضيه الحكمة.
[تعليقٌ على ما أفاده السيّد الطباطبائي في المقصود من (سوّاها)]
أقول: ومنه تسوية الأرض وإزالة المرتفعات والمنخفضات منها؛ وذلك بهدف الزراعة أو البناء، إلّاَ أنَّ الأصل هو التساوي، فنفهم من التسوية معنى التساوي بين الأجزاء. وهذه أُطروحةٌ أُخرى.
أو نفهم من التسوية أصل الخلق، فإذا نسب إلى الله كان بمعنى الخلق والإيجاد، وحسب هذا الفهم يكون منه قوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا}(1) أي: خلقها، وكذلك قوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}(2) أي: خلقته.
إلّاَ أنَّ هناك إشكالاً يرد على هذا الفهم، وهو العطف بالفاء {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا}، والفاء ظاهرةٌ في الترتيب؛ فإنَّ أصل الخلق أسبق زماناً ورتبةً من الرفع، بمعنى: أنَّه سوّاها فرفع سمكها، وليس العكس، كما تنصّ الآية الكريمة. وبتعبيرٍ آخر: أنَّه قدّم الصفة على الموصوف؛ لأنَّ (سوّاها) بمعنى أوجدها، فهو موصوفٌ، ثُمَّ رفع سمكها الذي هو صفةٌ للسماء.
وجواب ذلك من عدّة وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ هذا الإشكال يأتي على كلّ الأُطروحات في معنى التسوية؛ لأنَّها ليست متأخّرةً عن الرفع زماناً، بل يحدثان سويّةً على كلّ تقديرٍ.
الوجه الثاني: أنَّ الفاء هنا مستعملةٌ بمعنى الواو؛ لأنَّنا قلنا: إنَّ الحروف تُستعمل في محلّ بعضها البعض مجازاً أو حقيقةً، فالفاء هنا للعطف فقط.
الوجه الثالث: توجد هنا – ولو بنحو الأُطروحة- قراءةٌ بالواو يرتفع معها الإشكال، والسياق اللفظي القرآني لا ينافي العطف بالواو.
ــــــ[364]ــــــ
(1) سورة الشمس، الآية: 7.
(2) سورة الحجر، الآية: 29.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الوجه الرابع: أنَّ ذلك من الترتيب المقلوب، وهو مستعملٌ في اللغة، وأوضح أمثلته قولنا: أدخلت الخاتم في إصبعي، والواقع أنَّ إصبعي دخل في الخاتم، فهناك نسبٌ تُلحظ مقلوبةً، فيكون المراد هنا: سوّاها فرفع سمكها.
أمّا إذا قلنا بالتسوية بالمعنى الآخر – وهو الترتيب والتنظيم وفق الحكمة- فلا بأس أن يكون قد وجدت السماء غير مرتّبةٍ بمعنىً من المعاني، ثُمَّ رتّبت ونظّمت بحسب الحكمة، فرفع سمكها أي: خلقها وجعلها ضخمةً جدّاً، ثُمَّ رتّبها ونظّمها بحسب ما تقتضيه الحكمة.
وعلى أيٍ حالٍ فقد عرفنا أنَّ للتسوية معنيين: الأوّل: من التساوي، وهو جعل النسبة الأفضل بين الأجزاء، كرفع المنخفضات والمرتفعات من الأرض، أو جعل النسبة مطابقةً للحكمة بالنسبة إلى الكواكب والنجوم، أو نسبةً مطابقةً للحكمة بالنسبة إلى الجسم، أو نسبةً مطابقةً للحكمة بالنسبة إلى النفس.
والمعنى الثاني: هو أصل الإيجاد والخلق. وبالإمكان إرجاع أحدهما إلى الآخر: إمّا بإرجاع المعنى الأوّل إلى الثاني، أي: إنَّ أصله هو الخلق والإيجاد، ولكن سمّي بالمعنى الأوّل تسويةً، كأنَّ الشيء إذا وجد غير مرتّبٍ ومنظّمٍ فهو غير موجودٍ، فإذا سُوّي ونُظّم يكون قد وُجد لأوّل مرّةٍ، فلذا سُمّي بالتسوية، فكأنَّما وجد على نحو المجاز أوّلاً، ثُمَّ اكتسب ثوب الحقيقة. أو بالعكس بمعنى: أنَّ التسوية بالمعنى الثاني راجعةٌ إلى المعنى الأوّل – والمعنى الأوّل هو الأصل- وهو المساواة؛ لأنَّ المساواة هي الأصل؛ لأنَّها الأشهر في لغة الناس.
****
قوله تعالى: {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا}:
[ما أفاده الراغب في فهم: وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا]
قال الراغب: {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا}، أي: جعله مظلماً، وأصله من الأغطش
ــــــ[365]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
(وهو الشخص الأغطش) وهو الذي في عينيه شبه عمشٍ(1). ومنه قيل: فلاة غطشى، لا يُهتدى فيها، والتغاطش التعامي عن الشيء(2).
[تعليقٌ على ما فهمه الراغب من آية: وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا]
أقول: المراد: أنَّ الليل يصبح بحيث لا يرى فيه شيء من شدّة ظلامه، وهو مبالغةٌ في شدّة الظلمة؛ لأنَّ الليل الطبيعي ليس كذلك؛ فإنَّ النجوم أو القمر عندما يكون موجوداً توجد رؤيةٌ للأشياء بشكلٍ محدودٍ، ولكن شدّة الظلمة ليست حالةً غالبةً على وجه الكرة الأرضيّة. فـ(أغطش) بهذا المعنى: إمّا أن نفهم منها مطلق الإظلام الذي يمنع من الرؤية جزئيّاً، أو نقول: إنَّه يعني الإظلام الشديد، فيكون بمعنى المبالغة، وليس أنَّه فعلاً هكذا. لكن الظاهر هو المعنى الأوّل بمعنى: أنَّه حجب فيه الرؤية بشكلٍ قليلٍ.
[أُطروحةٌ أُخرى في فهم الآية الكريمة]
وهناك أُطروحةٌ أُخرى في فهم الآية الكريمة، وهي أن تكون (أغطش) بمعنى (أزال)، يعني: أزال ليلها وأخرج ضحاها. وهذا يحتاج إلى تقريب ذهني لغوي، فنقول: إنَّ أصل (أغطش) من الغطاء، وتكون الشين زائدةً، كما نقول: غططت في الماء أو في التراب، فلم يقل في الآية: (أغط) بل قال: (أغطش)؛ توصّلاً إلى نحوٍ من الفصاحة، أي: جعل عليه الغطاء، وهذا المعنى لم يأت جزافاً، وإنَّما هو مأخوذٌ من الغشاء الذي هو بمعنى الغطاء. فمن التركيب بين هاتين المادّتين (الغطاء و الغشاء) تحصل هذه المادّة الثالثة (أغطش)، ومن ذلك كان معناها في اللغة العجز عن النظر، أي: غطّي نظره أو زال نظره. ونحن نقول مثلاً: (غطّ في الماء) إذا دخل فيه، وغطّ في نومه إذا دخل فيه وانقطع عن الإحساس بواقعه الخارجي، فيكون غطش هو الفصيح.
ــــــ[366]ــــــ
(1) فأشدّها الأعمى، وأقلّ منه الأعمش، وأقلّ منه الأغطش (منه).
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 374، مادّة (غطش).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وعلى كلّ حالٍ فالمعنى يناسب التغطية والإخفاء، فيكون المراد: أخفى ليلها أو أزال ليلها وأخرج ضحاها.
ولم يبق شيءٌ في هذه الآية إلّاَ معرفة الضمائر الموجودة فيها (ليلها وضحاها) ليل أيّ شيءٍ؟ وضحى أيّ شيءٍ؟
الضمير هنا يعود إلى السماء حسب ظاهر القواعد، أي: أغطش ليل السماء، وأخرج ضحى السماء.
ولكن يمكن أن يُعترض ويُقال: إنَّ الليل ليل الأرض، وليس ليل السماء، أي: أغطش ليل الأرض، فلماذا يعود الضمير إلى السماء؟
وجوابه: أنَّ ذلك نسبةٌ مجازيّةٌ، ويمكن أن يصحّ المجاز بأدنى مناسبةٍ أو علاقةٍ، وهي هنا موجودةٌ، من حيث إنَّ السماء والشمس والقمر الموجودان فيها هما سبب وجود الليل والنهار، وبالتالي فالضمير يعود إلى السماء بهذه المناسبة.
ويمكن على نحو الأُطروحة الشاذّة أن نُرجع الضمائر إلى الأرض بشرط أن نقبل إمكان عود الضمير إلى ما ليس موجوداً في العبارة، وإذا أمكن ذلك ارتفع الإشكال.
ولماذا قال: {وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} ولم يقل: (أخرج نهارها)؟
نحن إلى الآن كنّا نفهم من الضحى النهار، وهو من استعمال الجزء وإرادة الكلّ، والضحى هو أوضح ساعات النهار، لكن مع ذلك يحتاج إلى شيءٍ من التجوّز، فلماذا قال: الضحى وأراد النهار؟
وهذا له عدّة أجوبةٍ:
أوّلاً: أنَّ المراد هو خصوص الضحى الذي هو أقصى ضوء النهار، كما
ــــــ[367]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
يريد بالليل جزء الليل، وهو الوقت الذي يجتمع فيه الظلام بشدّةٍ في أواسط الليل، فهو يريد من الليل بعض الليل ومن النهار بعض النهار.
ثانياً: أنَّه يريد خصوص الضحى، بالرغم من أنَّه يريد بالليل مطلق الليل أو الليل كلّه، ولا إشكال في ذلك.
ثالثاً: أنَّه يعبّر عن النهار بالضحى مجازاً، من باب التعبير بالجزء عن الكلّ، فقد أراد الليل كلّه والنهار كلّه. أمّا الليل فباعتبار ظهور كلمة الليل، وأمّا النهار فباعتبار ظهور كلمة الضحى مجازاً في مطلق النهار، وعبّر بالضحى عن النهار؛ لأجل سطوع الضوء فيه من ناحيةٍ، ولأجل حفظ النسق القرآني من ناحيةٍ أُخرى.
رابعاً: أنَّ التعبير بالضحى عن النهار حقيقي، وليس مجازيّاً، فنستطيع
– كأُطروحةٍ- أن نُسمّي جميع النهار ضحى؛ لأنَّ من المعاني الرئيسية للضحى هو تفرّق ضوء الشمس في الجوّ وتشتّته على وجه الأرض، وهذا يحدث في كلّ النهار، لا في البرهة المسمّاة بالضحى.
ثُمَّ إنَّه يمكن كأُطروحةٍ أن يكون (أخرج) بمعنيين: أحدهما: أزال، أي: إنَّه كان في الداخل فأخرجه، أي: أزاله من الداخل، والآخر: أخرج بمعنى: أنَّنا قبضنا عليه فوجد. وكذلك (أغطش) كان له معنيان: أحدهما: بمعنى أظلم، أي: أوجد ظلامه الشديد، والآخر: بمعنى أزال. وحينئذٍ تصبح لدينا أربعة احتمالات: أوجد ليلها وأوجد نهارها، أزال ليلها وأزال نهارها، أوجد ليلها وأزال نهارها، أزال ليلها وأوجد نهارها. وهذا من غرائب القرآن تقريباً بل تحقيقاً.
ومن جملة التقريبات في نسبة الليل والنهار إلى السماء ما ذكره السيّد
ــــــ[368]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الطباطبائي(1)، وهي أنَّ الليل والنهار غير مختصّين بالأرض التي نحن فيها، بل يعمّان سائر الأجرام المظلمة المستنيرة، وهي كلّ كواكب المجموعة الشمسيّة، فيوجد في جميعها الليل والنهار، بغضّ النظر عن قصرهما أو طولهما، فلذا صحّت نسبتهما إلى السماء. وهذه الفكرة لا بأس بها، بل نعمت الفكرة.
****
قوله تعالى: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}:
[مادّة (الدَّحْو)]
أمّا مادّة (الدحو) فهي مفسّرةٌ بتفسيرين متباينين: أحدهما المشهور، وهو ما ذكره السيّد الطباطبائي قائلاً(2): دحاها أي: بسطها ومدّها.
أقول: يُقال: انداحت الدائرة، أي: كبرت، كما لو رميت حجراً في الماء، فصارت فيه دائرةٌ تكبر بسرعةٍ تدريجيّةٍ، فقد انداحت الدائرة أي: توسّعت، فحينئذٍ يرجع إلى معنى الانبساط، والأرض دحاها، أي: وسعها وبسطها، فكذلك الأرض، أي: إنَّ المعنى يوحي بأنَّ الأرض كانت أصغر حجماً فكبرت، أي: بعد وجودها دحاها فكبرت. وهو ممّا لم يثبته العلم التجريبي الغربي، إلّاَ أنَّنا نصدّق القرآن في ذلك، والقرآن أولى بالتصديق من العلم التجريبي بالتأكيد.
والتفسير الثاني للدحو هو ما ذكره الراغب، قال: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} أي: أزالها عن مقرّها … . وهو من قولهم: دحى المطر الحصى من وجه الأرض، أي: جرفها، ومرّ الفرس يدحو دحواً، إذا جرّ يده على وجه
ــــــ[369]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 190، تفسير سورة النازعات.
(2) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأرض، فيدحو ترابها(1).
وإزالة الأرض عن مقرّها له تفسيران: إمّا في حركتها الاعتياديّة حول الشمس؛ لأنَّ في هذه الحركة زوالاً عن مقرّها؛ لأنَّها تتحرّك، وأيّ نقطةٍ نفرضها مقرّاً لها سوف تغادرها إلى نقطةٍ أُخرى.
وإمّا زوالها نتيجةً لأهوال يوم القيامة، كما استشهد الراغب(2) على ذلك بقوله: {يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ}(3). ويمكن أن تكون الإشارة هنا إلى جميع حركات الأرض؛ لأنَّ الدحو غير مختصٍّ بحركةٍ معيّنةٍ، فهو بمنزلة الكلّي الذي له حصصٌ عديدةٌ.
[الفهم المشهور لقوله تعالى: دَحَاهَا]
ونلاحظ: أنَّ المعنى المشهور يرجع إلى معنى الإيجاد، فبسطها ومدّها بمعنى أوجدها، والمعنى الآخر يرجع إلى معنى الإزالة والإعدام والإبادة ونحوه، وهما بمنزلة النقيضين. والذي أفهمهه أنَّ الأرجح هو كلام الراغب، أي: المعنى الثاني، وإنَّما صار المعنى المشهور فرعاً منه؛ لأنَّ الدائرة التي تحدّث برمي الحصى في الماء إذا اتّسعت خفّت ثُمَّ زالت، فيكون اتّساعها سبباً لزوالها.
[إشكال على فهم المشهور لقوله تعالى: دَحَاهَا]
وبناءً على الفهم المشهور لقوله تعالى: {دَحَاهَا} يتوجّه إشكالٌ حاصله: أنَّ الليل والنهار يوجدان قبل وجود الأرض، وهذا ممّا لا معنى له؛ لأنَّه من السالبة بانتفاء الموضوع. أو قل: إنَّه يستحيل أن توجد الصفة قبل وجود الموصوف؛ إذ كيف يوجد الليل والنهار قبل خلق الأرض؟! وممّا يصلح للجواب عن ذلك أمران:
ــــــ[370]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 167، مادّة (دحا).
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) سورة المزّمّل، الآية: 14.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأمر الأوّل: ما عليه المشهور واختاره السيّد الطباطبائي(1)، وهو إرجاع التسلسل الزمني في قوله: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} إلى السماء، أي: إنَّ الأرض دحاها بعد خلقه السماء، وليس بعد الليل والنهار، فأرجع التسلسل الزمني إلى الآيات الأسبق التي كانت تتحدّث عن خلق السماء، أي: إنَّ الله خلق السماء أوّلاً ثُمَّ خلق الأرض، فقوله تعالى: {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} يعني: خلق السماء، وقوله: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} يعني: خلق الأرض، والآية التي بينهما -{وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا}- تتعلّق بخلق السماء. وهذا في نفسه أُطروحةٌ جيّدةٌ ومحترمةٌ.
الأمر الثاني: ما نقله في “الميزان” أيضاً من: أنَّ المراد من قوله: {بَعْدَ ذَلِكَ}، أي: مع ذلك، كما في قوله: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ}(2)، أي: عتّل ومع ذلك زنيمٌ(3).
أقول: إنَّ هذا الفهم وأمثاله من الآراء توجد في طول فهم القرآن الكريم، وليس من الآراء الأصليّة في اللغة ليمكن الأخذ بها.
وأمّا إذا فسّرنا الدحو بمعنى الإزالة فإنَّ إزالة الأرض تكون بعد وجود الليل والنهار، فيرتفع الإشكال حينئذٍ. وكذلك لو فسّرنا الدحو بمعنى الحركة، ويكون مصداقها الأساسي هو حركتها حول الشمس، ومن المعلوم أنَّ حركتها حول نفسها أسبق رتبةً وزماناً من حركتها حول الشمس، فيصدق أنَّه أوجد الليل والنهار بالحركة الأسبق رتبةً، ثُمَّ أوجد الفصول الأربعة
ــــــ[371]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 190، تفسير سورة النازعات.
(2) سورة القلم، الآية: 13.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 190، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بحركتها حول الشمس في رتبةٍ متأخّرةٍ. وفي “الميزان” ما يؤيد ذلك، حين قال: وذكر بعضهم: إنَّ الدحو بمعنى الدحرجة(1)، كإنَّما الله دفع الأرض، فتدحرجت في مسارها أو فلكها، فيكون ذلك إشارةً إلى حركة الأرض.
[ما هو سبب نصب الأرض؟ وبأيّ شيءٍ نُصبت]
ولا شكّ أنَّ (الأرض) في قوله تعالى: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} منصوبةٌ، فما هو سبب ذلك؟ وبأيّ شيءٍ نُصبت؟
أقول: بعد مراجعة المصادر وجدت أنَّ المتحصّل من ذلك ثلاثة أُمور:
الأمر الأوّل: أنَّها معطوفةٌ على منصوبٍ قبلها، وهو قوله: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا}(2) بناءً على أنَّ السماء منصوبةٌ، فتكون الأرض معطوفةً عليها.
الأمر الثاني: ما ذكره العكبري(3) من: أنَّها منصوبةٌ بفعلٍ محذوفٍ، من قبيل: دحى الأرض.
الأمر الثالث: أن تكون مرفوعةً لا منصوبةً، ولربما كلّ هذه الألفاظ مرفوعةٌ بناءً على قراءةٍ أُخرى ولو كأُطروحةٍ، فترفع على أنَّها مبتدأٌ، وجملة (دحاها) تكون خبرها، وكذلك قوله: {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا}(4) وقوله: {بَعْدَ ذَلِكَ} ظرفٌ متعلّقٌ بدحاها.
****
ــــــ[372]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 190، تفسير سورة النازعات.
(2) سورة النازعات، الآية: 27.
(3) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 280، سورة النازعات.
(4) سورة النازعات، الآية: 32.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا}:
[الكلام عن قوله: مَرْعَاهَا]
ولنتكلّم أوّلاً عن قوله: {مَرْعَاهَا}.
[ما ذكره الطباطبائي في معنى المرعى لغة]
ذكر الطباطبائي(1): أنَّ المرعى في اللغة يرد على أربعة معانٍ:
الأوّل: يرد كمصدرٍ ميمي.
الثاني: أنَّه اسم مكانٍ، وهو الأشهر، أي: مكان الرعي.
الثالث: أنَّه اسم زمانٍ، ويمكن في اللغة استعمال نفس اللفظ لاسم الزمان واسم المكان.
الرابع: أنَّه يُراد به الرعي بالكسر، وهو ما يُرعى ويُؤكل.
[التعليق على ما ذكره الطباطبائي في معنى المرعى اللغوي]
أقول: إنَّ المتعيّن في الآية هو المعنى الرابع، أي: ما يُؤكل، فأخرج مرعاها، أي: أخرج نباتها، لا أنَّه أخرج المكان ولا الزمان ولا المصدر الميمي، فلا مورد للمعاني الثلاثة الأُولى.
ثُمَّ إنَّ الضمائر في قوله: (ماءها) (مرعاها) تعود إلى الأرض، ونسبتها إلى الأرض حقيقيّةٌ؛ لأنَّ الماء في باطن الأرض، وكذلك النبات الموجود على سطحها.
فإن قلت: إنَّ المراد من الماء في الآية ليس هو ما يكون عليها كالأنهار والبحار، بل المراد الماء الذي في باطن الأرض، فهو لا يريد إخراج الماء الظاهر؛ لأنَّه خرج وانتهى، فلا معنى لإخراجه مرّةً ثانيةً؛ لأنَّه من تحصيل الحاصل، بالرغم من أنَّ هذا المعنى ذكره في “الميزان”(2).
قلت: إنَّ هذا غير تامٍّ؛ لأنَّ ظاهر بعض الآيات أنَّ المصدر الأصلي للماء
ــــــ[373]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 190-191، تفسير سورة النازعات.
(2) أُنظر المصدر السابق 20: 190، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
هو السماء، ثُمَّ يدخل إلى باطن الأرض، فيصبح مياهً باطنيّةً، ثُمَّ يخرج بعد ذلك إلى ظاهرها، وهذه دورةٌ مستمرّةٌ، فكلّ ما في الأرض إنَّما هو خارجٌ من الباطن حقيقةً. فإذا تمّ ذلك كان كلّ ماءٍ مربوطاً بالخروج من الباطن، أمّا المياه الظاهرية فباعتبار خروجها سابقاً، وأمّا المياه الباطنية فباعتبار خروجها في ما يأتي، فقوله: (أخرج) يصدق على كلا النحوين، لكن بعلاقةٍ مختلفةٍ.
ومن الواضح أنَّ الآية نسبت الإخراج إلى كلٍّ من المياه والنبات {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا} في سياقٍ واحدٍ، مع أنَّ إخراج المياه مختلفٌ سنخاً عن إخراج النبات، ولكنّهما يتشابهان فقط في فكرة الإخراج. ونستطيع أن نقول إلى حدٍّ مّا: إنَّ هذا أُسلوبٌ أدبي للقرآن غرضه أن يلفتنا إلى فكرة التشابه في الإخراج والتماثل في الإخراج، بحيث يستعمل (أخرج) مرّةً واحدةً لكلا الإخراجين.
****
قوله تعالى: {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا}:
[الكلام في (أرسى)]
الجبال معروفةٌ لا ينبغي التحدّث حولها، بل الكلام في (أرسى).
قال الراغب(1): يُقال: رسا الشيء يرسو ثبت، وأرساه غيره (أي: إنَّ الثلاثي لازمٌ والرباعي متعدّ). قال تعالى: {وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ}(2) وقال: {رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ}(3)، أي: جبال ثابتات.
ــــــ[374]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 201، مادّة (رسا).
(2) سورة سبأ، الآية: 13.
(3) سورة المرسلات، الآية: 27.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أقول: في حدود فهمي رسا ورسخ ورسب من بابٍ واحدٍ، أي: بمعنىً متشابهٍ إلى حدٍّ معتدٍّ به، وإن كان الملحوظ من الناحية النفسيّة مختلفاً فيها، ويجمعها معنى الثبات في القاع، ولكن مع فرقٍ، فرسى ورسخ تعطي معنى الثبات الشديد غير القابل للإزالة، وهذا ممّا تتّصف به الجبال؛ لأنَّها ثقيلةٌ جدّاً وضخمةٌ إلى درجةٍ كبيرةٍ، فهي ترسو وترسخ، فيُقال: رست الجبال، ورست السفينة على الشاطئ. قال تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا}(1)، أي: مشيها ووقوفها بسم الله. وقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا}(2) أي: زمان تحقّقها وثباتها. واستعمل (مرساها) في الزمان، أي: وقتها في الحقيقة، وليس مكانها، واستعمل في الزمان دون المكان مجازاً أو حقيقةً؛ باعتبار أنَّ لفظ اسم المكان والزمان واحدٌ في اللغة العربيّة. ومنه الرسوب في الامتحان؛ من حيث إنَّ الطالب يبقى ثابتاً في محلّه ومرحلته.
الخطوة الأُخرى في البحث: أنَّ الجبال تحفظ الأرض من الاهتزاز والحركة المنكرة وغير الطبيعيّة، بحيث لو لم يكن فيها جبالٌ لتحرّكت ومادت بأهلها وتزلزلت: إمّا باعتبار ثقل الجبال على الأرض، وإمّا باعتبار كون الجبال مصدّاتٍ للرياح، فلو لم يكن هناك جبالٌ لم يكن الهواء مانعاً لها عن الحركة الزائدة.
وقد نطق القرآن بدور الجبال في حفظ الأرض في أكثر من موردٍ، بالرغم من أنَّ العلم الطبيعي الغربي لم يثبت ذلك إلى الآن، إلّاَ أنَّنا -كما قلنا- نصدّق القرآن الكريم في ذلك. قال الراغب(3): {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} وذلك
ــــــ[375]ــــــ
(1) سورة هود، الآية: 41.
(2) سورة النازعات، الآية: 42.
(3) مفرد ألفاظ القرآن: 201، مادّة (رسا).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
إشارةٌ إلى قوله تعالى: {وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً}(1). فهي أوتاد الأرض، أي: مانعةٌ عن الحركة الزائدة.
وعلى أيّ حالٍ يمكن أن نفهم من الآية بعض المعاني الباطنيّة، فالجبال تعني الأولياء وأضرابهم، وتكون كلّ هذه السياقات صادقةً عليهم.
أمّا قوله: {أَرْسَاهَا} فباعتبار ثبات الأولياء في المقام الذي هم فيه، كما ورد في الدعاء “إنَّك أكرم من أن تضيّع من ربيّته … أو تشرّد من آويّته”(2).
وأمّا {أَوْتَاداً} فباعتبار أنَّ قلوب وعقول من هم دون الأولياء تكون قابلةً للتزحزح والتأرجح والوسواس، ويكون ثباتها بثبات قلوب الأولياء الذين هم أعلى منهم. ومن مصاديق ذلك في الأدعيّة ما ورد من: أنَّ “وأرواحكم في الأرواح، وأنفسكم في النفوس”(3)؛ لأنَّ من هم دون الأئمّة إذا كانوا مخلصين في باطنهم ثابتين بثبات الأئمّة ولو لم يكن هذا الارتباط موجوداً، كانت أرض النفس تسيخ بأهلها، ولولا هذا الوجود لما كان للآخرين إمكانٌ حقيقي للتكامل لمدى ما يطرأ من الموانع. وإذا فهمنا هذا المعنى الباطني للجبال، ارتفع إشكال التنافي بينها وبين العلم الطبيعي الحديث.
ــــــ[376]ــــــ
(1) سورة النبأ، الآية: 7.
(2) مصباح المتهجّد: 844، دعاءٌ آخر وهو دعاء الخضر، إقبال الأعمال: 708، فصل فيما نذكره من الدعاء والقسم … ليلة النصف من شعبان، البلد الأمين: 189، ذكر عمل السنة: شهر شعبان، ومصباح الكفعمي: 557، الفصل 44.
(3) مَن لا يحضره الفقيه 2: 615، زيارةٌ جامعةٌ لجميع الأئمّة، الحديث 3213، تهذيب الأحكام 6: 99، باب زيارة جامعة لسائر المشاهد، الحديث 1، عيون أخبار الرضا 2: 276، زيارةٌ أُخرى جامعة للرضا، الحديث 1، والبلد الأمين: 302، ذكر عمل السنة: ذو الحجّة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}:
قوله: {مَتَاعاً} مفعولٌ لأجله، أي: أخرج الماء والمرعى؛ لأجل المتاع لكم ولأنعامكم.
وينبغي الالتفات إلى نحو انقطاعٍ وانفصالٍ بين الآيتين؛ إذ قال: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}(1)؛ فإنَّ قوله: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} لا علاقة له بالجبال، وإنَّما هو مرتبطٌ بقوله: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا}، وإنَّما حصل هذا الفاصل لأنَّ الحديث عن الجبال لو تأخّر عن قوله: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} وكان السياق هكذا: (أخرج منها ماءها ومرعاها متاعاً لكم ولأنعامكم والجبال أرساها) لفسد السياق اللفظي للآيات.
فإن قلت: لا حاجة إلى ذكر الجبال في الآية.
قلت: إنَّ المتكلّم يختار ما يشاء ليضيفه إلى كلامه، والآية سياقها سياق آيات الله ومعجزاته أو الآيات الآفاقيّة، فيريد أن يعرض علينا صورةً بعد صورةٍ، فالحكمة تقتضي عرض صورة الجبال وذكرها، والسياق اللفظي أيضاً يكون هكذا: (ماءها، مرعاها، أرساها) فكلّها على نسقٍ واحدٍ. فالآية موجودةٌ في محلّها المناسب.
وقد تكلّمنا عن معنى المتاع في أكثر من موردٍ، وهو من المتعة، أي: التمتّع والأُنس، ويُراد به هنا الطعام؛ لأنَّ الإنسان يرتاح بسدّ جوعه أو بلذّة طعامه، ويُراد به هنا الطعام الذي يسدّ حاجة الجوع الموجودة لدى الإنسان والحيوان معاً.
ــــــ[377]ــــــ
(1) سورة النازعات، الآيات: 31-33.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[كيف يقول: مَتَاعاً لَكُمْ مع أنَّ المرعى متاعٌ للحيوانات خاصّةً]
سؤال: نحن نعلم أنَّ المرعى خاصٌّ بالحيوان، وقد قالت: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا … * مَتَاعاً لَكُمْ وَِلأَنْعَامِكُمْ} فكيف يقول: {مَتَاعاً لَكُمْ} مع أنَّ المرعى متاعٌ للحيوانات خاصّةً؟
وجوابه أحد وجهين:
الوجه الأوّل: أن يكون المتاع للمتعة، أعمّ ممّا يسدّ حاجة الجوع أو حاجة العطش، فيكون المراد أنَّ الماء متاعٌ لكم؛ ليسدّ حاجة عطشكم، والمرعى متاعٌ لأنعامكم، فيكون من باب اللفّ والنشر المرتّب.
الوجه الثاني: أن يُقال بأنَّ كلاً من الماء والمرعى هما للإنسان والحيوان معاً: أمّا الماء فواضحٌ، وأمّا المرعى فيكون قد استعمل المرعى في مطلق الزرع والنبات، لا خصوص ما ترعاه الدوابّ والحيوانات، وقد أشار إلى ذلك في “الميزان”(1).
وبالإمكان أن نتوصّل إلى نفس النتيجة من خلال أُطروحةٍ أُخرى، وهي أنَّ الرعي أُستعمل بمعنى أكل الحيوان وأكل الإنسان معاً، فالإنسان أيضاً يرعى الطعام، أي: يأكله، فيصدق على النبات الذي يأكله أنَّه مرعى.
****
قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى}:
(جاءت) بمعنى: حصلت أو حدثت، ويوجد فيها معنى مجازي، كأنَّ الملحوظ فيها أنَّها مقبلةٌ الآن علينا، فإذا وصلت حصلت وحدثت.
والفاء للترتّب -كما ذكره في “الميزان”(2)- وهو ترتّب الآخرة على
ــــــ[378]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 190-191، تفسير سورة النازعات.
(2) أُنظر المصدر السابق 20: 191.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الدنيا؛ لأنَّ المتاع المذكور آنفاً إنَّما هو متاع الحياة الدنيا، وهو ينتهي بحصول الآخرة، فقال: {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى}.
والطامّة اسم فاعلٍ من مادّة (طمّ). وقال في “الميزان”(1): والطامّة العالية الغالبة. فكأنَّها شيءٌ مرتفعٌ ومسيطرٌ. يُقال: هذا أطمّ من هذا، أي: أعلى منه، وطمّ الطائر الشجرة أي: علاها، وتُسمّى الداهية التي لا يُستطاع دفعها طامّةً.
وأمّا الراغب فكان كلامه مجملاً في هذه المادّة قال(2): الطمّ البحر المطموم … وسُمّيت القيامة طامّةً لذلك.
أقول: يبدو أنَّ المسألة غير مرتّبةٍ وواضحةٍ عنده؛ فإنَّ مجرّد أن يكون الشيء عالياً وغالباً لا يُسمّى طامّاً، فالسماء لا تسمّى طامّةً ولا المطر، فينبغي إعطاء أُطروحةٍ ذوقيّةٍ لغويّةٍ. والذي نفهمه عرفاً من معنى الطمّ هو وضع طبقةٍ عاليةٍ من التراب فوق الشيء. يُقال: طممت الكنز، وطممت الميّت، وإنَّما سُمّي طمّاً؛ لأنَّ فيه جنبة العلو، فالتراب يعلو الشيء المطموم.
والذي يُستفاد من كلام الراغب أنَّه لا فرق في المادّة الموضوعة للطمّ بين أن يكون تراباً أو ماءً، ولذا سُمّي البحر مطموماً، أي: طامّاً لما تحته من الأشياء، وهذا من استعمال اسم المفعول بمعنى اسم الفاعل.
ومن استعمال المادّة في شدّة الطم قولنا: طمّ الماء، إذا تقلّبت أمواجه، أو كثر وتدافع بشدّةٍ، ويشبهه قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}(3). وكأنَّما نفهم من (طغى) معنى (طما) وهو التكاثر والتدافع، وإلِّا
ــــــ[379]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 190-191، تفسير سورة النازعات.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 316، مادّة (طم).
(3) سورة الحاقّة، الآية: 11.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فنسبة الطغيان مجازيّةٌ، في حين لو فهمنا منها معنىً بالدلالة المطابقيّة أو القريبة من المطابقيّة فلا حاجة إلى هذا المجاز.
[أطروحات في المراد من الطامة في الآية]
وعلى أيّ حالٍ فالمراد من الطامّة في الآية أحد أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى: أنَّها بمعنى التي تعلو على غيرها من المخلوقات؛ باعتبار أنَّ الطمّ فيه جهة علوٍّ.
الأُطروحة الثانية: أنَّها بمعنى التي تسيطر على الموجودات وتطمّهم، أي: تخفيهم بين طيّاتها أو تحتها. وهذا إمّا أن يكون بالسيطرة، وإمّا أن يكون بالضخامة والأهمّيّة بحيث تكون الموجودات من الضآلة كأنَّها معدومةٌ تجاهها.
الأُطروحة الثالثة: أن تكون مستعملةً في اللغة بمعنى الداهية العظيمة، بغضّ النظر عن أصلها الفكري والحقيقي، فيكون من تعدّد الوضع، فالطامّة بالمعنى الاشتقاقي شيءٌ، والطامّة بمعنى الداهية العظيمة شيءٌ آخر. فيكون المراد من الطامّة في الآية أحد أُمورٍ:
أوّلاً: يوم القيامة، وهو المعنى المشهور(1) الذي لا يحتمل غيره عندهم.
ثانياً: الموت، وهو القيامة الصغرى أو الفرديّة، وفيه يتذكّر الإنسان ما سعى عند حال الاحتضار.
ثالثاً: البلاء الدنيوي غير المتوقّع، وفائدة البلاء هي التذكير والهداية، ولذا عند البلاء يتذكّر الإنسان ما سعى. والبلاء قد يكون خارجيّاً كالحرب،
ــــــ[380]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير القرآن العظيم (لابن كثير) 8: 319، تفسير سورة النازعات، الجامع لأحكام القرآن 20: 206-207، تفسير سورة النازعات، مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 660، تفسير سورة النازعات، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أو داخليّاً كالمرض، أو نفسيّاً كالوسواس.
ومن الواضح أنَّ كلّ هذه الأقسام تطمّ ما تحتها: إمّا بمعنى: أنَّها تخفيه، أو أنَّها تسطير عليه، أو تعلو عليه.
[لماذا نأخذ في معنى الطامّة أنَّها تأتي بشكلٍ غير متوقّعٍ]
لكن لماذا نأخذ في معنى الطامّة أنَّها تأتي بشكلٍ غير متوقّعٍ؟ لا حاجة إلى ذلك؛ فإنَّ عدم التوقّع يكون كذلك للغافلين. وأمّا المنتبه لدنياه وآخرته فدائماً يتوقّع ذلك، فلابدّ أن يكون معنى الطامّة أعمّ من المتوقّع وغير المتوقّع لحدوثها؛ فإنَّ يوم القيامة متوقّعٌ عند المؤمنين، ومع ذلك فهو طامّةٌ.
ووصف الطامّة بالكبرى لأجل إضفاء مزيدٍ من الأهمّيّة والتركيز والترهيب، وأنَّها أكبر من أيّ شيءٍ محتملٍ أو متوقّعٍ؛ فإنَّ الأشياء الأُخرى قد تكون كبيرةً، إلّاَ أنَّ هذه أكبر منها. ومقتضى إطلاق أفعل التفضيل أنَّها هي الأكبر على الإطلاق في عالم الإمكان، أو هي أكبر مطلقاً من كلّ الشدائد الأُخرى.
ثُمَّ لابدّ أن نلتفت إلى أنَّ الطامّة ليست بمعنى المصائب والشدائد، كما فهمها المشهور، بل يمكن أن تشمل ما يحبّه الإنسان ويشتهيه؛ إذ قد نرى أمراً لطيفاً، لكنّه في حقيقته طامّةٌ علينا، كما قال تعالى: {وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ …}(1). فالبلاء قد أكرهه وهو خيرٌ لي، والنعيم الدنيوي أحبّه وهو شرٌّ ليّ؛ لأنَّ فيه استدراجاً، والاستدراج نتيجته جهنّم وساءت مصيراً.
إذن فبعض الأُمور الطيّبة دنيويّاً تدخل ضمن إطار الطامّة، كالارتداد والكفر (والعياذ بالله) فهما طامّةٌ كبرى للفرد، وكذلك رفاه العيش المنتج
ــــــ[381]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 216.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
للغفلة واللهو، وكذلك نفس الغفلة واللهو عن الأهداف الأُخرويّة والدنيويّة الحقّة، فهي طامّةٌ كبرى، وأغلب الناس داخلين فيها، كما قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}(1).
[(إذا) الوارد في الآية]
وأمّا (إذا) الوارد في الآية: فقد قال العكبري: العامل فيها جوابها، وهو معنى قوله تعالى: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ}(2). قوله تعالى: {هِيَ الْمَأْوَى}(3) أي: هي المأوى له(4).
أقول: كأنَّه يقصد كونه مقدّراً مفهوماً من المعنى، أي: إنَّ هذا الفعل الذي تتعلّق به (إذا) مقدّرٌ لفظيّاً ومفهومٌ من المعنى، وإلّاَ فالمعنى في نفسه دون اللفظ لا يتحمّل العمل نحويّاً؛ لأنَّه مجرّد معنىً ذهني غير موجودٍ في السياق، فكيف نستطيع أن نسند إليه ظرفاً أو جارّاً ومجروراً؟ أو يقصد أنَّ العامل هو (يتذكّر) كفعلٍ مضارعٍ بعد إسقاط الظرف (اليوم) عن نظر الاعتبار، وإن كان ذلك بعيداً عن سياق كلامه، لكنّه أُطروحةٌ محتملةٌ في نفسها.
[أطروحات في جواب الـشرط]
أمّا جواب الشرط ففيه عدّة أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: ما قاله العكبري(5) من: أنَّه معنى قوله تعالى: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ}. وأشكلنا عليه بأنَّ المعنى المجرّد لا يصلح للعمل نحويّاً.
الأُطروحة الثانية: ما يحتمل أن يكون قصده بغضّ النظر عن الظرف
ــــــ[382]ــــــ
(1) سورة يوسف، الآية: 105.
(2) سورة النازعات، الآية: 35.
(3) سورة النازعات، الآية: 39.
(4) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 280-281، سورة النازعات.
(5) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
(يوم)، فكأنَّه قال: فإذا جاءت الطامّة الكبرى يتذكّر الإنسان ما سعى، إلّاَ أنَّه خلاف واقع الآية؛ لأنَّ واقع الآية يوجد فيه الظرف (يوم) فكيف نحذفه من السياق مع وجوده في كلام المتكلّم؟!
الأُطروحة الثالثة: أنَّ جواب الشرط محذوفٌ عن علمٍ وعمدٍ، فكأنَّه قال: فإذا جاءت الطامّة الكبرى، فماذا يحدث؟ وهو طبعاً محذوفٌ عن علمٍ وحكمةٍ؛ لأجل أن يذهب الذهن فيه كلّ مذهبٍ، فيحصل نوعٌ من الترهيب وإضفاء الأهمّيّة العظمى.
الأُطروحة الرابعة: أن تكون (إذا) ظرفاً، وليست شرطيّةً، فلا نحتاج إلى جواب الشرط حينئذٍ، وكلّ ما في الأمر أنَّها جاءت لأجل التمهيد للفعل الماضي الذي بعدها. فلو قال: (جاءت الطامّة الكبرى)، لا يكون مناسباً مع الأُسلوب القرآني، فوضع (إذا) توصّلاً للنتيجة اللطيفة والأدبيّة، وهي التمهيد للفعل الماضي؛ باعتبار أنَّ الابتداء بالإخبار قد يكون سمجاً ومخالفاً للسياق اللفظي القرآني.
****
قوله تعالى: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى}:
السعي هو الإسراع في المشي، كالسعي بين الصفا والمروة، وهنا يُراد به مطلق الفعل والعمل الإنساني الاختياري، أي: يوم يتذكّر الإنسان ما فعل أو ما عمل.
لكن (سعى) يتعدّى بالحرف لا بالمباشرة، فيُقال: سعى له، وسعى إليه، وسعى به، ولا يُقال: سعاه. ولو كانت بمعنى (فعل) لصحّ ذلك؛ لأنَّه يقال: فعله، إذن هي لا تفيد ذلك، بل تفيد معنى الاستهداف، أي: يسعى إلى الهدف
ــــــ[383]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والمصلحة التي يريدها دنيويّاً أو أُخرويّاً.
وجواب ذلك:
أوّلاً: أنَّها يمكن أن تكون قد أُستعملت (سعى) بمعنى (فعل) مجازاً، بالرغم من أنَّ النحويّين خصّوا المجاز بالأسماء، ولكنّي ذكرت في الأُصول: إنَّ المجاز ممكنٌ حتّى في الحروف والأفعال. ويمكن أن نقرّب ذلك حتى بناءً على القاعدة النحويّة ببيان: أنَّ مادّة الفعل هي اسمٌ، (سعى) مادّته السعي، و(فَعَلَ) مادّه الفعل، وهو اسمٌ أو مصدرٌ، والاسم يمكن استعماله مجازاً، فالمجاز هنا ليس في صيغة الفعل بل في مادّته، وحينئذٍ سوف تعمل عمل الفعل، بمعنى: أنَّ (سعى) تعمل عمل (فَعَلَ)؛ لأنَّه أُستعملت في محلّه، والفعل (فَعَلَ) يتعدّى مباشرةً إلى مفعوله، فكذلك سعى.
ثانياً: أنَّه لا يتعيّن تقدير (إليه) ليكون معناه الاستهداف، بمعنى: أنَّه لو نصّ على ذكر (إليه) مثل: سعى إليه، فيكون معناه الاستهداف. أمّا إذا قال: سعى له أو سعى به أو سعى مجرّدة عن الجارّ والمجرور، فهذا لا يعني: أنَّ المراد الاستهداف، وحينئذٍ نعود إلى المطلب الأوّل، وهو أن نفهم من سعى نفس العمل، وليس شيئاً آخراً.
ثالثاً: أن نتنزّل ونقبل أنَّ المراد هو الاستهداف، أي: يتذكّر الإنسان أهدافه الدنيويّة التي زالت عنه بالآخرة أو الموت، وهذا في نفسه يستلزم تذكّره لطريقته في الحصول على تلك الأهداف، فيعود المطلب مرّة أُخرى، وأنَّه تذكّر الفعل، أي: الطريقة التي يسير بها نحو أهدافه.
ومنه يتّضح: أنَّ العائد في صلة الموصول محذوفٌ مقدّرٌ، فـ(ما) اسم
ــــــ[384]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
موصولٍ، وسعى صلته، والضمير محذوفٌ بعدها؛ لأجل حفظ النسق القرآني في نهايات الآيات، كما في قوله تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ}(1) أي: ما أنت قاضيه.
وقال في “الميزان”(2): إنَّ (يوم) ظرفٌ لمجيء الطامّة الكبرى، أي: فإذا جاءت الطامّة الكبرى يوم يتذكّر الإنسان ما سعى، بمعنى: يوم يتذكّر الإنسان ما سعى تجيء الطامّة الكبرى.
أقول: من الناحية اللغويّة قد يكون كذلك، لكن فيه أكثر من إشكالٍ؛ لأنَّ ما سمعناه سابقاً أنَّه متعلّقٌ بـ(يتذكّر) وليس بـ(جاءت) أي: يوم يتذكّر تجيء الطامّة، في حين أنَّه منطقيّاً لابدّ أن تتعلّق بشيءٍ آخر، كما قال العكبري(3).
ثُمَّ إنَّنا ينبغي أن ننظر إلى ما هو المتقدّم رتبةً وما هو المتأخّر؟ وأيّهما علّةٌ وأيّهما معلولٌ؟ أنَّا أقول: إنَّ مجيء الطامّة الكبرى علّةٌ، و(يتذكّر الإنسان ما سعى) معلولٌ، فعندما يجيء الموت أو يوم القيامة أو حساب القبر، يتذكّر الإنسان ما سعى، وهذا هو الصحيح، مع أنَّه إذا كان (يوم) هو الظرف لمجيء الطامّة الكبرى، كان المراد: أنَّ التذكّر أسبق زماناً ورتبةً من مجيء الطامّة الكبرى، فيكون بمنزلة العلّة، وهذا ليس بصحيحٍ أكيداً.
****
ــــــ[385]ــــــ
(1) سورة طه، الآية: 72.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 191، تفسير سورة النازعات.
(3) أُنظر: إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 280-281، سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى}:
[في قراءات وَبُرِّزَتِ]
قرئ (بُرّزت) كما هو المشهور في قراءة حفصٍ عن عاصمٍ، وقرئ (بَرَزت) و(بَرّزت) أي: أظهرت و(برُّزت) أي: أُظهرت. وعلى كلا التقديرين فالجحيم مرفوعةٌ، فعلى الأُولى تكون نائب فاعلٍ، وعلى الثانية تكون فاعلاً.
[ما قاله صاحب الميزان في مصدر(بُرِّزَتِ)]
وقال في “الميزان”(1): التبريز الإظهار، وهو مصدرٌ قياسي، كالتحسين والتقبيح والترتيب والتبويب، وكذلك التبريز، إلّاَ أنَّه قليل الاستعمال.
[مناقشة ما أفاده صاحب الميزان في مصدر(بُرِّزَتِ)]
أقول: كان الأَولى به أن يقول: الإبراز؛ فإنَّه أوفق بذوق العرف واللغة، ولكن على القياس اللغوي يُقال: برّزت تبريزاً.
لكن يُشكل عليه: بأنَّ التبريز ليس هو الإظهار، فالتبريز من البروز، والبروز ليس هو الإظهار وإن كنّا نستعمله كذلك، بل البروز هو الارتفاع، برز أي: ارتفع؛ حيث إنَّ البروز يعني الارتفاع، وهو لازمٌ غالبي للظهور، فالتبريز يدلّ على الإظهار بالدلالة الالتزاميّة، ويوجد في الآية قرينةٌ متّصلةٌ على أن يُراد به الظهور، وهي قوله: {لِمَنْ يَرَى} أي: ظهرت الجحيم لمن يرى.
[أطروحتان في فهم المراد من قوله تعالى: لِمَنْ يَرَى]
وفي فهم المراد من قوله تعالى: {لِمَنْ يَرَى} أُطروحتان:
الأُولى: ما ذكره في “الميزان”(2) من: أنَّ المراد مَن له المشاهدة والبصر، أي: مَن له قابليّة البصر أو قل: فعليّة البصر. وهذا معقولٌ، بل لعلّه الأظهر، وأنَّ اسم الموصول يحتاج إلى عائدٍ إذا قلنا بضرورته، كما هو المشهور، فلابدّ من تقدير ضميرٍ.
الثانية: أن نقدّر مفعولاً به لـ(يرى) ليكون هو العائد لاسم الموصول،
ــــــ[386]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 191، تفسير سورة النازعات.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[لماذا قُيّدت الآية بهذا القيد؟ وقال: لِمَنْ يَرَى]
أي: (لمن يراها)، فتختصّ المسألة برؤية الجحيم، ولا تعمّ غيرها؛ لأنَّ العائد لاسم الموصول هو الفاعل لا المفعول به، والفاعل مقدّرٌ يرجع إلى اسم الموصول. لكن المقصود لا يختلّ بهاتين الأُطروحتين؛ فإنَّه إمّا أن نقول بأنَّ (يرى) خاليةٌ من الطرف، بمعنى: أنَّه يستطيع أن يرى بشكلٍ عامٍّ، أو إنَّ فيها طرفاً معيّناً، وهو الجحيم وعلى أيّ حالٍ فالعائد موجودٌ، وهو الضمير المستتر في (يرى)، والمهمّ أنَّ الجحيم كأنَّها كانت مختفيةً، ثُمَّ ظهرت وبرزت. وهذا صحيحٌ على مستويين:
المستوى الأوّل: أنَّ الجحيم إنَّما تُرى في الآخرة، وأمّا في الدنيا فهي مختفيةٌ عن أهل الدنيا، فكأنَّ الإنسان إذا مات وذهب إلى الآخرة، برزت له الجحيم وظهرت.
المستوى الثاني: أنَّ الجحيم مختفيةٌ عن أهل الباطل وأهل الغفلة، وظاهرةٌ لأهل اليقين، كما قال في الخطبة: “وهم والجنّة كمَن قد رآها، فهم فيها منعّمون، وهم والنار كمَن قد رآها، فهم فيهما معذّبون”(1).
فاختفاؤها هو الأسبق زماناً ورتبةً، أي: كانت مختفيةً فظهرت، حتّى يقيّض الله للفرد رؤيتها. والآخرة عموماً كذلك مختفيةٌ إلى أن يقيّض الله رؤيتها، كما قال تعالى: {وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}(2).
يبقى السؤال عن قوله: {لِمَنْ يَرَى} فلماذا قُيّدت الآية بهذا القيد؟ فكأنَّ الجحيم إذا برزت كفى ذلك في رؤيتها، فلماذا يقول: {لِمَنْ يَرَى}؟
ــــــ[387]ــــــ
(1) نهج البلاغة: 303، الخطبة 193، تحف العقول: 159، صفات الشيعة: 18، كشف الغمّة 1: 100، ومكارم الأخلاق: 475، الفصل السابع.
(2) سورة الروم، الآية: 7.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وجواب ذلك من وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّه قيدٌ لفظي جيء به لحفظ النسق، مع كونه غير مخلٍّ بالمعنى، بل للتوضيح.
الوجه الثاني: أنَّ قضيّة إبراز جهنّم قضيّةٌ خاصّةٌ لا عامّةٌ، وإن تخيّلها المتشرّعة عامّةً، فهي خاصّةٌ بمن يرى وله قابليّة وفعليّة الرؤية. وأمّا من هو دون ذلك فهي غير مرئيّةٍ بالنسبة إليه. قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً}(1).
الوجه الثالث: أن نفهم من (يرى) معنى: من يحتاج إلى رؤيتها، أو في المصلحة أن يراها، وليس لكلّ أحدٍ رؤيتها، فهذا القيد معناه أنَّ الجحيم ترى لمن كانت الرؤية فيها مصلحةً بالنسبة إليه.
الوجه الرابع: أن نفهم من (يرى) تجدّد الرؤية بعد الغفلة والعمى، يعني: أنَّها ظهرت بعد الاختفاء لمن أصبح يرى ولم يكن يرى، وأمّا من كان يرى سلفاً فالآية ساكتةٌ عنه؛ لأنَّه يرى باستمرارٍ.
وهل جهنّم مخلوقةٌ الآن؟
قال في “الميزان”(2): والآية ظاهرةٌ في أنَّ الجحيم مخلوقةٌ قبل يوم القيامة، وإنَّما تظهر يومئذٍ ظهوراً يكشف الغطاء عنها.
وهناك خلافٌ بين بعض مذاهب المسلمين في أنَّ الجنّة والنار هل هما مخلوقتان الآن أم لا؟
وقد يظنّ البعض أنَّ خلقها الآن لا فائدة منه؛ لعدم دخول أحدٍ فيها،
ــــــ[388]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 72.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 192، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
إلَّا أنَّ ظواهر الكتاب والسنّة تؤكّد على أنَّهما مخلوقتان.
أقول: وهذا استدلالٌ منه على الذين ينكرون خلق النار والجنّة قبل يوم القيامة، وهو معنىً لطيفٌ ما لم نفهم من معنى البروز الخروج من كتم العدم إلى نور الوجود، أو ما يعمّ الإثبات والثبوت. فالثبوت عبارةٌ عن الوجود بعد العدم، والإثبات الكشف والرؤية، فلا تكون الآية دالّةً على ما قاله، بالرغم من أنَّنا نؤمن بأنَّها مخلوقةٌ قبل يوم القيامة؛ لأنَّ الآية تكون بمعنى: (وجدت الجحيم لمن يرى). وبالإمكان أن نفهم من الجحيم معانٍ أُخرى؛ فإنَّها وإن كانت من أسماء جهنّم، لكن لا يتعيّن فيها دائماً.
فقد يُراد بالجحيم البلاء الدنيوي الظاهري أو الباطني الشخصي أو الاجتماعي، فتعني أنَّ شخصاً أدخله الله في جحيم الدنيا، أي: في بلاء الدنيا، ويُقال: إنَّ فلاناً في جحيمٍ، أي: في صعوبةٍ شديدةٍ وبلاءٍ شديدٍ.
أو يُراد بالجحيم ظهور نقص الإنسان: كجهله أو غفلته، والنقص بهذا المعنى جحيمٌ، فيعرف الإنسان كونه جاهلاً أو غبيّاً أو فاسقاً ونحو ذلك.
كما يمكن أن يكون الجحيم تعبيراً عن أيّ متسلّطٍ، كالأب أو رئيس العشيرة أو المجتمع، فقد يكون في أوّل أمره متسامحاً لمن يحكمه ويطيعه، ثُمَّ يظهر طبيعته النفسيّة الحقيقيّة من القسوة والتسلّط وغيره.
فإن قلت: كيف يمكن الحمل على هذه المعاني مع وجود قرينةٍ متّصلةٍ تخصّه بمعنى جهنّم الأُخرويّة، وهي قوله بعد ذلك: {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى}(1)؟
قلنا: الأمر ليس كذلك؛ إذ بالإمكان أن نحمل كلا اللفظين على كلّ
ــــــ[389]ــــــ
(1) سورة النازعات، الآية: 39.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المعاني المذكورة، فالجحيم هي المأوى أيضاً، فتنطبق عليها المعاني المذكورة، كما تنطبق على (برّزت الجحيم)، وخاصّةً إذا فهمنا من المأوى مطلق المأوى، فالأمر مقصودٌ على فهمنا للمأوى وماذا نفهم من المأوى.
فإذا أراد المأوى المطلق فيُراد به الجحيم المطلق التي هي جهنّم، وتكون القرينة على أنَّ (جحيم) الأُولى هي جهنّم أيضاً، لكنّه إذا أراد مطلق المأوى، فهو أيّ صفةٍ تغلب على الإنسان، فالجهل مأوى، والبلاء مأوى لمن يكون فيه، فحينئذٍ لا يتعيّن أن يكون المراد من الجحيم جهنّم خاصّة.
ثُمَّ إنَّنا نعلم أنَّ جهنّم نفسها قد لا تكون مأوى مؤبّداً أو مأوى مطلقاً، بل في الإمكان الخروج منها إجمالاً، ولربما أكثر سكّان جهنّم يخرجون منها برحمةٍ من الله. وهناك رواياتٌ ضعيفةٌ(1) تشير إلى خروج جميع ساكني أهل جهنّم حتّى تصطفق أبوابها كأنَّها خاليةٌ، فكلّ جحيمٍ بحصصه إنَّما هو مأوى مؤقّتٌ حتّى جهنّم الأُخرويّة.
وتوجد فكرةٌ في المقام، وهي أنَّ المعاندين يبقون في جهنّم مؤبّداً، لكن بنحو الإخبار لا الإمكان، بمعنى: أنَّ الله إذا أراد إبقائهم في جهنّم إلى الأبد فهو ليس بظالمٍ لهم، ولكن هذا لا يعني: أنَّهم فعلاً لا يخرجون من النار. ويُحتمل في حقّهم نوعٌ آخر من الرحمة لهم، وهو محتملٌ فلسفيّاً، أي: زوالهم بمعنى إعدامهم، لا أنَّهم يذهبون إلى الجنّة، بل يخرجون من النار بزوال ذواتهم. وربّما يستدلّ على ذلك بقوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ}(2). وكذا أهل الجنّة فإنَّهم ينالون ثوابهم وزيادةً، ثُمَّ تزول ذواتهم وينعدمون.
ــــــ[390]ــــــ
(1) أُنظر: بحار الأنوار 8: 346، أبواب المعاد وما يتبعه ويتعلّق به، الباب 26، الحديث 3.
(2) سورة هود، الآية:107.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وبالعودة إلى قوله تعالى: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى} فإن قرأت (بَرَزت الجحيم) فالجحيم هي الفاعل، وإن قرأت: (بُرّزت الجحيم) فالجحيم نائب فاعلٍ، ومعنى ذلك أنَّ فاعلها مجهولٌ في الآية الكريمة. فمن هو الفاعل؟ ومن المؤكّد أنَّ السؤال هنا عن الأسباب، وإلّاَ فإنَّ الله تعالى هو الفاعل الحقيقي، وهو مسبّب الأسباب.
وإذا نظرنا إلى الأسباب فالفاعل يختلف بالنسبة إلى اختلاف تفسير الجحيم، فإذا كانت الجحيم هي جهنّم كما هو المشهور، فالمبرز لها هم الملائكة الموكّلون بها، كما تنصّ على ذلك بعض الروايات(1)، وكذلك إذا كان إبراز جهنّم بزيادة حرارتها وعذابها. وإذا فسّرنا الجحيم بالبلاء الدنيوي، فإنَّ البشر أنفسهم يكونون أسباباً لإحداث البلاء لبعضهم البعض، فالذي يكون سبباً لحدوث البلاء يكون هو المبرز للجحيم بهذا المعنى.
****
قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى}:
أقول: سبق منّا تفسير الطغيان في قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}(2)، وقد فسّره الراغب(3) بأنَّه تجاوز الحدّ في العصيان؛ حيث يتوهّم أنَّ للعصيان حدّاً غالبياً للناس، فإذا تجاوزه كان الفرد طاغياً.
أقول: وهذا الفهم العرفي ممنوعٌ شرعاً؛ لأنَّ المطلوب من كلّ فردٍ على
ــــــ[391]ــــــ
(1) راجع الأحاديث والأخبار الواردة في باب حقيقة الملائكة وصفاتهم وشؤونهم وأطوارهم من بحار الأنوار 56: 144-245.
(2) سورة النازعات، الآية: 17.
(3) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 314، مادّة (طغي).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الإطلاق الورع وتطبيق الشريعة بالكامل.
[قوله: وَآثَرَ]
وأمّا بالنسبة إلى قوله: {وَآثَرَ} فقد أفاد الراغب(1): أنَّ أثر الشيء حصول ما يدلّ على وجوده من قبيل: أثر الإنسان بإقدامه يُقال: أثر وآثر، والجمع الآثار. قال تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ}(2)، {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ}(3). ثُمَّ قال: ويُستعار الأثر للفضل بحسب ذوق العرب؛ لأنَّ الفضل له أثره على المتفضّل عليه، ويُستعار للإيثار. وقوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ}(4) أي: يفضّلون غيرهم. وقال: {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ}(5) أي: فضّلك. وقال: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}(6) أي: تفضّلون الحياة الدنيا. والاستئثار التفرّد بالشيء دون غيره، ورجل أثر يستأثر على أصحابه.
[هل إنَّ (أثر) و(آثر) موضوعان بوضعين مستقلّين أم بوضعٍ واحدٍ]
سؤال: هل إنَّ (أثر) و(آثر) لفظان موضوعان بوضعين مستقلّين أم إنَّهما موضوعان بوضعٍ واحدٍ أصلي مشتركٍ بين المجرّد والمزيد؟
قد يكون (أثر) موضوعاً لما يدلّ على حصول الشيء، و(آثر) موضوعاً للتفضيل، وليس هو من المشترك اللفظي؛ لأنَّ أحدهما مجرّدٌ والآخر مزيدٌ، وإذا أردنا أن نرفع هذا الاحتمال فنقول: إنَّ المادّة واحدةٌ، ولها وضعان مختلفان، فنرجع معنى المادّة الثانية إلى الأُولى الذي هو الأصل، بمعنى: أنَّه
ــــــ[392]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 5، مادّة (أثر).
(2) سورة المائدة، الآية: 46.
(3) سورة الروم، الآية: 50.
(4) سورة الحشر، الآية: 9.
(5) سورة يوسف، الآية: 91.
(6) سورة الأعلى، الآية: 16.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أخذ الفضل واختصّ به، فيكون الفضل مؤثّراً بالنسبة إليه، فيرجع معنى الفضل إلى الأثر.
ثُمَّ إنَّنا نلاحظ أنَّ القرآن دائماً يذكر (الحياة الدنيا) ولم يقل: (الدنيا) مجرّدةً عن الحياة، والتعبير بالحياة الدنيا له عدّة تخريجات، منها: أنَّها الحياة الأقرب إلى إحساسنا ومعيشتنا، فهي أدنى أي: أقرب، والآخرة أبعد. ومنها: أنَّها الحياة المتدنيّة بالشرف والكمال إلى حدّ السفالة، وهي عالم الشهوات والعصيان والذنوب والقصور والتقصير.
والظاهر: أنَّ هذا المعنى الثاني هو المقصود؛ لأنَّه لو كان الأوّل مقصوداً لأصبحت الآخرة دنيا، فالدنيا الآن مثلاً قريبة إلى الإنسان، فتكون هذه دنيا؛ لأنها قريبةٌ، فإذا ذهب إلى الآخرة تصبح الآخرة قريبةً، فتكون دنيا؛ لأنَّها أقرب. ومعنى ذلك: أنَّ لفظ (الدنيا) موضوعٌ لهذا العالم فقط، أي: إنَّه لا يشترك مع الآخرة.
والحياة الدنيا بطبعها العامّ متدنيّةٌ في الشرف والكمال؛ لأنَّها مخلوطةٌ بالشهوات والذنوب، وإن كان هذا العالم بالدقّة يتحمّل كثيراً من المستويات، فليس كلّ من عاش في الدنيا فهو من أهل الدنيا أو ممّن أحبّها وآثرها؛ لوضوح وجود المعصومين والأنبياء والأولياء فيها. وحينئذٍ لابدّ أن يكون المقصود من الحياة الدنيا هو خصوص دنيا الذنوب والشهوات، أي: النظر إلى هذه النشأة من هذه الزاوية، فتكون هي الحياة الدنيا، فإذا تكامل الفرد وخرج من ذنوبه وعيوبه وشهواته، فقد خرج من الحياة الدنيا إلى الحياة الفضلى، وهو في هذا العالم وفي هذه الأرض.
ومعه فإيثار الحياة الدنيا يكون بإيثار وتفضيل الشهوات والملذّات
ــــــ[393]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
واتّباع المحرّمات: إمّا دائماً أو غالباً أو حتّى قليلاً، فيكون هؤلاء ممّن خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً، فهم في الحياة الدنيا، أي: الحياة المتدنيّة، وإنَّما يخرج منها من يتمحّص للصلاح والخير.
****
قوله تعالى: {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى}:
قال العكبري(1): أي: هي المأوى له، والضمير يعود على (مَنْ).
[ملاحظتان في هذه الآية]
أقول: هاهنا ملاحظتان:
الملاحظة الأُولى: أنَّه لا يتعيّن تكملة السياق بالجارّ والمجرور (له)؛ لأنَّ زيادة اللام المقدّرة بلا موجبٍ، بل نقول: (مأواه)، وهذا لا يستلزم تجريد المعرّف عن تعريفه؛ لأنَّك قد تقول: كيف يتمّ الجمع بين الألف و اللام والإضافة في لفظٍ واحدٍ؟
فنقول: نعم، هذا متعذّرٌ، لكن الإضافة هنا ليست لفظيّةً بل معنويّةً، وهي كافيةٌ، ولا حاجة إلى تقدير (له).
ثُمَّ إنَّه عبّر عن (المأوى) مع ألف ولام التعريف لأجل التهويل والتأديب، فلو قال: (مأواه)، لكان تعبيراً بسيطاً نسبيّاً، فقال: (المأوى)، وكذلك لحفظ النسق القرآني، كما لا يخفى.
[لماذا دخلت الفاء على جواب الشرط في الآية الكريمة]
الملاحظة الثانية: أنَّ العكبري(2) يعتبر (من) في قوله: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى} مبتدأ، وجملة {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} خبره، فلذا احتاج الخبر إلى ضميرٍ في نظره يعود إلى المبتدأ، مع أنَّ سياق الجملة هو الجملة الشرطيّة {فَأَمَّا مَنْ طَغَى}
ــــــ[394]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 281، سورة النازعات.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
{فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى}، والفاء واقعةٌ في جواب الشرط، والمعنى يؤيّد ذلك، وكأنَّه يقول: إذا طغى وآثر الحياة الدنيا فإنَّ الجحيم هي المأوى، مضافاً إلى أنَّ الفاء لا تدخل على الخبر.
و(أمّا) حرف تفصيلٍ، والآية الكريمة واضحةٌ في التفصيل بين الفئتين بين من طغى وآثر الحياة الدنيا، وبين من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى.
فإن قلت: إنَّ شرط الجملة الشرطيّة يجب أن يكون جملةً بالمعنى النحوي: إمّا فعليّةً أو اسميّةً، أو يكون معنىً تصديقيّاً بالمعنى الأُصولي والمنطقي، أي: نسبةً تامّةً تصديقيّةً، كما في قولنا: إذا طلعت الشمس فالنهار موجودٌ، فطلعت الشمس هي جملة الشرط، وهي جملةٌ تامّةٌ ومعنى تصديقي. ويُلاحظ: أنَّ الآية لا يوجد فيها نسبةٌ تامّةٌ أو جملةٌ تامّةٌ في جانب الشرط، وإنَّما توجد فيها نسبةٌ ناقصةٌ {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} فبعضها قيودٌ للبعض الآخر، وجميعها نسبٌ ناقصةٌ، فالشرط يصبح مفهوماً تصوّريّاً، ولا يوجد فيه نسبةٌ تصديقيّةٌ، فلا يصلح أن يقع شرطاً في الجملة الشرطيّة، فالأَولى إذن أن نعربه مبتدأً، ويكون الحقّ مع ما قاله العكبري آنفاً.
قلنا: جواب ذلك من وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ دخول الفاء على الجملة المتأخّرة ينافي كونها خبراً، وهذا قرينةٌ متّصلةٌ على كون الجملة جزاء شرطٍ لا خبراً.
الوجه الثاني: أنَّهم قالوا في القواعد العربية: إنَّ (مَنْ) تأتي شرطيّةً، كما في قوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ}(1)، وفي الآية قال: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى … فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى}، فـ(مَنْ) الشرطيّة يبدو أنَّها لا تأخذ الفاء في جوابها، إذن
ــــــ[395]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 123.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لماذا دخلت الفاء على جواب الشرط في الآية الكريمة؟
أقول: الظاهر من بعض المصادر العربيّة أنَّه لا منافاة بين الشرطيّة والموصوليّة، فـ(مَنْ) اسم موصولٍ في عين أنَّه أداة شرطٍ، نحو قولنا: إلى مَنْ تذهب أذهب معك، فهي هنا اسم موصولٍ، وفي عين الوقت هي شرطيّة، وعليه ففي الإمكان أن تكون في الآية شرطيّةً ومبتدأً في نفس الوقت، ويكون جوابها خبراً وجزاءً للشرط في الوقت نفسه.
