أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء

حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء

تأليف
آية الله العظمى
السيّد الشهيد محمّد الصدر

بإشراف
مقتدى بن السيد محمد الصدر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر(قدس سره)
النجف الأشرف


مقدمة السيد مقتدى الصدر (أعزه الله)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمّد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين.
لقد أحدث كتاب (فقه الفضاء) صرخة مدويّة في عالم الفقه والأُصول والمسائل المستحدثة، إن دلّت على شيءٍ إنَّما تدلّ على سعة إطلاع المرجع وغزارة علمه وانفتاح تصوّراته وعدم انغلاقه على المشهوريّات وما إلى ذلك، ممّا جعل الفقه متقوقعاً في بعض الأُمور دون بعضها الآخر.
فإنَّ السيّد الوالد وفي كتاب (فقه الفضاء) قد وسّع من دائرة الفقه الإمامي الشيعي، وخرج فيه عن تلكم القوقعات التي يميل إليها بعض الفقهاء لأسبابٍ شتّى، ولعلّ أوضحها عدم اندماجهم مع المعلومات الحديثة، على الرغم من أنَّ الفقه لابدَّ له من أن يكون شاملاً لكلِّ مناحي الحياة بلا استثناء.
ومن تلك الأُمور التي ينبغي للفقه أن يشملها: مسائل الفضاء والوجودات الخارجيّة- أعني: الخارجة عن الكرة الأرضيّة- فتجعل لكلّ المحتملات فقهاً وحكماً وفهماً وصورة واضحة جليّة غير قابلة للنقض.
وممّا زاد من أهميّة (فقه الفضاء) وفكرته، بل وممّا زاد من إثبات أعلميّته وقدرته الأُصوليّة والفقهيّة والاستدلاليّة: الخطوة الجبّارة التي بين يديك – أعني بها: حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء- فإنَّ الكثير من الفقهاء أو غيرهم كانوا يراهنون على وهميّة كتاب (فقه الفضاء) وأن لا واقع فقهي له على الإطلاق، ولا يمكن لأيّ فقيه الاستدلال على تلك الأحكام الرمزيّة والصوريّة غير الحقيقيّة.
ــــــ[5]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
حيث جاء (حكم القضاء) ردّاً على تلكم الأقوال التي إن دلّت على شيءٍ فإنَّما تدلّ على ضيق فهم البعض منهم، أو عدم إيمانه الراسخ بأنَّ الفقه وعلوم أهل البيت^ ليست لفترةٍ معيّنةٍ أو لزمنٍ معيّن أو لجهةٍ معيّنة أو لحياةٍ ضيّقة، بل هي شاملة لكلِّ شيءٍ بلا استثناء أبداً. بل الاستثناء أمر بلا مرجّح على الإطلاق، فليس علمهم^ ضيّقاً، ولا أُفقهم قصيراً إن جاز التعبير. بل يجب الإيمان باتّساع رقعة الأحكام لكلّ شيءٍ. وأكبر دليل لك هو (فقه الفضاء) و(حكم القضاء) الذي جعل من الفقيه الصورة الرائعة للتطوّر والحداثة العلميّة الشرعيّة، وصاحب أُفقٍ علميّ كبير يجاري به كلّ العلوم التي قد يعتبرها الآخرون غربيّة أو غريبة عن الإسلام.
وهو لم يكتفِ بسرد الأحكام، بل جعل لكلٍّ منها مدركاً وسنداً ودليلاً؛ لكي يكون كلّه طبقاً للنظم الفقهيّة والاجتهاديّة والحوزويّة التي لا مجال من خلالها لأيّ نقضٍ والحمد لله.
فهذا الكتاب هو الذي سيكون باباً جديداً لتجديد الفقه واتّساعه وعدم إغلاقه. وأنَّ إظهاره للنور إنَّما هو لنشر العلوم الحقّة لأهل البيت.
فجزى الله من خطّ هذا الكتاب بيده الشريفة، وأنار دربنا ودرب الفقهاء بكتابٍ عظيم.
والشكر موصول لهيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر التي أخرجته للنور. ولله الحمد أوّلاً وآخراً.

مقتدى الصدر
27/جمادى الآخرة/1433
ــــــ[6]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمةً للعالمين، محمّد المصطفى وعلى آله الطيّبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم إلى يوم الدين.
وبعد؛
كثيرة هي الكتب التي أُلّفت في الفقه وأُصوله. فمنذ بداية تاريخ الغيبة الصغرى وإلى الآن صدرت عن علمائنا آلاف الكتب والرسائل في هذا المجال.
نعم، قليلة هي التي احتلّت موقع الصدارة في المكتبة الإسلاميّة، كمؤلّفات الشيخ المفيد والسيّد المرتضى والشريف الرضيّ والشيخ الطوسي، حتّى وصلت النوبة إلى المدارس العظيمة المتأخّرة، كالشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني ومن تبعه من طلابه المحقّقين كالمحقّق النائيني ومدرسته. ومن ثَمَّ جاء الدور إلى المحقّق الكبير السيّد الشهيد الصدر الأوّل ومدرسته (قدّس الله أسرارهم أجمعين). فقد أثروا المكتبة الإسلاميّة بمؤلّفاتهم الثمينة، وشقّوا العلوم بجهودهم وجهادهم الكبيرين.
إنَّ كلّ منصفٍ متجرّد عندما يطّلع على هذا التراث الكبير والتركة العلميّة الفريدة، لابدَّ له من الخشوع أمام تلك الجهود الجبّارة، ولابدَّ له أن ينحني إجلالاً لعظمة مؤلّفيها؛ فقد جاءت هذه الآثار الكريمة ببركة جهودٍ
ــــــ[7]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
استثنائيّة.
وأنَّ من جملة آثار الأعلام المتأخّرين التي احتلّت هذا الموقع، وتصدّرت في الطليعة الأُولى لمؤلّفات الطائفة، هي آثار الحجّة الكبير أُستاذ الجيل وزعيم الحوزة العلويّة آية الله العظمى السيّد الشهيد السعيد محمّد الصدر (أعلى الله مقامه الشريف).
لقد كان ومنذ صباه متميّزاً عن أقرانه بكثرة جدّيّته ومتابعته وتأليفه، حيث إنَّه بدأ بالتأليف وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره المبارك. وهكذا شقّ هذا المضمار وتميّز قلمه وانفردت مؤلّفاته وتصانيفه من ذلك الحين.
هذا الكتاب حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء هو مبانٍ لكتابه الفتوائي الموسوم بـ(فقه الفضاء). وهو من ثمرة تلك الجهود الاستثنائيّة التي تميّز بها.
ولذلك ارتأينا أن يخرج للنور بعد أن كان في طيّات مخطوطاته الثمينة.
* * * *
ــــــ[8]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
موجز عن حياة آية الله العظمى
السيد الشهيد محمّد الصدر
نسبه الشريف
يرجع نسب السيّد الشهيد محمّد الصدر إلى الإمام موسى بن جعفر× في سلسلةٍ نسبيّةٍ قليلة النظير في صحّتها ووضوحها وتواترها، حتّى وصفت بـ(السلسلة الذهبيّة) لما فيها من رجالاتٍ عرفوا بالزعامة والسيادة، ولعلّ هذه المزيّة قد انفردت بها هذه العائلة الكريمة؛ حيث إنَّها من لدن المعصومين عليهم الصلاة والسلام وحتّى الآن في كلّ جيل منهم هو سيّد جيله والمعترف له بالعلم والفضل والزعامة في عصره؛ فهو (1)محمّد بن (2)محمّد صادق بن (3)محمّد مهدي بن (4) إسماعيل بن (5) محمّد صدر الدين بن (6) صالح بن (7) محمّد بن (8) إبراهيم شرف الدين بن (9) زين العابدين إبراهيم بن (10) نور الدين علي بن (11) علي نور الدين بن (12) الحسين عزّ الدين بن (13) محمّد بن (14) الحسين بن (15) علي بن (16) محمّد بن (17) عبّاس تاج الدين أبي الحسن بن (18) محمّد شمس الدين بن (19) عبد الله جلال الدين بن (20) أحمد بن (21) حمزة أبي الفوارس بن (22) سعد الله أبي محمّد بن (23) حمزة القصير أبي أحمد بن (24) محمّد أبي السعادات بن (25) عبد الله أبي محمّد بن (26) محمّد الحارث أبي الحرث بن (27) علي ابن الديلميّة أبي الحسن بن (28) عبد الله أبي طاهر بن (29) محمّد المحدّث أبي الحسن بن (30) طاهر أبي
ــــــ[9]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الطيّب بن (31) الحسين القطعي بن (32) موسى أبي سبحة بن (33) إبراهيم المرتضى الأصغر ابن (34) الإمام موسى الكاظم× ابن (35) الإمام جعفر الصادق× ابن (36) الإمام محمّد الباقر× ابن (37) الإمام علي زين العابدين× ابن (38) الإمام الحسين الشهيد× ابن (39) الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب×.
ولادته ونشأته
ولد في السابع عشر من ربيع الأوّل عام 1362 هـ .ق، أي: يوم المولد النبوي الشريف.
عاش في كنف جدّه لأُمّه آية الله العظمى الشيخ محمّد رضا آل ياسين، وهو من المراجع المشهورين آنذاك، وقد زامنت فترة مرجعيّته مرجعيّة السيّد أبي الحسن الأصفهاني، ليعود المرجع الأعلى بعد رحيله.
ومن الجدير بالذكر أنَّ أباه السيّد الحجّة محمّد صادق الصدر لم يرزق ولداً بعد زواجه، حتّى اتّفق أن ذهب مع زوجته إلى بيت الله الحرام، وعندما تشرّفا بزيارة قبر النبي’ دَعَوَا ربّهما أن يرزقهما ولداً صالحاً يسمّيانه (محمّد)، فكان أن مَنّ الله تعالى شأنه عليهما بعد فترةٍ يسيرةٍ بهذا المولود المبارك في يوم ولادة جدّه المصطفى’، فكان الولد الوحيد لهما.
نشأ سماحته في بيت علمٍ وفضلٍ، وزقّ العلم منذ صباه بواسطة والده الحجّة. وقد كان لنشأته وتربيته الدينيّة انعكاسٌ في خُلُقه الرفيع وسماحته وبشاشته وصدره الرحب، فكان قلبه – بعد تسنّمه المرجعيّة العامّة- يستوعب كلّ ما يُطرح عليه من أسئلة وشبهات دون أيّما شعور بالحرج أو الخجل أو التردّد. وليس هذا بعجيب؛ إذ ليست نفسه الشريفة
ــــــ[10]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
إلَّا {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}(1).
تزوّج من بنت عمّه السيّد الحجّة محمّد جعفر الصدر، ورُزق بأربعة أولاد، هم: السيّد مصطفى، والسيّد مرتضى، والسيّد مؤمّل، والسيّد مقتدى، وقد تزوّج ثلاثة منهم من بنات السيّد الشهيد الصدر الأوّل، وله بنتان تزوّجنَ من ابنَي السيّد الحجّة محمّد كلانتر.
نشأته العلمية
بدأ الدرس الحوزوي في سنٍّ مبكّرةٍ، حيث كان ذلك في سنة 1373 هـ، وقد ارتدى الزيّ الحوزوي وهو ابن إحدى عشرة سنة، مبتدئاً بدراسة النحو والمنطق والفقه وغير ذلك من دروس المقدّمات على يد والده الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر، ثمَّ على يد السيّد طالب الرفاعي، ثمَّ على يد الشيخ حسن طرّاد العاملي، وأكمل بقيّة دروسه على يد السيّد الحجّة محمّد تقي الحكيم والحجّة الشيخ محمّد تقي الإيرواني.
دخل كلّيّة الفقه سنة 1379هـ . دارساً على يد ألمع أساتذتها، فدرس:
1. الفلسفة الإلهيّة على يد آية الله الشيخ محمّد رضا المظفّر.
2. الأُصول والفقه المقارن على يد آية الله السيّد محمّد تقي الحكيم.
3. الفقه على يد الحجّة الشيخ محمّد تقي الإيرواني.
4. علوم اللغة العربيّة على يد الحجّة الشيخ عبد المهدي مطر.
كما أفاد من بعض الأساتذة من ذوي الاختصاصات والدراسات غير
ــــــ[11]ـــــــ
(1) سورة إبراهيم، الآية: 24.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الحوزويّة: كالسيّد عبد الوهّاب الكربلائي مدرِّس اللغة الإنجليزيّة، حيث كان سماحته أفضل طلاب صفّه في هذا المجال، والدكتور حاتم الكعبي في علم النفس، والدكتور فاضل حسين في التاريخ، وكذا درس الرياضيات في الكلّيّة نفسها حيث كان من المتميّزين فيه.
تخرّج من كلّيّة الفقه سنة 1383 هـ . ضمن الدفعة الأُولى من خرِّيجي كلّيّة الفقه.
ثُمَّ دخل مرحلة السطوح العليا، فدرس كتاب الكفاية على يد أُستاذه السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر، وكتاب المكاسب على يد السيّد محمّد تقي الحكيم. وقد كان لدراسته عند هذين العلمين الأثر الأكبر في صقل شخصيته العلمائية ونموّ موهبته العلميّة التي شهد له بها أساتذته أنفسهم، ثمَّ أكمل دراسة كتاب المكاسب عند الشيخ الحجّة صدر البادكوبي، الذي كان من مبرَّزي الحوزة وفضلائها.
ثمَّ حضر دروس البحث الخارج عند جملة من أعلام النجف الأشرف، وهم:
1. آية الله العظمى السيّد الشهيد السعيد محمّد باقر الصدر فقهاً وأُصولاً.
2. آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي فقهاً وأُصولاً.
3. آية الله العظمى السيّد روح الله الموسوي الخميني فقهاً.
4. آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم فقهاً.
5. آية الله الحجّة السيّد إسماعيل الصدر فقهاً.
ولابدَّ لنا أن نذكر إلى جانب مسيرته العلميّة وأساتذته في هذا المجال
ــــــ[12]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
مسيرتَه في طريق المعرفة الإلهيّة والعلوم الأخلاقيّة، حيث تلقّى المعارف الإلهيّة الحقّة على يد أُستاذه الكبير الحاجّ عبد الزهراء الكرعاوي (رضوان الله عليه)، الذي كان من تلامذة العارف الكبير الشيخ محمّد جواد الأنصاري الهمداني وكان هذا الجانب واضحاً جدّاً في شخصيّة المترجم له، بل طغى هذا الجانب على أكثر تصانيفه ودروسه الثمينة، فراجع وتفطّن.
