أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
تعليقة على كتاب الفتاوى الواضحة/ ج1

تعليقة على كتاب الفتاوى الواضحة
وفقاً لمذهب أهل البيت عليهم السلام
فتاوى سماحة آية الله العظمى
السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره
تعليق سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الأول
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف

بسم الله الرحمن الرحيم

بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر

مقدمة السيد مقتدى الصدر (أعزه الله)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمّد المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
اعذروني جميعكم؛ فمشاعري وأحاسيسي هاجت ويدي ترتجف، وكأنَّ القلم قد جفّ مداده، أو أنَّ الأفكار والكلمات تسقط في محيطٍ أو بحرٍ متلاطم، فتضيع على جنباته. فهذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ نتاج عالمين جليلين وشهيدين عطيّين قد سطّرا بقلمهما علماً جمّاً وبدمائهما أُسطورة خالدة.
كتاب فيه فقههما وما يتعلّق بالعقائد أيضاً. ويا لهما من علَمين رائعَين، فقد جمع الشهيدان قدّس الله سرّهما فيه بين العقيدة والفقه، وهذا ما أثقل يدي وعزّ قلمي وأهاج أدمعي. وليس لي إلَّا أن أجعله بين أيديكم لتنهلوا من هذا الكتاب الجليل ومن هذين العالمين العظيمين؛ عسى أن يكون إتمام هذا المشروع متقبّلاً من الله العليّ القدير، وأن يخطّ لي من الحسنات والأجر الجزيل عند ربٍّ غفور. ولكي يرتاح ضميري حين أبثّ علمهما مدموجاً لكي يكون بأرقى صورة. فهنيئاً للقارئ وهنيئاً لمـَن قام بذلك العمل، وتقبّل الله عملنا وعملكم بأحسن القبول.
مقتدى الصدر
التاسع من شهر رمضان المبارك
1434هـ

مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمةً للعالمين، محمّد المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
لا يخفى على المؤمنين أعزّهم الله تعالى ما لأُسرة آل الصدر من مكانةٍ دينيّةٍ وعلميّةٍ عند المسلمين في كافّة أنحاء العالم؛ حيث إنَّ رجالاتها كان لهم الصدارة منذ عدّة أجيال، ولم يخلُ منهم جيلٌ من بداية الغيبة وإلى الآن؛ وقد ذكر ذلك أحد أعلام هذه الأُسرة المباركة في هذا المجال، وهو السيّد الحجّة الكبير محمّد صادق الصدر (رضوان الله عليه)؛ حيث قال: ولعلّ هذه المزيّة قد انفردت بها سلسلتنا؛ حيث إنَّها من لدن المعصومين عليهم الصلاة والسلام وحتّى الآن، كلّ جيل منّا هو سيّد جيله، والمعتَرف له بالعلم والفضل والزعامة في عصره. هكذا أخبرنا شيوخنا وأكابرنا رضوان الله عليهم. وإنَّ من نعم الله والآئه على هذا العبد الفقير إلى عفوه وصفحه أن رزقني من الأولاد واحداً كألف(1)، وبه يحفظ الله لنا هذه السلسلة الذهبيّة أن تفقد بعض
ــــــ[1]ـــــــ
(1) وهو ولده الوحيد شهيد الأُمّة وفخرها آية الله العظمى السيّد محمّد الصدر قدّس الله نفسه الزكيّة.
الفتاوى الواضحة ج1
حلقاتها، وبه تحتفظ السلسلة بكامل نضارتها وهيبتها وجميل هيأتها(1).
إنَّ أُسرة آل الصدر العريقة التي تنحدر من الشجرة النبويّة الطيّبة والسلالة العلويّة الطاهرة، وتنتهي إلى أهل بيت العصمة والطهارة، حَظِيَتْ بالنصيب الوافر من الفيوضات والمواهب الإلهيّة، كالذكاء الحادّ والمؤهّلات والقابليّات الخارقة. كلّ ذلك أوجد في أُسرة آل الصدر الجليلة علماء ومفكّرين كانوا من المفاخر والشخصيّات العظيمة والبارزة للطائفة الشيعيّة، بل إنَّ أكثرهم كانوا من نوابغ ونوادر تأريخ الإسلام والمعرفة.
إنَّ لآرائهم الدقيقة وتحقيقاتهم العميقة وأفكارهم القويّة دوراً بارزاً في الكشف عن كثير من دقائق ومعضلات المعارف الإسلاميّة وبسط وتوسيع الكثير من فروع المعرفة، بحيث أضفت آثارهم العلميّة والدينيّة الحيّة رونقاً كبيراً على الساحة الدينيّة والعلميّة.
وكانوا على مدى قرون مداراً للإفادة والإفاضة، ومحوراً للبحث والتدريس وزعامة الحوزات العلميّة، ومراجع لتقليد الطائفة الحقّة.
وفضلاً عن كلِّ الامتيازات العلميّة، فقد عُرفوا بالمكانة الرفيعة والمرموقة من حيث الفضائل والمكارم الخلقيّة والصفات والملكات الحسنة، وعُرفوا بالزهد والتقوى والجود والشجاعة وعلوّ الهمّة وقداسة الروح.
هذا الكتاب هو تعليقات فتوائيّة على رسالة المحقّق الكبير مفخرة الإسلام وخاتمة الفقهاء والأُصوليّين آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر المسمّاة بـ(الفتاوى الواضحة)، قد كتبها الشهيد السعيد السيّد
ــــــ[2]ـــــــ
(1) كان ذلك بتاريخ: 17/ 6/ 1387هـ ، أي: في سنة: 1967م. (مخطوط).
الفتاوى الواضحة ج1
محمد الصدر للعمل بها من قبل مقلّديه، إلَّا أنَّ النظام الجائر قد منع طباعتها في ذلك الوقت، وقد تشرفت هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر بطباعتاها.
بعد أن تَمَّ مقابلتها مع النسخة الخطيّة وتقطيع المتن وتخريج المصادر، وكذا اعتمدنا على نسخة (الفتاوى الواضحة) الطبعة الأُولى والثانية؛ لأنَّ تعليقة شهيدنا الكبير قد استوعبت الطبعتين.
كما أنَّه قد علّق تعليقةً مهمّةً وقيّمةً على مبحث >نظرة عامّة في العبادات< في آخر الكتاب.
ــــــ[3]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1 

منهجنا في التحقيق

اقتصر عملنا في تحقيق هذا الكتاب مع تعليقته على ما يلي:
أوّلاً: المقابلة مع النسخة الخطّيّة بيد السيّد الشهيد محمّد الصدر+.
ثانياً: تقويم النصّ ومراجعته وتصحيحه طبقاً للمعايير المعهودة في التحقيق والتدقيق.
ثالثاً: تقطيع المتن وتنظيم فقراته بحسب اقتضاء الحال.
رابعاً: تخريج الآيات الكريمة.

الاشراف العام
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر

ــــــ[4]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

الفتاوى الواضحة
وفقاً لمذهب أهل البيت عليهم السلام

الفتاوى الواضحة

أبْحَاث تَمهيديّة

 موجز في أُصول الدين
 مقدّمة الطبعة الأُولى
 التقليد والاجتهاد
 التكليف وشروطه

الفتاوى الواضحة
أبحاث تمهيدية
موجز أصول الدين
مقدمة الطبعة الأولى
التقليد والاجتهاد
التكليف وشروطه 

أبحاث تمهيدية
موجز أصول الدين
تمهيد
1. المرسل
2. الرسول
3. الرسالة 

تمهيد
طلب منّي بعضُ العلماء الأعلام وعددٌ كبيرٌ من طلبتنا ومن سائر المؤمنين أن نقتدي بعلمائنا السابقين، ونقتفي آثارهم الشريفة في موضوع يزداد أهمّيّةً يوماً بعد يوم، وهو أنَّهم كانوا قد اعتادوا أن يُقرِنوا إلى رسائلهم العلميّةأو يقدّموا لها مقدّمة موجزة تارةً وموسّعة أُخرى لإثبات الصانع والأُصول الأساسية للدِّين؛ لأنَّ الرسالة العمليّة تعبيرٌ اجتهاديٌّ عن أحكام الشريعة الإسلاميّة التي أرسل الله سبحانه وتعالى خاتم الأنبياء بها رحمةً للعالمين، وهذا التعبير يرتكز أساساً على التسليم بتلك الأُصول، فالإيمان بالله (المرسِل) وبالنبيِّ (الرسول) وبالرسالة التي أُرسل بها، يشكّل القاعدة لمحتوى أيّ رسالة عمليّة والدليل على الحاجة إليها.
وقد استجبتُ لهذا الطلب؛ شعوراً منّي بأنَّ في ذلك رضا الله سبحانه وتعالى، وبأنَّ الحاجة التي يعبِّر عنها كبيرة.
ولكنّي واجهتُ السؤال التالي: بأيِّ أُسلوبٍ سأكتب هذه المقدّمة؟ وهل أُحاول أن يكون في الوضوح والتبسيط بنفس الدرجة التي عرضتُ بها >الفتاوى الواضحة< في هذا الكتاب؛ ليفهمه كلُّ مَن يفهم الحكم الشرعي من تلك الفتاوى؟ وقد لاحظت أنَّ هناك فارقاً أساسيّاً بين هذه المقدّمة المقترحة
ــــــ[15]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
وبين >الفتاوى الواضحة<، فإنَّ الفتاوى مجرّد عرض لأحكام ولنتائج الاجتهاد والاستنباط بدون استدلال أو نقاش، بينما المقدّمة المطلوبة لا يكفي فيها مجرّد الاستعراض، بل لابدَّ من الاستدلال؛ لأنَّ الواجب شرعاً في أُصول الدين الاقتناع؛ ولأنَّ الهدف من المقدّمة ترسيخ دعائم الدين وأُصوله، ولا يكون الترسيخ إلَّا بالاستدلال، غير أنَّ الاستدلال له درجات أيضاً، وكلّ درجة – حتّى أبسط وأبدَه تلك الدرجات- مقنعة إقناعاً كاملاً.
ولو كان الإنسان طليق الوجدان لكفَتْه أبسط ألوان الاستدلال على الصانع الحكيم ليؤمن: {أمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيء أمْ هُمُ الخَالِقُونَ}(1).
ولكنّ الفكر الحديث – منذ قرنين من الزمن- لم يترك هذا الوجدان طليقاً وصافياً، ومن هنا احتاج الاستدلال – بالنسبة إلى مَن كان ملمّاً بالفكر الحديث ومناهجه في البحث- إلى تعميق وملء الفراغات التي كان الاستدلال الأبسط والأبده يترك مَلْأَها للوجدان الطليق، وكان أمامي أحد خيارين:
فإمّا أن أكتب لأُولئك الذين لا يزالون يعيشون وجداناً طليقاً بعيداً عن مسارات الفكر الحديث، وأكتفي بالاستدلال المبسّط، وحينئذٍ سوف تكون العبارة واضحةً مفهومةً لمعظم قرّاء الفتاوى الواضحة.
وإمّا أن أكتب لمـَن تفاعل مع الفكر الحديث أو درس في إطاره، وتعرّف بدرجة وأُخرى على مواقفه من الإلهيّات.
فرأيت أنَّ الأحرى هو الثاني، وهكذا كان.
غير أنّي حاولت أن أكون على العموم واضحاً في ما أكتب على مستوى
ــــــ[16]ـــــــ
(1) سورة الطور، الآية: 35.
الفتاوى الواضحة ج1
المثقّف الاعتيادي الجامعي أو الحوزوي، وتجنّبت المصطلحات ولغة الرياضة بقدر الإمكان، وتفاديت الإثارات المعقّدة، وكنت في نفس الوقت أحفَظ للقارئ الأكثر تعمّقاً حقَّه في الاستيعاب، فأُوجز بعض النقاط المعمّقة، وأُحيله بعد ذلك في التوسّع على كتبنا الأُخرى، كـ >الأُسس المنطقيّة للاستقراء<، وفي نفس الوقت مكّنّا القارئ الأقلّ درجةً أن يجد في أجزاء من هذه المقدّمة زاداً فكريّاً مفهوماً واستدلالاً مقنعاً.
فالخطوة الأُولى من الدليل العلمي الاستقرائي على إثبات الصانع يمكن أن تعتبر بمفردها شيئاً كافياً وواضحاً على المستوى العامّ.
وسنتكلّم عن المرسِل أوّلاً، وعن الرسول ثانياً، وعن الرسالة ثالثاً.
وما توفيقي إلَّا بالله عليه توكّلتُ وإليه أُنيب.
ــــــ[17]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

موجز في أصول الدين
1

المرسِل
(الله سبحانه وتعالى)
 الإيمان بالله تعالى
 صفات الله تعالى
ــــــ[20]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1 
الإيمان بالله تعالى
توصّل الإنسان إلى الإيمان بالله منذ أبعد الأزمان، وعَبَدَه وأخلص له، وأحسّ بارتباط عميق به قبل أن يصل إلى أيّ مرحلة من التجريد الفكري الفلسفي، أو الفهم المكتمل لأساليب الاستدلال.
ولم يكن هذا الإيمان وليد تناقض طبقيّ، أو من صنع مستغِلّين ظالمين تكريساً لاستغلالهم، أو مستغَلّين مظلومين تنفيساً لهم؛ لأنَّ هذا الإيمان سبق في تاريخ البشرية أيَّ تناقضات من هذا القبيل.
ولم يكن هذا الإيمان وليد مخاوف وشعور بالرعب تجاه كوارث الطبيعة وسلوكها المضادّ، ولو كان الدين وليد خوف وحصيلة رعب لكان أكثر الناس تديّناً على مرّ التاريخ هم أشدّهم خوفاً وأسرعهم هلعاً، مع أنَّ الذين حملوا مشعل الدين على مرّ الزمن كانوا من أقوى الناس نفساً وأصلبهم عوداً.
بل إنَّ هذا الإيمان يعبّر عن نزعة أصيلة في الإنسان إلى التعلّق بخالقه، ووجدان راسخ يدرك بفطرته علاقة الإنسان بربّه وكونه.
وفي فترة تالية تفلسف الإنسان، واستخلص من الأشياء التي تحوطه في الكون مفاهيم عامّة، كالوجود والعدم، والوجوب والإمكان والاستحالة، والوحدة والكثرة، والتركّب والبساطة، والجزء والكلّ، والتقدّم والتأخّر، والعلّة والمعلول، فاتّجه على الأكثر إلى استخدام هذه المفاهيم وتطبيقها في مجال الاستدلال على نحو يدعم ذلك الإيمان الأصيل بالله سبحانه وتعالى، ويفلسفه
ــــــ[22]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
ويبرزه بأساليب البحث الفلسفي.
وحينما بدأت التجربة تبرز على صعيد البحث العلمي كأداة للمعرفة، وأدرك المفكّرون أنَّ تلك المفاهيم العامّة لا تكفي بمفردها في مجال الطبيعة لاكتشاف قوانينها والتعرّف على أسرار الكون، آمنوا بأنَّ الحسّ والملاحظة العلميّين هما المنطلق الأساس للبحث عن تلك الأسرار والقوانين.
وكان هذا الاتّجاه الحسّي في البحث مفيداً على العموم في تطوير الخبرة البشريّة بالكون وتوسيعها إلى درجةٍ كبيرة.
وقد بدأ هذا الاتّجاه مسيرته بالتأكيد على أنَّ الحسّ والتجربة أداتان من الأدوات التي ينبغي للعقل وللمعرفة البشريّة أن تستعملهما في سبيل اكتشاف ما يحيط بالإنسان من أسرار الكون ونظامه الشامل، فبدلاً عن أن يجلس مفكّر أغريقي – كأرسطو مثلاً- في غرفته المغلقة الهادئة ويفكّر في نوع العلاقة بين حركة الجسم في الفضاء من مكان إلى مكان والقوّة المحرّكة، فيقرّر أنَّ الجسم المتحرّك يسكن فور انتهاء القوّة المحرّكة؛ بدلاً عن ذلك يباشر (غاليلو) تجاربه ويمارس ملاحظاته على الأجسام المتحرّكة ليستنتج علاقةً من نوع آخر تقول: إنَّ الجسم إذا تعرّض لقوّة تحرّكه فلن يكفّ عن الحركة حتّى إذا انتهت تلك القوّة، إلى أن يتعرّض إلى قوّة توقفه.
وهذا الاتّجاه الحسّي يعني تشجيع الباحثين في قضايا الطبيعة وقوانين الظواهر الكونيّة على التوصّل إلى ذلك عن طريق مرحلتين:
أُولاهما: مرحلة الحسّ والتجربة وتجميع معطياتها.
والأُخرى: مرحلة عقليّة، وهي مرحلة الاستنتاج والتنسيق بين تلك المعطيات للخروج بتفسيرٍ عامّ مقبول.
ــــــ[23]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
ولم يكن الاتّجاه الحسّي في واقعه العلمي وممارسات العلماء له، يعني الاستغناء عن العقل. ولم يستطع أيُّ عالمٍ من علماء الطبيعة أن يكتشف سرّاً من أسرار الكون، أو قانوناً من قوانين الطبيعة عن طريق الحسّ والتجربة إلَّا بالعقل؛ إذ كان يجمع في المرحلة الأُولى الملاحظات التي تزوِّده بها تجاربه وملاحظاته، ثُمَّ يوازن في المرحلة الثانية بينها بعقله حتّى يصل إلى النتيجة.
ولا نعرف فتحاً علميّاً استغنى بالمرحلة الأُولى عن الثانية، ولم يمرّ بمرحلتين على هذا النحو؛ حيث تكون قضايا المرحلة الأُولى أُموراً محسوسةً وقضايا المرحلة الثانية أُموراً مستنتجةً ومستدلّةً يدركها العقل ولا تقع تحت الحسّ المباشر.
ففي قانون الجاذبيّة مثلاً: لم يحسّ (نيوتن) بقوّة الجذب بين جسمين إحساساً مباشراً، ولم يحسّ بأنَّها تتناسب عكسيّاً مع مربّع البعد بين مركزيهما وطرديّاً مع حاصل ضرب الكتلتين، وإنَّما أحسّ بالحجر وهو يسقط على الأرض إذا هوى، وبالقمر وهو يدور حول الأرض، وبالكواكب وهي تدور حول الشمس، وبدأ يفكّر فيها معاً، واستمرّ في محاولة عامّة لتفسيرها جميعاً، مستعيناً بنظريّات (غاليلو) في التعجيل المنتظم للأجسام الساقطة على الأرض والمتدرّجة على السطوح المائلة، ومستفيداً من قوانين (كبلر) التي تتحدّث عن حركة الكواكب، والتي يقول في أحدها: إنَّ مربّع زمن دوران كلّ كوكب حول الشمس يتناسب مع مكعّب بُعده عنه.
وعلى ضوء كلّ ذلك اكتشف قانون الجاذبيّة، فافترض قوّة جذب بين كلّ كتلتين تتناسب وتتأثّر بحجم الكتلة ودرجة البعد.
وكان بالإمكان لهذا الاتّجاه الحسّي والتجريبي في البحث عن نظام
ــــــ[23]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
الكون أن يقدّم دعماً جديداً وباهراً للإيمان بالله سبحانه وتعالى؛ بسبب ما يكشفه من ألوان الاتّساق ودلائل الحكمة التي تشير إلى الصانع الحكيم، غير أنَّ العلماء الطبيعيّين – بوصفهم علماء طبيعة- لم يكونوا معنيّين بتجلية هذه القضيّة التي كانت لا تزال مسألةً فلسفيّةً حسب التصنيف السائد لمسائل المعرفة البشريّة وقضاياها.
وسرعان ما نشأت على الصعيد الفلسفي وخارج نطاق العلم وما يجري فيه: نزعات فلسفيّة ومنطقيّة حاولت أن تفلسف أو تمنطق هذا الاتّجاه الحسّي، فأعلنت أنَّ الوسيلة الوحيدة للمعرفة هو الحسّ، وحيث ينتهي الحسّ تنتهي معرفة الإنسان، فكلّ ما لا يكون محسوساً ولا يمكن تسليط التجربة عليه بشكل وآخر، فلا يملك الإنسان وسيلةً لإثباته.
وبهذا استُخدم الاتّجاه الحسّي والتجريبي لضرب فكرة الإيمان بالله تعالى، فما دام الله سبحانه ليس كائناً محسوساً بالإمكان رؤيته والإحساس بوجوده فلا سبيل إذن إلى إثباته، ولم يكن هذا الاستخدام على يد العلماء الذين مارسوا الاتّجاه التجريبيّ بنجاح، بل على يد مجموعة من الفلاسفة ذوي النزعات الفلسفيّة والمنطقيّة التي فسّرت هذا الاتّجاه الحسّي تفسيراً فلسفيّاً أو منطقيّاً خاطئاً.
وقد وقعت هذه النزعات المتطرّفة تدريجاً في تناقض:
فمن الناحية الفلسفيّة: وَجدت هذه النزعات نفسها مضطرّةً إلى إنكار الواقع الموضوعي، أي: إنكار الكون الذي نعيش فيه جملةً وتفصيلاً؛ لأنَّنا لا نملك سوى الحسّ، والحسّ إنَّما يعرّفنا على الأشياء كما نحسّها ونراها لا كما هي. فحين نحسّ بشيء، يمكننا أن نؤكّد وجوده في إحساسنا، وأمّا وجوده
ــــــ[24]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
خارج نطاق وعينا وبصورة مستقلّة وموضوعيّة ومسبقة على الإحساس فلا سبيل إلى إثباته، فحينما ترى القمر في السماء تستطيع أن تؤكّد فقط رؤيتك للقمر وإحساسك به في هذه اللحظة، وأمّا هل أنَّ القمر موجود في السماء حقّاً؟ وهل كان له وجود قبل أن تفتح عينك وتراه؟ فهذا ما وجد أصحاب تلك النزعات أنفسهم غير قادرين على تأكيده وإثباعه، تماماً كالأحول الذي يرى أشياء لا وجود لها، فهو يؤكّد رؤيته لتلك الأشياء، ولكنّه لا يؤكّد وجود تلك الأشياء في الواقع.
وبهذا قضت النزعة الحسّية الفلسفيّة في النهاية على الحسّ نفسه كوسيلة للمعرفة، وأصبح الحدّ النهائي لها، بدلاً عن أن يكون وسيلة، وعادت المعرفة الحسّية كلّها مجرّد ظاهرة لا وجود لها بصورة مستقلّة عن وعينا وإدراكنا.
ومن الناحية المنطقيّة: اتّجهت النزعة الحسّية في أحدث تيّار من تيّاراتها إلى الوضعيّة القائلة بأنَّ كلّ جملة لا يمكن التأكّد من صدق مدلولها أو كذبه بالحسّ والتجربة، فهي كلام فارغ من المعنى، شأنها شأن حروف هجائيّة مبعثرة تردّدها على غير هدى.
وأمّا الجملة التي يمكن التأكّد من صدق مفادها وكذبه، فهي كلام له معنى، فإن أكّد الحسّ تطابق مدلولها مع الواقع فهي جملة صادقة، وإن أكّد العكس فهي كاذبة.
فإن قلت: المطر ينزل من السماء في الشتاء، فهي جملة لها معنى وصادقة في مدلولها.
وإن قلت: المطر ينزل في الصيف، فهي جملة لها معنى وكاذبة في مدلولها.
وإن قلت: إنَّ شيئاً لا يمكن أن يُرى أو يحسّ به ينزل في ليلة القدر،
ــــــ[25]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
فهذه جملة ليس لها معنىً فضلاً عن أن تكون صادقةً أو كاذبةً؛ إذ لا يمكن التأكّد من صدق المدلول وكذبه بالحسّ والتجربة، فهي تماماً كما نقول: ديز ينزل في ليلة القدر(1)، فكما لا معنى لهذه الجملة كذلك لا معنى لتلك.
وعلى هذا الأساس لو قلت: الله موجود، لكان بمثابة أن تقول: ديز موجود، فكما لا معنى لهذه الجملة كذلك تلك؛ لأنَّ وجود الله تعالى لا يمكن التعرّف عليه بالحسّ والتجربة.
وتواجه هذه النزعة المنطقيّة تناقضاً أيضاً؛ بسبب أنَّ قولها هذا وما فيه من تعميم هو نفسه شيء لا يمكن التعرّف عليه بالحسّ والمباشرة، فهو كلام فارغ من المعنى بحكم ما يحمل من قرار، فهذه النزعة المنطقيّة التي تدّعي أنَّ كلّ جملة لا يتاح للحسّ والتجربة اختبار مدلولها فهي فارغة من المعنى، تصدر بهذا الادّعاء تعميماً، وكلّ تعميم فهو يتجاوز نطاق الحسّ؛ لأنَّ الحسّ لا يقع إلَّا على حالات جزئيّة محدودة.
وهكذا تنتهي هذه النزعة إلى تناقض مع نفسها إضافةً إلى تناقضها مع كلّ التعميمات العلميّة التي يفسّر بها العلماء ظواهر الكون تفسيراً شاملاً؛ لأنَّ التعميم – أيّ تعميم- لا يمكن الإحساس به مباشرةً، وإنَّما يُستنتج ويُستدلّ بدلالة ظواهر حسّية محدودة (2).
ومن حسن الحظّ أنَّ العلم لم يعبأ في مسيرته وتطوّره المستمرّ بهذه
ــــــ[26]ـــــــ
(1) ديز: كلمة مهملة لا معنى لها، تقال عادةً كمثال للكلمة الفارغة من المعنى (الماتن).
(2) إذا أُريد التوسّع في استعراض موقف المنطق الوضعي ونقده، فليراجع كتاب الأُسس المنطقيّة للأستقراء: 489 (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1
النزعات، فكان يمارس عمله الاكتشافي للكون دائماً مبتدئاً بالحسّ والتجربة، ومتجاوزاً بعد ذلك الحدود الضيّقة التي فرضته تلك النزعات الفلسفيّة والمنطقيّة؛ ليبذل جهداً عقليّاً في تنسيق الظواهر ووضعها في أُطر قانونيّة عامّة، والتعرّف على ما بينها من روابط وعلاقات.
وقد تضاءل النفوذ الفلسفي والمنطقي لهذه النزعات المتطرّفة حتّى على صعيد المذاهب الفلسفيّة الماديّة. فالفلسفة الماديّة الحديثة -التي يمثّلها بصورة رئيسيّة الماديّون الجدليّون- ترفض تلك النزعات بكلّ وضوح، وتعطي لنفسها الحقّ في أن تتجاوز نطاق الحسّ والتجربة التي يبدأ العالِم بها بحثه، وتتجاوز أيضاً المرحلة الثانية التي يختم بها العالِم بحثه؛ وذلك لكي تقارن بين معطيات العلم المختلفة وتضع لها تفسيراً نظريّاً عامّاً، وتعيّن أوجُه العلاقات والروابط التي يمكن افتراضها بين تلك المعطيات.
وبهذا فإنَّ الماديّة الجدليّة – التي هي الوريث الحديث للفكر المادّي على مرّ التاريخ- أصبحت بنفسها غيبيّةً من وجهة نظر تلك النزعات الحسّية المتطرّفة حين خرجت بتفسيرٍ شامل للكون ضمن إطار ديالكتيكي.
وهذا يعني أنَّ الماديّة والإلهيّة معاً قد اتّفقتا على تجاوز النطاق الحسّي الذي دعت تلك النزعات الماديّة المتطرّفة إلى التقيّد به، وأصبح من المقبول أن تتّخذ المعرفة مرحلتين: مرحلةً لتجميع معطيات الحسّ والتجربة، ومرحلةً لتفسيرها نظريّاً وعقليّاً، وإنَّما الخلاف بين الماديّة والإلهيّة على نوع التفسير الذي تستنتجه عقليّاً في المرحلة الثانية من معطيات العلم المتنوّعة، فالماديّة تفترض تفسيراً ينفي وجود صانع حكيم، والإلهيّة ترى أنَّ تفسير تلك المعطيات لا يمكن أن يكون مقنعاً ما لم يشتمل على الإقرار بوجود صانع حكيم.
ــــــ[27]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
وسنعرض في ما يلي لنمطين من الاستدلال على وجود الصانع الحكيم سبحانه، يتمثّل في كلّ منهما معطيات الحسّ والتجربة من ناحية، وتنظيمها عقليّاً، واستنتاج أنَّ للكون صانعاً حكيماً من خلال ذلك.
والنمط الأوّل نطلق عليه اسم الدليل العلميّ (الاستقرائي)، والنمط الثاني نطلق عليه اسم الدليل الفلسفي.
وسنبدأ فيما يلي بالدليل العلمي، ولكن قبل هذا يجب أن نوضّح ما نقصده بالدليل العلمي.
إنَّ الدليل العلمي هو: كلّ دليل يعتمد على الحسّ والتجربة، ويتّبع منهج الدليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات.
وعلى هذا فالمنهج الذي نتّبعه في الدليل العلمي لإثبات الصانع تعالى هو منهج الدليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات (1)، ومن أجل ذلك نعبّر عن الدليل العلمي لإثبات الصانع بالدليل الاستقرائي، وكلّ هذا ما نوضّحه في ما يلي:
ــــــ[28]ـــــــ
(1) منهج الدليل غير الدليل نفسه. فأنت قد تستدلّ على أنَّ الشمس أكبر من القمر بأنَّ العلماء يقولون ذلك، والمنهج هنا هو: اتّخاذ قرارات العلماء دليلاً على الحقيقة.
وقد تستدلّ على أنَّ فلاناً سيموت بسرعة: بأنَّك رأيت حلماً ورأيت في ذلك الحلم أنَّه مات، والمنهج هنا هو اتّخاذ الأحلام دليلاً على الحقيقة.
وقد تستدلّ على أنَّ الأرض مزدوج مغناطيسي كبير ولها قطبان سالبٌ وموجبٌ: بأنَّ الإبرة المغناطيسيّة الموضوعة في مستوىً أُفقيّ، تتّجه دائماً بأحد طرفيها إلى الشمال، وبالآخر إلى الجنوب، والمنهج هنا هو اتّخاذ التجربة دليلاً.
وصحّة كلّ استدلال ترتبط ارتباطاً أساسيّاً بصحّة المنهج الذي يعتمد عليه. (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1 

الاستدلال العِلميّ لإثبات الله تعالى
عرفنا سابقاً أنَّ الدليل العلميّ لإثبات الصانع تعالى، يتّخذ منهج الدليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات.
ونريد قبل أن نبدأ باستعراض هذا الدليل أن نشرح هذا المنهج، وبعد ذلك نقيّمه؛ لكي نتعرّف على مدى إمكان الوثوق بهذا المنهج والاعتماد عليه في اكتشاف الحقائق والتعرّف على الأشياء.
ومنهج الدليل الاستقرائيّ القائم على حساب الاحتمالات، له صيغٌ معقّدةٌ وبدرجةٍ عاليةٍ من الدقّة، وتقييمه الشامل الدقيق يتمّ من خلال دراسةٍ تحليليّةٍ كاملةٍ للأُسس المنطقيّة للاستقراء ونظريّة الاحتمال (1). ونحن نحرص هنا على تفادي الصعوبات، والابتعاد عن أيّ صيغٍ معقّدةٍ أو تحليلٍ عسير الفهم.
ولهذا سنقوم فيما يلي بأمرين:
1. تحديد المنهج الذي سنتّبعه في الاستدلال، وتوضيح خطواته بصورة مبسّطة وموجزة.
2. تقييم هذا المنهج وتحديد مدى إمكان الوثوق به، لا عن طريق تحليله منطقيّاً واكتشاف الأُسس المنطقيّة والرياضيّة التي يقوم عليها؛ لأنَّ هذا
ــــــ[29]ـــــــ
(1) وهذا ما قمنا به في كتاب الأُسس المنطقيّة للاستقراء، لاحظ القسم الثالث: 133-410. (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1
يضطرّنا إلى الدخول في أشياء معقّدةٍ وأفكارٍ على جانبٍ كبيرٍ من الدقّة، بل نقيّم المنهج الذي سنتّبعه في الاستدلال على الصانع الحكيم، في ضوء تطبيقاته الأُخرى العمليّة المعترف بها عموماً لكلِّ إنسانٍ سويّ، فنوضّح أنَّ المنهج الذي يعتمده الدليل على وجود الصانع الحكيم هو نفس المنهج الذي نعتمده في استدلالاتنا التي نثقُ بها كلّ الثقة في حياتنا اليوميّة الاعتياديّة، أو في البحوث العلميّة التجريبيّة على السواء.
إنَّ ما يأتي سيوضّح بدرجة كافية: أنَّ منهج الاستدلال على وجود الصانع الحكيم هو المنهج الذي نستخدمه عادةً لإثبات حقائق الحياة اليوميّة والحقائق العلميّة، فما دمنا نثقُ به لإثبات هذه الحقائق، فمن الضروريّ أن نثقُ به بصورة مماثلة لإثبات الصانع الحكيم الذي هو أساس تلك الحقائق جميعاً.
فأنت في حياتك الاعتياديّة حين تتسلّم رسالةً بالبريد فتتعرّف بمجرّد قراءتها على أنَّها من أخيك، وحين تجد أنَّ طبيباً ينجح في علاج حالات مرضيّة كثيرة فتثقُ به وتتعرّف على أنَّه طبيب حاذق، وحين تستعمل إبرة (بنسلين) في عشر حالاتٍ مرضيّةٍ وتصابُ فورَ استعمالها في كلِّ مرّة بأعراض معيّنة متشابهة فتستنتج من ذلك أنَّ في جسمك حسّاسيّةً خاصّةً تجاه مادّة (البنسلين).
أنت في كلِّ هذه الاستدلالات وأشباهها، تستعمل -في الحقيقة- منهج الدليل الاستقرائيّ القائم على حساب الاحتمالات.
والعالِم الطبيعي – في بحثه العلمي- حينما لاحظَ خصائصَ معيّنةً في المجموعة الشمسيّة فيتعرّف في ضوئها على أنَّها كانت أجزاءً من الشمس وانفصلت عنها، وحينما استدلّ على وجود نبتون -أحد أعضاء هذه
ــــــ[30]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
المجموعة- واستخلص ذلك مِن ضبطِ مساراتِ حركاتِ الكواكب قبل أن يكتشف نبتون بالحسّ.
وحينما استدلّ في ضوء ظواهر معيّنة على وجود الألكترون قبل التوصّل إلى المجهر الذرّي.
إنَّ العالِم الطبيعي في كلّ هذه الحالات ونظائرها يستعمل – في الحقيقة- منهج الدليل الاستقرائيّ القائم على حساب الاحتمالات.
وهذا المنهج نفسه هو منهج الدليل الذي نجده فيما يأتي لإثبات الصانع الحكيم، وهذا ما سنراه بكلِّ وضوح عند استعراض ذلك الدليل.
1. تحديد المنهج وخطواته
إنَّ منهج الدليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات، يمكن تلخيصه -إذا توخّينا البساطة والوضوح- في الخطوات الخمس التالية:
أوّلاً: نواجه في مجال الحسّ والتجربة ظواهر عديدة.
ثانياً: ننتقل بعد ملاحظتها وتجميعها إلى مرحلة تفسيرها.
والمطلوب في هذه المرحلة أن نجد فرضيّةً صالحةً لتفسير تلك الظواهر وتبريرها جميعاً. ونقصد بكونها صالحة لتفسير تلك الظواهر: أنَّها إذا كانت ثابتةً في الواقع، فهي تستبطن أو تتناسب مع وجود جميع تلك الظواهر التي هي موجودة فعلاً.
ثالثاً: نلاحظ أنَّ هذه الفرضيّة إذا لم تكن صحيحةً وثابتةً في الواقع، ففرصة تواجد تلك الظواهر كلّها مجتمعةً ضئيلةٌ جدّاً، بمعنى: أنَّه على افتراض عدم صحّة الفرضيّة تكون نسبة احتمال وجودها جميعاً إلى احتمال عدمها – أو عدم واحد منها على الأقلّ- ضئيلةً جدّاً، كواحد في المائة، أو
ــــــ[31]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
واحد في الألف، وهكذا…
رابعاً: نستخلص من ذلك: أنَّ الفرضية صادقة، ويكون دليلنا على صدقها وجود تلك الظواهر التي أحسسنا بوجودها في الخطوة الأُولى.
خامساً: إنَّ درجة إثبات تلك الظواهر للفرضيّة المطروحة في الخطوة الثانية، تتناسب عكسيّاً مع نسبة احتمال وجود تلك الظواهر جميعاً إلى احتمال عدمها(1) على افتراض كذب الفرضيّة. فكلّما كانت هذه النسبةُ أقلَّ، كانت درجةُ الإثبات أكبرَ، حتّى تبلغ في حالاتٍ اعتياديّةٍ كثيرةٍ إلى درجة اليقين الكامل بصحّة الفرضيّة(2).
وفي الحقيقة هناك مقاييس وضوابط دقيقة لقيمة الاحتمال تقوم على أساس نظرية الاحتمال. وفي الحالات الاعتياديّة يطبّق الإنسانُ بصورة فطرية تلك المقاييس والضوابط، تطبيقاً قريباً من الصواب بدرجةٍ كبيرة؛ ولهذا سنكتفي هنا بالاعتماد على التقييم الفطري لقيمة الاحتمال، دون أن ندخل في تفاصيل معقّدة عن الأُسس المنطقية والرياضية لهذا التقييم(3).
هذه هي الخطوات التي نتّبعها عادةً في كلِّ استدلالٍ استقرائيٍّ يقوم على أساس حساب الاحتمال، سواء في مجال الحياة الاعتياديّة، أو على صعيد البحث العلمي، أو في مجال الاستدلال المقبل على الصانع الحكيم سبحانه وتعالى.
ــــــ[32]ـــــــ
(1) نقصد باحتمال عدمها: احتمال عدمها أو عدم واحد منها على الأقلّ. (الماتن).
(2) وفقاً للمرحلة الثانية من الدليل الاستقرائي، لاحظ الأُسس المنطقيّة للاستقراء: 355-410. (الماتن).
(3) من أجل التوسّع يمكنك أن تلاحظ الأُسس المنطقيّة للاستقراء: 146-247. (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1
2. تقييم المنهج
ولنقيّم هذا المنهج من خلال التطبيقات والأمثلة كما وعدنا سابقاً، وسنبدأ بالأمثلة من الحياة الاعتياديّة أوّلاً.
قلنا آنفاً: إنَّك حين تتسلّم رسالةً بالبريد وتقرأها فتتعرّف على أنَّها من أخيك، لا من شخصٍ آخر ممّن يرغب في مواصلتك ومراسلتك، تمارس بذلك استدلالاً استقرائيّاً قائماً على حساب الاحتمال.
ومهما كانت هذه القضيّة -وهي أنَّ الرسالة من قبل أخيك- واضحةً في نظرك، فهي في الحقيقة قضيّةٌ استنتجتَها بدليلٍ استقرائيٍّ وفقاً للمنهج المتقدّم.
فالخطوة الأُولى تواجه فيها ظواهر عديدة، من قبيل: أنَّ الرسالة تحمل اسماً يتطابق مع اسم أخيك تماماً، وقد كُتبت فيها الحروف جميعاً بنفس الطريقة التي يكتب بها (أخوك) الألف والباء والجيم والدال والراء إلى آخر الحروف، وقد نُسّقت الكلمات والفوارق بينها بنفس الطريقة التي اعتادها أخوك، وأُسلوب التعبير ودرجة متانته وما يشتمل عليه من نقاط قوّةٍ أو ضعف، يتماثل مع ما تألفه من أساليب التعبير لدى أخيك، وطريقة الإملاء وبعض الأخطاء الإملائيّة المتواجدة في الرسالة هي نفس الطريقة ونفس الأخطاء التي اعتادها أخوك في كتابته، والمعلومات التي تتحدّث عنها الرسالة هي معلومات يعرفها أخوك عادةً، والرسالة تطلب منك أشياء وتعلن عن آراء تتوافق تماماً مع حاجات أخيك وآرائه التي تعرفها عنه.
هذه هي الظواهر.
ــــــ[33]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
وفي الخطوة الثانية تتساءل: هل الرسالة قد أرسلها أخي إليّ حقّاً، أو أنَّها من شخص آخر يحمل نفس الاسم؟
وهنا تجد أنَّ لديك فرضيّةً صالحةً لتفسير وتبرير كلّ تلك الظواهر، وهي: أن تكون هذه الرسالة من أخيك حقّاً، فإذا كانت من أخيك فمن الطبيعيّ أن تتوافر كلّ تلك المعطيات التي لاحظتها في المرحلة الأُولى.
وفي الخطوة الثالثة تطرح على نفسك السؤال التالي: إذا لم تكن هذه الرسالة من أخي، بل كانت من شخصٍ آخر، فما هي فرصة أن تتواجد فيها كلّ تلك المعطيات والخصائص التي لاحظتُها في الخطوة الأُولى؟
إنَّ هذه الفرصة بحاجة إلى مجموعة كبيرة من الافتراضات؛ لأنَّنا لكي نحصل على كلّ تلك المعطيات والخصائص في هذه الحالة، يجب أن نفترض أنَّ شخصاً آخر يحمل نفس الاسم، ويشابه أخاك تماماً في طريقة رسم كلّ الحروف من الألف والباء والجيم والدال وغيرها، وتنسيق الكلمات، ويشابهه أيضاً في أُسلوب التعبير، وفي مستوى الثقافة اللغويّة والإملائيّة، وفي عدد من المعلومات والحاجات، وفي كثير من الظروف والملابسات.
وهذه مجموعة من الصدف يعتبر احتمال وجودها جميعاً ضئيلاً جدّاً. وكلّما ازداد عدد هذه الصدف التي لابدَّ من افتراضها، تضاءل الاحتمال أكثر فأكثر.
والأُسس المنطقيّة للاستقراء تُعلّمنا كيف نقيس الاحتمال؟ وتفسّر لنا كيف يتضاءل هذا الاحتمال؟ ولماذا يتضاءل تبعاً لازدياد عدد الصدف التي يفترضها؟ ولكن ليس من الضروري أن ندخل في تفاصيل ذلك؛ لأنَّها معقّدة وصعبة الفهم على القارئ الاعتيادي.
ــــــ[34]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
ومن حسن الحظّ أنَّ ضآلة الاحتمال لا تتوقّف على فهم تلك التفاصيل، كما لا يتوقّف سقوط الإنسان من أعلى إلى الأرض على فهمه لقوّة الجذب واطّلاعه على المعادلة العلميّة لقانون الجاذبيّة، فلستَ بحاجة إلى شيءٍ لكي تحسّ بأنَّ احتمال أن يتواجد شخص يشابه أخاك في كلِّ تلك الظروف والحالات بعيدٌ جدّاً، وليس البنك بحاجة إلى استيعاب الأُسس المنطقيّة للاستقراء لكي يعرف أنَّ درجة احتمال أن يسحب كلُّ زبائنه ودائعهم في وقتٍ واحد ضئيلٌ جدّاً، بينما احتمال أن يسحب واحدٌ أو اثنان ليس كذلك.
وفي الخطوة الرابعة تقول: ما دام تواجد كلّ هذه الظواهر في الرسالة أمراً غير محتمل إلَّا بدرجةٍ ضئيلةٍ جدّاً، على افتراض أنَّ الرسالة ليست من أخيك، فمن المرجّح بدرجةٍ كبيرةٍ – بحكم تواجد هذه الظواهر فعلاً- أن تكون الرسالة من أخيك.
وفي الخطوة الخامسة تربط بين الترجيح الذي قرّرته في الخطوة الرابعة
– ومؤدّاه: أنَّ الرسالة قد أُرسلت من أخيك- وبين ضآلة الاحتمال التي قرّرتها في الخطوة الثالثة، وهي ضآلة احتمال أن تتواجد كلّ تلك الظواهر في الرسالة بدون أن تكون من أخيك.
ويعني الربط بين هاتين الخطوتين: أنَّ درجة ذلك الترجيح تتناسب عكسيّاً مع ضآلة هذا الاحتمال. فكلّما كان هذا الاحتمالُ أقلَّ درجةً، كان ذلك الترجيح أكبر قيمةً وأقوى إقناعاً. وإذا لم تكن هناك قرائنُ عكسيّةٌ تنفي أن تكون الرسالة من أخيك، فسوف تنتهي من هذه الخطوات الخمس إلى القناعة الكاملة بأنَّ الرسالة من أخيك.
هذا مثال من الحياة اليوميّة لكلِّ إنسان.
ــــــ[35]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
ولنأخذ مثالاً آخر للمنهج من طرائق العلماء في الاستدلال على النظريّة العلميّة وإثباتها.
وليكن هذا المثال نظريّة نشوء الكواكب السيّارة، ونصّها: أنَّ الكواكب السيّارة التسع أصلها من الشمس، حيث انفصلت عنها كقطعٍ ملتهبةٍ قبل ملايين السنين، والعلماء يتّفقون – على العموم- في أصل النظريّة، ويختلفون في سبب انفصال تلك القِطَع عن الشمس.
والاستدلال على أصل النظريّة التي يتّفقون عليها يتمّ ضمن الخطوات التالية:
الخطوة الأُولى: لاحَظَ فيها العلماء عدّة ظواهر أدركوها بوسائل الحسّ والتجربة:
1. منها: أنَّ حركة الأرض حول الشمس منسجمةٌ مع حركة الشمس حول نفسها، كلٌّ منها مِن غربٍ لشرق.
2. ومنها: أنَّ دوران الأرض حول نفسها متوافقٌ مع دوران الشمس حول نفسها، أي: مِن غربٍ لشرق.
3. ومنها: أنَّ الأرض تدور حول الشمس في مدارٍ يوازي خطّ استواء الشمس، بحيث تكون الشمس كقطب والأرض نقطةً واقعةً على الرحى.
4. ومنها: أنَّ نفس العناصر التي تتألّف منها الأرض موجودةٌ في الشمس تقريباً.
5. ومنها: أنَّ هناك توافقاً بين نسب العناصر من ناحية الكمّ بين الشمس والأرض، فالهيدروجين مثلاً هو العنصر السائد فيهما معاً.
6. ومنها: أنَّ هناك انسجاماً بين سرعة دوران الأرض حول الشمس
ــــــ[36]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
وحول نفسها وبين سرعة دوران الشمس حول نفسها.
7. ومنها: أنَّ هناك انسجاماً بين عمرَي الأرض والشمس، حسب تقدير العلم لعمر كلٍّ منهما.
8. ومنها: أنَّ باطن الأرض ساخن، وهذا يثبت أنَّ الأرض في بداية نشوئها كانت حارّةً جدّاً.
هذه بعض الظواهر التي لاحَظَها العلماءُ في الخطوة الأُولى بوسائل الحسّ والتجربة.
الخطوة الثانية: وجد العلماء أنَّ هناك فرضيّةً يمكن أن تفسَّر بها كلّ تلك الظواهر التي لوحظت في الخطوة الأُولى، بمعنى: أنَّها إذا كانت ثابتةً في الواقع فهي تستبطن هذه الظواهر جميعاً وتبرّرها، وهذه الفرضيّة هي: أنَّ الأرض كانت جزءاً من الشمس، وانفصلت عنها لسببٍ من الأسباب، فإنَّه على هذا التقدير يُتاح لنا أن نفسّر على أساس ذلك الظواهر المتقدّمة.
أمّا الظاهرة الأُولى: وهي أنَّ حركة الأرض حول الشمس منسجمة مع حركة الشمس حول نفسها؛ لأنَّ كلاً منهما من غربٍ لشرق، فلأنَّ سبب هذا التوافق في الحركة يصبح واضحاً على تقدير صحّة تلك الفرضيّة؛ لأنَّ أيّ جسم يدور، إذا انفصلت منه قطعة وبقيت منشدّةً إليه بخيطٍ أو غيره، فإنَّها تدور بنفس اتّجاه الأصل؛ بمقتضى قانون الاستمراريّة.
وأمّا الظاهرة الثانية: وهي أنَّ دوران الأرض حول نفسها متوافقٌ مع دوران الشمس حول نفسها، أي: من غربٍ لشرق، فالفرضيّة المذكورة تكفي لتفسيرها أيضاً؛ لأنَّ الجسم المنفصل من جسمٍ يدور من غرب لشرق، يأخذ نفسَ حركتِه؛ بمقتضى قانون الاستمراريّة.
ــــــ[37]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
وكذلك الأمر في الظاهرة الثالثة أيضاً.
وأمّا الظاهرة الرابعة والخامسة اللتان تعبّران عن توافق الأرض والشمس في العناصر وفي نسبها: فهما مفهومتان بوضوحٍ على أساس أنَّ الأرض جزءٌ من الشمس؛ لأنَّ عناصر الجزء نفس عناصر الكلّ.
وأمّا الظاهرة السادسة: وهي الانسجام بين سرعة دوران الأرض حول الشمس وحول نفسها وبين سرعة دوران الشمس حول نفسها، فقد عرفنا أنَّ فرضيّة انفصال الأرض من الشمس تعني أنَّ حركتي الأرض ناشئتان من حركة الشمس، وهذا يفسّر لنا الانسجامَ المذكورَ ويحدّدُ سبَبه.
وأمّا الظاهرة السابعة: وهي الانسجام بين عمرَي الأرض والشمس، فمن الواضح تفسيرها على أساس نظريّة الانفصال.
وكذلك الأمر في الظاهرة الثامنة التي يبدو منها أنَّ الأرض في بداية نشوئها كانت حارّةً جدّاً، فإنَّ فرضيّة انفصالها عن الشمس تستبطن ذلك.
الخطوة الثالثة: يلاحَظ أنَّه على افتراض أنَّ نظريّة انفصال الأرض من الشمس ليست صحيحةً، فمن البعيد أن تتواجد كلُّ تلك الظواهر وتتجمّع؛ لأنَّها تكون مجموعةً من الصدف التي ليس بينها ترابطٌ مفهوم، فاحتمال تواجدها جميعاً – على تقدير عدم صحّة النظريّة المذكورة- ضئيلٌ جدّاً؛ لأنَّ هذا الاحتمال يتطلّب منّا مجموعةً كبيرةً من الافتراضات لكي نفسِّر تلك الظواهر جميعاً.
فبالنسبة إلى انسجام حركة الأرض حول الشمس مع حركة الشمس حول نفسها في أنَّها من غربٍ لشرق، لابدَّ أن نفترض أنَّ الأرض كانت جرماً بعيداً عن الشمس، سواء خُلقت وحدها أو كانت جزءاً من شمسٍ أُخرى
ــــــ[38]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
انفصلتْ عنها ثُمَّ اقتربت من الشمس.
ونفترض أيضاً أنَّ الأرض المنطلقة حينما دخلت في مدارها حول الشمس، دخلت في نقطةٍ تقع في غرب الشمس، فتدور حينئذٍ من غربٍ لشرق، أي: مع اتّجاه حركة الشمس حول نفسها؛ إذ لو كانت قد دخلتْ في مدار الشمس في نقطةٍ تقع في شرق الشمس لكانت تدور من شرقٍ لغرب.
وبالنسبة إلى التوافق بين حركة الأرض حول نفسها ودوران الشمس حول نفسها في أنَّ الاتّجاه من غربٍ لشرق، نفترض مثلاً: أنَّ الشمس الأُخرى التي انفصلتْ عنها الأرض افتراضاً، كانت تدور من غربٍ لشرق.
وبالنسبة إلى دوران الأرض حول الشمس في مدارٍ يوازي خطَّ استواء الشمس، نفترض مثلاً: أنَّ الشمس الأُخرى التي انفصلتْ عنها الأرض كانت واقعةً في نقطةٍ عموديّةٍ على خطّ الاستواء للشمس.
وبالنسبة إلى توافق الأرض والشمس في العناصر وفي نسبها، لابدَّ أن نفترض أنَّ الأرض أو الشمس الأُخرى التي انفصلت عنها الأرض قد كانت تشتمل على نفس عناصر هذه الشمس وبنسبٍ متشابهة.
وبالنسبة إلى الانسجام بين سرعة دوران الأرض حول الشمس وحول نفسها وبين سرعة دوران الشمس حول نفسها، نفترض مثلاً: أنَّ الشمس الأُخرى التي انفصلت عنها الأرض، انفجرت بنحوٍ أعطت للأرض المنفصلة نفس السرعة التي تتناسب مع حركة شمسنا.
وبالنسبة إلى الانسجام بين عمرَي الأرض والشمس وحرارة الأرض في بداية نشوئها، نفترض مثلاً: أنَّ الأرض كانت قد انفصلت عن شمسٍ أُخرى لها نفس عمر شمسنا، وأنَّها انفصلت على نحوٍ أدّى إلى حرارتها بدرجةٍ كبيرةٍ جدّاً.
ــــــ[39]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
وهكذا نلاحظ أنَّ تواجد جميع تلك الظواهر على تقدير عدم صحّة فرضيّة الانفصال، يحتاجُ إلى افتراض مجموعةٍ من الصدف التي يُعتبر احتمالُ وجودِها جميعاً ضئيلاًَ جدّاً، بينما فرضيّة الانفصال وحدها كافيةٌ لتفسير كلّ تلك الظواهر والربط بينها.
وفي الخطوة الرابعة نقول: ما دام تواجد كلّ هذ الظواهر الملحوظة في الأرض أمراً غير محتمل إلَّا بدرجة ضئيلة جدّاً؛ على افتراض أنَّ الأرض ليست منفصلةً عن هذه الشمس، فمن المرجّح بدرجةٍ كبيرة -بحكم تواجد هذه الظواهر فعلاً- أن تكون الأرض منفصلةً عن الشمس.
وفي الخطوة الخامسة: يُربط بين ترجيح فرضيّة انفصال الأرض عن هذه الشمس – كما تقرّرَ في الخطوة الرابعة- وبين ضآلة احتمال أن تتواجد كلّ تلك الظواهر في الأرض بدون أن تكون منفصلةً عن هذه الشمس، كما تقرّر في الخطوة الثالثة. ويعني الربط بين هاتين الخطوتين: أنَّه كلّما كانت ضآلة الاحتمال الموضّحة في الخطوة الثالثة أشدّ، كان الترجيح الموضّح في الخطوة الرابعة أكبر.
وعلى هذا الأساس نستدلّ على نظريّة انفصال الأرض والشمس، وبهذا المنهج حصل العلماء على قناعة كاملة بذلك.
كيف نطبّق المنهج لإثبات الصانع؟
بعد أن عرفنا المنهج العامّ للدليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات، وبعد أن قيّمنا هذا المنهج من خلال تطبيقاته المتقدّمة، نمارس تطبيقه الآن على الاستدلال لإثبات الصانع الحكيم؛ وذلك باتّباع نفس الخطوات السابقة:
ــــــ[40]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
الخطوة الأُولى
نلاحظ توافقاً مطّرداً بين عدد كبير وهائل من الظواهر المنتظمة وبين حاجة الإنسان ككائن حيّ وتيسير الحياة له، على نحوٍ نجد أنَّ أيّ بديل لظاهرة من تلك الظواهر يعني انطفاء حياة الإنسان على الأرض أو شلّها.
وفيما يلي نذكر عدداً من تلك الظواهر كأمثلة:
تتلقّى الأرض من الشمس كمّيةً من الحرارة تمدّها بالدفء الكافي لنشوء الحياة وإشباع حاجة الكائن الحيّ إلى الحرارة، لا أكثر ولا أقلّ.
وقد لوحظ علميّاً: أنَّ المسافة التي تفصل بين الأرض والشمس تتوافق توافقاً كاملاً مع كمّية الحرارة المطلوبة من أجل الحياة على هذه الأرض، فلو كانت ضعف ما عليها الآن لَما وجدت حرارة بالشكل الذي يتيح الحياة، ولو كانت نصف ما عليها الآن لتضاعفت الحرارة إلى الدرجة التي لا تطيقها حياة.
ونلاحظ: أنَّ قشرة الأرض والمحيطات تحتجز -على شكل مركّبات- الجزء الأعظم من الأوكسجين، حتّى إنَّه يكوّن ثمانيةً من عشرة من جميع المياه في العالم، وعلى الرغم من ذلك ومن شدّة تجاوب الأوكسجين من الناحية الكيمياويّة للاندماج على هذا النحو، فقد ظلّ جزءٌ محدود منه طليقاً يساهم في تكوين الهواء، وهذا الجزء يحقّق شرطاً ضروريّاً من شروط الحياة؛ لأنَّ الكائنات الحيّة -من إنسان وحيوان- بحاجةٍ ضروريّةٍ إلى أوكسجين لكي تتنفّس، ولو قُدّر له أن يُحتجز كلُّه ضمن مركّبات لَما أمكن للحياة أن توجد.
وقد لوحظ: أنَّ نسبةَ ما هو طليقٌ من هذا العنصر تتطابق تماماً مع حاجة الإنسان وتيسير حياته العمليّة، فالهواء يشتمل على 21 % من
ــــــ[41]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
الأوكسجين، ولو كان يشتمل على نسبة كبيرة لتعرّضت البيئة إلى حرائق شاملة باستمرار، ولو كان يشتمل على نسبة صغيرة لتعذّرت الحياة أو أصبحت صعبة، ولَما توفّرت النار بالدرجة الكافية لتيسير مهمّاتها.
ونلاحظ ظاهرةً طبيعيّةً تتكرّر باستمرار ملايين المرّات على مرّ الزمن، تُنتج الحفاظ على قدرَ معيّن من الأوكسجين باستمرار، وهي: أنَّ الإنسان – والحيوان عموماً- حينما يتنفّس الهواء ويستنشق الأوكسجين يتلقّاه الدمُ ويوزَّعُ في جميع أرجاء الجسم، ويباشر هذا الأوكسجين في حرق الطعام، وبهذا يتولّد ثاني أوكسيد الكربون الذي يتسلّل إلى الرئتين ثُمَّ يلفظه الإنسان، وبهذا يُنتج الإنسان وغيره من الحيوانات هذا الغاز باستمرار، وهذا الغاز بنفسه شرطٌ ضروريٌّ لحياة كلّ نبات، والنبات بدوره حين يستمدّ ثاني أوكسيد الكربون يفصل الأوكسجين منه ويلفظه ليعود نقيّاً صالحاً للاستنشاق من جديد.
وبهذا التبادل بين الحيوان والنبات، أمكن الاحتفاظ بكمّية من الأوكسجين، ولولا ذلك لتعذّر هذا العنصر وتعذّرت الحياة على الإنسان نهائيّاً.
إنَّ هذا التبادل نتيجة آلاف من الظواهر الطبيعيّة التي تجمّعت حتّى أنتجت هذه الظاهرة التي تتوافق بصورة كاملة مع متطلّبات الحياة.
ونلاحظ: أنَّ النتروجين بوصفه غازاً ثقيلاً أقرب إلى الجمود، يقوم عند انضمامه إلى الأوكسجين في الهواء بتخفيفه بالصورة المطلوبة للاستفادة منه.
ويلاحَظ هنا: أنَّ كمّية الأوكسجين التي ظلّت طليقةً في الفضاء، وكمّية النتروجين التي ظلّت كذلك منسجمتان تماماً، بمعنى: أنَّ الكمّية الأُولى هي
ــــــ[42]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
التي يمكن للكمّية الثانية أن تخفّفها، فلو زاد الأوكسجين أو قلّ النتروجين لَما تمّت عمليّة التخفيف المطلوبة.
ونلاحظ: أنَّ الهواء كمّية محدودة في الأرض قد لا يزيد على جزء من مليون من كتلة الكرة الأرضيّة، وهذه الكمّية بالضبط تتوافق مع تيسير الحياة للإنسان على الأرض، فلو زادت نسبة الهواء على ذلك أو قلّت لتعذّرت الحياة أو تعسّرت، فإنَّ زيادتها تعني: ازدياد ضغط الهواء على الإنسان الذي قد يصل إلى ما لا يُطاق، وقلّتها تعني: فسح المجال للشهب التي تترى في كلّ يوم لإهلاك مَن على الأرض واختراقها بسهولة.
ونلاحظ: أنَّ قشرة الأرض التي كانت تمتصّ ثاني أوكسيد الكربون والأوكسجين محدّدة على نحوٍ لا يتيح لها أن تمتصّ كلّ هذا الغاز، ولو كانت أكثر سمكاً لامتصّته، ولهلك النبات والحيوان والإنسان.
ونلاحظ: أنَّ القمر يبعد عن الأرض مسافةً محدّدةً، وهي تتوافق تماماً مع تيسير الحياة العمليّة للإنسان على الأرض، ولو كان يبعد عنّا مسافةً قصيرةً نسبيّاً لتضاعف المدّ الذي يُحدثه، وأصبح من القوّة على نحوٍ يزيح الجبال من مواضعها.
ونلاحظ: وجود غرائزَ كثيرةٍ في الكائنات الحيّة المتنوّعة، ولئن كانت الغريزة مفهوماً غيبيّاً لا يقبل الملاحظة والإحساس المباشر، فما تُعبِّر عنه تلك الغرائز مِن سلوكٍ، ليس غيبيّاً، بل يعتَبر ظاهرةً قابلةً للملاحظة العلميّة تماماً. وهذا السلوك الغريزيّ – في آلاف الغرائز التي تعرّف عليها الإنسان في حياته الاعتياديّة أو في بحوثه العلميّة- يتوافق باستمرار مع تيسير الحياة وحمايتها، وإنَّه يبلغ أحياناً إلى درجة كبيرة من التعقيد والإتقان، وحينما نقسّم ذلك
ــــــ[43]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
السلوك إلى وحدات نجد أنَّ كلّ وحدة قد وضعت في الموضع المنسجم تماماً مع مهمّة تيسير الحياة وحمايتها.
والتركيب الفسلجي للإنسان يمثّل ملايين من الظواهر الطبيعيّة والفسلجيّة، وكلّ ظاهرة في تكوينها ودورها الفسيولوجيّ وترابطها مع سائر الظواهر تتوافق باستمرار مع مهمّة تيسير الحياة وحمايتها.
فمثلاً: نأخذ مجموعة الظواهر التي ترابطت على نحوٍ يتوافق تماماً مع مهمّة الإبصار وتيسير الإحساس بالأشياء بالصورة المفيدة.
إنَّ عدسة العين تُلقي صورةً على الشبكيّة التي تتكوّن من تسع طبقات، وتحتوي الطبقة الأخيرة منها على ملايين الأعواد والمخروطات، قد رتّبت جميعاً في تسلسل يتوافق مع أداء مهمّة الإبصار، من حيث علاقات بعضها بالبعض الآخر وعلاقاتها جميعاً بالعدسة، إذا استثنينا شيئاً واحداً وهو: أنَّ الصورة تنعكس عليها مقلوبة، غير أنَّه استثناء مؤقّت؛ فإنَّ الإبصار لم يربط بهذه المرحلة لكي نحسّ بالأشياء وهي مقلوبة، بل أُعيد تنظيم الصورة في ملايين أُخرى من خويطات الأعصاب المؤدّية إلى المخّ حتّى أخذت وضعها الطبيعي، وعند ذلك فقط تتمّ عمليّة الإبصار، وتكون عندئذٍ متوافقةً بصورةٍ كاملةٍ مع تيسير الحياة.
حتّى الجمال والعطر والبهاء كظواهر طبيعيّة، نجد أنَّها تتواجد في المواطن التي يتوافق تواجدها فيها مع مهمّة تيسير الحياة ويؤدّي دوراً في ذلك، فالأزهار التي ترك تلقيحها للحشرات لوحظ أنَّها قد زُوّدت بعناصر الجمال والجذب من اللون الزاهي والعطر المغري بنحوٍ يتّفق مع جذب الحشرة إلى الزهرة وتيسير عمليّة التلقيح، بينما لا تتمّيز الأزهار التي يَحمل الهواءُ
ــــــ[44]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
لقاحَها عادةً بعناصر الإغراء. وظاهرة الزوجيّة على العموم والتطابق الكامل بين التركيب الفسلجي للذكر والتركيب الفسلجي لأُنثاه في الإنسان وأقسام الحيوان والنبات على النحو الذي يضمن التفاعل واستمرار الحياة، مظهرٌ كونيٌّ آخرُ للتوافق بين الطبيعة ومهمّة تيسير الحياة {وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا إنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}(1). هذه هي الخطوة الأُولى.
الخطوة الثانية
نجد أنَّ هذا التوافق المستمرّ بين الظاهرة الطبيعيّة ومهمّة ضمان الحياة وتيسيرها في ملايين الحالات، يمكن أن يفسَّر في جميع هذه المواقع بفرضيّةٍ واحدة، وهي: أن نفترضَ صانعاً حكيماً لهذا الكون، قد استهدفَ أن يوفّر في هذه الأرض عناصرَ الحياة ويُيسِّر مهمّتَها، فإنَّ هذه الفرضيّة تستبطنُ كلَّ هذه التوافقات.
الخطوة الثالثة
نتساءل: إذا لم تكن فرضيّة الصانع الحكيم ثابتةً في الواقع، فما هو مدى احتمال أن تتواجد كلُّ تلك التوافقات بين الظواهر الطبيعيّة ومهمّة تيسير الحياة، دون أن يكون هناك هدفٌ مقصود؟
ومن الواضح: أنَّ احتمال ذلك، يعني افتراض مجموعة هائلة مِن الصُّدَف، وإذا كان احتمال أن تكون الرسالة المُبْرَدَة إليك- في مثالٍ سابق- مِن شخصٍ آخر غير أخيك ولكنّه يشابهه في كلّ الصفات، بعيداً جدّاً؛ لأنَّ افتراض المشابهة في ألفِ صفةٍ ضئيلٌ بدرجةٍ كبيرةٍ في حساب الاحتمالات، فما
ــــــ[45]ـــــــ
(1) سورة إبراهيم، الآية: 43.
الفتاوى الواضحة ج1
ظنُّك باحتمال أن تكون هذه الأرض التي نعيش عليها بكلِّ ما تضمُّه، مِن صنع مادّةٍ غير هادفة ولكنّها تشابه الفاعلَ الهادفَ الحكيمَ في ملايين ملايين الصفات؟
الخطوة الرابعة
نرجِّح بدرجةٍ لا يشوبها الشكّ: أن تكون الفرضيّة التي طرحناها في الخطوة الثانية صحيحةً، أي: أنَّ هناك صانعاً حكيماً.
الخطوة الخامسة
نربط بين هذا الترجيح وبين ضآلة الاحتمال التي قرّرناها في الخطوة الثالثة.
ولمّا كان الاحتمال في الخطوة الثالثة يزداد ضآلةً كلّما ازداد عدد الصُّدَف التي لابدَّ من افتراضها فيه -كما عرفنا سابقاً- فمن الطبيعيّ أن يكون هذا الاحتمال ضئيلاً بدرجةٍ لا تماثلها احتمالات الخطوة الثالثة في الاستدلال على أيّ قانونٍ علميّ؛ لأنَّ عدد الصُّدف التي لابدَّ من افتراضها في احتمال الخطوة الثالثة هنا أكثر مِن عددها في أيّ احتمالٍ مناظر، وكلّ احتمالٍ من هذا القبيل فمن الضروريّ أن يزول(1).
ــــــ[46]ـــــــ
(1) بقيت‏ مشكلتان‏ لابدَّ من تذليلهما:
إحداهما: أنَّه قد يلاحظ: أنَّ البديل المحتمل لفرضيّة الصانع الحكيم تبعاً لمنهج الدليل الاستقرائي هو أن تكون كلّ ظاهرةٍ من الظواهر المتوافقة مع مهمّة تيسير الحياة ناتجةً عن ضرورة عمياء في المادّة، بأن تكون المادّة بطبيعتها وبحكم تناقضاتها الداخليّة وفاعليّتها الذاتيّة هي السبب فيما يحدث لها من تلك الظواهر.
والمقصود من الدليل الاستقرائي: تفضيل فرضيّة الصانع الحكيم على البديل المحتمل؛ لأنَّ تلك لا تستبطن إلَّا افتراضاً واحداً وهو افتراض الذات الحكيمة، بينما البديلُ يفترضُ ضروراتٍ عمياء في المادّة بعدد الظواهر موضوعة البحث، فيكون احتمال البديل احتمالاً لعددٍ كبيرٍ من الوقائع والصُّدف، فيتضاءل حتّى يفنى. غير أنَّ هذا إنَّما يتمّ إذا لم تكن فرضيّة الصانع الحكيم مستبطنةً لعدد كبير من الوقائع والصُّدف أيضاً، مع أنَّه قد يبدو أنَّها مستبطنة لذلك؛ لأنَّ الصانع الحكيم الذي يفسّر كلّ تلك الظواهر في الكون، يجب أن نفترض فيه علوماً وقدراتٍ بعدد تلك الظواهر. وبهذا كان العدد الذي تستبطنه هذه الفرضيّة من هذه العلوم والقدرات، بقدر ما يستبطنه البديل مِن افتراض ضروراتٍ عمياء، فأين التفضيل؟
والجواب: إنَّ التفضيل ينشأ من أنَّ هذه الضرورات العمياء غير مترابطة، بمعنى: أنَّ افتراض أيّ واحدةٍ منها يعتبَر حياديّاً تجاه افتراض الضرورة الأُخرى وعدمها، وهذا يعني – في لغة حساب الاحتمال- أنَّها حوادثُ مستقلّة، وأنَّ احتمالاتها احتمالاتٌ مستقلّة.
وأمّا العلوم والقدرات التي يتطلّبها افتراض الصانع الحكيم للظواهر موضوعة البحث، فهي ليست مستقلّة؛ لأنَّ ما يتطلّبه صنع بعض الظواهر مِن علم وقدرة، هو نفس ما يتطلّبه صنع بعضٍ آخر مِن علم وقدرة، فافتراض بعض تلك العلوم والقدرات ليس حياديّاً تجاه افتراض البعض الآخر، بل يستبطنه أو يرجّحه بدرجةٍ كبيرة، وهذا يعني – بلغة حساب الاحتمال- أنَّ احتمالات هذه المجموعة من العلوم والقدرات مشروطة، أي: أنَّ احتمال بعضها -على تقدير افتراض بعضها الآخر- كبيرٌ جدّاً، وكثيراً ما يكون يقيناً.
وحينما نريد أن نقيّم احتمال مجموعة هذه العلوم والقدرات واحتمال مجموعة تلك الضرورات ونوازن بين قيمتي الاحتمالين، يجب أن نتّبع قاعدة ضرب الاحتمال المقرّرة في حساب الاحتمال، بأن نضرب قيمة احتمال كلّ عضوٍ في المجموعة بقيمة احتمال عضوٍ آخر فيها، وهكذا. والضرب – كما نعلم- يؤدّي إلى تضاؤل الاحتمال. وكلّما كانت عوامل الضرب أقلّ عدداً، كان التضاؤل أقلّ. وقاعدة الضرب في الاحتمالات المشروطة والاحتمالات المستقلّة تبرهن رياضيّاً على: أنَّ في الاحتمالات المشروطة يجب أن نضرب قيمة احتمال عضوٍ بقيمة احتمال عضوٍ آخر، على افتراض وجود العضو الأوّل، وهو كثيراً ما يكون يقيناً أو قريباً من اليقين، فلا يؤدّي الضرب إلى تقليل الاحتمال إطلاقاً، أو إلى تقليله بدرجةٍ ضئيلةٍ جدّاً، خلافاً للاحتمالات المستقلّة التي يكون كلّ واحدٍ منها حياديّاً تجاه الاحتمال الآخر، فإنَّ الضرب هناك يؤدّي إلى تناقض القيمة بصورة هائلة، ومن هنا ينشأ تفضيل أحد الافتراضين على الآخر. (من أجل توضيح قاعدة الضرب في الاحتمالات المشروطة والمستقلّة راجع كتاب: الأُسس المنطقيّة للاستقراء: 153-154).
والمشكلة الأُخرى: هي المشكلة التي تنجم عن تحديد قيمة الاحتمال القبلي للقضيّة المستدلّة استقرائيّاً.
ولتوضيح ذلك يقارن بين تطبيق الدليل الاستقرائي لإثبات الصانع، وتطبيقه في المثال السابق لإثبات أنَّ الرسالة التي تسلّمتَها بالبريد هي من أخيك.
ويقال بصدد هذه المقارنة: إنَّ سرعة اعتقاد الإنسان في هذا المثال بأنَّ الرسالة قد أرسلها أخوه، تتأثّر بدرجة احتمال هذه القضيّة قبل أن يفضّ الرسالة ويقرأها، وهو ما نسمّيه بالاحتمال القبلي للقضيّة.
فإذا كان قبل أن يفتح الرسالة يحتمل بدرجة خمسين في المئة -مثلاً- أنَّ أخاه يبعث إليه برسالة، فسوف يكون اعتقاده بأنَّ الرسالة من أخيه وفق الخطوات الخمس للدليل الاستقرائي سريعاً، بينما إذا كان مسبقاً لا يحتمل أن يتلقّى رسالةً من أخيه بدرجةٍ معتدّ بها؛ إذ يغلب على ظنّه مثلاً- بدرجةٍ عاليةٍ من الاحتمال- أنَّه قد مات، فلن يسرع إلى الاعتقاد بأنَّ الرسالة من أخيه ما لم يحصل على قرائن مؤكّدة، فما هو السبيل في مجال إثبات الصانع لقياس الاحتمال القبلي للقضيّة؟
والحقيقة: أنَّ قضيّة الصانع الحكيم سبحانه ليست محتملة، وإنَّما هي مؤكّدة بحكم الفطرة والوجدان، ولكن لو افترضنا أنَّها قضيّة محتملة نريد إثباتها بالدليل الاستقرائي فيمكن أن نقدّر قيمة الاحتمال القبلي بالطريقة التالية:
نأخذ كلّ ظاهرة من الظواهر موضوعة البحث بصورة مستقلّة، فنجد أنَّ هناك افتراضين يمكن أن نفسّرها بأيّ واحدٍ منهما، أحدهما: افتراض صانعٍ حكيم، والآخر: افتراض ضرورةٍ عمياء في المادّة. وما دمنا أمام افتراضَين ولا نملك أيَّ مبرّر مسبَق لترجيح أحدهما على الآخر، فيجب أن نقسّم رقم اليقين عليهما بالتساوي، فتكون قيمة كلّ واحد منهما خمسين في المئة، ولمّا كانت الاحتمالات التي في صالح فرضيّة الصانع الحكيم مترابطةً ومشروطةً، والاحتمالات التي في صالح فرضيّة الضرورة العمياء مستقلّةً وغير مشروطة؛ فالضرب يؤدّي باستمرار إلى تضاؤلٍ شديدٍ في احتمال فرضيّة الضرورة العمياء، وتصاعدٍ مستمرٍّ في احتمال فرضيّة الصانع الحكيم.
والذي لاحظتُه بعد تتبّع وجهد: أنَّ السبب الذي جعل الدليل الاستقرائي العلمي لإثبات الصانع تعالى لا يلقى قبولاً عامّاً على صعيد الفكر الأوروبي وينكره فلاسفة كبار من أمثال (رَسل) هو عدم قدرة هؤلاء المفكّرين على التغلّب على هاتين النقطتين اللتين أشرنا هنا إلى الطريقة التي يتمّ التغلب بها عليهما.
ومن أجل التوسّع والتعمّق في كيفيّة تطبيق مناهج الدليل الاستقرائي لإثبات الصانع مع التغلّب على هاتين النقطتين، يمكن أن يراجع كتاب: الأُسس المنطقيّة للاستقراء: 441-451. (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1
وهكذا نصل إلى النتيجة القاطعة: وهي أنَّ للكون صانعاً حكيماً بدلالة كلّ ما في هذا الكون من آيات الاتّساق والتدبير: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا في الآفَاقِ وَفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنّهُ الْحَقُّ أوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنّه عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ}(1).
{إنَّ في خَلْقِ السَّماوَاتِ وَالأرْضِ وَاختِلافِ اللَيْلِ وَالنَّهَارِ والفُلْكِ الَّتي تَجْري في البَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاء فَأحيَى بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
ــــــ[49]ـــــــ
(1) سورة فصّلت، الآية: 53.
الفتاوى الواضحة ج1
وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَتَصْريفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْم يَعْقِلُونَ}(1).
{فَارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور * ثُمّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ}(2).
ــــــ[50]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 164.
(2) سورة الملك، الآيتان: 3-4.
الفتاوى الواضحة ج1 

الدليل الفلسفي
قبل أن ندخل في الحديث عن الدليل الفلسفي على إثبات الصانع سبحانه وتعالى، يجب أن نتساءل: ما هو الدليل الفلسفي؟ وما الفرق بينه وبين الدليل العلمي؟ وما هي أقسام الدليل؟
إنَّ الدليل ينقسم إلى ثلاثة أقسام، وهي: الدليل الرياضي، والدليل العلمي، والدليل الفلسفي.
فالدليل الرياضي: هو الدليل الذي يُستعمل في مجال الرياضيّات البحتة والمنطق الصوري -الشكلي- ويقوم هذا الدليل دائماً على مبدأ أساسي، وهو مبدأٌ عدم التناقض القائل: إنَّ >أ< هي >أ<، ولا يمكن أن لا تكون >أ<، فكلّ دليلٍ يستند إلى هذا المبدأ وما يتفرّع عنه من نتائج فقط، نطلق عليه اسم الدليل الرياضي، وهو يحظى بثقةٍ من الجميع.
والدليل العلمي: هو الدليل الذي يُستعمل في مجال العلوم الطبيعيّة، ويعتمد على المعلومات التي يمكن إثباتها بالحسّ أو الاستقراء العلمي، إضافةً إلى مبادئ الدليل الرياضي.
والدليل الفلسفي: هو الدليل الذي يعتمد لإثبات واقعٍ موضوعيّ في العالم الخارجي على معلومات عقليّة – المعلومات العقليّة: هي المعلومات التي لا تحتاج إلى إحساس وتجربة- إضافةً إلى مبادئ الدليل الرياضي.
وهذا لا يعني بالضرورة أنَّ الدليل الفلسفي لا يعتمد على معلومات
ــــــ[51]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
حسّية أو استقرائيّة، وإنَّما يعني أنَّه لا يكتفي بها، بل يعتمد إلى جانب هذا – أو بصورة مستقلّة عن ذلك- على معلومات عقليّة أُخرى في إطار الاستدلال على القضيّة التي يريد إثباتها.
فالدليل الفلسفي – إذن- يختلف عن الدليل العلمي في تعامله مع معلومات عقليّة لا تدخل في نطاق مبادئ الدليل الرياضي.
وعلى أساس ما قدّمناه من مفهوم الدليل الفلسفي، قد نواجه السؤال التالي: هل بالإمكان الاعتماد على المعلومات العقليّة – أي: على الأفكار التي يوحي بها العقل- بدون حاجةٍ إلى إحساسٍ وتجربةٍ أو استقراءٍ علميّ؟
والجواب على ذلك بالإيجاب؛ فإنَّ هناك في معلوماتنا ما يحظى بثقة الجميع، كمبدأ عدم التناقض الذي تقوم عليه كلُّ الرياضيّات البحتة، وهو مبدأٌ يقوم إيماننا به على أساسٍ عقليّ، وليس على أساس الشواهد والتجارب في مجال الاستقراء.
والدليل على ذلك: أنَّ درجة اعتقادنا بهذا المبدأ، لا تتأثّر بعدد التجارب والشواهد التي تتطابق معها.
ولنأخذ تطبيقاً حسابيّاً واضحاً لهذا المبدأ، وهو التطبيق القائل:
2 + 2 = 4
فإنَّ اعتقادنا بصحّة هذه المعادلة الحسابيّة البسيطة اعتقادٌ راسخٌ لا يزداد بملاحظة الشواهد، بل إنَّنا لسنا مستعدّين للاستماع إلى أيّ شاهد عكسيّ، ولن نصدّق لو قيل لنا: إنَّ اثنين زائداً اثنين يساوي – في حالة فريدة- خمسة أو ثلاثة، وهذا يعني أنَّ اعتقادنا بتلك الحقيقة ليس مرتبطاً بالإحساس والتجربة، وإلَّا لتأثّر بهما إيجاباً وسلباً.
ــــــ[52]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
فإذا كنّا نثق -كلّ الثقة- باعتقادنا بهذه الحقيقة على الرغم من عدم ارتباطه بالإحساس والتجربة، فمن الطبيعي أن نسلّم أنَّ بالإمكان أن نثق أحياناً بالمعلومات العقليّة التي يعتمد عليها الدليل الفلسفي.
وبكلمة أُخرى: إنَّ رفض الدليل الفلسفي لمجرّد أنَّه يعتمد على معلومات عقليّة لا ترتبط بالتجربة والاستقراء، يعني رفض الدليل الرياضي أيضاً؛ لأنَّه يعتمد على مبدأ عدم التناقض الذي لا يرتبط اعتقادنا فيه بالتجربة والاستقراء(1).
نموذج من الدليل الفلسفي على إثبات الصانع
يعتمد هذا الدليل على القضايا الثلاث التالية:
أوّلاً: على البديهيّة القائلة: إنَّ كلّ حادثةٍ لها سببٌ تستمدّ منه وجودَها، وهذه قضيّة يدركها الإنسان بشعوره الفطري، ويؤكّدها الاستقراء العلمي باستمرار.
ثانياً: على القضيّة القائلة: كلّما وُجدت درجاتٌ متفاوتةٌ مِن شيءٍ ما، بعضها أقوى وأكمل من بعض، فليس بالإمكان أن تكون الدرجة الأقلّ كمالاً والأدنى محتوىً هي السبب في وجود الدرجة الأعلى.
فالحرارة لها درجات، والمعرفة لها درجات، والنور له درجات بعضها أشدّ وأكمل من بعض، فلا يمكن أن تنبثق درجة أعلى من الحرارة عن درجة
ــــــ[53]ـــــــ
(1) من أجل التوسّع في ذلك، واستيعاب مواقف المنطق التجريبي والمنطق الوضعي من هذه النقطة، وطريقة تفسير الوضعيّة لليقين في المبدأ الرياضي على أساس كونه تكراريّاً، ومناقشتها، يمكن الرجوع إلى كتاب: الأُسس المنطقيّة للاستقراء: 480-500 (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1
أدنى منها، ولا يمكن أن يكتسب الإنسان معرفةً كاملةً باللّغة الإنجليزيّة من شخص لا يعرف منها إلَّا قدراً محدوداً أو يجهلها تماماً، ولا يمكن لدرجةِ نورٍ ضئيلة أن تحقّق درجةً أكبر من النور؛ لأنَّ كلّ درجة أعلى تمثّل زيادةً نوعيّةً وكيفيّةً على الدرجة الأدنى منها، وهذه الزيادة النوعيّة لا يمكن أن يمنحها من لا يملكها. فأنت حينما تريد أن تموّل مشروعاً من مالك، لا يمكنك أن تمدّه بدرجة أكبر من رصيدك الذي تملكه.
ثالثاً: أنَّ المادّة في تطوّرها المستمرّ تتّخذ أشكالاً مختلفةً في درجة تطوّرها ومدى التركيز فيها، فالجُزَيء من الماء الذي لا حياة فيه ولا إحساس، يمثّل شكلاً من أشكال الوجود للمادّة، ونطفة الحياة التي تساهم في تكوين النبات والحيوان (البروتوبلازم) تمثّل شكلاً أرفع لوجود المادّة، و (الأميبا) التي تعتبر حيواناً مجهريّاً ذا خليّة واحدة، تمثّل شكلاً من وجود المادّة أكثر تطوّراً، والإنسان هذا الكائن الحيّ الحسّاس المفكّر، يعتبر الشكل الأعلى من أشكال الوجود في هذا الكون.
وحول هذه الأشكال المختلفة من الوجود، يبرز السؤال التالي: هل الفارق بين هذه الأشكال مجرّد فارق كمّي في عدد الجزيئات والعناصر وفي العلاقات الميكانيكيّة بينها، أو هو فارق نوعيّ وكيفيّ يعبّر عن درجات تفاوته من الوجود ومراحل من التطوّر والتكامل؟
وبكلمة أُخرى: هل الفارق بين التراب والإنسان الذي تكوّن منه عدديٌّ فقط، أو هو الفارق بين درجتين من الوجود ومرحلتين من التطوّر والتكامل، كالفارق بين الضوء الضعيف والضوء الشديد؟
وقد آمن الإنسان بفطرته منذ طرح على نفسه هذا السؤال، بأنَّ هذه
ــــــ[54]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
الأشكال درجاتٌ من الوجود، ومراحلُ من التكامل، فالحياة درجةٌ أعلى من الوجود للمادّة، وهذه الدرجة نفسها ليست حدّية، وإنَّما هي أيضاً درجات، وكلّما اكتسبت الحياة مضموناً جديداً، عبّرت عن درجة أكبر، ومن هنا كانت حياة الكائن الحسّاس المفكّر، أغنى وأكبر درجةً من حياة النبات، وهكذا.
غير أنَّ الفكر المادّي قبل أكثر من قرن من الزمن، خالف في ذلك؛ إيماناً منه بوجهة النظر الميكانيكيّة في تفسير الكون القائلة بأنَّ العالم الخارجي يتكوّن من جسيمات صغيرة متماثلة تؤثّر عليها قوى بسيطة متشابهة جاذبة وطاردة ضمن قوانين عامّة، أي: إنَّ عملها يقتصر على التأثير بتحريك بعضها للبعض من مكان إلى مكان، وبهذا الجذب والطرد تتجمّع أجزاء وتتفرّق أجزاء وتتنوّع أشكال المادّة.
وعلى هذا الأساس حصرت المادّية الميكانيكيّة التطوّر والحركة بحركة الأجسام والجسيمات في الفضاء من مكان إلى مكان، وفسّرت أشكال المادّة المختلفة بأنَّها طرق شتّى لتجمّع تلك الجسيمات وتوزّعها، دون أن يحدث من خلال تطوّر المادّة شيء جديد، فالمادّة لا تنمو في وجودها، ولا تترقّى في تطوّرها، وإنَّما تتجمّع وتتوزّع بطرق مختلفة كالعجينة بيدك حين تشكّلها بأشكال مختلفة، وتظلّ دائماً هي العجينة نفسها دون جديد.
وهذه الفرضيّة أوحى بها تطوّر علم الميكانيك، الذي كان أوّل العلوم الطبيعيّة تحرّراً وانطلاقاً في أساليب البحث العلمي، وشجّع عليها ما أحرزه هذا العلم من نجاح في اكتشاف قوانين الحركة الميكانيكيّة وتفسير الحركات المألوفة للأجسام الاعتياديّة على أساسها، بما فيها حركات الكواكب في الفضاء.
ــــــ[55]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
ولكنّ استمرار تطوّر العلم وامتداد أساليب البحث العلمي إلى مجالات متنوّعة أُخرى، أثبت بطلان تلك الفرضيّة وعجزها – من ناحية- عن تفسير كلّ الحركات المكانيّة تفسيراً ميكانيكيّاً، وقصورها – من ناحية أُخرى- عن استيعاب كلّ أشكال المادّة ضمن الحركة الميكانيكيّة للأجسام والجسيمات من مكان إلى مكان، وأكّد العلم ما أدركه الإنسان بفطرته من أنَّ تنوّع أشكال المادّة لا يعود إلى مجرّد نقلة مكانيّة من مكان إلى مكان، بل إلى ألوان من التطوّر النوعي والكيفي، وثبت من خلال التجارب العلميّة أنَّ أيَّ تركيبٍ عدديٍّ للجسيمات لا يمثّل حياةً أو إحساساً أو فكراً، وهذا يجعلنا أمام تصوّر يختلف كلّ الاختلاف عن التصوّر الذي تقدّمه المادّية الميكانيكيّة؛ إذ نواجه في الحياة والإحساس والفكر عملية نموٍّ حقيقيّة في المادّة وتطوّرٍ نوعيّ في درجات وجودها، سواء كان محتوى هذا التطوّر النوعيّ شيئاً مادّياً من درجة أعلى، أو شيئاً لا مادّياً.
هذه هي القضايا الثلاث:
1. كلّ حادثة لها سبب.
2. الأدنى لا يكون سبباً لما هو أعلى منه درجة.
3. اختلاف درجات الوجود في هذا الكون وتنوّع أشكاله كيفيّاً.
وفي ضوء هذه القضايا الثلاث، نعرف أنّا نواجه في الأشكال النوعيّة المتطوّرة نموّاً حقّاً، أي: تكاملاً في وجود المادّة وزيادةً نوعيّةً فيه، فمن حقّنا أن نتساءل: من أين جاءت هذه الزيادة؟ وكيف ظهرت هذه الإضافة الجديدة ما دام أنَّ لكلِّ حادثة سبباً كما تقدّم؟
وتوجد بهذا الصدد إجابتان:
ــــــ[56]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
إحداهما: أنَّها جاءت من المادّة نفسها؛ فالمادّة التي لا حياة فيها ولا إحساس ولا فكر، أبدعت من خلال تطوّرها الحياة والإحساس والفكر، أي: إنَّ الشكل الأدنى من وجود المادّة، كان هو السبب في وجود الشكل الأعلى درجةً، الأغنى محتوى.
وهذه الإجابة تتعارض مع القضيّة الثانية المتقدّمة، التي تقرّر أنَّ الشكل الأدنى درجةً لا يمكن أن يكون سبباً لِمَا هو أكبر منه درجةً وأغنى منه محتوىً من أشكال الوجود. فافتراض أنَّ المادّة الميّتة التي لا تنبض بالحياة تمنح لنفسها -أو لمادّة أُخرى- الحياة والإحساس والتفكير، يشابه افتراض أنَّ الإنسان الذي يجهل اللّغة الإنجليزيّة يمارس تدريسها، وأنَّ درجة الضوء الباهت بإمكانها أن تعطينا ضوءاً أكبر درجةً كضوء الشمس، وأنَّ الفقير الذي لا يملك رصيداً يموّن المشاريع الرأسماليّة.
والإجابة الثانية على السؤال: أنَّ هذه الزيادة الجديدة التي تعبِّر عنها المادّة من خلال تطوّرها، جاءت من مصدر يتمتّع بكلِّ ما تحتويه تلك الزيادة الجديدة من حياةٍ وإحساسٍ وفكر، وهو الله ربّ العالمين سبحانه وتعالى، وليس نموّ المادّة إلَّا تنميةً وتربيةً يمارسها ربّ العالمين بحكمته وتدبيره وربوبيّته: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَة مِنْ طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أنْشَأنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ}(1).
وهذه هي الإجابة الوحيدة التي تنسجم مع القضايا الثلاث المتقدّمة، وتستطيع أن تعطي تفسيراً معقولاً لعمليّة النموّ والتكامل في أشكال الوجود
ــــــ[57]ـــــــ
(1) سورة المؤمنون، الآيات: 12-14.
الفتاوى الواضحة ج1
على ساحة هذا الكون الرحيب. وإلى هذا الدليل يشير القرآن الكريم في عدد من آياته التي يخاطب بها فطرة الإنسان السليمة وعقله السويّ:
{أفَرَأيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخَالِقُونَ}(1).
{أفَرَأيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}(2).
{أفَرَأيْتُمُ النَّارَ الَّتي تُورُونَ * أأنْتُمْ أنْشَأتُمْ شَجَرَتَهَا أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ}(3).
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إذَا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ}(4).
صدق الله العليّ العظيم.
موقف المادّية من هذا الدليل
ونشير الآن إلى موقف المادّية من هذا الدليل.
إنَّ المادّية الميكانيكيّة غير محرجة في مواجهة هذا الدليل؛ لأنَّها كما عرفنا تفسّر الحياة والإحساس والفكر بأنَّها أشكال من التجميع والتوزيع للأجسام والجسيمات لا أكثر، فلا يحدث من خلالها شيء جديد سوى حركة الأجزاء وفقاً لقوى ميكانيكيّة.
وأمّا المادّية الحديثة فهي – لإيمانها بالتطوّر النوعي والكيفي للمادّة من خلال هذه الأشكال- تواجه إحراجاً في هذا الدليل، غير أنَّها اختارت أُسلوباً في تفسير هذا التطوّر الكيفي توفِّق فيه بين القضيّة الثانية المتقدّمة ورغبتها في الاكتفاء بالمادّة وحدها كتفسير لكلِّ تطوّراتها، وهذا الأُسلوب هو: أنَّ المادّة
ــــــ[58]ـــــــ
(1) سورة الواقعة، الآيتان: 58-59.
(2) سورة الواقعة، الآيتان: 63-64.
(3) سورة الواقعة، الآيتان: 71-72.
(4) سورة الروم، الآية: 20.
الفتاوى الواضحة ج1
هي مصدر العطاء، وهي التي تموِّن عمليّة التطوّر الكيفي، ولكن لا كما يموِّن الفقيرُ المشاريعَ الرأسماليّة لكي يتعارض مع القضيّة الثانية المتقدّمة، بل إنَّ ذلك يتمّ على أساس أنَّ كلّ أشكال التطوّر ومحتوياته موجودة في المادّة منذ البدء، فالدجاجة موجودة في البيضة، والغاز موجود في الماء، وهكذا.
أمّا كيف تكون المادّة في وقت واحد بيضةً ودجاجةً، أو ماءً وغازاً؟ فتجيب المادّية الجدليّة على ذلك بأنَّ هذا تناقض، والتناقض هو قانون الطبيعة العامّ، فكلّ شيء يحتوي على نقيضه – ضدّه- في أحشائه، وهو في صراع مستمرّ مع هذا النقيض، وبهذا الصراع بين النقيضين ينمو النقيض الداخلي حتّى يبرز ويحقّق تحوّلاً في المادّة، كالبيضة تنفجر في لحظة معيّنة ويبرز فرخ الدجاجة من داخلها، وعن هذا الطريق تتكامل المادّة باستمرار؛ لأنَّ النقيض الذي يبرز من خلال الصراع يمثّل المستقبل، أي خطوةً إلى الأمام.
ونلاحظ على ذلك ما يلي:
أنَّ المادّية الحديثة ماذا تقصد بالضبط من أنَّ الشيء يحتوي على نقيضه أو ضدّه؟ وعلى التحديد: أيّ المعاني التالية هو المقصود؟
1. فهل يراد بذلك أنَّ البيضة وفرخ الدجاجة نقيضان أو ضدّان، وأنَّ البيضة تصنع الفرخ وتسبغ عليه صفات الحياة، أي: أنَّ الميّت يلد الحيّ ويصنع الحياة، وهذا تماماً كالفقير الذي يموّن المشاريع الرأسماليّة يتعارض مع البديهيّة المتقدّمة؟
2. أو يراد بذلك أنَّ البيضة لا تصنع الفرخ، بل تبرزه بعد أن كان كامناً فيها؛ لأنَّ كلّ شيء يكمن فيه نقيضه، فالبيضة حينما كانت بيضةً هي في نفس الوقت فرخ دجاجة، كالصورة التي تبدو من جانب بشكلٍ، ومن جانب آخر
ــــــ[59]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
بشكلٍ مختلف؟
ومن الواضح: أنَّ البيضة إذا كانت في نفس الوقت فرخ دجاجة، فلا توجد هناك أيّ عمليّة نموّ أو تكامل عندما تصبح البيضة دجاجة؛ لأنَّ كلّ ما وُجد الآن كان موجوداً منذ البدء تماماً، كالشخص يخرج نقوده من جيبه فلا يزداد بذلك ثراءً؛ لأنَّ كلّ ما بيده الآن من نقود كان في جيبه، فلكي تكون هناك عمليّة نموّ وتكامل ويحدث شيء جديد حقّاً من خلال تحوّل البيضة إلى دجاجة، لابدَّ أن نقول بأنَّ البيضة لم تكن دجاجةً أو فرخ دجاجة، بل كانت مشروع دجاجة، أي: شيئاً صالحاً لأنْ يصبح دجاجة، وبهذا تتميّز عن الحجر. فقطعة الحجر لا يمكن أن تكون دجاجة، وأمّا البيضة فبالإمكان أن تكون دجاجةً ضمن شروط وظروف معيّنة، ومجرّد أنَّ الشيء ممكن لا يعني وقوعه، فإذا أصبحت البيضة دجاجةً حقّاً فلا يكفي مجرّد الإمكان تفسيراً لذلك.
ومن ناحية أُخرى: إذا كانت أشكال المادّة ناتجةً عن تناقضاتها الداخليّة، فيجب أن تفسّر تنوّع هذه الأشكال على أساس تنوّع تلك التناقضات الداخليّة، فالبيضة لها تناقضاتها الخاصّة التي تختلف عن تناقضات الماء؛ ولهذا تتمخّض تلك التناقضات عن دجاجة، وهذه عن غاز، وهذا افتراض يبدو ميسوراً عندما نتحدّث عن مرحلةٍ متأخّرةٍ من مراحل تنوّع أشكال المادّة، ففي المرحلة التي نواجه فيها بيضةً وماءً يمكننا بسهولةٍ أن نفترض الاختلاف بينهما في تناقضاتهما الداخليّة.
ولكن ماذا نقول عن تنوّع أشكال المادّة على مستوى الجسيمات التي تشكّل الوحدات الأساسيّة في الكون من بروتونات ونترونات وألكترونات، وبروتونات مضادّة وألكترونات مضادّة وفوتونات؟
ــــــ[60]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
فهل اتّخذ كلّ جسيم شكلاً خاصّاً من هذه الأشكال على أساس تناقضاته الداخليّة، فكان البروتون موجوداً في أحشاء مادّته ثُمَّ برز من خلال الحركة والصراع كالدجاجة مع البيضة؟
إذا كنّا نفترض ذلك، فكيف نبرّر تنوّع الأشكال التي اتّخذتها تلك الجسيمات؟ مع أنَّ هذا يفترض – بمنطق التناقض الداخلي- أن تكون تلك الجسيمات متنوّعةً مختلفةً في تناقضاتها الداخليّة، أي: أنَّها مختلفة في كيانها الداخلي، ونحن نعلم أنَّ العلم الحديث يتّجه إلى الاعتقاد بوحدة كيان المادّة، وأنَّ المحتوى الداخلي للمادّة واحد، وليست الأشكال التي تتّخذها إلَّا حالات متبادلةً على محتوى واحد ثابت، ولهذا كان بالإمكان أن يتحوّل البروتون إلى نترون وبالعكس، أي: أن يتغيّر شكل الجُسَيم – فضلاً عن الذرّة أو الجُزَيء- مع وحدة المحتوى وثباته، وهذا يعني: أنَّ المحتوى واحد في الجميع وإن اختلفت الأشكال، فكيف يمكن أن نفترض أنَّ هذه الأشكال نتجت عن تناقضات داخليّة مختلفة؟!
إنَّ مثال البيضة والدجاجة نفسه نافع لتوضيح هذا الموقف، فإنَّه لكي تتنوّع الأشكال التي تتّخذها بيضات عديدة من خلال تناقضاتها الداخليّة المفترضة، لابدَّ أن تكون متغايرةً في تركيبها الداخلي، فبيضة الدجاجة وبيضة الطير تنتجان شكلين متغايرين، وهما الدجاجة والطير.
وأمّا إذا كانت البيضتان من نوع واحد كبيضتي دجاجة، فلا يمكن أن نفترض أنَّ تناقضاتهما الداخليّة تؤدّي إلى شكلين مختلفين.
وهكذا نلاحظ أنَّ تفسير المادّيّة الحديثة لأشكال المادّة على أساس تناقضاتها الداخليّة، واتّجاه العلم الحديث إلى التأكيد على وحدة المحتوى
ــــــ[61]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
الداخلي للمادّة يسيران في خطّين متغايرين.
3. أو يراد بذلك أنَّ البيضة نفسها تعبّر عن ضدّين أو نقيضين مستقلّين لكلٍّ منهما وجودُه الخاصّ، أحدُهما: يتمثّل في النطفة التي سببها في داخل البيضة اللقاح، والآخرُ: سائرُ ما تحتويه البيضة من موادّ، وهذان الضدّان وَحّدَتْهُما معركةٌ في داخل قشر البيضة، ومن خلال هذا الصراع برز أحد الضدّين، وانتصرت النطفة، فتحوّلت البيضة إلى دجاجة.
وهذا النوع من الصراع بين الأضداد شيءٌ مألوفٌ في حياة الناس، وقديمٌ في تصوّراتهم الاعتياديّة فضلاً عن تصوّراتهم الفلسفيّة.
ولكن لماذا نسمّي هذا التفاعل بين النطفة والموادّ الطبيعيّة المكوّنة للبيضة تناقضاً؟
لماذا نسمّي التفاعل بين البذرة والتربة والهواء تناقضاً؟
لماذا نسمّي التفاعل بين الجنين في رحم أُمّه وما يستمدّه من غذاءٍ تناقضاً؟
إنَّها مجرّد تسمية، وليست بأفضل من أن يقال: إنَّ أحدهما يندمج في الآخر، أو يتوحّد فيه.
وهَبْ أنّا سمّينا ذلك تناقضاً فلن تحلّ المشكلة بذلك، ما دمنا نسلّم بأنَّ هذا التفاعل الخاصّ بين الضدّين يؤدّي إلى نتيجة أكبر، إلى عمليّة نموّ، إلى شيءٍ جديدٍ يزيد على المجموع العدديّ لهما، فمن أين جاءت هذه الزيادة؟ وهل جاءت من الضدّين المتصارعين الفاقدين معاً لها، مع أنَّ فاقد الشيء لا يعطيه بحكم القضيّة الثانية من القضايا الثلاث المتقدّمة؟
وهل نعرف من الطبيعة مثالاً يكون فيه التضادّ والصراع بين الأضداد عامل تنمية حقّاً؟ وكيف يساهم الضدّ في تنمية ضدّه عن طريق الصراع معه،
ــــــ[62]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
مع أنَّ هذا الصراع يعني درجةً من المقاومة والرفض، وكلّ مقاومة تنقص من طاقة الطرف الآخر على التحرّك والنموّ بدلاً عن أن تساعده على ذلك؟
وكلّنا نعرف أنَّ السَّبّاح إذا تعرّض في سباحته لأمواجٍ مضادّةٍ مِن الماء، فإنَّ هذا سوف يعيقه عن التحرّك إلى درجةٍ كبيرةٍ بدلاً عن أن يكون سبباً في التحرّك.
وإذا كان الصراع بين الأضداد – بأيّ معنىً كان- هو الأساس في تنمية البيضة وتطويرها إلى دجاجة، فأين التنمية التي يؤدّيها الصراع بين الأضداد في تحوّل الماء إلى غاز ثُمَّ رجوعه ماءً مرّةً أُخرى؟
والطبيعة تكشف لنا باستمرار أضداداً يؤدّي التحامها أو اللقاء بينها إلى دمارها معاً، بدلاً عن التطوّر والتكامل. فالبروتون الموجب الذي يشكّل الحجر الأساس في نواة الذرّة، ويحمل شحنةً موجبةً له بروتون مضادّ سالب، والألكترون السالب الذي يتحرّك في مدار الذرّة، له ألكترون مضادّ موجب. وإذا حدث أن التَقى أحد هذين الضدّين بضدّه. تحدث عمليات إفناء ذرّية تختفي معها معالم المادّة من الوجود، بينما تنطلق طاقاتٌ وتنتشر في الفضاء.
نخلص من كلّ ذلك إلى: أنَّ حركة المادّة بدون تموينٍ وإمدادٍ من خارج، لا يمكن أن تُحدث تنميةً حقيقيّةً وتطوّراً إلى شكلٍ أعلى ودرجة أكثر تركيزاً، فلابدَّ لكي تنمو المادّة وترتفع إلى مستويات عُليا – كالحياة والإحساس والتفكير- من ربٍّ يتمتّع بتلك الخصائص؛ ليستطيع أن يمنحها للمادّة، وليس دور المادّة في عمليّات النموّ هذه إلَّا دور الصلاحيّة والتهيّؤ والإمكان، دور الطفل الصالح والمتهيِّئ لتقبّل الدرس من مربّيه، فتبارك الله ربُّ العالمين.
ــــــ[63]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1 

صِفاتُ الله تعالى
حينما نؤمن بالله سبحانه وتعالى خالقاً للكون ومربّياً له ومنظّماً لمسيرته وفق الحكمة والتدبير، ينتج عن ذلك طبيعيّاً أن نتعرّف على صفاته من خلال صنعه وإبداعه، ونقيّم خصائصه بما تشعّ به مصنوعاته مِن دلالات، تماماً كما نقيّم أيَّ مهندس على أساس الصفات التي تُميّز إنتاجه الهندسي، ونقيّم المؤلّف على ضوء ما يحويه كتابه من علمٍ ومعرفة، ونحدّد شخصيّة المربّي عن طريق ما أَودَع في مَن ربّاهم من شمائل وخصال.
وبهذا نستطيع أن نأخذ لمحةً عمّا يتّصف به الصانع العظيم من علم وحكمة وحياة وقدرة وبصر وسمع؛ لأنَّ ما في نظام الكون من دقّة وإبداع، يكشف عن العلم والحكمة، وما في أعماقه من طاقات، يدلّل على القدرة والسيطرة، وما في أشكاله من ألوان الحياة ودرجات الإدراك العقلي والحسّي، يدلّ على ما يتمتّع به الصانع من حياة وإدراك، ووحدةُ الخطّة والبناء في تصميم هذا الكون والترابط الوثيق بين مختلف جوانبه، تشير إلى وحدة الخالق ووحدة الخبرة التي انبثق عنها هذا الكونُ الكبير.
عدله واستقامته
كلّنا نؤمن بعقلنا الفطري البديهي بقيمٍ عامّة للسلوك، وهي القيم التي تؤكّد أنَّ العدل حقٌّ وخير، والظلم باطلٌ وشرّ، وأنَّ مَن يعدل في سلوكه جدير بالاحترام والمثوبة، ومَن يظلم ويعتدي جديرٌ بعكس ذلك، وهذه القيم
ــــــ[64]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
بحكم الاستقراء والفطرة هي الأساس الذي يوجّه سلوك الإنسان ما لم يكن هناك ما يحول دون ذلك مِن جهلٍ أو ترقّبِ نفع، فكلُّ إنسان إذا واجه خياراً بين الصدق والكذب في حديثه مثلاً أو بين الأمانة والخيانة، فإنَّه يختار الصدق على الكذب، والأمانة على الخيانة، ما لم يكن هناك دافعٌ شخصيٌّ ومصلحةٌ خاصّةٌ قد تغريه بالانحراف في سلوكه عن تلك القيم.
ويعني ذلك: أنَّ مَن لا توجد لديه حاجةٌ إلى شخص أو مصلحةٌ في خداعه أو خيانته أو ظلمه، يسلك معه سلوكَ الصادق الأمين العادل، أي: سلوكاً مستقيماً. وهذا بالضبط ما ينطبق على الصانع الحكيم سبحانه وتعالى، فإنَّه محيطٌ بتلك القيم التي ندركها بعقلنا الفطري؛ لأنَّه هو الذي وهبنا هذا العقل، وهو في نفس الوقت – بحكم قدرته الهائلة وسيطرته الشاملة على الكون- ليس بحاجةٍ إلى أيّ مساومةٍ أو لفٍّ ودوران؛ ومن هنا نؤمن بأنَّ الله سبحانه وتعالى عادلٌ لا يظلم أحداً.
عدل الله تعالى يثبت الجزاء
إنَّ القيم التي آمنّا بها، تدعو – كما عرفنا- إلى العدل والاستقامة والأمانة والصدق والوفاء ونحوها من صفات، وتشجب الصفات المضادّة لها. وهذه القيم لا تدعو إلى تلك الصفات وتشجب هذه الصفات فقط، بل تطالب بالجزاء المناسب لكلٍّ منهما، فإنَّ العقل الفطريَّ السليم يدرك أنَّ الظالم والخائن جديرٌ بالمؤاخذة، وأنَّ العادل الأمين الذي يضحّي في سبيل العدل والأمانة جديرٌ بالمثوبة، وكلّ واحد منّا يجد في نفسه دافعاً من تلك القيم إلى مؤاخذة الظالم المنحرف، وتقدير العادل المستقيم، ولا يحول دون تنفيذ هذا
ــــــ[65]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
الدافع عند أحد إلَّا عجزه عن اتّخاذ الموقف المناسب، أو تحيّزه الشخصي.
وما دمنا نؤمن بأنَّ الله سبحانه وتعالى عادلٌ مستقيمٌ في سلوكه وقادرٌ على الجزاء المناسب ثواباً وعقاباً، فلا يوجد ما يحول دون تنفيذه عزّ وجلّ لتلك القيم التي تفرض الجزاء العادل وتحدّد المردود المناسب للسلوك الشريف والسلوك الشائن، فمن الطبيعي أن نستنتج من ذلك: أنَّ الله سبحانه يجازي المحسن على إحسانه، وينتصف للمظلوم من ظالمه.
ولكنّا نلاحظ في نفس الوقت: أنَّ هذا الجزاء كثيراً ما لا يتحقّق في هذه الحياة التي نحياها على هذه الأرض، على الرغم من أنَّه مقدورٌ لله سبحانه وتعالى، وهذا يبرهن – بعد ملاحظة المعلومات السابقة- على وجود يومٍ مقبلٍ للجزاء، يجد فيه العامل المجهول الذي ضحّى من أجل هدفٍ كبيرٍ ولم يقطف ثمار تضحيته، والظالم الذي أفلت من العقاب العاجل وعاش على دماء المظلومين وحطامهم، يجد هذا وذاك فيه جزاءهما العادل، وهذا هو يوم القيامة، الذي يجسّد كلّ تلك القيم المطلقة للسلوك، وبدونه لا يكون لتلك القيم معنى.
ــــــ[66]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

موجز في أصول الدين
2

الرسول

 تمهيد عن الظاهرة العامّة للنبوّة
 إثبات نبوّة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)

ــــــ[67]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1 
تمهيد عن الظاهرة العامّة للنبوّة
كلّ شيءٍ في هذا الكون الواسع يحمل معه قانونَه الربّانيَّ الصارم، الذي يوجّهُه ويرتفع به مدى ما يُتاح له من ارتفاعٍ وتطوّر. فالبذرة يتحكّم فيها قانونها الذي يحوّلها ضمن شروطٍ معيّنةٍ إلى شجرة، والنطفة يتحكّم فيها قانونُها الذي يطوّرها إلى إنسان، وكلُّ شيءٍ من الشمس إلى البروتون، ومن الكواكب السيّارة في مدار الشمس إلى الألكترونات السيّارة في مدار البروتون، يسير وفق خطّة، ويتطوّر وفق إمكاناته الخاصّة.
وهذا التنظيم الربّاني الشامل، امتدّ – بحكم الاستقراء العلمي- إلى كلِّ جوانب الكون وظواهره.
وقد تكون أهمّ ظاهرة في الكون هي ظاهرة الاختيار لدى الإنسان، فإنَّ الإنسان كائنٌ مختار، ويعني ذلك: أنَّه كائن هادف، أي: يعمل من أجل هدف يتوخّى تحقيقه بذلك العمل. فهو يحفر الأرض من أجل أن يستخرج ماءً، ويطهي الطعام من أجل أن يأكل طعاماً لذيذاً، ويجرّب ظاهرةً طبيعيّةً من أجل أن يتعرّف على قانونها، وهكذا، بينما الكائنات الطبيعيّة البحتة تعمل من أجل أهداف مرسومة من قبل واضع الخطّة، لا من أجل أهداف تعيشها هي وتتوخّى تحقيقها.
فالرئة والمعدة والأعصاب في ممارسة وظائفها الفسيولوجيّة تعمل عملاً هادفاً، ولكنّ الهدف هنا لا تعيشه هي من خلال نشاطها الطبيعي والفسيولوجي الخاصّ، وإنَّما هو هدف الصانع الخبير؛ ولمّا كان الإنسان كائناً هادفاً
ــــــ[69]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
ترتبط مواقفه العمليّة بأهداف يعيها ويتصرّف بموجبها، فهذا يفترض ضمناً أنَّ الإنسان في مواقفه العمليّة هذه ليس مسيّراً وفق قانون طبيعيّ صارم، كما تسقط قطرة المطر في مسار محدّد وفقاً لقانون الجاذبيّة؛ لأنَّه في حالة من هذا القبيل لا يمكن أن يكون هادفاً، أي: يعمل من أجل هدف يعيش في داخل نفسه.
فلكي يكون الإنسان هادفاً، لابدَّ أن يكون حرّاً في التصرّف؛ ليتاح له أن يتصرّف وفقاً لما تنشأ في نفسه من أهداف، فالترابط بين المواقف العمليّة والأهداف هو القانون الذي ينظّم ظاهرة الاختيار لدى الإنسان.
كما أنَّ الهدف بدوره لا يتواجد بصورة عشوائيّة، فإنَّ كلّ إنسان يحدّد أهدافه وفقاً لما تتطلّبه مصلحته وذاته من حاجات، وهذه الحاجات تحدّدها البيئة والظروف الموضوعيّة التي تحيط بالإنسان، غير أنَّ هذه الظروف الموضوعيّة لا تحرّك الإنسان مباشرةً كما تحرّك العاصفة أوراق الشجر؛ لأنَّ هذا يعطّل دوره ككائن هادف، فلابدَّ للظروف الموضوعيّة إذن من تحريك الإنسان عن طريق الإثارة والإيحاء بتبنّي أهدافٍ معيّنة، وهذه الإثارة ترتبط بإدراك الإنسان للمصلحة في موقفٍ عمليٍّ معيّن، ولكن ليست كلّ مصلحة تحقّق إثارةً للفرد، وإنَّما تحقّقها تلك المصالح التي يدرك الفرد أنَّها مصالح له بالذات.
وذلك أنَّ المصالح على قسمين: فهناك مصالح على خطٍّ قصير تعود بالنفع غالباً على الفرد الهادف العامل نفسه، ومصالح على خطّ طويل تعود بالنفع على الجماعة، وكثيراً ما تتعارض مصالح الفرد ومصالح الجماعة، وهكذا نلاحظ من ناحية: أنَّ الإنسان غالباً لا يتحرّك من أجل المصلحة لقيمها الإيجابيّة، بل بقدر ما تحقّق له من نفعٍ خاصّ، ونلاحظ من ناحية أُخرى: أنَّ خلق الظروف الموضوعيّة لضمان تحرّك الإنسان وفق مصالح
ــــــ[70]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
الجماعة شرطٌ ضروريّ لاستقرار الحياة ونجاحها على الخطّ الطويل. وعلى هذا الأساس واجه الانسان تناقضاً بين ما تفرضه سنّة الحياة واستقرارها من سلوكٍ موضوعيّ واهتمامٍ بمصالح الجماعة، وما تدعو إليه نوازع الفرد واهتمامه بشخصه من سلوكٍ ذاتيّ واهتمامٍ بالمنافع الآنيّة الشخصيّة.
وكان لابدَّ من صيغة تحلُّ هذا التناقض وتخلق تلك الظروف الموضوعيّة التي تدعو إلى تحرّك الإنسان وفق مصالح الجماعة.
والنبوّة – بوصفها ظاهرةً ربّانيّةً في حياة الإنسان- هي القانون الذي وضع صيغة الحلّ هذه، بتحويل مصالح الجماعة وكلّ المصالح الكبرى التي تتجاوز الخطّ القصير لحياة الإنسان إلى مصالح للفرد على خطّه الطويل؛ وذلك عن طريق إشعاره بالامتداد بعد الموت، والانتقال إلى ساحة العدل والجزاء التي يحشر الناس فيها لِيُرَوا أعمالهم: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شرّاً يَرَهُ}(1)؛ وبذلك تعود مصالح الجماعة مصالحَ للفرد نفسه على هذا الخطّ الطويل.
وصيغة الحلّ هذه تتألّف من نظريّةٍ وممارسةٍ تربويّةٍ معيّنةٍ للإنسان على أساسها، والنظريّة هي المعاد يوم القيامة، والممارسة التربويّة على هذه النظريّة عمليّة قياديّة ربّانيّة، ولا يمكن إلَّا أن تكون ربّانيّةً؛ لأنَّها عمليّة تعتمد على اليوم الآخر، أي: على الغيب، فلا توجد إلَّا بوحي السماء، وهي النبوّة.
ومن هنا كانت النبوّة والمعاد واجهتين لصيغةٍ واحدة، هي الحلّ الوحيد لذلك التناقض الشامل في حياة الإنسان، وتشكّل الشرط الأساسي لتنمية ظاهرة الاختيار وتطويرها في خدمة المصالح الحقيقيّة للإنسان.
ــــــ[71]ـــــــ
(1) سورة الزلزلة، الآيتان: 7-8.
الفتاوى الواضحة ج1 