[أطروحات للكلام في الفاء]
بقي الكلام في الفاء، وفيها عدّة أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: أنَّها واقعةٌ في جواب الشرط، فإنَّ الجملة من المحتمل أن تكون خبراً للمبتدأ، وهذا صحيحٌ، فتكون الفاء للتأكيد على شرطيّتها، وإيضاح ذلك لعدم إمكان دخول الفاء على الخبر.
الأُطروحة الثانية: أنَّ الفاء واقعة في جواب (أمّا) التفصيليّة، ولا ربط لها بـ(مَنْ) حتّى لو كانت شرطيّةً؛ لأنَّ (مَنْ) لا تأخذ الفاء في جوابها، لكن (أمّا) تأخذ الفاء، كقولنا: أمّا الشياطين فمعذبون، وقد قالوا في القواعد العربية: إنَّ (أمّا) حرف شرطٍ وتفصيلٍ، والدليل على شرطيّتها لزوم الفاء بعدها، نحو قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ}(1). فلو كانت الفاء للعطف لم تدخل على الخبر؛ إذ لا يعطف الخبر على المبتدأ، ولو كانت زائدةً لصحّ الاستغناء عنها، وعليه يتعيّن كونها فاء الجزاء.
الأُطروحة الثالثة: أن تكون الفاء سدّت مسدّ الأمرين معاً، أي: إنَّ (أمّا) شرطيّة و(مَنْ) شرطيّة، وهما لا يأخذان فائين، وإنَّما يأخذان فاءً واحدةً في جواب الشرط، إلّاَ إذا قلنا: إنَّ (مَنْ) لا تأخذ الفاء في جوابها، فتكون الفاء
ــــــ[396]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 26.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
حينئذٍ لأجل إحدى الشرطيتين.
الأُطروحة الرابعة: أن تكون الفاء عاطفةً للترتيب؛ فإنَّ الجملة الأُولى بمنزلة العلّة والجزاء والجملة الثانية بمنزلة المعلول، كما تقول: سقط فانكسرت رجله، وكذلك نقول: إنَّه عصى وآثر الحياة الدنيا، فنحذف (أمّا) و(مَنْ) فكانت جهنّم هي مأواه، فالعصيان وإيثار الحياة الدنيا علّةٌ، وكون جهنّم مأواه معلولٌ، وقد أُشير إلى ذلك لغةً بوجود الفاء بين العلّة والمعلول، أو بين ما دلّ على العلّة وبين ما دلّ على المعلول.
[ما أفاده الراغب في معنى(المأوى)]
وأمّا (المأوى) فقد أفاد الراغب(1): أنَّ المأوى مصدر أوى يأوى أويّاً، تقول: أوى إلى كذا، أي: انضمّ إليه، وآواه غيره، يؤويه إيواءً، فالثلاثي منه غير متعدٍّ. أمّا المزيد أو الرباعي فمتعدٍّ كقوله: {آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ}(2) وتكون صيغة المزيد بتبديل الألف المهموزة بالألف الممدودة، أوى تصبح آوى.
قال تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ}(3) وهذا من الثلاثي، وليس له مفعولٌ، وقال تعالى: {آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ} وهذا من المتعدّي الذي يأخذ مفعولاً به.
وقوله: {جَنَّةُ الْمَأْوَى}(4) – والكلام للراغب- كقوله: دار الخلود، في كون الدار مضافة إلى المصدر، وقوله تعالى: {مَأْوَاهُمْ جهنّم}(5) اسم مكانٍ،
ــــــ[397]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 28، مادّة (أوى).
(2) سورة يوسف، الآية: 69.
(3) سورة الكهف، الآية: 10.
(4) سورة النجم، الآية: 15.
(5) سورة آل عمران، الآية: 197، وسورة النساء، الآيتان: 97 و121، وسورة التوبة، الآية: 73.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أي: محلّهم في جهنّم، وآوى إليه أخاه أي: ضمّه إلى نفسه.
[تعليقٌ على ما أفاده الراغب في معنى(المأوى)]
أقول: إنَّ المأوى لا يصلح أن يكون مصدراً، كما زعم الراغب، بل هو اسم مكانٍ أو زمانٍ فقط، ومنه جنّة المأوى، أي: الجنّة التي هي مكان الإوى أو الإيواء، وليست هي مضافةً إلى مصدرٍ كـ(دار الخلود).
ثُمَّ إنَّ الراغب أخذ مفهوم الضمّ في معنى الإيواء، حيث قال: آوى إليه أخاه، أي: ضمّه إليه، فالإيواء هو الضمّ.
أقول: إنَّ الإيواء ليس هو الضمّ، بل هو اللبث المتطاول أو السكن في المكان بمعنى المكث فيه أو اللبث فيه، كقولنا: أوى إلى البيت أو الغرفة أو المسجد، ومعنى (آوى إليه أخاه) أي: أدخله في داره وأسكنه فيها، وليس هو مجرّد الانضمام. وقوله: {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي}(1) أي: أمكث فيه مدّةً ليعصمني من الطوفان.
ثُمَّ إنَّه لم يُؤخذ معنى التأبيد والتوقيت في مفهوم المأوى، فيمكن أن يكون المأوى مؤبّداً أو محدّداً بوقتٍ، وواضحٌ أنَّه لا يدلّ على التأبيد لا في الجنّة ولا في جهنّم.
[الضمير (هي) في قوله (هي المأوى)]
وأمّا الضمير (هي) في قوله (هي المأوى) فهو ضمير فصلٍ وجوده ضروري؛ لحفظ السياق والنسق القرآني.
ومن الواضح أنَّ الجحيم موعودٌ لمن اتّصف بكلا الوصفين {طَغَى* وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}، كما نقول في الشرطيّة: إذا طلعت الشمس النهار موجودٌ مثلاً، أو إذا جاء من الحجّ وجلب لك هديّةً فأكرمه، فالشرط ليس هو المجيء من الحجّ فقط، بل كلا الأمرين، وهذا هو الظاهر من الآية، وإلّاَ قد نفهم من
ــــــ[398]ــــــ
(1) سورة هود، الآية: 43.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
دليلٍ خارجي أنَّ الطغيان وحده يكون موجباً لدخول الجحيم، لكن هذا من مقدّمةٍ خارجيّةٍ لا من ظاهر الآية. لكنّ الوصفين (الطغيان وإيثار الحياة الدنيا) متلازمان غالباً؛ لأنَّ كلّ من طغى فقد آثر الحياة الدنيا، وكلّ من آثر الحياة الدنيا فقد طغى غالباً.
والمهمّ أنَّ الطاغي أو المؤثر للحياة الدنيا يستحقّ من الجحيم بدرجة طغيانه وإيثاره الحياة الدنيا؛ لأنَّ الطغيان وإيثار الحياة الدنيا مفهومان مشكّكان لهما درجاتٌ مختلفةٌ.
[لماذا دمج بين الطغيان وإيثار الحياة الدنيا]
وهنا يرد سؤال مفاده: لماذا دمج بين الطغيان وإيثار الحياة الدنيا؟
وجوابه: من الواضح أنَّ إيثار الحياة الدنيا ملحوظاً وحده وبعنوانه التفصيلي ليس جريمةً يستحقّ عليها العقاب، وإنَّما يكون ذلك جريمةً وذنباً في طول وجود الشريعة، أي: بعد أن هدانا الله ورسوله للأعمال الموصلة للآخرة، وأنَّها هي الخير وهي الحيوان، فيكون إيثار الحياة الدنيا دالاً بالملازمة على ترك تلك الأعمال، ومن ثُمَّ عصيان الشريعة الإلهيّة.
فإن قلت: إنَّنا فسّرنا الحياة الدنيا سابقاً بحياة الشهوات، والشهوات باطلةٌ على كلّ حالٍ، حتّى مع غضّ النظر عن الشريعة.
قلنا: لا يصدق العصيان إلّاَ في طول الشريعة وحصول أوامرها ونواهيها، وأمّا إذا لم تكن هناك شريعةٌ فلا عصيان، وتكون من السالبة بانتفاء الموضوع.
فإن قلت: إنَّ العقل العملي له تعاليم في التحسين والتقبيح، وعصيانه يؤدّي إلى الهلاك، وكذلك مجتمع العقلاء له موازين معتبرةٌ ولطيفةٌ، فلابدّ من الالتزام بها، وإلّاَ سيتحقّق العصيان.
ــــــ[399]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قلنا: إنَّ كلّ هذه الأُمور مع عدم وجود الشريعة لا توصل إلى عذاب الآخرة، وإنَّما الذي يوصل إلى {الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} هو عصيان الشريعة الإلهيّة.
وكذلك من الجانب الآخر نستطيع القول: إنَّه مع وجود الشريعة لا أهمّيّة للعقل والعقلاء، وإنَّما المهم هو الشريعة، وضمّ أحدهما إلى الآخر كضمّ الحجر إلى الإنسان، فهل يكفي مثلاً في شخصٍ تابعٍ لحكم العقلاء وهو عاصٍ للشريعة أن نحكم بنجاته من العذاب؟ كلا.
وعلى أيّ حالٍ كان لابدّ من الدمج والعطف بين الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، فهذا بمجموعه يكون موجباً لدخول الجحيم؛ لأنَّ الطغيان يساوق الذنب، بل يدلّ عليه بالمطابقة، وأمّا إيثار الحياة الدنيا فدالٌّ على الذنب بالالتزام، ومع اجتماعهما تكون العقوبة أوضح وأكثر استحقاقاً.
****
قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى}:
[في مادة (المقام)]
يُستفاد من بعض المصادر(1): أنَّ (المقام) مصدرٌ ميمي، أو اسم زمانٍ أو مكانٍ، وجميع ذلك محتملٌ في الآية، كما سيأتي، كما أنَّ إضافة (الربّ) إليه يمكن أن تكون بمعنى إضافة الفاعل أو إضافة المفعول، فتكون هناك ستّة احتمالاتٍ نذكرها لاحقاً، مضافاً إلى أنَّ معنى (الربّ) يختلف عن اسم الجلالة (الله) ويمكن أن نفسّره بمعانٍ أُخرى على نحو الأُطروحات، فتزداد الاحتمالات في تفسير الآية.
ــــــ[400]ــــــ
(1) أُنظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 14: 114، تفسير سورة الرحمن، وغيره.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
هذا مضافاً إلى إمكان تفسير مادّة (المقام) بعدّة تفسيراتٍ، وبذلك أيضاً تزداد احتمالات تفسير الآية.
[إشكال المشهور في معنى قوله: مَقَامَ رَبِّهِ]
وقد استشكل المشهور(1) في معنى قوله: {مَقَامَ رَبِّهِ}؛ إذ إنَّ المقام قد يكون لاسم المكان، والله سبحانه وتعالى لا مكان له جزماً، فكيف قال: مقام ربّه؟! فاحتاجوا إلى شيءٍ من التأويل، وقالوا بأنَّ المراد من المقام شيءٌ آخر ينسجم مع كون الله سبحانه وتعالى لا مكان له.
أقول: إنَّ هذا التأويل لا حاجة له في الأساس؛ إذ لا يتعيّن ابتداءً أنَّ المقام هو المكان الحسّي أو المادّي، ولعلّ استعمالات المقام في القرآن كلّها في المقام المعنوي لا المادّي، كقوله تعالى: {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا}(2) فليس المراد القيام مقامهما بمكانهما المادّي، وإنَّما المراد أنَّهما يعملان عملهما ويتكفّلان مسؤوليّتهما، وهو المقام المعنوي. ونحوه قوله تعالى: {إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ}(3) فليس المراد منه مكانه المادّي أو الحسّي، كما لا يخفى.
والمقام في اصطلاح أهل المعرفة(4) يمثّل بعض درجات الكمال، فكلّ درجةٍ في الكمال هي مقامٌ، وعليه يحمل قوله تعالى: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ}(5)
ــــــ[401]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 207-208، تفسير سورة النازعات، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 15: 237، تفسير سورة النازعات، وغيرهما.
(2) سورة المائدة، الآية: 107.
(3) سورة يونس، الآية: 71.
(4) راجع ما أفاده المحقّق عبد الرزّاق القاساني في شرح مقدّمة منازل السائرين: 15-32، وسر إليها وتحقّق بها، والله الهادي.
( 5) سورة الصافات، الآية: 164.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فالملائكة وكذلك البشر المؤمنون كلٌّ له مقامٌ معلومٌ، وكذلك المعصومون، ويدلّ عليه قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ}(1) أي: ليس كلّهم في مقامٍ واحدٍ.
[أقسام في المقصود من المقام]
وعلى أيّ حالٍ فالأقسام المقصودة وإن كانت كثيرة، إلَّا أنَّنا نحصرها في أربعةٍ؛ لأنَّ المقام إمّا اسم مكانٍ، ويلحق به اسم الزمان من هذه الناحية، وإمّا مصدرٌ مضافٌ، والإضافة إمّا فاعليّةٌ كما في (ضَرْب زيدٍ) أي: الضرب الذي صدر من زيدٍ، أو مفعوليّة بمعنى الضرب الذي وقع على زيدٍ، فهنا أربعة أقسامٍ:
القسم الأوّل: أن يكون المقام اسم مكانٍ، والإضافة فاعليّةً، كما هو الفهم المشهور، بمعنى الأهمّيّة التي يمثّلها الله سبحانه وتعالى تجاه عبده، وهي عبارةٌ عن القهّاريّة والسيطرة التامّة، وهي أهمّيّة بالغة الخطورة، فخاف مقام ربّه، أي: أدرك هذا المعنى وخافه.
القسم الثاني: أن يكون المقام اسم مكانٍ والإضافة مفعوليّةً، أي: مقام ذنبه أمام ربّه وجرأته عليه وعصيانه له، فالربّ يكون مُعصى ومجترءاً عليه، فيكون بمنزلة المفعول، والإضافة مفعوليّةٌ.
فإن قلت: إنَّ الاجتراء لا يصدر من المؤمنين الطيبين.
قلنا: نعم، لا يصدر، ولكن لكل مستوى من الإيمان ذنوبه الخاصّة به ولو الذنوب الدقّيّة، فيكون بمعنى من المعاني عصياناً واجتراءً ولو بزعم المؤمن نفسه لنفسه.
القسم الثالث: أنَّ يكون المقام مصدراً والإضافة فاعليّةً، بمعنى عقاب
ــــــ[402]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 55.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ربّه أو عظمة ربّه ونحو ذلك.
القسم الرابع: أن يكون المقام مصدراً والإضافة مفعوليّةً، بمعنى طاعة ربّه والتوجّه إليه والتوسّل به، أي: إنَّ الربّ هو المطاع وهو المتوسّل به، بمعنى اسم المفعول، ويرجع معنى الخوف حسب هذا التفسير إلى الخوف من ترك هذه الطاعة وهذا التوجه؛ لأنَّ النفس الأمّارة بالسوء موجودةٌ على أيّ حالٍ، فالخوف من ترك مقام الطاعة والتوجّه موجودٌ.
وبناءً على ذلك فإنَّ الإشكال الذي ذكره المشهور من: أنَّ المقام المادّي أو الجسماني لا ينسجم مع الله سبحانه وتعالى لا يكون وارداً إلّاَ على القسم الأوّل، وأمّا على الأقسام الثلاثة الأُخرى فهو من السالبة بانتفاء الموضوع.
بل يمكن القول: إنَّه حتّى بناءً على القسم الأوّل لا يرد ما ذكره المشهور؛ وذلك بعد ملاحظة عدّة مستوياتٍ:
المستوى الأوّل: أنَّنا نجزم يقيناً بعدم إرادة المقام المكاني، وأنَّ الفهم العرفي الغالب لاستعمال لفظ المقام ليس هو المقام المكاني وإن كان أصل اللغة على ذلك.
المستوى الثاني: أن يراد بالمقام أهمّيّة الله سبحانه وتعالى وعظمته ومسؤوليّته وطاعته، ويكون الخوف منها بحسب ما يناسبها من الحال، كخوف الابتعاد منها أو التورّط بالقصور أو التقصير تجاهها ونحو ذلك.
المستوى الثالث: يمكن القول: إنَّه لا يُراد بمادّة (الربّ) الله سبحانه وتعالى؛ فإنَّ ربّ كلّ شيءٍ مالكه والمسيطر عليه والمطاع فيه، فربّ الأُسرة أبوها، وربّ المكتب مديره، وربّ العشيرة رئيسها، فلا يكون الحديث في الآية عن الله سبحانه وتعالى، فيرتفع الإشكال.
ــــــ[403]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فإن قلت: إنَّ الإنسان يخاف الله ويخشاه، فإذا فسّرنا الربّ بغير الله سبحانه وتعالى، فسوف لا يكون لهذا الربّ المقام الأعلى الذي يستحقّ الخوف والخشية.
قلنا: نستطيع أن نفسّر الربّ بغير الله سبحانه، ومع ذلك يكون الخوف من الله سبحانه وتعالى، فيكون مردّ الخوف الموعود عليه بالجنّة إلى الخوف من الله سبحانه، فالتورّط مع بعض هؤلاء الناس تورّط في معصية الله سبحانه.
نعم، لو اختصّ المقصود بالله سبحانه وتعالى وكان المراد مقامه المعنوي كما هو المشهور والأرجح، كانت الآية ظاهرةً في ربوبيّة الله سبحانه وتعالى دون غيره، والربوبيّة اسمٌ من أسمائه الحسنى أو صفةٌ من صفاته، وليس كلّ صفاته منحصرةً في الربوبيّة، ولذا لم يقل: (خاف مقام الرحمن) أو (مقام الرحيم) أو (مقام الغفور)، وإنَّما قال: (مقام ربّه)، فيكون المقصود جانب العظمة والسيطرة والقهّاريّة التي هي بالمعنى التشريعي وجوب الطاعة، فتشير بالتالي إلى مسؤوليّة العبد تجاه ربّه، فإذا خاف العبد هذه الجهة يكون إنساناً صالحاً من أهل الجنّة.
قال في “الميزان”(1): وقيل: المراد بمقام ربّه: مقامه من ربّه يوم القيامة حين يسأله عن أعماله.
[تعليقان على ما قاله صاحب الميزان: في المراد بمقام ربّه]
أقول: هاهنا تعليقان:
التعليق الأوّل: أنَّ الإضافة -حسب هذا المعنى- تكون مفعوليّةً لا فاعليّةً، كأنَّ القائم هو العبد، والله تعالى أمامه.
التعليق الثاني: أنَّه إذا ورد الإشكال على المقام المكاني في الدنيا يرد أيضاً
ــــــ[404]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 193، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
على المقام في الآخرة؛ لأنَّ العبد لابدّ أن ينتهي إلى الله سبحانه وتعالى {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى}(1) فالمسألة في كلّ المستويات تكون محلّ إشكالٍ، وبكلّ المستويات تجاب بنفس الجواب، فلا حاجة إلى أن نفسّر ذلك المقام بمقام العبد في الآخرة، بل كلّ مقامٍ أمام الله سبحانه فهو ليس بمكاني ولا مادّي، سواءً في الدنيا أم في الآخرة، فلا حاجة إلى حصر المطلب في يوم القيامة أو يوم الحساب.
وقال في “الميزان”(2) أيضاً: وقيل: معنى (خاف مقام ربّه) خاف ربّه بطريق الإقحام.
والمعنى: أنَّ هناك نكتةً أدبيّةً في التعبير، كما في قوله تعالى: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ}(3) والمراد: أكرميه؛ لأنَّ إكرام المثوى لا يعني إكرام الشخص، فأقحم كلمة المثوى في العبارة لأجل جهةٍ أدبيّةٍ، فيكون المعنى: خاف ربّه، وليس مقام ربّه.
ثُمَّ إنَّ الفعل (خاف) قد يتعدّى بنفسه، فنقول: خافه، وقد يتعدّى بالحرف، فنقول: خاف منه، وكلاهما صحيحٌ، لكن الآية قالت: (خاف مقام ربّه)، أي تعدّى بنفسه بدون حرفٍ، وهو أولى للسياق القرآني.
****
قوله تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى}:
الهوى هنا وإن كان مصدراً، إلّاَ أنَّه قد يُراد به متعلّق الهوى، أي: ما يريده هوى النفس، وأمّا نفس الهوى فالفهم المشهور يقول: إنَّه غير اختياري.
ــــــ[405]ــــــ
(1) سورة النجم، الآية: 42.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 193، تفسير سورة النازعات.
(3) سورة يوسف، الآية: 21.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
نعم، يستطيع الإنسان أن يعصي نفسه ولا يعطيها ما تريد، أمّا نفس الإرادة والهوى فهو شيءٌ تكويني وتلقائي، وكلّ ما باليد هو ترك متعلّقه لا تركه هو.
وهذا الفهم ناشئٌ من استبعاد النهي عن نفس الهوى والرغبة والإرادة، ولكن نستطيع القول: إنَّ هذا صحيحٌ في بعض المراتب والمقامات الوسطى أو المتدنّية، لكن قد يصل الفرد إلى حدٍّ يستطيع فيه السيطرة حتّى على هواه، فلا تهوى النفس شيئاً من الدنيا إطلاقاً؛ لما ترى فيه من التردّي والتسافل والنزول، فينهى النفس عن الهوى لا عن متعلّق الهوى.
ويؤيّد ذلك أنَّنا لو فهمنا معنى المتعلّق، لكان الاستعمال مجازاً أو بتقدير مضافٍ، كأن نستعمل الهوى كمصدرٍ في متعلّقه، وهو نحوٌ من المجاز، ونستعمل معنى المصدر بمعنى اسم المفعول، أي: المهوي والمراد، وهذه التقديريّة والمجازيّة كلاهما خلاف الأصل.
[هل الهوى بمعنى المصدر أو اسم المصدر]
نعم، يبقى السؤال الرئيسي هنا: أنَّ الهوى هنا هل بمعنى المصدر أو اسم المصدر؟ ومعنى اسم المصدر أي: نفس الهوى والشهوة والإرادة، ومعنى المصدر يعني: أنَّ تصدّي النفس لمثل هذه الأُمور ممنوعٌ، ينهى عنها صاحبها. وكلا المعنيين يناسب لفظ المصدر في اللغة العربية، كما أنَّ كلاًّ منهما مناسبٌ مع النهي عنه في تلك المراتب العالية من المقامات.
أمّا النهي في قوله (ونهى) فالنهي أيضاً مصدرٌ، ويُراد به الجهة التكوينيّة، أي: ترك الهوى ومتعلّقاته، فالنهي ليس نهياً تشريعيّاً، بل هو عصيان النفس تكويناً وعدم تنفيذ ما تريد، ولكن استعمال النهي هنا جميلٌ جدّاً؛ وذلك لعدّة اعتباراتٍ:
ــــــ[406]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أوّلاً: أنَّ النفس تريد بعض الأُمور، فهو ينهاها عمّا تريده.
ثانياً: أنَّ النفس تنطق بطلبها، فهو ينهاها عن النطق ويأمرها بالسكوت.
ثالثاً: أنَّ النفس تأمره أمراً تشريعيّاً بما تريد، فهو ينهاها ويزجرها عن الأمر، ولو أطاعها كان عبداً لها، كما قال تعالى: {اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}(1) فالهوى يكون ربّاً والإنسان عبده، وليس عبداً لله سبحانه وتعالى.
[سؤالان مهمّان في الآية]
بقي في الآية سؤالان مهمّان.
السؤال الأوّل: ما هو متعلّق الهوى؟
قال المشهور: إنَّ متعلّق الهوى هو المحرّمات، فينهى النفس عن إرادة المحرّمات وعن ترك الواجبات، فإذا فعل ذلك كان ورعاً عادلاً، فتكون الجنّة هي المأوى له.
أقول: هذا وإن كان فهماً مشهوراً جيّداً، وهو الذي ينبغي إبلاغه للناس عموماً، ومن يتبعه يكون فعلاً من الناجين، إلّاَ أنَّه خلاف إطلاق الآية الكريمة، فكأنَّ الآية قالت بحسب إطلاقها: ونهى النفس عن كلّ ما تهواه، أي: عن أيّ شيءٍ خطر في النفس، فيشمل بإطلاقه كلّ مرغوبٍ، سواء كان من المحرّمات أو المكروهات أو المباحات، وهذا هو الأنسب بما فسّرنا به الفقرة الأُولى من الآية، وهي قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ}.
ومن هنا انفتح بحثٌ في علم الأخلاق عن انتفاء المباح للمؤمن، وأنَّ المؤمن ليس له شيءٌ مباحٌ، والأشياء بالنسبة إليه إمّا واجبةٌ وإمّا محرّمةٌ. وممّا
ــــــ[407]ــــــ
(1) سورة الجاثية، الآية: 23.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
يؤيّد ذلك ما روي من أنَّ “حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين”(1)؛ لأنَّ الأبرار عندهم رغباتٌ في الجملة، كما لو تصدّق شخصٌ يملك درهمين بدرهمٍ واحدٍ، فهذا حسنةٌ له. أمّا إذا تصدّق شخصٌ يملك الملايين بدرهمٍ، فهذا خزيٌ عليه، وهو مجرمٌ.
فالمسألة دائماً نسبيّةٌ، أي: إنَّ طاعات شخصٍ ليس بالضرورة أن تكون طاعاتٍ لشخصٍ آخر.
وعليه فالمطلوب في الآية هو نهي النفس عن كلّ رغباتها ما لم يكن الشيء ضروريّاً تتوقّف عليه الحياة، وهذا بابٌ آخر؛ لأنَّه سوف يصبح مطلوباً شرعاً. وبذلك تكون هذه الآية من أعظم الأدلّة وأوضحها على رجحان الزهد ومطلوبيّته في الشريعة على مستوى الاستحباب، إلَّا إذا كان نهي النفس عن الهوى المحرّم، فيتعيّن الوجوب.
السؤال الثاني: كيف ينهى الفرد نفسه؟
فإنَّ النهي معنىً إضافي متقوّمٌ بطرفين: الناهي والمنهي، ونفس الإنسان هي الإنسان نفسه، فهما طرفٌ واحدٌ لا يصدق منه النهي، فكيف صحّ ذلك في الآية؟
والجواب عنه نقضاً وحلاً.
أمّا نقضاً فبإيراد عدّة آياتٍ يصدق فيها هذا المعنى؛ لأنَّها مبنيّةٌ على تعدّد النفس والإنسان، كقوله تعالى: {اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}(2) أي: جعل إلهه نفسه،
ــــــ[408]ــــــ
(1) كشف الغمّة 2: 254، قصص الأنبياء: 47، وبحار الأنوار 25: 205، كتاب الإمامة، أبواب علامات الإمام وصفاته …، الباب 6، ذيل الحديث 16.
(2) سورة الجاثية، الآية: 23.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ}(1) وقوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ}(2).
وأمّا حلاً فباعتبار تعدّد ملكات الإنسان، وإذا أبرزنا التعدّد كفى ذلك في تصوّر طرفين للنهي، فهناك العقل وهناك الإرادة والقلب والنفس والحسّ المشترك، وهكذا. ومن الطريف أنَّ جملةً من هذه الملكات أعداءٌ مع بعضها البعض، وليست متّفقةً في القناعة، ومع ذلك فالله سبحانه وتعالى خلقها وركّبها ودمج بعضها في البعض الآخر، وأعطى إحساساً بالوحدة فيما بينها، ويقول الفرد: أنا، ويستخدمها جميعها. وهذه من آيات الله في خلقة الإنسان، كما قال: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}(3).
ومن هنا يشعر الفرد في جملةٍ من مراتب كماله المتدنّية بالصراع بين الحقّ والباطل في داخله، فالنفس تريد الباطل، والعقل يريد الحقّ، ويستمرّ الصراع الباطني إلى أن تفوز أحدهما، فيتمخّض الفرد في أحد هذين الجانبين ويموت الجانب الآخر، أو يقلّ تأثيره جدّاً، فقد يصبح الفرد باطلاً لا حقّ فيه (والعياذ بالله) وقد يصبح حقّاً لا باطل فيه، بعد أن كان مختلطاً من كلا الحالين.
وبذلك يتّضح كيف يحصل النهي عن الهوى بتعدّد الملكات، فالعقل قوّةٌ درّاكةٌ مدعومةٌ بالإرادة، فينهى النفس ويردعها عن شهواتها ونزواتها بمختلف المستويات: إمّا بمستوى المحرّمات أو المباحات، كما اتّضح أنَّ النهي عن المحرّمات بحسب التفسير المشهور إنَّما نهي مرحلي يستمرّ إلى أن تكون النفس قد يئست عن إرادة المحرّمات أو ترك الواجبات، فلا أمر لمن لا يُطاع،
ــــــ[409]ــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 28.
(2) سورة الشعراء، الآية: 3.
(3) سورة الشمس، الآيتان: 7-8.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لأنَّها يائسةٌ، فلا تأمرك.
وأمّا إذا عمّمنا الهوى إلى الهوى بالمباحات فيستمر الشوط أطول من ذلك بكثيرٍ إلى أن تيأس النفس حتّى عن الأمر بالمباحات.
ومن الواضح أنَّ الفرد بهذا المستوى ستكون الجنّة هي المأوى له، وهذه الجنّة تكون له على مستويين:
المستوى الأوّل: الجنّة الخارجيّة التي وعد الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين والصالحين بها.
المستوى الثاني: الجنّة الباطنيّة، وهي النفس بعد أن تكون طاهرةً ومشرقةً بنور ربّها؛ فإنَّها هي الجنّة لصاحبها؛ من حيث إنَّ الهوى والغفلة وأضرابهما إنَّما هو من فحيم جهنّم أو من مستويات الجحيم، فإذا زال كلّ ذلك أصبح الإنسان في الجنّة.
****
قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا}:
ومن هذه الآية الكريمة يبدأ سياقٌ جديدٌ في السورة، وكأنَّه نتيجةٌ لكلّ المطالب السابقة فيها التي أُشير فيها إلى الطاعة والمطيعين، والعصيان والعاصين؛ فإنَّهم جميعاً سيجتمعون في الساعة الموعودة لا محالة.
ومن جملة الحكم الإلهيّة في الساعة أنَّها من الأسرار التي لا يعرفها الناس، ولا يمكنهم الاطّلاع عليها، كما قال تعالى: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى}(1) فموعد يوم القيامة مكتومٌ، وهذا أمرٌ مشهورٌ ومعروفٌ. لكن لماذا كتم موعد يوم القيامة؟
ــــــ[410]ــــــ
(1) سورة طه، الآية: 15.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
طبعاً نحن لا نعرف الحكمة الحقيقيّة، لكن نتكلّم عن ذلك بمقدار مّا نستطيع أن نقوله في هذه المسألة، فنقول: إنَّ موعد يوم القيامة لو كان واضحاً ومعروفاً لكان بالإمكان تأخير التوبة؛ ليكون الفرد صالحاً عند حصول الساعة، وأمّا قبلها فهو عاصٍ ومذنب يفعل ما يشاء، ثُمَّ يتوب قبل حصولها مثلاً بوقتٍ قصيرٍ ويُحشر تائباً.
ومن المؤكّد أنَّ هذا ليس صحيحاً في التربية الدينيّة والنفسيّة والعقليّة، ولذا جعلت الساعة مجهولةً، فقد تأتيك صباحاً أو مساءً وفي أيّ نَفَسٍ، وفي كلّ نومٍ يمكن أن لا يقوم منه الإنسان، ومعه لا معنى لتأخير التوبة؛ لأنَّ الموت متوقّعٌ في أيّ لحظةٍ، وقيام القيامة متوقّعٌ في أيّ لحظةٍ، فإن كنت حريصاً أن تكون طيّباً أمام الله سبحانه فكن طيّباً دائماً؛ لأنَّه يراك دائماً، وعندما تكون الساعة محتملة الحصول في أيّ وقتٍ فلابدّ من المبادرة إلى التوبة وترك الموبقات ونهي النفس عن هواها؛ ليكون الفرد حاضراً ومستعدّاً للساعة، ويكون قابلاً للنجاة والفوز فيها إذا وقعت. ومن هنا يكون الكفّار والفسّاق وأهل الغفلة من المؤمنين متحيّرين في وقت حصولها، وقد يأتي بعضهم إلى النبي ويسأله عن موعدها؛ لأنَّ النبي أعظم مصدرٍ نتوقّع منه الجواب الحقيقي؛ لأنَّ علم القيامة لو وجد عند مخلوقٍ فهو عند النبي لا محالة، ولذا قال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ}(1).
إلّاَ أنَّه حتّى مع سؤالهم له فإنَّ المطلب يبقى سرّاً، فلا يجيب عنه النبي، وكذلك القرآن لا يجيب عنه، وحينئذٍ ينبغي الإصرار والاستمرار على الكتمان كما هو شأن الأسرار الإلهيّة العليا. وبالرغم من أنَّ موعد القيامة
ــــــ[411]ــــــ
(1) سورة النازعات، الآية: 42.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ليس من الأسرار العليا؛ لأنَّه موعدٌ تكويني، لكن مع ذلك فالله تعالى حريصٌ على كتمانه؛ لأنَّ الحكمة تقتضي ذلك، كما قال تعالى: {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً}(1) أي: لا تتوقّعوا أن تأتيكم بتوقّعٍ وانتظارٍ. فالمعنى: أنَّكم اسألوا أو لا تسألوا سواءٌ عليكم، والجواب هو التأكيد المتكرّر بعدم إمكان إعطاء النتيجة المطلوبة، فلذا يقول: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا}(2) أي: لا يوجد جوابٌ بتحديد وقتها أو زمان حصولها.
قال في “الميزان”(3): الظاهر: أنَّ التعبير بـ(يسألونك) لإفادة الاستمرار … وقد تكرّر في القرآن الكريم الإشارة إلى ذلك.
أقول: يعني: أنَّ المشركين بعدما سمعوا حديث القيامة كانوا يراجعون النبي ويسألونه دائماً وباستمرارٍ بأن يعيّن لهم وقتاً لحصولها، وهذه أُطروحةٌ جيّدةٌ في نفسها. ولنا على ذلك تعليقان:
التعليق الأوّل: أنَّ استظهار الاستمرار قابلٌ للمناقشة؛ بعد أن كان الفعل (يسألونك) بمادّته وهيئته غير دالٍّ عليه، وهو مناسبٌ مع الوحدة والتعدّد معاً.
التعليق الثاني: من قال: إنَّ المشركين هم الذين كانوا يسألون النبي عن يوم القيامة؟
والسؤال لا ينبغي أن يكون من طرف المشركين الذين لا يعتقدون بيوم القيامة ولا يعتقدون بنبوّة النبي، بل كان المشركون يعتبرون النبي مجنوناً
ــــــ[412]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 187.
(2) سورة النازعات، الآيتان: 43-44.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 195، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وكذّاباً، (والعياذ بالله)، فلماذا يسألونه؟!!
وإنَّما يكون السؤال ممّن يعتقد بيوم القيامة ويرى أنَّ النبي هو المصدر الأساسي المؤهّل لتوجيه مثل هذا السؤال إليه، وهو سؤالٌ يحصل في النفس، ولم يكن من الواضح يومئذٍ أنَّ جوابه مكتومٌ أو من الأسرار، بل يُحتمل الحصول عليه إلى أن نزلت هذه الآيات.
والفعل (يسألونك) في الآية فعلٌ مضارعٌ أُستعمل بمعنى الماضي مجازاً، أي: لا يسألونك الآن، بل سألوك عن موعد يوم القيامة، وإنَّما عبّر بالمضارع لقرب زمان السؤال، وقد فهم السيّد الطباطبائي أنَّه عبّر بالمضارع لأجل استمرار السؤال. وقد تقدّمت مناقشته حول ذلك.
[فهم المشهور لمعنى الساعة]
وأمّا الساعة فالمشهور يفهم أنَّها يوم القيامة، وهناك بعض القرائن المتّصلة على ذلك، كالآيات ا لتي بعدها، كقوله: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا}(1) {إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا}(2) {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا}(3) وكذلك مضمون الاعتذار عن الجواب {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} أي: إنَّك لا تجيبهم عن هذا السؤال، ولو كان هناك موعدٌ آخر لأجاب عنه، فالمشهور تصوّر أنَّ السرّ الوحيد هو موعد يوم القيامة، وحيث إنَّه لم يجب عنه واعتبره سرّاً، فيتعيّن أن يكون المقصود يوم القيامة.
إلّاَ أنَّ فهم الساعة لا يتعيّن بيوم القيامة، بل يمكن إعطاء أُطروحاتٍ أُخرى لفهمها. وبعبارة أُخرى: الساعة تعبيٌر عن كلّ يوم رئيس موعودٌ وعداً
ــــــ[413]ــــــ
(1) سورة النازعات، الآية: 43.
(2) سورة النازعات، الآية: 44.
(3) سورة النازعات، الآية: 46.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قطعيّاً في المستقبل ومكتومٌ أيضاً، وليس كما زعمنا قبل قليل أنَّ اليوم المكتوم الوحيد هو يوم القيامة، كما عليه المتشرّعة، بل يمكن أن نتصوّر ثلاثة أيّامٍ أو ساعاتٍ مكتومةٍ في المستقبل من قبيل: ساعة الموت وساعة ظهور الإمام وساعة يوم القيامة، وجميعها مكتومةٌ.
فإن قلت: إنَّ القرائن المتّصلة التي ذكرناها على فهم يوم القيامة لا تنطبق على ساعة الموت أو ساعة ظهور المهدي سلام الله عليه.
قلنا: كلا، بل يمكن انطباقها جميعاً على معاني الساعة التي ذكرناها: أمّا انطباقها على يوم القيامة فواضحٌ.
وأمّا ساعة الموت فقوله: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} بمعنى: أنَّك لا تعرف ساعة موتك، فكيف تعرّف غيرك بموعد موته؟! يعني: أيّها الفرد الذي تسأل عن ساعة موتك، فيم أنت من ذكراها؟ أي: لا تستطيع أن تعرف ساعة موتك.
{كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} أي: كأنَّ ماضي الإنسان في ساعة الاحتضار غير موجودٍ، فيشعر أنَّه لم يعش إلّاَ عشيّةً أو ضحاها في حياته الدنيا، وجميع الماضي هكذا، فالشابّ في وقت شبابه يشعر أنَّ طفولته غير موجودةٍ أصلاً، كأنَّها طرفة عينٍ مرّت، والشيخ يرى شبابه هكذا، فلا يوجد عندنا إحساسٌ نفسي بالماضي مهما كان طويلاً، وكأنَّنا ساعة الموت لم نلبث إلّاَ عشيّةً أو ضحاها، وكذلك في ساعة يوم القيامة نشعر أنَّ الدنيا على طولها لم تكن موجودةً.
ونفس المعنى ينطبق على ساعة ظهور الإمام المهدي، فعندما تحصل ساعة الظهور، تنتفي الغيبة الكبرى وتتبخّر، وكأنَّها لم تكن موجودةً، ويدخل
ــــــ[414]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المجتمع في حكومة العدل الإلهي وحسن التصرّف والإدارة والسيطرة، ففترة الغيبة الكبرى ننظر لها على أنَّها فترة ضيقٍ وذنوبٍ وعيوبٍ نحاول أن ننساها، ومعنى ذلك أنَّهم عندما يرون ظهور المهدي كأنَّهم لم يلبثوا في الغيبة الكبرى إلّاَ عشيّةً أو ضحاها.
[الكلام عن (مرساها) مادّة وهيئة]
وأمّا (مرساها) ففيها مادّةٌ وهيئةٌ، فنتكلم أوّلاً عن مادّتها ثُمَّ عن هيئتها.
أمّا عن مادّتها فقد أفاد الراغب(1): أنَّه يُقال: رسا الشيء يرسو ثبت، ويُقال: أرساه غيره، قال تعالى: {وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ}(2)، وقال: {رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ}(3). ويُقال: ألقت السحابة مراسيها، يعني: مطرها، وقال تعالى: {ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا}(4). فالمرسى يُقال للمصدر وللمكان والزمان.
أقول: وفي الآية يناسب السؤال عن الزمان خاصّةً، أيّان مرساها؟ أي: متى زمانها؟ وأمّا فهم المصدر من (مرساها) كما هو ظاهر “الميزان”(5) فيحتوي على نحوٍ من المجاز، ومع إمكان فهم الزمان نكون في غنىً عنه.
ويُراد السؤال عن زمان ثبوتها أي: حصولها، وكأنَّها الآن آتيةٌ في الزمان تسير نحونا إلى أن نلتقي بها أو تلتقي هي بنا، فتكون قد رست علينا، ومن الواضح أنَّ الزمان دائم التصرّم، فلا يوجد لأيّ حادثةٍ ثبوتٌ حقيقي، وعليه
ــــــ[415]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن 20: 201، مادّة (رسا).
(2) سورة سبأ، الآية: 13.
(3) سورة المرسلات، الآية: 27.
(4) سورة هود، الآية: 41.
(5) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 195، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فالمراد هو وجودها في حقبةٍ زمانيّةٍ معيّنةٍ.
وأمّا الهيئة فقد عرفنا من كلام الراغب آنفاً أنَّها تُستعمل كمصدرٍ واسم مكانٍ واسم زمانٍ واسم مفعولٍ. إلّاَ أنَّ السؤال الوجيه هنا هو ضمّ أوّل الكلمة، فلماذا قال: مُرساها؟ في حين يبدو أنَّ الفتح هو المناسب؛ لأنَّ اسم الزمان والمكان يكون مفتوحاً، كمقتل ومَضرب ومأكل، وأمّا المضموم الأوّل فهو اسم مفعولٍ من الرباعي كـ(مُخرَج ومُضاء ومُسوّد) ونحوها.
وجواب ذلك من عدّة وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أن نفترض وجود قراءةٍ بالفتح ولو بنحو الأُطروحة، وهو ينسجم مع السياق والنسق القرآنيين، كما هو واضحٌ.
الوجه الثاني: أن نقبل – على خلاف المشهور- أنَّ مرساها اسم مفعولٍ لا مصدرٌ، فيكون مضموم الأوّل.
فإن قلت: إنَّ إضافتها إلى الضمير ينفي ذلك، أي: إضافة اسم المفعول إلى الضمير (مرساها) لا محصّل له، فيتعيّن أن يكون المراد منها هو أحد الموادّ الأُخرى دون اسم المفعول.
قلنا: كلا؛ لأنَّ المراد من اسم المفعول هو الساعة نفسها؛ لأنَّها هي المُرساة على الحقيقة، فيكون المراد من إضافة الضمير توكيد هذا الفهم، فكأنَّه قال: أيّان هي ومتى هي؟
ومع التنزّل عن ذلك يمكن القول بوجود التجوّز: إمّا في المادّة بمعنى: استعمال اسم المفعول بمعنى المصدر أو اسم الزمان، وهو أمرٌ ممكنٌ، أو التجوّز في إضافة اسم المفعول إلى الضمير، أي: التجوّز في الإسناد، وهو ممكنٌ في اللغة أيضاً.
ــــــ[416]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الوجه الثالث: أنَّه لا منافاة بين ضمّ أوّله وبين كونه اسم مكانٍ أو زمانٍ، والشبهة إنَّما نشأت من توهّم المنافاة. ومن جملة تلك المعاني كونه مصدراً ميميّاً واسم زمانٍ أو مكانٍ. أمّا المصدر الميمي فقد قالوا عنه: إنَّه مصدرٌ قياسي يبدأ بميمٍ زائدةٍ على أصل المادة مثل: محمد ومنتصر ومذهب ومستحسن، ومحمد بمعنى الحمد، وهكذا الانتصار والذهاب والاستحسان على الترتيب. وهنا ينبغي الالتفات إلى نقطتين:
الأُولى: يبدو أنَّ هذه الميم ليست لها حركةٌ معيّنةٌ؛ فقد تكون هي الفتح، كما في مَحْمد، وقد تكون هي الضمّ، كما في مُستحسن.
الثانية: من الواضح أنَّ المضموم منها نفسه صيغة اسم المفعول، كـ(مستحسن) فهو اسم مفعولٍ، ومعناه أنَّ هذه التعابير ترد اسم مفعولٍ، كما ترد مصدراً، وعليه فمن الممكن أن يكون (مرساها) مصدراً ميميّاً مضموم الأوّل مثل: مُنتصر ومُستحسن، لا مثل محمد ومذهب.
وأمّا أنَّه لا منافاة بين ضمّ أوّلها وبين كونها اسم زمانٍ أو مكانٍ فأقول: وأمّا اسم المكان أو الزمان اللذان لهما صيغةٌ مشتركةٌ في اللغة العربيّة فقد قالوا: إنَّ هذا الاسم يُصاغ من الثلاثي على مفعل مثل: مكتب، ويُصاغ من الرباعي على وزن اسم المفعول نحو: مستقبل ومستشفى ومنتظر. كما يلزم الالتفات إلى فكرة إلحاق المزيد بالرباعي: إمّا حقيقة أو مجازاً؛ لأنَّهم في المصدر الشامل في اللغة يعبّرون بالرباعي عن المزيد، كما أقول أنا أيضاً. فمثلاً: (مستقبل) أصلها: قَبِلَ من الثلاثي، وليس من قبيل (دحرج) الذي ليس له ثلاثي، و(مستشفى) من شفي، و(منتظر) من نظر، فانتظر واستقبل واستشفى كلّها من المزيدات، ويُصاغ منها الرباعي على وزن اسم المفعول نحو: مستقبل
ــــــ[417]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ومستشفى ومنتظر. وكذلك (مَرسى) بالفتح من رَسُوَ، وهو ثلاثي، و(مُرسى) من أرسا المزيد أو الرباعي، فَرَسا لا يحتاج إلى مفعولٍ به، لكن (أرسا) أي: أرسا غيره يحتاج إلى مفعول به، فتكون الصيغة رباعيّةً ومتعدّيةً. واسم المكان منها هو (مُرسى) بالضمّ، وهو المذكور في الآية الكريمة {مُرْسَاهَا} وهو نفسه صيغة اسم مفعولٍ، وهي من المزيد، بعد الالتفات إلى أنَّ اسم المفعول لا يكون إلّاَ من الفعل المتعدّي الذي يقبل المفعول؛ لأنَّ الجامد لا يأخذ اسم مفعولٍ؛ إذ لا مفعول له أصلاً، فكلّ المزيدات أو الرباعيات متعدّيةٌ، وبالتالي يكون لها جميعاً اسم مفعولٍ. إذن اسم المفعول لا يكون إلّاَ من المزيد والرباعي نحو: مستخرج ومدحرج. نعم، لو كان الثلاثي متعدّياً أمكن صياغة اسم المفعول منه نحو: ممدوح ومهزوم، إلّاَ أنَّه يكون مفتوح الأوّل لا مضموماً. وهذا يعني: أنَّ {مُرْسَاهَا} لا يمكن أن يكون ثلاثيّاً، بل إمّا مزيدٌ أو رباعي أصلي؛ لأنَّ أصله (رسا) وهو مادّةٌ ثلاثيّةٌ، وقد اتّضح ضمناً أنَّ العرب يعاملون المزيد معاملة الرباعي. وهذا يؤيّد ما قلناه من رجوع المزيد إلى الرباعي، وهو في اسم المفعول نحو (مستخرج) و(مدحرج)، وقد قلنا: إنَّ صيغة اسم المفعول هي اسم المكان والزمان للمزيد والرباعي معاً دون الثلاثي.
****
قوله تعالى: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا}:
[المراد بالذكرى]
ويُراد بالذكرى هنا أحد معنيين: إمّا التذكّر كما هو الأصل، بمعنى: سبب التذكّر، وإمّا المعرفة أي: فيمَ أنت من التعرّف عليها؟ ومعرفتها باعتبار أنَّ التذكّر نوعٌ من أنوع الالتفات والمعرفة، فهناك علاقة بين التذكّر والمعرفة.
ــــــ[418]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[أطروحتان في القائل لهذا الاستفهام]
والاستفهام في الآية: إمّا اعتيادي أو استنكاري، وربما المشهور على انه استنكاري. والقائل لهذا الاستفهام فيه أُطروحتان:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ الكفار هم الذين يسألون النبي أيّان مرساها؟
الأُطروحة الثانية: أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يسأل النبي.
وعلى الأُطروحة الأُولى يكون قوله: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} استمراراً للسؤال الأوّل: {أَيَّانَ مُرْسَاهَا}؟
وعلى الأُطروحة الثانية يكون قوله: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} بداية الجواب عن سؤالٍ: {أَيَّانَ مُرْسَاهَا}؟ أي يا أيّها النبي، لا تستطيع الجواب؛ لأنَّه فيم أنت من ذكراها؟ أي: هو نحوٌ من أنحاء الشروع بالجواب.
[من هو المخاطب بهذا السؤال]
وأمّا من هو المخاطب بهذا السؤال؟ فالمشهور أنَّه(1) النبي، ولكن مع ذلك توجد أُطروحاتٌ أُخرى، وبضرب الاحتمالات سوف تكون المحتملات عديدةً في تفسير الآية، نذكر منها ما يلي:
أوّلاً: أن يكون السائل هم الكفّار {أَيَّانَ مُرْسَاهَا}؟ وقوله: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} استمرارٌ لقولهم: {أَيَّانَ مُرْسَاهَا} والمخاطب هو النبي، ويكون الاستفهام حينئذٍ اعتياديّاً، فكأنَّهم يقولون: أخبرنا بها إذا كنت تعرفها.
ثانياً: أنَّها استمرارٌ في السؤال من الكفّار مع كون الاستفهام استنكاريّاً، كأنَّهم قالوا: متى الساعة؟ ولكنّك لا تعرفها {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا}.
ثالثاً: أن يكون القائل هو الله سبحانه وتعالى شروعاً في الجواب، ويكون الاستفهام استنكاريّاً أي: كيف يسألونك، وهل تعرف أنت ذلك لكي
ــــــ[419]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير القرآن العظيم (لابن كثير) 8: 319، تفسير سورة النازعات، الجامع لأحكام القرآن 20: 209، تفسير سورة النازعات، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
يسألونك؟ والسؤال صدر منهم في غير محلّه؛ لأنَّ شأن الساعة مخفي حتّى عن النبي، فكيف يستطيع أن يجيب؟ وهذه الأُطروحة هي التي كنت أفهمها من هذه الآية في السنين السابقة، ولعلّه هو الفهم المشهور أو الارتكاز المتشرّعي، إلَّا أنَّ فيه إشكالاً من حيث دلالته على عدم اطّلاع النبي على موعد الساعة، مع أنَّ النبي أجلّ من ذلك في اعتقادنا. ولكن ذلك ممكنٌ؛ لأنَّ الله تعالى يستطيع أن يحجب علمها عنه، اللّهمّ إلّاَ أن يكون المستفاد من الآية عدم قابليّته لعلمها، وهذا مستبعدٌ جدّاً؛ لأنَّ النبي خير الخلق وله قابليّة فهم الساعة.
نعم، إنَّ النبي ليس له قابليّة لأن يعلمها بالاستقلال عن الله سبحانه وتعالى، وحاشاه عن الاستقلال عن الله، بل هو خير الخلق في التوفيق والتسديد الإلهي المستمرّ. نعم، لو كان ملحوظاً شخصاً مجرّداً ومستقلاً عن الله سبحانه فهو غير قابلٍ لعلمها، ولعلّه لأجل هذا الإشكال لم يذكر السيّد الطباطبائي هذا الوجه من معاني الآية(1). وعلى أيّ حالٍ فالنتيجة تكون واحدةً هنا، سواء كان الاستفهام استنكاريّاً أو اعتياديّاً.
رابعاً: ما ذكره في “الميزان”(2)، وكأنَّه اعتبر الآية مكوّنةً من جملتين منفصلتين، مع كونهما صادرتين عن الله سبحانه وتعالى، وكونهما شروعاً في الجواب: أحدهما الاستفهام وهي {فِيمَ} وحدها، أي: لماذا يسألون عن الساعة؟ والاستفهام يمكن أن يكون استنكاريّاً، كما ذكر الطباطبائي(3)،
ــــــ[420]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 196، تفسير سورة النازعات.
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أو اعتياديّاً، أي: أنَّهم لماذا يسألون مع أنَّهم ليسوا بحاجةٍ إلى السؤال؟
[قوله: أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا]
[معنى قوله: (أنا والساعة كهاتين)]
ثانيهما: قوله: {أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} والمعنى: أنَّه لا حاجة إلى السؤال؛ لأنَّك أنت من أشراط الساعة -من ذكراها- فدعوته ورسالته من أشراط الساعة وعلاماتها ولعلّه إليه الإشارة بما روي عن النبي من قوله: “بعثت أنا والساعة كهاتين”(1). وهذه الرواية فيها إشكالٌ مفاده: أنَّ النبي والساعة ليسا كذلك، وإنَّما الساعة تقوم بعد بعثته وبعد وفاته أكيداً، وهي إلى الآن لم تحصل، ولا تقوم قبل ظهور الإمام، ولا نعلم متى يكون الظهور ولا حصول الساعة، فما معنى قوله: “أنا والساعة كهاتين”؟
وهذا له أكثر من جوابٍ:
الأوّل: أن نفهم الرواية فهماً باطنيّاً؛ لأنَّ الإنسان في طريق التكامل يمرّ بمحمّد بن عبد الله أو بالحقيقة المحمّديّة، والساعة هي لقاء الله سبحانه وتعالى، فإذا وصل إلى الحقيقة المحمّديّة لم يبق له على لقاء الله شيءٌ إلّاَ بمقدار شعرةٍ، لو صحّ التعبير، فيصدق: (بعثت والساعة كهاتين). وليس هناك فرقٌ معتدٌّ به أصلاً، كما قال: “لا فرق بينك وبينها”(2) فالحقيقة المحمّديّة ذات حدٍّ واحدٍ عن الله سبحانه في عالم الإمكان، فلا تحدّ عن الله إلّاَ بإمكانها، فالله
ــــــ[421]ــــــ
(1) الأمالي (للمفيد): 187، المجلس 23، الحديث 14، كشف الغمّة 2: 134، الجعفريّات: 212، باب ما يوجب الصبر، مستدرك الوسائل 12: 324، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي، الباب 38، الحديث 14207.
(2) مصباح المتهجّد: 803، أوّل يومٍ من رجب، إقبال الأعمال: 646، فصل فيما نذكره من الدعوات في أوّل يومٍ من رجب، البلد الأمين: 179، ذكر عمل السنة، شهر رجب، ومصباح الكفعمي: 529، الفصل 43.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
واجبٌ، وهي ممكنةٌ، وإلَّا فهي جامعةٌ لكلّ صفات الله سبحانه وتعالى، إلَّا أنَّها ممكنةٌ، فالذي يصل إلى الحقيقة المحمّديّة كأنَّه وصل إلى الله سبحانه وتعالى.
الثاني: أن نبني على الأُطروحة القديمة لفهم التاريخ البشري التي تفترض أنَّ البشريّة تستمرّ من آدم إلى يوم القيامة خمسة آلاف سنةٍ، وقد مضى من آدم إلى بعثة النبي حوالي أربعة آلاف سنة، فيكون الباقي ألف سنةٍ، وألف سنةٍ ليس كثيراً، فيصدق في الجملة وعن طريق المجاز قوله: “بعثت أنا والساعة كهاتين”، كما مرّ آنفاً.
أقول: هذه الأُطروحة بنفسها ليست بصحيحةٍ؛ ذلك لأنَّه قد مضى من تاريخ البعثة إلى الآن أكثر من ألف سنةٍ، مضافاً إلى وجود قرائن تاريخيّةٍ ومعطيات علم الآثار تؤكّد أنَّ عمر البشريّة ليس خمسة آلاف سنة، بل ربّما مئة ألف سنة أو أكثر، حتّى أنَّ بين إبراهيم وموسى تقريباً ثلاثة عشر قرناً، وكذلك يُفرض بالمدّة بين موسى وعيسى.
ثُمَّ إنَّه إذا بنينا على أنَّ الآيتين جملتان منفصلتان، كما قال السيّد الطباطبائي(1) فهناك أُطروحةٌ جديدةٌ، وهي مَن قال: إنَّهما صادرتان من متكلّمٍ واحد؟ بل يمكن أن تكون الجملة الأُولى صادرةً من الكفّار إتماماً للسؤال، والجملة الثانية صادرةً من الله سبحانه، كأنَّهم سألوا: {فِيمَ}؟ فقال الله سبحانه: {أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا}، فيُقال لهم: إنَّ رسالة محمّد بن عبد الله من أشراط الساعة، وأنتم لستم بعيدين عن الساعة؛ لأنَّ نفس الرسالة المحمّديّة من علاماتها وأشراطها.
ــــــ[422]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 195-196، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا}:
[الضمير في مُنتَهَاهَا]
الضمير في {مُنتَهَاهَا}: إمّا راجعٌ إلى الساعة أو إلى الذكرى أو إلى شيءٍ ثالثٍ، كما سوف نوضّح، وهذا الشيء الثالث غير مذكورٍ في العبارة، فينبغي أن يكون من الوضوح العرفي والمتشرّعي بحيث لا يحتاج إلى ذكرٍ في العبارة. وأوضح مصاديقه مجموع عالم الإمكان أو كلّ الأشياء، كأنَّه قال: إلى ربّك منتهى كلّ الأشياء، والمراد بالمنتهى نهاية سير العالم أو نهاية سير التكامل التكويني، فيكون المراد بالآية عدّة أُطروحاتٍ:
[أطروحات في المراد من الآية]
الأُطروحة الأُولى: ما ذكره السيّد الطباطبائي(1) من: أنَّ مرجع علم الساعة إلى الله سبحانه، فيكون هذا في مقام التعليل عن استنكار سؤاله، أي: ليس من المناسب سؤال النبي عن الساعة، وإنَّما علمها إلى الله سبحانه. ويرد عليه:
أولاً: إذا كان المراد نفي علم النبي عن الساعة، فلماذا لم يفهم الطباطبائي ذلك من قوله تعالى: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا}؟ وإذا كان هذا يدلّ على نفس المعنى – وهو نفي علم النبي- فيكون تكراراً في آيتين متجاورتين، فلابدّ أن نفهم ذلك المعنى من أحدهما، وليس منهما معاً.
ثانياً: أنَّ هذا المعنى يقتضي تقدير المضاف؛ إذ لو كان المقصود هو العلم، لقال: إلى ربّك منتهى علمها.
ثالثاً: أنَّ استعمال مادّة الانتهاء يكون بلا موجبٍ إذا كان المراد هو العلم، ويكفي أن يقول: إلى ربّك علمها، لا منتهى علمها.
رابعاً: أنَّها غير ظاهرةٍ في قضيّة العلم وجداناً؛ إذ الآية لا تتحدّث عن
ــــــ[423]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 195-196، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
العلم، بل تتحدّث عن قضيّةٍ تكوينيّةٍ خارجيّةٍ تحصل بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وهو إرجاع كلّ عالم الإمكان إليه سبحانه.
الأُطروحة الثانية: أن المراد: أنَّ منتهى سير الأكوان وعالم الإمكان في طريق التكامل إلى الله سبحانه وتعالى، أي: هو منتهى المعلوم لا العلم، وإلى الله المنتهى وإليه الرجعى؛ لأنَّه الكمال المطلق، وتكون مناسبة التعرّض إلى ذلك هو ذكر الساعة؛ فإن الساعة نحوٌ من أنحاء النهاية للإنسان. نعم، يوم القيامة ليس هو النهاية الحقيقيّة، بل النهاية الحقيقيّة هو الله سبحانه وتعالى، إلّاَ أنَّ الإشكال الوحيد على هذه الأُطروحة هو عدم رجوع الضمير إلى مرجع في العبارة، فلا يوجد ما يدلّ على أنَّ المقصود بقوله: {مُنتَهَاهَا} هو منتهى الأشياء. نعم، الساعة موجودةٌ والذكرى موجودةٌ وأُمورٌ أُخرى دون الإشارة فيها إلى عالم الإمكان.
وجوابه: ما ذكرناه من: أنَّنا على هذا المستوى من القصد لا نحتاج إلى مرجعٍ معيّنٍ؛ لأنَّ مرجعه متعيّنٌ تلقائيّاً في كلّ الأشياء إلى منتهاها. لكن يبقى الإشكال: بأنَّ هذا خلاف الظاهر؛ لأنَّ الظاهر هو رجوع الضمير إلى ما هو موجودٌ في العبارة، وهو الذكرى أو الساعة.
الأُطروحة الثالثة: أنَّ المراد: أنَّ منتهى الساعة إلى ربّك، فالساعة ليست شيئاً نهائيّاً، وإنَّما لها ما بعدها، وهو الوصول إلى الله سبحانه. وعليه فقد توصّلنا إلى نفس المعنى السابق مع حفظ مرجع الضمير، ويمكن أن يُراد على هذا التقدير معنىً آخر، وهو أنَّ كون الفرد في ساحة القيامة للحساب ليس معنىً مستقلاً، وإنَّما هو بين يدي الله سبحانه، كما يكون بين يدي الله عند الصلاة، أو يُراد أنَّ الحساب والعقاب يوم القيامة ليس مستقلاً عن الله، وإن
ــــــ[424]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قامت به الملائكة، فالمحاسب في الحقيقة هو الله سبحانه؛ لأنَّ المسؤوليّة النهائيّة ليست أمام الملائكة أو المعصومين، بل أمام الله سبحانه وتعالى. وعلى أيّ حالٍ فإنَّ هذه الأُطروحات بناءً على الفهم المشهور للساعة الذي هو يوم القيامة، إلّاَ أنَّه قد يكون المراد من الساعة أُموراً أُخرى، وتكون جميع هذه الآيات منصبّةً عليها.
وقد ذكرنا سابقاً: أنَّ الخطاب المباشر قد لا يكون موجّهاً للنبي بالخصوص، بل كلّ من كان طرفاً لهذه القضيّة، فقد يكون النبي، وقد يكون فرداً آخر، وقد يكون المجموع.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ كلّ فردٍ يكون مسؤولاً عن ساعته الخاصّة به، بغضّ النظر عن اقترانها أو انفصالها عن ساعات الآخرين.
فإن قلت: إنَّ قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ} خطابٌ لخصوص النبي، فيكون قرينةً متّصلةً على أنَّ المراد من كلّ الآيات التي بعدها هو الساعة على فهم المشهور.
قلنا: إن الفهم المشهور(1) القائل بأنَّ المخاطب هو النبي هو الظاهر الأوّلي من الآية؛ لأن النبي هو الموحى إليه، فيكون الخطاب المباشر له، لكن المعني في الخطاب قد لا يكون هو النبي. ويؤيّد ذلك ما يفهم من قوله: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} الدالّ على عدم اطّلاعه على موعد الساعة أو عدم قابليّته لذلك أصلاً، والنبي أجلّ من ذلك قطعاً، فيكون المراد غير النبي.
ــــــ[425]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير القرآن العظيم (لابن كثير) 8: 319، تفسير سورة النازعات، الجامع لأحكام القرآن 20: 209، تفسير سورة النازعات، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فإن قلت: إنَّ غير النبي لم يسأل عن الساعة، فيكون ذلك قرينةً على أنَّ المقصود بالسؤال هو النبي.
قلنا: إذا كان المقصود غير النبي فلابدّ أن يكون المراد من السؤال ما هو الأعمّ من السؤال الصريح والضمني، أي: إنَّ غير النبي لا يُسأل بصراحةٍ، بل يسألونك بلسان الحال، وكلّ واحدٍ منّا يسأل نفسه عن وقت موته أو مرضه أو وقت شدّته، وهذا نحوٌ من السؤال. والوجه فيه: أنَّ الإنسان يتخوّف على مستقبل نفسه وعلى مستقبل غيره، والغير أيضاً يتخوّف على مستقبلك وهكذا، وهذا نحوٌ من السؤال بلسان الحال، كما لو قيل لشخصٍ مثلاً: متى تموت؟ وقد فسّرنا الساعة بمعنى الموت الفردي، فالموت ساعةٌ؛ لأنَّه “إذا مات الإنسان قامت قيامته”. فالسؤال بلسان الحال موجودٌ لكلّ أحدٍ، ولربما لكلّ شيءٍ من الموجودات.
****
قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}:
قوله: {إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} يعني: إلّاَ ليلةً واحدةً أو نهاراً واحداً، والضمير في {يَرَوْنَهَا} يعود إلى الساعة، كما فهم المشهور، والعشيّة ليست جميع الليل، وإنَّما بعضه، والضحى ليس كلّ النهار بل بعضه. ويمكن القول: إنَّه من استعمال الخاصّ في العامّ، أو الجزء في الكلّ، أي: استعمال الخاصّ وإرادة العامّ، أو استعمال الجزء وإرادة الكلّ، يعني: العشيّة مع ما يتبعها من باقي الليل، والضحى مع ما يتبعه من باقي النهار.
إلَّا أنَّنا يمكن أن نفهم خصوص العشيّة وخصوص الضحى، دون زيادة عليهما وإن كان المعنى المذكور هو المشهور، إلّاَ أنَّ هذا الفهم ممكنٌ، بل
ــــــ[426]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
هو أفضل؛ لأنَّ العطف لو كان بالواو لكانت المدّة الملحوظة متطاولةً نسبيّاً، إلّاَ أنَّ العطف في الآية بـ(أو)، فناسب أن يكون المراد خصوص الوقت القليل، كما قال في موضع آخر: {كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً}(1) فيتخيّلون أنَّ الوقت الذي كانوا فيه سابقاً قليلٌ جدّاً، أي: عشيّةً فقط لا ليلةً بكاملها، أو ضحىً فقط لا نهاراً بأكمله.
[لماذا قال: أَوْ ضُحَاهَا؟ ولم يقل: عشيّةً أو ضحى]
وهنا يرد سؤال مفاده: لماذا قال: {أَوْ ضُحَاهَا}؟ ولم يقل: عشيّةً أو ضحى؟
حسب فهم المشهور(2) يرجع ضمير {ضُحَاهَا} إلى العشيّة، أي: العشيّة أو ضحى تلك العشيّة، وبالرغم من هذه الإضافة فإنَّ الضحى يبقى معنى كلّيّاً، وليس جزئيّاً متعيّناً؛ لأنَّ كلّ ضحى منسوبٌ إلى العشيّة التي قبله، فالإضافة هنا لا دخل لها إلّاَ لغرض حفظ النسق القرآني؛ لأن جميع الآيات تنتهي بالهاء الممدودة، وخاصّةً وأنَّ العطف بـ(أو). نعم، لو كان العطف بالواو لفهمنا المجموع وكان التعبير بدون هذه الإضافة مغيّراً للمعنى. أمّا مع العطف بـ(أو) فإنَّه لا يغيّر المعنى، سواء قال: عشيّةً أو ضحىً أو {عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}.
والمهمّ أن نعرف ما هو سرّ هذا الشعور الذي يحصل عند الإنسان {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً} أي: أن لا يرى أيّ وجودٍ للماضي الذي مرّ فيه. والغرض: أنَّه من الناحية النفسيّة يشعر الفرد كأنَّ الزمان الماضي الذي
ــــــ[427]ــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 45.
(2) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 210، تفسير سورة النازعات، إعراب القرآن وبيانه 10: 372، سورة النازعات، وغيرهما.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
عاشه قليلٌ جدّاً أو متلاشٍ تماماً، كالشابّ يشعر أنَّ طفولته متلاشيةٌ، والشيخ يشعر بأنَّ شبابه متلاشٍ، والمحتضر يشعر كأنَّ حياته كلّها متلاشيةٌ، أي: كأنَّه لم يلبث فيها إلَّا ساعةً، وهذا هو شعور النفس بالنسبة إلى الزمن الماضي. وهذا الشعور ليس معنىً عقليّاً، بل هو معنى نفسي؛ لوضوح أنَّ الماضي حقيقةً باقٍ على طوله من الناحية العقليّة، لكن هناك شعورٌ نفسي ووجداني بأنَّ الماضي قليلٌ جدّاً، ولذا نشعر أنَّ بعض الأيام تمرّ بسرعةٍ، وبعضها تمرّ ببطءٍ. فقد يشعر الفرد أنَّ شهر رمضان يمرّ ببطءٍ؛ لأنَّ فيه الصوم ونحواً من الصعوبة النفسيّة، أو يشعر أنَّ كلّ يوم فيه فرحٌ يمرّ بسرعةٍ، وكلّ زمان فيه انتظارٌ يمرّ ببطءٍ، وهذه كلّها مشاعر نفسيّةٌ ليس لها واقعٌ عقلي.