ثُمَّ إنَّ ممّا يدلّ على نبوغه وتقدّمه العلمي أمرين:
الأوّل: اطّلاعه على آراء أربعة من أشهر المجتهدين في ذلك الوقت، وهم السيّد الشهيد الصدر الأوّل والسيّد الخوئي والسيّد الخميني والسيّد الحكيم (قدّس الله أسرارهم أجمعين). وهذا الاطّلاع الذي حصل له من خلال حضور أبحاثهم ودروسهم الشريفة أدّى بطبيعة الحال إلى نموّ وتطوّر المستوى العلمي له بوضوحٍ.
الثاني: تميّز أُستاذه السيّد الشهيد الصدر الأوّل بالإبداع والتجديد في الأُصول، وهذا يعني أنَّه قد أفاد – بلا شكٍّ – من هذا التجديد والإبداع.
وبلحاظ هاتين النقطتين يمكن لنا الحكم ابتداءً بألمعيّته وغزارة علمه، بل وأعلميّته على أقرانه، فقد شهد له بذلك كلّ من حضر دروسه من الفضلاء والأعلام، لا سيّما درسه في الأُصول؛ إذ أصبح آنذاك الدرس الرئيس في حوزة النجف الأشرف.
من مميّزات تقريراته لأبحاث أساتذته
كان غاية بالجدّ والاجتهاد في حضوره أبحاث أساتذته؛ حيث كان معروفاً عند أقرانه بتميّزه لكتابة تلك الأبحاث، فلم يكن يترك شاردة
ــــــ[13]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وواردة إلَّا وسجّلها، سواء كان ذلك إشكالاً له أم لغيره في داخل الدرس وخارجه، حتّى أنَّه أثبت تأخّر الأُستاذ عن الدرس أو غيابه، ومن تلك المميّزات أيضاً:
• حضوره المتواصل وعدم انقطاعه عن الحضور، ما أنتج استيعاب كتاباته لتلك الأبحاث.
• جامعيّة ما كتبه لأبحاث أساتذته، وهذه المزيّة تفتقدها أكثر كتابات زملائه.
• كان أغلب زملائه يستعينون بكتاباته؛ حيث كان جملة منهم كثير السفر والانقطاع، حتّى أنَّ أحد التلامذة كان جديد العهد في حضوره عند السيّد الشهيد الصدر الأوّل ولم يدرك درس الأُستاذ إلَّا قليلاً، فأخذ من كتابات السيّد الشهيد الصدر الثاني قرابة ألف وثمانمائة صفحة. وهذه المزيّة قلّما تُوجد عند الآخرين، فهي تعبّر عن نفسٍ طيّبةٍ همّها خدمة الشريعة سواء كان عن طريق نفسها أم كان عن طريق الآخرين.
نعم، إنَّ جملة من أبحاث أُصول السيّد الصدر الأوّل لم نعثر عليها، وأغلب الظنّ أنَّ ذلك كان للسبب المذكور، أي: بسبب إعارته الآخرين كتاباته.
إجازته في الرواية
أمّا إجازته في الرواية فله إجازات من عدّة مشايخ، أعلاها من الملاّ محسن الطهراني الشهير بـ(آغا بزرگ الطهراني) عن أعلى مشايخه، أي: الميرزا حسين النوري صاحب كتاب >مستدرك الوسائل<.
ــــــ[14]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
ومنهم أيضاً والده الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر، وخاله الشيخ مرتضى آل ياسين، وابن عمّه السيّد آقا حسين خادم الشريعة، والسيّد رضا الصدر، والسيّد عبد الرزّاق المقرّم، والسيّد حسن الخرسان، والسيّد عبد الأعلى السبزواري والدكتور حسين علي محفوظ&.
اجتهاده
أُجيز بالاجتهاد من قِبَل أُستاذه السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر في سنة 1398 هـ .ق (وكان عمره آنذاك 36 سنة)، حيث اتّفق أنَّ جملة من الفضلاء طلبوا من السيّد الشهيد محمّد الصدر أن يباحثهم على مستوى أبحاث الخارج، وقد سألوا السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر عن ذلك، فبارك لهم وشجّعهم عليه، وذكر لهم تمام الأهليّة للسيّد محمّد الصدر، وقد اتّفقوا على أن تكون مادّة البحث في الفقه الاستدلالي كتاب >المختصر النافع< للمحقّق الحلّي؛ لأنَّه يمثّل دورة فقهيّة كاملة ومختصرة في الوقت نفسه، وكان مكان الدرس آنذاك مسجد الشيخ الطوسي، وقد استمرّ الدرس قرابة أربعة أشهر، وقد أدّت صعوبة الظروف حينها إلى انقطاع البحث وتفرّق الطلاب.
ثمَّ بتسديد الله وعونه عاد سيّدنا الشهيد إلى إلقاء البحث الفقهي بعد سنوات عدّة في جامعة النجف الدينيّة على متن كتاب >المختصر النافع< أيضاً، ثُمَّ توقّف الدرس، على أثر أحداث الانتفاضة الشعبانيّة ليعود بعدها لإلقاء دروسه المباركة في مسجد الرأس الملاصق للحرم العلويّ المقدّس، واستمرّ بحثه إلى آخر يومٍ من عمره الشريف. وكان يلقي في هذا المسجد
ــــــ[15]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
أبحاثه في كلّ يوم كالتالي:
أوّلاً: البحث الفقهي صباحاً.
ثانياً: البحث الأُصولي عصراً.
ثالثاً: إلقاء محاضرات تاريخيّة وأخلاقيّة وعقائديّة.
رابعاً: دروس في شرح كفاية الأُصول.
خامساً: الدروس القرآنية في يومي الخميس والجمعة من كلّ أُسبوعٍ.
وممّا تتميّز به هذه المحاضرات – أي: الدروس القرآنيّة- روح التجدّد والجُرأة في نقد الآراء وتفنيدها، كما اتّخذ سيّدنا أُسلوباً مغايراً لأُسلوب سائر المفسّرين في تفسير القرآن الكريم؛ إذ إنَّهم كانوا يبدؤون بتفسير القرآن الكريم من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، إلَّا أنَّه شرع تفسيره من سورة الناس رجوعاً إلى باقي السور القرآنيّة المباركة، وهو منهجٌ في البحث لم يسبق إليه سابقٌ. وله في اتّخاذ هذا المنهج رأيٌ سديدٌ طرحه في بداية البحث، فقال موضّحاً السبب في ذلك: >سيجد القارئ الكريم أنَّني بدأت من المصحف بنهايته، وجعلت التعرّض إلى سور القرآن بالعكس.
فإنَّ هذا ممّا التزمته في كتابي هذا نتيجة لعاملين نفسي وعقلي: أمّا العامل النفسي: فهو تقديم الطرافة في الأسلوب وترك التقليد للأُمور التقليديّة المشهورة، فيما يمكن ترك التقليد فيه.
وأمّا العامل العقلي فلأنَّ التفاسير العامّة كلّها تبدأ من أوّل القرآن الكريم طبعاً، فتكون أكثر مطالبها وأفكارها قد سردته فعلاً في حوالي النصف الأوّل من القرآن الكريم، وأمّا في النصف الثاني فلا يوجد غالباً إلَّا التحويل على ما سبق أن ذكره المؤلّف؛ الأمر الذي ينتج أن يقع الكلام في
ــــــ[16]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
النصف [الثاني] من القرآن مختصراً ومقتضباً، ممّا يعطي انطباعاً لطبقة من الناس أنَّه أقلّ أهمّيّة أو أنَّه أقلّ في المضمون والمعنى ونحو ذلك.
في حين إنَّنا لو عكسنا الأمر فبدأنا من الأخير، لاستطعنا إشباع البحث في السور القصيرة، وتفصيل ما اختصره الآخرون، ورفع الاشتباه المشار إليه. فإن لم نكن بمنهجنا قد استنتجنا أكثر من هذه الفائدة لكفى<(1).
فاتّخذ سيّدنا هذا المنهج من باب سدّ النقص الذي يُحتمل الوقوع فيه بملاك ما تقدّم، ولغرض إشباع آخر للقرآن بحثاً ودفاعاً، ولأجل سدّ الفراغ الموجود.
من أقوال العلماء في حقّه
قال المفكّر الإسلامي الكبير آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر عند تقديمه لكتاب (موسوعة الإمام المهدي#) للشهيد الصدر الثاني: >… وسأقتصر على هذا الموجز من الأفكار تاركاً التوسّع فيها وما يرتبط بها من تفاصيل إلى الكتاب القيِّم الذي أمامنا، فإنَّنا بين يدي موسوعةٍ جليلةٍ في الإمام المهدي‏، وضعها أحد أولادنا وتلامذتنا الأعزّاء، وهو العلّامة البحّاثة السيّد محمّد الصدر حفظه الله تعالى، وهي موسوعة لم يسبق لها نظير في تأريخ التصنيف الشيعي حول المهدي# في إحاطتها وشمولها لقضيّة الإمام المنتظر من كلّ جوانبها، وفيها من سعة الأُفق وطول النفس العلمي واستيعاب الكثير من النكات واللفتات، ما يعبِّر عن الجهود الجليلة التي بذلها المؤلّف في إنجاز هذه الموسوعة الفريدة.
ــــــ[17]ـــــــ
(1) منّة المنان في الدفاع عن القرآن:1، ص 19، المقدّمة.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وإنّي لأحسّ بالسعادة وأنا أشعر بما تملؤه هذه الموسوعة من فراغ، وما تعبِّر عنه من فضل ونباهةٍ وألمعيّة. وأسأل المولى سبحانه وتعالى أن يقرّ عيني به ويريني فيه عَلَماً من أعلام الدين…<(1).
وقال والده آية الله الحجّة المقدّس السيّد محمّد صادق الصدر في حقّه: >… وإنَّ من نعم الله وآلائه على هذا العبد الفقير إلى عفوه وصفحه أن رزقني من الأولاد واحداً كألف، وبه يحفظ الله لنا هذه السلسلة الذهبيّة أن تفقد بعض حلقاتها، وبه تحتفظ السلسلة بكامل نضارتها وهيبتها وجميل هيأتها. ولد حفظه الله في السنة الثانية والستّين بعد الألف والثلاثمائة في ضحى يوم عيد مولد النبيّ الأعظم’ وبهذه المناسبة سميّته محمّداً. نشأ والحمد لله نشأة حسنة تحت ظلّ جدّه شيخنا آية الله العظمى مرجع عصره الشيخ محمّد رضا آل يس رضوان الله عليه، فلمّا تقلّص ظلّ الشيخ عنّا في سنة 1370هـ كان لا يزال ولدي طفلاً في الثامنة. فاشتغل في تعلّم مبادئ القراءة والكتابة والقرآن الكريم، ثمَّ اشتغل بمقدّمات العلوم فأتمّها، وبعدها درس السطوح فأتقنها. وهو في الوقت الحاضر يحضر دروس الخارج على العلماء الأعلام وآيات الله العظام، وقد دنا من الاجتهاد قاب قوسين أو أدنى إن لم يكن قد لمسه باليسرى واليمنى. وزيادةً على ذلك حصّل من العلوم ما هو خارج عن دائرة اختصاص المجتهدين، وألمّ إلمامة بسيطة بلغةٍ أجنبيّة، وقد أحاط كلّ ذلك بالتقوى والعفاف والطهر. فشكراً لله إن كان الشكر يفي ويكفي … وهذا ولدي العالم الفاضل التقيّ النقيّ
ــــــ[18]ـــــــ
(1) كان ذلك بتاريخ: 17/6/1397هـ، أي: في سنة: 1967م. أُنظر: موسوعة الإمام المهدي 1: 50.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
المؤلّف المجيد والشاعر الناثر محمّد الصدر… ولا أراني بحاجةٍ إلى نصحه ووعظه؛ فإنَّه مستغنٍ عن ذلك بل هو الذي يجب أن ينصح ويعظ الناس، وهنا يأتي المثل المشهور: ما المسؤول بأعلم من السائل، فقد رضع درّ الدين وتربّى في حجر الدين، والمأمول منه أن يصرف همّه وهمّته إلى نصرة الدين…<(1).
وقال آية الله العظمى الشيخ آغا بزرك الطهراني في إجازته إيّاه بالرواية: >فإنَّ الفاضل الكامل البارع الباهر المحقّق المصنّف الماهر ثقة الإسلام وعماد الأعلام وسلالة الفقهاء الفخام مولانا الممجّد جناب السيّد محمّد نجل العالم الجليل السيّد محمّد صادق بن العلّامة الأجل السيّد محمّد مهدي الصدر ابن آية الله العظمى السيّد إسماعيل الصدر الموسوي العاملي الكاظمي طاب ثراه وجعل الجنّة مثواه ووفّق حفيده المذكور لإنجاز ما رغب فيه من الخدمة لدين الإسلام الحنيف وإبلاغ أُصوله وفروعه إلى الخاصّ والعامّ والوضيع والشريف…<(2).
وقال العلّامة الحجّة السيّد عبد الرزاق المقرم في إجازته إيّاه بالرواية: >… فإنَّ العلّامة البارع في فنون المعارف الإلهيّة والباحث عن مخبّئات حقايق الشريعة وآدابها السيّد محمّد نجل حجّة الإسلام التقي الورع السيّد محمّد صادق آل آية الله السيّد إسماعيل الصدر نوّر الله ضريحه، لما عرف من قدر العلم وقدر مساعي أعلام الأُمّة فأخذ بسيرتهم واستضاء
ــــــ[19]ـــــــ
(1) كان ذلك بتاريخ: 17/ 6/ 1387هـ، أي: في سنة: 1967م. مخطوط.
(2) كان ذلك بتاريخ: 10/ جمادى الثانية/ 1387هـ، أي: في سنة: 1967م. مخطوط.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
بأنوار تعاليمهم…<(1).
وقال آية الله السيّد رضا الصدر: >قرّة عيوننا المفدّى وكعبة آمالنا المرجّى، ركن التقى وحصن الهدى ملاذ الإسلام وكهفه، وقدوة المتّقين حبيبنا محمّد من آل الصدر حفظه الله بقدرته التي لا تضام، ورعاه بعينه التي لا تنام… قرأت كتابك العزيز فشممت من خلال سطوره رائحة التقوى والعلم، ولقيني منه روح الفضل والصدق، والفضائل النفسيّة والفواضل الإنسانيّة مزيّنة بالهمّة والجدّ والعمل. أسأله تعالى أن يوفّقكم لخدمة الإسلام وأن يجعلكم شرفاً لنا وفخراً، آمين يا ربّ العالمين…<(2).
صفاته وسجاياه
لقد شهد لسيّدنا الشهيد جمعٌ غفيرٌ ممّن عرفوه منذ صباه بالتواضع ووضوح الشخصيّة، علاوةً على اتّصافه بسرعة البديهة في الإجابة على الأسئلة الفقهيّة والعلميّة والفكريّة.