إثبات نبوّة الرسول الأعظم محمّد’
كما ثبت الصانع الحكيم بالدليل الاستقرائي ومناهج الاستدلال العلمي، كذلك تثبت نبوّة محمد’ بالدليل العلمي الاستقرائي، وبنفس المناهج التي نستخدمها في الاستدلال على الحقائق المختلفة في حياتنا الاعتياديّة وحياتنا العلميّة.
ولنمهّد لذلك بأمثلة أيضاً:
إذا تسلّم الإنسان رسالةً من أحد أقاربه، وكان هذا القريب صبيّاً يدرس في مدرسة ابتدائيّة بأحد الأرياف، فلاحظ الإنسان الذي تسلّم الرسالة أنَّها قد كتبت بلغة حديثة وبعبارات مركّزة وبليغة، وبقدرة فنيّة فائقة على تنسيق الأفكار وعرضها بصورة مثيرة، إذا تسلّم الإنسان رسالةً من هذا القبيل فسوف يستنتج أنَّ شخصاً مثقّفاً واسع الاطّلاع قويّ العبارة قد أملى الرسالة على هذا الصبيّ، أو شيئاً من هذا القبيل.
وإذا أردنا أن نحلّل هذا الاستنتاج والاستدلال، نجد أنَّ بالإمكان تجزئته إلى الخطوات التالية:
الأُولى: أنَّ كاتب الرسالة صبيٌّ ريفيٌّ، ويدرس في مدرسة ابتدائيّة.
الثانية: أنَّ الرسالة تتميّز بأُسلوبٍ بليغٍ ودرجةٍ كبيرةٍ من الإجادة الفنيّة، وقدرةٍ فائقةٍ على تنسيق الأفكار.
الثالثة: أنَّ الاستقراء يثبت في الحالات المماثلة أنَّ صبيّاً بتلك المواصفات
ــــــ[72]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
التي تقدّمت في الخطوة الأُولى، لا يمكنه أن يصوغ رسالةً بالمواصفات التي لوحظت في الخطوة الثانية.
الرابعة: يُستنتج من ذلك إذن أنَّ الرسالة من نتاج شخصٍ آخر، استطاع ذلك الصبيّ بشكلٍ وآخر أن يستفيد منه ويسجّله في رسالته.
ومثال آخر للفكرة نفسها من الأدلّة العلميّة: وهو الدليل الذي أثبت به العلماء الالكترون، فقد درس بعض العلماء نوعاً معيّناً من الأشعّة ولّدها في أُنبوبة مغلقة، ثُمَّ سلّط على وسط الأُنبوبة قطعة مغناطيس على شكل نعل الفرس، فلاحظ أنَّ الأشعّة تميل إلى القطب الموجب من المغناطيس وتبتعد عن القطب السالب منه، وكرّر التجربة في ظروف مختلفة حتّى تأكّد من أنَّ تلك الأشعّة تنجذب بالمغناطيس، وأنَّ القطب الموجب في المغناطيس هو الذي يجذبها.
ولمّا كان هذا العالم يعرف باستقرائه ودراسته للإشعاعات الأُخرى
– كالضوء الاعتيادي- أنَّها لا تتأثّر بالمغناطيس ولا تنجذب إليه، وأنَّ المغناطيس يجذب الأجسام لا الأشعّة، أمكنه أن يدرك أنَّ انجذاب الأشعة المعيّنة التي كان يجري عليها تجاربه وميلها إلى القطب الموجب من المغناطيس لا يُمكن أن يفسَّر على أساس المعلومات المفترضة.
ومن هنا اكتشف عاملاً إضافيّاً وحقيقةً جديدة، وهي: أنَّ هذه الأشعة تتألّف من أجسامٍ دقيقةٍ سالبةٍ موجودةٍ في جميع الموادّ؛ لأنَّها تنبعث من مختلف الموادّ، وسمّيت هذه الجسيمات بالألكترونات.
وتتلخّص عمليّة الاستدلال في كلا هذين المثالين – مثال الرسالة ومثال الألكترون- في أنَّه: كلّما لوحظت ظاهرة معيّنة ضمن عوامل وظروف
ــــــ[73]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
محسوسة، ولوحظ استقرائيّاً أنَّ هذه العوامل والظروف المحسوسة في الحالات المماثلة لا تؤدّي إلى نفس الظاهرة، فيدلّ ذلك على وجود عامل آخر غير منظورٍ لابدَّ من افتراضه لتفسير تلك الظاهرة.
وبكلمة أُخرى: إنَّ النتيجة إذا جاءت أكبر من الظروف والعوامل المحسوسة – بحكم الاستقراء للحالات المماثلة- كشفت عن وجود شيءٍ غير منظورٍ وراء تلك الظروف والعوامل المحسوسة.
وهذا ما يصدق تماماً على نبوّة الرسول الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله) والرسالة التي أعلنها على العالم باسم السماء؛ وذلك ضمن الخطوات التالية:
الأُولى: أنَّ هذا الشخص الذي أعلن رسالته على العالم باسم السماء، ينتسب إلى شبه الجزيرة العربيّة، التي كانت من أشدّ أجزاء الأرض تخلّفاً في ذلك الحين من الناحية الحضاريّة والفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، وينتمي إلى الحجاز بالذات من أقطار تلك الجزيرة، وهو قطرٌ لم يمرّ حتّى تأريخيّاً بمثل الحضارات التي نشأت قبل ذلك بمئات السنين في مواضع أُخرى محدّدةٍ من تلك الجزيرة، ولم يعرف أيَّ تجربةٍ إجتماعيّةٍ متكاملة.
ولم ينلْ هذا القطر من ثقافة عصره – على الرغم من انخفاضها عموماً- شيئاً يذكر، ولم ينعكس على أدبه وشعره شيءٌ ملحوظ من أفكار العالم وتيّاراته الثقافيّة وقتئذ، وكان منغمساً من الناحية العقائديّة في فوضى الشرك والوثنيّة، ومفكّكاً اجتماعيّاً تسيطر عليه عقليّة العشيرة، وتلعب فيه الانتماءات إلى هذه العشيرة أو تلك، الدور الأساسي في أكثر أوجه النشاط بكلِّ ما يؤدّي إليه ذلك من التناقضات وألوان الغزو والصراع الرخيص.
ــــــ[74]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
ولم يكن البلد الذي نشأ فيه هذا الرسول قد عرف أيَّ شكلٍ من أشكال الحكم سوى ما يفرضه الولاء للقبيلة من مواضعات.
ولم يكن وضع القوى المنتجة والظروف الاقتصاديّة في ذلك الجزء من العالم، يتميّز عن أكثر بقاع العالم المتخلّف حينذاك.
وحتّى القراءة والكتابة – بوصفها أبسط أشكال الثقافة- كانت حالةً نادرةً نسبيّاً في تلك البيئة؛ إذ كان المجتمع أُميّاً على العموم: {هُوَ الَّذي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِين}(1).
وكان شخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) يمثّل الحالة الاعتياديّة من هذه الناحية، فلم يكن قبل البعثة يقرأ ويكتب، ولم يتلقّ أيَّ تعليمٍ منظّم أو غيرِ منظّم: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ}(2).
وهذا النصّ القرآني دليلٌ واضحٌ على مستوى ثقافة الرسول قبل البعثة، وهو دليلٌ حاسمٌ حتّى في حقّ مَن لا يؤمن بربّانية القرآن؛ لأنَّه – على أيّ حال- نصٌّ أعلنه النبّي (صلى الله عليه وآله وسلّم) على بني قومه، وتحدّث به إلى أعرف الناس بحياته وتأريخه، فلم يعترض أحدٌ على ما قال، ولم يُنكِر أحدٌ ما ادّعى.
بل نلاحظ أنَّ النبيَّ لم يساهم قبل البعثة حتّى في ألوان النشاط الثقافي الذي كان شائعاً في قومه من شعرٍ وخطابة، ولم يؤثَر عنه أيُّ تميّزٍ عن أبناء قومه، إلَّا في التزاماته الخُلُقيّة وأمانته ونزاهته وصدقه وعفّته.
ــــــ[75]ـــــــ
(1) سورة الجمعة، الآية: 2.
(2) سورة العنكبوت، الآية: 48.
الفتاوى الواضحة ج1
وقد عاش أربعين سنةً قبل البعثة في قومه دون أن يحسّ الناس من حوله بأيّ شيءٍ يميّزه عنهم سوى ذلك السلوك النظيف، ودون أن تبرز في حياته أيّ بذورٍ عمليّةٍ أو اتّجاهاتٍ جادّةٍ نحو عمليّة التغيير الكبرى التي طلع بها على العالم فجأةً بعد أربعين عاماً من عمره الشريف: {قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}(1).
وكان النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلّم) قد وُلد في مكّة، وظلّ فيها طيلة الفترة التي سَبقت البعثة، ولم يغادرها إلى خارج الجزيرة العربيّة إلَّا في سفرتين قصيرتين: إحداهما مع عمّه أبي طالب وهو صبيٌّ في أوائل العقد الثاني، والأُخرى بأموال خديجة وهو في أواسط العقد الثالث.
ولم يتيسّر له – بحكم عدم تعلّمه للقراءة والكتابة- أن يقرأ شيئاً من النصوص الدينيّة لليهوديّة أو المسيحيّة، كما لم يتسرّب إليه أيّ شيءٍ ملحوظٍ من تلك النصوص عن طريق البيئة؛ لأنَّ مكّة كانت وثنيّةً في أفكارها وعاداتها، ولم يتسرّب إليها الفكر المسيحي أو اليهودي، ولم يدخل الدير إلى حياتها بشكلٍ من الأشكال، وحتّى أُولئك الحنفاء الذين رفضوا عبادة الأصنام من عرب مكّة، لم يكونوا قد تأثّروا باليهوديّة أو المسيحيّة، ولم ينعكس شيء من الأفكار اليهوديّة والمسيحيّة على ما خلّفه قسّ بن ساعدة أو غيره من تراثٍ أدبيٍّ وشعريّ.
ولو كان النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلّم) قد بذل أيّ جهد للاطّلاع على مصادر الفكر اليهودي والمسيحي للوحظ ذلك؛ إذ في بيئةٍ ساذجةٍ ومنقطعة الصلة بمصادر الفكر اليهودي والمسيحي، ومعقّدةٍ ضدّها، لا يمكن
ــــــ[76]ـــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 15.
الفتاوى الواضحة ج1
أن تمرّ محاولةٌ من هذا القبيل دون أن تلفت الأنظار، ودون أن تترك بصماتها على كثير من التحرّكات والعلاقات.
الثانية: أنَّ الرسالة التي طلع بها النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلّم) على العالم متمثّلةً في القرآن الكريم والشريعة الإسلاميّة، تميّزت بخصائص كثيرة:
منها: أنَّها جاءت بنمطٍ فريدٍ من الثقافة الإلهيّة عن الله سبحانه وتعالى وصفاته وعلمه وقدرته، ونوع العلاقات بينه وبين الإنسان، ودور الأنبياء في هداية البشريّة ووحدة رسالتهم، وما تميّزوا به من قيمٍ ومثل، وسنن الله تعالى مع أنبيائه، والصراع المستمرّ بين الحقّ والباطل، والعدل والظلم، والارتباط الوثيق المستمرّ لرسالات السماء بالمظلومين والمضطَهدين، وتناقضها المستمرّ مع أصحاب المصالح والامتيازات غير المشروعة.
وهذه الثقافة الإلهيّة لم تكن أكبر من الوضع الفكري والديني لمجتمعٍ وثنيٍّ منغمسٍ في عبادة الأصنام فحسب، بل كانت أكبرَ من كلّ الثقافات الدينيّة التي عرفها العالم يومئذٍ، حتّى إنَّ أيَّ مقارنةٍ تُبرز بوضوحٍ: أنَّها جاءت لتصحّح ما في تلك الثقافات من أخطاء، وتعدِّل ما أصابها من انحرافٍ، وتعيدها إلى حكم الفطرة والعقل السليم.
وقد جاء كلّ ذلك على يد إنسانٍ أُمّيٍّ في مجتمعٍ وثنيٍّ شبه معزول، لا يعرف من ثقافة عصره وكتبه الدينيّة شيئاً يُذكر، فضلاً عن أن يكون بمستوى القيمومة والتصحيح والتطوير.
ومنها: أنَّها جاءت بقيمٍ ومفاهيمَ عن الحياة والإنسان، والعمل والعلاقات الاجتماعيّة، وجسّدت تلك القيم والمفاهيم في تشريعات وأحكام. وكانت تلك القيم والمفاهيم وهذه التشريعات والأحكام – حتّى من وجهة
ــــــ[77]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
نظر مَن لا يؤمن بربّانيتها- مِن أنفس وأروع ما عرفه تأريخ الإنسان من قيمٍ حضاريّةٍ وتشريعاتٍ اجتماعيّة.
فابنُ مجتمع القبيلة، ظهر على مسرح العالم والتاريخ فجأةً لينادي بوحدة البشريّة ككلّ.
وابن البيئة التي كرّست ألواناً من التمييز والتفضيل على أساس العرق والنسب والوضع الاجتماعي، ظهر ليحطّم كلّ تلك الألوان، ويعلن أنَّ الناس سواسيةٌ كأسنان المشط، و{إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}(1)، وليحوّل هذا الإعلان إلى حقيقةٍ يعيشها الناس أنفسهم، ويرفع المرأة الموءودة إلى مركزها الكريم، كإنسانٍ تكافئ الرجل في الإنسانيّة والكرامة.
وابنُ الصحراء التي لم تكن إلَّا في همومها الصغيرة وسدّ جوعتها والتفاخر بين أبنائها ضمن تقسيمها العشائري، ظهر ليقودها إلى حمل أكبر الهموم، ويوحّدها في معركة تحرير العالم وإنقاذ المظلومين في شرق الدنيا وغربها من استبداد كسرى وقيصر.
وابن ذلك الفراغ الشامل سياسيّاً واقتصاديّاً بكلِّ ما يضجّ به من تناقضات الربا والاحتكار والاستغلال، ظهر فجأةً ليملأ ذلك الفراغ ويجعل من ذلك المجتمع الفارغ مجتمعاً ممتلئاً، له نظامه في الحكم، وشريعته في العلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، ويقضي على الربا والاحتكار والاستغلال، ويعيد توزيع الثروة على أساس أن لا تكون دولة بين الأغنياء، ويعلن مبادئ التكافل الاجتماعي والضمان الاجتماعي التي لم تنادِ بها التجربة الاجتماعيّة البشريّة إلَّا بعد ذلك بمئات السنين.
ــــــ[78]ـــــــ
(1) سورة الحجرات، الآية: 13.
الفتاوى الواضحة ج1
وكلُّ هذه التحوّلات الكبيرة تمّت في مدّة قصيرة جدّاً نسبيّاً في حساب التحوّلات الاجتماعيّة.
ومنها: أنَّ الرسالة في نصوص قرآنيّة كثيرة تحدّثت عن تاريخ الأنبياء وأُممهم، وما مرّت بهم من وقائع وأحداث بتفاصيل لم تكن بيئة النبيّ العربي
– الوثنيّة والأُمّية- تعرف شيئاً عنها، وقد تحدّى علماء الكتاب – علماء اليهود والنصارى- النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) أكثر من مرّة، وطالبوه بالحديث عن تاريخ تراثهم الديني، فواجه التحدّي بكلِّ شجاعة، وجاء القرآن بما طلبوا، دون أن تكون هناك أيّ وسيلة اعتياديّة لتفسير اطّلاع النبيّ شخصيّاً على تلك التفاصيل: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الغَرْبيِّ إذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الأمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أنْشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِياً في أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}(1).
وممّا يبهر الملاحظ: أنَّ القصص الحقّ في القرآن لا يمكن أن تكون مجرّد استنساخ لما جاء في كتب العهدين، حتّى لو افترضنا أنَّ أفكار هذه الكتب كانت شائعةً ومنتشرةً في الوسط الذي ظهر فيه النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلّم)؛ لأنَّ الاستنساخ يمثّل دوراً سلبيّاً فقط، دور الأخذ والعطاء، بينما دور القرآن في عرض القصّة إيجابيّ، فإنَّه يصحّح ويعدّل ويفصّل القصّة عمّا أُلصقت بها من ملابساتٍ لا تتّفق مع فطرة التوحيد والعقل المستنير والرؤية الدينيّة السليمة.
ومنها: أنَّ القرآن بلغ في روعة بيانه وبلاغته وتجديده في أساليب البيان، إلى درجة جعلت منه – حتّى من وجهة نظر غير المؤمنين بربّانيّته- حدّاً فاصلاً
ــــــ[79]ـــــــ
(1) سورة القصص، الآيات: 44-46.
الفتاوى الواضحة ج1
بين مرحلتين من تاريخ اللّغة العربيّة، وأساساً لتحوّل هائل في هذه اللّغة وأساليبها.
وقد أحسّ العرب الذين حدّثهم النبيّ بالقرآن بأنَّه لا يشبه إطلاقاً ما ألِفوه من أساليب البيان، وما نشأوا عليه وأتقنوه من طرائق التعبير، حتّى قال قائلهم(1) حين استمع إلى القرآن: (والله لقد سمعت كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجنّ، وإنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أعلاه لمثمر، وإنَّ أسفله لمغدق، وإنَّه ليعلو وما يُعلى، وإنَّه ليحطّم ما تحته)(2).
وكانوا لا يسمحون لأنفسهم بالاستماع إلى القرآن؛ إحساساً منهم بأثره الهائل، وخوفاً من قدرته الفائقة على تغيير نفوسهم، وهذا دليل على التميّز الهائل للبيان القرآني، وعدم كونه استمراراً متطوّراً لِمَا ألِفوه.
وقد استسلموا أمام التحدّي المستمرّ والمتصاعد الذي واجههم النبيُّ به؛ إذ أعلن: تارةً عجزهم مجتمعين عن الإتيان بمثله.
وأكّد أُخرى: عجزهم مجتمعين عن الإتيان بعشر سورٍ مفَتَريَاتٍ من مثله.
وشدّد ثالثةً على: عجزهم عن الإتيان بما يناظر سورةً واحدةً من القرآن الكريم(3).
ــــــ[80]ـــــــ
(1) الوليد بن المغيرة. (الماتن).
(2) راجع مناقب آل أبي طالب (لإبن شهرآشوب) 1: 49، فصل: في ما لاقى من الكفّار، والسيرة الحلبيّة 3: 344. (هيئة التراث).
(3) قُل لَئِن اجتَمَعَتِ الإنسُ والجِنُّ عَلَى أن يأْتُوا بِمِثلِ هذَاَ القُرْآنِ لَا يَأتُونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضُهُم لِبَعضٍ ظَهِيراً. سورة الإسراء، الآية: 88.
أم يَقُولُونَ افتَراهُ قُلْ فَأتُوا بِعْشرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْترَياتٍ وَاْدعُوا مَن استَطَعْتُم مِن دُونِ اللَّهِ إن كُنتُم صَادِقين. سورة هود، الآية: 13.
وَإنْ كُنتُم في رَيْبٍ ممّا نَزَّلنا عَلَى عَبدِنا فَأتُوا بِسُورةٍ مِن مِثْلِهِ وَاْدعُوا شُهَدَاءَكُم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنتُم صَادِقِين. سورة البقرة، الآية: 23. (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1
أعلن النبيّ ذلك وكرّره على مجتمعٍ لم يعرف صناعةً كما عرف صناعة الكلام، ولم يتقن فنّاً كما أتقن فنّ الحديث، ولم يتعوّد على شيءٍ كما تعوّد على مجابهة التحدّي والتغنّي بالأمجاد، ولم يحرص على أمر كما حرص على إطفاء نور الرسالة الجديدة وتطويقها، ومع ذلك كلّه لم يشأ هذا المجتمع الذي واجه تلك التحدّيات الكبيرة أن يجرّب نفسه، ولم يحاول أن يعارض القرآن بشيء؛ إيماناً منه بأنَّ الأدب القرآني فوق قدرته اللغويّة والفنيّة.
والطريف أنَّ الذي كان يحمل إليهم هذا الزاد الأدبي الجديد على حياتهم، إنسانٌ مكث فيهم أربعين سنةً، فلم يعهدوا له مشاركةً في حلبةٍ أدبيّة، ولا تميّزاً في أيّ فنٍّ من فنون القول.
هذا عدد من خصائص الرسالة التي أعلنها النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) على العالم.
وهنا يأتي دور الخطوة الثالثة لنؤكّد – على أساس الاستقراء العلمي في تاريخ المجتمعات- أنَّ هذه الرسالة بتلك الخصائص التي درسناها في الخطوة الثانية هي أكبر بدرجةٍ هائلة من الظروف والعوامل التي مرّ استعراضها في الخطوة الأُولى؛ فإنَّ تاريخ المجتمعات وإن كان قد شهد في حالاتٍ كثيرةٍ إنساناً يبرز على صعيد مجتمعه فيقوده ويسير به خطوةً إلى الامام، غير أنَّنا هنا لا نواجه حالةً من تلك الحالات؛ لوجود فوارق كبيرة.
ــــــ[81]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
فمن ناحيةٍ: نحن نواجه هنا طفرةً هائلةً وتطوّراً شاملاً في كلّ جوانب الحياة، وانقلاباً في القيم والمفاهيم التي تتّصل بمختلف مجالات الحياة إلى الأفضل، بدلاً عن مجرّد خطوة إلى الأمام.
إنَّ مجتمع القبيلة طفر رأساً على يد النبيّ إلى الإيمان بفكرة المجتمع العالمي الواحد.
وإنَّ المجتمع الوثني طفر رأساً إلى دين التوحيد الخالص، الذي صحّح كلّ أديان التوحيد الأُخرى، وأزال عنها ماعلق بها من زيفٍ وأساطير.
وإنَّ المجتمع الفارغ تماماً تحوّل إلى مجتمعٍ ممتلئٍ تماماً، بل إلى مجتمعٍ قائدٍ يشكّل الطليعة لحضارةٍ أنارت الدنيا كلّها.
ومن ناحية أُخرى: أنَّ أيّ تطوّرٍ شاملٍ في مجتمعٍ، إذا كان وليد الظروف والمؤثّرات المحسوسة فلا يمكن أن يكون مرتجلاً ومفاجئاً ومنقطع الصلة عن مراحل تمهّد له، وعن تيّارٍ يسبقه، ويظلّ ينمو ويمتدّ فكريّاً وروحيّاً حتّى تنضج في داخله القيادة الكفوءة لتزعّمه، وللعمل من أجل تطوير المجتمع على أساسه.
إنَّ دراسةً مقارنةً لتاريخ عمليّات التطوّر في مختلف المجتمعات توضّح أنَّ كلّ مجتمع يبدأ فيه هذا التطوّر فكريّاً على شكل بذور متفرّقة في أرضيّة ذلك المجتمع، وتتلاقى هذه البذور فتكوّن تيّاراً فكريّاً، وتتحدّد بالتدريج معالم هذا التيّار، وتنضج في داخله القيادة التي تتزعّمه؛ حتّى يبرز على المسرح كواجهةٍ لجزءٍ يعيش في المجتمع، تناقض الواجهة الرسميّة التي يحملها المجتمع، ومن خلال الصراع يتّسع هذا التيّار حتّى يسيطر على الموقف.
وخلافاً لذلك، نجد أنَّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تاريخ
ــــــ[82]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
الرسالة الجديدة لم يكن حلقةً من سلسلة، ولم يكن يمثّل جزءاً من تيّار، ولم تكن للأفكار والقيم والمفاهيم التي جاء بها بذورٌ أو رصيدٌ في أرضيّة المجتمع الذي نشأ فيه. وأمّا التيار الذي تكوّن من صفوة المسلمين الأوائل على يد النبيّ، فقد كان من صنع الرسالة والقائد، ولم يكن هو المناخ المسبق الذي وُلدت فيه الرسالة وتكوَّن القائد.
ومن أجل ذلك، نجد أنَّ الفارق بين عطاء النبيّ وعطاء أيّ واحد من هؤلاء، لم يكن فارق درجةٍ كالفوارق التي تبدو بين بذرةٍ وأُخرى من البذور التي تُكوِّن التيّار الجديد، بل كان فارقاً أساسيّاً لا حدّ له، وهذا يبرهن على أنَّ محمّداً لم يكن جزءاً من تيّار، بل كان التيّار الجديد جزءاً منه.
ومن ناحية ثالثة: يبرهن التاريخ على أنَّ القيادة الفكريّة والعقائديّة والاجتماعيّة لتيّارٍ جديدٍ، إذا تركّزت كلُّها في محورٍ واحدٍ من خلال حركة تطوّرٍ فكريٍّ واجتماعيٍّ معيّن، فلابدَّ أن يكون في هذا المحور من القدرة والثقافة والمعرفة ما يتناسب مع ذلك، ولابدَّ من أن يكون تواجدها فيه طبقاً لما يُعرف عادةً مِن أساليب في حياة الناس، ولابدَّ من ممارسةٍ متدرّجةٍ أنضجته ووضعته على خطّ القيادة لذلك التيّار.
وخلافاً لذلك نجد أنَّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد مارس بنفسه القيادة الفكريّة والعقائديّة والاجتماعيّة، دون أن يكون تاريخه – كإنسانٍ أُمّيٍّ لم يقرأ ولم يكتب ولم يعرف شيئاً من ثقافة عصره وأديانه المتقدّمة- يرشّحه لذلك من الناحية الثقافيّة، ودون أن تكون له أيّ ممارساتٍ تمهيديّةٍ لهذا العمل القياديّ المفاجئ.
وعلى ضوء ذلك كلّه، ننتهي إلى الخطوة الرابعة التي نواجه فيها التفسير
ــــــ[83]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
الوحيد المعقول والمقبول للموقف، وهو افتراض عاملٍ إضافيٍّ وراء الظروف والعوامل المحسوسة، وهو عامل الوحي، عامل النبوّة الذي يمثّل تدخّل السماء في توجيه الأرض: {وَكَذَلِكَ أوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحاً مِنْ أمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم}(1).
دور العوامل والمؤثّرات
ولا يعني تفسير الرسالة على أساس الوحي والإمداد من السماء بدلاً عن العوامل والظروف المحسوسة، إلغاء هذه العوامل والظروف عن التأثير نهائيّاً، بل إنَّها مؤثّرة وفقاً للسنن الكونيّة والاجتماعيّة العامّة، ولكنّ تأثيرها إنَّما هو في سير الأحداث، ومدى ما ينجم عنها من مؤثّراتٍ لصالح نجاح الرسالة أو لإعاقتها عن النجاح. فالرسالة – كمحتوى- حقيقةٌ ربّانيةٌ فوق الشروط والظروف المادّيّة، ولكنّها بعد أن تحوّلت إلى حركةٍ، إلى عملٍ متواصلٍ في سبيل التغيير، يصبح بالإمكان ربطها بظروفها وما تكتنفها من ملابسات وأحاسيس.
فإذا قيل مثلاً: إنَّ شعور الإنسان العربي بالتمزّق والضياع وهو يجد نفسه يجسّد آلهته ومَثَلَه الأعلى في حجَرٍ يحطّمه في لحظة غضب، أو حلوى يلتهمها في لحظة جوع، جعله يتطلّع إلى الرسالة الجديدة.
أو قيل مثلاً: إنَّ شعور البائس والكادح في المجتمع العربي بالظلم والتعسّف من قبل المرابين والمستغلّين، دفعه إلى تأييد حركةٍ جديدةٍ ترفع راية
ــــــ[84]ـــــــ
(1) سورة الشورى، الآية: 52.
الفتاوى الواضحة ج1
العدالة، وتقضي على رأس المال الربوي.
أو قيل: إنَّ الشعور القبلي لعب دوراً مهمّاً في حياة الرسالة، سواء ما كان منها على مستوىً محلّي كمشاعر الصراع والتنافس بين قبائل قريش وما أسبغه انتماء النبيّ إلى عشيرته من حصانةٍ وهَيبةٍ حَمَتْهُ مِن الأعداء، أو ما كان منها على مستوىً قوميّ كمشاعر عرب جنوب الجزيرة تجاه شمالها.
أو قيل: إنَّ ظروف العالم المتداعي والأحوال المحرجة التي مرّت بها الدولتان العظيمتان الرومانيّة والفارسيّة على المسرح الدولي وقتئذ، أشغلت هاتين القوّتين الكبيرتين بنفسيهما، وحالت دون تدخّلهما السريع في إجهاض الحركة الجديدة في الجزيرة العربيّة.
إذا قيل شيء من هذا القبيل، فهو أمر معقول وقد يكون مقبولاً، غير أنَّ هذا إنَّما يفسِّر سير الأحداث، ولا يفسّر الرسالة نفسها.
ــــــ[85]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

موجز في أصول الدين
3

الرسالة

 خصائص الرسالة الإسلاميّة
 كتاب الفتاوى الواضحة

ــــــ[87]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

وأمّا الرسالة: فهي الإسلام، دين الله الذي بعث به محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رحمةً للعالمين.
وقد استهدف الإسلام – قبل كلّ شيء- ربط الإنسان بربّه وبمعاده.
فمن الناحية الأُولى: ربط الإنسان بالإله الواحد الحقّ الذي تشير إليه الفطرة، وأكّد وحدة الإله الحقّ، وشدّد على ذلك؛ لكي يقضي على كلّ ألوان التألّه المصطنع، حتّى جعل من كلمة التوحيد >لا إله إلَّا الله< شعاره الرئيسي.
ولمّا كانت النبوّة هي الوسيط الوحيد المباشر بين الخلق والخالق، فشهادة هذه النبوّة بوحدة الإله والخالق وارتباطها بالإله الواحد الحقّ تعتبر أساساً كافياً لإثبات التوحيد.
ومن الناحية الثانية: ربط الإنسان بالمعاد؛ لكي تكتمل بذلك الصيغة الوحيدة القادرة على علاج التناقض، والتي تحقّق العدل الإلهي في نفس الوقت، كما مرّ بنا سابقاً.
[خصائص الرسالة الإسلاميّة]
وللرسالة الإسلاميّة خصائصها التي تميّزها عن سائر رسالات السماء، وسِماتها التي جعلت منها حدثاً فريداً في التاريخ.
ــــــ[89]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
وفي ما يلي نذكر عدداً من الخصائص والسِمات بإيجاز:
أوّلاً: أنَّ هذه الرسالة ظلّت سليمةً ضمن النصّ القرآني دون أن تتعرّض لأيّ تحريف، بينما مُنِيت الكتب السماويّة السابقة بالتحريف، وأُفرغت مِن كثيرٍ مِن محتواها، قال الله سبحانه وتعالى: {إنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(1).
واحتفاظ الرسالة بمحتواها العقائدي والتشريعي هو الذي يمكّنها من مواصلة دورها التربوي، وكلّ رسالة تفرغ من محتواها بالتحريف والضياع، لا تصلح أداة ربطٍ بين الإنسان وربّه؛ لأنَّ هذا الربط لا يتحقّق بمجرّد الانتماء الاسمي، بل بالتفاعل مع محتوى الرسالة وتجسيدها فكراً وسلوكاً، ومن أجل ذلك كانت سلامة الرسالة الإسلاميّة بسلامة النصّ القرآني الشرط الضروري لقدرة هذه الرسالة على مواصلة أهدافها.
ثانياً: أنَّ بقاء القرآن نصّاً وروحاً، يعني أنَّ نبوّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم تفقد أهمّ وسيلة من وسائل إثباتها؛ لأنَّ القرآن وما يعبّر عنه من مبادئ الرسالة والشريعة كان هو الدليل الاستقرائي؛ وفقاً لما تقدّم على نبوّة محمّد وكونه رسولاً، وهذا الدليل يستمرّ ما دام القرآن باقياً.
وخلافاً لذلك: النبوّات التي يرتبط إثباتها بوقائع معيّنةٍ تحدث في لحظةٍ وتنتهي، كإبراء الأكمه والأبرص، فإنَّ هذه الوقائع لا يشهدها عادةً إلَّا المعاصرون لها، وبمرور الزمن وتراكم القرون تفقد الواقعة شهودها الأوائل، ويعجز الإنسان غالباً عن الحصول على أيّ تأكيدٍ حاسمٍ لها عن طريق البحث والتنقيب، وكلّ نبوّة لا يمكن التأكّد من دليلها، لا يمكن أيضاً أن يكلّف الله سبحانه وتعالى بالاعتقاد بها، أو البحث عن وسيلة لإثباتها؛ إذ {لاَ يُكَلِّفُ
ــــــ[90]ـــــــ
(1) سورة الحجر، الآية: 9.
الفتاوى الواضحة ج1
اللهُ نَفْسَاً إلَّا ما آتَاها}(1).
ونحن اليوم نعتمد في إيماننا بالأنبياء السابقين – صلوات الله عليهم- وبمعاجزهم على إخبار القرآن الكريم بذلك.
ثالثاً: أنَّ مرور الزمن – كما عرفنا- لا يُنقص من قيمة الدليل الأساس على الرسالة الإسلاميّة، ولكن ليس هذا فقط، بل إنَّه أيضاً يمنح هذا الدليل أبعاداً جديدةً من خلال تطوّر المعرفة البشريّة، واتّجاه الإنسان إلى دراسة الكون بأساليب العلم والتجربة؛ وليس ذلك فقط لأنَّ القرآن الكريم سبق إلى الاتّجاه نفسه وربط الأدلّة على الصانع الحكيم بدراسة الكون والتعمّق في ظواهره، ونبّه الإنسان إلى ما في هذه الدراسة من أسرار ومكاسب؛ بل لأنَّ الإنسان الحديث يجد اليوم في ذلك الكتاب – الذي بشّر به رجلٌ أُمّيٌّ في بيئةٍ جاهلةٍ قبل مئات السنين- إشاراتٍ واضحةً إلى ما كشف عنه العلم الحديث، حتّى لقد قال المستشرق الانجليزي (أجنيري) – أُستاذ اللّغة العربيّة في جامعة أُكسفورد- عندما اكتشف العلم دور الرياح في التلقيح: (إنَّ أصحاب الإبل قد عرفوا أنَّ الريح تلقّح الأشجار والثمار قبل أن يتوصّل العلم في أُوروبا إلى ذلك بعدّة قرون)(2).
رابعاً: أنَّ هذه الرسالة جاءت شاملةً لكلِّ جوانب الحياة، وعلى هذا الأساس استطاعت أن توازن بين تلك الجوانب المختلفة وتوحّد أُسسها، وتجمع في إطار صيغة كاملة بين الجامع والجامعة، والمعمل والحقل، ولم يعد
ــــــ[91]ـــــــ
(1) سورة الطلاق، الآية: 7.
(2) يشير بذلك إلى قوله سبحانه وتعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ. سورة الحجر، الآية: 22 (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1
الإنسان يعيش حالة الانشطار بين حياته الروحيّة وحياته الدنيويّة.
خامساً: أنَّ هذه الرسالة هي الرسالة السماويّة الوحيدة التي طُبّقت على يد الرسول الذي جاء بها، وسجّلت في مجال التطبيق نجاحاً باهراً، واستطاعت أن تحوّل الشعارات التي أعلنتها إلى حقائق في الحياة اليوميّة للناس.
سادساً: أنَّ هذه الرسالة بنزولها إلى مرحلة التطبيق، دخلت التاريخ وساهمت في صنعه؛ إذ كانت هي حجر الزاوية في عمليّة بناء أُمّة حملت تلك الرسالة واستنارت بهداها. ولمّا كانت هذه الرسالة ربّانيةً وتمثّل عطاءً سماويّاً للأرض فوق منطق العوامل والمؤثّرات المحسوسة، نتج عن ذلك ارتباط تاريخ هذه الأُمّة بعاملٍ غيبيّ، وأساسٍ غير منظورٍ لا يخضع للحسابات المادّيّة للتاريخ.
ومن هنا كان من الخطأ أن نفهم تاريخنا ضمن إطار العوامل والمؤثّرات الحسّيّة فقط، أو أن نعتبره حصيلة ظروفٍ مادّيّة، أو تطوّرٍ في قوى الإنتاج؛ فإنَّ هذا الفهم المادّي للتاريخ لا ينطبق على أُمّةٍ بُني وجودها على أساس رسالة السماء، وما لم نُدخل هذه الرسالة في الحساب كحقيقةٍ ربّانيةٍ، لا يمكن أن نفهم تاريخها.
سابعاً: أنَّ هذه الرسالة لم يقتصر أثرها على بناء هذه الأُمّة، بل امتدّ من خلالها ليكون قوّةً مؤثّرةً وفاعلةً في العالم كلّه على مسار التاريخ.
ولا يزال المنصِفون من الباحثين الأُوروبيّين يعترفون بأنَّ الدفعة الحضاريّة للإسلام هي التي حرّكت شعوب أُوروبا النائمة من نومها ونبّهتها إلى الطريق.
ثامناً: أنَّ النبي محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي جاء بهذه الرسالة
ــــــ[92]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
تميَّز عن جميع الأنبياء الذين سبقوه بتقديم رسالته بوصفها آخر أُطروحة ربّانية، وبهذا أعلن أنَّ نبوّته هي النبوّة الخاتمة، وفكرة النبوّة الخاتمة لها مدلولان:
أحدهما: سلبيّ، وهو المدلول الذي ينفي ظهور نبوّة أُخرى على المسرح.
والآخر: إيجابي، وهو المدلول الذي يؤكّد استمرار النبوّة الخاتمة وامتدادها مع العصور.
وحينما نلاحظ المدلول السلبي للنبوّة الخاتمة نجد أنَّ هذا المدلول قد انطبق على الواقع تماماً خلال الأربعة عشر قرناً التي تلت ظهور الإسلام، وسيظلّ منطبقاً على الواقع مهما امتدّ الزمن، غير أنَّ عدم ظهور نبوّةٍ أُخرى على مسرح التاريخ ليس لأنَّ النبوّة تخلّت عن دورها كأساسٍ من أُسس الحضارة الإنسانيّة؛ بل لأنَّ النبوّة الخاتمة جاءت بالرسالة الوريثة لكلِّ ما يعبِّر عنه تاريخ النبوّات من رسالات، والمشتملة على كلّ ما في تلك النبوّات والرسالات من قيمٍ ثابتةٍ دون ما لابسها من قيم مرحليّة، وبهذا كانت هي الرسالة المهيمنة القادرة على الاستمرار مع الزمن وكلّ ما يحمل من عوامل التطوّر والتجديد: {وَأنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}(1).
تاسعاً: وقد اقتضت الحكمة الربّانية التي ختمت النبوّة بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن تعدّ له أوصياء يقومون بأعباء الإمامة والخلافة بعد اختتام النبوّة، وهم اثنا عشر إماماً، قد جاء النصّ على عددهم مِن قِبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أحاديث صحيحة اتّفق المسلمون على
ــــــ[93]ـــــــ
(1) سورة المائدة، الآية: 48.
الفتاوى الواضحة ج1
روايتها، أوّلهم أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب، وبعده الحسن، ثُمَّ الحسين وبعد الحسين تسعةٌ مِن آله على الترتيب التالي: عليّ بن الحسين السجاد، ثُمَّ محمّد بن عليّ الباقر، ثُمَّ جعفر بن محمّد الصادق، ثُمَّ موسى بن جعفر الكاظم، ثُمَّ عليّ بن موسى الرضا، ثُمَّ محمّد بن عليّ الجواد، ثُمَّ عليّ بن محمّد الهادي، ثُمَّ الحسن بن عليّ العسكري، ثُمَّ محمّد بن الحسن المهدي#.
عاشراً: وفي حالة غيبة الإمام الثاني عشر (عليه الصلاة والسلام) أرجع الإسلام الناس إلى الفقهاء، وفُتح باب الاجتهاد، بمعنى: بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعيّة من الكتاب والسنّة.
والفتاوى الواضحة هي تعبيرٌ اجتهاديٌّ عن أحكام الشريعة الإسلاميّة التي جاء بها خاتِم النبيّين صلوات الله عليه وعلى الهداة الميامين من آله الطاهرين.
وقد بدأنا بكتابة هذا الموجز عن أُصول الدين في اليوم السابع والعشرين من ذي الحجّة 1396 هـ، وانتهينا منه عصر اليوم العاشر من محرّم الحرام 1397 هـ.
وقد فرغنا من كتابة السطور الأخيرة والألم يعصر القلب ويمزّق النفس؛ إذ نعيش في يوم عاشوراء ذكرى استشهاد بطل الإسلام الخالد الإمام الحسين بن علي، الذي بذل دمه الغالي في مثل هذا اليوم من أجل الصمود على خطّ المرسِل والرسول والرسالة، وواجه الموت بنفسه وكلّ أحبّته بشجاعةٍ منقطعة النظير من أجل حماية هذه الرسالة وإقامة مقاييسها؛ للذبّ عن المظلومين، والتخفيف عن المعذّبين على الأرض، وخرّ صريعاً مع الصفوة من ولده وصحبه بأيدي الطغاة، دفاعاً عن الإسلام والمسلمين في كلّ مكان
ــــــ[95]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
وزمان، وعن أُمّةٍ أراد الطغاة أن يسلبوها إرادتها ويجمّدوا ضميرها الثوري وإحساسها بوجودها، فحرّك أبو الشهداء بدمه ضميرها، وبصموده إرادتها، وبفاجعته إحساسها الكبير.
فإليك سيّدي يا أبا عبد الله أُهدي ثواب هذه المقدّمة.
فبزخم دمك الطاهر حُفظتْ كلّ هذه الصروح الفكريّة الشامخة.
وبقدرة صوتك الثائر وَصَلَتْ إلينا الرسالة سليمةً معطّرةً بدم الشهداء، بدمك ودماء بنيك الطاهرين على مرّ التاريخ.
عِبَارات متكررة في الكتاب
(الواجب، اللازم): كلّ فعل يعاقَب المكلّف على تركه كالصلاة.
(الحرام): كلّ فعل يعاقَب المكلّف على ممارسته، كشرب الخمر.
(المستحبّ): كلّ فعل يُثاب المكلّف إذا أتى به من أجل الله تعالى، ولا يعاقَب على تركه، كالسلام على الآخرين.
(المندوب): المستحبّ.
(سنن، آداب): مستحبّات ومندوبات.
(مقدّمة الواجب): ما كان الواجب لا يوجد إلَّا إذا وُجدت، كواسطة السفر بالنسبة إلى الحجّ عادة.
(يجزي): يكفي.
(سائغ، يسوغ، لا يسوغ): جائز، يجوز، لا يجوز.
(يرجَّح، الأحسن، الأولى): عبارات تدلّ على الاستحباب، أو الاحتياط المستحبّ.
ــــــ[96]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
(الضرر): أن يفقد الإنسان حياته، أو يصاب في شيءٍ مهمٍّ بالنسبة إليه من المال، أو تتعرّض صحّته أو أمنه أو كرامته لعارض لا يستهين به العقلاء عادة.
(الحَرَج): المشقّة النفسيّة الشديدة التي لا يتحمّلها الناس عادةً.
(الجاهل للحكم الشرعي): مَن لا يعلم به.
(الناسي للحكم): مَن كان يعلم به ثُمَّ ذهب عن باله.
ــــــ[97]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

صورة فتوغرافية عن خطّ السيّد الشهيد& حول الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد والأئمة الهداة من آله الطاهرين وبعد فان هذه (الفتاوى الواضحة) تشتمل على أحكام ترخيصبة تمثل فتاوانا وعلى أحكام إلزامية تمثل فتاوانا أو مواقع الاحتياط الواجب في نظرنا وعلى آداب تعبّر عن فتوى أو احتمال أخذ به الفقهاء ومن الله تعالى نستمد السداد والاعتصام وهو ولي التوفيق
محمد باقر الصدر
24 محرم الحارم 1396
ــــــ[98]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1 

أبحاث تمهيدية
2

مُقدّمة الطبعَة الأُولى
 كيف نشأت الحاجة إلى الاجتهاد؟
 كيف نشأت الحاجة إلى التقليد؟
 حرمة التقليد في أُصول الدين
 الاجتهاد والتقليد مبدآن مستمرّان
 التركيز على العلماء في الشريعة
 الرسالة العمليّة أهمّيتها وتطويرها
 مصادر الفتوى
 التقسيم في هذه الرسالة

ــــــ[99]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على الهداة الميامين خاتِم الأنبياء وأهل بيته الطاهرين.
وبعد، فإنَّ الله سبحانه وتعالى حينما أنزل على خاتِم الأنبياء أشرف رسالات السماء، ضَمِنَ انسجامها مع فطرة الإنسان(1)، وانفتاحها على كلّ أبعاد وجوده، ورعايتها له من المهد إلى اللحد.
وقد انعكس ذلك بكلِّ وضوحٍ على الشريعة الإسلاميّة، فكانت شريعة الحياة في كلّ مناحيها، والقيّمة على توجيهها، مع أخذ كلّ خصائص الإنسان وظروفه الواقعيّة بعين الاعتبار.
كيف نشأت الحاجة إلى الاجتهاد؟
والمصدر الأساس للشريعة هو الكتاب الكريم والسنّة الشريفة. ولو كانت أحكام الشريعة قد أُعطيت كلّها من خلال الكتاب والسنّة ضمن صيغ وعبائر واضحة صريحة لا يشوبها أيّ شكٍّ أو غموض لكانت عمليّة
ــــــ[101]ـــــــ
(1) الفطرة هي التوحيد، أي: الإيمان بالله وحده لا شريك له. وأمّا باقي التفاصيل فهي غير مربوطة بالفطرة وإنَّما مربوطة بالتكامل حسب حاجات الفرد الذي يراد له التكامل.
الفتاوى الواضحة ج1
استخراج الحكم الشرعي من الكتاب والسنّة ميسورةً لكثير من الناس. ولكنّها – في الحقيقة- لم تُعطَ بهذه الصورة المحدّدة المتميّزة الصريحة، وإنَّما أُعطيت منثورةً في المجموع الكلّي للكتاب والسنّة، وبصورة تفرض الحاجة إلى جهدٍ علميٍّ في دراستها، والمقارنة بينها واستخراج النتائج النهائيّة منها. ويزداد هذا الجهد العلمي ضرورةً، وتتنوّع وتتعمّق أكثر فأكثر متطلّباته وحاجاته كلّما ابتعد الشخص عن زمن صدور النصّ، وامتدّ الفاصل الزمني بينه وبين عصر الكتاب والسنّة، بكلِّ ما يحمله هذا الامتداد من مضاعفات، كضياع جملةٍ من الأحاديث، ولزوم تمحيص الأسانيد، وتغيّر كثيرٍ من أساليب التعبير وقرائن التفهيم والملابسات التي تكتنف الكلام، ودخول شيءٍ كثيرٍ من الدسّ والافتراء في مجاميع الروايات، الأمر الذي يتطلّب عنايةً بالغةً في التمحيص والتدقيق.
هذا إضافةً إلى أنَّ تطوّر الحياة يفرض عدداً كثيراً من الوقائع والحوادث الجديدة لم يرد فيها نصّ خاصّ، فلابدَّ من استنباط حكمها على ضوء القواعد العامّة ومجموعة ما أُعطي من أُصول وتشريعات.
كلّ ذلك – وغير ذلك ممّا لا يمكن استيعابه في هذا الحديث الموجز-جعل التعرّف على الحكم الشرعي في كثير من الحالات عملاً علميّاً معقّداً، وبحاجةٍ إلى جهدٍ وبحثٍ وعناء، وإن لم يكن كذلك في جملةٍ من الحالات الأُخرى التي يكون الحكم الشرعي فيها واضحاً كلّ الوضوح.
كيف نشأت الحاجة إلى التقليد؟
وكانت ولا تزال سنّة الحياة في كلّ ناحية من مناحيها تفرض موقفاً
ــــــ[102]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
مشابهاً لما تقدّم، فأنت أيّ مجالٍ من الحياة لاحظته تجد أنَّ ممارسته تتطلّب معرفةً معيّنةً، وأنَّ جزءاً من هذه المعرفة قد يكون واضحاً ومتيسّراً على العموم، ولكنّ الجزء الأكبر منها غير واضحٍ ويتطلّب جهداً علمياً ومعاناةً في الدرس والبحث.
ففي المجال الصحّي – مثلاً- يعلم كلّ إنسان – بحكم التجربة الساذجة في حياته- أنَّه إذا تعرّض إلى مناخ بارد فجأةً، فقد يصاب بأعراض حمّى، ولكنّ كثيراً من أساليب الوقاية والعلاج لا يعرفها إلَّا عن طريق الطبيب، ولا يعرفها الطبيب إلَّا بالبحث والجهد، وهكذا الحال في مجال التعمير والبناء، ومجالات الزراعة والصناعة على اختلاف فروعها.
ومن هنا وجد كلّ إنسان أنَّه لا يمكن – عملياً- أن يتحمّل بمفرده مسؤولية البحث والجهد العلميّ الكامل في كلّ ناحيةٍ من نواحي الحياة؛ لأنَّ هذا عادةً أكبر من قدرة الفرد وعمره من ناحية، ولا يتيح له التعمّق في كلّ تلك النواحي بالدرجة الكبيرة من ناحيةٍ أُخرى، فاستقرّت المجتمعات البشرية على أن يتخصّص لكلّ مجالٍ من مجالات المعرفة والبحث عددٌ من الناس، فيكتفي كلّ فرد في غير مجال اختصاصه بما يعلمه على البديهة، ويعتمد في ما زاد عن ذلك على ذوي الاختصاص؛ محمّلاً لهم المسؤولية في تقدير الموقف، وكان ذلك لوناً من تقسيم العمل بين الناس سار عليه الإنسان بفطرته منذ أبعد العصور.
ولم يشذّ الإسلام عن ذلك، بل جرى على نفس الأساس الذي أخذ به الإنسان في كلّ مناحي حياته، فوضع مبدأَي الاجتهاد والتقليد. فالاجتهاد: هو التخصّص في علوم الشريعة، والتقليد: هو الاعتماد على المتخصّصين.
ــــــ[103]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
فكلّ مكلف يريد التعرّف على الأحكام الشرعيّة يعتمد أوّلاً على بداهته الدينية العامّة، وما لا يعرف بالبداهة من أحكام الدين يعتمد في معرفته على المجتهد المتخصّص.
ولم يكلّف الله تعالى كلّ إنسان بالاجتهاد(1) ومعاناة البحث والجهد العلمي من أجل التعرّف على الحكم الشرعي؛ توفيراً للوقت وتوزيعاً للجهد الإنساني على كلّ حقول الحياة. كما لم يأذن الله سبحانه وتعالى لغير المتخصّص المجتهد بأن يحاول التعرّف(2) المباشر على الحكم الشرعي من الكتاب والسنّة ويعتمد على محاولته، بل أوجب عليه أن يكون التعرّف على الحكم عن طريق التقليد والاعتماد على العلماء المجتهدين، وبهذا كان التقليد أمراً واجباً مفروضاً في الدين.
والتقليد على هذا الأساس يعني: تحميل المسؤولية. وإنَّما سمّي تقليداً لأنَّ المكلّف يضع عمله كالقلادة في رقبة المجتهد الذي يقلّده؛ تعبيراً رمزياً عن تحميله مسؤولية هذا العمل أمام الله سبحانه وتعالى، وليس التقليد هو التعصّب والاعتقاد بما يعتقده الآخرون جهلاً وبدون دليل.
ــــــ[104]ـــــــ
(1) بدليل قوله تعالى {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} (سورة التوبة، الآية: 122)، فلا يجب أن يتفقّه كلّ المجتمع. إلَّا أنَّ هذا محمول على التدقيق في الفقه وإلَّا فإنَّ الفهم المبسّط لبعض عقائد وأحكام الشريعة واجبٌ على كلّ المكلّفين. وهذا مفهوم إجمالاً من الآية الكريمة نفسها بقوله تعالى: وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ (سورة التوبة، الآية: 122)؛ فإنَّ الإنذار يكون عامّاً، ولا يكون النجاة من الإنذار إلَّا بالفهم المبسّط المشار إليه.
(2) هذه المحاولة ليست محرّمة في نفسها وإنَّما تطبيقها عمليّاً غير جائز.
الفتاوى الواضحة ج1
ففرقٌ بين أن يبدي شخص(1) رأياً فتُسارِع إلى اليقين بذلك الرأي بدون أن تعرف دليلاً عليه وتؤكّد صحّته؛ وبين أن يبدي شخص رأياً فتتّبعه محمّلاً له مسؤوليّة هذا الرأي بحكم كونه من ذوي الاختصاص والمعرفة؛ فالأوّل هو التقليد المذموم شرعاً وعقلاً، والثاني هو التقليد الصحيح الذي جرت عليه سنّة الحياة شرعاً وعقلاً.
وقد احتاطت الشريعة(2) للتقليد احتياطاً كبيراً، ففرضتْ على المكلّف
ــــــ[105]ـــــــ
(1) الفرق الحقيقي: هو أنَّ التقليد المنهيّ عنه في القرآن هو التقليد في العقائد الفاسدة. والتقليد الواجب هو التقليد في الفروع الشرعيّة. ويبقى أقسام أُخرى من التقليد:
أوّلاً: التقليد في رأيٍ غير مربوط بالشريعة، وهذا جائز حتماً.
ثانياً: التقليد في العقائد الصحيحة، ولكن بحيث يوجب رأي الآخرين يقيناً كاملاً بالحقّ. وهذا لا إشكال فيه. والظاهر أنَّه يمثّل اعتقاد أكثر العوام؛ فإنَّ المهمّ هو اليقين القلبي بما هو حقّ وهو حاصل.
غير أنَّه لا ينبغي أن يُفهم أنَّه تقليد لشخصٍ معيّن، بل لاتّجاه كامل، براهينه كاملة، وإن لم يعرف الفرد تفاصيلها.
ثالثاً: التقليد في العقائد الحقّة على غرار التقليد في الفروع. وهو غير مجزٍ إن لم يوجب اليقين باليقين. وأمّا إذا أوجب اليقين فإجزاؤه وإن كان راجحاً إلَّا أنَّه مخالفٌ للاحتياط، ومقتضى قاعدة (النجاة من العقاب المحتمل) أن يطوّر مثل هذا الفرد اعتقاده إلى المرحلة الثانية السابقة على الأقلّ.
وبالطبع فإنَّ من الأفضل – بشكلٍ أكيد وشديد- اطّلاع الفرد على البراهين في العقائد ولو بشكل مبسّط. ولا أقلّ أن يكون أكثر واضحاً، يشهد الكون كلّه بأنَّها هي الحقّ المبين.
(2) هذا الحكم ليس عليه دليل (شرعيّ) كما هو ظاهر العبارة … أي: من ظاهر الكتاب والسنّة، وإنَّما دليله (عقليّ)، إلَّا أنَّه حجّة على كلّ حال.
الفتاوى الواضحة ج1
أن يقلّد أعلم المتخصّصين في حالة اختلاف آرائهم، وأن لا يقلّد إلَّا من كان عادلاً لا يميل عن الشرع إلى هواه خطوةً في كبيرة أو صغيرة؛ لكي يضمن المقلّد بذلك أكبر درجةٍ ممكنةٍ من الصواب في رأي مرجعه الديني، وأمرته في اللحظة التي يجد فيها الأكفأ والأعلم من مقلّده السابق أن يعدل إليه. كلّ ذلك للابتعاد بالتقليد من معنى المتابعة العمياء والتعصّب المذموم.
وعلى ذلك جرتْ سنّة المؤمنين والمسلمين منذ عصر الأئمّة (عليهم السلام) إلى يومنا هذا، فقد كان الأئمّة (عليهم السلام) يوجّهون السائلين من أبناء الأمصار الأُخرى إلى تقليد الفقهاء من أبناء مدرستهم والرجوع إليهم، ولا يرون لهم عذراً في التسامح في ذلك.
حرمة التقليد في أُصول الدين(1)
وفي الوقت الذي أوجبت فيه الشريعة التقليد بالمعنى الذي ذكرناه في فروع الدين من الحلال والحرام، حرّمته في أُصول الدين، فلم تسمح للمكلّف بأن يقلّد في العقائد الدينية الأساسية؛ وذلك لأنَّ المطلوب شرعاً في أُصول الدين أن يحصل العلم واليقين للمكلّف بربّه ونبيّه ومعاده ودينه وإمامه، ودعت الشريعة كلّ إنسان إلى أن يتحمّل بنفسه مسؤولية عقائده الدينية الأساسية، بدلاً عن أن يقلّد فيها ويحمّل غيره مسؤوليتها.
وقد عنّف القرآن الكريم – بأشكال مختلفةٍ- أُولئك الذين يبنون عقائدهم الدينية ومواقفهم الأساسية من الدين – قبولاً ورفضاً- على التقليد للآخرين بدافع الحرص على طريقة الآباء – مثلاً- والتعصّب لهم، أو بدافع
ــــــ[106]ـــــــ
(1) راجع ما قلناه قبل قليل.
الفتاوى الواضحة ج1
الكسل عن البحث والهروب من تحمّل المسؤوليّة.
ومن الواضح أنَّ العقائد الأساسية في الدين – أُصول الدين- لمّا كانت محدودةً عدداً(1) من ناحية، ومنسجمةً مع فطرة الناس عموماً من ناحيةٍ أُخرى، على نحو تكون الرؤية المباشرة الواضحة ميسورةً فيها غالباً، وذات أهمّية قصوى(2) في حياة الإنسان من ناحيةٍ ثالثة، كان تكليف الشريعة لكلّ إنسان بأن يبذل جهداً مباشراً في البحث عنها واكتشاف حقائقها أمراً طبيعياً، ولا يواجه غالباً صعوبةً كبيرة، ولا يؤثّر على المجرى العملي لحياة الإنسان. ولَئِن واجه أحياناً صعوباتٍ(3) كذلك، فالإنسان جدير ببذل الجهد لتذليل
ــــــ[107]ـــــــ
(1) يعني: الخمسة المشهورة، ولكن هذا التحديد ليس ضروريّاً ولا وارداً في الكتاب والسنّة، وإنَّما هو تحديد سلفنا الصالح من العلماء على الأرجح. وهم يلحقون الأُمور الأُخرى تحت هذه العناوين الخمسة بالتعمّل والتدقيق. كالإيمان بالقرآن فإنَّه يندرج في النبوّة؛ والإيمان بحجّيّة قول الزهراء فإنَّه يندرج في الإمامة، والإيمان بالغَيبة فإنَّه يندرج فيها أيضاً، وهكذا. ولله في خلقه شؤون.
(2) هذه الأهمّيّة ناتجة من صدقها وكونها حقّاً مطلقاً، فيجب أن تُؤخذ بنظر الاعتبار في الحياة طبقاً للقاعدة العقليّة (النجاة من العقاب المحتمل).
(3) هذه الصعوبات لا يمكن للأكثر التفكير بها فضلاً عن إدراك تفاصيلها إلَّا ضمن بشريّة متكاملة جدّاً. وأمَّا الفرد الاعتيادي فيمكنه ما يلي:
أوّلاً: التحويل على المستوى الثاني للتقليد الذي ذكرناه.
ثانياً: الإيمان إجمالاً بصحّة المعتقد مع وجود براهين صحيحة إجمالاً، وإن لم يكن يعرف منها شيئاً.
ثالثاً: التعرّف على مبسّطات لهذه البراهين لو أمكن.
وهذا كلّه في العقائد الواجبة، دون ما سواها من الاعتقادات التي يمكن إيكال علمها إلى بارئها.
الفتاوى الواضحة ج1
تلك الصعوبات؛ لأنَّ عقيدة الإنسان هي أهمّ ما فيه.
ومع ذلك فقد لاحظت الشريعة أيضاً اختلاف مستويات الناس الفكرية والثقافية، فلم تكلِّف كلّ إنسان بالنظر والبحث في أُصول الدين إلَّا بالقدر الذي يتناسب مع مستواه، ويصل به إلى قناعةٍ كاملةٍ بالحقيقة، تطمئِنّ بها نفسه، ويعمر بها قلبه، ويتحمّل مسؤوليتها المباشرة أمام ربّه.
الاجتهاد والتقليد مبدآن مستمرّان
ولمّا كانت مصادر الشريعة محفوظةً إلى يومنا هذا في الكتاب الكريم كاملاً بدون نقصان، وفي عدد كبير من أحاديث السنّة الشريفة، فمن الطبيعي أن يستمرّ الاجتهاد – كتخصّصٍ علميّ- في فهم تلك المصادر واستخراج الأحكام الشرعيّة منها. ومن الطبيعي أيضاً أن تنمو خبرات المجتهدين وتتراكم لفتاتهم وانتباهاتهم على مرّ الزمن، وتكوّن للمجتهد المتأخّر دائماً رصيداً أكبر وعمقاً أوسع في الاستنباط، وهذا من الأسباب التي(1) تدعو إلى عدم جواز جمود المقلّدين على رأي فقيهٍ من فقهاء عصر الغيبة طيلة قرن أو قرون؛ لأنَّ ذلك كالجمود على رأي طبيبٍ كذلك مع نموّ الطبّ بعده وتراكم الخبرات خلال تلك المدّة.
ومن هنا كانت رابطة المقلّد بالمرجع الديني رابطةً حيّةً متجدّدة باستمرار، ويزيدها قدسيةً ما يتمثّل في المرجع من نيابةٍ عامّةٍ عن الإمام عليه الصلاة والسلام.
ــــــ[108]ـــــــ
(1) هذا من الحِكَم التي ندركها لعدم جواز تقليد الميّت ابتداءً وليست هي الدليل على ذلك.
الفتاوى الواضحة ج1
التركيز على العلماء في الشريعة
وحينما وضعت الشريعة الاجتهاد والتقليد كمبدأين مستمرّين ما دام الكتاب والسنّة، وفرضت المجتهد محوراً ومرجعاً للآخرين في شؤون دينهم، استعملت كلّ الأساليب الكفيلة بإنجاح هذين المبدأين وأدائهما لرسالتهما الدينيّة باستمرار.
فمن ناحيةٍ أوجبت الاجتهاد وجوباً كفائيّاً على ما يأتي في الفقرة (21) من باب التقليد والاجتهاد.
وحثّت على طلب العلم(1) ودراسة علوم الشريعة، قال الله سبحانه وتعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ}(2).
ــــــ[109]ـــــــ
(1) العلم المشار إليه في الروايات المشار إليها في الكتاب على عدّة مراتب، نذكر جملةً منها:
أوّلاً: العلم بالواجبات والمحرّمات اجتهاداً أو تقليداً.
ثانياً: العلم بالمستحبّات والمكروهات نظريّاً.
ثالثاً: العلم بحقوق الآخرين ووجه الحقّ في العلاقات.
رابعاً: العلم بداء الدنيا ودوائها.
خامساً: العلم بحقيقة نفسه وقيمتها ظاهريّاً وقلبيّاً بما فيها من حسناتٍ وسيّئات.
سادساً: العلم بالمفاهيم الحقيقيّة المربّية للوجدان والروح، كالرضا والتسليم وحبّ الله ورسوله وأمير المؤمنين، والتوكّل، وغير ذلك.
ومن هنا نعرف أنَّ الاقتصار على المعنى الأوّل للعلم يعني الاقتصار على أقلّ مراتب (الإسلام)، وهو نافع بلا شكٍّ للناس عموماً، إلَّا أنَّ الاقتصار عليه والانقطاع عن الزائد هو الخسران المبين.
(2) سورة التوبة، الآية: 122.
الفتاوى الواضحة ج1
ومن ناحية أُخرى حثّت على التمسّك بالعلماء والسؤال منهم، قال تعالى: {فَاسْألُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}(1).
وقدّمتهم إلى الناس بوصفهم ورثةً للأنبياء، فقد جاء في الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): >إنَّ العلماء ورثة الأنبياء<(2)، وجاء عنه أنَّه قال: >اللهمّ ارحم خلفائي<، فقيل له: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال: >الذين يأتون من بعدي، يروون عنّي حديثي وسنّتي، فيعلّمونها الناس من بعدي<(4).
وفي رواية عن الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) أنَّه قال: >مجاري الأُمور على أيدي العلماء بالله، الأُمناء على حلاله وحرامه<(4). إلى غير ذلك من الأحاديث والروايات.
ورغّبت الشريعة بشتّى الأساليب في التقرّب من العلماء والاستفادة منهم، حتّى جعلت النظر إلى وجه العالم عبادةً؛ للترغيب في الرجوع إليهم والأخذ منهم.
وبقدر عظمة المسؤولية التي أناطتها الشريعة بالعلماء، شدّدت عليهم،
ــــــ[110]ـــــــ
(1) سورة الأنبياء، الآية: 43.
(2) الكافي 1: 34، كتاب فضل العلم، باب ثواب العالم والمتعلّم، الحديث 1، وثواب الأعمال (للصدوق): 131، ثواب طالب العلم. (هيئة التراث).
(3) مَن لا يحضره الفقيه 4: 420، ما قال النبيّ’ في حقّ عليٍّ، الحديث 5919، وسائل الشيعة 27: 91، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، باب وجوب العمل بأحاديث النبيّ’، الحديث 50. (هيئة التراث).
(4) تحف العقول: 238، كلامه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبحار الأنوار 97: 80، أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من كلام الحسين بن علي، الحديث 37. (هيئة التراث).
الفتاوى الواضحة ج1
وتوقّعت منهم سلوكاً عامراً بالتقوى والإيمان والنزاهة، نقيّاً من كلّ ألوان الاستغلال للعلم؛ لكي يكونوا ورثة الأنبياء حقّاً.
فقد جاء عن الإمام العسكريّ (عليه السلام) في هذا السياق قوله: >فأمّا مَن كان مِن الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوامّ أن يقلّدوه<(1).
وفي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: >مَن استأكل بعلمه افتقر<، فقيل له: إنَّ في شيعتك قوماً يتحمّلون علومكم، ويبثّونها في شيعتكم، ويتلقّون منهم الصلة، فقال: >ليس أُولئك بمستأكلين، إنَّما ذاك الذي يُفتي بغير علم ولا هدىً من الله ليُبطِل الحقوقَ طمعاً في حطام الدنيا<(2).
وفي حديث عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: >الفقهاء أُمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا<(3).
وقد جاء في الأحاديث التأكيد على المعنى العملي لاستمرار مبدأ الاجتهاد، إضافةً إلى استمراره الشرعي، وعلى أنَّ الدين لن يعدم أبداً العلماء القادرين على استيعابه والتفقّه فيه، وتفهيمه للآخرين، ورفع الشبهات عنه.
ــــــ[111]ـــــــ
(1) تفسير الإمام العسكري×، في بيان قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ [من سورة البقرة، الآية: 78]، الاحتجاج 2: 263، احتجاج أبي محمّد الحسن بن علي‘ في أنواعٍ شتّى من علوم الدين. (المؤسّسة).
(2) معاني الأخبار: 181، معنى الاستئكال بالعلم، الحديث 1، وسائل الشيعة 27: 141، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث 12. (هيئة التراث).
(3) الكافي 1: 46، كتاب فضل العلم، باب المستأكل بعلمه والمباهي به، الحديث 5، ودعائم الإسلام 1: 81، ذكر الرغائب في العلم. (هيئة التراث).
الفتاوى الواضحة ج1
فقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: >يَحمل هذا الدين في كلّ قرنٍ عدول، ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكِير(1) خبث الحديد<(2).
الرسالة العملية أهمّيتها وتطويرها
وقد كانت الرسائل العملية التي يكتبها المجتهدون لمقلِّديهم، هي الأساس لتعرّف المقلَّدين على فتاوى من يقلِّدون، وبالتالي على ما يحتاجون إليه من الأحكام الشرعيّة.
وقد قامت الرسائل العملية بدور مهمٍّ وجليل في هذا المجال، ولكن على الرغم ممّا تمتاز به عادةً من الدقّة في التعبير والإيجاز في العبارة، توجد فيها – على الأغلب- ملاحظتان تستدعيان التغيير والتطوير:
الملاحظة الأُولى(3): أنَّ هذه الرسائل تخلو غالباً من المنهجيّة الفنّيّة في تقسيم الأحكام وعرضها، وتصنيف المسائل الفقهيّة على الأبواب المختلفة.
ومن نتائج ذلك حصل ما يلي:
ــــــ[112]ـــــــ
(1) زقّ ينفخ فيه (الماتن).
(2) اختيار معرفة الرجال (للطوسي) 1: 10، حقيقة الإنسان وأنَّه مركّب من جوهرين، الحديث 5، وسائل الشيعة 27: 151، كتاب القضاء، باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث، الحديث 43. (هيئة التراث).
(3) هذه الأُمور التي ذُكرت في هذه الملاحظة إنَّما هي ترتبط بالمجتهد حين يريد تأليف (رسالة عمليّة)، وغير مربوطة بالمقلّدين بالمرّة، إلَّا من حيث زيادة الاطّلاع. ولعلّ ستر العيوب على أصحابها شيء راجح أخلاقيّاً على كلّ حال، وخاصّة مع الظنّ أنَّ مثل هذه الأُمور تقع بيد غير أمينة مسلمة أو غير مسلمة؛ فإنَّنا لا نعرف النتائج المترتّبة عليها عندئذٍ.
الفتاوى الواضحة ج1
أوّلاً: أنَّ كثيراً من الأحكام أُعطيت ضمن صور جزئيّة محدودة تبعاً للأبواب، ولم تُعطَ لها صيغة عامّة يمكن للمقلّد أن يستفيد منها في نطاقٍ واسع.
ثانياً: أنَّ عدداً من الأحكام دُسّ دسّاً في أبواب أجنبيّة عنه لأدنى مناسبة؛ حرصاً على نفس التقسيم التقليدي للأبواب الفقهيّة.
ثالثاً: أنَّ جملةً من الأحكام لم تذكر نهائياً؛ لأنَّها لم تجد لها مجالاً ضمن التقسيم التقليدي.
رابعاً: أنَّه لم يبدأ في كلّ مجال بالأحكام العامّة ثُمَّ التفاصيل، ولم تربط كلّ مجموعة من التساؤلات بالمحور المثير لها، ولم تُعطَ المسائل التفريعيّة والتطبيقيّة بوصفها أمثلةً صريحةً لقضايا أعمّ منها لكي يستطيع المقلّد أن يعرف الأشباه والنظائر.
خامساً: افترض في كثيرٍ من الأحيان وجود صورةٍ مسبقة عن العبادة أو الحكم الشرعي، ولم يبدأ العرض من الصفر؛ اعتماداً على تلك الصورة المسبقة.
سادساً: انطمست المعالم العامّة للأحكام عن طريق نثرها بصورة غير منتظمة، وضاعت على المكلّف فرصة استخلاص المبادئ العامّة منها.
الملاحظة الثانية: أنَّ الرسائل العمليّة لم تَعُدْ تدريجاً بوضعها التأريخي المألوف كافيةً لأداء مهمّتها؛ بسبب تطوّر اللغة والحياة؛ ذلك أنَّ الرسالة العمليّة تعبّر عن أحكامٍ شرعيّةٍ لوقائع من الحياة، والأحكام الشرعيّة بصيغها العامّة وإن كانت ثابتةً ولكنّ أساليب التعبير تختلف وتتطوّر من عصرٍ إلى عصرٍ آخر؛ ووقائع الحياة تتجدّد وتتغيّر، وهذا التطور الشامل في مناهج التعبير ووقائع الحياة يفرض وجوده على الرسائل العمليّة بشكل وآخر.
فاللغة المستعملة تاريخياً في الرسائل العمليّة كانت تتّفق مع ظروف
ــــــ[113]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
الأُمّة السابقة، إذ كان قرّاء الرسالة العمليّة مقصورين غالباً على علماء البلدان وطلبة العلوم المتفقّهين؛ لأنَّ الكثرة الكاثرة من أبناء الأُمّة لم تكن متعلّمة، وأمّا اليوم فقد أصبح عدد كبير من أبناء الأُمّة قادراً على أن يقرأ ويفهم ما يقرأ، إذا كُتب بلغة عصره وفقاً لأساليب التعبير الحديث، فكان لابدّ للمجتهد المرجع أن يضع رسالته العمليّة للمقلّدين وفقاً لذلك.
والمصطلحات الفقهية التي تعتمد عليها الرسائل العمليّة – غالباً- للتعبير عن المقصود، قد كان من مبرّراتها تاريخياً اقتراب الناس سابقاً من تلك المصطلحات في ثقافتهم، بينما ابتعد الناس عنها اليوم، وتضاءلت معلوماتهم الفقهيّة، حتّى أصبحت تلك المصطلحات على الأغلب غريبةً تماماً.
وعرض الأحكام من خلال صور عاشها فقهاؤنا في الماضي كان أمراً معقولاً، فمن الطبيعي أن تعرض أحكام الإجارة – مثلاً- من خلال افتراض استئجار دابّة للسفر، ولكن إذا تغيّرت تلك الصور فينبغي أن يكون العرض لنفس تلك الأحكام من خلال الصور الجديدة، ويكون ذلك أكثر صلاحيةً لتوضيح المقصود للمقلِّد المعاصر.
والوقائع المتزايدة والمتجدّدة باستمرار بحاجةٍ إلى تعيين الحكم الشرعي، ولَئِن كانت الرسائل العمليّة تاريخياً تفي بأحكام ما عاصرته من وقائع، فهي اليوم بحاجةٍ إلى أن تبدأ تدريجاً باستيعاب غيرها ممّا تجدّد في حياة الإنسان.
والأحكام الشرعيّة على الرغم من كونها ثابتةً، قد يختلف تطبيقها تبعاً للظروف من عصرٍ إلى عصر، فلابدّ لرسالة عمليّة تعاصر تغيّراً كبيراً في كثير من الظروف أن تأخذ هذا التغيير بعين الاعتبار في تشخيص الحكم الشرعي.
فمثلاً: الشرط الضمني – على حدّ تعبير الفقهاء- واجبٌ ونافذ، وهو:
ــــــ[114]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
كلّ شرطٍ دلَّ عليه العرف العامّ وإن لم يصرَّح به في العقد، ولكنّ نوع هذه الشروط – لمّا كان العرف هو الذي يحدّدها- تختلف، فقد يكون شيء ما شرطاً ضمنياً مع العقد في عصرٍ دون عصر.
وهكذا ينبغي للرسالة العمليّة أن تأخذ العرف المتطوّر بعين الاعتبار، في تحديد ذلك القسم من الأحكام الذي يرتبط بالعرف.
وقد وُجدت محاولاتٌ منذ زمن، للتطوير والتجديد في الرسائل العمليّة، وكان لكلّ محاولة أهمّيّتها وقيمتها.
وحينما صدرت تعليقتنا العملية على منهاج الصالحين، أحسستُ إحساساً واضحاً من خلال مراجعات القارئين وأسئلة السائلين، بما كنتُ على إيمانٍ به من ضرورة الأخذ بالملاحظتين السابقتين في وضع رسالةٍ عمليةٍ تتقيّد بمنهجٍ سليمٍ في العرض من الناحية الفنّيّة، وتلتزم بلغة مبسّطة حديثة، وتبدأ في العرض من الصفر، وتحاول أن تعرض الأحكام من خلال صورٍ حيّة وتطبيقاتٍ منتزعةٍ من واقع الحياة، وتتّجه إلى بيان الحكم الشرعي لما يستجدّ من وقائع.
وهذه >الفتاوى الواضحة< تحقيقٌ لذلك بالقدر الذي اتّسع له المجال وأتاحته الفرصة، ونسأل المولى القدير سبحانه وتعالى أن يتقبّلها بلطفه، وينفعَ بها إخواننا المؤمنين.
مصادر الفتوى(1)
ونرى من الضروريّ أن نشير أخيراً – بصورةٍ موجزةٍ- إلى المصادر التي
ــــــ[115]ـــــــ
(1) لا يخلو إسقاط الدليلين (العقل والاجماع) من المبالغة، و[هو] قابل في ظاهره للمناقشة، وهو أعلم بما قال. وليس هنا محلّ تفصيله.
الفتاوى الواضحة ج1
اعتمدناها بصورةٍ رئيسيةٍ في استنباط هذه الفتاوى الواضحة، وهي – كما ذكرنا في مستهلّ الحديث- عبارة عن الكتاب الكريم، والسنّة النبوية الشريفة بامتدادها المتمثّل في سنّة الأئمّة المعصومين من أهل البيت^ باعتبارهم أحد الثقلين اللذين أمر النبيُّ’ بالتمسّك بهما، ولم نعتمد في شيءٍ من هذه الفتاوى على غير هذين المصدرين. أمّا القياس والاستحسان ونحوهما فلا نرى مسوّغاً شرعياً للاعتماد عليها تبعاً لأئمّة أهل البيت^.
وأمّا ما يسمّى بالدليل العقلي الذي اختلف المجتهدون والمحدّثون في أنَّه هل يسوغ العمل به أو لا؟ فنحن وإن كنّا نؤمن بأنَّه يسوغ العمل به ولكنّا لم نجد حكماً واحداً يتوقّف إثباته على الدليل العقلي بهذا المعنى، بل كلُّ ما يثبت بالدليل العقلي فهو ثابتٌ في نفس الوقت بكتابٍ أو سنّة.
وأمّا ما يسمّى بالإجماع فهو ليس مصدراً إلى جانب الكتاب والسنّة، ولا يُعتمَد عليه إلَّا من أجل كونه وسيلةَ إثباتٍ للسنّة في بعض الحالات.
وهكذا كان المصدران الوحيدان هما: الكتاب والسنّة، ونبتهل إلى الله تعالى أن يجعلنا من المتمسّكين بهما، ومن استمسك بهما {فَقَد اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَميِعٌ عَلِيمٌ}.
التقسيم في هذه الرسالة
وقد بدأنا في هذه الرسالة العملية بالتقليد، فذكرنا أحكام المقلِّد، وأحكام الاجتهاد والاحتياط، وتكلّمنا بعد ذلك عن التكليف وشروطه، ثُمَّ صنّفنا الأحكام إلى أربعة أقسام:
القسم الأوّل: العبادات.
القسم الثاني: الأموال، ويشتمل على الأموال العامّة والأموال الخاصّة.
ــــــ[116]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
القسم الثالث: السلوك الخاصّ.
القسم الرابع: السلوك العامّ.
وسيأتي توضيح ما هو المقصود بكلّ واحد من هذه الأقسام في نهاية الحديث عن التكليف وشروطه.
ونسأل المولى القدير تعالى السداد والاعتصام، وما توفيقي إلَّا بالله عليه توكّلت وإليه أُنيب، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين.

محمّد باقر الصدر
النجف الأشرف
26 محرّم الحرام (1396 هـ)
ــــــ[117]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

أبحاث تمهيدية
3

التقليد والاجتهاد

 تمهيد
 التقليد
 الاجتهاد
 الاحتياط

ــــــ[119]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

بسم الله الرحمن الرحيم
[تمهيد]
الطرق الثلاث لطاعة الله
(1) في دين الله سبحانه أوامرٌ ونواهٍ – جلّت عظمته- يسأل عباده عنها، ولا وسيلة لمعرفة المكلّف بأنَّه قد أدّى إلى الله طاعته في أمره واتّقاه في نهيه، إلَّا إذا كان في جميع أفعاله وتروكه مجتهداً في أحكام الشريعة، أو مقلِّداً لمن هو أهلٌ للتقليد والاقتداء به، أو محتاطاً، على أن يستند في احتياطه(1) إلى علمه هو واجتهاده، أو إلى تقليد مجتهدٍ يسمح بالاحتياط، ويعلّمه كيف يحتاط.
هذا في غير البديهيات الدينية والمسلّمات الواضحة، كوجوب الصوم والصلاة، وحرمة الزنا والربا، وكالمسائل القطعيّة التي يمكن العلم بها بلا جهدٍ ودرس، كبعض الواجبات، وكثيرٍ من المستحبّات، وأكثر المباحات التي يعرف حكمها الكثير من الناس الذين يعيشون في البيئات الدينيّة، ومنها
– على سبيل المثال- وجوب العدّة على زوجة الميّت وعلى المطلّقة الشابّة بعد
ــــــ[121]ـــــــ
(1) هذا الاستناد يرجع بالاحتياط إلى الاجتهاد أو إلى التقليد وليس طريقاً مستقلاً. ومن هنا لو كان الاحتياط خالياً عمّا أشار إليه في الكتاب، أي: مستقلاً تماماً عن الاجتهاد والتقليد كان الاحتياط مخالفاً للاحتياط جدّاً. فاعتباره مسلكاً مستقلاً رأي هزيل.
الفتاوى الواضحة ج1
المقاربة، واستحباب الأذكار والدعوات، وإباحة أكل الرمّان، فإنَّ هذا النوع من الأحكام لا اجتهاد فيه ولا تقليد ولا احتياط.
وأيضاً لا تقليد في تطبيق المعاني الكلّيّة(1) على أفرادها الخارجية والتمييز بينها، من قبيل: أنَّ هذا المائع السائل أمامك هل هو خمر أو خلّ؟ فقد يجهل المرجع أنَّه خمر، ولكنّك تعلم أنَّه خمر، فعليك أن تتصرّف وفقاً لعلمك.
تعريف الطرق الثلاث
(2) الاجتهاد: هو القدرة(2) العلميّة على استخراج الحكم الشرعي من دليله المقرَّر له.
والاحتياط(3): أن يأتي المكلّف بكلّ شيءٍ يحتمل فيه الوجوب، ولا يَحتمل تحريمه على الإطلاق، وأن يترك كلّ شيءٍ يَحتمل فيه التحريم، ولا يحتمل فيه الوجوب بحال.
والتقليد: قدوةٌ وأُسوة، ويتحقّق بمجرّد العمل(4)، أو بمجرّد الجزم والعزم على العمل – عند الحاجة إلى العمل- بقول مجتهدٍ معيّن، فأحد هذين كافٍ في صحّة التقليد، ووافٍ في جواز البقاء عليه بعد موت المقلَّد؛ على ما يأتي.
ــــــ[122]ـــــــ
(1) يقصد: في تطبيقات الأحكام على موضوعاتها؛ فإنَّ ذلك راجعٌ للمكلّف وغير مربوط بالفقيه، إلَّا ما كان مشتملاً على مرافعةٍ قضائيّةٍ بحقٍّ خاصّ (كالدَّين) أو بحقٍّ عامّ (كالزنا واللواط).
(2) الاجتهاد: هو الملكة التي تمكّن الفرد من تحصيل الحكم الشرعي من دليله التفصيلي. وهذا هو مقصود الكتاب، إلَّا أنَّه لم يعبّر بالملكة حفاظاً لمستوىً معيّن من التعبير.
(3) هو الإفراغ اليقيني لشغل الذمّة اليقيني بالتكاليف، بالطريقة المذكورة في المتن.
(4) هو كذلك، ولا دخل للنيّة إلَّا بمقدار الالتفات إلى استناد العمل إلى الفتوى.
الفتاوى الواضحة ج1
حكم من ترك الطرق الثلاث
(3) لا وزن لعملِ عاملٍ غير مجتهدٍ في أحكام الله تعالى، ولا محتاط فيها، ولا مقتدٍ بمجتهدٍ عادلٍ، حتّى ولو كان العامل جاهلاً بوجوب التقليد أو الاحتياط؛ لأنَّ الجهل هنا ليس بعذر(1)، ولكن لو تكشّف له أنَّ عمله كان على النهج المطلوب منه واقعاً بالتمام والكمال، أو كان موافقاً لفتوى مَن يجب عليه تقليده ساعة الكشف والعلم بوجوب التقليد أو الاحتياط، لو كان هذا كفاه عمله السابق، ولا شيء عليه.
وإذا تنبَّه وعلم بوجوب التقليد أو الاحتياط ولكنّه شكّ في أنَّ عمله السابق بلا تقليدٍ واحتياط، هل كان على المنهج المطلوب حتّى لا يجب القضاء – على حدّ تعبير الفقهاء؛ وهم يطلقون كلمة >القضاء< على الإتيان بالفعل المأمور به بعد فوات أمده المضروب له- أو لم يكن على النحو المطلوب، بل كان باطلاً حتى يقضي المكلّف ما فات؟ فماذا يصنع؟
الجواب: أمّا فيما يعود إلى القضاء فقط، فلا يجب عليه في مثل هذا الفرض، وتجب الإعادة ما بقي وقت الفريضة.
ــــــ[123]ـــــــ
(1) إذا كان المكلّف مقصّراً في جهله وهو الملتفت – ولو احتمالاً- إلى الحكم المذكور في الكتاب. وأمَّا لو كان جاهلاً قاصراً وهو غير الملتفت أصلاً إلى هذا الحكم، فالله سبحانه أولى بالعفو عنه. نعم، لو أصبح ملتفتاً – ولو بعد حينٍ- وجب عليه التدارك في الأفعال التي تحتوي على التدارك.
الفتاوى الواضحة ج1  

التقليد
(4) التقليد هو الطريق الأكثر عمليةً لجُلّ الناس، فقد اعتاد الناس في كلّ مجالٍ على الرجوع إلى ذوي الاختصاص والخبرة بذلك المجال، وهو واجبٌ على كلّ مكلّف لا يتمكّن من الاجتهاد(1).
ويشترط في مَنْ يُرجَع إليه في التقليد: البلوغ، والعقل، والذكورة، وطيب الولادة(2)، والإيمان، والاجتهاد، والعدالة(3)، والحياة، أي: يجب في سائر الأحوال أن يبدأ التقليد، بالعمل أو الالتزام بقول الحيّ دون الميّت.
(5) إذا تعدّد المجتهدون الذين تتوفّر فيهم الشروط السابقة وكانوا متّفقين في آرائهم وفتاويهم، فبإمكان المقلِّد أن يرجع إلى أيّ واحدٍ منهم(4)، ولكنّ هذا مجرّد افتراض نظريٍّ، وليس واقعاً في الحياة العمليّة عادةً؛ لأنَّ الاجتهاد مثارٌ للاختلاف بين المجتهدين غالباً، فإذا اختلفوا وعلم المقلِّد بأنَّهم مختلفون في آرائهم فلمَن يرجع؟ ومَن يقلِّد؟
والجواب: إنَّه يرجع إلى الأعلم في الشريعة، والأعرف والأقدر على
ــــــ[124]ـــــــ
(1) أو الاحتياط، على ما سبق في الكتاب. وعلى ما قلناه من إسقاط الاحتياط كطريقٍ مستقلّ، يكون عدم الاجتهاد – لا العجز عنه- موضوعاً كاملاً لوجوب التقليد.
(2) ومعنى طيب الولادة: أن يكون قد وُلد بصورة مشروعة (الماتن).
(3) سيأتي معنى العدالة اللازمة في المرجع في الفقرة (32) من هذا الفصل (الماتن).
(4) قلنا أنَّ التقليد هو >العمل<، ومن هنا فإن طَبّق المكلّف هذا الرأي المتّفق عليه بين العلماء، كان كافياً، من دون نيّة في الرجوع إلى أحدهم بعينه.
الفتاوى الواضحة ج1
تطبيق أحكامها(1) في مواردها، مع فهم للحياة وشؤونها بالقدر الذي تتطلّبه معرفة أحكامها من تلك الأدلّة.
وبعبارة موجزة: يجب على المقلِّد أن يقلّد الأعلم من المجتهدين في هذه الحالة.
(6) وكيف يعرف الأعلم بالمعنى الذي فصّلناه؟
والجواب: إنَّه يعرف بطرقٍ، منها:
أوّلاً: شهادة عدلين من المجتهدين الأكفاء، أو الأفاضل القادرين على التقييم العلمي(2)، وسيأتي معنى العادل في الفقرة (32) من هذا الفصل.
ثانياً: الخبرة والممارسة الشخصيّة من المقلِّد إذا كان له من الفضل والعلم ما يتيح له ذلك وإن لم يكن مجتهداً، وأخيراً: بكلّ سبب يؤدّي إلى يقين المقلِّد وإيمانه(3) بأنَّ فلاناً أعلم – مهما كان السبب- فإنَّ ذلك يحتّم عليه أن يقلّده دون سواه، ومن ذلك: الشياع بين أهل العلم والفضل، أو الشياع في صفوف الأُمّة إذا أدّى إلى يقين المقلِّد بأنَّ مَن شاع أنَّه أعلم هو الأعلم حقّاً.
ــــــ[125]ـــــــ
(1) صفة الأعلم تكون في القدرة والدقّة في استنباط الأحكام الشرعيّة من أدلّتها. فكلّما كان الفقيه أدقّ، كان أعلم. وأمّا القدرة على التطبيق وفهم شؤون الحياة العامّة، فهذا لا دخل له في الأعلميّة. نعم، قد يكون له دخل في الولاية العامّة. ولعلّه يأتي الإشارة إليه.
(2) لا دخل للاجتهاد ولا للفضيلة في صحّة الشهادة، بل كلّ عادلين إذا شهدا بالأعلميّة بنحو الجزم فإنَّها تثبت. كلّ ما في الموضوع أنَّ شهادة الأفاضل تكون بالحسّ؛ لأنَّهم عالمين بالمباشرة بمقدار علم الفقهاء، وأمَّا غيرهم فتكون شهادتهم بالواسطة، إلَّا أنَّ هذا كافٍ للعادل إذا حصّل العلم بالأعلميّة وشهد به.
(3) يكفي الاطمئنان والوثوق الكامل بالأعلميّة وإن لم يحصل اليقين بالمعنى الدقيق.
الفتاوى الواضحة ج1
ويجب على المقلِّد الفحص والبحث عن الأعلم في كلّ مظنّة وسبيل ممكن، وأيضاً يجب على المكلّف أن يحتاط(1) في أعماله مدّة البحث والفحص.
(7) قد يتّفق ويصادف أن يكون الأعلم أكثر من واحدٍ من بين المجتهدين، أي اثنين – مثلاً- هما على مستوىً واحد مقدِرةً وفضلاً، وقد اختلفا في الفتوى، فهل هناك مرجِّحات غير العلم والاجتهاد توجب تقديم أحدهما على الآخر في التقليد؟
الجواب: الواجب حينئذٍ في كلّ واقعةٍ الأخذ بمن كان قوله أقرب إلى الاحتياط. وبكلمةٍ أُخرى: لا يتصرّف المكلّف تصرّفاً إلَّا إذا اتّفقا على الترخيص فيه.
(8) إذا شكّ المكلّف وتردّد: هل زيد أعلم من بكر – مثلاً- أو بكر أو لا؟
إذا حدث هذا ينظر: فإن كان المكلّف على يقين بأنَّ أحدهما – ولنفرض مثلاً أنَّه زيد- كان من قبل أعلم بلا ريب ولكنّ بكراً جدّ ونشط في البحث أمداً غير قصير بعد العلم بأعلمية زيد حتى احتمل المكلّف أو ظنّ بأنَّه قد وصل إلى درجة زيد في العلم أو تفوّق عليه، إن كان هذا فعلى المكلّف أن يقلّد زيداً لا بكراً، وإن لم يسبق العلم بأعلمية زيد وشكّ هل بكر في علمه بمنزلةٍ أكبر من زيد أو يساويه منذ البداية، أو هو دونه؟ فالواجب في كلّ واقعة الأخذ بمن كان قوله أقرب إلى الاحتياط.
(9) إذا قلّد الأعلم ثُمَّ وجد مَن هو أعلم منه يقيناً، تحوّل من السابق إلى اللاحق، ومعنى هذا: أنَّ التقليد يدور مع الأعلم كيفما دار وجوداً وعدماً.
ــــــ[126]ـــــــ
(1) أي: يحتاط في حدود المجتهدين المحتمل أعلميّتهم لا الاحتياط المطلق.
الفتاوى الواضحة ج1
وإذا قلّد الأعلم ثُمَّ حصل مَن يساويه، جاز له أن يستمرّ على تقليده(1).
(10) من تخيّل – لسبب أو لآخر- أنَّ فلاناً هو المجتهد الأعلم، وبعد حين ظهر له العكس، فعليه أن يستدرك ويعدل إلى المجتهد الأعلم، ويسمّى هذا المقلِّد بالمشتبه.
أمّا الفرائض والواجبات التي أدّاها حين الاشتباه من صلاة وصيام ونحوهما، فليس عليه أن يقضيها ما دام المقلَّد السابق مجتهداً، وإن كان أقلّ علماً من غيره. وأمّا إذا ظهر له أنَّ المقلَّد السابق لم يكن مجتهداً، فعليه أن يقضي كلّ ما ثبت لديه أنَّه قد أدّاه باطلاً في رأي مقلَّده الجديد، وسيأتي تأكيد ذلك وتفصيله في الفقرتين(18) و (19).
(11) لا يجوز التحوّل والتنقّل في التقليد(2) من مرجعٍ إلى مرجعٍ مهما كانت الظروف والأسباب، إلَّا بعد القطع واليقين بوجود المبرّر الشرعي، وهو: أن يفقد المرجع بعض الشروط الرئيسيّة، أو يوجد مَن هو أعلم منه، كما قلنا في الفقرة التاسعة.
(12) يستطيع المقلِّد أن يتعرّف على فتوى مقلَّده بإحدى الوسائل التالية:
أوّلاً: أن يستمع منه مباشرةً.
ثانياً: أن ينقل الفتوى إليه شاهدان عادلان، وتسمّى شهادة العادلين بالبيّنة.
ــــــ[127]ـــــــ
(1) أو يحتاط بين القولين، وهو أحوط.
(2) هذا الجواز ليس تعبّديّاً، وإنَّما هو – في الأغلب- لكونه مؤدّياً إلى الانتقال إلى مَن قوله ليس بحجّة على المكلّف، ما عدا صورة اتّفاق الفتوى أو التساوي في الأعلميّة، وقد سبق حكمها.
الفتاوى الواضحة ج1
ثالثاً: أن يخبره بها شخصٌ واحدٌ عادل، أو شخصٌ واحدٌ يعرفه بصدق اللهجة والتحرّج عن الكذب حتّى لو لم يكن عادلاً وملتزماً دينياً في كلّ سلوكه، ويسمّى بالثقة، وعلى هذا الأساس فنحن كلّما ذكرنا الثقة فهو يشمل العادل.
رابعاً: أن يجد الفتوى في كتابٍ ألّفه المرجع أو أقرّه، كالرسالة العمليّة الصادرة(1) منه.
(13) إذا جاءه ثقةٌ بفتوى عن مقلَّده، وجاءه ثقةٌ آخر بفتوى تتعارض مع الفتوى الأُولى، فكيف يصنع المقلِّد؟
والجواب: إنَّ الثقتين إذا كانا يتحدّثان عن زمنين مختلفين، وجبَ العملُ بالفتوى المنقولة عن الزمن المتأخّر.
مثال ذلك: أن يخبر أحدهما عن فتوى سمعها قبل سنة، ويخبر الآخر عن فتوى سمعها قبل شهر، فيعمل على أساس الخبر الثاني.
وأمّا إذا كانا يتحدّثان عن زمنٍ واحدٍ، فلا يمكن للمقلِّد أن يعتمد على أيّ واحد منهما، بل يحتاط إلى أن يتّضح له(2) واقع الحال.
ــــــ[128]ـــــــ
(1) بعد الفحص والتأكّد من عدم الخطأ المطبعي، والتأكّد أيضاً من انتسابها إليه، كما هو الأغلب. فلو احتمل أنَّها مكذوبة عليه، لم يجز العمل بما فيها إلَّا بعد الفحص. وكذلك كلّ فتوى منسوبة إلى فقيهٍ قلّت أو كثرت.
(2) يكون الاحتياط بين الفتويين أو الفتاوى المحتملة وليس احتياطاً مطلقاً.
وأمَّا إذا لم يمكن الاحتياط، عمل على قول العادل من الشاهدَيْن إن كان الثاني غير عادل، أو الأعدل منهما، أو الأوثق في نفسه، وعليه: المبادرة إلى الفحص عن الواقع جهد الإمكان.
الفتاوى الواضحة ج1
(14) إذا شكّ المقلِّد في أنَّ فتوى المقلَّد تغيّرت واحتمل أنَّه عدل عنها إلى فتوىً جديدة، فيعمل على أساس أنَّ الفتوى السابقة لا تزال باقيةً، ما لم يقم دليلٌ شرعيٌّ على العكس.
والشيء نفسه نقوله كلّما شكّ في بقاء واحدٍ من الشروط التي يجب توفّرها في المرجع، فإنَّه يعمل على أساس أنَّها باقية، ويظلّ على علاقته به(1) ما لم يثبت العكس.
(15) قد تعرض لعبادة المكلّف المقلِّد عارضة وهو يؤدّيها ولا يعرف لها حكماً ودواءً، فماذا يصنع؟
الجواب: يسوغ له في هذا الفرض أن يثق بظنّه ويعمل به، حيث لا وسيلة سواه، شريطة أن يرجع إلى مقلَّده ويسأله عن حكم ما عرض له، ويعمل بموجب قوله وفتواه، ولا يجوز له أن يهمل(2) السؤال ويكتفي بظنّه هو واحتماله.
في حالات موت المرجع
(16) إذا مات المرجع في التقليد؛ فما هو تكليف من كان مقتدياً به ومقلِّداً له؟
والجواب عن هذا السؤال يستدعي التفصيل كالآتي:
ــــــ[129]ـــــــ
(1) أي: على تقليده أو الاحتياط ضمن فتواه في صورة التساوي ونحو ذلك.
(2) حجّيّة الظنّ بالحكم، المذكورة في الكتاب، خاصّة خلال أداء العمل – كالاشتغال بالصلاة مثلاً- وأمّا إذا أمكن الفحص والسؤال خلال العمل – كالصوم والحجّ- فلا حجّيّة للظنّ. وأيضاً: لا يكون الظنّ حجّة في اعمال أُخرى مشابهة أو غير مشابهة.
الفتاوى الواضحة ج1
1. قد يكون الميّت المقلَّد أعلم من كلّ الأحياء الموجودين بالفعل، وفي هذا الفرض يستمرّ المكلّف(1) على تقليد الميّت، تماماً كما لو كان المرجع حيّاً(2) بلا أدنى فرق فيما عمل به من أقوال المرجع وفيما لم يعمل.
2. وقد يكون الحيّ أعلم من الميّت، وعلى هذا يجب العدول(3) إلى تقليد الحيّ في كلّ المسائل دون استثناء.
3. وقد يوجد في الأحياء من هو مساوٍ للميّت علماً واجتهاداً، وحينئذٍ ينظر: فإن كان الميّت أسبق في الأعلميّة، استمرّ المكلّف على تقليد الميّت، وإن تبيّن أنَّهما كانا على مستوىً واحد منذ البداية(4)، فالواجب في كلّ واقعةٍ الأخذ بمن كان قوله أقرب إلى الاحتياط.
ومن الضروريّ الإشارة إلى أنَّه في الحالات التي يسوغ للمقلِّد أن يستمرّ على تقليد المرجع الميّت، لا يحقّ له أن يستمرّ هكذا بصورة اعتباطيّة، وإنَّما يسوغ له الاستمرار كذلك، بعد أن يتعرّف على الأعلم من المجتهدين
ــــــ[130]ـــــــ
(1) وجوب ذلك محلّ نظر، وإنَّما هو مبنيٌّ على الأحتياط الاستحبابي.
(2) هذا على إطلاقه لا يمكن، وخاصّة بعد أن بنينا – وبنى السيّد نفسه- على أنَّ التقليد هو >العمل<، فكيف يبقى فيما لم يعمل. مضافاً إلى أنَّ الميّت عاجز عن أعمال الحيّ، كقبض الحقوق وإعطاء الأذونات والوكالات والنظر في المرافعات، فهو ليس كالحيّ تماماً بطبيعة الحال.
(3) هذا صحيح، إلَّا إذا كان للفقيه الحيّ رأي آخر كعدم وجوب تقليد الأعلم مع جواز البقاء على تقليد الميّت.
(4) هذا معناه: أنَّ تقليده من الأوّل كان خاطئاً وأنَّه كان يجب عليه الأخذ بالاحتياط بين القولين. نعم، لو كان فَعَلَ ذلك، أمكنه الاستمرار عليه بعد موت أحد الفقيهين.
الفتاوى الواضحة ج1
الأحياء ويرجع إليه في التقليد، فيسمح له بالاستمرار على العمل بفتاوى المرجع الميّت(1)، وإذا لم يصنع ذلك واستمرّ على تقليد الميّت بصورة اعتباطيّة، كان كمَن يعمل بدون تقليد(2).
(17) إذا استمرّ المكلّف على تقليد الميّت بفتوى الأعلم الحيّ، ثُمَّ مات هذا المفتي، فعلى المكلّف أن يرجع ثانيةً إلى أعلم آخر من الأحياء(3) في بقائه على تقليد الميّت.
في حالات العدول
(18) إذا عدل المقلِّد – بمبرّرٍ شرعيّ- من مرجعٍ إلى آخر، فكيف يصنع بما أدّاه من صلاةٍ وصيامٍ ونحوهما في الفترة السابقة؟
ومثال ذلك: مَن يموت مرجعه فيعدل إلى تقليد المجتهد الحيّ الأعلم، أو من يقلّد الأعلم ثُمَّ يصبح غيره أعلم منه في حياته فيعدل إليه؛ وكلّ من التقليدين في حينه صحيح.
والجواب: أنَّه لا يجب عليه أن يقضي تلك الواجبات التي أدّاها وانتهى وقتها، حتّى ولو كانت باطلةً في رأي مقلَّده الجديد.
وأمّا إذا صلّى صلاة الظهر – مثلاً- على رأي مقلَّده الأوّل، ثُمَّ عدل إلى
ــــــ[131]ـــــــ
(1) كما هو الصحيح. وأمَّا إذا كان يرى عدم جواز البقاء على تقليد الميّت فسيكون الواجب عليه الانتقال إلى الحيّ بالتقليد.
(2) إلَّا إذا كانت الفتوى الصحيحة والحجّة عليه هو الجواز واقعاً، كما لو كان رأي الأعلم الحيّ هو ذلك، وإن لم يسأله المكلّف أو كان المتسالم عليه بين الفقهاء الأحياء ذلك، فالظاهر في مثله جواز البقاء وصحّة العمل.
(3) بشرط أن يكون أعلم، أو يعمل كما أشرنا في التعليقة السابقة.
الفتاوى الواضحة ج1
المقلَّد الجديد بمبرّرٍ شرعيٍّ قبل أن تغرب الشمس، وَجَبَ عليه أن يقيم صلاته على أساس فتاوى المرجع الجديد.
فإن كانت صلاته متّفقةً مع فتاواه، فهي صحيحة ولا تجب إعادتها. وإن كانت صلاته مختلفةً مع فتاواه، فالاختلاف على قسمين:
أحدهما: الاختلاف في نقطة يُعذر فيها الجاهل، فلا تجب إعادة الصلاة؛ لأنَّه كان جاهلاً.
ومثالها: أن يكون قد قرأ التسبيحات في الركعة الثالثة مرّةً واحدةً والمرجع الجديد يرى وجوبها ثلاث مرّات.
والآخر: الاختلاف في نقطة لا يُعذر فيها(1) الجاهل، فتجب الإعادة.
ومثالها: أن يكون قد توضّأ للصلاة بماء الورد وفقاً لرأي مقلَّده السابق، والمرجع الجديد يرى بطلان هذا الوضوء.
(19) إذا قلّد المكلّف شخصاً وعمل على رأيه فترةً من الزمن، ثُمَّ اتّضح أنَّ تقليده لم يكن صحيحاً، كما إذا ظهر له أنَّ ذلك الشخص لم يكن مجتهداً(2)، فعدل عنه إلى المجتهد فماذا يصنع بما أدّاه من فرائض على رأي مقلَّده السابق؟
والجواب: أنَّ الفريضة التي لا يزال وقتها باقياً يجب عليه إعادتها، إلَّا في حالتين:
الأُولى: أن يعلم بأنَّها متّفقة مع رأي مقلَّده الجديد.
الثانية: أن تكون مختلفةً في نقطة يُعذر فيها الجاهل(3).
ــــــ[132]ـــــــ
(1) الإعادة في مثل ذلك وإن كانت أحوط، إلَّا أنَّ الأظهر عدم الوجوب.
(2) أو لم يكن أعلم أو لم يكن عادلاً ونحوه ممّا يكون التقليد فيها باطلاً أساساً.
(3) وأمّا إذا لم يكن الجاهل معذوراً، فتجب الإعادة؛ لأنَّ العمل كان مبتنياً على تقليدٍ باطل.
الفتاوى الواضحة ج1
وأمّا الفريضة التي مضى وقتها فيجب قضاؤها، إلَّا في ثلاث حالات:
الأُولى: أن يعلم بأنَّها متّفقة مع رأي مقلَّده الجديد.
الثانية: أن يشكّ هل هي متّفقة مع رأي المقلَّد الجديد، أو لا؛ نظراً لأنَّه لا يتذكّر طريقة أدائه لها؟
الثالثة: أن يعلم بأنَّها مختلفة مع رأي المقلَّد الجديد، ولكن في نقطة يُعذر فيها الجاهل.
(20) الوكيل والوصي ينفّذان أمر الأصيل(1) وفقاً لتقليده هو، وليس لتقليدهما؛ ونعني بالأصيل الموكل والموصي؛ لأنَّ الأصيل لو باشر العمل بنفسه لأتى به على موجب تقليده، وليس على مقتضى تقليد الآخرين.
وأمّا من يعمل لنفسه فهو إنَّما يتصرّف وفقاً لتقليده، ويعتبر رأي مقلَّده هو المقياس، لا في عمله فحسب، بل في عمل الآخرين أيضاً بقدر ما يتّصل به.
ومثال ذلك: أن يقوم خالد بمعاملة خاصّة فيبيع ديناراً نقداً بدينار ونصف مؤجّلاً؛ اعتماداً على رأي مقلَّده الذي يقول بجواز ذلك، وزيد مقلِّد لمن يرى بطلان هذه المعاملة، ففي هذه الحالة يجب على زيد أن يتّبع رأي مقلَّده، فيعتبر المعاملة التي قام بها خالد باطلةً، والمال الذي انتقل إلى خالد بسببها غير جائز، ولا يسمح لنفسه بأن يشتري منه ذلك المال.
وقد يرتبط زيد وخالد في معاملة واحدة كعقد بيع مثلاً، وعقد البيع يشتمل على بيع من قبل البائع وشراء من قبل المشتري، ففي هذه الحالة لا
ــــــ[133]ـــــــ
(1) كما في الإشراف على القاصرين أو الحجّ أو الصلاة عن الميّت، وكذلك في الوكالة عن الحيّ في سائر المعاملات، ولكن هذا يتمّ مع انحفاظ التقليد، أي: بقاء الفقيه حيّاً، وأمّا لو مات بعد موت الموصي ووجب الرجوع إلى غيره فالمتّبع فتوى الثاني.
الفتاوى الواضحة ج1
يجوز لكلٍّ منهما(1) أن يعتبر المعاملة صحيحةً إلَّا إذا كانت متّفقةً مع رأي مقلَّده.
ويستثنى من ذلك الحالات التي يُعذر فيها الجاهل(2)، ويقع العمل منه صحيحاً، كما إذا كان خالد مقلِّداً لمن يرى أنَّ التسبيحات إنَّما تجب في الركعة الثالثة والرابعة مرّةً واحدةً، وزيد مقلِّد لمن يرى أنَّها تجب ثلاث مرّات، فيقتدي زيدٌ بخالد الذي يأتي بها مرّةً واحدة، ويصحّ هذا الاقتداء؛ لأنَّ التسبيحات يُعذَر الجاهل في تركها أو ترك شيء منها، فتكون صلاة خالد على هذا الأساس صحيحةً لدى زيد.
ــــــ[134]ـــــــ
(1) أي: لأيّ منهما. والمعاملة باطلة أساساً.
(2) هذا خاصّ بالعبادات وغير شامل للمعاملات، كما يدلّ عليه أيضاً المثال المذكور في الكتاب.
الفتاوى الواضحة ج1 