وقد فسّرنا الساعة بعدّة تفسيراتٍ جميعها ينطبق في المقام، وتكلّمنا عن ذلك بما يكفي في الآيات السابقة، فلا حاجة إلى الإعادة.
[الضمير في يَوْمَ يَرَوْنَهَا]
والضمير في {يَوْمَ يَرَوْنَهَا} يمكن أن يعود إلى الذكرى أو المنتهى أو المرسى أو الساعة، وعذرنا في ذلك هو الأقربيّة؛ فإن لفظ الساعة أبعد منها جميعاً، ومقتضى القاعدة أن يعود الضمير إلى الأقرب، إلّاَ أن المتحصّل السياقي لا يتغيّر ظهوره، سواء عاد الضمير إلى الساعة أو لغيرها.
[أطروحات في مكان اللبث في قوله تعالى: لَمْ يَلْبَثُوا]
ولنا أن نسأل في قوله تعالى: {لَمْ يَلْبَثُوا…} عن مكان اللبث، فأين المكان الذي لم يلبثوا فيه إلّاَ عشيّةً أو ضحاها؟ وفي ذلك عدّة أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى: أن يرون ذلك عند الساعة، وهو أنَّ بقاءهم في الدنيا كان قليلاً، وقال عنه السيّد الطباطبائي: إنَّه سخيفٌ(1). إلّاَ أنَّ هذا في وجداني هو الأقوى والأرجح فيما لو كان المقصود من الساعة حصّةً معيّنةً،
ــــــ[428]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 197، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
دون المعنى الكلّي؛ لأنَّهم في يوم القيامة يُحاسبون على أعمال الدنيا ويتذكّرونها، فيرونها عندئذٍ أنَّها كانت قصيرةً جدّاً. كما أنَّ الإنسان عندما يحتضر -إذا كان من محبّي الدنيا- يتذكّر الدنيا وأهله، فيتمنّى أن يكون أطول عمراً، فإذا أتاه الاحتضار يشعر أنَّه لم يبق في الدنيا إلّاَ قليلاً.
الأُطروحة الثانية: أنَّ المراد هو اللبث الواقع بين الموت ويوم القيامة، أو قل: في عالم البرزخ، كما أيّده الطباطبائي(1)، ولم يبرهن عليه، والارتكاز المتشرّعي يرى أنَّ المدّة بين الموت ويوم القيامة طويلةٌ جدّاً، فإذا حشر يوم القيامة يراها ضئيلة جدّاً كأنَّها عشيّة أو ضحاها.
الأُطروحة الثالثة: قيل -كما في “الميزان”(2)-: إنَّ المراد اللبث من حين سؤالهم النبي عن وقت الساعة إلى يوم البعث، وهو يوم القيامة، فكأنَّهم يرونها ساعةً أو ضحاها.
الأُطروحة الرابعة: أنَّ المراد لبثهم في يوم القيامة نفسه، فيرون أنَّ لبثهم هناك قليلٌ جدّاً. ولكن يبعّده أنَّ يوم القيامة حاضرٌ بالنسبة إليهم، وليس ماضياً، فلا يكون مشمولاً للفكرة السابقة التي قلناها حول الماضي، بل هم يرونه طويلاً لا قصيراً. ويمكن أن يُجاب عن هذا الاستبعاد: بأنَّه بعد يوم القيامة، وحينما يذهب أهل الجنّة إلى الجنّة، وأهل النار إلى النار، فيكون يوم القيامة قد أصبح ماضياً، فيرونه كأنَّه ضئيلٌ جدّاً.
الأُطروحة الخامسة: أنَّ المراد باللبث معنىً كلّي ينطبق على جميع الحصص.
ــــــ[429]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 197، تفسير سورة النازعات.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأُطروحة السادسة: أنَّ ما سبق من الأُطروحات الخمس السابقة مبني على وجهٍ معيّنٍ، وهو أنَّ هذا الإحساس كأنَّهم لم يلبثوا إلَّا عشيّةً أو ضحاها يحصل يوم القيامة، إلّاَ أنَّنا أشرنا إلى إمكان حصوله في أيّ وقتٍ، كما في فترة المرض بعد الصحّة، أو فترة الشباب بعد الطفولة، أو فترة البلاء بعد الرخاء.
[الإشارة إلى الحكمة من ذكر هذا الإحساس في الآية]
تبقى الإشارة إلى الحكمة من ذكر هذا الإحساس في الآية الكريمة، وهل هو مجرّد خبرٍ لمجرّد الاطّلاع أو هناك حكمةٌ من ذكره؟ والمتعيّن هو الثاني، أي: هناك حكمةٌ وغرضٌ خاصٌّ؛ لأنَّ القرآن صادرٌ من الحكيم جلّ جلاله. وفي بيان هذا الغرض عدّة أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى: ما ذكره الطباطبائي(1) من كون ذلك لبيان قرب الساعة؛ فإنَّنا الآن وإن تصوّرناها بعيدةً، إلّاَ أنها حين تحصل تكون قريبةً، فيكون ما قبلها متلاشياً وزائلاً.
الأُطروحة الثانية: أنَّ المراد بيان ضآلة الحياة الدنيا وحقارتها مهما تصوّرناها مهمّةً وطويلةً، فإننا بعد ذلك سوف نشعر بأنفسنا أنَّها ضئيلةٌ ومتلاشيةٌ: إمّا عند الاحتضار أو في البرزخ أو عند يوم القيامة.
الأُطروحة الثالثة: أنَّ المراد بيان ضآلة المحدود تجاه اللامحدود، فنسبة المحدود إلى اللامحدود ضئيلةٌ جدّاً، بل هي لا شيءٌ حقيقةً؛ من حيث إنَّ المحدود يشعر بهذا الشعور النفسي، وهو تلاشي الماضي، وأمّا اللامحدود فلا يشعر بذلك؛ لأنَّ نسبته إلى الأزمنة الثلاثة واحدةٌ، وكلّها حاضرةٌ بالنسبة إليه جلّ جلاله. ومعنى اللامحدود هو هذا، أي: إنَّه لا أوّل له ولا آخر، ولا ماضي له ولا مستقبل، بل كلّ شيءٍ حاضرٌ بالنسبة إليه.
ــــــ[430]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 197، تفسير سورة النازعات.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ــــــ[431]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ــــــ[432]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
سورة النبأ
[سر الإحتفال بانتهاء تفسير سورة النبأ]
لعلّه ينبغي أن نحتفل إذا انتهينا من تفسير سورة النبأ؛ إذ بالفراغ عنها يتمّ الانتهاء من بيان جزءٍ كاملٍ من القرآن، وهو الجزء الثلاثون، وإن كنّا في أوّل السورة بعدُ. وقد انتهى تفسير الجزء في ثلاث سنوات تقريباً، وإذا كان الجزء الواحد بحاجةٍ إلى ثلاث سنواتٍ من الوقت لإتمامه، فنحتاج إلى تسعين سنةٍ حتّى ننتهي من بيان معاني القرآن كلّه، فيبقى لنا سبعٌ وثمانون عاماً للانتهاء منه، بعد أن أنهينا الجزء الثلاثين في ثلاث سنوات سابقة. وأنا أقطع بأنَّني لن أصل إلى نهايته، إلّاَ أنَّ الذي يسهّل الخطب هو أنَّي فتحت هذا الباب وأوضحت للبشريّة وللحوزة العلميّة بالخصوص أُسلوبي في التفسير، فيمكن لغيري أن يستمرّ في هذا الطريق، وهو أُسلوب لم يُطرق سابقاً، وهو كافٍ في الغرض.
وبتعبيرٍ آخر: لقد بدأت بالمشروع بفضل ربّي جلّ جلاله، ولا يهمّ أن نصل إلى نهايته.
[ذكر أسماء سورة النبأ]
ثُمَّ إنَّ أُسلوبنا في سائر السور هو البدء بذكر أسماء السور، ويُلاحظ أنَّه ذُكرت لسورة النبأ الأسماء والعناوين التالية:
الأوّل: سورة النبأ.
الثاني: سورة عمّ.
الثالث: سورة عمّ يتساءلون.
الرابع: سورة التساؤل.
ــــــ[433]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الخامس: السورة التي ذُكر فيها النبأ العظيم.
السادس: بيان رقمها في المصحف أي: (87).
****
قوله تعالى: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ}:
هاتان آيتان مترابطتان جدّاً، كما سيظهر من سياق الكلام.
أمّا (عمّ) فهي حرفان هما: (عن) الجارّة و(ما) الاستفهاميّة، ومعناها: عن أيّ شيء يتساءلون؟ و(ما) محذوفة الألف، وحذف الألف صحيحٌ اسقراءً، كما في اللغة القديمة. نعم، الحذف على نحو الجواز أو اللزوم بحثٌ آخر، إلّاَ أنَّه جائزٌ إذا دخل على (ما) حرف جرّ، كما في (لِمَ) و(مَمّ) و(على مَ) و(إلى مَ).
و(يتساءلون) مادّته التساؤل الذي هو مزيد أو رباعي، والتساؤل تفاعلٌ، وهو العمل المتبادل بين متعدّدين، كالتضارب والتقاتل، يعني: يسأل القوم بعضهم بعضاً، وهذا بحسب أصله اللغوي، إلّاَ أنَّ المراد هنا توجيه السؤال إلى النبي، فيكون معنى {يَتَسَاءَلُونَ} أي: عمّ يسألون؟
ولماذا عبّر القرآن بـ{يَتَسَاءَلُونَ}؟ ولم يقل: يسألون؟
والجواب: أنَّه عبّر بهذه الصيغة لكثرة السؤال، أي: إنَّهم يكثرون السؤال، وهذا المعنى ملحوظٌ إلى الآن في اللغة الدارجة، فيقولون: (يتساءلون) ولا تقول: (يسألون): إمّا لعظمة السؤال نفسه أو لعظمة المسؤول عنه، وهو النبأ العظيم. أمّا عظمة السؤال نفسه -أي: إلحاحه في نفوسهم- فلكثرة شكّهم به؛ فإنَّه ليس سؤالاً طارئاً سطحيّاً، ولوكان ذلك مجرّد سؤال لقال: (يسألون). وفي الآيتين نقاطٌ مهمّةٌ جدّاً سوف نتعرّض لها إن شاء الله تعالى.
ثُمَّ إنَّ الجارّ والمجرور في (عمّ) متعلّقان بالفعل الذي تلاهما، وكان من
ــــــ[434]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
حقّه التأخّر، والمتسائلون هم غير أهل الحقّ، فـ”واو” الجماعة في (يتساءلون) ليس لها مرجعٌ لفظي، وإنَّما ترجع في الفهم إلى قرينةٍ حاليّةٍ اجتماعيّةٍ في ذلك الحين؛ لأنَّهم كثيراً ما كانوا يسألون النبي، أعني: غير أهل الحقّ؛ بدليل قوله: {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} أي: مشكّكون، فبعضهم يثبت وبعضهم ينفي، مع كون المسؤول عنه هو النبأ العظيم الحقّ، ولا يتّصف بالعظمة إلّاَ إذا كان حقّاً. ولكن من هم هؤلاء؟ وإنَّما يتعيّن سنخهم بحسب تفسير النبأ العظيم، فما هو؟ ومَن هو المقصود بالنبأ العظيم؟ وبأيّ تفسيرٍ نفسّره؟ وسوف نذكر القوم الذين كانوا يتساءلون عنه بعد بيان المقصود من النبأ العظيم.
[أُطروحتان في بيان المراد من النبأ العظيم]
ثُمَّ إن في المقام أُطروحتين في بيان المراد من النبأ العظيم:
الأُولى: أنَّ النبأ العظيم هو يوم القيامة حسب المشهور، والسائل هم الكفّار المشكّكون أو النافون ليوم القيامة، كما فهم ذلك السيّد الطباطبائي(1).
الثانية: أنَّ النبأ العظيم هو علي(2)، كما هو التفسير الألطف؛ لأنَّ
ــــــ[435]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 159، تفسير سورة النبأ.
(2) حسبما رواه الكليني في جامعه الكافي 1: 207، باب أنَّ الآيات التي ذكرها الله عزّ وجلّ في كتابه هم الأئمّة، الحديث 3، عن مولانا أبي جعفر الباقر، قال: قلت له: جُعلت فداك، إنَّ الشيعة يسألونك عن تفسير هذه الآية: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ}. قال: “… هي في أمير المؤمنين صلوات الله عليه، كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: ما لله عزّ وجلّ آيةٌ هي أكبر منّي، ولا لله من نبأ أعظمُ منّي”. وفي البرهان في تفسير القرآن 5: 566، تفسير سورة النبأ، عن الأصبغ بن نُباتة أنَّ عليّاً قال: “والله، أنا النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون، كلاّ سيعلمون، ثُمَّ كلاّ سيعلمونَ، حين أقفُ بين الجنّة والنار وأقول: هذا لي ، وهذا لك” كما رواه غير واحدٍ بألفاظٍ مختلفةٍ فراجع وتدبّر.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
السائل منكرٌ لولايته أو مشكّكٌ بها (والعياذ بالله)، كما سيأتي الإشارة إليه في ذكر الأُطروحات الأُخرى.
[أُطروحاتٌ متعدّدةٌ في السياق الاستفهامي]
الخطوة الأُخرى: إنَّ هذه الجملة {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} استفهاميّة؛ بدليل وجود (ما) الاستفهاميّة فيها، وفي السياق الاستفهامي أُطروحاتٌ متعدّدةٌ:
الأُولى: أن يكون استفهاماً صرفاًً.
الثانية: أن يكون استفهاماً استنكاريّاً، فهو استفهامٌ للتقريع، فيقال: إنَّ تسائلهم بلا موجبٍ بعد وضوح الأمر، كما أنَّ اختلافهم بلا موجبٍ بعد كونه نبأ عظيماً واضحاً.
الثالثة: أن يكون مسوقاً مساق الاحترام من محلّ الاستفهام، كما نقول: مَن هذا؟ ونشير إلى شخصٍ عظيمٍ، ونقصد كونه عظيماً، بحيث لا يمكن إدراك كنهه. ولذا تساءل عنه فقال: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ}، أي: إنَّهم يتساءلون عن شيءٍ فوق إدراكهم ولا يمكن لهم أن ينالوه عليه. كما يمكن أن يُراد العكس، أي: أن يكون الاستفهام مسوقاً للتحقير من محلّ الاستفهام؛ لأنَّه سافلٌ وملحقٌ وجوده بالعدم. إلّاَ أنَّ ذلك غير محتملٍ في الآية؛ لدلالة وصف (العظيم) على عظم المسؤول عنه، فتبقى الاحتمالات الأُخرى قائمةً، ولها ثمرات سنتعرّض لها، إن شاء الله تعالى .
قال العكبري في كتابه “إملاء ما منّ به الرحمن”:
[الكلام (عن) الثانية في قوله تعالى: عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ]
فأمّا “عن” الثانية -يعني: في قوله تعالى: {عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ}- فبدلٌ من الأُولى(1). وهذا يعني أن يكون حرفٌ بدلاً عن حرفٍ، كما أنَّ الاسم يكون بدلاً عن الاسم. وأضاف: أنَّ ألف الاستفهام التي ينبغي أن تعاد محذوفةٌ أو
ــــــ[436]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 279، سورة التساؤل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
هي متعلّقةٌ بفعلٍ آخر غير مستفهمٍ عنه(1).
وفي حقيقة الأمر عرض العكبري ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأوّل: أن تكون (عن) الثانية بدلاً عن الأُولى، وهذه بدليّة حرفيّة غير معهودةٍ نحويّاً، وهي واردةٌ هنا لبيان متعلّق الاستفهام والتساؤل، أي: يتساءلون عن أيّ شيء؟ عن النبأ العظيم.
الاحتمال الثاني: أن تكون الجملة الثانية استفهاميّةً بهمزة استفهامٍ مقدّرةٍ، ويكون المراد: أعن النبأ العظيم؟ فتكون كلتا الجملتين استفهاميّةً، سواء كان استفهاماً استنكاريّاً أو محضاً، ويكون متعلّق الجارّ والمجرور (يتساءلون) في كلا الاستفهامين. ولنا أن نسأل عن قاعدة عامّة كبرويّة حاصلها: أنَّ الفعل الواحد هل يمكن أن يتعلّق به عدّة متعلّقات من جارٍّ ومجرورٍ ونحوهما أم لا يتعلّق به إلّاَ شيءٌ واحدٌ؟ وعندئذٍ نحتاج إلى تقدير (يتساءلون) ثانيةً.
الاحتمال الثالث: أن تكون الجملة إثباتيّةً لا استفهاميّةً، بمعنى: أنَّهم يتساءلون عن النبأ العظيم.
إلّاَ أنَّ النكتة التي لم يلتفت إليها المشهور هي أنَّ الجملة الثانية {عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} تصلح أن تكون بياناً لأمرين:
الأوّل: أن تكون تتمّةً للسؤال الواقع في الجملة الأُولى، ويكون المراد: (لماذا هم يتساءلون عن النبأ العظيم؟).
الثاني: أن تكون جواباً عن الجملة الأُولى {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ}؟ وجوابها: {عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيم}.
ــــــ[437]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن 2: 279، سورة التساؤل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وهاتان أُطروحتان رئيستان أسبق رتبةً ممّا طرحه العكبري .
أقول: إنَّ الجملة الثانية {عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} تصلح أن تكون تتمّةً للجملة الأُولى، كما تصلح أن تكون جواباً عن السؤال.
والمشهور هو الثاني(1)، فكأنَّه قال: (عن أيّ شيءٍ يتساءلون)؟ ثُمَّ أجاب: (عن النبأ العظيم).
ولكن على هذا الفهم لا يصلح أن يكون الاستفهام استنكاريّاً، ولا لبيان الاحترام، بل يكون ظاهره الاستفهام المحض، وهذا المعنى بعيدٌ في نفسه، فيكون ذلك قرينةً على تعيّن الأُطروحة الأُولى؛ لأنَّ الله تعالى إذا أجاب عن السؤال فلا معنى للاستنكار حينئذٍ؛ باعتبار أنَّ الاستفهام الاستنكاري لا يحتاج إلى جوابٍ، ونحوه الاستفهام لغرض بيان الاحترام. فوجود الجواب يعيّن كون السؤال في الجملة الأُولى سؤالاً محضاً، وكونه كذلك بعيدٌ في نفسه وعن ساحته تعالى، أي: أنَّ يسأل تعالى ثُمَّ يجيب بنفسه لمجرّد الإعلام. فتتعيّن الأُطروحة الأُولى، فلا تكون الجملة الثانية جواباً، بل تكون كلاماً متمّماً للجملة الأُولى، ويكون السؤال في الأُولى استنكاريّاً أو لبيان الاحترام، ويكون المعنى: لماذا يتساءلون عن النبأ العظيم؟ فتكون جملةً واحدةً مستفهما ًعنها بنحو الاستفهام الاستنكاري، ويكون وصفه بـ (العظيم) إشعاراً بالتعنيف والاستنكار؛ فإنَّه لعظمته لا ينبغي الاستفهام عنه ولا الاختلاف فيه.
ــــــ[438]ــــــ
(1) أُنظر: الجامع لأحكام القرآن 20: 170، تفسير سورة النبأ، مفاتيح الغيب 31: 5، تفسير سورة النبأ، مجمع البيان 10: 639، تفسير سورة النبأ، الميزان في تفسير القرآن 20: 159، تفسير سورة النبأ، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ثُمَّ إنَّنا قد نقع في محذورين لابدّ من الإجابة عنهما:
أحدهما: أنَّ (عن) الأُولى ستكون بمعنى اللام، أي: لِمَ يتساءلون؟ مع أنَّ (عن) في وضعها الأصلي لا مورد لها.
وثانيهما: اختلاف حرفي (عن) الأُولى والثانية بالمعنى، فتكون الأُولى بمعنى اللام والثانية بمعنى (عن) المعهودة، فلا يكون لهما معنىً واحدٌ، مع أنَّ مقتضى وحدة السياق وحدة المعنى فيهما، أي: إنَّهما مستعملتان في معنىً واحدٍ.
ويمكن الإجابة عن الإشكالين المذكورين، ولا يلزم منه محذور:
أمّا الأوّل فإنََّ الحروف قد تُستعمل في محلّ بعضها الآخر كثيراً: مجازاً أو حقيقةً، فلا بأس أن تكون (عن) بمعنى اللام هنا.
وأمّا الثاني فإنَّ وحدة السياق كقاعدةٍ عامّةٍ وإن كانت قرينةً على اتّحاد المعنى، إلّاَ أنَّه ما من عامٍّ إلّاَ وقد خصّ؛ لأنَّها ظهورٌ اقتضائي قابلٌ للتخلّف، لا سيّما مع قيام القرينة على خلافه، فإذا قامت القرينة على خلاف ظهور السياق سقط ورجعنا إلى القرينة.
وعلى ذلك فوحدة السياق إنَّما تكون قرينةً على اتّحاد المعنى عند عدم القرينة على نفيها، وأمّا لو كان السياق المدلول عليه بالقرينة الدالّة على تعدّد المعنى لا محذور فيه، أي: انخرام وزوال وحدة السياق الأوّلي المُستَدلّ عليه بالقاعدة العامّة، فلا معنى للقول بوحدة المعنى التي ربما تفسده، كما هو ظاهر.
وأمّا النبأ فهو إثباتٌ يراد به الثبوت، فالنبأ هو الخبر والبيان، فيكون المراد به الخبر العظيم، إلّاَ أنَّ ذلك ليس مقصوداً قطعاً، بل يُراد به الثبوت، أي: المخبر عنه أو المنبأ به، لا الخبر بما هو خبرٌ، وإن اكتسب الخبر أهمّيّته وعظمته من المخبر عنه. والغرض: أنَّه لا يُراد بالنبأ جانب الإثبات الذي هو
ــــــ[439]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[أطروحات في بيان المنبّأ عنه]
البيان، وإنَّما يُراد به جانب الثبوت، أي: الشيء الذي يتحدّث عنه هذا البيان، وإنَّما عبّر بالنبأ؛ لأنَّ المقدار الواصل إلى المتسائلين هو النبأ، أو أنَّه وصل إليهم بهذا المقدار، ولم يعرفوا كنهه، ولو عرفوا كنهه لما تساءلوا عنه ولما اختلفوا فيه. وعليه فالمراد هو المنبأ عنه، أو واقع الأمر الذي يتحدّث عنه النبأ، وهذا هو الذي يحتاج إلى بيانٍ، وإلّاَ فالمراد بالنبأ لفظاً واضحٌ لا غموض في معناه، ويبدو أنَّ اختلاف المفسّرين في ذلك مشهورٌ، وقد يصل إلى ثمان أُطروحات أو عشرٍ:
الأُطروحة الأُولى: أن يكون المراد يوم القيامة، ولعلّها الأشهر، وقد اختار هذا المعنى السيّد الطباطبائي في “الميزان”(1) ويمكن إقامة جملةٍ من القرائن عليه:
منها: أنَّ سورة النبأ مكّيّة، والنبي في مكّة كان يواجه الكفّار والمنكرين ليوم القيامة، ولم يكن الغرض بيان أمرٍ آخر: كولاية أمير المؤمنين في ذلك الوقت، أي: لم تكن المشكلة في الولاية آنذاك؛ لكي نفسّر النبأ بعلي.
ومنها: أنَّ سياق السورة يتحدّث عن قدرة الله سبحانه، نحو قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً} فناسب أنَّ يُقال: إنَّ الله القادر على ذلك كلّه قادرٌ على إيجاد يوم القيامة، فالسياق يتناسب مع يوم القيامة؛ لأنَّ النبأ العظيم الذي كان قد وصل إليهم في ذلك الحين هو نبأ يوم القيامة لا غير. وستأتي مناقشة هذه القرائن جميعاً.
الأُطروحة الثانية: أن يُراد به مولانا أمير المؤمنين علي، وبه صرّح
ــــــ[440]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 2: 159، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ابن عربي في تفسيره(1)، وفي بعض الزيارات المأثورة: “السلام على النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون، وعليه يُعرضون، وعنه يُسألون”(2). بل صار النبأ العظيم من صفات مولانا أمير المؤمنين، وقد تقدّم أنَّ المراد به جانبه الثبوتي لا الإثباتي، فيصحّ أن يقع وضعاً له.
الأُطروحة الثالثة: أن يُراد به القرآن العظيم نفسه أو قل القرآن نفسه، ويؤيّده وصف القرآن بـ(العظيم) في غير موضعٍ من الكتاب(3).
الأُطروحة الرابعة: أن يُراد به الله تعالى؛ لاختلافهم في إثبات الصانع، فيُراد بالنبأ وجود الله سبحانه، ويؤيّده السياق الدالّ على إثبات قدرته سبحانه.
الأُطروحة الخامسة: أن يُراد به أحد أُصول الإسلام الثلاثة، أعني: التوحيد والنبوّة والمعاد أو البعث. أمّا التوحيد فهو يرجع إلى إثبات الصانع، وأمّا النبوّة فترجع – أي: النبأ- إلى صدق القرآن، كما مرّ في أُطروحةٍ سابقةٍ، أو هو النبي، وأمّا المعاد فهو المعنى المشهور كما مرّ، إلّاَ أنَّنا نقول في هذه الأُطروحة: إنَّ المقصود بها كلّها، لا خصوص واحدٍ منها.
الأُطروحة السادسة: أن يكون المراد به ما هو أوسع من ذلك؛ لشموله ساعة الموت أو وقت حصول البلاء في الدنيا، أو وقت الوصول إلى المقامات العالية جدّاً في نور عظمة الله سبحانه؛ إذ قد يقع التساؤل عن موعد حصول أيّ من هذه الأُمور، ويكون مؤدّى البيان أنَّه لا ينبغي وقوع هذا التساؤل بعد كون القدرة بيد الله تعالى من جهةٍ، ولزوم التسليم بقضاء الله وقدره من جهةٍ
ــــــ[441]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير ابن عربي 2 :400، تفسير سورة النبأ.
(2) أُنظر: إقبال الأعمال: 610، زيارة مولانا أمير المؤمنين عند ضريحه الشريف.
(3) نحو قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [سورة الحجر، الآية: 87].
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أُخرى. وهذا ما نفهمه من جانب الاستنكار في الاستفهام مع كون الجملة الثانية تتمّةً للجملة الأُولى.
وعليه فالمراد: لماذا يتساءلون عن وقت حصول الموت أو البلاء أو الوصول إلى الملأ الأعلى ونحو ذلك؟ مع الإشارة إلى أنَّ سبب التساؤل هو الاختلاف الذي يعني وجود الجهل أو الشكّ في عددٍ من النفوس (والعياذ بالله)، كما أنَّ المسؤول هنا سيختلف باختلاف الأُطروحات المتقدمة: فقد نفهم أنَّهم يسألون بعضهم البعض، كما فهم السيّد الطباطبائي(1)، أو أنَّهم يسألون النبي، وهو المشهور(2)، وقد يكون المسؤول هو الشخص نفسه المطلوب صحّته أو رجوعه من سفره أو موته، فيسأل عن بعض شؤون حياته المهمّة، وقد يكون السائل هو الشخص نفسه والمسؤول هو الله سبحانه، بمعنى أن يتمنّى شيئاً من ذلك لنفسه ويسأل عن وقت حصوله، وقد لا يجد لسؤاله جواباً؛ لأنَّ الله لا يُجيبه على أيّ حال.
[أُمورٌ لاستبعاد أن يكون المقصود بالنبأ أمير المؤمنين]
وقد تُذكر أُمورٌ في المقام لاستبعاد أن يكون المقصود بالنبأ أمير المؤمنين، وسوف نتعرّض لها أوّلاً ثُمَّ نناقشها لبيان صحّة الأُطروحة وإثبات كون المقصود به مولانا أمير المؤمنين.
الأوّل: أنَّ السورة مكّيّة، ولم يقع الاختلاف حول أمير المؤمنين في مكّة إلّاَ بعد خطبة الغدير في أواخر حياة الرسول الأكرم.
الثاني: ما ذكرناه من أنَّ السياق العامّ للسورة غرضه إظهار قدرة الله
ــــــ[442]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن20: 159، تفسير سورة النبأ.
(2) أُنظر: جامع البيان في تفسير القرآن 30: 2، تفسير سورة النبأ، مفاتيح الغيب 31: 6، تفسير سورة النبأ، والميزان في تفسير القرآن 20: 159، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
تعالى، وهو ما يناسب أن يكون المراد بالنبأ يوم القيامة خاصّة.
الثالث: أنَّ التعبير بالنبأ يناسب شيئاً لم يقع بعد، فيوم القيامة لم يقع إلى حدّ الآن، بل هو مجرّد نبأٍ إلى حين حصوله، والوصيّة بأمير المؤمنين ليست كذلك، بل هي حصلت فعلاً ونجزت.
[مناقشة هذا الاستبعاد]
وفي ما ذُكر مواقع للتأمّل: منها: أنَّ فهم كون المراد بالنبأ مولانا علياً فهمٌ باطني لا من الفهم الظاهري، أي: إنَّ القصد الواقعي للمتكلّم هو علي بغضّ النظر عن القرائن، ويؤيّده الفهم التجزيئي للقرآن(1)؛ بناءً على حجّيّة الفهم التجزيئي، بمعنى: أي أنَّ كلّ كلمةٍ يمكن أن تُحملَ على معنىً مستقّلٍ، أو يكون المراد ما يعمّ أمير المؤمنين وغيره: إمّا بنحوٍ كلّي ومفهوم عامٍّ ينطبق على يوم القيامة وساعة الموت وأمير المؤمنين، أو
ــــــ[443]ــــــ
(1) والمراد بالفهم التجزيئي للقرآن الطريقة التي يتناول فيها المفسّر الآيات آيةً آيةً وسورةً فسورةً، على حسب ترتيب سور القرآن وآياتها، وكان هذا النوع من التفسير متداولاً من لدن عصر الصحابة إلى زماننا. والشاهد على ذلك ما هو موجودٌ بأيدينا من تفسير ابن عبّاس، والروايات الواردة عن أهل البيت في تفسير القرآن، وما كتب من التفاسير الروائيّة: كتفسير الإمام العسكري وتفسير العيّاشي وتفسير القميّ وتفسير البرهان وتفسير نور الثقلين.
ثُمَّ إنَّ الوظيفة الأساسيّة للتفسير التجزيئي تكمن في إبراز المدلولات التفصيليّة للآيات القرآنيّة دون إعطاء الموقف القرآني العامّ الذي يشكّل عادةً من مجموع مداليل تفصيليّة، بخلاف ما عليه التفسير الموضوعي؛ فإنَّه لا يكتفي بإبراز المضامين الجزئيّة للمفردات القرآنيّة، وإنَّما يتجاوز ذلك إلى ما هو أهمّ وأجدى؛ حيث يقوم بتحديد الموقف القرآني تجاه موضوع من موضوعاته المختلفة. أُنظر: المدرسة القرآنيّة للسيّد الشهيد محمّد باقر الصدر: 35.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بنحو الإيهام الإثباتي.
والمراد بالإيهام الإثباتي ما اصطلحنا عليه في علم الأُصول، ومثاله قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى}. وبيان ذلك: أنَّنا تارةً نفهم من الصلاة الوسطى صلاةً واحدةً، فنتحيّر: هل هي الفجر أو الظهر أو العصر أو غيرها؟ فنرجع إلى الروايات لنرى أنَّه ورد جملةٌ منها في المقام، وبعضها
-وهي صحيحة السند- فسّرتها بصلاة الظهر أو العصر. وأُخرى نفهم شيئاً آخر بنحو الأُطروحة- التي يمكن أن نطلق عليها الإيهام الاثباتي- بأن يكون المقصود من الوسطى جميع الصلوات الخمس؛ لأنَّ كلّ واحدةٍ منها يمكن أن تكون وسطى، فالصبح وسطى بين الليل والنهار، والظهر في وسط النهار، وكلّ واحدةٍ هي وسطى بين اثنتين منها، وهكذا. وعندما يكون اللفظ مفرداً كالصلاة الوسطى لا جمعاً كالصلوات، يصدق على كلٍّ منها على نحو البدل؛ لأنَّ السامع يتوهّم كلاًّ منها، وهذا التوهّم متعمّدٌ من قبل المتكلّم، فهو يريد أن يخطر في ذهن السامع جميع الصلوات على نحو البدل، فيعود طلباً للمحافظة على كافّة الصلوات ، لا على صلاةٍ بعينها.
وفي المقام نقول: إنَّ النبأ تنطبق عليه هذه الأُطروحة نفسها، أعني: الإيهام الإثباتي؛ لأنَّه يخطر في الذهن عدّة أُمورٍ لا يمكن أن تكون كلّها مقصودةً دفعةً واحدةً، وإنَّما هي مقصودة على نحو البدل، فالمقصود هو مولانا علي ويوم القيامة وساعة الموت ونحوها بنحو الإيهام الإثباتي.
ومنها: أنَّ كون السورة مكّيّة لا ينافي كون المقصود مولانا عليّاً؛ لأنَّ النبي كما أشار إلى ولاية علي يوم الغدير، كذلك أشار إليها يوم الدار، وكرّر ذلك طوال حياته، كما هو مشهودٌ من سيرته. وعليه فولاية
ــــــ[444]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
علي كانت أمراً معروفاً بين الناس في مكّة، فلا يُقال: إنَّها -أي: ولاية أمير المؤمنين- لم تكن موضع إشكال واختلاف آنذاك أو لم تكن في معرض ابتلاء الناس، بل كانوا يتساءلون عنها لا محالة.
مضافاً إلى أنَّه كما وقع الاختلاف فيه بعد خطبة الغدير، فكذلك وقع الاختلاف قبلها؛ إذ كان هناك منافقون لا يتحمّلون قرب علي ومنزلته من الرسول، كما كانوا يعترضون على كثيرٍ من الأُمور نحو: متعة الحج وغيرها، فكانوا يعترضون على النبي في مواضع متعدّدة ومناسبات مختلفةٍ كثيراً، ومن جملة اعتراضاتهم اعتراضهم على ولاية أمير المؤمنين ، إلّاَ أنَّه كان قيد الكتمان والتعتيم؛ لسيطرة النبي على الساحة.
ومنها: أنَّ النبأ كما يناسب يوم القيامة كذلك يناسب علي بلحاظ مدّة حياة النبي؛ فإنَّه كان في بدايته نبأٌ، وإنَّما أخذ وجوده إلى حيّز التنفيذ بعد وفاة النبي.
ومنها: أنَّنا إذا فهمنا من وصف (العظيم) مطلق العظيم، أمكن أن نحمله على يوم القيامة أو ما يعمّه بحيث يشمل يوم القيامة وغيره، وأمّا إذا فهمنا منه العظيم المطلق، فيتعيّن كون المراد هو أمير المؤمنين بعد عدم احتمال أن يكون المراد به الله ورسوله؛ فشأن أمير المؤمنين أعظم من شأن يوم القيامة، وحينما يدور الأمر في العظيم المطلق بين يوم القيامة وبين علي يتعيّن أمير المؤمنين.
نعم، يبقى احتمال أن يكون المقصود هو الله أو رسوله، فينبغي حينئذٍ إقامة بعض القرائن التي تدفع هذا الاحتمال، ليتعيّن المراد في أمير المؤمنين.
ــــــ[445]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فنقول: لو كان الله تعالى مقصوداً لأتى بضمير المتكلّم، وإن كان الحديث عن رسول الله لأتى بضمير المخاطب؛ لأنَّه هو المخاطب من قبل الله سبحانه، مع أنَّه أتى بضمير الغائب {عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ}.
ولعلّ ابن عربي حينما ذكر في تفسيره: أنَّ النبأ هو يوم القيامة أو علي(1) أراد نحواً من التقيّة أو عدم الصراحة في مخالفة المشهور، أو أراد الجمع بين الوجهين: الوجه الظاهر الذي هو يوم القيامة، والوجه الباطن الذي هو أمير المؤمنين.
****
قوله تعالى: {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ}:
[الحديث عن النبأ العظيم أيضاً]
ويقع الحديث هنا عن النبأ العظيم أيضاً؛ ليعود الاسم الموصول (الذي) والضمير في (فيه) إلى النبأ العظيم.
وظاهر الاختلاف الوارد في قوله تعالى: {مُخْتَلِفُونَ} الاختلاف الإثباتي في الرأي ووجهات النظر، ويكفي في صدق هذا الاختلاف وجود رأيين فقط، وهو صحيحٌ ارتكازاً، ولا حاجة إلى وجود أكثر من ذلك أعني: رأي للإثبات وآخر للنفي؛ ليصدق الاختلاف بذلك. نعم، ورد في بعض المصادر -كما سيأتي عن السيّد الطباطبائي- أنَّه لا يصدق الاختلاف إلّاَ بذكر أربعة أو ثلاثة آراءٍ، فيكون أحدها نافياً، والآخر مثبتاً، والثالث مشكّكاً، إلّاَ أنَّه سيتّضح أنَّ الاختلاف يكفي في صدقه وجود رأيين فقط، ولو لم يترتّب إشكالٌ فعلي أو جدلٌ فعلي، كما يمكن أن يكون المراد الاختلاف في الفعل أو النتائج؛ لوضوح صدق الاختلاف عليه، كما هو ظاهرٌ، والمحصّل واحدٌ؛ لأنَّه
ــــــ[446]ــــــ
(1) أُنظر: تفسير ابن عربي 2: 400، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
إذا اختلف الرأي اختلف العمل، وإذا اختلف العمل اختلفت النتائج.
نعم، ربما يكون المقصود مجموع هذه الأُمور، أعني: الرأي والعمل والنتائج، والضمير (هم) يعود إلى ضمير الفاعل في (يتساءلون)، ولكن ما هو مرجع واو الجماعة في (يتساءلون)؟
يُلاحظ: أنَّ كلاًّ منهما في الحقيقة ليس له مرجعٌ ظاهرٌ في العبارة، إلّاَ أنَّ المراد به قومٌ متدنّون في الفهم، وإلّاَ لما اختلفوا ولما تساءلوا، وما ذلك إلّاَ بسبب ضحالة تفكيرهم وهبوط مستوى فهمهم وإدراكهم الذي ألقى بهم في الشكّ والحيرة. وإلّاَ فالناس الذين يدركون الواقع أو يقتربون منه تكون قلوبهم مطمئنّةً لا شكّ فيها ولا ارتياب.
الخطوة الأُخرى: أنَّ هذا الاختلاف والتدنّي في الفهم يمكن أن يناسب جميع الأُطروحات التي ذكرناها في تفسير (النبأ العظيم)، ولا بأس بذلك؛ لأنَّ هذا الاتّجاه النفسي في التساؤل والاختلاف دالٌّ على التدنّي إجمالاً.
إن قلت: إنَّ بعض ما قيل في تفسير النبأ العظيم عالٍ وسامٍ جدّاً، وهذا يعني أنَّ هؤلاء القوم ليسوا متدنّين في الفهم، بل لديهم مستوىً مناسبٌ من الفهم، فلماذا يتساءلون ويختلفون؟
قلت: أنَّ التدنّي في الفهم مفهومٌ مشكّكٌ، لا متواطئٌ وفي درجةٍ واحدةٍ، بل هو قابلٌ للتعدّد والاختلاف حسب المستويات، فكلّ شيءٍ دانٍ بالإضافة إلى ما هو فوقه، فالمتدنّون جدّاً يختلفون في أُمورٍ دنيويّةٍ حسب مرتبتهم، والعالون يختلفون في أُمور أُخرى بحسب مرتبتهم الوجوديّة، كما ذكر القرآن بأنَّ الملأ الأعلى يختصمون(1)، ما يتّضح معه أنَّ الخصام موجودٌ فضلاً عن
ــــــ[447]ــــــ
(1) إشارة إلى قوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ}، [سورة ص، الآية: 69].
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الاختلاف.
أمّا ما هو اختلاف وخصام الملأ الأعلى؟ فهذا من الأسرار، ولا إشارة إليه في ظاهر الآية، ولعلَّ المراد أنَّهم مختلفون مع أضدادهم وخصومهم، كما إذا اختلف الكافرون مع المسلمين، ولعلّهم مختلفون فيما بينهم، من قبيل أنَّك تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتّى. وهذا المعنى ملحوظٌ عندنا أيضاً؛ فنحن نعيش بين قومٍ مجتمعين ضدّنا، ونحسبهم موحَّدين، مع أنَّهم مختلفون في داخل أنفسهم.
فقوله تعالى: {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} يُفيد أنَّهم مختلفون في أنفسهم، لا مع خصومهم من الخارج أو مع المؤمنين أو مع من هم أعلى رتبةً منهم، والاختلاف مع المؤمنين غير ظاهرٍ من الآية، بل لا مورد له طبقاً لبعض الأُطروحات السابقة في تفسير النبأ العظيم، من قبيل ما ذُكر من أنَّ الإنسان قد يتساءل في نفسه عن زمان موته أو مرضه، وهذا يحصل عند الإنسان في داخله، ولا يثيره أمام الآخرين.
[إن كان المتسائل واحداً فكيف ينسجم ذلك مع قوله: الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ]
بقي هناك إشكالٌ، حاصله: أنَّ المتسائل إن كان واحداً فكيف ينسجم ذلك مع قوله: {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ}؟ لأنَّ الجمع هنا قرينةٌ على أنَّ النبأ العظيم حسب بعض الأُطروحات ممّا يصحّ فيه الاختلاف داخل المجتمع، لا ممّا يصحّ التساؤل فيه بين واحدٍ أو اثنين مثلاً؟
وجواب ذلك ينبغي أن يكون إلى حدّ ما أقرب إلى الباطن، فنقول: إنَّ التساؤل هنا تقديري لا ظاهري، والاستفهام الظاهري لا معنى له، كما أنَّي لا أعلم ما هو سبب موتي، أو أين أُدفن أو متى أموت، كما يخطر في بال سائرأفراد البشر وأذهانهم، أي: يتساءلون عن سبب موت فلانٍ. وهذه الأسئلة غير ملحوظةٍ فعلاً، بل تحصل عند الالتفات إليها، سواء كان من
ــــــ[448]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
نفس الإنسان أم من غيره، فيصدق أنَّهم مختلفون بنحوٍ من الإنحاء.
والظاهر: أنَّ التساؤل والاختلاف في النبأ العظيم نفسه من حيث إثباته ونفيه. والسرّ فيه: أنَّ النبأ بمعنى الخبر، وهو قد يصدق وقد يكذب أو يُشكّ فيه (والعياذ بالله)، فالتساؤل وقع في النبأ نفسه، وليس هو تساؤلاً واختلافاً حول علله ومعلولاته وبعض روابطه في الكون أو بعض صفاته، وإن كانت هذه كلّها في نفسها محتملات. أو يكون المقصود هو المجموع من السؤال عن أصل النبأ العظيم نفياً أو إثباتاً، والتساؤل عن علله أو معلولاته، غير أنَّ الظهور الأوّلي للآية يُشير إلى النبأ العظيم بنفسه.
****
قوله تعالى: {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ}:
أمّا (كلاّ) فقد تكلّمنا عنها في موارد سابقةٍ، ولا حاجة إلى الإعادة، وملخّص ما ذكرناه عنها هو أنَّ (كلاّ) يستفاد منها النهي عن التساؤل والاختلاف أو الاعتراض والتقريع عليهما، وهو إشارةٌ إلى الجهة الداخليّة والنفسيّة والباطنيّة التي أدّت إلى هذا الاختلاف، فلولا المستوى العقلي والنفسي المتدنّي لما حصل التساؤل والاختلاف. ونحن ننظر هنا إلى المعلول، مع أنَّ الأَولى أن ننظر إلى العلّة، ولذا اختلفوا؛ لأنَّهم جُهّالٌ. فموضع التقريع ليس مجرّد الكلام، بل التقريع والأسف على جهلهم ومستواهم المتدنّي، فيكون نهياً وردعاً لهم عن ذلك، بمعنى: لا تكونوا جُهّالاً، بل التفتوا إلى الحقائق، ولا ينبغي أن تبقى مستوياتكم بهذه الدرجة المتدنيّة.
[لماذا استعمل السين في قوله سَيَعْلَمُونَ بدل سوف للدلالة على البعد]
ثُمَّ إنَّ قوله {سَيَعْلَمُونَ} يشتمل على (سين) التسويف، مع أنَّ المسألة بعيدةٌ جدّاً، أي: إنَّ يوم القيامة قد يتحقّق بعد ملايين السنين، وحرف
ــــــ[449]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المستقبل المستعمل في الدلالة على البعد هو (سوف) لا السين، فالسين لا تناسب البعيد، وإنَّما يُستعمل للقريب، فلماذا استعمل السين هنا؟
ويمكن الجواب عن ذلك بعدّة وجهين:
الوجه الأوّل: أن يُقال: إنَّ الحروف قد يُستعمل بعضها في محلّ بعضها الآخر، والسين هنا استعملت في معنى (سوف). وهي كأُطروحةٍ أُولى لا بأس بها، وإن كانت لا تخلو من بعدٍ.
الوجه الثاني: أن يُقال: إنَّ المعنى هنا من قبيل ما يقال في الحكمة: (كلّ آتٍ قريبٌ)، وأمّا البعيد فهو الذي لا يتحقّق أصلاً، فالمستقبل قريبٌ وإن شعرنا أنَّه بعيدٌ. وبتعبيرٍ آخر: هو بلحاظ اللانهائي قريبٌ، فالله سبحانه من حيث كونه غير متناهٍ يرى الأشياء كلّها قريبةً، ولو كان الفاصل الزمني لوقوعها ملايين السنين، أي: إنَّنا عندما نعيش في داخل الزمان والمكان نراها بعيدةً، ولكنها في نظر الله سبحانه قريبةٌ جدّاً، كما أنَّ النملة قد ترى الباب بعيداً جدّاً، مع أنَّه في نظرنا قريبٌ، فالقرب والبعد معنىً نسبي، أي: يرجع إلى نفسيّة الناظر أو الفاعل في الحقيقة، ولو رجعنا إلى النظر الإلهي -لو صحّ التعبير- لوجدنا أنَّ كلّ شيءٍ قريبٌ بالنسبة إليه، وعليه يصحّ استعمال (السين) منه تعالى.
وإذ تقرّر أنَّه قريبٌ وأنَّكم سوف تعلمون، فلماذا هذا التساؤل والاختلاف؟ بل سُدّوا أفواهكم وأريحوا قلوبكم!! لأنَّه إذا كان بعيداً فيوجد مبرّرٌ للتساؤل والاختلاف. وهنا يمكن أن نشير إلى نكتةٍ ذكرناها سابقاً، وهي أنَّنا في الوقت الحاضر نشعر أنَّ الماضي لم يكن بعيداًً جدّاً، بل لعلّه بمثابة لحظةٍ؛ فهو قد انقضى بكلّ سنينه، وكأنَّها لم تكن طويلةً، بل نشعر أنَّها كانت بالأمس. وهذا له آثارٌ عديدةٌ منها: أنَّه مهما طال الزمن في الاختلاف في الدنيا، فإنَّ
ــــــ[450]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الناس عندما يصير علمهم حاضراً واختلافهم ماضياً، فيشعرون عندها أنَّهم علموا؛ لأنَّ الماضي عاد في نظرهم زائلاً من الناحية النفسيّة، وكأنَّه لم يكن، ولو كان بقدر مليون سنةٍ، فمن هذه الناحية لا يجدون فرقاً كبيراً بين وقت جهلهم ووقت علمهم.
[لماذا ورد التعبير بهذه الصيغة كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ]
وهنا يخطر في الذهن سؤالٌ حاصله: أنَّه لماذا ورد التعبير بهذه الصيغة {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ}؟
ويُجاب على ذلك بعدّة أُطروحات، بعضها مشهورٌ، وأُخرى غير موافقةٍ له.
الأُطروحة الأُولى: أن يكون المراد منه التهديد، وقد مالَ إليه السيّد الطباطبائي(1) بمعنى: أنَّهم سيعاقبون على فعلهم واختلافهم، أي: سيعلمون بالعذاب الذي سيقع عليهم؛ من حيث إنَّ متعلّق العلم محذوفٌ، فيكون سياق التهديد قرينةً على ذلك، أعني: أنَّهم سيعلمون بالعذاب الذي يستحقّونه على اختلافهم، لا أنَّهم سيعلمون بما يختلفون فيه.
الأُطروحة الثانية: أن يُقال: إنَّهم سيعلمون حقيقة النبأ العظيم الذي اختلفوا فيه، ولعل هذا أظهر، إلّاَ أنَّهم سيعلمون به في وقتٍ لا ينفعهم علمهم شيئاً؛ لأنَّهم لو علموا بذلك في الدنيا لأمكن ترتيب آثار الطاعة عليه. فنحن الآن نعلم بولاية أمير المؤمنين ونطيعه، وأمّا العلم بها في يوم القيامة فلا ينفع المنكرين لها في الدنيا، بل سيكون عليهم حسرةً وندامةً، ولا يكون لعلمهم نتائج طيّبة.
الأُطروحة الثالثة: أن يكون المراد به البشارة بحصول العلم في المستقبل
ــــــ[451]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 160، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أو المستقبل القريب، أي: إنَّهم سيعلمون قطعاً، فلماذا يستعجلون؟ وعلى هذا فلماذا نفهم منه التهديد؟ بل نفهم منه البشارة بحصول العلم لهم بذلك.
مع أنَّ العلم بحقيقة النبأ العظيم أمرٌ جليلٌ وعالي الأهمّيّة، فيكون إخبارهم بحصول العلم مستقبلاً بمنزلة البشارة لهم، بغضّ النظر عن السائل والمسؤول.
الأُطروحة الرابعة: أنَّ المراد به مجرّد حصول العلم بما كان محلاًّ للتساؤل أو التشكيك، وبيان أنَّ حالة التشكيك الذي هم فيه لن تدوم طويلاً. والآية الثانية ظاهرةٌ في أنَّها تأكيدٌ وتشديدٌ لمضمون الآية الأُولى، وإبرازٌ لأهمّيّة موضوعها، ومن ثُمَّ لأهمّيّة استنكار وبطلان التساؤل والاختلاف المذكور في الآية السابقة، وهو واضحٌ.
[أنَّه لِمَ استعمل حرف العطف (ثُمَّ)]
وعلى ما تقدّم يرد إشكالٌ حاصله: أنَّه لِمَ استعمل حرف العطف (ثُمَّ)؟ مع أنَّ (ثُمَّ) -كما يدّعي ابن مالك في النحو- غرضها الترتيب والانفصال(1)، ومضمون الآيتين واحدٌ ولا ترتيب بينهما، كما لا انفصال بينهما، فلماذا عطف بـ(ثُمَّ)؟
والذي يمكن أن يُقال في الجواب عنه وجوهٌ:
الوجه الأوّل: التسليم بوجود الترتيب والانفصال؛ لأنَّ (يعلمون) تكرّرت مرّتين، أي: إنَّهم سيعلمون شيئاً ثُمَّ يعلمون شيئاً آخر غير الأوّل، ويكون العطف بـ(ثُمَّ) قرينةً على ذلك، وإن كانت هذه الأُطروحة غير ملحوظةٍ في كلام المشهور إطلاقاً، بل هي أُطروحةٌ جديدةٌ نسبيّاً، بمعنى: أنَّهم سيعلمون بعد الجهل، ثُمَّ يعلمون شيئاً آخر أهمّ منه، فيكون علمهم
ــــــ[452]ــــــ
(1) أُنظر: شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك 2: 227، عطف النسق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
السابق بالنسبة إليه كالجهل؛ لأنهم سيعلمون أمراً عظيماً جدّاً غير معلومهم الأوّل.
الوجه الثاني: أن تكون (ثُمَّ) زائدة لا معنى لها أصلاً، وإنَّما سيقت لحفظ السياق اللفظي الأدبي. وهذا من معانيها لغةً؛ حيث قالوا: إنَّها ترد زائدةً، واستشهدوا على ذلك بالبيت القائل:
أراني إذا أصبحت أصبحت ذا هوى
فثُمَّ إذا أمسيت أمسيت عاديا(1)
فأصل الشطر الثاني هكذا: (فإذا أمسيت أمسيت عادياً)، و (ثُمَّ) لا معنى لها أصلاً في الكلام، وإلّاَ كان من باب دخول حرف عطفٍ على حرف عطفٍ آخر، وهو غلطٌ نحويّاً، فـ(ثُمَّ) زائدةٌ، ويكون المراد من الآية التكرار المفيد للتأكيد، وكأنَّ هذا الحرف لم يكن.
وقد يُلاحظ: أنَّ الزيادة بهذا المعنى في القرآن وجيهةٌ، فيُقال: إنَّه قد يُلحظ في القرآن ما لا معنى له.
وقد يُقال: إنَّ ما هو محالٌ هو ذكر شيءٍ في القرآن بلا مصلحةٍ وغايةٍ، فلو كان هناك شيءٌ لا معنى له إلَّا أنَّه توجد في ذكره مصلحة وغاية، فذكره في القرآن لا محذور فيه، والمصلحة هنا هي حفظ السياق الأدبي؛ إذ لو وضع بدلها حرفٌ آخر كالفاء أو الواو أو الكاف لفسد السياق، كما هو واضحٌ.
الوجه الثالث: الطعن بالقاعدة التي ذكرها ابن مالك في النحو(2)، أي: منع الكبرى النحويّة، فنقول: إنَّ (ثُمَّ) لا تأتي دائماً للترتيب الانفصالي، وإن
ــــــ[453]ــــــ
(1) خزانة الأدب 8: 497.
(2) أُنظر: شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك 2: 227، عطف النسق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
كان هذا هو الغالب في استعمالها، إلّاَ أنَّها قد لا تكون كذلك في بعض الموارد، كما يُستشهد لذلك بقول الشاعر:
إنََّ مَن ساد ثُمَّ ساد أبوه
ثُمَّ قد ساد قبل ذلك جدّه(1)
فإنَّ المراد هنا الماضي لا المستقبل، مع أنَّ (ثُمَّ) تُستعمل في المستقبل، وذوق العربي يعطي لنفسه الحرّيّة في أن يستعمل الحروف كيف يشاء في ما يستحسنه من المعاني دون ملاحظة القواعد النحويّة التي وُضعت فيما بعد، أي: بعد مائتي سنة من الجاهليّة وصدر الإسلام. والذوق العربي آنذاك لم يكن يتبع القواعد الموضوعة، بل يتبع ذوقه الشخصي أو الذوق الاجتماعي العامّ لو صحّ التعبير. فإذا انتفت هذه الخصوصيّة والقاعدة وأصبحت (ثُمَّ) كسائر الحروف، فلا تفيد إلّاَ العطف، وهو يناسب التأكيد.
[مناقشة ما ذكره الرازي من سؤال حول الآية: الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ]
لقد ذكر الرازي سؤالاً يحسن الالتفات إليه مع الإجابة عنه، وبيانه: أنَّه لو كان النبأ العظيم الذي يتساءلون عنه هو يوم القيامة لَمَا قال الله تعالى: {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ}؛ لأنَّ كفّار مكّة لم يختلفوا في أمر البعث، بل اتّفقوا على إنكاره، فهم متّفقون من هذه الناحية لا مختلفون(2).
أقول: ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ:
الوجه الأوّل: أن يُراد من الاختلاف مجرّد الضلال، أي: إنَّهم مختلفون لمكان ضلالتهم، فهم مختلفون عن الحقّ أو عن مطابقة الواقع بصفتهم
ــــــ[454]ــــــ
(1) أُنظر: شرح الرضي على الكافية 4: 390، حروف العطف، ومغني اللبيب 1: 117، حرف الثاء (ثُمَّ).
(2) أُنظر: مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل: 364، سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
معتقدين بعدم يوم القيامة.
الوجه الثاني: أن يُراد الاختلاف مع المؤمنين القائلين بثبوت يوم القيامة، لا بمعنى الجدل معهم، بل لمجرّد الاختلاف في الرأي، كالاختلاف بين اللونين مثلاً، فيُقال: هذان اللونان مختلفان، وإن لم يحصل بينهما جدلٌ أصلاً.
الوجه الثالث: ما ذكره الرازي(1) والطباطبائي(2) – كما سبق- من أنَّهم مختلفون فيما بينهم؛ لعدم اتّفاقهم على نفي يوم البعث والقيامة، بل بعضهم منكرٌ وبعضهم مشكّك، وبعضهم لديه ظنٌّ، وبعضهم لديه اطمئنانٌ، وهكذا…، وتقدّم أنَّه يكفي في صدق الاختلاف وجود متغايرين.
الوجه الرابع: ما ذكره الرازي في جوابه أيضاً من: أنَّ بعض كفّار قريش آمن و صدّق بيوم القيامة، وبعضهم كذّب به وبقي على كفره، فثبت الاختلاف بينهم بالنفي والإثبات(3). إلّاَ أنَّ هذا في الحقيقة يرجع إلى الاختلاف مع المؤمنين؛ لأنَّ مَن أسلم وآمن كان من المؤمنين، وإن رجع بنسبه وعشيرته إلى الكفّار.
الوجه الخامس: أن نحمل السياق على معانٍ أُخر، فلا يكون المراد بالنبأ العظيم يوم القيامة، بل المراد غيره حسبما أشرنا إليها في الأُطروحات الآنفة الذكر، فلا يكون المختلفون كفّار مكّة، ومعه ينتفي الإشكال من رأسٍ؛ لأنَّ السؤال عن كفّار مكّة خاصّة.
ــــــ[455]ــــــ
(1) راجع مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل: 364، سورة النبأ.
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 159، تفسير سورة النبأ.
(3) أُنظر: مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل: 364، سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً}:
ومن هنا يبدأ سياقٌ جديدٌ من حيث المعنى، لينتهي عند قوله تعالى: {وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً}، ليليه سياقٌ آخر ابتداءً بقوله: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً}، وأمّا من حيث اللفظ فيستمرّ هذا السياق اللفظي إلى آخر السورة في قوله: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً}، أي: سياق الألف الليّنة؛ فإنَّ نسق الآيات جميعاً بالألف الليّنة، وكلّها في موضع نصبٍ، وتضاف لها ألف الإطلاق الليّنة. ويمكن القول: إنَّ القافية المنصوبة في الشعر أعقد القوافي، إلّاَ أنَّ الله جلّ جلاله لا يؤوده شيءٌ ولا يصعب عليه أمرٌ.
ثُمَّ إنَّ في أكثر الآيات ألفاً قبل ألف الإطلاق نحو: (لباساً، معاشاً، شداداً …).
أمّا السياق الذي نحن فيه -أعني: هو السياق المعنوي لقوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً}- فهو إشارةٌ إليه تعالى، وفيه بيان بسط قدرته عزّ وجلّ، وهو الذي فهمه المشهور، كما فيه بيان وصف نعمة الله وفضله على البشر، وهذا ممّا لم يفهمه المشهور، غير أنَّ المشهور ركّز على دلالتها على إمكان يوم القيامة من قبله تعالى، فالقادر على إفاضة هذه الأُمور والنعم المرتبطة بالقدرة قادرٌ أيضاً على إيجاد يوم القيامة .
والخطوة الأُخرى هنا أن يُقال: إنَّ هذا السياق وقع في ضمن سياقين، وحينئذٍ يكون عندنا أربعة احتمالات بحسب ارتباطه بالسياق السابق واللاحق، ويمكن الإشارة إليها كما يلي:
الأوّل: سياقٌ مرتبطٌ بالسياق اللاحق.
الثاني: سياقٌ مرتبطٌ بالسياق السابق.
ــــــ[456]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الثالث: سياقٌ مرتبط بهما معاً.
الرابع: سياقٌ غير مرتبطٍ بأيّ منهما.
وتوضيحه: أنَّ بيان قدرة الله ونعمه: إمّا أن يكون مطلوباً وضروريّاً في نفسه، أي: إنَّه غيرُ مرتبطٍ بالسياق السابق ولا اللاحق، وهذا لابأس به، وإمّا أن يكون مطلوباً مرتبطاً بالسياق السابق، فيكون كالدليل على صحّة فهم المشهور من: أنَّ المراد بالنبأ العظيم يوم القيامة؛ باعتبار أنَّه أوجد الكثير من العجائب والموجودات، فلا يبعد عن قدرته إيجاد يوم الحساب، ولا موجب لمن رأى قدرة الله في الكون أن يتساءل أو يختلف في صحّة يوم القيامة. وهذا ترتيبٌ فكري لطيفٌ، إلّاَ أنَّ الأمر لا ينحصر بتفسير النبأ العظيم بيوم القيامة، وأنَّ كلّ أُطروحة ذكرناها في تفسير النبأ العظيم يصلح أن يكون هذا السياق الجديد بمنزلة القرينة والبرهان عليها، وهذه التفريعات نوكلها إلى فطنة القارىء الكريم. كما يمكن أن يكون هذا السياق مرتبطاً بالسياق الذي بعده الدالّ بصراحة على يوم القيامة بقوله: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً * لِلْطَّاغِينَ مَآباً}. فيكون السياق الذي نتكلّم عنه – الذي نحن فيه بمنزلة المقدّمة البرهانيّة على ما يلحقه بنفس التقريب السابق- هو أنَّ قدرة الله تعالى في الكون ملازمةٌ لقدرته على إنجاز يوم القيامة.
كما يمكن أن يكون السياق الذي نحن فيه مرتبطاً بما قبله وبما بعده، وهذا واضحٌ إذا قلنا والتزمنا بفهم المشهور من: أنَّ النبأ العظيم هو يوم القيامة. وعليه فكلا السياقين يُراد به يوم القيامة، أعني: السياق الواقع في أوّل السورة والسياق الملحوظ في نهايتها، ويكون السياق المتوسّط بينهما برهاناً على ذلك، وكأنَّه ذكر يوم القيامة، ثُمَّ برهن عليه، ثُمَّ استنتج من البرهان صحّته الذي هو عبارة عن السياق الذي بعده، فكرّر ذكر يوم القيامة مرّتين.
ــــــ[457]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وفي قبال ذلك أن نفهم من النبأ العظيم غير يوم القيامة، ويكون السياق الذي نتكلّم فيه كالدليل عليه، كما يكون دليلاً على السياق الذي بعده، وهو يوم القيامة. ومعه فالسياق المتوسّط بينهما يقع بين أمرين، أي: إنَّه مرتبطٌ بما قبله الذي هو غير يوم القيامة، ومرتبطٌ بما بعده الذي هو يوم القيامة، فيكون دليلاً على ما قبله ودليلاً على ما بعده، وهما أمران مختلفان لا أمرٌ واحدٌ. وبتعبيرٍ آخر: إنَّ بيان قدرة الله سبحانه كما يبرهن على صحّة يوم القيامة، وهو السياق الآتي، كذلك يمكن أن يبرهن على أُمور أُخرى نفهمها من النبأ العظيم الذي هو السياق السابق: كساعة الموت أو ساعة البلاء الدنيوي مثلاً.
والوجه فيه: أنَّ القادر على إيجاد الكون قادرٌ على هذه الأُمور، فيكون السياق برهاناً على ما قبله وما بعده، على أن لا يكون ما قبله وما بعده شيئاً واحداً، بل هما شيئان مختلفان.
ثُمَّ إنَّنا كنّا نتكلّم عن سياق هذه الآية، فلنتعرّض الآن إلى مدلولها وألفاظها.
[في معنى (المهاد)]
أمّا (المهاد) فقال الراغب: المهد ما تُهيّء للصبي(1)، أي: لنوم الصبي، وليس المراد كلّ صبي، بل خصوص الصبي الرضيع.
قال تعالى: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً}(2). وأفاد الراغب أيضاً: المهد والمهاد المكان الممهّد الموطّأ. قال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً}(3)(4).
ــــــ[458]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 496، مادّة (مهد).
(2) سورة مريم، الآية: 29.
(3) سورة طه، الآية: 53.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 496، مادّة (مهد).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فيكون المراد: (ألم نجعل الأرض فراشاً)، أي: مبسوطةً للسكنى والسكن عليها كالمهد. وأضاف: يُقال: مهّدت لك كذا: هيّأته وسوّيته. قال تعالى: {وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً}(1)(2). فالتمهيد التوطئة بمعنى: تهيأة المكان الذي لم يكن مهيّئاً أصلاً. فنحن مثلاً ننظر إلى الأرض ونرغب في أن نقوم بزراعتها، ونرى فيها الحصى والتلال والأوساخ والمناطق المرتفعة والهابطة وغيرها، فنطأها ونجعلها متساويةً ومهيّأةً للزراعة.
وللتوسّع في اللغة والاستعمال نقول: نهيّء المسجد للدرس، نهيءّ الشابّ للزواج، نهيّء المحلّ للتجارة، وهكذا، وإلّاَ فإنَّ أصل الاستعمال تهيأة الأرض، ويُطلق على التهيئة المعنويّة: كدفع المشكلات المحتملة لأمر مّا. فقوله تعالى: {وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً} بمعنى: أنَّ الله قد مهّد لذاك المقصود من الآية، وأعطاه الإمكانات، ودفع عنه المشاكل، ثُمَّ يطمع أن أزيد.
وهذا النموذج ملحوظٌ جدّاً فيُقال: إنَّ راقم السطور السيّد محمّد الصدر مهّد له جلّ جلاله تمهيداً بما لا يترقّبه، إلّاَ أنَّه يطمع في أن يزيد الله في تمهيده.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ المهد للصبي هل هو أسبق وضعاً أم التمهيد للأرض؟ لأنَّه لابدّ أن يكون أحدهما أصلاً والآخر فرعاً بنحو المشترك المعنوي لا اللفظي، فالوضع واحدٌ، والأسبقيّة مجهولةٌ.
وهنا يمكن أن ندّعي بأنَّ التمهيد للأرض أسبق وضعاً، فنقول: أعددت المهد للصبي، وهيّأت له محلّ النوم، كما أُمهّد الأرض، فصار التمهيد
ــــــ[459]ــــــ
(1) سورة المدّثّر، الآية: 14.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 496، مادّة (مهد).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
للأرض أصلاً وذاك فرعاً.
[لفظ (مهاد) الوارد في الآية هل هو مفردٌ أم جمعٌ]
ثُمَّ إنَّ لفظ (مهاد) الوارد في الآية هل هو مفردٌ أم جمعٌ؟ ويُلاحظ: أنَّ الراغب لم يخطر في ذهنه أنَّه جمعٌ، بل سلَّم بأنَّه مفردٌ. ومهد ومهاداً لفظان مترادفان على رأيه، مع أنَّ (مهادٍ) فيها ألفٌ زائدةٌ، فكيف يحصل الترادف؟ لكن يمكن أن نذكر أُطروحة تُفيد بأنَّ (مهاد) جمع (مهد). والوجه فيه: أنَّ مهد تُجمع على صيغة مهاد، لا بنحو جمع مذكّرٍ أو مؤنّثٍ سالمٍ، بل بنحو تكسيرٍ، وهذا يعني أنَّ الآية فيها أُطروحتان متساويتان؛ فإنَّ (مهاد) إمّا أن تكون مفرداً أو تكون جمعاً، ويمكن فهم كلا الأمرين هنا على حدٍّ سواءٍ.
والأرض يمكن اعتبارها مهداً واحداً لمجموع البشريّة، أي: مجموع الأرض لمجموع البشريّة، ويمكن اعتبارها مهاداً متعدّدةً باعتبار اختلاف النقاط السكنيّة، كالمدن والأقاليم والقارّات، والدول والأوطان، وقد جعلها الله كلّها مهيّئةً لسكن الإنسان عليها من جميع الجهات.
نعم، قد يُقال: إنَّ الآية قالت: {الأَرْضَ مِهَاداً}، وحيث إنَّ (الأرض) مفردٌ، فينبغي أن يكون (المهاد) مفرداً كذلك. إلّاَ أنَّه يمكن القول بأنَّ الأرض بحسب المعنى لها أجزاءٌ كثيرةٌ، كما هو واضحٌ، فيمكن أن نأخذها واحدةً كالكرة الأرضيّة، ويمكن أن نأخذها متعدّدةً باعتبار اختلاف النقاط السكنيّة فيها.