وبالاقتراب منه يتّضح سلوكه العرفاني الذي يحاول إخفاءه قدر الإمكان، وكثيراً ما كان يؤكّد في عباراته على لزوم اليقظة، والحذر من الوقوع في الانحراف وعدم الاستقامة وعدم اتّباع خطّ أهل البيت^، مؤكّداً في ذلك على جانب الإخلاص مع الله في القول والفعل. لذا نجده لم يكن يرضى أن تقبّل يده، معلّلاً ذلك بقوله: أنت تدخل الجنّة وأنا أدخل النار؟! أي: تدخل الجنة؛ لأنَّك تفعل ذلك قربةً إلى الله، وأنا أدخل النار؛
ــــــ[20]ـــــــ
(1) كان ذلك بتاريخ: 19/ جمادى الثانية/ 1387هـ ، أي: في سنة: 1967م. مخطوط.
(2) لم يثبّت فيها التاريخ، وأغلب الظنّ أنَّها قبل سنة 1390هـ . مخطوط.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
لاحتمال حصول الكبر بتقبيل اليد.
وتراه يجيب عن بعض المسائل جواباً ناشئاً من أعلى مراتب التقوى قائلاً: بحسب القاعدة حلال، لكن إن كنت تحبّ الله وتحبّ أن تكون ورعاً، فلا تفعل ذلك.
ثُمَّ إنَّه يستشفّ أحياناً من بعض إجاباته لسائليه أسرار ما خفي من المعرفة الإلهيّة، حيث يحجب في كثير من الأحيان الإجابة قائلاً: هذا من الأسرار؛ رأفةً بالسائل أن لا يتحمّل الجواب، وهكذا كان الاقتراب منه يكشف عن بعض الآفاق المعنويّة والعرفانيّة التي كان عليها، وما خفي أعظم.
وقد امتاز بالأمانة العلميّة، كما اتّفق بعض الأحيان – وإن كان نادراً- تأخّره عن بحث أساتذته، ممّا يضطّره إلى أخذ ما فاته من البحث من زملائه، إلَّا أنَّه كان يشير إلى ذلك مع أنَّ ما أفاده منهم لا يتجاوز الصفحة الواحدة، بالإضافة إلى أنَّه كان يقرّر حسب فهمه الخاصّ لتلك الدروس والبحوث، إلَّا أنَّه كان يأبى إلَّا أن يذكر أصحاب تلك الأقوال التي يوردها، وهو قلّما نلحظه عند الآخرين، فراجع وتبصّر.
مرجعيّته الصالحة وقيادة الأُمّة
لا نبالغ إذا قلنا: إنَّ سيّدنا الشهيد محمّد الصدر ومرجعيّته أسّست حصناً رفيعاً للإسلام، وقلعة شامخة للمسلمين، وملاذاً للأُمّة الإسلاميّة في العالم الإسلامي.
إنَّ المرجعيّة الدينيّة كانت على وشك الزوال والفناء في النجف الأشرف بسبب ظروف وأوضاع العراق الرهيبة، ووجود نظام جعل جُلّ
ــــــ[21]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
همّه القضاء على شخصيّات المذهب الجعفري، ولم يبق منها إلَّا صُبابة لا تروي من ظمأٍ، ولم يكن هناك من حَلٍّ حقيقي لمعالجة هذا الوضع المعقّد إلَّا تصدّيه؛ لأنَّه أفضل علاج ناجع لأخطر قضيّة عرفتْها المرجعيّة، برغم معرفته التامّة بما ستقدم عليه السلطة الحاكمة في بغداد من إجراءات؛ إثر الإصلاحات التي قام بها في المجتمع العراقي والحوزوي على وجه الخصوص، والتي كانت تخرج منه على شكل تصريحات بين الحين والآخر.
كما أنَّ تصدّيه سدّ الطريق على المتطفّلين الذين يتربّصون الدوائر ويتحيّنون الفرص لاستغلال المناصب الربّانيّة لمصالحهم الخاصّة، حتّى لو أدّى ذلك إلى الإضرار بالإسلام وقيمه السامية ورموزه المقدّسة.
ويجب أن نعرف أنَّ للمرجع الديني مقوّمات أساسية: منها: الأهليّة واللياقة والخبرة والقدرة على التفاعل مع الأُمّة بالمستوى الذي تترقّبه منه، فضلاً عن الاجتهاد الذي هو شرطٌ ضروري لعمليّة التصدّي. ولكن يجب أن نشير إلى أنَّ شرط الاجتهاد وحده ليس كافياً للتصدّي، بل يجب تَوفّر الشروط الأُخرى التي ذكرناها، ولعلّ عدم توفّرها يجعل تلك المرجعيّة وَبَالاً على الإسلام والمسلمين. ولا نقول ذلك اعتباطاً؛ فإنَّ تأريخ المرجعيّة شاهد صدقٍ على صحّة ذلك؛ إذ إنَّ الساحة قد شهدت وعلى امتداد التاريخ نماذج كان عدم تصدّيهم أنفع للإسلام وأصلح للمسلمين.
كما كان تصدّيه يمثّل امتداداً للخطّ المرجعي الصحيح الذي كان يجب أنْ يبقى وأنْ يستمّر؛ لأنَّه مدرسة خاصّة لا في العمق العلمي – الفقهي والأُصولي والمعرفي- فقط، بل وفي الفهم الصحيح للمقام المرجعي وما يتطلّبه ويقتضيه.
ــــــ[22]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
إنَّ المرجعيّة بذاتها ليست هدفاً، وإنَّما هي امتداد لخطّ ومدرسة أهل البيت، وما يجب أن يرشح عن هذا الفهم من أدوارٍ ومسؤوليّاتٍ كبيرةٍ وأهدافٍ ساميةٍ.
ولا نتخطّى الحقيقة إذا ما قلنا: إنَّ مرجعيّة سيّدنا الصدر الثاني جاءت لتلبّي حاجات الأُمّة الدينيّة والعلميّة والثقافيّة؛ وذلك لأنَّه لم يكن فقيهاً محدود الأبعاد بما اعتاد العلماء دراسته والتعمّق فيه من علوم فقهيّة وأُصوليّة فقط، بل تميّز بالشمول والتنوّع في مختلف آفاق المعرفة التي تحتاجها الأُمّة، ولا سيّما تجاه الطبقة الرشيدة المثقّفة.
إنَّ تصانيفه المتنوّعة تكشف لنا عن مدى اطّلاعه الواسع وثقافته العميقة من جانبٍ، وعن وعيه الكبير لحاجات الأُمّة الفكريّة والروحيّة والأخلاقيّة من جانبٍ آخر.
ولعلّ هذه الميزة التي اتّسمت بها شخصيّته العلميّة والقياديّة إحدى المحفّزات التي جعلت الأُمّة تلتفّ حوله وتسير تحت رايته.
وسعى شهيدنا السعيد في ظلّ تصدّيه للمرجعيّة إلى الحفاظ على الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، بعد أن تفكّكت وآذنت بخطرٍ كبيرٍ على حاضرها ومستقبلها، فرمّم ما قد تلف، وبنى ما دعت الحاجة إليه، مع أنَّه قد لا يدرك أهمّيّة عمله العظيم مَن لم يعاصر أو يعايش تلك الظروف والأوضاع القاسية، إلَّا أنَّ ما قام به وما بذله من جهود جبّارة لأجل حماية هذا الكيان الكبير وإمداده بالحياة والحيويّة كان مشهوداً وملحوظاً عند الجميع، فلولاه لَمَا كان للحوزة العلميّة في النجف الأشرف إلَّا وجودٌ هامشيٌ لا قيمة له.
ــــــ[23]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
ومن خطواته الكبيرة إرسال العلماء والفضلاء إلى أنحاء العراق كافّة لممارسة مهامّهم الثقافيّة والتبليغيّة، وتلبية حاجات الأُمّة المختلفة. وعلى هذا الأساس شهدت الساحة حركةً لا سابقة لها في هذا المجال، رغم الصعاب الكبيرة التي تواجه المراجع في أمثال هذه الأُمور، إلَّا أنَّه استطاع – وبفترة زمنية قياسيّة – ملء شواغر وفراغات هائلة لم يكن بالإمكان سدّها من دون تصدّيه للمرجعيّة.
كما نلحظ أنَّه حرص على انتقاء النماذج الصالحة من العلماء والمبلّغين الذين يمثّلون القدوة الطيّبة، ليمثّلوا المرجعيّة الدينيّة بما تعنيه من قيمٍ وآمالٍ، وتجنّب إرسال مَن لا يتمتّع باللياقة، وحرص كلّ الحرص على سلوك هذا المنهج رغم ما يسبّبه ذلك من مشاكل وإحراجاتٍ كبيرةٍ.
كما سعى إلى تربية طلاب الحوزة العلميّة في النجف الأشرف تربية إسلاميّة نقيّة، موفّراً لهم كلّ ما هو ممكن من الأسباب المادّيّة والمعنويّة التي تتيح لهم جوّاً دراسيّاً مناسباً يمكنهم به تخطّي المراحل الدراسيّة بصورة طبيعيّة.
فبالإضافة إلى تلبية احتياجاتهم المادّيّة المختلفة كانت رعايته المعنويّة واضحةً ومشهودةً في كلّ شيءٍ، ممّا يجعل طالب العلم يشعر بالاطمئنان الذي يحقّق له الراحة النفسيّة اللازمة لمواصلة طلب العلم والعمل به، ثمَّ هداية الناس إلى ما يُرضي الله عزّ وجلّ. كما كان تجاوبه حقيقيّاً مع الأُمّة في تطلّعاتها وحاجاتها وإدراك مشاكلها، ولا سيّما فيما يرتبط بالطبقة المستضعفة منها، فسعى لتقديم كلّ ما هو متاحٌ له من إمكانات مادّيّة، فكان يساعد الفقراء والمحتاجين ويرعاهم بما عُرف عنه من خُلقٍ إسلامي رفيعٍ،
ــــــ[24]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
فجذب قلوبهم دون عناءٍ، وشدّ إليه عقولهم دون مشقّةٍ، وهكذا تفعل مكارم الأخلاق التي هي سلاح الأنبياء والصالحين.
آثاره وتصانيفه الثمينة
ترك السيّد الشهيد محمّد الصدر مؤلّفات كثيرة، امتازت كلّها بالإبداع والابتكار، ومنها:
1. نظرات إسلاميّة في إعلان حقوق الإنسان.
2. فلسفة الحجّ ومصالحه في الإسلام.
3. أشعّة من عقائد الإسلام.
4. القانون الإسلامي وجوده، صعوباته، منهجه.
5. موسوعة الإمام المهدي#، وتحتوي على:
أ. تاريخ الغيبة الصغرى.
ب. تاريخ الغيبة الكبرى.
جـ . تاريخ ما بعد الظهور.
د. اليوم الموعود بين الفكر المادّي والديني.
هـ . عمر الإمام المهدي# (مخطوط).
6. ما وراء الفقه، في خمسة عشر مجلّداً.
7. فقه الأخلاق، في مجلّدين.
8. فقه الفضاء، وهو رسالة عمليّة في مسائل وأحكام الفضاء المستحدثة.
9. فقه الموضوعات الحديثة، وهو رسالة عمليّة في المسائل المستحدثة أيضاً.
ــــــ[25]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
10. حديث حول الكذب.
11. بحث حول الرجعة.
12. كلمة في البداء.
13. الصراط القويم، وهو رسالة عمليّة مختصرة.
14. منهج الصالحين، وهو رسالة عمليّة موسّعة في خمسة مجلّدات.
15. مناسك الحجّ.
16. أضواء على ثورة الإمام الحسين×.
17. شذرات من تاريخ فلسفة الإمام الحسين×.
18. منّة المنان في الدفاع عن القرآن، في خمسة مجلّدات. صدر منه (الجزء الأوّل) بقلم السيّد الشهيد، وصدر(4أجزاء) تقريراً لدروسه القرآنيّة.
19. منهج الأُصول، في خمسة مجلّدات.
20. مسائل في حرمة الغناء.
21. بين يدي القرآن الكريم، وهو فهرست موضوعي للقرآن الكريم.
22. مجموعة أشعار الحياة، وهو ديوان شعر يمثّل مراحل حياة سيّدنا الشهيد.
23. بيان الفقه، وهو بحثٌ فقهي استدلالي يتناول مبحث القبلة ولباس المصلّي.
24. اللمعة في حكم صلاة الجمعة، وهو تقريرٌ لأبحاث السيّد إسماعيل الصدر.
ــــــ[26]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
25. الإفحام لمدّعي الاختلاف في الأحكام.
26. مسائل وردود.
27. الرسائل الاستفتائيّة.
28. حبّ الذات وتأثيره في السلوك الإنساني.
29. مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء.
30. الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام.
31. حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء.
32. أُصول علم الأُصول.
33. بحوث في صلاة الجمعة.
34. عشرات المقالات، كتبها في الصحف النجفيّة، وجملة منها لا زال مخطوطاً.
35. مبحث ولاية الفقيه.
36. الأُسرة في الإسلام.
37. رفع الشبهات عن الأنبياء^.
38. الدرّ النضيد في شرح سبب صغر الجسم البعيد. بحث فيزيائي.
ولا زال هناك الكثير من الآثار والأسفار التي لم ترَ النور بعد، رغم أهمّيّتها، ومنها:
1. محاضرات في علم أُصول الفقه (دورتان)، تقريراً لأبحاث السيّد الشهيد الصدر الأوّل. صدر منه الجزء الأوّل.
2. تقريرات في علم أُصول الفقه (دورة كاملة)، تقريراً لأبحاث السيّد الخوئي، وتقع في ثلاثة عشر مجلّداً تقريباً. صدر منه الجزء الأوّل
ــــــ[27]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
والثاني.
3. كتاب الطهارة، تقريراً لأبحاث السيّد الشهيد الصدر الأوّل، ويقع في ثمانية مجلّدات تقريباً. صدر منه الجزء الأوّل والثاني.
4. بحوث استدلاليّة في كتاب الطهارة، تقريراً لأبحاث السيّد الخوئي.
5. كتاب البيع، وهو تقريرٌ لأبحاث السيّد الخميني، ويقع في أحد عشر مجلّداً تقريباً. صدر منه أربعة أجزاء.
6. دروس في شرح كفاية الأُصول، من أبحاث السيّد الشهيد الصدر الأوّل.
7. الكتاب الحبيب إلى مختصر مغني اللبيب.
8. تعليقة على رسالة السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر الفتاوى الواضحة.
9. تعليقة على الرسالة العمليّة منهاج الصالحين للسيّد الخوئي.
10. تعليقة على الرسالة العمليّة مناسك الحجّ للسيّد الخوئي.
11. تعليقة على كتاب المهدي للسيّد صدر الدين الصدر.
12. حياة السيّد صدر الدين الصدر.
13. الكلمة الحيّة في حكم حلق اللحية.
14. تعليقة على الرسالة العمليّة وسيلة النجاة للسيّد أبي الحسن الأصفهاني.
15. المعجزة في المفهوم الإسلامي.