الاجتهاد
(21) الاجتهاد واجب كفائي على المسلمين، ومعنى ذلك: أنَّه إذا قام به البعض وبلغوا درجة الاجتهاد سقط الوجوب عن الآخرين(1)، وإذا أهمل المسلمون جميعاً هذا الواجب فلم يتوفّر مجتهد كان الجميع آثمين.
والعدد الواجب توفّره من المجتهدين ليس محدّداً شرعاً، بل يتحدّد وفقاً للحاجة.
(22) والاجتهاد على قسمين:
أحدهما كامل، ويسمّى ذو الاجتهاد الكامل بالمجتهد المطلق، وهو القدير على استخراج الحكم الشرعي من دليله المقرّر في مختلف أبواب الفقه.
والآخر ناقص، ويسمّى ذو الاجتهاد الناقص بالمتجزّئ، وهو الذي اجتهد في بعض المسائل الشرعيّة دون بعض، فكان قديراً على استخراج الحكم الشرعي من دليله في نطاق محدود من المسائل فقط.
وكلّ من المجتهد المطلق والمجتهد المتجزّئ؛ يجوز له أن يعمل على وفق اجتهاده في حدود قدرته على استخراج الحكم من دليله، ويجوز لكلٍّ منهما أن يعبّر عن رأيه وفتواه(2)، ولكنّهما يختلفان في آثار أُخرى، كما يأتي في الفقرة التالية.
ــــــ[135]ـــــــ
(1) بقدر الحاجة إلى جميع مَن يحتاج إليهم من المسلمين في العالم. وأمّا إذا قلّ العدد عن ذلك، كان له حكم الإهمال.
(2) بغضّ النظر عن أخذ الآخرين بها، وإلَّا فإنَّ غير الأعلم وكذلك المتجزّئ لا يجوز تقليدهما.
الفتاوى الواضحة ج1
(23) المجتهد المطلق إذا توافرت فيه سائر الشروط الشرعيّة في مرجع التقليد المتقدّمة في الفقرة (4) جاز للمكلف أن يقلّده كما تقدّم، وكانت له الولاية الشرعيّة العامّة في شؤون المسلمين، شريطة أن يكون كُفؤاً لذلك من الناحية الدينية والواقعية معاً(1).
وقد كانت تلك الولاية العامّة للمجتهد المطلق الكفؤ بسبب غيبة وليّ العصر الإمام الحجّة×(2)؛ إذ كتب قبيل غيبته الكبرى إلى شيعته كتاباً ــــــ[136]ـــــــ
(1) يراد بالناحية الدينيّة: كونه أعلم بالأحكام الشرعيّة. والمراد بالناحية الواقعيّة: كونه (أعلم) أو دقيق النظر بالوقائع العامّة في المجتمع وما تقتضيه المصلحة من قولٍ أو فعلٍ ضمنها.
فقط ينبغي الإلماع إلى أنَّه يجب أن ينظر الفقيه إلى كلّ الوقائع الدنيويّة العامّة والخاصّة، وإلى المصالح التي يريد تطبيقها، أن ينظر فيها نظرة دينيّة خالصة ليس فيها شائبة أنانيّة أو غرور.
وعلامة ذلك: أنَّه يرضى نفسيّاً أنَّه إذا اقتضت المصلحة أن ينعزل عن كلّ مصالحه وأعماله إذا كان الأصلح ذلك، فإنَّه يرضى به؛ كما لو حصل شخص أعلم منه مثلاً أو غير ذلك.
وأمّا حدود الولاية العامّة فسيذكرها السيّد في متن الكتاب.
(2) هذا له تفسيران:
الأوّل: ما ذكره في الكتاب من صدور التوقيع عنه× بهذا المضمون.
الثاني: أنَّه بما أنَّ الإمام× مفقود ويجب أن لا يبقى المجتمع بدون قادة، فأوكلت القيادة إلى الفقهاء، فالغيبة سبب لولاية الفقيه بهذا المعنى؛ إذ لو كان الإمام المعصوم× موجوداً، لما احتاج الأمر إلى ذلك.
الفتاوى الواضحة ج1
يوضّح فيه ذلك قائلاً: >وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا؛ فإنَّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله<(1).
وللمجتهد المطلق أيضاً ولاية القضاء(2)، ويسمّى على هذا الأساس بالحاكم الشرعي. وسيأتي الحديث عن الولاية العامّة والقضاء وأحكامه في القسم الرابع من >الفتاوى الواضحة< إن شاء الله تعالى.
وأمّا المجتهد المتجزّئ فليست له الولاية الشرعيّة العامة، ولا ولاية القضاء، ولا يجوز للمكلّف أن يقلّده حتى في ما اجتهد فيه من مسائل، إلَّا إذا أصبح فيها أعلم(3) من المجتهد المطلق.
ويدخل ضمن ولاية المجتهد رعاية شؤون القاصرين من أيتام ومجانين إذا لم يكن لهم وليّ خاصّ، وكذلك رعاية شؤون الأوقاف العامّة التي ليس لها متولٍّ خاصّ بنصّ الواقف. ورعاية المجتهد لهذه الشؤون قد يكون بالمباشرة، وقد يكون بتعيين آخرين.
وإذا عيّن المجتهد شخصاً لرعاية شيء من ذلك، ومات هذا المجتهد، فهل يسوغ لذلك الشخص أن يواصل رعايته اعتماداً على ذلك التعيين؟
ــــــ[137]ـــــــ
(1) كمال الدين وتمام النعمة (للصدوق): 484، الباب الخامس والأربعون: ذكر التوقيعات، الحديث 4، وسائل الشيعة 27: 140، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث، الحديث 9. (هيئة التراث).
(2) هذا ثابتٌ له وإن لم يكن أعلم.
(3) الظاهر عدم جواز الرجوع إليه، وإنَّما يجب الرجوع إلى الأعلم ممّن هو مجتهد مطلق.
الفتاوى الواضحة ج1
والجواب: أنَّ المجتهد الذي مات: إن كان قد عيّن ذلك الشخص كوكيلٍ عنه في الرعاية، فبموت ذلك المجتهد ينتهي دور الشخص الوكيل، ويجب عليه أن يرجع إلى مجتهدٍ حيّ.
وإن كان المجتهد الذي مات(1) قد منحه ولايةً بأن قال له مثلاً: جعلتك وليّاً على مال هذا اليتيم، فتبقى هذه الولاية نافذة المفعول حتّى بعد موت ذلك المجتهد.
وإذا أمر الحاكم الشرعي بشيءٍ تقديراً منه للمصلحة العامّة، وجب اتّباعه على جميع المسلمين، ولا يعذر في مخالفته، حتّى من يرى أنَّ تلك المصلحة لا أهميّة لها.
ومثال ذلك: أنَّ الشريعة حرّمت الاحتكار في بعض السلع الضروريّة، وتركت للحاكم الشرعي أن يمنع عنه في سائر السلع، ويأمر بأثمانٍ محدّدة تبعاً لما يقدّره من المصلحة العامّة، فإذا استعمل الحاكم الشرعي صلاحيّته هذه، وجبت إطاعته(2).
(24) من ليس مجتهداً، يحرم عليه الإفتاء(3). ومن كان مجتهداً ولكنّه لم
ــــــ[138]ـــــــ
(1) إذا مات المجتهد انقطعت العناوين التالية: الوكالة مهما كان مضمونها، والإذن بأيّ شيء، والإجازة في التصرّف بأيّ شيء. نعم، ولاية الوقف لا يبعد استمرارها، وإن كان الأحوط أخذها مجدّداً من الفقيه الحيّ.
(2) ما دام حيّاً، وفي الحدود التي قرّرها هو، وهذا واضح إذا كان مبسوط اليد. وأمّا بدونه ففرض مثل هذه المصلحة العامّة يبقى نادراً، وإن كان الأحوط على غير مقلّديه هو وجوب الاتّباع أيضاً، مضافاً إلى المقلّدين طبعاً.
(3) أي: بصفتها فتوى نفسه. وأمّا نقل الفتوى عن الآخرين الأكفّاء، فلا إشكال فيه.
الفتاوى الواضحة ج1
تتوفّر فيه سائر الشروط الشرعيّة للمرجع، لا يحرم عليه الإفتاء، بمعنى الإخبار عن رأيه وما أدّى إليه اجتهاده، ولكن يحرم عليه أن ينصب نفسه علماً ومرجعاً للإفتاء للآخرين.
(25) من ليس أهلاً للقضاء، يحرم عليه أن يقضي بين الناس، وتحرم المحاكمة والمرافعة لديه والشهادة عنده، وكلّ مال يحكم به فهو حرامٌ محرّمٌ حتى على صاحب الحقّ(1).
أجل، إذا انحصر استيفاء الحقّ واستنقاذه بالترافع عند من ليس أهلاً، جاز ذلك. فإن حكم بالحقّ وكان المحكوم به عيناً، أخذها صاحبها. وإن كان مالاً في الذمّة، استأذن الحاكم الشرعي(2) في أخذه.
(26) المجتهد الذي توافرت فيه الشروط الشرعيّة بكاملها: إذا قضى في خصومة بين شخصين لأحدهما على الآخر، ولم يألُ جهداً في تطبيق موازين القضاء، لم يجز لأيّ مجتهدٍ آخر أن ينقض ذلك الحكم بإصدار حكم على خلافه، حتّى ولو كان على يقينٍ بأنَّ من قضى المجتهد الأوّل لصالحه ليس هو صاحب الحقّ.
(27) وإذا قضى هذا المجتهد بأنَّ الدار التي يدّعيها زيدٌ له – مثلاً- دون بكر، وهناك من يعلم بأنَّ الدار لبكر لا لزيد، فهل يعمل هذا العالم في
ــــــ[139]ـــــــ
(1) هذا صحيح إلَّا أنَّه يجوز أن يأخذ حقّه طبقاً للقواعد الشرّعيّة المقرّرة. فالحرمة خاصّة بنيّة تطبيق حكم الحاكم غير الكفؤ.
(2) هذا خلاف مفروض انحصار استيفاء الحقّ بغير الكفؤ، على أنَّ هذا الاستئذان غير واجب إذا علم صاحب الحقّ بحقّه يقيناً أو كونه مطابقاً للقواعد الشرّعيّة إن كان فاهماً لها.
الفتاوى الواضحة ج1
سلوكه وتعامله الشخصي على أساس ما صدر من قضاء؟ أو على أساس علمه – مثلاً- إذا أراد أن يستأجر تلك الدار، فهل يتّصل بزيد أو ببكر؟
والجواب: أنَّه يعمل على أساس علمه(1)، وأمّا غير من يعلم يقيناً بأنَّ الدار ليست لزيدٍ، فيجب عليه أن يسلك عملياً وفقاً لحكم المجتهد، ولا يجوز له أن يخالفه.
ــــــ[140]ـــــــ
(1) حتّى لو كان هو أحد المترافعَين. وأمّا لو احتمل صدق الحكم القضائي فيجب عليه أن يطبّقه هو وغيره.
الفتاوى الواضحة ج1  

الاحتياط
(28) الاحتياط هو الطريق الثالث(1) لطاعة الله تعالى، وقد تقدّم تعريفه، وهو على قسمين؛ لأنَّه: تارةً يستدعي التكرار، وأُخرى لا يستدعيه.
ومثال الأوّل: أن يجهل المكلّف في بعض الحالات أنَّ الواجب عليه صلاة القصر – وهي صلاة الظهر مثلاً تؤدَّى ركعتين- أو صلاة التمام، وهي صلاة الظهر – مثلاً- تؤدَّى أربع ركعاتح فإذا أراد أن يحتاط، تحتّم عليه أن يعيد الصلاة مرّتين: قصراً تارةً، وتماماً أُخرى.
ومثال الثاني: أن يجهل المكلّف حكم الإقامة للصلاة، فلا يدري هل هي واجبة أو مستحّبة؟ فإذا أراد أن يحتاط أقام وصلّى، وليس في ذلك تكرار.
وكلا القسمين جائز، سواء كان المكلّف متمكّناً(2) من التعرّف على الحكم الشرعي وتحديده بالضبط عن طريق الاجتهاد أو التقليد، أو لا.
ــــــ[141]ـــــــ
(1) سبق أن قلنا: إنَّه لا يمكن ولا يجزي أن يكون طريقاً مستقلاً عن الاجتهاد والتقليد. نعم، يمكن النظر هنا في الاحتياط لمعرفة معناه وتفاصيله بصفته واجباً أحياناً.
(2) ينبغي أن يقيّد ذلك بأمرين:
الأوّل: في الاحتياط غير الموجب للتكرار، وأمّا الموجب له، فإنجازه بدون تقليد ولا اجتهاد مخالف للاحتياط، إلَّا مع ضيق الوقت عن السؤال.
الثاني: أن لا يكون ذلك مسلكاً مستقلاً، بل قد يصحّ فيما لا تكرار فيه في بعض المسائل، مع كونه مقلِّداً أو مجتهداً في المسائل الأُخرى.
الفتاوى الواضحة ج1
(29) ولكنّ هذا لا يعني أنَّ المكلّف الاعتياديّ يمكنه أن يستغني بالاحتياط عن التقليد؛ وذلك لأنَّ معرفة الأُسلوب الذي يحصل به الاحتياط تحتاج إلى اطّلاع وانتباه فقهيّين واسعين، فلابدّ للمحتاط أن يحيط علماً بكلّ الأشياء التي من المحتمل وجوبها لكي يأتي بها، وبكلّ الأشياء التي من المحتمل حرمتها لكي يتركها، وقد يكون شيءٌ واحدٌ يحقّق الاحتياط في حالة دون أُخرى.
ومثال ذلك: أنَّ إنشاء حياة زوجية بعقد نكاحٍ يتمّ بلغةٍ غير عربيةٍ مخالفٌ للاحتياط؛ لأنَّ هناك من يقول بأنَّ اللغة العربية شرط في عقد النكاح. ولكن إذا وقع العقد على هذا النحو فنفي الزوجية وما تستدعيه من تكاليف، مخالفٌ للاحتياط أيضاً، لأنَّ هناك من يقول بصحّة هذا العقد.
(30) وإضافةً إلى ذلك، قد يتعذّر الاحتياط أحياناً بصورة نهائية، وذلك فيما إذا كان الإنسان يخشى من تورّطه في مخالفة حكم الله تعالى على أيّ حال، ولا يمكنه التأكّد من إطاعته إلَّا إذا تعرّف على الحكم بصورة محدّدة.
ومثال ذلك: أن ينذر شخصٌ نذراً وينهاه والده عنه؛ فهو يحتمل أنَّ الوفاء بالنذر واجبٌ لأنَّه نذر؛ ويحتمل أنَّه حرامٌ رعايةً لنهي الوالد، ولا يمكنه أن يحتاط والحالة هذه، فيتعيّن عليه الاجتهاد، أو التقليد للتعرّف على الحكم الشرعي بصورةٍ محدّدة.
(31) وكثيراً ما تواجه الإنسانَ حالاتٌ لا يمكنه فيها أن يطمئنّ إلى أنَّ تصرّفه تجاهها مرضيٌّ شرعاً، ما لم يتعلّم مسبقاً أحكامها؛ إذ لا يتاح له الاحتياط في تلك اللحظة بدون تعلّمٍ مسبق، ومن ذلك: حالات الشكّ في عدد الركعات، أو بعض أجزاء الصلاة، ولهذا يجب على المكلّف أن يتعلّم
ــــــ[142]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
ويعرف حكم ما قد يعرض له من شكٍّ في ذلك، وأيضاً عليه أن يتعلّم حكم ما إذا أزاد في عباداته شيئاً أو ترك منها شيئاً سهواً أو نسياناً.
وعلى العموم: يجب على كلّ مكلّفٍ – رجلاً أو امرأةً- أن يكون على بصيرةٍ من دينه، ومعرفةٍ بالأحكام التي من الممكن أن يتعرّض لها ولا يمكن أن يعطيَها حقَّها إلَّا بتعلُّمها(1).
ولا عذرَ للمكلف في ترك الفرائض والواجبات جهلاً بما يجب عليه منها، ولا عذر له في الإتيان بها بصورةٍ غير صحيحةٍ جهلاً منه بخصائصها وأجزائها وشروطها، بل يتحتّم عليه أن يتعلّم ذلك، حتّى إذا صلّى أو صام – مثلاً- علم أنَّه أدّى لله ما عليه من هذه العبادة الواجبة على النهج المطلوب؛ لأنَّه متفقِّهٌ بقدر ما يعلم بصحّتها والاكتفاء بها، والخروجِ عن عهدة أمرها ووجوبها.
العدالة
(32) تقدّم في الفقرة (4): أنَّ العدالة شرطٌ في مرجع التقليد، كما أنَّها شرطٌ في مواضع عديدة، ولهذا نشير إليها فيما يلي:
العدالة: عبارة عن الاستقامة على شرع الإسلام(2) وطريقته؛ قال تعالى: {فاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ. ..}(3)، وقال: {وَأَنْ لوْ اسْتَقَامُوا عَلى
ــــــ[143]ـــــــ
(1) كلّ ما ذكره السيّد في هذه الفقرة وما قبله يؤكّد ما قلناه من نفي كون الاحتياط طريقاً مستقلاً وأنَّه في كثير من الأحيان يكون مخالفاً للاحتياط.
(2) في حدود الواجبات والمحرّمات الشخصيّة منها والعامّة.
(3) سورة هود، الآية: 113.
الفتاوى الواضحة ج1
الطّرِيقَةِ…}(1)؛ شريطة أن تكون هذه الاستقامة طبيعةً ثابتةً للعادل(2)، تماماً كالعادة. ولا فرق من هذه الجهة بين ترك الذنب الكبير والذنب الصغير(3)، ولا بين فعل الواجب المتعب وغيره، ما دام الإذعان والاستسلام ركناً من أركان السمع والطاعة لأمر الله ونهيه، أيّاً كان لونهما ووزنهما.
أمّا من استثقل شرعَ الله(4) وأحكامَه فهو من الذين أشارت إليهم الآية
ــــــ[144]ـــــــ
(1) سورة الجنّ، الآية: 16.
(2) المهمّ هو الاستمرار العرفي في الاستقامة المشار إليها، بغضّ النظر عمّا يلي:
أوّلاً: الملكة الدافعة على الاستقامة أو العادة المقتضية لذلك؛ فإنَّ الشخص يكون عادلاً مع واقع الاستقامة وإن لم تحصل الملكة أو العادة.
ثانياً: وجود بعض الذنوب أحياناً، قليلة جدّاً، مع كراهتها وسرعة التوبة منها؛ لقوله تعالى: إِلَّا اللَّمَمَ … سورة النجم، الآية: 32.
ثالثاً: انفتاح القلب للطاعة وعدمه، بأن كان ممّن يستثقل شرع الله، كما سيأتي في الكتاب. فإنَّ المهمّ في العدالة هو نفس الاستقامة وإن كان مستثقلاً لها، وسيأتي له توضيح آخر.
(3) بغضّ النظر عن معناه الذي ليس هنا محلّ شرحه، فإنَّ كليهما حرام، وتركه واجب.
(4) هذا له عدّة معانٍ نذكر بعضها:
أوّلاً: قلّة الصبر على الطاعة أو على اجتناب المحرّمات، بمعنى: أنَّها تسبّب له ضيقاً وحرجاً أحياناً، وهذا لا يضرّ بالعدالة إن كان مطبّقاً للقواعد الشرعيّة تماماً.
ثانياً: قلّة الصبر على البلاء الموجب لمزيد من الصبر والاستقامة والالتزام حتّى لا يتورّط بالحرام.
وهذا النوع إن صدر منه اعتراض على القضاء الإلهي بوجود البلاء أو نحو ذلك، فقد عمل حراماً، وإلَّا فهو باقٍ على عدالته.
ثالثاً: وجود مناقشات في ذهنه لمصالح التكاليف، فهو يعتقد أنَّه لو كانت التكاليف على شكلٍ آخر لكانت أصلح. وهذا الاعتقاد محرّم؛ لأنَّه مخالفٌ للاعتقاد بالحكمة الإلهيّة. ولو فهمنا من شخصٍ هذا المعنى، فالأحوط ترك تقليده، حتّى لوكان عادلاً في سلوكه الظاهري وجامعاً للشرائط الأُخرى.
رابعاً: كراهته للشريعة لبعض الاعتبارات التي منها تفضيل الحرّية الشخصيّة
– نظريّاً- على التقيّد بقانون الله سبحانه؛ مع افتراض أنَّه ملتزمٌ ظاهراً بهذا القانون. ومثل هذا إن كان باقياً على نظريّته كشيءٍ ناجزٍ وصحيح، فهو على باطل، ولا يجوز تقليده حتّى لو كان جامعاً للشرائط. وأمّا لو كان غير معتنٍ بذلك قلبيّاً أو عقليّاً وملتزماً ظاهراً، فهو عادل.
الفتاوى الواضحة ج1
الكريمة {وَإنّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا على الخَاشِعِينَ}(1).
ومن الجدير بالذكر الإشارةُ إلى أنَّ العدالة شرطٌ أساسيٌّ في مواقعَ شرعيّةٍ متعدّدة. فالمرجعية العليا للتقليد، والولاية العامة على المسلمين، والقضاء، وإمامة صلاة الجماعة، وإقامة الشهادة التي يأخذ بها القاضي، والشهادة على الطلاق، كلُّ هذه المسؤوليات يُشترط فيها عدالة الإنسان الذي يتحمّلها، والعدالة في الجميع بمعنى الاستقامة على الشرع كما تقدَّم، وهذه الاستقامة تستند إلى طبيعة ثابتة(2) في الإنسان المستقيم. وكلّما كانت المسؤولية أكبر وأوسع وأجلّ خطراً، كانت العدالة في من يتحمّلها(3) بحاجةٍ إلى رسوخ
ــــــ[145]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 45.
(2) سبقت المناقشة فيه، وإن كان صاحب الملكة أفضل في عدالته بطبيعة الحال.
(3) هذا له معنيان متلازمان:
الأوّل: أنَّ العدالة تكون أرسخ في النفس، ويكون الفرد أقوى على تنفيذها وأصبر على تحمّلها.
الثاني: أنَّه كلّما اتّسعت مسؤوليّات الفرد أو المجتهد، فإنَّ رقعة الواجبات والمحرّمات عليه تزداد في صعوبة تحمّلها أوّلاً، وسعة تأثيرها في المجتمع ثانياً، ودقّة إدراكها أحياناً ثالثاً، فتدخل مثل هذه المحرّمات والواجبات ضمن العدالة بطبيعة الحال. وقد أشرنا إلى تلازم المعنيين، فكلّما ازدادت هذه التكاليف، ازدادت الحاجة إلى عمق العدالة وسعة الصدر وشدّة الصبر.
الفتاوى الواضحة ج1
أشدّ وأكمل في طبيعة الاستقامة لكي يُعصم بها من المزالق، ومن أجل ذلك صحّ القول: بأنَّ المرجعية تتوقّف على درجةٍ عاليةٍ من العدالة، ورسوخٍ أكيدٍ في الاستقامة والإخلاص لله سبحانه وتعالى.
(33) تُعرَف العدالة:
أوّلاً: بالحسّ والممارسة(1).
ثانياً: بشهادة عادلين بها.
ثالثاً: بشهادة الثقة. مرّ تفسير الثقة في الفقرة (12).
رابعاً: بحسن الظاهر والسيرة الحسنة بين الناس، بمعنى: أن يكون معروفاً عندهم بالاستقامة والصلاح والتديّن، فإنَّ ذلك دليل على العدالة ولو لم يحصل الوثوق والاطمئنان بسبب ذلك.
(34) إذا مارس العادل في لحظة ضعف أو هوىً ذنباً، زالت عنه العدالة(2)، فإذا ندم وتاب فهو عادل ما دام طبع الطاعة والانقياد ثابتاً في نفسه.
ــــــ[146]ـــــــ
(1) أي: بالمعاشرة الشخصيّة المنتجة لليقين أو الاطمئنان بالعدالة.
(2) هذا يحتاج إلى تفصيل كما يلي:
أوّلاً: إذا قلنا أنَّ العدالة هي الملكة أو العادة، فهي لا تزول بذنبٍ نادر، بل يبقى عادلاً وإن وجبت عليه التوبة.
نعم، إن أوجب الذنب زوال الملكة والعياذ بالله، كما لو استحسن الفاعل فعله، زالت العدالة، ولا تعود إلَّا بعود الملكة ثانياً.
ثانياً: إذا قلنا أنَّ العدالة هي الالتزام والاستقامة العرفيّة على طريق الشرع، أي: الواجبات والمحرّمات – كما قلنا فعلاً- فهي لا تزول بذنبٍ نادرٍ ما دام الصدق العرفي للاستقامة باقياً، وإن وجبت عليه التوبة. نعم، إذا تعدّدت الذنوب بحيث أصبح (غير مستقيم) عرفاً، خرج من العدالة، ولا تعود إلَّا بعود هذه الاستقامة.
ثالثاً: إذا قلنا أنَّ العدالة هي الالتزام التامّ على طريق الشرع، فهذا المعنى يخلّ به الذنب النادر؛ لأنَّه على خلاف الالتزام التامّ، فتزول العدالة به وتعود بالتوبة. غير أنَّ ظاهر تعريف الكتاب للعدالة هو المعنى الأوّل، وهو لا يزول بالذنب النادر كما عرفنا، فكيف حكم هنا بزوالها به؟
الفتاوى الواضحة ج1

أبحاث تمهيدية
4

التكليف وَشُروطه
 شروط التكليف
 آثار عامّة للتكليف الشرعي
 تقسيم الأحكام

ــــــ[149]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1 

(1) التكليف: تشريفٌ من الله سبحانه وتعالى للإنسان وتكريمٌ له؛ لأنَّه يرمز إلى ما ميّز اللهُ به الإنسانَ من عقلٍ وقدرةٍ على بناء نفسه، والتحكّمِ في غرائزه، وقابليةٍ لتحمّل المسؤولية، خلافاً لغيره من أصناف الحيوانات ومختلف كائنات الأرض، فإن أدّى الإنسانُ واجبَ هذا التشريف وأطاع وامتثل، شرّفه الله تعالى بعد ذلك بعظيم ثوابه، وبملكٍ لا يبلى ونعيمٍ لا يفنى.
وإن قصّر في ذلك وعصى، كان جديراً بعقاب الله سبحانه وسخطه؛ لأنَّه ظلم نفسه، وجهل حقَّ ربّه، ولم يُقم بواجب الأمانة التي شرّفه الله بها وميّزه عن سائر مخلوقات الأرض {إنّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلى السَّمَاواتِ والأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وَأشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسانُ…} الآية(1).
ويجب – شرعاً وعقلاً- على العاصي أن يتوب عن معصيته، ويؤوب إلى ربّه. وإذا لم يتب، كان ذلك معصيةً أُخرى منه.
والتوبة تتلخّص في أن يندم على ما وقع منه من ذنب، ويتّخذ قراراً بالتحفّظ وعدم تكرار ذلك في المستقبل.

ــــــ[151]ـــــــ
(1) سورة الأحزاب، الآية: 72.
الفتاوى الواضحة ج1
شروط التكليف
وللتكليف شروط عامّة، وهي كما يلي:
(2) أوّلاً: البلوغ، فلا يتّجه التكليف إلى الإنسان – رجلاً كان أم امرأةً- إلَّا إذا بلغ. وللبلوغ تقديرٌ شرعيٌّ محدّدٌ يأتي شرحه.
فغير البالغ ليس بمكلّف؛ ونعني بذلك: أنَّ جانب الإلزام والمسؤولية الأُخروية – العقاب في الآخرة- من أحكام الله تعالى لا يثبت بشأن الإنسان غير البالغ. فلو كذب أو ترك الصلاة، لا يعاقَب يوم القيامة؛ نظراً إلى وقوع ذلك منه قبل بلوغه.
ولكن ينبغي الالتفات إلى ما يلي:
(3) أ) إنَّ ذلك لا يعني عدم كون الوليّ مسؤولاً عن تصرّف هذا الإنسان غير البالغ وتوجيهه، وإنزال العقاب به في حالات التأديب. فالأب مثلاً: يجب عليه أن يقيه النار والتعرّض لسخط الله تعالى عند بلوغه؛ وذلك بأن يهيّئه قبل البلوغ للطاعة، ويقرّبه نحو الله تعالى بالوسائل المختلفة للتأديب: من الترهيب والترغيب والتعويد والتثقيف؛ عملاً بقوله تعالى: {قُوا أنْفُسَكُمْ وَأهْلِيْكُمْ ناراً وَقُودُها النّاسُ وَالحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أمَرَهُمْ ويَفَعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} الآية(1).
وإذا أدّى الوليُّ كلَّ ما عليه ولم يفلح في حمل ولده على الهدى والصلاح،
ــــــ[152]ـــــــ
(1) سورة التحريم، الآية: 6.
الفتاوى الواضحة ج1
فلا وزر عليه من هذه الناحية.
(4) ب) إنَّ إعفاء غير البالغ من المسؤولية(1) الأُخروية وما تمثّله من الإلزام، لا يعني عدم استحسان الطاعة منه وعدم وقوع العبادة صحيحة إذا أدّاها بالصورة الكاملة؛ فيستحبّ منه ما يجب على البالغ، وما يندب إليه البالغ من عباداتٍ، على أن لا تكون مضرّةً بحاله.
وينبغي للصبي أن يبدأ بالتعوّد على الصلاة إذا أكمل سبع سنين، وعلى الصيام إذا أكمل تسع سنين، ولو بأن يصوم قسطاً من النهار ثُمَّ يفطر إذا أجهده الصوم وغلب عليه العطش أو الجوع.
(5) ج) إنَّ عدم كونه ملزَماً ومكلَّفاً شرعاً، لا يعفيه نهائياً من التبعات التي قد تنجم عن بعض تصرّفاته، كتعويض الآخرين إذا تسبّب إلى إتلاف أموالهم مثلاً، وإنَّما يوجب تأجيل إلزامه بهذا التعويض إلى حين البلوغ، على ما يأتي إن شاء الله تعالى في المواضع المناسبة من هذا الكتاب.
ــــــ[153]ـــــــ
(1) لم يذكر في الكتاب بعض الأُمور لغير البالغ إذا كان مميّزاً:
منها: أنَّه يصحّ منه الاعتقاد بالإسلام وإن كان أبواه كافرين.
ومنها: أنَّه يمكن أن يعتبر عادلاً إذا كان ينطبق عليه مفهوم العدالة. فإن صحّحنا عباداته- كما هو الصحيح- أمكن أن يكون إماماً للجماعة حتّى للكبار.
ومنها: أنَّه يكون محدثاً بالحدث الأصغر عند حصول الموجب، بل ومحدثاً بالحدث الأكبر كمسّ الميّت، ويصحّ غسله منه، ولا يجب إعادته عند بلوغه.
ومنها: أنَّه تؤثّر عليه معنويّاً بعض ما يؤثّر على الكبار، كبعض الأعمال التي توجب قسوة القلب- كالإدمان على الخمر- وتظهر نتائجها بالأخصّ بعد بلوغه.
ومنها: أنَّ التزامه السابق بالشريعة، له دخلٌ في عدالته بعد بلوغه. فلو لم يلتزم تماماً إلى لحظة بلوغه، صعُب عليه جدّاً الرجوع إلى جادّة الحقّ.
الفتاوى الواضحة ج1
(6) ثانياً: العقل، ونقصد به: أن يكون لديه من الرشد ما يمكن أن يعيَ به كونه مكلّفاً، ويحسّ بمسؤوليةٍ تجاه ذلك.
فلا تكليفَ للمجنون، أو الأبلَه الذي لايدرك الواضحات؛ لبلاهته وقصور عقله.
(7) وإذا كان الإنسان مجنوناً في حالةٍ وسوياً في حالةٍ أُخرى، سقط عنه التكليف في الحالة الأُولى، ويثبت عليه في الحالة الثانية.
وقد يكون الإنسان مجنوناً أو قاصر الإدراك بدرجة مّا لا يمكن أن يعيَ معها بعضَ التكاليف، ولكن يعي بعضَها الآخر.
ومثال ذلك: إنسانٌ ضعيفٌ الإدراك ولا يمكنه أن يعي أعمال الحجّ ولا أن يؤدّيها، ولكنّه يمكنه أن يدرك أنَّه لا ينبغي للإنسان أن يقتل إنساناً، ومثل هذا المجنون تثبت عليه التكاليف التي يمكن أن يدركها ويعيها، وتسقط عنه من التكاليف ما لا يمكنه إدراكها ووعيها بحكم جنونه وقصور إدراكه.
(8) ثالثاً: القدرة؛ قال الله سبحانه وتعالى: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلَّا وُسْعَها}(1). فمن عجز عن الطاعة كان معذوراً وسقط عنه التكليف، سواء كان التكليف أمراً وإلزاماً بشيء وقد عجز عنه، كالمريض يعجز عن القيام في الصلاة، أو نهياً وتحريماً لشيء وقد عجز عن اجتنابه وتركه، كالغريق يعجز عن اجتناب الخطر.
(9) وقد لا يعجز بالمعنى الكامل، ولكنّ الطاعة تكلّفه التضحية بحياته، وفي هذا الفرض يسقط التكليف أيضاً؛ حفاظاً على حياته، إلَّا في حالتين:
ــــــ[154]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
الفتاوى الواضحة ج1
الأُولى: أن تكون تلك الطاعة ممّا يفرضها الجهاد الواجب، فإنَّ الجهاد إذا توفّرت شروطه، وجبَ على أيّ حال.
الثانية: أن يأمره شخصٌ قادرٌ على قتله بأن يقتل مسلماً بدون حقٍّ ويهدّده بالقتل إذا امتنع عن ذلك، فإنَّ عليه في هذه الحالة أن يطيع الله تعالى بالامتناع عن قتل ذلك الإنسان، ولو تعرّض للموت.
(10) وقد يواجه المكلّف تكليفين لا يعجز عن طاعة كلّ واحدٍ منهما بصورة منفردة عن الآخر، ولكنّه يعجز عن طاعتهما معاً.
ومثال ذلك: أن تكون عليه صلاةٌ واجبةٌ ضاق وقتها ويشبّ أمامه حريق، وهو قادرٌ على أن يصلّي ويهمل الحريق، وقادرٌ على أن يطفئ الحريق وتفوته الصلاة، وفي فروض من هذا القبيل يسقط من التكليفين: التكليفُ الأقلّ أهميّةً في تلك الحالة، وهذا أمر لا يمكن في كثيرٍ من الأحيان لغير المجتهد البتّ فيه إلَّا بالرجوع إلى مقلَّده ليعيّن له موقفه.
(11) وإذا توجّه التكليف إلى الإنسان فعلاً، فلا فرق في عصيانه بين أن يكون بترك ما أمر به الله اختياراً، أو بالإقدام على عمل معيّن يعلم المكلّف بأنَّه سوف يعجز بسببه عن الطاعة.
ومثاله: أن يحلّ عليه وقت الصلاة ويتوجّه إليه التكليف بها، فيركب القطار وهو يعلم بأنَّه سوف يعجز عند ركوبه عن أداء فريضة الصلاة، فإنَّ هذا يعتبر عصياناً أيضاً، بل لا يجوز له أن يقدم حينئذٍ على عملٍ يحتمل بأنَّه يعجز بسببه عن القيام بما وجبَ عليه فعلاً.
(12) الإسلام ليس من الشروط العامة للتكليف. فالتكاليف الشرعيّة كما تتّجه إلى المسلم، تتّجه إلى الكافر أيضاً، ويستثنى من ذلك
ــــــ[155]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
وجوب قضاء(1) الصلاة والصيام، فإنَّ الكافر يُخاطَب شرعاً بالصلاة والصيام في أوقاتهما، ولكن لا يخاطب بوجوب قضائهما.
البلوغ وعلاماته
(13) عرفنا أنَّ أحد الشروط العامّة للتكليف: البلوغ. ويتحقّق البلوغ إذا توفّرت في الذكر أو الأُنثى أحد الأُمور التالية:
أ) خروج المنيّ، سواء كان ذلك في حالة النوم أو في اليقظة، في حالة جماعٍ واتّصالٍ جنسيٍّ أو بدونه(2).
ب) نبات الشعر على العانة إذا كان خشناً، ولا اعتبار بالزغب (الشعر الناعم). والعانة تقع بين العورة ونهاية البطن.
ج) إكمال مرحلة معيّنة من العمر، وذلك في الذكر: بأن يكمل خمس عشرة سنةً من السنين القمرية، وفي الأُنثى: بأن تكمل تسع سنين قمرية(3).
ــــــ[156]ـــــــ
(1) عدم وجوب القضاء إنَّما هو بعد الدخول في الإسلام – إذا كان الكفر أصليّاً- وأمّا عدم وجوبه حال الكفر بصفته من التكاليف العامّة فمحلّ مناقشة، ولكن لا أثر له.
(2) وسواء كان خروجه محرّماً أو محلّلاً، وإن وجب عليه التوبة والاستغفار عند الحرمة.
(3) على الأحوط، وإن كان الظاهر بقاءها دون التكليف إلى تمام العاشرة القمريّة.
أقول: البلوغ يتحقّق بأحد العلامات المذكورة في الكتاب، بمعنى: أنَّ أوّل ما يحصل منها يحصل البلوغ ولا تنتظر حصول الباقي.
وممّا ينبغي الإلماع إليه أيضاً: أنَّ العلامتين الأُوليين خاصّة بالذكور ولا تعمّ الإناث، وللإناث علامة واحدة هي الثالثة.
وأمّا نزول الدم عندهنّ فليس بعلامة؛ لأنَّه عادةً يتأخّر عن سنّ التكليف. ولو تقدّم عليه، لم يكن حيضاً؛ على الأصحّ.
الفتاوى الواضحة ج1
والأفضل والأحوط للدين استحباباً: أن يعتبر الصبيُّ نفسه مكلَّفاً منذ إكماله ثلاث عشرة سنةً ودخوله في السنة الرابعة عشرة، فلا يتهاون بشيءٍ من الواجبات التي يُلزَم بها البالغون.
(14) وإذا شكّ الصبيُّ – وكذلك الصبيّة- في بلوغه، بنى على عدم البلوغ، حتّى يحصل له اليقين ببلوغه.
(15) وإذا شكّ البالغ المكلّف في قدرته على الطاعة والامتثال، لم يُسمح له بأن يفترض في نفسه العجزَ لمجرّد الشكّ، بل يجب عليه أن يحاول، إلى أن يثبت لديه أنَّه عاجز.
ــــــ[157]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1 

آثار عامة للتكليف الشرعي
(16) إذا ثبت تكليفٌ شرعيٌّ وكان أمراً، كالأمر بالصلاة والأمر بالصدقة، ترتّب على ذلك: أنَّ كلّ الإجراءات التي لابدَّ منها(1) لأداء ذلك الواجب الذي أَمرت به الشريعة تُصبح واجبةً، ولابدَّ للمكلّف من القيام بها؛ كالوضوء بالنسبة للصلاة.
(17) وإذا ثبت التكليف وكان نهياً وتحريماً، كالنهي عن شرب الخمر أو قتل النفس، ترتّب على ذلك أنَّ المكلّف لابدّ له؛ حذراً من الوقوع في الحرام: أن يجتنب كلَّ موقفٍ أو عملٍ(2) يؤدّي بطبيعته إلى وقوع الحرام وصدوره منه.
(18) وإذا وجب على إنسانٍ القيام بفعل، حَرُم على أيّ إنسانٍ آخر أن يحاول صرفه عن القيام به. وإذا حرم على إنسانٍ القيامُ بفعلٍ، حَرُم على أيّ إنسانٍ آخر أن يسعى من أجل أن يقوم بذلك الفعل.
ومثاله: إذا حرم على الجنب أن يدخل المسجد، حَرُم عليك أن تُدخله.
ــــــ[158]ـــــــ
(1) يقصد بذلك أنَّ مقدّمة الواجب واجبة، ويترتّب على ذلك إمكان قصد القربة فيها، وأمّا الوضوء المذكور كمثالٍ لذلك في الكتاب فهو مطلوب في نفسه وإن لم تجب الصلاة. نعم، لو توضّأ للصلاة كان الأفضل نيّة الوجوب، وإن كانت نيّة القربة أو مطلق المطوبيّة كافية أيضاً.
(2) مقدّمة الحرام حرام، وهي: كلّ عمل يؤدّي إلى الحرام بالضرورة، بل تشمل الحرمة كلّ عمل يُطمأَنّ بوقوع الحرام بسببه، بل تشمل أيضاً كلّ عمل يُقصد به ايقاع الحرام، سواء وقع الحرام بعده أم لا.
الفتاوى الواضحة ج1
وإذا حرم على إنسانٍ أن يأكل النجس، حَرُم عليك أن تقدّمَ له طعاماً نجساً وتستدرجه إلى أكله، وهكذا.
(19) وإذا وجب على الإنسان شيءٌ يقيناً، وشكّ في أنَّه هل أتى به أو لا(1)، وجب عليه أن يأتي به ما دام في الوقت متّسع.
ومثال ذلك: أن يشكّ في أنَّه هل صلّى أو لا، ولا يزال وقت الصلاة باقياً.
ومثال آخر: أن يشكّ المدين في أنَّه هل وفّى زيداً وسدّد له دينه؟
ومثال ثالث: أن يشكّ مَن وجبَت عليه الزكاة في أنَّه هل أدّى الزكاة؟
ففي كلّ هذه الحالات، يجب عليه أن يأتي بالواجب؛ ليكون على يقينٍ بالطاعة.
(20) إذا وجب شيءٌ على المكلّف فأدّاه، ثُمَّ شكّ بعد الفراغ منه أنَّه هل أدّاه على الوجه الصحيح الكامل شرعاً أو لا؟ بنى على الصحّة(2)، واكتفى بما أدّاه في حالتين:
الأُولى: أن يكون العمل الذي أدّاه غير قابلٍ للتكميل فعلاً لو لم يكن كاملاً؛ لأنَّه أُدّي بصورة ناقصة.
ومثاله: أن يصلّي ثُمَّ يشكّ في أنَّه هل كان على وضوء حين الصلاة؟ أو هل استقبل القبلة في الصلاة؟ أو هل ركع في كلّ ركعة؟ فإنَّ التكميل هنا غير ممكن لو لم تكن الصلاة كاملة، وإنَّما الممكن إعادتها من الأساس، ففي مثل ذلك لا تجب الإعادة ويكتفي بما أدّاه.
وكذلك إذا ركع ثُمَّ قام، وشكّ في أنَّه هل كان مستقرّاً في ركوعه أوْ لا؟
ــــــ[159]ـــــــ
(1) ففي مثل ذلك ينبغي له الفحص والسؤال، فإن ثبت الشكّ في ذهنه ولم يدلّ دليل كافٍ على إنجاز الواجب، تعيّن الإتيان به.
(2) كلّ ما ذكره السيّد هنا خاصّ بالعبادات، وغير شامل للمعاملات.
الفتاوى الواضحة ج1
فإنَّ الركوع الذي وقع، لا يمكن إصلاحه، وإنَّما الممكن إعادة الركوع ولو بإعادة الصلاة من الأساس، فلا قيمة للشكّ حينئذٍ.
الثانية: أن يكون ذلك العمل الذي أدّاه محدّداً – شرعاً- بأن يؤدَّى قبل عملٍ آخر، وقد بدأ المكلّف في العمل الآخر ثُمَّ شكّك في صحّة عمله الأوّل.
ومثاله: الأذان المحدّد بأن يؤدّى قبل الإقامة، ويشكّ المكلّف بعد أن بدأ بالإقامة: أنَّه هل أتى بكلّ أجزاء الأذان أو لا؟
ومثال آخر: الإقامة المحدّدة بأن تؤدّى قبل الصلاة، ويشكّ المكلّف بعد أن بدأ بالصلاة: أنَّه هل أقام أو لا؟
ومثال ثالث: الركوع محدّد بأن يكون قبل السجود، فيسجد المكلّف ويشكّ في: أنَّه ركع أو لا؟
ففي هذه الفروض يمضي ولا يلتفت إلى شكّه.
ويُستثنى ممّا ذكرناه في هذه الفقرة: الوضوء، فإنَّ له أحكاماً خاصّةً(1) يراجع فيها فصل الوضوء، الفقرة (101).
وقد يخطئ المقلِّد في تطبيق الحالتين المذكورتين أحياناً، ولهذا يحسن به أحياناً أن يستعين بمقلَّده في التعرّف على أنَّ هذا الفرض أو ذاك هل يدخل ضمن الحالة الأُولى أو الثانية، أو لا؟ وسوف نذكر في الأبواب المقبلة عدداً من التطبيقات لهاتين الحالتين.
(21) كلمة >اليقين< >والعلم< تعني: الجزم الذي لا يبقى معه مجال لأيّ تردّد واحتمال للعكس.
ــــــ[160]ـــــــ
(1) إذا شكّ في الوضوء بعد فراغه يبني على الصحّة، وأمّا إذا شكّ في بعض أعمال الوضوء فيأتي به على ما سيأتي في محلّه.
الفتاوى الواضحة ج1
و >الظنّ< يعني: أنَّ احتمال هذا الشيء أكبر من احتمال العكس. فحينما نقول: >نظنّ أنَّ المطر سينزل<، نعني: أنَّ احتمال المطر أكبر من خمسين في المائة.
والاطمئنان يعني: درجةً عاليةً من الظنّ يقارب العلم واليقين، على نحوٍ يبدو احتمال العكس ضئيلاً جدّاً، إلى درجةٍ يُلغى عملياً عند العقلاء، كما إذا كان احتمال العكس واحداً في المائة مثلاً.
وكلّما جاءت كلمة >اليقين والعلم< بصدد حكمٍ شرعيٍّ في الأحكام الشرعيّة الآتية، فنريد بها الجزم والاطمئنان معاً. فما يثبت للجزم والعلم من آثار شرعاً، يثبت للاطمئنان أيضاً.
تقسيم الأحكام
وأحكام الشريعة على الرغم من ترابطها واتّصال بعضها ببعض، يمكن تقسيمها إلى أربعة أقسام كما يلي:
(1) العبادات، وهي: الطهارة والصلاة والصوم والاعتكاف والحجّ والعمرة والكفّارات.
(2) الأموال، وهي على نوعين:
أ) الأموال العامّة، ونريد بها: كلّ مالٍ مخصّصٍ لمصلحة عامّة، ويدخل ضمنها الزكاة والخمس، فإنَّهما على الرغم من كونهما عبادتين، يعتبر الجانب المالي فيهما أبرز، وكذلك يدخل ضمنها الخراج والأنفال وغير ذلك.
والحديث في هذا القسم يدور حول أنواع الأموال العامّة، وأحكام كلّ نوعٍ وطريقة إنفاقه.
ب) الأموال الخاصّة، ونريد بها: ما كان مالاً للأفراد.
ــــــ[161]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
واستعراض أحكامها في بابين:
الباب الأوّل: في الأسباب الشرعيّة للتملّك، أو كسب الحقّ الخاصّ، سواء كان المال عينياً – أي: مالاً خارجياً- أو مالاً في الذمّة، وهي الأموال التي تشتغل بها ذمّة شخص لآخر، كما في حالات الضمان والغرامة.
ويدخل في نطاق هذا الباب: أحكام الإحياء والحيازة والصيد والتبعية والميراث والضمانات والغرامات، بما في ذلك عقود الضمان والحوالة والقرض والتأمين، وغير ذلك.
الباب الثاني: في أحكام التصرّف في المال، ويدخل في نطاق ذلك: البيع والصلح والشركة والوقف والوصيّة، وغير ذلك من المعاملات والتصرّفات.
(3) السلوك الخاصّ، ونريد به: كلّ سلوك شخصيّ للفرد لا يتعلّق مباشرةً بالمال، ولا يدخل في عبادة الإنسان لربّه.
وأحكام السلوك الخاصّ نوعان:
الأوّل: ما يرتبط بتنظيم علاقات الرجل مع المرأة، ويدخل فيه: النكاح والطلاق والخلع والمباراة والظهار والإيلاء، وغير ذلك.
الثاني: ما يرتبط بتنظيم السلوك الخاصّ في غير ذلك المجال، ويدخل فيه: أحكام الأطعمة والأشربة، والملابس والمساكن، وآداب المعاشرة، وأحكام النذر واليمين والعهد، والصيد والذباحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من الأحكام والمحرّمات والواجبات.
(4) السلوك العامّ، ونريد به: سلوك وليّ الأمر في مجالات الحكم والقضاء والحرب، ومختلف العلاقات الدوليّة، ويدخل في ذلك: أحكام الولاية العامّة، والقضاء والشهادات، والحدود، والجهاد، وغير ذلك.
ــــــ[162]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

الفتاوى الواضحة

القسم الأوّل
العبادات
 أحكام عامّة للعبادات
 الطهارة
 الصلاة
 الصيام
 الاعتكاف
 الحجّ والعمرة
 الكفّارات
 نظرة عامّة في العبادات

ــــــ[163]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1 

العبادات
1

أحكام عامّة للعبادات

 تمييز العبادات عن التوصّليات
 تفصيل أحكام النيّة
 النيابة والاستئجار في العبادات
 تقسيم العبادات

أحكام عامة للعبادات
[تمييز العبادات عن التوصّليات:]
(1) توجد في الشريعة أشياء أمر الله سبحانه وتعالى بها، وشرَط فيها على المكلَّف أن يأتي بها من أجله سبحانه وتعالى، أي: بنيّة القربة، فلا تقع صحيحة إلَّا إذا كانت مع نيّة القربة، وتسمّى هذه الأشياء بالعبادات.
وخلافاً لها أشياء أُخرى أمر الله سبحانه وتعالى بها ولم يشترط على المكلّف أن يأتي بها بنيّة القربة، فيكون المكلّف بالخيار، إن شاء أتى بها من أجله سبحانه وتعالى، وإن شاء أتى بها بدافع من دوافعه الخاصّة، وهي في الحالتين تقع صحيحةً وكافية، وتسمّى هذه الأشياء بالتوصّليات، أي أنَّ المقصود بها شرعاً مجرّد التوصّل إلى فوائدها بدون اشتراط نيّة مخصوصة في أدائها.
وللعبادات دور مهمّ في الشريعة الإسلامية، وسنعطي في نهاية القسم الأوّل – إن شاء الله تعالى- نظرةً موجزةً عامّةً عن العبادات ومدلولها التربويّ ومغزاها العقائدي.
(2) العبادات في الشريعة هي: الطهارة (الوضوء والغسل والتيمّم)، والصلاة (الأذان والإقامة ونفس الصلاة)، والصيام، والاعتكاف، والحجّ والعمرة والطواف، والزكاة، والخمس، والجهاد، والكفّارات، والعتق(1).
ــــــ[167]ـــــــ
(1) على الأحوط كونه مشروطاً بقصد القربة.
الفتاوى الواضحة ج1
وغير هذه المذكورات من الواجبات والمستحبّات توصّليات(1): كتطهير البدن
ــــــ[168]ـــــــ
(1) هذا عليه ملاحظتان:
الأُولى: أنَّ الفرد ما دام يسعى – ولو لاشعوريّاً- إلى تطبيق الشريعة والحدود الإلهيّة، فهو قاصد للقربة وإن لم يخطر ذلك في باله تفصيلاً، بل قد أفتى الفقهاء بكفاية ذلك حتّى في العبادات، كما لو دخل الحمّام يريد غسل الجنابة ودخل واغتسل وخرج من دون التفات إلى النيّة، فإنَّ عمله صحيح.
الثانية: أنَّه بغضّ النظر عن الملاحظة الأُولى – أي: لو اشترطنا الالتفات إلى قصد القربة- كانت الأعمال التوصّلية على أربعة أقسام:
الأوّل: ما يكون إنجازه بمجرّده كافياً تماماً في الوصول إلى نتائجه المطلوبة كالتطهير من الخبث، أي: النجاسات.
الثاني: ما يكون إنجازه بدون قصد القربة هذراً ولغواً، ومن ثَمَّ يكون إتعاباً للنفس في الدنيا وخسارةً للثواب في الآخرة. ومن ذلك كثير ممّا ذكره في الكتاب من الأمثلة، كالبرّ بالوالدين ودفع الظلم عن المظلوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزيارة المشاهد المشرّفة، وغيرها. وكلّ مَن يلتزم بهذه الأُمور بمقاصد دنيويّة فهو من الخاسرين، ولا يمكن أن يوصف بالتديّن الحقيقي.
الثالث: ما يكون إنجازه حراماً أو مخالفاً للاحتياط الوجوبي بدون قصد القربة، كما لو توقّف الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر على الإيذاء أو الجرح أو القتل، وكذلك لو توقّف أداء الأمانة مثلاً أو برّ الوالدين على شيءٍ ممّا يعتبر حراماً لو لوحظ وحده. وعندئذٍ فإن كان برّ الوالدين من أجل الله سبحانه، كانت هذه المقدّمة المحرّمة جائزة أحياناً، وإن كان برّهما من أجل حبّهما أو السمعة أو غير ذلك، لم يجز ما أشرنا إليه بحال.
الرابع: ما يكون من الأعمال متقدّماً عند المزاحمة، أي: لو دار الأمر بين مستحبّين وكان أحدهما أهمّ، كان هو الأَولى إنجازه. فلو دار الأمر بين الصلاة أوّل الوقت وزيارة أحد المعصومين، كان الثاني أولى. ولكنّه إذا لم تكن الزيارة بقصد القربة، لم تكن أولى.
ومن الأمثلة التي ذكرها الفقهاء: أنَّ المكلّف لو نذر زيارة عرفة عند الحسين (عليه السلام) في كلّ عام، لم يجب عليه الحجّ، وهذا وإن لم يكن على إطلاقه تامّاً، إلَّا أنَّ الزيارة إنَّما تكون أولى إذا كانت بقصد القربة بطبيعة الحال.
الفتاوى الواضحة ج1
والملابس من النجاسة، والإنفاق على الزوجة والأقارب، وصلة الرحم، وتعليم الأحكام، وتكفين الأموات ودفنهم، ووفاء الدين، وأداء الأمانة، ونصح المستشير، والبرّ بالوالدين، وردّ التحية (جواب السلام)، ودفع الظلم عن المظلوم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإنقاذ الإنسان من مهلكة حريق أو غرق ونحوهما، وزيارة مشاهد النبيّ والأئمّة (عليهم السلام)، وقراءة القرآن، إلى غير ذلك من الواجبات والمستحبّات التوصّلية.
[تفصيل أحكام النيّة:]
(3) نيّة القربة معناها: الإتيان بالفعل من أجل الله سبحانه وتعالى، فهي الباعث نحو الفعل، سواء كانت هذه النيّة بسبب الخوف من عقاب الله تعالى(1)، أو رغبةً في ثوابه، أو حبّاً له وإيماناً بأنَّه أهلٌ لأن يطاع، فالعبادة تقع صحيحةً إذا اقترنت بنيّة القربة على أحد هذه الأوجه، ولا يعتبر فيها أن ينوي
ــــــ[169]ـــــــ
(1) الأحوط أن يأتي بالفعل (قربةً إلى الله) إجمالاً مع عدم التكفّل بتفسيرها، إلَّا إذا كان بالغاً درجة من الإيمان بحيث لا يكون في نيّته شرك خفيّ أصلاً، ففي مثل ذلك يمكن أن يقصد معناها التفصيلي الذي يدركه الفرد عندئذٍ، وإن كان الظاهر كفاية العبادة بقصد الخوف من العقاب أو الرغبة في الثواب.
وأمّا المقاصد الصحيحة الأُخرى – كالإتيان بالفريضة بقصد الشكر أو الاستغفار أو الطلب أو نحوه- فهو خلاف الاحتياط، فإنَّ هذه الأعمال لها باب مستقلٌّ عن الفرائض الواجبة.
الفتاوى الواضحة ج1
كون الفعل واجباً أو مندوباً(1) ومستحبّاً، بل يكفي أن يأتي به طاعةً لله تعالى، ولو لم يقصد الوجوب في الواجب، أو الاستحباب والندب في المستحبّ والمندوب.
(4) إذا أتى المكلّف بالواجب التوصّليّ – كالإنفاق على الزوجة- بنيّة القربة، دفَع عن نفسه العقاب، واستحقَّ بلطف الله تعالى الأجر والثواب.
وإذا أتى به بدافع من الدوافع الخاصّة – كحبّه لزوجته- على نحوٍ لم يكن ليقوم بذلك لولا تلك الدوافع الخاصّة، دفَع عن نفسه العقاب، ولكنّه لا يستحقُّ بذلك الأجرَ والثواب.
وكذلك إذا أحسن الغنيّ بالمال في سبيل من سُبل الخير؛ فإنَّه إن نوى بذلك القربة إلى الله تعالى، استحقَّ بلطف الله الثواب، وسمّي إحسانه بالصدقة(2)، وإن لم ينوِ القربة، لم يستحقّ ذلك، وكثيراً ما يتفضّل الله سبحانه وتعالى عليه بذلك لأنَّه أكرم الأكرمين وأوسع المعطين.
(5) وإذا أتى المكلّف به بنيّة القربة وبالدافع الخاصّ معاً على نحوٍ لو لم يكن هناك دافع خاصّ لقام بذلك أيضاً من أجل الله تعالى، فقد برئ من
ــــــ[170]ـــــــ
(1) ولكن يكفي نيّة الوجوب والاستحباب عن القصد التفصيلي للقربة على الأظهر.
(2) هناك في فرق الصدقة عن الهبة والهديّة احتمالان:
الاحتمال الأوّل: أنَّ الهديّة: ما تجرّد عن قصد القربة، والصدقة: ما اقترن بهذا القصد من العطاء. وهذا هو ظاهر عبارة الكتاب.
الاحتمال الثاني: أنَّ الهديّة ما كان بعنوان الهديّة، والصدقة ما كان بعنوان الصدقة.
ومن آثار ذلك صدقة العامّي على الهاشمي، فإنَّها حرام. والأحوط اجتناب كلا احتمالي الصدقة هناك.
الفتاوى الواضحة ج1
العقاب واستحقّ الثواب. وأمّا العبادات الواجبة، فلا ينجو المكلّف من العقاب بسببها إلَّا إذا أتى بها بنيّة القربة(1).
(6) نيّة القربة كما تتحقّق في حالةِ تمييز العبادة، كذلك تتحقّق في حالة عدم التمييز.
ومثال ذلك: أنَّ الصلاة إلى القبلة واجبة، فقد يميّز القبلة ويعرف أنَّ الصلاة إلى هذه الجهة هي الصلاة إلى القبلة فينوي بها القربة، وقد تحتاج معرفته للقبلة إلى السؤال، فلا يعلم هل المطلوب الصلاة إلى هذه الجهة أو تلك؟ فبدلاً عن السؤال يصلّي إلى الجهتين معاً(2) بنيّة القربة دون أن يميّز العبادة المطلوبة بالضبط.
(7) إذا علم المكلّف بأنَّ هذا الفعل ليس مطلوباً لله سبحانه وتعالى، حرُم عليه أن يأتي به بنيّة القربة، ويسمّى ذلك >تشريعاً< والتشريع حرام. وأمّا إذا شكّ في أنَّ هذا الفعل هل هو مطلوب لله أو لا؟ وأحبّ أن يأتي به بأمل أن يكون مطلوباً(3) له لم يكن آثماً، ويسمّى هذا >احتياطاً<. وقد مرّ الحديث عن الاحتياط.
ــــــ[171]ـــــــ
(1) المهمّ وجود استناد الفعل إلى الله تعالى. وبذلك يكفي قصد الوجوب دون القربة، أو القربة دون الوجوب؛ فإنَّ الوجوب من أمر الله سبحانه.
وكذلك يصحّ الإتيان بها بصفتها فريضة الوقت أو ما هو واردٌ استحبابه في هذا المكان مثلاً، فإنَّ كلّ ذلك مستندٌ إلى الله جلّ جلاله وتصحّ به العبادة.
(2) إذا كان السؤال غير محرج له ولا مضرّ به، فالأحوط تقديمه على الصلاة إلى الجهتين؛ فإنَّ التعيين أولى من ترك السؤال الممكن.
(3) ويمكن أن يكون بعنوان قصد الواقع أو بعنوان رجاء المطلوبيّة، ولا يختلف ذلك في ما هو محتمل الوجوب أو ما هو محتمل الاستحباب.
الفتاوى الواضحة ج1
(8) الرياء: هو الإتيان بالفعل من أجل كسب ثناء الناس وإعجابهم، وهذا حرامٌ في العبادات، فأيُّ عبادة يأتي بها الإنسان بهذا الدافع، تقع باطلةً، ويعتبر الفاعل آثماً؛ سواء أتى بالفعل من أجل الناس وحدهم، أو من أجلهم ومن أجل الله معاً، وقد سمّي ذلك في بعض الأحاديث بالشرك.
وأمّا في التوصّليات فلا يحرم الرياء، ولا يبطل العمل. فمن أنفق على الفقراء ووصل أرحامه وبرّ والديه لا لشيء إلَّا من أجل الحصول على ثنائهم وحبّهم، أو من أجل أن يصبح مشهوراً بين الناس بحسن السلوك، يقع العمل صحيحاً(1)، ولا يعتبر آثماً، ولكن يفوته رضوان من الله أكبر.
(9) الرياء إذا حصل للإنسان بعد الفراغ من عبادته، بأن صلّى – مثلاً- ثُمَّ حاول أن يتحدّث وينوِّه بذلك لكسب رضا الناس وثنائهم، لا يبطل بذلك العمل.
(10) وإذا كان المكلّف مُقدِماً على العبادة من أجل الله سبحانه وتعالى مخلصاً له في نيّته، ولكنّه كان مذموماً لدى الناس ومتّهماً بعدم التديّن، فحاول التظاهر بعبادته تلك أمام الآخرين ليدفع عنه التهمة، جاز ذلك وصحّت عبادته.
(11) ويكره للإنسان – ولا يحرم- أن يتحدّث إلى الآخرين بما يقوم به من طاعات وعبادات {فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}(2).
ويستثنى من ذلك: ما إذا كان يحتمل نفع الآخرين دينياً بهذا الحديث؛
ــــــ[172]ـــــــ
(1) أي: مجزياً ودافعاً للعقوبة على الترك، ولكنّه ليس صحيحاً بمعنى أنَّه موجبٌ للثواب والتكامل، بل لعلّه موجب لعكس ذلك في أغلب الأحيان.
(2) سورة النجم، الآية: 32.
الفتاوى الواضحة ج1
لما فيه من ترغيب لهم في الطاعة وكان هذا الاحتمال هو الدافع.
(12) ولا ضير على الإنسان إذا عبد ربّه فاطّلع على ذلك غيرهُ صدفةً، فشعر العابد بالسرور لاطّلاع الغير على عبادته وطاعته، فإنَّ شعوره هذا لا كراهة فيه، ولا ينقص من قدره(1).
(13) وليس من الرياء: أن يتعبّد الإنسان أو يُحسن عبادته بدافع ترغيب الآخرين(2) في الطاعة، ومجاراته أو تقريب دينه ومذهبه إلى قلوبهم، ولكن على أن يكون الدافع هو ذلك فقط، لا إعلاء شأنه وتقريب شخصه بوصفه الخاصّ إلى القلوب، وإلَّا كان رياءً محرّماً.
(14) العُجب: هو أن يشعر الإنسان بالزهو وبالمنّة على الله سبحانه بعبادته، وأنَّه أدّى لربّه كامل حقّه، وهذا محرّم شرعاً، إلَّا أنَّ العبادة لا تبطل به، ولكن يذهب به ثوابها.
وأمّا مجرّد سرور الإنسان بعبادته وطاعته فلا ضير فيه ولا إثم(3).
(15) إذا كان في العبادة بعض الفوائد الصحّيّة أو الجسديّة أو النفسيّة فأتى المكلّف بها من أجل الله سبحانه وتعالى ومن أجل بعض تلك الفوائد فهل تقع العبادة منه صحيحة؟ ومثال ذلك: من يتوضّأ بنيّة القربة ومن أجل التنظيف معاً.
والجواب: أنَّ نيّة القربة إذا كانت كافيةً لدفع المكلّف إلى القيام بتلك
ــــــ[173]ـــــــ
(1) بلحاظ العمل نفسه. ولكن هذا الشعور بالسرور نقصان معنويّ أمام الله تبارك وتعالى.
(2) إلَّا أنَّ هذا القصد لا يمكن أن يطول، وإلَّا كان مظنّة الانقلاب إلى رياء.
(3) ولكنّه يقلّل من أهميّتها عند الله سبحانه، ومن هنا يقلّ أثرها المعنويّ وثوابها.
الفتاوى الواضحة ج1
العبادة حتّى ولو لم يلتفت إلى تلك الفوائد، صحّ عمله. وإذا لم يكن المكلّف ليتحرّك من أجل الله وحده لولا تلك الفوائد(1) الإضافيّة، فالصلاة باطلة.
(16) الإيمان شرطٌ أساسيّ(2) في صحّة العبادة – أيّ عبادة- فلا تقع العبادة من الإنسان صحيحةً إلَّا إذا كان قلبه عامراً بالإيمان.
(17) وليس التلفّظ شرطاً لنيّة القربة في شيءٍ من العبادات، فهي شيء في النفس(3) ولا يجب أن يتلفّظ به باللسان.
ــــــ[174]ـــــــ
(1) سواء كانت مستقلّة بالتأثير بإيجاد العمل أو منضمّة إلى قصد القربة بحيث يكون مجموعها هو الدافع الكامل للعمل.
(2) للإيمان عدّة معانٍ:
الأوّل: اليقين بالعقيدة، في مقابل الشكّ فيها والنفاق. وهذا شرط في صحّة العبادة إذا كان الشكّ مرضيّاً للفرد، ثابتاً في النفس. وأمّا إذا كان عارضاً ومكروهاً للفرد فهو من الوسوسة في الخلق ولا أثر له.
الثاني: الإيمان كدرجة أعلى من الإسلام؛ فإنَّه ورد – بالمضمون-: أنَّ كلَّ مؤمنٍ مسلمٌ وليس كلُّ مسلمٍ مؤمناً [الخصال (للصدوق): 608، خصال من شرايع الدين، وجاء قريب منه في عيون أخبار الرضا 2: 133، ما كتبه الرضا للمأمون]، وهذا المعنى غير لازم في أيّ عملٍ بالضرورة، بل يكفي الإسلام بطبيعة الحال.
الثالث: ولاء أهل البيت (عليهم السلام). وهذا هو مقصود الكتاب على الظاهر، واشتراط وجوده في صحّة العبادة من ضروريّات المذهب.
(3) بل وجود النيّة تفصيلاً في الذهن غير واجب، كما أنَّ التلفّظ غير واجب. نعم، الأحوط وجود معنى واحد – على الأقلّ- في الذهن ككونها صلاة الظهر مثلاً. فلو صلّى مع فراغ ذهنه عن أيّ شيءٍ، بطلت على الأحوط.
الفتاوى الواضحة ج1
(18) وعلى العموم: يعتبر التستّر بأداء العبادات المستحبّة(1) أفضل من التجاهر بها أمام الناس؛ لكي تكون النيّة أوضح إخلاصاً. ويستثنى من ذلك: ما إذا كان للعامل المتعبّد غرضٌ دينيٌّ في التجاهر للترغيب في الطاعة.
[النيابة والاستئجار في العبادات:]
(19) ولا يجوز في العبادة النيابة عن الحيّ، بمعنى: أنَّ الإنسان لا يمكنه أن يصلّي عن قريبٍ أو صديقٍ أو أيّ شخصٍ آخر لا يزال حيّاً، لا الصلاة الواجبة على ذلك القريب أو غيره، ولا صلاةً مستحبّة(2) يقصد بها النيابة عنه.
ومثل الصلاة سائر العبادات؛ فإنَّ ذلك لا يصحّ. ويستثنى من هذا: الحجّ المستحبّ، والطواف المستحبّ، والعمرة المستحبّة، فإنَّها عبادات لكن يمكن للشخص أن ينوب فيها عن الحيّ، وكذلك الحجّ الواجب في حالةٍ خاصّة يأتي شرحها في فصول الحجّ.
ــــــ[175]ـــــــ
(1) بل الواجبة. وعلى العموم جعله في أضيق نطاق ممّن يعلم به، وإن كان في ذاته مكشوفاً لبعض الناس كصلاة الجماعة أو الحجّ.
بل يشمل هذا كلّ عمل خيرٍ يقصد به وجه الله سبحانه، حتّى ولو كان من التوصّليات.
(2) فالإتيان بها نيابة عن الحيّ باطل.
ولكن الإتيان بها عن نفسه وإهداء ثوابها إلى الآخرين، كقراءة القرآن والزيارة وصلاة الزيارة وغيرها، ممّا لا إشكال فيه. كما لا إشكال في إهداء ثواب الواجبات أيضاً إلى غيره بعد إنجازه على وجهه الصحيح.
أقول: قد أشار في الكتاب إلى بعض ذلك فيما يلي من العبارة.
الفتاوى الواضحة ج1
وينبغي أن لا يفهم من ذلك: أنَّه لا يصحّ للإنسان أن ينوب عن الحيّ في كلّ أوجه البرّ والخير، بل يصحّ أن ينوب عنه الإنسان في أوجه البرّ وصلة الفقراء وزيارة المشاهد المشرّفة، ونحو ذلك من المستحبّات التوصلية.
وإذا أراد الإنسان أن ينفع شخصاً لا يزال حيّاً بعبادته، أمكنه أن يأتي بصلاته أو عباداته الأُخرى المندوبة بصورةٍ أصيلة – أي بدون أن ينوي بها النيابة- ثُمَّ يطلب من الله تعالى أن يسجّل ثواب العمل لذلك الشخص، عسى أن يمنّ الله تعالى عليه بإجابة طلبه.
(20) تجوز النيابة في العبادات عن الميّت(1)، فيصلّى عنه ويُصام عنه، إلى غير ذلك من العبادات، واجبةً كانت أو مستحبّة، كما يمكن الإتيان بالعبادة بصورةٍ أصيلة – أي بدون نيّة النيابة- ثُمَّ إهداء ثوابها إلى الميّت، نظير ما أشرنا إليه في الفقرة السابقة بالنسبة إلى الحيّ.
(21) كلّما صحّ التبرّع بالعبادة عن شخصٍ، صحّ أيضاً استئجار شخصٍ للقيام بتلك العبادة نيابةً عنه، وهناك شرط أساسيّ لهذه الصحّة(2)،
ــــــ[176]ـــــــ
(1) سواء كان الميّت معيّناً كالأب والأمّ مثلاً، أو غير معيّن كالقضاء عمّن فاتته هذه الصلاة من المسلمين، أو إهداء الثواب للمؤمنين أو نحو ذلك.
(2) المهمّ أن لا يكون إتيان الأجير بالعبادة بقصد الحصول على المال، بل أن يكون إتيانها بقصدٍ مشروعٍ عند الله، وهذا يكون على عدّة أشكال، كلّها مجزية نذكر بعضها:
أحدها: أنَّ استحقاقه للأُجرة متوقّف على صحّة العبادة، وصحّة العبادة متوقّفةٌ على عدم قصد الأُجرة، فيحاول أن يفرغ نيّته عن قصد الأُجرة؛ لتصحّ العبادة؛ ليستحقّ الأُجرة.
الثاني: أنَّ إبراء ذمّة أيّ شخص ممّا اشتغلت به من عباداتٍ أمرٌ مستحبّ، بل قد يكون واجباً، ومن هنا يأتي الأجير بالعبادة تنفيذاً لهذا الأمر المستحبّ، وإذا تمّ له ذلك، استحقّ الأُجرة.
الثالث: أنَّ قضاء حاجة المحتاج مستحبّة في الشريعة، والمحتاج هنا هو الميّت أو هو الوارث الذي يدفع الأُجرة؛ تجنّباً لعناء القضاء.
الرابع: أنَّ حلّيّة المال المقبوض أمرٌ مطلوبٌ شرعاً، وهذا كافٍ في قصد القربة من عبادة الأجير.
وهذا الأخير هو المشار إليه في الكتاب، وهو إن كان موافقاً لوجدان الأجير وحصلت له القربة فهو المطلوب، وإلَّا فهو محلّ مناقشةٍ ليس الآن محلّها.
الفتاوى الواضحة ج1
وهو: أن يكون الدافع للأجير للقيام بهذا العمل هو الخوف من الله سبحانه وتعالى أن يأكل الأُجرة حراماً، على نحوٍ لا يكون مستعدّاً لأخذ الأُجرة حتّى لو تيسّر له أخذها ما لم ينجّز العمل الذي استُؤجر لأدائه؛ لكي لا تكون الأُجرة حراماً عليه ولا يكون خائناً، فإنَّ هذا القدر من النيّة الحسنة لدى الأجير يحقّق نيّة القربة التي لا تصحّ عبادة بدونها.
وأمّا إذا كان الأجير مستعدّاً لأخذ الأُجرة على أيِّ وجه اتّفق، وهو لا يؤدّي العمل إلَّا لأنَّه لا يتاح له أن يقبض تلك الأُجرة إلَّا بأداء العمل، إذا كان الأجير كذلك فلا تصحّ منه النيابة والعبادة؛ لأنَّ عمله يكون تجارياً بحتاً من أجل المال، ولا أثر للخوف من الله ورعاية حقّه فيه.
(22) ويحرم على الإنسان(1) مهما تعبّد وأطاع ربّه أن يأمن عقابه ويثق
ــــــ[177]ـــــــ
(1) كان الأفضل الاستشهاد بمثل هذا الحديث الآتي؛ فإنَّه خير ما قيل في المعنى الذي يريد المؤلِّف بيانه، فإنَّه ورد بهذا المضمون: >خف الله تعالى خوفاً لو جئته بحسنات الثقلين لعاقبك، وَأرجُ الله رجاءً لو جئته بسيّئات الثقلين لغفر لك<. [ورد قريب منه في الكافي عن الحارث بن المغيرة، أو أبيه، عن مولانا الصادق× ما نصّه: قال: قلت له : ما كان في وصيّة لقمان؟ قال : >كان فيها الأعاجيب، وكان أعجب ما كان فيها أن قال لابنه: خف الله عزّ وجلّ خيفة لو جئته ببرّ الثقلين لعذّبك، وارجُ الله رجاءً لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك<، ثُمَّ قال أبو عبد الله×: >كان أبي يقول: إنَّه ليس من عبدٍ مؤمن إلَّا [و] في قلبه نوران : نور خيفة ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا، ولو وزن هذا لم يزد على هذا< الكافي 2: 67، كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء، الحديث 1] ففي الفقرة الأُولى من هذا الخبر يندفع (الأمن من عقاب الله)، وبالفقرة الثانية يندفع (اليأس من رَوح الله) اللذان هما من الكبائر.
الفتاوى الواضحة ج1
ثقةً مطلقةً بمستقبله ومنقلبه، كما يحرم عليه مهما قصّر وأذنب أن ييأس من رحمته ويقنط من عفوه، ويُعتبر ذلك الأمنُ مِن عقابه وهذا اليأسُ مِن رحمته من كبائر الذنوب.
(23) ولئن كانت العبادات مقصورةً على أُمور معيّنة كالصلاة والصيام ونحوهما، فإنَّ بإمكان الإنسان شرعاً أن يحوّل أعماله ومساعيه الصالحة في مختلف جوانب حياته إلى عبادة، إذا أتى بها على وجهٍ يرضي الله سبحانه وتعالى ومن أجله. فمَن عمل في وجهٍ من وجوه الكسب المباح من أجل القيام بما يجب عليه أو يستحبّ له من الإنفاق على عائلته، كان عمله عبادةً، وهكذا.
[تقسيم العبادات:]
هذه أحكام موجزة عامّة عن العبادات، وسنستعرض نوعاً بعد نوع، مع أحكام كلّ نوعٍ بالتفصيل، على الترتيب التالي:
أوّلاً: نقدّم الصلاة باعتبارها أهمّ العبادات.
ثانياً: نقدّم الطهارة على الصلاة؛ لأنَّ الطهارة شرطٌ أساسيّ في الصلاة.
ــــــ[178]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
ثالثاً: سنستعرض أحكام الحجّ أيضاً، ولكن بصورة موجزة، اعتماداً في التفاصيل على مناسك الحجّ التي ألّفناها بهذا الصدد (موجز أحكام الحجّ).
رابعاً: أنَّ الزكاة والخمس على الرغم من كونهما عبادتين سوف ندرجهما في القسم الثاني؛ لأنَّ الجانب المالي فيهما أبرز وأهمّ. كما أنَّ الجهاد سوف ندرجه في القسم الرابع؛ لأنَّه يدخل في نطاق السلوك العامّ، وعلى هذا الأساس سوف نستعرض العبادات، بادئين بالطهارة، ثُمَّ الصلاة، فالصيام، فالاعتكاف، ثُمَّ الحجّ والعمرة، ونختم القسم الأوّل بالكفّارات.
ــــــ[179]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
ــــــ[180]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

العبادات
2

الطهارة

 أقسام الماء وأحكامه
 الوضوء
 الغُسل
 التيمّم
 أنواع النجاسات
 أنواع المطهّرات

ــــــ[181]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

الطهارة
1

أقسام الماء وأحكامه

 تمهيد
 أقسام المياه
 حكم القليل والكثير
 أحكام متفرّقة للماء

ــــــ[183]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

تمهيد
أهمّ العبادات الصلاة، فإنَّها عمود الدين، وقد أوجب الشارع على المصلّي أن يكون متطهّراً من الخبث ومن الحدث.
ونقصد بالخبث هنا: النجاسة، ومردّ النجاسة إلى أشياء مادّيّة تقع تحت الحواسّ(1): كالدم والبول والغائط والميتة، وغيرها من الأخباث (أي النجاسات التي يأتي الكلام عنها).
وأمّا الحدث في اصطلاح الفقهاء فلا يدرك بالحسّ، بل هو أمر معنويّ يوجب الوضوء أو الغسل، ومثاله: الجنابة.
والخبث يُزال وتحصل الطهارة منه بالغسل بالماء الطاهر، وبوسائل أُخرى أحياناً، كالأرض.
والحدث يُزال وتحصل الطهارة منه بالوضوء بالماء الطاهر، أو الاغتسال به، وبالتيمّم بالتراب أحياناً.
وسيأتي في الفصول المقبلة تفصيل الحديث عن كلّ ذلك إن شاء الله تعالى.
ولمّا كان الماء الطاهر هو المطهّر الرئيس من الحدث والخبث، تعيّن في البداية أن نتحدّث عن الماء وأقسامه، ومتى يكون طاهراً ومطهّراً من الحدث والخبث؟ ومتى لا يكون كذلك؟
ــــــ[185]ـــــــ
(1) إن أُريد بالخبث والحدث أسبابها فكلّها مادّية، وإن أُريد بها نتائجها فكلّها معنويّة – كما في المتنجّس بعد زوال عين النجاسة-.
فما في الكتاب من أنَّ الخبث يعود إلى الأُمور المادّية، والحدث من الأُمور المعنويّة، لا يخلو من مناقشة.
الفتاوى الواضحة ج1 
[أقسام المياه]
الماء مطلقٌ أو مضاف
(1) ينقسم الماء إلى مطلق ومضاف، وتختلف أحكام كلٍّ منهما عن أحكام الآخر، وسنعرض الفرق والاختلاف في الفقرات الآتية.
والمراد بالماء المطلق: هذا الماء الذي يفهمه كلّ الناس من قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْء حَيٍّ}(1). وهو الذي يجري في الأنابيب إلى البيوت والحمّامات والفنادق والمعابد. … إلى آخره، ويشربه الإنسان والحيوانات؛ ويحيا به الشجر والنبات، ونغتسل به، ونطهّر الأجسام والثياب، ومنه ماء البحر، والمذاب من الثلج والبرد، والمياه المعدنية، وبالتالي فلا يحتاج الماء المطلق إلى تفسير؛ لوضوح معناه.
والمضاف هو:
إمّا ماء مطلق خالطه جسمٌ آخر(2)، فأخرجه عن وضعه الطبيعي
ــــــ[186]ـــــــ
(1) سورة الأنبياء، الآية: 30.
(2) اختلاط الماء بجسم آخر يُنتج أحد أُمور:
الأوّل: تغيّر لونه كالشاي.
الثاني: تغيّر رائحته كماء الورد.
الثالث: تغيّر طعمه كالماء المالح أو الحلو.
الرابع: تغيّر كثافته كالوحل.
الخامس: تغيّر سنخه كماء الصابون.
والمهمّ في كلّ ذلك وغيره أن يخرج عرفاً عن اسم الماء أو يصحّ اضافته إلى الجسم المدرج فيه.
الفتاوى الواضحة ج1
وسلب عنه اسم الماء، فلم يعد ماءً حقيقةً، كالشاي وماء الورد.
وإمّا ماء اعتصر من جسم(1)، كماء البطّيخ والليمون.
(2) الماء المطلق والمضاف كلاهما طاهر(2)، لك أن تشرب منهما وتستعملهما بما شئت. والفرق الأساس بين حكم المطلق وحكم المضاف يتمثّل فيما يلي:
أوّلاً: أنَّ الماء المطلق لك أن تطهّر به الشيء المتنجّس – كالإناء والثوب والبدن- إذا أصابته النجاسة، وليس لك أن تطهّره بالمضاف.
وثانياً: أنَّ الماء المطلق لك أن تتوضّأ به، وتغتسل من الجنابة، أو أيّ غسل آخر، وليس لك أن تتوضّأ أو تغتسل بالمضاف، وهذا معنى الكلمة الفقهية القائلة: >الماء المطلق طاهرٌ في نفسه، ومطهّرٌ لغيره من الحدث والخبث، وأنَّ الماء المضاف طاهرٌ في نفسه، ولكنّه لا يرفع حدثاً ولا يزيل خبثاً<.
وثالثاً: أنَّ الماء المطلق لا يتأثّر ولا يتنجّس بملاقاة النجاسة إلَّا في بعض الحالات، كما سيأتي، لاحظ الفقرة (8) و (19) من هذا الباب.
وأمّا الماء المضاف فيتأثّر ويتنجّس بمجرّد ملاقاة النجاسة، وأيّ شيء ينجّس سواه من الأجسام الصلبة ينجّسه، قليلاً كان أم كثيراً(3).
ــــــ[187]ـــــــ
(1) على أن يكون وجود الماء فيه طبيعيّاً كالفواكه. وأمّا إذا اكتسب الماء من الخارج ثُمَّ خرج منه بالضغط كالقماش المبلّل، بل والطين المبلّل إذا أخرجنا منه ماءً صافياً، فهو غير مندرج في المضاف.
(2) أي: بحسب وضعهما الطبيعي أو بحسب أصالة الطهارة العامّة في الأشياء إذا تحدّثنا حتّى عن المشكوك.
(3) أي: سواء كان بمقدار الكرّ أو أقلّ، فإنَّه ينجس على كلّ حال. والكرّ منه لا يكون معتصماً كالماء المطلق.
الفتاوى الواضحة ج1
ورابعاً: أنَّ الماء المطلق إذا تنجّس وأوصلناه بماءٍ غزير(1) أو أصابه ماء المطر، يطهر على ما يأتي. وأمّا الماء المضاف فلا يطهر بذلك إذا تنجّس، وإنَّما يطهر إذا حوّلناه إلى ماء مطلق، فنطهّره بما يطهّر به الماء المطلق.
(3) المائعات التي لا تحمل اسم الماء بحال – كالنفط والحليب- تتّفق مع الماء المضاف فيما تقدّم من أحكام، فلا يصحّ التطهير بها من الخبث أو الحدث، وتتنجّس بمجرّد الملاقاة مع النجاسة، وإذا تنجّست لا تطهر بحال(2).
(4) إذا ملأت إبريقاً بماء الورد(3) وأخذت تصبّه على أرض نجسة، تنجّس من ماء الورد ما أصاب الأرض، ولا يتنجّس كلّ ما في الإبريق. وكذلك في كلّ حالة يتحرّك فيها المائع باندفاع فيلاقي نجساً، فإنَّ الذي يتنجّس هو الملاقي المباشر، وأمّا القدر الذي بعدُ لم يندفع ولم يصل إلى النجاسة فلا ينجس.
وهذا الحكم ثابت أيضاً في الماء المطلق إذا كان يتنجّس بالملاقاة، فإنَّه في حالة تحرّكه واندفاعه والتقائه وهو مندفع مع النجس، يتنجّس منه الملاقي المباشر، لا
ــــــ[188]ـــــــ
(1) أي: كرّ أو جارٍ.
(2) بل تطهر إذا أمكن صبّ الماء عليها حتّى يصبح المجموع ماءً مطلقاً، ثُمَّ نطهّره كما نطهّر الماء المطلق. نعم، لو كان السائل ممّا لا يمكن امتزاجه بطبعه بالماء كالزئبق والمعادن السائلة بالحرارة والغاز السائل بالتبريد أو غيره؛ فإنَّ مثل ذلك يتعذّر تطهيره تماماً.
(3) لا خصوصيّة لماء الورد، بل يشمل الحكم المذكور في هذه الفقرة كلّ ماء مطلق ومضاف.
وأمّا الكرّ فلا يمكن أن يسعه الإبريق فيخرج عن الفرض.
الفتاوى الواضحة ج1
مبدؤه الذي بعدُ لم يصل إلى النجاسة. لاحظ الفقرة (9) من هذا الباب.
(5) الماء المطلق له خصائصه وطعمه ولونه(1) الخاصّ، فقد يتغيّر طعمه أو لونه، كالماء الذي تُلقي فيه شيئاً قليلاً من الملح أو من الصبغ الأحمر، ويسمّى حينئذٍ بالماء المتغيّر، ولكنّه لا يخرج عن كونه ماءً مطلقاً، وله أحكام الماء المطلق، ولكن إذا تفاقم هذا التغيّر وتراكمت على الماء صفات أُخرى غريبةٌ عنه، فقد يتحوّل إلى ماءٍ مضاف، وبذلك يفقد أحكام الماء المطلق، وتثبت له أحكام الماء المضاف.
(6) وقد يتغيّر الماء المطلق على هذا الأساس، ولكن لا تدري ما هو حجم هذا التغيير ومقداره؟ وهل أنَّه كان بدرجة كبيرة يؤدّي إلى تحوّل الماء المطلق إلى مضاف، أو لا؟ والحكم في مثل ذلك: أن يبنى على أنَّه لا يزال ماءً مطلقاً حتّى يحصل اليقين بالعكس(2).
وقد يتغيّر الماء المطلق بدرجةٍ شديدةٍ يتحوّل بموجبها إلى مضاف، ثُمَّ يتناقص هذا التغيّر، كما إذا سحبنا قسماً من المادّة الصبغيّة التي كانت في الماء، أو ألقينا عليه ماءً مطلقاً فتناقص التغيّر واقترب من لونه وطعمه الطبيعي، وفي هذه الحالة قد نشكّ في أنَّ الباقي من التغيّر في هذا الماء هل هو كثيرٌ على وجه لا يزال الماء معه مضافاً، أو ضئيلٌ على وجهٍ عاد الماء ماءً مطلقاً؟ والحكم في ذلك أن نبني على أنَّه لا يزال مضافاً حتّى يحصل اليقين بالعكس(3).
ــــــ[189]ـــــــ
(1) في الحقيقة أنَّ الماء المطلق ليس له طعم ولا لون ولا رائحة، وإنَّما له كثافة وحيّز، ومن ثَمَّ له وزن نوعيّ يختلف أحياناً باختلاف مكوّناته الفيزياويّة.
(2) أو الاطمئنان أو الوثوق بذلك.
(3) أو الاطمئنان أو الوثوق أيضاً.
الفتاوى الواضحة ج1
الماء المطلق كثير وقليل
(7) ينقسم الماء المطلق إلى قسمين:
أ) يسمّى بالماء الكثير، ونطلق هذا الاسم:
أوّلاً: على كلّ ماء له رصيد يمدّه بالماء، ويسمّى هذا الرصيد بالمادّة؛ لما فيه من إمداد بالماء، كماء البئر النابع، وماء العيون النابعة، سواء كان الماء النابع منها جارياً أو واقفاً. وكذلك الماء الجاري في الجداول والأنهار، سواء كان مستمدّاً من عيون في جوف الأرض أو في باطن الجبال، أو من ذوبان الثلج المتراكم على رؤوس الجبال، فإنَّ كلّ ماء من هذا القبيل يعتبر ماءً كثيراً، سواء كان الظاهر منه للعيان كثيراً حقّاً كما في الأنهار، أو قليلاً كما في بعض العيون النابعة الواقفة؛ لأنَّ الكثرة هنا على أساس المادّة، أي الرصيد الذي يستمدّ منه الماء.
ثانياً: على ماء المطر حين نزوله من السماء، على أن يبلغ من الكثرة حدّاً(1) يمكن أن يجري على الأرض الصلبة ولو قليلاً، فإنَّه يعتبر كثيراً حينئذٍ، ويبقى كثيراً أيضاً بعد تجمّعه على سطح الأرض، حتّى ولو كان المتجمّع كميّةً ضئيلةً ما دام المطر يتقاطر عليه باستمرار.
ثالثاً: على الماء الراكد الذي ليس له مادّة في الأرض ولا في السماء إذا بلغ كرّاً أو أكثر، وسيأتي تحديد الكرّ في الفقرة (10) من هذا الباب.
ب) يسمّى بالماء القليل وهو غير الماء الكثير، ويعني: الماء الذي لا مادّة له، ولا يبلغ مقدار الكرّ، وليس مطراً.
ــــــ[190]ـــــــ
(1) هذا ليس شرطاً، بل يكفي أن يصدق أنَّه مطر، بأن تكون قطراته محتوية على ماء عرفاً، وليست مجرّد رطوبة عرفاً كالطلّ، وليست ثلجاً كالصقيع، وعندئذٍ يكون المطر كثيراً معتصماً.
الفتاوى الواضحة ج1
حكم القليل والكثير
(8) والقليل والكثير طاهران مطهّران من الحدَث والخبَث(1)، غير أنَّهما يختلفان في تأثّرهما بالنجاسة.
فالماء الكثير – لكثرته وحصانته- لا يتأثّر ولا يتنجّس بمجرّد ملاقاته للنجاسة، فلو أصابه بولٌ أو دمٌ، يبقى طاهراً. ومن أجل ذلك يسمّى الماء الكثير بالماء المعتصم؛ لأنَّ كثرته تحفظه من النجاسة.
وأمّا الماء القليل فيتأثّر وينجس بمجرّد أن يلاقي العين النجسة، كالبول والدم والكلب. أمّا إذا لاقاه الشيء المتنجِّس دون العين النجسة (وهو الشيء الذي تنجّس بملاقاة العين النجسة كالملعقة التي يلطعها الكلب) فينظر هل هو سائلٌ مائعٌ كالماء والحليب، أو جامدٌ كالملعقة والصابون؟ فإن كان مائعاً، ينجس الماء القليل بمجرّد الملاقاة(2). وإن كان جامداً، فلا ينجس إذا لم يكن في الشيء المتنجّس الذي لاقى الماء أجزاء من العين النجسة، وإلَّا تنجّس الماء
ــــــ[191]ـــــــ
(1) مع فوارق أحياناً في كيفيّة التطهير بين القليل والكثير، كما سيأتي في باب أنواع المطهّرات إن شاء الله تعالى (الماتن).
(2) على الأحوط في المتنجّس المائع الأوّل، وأمّا ما بعده فإن كانت السلسلة متكوّنة من سوائل مضافة فالأحوط تنجّسها جميعاً. وأمّا إن لاقى السائل المتنجّس (الثاني) أو ما بعده الماء المطلّق القليل، فالأظهر الطهارة.
وعلى العموم فإنَّ الجوامد والماء المطلق القليل حكمهما واحد، وهو: التنجّس بملاقاة النجاسة وبملاقاة المتنجّس الأوّل. وأمّا المتنجّس الثاني فلا ينجّس شيئاً، سواء كان ماءً أو جامداً. نعم، لو كان ماءً، فالأحوط استهلاك المتنجّس (الثاني) في الطاهر كالقطرة في الكوب، ليُحكم بطهارة المجموع، وأمّا إذا كان للماء المتنجّس وجودٌ كافٍ فإنَّه يكون منجّساً في نفسه وإن اختلط بالطاهر، فيحكم بنجاسة المجموع من الناحية العمليّة.
الفتاوى الواضحة ج1
القليل بالملاقاة لعين النجاسة. فالملعقة إذا أصابها الدم ومسحت عنها الدم وغمستها في ماء قليل، فلا تنجّسه، (والسائل والمائع بمعنى واحد).
(9) إذا أصابت عين النجاسة جانباً من الماء القليل، تنجَّس الماء كلّه، ولم تقتصر النجاسة على ذلك الجانب.
ولكن إذا كان النجس في مكانٍ أسفل وورد عليه ماءٌ قليلٌ من أعلى -كما إذا صُبّ من إبريق- فتسري النجاسة إلى محلّ الملاقاة من الماء فقط. أمّا الماء الأعلى فيبقى على طهارته.
ولو انعكس الأمر وكانت النجاسة في أعلى والماء القليل في أسفل، وذلك بأن كان الماء القليل يفور صاعداً كالعمود بسببٍ أو بآخر، ويلاقي النجاسة في العلوّ؛ لو كان ذلك، سرت النجاسة للطرف الأعلى من الماء القليل الملاقي، ولا تسري إلى العمود وما دونه. ومثله لو كانت النجاسة في محاذاة الماء القليل وفي خطٍّ مقابلٍ ومواجهٍ له، وكانت الفوّارة تدفعه أفقياً نحوها، فينجس منه ما لاقاه فقط، ويبقى ما عداه على طهارته.
وبكلمةٍ موجزة: إنَّ الماء إذا كان في حالة تحرّكٍ سريع(1) في أيّ اتّجاه من الاتّجاهات ولاقى النجس في اتّجاهه، تنجّس موضع الملاقاة من الماء، ولم يتنجّس ما خلفه من ماء.
(10) أشرنا في الفقرة (7) إلى أنَّ أحد أقسام الماء الكثير: الكرّ من الماء، وهو: كلّ ماءٍ بلغ وزنه ثلاثمائة وستّةً وسبعين كيلو غراماً(2) تقريباً.
ــــــ[192]ـــــــ
(1) ينبغي التأكّد من السرعة عرفاً. وأمّا لو كان نزوله إلى النجس بطيئاً عرفاً فالأحوط الحكم بالنجاسة.
(2) بل أربعمائة كيلو غرام على الأحوط؛ لأنَّ الكرّ ألف ومائتا رطل (بالرطل العراقي في صدر الإسلام) وهو يساوي ثلث الكيلو تقريباً، فيكون الوزن بالكيلو أربعمائة.
الفتاوى الواضحة ج1
وإذا كان الماء من الماء الصافي الذي يستعمل في أنابيب الإسالة ويكون أثقل من الماء المقطّر(1)، فحجم الكرّ منه يساوي ثلاثمائة وسبعةً وخمسين ألفاً ومائتي سنتمتر مكعّب، ولمّا كان طول الشبر لا يقلّ عادةً عن واحد وعشرين(2) سنتمتراً، أمكن القول بأنَّ الماء الصافي إذا كان يساوي تسعةً وثلاثين شبراً مكعّباً فهو يحتوي على كرٍّ مع زيادة شيء قليل.
ومن الناحية العملية نصل إلى هذه النتيجة، وهي: أنَّ الحوض المربّع الممتلئ ماءً إذا قاسه أيّ إنسان اعتياديٍّ بأشباره فكان كلّ من طوله وعرضه وعمقه يساوي ثلاثة أشبار ونصف، فهو يحتوي على أكثر من كرّ(3)، فيكون معتصماً.
(11) الماء الكرّ إذا كان راكداً ساكناً، فلا فرق فيه بين أن يكون بكامله
ــــــ[193]ـــــــ
(1) الماء المقطّر كثافته وثقله (1) غرام لكلِّ سنتمتر مكعّب، بينما الماء الصافي كثافته (05‚ 1) غرام لكلِّ سنتمتر مكعّب؛ لاحتوائه على الأملاح (الماتن).
(2) بل لا يقلّ عن اثنين وعشرين سنتيمتراً. فإذا كان الكرّ ثلاثة أشبار مكعّبة، كان مقدار ضلعه ستّةً وستّين سنتيمتراً، ومكعّبه: مئتين وسبعة وثمانين ألفاً وأربعمائة وستّة وتسعين. وإذا كان الكرّ ثلاثة أشبار ونصفاً مكعبّاً، كان المكعّب بالأشبار أقلّ من ثلاثة وأربعين شبراً مكعّباً بقليلٍ، أعني: (875‚42). وأمّا بالسنتيمترات فيكون الضلع سبعاً وسبعين، والمكعّب أربعمائة وستّة [و]خمسين ألفاً وخمسمائة وثلاثة وثلاثين سنتيمتراً.
وأمّا من الناحية الفقهيّة فالأحوط هو كون الضلع ثلاثة أشبار ونصف.
(3) هذا بناءً على ما قلناه من كون ضلع مكعّب الكرّ ثلاثة أشبار، فيكون مقدار الثلاثة والنصف أكثر من الكرّ، ولكنّه موافق للاحتياط الاستحبابي على أيّ حال. وقد يكون أقرب للتطبيق على الوزن الذي سبق ذكره.
الفتاوى الواضحة ج1
في مكان واحد أو أكثر، ولا بين أن يكون جزءٌ منه في أعلى وآخر في أسفل، ماداما متّصلين بسببٍ من الأسباب، ففي كلّ هذه الحالات يعتبر كثيراً ومعتصماً، ولا ينجس بمجرّد الملاقاة.
(12) الماء قد يكون جارياً ومتحرّكاً، ومثاله: الماء الذي يجري من خزّانات الحمّامات بواسطة الأنابيب إلى حياض صغيرة تحت الأنابيب.
وهذا له حالتان:
الأُولى: أن يكون الماء الموجود في الخزّان بقدر الكرّ أو أزيد.
الثانية: أن يكون الماء الموجود في الخزّان دون الكرّ، ولكن إذا ضُمّ إليه المقدار الذي جرى منه في الأنابيب وما انحدر منها إلى الحوض الصغير الموضوع تحت الأُنبوب، كان الكلّ بقدر الكرّ.
ففي الحالة الأُولى: يُعتبر ما في الخزّان معتصماً، وكذلك ما في الحوض الصغير ما دام الأُنبوب مفتوحاً عليه ويصبّ فيه. فلو وقع دم في ماء الخزّان أو ماء الحوض، لا ينجس.
وفي الحالة الثانية: يُعتبر ما في الحوض الصغير معتصماً لا ينجس بمجرّد ملاقاة النجس، ما دام متّصلاً بمخزنه عن طريق تدفّق الماء من الأُنبوب إليه. وأمّا ما في الخزّان فليس معتصماً؛ فإذا لاقته عين النجاسة يتنجّس(1).
(13) كلّ ماءٍ قليلٍ اتّصل بماءٍ كثيرٍ، فهو معتصم، وتجري عليه نفس الأحكام التي تجري على الماء الكثير. فلو كانت هناك ساقيةٌ فيها ماءٌ قليلٌ
ــــــ[194]ـــــــ
(1) يلزم من فرض المسألة: أنَّه إذا وقعت النجاسة في الخزّان فتنجّس وكان الماء الباقي في الأنابيب والحوض أقلّ من الكرّ، فسوف يأتي الماء المتنجّس بكمّيّات كبيرة نسبيّاً إلى الحوض، فيكون الكلّ بحكم المتنجّس، وهذا هو الأحوط.
الفتاوى الواضحة ج1
وتقاطر عليها ماء المطر، أو اتّصلت بجدول من الماء له مادّةٌ أو فتحتَ عليها أُنبوباً يصبّ عليها من خزّان كبير، أصبح ماء الساقية معتصماً ما دام الاتّصال ثابتاً.
ومن الجدير الإشارة هنا إلى: أنَّ ما يوضع في فوهة اتّصال خزّان الماء بالمادّة التي يستمدّ منها الخزّان – ويسمّى بالطوّافة- يقطع اتّصال ماء الخزّان بالمادّة في حالة امتلائه، فإذا لم يكن الخزّان بقدر الكرّ اعتبر الماء قليلاً، ولكن بمجرّد أن يبدأ الخزّان بدفع الماء وتنخفض الطوّافة يعود الاتّصال(1)، ويصبح ماءً كثيراً معتصماً.
وقد يوضع في فوهة الأُنبوب حاجزٌ فيه ثقوبٌ صغيرةٌ متقاربةٌ ينفذ الماء من خلالها بقوّةٍ، ويسمّى بالدوش، وهذا الماء المنحدر من هذه الثقوب إذا كان ينزل على شكل قطراتٍ متلاحقةٍ مع فواصل بينها ولو صغيرة فهو ماء قليل، وإذا كان تتابع القطرات سريعاً على نحو يشكّل خطّاً متّصلاً(2) في نظر العرف فهو ماء كثير؛ لأنَّه متّصل بمادّته.
(14) لو رأينا ماءً في حوضٍ صغير – مثلاً- وشككنا هل هو بوزن
ــــــ[195]ـــــــ
(1) وهذا معناه: أنَّ الاتّصال لا يعود بمجرّد فتح الأنبوب؛ لأنَّ الطوافة لا تساعد على اتّصال الإسالة بالخزّان فوراً، بل بعد ثانيتين أو أكثر إذا كان تدفُّق الماء من الخزّان كافياً.
(2) هذا يتمّ بالقرب من ثقوب الدوش.
وكلّما ابتعد الماء المتساقط عن الفوهة تحوّل إلى قطرات متفاصلة. ويمكن تلافي هذه الحالة فيما إذا وجّه ماء الدوش إلى جسم الإنسان أو أيّ جسم آخر فأصبح يجري على الجسم ولم يتحوّل إلى قطرات، فإنَّه يبقى في حكم الاعتصام. ولازم ذلك أنَّه يطهر الجسم الذي يمرّ عليه إن كان متنجّساً، لا أنَّه يأخذ منه النجاسة.
نعم، إذا تحوّل ماء الدوش خلال تقاطره في الفضاء إلى قطرات ثُمَّ جرى على الجسم، بقي قليلاً غير معتصم، فيكون لتطهيره حكم الماء القليل.
الفتاوى الواضحة ج1
الكرّ(1) حتّى لا ينجس بالملاقاة، أو دون ذلك؟ فحكمه حكم الماء القليل يتنجّس بمجرّد الملاقاة لعين النجاسة.
(15) لو رأينا ماءً قليلاً دون الكرّ وهو يجري على الأرض(2)، وشككنا هل هو متّصل بماءٍ كثيرٍ أو بمادّةٍ نابعة حتّى لا ينجس بالملاقاة باعتباره كثيراً، أو غير متّصلٍ كي يتنجّس بها؟ فحكمه حكم القليل(3)، إلَّا إذا كان الشاكّ على علمٍ سابقٍ بأنَّ هذا القليل الجاري كان متّصلاً من قبل بالكثير أو بالمادّة، فيحكم عندئذٍ بطهارته إن لاقته النجاسة ولم يتغيّر.
(16) حوضٌ ماء فيه ما يزيد على كرٍّ، وأُخذ منه مقدارٌ يسيرٌ للاستعمال، وشككنا هل بقي في الحوض كرٌّ من الماء، أو بعض من ذلك؟ فحكمه حكم الكثير، فلا يتنجّس بمجرّد الملاقاة لعين النجاسة.
(17) تقدّم في الفقرة (7): أنَّ أحد أقسام الماء الكثير: ماء المطر البالغ حدّاً من الكثرة يمكنه أن يجري على الأرض الصلبة(4)، وهذا يعني أنَّه لا يتنجّس بملاقاة النجاسة. فلو أنَّ قطرةً من ماء المطر وقعت مباشرةً على عينٍ نجسةٍ كالميتة – مثلاً- لم تتنجّس، سواء استقرّت عليها أو انفصلت عنها ما دام المطر يتقاطر.
ولو تجمّعت قطرات المطر في موضعٍ من الأرض فوقع فيها نجس، لم
ــــــ[196]ـــــــ
(1) كان الأفضل أن يقول: بمقدار الكرّ، وهو الشامل للوزن والمساحة.
(2) هذا الماء يكون معتصماً؛ لأنَّ الجريان بمجرّده سبب للاعتصام على الأظهر، وإن كان الأحوط استحباباً خلافه.
(3) إذا لم نعتبره معتصماً، كما سبق.
(4) سبق المناقشة في هذه النقطة.
الفتاوى الواضحة ج1
تتنجّس ما دام المطر يتقاطر.
وكذلك الحكم إذا جرى ماء المطر على السطح – مثلاً – وانحدر منه إلى الأرض في ميزاب ونحوه، فإنَّ الماء المنحدر من الميزاب معتصم، ولا يتنجّس لو لاقى(1) في الأرض عيناً نجسةً ما دام تقاطر المطر وإمداده مستمرّاً.
ومثل الماء المنحدر من السطح إلى الأرض تماماً: ماء المطر المتساقط على أوراق الشجر والمنحدر منها إلى الأرض.
وأمّا إذا أصاب ماء المطر سقف الغرفة وتسرّبت رطوباته في السقف، ثُمَّ ترشّح منه إلى أرض الغرفة فلا يعتبر الماء المتساقط(2) على أرض الغرفة كثيراً ومعتصماً حتى ولو كان المطر لا يزال يتقاطر على سقف الغرفة؛ لأنَّ الصلة انقطعت بين ماء المطر والماء المتساقط من سقف الغرفة على أرضها.
(18) تقدّم في الفقرة (7): أنَّ أحد أقسام الماء الكثير: الماء النابع من مادّة، ولا فرق في ذلك بين عيون الماء المستمرّة في النبع طيلة السنة والعيون الموسمية التي ينبع منها الماء في موسم معيّن من السنة، فإنَّ ماءها يعتبر كثيراً ومعتصماً في ذلك الموسم الذي تنبع فيه(3).
كيف يتنجّس الماء الكثير؟
(19) مرّ بنا: أنَّ الماء الكثير بكلّ أقسامه المتقدّمة في الفقرة (7) لا يتنجّس بمجرّد ملاقاة عين النجس، ولكنّه يتنجّس إذا لاقته عين النجس
ــــــ[197]ـــــــ
(1) وإذا لاقى متنجّساً فإنَّه يطهّره.
(2) إلَّا إذا كان هناك فجوات وثقوبٌ كافيةٌ لنزول المطر أو الماء المتّصل به والمتجمّع منه مباشرة.
(3) وأمّا إذا كان انقطع النبع فإن كان كرّاً أو جارياً كان معتصماً وإلَّا كان قليلاً.
الفتاوى الواضحة ج1
فغيّرت لونه أو ريحه أو طعمه بالنجاسة، وإذا تغيّر بوصف رابع – كثقل الوزن أو خفّته مثلاً- مع احتفاظه باللون والريح والطعم الطبيعي للماء فلا ينجس.
(20) ولا أثر لتغيّر الماء الكثير بملاقاته للشيء المتنجّس بعين النجس(1). أجَلْ، إذا تغيّر الماء بعين النجاسة الموجودة فعلاً في المتنجّس، يتنجّس الماء عندئذٍ بلا ريب.
مثلاً: ماء متنجّس بالدم وصار لونه أحمر لوجود الدم فيه، ثُمَّ ألقينا هذا الماء المتنجّس الأحمر في حوض طاهر – كرّاً أو أكثر- فغيّر لونه وصار أصفر، فماء الحوض يتنجّس في هذه الحالة.
(21) كما لا أثر أيضاً لتغيّر الماء الكثير بعين النجس بدون ملاقاة، كما إذا انتقلت الرائحة من عين النجس المطروحة قريباً من الماء الكثير إليه بسبب قربها منه، فإنَّه لا ينجس بذلك.
(22) لا نقصد بالتغيّر الذي ينجّس الماء الكثير: أن يكتسب نفس لون النجس أو طعمه أو ريحه بالضبط، بل يكفي أن يحصل تغيّر في لون الماء وطعمه وريحه ولو لم يتطابق مع النجس(2).
ومثاله: أن يصبح الماء الكثير أصفر بسقوط دم أحمر فيه، فيكون نجساً.
ــــــ[198]ـــــــ
(1) وهو ما كان طاهراً في الأصل وأصبح متنجّساً بسبب ملاقاة عين النجاسة مثلاً (الماتن).
(2) إذا كان من سنخه أو من مراتب وجوده كالأصفر والأحمر المذكور في الكتاب، فإنَّ الأصفر من مراتب وجود الأحمر فيما إذا ألقينا عليه ماءً كثيراً أو خلطناه بلون أبيض.
وأمّا إذا لم يكن من سنخ صفة النجاسة، كما إذا كان لون النجاسة هو الحمرة واتّصف الماء بالسواد أو السمرة، فالظاهر بقاؤه على الطهارة، وإن كان الأحوط استحباباً اجتنابه.
الفتاوى الواضحة ج1
(23) لنفرض أنَّ عين النجاسة لاقت الماء ولم يتغيّر لونه ولا طعمه ولا رائحته؛ إمّا لسببٍ يعود إلى عين النجاسة أو الماء، وإمّا لأمرٍ خارجٍ عنها وعن الماء أيضاً، بحيث لولا هذا الأمر الخارج أو ذاك الوصف لتغيّر اللون أو الطعم أو الرائحة، فهل يحكم بتنجّس الماء في هذا الفرض؟
والجواب على ذلك يستدعي التفصيل التالي:
أ) قد يستند بقاء الماء على حاله وعدم تغيّره، إلى أنَّ عين النجاسة ليس لها لونٌ أو رائحةٌ – مثلاً- لتعطي للماء شيئاً من لونها أو رائحتها حتّى يتغيّر، فإن كان الأمر كذلك فالماء طاهر ولا يتنجّس.
ب) وقد يستند عدم تغيّر الماء إلى أنَّ عين النجاسة يتطابق لونها – مثلاً- مع لون الماء الذي كان متّصفاً به قبل وقوع النجاسة فيه، ومثاله: أن يكون الماء أحمر اللون بسبب صبغ من الأصباغ، ثُمَّ تسقط فيه كمّيّة من الدم فلا يبدو لحمرة الدم أثر لأنَّ الماء أحمر، وفي هذا الفرض يتنجّس الماء(1).
ج) وقد يكون لعين النجاسة وصفها الخاصّ بها، وهو وصفٌ يختلف عن صفات الماء، ولكن يستند عدم تغيّر الماء بها إلى أمرٍ خارجٍ عن النجاسة والماء معاً، كبرودة الجَوّ التي تحول دون تأثّر الماء برائحة الجيفة النجسة بحيث لو كان الجوّ معتدلاً أو حارّاً لحدث التغيّر، وفي هذا الفرض يبقى الماء على طهارته.
(24) إذا كان الماء من أحد أقسام الماء الكثير وتغيّر بعضه بالنجاسة فتنجّس، فهل يتنجّس الجزء المتغيّر منه فقط، أو يتنجّس كلّه؟
ــــــ[199]ـــــــ
(1) على الأحوط.
الفتاوى الواضحة ج1
والجواب: أنَّ غير ذلك الجزء إن كان لا يزال ماءً كثيراً فهو معتصم ولا يتنجّس.
ويمكن توضيح ذلك – على سبيل المثال- في حالتين:
الأُولى: لنفرض حوضاً كبيراً وقع دم في جانب منه فاصفرّ الماء في هذا الجانب، فهل يتنجّس الماء في الجانب الآخر قبل أن يتسرّب إليه لون الدم؟
والجواب بالنفي ما دام الجانب الآخر بقدر الكرّ.
الثانية(1): لنفرض ماءً جارياً دون الكرّ في ساقية وله مادّة، وقد أصاب النجس وسط الساقية فتغيّر الماء في ذلك الموضع فهل يتنجّس الماء كلّه؟
والجواب: أنَّ الماء الواقع بين ذلك الموضع والمادّة التي ينبع منها الماء لا يتنجّس بحال، وأمّا الماء الواقع بعد موضع التغيّر فحكمه يحتاج إلى تفصيل، وهو: أنَّ وسط الساقية إذا كان فيه خيطٌ من الماء لا يزال غير متغيّر ويربط الماء الذي بعده بما قبله من ماء الساقية فلا يتنجّس من ماء الساقية سوى ما تغيّر فعلاً، وإذا كان قد تغيّر كلّه فيتنجّس ما بعده.
إذا تنجّس الماء فكيف يطهر؟
(25) إذا تنجّس الماء القليل بملاقاة النجاسة فيطهر إذا أوصلناه بماء كثير معتصم.
ومثال ذلك: ماءٌ في وعاءٍ يتنجّس، فنفتح عليه أُنبوباً من أنابيب الماء
ــــــ[200]ـــــــ
(1) وهناك حالة ثالثة وهي أن يكون الماء غير جارٍ، وهو بقدر الكرّ، ويكون الماء الباقي بعد تغيّر بعضه أقلّ من الكرّ. ففي مثله يكون الأحوط اجتنابه؛ لأنَّه لاقى عين النجاسة المختلطة بالماء المتغيّر أو المتنجّس الأوّل، وقد سبق أن قلنا بتنجّس الماء القليل في مثل ذلك.
الفتاوى الواضحة ج1
الممتدّة إلى البيوت في هذا العصر، فيطهر ماء الإناء بوصول الماء من الأُنبوب إليه وفي نفس اللحظة بدون حاجة للانتظار إلى أن ينتشر ماء الأُنبوب في كلّ جوانب الإناء.
ومثال آخر: ماءٌ في وعاءٍ يتنجّس، فتضعه تحت السماء فيتقاطر عليه ماء المطر بدرجةٍ ملحوظة – لا قطرة وقطرتين فقط- فيطهر بذلك، بل إنَّ الماء يتحوّل في كلا المثالين إلى ماءٍ معتصمٍ ما دام متّصلاً بماء الأُنبوب أو المطر، ويطهر حينئذٍ الوعاء(1) الذي هو فيه بملاقاة ذلك الماء له.
وإذا تنجّس الماء الكثير بسبب التغيّر بعين النجس، فيطهر إذا توافر أمران:
أحدهما: أن يزول التغيّر ويعود الماء إلى حالته الطبيعيّة، سواء حصل ذلك بمرور الزمن أو بمزجه بماءٍ آخر.
والأمر الثاني: أن يُوصَل – وهو سليمٌ من التغيّر- بماءٍ كثيرٍ معتصم، ككرٍّ من الماء أو ماء المطر وغيرهما.
ويمكن إنجاز الأمرين معاً بعمليّةٍ واحدة، بأن نفتح – مثلاً- أُنبوب الماء على الماء المتغيّر، فينتشر ماء الأُنبوب في الماء المتغيّر حتى يزيل تغيّره ويطهّره باستمرار اتّصاله به بعد ذلك.
ونذكر مثالين لتطهير الماء المتغيّر للتوضيح كما يأتي:
الأوّل: أن يتغيّر حوضٌ من الماء برائحة الجيفة، فيُترك مدّةً إلى أن تزول تلك الرائحة الكريهة، ثُمَّ يُفتح عليه أُنبوب الماء فيطهر.
ــــــ[201]ـــــــ
(1) أمّا قسم الوعاء الملامس للماء فلا إشكال في طهارته. وأمّا القسم المرتفع عن الماء من الإناء، وكذلك الوجه الآخر منه فطهارته موقوفة على سببٍ آخر – غير ما في الكتاب- كما لو أصابه المطر مباشرةً أو أُدخل تحت ماء الإسالة بنفسه.
الفتاوى الواضحة ج1
الثاني: أن يتغيّر ماء الحوض بلون الدم ويصفرّ، فيصبّ فيه ماءٌ آخرُ سليمٌ بوعاءٍ مرّاتٍ عديدةً حتّى تضعف الصفرة وتزول، ثُمَّ يُفتح أُنبوب الماء عليه، أو يتساقط عليه ماء المطر، فيطهر. ويمكن أيضاً أن يُفتح عليه ماء الأُنبوب منذ البداية – كما عرفت- فيزيل الصفرة ثُمَّ يطهّره.
ــــــ[202]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1 