وبتعبيرٍ آخر: إنَّ الأرض بمعنى اسم الجنس، لا بمعنى اسم العلم للكوكب الذي نسكن فيه، واسم الجنس له حصصٌ، وكذلك هناك أراضٍ أُخر، بل آلاف الأراضي في الكواكب الأُخرى؛ فقد جُعلت كلّ منطقة مهداً لأهلها، كما جعلت الأرض عموماً مهداً للبشريّة، فيكون لدينا أربعة احتمالات:
ــــــ[460]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأوّل: أن نلحظ الأرض واحدةً والمهاد واحداً.
الثاني: أن نلحظ الأرض متعدّدةً والمهاد متعدّداً.
الثالث: أن نلحظ الأرض واحدةً والمهاد متعدّداً.
الرابع: أن نلحظ الأرض متعدّدةً والمهاد واحداً.
وكلّ هذه الأقسام ممكنةٌ.
كما يمكن أن نفهم من (المهاد) التوطئة والتمهيد للآخرة، بمعنى: أنَّها ليست مهاداً للسكن فقط، بل هي مهادٌ للطاعة والاستغفار والتوبة؛ لأنَّ الدنيا دار العمل الموجب للجزاء الأُخروي، فأمّا الطاعة وأمّا العصيان، وكلٌّ منهما حاصلٌ، فقد تكون مهاداً للعصيان: كشرب الخمر والرقص والغناء (والعياذ بالله).
والمشهور يعتقد أنَّها أرضٌ ومهدٌ للسكنى، إلّاَ أنَّ الأُطروحات يمكن أن تكون متعدّدةً، كما هو واضحٌ؛ لأنَّ المتعلق محذوفٌ، فيدلّ على العموم، وعندها يمكن أن نفهم من الأرض الأرض المعنويّة، وهي أيضاً ممهّدةٌ للإنسان، بل كلّ أرضٍ ممهّدةٌ لنوعها أيّاً كانت تلك المخلوقات من: إنسانٍ أو حيوانٍ أو نباتٍ أو جنٍّ أو ملكٍ. كما يمكن أن نفهم من الأرض نفسها بدون زيادة، أي: كترابٍ وصخرٍ، كما فهم المشهور في كونها ممهّدةً للإنسان، أي: الأرض بما هي أرضٌ من دون زيادة. إلّاَ أنَّه على أُطروحة المشهور يمكن أيضاً أن نفهم منها معنىً آخر للتمهيد، وهو: أنَّ الأرض ككلٍّ – أي: الأرض مع زيادةٍ- مهّدت للإنسان وجُعل فيها الزيادة، وهي وجود شروط الحياة للإنسان، أي: لا ننظر إليها كترابٍ وصخرٍ، بل ننظر إليها مع قابليّاتها وإمكاناتها الأُخرى مثل: قابليّة الكهرباء، وقابليّة الذرّة كالهواء والبحار
ــــــ[461]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والأنهار وسائر إمكانات الطبيعة، فهي مهّدت بهذا المعنى.
[إشارة إلى بعض ما قيل في تفسير الآية الكريمة]
بقي أن نشير إلى بعض ما قيل في تفسير الآية الكريمة:
فمنها: ما ذكره المحقّق الخوئي(1) من: أنَّ هذه الآية تدلّ على حركة الأرض؛ لأنَّ المهد الذي ينام فيه الطفل متحرّكٌ عادةً (ونحن نُطلق عليه باللهجة العامّيّة: الكاروك)(2)، فالأرض تتحرّك؛ لأنَّها مهدٌ، وهذا دليلٌ على حركة الأرض التي أثبتها العلم الحديث، ولم يكن مُلتفتاً إليها عند نزول القرآن، بل كانوا يتخيّلون أنَّ الأرض ثابتةٌ، والشمس تتحرّك، مع أنَّه ثبت العكس، أعني: أنَّ الشمس ثابتةٌ نسبيّاً، والأرض تتحرّك حولها.
وقد يُقال: إنَّ هناك تنافياً بين حركة المهد وحركة الأرض؛ فالمهد يتحرّك بشكل يختلف عن حركة الأرض، كما هو ظاهرٌ، ومن هنا نحتاج إلى ضمّ هذه المقدّمة، وهي أنَّ الإشارة في الآية إلى مطلق حركة المهد، أي: إنَّ المهد يتحرّك في الجملة، مع قطع النظر عن اتّجاه حركته وكيفيّتها. وحينئذٍ نقول: إنَّ الأرض أيضاً تتحرّك في الجملة، مع غضّ النظر عن اتّجاه حركتها، فالتشابه بين المهد والأرض في أصل الحركة، لا في تفاصيلها حتّى يستقيم التنظير، وإلّاَ فسد؛ لعدم مماثلة حركة الأرض لحركة المهد: لا في حركتها اليوميّة حول نفسها، ولا في حركتها السنويّة حول الشمس، ولا في أيّ حركةٍ أُخرى لها، فحركات الأرض جميعهاً ليس فيها ما يشبه المهد إطلاقاً هذا.
ويمكن – القول انتصاراً لما أفاده المحقّق الخوئي-: إنَّ المهد له حركةٌ واحدةٌ، والأرض لها حركتان، بل لعلّ لها حركاتٍ متعدّدةً، فنقول:
ــــــ[462]ــــــ
(1) أُنظر: البيان في تفسير القرآن: 72 -73، إعجاز القرآن، القرآن وأسرار الخليقة.
(2) الكاروك: لفظٌ عامّي عراقي بمعنى: المهد الذي يوضع فيه الطفل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والقدر المتيقّن وجود حركتين للأرض، فأيّ منهما يشبه حركة المهد؟
وجواب ذلك: أنَّنا نجرّد الكلام عن الخصوصيّة، والمراد مطلق الحركة مع قطع النظر عن العدد، فيستقيم الكلام أيضاً، وإلّاَ فسد.
ورغم ما قلناه دفاعاً عمّا ذكره المحقّق الخوئي، يبقى في المقام غير واحد من الإشكالات من جهاتٍ أُخر:
الجهة الأُولى: أنَّه لا يُعتبر في المهد الذي ينام فيه الطفل الحركة، ومن قال: إنَّ المهد هو (الكاروك) الذي يهتزّ ويتحرّك؟ بل المهد هو السرير الذي ينام فيه الطفل، ولا يلزم أن يكون متحرّكا ً كـ(الكاروك)، بل لم يكن (الكاروك) موجوداً: لا في الجاهليّة ولا في صدر الإسلام حين نزول الآية، ولم يثبت وجوده تاريخيّاً ولو بروايةٍ ضعيفةٍ واحدةٍ. وعليه فإمّا أن نقول: إنَّ (الكاروك) ليس بمهدٍ قطعاً، أو نقول: إنَّ المهد له حصّتان: حصّةٌ ثابتةٌ وأُخرى متحرّكةٌ، وعلى هذا يكون تشبيه الأرض بالمهد من حيث الحصّة المتحرّكة. ومَن قال: إنَّ ما ذُكر تامٌّ؟ فقد يشبّه الأرض بالحصّة الثابتة من المهد، أي: كما أنَّ الطفل يكون ثابتاً على المهد ونائماً، فكذلك البشريّة على الأرض تكون ثابتةً. ولو اقتصرنا على هذه الفكرة لانتفت دليليّة الآية على حركة الأرض، ويكون مدلولها: كما أنَّ المهد مكانٌ للطفل، فالأرض موطنٌ للبشريّة أيضاً .
الجهة الثانية: أنَّ المهد والمهاد لم يوضع لمعنى (الكاروك) أو السرير، بل للتوطئة، ومهّد أي: وطّأ، وهذا ذكرناه فيما سبق. وأمّا سرير الطفل فهو معنى ثانوي أو مجازي، فلا ينبغي فهمه من الآية فضلاً عن السرير المتحرّك (الكاروك).
ــــــ[463]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الجهة الثالثة: ما تقدّم من أنَّ حركة الأرض بكلّ أنواعها لا تماثل حركة المهد، وإنَّما تحتاج إلى نحوٍ من التجريد عن الخصوصيّة، فيُقال: إنَّ هذه الحركة إشارةٌ إلى مطلق الحركة، وهو لا يخلو من بعدٍ عرفاً.
الجهة الرابعة: أنَّ الآية أفادت: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً}، وتقدّم منّا سابقاً أنَّ (مهاد) قد يكون مفرداً وقد يكون جمعاً، وإن كان اللغويّون والمفسّرون غافلين عن هذا المعنى، إلّاَ أنَّه في حدود فهمي أقرب إلى الجمع، أي: فهم الجمع أولى من فهم المفرد. فإن تنزّلنا عن الإشكالات السابقة، صحّ التشبيه لو قال: (جعلنا الأرض مهداً)، لا حين يقول: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً}. والوجه فيه: أنَّ الأرض (مهدٌ) واحدٌ لا مهدان، اللّهمّ إلّاَ أن يُقال: إنَّ تعدّد المهاد من هذه الناحية باعتبار تعدّد حركات الأرض، فكلّ حركة تُعدّ مهداً مستقلاً.
[باب طريف لم يلتفت إليه أحدٌ لفهم ثلاثة معانٍ لحركة الأرض]
وبعد التنزّل عن كافّة الإشكالات السابقة قد نصل إلى بابٍ طريفٍ يمكن فتحه، لعلّه لم يلتفت إليه أحدٌ، إلّاَ أنَّ هذا ممّا وقفت عليه بفضل الله، ومنه نفهم ثلاثة معانٍ للحركة هي:
الأوّل: أنَّ الأرض المعنويّة للإنسان تتحرّك باستمرارٍ، فلا تهدأ ولا تستقرّ، وهي النفس والقلب، وإنَّما سمّي القلب قلباً؛ لأنَّه متقلّبٌ بنحوٍ خارجٍ عن إرادة صاحبه، بل روي أنَّ “قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن”(1). وهذا مشهودٌ؛ فليحاول أيّ واحدٍ منّا أن يمنع ذهنه لمدّة دقيقةٍ من خطور بعض الأشياء عليه. فالنفس والقلب يتحرّكان باستمرارٍ، ومن هذه
ــــــ[464]ــــــ
(1) عوالي اللئالي 1: 48، الفصل الرابع، الحديث 69، علل الشرائع 2: 604، باب نوادر العلل، الحديث 75، مع اختلافٍ في اللفظ، مسند أحمد 2: 168، مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، مع فارقٍ يسيرٍ، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الناحية تكون الأرض المعنويّة مهداً للإنسان في الحقيقة.
والسرّ فيه: أنَّ النفس تتقلّب كما تتقلّب أمواج البحر، تتقلب فيها الرغبات والشهوات والمصالح الشخصيّة التي ندركها. ومفاد ذلك أنَّ هذه الوجودات الثلاثة -أعني: القلب والعقل والنفس- مع قطع النظر عمّا سواها من موجوداتٍ عاليةٍ كلّها متحرّكةٌ، وهذا ملحوظٌ بالوجدان، كما أنَّه معلومٌ بالعلم الحضوري، وإن لم يعلمه الفرد بالعلم الحصولي.
الثاني: أنَّ هذه الأرض تمثّل نقطة البداية للتكامل، فهي مهدٌ وسريرٌ، فالإنسان وضع في الدنيا لأوّل مرةٍ، أي: إنَّه وضع في طريق التكامل، فتكون بدايته من هذه النقطة طفلاً، وكماله يسيرٌ، وتربيته بطيئةٌ، ثُمَّ يبدأ بالتكامل في الدنيا تدريجيّاً إلى أن يصل ويصير إنساناً له كماله اللائق به، فهي مهدٌ له، بمعنى: أنَّ أوّل طريقٍ للتكامل يبدأ من الأرض والدنيا.
الثالث: أنَّ الأرض المعنويّة تمثّل أيضاً نقطة بداية للتكامل، والتكامل لا يختصّ بالجانب المادّي، بل الإنسان يتكامل في رحاب أرضه المعنويّة، فيجذب الفاسد الموجود فيها ويرميه عنها، ليبقى الصالح، فيصعد إلى أن تلتحق أرض النفس بسماء النفس في الحقيقة؛ لأنَّ الآية قالت: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً}. والسياق سياقٌ استفهامي عن النفي، والمراد به التوصّل إلى الإثبات، يعني: جعلنا الأرض مهاداً بالفعل.
وهنا يُلاحظ شيءٌ غامضٌ، وهو أخذ الإقرار من السامع، فعندما يسمع هذا السؤال يضطرّ أن يقول: نعم. وفي السياق عطفٌ على ما هو مشهودٌ للإنسان ومدركٌ له بالحسّ ممّا هو موصوفٌ بهذا السياق عموماً؛ لأنَّ قوله: {أَلَمْ نَجْعَلِ} هو نقطة البداية، ثُمَّ عطف عليه {…الْجِبَالَ أَوْتَاداً}، وهكذا إلى
ــــــ[465]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
آخره، فكلّ ما ذُكر داخلٌ في الاستفهام ومعطوفٌ على الآية الأُولى، وهو تحويلٌ على ما هو مشهودٌ. كما يُلاحظ أيضاً أخذ الاعتراف من السّامع قائلاً: إنَّ هذه الأشياء كلّها أمام نظركم ولا يمكن لأحد أن ينكرها، فالسياق استنكارٌ على الإنكار. والإنكار ينشأ من سببين:
الأوّل: إنكار الواقع كما هو مذهب السفسطة القائل: إنَّ هذه الأشياء وهمٌ، ليس لها واقعٌ خارجي، فيؤخذ منهم الاعتراف بوجود الواقع الخارجي بقوله: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً} إلى آخره.
الثاني: الإنكار من عدم نسبتها إلى الخالق تعالى، كما هو مشهودٌ عند القائلين بالإلحاد والتعطيل والدهريّة، أي: ينكر وجود الله سبحانه الخالق لها، فحينئذٍ يُقال له: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً}.
****
قوله تعالى: {وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً}:
الأوتاد جمع وتد بالكسر والفتح، فيقال: الوتِد والوتَد بكسر التاء وفتحها، وقد ذكره الراغب في “المفردات” ولم يتعرّض لتفسيره(1)، والظاهر أنَّه يعبّر به عن المسامير الضخمة التي تكون غالباً من الخشب، نظير غصن الشجرة الذي يُدقّ في الأرض وتربط به أطناب الخيام، وهي الحبال التي تشدّ بها الخيام. وأمّا إذا لم ينفذ المسمار في الأرض، بل في كرسي أو سرير مثلاً، أُطلق عليه دسّار، والجمع دسر، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلوَاحٍ وَدُسُرٍ}(2). ولربّما لحدّ الآن يستعمل بعض النجّارين مسماراً من خشبٍ،
ــــــ[466]ــــــ
(1) أُنظر:مفردات ألفاظ القرآن : 547، مادّة (وتد).
(2) سورة القمر، الآية: 13.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فيثقب له ثقباً بين خشبتين، ثُمَّ يدخله لكي يربطهما بواسطته، ولا يلزم أن يكون المسمار من حديدٍ بالنحو المتعارف حاليّاً، والأبواب القديمة كلّها كانت فيها دسّارٌ، أي: كانت مثبتةً بمسامير خشبيّةٍ، وأمّا الذي يُدقّ في الأرض فهو وتدٌ.
ثُمَّ إنَّ الجبال موجودةٌ في الأرض، فينبغي أن يعبّر عنها بالوتد، فهي أوتادٌ، وعندما نراها نجد أنَّها ثابتةٌ في الأرض، وقد قلنا سابقا: إنَّ القرآن يُفيد فكرةً حاصلها: إنَّ في الجبال حمايةً لحركة الأرض، فلو لم تكن الجبال موجودةً لتحرّكت الأرض حركات غير متّزنةٍ، ومن ثُمَّ لا يسير النظام الطبيعي على حاله المعهود، فتختلّ الأيّام والليالي والرياح والمياه، ونحوها. وهذا ظاهر القرآن في هذه المسألة، وهو حجّةٌ، كما أنَّه يمثّل فهم المشهور، وهو حقٌ.
والوجه فيه: أنَّ الجبال أوتادٌ؛ لأنَّها تنفع الأرض في تثبيت حركتها، كما أنَّ الوتد ينفع في تحكيم الخيمة أو الفسطاط، ونحوها الجبال تؤثّر في تثبيت حركة الأرض. ثُمَّ إنَّ هذا المعنى يصدق في الجانب المعنوي أيضاً، أي: في الأرض المعنويّة للنفس؛ فإنَّ أرض النفس لن تكون مستقرّةً، بل كثيرة الاضطراب والانزعاج إذا لم تكن فيها الجبال المناسبة لها، كقوّة الإرادة وسيطرة العقل ونحو ذلك. وعلى كلّ حال إن استبعدنا ذلك في الأرض الماديّة الدنيويّة، فلا نستبعده في الفهم المعنوي والباطني، بل هو صادقٌ مائة بالمائة.
قال في “الميزان”: وعن بعضهم أنَّ المراد بجعل الجبال أوتاداً انتظام معاش أهل الأرض بما أُودع فيها من المنافع، ولولاها لمادت الأرض بهم، أي لما تهيّأت لانتفاعهم…(1).
ــــــ[467]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 162، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أقول: لعلّهم يتشّبثون بهذه الأُطروحة لاستبعادهم المعنى الذي قلناه في تأثير الجبال في حركة الأرض، فلذا لابدّ أن يصرف إلى معنىً آخر، كما أفاده بعضهم هنا.
ثُمَّ قال صاحب “الميزان”: وفيه أنَّه صرف اللفظ عن ظاهره من غير ضرورةٍ موجبةٍ(1).
نعم، الضرورة الموجبة عندهم أنَّ ظاهرها غير محتملٍ، أعني: تأثير الجبال في حركة الأرض.
أقول: إذا التزمنا بهذا التفسير -أي أنَّ المراد بالجبال النبات الذي فيها، والحيوان الذي يعتاش عليها، وأنواع إعداد المعاش والمنافع الأُخرى- ويُراد بالحركة التي تمنعها عدم تهيئتها للانتفاع، فلا يمكن أن نُطلق عليها جبالاً. وكلّ من المعنيين بعيدٌ عن ظاهر الكلام. نعم، هو يتناسب مع بعض مستويات الفهم الباطني، كما ذكرناه سابقاً، إلّاَ أنَّهم يريدون به الظاهر لا الباطن.
[الدفاع عن الفكرة المشهورة بأن الجبال تنفع في تثبيت حركة الأرض]
وهنا يمكن لنا أن ندافع عن الفكرة المشهورة بأن نقول: إنَّ الجبال تنفع في تثبيت حركة الأرض، ونعلم أنَّه لم تحصل أيّ تجربةٍ لإثبات ذلك ولن تحصل، أي: إنَّنا لو أزلنا الجبال عن سطح الأرض لتحرّكت الأرض حركاتٍ خارجة عن وضعها الطبيعي واضطربت، وإن لم يحصل ذلك لحدّ الآن.
وفي المقام تفصيلٌ ينبغي الإشارة إليه، وهو: أنَّ الغلاف الجوّي الذي يبلغ عشرات الكيلومترات ثقيلٌ إلى درجة كبيرةٍ، مع أنَّه يصطدم بالجبال والتلال أيضاً، فتبطئ حركة الأرض، وعليه فالغلاف الجوّي بثقله يُساهم في
ــــــ[468]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 162، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
إمساك الأرض عن الحركة العنيفة المضطربة أوّلاً، كما يكبس الأرض من جميع الجهات، فلا تكون محتويات الكرة الأرضيّة كالماء والثلج والتراب حرّةً في حركتها؛ لمكان وجود الجبال التي تصدّ الهواء، فلو كانت الأرض ملساء لأمكن حدوث الحركة العنيفة، فلا يمكن للهواء إمساكها، بل تنزلق من تحته، لتكون سرعتها حول نفسها أكثر من سرعتها الطبيعيّة، فيتغيّر نظام الليل والنهار، أو يتغيّر ميلان محور الأرض بشدّة، فيفسد معدل الفصول الأربعة، وهكذا.
ويُلاحظ: أنَّ الوتد لا يدقّ إلّاَ في مكانٍ، والوتد بحاجةٍ إلى طرفٍ، وطرفه محذوفٌ في الآية، وإن كان المشهور يرى أنَّ الأوتاد في الأرض؛ لأنَّ الجبال في الأرض، إلّاَ أنَّ المهمّ عندنا أمران: الوتد الذي هو الجبال، وطرفه الذي هو الأرض، ومعه يمكن أن نأخذ المعنى الرمزي للجبال الذي يُشير إلى جهاتٍ أُخر ذكرناها سابقاً، ونحوه المعنى الرمزي للأرض، فهو معنى رمزي يشير إلى جهاتٍ أُخر غير الجهات المدلول عليها بالدلالة المطابقيّة المشهوريّة.
ثُمَّ إنَّنا نلاحظ أنَّ كلّ شيء -سوى الله تعالى- فيه نقصٌ وفيه قابليّة للتناقص، ويُحال بين هذا التناقص وبين حصوله بواسطة وتدٍ بفضل الله؛ فلا يحصل التناقص، نظير أن نتصوّر أنَّ هناك ارتجافاً في الأرض، فلا يحصل لمكان وجود الأوتاد، فكلّ شيءٍ فيه نقصٌ يحتاج إلى تثبيتٍ، والتثبيت لا يكون إلّاَ بوتدٍ، أو بجبلٍ بالمعنى الرمزي له.
وأمّا لو فهمنا أنَّ المراد من الأرض مثلاً المجتمع؛ لأنَّ المجتمع يعيش على الأرض، والأرض لا اعتبار لها، وإنَّما اعتبارها الحقيقي بساكنيها، فنفهم من الأرض المجتمع، والمجتمع كما هو معروفٌ في حركةٍ دائمةٍ واختلافٍ
ــــــ[469]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وتناقصٍ، فهو محتاجٌ إلى التثبيت بوتدٍ، فإنَّ الأوتاد ستختلف بحسب الحقل الذي تكون فيه. فالنقص إذا كان هو الجهل في أُصول الدين مثلاً كان الوتد الأنبياء والأولياء، وإذا كان الجهل بفروع الدين كان الوتد العلماء والفقهاء. مع أنَّه تارةً يكون النقص في التدبير، فيكون المدبّرون هم الوتد، وهم من الناحية الدنيويّة الملوك والرؤساء، وإذا كان النقص في الاقتصاد كان أهل الأموال والتجارات وتداً. وكذلك إذا تصوّرنا الأُسرة: فإنَّ الوتد فيها هو ربّ الأسرة، وإذا تجاوزنا هذا وتصوّرنا الجنين، لوحظ أنَّ له نحواً من النقص تسدّه المشيمة، فهي الوتد بالنسبة إليه، وكذا تكون المَلَكة وتداً للعلم، واليقين وتداً للإيمان ، والمعصومون أوتادٌ للخلق بالولاية التكوينيّة، واللوح المحفوظ وتدٌ للقضاء والقدر، هكذا.
****
قوله تعالى: {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً}:
أزواجاً أي: زوجين زوجين، والخطاب للبشريّة، وسيأتي التحقيق في ذلك؛ لأنَّ الأزواج غير منحصرةٍ بالبشريّة، إلّاَ أنَّ الظاهر الأوّلي للآية أنَّ المخاطب فيها البشريّة.
[أمور في بيان كون البشريّة أزواجاً]
والذي يمكن أن يُقال في بيان كون البشريّة أزواجاً أُمورٌ:
الأمر الأوّل -وهو الأشهر-: أنَّ البشريّة متكوّنةٌ من الذكور والإناث، أو قل: من الرجال والنساء؛ لتجري بينهم سنّة التناسل-بحسب تعبير صاحب “الميزان”-(1) ويدوم بقاء النوع إلى ما شاء الله.
فإن قلت: إنَّ الاثنين ليس جمعاً؛ لأنَّ الجمع أقلّه ثلاثة، والآية عبّرت
ــــــ[470]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 162، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أزواجاً بالجمع.
قلنا: أوّلاً: إنَّ الاثنين جمعٌ في أغلب اللغات، كالانجليزيّة والفارسيّة، فما زاد عن الواحد فهو جمعٌ، وهو جمعٌ منطقي أيضاً.
ثانياً: إنَّ هذا بلحاظ المجموعات المتكوّنة من زوجين من البشر، فهذا زوجٌ وهذا زوجٌ، فتعود أزواجاً كثيرة؛ لأنَّ الأزواج مفرد زوجٍ، والزوج ليس تعبيراً عن واحدٍ، وإن كان يُطلق مجازاً على الواحد، فيقال: زوج وزوجة، فيكون المراد بالأزواج تعدّد المجموعات المتكوّنة من اثنين، وهو الأصحّ.
الأمر الثاني: أنَّه قيل- كما في “الميزان”:- إنَّ المراد به الأشكال، فمن آياته اختلاف صوركم وألوانكم(1).
الأمر الثالث: أنَّه قيل- كما في “الميزان” أيضاً-: إنَّ المراد به الأصناف، أي: الأصناف المختلفة للبشريّة، كالأبيض والأسود والأحمر والأصفر مثلاً(2).
أقول: ويرد على الأُطروحتين الثانية والثالثة: أنَّ المجموعات تتكوّن من عددٍ غير قليلٍ، فلا تمثّل زوجاً واحداً فقط، فمعنى الزوج أنَّه بشرط لا عن الزيادة والنقيصة، والمعنى المذكور ليس كذلك، فحتّى لو كان ألفَاً لأطلقنا عليه زوجاً؛ فالأبيض من البشر بالملايين، ونحوهم الأسود، فكيف نسمّيهم زوجاً؟
الأمر الرابع: ما في “الميزان” أيضاً من أنَّ المراد: خلق كلٍّ منهم -أي: أفراد البشر- من منيّين: منيّ المرأة ومنيّ الرجل(3)، وإن صرّح الطبّ الحديث
ــــــ[471]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 162، تفسير سورة النبأ.
(2) أُنظر المصدر السابق.
(3) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
-وهو الحقّ- أنَّ منيّ المرأة لا يساهم في الخلقة، بل البويضة هي التي تشارك فيها، وهي لا تخرج إلى خارج الرحم، ولو خرجت لم تنتج قطعاً.
إلّاَ أنَّه يمكن أن نخطو خطوة، فندّعي – بدل أن نقول: إنَّه يتكوّن من منيّين- أنَّه يتكوّن من أبوين الذين هما مصدرا المنيّ، كما هو واضحٌ، فيكون النظر إلى الأسباب ، أي: أسباب وجود الفرد، وهما الأبوان.
الأمر الخامس: أنَّ الإشارة في الآية إلى التوائم المتشابهة، فهناك توائم متشابهةٌ متعدّدةٌ، لا سيّما بعد أن نلتفت إلى أنَّ المعروف المرتكز عند المتشرّعة أنَّ لكلّ إنسان فرداً يشبهه، ولا يلزم أن يوجد في جيله، بل ولو في جيلٍ آخر، ويكون من قبيل التوأم المتشابه، وحينئذٍ تكون التوائم على قدر نصف البشريّة.
الأمر السادس: ما ذكره الفلاسفة من: أنَّ كلّ ممكن زوجٌ تركيبي(1). نعم، الله تعالى بسيطٌ لا زوجٌ، واحدٌ لا شريك له جلّ جلاله. إلّاَ أنَّنا لو تنزّلنا عن عالم الإلوهيّة ولو بمرتبةٍ، لحصلت الزوجيّة، فيُقال: كلّ ممكنٍ زوجٌ تركيبي، يعني: الممكن في ذاته- تحليلاً لا خارجاً- مكوّنٌ من شيئين. وأقرب مثال له الإنسان، ويكفي أن نلتفت إلى أنَّه متكوّنٌ من نفسٍ وعقلٍ، وهما زوجٌ.
ويمكن القول: إنَّ كلّ شيءٍ له ظاهرٌ وباطنٌ.
فإن قلت: إنَّ هذا لا يختصّ بالبشريّة مع أنَّ الخطاب في الآية للبشريّة.
قلت: مع التسليم بالاختصاص فإنَّ الآية ليس لها مفهوم مخالفة، ليُقال بأنَّ غير البشريّة ليسوا أزواجاً، مع أنَّ قوله (خلقناكم) يمكن أن يكون
ــــــ[472]ــــــ
(1) أُنظر: القبسات: 329، القبس الثامن، الأسفار الأربعة 1: 187، المرحلة الأُولى، المنهج الثاني، الفصل 10، شرح المنظومة 2: 64، غرر في أصالة الوجود، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
متوجّهاً إلى كلّ عالم الإمكان لا البشريّة فقط.
فإن قلت: إنَّ {وَخَلَقْنَاكُمْ} تشير إلى عالم الخلق بالقرينة المتّصلة، فلا تشمل عالم الأمر، مع أنَّ قولهم: (كلّ ممكنٍ زوجٌ تركيبي) يشمل عالم الأمر؛ لأنَّه من الممكنات، فكلّ شيءٍ سوى الله ممكنٌ.
قلت: نعم، المراد بالممكن هو كلّ ما سوى الله تعالى، فيعمّ عالم الأمر وعالم الخلق، إلّاَ أنَّنا نقول أيضاً: إنَّه ليس في الآية مفهوم مخالفة ينفي الزوجية عمّا زاد عن عالم الخلق، فلا منافاة بين أن تكون موجودات عالم الخلق أزواجاً تركيبيّةً وموجودات عالم الأمر كذلك.
****
قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً}:
السبت والسُّبات مصدر، وهو قلّما يُلتفت إليه، ويُراد به الراحة والاستقرار والدعة، ويُراد به أيضاً -بمعنىً من المعاني- السكون وعدم الحركة، ومنه يوم السبت، أي: يوم العطلة عن العمل، كما كان عليه اليهود ولا يزالون؛ لأنَّ نهاية الأُسبوع عندهم هو السبت، وفيه يستريحون ويعطّلون العمل، كما هي الجمعة عندنا. ولذا قال تعالى: {يَوْمَ سَبْتِهِمْ}(1)؛ إذ كانت الحيتان تأتيهم يوم السبت، أي: يوم الراحة والعطلة. وقد سمّي اليوم الذي بعده (الأحد)؛ لأنَّه أوّل أيام الأسبوع بعد العطلة ثُمَّ الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وهذا يعني أنَّ نظام أسماء الأيّام في الأسبوع يعود إلى اليهود، وهو قلمّا يُلتفت إليه أيضاً.
ــــــ[473]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 163.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ثُمَّ إنَّ السبات في اللغة الحديثة هو النوم نفسه، ومنه سبات الحشرات، كالنمل، وسبات بعض الحيوانات في النهار، إلّاَ أنَّ هذا المعنى -أي: النوم- غير موجودٍ في أصل اللّغة، وإلّاَ كان في الآية تكرارٌ مخلٌّ، كأنَّه قال: (وجعلنا نومكم نوماً)، كما لا يخفى. نعم، قد يكون هذا مفهوماً باللازم الغالب، وهو أنَّ الراحة والاستقرار قد تؤدّي إلى النوم، أو نقول: إنَّ من جملة حصص ومصاديق الدّعة والاستقرار هو النوم، فكلّ نومٍ هو دعةٌ واستقرارٌ، وليس كلّ دعةٍ واستقرارٍ نوماً. كما يمكن أن نفهم من السبات النعاس، وهو حالةٌ جسديّةٌ ونفسيّةٌ معروفة يتوقّف عليها النوم، فيكون المراد من الآية: (أنَّنا جعلنا سبب نومكم النعاس). وحسب هذه الأُطروحة لا نحتاج إلى تقدير لفظ (سبب)، أي: سبب نومكم سباتاً، وإنَّما نفهم ذلك سياقاً ومضموناً. ولم يتعرّض الراغب في “المفردات” إلى ذلك؛ لأنَّه أخذ المعنى بنحوٍ أوسع، فبدأ من أصله اللغوي إلى أن وصل إلى معنى العطلة فقال: أصل السبت: القطع، ومنه سبت السير قطعه، وسبت شعره حلقه … . وقوله: {يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً}(1) قيل: يوم قطعهم للعمل. و{يَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ}(2) قيل: معناه: لا يقطعون العمل، وقيل: يوم لا يكونون في السبت. وكلاهما إشارةٌ إلى حالةٍ واحدةٍ، وقوله: {إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ}(3) أي: ترك العمل فيه(4)؛ وذلك لأنَّهم كانوا لا يعملون يوم السبت، سواء أُريد من السبت يوم السبت كعَلَم أم يوم
ــــــ[474]ــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية: 163.
(2) سورة الأعراف، الآية: 163.
(3) سورة النحل، الآية: 124.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 226، مادّة (سبت).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
السبت كصفةٍ، أي: يوم العطلة؛ إذ كلاًّ منهما لايضرّ بالمعنى. وأفاد الراغب أنَّ قوله: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً}، أي: قطعاً للعمل، وذلك إشارةٌ إلى ما قاله في صفة الليل: {لِتَسْكُنُوا فِيهِ}(1)، أي: تحصل الراحة والاطمئنان والعطلة.
وهذا كنتيجةٍ صحيحٌ، إلّاَ أنَّه كأصلٍ لغوي ليس بصحيحٍ، وإن كان الراغب أعلم منّا بأصل الوضع اللغوي. غاية الأمر أنَّ المشهور فهم قطع العمل والخلود إلى الراحة لمناسبته للنوم المذكور في الآية، أي: إنَّه فهم حصّةً من القطع، لا مطلق القطع، وهي أُطروحةٌ حسنةٌ، وفي قبال فهم المشهور عدّة أُطروحات.
والوجه فيه: أنَّ النوم كما يقطع العمل يقطع الراحة؛ لأنَّ الإنسان يشعر بالراحة، فإذا نام زال هذا الشعور، كما أنَّه يقطع الشعور بالدنيا أصلاً، وكذلك يقطع الكثير من النشاطات الحيويّة التي تتوقّف عند النوم من قبيل: الحركات الإراديّة. ويمكن تفسير السبات بكلّ ذلك، فيكون قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} أي: قطعاً لجميع هذه الأُمور.
[الإشارة إلى أمرين في المقام]
وتجدر الإشارة إلى أمرين في المقام:
[الأمر الأوّل: عدم اختصاص النوم بالبشر]
الأمر الأوّل: أنَّ النوم لا يختصّ بالبشر، بل يعمّ الحيوان وبعض النبات أيضاً، كما أنَّ سياق الآية السابقة – وهو كونهم أزواجاً- لا يختصّ بالبشر، بل يعمّ الحيوان والنبات في الجملة، بل الخلائق جميعاً على بعض الأُطروحات، مع أنَّ الخطاب في الآيتين للبشر، فكيف يصحّ ذلك؟
والجواب: أنَّ الخطاب إمّا أعمّ من البشر، وإمّا مختصٌّ به، إلّاَ أنَّه ليس فيه مفهوم المخالفة لنفي الجانب الآخر.
ــــــ[475]ــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 67.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[الأمر الثاني: هي كون النوم جعلٌ إلهي]
الأمر الثاني: أنَّ الآية ذكرت: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً}، وهو جعلٌ إلهي، وهو وإن كان وجيهاً، إلّاَ أنَّه يفيد احتمال أن يكون الجعل مختلفاً بحيث لا يكون النوم سباتاً. نعم، شاء الله تعالى أن يكون النوم سباتاً، ولو شاء أن لا يجعله سباتاً لفعل ذلك أيضاً.
وقد يُقال: إنَّ جعل النوم غير مقيدٍ للسبات مستحيلٌ، أي لا يُعقل أن يكون النوم إلّاَ سباتاً.
[الجواب عن استحالة جعل النوم غير مقيدٍ للسبات]
وجواب ذلك: أنَّ توهّم الاستحالة في المقام لها أحد منشأين:
الأوّل: العادة والاستمرار على ذلك لملايين السنين بمشيئة الله تعالى، فقد يجد الفرد أنَّ ما يخالف العادة مستحيلٌ؛ لأنَّنا مرتبطون بالزمان والمكان والتربية والمجتمع.
الثاني: القصور في الموضوع، أي: إنَّ المناسب لخلقتنا هو السبات، بمعنى: أنَّ النوم المجعول لنا سباتٌ بالضرورة، إلّاَ أنَّه قد يوجد خلقٌ آخر ينفصل فيه النوم عن السبات، فيكون عندهم نومٌ لا سبات فيه، فلو كنّا أكثر تكاملاً في عالم الوجود لما كان نومنا سباتاً. ويمكن أن يُستأنس لهذا المعنى بأحد أمرين:
الأوّل: ما ورد عنهم من: “أنَّ الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم”(1).
فإن قلت: إنَّهم بشرٌ، ومن هذه الناحية يشملهم قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} فكيف لا يكون نومهم سباتاً؟
وجوابه: أنَّه ما من عامٍّ إلّاَ وقد خصّ، فيقال: إنَّ معظم البشر نومهم سباتٌ، وأمّا الأنبياء والمعصومون فليس الأمر فيهم كذلك، وهم قلّةٌ
ــــــ[476]ــــــ
(1) أُنظر: الغدير 8: 45، صحيح البخاري 4: 168، كنز العمّال 11: 477، الحديث 32248، جواهر الكلام 13: 75، رسائل فقهيّة (للشيخ الأنصاري): 322، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بالنسبة إلى أجيال البشريّة عموماً.
الثاني: تحقّق الحركة أثناء النوم؛ فكثيراً ما يتحرّك الإنسان أثناء النوم، بل قد يحصل المشي والتكلّم في حالات نادرة. وهناك شخصٌ من فضلاء الحوزة كنت أعرفه -وقد تُوفّي&- في يوم مّا نام على سطح داره، وعندما نهض صباحاً وجد نفسه نائماً في السرداب، فتذكّر أنَّه رأى أُمّه في الرؤيا تقول له: انزل ونمْ في السرداب، فجمع فراشه خلال نومه ونزل إلى سرداب الدار، مع أنَّه غير ملتفتٍ أصلاً.
وهناك قصّة أُخرى في هذا المجال، ولعلّها خياليّة، إلّاَ أنَّها لطيفةٌ، وحاصلها: أنَّ قضية قتل عُرضت على المحاكم وطال البحث فيها، وبعد ذلك تبيّن أنَّ القاضي هو القاتل، إلّاَ أنَّه قام بالقتل في حال النوم، لا حال اليقظة.
وكيفما كان فالمشي والحركة أثناء النوم مشهودان في بعض الحالات، فهذا نومٌ ولكنّه ليس سباتاً؛ لأنَّه لو كان سباتاً لما تحرّك ولانعدم فيه الاستقرار والدعة.
والغرض: أنَّنا يمكن أن نفهم من النوم معنى غير المعنى المشهور أو العرفي، وهو أن يكون بمعنى الغفلة بجميع أنواعها؛ إذ قد يغفل الفرد أو تفوته مصلحةٌ مهمّةٌ، وقد يغفل عن ذكر الله تعالى، أو يغفل فينسى شيئاً، كاسم صاحبه أو أحد أولاده.
وعلى كلّ حالٍ فالغفلة نحوٌ من النوم تؤدّي إلى قطع بعض المصالح لا محالة، وقد عرفنا أنَّ معنى السبت هو القطع، فيكون هذا المعنى قرينةً على إرادة الغفلة.
وقد قرأت في زمانٍ سابقٍ أحد الكتب التي تتحدّث عن التنويم المغناطيسي، وفي المقام إشكالٌ على العلم الحديث أو على الذين يقومون بعمليّة التنويم المغناطيسي حاصله: أنَّ حالة النوم المغناطيسي هل هي نومٌ حقيقةً أو
ــــــ[477]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ليست بنومٍ؟
فإن لم تكن نوماً حقيقة فلماذا يحصل إغماض العينين والخدر، وتكون الأنفاس متوازنةً كما في النائم، وربما تصل الحالة إلى عدم القدرة على الحركة؟ وإن كانت نوماً حقيقةً فكيف يتكلّم -النائم- مع المنوّم ويسمعه ويجيب عن أسئلة السائل؟
وقالوا في جواب ذلك: إنَّه ليس نوماً بالمعنى المتعارف، ولعلّنا نُطلق عليه أنَّه نحوٌ من الغفلة، فالنائم مغناطيسيّاً يلتفت إلى شيءٍ ويغفل عن شيءٍ آخر، فهو ليس منتبهاً انتباهاً كاملاً، بل هو منتبهٌ جزئيّاً أومنتبهٌ انتباهاً ناقصاً، ومن ناحية عدم إلتفاته إلى أكثر الأشياء، فهو منوّم مغناطيسيّاً. والغرض: أنَّه يغفل عن بعض مصالحه، ما يشكّل قرينة على أن نحمل النوم في الآية الكريمة على معنى الغفلة، وعليه فالنوم والسبات بهذا المعنى يتناسب مع أكثر تصرّفات الأفراد، لا سيّما مع الالتفات إلى نقطتين:
الأُولى: أنَّه ورد كما في الأثر “أنَّ الناس نيامٌ، فإذا ماتوا انتبهوا”(1)، فيصحّ أنَّ نقول: إنَّ البشرية نائمةٌ بنحوٍ من الأنحاء، وهي الآن في حلمٍ لا يقظةٍ حقيقةً، واليقظة الحقيقيّة تحصل للبشريّة عند لقاء الله تعالى.
الثانية: أنَّنا لابدّ أن نسلّم بأنَّ جميع البشر نائمون بنحوٍ من أنحاء الغفلة؛ إذ لابدّ من الغفلة عن بعض الأشياء، ولا يمكن للإنسان أن يكون ملتفتاً إلى كلّ الأشياء التي تدخل في مصالحه إلّاَ أن يكون معصوماً بالذات.
قال في “الميزان”: وقيل: المراد بالسبات الموت، وقد عدّ سبحانه النوم
ــــــ[478]ــــــ
(1) عوالي اللئالي 4: 73، الحديث 48، خصائص الأئمّة: 112، بحار الأنوار 4: 43، الباب الحديث 18، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
من الموت حيث قال: {وَهُوَ الذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ}(1). وهو بعيدٌ. وما في الآية فإنَّه تعالى عدّ النوم فيها توفّياً، ولم يعدّه موتاً، بل القرآن يصرّح بخلافه. قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا}(2)(3). أي: فالتي لم تمت متوفّاة في منامها وليست ميّتة؛ بقرينة قوله تعالى: (لَمْ تَمُتْ)، فهناك فرقٌ بين الوفاة والموت.
[مناقشة فهم المشهور بأن التوفّي والموت بمعنى واحد]
أقول: إنَّ مشهور المتشرّعة يرى التوفّي والموت بمعنىً واحدٍ، ومعه يمكن تفسير السبات بالموت؛ لأنَّ النوم توفٍّ، والتوفّي هو الموت، فيكون النوم موتاً والنوم سباتاً، ومعه يكون السبات هو الموت، ولا أقلّ يكون الموت حصّةً من السبات، فالسبات أعمّ من الموت؛ لأنَّه قد يتحقّق بالموت وبغيره، إلّاَ أنَّ التدقيق في الأمر يقتضي أن يكون الموت والتوفّي أمرين متباينين مفهوماً، أي: بالحمل الأوّلي، فالتوفّي قد يحصل دون حصول الموت، كما أنَّ النوم شيءٌ والتوفّي شيءٌ آخر، فهما مختلفان مفهوماً. وأمّا إذا لاحظناهما من ناحية التطبيق بالحمل الشايع، لوجدنا أنَّ بينهما نسبة العموم المطلق.
فالتوفّي أعمّ من الموت والنوم، فهو معنىً عامٌّ له عدّة حصصٍ، والنوم حصّةٌ من (التوفّي)، والنائم يتوفّاه الله وليس بميّت، كما أنَّ عيسى توفّاه الله، إلّاَ أنَّه ليس بميّتٍ. قال تعالى: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ}(4). يعني: أنَّ الوفاة حصلت لعيسى دون الموت؛ بدليل قوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا
ــــــ[479]ــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 60.
(2) سورة الزمر، الآية: 42.
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 162، تفسير سورة النبأ.
(4) سورة المائدة، الآية: 117.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ}(1).
وقد ورد في الروايات استحباب الوضوء عند النوم(2)؛ لأنَّ الروح عندما يتوفّاها الله ينبغي أن تكون طاهرةً من الحدث أو متوضّئةً، فعلينا أن نتوضّأ وننام؛ حتّى يتوفى الله أرواحنا وهي طاهرةٌ، لا أن يتوفّاها وهي محدثةٌ أو نجسةٌ (والعياذ بالله).
[التعرّض إلى مسألةٍ بأن النوم حدث]
وهنا لابدّ من التعرّض إلى مسألةٍ أُخرى، وإن كانت خارجةً عن محلّ بحثنا، إلّاَ أنَّه يحسن الالتفات إليها، وحاصلها: أنَّه قد يُقال بأنَّ النوم حدثٌ، والمتوضّأ بمجرّد أن ينام ينتقض وضوئه ويكون محدثاً لا محالة، فتعود الروح إلى الله محدثةً لا طاهرة. والسؤال: أنَّه كيف تبقى الروح على طهارةٍ بعد حصول النوم؟
وقد أجاب السيّد الوالد عن ذلك بجوابٍ يصلح كأُطروحةٍ حسنةٍ جدّاً، وهو: أنَّ انتقاض الطهارة إنَّما يتمّ عند الاستيقاظ لا في أوّل النوم، فيبقى الإنسان على وضوئه خلال النوم، وكأنَّ مسجده فراشه إلى أن يستيقظ فينتقض وضوءه، وقد دلّت الرواية بنفسها على ذلك؛ إذ أشارت إلى ذهاب الروح إلى ربها طاهرةً إذا توضّأ قبل النوم(3). وهذا يدلّ على أنَّ الوضوء لا ينتقض بحصول أوّل النوم.
ــــــ[480]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 157.
(2) راجع الأحادث الواردة في وسائل الشيعة 1: 378-380، باب استحباب النوم على طهارةٍ ولو على تيمّمٍ، وغيره.
(3) حسبما رواه في الوسائل 1: 379، باب استحباب النوم على طهارةٍ ولو على تيمّمٍ، الحديث 1003، وغيره.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وقد أُورد عليه: بأنَّ ظاهر روايات نواقض الوضوء أنَّ الحدث يتحقّق بالنوم لا بالاستيقاظ، ولو كان الاستيقاظ هو الحدث لصرّحت الروايات به، إلّاَ أنَّها لم تذكره، وقد سمعت هذا الإشكال، ولم يطّلع عليه والدي ، وسوف نجيب عليه في المقام بعد ضمّ فكرتين:
الفكرة الأُولى: أن نقول: إنَّ هناك تقارباً بين النوم والاستيقاظ لو عزلنا الموت عن المقام؛ فإنَّ من ينام يستيقظ، ومن يستيقظ فقد كان نائماً أو حصل له النوم، إلّاَ إذا وقع عليه الموت.
الفكرة الثانية: أنَّه يمكن الإشارة إلى النوم أو الاستيقاظ بأنَّه حدثٌ؛ لوضوح تلازمهما، أعني: أنَّ ذكر أحد المتساويين ملازمٌ للآخر، فإذا قلنا: النوم هو الحدث والحدث عبارةٌ عن الاستيقاظ وبالعكس، فلا فرق بين أن يكون النوم هو الحدث أو أن يكون الاستيقاظ هو الحدث.
وحينما نقوم إلى الصلاة لابدّ أن نتوضّأ؛ لأنَّه قد مرَّ علينا النوم، ومرَّ علينا الاستيقاظ، فانتقض الوضوء من الطرفين (النوم والاستيقاظ). وفي المقام فكرةٌ ثالثةٌ، وهي: كيف يخاطب الإمام العرف ويذكر نواقض الوضوء؟
فهل يقول: إنَّ الاستيقاظ من النواقض؟ الجواب بالنفي؛ لأنَّه خطابٌ غير عرفي وغير فقهي لو صحّ التعبير، وإن كان ذلك الخطاب في علم الله صحيحاً، بل يقول: إنَّ من ينام ينتقض وضوئه، ومن ينام لابدّ أن يستيقظ
– إذا لم يمت- فتكون نتيجته انتقاض الوضوء عند الاستيقاظ، فليس النوم بعنوانه التفصيلي هو الناقض، بل لأنَّه يؤدّي إلى الاستيقاظ، فيكون الاستيقاظ هو المؤثّر في تحقّق الحدث وزوال الطهارة.
وهناك فكرةٌ رابعةٌ بحسب الحدس المعنوي، وهي: أنَّ الحدث في الحقيقة يحصل من ممارسة الشهوات والشرور ونحو ذلك، وهنا نسأل: أيّ
ــــــ[481]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
منهما يوجب ممارسة الشهوات: النوم أم الاستيقاظ؟
والجواب: أنَّ النوم يوجب البعد عن الشهوات والشرور، والاستيقاظ هو الذي يوجب الاتّصال بالدنيا، فالاستيقاظ هو الأنسب بأن يكون ناقضاً للوضوء لا النوم.
****
قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً}:
[ما أفاده الراغب في مادّة (لبس)]
أفاد الراغب في مادّة (لبس): أنَّ لَبِس الثوب استتر به وألبسه غيره، أي: لبس ثلاثي، ويتعدّى عندما يصير رباعيّاً أو مزيداً. ومنه قوله تعالى: {ويَلبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً}(1). واللباس واللبوس واللبس ما يلبس(2). فهذه الكلمات (لباس، لبوس، لبس) كلّها مصادرٌ تشير إلى عمليّة اللبس، وتكون بمعنىً آخر صفاتٍ مشبّهةً أو اسم آلةٍ؛ لأنَّ الثوب آلةُ اللبس وموضوعه بالمعنى الأُصولي ونحو ذلك.
قال تعالى: {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ}(3). وأنزلنا هنا بمعنى: خلقنا وأوجدنا، كما في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}(4)، فالخلق نحوٌ من الإنزال من العالم الأعلى إلى العالم الأدنى. وجَعَل التقوى لباساً على طريق التمثيل والتشبيه. قال تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}(5).
ــــــ[482]ــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 31.
(2) مفردات ألفاظ القرآن :467 ، مادّة (لبس).
(3) سورة الأعراف، الآية: 26.
(4) سورة الحديد، الآية: 25.
(5) سورة الأعراف، الآية: 26.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وحكى الراغب أنَّه قرأ بعضهم: (ولباسِ – بالكسر- التقوى) من اللبس أي: الستر. وأصل اللبس ستر الشيء، ويُقال ذلك في المعاني، يُقال: لبست عليه أمره، أي: شبّهته وجعلته واهماً. قال: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ}(1)(2). وعليه فقد نفهم الآية بمعنى الالتباس والتفكير، وهي أُطروحةٌ في فهمها، وإن كانت خلاف المشهور، إلّاَ أنَّ الراغب لعلّه يفهمها هكذا، فيقول: إنَّه {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} أي: لجعلنا – المَلَك- كالأنبياء في كونه بشراً يلبس كما يلبس الآخرون {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ} أي: على هؤلاء الملائكة الذين نرسلهم، فيكون المقصود أنَّنا ألبسنا على البشر كون المرسَل ملكاً على نحو لا يعرفونه(3). وربما يكون هذا أقرب إلى فهم الآية، وهو المشهور، لا بمعنى التباس، و(ما يلبسون)، أي: ما يتوهّمون. ومنه قوله تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ}(4) وقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}(5).
[معانٍ لمادّة (اللبس)]
والحاصل: أنَّ هناك معاني كثيرة لمادّة (اللبس):
ومنها: اللبس الاعتيادي للثوب.
ومنها: اللبس المعنوي للصفة: كلباس التقوى.
ــــــ[483]ــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 9.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 467، مادّة (لبس).
(3) فيكون المراد: أنَّنا ألبسنا هذا المَلَك المرسل لباس الآدميّين، فكأنَّما نزعنا منه ثوب المَلَكيّة وألبسناه ثوب الإنسانيّة على نحو غاب عنه جنسه وفصله، وتلبّس بجنسٍ وفصلٍ جديدين (منه).
(4) سورة البقرة، الآية: 42.
(5) سورة الانعام، الآية: 82.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ومنها: الالتباس والاشتباه.
ومنها: مزاولة العمل، لابست العمل أي: زاولته.
ومنها: مخالطة الفرد، لابست فلاناً أي: خالطته.
ومنها: الاستمتاع بالفرد، لابست فلاناً أي: حصل لي الأُنس معه.
وهذه المعاني كلّها وردت في كلام الراغب، وأُحاول أن أُعطي لها جميعاً معنى عامّاً شاملاً أو جامعاً بينها.
وفي هذا الصدد يمكن القول بأنَّ الارتكاز الأصلي لوضع المادّة هو دخول شيءٍ في شيءٍ، وهذا كأُطروحة، ثُمَّ نرى مدى صحّتها، وهذا المعنى تنطبق عليه كلّ المعاني السابقة المذكورة.
والوجه فيه: أنَّ الجسم يدخل في الثوب، والفرد يدخل في الصفة مجازاً، والفكر يدخل في الشبهة، فيحصل الالتباس، والباطل يدخل في الحقّ، فتحصل الشبهة والضلال، كما في قوله تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ}(1). والفرد يدخل في العمل ويزاوله، كما أنَّ الفرد يدخل في المستوى الاجتماعي أو العائلي لشخص آخرٍ، فيقول: لابسته أو خالطته، وقد يدخل في الأُنس مع الشخص الآخر فيستمتع به. وقد يتحصّل منه معنى آخر وهو التغطية؛ فإنَّها نحوٌ من اللبس؛ فإنَّ الإنسان عندما يتغطّى كأنَّما يلبس غطاءه، بل إنَّ كثيراً من المعاني السابقة المذكورة للبس يصدق عليها التغطية؛ فإنَّ الصفة كالتقوى غطاءٌ للفرد، والاشتباه غطاءٌ للفكر، والعمل غطاءٌ للفرد. وكلّ هذه المعاني تتمّ على نحو الأُطروحات، وتطبيقها موكولٌ إلى فطنة القارئ اللبيب، إلَّا أنَّ
ــــــ[484]ــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 42.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بعضها أُطروحاتٌ شاذّةٌ بطبيعة الحال.
ثُمَّ إنَّ العرف والمشهور وإن فهم من الليل ما يقابل النهار، إلّاَ أنَّه يمكن أن نعطي فهماً أوسع وأعمق من ذلك. وبيان ذلك: أنَّ الليل يُشير إلى ليل البلاء أيّاً كان نحو: بلاء الدنيا أو بلاء ليل البرزخ؛ لأنَّ البرزخ من معاني الظلمات، أي: الليل، أو ليل فساد الاعتقاد، أي: ليل الضلال الذي قد يكون في سائر موارد الاعتقاد، كما عند جملةٍ من الناس، أو يكون في بعض الاعتقاد، كالفكرة الضالّة (والعياذ بالله) وهكذا.
والخطوة الأُخرى في المقام هي أنَّه إذا قارنّا هذه الآية {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً} مع الآية التي بعدها {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً} أمكن أن نستفيد مدلولاتٍ أُخر من الآية الأُولى، فتكون الآية الثانية بمنزلة القرينة المتّصلة على فهم الآية الأُولى؛ فإنَّنا تارةً لا نفهم المقابلة بين المعنيين (لباساً) و(معاشاً)، بل نقول: حصل هذا لمجرّد حفظ السياق القرآني، كما لعلّ هذا هو فهم المشهور. إلّاَ أنَّ هذا ليس بتامٍّ؛ لأنَّ الليل والنهار متقابلان، إذن فالسياقان متقابلان في الآيتين؛ إذ لو كان التقابل مجرّد حفظ النسق القرآني (لباساً، معاشاً) لأمكن استعمال ألفاظٍ أُخر، مع أنَّه ذكر هذين اللفظين بالخصوص، مع كثرة الألفاظ العربيّة، فيمكن له أن يأتي بأيّ لفظٍ آخر لحفظ النسق. وعليه فيوجد لدينا سياقٌ لفظي وسياقٌ معنوي، وهما حفظ النسق وحفظ المقابلة؛ إذ لا ضرر من ذلك، فإنَّ حفظ النسق لا ينافي المقابلة، وكلٌّ من الحكمتين مُرادة لله عزّ وجلّ.
والغرض: أنَّ الآية الثانية قرينةٌ على الأُولى لفظا ًومعنى، وهما متقابلتان، فأيّ تفسير نذكره للمعاش يكون مقابلاً ومضادّاً لقوله: {اللَّيْلَ لِبَاساً}، أي: سيكون ترك المعاش هو اللباس؛ لأنَّ العمل إذا تُرك فكأنَّه قد
ــــــ[485]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
غُطيَّ واختفى، أي: جُعل الليل لباساً للعمل، بمعنى: أنَّ الليل غطّى عمل النهار وأخفاه، فـ(جعلنا الليل لباساً)، أي: هروباً من العمل وتركاً له.
والمهمّ أنَّ الليل يأتي بنتائج عديدةٍ مضادّة للنتائج التي يأتي بها النهار ومقابلة لها، وبذلك تكتسب آية {اللَّيْلَ لِبَاساً} معاني مقابلة للمعاني الموجودة في الآية الأُخرى {النَّهَارَ مَعَاشاً} فنوكلها إلى فطنة القارئ اللبيب.
****
قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً}:
[المعاش من حيث الهيئة والمادة]
المعاش فيه هيئة ومادّة: أمّا من حيث الهيئة فقد يكون مصدراً ميميّاً، وقد يكون اسم زمان ومكان.
قال في “الميزان”: وهو في الآية بأحد المعنيين الأخيرين، أي: اسم الزمان واسم المكان(1).
أقول: مراده نفي المصدريّة، أي: لا يصحّ أن يكون مصدراً. وإذا تأمّلنا أكثر اختصّ المعنى باسم الزمان؛ لأنَّ النهار زمانٌ، ولا يصلح أن نتصوّره مكاناً. نعم، مع التوسّع مجازاً يمكن شموله للمصدر أيضاً، كما في قولنا: (زيدٌ عدلٌ)، فنقول: (النهار معاشٌ)، فلماذا ننفي المصدريّة مجازاً؟
وقال في “الميزان” أيضاً: وقيل: المراد به المعنى المصدري بحذف مضافٍ، والتقدير: وجعلنا النهار طلب معاشٍ، أي: مبتغى معاشٍ(2).
أقول: هذا على اعتبار أنَّنا نفهم من المعاش العمل الاقتصادي والكسب، وهو معنى اسم المصدر لا المصدر، مع أنَّه يمكن أن نفهم من
ــــــ[486]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن20: 163، تفسير سورة النبأ.
(2) الميزان في تفسير القرآن20: 163، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المعاش مطلق التعرّف الحياتي كما سيأتي، ففي قولنا: (زيدٌ عدلٌ) يمكن أن نفهم العدالة القضائيّة، ويمكن أن نفهم مطلق التصرّف العادل، فيصبح عدلاً بكلا المعنيين: أحدهما أعمّ، والآخر أخصّ، فيصدق المعاش على النهار رأساً، فالنهار بنفسه يكون معاشاً، أي: بما هو مصدرٌ مجازاً، ولا حاجة إلى تقدير مضافٍ هذا في ما يخصّ الهيئة.
[ما أفاده الراغب في معنى(العيش)]
وأمّا العيش فقد أفاد الراغب بأنَّ العيش: الحياة المختصّة بالحيوان، والانسان حيوانٌ ناطقٌ، فيقصد الحيوان بالمعنى المنطقي، والعيش على هذا المعنى أخصّ من الحياة؛ لأنَّ الحياة تُقال في الحيوان وفي الباري تعالى وفي المَلَك أيضاً(1).
وللتوضيح نقول: إنَّ الحياة على خلاف العيش؛ فإنَّه يصدق على الحيوان خاصة، والإنسان حيوانٌ بالمعنى الذي يشمل الإنسان دون الباري والمَلَك، فلا يقال: عيش الباري وعيش الملك، على تأملٍ سوف يأتي وجهه.
ثُمََّ قال: ويشتقّ منه المعيشة لما يتعيّش به من قبيل: المال أو الطعام. قال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}(2)، {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً}(3)، {لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ}(4). وقال في أهل الجنة: {فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ}(5).
ــــــ[487]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 367، مادّة (عيش).
(2) سورة الزخرف، الآية: 32.
(3) سورة طه، الآية: 124.
(4) سورة الأعراف، الآية: 10.
(5) سورة الحاقة، الآية: 21.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وهنا يتعجّب الراغب من وجود معيشةٍ في الجنّة، فنقل قول النبي: “لا عيش إلّاَ عيش الآخرة”(1)(2).
[الأُطروحة الأقرب بحسب ذوقي وحدود فهمي لمعنى(العيش)]
أقول: هنا سأُقدّم الأُطروحة الأقرب بحسب ذوقي وحدود فهمي.
فأقول: إنَّ العيش يُطلق على أمرين متلازمين غالباً وعرفاً إلى حدّ ما هما: الحياة في الدنيا والحركة والتصرّف الناشيء من هذه الحياة.
فهما كالعلّة والمعلول في تساوي وجودهما الخارجي، وبيان العلّة: أنَّ الإنسان حيٌّ يحسّ ويتنفّس، والمعلول إشارةٌ إلى التصرّفات الناشئة من الحياة.
ومن هنا قال الراغب: العيش: الحياة المختصّة بالحيوان، وهو أخصّ من الحياة؛ لأنَّ الحياة تُقال في الحيوان وفي الباري تعالى وفي المَلَك …(3). وعليه فالراغب فهم من الحياة أنَّها الحياة الدنيا على وجه الأرض، ومن هنا تعجّب من كون الجنّة عيشةً راضيةً.
والظاهر: أنَّ تقييد العيش في هذه الدنيا بلا موجبٍ ما دام كلٌّ من المعنيين السابقين متحقّقاً، أي: الحياة والتصرّف الناشئ من الحياة، وهذا هو العيش. وأمّا التصرّف الاقتصادي والمادي فهو حصّةٌ من حصص العيش، وعليه يصدق على الملائكة العيش، مع أنَّ الراغب نفى ذلك.
فلنا أن نقول: إنَّهم يعيشون في السماوات؛ لأنَّ لهم حياةً وحركةً ونشاطاً، وإن لم يدركه العرف، كما يعمّ الجنّة والنار؛ لأنَّ أهلها أحياءٌ فيها،
ــــــ[487]ــــــ
(1) مناقب آل أبي طالب 1: 185، فصل في هجرته، تفسير القمّي 2: 177، تفسير سورة الأحزاب، بحار الأنوار 19: 124، الباب 7، الحديث 9، وغيرها.
(2) راجع مفردات ألفاظ القرآن: 367، مادّة (عيش).
(3) راجع المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وكلٌ بحسب ما يناسبه، ومن هنا ورد {فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ}.
وأقول هنا: إنَّ قوله تعالى: {فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} لا يتعيّن كونه إشارةً إلى الآخرة بالمعنى المتشرّعي، بل قد يكون الإنسان في الآخرة مع أنَّه يعيش في الدنيا إذا كان في درجةٍ عاليةٍ من درجات اليقين، فيكون في عيشةٍ راضيةٍ.
الخطوة الأُخرى: أنَّ الشيء الذي له حياةٌ وليس له حركةٌ لا يصدق عليه العيش؛ فالله تعالى له حياةٌ، وليس له حركةٌ ونشاطٌ عرفاً، فلا يصدق عليه العيش. وقد أشرنا سابقاً إلى وجود خلاف حول هذه الفكرة، وهذا له درجةٌ من السرّ؛ فالله تعالى يقول: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}(1) ويقول: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}(2)، إلّاَ أنَّنا هنا نقول: إنَّ كل شيءٍ ليس له حركة ونشاط لا يصدق عليه العيش، سواء أكان له حياة أم لا. ومثال ذلك موجودات عالم الواقع كالكلّيّات والأرقام اللامتناهية؛ لوضوح أنَّها ثابتةٌ، وليس لها حركةٌ. نعم، يمكن القول: إنَّ الأرقام تعيش في عالم الواقع مجازاً لا حقيقةً.
[في معنى النهار]
ومن الواضح أنَّ النهار هو زمان الحركة والنشاط لكلّ حيوان بما فيه الإنسان، ومن هنا صدق أنَّ النهار معاشٌ، وفي هذا المجال يمكن أن نتقدّم خطوتين:
الخطوة الأُولى: أن نفهم من النهار معنى باطنيّاً، كالعلم، أو زوال البلاء، أو جملة في درجات الإيمان، أو تنّور القلب حين تشرق الأرض بنور ربّها، أو ولاية المعصومين، ومعه يمكن أن ندرك سنخ النشاط في هذا النهار، أو قل: يمكن أن ندرك معنى العيش في هذا المعنى للنهار.
ــــــ[489]ــــــ
(1) سورة الرحمن، الآية: 29.
(2) سورة الحديد، الآية: 4.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الخطوة الثانية: أن نقارن هذه الآية بالآية التي تقول: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً}(1)، أي: إنَّ النهار ينزع هذا اللباس الذي ألبسه الليل، فيتغيّر حال الإنسان، فإذا كان المراد باللباس الظلام، فهو يزول. وإن كان المراد الالتباس
– وهو أحد الأُطروحات السابقة بمعنى: الشكّ والوسوسة- فهو يزول؛ لأنَّ نور اليقين سيشرق {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ}(2)، وإن كان المراد قطع العمل في الليل، فهو يتبدلّ بالعمل في النهار.
مضافاً إلى مقارنة قوله تعالى: {معاشاً} مع قوله تعالى: {نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} ببيان: أنَّ هذا السُّبات – بأيّ معنىً فهمناه- يزول أيضاً بضوء النهار. ومن هذه المقارنات تتكوّن أُطروحاتٌ كثيرةٌ لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.
****
قوله تعالى: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً}:
الشداد جمع شديد. وقد ذكر السيّد الطباطبائي: أنَّ السماوات السبع شديدة في الخلقة فقط(3)، ولم يذكر شيئاً آخر، ولم يبيّن وجه الشدّة؛ لأنَّ الشدّة معنى إضافي يحتاج إلى طرفٍ، وهو غير معلومٍ؛ لأنَّه محذوفٌ، والحذف لحكمةٍ، وهي الإطلاق، فينفتح بابٌ لفهم كثيرٍ من المعاني. أو يُقال: إنَّ الشدّة تنشأ من مناشئ عديدةٍ، منها الصلابة، ومنها الثقل، ومنها الشدّة في البلاء، ومنها الشدّة القلبيّة والشدّة العقليّة، ومنها الشدّة الثبوتيّة، وهي الواقعيّة
ــــــ[490]ــــــ
(1) سورة النبأ، الآية: 10.
(2) سورة الحج، الآية: 54.
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 163، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الموجودة في الخارج، والشّدة الإثباتية، وهي الشعور بالشدّة، سواء كان مطابقاً للواقع أم لا. ولا يخفى أنَّ حذف طرف الشدّة من الآية يعطيها نحو سعةٍ في المدلول والدلالة.
والسبع: عددٌ معيّن ومعروف، وهو صفةٌ حذف موصوفها، وهو يُفيد أيضاً نحواً من العموم، والمشهور بل المتسالم عليه هو أنَّ المراد: هو السماوات السبع، بقرينة الآيات الأُخرى. وهو وجيهٌ لو فهمنا من السماوات معنى أعمّ من المعنى المشهور، فيكون المعنى المشهور حصّةً منه أو تطبيقاً من تطبيقاته. وكلّ معنى نفهمه من السماء له معنى من الشدّة مناسبٌ له بطبيعة الحال: كسماوات العواطف، وسماوات العقل، وسماوات الروح، وسماوات الأسماء الحسنى، وسماوات المعصومين ونحو ذلك. مضافاً إلى وجود سنخٍ آخر من الفهم، وهو تعدّد منازل المقامات ودرجات التقوى واليقين. وهناك أيضاً فهمٌ ثالثٌ، وهو تعدّد أنحاء السيطرة على المجتمع بالتسلّط الإداري أو الاقتصادي أو الديني أو العلمي أو العقائدي أوالنفسي أو حتّى الإجرامي، نظير ما أُفيد بقوله تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ}(1).
مع أنَّنا لابدّ أن نلتفت إلى أنَّ العدد سبعة والعدد سبعين عند العرب ليس للتحديد، بل للتقريب باللغة الحديثة، ويستشهدون لذلك بقوله تعالى: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}(2)، والمراد: أنَّه لو استغفرت لهم كثيراً فلن يغفر الله لهم. فإذا وجدنا بعض هذه الأعداد فهي ليست سبعاً تماماً، بل أقلّ أو أكثر.
ــــــ[491]ــــــ
(1) سورة النمل، الآية: 48.