16. رسالة في الفقه المتكامل.
ــــــ[28]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
17. فوز الأنام في أدعية الليالي والأيّام.
18. قصص من القرآن الكريم.
19. السيّد الشهيد الصدر كما أعرفه. ترجمة أُستاذه الشهيد الصدر الأوّل. مفقود.
20. تعليقة على بعض كتب اللمعة.
21. تعليقة على بعض كتب شرائع الإسلام.
22. محاضرات أساتذته في كليّة الفقه. فلسفة، فقه، أُصول، علم النفس، علم الاجتماع، والأدب، والتاريخ، وغيرها.
23. تعليقة على مستحدثات المسائل للسيّد الخوئي.
24. من ثمار الإسلام.
25. ردود نقديّة على كتاب (الشيعة والسنّة) لإحسان الهي ظهير.
26. الكلمة التامّة في الولاية العامّة.
وغيرها ممّا لم نوفّق للاطّلاع عليه.
ومن خلال هذه الآثار والتصانيف القيّمة تتّضح بعض اهتمامات السيّد الشهيد الصدر الثاني بالفقه المعاصر، وأنَّ كلّ مؤلَّف من هذه المؤلّفات شكّل قضيّة من القضايا وحاجة من الحاجات الملحّة للكتابة فيها.
جريمة الاغتيال
كان من عادة السيّد أنْ يجلس في مكتبه (البرانيّ) بعد صلاتي المغرب والعشاء في يومي الخميس والجمعة، ليخرج بعدها سماحته إلى بيته. وفي تلك الليلة خرج السيّد على عادته ومعه ولداه – السيّد مصطفى والسيّد مؤمّل قدّس سرهما- بلا حمايةٍ ولا حاشيةٍ، وفيما كانوا يقطعون
ــــــ[29]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الطريق إلى بداية منطقة (الحنّانة) في إحدى ضواحي النجف القريبة، وعند الساحة المعروفة بـ(ساحة ثورة العشرين)، جاءت سيّارة أميركيّة الصنع، ونزل منها مجموعة من عناصر السلطة الظالمة وبأيديهم أسلحة رشّاشة، وفتحوا النار على سيّارة السيّد، فاستشهدوا جميعاً.
وبعد استشهادهم حضر جمع من مسؤولي السلطة إلى المستشفى، وذهب آخرون إلى بيته، ولم يسمحوا بتجمهر المعزّين أو الراغبين بتشييع جنازته، ولذا قام بمهمّة تغسيله وتكفينه مع نجلَيه مجموعةٌ من طلاّبه ومريديه، ثُمَّ شيّعوه ليلاً، حيث تمّ دفنه في المقبرة الجديدة الواقعة في وادي السلام.
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}(1).

* * * *
ــــــ[30]ـــــــ
(1) سورة الفجر، الآيات: 27-30.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء

منهجنا في التحقيق
اقتصر عملنا في تحقيق هذا الكتاب على ما يلي:
أوّلاً: المقابلة مع النسخة الخطّيّة بيد السيّد الشهيد .
ثانياً: تقويم النصّ ومراجعته وتصحيحه طبقاً للمعايير المعهودة في التحقيق والتدقيق.
ثالثاً: تقطيع المتن وتنظيم فقراته بحسب اقتضاء الحال.
رابعاً: تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة من المجاميع الروائيّة المعتبرة، وضبطها وتمييزها عن غيرها.
خامساً: إرجاع الآراء الواردة في الكتاب إلى أصحابها ومصادرها الأصليّة.
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لكلِّ ما فيه خير وصلاح، إنَّه سميع مجيب.
كما نستغفره تعالى شانه من كلِّ زللٍ وخطأ، سائلين العلماء والباحثين الكرام أن يتجاوزوا عن كلِّ عيب ونقصٍ لُوحظ في إخراج هذا الكتاب؛ فإنَّ الكمال لله وحده.
والحمد لله أوّلاً وآخراً
الإشراف العام
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
25 جمادى الثانية 1433- 16/5/2012
ــــــ[31]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء

صورة الكتاب المخطوط
ــــــ[33]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء

صورة الصفحة الأولى من المخطوطة
ــــــ[34]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء

صورة الصفحة الأخيرة من المخطوطة
صورة الصفحة الأخيرة من المخطوطة

ــــــ[35]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الطهارة
[مسألة] (1) مع توفّر الماء في أيٍّ من الأجرام السماويّة يكون مشمولاً للأحكام الفقهيّة، كجواز شربه والوضوء فيه والغسل منه، واستعماله للتطهير ونحو ذلك(1).
وجوب الطهارة المائيّة مع توفّر الماء
الماء المتوفّر في أحد الأجرام السماويّة أيّاً كان، إمّا هو الماء الأرضيّ بعينه أو أنّه لا يشبهه أصلاً، أو أنه يشبهه وليس بعينه، وعلى كلِّ تقديرٍ فإمّا أن يكون متجمّداً أو سائلاً.
فإن كان الماء المتوفّر هناك هو الماءَ الأرضيَّ بعينه فلا إشكال في الحكم المذكور في المسألة؛ إذ تشمله كلّ الإطلاقات والأدلّة الواردة في تلك الموارد، والتي لا حاجة الآن إلى استعراضها، من الطهوريّة وجواز الشرب ورفع الحدث والخبث به.
واحتمال أن تكون تلك الأحكام منوطة بوقوعها على وجه الأرض غير محتملٍ، بعد أن كان المأخوذ في موضوعات الأدلّة عنوان الماء، وهو صادق على الفرض.
نعم، قد يُقال: بأنَّنا نحتاج إلى عموم أو إطلاق لكي نتمسّك به في
ــــــ[39]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 16، كتاب الطهارة، مسألة رقم (1).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
هذا المورد، ومن الواضح أنَّ كثيراً من الأدلّة لا إطلاق لها كالوضوءات البيانيّة، فإنَّها من فعل المعصوم وهو لا إطلاق له، وكقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً}(1) المقيّد بالنزول من السماء، ولا دليل على طهوريّة غيره، كما لا دليل على نزول الماء من السماء من الأجرام السماويّة الأُخرى.
ويجاب عن ذلك: أمّا في الآية الكريمة، فإنَّ الإشكال فيها إن تمَّ فهو يشمل كثيراً من المياه التي على وجه الأرض، ممّا لم يثبت نزولها من السماء كالبحار والأنهار. نعم، في خصوص العيون والينابيع نصَّ القرآن على هذه الصفة فيها، أمّا غيرها فلا، مع أنَّ الفقهاء لم يفرّقوا بين أنواع الماء جزماً.
والسرّ في ذلك هو التجريد عن الخصوصيّة عرفاً؛ إذ لا مدخليّة جزماً في الحكم بالطهوريّة بالنزول من السماء، بل يرى العرف الحكم وارداً على جنس الماء، سواء كان نازلاً من السماء أم لا.
فلا يلزم من ذلك لغويّة هذا القيد في الآية؛ لأنَّ المراد به والحكمة منه هو الامتنان بهذه الصفة بغضِّ النظر عن الجهة التشريعيّة فيه.
ومعه، فكلّ ماءٍ طهورٌ بمنطوق الآية، فيثبت الحكمُ على مطلَقه، سواء كان على وجه الأرض أم غيره.
على أنَّ هناك مَن أجاب على الإشكال بإقامة القرائن على أنَّ كلَّ ماء على وجه الأرض فهو نازل من السماء، فيكون كلّه واجداً للقيد المأخوذ في الآية الكريمة. ومعه، فيمكن أن يقال مثله في المياه الموجودة في أيّ جرمٍ سماويّ؛ لأنَّه إنَّما يكون واجداً له مع توفّر عدّة أوصاف تجعله مشابهاً للأرض، كقلّة الحرارة النسبيّة ووجود طبقة هوائيّة أو ما يشبهها، وغير
ــــــ[40]ـــــــ
(1) سورة الفرقان، الآية: 48.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
ذلك. ومن هنا نجد أنّ الأجرام الفاقدة للجوّ فاقدة للماء.
ومعه يمكن أن يقال: إنَّ كلّ ماء إنَّما هو مأخوذ ومستقى من البخار الكوني الموجود في الفضاء، سواء كان ذلك على وجه الأرض أم غيرها، وهذا هو المراد من نزوله من السماء؛ فإنَّه يهبط إلى أيّ كوكب ويتكثّف فيه، سواء على شكل مطر أو غيره.
إلّاَ أنَّ هذا الاحتمال وإن كان وجيهاً إلَّا أنَّه يحتاج إلى مزيد من القرائن المثبتة له، ومع عدمها لا يمكن الجزم به. إلَّا أنّنا في غنى عنه بالوجه الأوّل.
هذا ويمكن أن يقال: إنَّ الآية قابلة للتأويل بأن نفهم من الإنزال الخلق والإيجاد، كما في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}(1) فإنَّ المراد به إيجاده، فكذلك هنا. كما نفهم من السماء: العلل الكونيّة العليا، سواء كانت ماديّة أو روحيّة، فإنَّها هي التي تمرّ أوامر الخلق من خلالها.
إلَّا أنَّ هذا الوجه لا يتمّ فقهيّاً؛ إذ مضافاً إلى كونه خلاف الفهم العرفي للآية الكريمة فإنَّه:
أوّلاً: أنَّ التأويل لماذا يختصّ بكلمتين ويدَع الكلمة الثالثة وهي الماء؟ فإنَّه قابل للتأويل أيضاً، ومعه تكون الآية أجنبيّة بالمرّة عن محلِّ الاستدلال ولا تنفع المستدلّ.
ثانياً: أنَّ الاستدلال بآية الحديد لا يشمل المقام إلّاَ بنحو من وحدة السياق، وهذا غير ثابت جزماً؛ لتعدّد السورة، وتعدّد زمان النزول، إلَّا أن نجعل للقرآن الكريم كلّه سياقاً واحداً، بحيث يكون بعضه لبعض كالقرينة
ــــــ[41]ـــــــ
(1) سورة الحديد، الآية: 25.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
المتّصلة، وهذا غير عرفيٍّ وغير واقعيّ.
إذن لابدَّ من المصير إلى الفهم العرفي للإنزال بذاته بغضِّ النظر عن أيّ قرينة سياقيّة.
نعم، الإنزال قد لا يكون عن طريق المطر المتعارف، فإنَّنا نجد عدّة أشكال من الإنزال على وجه الأرض، فقد تكون هي متوفّرة هناك أو أحدها، أو غيرها أيضاً، وهي: المطر، والثلج الناعم، والثلج الخشن، والبخار الذي يتكثّف، والندى الذي يحصل وغيرها.
وأمّا الوضوءات البيانيّة:
فأوّلاً: نحن في غنى عنها بعد الإطلاقات المتوفّرة، أمّا في طهوريّة الماء فالروايات كثيرة: كصحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبد الله× في حديث قال: >إنَّ الله جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً<(1).
وصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله×، قال: سألته عن ماء البحر أطهور هو؟ قال: >نعم<(2).
أقول: والبحر هو مجمع كبير للماء، ولا يختصّ بما كان على وجه الأرض عرفاً جزماً.
ــــــ[42]ـــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 1: 109، باب التيمّم، الحديث 224، تهذيب الأحكام 1: 404، باب التيمّم وأحكامه، الحديث 2، وسائل الشيعة 1: 133، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الحديث 1.
(2) الكافي 3: 1، كتاب الطهارة، باب طهور الماء، الحديث 4، تهذيب الأحكام 1: 216، باب المياه وأحكامها وما يجوز التطهّر به، الحديث 5، وسائل الشيعة 1: 136، باب أنَّ ماء البحر طاهر مطهّر، الحديث 1.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وصحيحة حريز عن أبي عبد الله× قال: >كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء واشرب. فإذا تغيّر الماء وتغيّر الطعم فلا تتوضّأ ولا تشرب<(1).
والرواية الأخيرة تكفينا في جواز الوضوء والغسل أيضاً بعد التجريد عن الخصوصيّة للوضوء بالفهم العرفي المتشرّعي، والتجريد عن الخصوصيّة -أيضاً- عرفاً في كون الماء على وجه الأرض.
وستأتي في المسألة الآتية روايات الكرّ والجاري، فإنّها شاملة للمقام أيضاً، ومنها ما هو صحيح سنداً ودلالة.
ثانياً: إنَّ الوضوءات البيانيّة وإن كانت أفعالاً، إلَّا أنَّ الدوالّ عليها – أعني الروايات المعتبرة- فيها كلام أيضاً، ومنه ما يمكن التمسّك بإطلاقه، كقوله في صحيحة زرارة: >هكذا إذا كانت الكفّ طاهرة<، وقوله فيها: >فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات<(2).
نعم، يبقى هناك إشكالان نحن في غنى عنهما بعد صحيحة حريز السابقة، بمعنى أنَّهما لو تمّا، فغايته سقوط الإطلاق من صحيحة زرارة هذه، وأمّا صحيحة حريز فتبقى على إطلاقها، مع تأمّلٍ في الإشكال الثاني الآتي.
ــــــ[43]ـــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 217، باب المياه وأحكامها وما يجوز التطهّر به، الحديث 8، وسائل الشيعة 1: 137، باب نجاسة الماء بتغيّر طعمه أو لونه…، الحديث 1، ورواه الكليني عن حريز عمّن أخبره عن أبي عبد الله، وفيه: غلب الماء ريح… بدل على ريح، و إذا تغيّر الماء بدل فإذا تغيّر الماء.
(2) الكافي 3: 25، باب صفة الوضوء، الحديث 4، وسائل الشيعة 1: 272، باب كيفيّة الوضوء وجملة من أحكامه، الحديث 2، والرواية عن أبي جعفر.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الإشكال الأوّل: أنَّ التمسّك بالإطلاق فرع كونه بصدد البيان من هذه الجهة. ومن الواضح أنَّه في كلتا الجملتين السابقتين لم يكن الإمام× بصدد البيان من هذه الجهة. فإنَّه كان في الجملة الأُولى بصدد بيان اشتراط طهارة: الكفّ، وفي الثانية بصدد بيان جواز الاكتفاء: بثلاث غرفات.
ويمكن الجواب على ذلك ببعض الوجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ المهمّ هو التمسّك بإطلاق اللفظ الدالّ على الماهيّة بدون قيد، وهو الماء في محلِّ الكلام، فما دام هذا الدالّ موجوداً لم يكن في الإطلاق قصور.
ويمكن أن يجاب: إنَّ لفظ الماء غير موجود في صحيحة زرارة بصراحة، إلَّا إذا أمكن تصيّده عرفاً من السياق.
الوجه الثاني: أنَّنا يمكن أن نفهم من قوله هكذا، جملة مستقلّة ذات إطلاق، وتدلّ على جواز أو استحباب إدخال اليد الطاهرة في الماء. وهذا الحكم غير مقيّد بأيّ شيءٍ في نصّ العبارة غير طهارة اليد، فتبقى الإطلاقات الأُخرى المطلوبة سارية المفعول.