[أحكام متفرّقة للماء]
تبخير الماء النجس
(26) إذا تنجّس الماء ثُمَّ تبخّر، وتحوّل البخار من جديدٍ إلى ماء، فهذا الماء طاهر.
ونفس الشيء يصدق على كلّ مائعٍ آخر – إذا تنجّس- ولو لم يكن ماءً مطلقاً بل ماءً مضافاً كماء الورد، أو لم يكن ماءً على الإطلاق كالحليب، بل يصدق على البول أيضاً وغيره من الفضلات؛ فإنَّه إذا تبخّر وصار البخار مائعاً فهذا المائع طاهر.
حكم الماء إذا تطهّر به الإنسان
(27) عرفنا أنَّ الماء يتطهّر به الإنسان من النجاسة، ويتوضّأ، ويغتسل، والسؤال: أنَّ هذا الماء إذا استعمل في التطهير والوضوء والغسل فهل يبقى طاهراً، أو يتنجّس؟ وهل يمكن استعمال نفس الماء مرّةً ثانيةً في التطهير أيضاً؟
والجواب: أنَّه لا يتنجّس إلَّا إذا لاقى عين النجاسة وكان الماء قليلاً، أو تغيّر بأوصافها على ما تقدّم. وإذا تنجّس فلا يُسمح بالتطهير به ثانيةً، وإذا لم يتنجّس خلال الاستعمال الأوّل ظلّ كما كان، فيجوز التطهير به من النجاسة، كما يجوز الوضوء والغسل به(1).
ــــــ[203]ـــــــ
(1) الأحوط ترك الغسل بالماء المستعمل في الأغسال الرافعة للحدث، كغُسل الجنابة والحيض وغيرها، وإن كان الماء طاهراً إذا لم يلاقِ عين النجاسة أو المتنجّس الأوّل، هذا في القليل، وأمّا المعتصم فلا إشكال في جواز الغسل به.
الفتاوى الواضحة ج1
حكم الشكّ والاشتباه
(28) إذا شكّ المكلّف في أنَّ هذا الماء نجس أو طاهر، اعتبره طاهراً.
ويستثنى من ذلك: ما إذا كان على علمٍ بأنَّه كان متنجّساً في السابق ولا يدري هل طهر أم لا؟ ففي هذا الفرض يحكم على الماء بأنَّه لا يزال متنجّساً حتى يثبت العكس.
ــــــ[204]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

الطهارة
2
الوضوء
 تمهيد
 الشروط
 الأجزاء
 وضوء الجبيرة
 في ما يجب الوضوء له ويستحبّ
 نواقض الوضوء
 الخلل والشكّ في الوضوء
 سنن الوضوء
 قضاء الحاجة وأحكامها

تمهيد
(1) الوضوء: عبارة عن غسل الوجه واليدين، والمسح على مقدَّم الرأس وعلى القدمين. فهذه الغسلات الثلاث والمسحات الثلاث تسمّى في الشرع وضوءاً(1)، ويطلق على الوجه واليدين ومقدَّم الرأس والقدمين أعضاء الوضوء.
وصورة الوضوء بإيجاز هي: أن تغسل وجهك بماءٍ مطلقٍ طاهر(2)، ابتداءً من منابت الشعر إلى نهاية الذقن، ثُمَّ تغسل يدك اليمنى ابتداءً من المرفق إلى أطراف الأصابع، ثُمَّ تغسل يدك اليسرى كذلك، وتمسح بنفس الرطوبة التي خلّفها في باطن كفّك اليمنى مقدَّم رأسك ولو بإصبعٍ واحدة، ثُمَّ تمسح – ولو بإصبعٍ واحدةٍ منها- أيضاً ظاهر قدمك اليمنى، ويكفي أن تضع باطن إحدى أصابع كفّك اليمنى أو راحتها على أطراف أصابع قدمك اليمنى وتجرّها إلى نهاية قدمك، ثُمَّ تمسح برطوبة باطن كفّك اليسرى التي نشأت من الوضوء ظاهر قدمك اليسرى كذلك، وتحرص في كلّ ذلك على أن لا تتماهل(3) إلى الدرجة التي تجفّ بسببها الرطوبة في أعضاء الوضوء قبل أن تُكمِلَ الوضوء.
ــــــ[207]ـــــــ
(1) مع النيّة.
(2) مباح، غير مغصوب.
(3) هذه هي الموالاة، وسيأتي الكلام فيها وفي مقدارها.
الفتاوى الواضحة ج1
ويعتبر الوضوء طهارةً شرعاً، والمتوضّئ متطهِّراً، والطهارة التي تحصل بالوضوء شرعاً تبقى مستمرّةً إلى أن يصدر من المتوضّئ شيءٌ من البول أو الغائط، أو غير ذلك ممّا يسمّى شرعاً بالحدث، وسيأتي في فقرة لاحقة بيان تلك الأشياء التي تنقض أثر الوضوء، وهي ما يعبَّر عنها بنواقض الوضوء، وبموجباته أيضاً.
والوضوء عبادةٌ، بمعنى: أنَّه لا يصحّ ولا يحقِّق طهارةً شرعاً إلَّا مع نيّة القربة.
ونيّة القربة هي: أن تأتي بالفعل من أجل الله سبحانه وتعالى، ومثالها: من يأتي بالفعل بداعي الطاعة لله: إمّا لأنَّه تعالى أهلٌ لأن يُطاع ويُعبد، أو التماساً لثوابه، أو خوفاً من عذابه.
فالمتوضّئ لابدّ له أن يقصد بوضوئه أنَّه يأتي به لأجل الله وامتثالاً لأمره تعالى(1).
والوضوء في نفسه طاعةٌ ومستحبٌّ في كلّ الأحوال والمواقع، وفي نفس الوقت هو واجبٌ لغيره، حيث يجب للصلاة وأشياء أُخرى، على ما يأتي في بعض الفقرات المقبلة.
والوضوء لا يتمّ بدون ماء؛ لأنَّ الماء هو الذي يُتوضّأ به، فيُغسَل به الوجه واليدان، ويُمسَح به الرأس والقدمان، ولهذا يسمّى الوضوء بالطهارة المائية.
وللوضوء شروط، وأجزاء، ونواقض تفسده، وأيضاً له كماليات ومستحبّات، وغير ذلك على التفصيل الآتي:
ــــــ[208]ـــــــ
(1) أو ما أشار إليه السيّد من داعي إلتماس الثواب أو خوف العقاب، فلا ينبغي أن يكون قوله: (فالمتوضّئ …) الخ عدولاً عن العبارة السابقة.
الفتاوى الواضحة ج1 
(1) الشروط
شروط ماء الوضوء
(2) هناك شروط للماء الذي يُتوضَّأ به، وهي:
أوّلاً: أن يكون مطلقاً، فلا يصحّ الوضوء بالماء المضاف كماء الورد.
ومن كان عنده إناءان: في أحدهما ماء مطلق وفي الآخر ماء الورد – مثلاً- وكلاهما طاهر، ولكنّهما تشابها ولم يميِّز بينهما، فله أن يتوضّأ أوّلاً بأحدهما، ثُمَّ يكرّر الوضوء بالثاني، وبذلك يعلم بصحّة الوضوء(1).
وثانياً: أن يكون طاهراً، فلا يصحّ الوضوء بالماء النجس.
وثالثاً: أن يكون مباحاً، فلا يصحّ أن تتوضّأ بماءٍ لغيرك بدون موافقته.
وإذا وُجد ماءٌ في إناءين وعلم المكلّف الذي وجبَ عليه الوضوء أنَّ أحدهما نجس والآخر طاهر، من غير تعيين، أو أنَّ أحدهما له والآخر لشخصٍ لا يأذن باستعماله، من غير تعيينٍ أيضاً فليبتعد عنهما معاً، ولو توضّأ من أحدهما، لم يصحّ، إلَّا إذا كان المكلّف على علمٍ سابقٍ بنجاسة أحدهما المعيّن المعلوم لديه بالخصوص، أو بأنَّه لإنسان آخر، وعندئذٍ يبتعد عنه وحده، وله أن يستعمل الآخر فيما شاء.
ولا يشترط في ماء الوضوء – إذا كان طاهراً- أن يكون غير مستعملٍ في
ــــــ[209]ـــــــ
(1) الأحوط أن ينوي في كلا الوضوئين (بقصد ما في الذمّة) أو (بقصد الواقع)، ولا ينوي مثل قوله: إذا كان الماء مطلقاً.
الفتاوى الواضحة ج1
إزالة الخبث، ولا في الوضوء والغسل(1)، كما تقدّم في الفقرة (27) من فصل أحكام الماء، فكلّ ماءٍ مطلقٍ مباحٍ(2) يصحّ به الوضوء.
(3) إذا كان الماء مباحاً والوعاء الذي يحويه مغصوباً، فهل يصحّ الوضوء بهذا الماء؟
والجواب: إذا كان المتوضّئ يغترف(3) من هذا الإناء ويتوضّأ به، صحّ الوضوء، وأثم المتوضّئ. وأمّا إذا غمس وجهه في الإناء بقصد الوضوء ورأى العرف أنَّ هذا الغمس بالذات هو تصرّفٌ في نفس الإناء(4) المغصوب، فعندئذٍ يكون الوضوء باطلاً.
ولا يجب في صحّة الوضوء أن يقع الماء المنفصل عن أعضاء المتوضّئ في مكانٍ مباح.
(4) يصحّ الوضوء من الماء الموضوع في إناء الذهب والفضّة(5).
(5) لا يسوغ الوضوء بماء الآخرين إلَّا مع الإذن منهم صراحةً أو بشاهد الحال، بأن كانت حالتهم تدلّ على الإذن، ومجرّد الشكّ في الرضا
ــــــ[210]ـــــــ
(1) تقدّم أنَّ الأحوط ترك الغسل في الماء المستعمل بالغسل الرافع للحدث.
(2) طاهر.
(3) إذا كان المتوضّئ هو الغاصب فهو فرض المسألة. وأمّا لو كان غيره وكان جاهلاً بالغصب فالظاهر صحّة وضوئه على كلّ حال. نعم، لو كان عالماً فمحلّ إشكال.
(4) هذا يعود إلى كبر الإناء من ناحية. فكلّما كان أكبر، كان عدم التصرّف فيه أوضح. وكذلك عدم الاعتماد عليه بالجسم. فمع ترك الاعتماد على الإناء، يكون عدم التصرّف فيه أوضح؛ ومن هنا يكون الأقرب صحّة الوضوء.
(5) إذا كان التوضّي منه يعدّ استعمالاً للإناء، فالأحوط الحكم بالبطلان، تماماً كما سبق في المغصوب.
الفتاوى الواضحة ج1
وعدمه غير كاف.
أجل، يسوغ الشرب والوضوء من الأنهار والجداول والعيون الغزيرة النابعة، وما إليها ممّا جرت عليه عادة الناس، مع عدم المنع والإنكار(1) من أصحاب الماء؛ بل ليس لأصحاب هذا الماء منع الآخرين من ذلك.
وأيضاً يسوغ الوضوء بالماء الموقوف(2) في المدارس والمساجد والأماكن العامّة للوضوء وغيره من الانتفاعات، إلَّا مع العلم بأنَّ ماءها وقفٌ خاصٌّ على المصلّين في المسجد، أو على طلّاب المدرسة دون غيرهم. فإذا علم بذلك، لم يصحّ الوضوء بماء المسجد من غير المصلّين فيه، ولا بماء المدرسة من غير طلبتها.
ونفترض أنَّ إنساناً علم بأنَّ هذا الماء لا يسوغ الوضوء به إلَّا لمن صلّى في هذا المكان بالذات، وتوضّأ هو بهذا القصد والنيّة، ولكنّه لم يصلّ في ذلك المكان لسببٍ من الأسباب، فهل يكون وضوؤه صحيحاً؟
والجواب: كلّا، بل عليه أن يستأنف الوضوء(3) في هذا الفرض.
(6) من توضّأ جاهلاً أو ناسياً بماء متنجّس أو مضاف أو مغصوب، بطل وضوؤه(4).
ــــــ[211]ـــــــ
(1) إذا كان الماء الجاري في الأرض المملوكة زائداً عن كلّ حاجات مالكه، فالظاهر جواز استعمال هذا الماء وإن غضب المالك؛ لأنَّ الإذن الشرعي شاملٌ له، وهو أولى به.
(2) إذا كان التوضّي يعدّ تصرّفاً في المدارس والمساجد، فتتوقّف صحّة الوضوء على كون المتوضّئ من الموقوف عليهم على الأحوط.
نعم، قد توجد قرائن حاليّة تدلّ على عموم الوقف لسائر الناس، فيجوز الأخذ بها والعمل عليها.
(3) على الأحوط.
(4) إذا لم يكن هو الغاصب وكان جاهلاً بالغصب، فالأظهر صحّة وضوئه.
الفتاوى الواضحة ج1
شروط المتوضّئ
(7) وهناك شروط في المتوضّئ لا يصحّ الوضوء بدونها، وهي:
أوّلاً: طهارة المواضع التي تغسل وتمسح في الوضوء، من الوجه واليدين والرأس والقدمين، فلو توضّأ وشيءٌ منها نجس(1)، لم يصحّ الوضوء.
ولكنّ هذا لا يعني أنَّه يجب عليه أن يطهّر وجهه ويديه ورأسه وقدميه منذ البداية. بل لو كانت يده اليسرى متنجّسةً – مثلاً- فبدأ بالوضوء قبل تطهيرها فغسل وجهه ثُمَّ طهّرها وواصل وضوءه، صحّ عمله. فالمقياس: أن يكون كلّ واحد من مواضع الغسل والمسح طاهراً(2) عندما يغسل أو يمسح.
وكذلك لا يعني ما ذكرناه: أن يكون كلّ رأسه طاهراً، أو أن تكون قدمه كلّها طاهرةً حين الوضوء، بل يكفي أن يكون موضعٌ من الرأس والقدمين طاهراً بالقدر الذي يُتاح له أن يمسح عليه. وسيأتي بيان المقدار الذي يجب مسحه.
ثانياً: أن يكون جسم المتوضّئ – وبتعبير أخصّ: المواضع التي يمسحها من جسمه- في مكانٍ مباحٍ غير مغصوب(3) عند مسح الرأس والقدمين، ولا
ــــــ[212]ـــــــ
(1) أي: متنجّس؛ إذ من الواضح أنَّه ليس بنفسه عين نجاسة، إلَّا إذا كان كافراً مشركاً وهو لا يتوضّأ.
(2) بشرط أن يكون كلّه طاهراً عند البدء بغسله، لا أن يكون طاهراً عند مرور الماء عليه فقط.
(3) بمعنى: أن يكون هو الغاصب أو عالماً بالغصب، ولكن إذا أمكن إيجاد المسح بشكلٍ لا يعدّ تصرّفاً في الأرض المغصوبة، صحّ الوضوء، كما لو أحنى رأسه ثُمَّ مسحه، أو رفع رجله بشكلٍ ثابتٍ لا تتحرّك ومسحها، أو وضع رجله بشكلٍ رأسيّ على شيءٍ ومسحها؛ وإن كان الأحوط اختيار مكانٍ مباحٍ لمسح الرجلين.
الفتاوى الواضحة ج1
يشترط أن يكون كذلك عند غسل الوجه واليدين. فلو صادف غسل الوجه واليدين في مكان مغصوب ومسح الرأس والقدمين في مكان مجاور مباح، صحّ الوضوء.
ولو انعكس الأمر بأن غسل الوجه واليدين في مكان مباح ومسح الرأس والقدمين في مكان مجاور مغصوب، بطل الوضوء وفسد.
ثالثاً: أن يكون المتوضّئ في حالة صحّية على نحوٍ لا يضرّ به الوضوء ضرراً خطيراً. فإذا كان الوضوء يضرّ به ضرراً خطيراً(1) (وهو الضرر الذي يحرم على المكلّف أن يوقع نفسه فيه)، وجب عليه التيمّم. ولو عصى وتوضّأ، بطل وضوؤه. وإذا كان الوضوء يضرّ به ضرراً غير خطير بأن يُصاب بحمّىً
ــــــ[213]ـــــــ
(1) يمكن تقسيم الضرر الواقع على الإنسان إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: الضرر الخفيف، كالصداع الخفيف أو العطسة والعطستين.
القسم الثاني: الضرر الكبير الذي لا هلاك فيه، كالحمّى ولو كانت لمدّة يوم أو الصداع المهمّ ونحوه.
القسم الثالث: الضرر الذي يعدّ هلاكاً عرفاً، كوقوع العمى والطرش وانكسار العظام فضلاً عمّا هو أشدّ منها.
أمّا القسم الأوّل: فهو لا يسقط معه الوضوء، بل يجب تحمّله، سواء كان من قسم المرض كما مثّلنا، أو غيره كالبرد أو الحرّ الممكن تحمّله، أو غير ذلك.
وأمّا القسم الثاني: فهو يسقط معه الوضوء ولو لمجرّد احتماله – المعتدّ به عرفاً- سواء كان من قسم المرض كما مثّلنا أو غيره من الحوادث الطبيعيّة. وإذا بطل الوضوء من هذا القسم، كان باطلاً من القسم الثالث أيضاً، غير أنَّ الضرر الحرام هو خصوص الثالث، وأمّا الضرر الثاني فضلاً عن الأوّل فلم يثبت حرمة إيقاع الفرد نفسه فيه. ولا ربط لبطلان الوضوء بهذه الحرمة، بل هو حكمٌ شرعيّ مستقلّ.
الفتاوى الواضحة ج1
يسيرة مثلاً، كان بإمكانه التيمّم(1)، ولكن لو ترك التيمّم وتوضّأ، صح وضوؤه ولا إثم عليه.
رابعاً: نيّة القربة وحقيقتها(2) الداعي والباعث نحو الفعل ابتغاء مرضاة الله ومن أجله؛ لأنَّ الوضوء عبادة، كما تقدّم في الفقرة (1)، وكلّ عبادةٍ، لا تصحّ بدون نيّة القربة، كما مرّ بنا في الفقرة (1) من فصل أحكام عامّة للعبادات، كما مرّ في ذلك الفصل توضيح هذه النيّة والأحكام المتعلّقة بها، فلاحظ الفقرات (3) و (6) و (8) و (9) و (10) و (11) و (17) من ذلك الفصل.
وإيجاد الوضوء من أجل الله تعالى، قد يكون على أساس أنَّ الوضوء في نفسه طاعةٌ ومستحبّ، وقد يكون على أساس أنَّه واجبٌ لغيره ممّا يريده الله تعالى، كالصلاة. فمن نوى بوضوئه الإتيان به من أجل الله على أحد هذين الأساسين، صحّ وضوؤه.
وعلى هذا: فمن نوى الوضوء لصلاة الظهر – مثلاً- قربةً إلى الله تعالى، صحّ وضوؤه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون وضوؤه بعد دخول وقت الصلاة أو قبل دخوله.
ومن نوى الوضوء لكونه طاعةً لله ومستحبّاً في نفسه، صحّ منه، ولا فرق في ذلك أيضاً بين أن يكون وضوؤه قبل دخول وقت الصلاة أو بعد دخوله.
ــــــ[214]ـــــــ
(1) الظاهر أنَّ سقوط الوضوء مع وجود أحد القسمين الأخيرين من الضرر أو ظنّ وقوعهما، سقوطه عزيمة يبطل معها الوضوء ويتعيّن التيمّم، وليس رخصة يجوز فيها الأمران، كما هو ظاهر عبارة الكتاب.
(2) سبق فيها الكلام مكرّراً، فراجع.
الفتاوى الواضحة ج1
(8) لا يجب في نيّة القربة قصد الوجوب أو الاستحباب. فلو توضّأ من أجل الله تعالى وتقرّباً إليه لعلمه بأنَّ هذا ممّا يرضيه، صحّ وضوؤه، ولا حاجة به إلى أن يعيّن الوجوب أو الاستحباب.
(9) يجب استمرار هذه النيّة والبقاء عليها حتّى الانتهاء والفراغ من الوضوء بالكامل، ولا يمنع عن الاستمرار فيها أن يسرح ذهن المتوضّئ في أُمور أُخرى، ما دامت النيّة في أعماق نفسه ثابتةً على نحوٍ لو سأله شخص: ماذا تصنع؟ لأجاب: إنّي أتوضّأ من أجل الله تعالى.
(10) من وجَب عليه التيمّم – لأنَّ الوقت لا يتّسع للوضوء والصلاة معاً(1) لكن يتّسع لها مع التيمّم- ومع ذلك عصى وتوضّأ، فهل يصحّ منه هذا الوضوء؟
الجواب: أنَّ هذا الوضوء صحيح، إلَّا في حالةٍ واحدة، وهي: أن يتوضّأ على أساس أنَّه يدّعي أنَّ الصلاة التي(2) ضاق وقتها تفرض عليه الوضوء، ولا تسمح له بالتيمّم، مع أنَّه يعلم بأنَّها تستوجب شرعاً التيمّم لا الوضوء، ففي هذه الحالة يقع الوضوء باطلاً. وأمّا إذا توضّأ من أجل تلك الصلاة التي
ــــــ[215]ـــــــ
(1) بشرط أن لا يدرك من الصلاة ولا ركعةً واحدةً، عندئذٍ يتعيّن التيمّم.
وأمّا لو كان يعلم أنَّه يدرك ركعةً فأكثر، فيجب الوضوء والمبادرة للصلاة وإن دخل قسم منها خارج الوقت. وفي صورة تعيّن التيمّم يتسجّل فرض المسألة في الكتاب.
وإذا تمّت المسألة بهذا الشكل، كان الوضوء عوض التيمّم مفوتّاً للصلاة بالمرّة، وتكون صحّته محلاً للإشكال، إلَّا إذا كان المكلّف غافلاً عن موضوع المسألة
– أعني: تفويت الصلاة- بالمرّة، وجاءت منه نيّة القربة بشكلٍ كامل.
(2) وهو التشريع المحرّم، فيكون الوضوء باطلاً. وقد أشرنا إلى أنَّ بطلان الوضوء ربّما يكون أوسع من ذلك.
الفتاوى الواضحة ج1
ضاق وقتها وهو يجهل أنَّها تستوجب التيمّم، أو توضّأ من أجل كونه مستحبّاً في نفسه، أو من أجل غاية أُخرى – كقراءة القرآن مثلاً-فالوضوء صحيح.
(11) لو كان عند المكلّف قليلٌ من الماء لا يكفي إلَّا لوضوئه فقط ولكن أجحف به العطش، شربه وتيمّم. ولو صبر على شدّة العطش(1) وتوضّأ، صحّ منه الوضوء.
(12) الرياء مضرّ بنيّة القربة، وهو: أن يتوضّأ لا من أجل الله فقط، بل من أجله تعالى ومن أجل(2) كسب مرضاة الناس وإعجابهم، فيكون الوضوء باطلاً.
ولا يضرّ بنيّة القربة: العُجْب – وهو: أن يشعر المكلّف بعد أن يتوضّأ لله بالزهو لذلك- فإنَّه لا يبطل الوضوء وإن أحبط ثوابه.
وأمّا قصد النظافة والتبريد ورفع الكسل وما إلى ذلك ممّا هو من فوائد الوضوء وثماره التابعة له، فلا يضرّ إطلاقاً ما دام تابعاً للباعث(3) على طاعة الله، وما دام السبب الرئيسي الداعي إلى الوضوء هو الإخلاص له سبحانه وتعالى.
(13) من دخل مكاناً مغصوباً بلا إرادة منه واختيار، ثُمَّ عجز عن
ــــــ[216]ـــــــ
(1) إلَّا إذا كان العطش مهلكاً عرفاً.
(2) أو من أجل الناس فقط، وكلّ رياءٍ مبطلٌ لكلِّ عبادة.
(3) بحيث لولا طاعة الله لما توضّأ. ومن الناحية الأخلاقيّة يحسن بالمكلّف أن يقتل هذا الدافع الإضافي، وذلك بأن يؤدّي حاجته منه قبل الوضوء بغسل أعضاء الوضوء، فيحصل التبريد والنظافة، ثُمَّ يبدأ الوضوء بنيّةٍ خالصة. ولو أسقطها بالمرّة بإلغاء أهمّيتها من وجدانه إلى أن ينتهي من الوضوء كان أفضل، وكان مناسباً نفسيّاً حتّى مع قلّة الماء عنده.
الفتاوى الواضحة ج1
الخروج منه، صحّ وضوؤه في ذلك المكان(1).
(14) ومن دخل مكاناً مغصوباً بلا إرادة منه ثُمَّ تمكّن من الخروج، وجب عليه أن يعجّل بالخروج بلا إبطاء. وإذا تسنّى له الوضوء حال الخروج فتوضّأ وهو يمشي في طريقه للخروج، صحّ وضوؤه(2)، شريطة أن لا يستدعي ذلك منه المكث المعتدّ به بحيث يتنافى مع التعجيل الواجب.
ومثله في الحكم: إن دخل المكان المغصوب بإرادته واختياره ثُمَّ ندم واستغفر.
شروط الوضوء
إذا تكاملت شروط الماء وشروط المتوضّئ، جاء دور شروط الوضوء نفسه، وهي ثلاثة:
(15) أوّلاً: المباشرة، والمراد بها هنا: أن يزاول ويمارس المتوضّئ بنفسه أفعال الوضوء بالكامل، ولا يسوغ له أن يستنيب غيره(3) في شيءٍ من ذلك إلَّا
ــــــ[217]ـــــــ
(1) صحّ وضوءه إذا كان هو غير الغاصب، وأمّا إذا كان هو الغاصب فتتوقّف صحّة وضوئه على صحّة مسحه، كما تقدّم من السيّد في الشرط الثاني من شروط المتوضّئ مع تعليقنا عليه، وقد اختار السيّد هناك البطلان.
(2) إذا لم يكن هو الغاصب أو كان هو ولكنّه كان تائباً وهو يخرج لتسليم الأرض إلى صاحبها. وأمّا إذا كان هو الغاصب ولكنّه لا ينوي التسليم بل يخرج لمجرّد التخلّص من حرمة البقاء في الأرض، فصحّة وضوئه موقوفة على صحّة مسحه، كما قلنا في التعليقة السابقة.
(3) لا يراد بالاستنابة هنا أن يتوضّأ عنه غيره، فإنَّ هذا باطل بلا إشكال، وإنَّما المراد الإعانة في الوضوء، وهي تكون على أشكال:
أوّلاً: أن يقوم أحدٌ بغسل أعضاء الوضوء لغيره، كما لو كان يُمرّ بيده عليها. وأمّا في المسح فلابدَّ أن يفرض أنَّه يرفع يد المتوضّئ ويمسح بها، وهذا باطل حتّى مع المرض الشديد، فإنَّه ينتقل عندئذٍ إلى التيمّم.
ثانياً: أن يقوم أحد بصبّ الماء للمتوضّئ.
ثالثاً: أن يقوم أحد بإحضار الماء وباقي المعدّات للمتوضّئ.
والظاهر أنَّ الوضوء صحيحٌ على القاعدة مع هذين الأخيرين، إلَّا أنَّه ينبغي الاستغناء عنهما أخلاقيّاً، وتكفّل الفرد كلّ حاجات وضوئه بنفسه طمعاً في زيادة الثواب. كيف وأنَّ مورد النهي من الرواية هو النوع الثاني من المعونة، لكنّها محمولة على الكراهة.
الفتاوى الواضحة ج1
مع العجز والاضطرار، وليس من الاستنابة غير السائغة أن يمسك غيره إبريق الماء بيده ويصبّ الماء منه في كفّ المتوضّئ فيغسل المتوضّئ به وجهه ويتوضّأ، أو يقرّب المتوضّئ وجهه أو ذراعه من فوهة الإبريق حتى يغمره الماء بالكامل، فإنَّ هذا جائز، ويعتبر الغير هنا بمثابة أُنبوب الماء.
وإذا اضطرّ المتوضّئ(1) إلى أن يُوضّئَه غيره لمرضٍ ونحوه، فيجب أن ينوي، فيغسل الغير وجهه ويديه، ثُمَّ يمسح رأسه وقدميه بكفّ المريض نفسه.
(16) ثانياً: الموالاة، بمعنى: التتابع في أفعال الوضوء، وعدم الفاصل
ــــــ[218]ـــــــ
(1) هذا غير ما ذكرناه في التعليقة السابقة، حيث يتوضّأ الآن بكفّ المريض نفسه. وينبغي الإلماع إلى أنَّه يشترط عدم ظنّ الضرر؛ بأن كان المرض غير مربوط بالوضوء ولا يتضرّر منه. كما أنَّه يشترط أن لا يكون موجباً للحرج وهو الصعوبة الشديدة. فإنَّ الانتقال إلى التيمّم مع الضرر متعيّن، ومع الحرج أحوط. فإنْ تحمّل الحرج وتوضّأ، فالأظهر الصحّة، إلَّا أنَّ الأحوط الجمع بينه وبين التيمّم.
الفتاوى الواضحة ج1
بينها؛ بحيث لا يجفّ تمام الأعضاء السابقة(1) في الجوّ المعتدل.
ولا يضرّ جفاف العضو لحرارة الجوّ(2) ولداءٍ ترتفع فيه حرارة الجسم إلى الدرجة القصوى -مثلاً – أو بسبب التجفيف، ولا ينفع وجود الرطوبة في أطراف لحية(3) متعدّية عن حدّ الوجه.
(17) ثالثاً: الترتيب بين أفعال الوضوء، والقصد منه: تقديم غسل الوجه على غسل اليد اليمنى، وتقديم هذه على اليسرى، وتقديم اليسرى على مسح الرأس، وتقديمه على مسح القدم اليمنى، وتقديم هذه على القدم اليسرى.
(18) ولو عاكس وخالف الترتيب(4) سهواً أو عمداً، أعاد على الترتيب مع الحرص على بقاء الموالاة. وإن استدعت إعادة الترتيب عدم الموالاة ونفيها، استأنف الوضوء من جديد.
ــــــ[219]ـــــــ
(1) لكن مع مراعاة التتابع العرفي، على الأحوط وجوباً.
(2) إذا كان التتابع العرفي محفوظاً وحاصلاً.
(3) إذا كانت الرطوبة التي على اللحية يصدق عليها أنَّها على بشرة الوجه – في حدود ما يجب غسله- فهو المطلوب. وأمَّا إذا لم يكن كذلك – كما إذا كان شعر اللحية طويلاً ومبلّلاً والبشرة جافّة- فالأحوط البناء على جفاف الوجه، وإن كانت اللحية المبلّلة داخلة في حدود الوجه.
(4) من موارد مخالفة الترتيب: أن يمسح قدميه سويّة أو اليسرى قبل اليمنى، ففي مثل ذلك يكون الأحوط إعادة الوضوء بقصد الواقع أو ما في الذمّة، أو بقصد الطلب النفسي بتجديد الوضوء.
نعم، في صورة المخالفات الأُخرى، يبطل الوضوء. ويمكن أن ينوي بالوضوء الجديد: رفع الحدث إن كان محدثاً.
الفتاوى الواضحة ج1 
(2) الأجزاء
أجزاء الوضوء أربعة: غسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، ومسح القدمين. والتفصيل كما يلي:
غسل الوجه
الواجب الأوّل من أجزاء الوضوء غسل الوجه.
(19) مقدار ما يغسل: بعد تحقّق نيّة القربة، يجب غسل الوجه بإسالة الماء عليه.
وحَدُّه طولاً: منابت شعر الرأس من مقدّمه إلى نهاية الذقن.
وعرضاً: ما دارت عليه الإصبع الوسطى والإبهام – أي ما اشتملت عليه الإصبع الوسطى والإبهام من الوجه عندما تضعهما على الجبهة مفتوحتين وتمسح بهما وجهك-.
وما زاد فليس بواجب، إلَّا من باب الاطمئنان(1) والتأكّد من وجود الواجب.
(20) ومن نبت الشعر على جبهته أو كان أصلع، قدّر وقاس بالمثيل والنظير في حدّ وجهه طولاً وعرضاً بلا صلع في الرأس ولا شعر على الجبهة.
ومن صغر وجهه أو كبر أكثر من المعروف، أو طالت أصابعه أو قصرت عمّا هو مألوف، يراعي الوسطى والإبهام المتلائمتين المتناسبتين مع
ــــــ[220]ـــــــ
(1) فيكون القليل منه واجباً فعلاً من باب المقدّمة العلميّة.
الفتاوى الواضحة ج1
وجهه(1).
(21) ولا يجب غسل ما تحت الشعر النابت في الوجه، بل يجب غسل الظاهر من الشعر فقط، من غير فرقٍ بين الرجل والمرأة، وبين شعر اللحية وغيرها(2)، شريطة أن يكون الشعر كثيفاً على نحوٍ يغطّي المحلّ كالشارب والحاجب. ولو تفرّق الشعر وظهرت البشرة للعيان من خلاله، وجب غسلها، كما يجب حينئذٍ غسل هذا الشعر المتفرّق أيضاً.
(22) ولا يجب فتح العينين وغسلهما عند غسل الوجه، كما لا يجب غسل باطن الفم(3) أو الأنف، ولا ما طال واسترسل من اللحية، ولا الشعر المتدلّي من الرأس على الوجه.
ــــــ[221]ـــــــ
(1) وتفسيره: أنَّ من المعلوم أنَّ كبر الوجه يتناسب طرداً مع طول الأصابع وسعة الكفّ، فإذا اتّفق في حالةٍ اختلالُ هذا التناسب، فكان الوجه كبيراً والكفّ صغيراً والأصابع قصيرة، فلا يكفيه أن يغسل ما اشتملت عليه إصبعه الوسطى وإبهامه فقط، بل يجب عليه أن يغسل ما كانت إصبعاه تشتملان عليه لو كانت أصابعه وكفّه اعتياديّة ومتناسبة مع كبر وجهه (الماتن).
(2) لا شكّ في الشعر الطبيعي – وهو الحاجبين والأهداب ولحية الرجل- بجواز المسح على الظاهر من دون فرقٍ بين الكثافة والخفّة، بما في ذلك الشارب وشعر الخدّ التابع للّحية. وأمّا غير ذلك كالشعر النابت على الجبهة أو إذا نبت للمرأة لحية أو شارب، فالأحوط تخليلها وغسل ما تحتها، كثيفاً كان الشعر أو خفيفاً. نعم، لو كان خفيفاً فيحصل الاطمئنان بغسل البشرة تحته أسرع، ومتى حصل الاطمئنان لم يجب المسح الزائد.
(3) يعدّ أشفار مناخر الأنف والقسم الظاهر من الشفة عند الإطباق، من الظاهر الذي يجب غسله على الأحوط. ويعدّ باطن الشفة ومطبق الأجفان والمؤق، من الباطن الذي لا يجب غسله.
الفتاوى الواضحة ج1
كيفية الغسل
يؤدّى الغسل بالكيفيّة التالية:
(23) أوّلاً: يجب الابتداء في غسل الوجه من أعلاه إلى أسفله. فلو ابتدأ من الأسفل أو الوسط، لم يصحّ الوضوء.
ولا يعني ذلك: التدقيق على نحوٍ يغسل كامل جبهته ثُمَّ ينتقل منها إلى منطقة العينين من وجهه وهكذا، فإنَّ هذا تدقيقٌ غير لازم. فلو أسال ماءً على جبهته فأصاب الجزء الأيمن من جبهته وعينه اليمنى، ثُمَّ أسال كفّاً آخر من الماء على الجزء الأيسر من جبهته وما تحته، صحّ وضوؤه(1).
(24) ثانياً: يجب إيصال الماء إلى الوجه بقصد الوضوء: إمّا بإسالة الماء عليه بالكفّ وإمرار المتوضّئ يده على وجهه لإيصال الماء إلى كامل الوجه، وإمّا بوضع الوجه تحت أُنبوبٍ من الماء مبتدئاً من الأعلى إلى الأسفل، وإمّا بغمسه في ماء حوض(2) وغيره مع مراعاة الابتداء من الأعلى إلى الأسفل، ففي كلّ هذه الحالات إذا كان حين إيصال الماء إلى وجهه قاصداً الوضوء بذلك، صحّ منه.
وأمّا إذا كان الماء قد وصل إلى وجهه بدون قصد الوضوء(3) وأراد بعد
ــــــ[222]ـــــــ
(1) مع التأكّد من نزول الماء إلى أسفل الوجه.
(2) إدخال الأجزاء العليا من الوجه ثُمَّ السفلى بغمسةٍ واحدةٍ متعذّرٌ عرفاً، فالأحوط ترك ذلك. فإن فعله أحدٌ، فلينوِ الوضوء بعد رفع رأسه بالماء النازل على وجهه ممّا علق به من ماء الحوض.
(3) البطلان هو الأحوط وإن كان الأظهر الصحّة، بشرط أن يجري الماء على وجهه ولو قليلاً بعد نيّة الوضوء، ولكن في غسل اليدين يعتبر قصد الوضوء في وصول الماء إليهما على الأحوط.
الفتاوى الواضحة ج1
ذلك أن يقصد الوضوء بما على وجهه من ماءٍ، فلا يصحّ.
ومثال ذلك: أن يسقط ماء المطر أو الشلّال أو الميزاب على وجه إنسانٍ ويجري عليه، فحين يرى الماء على وجهه يقصد به الوضوء فهذا باطل؛ لأنَّ وصول الماء إلى وجهه لم يكن بقصد الوضوء.
وأمّا إذا كان قد قصد الوضوء من البداية بوقوفه تحت المطر، صحّ وضوؤه إذا جرى الماء على كامل وجهه، ولو لم يستعمل كفّه في غسل وجهه.
ومثالٌ آخر: أن يغمس الإنسان وجهه أو رأسه في الماء بدون قصد الوضوء، ثُمَّ يقصد الوضوء بالماء(1) الذي يغمر وجهه وهو في الماء، أو يقصد الوضوء حالة إخراج وجهه من الماء، فهذا باطل؛ لأنَّه لم يقصد الوضوء بإدخال وجهه إلى الماء. وأمّا إذا أدخل وجهه في الماء بقصد الوضوء ولاحظ الابتداء من الأعلى إلى الأسفل، صحّ وضوؤه(2).
(25) ثالثاً: يجب أن يمسّ الماء وجه المتوضّئ بدون حاجزٍ ومانعٍ عن وصول الماء إلى محلّه.
وعليه: فإن كان على علمٍ بعدم الحاجز والمانع، فذاك هو المطلوب، وإلَّا وجب أن يلاحظ المحلّ الذي يظنّ بوجود الحاجب فيه، أو يشكّ في ذلك، كأطراف العينين والحاجبين وغير ذلك.
ولا يكفي مجرّد الظنّ بعدم الحاجز؛ بل عليه كلّما شكّ في وجوده أن
ــــــ[223]ـــــــ
(1) الظاهر صحّة الوضوء كما قلنا.
(2) سبق أن ناقشناه؛ فإنَّ الترتيب إن كان بوصول الماء، كان متعذّراً عرفاً كما قلنا. وإن كان بمجرّد النيّة والقصد، فهذا لا يعتبر ترتيباً في الغسل مع وصول الماء دفعةً واحدة؛ فيبطل.
الفتاوى الواضحة ج1
يبحث ويفحص عنه حتّى يحصل له العلم أو الاطمئنان بنفيه وعدمه(1).
ويتأكّد هذا الحكم إذا أيقن بوجود شيء وشكّ في أنَّه هل يحجب ويمنع، أوْ لا؟
(26) رابعاً: أن يكون الماء بدرجةٍ تجعله يستولي على الوجه ويجري عليه ويتحرّك(2) فإذا كان قليلا جدّاً واستعمله المتوضّئ كما يستعمل الدهن لمجرّد التدهين، فلا يصحّ.
غسل اليدين
الواجب الثاني من أجزاء الوضوء: غسل اليدين، اليمنى أوّلاً، ثُمَّ اليسرى.
(27) مقدار مايغسل: وحدّ الغسل الواجب من اليد يبدأ بالمرفق وينتهي بأطراف الأصابع، والمرفق هو المفصل(3) بين العضد والساعد.
ولو قطعت اليد ممّا دون المفصل، وجب غسل ما بقي منها مهما كان مقداره وحجمه، ولو قطعت من المفصل بأن فُصل الذراع (أي الساعد) نهائياً
ــــــ[224]ـــــــ
(1) إلَّا إذا كان قد أحرز عدم المانع سابقاً وشكّ في طروّه، فله أن يتوضّأ بدون فحص، ويصحّ وضوؤه إلَّا إذا ثبت وجود المانع حال الوضوء.
(2) مهما كانت الحركة قليلة. وأمّا إذا كان الماء لا يجري إلَّا بمساعدة اليد ونحوها لكونه قليلاً جدّاً، فهو باطل كما أشار إليه في الكتاب.
(3) يجب أن يدخل المفصل كلّه في الوضوء، ويجب إدخال شيء من العضد فوق المرفق للتأكّد أو المقدّمة العلميّة.
والملاحظ أنَّ المراد بالمفصل هنا هو العظم العريض الذي يقع في وسط اليد، والذي يمثّل نهايتي عظمي العضد والساعد. وليس المفصل هو الغضروف الفاصل بين هذين العظمين.
الفتاوى الواضحة ج1
أو من فوق المفصل(1)، سقط الغسل.
(28) وكلّ ما نبت على اليد من الشعر يجب غسله مع البشرة، رقيقاً كان أم غليظاً.
(29) والشقوق التي تحدث في ظهر الكفّ من أثر البرد(2)، يجب غسل جوفها وباطنها إن اتّسعت، وإن ضاقت فلا يجب. وأيضاً مع الشكّ في الضيق والاتسّاع الموجب للشكّ في وجوب غسل الجوف، لا يجب الغسل.
(30) وإذا انقطع شيء من لحم اليدين بأحد الأسباب، وجب غسل ما بقي وظهر منها(3)، أمّا اللحم المقطوع فيجب غسله ما دام متّصلاً باليد ولو بجلدة، وإلَّا خرج عن حكم أعضاء الوضوء.
كيفيّة الغسل: وكيفية غسل اليدين هي كيفية غسل الوجه تماماً.
(31) فأوّلاً: يجب الابتداء في الغسل من المرفق والانتهاء بأطراف الأصابع، ولا يسوغ الابتداء من الأصابع أو الوسط ثُمَّ الصعود إلى المفصل؛ لأنَّه مخلّ بصدق الغسل(4) من أعلى إلى أسفل.
ــــــ[225]ـــــــ
(1) أمّا لو قطعت من وسط المفصل ببتر الساعد وحده، فالأحوط غسل بقيّة المفصل مع قليل من العضد.
(2) أو غيره من أيّ سببٍ آخر.
(3) حتّى لو كان في أصله باطنيّاً على الأحوط.
(4) ليس المدار هو ذلك. ولو كان هو ذلك، لكفى رفع الكفّ في صدق كونه هو الأعلى، والمفصل هو الأسفل.
وليس ذلك أيضاً من الأدلّة التي تلزم (العامّة) بصحّة هذا الشكل من الوضوء، وإنَّما دليلنا الأساسي هو نصّ أئمّتنا عليهم الصلاة والسلام على ذلك في الروايات الصحيحة والصريحة، والذين هم المدار في تفسير الكتاب الكريم.
الفتاوى الواضحة ج1
(32) وثانياً: يجب أن يقصد الوضوء(1) عند وصول الماء إلى العضو، لا بعد ذلك، فإذا أدخل يده في الماء وغمسها حتى المفصل بدون قصد الوضوء ثُمَّ حرّكها وأخرجها بقصد الوضوء، لم يصحّ ذلك.
(33) وثالثاً: يجب التأكّد من عدم وجود المانع والحاجز عن وصول الماء إلى البشرة. وإذا ارتفع الوسخ(2) على أعضاء الوضوء ولو يسيراً بحيث يحسّ به، وجب رفعه وإزالته، وإلَّا فلا أثر له في صحّة الوضوء، كالعرق المتجمّد وذرّات من غبارٍ لا تقع تحت الحواسّ. وأمّا الوسخ يكون تحت الظفر فلا تجب إزالته إلَّا أن يعلو الوسخ البشرة التي يجب غسلها، مثل أن يقصّ المرء أظافره(3) فيصير ما تحتها ظاهراً.
والقاعدة العامّة: أنَّ كلّ ما هو ظاهر من البشرة، يجب غسله، دون ما هو مستتر منها بالباطن.
ومع الشكّ في أنَّ هذا الشيء بالذات هل هو من الظاهر أو الباطن؟ لا يجب غسله في هذا الفرض، إلَّا مع اليقين السابق(4) بأنَّه كان من الظاهر الذي
ــــــ[226]ـــــــ
(1) ولو بالنيّة الإجماليّة الارتكازيّة؛ إذ لا إشكال في عدم وجوب تجديد النيّة عند كلّ عضو.
(2) أي: أصبح مرتفعاً عالياً فوق الجلد.
(3) الأحوط أنَّ البشرة الواقعة تحت الأظافر هي من الظاهر الذي يجب غسله وإن كان الظفر طويلاً، لكنّها تختلف عن باقي البشرة بأنَّه لا يجب تنظيف الأظفر مئة بالمئة، فإنَّ الوسخ الموجود تحت الأظافر إذا كان بالمقدار العرفي الموجود عند أغلب الناس كان معفوّاً عنه وإن حجب بعض البشرة عن وَصْلِ الماء إليه.
(4) هذا اليقين السابق موجود دائماً؛ لأنَّ كلّ فردٍ يقصّ أظافره فيتيقّن كون الجلد خلفها من الظاهر. فإذا طالت، شكّ في كونه من الباطن، فيكون من الواجب غسلها؛ طبقاً لما قاله السيّد نفسه.
الفتاوى الواضحة ج1
يجب غسله ثُمَّ حدث الشكّ في تحوّله إلى الباطن، فعندئذ يجب غسله.
ولا يجب إخراج الشوكة من أجل الوضوء إلَّا إذا كانت ظاهرةً ومانعةً عن وصول الماء إلى محلّه.
ولا تجب إزالة ما قد يتجمّد على الجرح ويصبح تماماً كالجلد(1) بعد أن يبرأ الجرح ويندمل.
(34) ورابعاً: يجب أن يكون الماء بدرجةٍ يستولي معها(2) على البشرة ويجري، ولا يكفي ما هو دون ذلك ممّا يشبه المسح والتدهين.
مسح الرأس
الواجب الثالث من أجزاء الوضوء: المسح على مقدَّم الرأس ببلّة وضوء الكفّ اليمنى، والتفصيل كما يأتي:
(35) موضع المسح: يجب أن يكون المسح على مقدّم الرأس، أي: على ذلك الجزء من الرأس الذي يكون فوق الجبهة، ويمتدّ إلى اليافوخ(3)، أي: إلى منتهى الارتفاع في الرأس.
ولا يجب أن يكون المسح على بشرة الرأس، فيجوز المسح على الشعر النابت في ذلك الموضع شريطة أن لا يتجاوز طوله ومداه المكان الذي ينبت
ــــــ[227]ـــــــ
(1) إيضاحه: أنَّ الدم الموجود على البشرة قد يصبح بنفسه جلداً وبشرة عرفاً لكنّها حمراء أو صفراء أو متعفّنة. فإن كان كذلك، أمكن تطهيره من الحدث والخبث ولم تجب إزالته. إلَّا أنَّ هذا ممّا يجب التأكّد منه جيّداً وعدم مخادعة النفس به.
(2) قلنا ما فيه من المناقشة عند الكلام في غسل الوجه فراجع.
(3) والأحوط عدم الاقتصار على مسح أعلى الرأس، والاقتصار في المساحة على مقدار الأربع بل الثلاث أصابع الأُولى القريبة من الجبهة.
الفتاوى الواضحة ج1
فيه شعر الرأس عادةً. وعليه فإذا طال شعر الرأس النابت في مقدّم الرأس وتجاوز الحدّ المذكور، ثُمَّ جمعه المتوضّئ على مقدّم الرأس وَمَسَحَه بقصد الوضوء، فمَسْحُه هذا ليس بشيء. وكذلك لو طال شعره النابت في غير مقدّم الرأس فمدّه وغطّى به مقدّم رأسه ومسح عليه، فإنَّ مسحه هذا ليس بشيء أيضاً.
(36) الماسح: ويجب أن يكون المسح بالكفّ اليمنى بباطنها، لا بظاهرها – بالأصابع أو براحة الكفّ- ويكفي المسح بإصبعٍ منها، ويستحبّ أن يكون بثلاث أصابع. وإذا تعذّر المسح بالأصابع، تعيّن المسح بما بقي من الكفّ، أي براحة الكفّ، فإن تعذّر مَسَحَ بالذراع كيف اتّفق(1).
(37) كيفيّة المسح: ويكفي أن يمسح كيف شاء طولاً وعرضاً(2)، ومن أعلى إلى أسفل، وبالعكس.
والشرط الأساسي في المسح أن يكون ببلّة اليد اليمنى الحاصلة عند فراغه من غسل وجهه ويديه في الوضوء. فلو فرغ من غسل وجهه ويديه فغمس يمناه من جديد في الماء، أو جفّفها ثُمَّ مسح بها رأسه وهي جافّة، بطل وضوؤه. ولا فرق في ذلك بين أن تكون النداوة والرطوبة في الكفّ قليلةً أو كثيرةً بحيث إذا مسح بها يكون المسح أشبه بالغسل.
(38) وقد تسأل: إذا اختلطت بلّة اليمنى ببلّة ثانية من أعضاء الوضوء بطريق أو بآخر، فهل يمنع ذلك من المسح ببلّة اليمنى على الرأس؟
ــــــ[228]ـــــــ
(1) بشرط أن يقدّم الجزء الأقرب إلى الكفّ من الذراع، على الأحوط.
(2) التجاوز عن الطريقة العامّة – من الأعلى إلى الأسفل طولاً – مخالف للاحتياط ولسيرة الأئمّة^.
الفتاوى الواضحة ج1
والجواب: إن كان البلل الدخيل قليلاً لا يعتدّ به ولا يمنع من إسناد المسح عرفاً إلى الأصيل، فلا بأس، وإلَّا امتنع المسح ببلّة اليمنى، ولا فرق في ذلك بين أن يكون البلل الدخيل من اليد اليسرى أو من الوجه أو من غيرهما، وقد يكون الدخيل أحياناً من نفس الرأس(1) فيما إذا مسحه وهو نديّ، والحكم هو ما عرفت.
(39) وقد تسأل: إذا جفّ ما على اليد اليمنى من رطوبة فهل يتعذّر عليه مواصلة الوضوء؟
والجواب: أنَّه يسمح للمتوضّئ في هذه الحالة بأن يأخذ من رطوبة اللحية أو العنفقة(2) – وهي شعيرات بين الشفة السفلى والذقن- أو من الشارب والحاجبين، أو سائر أعضاء الوضوء. وإذا جفّت أعضاؤه بكاملها، أعاد الوضوء.
نعم، لو كان كلّما كرّر الوضوء جفّت الأعضاء لحرٍّ أو مرض أو أيّ شيء آخر، انتقل حكمه إلى التيمّم(3).
ــــــ[229]ـــــــ
(1) نداوة الرأس بهذا المقدار مبطلة للمسح على الأحوط، بل يجب أن يكون جافّاً عرفاً، بمعنى أنَّ رطوبته غير مسرية، أي: غير قابلة للانتقال إلى شيءٍ آخر.
(2) الضابط في ذلك: أن يأخذ من رطوبة الوجه الناشئة من الوضوء، سواء أخذ من رطوبة جلد الوجه أو شعره الداخل في وجوب الغسل.
وأمّا إذا خرج عن هذا المقدار، كاللّحية المسترسلة، فالأحوط الاجتناب. كما أنَّ أخذ الرطوبة من سائر أعضاء الوضوء مخالفٌ للاحتياط، وإن كان الأظهر جوازه.
(3) إذا كانت الموالاة العرفيّة موجودة برغم سرعة الجفاف، فالأحوط الجمع بين الوضوء والتيمّم.
الفتاوى الواضحة ج1
(40) ولا يصحّ المسح مع وجود حائل بين العضو الماسح والعضو الممسوح، حتّى ولو كان الحائل رقيقاً لا يمنع من وصول الرطوبة إلى البشرة.
مسح القدمين
الواجب الرابع من أجزاء الوضوء: مسح ظاهر القدمين.
(41) موضع المسح: يجب مسح ظاهر القدمين من رؤوس الأصابع إلى المفصل طولاً(1)(2). وأمّا في العرض فيكفي المسح بأيّ مقدار أراد المتوضّئ(3).
أمّا شعر القدم فإن كان ضمن المألوف والمتعارف، كفى المسح على القدم بما عليها من الشعر. وإذا كان خارجاً عن المتعارف، فيجب المسح على البشرة، ولا يكفي المسح على الشعر.
ولو قطع بعض القدم، مسح على الباقي. وإن قطعت القدم بالكامل، سقط المسح.
(42) الماسح: يجب مسح الرجل اليمنى بالكفّ اليمنى بباطنها، ومسح الرجل اليسرى بالكفّ اليسرى بباطنها أيضاً، ولا فرق بين المسح بالأصابع أو براحة الكفّ.
(43) كيفيّة المسح: ويشترك مسح القدمين مع مسح الرأس في الشرط الأساس، وهو أن يكون المسح ببلّة الوضوء الموجودة في الكفّ. وحكم مسح
ــــــ[230]ـــــــ
(1) المفصل ما بين الساق ومنتهى القدم (الماتن).
(2) وهو ملتقى ظاهر القدم بالساق. وهذه الفتوى احتياطيّة. ولا يشمل إلَّا المرتفع من ظاهر القدم، وأمّا ما عداه فليس بظاهر القدم عرفاً.
(3) بل بعرض إصبع على الأقلّ.
الفتاوى الواضحة ج1
القدمين من حيث الرطوبة(1) أو الاختلاط برطوبة أُخرى أو الحائل، هو عين الحكم في مسح الرأس باليد اليمنى، انظر الفقرة (38) و (39) و (40).
(44) والطريقة الصحيحة – بلا شكٍّ- في مسح القدمين هي وضع راحة الكفّ أو أصابعها على رؤوس أصابع القدم وجرّها شيئاً فشيئاً حتى المفصل، فلو وضع كفّه على تمام ظهر القدم وجرّها فلا يقين بكفايته(2).
ــــــ[231]ـــــــ
(1) وقد سبق أن اشترطنا الجفاف العرفي.
(2) إذا تيقّن باتّصال الرطوبة في خطّ المسح بطول القدم كلّه وبعرض الإصبع فأكثر، كان ذلك مجزياً. ولا إشكال من ناحية الطريقة.
الفتاوى الواضحة ج1 
(3) وضوء الجبيرة
(45) الجبيرة: ما يوضع على العضو الكسير ويجبر به، ويطلق الفقهاء هذا الاسم أيضاً على العصابة التي تعصّب بها الجروح والقروح، أي اللفّاف الذي تلفّ بها مواضع الجروح والقروح.
ووضوء الجبيرة هو الوضوء الذي تحلّ فيه الجبيرة على بشرة المتوضّئ محلّ البشرة، فيمسح عليها – مثلاً- بدلاً عن المسح على ما تخفيه من البشرة، وهذا الوضوء يصحّ ضمن شروط معيّنة، والتفصيل كالتالي:
الجريح والكسير والمقروح لهم أحكام بالنسبة إلى الوضوء تتّضح باستعراض الحالات التالية التي قد يواجهونها:
(46) أوّلاً: إذا كان العضو المريض الذي يتضرّر بالماء من غير أعضاء الوضوء ولم يكن هناك ضرر من غسل أعضاء الوضوء، وجب على المريض الوضوء بالطريقة الاعتياديّة.
(47) ثانياً: إذا كان العضو المريض من غير أعضاء الوضوء وكان يتضرّر بغسل أعضاء الوضوء(1) لكونه قريباً منها، وجب على المريض التيمّم بدلاً عن الوضوء.
(48) ثالثاً: إذا كانت الإصابة – الجرح أو الكسر أو القرح- في أحد أعضاء الوضوء وكان الموضع طاهراً ومكشوفاً وبالإمكان غسله بدون ضرر،
ــــــ[232]ـــــــ
(1) بشرط أن لا يمكن تجنّب الضرر بلفّ العضو المريض أو حرارة الماء أو غير ذلك. فإن أمكن، وجب عليه الوضوء.
الفتاوى الواضحة ج1
وجب على المريض الوضوء بالطريقة الاعتياديّة.
(49) رابعاً: إذا كانت الإصابة في أحد أعضاء الوضوء وكان الموضع طاهراً ومعصّباً – أي عليه جبيرة- وبالإمكان غسله بدون ضرر إذا حلّت العصابة عنه؛ ولكنّ العصابة لا يتيسّر حلّها للمكلف؛ لعدم وجود الطبيب المختصّ؛ لأنَّها محكمة الشدّ(1) ولا يتيسّر حلّها إلَّا للطبيب مثلاً، ولا يتسرّب الماء إلى العضو بدون حلّها، وفي هذه الحالة يجب على المريض التيمّم إذا لم تكن الإصابة المعصّبة في الأعضاء المشتركة بين الوضوء والتيمّم(2)، وإلَّا تيمّم وتوضّأ معاً، واكتفى بالمسح على العصابة التي عصّب بها الجرح أو القرح، أو الجبيرة التي جبر بها الكسر.
(50) خامساً: نفترض الحالة السابقة نفسها، ولكن مع إمكان إيصال الماء إلى العضو على الرغم من بقاء العصابة أو الجبيرة، وفي هذه الحالة يجب الوضوء وإيصال الماء إلى موضع الإصابة ولو بغمسه في الماء، مع مراعاة الترتيب(3) والحفاظ على ابتداء غسل العضو من أعلى إلى أسفل.
(51) سادساً: إذا كانت الإصابة في أحد أعضاء الوضوء، وكان
ــــــ[233]ـــــــ
(1) وكان فكّها مضرّاً بغير الجرح، فحكمه ما في الكتاب. وأمّا إذا لم يكن فكّها مضرّاً أصلاً، وجب الفكّ بكلّ صورة، ويتوضّأ ما لم تكن مشقّة بالغة، [وإلَّا] فيتيمّم. وأمّا إذا كان فكّها مضرّاً بالجرح بحيث يجعله بعد الفكّ ممّا يضرّه الماء، فالظاهر أنَّه يتوضّأ مع الجبيرة، والأحوط أن يتيمّم معه بقصد ما في الذمّة.
(2) أعضاء التيمّم هي: الجبهة والكفّان، على ما يأتي في فصل التيمّم إن شاء الله تعالى (الماتن).
(3) والموالاة العرفيّة.
الفتاوى الواضحة ج1
بالإمكان حلّ العصابة وفكّها عن ذلك العضو وإسباغ الوضوء(1) بدون ضرر، ولكنّ المشكلة هي أنَّه نجس بسبب الدم والقيح – مثلاً – ولا يمكن تطهيره(2)، والحكم هنا هو التيمّم، سواء كان الموضع المتنجّس من المواضع المشتركة بين الوضوء والتيمّم كالجبهة – مثلاً- أو من المواضع التي يختصّ بها الوضوء كالأنف والخدّ والقدم.
(52) سابعاً: إذا كانت الإصابة في أحد أعضاء الوضوء وكان قيام المكلّف بما يتطلّبه الوضوء من فكّ العصابة وفصلها عن العضو المريض وتطهيره بالماء إذا كان نجساً، وإسباغ ماء الوضوء عليه مضرّاً به، أو كان شيء من ذلك مضرّاً به ومؤدّياً إلى تفاقم الجرح أو البطء في البرء، إذا كان الأمر كذلك، وجب عليه أن يتوضّأ ويتفادى ما يضرّه، ونسمّي مثل هذا الوضوء بوضوء الجبيرة.
فإن كان الموضع معصّباً بعصابة أو محاطاً بجبيرة، توضّأ ومسح على العصابة(3) أو الجبيرة تفادياً للضرر.
وإذا كانت الإصابة مكشوفة، اكتفى بغسل ما حولها، ويصحّ الوضوء حينئذٍ، ويكتفي به على أساس الاكتفاء بغسل ما حول الإصابة إذا كانت
ــــــ[234]ـــــــ
(1) إسباغ الوضوء معناه: الإتيان به بصورة متقنة (الماتن).
(2) هناك تنافٍ في افتراض هذه المسألة، فإنَّه إذا كان لا يضرّه الماء، وجب عليه التطهير والوضوء. وإن كان يضرّه الماء، وجب عليه التيمّم، ولا يمكن افتراض إمكان الوضوء بدون ضرر، فكيف افترض إمكان الوضوء وعدم إمكان التطهير؟
(3) أي: مسح بالماء الذي يتوضّأ به. وإذا لم يكن هناك ضرر، وجب غسل ظاهر الجبيرة كاليد نفسها على الأحوط. وإذا كان ذلك مضرّاً، اكتفى بالمسح.
الفتاوى الواضحة ج1
مكشوفةً، وعلى أساس أنَّ مسح العصابة في الجرح المعصّب والكسر المجبور يعتبر بديلاً شرعاً عن غسل نفس البشرة إذا كانت في موضع الغسل (الوجه واليدين)، وبديلاً عن مسح نفس البشرة إذا كانت في موضع المسح (مقدّم الرأس والقدمين)، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الجرح وغيره – ممّا سبّب تلك الجبيرة- قد أحدثه المتوضّئ بنفسه عامداً آثماً، أو أُصيب به بدون إرادة واختيار.
(53) والعصابة أو الجبيرة قد تكون على عضوٍ من الأعضاء التي تغسل في الوضوء (وهي الوجه واليدان)، وقد تكون على عضوٍ من الأعضاء التي تمسح (وهي مقدّم الرأس والقدمان)، وقد تكون في الكفّ التي يجب أن يمسح بها.
ففي الحالة الأُولى يكون المسح على الجبيرة(1) بديلاً شرعاً عن غسل ما تستره من العضو المغسول.
وفي الحالة الثانية يكون المسح على الجبيرة بديلاً شرعاً عن المسح على ما تستره من العضو الممسوح إذا لم يبقَ منه مكشوفاً(2) القدر الكافي.
وفي الحالة الثالثة يمسح على الجبيرة عند غسل العضو ويمسح بها بعد ذلك بدلاً عن المسح بالبشرة(3) إذا لم يبقَ مقدار مكشوف يكفي المسح به.
ــــــ[235]ـــــــ
(1) مع ملاحظة ما قلناه في التعليقة السابقة.
(2) وإذا بقي جزء منه مكشوفاً، وجب مسحه مع المسح على الجبيرة.
(3) المسح بالكفّ على مواضع الغسل غير واجب بنفسه أصلاً، بل الواجب هو جريان الماء وغسل العضو بشكل مستوعب. فكلّ ما في الموضوع أنَّنا بإمرار اليد نحرز الاستيعاب، والظاهر جواز اختيار شيءٍ آخر غير الكفّ لهذا الغرض كالساعد أو شيء خارجي. وإن كان الأحوط استحباباً استعماله بنفسه.
والشاهد الآن: أنَّه إذا لم يجب إمرار اليد أصلاً، فالأولى عدم وجوب إمرار بشرة الكفّ، ولا اختيار القسم المكشوف منه إذا كان بعضه معصوباً.
الفتاوى الواضحة ج1
ولكي تكون العصابة أو الجبيرة بديلاً شرعاً عن البشرة، يجب أن يتوافر فيها:
(54) أوّلاً: الطهارة، والمهمّ في ذلك أن يكون ظاهرها طاهراً، ولا تضرّ نجاسة ما هو داخل الجبيرة، وعلى هذا الأساس إذا كانت الجبيرة نجسةً أمكن الحصول على المطلوب بدون تبديلها؛ وذلك بأن يضع المتوضّئ خرقةً طاهرةً عليها وضعاً محكماً بحيث تعدّ جزءاً من الجبيرة ويمسح عليها برطوبة(1).
(55) ثانياً: أن لا تزيد العصابة أو الجبيرة على المألوف المعروف كمّاً وحجماً، والعادة جارية بأن تكون العصابة أو الجبيرة أوسع من موضع الإصابة بقدر ما. فإذا تجاوزت ذلك وأشغلت حيّزاً أكبر ممّا هو مألوف، لم يكفِ المسح عليها، بل يجب تصغيرها إن أمكن، وإلَّا جرى حكم الحالة الرابعة المتقدّمة.
وما دامت في الحدود المألوفة، فلا يجب تصغيرها وتقليمها، بل يجوز وضع شيءٍ آخر عليها وإن لم تدعُ إليه الحاجة، شريطة أن يصبح كالجزء منها في نظر العرف.
(56) ثالثاً: أن لا تستوعب الجبيرة(2) كلّ أعضاء الوضوء، وإلَّا وجب الجمع بين وضوء الجبيرة والتيمّم.
ــــــ[236]ـــــــ
(1) والأولى الأحوط: اختيار المسح دون الغسل؛ لكي لا تتعدّى النجاسة إلى بقيّة العضو ممّا هو ظاهر وطاهر.
(2) فلو كان قسم من عضو واحد ظاهراً – كإصبع مثلاً- لم يجب التيمّم مع الوضوء. وكذلك إذا أمكن إنقاص مساحة الجبيرة وإظهار قسم من البشرة بدون ضرر، تعيّن ذلك ولم ينتقل إلى التيمّم.
الفتاوى الواضحة ج1
(57) رابعاً: أن تكون مباحةً(1)، فلا يصحّ المسح على العصابة أو الجبيرة المغصوبة.
(58) يأتي في فصول الصلاة: أنَّ لباس المصلّي يجب أن لا يكون من الذهب والحرير(2) المحض بالنسبة إلى الرجال، ولا من جلد حيوان إلَّا إذا كان مأكول اللحم، ويأتي الشرح والتفصيل. ولا يشترط في الجبيرة من أجل الوضوء شيء من ذلك.
(59) وإذا كان في عضو واحد من أعضاء الوضوء جبيرتان أو أكثر وخلا بعض أجزاء هذا العضو من الجبيرة، وجب غسل الخالي إذا كان ممّا يجب غسله كالوجه، أو مسحه إذا كان ممّا يجب مسحه، كظاهر القدم.
(60) وإذا دعت الحاجة إلى وضع خرقةٍ على الجرح المكشوف وتعصيبه، وجب أوّلاً غسل وتطهير أطراف الجرح(3)، ثُمَّ وضع خرقة طاهرة عليه؛ لئلّا يتعذّر عليه بعد ذلك غسل تلك الأطراف وتطهيرها.
ــــــ[237]ـــــــ
(1) أمّا إذا كانت مغصوبة، وجب تبديلها أساساً؛ لأنَّ استعمالها محرّم، وكذلك يجب تبديلها من أجل الوضوء إن إمكن ولا يتيمّم. وأمّا إذا كان في التبديل ضرر أو حرج، جمع بين الوضوء والتيمّم.
نعم، إذا استطاع أن يستأذن من مالك الجبيرة، تعيّن ذلك ولا ينتقل إلى التيمّم.
(2) الأحوط: أن لا تكون الجبيرة حاوية على الذهب ولا جلد ما لا يؤكل لحمه إلَّا للضرورة، وأمّا الحرير فاستعمال القليل منه جائز، وأمّا إذا كانت عصابة كبيرة فالأحوط تركه. ولكن يصحّ معها الوضوء مهما كان نوعها، وإنَّما يحرّم استعمالها في الصلاة، فيجب التبديل إن أمكن.
(3) إذا كانت النجاسة بالمقدار الطبيعي المتعارف للجرح، لا يجب غسلها وتطهيرها، وبخاصّة إذا دخلت تحت الخرقة الطاهرة.
الفتاوى الواضحة ج1
حكم الحواجز الأُخرى
(61) وكلّ حاجزٍ أو مانعٍ يحيط بالبشرة أو يلصق بها، لا يجوز الاكتفاء بالمسح عليه، سوى ما تقدّم من العصابة التي تعصّب بها الجروح والقروح والجبيرة التي يجبر بها الكسر.
ونضيف الآن إلى عصابة الجريح والقريح وجبيرة الكسير حالةً واحدةً، وهي: إذا كان هذا الحاجز دواء لُطِخَ به موضع من أعضاء الوضوء للتداوي؛ فإنَّ العضو المريض إذا كان بحاجةٍ إلى ذلك، أمكن للشخص أن يتوضّأ ويمسح عليه(1).
(62) وعلى هذا الأساس إذا التصق بموضعٍ من أعضاء الوضوء شيءٌ من الأصباغ(2) أو القير وتعذّرت إزالته، وجب عليه أن يتيمّم. وإذا كان هذا في الأعضاء المشتركة بين الوضوء والتيمّم، يتيمّم ويتوضّأ.
(63) وقد تلتصق عين النجاسة ببدن المتوضّئ فتشكّل حاجزاً عن وصول الماء إلى البشرة.
ومثال ذلك: ما إذا اختلط الدواء على الجرح بما يرشح من دمه ويصيران شيئاً واحداً يتجمّد مع الزمن في مكان الجرح وتتعذّر إزالته بعد الشفاء، حيث تستدعي خروج الدم وحدوث جرح جديد.
وحكم ذلك: أنَّ هذا الحاجز إذا لم يكن في الأعضاء المشتركة بين الوضوء والتيمّم، وجب عليه التيمم. وإذا كان في تلك الأعضاء، وجب عليه أن يتيمّم ويتوضّأ، تماماً كما يفعل عندما يلتصق ببدنه القير ونحوه، ولكن هنا
ــــــ[238]ـــــــ
(1) إذا أمكن المسح على الدواء، وإلَّا سقط المسح عليه وغسل أو مسح ما حوله.
(2) إذا كان الصبغ يعدّ لوناً لا جرماً، فلا إشكال فيه، بمعنى كفاية الوضوء تماماً.
الفتاوى الواضحة ج1
لا يغسل الحاجز مباشرةً؛ لأنَّه نجس، وإنَّما يضع عليه شيئاً طاهراً بقدره ويمسح عليه في وضوئه.
أجَلْ، إذا كان هذا الدم المختلط بالدواء قد تحوّل من الدم إلى شيءٍ آخر وأصبح جزءاً من جلد الإنسان(1) عرفاً، جرى عليه حكم البشرة؛ أي: ظاهر الجلد.
حكم المريض بدون جرح وكسر
(64) وكلّ مريض بدون جرح وكسر وقرح، إذا كان يتضرّر من إسباغ الوضوء على بدنه، فلا يسوغ له استعمال الجبيرة واصطناع الحواجز، بل يتعيّن عليه التيمّم. فالأرمد – مثلاً- الذي يخشى من إيصال الماء إلى ظاهر أجفانه، يتيمّم.
حكم من كان بدنه متنجّساً بدون جرح
(65) إذا لم يكن في بدن الإنسان جرحٌ أو قرحٌ أو كسر، ولكن تنجّس بعض أعضاء وضوئه وتعذّر عليه تطهير ذلك العضو؛ لعدم وجود ماءٍ يكفي لتطهيره، أو لأنَّه يتضرّر بذلك، أو لأيّ سبب آخر، فالواجب عليه التيمّم، ولا يصحّ منه وضع عصابة أو خرقة على العضو المتنجّس والمسح عليه كما في وضوء الجبيرة.
ولا فرق في وجوب التيمّم في الحالة الآنفة الذكر بين أن يكون العضو المتنجّس من أعضاء الوضوء والتيمّم معاً، أو من الأعضاء التي يختصّ بها الوضوء.
ــــــ[239]ـــــــ
(1) لا يخفى أنَّ الدم الباقي مع الزمن يمكن أن يصبح من البشرة، وأمّا إذا كان مختلطاً بدواء كثير، فمن المتعذّر ذلك. لكن لو فرض حصوله بشكل مقنع عرفاً، أمكن تطهيره والوضوء عليه.
الفتاوى الواضحة ج1
(66) يجب نزع الجبيرة ورفعها عن الجرح والقرح والكسر عند أمن الضرر وعدم الخوف منه، وإلَّا بقيت في مكانها ما دام الخوف قائماً(1)، وتجري عليها جميع ما يخصّها من أحكام، حتّى مع احتمال الشفاء.
آثار وضوء الجبيرة وأحكامه
(67) إذا دخل وقت الصلاة وكان صاحب الجبيرة يعتقد بأنَّه سيبرأ(2) في آخر الوقت ويصبح متمكّناً من الوضوء الكامل، وجب عليه أن ينتظر إلى الفترة الأخيرة من الوقت؛ لكي يبرأ ويتوضّأ بالطريقة الاعتياديّة ويصلّي، ولو استعجل والحالة هذه وتوضّأ في الوقت الأوّل وضوء الجبيرة وصلّى، لم يكفِهِ ذلك.
وإذا دخل وقت الصلاة وكان صاحب الجبيرة يعتقد أو يظنّ أنَّ عذره باقٍ ومستمرٌّ حتّى آخر وقت الصلاة، أو يخشى أن يكون كذلك، جاز له في هذا الفرض أن يبادر إلى الصلاة في وقتها الأوّل. ولكن إذا صلّى وزال العذر في أثناء الوقت المؤقّت للصلاة خلافاً لظنّه أو ترقّبه، أعاد الوضوء والصلاة(3).
(68) وإذا توضّأ المريض وضوء الجبيرة وصلّى واستمرّ به المرض والعذر إلى نهاية الوقت، ثُمَّ برأ بعد ذلك(4) وهو بعد لم يذهب إلى الغائط ولم يصدر منه شيء من نواقض الوضوء، فهل يمكنه أن يصلّي الصلوات الجديدة
ــــــ[240]ـــــــ
(1) إذا كان احتمال الضرر قليلاً جدّاً كخمسة بالمائة أو أقلّ، فالأحوط محاولة رفع الجبيرة، فإن ارتفعت من دون ضرر فهو المطلوب، وإن ترجّح الضرر أبقاها.
(2) أو يحتمل ذلك احتمالاً معتدّاً به.
(3) على الأحوط بقصد الواقع أو بما في الذمّة.
(4) ويشمل فرض المسألة استعمال وضوء الجبيرة في الصلاة الثانية بعد الشفاء وإن وقعت داخل الوقت كالعصر والعشاء.
الفتاوى الواضحة ج1
اعتماداً على ذلك الوضوء؟
الجواب: كلّا، بل يتوضّأ من جديد(1) وضوءاً كاملاً ثُمَّ يصلّي.
(69) وإذا انتهى وانقضى السبب الموجب والمبرّر لبقاء الجبيرة قبل انتهاء وقت الصلاة، ولكن صادف أنَّ عملية رفعها وإزالتها تستغرق أمداً غير قصير بحيث يفوت معه وقت الصلاة المفروضة، ولكن يمكنه التيمّم، إن صادف ذلك لا يجوز الوضوء ويجب التيمّم(2).
(70) وإذا اعتقد الضرر في غسل العضو فوضع الجبيرة عليه وعمل بموجبها في وضوئه، ثُمَّ تبين وانكشف العكس، وأنَّه لا ضرر في الواقع ولا موجب للجبيرة من الأساس، بطل وضوؤه.
(71) وإذا انعكس الفرض السابق فاعتقد بأنَّه لا ضرر ولا حاجة للجبيرة فتركها وتوضّأ تماماً كالسليم المعافى، ثُمَّ تبيّن وانكشف وجود الضرر في الواقع، وأنَّ أحكام الجبيرة من واجباته ووظائفه، فهل يصحّ منه الوضوء والغسل في هذا الفرض؟
والجواب: هنا يقتضي التفصيل بين أن يكون الضرر المنكشف يسيراً يمكن الصبر عليه عادةً، فعلى هذا يصحّ الغسل والوضوء، وبين أن يكون الضرر المنكشف خطيراً يحرم شرعاً تحمّله والصبر على شدّته(3)، فيبطل الوضوء.
ــــــ[241]ـــــــ
(1) على الأحوط بقصد الواقع، أو ما في الذمّة، أو بقصد الطلب النفسي للوضوء؛ إذ لا دليل على كونه رافعاً للحدث. نعم، يستطيع الفرد أن يحدث نفسه ويتوضّأ اعتياديّاً.
(2) مع تطهير الموضع إن أمكن، أو ما يمكن تطهيره منه إن وسع الوقت.
(3) كان الأولى أن يقول: يحرم إيجاده؛ لأنَّ المفروض أنَّ الوضوء قد أوجد الضرر.
وأمّا حرمة الصبر عليه فغير مربوط بالمسألة أصلاً. ومن المعلوم أنَّ الضرر الذي يحرم إيجاده أخفّ من الضرر الذي يحرم الصبر عليه.
الفتاوى الواضحة ج1
(72) وكذلك يجري هذا التفصيل في حقّ من اعتقد وجود الضرر وأنَّ وظيفته أن يعمل بالجبيرة وحكمها، ومع ذلك تركها وتوضّأ، أو اغتسل ثُمَّ تبيّن الخطأ في اعتقاده، وأنَّه لا ضرر ولا حاجة للجبيرة.
وبكلام آخر: إن كان قد اعتقد وجود الضرر اليسير، صحّت أعماله. وإن كان قد اعتقد وجود الضرر الخطير المحرّم(1)، بطلت.
ــــــ[242]ـــــــ
(1) إذا كانت قد توفّرت لديه النيّة الكاملة للوضوء، فإعادته مبنيّ على الاحتياط، يجب أن ينوي به الاحتياط أو الواقع كما أشرنا في بعض التعليقات السابقة.
الفتاوى الواضحة ج1 
(4) في ما يجب الوضوء له ويستحبّ
(73) الوضوء في نفسه طاعة ومستحبّ، وبه يُتقرّب إلى الله ومرضاته. وفي نفس الوقت هو واجبٌ لغيره، حيث يجب للصلاة الواجبة والمستحبّة(1) أداءً وقضاءً، ولصلاة الاحتياط(2)، وأجزاء الصلاة المنسية(3)، وأيضاً يجب لصلاة الطواف، ولطواف المعتمر أو الحاجّ. وتسمّى هذه الأشياء بالغايات الواجبة للوضوء، بمعنى أنَّها لا تصحّ ولا تستساغ بدونه.
(74) ويستحبّ للطواف المستحبّ، ولأيّ فعل من أفعال الحجّ، وللدعاء، ولتلاوة القرآن الكريم، ولصلاة الجنائز، وللمكث في المساجد، وزيارة العتبات المقدّسة.
وتسمّى هذه الأشياء بالغايات المستحبّة للوضوء؛ لأنَّها بدون وضوء طاعة أيضاً، وإن كانت مع الوضوء أكمل وأفضل.
ــــــ[243]ـــــــ
(1) أي: أنَّ الوضوء واجبٌ حتّى للصلاة المستحبّة. ومعنى هذا: أنَّ الصلاة المستحبّة لا تصحّ بدون وضوء، فلا يجوز للمكلّف أن يصلّي صلاةً مستحبّةً بدون وضوء، وإن كان بإمكانه أن يترك الصلاة المستحبّة رأساً (الماتن).
(2) صلاة الاحتياط: تتألّف من ركعة واحدة أو ركعتين، شرّعت من أجل معالجة بعض حالات الشكّ في الصلاة. لاحظ الفقرة (66) و(82) من فصل الأحكام العامّة للصلاة (الماتن).
(3) بغضّ النظر عن وجوب إلحاقها هي وصلاة الاحتياط بالصلاة الأصليّة وعدم فصلها بما يقطع الصلاة على الأحوط. ومن هنا يجب أن يحافظ المكلّف على وضوئه حتّى ينجزها.
الفتاوى الواضحة ج1
(75) وقد مرّ بنا في شروط المتوضّئ: أنَّ نيّة القربة شرط لا يصحّ الوضوء بدونها، وهي تحصل بأن يأتي بالوضوء قربةً إلى الله تعالى؛ إمّا لأنَّه مطلوب في نفسه(1)، أو لأنَّه يريد بذلك إيجاد إحدى غاياته الواجبة أو المستحبّة.
والوضوء – كما قلنا آنفاً- مستحبّ في نفسه. وكما هو مستحبّ كذلك، تكراره مستحبّ، حتّى ولو لم يصدر حدث من المتوضّئ، ويسمّى الوضوء الثاني بالوضوء التجديدي، وقد عُبِّر عنه في بعض الروايات بأنَّه: نور على نور.
أحكام المحدِث
(76) وليس للمحدث أن يمسّ كتابة المصحف الشريف حتّى الحرف الواحد منه، بل حتّى الحركة والسكون …، أبداً لا يمسّ شيئاً(2) من ذلك، لا بيده ولا بشيءٍ من جسمه وشعره، من غير فرقٍ بين أن تكون الكتابة بالحروف أو غيرها(3)، ولا بين أن تكون بالقلم، أو الطباعة، أو الحفر، أو الحرف الناتئ
ــــــ[244]ـــــــ
(1) هذا الترديد (إمّا وإمّا) ترديد في العبارة، وأمّا نيّة الوضوء فلا يجوز الترديد فيها، بل ينوي واحداً منها بعينه.
(2) أي: ما دام محدثاً بقيت الحرمة مستمرّة.
(3) الكتابة بغير الحروف له عدّة معانٍ:
منها: الرموز التي توضع على كتابة القرآن الكريم لضبط أسلوب التجويد كالدائرة (○) وغير[ها] ممّا لا يدخل تحت شكل حرف معيّن أو لا يراد به ذلك.
ومنها: الكتابة برموز أُخرى كالحروف غير العربيّة، أو رموز شفرة متّفق عليه بين اثنين أو أكثر.
ومنها: الأثر الكهربائي للصوت القرآني في الشريط المسجّل.
والظاهر في جميعها ما عدا الحروف غير العربيّة جواز المسّ، إلَّا أنَّه مخالف للاحتياط الاستحبابي.
الفتاوى الواضحة ج1
البارز في الحجر أو الخشب أو غيرهما. ويجوز له أن يمسّ ما عدا الكتابة من الورق والجلد، وأسماء السور الموضوعة في أوّل الصفحة، وأرقامها، وأرقام الأجزاء والأحزاب.
(77) وإذا لم تكن الكلمة القرآنية(1) أو الآية في المصحف، بل كانت بكتابٍ أو برسالةٍ أو بطاقة تهنئةٍ أو ورقة تعزيةٍ أو نقش خاتمٍ، فيجوز للمحدِث أن يمسّها.
(78) وكذلك يجوز للمحدِث أن يمسّ اسم الجلالة وصفاته في غير المصحف، وأسماء المعصومين عليهم الصلاة والسلام.
(79) ويسوغ للمحدِث إذا أراد أن يمسّ كتابة المصحف الشريف أن يتوضّأ بقصد مسّها(2) بحيث يكون هذا المسّ بالذات هو الغاية من الوضوء؛ لئلاّ يمسّ بدون وضوء فيقع في الحرام، وبخاصّة إذا كان المسّ بالتقبيل.
ــــــ[245]ـــــــ
(1) ما في هذه الفقرة من الكتاب والتي بعدها يكون الأفضل اجتنابه أخذاً بالمستوى الأخلاقي للشريعة.
(2) إذا كان هناك غاية معتدٌّ بها – دنيويّة أو أُخرويّة- للمسّ، والتي منها: الاحترام والتقبيل، لا للمسّ كيف كان، على الأحوط.
الفتاوى الواضحة ج1 
(5) نواقض الوضوء
النقض لغةً: الإبطال والهدم. وناقض الوضوء عند الفقهاء: ما يبطل الوضوء ويزيل أثره الشرعي – أي الطهارة- ويخرجه عن الفائدة المقصودة منه، ويسمّى كلّ واحد من نواقض الوضوء بالحَدَث.
ونواقض الوضوء كما يلي:
(80) الأوّل: خروج البول، أمّا خروج المذي أو الوذي أو الودي فإنَّه لا ينقض الوضوء، كما أنَّه لا ينجّس الموضع، على ما يأتي في فصل أنواع النجاسات.
والمذي: ماء أبيض لزج يخرج من الذكر بملاعبة النساء أو التفكير بالجماع.
والوذي: ماء يخرج بعد خروج المني.
والودي: ماء يخرج بعد خروج البول.
(81) الثاني: خروج الغائط، وإذا خرج البول أو الغائط من المكان الطبيعي فهو ناقض على أيّ حال، سواء خرج بصورة اعتياديّة، أو سُحِبَ بآلة ونحوها، وكذلك إذا خرج من منفذ آخر اعتاده الإنسان في حالةٍ طارئةٍ لمرض ونحوه.
(82) وإذا خرج من غير المكان الطبيعي كجرحٍ ونحوه وبدون اعتيادٍ لذلك، فهو ناقض إذا كان خروجه بدفعٍ طبيعيٍّ من جسم الإنسان. وأمّا إذا كان قد سُحِبَ بآلة من ذلك الجرح، فلا ينقض.
ــــــ[246]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
(83) إذا استعمل المتوضّئ الحقنةَ فخرج ماؤها ولا شيء فيه من الغائط، بقي على وضوئه. ولو خرج شيءٌ من الغائط مع الماء أو بعده ولو يسيراً، انتقض الوضوء. ومع الشكّ في خروج شيءٍ أو عدم خروجه، فلا يبطل الوضوء.
(84) الثالث: خروج الريح من الدبر(1)، ولا أثر شرعاً لخروج الريح من مكان آخر.
(85) الرابع: النوم المستغرق الذي لا يبقى معه سمعٌ ولا بصرٌ ولا إدراك، ومثله الجنون والسكر والإغماء.
(86) الخامس: استحاضة المرأة، ويأتي الكلام عنها مفصّلاً إن شاء الله تعالى في الأغسال(2).
هذه هي نواقض الوضوء، أو الأحداث الموجبة للوضوء.
(87) ويكفي وضوءٌ واحدٌ للمحدث حتّى لو تكرّر منه الحدث، فترتفع به آثار كلّ ما صدر منه من أحداث.
(88) ولا يجب على المتوضّئ أن يقصد بالوضوء رفعَ حدثٍ معيّن(3)،
ــــــ[247]ـــــــ
(1) إذا سمّي بأحد الاسمين المعروفين، أو إذا وجد الفرد له صوتاً أو رائحة، أمّا دون ذلك فإن كان خروجه – أي الريح- أكيداً، توضّأ. وإلَّا، فهو باقٍ على طهارته، ولا يعتدّ بالحبائل.
(2) تنبغي الإشارة هنا إلى أنَّ خروج المني ينقض الوضوء أيضاً، ولكنّه لا يوجب الوضوء، وإنَّما يوجب الغُسل، ولا يتطهّر المكلّف منه بالوضوء بل بالغُسل، ولهذا لم نذكره هنا (الماتن).
(3) إن كان الحدث المنويّ هو الوحيد الذي حصل، أو يقصد مجموع ما حصل من الأحداث، أمكن ذلك وإن لم يجب هذا القصد. وأمّا إذا كان قد حصل أكثر من حدث واحد، ولكنّه قصد رفع حدث واحد فقط، فالأحوط له إعادة الوضوء.
الفتاوى الواضحة ج1
ولا أن يستحضر في ذهنه(1) أنَّه محدثٌ ويريد رفع الحدث، بل يكفيه أن يتوضّأ بقصد القربة.
(89) ويسوغ للمتوضّئ أن ينقض وضوءه ما دام قادراً على استئنافه؛ لتوفّر الماء والقدرة على استعماله. وأمّا إذا علم بأنَّه لا يقدر على إعادة الوضوء إذا نقضه، فيسوغ له أيضاً نقضه قبل دخول وقت الصلاة، حتّى ولو علم بالعجز عن الوضوء بعد دخول الوقت؛ فإنَّ له أن يبطله اعتماداً على أنَّه يتيمّم ويصلّي. وأمّا بعد دخول الوقت، فلا يجوز له أن ينقض وضوءه ما دام غير قادر على التوضّؤ من جديد للصلاة.
المبطون والمسلوس
المبطون: مَن به داء البطن، وهو الذي لا يستمسك معه الغائط.
والمسلوس: مَن به داء السلس، وهو الذي لا يستمسك معه البول.
ويسمّى المبتلى بأحد الدائين بدائم الحَدَث عند الفقهاء، ويختلف حكم المسلوس والمبطون تبعاً للحالات التالية:
(90) الحالة الأُولى: أن تكون للمسلوس أو المبطون عادةٌ مستمرّة؛ وذلك بأن تمرَّ به فترةٌ معيّنةٌ من الزمن تتّسع للطهارة والصلاة معاً في الوقت المؤقّت للصلاة، ولو بالاقتصار على الواجبات وترك جميع المستحبّات، وعندئذ يجب على المبتلى بهذا الداء أن ينتظر هذه الفترة، سواء كانت في أوّل الوقت، أو وسطه، أو آخره. ومتى جاءت الفترة المعيّنة، تجب المبادرة فوراً إلى الوضوء
ــــــ[248]ـــــــ
(1) ولكن يجوز ذلك. نعم، إذا اعتقد أنَّه متوضّئ فيما سبق، وأنَّ وضوءه الآن تجديديٌّ غير رافع، وكان في الواقع محدثاً، كان الأحوط له استحباباً تكرار الوضوء، إلَّا إذا كان قصد في وضوئه أن لا يكون رافعاً للحدث فيجب التكرار.
الفتاوى الواضحة ج1
والصلاة. وفي غير تلك الفترة، تجري عليه الأحكام الاعتياديّة للمحدِث.
(91) الحالة الثانية: أن يكون الحدث متّصلاً بلا فترة إطلاقاً، أو توجد فترةٌ قصيرةٌ لا تتّسع للطهارة وبعض الصلاة، فيجب عندئذ أن يتوضّأ ويصلّي، ويجوز له أن يجمع بوضوءٍ واحدٍ صلاتين أو أكثر(1) ؛ لأنَّه بحكم المتطهّر، يمارس كلَّ ما يمارسه المتطهّر، إلَّا أن يُحدِث بحدثٍ آخر من نوم ونحوه، أو يشفى ولو يوماً واحداً بحيث يخرج منه البول والغائط حسب المعتاد والمعروف.
(92) الحالة الثالثة: أن تكون له فترةٌ معيّنةٌ من الزمن ولكنّها لا تتّسع للصلاة والطهارة بالكامل، بل تتّسع للطهارة وبعض الصلاة، وعندئذٍ يجب عليه أن ينتظر هذه الفترة بالذات، تماماً كالحالة الأُولى، ويتوضّأ فيها ويصلّي، ولا يجب عليه أن يجدّد الوضوء في أثناء صلاته إذا فاجأه الحدث، بل يمضي إلى نهايتها حتّى ولو لم يكن عليه حرج ومشقّة في تجديد الوضوء.
ولكن لا يجوز له – احتياطاً- الجمع(2) بين صلاتين في وضوءٍ واحد، بل يجب لكلّ صلاةٍ وضوء. وإذا أراد أن يصلّي صلاةً مستحبّةً توضّأ لها أيضاً،
ــــــ[249]ـــــــ
(1) الأحوط أن يقلّل الحدث والخبث جهد الإمكان، أمّا تقليل الحدث فبالجمع بين الصلاتين وتتابعها وحذف المستحبّات والوضوء للصلاة في الوقت الآخر، وأمّا تقليل الخبث فبوضع القطن ونحوه في موضع الحدث مع تطهير الباقي إن أمكن بدون حرج.
(2) إذا كانت الفترة المعيّنة المفروضة في المسألة تمتدّ إلى الصلاة الثانية أو بعضها ولو بمقدار ركعة، لم يجب عليه تجديد الوضوء.
وكذلك لو أحرز عدم خروج الحدث بين الصلاتين أو شكّ فيه، أمكن أن يبدأ الصلاة الثانية بنفس الوضوء.
الفتاوى الواضحة ج1
وكذلك يتوضّأ أيضاً لصلاة الاحتياط. ولا حاجة به إلى وضوءٍ مستقلٍّ للسجدة أو التشهّد اللذين إذا نسيهما في الصلاة قضاهما بعد الفراغ منها.
(93) وإذا توضّأ لصلاةٍ ثُمَّ صلّى صلاةً ثانيةً بدون وضوءٍ آخر، واتّفق صدفةً(1) أنَّه لم يصدر منه حدث منذ بدأ يتوضّأ للصلاة الأُولى إلى أن فرغ من كلتا الصلاتين، صحّتا معاً في جميع الحالات المتقدّمة.
(94) وكلّما جاز للمسلوس والمبطون أن يصلّي بوضوئه، جاز له أيضاً أن يمسّ كتابة المصحف الشريف، ولا تجري عليه أحكام الحدث إلى أن ينتهي مفعول الوضوء وأثره في استساغة الصلاة.
(95) هل يجب على كلٍّ من المسلوس والمبطون أن يحرص ويتحفّظ
– جهد المستطاع- من تعدّي البول والغائط وسرايتهما إلى البدن والثياب؟
الجواب: أجل، يجب ذلك عليه من أجل الصلاة، وبخاصّة إذا تيسّر له(2) بعض المصنوعات الحديثة لهذه الغاية، وأيضاً يجب عليه عند كلّ صلاة أن يطهّر الحشفة والمقعد، وكلّ ما سرت إليه النجاسة ممّا يتّصل ببدنه وثيابه بلا استثناء.
ــــــ[250]ـــــــ
(1) إذا حصلت منه النيّة كاملة. ويمكن الاعتماد على استصحاب عدم خروج الحدث في تصحيح النيّة، أي: يكفي الشكّ في خروجه في تصحيحها.
(2) لا يجب عليه استعمال الدواء القاطع للحدث لتصحيح الصلاة، وإن كان قد يجب عليه لجهةٍ أُخرى. وإنَّما المراد بعبارة الكتاب التطهير والتحفّظ في خارج البدن.
الفتاوى الواضحة ج1

(6) الخلل والشكّ في الوضوء
الخلل لغةً: الوهن والفساد، أمّا الفقهاء فيريدون به: نقص العمل.
والشكّ: هو التردّد في إنجاز العمل بصورة كاملة.
وفيما يلي أمثلة للخلل أو الشكّ في الوضوء مع أحكامها.
(96) من كان على يقينٍ من وضوئه وطهارته، وبعد أمد تردّد وشكّ في أنَّه هل أحدث وانتقض وضوؤه وطهارته؟ بنى على بقاء الوضوء والطهارة.
ومن كان على يقينٍ من الحدث وشكّ في أنَّه هل توضّأ وزال الحدث، أو لم يتوضّأ؟ بنى على بقاء الحدث وعدم الوضوء. وإذا ذهل بعد ذلك(1) وصلّى بلا وضوءٍ في هذا الفرض، بطلت صلاته، وعليه أن يعيد الصلاة في داخل وقتها، ويقضي في خارجه إن تذكّر أو ذُكّر.
(97) من علم أنَّه قد توضّأ، وأيضاً علم أنَّه قد أحدث، ولكنّه لا يدري هل كان الوضوء متأخّراً كي يكون على طهر، أو كان الحدث متأخّراً عن الوضوء كي يكون الآن محدثاً، فماذا يصنع؟
الجواب: هو في حكم المحدث(2)، وعليه أن يتوضّأ لكلّ ما يشترط فيه الوضوء، سواء كان عالماً بالساعة التي توضّأ فيها وجاهلاً بتأريخ حدوث الحدث، أم كان عالماً بالساعة التي أحدث فيها وجاهلاً بتأريخ الوضوء، أم
ــــــ[251]ـــــــ
(1) أي: بعد حصول الشكّ، إلَّا أنَّ هذا ليس هو المهمّ، فلو صلّى قبل الشكّ، بل مع إحراز الوضوء، ثُمَّ تبيّن له الخطأ، أعاد الوضوء والصلاة، ولو خارج الوقت.
(2) بعض ما يذكره السيّد في هذه الفقرة مبنيّ على الاحتياط.
الفتاوى الواضحة ج1
جهل التأريخين معاً.
(98) من شكّ – وهو في أثناء الصلاة وقبل تمامها- في أنَّه هل توضّأ وصلّى، أم دخل في الصلاة بلا وضوء؟ فعليه أن يتوضّأ ويعيد الصلاة من جديد.
(99) إذا فرغ المرء من صلاته وشكّ في أنَّها هل كانت بلا وضوء؟ فصلاته صحيحة، ولكن عليه أن يتوضّأ للصلاة الآتية، ولا يجب أن يعيد ما مضى وانقضى من صلاته، إلَّا إذا علم وتيقّن بأنَّ الشكّ في الوضوء كان لسببٍ سابقٍ على هذه الصلاة(1) ولم يكن قد تنبّه له حين دخوله بالصلاة، ولو أنَّه التفت إليه وتنبّه قبل أن يصلّي لشكّ وأحجم عن الصلاة حتّى يعالج شكّه بما تقتضيه القواعد الشرعيّة.
ومثال ذلك: أن يعلم بعد الصلاة أنَّه كان قد غسل وجهه ويديه قبلها يقيناً ولا يدري هل كان يقصد بذلك الوضوء أو مجرّد التنظيف؟ ولكنّه يعلم أنَّه بادر إلى الصلاة غافلاً عن ذلك، وأنَّه لو التفت إلى حاله وهو يصلّي لشكّ أيضاً، تماماً كما يشكّ الآن، ففي هذا الفرض وأمثاله يجب الوضوء وإعادة الصلاة، حتّى ولو كان الشكّ بعد الفراغ، وفيما عدا ذلك لا تجب إعادة الصلاة، وإنَّما يجب الوضوء لما يأتي من صلوات.
وإذا حصل الشكّ الآنف الذكر بعد انتهاء وقت الصلاة، فلا يجب قضاؤها على أيّ حال.
ــــــ[252]ـــــــ
(1) أي: من نوع الشكّ في الوضوء الذي يكون مقتضى القاعدة بطلان الوضوء معه لو التفت الفرد إليه قبل الصلاة، فإن لم يكن هذا الشكّ موجوداً أو شكّ في وجوده فصلاته صحيحة، ومع وجوده فإعادتها مقتضى الاحتياط.
الفتاوى الواضحة ج1
(100) إذا كان في أثناء الوضوء وعلم أنَّه قد ترك منه ما لا غنى عنه في الوضوء وصحّته، وجب عليه أن يستدرك النقص والخلل، ويأتي بما فات وأهمل، وبما بعده من واجبات الوضوء، مراعياً كلّ مايعتبر في الوضوء من الشروط التي تقدَّم الكلام عنها مفصّلاً.
هذا إذا علم بالنقص والخلل في أثناء الوضوء، وكذلك الأمر إذا علم بالخلل بعد الفراغ من الوضوء وكان بالإمكان تكميله مع الحفاظ على كلّ شروطه(1).
وأمّا إذا علم به بعد الفراغ بمدّة ولم يتيسّر التكميل مع الاحتفاظ بتلك الشروط لطول المدّة أو لأيّ سبب آخر، فإنَّه يستأنف الوضوء بلا ريب.
(101) أمّا إذا شكّ في فعل من أفعال الوضوء قبل الفراغ من الوضوء، رجع وأتى به مع مراعاة الشروط المعتبرة في الوضوء، تماماً كما هو الشأن لو علم بالنقص والخلل.
ومثال ذلك: أن يشكّ في غسل ذراعه اليمنى وهو مشغول فعلاً بغسل ذراعه اليسرى، أو بالمسح على رأسه، أو يشكّ في غسل ذراعه اليسرى وهو يمسح على رأسه، أو يشكّ في أنَّه مسح على رأسه وهو يمسح فعلاً على قدمه ففي كلّ هذه الحالات يجب عليه أن يعود ويأتي بما شكّ فيه وبما بعده.
وكذلك الأمر إذا كان يعلم بأنَّه غسل يده اليمنى (مثلاً) ولكنّه شكّ – وهو لا يزال مشغولاً بأفعال الوضوء- في أنَّه هل غسل يده بالصورة الصحيحة من الذراع إلى أطراف الأصابع، أو بصورة معكوسة؟ فإنَّ الأجدر بالمكلّف وجوباً
ــــــ[253]ـــــــ
(1) بما فيها الموالاة.
الفتاوى الواضحة ج1
واحتياطاً أن يعود إلى ما شكّ فيه، فيأتي به بالصورة الصحيحة وبما بعده، ما دام الشكّ قد حدث له وهو في أثناء الوضوء.
وأمّا إذا حدث الشكّ في غسل ذراعه أو في أنَّه هل غسلها بالصورة الصحيحة أو لا – أو أيّ شكٍّ من هذا القبيل- إذا حدث هذا الشكّ بعد الفراغ من الوضوء فهنا حالتان:
الأُولى: أن يحدث بعد أن يكون المتوضّئ قد دخل في عملٍ آخر؛ من قبيل تجفيف بدنه أو غلق أُنبوب الماء، أو تحرّك عن المكان الذي كان يتوضّأ فيه، أو حصل فاصل يعتدّ به، بحيث لا يمكن الجمع بين التتابع والموالاة وبين تدارك ما فات، بأن جفّت أعضاء وضوئه، ففي أمثال ذلك لا يعتني بشكّه ويعتبر وضوءه صحيحاً.
الثانية: أن يحدث الشكّ المذكور قبل هذه الأشياء(1) التي ذكرناها في الحالة الأُولى، وحكمه حكم من شكّ في الأثناء، كما تقدّم، ولكن كلّما كان الشكّ شاذّاً وممّا لا يحدث لدى الإنسان الاعتياديّ عادةً، فلا يعتني المتوضّئ به.
(102) إذا علم بأنَّ الخاتم كان في إصبعه حينما توضّأ وهو يدري أيضاً بأنَّه لم ينزعه ولم يحرّكه حين كان يتوضّأ، غفلةً منه، أو اعتقاداً بأنَّه لا يمنع الماء من الوصول إلى البشرة، ولكنّه يشكّ الآن بعد الفراغ من الوضوء في أنَّ الماء هل وصل إلى البشرة، أو حجبه الخاتم عن ذلك؟ ففي هذا الفرض يجب عليه أن يستأنف الوضوء.
ــــــ[254]ـــــــ
(1) الظاهر أنَّ الشعور بالانتهاء من الوضوء كافٍ في الحكم بصحّته. نعم، لو كان الشكّ متعلّقاً بالجزء الأخير بحيث ينافي الشعور بالانتهاء، كان عليه الإتيان به، وفرض المسألة هو تحقّق الموالاة.
الفتاوى الواضحة ج1
(103) وإذا علم بوجود الحاجب المانع من صحّة الوضوء، ولكنّه لا يدري هل كان موجوداً قبل الوضوء لكي يكون الوضوء باطلاً، أو أنَّ الحاجب وُجد بعد الوضوء كي يكون الوضوء صحيحاً؟ يصحّ الوضوء إذا احتمل أنَّه كان ملتفتاً عند الوضوء إلى حقيقة الحاجب وما يترتّب عليه. أمّا إذا علم بعدم الالتفات إلى ذلك، فتجب عليه إعادة الوضوء.
(104) من توضّأ ثُمَّ توضّأ مرّةً أُخرى وضوءً تجديدياً(1)، وصلّى وبعد الصلاة علم بأنَّ الوضوء الأوّل باطل لسببٍ من الأسباب، اكتفى بالوضوء الثاني(2)، وكانت صلاته صحيحةً، ولا يجب أن يعيد الوضوء للصلاة الآتية.
(105) ومن توضّأ وصلّى ثُمَّ توضّأ مرّةً أُخرى وضوءً تجديدياً(3)، وعلم بعد ذلك بأنَّ أحد الوضوءين باطل، كما إذا أيقن بأنَّه لم يمسح على رأسه في أحدهما لم يعد صلاته، ولم يحتج إلى وضوء للصلوات الآتية.
(106) ومن توضّأ وصلّى ثُمَّ أحدث، بأن بال أو نام – مثلاً- وبعد ذلك توضّأ من جديد وصلّى صلاةً أُخرى، وفي أعقاب ذلك علم بأنَّ أحد الوضوءين باطل، وجب عليه أن يتوضّأ ويعيد ما أتى به من صلوات.
(107) إذا توضّأ مرّتين وصلّى بعد إكمال الوضوءين معاً، ثُمَّ علم أنَّه
ــــــ[255]ـــــــ
(1) تقدّم معنى الوضوء التجديدي في الفقرة (75) من هذا الفصل (الماتن).
(2) إلَّا إذا كان الفرد بحيث لو سأله سائلٌ عن كون الوضوء رافعاً للحدث لنفى ذلك وقال إنَّه لا يتوضّأ من أجل رفع الحدث، ففي مثله يكون الأحوط إعادة الوضوء والصلاة.
(3) إذا كانت نيّته فيه قصد القربة فقط فالحكم ما ذكره السيّد، وأمّا إذا كانت نيّته ما أشرنا إليه في التعليقة السابقة فالحكم وجوب إعادة الوضوء والصلاة.
الفتاوى الواضحة ج1
قد أحدث عقيب أحد الوضوءين، ولا يدري هل كان الحدث بعد الوضوء الأوّل فيبطل هو وحده ويكون الثاني صحيحاً وبه تصحّ صلاته، أو أنَّ الحدث كان بعد الوضوء الثاني فيبطل الوضوءان معاً وتكون الصلاة باطلة؟ إذا كان ذلك، صحّ ما مضى من صلاته إذا احتمل أنَّه كان ملتفتاً(1) إلى الحدث وآثاره حين العمل، ووجب الوضوء للصلاة الآتية.
(108) إذا علم بعد فراغه من وضوئه أنَّه قد ترك جزءاً منه، ولكنّه لا يدري أنَّ المتروك هو الجزء الواجب كمسح الرأس، أو المستحبّ كالمضمضة؟ يحكم بصحّة الوضوء.
(109) إذا علم أنَّه قد باشر الوضوء وأتى ببعض أفعاله كغسل الوجه واليدين، ولكنّه شكّ في أنَّه هل أكمله بمسح الرأس والقدمين، أو أنَّه عرضت له حاجة فترك وضوءه ولم يكمله؟ فوضوءه باطل(2) وعليه أن يعيده.
(110) إذا فرغ من وضوئه، ثُمَّ علم يقيناً بأنَّه قد عاكس وخالف في أفعال الوضوء، فمسح – مثلاً- على العصابة التي تلفّ قدمه بدلاً عن المسح على القدم مباشرةً، ولكن لا يدري هل فعل ذلك لوجود مبرّرٍ كحالات وضوء الجبيرة كي يكون الوضوء صحيحاً، أو فعله بدون مبرّرٍ بل سهواً أو غفلةً؟ إذا كان هذا لا يجب عليه أن يعيد الوضوء، بل يُعتبر صحيحاً.
ــــــ[256]ـــــــ
(1) وأمّا إذا لم يحتمل ذلك، فوجوب الإعادة مبنيّ على الاحتياط.
(2) بل صحيح على الأظهر إلَّا أن يحصل الاطمئنان أو الوثوق ببطلانه. نعم، إعادته مقتضى الاحتياط الاستحبابي.
الفتاوى الواضحة ج1 
(7) سنن الوضوء
سنن الوضوء تعني مستحبّاته وآدابه التي يثاب المتوضّئ إذا أدّاها، ولا يعاقَب إذا تركها، ومن ذلك:
(111) أن يغسل يديه ثُمَّ يتمضمض – بأن يدير الماء في فمه- ويستنشق – بأن يصبّ الماء في أنفه ويجذبه- قبل الابتداء بغسل أعضاء وضوئه. وإذا بدأ بالوضوء، فله أن يغسل وجهه مرّتين، وكلاً من يديه مرّتين(1)، وتعتبر الغسلة الثانية مستحبّةً.
ويستحبّ للمتوضّئ عند الابتداء بصبّ الماء أن يقول: >بسم الله وبالله، اللهمّ اجعلني من التوّابين، واجعلني من المتطهّرين<. وعند الانتهاء من الوضوء أن يقول: >الحمد لله ربّ العالمين<.
ــــــ[257]ـــــــ
(1) الأحوط ترك الغسلة الثانية لليد اليسرى.
الفتاوى الواضحة ج1 
(8) قضاء الحاجة وأحكامها
مرّ بنا استعراض نواقض الوضوء، ولمّا كان منها البول والغائط، صحّ أن نذكر عقيب مسائل الوضوء وأحكامه، بعضَ الأحكام التي ترتبط بقضاء الحاجة وأحكامها.
والمراد من قضاء الحاجة هنا المضيّ إلى الخلاء للتغوّط، وقد جاء في الحديث: >إذا جلس أحدكم لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها<(1).
ويجب عند قضاء الحاجة أُمور:
(112) الأوّل: ستر العورة عن كلّ ناظرٍ بالغٍ أو بالغة، وكذلك عمّن لم يصل إلى سنّ البلوغ إذا كان ينظر إلى العورة نظراً متميّزاً عن نظره إلى سائر أجزاء الإنسان.
ولا يجب على المرأة سترها عن الزوج(2)، ولا على الرجل سترها عن الزوجة.
والمراد بالعورة في الرجل: السبيلان – الذكر والدبر- والبيضتان(3)،
ــــــ[258]ـــــــ
(1) عوالي اللئالي 2: 181، باب الطهارة، الحديث 44. وفيه: >على حاجته< بدل: >لحاجته<، ومستدرك الوسائل 1: 247، أبواب أحكام الخلوة، الباب 3، باب استحباب تغطية الرأس والتقنّع عند قضاء الحاجة، الحديث 3. (هيئة التراث).
(2) وكذلك في كلّ حليلة كالمعقودة بالعقد المنقطع.
(3) والأحوط وجوب ستر الجلد القائم بين الدبر والبيضتين. وللمرأة: القبل والدبر، والأحوط دخول الشفرتين في العورة، وهما اللحمتان الحافّتان بالمخرج، إلَّا ما يظهر منهما عند الوقوف وضمّ الرجلين.
وجسم المرأة أغلبه عورة، ولكنّ تحديد القبل والدبر خاصّ بنظر المرأة إلى مثلها.
فإنَّ النظر إلى باقي الجسم جائز. ولعلّ الجواز شامل لكلِّ محارمها من الرجال بالنظر من دون شهوة، وإن كان الأحوط الأَولى خلافه.
الفتاوى الواضحة ج1
وسترها عن الناظر المذكور واجبٌ في كلّ حال إلَّا للاضطرار، ولا خصوصية من هذه الجهة للحاجة وقضائها، والقصد من ذكرها بالخصوص بيان الحكم عندها دون الحصر، ويأتي الحكم بوجوب الستر بصيغته العامّة وتفاصيله في القسم الثالث من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
(113) الثاني: أن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها في حالة التبوّل والتغوّط، سواء كان المتخلّي في فضاءٍ مكشوف أو في المرافق المعدّة لقضاء الحاجة، وإن اضطرّ المتخلّي إلى أن يستقبل القبلة أو يستدبرها عند الحاجة
– حيث لا ثالث(1)- فهو مخيَّر.
(114) وإذا جهل مكان القبلة، فعليه أن يبحث ويسأل لكي يتفادى استقبالها واستدبارها. وإن يئس عن معرفتها وصعب عليه أن يصبر وينتظر؛ للضرر أو للحرج، فلا إثم عليه أنّى يتّجه.
(115) الثالث: إزالة النجاسة عن الموضع وتطهيره.
(116) ويطهر محلّ البول بمجرّد اتّصاله وملاقاته للماء الكثير، أمّا إذا كان الماء قليلاً فيجب غسل المحلّ مرّتين، ولا يكفي غير الماء.
(117) أمّا محلّ الغائط: فإن تعدّت النجاسة من المخرج إلى ما حوله، تعيّن الغسل بالماء حتى ينقى تماماً(2) كغيره من المتنجّسات. وإن لم يتعدّ الغائطُ
ــــــ[259]ـــــــ
(1) أي: لا يوجد احتمال ثالث يمكن انجازه غير الاستقبال والاستدبار.
(2) ثُمَّ يصبّ عليه الماء القليل مرّتين.
الفتاوى الواضحة ج1
المخرجَ، تخيّر المكلّف في إزالة النجاسة بين الماء أو الأحجار والخرق ونحوها من أشياء. والماء أفضل، والجمع بينه وبين الأحجار أكمل؛ على حدّ تعبير الفقهاء عليهم الرحمة والرضوان.
ولابدّ من الإشارة إلى أنَّه لو خرج مع الغائط شيءٌ آخر من النجاسة
– كالدم- وتنجّس به المخرج أو ما حوله، تعيّن التطهير بالماء وحده.
(118) إذا أراد أن يطهِّر موضع الغائط بالأحجار ونحوها، فيجب أن تكون الأحجار وما إليها طاهرة(1)، وأن يكون المسح بثلاثة منها، حتى ولو زالت النجاسة وتحقّق النقاء بالواحد أو بالاثنين. وإذا احتاجت الإزالة إلى
ــــــ[260]ـــــــ
(1) وينبغي أن تكون الأجسام المستعملة ذات شرائط معيّنة إمّا وجوباً أو بالاحتياط الوجوبي، كما يلي:
أوّلاً: أن تكون قالعة للنجاسة وليست ملساء كالزجاج، أو مفتّتة كالروث، أو ليّنة كاللحم والفواكه.
ثانياً: أن لا تكون من الأجسام المقدّسة كأوراق القرآن الكريم أو شيء كتب عليه القرآن أو أحد الأسماء المقدّسة لله سبحانه والمعصومين، وكذلك التربة الحسينيّة، وكذلك حصى وتراب المراقد المشرّفة والمساجد، مع إلتفات الفرد إلى ذلك.
ثالثاً: أن لا تكون من المأكولات الواجبة الاحترام، وهي: الحنطة والشعير والتمّن والملح، وما نتج منها بكلّ أنواعها.
رابعاً: أن لا يكون في استعمالها إنكار للنعمة أو استخفاف بها من أيّ نوع من الأجسام كان، وخاصّة المأكولات مطلقاً، إذا كان المكلّف ملتفتاً إلى ذلك.
خامساً: أن لا تكون عظماً وإن كان مذكّى طاهراً.
وأفضل ما يمكن استعماله عمليّاً في هذه المهمّة: القطن والصوف الطبيعيّان، أو شيءٌ من قطع القماش الذي يساعد على القلع.
الفتاوى الواضحة ج1
أكثر من ثلاثة، وجب الزائد حتّى تزول النجاسة(1) بالغاً ما بلغ العدد.
وإذا زالت عين النجاسة بالماء أو بالأحجار ولكن بقيت رائحتها أو لونها، فلا بأس.
(119) ولا يجوز قضاء الحاجة في ملك الآخرين إلَّا بإذن خاصٍّ أو عامٍّ ولو بظاهر الحال، بأن تكون حالة المالك دالّةً على الإذن وإن لم يصرّح بذلك في كلامه.
ولا يجوز التخلّي في مرافق المدارس لغير طلبتها إذا ثبت أنَّها مختصّة بهم ولو بإخبار متولّي المدرسة أو سكنتها.
(120) لا يجب الاجتناب عن ماء الاستنجاء – وهو الماء الذي استعمل في إزالة البول أو الغائط- ولا عمّا يلاقيه، شريطة أن لا يتغيّر بالنجاسة لونه أو طعمه أو رائحته، وأن لا تكون النجاسة قد تعدّت السبيلين تعدّياً مخالفاً للعادة، وأن لا يحمل ماء الاستنجاء(2) شيئاً من النجاسة.
وفي سائر الأحوال فإنَّ هذا الماء لا يزيل خبثاً ولا يرفع حدثاً.
(121) الاستبراء: يستحبّ للرجل أن يستبرئ من البول، وهو: أن يتحرّى خروج ما يحتمل بقاءه من البول في قصبة الذكر.
وكيفية الاستبراء: أن يمسح الرجل بيده من المقعد إلى أصل القضيب ثلاث مرّات، ثُمَّ يضع إصبعه تحت الذكر وإبهامه فوقه ويمسحه إلى رأس
ــــــ[261]ـــــــ
(1) وإذا زالت حُكم بطهارة الموضع من دون استعمال الماء، وهو حكمٌ تعبّديٌ خاصٌّ في هذا المورد.
(2) لا نجاسةَ من الداخل كالدم، ولا من الخارج، سواء كانت على الجسم كالرجل أو على الأرض؛ فإنَّه قابل للانفعال بالنجاسة مثل سائر المياه.
الفتاوى الواضحة ج1
الحشفة ثلاث مرّات، ثُمَّ ينترها ثلاث مرّات(1).
(122) أمّا فائدة ذلك فهي: أنَّ المستبرئ إذا خرج من ذكره رطوبة يجهل حقيقتها وتردّد أمرها بين البول أو المذي أو الوذي أو الودي – وهي رطوبات تقدّم شرحها في بداية نواقض الوضوء- يحكم بطهارتها، وأنَّها لا توجب الوضوء ولا تنقضه، خلافاً لمن بال ولم يستبرئ وتوضّأ ثُمَّ خرجت منه هذه الرطوبة المشكوك في أمرها، فإنَّها تعتبر حينئذٍ بولاً منجّساً للموضع وناقضاً للوضوء.
وإذا اتّفق للمرأة(2) أن خرج منها بلل تشكّ في أنَّه بول أو رطوبة أُخرى ليست بنجسة، فهو طاهر، ما لم يحصل لها اليقين بأنَّه بول.
ــــــ[262]ـــــــ
(1) أو يعصرها ثلاثاً.
(2) والأحوط لها أن تقوم بالاستبراء بأن: تعصر القُبل عرضاً من منطقة جريان البول ثلاث مرّات. فإن فعلت ذلك، كان البلل المشكوك محكوماً بالطهارة. وأمّا إن لم تفعل، كان مقتضى الاحتياط الحكم بالنجاسة والحدث بالبلل المشكوك، وخاصّة إذا حصل الظنّ بكونه بولاً. وأمّا إذا لم يحصل الظنّ فالاحتياط استحبابيّ، فيحكم بالطهارة.
الفتاوى الواضحة ج1