(2) سورة التوبة، الآية: 80.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[إلى أيّ شيء يعود الضمير في قوله: فَوْقَكُمْ ]
ثُمَّ إنَّ الضمير في قوله: {فوقكم} إلى أيّ شيء يعود؟
المشهور أنَّه يعود إلى البشر، وقد يعود إلى جميع أهل الدنيا؛ لأنَّ السماء فوقهم جميعاً، كما قد يعمّ غيرهم، كالملائكة أو الجنّ أو الأنبياء السابقين على الإسلام أو العقول العشرة التي يقول بها بعض الفلاسفة، أي: جميع عالم الإمكان، وتكون الفوقيّة بحسب المعنى المناسب لها في جميع هذه الأُمور.
وقد مرّ: أنَّ الشداد جمع شديد، وهو فعيلٌ بمعنى اسم الفاعل، وقد يكون بمعنى اسم المفعول، والمادّة هي (الشدّة).
قال الراغب: الشدّ العقد القوي، يُقال: شددت الشيء قوّيت عقده، قال: {وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ}(1)(2).
أقول: هو بمعنى القوّة المضاعفة والمؤكّدة للعقد أو لمسك الحبل؛ فإنَّ العقد بنفسه قوّةً، فتكون تقويته قوّةً مضاعفةً. والظاهر: أنَّ هذا المعنى يصدق على موارد استعمالاته نحو: قوله تعالى: {كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّة}(3) أو {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى}(4) أو {غِلاَظٌ شِدَادٌ}(5) أو {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ}(6) أو {فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ}(7).
ــــــ[492]ــــــ
(1) سورة الإنسان، الآية: 28.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 256، مادّة (شدّ).
(3) سورة الروم، الآية: 9.
(4) سورة النجم، الآية: 5.
(5) سورة التحريم، الآية: 6.
(6) سورة الحشر، الآية: 14.
(7) سورة ق، الآية: 26.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وأفاد الراغب: أنَّ اشتدّ بمعنى أسرع، أي: ضاعف قوّة مَشِيه، ويجوز أن يكون منه قوله: {اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ}(1) يعني: تزايدت قوّتها عليه وحركتها حوله(2).
[نكتةٌ ملحوظةٌ في اللغة الحديثة]
وهنا نكتةٌ يحسن الالتفات إليها، وهي ملحوظةٌ في اللغة الحديثة، ولم أجد لها أصلاً لغويّاً، حاصلها: أنَّ تقوية العقد لا تكون غالباً إلّاَ بجرّ الحبل بشكلٍ متزايدٍ، ومن هنا سمّي الجرّ شدّاً في لسان المصريّين مثلاً. يقول: شددتّ الحبل أي: سحبته، وليس له منشأٌ في اللغة إلّاَ ما ذكرناه من شدّة العقد، فتكون الشدّة في السبع الشداد إشارةً إلى قوّتها المضاعفة، مع أنَّنا نعرف مدى تأثير العالم الأعلى في العالم الأسفل، بل هو المؤثّر الرئيسي له والفاعل الأساسي فيه، ومن هنا وصف بكونه شديداً عليه؛ لمدى تأثيره الكامل فيه حقيقةً، وإلّاَ فالسبع الشداد ليست شديدةً بالنسبة إلى ما فوقها من عوالم مؤثّرةٍ فيها، بل تكون ضعيفةً بالنسبة إليها.
وقد نتصوّر الشدّة بمعنى الضخامة كما هو في الارتكاز المتشرّعي، ويظهر أيضاً من عبارة السيّد الطباطبائي، قال: أي: سبع سماوات شديدة في بنائها(3). ويفهم منه أنَّها ضخمةٌ وكبيرةٌ جدّاً في بنائها، فالشدّة وصفٌ للبناء الذي يُفيد معنى الضخامة، وهي لا شكّ ضخمةٌ بالنسبة إلى ما دونها، إلّاَ أنَّ كونها ضخمةً من الناحية المادّيّة يعود إلى التصوّر العرفي أو المتشرّعي من أنَّها كالطبقات. وهذا غير متعيّنٍ، بل هي ضخمةٌ وشديدةٌ من ناحية التأثير في
ــــــ[493]ــــــ
(1) سورة إبراهيم، الآية: 18.
(2) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 263، مادّة (شد).
(3) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن 20: 163، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
العالم السفلي، وليس من ناحية السمك والبناء المنسوب إلى السماء، مع أنَّ اسم السماء غير مذكورٍ في الآية، وإن ذُكرت السماء في آيات أُخرى كقوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا}(1) وقوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا}(2). وذلك بمنزلة القرينة المنفصلة على أنَّ المراد بالسبع سبع سمواتٍ، وهذه أُطروحةٌ حسنةٌ في نفسها.
ثُمَّ إنَّ القرآن وصف السبع في بعض الآيات الأُخرى كقوله: {سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً}(3)، وهو قرينةٌ أيضاً على أنَّ المراد بالسبع هي السماوات، كما أنَّ البناء قرينةٌ على أنَّ المراد بالسبع السماوات، مع أنَّ السماوات لم تُذكر في الآية.
وربما يُقال: إنَّ هناك رجحاناً لفهم المشهور، إلّاَ أنَّه مع ذلك لا تتعيّن السماوات بالفهم والتصوّر المتشرّعي.
وقد تقدّم آنفاً: أنَّ السماوات لها عدّة معان: كسماوات العقل وسموات العواطف والروح والأسماء الحسنى وغيرها.
وأمّا البناء فهو معنى ارتكازي معروفٌ في بناء الدور والقصور والأكواخ، وهو معنى يُوحي بالتدريجيّة؛ لأنَّ البناء تدريجي دائماً، فهل هناك تدريجيّة في بناء السماوات؟
والجواب: أنَّه لا يلزم ذلك؛ فإنَّ البناء يناسب الإيجاد الدفعي بعد التجريد عن الخصوصيّة، ولو بنحوٍ من التسامح في أصل المعنى اللغوي.
****
ــــــ[494]ــــــ
(1) سورة الذاريات، الآية: 47.
(2) سورة الشمس، الآيتان: 5-6.
(3) سورة الملك، الآية: 3.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً}:
قال الراغب: السراج: الزاهر بفتيلةٍ ودهنٍ، ويعبّر به عن كلّ مضيءٍ، قال تعالى: {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً}(1) … . وأسرجت السراج وسرّجت كذا: جعلته في الحسن كالسراج(2).
والوهج: حصول الضوء وانتشاره، والحرّ أيضاً وهجٌ، وانتشار الحرارة من النار أيضاً وهجٌ، فتتوهّج النار أي: يزداد ضؤوها وحرارتها، ولازمه زيادتها نفسها. وقوله: {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً} أي: مضيئاً، وتوهّج الجوهر أي: تلألأ؛ لأنَّ نوره صافٍ(3).
[إشكال أنَّ (سراجاً) و(وهّاجاً) بمعنى واحدٍ أنه تكرارٌ غير مبرّرٍ]
أقول: الظاهر من عبارة الراغب أنَّ (سراجاً) و(وهّاجاً) بمعنى واحدٍ، فيكون في الآية تكرارٌ غير مبرّرٍ؛ لاتّحاد المعنى فيهما.
وعليه فيكون الجمع بينهما دليل الاختلاف في المقصود منهما، وهذا من قبيل المسكين والفقير: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، فكذا الكلام في السراج والوهّاج هنا؛ لأنَّهما اجتمعا، فلابدّ أن يكون المقصود من كلٍّ منهما غير المقصود من الآخر.
ويمكن حلّ الإشكال المتقدّم في ضمن الأُطروحات التالية:
الأُطروحة الأُولى: أن يُراد بالسراج ذات السراج، وبالتوهّج الضوء المنبعث منه.
الأُطروحة الثانية: أن يُراد بالسراج الضوء، والوهّاج زيادته، وهو
ــــــ[495]ــــــ
(1) سورة نوح، الآية: 16.
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 235، مادّة (سرج).
(3) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 572، مادّة (وهج).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأنسب مع الارتكاز المتشرّعي؛ لأنَّ أصل السراج فيه ضوءٌ، فيكون الوهّاج بمعنى شديد الضياء.
الأُطروحة الثالثة: أن يُراد بالسراج الضوء؛ لأنَّ معلوله هو الضوء، وبالوهّاج الحرارة؛ لأنَّ الشمس تعطي الضوء والحرارة، ولعلّه مذكورٌ في المصادر الفيزيائيّة ببيان: أنَّ حرارة الشمس تسعون بالمائة وضوءها عشرة بالمائة، فتكون حرارتها أشدّ من ضوئها، وكذلك سائر المصابيح تجد أنَّ حرارتها أضعاف ضوئها.
[الموصوف في قوله تعالى: وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً]
ثُمَّ إنَّ الموصوف في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً} محذوفٌ، فما هو الذي وصف بأنَّه سراجٌ ووهّاجٌ؟ كما أنَّ محلّه محذوفٌ أيضاً، فيقال: أين جعلنا سراجاً وهاجاً؟ فإنَّ المكان والزمان غير مذكورٍ أيضاً. وفهم المشهور أنَّ الموصوف هو الشمس، ومحلّها السماء المذكورة في الآية السابقة، فكأنَّه قال: (جعلنا في السماء شمساً)، أعني: الشمس المتعارفة، مع أنَّ كلا الأمرين على خلاف إطلاق الآية، بل إطلاق الآية أوسع من ذلك. وربما يتّضح ذلك من بعض ما تقدّم من أُطروحاتٍ في بيان مفاد الآية السابقة من: أنَّ السماء لها عدّة معانٍ، ولكلّ سماءٍ شمسٌ خاصّة بها حسب معناها، ولكلّ شمس ضياءٌ خاصٌّ بها حسب معناها أيضاً. مع احتمال أن يكون السراج هو السماء نفسها، أي: (وجعلنا السماء سراجاً وهّاجاً)، وكأنَّه قال: {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً}، كما قد يكون شيئاً مبايناً لها، أي: (جعلنا سراجاً وهّاجاً) بشكلٍ مستقلٍّ غير مرتبطٍ بالسماء أصلاً، فيكون بصدد تعداد الخلقة، كما يقول: (خلقنا الملائكة وخلقنا البشر).
والجعل في الآية: إمّا جعلٌ بسيطٌ، وهو أصل الخلق، أي: إيجاد السراج الوهّاج، أو جعلٌ مركّبٌ، بمعنى: اعطائه صفة التوهّج.
ــــــ[496]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً}:
[في (المعصرات) مادّة وهيئة]
في (المعصرات) مادّةٌ وهيئةٌ، وقد تكون بكسر الصاد كما عليه المشهور، كما قد تكون بفتح الصاد، وهي أُطروحةٌ في المقام، وهي من الثلاثي عَصَرَ يعصر، فهو عاصرٌ ومعصورٌ، فاسم الفاعل عاصرٌ واسم المفعول معصورٌ، ومعصرات ليست اسماً لفاعلٍ، بل اسماً لمفعول الثلاثي (عصر)، والرباعي أو المزيد شاذٌّ، فلا تستعمل (عصر) مزيداً، ولا يُقال: (أعصر) قياساً على قولهم: خرج وأخرج، فيُقال: عصر وأعصر، فيكون معنى (أعصر): جعل شيئاً معصوراً. والسرّ في شذوذ (أعصر) المزيد هو كون الثلاثي متعدّياً، ومعه لا نحتاج أن نقول (أعصره)، أعني: لا حاجة إلى التعدّي بالهمزة، ومن هنا أهملوا استعماله. إلّاَ أنَّه يظهر أنَّ الآية أخذته بنظر الاعتبار؛ لأنَّ اشتقاقها (معصرات) لا يكون إلّاَ من الرباعي (أعصر) فهو معصرٌ، أو (معصِرٌ) مفرد المعصرات، فالآية أخذت الاشتقاق من الرباعي لا من الثلاثي، فتكون المعصرات بالكسر بمعنى العاصرات، والمعصرات بالفتح بمعنى المعصورات، مع الالتفات إلى جواز استعمال اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول، بخلاف العكس؛ لندرته.
والمعصِرات جمع مؤنّث لمعصِر أو معصِرة، وهو إمّا مؤنّثٌ مجازي، كما عليه المشهور، أو حقيقي، كما سيأتي بيانه.
[ما أفاده الراغب في معنى (العصر)]
أفاد الراغب: أنَّ العصر مصدر عصرت، والمعصور الشيء العصير
-أي: السائل الذي يخرج بالعصر- والعصارة نفاية ما يعصر. قال تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً}(1)، أي: عنباً لا خمراً؛ إذ السائل لا يعصر، وإنَّما يشير
ــــــ[497]ــــــ
(1) سورة يوسف، الآية: 36.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بذلك إلى سبب الخمر، وهو ماء العنب.
وقال تعالى: {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}(1) على القراءة المشهورة – أعني: قراءة حفص عن عاصم- أي: يستنبطون منه الخير، إشارةً إلى العام الذي فيه يُغاث الناس.
واعتصرت من كذا: أخذت ما يجري مجرى العصارة: {وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً}(2)، أي: السحائب التي تعتصر بالمطر، وقيل: التي تأتي بالإعصار، وهو الريح الشديدة التي تثير الغبار {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ}(3).
والاعتصار هو أن يعضّ على شيءٍ، فيعصر منه الماء، والعصر الملجأ، والعِصر -بالفتح والكسر- الدهر، والجميع العصور. قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}(4). أقسِم بالدهر حسب فهم الراغب. والعصر العشي، ومنه صلاة العصر، والمعصر المرأة التي حاضت ودخلت في عصر شبابها بعد أن كانت صبيّةً لا تحيض(5).
أقول: يُلاحظ: أنَّ للعصر معنيين متغايرين هما: الزمان والسيلان، والظاهر أنَّه بنحو تعدّد الوضع والاشتراك اللفظي؛ إذ يتعذّر وجود المعنى الجامع الشامل لهما، إلّاَ بالمعنى الدقّي الذي لا يفهمه العرف العامّ، وعملية الوضع عرفيّة لا دقيّة، فالزمان بمعنى الدهر أو الحقبة الطويلة منه.
إلّاَ أنَّ المهمّ في الآية هو المعنى الآخر، وهو السيلان، وغالباً ما يكون
ــــــ[498]ــــــ
(1) سورة يوسف، الآية: 49.
(2) سورة النبأ، الآية: 14.
(3) سورة البقرة، الآية: 226.
(4) سورة العصر، الآيتان: 1-2.
(5) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 348، مادّة (عصر).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
السيلان بالضغط على الشيء، فيتحقّق العصر، ولا فرق في ذلك بين الرطوبة الطارئة والرطوبة الأصليّة. ومثال الأُولى: القماش المبلّل، ومثال الثانية: الماء الموجود في الفاكهة، فيكون معنى (المعصرات): العاصرات، وهو على المشهور يعني السحائب الماطرة.
وقد يُشكل: بأنَّ السحائب لا عاصرةٌ ولا معصورةٌ، بل ينزل منها الماء تلقائيّاً، اللّهمّ إلّاَ أن تحمل على بعض الوجوه الآتية:
الوجه الأوّل: أنَّ السحائب مجازاً تعصر نفسها، فينزل منها الماء، فهي معصورةٌ بفعل الرياح، ولذا ذُكر في بعض التفاسير: أنَّ المعصرات هي الرياح التي تعصر السحاب(1).
الوجه الثاني: أنَّ فاعلاً خارجيّاً هو الذي يعصر السحاب ليخرج منه الماء، وذلك الفاعل هو الله تعالى أو الملائكة أو القانون الطبيعي، كملامسة الرطوبة للجوّ البارد مثلاً. وعلى الوجهين الأخيرين يكون السحاب معصوراً لا عاصراً، والمعصِرات اسم فاعل، مع أنَّه لو أراد المفعول لقال: المعصَرات، وحينئذٍ لابدّ أن نحملها على أحد وجهين:
الأوّل: أنَّ اسم الفاعل هنا بمعنى اسم المفعول.
الثاني: أنَّ هناك قراءةً ولو بنحو الأُطروحة في المقام، فنقول: إنَّ الأصل هو المعصَرات لا معصِرات بالكسر.
الوجه الثالث: أنَّ السحاب حينما ينزل منه المطر يوجب بلل ما تحته،
ــــــ[499]ــــــ
(1) أُنظر: الكشف والبيان عن تفسير القرآن 10: 114، تفسير سورة النبأ، لباب التأويل في معاني التنزيل 4: 387، تفسير سورة النبأ، لطائف الإشارات 3: 676، تفسير سورة النبأ، تفسير القرآن الكريم (للسيّد عبد الله شبّر): 546، تفسير سورة النبأ، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فتكون ثيابه قابلةً للعصر، وبهذا المعنى يكون اسم فاعل، وهو أقرب إلى الرباعي (أعصر).
****
قوله تعالى: {مَاءً ثَجَّاجاً}:
الثجّاج فعّال صفة مشبّهة باسم الفاعل من الثجّ، وهو تدفّق الماء بشدّةٍ.
وتدفّق الماء له حصّتان:
الأُولى: حصّة تدفّقه على الأرض في الأنهار والسواقي، وهذه الحصّة لا يُقال فيها: ثجّها.
الثانية: الثجّ، وهو تدفّق الماء في الهواء، فيكون الماء ثجّاجاً.
قال الراغب: يُقال: ثجّ الماء وأتى الوادي بثجيجه(1).
ولا يخفى: أنَّ الماء يجري إلى الوادي من أعالي الجبال وبطريقة شديدة الانحدار، فيتحقّق الثجّ، ويتقلّب الماء في الوادي بشكلٍ سريعٍ، وفي الحديث: “أفضل الحجّ العجّ والثجّ”(2)، أي: رفع الصوت بالتلبية وإسالة دم الحجّ(3).
وفي مختار الصحاح: مطر ثجّاج أي: منصبٌّ جدّاً، والثجّ أيضاً سيلان دماء الهدي، وهو لازمٌ(4).
ــــــ[500]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 75، مادّة (ثجّ).
(2) كنز العمّال 5: 23، الحديث 11883، مجمع الزوائد 3: 224، الجامع الصغير 1: 187، الحديث 1248، وأُنظر أيضاً الكافي 4: 336، باب التلبية، الحديث 5، معاني الأخبار: 223، باب معنى العجّ والثجّ، وغيرهما.
(3) راجع مفردات ألفاظ القرآن: 75، مادّة (ثجّ).
(4) مختار الصحاح (لأبي بكر الرازي): 51، مادّة (ثجّ).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أقول: المهمّ فيه هو التدفّق والسيلان بشدّة، يمكن التمثيل له بدم الهدي؛ لتدفّقه الشديد، وهو مجازٌ. والظاهر: أنَّ كثرة الذبح يقع فيها الثجّ، ولا مدخليّة للهدي فيه؛ فإنَّ كلّ ذبح فيه تدفّقٌ للدم، وفي الهدي ذبحٌ وافرٌ، فيصدق الثجّ.
فإن قلت: إنَّ وصف {الْمُعْصِرَاتِ} المذكور للمطر والسحاب كافٍ في بيان نزول المطر، ولا حاجة إلى قوله: {ثَجَّاجاً}.
قلت: ما ذُكر ممنوعٌ؛ لعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ المراد بالمعصرات قابليّتها لنزول المطر، والمراد بالثجّاج قابليَّتها لفعليّة نزول المطر وحصوله حقيقةً.
الوجه الثاني: أنَّ المراد بالمعصرات مطلق النزول وبالثجّاج الفرد الكثير منه والتدفّق، ولا يخفى أنَّ المطر ينزل على نحوين: شدّةً وضعفاً.
الوجه الثالث: أنَّ المراد بالمعصرات وجود الماء في أعالي السماء، أي: خلال وجوده في السحاب، وبالثجّاج نزوله إلى الأسفل.
فإن قلت: إنَّ المطر لا يتّدفّق بنحوٍ مطّردٍ، بل ربما يكون قليلاً ونادراً، فكأنَّ في الآية مبالغةً، فلماذا يكون ثجّاجاً دائماً؟
قلت: إنَّ هذا وجيهٌ، ولكن ليس في الآية مفهوم مخالفة ينفي المطر القليل، أي: أنزلنا من المعصرات ماءً ثجّاجاً وماءً غير ثجّاجٍ، ولا يُقال بعد جريان مفهوم الوصف في العام وفي المقام.
والمراد هنا إبراز القدرة الإلهيّة في إنزال المطر المتزايد من الجوّ؛ لأنَّ هذه الحصّة – وهي كون الماء كثيراً متدفّقاً- أولى بإبراز القدرة وأوضح مصداقاً من المطر الخفيف.
فإن قلت: إنَّ السحاب لا يكون دائماً قابلاً للمطر كقَزَع الخريف،
ــــــ[501]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فيكون تفسير (معصرات) بمطلق السحاب غير تامٍّ، بل المعصرات هي السحاب القابل للمطر أو الحامل له بالحقيقة.
قلت: إنَّ مشهور المفسّرين يرى أنَّ المعصرات هي السحاب، كما مرّ بيانه، مع أنَّ المعصرات هي السحاب التي تحمل ماءً قابلاً للسقوط والتماطر، ولذا نصّت الآية على نزول المطر منه.
قال في “الميزان”: المعصرات السحب الماطرة، وقيل: الرياح التي تعصر السحب لتمطر.
أقول: وهو ينطبق على بعض ما تقدّم.
ثُمَّ قال: والثجّاج الكثير الصبّ للماء(1).
أقول: لعلّه سهوٌ منه؛ لأنَّ الثجّاج صفّةٌ للماء في الآية، لا صفةٌ للشيء الذي يصّب الماء بكثرة، بل هو الماء المصبوب بكثرة.
وقال السيّد الطباطبائي أيضاً: والأُولى على هذا المعنى أن تكون (من) بمعنى الباء(2)، أي: بسببها. فإذا كان المقصود الرياح كان المراد: بسبب الرياح، وأمّا السحاب فهو ظرف الماء، فتكون (من) للظرفيّة، لا بمعنى (بسبب السحاب)، بل المراد: أنَّنا في داخل السحاب أنزلنا الماء.
قوله تعالى: {لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً}:
لا يُراد بالنبات هنا مطلق النبات؛ لوضوح أنَّ الحَبّ أيضاً من النبات، وإنَّما المراد بالنبات -كأُطروحة- ما تؤكل أوراقه، فبعض النبات يؤكل حَبّه، كالحنطة والشعير والأرز، وبعضها يؤكل ثمره، كالبرتقال والتفّاح، وبعضه
ــــــ[502]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 163، تفسير سورة النبأ.
(2) الميزان في تفسير القرآن 20: 163، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
يؤكل ورده، كالقرنابيط، وبعضه يؤكل ورقه، كالخضر والبقدونس والريحان والنعناع، وبعضه يؤكل جذره، كالجزر والشلغم. فالآية الكريمة تشير إلى ما يؤكل حَبّه، وهو الأعمّ الأغلب، وقد يكون في مقام عطف العامّ على الخاصّ، أي: مطلق النبات، كما قد يكون من عطف المعلول على العلّة.
****
قوله تعالى: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا}(1):
ويُلاحظ: أنَّ النفخ في الصور أُخذ سبباً عرفيّاً لحصول الصوت، فالصوت في البوق يحصل من خلال النفخ فيه، وأمّا بالنسبة إلى العالم الأعلى فقد يُقال بأنَّه لا حاجة إلى النفخ.
والتحقيق: أن يُقال: إنَّ النفخ – كما مرّ- أُخذ سبباً عرفيّاً لحصول الصوت، فإذا كان الصور كما تصوّره المتشرّعة كالقرن مثلاً، كان النفخ فيه معقولاً؛ لأجل إحداث الصوت، ولو كان الصور غير ما نتصوّره، بل هو شيءٌ مجهولٌ بالنسبة إلينا، كان النفخ أيضاً مجهولاً، بل يؤخذ مجرّد إشارةٍ إلى السبب، ولا يمكننا تعيين حقيقة ذلك السبب؛ لأنَّنا لا نعرف حقيقة الصور.
[قوله تعالى: فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً]
وأمّا قوله تعالى: {فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً} فباعتبار أنَّ الصوت له نحوٌ من الدعوة والنداء، فحينما أُريد أن تقبل عليَّ أصدر صوتاً وأُناديك، وهو كالصفير؛ فإنَّه نحوٌ من أنحاء النداء والدعوة.
وينبغي أن يكون المقصود بالآية هي النفخة الثانية؛ لأنَّها هي الداعية التي تعيد الحياة، ولأنَّ النفخة الأُولى تميت ولا تحيي.
ــــــ[403]ــــــ
(1) لم نعثر بالتفصيل على ما أفاده السيّد الشهيد محمد الصدر في تفسير الآيتين (16-17) من سورة النبأ، فلاحظ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ثُمَّ إنَّ النفخة الثانية لها محمولان في القرآن:
أحدهما: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}(1).
وثانيهما: {فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً}.
والغرض: أنَّه يمكن الجمع بين هذين المحمولين؛ لأنَّ المجيء يحتاج إلى قيامٍ، فهم يقومون أوّلاً، ثُمَّ يأتون أفواجاً، أو نفهم من القيام مجرّد رجوع الحياة إليهم والنظر أيضاً، ولذا قال تعالى: {قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}، أي: لم يكونوا ينظرون، فرجعت إليهم الحياة، فصاروا ينظرون، وهذا شرطٌ لحصول المجيء منهم؛ لأنَّ الميّت لا يتحقّق منه المجيء.
وهنا نكتةٌ أُخرى حاصلها: من أين يكون المجيء أو الإتيان؟ وإلى أين؟ والوجه فيه: أن الإتيان معنى إضافي متقوّمٌ بطرفين، وأحد طرفيه البشر، ولكن من أين وإلى أين؟
ويُلاحظ: أنَّه لم يذكر في الآية، وحينئذٍ يتعذّر الفهم المتشرّعي الساذج القائل بأنَّ الحشر على سطح الأرض؛ لأنَّ الآية تُفيد الانتقال (تأتون)، فإذا كان الحشر على الأرض كفى قوله تعالى: {قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}، إلَّا أنَّه قال: {فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا}، وسطح الأرض لا يحتاج إلى إتيانٍ، بل يكفي أن يفيق كلّ شخصّ من قبره ويُحاسب في مكانه، فالانتقال يدلّ على أنَّ عرصة القيامة غير سطح الأرض.
نعم، يقومون على سطح الأرض، ثُمَّ يحضرون إلى محلٍّ آخر، وهو عالمٌ آخر غير هذا العالم الذي نحن فيه، وبذلك يندفع الإشكال المعروف القائل: إنَّ سطح الأرض يكفي لحشر الناس أجمعين؛ باعتبار أنَّهم سينتقلون إلى عالمٍ آخر أوسع من الأرض.
ــــــ[405]ــــــ
(1) سورة الزمر، الآية: 68.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ثُمَّ إنَّ الراغب أفاد في المقام ما يلي: الفوج الجماعة المارّة المسرعة، وجمعه أفواج. قال: {كُلَّمَا أُلقِيَ فِيهَا فَوْجٌ}(1)، {فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ}(2)، {فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً}(3)(4). ومنه هذه الآية التي نحن بصددها: {فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً}.
ولنا تعليقٌ على الفهم اللغوي المتقدّم؛ إذ هناك قيودٌ ذكرها الراغب لمعنى الفوج: (جماعة، مارّون، متحرّكون، مسرعون، باختيارهم)، ومتى ما اجتمعت سُمّي فوجاً، وإلّاَ فلا.
أقول: الفوج أوسع من ذلك؛ لوضوح أنَّ الإرادة الاختياريّة مثلاً غير دخيلةٍ في معنى الفوج؛ بدليل قوله تعالى: {كُلَّمَا أُلقِيَ فِيهَا فَوْجٌ}، فهم لا يذهبون إلى جهنّم باختيارهم، والإلقاء ظاهرٌ في الإكراه والقسر.
كما أنَّ الإسراع ليس دخيلاً في معنى الفوج، بل الشرط الحركة، سواء كانت سريعةً أم بطيئةً، فيصدق الفوج مع الحركة ولو لم تكن سريعةً. نعم، الجماعة لابدّ منها في تحقّق الفوج.
وعليه فقد أسقطنا قيدين هما: الإسراع والاختيار، واحتفظنا بقيدين هما: الجماعة والحركة.
وأمّا صدق الفوج على جماعةٍ غير مجتمعةٍ فهو مجازٌ؛ لقوله تعالى: {يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً}(5).
ــــــ[505]ــــــ
(1) سورة الملك، الآية: 8.
(2) سورة ص، الآية: 59.
(3) سورة النصر، الآية: 2.
(4) مفردات ألفاظ القرآن: 400، مادّة (فوج).
(5) سورة النصر، الآية: 2.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فإنَّهم عندما يأتون إلى رسول الله يأتون فرادى، ويتشهدّون الشهادتين، ويدخلون في دين الله، إلّاَ أنَّ القرآن مثّلهم مجتمعين جسداً؛ لأنَّهم مجتمعون قلباً وعقيدةً.
ولنطبّق الآن هذه المعاني على ما هو مرقومٌ في الآية الكريمة.
[كيف يحصل الفوج هنا؟ أُطروحات في تصوير الفوج]
وليعلم أنَّ كلاًّ من الأمرين جائزٌ؛ لوضوح أنَّ الحشر يكون فرديّاً بمعنى: أنَّ كلّ واحدٍ يعود إلى الحياة دون أن يعلم بالآخرين، فكيف يحصل الفوج هنا؟ ويمكن أن نذكر أُطروحات متعدّدة في تصوير الفوج:
الأُطروحة الأُولى: أنَّهم يأتون أفراداً، كما هو مقتضى القاعدة الأوّليّة في الارتكاز المتشرّعي، وإنَّما عبّر بالأفواج لكثرتهم مجازاً، وإلّاَ فإنَّهم غير متّفقين فيما بينهم ولا مختارين في الاتّجاه.
الأُطروحة الثانية: أنَّهم يأتون أفواجاً، بمعنى: أنَّ كلّ جماعة يلتحق بعضهم ببعض ويذهبون إلى المحشر طبقاً لمنطوق الآية، ويؤيّد ذلك قوله (يوم).
ولكن كيف تجتمع كلّ جماعة منهم؟
ويمكن أن يُقال – كأُطروحةٍ-: إنَّهم مجتمعون خلف إمامهم {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}(1)، فيذهبون إلى حيث يشاء الله: إمّا إلى جهنّم إذا كان إمام باطلٍ، أو إلى الجنّة إذا كان إمام حقٍّ، فكلّ فوج يتقدّمهم إمامٌ، وهم أتباعه.
الأُطروحة الثالثة: أنَّ البشر كلّهم يحشرون دفعةً واحدةً وعلى شكل فوجٍ واحدٍ، وهذا بمعنى من المعاني موافقٌ لارتكاز المشهور، وإنَّما قيل (أفواج) بلحاظ الانحلال؛ لأجل تصوّر الكثرة في الحقيقة، فيُقال بأنَّ هذا الفوج ينقسم في داخله إلى أفواجٍ، إمّا باعتبار الإمامة أو باعتبار الأجيال أو
ــــــ[506]ــــــ
(1) سورة الاسراء، الآية: 71.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
اللغات. وهذا التعبير مجازٌ بناءً على الأُطروحة الأُولى، وأقرب إلى المجاز على الأُطروحة الثالثة، واستعمالٌ حقيقي بناءً على الثانية.
****
قوله تعالى: {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً}:
ويمكن -كأُطروحةٍ أوّليّةٍ- القول: إنَّ ظاهر الآية كون السماء واحدةً ذات أبوابٍ، مع أنَّ السماوات سبعٌ، كما دلّت على ذلك الآيات الأُخرى(1)، فنقول: أيّ السماوات لها أبوابٌ؟
وأيٌّ منها يفتح أبوابه؟ وما هي هذه الأبواب وكيف تفتح وبأيّ سببٍ تُفتح؟
[السبب الذي من أجله تُفتح أبواب السماء]
ونسأل أوّلاً عن السبب الذي من أجله تُفتح أبواب السماء، كما قال تعالى: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ}(2)؛ لوضوح أنَّ العلّيّة والتأثير في هذا العالم المادي مصدرها العالم الذي فوقه، وكلّ عالم محكومٌ بالعالم الذي فوقه، والاتّصال بين الأرض والسماء دائمٌ لا ينقطع طرفة عين، فتنزل من أبواب السماء الأوامر التكوينيّة، كما ورد عن أمير المؤمنين: “إنَّ الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر”(3). بل لعلّ التمثيل للتقريب لا للتحديد؛
ــــــ[507]ــــــ
(1) نحو قوله تعالى: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة البقرة، الآية: 62] وقوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [سورة فصّلت، الآية: 12] وقوله تعالى: {اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [سورة الطلاق، الآية: 12].
(2) سورة القمر، الآية: 11.
(3) الكافي 5: 57، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث 6، قرب الإسناد: 19، تفسير القمّي 2: 36، تفسير سورة الكهف، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لكثرته بلحاظ حاجات الأُمور التكوينيّة من الذرّة إلى المجموعة الشمسيّة بكاملها، فتنزل منها الأوامر والقضاء والقدر على البشر وغير البشر، وتنزل منها الأرزاق والملائكة وأرواح المؤمنين، ويصعد منها الدعاء إذا كان مستجاباً. ولذا ورد: “أنَّ المسافة بين السماء والأرض دعوة مستجابة”(1)، كما تصعد إليها الأعمال المقبولة. ومن هنا نفهم أنَّ غلق أبواب السماء وفتحها أمرٌ نسبي، أي: تُغلق تجاه شيءٍ وتُفتح تجاه شيءٍ آخر، وعليه فهذا يخالف التصوّر المرتكز في أذهان المتشرّعة ومشهور المفسّرين من: أنَّ هذه الآيات تتحدّث عن يوم القيامة، مع أنَّ ذلك لا يختصّ بيوم القيامة كما تقدّم.
نعم، إذا كان المراد بها يوم القيامة، كان المصداق والحصّة والتطبيق للقاعدة، وهذا يكون على مستويات ثلاثة:
المستوى الأوّل: النظر إلى قوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}(2)، أي: فتحت أبواب السماء لكي ينظروا فيها، كقوله تعالى: {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}(3)، أي: كنت تنظر إلى الدنيا والآن تنظر إلى الآخرة.
المستوى الثاني: صعود أرواح المؤمنين إلى الجنّة.
المستوى الثالث: نزول الأسباب التي تقوم بالحساب إلى عرصة يوم القيامة، وهذه الاسباب إمّا أن تكون خاصّة بالمعصومين، أو بالملائكة الذين يحاسِبون، وبمعنى من المعاني: إنَّ الله تعالى هو الذي يقوم بالحساب،
ــــــ[508]ــــــ
(1) حسبما نقله المرتضى في أماليه 1: 198، المجلس 19 من: أنَّ ابن الكوّاء سأل أمير المؤمين، قائلاً: يا أمير المؤمنين، كم بين السماء والأرض؟ قال: “دعوة مستجابة”.
(2) سورة الزمر، الآية: 68.
(3) سورة ق، الآية: 22.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ولكن من خلال الأسباب.
ومن الواضح أنَّ الفتح الخاصّ بيوم القيامة غير مشهودٍ الآن، مع أنَّ أبواب السماء مفتوحةٌ لأُمورٍ أُخرى، ويصدق تجدّد الفتح والغلق متى ما شاء الله، كاستجابة الدعاء بعد عدمه، ونزول الخير بعد البلاء، وغير ذلك.
[السؤال عن سنخ هذه الأبواب]
وأمّا السؤال عن سنخ هذه الأبواب فهي من سنخ السماء التي فيها الأبواب، وحسب وجودها المجرّد؛ لأنَّ كلّ سماء لها درجةٌ من التجريد، وتعدّد السماء إنَّما يكون بتعدّد التجريد، فكلّ سماءٍ لها أبواب بالدرجة التي هي عليها من التجريد، ولها مغالق أيضاً.
والظاهر أنَّ الذنوب من مغالق أبواب السماء، وللأبواب مفاتيح منها: كلمة لا إله إلّاَ الله، كما أنَّ الظاهر أنَّ لسائر السماوات أبواباً، والصعود والنزول فيها بحسب ما يتناسب مع الحكمة في الخلق.
[السؤال عمّا يوجب فتح وغلق هذه الأبواب]
وأمّا السؤال عمّا يوجب فتحها وغلقها فيمكن القول: إنَّ الأمر يعود إلى الإنسان نفسه، بما في ذلك الكافّر؛ فإنَّ الإنسان هو الذي يفتحها ويغلقها من حيث يعلم أو لا يعلم؛ فهو يغلقها بذنوبه، ويفتحها بطاعته، وينزل البلاء على نفسه بمعصيته، وهكذا، فالسبب الرئيسي للفتح والغلق هو الفرد نفسه.
وأمّا أن يكون الفاتح والغالق هو الله تعالى، وهو فاعل كلّ شيءٍ، فذلك باعتبار انتساب الأسباب بأجمعها إليه.
وأمّا إذا فهمنا من السماء معاني أُخر فسوف تتّسع المعاني والأُطروحات، فكلّ عالٍ هو سماءٌ بالنسبة إلى ما هو دانٍ، كالمعصومين وأهل العلم والمعرفة والوالدين؛ فكلّ هؤلاء تكون أبوابهم مغلقةً أحياناً عن العطاء المناسب لهم، وقد تكون مفتوحةً. وسماء العلم مفتاحها الحضور إلى الدرس، ولذا قالوا: السؤال مفتاح الجواب.
ــــــ[509]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[التنبيه على أُمورٍ في تفسير الآية]
وينبغي التنبيه هنا على أُمورٍ:
الأمر الأوّل: أنَّ السماء هنا اسم جنس لكلّ السماوات، أو المقصود بها السماء الأُولى التي هي أقرب إلى الدنيا، وما عداها مسكوتٌ عنه في الآية.
الأمر الثاني: أنَّ الآية أفادت {فُتِحَتِ السَّمَاءُ}، وهذا يقتضي تقدير مضافٍ، أي: فُتحت أبواب السماء، إلّاَ أنَّ هذا يمكن الاستغناء عنه بعد الالتفات إلى أنَّ الآية الكريمة تفيد هذا المعنى من السياق، أو أنَّ السماء بطبعها ليس لها بابٌ، وهي متجانسةٌ ومتّحدةٌ، وبمشيئة الله يكون لها بابٌ، فحينما تُفتح يصير لها بابٌ، فيتحقّق الباب والفتح نفسه. و يمكن التمثيل لذلك بكائنٍ مجهري يسمّى الأميبا، ومن جملة صفاته أنَّ له تماسكاً سطحيّاً، كما يعبّر في الفيزياء، أي: له تماسكٌ كتماسك قطرة الماء، ويكون له شيءٌ شبيه بالبشرة يجعله متماسكاً، وهذه البشرة المفترضة لها وظيفتان:
أحدهما: أنَّ الأميبا تمشي عليها، فتخرج منها مرتفعات تسمّى الأرجل الوهميّة، وحينما يرجع هذا الارتفاع يصير بشرة طبيعيّة، أي يمكن أن نقول: إنَّه ليس لها في عالم الثبوت منشأ انتزاع، وإلّاَ فعند عدم بروزها لا يوجد لديها أرجلٌ تمشي عليه.
ثانيهما: أنَّ الأميبا تتغذّى من هذه البشرة من جميع أطرافه، فيكون المكان الذي يدخل منه الطعام فماً لها، وحينما تنتهي ترجع البشرة كما كانت.
وعلى هذا التصوّر يمكن أن نفهم أبواب السماء بهذا المعنى، فحينما تُغلق أبواب السماء يتساوى سطح السماء.
الأمر الثالث: أنَّ الآية أفادت: {فَكَانَتْ أَبْوَاباً}، والضمير في (كانت) يعود إلى السماء أو يعود إلى الأبواب المقدّرة في العبارة السابقة، وبحسب
ــــــ[510]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
هذين التفسيرين يكون لكلّ منهما معنى خاصٌّ، وإرجاع الضمير إلى مقدّر وإن كان غير وجيهٍ عند النحويين، إلّاَ أنَّه جائزٌ؛ لأنَّ الله تعالى هو المتكلّم لا سيبويه.
فإذا كان مرجع الضمير السماء كان المراد أنَّ أكثر أجزاء السماء فُتحت، فكان منظر الأبواب فيها عامّاً، فتكون السماء عبارةً عن مجموعةٍ من الأبواب، فيصدق (فكانت السماء أبواباً).
وأمّا إذا كان المقصود هو الثاني فالمراد الإشارة إلى ما تقدّم من: أنَّ هذه الأبواب أبوابٌ، وحينما تُغلق لا تكون أبواباً، بل تتجانس مع السماء.
الأمر الرابع: أنَّ العرف يتصوّر أنَّ لكلّ باب جزءاً متحركاً يُفتح ويُغلق؛ بدليل أنَّنا نسمّي الجزء المتحرّك باباً لا فتحه باباً، وهذا يمكن أن ينطبق على السماء كأُطروحةٍ عرفيّةٍ.
نعم، ههنا أُطروحةٌ بإزائها حاصلها: أنَّ مدلول الباب في الآية أُخذ لبيان مجرّد إمكان النفوذ من خلاله، والفتح في السماء كافٍ في ذلك، ولا ضرورة لجزء يتحرّك كالباب المادّي، فالله تعالى بقدرته يجعل فيها فتحة ليمرّ فيها الشيء صعوداً ونزولاً، ثُمَّ تنغلق وتتساوى مع سائر أجزاء السماء الأُخرى. بل قد يُقال – كأُطروحةٍ ثالثةٍ- بعدم ضرورة تصوّر الفتحة أصلاً، بمعنى: أنَّ سطح السماء مفتوحٌ لنفوذ جميع الأشياء من خلاله، ولذا يقول: {فَكَانَتْ أَبْوَاباً} أي: السماء كلّها أبوابٌ.
فإن قيل: إنَّ الآية تقول: {فُتِحَتِ السَّمَاءُ} يعني: أنَّ جزءاً منها فُتح، وما عداه مغلقٌ.
قلت: إنَّ الإغلاق في الحقيقة هو قصور الشيء الصاعد عن الوصول إلى تلك المرتبة، فتقف به رجلاه عند السماء فلا يتجاوزها، فتكون السماء
ــــــ[511]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بمنزلة المغلقة أمامه؛ لقصورٍ في قابليّة صعوده، وإلَّا فحاشا لرحمة الله أن يغلق السماء تجاه المستحقّين للصعود.
قال في “الميزان”: وقيل التقدير: فكانت ذات أبواب، وقيل: صار فيها طرقٌ، لم يكن كذلك من قبل. ولا يخلو الوجهان من تحكّمٍ، فليتدبّر(1).
وأمره بالتدبّر يفيد أنَّهما وجهان وجيهان، وليس فيهما تحكّمٌ بضرورة التقدير، مع قطع النظر عن بعض الأُطروحات السابقة. وأمّا المعنى الثاني
-وهو حصول الطرق- ففيه: أنَّ استفادة حصول الأبواب بعد أن لم تكن من قبل-أي: تجدّد الفتح بهذا المعنى- وإن كان هو المنساق من الآية، إلّاَ أنَّه ينافي ما نعلمه من وجود الأبواب باستمرار، لا أنَّها تُفتح يوم القيامة فقط، بل إنَّ ارتكاز المتشرّعة لا يلزم بذلك أيضاً، بل هي أبوابٌ دائماً؛ لكثرة الصعود والنزول فيها، فيكون المراد من الآية أحد أمرين:
الأوّل: أنَّ السماء في ذاتها وفي أصل خلقتها ليس لها أبوابٌ، ولكن جعل الله لها أبواباً في أوّل وجودها، وليست الأبواب وجوداً ذاتيّاً لها، ففي مرتبة ذاتها ليس لها أبوابٌ، وإن كان لها بالعرض أبوابٌ.
الثاني: أنَّه يحصل أحياناً ازدياد الحاجة في الحكمة الإلهيّة إلى الصعود والنزول -كيوم القيامة- فتزداد الحاجة إلى كثرة الأبواب، فتكون مزيّة السماء يومئذٍ كثرة الأبواب.
ثُمَّ إنَّ النسبة بين الآيتين السابقة واللاحقة مجهولةٌ عند المشهور، فهل تُفتح السماء قبل النفخة الأُولى أو بعد النفخة الثانية أو بين النفختين؟ وهنا
ــــــ[512]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن20: 166، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
نتكلّم على أساس فهم المشهور بغضّ النظر عن الكلام السابق.
أمّا الفتح بين النفختين فهو غير محتملٍ؛ لزوال الأشياء في نظرهم، فلا سماء ولا أبواب ولا شيء آخر.
نعم، أشار السياق القرآني إلى النفخة الثانية التي يترتّب عليها المجيء أفواجاً، وحينئذٍ تُفتح السماء، فتكون أبواباً؛ ليصعد وينزل منها الملائكة وأرواح الناس.
****
قوله تعالى: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً}:
قال في “الميزان”: السراب هو الموهوم من الماء اللامع في المفاوز(1). وهذا واضحٌ، ولا أظنّ أنَّ أحداً لم يرَ السراب الذي هو انعكاس ضوء الشمس، فيتخيّل أنَّه ماءٌ، أي: لا يكون إدراكه مطابقاً للواقع. ويطلق السراب مجازاً على ما يتوهّم أنَّه حقيقةٌ، ولا حقيقة له واقعاً، فالمشركون يتوهّمون شريك الباري مثلاً، فهو سرابٌ.
[فهم عدّة أُطروحات من الآية]
لكن يرد على ذلك إشكال؛ لأنَّ الآية تقول: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا}، وتسيير الجبال ليس سبباً لأن تكون سراباً. ومن هنا ينفتح الباب لفهم عدة أُطروحات من الآية:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ المراد من {سُيِّرَتِ} أنَّها زالت وانعدمت، فصارت سراباً، أي: موهومةً ومنعدمةً في الواقع.
الأُطروحة الثانية: أنَّ هذا على مستوى الإثبات، أي: على مستوى الفهم
ــــــ[513]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 166، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والعلم فقط، لا على مستوى الثبوت والواقع؛ لأنَّنا عندما نتعرّف على حقائق الأشياء واقعاً نعلم أنَّ كلّ الكون سيكون سراباً وموهوماً.
الأُطروحة الثالثة: ما أفاده المحقّق الخوئي في تفسيره “البيان” من: أنَّ الجبال تسير بحركة الأرض حول نفسها، فتكون الآية إشارةً إلى هذه الحقيقة العلميّة الحديثة(1). وهي أُطروحة وجيهةٌ في حدّ ذاتها، إلّاَ أنَّها تنافي عدّة أُمور:
منها: ارتباط الآية بيوم القيامة حسب المشهور، مع أنَّ الليل والنهار لا ربط لهما بيوم القيامة.
ومنها: تجدّد السير بعد أن كانت ثابتةً، كما هو ظاهر سياق الآية، مع أنَّ دوران الأرض حول نفسها حاصلٌ من أصل خلقتها.
ومنها: أنَّ حركة الأرض ليست سبباً طبيعيّاً لتكون الجبال سراباً، إلّاَ أن يُجيب صاحب هذه النظريّة بأنَّ الجبال عند الحركة تكون من السرعة بحيث لا يمكن رؤيتها، فتكون بمنزلة السراب.
ويُلاحظ عليه: أنَّ هذا خلاف الوجدان؛ لوضوح أنَّ حركة الأرض غير مرئيّةٍ، فلا توجب حركتها وسيرها لمثل هذه النتيجة في الجبال وغيرها.
فإن قلت: إنَّ هذا على وجه المبالغة والمجاز.
قلت: إنَّ المبالغة لا تصل إلى دعوى خلاف الواقع مهما كانت.
الأُطروحة الرابعة: الانفكاك في العلّيّة بين التسيير من ناحية والصيرورة سراباً من ناحيةٍ أُخرى؛ إذ قد يُستشكل بأنَّ التسيير ليس علّة لكون الجبال سراباً.
أقول: نعم، التسيير ليس بعلّة، والآية لمكان وجود الفاء تدلّ على
ــــــ[514]ــــــ
(1) البيان في تفسير القرآن: 72- 73، إعجاز القرآن، القرآن وأسرار الخليقة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الترتيب لا التسبيب، فقد تكون الجبال سراباً بسببٍ آخر، أو يكون التسيير جزءاً ضعيفاً من العلّة، وليس هناك ظهورٌ في الآية على أنَّ تسيير الجبال علّةٌ تامّةٌ لأن تكون سراباً.
الأُطروحة الخامسة: أن يُراد من السراب بريقه ولمعانه، والغرض: أنَّ كون الجبال سراباً هي أنَّها لامعةٌ. وبعبارةٍ أُخرى: إنَّها ذات أهمّيّةٍ وشأنٍ في وجودها، لا أنَّها منعدمةٌ وزائلةٌ.
الأُطروحة السادسة: أن نفهم من الجبال جهاتٍ معنويّة، كالإشارة إلى المعصومين أو المتنفّذين في المجتمع من العلماء والتجّار مثلاً، ويكون معنى تسييرها إزالتها عن عين الناظر، إمّا بالمعنى السامي والباطني، وهو إزالتها بالفناء واظهار أنَّها لا حقائق لها في أنفسها، أو بالمعنى الظاهرّي، وهو الكفر بها والاستغناء عنها.
أضف إلى ذلك أنَّ التسيير هو التأثير في مختلف الأماكن والأزمان والنفوس، فيسير من شخصٍ إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر؛ لأنَّ تأثيره محدوداً.
فإذا فهمنا الجبال بهذا المعنى {فَكَانَتْ سَرَابًا} كانت الجبال نعمة لمن تصل إليه ذات نفعٍ. ثُمَّ إنَّ السراب يتحرّك بحركة الإنسان، فحينما يمشي يرى كأنَّ السراب يتحرّك معه، فسيّرت الجبال، فكانت سراباً، أي: كانت متحرّكةً كالسراب اللامع.
وبالرجوع إلى أصل هذه الأُطروحة -أعني أنَّ الجبال تنعدم وتزول إمّا بإفناء أو بغيره- يتبيّن شمول ذلك لنظر المؤمن إلى نفسه؛ فبينما كان يتخيّل لنفسه الأهمّيّة والشأن، يظهر فجأةً أنَّ هذه الأهمّيّة ليست إلّاَ وهماً، وكذلك
ــــــ[515]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
من جهة نظر الآخرين له، وبينما كان ظاهراً لامعاً كالسراب في أعينهم، إلّاَ أنَّه في الحقيقة موهوم الذات لا وجود له بإزاء القدرة الإلهيّة.
الأُطروحة السابعة: أن نفهم من السراب الحركة: إمّا بالمعنى الذي تقدّم قبل قليل أو بمعنى التسرّب؛ لأنَّه من مادة (سرب) أي: تحرّك ومشى، فالمعنى: كانت الجبال متحرّكةً ساربةً بعد أن كانت ثابتةً أو موهومة الثبوت. وهذا من أحسن الوجوه في تصوير الارتباط والعلّيّة بين التسيير والسراب، فيكون التسيير سبباً للسرابيّة أو لصفة السراب، وهذا التسيير يستمرّ إلى حدّ تكون الجبال ساريةً وساربةً. وبذلك أيضاً يندفع إشكال حصول التكرار المعنوي بين اللفظين، فالتسيير إشارةٌ إلى مبدأ السير وسببه، ولذا يقول: (سيّرت) أي: بعد أن كانت ثابتةً في نفسها، والسراب إشارةٌ إلى المعلول والنتيجة، أي: صارت سراباً.
****
قوله تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً}:
بعد بيان قدرة الله ونعمته أوّل السورة في النبات والحيوان والإنسان، ذُكرت ثلاثة سياقات تبدأ بحرف التأكيد – حسب الفهم المشهور- أوّلها سياق يوم القيامة بقوله: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً}، مع سائر أوصافها، وثانيها ذكر عذاب جهنّم بقوله: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً} مع سائر نعوتها، وثالثها ذكر الفوز بالجنّة بقوله: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً}، مع سائر كمالاتها، تكون الآية التي نتحدّث عنها أوّل السياق الثاني من الثلاثة، وهو الذي يتحدّث عن جهنّم وصفاتها.
وقد وُصفت جهنّم هنا بعدّة أوصاف منها: {مرصاداً} و{لِلْطَّاغِينَ
ــــــ[516]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
مَآباً * لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً}، والمهمّ أنَّ كلّ هذه الآيات تبيّن صفات لجهنّم، والعياذ بالله منها.
والمرصاد محلّ الرصد والمراقبة، وقد اتّضح غير مرّةٍ جواز أن يكون هذا الاشتقاق (مفعال) مصدراً ميميّاً واسم مكان واسم زمان، والجميع محتملٌ هنا، إلّاَ أنَّ بعض الاحتمالات أقوى من بعضٍ، واحتمال إرادة الزمان ضعيفٌ؛ لأنَّ جهنّم مكانٌ لا زمانٌ، كما هو واضحٌ، فيتعيّن اسم المكان، أي: إنَّ جهنّم مكان الرصد.
وأمّا قوله {كَانَتْ} فلا يفهم منه أنَّ جهنّم ليست الآن مرصاداً؛ لأنَّ (كان) يُراد بها الشأنيّة لا الزمان، أي: من شأنها أن تكون كذلك، والشأنيّة أشبه بالذاتيّة التي لا يمكن انفكاكها عنها، وإن كانت ليست ذاتيّةً بالمعنى الدّقي، فجهنّم دائماً مرصادٌ، وليست في زمانٍ دون زمانٍ. وإن تنزّلنا وقبلنا الزمان في قوله {كَانَتْ}، فهذا لا يعني أنَّ جهنّم الآن ليست مرصاداً، بل كانت وما زالت؛ لعدم وجود مفهوم المخالفة في الآية.
ولا يخفى: أنَّ (كان) تستعمل للشأنيّة في غير موضع من القرآن: كقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً}(1) وقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}(2) ونحوهما.
والخطوة الأُخرى هنا أنَّه قد يرد إلى الذهن أنَّ جهنّم لا يحتمل أن تكون محلاًّ للرصد، كما هو ظاهر الآية، فلابدّ أن نؤولها عن ظاهرها. ويمكن الإجابة عن ذلك بوجوهٍ:
ــــــ[517]ــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 134.
(2) سورة آل عمران، الآية: 110.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
منها: عدم استبعاد أن تكون جهنّم مرصاداً بالمعنى العرفي، نظير ما يُقال من أنَّ الملائكة الموكّلين بجهنّم أو قسماً منهم يراقبون أعمال البشر.
ومنها: أنَّ جهنّم واقعةٌ في نتيجة الرصد، وهذا هو الظاهر المقصود في ارتكاز المتشرّعة، أي: إنَّ المرصود ذنوب الإنسان وسيّئاته وموبقاته، وسوف يلقى في جهنّم، وهذه هي نتيجة الرصد، فتكون جهنّم بذلك مرصاداً بهذا المعنى؛ لأنَّها معلولة للرصد، ودخولها مسببٌ عن الرصد.
ومنها: أن يكون المقصود من جهنّم كونها مرصودةً، بمعنى: أنَّ التعذيب فيها مرصودٌ، أو أنَّ الأعمال السيّئة التي توصل إليها مرصودةٌ، فتكون هذه الصيغة بمعنى اسم المفعول لا اسم الفاعل.
ومنها: أن نفهم بأنَّ جهنّم نفسها راصدةٌ للأعمال السيّئة للبشر، لا الملائكة الذين فيها، بل جهنّم نفسها ترصد الأعمال، وذلك بعد ضمّ مقدّمتين مفهومتين في ضوء قوله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ}(1). وهذا يدلّ على أنَّها عاقلةٌ ومختارةٌ ومتكلّمةٌ، ويدلّ من ناحيةٍ أُخرى على أنَّها تطلب المزيد، فيكون طلب المزيد سبباً لمراقبة المسيئين؛ لأنَّها تحبّ أن يكونوا فيها (والعياذ بالله).
وقد استعمل المرصاد مرّتين في القرآن كلاهما بمعنى رصد السيئات لا الحسنات، وهما قوله تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً}(2) وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}(3) أي: للمسيئين والمذنبين والظالمين، فكأنَّ الحسنات والمحسنين لا
ــــــ[518]ــــــ
(1) سورة ق، الآية: 30.
(2) سورة النبأ، الآية: 21.
(3) سورة الفجر، الآية: 14.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
يحتاجون إلى مرصادٍ ومراقبةٍ، وهذا لطفٌ من الله ورحمةٌ بهم، وإن كانت أعمال المؤمن كلّها مراقبةً، إلّاَ أنَّ الرصد للسيّئات آكد وأشدّ.
وهنا قد يرد إشكال حاصله: أنَّه بعد ضمّ قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} إلى قوله: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً} ينتج أن يكون الله – والعياذ بالله- في جهنّم؛ فإنَّ الله إذا كان بالمرصاد تعيّن أن يكون هناك؛ لأنَّ جهنّم هي المرصاد.
[جواب إشكال ضمّ الآيتين: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ وإِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً]
وينبغي الإجابة عن هذا الإشكال في هذا البحث، وهذا الجواب الذي سنذكره ينبغي أن يكون واضحاً، فنقول:
أوّلاً: إنَّ مكان الرصد لا يتعيّن أن يكون في جهنّم، والآية وإن كانت دلالتها المطابقيّة تثبت أنَّ جهنّم هي المرصاد، إلّاَ أنَّ أماكن الرصد عديدةٌ ولا تنحصر بها، أو قل: إنَّ الآية ليس فيها مفهوم مخالفة ينفي وجود مرصادٍ آخر.
ثانياً: أن نفهم بأنَّ المرصاد حيث كان فهو جهنّم أو بمنزلة جهنّم؛ لأنَّنا عرفنا أنَّ الرصد في المفهوم القرآني خاصّ بالذنوب، ونتيجة الذنوب هي نار جهنّم، فالتعرّف على الذنوب بالمرصاد هو تعرّفٌ على النار أو تسبيبٌ للوقوع فيها، أي: وقوع المذنبين.
ثالثاً: إنَّنا لماذا نستبعد أن يكون محلّ الرصد الإلهي هو جهنّم؟!
والوجه فيه: أنَّ الله وإن كان مستغنياً عن المكان والزمان والآلة، إلّاَ أنَّ الحكمة الإلهيّة اقتضت ذلك، كما هو الظاهر من الجمع بين الآيتين؛ وذلك بإعطاء جهنّم هذه الصّفة المهمّة، مع أنَّ الرصد لخصوص الذنوب، وهي ممّا يرتبط بجهنّم لا بالجنة. ويمكن أن يُستأنس لذلك بالإشارة إلى نقطتين:
ــــــ[519]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأُولى: أنَّ الله تعالى يقول: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}(1)، وهو عامٌّ للدنيا والآخرة والجنّة والنار، ويقول أيضاً: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ}(2)، ولا أقلّ من ذلك ولا أكثر إلّاَ وهو معهم، وهذا شاملٌ لجميع العوالم.
الثانية: أنَّه لابدّ أن يتّضح أنَّ كونه تعالى في جهنّم لا يعني أنَّ وجوده تعالى منحصر بها، بل نسبته إلى كلّ الخلق سواءٌ، كما أنَّه لا يعني كونه تعالى معذّباً فيها كسائر المذنبين؛ لوضوح أنَّه ليس كلّ مَن دخل جهنّم كان معذّباً، كالملائكة الموكّلين بها، فهم فيها إلّاَ أنَّهم ليسوا معذّبين. وذلك لا يعني أيضاً أنَّ الأسماء الحسنى كالسميع والبصير ينحصر بجهنّم فقط؛ لوضوح أنَّ قدرة الله تعالى تكمن في أن يراقب ويرصد كلّ شيءٍ من كلّ مكانٍ أو زمانٍ، أو يكون المقصود هنا بيان صفةٍ تشريفيّةٍ لجهنّم من هذه الجهة.
****
قوله تعالى: {إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً}(3)(4):
تقدم فيما سبق: أنَّ الحميم فيه أُطروحتان: الماء الحارّ، وصديد أهل النار، وهنا نضيف أنَّ كلا الأمرين ممّا يُشرب، أي: الماء الحارّ يُشرب، والصديد يُشرب أيضاً. ولكن هل يمكن أن نفهم منه قضيّةً كّليّةً مفادها أنَّ كلّ أهل جهنّم يكون حالهم هكذا، كما هو ظاهر الآية؟
ــــــ[520]ــــــ
(1) سورة الحديد، الآية: 4.
(2) سورة المجادلة، الآية: 7.
(3) سورة النبأ، الآية: 25.
(4) لم نعثر على ما أفاده السيّد الشهيد الصدر حول تفسير الآيات 22- 24 من سورة النبأ، فلاحظ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
في الحقيقة لا يوجد دليلٌ على أنَّ كلّ أقسام جهنّم يوجد فيها صديدٌ، كما أنَّه لا دليل على أنَّ كلّ جهنّم أو كلّ أنواع العذاب يوجد فيها عطشى بهذا المعنى، فيضطرّون إلى تناول ما تكرهه النفس؛ لأنَّ أنواع العذاب في جهنّم لا تقتصر على الحرارة بالمعنى الذي يتصوّره المتشرّعة، بل جملةٌ من أنواع العذاب متداخلة من قبيل: الحرارة والظلام والضرب، وجملةٌ من أنواع العذاب منفصلةٌ، فيمكن أن نتصوّر عذاباً منفصلاً عن الحرارة وعذاباً منفصلاً عن الظلام وهكذا، نظير ما يُقال من أنَّ في جهنّم عذاباً بالبرد الذي هو الزمهرير، مع أنَّ المشهور أنَّ الزمهرير نصيب المذنبين من الهاشميّين والعلويّين.
المرحلة الأُخرى: أنَّنا إذا التفتنا إلى أن جهنّم قد تكون في هذه الدنيا، كما يستفاد من عدّة آيات نحو: قوله تعالى: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}(1)، أمكن أن نفهم أغلب هذا السياق في ضوء هذا المعنى، فيكون الحميم إشارةً إلى بلاء الدنيا الذي يصاب به الفرد، ولا يوجد فردٌ لم يمرّ ببلاءٍ قليلاً كان أو كثيراً، والغسّاق حجب الظلمة التي يعيش فيها الفسقة والمذنبون.
والغسّاق فاعل الظلام، ومن الواضح أنَّ زيادة الذنوب والعيوب توجب زيادة الظلمة المعنويّة للمذنبين، فهي غسّاق، أي: موجبةٌ لطروّ ظلمة إضافيّة تتزايد بالتدريج.
[أطروحات في أسباب زيادة البلاء والعقاب والعذاب]
ويمكن أن نتصوّر أسباباً لزيادة البلاء حتّى في جهنّم الآخرة، فالبلاء الجهنّمي هناك يزداد أيضاً بتقريب: أنَّ الإنسان مذنبٌ بمقدارٍ معيّن من الذنوب في الدنيا، فيفهم المتشرّعة أنَّه يُجزى عقوبته دفعةً واحدةً، إلَّا أنَّه يمكن
ــــــ[521]ــــــ
(1) سورة الكهف، الآية: 29.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أن نشير إلى أكثر من أُطروحةٍ في فهم هذه المسألة:
الأُطروحة الأُولى: أنَّه ليس من المصلحة أو الحكمة أن يتلقّى الفرد العذاب الزائد فجأةً، بل من المصلحة – بمعنى من المعاني التي لا ندركها- التدّرج في الزيادة إلى أن يحصل على الدرجة التي كان يستحقّها أصلاً.
الأُطروحة الثانية: أنَّ المذنب ينال عقابه بصورة طبيعيّة، كما يفهم المتشرّعة، إلّاَ أنَّ العقاب يزداد باعتبار ازدياد عناده وعصيانه واعتراضه على الله تعالى.
وأمّا من ناحية الإعراب فالسياق في قوله: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً * جَزَاءً وِفَاقاً} منصوبٌ كما لا يخفى، فبأي شيء نُصبت هذه الكلمات؟
لا شكّ أنَّ (برداً) و(شراباً) منصوبان على أنَّهما مفعولٌ به، ولكن سيأتي أنَّ هذا الإعراب سيواجه إشكالات على مستوى إعراب السياق العامّ.
والتقدير فيه ثلاث أُطروحات:
الأُولى: (لا برداً ولا شراباً).
الثانية: (لا يذوقون فيها برداً وشراباً).
الثالثة: (لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً).
والعطف هنا على تقدير تكرار العامل، وجميع الأُطروحات تؤدّي المعنى، إلّاَ أنَّ الوجه الذي اختاره القرآن هو الأفضل؛ لأنَّ تكرار حرف النفي في الكلمتين ثقيلٌ، كما يوجب عدم الوضوح في حال ترك حرف النفي في الكلمة الثانية (لا يذوقون فيها برداً وشراباً)؛ إذ قد يُتوهّم أنَّهم يذوقون الشراب، فتكون الأُطروحة التي اختارها القرآن هي الأفضل في التركيز على المعنى المراد.
الأُطروحة الثالثة: أن تدخل (لا) على الكلمة الأُولى دون الثانية، وهذا
ــــــ[522]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أسوء الاحتمالات، كما لا يخفى.
ثُمَّ إنَّ (ولا) تفيد النفي، ولا محلّ لها من الإعراب، مع أنَّها لا تمنع عن معنى العطف الذي تقتضيه الواو، وكذلك الحال في (إلاّ)؛ فهي أيضاً لا تمنع معنى العطف {إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً}، ولذا نصب ما بعدها على أنَّه مفعولٌ به. و(إلاّ) في الآية عاطفة بمعنى (بل)، أي: (لايذوقون فيها برداً ولا شراباً، بل حميماً وغسّاقاً). ولو كان استثناءً كما يقول المشهور، فقد يكون استثناءً منقطعاً، من قبيل: (جاء القوم إلّاَ حماراً)؛ لأنَّ ما قبل (إلَّا) في الآية من الأشياء الموجبة للراحة، وهي البرد والشراب، وما بعدها موجبٌ للألَم، وهو الحميم والغسّاق، فهناك تفاوتٌ بين ما قبلها وما بعدها، فيكون استثناءً منقطعاً.
وهذا المعنى قد نصّ عليه ابن الأنباري، وسيأتي موضع كلامه.
الأُطروحة الرابعة: أن يكون الإستثناء متّصلاً؛ لأنَّنا نلحظ جهة أُخرى، وهي الذوق، وهذه الأربعة ممّا يُذاق بالمعنى الأعمّ الشامل للبرد والشراب والحميم والغسّاق، فهي جميعاً تشترك في مفهومٍ واحدٍ، وهو قابليّتها للذوق، فيكون الاستثناء متّصلاً لا منقطعاً.
قال ابن الأنباري: والحميم يُطلق على الحارّ والبارد إن جعلت البرد من البرودة(1).
فالحارّ يسمّى حميماً، كما هو المشهور، والبارد يسمّى أيضاً حميماً؛ هذا من باب الانطباق على المعاني المتضادّة من قبيل: جلل الذي يصدق على الخفيف والشديد، وجون الصادق على الأسود والأبيض. والظاهر: أنَّ الحميم بمعنى ما يكوي ويلذع، ومن الواضح أنَّ الحرارة تلذع، والبرودة القويّة تلذع أيضاً،
ــــــ[523]ــــــ
(1) أُنظر: البيان في غريب إعراب القرآن 2: 490، غريب إعراب سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فكلاهما من هذه الناحية حميمٌ(1).
أقول: إنَّ كلام ابن الأنباري لا يعدّ حجّةً في بيان المعاني اللغويّة، بل هو حجّةٌ في الإعراب.
فقد يُقال: إنَّ البرودة بجميع معانيها لا يمكن أن تصدق على جهنّم.
ويمكن الجواب على ذلك: أنَّنا نأخذ رأيه كأُطروحةٍ، واستبعاد البرد عن جهنّم غير وجيه؛ وذلك لأمرين:
الأوّل: وجود زمهرير في جهنّم، والعذاب به بالبرد فقط.
الثاني: أنَّ شرب الماء البارد في حالة كون الجسم حارّاً مضرٌّ للغاية وموجبٌ لمضاعفات قد تؤدّي إلى الموت، فيكون من هذه الناحية عذاباً في جهنّم. وأمّا كيف تحصل البرودة في جهنّم؟ فهذا ممّا لا نعلمه، وإنما هو ممكنٌ بقدرة الله تعالى.