الوجه الثالث: أنَّه بعد التنزّل عن الوجهين السابقين واندفاع الإشكال الثاني الآتي، فإنَّه يمكن أن ينعقد للعبارة إطلاقٌ مقاميّ في عدم التقييدات الملحوظة للمستدلّ؛ لأنَّ الإمام× كان بصدد البيان من ناحية شرائط صحّة الوضوء بلا إشكال، ولم يبيّن غير قيد الطهارة.
وعلى أيّ حال، فيتوقّف هذا الوجه على دفع الإشكال الآتي، ولولاه لا يكون تامّاً.
الإشكال الثاني: أنّ التمسّك بالإطلاق فرع تماميّة مقدّماته، ومنها
ــــــ[44]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
إمكان التقييد. فلو لم يمكن التقييد كان الإطلاق لاغياً. ويمكن أن يدّعى هنا عدم إمكان التقييد؛ لأنَّ الإطلاق الذي نطلبه هو شمول الحكم لما هو خارج الأرض، وهذا قيد لو كان لم يمكن بيانه للإمام؛ لأنَّه لم يكن مستساغاً للمجتمع المعاصر لصدور النصّ. ومعه فالتمسّك بالإطلاق غير ممكن.
ويمكن أن يجاب الإشكال بما يلي:
الوجه الأوّل: أنَّ التقييد الصريح وإن لم يكن ممكناً، إلَّا أنَّ ذلك ممّا لا يتعيّن؛ إذ يمكن أن يتوصّل المتكلّم إلى النتيجة بأساليب أُخرى من البيان، كالتقييد ببعض الملازمات أو المفارقات الدائمة أو الغالبة، مما لا يكون غريباً عرفاً يومئذٍ، مع أنَّه لم يقيّد بشيءٍ من ذلك أصلاً. إذن ينعقد الإطلاق اللفظي أو المقامي الذي ذكرناه في جواب الإشكال الأوّل.
الوجه الثاني: أنَّ هذا الإشكال الثاني إن تمَّ فإنَّه ينفي الإطلاق السياقي، وأمّا الإطلاق الجنسي – وهو شمول لفظ الماهية لتمام أفرادها، وهي غير مقيّدة وجداناً- فهذا ممّا لا ينفيه الإشكال فيثبت.
إلّاَ أنَّ هذا فرع التصريح باللفظ الدالّ على الماهيّة كما عرفنا في الوجه الأوّل من الجواب على الإشكال الأوّل، غير أنَّ الوجود السياقي لهذا اللفظ ثابت على أيّ حالٍ عرفاً، ومُتصيّد من العبارة بلا إشكال.
كما أنّ هذا الوجه يتوقّف على التفريق بين شكلي الإطلاق، السياقي واللفظي، بحيث يتوقّف الأوّل على أُمور ومقدّمات يسلم منها الثاني، وهذا ممّا لا يمكن إتمامه في علم الأُصول، فإنّ عدم التقييد معنىً سياقيٌّ وهو شرط في التمسّك بإطلاق الماهيّة مع إمكانه. إذن فأحدهما يرجع إلى
ــــــ[45]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الآخر.
ومعه لا يتمّ هذا الوجه الثاني، ولكن الوجه الأوّل لا يخلو من وجاهة.
وبعد اندفاع هذين الإشكالين يمكن التمسّك بإطلاق صحيحة زرارة لكلِّ ماء من دون قيد الزمان والمكان، وكذلك التمسّك بإطلاق صحيحة حريز وغيرهما.
هذا كلّه فيما إذا كان الماء المتوفّر في بعض الأجرام السماويّة هو الماء الأرضي بعينه، سواء كان يشبه أو يماثل ماء البحر أو ماء النهر أو غيرهما. فإنَّ أحكام الماء يشمله ما دام ماءً، كما هو الحال على وجه الأرض تماماً.
إذا كان الماء المتوفّر غير الماء الأرضي
• وأمّا [الاحتمال الآخر] إذا كان الماء المتوفّر هناك ليس هو الماء الأرضي بعينه وتركيبه، بل كان تركيبه الكيمياوي يختلف قليلاً عنه، كما لو كانت له رائحة ضعيفة أو لون ضعيف أو قوام كثيف، ولكنّه بأيّ حالٍ لم يكن يختلف عن ماء الأرض كثيراً، بحيث يفترض صدق الماء عليه عرفاً. وهذا هو الذي قلناه في أوّل الفصل: [من] أنَّه يشبه الماء الأرضي ولا يماثله.
وحكمه، كما هو واضح حكم الماء، بعد فرض صدق العنوان عليه عرفاً، وإمكان إلغاء خصوصيّته المميّزة له؛ إذ مع عدمه لم يصدق عليه العنوان، فصدقه مستلزم لإمكان الإلغاء فيكون مشمولاً لأحكام الماء.
فإنَّ المهمّ ليس هو التركيب الكيمياوي للماء ولا الوجود الدقّي له، بل المهمّ هو الوجود العرفي والمفروض صدقه.
• وأمّا [الاحتمال الأخير] إذا كان الماء المتوفّر في تلك الأجرام
ــــــ[46]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
السماويّة لا يشبه ماء الأرض إلَّا من جهة كونه سائلاً، وأمّا صفاته فتختلف عنه كثيراً، كما لو كان له رائحة كبيرة أو لون شديد أو طعم واضح، أو أية صفة أُخرى.
وينبغي لنا هنا أن نلاحظ أنّ بعض الصفات لا تغيّر من صدق الماء عرفاً كوجود الطعم، وإن كان حادّاً كماء البحر المالح، وكذلك اللون ببعض درجاته كالماء المخلوط بالتراب أو غيره بحيث لا يخرجه عن (الإطلاق).
فإذا كان ذلك الماء متّصفاً بهذه الصفات أو ما يؤول إليها، فلا إشكال في كونه مشمولاً للأحكام بعد الاعتراف بصدق الماهيّة العرفيّة.
وإنَّما المهم هنا فيما لو كانت الصفات من الشدّة بحيث يخرج الماء عن مشابهة الماء الأرضي تماماً، فهل يكون مشمولاً للأحكام أم لا؟
فهنا إمّا أن نقول بالنسبة إلى الماء المضاف: أنَّه ليس ماء حقيقة، وإنَّما يشمله اللفظ مجازاً، وإمّا أن نقول: بأنَّه موضوع له لفظ الماء، إمّا بنفس الوضع للماء المطلق بحيث يكون الموضوع له ماهيّة عامّة تشمله، وإمّا بوضع آخر كما اخترناه في بعض تأليفاتنا(1)؛ بحيث يكون للفظ الماء وضعان: أحدهما للمطلق، والآخر للسائل الذي لا ثخانة فيه، أعني: المشابه للماء بالسيولة، سواء قلنا باندراج الماء المطلق بهذا الوضع الثاني فيكون أعمّ من الأوّل أم لم نقل، ونحن نتكلّم الآن على [كلّ] التقادير.
أمّا إذا نفينا الوضع للماء المضاف بالمرّة، وقلنا باختصاصه بالمطلق، فالنتيجة: أنَّ هذا السائل غير المشابه للماء الأرضي ليس مصداقاً لحقيقة الماء، فلا يكون مشمولاً لأحكامه، وسيأتي مزيد إيضاح له.
ــــــ[47]ـــــــ
(1) أُنظر: ما وراء الفقه 1، ق1: 100، وما بعدها، كتاب الطهارة، فصل الماء.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وأمّا إذا قلنا: بأنَّ لفظ الماء يصدق صدقاً حقيقيّاً على المضاف، إمّا بالوضع له بنفسه أو بما يشمله، فلا إشكال هنا في صدق الحقيقة على مثل هذا الماء الذي نتكلّم عنه.
ومعه فيمكن القول بأنَّه مشمول للإطلاقات السابقة ونحوها؛ لأنَّها لم تأخذ في موضوعها أكثر من ماهيّة الماء، وهي هنا صادقة.
فإن قلت: إنَّ هذا الماء الذي نتكلّم عنه يشبه الماء المضاف الأرضي، فلا يكون مشمولاً للأحكام لخروج الماء المضاف عنها جزماً، ولا أقلّ من الشكّ في الماء الذي نتكلّم عنه، الأمر الذي يستلزم جريان استصحابات عدم التأثير، كاستصحاب الحدث في الوضوء واستصحاب النجاسة في المتنجّس.
قلت: إنَّ الدليل الدالّ على خروج الماء المضاف عن الأحكام دليل لبّي وهو الإجماع وسيرة المتشرّعة، ولولاه لقلنا بشمولها له؛ لعدم قصور في الإطلاقات والعمومات الدالّة عليها. والقدر المتيقّن من الماء المضاف غير الماء الذي نتحدّث عنه. فيبقى هذا الماء مشمولاً للأحكام بعد صدق الماهيّة حقيقةً عليه.
بل يمكن القول: بأنَّ الماء الذي نتكلّم عنه ليس مضافاً أصلاً، فإنَّهم عرّفوا المضاف بأنَّه المعتصر من الأجسام أو المختلط بها خلطاً يخرجه عن إطلاق الاسم. والماء الذي نتكلّم عنه ليس معتصراً ولا مختلطاً، كلّ ما في الأمر أنّه يشبه المضاف من حيث اللون أو الطعم ونحوهما. فهنا إمّا أن نجزم بكونه غير مضاف، أو نحتمله مع خروجه عن القدر المتيقّن من صدق المضاف، فيكون مشمولاً للإطلاقات على كلا التقديرين.
وبشموله لها يندفع التمسّك بالأُصول العمليّة والاستصحابات
ــــــ[48]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الموضوعيّة كما هو واضح.
بل يمكن التقريب بأنّ الماء الذي نتكلّم عنه إنَّما هو ماء، وإن قلنا باختصاص الوضع للماء المطلق، وذلك بعد أن نجد:
أوّلاً: أنَّ هذا الماء هو الفرد الشايع في الجرم السماويّ الواقع فيه.
ثانياً: هو الفرد المنحصر من الماء فيه.
ثالثاً: بالنسبة إلى الأماكن التي يتواجد فيها، حيث يتواجد في الأماكن التي يوجد فيها ماء عادةً، كبحر أو نهر.
رابعاً: أنَّ مَن يريد الاستفادة من الماء هناك لا يمكنه استعمال غيره، فإنّه الماء المنحصر عادةً وعرفاً هناك، سواء للسكّان الأصليّين إن وجدوا أو الزائرين من الخارج.
خامساً: أنَّ السكّان الأصليّين – لو وجدوا- يتعاملون مع هذا السائل معاملة الماء ويفهمون منه في عرفهم أنَّه ماء فعلاً، وإن كان ذلك على خلاف عادتنا الأرضيّة.
أقول: كلّ هذه الفقرات تثبت إمكان وجود الفهم العرفي على هذا السائل بأنّه ماء وإن لم يصدق عليه الماء في اللغة، فيكون مشمولاً للإطلاقات؛ لأنَّ العمدة فيها هو الفهم العرفي.
على أنَّنا قلنا: إنَّ المختار هو الصدق الحقيقي للماء على المضاف، فضلاً عن هذا الذي نتكلّم عنه.
الكلام في الماء المتجمّد
بقيت الحاجة إلى الإشارة إلى الفرع الأخير في المسألة، وهو ما إذا كان الماء متجمّداً، واختلافه الأساس عن السائل هو عدم إمكان الاستفادة منه
ــــــ[49]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
شرعاً ما لم يذب.
والماء المتجمّد إمّا أن يكون من جنس الماء الأرضي أو غيره، وعلى التقدير الثاني فإمّا أن يكون السبب الموجب لانجماده هو البرد أو غيره.
وعلى أيّ تقدير فإن أمكن إذابته والاستفادة منه شرعاً، وجب مقدّمةً للواجبات، وهذا لا يفرّق فيه بين الماء الأرضي وغيره، بعد أن قلنا قبل قليل بأنّه جميعاً مشمول للعمومات، حيث يصبح بعد الإذابة ماءً حقيقةً.
وإن لم يمكن إذابته ولم يجد غيره، فإن كان من قبيل الثلج – وذلك فيما إذا كان سبب تجمّده البرد- أمكن القول: بمسح بشرته بالثلج بنيّة الوضوء أو الغسل، ولا شكَّ في الإجزاء إن جرى الماء، كما لا يبعد إجزاؤه مع تعذّر التيمّم.
وإن كان تجمّده بسب آخر غير معروف على الأرض، فإن أمكنت إذابته وجب وإلَّا استعمله جامداً، غير أنَّ الإشكال هنا: أنَّه لا يذوب لحرارة الجلد؛ لأنَّه لم يجمد للبرد حتّى يذوب في الحرّ، ومعه فقد يصبح الفرد فاقداً للطهورين، فإنَّ الفقهاء إنَّما قالوا بلزوم مسح الجلد بالثلج باعتبار حصول الرطوبة منه، فإن لم تحصل تعذّر القول بذلك تعبّداً.
وإن كان تجمّده بسبب إضافة موادّ أُخرى فيه، فإمّا أن تكون هذه الموادّ مستهلكة فيه أو لا، فإن كانت مستهلكة أمكن استعماله بالإذابة أو بدونها كما سبق، وإن لم تكن مستهلكة كان هذا السائل بمنزلة الماء المضاف الأرضي؛ لأنّه مختلط بغيره اختلاطاً غير مستهلك، سواء بقي سائلاً أو لا، فإنّه حينئذٍ يكون بمنزلة الطين أو الوحل الذي لا يجوز استعماله لغير الضرورة.
ــــــ[50]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
مسألة (2) بالنسبة إلى استعمال الماء في الطهارة الحدثيّة والخبثيّة، يجب أن يصدق كونه ماءً مطلقاً غير مضاف، ومع الشكِّ في ذلك يجب الجمع بين الوضوء به والتيمّم على الأحوط، ما لم يكن له حالة سابقة معلومة بالإطلاق فيبني عليها(1).
الشكّ في إطلاق الماء
أمّا امتناع استعمال الماء المضاف في التطهير شرعاً، فهو ثابت بالإجماع والارتكاز المتشرّعي، وأمّا كون الماء الذي قد يوجد في كوكب آخر قد يكون مضافاً، فقد عرفنا في المسألة السابقة أنّ هذا الأمر قد يكون له منشآن محتملان:
المنشأ الأوّل: أن يكون وضعه الطبيعي مشابهاً للماء المضاف الأرضي، وقد سبق أن قرّبنا أنّ هذا بمجرّده ليس مانعاً عن شمول الإطلاقات لهذا الماء. ومن هنا يكون مشمولاً لأحكام الماء المطلق، بما فيه جواز التطهير به من النجاستين الحدثيّة والخبثيّة.
المنشأ الثاني: أن يكون ذلك الماء على غرار الماء المضاف الأرضي معتصراً من بعض الأجسام أو مختلطاً به.