الطهارة
3
الغُسل
 أحكام عامّة للغُسل
 غسل الجنابة وأحكامها
 غسل الحيض
 المستحاضة وأحكامها
 النفاس وأحكامه
 أحكام الأموات
 الغسل من مسّ الميّت
 الأغسال المستحبّة

أحكام عامّة للغسل
تمهيد
(1) الغسل: هو غسل كلّ البدن – الرأس والرقبة والجسد- وبكيفية تأتي تفاصيلها.
ومنه مستحبّ ومنه واجب، والواجب على قسمين:
واجبٌ لنفسه، وهو غسل الأموات؛ فإنَّ وجوبه ليس من أجل شيء آخر، بل من أجل نفسه(1).
وواجبٌ لغيره، وهو ما وجب من أجل القيام بواجبٍ آخر بوصفه من الإجراءات التي تمهّد له، كغسل الجنابة الذي يجب من أجل الصلاة مثلاً.
والغسل الواجب لغيره أنواع: غسل الجنابة، وغسل الحيض، وغسل الاستحاضة، وغسل النفاس، وغسل مسّ الميّت.
وإذا عطفنا غسل الأموات على هذه الخمسة يكون مجموع الأغسال الواجبة ستّة أنواع. ونتكلّم عن كلّ واحدٍ من الستّة في بحث مستقلٍّ.
والأغسال المستحبّة كثيرة، ولها أوقاتها، أو مواقعها الخاصّة المحدودة شرعاً، وتأتي الإشارة إلى بعضها: كالغسل في يوم الجمعة، والغسل لمن أراد الإحرام لعمرةٍ أو لحجّ.
ــــــ[265]ـــــــ
(1) هذا بحسب علمنا الظاهري مع اليقين بأنَّ تشريعه لا يخلو من حكمة.
الفتاوى الواضحة ج1
والأغسال الواجبة والمستحبّة كلّها عبادات، كالوضوء، فلا يصحّ شيء منها إلَّا مع نيّة القربة.
وتعتبر هذه الأغسال طهارةً ونظافةً شرعاً.
(2) وكلّ غسل لم يأمر به الشارع – إلزاماً ووجوباً أو ندباً واستحباباً- ليس عبادةً ولا طهارة، ولا أثر له شرعاً، فإذا اغتسل الإنسان في غير المواقع التي أمر الشارع فيها بالغسل – إلزاماً ووجوباً أو استحباباً وندباً- لم يصحّ، ولم تقع به الطهارة شرعاً، وبذلك يختلف الغسل عن الوضوء، فقد عرفنا سابقاً أنَّ الوضوء طاعةٌ ومندوبٌ في نفسه في كلّ الأحوال والمواقع؛ لأنَّه مستحبٌّ في كلّ الظروف، فمتى توضّأ بنيّة القربة، صحّ وضوؤه واعتُبر متطهّراً.
وكلّ واحد من الأنواع الخمسة للغسل الواجب لغيره، له سببه الذي يوجبه: كالجنابة والحيض والنفاس والاستحاضة ومسّ الميّت، وهذه الأسباب الموجبة للغسل يسمّى واحدها في عرف الفقهاء بالحدث الأكبر؛ تمييزاً لها عن نواقض الوضوء التي يطلَقُ على كلٍّ واحدة منها اسم الحدث الأصغر، والوضوء طهارة من الحدث الأصغر، والغسل طهارة من الحدث الأكبر.
(3) وكلّ عملٍ مشروطٌ بالطهارة من الحدث الأصغر – أي الوضوء- فهو مشروطٌ بالطهارة من الحدث الأكبر، كالصلاة وغيرها، على ما تقدّم في الوضوء في الفقرة (73).
(4) وكلّ ما يحرم على المحدِث بالحدث الأصغر حتّى يتوضّأ، يحرم أيضاً على المحدِث بالحدث الأكبر حتّى يغتسل، فيحرم عليه مسّ كتابة المصحف الشريف، كما تقدّم في الفقرة (76) من الوضوء.
وهناك أشياء إضافية تحرم بسبب بعض الأحداث الكبيرة – كالجنابة
ــــــ[266]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
والحيض- يأتي الحديث عنها في فصولها.
(5) وإذا صدر من المكلّف الحدثُ الأصغرُ الموجبُ للوضوء والحدثُ الأكبرُ الموجبُ للغسل، كفاه أن يغتسل وأجزأه ذلك عن الوضوء، وكذلك إذا اغتسل بدون حدثٍ أكبر في المواقع التي يكون الغسل فيها مستحبّاً(1)، فإنَّه يكفي ويجزي عن الوضوء أيضاً(2).
وإجزاء الغسل عن الوضوء وكفايته عنه، له استثناءٌ واحدٌ بالنسبة إلى غسل المستحاضة، يأتي توضيحه عند الحديث عن أحكامها، وبيان أنَّ غسلها يجب أن يُضمّ إليه الوضوء أحياناً.
(6) وإذا تراكمت أسباب الغسل – كمن أجنب ومسّ ميّتاً، أو كالمرأة تنقى من حيضها ويقاربها زوجها فتجنب- كفى غسلٌ واحدٌ يقصد به كلّ ما عليه من أغسال، أو واحداً معيّناً عنه فيكفيه عن الباقي.
كيف يغتسل المكلّف؟
(7) الأنواع الخمسة من الغسل الواجب لغيره والأغسال المستحبّة كلّها تتّفق في كيفية الغسل. فالجنب، والحائض إذا نقت، والمستحاضة إذا ابتليت باستمرار الدم، والنفساء إذا انتهى نفاسها، والإنسان إذا مسّ ميّتاً، والمتطوّع إذا تطوّع بغسل جمعةٍ أو غيره من الأغسال المستحبّة؛ كلّ هؤلاء يغسلون على نحو واحد.
ويتميّز عن ذلك جميعاً غسل الأموات؛ فإنَّ له كيفيةً خاصّةً به، وسوف
ــــــ[267]ـــــــ
(1) بشرط أن يكون استحبابه ثابتاً بدليلٍ معتبر، لا بدليل التسامح بأدلّة السنن.
(2) يكفي ويجزي بمعنىً واحد، من: الكفاية والإجزاء (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1
نشرح هنا كيفية الغسل العامّة، تاركين الكيفية التي يتميّز بها غسل الأموات إلى الفصل المختصّ به.
الشروط
الغسل طهارةٌ مائية؛ لأنَّه لا يتمّ إلَّا بالماء.
(8) والشروط في ماء الغسل هي نفس الشروط في ماء الوضوء، من إطلاق الماء، وطهارته، وإباحته. وينطبق هنا كلّ ما تقدّم في الفقرة (2) و (3) و (4) و (5) و (6) من فصل الوضوء(1).
(9) والشروط في المغتسِل هي:
أوّلاً: طهارة المواضع التي تُغسَل(2).
وثانياً: أن يكون المغتسِل في حالة صحّية على نحوٍ لا يضرّ به الغسل(3) ضرراً خطيراً.
وثالثاً: نيّة القربة.
وكلّ ذلك كما تقدّم نظيره في الوضوء في الفقرة (7). وكان من شروط المتوضّئ أن يكون في مكانٍ مباحٍ عند المسح، وحيث لا مسح في الغسل فليس هذا من شروط المغتسل. وكلّ ما تقدّم في الفقرات (8) و (9) و (10) و(11) و (12) من شروط المتوضّئ وأحكام النيّة يجري هنا أيضاً.
ــــــ[268]ـــــــ
(1) راجع التعليقات على هذه الفقرات.
(2) وهي جميع البدن.
(3) أمّا الضرر الخفيف فلابدَّ من تحمّله ما لم يكن مشقّة أو حرج. ومع الشكّ في كون الضرر كبيراً أو كون المورد محرجاً، فالظاهر بقاء وظيفة الغسل وعدم الانتقال إلى التيمّم.
الفتاوى الواضحة ج1
وقد تقدّم في الفقرة (15) من الوضوء: أنَّ المباشرة شرطٌ في الوضوء، وكذلك هي شرط في الغسل بالمعنى المتقدّم في تلك الفقرة.
كيفية الغسل
للغسل الشرعي صورتان: ترتيبٌ وارتماس.
(10) والترتيب: أن تفيض الماء على الرأس والرقبة كيفما بدأتَ وانتهيت، ولا تدع منهما شيئاً، ثُمَّ على سائر البدن كيف اتّفق(1)، إن شئت قدّمت الجانب الأيمن، وإن شئت قدّمت الأيسر، وإن شئت أفضت عليهما معاً دفعةً واحدةً، ويجب الاستيعاب والاستغراق، وغسل البشرة والشعر معاً.
ولا يكفي إذا كان العضو في داخل الماء أن تحرّكه وهو في الماء، فإنَّ تحريك العضو في داخل الماء ليس غسلاً له، وإنَّما يحصل الغسل بإدخاله فيه بقصد الغسل أو صبّ الماء عليه.
ولا يجب التتابع في الغسل، بل يمكنك أن تغسل رأسك أو شيئاً من رأسك(2) في ساعة، وتكمل في ساعة أُخرى ولو طال الفاصل الزمني(3).
(11) أمّا غسل الارتماس فهو: أن يرمس الجنب جميع بدنه في الماء، سواء كان الماء كرّاً أو أقلّ من ذلك، بحيث يستوعب الأجزاء ويغمرها بالكامل. وإذا كان الشعر كثيفاً ومتراكماً، فرّقه بيده حتّى يعلم بوصول الماء إلى
ــــــ[269]ـــــــ
(1) بل الأحوط وجوباً تقديم الجانب الأيمن على الأيسر.
(2) الموالاة في العضو الواحد واجبةٌ على الأحوط، وإن لم تكن واجبة بين عضوٍ وآخر. والأحوط أن لا تطول نهاراً كاملاً أو ليلاً كاملاً، فإن طالت فالأحوط: تكرار غسل ما سبق غسله احتياطاً ثُمَّ إكمال الباقي.
(3) ألمعنا إلى مناقشته في الحاشية السابقة.
الفتاوى الواضحة ج1
الكلّ عند ارتماسه في الماء. وأيّ موضع من البدن لا يصل إليه الماء عادةً بتلك الارتماسة، يجب غسله على الفور وبلا فاصل ملحوظ.
وتبدأ النيّة في الارتماس(1) بابتداء عملية الارتماس، ولا يكفي أن تكون عند تغطية تمام البدن فقط.
(12) وفي الترتيب والارتماس معاً يجب غسل الشعر، طويلاً كان أم قصيراً، كثيفاً أم رقيقاً، كما يجب غسل ما تحته من الجلد، ولا يجب غسل ما يعدّ من باطن الجسم لا من ظاهره، كباطن الأنف، ومطبق الشفتين، ولا ما يشكّ في أنَّه من الباطن أو الظاهر إلَّا مع العلم السابق بأنَّه كان من الظاهر ثُمَّ طرأ الاحتمال والشكّ في تبدّله وتحوّله إلى الباطن.
(13) والغسل الترتيبي خيرٌ من الارتماسي وأحسن عملاً، ومن عزم على الغسل الترتيبي وابتدأ به، فله أن يعدل عنه إلى الارتماسي.
ويجب أن يلاحظ في الغسل الترتيبي والارتماسي معاً الأُمور التالية:
(14) أوّلاً: أن يكون قاصداً للغسل عند إيصال الماء إلى البدن؛ وذلك بإسالة الماء عليه، أو بإدخال البدن في الماء بنيّة الغسل، ولا يكفي إذا كان العضو أو البدن في داخل الماء أن تحرّكه وهو في الماء. فمن غمس بدنه في حوض أو بركة وغمره الماء وأراد أن يغتسل بذلك الحوض أو البركة، فلا
ــــــ[270]ـــــــ
(1) الأحوط إدخال الجسد في الماء بنيّة الغسل، بمعنى: أنَّه إن كان في الماء فيجب أن يخرج منه تماماً ثُمَّ يدخل بنيّة الغسل. ويحاول إيصال الماء إلى كلّ أجزاء بدنه الظاهرة، بما فيها شعره وأذنه وشفتيه وباطن قدمه وما بين أصابعه ونحو ذلك، كلّ ذلك تحت الماء، ويتمّ الغسل في اللحظة التي يتمّ فيها الانغمار بالماء، والأحوط استحباباً ترك الغسل الارتماسي واختيار الترتيبي، بل هو الأفضل شرعاً أيضاً.
الفتاوى الواضحة ج1
يمكنه أن ينوي الغسل وهو هكذا ويكتفي بتحريك جسده، بل يتعيّن عليه إذا أراد الغسل الارتماسي أن يخرج شيئاً من بدنه(1) – كجبهته وعينيه مثلاً – ويعود إلى الماء مرّةً ثانيةً بقصد الغسل. وإذا أراد الغسل الترتيبي(2)، يتعيّن عليه عند غسل رأسه ورقبته أن يخرج كامل رأسه ورقبته ثُمَّ يغمسهما في الماء بقصد الغسل، وعند غسل سائر جسده(3) أن يخرجه كاملاً من الماء ثُمَّ يغمسه فيه بقصد الغسل.
(15) ثانياً: أن يمسّ الماء بدن المغتسل بدون حاجزٍ ومانع، بالتفاصيل المتقدّمة في الفقرة (25) من فصل الوضوء(4).
(16) ثالثاً: أن يكون الماء بدرجةٍ تجعله يستولي ويجري على بدن المغتسل، كما تقدّم بشأن الوضوء في الفقرة (26).
صدور ما يوجب الوضوء في أثناء الغسل
(17) إذا حدث منه – أو منها- ما يوجب الوضوء كالبول ونحوه وهو قائمٌ بعملية الغسل من الجنابة، أو من مسّ الميّت، أو غيرهما من الأنواع
ــــــ[271]ـــــــ
(1) بل كلّ بدنه على الأحوط.
(2) هذا هو الغسل الترتيبي عن طريق الارتماس في الماء لا عن طريق صبّ الماء.
(3) بناءً على ما قلناه من وجوب البدء بالطرف الأيمن: يجب أن يخرج من الماء تماماً ثُمَّ يدخله لأجل غسل طرفه الأيمن ثُمَّ يخرج من الماء ثُمَّ يدخله لأجل غسل طرفه الأيسر. وإذا أمكن الاقتصار على غمس الطرف في الماء دون الآخر، كما لو اضطجع في الماء الضحل، كفاه؛ فإنَّ المهمّ هو الغسل وليس الارتماس كالغسل الارتماسي الكامل.
(4) كلّما حوّلَنَا السيّد على فقرةٍ سابقة، يرجى مراجعة التعليق عليها.
الفتاوى الواضحة ج1
الخمسة الواجبة من الغسل، فماذا يصنع؟
الجواب: يتمّ الغسل(1)، وترتفع بذلك الجنابة أو غيرها ممّا أوجب الغسل، ولكنّه لا يجزي ولا يكفي عن الوضوء، فيجب عليه أن يتوضّأ. وإذا عدل المغتسِل بعد صدور ما يوجب الوضوء منه من الغسل الترتيبي إلى الارتماسي، جاز له ذلك، وأجزأه عن الوضوء(2) أيضاً في كلّ حالة كان الغسل فيه مجزياً عن الوضوء بمقتضى نوعه وأصله.
صدور ما يوجب الغسل في أثناء الغسل
(18) إذا أحدث بما يوجب الغسل وهو قائم بعملية الغسل، فما هو الحكم؟
الجواب: إن كان الموجب الثاني من نوع الموجب الأوّل – كما لو كان يغتسل من الجنابة وأجنب ثانيةً- استأنف الغسل وأعاده من جديد.
وإن كان الموجب الثاني مبايناً للموجب الأوّل في النوع – كما لو مسّ الميّت في أثناء غسل الجنابة – فله أن يتمّ الغسل مستمرّاً على نيّته، ولكن على وجه الرجاء والاحتمال في أنَّ وظيفته الإتمام(3)، ثُمَّ يعيد الغسل على أساس احتمال أنَّ إعادته مطلوبة شرعاً. وله أيضاً أن يقطع الغسل(4) ويأتي بغسل جديد.
ــــــ[272]ـــــــ
(1) الأحوط في مثله: إعادة ما كان قد جاء به من الغسل بقصد الاحتياط أو ما في الذمّة وإكمال الغسل ثُمَّ التوضّي بقصد القربة المطلقة. والأحوط استحباباً والأفضل: أن يتجنّب الحدث الأصغر خلال الغسل.
(2) على الأظهر، وإن كان الأحوط إنجازه.
(3) بمعنى: أنَّه حين يُمارس إتمام الغسل لا يفترض بصورة مؤكّدة أنَّ ذلك مطلوب منه، بل يتمّه على أساس احتمال أنَّه مطلوب (الماتن).
(4) وهو الأحوط.
الفتاوى الواضحة ج1
فإن أتى بالارتماسي، ساغ له أن ينوي بالغسل المستأنف الجنابة أو مسّ الميّت أو كلا الأمرين. وإن استأنفه بالترتيب، نوى الخروج عن العهدة شرعاً(1).
مسائل تتّصل بشرط الإباحة
(19) من اغتسل وعلى عورته ساترٌ، أو على جزءٍ آخر من بدنه، وكان هذا الساتر مغصوباً، صحّ منه الغسل ما دام لا يحجب ولا يمنع من إسالة الماء على البشرة (أي ظاهر الجلد)، ولكنّه يأثم؛ لمكان الغصب وفعله.
(20) ومن غصب وقوداً أو موقداً كهربائياً – مثلاً- وأحمى به ماءً مباحاً واغتسل به، صحّ غسله، وإن كان آثماً؛ لفعل الغصب.
(21) ومن اغتسل في إحدى الحمّامات التجارية وكان من قصده منذ البداية أن لا يعطي العوض لصاحب الحمّام، أو يعطيه من مالٍ حرام، أو بعد حينٍ، دون أن يخبر صاحب الحمّام بالتأجيل، فهل يصحّ منه الغسل أو يبطل؟
الجواب: للصحّة وجهٌ وجيه(2)، ولكنّ الأولى استحباباً: إعادة الغسل.
غسل الجبيرة
(22) في فصل الوضوء تكلّمنا عن وضوء الجبيرة الذي يجب على الكسير والجريح والمقروح، ونشير هنا إلى غسل الجبيرة ضمن النقاط التالية:
أوّلاً: في حالات وجود جرحٍ وقرحٍ، يُسمح للمكلّف الذي حصل له
ــــــ[273]ـــــــ
(1) أي: بقصد ما في الذمّة.
(2) إذا كان الفرد ناوياً على عدم إعطاء الأُجرة، أو دفعها من مال حرام، فالأحوط وجوباً: إعادة الغسل بشكلٍ صحيح.
الفتاوى الواضحة ج1
موجب الغسل أن يغتسل، ويكتفي بغسل أطراف الجرح والقرح، كما يُسمح له بأن يتيمّم(1).
ثانياً: الكسير الذي شدّ العضو المريض بجبيرة، يغتسل ويمسح على الجبيرة، تماماً كالمتوضّئ الكسير.
ثالثاً: الكسير الذي لم يضع جبيرةً على محلّ الكسر، يجب عليه التيمّم(2)، ولا يُكتفى منه بالغسل الناقص.
كلّ ذلك إذا كان الغسل بالصورة الاعتياديّة غير ميسورٍ للمكلّف. وأمّا إذا تيسّر له ذلك بدون ضرر أو إحراج، وجب عليه أن يغتسل بالطريقة الاعتياديّة.
حول أحكام الخلل في الغسل
(23) إذا حصل ما يوجب الغسل وشكّ المكلّف في أنَّه هل اغتسل أو لا؟ وجب عليه أن يغتسل، ومن هذا القبيل من علم بأنَّه قد دخل الحمّام بقصد الغسل من الجنابة أو غيرها، ولكن بعد أن خرج منه بأمدٍ حدث له الشكّ في أنَّه هل اغتسل، أم سها عنه فلم يغتسل، أو انصرف عن الغسل لسبب كان قد فجأه عند الدخول إلى الحمّام – مثلاً-؟ ففي مثل هذه الحالة يجب عليه أن يغتسل؛ لأنَّه باقٍ على حكم الجنب.
(24) وإذا اغتسل – أو اغتسلت- ثُمَّ علم بعد الانصراف أو في الأثناء أنَّه لم يغسل على الترتيب المطلوب شرعاً، فلم يقدّم الرأس والرقبة على
ــــــ[274]ـــــــ
(1) بل يكتفى بغسل ما حول الجرح إن كان مكشوفاً.
(2) إذا كان في الجبيرة نفع أو دفع للضرر مهما كان قليلاً، فالأحوط: وضعها والمسح عليها.
الفتاوى الواضحة ج1
الجسد، بل غسلهما في ضمن الجسد، بأن صبّ الماء على بدنه كلّه بدون ملاحظة ذلك، اكتفى بما وقع منه(1) من غسل للرأس والرقبة، ووجب عليه أن يعيد غسل جسده(2) (الجسد ما عدا الرأس والرقبة من البدن).
(25) وإذا اغتسل على الترتيب ثُمَّ علم بعد الانصراف أنَّه ترك غسل عضوٍ من أعضائه فماذا يصنع؟
والجواب: إن كان هذا العضو هو الرأس أو الرقبة أو جزءاً منهما، وجب عليه أن يغسله(3)، ويعيد بعد ذلك غسل جسده. وإن كان هذا العضو(4) في الجسد كاليد والرجل، اقتصر على غسله ولم يُعِدْ غسل سائر الأعضاء.
(26) وإذا اغتسل – أو اغتلست- وشكّ في أنَّه هل لاحظ الترتيب في غسله وقدّم الرأس والرقبة على الجسد، فماذا يصنع؟
والجواب: إنَّه يعتبر غسله صحيحاً ولا يعيده.
(27) وإذا اغتسل – أو اغتلست- وبعد الانصراف شكّ في أنَّه هل غسل رأسه أو رقبته، أو شكّ في غسل جزء منهما؟ بنى على أنَّ غسله صحيح
ــــــ[275]ـــــــ
(1) إذا أحرز الفرد أنَّ الترتيب واقع ولو صدفةً، كان غُسله صحيحاً على الأظهر.
(2) وعلى ما قلناه يعيد غسل الجانب الأيمن ثُمَّ الأيسر.
(3) يعني: المقدار الذي لم يغسل.
وعلى ما قلناه من وجوب الموالاة في العضو الواحد: يجب أن يعيد غسل الرأس كلّه. ومن هنا يكون قد أعاد الغسل من أوّله.
(4) إن كان هذا في الجانب الأيمن، وجب احتياطاً غسل الجانبين. وإن كان في الجانب الأيسر وجب غسله وحده. وينوي في كلّ صورة: إمرار الماء على ما كان قد انغسل احتياطاً، وعلى الجزء الباقي وجوباً.
الفتاوى الواضحة ج1
ولا يعيده.
ويجري الحكم نفسه إذا كان يغسل جسده – أي ما سوى الرأس والرقبة من البدن- وشكّ في غسل الرأس أو الرقبة، فإنَّه لا يعيد، بل يتمّ غسله. وأمّا إذا شكّ في غسل الرأس أو الرقبة أو جزءٍ منهما قبل أن يبدأ بغسل الجسد، فيجب عليه أن يغسل ما شكّ في غسله.
(28) وإذا اغتسل وغسل رأسه ورقبته وانحدر إلى جسده، ثُمَّ شكّ في أنَّه هل غسل هذا العضو من جسده – كاليد أو الصدر أو أيّ عضو آخر من الجسد- وجب عليه أن يرجع إلى العضو المشكوك ويغسله، ولا يعيد غسل ما عداه، سواء حصل الشكّ لديه بعد الانصراف من الغسل(1) أو في الأثناء، ولا فرق بين أن يكون(2) العضو المشكوك في الجانب الأيمن من البدن أو الأيسر.
(29) إذا لم يكن شاكّاً في غسل العضو من الأساس، بل علم بغسل العضو المعيّن، ولكنّه شكّ في صحّة غسله وفساده – مثلاً احتمل أنَّه غسله بماءٍ نجسٍ أو مضاف- فيبني على الصحّة ولا تجب الإعادة، سواء حصل له
ــــــ[276]ـــــــ
(1) إذا كان الشكّ بعد الانصراف، بنى على صحّة غسله، ولا يعتني ما لم يحصل الوثوق أو العلم بالترك.
(2) إذا بنينا على وجوب تقديم الجزء الأيمن – كما قلنا- فإن كان الشكّ بترك بعضه خلال الاشتغال بغسله، وجب غسله.
وليس كذلك إذا انتقل إلى الجزء الأيسر، وإن كان الأحوط استحباباً ذلك. وإن كان الشكّ في قسمٍ من الجزء الأيسر خلال الاشتغال به، أتى به، وكذلك إن كان بعده وقبل الشعور بالانتهاء. وأمّا لو شعر بالانتهاء أو اشتغل بشيءٍ غير الغسل، لم يعتنِ بالشكّ.
الفتاوى الواضحة ج1
هذا الشكّ بعد الانصراف من الغسل، أو في أثنائه بعد الانتقال من غسل ذلك العضو إلى غسل عضوٍ آخر، أو بمجرّد الفراغ من غسل ذلك العضو(1) وقبل الانتقال إلى غسل عضوٍ آخر.
ــــــ[277]ـــــــ
(1) هذا إذا كانت القواعد الأُخرى تصحّحه كاصألة الطهارة في المثال. وأمّا إذا لم تكن مصحّحة له، فالأحوط البناء على البطلان ما لم يدخل في الجزء الآخر من الغسل.
الفتاوى الواضحة ج1 

غسل الجنابَة وأحكامها
سبب الجنابة
المراد بالجنابة هنا أمرٌ معنويٌّ شرعيّ، وسببه أمران: خروج المنيّ، والجماع.
وكلمة >جُنُب< تطلق على الذكر والأُنثى، والواحد، والجمع، والمثنّى.
والفقهاء يسمّون مَن جامَع أو خرج منه المنيّ جُنُباً، وقد يكون من مبرّرات ذلك(1) أنَّه يجتنب الصلاة ونحوها.
1. خروج المنيّ
(30) ونتحدّث الآن عن السبب الأوّل، وهو خروج المنيّ من القُبُل، فإنَّه موجب للغسل الشرعي من الجنابة، قليلاً كان أم كثيراً، في اليقظة أم في النوم، ومع الاضطرار والاختيار بالجماع وغيره.
وقد يخرج من غير القُبُل والموضع المعتاد، أو يخرج بلون الحمرة كالدم لمرضٍ أو لأيّ سببٍ آخر، فيلحقه حكم المنيّ(2) الاعتيادي، شريطة العلم
ــــــ[278]ـــــــ
(1) حسب فهمي: أنَّ المعنى الحقيقي للجنابة هو خروج المنيّ، وحصل التوسّع المجازي منه إلى أثره الشرعي المعنوي وإلى الأسباب الأُخرى المنتجة لنفس الأثر كالجماع بدون إنزال. ولفظ الجنابة وغسل الجنابة موجود في الروايات عن المعصومين (عليهم السلام)، ولا اختصاص له بالفقهاء كما يُفهم من الكتاب.
(2) إذا كان فيه أوصافه الآتية، دون ما إذا كان فاقداً لها.
الفتاوى الواضحة ج1
واليقين بأنَّه منيّ.
وكذلك إذا خرج(1) بدون لذّة، أو بأيّ صفة أُخرى غريبة ما دام من المعلوم أنَّه منيّ.
والعبرة في وجوب الغسل بسبب المنيّ: أن يبرز ويخرج من الجسم، ولا أثر إطلاقاً لمجرّد تحرّكه في داخل الجسم، سواء أحدث ذلك في اليقظة أم في المنام.
(31) إذا علمنا بأنَّ هذا الخارج منيٌّ ألحقنا به أحكامه كما عرفت. ولكن قد يخرج من الرجل ماء يشكّ في أنَّه هل هو منيّ أو غير منيّ؟ فماذا يصنع؟
الجواب: لابدّ في هذا الفرض من اللجوء إلى ثلاثة أوصاف، وهي: الخروج مع اللذّة، والدفق (أي الخروج بشدّة)، وفتور الجسم – أي حالة الاسترخاء- عقيب خروجه، فإن اجتمعت هذه الأوصاف الثلاثة بالكامل في المشكوك، كان حكمه حكم المنيّ. وإذا انتفى وصفٌ واحدٌ منها مع سلامة الجسم من المرض، فلا يرتّب عليه آثار المنيّ.
أمّا منيّ المريض فلا يشترط – ليتعرّف عليه- الدفق، بل يكفي للحكم على ما يخرج من المريض بأنَّه منيّ: أن يجتمع فيه وصفان فقط: اللذّة والفتور، وإذا انتفى واحد منهما فلا يرتّب عليه آثار المنيّ.
(32) إذا خرج من الرجل منيّ واغتسل من الجنابة، وبعد الغسل رأى رطوبةً لا يعلم هل هي من بقيّة المنيّ السابق قد تخلّفت في المجرى أو سائل طاهر كالوذي – مثلاً- فهل يجب عليه أن يعيد الغسل ثانيةً؟
ــــــ[279]ـــــــ
(1) إذا صدق عليه عرفاً حالة إجناب. وكذلك حكم التعليقة السابقة على الأحوط.
الفتاوى الواضحة ج1
الجواب: إذا كان قد بال قبل أن يغتسل فلا شيء عليه، وإلَّا كانت الرطوبة بحكم المنيّ وأعاد الغسل.
وإذا خرج منه منيّ واغتسل قبل أن يبول، ثُمَّ بال بعد الغسل واحتمل خروج شيء من المنيّ مع بوله، فلا شيء عليه.
(33) وإذا خرج منه ماءٌ جديدٌ وعلم بأنَّه بولٌ أو منيٌّ ولم يستطع أن يميّزه، فماذا يصنع؟
الجواب: إذا كان المكلّف قبل خروج هذا الماء منه متطهّراً ولا وضوء عليه ولا غسل، وجب عليه في هذا الفرض الوضوء والغسل معاً.
وإذا كان قد حصل منه ما يوجب الوضوء، توضّأ، ولا غسل عليه.
وإذا كان قد حصل منه ما يوجب الجنابة، اغتسل، ولا وضوء عليه.
(34) وقد تسأل وتقول: هذا كلّه عن منيّ الرجل فماذا عن المرأة؟
والجواب: أنَّ المرأة إذا خرج الماء منها بسبب حالة شهوةٍ وتهيّجٍ جنسيّ، وجب عليها أن تغتسل(1)، وتضيف إلى غسلها الوضوء إذا كان قد حصل لها ما يوجب الوضوء قبل خروج ذلك الماء أو بعده.
وإذا خرج الماء منها وهي ليست في حالة شهوةٍ وتهيّج، لم يجب عليها شيء، حتّى ولو كان في وقت مداعبة الزوج لها إذا لم تتأثّر بالمداعبة عاطفياً.
2. الجماع
(35) أشرنا فيما سبق إلى أنَّ سبب الجنابة أمران: خروج المنيّ، والجماع. وأيضاً سبق الكلام عن السبب الأوّل، والآن نشير إلى السبب الثاني (أي
ــــــ[280]ـــــــ
(1) على الأحوط، ولتنوِ الغسل بما في الذمّة، ثُمَّ تتوضّأ بقصد القربة المطلقة.
الفتاوى الواضحة ج1
الجماع). ويتحقّق بإيلاج(1) الحشفة في الفرج – قُبُل المرأة- إن كانت الحشفة سليمة، أو بمقدارها من الذَّكَر إن كانت مقطوعة، حتى ولو لم ينزل المني، فإذا تحقّق الجماع بهذا المعنى، وجب الغسل على الواطئ وعلى المرأة الموطوءة معاً، وكانا جنبين، سواء كانا صغيرَين أم كبيرَين، عاقلَين أم مجنونين، مختارَين أو مضطرّين.
(36) وهناك حالات أُخرى يجب أن نعرف حكمها، وهي كما يأتي:
1. الإيلاج في دبر امرأة(2) أو ذكر.
2. الإيلاج في بهيمة.
3. الإيلاج في ميّت.
4. الإيلاج ببعض الحشفة.
وفي هذه الحالات يجب على المباشر الفاعل الغسل(3)، ولكن لا يكتفي به إذا كان قد حدث منه ما يوجب الوضوء قبل ذلك الإيلاج أو بعده، بل يضمّ إليه الوضوء أيضاً، وحكم الإنسان المفعول به في الحالة الأُولى والرابعة حكم المباشر الفاعل.
(37) يسوغ للإنسان أن يوجد السبب الموجب للجنابة بمقاربة
ــــــ[281]ـــــــ
(1) الإيلاج هو الإدخال (الماتن).
(2) لابدَّ أن يراد في هذا وما بعده الإيلاج بلا إنزال؛ إذ معه يتعيّن الغسل على الفاعل بلا إشكال.
(3) في الحالات الثلاثة الأُولى – بدون إنزال- الأحوط إيجاد الغسل ولكن بقصد ما في الذمّة، والوضوء بعده بقصد القربة المطلقة. وكذلك المفعول به في الحالة الأُولى. وأمّا في الحالة الرابعة فلا يجب شيء على الأظهر.
الفتاوى الواضحة ج1
زوجته، حتّى ولو علم بأنَّه لن يتمكّن من الغسل وسيضطرّ إلى التيمّم للصلاة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون إتيانه لأهله – والحالة هذه- قبل دخول وقت صلاة الفريضة أو بعد دخولها.
الحاجة إلى غسل الجنابة
(38) غسل الجنابة طاعة ومندوب في نفسه، وكذلك هو شرط في عبادات أُخرى، فلا تصحّ تلك العبادات بدون أن يغتسل الجنب. وقد تقدّم في الفقرة (3) من هذا الفصل: أنَّ كلّ ما يكون الوضوء من المحدِث بالحدث الأصغر شرطاً لصحّته، يكون الغسل من المحدِث بالحدث الأكبر – كالجنابة- شرطاً لصحّته أيضاً، وعلى هذا الأساس يجب الغسل من الجنابة كشرط للصحّة في الصلوات الخمس أداءً وقضاءً، وفي ركعاتها الاحتياطية وأجزائها المنسيّة التي تؤدّى بعد الصلاة، وكذلك هو شرط للصحّة في الصلاة المندوبة، حيث لا صلاة بلا طهور، ولطواف الحاجّ أو المعتمر، ولصلاة الطواف.
وليس الغسل شرطاً للصلاة على الأموات، كما لم يكن الوضوء شرطاً لها، فيجوز للجنب أن يصلّي على الميّت، وليس شرطاً لسجدتي السهو(1)، تماماً كالوضوء.
(39) ويزيد الغسل على الوضوء:
أوّلاً: بأنَّه شرطٌ للطواف المستحبّ؛ لأنَّ الجنب لا يمكنه دخول المسجد الحرام، فضلاً عن الطواف فيه حول الكعبة الشريفة.
ــــــ[282]ـــــــ
(1) الأحوط إيجادهما بغسل ووضوء؛ لأنَّهما تدارك لما في الصلاة من نقص.
الفتاوى الواضحة ج1
ثانياً: بأنَّه شرطٌ لصيام شهر رمضان وقضائه(1)، فعلى الجنب أن يغتسل قبل الفجر ليصحّ منه الصوم، على تفصيلات نتركها لفصل الصوم. وليس شرطاً للصوم المستحبّ، فيمكن للجنب أن يصوم ويصبح صائماً وهو جنب.
وثالثاً: بأنَّه شرطٌ للاعتكاف؛ لأنَّ الجنب لا يمكنه المكث في المسجد.
وسيأتي في الفقرة (45) و ما بعدها: أنَّ هناك أشياء تحرم على الجنب فلا تحلّ له إلَّا بالغسل.
حول أحكام الخلل
(40) إذا نسي الجنب جنابته وصلّى، كانت صلاته باطلةً، ووجب عليه أن يغتسل ويعيدها.
وقد يخرج المنيّ من الإنسان دون اختيارٍ منه وإرادة، بل دون أن يشعر بخروجه. وعليه فإذا احتلم وخرج منه منيّ وهو لا يعلم فتوضّأ وصلّى ثُمَّ علم بحالته، وجب عليه أن يغتسل ويعيد الصلاة.
(41) وإن صادف أن رأى على ثوبه أو بدنه منيّاً وأيقن أنَّ هذا المنيّ منه، لا من شخص آخر، حيث لا سبيل لأيّ احتمالٍ أن يكون من غيره، وأيضاً أيقن أنَّه لم يغتسل منه، إن صادف ذلك، وجب أن يغتسل من الجنابة. أمّا ما مضى من صلاته وانتهى وقتها، فليس عليه أن يقضي أيّ فريضة فات وقتها وانتهى إذا كان يظنّ أو يحتمل أنَّه قد أدّاها وأتى بها قبل هذه الجنابة، وإنَّما يجب عليه أن يقضي كلّ فريضة انتهى وقتها ويعلم بأنَّه أدّاها وأتى بها بعد وقوع تلك الجنابة.
ــــــ[283]ـــــــ
(1) بل لكلِّ صوم، فإنَّ البقاء مجنباً عمداً عند الفجر، مانع لأيّ صوم.
الفتاوى الواضحة ج1
وإذا كان قد صلّى صلاةً ولم ينتهِ وقتُها بعد، فيجب عليه إعادتها، إلَّا إذا علم بأنَّها كانت قبل وقوع تلك الجنابة.
(42) وقد يَستعمل اثنان لباساً واحداً على التعاقب والتناوب، ثُمَّ يظهر على اللباس منيٌّ يعلم كلٌّ منهما أنَّه من أحدهما يقيناً، ولكن لا على التعيين فهل يجب الغسل عليهما؟ وعلى من يجب الغسل؟
الجواب: توجد هنا حالات كما يأتي:
أوّلاً: إذا كان كلٌّ منهما ينتفع بغسل الآخر وطهارته، فيجب على كلٍّ منهما الغسل.
ومثال ذلك: أن يكون كلٌّ منهما عادلاً فينتفع الآخر بطهارته، حيث يتيح له ذلك الائتمام به، ففي هذه الحالة يجب على كلٍّ منهما الغسل.
ثانياً: إذا كان أحدهما ينتفع بغسل الآخر وطهارته، وأمّا الآخر فلا ينتفع في طهارته بشيء، فيجب الغسل على المنتفع خاصّة.
ومثال ذلك: أن يكون أحدهما جديراً بالاقتداء به في الصلاة، والثاني غير جدير بذلك، فالثاني ينتفع بطهارة الأوّل إذا أُتيح له الائتمام به، والأوّل لا ينتفع بطهارة الثاني، وفي هذه الحالة يجب الغسل على المنتفع خاصّة.
وفي كلتا الحالتين: لا يجوز للمنتفع إذا اغتسل أن يأتمّ بالآخر ما دام الآخر لم يغتسل.
ثالثاً: إذا كان كلٌّ منهما لا ينتفع بغسل الآخر وطهارته، فلا يجب الغسل على أحد منهما.
ومثال ذلك: أن يكون كلٌّ منهما غير واثقٍ، بجدارة صاحبه للاقتداء به في الصلاة، فيجوز لكلٍّ منهما أن يصلّي صلاته بدون غسل.
ــــــ[284]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
وفي كلّ الحالات الثلاث(1) إذا كان هناك ثالث ينتفع بطهارة كلّ منهما بأن كان متمكّناً عادةً من الصلاة خلفهما وواثقاً بجدارتهما لذلك، فيجب على هذا الثالث أن يجتنب الصلاة خلف كلّ منهما ما لم يغتسل(2).
(43) من شكّ في حصول الجنابة منه، بنى على أنَّه ليس جنباً، ومن ذلك: أن يشكّ في تحقّق الإيلاج الموجب للغسل، أو يتذكّر بأنَّه رأى في منامه حلماً ويشكّ في خروج المني منه، ففي مثل ذلك لا يجب الغسل.
(44) الجُنُب إذا اعتقد بأنَّه اغتسل، فدخل في الصلاة وشكّ في أثنائها هل أنَّه اغتسل حقّاً؟ بطلت صلاته، وكان عليه أن يغتسل ويعيد الصلاة.
وهذا الإنسان إذا فرغ من الصلاة ثُمَّ شكّ هل أنَّه كان قد اغتسل من جنابته؟ وجب عليه أن يغتسل ولا يعيد الصلاة.
وهذا الإنسان الذي شكّ: إذا صدر منه ما يوجب الوضوء قبل أن يغتسل، اغتسلَ وأعاد الصلاة(3) ما دام وقتها باقياً، ولم يكتف بهذا الغسل للصلوات الآتية، بل يتوضّأ لها أيضاً.
ما يحرم على الجُنب حتّى يغتسل
تقدّم في الفقرة (4) من هذا الفصل: أنَّ كلّ ما يوجب الغسل إذا حصل
ــــــ[285]ـــــــ
(1) الأولى – بشكل مؤكّد – إيجاد الغسل من كلا الشخصين بقصد الواقع أو ما في الذمّة.
(2) كان الأَولى أن يقول: ما لم يغتسلا معاً، أو يقول: ما لم يغتسل مَن يراد الصلاة خلفه.
(3) اغتسل وتوضّأ بقصد القربة المطلقة وأعاد الصلاة. ومنه نفهم حكم الصلوات الآتية المشار إليها في المسألة.
الفتاوى الواضحة ج1
من الإنسان، حرم عليه مسّ كتابة المصحف الشريف، تماماً كما يحرم على من حصل منه ما يوجب الوضوء، فيحرم على الجنب مسّ كتابة المصحف، ولا يحرم عليه مسّ اسم الجلالة(1) وصفاته في غير النصّ القرآني المكتوب في المصحف، وأسماء الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام).
ويحرم على الجنب إضافةً إلى مسّ كتابة المصحف أُمور هي:
(45) أوّلاً: قراءة آية السجدة من سور العزائم وهي: السجدة (آية 15)، وفصّلت (آية 37)، والنجم (آية 62)، والعلق (آية 19).
(46) وثانياً: التواجد في الحرمين الشريفين: المسجد الحرام ومسجد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإنَّهما محرّمان على الجنب، ولا يسمح له بالمكث فيهما، ولا بمجرّد المرور والاجتياز أيضاً.
(47) ثالثاً: التواجد في غير الحرمين من المساجد؛ فإنَّه حرام على الجنب بكلّ أشكاله، وتستثنى من ذلك حالتان:
الأُولى: أن يكون للمسجد بابان، فيجتاز الجنب المسجد؛ بأن يدخل من باب ويخرج من الباب الآخر مباشرةً بدون مكث.
الثانية: أن يدخل إلى المسجد لأخذ شيء فيه(2)، كما لو كان له متاع أو كتاب في المسجد فيدخل ويأخذه ويخرج بدون مكث.
وبالمقارنة بين المحرّمين الثاني والثالث يتّضح: أنَّ استثناء هاتين الحالتين
ــــــ[286]ـــــــ
(1) هذا وغيره من الأسماء المقدّسة مسّها جائز على القاعدة، ولكن الأفضل اجتنابه أخذاً بالأدب الشرعي والأخلاقي بقصد الاحترام لها مع التفات المكلّف إلى ذلك.
(2) ولكن لا يجوز أن يضع في المسجد شيئاً على الأحوط. والأحوط أيضاً أن يكون الأخذ حال الاجتياز لا أن يذهب ويعود.
الفتاوى الواضحة ج1
لا يشمل المسجد الحرام ومسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويختصّ بغيرهما من المساجد.
(48) والعتبات المقدسة التي في وسطها القبر الشريف للمعصوم (عليه السلام) يجري عليها حكم المساجد من هذه الناحية، دون الأروقة(1).
(49) والتحريم الذي ذكرناه على الجنب بالنسبة إلى المساجد، يعمّ ويشمل مساجد الله بالكامل، المعمور منها والمهجور والخراب، أينما كان ويكون، في شرق الأرض وغربها.
(50) إذا جهلنا وشككنا في: أنَّ هذا البناء أو هذا الموضع والمكان – مثلاً- هل هو جزء من المسجد، أو أنَّه تابع له ووقف خاصّ به دون أن يشمله ويصدق عليه اسم المسجد، فهل تجري عليه أحكام المسجد؟
الجواب: المتّبَع هنا عمل المسلمين من أهل البلد الذي فيه المسجد، وسيرتهم فيما يفعلون، فإن كانت على وفق أحكام المسجد فهو كذلك، وإلَّا فلا تجري أحكام المسجد(2).
(51) إذا لم يكن الجنب قادراً على الطهارة من الجنابة، فلا يُستأجر(3)
ــــــ[287]ـــــــ
(1) الأحوط شمول حكم المساجد لكلِّ البنيّة الموجودة وسط الصحن الشريف بما فيها الأروقة وما أمامها المسمّى بالطارمة. وأمّا محلّ الأحذية، فإن كان جزءاً من البناء العامّ للحرم لحقه حكمه، وإن كان ملحقاً به كأغلب ما يكون قريباً من الطوارم فالأظهر جواز مكث الجنب والحائض به، وإن كان الأحوط استحباباً خلافه.
(2) وكذلك مع الفحص واستمرار الجهل، أي: عدم وجدان دليل على المسجديّة.
(3) مبنيّاً للمجهول (نحويّاً)، أي: لا يجوز أن يستأجره أحد للعمل في المسجد.
الفتاوى الواضحة ج1
لعملٍ في المسجد يستدعي المكث فيه، كتنظيفه أو إعداده لمجلس عزاء، أو أيّ شيءٍ مباحٍ ولكن يتعذّر القيام به(1) من غير المكث.
وإذا صادف وجرى عقد الإجارة مع الجنب على شيءٍ من ذلك – على أساس أنَّ الجنب كان مقدماً على العصيان، ولا يبالي بأن يمكث في المسجد وهو جنب- إذا صادف ذلك يكون العقد صحيحاً(2). وإذا تخلّف الأجير بعد ذلك عن القيام بالعمل معتذراً بأنَّه جنب، كان من حقّه ذلك، ولكن للمستأجر خيار الفسخ(3).
(52) المحرّمات على الجنب، كلّها تختصّ بمن علم بالجنابة، أمّا من يجهلها ويشكّ فيها(4) فهي سائغة له ولا تحرم عليه عملياً، إلَّا أن يكون على علمٍ سابقٍ بالجنابة، فإنَّه يبني على بقائها وبقاء محرّماتها، حتّى يتيقّن بأنَّه اغتسل وتطهّر من تلك الجنابة.
كيفية غسل الجنابة
(53) وكيفية غسل الجنابة هي كيفية الغسل على العموم بأحكامها
ــــــ[288]ـــــــ
(1) الأفضل أن يحذف قوله (ولكن) لكي يستقيم التعبير.
(2) بل باطلاً؛ لأنَّه ليس نهياً عن المعاملة بل نهي عن متعلّقها، أي: هو إيجارٌ لإيجاد شيءٍ محرّم. هذا مع انحصار وقت الإيجار بوقت الجنابة أو اشتراطها به، وأمّا لو كانت الإجارة مطلقة، أمكن للفرد الاغتسال ثُمَّ العمل في المسجد، وتكون الإجارة صحيحة، ومنه يظهر حكم باقي المسألة في الكتاب.
(3) خيار الفسخ للمستأجر معناه: أنَّ له أن يفسخ الاتّفاق الذي عقده مع الأجير (الماتن).
(4) فمثل هذا الفرد في حكم الطاهر ما لم يعلم أو يثق بحصول الجنابة.
الفتاوى الواضحة ج1
وتفاصيلها المتقدّمة في الفقرات (10-16) من هذا الفصل.
ويجب في غسل الجنابة نيّة القربة، ويمكن للجنب أن يقصد القربة بغسله بما هو طاعة ومندوب(1)، أو بما هو واجب من أجل الصلاة ونحوها من العبادات، أو من أجل أن يباح له مسّ كتابة المصحف، أو غير ذلك ممّا لا يباح للجنب(2)، كما تقدّم في الوضوء في الفقرة (79) من فصل الوضوء.
(54) وإذا علم الشخص بأنَّ عليه غسل الجنابة ولم يكن عليه غسل آخر فاغتسل وقصد بذلك غسل الجنابة، صحّ غسله.
وإذا علم بأنَّ عليه غسلاً ولا يدري هل هو غسل الجنابة أو غسل مسّ الميّت – مثلاً- فاغتسل وقصد بذلك ما في ذمّته شرعاً، صحّ غسله.
وإذا علم بأنَّ عليه كلا الغُسلين فاغتسل وقصد بذلك غسل الجنابة، أو قصد غسل مسّ الميّت، أو قصدهما معاً بغسلٍ واحدٍ، صحّ غسله. وإذا اغتسل ولم يقصد شيئاً منهما(3)، بطل غسله.
ــــــ[289]ـــــــ
(1) إذا كان إيقاعه في داخل وقت الصلاة فالأحوط بنيّة الوجوب دون الاستحباب أو نيّة مطلق المطلوبيّة.
(2) إذا كان راجحاً شرعاً كقراءة القرآن الكريم ودخول المساجد، وأمّا غيره – مثل وضع شيءٍ في المسجد من الخارج مثلاً – فالأحوط تركه ما لم يتعلّق به غرضٌ شرعيٌّ صحيح.
(3) بمعنى: أنَّه نوى إخراج الجنابة ومسّ الميّت عن قصده. وأمّا لو نوى ما في ذمّته من الحدث إجمالاً أو بقصد الواقع، صحّ غسله وإن لم يتذكّر الجنابة والمسّ.
الفتاوى الواضحة ج1 

غسل الحيض
أقسام دم المرأة
(55) المرأة قد ينزل منها الدم من الموضع المخصوص في غير حالة الولادة، وهو على أقسام:
1. الدم الذي تعتاد المرأة البالغة قذفه في دورةٍ شهريةٍ وباستمرار، ويسمّى دم الحيض، والحيض: اجتماع الدم، وبه سمّي الحوض لاجتماع الماء فيه، ويقال: حاضت المرأة وتحيّضت، وهي حائض وحائضة إذا خرج منها هذا الدم، وهو دمٌ طبيعيٌّ في المرأة السويّة، ويجب على المرأة الغسل عند انقطاعه وانتهائه؛ لكي تصلّي، ويسمّى بغسل الحيض.
2. الدم الذي ينزل بسبب جرحٍ أو قرحٍ في الرحم، أو لمضاعفات عمليةٍ جراحيةٍ سابقة.
3. دم البكارة: وهو الدم الذي ينزل بسبب افتضاض بكارة الفتاة.
4. كلّ دمٍ ينزل من الباطن سوى ذلك(1)، ويسمّى بدم الاستحاضة، وتسمّى المرأة التي اتّفق لها ذلك بالمستحاضة.
ــــــ[290]ـــــــ
(1) قد يختلط دم الحيض بدم الاستحاضة بما أنَّه يشكّ في حقيقته في عدد من الموارد. ومن هنا يصعب تعريف أيّ منهما بشكلٍ محدّد ما لم يؤخذ الحكم الشرعي بنظر الاعتبار؛ بأن يقال: الحيض: هو الدم الذي حُكِم شرعاً بكونه حيضاً، والاستحاضة هو الدم الذي حُكِم شرعاً بكونه استحاضة.
الفتاوى الواضحة ج1
أمّا المرأة الحائض فلها أحكام خاصّة سيأتي شرحها، منها: أنَّه لا يجب عليها الصلاة، ومنها: أن تمتنع عن أشياء: كالمكث في المسجد، ومقاربة زوجها.
وأمّا القسم الثاني والثالث فلا أثر لهما شرعاً من ناحية الطهارة، سوى تطهير الموضع من النجاسة بإزالة الدم وغسله بالماء مع التمكّن وعدم التضرّر بذلك، ولا يتطلّب هذان الدمان وضوءاً أو غسلاً.
وأمّا دم الاستحاضة فيتطلّب وضوءاً أو غسلاً على تفصيل يأتي، وتكون المستحاضة مكلّفة بإنجاز ذلك وأداء الصلاة؛ خلافاً للحائض؛ على ما عرفت.
الشروط العامّة لدم الحيض
لكي يكون الدم حيضاً شرعاً – أي من القسم الأول- يجب أن تتوفّر فيه الأُمور التالية:
(56) أوّلاً: أن تكون المرأة قد أكملت تسع سنين ولم تتجاوز خمسين سنة، والتسع هو سنّ البلوغ(1) شرعاً، والخمسون سنّ اليأس(2).
ــــــ[291]ـــــــ
(1) على الأحوط استحباباً، والأظهر كونه بإكمال العشر القمريّة ما لم تتزوّج مع الدخول على الأحوط.
(2) في كلّ امرأة إلَّا القرشيّة، وهي التي تنتمي إلى قبيلة قريش بالأب بما فيها العلويّات والعبّاسيات، بل كلّ الهاشميّات، بل غيرهنّ من قريش أيضاً. ولكن الشكّ في الانتساب جعلت سنّ اليأس خمسين. والأرجح أنَّ قريش هم ذريّة (فهر) أحد أجداد نبيّ الإسلام (صلّى الله عليه وآله)، ولكن لم يثبت ذلك بدليلٍ معتبر. ومع الشكّ يشمل المرأة دليل الخمسين فقط. والقدر المتيقّن من قريش هو ذرّية (قصيّ) والد (هاشم) وهو الجدّ القريب نسبيّاً إلى النبي (صلّى الله عليه وآله). فإذا ثبت لامرأة أنَّها من ذرية (قصيّ) كان عليها حكم الحيض إلى ستّين سنة.
الفتاوى الواضحة ج1
وإذا لم تضبط المرأة عمرها ورأت الدم وهي لا تعلم أنَّها بلغت سنّ اليأس أم لا، اعتبرت نفسها غير يائس، وعملت كما كانت تعمل قبل ذلك.
وأمّا إذا رأت الدم وهي تشكّ في إكمالها لتسع سنين: فإن أدّت رؤيتها هذه إلى اليقين بأنَّها قد أكملت تسع سنين – نظراً إلى أنَّ البنت لا ترى دماً عادةً قبل التاسعة- اعتبرت ذلك الدم حيضاً. وإذا لم يحصل لها اليقين بذلك، لم تعتبره حيضاً.
(57) ثانياً: أن يكون الدم مستمرّاً خلال ثلاثة أيّام، ونقصد بذلك: ثلاثة نهارات مع الليلة الواقعة عقيب النهار الأوّل، والليلة الواقعة عقيب النهار الثاني(1)، فإذا رأت الدم في أوّل نهار السبت، وجب أن يستمرّ إلى غروب نهار الاثنين، وكذلك إذا رأته في ليلة السبت. وإذا رأته ظهر السبت، وجب أن يستمرّ إلى ظهر نهار الثلاثاء.
ولا يضرّ بالاستمرار حصول فترات توقّف قصيرة إذا لم تتجاوز ما هو المألوف لدى النساء من توقّف دم العادة أحياناً.
(58) ثالثاً: أن لا يتجاوز عشرة أيّام، فإذا تجاوز عشرة أيّام، فلا يعتبر كلّه حيضاً(2)، بل قد يعتبر بعضه حيضاً على ما يأتي؛ لأنَّ الحيض الشرعي لا يكون أكثر من عشرة أيّام.
(59) رابعاً: أن تكون المرأة قد مرّت بها قبل ذلك فترة طهر وسلامة
ــــــ[292]ـــــــ
(1) وتَعُدّ الليلة السابقة على النهار الأوّل إن نزل الدم ليلاً، ولكن لا تَعُدّ الليلة اللاحقة للنهار الثالث، أي: تنتهي الأيّام الثلاثة بغروب النهار الثالث.
(2) ما كان زائداً على العشرة فليس بحيضٍ دائماً. وأمّا ما في داخلها فقد لا يعتبر كذلك، على تفصيلٍ يأتي.
الفتاوى الواضحة ج1
من دم الحيض(1) لا تقلّ عن عشرة أيّام، فإذا كانت قد حاضت ونقت من حيضها ثُمَّ رأت دماً بعد تسعة أيّام – مثلاً- لم يعتبر الدم الجديد حيضاً؛ لأنَّ فترة الطهر بين حيضين لا يمكن أن تكون أقصر من عشرة أيّام شرعاً.
ونقصد بعشرة أيّام: عشرة نهارات، والليالي التسع الواقعة(2) بين النهار الأوّل والنهار الأخير منها، كما نقصد بالطهر: السلامة من دم الحيض، سواء كانت نقيةً من الدم بصورة كاملة أو مبتلاةً بدم استحاضة.
(60) ولكي يثبت للمرأة حكم الحائض حين يعرضها الدم ضمن الشروط السابقة لابدّ أن يخرج الدم في بدايته(3)، فلو تحرّك الدم من الرحم إلى فضاء الفرج – أي ما اتّسع منه- ولم يتجاوزه إلى الخارج فلا يجري عليه حكمٌ من أحكام الحيض وإن طال به أمد المكث. وإذا خرج الدم في البداية، كفى ذلك في تحقّق حكم الحيض ولو ظلّ بعد ذلك في فضاء الفرج(4).
وليس من الضروري – لكي يثبت حكم الحيض- أن يخرج الدم من الموضع المخصوص، فلو خرج دم الحيض من غيره(5) اعتبرت المرأة حائضاً أيضاً.
ــــــ[293]ـــــــ
(1) حتّى ولو كانت مستحاضة، أعني: لا يشترط عدم وجود الدم بالمرّة، وسيذكره السيّد.
(2) مع احتساب الليلة السابقة على النهار الأوّل دون اللاحقة للنهار الأخير، كما ذكرنا في الثلاثة أيّام.
(3) أي: أن يخرج خارج الجسم ولو قليلاً.
(4) من دون توقّف طويل كنهارٍ كامل، بل لابدَّ من التتابع في الخروج نسبيّاً ليعتبر حيضاً؛ على تفصيل يأتي.
(5) إذا أصبح ذلك معتاداً أو علمت المرأة أنَّه دم العادة. وأمّا إذا شكّ في ذلك فليس بحيض، بل ولا استحاضة أيضاً إذا شكّ من خروجه من الرحم واحتمل كونه من جرح أو غيره.
الفتاوى الواضحة ج1
كيف تُميِّز المرأة دم الحيض؟
إذا توفّرت الأُمور السابقة وشكّت المرأة مع ذلك في أنَّ الدم الذي نزل منها من دم الحيض أم لا، فهنا حالات:
(61) الأُولى: أن يكون الشكّ في ذلك قائماً على أساس احتمال أنَّ الدم من قرحةٍ أو جرح (أي من القسم الثاني)، وفي مثل ذلك: تعتبره المرأة عملياً من القسم الثاني، فلا تكلّف نفسها بتكاليف الحائض ولا المستحاضة.
(62) الثانية: أن يكون الشكّ في ذلك قائماً على أساس احتمال أنَّ الدم دم البكارة (أي من القسم الثالث)، وفي مثل ذلك يجب على المرأة أن تميّز الدم بإدخال قطنة في الموضع المخصوص وتركها مليّاً(1) ثُمَّ إخراجها برفق، فإن وجدت الدم مستديراً على أطراف القطنة دون أن يستغرقها أو يستغرق أكثرها فهو من دم البكارة، وإن كان قد غطّاها وغمرها بالكامل أو غمر أكثرها فهو من دم الحيض.
وإن تركت المرأة هذا الفحص والاختبار وأتت بشيء من العبادة
– كالصوم والصلاة- تبطل عبادتها، إلَّا أن تعلم بأنَّها قد صادفت الطهر(2) من الحيض.
وإذا تعذّرت على هذه المرأة عملية الاختبار بالقطنة لسببٍ أو لآخر فماذا تصنع؟
ــــــ[294]ـــــــ
(1) كثلاث دقائق إلى خمس، ولا ينبغي أن تتركها كثيراً، وإلَّا امتلأت بالدم على كلّ حال، وسقطت عن كونها علامة على شيء. وكذلك في كلّ مرّة أرادت المرأة الاستعلام عن شيء، كمقدار الاستحاضة مثلاً.
(2) وحصلت منها النيّة الكاملة ولو من أجل الغفلة عن حكم الحيض.
الفتاوى الواضحة ج1
الجواب: عليها أن تفعل ما تفعله الطاهر(1)، وتترك ما تتركه الحائض، فتصلّي وتصوم، ولا تمكث في المساجد، ولا تمسّ كتابة المصحف … إلى آخره.
(63) الثالثة: أن تعلم المرأة بأنَّ الدم ليس من جرحٍ وقرح، ولا من البكارة، ولكن لا تدري هل هو حيض أو استحاضة؟ ويمكن لها في هذه الحالة أن تستعمل إحدى طريقتين:
إحداهما: أن تحتاط إذا أمكن(2)، وذلك بأن تمتنع عن الأشياء التي تلزم الحائض بالامتناع عنها، وتؤدّي الأشياء التي تلزم المستحاضة بأدائها من وضوءٍ وغسلٍ وصلاة، وهكذا حتّى ينقطع الدم فتغتسل(3) وترجع إلى حالتها الاعتياديّة. وكلّما ذكرنا الاحتياط بالنسبة إلى امرأة من هذا القبيل، فنقصد بالاحتياط هذا المعنى.
والآخر: أن تلجأ إلى تطبيق إحدى قاعدتين شرعيّتين لإثبات الحيض:
1. إثباته على أساس الصفات.
2. إثباته على أساس العادة.
إثباته على أساس الصفات
(64) دم الحيض له صفات تميّزه في العادة، فهو غالباً يكون أسود أو
ــــــ[295]ـــــــ
(1) ما دام الشكّ مستمرّاً، فإذا تعيّن أحد الاحتمالين – الحيض أو أنَّه دم العذرة- عملت به.
(2) وأمّا إذا لم يمكن، كما لو كان الاحتياط موجباً للضرر أو العسر والحرج، سقط وجوب الاحتياط.
(3) إذا كانت محتاطة، وجب عليها أن تغتسل في كلّ وقتٍ احتملت انتهاء حيضها فيه، ولو لعدّة مرّات، ولها أن تنوي ببعض أغسال المستحاضة التي تأتي بها غسل الحيض أيضاً بما في الذمّة، ويكون مجزياً على تقدير مطلوبيّته.
الفتاوى الواضحة ج1
أحمر حارّاً يخرج بدفقٍ وحرقة، وخلافاً لذلك دم الاستحاضة فإنَّه – على الأكثر- لا تتوفّر فيه هذه الصفات، ويكون لونه أصفر، وقد جعل الشارع تلك الصفات الغالبة في دم الحيض دليلاً على أنَّه حيض، فمتى رأت المرأة الدم وكان بلون الحيض حمرةً أو سواداً اعتبرته حيضاً، سواء كان ذلك في الأيّام التي اعتادت أن ترى الدم فيها من كلّ شهر أو في غيرها.
ولكن على المرأة أن تظلّ مراقبةً لحالها(1) إلى ثلاثة أيّام من حين رؤيتها للدم، فإن استمرّ بصفة الحيض طيلة هذه المدّة تأكّدت أنَّها حيض، واستمرّت على عمل الحائض، سواء ظلّ الدم بعد الأيّام الثلاثة محتفظاً بصفة الحيض أو خفّ لونه وأصبح أصفر.
وإذا انقطع الدم أو زالت عنه صفة الحيض(2) ولونه قبل اكتمال ثلاثة أيّام، انكشف أنَّه ليس من دم الحيض شرعاً، بل دم استحاضة، ووجب على المرأة أن تعمل عمل المستحاضة، وتقضي ما تركته من عبادةٍ وصلاةٍ خلال تواجد الدم.
إثباته على أساس العادة
(65) وإذا لم يكن الدم بصفة الحيض؛ بأن كان أصفر اللون، رجعت
ــــــ[296]ـــــــ
(1) إذا اطمأنّت المرأة أنَّ الدم هو دم العادة مهما كانت متقدّمة على وقتها أو متأخّرة عنه، قطعت الصلاة بمجرّد رؤية الدم ولو كان أصفر غير أحمر. وأمّا إذا شكّت، وجب عليها الاحتياط ثلاثة أيّام؛ بأن تجمع بين أعمال الحائض والمستحاضة، وهو مراد الكتاب. ولكن الأظهر أنَّه لا حاجة إلى الاحتياط مع حمرة الدم، وكون الفاصل عن الدم السابق عشرة أيّام أو أكثر.
(2) إذا استمرّ الدم بلون الصفرة، تستمرّ ذات العادة بعادتها. وما ذكره السيّد خاصّ بالشاكّة في أمرها.
الفتاوى الواضحة ج1
المرأة إلى القاعدة الشرعيّة الثانية، ومؤدّاها: أنَّ الدم الأصفر إذا رأته المرأة في أيّام عادتها – وهي الأيّام التي تجيئها عادتها فيها عادةً- فهو دم الحيض، وكذلك إذا رأته قبل موعدها المعتاد بيوم أو يومين(1)، وإذا رأته في غير تلك الأيّام فهو دم استحاضة.
ولابدّ للمرأة من المراقبة(2) أيضاً على النحو الذي تقدّم في التمييز على أساس الصفات بأن ترصد الدم، فإن استمرّ ثلاثة أيّام استقرّت على حكم الحيض، وإلَّا انكشف لديها أنَّها مستحاضة، وقضت ما تركتْه من عبادةٍ في فترة تواجد الدم.
ولكي تستفيد المرأة من عادتها السابقة في تمييز الدم، لابدّ أن تكون ذاكرةً لها، وأمّا إذا كانت لها عادةٌ منتظمة في وقتٍ محدّدٍ ولكنّها نسيت موعدها ورأت الدم، فماذا تصنع؟
والجواب: أنَّ الدم إذا كان بصفات الحيض، اعتبرت نفسها حائضاً على أساس القاعدة الأُولى (التمييز بالصفات). وأمّا إذا لم يكن بصفات الحيض، اعتبرت نفسها مستحاضةً(3) ما دامت لا تعلم بمجيء موعد عادتها.
ــــــ[297]ـــــــ
(1) بل قد تتقدّم العادة أكثر، والمهمّ هو الاطمئنان بكونه من العادة حتّى مع تقدّمه.
(2) بالجمع بين أعمال الحائض والمستحاضة احتياطاً. وعندئذٍ لا تقضي الصلاة إن ثبت كونها مستحاضة.
(3) إذا كان هناك وثوق بأنَّ هذا الدم هو العادة الشهريّة، أي: أنَّه حصّة هذا الشهر من الدم، وإن تقدّم على الموعد – احتمالاً أو يقيناً- اعتبرته حيضاً مهما كان لونه.
نعم، لو أيقنت ببُعده عن موعد العادة وكان بلون الصفرة، مع احتمال أن يأتيها الدم عند عادتها مرّة أُخرى، فالأحوط لها الجمع بين عمل الحائض والمستحاضة احتياطاً ما دامت في الشكّ.
فلو جاءها الدم في الوقت الأصلي الذي تتذكّره باليقين أو بالاحتمال، كان الدم السابق كلّه استحاضة. وإن لم يأتها، علمت أنَّ الدم السابق قد نزل بدلاً عنه، وأنَّه حصّة هذا الشهر من الدم، فهو حيض.
الفتاوى الواضحة ج1
وإذا رأت دماً بدون صفات الحيض وأيقنت بحدسها أنَّه يستمرّ بها أيّاماً – كأُسبوع أو أكثر- وكانت تعلم بأنَّ عادتها الشهرية: إمّا في النصف الأوّل من الأُسبوع أو في النصف الثاني منه – مثلاً- وجب عليها أن تحتاط طيلة المدّة، فتجتنب ما تتركه الحائض، وتؤدّي ما تؤدّيه المستحاضة.
(66) وقد تسأل: كيف تحصل العادة الشهرية للمرأة؟
والجواب: أنَّها تحصل برؤية المرأة لدم الحيض في وقت معيّن من شهر ورؤيتها له في نفس الوقت من الشهر اللاحق مباشرة، وكذلك تحصل بانتظام فاصلٍ زمنيٍّ معيّن؛ بأن تعتاد المرأة بأن يكون الفاصل بين الحيضتين نصف شهر باستمرار.
وقد تقول: إذا اعتادت المرأة أن ترى الدم في بداية كلّ شهر قمريٍّ إلى خمسة أيّام – مثلاً- فهل إثبات أنَّ الدم المشكوك دم الحيض على أساس العادة يتوقّف على أن يكون هذا الدم مبتدئاً في بداية الشهر ومستمرّاً إلى خمسة أيّام؟
والجواب: لا، بل يكفي أن يكون واقعاً ضمن تلك الفترة. فلو رأت دماً أصفر من اليوم الثاني إلى الخامس، كان حيضاً.
وقد تقول: إذا اعتادت المرأة أن ترى الدم في بداية كلّ شهر ولكنّه يستمرّ بها أحياناً ثلاثة أيّام وأحياناً أكثر(1)، فما هي الأيّام التي حتّى إذا رأت
ــــــ[298]ـــــــ
(1) إذا حصل ذلك فكلّه حيض ولا ترجع إلى تمييز اللون إلَّا إذا زاد الدم على العشرة أيّام. فإذا زاد، كان الأحمر حيضاً والأصفر استحاضة، وتقضي بعد ذلك ما فاتتها من الصلاة.
الفتاوى الواضحة ج1
فيها دماً أصفر فهو حيض؟
الجواب: هي الثلاثة الأُولى من الشهر.
إثبات الحيض على أساس الصفات والعادة معاً
(67) وإذا رأت المرأة الدم الأصفر في أيّام العادة واستمرّ بها بعد انتهاء أيّام العادة، وكان ما استمرّ بعد أيّامها بصفات الحيض، فالدم كلّه دم حيض إذا توفّرت الشروط العامّة(1) لدم الحيض المتقدّمة، بعضه على أساس العادة وبعضه على أساس الصفات.
وإذا رأت المرأة دماً أحمر قبل الموعد الشهريّ بأيّام، واستمرّ إلى أيّام العادة، كان الكلّ حيضاً أيضاً ضمن الشروط العامة المتقدّمة.
ويتلخّص ممّا سبق: أنَّ كلّ امرأة رأت الدم ولم تعلم بأنَّه حيض أو استحاضة، تعتبره حيضاً إذا انطبقت عليها إحدى القاعدتين، فكان الدم بصفة الحيض، أو كان في أيّام العادة أو قبلها بيوم أو يومين(2)، وإلَّا فهي مستحاضة.
لا تنتج العادة على أساس الصفات
(68) إذا تكرّر الحيض في بداية الشهر مرّتين متعاقبتين، كان ذلك عادةً على ما بيّنّا، وتحتّم على المرأة أن تجعل الدم الذي تراه بعد ذلك في نفس الموعد حيضاً ولو كان أصفر، كما عرفت.
ــــــ[299]ـــــــ
(1) بما فيها عدم تجاوز الدم عشرة أيّام، وكذلك في المسألة الآتية في الكتاب بعد سطرين.
(2) أو قبل ذلك إذا وثقت بأنَّ هذا الدم هو حصّة الشهر ولن ترى غيره – عادةً- إلى الشهر الآتي، فهو إذن نفس عادتها الشهريّة. وأمّا إذا لم يحصل لها ذاك الوثوق، وجب عليها العمل بالتمييز. فإن لم يسعفها التمييز، احتاطت.
الفتاوى الواضحة ج1
ولكن إذا تكرّر الدم في بداية الشهر مرّتين متعاقبتين ولم تتأكّد المرأة أنَّه حيض، ولكنّه كان بصفة الحيض فاعتبرته حيضاً على أساس الصفة دون أن تكون على يقينٍ من ذلك، ثُمَّ جاءها الشهر الثالث فرأت في نفس الموعد دماً أصفر ليس بصفة الحيض، فماذا تعمل هذه المرأة؟ وهل تعتبر نفسها ذات عادة منتظمة فتجعل هذا الدم الجديد حيضاً؛ لأنَّها رأته في عادتها على الرغم من عدم كونه بصفة الحيض، أو تعتبر نفسها غير ذات عادةٍ، ما دامت غير متأكّدة من أنَّ الدمين السابقين كانا حيضين؟
والجواب(1): أنَّ هذه المرأة تعمل على أساس الصفات، فمادام الدم أصفر، تجعل نفسها مستحاضة.
الحامل والعادة الشهرية
(69) ما ذكرناه ينطبق على غير الحامل، وأمّا الحامل فهي قد تحيض أيضاً. فإذا رأت الدم وكانت واثقةً بأنَّه من دم الحيض، عملت ما تعمله الحائض. وإذا لم تدرِ بأنَّه دم حيض أو دم استحاضة، فلها حالات:
1. أن يكون الدم بصفة الحيض، وفي أيّام العادة أو قبلها بيوم أو يومين، وفي هذه الحالة تعتبره حيضاً منذ البداية، وتتأكّد من ذلك(2) باستمراره ثلاثة أيّام.
ــــــ[300]ـــــــ
(1) الظاهر أنَّ هذا الدم يعتبر عادة شهريّة اعتياديّة. نعم، إذا نزلت الحمرة بعد ذلك وزاد المجموع على العشرة، اعتبرت الحيض من أوّل نزول الحمرة وما قبله استحاضة، وقضت ما فاتها. فإن كان الدم الأحمر عشرة أيّام فأقلّ، فهو المطلوب. وإن زاد عن العشرة، اعتبرت الباقي استحاضة.
(2) إذا شكّت باستمراره ثلاثة أيّام، فعليها أن تحتاط. فإن استمرّ إلى الثلاثة، تحيّضت.
الفتاوى الواضحة ج1
2. أن لا يكون الدم بصفة الحيض، ولا في أيّام العادة أو قبيلها، وفي هذه الحالة تعتبره استحاضة.
3. أن يكون بصفة الحيض ولكن في غير أيّام العادة(1) أو في أيّام العادة(2)، ولكن بدون صفة الحيض، وعليها حينئذٍ أن تحتاط.
متى تغتسل الحائض؟
(70) إذا احتملت الحائض خلال عشرة أيّام من حين ابتداء الدم أنَّ الدم قد انقطع، فلا يجوز لها أن تهمل هذا الاحتمال وتظلّ على حيضها، بل يجب عليها أن تفحص وتتأكّد، وذلك بأن تدخل قطنةً وتتركها في موضع الدم ثُمَّ تخرجها. فإن كانت نقيةً، فقد انقطع حيضها ووجب عليها الغسل، وإلَّا فهنا ثلاث حالات:
الأُولى: أن تكون المرأة ذات عادةٍ شهريةٍ مستقرّة ولم يتجاوز الدم فعلاً أيّام عادتها، فهي حائض ما دامت تجد القطنة غير نقيّة.
الثانية: أن لا تكون المرأة ذات عادةٍ شهريةٍ مستقرّة، كالمرأة التي تحيض تارةً سبعة أيّام، وأُخرى ثمانيةً، وهكذا، وهذه تعتبر نفسها حائضاً إذا خرجت القطنة غير نقيّة ما دام الدم لم يتجاوز عشرة أيّام من حين ابتدائه.
الثالثة: أن تكون المرأة ذات عادةٍ شهريةٍ مستقرّة أقلّ من عشرة أيّام
– كأُسبوعٍ مثلاً- ورأت القطنة ملوّثةً بعد انتهاء أيّام العادة وقبل تجاوز عشرة
ــــــ[301]ـــــــ
(1) إذا كان قريباً نسبيّاً من أيّام العادة بحيث يدخل نهايته في أيّامها أو وثقت أنَّه (الحصّة الشهريّة من الدم) كان لها حكم الحيض. وإن شكّت تماماً، كان ما في الكتاب صحيحاً.
(2) فهو من العادة.
الفتاوى الواضحة ج1
أيّام، وهذه إن كانت مستحاضةً قبل مجيء عادتها واتّصل دم العادة بدم الاستحاضة، أنهت حيضها بانتهاء أيّام عادتها، واعتبرت ما يبقى من الدم استحاضة.
وإن لم تكن مستحاضةً على هذا النحو، بل كانت طاهرةً قبل مجيء العادة، فالحكم يتبع تقديرها الشخصي. فإذا كانت تقدِّر بصورة جازمة أنَّ الدم سيستمرّ في المستقبل ويتجاوز عشرة أيّام، أنهت حيضها بانتهاء أيّام عادتها، واعتبرت الباقي استحاضة. وإذا كانت تأمل انقطاع الدم قبل تجاوز عشرة أيّام، وجب عليها أن تضيف يوماً واحداً على الأقلّ إلى عادتها، فتعتبر نفسها حائضاً فيه، ثُمَّ تعمل كمستحاضة، ويجوز لها أن تضيف يومين أو كلّ ما يتبقّى من الأيّام العشرة إلى أيّام عادتها، فتواصل حكم الحائض(1) طيلة المدّة.
وإذا قامت المرأة قبل مضيّ عشرة أيّام من حين رؤيتها للدم بالفحص والاختبار وظهرت القطنة نقيةً؛ ولكنّها غير واثقةٍ من انقطاع الدم نهائيّاً، بمعنى أنَّها ترى أنَّ بالإمكان عودته في أثناء العشرة، فماذا تعمل؟
والجواب: إذا كانت واثقةً من عودة الدم من جديدٍ، فلا تبالِ بهذا النقاء المؤقّت، وتعتبر حالها كما لو لم يكن الدم قد انقطع. وإذا لم تكن واثقةً من عودة الدم، وجب عليها أن تغتسل وتصلّي. فإذا لم يعد الدم خلال الأيّام العشرة،
ــــــ[302]ـــــــ
(1) والأَولى استحباباً أن تحتاط. فإن انقطع الدم قبل عشرة أيّام، فهي حائض. وإن استمرّ أكثر من ذلك، كان الزائد عن العادة استحاضة. فإن كانت قد احتاطت، فلا شيء عليها. وإن كانت قد تركت الصلاة، وجب عليها القضاء من ناحية، والاستمرار بعمل المستحاضة منذ اليوم الحادي عشر من نزول الدم.
الفتاوى الواضحة ج1
صحّ ما عملته. وإن عاد قبل مضيّ عشرة أيّام من حين ابتدائه، عادت إلى حكم الحيض، وكانت كمن استمرّ بها الدم طيلة هذه المدّة.
ومثال ذلك: امرأةٌ رأت الحيض أربعة أيّام، ثُمَّ نقت فاغتلست وصلّت يومين، ثُمَّ رأت الدم ثلاثة أيّام، فتعتبر أيّامها التسعة كلّها حيضاً، وينكشف لديها في النهاية أنَّ ما أتت به من غسلٍ وعبادةٍ خلال اليومين – الخامس والسادس- ليس صحيحاً شرعاً.
وهذا معنى قول الفقهاء: إنَّ النقاء المتخلِّل بين دمين، يعتبر مع الدمين حيضاً واحداً مستمرّاً إذا لم يتجاوز المجموع عشرة أيّام.
والفحص والاختبار بالطريقة التي ذكرناها، أو بأيّ طريقة أُخرى تؤدّي نفس الغرض، واجبٌ في كلّ وقتٍ تحتمل فيه المرأة النقاء. فإذا لم تفحص المرأة واغتسلت غسل الحيض بأملِ أن تكون قد نقت من الدم وهي لا تدري شيئاً عنه، فلا يعتبر هذا الغسل صحيحاً ومطهّراً لها، إلَّا إذا ثبت لديها بعد ذلك أنَّها كانت نقيّةً من الدم حين اغتسلت. وإذا أيقنت المرأة بالنقاء بدون فحص، لم يجب عليها الاختبار، وكان لها أن تغتسل وتصلّي.
إذا تجاوز الدم العشرة
قلنا فيما سبق: إنَّ الدم إذا انقطع قبل اكتمال ثلاثة أيّام ينكشف أنَّه دم استحاضة؛ لأنَّ الحدّ الأدنى لدم الحيض ثلاثة أيّام، كما تقدّم.
ونقول الآن: إنَّه إذا تجاوز عشرة أيّام – وهو الحدّ الأعلى لدم الحيض- ينكشف أنَّ بعضه ليس بدم الحيض، بمعنى أنَّ هذا الدم قد يكون بدأ – مثلاً- دم حيض ثُمَّ تحوّل إلى استحاضة؛ لأنَّ الحيض لا يتجاوز عشرة أيّام.
ولكنّ السؤال هو: أنَّ المرأة كيف تعرف من أين بدأ تحوّل الدم إلى
ــــــ[303]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
استحاضة؟ فهل هو من حين تجاوز الدم للعشرة، أو من موعدٍ زمنيٍّ سابق، وأثر ذلك أنَّها كانت قد تركت الصلاة والعبادة إلى نهاية العشرة، فإذا انكشف لديها الآن أنَّ الدم تحوّل إلى استحاضة وأنَّ التحوّل هذا تمّ في موعد زمنيٍّ سابقٍ، وجب عليها أن تقضي ما تركته من صلاةٍ وعبادةٍ منذ ذلك الموعد، فكيف يمكن تحديد ذلك الموعد شرعاً؟
والجوابُ على ذلك يختلف باختلاف نوع المرأة: فإنَّ المرأة قد تكون لها عادةٌ شهرية، وقد لا تكون، وعلى هذا الأساس تنقسم إلى خمسة أقسام كما يلي:
(71) الأوّل: ذات العادة الوقتية والعددية
وهي التي ترى الدم مرّتين متماثلتين وقتاً وعدداً، ومتتابعتين بحيث لا تتخلّل بينهما حيضةٌ تختلف عنهما في العدد ولا في الوقت.
ومثالها: أن ترى الدم في أوّل الشهر خمسة أيّام، وأيضاً تراه في أوّل الشهر الذي يليه خمسة أيّام، وإذا رأت الدم في أوّل هذا الشهر ثلاثة أيّام وفي أوّل الثاني أربعة، أو رأت الثلاثة في أوّل هذا الشهر ثُمَّ رأتها في آخر الثاني أو وسطه. فما هي بذات عادةٍ وقتيةٍ وعدديةٍ معاً.
وهذه تثبت أنَّ الدم حيض حين تراه إذا كان بصفات الحيض، أو كان في أيّام عادتها على ما تقدّم. فإذا تجاوز دمها العشرة، تجعل أيّام عادتها فقط حيضاً، حتّى ولو كان الدم في هذه الأيّام على غير صفات الحيض، وما زاد عن المعتاد فهو استحاضة بالغاً ما بلغ، حتّى ولو كان على شاكلة الحيض في كلّ وصف، وتصنع نفس الشيء إذا بدأ معها الدم قبل موعدها الشهري، وكان بصفة الحيض واستمرّ بها إلى نهاية أيّام عادتها أو بعد ذلك، وكانت مدّته أزيد من عشرة أيّام، فإنَّها تجعل أيّام العادة حيضاً وما قبلها استحاضة، فتقضي ما
ــــــ[304]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
تركته وقتئذٍ من صلاةٍ وعبادة.
وإذا اتّفق لها أن جاءتها في غير الوقت المعتاد شهرياً وتجاوز العشرة، جعلت أيّام الحيض(1) بعدد أيّام عادتها والباقي استحاضة.
إذا لم تستكمل العدد في وقتها
(72) عرفنا أنَّ ذات العادة الوقتيّة والعدديّة إذا رأت الدم في كلّ أيّام العادة وفي أيّام أُخرى قبل العادة أو بعد العادة أو قبلها وبعدها معاً، وكان مجموع أيّام الدم أكثر من عشرة أيّام، جعلت الحيض أيّام عادتها خاصّة.
والسؤال الآن يتعلّق بالمرأة إذا رأت الدم في بعض أيّام العادة وفي غير أيّامها وتجاوز المجموع العشرة.
ومثال ذلك: امرأةٌ موعدها أوّل الشهر وعادتها سبعة أيّام، فرأت الدم في اليوم الرابع واستمرّ بها أُسبوعين، فهل تجعل حيضها ما وقع من الدم في أيّام عادتها فيكون أربعة أيّام – وهي الرابع والخامس والسادس والسابع من الشهر- أو تجعل حيضها من الرابع إلى نهاية العاشر لكي يتطابق مع العدد الذي اعتادته في حيضها وهو أُسبوع؟
ومثال آخر: في المرأة نفسها: إذا رأت الدم قبل أُسبوعٍ من بداية الشهر واستمرّ إلى اليوم الخامس من الشهر، فهل تجعل حيضها ما وقع من الدم في أيّام عادتها فيكون خمسة أيّام ابتداءً من أوّل الشهر إلى الخامس منه، أو تضيف
ــــــ[305]ـــــــ
(1) إذا علمت أنَّه عادتها الشهريّة أو أنَّه حصّة الشهر من الدم وأنَّه لن ينزل دمٌ آخر بعده في وقت العادة عادةً، وإلَّا احتاطت بالجمع بين عمل الحائض وعمل المستحاضة، فإن نزلت العادة في وقتها بانقطاع ذلك الدم أو باستمراره، عرفتْ أنَّ الدم الأوّل كان استحاضة، وإلَّا فهو حيض.
الفتاوى الواضحة ج1
إلى ذلك يومين من الأيّام السابقة لكي يكتمل الحيض أُسبوعاً ويتطابق مع عدد عادتها العددية؟
وأثر ذلك بالنسبة إلى المرأة بعد تجاوز الدم: أنَّها على التقدير الأوّل، يجب أن تقضي كلّ ما تركته في غير أيّام العادة. وأمّا على التقدير الثاني، فلا يجب عليها أن تقضي ما تركته في بعض تلك الأيّام، أي فيما أضافته إلى أيّام عادتها وكمّلت به العدد أُسبوعاً، والأحوط وجوباً والأقرب هو: أن تقضي كلّ ما تركته(1) في غير أيّام العادة، ولا يؤذَن لها بأن تستكمل العدد أُسبوعاً(2) من غير أيّام العادة.
إذا نسيت ذات العادة موعدها
(73) وإذا نسيت هذه المرأة موعد عادتها الشهريّ وعدد أيّامها، فقد قلنا سابقاً: إنَّها تميّز الدم حينئذٍ بالصفات(3)، فإذا رأت الدم بصفة الحيض وتجاوز العشرة فماذا تصنع؟ وكيف تجعل أيّام عادتها حيضاً وهي لا تتذكّر؟
والجواب: أنَّ لها حالتين(4):
ــــــ[306]ـــــــ
(1) إن لم تكن قد احتاطت.
(2) بل تجعل ما وقع من الدم خلال أيّام عادتها حيضاً والباقي استحاضة. نعم، إذا كان لها تمييزٌ بلون الدم يقلّ عن العشرة أيّام وهو ملحق بأيّام عادتها – قبلها أو بعدها – وكانت أيّام العادة ضمنه أيضاً، أمكن لها أن تتحيّض في أيّام الحمرة وتعتبر الباقي استحاضة، وتقضيه إن لم تكن قد احتاطت.
(3) راجع التعليق عليه.
(4) وهناك حالة ثالثة، وهي: أن تعلم بعدم مصادفة الدم لأيّام حيضها وعادتها.
وفي مثله يجب أن تحتاط مالم تعلم أو تثق بأُمورٍ ثلاثة:
الأوّل: أنَّ الدم السابق كان بعده عشرة أيّام طهر فأكثر.
الثاني: أنَّ هذا الدم هو حصّة الشهر الاعتياديّة وإن تقدّمت أو تأخّرت.
الثالث: أنَّ الدم سوف لن ينزل أو لن يستمرّ إلى أوقات عادتها المحتملة.
فإذا كانت هذه الشرائط، تحيّضت، ولها أن تحتاط في الثلاثة أيّام الأُولى.
الفتاوى الواضحة ج1
الأُولى: أن لا تعلم بمجيء الموعد الشهريّ لها خلال أيّام الدم، وحينئذٍ تجعل الحيض بقدر أيّام عادتها مفترضةً أكبر الاحتمالات في أيّام العادة.
ومثال ذلك: أن تكون ناسيةً فلا تدري أنَّ أيّام عادتها خمسة أيّام أو سبعة، فتجعل الحيض سبعة أيّام والباقي استحاضة.
الثانية: أن تعلم بأنَّ موعدها الشهريّ يصادف بعض أيّام الدم، ولا تستطيع أن تحدّد تلك الأيّام بالضبط، فيجب عليها حينئذٍ أن تحتاط؛ وذلك بأن تقضي ما تركته من عبادة، وتجتنب فعلاً عمّا تتركه الحائض، وتؤدّي ما تكلّف به المستحاضة.
(74) الثاني: ذات العادة العدديّة فقط
وهي التي تستقيم عادتها عدداً لا وقتاً، أي ترى حيضتين متماثلتين في العدد دون الوقت، كالتي ترى الدم كلّ مرّة خمسة أيّام، ولكن مرّةً تراها في أوّل الشهر، وتارةً في آخره، وآناً في وسطه، وتسمّى هذه مستقيمة العدد مضطربة الوقت.
وهذه تثبت أنَّ الدم الذي تراه حيض إذا كان بصفات الحيض. فإذا حاضت وتجاوز دمها عشرة أيّام، جعلت الحيض بعدد أيّام عادتها(1) من بداية رؤيتها للدم، والباقي استحاضة.
ــــــ[307]ـــــــ
(1) بغضّ النظر عن اللون. وهذا ظاهر العبارة أيضاً بالرغم من قوله سابقاً: إذا كان بصفات الحيض.
الفتاوى الواضحة ج1
وإذا نسيت هذه المرأة عدد أيّام عادتها، أخذت بأكبر الاحتمالات.
ومثال ذلك: إذا نسيت فلا تدري أنَّ عدد أيّام العادة خمسة أو ستّة فتجعل أيّام حيضها ستّة.
(75) الثالث: ذات العادة الوقتية فقط
وهي التي تستقيم عادتها وقتاً لا عدداً، أي ترى حيضتين متماثلتين في الوقت دون العدد، كالتي لا يأتيها الحيض إلَّا في أوّل الشهر – مثلاً- ولكن مرّةً تراه ثلاثة أيّام، وفي شهرٍ آخر تراه خمسةً، وحيناً تراه ستّةً، وأيضاً تسمّى هذه مستقيمة الوقت مضطربة العدد.
وهذه تثبت أنَّ الدم الذي تراه حيضٌ إذا كان بصفات الحيض، أو كان في موعدها الشهريّ المعتاد، فإذا حاضت وتجاوز دمها عشرة أيّام أمكنها أن تجعل الحيض ستّةَ أو سبعةَ أيّام، والباقي استحاضةً، والاختيار بين الستّة والسبعة(1) موكول إليها.
وإذا نسيت هذه المرأة وقت عادتها، كان حكمها هو ما تقدّم في الفقرة (73)(2) بشأن ذات العادة الوقتيّة والعدديّة إذا نسيت.
(76) الرابع: المضطربة
وهي التي لا تستقيم لها عادة، لا وقتاً ولا عدداً، كالتي ترى الدم مرّةً أربعة أيّام في أوّل الشهر، ومرّةً خمسةً في آخره، وحيناً ثلاثةً في وسطه.
وهذه تثبت أنَّ الدم الذي تراه حيضٌ إذا كان بصفات الحيض، فإذا حاضت وتجاوز دمها عشرة أيّام، فهنا حالتان:
ــــــ[308]ـــــــ
(1) لها أن تجعل أيّام حيضها أكبر مدّة من الحيض [الذي] سبق لها.
(2) مع التعليق عليها.
الفتاوى الواضحة ج1
الأُولى: أن يكون الدم طيلة المدّة بصفات الحيض وبلونٍ واحد، وفي هذه الحالة يمكنها أن تجعل حيضها منذ بداية رؤيتها للدم إلى ستّة أو سبعةِ أيّام(1) حسب اختيارها، والباقي استحاضة.
الثانية: أن يكون الدم مختلفاً في لونه، فهو في فترةٍ من الزمن بصفة الحيض، وفي فترةٍ أُخرى بدون هذه الصفة، أو في فترةٍ من الزمن بصفة الحيض بدرجةٍ شديدة، وفي فترةٍ أُخرى بصفة الحيض أيضاً ولكن بدرجةٍ أخفّ، كما إذا كان حيناً شديد الحمرة إلى درجة تبلغ السواد، وحيناً أحمر بدرجةٍ دون ذلك، وفي هذه الحالة تجعل الأقرب إلى الحيض حيضاً، أي: تجعل ما هو بالصفة حيضاً، في مقابل ما ليس بصفة الحيض، أو تجعل ما هو بالصفة بدرجةٍ شديدةٍ حيضاً في مقابل ما كان بصفة الحيض ولكنّه أخفّ منه.
ويستثنى من ذلك ما يلي:
أوّلاً: أن تقلّ فترة الدم الأقرب إلى صفة الحيض عن ثلاثة أيّام، والحكم حينئذٍ هو نفس الحكم في الحالة الأُولى المتقدّمة.
ثانياً: أن تزيد فترة الدم الأقرب إلى صفة الحيض على عشرة أيّام، والحكم حينئذٍ هو نفس الحكم في الحالة الأُولى المتقدّمة(2).
ثالثاً(3): أن ترى المرأة الدم الأقرب إلى صفة الحيض فترتين منفصلتين
ــــــ[309]ـــــــ
(1) الأحوط الأَولى: أن ترجع إلى نسائها، كأُمّها وأخواتها فتتحيّض بقدر عادتهن. فإن اختلفن، رجعت إلى النساء اللاتي في عمرها من مدينتها. فإن اختلفن، فحكمها ما في الكتاب.
(2) مع ما قلناه في التعليقة المتقدّمة.
(3) إذا كان الدم – كما هو مسجّل هنا- [بصفةٍ بحيث تكون المرأة] فاقدة للتمييز، فعليها ما قلناه في التعليقة على الحالة الأُولى.
الفتاوى الواضحة ج1
يفصل بينهما دمٌ ليس كذلك، ولا تزيد مدّة الدَمَين الواجدين لصفة الحيض على عشرة أيّام، ولكنّها مع إضافة فترة الدم الواقعة في الوسط تزيد على عشرة، كما إذا رأت الدم بصفة الحيض خمسة أيّام، ثُمَّ تحوّل الدم إلى أصفر خمسة أيّام، وعاد بصفة الحيض خمسة أيّام أُخرى، فهذه المرأة حين يتجاوز دمها العشرة، يجب عليها أن تحتاط وتجتنب عمّا تتركه الحائض، وتؤدّي ما يُطلب من المستحاضة، وتقضي ما تركته من عبادة في كلّ تلك الأيّام السابقة.
(77) الخامس: المبتدئة
وهي التي ترى الدم لأوّل مرّة.
وهذه تثبت أنَّ الدم حيض إذا كان بصفات الحيض على ما تقدّم. فإذا حاضت وتجاوز دمها العشرة، فلها حالتان كالمضطربة:
الأُولى: أن يكون الدم طيلة المدّة بصفات الحيض، فتلجأ إلى عادة أقاربها، فتجعل الحيض بعدد عادتهنّ، والباقي استحاضة. وإذا لم يتسنّ لها ذلك بأن لم يوجد لها أقارب، أو كنّ مختلفات في عادتهنّ، أمكنها أن تجعل الحيض ستّة أو سبعة أيّام، والباقي استحاضة، واختيار الستّة أو السبعة يعود إليها.
الثانية: أن يكون الدم مختلفاً، فبعضه بصفة الحيض، وبعضه بدون هذه الصفة، فتجعل ما كان على شاكلة دم الحيض حيضاً، والباقي استحاضة، مع ملاحظة ما تقدّم(1) من استثناءات في المضطربة.
وينبغي الإشارة إلى أنَّ الحالة الثانية هنا كالحالة الثانية في المضطربة،
ــــــ[310]ـــــــ
(1) فتعود إلى الحالة الأُولى للمبتدئة، كما قلنا في استثناءات المضطربة حيث تكون فاقدة للتمييز.
الفتاوى الواضحة ج1
تتحقّق: تارةً بأن يكون الدم في فترة أحمر، وفي فترة أُخرى أصفر، وتتحقّق: أُخرى بأن يكون في فترة أسود أو مائلاً إلى السواد، وفي فترة أُخرى أحمر، فتجعل الحيض أشدّ الدمين لوناً.
تجاوز الدم للعشرة على قسمين
(78) وتجاوز الدم للعشرة الذي تنطبق عليه الأحكام السابقة على نحوين:
الأوّل: أن يظلّ الدم مستمرّاً بدون انقطاع حتّى تمضي عشرة أيّام ويدخل اليوم الحادي عشر.
الثاني: أن يتواجد الدم فترةً وينقطع، وقبل أن يستمرّ الانقطاع عشرة أيّام يعود الدم من جديد.
وأمّا إذا كانت فترة الانقطاع عشرة أيّام، فكلا الدمين حيض(1)؛ وفقاً للقواعد السابقة، ولا ينطبق عليه حكم تجاوز الدم للعشرة.
تطبيقات وتكميلات
(79) مساعدةً للمرأة على التعرّف على الحكم الشرعي لما تراه من الدم على ضوء القواعد السابقة، نستعرض في ما يلي عشر حالات، ونطبّق عليها ما تقدّم من قواعد؛ لتكون لديها خبرة بكيفيّة تطبيق الحكم الشرعي:
ــــــ[311]ـــــــ
(1) بشرطين:
أوّلاً: أنَّها مضطربة العادة أو ناسية لها. وأمّا إذا كانت لها عادة، فترجع إليها وقتاً أو عدداً.
ثانياً: أن لا يطول أحد الدمّين عن العشرة أيّام، فإن زاد أحدهما، أو كلاهما، طبّقت عليه الأحكام السابقة.
الفتاوى الواضحة ج1
1. إذا رأت المرأة – أيّ امرأة- الدم بصفة الحيض ثلاثة أيّام فصاعداً إلى عشرة، ثُمَّ انقطع عنها عشرة أيّام، ثُمَّ رأته بنفس الصفة ثلاثة أيّام فصاعداً إلى العشرة، كان كلّ من الدمين حيضاً(1)، والفترة الواقعة بينهما فترة طهر ونقاء.
2. إذا رأت المرأة(2) – أيّ امرأة- الدم بصفة الحيض ثلاثة أيّام، ثُمَّ انقطع بضعة أيّام، وعاد مرّةً أُخرى بصفة الحيض أيضاً، وانقطع قبل أن تتجاوز عشرة أيّام من ابتداء الدم الأوّل معها، اعتبرت هذه الأيّام كلّها أيّام حيض، بما فيها فترة الانقطاع القصيرة الواقعة بين الدمين.
3. إذا رأت المرأة – أيّ امرأة- الدم بصفة الحيض، ثُمَّ انقطع قبل اكتمال ثلاثة أيّام، وعاد بصفة الحيض بعد يوم أو يومين أو أكثر، كان الدم الثاني حيضاً دون الأول؛ لأنَّه لم يتوفّر فيه الشرط الثاني من الشروط العامّة لدم الحيض الذي تقدّم في الفقرة (57) من هذا الفصل.
4. إذا رأت المرأة – أيّ امرأة- الدم(3) بصفة الحيض ثلاثة أيّام أو أكثر، ثُمَّ تحوّل الدم إلى أصفر يوماً أو يومين أو أكثر، وعاد بعد ذلك إلى صفة الحيض ولم يتجاوز عشرة أيّام من ابتداء رؤية الدم، جعلت الكلّ حيضاً.
5. إذا رأت المرأة – أيّ امرأة باستثناء ذات العادة الوقتيّة(4)- دماً أصفر فلا
ــــــ[312]ـــــــ
(1) غير أنَّ ذات العادة المضبوطة بالوقت والعدد أو بأحدهما، تتبع عادتها وتعتبر غيره استحاضة. إلَّا إذا علمت أنَّ الدم النازل هو حصّة الشهر، ولن ينزل غيره عادةً في وقت العادة المعلوم إجمالاً أو تفصيلاً، فإنَّها تتحيّض بالدم المشار إليه في الكتاب.
(2) يراجع فيها التعليقة السابقة.
(3) إذا كان الدم في وقت العادة، وإلَّا فالمتّبع هو التعليقة السابقة.
(4) فإن كانت ذات عادة وقتيّة أو عدديّة ووقتيّة معاً وكان الدم في وقتها، تحيّضت، وقد سبق تفصيلها. ومن هنا تختصّ هذه الصورة بذات العادة العدديّة أو المضطربة.
الفتاوى الواضحة ج1
تعتبره حيضاً، بل تكون مستحاضة. وهذا الحكم ينطبق على ذات العادة العددية إذا رأت دماً أصفر، ولو استمرّ بعدد أيّام عادتها فإنَّها تعتبره استحاضةً لا حيضاً.
وأمّا ذات العادة الوقتيّة، فما تراه من دم أصفر في غير موعدها المقرّر، ينطبق عليها الحكم نفسه أيضاً، وما تراه في موعدها المقرّر، يعتبر حيضاً، كما تقدّم.
6. إذا رأت المرأة في غير أيّام العادة دماً أصفر اللون ثُمَّ أصبح أحمر بصفة الحيض، واستمرّ بالصفة نفسها ثلاثة أيّام أو أكثر، جعلت نفسها مستحاضةً في الأيّام التي كان الدم فيها أصفر، واعتبرت الدم حيضاً(1) من حين تواجده بصفة الحيض.
7. ذات العادة الوقتيّة والعدديّة قد ترى الدم في أيّام عادتها وينقطع قبل أن يستكمل العدد.
مثال ذلك: امرأةٌ كان وقت عادتها أوّل الشهر، وعدد عادتها أُسبوعاً، فرأت الدم أوّل الشهر خمسة أيّام، ثُمَّ انقطع خمسة أيّام، وبعد ذلك رأت دماً بصفة الحيض أُسبوعاً، فهل يمكن أن تعتبر الدم الثاني حيضاً بدلاً عن الأوّل لأنَّه يتطابق مع العدد؟
والجواب: لا، بل تعتبر الدم الأوّل حيضاً ولو كان أصفر، وتعتبر الثاني استحاضةً ولو كان بصفة الحيض.
8. إذا رأت ذات العادة الوقتية دماً قبل موعدها بثلاثة أيّام أو أكثر واستمرّ إلى أيّام العادة وإلى ما بعدها وكان المجموع لا يزيد على عشرة أيّام، فهو منذ يومين قبل موعد العادة حيض بدون شكٍّ، سواء كان أحمر أو أصفر. وما كان منه قبل ذلك، يعتبر حيضاً إذا كان بصفة الحيض، ويعتبر
ــــــ[313]ـــــــ
(1) إلَّا إذا كانت ذات عادة مضبوطة، ولم تعتبر الدم هو (الحصّة الشهريّة). فراجع ما سبق.
الفتاوى الواضحة ج1
استحاضةً(1) إذا لم يكن بصفته وعلى شاكلته.
9. إذا رأت ذات العادة الوقتيّة والعدديّة دماً قبل موعدها الشهريّ بأيّام، واستمرّ إلى ما بعد انتهاء عادتها بأيّام، وتجاوز عشرة أيّام من حين ابتدائه، جعلت الدم الذي في أيّام العادة حيضاً، وغيره ممّا تقدّم أو تأخّر عنه استحاضة، بمعنى أنَّها تقضي ما تركته في الفترة المتقدّمة أو المتأخّرة.
10. إذا رأت ذات العادة العدديّة دماً بصفة الحيض ثلاثة أيّام أو أكثر وانقطع، ثُمَّ عاد فترةً وتجاوز عشرة أيّام من حين ابتداء الدم الأوّل، فهنا حالات:
الأُولى: أن يكون عدد أيّام عادتها مساوياً لفترة الدم الأوّل، فتجعله حيضاً دون سواه.
الثانية: أن يكون أقلّ منها، فتجعل الحيض بقدر عدد أيّام عادتها من فترة الدم الأوّل، والباقي استحاضة.
الثالثة: أن يكون عدد أيّام عادتها مساوياً لفترة الدم الأوّل وفترة الانقطاع(2)، وحكمها هو حكم الحالة الأُولى.
الرابعة: أن يكون عدد أيّام عادتها أزيد ممّا ذكرنا في الحالة الثالثة بيومٍ أو يومين – مثلاً- أو أكثر من ذلك، فتجعل الدم الأوّل حيضاً(3)، وتعتبر نفسها حائضاً من
ــــــ[314]ـــــــ
(1) عرفنا أنَّ العادة قد تتقدّم مدّة تزيد على اليومين، فيكون كلّه حيضاً.
(2) وفي كلّ الحالات إذا انتهى الدم الأوّل، عليها أن تغتسل وتصلّي. ولكن إن رجع الدم، ظهر أنَّها كانت بحكم الحائض.
(3) وملخّص الصور: أنَّ هذه المرأة تتحيّض بعدد أيّامها، سواء طابقت الدم الأوّل أو هو والانقطاع أو هما معاً مع شيءٍ من الدم الثاني. وإذا انتهت أيّامها، عملت عمل المستحاضة.
الفتاوى الواضحة ج1
حين رؤيته إلى مضيّ يومٍ أو يومين من الدم الثاني؛ لكي يتطابق مع أيّام عادتها.
وكذلك الحال في ذات العادة العدديّة والوقتيّة معاً(1) إذا رأت الدم بصفة الحيض على النحو المتقدّم في غير موعدها الشهري.
الحاجة إلى غسل الحيض
(80) دم الحيض لا صلاة معه ولا صيام، فلا تجب الصلاة اليومية ولا صلاة الآيات، ولا صيام شهر رمضان على الحائض، إلى أن تنقى من دم الحيض، فيجب عليها حينئذٍ ما يجب على غيرها من صلاةٍ وصيام، ولكن لا تصحّ منها الصلاة إلَّا إذا اغتسلت غسل الحيض؛ لأنَّ دم الحيض يسبّب حدثاً شرعياً، ويعتبر هذا الحدث مستمرّاً حتّى بعد النقاء إلى أن تغتسل المرأة.
ولا يصحّ الغسل منها، ولا يرفع هذا الحدث إلَّا إذا وقع بعد النقاء من دم الحيض.
(81) وكلّ ما يعتبر غسل الجنابة شرطاً لصحّته من العبادات، فغسل الحيض شرط لصحّته أيضاً(2)، باستثناء صيام شهر رمضان، فإنَّ المرأة إذا نقت من الدم قبل طلوع الفجر من شهر رمضان ولم تغتسل حتّى طلع عليها الفجر فصامت واغتسلت بعد الطلوع، صحّ صومها؛ خلافاً لما تقدّم في الفقرة (39) عن الجنب(3) في ليل شهر رمضان من: أنَّه يجب عليه أن يغتسل قبل طلوع الفجر.
ــــــ[315]ـــــــ
(1) إنَّما يكون حكمها ذلك إذا كان كلا الدمين خارجين عن موعدها الشهري، وكانت تعتبره حصّة الشهر من الدم ولن يتكرّر عليها عادةً في وقت عادتها. وأمّا إذا تكرّر عليها الدم في وقت عادتها، كان هذا حيضاً، وذاك السابق كلّه استحاضة.
(2) معنى أنَّ غسل الجنابة أو غسل الحيض شرط لصحّة العبادة: أنَّ العبادة لا تصحّ إذا لم يكن المكلّف قد اغتسل (الماتن).
(3) مع التعليق عليه.
الفتاوى الواضحة ج1
ما يحرم بالحيض
(82) يحرم على الحائض كلّ ما يحرم على الجنب، ممّا تقدّم في الفقرات (45)، و (46)، و (47)، و (48).
وأيضاً يحرم عليها وعلى زوجها الاتّصال بالجماع، فلا يحلّ للزوج أن يجامع زوجته إلَّا بعد نظافتها ونقائها من دم الحيض. فإذا نقت من الدم واغتسلت منه الغسل الشرعي، أو غسلت مخرج الدم(1) – على الأقلّ – كان الاتّصال الجنسي بها سائغاً. وإذا عصى الزوج وغلبته شهوته فوطئ، أثم، ولا كفّارة عليه ولا عليها(2)، وله أن يستمتع بغير الجماع كيف يشاء، ويكره له أن يستمتع بأيّ شيء بين ركبتها وسرّتها (وهي التجويف الصغير المعهود في وسط البطن).
(83) وإذا قارب الزوج زوجته قبل الحيض أو في أثناء الحيض، اجتمع عليها أثر الحيض وأثر الجنابة. فإذا اغتسلت من الجنابة حال الحيض، صّح غسلها(3) وارتفع أثر الجنابة، وبقي أثر الحيض.
ــــــ[316]ـــــــ
(1) ولو صدفةً من دون قصد المقدّميّة للجماع.
(2) وإنَّما هي مستحبّة، بل مطابقة للاحتياط الاستحبابي، وهي كما يلي: دينار إن كان الوطء في أوّل الحيض، ونصف دينار إن كان في وسطه، وربع دينار إن كان في آخره، يتصدّق به على الفقراء. وتجتمع الكفّارات مع التعدّد، ومع تعذّر الدينار الذهبي يدفع قيمته. والكفّارة على الزوج دون الزوجة، وإن لم يستطع استحبّ أن يتصدّق بما يَشبع به مسكين واحد. فإن لم يجد، اقتصر على الاستغفار والتوبة.
(3) الأحوط أن تؤجّل غسلها إلى ما بعد نقائها. وإذ نقت، فالأولى أن تنوي بغسلها الحيض ويكفي عن الجنابة. وإن نوت الجنابة، كفى عن الحيض أيضاً، والأحوط استحباباً في كلا الحالين: أن تكون ملتفتة لوجود كلا الحدثين.
الفتاوى الواضحة ج1
أحكام أُخرى بشأن الحائض
(84) على الحائض أن تقضي بعد الطهر كلّ ما فاتها من الصيام الواجب، سواء وجب وفاءً لشهر رمضان المبارك أم لنذر، كما لو نذرت صيام الجمعة من أوّل الشهر القادم فحاضت فيه، فعليها أن تفطر وتقضيه، ولا يجب عليها أن تقضي الصلوات الخمس والصلاة المنذورة وصلاة الآيات(1).
ويبطل طلاق الحائض، إلَّا أن تكون حاملاً أو غير مدخول بها، أو كان زوجها غائباً عنها، على التفصيل الذي يأتي في القسم الثالث من الفتاوى الواضحة.
وإن طلّقها باعتقاد أنَّها طاهرة من الحيض فانكشف أنَّها حائض، بطل طلاقها. وإن طلّقها على أنَّها حائض فظهر أنَّها طاهر، فما هو الحكم؟
الجواب: إن كان على يقين بأنَّها حائض، وبأنَّ طلاق مثلها لا أثر له، وإنمّا قال كلمة >الطلاق< لثقته بذلك، فالطلاق باطل وإن وقع في طهر؛ حيث لا قصد هنا في حقيقة الأمر، وإن كان جاهلاً بالحيض أو عالماً به وجاهلاً بأنَّ الطهارة من الحيض شرط أساس في صحّة الطلاق، فالطلاق صحيح.
(85) وتصحّ من الحائض في حال الحيض الأغسال المندوبة، وكذلك الوضوء، ويستحبّ لها في أوقات الصلاة أن تتوضّأ تقرّباً إلى الله تعالى، وتجلس بقدر صلاتها، فتستقبل القبلة تذكر الله وتسبّح بحمده.
غسل الحيض وكيفيته
(86) غسل الحيض طاعةٌ ومندوبٌ في نفسه، وواجبٌ من أجل صلاة
ــــــ[317]ـــــــ
(1) الأحوط وجوب قضائها إن احترق القرص كلّه.
الفتاوى الواضحة ج1
الفريضة، فإنَّها لا تصحّ من المرأة الحائض بعد النقاء إلَّا إذا اغتسلت. وكيفيته نفس الكيفية العامّة للغسل المتقدّمة في الفقرة (10) و (11)(1).
وتجب فيه نيّة القربة بأحد الأوجه المتقدّمة في غسل الجنابة في الفقرة (53).
كما أنَّ نفس الحالات التي استعرضناها في الفقرة (54) من غسل الجنابة، تجري مع أحكامها في المرأة الحائض إذا اغتسلت بعد النقاء.
ــــــ[318]ـــــــ
(1) يرجى مراجعة التعليق عليهما وعلى الفقرات المشار إليها بعد ذلك.
الفتاوى الواضحة ج1 
في المستحاضة وأحكامها
دم الاستحاضة
(87) الاستحاضة لغةً من الحيض، وسبقت الإشارة إلى معناه. أمّا فقهياً فهي على عكس الحيض، وقد عرفنا سابقاً أنَّ كلّ دم تراه المرأة في غير حالة الولادة ولم يكن حيضاً ولا دم جرح أو قرح أو بكارة فهو دم استحاضة.
ودم الاستحاضة يخالف دم الحيض في الصفات غالباً؛ لأنَّه في الأكثر أصفر بارد رقيق يخرج بفتور بلا قوّةٍ ولذعٍ ولكنّه قد يكون أحياناً بصفات الحيض تماماً.
ولا يشترط في دم الاستحاضة شيءٌ من الشروط العامّة الأربعة لدم الحيض المتقدّمة في الفقرة (56)، فهو قد يعرض للأُنثى قبل سنّ التاسعة، وبعد سنّ الخمسين، وعقيب تمام الحيض بلا فاصل، أو قبل أن يتخلّل بين الحيضتين عشرة أيّام من طهر.
ولا حدّ لقليل دم الاستحاضة، فقد يمكث يوماً أو بعض يوم، ولا لأكثره، فقد يستمرّ شهوراً أو سنين(1).
(88) ويعتبر دم الاستحاضة حدثاً شرعاً، فإذا كانت المرأة على وضوء – مثلاً- وخرج منها دم الاستحاضة ولو بواسطة القطنة، بطل وضوؤها
ــــــ[319]ـــــــ
(1) هذا لا معنى له، فإنَّ خروج الدم قد يستمرّ، ولكنّ بعضه يكون محكوماً بكونه حيضاً لا محالة، فلا يكون استحاضة مستمرّة.
الفتاوى الواضحة ج1
وعليها أن تتطهّر على التفصيل التالي في الفقرة (89)، وإذا لم يظهر دم الاستحاضة ويبرز إلى الخارج فلا أثر له حتّى ولو تحرّك من مكانه إلى فضاء ذاك المكان الخاصّ.
أقسام المستحاضة والصلاة
(89) تنقسم المستحاضة بالنظر إلى قلّة ما تراه من الدم وكثرته إلى ثلاثة أقسام: صغرى، ووسطى، وكبرى، ويقوم هذا التقسيم على أساس ما يجب عليها من اختبار نفسها بقطنةٍ تضعها في ذلك المكان، وتتركها بعض الوقت.
فإن تلوّثت القطنة بدمٍ لا يسيل منها ولا يستوعبها فهي مستحاضة صغرى، وحكمها أن تبدِّل القطنة أو تطهِّرها مع المكان، أي ظاهر الفرج، وأن تتوضّأ لكلّ صلاة، فرضاً كانت أم ندباً، أي واجبةً كانت أو مستحبّةً، ولا يجب عليها أن تجدّد الوضوء لركعات الاحتياط والأجزاء المنسيّة من الصلاة، ولا لسجود السهو(1).
ولا يسوغ لها أن تصلّي صلاتين بوضوء واحد.
وإن غمر القطنة كلّها أو جلّها دون أن يسيل منها فهي وسطى، وحكمها أن تبدّل القطنة، أو تطهرّها مع المكان والخرقة التي تشدّها عادةً في هذه الحال وأمثالها من المناديل النسائية، وأيضاً يجب عليها غسلٌ واحدٌ كلّ
ــــــ[320]ـــــــ
(1) وهو سجود يجب على المصلّي بعد الفراغ من الصلاة في بعض الحالات التي يرتكب فيها خطأ في صلاته، لاحظ الفقرة (46) من فصل الأحكام العامّة للصلاة (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1
يوم قبل صلاة الفجر(1)، والوضوء لصلاة الفجر، والأحوط أن يكون قبل الغسل(2)، والوضوء لكلّ صلاة، ولا تصلّي صلاتين بوضوءٍ واحد، كما تقدّم في الصغرى.
وإن نفذ الدم من القطنة وسال إلى الخرقة أو الفخذين أو أيّ طرف من بدنها أو ثوبها، فهي كبرى، وحكمها أن تبدّل الخرقة والقطنة، أو تطهّرهما وتطهّر المكان، وأن تغتسل ثلاثة أغسال: واحد لصلاة الفجر، وآخر تجمع به بين الظهرين (الظهر والعصر)، وثالث تجمع به بين العشائين (المغرب والعشاء) وغسل الاستحاضة الكبرى يغنيها عن الوضوء(3).
(90) وفي سائر الأحوال يجب أن تعجّل وتبادر إلى الصلاة بعد قيامها وتأديتها لما وجب عليها من غسلٍ ووضوء، ومع ذلك يسوغ لها أن تأتي بالمستحبّات قبل الصلاة، كالأذان والإقامة، وفي أثنائها أيضاً كالقنوت.
فإذا تماهلت وتسامحت فلم تبادر إلى الصلاة على الوجه الذي قرّرناه، وجب عليها أن تعيد عملية الطهارة من جديد، وتبادر إلى الصلاة عقيبها، ولا يكفيها أن تصلّي بدون إعادةٍ لعملية الطهارة(4).
(91) وإذا فعلت المستحاضة ما يجب عليها أن تفعله من أجل
ــــــ[321]ـــــــ
(1) فإن لم تستيقظ لصلاة الفجر، اغتسلت متى أرادت قضاءها.
(2) بل الأحوط أن يكون بعد الغسل.
(3) لصلاة واحدة فقط، إلَّا إذا علمت بعدم نزول الدم إلى حين دخولها في الصلاة الثانية.
(4) وهي تطهير الموضع وتبديل القطنة والوضوء. وأمّا الغسل، فلا يجب إعادته على الأظهر.
الفتاوى الواضحة ج1
الصلوات اليومية، جاز لها أن تصلّي أيّ صلاة أُخرى(1) على أن تتوضّأ(2) لكلّ صلاة، ولا حاجة بها إلى إعادة الغسل حتّى ولو كانت ذات استحاضة كبرى.
أحكام عامة لدم الاستحاضة
(92)إذا انقطع دم الاستحاضة وأصبحت المرأة نقيةً منه ونظيفة، ولكن كان ذلك قبل أن تؤدّي وتقوم بعملية الطهارة الواجبة عليها من غسل ووضوء فهل تستغني عن هذه العملية؟ وماذا تصنع؟
الجواب: يجب عليها أن تقوم بعملية الطهارة التي كانت واجبةً عليها وتصلّي، بل لو انقطع الدم(3) أثناء عملية الطهارة، أو أثناء الصلاة(4)، أو بعدها وفي الوقت متّسع للطهارة والصلاة، وجب عليها في كلّ هذه الحالات والفروض أن تستأنف وتعيد الطهارة والصلاة(5).
(93) إذا سمحت الفرصة بجزءٍ من وقت الصلاة يتّسع لها وللطهارة – بمعنى: أنَّ الدم كان ينقطع عنها في ذلك الجزء من الوقت- فعليها أن
ــــــ[322]ـــــــ
(1) غير يوميّة، وكذلك كلّ ما يتوقّف على الطهارة. وأمّا الفرائض اليوميّة قضاءً، فالأحوط فيها التزام نفس عمل المستحاضة كلٌّ حسب تكليفها.
(2) إذا نزل دم جديد.
(3) بحيث لا أمل بعوده عادةً، أي: أنَّ حالة الاستحاضة تكون منتهية.
(4) إذا احتملت استمرار الدم بعد الانقطاع، كان لها الاستمرار بعمليّة الطهارة والصلاة. ولكن إذا انكشف عدم رجوعه، فالأحوط تكرارها.
(5) على الأحوط في الصلاة. والمراد من الطهارة هنا: الغسل تفعله المرأة بنيّة غسل الاستحاضة، أي: رفع حدثها أصلاً، ويجزيها عن الوضوء ما دامت لم تحدث ولم ينزل دم جديد. وإذا كانت صغرى توضّأت.
الفتاوى الواضحة ج1
تتأخّر وتنتظر إلى أن تحين الفرصة فتنتهزها على الفور، وإذا تقدّمت في صلاتها على الوقت المتاح بطلت(1) حتى ولو كانت مع الغسل والوضوء. وإذا أضاعت الفرصة وأخّرت الصلاة عمداً، فهي آثمة، ولا بأس عليها مع النسيان، ويجب عليها حينئذٍ أن تؤدّي عملية الطهارة المقرّرة لها وتصلّي.
وإذا لم تكن المرأة على علم بهذه الفرصة فصلّت وفقاً لحالتها كمستحاضة، ثُمَّ انقطع الدم لا على وجه النقاء والخلاص من الاستحاضة الحالية، بل انقطع لأمد معيّن يتّسع للطهارة والصلاة، وجب عليها أن تقوم(2) من جديدٍ بعملية الطهارة التي كانت واجبةً عليها وتصلّي.
(94) المستحاضة بشتّى أقسامها، إذا تركت – سهواً أو عمداً- عملية الاختبار بالقطنة على الوجه المتقدّم ثُمَّ أدّت أيّة عبادة، فلا يجوز لها الاكتفاء بما فعلت؛ إلَّا إذا علمت وأيقنت أنَّ ما أدّته وقامت به كان وافياً بالمطلوب منها والواجب عليها شرعاً.
(95) إذا انقطع دم الاستحاضة وانتهت المرأة منه وأدّت عمليّة الطهارة – التي كانت واجبةً عليها كمستحاضة- فلها أن تبادر فوراً إلى الصلاة(3)، ولها أن تؤجّلها إلى آخر الوقت، وتعود إلى حكمها الاعتياديّ في التطهير والصلاة كما كانت قبل الاستحاضة.
ــــــ[323]ـــــــ
(1) على الأحوط.
(2) هذا على نحو الاحتياط الاستحبابي.
(3) هذا ينافي ما ذكره في الفقرة (92). وقد عرفنا أنَّه إذا انقطع الدم بالمرّة، وجب عليها غسلٌ مستقلٌّ لإزالة الحدث على الأحوط، وليس لها أن تبادر إلى الصلاة. وإذا كانت مستحاضة صغرى، فعليها الوضوء فقط.
الفتاوى الواضحة ج1
(96) إذا تحوّلت الاستحاضة من قسمٍ إلى قسمٍ أشدّ منه – لتزايد الدم- وجب عليها أن تؤدّي منذ ذلك الحين عمليّة الطهارة وفقاً لاستحاضتها الحالية.
ومثال ذلك: امرأةٌ استحاضتها وسطى وقد اغتسلت قبل صلاة الصبح، ثُمَّ عند الغروب وجدت استحاضتَها كبرى، فيجب عليها أن تغتسل لصلاتَي المغرب والعشاء.
(97) وإذا تحوّلت الاستحاضة من قسمٍ إلى قسمٍ أدنى منه، وجب عليها أن تؤدّي لأول مرّة عملية الطهارة وفقاً لحالتها السابقة، ثُمَّ تعمل على أساس استحاضتها الحالية.
ومثال ذلك: مستحاضةٌ باستحاضةٍ كبرى وأثبت الاختبار أنَّ استحاضتها صارت صغرى عند الظهر – مثلاً- فيجب عليها أن تغتسل وتصلّي الظهر والعصر، ولا حاجة بها بعد ذلك للغسل لصلاتي المغرب والعشاء، بل تكتفي بالوضوء لكلّ صلاة.
(98) يسوغ للمرأة المستحاضة بشتّى أقسامها أن تدخل المساجد وتمكث فيها، وتقرأ سور العزائم وآيات السجدة منها، سواء أدّت ما يجب عليها من عملية الطهارة لصلواتها اليومية، أم لا.
وطلاق المستحاضة حتّى الكبرى جائزٌ وصحيح، على العكس من الحائض. ولا يسوغ للمرأة المستحاضة بشتّى أقسامها أن تمسّ كتابة المصحف الشريف بدون أن تؤدّي عملية الطهارة المناسبة لها. وإذا أدّت عملية الطهارة المناسبة لها على وجه يسوغ لها فعلاً أن تصلّي بتلك الطهارة، جاز لها أن تمسّ الكتابة.
ــــــ[324]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
أحكام للوسطى والكبرى
(99) إذا أصبحت المرأة مستحاضةً بالاستحاضة الوسطى قبل الفجر أو بعد الفجر ولم تغتسل لصلاة الصبح بأن كانت نائمةً – مثلاً- وجب عليها أن تغتسل(1) لصلاة الظهرين، وهكذا. …
وإذا أصبحت المرأة مستحاضةً بالاستحاضة الوسطى بعد صلاة الصبح، وجب عليها أن تغتسل عندما تريد أن تصلّي الظهر والعصر، ولا تعيد الغسل لصلاتي المغرب والعشاء. وإذا أصبحت المرأة مستحاضةً كذلك بعد صلاتي الظهر والعصر، وجب عليها أن تغتسل عندما تريد أن تصلّي المغرب والعشاء.
وإذا استمرّت الاستحاضة الوسطى إلى اليوم الثاني، وجب الغسل قبل صلاة الصبح من اليوم الثاني، سواء كانت في اليوم الأوّل قد اغتسلت صباحاً أو ظهراً أو مغرباً.
(100) يجب على المستحاضة حين الصلاة أن تتحفّظ بخرقة ونحوها، وتحرص كلّ الحرص على حبس الدم وعدم تجاوزه إلى الخارج إن أمكن بلا ضرر(2). وإذا أهملت تهاوناً وتجاوز الدم حين الصلاة، فعليها أن تعيدها مع الحرص المطلوب، ولا يجب تجديد الغسل.
(101) إذا اغتسلت المستحاضة الكبرى لصلاة الظهرين، ولكنّها فرّقت ولم تجمع بينها؛ لعذر أو غير عذر، فعليها أن تغتسل مرّةً ثانيةً(3) لصلاة
ــــــ[325]ـــــــ
(1) بل تغتسل لقضاء صلاة الصبح مع سائر وظائف الطهارة.
(2) ولا مشقّة وحرج.
(3) الجمع بين الصلاتين بلا فاصل كبير عدا أفعال طهارتها واجبٌ لا يجوز تفويته، وإن فات فعليها غسل آخر – على الأحوط – مع باقي أفعال الطهارة.
الفتاوى الواضحة ج1
العصر، وكذلك الحكم في العشائين: صلاة المغرب وصلاة العشاء.
(102) إذا فعلت المستحاضة الكبرى أو الوسطى ما يجب عليها من غسل، جاز لزوجها أن يقاربها، ولا يقاربها بدون ذلك.
وأمّا المستحاضة الصغرى فيجوز لزوجها مقاربتها على كلّ حال.
(103) يصحّ الصوم من المستحاضة الصغرى والوسطى، سواء تطهّرت بوضوءٍ أو بغسلٍ أم لا. وأمّا المستحاضة بالاستحاضة الكبرى فلا يصحّ الصوم منها ما لم تكن مؤدّيةً في النهار الذي تصوم فيه لغسل صلاة الصبح وغسل الظهر والعصر، بل لكي تكون على يقينٍ من صحّة صومها، يجب أن تكون قد اغتسلت للمغرب والعشاء من الليلة التي تريد أن تصوم في نهارها، فلا يقين بصحّة صوم السبت – مثلاً- إلَّا إذا اغتسلت لصلاتي المغرب والعشاء من ليلة السبت، واغتسلت لصلاة الصبح من نهار السبت، واغتسلت لصلاتي الظهر والعصر منه.
وأمّا كيفيّة غسل المستحاضة الوسطى وغُسل المستحاضة الكبرى، فقد تقدّمت في الأحكام العامّة للغسل.
ــــــ[326]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