ثُمَّ قال ابن الأنباري: فإن جعلته بمعنى النوم، كان استثناءً منقطعاً(2).
أقول: كلا الأمرين محلّ نقاشٍ، إذ الحميم لا يعني النوم، والاستثناء ليس منقطعاً؛ إذ لم يرد في اللغة أنَّ الحميم بمعنى النوم، ولا يوجد في الارتكاز اللغوي هذا المعنى، ولو كان كذلك فالاستثناء ليس منقطعاً طبقاً للأُطروحة الثانية السابقة الذكر، أعني: الاشتراك بين ما قبل (إلاّ) وما بعدها، وهي قابليّة الذوق؛ فإنَّ النوم قابلٌ للذوق، ومن الواضح أنَّ تطبيق الذوق على النوم جائزٌ وحاصلٌ عرفاً، فنقول مثلاً: (لم أذق النوم هذه الليلة).
إلّاَ أنَّ الكلام في تصوير حصول النوم في جهنّم مع العذاب الشديد
ــــــ[524]ــــــ
(1)أُنظر: البيان في غريب إعراب القرآن 2: 490، غريب إعراب سورة النبأ.
(2) أُنظر المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
المستمرّ؛ لأنَّ النوم راحةٌ، وهو منافٍ للعذاب، مضافاً إلى أنَّ هذا المعنى مخالفٌ للسياق الذي يؤكّد على العذاب والعقاب، ولا معنى لتصوّر الراحة فيه.
ثُمَّ إنَّ الآية الكريمة في سياق بيان الراحة النسبيّة لأهل جهنّم في الآخرة؛ لأنَّ رحمته وسعت كلّ شيءٍ حتّى أهل جهنّم، فتكون الآية من المستثنى والمستثنى منه بياناً للراحة النسبيّة لأهل جهنّم. مع أن التعابير الأربعة (برداً، شراباً، حميماً، غسّاقاً) تدلّ على ذلك، فهي تنفي الراحة من جهة وتثبتها من جهةٍ أُخرى، وهي الحميم والغسّاق، بمعنى النوم والظلام؛ إذ يُراد بالغسّاق الليل الذي يقع فيه النوم عادةً، كما قال تعالى: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ}(1).
كما يمكن أن يُراد بالغسّاق الغفلة الذهنيّة الحاصلة بالنوم، فيكون السّياق كلّه دالاًّ على شيءٍ من الراحة، وبذلك يكون الاستثناء متّصلاً أيضاً، بمعنى: أنَّ ما قبل (إلاّ) وما بعدها يشترك في مفهوم الراحة النسبيّة بالآخرة.
وقد تكون زيادة النوم نوعاً من العذاب لبعضهم، وهذا المعنى خطر في ذهني؛ فإنَّ المرء قد ينام ويرى في النوم أنَّه يعذّب، كما أنَّه إذا استيقظ يرى أنَّه يعذّب فعلاً، أي: يرى العذاب في المجال الذي تذهب له روحه في النوم.
إلّاَ أنَّنا على أيّ حالٍ لا نلتزم بصحّة المعنى اللغوي الذي يقول: إنَّ الحميم بمعنى النوم، ولعلّه وقع السهو في كلام ابن الأنباري.
****
قوله تعالى: {جَزَاءً وِفَاقاً}:
[قول ابن الأنباري في (جزاءً)]
قال ابن الأنباري: (جزاءً): منصوبٌ على المصدر(2). والمراد: أنَّه مفعولٌ
ــــــ[525]ــــــ
(1) سورة الفلق، الآية: 3.
(2) البيان في غريب إعراب القرآن 2: 490، غريب إعراب سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
مطلقٌ من فعل مقدّر، يعني: يُجازون جزاءً.
وقد يكون مفعولاً مطلقاً من (يذوقون)، من باب المفعول المطلق من غير لفظه، كما قد يكون مفعولاً به للفعل نفسه، أي: يذوقون من جنسٍ آخر غير ما سبق، أعني: غير الحميم والغسّاق، كما قد يكون مفعولاً لأجله، أي: لأجل الجزاء.
وأمّا (وفاقاً) فهو نعتٌ للجزاء، وهذا وجيهٌ كأُطروحةٍ بدويّةٍ، كما قد يكون مفعولاً مطلقاً لفعلٍ مقدّرٍ من لفظه، أي: يوفّقون وفاقاً، كما قد يكون خبراً لكان المحذوفة مع اسمها، أي: يكون ذلك وفاقاً.
[قول الراغب في (الوفق)]
قال الراغب: الوفق: المطابقة بين الشيئين(1).
ومعنى ذلك: أنَّ هذا موافقٌ لذاك يُقال: وافقت فلاناً، أي: رافقته وأحببته واتّصلت به، وكأنَّه نحوٌ من المطابقة بين الشخصين، ووافقت الأمر صادفته، وإلّاَ فإنَّه لا توجد مصادفةٌ واقعاً وفي علم الله.
والاتّفاق: مطابقة فعل الإنسان للقدر من حيث لا يعلم هو، ويُقال ذلك في الخير والشرّ، يُقال: اتّفق لفلان الخير واتفق لفلان الشرّ، والتوفيق منه، إلّاَ أنَّه يختصّ في الاصطلاح العرفي بالخير دون الشرّ، مع أنَّه بالدّقة يمكن أن يكون توفيقاً للشرّ وللخير.
ثُمَّ إنَّ (وفق) مصدر ثلاثي على كلامٍ يأتي.
وأمّا الرباعي الذي هو مزيد فهو على نحوين: فإن كان بالهمزة قيل: أوفق إيفاقاً مثل: أوعَز إيعازاً، وإن كان بالتشديد قيل: وفّق توفيقاً مثل: عزّر تعزيراً. والظاهر: أنَّ مصدر الثلاثي مفتوح الأوّل (وَفق وَفقاً) مثل: كَسر
ــــــ[526]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 565، مادّة (وفق).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
كَسراً، وزَرع زَرعاً، وأمّا المكسور الأوّل فهو اسم مصدرٍ لا مصدرٌ.
وأمّا الوفاق الوارد في الآية الكريمة فيصلح أن يكون مصدراً (وفاقاً) كـ (وجار) و(حجر)، وأصله وَجرَ وحَجرَ، وأصله وجْر وحجْر بسكون وسطه، فيقال: وفق وفاقاً، وهي صيغةٌ مصدريّة منحوتةٌ ليست على الأصل؛ لأنَّ الأصل هو (وِفق). كما يمكن أن يُقال: إنَّ هذه الصيغ خارجةٌ عن القاعدة العامّة للمصادر، وتستعمل كأسماء مصادر، وما ذُكر قريبٌ من الفهم اللغوي، إلّاَ أنَّه حسب اطّلاعي ممّا أهمله اللغويّون.
فإن قيل: إنَّ الألفاظ المصدريّة – لو صحّ التعبير- أو المنسوبة إلى المصدر تُستعمل على كلا النحوين، أي: في المصدر واسم المصدر.
قلت: فيما ذُكر نحوٌ من المبالغة؛ لأنَّ الفهم أحياناً فيه جهة نفسيّة، لا عقليّة صرفة، ومن الناحية النفسيّة فإنَّ بعض صيغ المصدر أقرب إلى معنى المصدر، وبعضها الآخر أقرب إلى معنى اسم المصدر .
والفارق: هو أنَّ المصدر اسمٌ للحدث نفسه مستمرّاً، واسم المصدر اسمٌ للحدث منظوراً إليه مستقلاًّ، أي: كماهيّةٍ ومفهومٍ مستقلٍّ، بمعنى: أنَّه قارٌّ لا تدريجي.
والغرض: أنَّ بعض الصيغ أقرب إلى معنى المصدر، وبعضها أقرب إلى اسم المصدر، وهذا مرتكزٌ حسب الفهم الاجتماعي للغة، لا حسب فهم أهل الخبرة؛ لأنَّ فهم هؤلاء معقّد أحياناً بسبب كثرة التدقيق.
قال في “الميزان”: أو إطلاق الوفاق على الجزاء للمبالغة كـ(زيدٌ عدلٌ)(1)، أي: العدل عينه، فكذلك الجزاء الوفاق نفسه، مع أنَّ الوفاق
ــــــ[527]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 168، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
مصدرٌ. فقد أفاد السيّد الطباطبائي& جواز الإسناد، أي: يجوز إسناد المصدر إلى الذات، ووجه ذلك هو المبالغة.
والظاهر: أنَّ كلامه يتمّ على تقدير كونهما صفةً وموصوفاً.
وقد قلنا كأُطروحةٍ: إنَّ {جَزَاءً وِفَاقاً} صفةٌ وموصوفٌ، فيتمّ ما ذكره.
وأمّا إذا كان (وفاقاً) مفعولاً مطلقاً أو مفعولاً لأجله كما على بعض الأُطروحات، فيكون ما ذكره سالبةً بانتفاء الموضوع؛ لأنَّ أُطروحة الصفة والموصوف غير مسلّمةٍ. وعندئذٍ قد يرد إشكالٌ حاصله: أنَّ قولنا: (زيدٌ عدلٌ) مبتدأ وخبرٌ، فجاز في ذوق العرب استعمال المصدر مجازاً خبراً، وأمّا لو كان نعتاً لما جاز استعماله.
وتتميماً للإشكال قد نقول: (جاء رجلٌ عدلٌ)، إلّاَ أنَّ الظاهر جواز استعماله، فهذا الإشكال لا يرد.
فإن قلت: إنَّنا فهمنا من الوفاق اسم مصدر، لا مصدرٌ؛ فإنَّ الذي يقع وصفاً هو المصدر لا اسمه.
قلت: يمكن الجواب عنه بوجهين:
الأوّل: أنَّ مرادهم الأعمّ منهما، فحينما يقولون: يجوز الإخبار بالمصدر أو أنّه يجوز أن يقع وصفاً للمبالغة الأعمّ من المصدر واسم المصدر، يعني: المراد هو الصيغة مع قطع النظر عن القصد منها، سواء كانت مصدراً أو اسم مصدر.
الثاني: أنَّ ما يتعيّن به الوصف هو اسم المصدر لا المصدر حقيقةً، مع أنَّ المستشكل يقول: بل هو اسم المصدر، وهو غير جائزٍ.
ونحن نقول: بل هو اسم مصدر لا مصدر، فلا معنى لقولنا: (زيد هو العدل المتجدّد المستمرّ) لو أردنا المصدر، وإنَّما وصف زيدٌ بالعدل، أي: العدل
ــــــ[528]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
كمفهومٍ قائمٍ بنفسه بمعنى الاسم المصدري.
إذن يتعيّن أن يكون معنى اسم المصدر هو الخبر، وهو الوصف، وقد أهمل النحويّون هذه الجهة، ولم يتعرّض لها أحدٌ منهم. ثُمَّ إنَّ التطبيق أو
-الصغرى- في الآية الكريمة محرزٌ، وهو أنَّ (وفاقاً) إذا كان صفة -كما فهم السيّد الطباطبائي- كان اسم مصدر لا مصدراً. والمهمّ أنَّ الآية تريد أن تخبر بأنَّ الجزاء موافقٌ للمذنب؛ لأنَّ الجزاء أمرٌ إضافي يحتاج إلى طرفين، والوفاق أيضاً يحتاج إلى طرفين متوافقين، أي: متماثلين، وهما في المقام الذنب والعقاب عليه، أي: يكون العقاب موافقاً للذنب وبقدره، فالعقاب كما هو جزاءٌ للذنب فهو موافقٌ له أيضاً.
ويلاحظ أدبيّاً هنا أنَّ الجزاء والوفاق مصدران منصوبان بالألف، وهذا ملحوظٌ في أغلب نهايات الآيات في سورة النبأ، كالمآب والحساب والكتاب والعذاب والمفاز، إلّاَ أنَّ هذه الآية احتوت على كلمتين كلٌّ منهما بأُسلوبٍ وروي واحدٍ، وهو مّما يتّفق مع الآيات الأُخرى.
****
قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً}:
الضمائر هنا تعود إلى الطاغين، كما هو واضحٌ، وهاتان الآيتان وما بعدهما تشعر بالتعليل، أي: كانوا طاغين؛ لأنَّهم لا يرجون حساباً وكذّبوا بالآيات، أو نقول: إنَّهم استحقّوا وصف الطاغين؛ لأنَّهم لا يرجون الحساب وكذّبوا بآيات الله. واستحقاقهم لوصف الطاغين إمّا إثباتاً أو ثبوتاً.
والأوّل يعني أنَّنا عرفنا أنَّهم كذلك للسبب المذكور.
وأمّا الثاني فيعني أنَّهم كذّبوا بيوم القيامة، فصنعوا ما يناسب هذا
ــــــ[529]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
التكذيب، أي: الذنوب، فصاروا طاغين ثبوتاً، أي: ليس عنوان الطاغين هو الثابت لهم؛ لأنَّ هذا عنوانٌ انتزاعي، بل الطغيان بالمعنى الثبوتي ثابتٌ لهم؛ لأنَّهم لا يرجون حساباً.
[الآية قالت: كَانُوا فهل هذا يعني أنَّهم الآن يرجون الحساب]
الخطوة الأُخرى في هذه الآية أنَّها قالت: {كَانُوا} أي: بلفظ الماضي، فهل هذا يعني أنَّهم الآن يرجون الحساب؟!
ويُلاحظ: أنَّ (كان) إمّا للشأنيّة، أي: من شأنهم أنَّهم لا يرجون حساباً، أو نقول: إنَّها للماضي ببيان: أنَّهم كانوا في الحياة الدنيا لا يرجون حساباً وكذّبوا بآياتنا كذّاباً، فكأنَّ هذا الحديث وقع في الآخرة، وقد صارت الدنيا هناك حدثاً ماضياً، والكلام عن هذا الحدث الماضي.
وأمّا الشأنيّة فيعضدها الآيات السابقة التي عبّرت بلفظ (كان)، وقلنا: إنَّها للشأنيّة نحو: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً}، فتكون أُطروحة الشأنيّة في هذه الآية أقوى.
[لماذا لم يقل: و(لا يرجون الحساب)]
الخطوة الأُخرى في قوله: (حساباً)، أنَّه لماذا لم يقل: و(لا يرجون الحساب)، أو (لا يرجون حسابي)؟
والجواب: أنَّ ذلك منافٍ للنسق القرآني لنهاية الآيات. وهذا وجيه في نفسه، إلّاَ أنَّ هناك جواباً آخر من الجهة المعنويّة حاصله: أنَّ (حساباً) نكرةٌ، ومعه يمكن أن نشير الى أمرين:
الأوّل: أنَّها بمعنى: أنَّهم لا يرجون أيّ حسابٍ؛ بالعموم؛ لأنَّها نكرةٌ في سياق النفي.
الثاني: أن تكون بمعنى النكرة المضافة إلى ياء المتكلّم، أي: (حسابي) على طريقة: يا قومي ويا ربّي، إلّاَ أنَّ وجود الألف يبعد هذا الاحتمال، فيبقى
ــــــ[530]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وجود الياء تقديراً صرفاً. الّلهمّ إلّاَ أن يُقال على نحو الأُطروحة الشاذّة بانقلاب الياء ألفاً، فهو موجودٌ على شكل ألف، وليست هذه الألف للنصب، بل يُراد بها ياء المتكلّم.
ومن القرائن العامّة على ذلك وجود التشابه بين كتابة الياء والألف المقصورة، وهو ممّا يقرّب بين النطقين في الارتكاز اللغوي العربي، ولعلَّ من تطبيقات ذلك قولهم: بابا وماما، يعني: أبي وأُمّي بياء المتكلّم، ومنه جدّاه يعني: جدّي.
[معنى الرجاء في الآية]
بقي هنا شيء وهو: أنَّ معنى الرجاء في الآية هو معنى الظنّ؛ فإنَّ (لعلّ) التي هي للترجي إنَّما تفيد الظنّ: (لعلّ زيداً راجعٌ من سفره)، أي: أظنّ أنَّه رجع من سفره، وهنا الظنّ منفي، كما لو لم يكن لديهم ظنٌّ بالحساب ولا احتمال الحساب: {لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً}. وهذا إمّا أن يُراد به الجانب العقلي، يعني: عدم احتمال الحساب، وإمّا الجانب النفسي، يعني: إهماله والتصرّف بدونه، كما هو الأرجح؛ لوضوح أنَّ الاحتمال العقلي قائمٌ لا محالة باستمرارٍ، إلّاَ أنَّه مهملٌ لا يُعتنى به.
غير أنَّ الرجاء غالباً وعرفاً يستعمل للظنّ بالخير، وهنا بخلافه؛ إذ المفروض أنَّ الحساب والعقاب ليس خيراً، فكيف استعملت مادّة الرجاء في المقام؟
والجواب: أنَّه لم يثبت تعيّنه اللغوي في ذلك، أي: بحسب الوضع الأصلي، ولا يمكن أن نقول: إنَّ الرجاء هو الظنّ، سواء كان ظنّاً بخيرٍ أم بشرٍّ، وإن غلب في الخير، ولو ثبت وضعه لخصوص الخير – تنزيلاً- أمكن استعماله مجازاً.
ــــــ[531]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أضف إلى ذلك أنَّ اعتبار الحساب شرّاً غير وجيهٍ، وأنا أقول: إنَّ الحساب عين الخير؛ لأنَّ الله تعالى خيرٌ لا يصدر منه إلّاَ الخير، ولا يريد لنا إلّاَ الخير، كما لا يريد للمعاندين أيضاً إلّاَ الخير، لكنّه الخير المناسب لهم، وهو كونهم في أسفل دركٍ من الجحيم، وعليه فمن المناسب استعمال معنى الرجاء في المقام.
ويُلاحظ: أنَّ (رجا) يتعدّى الى مفعولٍ واحدٍ، نقول: (رجوت زيداً أو رجوت الله)، وإن كانت بمعنى (ظنّ) التي تتعدّى إلى مفعولين، وفي الآية نصبت مفعولاً واحداً: (حساباً) وهو مفعولٌ به، إلّاَ أنَّ منع تعدّيها إلى مفعولين غير وجيهٍ حسب فهمي وذوقي. والوجه فيه: أنَّك كما تقول: (ظننت زيداً عالماً)، كذلك تقول: (رجوت زيداً عالماً)، وإن ذكر النحويّون هنا حيلةً شرعيّةً نحويّةً، وهي: أنَّ (عالماً) حالٌ أو صفةٌ، إلّاَ أنَّنا نقول: بل هي مفعولٌ ثانٍ.
****
قوله تعالى: {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً}:
الكِذّاب – بالكسر- والتشديد صيغة مبالغةٍ، وأمّا مع عدم التشديد فهو مصدر كالكذب، والكذّاب – بالفتح- كثير الكذب، فكثرة الكذب هي الكذّاب بالكسر، كما أنَّ فعل الكاذب هو الكذب.
وأمّا بالتخفيف الذي هو الكِذاب فهو أقرب إلى أن يكون مصدراً للصفة المشبّهة باسم الفاعل، فصفة الحَسَن هي الحسن، وصفة الجميل هي الجمال، فكذلك صفة الكاذب هي الكذاب، إلّاَ أنَّ مادّة الكذب قليلة الاستعمال في الصفة المشبهة، إلّاَ أن يُقال : كذَّيب كشرَّيب وسكَّير.
[احتمالان في التكذيب بالآيات]
وفي التكذيب بالآيات احتمالان:
ــــــ[532]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الاحتمال الأُوّل: أن يُراد بها آيات القرآن، فيكون تكذيبها تكذيباً لخبرها وعصياناً لأوامرها ونواهيها.
الاحتمال الثاني: أن يُراد بها الآيات التكوينيّة، فيُراد بتكذيبها تكذيب دلالتها على قدرة الله وحكمته، أو قل: على وجوده أوّلاً وعلى قدرته ثانياً، وعلى حكمته ثالثاً. وهي دلالة التزامية دلّت عليها الجملة الخبريّة، إلّاَ أنَّها دلالة التزاميّة تكوينيّة لا لفظيّة، ومن هنا يُقال: إنَّ كلّ شيء ناطقٌ بتوحيد الله عزّ وجلّ، وكلّ معلولٍ يدلّ على علّته بالبرهان الإنَّي، فلازم وجود المعلول هو وجود علّته. ولذا ورد في دعاء الصباح: “اللّهمّ يا مَن دلَع لسانَ الصباح بنطق تبلّجه”(1) أي: بالدلالة على وجوده وقدرته وحكمته وعدله وتدبيره.
وبتعبيرٍ آخر كما يقول الحكماء: إنَّ لكلّ شيءٍ لساناً ناطقاً بالتوحيد، بما فيها لسان الصباح. وعليه فما يُقال من اختصاص التكذيب بالأخبار اللفظية ممّا لا موقع له، بل لابدّ من التوسّع لا محالة، بمعنى: شمول التكذيب لآيات القرآن، سواء أُريد بالآيات خصوص القرآن أو آيات الخليقة أو الآيات التكوينيّة أم غيرها.
والتكذيب: إمّا قولي أو عملي، والأوّل كقول الإنسان: (كذّبت القرآن) والعياذ بالله، والعملي هو العصيان والسير على خلاف مرادات القرآن، أو يكون التكذيب عقليّاً أو قلبيّاً، وقد يجتمع في فردٍ واحدٍ جملةٌ من هذه الأُمور.
و(كذّاباً) مفعول مطلق؛ لأنَّه مصدرٌ، وقد يكون مفعولاً مطلقاً؛ لأنَّه من لفظ (كذّبوا) فمادّة الكذب موجودة ودالّةٌ على شدّة التكذيب، مضافاً إلى أنَّ استعماله موافقٌ لنسق الآيات السابقة.
ــــــ[533]ــــــ
(1) بحار الأنوار 84: 339، الباب 13، الحديث 19.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً}:
أفاد الراغب: أنَّ الإحصاء التحصيل بالعدد، وهو مأخوذٌ من لفظ الحصى؛ لأنَّهم كانوا يعتمدون الحصى بالعدّ، كاعتمادنا الآن على الأصابع مثلاً، فسمّي العدّ إحصاءً. قال تعالى: {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدا}(1) أي: حصّله وأحاط به. وقال: “مَن أحصاها دخل الجنّة”(2). وقال: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ}(3)(4).
أقول: والإحصاء تارةّ يكون إثباتيّاً، وهو العدّ للتعرّف، وكذلك معلول الإحصاء، وهو العلم بالعدد، وهذا المعنى هو المراد منه غالباً، وقد يكون مراداً في الآية.
وأمّا الإحصاء الثبوتي فهو السيطرة على الجزئيّات جميعاً، أحصيناه أي: سيطرنا عليه في مقام القدرة والتدبير، كما لو كنّا قد عددناه فعلاً. وما ذُكر احتمالٌ في الآية الكريمة، إلّاَ أنَّ سياق الآية مع انضمامها إلى ما تقدّم منها يفيد الإحصاء بالمعنى الإثباتي، وهو التعرّف على ذنوب المذنبين؛ لأنَّه يتحدّث عن العصاة لأجل مجازاتهم بما يستحقّونه من العذاب.
وقد يظهر أنَّ هذه الآية وردت زائدةً – والعياذ بالله- بين آيتين يكتمل
ــــــ[534]ــــــ
(1) سورة الجنّ، الآية: 28.
(2) التوحيد: 194، الباب 29، الحديث 8، الخصال 2: 593، أبواب الثمانين وما فوقه، الحديث4، صحيح البخاري 3: 185، كتاب الوصايا، صحيح مسلم 8: 63، باب العزم بالدعاء، وغيرها.
(3) سورة المزّمّل، الآية: 20.
(4) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 120، مادّة (حصا).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بهما المعنى المراد؛ لأنَّ قوله تعالى: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً}، تفريعٌ وعطفٌ على قوله: {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً} لا على قوله {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً}.
أقول: إنَّ واقع السياق يُفيد بأنَّ قوله: {فَذُوقُوا} تفريعٌ على المجموع، يعني: استحقاق العقاب المبيّن في الآية الأُولى، و المضبوط بالإحصاء المبيّن في الآية الثانية.
والكتاب مصدرٌ لمعنى الكتابة لا بمعنى الكتاب المكتوب، وإن كان لازمه عرفاً ذلك؛ لأنَّ الكتابة عرفاً تتمّ على صفحات الكتاب، أي: لابدّ لها من محلٍّ ومكانٍ تتحقّق فيه، وهو الكتاب، وبصفته مصدراً يكون منصوباً على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ من غير لفظ الفعل (أحصيناه)، وكأنَّه قال: (أحصيناه إحصاءً)، ولا بأس بذلك إلّاَ أنَّه أفاد زيادة الضبط بالكتابة.
وقال العكبري : وكتاباً حال ، أي: مكتوباً(1).
أقول: يُلاحظ: أنَّ (كتاباً) مصدرٌ، كما نفهم معنى (عادل) في قولنا: (زيد عدلٌ) مجازاً.
ثُمَّ قال: ويجوز أن يكون مصدراً على المعنى؛ لأنَّ (أحصيناه) بمعنى كتبناه(2) ولو ضمناً، أي: (كتاباً) مفعولٌ مطلقٌ، كما أشرنا قبل قليل، وهو الأرجح؛ لأنَّه المتفاهم ظاهراً، لا اسم مفعول بمعنى: (مكتوب).
أقول: لا أظنّ أنَّ السياق يحتاج إلى هذا التفسير، بل يكفي أن نلتفت إلى أنَّ الكتابة هي أحد أساليب أو حصص الإحصاء؛ إذ الإحصاء قد يكون بالكتابة وقد يكون بغيرها، فتكون الآية إشارةً إلى أنَّ الإحصاء حصل عن
ــــــ[535]ــــــ
(1) إملاء ما مَنَّ به الرحمن2: 279، سورة التساؤل.
(2) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
طريق الكتابة بالخصوص، وهي الطريقة الأشدّ ضبطاً وتركيزاً، فأحصيناه كتاباً يعني: ضبطناه ضبطاً، وهو معنى يُفيد عدم إمكان مخالفة الواقع.
ثُمَّ إنَّ الكتاب معنى كلّي قابلٌ للصدق على كثيرين؛ فقد يكون المراد منه القرآن الكريم، كما قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}(1)، ونفهم من الكتاب القرآن، كما هو الفهم المتشرّعي، بل لعلّ إجماع المفسّرين على ذلك.
وقد يكون المراد منه الإمام، كما قال تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}(2)، ولفظ الإحصاء واردٌ هنا أيضاً.
وقد يُراد منه اللوح المحفوظ، وقد يُراد منه صحائف الأعمال التي تضبط حسنات وسيّئات الفاعلين، والآية هنا تتحدّث عن ذنوب المذنبين، فكلّ شيء أحصيناه كتاباً، أي: أحصينا ذنوب المذنبين في صحائف الأعمال.
****
قوله تعالى: { فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً}:
وأوضح ما في هذه الآية هو تغيّر السياق من ضمير الغائب للجمع قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً} وقال: {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً} إلى ضمير المخاطب قال تعالى: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً}، وهذا ما يُطلق عليه بالالتفات في علم البلاغة، وقد التفت إليه السيّد الطباطبائي أيضاً.
قال في “الميزان”: والالتفات إلى خطابهم بقوله: {فَذُوقُوا} تقديرٌ لحضورهم ليخاطبوا بالتوبيخ والتقريع بلا واسطةٍ(3).
ــــــ[536]ــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 38 .
(2) سورة يس، الآية: 12 .
(3) الميزان في تفسير القرآن 20: 169، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أقول: المراد: أنَّه قدّر حضورهم وافترضهم حاضرين لكي يخاطبهم، وإلّاَ فهم غائبون الآن، وقسمٌ منهم في الأرحام، بل لم تحمل بهم أُمّهاتهم، وسيأتون في الأجيال اللاحقة مذنبين أيضاً، فلابدّ هنا من تقديرٍ حتّى يخاطبهم؛ لأنَّ الخطاب بدون مخاطبٍ لغوٌ. إلّاَ أنَّ في المقام عدّة أُطروحات يمكن الإشارة إليها بإزاء ما ذُكر:
منها: ما ذكرناه من: أنَّ ظاهر الآية أنَّ هذا الخطاب في جهنّم، أي: بعد أن يدخلوا جهنّم يُقال لهم: (فذوقوا)، لا في الدنيا حتّى يُقال: إنَّهم غير موجودين، والكلام بحاجةٍ إلى تقدير مخاطبٍ. مضافاً إلى أنَّ المتكلّم هنا في المراد منه عدّة أُطروحات تجمعها جهةٌ واحدةٌ، يمكن أن نطلق عليها جهة الله تعالى، متمثّلةً بأحد المعصومين، أو أمير المؤمنين بالخصوص؛ لأنَّه قسيم النار والجنّة(1)، أو مالك خازن النار، أو الملائكة الآخرين الموكّلين بالنار.
ولابدّ من الالتفات أيضاً إلى أنَّ قوله: {فَذُوقُوا} بحاجةٍ إلى تقديرٍ وهو: (فيُقال لهم: فذوقوا …) أو (فنقول لهم: ذوقوا)؛ لأنَّ اللفظ لابدّ أن يصدر من لافظٍ ومتكلّمٍ، وهذا المتكلّم هو الذي يُفيد هذا المعنى: أنَّهم كانوا لا يرجون حساباً وكذّبوا بآياتنا كذّاباً وكلّ شيءٍ أحصيناه كتاباً. وهنا فقرةٌ محذوفةٌ أيضاً، ومعناها ظاهرٌ لا يحتاج إلى ذكره باللفظ، وهو أنَّ هؤلاء دخلوا جهنّم واستقرّوا فيها، ثُمَّ قيل لهم: (ذوقوا) قلنا: (فلن نزيدكم إلّاَ عذاباً).
ــــــ[537]ــــــ
(1) راجع الكافي 1: 196، باب أنَّ الأئمّة هم أركان الأرض، الحديث1، الأمالي (للشيخ الطوسي): 205، المجلس8، الحديث2، علل الشرائع 1: 161- 166، باب العلّة التي من أجلها صار علي ابن أبي طالب قسيم الله بين الجنّة والنار، الأحاديث 1- 6، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وهذا المعنى مشهودٌ في آيات أُخرى أيضاً: كقوله تعالى: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}(1).
ثُمَّ أفاد مباشرة: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً}(2)، ولم يذكر كيف أتى بالعرش من اليمن إلى القدس.
وأمّا الذوق فقد تقدّم معناه في قوله تعالى: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً}، فلا حاجة إلى الإعادة.
و(لن) تفيد التأبيد، والمراد هنا نفي الحصّة الأُخرى، فهنا إثباتٌ مع نفي: إثبات استمرار العذاب، ونفي الحصة الأُخرى المبيّنة بقوله تعالى: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}(3) حيث قال: (فلن نزيدكم)، أي: يوجد لدينا مزيدٌ خاصّ بالمؤمنين من الخير والعطاء الإلهي في الدنيا والآخرة. وأمّا الكفّار فلهم مزيدٌ من نوعٍ آخر، وهو الألم والعذاب وسوء العاقبة ونحو ذلك. وعليه فالله تعالى لديه مزيدٌ من كلا النوعين، فلن نزيدكم من الخير والكمال والنور، بل نزيدكم من العذاب والألم.
ثُمَّ إنَّ في الآية حرفين دالّين على نتيجةٍ هامّةٍ وهما:
الأُوّل: (لن) التي تُفيد التأبيد، ومقتضاها الإطلاق والبقاء إلى ما لا نهاية في العذاب.
والثاني: (إلّاَ ) أي: الاستثناء الواقع في سياق النفي الدالّ على الحصر، يعني: ليس لكم شيءٌ إلّاَ هذا العذاب، فهم يزدادون عذاباً مرّة بعد مرّةٍ إلى ما لا نهاية.
ــــــ[538]ــــــ
(1) سورة النمل، الآية: 40.
(2) سورة النمل، الآية:40 .
(3) سورة ق، الآية: 35 .
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ومن هنا يمكن أن يُشكل: بأنَّه لا يوجد استحقاقٌ للعذاب من هذا القبيل، أي: غير متناهٍ، بل يزداد بالتدريج؛ لوصفها منافاته للعدل بمعنى من المعاني، وحينئذٍ لابدّ من التصرّف في ظهور الآية.
[رد إشكال ما فهم من الآية على استحقاق عذاب غير متناهٍ]
وما يمكن أن يُقال في الجواب عنه وجوهٌ:
الوجه الأوّل: أنَّ المتشرّعة وإن فهموا أنَّ مضمون الآية إنَّما يتحقّق في الآخرة ويوم القيامة، إلّاَ أنَّنا يمكن أن نصرف معناها إلى الدنيا ويكون الكلام وجيهاً حينئذٍ، أي: فذوقوا في الدنيا؛ فلن نزيدكم إلّاَ عذاباً، وهو يحدّد بحدود الحياة الفرديّة إلى أن يموت الإنسان.
ثُمَّ إنَّ زيادة العذاب والبلاء يمكن تقريرها على نحوين:
أحدهما: أنَّ هذا الشيء الذي يذوقه من الشر، هو البلاء الدنيوي وهو موجودٌ وشديدٌ على كلّ البشر تقريباً إلّاَ من رحم الله، كما يظهر ذلك بوضوحٍ في الكفّار والمنافقين، مع أنَّنا نراهم ظاهراً في راحةٍ، وهم في أقصى درجات البلاء حقيقةً، والله تعالى لا يزيل عنهم العذاب، وإنَّما يزيدهم عذاباً وبلاءً.
وثانيهما: أنَّ الدنيا دار عملٍ، وهم بذنوبهم يستحقّون الزيادة في العقاب والعذاب كلّما استمرّ عملهم، وهكذا يبقى استحقاق الزيادة إلى حين الموت.
الوجه الثاني: أنَّ حرف (لن) وإن كان يُفيد التأبيد بحسب إطلاقه، إلّاَ أنَّه يمكن إبراز مخصّصٍ له بالقرينة المتّصلة؛ لأنَّ غاية ما يفيده هو الاستقبال، أي: (قل: لّن نزيدكم مستقبلاً إلّاَ عذاباً)، وهو واضحٌ، والمخصّص هو الآية السابقة، أي: قوله تعالى: {لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا}. نعم، خلال هذه الأحقاب تكون زيادة العذاب متدرّجةً بحسب استحقاق الفرد، إلّاَ أنَّه حينما تنتهي الأحقاب يخرج من جهنّم وينقطع العذاب أصلاً. ومن هذه الناحية لا نقول: إنَّه يبقى إلى الأبد، وقد نتصوّر نحو رحمةٍ بهؤلاء؛ لأنَّه كلّما تزايد العذاب
ــــــ[539]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أخذوا استحقاقهم بصورةٍ أسرع، فيخرجون من جهنّمَ بشكلٍ أسرع، مع أنَّ القلّة في العذاب تستدعي بقاءهم في جهنم مدّةً أطول.
والوجه فيه: أنَّ القلّة في الابتلاء الدنيوي تقتضي البطء في تكامل الإيمان، والكثرة في الابتلاء الدنيوي تقتضي التسريع في تكامل الإيمان في نفس الفرد، فكذلك قضيّة البلاء الأُخروي أو الجهنّمي، فنجعل ذلك قرينةً على ما ذُكر، لا العكس، كما يظهر من كلام السيّد الطباطبائي(1) الذي فهم أنَّ الثاني قرينةٌ على الأوّل، بمعنى: أن لن نزيدكم إلى ما لا نهاية، وهذا معناه: أنَّهم لن يخرجوا بعد الأحقاب، وهو غير وجيهٍ، بل نجعل الآية الأُولى قرينةً على الثانية كما تقدّم.
والسرّ فيه: أنَّها أسبق ولأنَّ فيها عدداً وتحديداً في ضوء كلمة الأحقاب التي فيها ظهورٌ لغوي في عدد محدودٍ من الأحقاب، فهناك أولويّة لقرينيّة الأحقاب على قوله: {نَزِيدَكُمْ} لا العكس.
الوجه الثالث: أنَّنا نعلم: أنَّ الله عادلٌ لا يظلم أحداً لا في الدنيا ولا في الآخرة، ومفاد ذلك أنَّ كلّ أفعاله عدلٌ مطابقٌ للواقع ، فهو لا يقوم بزيادة العذاب إلّاَ عندما تكون عدلاً، وإلّاَ لو كانت ظلماً فستنقطع لا محالة. وعليه فإن كان هناك ظهورٌ في التأبيد، فينبغي أن نقول: إنَّ ذلك وجيهٌ عندما يكون التأبيد عدلاً، لا حينما يكون ظلماً، كما هو محلّ الإشكال.
الوجه الرابع: أنَّ العذاب وإن وقع ظاهراً على الأفعال الظاهريّة، وهي الذنوب والمحرّمات وترك الواجبات (والعياذ بالله)، إلّاَ أنَّه في الوقت نفسه
ــــــ[540]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن20: 169، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
يصدق على صفات النفس من الشهوات والإلحاد والعناد وغيرها، وهذا ممّا يستحقّ عليه الفرد العذاب، وهي صفاتٌ كبيرةٌ لا يوازيها إلّاَ عذابٌ بقدرها. ومن هنا ورد أنَّ “نية المؤمن خيرٌ من عمله، ونية الكافر شرّ من عمله”(1). ومفاده: أنَّ الإنسان حينما يتكامل قد يصل إلى ما لا نهاية في الكمال النوراني، وكذلك في الهبوط الظلماني قد يصل إلى ما لا نهاية من الناحية الروحيّة أيضاً (والعياذ بالله)، أي: تكون روحه العليا بتلك الدرجة الهائلة من الظلم، أي: بدرجة اللانهاية، وبالتالي يستحقّ عذاباً لا نهاية له، وهؤلاء هم أشدّ الناس عذاباً، وليس المراد كلّ المذنبين بطبيعة الحال.
لا يُقال: إنَّ الخطاب هنا متوجّه إلى كلّ الطاغين.
فإنَّه يقال: إنَّ قوله: {فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} متوجّهٌ إلى مَن يستحقّه لا للمجموع؛ لأنَّه إذا تعدّى إلى غير المستحقّين كان ظلماً ، وهذه قرينةٌ عقلّية تقيّد إطلاق الآية.
****
قوله تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً}:
من هذه الآية يبدأ سياقٌ معنوي جديدٌ في وصف عاقبة المتقين بعد أن انتهى من وصف عاقبة الطاغين، وكلا السياقين يبدأ بـ (إنَّ). قال تعالى: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً} إلى أن قال: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً}.
(المتّقين) جمع متّق، وهو اسم فاعل من اتّقى يتّقي، يُقال: اتّقاه أي: اجتنبه وحذر منه، فالمتّقي هو الذي يحذر الآخرة وغضب الله وعذابه.
ــــــ[541]ــــــ
(1) الكافي2: 84، باب النيّة، الحديث2، المحاسن1: 260، باب النيّة، الحديث 315، مع اختلافٍ يسيرٍ، الجعفريّات: 169، باب النيّة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وقد ذكرنا في بعض أبحاثنا في مسجد الكوفة أنَّ هذا المقدار من التعريف للتقوى غير وافٍ بالغرض؛ لأنَّ المتقي بهذا المعنى يكون تاركاً للمحرّمات وفاعلاً للواجبات ويحذر الآخرة، فيكون متّصفاً بالورع، والورع صفةٌ دون التقوى، والمتشرّعة يشعرون أنَّ التقوى أعلى درجةً من الورع، فتنحصر عندهم التقوى في اتّقاء محاذير دقّيّة أكثر من ترك المحرّمات وفعل الواجبات، يحسن الرجوع إليها في محلّها.
و{مَفَازاً} قد يكون مصدراً واسم زمان واسم مكان، والأقرب لظهور الآية هو اسم مكان مع الاحتمالين الآخرين، والمصدر من قبيل قولهم: (زيدٌ عدلٌ). وقد يُقال: إنَّ للمتقين مفازاً، أي: يأتي زمانٌ يكون لهم الفوز، والآن ليس هو هذا الزمان، بل سيأتي. إلّاَ أنَّه توجد قرينةٌ على كونه اسم مكانٍ، وهي الآية اللاحقة {حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا} وهو يدلّ على المكانيّة، كما هو واضحٌ.
[الفوز على أيّ شيءٍ؟ والفوز بأيّ شيءٍ]
ثُمَّ إنَّ الآيات اللاحقة اشتملت على سياق وصف هذا الفوز؛ إذ لنا أن نسأل: الفوز على أيّ شيءٍ؟ والفوز بأيّ شيءٍ؟ ونجد في الآيات اللاحقة أنَّه يشير إلى الجسم لذات خاصّة لأعضاء جسم الإنسان كلّ بحسبها، وهي ما يلي:
أوّلاً: لذّة النظر في الحدائق.
ثانياً: الطعم والأكل في الأعناب.
ثالثاً: الشرب في الكأس الدهاق.
رابعاً: لذّة الفرح في الحور العين والكواعب الأتراب.
خامساً: لذّة الأُذن وعدم سماع اللغو والكذب فيها، مضافاً إلى تمتّع العين والأُذن بالكواعب الأتراب.
ــــــ[542]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً}:
الحدائق جمع حديقة، وهو بمعنى فعيل: إمّا بمعنى اسم المفعول، كما هو المشهور، ولذا قال عنه في الميزان: البستان المحوط(1)، أي: المبني حوله سورٌ أو حائطٌ، فيكون بمعنى: أحدق حوله الحائط، فصار حديقاً، بمعنى اسم المفعول.
إلّاَ أنَّنا لماذا نأخذ برأي المشهور إن كان هناك قرينةٌ على خلافه؟
بل نقول: إنَّه بمعنى اسم الفاعل، يعني: البستان الذي يحوط الدار، فالبيوت الريفيّة تكون في وسط بستانٍ، والبستان يحوط بغيره، لا يُحاط به، وهو أنسب للفظ (أحدق) بمعنى: أحاط، كما قال الشاعر:
جبريل نادى في السما
والـخيــل تـعــثـر بالجماجم
والمسلمون قد أحدقوا
هذا الـنداء لمن له
والنقع ليس بمنجلي
والوشيج الذبّل
حول النبي المرسلِ
الزهراء ربّة منزلِ
لا سيف إلّاَ ذو الفقار
لا فتى إلّاَ علي(2)
والأعناب جمع عنب، وهو ثمرة شجرة الكرم؛ لأنَّ شجرة العنب هي الكرم في اللغة القديمة، وربما يطلق العنب على الشجرة نفسها، كما يُطلق التين
ــــــ[543]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن20: 169، تفسير سورة النبأ.
(2) أنشد هذه الأبيات حسّان بن ثابت عندما فرّ المسلمون من الزحف وثبت أمير المؤمنين حتّى تعجّبت الملائكة من حملاته، وقال فيه ملكٌ: لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ علي، فوضع حسّان أبياته الحِسان. أُنظر: رسائل المرتضى 4: 119، مناقب آل أبي طالب3: 83، والصراط المستقيم1: 258.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
والزيتون على الشجرة نفسها، مع أنَّ العنب اسم جنس، والأعناب جمع، وكلٌّ منهما يدلّ على الكثرة، إلّاَ أنَّ استعمال الأعناب هنا متعيّن دون العنب بمقتضى المحافظة على النسق القرآني. إلّاَ أنَّ الإشكال يتوجّه إلى اللغة لا إلى القرآن؛ لأنَّ اللغة جعلت لاسم الجنس جمعاً، فلماذا جعل العرب لأسماء الأجناس جمعاً، مع أنَّها دالّةٌ على الكثرة في نفسها؟!
فإن قلت: إنَّهم قالوا في الكتاب كتب، وفي الحيوان حيوانات، مع أنَّها دالّة على الجنس أيضاً.
قلت: نعم، إلّاَ أنَّ ذلك أجنبي عن محلّ الكلام؛ فإنَّ مفرد الحيوانات حيوان، وهو دالّ على الوحدة، ومفرد الكتب كتاب، وهو دالّ على الوحدة أيضاً، فلا يكون اسم جنس من هذه الناحية، مع أنَّه اسم جنس من ناحية أُخرى، بخلاف مفرد أعناب؛ لأنَّ مفرده عنب، وهو دالٌّ على الكثرة، ودلالته على الوحدة غير محتملةٍ أصلاً.
ومن الطريف الذي قلّ ما يلتفت إليه اللغويّون هو أنَّك تستفيد الكثرة من المفرد بصفته اسم جنس بشكلٍ أوسع وأكثر ممّا تستفيد من الجمع؛ لأنَّ الجمع قد يكون من القلّة، فلا يُفيد إلّاَ أفراداً قليلةً، بخلاف اسم الجنس الذي يدلّ على النوع كلّه.
وجمع العنب هنا قد يكون باعتبار تعدّد الأفراد كالعناقيد، فكلّ عنقود هو عنب، ومجموعه أعناب، أو كلّ شجرة هي عنب، والمجموع أعناب.
أو يكون باعتبار تعدّد أنواع العنب؛ لأنَّ للعنب أنواعاً كثيرةً، ولعلّه هو الأظهر، فيُقال: أعناب، أي: أنواع كثيرة من العنب. ومن هنا تظهر حقيقة تاريخيّة حاصلها: أنَّ أهل الجزيرة العربيّة كانوا يعرفون أنَّ للعنب أنواعاً
ــــــ[544]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
مختلفة في وقت نزول القرآن، مع أنَّ كثيراً من الناس يعتقدون أنَّ هذه المنطقة صحراويّة لا يوجد فيها إلّاَ الرمل والتراب. كما أنَّه من غير المحتمل أنَّهم كانوا يجلبون أنواع العنب من الشام؛ لأنَّ المسافة بين الجزيرة والشام تحتاج إلى ثلاثة أو أربعة أشهر، ولا يمكن الحفاظ على العنب سالماً طوال هذه الفترة. وكيفما كان الأمر فإنَّ هذا يعني وجود واحات فيها أنواعٌ من العنب، وإلّاَ كان نزول الآية على خلاف سنّة التفاهم بين الناس(1).
وهناك بيت شعرٍ عند العرب يقول(2):
وكنّا كالحريق لدى كفاح فيخبو ساعة ويهبّ سـاعا
ويظهر أنَّ الشاعر قد شاهد نوعاً من حرائق الغابات وهو في الجزيرة، مع أنَّنا الآن لم نرَ ذلك، إلّاَ من خلال جهاز التلفزيون مثلاً، مضافاً إلى أنَّه لا توجد غابات الآن في الجزيرة العربيّة لكي تحترق، فهي من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.
ويُلاحظ: أنَّه كان يؤتى بحجرٍ أسود خشنٍ من الجزيرة ليستعمل في الحمّام لتنظيف الأرجل، وهناك أرضٌ كبيرةٌ مملوءةٌ بالحجارة السوداء الخشنة، فكيف اسودّت هذه الأحجار في ذلك المكان؟
وتصف المصادر التاريخيّة بعض الأماكن في الجزيرة بأنَّها نشأت من
ــــــ[545]ــــــ
(1) وربما يُقال: إنَّ ما ذُكر لا يصدق على موارد أُخرى نحو قوله تعالى: {وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا}؛ فإنَّنا قد نشكل بأنَّ ذلك على خلاف سنّة التفاهم بين الناس؛ لأنَّ مقتضى الحال أنَّ العرب لم يروا الحور العين، فكيف يخاطبهم الله عزّ وجلّ بذلك؟ (منه).
(2) أُنظر: ماوراء الفقه10: 9، فصل الساعة.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
حجرٍ بركاني، وعليه فيظهر أنَّ البراكين كانت موجودةً في الجزيرة العربيّة في الماضي السحيق، فأدّت إلى تكوّن حجرٍ أسود من هذا القبيل.
****
قوله تعالى: {وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً}:
أفاد الراغب: أنَّ أصل الكعبة والكواعب من كعب. فهذا أصل المادّة ومن اشتقاقاتها الكعبة، وهي من المكعّب، وهو عبارة عن مربّعات متوازية، والكعبة كلّ بيت على هيئة المكعّب، و(ذو الكعبات) بيت كان في الجاهليّة لبني ربيعة، وهو دار استقبال للضيوف من القبائل. وفلان جالسٌ في كعبته أي: في غرفته، وامرأة كاعب تكعّب ثدياها أو تضخّمتا في أوّل شبابها، والجمع كواعب. قال تعالى: {وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً}. وقد يُقال: كعب الثدي كعباً وتكعيباً(1).
لكن يبقى الإشكال على أصل اللغة والارتكازات اللغويّة؛ لأنَّ المكعّب معروفٌ، وهو ذو زوايا وخطوطٍ مستقيمةٍ، مع أنَّ الثدي ليس كذلك، بل هو على شكلٍ كروي، وهناك فرقٌ واضحٌ بين التكوير والتكعيب. وعلى أيّ حال فالإشكال واردٌ على أصل اللغة لا على القرآن الذي استعمله في محلّه اللغوي الصحيح.
والملاحظة الأُخرى هي: أنَّ الكاعب من الصفات الخاصّة بالأُنثى التي لا تدخلها تاء التأنيث كالحائض والحامل، ولذا لا يُقال: (كاعبة) كما هو واضحٌ.
ثُمَّ إنَّ لفظ الكواعب هنا يصلح للورود وحده، وهو بتقدير موصوفٍ؛ لأنَّ الكاعب امرأة، أي: نساءٌ كواعبٌ، فيكون موصوفه متضمّناً فيه، كما ذكرنا ذلك في لفظ (القرية)؛ فإنَّ (أهلها) متضمّن في معناها، فلا يحتاج إلى أن
ــــــ[546]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 450، مادّة (كعب).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
نقول: (أهل القرية). وعليه فالكاعب بنفسها امرأة، كما نقول: غانية أو جارية.
[سبب نصب قوله: وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً]
ولنا أن نسأل هنا عن سبب نصب قوله: {وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً}؟
قد يُقال: إنَّ {مفازاً} اسم إنَّ، وقوله: {حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا} بدلٌ من “مفازاً”، أي: المفاز هو الحدائق والأعناب، و(كواعب) منصوبةٌ بالعطف، إلّاَ أنَّ الكلام في المعطوف عليه.
وفي مقام الإجابة يمكن أن نذكر وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ المعطوف الأخير معطوفٌ على ما قبله، فإذا كان لدينا أربعة ألفاظٍ معطوفةٍ كان الرابع معطوفاً على الثالث.
الوجه الثاني: أنَّ الجميع معطوفٌ على اللفظ الأوّل، فنقول: (كواعب) معطوفة على (حدائق) لا على (أعناباً). وعلى كلا التقديرين يكون منصوباً.
وبهذا نكون قد انتهينا من المعنى اللغوي لـ{كَوَاعِبَ}.
وأمّا قوله تعالى: {كَوَاعِبَ أتراباً} فقد قال الراغب: أي: لِدات تُنشأن معاً تشبيهاً في التساوي والتماثل بالترائب التي هي ضلوع الصدر(1). فيُقال في المقام: هذه المرأة تماثل هذه المرأة، ويُقال للرجال: فلان ترب الآخر، أي: صديقان أو في عمرٍ متماثلٍ ومتشابهٍ.
ثُمَّ قال: وقيل: لأنَّهن في حال الصبا يلعبن بالتراب معاً (2).
ومن هنا نقل اللفظ إلى الحور العين اللاتي لم يكن يلعبن بالتراب.
والغرض: أنَّ صفة (أتراب) تدلّ على التماثل والتساوي، وهي صفةٌ إضافيّة ذات طرفين، أي: اثنين متماثلين، وعليه نسأل: إذا كان المقصود منها
ــــــ[547]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 70، مادّة (ترب).
(2) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
واحدة من الحور العين فمن هو الطرف الآخر حينئذٍ؟
[الإشارة إلى أُطروحات متعدّدة في المقام]
ويمكن الإشارة إلى أُطروحات متعدّدة في المقام:
منها: أنَّها امرأةٌ أُخرى من الحور العين، كما هو ظاهر سياق كلام الراغب وفهم المشهور، أي: أتراب فيما بينها، وهو الأنسب مع سياق الآية؛ لأنَّ الكواعب أتراب ومتساويات فيما بينهن.
ومنها: أنَّها متساويةٌ مع زوجها المؤمن عمراً أو قلباً وروحاً، فيكون طرفها الآخر هو زوجها المؤمن.
ومنها: أنَّها متساويةٌ مع عمل زوجها المؤمن بمقدار استحقاقه في العدد أو في الجمال أو الكيفيّة.
ثُمَّ إنَّ (كواعب) صفة للمؤنّث؛ لأنَّه من الصفات المختصّة بالمرأة، كالحائض والحامل، و(أتراب) صفةٌ للمؤنّث أيضاً أو معطوف على (كواعب) بحذف حرف العطف، مع أنَّ أتراب يصدق على المذكّر أيضاً، فنقول: (رجال أتراب). ومن هنا نشير إلى أُطروحةٍ حاصلها: أنَّ الجمع إذا كان سالماً احتاج إلى التأنيث والتذكير مثل: نساء عالمات، ورجال عالمون، وأمّا جمع التكسير فيمكن حمله أو إسناده إلى المذكّر والمؤنّث باللفظ نفسه، نحو قولهم: نساء عوالم أو نساء خوالد.
****
قوله تعالى: {وَكَأْساً دِهَاقاً}:
أفاد الراغب: أنَّ قوله تعالى: {وَكَأْساً دِهَاقاً} أي: مفعمة، ويُقال: أدهقت الكأس فدهق(1)، يعني: ملأته فامتلئ. ويُقال: دهقَ لي من المال دهقةً،
ــــــ[548]ــــــ
(1) أُنظر مفردات ألفاظ القرآن: ص175، مادّة (دهق).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أي: دفع لي من المال دفعةً، إلّاَ أنَّها ليست دفعةً قليلةً بل هي مالٌ كثيرٌ بحسب الظاهر، ودُهق لي من المال دهقةً، كقبض قبضةً. وهذه المادّة لها معانٍ عديدةٌ يحسن أن نمرّ عليها باختصار.
قال الطريحي في “مجمع البحرين”: الدهق مُحرّكة، خشبتان يغمز بها الساق (1)، أي: يشدّ بهما الساق شدّاً لا يقدر الإنسان المشدود على فكّه؛ لأنَّه يُستعمل للمسجونين الذين يُراد تعذيبهم، كما هو الحال في زمن الأمويّين والعباسيّين. وعلى أيّ حال فهذا الجهاز يسمّى بالدَهَق، وهذا معنى لغوي ثانٍ لمادّة دهق.
ثُمَّ قال الطريحي: وفي الحديث تكرّر ذكر الدهقان بكسر الدّال وضمّها: رئيس القرية، وهو اسم أعجمي مركّب من (ده) و(قان)، ومعناه سلطان القرية(2).
والظاهر أنَّ الشيخ الطريحي لم يكن يعرف اللغة الفارسيّة؛ لأنَّ (دهقان) لا يعني سلطان، بل شاه بمعنى سلطان لا (دهقان)، بل الظاهر أنَّ (دهقان) هو الفلاّح أو المزارع أو القروي. وكلمة (دِه) لوحدها تعني: القرية أو الريف، و(دهاقين) جمع دهقان، أي: الفلاّحون أو المزارعون. أمّا سلطان القرية أو رئيسها فيعادلها (دِهْخُدا)، و(دِهْبَان) مختار القرية، و(دِهْدَار) مندوب الحكومة في القرية. وهذا نحوٌ من أنحاء الفلسفة اللغويّة. فتحصّل أنَّ للمادّة ثلاثة أوضاع:
[أوضاع مادة دهاقاً]
الأوّل: بمعنى المملوء.
ــــــ[549]ــــــ
(1) مجمع البحرين 5: 164، مادّة (دهق).
(2) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الثاني: بمعنى الخشبة التي يغمز بها الساق.
الثالث: بمعنى المزارع أو القروي.
والظاهر أنَّها من الاشتراك اللفظي.
[نوع السائل الموجود في الكأس]
الخطوة الأُخرى: أنَّ الآية لم تذكر نوع السائل الموجود في الكأس، وكأنَّما مقتضى الحكمة هنا في مثل هذه السياقات إهمال هذه الجهة أو إعطاء الذهن فرصةً للتفكير في ذلك، مضافاً إلى فهم الإطلاق. ولعلّ الدهاق من شيءٍ تلتذّ به الحواس والنفس في الجنّة حسب طلب المؤمن هناك وحسب ما تشتهيه نفسه.
ولكن بمقتضى التبادر العرفي لا الظهور اللفظي قد يُقال: إنَّ السائل هو الخمر الموجود في الجنّة؛ لأنَّ هناك اقتراناً ذهنيّاً بين الكأس والخمر، إلّاَ أنَّنا لا نعلم أنَّ هذا الاقتران هل يُفيد ظهوراً أم لا؟
وهل كان الاقتران المذكور ملحوظاًً في عصر نزول القرآن، أو إنَّه حدث في زمن العبّاسيّين وما بعده مثلاً؟
ثُمَّ إنَّه لم يكن آنذاك كأسٌ زجاجي، بل ولا كأسٌ من هذا القبيل الموجود عندنا حاليّاً، بل هو إناءٌ للشرب، وسيأتي أنَّ الكأس يُستعمل لمطلق الإناء، فكانوا يشربون الخمر بالآنية الخزفيّة ويسمّونها كأساً، فهو ليس كأساً كالكؤوس الحديثة. وأمّا الهيئة في (دهاقاً) فقد أفاد السيّد الطباطبائي: أنَّ (دهاقاً) مصدرٌ بمعنى اسم الفاعل (1).
أقول: أمّا كونها مصدراً فممّا لا ينبغي الارتياب فيه؛ يُقال: دهق دهقاً ودهاقاً، وإن احتمل أن تكون صيغةً مبالغةً، فوصف الكأس بالدهاق من
ــــــ[550]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن20: 169، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قبيل الوصف بالمصدر مثل: (زيدٌ عدلٌ)؛ لأجل المبالغة في ثبوت الوصف. وأمّا أنَّها بمعنى اسم الفاعل فغير تامٍّ.
[أُطروحةٌ أُخرى في معنى (دهاقاً)]
وهناك أُطروحةٌ أُخرى هي: أنَّ (دهاقاً) مصدرٌ بمعنى اسم المفعول، أي: صيغة مبالغة بمعنى اسم المفعول، وإن كانت أغلب صيغ المبالغة بمعنى اسم الفاعل. ولذا قال الراغب: {وَكَأْساً دِهَاقاً} أي: مفعمة (1)، وهو اسم مفعول بمعنى مملوءة.
والوجه فيما أفاده السيّد الطباطبائي من أنَّ (دهاقاً) اسم فاعل: أنَّ الذوق العربي يعطي معنى الفاعل للمتّصف بالشيء، وإن لم يكن متّصفاً بالوصف بإرادته. ويمكن التنظير له بالساقط والخائب؛ إذ ليس أيٌّ منهما بفاعلٍ، إلّاَ أنَّ الذوق العربي يحسبه فاعلاً، فمملوءة هنا بمعنى متّصف بالملء.
وقد يُقال: إنَّ السّاقط والخائب وإن كانت صيغتهما اسم الفاعل، إلّاَ انّ اسم الفاعل قد يُستعمل بمعنى اسم المفعول، فساقط بمعنى مسقط، وهكذا.
وما ذُكر وإن كان جائزاً، إلّاَ أنَّ استعمال اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول قليلٌ، فحمل جانب الكثير على القليل خلاف الظاهر.
وعلى أيّ حال فالكأس إذا لوحظت في نفسها -بما هي مملوئةٌ- مع قطع النظر عن مالئها، كانت دهاقاً بمعنى اسم الفاعل، وإن لوحظت بالنسبة إلى مالئها كانت بمعنى اسم المفعول.
وأمّا (الكأس) فقد أفاد الراغب: أنَّ الكأس: الإناء بما فيه من الشراب(2).
ــــــ[551]ــــــ
(1) مفردات ألفاظ القرآن: 175، مادّة (دهق).
(2) أُنظر المصدر السابق: 436، مادّة (كأس).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وهذا قيدٌ لغوي في كون الكأس هو الإناء الذي فيه شراب.
أقول: يظهر: أنَّ مادة الإناء غير مأخوذةٍ في معنى الكأس؛ إذ قد تكون من المعدن أو الصخر أو الزجاج ونحوها، والإناء لو كان خالياً من الشراب يسمّى كأساً، وسمّي الإناء الخالي كأساً للعلاقة.
وأضاف أيضاً: أنَّ السائل الذي في الإناء يسمّى كأساً أيضاً، فيُقال: شربت كأساً(1)، والمقصود هو المظروف لا الظرف؛ لأنَّك لم تشرب الكأس، بل شربت السائل الذي في الكأس، وهو استعمالٌ حقيقي. ويقال: كأس طيّبة، ولا يعقل أن يكون الظرف هو الطيّب، بل المظروف هو الطيّب، قال تعالى: {وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ}(2).
وفهم الراغب منه أنَّه -يعني: السائل الموجود في الكأس- هو المعين، لا الكأس بما هو إناء.
وقال أيضاً: الكيّس جودة القريحة، وأكأس الرجل وأكيس إذا ولد أولاداً أكياساً (3)، أي: أذكياء.
ومن هنا تنفتح لدينا بعض الأُطروحات في فهم الآية المباركة؛ لأنَّ الكياسة في العقل نافعةٌ في مقام التكامل المعنوي، كما أنَّها نافعةٌ في مقام التكامل الدنيوي، إلّاَ أنَّ الكيّس لو أعمل كياسته للآخرة أفاد أكثر.
ومن هنا يمكن أن نفهم من قوله تعالى: {وَكَأْساً دِهَاقاً} أنَّ الكأس مصدرٌ من الكياسة، والكياسة اسم مصدر، وهي موصوفةٌ بالكثرة والامتلاء
ــــــ[552]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 436، مادّة (دهق).
(2) سورة الواقعة، الآية: 18.
(3) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 436، مادّة (كأس).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أو موصوفةً بالأهمّيّة والسيطرة، ما يلزم أن يكون المؤمن على درجةٍ عاليةٍ من الكياسة والسيطرة.
إن قلت: إنَّ الكأس والدهاق في {وَكَأْساً دِهَاقاً} مصدرٌ، فيكون من قبيل وصف المصدر بالمصدر؟
قلت: إنَّ هذا جائزٌ في نفسه وإن خالف القاعدة؛ لأنَّه يُفيد معنى مناسباًً، كما هو في الآية الشريفة، مضافاً إلى إمكان القول: إنَّ اللفظ الأوّل يُراد به اسم المصدر الذي هو الكأس، أو يكون بمعنى آخر، وهو وصف اسم المصدر باسم المصدر، ولعلّه الأرجح، وليس في ذلك محذورٌ أو غضاضةٌ.
****
قوله تعالى: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً}:
[المراد من لاَ يَسْمَعُونَ]
المراد من {لاَ يَسْمَعُونَ}: لا يتعرّفون على اللغو والكذب، فالمراد من لغوِ السماع هو إثباتٌ يُراد به نفي الثبوت، بمعنى: أنَّه غير موجود بصرف النظر عن السماع. وقد ورد هذا كثيراً في القرآن، وهو جعل عدم الإثبات دليلاً على عدم الثبوت أو عدم الوجود، أو جعل الإثبات دليلاً على الثبوت، كما في آيات الرؤية نحو قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً}(1). فالنعيم ذُكر هنا للدلالة على أنَّ الإثبات يمثّل دليلاً على الثبوت، والمهمّ هو الثبوت، وهو إعطاؤهم الملك الكبير فعلاً. وفي الصدّ في قوله تعالى: {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً}(2) إشارةٌ إلى الرؤية حقيقةً.
ــــــ[553]ــــــ
(1) سورة الإنسان، الآية:20.
(2) سورة النساء، الآية:61.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فنفي السمع هنا يُراد به عدم الوجود، أي: عدم وجود اللغو والكذب في الجنّة، لا أنَّه موجودٌ، وهم لا يسمعونه. ولا تخفى المقابلة هنا بين قوله تعالى في أهل جهنّم: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً} وقوله تعالى في أهل الجنّة: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً}. ثُمَّ أفاد بعد وصفه لأهل جهنّم: {جَزَاءً وِفَاقًا}، وبعد وصفه لأهل الجنّة يقول: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا} فهذه سياقاتٌ لفظيةٌ مرتّبةٌ ترتيباً أدبيّاً ولفظيّاً عالياً، والمماثلة هنا ملحوظةٌ فعلاً، وإن غفل عنها مشهور المفسّرين، والجزاء في الآيتين أُطلق على الثواب والعقاب، وهو وجيهٌ لغويّاً؛ إذ الجزاء يستعمل لمطلق ردّ الفعل، سواء كان حسناً أم سيّئاً.
ثُمَّ ما هو مرجع ضمير المؤنّث في قوله تعالى: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً}؟
أشار السيّد الطباطبائي إلى رجوعه إلى الجنّة(1)، مع أنَّها غير مذكورةٍ باللفظ في الآيات السابقة. ويمكن الاعتذار له بأنَّ الجنّة وأهلها وأوصافها ذُكروا في الآيات السابقة، فتكون بمنزلة المذكورة؛ لأنَّها حاضرةٌ في ذهن قارئ القرآن.
إلّاَ أنَّه يمكن القول: إنَّ مرجع الضمير قوله: {مَفَازاً} مع الالتفات إلى وجود إشكالٍ حاصله: أنَّ الضمير المؤنّث كيف يعود إلى مذكّرٍ؟ فكان لابدّ أن تقول الآية: (لا يسمعون فيه).
والجواب: أنَّه لا محذور في ذلك، لا سيّما بعد عطف عددٍ من الألفاظ المؤنّثة عليه، كحدائق وكواعب، فتكتسب {مَفَازاً} نحواً من أنحاء التأنيث، فيعود ضمير المؤنّث إليها.
ــــــ[554]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن20: 170، تفسير سورة النبأ .
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وعلى أيّ حال فقد يدور الأمر بين إشكالين:
الأوّل: أن يرجع الضمير إلى لفظٍ غير مذكورٍ في العبارة، وهو الجنّة.
الثاني: أن يرجع إلى مذكّر، وهو المفاز. وقد أجبنا عن كلا الإشكالين في التقريبات السابقة.
وأمّا إذا قلنا: إنَّ الإشكالين واردان فاللازم إرجاع الضمير إلى بعض الألفاظ المؤنّثة في السّياق نفسه، كالحدائق والكواعب، فيكون المراد: أنَّهم لا يجدون في الحدائق لغواً ولا كذّاباً… وهكذا.
وهنا أُطروحةٌ أُخرى هي: إرجاعه إلى كلا المعنيين، أي: الحدائق والكواعب: إمّا على نحو المجموع، أي: لا يجدون في مجموع الحدائق والكواعب لغواً ولا كذّاباً، وهو وجيهٌ في نفسه، إلّاَ أنَّنا نعتبره أُطروحةً شاذّةً، أو يعود إلى أحدهما على نحو الإيهام الإثباتي الذي أسّسناه في علم الأُصول.
الخطوة الأُخرى في تفسير الآية هي: أنَّ عدم سماع اللغو والكِذّاب
– وهو الكلام المتدنّي في الجنّة- لا يلازم سماع الكلام الحَسن والطيّب؛ لأنَّ هناك بديلاً ثالثاً، وهو الصمت. نعم، لو فُرض أخذ وجود الكلام مسلّماً ونفينا عنه التدنّي، لكان الكلام الحَسن والطيّب متعيّناً حينئذٍ. إلّاَ أنَّه لم يثبت وجود كثرة الكلام في الجنّة، بل الآية بنفسها تدلّ على قلّة الكلام؛ لأنَّ من جملة تفاسير اللغو هو الثرثرة والكلام الكثير، فعندما يُقال: إنَّهم لا يجدون لغواً، كان المراد: أنَّهم لا يجدون كثرة الكلام.