وفي مثله يكون مصداقاً عرفيّاً للإجماع على المنع من استعماله في التطهير.
وأمّا في صورة الشكّ في كون ذلك الماء مضافاً أو مطلقاً، فمنشأ هذا الشكّ يمكن أن يكون على عدّة وجوه نذكر أهمّها:
ــــــ[51]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 16، كتاب الطهارة، مسألة رقم (3).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الوجه الأوّل: أن يكون الشكّ ناشئاً من الإحساس بطعمه أو لونه المخالف للماء المطلق الأرضي، وقد سبق الكلام في ذلك، وأنّه لا يكون مانعاً عن صدق الماء عليه، وخاصّة فيما إذا كانت الصفات خفيفة غير ثقيلة، فيكون بنفسه مشمولاً للعمومات، وبها يرتفع الشكّ.
الوجه الثاني: أن يكون الشكّ ناشئاً من احتمال كون هذا الماء معتصراً أو مخلوطاً، فيكون على هذا التقدير مضافاً كما سبق أن أشرنا. وهنا نفترض أنّه ليس له حالةٌ سابقةٌ يمكن البناء عليها بالاستصحاب.
وفي مثله يكون استعمال هذا الماء مورداً لاستصحاب عدم التطهير أو استصحاب بقاء النجاسة الخبثيّة أو الحدثيّة، ويقابله احتمال كونه مطلقاً بحيث يصدق عليه عنوان الماء عرفاً، لكن بشكلٍ لا يرقى إلى درجة الوثوق ليكون حجّة.
ومن هنا قد يقال: بتعيّن التيمّم لعدم وجود الماء المطلق الثابت إطلاقه بحجّة شرعيّة لديه، فيكون فاقداً للماء، وموضوعاً لوجوب التيمّم، وخاصّة إذا كانت حالته السابقة فقدان الماء بالمرّة ثمَّ حصل على هذا الماء المشكوك.
والتحقيق فيه: إمّا في صورة عدم جريان استصحاب الفقدان: فإنَّه يتعارض أصالةُ عدم وجود الماء المطلق لديه مع أصالة عدم تحقّق موضوع وظيفة التيمّم عليه. كما تتعارض أصالةُ عدم كون هذا الماء مطلقاً بأصالة عدم كونه مضافاً، لو صحّ جريانهما ولو باستصحاب العدم الأزلي.
ومع تعارض الأُصول مع العلم الإجمالي يصدق موضوع إحدى الوظيفتين: الوضوء أو التيمّم في حقّه. إذن يتعيّن عليه أن يحتاط بالجمع بين
ــــــ[52]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الوظيفتين.
وكذلك إن كان فاقداً للتيمّم، فإنَّه يتعيّن عليه الوضوء بهذا الماء المشكوك رجاء المطلوبيّة، من حيث احتمال كونه مطلقاً، ودليل هذا التعيّن إمّا تعارض الأصلين الأوّلين المشار إليهما سابقاً، أو احتمال تنجّز الوضوء في حقّه، بحيث لو تركه فقد ترك وظيفة منجّزة ولا أصل مؤمّن في البين. إذن فيتعيّن استعماله رجاءً.
وأمّا في صورة جريان استصحاب الإطلاق، حتّى ولو كان الإطلاق بالمعنى الذي قرّبناه في المسألة السابقة، وهو صدق ماهيّة الماء عند إطلاقه على السائل – هذا مع الشكِّ في أنّه أصبح مضافاً أم لا بالاختلاط مع شيءٍ آخر اختلاطاً متميّزاً- ففي مثله يكون الاستصحاب الموضوعي جارياً بلا إشكال، ولو كان من قبيل الشكِّ في وجود المختلط أم في اختلاطيّة الموجود، فإنَّ كليهما موردٌ للاستصحاب كما هو المحقّق في محلّه.
نعم، بعض هذا لا يتصوّر، فيما إذا كان احتمال الإضافة؛ لاحتمال كونه معتصراً إلَّا باعتبار استصحاب العدم الأزلي للإطلاق الموجود فعلاً، وإن قلنا بجريانه.
مسألة (3) الماء الجاري معتصم، ومقدار الكرّ منه معتصمٌ أيضاً، ويمكن أن يقاس الكرّ في الأجرام السماويّة بالمساحة لا بالوزن، وإن كان يحتمل الاكتفاء بكمّيّته الأرضيّة هناك، والمساحة هي مكعّب ثلاثة أشبار ونصف على الأحوط، أو ما يساويه رياضيّاً أو يزيد عليه(1).
ــــــ[53]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 16، كتاب الطهارة، المسألة رقم (2).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
في الكرّ والجاري
في هذه المسألة عدّة فقرات لابدَّ من النظر فيها:
الفقرة الأُولى: أنَّ الماء الجاري معتصم، وهذا يقتضي النظر هنا في أمرين:
الأمر الأوّل: الاستدلال باختصار على اعتصام الماء الجاري بعنوانه، سواء كان كرّاً أم لم يكن، كما هو المختار.
الأمر الثاني: أنَّ هذا غير مختصٍّ بالماء الموجود على سطح الأرض، بل يعمّ كلّ ماء، ويلحق عنوان الماهيّة حيث تحقّق.
أمّا الأمر الأوّل: فإنَّ روايات اعتصام الماء الجاري وإن كان بعضها واضحاً بالأنهار الكبيرة والصغيرة، وهي أكثر من الكرّ بكثير، والتجريد عن الخصوصيّة منها إلى ما هو الأقلّ من الكرّ غير ممكن؛ لاحتمال الخصوصيّة وعدم الوثوق بهذا التجريد، إلَّا أنَّ هناك تقريبين رئيسيّين للاستدلال على اعتصام الجاري بعنوانه:
التقريب الأوّل: التمسّك بمعتبرة داود بن سرحان، قال: قلت لأبي عبد الله× ما تقول في ماء الحمّام؟ قال: >هو بمنزلة الماء الجاري<(1).
فإنَّ ظاهره السؤال عن ماء الحمّام من أجل احتمال تعرّضه للنجاسة، فيكون الجواب لأجل دفع هذا الاحتمال، فيكون ظاهراً في عدم انفعال الماء الجاري بعنوانه بمجرّد الملاقاة وهو المطلوب.
وبه يندفع ما استشكله في (المستمسك) من إجمال الحكم الملحوظ في
ــــــ[54]ـــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 378، باب دخول الحمّام وآدابه وسننه، الحديث 28، وسائل الشيعة 1: 148، باب عدم نجاسة ماء الحمّام…، الحديث 1.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
التنزيل؛ إذ يحتمل أن لا يكون هو الاعتصام، ولا قرينة في الكلام على تعيينه(1).
فإنَّ القرينة موجودة، وهي كون السؤال عن نجاسة ماء الحمّام، فتشبيهه بالماء الجاري حكم بالاعتصام عليه، وعنوان الاعتصام ليس ضروريّاً، وإنَّما المهمّ هو عدم الانفعال بالملاقاة، ومن الواضح أنَّ الغالب هو ملاقاة النجاسة لماء الحمّام، وهو مورد السؤال بكلِّ وضوح، فيتمّ المطلوب بعد عموم التنزيل.
التقريب الثاني: التمسّك بصحيحة محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله× عن الثوب يصيبه البول؟ قال: >اغسله في المركن(2) مرّتين، فإن غسلته في ماءٍ جارٍ فمرّة واحدة<(3).
وهو ظاهر بورود المتنجّس على الماء لا ورود الماء عليه. وقرينته في الموردين حرف الجرّ (في)؛ إذ لو كان المراد ورود الماء عليه لكان الأنسب استعمال الباء كما هو واضح. فما قاله في المستمسك(4) بإنَّه غير ظاهر غير ظاهر.
وعليه فيكون دالاً على انفعال الجاري بمجرّد الملاقاة. وأمّا توقّفه على اعتبار التعدّد في غير المعتصم – كما ذكر في المستمسك(5)- ثُمَّ يضيف بعده
ــــــ[55]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى 1: 132، كتاب الطهارة، فصل في الماء الجاري.
(2) المركن: الإجانة ونحوها لغسل الثياب وما سوى ذلك.
(3) تهذيب الأحكام 1: 250، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، الحديث 4، وسائل الشيعة 3: 397، أبواب النجاسات والأواني، الباب الثاني، باب طهارة الثوب إذا غسل من البول في المركن مرّتين…، الحديث 1.
(4) أُنظر: مستمسك العروة الوثقى 1: 133، كتاب الطهارة، فصل في الماء الجاري.
(5) المصدر السابق.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
أنَّه غير ظاهر، فهو غريب منه.
أوّلاً: فإنَّه ظاهر بنصِّ الفقرة الأُولى من الرواية، وهي قوله: >اغسله في المركن مرّتين<. فالتعدّد في غير المعتصم ثابت بهذه الصحيحة أيضاً، بل هو بمنزلة القرينة المتّصلة للفقرة الثانية التي هي محلُّ الاستدلال.
ثانياً: أنَّ الحكم بالاعتصام فرع ورود النجس على الماء، ولا يتوقّف بحالٍ على الحكم بالتعدّد في غيره؛ لوضوح أنَّه لو كان الحكم مشتركاً بين المائين بكونهما مطهّرين بمرّة واحدة لم يكن ذلك دليلاً على اعتصام القليل ولا على عدم اعتصام الجاري، بل أمكن الحكم باعتصام الجاري دون القليل، ولا ربط للمرّة والمرّتين فيه.
نعم، الارتكاز الفقهي والمتشرّعي المتأخّر دالٌّ على ذلك، إلَّا أنَّه فرع هذه الأدلّة، دون العكس كما هو معلوم.
يبقى الإشكال على هذه الصحيحة من جهتين:
الأُولى: من حيث إنّها دالّة على اعتصام الجاري مع ملاقاة المتنجّس الأوّل لا عين النجاسة، ولا يمكن التجريد عن الخصوصيّة فيها؛ لوضوح الشدّة في عين النجاسة.
الثانية: أنَّها دالّة على اعتصام الماء القليل أيضاً؛ لدلالة الحرف (في) على ورود المتنجّس على القليل في المركن مضافاً إلى عدم الأمر بإهراق الغسالة الأُولى، وهو في صدد البيان.
أمّا الإشكال الثاني: فهو يخصّ الماء القليل ويخرج في مناقشته عن الصدد.
وأمّا الإشكال الأوّل، فالصحيح وجود الإطلاق فيها [أي: في
ــــــ[56]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الصحيحة] لكلتا الصورتين، فإنَّ السؤال فيها عن الثوب يصيبه البول، فإن كان قد جفّ إذن كان الثوب متنجّساً أوّل وليس عين النجاسة؛ لأنَّ العين تزول بالجفاف، وإن لم يجفّ فهي عين النجاسة. والرواية بحسب إطلاقها المقامي لم تفصل بين الموردين، بل هي أوضح في صورة الاستعجال بغسل الثوب بعد الإصابة، يعني: صورة بقاء عين النجاسة قبل جفافها، فإن لم يكن هذا ظاهراً فلا أقلّ من استشعاره، فإن لم يكن فلا أقلّ من الإطلاق وهو في مقام البيان.
فهذا مختصر الكلام عن اعتصام الماء الجاري، ونوكل سائر التفاصيل إلى محلّها.
وأمّا الكلام في إطلاق هذا الحكم لغير سطح الأرض، فهو التمسّك بإطلاق الأدلّة أيضاً من هذه الناحية؛ لوضوح عدم التقييد فيها.
وأمّا كونه تقييداً غير متعارف، فقد أجبنا عنه وعن غيره من الإشكالات في المسألة السابقة فراجع.
هذا هو الكلام في الفقرة الأُولى من المسألة.
الفقرة الثانية: أنَّ مقدار الكرّ من الماء معتصم أيضاً؛ بلا فرق بين سطح الأرض وغيره ما دام صدق ماهيّة الماء صحيحاً عرفاً على أيّ سائل.
واعتصام الكرّ لعلّه من ضروريّات الدين وإجماع العلماء، مضافاً إلى الروايات الصحيحة الدالّة عليه، نذكر واحدة منها لمجرّد الاسترشاد والتبرّك.
وهي صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله×، قال: >إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء<(1).
ــــــ[57]ـــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 40، باب آداب الأحداث الموجبة للطهارة، الحديث 47، وسائل الشيعة 1: 158، كتاب الطهارة، باب عدم نجاسة الكرّ من الماء الراكد بملاقاة النجاسة بدون التغيير، الحديث 2.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وهي شاملة للنجس والمتنجّس، ولصورة ورودهما على الماء أو ورود الماء عليهما، كما هي مطلقة لصورة التغيّر أيضاً، إلَّا أنَّها مخصّصة من هذه الناحية بأدلّة أُخرى.
ولا يُقال: إنَّ العبارة نصٌّ بالإطلاق >لم ينجّسه شيء< فلا تكون قابلةً للتقييد.
لأنَّه يُقال: إنَّها نصٌّ في الإطلاق باعتبار الأفراد لا باعتبار الحالات: أو قل نصٌّ في الملاقي (بالياء) لا الملاقى (بالألف) وهو الماء. ومن الواضح أنَّ التغيّر من حالات وأوصاف الملاقى وهو الماء، لا الملاقي وهي الأشياء التي تصيبه، وتمام الكلام في محلّه.
الفقرة الثالثة من هذه المسألة: أنَّه يمكن أن يقاس الكرّ في الأجرام السماويّة الأُخرى بالمساحة لا بالوزن، وإن كان يحتمل الاكتفاء بكميّته الأرضيّة هناك.
حيث تختلف الجاذبيّات على الأجرام السماويّة فتختلف الأوزان أيضاً بتبعها. ومن هنا يكون مصداق الكرّ وهو ما يساوي (400) كيلو غرام تقريباً مختلفاً عنه في الأرض، ومختلفاً في أيّ جرم سماويّ عنه في الآخر.
وهذا يقتضي فقهيّاً أحد أمرين:
الأمر الأوّل: الاكتفاء بالمقدار الموزون على الأرض من الماء، أعني: بمقداره، لا أنّه ينقل من الأرض إلى الجرم السماوي.
وهذا أمرٌ وجيه بل متعيّن مع إمكانه؛ لأنَّ المستفاد من الأدلّة هو رضاء الشارع بهذا المقدار من الماء كموضوع للاعتصام، مجرّد من حيث الزيادة والنقيصة، فإذا أمكن التأكّد والوثوق من حصوله فلا بأس، بغضّ
ــــــ[58]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
النظر عن كونه يساوي أيّ مقدار على الجرم السماوي المستعمل فيه.