في النفاس وأحكامه
(104) النفاس بكسر النون، وهو لغةً: ولادة المرأة، فمتى ولدت قيل: هي نفساء، ووليدها منفوس. ودم النفاس في عرف الفقهاء: هو الدم الذي يقذفه الرحم بسبب الولادة. فإن ولدت ولم ترَ الدم إطلاقاً، أو رأته بسبب مرض، أو بسبب غير الولادة، فلا نفاس حتّى ولو خرج من الرحم بالذات.
والنفساء لها أحكام تشابه أحكام الحائض، وتترك العبادات، وعليها غسل عند نقائها يسمّى بغسل النفاس، وسيأتي التفصيل.
(105) يتحقّق النفاس بالسقط(1)، تماماً كما يتحقّق بالولادة. فإذا أسقطت المرأة حملها، ورأت الدم بسببه، جرت عليه أحكام دم النفاس.
(106) لا حدّ لأقلّ النفاس، فيتحقّق بالقطرة، وإذا مضت عشرة أيّام من تاريخ الولادة ولم ترَ فيهنّ دماً، فلا نفاس حتّى ولو رأت بعد العشرة دماً كثيراً وغزيراً.
أمّا أكثر النفاس فعشرة أيّام ابتداءً من رؤية الدم(2)، لا من تاريخ الولادة. وعلى هذا فإذا لم ترَ الدم – مثلاً- إلَّا في اليوم السابع(3) من ولادتها،
ــــــ[327]ـــــــ
(1) مهما كان صغيراً إلَّا أن يكون – كما في أيّامه الأُولى – دماً خالصاً عرفاً.
(2) بل ابتداء من آخرهما حصولاً – وهما نزول الدم والولادة- فإن نزل الدم قبلها، ابتدأ النفاس بالولادة، وإن نزل بعدها، كان ابتداؤه بالدم، وإن نزلا معاً، فلا إشكال. وما لا يعتبر من الدم نفاساً، فهو: إمّا حيض أو استحاضة – عادةً – كلٌّ حسب حكمه.
(3) إذا وثقت أنَّه نزل بسبب الولادة.
الفتاوى الواضحة ج1
كان هذا اليوم السابع هو اليوم الأوّل من الأيّام العشرة التي هي الحدّ الأقصى للنفاس، وتكون نهايتها بنهاية اليوم السابع عشر من تاريخ الولادة.
(107) إذا رأت الدم بعد الولادة بلا فاصل، ثُمَّ انقطع يوماً أو أكثر، وقبل انتهاء اليوم العاشر رأت دماً، كان الدمان وما بينهما نفاساً واحداً(1).
(108) إذا ولدت توأمين، وبين الولادتين فاصلٌ قصيرٌ أو طويل، وكانت قد رأت الدم عند ولادة الأوّل، ثُمَّ انقطع، ورأته بعد ذلك عند ولادة الثاني، فهل الزمن المتخلّل بين الدمين يعدّ طهراً، أم نفاساً؟
الجواب: يعدّ هذا الزمن طهراً لا نفاساً حتّى ولو كان بمقدار لحظة، ويكون للمرأة عندئذٍ نفاسان، لكلّ ولدٍ نفاسٌ مستقلٌّ عن الآخر.
(109) الدم الذي تراه المرأة حين الطلق وقبل الولادة، ليس بنفاس، سواء اتّصل بدم الولادة أم انفصل عنه، وأيضاً ليس هو بحيض، إلَّا مع العلم بأنَّه حيض، وإنمَّا هو استحاضة. وأمّا ما تراه الحامل من دمٍ قبل الطلق، فيطبّق عليه حكم دم الحامل المتقدّم في أحكام الحيض في الفقرة (69) من هذا الفصل.
(110) وتجدر الإشارة إلى أنَّه لا يشترط أن يفصل بين دم الحيض الذي تراه المرأة قبل الولادة ودم النفاس عشرة أيّام؛ لأنَّ هذه العشرة شرطٌ للطهر بين حيضتين؛ لا بين حيضٍ ونفاس.
(111) متى انقطع الدم عن النفساء ونقت، اغتسلت، وانتهى بذلك نفاسها؛ حتّى ولو كان انقطاعه بعد فترةٍ قصيرةٍ من وقت الولادة، كيومٍ أو
ــــــ[328]ـــــــ
(1) ولكن يجب عليها بعد انقطاع الدم الأوّل أن تغتسل للنفاس وتصلّي. وإن احتملت عود الدم، تجنّبت ما تتجنّبه الحائض والنفساء، ويكون مجيء الدم بعد ذلك كاشفاً عن كونها كانت نفساء حال نقائها، فتقضي الصوم الفائت في النقاء والدم.
الفتاوى الواضحة ج1
أقلّ من ذلك؛ لما تقدّم في الفقرة (106) من أنَّه لا حدّ لأقلّ النفاس.
(112) النفساء إذا كانت ذات عادة عدديّة أقلّ من عشرة أيّام، واستمرّ بها دم النفاس وتجاوز عن عدد أيّام عادتها: فإن كانت على يقينٍ بأنَّه سيستمرّ حتى يتجاوز عشرة أيّام من ابتداء رؤية الدم، أنهت نفاسها واغتسلت، وجعلت نفسها مستحاضة. وإذا كانت تأمل انقطاع الدم قبل تجاوز العشرة، أضافت إلى نفاسها(1) يومين أو أكثر حسب اختيارها، على أن لا يزيد المجموع على عشرة، واعتبرت نفسها بعد ذلك مستحاضة.
(113) النفساء إذا لم تكن ذات عادة عدديّة واستمرّ بها الدم، واصلت نفاسها، واستمرّت في ترك العبادة ما لم يتجاوز عشرة أيّام. فإذا انقطع دون أن يتجاوز العشرة، كان ذلك نفاسها. ومثلها أيضاً: ذات العادة العددية إذا كان عدد عادتها عشرة أيّام.
(114) إذا استمرّ الدم بالنفساء وتجاوز عشرة أيّام: فإن كانت ذات عادة عدديّة، جعلت أيّام عادتها نفاساً، والباقي استحاضة، وهذا يعني: أن تقضي ما تركتْه بعد أيّام عادتها(2) من عبادة. وإذا لم تكن ذات عادة عددية(3)،
ــــــ[329]ـــــــ
(1) هذه الإضافة وإن كانت لازمة على الأحوط، إلَّا أنَّها لا ينبغي أن تزيد على ثلاثة أيّام على الأحوط، حتّى لو كان المجموع أقلّ من عشرة.
(2) إذا لم تكن قد احتاطت بالإتيان بأعمال المستحاضة بعد أيّام عادتها، وهذا الاحتياط هو الأحوط لو وثقت باستمرار الدم أكثر من عشرة أيّام.
(3) الأحوط لها أن تعمل ما كانت تعمله أيّام عادتها فتجعل نفاسها بمقداره، كالرجوع إلى نسائها أو العمل بالعدد. وهنا لها أن تجعل أكبر أشكال عادتها نفاساً مع إضافة يومين أو ثلاثة إليه على أن لا يتجاوز المجموع العشرة.
الفتاوى الواضحة ج1
جعلت الأيّام العشرة كلّها نفاساً، وما بعدها استحاضة.
(115) إذا كانت النفساء ذات عادةٍ عدديّة ولكنّها نستها ولم تتذكّرها، فماذا تصنع قبل أن يتجاوز دمها عشرة أيّام؟ وماذا تصنع إذا تجاوز؟
والجواب: أنَّها تفترض أكبر الاحتمالات في عادتها، فإذا كانت لا تدري هل أنَّها خمسة أو ستّة؟ اعتبرتها ستّة، وطبّقت على نفسها حكم ذات العادة العدديّة التي كانت عادتها ستّة أيّام، على النحو المتقدّم في الفقرة (112) و(114).
(116) النفساء كالحائض، يجب عليها كلّما احتملت انقطاع دم النفاس أن تختبر حالها وتفحص بقطنة، كما تقدّم في أحكام الحيض.
(117) إذا استمرّ الدم بالنفساء وتجاوز العشرة وبقي مستمرّاً مدّةً طويلة وأخذت تعمل عمل المستحاضة، فكيف تستطيع أن تعرف أنَّ عادتها الشهرية قد جاءتها بعد نفاسها؟ ومتى تجعل الدم حيضاً؟
والجواب: أنَّ هذه المرأة إذا كانت ذات عادة وقتيّة تظلّ على الاستحاضة إلَّا في حالتين:
الأُولى: أن ترى الدم في أيّام عادتها، فتعتبره حيضاً ولو لم يكن بصفة الحيض.
الثانية: أن تراه بصفة الحيض(1) في غير أيّام العادة متميّزاً بلونه وشدّته
ــــــ[330]ـــــــ
(1) إذا كانت تثق من استمرار الدم إلى وقت عادتها السابقة، انتظرت إلى ذلك الحين، واعتبرت اللون استحاضة، والدم في وقت عادتها حيضاً، ولا حاجة إلى الجمع المشار إليه في الكتاب. نعم، لو كانت تحتمل انقطاع الدم، فالأحوط لها ما في الكتاب.
الفتاوى الواضحة ج1
عمّا سبقه من دم، فتجمع بين تروك الحائض وواجبات المستحاضة.
وإذا لم تكن ذات عادة وقتيّة: فإن تميّز بعض الدم بصفة الحيض وكان واجداً لشروطه العامّة(1)، اعتبرته حيضاً. وإن كان كلّه فاقداً لصفة الحيض، ظلّت على استحاضتها(2). وإن كان كلّه واجداً لصفة الحيض، أصبح حكمها حكم المضطربة، وقد تقدّم في أحكام الحيض، وهو: أن تجعل حيضها في كلّ شهر ستّة أو سبعة أيّام حسب اختيارها، وتعتبر نفسها في غير تلك المدّة من أيّام الشهر مستحاضة.
(118) حكم النفساء والحائض واحد: مِن تحريم مسّ كتابة المصحف، وقراءة آية السجدة من العزائم، والمكوث في المسجد، والوطء، وعدم صحّة الطلاق. وكما لا تكلَّف الحائض بالصلاة والصيام ولا يصحّان منها، كذلك النفساء تماماً؛ تترك الصلاة والصيام ما دامت في نفاسها، وتقضي بعد ذلك الصيام دون الصلاة، ويباح للنفساء ما يباح للحائض.
وصورة الغسل من النفاس تماماً كصورة الغسل من الحيض والاستحاضة والجنابة. وقد تقدّمت كيفية الغسل على العموم في الأحكام العامّة للغسل.
ــــــ[331]ـــــــ
(1) نقصد: الشروط العامّة التي تقدّمت في الفقرة (56) وما بعدها من هذا الفصل (الماتن).
(2) لا يحتمل أنَّها تهمل الحيض تماماً وإن استمرّ دمها شهوراً، بل حكمها هو نفس حكم الصورة الآتية في الكتاب، وهي: ما إذا كان الدم كلّه واجداً لصفة الحيض.
الفتاوى الواضحة ج1 
في أحكام الأموات
إذا مات المسلم، توجّهت إلى الأحياء واجباتٌ على سبيل الكفاية(1)، متى قام بها البعض، سقطتْ عن الكلّ، وإذا تركوا جميعاً، كانوا مسؤولين ومحاسبين(2)، والتفصيل فيما يلي:
الاحتضار
(119) الاحتضار يكون عند حضور الأجل وزهق الأرواح (أعاننا الله عليه)، ويجب أن يُلقى المحتضر على ظهره حين النزع(3)، وباطن قدميه إلى القبلة؛ بحيث لو جلس لاستقبل القبلة بوجهه والجانب الأمامي منه.
ويستحبّ التعجيل بتجهيزه حين يموت، أي: إجراء ما يلزم لكي يدفن. وأمّا إذا شكّ في موته، فيجب الانتظار حتّى يعلم موته.
وذكر العلماء رضوان الله عليهم: أنَّه يستحبّ نقله إلى المكان الذي كان يعتاد الصلاة فيه إن اشتدّ عليه النزع، ويستحبّ تلقينه الشهادتين، والإقرار بالنبيّ والأئمّة (عليهم السلام). وإذا مات فيستحبّ أن تُغمضَ عيناه، ويُطبق فمه، وتُمدّ ساقاه، وتُمدّ يداه إلى جانبيه، ويغطّى بثوب، ويُقرأ عنده القرآن، كما
ــــــ[332]ـــــــ
(1) ومعنى الواجب على سبيل الكفاية: أنَّه يكفي في إنجازه قيام البعض به. فدفن الميّت مثلاً واجب على سبيل الكفاية، بمعنى: أنَّه إذا قام به بعض المكلّفين كفى، ولا يلزم أن يشتركوا جميعاً في الدفن (الماتن).
(2) أي: أمام الله سبحانه في يوم الحساب.
(3) النزع هو شدّة المرض على نحوٍ يشرف المريض على الموت (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1
يستحبّ إعلام المؤمنين بموته ليحضروا جنازته.
وجوب الغسل
(120) يجب تغسيل الميّت قبل أن يدفن، وإذا دفن بلا غسل لأيّ سبب كان – عمداً أو خطأً- ولا مضرّة على بدنه من نبش قبره ولا هتكٍ لستره وكرامته(1) ولا شقاقٍ وقتالٍ بين أهله، وجبَ نبشُه وإخراجه من القبر وتغسيله إن أمكن، وإلَّا يُمِّمَ على التفصيل الآتي.
(121) ومن مات – أو ماتت- وعليه الغسل من الجنابة، أو الحيض – لو كانت امرأة- غُسّل غسل الأموات وكفى، ولا يجب أن يغسّل غسلاً آخر.
مَن يجب تغسيله؟
يجب تغسيل الميّت إذا توافرت فيه الأُمور التالية:
(122) الأوّل: أن يكون مسلماً، وأطفال المسلمين ومجانينهم بحكمهم، حتّى السقط إذا تمّت له ستّة أشهر يجب تغسيله كالكبير، بل لا يُترك الاهتمام والاحتياط بتغسيله قبل ذلك(2) أيضاً إذا تمّت له أربعة أشهر. ولا فرق في الميّت المسلم بين الشيعي والسنّي، فالشرط هو إسلام الميّت مهما كان نوع مذهبه، وأمّا الكافر فلا يجب تغسيله.
وإذا علمنا أنَّ أحد هذين الميّتين مسلم والآخر غير مسلم، وتعذّر التمييز والتعيين، وجب غسل كلٍّ منهما وتكفينه ودفنه.
(123) الثاني: أن لا يكون الميّت شهيداً، فالشهيد لا يجب تغسيله، بل
ــــــ[333]ـــــــ
(1) إذا كان إخراجه تطبيقاً للحكم الشرعي، فلا يعتبر هتكاً.
(2) هو احتياطٌ وجوبيّ.
الفتاوى الواضحة ج1
يُدفن بعد الصلاة عليه في دمائه وثيابه بلا تغسيلٍ ولا تحنيطٍ ولا تكفين.
والمراد بالشهيد: من توافر فيه أمران:
أحدهما: أن يستشهد لاشتراكه في معركة سائغة مشروعة(1) من أجل الإسلام.
والآخر: أن لا يدركه المسلمون وبه رمق من الحياة، فإذا أدركوه وبه رمق من الحياة ثُمَّ مات، وجب الغسل.
وكلّ من توافر فيه هذان الأمران فهو شهيد، سواء أدركه المسلمون على أرض المعركة أو خارجها.
ولقد أطلق الشارع الأقدس كلمة >شهيد< على النفساء، ومن انهدم عليه الجدار – مثلاً- فمات، والغريق، وعلى من مات دفاعاً عن ماله وأهله، وغير هؤلاء، والمراد: مساواتهم أو مشابهتهم للشهداء في الأجر والثواب، لا في عدم الغسل والتكفين.
(124) الثالث: أن لا يكون قد مات قتيلاً بقصاص أو رجم(2)، فلا يُغَسَّل من قُتل بحقٍّ – قصاصاً- لأنَّه ارتكب جناية القتل عمداً، ولا من رُجم
ــــــ[334]ـــــــ
(1) حسب الفتوى المعتبرة في حينه، ويجب أن يكون ساقطاً في ساحة المعركة لا مقتولاً في السجن أو قام باغتياله أحد، كما يجب أن لا يقيم بنفسه أو باتّجاه الجماعة التي يرتبط بها دليلاً على سوء نيّته وأنَّه لا يقاتل في سبيل الله، بل في سبيل غرضٍ دنيويّ وإن كانت له صبغة دينيّة. وإذا لم يقم دليلٌ على فساد نيّته، كفى في كونه شهيداً ظاهراً، والله سبحانه أعلم بالسرائر.
(2) الأحوط كونه مثل غيره في وجوب التغسيل والتكفين، بل الأحوط كونه كذلك حتّى لو اغتسل قبل ذلك وتكفّن.
الفتاوى الواضحة ج1
بحقٍّ أيضاً بالحجارة حتّى الموت؛ لأنَّه اقترف فاحشة الزنا، لا يغسّل هذا المرجوم ولا ذاك المقتول، بل يؤمر كلٌّ منهما بأن يَغتسِل تماماً كغسل الأموات بالكامل، ثُمَّ يحنّط ويكفّن كأنَّه ميّت، وبعد ذلك كلّه يقدّم للقتل أو للرجم، ويصلّى عليه بعد موته، ويدفن في مقابر المسلمين. وهكذا نعرف أنَّ كلّ ميّتٍ مسلمٍ يجب تغسيله، إلَّا الشهيد، أو من قُتل قصاصاً أو رجماً.
على مَن يجب التغسيل؟
(125) يجب تغسيل الميّت على كلّ بالغ عاقل(1) قادر على أداء هذا الواجب. والوجوب هنا كفائيّ، بمعنى أنَّ الواجب يؤدّى ويحصل بقيام بعض الأفراد به، ويسقط عندئذٍ عن الآخرين، وإذا لم يؤدَّ الواجب من قبل أحدٍ كانوا جميعاً آثمين.
كيفية الغسل والتيمّم البديل
(126) يغسَّل الميّت ثلاث مرّات:
الأُولى: بالماء مع قليلٍ من السدر. (والسدر: شجرة النبق).
والثانية: بالماء مع قليلٍ من الكافور. (والكافور مادّة عطرية تُستخرج من شجرة الكافور).
والثالثة: بالماء الخالص دون أن يضاف إليه شيء.
ــــــ[335]ـــــــ
(1) هذا التعبير فيه اتّساع غير عملي، والصحيح أن يقال: إنَّ الغسل ومطلق التجهيز واجب على وليّ الميّت ولو كان هو الحاكم الشرعي، فإن فقد الوليّ أو عصى الحكم الشرعي، وجب التجهيز على كلّ مَن يعلم به ممّن هو بالغٌ عاقلٌ ذكراً أو أنثى وجوباً كفائيّاً. ولا يشمل الوجوبُ الجاهلَ بموته أو الغافل عنه، ولو كان محتملاً للموت.
الفتاوى الواضحة ج1
ومن مات وهو محرِم ولم يكن قد حلّ له الطيب، فلا يسوغ أن يوضع شيءٌ من الكافور بماء غسله ولا يحنّط به. (يأتي الكلام عن التحنيط بعد قليل). وأيضاً: يحرم تطيبه أو تطييب كفنه بكلّ ذي رائحة عطرة.
(127) وكما يجب الترتيب بين هذه الأغسال الثلاثة، كذلك يجب بين الأعضاء الثلاثة، فيبدأ الغاسل بالرأس مع الرقبة، ثُمَّ بالجانب الأيمن، ثُمَّ بالجانب الأيسر.
ولابدّ من نيّة القربة في كلّ غسل من الأغسال الثلاثة.
ولو تعاون اثنان أو أكثر(1) على الغسل وتهيئة وسائله، فالمعتبر نيّة من باشر الغسل بالذات، واستند إليه العمل بحيث يعدّ عرفاً هو الغاسل، واحداً كان أو أكثر.
وأخذ الشخص الذي يغسّل(2) الميّت للمال لا يتعارض مع نيّة القربة إذا كان ثمناً لماء الغسل، تماماً كما يسوغ ثمن الكفن والسدر والكافور، وكلّ ما لا يجب بذله مجّاناً.
ويجب أن لا يكثر السدر والكافور في الماء؛ خشية أن يصير الماء مضافاً، وأن لا يقلّا خشية أن لا يصدق الوضع والخلط.
(128) ويسوغ غسل الميّت بمجرّد خروج الروح من جسده وقبل
ــــــ[336]ـــــــ
(1) فإن كان الغاسل أكثر من واحد، وجبت النيّة منهما، وتكفي النيّة الارتكازيّة ولا تجب التفصيلية ولو ذهناً، وإن كانت أحوط.
(2) المهمّ توفّر الإخلاص في النيّة وعدم كون الغسل من أجل المال مهما كانت نيّته في المال، فقد يكون المال على الماء أو على استعمال المكان أو على قماش الكفن أو كهديّة مستقلّة أو غيره.
الفتاوى الواضحة ج1
برده، ويجوز تغسيله من وراء الثوب(1)، ولا يجوز للمغسّل أن ينظر إلى عورة الميّت، أو يلامسها بيده حين التغسيل، ويجوز ذلك للزوج بالنسبة إلى زوجته وكذلك العكس.
(129) وإذا تعذّر السدر والكافور، وجب – بدلاً عن الغسل الأوّل – الغسل بالماء الخالص، ينوي به أنَّه بدل عن الغسل بالماء مع السدر، والتيمّم أيضاً ينوي به كذلك أنَّه بدل عن الغسل بالماء والسدر، ووجب – بدلاً عن الغسل الثاني- الغسل بالماء الخالص والتيمّم، ينوي بكلٍّ منهما أنَّه بدل عن الغسل بالماء والكافور، وبعد ذلك يجب الغسل بالماء الخالص.
(130) إذا تعذّر غسل الميّت لسببٍ من الأسباب، وجب تيميمه ثلاث مرّات، ناوياً بالأوّل أنَّه بدلٌ عن المرّة الأُولى(2) من الغسل، وبالثاني أنَّه بدلٌ عن المرّة الثانية(3) من الغسل، ثُمَّ يأتي بالثالث بدون حاجة إلى نيّة(4) أنَّه بدلٌ عن المرّة الثالثة، وحين يُيَمَّم الميّت يُيَمِّمه الحيّ بيده، أي بيد الحيّ نفسه، ويُيَمِّمه أيضاً بيد الميّت(5)، أي يستعمل الأُسلوبين معاً إن أمكن، ولا يسوغ تيميم الميّت إلَّا مع اليأس من الغسل والعجز عنه. ومع وجود الأمل بارتفاع العذر، يجب الصبر والانتظار حتّى يحصل اليأس، أو الخوف على الجثمان من
ــــــ[337]ـــــــ
(1) بشرط إحراز وصول الماء إلى كلّ ما يجب أن يصل إليه.
(2) أو عن الغسل بماء السدر.
(3) أو عن الغسل بماء الكافور.
(4) بل ينوي أنَّه بدلٌ عن الغسل الثالث أو الغسل بالماء الاعتيادي أو القراح.
(5) إن أمكن استعمال يد الميّت نفسه في التيمّم، كان ذلك كافياً، بل متعيّناً. وإن لم يمكن، يمّم بيد الحيّ، ولا حاجة إلى الجمع بين الأسلوبين.
الفتاوى الواضحة ج1
النتَن وغيره من الضرر.
(131) وإذا أمكن الغسل بعد التيمّم وقبل الدفن، بطل التيمّم ووجب الغسل. وإذا أمكن الغسل بعد الدفن، حُرم نبش القبر وإخراج الميّت لأجل الغسل إذا أدّى ذلك إلى مضرّة تلحق بالميّت. ومثله تماماً إذا غسّل بلا سدر ولا كافور. وأمّا إذا لم يكن في النبش مضرّة وهدر لكرامة الميّت، وجب إخراج الميّت(1) وإجراء الغسل الواجب عليه.
شروط الغسل
(132) لابدّ في غسل الميّت من أن يكون الماء مطلقاً وطاهراً، كما لابدّ أيضاً من طهارة السدر والكافور، وإباحة الجميع، مع عدم الحاجب على بدن الميّت(2).
(133) ويجب عند تغسيل أيّ موضعٍ من بدن الميّت أن تُزال عنه النجاسة. وإذا أصابت النجاسة موضعاً من جسد الميّت قد غسل أو بعد الفراغ من الغسل، فلا تجب إعادة الغسل، وإنمّا يجب تطهير ذلك الموضع ما دام لم يدفن الميّت تحت الثرى. وإذا خرج من الميّت بولٌ أو منيٌّ، فلا يعاد غسله؛ حتى ولو حدث ذلك قبل أن يحمل إلى حفرته، ويكتفى بتطهير المحلّ.
شروط المغَسِّل
وهي أُمور:
ــــــ[338]ـــــــ
(1) لم يجب، بل هو مخالفٌ للاحتياط. نعم، إذا أمكن الغسل قبل الانتهاء من تسوية القبر ولم يكن في إخراجه ضرر أو هتكٌ وجب.
(2) فإن كان، وجب إزالته مهما أمكن، إلَّا أن يحصل ضررٌ أو حرج.
الفتاوى الواضحة ج1
(134) الأوّل: البلوغ، فلا يجزي غسل الميّت(1) من الصبي، حتى ولو غسّله على أكمل وجه، بمعنى أنَّ البالغين لا يمكنهم الاكتفاء بذلك.
(135) الثاني: العقل، فلا يجزي الغسل من المجنون.
(136) الثالث: الإسلام، فلا يجزي الغسل من الكافر. وإذا كان الميّت مؤمناً(2) بالإمامة، غسّله المؤمنون بها. ويجزي غسل المؤمن للميّت سواءً كان مؤمناً أو لا، كما يجزي غسل المسلم غير المؤمن للميّت الذي يشابهه في الإسلام وعدم الإيمان، فيكتفي المسلم المؤمن بذلك التغسيل ولو كان مخالفاً للكيفيّة الصحيحة في اعتقاده.
(137) الرابع: المماثلة بين الميّت والغاسل. فالذكر يغسّله ذكر، والأُنثى يغسّلها مثلها؛ ما عدا الزوج والزوجة فإنَّ لكلٍّ منهما أن يغسّل الآخر.
وأيضاً يسوغ لكلٍّ من الذكر والأُنثى أن يغسّل الطفل غير المميّز، حتّى ولو تجاوز عمره ثلاث سنين، صبيّاً كان أم صبيّة، ونريد بغير المميّز هنا: من لم يبلغ السنّ التي يحتشم فيها.
وأيضاً: للمحارم بنسبٍ أو رضاعٍ أو مصاهرة أن يغسّل بعضهم بعضاً، دون النظر إلى العورة إذا لم يوجد مماثلٌ مسلمٌ مؤمن. والمراد بالمحارم هنا: من يحرم التزاوج فيما بين بعضهم البعض تحريماً مؤبّداً(3) على أساس نسبٍ أو
ــــــ[339]ـــــــ
(1) الأظهر إجزاؤه من الصبيّ إذا كان مميّزاً محسناً للعمل، والأحوط كونه قد تعدّى السنة العاشرة، وإن كان مباشرة البالغ له أحوط استحباباً.
(2) هذا أوفق بالاحتياط، وإن كان الأظهر إجزاء الغسل من مطلق المسلم – الذي لم يُحكم بكفره- إذا توفّرت لديه النيّة وأوجد الغسل على الطريقة المشروعة عندنا.
(3) إلَّا المطلّقة تسعاً بشروطها فإنَّها محرّمة مؤبّداً على المطلِّق تسعاً ولكنّها ليست محرماً له، فلا يجوز أن ينظر إليها، ولا ينطبق عليه ولا عليها الحكم الذي في الكتاب.
الفتاوى الواضحة ج1
رضاع أو مصاهرة، كالآباء والبنات والإخوة والأخوات، وإذا لم يتوفّر مماثل للميّت من المسلمين المؤمنين ولا أحد محارمه، فماذا يُصنع به؟
الجواب: يغسله مسلمٌ مماثل، ولو كان مختلفاً معه في الإيمان.
وإذا لم يتوفّر مماثل للميّت من المسلمين بحال ولا أحد محارمه، فماذا يُصنع به؟
الجواب: يغسله الكافر الكتابي إن وُجد، فيرغِّب إليه المسلمُ المؤمنُ(1) أن يتطهّرَ بالماء ويغتسلَ ثُمَّ يمارسَ عمليّة الغسل حسب إرشاد المؤمن الشيعي العارف.
وإذا لم يتوفّر مماثلٌ لا من المسلمين ولا من غيرهم ولا أحد المحارم، فهل يغسل الميّتَ غيرُ المماثل؟
الجواب: في هذه الحالة(2) يسقط وجوب الغسل، ولكن يُستحبّ(3) أن يغسله مؤمنٌ شيعيٌّ غير مماثلٍ من وراء ساترٍ دون أن ينظر أو يلمس – ولو بلبس قفّاز- شيئاً من الجسد، ثُمَّ ينشف جسم الميّت بعد غسله وقبل دفنه أيضاً بلا لمس ولا نظر.
ــــــ[340]ـــــــ
(1) الذي هو من غير المحارم، ولا يباشر التغسيل إن كان مغايراً للميّت بالجنس، أي: الذكورة والأنوثة.
(2) كما يسقط وجوب الغُسل، يسقط وجوب التيمّم والتكفين أيضاً؛ لما فيه من لزوم التجريد، ولكن لا يدفن كذلك إلَّا بعد اليأس عن أحد الذين يمكن أن يقوموا بالغسل ولو بانتظار مدّة لا تضرّ بالميّت.
(3) من باب الاحتياط الاستحبابي، لا الاستحباب الذاتي؛ إذ لم يثبت استحبابه.
الفتاوى الواضحة ج1
وإذا اشتبه الميّت بين الذكر والأُنثى غُسّل مرّتين(1): مرّةً بيد الذكر، وأُخرى بيد الأُنثى(2)، إلَّا إذا كان دون سنّ البلوغ والتمييز فيغسّل مرّةً واحدةً بيد ذكر أو أُنثى.
(138) الخامس: أن يكون الغاسل وليّاً للميّت، أو مأذوناً من قبل الولي. وهذا يعني أنَّه إذا كان الغاسل ولياً للميّت، صحّ الغسل منه، ولا يحتاج إلى إذنٍ وترخيصٍ من غيره؛ لأنَّه الوليّ. وإن كان الغاسل غير وليّ للميّت، وجب عندئذٍ الاستئذان منه كشرطٍ لصحّة الغسل.
والوليّ هنا الزوج – في ما يعود إلى موت الزوجة- فإنَّه يُقدّم حتّى على الآباء والأبناء، ومن بعده الفئة الأُولى(3) رتبةً في الميراث، ومن بعدها الثانية، ثُمَّ الثالثة على التفصيل الموجود في أحكام الإرث. والبالغون في كلّ فئةٍ مقدّمون على غيرهم.
وإذا كانت الفئة تشتمل على ذكور وإناث، فلا يوجد ما يبرّر الجزم(4) بتقديم الذكور على الإناث في هذا الحقّ.
وإذا امتنع الوليّ أن يباشر بنفسه وأن يأذن به إلى غيره، سقط اعتبار إذنه،
ــــــ[341]ـــــــ
(1) إذا لم يحصل أحدٌ من محارمه الذي يجوز أن يغسّله، سواء كان مثيلاً أو لا.
(2) مع وجوب غضّ النظر وترك اللمس لكلِّ بدنه.
(3) وهم: الآباء والأبناء، والفئة الثانية: الإخوة والأجداد، والثالثة: الأعمام والأخوال. فإن كانوا متعدّدين من فئة واحدة، فالأولى الرجوع إلى أكبرهم سهماً من الميراث، فإن تساووا كان لكلِّ منهم الإذن ما لم يختلفوا، فإن اختلفوا فالأحوط الرجوع إلى الحاكم الشرعي إن وجد، وإلَّا فإلى عدول المؤمنين.
(4) إلَّا زيادة حصّتهم من الميراث، إن كان كذلك.
الفتاوى الواضحة ج1
وصحّ تغسيل الميّت من غير إذن، وكذلك أيضاً(1) إذا تعذّر الاستئذان منه، كما إذا كان غائباً ولا يتاح الاتّصال به، فلا ينتظر عندئذٍ إذنه.
(139) إذا أوصى الميّت أن يتولّى ويباشر شخصٌ معيّنٌ غسله بنفسه، أو يباشر تجهيزه بالكامل – الغُسل وغير الغسل- فهل يجب على هذا الشخص أن يلبّي وينفّذ؟ وإذا لبّى ونفّذ، فهل عليه أن يستأذن من الوليّ أيضاً؟
الجواب: كَلاّ، بل له أن يرفض(2). وإذا قبل واستجاب، باشر ونفّذ بلا استئذانٍ من الوليّ، ولا يجوز في هذه الحالة أن يزاحمه الوليّ في تنفيذ الوصية.
وإذا أوصى الميّت أن يكون التجهيز بنظر شخصٍ معيّنٍ وليس بمباشرته وممارسته، جاز لهذا الشخص أن يرفض ما دام الموصي حيّاً، وبإمكانه أن يعهد إلى غيره. وإن لم يرفض حتّى مات الموصي، لم يكن له أن يرفض حينئذٍ، وإذا تقبّل هذه المهمّة لم يكن عليه أن يستأذن من الوليّ، بل لا يسمح للوليّ أو غيره في مباشرة التجهيز بدون إذن الوصيّ. وهذا يعني أنَّ وصيّ الميّت مقدّم على الوليّ في هذه الناحية.
الحنوط
(140) جاء في كتب اللغة: حنّط الميّت: إذا عالج جثّته وحشاها بالحنوط كيلا يدركها فساد، والتحنيط عند الفقهاء: مسح الكافور براحة
ــــــ[342]ـــــــ
(1) والأحوط في كلتا الصورتين: الرجوع إلى الحاكم الشرعي. فإن لم يوجد، فعدول المؤمنين. وإن كان المصلّي أحدهم، كفى في هذه المرتبة.
(2) إذا كان الموصي حيّاً والوصيّ حاضراً، فله أن يرفض. وأمّا إذا كان الوصي غائباً أو الموصي ميّتاً، فليس له الرفض، إلَّا أن يكون في تنفيذ الوصيّة حرجٌ زائد.
الفتاوى الواضحة ج1
الكفّ على الأعضاء السبعة من الميّت التي يسجد عليها المصلّي، وهي: الجبهة، والكفّان، والركبتان، وإبهاما الرجلين. ويكره أن يوضع شيءٌ منه في عين الميّت أو أنفه أو أُذنه أو على وجهه.
وتجب عمليّة التحنيط لكل ميّت يجب تغسيله، باستثناء المحرِم لحجٍّ أو عمرة إذا مات، فإنَّه لا يحنّط؛ على ما تقدّم في الفقرة (126).
وموضع التحنيط بعد الغسل (وإذا كان الميّت ممّن يُيَمّم بدلاً عن الغسل فالتحنيط بعد التيمّم) وقبل التكفين أو في أثنائه.
ولابدّ أن يكون الكافور طاهراً ومباحاً ودقيقاً(1)، لا خشناً وذا رائحة.
ولا تجب النيّة في التحنيط، ويجزي صدوره من كلّ بالغٍ عاقلٍ مهما كان نوع دينه أو مذهبه، بل يجزي صدوره من غير البالغ العاقل أيضاً إذا أحسن العمل وأتقنه.
الكفن
(141) بعد أن يغسَّل الميّت المسلم ويحنَّط على الوجه المتقدّم، يجب تكفينه بثلاث قطع، ذكراً كان أم أُنثى أم خُنثى، عاقلاً أم غير عاقل، كبيراً أم صغيراً، حتى السقط إذا تمّ له أربعة أشهر، وإلَّا يُلَفّ كيف اتّفق ويُدفن.
والقطعة الأُولى من الثلاث تسمّى: >المئزر<، يلفّ الميّت من السرّة إلى الركبة.
والثانية: >القميص< من أعلى الكتفين إلى نصف الساق.
والثالثة: >الإزار< يغطّي البدن بالكامل من أعلى الرأس حتّى نهاية
ــــــ[343]ـــــــ
(1) بحيث يلتصق منه شيء على البشرة، ولا بأس بالرائحة.
الفتاوى الواضحة ج1
القدم.
والشرط في كلّ قطعة أن تستر ما تحتها.
(142) التكفين كالتغسيل من حيث وجوب الإذن والرخصة(1) من الوليّ، أمّا نيّة القربة فهي شرط في التغسيل، لا في التكفين.
ويجزي التكفين من أيّ شخصٍ صدر، سواء كان صغيراً أم كبيراً إذا أحسن العمل وأتقنه.
إذا تعذّر وجود القطع الثلاث، أجزأ ما أمكن منها؛ ولو ثوباً واحداً يستر كلّ البدن. وإذا تعذّر الساتر الغامر لكلّ البدن، فما يستر الأكثر. وإذا لم يتيسّر إلَّا ما يستر العورة، تعيّنَ استعمالُه.
شروط الكفن
(143) يُشترط في كلّ جزءٍ من الكفن – للذكر كان أم للأُنثى- أن يكون طاهراً حتّى من النجاسة المعفوّ عنها في الصلاة – يأتي الكلام عنها مفصّلاً في فصول الصلاة- وأن يكون مباحاً، لا حريراً ولا ذهباً(2)، ولا من حيوانٍ لا يسوغ الأكل من لحمه، جلداً كان أو شعراً أو وبراً، ولا من جلد حيوانٍ مأكول(3)، ولا بأس بشعره ووبره.
ولكنّ هذه الشروط تسقط بالكامل عند العجز عنها، أمّا التكفين فلا
ــــــ[344]ـــــــ
(1) الأحوط أن يكون تجهيز الميّت كلّه بهذه المثابة، فإنَّ السيّد لم يُشر في الحنوط إلى ذلك، كما لم يذكر مستحبّات الكفن، وهي عديدة تراجع في مصادرها، ويمكن العمل بها لمجرّد كونها واردة شرعاً.
(2) حتّى ولو كان الميّت امرأة.
(3) على الأحوط، وإن كان الأظهر جوازه.
الفتاوى الواضحة ج1
يسقط بحال إلَّا مع العجز عنه بالذات، كما سبقت الإشارة. وعلى هذا فإذا تعيّن وانحصر الكفن بالنجس، أو بالحرير، أو أيّ شيء ممنوع عند الاختيار، كُفّن به الميّت. أجَل، لا يجوز التكفين بالمغصوب إطلاقاً؛ لأنَّ وجوده وعدمه بمنزلةٍ سواء.
وإذا وُجد في هذه الحال كفنان: أحدهما حرير، والآخر نجس، أو أحدهما من جلد المذكّى المأكول، والآخر من شعرِ ووبرِ غير ذلك، فهل نتخيّر كما نشاء، أو يجب التقديم والتأخير؟
الجواب: إن وُجد ثوبٌ نجسٌ من غير الحرير، بل من القطن مثلاً، وثوبٌ طاهرٌ ولكنّه من الحرير، كُفِّن الميّت بهما معاً، إلَّا أن يكون الحرير نجساً أيضاً فيُترك عندئذٍ، ويُكتفى بالنجس غير الحرير.
وإن كان أحدهما نجساً – حريراً كان أم غير حرير- والآخر طاهراً وليس بحرير ولا بنجس؛ كجلدٍ مذكّى، قُدّم هذا الجلد المذكّى على النجس.
وإن كان أحدهما حريراً طاهراً، والآخر ليس بحرير ولا نجس كجلد المذكّى، قدِّم جلد المذكّى على الحرير.
وإن كان كلٌّ منهما طاهراً ومن غير الحرير – كجلد المذكّى المأكول من حيوان وشعر ووبر غير المأكول من حيوان طاهر- فالحكم التخيير بينهما(1).
ولا بأس بالكفن منسوجاً من الحرير وغيره، إذا كان غير الحرير هو الأغلب والأكثر من الحرير، فيسوغ مع توفّر هذا الشرط أن يكفّن بهذا النسيج الرجل والمرأة، حتّى مع التمكّن والقدرة على غيره.
ــــــ[345]ـــــــ
(1) بل يقدّم جلد الحيوان المأكول.
الفتاوى الواضحة ج1
إذا أصابت النجاسة كفن الميّت، وجبت إزالتها وتطهير المحلّ، حتّى ولو بعد أن يوسّد الميّت في قبره.
أمّا طريقة تطهير الكفن، وهل تكون بالغسل إن أمكن، أو بقصّ مكان النجاسة إن لم يمكن مع الحرص على بقاء صفة الكفن المطلوبة شرعاً، أو تبديله من الأساس؟ أمّا طريقة التطهير بذلك أو بغير ذلك، فتتبع اختيار المكلّف مع مراعاة احترام الميّت(1) وصيانته من الهتك ونحوه.
إذا كُفِّن الميّت وشُكّ بعد الفراغ من التكفين في أنَّ هذا التكفين هل جرى وفقاً لما يجب، أو لا؟ بُني على الصحة(2).
الصلاة
(144) بعد غسل الميّت وتحنيطه وتكفينه، تجب الصلاة عليه – وجوباً كفائياً – إن كان من المسلمين وأهل القبلة، شيعيّاً كان أم سنيّاً، تقيّاً حتّى الشهيد، أم شقياً حتّى المنتحِر، ذكراً كان أم أُنثى، عاقلاً أم مجنوناً، كبيراً أم صغيراً إذا بلغ سنّ السادسة، أو كان قد تعلّم وتفهّم معنى الصلاة قبل هذه السنّ.
والصلاة على الميّت عبادةٌ لا تصحّ بدون نيّة القربة. ويعتبر في المصلّي كلّ الشروط التي تقدّم في الفقرة (134) وما بعدها أنَّها معتبرة في المغسّل، سوى المماثلة في الذكورة والأُنوثة فإنَّها شرط في المغسّل، وليست شرطاً في المصلّي.
ــــــ[346]ـــــــ
(1) فلو لزم من التطهير الهتك، حَرُمَ ووَجَبَ بقاء النجاسة، إلَّا أنَّه عادة لا يلزم؛ لكون التطهير تطبيقاً للحكم الشرعي.
(2) مع إمكان الفحص، فهو واجبٌ على الأحوط. فإن كان خاطئاً، وجب تصحيحه، ومع تعذّره – كما لو تمّ الدفن بنى- على الصحّة.
الفتاوى الواضحة ج1
شروط الصلاة
(145) أمّا شروط الصلاة على الميّت فهي:
● أن توجد جثّته وتحضر بالفعل، حيث لا صلاة على غائب.
● وأن يوضع مستلقياً على ظهره، مستورَ العورة بأكفانه أو بشيءٍ آخر إن تعذّر الكفن.
● وأن يستقبل المصلّي القبلة، ويقف خلف الجنازة(1) محاذياً لها غير بعيد عنها، ورأسُ الميّت إلى جهة يمين المصلّي، مع عدم الحائل بين المصلّي والميّت.
● وأن تكون الصلاة من قيامٍ لا من قعود، إلَّا لمبرّر شرعي.
وليست الطهارة شرطاً في صحة الصلاة على الميّت، فتصحّ ممّن لم يكن على وضوء، ومن الجنب، وممّن كان بدنه أو ثوبه نجساً، كما أنَّ إباحة اللباس ليست شرطاً فيها، ولا إباحة المكان.
كيفيّة الصلاة
(146) ومتى تمّ ما استعرضناه من شروط، نوى المصلّي أنَّه يصلّي على الميّت قربةً إلى الله تعالى، وكبّر خمساً، بعدد الفرائض اليومية(2)، ويأتي بعد التكبيرة الأُولى بالشهادة لله بالوحدانية، ولمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالرسالة، وبعد الثانية يصلّي على النبيّ المختار وآله، وبعد الثالثة يدعو للمؤمنين والمؤمنات، وبعد الرابعة يدعو للميّت(3)، ثُمَّ يختم بالخامسة.
ــــــ[347]ـــــــ
(1) أي: تكون الجنازة أمامه من جهة قبلته.
(2) هذا لمجرّد المساعدة على تذكّر الرقم، وإلَّا فهو لا دخل له أصلاً في الحكم الشرعي.
(3) إذا كان مؤمناً بالغاً، وأمّا إذا كان صبيّاً أو غير مؤمن فلكلِّ منهما دعاءٌ مذكورٌ في محلّه. وإذا دعا لغير المؤمن بدعاء المؤمن، فقد خالف الاحتياط.
الفتاوى الواضحة ج1
ولابدّ من التتابع وعدم الفاصل بين التكبيرات الخمس وما يتبعها من شهادةٍ وصلاةٍ على النبيّ وأدعية، ولابدّ من هذا التتابع لحفظ هيئة الصلاة وصورتها، ومن أجل ذلك أيضاً يُترك الكلام الخارج منها(1) وفعل أيّ شيء تنمحي معه صورتها وتذهب بهيبة الدعاء والتضرّع لله.
أحكام تتعلّق بهذه الصلاة
(147) إذا كان الميّت من ذوي الكرامة والمنزلة العليا في الدين، ساغ تكرار الصلاة عليه، أمّا على غيره فيجوز تكرارها بنيّة احتمال أن يكون ذلك مطلوباً شرعاً.
(148) إذا اجتمع أكثر من جنازةٍ في آنٍ واحد، فهل يسوغ الجمع بينها بالكامل في صلاة واحدة؟
الجواب: يسوغ ذلك، وتكفي صلاة واحدة للجميع، وذلك بأحد شكلين:
الأوّل: أن توضع الجنائز كلّها أمام المصلّي، كلّ جنازة محاذية للجنازة الأُخرى هكذا ( )، فكأنَّ الجنائز صفوف متعدّدة، وكلّ صفٍّ يحتوي على جنازة واحدة.
الثاني: أن يُشكَّل صفٌّ واحد متدرِّج على هندسة الدرج من مجموع الجنائز، بأن توضع جنازة، ثُمَّ يوضع رأس الجنازة الأُخرى عند إلية الجنازة الأُولى، وهكذا كما في هذه الصورة ( . )، ويقف المصلّي في
ــــــ[348]ـــــــ
(1) الأحوط: اجتناب مبطلات صلاة الفريضة على العموم.
الفتاوى الواضحة ج1
الوسط، أي: في موضع النقطة التي تبدو في الصورة.
ويدعو المصلّي بضمير التثنية للجنازتين. وبضمير الجمع للجنائز(1).
(149) وتجوز هذه الصلاة جماعةً وفرادى، ولكنّ المأموم يقرأ ويؤدّي التكبيرات الخمس بكيفيّتها المتقدّمة، ولا يكتفي بقراءة الإمام، ولا تعتبر العدالة في الإمام.
وإذا حضر شخصٌ في أثناء صلاة الجماعة، صلّى على الميّت كما لو كان منفرداً، يتشهّد بعد الأُولى، ويصلّي على النبيّ وآله بعد الثانية … إلى آخره. وإذا فرغ الإمام قبله من صلاته، أتى المأموم المذكور بما بقي من التكبيرات مع الدعاء، أو بلا دعاء بنيّة احتمال أن يكون ذلك راجحاً شرعاً.
(150) إذا حدث الشكّ والتردّد في أداء الصلاة على الميّت والإتيان بها، وجب فعلها على الوجه المطلوب. وإذا حدث الشكّ في صحّتها بعد الفراغ منها، فلا تجب الإعادة. وإذا علم بأنَّها وقعت باطلةً، وجب استئنافها من جديد.
ــــــ[349]ـــــــ
(1) وبضمير التأنيث مفرداً أو جمعاً للمرأة والنساء، ولا بأس بعطف بعضهم على بعض كقوله: (اغفر لهم ولهن) أو (اغفر له ولها) ونحو ذلك.
وهنا ملاحظتان:
الأُولى: في الصفّ المتدرّج: الأفضل – بل الأحوط- جعل الرجال إلى جهة القبلة والنساء خلفهم إن كان شيءٌ من ذلك.
الثانية: إن كانت الجنائز بحيث لا يشملها دعاءٌ واحد، كما لو كان فيهم أطفال أو مستضعفون أو مخالفون، أمكن تكرار الدعاء بعد التكبيرة الرابعة، ناوياً لكلِّ نوع دعاءه، وبالضمير المناسب له جمعاً وإفراداً وتأنيثاً، كما يمكن أن يصلّي مرّتين أو أكثر في مثل هذه الحالة.
الفتاوى الواضحة ج1
(151) وإذا دفن الميّت بلا صلاة أو بصلاة باطلة(1) – لسبب أو لآخر- صُلّيَ على قبره ما لم يكن جسدُه قد تبدّد واضمحلّ.
صورة من صلاة الميّت
(152) في ما يلي نذكر صورةً من الصلاة على الميّت، يتيسّر حفظها لمن أراد.
1. الله أكبر.
(أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له)، إلهاً واحداً أحداً فرداً صمداً حيّاً قيوّماً دائماً أبداً، لم يتّخذ صاحبةً ولا ولداً، (وأشهد أنَّ محمّداً عبده ورسوله)، جاء بالهدى ودين الحقّ؛ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون.
2. الله أكبر.
(اللهمّ صلّ على محمد وآل محمد)، وبارك على محمّد وآل محمّد، وترحّم على محمّد وآل محمّد، كأفضلِ ما صلّيت وباركت وترحّمت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّك حميد مجيد.
3. الله أكبر.
(اللهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات)، والمسلمين والمسلمات، الأحياءِ منهم والأموات، وتابع بيننا وبينهم بالخيرات، إنّك على كلّ شيء قدير.
4. الله أكبر.
(اللهمّ اغفر لهذا الميّت) اللهمّ إنَّ هذا المسجّى قدّامنا عبدُك وابنُ عبدِك
ــــــ[350]ـــــــ
(1) لقلّة التكبير أو لترك الذكر بعد التكبيرات أو غير ذلك. وتتمّ الصلاة بجعل القبر أمام المصلّي من جهة القبلة، ووجوبُ الصلاة بعد اليوم الأوّل من الدفن مبنيٌّ على الاحتياط.
الفتاوى الواضحة ج1
وابنُ أَمَتِك، وقد نزل بك وأنت خير منزول به، وقد احتاج إلى رحمتك وأنت الغنيٌّ عن عقابه، اللهمّ إنّا لانعلم منه إلَّا خيراً، وأنت أعلم به منّا، فإن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه، واحشره مع خيرة عبادك الصالحين، وحَسُن أُولئك رفيقاً.
5. الله أكبر.
ثُمَّ تنصرف.
والجملة المقوّسة بعد كلّ تكبيرة تكفي، ويمكن للمصلّي الاجتزاء بها وترك باقي الدعاء.
وإذا كان الميّت امرأةً، أمكنه أن يقول بعد التكبيرة الرابعة من التكبيرات الخمس: (اللهمّ اغفر لهذه الميّتة). اللهمّ إنَّ هذه المسجّاة قدّامنا أَمَتُك، وابنةُ عبدِك وابنةُ أَمَتِك، وقد نزلَتْ بك وأنت خير منزول به، وقد احتاجت إلى رحمتك وأنت الغنيُّ عن عقابها، اللهمّ إنّا لا نعلم منها إلَّا خيراً، وأنت أعلم بها مِنّا، فإن كانت محسنةً فزِد في إحسانها، وإن كانت مسيئةً فتجاوز عنها، واحشرها مع خيرة عبادك الصالحين(1)، وحسن أُولئك رفيقاً.
الدفن
(153) يجب دفن كلّ ميّت مسلم – ذكراً كان أم أُنثى- وجوباً كفائياً بالمعنى المتقدّم في الغسل، وكذلك يجب دفن أطفالهم ودفن السقط منهم أيضاً، حتى السقط الذي لم يبلغ أربعة أشهر(2) من أشهر الحمل، فإنَّه يلفُّ
ــــــ[351]ـــــــ
(1) أو أوليائه المعصومين، أو يقول – إن كان الميّت منافقاً ونحوه- مع مَن كان يتولّاه. ويحسن أن يدعو المصلّي لنفسه ولإخوانه المؤمنين الأحياء والأموات.
(2) إذا انعقدت له صورة مهما كانت بسيطة، وأمّا إذا كان دماً عرفاً، فلا يجب دفنه.
الفتاوى الواضحة ج1
بخرقة ويدفن، وإذا انفصل من الإنسان بعد موته وقبل دفنه شيء كالظفر أو السنّ والشعر فيجب دفنه، والأحسن احتياطاً واستحباباً أن يدفن معه.
كيفيّته: بعد تغسيل الميّت وتحنيطه وتكفينه والصلاة عليه، يُدفن؛ وذلك بمواراته في حفرةٍ من الأرض تمنع عنه الطيور والوحوش، وتكفّ رائحته وضرره عن الناس.
ويجب أن يُلقى في حفرته على جانبه الأيمن؛ موجّهاً وجهه والجانب الأمامي من بدنه إلى القبلة، فيكون رأسه إلى اليمين(1)، ورجلاه إلى اليسار بالنسبة إلى القبلة. ومع الجهل بالقبلة والعجز عن معرفتها فأيّ جهة يظنّ بأنَّها هي، يوجّه الميّت إليها، وإذا تعذّر العلم والظنّ معاً فإلى أيّ جهة يوجّه فهي كافية ومجزية.
ومن ركب البحر ومات ولا سبيل إلى تأخير جثمانه لمكان الضرر، ولا إلى دفنه في الأرض(2) لبعد المسافة، وُضع في وعاء صلب يتّسع لجثمانه، وأُحكم من كلّ جهاته، وسدّت جميع ثغراته، وأُلقي في البحر. هذا بعد غسله وتحنيطه وتكفينه والصلاة عليه.
ــــــ[352]ـــــــ
(1) أي: إلى يمين المصلّى المتوجّه إلى القبلة – ويكون ذلك في العراق وما والاها إلى الغرب- ورجله إلى الشرق.
(2) هذا هو نفس احتمال التأخير، وليس احتمالاً آخر من الناحية الواقعيّة؛ لأنَّه إنَّما يحتمل تأخيره لأجل الوصول إلى الأرض.
ولا يخفى أنَّ السيّد لم يذكر مستحبّات التشييع ومستحبّات الدفن، مع أنَّها من آداب الله سبحانه، ولها فوائد معنويّة واجتماعيّة، وهو أعلم بما قال.
الفتاوى الواضحة ج1
مكان الدفن
(154) الدفن يجب أن يكون في الأرض كما عرفنا، فلا تجزي مواراته في داخل صندوق ونحوه؛ حتى ولو جعل الصندوق في بطن الأرض. كما لا يتحقّق الدفن المطلوب شرعاً بوضع الميّت في موضع والبناء عليه، فإنَّ هذا لا يجوز، حتّى ولو كان الدافع اليه دافعاً مؤقّتاً لانتظار فرصة لنقله إلى المشاهد المشرّفة؛ فإنَّ في ذلك تأجيلاً للدفن الواجب شرعاً، فلا مناصَ إذن عن مواراة الميّت في الأرض.
ويجب أن يلاحظ في الأرض التي يُدفن فيها الميّت ما يلي:
أوّلاً: يجب أن يكون المكان مباحاً شرعاً، فلا يسوغ الدفن في أرض يملكها الغير بدون إذنه، ولا في أرضٍ موقوفةٍ لغير الدفن.
ثانياً: لا يسوغ دُفن الميّت المسلم في مكانٍ مرذول، كمحلّ القذارة والقمامة.
ثالثاً: لا يسوغ دُفن المسلم في مقابر الكفّار، كما لا يسوغ لغير المسلم أن يُدفن في مقابر أهل الإسلام.
وإذا حَمَلت غير المسلمة من مسلمٍ بصورة مشروعة فجنينها بحكم أبيه المسلم، فإذا ماتت بعد أن دبّت الحياة في الجنين وأيضاً مات الجنين بموتها دفنت في مقابر المسلمين مستدبرةً القبلة؛ ليكون وجه الحمل إليها.
والأحوط استحباباً: أن يلاحظ في ذلك أن يكون الخدّ الأيمن للجنين نحو الأرض وخدّه الأيسر إلى أعلى؛ وذلك بأن توضع المرأة على جانبها الأيمن.
ــــــ[353]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
والأَولى والأفضل: أن يُدفن الميّت في أيّ بلدٍ مسلم يموت فيه، سواء مات في بلده أو في غيره، فلا ينقل إلى بلدٍ آخر. أجَل، يستحبّ نقل الميّت إلى أماكن الطهر والقداسة، وبالخصوص النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة.
(155) نبش القبر والكشف عن الميّت حرام محرّم، إلَّا مع العلم بأنَّ الأرض قد أفنته ولم تُبقِ له لحماً ولا عظماً(1).
ويستثنى من هذا التحريم الحالات التالية:
أوّلاً: إذا كان النبش لمصلحة الميّت كنقله إلى النجف وكربلاء، أو للخوف على جثّته من سيل أو وحش، أو تنفيذ وصيّة له فيما إذا كان قد أوصى بالدفن في غير المكان الذي دُفن فيه وما أشبه.
ثانياً: لدكّ فتنة مستعصية، أو شرٍّ مستطير لا يمكن تفاديها إلَّا برؤية جسد الميّت ومشاهدته.
ثالثاً: فيما إذا دُفن الميّت ولم يراعَ في دفنه الشروط الشرعيّة، أو لم يكن قد استكمل – بالصورة الشرعيّة- التجهيزات السابقة على الدفن من التغسيل والتحنيط والتكفين، فإنَّه ينبش حينئذٍ لتدارك الأمر؛ ما لم يكن في ذلك هدر لكرامته وإطاحة بقدره. وأمّا إذا كان قد دُفن بدون أن يصلّى عليه فيكفي أن يصلّى عليه وهو في قبره، كما تقدّم في الفقرة (151).
رابعاً: إذا دفن معه مال غيرٍ زهيدٍ لشخص ولم يكن ذلك الشخص يأذن في ذلك، فينبش لكي يدفع ذلك المال إلى صاحبه.
ــــــ[354]ـــــــ
(1) مع العلم أنَّ العظم قد يبقى مئات السنين، إلَّا أنَّه ينبغي أن يلاحظ أنَّ العظام الباقية إن كانت قليلة جدّاً، والأرض لا يصدق عليها أنَّها قبر لاندراسه تماماً، فالأظهر جواز حفره.
الفتاوى الواضحة ج1
وليس من مبرّرات النبش وجود ميّت آخر يراد دفنه في نفس القبر، فإنَّه لا يجوز نبش القبر لدفن ميّتٍ آخر فيه.
أحكام عامّة للأموات وتجهيزهم
مجموعة الأعمال التي يجب إجراؤها على الأموات من التغسيل إلى الدفن، تسمّى بالتجهيز، وللتجهيز أحكام عامّة نذكرها في ما يلي:
(156) أوّلاً: أنَّ كلّ مَن يمارس شيئاً من تلك التجهيزات لابدّ له إذا لم يكن هو ولي الميّت أن يستأذن منه، على التفصيل المتقدّم في أحكام تغسيل الأموات، لاحظ الفقرة (140) و (141).
(157) ثانياً: أنَّ الحدّ الأدنى المعقول من النفقات التي يتطلّبها التجهيز الواجب يُستوفى من تركة الميّت. ونريد بالحدّ الأدنى المعقول: ما كان وافياً بالمطلوب شرعاً، وخالياً من الضعة والمهانة للميّت، ويدخل في ذلك: ثمن الواجب من ماء الغسل والسدر والكافور والكفن، إلى ثمن الأرض للدفن والضريبة المفروضة، والحمّال والحفّار، كلّ ذلك يخرج من أصل تركة الميّت مقدّماً على الدَّين والإرث والوصيّة.
وما زاد عن الحدّ الأدنى المعقول من نفقات التجهيز – أي النفقات التي تبذل للحصول على كفنٍ أفضل أو أرض أحسن، وهكذا- لا يخرج من أصل التركة، وكذلك الأمر في نفقات الفاتحة، وإطعام الضيوف الذين يزورون ذوي الميّت لتعزيتهم.
فإن اقتصر أولياء الميّت وورثته على الحدّ الأدنى من التجهيز الواجب، أخرجوا نفقات ذلك من التركة، سواء كان في الورثة صغار وقاصرون أم لا.
ــــــ[355]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
وإن أحبّ الورثة الكبار أن يجهّزوا الميّت بتجهيز أفضل وأكثر مؤونةً، أمكنهم أن يخرجوا الزائد ممّا ورثوه من التركة. وإن وجد في الورثة صغار أو قاصرون، فكلّ الزائد من سهم الكبار في التركة، ولا يتحمّل الصغار والقاصرون(1) منه شيئاً.
وإن قام غير الورثة بالتجهيز الأفضل وأنفق على ذلك، فليس له أن يرجع(2) على الورثة ويطالبهم بالزائد من النفقات، إلَّا إذا كان ما فعله بأمرٍ صادرٍ منهم بصورةٍ صريحةٍ أو بصورةٍ مفهومةٍ عرفاً.
وإذا كان الميّت قد أوصى بالصرف من ماله على التجهيز الأفضل وإقامة الفاتحة ونحو ذلك، أُخرجت نفقات ذلك من الثلث.
(158) ثالثاً: ويستثنى ممّا ذكرنا في الفقرة السابقة: الزوجة إذا ماتت وزوجها حيّ، فإنَّ كلّ ما يجب شرعاً لتجهيز الزوجة، على الزوج، حتّى ولو كانت غنيةً أو صغيرةً أو مجنونةً، أو لم يدخل الزوج بها (الدخول: معناه المقاربة والاتّصال الجنسي)، أو كانت الزوجة غير دائمة (أي: تزوّجها متعةً)، أو مطلَّقة رجعية(3) وماتت فى العدّة.
ــــــ[356]ـــــــ
(1) إذا كان تركُ الفاتحة أو ترك الإطعام فيه مهانةً للميّت، فيمكن جعله من أصل التركة، لكن يجب أن يؤخذ بجانب الاحتياط دون الرغبة النفسيّة.
(2) ما لم يكن من الواضح كون ما دفعه قرضاً، وليس على سبيل التبرّع. وإذا كان كذلك دفع المال من حصص الكبار؛ لأنَّ سكوتهم عنه دليل رضاهم؛ إذ لو كانوا غاضبين لنهوه.
(3) المطلّقة الرجعيّة: هي المطلّقة التي يجوز للزوج أن يرجع إليها في أثناء العدّة بدون حاجةٍ إلى عقدٍ جديد. في مقابلها المطلّقة البائن التي لا يجوز للزوج ذلك بالنسبة إليها (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1
وأيضاً لا فرق في مسؤولية الزوج عن تجهيز الزوجة بين أن يكون صغيراً أو كبيراً، وعاقلاً أو مجنوناً، غنيّاً أو فقيراً، إذا وجد ما يكفي لنفقات التجهيز الواجب، أو أمكنه استقراضه بلا عسرٍ ومشقّة.
وإذا ماتت الزوجة ومات زوجها في الوقت نفسه، كان تجهيزها من تركتها، لا من تركة الزوج. وإذا أوصتْ بأن تجهَّزَ من مالها وأخذت الوصيّة طريقها(1) إلى التنفيذ، لم يجب على الزوج شيء في ماله.
(159) رابعاً: إذا لم يكن للميّت تركةٌ تسدَّد منها نفقات التجهيز الواجب، وجب على أقربائه(2) الذين كانوا يجب عليهم الإنفاق عليه وإعالته أن يقوموا بتجهيزه.
(160) خامساً: إذا مات المسلم وشُكّ في أنَّه هل تصدّى أحدٌ من المسلمين لإجراء اللازم عليه من التجهيز، وجب التصدّي لتجهيزه(3). وإذا عُلِمَ بأنَّه قد جُهّزَ بصورة غير صحيحة شرعاً، وجب أن يُجهَّزَ(4) بصورة صحيحة، ويكفينا بالنسبة إلى إخواننا أبناء السنّة والجماعة أن يكون تجهيز
ــــــ[357]ـــــــ
(1) الأفضل في العبارة أن يقول: [وإذا أوصت] بأن تجهَّز من مالها أخذت الوصيّة طريقها إلى التنفيذ ولم يجب على الزوج… الخ؛ لأنَّ تنفيذ الوصيّة واجب وليس شرطاً للوجوب.
(2) إذا كان هكذا، وإلَّا وجب وجوباً كفائيّاً على كلّ مَن يعلم بموته، ويقدر على تجهيزه، ولا يجوز له عندئذٍ أن يعتبرها دَيناً على ورثته.
(3) أي: الفحص عن ذلك. فإن لم يكن غيره، وجب عليه.
(4) ولو بإبداء النصيحة للمتصدّي للتجهيز. فإن أبى أُقصي، ووجب إبداله.
الفتاوى الواضحة ج1
موتاهم صحيحاً على مذهبهم.
وإذا علم المكلّف بأنَّ الميّت قد جُهِّزَ وشَكّ في أنَّ تجهيزه هل كان صحيحاً من الناحية الشرعيّة أم لا؟ بنى على صحّته، ولم يجب عليه شيء.
(161) سادساً: لا يجوز للإنسان أخذ الأُجرة على مجرّد القيام بالتجهيزات الواجبة من التغسيل أو التحنيط أو التكفين أو الدفن، ويسوغ ثمن ماءٍ الغسل(1)، كما يسوغ ثمن الكفن والسدر والكافور، وغير ذلك من الأشياء التي يتطلّب التجهيز إحضارها وتوفيرها.
ويجوز أيضاً أخذ الأُجرة على كيفية خاصّة غير واجبة في التغسيل أو الدفن ونحوهما، كما في أخذ الأُجرة على الدفن في أرض معيّنة، أو التغسيل من ماءٍ خاصّ، ونعني بذلك: أنَّ المكلّف إذا قال لوليّ الميّت: >لا أدفنه إلَّا بأُجرة< لم يجز ذلك، وإذا قال له: >أنا حاضر لدفنه، ولكنّي لا أدفنه في ذلك الموضع البعيد من الأرض الذي تريده منّي إلَّا بأُجرة< جاز له ذلك.
(162) سابعاً: كلّ ما سبق من التجهيزات الواجبة، يثبت ويجب إذا كانت جثّة الميّت ناقصةً أيضاً، كالميّت الذي قطعت أطرافه، أو الهيكل العظمي الذي تبدّد لحمه، وكذلك إذا عثر على جزءٍ منه يشتمل على الصدر، أو عثر على الصدر خاصّةً، فإنَّه يُغسّل ويكفّن، بالنحو المناسب له(2)، ويحنّط إذا كان فيه أحد مواضع التحنيط، ويصلّى عليه، ويدفن.
ــــــ[358]ـــــــ
(1) سبق للسيّد أن ذكر ذلك، وعلّقنا عليه تحت عنوان: كيفيّة الغسل والتيمّم البديل.
(2) ففي الغسل يراعى الترتيب حسب الإمكان، مضافاً إلى الأغسال الثلاثة بشرائطها. وفي الكفن يلفّ بالإزار وبقطعة أُخرى؛ لأنَّه إن كان النصف الأعلى كانت قميصاً، وإن كان النصف الأسفل كانت مئزراً.
الفتاوى الواضحة ج1
وإذا لم يعثر على الصدر ولكن عثر على عظمٍ من عظام الميّت يشتمل على لحم، غُسّل(1) ولُفّ بخرقة ودفن، ولا تجب الصلاة(2).
وإذا عُثر على لحمٍ له بدون عظم، لُفّ بخرقةٍ ودُفن، ولم يجب فيه التغسيل.
وأمّا الجزء أو العضو المنفصل من الحيّ، فلا يجب فيه شيء(3) من تلك الأُمور.
(163) ثامناً: لا يجوز التمثيل بالميّت المسلم أو تشريح جثّته، ولا التصرّف فيها بنحوٍ يوجب إهانته والمسّ من كرامته؛ لأنَّ حرمة المسلم ميّتاً كحرمته حيّاً.
وهناك حالات يجوز فيها التشريح ونحوه لضرورة:
منها: إذا حَمَلت المرأة المسلمة ومات حملها وخيف منه على حياتها، فإنَّه يجب أوّلاً أن تعالِجَ إخراجَ الجنين من بطنها طبيبةٌ من أهل الاختصاص، وعلى هذه القابلة المختصّة أن ترفق بأُمّ الجنين جهدَ المستطيع، حتى ولو استدعى ذلك أن يُقطّعَ الحمل الميّت إرباً.
وإن تعذّر وجود المرأة المختصّة والمحارم وانحصرت عملية الإخراج الجراحية الضرورية بأجنبيّ مختصٍّ، فلا مانع – من الشريعة السمحة- أن يباشر بنفسه، بشرط الاقتصار على ما تدعو إليه الحاجة.
ــــــ[359]ـــــــ
(1) بثلاثة أغسال، مع سقوط الترتيب بين الأعضاء بطبيعة الحال.
(2) بل تجب على الأحوط وإن كان عظماً بلا لحم، إلَّا إذا كان عظماً صغيراً أو قطعة عظم بلا لحم، فلا تجب.
(3) إلَّا الدفن.
الفتاوى الواضحة ج1
وإن ماتت أُمّ الجنين وهو حيّ، أخرجته من بطنها الطبيبةُ المختصّة أو الطبيبُ المختصّ على الوجه المتقدّم في موت الجنين دون أُمّه، ويسوغ عندئذٍ فتح بطن الأُم الميتة؛ حيث يتوقّف إنقاذ الجنين الحيّ على ذلك.
ومنها: إذا توقّف تعلّم الطبّ على ممارسة التشريح لجثّة إنسان مسلم وكان العدد الواجب تواجده(1) من الأطباء كفايةً غير متوفّر بعد، ففي هذه الحالة يجوز ذلك بقدر الضرورة. والمقياس في عدم توفّر العدد الواجب من الأطبّاء أن يوجد في المنطقة – التي يريد المكلّف العمل في جزءٍ منها كطبيب- من يموت من المرضى بسبب عدم توفّر الطبيب.
(164) تاسعاً: لا يجوز أن يُقتَطَع من شعر الميّت أو ظفره شيء حال التغسيل، أو قبله، أو بعده(2). فلو اقُتطِعَ من ذلك شيء قبل أن يُدفن، وجب دفنه، والأحسن احتياطاً واستحباباً: أن يدفن معه.
(165) عاشراً: إذا وُجدت جنازة الميّت مع شخص وكان هو المتولّي لشؤونها، وادّعى أنَّه ولي الميّت، صُدِّقَ في دعواه، وجرى عليه حكم الوليّ(3) شرعاً ما لم يثبت العكس.
ــــــ[360]ـــــــ
(1) وهذا العدد أيضاً قد يكون أكثر أو أقلّ، فلابدَّ أن يُراد من الحكم في الكتاب أقلّ عدد يسدّ الحاجة.
(2) أي: بعد الموت مطلقاً.
(3) إذا لم يكن معروفاً بخلاف ذلك، ولو بالاطمئنان أو الوثوق، ولا تقبل ولايته إلَّا في التجهيز.
الفتاوى الواضحة ج1 
الغسل من مسّ الميّت
(166) مَن مسّ ميّتاً قبل أن يبرد جسمه وتذهب حرارته، فلا غسل عليه بهذا المسّ واللمس. أجل، يتنجّس نفس العضو والجزء الذي لمس الميّت إذا كان هو أو جسم الميّت الملموس نديّاً رطباً، وتفاعل الماسّ والممسوس بسراية النداوة من أحدهما إلى الآخر، وعندئذٍ يجب تطهير العضو الماسّ فقط.
وأيضاً مَن مسّ ميّتاً مسلماً بعد غسله فلا شيء عليه إطلاقاً؛ حتّى ولو كان المسّ بنداوةٍ ورطوبة.
ومَن مسّ ميّتاً بعد أن يبرد جسمه وقبل أن يغسل غسل الأموات(1) وجب عليه غسل العضو الماسّ إن تنجّس بالمسّ، كما لو كان بنداوة ورطوبة، ووجب عليه أيضاً الغسل من مسّ الميّت.
(167) لا فرق في ذلك من ناحية الميّت الممسوس بين أن يكون الميّت ذكراً أو أُنثى، عاقلاً أو مجنوناً، كبيراً أو صغيراً، حتّى ولو كان سقطاً دبّت فيه الحياة، ولا فرق من ناحية العضو الذي تمسّ به الميّت بين أن يكون المسّ باليد أو بغيرها من المواضع التي يتواجد فيها عادةً حاسّة اللمس، وأمّا ما لا يتواجد فيه حاسّة اللمس – كالشعر- فلا أثر له، بمعنى أنَّ الحيّ إذا أصاب بدن الميّت ولاقاه بشعره فقط، فلا غسل عليه.
ولا فرق في المسّ بين أن يكون عن عمدٍ وإرادة، أم بلا قصدٍ واختيار.
ولا فرق من ناحية العضو الممسوس بين أن يكون جزءاً ظاهراً للعيان
ــــــ[361]ـــــــ
(1) أي: قبل الانتهاء من الأغسال الثلاثة بتفاصيلها على الأحوط.
الفتاوى الواضحة ج1
من البدن كاليد والوجه – بل وحتّى الظفر والسنّ والشعر(1)- وبين مسّ الجزء المستتر، كاللسان والأمعاء على فرض بروزها، أو ظهور شيء منها بطعنة في البطن ونحوها، ففي كلّ هذه الحالات يجب غسل مسّ الميّت.
(168) وإذا انفصل جزء من بدن الميّت، وجب الغسل بمسّه ولمسه إذا كان عظماً، أو مشتملاً على العظم حتّى السنّ. وإذا لم يكن عظماً ولا مشتملاً عليه، فلا يجب الغسل بمسّه(2).
وإذا انفصل جزء من بدن الحيّ، فلا يجب الغسل بمسّه؛ حتّى ولو كان الجزء المفصول عظماً عليه لحم.
وكيفية الغسل من مسّ الميّت هي الكيفية العامّة للغسل التي تقدّمت في الفقرة (7) وما بعدها.
(169) ويجوز لمن مسّ الميّت ووجب عليه الغسل بسبب ذلك أن يدخل المساجد والعتبات المقدّسة ويمكث فيها ما شاء، وأن يقرأ آيات السجدة من سور العزائم، وتجري عليه الأحكام العامّة – لمن حصل منه ما يوجب الغسل- المتقدّمة في الفقرة (3) و (4).
ــــــ[362]ـــــــ
(1) ممّا لا تحلّه الحياة، والحكم بوجوب الغسل مبنيٌّ على الاحتياط. وإذا حصل ذلك، فالأحوط أن ينوى في الغسل: ما في ذمّته أو الواقع؛ لاحتمال مشروعيّته.
(2) بل هو واجب على الأحوط. نعم، لو كان ممّا لا تحلّه الحياة، كالسنّ والأظفْر لم يجب، وكذلك لوكان لحماً بدون عظم.
الفتاوى الواضحة ج1

الأغسال المستحبّة
(170) الأغسال المستحبّة كثيرة، مَن فعلها فهو مأجور، ومَن تركها ليس بمأزور، وأهمّها: غسل الجمعة، واستحبابه مؤكّد في الدين، ويسوغ الإتيان به من طلوع الفجر إلى آخر النهار، ولكنّ الغسل قبل الظهر أفضل من تأخيره إلى بعد الظهر. وإذا أخّره، نوى به ما هو المطلوب، سواء كان أداءً أو قضاءً. وإذا لم يتيسّر الماء في يوم الجمعة، قضاه يوم السبت.
(171) ومن الأغسال المستحبّة: غسل يوم عيد الفطر، وغسل ليلته، وغسل يوم عيد الأضحى، وغسل اليوم الثامن من ذي الحجّة، وغسل اليوم التاسع منه (يوم عرفة)، وغسل الليلة الأُولى من شهر رمضان، والليلة السابعة عشرة، والليلة التاسعة عشرة، وليلة إحدى والعشرين، وليلة الثالث والعشرين، وليلة الرابع والعشرين منه، والغسل عند إرادة الإحرام، وعند دخول الحرم، وعند دخول مكّة، وعند دخول المدينة، وعند دخول البيت الحرام، وعند الكسوف الذي يكسف الشمس بكاملها، وغسل التوبة(1)، وغير ذلك.
(172) ونلاحظ أنَّ هذه الأغسال المستحبّة بعضها ما هو مندوب
-أي مستحبّ- في زمان معيّن، كغسل يوم العيد مثلاً، وبعضها ما هو
ــــــ[363]ـــــــ
(1) إذ يستحبّ للمذنب إذا تاب من ذنبه: أن يغتسل وينوي بذلك أنَّه يغتسل غسل التوبة قربةً إلى الله تعالى، ويسمّى من أجل ذلك بغسل التوبة (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1
مندوب لأجل الدخول في مكان معيّن، كغسل دخول مكّة مثلاً، وبعضها ما هو مندوب لأجل القيام بعملٍ معيّن، كغسل الإحرام، فهذه أقسام ثلاثة.
والقسم الأوّل يشترط الإتيان به في الزمان المخصّص له.
والقسم الثاني يشترط الإتيان به حين الدخول إلى المكان المعيّن، أو قبيل ذلك.
والقسم الثالث يشترط أن يؤتى به قبل القيام بالعمل، ويكفي أن يكونا معاً، أي الغسل والعمل الذي يغتسل لأجله في نهارٍ واحد أو في ليلةٍ واحدة. وإذا اغتسل ثُمَّ صدر منه ما يوجب الوضوء قبل القيام بالعمل المطلوب، أعاد الغسل(1).
وكيفية الأغسال المستحبّة هي الكيفية العامّة المتقدّمة في الفقرات (7) وما بعدها، وكلّها تجزي عن الوضوء، كما تقدّم في الفقرة (5)(2).
ــــــ[364]ـــــــ
(1) على الأحوط استحباباً.
(2) وتقدّم التعليق عليه.
الفتاوى الواضحة ج1

الطهارة
4
التيمّّم
 تمهيد
 مسوّغات التيمّم
 الصعيد الذي يتيمّم به
 صورة التيمّم
 شروط التيمّم
 نواقض التيمّم
 الخلل في التيمّم
 أحكام التيمّم  