وقيل: “مَن كثر كلامه كثر سقطه”(1). وفي الحكمة: خير الكلام ما قلّ
ــــــ[555]ــــــ
(1) الأمالي (للشيخ الصدوق): 543، المجلس 81، الحديث3، غرر الحكم: 212، الحديث 4121، إرشاد القلوب 1: 104، الباب27، وغيرها.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ودلّ(1). ونحن نجد أنَّ الفرد كلّما كان أكثر ورعاً في الله وأكثر ذكراً له تعالى، كان أقلّ كلاماً. والمؤمن يُفترض أن يكون هذا حاله في الجنّة، كما نعلّم أنَّ الكلام الكثير في الدنيا لأجل الحاجات الكثيرة، كالتعامل مع الناس وإشباع حاجات النفس الأمّارة بالسوء، وكلّ ذلك لا موقع له في الجنّة.
وأفاد العكبري: أنَّ {لاَ يَسْمَعُونَ} حالٌ من الضمير في خبر إنَّ الوارد في قوله تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً}؛ لأنَّ مفازاً اسم إنَّ مؤخّرٌ(2)، و {لِلْمُتَّقِينَ} خبرها ثُمَّ قال: ويجوز أن يكون مستأنفاً(3). وذلك يعني: أنَّ الجملة مستأنفةٌ لا حالٌ من المتّقين، والغرض: أنَّها خبر في موضع رفع لمبتدأ محذوفٍ تقديره هم. وهذا مبني على أنَّ المشتقّ فيه ضميرٌ لا فعلٌ فقط، وإلّاَ فلا معنى لعود الضمير. الّلهمّ إلّاَ أن نقول: إنَّه حالٌ من المتّقين أنفسهم، لا حال من الضمير، لكنّها مستأنفةٌ، أي غير مرتبطة بما سبقها. وبتعبيرٍ آخر: إنَّها معطوفةٌ بحرف عطفٍ مقدّرٍ، وهو عطف استئناف لا عطف إعراب.
[معنى (الكِذّاب)]
وأمّا (الكِذّاب) فهو مصدر من شدّة الكذب، وفاعله صيغة مبالغة، وهو (كذّاب)، وفعله (الكِذّاب)، لا الكذب فقط، بل كثرة الكذب، وليس له فعلٌ ماضٍ للدلالة عليه بحدّه. إلّاَ أن نقول: كذّب بالتشديد إذا كثر كذبه، فهو كذّابٌ، ولكن كذّب تعني: كذّب غيره. إلّاَ أن نقول: إنَّ كذَّب بالتشديد
ــــــ[556]ــــــ
(1) في الغرر والحكم: 210، الحديث 4053، عن مولانا أمير المؤمنين قال: “خير الكلام ما لا يملّ ولا يقلّ”.
(2) هذا مبني على أنَّ المشتقّ فيه ضميرٌ بلا اختصاصٍ لذلك بالفعل، وإلاّ فإلى أيّ شيءٍ يعود الحال إذا لم يوجد ضميرٌ في المتّقين؟ الّلهمّ إلاّ أن يُقال: إنَّه يعود إلى لفظ المتّقين نفسه، لا إلى ضميرٍ فيها، وهو ما سكت عنه العكبري. (منه).
(3) أُنظر: إملاء ما مَنّ به الرحمن 2: 279، سورة التساؤل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
إذا كثر كذبُه، فيكون اسم الفاعل منه -وهو كذَّاب- بمنزلة صيغة المبالغة، ومصدره كِذاب في مقابل كَذِب بالتخفيف، فهو كاذبٌ.
وإذا فهمنا من (كذّاباً) كثرة الكذب، كان بياناً، أي: تكون الآية بياناً لعدم كثرة الكذب، أو لعدم وجوده أصلاً، لكن ليس فيها مفهوم مخالفة يثبت القليل.
****
قوله تعالى: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً}:
الجزاء أعمّ من الثواب والعقاب، فلابدّ من إقامة قرينةٍ على أنَّ المورد من جزاء الخير لا جزاء الشرّ، وهي قوله (عطاء)؛ لأنَّ هذه الكلمة تختصّ بالثواب، فتكون قرينةً متّصلةً على إرادة الثواب من الجزاء.
فإن قلت: إنَّ هذا غير تامٍّ؛ لوجود قرينةٍ أُخرى أوضح من هذه القرينة، وهي الوصف السابق عليها للجنّة من الحدائق والكواعب وغيرها، فيكفي أن نعلم من ذلك أنَّ المراد من الجزاء هو الخير والثواب.
قلت: نعم، لكن تبقى قرينة (عطاء) في محلّها: إمّا لأجل التأكيد وزيادة الإيضاح، وإمّا لأجل إفادة صفةٍ جديدةٍ لم تكن في آية الحدائق والكواعب؛ فإنَّ العطاء له معنى سامٍ.
[مستويان يُستفادان من مدلول العطاء]
ويمكن أن يُستفاد من مدلول العطاء أحد مستويين:
المستوى الأوّل: أنَّ الله تعالى يعطي وهو قادرٌ على المنع، فأراد أن يلفت إلى هذه الجهة، وهو أنَّه يُعطي في الوقت الذي له أن يمنع.
المستوى الثاني: أنَّ الله يعطي أكثر من الاستحقاق، كما في قوله تعالى: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}(1)، وهذا لا يعني أنَّه يعطي أكثر من التحمّل والطاقة، بل
ــــــ[557]ــــــ
(1) سورة ق، الآية: 35.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بمعنى: أنَّه لدينا مزيدٌ في حدود ما يستطيع الفرد أن يتحمّله من العطاء الإلهي.
[في معنى (جزاء)]
ثُمَّ إنَّ (جزاء) و(عطاء) و(حساباً) مصادرٌ منصوبةٌ بمعنى اسم المفعول من الناحية اللفظيّة، إلّاَ أنَّها بحسب المعنى أسماء مصادر، لا مصادر بالمعنى الدقّي الحقيقي.
و(جزاء) حال، أي: يأخذون ذلك حال كونه جزاءً، وقد يكون مفعولاً مطلقاً لفعلٍ محذوفٍ بمعنى: (أُجزيهم جزاءً)، وقد يكون مفعولاً لأجله، يعني: يأخذون كلّ ذلك لأجل الجزاء، أو من حيث كونه جزاءً.
[معنى (عطاءً حساباً)]
وأمّا (عطاءً حساباً) فقد تكون معطوفةً بحذف حرف العطف، كما قد تكون (عطاءً) تمييزاً أو مفعولاً مطلقاً أو مفعولاً لأجله. وهذه الاحتمالات تجري في (حساباً) أيضاً، مع أنَّه لا يتعيّن مماثلة أحدهما للآخر في الأعراب، بل تكون الاحتمالات متعدّدة بضرب بعضها بالبعض الآخر.
قال في”الميزان”: قيل: إضافة الجزاء إلى الربّ مضافاً إلى ضميره تشريفٌ له(1)، يعني: حال كون الربّ مضافاً إلى ضميره، فتعود الكاف في (ربّك) إلى المخاطب بالذات، وهو النبي، فهذه الإضافة تشريفٌ له، وإلّاَ فإنَّ الجزاء الحقيقي إلى الله تعالى لا إلى النبي.
أقول: هنا أُطروحةٌ أُخرى لا تخلو من بعدٍ باطني؛ إذ لم يقل في المقام: (الحمد لله ربِّ العالمين)، أي: لم يضف الربّ إلى العالمين، وكلّما تغيّر اللفظ تغيّر المعنى، وإنَّما أضاف الجزاء إلى ربّه، وقد ورد أنَّ النبي بروحه العليا
ــــــ[558]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن20: 170، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
هو المحاسب والمعاقب يوم القيامة(1)، وأنَّ علياً هو قسيم النار والجنّة(2)، وإذا ضممنا إلى ذلك أنَّ عليّاً هو نفس النبي(3) وأنَّهما من نور واحد(4)، فلا نستبعد إسناد الجزاء إلى النبي، فالجزاء يوفّى بواسطة النبي، وإن كان مسبّب الأسباب هو الله جلّ جلاله، فهذا العطاء منهم وبإرادتهم، والأوامر تنزل منهم ومن أبوابهم، وهم أبواب الله عزّ وجلّ.
وأضاف في “الميزان”: أنَّه تعالى لم يضف جزاء الطاغين إليه تعالى، فقال: (جزاءً وفاقاً)، ولم يقل: (من ربّك أو من الله)؛ تنزّهاً منه تعالى، فلا يغشاهم شرّ إلّاَ من عند أنفسهم، لا من عند الله، كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ}(5)(6).
أقول: ما أفاده وجيهٌ من الناحية اللفظيّة؛ لأنَّه قال في أهل جهنّم: {جَزَاءً وِفَاقاً}، وقال في أهل الجنّة: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ}، إلّاَ أنَّ حذف (من ربّك) في جزاء أهل جهنّم لا يتعيّن أن يكون للنكتة المذكورة، بل هناك
ــــــ[559]ــــــ
(1) راجع بحار الأنوار 27: 311، الباب9: أنَّهم شفعاء الخلق وأنَّ إياب الخلق إليهم وحسابهم عليهم وأنَّه يُسأل عن حبّهم وولايتهم في يوم القيامة، وتدّبر.
(2) راجع بحار الأنوار 39: 193، الباب84: أنَّه قسيم الجنّة والنار وجواز الصراط.
(3) حسبما يُشير إليه قوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [سورة الأعراف، الآية: 61].
(4) راجع بحار الأنوار 25: 1، الباب1: بدو أرواحهم وطينتهم وأنَّهم من نورٍ واحدٍ.
(5) سورة آل عمران، الآية: 182.
(6) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن20: 170، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أُطروحةٌ أُخرى في مقابلها ناشئةٌ من وضوح السياق في أنَّ الفاعل هو الله تعالى، وهذا يستدعي الاستغناء عن ذكر لفظ الجلالة؛ لأنَّ الجزاء كلّه من فعله سبحانه، فاستغنى عن ذكره حين اقتضت الجهة الأدبيّة واللفظيّة حذفه؛ لأنَّه لو تكرّر لكان سمجاً مخالفاًً للسياق القرآني. مع أنَّ الله سبحانه لم يتحاش أن ينسب العذاب إلى نفسه في آياتٍ أُخر: كقوله تعالى: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ}(1).
[جهتان من البحث في (حساباً)]
ثُمَّ إنَّ في (حساباً) جهتين من البحث:
[الجهة الأُولى: لماذا ذكر الحساب]
الجهة الأُولى: أنَّه ربما يُستشكل بأنَّه لا مجال في الجنّة للحساب، فلماذا ذكر الحساب؟
ويمكن أن يُقال في الجواب وجوهٌ:
الوجه الأوّل: أن يكون المراد به ضبط العطاء بالحساب، أي: عطاءً محسوباً، فهو راجعٌ إلى العطاء، كما هو ظاهر السياق، لا راجعٌ إلى الفرد، كما قد يتخيّل البعض.
الوجه الثاني: أنَّ الحساب هنا بمعنى الملاحظة والتدقيق، أي: إنَّه عطاءٌ محسوبٌ سلفاً من حيث استحقاق الفرد له وتحمّله إيّاه وطلبه له.
الوجه الثالث: أنَّ المراد من العطاء بعد الحساب: أنَّه بعد أن يُحاسب وينجح في الحساب يُغفر له ويدخل الجنّة ويعطى من الثواب.
الوجه الرابع: أن نتصوّر نحواً من الحساب أو من العقاب، ولا نلتزم بالعقاب لأهل الجنّة، كما لو حصل منهم اعتراضٌ ونحوه، فحينئذٍ يقلُّ عطاءهم، بخلاف ما لو حصل منهم الذكر والتمجيد لله عزّ وجلّ؛ فإنَّ
ــــــ[560]ــــــ
(1) سورة سبأ، الآية: 17.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
عطائهم يزداد بلا كلامٍ.
[الجهة الثانية: وقوع لفظ الحساب في ذيل جزاء الطاغين والمتّقين معاً]
الجهة الثانية: حول ما أفاده السيّد الطباطبائي من أنَّ وقوع لفظ الحساب جاء في ذيل جزاء الطاغين والمتّقين معاً، وقد فهم ذلك من السياق القرآني، ولذا قال: وقوع لفظ الحساب في ذيل جزاء الطاغين والمتّقين معاً لتثبيت ما يلوح إليه يوم الفصل الواقع في أوّل الكلام(1)؛ لأنَّه ذكر قبل ذلك: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً}، فيوم الفصل فيه حسابٌ، سواء كان للمتّقين أم للكفّار والطاغين، فكأنَّه فصل بين أهل الجنّة وأهل جهنّم بعد أن كانوا مجتمعين في عرصة القيامة.
وما ذكره السيّد الطباطبائي قابلٌ للمناقشة؛ لأنَّ لفظ الحساب وإن كان وارداً في الطرفين، إلّاَ أنَّه في كلا الموضعين ليس فيه إشارةٌ إلى وقوع الحساب يوم القيامة: أمّا بخصوص أهل جهنّم من الكفّار فواضحٌ؛ بإعتبار أنَّ الحساب ورد ذكره مرّةً واحدةً: {إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً}، فالحديث عن عقيدتهم وعدم إيمانهم بالحساب، لا عن وقوع الحساب عليهم فعلاً، إلّاَ أن نفهم بالدلالة الالتزاميّة أنَّ عقيدتهم فاسدةٌ، فيقع الحساب عليهم لذلك.
وأمّا الحساب المنسوب إلى المؤمنين الذي تحدّثنا عنه من خلال الأُطروحات السابقة فقد كانت إحدى الأُطروحات ـ ولعلّه أضعفها ـ تفيد أنَّه العطاء الواقع بعد الحساب يوم القيامة، مع أنَّ الأمر ليس كذلك، بل بمعنى: أنَّه محسوبٌ ومدقّقٌ سلفاً، ولا ربط له بيوم القيامة.
****
ــــــ[561]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن 20: 170، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً}:
لقد تقدّم سابقاً: أنَّ منهجنا لا يقوم على تفسير كلّ شيءٍ في الآية، بل الغرض التنبيه على جهاتٍ معيّنةٍ من البحث وبيان أبعادها العلميّة.
[التطرُّق إلى عدّة أُمورٍ في هذه الآية]
وفي هذه الآية نتطرّق إلى عدّة أُمورٍ:
[الأمر الأوّل: استعمال القرآن لسياق السماوات والأرض]
الأمر الأوّل: أنَّ القرآن الكريم في استعماله لسياق السماوات والأرض يلحظ السماوات شيئاً واحداً في مقابل الأرض، ولذا يقول: (وما بينهما)، وكأنَّما لاحظ السماوات مفردةً في مقابل الأرض، فأرجع الضمير إلى صيغة المثنّى؛ إذ لو لاحظ كثرة السماوات للزم أن يعود الضمير جمعاً مؤنّثاً، فيقول: (بينها).
والحاصل: أنَّ السماوات حينما ترد تلحظ كمجموعٍ وكأنَّها شيءٌ واحدٌ، وهذا لا كلام فيه، فيمكن لحاظ الكثير واحداً، وهذه نكتةٌ عقليّة وأدبية، وهي جائزةٌ بلا إشكالٍ.
[الأمر الثاني: صغر الأرض بالنسبة إلى السماوات ككلّ]
الأمر الثاني: أنَّه قد يخطر في الذهن أنَّ الأرض صغيرةٌ جدّاً بالنسبة إلى السماوات ككلّ؛ إذ مجموع السماوات من العظمة والضخامة بمكان قد لا يتصوّره العقل، والأرض شيءٌ صغيرٌ وضئيلٌ جدّاً بالنسبة إلى هذا المجموع الهائل، فلا يمكن أن تؤخذ بنظر الاعتبار بإزائها إطلاقاً، فما هو الوجه في هذا التعاطف؟
ويمكن الجواب عن ذلك بعدّة مستويات نقتصر منها على جواب واحد حاصله: أنَّ ورود هذه الاستعمالات القرآنيّة من باب (كلّم الناس على قدر عقولهم)، والقرآن ورد لتفهيم الناس أجمعين بلسانٍ عربي مبينٍ، أي: بلسانٍ
ــــــ[562]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
يفهم المقاصد. ومن الواضح أنَّ اهتمام الناس بالأرض كبيرٌ جدّاً وشعورهم بها واضحٌ كذلك؛ لأنَّهم يعيشون حياتهم وعمرهم فيها، وشعورهم بالأرض أكثر من اهتمامهم وشعورهم بالسماوات، وهو شعورٌ نفسي محسوسٌ وجداناً.
ومن هنا يمكن القول: إنَّ الأرض من ناحيةٍ، وتقابلها السماوات من ناحيةٍ أُخرى، وهذا يكفي في جواز التعاطف، وإن لم يكن الواقع من حيث هو هو كذلك ثبوتاً؛ فإنَّ الواقع من حيث هو هو ليس كذلك؛ إذ لو لوحظت سماءٌ واحدةٌ لكانت أضخم من الأرض بملايين المرّات، فضلاً عن مجموع السماوات.
[الأمر الثالث: في المراد بـ (ما بينهما)]
الأمر الثالث: أنَّ المراد بـ (ما بينهما) وإن كان ظاهره ما بين السماوات من ناحية وما بين الأرض من ناحيةٍ أُخرى، وهو هذا الفضاء الخارجي بما فيه من مجرّاتٍ وأجسامٍ وسكّانٍ، إلّاَ أنَّه يمكن تعميمه إلى ما بين كلّ سماءٍ وسماءٍ؛ فإنَّه يصدق في الجملة أنَّه بين السماوات والأرض، أي: بين بعض السماوات والأرض، كما نقول بين السماء السادسة والأرض، ولا يكون بين السماء الخامسة مثلاً، وإن لم يكن بالدّقة كذلك، ومن الواضح أنَّ الله تعالى ربُّ الجميع.
[الأمر الرابع: لماذا قال (الرحمن) ولم يذكر اسماً آخر كالرحيم]
الأمر الرابع: أنَّ {الرَّحْمَنُ}: نعتٌ لربّ على أحسن تقديرٍ، فلماذا قال (الرحمن) ولم يذكر اسماً آخر كالرحيم مثلاً؟
الجواب: أنَّ ربّ السماوات والأرض هو الاسم الرحمن، وقد لوحظ هذا الاسم في الذات الإلهيّة دون غيرها؛ لأنَّ جميع هذه الأُمور من السماوات والأرض وما بينهما إنَّما خلقت بالرحمة العامّة التي هي مؤدّى اسم الرحمن، لا بالرحمة الخاصّة التي هي مؤدّى اسم الرحيم، بل جميع الخلق والإبداع إنَّما هو
ــــــ[563]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بالرحمة العامّة؛ لأنَّ أصل الخلق لا يمكن أن يتحقّق عبر الرحمة الخاصّة؛ لأنَّها متأخّرةٌ رتبةً عن الرحمة العامّة، أي: الله يخلق بالرحمة العامّة ثُمَّ يفيض على هذا المخلوق رحمته الخاصّة، فيكون المحصّل: أنَّه خلق السماوات والأرض بصفته رحمان. وبعبارةٍ أُخرى: إنَّه خلق السماوات والأرض باسم الرحمن.
[الأمر الخامس: أنَّه لماذا قال: لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً]
الأمر الخامس: أنَّه لماذا قال: {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً}؟
الظاهر من هذه الآية بداية سياقٍ جديدٍ؛ إذ تحدّثت الآيات السابقة عن أهل الجنّة وأهل النار، وختمت بقوله: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ}، ثُمَّ بدأ سياقٌ جديدٌ ليس الحديث فيه عن أهل الجنّة وأهل النار كما يتصوّر المشهور ذلك، بل الحديث عن موقفٍ آخر أفادته الآية التالية، وهي قوله: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً}. واليوم ظرفٌ، والمراد: أنَّهم لا يملكون منه خطاباً في ذلك اليوم بالذات، وليس هو يوم الجنّة أو النار، بل هو موقفٌ جديدٌ، وهو اليوم الحقّ، بل هو أشدّ رهبةً وصعوبةً من موقف الجنّة. ولعلّ المشهور يفهمه دون مستوى الجنّة، وأمّا أهل المعرفة فيفهمون أنَّه يوم فوق مستوى الجنّة، وحقيقته لا يعلمها إلّاَ الله سبحانه، ولذلك يكون أشدّ رهبةً.
[الأمر السادس: الملك في قوله تعالى: لاَ يَمْلِكُونَ]
الأمر السادس: أنَّ الملك في قوله تعالى: {لاَ يَمْلِكُونَ} لا يعني الملك في الفقه، بل كما ذكرنا مراراً أنَّه نظير ما يُقال من أنَّ عدوّاً أملكه خيرٌ من عدوٍّ يملكني، أي: عدوّ أُسيطر عليه خيرٌ من عدوٍّ يسيطر عليّ، فالملكيّة هنا بمعنى السيطرة، أي: إنَّهم لا يقدرون ولا يسيطرون على الخطاب في ذلك الموقف. إلّاَ أنَّ هناك نكتةً أُخرى حاصلها: أنَّ الآية مجملةٌ من حيث بيان المتكلّم والسامع، فمن الذي يتكلّم ومن الذي يسمع؟
[أطروحتان في من الذي يتكلّم ومن الذي يسمع في الآية]
وفي المقام أُطروحتان في بيان المتكلّم والسامع:
ــــــ[564]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأُطروحة الأُولى: أنَّ يكون المتكلّم هو الله تعالى، والسامع هو الخلق أو بعض الخلق الذين يرجع إليهم الضمير في (يملكون). ولعلّ هذا هو الأقرب إلى ظهور الآية، فلا يملكون منه خطاباً، أي: لا يخاطبهم الله تعالى، أي: لا يأتي إليهم منه خطابٌ أو حديثٌ، ولا يقدرون على ذلك.
الأُطروحة الثانية: عكس الأُطروحة الأُولى، فيكون المتكلّم هو الخلق، والمخاطب هو الله تعالى، وهذا التكلّم منفي بحسب الآية؛ لأنَّ كلام الخلق في ذلك الموقف الرهيب منوطٌ بالإذن، وهم لا يملكونه. ومن هنا نلتفت إلى أنَّ الضمير في (لا يملكون) لا يرجع إلى أهل الجنّة؛ إذ رجوعه إليهم صفةٌ يتعذّر نسبتها إليهم، كما لا تتناسب مع سعادتهم. والظهور الأوّلي في مرجع الضمير وإن كان هو المتّقين المذكورين في قوله تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً}، إلّاَ أنَّ ذلك يصطدم بالمحذور الذي ذكرناه، فيتعيّن أن يكون المرجع غير أهل الجنّة. وليس في هذه العبارة إلّاَ قوله: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا}، وفي هذا المجموع أفرادٌ من الخلق متّصفون بالعقل والإدراك، ولديهم القابليّة للمخاطبة، وهم لا يملكون منه خطاباً، وهذا لا محذور فيه.
والوجه فيه: أنَّ مرجع الضمير يعرف من السياق القائل: (ربِّ السماوات والأرض وما بينهما)، وهذه المنطقة الضخمة الهائلة من العالم فيها ذواتٌ مدركةٌ وعاقلةٌ من أنواع ومستويات متنوّعة من الإدراك، بما فيها من الإنس والجنّ والملائكة والحيوان والخلق الذي لا نعرفه، فهؤلاء كلّهم لا يملكون منه خطاباً.
ونضيف هنا: أنَّه على كلا الأُطروحتين يدلّ ذلك على قصورهم -أيّاً كانوا- عن نيل هذه الرحمة وتلقّي هذه المنزلة، فلا يملكون منه الخطاب؛
ــــــ[565]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لأنَّهم قاصرون عن ذلك ما لم يحصل الإذن الخاصّ في بعض الموارد، ولا نقول الإذن العامّ؛ لأنَّه حاصلٌ دائماً؛ فإنَّ الإنسان له أن يتكلّم مع ربّه ويدعوه مثلاً، بل الأمر ليس كذلك؛ فنحن نتكلّم عن الإذن الخاصّ، وهذا الإذن لا يحصل إلّاَ بالاستحقاق، والاستحقاق لا يحصل إلّاَ بالوصول إلى درجةٍ معيّنةٍ من الكمال، وهو أكثر بكثيرٍ من هذا المقدار.
ولو أرجعنا الضمير إلى المتّقين -الذي هو مقتضى الظهور السياقي واللفظي- فقد يُدّعى أنَّ للمتّقين هذا المستوى من الاستحقاق، فيملكون من الله الخطاب، وحيث إنَّ الآية أفادت أنَّهم (لا يملكون)، كان ذلك قرينةً على عدم عوده إلى المتّقين، بل إلى من هو أدنى منهم.
ويُلاحظ: أنَّ التقوى هل هي سبب فتح الخطاب بين العبد وربّه؟! والتحقيق: أنَّ التخاطب الخاصّ معه تعالى له درجةٌ ومرتبةٌ أعلى من التقوى، والتقوى لا تكفي وحدها في حصول هذا الفتح.
ولو أرجعنا الضمير في (لا يملكون) إلى مَن في السماوات والأرض وما بينهما، فقد يرجع إلى الملائكة الكبار: كجبرائيل وميكائيل وإسرافيل، مع أنَّه لا يحتمل أنَّ هؤلاء لا يملكون من الله خطاباً، فهم يخاطبون الله حسب مستوياتهم، ومن هذه الناحية يكون هذا قرينةً على عدم عود الضمير إلى أمثال هؤلاء الملائكة.
أقول: وجوابه إنَّ رجوع الضمير إلى مَن في السماوات والأرض وما بينهما غير وجيهٍ؛ لوجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ لنا أن نطبّق القاعدة القائلة: إنَّه ما من عامٍّ إلّاَ وقد خصّ، وإنَّ كلّ الملائكة لا يملكون منه خطاباً إلّاَ مَن خرج بدليلٍ، وهؤلاء
ــــــ[566]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأربعة أخرجهم الدليل الخاصّ، وإلّاَ فنوع الملائكة أو أغلبهم لا يملكون الخطاب؛ لأنَّهم على درجاتٍ متفاوتةٍ في الكمال، ولا يتمتّع بعضهم بتلك المنزلة العظيمة.
الوجه الثاني: أنَّنا أرجعنا الضمير إلى كلّ شيء ما بين السماوات والأرض من سكّانٍ، ومن الواضح أنَّ عدداً معيّناً من الملائكة ليسوا من سكّان السماوات والأرض، بل هم فوق ذلك، منهم الملائكة الحافّون بالعرش والكرسي مثلاً، وهؤلاء فوق مستوى السماوات والأرض حقيقةً، ولا يصحّ أن يُقال: إنَّ الملائكة في السماوات فقط.
ومن هنا يمكن القول: إنَّ هذه الآية الكريمة تجمع الإشارة إلى الرحمة العامّة للخلق باسم الرحمن، والرحمة الخاصّة التي هي الإذن في فتح التخاطب من الله تعالى، إلّاَ أنَّ النفي في قوله: {لاَ يَمْلِكُونَ} يدلّ بالدلالة الالتزاميّة على أنَّ بعض الموجودات العالية يملكون منه خطاباً، وهذا يكفي في المقام للإشارة إلى الرحمة الخاصّة.
جديرٌ ذكره: أنَّ السيّد الطباطبائي لم يحاول أن يشير إلى المعنى المتكامل في الآية(1)، ولعلّه اعتبرها من الأسرار، فسكت عنها، ونعم ما صنع.
وأفاد: أنَّ المراد بالخطاب: الشفاعة وما يجري مجراها(2)، أي: لا يملكون الشفاعة إلّاَ لمَن ارتضى ونحو ذلك.
أقول: وهذا غريبٌ منه؛ لأنَّ الشفاعة ليست من معاني الخطاب، بل المخاطبة والخطاب معروفٌ، وهو التكلّم أو الترادّ بالحديث، إلَّا أنَّه عندما
ــــــ[567]ــــــ
(1) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن20: 170- 171، تفسير سورة النبأ.
(2) الميزان في تفسير القرآن20: 171، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أُستبعد ذلك في ذات الله عند المشهور مالوا إلى تأويله بأُمورٍ أُخرى كالشفاعة، مع أنَّ الاستبعاد في غير محلّه؛ إذ الأنبياء يوحى إليهم، ومن هذه الناحية فهم مخاطبون من قبل الله تعالى ويخاطبونه أيضاً، فالأنبياء يملكون فرصة الخطاب، أو لهم إذن الخطاب والمخاطبة، وهو مستمرٌّ معهم، كما يظهر من خطاب موسى مع الله تعالى عندما وصل إلى مدين حتّى سقطت نعل قدميه وجلس في الظلّ، وهو صفوة الله من خلقه، وأنَّ بطنه لتلصق بظهره من الجوع، وأنَّ خضرة البقل لترى من داخل جوفه، وأنَّه لمحتاج إلى شقّ تمرةٍ(1).
وفي هذا السياق قال تعالى: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً}(2) وقال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}(3).
فقد اتّضح: أنَّ استبعاد الخطاب عن جميع الخلق بما فيهم الأنبياء غير وجيهٍ.
نعم، جملةٌ من المؤمنين أو المتّقين أو من سكاّن السماوات والأرض لا يملكون منه خطاباً، ومعه فلا نضطرّ إلى التأويل.
[(ربّ) في قوله تعالى: رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ]
ثُمَّ إنَّ (ربّ) في قوله تعالى: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا
ــــــ[568]ــــــ
(1) أُنظر: نهج البلاغة: 226، الخطبة 160، عدّة الداعي: 117، القسم السادس، تفسير القمّي 2: 137، تفسير سورة القصص، وغيرها.
(2) سورة النساء، الآية: 164.
(3) سورة الأعراف، الآية: 143.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} تقرأ بالرفع تارةً والجرّ أُخرى، والقراءة المشهورة عن حفص عن عاصم بالكسر (ربِّ)، إلّاَ أنَّ العكبري قرأها بالرفع على الابتداء(1).
أمّا الخبر ففيه وجهان: أحدهما الرحمن، فيكون ما بعده -أي قوله: (لا يملكون …)- خبراً آخر.
والظاهر: أنَّ في المقام نحوين لفهم هذه العبارة:
الأوّل: أن يكون خبراً ثانياً، بمعنى: أنَّ (الرحمن) مبتدأ، وجملة (لا يملكون) خبره، والجملة من المبتدأ والخبر خبرٌ لـ (ربِّ).
الثاني: أنَّه خبرٌ ثانٍ، مع قطع النظر عن الخبر الأوّل، فـ (ربِّ) مبتدأ، وله خبران. ويمكن تطبيق هذه القاعدة في عدّة مسائل من قبيل: المضاف والمضاف إليه والفعل والفاعل والمبتدأ والخبر، فأحدهما خبرٌ على غير التعيين، والثاني خبرٌ على تقدير حذف الأوّل. وقد يكون مستأنفاً، أي: تكون جملة (لا يملكون) مستأنفةً، كما يجوز أن يكون (ربِّ) خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أي: هو ربّ السماوات والأرض، والرحمن وما بعده مبتدأ وخبر.
وأمّا إذا قُرئت (ربِّ) بالجرّ فهي بدلٌ من قوله: (ربّك) في الآية السابقة {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً}.
وقال العكبري: (يوم يقوم) يجوز أن يكون ظرفاً(2). فما هو المتعلّق؟ ولعلّ له متعلّقين محتملين، وهما: (يملكون)، و(خطاباً).
أمّا الأوّل فهو فعل مضارع تتعلّق به الظروف بلا إشكالٍ.
ــــــ[569]ــــــ
(1) أُنظر: إملاء ما مَنّ به الرحمن2: 280، سورة التساؤل.
(2) إملاء ما مَنّ به الرحمن 2: 280، سورة التساؤل.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
[قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً]
والثاني أيضاً من قبيل المشتقّ، ومن الممكن أن تتعلّق به الظروف أيضاً، والظاهر: أنَّ الأرجح أن يكون ظرفاً من الفعل المضارع (يملكون). قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً}.
وعلينا أن نفهم أجزاء الآية أوّلاً ثُمَّ نتعرّض إلى المراد منها.
أفاد الراغب: أنَّ الصفّ أن تجعل الشيء على خطّ مستوٍ كالناس والأشجار ونحو ذلك، وقد يجعل فيما قاله أبو عبيدة بمعنى الصافّ، يعني: المشارك في الصفّ. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً}، أي: صافّين. ثُمَّ يعلّق الراغب على هذه الآيات ويقول: إنَّه يحتمل أن يكون مصدراً وأن يكون بمعنى: الصافّين(1).
أقول: لا منافاة بين الاحتمالين، ومنه قولنا: (زيدٌ عدلٌ)، أي: عادلٌ؛ لأنَّه أفاد أنه قد يكون مصدراً أو اسم فاعل، ولا منافاة بينهما؛ لأنَّ المصدر هنا (صفّاًَ) بمعنى اسم الفاعل، أي: صافيّن.
وقال الراغب: الرَّوحْ والرُّوح في الأصل واحد(2).
أقول: ويُلاحظ: أن الرَّوحْ عبارةٌ عن النسيم الذي يفيد انتعاشاً في النفس، وسُمّيت نفساً من النَفَس والرَّوحْ؛ لأنَّ النسيم سببٌ للنَفَس، وهذا سببٌ للحياة، أي: للحياة الدنيا واستمرار العمر، فسُمّيت النفس نفساً لذلك. وظاهر كلام الراغب أنَّ الرَّوحْ بمعنى الرُّوح لا بمعنى النسيم، وجعل الروح اسماً للنفس، أي: للجانب اللامادّي من الإنسان الذي به تحصل الحياة والتحرّك واستجلاب المنافع واستدفاع المضارّ. وإليه الإشارة
ــــــ[570]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن:290، مادّة (صف).
(2) مفردات ألفاظ القرآن: 210، مادّة (روح).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
بقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}(1) وقوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}(2).
وأفاد الراغب: أنَّه سُمّي أشراف الملائكة أرواحاً نحو قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً} و {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ}(3). فيعتقد الراغب أنَّ الروح في كافّة هذه الآيات يُراد بها الملائكة كجبرائيل. أمّا مَن هو جبرائيل؟ وسيأتي التأمّل في ذلك، مع أنَّه لا يلزم أن نتعبّد بما أفاده الراغب.
ثُمَّ قال: وسُمّي عيسى روحاً في قوله تعالى: {وَرُوحٌ مِنْهُ}؛ لما كان له من إحياء الأموات، فيرجع الأرواح إلى الأجساد، فسُمّي روحاً. وكذلك سمّي القرآن روحاً في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا}(4)؛ لكون القرآن سبباً للحياة الأُخرويّة والروحيّة والمعنويّة، الموصوفة بقوله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ}(5). وكأنَّ الآخرة لها جانبٌ روحي أوسع وأعمق من جانبها الدنيوي.
ثُمَّ قال: والروح التنفّس، وقد أراح الإنسان إذا تنفّس(6).
أقول: الظاهر: أنَّ الروح هي الجانب غير المادّي من الإنسان، ولا أستطيع أن أقول المعنوي(7)؛ لأنَّ المعنوي إشارةٌ إلى عالم المعنى الذي لا وجود
ــــــ[571]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 85 .
(2) سورة ص، الآية: 72.
(3) سورة المعارج، الآية: 4.
(4) سورة الشورى، الآية: 52.
(5) سورة العنكبوت، الآية: 64.
(6) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 210- 211، مادّة (روح).
(7) وإن كان هذا الاصطلاح متعارفاً في الخارج؛ إذ ينطوي الخارج على حصّتين: الأجسام والأرواح، وكلٌّ منهما متحقّقٌ ومخلوقٌ (منه).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
له في الخارج، ويصدق على الصور الذهنيّة أيضاً، ولكي نرفع هذا الإشكال نقول: الجانب غير المادّي. وأصل الروح من التنفّس؛ لأنَّ العرف يشهد أنَّه إذا انقطع نفس الإنسان خرجت روحه، ومفاد ذلك أنَّنا نسمّي الوجود البرزخي للإنسان بالروح، فنقول: الأرواح تعيش في البرزخ.
وقد يرد إشكالٌ نقله الكاتب رؤوف عبيد في كتابه: “الإنسان روحٌ لا جسدٌ” حاصله: أنَّ بعض الأرواح بعد استحضارها قالت: إنَّكم تسمّوننا أرواحاً، إلّاَ أنَّنا نشعر أنَّنا بشرٌ من رجالٍ ونساءٍ، ومع ذلك تسمّوننا أرواحاً(1). فيظهر من ذلك أنَّهم في ذلك العالم يعيشون ويذهبون ويتكلّمون بقدرٍ ما، وكذلك يفكّرون، لكن بدون طعامٍ أو شرابٍ، والله العالم.
والظاهر: أنَّ الإنسان في البرزخ كالجسد والروح، فالوجود البرزخي جسدٌ وداخله روحٌ، وهي روحٌ أعلى من عالمه، وأنَّها موجودةٌ فيه، وهي التي تدبّره، كما هو الحال الآن في عالم الدنيا؛ فإنَّه توجد فينا روحٌ من عالمٍ أعلى هي التي تدبّرنا في هذه النشأة، والإنسان في البرزخ له جسدٌ وروحٌ، وهذا الجسد البرزخي يتناسب مع ذلك العالم.
ويُلاحظ: أنَّ العرف نقل اسم الروح إلى الملائكة؛ لأنَّه لم يشاهد الملائكة، فماذا يسمّيهم؟! فسمّاهم أرواحاً؛ لأنَّ العرف يراهم مناسبين لذلك العالم اللامادّي، وعليه فهم أرواحٌ حسب فهم العرف، أيّاً كان حالهم واقعاً.
ثُمَّ نقول أيضاً -بناءً على ذلك-: إنَّ الجنّ والشياطين أرواحٌ أيضاً، إلَّا أنَّ العرف لا يرى ذلك ولا يسمّيهم أرواحاً؛ لاعتقادهم أنَّهم من جنس المادّة، لكنّهم مختفون عن الإحساس البشري بقدرة الله تعالى، فهم أجسامٌ كما يعتقد
ــــــ[572]ــــــ
(2) أُنظر: الإنسان روحٌ لا جسدٌ 2: 94.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
العرف، إلَّا أنَّ عالمهم خفي عن عالمنا، والملائكة هي الأرواح المجرّدة. كما يُعتقد عرفاً أنَّ صاحب الزمان أو الخضر موجودٌ، إلّاَ أنَّه غائبٌ مختفٍ بأُطروحة خفاء الشخص، مع أنَّ أُطروحة خفاء الشخص تصدق على الجِنّ والشياطين والأبالسة ونحوهم.
لكن لا يخلو ذلك من إشكال؛ إذ إنَّ المتشرّعة يقعون في مشكلةٍ من ناحية التنافي بين الأمرين؛ إذ لو كان الجِنّ والشياطين مادّةً مختفيةً لاصطدمت هذه المادّة بالأشياء المادّيّة الأُخرى، مع أنَّ ذلك لم يحصل قطعاً، وببطلان اللازم نعرف بطلان الملزوم، فهم ليسوا بمادّةٍ من رأسٍ. ومع أنَّ كونهم مادّة هو الأنسب مع تدنّيهم في الشرف عن الملائكة حسب التصوّر العرفي، إلّاَ أنَّنا نقول: إنَّه لا ملازمة بين الأمرين؛ لأنَّهم ليسوا بمادّةٍ، وتبقى الملائكة أشرف منهم وأعلى وجوداً؛ لأن عالم الروح على درجاتٍ، فيوجد عالمٌ متدنٍّ فيه الجِنّ والشياطين، وعالمٌ أعلى فيه الملائكة؛ بدليل أنَّ الشيطان كان من الجِنّ، فعبد ربّه إلى درجةٍ ساميةٍ، فصار من الملائكة؛ لأنَّه ارتفع فعلاً في عالم الروح وأصبح منهم بالحمل الشايع، فشمله الأمر بالسجود، فكأنَّما حصل تغيّرٌ في نوعه، وإلّاَ كان له أن يقول: يا ربِّ، أنا لست مشمولاً بالأمر؛ لأنَّي لست ملكاً (1).
وعليه لابدّ أن يكون جواب المتشرّعة عن الأمر الأوّل بإيكال ذلك إلى قدرة الله تعالى، فهو كما منع عن الإحساس بالجِنّ والشياطين، كذلك منع عن الاصطدام بهم أيضاً. ثُمَّ إنَّنا كما نسمّي الجانب اللامادّي روحاً، كذلك بعض الروح روحٌ، كما أنَّ بعض الجسم جسمٌ، فاليد جسمٌ، وهي بعض الجسم،
ــــــ[573]ــــــ
(1) هناك محاضرتان حول فلسفة وجود الشيطان للسيد الشهيد مثبتتان في كتاب مواعظ ولقاءات، فراجع.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وبعض الماء ماءٌ، وبعض القرآن قرآنٌ، يعني: أنَّ ملكات الروح روحٌ أيضاً، كالعقل والقدرة على السمع والبصر.
وفي كلام الراغب نحوٌ من الخلط، وهو ناشئٌ من الخلط عرفاً في هذا الجانب المجهول الذي هو عالم الروح. قال: وجعل إسماً للجزء الذي به تحصل الحياة والتحرّك واستجلاب المنافع(1).
ويُلاحظ: أنَّه نظر إلى الكيان الروحي عموماً، إلَّا أنَّنا لو دقّقنا لوجدنا أنَّه نسب عدّة مسبّبات إلى سببٍ واحدٍ، ولا يخفى أنَّ ما يحصل به التحرّك هو النفس، وما يحصل به استجلاب المنافع واستدفاع المضارّ هو العقل، وهما جزءان من الكيان اللامادّي للإنسان، وليسا جزءاً واحداً، وكلّ شيء يقوم به الفرد، فهو يقوم به بروحه، وليس الجسم إلّاَ واسطةً، أو هو مطيّةٌ تركبها الروح، فالعقل يأمر الجسد، والشهوات تأمر الجسد، وجسد الإنسان عبدٌ للكيان الروحي الموجود فيه. وبعض المؤمنين من ذوي الدرجات السامية قد يخالف التعاليم الواصلة إليه، إلّاَ أنَّ الجسد لا يخالف التعاليم الواصلة إليه طرفة عين، وهكذا شاء العلي الأعلى جلّ جلاله.
وقد تقدّم: أنَّ جزء الروح روحٌ أيضاً، فالإنسان يفكّر بعقله مثلاً، وهو بعدٌ من أبعاد الروح، فهو يرى بالبصر ويسمع بالسمع، أي: بالملكة الروحيّة للسمع والبصر، فهو يفكّر بالعقل ويشتهي بالشهوات، وهي ملكاتٌ روحيّةٌ، وإن نسب العمل إلى الروح كلّه.
بقي أن نشير إلى أنَّ هنالك من أجزاء الروح وملكاتها ما هو مفتوحٌ لكلّ أحد، فله أن يستعمله بحسب الخلقة النوعيّة كالسمع والبصر، وهناك
ــــــ[574]ــــــ
(1) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 210- 211، مادّة (روح).
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ملكاتٌ للروح مغلقةٌ على العامّة، ولا يصلها إلّاَ الخاصّة بتوفيق الله تعالى.
ويؤيّد ذلك ما نُقل عن بعض من أنَّ البشر -بما فيهم من أذكياء ومفكّرين- ما استفادوا من عقولهم إلّاَ بنسبة واحدٍ أو اثنين بالمائة، والباقي لا يعلم ما هي آثاره إلى الآن وما هي حقيقته أصلاً.
ومن هنا يمكن القول كأُطروحةٍ: إنَّ ما يسمّى بروح القدس قد يكون في ضمن ملكات الروح الإنسانيّة العليا، وليست اسماً لجبرئيل، كما هو مشهور المفسّرين، غاية ما في الأمر أنَّ روح القدس لا يناله إلّاَ الأوحدي من البشر، ومنهم النبي، وتلك المرتبة من روح النبي هي التي تكون قابلةً لتلقّي القرآن والوحي وإنزاله إلى إحساسه المباشر بوجوده الدنيوي، الذي كان به يأكل ويمشي. وعليه فقوله تعالى: {نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ}(1) بمعنى: (نزّله إلى محمّدٍ بن عبد الله بوجوده الدنيوي) لو صحّ التعبير. وأمّا قوله: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ}(2) فالمراد به: أنَّا فتحنا له تلك المرتبة العليا مع أنَّها مغلقةٌ على سائر البشر.
كما أنَّ التعبير بـ(الروح الأمين) إشارةٌ إلى تلك المراتب المقدّسة العليا، مع أنَّها متّصفة بالأمانة لا محالة، ولا يُعقل منها الخيانة، أو قل: إنَّها معصومةٌ، ومن تُفتح له أصبح معصوماً. وأمّا قوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا}(3) فالوجه فيه: أنَّ الفرد يشعر أنَّ الوحي جزءٌ من روحه، كما أنَّ التفكير جزءٌ من روحه، فيدرك أنَّ الوحي جزءٌ من الروح؛ لأنَّه مكمّلٌ لروحه
ــــــ[575]ــــــ
(1) سورة النحل، الآية: 102.
(2) سورة البقرة، الآية: 253.
(3) سورة الشورى، الآية: 52.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ومستقرّ فيها، وإن كان مصدره العالم الخارجي.
وأمّا الأمر في قوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}(1) فيُحتمل فيها معنيان:
المعنى الأوّل: أن يكون مفرد أوامر، أي: من أمره وقهره وإيجاده، ويراد به الأمر التكويني الإلهي، لا الأمر التشريعي، والأمر التكويني عبارةٌ عن الأمر الذي ينشأ منه الخلق والإيجاد.
المعنى الثاني: أن يكون مفرد أُمور، أي: من أشياء ربّي وأُموره، أعني: الأشياء المنتسبة إلى الله تعالى، فيكون المناسب عندئذٍ أن يُراد به عالم الأمر المقابل لعالم الخلق، وهو حصّةٌ من حصص عالم الوجود، ولعلّه الأرجح؛ بلحاظ أنَّ أرواح البشر وأرواح الملائكة في ذلك العالم، فتكون الآية دالّةً على ذلك، أي: إنَّ الروح من عالم الأمر. ومن هنا يتّضح أنَّ الأُطروحة الرئيسية للروح في الآية هي الروح الإنسانيّة العليا، ونحوها كلّ آيةٍ عطفت الملائكة على الروح أو بالعكس، وقد تكرّر ذلك في القرآن، كما في قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}(2) وقوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}(3).
والظاهر: أنَّ هذا هو مراد السيّد الطباطبائي بقوله: والمراد بالروح المخلوق الأمري الذي يشير إليه قوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}(4).
والمخلوق الأمري لا يقصد به المخلوق بأمر الله، بل المراد الاصطلاح الفلسفي، أي: الذي يكون في عالم الأمر، مع أنَّه لم يفسّر الروح التي هي من
ــــــ[576]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 85.
(2) سورة المعارج، الآية: 4.
(3) سورة القدر، الآية: 4.
(4) الميزان في تفسير القرآن20: 171، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
عالم الأمر. وهنا نقول: إنَّها روح الإنسان لا غير، وهي هذه الروح البشريّة؛ فإنَّ الروح المسؤول عنها في قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ}(1) إنَّما هي الروح الإنسانيّة، فيجيب أنَّها من عالم الأمر {مِنْ أَمْرِ رَبِّي}. وهذا ينافي ما استضعفه السيّد الطباطبائي بعد ذلك من: كون المراد أرواح الناس وقيامها مع الملائكة صفّاً(2). إلّاَ أنَّه لا إشكال في ذلك بعد البيان المتقدّم، أي: هي إشارةٌ إلى أرواح الناس لا إلى شيءٍ آخر.
ثُمَّ نقول: إنَّ أرواح الناس كلّها من عالم الأمر، وهذا المعنى يتناسب مع كلام السيّد الطباطبائي الأوّل، فلماذا ينفيه هنا مع أنَّ المخلوق الأمري الذي تحدّث عنه ينسجم مع أرواح الناس.
إن قلت: إنَّ الروح في الآية مفردٌ والملائكة جمعٌ، مع أنَّ أرواح الناس متعدّدةٌ؟
قلت: يمكن الإجابة عمّا ذُكر بوجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ الروح هنا بمعنى الجمع، أي: اسم جنسٍ يُراد به الكثرة، كما في قوله: {وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}(3)، فالملك اسم جنسٍ يُراد به الكثرة، وكذلك الروح هنا.
الوجه الثاني: أنَّنا نقول – كجوابٍ حدسي وباطني ولو كأُطروحةٍ-: إنَّ الأرواح كلّما ارتفع مقامها ولوحظت في مقام أعلى قلّ عددها وتلاشت كثرتها إلى أن تصل إلى روحٍ واحدةٍ لا تعدّد فيها، وقد يكون المفرد إشارةً إلى
ــــــ[577]ــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 85 .
(2) أُنظر: الميزان في تفسير القرآن20: 172، تفسير سورة النبأ.
(3) سورة الفجر، الآية: 22.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
تلك الروح التي هي واحدة لكلّ البشر، مع أنَّ بعض الروايات دلّت على وجود مراتب للعقل(1)، مع أنَّه واحدٌ في وجوده العلوي.
وعليه فلا حاجة إلى أن يعبّر عمّا هو مفردٌ بصيغة الجمع، بل تكفي صيغة المفرد عمّا هو مفردٌ، وهو الروح الإنسانيّة.
ثُمَّ قال السيّد الطباطبائي: وقيل: المراد به [أي: الروح] أشراف الملائكة، وقيل: حفظة الملائكة، وقيل: ملكٌ موكّل على الأرواح. ولا دليل على شيءٍ من هذه الأقوال. وقيل: المراد به جبرائيل، وقيل: أرواح الناس وقيامها مع الملائكة صفّاً (2).
أقول: إنَّ قيام الأرواح إنَّما يحصل بين النفختين؛ إذ يُنفخ النفخة الأُولى، فيموت الناس جميعاً، وبعد ذلك تتلبّس الأرواح بالأجساد ويحصل البعث؛ لأنَّنا نقول بالبعث الجسماني. وعليه فقيام الأرواح مجرّدةً إنَّما هو بين النفختين، وهو ما ذهب إليه المشهور، مع أنَّه ينافي ما ذكروه من أنَّه لا يبقى شيءٌ حيّاً بين النفختين، بل تموت سائر المخلوقات، وهو خلطٌ على أيّ حالٍ.
ثُمَّ قال الطباطبائي: وقيل: [الروح هو] القرآن، والمراد من قيامه ظهور آثاره يومئذٍ من سعادة المؤمنين به وشقاوة الكافرين (3).
ويمكن أن يُقال: إنَّ المراد من الآية الكريمة بيان خضوع كلٍّ من عالم الخلق وعالم الأمر معاً لله سبحانه، كما هو الواقع، وانزجارهما معاً لقهره وتدبيره، فعبّر عن عالم الأمر بأهمّ موجوداته، وهو الروح، وعبّر عن عالم
ــــــ[578]ــــــ
(1) أُنظر: بحار الأنوار1: 99، الباب2: حقيقة العقل وكيفيّته وبدو خلقه.
(2) الميزان في تفسير القرآن20: 171-172، تفسير سورة النبأ.
(3) المصدر السابق.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الخلق بالجانب غير المادّيّ منه، وهو الملائكة؛ لاتّضاح أنَّ المادّة غير صالحةٍ لهذا الموقف العالي الذي يقومون فيه بين يدي الله؛ باعتبار تدنّيها في عالم الوجود.كما أنَّه تعالى قدّم الروح على الملائكة {يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ} فقدّم الأشرف منهما، وهو عالم الأمر الذي فيه الروح.
[أطروحات في النسبة بين القيام والاصطفاف في الآية]
بقي أن نفهم السياق العامّ للآية؛ فإنَّها احتوت على أمرين، وهما القيام والاصطفاف: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً}، فما هي النسبة بينهما خارجاً؟ وفي المقام عدّة أُطروحاتٍ:
الأُطروحة الأُولى: أن يكون الصف مقيَّداً (بالكسر) للقيام، أي: يقومون صفّاً، ويكون المراد أنَّ هذا المجموع المتكوّن من الروح والملائكة -أيّاً كان معناه- قائمٌ صفّاً، أي: هم مصطّفون لله ربِّ العالمين حال كونهم قياماً، ولعلّ هذا هو فهم المشهور.
الأُطروحة الثانية: أنَّ الروح تقوم، والملائكة يصطفّون، وليس في الآية ما يدلّ على أكثر من ذلك. قال تعالى: {يَقُومُ الرُّوحُ} ثُمَّ قال: {وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً}، والواو حاليّة، وما بعدها مغايرٌ لما قبلها، فيكون قيام الروح حال اصطفاف الملائكة.
وفي ذلك نقول: إنَّ الملائكة والروح موجودون معاً -كما هو فهم المشهور أيضاً- فيرى بعضهم بعضاً ويعلم بعضهم ببعض.
الأُطروحة الثالثة: أن نلتزم بالأُطروحة السابقة، مع افتراض أنَّ بعضهم لا يرى البعض الآخر، أو قل: هما من عالمين مختلفين لا من عالمٍ واحدٍ، ومَن كان في العالم الأدنى لا يطَّلع على من في العالم الأعلى.
الأُطروحة الرابعة: أنَّ المراد بيان اصطفاف الروح مع الملائكة، مع قطع النظر عن أفراد الروح وأفراد الملائكة، وهو ليس ببعيدٍ عن ظهور الآية المباركة.
ــــــ[579]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأُطروحة الخامسة: أنَّ هذا اليوم المشار إليه في الآية حادثٌ باستمرار، ولا يتجدّد كما يفهم المتشرّعة ومشهور المفسّرين، لا سيّما إذا لم نفهم من القيام والاصطفاف المعنى العرفي المباشر، وإنَّما نفهم جهات أُخر، كما لو فهمنا النسبة بين الخالق والمخلوق، فيكون القيام لحاظ الفاعل، أي: لحاظ الخالق؛ لأنَّ الخالق هو القاهر والمخضع -بمعنىً من المعاني- والمخلوق هو المقهور والخاضع، والمجموع هو لحاظ النسبة بينهما. وما ذُكر ليس إلّاَ أُطروحةً في المقام.
وقد نفهم أُموراً أُخرى، كما لو كان المراد من القيام نسبة شعور العبد بربّه، والمراد بالاصطفاف نسبة شعور الربّ بعبده أو بالعكس -لو صحّ التعبير- فكلّ الخلق مصطفّ أمام الله تعالى لا محالة، وهذا حاصلٌ باستمرار لا في يوم خاصٍّ، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وقد انقدح: أنَّ ما سوى الله لا يملك خطاباً من الله تعالى ولا يتكلّم بين يديه، وهذه الصفة ثابتةٌ دائماً وباستمرارٍ، أي: لا يملكون منه خطاباً، ولا يتكلّمون إلّاَ من أذن له الرحمن، فهي أزليّةٌ بلا اختصاصٍ لها بيومٍ خاصٍّ، بما في ذلك أكابر الملائكة والأنبياء، فضلاً عن غيرهم، وبما في ذلك عالم الأمر وعالم الخلق، جلّ جلال الله.
[أطروحات في بيان الفرق بين قوله: لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً وقوله: لاَ يَتَكَلَّمُونَ]
ومن هنا يتّضح أنَّ قوله: {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} وقوله: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ} إشارةٌ إلى حالة ثبوتيّة واحدة أو متلازمة، أو أنَّ قوله: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ} إيضاحٌ لقوله: {لاَ يَمْلِكُونَ}: ويمكن بيان الفرق بينهما في ضوء الأُطروحات التالية:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ قوله: {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} خطابٌ من الله لعبده، ولا يملكون أن يخاطبهم الله، أي: لا يملكون منه وحياً أو إلهاماً، والثاني -أي: قوله: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ}- خطاب العبد لربّه، أي: لا يتكلّمون أمام
ــــــ[580]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الله ولا يدعونه إلّاَ من أذن له الرحمن وقال صواباً. وما ذُكر وجيهٌ بلحاظ أنَّ كلّ الخلق كذلك، وإن اختلف الحال في عالم الغفلة والشهوات.
الأُطروحة الثانية: أنَّ المراد من قوله: {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً} إعطاء الإذن في الخطاب، والمراد من قوله: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ} الفعليّة في الخطاب.
الأُطروحة الثالثة: أن يكون المراد منهما شيئاً واحداً، ويكون الثاني توضيحاً وبياناً للأوّل.
الأُطروحة الرابعة: أن يكون المراد بقوله: {لاَ يَمْلِكُونَ} الإنشاء أو التشريع، وقوله: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ} الإخبار.
وأمّا الصفّ فقد أفاد في “الميزان”: أنَّه مصدرٌ أُريد به اسم الفاعل … وربما أُستفيد من مقابلة الروح للملائكة: أنَّ الروح وحده صفٌّ والملائكة جميعاً صفُّ (1).
والغرض: أنَّ الروح يعدّ صفّاً مستقلاًّ برأسه؛ احتراماً له وتقديراً لمكانته ومنزلته، وهذا ربما يشبه إلى حدّ مّا ما وصف به إبراهيم من أنَّه أُمّةٌ؛ لأنَّ مستواه كان أعلى من سائر البشر في زمانه، فكان أُمّةً برأسها واستقلالها.
[تعليقان على ما أفاده السيّد الطباطبائي في معنى الصفّ]
ولنا على ما أفاده السيّد الطباطبائي تعليقان:
الأوّل: أنَّه قال: مصدر بمعنى اسم الفاعل، أي: صافيّن، وهو وجيهٌ، إلّاَ أنَّ بإزائة أُطروحةً أُخرى، وهي أن يكون بمعنى اسم المفعول، أي: مصفوفون. والحاصل: أنَّ هذا العمل لو نسبناه الى الملائكة والخلق كان بمعنى اسم الفاعل، وأمّا لو نسبناه إلى الخالق فيكون بمعنى اسم مفعول.
ــــــ[581]ــــــ
(1) الميزان في تفسير القرآن20: 172، تفسير سورة النبأ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الثاني: أنَّ الروح صفٌّ واحدٌ برأسه، كما فهم المشهور(1)، فالروح تصطّف والملائكة تصطّف أيضاً، وتقدّم في بعض الأُطروحات التي هي أقرب إلى ظهور الآية أنَّ الروح تقوم والملائكة صفٌّ، وليس المراد اصطفاف الملائكة والروح معاً.
ذهب المشهور إلى أنَّ المقصود جميع الملائكة(2)، إلّاَ أنَّ المشهور قد اشتبه عليه الأمر هنا؛ لأنَّ الذي يؤيّده الحسّ الباطني أنَّ الملائكة ليسوا جميعاً قابلين لذلك؛ إذ إنَّ مقام بعض الملائكة أقلّ من مقام غيرهم، كما في الملائكة العاملين في عالم المادّة؛ فليس لهم قابليّة الصعود إلى ذلك المقام، بل ربما كانت خلقتهم وتكوينهم لا تساعد على ذلك، والملائكة على مستوياتٍ مختلفةٍ، وقد لا يرى بعضهم بعضاً بسبب اختلاف مراتبهم ودرجاتهم، وعليه فالملائكة في الآية إشارةٌ إلى الملائكة من ذوي القابليّة والاستعداد.
ثُمَّ إنَّ حضور بعض الملائكة في الصفّ أو الاصطفاف كذلك يصدق عليه قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً}، ولا يلزم أن يصطفّ جميع الملائكة.
وقد ورد في بعض الروايات أنَّ الله تعالى خلق الخلق، فجعلهم تسعة أعشار الملائكة، والعشر الآخر غيرهم(3)، فإذا كان العشر يشكّل ألف ألف
ــــــ[582]ــــــ
(1) أُنظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم15: 220، تفسير سورة النبأ، مجمع البيان في تفسير القرآن10: 646، تفسير سورة النبأ، مفاتيح الغيب31: 25، تفسير سورة النبأ، وغيرها.
(2) راجع مصادر الهامش السابق.
(3) أُنظر: بحار الأنوار56: 144، الباب23: حقيقة الملائكة وصفاتهم وشوؤنهم وأطوارهم.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ألف من غير الملائكة، فما بالك بتسعة أعشار؟!
وحينئذٍ فماذا يكون حجم تلك الصفوف؟ وأنَّى لأحدٍ أن يتصوّر اجتماع الملائكة بهذا العدد الضخم؟ فمن غير المحتمل أن يكونوا صفوفاً بعدد غير متناهٍ، بل الصفوف لها نحوٌ خاصٌّ وإن كانت غير متناهيةٍ.
[الكلام عن عدم اسناد قوله: لاَ يَتَكَلَّمُونَ، الى ضمير المفرد (لا يتكلّم)]
ثُمَّ إنَّنا قد أشرنا فيما سبق إلى مدلول الكلام والخطاب، وبقي أن نشير إلى شيءٍ آخر في الآية، فنقول: إنَّه قد يتصوّر أنَّ الأنسب حذف واو الجماعة من قوله: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ}، وإسنادها الى ضمير المفرد (لا يتكلّم). وأمّا على الأسلوب الملحوظ في الآية فيكون على لغة (أكلوني البراغيث)، وهو إسنادٌ إلى فاعلين، وهو إمّا محالٌ عقلاً، أو محالٌ لغةً وعرفاً، أو هو على الأقلّ خلاف الفصاحة. والجواب على ذلك يتمّ بمستويين:
المستوى الأوّل: أنَّ لغة (أكلوني البراغيث) فصيحةٌ لا شاذّةٌ.
المستوى الثاني: تطبيق ذلك المستوى الأوّل على الآية الكريمة.
والوجه فيه: أنَّ لغة (أكلوني البراغيث) ليست غلطاً ولا منافية للفصاحة، لا سيّما إذا ناسبت السياق اللفظي كما في الآية؛ وذلك لعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ لغة (أكلوني البراغيث) هي الأسلوب الأكثر شيوعاً في العرف، فنقول مثلاً: (جاءوني أقاربي) وهكذا.
الوجه الثاني – وهو أهمّ من ناحية الفكرة المطروحة-: أنَّه إذ ما دام الأمر وجيهاً عرفاً حسب الوجه الأوّل، فلا يخلّ استعماله في القرآن؛ لأنَّه مشهور في صحّته عرفاً وعموماً، وهذا كافٍ في الغرض.
الوجه الثالث: أنَّ إسناد فاعلين إلى فعلٍ واحدٍ مستحيلٌ فيما إذا تعدّد الفاعل تكويناً وثبوتاً؛ لأنَّه يكون من قبيل وجود علّتين تامّتين لمعلولٍ واحدٍ. وأمّا إذا كان المراد من الضمير والاسم الظاهر الشيء نفسه مثل الواو في
ــــــ[583]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
(أكلوني)، فواو الجماعة تعني البراغيث نفسها، فالمراد من اللفظين شيءٌ واحدٌ أو فاعلٌ واحدٌ؛ فإنَّ الفاعل التكويني يعود واحداً، والدلالة اللغويّة اثنين، وهذا لا ضير فيه، وليس فيه استحالةٌ عقليّةٌ.
الوجه الرابع: ما أفاده مشهور النحويّين -لا مشهور المفسّرين- من أنَّ الضمير السابق كـ (واو الجماعة) لا يكون فاعلاً، وإنَّما علامةٌ للجمع فقط، والفاعل الحقيقي هو الاسم الظاهر.
الوجه الخامس: أنَّ الفاعل الحقيقي هو الضمير، أي: واو الجماعة، وأمّا الاسم الظاهر فيكون بدلاً عنه. وقد ذكر هذه الوجه بعضهم كأُطروحةٍ، إلّاَ أنَّه يواجه إشكالاً حاصله: أنَّه يجوز بدليّة الظاهر من الضمير، فيكون المبدل منه ضميراً، إلّاَ أنَّه خلاف المتعارف، بل البدل لا يشتغل به إلّاَ الاسمان الظاهران، وهذا أحد نقاط الضعف في هذا الوجه.
الوجه السادس: ما أشرنا إليه في بعض البحوث السابقة من تناسي أحدهما والالتفات إلى الآخر، فيكون الحال عند مجيء الثاني أنَّ الأوّل غير موجودٍ، بمعنى: أنَّ الفعل لا فاعل له، فيحتاج حينئذٍ إلى الفاعل، فنأتي بالفاعل الثاني. وهذا يصدق في جملةٍ من التركيبات الأُخرى، كما لو ورد خبرٌ، ثُمَّ ورد خبرٌ ثانٍ، مع قطع النظر عن الخبر الأوّل، أو ورد مضافٌ إليه ثُمَّ ورد مضافٌ إليه ثانٍ، بغضّ النظر عن الأوّل، أو ورد فاعلٌ كما هو الحال في محلّ الكلام.
الوجه السابع: أنَّنا نطبّق ما يشبه نظريّتنا التي أسميناها في علم الأُصول بالإيهام الإثباتي، فيكون الحاصل من لغة (أكلوني البراغيث): أنَّ الفاعل هو أحدهما على نحو الترديد إثباتاً، لا على نحو الترديد الثبوتي المحال، بل الترديد المعرفي، وأيّ منهما التفتنا إليه كان فاعلاً، بغضّ النظر عن الآخر، ومع صلاحيّة كليهما للفاعليّة في نفسيهما.
ــــــ[584]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الوجه الثامن: أنَّه مع التنزّل عن الوجوه السابقة يلزم القول بعدم الجواز في لغة (أكلوني البراغيث)، إلّاَ أنَّ سياق الآية يختلف عن سياق (أكلوني البراغيث)؛ لأنَّه أفاد في الآية: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ}؛ إذ قد تطرأ بعض السياقات على الكلام، فتوجب الجواز، كما في الاستثناء في الآية، كما نقول: (ما أكلوني إلّاَ البراغيث)، وهذا سياقٌ صحيحٌ عرفاً ولغةً.
كان الكلام فيما تقدّم عن المستوى الأوّل الذي هو بمنزلة الحديث عن الكبرى في تصحيح أو عدم تصحيح ما يسمّى بلغة (أكلوني البراغيث).
وأمّا المستوى الثاني -أعني: الحديث عن الصغرى وتطبيق ذلك على الآية الكريمة- فيمكن الإشارة فيه إلى ثلاثة وجوهٍ:
الوجه الأوّل: أنَّ المصلحة هنا تقتضي الاستدلال الذوقي والعقلي، وهو أحسن الوجوه المحتملة في سياقات الآية. وبيانه: أنَّ قوله: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ} كأنَّه وقع في مقابل قوله: {لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً}؛ فهناك نحوٌ من المشابهة والانسجام بين الفعلين، ولو قال: (لا يتكلّم) أي: بالمفرد لانتفت هذه المشابهة ولخالف الذوق الفني أو الأدبي.
الوجه الثاني: أنَّ الفرد قد يكون مسبوقاً ذهنياً بالكثرة الموجودة في سياق الآية (الروح، الملائكة، يملكون …)، فلا يناسب مفاجئته بالمفرد بقوله: (لا يتكلّم)، بل الأنسب حفظ سياق الكثرة.
الوجه الثالث: الإشعار بعموم المنع للجميع {لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} والإشارة إلى الجميع، لا إلى واحدٍ على نحو الترديد أو التعيين، وهذا الإشعار يكون أوضح مع وجود ضمير الجمع.
فلو كانت الإشارة بضمير المفرد (لا يتكلّم) لارتفع هذا الإشعار قطعاً، وربما يتوهّم كون الممنوع بعضهم لا كلّهم.
ــــــ[585]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
وأمّا قوله: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ} فهو حكم يشمل الجميع ويُستفاد منه العموم.
[أطروحات المرجع في ضمير الجمع في قوله: (لا يملكون) و(لا يتكّلمون)]
ثُمَّ إنَّ في ما هو المرجع في ضمير الجمع في قوله: (لا يملكون) و(لا يتكّلمون) أُطروحات:
الأُطروحة الأُولى: أنَّه قد يكون راجعاً إلى المتّقين في قوله: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً}، وهؤلاء هم الذين لا يملكون منه خطاباً ولا يتكلّمون إلّاَ من أذن له الرحمن في ذلك اليوم الذي يقوم فيه الروح والملائكة صفّاً. ويشكل عليه: أن لفظ (المتّقين) بعيدٌ عن ضمير الجمع. ويمكن الجواب عنه: أنَّ الخصائص الخاصّة بالمتّقين ما زالت محفوظةً ومستمرّة في الذِكر، وعليه فعود الضمير إلى المتّقين ليس عوداً على البعيد.
الأُطروحة الثانية: أنَّه قد يكون ضمير الجمع راجعاً الى السماوات والأرض وما بينهما؛ لأنَّ جميع هذا الخلق والموجودات لا يملكون من الله خطاباً ولا يتكلّمون إلّاَ من أذن له الرحمن وقال صواباً.