إلَّا أنَّ التأكّد من ذلك صعب على أيّ حالٍ ما لم ينقل ماء من الأرض إلى الخارج. وأما المقارنة بين الوزنين فهو يكاد أن يكون متعذّراً، سواء أجريناه على الأرض أو في الجرم السماوي. نعم، يمكن أن تُؤخذ للماء – وهو على الأرض- مساحة أو حجم معيّن ويقاس عليه على الجرم، إلَّا أنَّ هذا يعود بنا إلى استعمال مساحة الكر دون وزنه، ومن الواضح – كما هو مقتضى الاحتياط أيضاً- أنَّ استعمال مساحة غير التي أشار إليها الشارع غير مشروع.
الأمر الثاني: أن يوزن مقدار (400) كيلو غرام في الجرم السماوي ويستعمل بصفته كذا، بحيث يكون موضوعاً لأحكام الكرّ، سواء زاد على الكرّ الأرضي أم نقص.
وهذا يواجه إشكالاً واضحاً: فإن المستفاد من الأدلّة هو الإشارة إلى كميّة معيّنة من الماء. وإنَّ الوزن والمساحة إنَّما هما طريقيّان للتوصّل إليها، لا أنَّهما مطلوبان بذاتهما وعنوانهما على كلّ حال.
فهنا إن كان المقدار المستعمل في الماء أقلّ من الكميّة الأرضيّة أشكل الاكتفاء به بدلاً عن الكميّة الأرضيّة، ولا يكون موضوعاً للأحكام. نعم، لو كان المقدار المستعمل أكثر من الكميّة الأرضيّة بقليلٍ أو بكثير، بحيث يحصل الوثوق بذلك، ارتفع الإشكال؛ لأنَّ المفهوم من الأدلّة هو كون الكرّ تلك الكميّة المشار إليها (لا بشرط) من حيث الزيادة، ولكنّها (بشرط لا) من حيث النقيصة.
إلَّا أنّ الفرد ينبغي أن يعلم هناك أنَّ هذه كميّة أكثر من الكرّ
ــــــ[59]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الشرعي، فلو اعتبرها (بشرط لا) من حيث النقصان كان تشريعاً محرّماً، ومن آثار ذلك أيضاً أنّه لو أُزيل منه مقدار من الماء بحيث لا يضرّ بانخفاض الكميّة الأرضيّة للكرّ منه فأكثر، فإنَّه يبقى على اعتصامه بالرغم من نقصانه. وهذا معنى لا ينطبق على الكرّ الأرضي فقهيّاً؛ لأنَّه مع نقصانه يخرج عن موضوع الأدلّة.
ومن هنا نعرف أنَّه لا يتعذّر المسير إلى الوزن دائماً على الأجرام السماويّة، لا أقلّ من أخذ الاحتياط بنظر الاعتبار باستعمال كميّة يحرز أو يوثق كونها أكثر بقليل أو بكثير من الكرّ الأرضي.
لكن لو تعذّر ذلك في بعض الموارد، أو أراد الفرد التدقيق في كميّة الكرّ بحيث لا تكون أكثر منه، عندئذٍ يمكنه – بل يتعيّن عليه- أن يستغني عن الوزن ويستعمل المساحة، فإنَّ كلا الأمرين ممّا دلَّ الدليل المعتبر على صحّة كونه موضوعاً للأحكام الشرعيّة للكرّ. ولا حاجة الآن إلى سرد تلك الأدلّة بل نوكلها إلى مواضعها في الفقه.
وعلى أيّ حال، يكون الفرد مخيّراً بالعنوان الأوّلي بين اتّخاد الوزن أو المساحة، فإذا تعذّر أحدهما – كما هو المفروض- تعيّن الآخر على القاعدة؛ إذ يكون هو الفرد المنحصر للكرّ.
ولا يبقى إلَّا إشكال واحد تطبيقي، وحاصله: احتمال أن لا تكون المقادير في المساحة هي نفسها المقادير الأرضيّة، كما هو الحال في الوزن؛ وذلك لاحتمال تمدّد أو تقلّص الموادّ المستعملة في الاستخراج عند نقلها إلى الجرم السماوي.
إلَّا أنَّ هذا الإشكال مندفع بعدّة وجوه:
ــــــ[60]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الوجه الأوّل: أنَّه إذا لم يكن التقلّص محتملاً كفى في استخراج الكرّ (لا بشرط) عن الزيادة؛ إذ نعلم إجمالاً أنّ هذه الموادّ المستعملة للمساحة هي إمّا باقية كما هي أو متمدّدة، والتمدّد لا ينافي قياس الكريّة إلَّا إذا أُريد الدقّة في الكميّة، وهي غير مطلوبة شرعاً ولا عرفاً.
الوجه الثاني: أنّه مع احتمال التقلّص يمكن الاحتياط بالزيادة إلى حدٍّ يحصل الوثوق بالكميّة التي هي (لا بشرط) عن الزيادة.
الوجه الثالث: أنَّ احتمال التمدّد وارد ووجيه أحياناً، إلَّا أنَّ احتمال التقلّص غير وجيه، ولا تُعرف له إلى الآن أسباب محدّدة، الأمر الذي ينتج كونه غير محتمل فقهيّاً حصوله على الجرم السماوي، أو يوثق بعدم حصوله هناك، فلا يبقى إلَّا احتمال الزيادة التي قلنا بأنَّها غير مضرّة فقهيّاً.
الوجه الرابع: أنَّ مساحة الكرّ لا يتعيّن قياسها بالموادّ الاعتياديّة كالمتر أو غيره، وإنَّما يعتبر أقرب قياس لها بالشبر باليد البشريّة، ومن الواضح أنَّ احتمال التقلّص بل والتمدّد أيضاً في الجسم الإنساني في أيّ جرم سماويّ ليس احتمالاً وجيهاً، وإن كان يمكن تصوّره بالخيال العلمي، الأمر الذي يحصل به الوثوق بالقياس هناك.
ومع فرض حصول التقلّص في الجرم السماويّ يقيناً أو احتمالاً، فإنَّ الوزن والمساحة معاً سيفشلان في تحديد كميّة الكرّ هناك؛ لأنَّ التقلّص يشمل جميع الموادّ بما فيها الموادّ الدالّة على الوزن والدالّة على المساحة.
ومقتضى القاعدة في مثل ذلك وجوب الاحتياط بالزيادة إلى درجة يُحرز فيها وجود كميّة الكرّ الأرضيّة التي هي (لا بشرط) عن الزيادة كما أشرنا أكثر من مرّة.
ــــــ[61]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الفقرة الرابعة في المسألة: أنَّ مساحة الكرّ هي ثلاثة أشبار ونصف لضلع المكعب أو ما يساويه في الأحجام الهندسيّة الأُخرى أو يزيد عليه.
والاستدلال الموسّع عليه موكول إلى محلّه، إلَّا أنّا نختصر الدليل عليه في وجهين رئيسيّين:
الوجه الأوّل: التمسّك بصحيحة أبي بصير، قال سألت أبا عبد الله× عن الكرّ من الماء كم يكون قدره؟ قال: >إذا كان الماء ثلاثة أشبار ونصف في مثله ثلاثة أشبار ونصف في عمقه في الأرض، فذلك الكرّ من الماء<(1).
فقد يُقال: إنَّ هذه الصحيحة أخصّ من الروايات الدالّة على الكميّات الأقلّ(2)، فتكون مقيّدة لها، ولعلّها أصحّ سنداً من الباقي فيتعيّن الأخذ بها، وفي هذا وغيره مناقشات لا حاجة إلى سردها.
الوجه الثاني: أنَّ هذا التحديد هو الأوفق بالاحتياط والقاطع لاستصحاب عدم الكريّة، بعد تعارض الأدلّة وإجمال الكثير منها، فيتعيّن الفتوى بالاحتياط عندئذٍ.
أقول: وإنَّما أشرنا في هذه المسألة إلى المساحة ولم نشر إلى الوزن؛
ــــــ[62]ـــــــ
(1) الكافي 3: 3، باب الماء الذي لا ينجّسه شيء، الحديث 5، تهذيب الأحكام 1: 42، باب آداب الأحداث الموجبة للطهارة، الحديث 55، وسائل الشيعة 1: 166، كتاب الطهارة، باب مقدار الكرّ بالأشياء، الحديث 6.
(2) كرواية إسماعيل بن جابر، قال: سألت أبا عبد الله عن الماء الذي لا ينجسه شيء؟ فقال: كرّ، قلت: وما الكرّ؟ قال: ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار. أُنظر: الكافي 3: 3، كتاب الطهارة، باب الماء الذي لا ينجسه شيء، الحديث 6، وسائل الشيعة 1: 16، كتاب الطهارة، باب عدم نجاسة الكرّ من الماء الراكد…، الحديث 7.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
باعتبار احتمال الأخذ به في بعض الأجرام السماويّة، بعد تعذّر الوزن، كما أشرنا. فإن لم يتعذّر الوزن أمكن أخذه من مصادر أُخرى، وقد ذكرناه في الشرح على أيّ حال.
مسألة (4) مع توفّر التراب أو الرمل أو الصخور ونحوها، ممّا يماثل وجه الأرض، يجوز التيمّم به والدفن فيه طبقاً لأحكامها(1).
في ما يجوز فيه التيمّم والدفن
في هذه المسألة عدّة فقرات لابدَّ من النظر فيها:
الفقرة الأُولى: أنَّنا بيّنا في هذه المسألة ضمناً؛ أنَّ الرأي الذي نذهب إليه فقهيّاً هو جواز التيمّم على مطلق وجه الأرض وليس على التراب خاصّة. فالأمثلة المذكورة في المسألة من الرمل والصخور هي من جملة وجه الأرض، ويجوز التيمّم عليها اختياراً وبالعنوان الأوّلي، ولا يشترط في الصخر أن يكون مغبرّاً؛ لأنَّ التيمّم إنَّما هو بالصخر نفسه وليس بالغبار.
أمّا أنَّه يجوز التيمّم بمطلق وجه الأرض فللتمسّك بإطلاق الآية الكريمة بل نصّها، فإنَّ المأخوذ فيها عنوان الصعيد، وهو مطلق وجه الأرض، كما يحصل به الاطمئنان مع مراجعة أقوال اللغويّين في تفسيره(2)، فتكون الآية الكريمة شاملة لكلِّ ما يوجد في سطح الأرض طبيعيّاً من أُمور، ومن المعلوم أنَّ القدر المتيقّن في ذلك هو الرمل والصخر. نعم، الملح والوحل ونحوه قد يكون مورد شكٍّ ومورد الاحتياط بالترك اختياراً.
ــــــ[63]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 16، كتاب الطهارة، مسألة رقم (4).
(2) أُنظر: معجم مقاييس اللغة 3: 287، مادّة (صعد)، تاج العروس 5: 61، مادّة (صعيد).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
ولم يرد دليل مخصّص ينهى عن التيمّم عن بعض الأقسام، فتبقى الآية على سعتها. وأمّا المعادن فالغالب فيها هو الكون في باطن الأرض، فليست من الصعيد في شيءٍ، بل حتّى المعادن الظاهرة – كالملح- لا تخلو من إشكال وإن كانت مشمولة للفظ الصعيد بالعنوان الأوّلي.
ومعه فيمكن التيمّم على الصخور بأنواعها، حتّى المرجانيّة منها، ما دامت تسمّى صخراً عرفاً. فإنَّ المرجان بالمفهوم المصطلح علميّاً أوسع منه بالفهم العرفي، والمدار هو الفهم العرفي لا العلمي.
بل حتّى لو اصطلح البعض على بعض الصخور بأنَّها معادن لندرتها وصعوبة استخراجها من باطن الأرض، وليس في ظاهر الأرض منها إلَّا القليل، إلَّا أنّها مع ذلك لا يصدق عليها المعدن عرفاً؛ لأنَّ العرف يشاهد نوع الصخر على سطح الأرض، ومن ثَمَّ تصدق عنده هذه القضيّة: وهي أنَّ كلّ الصخر من سطح الأرض، وإن كذبت هذه القضيّة واقعيّاً أو علميّاً، فيكون هذا النوع من الصخر الباطني مشمولاً لمفهوم الصعيد عرفاً، وهذا يكفي في فهم الآية.
وبتقريب آخر: إنَّ المعدن بالارتكاز العرفي له صفات معيّنة لا تتوفّر في الصخر، واصطلاح المعدن عليه على خلاف هذا الارتكاز بلا شكٍّ. ومن الواضح أنَّه يمكن التمسّك بإطلاق الآية الكريمة ما لم يرد دليل على الخلاف، وقد خرج منها المعدن فيبقى الباقي تحت الإطلاق، بعد تحقّق النفي العرفي لكون الصخر معدناً مهما كان نوعه.
فإن قلت: إنَّه لا يمكن التمسّك بإطلاق الآية ما لم يحرز كون هذا النوع من الصخر أو ذاك من جملة الصعيد، وهذا لا يكون إلَّا إذا كان
ــــــ[64]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
موجوداً في ظاهر الأرض؛ لأنَّ الصعيد هو وجه الأرض لا باطنها، فما في الباطن يشكّ لا محالة في كونه منه، فيتعذّر التمسّك بالإطلاق؛ لأنَّ الشبهة تكون حينئذٍ مصداقيّة.
قلنا: نعم، إلَّا أنَّنا يمكن أن نضمّ إلى ذلك القضيّة العرفيّة الارتكازيّة السابقة التي تقول: كلّ صخر فهو من وجه الأرض؛ وذلك لما أشرنا إليه من أنّ الشاهد للعرف هو وجود الصخر كذلك دائماً، فيكون تعميمه صحيحاً في نظره، وإن كان باطلاً حقيقة. والمدار هو الأخذ بالرأي العرفي دائماً، وبه نحرز المصداق ولا تكون الشبهة مصداقيّة.
بقي علينا أن نشير إلى ما قلناه من أنَّه يمكن التيمّم على الصخر وإن كان خالياً من الغبار، وأنَّ الصحيح هو عدم وجود (العلوق) على سطح اليد، وقد بحثنا ذلك في (ما وراء الفقه)(1) ونذكر هنا الفكرة من زاوية فقهيّة خالصة.
فإنَّ الدليل عليه منحصرٌ بالتمسّك بقوله تعالى: {مِنْهُ} في الآية الكريمة: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}(2)، والضمير راجع إلى الصعيد، فلابدَّ أن يعلق باليد من الصعيد شيء حتّى يصدق هذا العنوان.
إلَّا أنَّ هذا الاستدلال غير تامٍّ لعدّة وجوه؛ منها:
الوجه الأوّل: أنَّ الضمير في الجار والمجرور يعود على الصعيد لا محالة، فإن كان الصعيد هو التراب الخالص، كما بنى عليه جماعة من
ــــــ[65]ـــــــ
(1) أُنظر: ما وراء الفقه 1، ق1: 241، وما بعدها، كتاب الطهارة، فصل في آيات الوضوء والتيمّم، الجهة السابعة، الناحية الثانية.
(2) سورة المائدة، الآية: 6.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الفقهاء، ومن شأن هذا التراب أن يعلق باليد. إذن فلابدَّ من انطباق العنوان بحصول العلوق.