تمهيد
(1) التيمّم: هو مسح الجبهة(1) وما حولها إلى الحاجبين بباطن الكفّين، ومسح ظاهر كلٍّ من الكفّين بباطن الأُخرى.
وهو – كالوضوء والغسل- عبادةٌ لا يصحّ إلَّا بنيّة القربة، ويعبَّر عنه بالطهارة الترابية؛ لأنَّه يستعمل فيه التراب؛ تمييزاً له عن الطهارة المائية. وأعضاء التيمّم هي المواضع التي يقع المسح عليها أو بها، وتتكوّن من: الجبهة والجبينين وباطن الكفّين وظاهرهما.
ويعتبر التيمّم بديلاً عن الوضوء. فمَن حصل منه ما يوجب الوضوء، تيمَّمَ عوضاً عن الوضوء في حالة عدم تيسّر الوضوء له. كما يعتبر بديلاً عن الغسل أيضاً، فمَن حصل منه ما يوجب الغسل، تيمَّم عوضاً عن الغسل في حالة عدم تيسّر الغسل، ولهذا يسمّى بالطهارة الاضطرارية، وفيما يلي التفاصيل:
ــــــ[367]ـــــــ
(1) التيمّم هو القصد في اللغة، يقال: يمّمت نحوه: إذا قصدته، ومنه الآية الكريمة: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (سورة النساء، الآية: 43)، أي: اقصدوا الصعيد. ولو أراد عمليّة التيمّم المعروفة لقال: فتيمّموا على الصعيد. ثُمَّ استعير إلى هذا العمل الإسلامي حتّى أصبح حقيقةً فيه. ويلاحظ أنَّ السيّد هنا – أي: في التعريف- لم يذكر النيّة مع أنَّها دخيلة في صحّته؛ كما سوف يشير.
الفتاوى الواضحة ج1
مسوّغات التيمّم
قد لا يتيسّر الماء لدى المكلّف، وقد يكون الماء متيسّراً وموفوراً ولكن لا يتيسّر له استعماله من أجل الصلاة لمرضٍ أو غيره، وقد يتيسّر له الماء والاستعمال معاً.
فإذا تيسّر له الماء والاستعمال معاً، لم يصحّ منه التيمّم إلَّا في بعض الحالات النادرة(1)، ووجب عليه أن يتوضّأ أو يغتسل.
وإذا لم يتيسّر الماء أو لم يتيسّر استعماله فيسوغ التيمّم، فهناك إذن مسوّغان رئيسيّان للتيمّم، وسوف نتكلّم عنهما تباعاً.
عدم تيسّر الماء
المسوّغ الأوّل: عدم تيسّر الماء الذي يصحّ الوضوء به، ونعني بعدم تيسّر الماء: إحدى الحالات التالية:
(2) الحالة الأُولى: أن لا يوجد الماء في كلّ المساحة التي يقدر المكلّف على الوصول إليها والتحرّك ضمنها(2) ما دام وقت الصلاة باقياً، ولا فرق في ذلك بين أن لا يوجد ماء بحال أو يوجد منه مقدار يسير لا يكفي لما هو
ــــــ[368]ـــــــ
(1) وهي حالتان:
الأُولى: إذا أراد أن يؤدّي الصلاة على الميّت، أمكنه أن يتيمّم ولو كان الوضوء ميسوراً، كما يمكنه أيضاً أن يصلّي بدون وضوء ولا تيمّم.
الثانية: إذا آوى إلى فراشه لينام وذكر أنَّه ليس على وضوء، فقد سمَح له بعض الفقهاء بأن يتيمّم ليكون نومه على طهارة، وإن كان استعمال الماء ميسوراً (الماتن).
(2) أي: يجب الفحص خلال هذه المساحة أوّلاً، وعدم المبادرة إلى التيمّم بمجرّد فقدان الماء.
الفتاوى الواضحة ج1
المطلوب من الوضوء أو الغسل، أو يوجد منه ما لا يسوغ الوضوء أو الاغتسال به، كالماء النجس والماء المغصوب.
(3) الحالة الثانية: أن يكون الماء موجوداً في تلك المساحة، ولكن يصعب الوصول إليه بدرجة يحسّ الإنسان عند محاولة ذلك بالمشقّة الشديدة والحرج، سواء كانت المشقّة جسديةً – كما إذا كان الماء في موضعٍ بعيد- أو معنويةً، كما إذا كان الماء ملكاً لشخص ولا يأذن بالتصرّف فيه إلَّا أن يتذلّل له الإنسان ويعامله بما يشقّ عليه.
(4) الحالة الثالثة: أن يكون الماء موجوداً في تلك المساحة، وقد لا يكون بعيداً أيضاً ولكنّ محاولة الوصول إليه تعرّض الإنسان للضرر أو الخطر، كما إذا كان الإنسان في صحراء وكان الماء على مقربة من سباعٍ مفترسة، أو كان الطريق إليه غير آمنٍ لسبب أو آخر، أو كان الإنسان مريضاً – كالمصاب بالقلب- ويضرّ به صِحّياً التحرّك وصرف الجهد من أجل الوصول إلى الماء ولا يوجد من يستعين به.
(5) الحالة الرابعة: أن يكون الماء موجوداً في تلك المساحة، ولكنّه ملكٌ لشخصٍ لا يأذن لهذا المكلّف المريد للوضوء بالتوضّؤ منه إلَّا إذا دفع ثمناً مجحفاً يضرّ بحاله من الناحية الماليّة.
(6) الحالة الخامسة(1): أن يكون الماء موجوداً في تلك المساحة، ولكنّ الوصول إليه يتوقّف على ارتكاب أُمور محرّمة، كما إذا كانت الآلة التي يستعملها في الحصول على الماء مغصوبةً وإن كان الماء مباحاً.
ــــــ[369]ـــــــ
(1) ليست الحالات منحصرةً في هذه الخمسة، وإنَّما المهمّ هو فقدان الماء، إمَّا حقيقةً وإمّا لأنَّ استعماله بنفسه ضررٌ أو حرامٌ، أو أنَّ مقدّمته ضررٌ أو حرام.
الفتاوى الواضحة ج1
ونلاحظ أنَّ المكلّف في الحالة الأُولى لا يمكن أن يحصل منه الوضوء، فالواجب عليه هو التيمّم، وفي الحالات الأربع التالية (الثانية إلى الخامسة) قد يمكن أن يتوضّأ ولكنّ الشارع مع هذا لم يأمره به، بل سوّغ له التيمّم. لكنّ المكلّف إذا أصرّ على الوضوء وحصل على الماء متحمّلاً كلّ المضاعفات والصعوبات، وجب عليه عندئذ أن يتوضّأ به، وصحّ منه الوضوء(1).
عدم تيسّر استعمال الماء
المسوّغ الثاني للتيمّم: عدم تيسّر استعمال الماء على الرغم من وجوده وتوفّره، ونعني بعدم تيسّر استعمال الماء: إحدى الحالات التالية:
(7) الحالة الأُولى: أن يكون التوضّؤ أو الاغتسال من الماء لأجل الصلاة غير ممكن؛ لضيق الوقت عن استيعاب الوضوء والصلاة معاً.
(8) الحالة الثانية: أن يكون التوضّؤ أو الاغتسال للصلاة – مثلاً -ممكناً، ولكنّه مضرّ بالإنسان من الناحية الصحّية؛ نظراً لمرضه، أو لأيّ سبب آخر، والضرر الصحّي يشمل نشوء المرض وتفاقمه وطول أمده(2).
(9) الحالة الثالثة: أن يكون استعمال الماء في الوضوء أو الغسل ممكناً ولا ضرر صحّي فيه، ولكنّه شاقّ على المكلّف وسبب للحرج، كما إذا كان الماء والجوّ بارِدَين بدرجة يتألّم الإنسان عند استعمال ذلك الماء ألماً شديداً(3) محرجاً له.
(10) الحالة الرابعة: أن يكون استعمال الماء في الوضوء أو الغسل يؤدّي
ــــــ[370]ـــــــ
(1) إلَّا أنَّه قد يكون قد تورّط في الحرام في بعضها، كما في الحالة الثالثة والخامسة.
(2) وكذلك تنافي العمل الشرعي، كالوضوء وغيره مع التداوي، وخاصّة إذا كان في تركه حرج، إلَّا أنَّه في الأغلب ليس كذلك.
(3) أي: شديداً عرفاً، وكذلك الذي يصعب تحمّله والصبر عليه صعوبة محرجة.
الفتاوى الواضحة ج1
إلى التعرّض للعطش على نحوٍ يوقع المتوضّئ في الخطر أو الضرر أو الحرج والألم الشديد.
وقد لا يكون المتعرّض لضرر العطش أو خطره نفس المتوضّئ شخصياً، بل شخصاً آخر ممّن تجب صيانته، أو كائناً حيّاً ممّن يهمّه أمره، أو يضرّه فقده كفرسه وغنمه، أو يجب عليه حفظه، كما إذا أُودع لديه حيوان.
(11) الحالة الخامسة: أن يكون على بدن المكلّف نجاسة، أو على ثوبه الذي لا يملك غيره للستر الواجب في الصلاة وعنده ماء يكفي لإزالة النجاسة فقط أو للوضوء فقط، فيسوغ للمكلّف أن يغسل بدنه وثوبه من النجاسة ويتيمّم للصلاة، كما يسوغ له أيضاً(1) أن يتوضّأ ويصلّي في الثوب النجس، أو مع نجاسة البدن.
(12) ففي كلّ هذه الحالات يسوغ التيمّم. وإذا أصرّ المكلّف على الوضوء وتوضّأ على الرغم من الظروف المذكورة، صحّ منه الوضوء في الحالة الثالثة والرابعة(2)، وكذلك في الخامسة على ما تقدّم.
وأمّا حكم الوضوء في الحالة الأُولى فقد تقدّم في الفقرة (10) من فصل الوضوء، كما تقدّم حكم الوضوء في الحالة الثانية في الفقرة (7) من فصل الوضوء.
ويجمع كلّ ما تقدّم من الحالات العشر: أن لا يتيسّر الوضوء لعجز أو لضرر، أو لمشقّة شديدة، أو رعاية لواجبٍ آخر كالوضوء أو أهمّ منه.
(13) وإذا أخبر الثقة بعدم وجود الماء أُخذ بخبره، وإذا أخبر الطبيب
ــــــ[371]ـــــــ
(1) الأحوط استحباباً اختيار الصورة الأُولى.
(2) الأحوط اختيار التيمّم في هاتين الحالتين.
الفتاوى الواضحة ج1
الثقة بالضرر الصحّي أُخذ بقوله أيضاً، بل يكفي مجرّد احتمال الضرر الذي يبعث على الخوف والتردّد لدى الناس عادة.
وإذا كان المكلّف يائساً من وجود الماء في هذا المكان واحتمل بعد ذلك أنَّه وجد، لم يجب عليه الفحص، بل يعمل بيأسه السابق.
الصعيد الذي يتيمّم به
(14) يجب التيمّم بوجه الأرض، أو ما كان مقتطعاً منها، على أن يكون طاهراً ومباحاً، سواء كان تراباً أو صخراً أو رملاً أو طيناً يابساً.
بل يصحّ التيمّم بما تبنى به البيوت(1) من جصٍّ(2) وآجرٍّ و (إسمنت) ما دامت موادّه مأخوذةً من الأرض وإن أُحرقت وصنعت، وكذلك ما يصنع من (الإسمنت) من قطع للبناء (الكاشي والموزائيك) إذا لم تكن مطليةً بطلاء خارجيّ غير مأخوذ من الأرض، والغالب فيها أنَّها غير مطليّة كذلك حتّى الملوّنة منها.
ويصحّ التيمّم بالرخام(3) المعروف في الأوساط العراقية بـ (المَرمَر).
وكلّ ما يصحّ التيمّم به، لا فرق فيه بين أن يكون في الأرض أو جزءاً من جدار وحائط، فيسوغ للإنسان أن يتيمّم بالجدار، فيضرب يديه عليه إذا
ــــــ[372]ـــــــ
(1) هذا كلّه مخالف للاحتياط؛ الجصّ والاسمنت والطابوق والكاشي والموزائيك ونحوها، ممّا هو معمول. نعم، لو كانت الموادّ طبيعيّة غير معمولة، أمكن استعمالها، كالصخر الذي يستعمل بدل الطابوق، والطين الذي يستعمل بدل الجصّ إذا كان جافّاً.
(2) الجصّ: ما تطلى به البيوت من الكلس (الماتن).
(3) لأنَّه صخرٌ طبيعيّ قامت الآلة بصقل ظاهره، مع المحافظة على مادّته، لم تختلط ولم تتغيّر.
الفتاوى الواضحة ج1
كان مكوّناً من بعض الأشياء(1) التي ذكرناها.
(15) وليس من الضروريّ في صحّة التيمّم أن يترك الشيء الذي يتيمّم به أثراً منه في أعضاء التيمّم، فمن تيمّم بحجر نقيّ ومصقول، صحّ منه هذا التيمّم.
(16) ويشترط في المادّة التي يتيمّم بها:
أوّلاً: أن تكون كمّيةً واضحةً محسوسةً، لا من قبيل الغبار الذي يعني أجزاءً صغيرةً من التراب التي لا يبدو لها حجم وإن كانت موجودةً في الواقع.
وثانياً: أن لا تكون مخلوطةً بالماء بدرجة تجعلها طيناً.
(17) فإذا لم يتوافر لدى المكلّف مادّة بهذين الشرطين، تيمّم بما تيسّر من غبار الأرض أو الطين. فإذا تيسّر الغبار والطين معاً، قُدّم الغبار على الطين، بمعنى: أنَّه يتيمّم عندئذ بالغبار لا بالطين. أجَل، إذا كان بالإمكان تجفيف الطين أو تجميع الغبار على نحو يصبح تراباً واضحاً محسوساً، وجب ذلك، فإذا جفّ الطين أو تجمّع الغبار، تيمّم به.
(18) ولا يسوغ التيمّم بما لا يصدق عليه اسم الأرض، كالذهب والحديد والفولاذ والنحاس والرصاص وما أشبه، أو كالفيروزج والعقيق واللؤلؤ والمرجان، أو كالملح والكحل والرّماد، وكلّ ما يؤكل ويلبس، وكذلك لا يسوغ التيمّم بالخشب، ولا بقطع البناء المطليّة بغطاءٍ زجاجيّ التي تستعمل في الحمّامات الحديثة عادة.
(19) وإذا اختلط التراب أو غيره من موادّ الأرض بعناصر غير أرضية – كما إذا خلط التراب بالملح مثلاً- فلا يصحّ التيمّم به إلَّا إذا كانت العناصر غير
ــــــ[373]ـــــــ
(1) كالرخام الطبيعي، لا ما استثنيناه.
الفتاوى الواضحة ج1
الأرضية ضئيلةً بدرجة يصدق معها على المادّة كلّها اسم التراب أو الأرض.
(20) ومن عجز عن الحصول على مايسوغ التيمّم به، صلّى بدونه احتياطاً ووجوباً، ومتى قدر بعد ذلك على مايتطهّر به طهارةً مائيةً أو ترابيةً(1)، تطهّر وأعاد كلّ فريضة صلاّها بلا وضوء ولا تيمّم، كأنَّه لم يصلّ من الأساس، وإذا لم يتح له أن يتطهّر بوضوء أو تيمّم إلَّا بعد انتهاء وقت الصلاة فعليه القضاء.
صورة التيمّم
(21) وهي: أن يضرب المتيمّم اختياراً بباطن كفّيه مجتمعتين على الأرض دفعةً واحدة، فلا يجزي مجرّد وضع الكفّين بلا ضرب، ولا الضرب بواحدةٍ أو بهما على التعاقب، فيمسح بهما أيضاً مجتمعتين تمام جبهته وجبينيه من قصاص الشعر إلى طرف الأنف الذي يلي الحاجب مباشرة، والأحسن الأولى استحباباً أن يدخل الحاجبين في المسح، فيمسحهما أيضاً مع جبهته، ثُمَّ يمسح تمام ظاهر الكفّ اليمنى من الزند إلى أطراف الأصابع، يمسحها بباطن الكفّ اليسرى، ثُمَّ يمسح تمام ظاهر الكفّ اليسرى إلى أطراف الأصابع بباطن الكفّ اليمنى، تماماً كما فعل بظاهر اليمنى(2).
ــــــ[374]ـــــــ
(1) إذا كان في الوقت. وأمّا في خارج الوقت، فإن كانت صلاة نفس اليوم، فكذلك. وأمّا قضاء صلاة يومٍ سابق، فالأحوط الانتظار إلى حين حصوله على الطهارة المائيّة، لا أن يستعجل التيمّم.
(2) هذه الصورة للتيمّم بدل الوضوء خاصّة على الأحوط. أمّا ما يكون بدل الغسل من التيمّم فالأحوط زيادة ضربة بين مسح الوجه ومسح اليدين، فيبدأ بضرب يديه على الأرض، ثُمَّ يمسح جبهته، ثُمَّ يضرب الأرض مرّة أُخرى، ثُمَّ يمسح يديه.
الفتاوى الواضحة ج1
ونريد بظاهر الكفّ: ما تلمسه من ظاهر إحدى كفّيك بكفّك الأُخرى عند إمرارها عليها ومسحها بها، فلا يجب أن يشتمل المسح ما بين الأصابع، ولا غيره ممّا لايلمس عادةً بوضع إحدى الكفّين على الأُخرى.
ويستحبّ أن ينفض يديه بعد ضربهما على الأرض وقبل المسح بهما.
وإذا امتدّ شعر الرأس إلى الجبهة أو الجبينين، وجب رفعه عند المسح. أمّا ما ينبت عليها بالذات، فيكفي مسحه.
(22) وبهذا يتبيّن: أنَّ الممسوح أربعة: الجبهة(1) والجبينان – والحاجبان على سبيل الأفضلية والاستحباب- وظاهر الكفّين، وأنَّ الماسح باطن الكفّين، وكلّ ممسوح ممّا يجب مسحه لابدّ أن يستوعبه المسح بالكامل، ولكن لا يجب أن يكون هذا الاستيعاب بكلّ أجزاء الماسح، بل يكفي للجبهة
– مثلاً- المسح ببعض الكفّين، أي بعض الأجزاء من باطن الكفّين مجتمعتين(2) على نحوٍ تساهم كلّ من الكفّين في المسح.
(23) والواجب من الضرب على الأرض بباطن الكفين ضربةٌ واحدةٌ فقط، سواء كان التيمّم بدلاً عن الوضوء أو عن الغسل، ولو ضرب مرّتين
ــــــ[375]ـــــــ
(1) الجبهة: ما بين الحاجبين إلى منبت شعر الرأس من مقدّمه، والجبينان: هما عن يمين الجبهة وشمالها، وقصاص الشعر مجرى المقصّ وحيث ينتهي منبت شعر الرأس من مقدّمه، والزند: ما يوصل الذراع بالكفّ (الماتن).
(2) ينبغي أن يراد بالباطن هنا: ما قابل الظاهر، وليس خصوص الراحة المقابلة للأصابع، فيجوز المسح بالراحة والأصابع معاً، فإمّا أن يضع راحتيه منضمّتين على جبهته ويجرّها إلى الأسفل، بشرط أن يتأكّد من استيعاب اليدين للصدغين، وإمّا أن يشبك أصابع اليدين، ويضعهما على جبهته، ويجرّها إلى الأسفل. ومزيّة هذه الصورة أنَّ باطن اليدين سيصل إلى الصدغين باليقين.
الفتاوى الواضحة ج1
– واحدةً للوجه بالتحديد السابق، وثانيةً لظاهر الكفّين- كان خيراً وأولى، وعلى الأخصّ إذا كان التيمّم بدلاً عن الغسل(1).
هذه هي صورة التيمّم شرعاً.
(24) وقد يؤتى به ناقصاً من أجل تعذّر الصورة الكاملة فيصحّ، فمن قُطعت إحدى يديه فضرب على الأرض بالثانية الباقية، ومسح بها وجهه، ثُمَّ مسح ظهرها بالأرض، كفاه ذلك(2). ومن قُطع جزءٌ من كفّه، كان الجزء الباقي(3) بمثابة الكفّ. ومن عجز عن الضرب بيديه، اكتفى بوضعها على الأرض. ومن عجز عن مباشرة التيمّم حتّى على هذا النحو، يَمّمَه آخر قادر، على أن يكون الضرب والمسح بيد العاجز، لا بيد القادر.
وإذا تعذّر الضرب والمسح على الأرض بباطن الكفّين وأمكن ذلك
ــــــ[376]ـــــــ
(1) أشرنا إلى ذلك ولا يبعد أن يكون الاحتياط به وجوبيّاً.
ويلاحظ: أنَّ هناك صورة احتياطيّة للتيمّم تكون مشتركة بين الوضوء والغسل. ومزيّتها: هو إحراز الصحّة، وسهولة تذكّرها، وقلّة احتمال الغلط والخلط بين الوضوء والغسل.
وملخّص صورتها: أن يضرب على الأرض، ثُمَّ يمسح جبهته، ثُمَّ يمسح يديه، ثُمَّ يضرب على الأرض مرّة ثانية، ثُمَّ يمسح يديه.
(2) أي: بدلاً عن الوضوء. وأمّا ما كان بدلاً عن الغسل فإنَّه يضرب يده، ويمسح وجهه، ثُمَّ يضرب باطن يده اعتياديّاً مرّة ثانية، ثُمَّ يمسح ظاهرها في الأرض.
(3) فإن كان أحد الكفّين مع بقيّة الآخر كافياً لاستيعاب الجبهة والصدغين فهو المطلوب، وإلَّا فالأحوط جرّ اليدين عرضاً وطولاً على الجبهة؛ لأجل إحراز استيعاب المنطقة الممسوحة من الوجه.
الفتاوى الواضحة ج1
بظاهرهما، ضرَبَ بظاهرهما ومسَح به ما يجب مسحه(1) من أعضاء التيمّم. وإذا كان على بعض أعضاء التيمّم جبيرة، فحكمه حكم المتوضّئ إذا كان على بعض أعضاء وضوئه جبيرة، فيمسح عليها ويمسح بها على أساس أنَّها تعتبر بمثابة ما تستره من بشرة الإنسان.
شروط التيمّم
هنا شروط يجب مراعاتها في التيمّم، وهي كما يلي:
(25) أوّلاً: إباحة الشيء الذي يتيمّم به وطهارته، كما تقدّم في الفقرة (14) فلا يسوغ التيمّم بالتراب المتنجّس، أو بترابٍ يملكه الغير بدون إذنه.
(26) ثانياً: نيّة القربة؛ لأنَّ التيمّم عبادة كما تقدّم، وسواء كان التيمّم من أجل التعويض عن الوضوء أو من أجل التعويض عن الغسل، لا يجب في نيّة التيمّم شيءٌ سوى القربة إلى الله تعالى(2)، وليس من الضروريّ(3) أن ينوي كونه بدلاً عن الوضوء، أو بدلاً عن الغسل، أو كونه طهارةً اضطرارية.
أجَل، إذا كان قد حصل منه ما يوجب الوضوء وحصل أيضاً ما يوجب الغسل ولم يتيسّر له الوضوء والغسل، كان عليه تيمّمان، ووجب في كلٍّ منهما أن يعيّنه ويميّزه عن الآخر، بأن ينوي – مثلاً- بأحدهما التعويض عن
ــــــ[377]ـــــــ
(1) مع المراعاة جهد الإمكان لوصول ظاهر اليد إلى الأرض بأكبر مقدار ممكن حتّى بعض أجزاء الإبهام، وكذلك المراعاة في الجبهة. أمّا في مسح اليدين، فيمسح الظاهر بالظاهر مع نفس المراعاة.
(2) الأحوط استحباباً والأَولى: نيّة الغرض المقصود له التيمّم؛ إذ لم يثبت استحبابه لمجرّد الكون على الطهارة إلَّا عند الاستعداد للنوم.
(3) ولكن يكون بحيث لو سُئل لأجاب.
الفتاوى الواضحة ج1
الوضوء، وبالآخر التعويض عن الغسل.
(27) ثالثاً: أن يأتي بأفعال التيمّم حسب تسلسلها وترتيبها المقرّر سابقاً، فيبدأ بالضرب، ثُمَّ يمسح الوجه على التحديد السابق، ثُمَّ يمسح ظاهر الكفّ اليمنى، وأخيراً يمسح ظاهر الكفّ اليسرى. فلو خالف وقدّم وأخّر، لم يكفِهِ ذلك.
(28) رابعاً: أن يباشر المكلّف المسؤول بنفسه عملية التيمّم مع التمكّن من ذلك.
(29) خامساً: عدم وجود الحائل والحاجب على العضو الماسح أو العضو الممسوح. وعلى هذا الأساس، يجب نزع الخاتم عند التيمّم؛ لأنَّه حاجب وحائل.
(30) سادساً: التتابع بين الضرب بالكفّين ومسح الأعضاء، وعدم الفصل الطويل بين الضرب على الصعيد والمسح على النحو الذي يؤدّي إلى عدم الارتباط بين الضرب والمسح عرفاً.
(31) سابعاً: أن يكون المكان الذي يشغله المتيمّم عند التيمُّم مباحاً. فإذا غصب دار غيره وتيمّم فيها، بطل تيمّمه، حتّى ولو كان التراب الذي يتيمّم به ملكاً شخصياً له.
(32) وهناك أُمور يحسن بالمتيمّم – استحباباً- تحقيقها، وهي:
أوّلاً: أن تكون أعضاء التيمّم طاهرة(1)، وليس من الضروري طهارة جميع البدن من النجاسة، بل تكفي طهارة تلك الأعضاء فقط.
ــــــ[378]ـــــــ
(1) على الأحوط وجوباً.
الفتاوى الواضحة ج1
ثانياً: أن يبدأ مسح الوجه من منابت الشعر إلى أسفل(1)، ويبدأ مسح الكفّ من الزند إلى أطراف الأصابع. فلو مسح من الحاجب إلى أعلى أو من أطراف الأصابع إلى الزند، لم يحسن صنعاً.
ثالثاً: أن يكون التيمّم للصلاة بعد دخول وقتها(2).
ولو لم يوفّر المتيمّم هذه الأُمور ووفّر الشروط الواجبة التي ذكرناها سابقاً، كفاه ذلك(3).
نواقض التيمّم
(33) التيمّم إذا كان بديلاً عن الوضوء، انتقض بكلّ ما ينقض الوضوء ويوجبه، وينتقض إضافةً إلى ذلك: بتيسّر الوضوء، شريطة أن تبقى هذه القدرة أمداً يتّسع للطهارة، بمعنى: أنَّه ينتهي حينئذٍ مفعول التيمّم، ويكون المكلّف بحاجة إلى الوضوء.
وإذا تيسّر الوضوء برهةً كافيةً من الزمن فلم يبادر المكلّف إلى الوضوء ثُمَّ تعذّر عليه الوضوء، لم يجزِ للمكلف أن يعتمد على تيمّمه السابق، بل لابدّ أن يجدّد التيمّم؛ لأنَّ تيمّمه السابق قد انتقض بتيسّر الوضوء.
(34) وإذا كان التيمّم بديلاً عن الغسل، انتقض بكلّ ما ينقض الغسل ويوجبه، ويُنقَض – إضافةً إلى ذلك- بتيسّر الغسل، بمعنى: انتهاء مفعول التيمّم بذلك، ويكون المكلّف بحاجةٍ إلى الغسل. ولا ينتقض هذا التيمّم
ــــــ[379]ـــــــ
(1) على الأحوط وجوباً، وكذلك اليدان كما هو مشار إليه في الكتاب.
(2) على الأحوط وجوباً، إلَّا إذا كان على تيمّم سابق لهدفٍ آخر مع بقاء عذره عن الوضوء، بغضّ النظر عن جواز المبادرة للصلاة في أوّل الوقت. وسيأتي الكلام عنه.
(3) بل لم يكفه ذلك كما أشرنا.
الفتاوى الواضحة ج1
البديل عن الغسل بما يوجب الوضوء (الحدث الأصغر). فلو تيمّم الجنب – مثلاً- ثُمَّ نام أو بال، بقي تيمّمه عن الجنابة نافذ المفعول، وعليه أن يتوضّأ من أجل البول أو النوم إن كان متيسّراً. وإن لم يتيسّر الوضوء، تيمّم بدلاً عنه.
وكذلك إذا تيمّمت الحائض بدلاً عن غسل الحيض ثُمَّ نامت أو بالت، فإنَّها لا تعيد تيمّمها هذا، وإنَّما عليها أن تتوضّأ إن أمكن، وإلَّا تيمّمت بدلاً عن الوضوء.
(35) وقد يعدم الإنسان الماء ويحصل منه ما يوجب الغسل، كمسّ الميّت، ويحصل منه أيضاً ما يوجب الوضوء كالبول والنوم، فيتيمّم مرّتين: إحداهما بدلاً عن غسل المسّ، والأُخرى بدلاً عن الوضوء؛ نظراً إلى أنَّ التيمّم بدلاً عن غسل مسّ الميّت لا يجزي عن الوضوء(1).
ونفترض أنَّه بعد ذلك يجد الماء، فله حالات:
الأُولى: أن يجد ماءً يكفي للغسل والوضوء معاً، فينتقض كلا التيمّمين، وعليه أن يغتسل ويتوضّأ.
الثانية: أن يجد ماءً يكفي للوضوء خاصّةً، فيبقى تيمّمه عن غسل مسّ الميّت نافذ المفعول، وينتقض التيمّم الآخر، وعليه أن يتوضّأ.
الثالثة: أن يجد ماءً يكفي للغسل ولا يكفي للغسل والوضوء معاً، وفي هذه الحالة ينتقض كلا التيمّمين، ويجب عليه أن يغتسل لمسّ الميّت، وكفاه ذلك عن الوضوء؛ لما تقدّم من إجزاء هذا الغسل عن الوضوء في الفقرة (5) من فصل الغسل.
ــــــ[380]ـــــــ
(1) على الأحوط. وأمّا التيمّم بدل سائر الاغسال المجزية عن الوضوء فهو مجزٍ عنه أيضاً.
الفتاوى الواضحة ج1
حول الخلل في التيمّم
(36) إذا تيمّم المكلّف ثُمَّ علم بأنَّه لم يأتِ به بالصورة المطلوبة شرعاً، وجبت عليه إعادته. وإذا علم بأنَّه لم يأتِ بالجزء الأخير من التيمّم – مثلاً- (المسح على ظهر الكفّ اليسرى) مسح عليها إن لم يكن قد مضى على التيمّم وقت طويل(1)، وإلَّا أعاد التيمّم من الأساس.
(37) وقد يشكّ ويتردّد المتيمّم وهو يؤدّي عملية التيمّم، أو بعد أن يخلو منها ويفرغ، ويتساءل في نفسه: هل ذهلت وغفلت – يا ترى – عن واجبٍ من واجبات التيمّم، أو أدّيته بالتمام والكمال؟ فماذا يصنع؟
والجواب عن هذا التساؤل يستدعي التفصيل تبعاً لحال المتيمّم وشكّه، فإن كان قد أتى بكامل أجزاء التيمّم أو بعضها ثُمَّ شكّ في أنَّ ما أتى به هل أُدِّيَ بصورة صحيحة، أوْ لا؟ فلا أثر لشكّه، بل يبني على أنَّ ما وقع منه صحيح.
ومثال ذلك: أن يمسح بكفّيه جبهته، ثُمَّ يشك في أنَّه هل مسح جبينه أيضاً، أوْ لا؟ فلا أثر لهذا الشكّ، بل يكمل تيمّمه.
ومثال آخر: أن يمسح كفّه، ثُمَّ يشكّ في أنَّه هل استوعب ظاهرها بالمسح، أوْ لا؟
وإن شكّ المتيمّم في ضرب يديه على الأرض من الأساس قبل أن يبدأ بمسح جبهته، أو في مسح جبهته قبل أن يبدأ بمسح ظهر كفّه اليمنى، أو في مسح ظهر كفّه اليمنى قبل أن يبدأ بمسح ظهر كفّه اليسرى، أو في مسح ظهر
ــــــ[381]ـــــــ
(1) أو دخل في عملٍ آخر غير التيمّم، أو شعر بعمقٍ بانتهاء تيمّمه، فيعيد التيمّم كلّه.
الفتاوى الواضحة ج1
كفّه اليسرى قبل أن تطول المدّة(1) ويفوت التتابع، وجب عليه أن يؤدّي ما شكّ فيه.
وإن شكّ المتيمّم في ضرب يديه على الأرض من الأساس بعد أن بدأ بمسح جبهته، فليس شكّه بشيء، بل يواصل تيمّمه. وكذلك إذا شكّ في مسح جبهته بعد أن بدأ بمسح كفّه اليمنى، أو شكّ في مسح كفّه اليمنى بعد أن بدأ بمسح كفّه اليسرى، أو شكّ في مسح كفّه اليسرى بعد مدّة طويلة من الانصراف عن التيمّم.
(38) وأحكام الشكّ في أنَّه هل تيمّم أو لا؟ أو في أنَّ هذا التيمّم انتقض أو لا؟ أو في أنَّ هذه الصلاة التي يصلّيها، أو التي صلاّها وفرغ منها هل تيمّم لها أو لا؟ أو في وجود الحاجب على العضو الماسح أو العضو الممسوح: كأحكام الشكّ المناظر في الوضوء تماماً، وقد تقدّم بيان تلك الأحكام في الفقرات(2) (96) و (98) و (99) و (102) و (103).
أحكام التيمّم
نلاحظ على ضوء ما تقدّم: أنَّ الحالات التي يسوغ فيها التيمّم – وهي عشر حالات- يمكن تصنيفها على أساس الأحكام إلى قسمين:
أحدهما: ما كان عدم تيسّر استعمال الماء فيه من أجل ضيق وقت العمل الذي يراد الوضوء له، ولولا ذلك فالماء موفور، والمكلّف سليم ومعافى.
والآخر: ما كان عدم تيسّر استعمال الماء فيه من أجل الأسباب الأُخرى
ــــــ[382]ـــــــ
(1) هنا يأتي ما قلناه في التعليقة السابقة.
(2) فلتراجع مع التعليق.
الفتاوى الواضحة ج1
التي فصّلناها في سائر الحالات، من قبيل عدم توفّر الماء، أو كون الإنسان مريضاً، ونحو ذلك.
وهذان القسمان يختلفان في الأحكام.
(39) فالقسم الأوّل يكون التيمّم فيه مسوّغاً ومعوّضاً عن الوضوء أو الغسل بالنسبة إلى ذلك العمل الذي ضاق وقته، سواء كان ذلك العمل فريضةً واجبةً كصلاة الفجر – مثلاً- أو عبادةً مستحبةً لها وقت وقد ضاق وقتها ولم يتّسع للوضوء، كصلاة الليل، أو عملاً واجباً على سبيل الفور، كما إذا وجب على الجنب دخول المسجد فوراً لإنقاذ حياة إنسان يتعرّض للخطر فيه ولم يكن الوقت متّسعاً للغسل فيتيمّم ويدخل، أو وجب على غير المتوضّئ أن يمسّ فوراً كتابة المصحف الشريف لإنقاذه من التردّي في النجاسة ولم يسمح الوقت بأكثر من التيمّم، ففي كلّ هذه الحالات يسوغ بالتيمّم ذلك العمل الذي ضاق وقته.
ولا فرق في ذلك أيضاً بين أن تكون الطهارة شرطاً ضرورياً في ذلك العمل الذي ضاق وقته – كما في الأمثلة المتقدّمة- أو شرطاً كمالياً(1)، كالتيمّم للصلاة على الميّت إذا ضاق وقتها ولم يُجز تأخير الجنازة، فإنَّ للمريض أن يتيمّم ويصلّي على الميّت، ولا يسوغ بالتيمّم في هذا القسم غير ذلك العمل الذي ضاق وقته، فلا يجوز لمن يتيمّم لصلاة الليل – على النحو الذي ذكرناه- أن يكتفي بهذا التيمّم لأداء صلاة الفجر، أو مسّ كتابة المصحف الشريف.
ــــــ[383]ـــــــ
(1) تكون الطهارة شرطاً ضروريّاً للعبادة حينما لا تصحّ هذه العبادة بدونها، بل تقع باطلة، وتكون شرطاً كماليّاً حينما تصحّ العبادة بدونها، ولكن وقوعها مع الطهارة أفضل، كالصلاة على الأموات؛ فإنَّها جائزة وصحيحة بدون طهارة، ولكنّها مع الطهارة أفضل (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1
(40) والقسم الثاني يكون التيمّم فيه معوّضاً عن الوضوء أو الغسل بالنسبة للأُمور التالية:
أوّلاً: لممارسة ما يحرم على غير المتوضّئ أو غير المغتسل من مسّ كتابة المصحف، أو دخول المساجد وقراءة آيات السجدة، وغير ذلك.
ثانياً: للكون على الطهارة(1).
ثالثاً: لممارسة كلّ عبادةٍ مؤقّتةٍ يشترط فيها الطهارة، أو تستحبّ من أجلها الطهارة إذا كان عدم تيسّر استعمال الماء مستمرّاً في وقتها بكامله(2)، كالظهرين بالنسبة إلى المريض المستمرّ مرضه من الظهر إلى المغرب.
رابعاً: لممارسة كلّ عبادة تشترط أو تستحبّ من أجلها الطهارة وغير مؤقّتة، كالمريض يريد أن يصلّي، صلاة جعفر، أو الجنب يريد أن يقرأ سور العزائم التي فيها آيات السجدة، فإنَّ له أن يتيمّم ويصلّي ويقرأ.
ويستثنَى من ذلك: العبادة التي يكون المطلوب من المكلّف الإتيان بها مرّةً واحدةً وبإمكانه أن يؤدّيها بعد شفائه من مرضه بالوضوء، كصلاة القضاء؛ فإنَّ المريض إذا كان عليه صلاة قضاء، فلا يكتفي بالتيمّم لها(3) في
ــــــ[384]ـــــــ
(1) إذا كان قد تيمّم لهدفٍ آخر، ولم يرتفع عذره عن الوضوء. وإذا أراد أن يبقى المعذور عن الوضوء على طهارة ترابيّة، فإنَّه يستطيع ذلك بالتيمّم لقراءة القرآن أو شيءٍ من الدعاء، ثُمَّ تستمرّ معه الطهارة حتّى ولو [كانت] للصلاة، إذا بقي على عذره عن الوضوء.
(2) يقيناً أو وثوقاً.
(3) ولا بالصلاة العذريّة كالصلاة من جلوس، أو بنجاسة اضطراريّة، أو وضوء جبيرة، بل ينتظر زوالها، ثُمَّ يقضي ما عليه من الصلاة. نعم، النجاسات المعفوّ عنها في الصلاة – كالدم القليل- يجوز بقاؤها في صلاة القضاء على الأظهر.
الفتاوى الواضحة ج1
حال مرضه والإتيان بها متيمّماً؛ لأنَّها صلاة موسّعة لا وقت لها، وبإمكانه تأجيلها إلى ما بعد الشفاء.
وقد تقول: إنَّ صلاة جعفر أيضاً عبادة موسّعة ولا وقت لها، فما الفرق بينهما؟
والجواب: إنَّ صلاة جعفر – مثلاً- ليس المطلوب منها مرّةً واحدةً فقط، بل هي مطلوبة في كلّ حين، فالمريض لو لم يرخَّص له في أن يصلّي هذه الصلاة بالتيمّم، فقد فاته شيءٌ من المطلوب، وخلافاً لذلك من عليه القضاء فإنَّ المطلوب في القضاء مرّة واحدة، وهي تحصل بعد الشفاء. أجَل، إذا كان المرض أو أيّ عائق آخر عن استعمال الماء مستمرّاً دائماً، كان له أن يتيمّم(1) ويقضي.
(41) وكلّما تيمّم المكلّف لأحد الأُمور التي يسوّغها التيمّم، جازت له سائر تلك الأُمور. فمن كان مريضاً فأجنب وتيمّم لصلاة الليل، كان له أن يصلّي بذلك التيمّم صلاة الفجر ونافلته، وأن يقرأ سور العزائم، وأن يصلّي صلاة جعفر، وهكذا حتّى ينتقض تيمّمه بشيءٍ ممّا ينقض التيمّم على ما تقدّم.
(42) وإذا دخل وقت الصلاة على المكلّف وهو لا يتيسّر له الطهارة المائية: فإن كان على يقينٍ(2) بأنَّه ستُتاح له الطهارة المائية في الفترة الأخيرة من الوقت، أخّر الصلاة إلى ذلك الحين لكي يتوضّأ أو يغتسل. فإذا أخّر صلاته وصادف أنَّ العذر استمرّ على خلاف اعتقاده، تيمّم وصلّى.
ــــــ[385]ـــــــ
(1) على أن يثق بعدم زواله طول عمره، وكذلك الأعذار المشار إليها في التعليقة السابقة.
(2) أو اطمئنانٍ أو وثوق، بل الأحوط التأجيل مع الظنّ الراجح أيضاً.
الفتاوى الواضحة ج1
وأمّا إذا لم يكن عند دخول الوقت على يقينٍ(1) بأنَّ الطهارة المائيّة ستُتاح له في آخر الوقت، أمكنه أن يبادر إلى الصلاة فيتيمّم ويصلّي، حتّى ولو لم ييأس من تيسّر الطهارة المائية في المستقبل. ولكن إذا تيسّر له استعمال الماء بعد الصلاة وفي الوقت متّسع لإعادتها ثانيةً مع الوضوء أو الغسل، توضّأ أو اغتسل وأعاد. وإذا استمرّ به العذر إلى أن انتهى وقت الصلاة ثُمَّ تيسّر له استعمال الماء، لم يجب عليه أن يقضي ما مضى من صلاته.
(43) وقد يكون على المكلّف صلاة قضاء وهو فعلاً ممّن لا يتيسّر له الوضوء – كالمريض مثلاً- ولا يدري عن مستقبله شيئاً فهل يسوغ له أن يتيمّم ويقضي(2)، أو ينتظر حتّى يحصل له اليأس من الشفاء؟
والجواب: أنَّه يسوغ له أن يتيمّم ويقضي، وحينئذٍ إذا تيسّر له بعد ذلك استعمال الماء لم يكتفِ بما أتى به. وأمّا إذا كان على يقين من البداية بأنَّه سيُشافى من مرضه ويتيسّر له الوضوء في المستقبل، فعليه الانتظار(3).
وفي الحالات التي قلنا فيها: إنَّه يؤجّل صلاته إلى حين يتيسّر له استعمال الماء، لا نعني بذلك أنَّه لا يسوغ له التيمّم لغاية أُخرى. فالمجنب المريض الذي لا يتمكّن من الغسل في بداية وقت صلاة الفريضة وهو على علم بأنَّه سيتمكّن من ذلك في آخر الوقت، يمكنه أن يتيمّم فعلاً، لا من أجل صلاة
ــــــ[386]ـــــــ
(1) أو كما قلنا في التعليقة السابقة.
(2) على الأحوط وجوباً، إذا كان الفائت من صلاة نفس اليوم، كما لو فاتت صلاة الصبح وهو يريد أن يصلّي الظهرين، وهنا يجتزئ بها إذا وجد الماء، أو الشفاء في اليوم الثاني، بل حتّى بعد خروج وقت الظهرين في المثال على الأظهر.
(3) على الأحوط وجوباً، إذا كان الفائت صلوات سابقة في أيّام متقدّمة.
الفتاوى الواضحة ج1
الفريضة، بل من أجل أن يُتاح له فعلاً دخول المساجد ومسّ كتابة المصحف، ونحو ذلك.
(44) وإذا تيمّم الجنب بدلاً عن غسل الجنابة، كفاه ذلك عن الوضوء، ما لم يحصل بعد التيمّم ما يوجب الوضوء. وإن حصل شيءٌ من ذلك، توضّأ إن كان الوضوء ميسوراً، وإلَّا تيمّم.
(45) وكلّ مَن حصل له سوى الجنابة من موجبات الغسل – كمسّ الميّت وغيره- وكان في نفس الوقت قد حصل لديه أيضاً ما يوجب الوضوء قبل ذلك أو بعده ولم يتيسّر له الغسل، فعليه أن يتيمّم بدلاً عن الغسل، ولا يكفيه ذلك عن الوضوء(1)، بل عليه أيضاً أن يتوضّأ إن أمكنه ذلك، وإلَّا تيمّم بدلاً عن الوضوء أيضاً.
وكلّ مَن كان على وضوءٍ وحصل لديه ما يوجب الغسل – كالمتوضّئ يمسّ ميّتاً- ولم يُتَحْ له أن يغتسل فتيمّم، لم يحتج إلى وضوءٍ أو تيمّمٍ بدلاً عنه؛ لأنَّ وضوءه لا يزال باقياً.
(46) ومَن وجب عليه أكثر من غسل واحد، كالرجل يمسّ ميّتاً ويجنب، والمرأة تبرأ من حيضها وتمسّ ميّتاً، ويعجز كلٌّ منهما عن الغسل، فهل
ــــــ[387]ـــــــ
(1) بل يكفيه – كما أشرنا في تعليقةٍ سابقة- في كلّ غسلٍ يجزي عن الوضوء، إلَّا في غسل المسّ على الأحوط.
وأمّا التيمّم بدلاً عن الاغسال المستحبّة، فلم تثبت مشروعيّته أساساً، فإذا جيء به فينبغي أن يكون بنيّة احتمال أو رجاء المشروعيّة أو المطلوبيّة، ومن هنا فالأحوط عدم إجزائه عن الوضوء. وكذلك الغسل الواجب الذي لا يجزي عن الوضوء، كبعض أغسال المستحاضة، فإنَّ التيمّم بدلها لا يجزي أيضاً.
الفتاوى الواضحة ج1
يكفي تيمّمٌ واحدٌ عن الغسلين، أو لابدّ من التعدّد والتكرار بعد الموجب للغسل؟
الجواب: يكفي تيمّمٌ واحد، كما كان يكفي غسلٌ واحدٌ للأمرين معاً، على ما تقدَّم في الفقرة (6) من فصل الغسل.
وإذا كان أحد الأغسال الثابتة على هذا المتيمّم غسل الجنابة، لم يحتج إلى وضوءٍ أو تيمّمٍ بديلٍ عنه، وأمّا إذا لم يكن منها غسل الجنابة فلابدّ إضافةً على التيمّم(1) عن الأغسال إلى وضوءٍ أو تيمّمٍ بديلٍ عنه إذا كان أحد موجبات الغسل موجباً للوضوء أيضاً، كالاستحاضة الوسطى(2)، أو كان قد حصل منه ما يوجب الوضوء خاصّةً، كالبول أو النوم.
ــــــ[388]ـــــــ
(1) بل يكفي عن الوضوء كما سبق، إلَّا إذا كان التيمّم بدل غسل المسّ وحده، أو كان الغسل نفسه غيركافٍ عن الوضوء.
(2) إذا لم يكن الغسل للنقاء، وكذلك الاستحاضة الكبرى.
الفتاوى الواضحة ج1

الطهارة
5

أنواع النجاسات

 الأعيان النجسة
 الأشياء المتنجّسة
 أحكام الشكّ في السراية
 أحكام تتعلّق بالنجاسة والطهارة منها

النجاسة لغةً: القذارة، وشرعاً: ما يجب على المسلم أن يتنزّه عنها، ويغسل ما يصيبه منها عند الصلاة(1). وفي مقابل النجاسة: الطهارة، وقد تسمّى النجاسة بالخبث، وتسمّى الطهارة منها بالطهارة الخبثيّة، أي الطهارة من الخبث، كما تقدّم في فصل أحكام الماء.
(1) وكلّ جسمٍ، فهو طاهر شرعاً لا يجب التنزّه عنه، باستثناء الأعيان النجسة، أو الأشياء التي تتنجّس بسبب تلك الأعيان.
ونريد بالأعيان النجسة: أشياء معيّنةً حكمت الشريعة بأنَّها نجسة وقذرة بطبيعتها بصورةٍ أصيلة، أي لم تكتسب هذه النجاسة من الملاقاة لشيءٍ آخرَ قذر.
ونريد بالأشياء التي تتنجّس بها: أشياء طاهرةً بطبيعتها، ولكنّها تكتسب النجاسة بالملاقاة لشيءٍ نجسٍ أو قذر، ويسمّى أحدها بالمتنجّس تمييزاً له عن عين النجس. فالبول: عين النجس، ويدك التي يصيبها البول: شيءٌ متنجّس.
ونبدأ الكلام هنا عن الأعيان النجسة، واستعراض أنواعها، وبيانها بالكامل كالآتي:
ــــــ[391]ـــــــ
(1) هذا أهمّ أحكام النجاسات وأكثرها شيوعاً، وهناك أحكام أُخرى كحرمة تنجيس المساجد، ووجوب تطهيرها، وحرمة أكل وشرب النجس.
ومن الناحيّة الأخلاقيّة الأفضل أن يبقى الفرد بجسمٍ وثيابٍ طاهرةٍ باستمرار، ما عدا الضرورة، وكلّما حصل شيء، بادر إلى تطهيره.
الفتاوى الواضحة ج1
[الأعيان النجسة:]
(2) الأوّل والثاني: البول والعذرة(1).
كلّ ما يطلق عليه اسم البول أو الغائط (أردأ الفضلات التي تخرج من الإنسان وغيره من الحيوانات بسبب الطعام والشراب) فهو نجس عيناً، ولا يطهر بحال، ولا فرق في النجاسة بين ما إذا خرجت هاتان الفضلتان من القبل والدبر، أو من غيرهما، بصورةٍ اعتياديّةٍ أو بصورةٍ غير اعتياديّة(2)، فإنَّهما نجستان على أيّ حال، ويستثنى منه ما يلي:
(3) أوّلاً: فضلات الطير بأقسامه فإنَّها طاهرة، سواء كان لحم الطير ممّا يسوغ أكله شرعاً كالحمام، أو ممّا لا يؤكل كالبازي.
(4) ثانياً: فضلات كلّ حيوان يسوغ أكل لحمه شرعاً، سواء كان طيراً أو من سائر أصناف الحيوانات، كالغنم والبقر والإبل والدوابّ والخيل والبغال والدجاج وغير ذلك، شريطة أن لا يعيش الحيوان على العذرة أمداً حتّى يشتدّ لحمه(3)، وإلَّا حرم من أجل ذلك، وكانت فضلاته نجسةً ما دام على هذا النحو.
(5) ثالثاً: فضلات الحيوانات التي ليس لها لحم عرفاً فإنَّها طاهرة، حتّى ولو لم يكن أكلها سائغاً شرعاً، كفضلات العقرب والخنفساء.
ــــــ[392]ـــــــ
(1) من كلّ ما لا يؤكل لحمه إلَّا الطير والحشرات (أي: ما كان حشرةً عرفاً وإن لم يكن كذلك في علم الحيوان) وسكّان البحر عموماً.
(2) إذا خرج الطعام من الأمعاء بجرحٍ أو عمليّةٍ جراحيّة ولا يصدق عليه الاسم المخصوص، فهو طاهر.
(3) هذا هو الجلّال، ولم يتعرّض له السيّد تفصيلاً.
الفتاوى الواضحة ج1
(6) إذا أصابت الثوب فضلةٌ ولم نعلم بأنَّها نجسة، أو من الأنواع المستثناة، فهناك حالات:
الأُولى: أن يكون المكلّف على يقينٍ بأنَّها فضلة حيوانٍ لا يسوغ أكل لحمه، ولكن لا يدري هل هو من نوع الطيور أو من أصناف الحيوانات الأُخرى؟ وفي هذه الحالة يحكم بنجاستها شرعاً.
الثانية: أن لا يعلم بأنَّ هذه الفضلة هل هي لحيوانٍ يسوغ أكل لحمه أو لحيوانٍ لا يؤكل لحمه شرعاً؟ وفي هذه الحالة الحكم هو الطهارة.
الثالثة: أن لا يعلم بأنَّ هذه الفضلة هل هي لحيوانٍ ليس له لحم أو لحيوانٍ له لحم؟ وفي هذه الحالة الحكم هو الطهارة أيضاً.
(7) الثالث: المنيّ؛ نجس من الإنسان ومن كلّ حيوان، سواءٌ كان ممّا يسوغ أكل لحمه، أم لا. ويستثنى من ذلك: الحيوانات التي لا يجري دمها من العروق بدفعٍ وقوّة، وإنَّما يجري رشحاً كالسمك والحشرات، فإنَّ هذه الحيوانات إذا كان لها منيٌّ فهو طاهر، ويعرف عادةً أنَّ دم الحيوان يجري بدفع وقوّة أوْ لا، حِين يذبح، فيرى كيفيّة اندفاع الدم.
ومنيّ الرجل واضح، وأمّا المرأة فقد سبق أنَّه لا دليل على أنَّ لها منيّاً، ولكنّها مع هذا تغتسل وتطهّر بدنها وثيابها من كلّ ماءٍ تحتاط بالجمع بسببه بين غسل الجنابة والوضوء، على ما تقدّم في الفقرة (34) من فصل الغسل.
(8) وقد يخرج من قُبُل الإنسان أشياء أُخر غير المنيّ والبول، وهي: المذي والوذي والودي. وقد تقدّم تفسيرها في الفقرة (80) من فصل الوضوء، وهذه الأشياء طاهرة، ولا يجب غسل الموضع منها.
ــــــ[393]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
(9) الرابع والخامس: الكلب والخنزير.
الكلب والخنزير نجسان عيناً وذاتاً بكلّ ما فيهما، حتّى العظم والشعر والسنّ والظفر، حيّين وميّتين، من غير فرقٍ بين الكلب المسيّب والكلاب المستخدمة في الحراسة، أو المدرّبة على الصيد، أو الممرّنة على اكتشاف الجرائم، أو غير ذلك من الكلاب.
ولا تشمل النجاسة كلب البحر ولا خنزير البحر، وهما حيوانان بحريان يطلق عليهما اسم الكلب والخنزير تشبيهاً لهما بالكلب والخنزير البرّيّين.
(10) وما عدا الكلب والخنزير من الحيوانات، طاهرٌ على اختلاف أصنافها، حتّى الثعلب والأرنب والعقرب والفأرة.
(11) السادس: المِيتَة(1).
قد يكون الحيوان نجساً بالذات كالكلب والخنزير على ما تقدّم، فإذا مات، تضاعفت النجاسة(2) وتعاضدت بتعدّد السبب.
والكلام هنا حول الحيوان الطاهر ما دام حيّاً، فإن مات تنجّس بالموت فقط. فكلّ حيوان طاهر إذا مات أصبح نجساً، ويسمّى بالميتة، ونقصد بالميتة أو الحيوان الميّت: ما مات بدون أن يذبح على الوجه الشرعي، من غير فرقٍ بين أن يكون قد مات موتاً طبيعياً، أم قتلاً، أم خنقاً، أم ذبحاً على غير الوجه الشرعي، أم غير ذلك. وأيضاً لا فرق بين أن يكون مأكول اللحم أم غير مأكول.
ــــــ[394]ـــــــ
(1) من كلّ حيوان له نفس سائلة وإن كان مأكولاً، عدا ما استثني.
(2) لا دليل على ذلك؛ لعدم وجوب الزيادة في تطهير الملاقي. نعم، يناسبه الاعتبار الفقهي.
الفتاوى الواضحة ج1
وأمّا ما ذُبح على الطريقة الشرعيّة فهو طاهر، ويسمّى بالمذكّى.
(12) ويستثنى من نجاسة الميتة: الحيوان الذي تقدّم أنَّ منيّه طاهر، وهو ما يجري دمه(1) من عرقه بقوّة ودفع، فإنَّ ميتته طاهرة، ومنه السمك والذباب والعقرب، وغيرها من الحشرات.
(13) وإذا شككنا في أنَّ هذا الزاحف على الأرض – مثلاً – أو هذا الطائر بجناحيه أو أيّ حيوان آخر، هل له دم يجري بقوّة ودفع أو ليس له ذلك؟ حكمنا بطهارة الميتة منه(2).
(14) والإنسان ينجس بالموت كالحيوان، ويطهر الميّت المسلم بتغسيله غسل الأموات، على الوجه المتقدّم في الفقرة (126) من فصل الغسل.
(15) الحمل إذا بلغ مرحلةً يتحّرك فيها ثُمَّ صار سقطاً فهو نجس بالموت، وإذا صار سقطاً قبل ذلك فاللازم احتياطاً اعتباره ميتةً(3) أيضاً، وكذلك الفرخ في البيضة(4).
(16) النجس بالموت إنَّما ينجس منه الأجزاء التي يجري فيها الدم وتدبّ فيها الحياة، وأمّا ما لا يجري فيها الدم فلا ينجس، ومن ذلك: الصوف
ــــــ[395]ـــــــ
(1) بل ما يجري دمه بدون قوّة. والظاهر أنَّ هذه العبارة فيها خطأ من المؤلّف أو الطابع، والصحيح: ما لا يجري دمه؛ فإنَّه هو الذي أفتى [به] السيّد فيما سبق بطهارة المنيّ منه.
(2) والمنيّ أيضاً.
(3) السقط هو إمّا (دم) وإمّا (لحم)، وعلى كلا التقديرين هو عين نجاسة، فلا مجال للاحتياط.
(4) من الحيوان الذي تكون ميتته نجسة، وأمّا بيوض الحيوانات التي ميتتها طاهرة، كبعض الحشرات وبعض الزواحف والسلاحف فالفرخ فيها طاهر الميتة.
الفتاوى الواضحة ج1
والشعر والوبر والسنّ والعظم والريش والمنقار والظفر والقرن(1) والمخلب، وغير ذلك. ولا فرق في طهارة هذه الأشياء من الميتة بين ميتة حيوانٍ يسوغ أكله وميتة حيوانٍ محرّمِ الأكل.
وما ذكرناه من عدم نجاسة هذه الأشياء بسبب الموت، لا يعني أنَّها لا تتنجّس بما في الميتة من رطوبات. فإذا لاقى شيءٌ منها تلك الرطوبات، يصبح متنجّساً.
(17) وكلّ جزءٍ ينجس من الميتة، ينجس أيضاً لو انفصل من الحيوان الحيّ. فلو قطعت ألية الغنم أو رجله، كانت نجسة.
ولا بأس بما ينفصل من جسم الحيوان أو الإنسان ممّا يكون بالفضلات أشبه، كالثؤلول(2)، وقشور الجرب(3)، وقشرة الرأس تخرج بالتمشيط والحلق بالموس، وما يعلو الجرح والشفة عند البرء، وما يتّصل بالأظفار عند قصّها، وما ينفصل عن باطن القدم حين حَكّه بالحجر عند الاستحمام، وغير ذلك ممّا لا يعدّه العرف شيئاً ذا قيمة.
(18) وكما لا ينجس الريش في الميتة، كذلك البيضة في جوف الطائر
ــــــ[396]ـــــــ
(1) أي: القرن الخارجي، وأمّا القرن الداخلي فهو من العظام التي تتنجّس بالموت. هذا وكلّما حكمنا بطهارته إذا انقلع من الميتة فموضع الملاقاة نجس، وكذلك ما يحمله معه من لحم وجلد ميّت.
(2) على وزن عصفور، وهو: حبّ صغير يخرج من الجسد ويسمّى عرفاً بالفالول أو الثالول (الماتن).
(3) قد يكون الجلد الساقط من الجسم كبيراً أو صغيراً، وقد يكون يابساً، وقد يكون ليّناً، والظاهر: الطهارة على كلّ حال، بدون أن يكون فيه لحم أو عظم.
الفتاوى الواضحة ج1
الميّت، فإنَّها طاهرة إن اكتست القشر الأعلى(1) حتّى ولو كان طريّاً. أمّا أكل البيضة، فيجري عليه ما يجري على البائض تحليلاً وتحريماً.
(19) وقد تسأل: هل الحليب الموجود في ضرع الحيوان الميّت تشمله نجاسة الميتة، أو لا؟
والجواب: إن كان الحيوان المذكور مأكول اللحم – كالغنم- فالحليب الموجود في ضرعه عند موته طاهر، أمّا إذا كان غير مأكول اللحم – كالهرّة- فحليبه نجس(2).
(20) وقد تسأل عن فأرة المسك، وهي جلدة في الغزال فيها ما يشبه الدم طيّب الرائحة؟
والجواب: أنَّها طاهرة، سواء أُخذت من غزالٍ حيٍّ أم ميّت.
(21) وقد تسأل أيضاً عن حكم أنفحة الميتة، فقد جرت العادة عند أصحاب المواشي: إذا مات ابن العنزة حال ارتضاعه أن يستخرجوا معدته ويعصروها في شعرة مبتلّة باللبن فتجمد كالجبن، وتسمّى أنفحة؟
والجواب: أنَّها طاهرة تماماً(3)، كصوف الحيوان الميّت وشعره.
(22) كلّما شككنا في لحمٍ أو شحمٍ أو جلد، هل هو مأخوذٌ من حيوانٍ ذُبح على الوجه الشرعي(4) (مذكّى) لكي يكون طاهراً، أو مأخوذٌ من حيوانٍ
ــــــ[397]ـــــــ
(1) ولكنّه يكون متنجّساً قابلاً للتطهير.
(2) هذا الحكم مبنيٌّ على ضربٍ من الاحتياط.
(3) ما لم تصبها نجاسة من الخارج ولو من الميتة نفسها.
(4) إذا كان قابلاً للتذكية. وأمّا غير القابل للتذكية فهو خارج عن المسألة، يذكر في محلّه من كتاب الصيد والذباحة.
وبنحو الموجز نقول: إنَّها على أقسام:
الأوّل: نجس العين، وهو الكلب والخنزير البريّان.
الثاني: الحيوان الذي هو حشرة عرفاً.
الثالث: الإنسان بكلّ أصنافه واعتقاداته.
الرابع: ما لا يكون مشمولاً لكلا طريقتي التذكية:
الأُولى: قطع الأوداج الأربعة؛ لأنَّه ليس له أوداج أربعة وإن لم يكن من الحشرات.
الثانية: إخراجه من الماء حيّاً، وهو السمك؛ فالكائن البحري الذي ليس بسمك – كالأُخطبوط- غير مشمولٍ له، فتكون ميتته نجسة إن كان له نفس سائلة.
غير أنَّه من الناحية العمليّة، فإنَّ كلّ هذه الأقسام غير داخلة في محلّ الابتلاء عادة.
الفتاوى الواضحة ج1
ميّتٍ لكي يكون نجساً؟ كلّما شككنا في ذلك، فهو طاهر شرعاً، سواء كان في حيازة مسلمٍ أو كافر، ولا فرق بين حيازة المسلم وحيازة الكافر من هذه الناحية.
(23) وإنَّما تختلفان من ناحية أحكامٍ أُخرى؛ فإنَّ الميتة كما تكون نجسةً شرعاً، كذلك هي محرّمة، ولا يجوز الأكل من لحمها، ولا الصلاة في جلدها أو في شيءٍ منها.
وعلى هذا الأساس: فالمشكوك في أنَّه مذكّىً – لحماً أو جلداً – إذا لم يكن في حيازة المسلم، فلا يحلّ الأكل منه، ولا الصلاة فيه، على الرغم من طهارته. وإذا كان في حيازة المسلم وفي معرض استعماله على نحوٍ يتعامل معه معاملةً تُشعر بأنَّه مذكّى – كالقصّاب المسلم يعرض اللحم للبيع- فهو حلال، ويسوغ الأكل من اللحم حينئذٍ. كما يجوز لبس الجلد في الصلاة.
ويستثنى من ذلك حالةٌ واحدة، وهي: أن نعلم بأنَّ المسلم قد أخذه من يدِ كافر أخذاً عفويّاً بدون فحصٍ وتحقيق، ففي هذه الحالة يحرم. وسيأتي الحديث
ــــــ[398]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
عن الحرمة مرّةً أُخرى في مواضعها من فصول الصلاة وفصول الأطعمة.
وأمّا إذا علمنا بأنَّ هذا اللحم أو الشحم أو الجلد لم يذكَّ على الوجه الشرعي فهو حرامٌ ونجس معاً، سواء كان في حيازة كافرٍ أو مسلم.
(24) السابع: الدم(1).
الدم نجس عيناً، سواء كان من إنسانٍ أو حيوان، وسواء كان الحيوان ممّا يسوغ أكل لحمه شرعاً أو ممّا لا يؤكل لحمه.
ويستثنى من ذلك ما يلي:
(25) أوّلاً: دم الحيوان الذي لا يجري دمه من العروق بقوّة ودفع، كدم السمك فإنَّه طاهر.
(26) ثانياً: كلّ دم يبقى ويرسب في لحم الذبيحة أو كبدها وما أشبه، بعدما يخرج دمها المعتاد من محلّ الذبح أو النحر فهو طاهر، ويسمّى في عرف الفقهاء بالدم المتخلّف في الذبيحة.
(27) ثالثاً: الدم الذي يمتصّه البرغوث والقمّل ونحوهما من البعوض الذي ليس له دمٌ أصليّ، فإنَّ ما تمتصّه هذه الحيوانات من الإنسان أو من الحيوانات ذات الدماء الأصلية يصبح طاهراً(2) بامتصاصها له وامتزاجه بجسمها.
(28) رابعاً: قطرة الدم التي قد يتفّق وجودها في البيضة فهي طاهرة، وإن كان ابتلاعها حراماً(3).
ــــــ[399]ـــــــ
(1) من كلّ حيوان له نفس سائلة عدا ما استثني.
(2) إذا لم يكن جوفها ممتلئاً جدّاً. وأمّا إذا كان كذلك فنجاسته أحوط.
(3) إلَّا إذا استهلكت بطرق محتويات البيضة مثلاً، فيجوز أكل المجموع.
الفتاوى الواضحة ج1
وأمّا الذي قد يوجد في اللبن عند الحلب فهو نجس ومنجّس للبن، وكذلك الأمر في النطفة التي تصير مع الأيّام قطعةً جامدةً من الدم، وتسمّى علقة، فإنَّه إذا رشح من هذه العلقة شيء من الدم فهو نجس.
(29) وإذا شكّ المكلّف هل أنَّ هذا الأحمر على ثوبه أو بدنه دم أم لا؟ حكم بطهارته شرعاً، وكذلك إذا شكّ في سائل أصفرٍ خرج من جرحٍ في بدنه أو عند الحكّ ونحوه هل هو دم، أو لا؟ فإنَّه يبني على طهارته.
(30) وإذا علم بأنَّ هذا الأحمر على ثوبه أو بدنه دمٌ بلا ريب، ولكنّه شكّ هل هو من دم الغنم – مثلاً- كي يكون نجساً، أو من السمك الذي لا يجري دمه من عروقه كي يكون طاهراً؟ فهو طاهر.
(31) وإذا علم بأنَّ هذا الدم لا يخلو من أحد شيئين: إمّا هو من بدنه، وإمّا هو من بعوضة امتصّته منه، أو من إنسانٍ آخر، أو من حيوانٍ دماؤه تجري بدفعٍ وقوّة – كما يحدث ذلك في الأكثر الأغلب- فهو نجسٌ يجب تطهير البدن أو الثوب منه.
(32) الثامن: المسكر المتّخذ من العنب.
المسكِرات تؤخذ من موادّ كثيرة، منها العنب، ومنها الشعير، ومنها غير ذلك من الأشياء التي تشتمل على موادّ سكّرية قابلة للتحوّل إلى كحول وتوليد المسكر، كما في العنب. أو على موادّ نشوية تتحوّل بدورها إلى موادّ سكّرية ثُمَّ إلى كحول، كما في الشعير.
وكلّ المسكِرات محرّمة يحرم شربها وبيعها وشراؤها، سواء كانت مائعةً كالخمر، أو جامدةً كالحشيشة.
وأمّا النجاسة فلا تثبت للمسكر الجامد بدون شكّ، فالحشيشة طاهرة
ــــــ[400]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
باتّفاق الفقهاء على الرغم من حرمتها.
وأمّا المسكرات المائعة فالنجاسة فيها تختصّ – في رأينا- بالمسكر المتّخذ من العنب وهو الخمر. وأمّا غيره من المسكرات(1) السائلة والمائعة المأخوذة من غير العنب فهي محرّمة وطاهرة، ولا فرق من حيث الحرمة والطهارة بينها وبين المسكر الجامد بالأصل كالحشيشة.
(33) وكذلك الحكم في العصير العنبي إذا غلى بالنار واشتدّ ولم يذهب ثلثاه فإنَّه احتياطاً يحرم بالغليان، ولكنّه طاهر. فإذا ذهب ثلثاه بسبب الغليان، يصير حلالاً بالإضافة إلى طهارته.
(34) وأمّا إذا غلى العصير العنبي أو تهيّأ للغليان بالنشيش(2) ولكن بدون نار، فهو نجس وحرام بدون شكّ؛ لأنَّه خمر مأخوذ من العنب، فإنَّ استخراج المسكر من العنب يتمّ بهذه الطريقة. فهناك فرق إذن بين العصير العنبي الذي يحدث فيه الغليان بالنار، والعصير العنبي الذي يحدث فيه الغليان بصورة تلقائية وبتدّرج طبيعي، فالأوّل حرام وليس بنجس، والثاني حرام ونجس.
(35) وعصير التمر والزبيب والحصرم طاهرٌ على أيّ حال، سواء غلى بالنار أو بدون نار، وحلالٌ أيضاً إذا غلى بالنار أو نحوها. وأمّا إذا غلى بدون ذلك
ــــــ[401]ـــــــ
(1) إذا كان المسكر متّخذاً من العنب أو الزبيب أو التمر أو الشعير أو العسل، كان نجساً على الأحوط، مضافاً إلى حرمته. وإذا كان المسكر مكوّناً من موادّ أُخرى فهو طاهر وإن كان حراماً.
(2) الغليان هو تحرّك أجزاء السائل وتصاعدها بالحرارة، والنشيش صوتٌ يسبق الغليان عادةً (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1
وبمرور الزمن، فهو حرام؛ إذ يصبح بذلك مسكراً وإن ظلّ على طهارته(1).
وعلى ضوء ما ذكرناه، يُعرف حكم الفقّاع، أو ما يسمّى بـ >البيرة<، فإنَّه حرام محرّم؛ لأنَّه ممّا يُسكِر، ولكنّه ليس نجساً؛ لأنَّه غير مأخوذ من العنب، بل من الشعير عادةً(2).
(36) التاسع: الكافر.
من آمن بوحدانية الله(3) ورسالة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واليوم الآخر فهو مسلم طاهر، من أيّة فرقة أو طائفة، أو أيّ مذهب كان من المذاهب الإسلامية.
وكلّ إنسان أعلن الشهادتين (الشهادة لله بالتوحيد وللنبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم بالرسالة) فهو مسلم عملياً وطاهر، حتى ولو عُلِمَ بأنَّه غير منطوٍ في قلبه(4) على الإيمان بمدلول الشهادتين ما دام هو نفسه قد أعلن
ــــــ[402]ـــــــ
(1) عرفنا نجاسته على الأحوط.
(2) فتكون نجسة.
وهنا لابدَّ من الإشارة إلى طهارة المادّة المطهِّرة طبّيّاً والتي تسمّى (الاسبرتو). فإن علمنا أنَّه ناشئ من أحد الموادّ السابقة، كان نجساً. وإن شككنا في ذلك أو علمنا حصوله من غيرها، فهو محكوم بالطهارة. نعم، مقتضى الاحتياط الاستحبابي اجتنابه.
(3) يحتاج الإسلام إلى الإيمان بوجود الله وبوحدانيّته ورسالة نبيّ الإسلام واليوم الآخر، بدرجة كافية من الاطمئنان والتسليم أو أكثر من ذلك من درجات اليقين.
وأمّا لو شكّ في واحدٍ منها فأكثر، بما فيها اليوم الآخر، بحيث أصبح الشكّ راسخاً في نفسه ورأياً من آرائه فهو ليس بمسلم. نعم، لو كان الشكّ طارئاً وكان الفرد في مجال الفحص والسؤال أو غير راضٍ عن شكّه فهو على الإسلام.
(4) إعلان الفرد للشهادتين أمارة شرعيّة على إسلامه، وهذا إنَّما يكون مع احتمال صدق الفرد في أدائها. وأمَّا لو علمنا ولو اطمئناناً بأنَّه كاذب وأنَّ قلبه منطوٍ على خلافه فالأحوط ترتيب آثار الكفر عليه بما فيها النجاسة، (إلَّا أن تحول دون ذلك ظروف التقيّة).
الفتاوى الواضحة ج1
الشهادتين ولم يعلن بعد ذلك تكذيبه لهما، أو اعتقادات دينية أُخرى تتعارض معها بصورةٍ صريحةٍ لا تقبل التأويل.
وكلّ من وُلد من أبوين مسلمين فهو مسلم عملياً، وطاهر ما لم يعلن(1) تكذيبه للشهادتين، أو اعتقاده بعقائد أُخرى تتعارض معهما كذلك.
وغير هذا وذاك، يعتبر كافراً. وكلّ كافر نجس، ويستثنى من نجاسة الكافر قسمان من الكفّار:
(37) أحدهما: أهل الكتاب(2)، وهم الكفّار الذين ينسبون أنفسهم إلى دياناتٍ سماويةٍ صحيحةٍ مبدئياً ولكنّها نُسخت، كاليهود والنصارى، بل وكذلك المجوس أيضاً.
(38) والآخر: من ينسب نفسه(3) إلى الإسلام ويعلن في نفس الوقت
ــــــ[403]ـــــــ
(1) عرفنا أنَّه لا حاجة إلى الإعلان إذا علمنا ذلك من قلبه، وهل علمنا ما في قلبه إلَّا من بعض كلامه؟!
(2) بمعنى أنَّهم ليسوا عين نجاسة، ويجري فيهم >استصحاب الطهارة<، أي: مع العلم بها والشكّ في بقائها. ولا يجري فيهم أصالة الطهارة الموضوعيّة ولا حكم >الغيبة <ونحو ذلك ممّا يجري في حقّ المسلم. هذا، ومع ذلك فالأحوط استحباباً والراجح جدّاً: اجتناب سؤرهم مطلقاً (إلَّا أن تحول ظروف التقيّة دونه).
(3) وهؤلاء على أقسام:
أوّلاً: مَن ينكر ضروريّاً من ضروريّات الدين أو يشكّ فيها شكّاً راسخاً بحيث يعود إلى إنكار الإسلام أو الشكّ فيه.
ثانياً: الغلاة: وهم الذين يعتقدون بكون (علي عليه السلام أو غيره) هو الله تعالى بحيث يعود إلى إنكار الخالق سبحانه.
ثالثاً: النواصب: وهم المعادون للأئمّة المعصومين (عليهم السلام) بقول أو بفعل أو برضاء بما يفعل الآخرون من ذلك، بل لمجرّد العلم بأنَّ ذلك راسخ في قلبه؛ فإنَّ ذلك خلاف ضرورة الدين من أنَّهم (عليهم السلام) – على أقلّ تقدير- علماء صالحين، نحن مأمورون بمودّتهم في القرآن الكريم، قد أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
رابعاً: المجسّمة: وهم الذين يعتقدون بأنَّ الخالق سبحانه وتعالى جسم مادّي كأجسام الناس أو تختلف عنها، والمهمّ هو التجسيم المادّي. فإن اعتقد البعض بأنَّ لله سبحانه يداً ووجهاً بشكلٍ غير مادّي فهو ليس من المجسّمة.
وكلّ هذه الأقسام من الناس خارجون عن الإسلام ومحكومون بالنجاسة بالاحتياط الوجوبي.
وليس منهم المعتقدون بعقائد فاسدة، كالمجبرة ومنكرو العدل ومنكرو الولاية، وغيرهم.
الفتاوى الواضحة ج1
عقائد دينيةً أُخرى تتعارض مع شروط الإسلام شرعاً، وذلك كالغُلاة الذين يشهدون الشهادتين ولكنّهم يُغالون في بعض الأنبياء(1) أو الأولياء من أهل البيت (عليهم السلام) أو غيرهم غلوّاً يتعارض مع الإسلام، وكذلك النواصب الذين ينصبون العداء لأهل البيت (عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فإنَّ هؤلاء الغُلاة والنواصب كفّار، ولكنّهم طاهرون شرعاً ما داموا ينسبون أنفسهم إلى الإسلام.
ــــــ[404]ـــــــ
(1) هذا منافٍ لكونهم من فرق المسلمين، كما يذكر السيّد. نعم، لو كان هناك من أهل الكتاب مَن يعتقد ببعض الأنبياء ربّاً بحيث يعود إلى إنكار الخالق، فهو محكوم بالنجاسة، إلَّا أنَّنا لا نعلم بوجود هذا الاعتقاد فيهم، وإيمان المسيحيّين الآن بالثالوث المقدّس عندهم لا يعني ذلك.
الفتاوى الواضحة ج1
(39) العرق.
العرق الذي ينضح به بدن الإنسان الطاهر وأبدان الحيوانات الطاهرة طاهر في جميع الحالات، حتّى عرق الجنب وعرق الحائض، ولكن في الفقهاء من حكم بنجاسة العرق في حالتين:
(40) الأُولى: من أجنب بسبب الحرام – كالزنا- ورشح بدنه بالعرق، فقد قال بعض الفقهاء بأنَّه نجس، ولكنّ الصحيح أنَّه طاهر(1)، ولا فرق بينه وبين عرق الجنب بسبب الحلال.
(41) الثانية: إذا أصبح الحيوان معتاداً(2) على العذرة في غذائه – ويسمّى بالحيوان الجلّال- ورشح بدنه بالعرق، فقد قال بعض الفقهاء بأنَّ عرقه هذا نجس كنجاسة بوله، وبخاصّة في الإبل، والأجدر احتياطاً ووجوباً العمل على أساس هذا القول.
وكلّ حكم يثبت للحيوان الجلاّل – كنجاسة عرقه، أو حرمة الأكل من لحمه، ونجاسة فضلاته- يستمرّ إلى أن يُستبرأ؛ وذلك بأن يمنع عن أكل العذرة(3) فترةً من الزمن حتّى يقلع عن عادته ويعود إلى الطبيعة.
ــــــ[405]ـــــــ
(1) على الأظهر، ولكن الصلاة معه باطلة على الأحوط.
(2) إذا كانت العذرة طعامه الغالب، وبقي على ذلك، حتّى اشتدّ لحمه وعظمه. وقد أشار السيّد إلى ذلك في أوّل (النجاسات)، ويختلف ذلك في أنواع الحيوانات.
فالدجاجة تصبح جلّالة قبل العنزة، والعنزة قبل البقرة وهكذا. هذا وإنَّ الأمر ليس منحصراً بالعذرة، بل يشمل كلّ عين نجاسة كالميتة، وكما إذا شربت الشاة لبن كلبة أو خنزيرة، وكذلك: لو عاش الحيوان على عدّة أنواع من أعيان النجاسة.
(3) بل مطلق عين النجاسة – كما عرفنا- حتّى يشتدّ لحمه على الحلال. ولعلّنا نتعرّض لذلك في (المطهّرات).
وإذا شكّ الفرد بأنَّ الحيوان أصبح جلّالاً أو لا، فهو طاهر، وإن شكّ بأنَّه هل تمَّ استبراؤه وطهارته، فهو نجس.
الفتاوى الواضحة ج1
الأشياء المتنجّسة
قد يتنجّس الماء الطاهر بسبب الأعيان النجسة، وقد فصّلنا الكلام حول ذلك في فصل أحكام الماء، راجع الفقرة (8)(1) وما بعدها.
وأمّا غير الماء من الأشياء الطاهرة فهي تكتسب نجاسةً بسبب تلك الأعيان النجسة في حالة حدوث الملاقاة والمماسّة بين الشيء الطاهر وإحدى تلك الأعيان النجسة، على التفصيل التالي:
(42) -1- إذا كانت عين النجس مائعةً – كقطرة بولٍ أو دم- ولاقت جسماً جامداً – كالثوب والبدن والأرض- سرت النجاسة إلى هذا الجسم الجامد الملاقي؛ وتنجّس منه خصوص المحلّ الذي لاقته قطرة الدم أو البول دون غيره من أطراف الملاقي وأجزائه.
(43) -2- إذا كانت عين النجس مائعةً – كما في الحالة السابقة- ولاقت شيئاً مائعاً طاهراً – كالحليب تقع فيه قطرة دم- سرت النجاسة إلى الطاهر المائع وتنجس كلّه، ولم تختصّ النجاسة بموضعٍ منه دون موضع.
وبالمقارنة بين هذه الحالة والحالة السابقة، نعرف الفرق بين الأشياء الطاهرة الجامدة والأشياء الطاهرة المائعة في كيفية سراية النجاسة وامتدادها إليها، فإنَّ الأُولى يتنجّس منها محلّ الملاقاة المباشر خاصّةً، والثانية تتنجّس
ــــــ[406]ـــــــ
(1) مع التعليق عليها.
الفتاوى الواضحة ج1
كلّها بالملاقاة(1).
وليس الفارق بين المائع والجامد في سعة الرقعة أو المساحة التي تتنجّس من المائع بالملاقاة فحسب، بل في عمق النجاسة أيضاً، فإنَّ النجاسة التي تسري إلى الجامد تنجِّس سطحه الذي مسّته مباشرةً. وكما لا تشمل النقاط المجاورة من سطحه، كذلك لا تسري في عمقه ما لم تنفذ العين النجسة في داخله. وأمّا النجاسة التي تسري إلى المائع فهي تنجِّس موضع الملاقاة وغيره على السواء، وتسري إلى عمقه في الوقت نفسه.
وقد يتّفق أنَّ شيئاً واحداً يكون في حالة مائعاً وفي حالة أُخرى جامداً كالدهن والعسل، فإذا لاقى النجس وهو جامد، انطبق عليه حكم الحالة الأُولى، وإذا لاقاه وهو مائع، انطبق عليه حكم الحالة الثانية.
ونريد بالمائع الذي يتنجّس كلّه بالملاقاة: ما توفّر فيه أمران:
أوّلاً: أن يكون مَيعانه على نحوٍ يجعل فيه رطوبة كرطوبة الماء. فليس منه قِطَع الذهب أو الحديد التي تذوب بتسليط الحرارة عليها حتى تصبح سائلةً وتتحوّل من حالة الانجماد إلى حالة السيولة. فالذهب المذاب إذا لاقى نجساً، فهو كالجامد إذا لاقى نجساً، أي كالثوب والخشب والفراش. فإذا وقعت قطرة دم على ذهبٍ مذاب، تنجّس منه موضع الملاقاة خاصّة(2).
ــــــ[407]ـــــــ
(1) ينبغي أن يلاحظ بهذا الصدد: أنَّ المائع إذا كان يجري بدفعٍ وقوّةٍ من أعلى إلى أسفل، كالإبريق يُصبّ منه الماء، أو من أسفل إلى أعلى كالفوّارة، أو من نقطة من الأرض إلى نقطةٍ موازية، فلا ينجس بملاقاته لعين النجس إلَّا موضع الملاقاة كما تقدّم في الفقرة 4 و9 من فصل أحكام الماء (الماتن).
(2) بل جميع المائع على الأحوط. ولا يكون قابلاً للتطهير بعد ذلك.
الفتاوى الواضحة ج1
وثانياً: أن تكون درجة الكثافة في المائع ضئيلةً بدرجةٍ لو أُخذ منه شيء لمَا بقي موضعه خالياً حين الأخذ، بل يمتلئ فوراً(1) وفي نفس اللحظة. وأمّا إذا كانت درجة الكثافة أكبر من ذلك، على نحوٍ لو أُخذ من المائع شيء، يبقى موضعه خالياً حين الأخذ وإن امتلأ بعد ذلك، فهو جامد، وحكمه حكم الثوب والفراش إذا لاقى نجساً، فإذا أصابه دم – مثلاً- تنجّس منه موضع الملاقاة خاصّة.
(44) -3- إذا كانت عين النجس جامدةً – كالدم اليابس أو شعر الخنزير- ولاقت المائع بالمعنى الذي تقدّم في الحالة السابقة، فيتنجّس كلّه بالملاقاة، كما مرّ في تلك الحالة.
(45) -4- إذا كانت عين النجس جامدةً ولاقت شيئاً جامداً، كالثوب والفراش والبدن أو الذهب المذاب(2) أو الدبس المتماسك الذي لا يملأ الفراغ فوراً إذا أُخذ منه شيء، فالحكم في هذه الحالة يرتبط بمدى الجفاف والرطوبة:
فإذا كان النجس والشيء الطاهر الملاقي له كلاهما جافّين، فلا ينجس الطاهر بالملاقاة.
وإذا كانا ندِيّين، أو كان أحدهما نديّاً ولكن بنداوة لا تنتقل(3) بالملاقاة من أحد الجسمين إلى الآخر، فلا ينجس الطاهر أيضاً بالملاقاة.
ــــــ[408]ـــــــ
(1) بالفور العرفي، وليس في نفس اللحظة فقط، بل لو تأخّر ثانية أو ثانيتين فهو سائل على الأحوط. والمهمّ في مثل ذلك أن يصدق عليه عرفاً أنَّه سائل وليس مجرّد مائع (والمائع أثخن من السائل).
(2) تقدّم التعليق عليه.
(3) أي: الرطوبة؛ فإنَّ المهمّ بانتقال النجاسة هو انتقال الرطوبة.
الفتاوى الواضحة ج1
وإذا كان كلاهما أو أحدهما نديّاً ومرطوباً برطوبةٍ قابلة للانتقال وامتدادٍ إلى الجسم الملاقي، سرت النجاسة بالملاقاة، وتنجّس من الشيء الطاهر موضع الملاقاة خاصّة.
وعلى ضوء ما تقدّم يتّضح: أنَّ سراية النجاسة من العين النجسة إلى جسمٍ آخر، يتوقّف على أمرين أساسيين: أحدهما الملاقاة(1)، والآخر توفّر الرطوبة، بأن يكون أحدهما على الأقلّ مائعاً أو مرطوباً برطوبةٍ قابلةٍ للانتقال بالملاقاة من جسمٍ إلى آخر.
(46) ونريد بالملاقاة: أن يمسّ الجسم الطاهر عين النجس وجرمها، ولا يكفي أن يتسرّب أثرها ويبدو على الشيء الطاهر. وعلى هذا الأساس إذا سرت الرطوبة والعفونة من بالوعة الفضلات والنجاسات – مثلاً- إلى شيءٍ طاهرٍ ومجاورٍ – كالفراش والأثاث وأرض الغرفة وحائطها- فلا يتنجّس هذا الطاهر(2) المجاور بذلك؛ لأنَّ ذلك لا يحقّق – عرفاً- الملاقاة بينه وبين عين النجس.
وعلى أيّ حال: فإذا تحقّقت الملاقاة بين جسمٍ طاهر وعين النجس وتوفّرت الرطوبة، أصبح الجسم الطاهر نجساً، ونجاسة الجسم الطاهر هذه لا ترتبط بالتصاق شيءٍ من عين النجس بالجسم الطاهر، بل تحصل بسبب الملاقاة بين عين النجس وذلك الجسم، حتّى ولو لم يلتصق منها شيءٌ فيه.
ويستثنى من ذلك بعض الحالات، كما يلي:
(47) أوّلاً: إذا كان الجسم الطاهر الملاقي لعين النجس بدنَ الحيوان،
ــــــ[409]ـــــــ
(1) بمعنى المماسّة والتقارب التامّ.
(2) إذا كان الخارج هو الرطوبة، وأمّا لو كان ماءً فإنَّه يتنجّس على الأحوط.
الفتاوى الواضحة ج1
فإنَّه لا يصبح نجساً بالملاقاة، فإذا لم يلتصق به شيء من عين النجس فهو طاهر، وليس فيه شيء يوجب الاجتناب عنه. وإذا التصق به شيء من عين النجس فهذا الملتصق هو النجس دون بدن الحيوان(1)، فإذا أُزيل ذلك الجزء من عين النجس عن بدن الحيوان، لم يعد هناك شيء يدعو إلى الاجتناب عن بدنه.
وعلى هذا الأساس فإنَّ ولَد الحيوان الملطّخ بالدم بسبب الولادة، ومنقار الدجاجة الملوّث بالعذرة، وفم الهرّة تأكل الميتة ويبقى على فمها شيء منها، ليس هناك ما يدعو(2) إلى الاجتناب عنه إذا زالت عين النجاسة عن المحلّ بأيّ طريق كان.
(48) ثانياً: إذا كان الجسم الطاهر الملاقي لعين النجس من بواطن الإنسان (ونريد ببواطن الإنسان: كلّ ما لم يبدُ ويظهر من الإنسان، كلسانه مثلاً، وداخل أنفه، وباطن أُذنيه وأمعائه) فإنَّ كلّ ذلك لا يكسب نجاسةً بالملاقاة، كبدن الحيوان تماماً. فإذا وقع دم على لسانك، أو وضعتَ لقمةً نجسةً أو متنجّسةً في فمك، لا يجب عليك أن تغسل اللسان أو داخل الفم، وإنَّما يكفي إزالة تلك العين النجسة أو المتنجّسة؛ لأنَّ باطن الإنسان لا ينجس بالملاقاة.
(49) ثالثاً: إذا كانت عين النجس لا تزال في داخل الإنسان ولاقاها جسم طاهر أُوصل إليها من خارج جسم الإنسان، فلا ينجس.
ومثال ذلك: أن يُحقَن الشخص بماءٍ طاهرٍ فيلاقي الماء النجاسة في
ــــــ[410]ـــــــ
(1) أو شعره أو أيّ جزء من جسمه، الظاهر والباطن، ومن أيّ نوع من الحيوان كان.
(2) بل هو طاهر فعلاً، بل تطهيره بدعة وتشريع محرّم.
الفتاوى الواضحة ج1
أمعائه، ثُمَّ يخرج صافياً لا يحمل معه أيّ شيء من النجاسة، فيبقى الماء على طهارته. وكذلك إذا زرق الطبيب إبرةً في بدن المريض فلاقت دمه في داخل جسمه وخرجت نقيةً، فإنَّها طاهرة.
(50) إذا تنجّس الشيء الطاهر بعين النجس – وفقاً لما تقدّم من حالات- ثُمَّ لاقى هذا المتنجّس شيئاً طاهراً فهل ينجّسه أيضاً؟
وهل تظلّ النجاسة تنتقل هكذا من شيءٍ إلى آخر فيتنجّس الشيء بعين النجس، وينجّس هذا الشيء بدوره شيئاً ثانياً بالملاقاة، وينجّس الثاني شيئاً ثالثاً كذلك وهكذا؟
والجواب: أنَّ الشيء الطاهر يتنجّس إذا لاقى برطوبة عين النجس، أو كان بينه وبينها واسطة واحدة فقط، وأمّا إذا كان بينه وبينها واسطتان فلا يتنجّس.
ومثال ذلك: أن تمسّ بيدك شعر الكلب وهو مبتلّ، ثُمَّ تضع يدك وهي مرطوبةٌ على ثوبك، فإنَّ يدك تتنجّس بعين النجس، ويتنجّس الثوب كذلك؛ لأنَّ بينه وبين عين النجس واسطة واحدة، ولكنّ شيئاً آخر إذا لاقى الثوب برطوبة لا يتنجّس به؛ إذ يكون بينه وبين النجس واسطتان.
وهذا معنى قولنا: إنَّ المتنجّس الأوّل ينجِّس، وإنَّ المتنجّس الثاني لا ينجِّس.
ونريد بالمتنجِّس الأوّل: ما كان متنجِّساً بعين النجس مباشرة.
ونريد بالمتنجِّس الثاني: ما كان بينه وبين عين النجس واسطةٌ واحدة، فلا ينجِّس ما يلاقيه وإن كان نجساً؛ لأنَّ هذا الملاقي له، يفصل حينئذٍ بينه وبين عين النجس واسطتان.
ــــــ[411]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
ولكن يجب أن يُعلم بهذا الصدد: أنَّ الواسطة إذا كانت مائعاً متنجّساً بعين النجس، لم تحسب كواسطة(1)، واعتبر الشيء المتنجّس بها كأنَّه تنجّس بعين النجس مباشرةً، بل الواجب الاحتياط بتعميم هذه على كلّ واسطة مائعة، سواء تنجّس بعين النجس مباشرةً أو بالمتنجِّس بعين النجس. وهكذا نحسب دائماً عدد الوسائط التي تفصل بين الشيء وعين النجس، ونسقط منها كلّ واسطة مائعة، فإن بقي أكثر من واسطة، لم يتنجّس ذلك الشيء، وإلَّا تنجّس.
وفي ما يلي توضيح ذلك في أمثلة:
• تنجّست أرض الغرفة بعين النجس، ثُمَّ تنجّست قدمك بالمشي على تلك الأرض وهي نديّة رطبة، وأصابت قدمك – وهي رطبة أيضاً- الفراش، فالقدم متنجّسة بواسطةٍ واحدةٍ تفصلها عن عين النجس وهي الأرض، وأمّا الفراش فبينه وبين عين النجس واسطتان، وهما الأرض والقدم، وليس أحدهما مائعاً، فلا ينجس الفراش.
• أُريق مائعٌ متنجّسٌ بعين النجس على الأرض، ثُمَّ أصابت قدمك الأرض وهي رطبة، فالأرض هنا متنجّسة بواسطة واحدة تفصلها عن عين النجس وهي المائع المتنجّس. والقدم تفصلها واسطتان، وهما المائع أوّلا والأرض ثانياً، ولكن على الرغم من وجود واسطتين تنجّس القدم؛ لأنَّ إحدى
ــــــ[412]ـــــــ
(1) هذا هو الأحوط في السوائل المائعة:
أوّلاً: أن لا تكون فيها كثافةٌ كافيةٌ كما سبق قبل قليل.
ثانياً: غير الماء المطلق القليل الذي تقدّم حكمه في (المياه)، وذلك مثل الحليب وعصير الفواكه وغيرها.
الفتاوى الواضحة ج1
الواسطتين من المائعات، فتسقط من الحساب، فلا يبقى إلَّا واسطة واحدة.
• تنجّست الأرض بمرور الكلب عليها وهو رطب، وأُريق شاي على الأرض فطفرت إلى ثوبك قطرة من ذلك الشاي، فالشاي هنا يتنجّس؛ لأنَّ بينه وبين عين النجس واسطة واحدة وهي الأرض، وأمّا الثوب فبينه وبين عين النجس واسطتان، وهما الأرض أوّلاً والشاي ثانياً، ولكنّه يتنجّس على الرغم من ذلك؛ لأنَّ الواسطة الثانية لا تحسب؛ لأنَّها من المائعات، فكان بين الثوب وعين النجس واسطةٌ واحدةٌ فتسري النجاسة، أي تمتدّ إلى الملاقي.
أحكام الشكّ في السراية
(51) قد يشكّ في سراية النجاسة إلى جسمٍ طاهر؛ إذ لا يعلم بأنَّه لاقى نجساً أوْ لا، والحكم عندئذ هو طهارته ما لم يثبت بإحدى وسائل الإثبات الشرعيّة أنَّه قد لاقى النجس وتنجّس به، وهي كما يلي:
أوّلا: إخبار البيّنة(1) عن ذلك.
ثانياً: إخبار الثقة، سواء كان هذا الشيء الطاهر في حيازته، أوْ لا.
ثالثاً: قول من يكون الشيء في حيازته وتصرّفه، فيسمّى بصاحب اليد. فإذا أخبر بنجاسة الشيء، ثبتت نجاسته.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون صاحب اليد قد حاز ذلك الشيء بملكٍ أو إجارةٍ أو أمانةٍ أو إعارةٍ أو وكالةٍ أو بغصب، بالغاً كان صاحب اليد أو مقارباً للبلوغ(2)، حتّى لو لم يكن ثقة.
ــــــ[413]ـــــــ
(1) أي: إخبار شخصين مؤمنين عادلين.
(2) بل مطلق الطفل المميّز على الأحوط. وأمّا إذا كان مقارباً للبلوغ وهو غير مميّز فلا.
الفتاوى الواضحة ج1
(52) وقد يعلم المكلّف بأنَّ هذا الشيء الطاهر لاقى نجساً، ولكنّه يشكّ في وجود الرطوبة القابلة للانتقال التي هي شرط في سراية النجاسة، ففي مثل ذلك يبني على الطهارة، وعدم تنجّس الملاقي، حتّى ولو كان على علمٍ بأنَّ الملاقي أو النجس كان مرطوباً سابقاً واحتمل الجفاف عند الملاقاة، فلا يحكم بنجاسة الملاقي إلَّا إذا تأكّد المكلّف بالحسّ والمشاهدة أو بدليلٍ شرعيّ(1) من أنَّ الرطوبة كانت موجودةً عند الملاقاة.
(53) وفي الحالات التي يشكّ فيها الإنسان في حدوث النجاسة لا يجب عليه أن يفحص ويسأل ويدقّق، بل يبنى على الطهارة حتّى تتوفّر لديه إحدى وسائل الإثبات المتقدّمة. وإذا لم تتوفّر إحدى هذه الوسائل ولكن حصل لديه ظنّ بحدوث النجاسة، لم يأخذ بهذا الظنّ، بل يبقى على الحكم بالطهارة ما لم يحصل اليقين بالعكس(2).
أحكام تتعلّق بالنجاسة والطهارة منها
توجد أحكام شرعيّة تتعلّق بالنجاسة والطهارة منها، وهي كما يلي:
1. الطهارة شرط في الصلاة
(54) وأهمّ تلك الأحكام: أنَّ طهارة البدن حتّى الشعر والظفر، وطهارة الثياب حتى غير ما يستر العورة مباشرةً، شرطٌ أساسيٌّ في صحّة
ــــــ[414]ـــــــ
(1) ومنه الاطمئنان والوثوق. وكذلك الأدلّة التي ذكرها في الكتاب قبل قليل لإثبات النجاسة.
(2) أو الاطمئنان أو الوثوق بحصول النجاسة. نعم، إذا كانت درجة الاحتمال أقلّ فهو الظنّ، فلا يحكم بالنجاسة.
الفتاوى الواضحة ج1
الصلاة الواجبة والمندوبة وركعات الاحتياط والأجزاء المنسية من الصلاة.
أمّا سجدتا السهو(1) والتعقيب بعد الصلاة والأذان والإقامة قبلها فلا تشترط الطهارة في صحّة شيء منها.
وهناك استثناءات تسوغ بموجبها الصلاة بالنجاسة، يأتي استعراضها في الفقرة (78) وما بعدها.
وعلى هذا الأساس: إذا تنجّس شيءٌ من بدن المكلّف أو ثيابه، وجب عليه – لكي يصلّي- أن يطهّر بدنه، ويطهّر الموضع المتنجّس من ثوبه، أو يستبدله بثوبٍ طاهر، أو يخلعه بدون بديل، إذا كان عليه لباس آخر طاهر يستر عورته حال الصلاة.
(55) وإذا كان بدنه متنجّساً ولم تتهيّأ له وسائل التطهير، صلّى مع النجاسة؛ فإنَّ الصلاة لا تسقط بحال، ولكن إذا أمكنه تطهير بعض المواضع لوجود ماء قليل يكفي لذلك وإن لم يفِ بتطهير الجميع، وجب عليه أن يطهرّ ما أمكنه تطهيره من البدن.
وإذا كان ثوبه متنجّساً ولا يتمكّن من تطهيره ولا ساتر لديه سواه، صلّى فيه. وإذا أمكنه غسل بعضه، وجب؛ كما مرّ بالنسبة إلى البدن.
(56) وإذا كان شيء من النجاسة على بدنك وشيءٌ منها على ثوبك ولا ماء يفي بتطهيرهما معاً، فالبدن أحقّ بالتطهير.
(57) وإن كانت النجاسة في مكانين من ثوبك أو بدنك ولم يفِ الماء بتطهيرهما معاً، وكان بالإمكان تطهير أحدهما فقط، طهَّرتَ أوسعَهما مساحةً
ــــــ[415]ـــــــ
(1) الأحوط فيها الطهارة.
الفتاوى الواضحة ج1
وأشدّهما نجاسة(1). وإن كانتا في مستوى واحد، فالخيار لك.
(58) ومن كان عنده ماء بقدر ما يتوضّأ به فقط وكان على بدنه نجاسة، فله أن يزيل النجاسة بما لديه من الماء ويتيمّم للصلاة، وبإمكانه أن يتوضّأ بالماء ويصلّي وبدنه نجس، كما تقدّم في الفقرة (11)(2) من فصل التيمّم.
(59) ومن كان عنده ثوبان طاهران وتنجّس أحدهما وتعذّر التمييز بين النجس والطاهر، فماذا يصنع؟
الجواب: لا يسوغ له أن يكتفي بالصلاة بأحدهما فقط إلَّا بعد تطهيره، ويمكنه أن يكرّر(3) الصلاة مرّتين: مرّةً بهذا ومرّةً بذاك.
(60) ومن صلّى بالنجاسة عالماً (لا جاهلاً بوجودها) متعمّداً (لا غافلاً) بطلت صلاته، سواء كان عالماً بأنَّ الصلاة يشترط فيها طهارة البدن والثياب منها أوْ لا.
فمثلاً: إذا كان على ثوب المصلّي دم وهو يعلم بذلك وملتفت إليه حين الصلاة ولكنّه لا يعلم أنَّ الدم نجس، أو لا يعلم بأنَّ المصلّي يجب عليه التنزّه عنه وتطهير ملابسه من نجاسته، فهذا المصلّي صلاته باطلة، فضلاً عمّا إذا كان
ــــــ[416]ـــــــ
(1) تعرف زيادة النجاسة وشدّتها بأمور:
منها: كون الموضع ملاقياً لنوعين من النجاسة كالدم والبول، وليس منها ما إذا لاقى الموضع نوعاً واحداً مرّتين.
ومنها: أن يكون أحد الموضعين فيه عين النجاسة دون الآخر.
ومنها: وجوب الزيادة في التطهير شرعاً بالماء القليل بعد زوال العين. ومن هنا يكون البول أشدّ نجاسة من الغائط والدم، ويكون الكلب والخنزير أشدّ منهما.
(2) مع التعليق عليه.
(3) الأحوط استحباباً اختيار التطهير مع تيسّره وسعة الوقت له.
الفتاوى الواضحة ج1
عالماً بأنَّ الدم نجس وأنَّ الصلاة مع النجاسة لا تصحّ.
(61) من صلّى بالنجاسة وهو معتقدٌ للطهارة، وبعد الصلاة علم بمكان النجاسة وأنَّه قد صلّى بها يقيناً، فلا شيءَ عليه، حتّى ولو كان وقت الصلاة قائماً ولم يمضِ بعد(1). ولا فرق في ذلك بين أن يكون اعتقاده بالطهارة نتيجةً ليقينه بأنَّ بدنه وثوبه لم يلاقِ النجس، أو يعلم بأنَّه لاقى النجس ولكنّه يعتقد بأنَّه طهّره.
ومن كان شاكّاً في حصول النجاسة في ثوبه أو بدنه فبنى على الطهارة – وفقاً لما تقدّم في الفقرة (53)- وصلّى، ثُمَّ انكشف له بعد الصلاة بصورة جازمة أنَّه كان نجساً، فلا شيء عليه؛ كالسابق تماماً.
(62) ومن علم بأنَّ على ثوبه أو بدنه نجاسةً ثُمَّ ذهل عنها وصلّى، فصلاته باطلة، وجودها وعدمها بمنزلةٍ سواء. فإن تنبّه وتذكّر قبل مضيّ وقت الصلاة، أقامها في وقتها المؤقّت، وإلَّا أتى بها بعد الوقت وفاءً لما مضى(2) وانقضى.
(63) من تذكّر – وهو يقيم الصلاة- أنَّ ثوبه هذا الذي يصلّي فيه الآن نجس من قبل أن يبدأ بالصلاة، ولكن قد ذهل عن نجاسته(3)، فصلاته باطلة، وعليه أن يقطعها ويطهِّر ويصلّي من جديد.
ومن علم – وهو يقيم الصلاة- أنَّ ثوبه نجس من قبل أن يبدأ بالصلاة ولكنّه كان جاهلاً بذلك حين دخل في صلاته، فحكمه هو الحكم السابق؛ إذ تبطل الصلاة.
ــــــ[417]ـــــــ
(1) وبالأولويّة: فإنَّ القضاء غير واجب.
(2) طبعاً يأتي بها بنيّة القضاء لا بنيّة الوفاء!
(3) أي: كان عالماً بالنجاسة، ثُمَّ نسيها وصلّى.
الفتاوى الواضحة ج1
(64) وهذا الذي تذكّرَ أو علم في أثناء الصلاة بأنَّ ثوبه نجس منذ البداية، إذا كان الوقت لا يتّسع بالنسبة إليه للإعادة مع الطهارة ولا لركعة واحدة:
فإن أمكنه أن يطهّر ثوبه أو يستبدله في أثناء الصلاة مع الحفاظ على واجبات الصلاة، فعل وأكمل صلاته.
وإلَّا، واصل صلاته في النجس.
وفي كلتا الحالتين يجب – احتياطاً- القضاء.
(65) ومن كان يصلّي وأصابت النجاسة ثوبه أو بدنه وعلم بذلك فوراً حين إصابتها، طهّر بدنه أو ثوبه من النجاسة، أو خلع الثوب النجس عنه إذا كان هناك ما يتستّر به وواصل صلاته. وإن لم يتمكّن من التطهير أو النزع في أثناء الصلاة – بأن كان ذلك يؤدّي به إلى ممارسة ما تبطل الصلاة به، كالتكلّم أو الفصل الطويل ونحو ذلك- قطعها وأصلح حاله، وأعاد الصلاة.
وإذا كان لا يتمكّن من التطهير أو النزع في أثناء الصلاة ولا من إعادتها لضيق الوقت حتّى عن ركعة(1)، واصل صلاته بالنجاسة ولا شيء عليه(2).
(66) ونفس الشيء نقوله في حالة شعور المصلّي وإحساسه بالنجاسة أثناء الصلاة ولم يعلم بأنَّها قد طرأت عليه الآن، أو كانت موجودةً سابقاً، فإنَّه يبني على أنَّها قد أصابته الآن، ويعمل كما تقدّم.
ــــــ[418]ـــــــ
(1) ومعنى هذا أنَّ الوقت لو كان يتّسع للتطهير أو التبديل مع ركعةٍ واحدة، وجب عليه أن يقطع صلاته ويطهّر أو يبدّل ويعيد الصلاة، فتقع ركعةٌ منها في الوقت والباقي خارج الوقت، ويكفي ذلك في صحّة الصلاة (الماتن).
(2) الأحوط أن يتمّ الصلاة ثُمَّ يقضيها.
الفتاوى الواضحة ج1
2. الطهارة شرط في موضع السجود
(67) الطهارة شرط في موضع السجود، بمعنى أنَّ الشيء الذي يسجد عليه المصلّي من ترابٍ أو ورقٍ أو خشبٍ أو غير ذلك، يجب أن يكون الحدّ الأدنى الذي يكتفي بالسجود عليه وإصابة الجبهة له طاهراً، ولا يلزم أن يكون كلّ التراب أو كلّ الخشبة طاهراً.
(68) وإذا تعذّر السجود على موضع طاهر، سجد على غيره.
(69) وإذا سجد على النجس جاهلاً أو ناسياً، وبعد أن فرغ علم بذلك أو التفت، صحّت صلاته ولا إعادة عليه، وكذلك الحال إذا علم أو التفت بعد انتهاء السجدة مباشرةً ورفع رأسه.
3. استعمال النجس
(70) لا يسوغ أكل الأشياء المتنجّسة، ولا شربها، كما يأتي في موضعه من أحكام الطعام والشراب، ويسوغ التصرّف والانتفاع بها في غير الصلاة والطعام والشراب.
4. بيع النجس
(71) يأتي في موضعه من فصول البيع: أنَّ المائع المتنجّس يجوز بيعه وشراؤه ما دامت له منفعةٌ سائغةٌ شرعاً وعرفاً، كالزيت يداوى به إنسانٌ أو حيوانٌ بالتدهين، أو يصنع منه صابوناً أو غير ذلك. وأمّا الجامد المتنجّس فهو نظراً إلى إمكان تطهيره عادةً، لا شكّ في جواز بيعه على أيّ حال.
أمّا الأعيان النجسة فلا يجوز بيع الخمر ولا الخنزير بحال، ولا الكلب إلَّا إذا كان نافعاً في الصيد ومتمرّساً عليه. ويجوز بيع ما سوى ذلك إذا كانت له منفعة سائغة.
ــــــ[419]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
5. حرمة تنجيس المساجد
(72) لا يسوغ تنجيس المسجد، أيّ مسجد كان، وتجب إزالة النجاسة منه وجوباً كفائياً وفورياً(1). ومن رآها في المسجد وعجز عن إزالتها، فعليه أن يُعلِم سواه بها.
وأيضاً: لا يسوغ إدخال نجس العين إلى المسجد إذا كان ذلك موجباً لهتك حرمته وهدر كرامته، كإدخال الكلب ونحوه.
(73) وحرمة تنجيس المسجد تشمل أرضه وجدرانه وسائر موادّ بنائه من شبابيك وأبواب وغيرها، وكذلك تشمل الفراش والمنبر وغيرها من الأشياء المنفصلة التي تُوقَف للاستعمال في المسجد.
وأمّا وجوب التطهير كفائياً إذا تنجّس شيءٌ من ذلك، فيختصّ بالمسجد وجدرانه وموادّ بنائه، ولا يشمل الأشياء المنفصلة.
(74) وإذا تنجّس المسجد أو شيءٌ من توابعه التي ذكرناها بفعل إنسانٍ معيّن، وجب على هذا الإنسان التطهير إضافةً إلى الوجوب الكفائي العامّ الآنف الذكر، أي: أنَّ ذلك الإنسان أكثر مسؤوليةً من غيره. وإذا امتنع ذلك الشخص الذي نجّسَ المسجد عن القيام بواجبه، أمكن لغيره إذا قام بذلك وأنفق عليه بإذن الحاكم الشرعي أن يطالب الشخص المنجِّس – بوصفه المسؤول المباشر- بالتعويض عمّا أنفقه.
(75) ويستثنى من الحكم بحرمة تنجيس المسجد أو وجوب تطهيره
ــــــ[420]ـــــــ
(1) الوجوب الكفائي يعني أنَّه واجب على سبيل الكفاية، وقد تقدّم معنى ذلك في بداية أحكام الأموات. والوجوب الفوري هنا معناه أنَّ الواجب الإسراع بالتطهير فلا يجوز التماهل والتأجيل (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1
عدّة حالات، كما يلي:
1. يستثنى من حرمة التنجيس: أن يكون التنجيس كجزءٍ من عملية التطهير، كما إذا وقعت عين النجس على أرض المسجد وتوقّف التطهير منها على استعمال الماء القليل؛ لعدم توفّر الماء الكثير وكان الماء القليل – بحكم قلّته- يتنجّس بالعين النجسة وينجِّس – بدوره- المواضع التي يمتدّ إليها من أرض المسجد، فإنَّ هذا التنجيس جائز؛ لأنَّه تنجيسٌ مؤقّتٌ يحصل بالغسلة الأُولى التي تُزال بها عينُ النجس، ويزول بالغسلة الثانية، وهذا يجوز أيضاً حتّى مع إمكان تفاديه عن طريق استعمال الماء الكثير.
2. يستثنى من حرمة التنجيس ووجوب التطهير: المسجد الذي اغتصبه طاغيةٌ(1) وحوّله إلى مسرح أو متجرٍ أو طريقٍ وما أشبه، فلا يحرم تنجيسه، ولا يجب تطهيره إذا تنجّس.
وأمّا المساجد التي يصيبها الخراب ويهجرها المصلّون، فيحرم تنجيسها، ويجب تطهيرها إذا تنجّست، كالمساجد المعمورة تماماً.
3. يستثنى من وجوب التطهير: حالة ما إذا تطلّب التطهيرُ تخريبَ شيءٍ من المسجد، كما إذا كان الجصّ الذي جُصّصت به حيطان المسجد قد خُلط
ــــــ[421]ـــــــ
(1) هذا الحكم بشرطين:
1. أن يتغيّر بنيانه عن صورة بناء المسجد. فلو لم يتغيّر البنيان، بقي تنجيسه حراماً.
2. أن تكون حكم الأرض السابق على وقف المسجد؛ كونها من الأراضي المفتوحة عنوةً، التي هي ملكٌ لأجيال المسلمين. أمّا لو كانت ملكاً خاصّاً كالأراضي المحياة أو أراضي الصلح، فحكم المسجديّة يبقى سارياً عليها حتّى بعد الغصب على الأحوط. نعم، قد يجهل الناس بالتدريج كونه مسجداً، والجاهل لا بأس عليه.
الفتاوى الواضحة ج1
بماءٍ متنجّسٍ وبُني به المسجد، ولا سبيل إلى التطهير إلَّا بالهدم، ففي هذه الحالة لا يجب التطهير.
4. يستثنى من وجوب التطهير الفوريّ: حالة ما إذا كان على المكلّف واجبٌ آخرُ يفوت وقته لو اشتغل عنه بالتطهير، كما إذا دخل الإنسان المسجد في آخر وقت الفريضة ليؤدّيها ووجد فيه نجاسة، فلو اشتغل في تطهيره منها تفوته الصلاة في وقتها، فلا يجب عليه حينئذٍ التطهير فوراً، بل يجب في المثال المذكور أن يصلّي، وبعد الفراغ من الصلاة يطهّر المسجد.
وأمّا إذا كان وقت الفريضة واسعاً وواجه المكلّف مشكلة النجاسة في المسجد، وجب عليه أن يقدّم التطهير على الصلاة. ولكن إذا قدّم المكلّف الصلاة فصلّى وترك النجاسة، صحّت صلاته، غير أنَّه عصى في ترك النجاسة، إلَّا إذا كان وقت الصلاة ضيّقاً لا يسمح بتأجيلها.
(76) حكم العتبات المقدّسة، كحكم المساجد في حرمة التنجيس ووجوب التطهير.
(77) وكذلك أيضاً: يحرم تنجيس المصحف الشريف، ويجب تطهيره وإزالة النجاسة عن خطّه وورقه وغلافه.
6. المصلّي في بعض النجاسات
يباح للمصلّي من النجاسات ما يلي:
(78) الأوّل: دم الجروح والقروح (مثل الدُّمّل والجراح ونحوهما) فإنَّه معفوٌّ عنه في الصلاة – وإن كان نجساً- ما لم يبرأ الجرح أو القرح، قَلَّ هذا الدم أو كثر، في الثوب أو في البدن، سواء كان موضع الجرح في ظاهر البدن أو في باطنه، كالبواسير الداخلية إذا ظهر دمها وسرى إلى البدن أو الملابس.
ــــــ[422]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
ولكنّ هذا العفو(1) مرتبطٌ بصعوبة التطهير، أو تبديل الثوب والمشقّة في ذلك. ويكفي في الصعوبة والمشقّة: أن يكون ذلك شاقّاً على الكثرة الكاثرة من المكلَّفين، فيعفى عن ذلك حينئذٍ، حتّى ولو اتّفق أنَّ مكلّفاً ما، كان يتيسّر له التبديل باستمرار بدون أيّ صعوبة.
ولا يجب على المكلّف المصاب بتلك الجروح والقروح أن يحاول منع دمها من التسرّب إلى ملابسه وسراية النجاسة منه إليها ما دامت هذه النجاسة معفوّاً عنها.
وكما يعفى عن دم الجروح(2) والقروح، كذلك يعفى عن القيح الخارج من الجرح والقرح، وعن الدواء الذي عليه، وعن العرق المتّصل به(3).
وإذا شككنا في دم أنَّه من الجرح أو القرح المعفّو عنه أو من غيره، وجب تطهيره(4).
ــــــ[423]ـــــــ
(1) هذه الفقرة كلّها من الكلام مربوطة بحكمة التشريع، لا بالجانب الفقهي؛ لوضوح عموم التكليف حتّى مع انتفاء الحكمة المشار إليها في الكتاب، أعني: حصول السهولة في التطهير.
(2) إذا كان الدم قد وصل إلى أماكن من الجسم أو الثوب لا تصل إليه عادة، كما لو كان الجرح قليلاً في الوجه، فأصاب دمه الساق أو ذيل الثوب أو ظهره، فالأحوط التخلّص من هذا الزائد. والمهمّ أن يكون سريان الدم على الجسم والثياب بالمقدار الطبيعي للجرح أو القرح لا أزيد.
(3) وكذلك يعفى عن كلِّ ما يكثر إصابة الفرد منه في الحياة المنزليّة أو حياة العمل، إذا اختلط بالدم. وهذا يختلف باختلاف الأفراد، كالماء أحياناً والتراب أحياناً والصبغ أحياناً، وهكذا، على أن يكون وجود هذه الأُمور بالمقدار الطبيعي لا أكثر.
(4) إذا لم يكن معفوّاً عنه لجهةٍ أُخرى.
الفتاوى الواضحة ج1
وقد يشكّ الجريح في أنَّ جرحه هل برأ، أم لا؛ كما إذا كان جرحاً داخلياً فماذا يصنع؟
والجواب: إنَّه يعتبر الجرح باقياً، وعلى هذا الأساس لا يجب تطهير ما رشح منه من دم حتّى يحصل اليقين بالبرء(1).
(79) الثاني: الدم الذي لا يبلغ مجموعه عقدة السبّابة(2) في الرِّجل الذي يعتبر اعتياديّاً في حجم اصابعه، والسبّابة: هي الإصبع الواقعة بين الإبهام والوسطى، والعقدة: هي أحد المواضع الثلاث المقسّم إليها الإصبع طبيعيّاً.
فالدم الذي تقلّ المساحة التي يشغلها من البدن أو الثوب عن مساحة عقدة السبابة، يعفى عنه في الصلاة وإن كان نجساً.
وهذا العفو مرتبط بالشروط التالية:
أوّلاً: أن لا يكون دماً من نجس العين، كالكلب والخنزير.
ثانياً: أن لا يكون دماً من حيوانٍ لا يسوغ أكل لحمه وإن كان طاهراً، كالأرنب والصقر.
ثالثاً: أن لا يكون من دماء الحيض أو الاستحاضة أو النفاس.
رابعاً: أن لا يكون من دم الميتة.
وإذا وُجد الدم نقطاً صغيرةً في مواضع متعدّدة من ثوب المصلّي – مثلاً- لوحظ مجموعها: فإن كانت بمجموعها تبلغ عقدة السبّابة فلا عفو، وإلَّا
ــــــ[424]ـــــــ
(1) أو الاطمئنان أو الوثوق، ولا يكفي الظنّ.
(2) مراده: أنَّ الدم إذا كان بقدر عقدة السبابة تماماً أو أكثر، فلا يكون معفوّاً عنه، وهو الأحوط. وهنا لا يعفى ما يختلط بالدم من الموادّ كما كان معفوّاً عنه في دم الجروح والقروح، على الأحوط.
الفتاوى الواضحة ج1
ساغت الصلاة بها.
وإذا كان الدم الضئيل قد تفشّى إلى الوجه الآخر من الثوب أو غيره من ألبسة المصلّي فماذا يصنع؟
والجواب: إذا كان الدم قد تفشّى – بمعنى أنَّه ظهر من الوجه الآخر دون أن يتعدّاه إلى قطعةٍ ثانيةٍ من ملابس المصلّي- فلا يضرّ ذلك، وتصحّ الصلاة فيه.
وإذا كان قد تعدّاه إلى قطعةٍ أُخرى من الملابس، وجب أن ينظر إلى ما احتلّه الدم من موضع جديد ويجمع مع الموضع السابق: فإن بلغ المجموع قدر السبابة لم تجز الصلاة فيه، بدون فرقٍ بين أن يكون الموضع الجديد في قطعةٍ مستقلّةٍ من ملابس المصلّي، أو في قطعة خلفية (البطانة) للثوب الذي عليه الدم.
وإذا تنجّس ماء قليل بالدم ووقعت قطرةٌ من هذا الماء المتنجّس بالدم على ثوب المصلّي فلا يعفى عن ذلك، حتّى ولو كانت أصغر من عقدة السبّابة؛ لأنَّ العفو يختصّ بالدم.
وإذا شككنا في أنَّ هذا الدم هل هو بقدر عقدة السبّابة أو أقلّ من ذلك؟ صحّت الصلاة فيه(1) من غير فحصٍ واختبار. وإذا تبيّن وانكشف بعد الصلاة أنَّه غير معفوٍّ عنه، فلا يجب الإتيان بالصلاة مرّةً ثانية، وإن كان في الوقت متّسع لها.
(80) الثالث: الملبوس الذي لا تتمّ فيه الصلاة(2).
ــــــ[425]ـــــــ
(1) هذا إذا كان الدم أقلّ وشككنا بزيادته. وأمّا بدون ذلك فالأحوط عدم العفو عنه.
(2) الحكم بجواز الصلاة فيه حال كونه متنجّساً حكمٌ مشهور، إلَّا أنَّه مخالف للاحتياط، وعدم العفو عنه أحوط. ومنه يظهر الحال في كلّ الكلام الذي حوله في الكتاب.
الفتاوى الواضحة ج1
وضابطه: أن لا يكفي لستر العورتين: القبل والدبر؛ كالجورب والتكّة والخاتم والسوار وما يصنع لرؤوس الرجال (كالقلنسوة ونحوها)، فتجوز فيه الصلاة وإن كان متنجّساً، سواء كان اللباس من النبات (كالقطن) أو من المعدن (كالنايلون) ونحوه، أو من حيوانٍ يسوغ أكل لحمه كصوف الغنم والبقر، وسواء كانت النجاسة فضلة حيوانٍ يسوغ أكل لحمه، أو فضلة حيوانٍ لا يسوغ أكل لحمه، أو غير ذلك من نجاسات.
ولا يشمل هذا العفو ما يلي:
أوّلاً: إذا كان اللباس متّخذاً من الميتة النجسة، كجلد الميتة.
ثانياً: إذا كان اللباس متنجّساً بفضلة حيوانٍ لا يؤكل لحمه وكان شيء منها لا يزال موجوداً على اللباس، وكذلك إذا وُجد عليه أيُّ شيءٍ مأخوذٍ من الحيوانات التي لا يسوغ أكلُ لحمها، فإنَّ الصلاة به حينئذٍ باطلة، لا من أجل النجاسة، بل من أجل وجوب تنزيه ملابس المصلّي كلّها عن أجزاء وفضلات تلك الحيوانات.
ثالثاً: إذا كان اللباس متّخذاً من حيوان نجس العين، كشعر الكلب أو الخنزير اللَّذَين حكمت الشريعة بنجاستهما وحرّمتهما، بل لا يسوغ الصلاة بما يُتّخذ من أيّ حيوانٍ يحرُم أكلُه ولو كان طاهراً كشعر الأرنب مثلاً.
وبكلمة مختصرة: إنَّ الملبوس المتنجّس الذي لا تتمّ به الصلاة، تصحُّ الصلاة به إلَّا إذا كان نجس العين، أو كان يَحملُ شيئاً من حيوانٍ لا يؤكل لحمه، أو كان بنفسه متّخذاً من مثل هذا الحيوان.
(81) الرابع: المحمول، وهو تارةً متنجّس، وأُخرى عينٌ نجسة.
فالمحمول المتنجّس يعفى عنه، وتُباح الصلاة به، حتّى ولو كان ممّا تتمّ
ــــــ[426]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
فيه الصلاة لو استعمله، كالمنديل الكبير يطوى ويوضع في الجيب – مثلاً- فضلاً عمّا لا تتمّ فيه الصلاة.
والمحمول النجس يعفى عنه أيضاً إذا كان حمله بطريقةٍ لا تعني ملاقاته مباشرةً لبدن المصلّي أو ثوبه؛ كما إذا وضَع الدم أو البول في قارورة أو وعاء زجاجيّ مغلّق – مثلاً- ووضع القارورة أو الوعاء في جيبه، فإنَّ الصلاة بهذه الحالة صحيحة، ويستثنى من ذلك:
أوّلاً: ما إذا كان هذا المحمول بتلك الطريقة جزءاً من ميتة نجسة.
ثانياً: ما إذا كان مأخوذاً من حيوانٍ لا يسوغ أكل لحمه، كدم الأرنب.
ــــــ[427]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

الطهارة
6

أنواع المطهّرات

 تطهير الأعيان النجسة
 تطهير الأشياء المتنجّسة
 كيف يثبت التطهير؟ 

عرفنا أنَّ الشيء النجس على قسمين: أحدهما: عين النجس، والآخر المتنجّس، وهو ما تنجّس بملاقاة عين النجس. ونريد أن نعرف الآن متى وكيف يمكن تطهير الشيء النجس؟ وذلك أوّلاً في الأعيان النجسة، وثانياً في المتنجّسات.
1. تطهيرُ الأعيان النجسة
الأعيان النجسة لا تطهر إلَّا في حالات معيّنة نذكرها في ما يلي:
(1) أوّلاً: ميتة الإنسان المسلم نجسة، كما تقدّم في الفقرة (14) من فصل أنواع النجاسات، وهذه نجاسة عينية.
ويطهر هذا الميّت بالتغسيل، على الوجه الشرعي المتقدّم في الفقرة (126) من فصل الغسل.
فتغسيل الميّت على هذا الأساس أحد المطهِّرات شرعاً.
وأمّا ميتة الحيوان النجسة، فلا تطهر بالغسل، ولا بغيره، ولا يطهر جلد الميتة بالدبغ والتصنيع.
(2) ثانياً: إذا استحالت العين النجسة طهرت، والمراد بالاستحالة: تحوّل الشيء النجس عن طبيعته الأصلية التي حكم الشارع عليها بالنجاسة إلى طبيعةٍ ثانيةٍ تغايرها بصورةٍ أساسية، على نحوٍ يقول العرف: هذا شيءٌ
ــــــ[431]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
جديدٌ يحتلّ موضع الجسم القديم النجس، كتحوّل العذرة النجسة إلى دودةٍ طاهرة، وتحوّل البول إلى بخارٍ ثُمَّ رجوعه مائعاً، وتحوّل جسم الكلب الميّت إلى تراب، وتحوّل الأسمدة الزراعية المتّخذة من الفضلات النجسة إلى نباتٍ وشجر، وكذلك المنيّ يصير حيواناً، والخمر إذا شربه حيوان(1) سائغ الأكل فتحوّل إلى بولٍ أو عرق.
والضابط: تغيّر الطبيعة وتحوّلها من الجذور والأساس؛ على ما ذكرناه.
أمّا إذا تغيّر الشكل والصورة دون الطبيعة – كجعل لحم الميتة مرقاً، أو جلدها حقيبةً، أو شعر الخنزير وسادةً- فإنَّ النجاسة تبقى على ما كانت عليه ما لم يوجد مطهّرٌ آخر(2) غير الاستحالة.
(3) ثالثاً: إذا أسلم الكافر النجس، كان هذا الإسلام مطهِّراً له من النجاسة(3) التي سبّبها له كفره، ولا حاجة به إلى غسلٍ(4) وتطهير.
(4) رابعاً: إذا تحوّل الخمر إلى خلٍّ(5)، أو إلى أيّ صورةٍ أُخرى على نحوٍ لم يعدّ خمراً ولا يسمّى بالخمر عرفاً، طهر بذلك.
ــــــ[432]ـــــــ
(1) وكذلك إذا تحوّل الخمر خلاً، وسيأتي الكلام عنه.
(2) لا يوجد – حسب ما نعرف- مطهّر آخر لما في الكتاب من الأمثلة.
(3) مع كلّ المتّصلات بجسده كالعرق والأدوية – إن وجدت- والثياب واللقمة التي في فمه، وحذائه الذي في رجله، إذا كانت قد وصلته النجاسة.
(4) الغُسل – بضمّ حرف الغين- كغُسل الجنابة مستحبّ لمثل هذا الفرد قبل دخوله في أيّ عبادة. وهو مستحبّ وليس من الاحتياط الاستحبابي. وأمّا التطهير من النجاسة فغير مشروع.
(5) هذا من الاستحالة كما أشرنا، ولكنّه – على أيّ حال- منصوصٌ عليه في الروايات، ولهذا جعله عنواناً مستقلاً.
الفتاوى الواضحة ج1
(5) خامساً: إذا امتصّ البرغوث والبقّ ونحوهما دماً من إنسان أو غيره، فهذا الدم يطهر بالامتصاص(1) واكتسابه اسم دم البرغوث أو دم البقّ، وهكذا.
وأمّا الحيوانات التي لها دمٌ بطبيعتها ولكنّ دماءها طاهرة إذا امتصّت دماً من إنسان أو من حيوانٍ له دمٌ نجس، فليس من المعلوم أنَّ ذلك الدم الممتصّ يطهر بهذا الامتصاص. فاذا انتقل دم الإنسان إلى جسم سمكة – مثلاً- فلا مؤكِّد لطهارة هذا الدم(2)؛ لأنَّ السمكة من ذوات الدماء. وكذلك الأمر إذا انتزعت عينٌ مِن حيوان نجس كالكلب ورُكّبت في حيوان طاهر، فإنَّه ليس من المعلوم أنَّها تطهر بذلك.