الأُطروحة الثالثة: أنَّه قد يكون راجعاً إلى الروح والملائكة. وهذا وجيهٌ في (لا يتكلّمون) ولا إشكال فيه، وإنَّما الإشكال من جهة أنَّهم كيف لا يملكون منه خطاباً؟ لأنَّه من باب رجوع الضمير إلى متأخّرٍ لفظاً ورتبةً، وهذا ممّا لا يرتضيه مشهور النحويّين، فتكون هذه الأُطروحة شاذّةً وخلاف الظاهر.
الأُطروحة الرابعة: أنَّ الأُطروحات السابقة كانت مبنيّةً على أنَّ الفاعل في كلا الفعلين واحدٌ، فالذين لا يملكون الخطاب هم أنفسهم الذين لا يتكلّمون، ولكنّنا هنا نقول: إنَّ الذين لا يملكون الخطاب الخاصّ أفرادٌ، والذين لا يتكلّمون أفرادٌ آخرون. ولا محذور في ذلك، فيقال: إنَّ الضمير في
ــــــ[586]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
{لَا يَمْلِكُونَ} يرجع إلى المتّقين أو إلى أهل السماوات والأرض، والضمير في {لاَ يَتَكَلَّمُونَ} راجع إلى الروح والملائكة، وبذلك يتغيّر المعنى السياقي بطبيعة الحال؛ فالمتّقين لا يملكون منه خطاباً في اليوم الذي يكون فيه الروح، والملائكة مصطفّين لا يتكلّمون إلّاَ من أذن له الرحمن وقال صواباً.
[التنبيه في المقام على جهاتٍ من البحث]
وينبغي التنبيه في المقام على جهاتٍ من البحث:
الجهة الأُولى: حول مدلول اليوم في قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ…}:
إنَّ اليوم المذكور هل هو يومٌ معيّن أو يوم مستمرٌّ، كما ذكرنا في بعض الأُطروحات السابقة؟ ولو كان متعينّاً فأيّ يومٍ هو؟
ظاهر السّياق أنَّه يومٌ معيّنٌ؛ لأنَّ الظاهر كون الروح والملائكة بهذه الصورة، أي: واقفون صفّاً وخاشعون لله تعالى، وهذه حالةٌ حادثةٌ متجدّدةٌ ، فذاك هو اليوم الذي يقوم فيه الروح والملائكة صفّاً، فهو يوم محدّدٌ بحصول هذا الوصف للروح والملائكة.
ولو تصوّرنا إمكان استمرار هذه الحالة وقلنا: إنَّ هذه هي حال الروح والملائكة دائماً لا في يومٍ محدّدٍ وخاصٍّ، بل هي حالهم منذ الأزل وإلى الأبد، أي: في الماضي والحاضر والمستقبل، لأمكن القول بأنَّه يومٌ مستمّرٌ. وهذا متوقّفٌ على معنى القيام، على ما سنذكره، فإذا أحرزنا أنَّ القيام قد يكون مستمرّاً أحرزنا أنَّ اليوم أيضاً قد يكون مستمرّاً. ولكن إذا كان يوماً محدّداً فأيّ يومٍ هو؟
والذي يمكن أن يُقال في تحريره أُمورٌ:
الأمر الأوّل: أنَّه يوم القيامة أو الحشر أو الحساب، كما عليه المشهور.
الأمر الثاني: أنَّ اليوم هو الدنيا، أي: يوم يقوم الروح والملائكة صفّاً في النفوس العالية عند المتّقين، ونحو ذلك.
ــــــ[586]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأمر الثالث: أنَّنا إذا أخذنا بالارتكاز المتشرّعي نقول: إنَّه قد يتحقّق بعد النفخة الثانية في الصور انكشافٌ حقيقي، فيشعر الخلق كلّهم أنَّهم بين يدي الله، وتلك اللحظة هي المقصودة، وسيأتي الإشارة إلى ذلك عندما نتعرّض لمعنى القيام.
الجهة الثانية: حول مدلول القيام
القيام عرفاً هو الوقوف بعد الجلوس أو الاضطجاع، ولعلّ ذلك المشهور من الآية، إلّاَ أنَّ فيه إشكالاً ناشئاً من عدم مناسبة خلقة الروح والملائكة مع هذه الحالات الجسمانيّة. ثُمَّ أنَّى لأحدٍ أن يدرك حقيقة هذه الخلقة حتّى يقول: إنَّها واقفةٌ؟! وهل عرف المرء نفسه حتّى يعرف الروح والملائكة؟! وهل يصدق على العقل أنَّه قائمٌ أو جالسٌ؟!
ونحوه الكلام في الروح والملائكة؛ لوضوح أنَّنا لا نعلم أوصافهم حتّى نقول: إنَّهم واقفون مثلاً.
نعم، قال الله تعالى بأنَّهم قائمون، وهل نقول تعبّداً: نعم، هم قائمون؟! فيكون ذلك من قبيل ما ذكره العامّة من أنَّ لله يداً؛ لأنَّه أفاد أنَّ: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}(1).
ومعه يلزم الإشارة إلى عدّة أُطروحاتٍ في فهم مدلول القيام في الآية، ولا يلزم الجمود على ظاهرها، ولا أقلّ من أنَّ القيام بمعناه المادّي لا يناسب حال الملائكة، وهذا احتمالٌ يبطل استظهار القيام الذي ذكره المشهور، فيتعيّن فيه معانٍ أُخر، وأهمّها ما سنذكره، وإن كنّا نتحدّث بمقدار ما نفهمه
ــــــ[588]ــــــ
(1) سورة الفتح، الآية: 10.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ونستظهره، والله أعلم بما ينزل.
فمنها: أن يُقال: إنَّ المراد القيام بالطاعة ومحض العبوديّة، أي: هم قائمون بطاعته وعبوديّته، وهذا تعبيرٌ لطيفٌ وملحوظٌ أيضاً.
ومنها: أن يُقال: إنَّ الله يقوم عليهم بالمراقبة الدقيقة نظير قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}(1).
ومنها: قيامهم بين يدي الله تعالى، كما قال تعالى شأنه: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}(2)، فهي حالةٌ معنويّةٌ أو روحيّةٌ ساميةٌ تحصل بمشيئة الله تعالى للمخلوق، فيجد فيها نفسه أنَّه قائمٌ بين يدي الخالق جلّ جلاله، كما في حال الصلاة التي فيها حضورٌ وخشوعٌ، فإنَّ فيها نحواً من الشعور بالقيام، وكأنَّ المصلّي قائمٌ بين يديه فعلاً.
ومنها: أن يُقال: إنَّ: (يقوم) ليس لها معنىً مستقلٌّ، وإنَّما يُراد بها التقديم لمعنى الصفّ أو الاصطفاف، فهي مقدّمة لبيان الاصطفاف، فيكون قوله: {يَقُومُ … صَفّاً} بمعنى: أنَّهم يصطفّون لا أكثر، فيسقط مضمونها المطابقي عن الاعتبار، ويكون المراد حينئذٍ: أنَّ الصفّ هو الذي يقوم، أي: المجموع الانتزاعي لا الأفراد.
الجهة الثالثة: حول مدلول قوله تعالى: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ}
ويُستفاد منه نفي التكلّم مطلقاً، أي: لا ينبس أحدٌ ببنت شفةٍ، إلَّا أنَّه يمكن أن يُحمل على أحد نحوين:
ــــــ[589]ــــــ
(1) سورة الفجر، الآية: 14.
(2) سورة المطفّفين، الآية: 6.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أحدهما: أنَّهم لا يتكلّمون مع الله – لا فيما بينهم- في ذلك الموقف إلّاَ من أذن له الرحمن وقال صواباً.
وثانيهما: أنَّ المراد الكلام مع الجمع المحتشد، وكأنَّما هو نحوٌ من الخطابة والتبليغ، نظير ما ورد في بعض الروايات من: أنَّ النبي وعليّاً وفاطمة والحسنين يُنصب لهم في المحشر منبرٌ من نورٍ، فيصعدون ويتكلّمون بذكر الله وتسبيحه وتقديسه (1)؛ وذلك لإبراز شأنهم ومقامهم وأجرهم المعنوي وإعلان قربهم إلى الله تعالى ورضاه عنهم، فهم يتكلّمون مع الجمع المحتشد في المحشر بإذن الرحمن: {لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً}(2).
ــــــ[590]ــــــ
(1) أُنظر: الأحاديث الواردة في بحار الأنوار 39: 211، الباب 85، أنَّه ساقي الحوض وحامل اللواء وفيه أنَّه أوّل من يدخل الجنّة، وراجع أيضاً تفسير فرات الكوفي: 299، تفسير سورة الشعراء، الحديث 403.
(2) لم نعثر على ما أفاده السيّد الشهيد الصدر حول تفسير الآيتين 39-40 من سورة النبأ، فلاحظ.
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فهرس مصادر الأجزاء الأربعة
القرآن الكريم
نهج البلاغة
الصحيفة السجّاديّة
1. الأبشيهي، أبو الفتح بهاء الدين محمّد بن أحمد، المستطرف في كلّ فنّ مستظرف، بيروت، عالم الكتب، 1419 هـ ق.
2. ابن أبي الحديد، عبد الحميد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404هـ ق.
3. ابن الأثير، أبو الفتح نصر الله ضياء الدين بن أبي الكرم محمّد بن محمّد بن عبد الكريم الشيباني الموصلي، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، بيروت، المكتبة العصريّة، 1420 هـ ق.
4. ابن الأثير، عزّ الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم، أسد الغابة في معرفة الصحابة، طهران، انتشارات اسماعيليّان.
5. ابن الأنباري، أبو البركات كمال الدين عبد الرحمن بن محمّد، البيان في غريب إعراب القرآن، قم، انتشارات الهجرة، 1403 هـ ق.
6. ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، زاد المسير في علم التفسير، بيروت، دار الكتاب العربي، 1422 هـ ق.
7. ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن، المنتظم في تاريخ الأمّم والملوك، الطبعة
ــــــ[591]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأُولى، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1412 هـ ق – 1992 م.
8. ابن الهائم، شهاب الدين أحمد بن محمد، التبيان في تفسير غريب القرآن، الناشر: دار الغرب الإسلامي، 1423 هـ ق.
9. ابن جزي، محمّد بن أحمد الغرناطي، التسهيل لعلوم التنزيل، بيروت، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، 1416هـ ق.
10. ابن حمدون، محمّد بن الحسن بن محمّد، التذكرة الحمدونيّة، بيروت، دار صادر، 1417 هـ ق.
11. ابن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمّد الشيباني، مسند الإمام أحمد بن حنبل، بيروت، دار صادر.
12. ابن سينا، أبو علي الحسين بن عبد الله بن علي، التعليقات، بيروت، مكتبة الإعلام الإسلامي، 1404 هـ ق.
13. ابن سينا، الشيخ الرئيس أبو عليّ حسين بن عبد الله، رسائل ابن سينا، قم، انتشارات بيدار،1400 هـ ق.
14. ابن شهر آشوب، رشيد الدين محمّد بن علي المازندراني، متشابه القرآن ومختلفه، قم، انتشارات بيدار، 1410 هـ ق.
15. ابن شهر آشوب، رشيد الدين محمّد بن علي المازندراني، مناقب آل أبي طالب، قم، مؤسّسة انتشارات علامة، 1379 هـ ق.
16. ابن طاووس ( ت 664 هـ )، السيّد رضي الدين علي بن موسى بن جعفر، اللهوف في قتلى الطفوف، مكتبة أنوار الهدى، قم، الطبعة الأُولى سنة 1417 هـ ق.
17. ابن طاووس، السيّد رضي الدين علي بن موسى بن جعفر، مهج الدعوات
ــــــ[592]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ومنهج العبادات، قم، انتشارات دار الذخائر، 1411هـ ق.
18. ابن طاووس، رضي الدين علي بن موسى الحلّي، فلاح السائل ونجاح المسائل، قم، مكتب الإعلام الإسلامي.
19. ابن طاووس، رضي الدين علي بن موسى، محاسبة النفس، طهران، المكتبة المرتضويّة لإحياء الآثار الجعفريّة، 1390هـ ق.
20. ابن طاووس، السيّد رضي الدين عليّ بن موسى بن جعفر، الإقبال بالأعمال الحسنة، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1367 هـ ش.
21. ابن عربي، أبو بكر محمّد بن علي بن أحمد الحاتمي المعروف بالشيخ الأكبر، تفسير ابن عربي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1422 هـ ق.
22. ابن عقيل، بهاء الدين عبد الله العقيلي الهمداني المصري، شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك، القاهرة، دار التراث، 1400هـ ق.
23. ابن كثير، إسماعيل بن عمرو الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1419 هـ ق.
24. ابن ماجة، الحافظ أبو عبد الله محمّد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجة، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
25. ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمّد بن مكرم الإفريقي المصري، لسان العرب، قم، نشر أدب الحوزة، 1405 هـ ق.
26. ابن هشام الأنصاري، جمال الدين عبد الله، أوضح المسالك إلى ألفيّة ابن مالك، راجعه وصحّحه: يوسف البقاعي، دار الفكر، بيروت، 1420 هـ ق – 2000 م.
27. ابن هشام، جمال الدين أبو محمّد عبد الله بن يوسف الأنصاري، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب.
ــــــ[593]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
28. ابن هشام، جمال الدين عبد الله، شرح قطر الندى وبلّ الصدى، ضبطه وصحّحه يوسف البقاعي، دار الفكر، بيروت- لبنان، 1421 هـ ق – 2001 م.
29. الإحسائي، ابن أبي جمهور محمّد بن عليّ بن إبراهيم، عوالي اللئالي العزيزيّة في الأحاديث الدينيّة، قم، انتشارات سيّد الشهداء، 1405 هـ ق.
30. الآخوند الخراساني، محمد كاظم ( ت 1328 هـ )، كفاية الأُصول، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، قم، الطبعة الأُولى سنة 1409 هـ.
31. الإربلي، علي بن عيسى بن أبي الفتح، كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، تبريز، مكتبة بني هاشمي، 1381 هـ ق.
32. الاسترآبادي، السيّد شرف الدين علي الحسيني، تأويل الآيات الظاهرة، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، 1409 هـ ق.
33. الاسترآبادي، رضي الدين محمّد بن الحسن، شرح الرضي على الكافية، طهران، مؤسّسة الصادق.
34. الاسترآبادي، مير محمّد باقر شمس الدين محمّد الحسيني المشهور بالداماد، القبسات، طهران، انتشارات دانشگاه تهران، 1367 هـ ش.
35. الأصفهاني، أبو الفرج علي بن الحسين بن محمّد، الأغاني، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1415 هـ ق.
36. الأصفهاني، الراغب حسين بن محمّد، مفردات ألفاظ القرآن، قم، مؤسّسة مطبوعاتي اسماعيليّان.
37. الأصفهاني، محمّد حسين الغروي المشهور بالكمباني، نهاية الدراية في شرح الكفاية، قم، انتشارات سيّد الشهداء، 1374 هـ ش.
38. الآلوسي، أبو الثناء سيّد محمود شهاب الدين، روح المعاني في تفسير القرآن
ــــــ[594]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
العظيم، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1415هـ ق.
39. الإمام الصادق، جعفر بن محمّد، مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة، بيروت، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، 1400 هـ ق.
40. الآمدي، عبد الواحد بن محمّد التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1366هـ ش.
41. الآملي، السيّد حيدر بن علي بن حيدر الحسيني، تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضمّ، طهران، سازمان چاب وانتشارات وزارت إرشاد إسلامي، 1422هـ ق.
42. الأميني، عبد الحسين أحمد النجفي، الغدير في الكتاب والسنّة والأدب، بيروت، دار الكتاب العربي، 1397هـ ق.
43. الأندلسي، أبو حيّان محمّد بن يوسف، البحر المحيط في التفسير، بيروت، دار الفكر، 1420 هـ ق.
44. الأنصاري، الشيخ مرتضى بن محمّد أمين، رسائل فقهيّة، قم، المؤتمر العالمي لنشر تراث الشيخ الأعظم، 1414هـ ق.
45. البحراني، السيّد هاشم، البرهان في تفسير القرآن، طهران، بنياد بعثت، 1416هـ ق.
46. البخاري، أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي، صحيح البخاري، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1401هـ ق.
47. البرسي، الحافظ رجب بن محمّد بن رجب الحلّي، مشارق أنوار اليقين في حقائق أسرار أمير المؤمنين، بيروت، دار القارئ للطباعة والنشر والتوزيع، 1437 هـ ق.
ــــــ[595]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
48. البرقي، أحمد بن محمّد بن خالد، المحاسن، قم، دار الكتب الإسلاميّة، 1371 هـ ق.
49. البغدادي، عبد القادر بن عمر، خزانة الأدب ولبّ لباب لسان العرب، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1998م.
50. البغدادي، علاء الدين علي بن محمّد بن إبراهيم الشهير بالخازن، لباب التأويل في معاني التنزيل، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1415 هـ ق.
51. بهمنيار، ابن المرزبان، التحصيل، طهران، انتشارات دانشگاه تهران، 1375 هـ ش.
52. البياضي، زين الدين علي بن يونس النباطي، الصراط المستقيم، النجف الأشرف، المكتبة الحيدريّة، 1384هـ ق.
53. التهانوي، محمّد علي، كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم، بيروت، مكتبة لبنان ناشرون، 1996م.
54. الثعالبي، عبد الرحمن بن محمّد المالكي، الجواهر الحسان في تفسير القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1418هـ ق.
55. الثعلبي، أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم النيشابوري، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1422 هـ ق.
56. ثلاث رسائل، للسيّد علي القاضي، والسيّد محمد حسن الطباطبائي، والسيّد محمد محمد صادق الصدر، تقرير وتحقيق: عادل الطائي، الناشر: مؤسّسة عاشوراء، إيران – قم، الطبعة الأُولى، 1427 هـ ق – 2007 م.
57. الجزائري، السيّد نعمة الله، قصص الأنبياء، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404 هـ ق.
58. جمال الأسبوع، السيّد ابن طاووس رضي الدين علي بن موسى (ت664 هـ)،
ــــــ[596]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
منشورات الرضي، قم.
59. الجوهري، إسماعيل بن حمّاد، تاج اللغة وصحاح العربيّة، بيروت، دار العلم للملايين، 1407 هـ ق.
60. حاشية الصبّان على شرح الأشموني على ألفيّة ابن مالك، الصبّان، محمد، دار إحياء التراث العربي، بيروت- لبنان، الطبعة الأُولى، 1430 هـ ق- 2009 م.
61. الحرّ العاملي، الشيخ محمّد بن حسن بن علي، تفصيل وسائل الشيعة على تحصيل مسائل الشريعة، قم، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، 1409هـ ق.
62. الحرّاني، أبو محمّد، حسن بن علي بن حسين بن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، 1404هـ ق.
63. الحصري، أبو إسحاق إبراهيم بن علي القيرواني، زهر الآداب وثمر الألباب، بيروت، دار الجيل.
64. الحقّي، إسماعيل البروسوي، تفسير روح البيان، بيروت، دار الفكر.
65. الحلّي، الحسن بن يوسف بن المطهّر، كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين، مؤسّسة چاب وانتشارات وابسته به وزارت فرهنگ وإرشاد إسلامي، 1411هـ ق.
66. الحلّي، العلّامة الحسن بن يوسف المطهّر، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، 1417 هـ ق.
67. الحلّي، العلّامة الحسن بن يوسف بن المطهّر، نهج الحقّ وكشف الصدق، قم، منشورات دار الهجرة.
68. الحلّي، جمال الدين أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن فهد الأسدي، عدّة الداعي ونجاح الساعي، قم، دار الكتاب الإسلامي، 1407هـ ق.
ــــــ[597]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
69. الحلّي، رضي الدين علي بن يوسف بن مطهّر، العدد القويّة لدفع المخاوف اليوميّة، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1408هـ ق.
70. الحميري، الشيخ أبو العبّاس عبد الله بن جعفر، قرب الإسناد، قم، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، 1413 هـ ق.
71. الحويزي، عبد علي بن جمعة العروسي، تفسير نور الثقلين، قم، انتشارات اسماعيليّان، 1415 هـ ق.
72. الخوئي، السيّد أبو القاسم الموسوي، البيان في تفسير القرآن، قم، مؤسّسة الإمام الخوئي.
73. الدارقطني، الحافظ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد، العلل الواردة في الأحاديث النبويّة، الرياض، دار طيبة، 1405هـ ق.
74. الدارمي، أبو محمّد عبد الله بن بهرام، سنن الدارمي، دمشق، مطبعة الاعتدال.
75. دانتي، اليجيري، الكوميديا الإلهيّة (الجحيم)، ترجمة: حسن عثمان، دار العارف، الطبعة الثالثة، 1989 م.
76. الدنيوري، ابن قتيبة أبو محمّد عبد الله بن مسلم، الشعر والشعراء، القاهرة، دار الحديث، 1423هـ ق.
77. الديلمي، الحسن بن أبي الحسن، إرشاد القلوب، قم، انتشارات الشريف الرضي، 1412هـ ق.
78. الديلمي، الحسن بن أبي الحسن، أعلام الدين في صفات المؤمنين، قم، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، 1408هـ ق.
79. الرازي، محمّد بن أبي بكر بن عبد القادر، مختار الصحاح، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1415هـ ق.
ــــــ[598]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
80. الرازي، محمّد بن أبي بكر بن عبد القادر، مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل، طهران، دفتر نشر الكتاب، 1404 هـ ق.
81. الراوندي، قطب الدين سعيد بن هبة الله، الخرائج والجرائح، قم، مؤسّسة الإمام المهدي#، 1409 هـ ق.
82. الري شهري، محمّد، ميزان الحكمة، قم، دار الحديث، 1416 هـ ق.
83. الزمخشري، محمود بن عمر بن محمّد الخوارزمي، الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1407 هـ ق.
84. الزمخشري، جار الله محمود بن عمر، الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل، بيروت، دار الكتاب العربي، 1407 هـ ق.
85. الزنجاني، أبو عبد الله، طبعة مُنظّمة الإعلام الإسلامي، طهران 1404 هـ ق.
86. السبزواري، الملّا هادي بن مهدي بن هادي، أسرار الحكم، قم، مطبوعات ديني، 1383 هـ ش.
87. السبزواري، الملّا هادي بن مهدي بن هادي، شرح المنظومة، قم، نشر ناب، 1379 هـ ش.
88. سلافة العصر في محاسن أهل العصر، المدني، علي بن أحمد بن معصوم، تحقيق: محمود حلف البادي، دار كنان للنشر والتوزيع، الطبعة الأُولى، 1430 هـ ق- 2009 م.
89. السيّد المرتضى (ت 436 هـ)، رسائل الشريف المرتضى، نشر دار القرآن الكريم، قم، تقديم وإعداد السيّد أحمد الحسيني ومهدي الرجائي، طبع سنة 1405 هـ.
ــــــ[599]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
90. السيّد المرتضى، الشريف أبو القاسم علي بن الظاهر أبو أحمد الحسين، أمالي المرتضى، قم، مكتبة آية الله العظمى المشرعي النجفي، 1403 هـ ق.
91. السيوطي، جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر، الدّر المنثور في تفسير المأثور، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404هـ ق.
92. السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1401هـ ق.
93. السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، شرح سنن النسائي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1406هـ ق.
94. الشاذلي، سيّد بن قطب بن إبراهيم المعروف بسيّد قطب، في ظلال القرآن، بيروت – القاهرة، دار الشروق، 1412 هـ ق.
95. شبّر، عبد الله بن محمّد رضا، تفسير القرآن الكريم، بيروت، دار البلاغة للطباعة والنشر، 1412 هـ ق.
96. شبّر، السيّد عبد الله، حقّ اليقين في معرفة أصول الدين، قم، منشورات أنوار الهدى، 1424 هـ ق.
97. الشريف الرضي، أبو الحسن محمّد بن أبي أحمد الطاهر، خصائص الأئمّة، مشهد، مجمع البحوث الإسلاميّة، 1406 هـ ق.
98. الشريف الرضي، أبو الحسن محمّد بن أبي أحمد الطاهر، حقائق التأويل في متشابه التنزيل، بيروت، دار المهاجر للطباعة والنشر والتوزيع.
99. الشعيري، تاج الدين محمّد بن محمّد بن حيدر، جامع الأخبار، قم، انتشارات الرضي، 1363هـ ش.
100. شهاب الدين النوري، أحمد بن عبد الوهّاب بن محمّد بن عبد الدائم القرشي
ــــــ[600]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
التيمي البكري، نهاية الأرب في فنون الأدب، القاهرة، دار الكتب والوثائق القوميّة، 1423 هـ ق.
101. الشهرزوري، شمس الدين محمّد، رسائل الشجرة الإلهيّة في علوم الحقائق الربانيّة، طهران، مؤسسة حكمت وفلسفة إيران، 1383 هـ ش.
102. الشهيد الثاني (ت 966 هـ)، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، قم، طبعة حجريّة.
103. الشيرازي، محمّد بن إبراهيم المعروف بصدر المتألّهين، المبدأ والمعاد، طهران، أنجمن حكمت وفلسفة إيران، 1354 هـ ش.
104. الشيرازي، محمّد بن إبراهيم المعروف بصدر المتألّهين، المظاهر الإلهيّة في أسرار العلوم الكماليّة، طهران، بنياد حكمت صدرا، 1387 هـ ش.
105. الشيرازي، محمّد بن إبراهيم المعروف بصدر المتألّهين، شرح الهداية الأثيريّة، بيروت، مؤسّسة التاريخ العربي، 1422هـ ق.
106. الشيرازي، محمّد بن إبراهيم المعروف بصدر المتألّهين، مفاتيح الغيب، طهران، مؤسّسة تحقيقات فرهنگي، 1363 هـ ش.
107. الشيرازي، غياث الدين الدشتكي، إشراق هياكل النور، طهران، نشر: ميراث مكتوب، 1382 هـ. ش.
108. الشيرازي، محمّد بن إبراهيم المعروف بصدر المتألهين، الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة، بيروت، دار إحياء التراث، 1981م.
109. الشيرازي، محمّد بن إبراهيم المعروف بصدر المتألّهين، تفسير القرآن الكريم، قم، انتشارات بيدار، 1366هـ ش.
110. الصافي في تفسير القرآن الكريم، الفيض الكاشاني (ت 1091 هـ )، المطبعة
ــــــ[601]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الإسلاميّة، طهران، الطبعة الأُولى سنة 1374 هـ.
111. الصالح، صالح علي، الروضة المختارة، بيروت، منشورات مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، 1392هـ ق.
112. الصدر، السيّد الشهيد آية الله العظمي محمّد باقر، فلسفتنا، بيروت، دار الفكر، 1970م.
113. الصدر، السيّد الشهيد محمّد بن محمّد صادق، أضواء على ثورة الحسين، النجف الأشرف، هيئة تراث السيّد الشهيد الصدر، 1430هـ ق.
114. الصدر، السيّد الشهيد محمّد بن محمّد صادق، شذرات من فلسفة تأريخ الحسين، تقرير وتحقيق: الشيخ أسعد الناصري، النجف الأشرف، هيئة تراث السيّد الشهيد الصدر، 1430هـ ق.
115. الصدر، السيّد الشهيد محمّد بن محمّد صادق، فقه الأخلاق، النجف الأشرف، هيئة تراث السيّد الشهيد الصدر، 1430 هـ ق.
116. الصدر، السيّد الشهيد محمّد بن محمّد صادق، ما وراء الفقه، بيروت، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، 1420هـ ق.
117. الصدر، السيّد الشهيد محمّد بن محمّد صادق، منهج الأُصول، بيروت، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، 1423 هـ ق.
118. الصدر، السيّد الشهيد محمّد بن محمّد صادق، موسوعة الإمام المهدي، بيروت، دار القارئ، 1428 هـ ق.
119. الصدر، السيّد حسن صدر الدين الموسوي الكاظمي العاملي، تكملة أمل الآمل، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1406هـ ق.
120. الصدر، محمد باقر، المدرسة القرآنيّة، الناشر: دار الكتاب الإسلامي، الطبعة
ــــــ[602]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الأُولى، 1422 هـ . ق – 2004 م، إيران- قم.
121. الصدوق، أبو جعفر محمّد بن علي بن حسين بن بابويه القمّي، معاني الأخبار، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، 1361 هـ ش.
122. الصدوق، الشيخ محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي، علل الشرائع، قم، انتشارات مكتبة الداوري، 1386، هـ ق.
123. الصدوق، الشيخ محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي، عيون أخبار الرضا، طهران، انتشارات جهان، 1378هـ ق.
124. الصدوق، الشيخ محمّد بن علي بن بابويه القمّي، الأمالي، طهران، انتشارات كتابخانه إسلامية، 1362هـ ش.
125. الصدوق، الشيخ محمّد بن علي بن بابويه القمّي، ثواب الأعمال، قم، منشورات الشريف الرضي، 1364، هـ ش.
126. الصدوق، الشيخ محمّد بن علي بن حسين بن بابويه القمّي، الخصال، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، 1403هـ ق.
127. الصدوق، الشيخ محمّد بن علي بن بابويه القمّي، معاني الأخبار، طبع جماعة المدرّسين، قم ، تصحيح علي أكبر الغفاري، طبعة سنة 1379 هـ.
128. الصدوق، الشيخ محمّد بن علي بن بابويه القمي، إكمال الدين وإتمام النعمة، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، 1395 هـ ق.
129. الصدوق، الشيخ محمّد بن علي بن بابويه القمّي، كتاب مَن لا يحضره الفقيه، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، 1413 هـ ق.
130. الصدوق، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي، التوحيد، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، 1398هـ ق.
ــــــ[603]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
131. الصفّار، محمّد بن حسن بن فروخ، بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد، قم، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404هـ ق.
132. الضبي، المفضل بن محمّد بن يعلى بن سالم، المفضليّات، القاهرة، دار المعارف.
133. الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، 1394هـ ق.
134. الطبراني، الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط، دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، 1415هـ ق.
135. الطبراني، الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، القاهرة، مكتبة ابن تيميّة.
136. الطبرسي، أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، 1415هـ ق.
137. الطبرسي، أمين الإسلام الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1390هـ ق.
138. الطبرسي، رضي الدين الحسن بن الفضل، مكارم الأخلاق، قم، انتشارات الشريف الرضي، 1412 هـ ق.
139. الطبرسي، أبو الفضل علي بن حسن (ت600 هـ)، مشكاة الأنوار، المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، 1385 هـ.
140. الطبرسي، أبو منصور أحمد بن علي، الاحتجاج، مشهد، نشر مرتضى، 1403 هـ ق.
141. الطبري، أبو جعفر محمّد بن جرير، دلائل الإمامة، قم، دار الذخائر للمطبوعات.
142. الطبري، أبو جعفر محمّد بن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت،
ــــــ[604]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
دار المعرفة، 1412هـ ق.
143. الطريحي، المحدّث الشيخ فخر الدين، مجمع البحرين، قم، مكتب نشر الثقافة الإسلاميّة، 1408 هـ ق.
144. الطهراني، محمّد الصادقي، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة، قم، انتشارات فرهنگ إسلامي، 1365 هـ ش.
145. الطوسي، أبو جعفر محمّد بن حسن المعروف بشيخ الطائفة، الأمالي، قم، انتشارات دار الثقافة، 1414هـ ق.
146. الطوسي، الخواجه نصير الدين محمّد بن محمّد بن الحسن، أجوبة المسائل النصيريّة، طهران، پژوهشگاه علوم إنساني، 1383 هـ ش.
147. الطوسي، الشيخ أبو جعفر بن الحسن، اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشّي، قم، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، 1404 هـ ق.
148. الطوسي، الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن، الخلاف، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، 1407هـ ق.
149. الطوسي، الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن، كتاب الغيبة، قم، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، 1411هـ ق.
150. الطوسي، الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد، بيروت مؤسّسة فقه الشيعة، 1411هـ ق.
151. الطوسي، الشيخ أبو جعفر محمّد بن حسن، التبيان في تفسير القرآن، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1409 هـ ق.
152. الطوسي، الشيخ أبو جعفر محمّد بن حسن، تهذيب الأحكام، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1407 هـ ق.
ــــــ[605]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
153. الطيب، السيّد عبد الحسين، أطيب البيان في تفسير القرآن، طهران، انتشارات إسلام، 1378 هـ ش.
154. العامري، أبو الحسن، رسائل أبو الحسن العامري، طهران، مركز نشر دانشگاهي، 1375 هـ ش.
155. العاملي، الشهيد الثاني زين الدين بن علي بن أحمد، الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة، قم، كتابفروشي داوري، 1410هـ ق.
156. العاملي، محمّد بن علي الموسوي، مدارك الأحكام في شرح عبادات شرائع الإسلام، بيروت، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، 1411هـ ق.
157. عبيد، رؤوف، الإنسان روح لا جسد، بحث في العلم الروحي الحديث، تقديم: أحمد شوقي، الطبعة الثانية، القاهرة، 1966 م، مطبعة نهضة مصر.
158. العجلوني، الشيخ إسماعيل بن محمّد الجرّاحي، كشف الخفاء ومزيل الإلباس عمّا اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1408 هـ ق.
159. العراقي، الشيخ علي بن الآخوند ملّا محمّد كبير الملقّب بضياء الدين، مقالات الأُصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي، 1414 هـ ق.
160. العسقلاني، الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر الشافعي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر.
161. العظيم آبادي، أبو الطيّب محمّد شمس الحقّ، عون المعبود في شرح سنن أبي داود، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1415هـ ق.
162. العكبري، أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله، إملاء ما مَنَّ به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن، بيروت، دار الكتب العلميّة،
ــــــ[606]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
1399هـ ق.
163. العيّاشي، محمّد بن مسعود بن عيّاش السلمي السمرقندي، تفسير العياشي، طهران، چابخانه علميه، 1380 هـ ق.
164. القاضي المغربي (ت 363 هـ )، دعائم الإسلام، دار المعارف، القاهرة، تحقيق: آصف فيضي، طبع سنة 1963م.
165. القرشي، أبو زيد محمّد بن أبي الخطّاب، جمهرة أشعار العرب، القاهرة، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع.
166. القرطبي، أبو عبد الله محمّد بن أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، طهران، انتشارات ناصر خسرو، 1364 هـ ش.
167. القشيري، عبد الكريم بن هوازن، لطائف الإشارات، مصر، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 2000م.
168. القمّي، الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه، كامل الزيارات، النجف الأشرف، المكتبة المرتضويّة، 1398 هـ ق.
169. القمي، علي بن إبراهيم، تفسير القمّي، (ت 329 هـ )، مؤسّسة دار الكتاب، قم، تحقيق السيّد طيّب الجزائري، الطبعة الثالثة سنة 1404 هـ.
170. الكاشاني، محمّد بن مرتضى المشهور بملّا محسن الفيض، الأصفى في تفسير القرآن، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1418 هـ ق.
171. الكاشاني، المولى فتح علي، زبدة التفاسير، الناشر: مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، 1423 هـ ق.
172. الكراجكي، أبو الفتح محمّد بن علي بن عثمان الطرابلسي، كنز الفوائد، قم، منشورات دار الذخائر، 1410 هـ ق.
ــــــ[607]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
173. كرم، يوسف، تاريخ الفلسفة الحديثة، مكتبة الدراسات الفلسفيّة، الطبعة الخامسة.
174. الكفعمي، إبراهيم بن علي بن صالح العاملي، البلد الأمين والدرع الحصين.
175. الكفعمي، الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن حسن، المصباح في الأدعية والصلوات والزيارات، قم، منشورات الرضي، 1405 هـ ق.
176. الكليني، الشيخ أبو جعفر محمّد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1407 هـ ق.
177. الكوفي، أبو القاسم فرات بن إبراهيم، تفسير فرات الكوفي، طهران، سازمان چاب وانتشارات وزارت إرشاد إسلامي، 1410هـ ق.
178. المازندراني، المولى محمّد صالح، شرح أُصول الكافي، طهران، المكتبة الإسلاميّة.
179. المباركفوري، الحافظ أبو العلا محمّد عبد الرحمن بن عبد الرحيم، تحفة الأحوزي بشرح جامع الترمذي، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1410 هـ ق.
180. المجلسي، المولى محمّد باقر بن محمّد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت، مؤسّسة الوفاء، 1404 هـ ق.
181. مجمع الكنائس الشرقيّة، الكتاب المقدّس، بيروت، دار الكتاب المقدّس في العالم العربي.
182. المراغي، أحمد بن مصطفى، تفسير المراغي، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
183. المرزوقي، أبو علي أحمد بن محمّد بن الحسن الأصفهاني، كتاب الأزمنة والأمكنة، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1417 هـ ق.
184. المظفّر، الشيخ محمّد رضا، الفلسفة الإسلاميّة، قم، مؤسّسة دار الكتاب
ــــــ[608]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
(الجزائري) للطباعة والنشر، 1413 هـ ق.
185. معجم القراءات القرآنيّة، د: عبد العال سالم، ود: احمد مختار عمر، الطبعة الثانية، مطبوعات جامعة الكويت: 1408هـ ق – 1988م.
186. المعلوف، الأب لويس الراهب اليسوعي، المنجد في اللغة والأعلام، بيروت، مطبعة الآباء اليسوعيّين، 1908م.
187. المفيد، محمّد بن محمّد بن النعمان البغدادي، كتاب المزار، قم، كنگره جهاني هزاره شيخ مفيد، 1413 هـ ق.
188. المفيد، أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري، الغيبة، دار المفيد، بيروت، تحقيق علاء الدين جعفر، الطبعة الثانية 1414 هـ. ق.
189. المفيد، أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري، الاختصاص، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة بقم المشرّفة، 1413هـ ق.
190. المفيد، أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، قم، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، 1413 هـ ق.
191. المفيد، أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري، الغيبة، طهران، مكتبة الصدوق، 1397هـ ق.
192. المفيد، أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري، المقنعة، طبع جماعة المدرّسين، قم، الطبعة الثانية سنة 1410 هـ.
193. الملّا حويش، عبد القادر آل غازي، بيان المعاني، دمشق، مطبعة الترقّي، 1382 هـ ق.
194. النائيني، الميرز محمّد حسين بن عبد الرحيم الغروي، فوائد الأُصول، تقرير
ــــــ[609]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
الشيخ محمّد عليّ الكاظمي، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، 1417 هـ ق.
195. النجفي، الشيخ محمّد حسن بن باقر، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت، دار إحياء التراث العربي1430هـ ق.
196. النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب، السنن الكبرى، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1411 هـ ق.
197. نهج البيان عن كشف معاني القرآن، الشيباني، محمد بن الحسن، الناشر: مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، 1413 هـ ق.
198. النوري، المحدّث الميزرا حسين، مستدرك الوسائل، قم، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، 1408هـ ق.
199. النووي، الحافظ محيي الدين أبو زكريّا يحيى بن شرف الحزامي الشافعي، صحيح مسلم بشرح النووي، بيروت، دار الكتاب العربي، 1407هـ ق.
200. النيسابوري، الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجّاج بن مسلم القشيري، صحيح مسلم، بيروت، دار الفكر.
201. النيسابوري، الحافظ أبو عبد الله الحاكم، المستدرك على الصحيحين، بيروت، دار المعرفة، 1406 هـ ق.
202. النيسابوري، محمّد بن الفتّال، روضة الواعظين، قم، منشورات الرضي.
203. النيسابوري، نظام الدين الحسن بن محمّد بن حسين القمّي، تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1416هـ ق.
204. النيشابوري، فخر الدين الاسفرايني، شرح كتاب النجاة لابن سينا، طهران، انجمن آثار ومفاخر فرهنگى، 1383هـ ش.
ــــــ[610]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
205. الهلالي، سليم بن قيس الكوفي، كتاب سليم بن قيس، قم، منشورات الهادي، 1415 هـ ق.
206. الهندي، علاء الدين علي المتّقي بن حسام الدين، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، بيروت، مؤسّسة الرسالة، 1409 هـ ق.
207. الهندي، محمّد طاهر بن علي الفتني، تذكرة الموضوعات.
208. الهيثمي، الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1408 هـ ق.
209. ورّام، الأمير الزاهد أبو الحسين بن أبي فراس المالكي الأشتري، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر، قم، منشورات مكتبة الفقيه.
ــــــ[611]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ــــــ[612]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
فهرس الكتاب
سورة التكوير……..7
أطروحات في تسميتها………….7
قوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ…….7
جواب (إذا) هو قوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْـضَرَتْ………….8
تعليق على كلام المشهور بشريطة دخول(إذا) على الجملة الفعلية…..9
بيان مادّة (التكوير)…………………10
أطروحات في قوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ……………….12
قوله تعالى: وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ…..14
مادّة (سير)……14
احتمالات فيما يتحصّل من قوله تعالى: وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ…….14
قوله تعالى: وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ…..16
معانٍ لمادة (الْعِشَار)………………..17
مادّة (عطل)…..17
قوله تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُـشِرَتْ……20
ما هي الوحوش وما معنى حـشرها……20
ــــــ[613]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
لماذا سمّى الوحوش بالتعيين……22
كيف لا عـقل لها وتـحشر…………..23
قوله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ…..27
مدلول مادّة (سجر)……………….28
مناقشة رأي المشهور في حشر الدواب والذباب للقصاص…………30
المعاني المتصوّرة للوحوش……………31
أمور أخرى في فهم البحار……………32
قوله تعالى: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ…….33
فهم المشهور من هذه الآية……………33
قوله تعالى: وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ……………35
أسباب بقاء المجتمع وعدم زواله بالوئد…..35
التنبيه على أمرين في المقام…………….36
إشارة إلى مصاديق الوئد……………..37
سؤال ذكره الرازي في المقام…………..37
قوله تعالى: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ…….40
أطروحات في مدلول الآية……………41
قوله تعالى: وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ……43
مادّة (كشط)…..43
قوله تعالى: وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ…..45
ــــــ[614]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
مادّة (الجحيم) ومادّة (سعرت)……45
معنى قوله: وَإِذَا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ…..47
قوله تعالى: وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ……..48
معاني مادة (الزلفة)………………….49
في التقابل بين الجحيم والجنّة………….50
الاحتمالات المتصوّرة في قوله تعالى: وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ………..50
قوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ…..52
سؤالٌ حول أداة الـشرط…………….53
جهات في هذه الآية ينبغي الإلتفات إليها…..53
لماذا عبّر بالنكرة، ولم يعرّف النفس بالألف واللام أو بالإضافة……..55
معنى (أحـضرت)………………….56
مقاصد دقيقة في نفس التعبير بقوله: أَحْـضَرَتْ……………….57
قوله تعالى: فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ…………..59
قوله: فَلاَ أُقْسِمُ…………………59
في معنى (الخنّس)…………………..60
قوله تعالى: فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ……..60
أطروحات في معنى(الجواري)………..61
مادة (الكنّس)………………………62
الكلام عن إشكال رجوع معنى الكنس إلى الخنس ……………….64
ــــــ[615]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ………………………68
قوله تعالى: وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ……70
الوجه في اختيار مادّة (التنفّس)……….71
الإشارة لنحو المقابلة بين الآيتين: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ* وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ………74
البحث عن جواب الشرط في الآيتين الـشريفتين…………………74
قوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ …* مُطَاعٍ ثَمَّ..………75
أطروحات في متعلق الظرف(عند)…….75
في كونه (مطاعاً)……………………78
مناقشة طرق المشهور في نفي أن يكون المراد به الرسول الأكرم…….78
المراد بـ(الكريم)……………………83
في صفة (المكين)……………………83
في صفة (أمين)……………………..84
احتمالات في مادّة (أمين)…………….85
قوله تعالى: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ……85
لو كانوا يشكّون بأنَّ النبي مجنونٌ فكيف أسلموا وصدّقوا بما يقول؟…86
أطروحات في فهم الآية……………..88
قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ…..89
ــــــ[616]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
من هو الفاعل؟……………………..89
حرف الباء في قوله تعالى بِالأُفُقِ المُبِينِ……91
ما هو معنى لفظة (المبين) لغةً وقرآناً……91
قوله تعالى: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ……94
عدم صحة قراءة ضنين (بالظاء)……….94
الضمير (هو) في قوله تعالى: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ………95
مناقشة فهم المشهور لحرف الجرّ (على)…….96
قوله تعالى: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ…………………….97
قوله تعالى: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ……103
قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ…..104
في قوله: لِلْعَالَمِينَ……………….104
مناقشة ما أفاده السيد الطباطبائي في تفسيرهلِلْعَالَمِينَ………….104
قوله تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ…….110
(من) في قوله تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ………………………111
أُطروحات أُخرى في المقام…………112
الكلام في الجواب عن دلالة الآية على الجبر…………………..114
سورة عبس…….119
أطروحات في تسميتها………..119
ــــــ[617]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى…..119
إشكال وجوابه في مقام بيان أصل الحادثة المذكورة في الآية……….124
قوله تعالى: أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى……….138
في معنى الأعمى…………………..138
الزكاة في يَزَّكَّى………………..139
(ما) في قوله: وَمَا يُدْرِيكَ……….140
قوله تعالى: أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى…..142
ورود الذكرى بصفتها مصدراً للتذكّر: أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى.142
أطروحات في المراد من صيغة (يذكّر)…..145
قوله تعالى: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى………………146
احتمالات في مادّة (صدى)………….148
قوله تعالى: وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى…….149
(ما) في قوله وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى……149
قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى…………….150
قراءة (وَهُوَ) بسكون الهاء (وَهْوَ)……150
قوله تعالى: فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى……..152
قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ………152
أطروحات في مرجع الضمير في إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ…………………154
الباعث على تأنيث الضمير في إِنَّهَا…..154
ــــــ[618]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
معنى التذكرة……………….155
المشيئة في قوله: فَمَنْ شَاءَ……….155
المفاد في قوله تعالى: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ……156
الوجه في تذكير الضمير في قوله: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ…………….156
فهم السيّد الطباطبائي للآية: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ…………..158
أمران يحولان دون امتلاك الحرّية المطلقة في الكفر والإيمان………159
قوله تعالى: فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ *…………..160
بحوث في هذه الآيات……………..160
البحث الأول: حول المراد من الصحف………………………160
البحث الثاني: حول الجارّ والمجرور في قوله: فِي صُحُفٍ……..164
البحث الثالث: حول المراد من (سَفَرَة) في قوله بِأَيْدِي سَفَرَةٍ….165
البحث الرابع: حول المراد من كِرَامٍ بَرَرَةٍ…………………..167
قوله تعالى: قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ……….169
سبب القتل…..169
لماذا قال: قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ؟ والألف واللام للجنس…….170
قوله تعالى: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ……..173
قوله تعالى: ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ………173
التنبيه إلى أُمورٍ ممّا يرتبط بالآيات المارّة الذكر…………………..175
علاقة الإنسان بالنبات……………..178
ــــــ[619]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ليس كلّ ميّت يقبر فكيف قال تعالى: ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ…………179
قوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ……………………..181
تعرّض لصبّ الماء وشقّ الأرض وإنبات النبات دون عمليّة البذار..182
قوله تعالى: ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً……………………183
قوله تعالى: فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً………184
قوله تعالى: وَعِنَباً وَقَضْباً………..186
في انطباق القضب على البقول……….187
قوله تعالى: وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً………188
قوله تعالى: وَحَدَائِقَ غُلْباً……….188
مناقشة ما أفاده الراغب في تفسير الغلبة…..190
قوله تعالى: وَفَاكِهَةً وَأَبّاً…………191
في مواد الأب……………………..192
أطروحات في مادة أب……………..194
قوله تعالى: مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ…..197
المراد بالمتاع في قوله تعالى: مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ…………..198
قوله تعالى: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ……..200
ما تحصَّل من معنى الصاخَّة…………202
كلام عن فرار الفرد من أخيه وأُمّه وأبيه…..203
جواب الشرط في قوله تعالى: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ…………..205
ــــــ[620]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ……206
لماذا ورد لفظ صاحبته مفرداً في الآية؟…..207
سبب الاستغراق في الذات بحيث لا يرغب المرء في أيّ أحد……..208
مجيء المرء بصيغة المذكر يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ………………………213
قوله تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ………………215
في قوله: شَأْنٌ يُغْنِيهِ…………….215
قوله: يُغْنِيهِ……………………216
لماذا عبرت الآية بـالمَرْء ثُمَّ قالت: امْرِئٍ………………..217
بحوث نحويّة في الجهات الإعرابيّة في السورة………………….218
قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ…….222
الجهة الأُولى: في تحديد الظرف (يومئذٍ)……222
الجهة الثانية: أنَّ المراد من وُجُوهٌ……223
الجهة الثالثة: بيان مادّة (سفر)………223
قوله تعالى: ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ……225
رجوع اللفظين ضَاحِكَةٌ ومُسْتَبْشِرَةٌإلى معنىًواحد……..225
قوله تعالى: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ…………………….227
قوله تعالى: تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ…………229
قوله تعالى: أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ……………………..231
قوله: أُولَئِكَ………………….231
ــــــ[621]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله: الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ…………232
سورة النازعات………………………237
أطروحات في تسميتها…………237
قوله تعالى: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً……237
الكلام في مادّة النازعات……………238
استعمالات تناسب معنى النزع………238
الكلام في هيئة فالنازعات…………..241
قوله تعالى: غَرْقاً……………….244
مناقشة رأي المشهور بتقدير كون (غرقا) مصدراً………………..247
المحصّل من قوله تعالى: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً…………………..249
مرحلتان لفهم الآية ككل…………..249
المرحلة الأُولى: التطبيق على مجموعة المعاني التي أعطيت للنازعات..249
المرحلة الثانية: في استعراض أهمّ أقوال المفسّرين……………….250
قوله تعالى: وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً……252
الكلام عن (الواو): هل هي واو عطفٍ أو واو قسمٍ…………..256
قوله تعالى: وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً…..257
فهم الآية من حيث المادّة……………257
لماذا قال:كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَولم يقل في الفضاء الكوني……..259
جواب إشكال تطبيق المزيد على الله في لفظ(سَبَّح)………………261
ــــــ[622]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ…….262
المعاني الرئيسة لمادة (الرادفة)………..263
قوله تعالى: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ…………267
السؤال عن أصحاب تلك القلوب، فقلوب من هي…………….267
وقوله تعالى: أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ……268
قوله تعالى: يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ………………..268
جواب أنَّ الفرد يُدفن، ثُمَّ يردّ للحافرة، أي: يُدفن مرّتين…………269
في أن زمان القول: أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ هل هو في الدنيا أم في الآخرة……..278
أطروحات في جواب سؤال من القائل في قولهيَقُولُونَ……….279
قوله تعالى: أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً…….282
في شرح الآية وبيانها التفصيلي……..282
الحديث عن مادّة (نخر)…………282
قوله تعالى: قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ……………………..285
لماذا تكون كرّةً خاسرةً في نظر هؤلاء المتكلّمين………………….285
جواب المشهور على هذا السؤال……285
تعليقٌ نحوي أو على فهم النحويّين في حروف العطف………….288
فهم المتشرعة لمعنى (الكرَّة)………..288
السؤال عن المعوّض بالتنوين في قوله: تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ…..289
ــــــ[623]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ………………………290
احتمالات في الضمير في قوله: فَإِنَّمَا هِيَ…………………….291
قوله تعالى: فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ……292
ما أفاده الراغب في معنى الساهرة…..292
(إذا) الفجائية في قوله: فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ…………………293
الفاء في قوله: فَإِذَا هُمْ……….294
قوله تعالى: هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى………………………299
الإستفهام في قوله: هَلْ أتَاكَ……299
والمراد بالحديث (حديث موسى)……299
تعليقان على كلام السيد الطباطبائي في نوع الاستفهام…….300
قوله تعالى: إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوىً……………….301
الإشارة إلى معناها اللغوي………..301
معنى الوادي…………………….302
في لفظ (المقدّس)………………….303
معنى طوى……………………..304
بعض الأسئلة حول الآية…………..305
السؤال الأول: لماذا وصف هذا الوادي بأنَّه مقدّسٌ وطاهرٌ من دون الأودية الأُخرى………….305
السؤال الثاني: لماذا نستبعد أن يكون بعض الوديان مقدّساً………305
ــــــ[624]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى……309
أطروحات السيد الطباطبائي في تفسير الآية…..309
البحث في معنى (الذهاب) ………………310
في معنى فرعون……310
في معنى مصر……..310
قوله تعالى: إِنَّهُ طَغَى……………….316
الكلام عن معنى الطغيان……………316
منشأ طغيان فرعون……………………..317
قوله تعالى: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى….319
الاستفهام في قوله: هَلْ لَكَ…………..319
أطروحات في الجارّ والمجرور (لك)…….320
أطروحات في حرف الجرّ (إلى)………321
الهداية التي في قوله: (أهديك)………322
إشكال: ما هو موجب الخشية مع تحقق الهداية………………….323
قوله تعالى: فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى…………324
الفاء في قوله: (فأراه)………………324
ما هي الآية الكبرى……………………..325
الوجه في وصف الآية أو الآيات بالكبرى…….326
قوله تعالى: فَكَذَّبَ وَعَصَى……………328
ــــــ[625]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى……………328
الكلام عن أمور في الآية………………….329
الأمر الأول: نسبة العمل إلى فرعون نفسه…….329
الأمر الثاني: عطف الآية بـ(ثُمَّ)……………330
الأمر الثالث: في المعنيين الأضافيين لـ(أدبر) و(يسعى)………………..330
قوله تعالى: فَحَشَرَ فَنَادَى……………..331
معنى الحشر……….331
أطروحات في الإجابة على سؤال: ماذا حشر……………………..331
قوله تعالى: فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى……334
الجواب عن إشكال زيادة البيان عن مقدار الحاجة………………334
تعليق على كلام السيد الطباطبائي في ادّعاء فرعون للربوبيّة………335
الكلام عن معنى الربوبيّة المدّعاة من قبل فرعون………………..336
في كونه ادّعى الربوبية ولم يدّعِ الألوهيّة……336
إحتمالات في سبب إدعائه الربوبية……337
لماذا عوقب رغم صدقه كما جاء في الاحتمالات المتقدّمة………….338
التناقض بين ادّعاء فرعون الربوبيّة وبين عبادته للآلهة…………..340
في لفظ الآلهة……..342
قوله تعالى: فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى…………………….344
المراد بالأخذ هنا…………………..345
ــــــ[626]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
في معنى النكل……………………345
لماذا نصبت (نكال) في الآية………… 346
معنى الجملة إذا كان (نكال) مفعولاً مطلقاً…………………..347
ما هو معنى الجملة إذا كان (نكال) مفعولاً لأجله……………………347
وما هو المراد من الآخرة والأُولى…………349
لماذا لم تقل الآية: (نكال الآخرة والدنيا)…….349
ما هي ذنوب فرعون السابقة والأُولى والمتقدّمة………………………350
قوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى…..351
الإشارة باسم الإشارة (ذلك)…………….351
ما أفادة الراغب في معنى(عبرة)…………..352
الكلام في مادة (يخشى)………………….353
قوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا…………………….355
إعتقاد المشهور والسيّد الطباطبائي في فهم الآية………………….355
إشكال على التفسير المشهور أن الإنسان أشدُّ خلقاً من السماء…………..356
دفع الإشكال على فهم الآية بكون الإنسان أشدّ خلقاً من السماء……….356
أطروحات من حيث الإعراب لقوله: (بناها)…..358
البحث في قوله تعالى: أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا…..359
وجوه رفع التعارض بين الآيتين: أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا وبَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ….359
قوله تعالى: رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا……….361
ــــــ[627]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ما أفاده الراغب في مادّة (السَّمْك)…………361
مناقشة ما أفادة الراغب في(السَمْك)……….362
قوله تعالى: فَسَوَّاهَا………………….363
ما أفاده السيّد الطباطبائي في المقصود من (سوّاها)…………………..363
تعليقٌ على ما أفاده السيّد الطباطبائي في المقصود من (سوّاها)………….364
قوله تعالى: وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا……………………..365
ما أفاده الراغب في فهم: وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا…………………….365
تعليقٌ على ما فهمه الراغب من آية: وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا…………..366
أُطروحةٌ أُخرى في فهم الآية الكريمة………366
ولماذا قال: وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ولم يقل: (أخرج نهارها)……………..367
قوله تعالى: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا……………………..369
مادّة (الدَّحْو)…………………….369
الفهم المشهور لقوله تعالى: دَحَاهَا…..370
إشكال على فهم المشهور لقوله تعالى: دَحَاهَا………………..370
ما هو سبب نصب الأرض؟ وبأيّ شيءٍ نُصبت………………..372
قوله تعالى: أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا……………………..373
الكلام عن قوله: مَرْعَاهَا………..373
ما ذكره الطباطبائي في معنى المرعى لغة……………………373
التعليق على ما ذكره الطباطبائي في معنى المرعى اللغوي……..373
ــــــ[628]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا………374
الكلام في (أرسى)…………………374
قوله تعالى: مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ……377
كيف يقول: مَتَاعاً لَكُمْ مع أنَّ المرعى متاعٌ للحيوانات خاصّةً…378
قوله تعالى: فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى……………………..378
أطروحات في المراد من الطامة في الآية……380
لماذا نأخذ في معنى الطامّة أنَّها تأتي بشكلٍ غير متوقّعٍ…………….381
(إذا) الوارد في الآية……………….382
أطروحات في جواب الـشرط……….382
قوله تعالى: يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى…………………….383
قوله تعالى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى…..386
في قراءات وَبُرِّزَتِ……………..386
ما قاله صاحب الميزان في مصدر(بُرِّزَتِ)………………………386
مناقشة ما أفاده صاحب الميزان في مصدر(بُرِّزَتِ)……………….386
أطروحتان في فهم المراد من قوله تعالى: لِمَنْ يَرَى…………….386
لماذا قُيّدت الآية بهذا القيد؟ وقال: لِمَنْ يَرَى…………………387
وهل جهنّم مخلوقةٌ الآن…………….388
قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الجَحِيمَ……391
قوله: وَآثَرَ……………………..392
ــــــ[629]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
هل إنَّ (أثر) و(آثر) موضوعان بوضعين مستقلّين أم بوضعٍ واحدٍ..392
قوله تعالى: فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى…..394
ملاحظتان في هذه الآية…………….394
لماذا دخلت الفاء على جواب الشرط في الآية الكريمة……………394
أطروحات للكلام في الفاء………….396
ما أفاده الراغب في معنى(المأوى)……397
تعليقٌ على ما أفاده الراغب في معنى(المأوى)……………………398
الضمير (هي) في قوله (هي المأوى)…….398
لماذا دمج بين الطغيان وإيثار الحياة الدنيا…..399
قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى……400
في مادة (المقام)……………………400
إشكال المشهور في معنى قوله: مَقَامَ رَبِّهِ…………………….401
أقسام في المقصود من المقام………….402
تعليقان على ما قاله صاحب الميزان: في المراد بمقام ربّه………..404
قوله تعالى: وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى……405
هل الهوى بمعنى المصدر أو اسم المصدر………………………406
سؤالان مهمّان في الآية……………..407
السؤال الأوّل: ما هو متعلّق الهوى…..407
السؤال الثاني: كيف ينهى الفرد نفسه……408
ــــــ[630]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا……………….410
فهم المشهور لمعنى الساعة…………..413
الكلام عن (مرساها) مادّة وهيئة……415
قوله تعالى: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا…..418
المراد بالذكرى……………………..418
أطروحتان في القائل لهذا الاستفهام…..419
من هو المخاطب بهذا السؤال……….419
قوله: أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ………….421
معنى قوله: (أنا والساعة كهاتين)…….421
قوله تعالى: إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا……..423
الضمير في مُنتَهَاهَا……………..423
أطروحات في المراد من الآية…………423
قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا…….426
لماذا قال: أَوْ ضُحَاهَا؟ ولم يقل: عشيّةً أو ضحى……………..427
الضمير في يَوْمَ يَرَوْنَهَا……………428
أطروحات في مكان اللبث في قوله تعالى: لَمْ يَلْبَثُوا……………428
الإشارة إلى الحكمة من ذكر هذا الإحساس في الآية………………430
سورة النبأ……433
سر الإحتفال بانتهاء تفسير سورة النبأ…..433
ــــــ[631]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
ذكر أسماء سورة النبأ……………….433
قوله تعالى: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ………………..434
ولماذا عبّر القرآن بـيَتَسَاءَلُونَ؟ ولم يقل: يسألون……………..434
أُطروحتان في بيان المراد من النبأ العظيم…..435
أُطروحاتٌ متعدّدةٌ في السياق الاستفهامي……………………..436
الكلام (عن) الثانية في قوله تعالى: عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ………… 436
أطروحات في بيان المنبّأ عنه…………440
أُمورٌ لاستبعاد أن يكون المقصود بالنبأ أمير المؤمنين…………442
مناقشة هذا الاستبعاد………………443
قوله تعالى: الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ……446
الحديث عن النبأ العظيم أيضاً……….446
إن كان المتسائل واحداً فكيف ينسجم ذلك مع قوله: الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ…..448
قوله تعالى: كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ…………..449
لماذا استعمل السين في قوله سَيَعْلَمُونَ بدل سوف للدلالة على البعد……….449
لماذا ورد التعبير بهذه الصيغة كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ.451
أنَّه لِمَ استعمل حرف العطف (ثُمَّ)……452
مناقشة ما ذكره الرازي من سؤال حول الآية: الَّذِي هُمْ فِيهِ ــــــ[632]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
مُخْتَلِفُونَ…..454
قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً……456
في معنى (المهاد)………………….458
لفظ (مهاد) الوارد في الآية هل هو مفردٌ أم جمعٌ…………………460
إشارة إلى بعض ما قيل في تفسير الآية الكريمة…………………462
باب طريف لم يلتفت إليه أحدٌ لفهم ثلاثة معانٍ لحركة الأرض……464
قوله تعالى: وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً……….466
الدفاع عن الفكرة المشهورة بأن الجبال تنفع في تثبيت حركة الأرض 468
قوله تعالى: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً……470
أمور في بيان كون البشريّة أزواجاً……470
قوله تعالى: وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً…….473
الإشارة إلى أمرين في المقام………….475
الأمر الأوّل: عدم اختصاص النوم بالبشر…………………….475
الأمر الثاني: هي كون النوم جعلٌ إلهي…..476
الجواب عن استحالة جعل النوم غير مقيدٍ للسبات……………..476
مناقشة فهم المشهور بأن التوفّي والموت بمعنى واحد…………….479
التعرّض إلى مسألةٍ بأن النوم حدث…….480
قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً…..482
ما أفاده الراغب في مادّة (لبس)……..482
ــــــ[633]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
معانٍ لمادّة (اللبس)………………..483
قوله تعالى: وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً…….486
المعاش من حيث الهيئة والمادة………..486
ما أفاده الراغب في معنى(العيش)…….487
الأُطروحة الأقرب بحسب ذوقي وحدود فهمي لمعنى(العيش)……488
في معنى النهار……………………..489
قوله تعالى: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً………………………490
إلى أيّ شيء يعود الضمير في قوله: فَوْقَكُمْ …………………492
نكتةٌ ملحوظةٌ في اللغة الحديثة……….493
قوله تعالى: وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً…..495
إشكال أنَّ (سراجاً) و(وهّاجاً) بمعنى واحدٍ أنه تكرارٌ غير مبرّرٍ…..495
الموصوف في قوله تعالى: وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً………………….496
قوله تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ المُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً………………..497
في (المعصرات) مادّة وهيئة…………..497
ما أفاده الراغب في معنى (العصر)……497
قوله تعالى: مَاءً ثَجَّاجاً…………500
قوله تعالى: لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً……502
قوله تعالى: يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا……………….503
قوله تعالى: فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً……..503
ــــــ[634]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
كيف يحصل الفوج هنا؟ أُطروحات في تصوير الفوج……………506
قوله تعالى: وَفُتِحَتِالسَّمَاءُ فَكَانَتْأَبْوَاباً………………….507
السبب الذي من أجله تُفتح أبواب السماء………………………507
السؤال عن سنخ هذه الأبواب…….509
السؤال عمّا يوجب فتح وغلق هذه الأبواب………………….509
التنبيه على أُمورٍ في تفسير الآية…….510
قوله تعالى: وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً………………..513
فهم عدّة أُطروحات من الآية………..513
قوله تعالى: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً……………………..516
جواب إشكال ضمّ الآيتين: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ وإِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً……519
قوله تعالى: إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً…..520
أطروحات في أسباب زيادة البلاء والعقاب والعذاب………..521
قوله تعالى: جَزَاءً وِفَاقاً………..525
قول ابن الأنباري في (جزاءً)…………525
قول الراغب في (الوفق)…………….526
قوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً…529
الآية قالت: كَانُوا فهل هذا يعني أنَّهم الآن يرجون الحساب……530
لماذا لم يقل: و(لا يرجون الحساب)…..530
ــــــ[635]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
معنى الرجاء في الآية………………531
قوله تعالى: وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً…..532
احتمالان في التكذيب بالآيات………532
قوله تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً…..534
قوله تعالى: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً…………………536
رد إشكال ما فهم من الآية على استحقاق عذاب غير متناهٍ……….539
قوله تعالى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً……..541
الفوز على أيّ شيءٍ؟ والفوز بأيّ شيءٍ…..542
قوله تعالى: حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً……….543
قوله تعالى: وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً…….546
سبب نصب قوله: وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً…..547
الإشارة إلى أُطروحات متعدّدة في المقام……548
قوله تعالى: وَكَأْساً دِهَاقاً……….548
أوضاع مادة دهاقاً…………………549
نوع السائل الموجود في الكأس………550
أُطروحةٌ أُخرى في معنى (دهاقاً)…….551
قوله تعالى: لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً………………….553
المراد من لاَ يَسْمَعُونَ……………553
معنى (الكِذّاب)…………………..556
ــــــ[636]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
قوله تعالى: جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً…………………….557
مستويان يُستفادان من مدلول العطاء…..557
في معنى (جزاء)…………………..558
معنى (عطاءً حساباً)……………….558
جهتان من البحث في (حساباً)………560
الجهة الأُولى: لماذا ذكر الحساب……..560
الجهة الثانية: وقوع لفظ الحساب في ذيل جزاء الطاغين والمتّقين معاً. 561
قوله تعالى: رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ………..562
التطرُّق إلى عدّة أُمورٍ في هذه الآية……562
الأمر الأوّل: استعمال القرآن لسياق السماوات والأرض…………562
الأمر الثاني: صغر الأرض بالنسبة إلى السماوات ككلّ………….562
الأمر الثالث: في المراد بـ (ما بينهما)…..563
الأمر الرابع: لماذا قال (الرحمن) ولم يذكر اسماً آخر كالرحيم………563
الأمر الخامس: أنَّه لماذا قال: لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً……….564
الأمر السادس: الملك في قوله تعالى: لاَ يَمْلِكُونَ………….564
أطروحتان في من الذي يتكلّم ومن الذي يسمع في الآية…………564
(ربّ) في قوله تعالى: رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ……………..568
قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً………………….570
أطروحات في النسبة بين القيام والاصطفاف في الآية……………579
ــــــ[637]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس
أطروحات في بيان الفرق بين قوله: لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً وقوله: لاَ يَتَكَلَّمُونَ……..580
تعليقان على ما أفاده السيّد الطباطبائي في معنى الصفّ…………….581
الكلام عن عدم اسناد قوله: لاَ يَتَكَلَّمُونَ، الى ضمير المفرد (لا يتكلّم)……..583
أطروحات المرجع في ضمير الجمع في قوله: (لا يملكون) و(لا يتكّلمون)…..586
التنبيه في المقام على جهاتٍ من البحث…..587
الجهة الأُولى: حول مدلول اليوم في قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلاَئِكَةُ………587
الجهة الثانية: حول مدلول القيام…….588
الجهة الثالثة: حول مدلول قوله تعالى: لاَ يَتَكَلَّمُونَ…………..589
ــــــ[638]ــــــ
منة المنان في الدفاع عن القرآن – الجزء الخامس