ــــــ[433]ـــــــ
(1) سبق أن قلنا أنَّه إذا كان الدم كثيراً قد امتلأت الحشرة به، فطهارته مخالفة للاحتياط، وخاصّة إذا كانت الحشرة قد امتصّته لوقته وساعته، فالأحوط اجتنابه.
(2) لا يخفى أنَّ الدم إذا امتصّته السمكة – أو غيرها- لن يذهب إلى عروقها بل يذهب إلى معدتها، فإن انهضم مع الغذاء وذهب جزء منه مع دمها، فإنَّه سيكون من نوع دمها وهو قطعيّ الطهارة. وأمّا حكم الدم حال كونه في معدتها فهو ليس دمها قطعاً، فيحكم بنجاسته.
الفتاوى الواضحة ج1
2. تطهيرُ الأشياء المتنجِّسة
الأشياء المتنجِّسة تطهر بوسائل مختلفة أهمّها الماء؛ لأنَّ الماء يتميّز تطهيره باليسر والسهولة من ناحية، وبالشمول من ناحية أُخرى، بمعنى أنَّ أكثر الأشياء المتنجِّسة يمكن تطهيرها بالماء.
التطهير بالماء
الماء – كما تقدّم في الفقرة (7) من فصل أحكام الماء- ينقسم إلى الماء الكثير والماء القليل، والتطهير: تارةً يكون بالكثير، وأُخرى بالقليل.
أمّا التطهير بالماء الكثير فيتوقّف:
(6) أوّلاً: على أن يكون الماء طاهراً، فلا يسوغ التطهير بالماء النجس.
(7) ثانياً: على أن لا يتغيّر الماء من خلال عملية الغسل والتطهير تغيّراً منجّساً له(1)، وفقاً لما تقدّم في الفقرة (19) من فصل أحكام الماء.
(8) ثالثاً: على أن يكون ماءً مطلقاً، ويظلّ ماءً مطلقاً خلال الغسل والتطهير. فلو تغيّر الماء خلال التطهير به تغيّراً منجّساً، أو تحوّل إلى ماء مضاف قبل أن يكتمل الغسل، لا يطهر الشيء المتنجّس.
وعلى هذا الأساس إذا غسل ثوبٌ مصبوغٌ بالماء وانتقل الصبغ إلى الماء وأصبح مضافاً قبل أن يكمل الغسل، فلا يطهر الثوب. وأمّا مجرّد تغيّر لون الماء مع بقائه ماءً مطلقاً، فلا يضرّ بالتطهير.
ــــــ[434]ـــــــ
(1) أي: يتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة.
الفتاوى الواضحة ج1
(9) رابعاً: على أن تزال عين النجس عن الشيء المتنجّس إمّا قبل البدء بغسله، أو بنفس الغسل(1)، ولا يضرّ أن تبقى من عين النجس رائحته أو لونه أو شيء من صفاته، ما دام غير موجود وجوداً مادّياً محسوساً. فإذا كانت في يدك دسومة من النجس وغسّلتها، طهرت شرعاً، حتّى ولو بقيت الدسومة(2)؛ لأنَّ الدسومة صفة وأثر، وليست عيناً؛ خلافاً لما إذا كانت مدهّنةً بدهنٍ نجسٍ، فإنَّ التطهير يتوقّف على إزالة الدهن(3).
وإذا شكّ في أنَّ العين هل زالت أوْ لا؟ فلا يحصل التطهير، حتّى يتوافر اليقين أو الاطمئنان بأنَّ عين النجس قد زالت.
(10) خامساً: على أن يتحقّق الغسل؛ وذلك باستيلاء الماء على الموضع المتنجّس من الشيء استيلاءً كاملاً، سواء تمّ ذلك عن طريق إجراء الماء الكثير على الشيء المتنجّس وصبّه عليه، أو عن طريق إدخال الشيء المتنجّس في الماء الكثير. وتكفي الغسلة الواحدة في التطهير(4).
(11) وهذا الشرط الخامس – وهو الغسل والاستيلاء- يعفى منه باطن الشيء. فإذا تنجّس الخبز أو الصابون أو الخشب أو الخزف ونفذت
ــــــ[435]ـــــــ
(1) الأحوط أن لا تحسب الغسلة المزيلة لعين النجاسة من عدد الغسلات المطهّرة.
(2) هذا في الدسومة القليلة، وأمّا الكثيرة، بحيث تصبح كالشحم على اليد فهي (عين) وليست صفةً كما قال السيّد.
(3) ولا بأس ببقاء دسومة الدهن إن كانت قليلة.
(4) أي: في الماء الكثير لأكثر النجاسات، إلَّا ما كان التطهير يتوقّف على المسح بالتراب كنجاسة سؤر الكلب والخنزير. وأمّا الماء القليل فالتعدّد في كلّ النجاسات أحوط، ولا يجب أكثر من مرّتين إلَّا استحباباً عدا ما استثني؛ على ما يأتي.
الفتاوى الواضحة ج1
النجاسة إلى أعماقه، كفى في تطهير تلك الأعماق نفوذ الماء وتسرّبه إليها؛ على الرغم من أنَّ المتسرّب منه إلى الأعماق مجرّد رطوبات، وليس بدرجة تحقّق الغسل والاستيلاء. ويحصل ذلك بوضعه في الماء حتّى يتسرّب الماء إلى أعماقه، أو بصبّ الماء عليه مدّةً طويلةً حتّى يحصل هذا المقصود.
والأفضل في هذه الحالات تجفيف الشيء المتنجّس أوّلاً، ثُمَّ تطهيره بجعل الماء ينفذ إلى أعماقه.
ويمكن تطهير العجين والطين ونحوهما بنفس الطريقة أيضاً، ولو بأن يخبز العجين – مثلاً- ثُمَّ يطهر بما ذكرناه من إيصال رطوبة الماء إلى أعماقه. وأمّا مجرّد تجفيف العجين المتنجّس وخبزه، فلا يكفي في تطهيره.
وكذلك الحال في المائعات إذا جمدت، فالحليب المتنجّس إذا جمد – بأن يصنع جبناً مثلاً- أمكن تطهير أعماقه بنفس الطريقة أيضاً، أما وهو مائع فلا يمكن تطهيره، وكذلك سائر المائعات باستثناء الماء فإنَّها لا يمكن تطهيرها وهي مائعة(1).
وأمّا تطهير الماء فقد تقدّم حكمه في الفقرة (25) من فصل أحكام الماء.
فكلّما تحقّقت هذه الشروط، طهر الشيء المتنجّس بالغسل بالماء الكثير، بدون حاجة إلى شيءٍ علاوةً على ذلك.
ويستثنى من ذلك عددٌ من الحالات لا يحصل فيها التطهير شرعاً إلَّا مع بعض الأُمور الإضافية. وفيما يلي نذكر هذه الحالات:
ــــــ[436]ـــــــ
(1) إلَّا بذوبانها في الماء الكثير – المعتصم- وصيرورة المجموع ماء مطلقاً، وبذلك يذوب وجودها العرفي تماماً.
فصحّ القول: بأنَّها لا تطهر ما دامت موجودة.
الفتاوى الواضحة ج1
(12) أ: إذا كان الشيء المغسول وعاءً من أوعية الطعام والشراب ومتنجّساً بالخمر، فإنَّه يحتاج إلى الغسل ثلاث مرّات.
(13) ب: إذا كان وعاءً من أوعية الطعام والشراب ومتنجّساً بسبب شرب الخنزير منه، غسل سبع مرّات.
(14) ج: إذا كان وعاءً – كما تقدّم- وتنجّس بسبب موت الجرذ فيه (وهو الكبير من الفأر البرّيّ، لا فئران البيوت الصغار) غسل سبع مرّات.
(15) د: إذا كان وعاءً – كما تقدّم- وشرب منه الكلب بطرف لسانه (ولغ فيه) أو لطع الوعاء بدون شرب، أو شرب بدون استعمال اللسان، كما لو كان مقطوع اللسان مثلاً، أو باشره بلعابه، احتاج قبل الغسل بالماء الكثير إلى الغسل بترابٍ طاهرٍ ممزوجٍ بشيءٍ من الماء(1). وبعد أن يغسل بالتراب على هذا النحو، يغسل بالماء الكثير مرّةً واحدةً فيطهر.
(16) هـ: إذا كان الشيء المغسول ثوباً متنجّساً ببول غير الرضيع والرضيعة غسل مرّتين، إلَّا إذا كان الماء من الماء الجاري(2) – الماء الذي له مادّة- وهو أحد أقسام الماء الكثير المتقدّمة في الفقرة (7) من فصل أحكام الماء، فإنَّ التطهير بالماء الجاري يكفي فيه الغسل مرّةً واحدة.
وفي كلّ حالة قلنا فيها بوجوب الغسل أكثر من مرّة، لا يجب التتابع بين المرّتين أو المرّات ووقوع بعضها عقيب البعض الآخر مباشرة.
وأمّا التطهير بالماء القليل فيتوقّف:
ــــــ[437]ـــــــ
(1) بل الأحوط عدم كونه ممزوجاً بالماء، وإذا كان ممزوجاً فليكن ممزوجاً قليلاً جدّاً، بحيث لا يكون طيناً.
(2) وكذلك الكرّ على الأظهر.
الفتاوى الواضحة ج1
(17) أوّلاً: على أن يكون طاهراً، كما تقدّم في الماء الكثير.
(18) ثانياً: على أن لا يتنجّس خلال عملية الغسل والتطهير، والماء القليل يتنجّس بملاقاة عين النجس خاصّة، فإذا غسلنا المتنجّس الخالي من عين النجس لم يتنجّس الماء الذي نغسل به، خلافاً لما إذا غسلنا المتنجّس وهو متلوّث بعين النجس، فإنَّ الماء حينئذٍ يتنجّس بملاقاة عين النجس، فلا يتمّ التطهير بذلك.
وهذا يعني أنَّ الغسلة التي تساهم في إزالة عين النجس عن الشيء المتنجّس لا تكفي لتطهيره، بل لابدّ من غسله بعد ذلك.
(19) ثالثاً: على أن يكون الماء مطلقاً، ويظلّ مطلقاً خلال الغسل، كما تقدّم في الماء الكثير.
(20) رابعاً: على أن تُزالَ عين النجس إزالةً تامّة، وكما مرّ في الماء الكثير.
(21) خامساً: على أن يستولي الماء على الموضع المتنجّس. ويعفى من هذا الشرط باطن الشيء المتنجّس، على ما تقدّم في الماء الكثير.
(22) سادساً: على أن يكون ذلك بصبّ الماء القليل على الشيء المتنجّس، لا بإدخاله في ذلك الماء. فلو أدخل الإنسان يده المتنجّسة في وعاء ماء قليل لم تطهر بذلك، وإذا توفّرت هذه الشروط طهر الشيء المغسول بالماء القليل بغسلةٍ واحدةٍ إذا لم يكن على الشيء المغسول عين النجس عند غسله(1)، وإلَّا لم تكفِ الغسلة التي أزالت عين النجس واحتاج التطهير إلى غسلة
ــــــ[438]ـــــــ
(1) هذا تكرار، فقد ذكره السيّد في الشرط الرابع للتطهير بالماء القليل.
الفتاوى الواضحة ج1
واحدة(1) بعد ذلك، فالتطهير يحتاج إذن إلى غسلةٍ واحدةٍ بعد زوال عين النجس، ولا حاجة به حينئذٍ إلى غسلةٍ ثانية، أو أُمورٍ أُخرى إضافية.
ويستثنى من ذلك الحالات التالية، إذ يتوقّف فيها التطهير على أُمور إضافية:
(23) أ، ب، ج: الأوعية التي تستعمل في الطعام والشراب وتتنجّس بالخمر، أو شرب الخنزير منها، أو بموت الجرذ فيها. فإنَّ تطهيرها يحتاج إلى غسلات متعدّدة في القليل، كما تقدّم في الكثير تماماً.
(24) د: الوعاء الذي يستعمل في الطعام والشراب إذا ولغ فيه الكلب، أو شرب منه، أو لطع، فيطهر إذا غسل بالتراب الطاهر الممزوج بشيء من الماء(2)، ثُمَّ غُسِلَ بالماء القليل مرّتين.
(25) هـ: الثوب أو البدن إذا تنجّس شيءٌ منهما بالبول فإنَّ الغسلة الواحدة بالماء القليل لا تكفي، بل يحتاج تطهيره بالماء القليل إلى غسله مرّتين.
(26) و: الأشياء التي يمكن للنجاسة المائعة أن تنفذ فيها -كالملابس والفراش والوسائد والستائر ونحو ذلك- إذا تنجّست بنجاسةٍ مائعةٍ كالبول أو الماء المتنجّس، وجب عند تطهيرها بالماء القليل فَرْكُها.
(27) ويستثنى من هذه الفقرة والفقرة السابقة عليها: الأشياء التي تتنجّس ببول الطفل الرضيع، فإنَّها تطهر إذا غسلت بالماء القليل مرّةً واحدةً
ــــــ[439]ـــــــ
(1) على الأظهر في غير البول وما سبق استثناؤه، والأحوط في البول مرّتين. وستأتي الإشارة إليه.
(2) ناقشنا في ذلك فيما سبق.
الفتاوى الواضحة ج1
وبدون حاجةٍ إلى فرك(1)، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الرضيع ذكراً أم أُنثى، ولا بين أن تكون الرضاعة في الحولين أم بعدهما، شريطة أن يتغذّى باللبن عموماً، وهو الحليب الطبيعي، أو ما هو البديل المتعارف اليوم استعماله بدلا عن لبن الأُمّ.
(28) ز: أوعية الطعام والشراب إذا تنجّست بصورة عامّة وغسلت بالماء القليل، فلا يقين بطهارتها إلَّا إذا غسلت ثلاث مرّات، بأن يملأ الوعاء ماءً، أو يصبّ فيه شيء من الماء، ثُمَّ يدار فيه إلى أن يستوعب كامل أجزائه، ثُمَّ يراق، يُفعل به ذلك ثلاث مرّات.
(29) وإذا كان الوعاء المتنجّس كبيراً ومثبّتاً في الأرض وأُريد تطهيره بالماء القليل، أمكن ذلك بأن يصبّ الماء فيه ويدار باليد أو بآلة حتّى يستوعب كامل أجزائه، ثُمَّ يُخرَج حينئذٍ هذا الماء(2)، ويجدّد الغسل هكذا ثلاث مرّات.
(30) وعلى ضوء مجموع ما تقدّم يتّضح: أنَّ الأشياء التي بالإمكان عصرها وإخراج بقيّة الماء الذي غسلت به منها – كالثياب- لا يجب في تطهيرها ذلك(3)، وإنَّما اللازم الفرك(4) إذا غسلت بالماء القليل، على ما تقدّم في الفقرة (26).
كما اتّضح: أنَّ الأرض المتنجّسة الخالية من عين النجس إذا غسلت بالماء
ــــــ[440]ـــــــ
(1) إلَّا إذا نفذ البول في القماش ونحوه، فتكفي المرّة بعد إزالة عين النجاسة، مع إيصال رطوبة الماء الغاسل إلى الداخل.
(2) مع تطهير الآلة التي تخرج الماء، واليد التي تخرجه.
(3) بل هو واجبٌ على الأحوط.
(4) لأجل إدخال الماء في غسله إلى مسامّه وبواطنه.
الفتاوى الواضحة ج1
القليل فضلاً عن الكثير، فليس من الضروريّ أن يسحب منها هذا الماء بالكامل، بل تطهر الأرض بكاملها(1) ولو بقي شيء من هذا الماء الذي صبّ عليها في بعض المواضع منها.
وعلى هذا الأساس: كما يمكن تطهير الأرض الصلبة بطبيعتها الصلبة أو بواسطة التزفيت والتبليط التي لايتخلّف فيها الماء عادةً بحكم صلابتها ويجري عنها، كذلك يمكن تطهير الأرض الرخوة أيضاً الخالية من عين النجس؛ وذلك بأن يصبّ الماء عليها على وجه يصدق عليه الغسل، حتّى ولو تسرّب الماء إلى أعماقها ولم يتجاوزها إلى غيرها.
واتّضح أيضاً: أنَّ الماء الذي تصبّه على يدك المتنجّسة إذا امتدّ وأخذ مساحةً من اليد أوسع من الموضع المتنجّس، فهذا لايعني أنَّ هذه المساحة الواسعة أصبحت كلّها متنجّسة؛ إلَّا في حالةٍ واحدة، وهي: أن تكون عين النجس لا تزال موجودةً على اليد وقد لاقاها الماء وجرى منها إلى المواضع المجاورة في اليد، فتتنجّس عندئذ؛ لأنَّ الماء القليل يتنجّس بملاقاة عين النجس، وينجّس بدوره إذا تنجّس.
المطهّرات الأُخرى
(31) المطهِّر الثاني للشيء المتنجّس: استحالته، فكما أنَّ استحالة العين النجسة تطهّرها، كذلك استحالة الشيء المتنجّس؛ كالخشب يصبح رماداً، والماء المتنجّس يتبخّر ثُمَّ يعود ماءً، وقد مرّ في الفقرة (2) معنى الاستحالة.
(32) وإذا لم يعلم أنَّ عين النجس هذا أو هذا المتنجّس الذي تغيّر عن
ــــــ[441]ـــــــ
(1) إذا لم تكن تنجّست بالبول أو سؤر الكلب والخنزير.
الفتاوى الواضحة ج1
حالته الأُولى، هل يعتبر تغيرّه هذا استحالةً وتحوّلاً أساسياً، أوْ لا؟ فالحكم هو طهارته شرعاً(1).
(33) والمطهِّر الثالث: تحوّل الخمر خلاً، أو إلى أيّ شيءٍ آخر على نحوٍ لا يسمّى خمراً، فإنَّ هذا التحوّل يطهّر المائع المتحوّل من نجاسته، وهذا تطهير لعين النجس، كما تقدّم في الفقرة (4). وكذلك يطهِّر الوعاء المتنجّس(2).
(34) وإذا شككنا هل صار الخمر خلاً كي يطهر؟ يبقى المائع والوعاء معاً على حكم النجاسة.
(35) والمطهِّر الرابع: إسلام الكافر النجس، وقد مرّ بنا في الفقرة (3) أنَّه يطهِّره، وكذلك يطهِّر ما تنجّس به ممّا هو تابع لبدنه عرفاً، كماء ريقه. فإذا أسلم الكافر، طهر، وطهر ماء ريقه ونخامته ونحو ذلك.
(36) والمطهِّر الخامس: الأرض، بمعناها العامّ الشامل للتراب والصخر والرمل والآجرّ والجصّ والنورة، ويدخل ضمنها الشوارع المبلّطة بالحصى والزفت؛ فإنَّها تطهِّر المتنجّس ضمن الشروط التالية:
أوّلاً: أن يكون المتنجّس باطن القدم، أو ما يلبسه الإنسان في قدمه من حذاءٍ أو نعلٍ أو جوربٍ، ونحو ذلك من أيّ نوعٍ كانت مادّته.
ثانياً: أن تكون هذه الأشياء قد تنجّست بالمشي على الأرض، أو بالوقوف عليها. فإذا كانت قد تنجّست بطريقة أُخرى، فلا تطهر بالأرض.
ثالثاً: أن تكون الأرض طاهرةً وجافّة.
ــــــ[442]ـــــــ
(1) بل الأحوط الحكم بالنجاسة إلى أن نعلم بحصول الاستحالة والتحوّل، أو نطمئنّ بها.
(2) أي: داخل الوعاء، سواء المماسّ للمائع أو ما فوقه، دون الوجه الآخر للإناء.
الفتاوى الواضحة ج1
فإذا توفّرت هذه الشروط طهر المحلّ إذا مسح بالأرض(1)، أو مشى عليها إلى أن زالت النجاسة عنه(2). ولا يطهر بمسح النجاسة بترابٍ أو حجرٍ منفصلٍ عن الأرض. أجَل، تسوغ إزالة النجاسة(3) عن المحلّ أوّلاً بأيّة وسيلةٍ تكون، ثُمَّ يحصل التطهير بالمشي على الأرض أو المسح بها(4).
(37) وإذا شككنا أنَّ هذا الجزء من الأرض هل هو طاهر كي يصحّ التطهير به، أو هو نجس كي لايصحّ ولا يصلح لذلك، فماذا نصنع؟
الجواب: إنْ عَلِمنا بأنَّه كان من قبل نجساً، فهو عملياً بحكم النجس، وإلَّا فهو طاهر.
(38) وإذا شككنا أنَّ هذه النجاسة هل أصابت القدم من خلال المشي والوقوف على الأرض، أو بطريق آخر؟ فلا يسوغ الاكتفاء في التطهير بالأرض، بل يجب غسلها بالماء حينئذٍ.
ــــــ[443]ـــــــ
(1) لا يكفي المسح على الأحوط، بل لابدَّ من المشي.
(2) الأحوط المشي بعد زوال العين بمقدارٍ كافٍ؛ كثمان خطواتٍ أو عشر.
(3) ليس عن الرِّجل فقط بل عن أيّ شيءٍ فيه عين نجاسة.
(4) سبق أن ناقشناه.
الفتاوى الواضحة ج1 
كيف يثبت التطهير؟
(39) إذا كان المكلّف على يقينٍ مِن أنَّ هذا الشيء الطاهر قد تنجّس ثُمَّ شكّ هل طهر، أم لا؟ بنى على أنَّه نجس حتّى يعلم بتطهيره، أو يحصل لديه دليلٌ شرعيٌّ على ذلك.
(40) والدليل الشرعي يحصل إذا توفّر أحد الأُمور التالية:
1. شهادة بيّنة بأنَّ هذا الشيء قد طهر.
2. شهادة الثقة ولو كان واحداً.
3. شهادة الشخص الذي كان ذلك الشيء في حيازته وتحت تصرّفه.
ومثال ذلك: أن تشهد الخادمة الممارسة للمطبخ بأنَّها طهَّرت هذا الإناء، أو تشهد المربيّة المتولّية لأمر الطفل بأنَّها قد طهّرته.
4. غَيبة المسلم (بفتح الغين)، ويتّضح المراد بها هنا بهذا المثال: أنت تعلم أنَّ عباءة صاحبك متنجّسة، ثُمَّ غاب عنك أمداً تظنّ معه أو تحتمل أنَّه قد طهّرها؛ لأنّك رأيته يستعملها فيما تعتبر فيه الطهارة، بأن كان يصلّي فيها، فعندئذ لك أن تحكم بطهارة العباءة وتصلّي بها، شريطة أن تعلم أنَّه هو أيضاً كان يعلم بنجاستها، وبأنَّ الطهارة شرطٌ فيما استعملها فيه، وفوق ذلك أن تعلم أنَّه من المتطهّرين، لا من الذين يتعاملون مع النجس والمتنجّس كما يتعاملون مع الطاهر. فإذا توفّرت لديك كلّ هذه الشروط، فقد أحرزت الطريق الكاشفة عن وجود التطهير والطهارة، وإلَّا فعليك أن تبقى على يقينك السابق بالنجاسة حتّى يثبت التطهير.
ــــــ[444]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
والغَيبة بالمعنى الذي شرحناه، تدلّ على التطهير بالنسبة إلى ثياب الإنسان(1) الذي غاب عنك، وبدنه وفراشه وأوانيه، ونحو ذلك من الأثاث إذا توفّرت بالنسبة إليها الغيبة بالشكل الذي تقدّم.
(41) وإذا علم المكلّف بأنَّ هذا الشيء قد تنجّس، كما علم بأنَّه قد غسل بالماء أيضاً، ولكنّه لا يدري هل غسل بعد أن تنجّس فهو طاهر الآن، أو غسل قبل ذلك ثُمَّ تنجّسَ فلا يزال نجساً، فيبني في هذه الحالة على أنَّ الثوب طاهرٌ فعلاً، إلى أن يتأكّد من واقع الحال.
ــــــ[445]ـــــــ
(1) لا يشترط أن تكون له، وإنَّما المهمّ أن يشهد المسلم عمليّاً بطهارة الشيء مهما كان، لا بكلامه ولفظه، بل باستعماله فيما يشترط فيه الطهارة، كالصلاة والأكل والشرب والطواف ونحوه، ضمن الشروط التي في الكتاب. وإنَّما تُشترط الغَيبة لأنَّه إذا فعل ذلك بعد وقوع النجاسة، وأنت عالم باستمرارها، لم يكفِ في الحكم بارتفاعها. وأمّا مع الغَيبة، فمن المحتمل أنَّه قام بتطهيرها واستعملها.
الفتاوى الواضحة ج1

العبادات
3

الصلاة
 تمهيد
 أنواع الصلاة
 الشروط والأجزاء العامّة
 الأحكام العامّة  

الصلاة
1

تمهيد

 أنواع الصلاة الواجبة
 موجز عن صورة الصلاة عموماً
 الشروط العامّة في الصلاة  

الصلاة أهمّ عبادةٍ في الإسلام، وهي عمود الدين، كما جاء في الحديث الشريف. وقد روي عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أنَّها أوّل ما يُنظر فيه من عمل ابن آدم، فإن صحّت نُظر في عمله، وإن لم تصحّ لم يُنظر في بقيّة عمله. ومثلَها – كما دلّ الحديث- كمثَل النهر الجاري، فكما أنَّ من اغتسل فيه في كلّ يوم خمس مرّات، لم يبقَ في بدنه شيء من الدَرَن، كذلك كلّما صلّى صلاةً كفّر ما بينهما من الذنوب.
وقد سأل معاوية بن وهب الإمام الصادق (عليه السلام) عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم، وأحبّ ذلك إلى الله عزّ وجلّ ما هو؟ فقال: >ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة، ألا ترى أنَّ العبد الصالح عيسى بن مريم قال: {وَأوْصَاني بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً}(1)<(2).
وقد بلغ من اهتمام إمامنا أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) بالحثّ على الصلاة ما روي عن زوجته أُمّ حميدة، إذ دخل عليها أبو بصير وهو يعزّيها بوفاته، فبكت وبكى، ثُمَّ قالت: يا أبا محمّد، لو رأيت أبا عبد الله عند الموت لرأيت عجباً، فتح عينيه ثُمَّ قال: >اجمعوا كلّ مَن بيني وبينه قرابة<، قالت: فما
ــــــ[451]ـــــــ
(1) سورة مريم، الآية: 31.
(2) الكافي 3: 264، كتاب الصلاة، باب فضل الصلاة، الحديث 1، وسائل الشيعة 4: 38، كتاب الصلاة، الباب 10، باب استحباب اختيار الصلاة على غيرها من العبادات المندوبة، الحديث 1. (هيئة التراث).
الفتاوى الواضحة ج1
تركنا أحداً إلَّا جمعناه، فنظر إليهم ثُمَّ قال: >إنَّ شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة<(1).
أنواع الصلاة الواجبة
(1) والصلاة منها واجبة، ومنها مستحبة، والواجبة ستّ صلوات:
(أ) الصلوات اليوميّة، وأيضاً يطلق عليها الصلوات الخمس، والفرائض الخمس، وهي: صلاة الصبح، وصلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة المغرب، وصلاة العشاء.
(ب) صلاة الطواف. (أُنظر رسالتنا الخاصّة: موجز أحكام الحجّ).
(ج) صلاة الآيات: الخسوف والكسوف وغيرهما ممّا يأتي استعراضه.
(د) الصلاة على الأموات. وقد سبق الكلام عنها بالتفصيل في (الطهارة)، لاحظ الفقرة (144) من فصل الغسل.
(هـ) قضاء الولد الأكبر عن والده ما فاته من الصلاة، على ما يأتي في موضعه.
(و) صلاة العيدين(2): عيد الأضحى، وعيد الفطر، إذا أقامها الإمام أو
ــــــ[452]ـــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 1: 206، المستخفّ بالصلاة، الحديث 618، وسائل الشيعة 4: 25، كتاب الصلاة، الباب 6، باب تحريم الاستخفاف بالصلاة والتهاون بها، الحديث 6. (هيئة التراث).
(2) لم يذكر السيّد نوعين من الصلاة الواجبة:
أوّلاً: الصلاة المستحبّة التي تجب بالنذر واليمين ونحوهما؛ فإنَّها تصبح واجبة، سواء كانت من النوافل اليوميّة أو غيرها.
ثانياً: صلاة الجمعة، فإنَّها – على أقلّ تقدير- واجبة عند النداء (أي: طلب السلطان العادل من الناس الحضور لها) وقد ذكر السيّد صلاة العيدين وأهمل صلاة الجمعة، مع العلم أنَّهما من هذه الناحية من باب متشابه، وهو أعلم بما قال.
الفتاوى الواضحة ج1
سلطانٌ عادلٌ يمثّله، فإنَّ الحضور لها حينئذٍ واجب، ولا يجب في غير هذه الحالة.
ولهذا يمكن القول على أساس الواقع المعاش فعلاً في غيبة الإمام (عليه السلام): إنَّ صلاة العيدين غير واجبةٍ عملياً؛ لعدم توافر الشرط، وإنَّ الواجب هو الخمسة الأُولى. وما سوى ذلك من الصلوات المشروعة، فمندوب ومستحبّ، ولا يجب إلَّا بأحد الأسباب العامّة التي يطرأ الوجوب بموجبها، كالنذر، واليمين، ونحو ذلك.
موجز عن صورة الصلاة عموماً
(2) وكلّ صلاة فهي تتكوّن من ركعات، والحدّ الأقصى من الركعات في الصلاة أربع، كصلاة العشاء مثلاً، والحدّ الأدنى من الركعات في الصلوات الواجبة ركعتان، كصلاة الصبح، وفي الصلوات المندوبة ركعة واحدة، وهي ركعة الوَتر، على ما يأتي.
وعلى العموم فالركعات هي: الوحدات والأجزاء الأساسيّة التي تتكوّن منها الصلاة، ويستثنى من ذلك الصلاة على الأموات فإنَّها مكوّنة من تكبيراتٍ لا من رَكعات، وليست هي صلاة إلَّا بالاسم فقط، وقد تقدّمت كيفيّتها وأحكامها.
والركعة الأُولى من كلّ صلاة – باستثناء صلاة الآيات وصلاة العيدين(1)-
ــــــ[453]ـــــــ
(1) أقول: بل وصلاة العيدين إذا كانت القنوتات فيها مستحبّة كما يأتي؛ فإنَّ الواجب منها عندئذٍ يصبح ركعتين كصلاة الصبح.
الفتاوى الواضحة ج1
يمكن أن تؤدّى كما يلي:
ينوي الإنسان أنَّه يصلّي قربةً إلى الله تعالى، ويبدأ بتكبيرة الإحرام فيقول: >الله أكبر<، وبذلك يدخل في الصلاة، ثُمَّ يقرأ فاتحة الكتاب (السورة الأُولى في المصحف الشريف)، ويقرأ بعدها سورة، ويسمَّى ذلك بالقراءة، ثُمَّ يركع بأن ينحني على نحوٍ تصل أطراف أصابعه إلى ركبتيه، ويقول: >سُبحانَ ربِّيَ العظيمِ وبحمده<، ويسمَّى ذلك بالذكر، ثُمَّ يرفع رأسه وينتصب واقفاً، وبعد ذلك يسجد واضعاً كفّيه وركبتيه وإبهاميه على الشيء الذي يصلّي عليه، وواضعاً جبهته على ترابٍ أو خشبٍ أو ورقٍ ونحو ذلك، ويقول في سجوده: >سُبحانَ رَبِّيَ الأَعلى وبِحَمدِه<، ويسمّى ذلك بالذكر، ويرفع رأسه جالساً منتصباً، ثُمَّ يسجد مرّةً ثانيةً ويقول كما قال في الأُولى، ويرفع رأسه كذلك، وبهذا تكمل ركعة واحدة.
فإن كانت الصلاة مكوّنةً من ركعةٍ واحدةٍ قال وهو جالس بعد سجدته الثانية: >أشهد أن لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمّداً عبده ورسوله، اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد<، (وهذا هو التشهّد)، >السلام عليكم ورحمة الله وبركاته<، (وهذا هو التسليم بصيغته الموجزة)، وتتمّ بذلك صلاته.
ــــــ[454]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
وإن كانت الصلاة مكوّنةً من ركعتين – كصلاة الصبح مثلاً- قام بدلاً عن أن يقول هذا الكلام وكرّر نفس مافعله في الركعة الأُولى، باستثناء تكبيرة الإحرام، حتّى إذا أكمل الركعة الثانية ورفع رأسه من سجدتها الثانية، جلس منتصباً، وقال ذلك الكلام الذي يشتمل على التشهّد والتسليم، وأكمل صلاته.
وإذا كانت الصلاة مكوّنةً من ثلاث ركعات – وهي صلاة المغرب- اقتصر في الركعة الثانية على التشهّد، ثُمَّ قام منتصباً، وقال ثلاث مرّات: >سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلَّا الله، والله أكبر<، ويسمّى ذلك بالتسبيحات، وبعد ذلك يركع ويكمل ركعته الثالثة التي لاتختلف عن الثانية إلَّا فيما يقرأه المصلّي وهو قائم. فإذا انتهى من السجود الثاني في الركعة الثالثة، جلس منتصباً وتشهّد وسلّم.
وإذا كانت الصلاة مكوّنةً من أربع ركعات – كصلاة الظهر- لم يتشهّد ولم يسلّم عقيب الثالثة، بل عليه أن يقوم ويأتي بركعة رابعة مشابهة للركعة الثالثة تماماً، ثُمَّ يتشهّد ويسلّم، ويكمل بذلك صلاته. وهذه هي الصورة الكاملة للصلوات الأحادية الركعات والثنائية والثلاثية والرباعية.
ومن المستحبّ في كلّ ركعة ثانية بعد الفراغ من قراءة الفاتحة والسورة وقبل الركوع، أن يقنت المصلّي، وذلك بأن يذكر الله تعالى بدعاءٍ أو حمدٍ وثناءٍ ونحو ذلك، سواء كانت الصلاة ثنائيةً(1) أو ثلاثيةً أو رباعية.
وهناك صور أُخرى يصحّ أن تؤدّى في حالات استثنائية، كحالات التعذّر والمرض، يأتي استعراضها فيما بعد.
وعلى هذا الأساس نعرف أنَّ الركوع والسجدتين والذكر المقرّر في الركوع والسجود أجزاء ثابتة في كلّ ركعة، وأنَّ تكبيرة الإحرام جزء للركعة الأُولى دائماً، وأنَّ التشهّد والتسليم جزءان في الركعة الأخيرة دائماً، وأنَّ القراءة جزء في كلٍّ من الركعة الأُولى والثانية، وأنَّ التسبيحات جزء في ما بعد الثانية
ــــــ[455]ـــــــ
(1) بل وحتّى الصلاة الأحاديّة؛ فإنَّ صلاة الوتر فيها قنوت.
الفتاوى الواضحة ج1
من الركعات، وأنَّ الركعة الثانية إذا لم تختم بها الصلاة فهي تشتمل على التشهّد فقط(1) عقيب السجدة الثانية فيها.
(3) وبذلك صحّ أن يقال: إنَّ أهمّ أجزاء الصلاة كما يلي:
1. تكبيرة الإحرام.
2. القراءة.
3. الركوع.
4. السجود.
5. الذكر.
6. التشهّد.
7. التسليم.
[الشروط العامّة في الصلاة:]
(4) وهناك إلى جانب هذه الأجزاء شروطٌ يجب توافرها في كلّ صلاة، نذكر الآن المهمّ منها، وهو على قسمين: أحدهما شروط للمصلّي، والآخر شروطٌ لنفس الصلاة.
أمّا الشروط العامّة للمصلّي فهي كما يلي:
أوّلاً: أن يكون على وضوء وطهارة(2).
ــــــ[456]ـــــــ
(1) لم يثبت أنَّ التشهّدات ملحقةٌ بالركعات السابقة عليها وجزءٌ منها، بل هي – كما على الفهم المتشرّعي-: عملٌ مستقلٌّ عن الركعات، قد يقع في وسطها وقد يقع في آخرها.
(2) أي: وضوء وغسل.
الفتاوى الواضحة ج1
ثانياً: أن يكون بدنه طاهراً، وكذلك ثيابه(1)، وقد تقدّم تفصيل الحديث عن هذين الشرطين في فصول الطهارة.
ثالثاً: أن تكون عورته مستورة.
رابعاً: أن لا تكون ملابسه من الميتة، ولا من حيوان لا يسوغ أكل لحمه، بل أن لا يحمل شيئاً منهما، وأن لا يلبس الرجل في صلاته حريراً أو ذهباً.
خامساً: أن يستقبل القبلة – وهي الكعبة الشريفة- عند الصلاة، بأن يكون مواجهاً لها ولو من بعيد.
سادساً: أن يقصد بالصلاة القربة(2) إلى الله تعالى.
سابعاً: أن يقصد اسمها الخاصّ المميّز لها شرعاً، فعندما يصلّي صلاة الفجر – مثلاً- ينوي أنَّه يصلّي صلاة الفجر قربةً إلى الله تعالى، ولا يكفي أن ينوي أنَّه يصلّي ركعتين قربةً إلى الله تعالى، وهكذا بالنسبة إلى سائر الصلوات.
وأمّا الشروط العامّة للصلاة فهي كما يلي:
أوّلاً: الالتزام بالتسلسل الشرعي للأجزاء، فتكبيرة الإحرام قبل القراءة، والقراءة قبل الركوع، وهكذا.
ثانياً: التتابع بين الأجزاء على نحوٍ لا يفصل بينها فاصل زمنيّ طويل يعتبر بموجبه بعض العمل مفصولاً عن البعض الآخر.
ثالثاً: وضع الجبهة حال السجود على الأرض، أو على خشبة، أو ورق،
ــــــ[457]ـــــــ
(1) عدا ما استثني، أي: ما يجوز الصلاة فيه من النجاسات كما سبق.
(2) ولو ارتكازاً بحيث لو سأله شخص عن قصده لذكره أو تذكّره، وكذلك الذي بعده. وسيأتي تفصيلها في الفصل الخاصّ بالنيّة.
الفتاوى الواضحة ج1
ونحو ذلك؛ على ما يأتي تفصيله في أحكام السجود.
هذه صورة موجزة عن الصلاة عموماً، وكيفية أدائها بأجزائها وشروطها العامّة.
وهناك أجزاء وشروط خاصّة تختلف فيها بعض الصلوات عن بعض، فصلاة العيدين – مثلاً- فيها تكبيرات إضافية علاوةً على تكبيرة الإحرام، والصلوات اليومية يشترط في كلّ واحدة منها وقتٌ معيّن، وهكذا، ونحن في ما يلي سنقسّم الكلام على الوجه التالي:
أوّلاً: نستعرض أنواع الصلاة المختلفة، وكيفية أداء كلّ واحدة منها.
ثانياً: نستعرض الشروط العامّة للصلاة والأجزاء العامّة لها التي مرّت بنا، ونفصّل أحكامها بعد ذلك الإيجاز.
ثالثاً: نستعرض الأحكام العامّة للصلاة، وهي: مبطلات الصلاة، القضاء، الخلل، الشكّ، صلاة الجماعة، الفوارق بين الفريضة والنافلة.
ــــــ[458]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

الصلاة
2

أنواع الصلاة

ذكرنا سابقاً: أنَّ الواجب من الصلوات ستّة، أحدها، بل أهمّها الصلاة اليوميّة، أو الصلوات اليوميّة بتعبير آخر. وعلى هذا الأساس سوف نصنّف الكلام إلى بابين:

 أحدهما: في الصلوات اليوميّة
 والآخر: في سائر الصلوات

أنواع الصلاة
الباب الأوّل

في
الصلوات اليومية

 عرض الصلوات اليوميّة ونوافلها
 أحكام عامّة للصلوات اليوميّة 

الصلوات اليومية الواجبة خمس، وقد تقدّم ذكر أسمائها، وهي تشترك في آداب وأحكام، كما تختلف في بعض الخصائص. وتشتمل هذه الصلوات الخمس بمجموعها على سبع عشرة ركعة.
وهناك أربع وثلاثون ركعةً مستحبّة في مجموع النهار والليلة استحباباً مؤكّداً، وورد الحثّ عليها والترغيب فيها كثيراً في النصوص والأحاديث، وتسمّى هذه الركعات بالنوافل اليومية، وتسمّى أيضاً بالنوافل المرتّبة؛ لأنَّ لها أوقاتاً قد رتّبت وعيّنت لها تمييزاً لها عن سائر ما يتطوّع به المكلّف من صلاة في أيّ وقت يشاء.
وفي ما يلي نذكر الصلوات اليومية الواجبة والنوافل اليومية المستحبّة كلّ واحدة وخصائصها.
ــــــ[463]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1 

الصلوات اليوميّة
1

عرض
الصلوات اليوميّة ونوافلها
 فريضة صلاة الفجر ونافلتها
 فريضة صلاة الظهر ونافلتها
 فريضة صلاة العصر ونافلتها
 فريضة صلاة المغرب ونافلتها
 فريضة صلاة العشاء ونافلتها
 نافلة الليل
 صلاة الجمعة

فريضة صلاة الفجر ونافلتها
(5) فريضة صلاة الفجر، وهي أُولى الصلوات اليومية، ولها شأن كبير، وقد عبّر عنها القرآن الكريم بقرآن الفجر في قوله تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}(1)، وتسمّى بصلاة الفجر، كما تسمّى بصلاة الصبح(2)؛ لأنَّ الصباح يبدأ بابتداء الفجر، وصلاة الفجر ركعتان، وقد عرفنا سابقاً كيف تؤدّى الصلاة إذا كانت مكوّنة من ركعتين.
ويجهر المكلّف الرجل في صلاة الفجر بقراءة الفاتحة والسورة التي عقيبها.
ونقصد بالجهر بالقراءة: أن يرفع صوته بها، على ما يأتي في الفقرة (97) من فصل الشروط والأجزاء العامّة.
(6) ولصلاة الفجر وقت محدّد، وهو الوقت الذي يبدأ من طلوع الفجر إلى شروق الشمس، ويبلغ هذا الوقت عادةً حوالي ساعة ونصف(3).
ــــــ[467]ـــــــ
(1) سورة الإسراء، الآية: 78.
(2) وتسمّى صلاة الغداة. ويمكن أن ينوي المكلّف أيَّ هذه الأسماء شاء.
(3) يمكن اعتبار الوقت ممتدّاً بمقدار ساعة ونصف مع الشك في شروق الشمس. وأمّا لو حصل العلم أو الوثوق بحصوله قبل ذلك، فقد انتهى الوقت، وهذا ما قد يحصل خلال بعض أيّام السنة؛ إذ يمتدّ الوقت ساعة وثلثاً أو ساعة و25 دقيقة. وأمّا من جهة الزيادة فقد يمتدّ الوقت في بعض أيّام السنة – وهو وقت طول الليل شتاءً- إلى ساعة و45 دقيقة. أقول: ليس هذا أمراً حدّياً بالشكل الكافي، بل لابدَّ من مراقبة الوقت في كلّ يومٍ باستقلاله.
الفتاوى الواضحة ج1
والفجر: هو ضوء الصباح الذي يسبق طلوع الشمس، وهذا الضوء يبدأ في الأُفق بياضاً(1)، ويتّخذ هذا البياض في البداية شكلاً مستطيلاً ممتدّاً إلى أعلى كعمود أبيض يحوطه الظلام من الجانبين، ثُمَّ يأخذ هذا البياض بالانتشار في الفضاء أُفقياً ويشكّل ما يشبه الخيط الممتدّ مع الأُفق، ويستمرّ في الانتشار طولاً وعرضاً.
والفجر هو هذا البياض عندما يمتدّ أُفقياً ويصبح متميّزاً عن ظلمة الليل. وأمّا الفترة التي تسبق ذلك ويكون البياض فيها ممتدّاً عمودياً ومحاطاً بالظلام من جانبيه فتسمّى بالفجر الكاذب، ولا تسوغ صلاة الفجر فيه.
(7) وينتهي وقتها بطلوع الشمس، غير أنَّ الوقت المفضّل لها(2) شرعاً ينتهي قبل ذلك، فإنَّ الشمس قبل أن تطلع تظهر حمرةٌ(3) في الأُفق في ناحية المشرق تمهيداً لطلوع الشمس، وبظهور هذه الحمرة ينتهي الوقت المفضّل لصلاة الفجر. فلو أخّر المكلّف الصلاة إلى حين ظهور الحمرة وصلاّها قبل طلوع الشمس، فقد فاته ما هو الأفضل، ولكن أدّى الواجب ولا إثم عليه.
ــــــ[468]ـــــــ
(1) أي: يكون الظلام المسيطر على السماء أقلّ في ذلك المكان، وهو النقطة التي سوف تشرق منها الشمس، ويتحوّل إلى (زرقة) بعد حوالي عشر دقائق من بزوغ الفجر.
(2) صلاة الصبح، بل كلّ صلاة يوميّة وكثير غيرها, كلّما كانت أقرب إلى أوّل الوقت كانت أفضل. وبحسب فهمي: أنَّ بزوغ الحمرة – وغيره ممّا يعتبر انتهاء وقت الفضيلة في أيّ صلاة – إنَّما هو دليل على سقوط أهميّتها تماماً. نعم، تبقى مجزية فقط، أي: لا يعاقب المصلّي عقوبة تارك الصلاة.
(3) وهذه الحمرة قد توجد قبل طلوع الشمس بثلاثة أرباع الساعة، ولو بوجود ضعيف. وهذا يعني أنَّ وقت الفضيلة ليس أكثر من نصف مجموع الوقت.
الفتاوى الواضحة ج1
(8) وكما توجد فريضة صلاة الفجر، كذلك توجد نافلة الفجر(1)، وهي صلاة تتكوّن من ركعتين كفريضة الفجر تماماً، ولكن ينوي المصلّي بها نافلة الفجر قربةً إلى الله تعالى.
(9) ووقت نافلة الفجر يبدأ من السدس الأخير من الليل(2)، بمعنى أنَّ الفترة الواقعة بين غروب الشمس وطلوع الفجر إذا قسّمت إلى ستّة أقسام فبداية السدس الأخير(3) منها هي بداية وقت هذه النافلة، ويستمرّ وقتها إلى طلوع الشمس. والأفضل الأحوط استحباباً أن لا تؤخّر إلى حين(4) ظهور الحمرة المشرقية الذي ينتهي به الوقت المفضّل لفريضة الفجر.
(10) وعلى هذا الأساس لا يجوز تقديم نافلة الفجر على السدس الأخير من الليل؛ لأنَّ ذلك قبل وقتها.
ويستثنى من ذلك(5): ما إذا صلّى المكلّف صلاة الليل – وهي نافلة
ــــــ[469]ـــــــ
(1) استحباباً.
(2) هذا التحديد لم يثبت ولا يكلّف الفرد العادي بضبطه. كلّ ما في الأمر أنَّه يجوز أحد أمرين:
الأوّل: أن تصلّى نافلة الفجر قبل الفجر بفترة غير طويلة – ينبغي أن لا تكون أكثر من الساعة-.
الثاني: أن تصلّى بعد صلاة الليل التي تؤدّى في وقتها. أمّا الإتيان بها قبل صلاة الليل أو قبل ساعة فأكثر، فالأحوط تركه.
(3) سبق أن ناقشناه في التعليقة السابقة، وكذلك ما سيأتي من أشباهه.
(4) بل الأحوط وجوباً، وللمكلّف الإتيان بها بقصد (ما في الذمّة) أو بقصد (الواقع)، بمعنى: ما في علم الله سبحانه من كونها أداءً أو قضاء.
(5) إذا كان وقت صلاة الليل نفسها، على ما سيأتي.
الفتاوى الواضحة ج1
يومية أُخرى يأتي الحديث عنها- فإنَّه لا بأس حينئذٍ بأن يضمّ نافلة الفجر إليها، ولو لم يكن السدس الأخير من الليل قد بدأ.
(11) ويشترط الإتيان بنافلة الفجر قبل فريضة الفجر. ولكن إذا خشي أن يفوته بسبب ذلك الوقت المفضّل لفريضة الفجر، فالأفضل أن يبدأ بالفريضة، ويأتي بالنافلة بعد ذلك قبل طلوع الشمس(1).
فريضة صلاة الظهر ونافلتها
(12) فريضة صلاة الظهر هي الصلاة اليومية الثانية، وتسمّى بالصلاة الوسطى(2). وقد أكّد القرآن الكريم على المحافظة عليها بوجه خاصّ، فقال الله سبحانه وتعالى: {حَافِظُوا عَلى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى …}(3).
وإنمّا سمّيت بالصلاة الوسطى لأنَّها وسطٌ بين صلاتين نهاريّتين، فقبلها فريضة الفجر، وبعدها فريضة العصر، وهي بينهما.
(13) وصلاة الظهر أربع ركعات. وقد تقدّم الكلام عن صورة الصلاة التي تتكوّن من أربع ركعات. وقد تصبح صلاة الظهر ركعتين؛ وذلك بالنسبة إلى المسافر ضمن شروط معيّنة يأتي شرحها في الأحكام العامّة للصلوات اليومية.
ويُخفِت المكلّف في قراءة الفاتحة والسورة التي عقيبها في صلاة الظهر،
ــــــ[470]ـــــــ
(1) بالنيّة التي ذكرناها قبل تعليقين.
(2) وفُسّرت أيضاً بصلاة العصر؛ لأنَّها وسط في الخمس [و]لأنَّها الثالثة لها. كما فسّرت بصلاة المغرب؛ لأنَّها في وسط النهار والليل. وليس لهذا الخلاف أثر فقهيّ.
(3) سورة البقرة، الآية: 238.
الفتاوى الواضحة ج1
عدا البسملة في كلٍّ من السورتين فإنَّ الإخفات فيها غير واجب(1). ويستثنى من وجوب الإخفات: صلاة الظهر من يوم الجمعة؛ فإنَّه لا يجب فيها الإخفات(2).
ويجب الإخفات أيضاً في قراءة التسبيحات في الركعتين الثالثة والرابعة من صلاة الظهر في جميع الأيّام.
(14) ووقت صلاة الظهر يبدأ من منتصف الفترة الواقعة بين طلوع الشمس وغروبها، بمعنى أنَّ المدّة الواقعة بين طلوع الشمس وغروبها إذا قسّمت إلى قسمين متساويين في الساعات والدقائق، كان أوّل النصف الثاني منها بداية الوقت لصلاة الظهر. وتسمّى بداية الوقت هذه بالزوال، أي زوال الشمس عن جهة المشرق إلى جهة المغرب، وهو ما عُبِّر عنه في القرآن الكريم بدلوك الشمس. وهذا الموعد قد يتطابق مع الساعة الثانية عشرة بالتوقيت الزوالي، وقد يتقدّم أو يتأخّر.
ويعرف الزوال بطرق عديدة، منها ما يلي:
(15) أوّلاً: أن تضبط بالساعة موعد طلوع الشمس وموعد غروبها، وتحدّد نصف الفترة(3) الواقعة بين الموعدين، ويكون هذا هو الزوال، أو الظهر.
ــــــ[471]ـــــــ
(1) بل مستحبّ.
(2) بل هو الأحوط.
(3) لا يخفى أنَّه عند نصف الفترة تماماً تكون الشمس فقط في وسط الشرق والغرب، أي: عند دائرة نصف النهار. وهذا ليس هو الزوال بل لابدَّ أن تتحرّك الشمس قليلاً جدّاً نحو المغرب ليحصل الزوال، أي: أنَّها تزول عن النصف قليلاً. وفي الساعة يحسن إضافة نحو دقيقتين إلى وقت نصف النهار المشار إليه في الكتاب، من أجل التأكّد من حصول الزوال الذي قلناه.
الفتاوى الواضحة ج1
(16) ثانياً: يعرف الزوال عن طريق الظلّ، وذلك أنَّ الشمس حينما تطلع من المشرق يحدث لكّل جسمٍ ظلّ، وهذا الظلّ يحدث في الجهة المقابلة للشمس دائماً. فإذا افترضنا جداراً واقعاً بين نقطتي الشمال والجنوب(1) تماماً، كان لهذا الجدار في بداية النهار ظلّ في الجانب المقابل لجهة الشمس (أي في جانب المغرب) وأمّا جانب المشرق منه فلا ظلّ فيه؛ لأنَّه مواجه للشمس. وكلّما ارتفعت الشمس، تقلّص الظلّ الغربي للجدار وانكمش. وعند الزوال ينعدم(2)، ويبدأ للجدار ظلّ شرقي (أي في جانب الشرق)، فكلّما لوحظ أنَّ الظلّ انعدم في جانب المغرب وحصل في جانب الشرق(3) فقد دخل وقت
ــــــ[472]ـــــــ
(1) بل واقع أينما كان من الكرة الأرضيّة. وإنَّما المهمّ اتّجاهه بحيث يكون أحد صفحتيه للشرق تماماً والأُخرى للغرب تماماً.
(2) ولكنّه لا ينعدم بصورةٍ نهائيّةٍ غالباً، بل يتطرّف ويميل إلى الشمال أو الجنوب. فانعدام الظلّ الذي نقصده هو الانعدام بالنسبة إلى جهة المغرب لا انعدام الظلّ من الأساس (الماتن).
(3) ليس عندما ينعدم الظلّ بل حينما يبدأ بالزيادة أو يوجد بعد الانعدام. وبالنسبة إلى الهامش المتعلّق بالموضوع فإنَّ الظلّ في نصف الكرة الشمالي سوف يتّجه إلى الشمال شتاءً عندما يتّجه قرص الشمس – في نظرنا- إلى الجنوب.
وفي النصف الجنوبي للكرة الأرضيّة، يتّجه الظلّ إلى الجنوب عندما يتّجه القرص إلى الشمال. ويلاحظ أنَّه ما بين مدار الجدي ومدار السرطان، ينعدم الظلّ مرّتين في السنة. وأمّا عليهما تماماً، فينعدم مرّة في السنة، وأمَّا جنوب مدار الجدي وشمال مدار السرطان فلا ينعدم أصلاً، بل يتضاءل عند الظهر. وكلّما كان النهار أصغر، كان التضاؤل أقلّ.
والمهمّ شرعاً في وقت صلاة الظهر هو وجود الظلّ بعد الانعدام في البلاد التي ينعدم فيها أو عندما ينعدم فيها، وكذلك زيادته بعد أقلّ مقدارٍ يصل إليه في كلّ مورد لا ينعدم فيه الظلّ، سواء كان ذلك في غير المدارين أو فيهما، ولكن ليس في وقت الانعدام.
هذا، في غير الدائرتين القطبيتين الشماليّة والجنوبيّة، فإنَّ فيهما كلاماً آخر أهمله السيّد في الكتاب؛ لأنَّه غير عمليّ بالنسبة إلى أكثر المكلّفين. أقول: ولكنّه عملي بالنسبة إلى الذاهبين إلى هناك من المسلمين، ومن هنا يحسن أن نقول عنها كلمة موجزة:
تبدأ الدائرة القطبيّة الشماليّة والجنوبيّة على حدٍّ سواء في خطّ عرض 67 درجة تقريباً، شمال خطّ الاستواء وجنوبه، وهو المنطقة التي تحدث نتيجة لميلان محور الأرض؛ ممّا يسبّب عدم انقسام الليل والنهار بشكل متعادل على جميع المعمورة، وعلامتها أنَّه يسودها الليل شتاء والنهار صيفاً ردحاً من الزمن كما سوف نقول، ويدخل فيها قسم من الجزر الاسكندنافيّة.
وهذه المنطقة فيها ليلٌ ونهارٌ متميّز أكثر أوقات السنة، ويتساوى فيها الليل والنهار في الربيع والخريف، ثُمَّ يبدأ – من طرف الشتاء – النهار بالتناقص حتّى يصبح قليلاً جدّاً، فلا تشرق إلَّا بمقدار دقائق ثُمَّ تغرب، وبعد ذلك لا تشرق أصلاً. ويسود الليل خلال الشتاء القارس لمدّة أكثر من شهر، ثُمَّ يبدأ الأُفق بالضياء قليلاً (كالفجر) وينطفئ، ثُمَّ تبدأ الشمس بالشروق لمدد قصيرة ثُمَّ لمدد طويلة حتّى يتساوى الليل والنهار في الربيع، ثُمَّ يبدأ النهار بالطول والليل بالتقلّص حتّى ينعدم في الصيف وتبقى الشمس ظاهرة في السماء باستمرار، ولكنّها تدور فتقترب من الشرق تارة ومن الغرب أُخرى. ويستمرّ الحال كذلك أكثر من شهر؛ حيث تبدأ الشمس بالغروب القليل ثُمَّ يكثر غروبها – أعني: وجود الليل- حتّى يتساوى الليل والنهار في الخريف، ثُمَّ يبدأ النهار بالتناقص إلى أن ينعدم شتاءً كما أسلفنا، ومن هنا يظهر أنَّ ما هو المشهور من أنَّ الليل والنهار يدومان فيها ستّة أشهر فهو ممّا لا أصل له، يذكرونه في الكتب بلا موجب.
وأمّا الصلاة والصوم في تلك البلاد فهو له عدّة حالات كما يلي:
أوّلاً: عند وجود النهار والليل بشكل متميّز – أو نقول: عند شروق الشمس وغروبها بشكل واضح – فالصلاة والصوم يكون فيه اعتياديّاً كسائر البلاد.
ثانياً: عند وجود النهار بشكل لا يكفي للصلاة، أو عند وجود الفجر مع عدم تحقّق الطلوع، ففي مثل ذلك يصلّي صلاة الصبح مع الفجر، ويصلّي المغرب والعشاء مع ازدياد الظلام أخيراً. ويصلّي الظهرين عند أقصى انتشار الضوء ولو بمقدار ما، ومن هنا نعرف أمرين:
1. أنَّ الصلوات الخمس اليوميّة تكون متتابعة تقريباً أو تحقيقاً، ويبقى الباقي ليلاً بحسب الفرض.
2. أنَّ الصوم يكون من الفجر إلى ازدياد الظلام، وهي الفترة التي يسود فيها الضوء قليلاً، وهي تعتبر هناك (نهاراً) بطبيعة الحال، ويكفي فيه النيّة من دون أكل السحور والفطور؛ إذ لا يجب (الأكل) طبعاً.
ثالثاً: عند وجود النهار الدائم في الصيف ففيه الزوال يصدق تماماً، عند اتّجاه الشمس من الشرق إلى الغرب. فعندما يحصل ذلك، تجب صلاة الظهر والعصر. وأمّا صلاة الصبح، فتجب عندما تبدأ الشمس بالحركة من جهة الشرق إلى الغرب، وتجب صلاة المغرب والعشاء عندما تبدأ الشمس بالحركة من الغرب إلى الشرق.
رابعاً: قد تبدو الشمس في عدد من الأيّام – من أيّامنا- خلال النهار الطويل في الصيف وكأنَّها واقفة وسط السماء، لتبدأ بعدها بالحركة الواضحة شرقاً وغرباً. فإذا حصل ذلك، يستطيع المكلّف أن يجمع الصلوات اليوميّة دفعةً واحدةً كلّ أربع وعشرين ساعة، ويطبّق الفواصل بين صلواته، ابتداء من أيّام حركة الشمس – شرقاً وغرباً- إلى زمان وقوفها، إلى زمان حركتها من جديد، والأحوط أن يصلّي صلواته بقصد (الواقع) أو (بما في الذمّة) من حيث الأداء والقضاء.
خامساً: عندما يسيطر الليل تماماً شتاءً ولا يبدو في الأُفق أيّ ضوء، يطبّق المكلّف ما قلناه في الصورة السابقة، بادئاً من عند وجود الضوء إلى حين وجوده من جديد.
ويستطيع المكلّف أن يطبّق صلاته وصومه على أقرب نقطة خارج الدائرة القطبيّة، فيصلّي في أوقاتها خلال الصورتين الرابعة والخامسة. كما يستطيع أن يختار – في الصورتين – أقرب مدار إليه. فالشمالي يختار مدار السرطان، والجنوبي يختار مدار الجدي، فيصوم ويصلّي باوقاتهما.
وبعد ذلك كلّه، فالأحوط وجوباً عدم التواجد في تلك البلاد خلال انطباق الصورة الرابعة والخامسة فيها، بل يجب الخروج منها قبل حصولها ولو بقليل، إلَّا لضرورة دينيّة أو دنيويّة كبيرة.
كما أنَّ الأحوط استحباباً – في غير الصورة الأُولى – عدم التواجد هناك أيضاً، أي: عند حصول الصورة الثانية والثالثة.
الفتاوى الواضحة ج1
صلاة الظهر.
(17) ثالثاً: وهناك طريقة أُخرى لمعرفة الزوال، هي: أن تعرف نقطة الجنوب مسبقاً فتستقبلها بوجهك، وتلاحظ الشمس وهي في السماء. فإن كانت قد مالت إلى جانب حاجبك الأيمن، فاعرف أنَّ وقت الفريضة قد حلّ.
(18) ويستمرّ وقت صلاة الظهر إلى غروب الشمس، ولكن إذا كان على عهدة الإنسان صلاة الظهر وصلاة العصر معاً ولم يصلّهما حتّى لم يبقَ إلى الغروب إلَّا فترةً لا تكفي إلَّا لإحدى الصلاتين فقط، اعتبر وقت صلاة الظهر قد انتهى من أجل صلاة العصر، وصلّى المكلّف صلاة العصر(1) (وصلاة العصر هي الصلاة اليومية الثالثة التي يأتي الكلام عنها).
ــــــ[475]ـــــــ
(1) ويسقط الترتيب بين الفرضين في مثل ذلك، ثُمَّ يقضي صلاة الظهر بعد وقتها، والأحوط وجوباً أن لا يختار الإنسان ذلك، أو يحوج نفسه إليه قبل أن يصلّي قبله إلَّا مع ضرورة قاهرة ونحوها.
الفتاوى الواضحة ج1
وإذا كانت الفترة الباقية خمس دقائق – مثلاً- على افتراض أنَّ كلّ ركعة تستغرق دقيقةً بكاملها، وجب على المكلّف أن يصلّي صلاة الظهر، ويصلّي بعدها فوراً صلاة العصر.
(19) وعلى الرغم من استمرار وقت صلاة الظهر إلى الغروب، فإنَّ المرجّح الإسراع بالإتيان بها والحرص على أدائها في وقتها المفضّل، والوقت المفضّل لصلاة الظهر لا يستمرّ إلى الغروب، بل يبدأ من أوّل الزوال وينتهي بأمدٍ معيّنٍ يقاس بمقدار امتداد الظلّ الذي يحدث لكلّ جسم، ويمتدّ نحو المشرق بعد أن تزول الشمس وتميل نحو المغرب.
وبيان ذلك: أنّا إذا افترضنا جداراً ممتدّاً بين الشمال والجنوب تماماً، فإنَّ هذا الجدار سوف يكون له عند طلوع الشمس في المشرق ظلٌّ في جانب المغرب، وعند الظهر يتقلّص هذا الظلّ من جانب المغرب نهائياً، وكثيراً ما يبقى في نقطة الشمال – كما في العراق- أو الجنوب بالنسبة إلى الحائط. ثُمَّ يحدث في جانب المشرق على عكس ما كان تماماً في بداية النهار، ويتزايد في جانب المشرق باستمرار إلى غروب الشمس.
والوقت المفضّل لصلاة الظهر، يبدأ من حين الزوال إلى أن يبلغ امتداد ظلّ الجدار في جانب المشرق بقدر ارتفاع ذلك الجدار. فإذا كان ارتفاع الجدار الواقع بين الشمال والجنوب سبعة أمتار، كان انتهاء الوقت المفضّل لصلاة الظهر ببلوغ الظلّ في جانب المشرق سبعة أمتار، على نحوٍ لو قسنا المسافة من قاعدة هذا الجدار إلى نهاية رأس الظلّ بخطٍّ مستقيم غير مائل – أي بخطٍّ عموديٍّ(1)- لكان مساوياً لارتفاع صاحب الظلّ، أي سبعة أمتار.
ــــــ[476]ـــــــ
(1) هذا لا يسمّى عموديّاً، بل هو أُفقيّ وعلى مستوى وجه الأرض، كلّ ما في الأمر أنَّ رأس الخطّ ينبغي أن يكون متّجهاً إلى المغرب تماماً، وليس فيه انحناء أو ميلان.
هذا وينبغي الإلماع إلى أنَّ في وقت الفضيلة فيه ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأوّل: أنَّ وقت فضيلة صلاة الظهر يمتدّ إلى أن يصير ظلّ كلّ شيءٍ مثله، ووقت فضيلة العصر يمتدّ إلى أن يصير ظلّ كلّ شيءٍ مثليه. وهذا هو الذي اختاره السيّد في الكتاب.
الاحتمال الثاني: أنَّ وقت فضيلة الظهر يمتد إلى قدمين – أي: من ارتفاع الجسم تحت الشمس- ووقت فضيلة العصر يمتدّ إلى أربعة أقدام- أي: من ارتفاع الجسم-.
وكلا هذين الاحتمالين وارد في الروايات الصحيحة وكلاهما حقّ، والاختلاف بينهما محمول على اختلاف الفضيلة.
نعم، قد يحدث في بعض البلاد انتفاء الاحتمال الثاني بل حتّى الأوّل؛ لأنَّ الظلّ الباقي كثير، أكثر من قدمين أحياناً، وأكثر من ارتفاع الجسم أحياناً.
فيكون كلا الاحتمالين متعذّرين. والاحتمال الثاني أسرع تعذّراً من الأوّل، كما هو واضح عند التأمّل.
ومن هنا، وأيضاً لأجل عدم تكليف الفرد الاعتيادي بالنظر الدقيق – ولو استحباباً- يمكن الركون إلى احتمال آخر، وهو:
الاحتمال الثالث: أن يكون وقت الفضيلة وقتاً تقريبيّاً غير حدّيٍّ، يعبَّر عنه في الروايات بقوله: >بينهما سَيْحة<، أي: بين الصلاتين فترة قد تطول وقد تقصر باختيار المكلّف نفسه، وتقدّر للظهر وقت النوافل والفريضة والتعقيبات وشيء قليل من الراحة، ويبدأ وقت صلاة العصر بهذا المقدار أيضاً.
ومن هنا يمكن أن تجعل لكلِّ منهما ساعة زمنيّة – بالساعات المتعارفة الآن- أو لكلِّ منهما ساعة ونصف أو ساعتين ونحوها، وهذا أقرب للاحتمال الثاني. أمّا طبقاً للاحتمال الأوّل فلا يكون ظلّ كلّ شيءٍ مثله في مثل بلادنا وما ساواها في خطّ العرض، إلَّا بعد حوالي ساعتين ونصف بعد الزوال، ولا يكون ظلّ كلّ شيءٍ مثليه، إلَّا بعد حوالي أربع ساعات ونصف، أو خمس ساعات في النهار الطويل.
وعلى أيّ حالٍ، فكلّ الاحتمالات الثلاثة لا تخلو من وجاهة وصحّة على الأظهر.
الفتاوى الواضحة ج1
ــــــ[477]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
(20) وكما توجد فريضة صلاة الظهر كذلك توجد نافلة الظهر، وهي مكوّنة من أربع صلوات، وكلّ واحدة من هذه الصلوات تتكوّن من ركعتين، فيكون المجموع ثمان ركعات، يقصد بها المصلي نافلة الظهر قربةً إلى الله تعالى.
(21) ووقت نافلة الظهر هو وقت فريضة الظهر(1) تماماً. ويؤتى بالنافلة قبل الفريضة، ولكن إذا لم يكن قد صلّى أوّل الوقت وخشي أنَّه إذا بدأ بالنافلة يفوته الوقت المفضّل لفريضة الظهر فالأفضل أن يبدأ بالفريضة، ثُمَّ يأتي بالنافلة قبل انتهاء وقت الفريضة، والأفضل تقديم الفريضة(2) وتأخير النافلة عنها أيضاً إذا بلغ الظلّ في جانب المشرق اثنين من سبعة من ارتفاع الجدار، بل الأفضل ذلك إذا بلغ الظلّ واحداً من سبعة؛ حفاظاً على السرعة في الإتيان بصلاة الفريضة.
(22) وعلى هذا الأساس لا يجوز تقديم نافلة الظهر على الظهر(3)؛ لأنَّه قبل الوقت. ولكن يستثنى من ذلك حالتان:
الحالة الأُولى: نافلة الظهر في يوم الجمعة فإنَّه يجوز تقديمها على الزوال.
الحالة الثانية: إذا علم المكلّف بأنَّه سوف يشتغل عند الزوال عنها بشغل من أشغاله، فيقدّمها(4) توفيقاً بينها وبين شغله الخاصّ.
ــــــ[478]ـــــــ
(1) ولكنّ الأحوط استحباباً: الإتيان بالنافلة بقصد (ما في الذمّة) أو (رجاءً) من حيث الاداء والقضاء إذا كان قد خرج وقت الفضيلة لفريضتها، وذلك في نوافل الصلوات الخمس كلّها.
(2) إذا قدّم الفريضة فالأحوط أن ينوي النافلة (قضاءً).
(3) أي: على وقت الظهر، أي: على الزوال لا صلاة الظهر؛ فإنَّ النافلة مقدّمة على صلاة الظهر أساساً.
(4) وإذا أصبح وقتها بعد الزوال فارغاً، فالأحوط له تكرارها استحباباً.
الفتاوى الواضحة ج1
بديل صلاة الظهر
(23) عرفنا أنَّ صلاة الظهر فريضة واجبة، ولكن هناك بديل عنها في ظهر يوم الجمعة خاصّةً ضمن شروط معيّنة، وهذا البديل صلاة الجمعة، وسيأتي الحديث عنها بصورة مستقلّة.
فريضة صلاة العصر ونافلتها
(24) فريضة صلاة العصر، وهي الصلاة اليومية الثالثة، وتشابه صورتها وعدد ركعاتها وإخفات قراءتها صلاة الظهر تماماً، غير أنَّ المصلّي ينوي فيها أنَّه يصلّي صلاة العصر قربةً إلى الله تعالى. وتختلف عن صلاة الظهر في أنَّها لا بديل عنها في حال من الأحوال، بينما تحلّ صلاة الجمعة محلّ صلاة الظهر في بعض الأحيان، كما أشرنا سابقاً، ويأتي تفصيله.
(25) ويبدأ وقت فريضة العصر من الزوال (الظهر)، غير أنَّه يجب أن يؤتى بها بعد الإتيان بفريضة الظهر، فإذا حلّ الظهر لم يسغْ للمكلف أن يتعمّد الإتيان بها قبل فريضة الظهر وهو عالم بأنَّ هذا لا يسوغ له. ولو صنع المكلّف ذلك، وجب عليه أن يصلّي الظهر ويعيد صلاة العصر بعد صلاة الظهر.
(26) وإذا حلّ الظهر وخُيّل للمكلف أنَّه قد أتى بفريضة الظهر فبادر إلى فريضة العصر، وانتبه في أثناء الصلاة إلى أنَّه لم يكن قد صلّى الظهر، وجب عليه أن يعتبر صلاته التي بدأها بنيّة العصر ظهراً، فيكملها بنيّة الظهر، ويأتي بعد ذلك بصلاة العصر.
(27) وإذا استمرّت غفلته إلى أن فرغ من الصلاة ثُمَّ التفت إلى أنَّه لم يكن قد صلّى الظهر قبلاً، صحّت صلاة العصر منه؛ وكان معذوراً في
ــــــ[479]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
تقديمها، سواء كان قد صلاّها في بداية الظهر(1) أو في وسط الوقت، ووجب عليه أن يصلّي الظهر فقط. ومثل هذا تماماً: مَن كان يعلم بأنَّه لم يصلّ الظهر ولكنّه كان يعتقد بأنَّ تقديم صلاة العصر على صلاة الظهر جائز، فقدّمها ثُمَّ علم بأنَّ هذا لا يسوغ بعد الانتهاء من الصلاة، فلا يعيد تلك الصلاة.
(28) ويستمرّ وقت صلاة العصر إلى غروب الشمس، أي سقوط قرص الشمس، فإذا لم تبقَ إلى الغروب إلَّا فترة تسع صلاةً واحدةً وكان على المكلّف صلاتا الظهر والعصر معاً، وجب عليه أن يقدّم العصر، خلافاً لما كان هو الواجب في البداية من تأخير العصر عن الظهر.
(29) ولكنّ الوقت المفضّل لفريضة العصر يبدأ مع بداية وقت الظهر، ويستمرّ إلى أن يبلغ امتداد الظلّ الحاصل في جانب المشرق من الجدار الواقع بين الشمال والجنوب ضعف ارتفاع الجدار(2)، فلو كان ارتفاع الجدار متراً – مثلاً- وقسنا امتداد الظلّ من قاعدة الجدار إلى نهاية امتداده في خطٍّ مستقيم غير مائل – أي بخطٍّ عموديٍّ- فكان مترين، فقد انتهى الوقت المفضّل لصلاة العصر.
(30) وهناك نافلة بين فريضتي الظهر والعصر تتكوّن من أربع صلوات وثمان ركعات كنافلة الظهر تماماً(3)، ويسوغ الاقتصار فيها على ثلاث
ــــــ[480]ـــــــ
(1) إذا سبق بالعصر غفلةً أو جهلاً خلال الوقت صحّت، وأمّا في بداية الظهر فالأحوط له الإعادة بأن يصلّي الظهر ثُمَّ العصر.
(2) هذا هو الاحتمال الأوّل لوقت الفضيلة الذي ذكرناه في صلاة الظهر، وقد فصّلنا الكلام هناك بشكل شامل لصلاة العصر، فلا نعيد.
(3) اسمها نافلة العصر، وبهذا العنوان تقع في النيّة.
الفتاوى الواضحة ج1
صلوات أو على صلاتين، أي ستّ أو أربع ركعات، ووقتها يمتدّ بامتداد(1) وقت العصر، ويؤتى بها بعد فريضة الظهر وقبل فريضة العصر. ولكن إذا تأخّر في الإتيان بالنافلة حتّى خشي أن يفوته الوقت المفضّل لفريضة العصر لو أدّى النافلة قبلها، فالأفضل أن يقدّم الفريضة ويأتي بالنافلة بعدها(2)، وهذا هو الأفضل أيضاً لو بلغت المسافة من قاعدة الجدار إلى نهاية الظلّ في جانب المشرق أربعة أسباع(3) ارتفاع الجدار، بل هو الأفضل أيضاً لو بلغت بقدر سبعي ارتفاع الجدار(4) أيضاً؛ حفاظاً على السرعة في الإتيان بصلاة الفريضة.
ــــــ[481]ـــــــ
(1) الأحوط أنَّه يمتدّ بامتداد وقت الفضيلة. فإن خرج، كان الأحوط الإتيان بها (بما في الذمّة)، أو بقصد (الواقع) من حيث الأداء والقضاء. وقد سبق أن قلنا مثله في نافلة الظهر.
(2) بنيّة القضاء كما قلنا في نافلة الظهر.
(3) هذا هو الاحتمال الثاني لوقت الفضيلة، وقد ذكرناه هناك مفصّلاً. وهنا يكون السيّد قد ذكر كلا الوقتين للفضيلة ممّا يعطينا كونه يراهما معاً حجّة.
(4) هذا هو الاحتمال الثاني لوقت الفضيلة لصلاة الظهر. وهو غير مربوط بصلاة العصر، فالأفضل فيه تقديم النوافل على الفريضة، والسرعة المشار إليها في الكتاب إنَّما هي مطلوبة في صلاة الظهر في أوّل الوقت لا في صلاة العصر. ومن العجيب أنَّ السيّد لم يطبّق هذه الفكرة في صلاة العصر، أي: أن يأمر بأداء الفريضة قبل النافلة؛ لأجل سرعة أداء صلاة الظهر، وهذه السرعة مطلوبة. فإمّا أن يؤجّل نوافل الظهر وإمّا أن يخفّفها المكلّف ليصلّي الفريضة في أقرب وقتٍ إلى أوّل الوقت.
هذا، ولم يتعرّض السيّد إلى آخر أجزاء الوقت لصلاة الظهر والعصر، ألَا وهو الغروب، أعني: ما دام قرص الشمس ظاهراً من جهة المغرب ولو جزء منه فالوقت باقٍ، فإن اختفى بالمرّة، انتهى الوقت.
الفتاوى الواضحة ج1
فريضة صلاة المغرب ونافلتها
(31) فريضة صلاة المغرب هي الصلاة الرابعة من الصلوات اليومية، وتتكوّن من ثلاث ركعات، وقد تقدّم سابقاً توضيح صورة الصلاة التي تتكوّن من ثلاث ركعات، وينوي المصلّي بها أنَّه يصلّي صلاة المغرب قربةً إلى الله تعالى، ويجهر بقراءة الفاتحة والسورة التي بعدها في الركعتين الأُولى والثانية، ويُخفت بالتسبيحات التي يقرأها في الركعة الثالثة.
ونقصد بالجهر: أن يرفع صوته بالقراءة، على ما يأتي في الفقرة (97) من فصل الشروط والأجزاء العامّة.
(32) ويبدأ وقت فريضة المغرب بمغرب الشمس، ولا يحصل ذلك بمجرّد اختفائها عن العين عند النظر إلى السماء، بل بذهاب البقيّة الباقية من ضوء الشمس في الأُفق بعد غيابها، وهي الحمرة التي نراها في جهة المشرق عند اختفاء قرص الشمس عن الأنظار، ويعبّر عنها الفقهاء بالحمرة المشرقية. فإذا تلاشت هذه الحمرة(1) عن جانب المشرق، حلّ وقت صلاة المغرب، ويحصل هذا عادةً بعد غروب قرص الشمس عن الأُفق باثنتي عشرة دقيقة أو بحوالي ذلك، وعلى هذا نميِّز بين غروب الشمس ومغرب الشمس، فمتى قلنا الكلمة الأُولى قصدنا سقوط قرص الشمس واستتارها، ومتى قلنا الكلمة الثانية قصدنا ذهاب الحمرة بالمعنى الذي أوضحناه.
(33) ويستمرّ وقت صلاة المغرب إلى نصف الليل، والليل: هو الفترة الواقعة بين غروب قرص الشمس وطلوع الفجر، فإذا انتهى النصف الأوّل
ــــــ[482]ـــــــ
(1) على الأظهر، والأحوط أن تزول الحمرة عن وسط السماء وتعبر كلّها إلى جهة المغرب.
الفتاوى الواضحة ج1
من هذه الفترة فقد انتهى وقت صلاة المغرب، ويكون انتهاء نصف الليل هذا عادةً حوالي الساعة الحادية عشرة وربع(1) مساءً.
ويستثنى من ذلك: من كان معذوراً في تأجيل الصلاة، كالمرأة الحائض، والناسي لصلاته، أو النائم طيلة الوقت، فإنَّ الوقت يمتدّ بالنسبة إلى هذا المعذور بعد نصف الليل، ولا ينتهي إلَّا بطلوع الفجر(2).
ولصلاة المغرب وقتٌ مفضّل ينتهي في أوائل الليل، وهذا الوقت المفضّل يبدأ ببداية وقتها، ويستمرّ إلى زوال الحمرة المغربية في الأُفق وذهاب الشَفَق(3)، ويقدَّر ذهاب الشفق بعد مضيّ ساعة من غروب الشمس تقريباً.
(34) وإذا أخّر المكلّف صلاة المغرب إلى قبيل نصف الليل ولم تبقَ سوى فترة أربع رَكعات، وجب على المكلّف أن يؤجّل صلاة المغرب ويصلّي صلاة العشاء. وأمّا إذا كانت الفترة تَسَعُ خمسَ ركعات فعليه أن يصلّي المغرب، ثُمَّ يصلّي بعدها فوراً صلاة العشاء.
(35) وكما توجد فريضة صلاة المغرب، كذلك توجد نافلة المغرب، وهي تتكوّن من صلاتين، كلّ منهما عبارة عن ركعتين، وتؤدّى كلّ من الصلاتين بالصورة العامّة التي تؤدّى بها صلاة مكوّنة من ركعتين، وينوي بها
ــــــ[483]ـــــــ
(1) أي: بالتوقيت الزوالي. ولكن تأجيل الصلاة عن الحادية عشرة تماماً، مخالف للاحتياط.
(2) الأحوط أن ينوي (بما في الذمّة)، أي: بما في علم الله سبحانه من الأداء والقضاء، وذلك إن صلّى بعد نصف الليل اختياراً أو اضطراراً.
(3) الشفق: حمرة الليل، والشمس إذا غابت لها حمرتان: إحداهما حمرةٌ نراها في جهة المشرق، والأُخرى حمرة تبدأ في جهة المغرب، والأُولى: هي الحمرة المشرقيّة، والثانية: هي الشفق (الماتن).
الفتاوى الواضحة ج1
المصلّي أنَّه يصلّي نافلة المغرب(1) قربةً إلى الله تعالى، ويسوغ للمكلّف الاقتصار على إحدى الصلاتين، أي يأتي بركعتين فقط(2) من نافلة المغرب.
(36) ووقت نافلة المغرب يمتدّ مع امتداد(3) وقت فريضة صلاة المغرب، ويشترط تأخيرها عن الفريضة، والأفضل في أدائها أن تؤدّى في الوقت المفضّل لفريضة المغرب.
فريضة صلاة العشاء ونافلتها
(37) فريضة صلاة العشاء، وهي آخر الصلوات اليومية الواجبة، تتكوّن من أربع ركعات، وقد تقدّمت صورة الصلاة التي تتكوّن من أربع
ــــــ[484]ـــــــ
(1) هذه الركعات الأربع بعد فريضة المغرب، ولا يجوز أن تصلّى قبلها. وينتهي وقتها بانتهاء وقت فضيلة الفريضة وهو ذهاب الحمرة المغربيّة. فإن جاء بها المكلّف بعد ذلك فالأحوط أن يكون بنيّة الرجاء أو بما في الذمّة، وإن جاء بها بعد صلاة العشاء كانت بنيّة القضاء.
(2) هذا لم يثبت. نعم، يجوز له أن يحذف صلاة النافلة ويأتي بركعتين بنيّة صلاة الغفيلة استحباباً، يوجد فيها بدل (السورة) آيات من القرآن الكريم وقنوت معيّن مسطور في كتب الأدعية فليراجع. وهي صلاة تنفع لقضاء الحوائج، ويمكن الإتيان بها بهذا القصد في أيّ وقت. وإذا جيء بها بعد فريضة المغرب أمكن احتسابها جزءاً من نافلة المغرب، ويضيف إليها ركعتين، فتكون الصلاة الأُولى من النافلة بنيّة الغفيلة ونافلة المغرب معاً (ويصلّيها على شكل الغفيلة)، والصلاة الثانية بنيّة نافلة المغرب فقط. والأفضل فصل الغفيلة عن النافلة، فتصبح الركعات ستّاً بثلاث صلوات: الأُولى بنيّة الغفيلة وشكلها، والثانية والثالثة: بنيّة نافلة المغرب، يقول في كلّ منهما: أصلّي ركعتين من نافلة المغرب.
(3) ذكرنا ما هو الحكم في ذلك قبل تعليقتين.
الفتاوى الواضحة ج1
ركعات، وتؤدّى ركعتين في حالة السفر ضمن شروط يأتي توضيحها.
(38) وصورتها كصورة صلاة الظهر تماماً، إلَّا أنَّ المصلّي هنا ينوي أنَّه يصلّي صلاة العشاء قربةً إلى الله تعالى، ويجهر في قراءته للفاتحة والسورة التي بعدها في الركعتين الأُولى والثانية، أي يرفع صوته بها، على ما يأتي في الفقرة (97) من الفصل اللاحق.
(39) ووقت صلاة العشاء يبدأ من غروب الشمس – بالمعنى المتقدّم في صلاة المغرب- إلى نصف الليل، كفريضة المغرب تماماً، إلَّا انّه لا يسوغ الإتيان بها قبل فريضة المغرب، فكلّ من أتى بها قبل صلاة المغرب عامداً عالماً بأنَّ هذا لا يجوز، بطلت صلاته، ووجب عليه أن يصلّي المغرب ثُمَّ العشاء.
وإذا صلّى العشاء قبل صلاة المغرب متوهّماً أنَّه قد أتى بصلاة المغرب، أو معتقداً أنَّ ذلك جائز، وبعد أن أكمل صلاته انتبه إلى أنَّه لم يصلّ المغرب، أو علم بأنَّ صلاة العشاء لا يسوغ أن تُقدّم على صلاة المغرب، إذا وقع شيء من هذا، فلا يجب عليه أن يعيد صلاة العشاء، سواء كان قد صلاّها في بداية المغرب(1) أو في وسط الوقت، بل يصلّي المغرب فقط.
(40) وإذا بدأ المكلّف بصلاة العشاء معتقداً أنَّه قد أدّى صلاة المغرب ثُمَّ انتبه في أثناء الصلاة إلى واقع الحال – أي إلى أنَّه لم يكن قد صلّى المغرب- فعليه أن ينوي بها من هذه اللحظة صلاة المغرب، ويكملها على هذا الأساس، ويأتي بعدها بصلاة العشاء.
ويستثنى من ذلك: ما إذا كان انتباهه إلى واقع الحال بعد أن ركع في الركعة الرابعة التي نواها عشاءً فإنَّها تبطل عندئذ، ويجب عليه أن يصلّي من
ــــــ[485]ـــــــ
(1) في هذه الصورة يكون الأحوط هو الإعادة، أي: المغرب والعشاء معاً.
الفتاوى الواضحة ج1
جديد صلاة المغرب، ثُمَّ صلاة العشاء.
وأمّا إذا التفت إلى واقع الحال بعد أن نهض للركعة الرابعة وقبل أن يأتي بركوعها فينوي صلاة المغرب ويلغي هذه الركعة، إذ يعود إلى الجلوس، فيتشهّد ويسلّم(1)؛ لكي تقع صلاته من ثلاث ركعات وفقاً لصورة صلاة المغرب.
والوقت المفضّل لصلاة العشاء هو الثلث الأوّل من الليل، فإذا انقضى ولم يصلّ المكلّف صلاة العشاء، فقد فاته الفضل، ولكنّه لا يأثم ما دام يؤدّيها قبل انتصاف الليل.
(41) وتوجد بعد صلاة العشاء صلاة نافلة تتكوّن من ركعتين، وصورتها هي الصورة العامّة لصلاة تتكوّن من ركعتين، غير أنَّ هذه الصلاة يؤدّيها المكلّف وهو جالس، فينوي أنَّه يصلّي نافلة العشاء قربةً إلى الله تعالى، ويكبّر تكبيرة الإحرام وهو جالس، وهكذا يواصل صلاته، ويعتبر انحناءه بعد القراءة على طريقة انحناء الجالس ركوعاً.
ونافلة العشاء هذه تعتبر بمثابة ركعة واحدة؛ لأنَّها صلاة تؤدّى في حالة الجلوس، ويمتدّ وقتها مع امتداد وقت فريضة صلاة العشاء، فكلّما كان بإمكان المكلّف أن يؤدّيها ثُمَّ يؤدّي فريضة العشاء بعدها قبل انتصاف الليل(2)، فهي مقبولة عند الله سبحانه وتعالى.
ــــــ[486]ـــــــ
(1) ويسجد على الأحوط سجود السهو للزيادة الحاصلة، وهي القيام والتسبيحات.
(2) وأمّا إذا أدّى النافلة بعد انتصاف الليل، فالأحوط أن ينوي بها: (بما في الذمّة) أو (رجاء).
الفتاوى الواضحة ج1
نافلة الليل
(42) وهناك نافلة أُخرى ذات أهميّة كبيرة شرعاً تسمّى بصلاة الليل، وهي تتكوّن من ستّ صلوات، والصلوات الأربع الأُولى منها تتكوّن كلّ واحدة منها من ركعتين(1)، والصلاة الخامسة تتكوّن من ركعتين أيضاً وتسمّى بركعتي (الشفع)، والصلاة السادسة تتكوّن من ركعة واحدة وتسمّى بركعة (الوتر). وعلى هذا الأساس تشتمل نافلة الليل على إحدى عشرة ركعة، ويسوغ للمكلّف أن يقتصر على الشفع والوتر معاً، وأن يقتصر على الوتر فقط.
(43) ووقت نافلة الليل يبدأ من نصف الليل(2) بالمعنى المتقدّم في الفقرة (33)، ويمتدّ إلى الفجر الذي يبدأ به وقت فريضة الفجر.
والوقت المفضّل(3) لنافلة الليل: (السحر)، وهو ثلث الليل الأخير.
ــــــ[487]ـــــــ
(1) ينوي بها: أنَّه يصلّي ركعتين من صلاة الليل أو نافلة الليل.
(2) بل الأحوط أنَّه يبدأ بالفترة المسمّاة بالسحر، وهو ما يكون قبل الفجر إلى ردح من الزمن قد يقدّر بساعة ونصف إلى ساعتين ونصف في الليل الطويل. ومتى يبدأ (السحر) عرفاً، بدأ وقت صلاة الليل.
(3) ظهر الكلام في ذلك في التعليقة السابقة. والإتيان بصلاة الليل في آخر وقتها أفضل، وكلّما قربت إلى الفجر فهو أفضل.
أقول: ومن وجد ضيق الوقت لصلاة الليل، كان له أن يأتي بالشفع والوتر ويقضي الصلوات الأربع بعد فرض الصبح. ومَن أتمَّ أربع ركعات فأكثر قبل الفجر، أتمّها لصلاة الليل مخفّفة ثُمَّ صلّى نافلة الصبح والفريضة. وإن صلّى أقلّ من أربع ركعات وطلع الفجر، تركها وصلّى النافلة والفريضة، ثُمَّ قضى صلاة الليل كلّها استحباباً.
الفتاوى الواضحة ج1
ولا إثم في ترك شيء من النوافل المتقدّمة، وإن كان في الإتيان بها شأن كبير عند الله سبحانه وتعالى(1).
ويستخلَص ممّا ذكرناه: أنَّ الصلوات اليومية تشتمل على سبع عشرة ركعةً واجبةً، ضمن خمس صلوات، وعلى أربع وثلاثين ركعةً مستحبّةً ضمن ثماني عشرة صلاة(2).
صلاة الجمعة
(44) وهي من أهمّ شعائر الإسلام، قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أيُّهَا الّذِينَ ءَامَنُوا إذا نُودِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوا إلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا البَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ}(3).
وجاء في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): >ما من قدم سعت إلى الجمعة إلَّا حرّم الله جسدها على النار<(3).
وتحتلّ صلاة الجمعة موضع صلاة الظهر ضمن تفصيلات تأتي. وقد ميّز الله سبحانه وتعالى صلاة الجمعة عن سائر الصلوات اليومية – على ما يأتي- بأن
ــــــ[488]ـــــــ
(1) ويعتبر ترك هذا الشأن الكبير من الخسران المبين في الآخرة والحسرة الكبرى. ولا مجال لتعداد آثارها الآن.
(2) ومجموعها واحد وخمسين ركعة، يعتبر الإتيان بها من علامات المؤمن، وعدد ركعات النوافل ضعف عدد ركعات الفرائض.
(3) سورة الجمعة، الآية: 9.
(4) الأمالي (للصدوق): 449، ما وافق كتاب الله فخذوه، الحديث 15، وسائل الشيعة 7: 297، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجمعة وآدابها، الباب 1، باب وجوبها على كلّ مكلّف إلَّا الهرم والمسافر والعبد، الحديث 7. (هيئة التراث).
الفتاوى الواضحة ج1
أوجب أداءها ضمن صلاة جماعة، وأمر بتوحيدها في كلّ منطقة، ولم يسمح بالتأخّر عن حضورها إذا أُقيمت إلَّا لأعذار خاصّة. وبذلك كانت صلاة الجمعة تعبّر عن اجتماع أُسبوعيّ موسّع لعامّة المصلّين والمؤمنين، يبدأ بالموعظة والتثقيف ضمن خطبتي صلاة الجمعة، وينتهي بالعبادة والتوجّه إلى الله ضمن الصلاة نفسها.
وصورتها ركعتان، كصلاة الصبح تماماً، إلَّا أنَّ المصلّي ينوي بها أنَّه يصلّي صلاة الجمعة قربةً إلى الله تعالى. وتتميّز عن صلاة الصبح بأنَّ من المستحبّ فيها قنوتين: أحدهما قبل الركوع من الركعة الأُولى، والآخر بعد الركوع من الركعة الثانية. ولا تقع صلاة الجمعة صحيحةً إلَّا إذا أُدّيَت بالشروط التالية:
شروط صلاة الجمعة(1)
(45) أوّلاً: أن تؤدّى جماعةً. وصلاة الجماعة: هي صلاة يشترك فيها عددٌ من المصلّين، ويكون أحدهم إماماً والباقون مأمومين، ويتابعونه في قيامه وركوعه وسجوده، وسيأتي تفصيل أحكامها.
وعلى هذا الأساس يجب أن يتوفّر في صلاة الجمعة – لكي تقع صحيحةً- كلّ ما هو شرط لصحّة صلاة الجماعة، على ما يأتي.
(46) ثانياً: أن لا يقلّ عدد المشتركين في جماعة الجمعة عن خمسةٍ
ــــــ[489]ـــــــ
(1) أي: شروط الواجب لا شروط الوجوب، بمعنى: أنَّه يجب إيجاد هذه الأُمور مع توفّر الوجوب، وهذا صحيح إلَّا أنَّه قد يكون الشرط الثاني الآتي – أعني عدد الخمسة- شرطاً للوجوب، بمعنى: أنَّه لو حصل لوجبت الصلاة ولو وجوباً تخييريّاً، وسيأتي تفصيله.
الفتاوى الواضحة ج1
أحدهم الإمام. فإن لم يتواجد إلَّا أربعة أو أقلّ، لم تصحّ منهم صلاة الجمعة، وصلّوا صلاة الظهر(1).
(47) ثالثاً: أن تسبقها خطبتان من قبل إمام صلاة الجمعة؛ وذلك بأن يقوم الإمام خطيباً، فيحمد الله ويثني عليه، ويوصي بتقوى الله، ويقرأ سورةً من الكتاب العزيز، وبعد ذلك يجلس قليلاً، ثُمَّ يقوم خطيباً مرّةً ثانية، فيحمد الله(2) ويثني عليه، ويصلّي على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى أئمّة المسلمين (عليهم السلام)، ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات. وبعد ذلك يبدأ بالصلاة.
ويجب على الإمام في الخطبتين أن يرفع صوته على نحوٍ يسمعه عدد من المأمومين.
ولا يجب أن يكون غير القرآن، من عناصر الخطبة، باللغة العربية وإن كان ذلك أحسن وأحوط استحباباً(3). وإذا كان المأمومون لا يفهمون اللغة
ــــــ[490]ـــــــ
(1) إذا كان قد نودي للصلاة فأصبحت واجباً عينيّاً ولم يجتمعوا، كانوا جميعاً آثمين. ولكن الأظهر صحّة صلاة الظهر منهم.
(2) هذا هو الاظهر من مضامين الخطبتين، مع إضافة الدعاء لنفسه وللمؤمنين قبل أو بعد الوصيّة لتقوى الله، وهو أيضاً الأحوط استحباباً، إلَّا أنَّه لو خالف قليلاً وخاصّة مع الغفلة عن بعض هذه الأُمور فلا بأس.
هذا وينبغي الالماع إلى أنَّ القيام فيها غير واجب، بل هو مستحبّ. وفي نظري أنَّه مستحبّ مؤكّد؛ لأنَّ فيه اظهاراً لهيبة الاسلام إذا كان الخطيب منطيقاً شجاعاً. والأفضل له أن يلبس قطعة من الكفن ولو فوق ثيابه، ويعتمد على سيف مصلت. وأمّا لبس الكفن الكامل فغير معقول.
(3) هذا غير معقول إذا كان المأمومون السامعون لا يفهمون اللغة العربيّة، بل الأحوط استحباباً بل مؤكّداً أن يتكلّم باللغة التي يفهمونها، ولكن يسقط بها الواجب وإن لم يفهموا.
الفتاوى الواضحة ج1
العربية، فعلى الإمام أن يعظهم باللغة(1) التي يفهمونها.
(48) رابعاً: أن لا تكون قد أُقيمت صلاة جمعة أُخرى في مكانٍ آخر قريبٍ من تلك الصلاة. ونريد بالمكان القريب هنا: ما كانت المسافة فيه بين المكانين أقلّ من فرسخ، وهو عبارة عن خمسة كيلومترات وخمسي الكيلومتر(2).
وفي حالة وجود صلاتي جمعةٍ على هذا النحو، تبطلان معاً إذا كان الابتداء بإحداهما في نفس وقت الابتداء بالأُخرى، وإذا كان الابتداء بإحداهما(3) بعد الإبتداء بالأُخرى بطلت الصلاة المتأخّرة فقط. ولكن إذا كانت إحدى الصلاتين باطلةً على أيّ حال- حتّى ولو كانت وحدها- لسبب من الأسباب، فلا تضرّ بالصلاة الأُخرى حينئذٍ، ويعتبر وجودها وعدمها سواء.
ــــــ[491]ـــــــ
(1) خصّص السيّد الوعظ للعدول عن اللغة العربيّة. والظاهر بل الأفضل أن يفهموا جميع ما قال؛ لأنَّ فيه آثاراً إيمانيّة جيّدة، حتّى آيات القرآن الكريم يتلوها أوّلاً بالعربيّة ثُمَّ يترجمها.
(2) أي: خمسة آلاف وأربعمئة متر. وينبغي الالتفات إلى أنَّ الفرسخ عبارة عن ثلاثة أميال، والميل عبارة عن أربعة آلاف ذراع بذراع اليد، وكلّ ذراع عبارة عن أربعة وعشرين إصبعاً من أصابع اليد.
فإذا اعتبرنا أنَّ طول الذراع 45 سم تماماً كانت النتيجة كما ذكر السيّد تماماً. ولكن المقدار الاعتيادي لعرض الأصبع هو 2سم (سنتيمين)، فنضرب اثنين في أربعة وعشرين فيكون مقدار الذراع ثمانية وأربعين سنتيماً وليس خمسة وأربعين. فإذا ضربناه بأربعة آلاف، كان الناتج ألفاً وتسعمائة وعشرين متراً، أي: كيلو مترين إلَّا ثمانين متراً. وسيأتي زيادة إيضاح في مسافة القصر، فراجع.
(3) أي: تكبيرة الإحرام للركعتين.
الفتاوى الواضحة ج1
وعلى هذا الأساس صحّ القول بأنَّ من شروط صلاة الجمعة: أن لا تسبقها ولا تقارنها في بدايتها صلاة جمعة أُخرى في مكان قريب بالمعنى المتقدّم للمكان القريب. ولكن إذا تقارنت صلاتا جمعة في مكانين متقاربين دون أن يعلم جماعة كلٍّ من الصلاتين بالصلاة الأُخرى وانتهتا في وقت واحد، فكلتا الصلاتين صحيحة. وكذلك إذا بدأت إحداهما بعد ابتداء الأُخرى بدون علم وانتهتا معاً في وقت واحد.
حكم صلاة الجمعة
(49) وتجب إقامة صلاة الجمعة وجوباً حتمياً(1) في حالة وجود سلطان عادل متمثّلا في الإمام، أو فيمن يمثّله.
ويراد بالسلطان العادل: الشخص أو الأشخاص الذين يمارسون السلطة فعلاً بصورة مشروعة، ويقيمون العدل بين الرعيّة. وهذا الحكم الأوّل لصلاة الجمعة يعبّر عنه بـ >الوجوب التعييني لإقامة صلاة الجمعة<.
(50) وأمّا في حالة عدم توفّر السلطان العادل فصلاة الجمعة واجبة أيضاً، ولكنّها تجب على وجه التخيير ابتداءً، وتجب على وجه الحتم انتهاءً؛
ــــــ[492]ـــــــ
(1) أي: عينيّاً على الأفراد الجامعين للشرائط الآتية في الكتاب. ووجوبها هذا صحيح مع النداء إليها من قبل الإمام المعصوم أو نائبه الخاصّ، بل – على الأحوط- مع الحاكم الشرعي الجامع للشرائط المبسوط اليد – أي: المسيطر على المجتمع- بحيث يكون من مصلحة الإسلام وجوب طاعته. وأمّا مع عدم وجود السلطان العادل بهذا المعنى أو مع عدم ندائه، أي: طلبه الحضور للصلاة، فهذا الوجوب يكون منتفياً. نعم، يبقى وجه آخر للوجوب سيأتي في الفقرة الآتية من الكتاب أو التي بعدها.
الفتاوى الواضحة ج1
وذلك أنَّ المكلّفين في هذه الحالة يجب عليهم أن يؤدّوا الفريضة في ظهر يوم الجمعة: إمّا بإقامة صلاة الجمعة جماعةً على نحو تتوفّر فيها الشروط السابقة، وإمّا بالإتيان بصلاة الظهر. وأيّهما أتى به المكلّف أجزأه وكفاه، غير أنَّ إقامة صلاة الجمعة أفضل وأكثر ثواباً، وهذا هو الحكم الثاني لصلاة الجمعة، ويعبَّر عنه بـ >الوجوب التخييريّ لإقامة صلاة الجمعة<.
(51) فإن اختار خمسة من المكلّفين إقامة صلاة الجمعة امتثالاً للحكم الثاني، وكان فيهم شخصٌ عادل يصلح أن يكون إمام جماعة، فقدّموه ليخطب بهم ويصلّي صلاة الجمعة، وأقاموها على هذا النحو(1)، وجب – على سبيل الحتم والتعيين- على المكلّفين عموماً(2) الحضور والاشتراك في صلاة الجمعة؛ لأنَّ إقامتها نداء لصلاة الجمعة(3). وإذا نودي لصلاة الجمعة، وجب السعي إلى ذكر الله، وهذا هو الحكم الثالث لصلاة الجمعة، ويعبّر عنه بـ >الوجوب التعييني لحضور صلاة الجمعة<.
(52) ويستثنى من الحكم الثالث مَن يلي:
1. مَن كان الحضور لصلاة الجمعة حرجاً ومشقّةً شديدةً عليه، أو سبباً للضرر.
ــــــ[493]ـــــــ
(1) المراد أنَّهم تهيؤوا تماماً لذلك، لا أنَّهم انتهوا من إقامتها.
(2) بما فيهم الخمسة الذين اجتمعوا أوّلاً، أي: لا يجوز لهم أن يتفرّقوا. والمراد من المكلّفين: مَن وجبت عليه صلاة الجمعة بالشرائط الآتية، لا كلّ المكلّفين بالتكاليف الشرعيّة.
(3) على الأحوط وجوباً. ومثله: لو أقامها السلطان العادل ولم يطلب شفاهاً أو لفظيّاً حضورها.
الفتاوى الواضحة ج1
2. الأعمى.
3. المريض(1).
4. المرأة.
5. الشيخ الكبير(2)، كالرجل الذي تجاوز السبعين.
6. المسافر سفراً يسوغ له التقصير في الصلاة (التقصير: هو أداء صلاة الظهر والعصر والعشاء ركعتين بدلاً عن أربع).
7. مَن كان يبعد عن مكان صلاة الجمعة بفرسخين – أي بعشرة كيلومترات وأربعة أخماس الكيلومتر(3)- فهؤلاء يعذرون في عدم الحضور، ولكنّهم إذا تكلّفوا وحضروا، صحّت منهم صلاة الجمعة.
ــــــ[494]ـــــــ
(1) إذا كان مرضه يُقعده عن الصلاة، لا مجرّد المرض.
(2) إن شعر الفرد بالشيخوخة والضعف مبكّراً، كما في الخامسة والستين أو حواليها، فهو ممّن تسقط عنه الجمعة، وإن لم يشعر بذلك حتّى السبعين لم تجب عليه بعد السبعين.
أقول: ويستثنى من وجوب صلاة الجمعة عناوين أُخرى لم يتعرّض لها في الكتاب:
أوّلاً: الطفل وإن كان مميّزاً.
ثانياً: المجنون، وهو الذي لا يدرك أوقات الصلاة أو وجوبها. ولو كان أدواريّاً يرجع إليه عقله أحياناً، وجبت عليه عند عقله.
ثالثاً: العبد المملوك.
فلو كان في الخمسة المجتمعين لإقامة الصلاة بعض هؤلاء، لم تجب صلاة الجمعة. والأحوط أنَّها لا تجزي إذا كان العدد لا يتمّ إلَّا بهم، بخلاف المريض والشيخ والأعمى وذي المشقّة.
(3) وعلى ما قلناه يكون الفرسخان أحد عشر كيلو متراً وخمس مائة وعشرين متراً، أي: حوالي نصف كيلو متر.
الفتاوى الواضحة ج1
والبعيد إذا جاء إلى مكان الصلاة، وجب عليه الاشتراك في صلاة الجمعة وصحّت صلاته.
(53) إذا نودي لصلاة الجمعة على النحو الذي ذكرناه، لم يسغ لكلّ من يجب عليه الحضور أن يتشاغل عن ذلك ببيع وتجارة، ونحو ذلك(1) ممّا هو معيق عن أداء هذه الفريضة، ولكن إذا لم يكن البيع معيقاً عن ذلك فلا بأس به، كما إذا أمكنه أن يبيع وهو في طريقه إلى الصلاة.
(54) كما لا يسوغ أيضاً لمن وجب عليه الحضور أن يسافر عند ظهر يوم الجمعة(2)، إلَّا إذا كان في سفره يمرّ على صلاة جمعة أُخرى صحيحة يمكنه الالتحاق بها والاشتراك فيها قبل أن يفوت وقت صلاة الجمعة، فإنَّ له في هذه الحالة أن يسافر عند الظهر، على أن يلتحق بالجمعة التي يمرّ بها في طريقه.
(55) وكما يجب حضور الصلاة وفقاً للحكم الثالث المتقدّم، كذلك يجب حضور الخطبتين والإصغاء عند الحضور(3) أيضاً. ولو تقاعس شخص عن السعي إلى صلاة الجمعة ففاتته الخطبة وأدرك الصلاة، صحّت منه.
(56) ووقت فريضة صلاة الجمعة يبدأ من أوّل الظهر. والجدير بالمقيمين لها – احتياطاً وحرصاً على ما هو المطلوب شرعاً – أن لا يؤخّروها عن الظهر (الزوال) مدّةً طويلة، فعليهم أن يؤدّوها قبل انتهاء الوقت(4)
ــــــ[495]ـــــــ
(1) أي: من المعاملات. ولا يبعد أن يكون كلّ فعل غير الصلاة محرّماً.
(2) بل الأحوط له أن لا يسافر منذ طلوع الشمس من يوم الجمعة، إلَّا بالاستثناء المشار إليه في الكتاب.
(3) أي: الإصغاء بمقدار الفهم المعتاد لا أكثر.
(4) بحيث تنتهي جميعها قبل انتهاء وقت الفضيلة. والأحوط أن يؤخذ بأقلّ تقديرات هذا الوقت وهو القدمين، أي: من أي جسم كما سبق.
ويجوز إيقاع الخطبتين قبل الزوال تركيزاً – بحسب فهمنا- لهذا المفهوم.
الفتاوى الواضحة ج1
المفضّل لصلاة الظهر في سائر الأيّام، بل في بدايات هذا الوقت، وقبل أن يمتدّ الظلّ الشرقي للجدار الواقع بين الشمال والجنوب بقدر اثنين من سبعة من ارتفاع ذلك الجدار.
ويسوغ تقديم الخطبتين على الزوال، ولكن لا يجوز الابتداء بالصلاة نفسها إلَّا بعد تحقّق الزوال.
(57) وإذا فاتت الإنسان صلاة الجمعة فلا يسمح له بإقامتها ثانيةً، حتّى ولو كان وقتها باقياً، بل يتعيّن عليه أن يأتي بصلاة الظهر.
ــــــ[496]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1

الفهرس
أبْحاث تَمهيديّة
موجز في أُصول الدين
مقدمة السيد مقتدى الصدر (أعزه الله)………………………………
مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر……………….1
تمهيد: 15
المرسِل: (الله سبحانه وتعالى) 19
الإيمان بالله تعالى 21
الاستدلال العِلميّ لإثبات الله تعالى 29
1. تحديد المنهج وخطواته 31
2. تقييم المنهج 33
كيف نطبّق المنهج لإثبات الصانع؟ 40
الخطوة الأُولى 41
الخطوة الثانية 45
الخطوة الثالثة 45
الخطوة الرابعة 46
الخطوة الخامسة 46
الدليل الفلسفي 51
نموذج من الدليل الفلسفي على إثبات الصانع 53
موقف المادية من هذا الدليل 58
ــــــ[497]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
صِفاتُ الله تعالى 64
عدله واستقامته 64
عدل الله تعالى يثبت الجزاء 65
الرسول: 67
تمهيد عن الظاهرة العامّة للنبوّة 69
إثبات نبوّة الرسول الأعظم محمّد’ 72
دور العوامل والمؤثّرات 84
الرسالة: 87
[خصائص الرسالة الإسلاميّة] 89
عِبَارات متكررة في الكتاب 95
مُقدّمة الطبعَة الأُولى
كيف نشأت الحاجة إلى الاجتهاد؟ 101
كيف نشأت الحاجة إلى التقليد؟ 102
حرمة التقليد في أُصول الدين 106
الاجتهاد والتقليد مبدآن مستمرّان 108
التركيز على العلماء في الشريعة 109
الرسالة العملية أهمّيتها وتطويرها 112
مصادر الفتوى 115
التقسيم في هذه الرسالة 116
التقليد والاجتهاد
[تمهيد] 121
ــــــ[498]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
الطرق الثلاث لطاعة الله 121
تعريف الطرق الثلاث 122
حكم من ترك الطرق الثلاث 123
التقليد: 124
في حالات موت المرجع 129
في حالات العدول 131
الاجتهاد: 135
الاحتياط 141
العدالة 143
التكليف وَشُروطه
شروط التكليف 152
البلوغ وعلاماته 156
آثار عامة للتكليف الشرعي 158
تقسيم الأحكام 161
القسم الأوّل
العبادات
أحكام عامّة للعبادات
أحكام عامة للعبادات 167
[تمييز العبادات عن التوصّليات:] 167
[تفصيل أحكام النيّة:] 169
[النيابة والاستئجار في العبادات:] 175
ــــــ[499]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
[تقسيم العبادات:] 178
الطهارة
أقسام الماء وأحكامه
تمهيد 185
[أقسام المياه] 186
الماء مطلقٌ أو مضاف 186
الماء المطلق كثير وقليل 190
حكم القليل والكثير 191
كيف يتنجّس الماء الكثير؟ 197
إذا تنجّس الماء فكيف يطهر؟ 200
[أحكام متفرّقة للماء] 203
تبخير الماء النجس 203
حكم الماء إذا تطهّر به الإنسان 203
حكم الشكّ والاشتباه 204
الوضوء
تمهيد 207
(1) الشروط 209
شروط ماء الوضوء 209
شروط المتوضّئ 212
شروط الوضوء 217
(2) الأجزاء 220
ــــــ[500]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
غسل الوجه 220
كيفية الغسل 222
غسل اليدين 224
مسح الرأس 227
مسح القدمين 230
(3) وضوء الجبيرة 232
حكم الحواجز الأُخرى 238
حكم المريض بدون جرح وكسر 239
حكم من كان بدنه متنجّساً بدون جرح 239
آثار وضوء الجبيرة وأحكامه 240
(4) في ما يجب الوضوء له ويستحبّ 243
أحكام المحدِث 244
(5) نواقض الوضوء 246
المبطون والمسلوس 248
(6) الخلل والشكّ في الوضوء 251
(7) سنن الوضوء 257
(8) قضاء الحاجة وأحكامها 258
الغُسل
أحكام عامّة للغسل 265
تمهيد 265
كيف يغتسل المكلّف؟ 267
ــــــ[501]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
الشروط 268
كيفية الغسل 269
صدور ما يوجب الوضوء في أثناء الغسل 271
صدور ما يوجب الغسل في أثناء الغسل 272
مسائل تتّصل بشرط الإباحة 273
غسل الجبيرة 273
حول أحكام الخلل في الغسل 274
غسل الجنابَة وأحكامها 278
سبب الجنابة 278
1. خروج المنيّ 278
2. الجماع 280
الحاجة إلى غسل الجنابة 282
حول أحكام الخلل 283
ما يحرم على الجُنب حتّى يغتسل 285
كيفية غسل الجنابة 288
غسل الحيض 290
أقسام دم المرأة 290
الشروط العامّة لدم الحيض 291
كيف تُميِّز المرأة دم الحيض؟ 294
إثباته على أساس الصفات 295
إثباته على أساس العادة 296
إثبات الحيض على أساس الصفات والعادة معاً 299
ــــــ[502]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
لا تنتج العادة على أساس الصفات 299
الحامل والعادة الشهرية 300
متى تغتسل الحائض؟ 301
إذا تجاوز الدم العشرة 303
إذا لم تستكمل العدد في وقتها 305
إذا نسيت ذات العادة موعدها 306
تجاوز الدم للعشرة على قسمين 311
تطبيقات وتكميلات 311
الحاجة إلى غسل الحيض 315
ما يحرم بالحيض 316
أحكام أُخرى بشأن الحائض 317
غسل الحيض وكيفيته 317
في المستحاضة وأحكامها 319
دم الاستحاضة 319
أقسام المستحاضة والصلاة 320
أحكام عامة لدم الاستحاضة 322
أحكام للوسطى والكبرى 325
في النفاس وأحكامه 327
في أحكام الأموات 332
الاحتضار 332
وجوب الغسل 333
ــــــ[503]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
مَن يجب تغسيله؟ 333
على من يجب التغسيل؟ 335
كيفية الغسل والتيمّم البديل 335
شروط الغسل 338
شروط المغَسِّل 338
الحنوط 342
الكفن 343
شروط الكفن 344
الصلاة 346
شروط الصلاة 347
كيفية الصلاة 347
أحكام تتعلّق بهذه الصلاة 348
صورة من صلاة الميّت 350
الدفن 351
مكان الدفن 353
أحكام عامّة للأموات وتجهيزهم 355
الغسل من مسّ الميّت 361
الأغسال المستحبّة 363
التيمّم
تمهيد 367
مسوّغات التيمّم 368
ــــــ[504]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
عدم تيسّر الماء 368
عدم تيسّر استعمال الماء 370
الصعيد الذي يتيمّم به 372
صورة التيمّم 374
شروط التيمّم 377
نواقض التيمّم 379
حول الخلل في التيمّم 381
أحكام التيمّم 382
أنواع النجاسات
[الأعيان النجسة:] 392
الأشياء المتنجّسة 406
أحكام الشكّ في السراية 413
أحكام تتعلّق بالنجاسة والطهارة منها 414
1. الطهارة شرط في الصلاة 414
3. استعمال النجس 419
4. بيع النجس 419
5. حرمة تنجيس المساجد 420
6. المصلّي في بعض النجاسات 422
أنواع المطهّرات
1. تطهيرُ الأعيان النجسة 431
2. تطهيرُ الأشياء المتنجِّسة 434
التطهير بالماء 434
ــــــ[505]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1
المطهّرات الأُخرى 441
كيف يثبت التطهير؟ 444
الصلاة
تمهيد: 449
أنواع الصلاة الواجبة 452
موجز عن صورة الصلاة عموماً 453
[الشروط العامّة في الصلاة:] 456
أنواع الصلاة
الباب الأوّل
في الصلوات اليومية
عرض: الصلوات اليوميّة ونوافلها 465
فريضة صلاة الفجر ونافلتها 467
فريضة صلاة الظهر ونافلتها 470
بديل صلاة الظهر 479
فريضة صلاة العصر ونافلتها 479
فريضة صلاة المغرب ونافلتها 482
فريضة صلاة العشاء ونافلتها 484
نافلة الليل 487
صلاة الجمعة 488
شروط صلاة الجمعة 489
حكم صلاة الجمعة 492
الفهرس 497
ــــــ[506]ـــــــ
الفتاوى الواضحة ج1