إلَّا أنَّنا قلنا: إنَّ الصعيد هو مطلق وجه الأرض، ولعلّ أكثر ذلك ممّا ليس من شأنه أن يعلق بالكف، ففي الإمكان جعل الصعيد قرينةً على عدم كون المراد من الجار والمجرور ذاك، بل يحتاج إلى فهمٍ آخر قد نشير إليه بعداً.
لا يُقال: إنَّه كما يمكن جعل الصعيد قرينةً على الجار والمجرور، يمكن العكس أيضاً، فيتعيّن أن يراد من الصعيد ما يمكن أن يعلق منه في اليد شيء، فلا يكون هو مطلق الأرض بل خصوص التراب.
فإنَّه يُقال: إنَّ الحجّة قائمة في اللغة على أنَّ الصعيد هو مطلق وجه الأرض، ولا توجد في الآية قرينةٌ تزاحمه، وإنَّما الشكّ في معنى الجارّ والمجرور، ومعه نجعل ما هو الأكيد قرينةً على الآخر، دون العكس.
الوجه الثاني: أن ننكر أن يكون الضمير راجعاً إلى الصعيد، بل هو راجعٌ إلى أمر آخر، وتعيينه يتمّ بأحد شكلين.
الشكل الأول: أنَّه راجعٌ إلى التيمّم بما هو وظيفةٌ شرعيّة، كما في صحيحة زرارة أنَّه قال لأبي جعفر×: ألا تخبرني من أين علمت وقلت: >إنَّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين<… إلى أن قال: >وأيديكم منه<(1)، أي: من ذلك التيمّم.
ــــــ[66]ـــــــ
(1) الكافي 3: 30، كتاب الطهارة، باب مسح الرأس والقدمين، الحديث 4، الاستبصار 1: 62، كتاب الطهارة، الباب 35، الحديث 5، وسائل الشيعة 1: 413، الباب 23من أبواب الوضوء، الحديث 1.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وقد يستشكل في ذلك:
أوّلاً: أنَّ المراد بالتيمّم الصعيد نفسه؛ لأنَّه تفسير للآية الكريمة، فكأنَّه قال: من ذلك الصعيد، فيعود الإشكال.
وجوابه: أنَّه خلاف الظاهر، وكونه تفسيراً للآية لا يعيّن رجوع الضمير إلى الصعيد، وقد ثبت في علم الأُصول أنَّ من حقّ السنّة الصحيحة أن تفسّر القرآن الكريم بما تشاء(1).
ثانياً: أنَّ التيمّم – كوظيفةٍ شرعيّةٍ- لم يكن اصطلاحاً في زمن نزول القرآن الكريم، فكيف يحمل عليها، والمراد به في الآية الكريمة هو القصد لا أكثر؟
وجوابه: نعم، إلَّا أنَّ السنّة الصحيحة قد فسّرته، ولو أنَّنا بقينا والآية مستقلّة لم نقل به.
ثالثاً: أنَّ التيمّم لم يُذكر في الآية الكريمة، فليس للضمير مرجعٌ على هذا التقدير، فيتعيّن رجوعه إلى غيره وهو الصعيد.
وجوابه: إنَّ التيمّم بصيغته وإن لم يكن مذكوراً إلَّا أنَّه ذُكر بمادّته ضمن قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا}(2)، فإنَّ مادّته هي التيمّم، وهذا يكفي في رجوع الضمير إليه لا إلى غيره. فتأمّل.
الشكل الثاني: أنَّ الضمير راجع إلى الضرب على الأرض، وهو المأمور به في الشريعة طبقاً للروايات الصحيحة، والمشهور الذي كاد أن يكون إجماعاً.
ــــــ[67]ـــــــ
(1) راجع تفصيل ذلك في الأُصول العامّة للفقه المقارن: 124، حجّيّة السنّة.
(2) سورة النساء، الآية: 43.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
إلَّا أنَّ هذا غير محتملٍ في نفسه؛ لخلوّ الآية الكريمة من مرجعيّة، ولم يوجد في السنّة الصحيحة ما يفسّره بهذا الشكل. وأمرها بالضرب وإن كان صحيحاً إلَّا أنّه لا يعيّن مرجع الضمير هنا.
الوجه الثالث: أنَّه لا يتعيّن أن تكون >من< في قوله تعالى: {مِنْهُ} تبعيضيّة لكي يتعيّن عودها إلى الصعيد بعد التنزّل عن الوجهين السابقين، بل يمكن فيها وجوه أُخرى.
منها: البدليّة، كقوله تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ}(1)، يعني: بدلها.
ويكون المعنى: أنَّ التيمّم بدل الوضوء، ويكون الوضوء هو مرجع الضمير، يعني: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم بدل الوضوء، وهو مذكور في سياق الآية قبل أسطر.
ومنها: موافقة أو مرادفة >عند< كقوله تعالى: {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً}(2)، أي: عند الله.
فيكون المراد من الضمير المنطقة التي يتيمّم فيها أو يقصدها، فإنَّه يمسح بوجهه ويديه عندها.
ومنها: موافقة أو مرادفة >في< كقوله تعالى: {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ}(3)، أي: في الأرض.
فيكون المعنى المسح في تلك المنطقة من الأرض.
ــــــ[68]ـــــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 38.
(2) سور المجادلة، الآية: 17.
(3) سورة فاطر، الآية: 40.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
ومنها: مرادفة >على< كقوله تعالى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}(1)، أي: عليهم. فيكون المعنى لزوم المسح على تلك المنطقة، أي: على الأرض التي حلّ فيها. إلى غير ذلك من المعاني.
الوجه الرابع: في نفي العلوق والجواب على الاستدلال بالآية: إنَّ هذه الآية الكريمة في سورة المائدة وإن ذكرت ذلك إلَّا أنّ ما يشبه هذا السياق موجود في آية أُخرى في سورة النساء وهي خالية من قوله {منه}.
فقد يقال: إنَّ ذلك دليل عدم أخذه اللزوميِّ بنظر الاعتبار؛ إذ لو كان واجباً للزم تكراره في كلّ سياقٍ دالٍّ على التيمّم، فتكون الآية الثانية قرينةً على الأُولى من أنَّ المراد منها الاستحباب، أو بعض التفاسير المعنويّة للجارّ والمجرور، أو أنَّ المراد من >من< غير التبعيضيّة أو نحو ذلك.
إلَّا أنَّ الإنصاف أن هذا الوجه قابلٌ للمناقشة؛ لأنَّ الآية الثانية بمنزلة المطلق والأُولى بمنزلة المقيّد، وحمل المطلق على المقيّد لا إشكال فيه، فتكون الأُولى قرينةً على الثانية دون العكس. ولعلّ الحذف في الثانية جاء اعتماداً على ذكره في الأُولى، والله العالم.
الوجه الخامس: إعراض المشهور عن وجوب العلوق، بمعنى: إعراضه عن فهم الوجوب من الآية الكريمة، إلى حدٍّ لم يقل عددٌ من الفقهاء – وخاصّة المتأخّرين منهم- باستحبابه فضلاً عن وجوبه. وهذا يكون قرينةً على تضعيف هذا الفهم من الآية.
وتمام الكلام في محلّه. والأمر لا يحتاج أكثر من هذا التفصيل في حدود هذا الكتاب.
ــــــ[69]ـــــــ
(1) سورة الأنبياء، الآية: 77.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
في جواز التيمّم في صعيد غير الأرض
الفقرة الثانية: من هذه المسألة: أنَّه كما يجوز أو يجب التيمّم في صعيد الأرض، كذلك الحال تماماً في صعيد أيّ جرمٍ سماويٍّ آخر.
والكلام هنا تارةً فيما إذا كانت الموادّ الأرضيّة في ذلك الجرم تشبه الموادّ الأرضيّة على سطح الأرض، بحيث يصدق عليها عرفاً كونها تراباً أو رملاً أو صخراً أو غير ذلك، وأُخرى يقع الكلام مع افتراض أنَّ الموادّ الأرضيّة هناك كانت تختلف جنساً عن موادّ هذه الأرض.
أمّا الكلام في الاحتمال الأوّل، وهو صورة مشابهة الموادّ الأرضيّة [هناك] للموادّ الأرضيّة [على سطح الأرض]، فلا ينبغي الإشكال في جواز التيمّم بها؛ لفرض صدق التراب والصخر عليها عرفاً، الأمر الذي يستلزم صدق مفهوم الصعيد أيضاً، فيكون موضوعاً للحكم في الآية الكريمة والسنّة الشريفة.
نعم، توجد بعض الأُمور لابدَّ من ذكرها والجواب عليها؛ [منها]:
أنَّ اللغويّين فسّروا الصعيد بكونه (مطلق وجه الأرض) على ما اخترناه، إلَّا أنَّ المراد بالأرض هو هذه الأرض التي نعيش عليها، وليس هناك أرض أُخرى يلتفت إليها عرفاً، لتكون مصداقاً للآية الكريمة، ولا أقلّ من الشكّ في ذلك، وهو الذي يكون موضوعاً بدوره للأُصول العمليّة المنتجة لخلاف المقصود، كاستصحاب الحدث واستصحاب عدم حصول التيمّم وغيرها.
ويمكن أن يجاب [عن هذا الأمر] بعدّة مستويات، نذكر أهمّها:
المستوى الأوّل: أنَّ استعمال الأرض في القرآن الكريم وإن كان
ــــــ[70]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الأغلب فيه إرادة أرضنا هذه، إلَّا أنَّه استعمل هذا اللفظ وأراد به أراضيَ أُخرى في آيات عديدة.
منها: قوله تعالى: {وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ}(1) وهي ظاهرة بأنَّ المراد أرض الجنّة وليس الكرة الأرضيّة؛ لأنَّ هذا القول يصدر من المؤمنين بعد دخولهم الجنّة. إذن فلم يورثهم الله سبحانه هذه الأرض بل أرض الجنّة.
ومنها: قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}(2)، وهي واضحة بأنَّ المماثلة إنَّما هي بحسب العنوان المأخوذ في جانب السموات وهو العدد، فتكون ظاهرة بأنَّ الأراضي سبعة كما أنَّ السماوات سبع.
إذن ينتج أنَّ الآية الكريمة استعملت هذا اللفظ وأرادت به أراضيَ أُخرى غير هذه الأرض، فإنَّ ستّة على الأقل من هذه السبعة هي غير هذه الأرض.
ومنها: قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً}(3) بعد التسليم واليقين بأنَّ الإنسان لم ينبت من الأرض كالنبات، إذن فقد أراد أرضاً أُخرى، يكون نسبة الإنسان إليها كنسبة النبات إلى هذه الأرض.
لا يُقال: بأنَّ قوله تعالى بعدها مباشرة: {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً}(4) المراد منه هذه الأرض، فإنَّها التي يتمّ فيها الدفن ويكون فيها
ــــــ[71]ـــــــ
(1) سورة الزمر، الآية: 74.
(2) سورة الطلاق، الآية: 12.
(3) سورة نوح، الآية: 17.
(4) سورة نوح، الآية: 18.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الحشر، كما نطقت الآية الكريمة.
فإنَّه يُقال: إنّ هذا الفهم إنَّما هو باعتبار التعدّد على أرضنا هذه، وإلَّا فمن الواضح أنَّ الضمير في قوله {فِيهَا} راجع إلى الأرض المذكورة قبلاً، وهي الأرض التي أنبتت الإنسان وهي ليست الكرة الأرضيّة على أيّ حال.
لا يُقال: إنَّ قوله تعالى: {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا} دالٌّ على الدفن فيها، وهو لا يكون إلَّا على سطح هذه الأرض، فيكون قرينةً على أنَّ المراد من الأرض أوّلاً ذلك أيضاً.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذه القرينيّة بعد إرجاع الضمير في نفس الفقرة إلى الأرض التي أنبتت الإنسان، والتي علمنا أنَّها ليست الكرة الأرضيّة، إنَّما هي قرينيّة ضعيفة، والإعادة فيها لا تعني الدفن بصراحة، وإلَّا لكان الأولى أن يقول: يعيد أجسادكم فيها، وليس الإنسان ككلّ.
على أنَّ قرينيّة المتقدّم على المتأخّر أولى من العكس، لغةً وعرفاً، فتكون الفقرة الأُولى قرينة على أنَّ المراد بالإعادة والإخراج ما يناسب تلك الأرض المعيّنة في الفقرة الأُولى.
ومنها – أي: من الآيات الكريمة التي تستعمل الأرض بغير معناها المعهود-: قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا}(1) وقد كرّر النصّ مرّتين في القرآن الكريم بلفظ متقارب.
ومن الواضح أنَّ المراد لو كان هو الكرة الأرضيّة، لما صدقت الآية عليها؛ لأنَّها لا تنقص من أطرافها بل تزيد، وزيادة سمك الأرض خلال تطاول السنين أمر مسلّم، نتيجة النيازك التي تسقط عليها وغيرها. إذن
ــــــ[72]ـــــــ
(1) سورة الرعد، الآية: 41.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
فالمراد معنى آخر للأرض.
لا يُقال: إنَّ هذا المعنى الآخر يكفي أن يكون قطعةً معيّنةً من الأرض، تنقص من أطرافها.
فإنَّه يُقال: إنَّه ليس المراد جزماً قطعة معيّنة، بل إعطاء قانون أو صفة عامّة للأرض، ومن الواضح أنَّه ليس كلّ قطع الأرض تنقص من أطرافها، بل الأعمّ الأغلب منها ليس كذلك.
بل يمكن أن يُقال: إنَّه لا توجد أيّة قطعة في الأرض بهذه الصفة؛ لاتصال القطع الأرضيّة ببعضها، بشكل لا يمكن نقصانها كما هو واضح إلَّا بفناء الأرض كلّها.
ومعه يتعيّن أن يكون المراد من الأرض معنى آخر، ويؤيّده تفسيره في بعض الأخبار بموت العلماء(1)، فإنّ موتهم إنَّما يشكّل نقصاً في الأرض المعنويّة لا الأرض المادّيّة.
إذن، فقد استعمل القرآن الكريم لفظ الأرض في عدد من المواضع بمعنى آخر غير الأرض المعهودة، وهذا هو المستوى الأوّل للجواب على الوجه الأوّل من الإشكال.
المستوى الثاني: عرّف ابن منظور الأرض بأنَّها: التي عليها الناس(2).
ويتمّ الاستدلال بهذه الجملة ضمن عدّة نقاط:
ــــــ[73]ـــــــ
(1) أُنظر: الكافي 1: 38، كتاب فضل العلم، باب فقد العلماء، الحديث 6، مَن لا يحضره الفقيه 1: 186، باب النوادر: ليس شيء أحبّ إلى إبليس من موت فقيه، الحديث 560.
(2) لسان العرب 7: 110، حرف الضاد، فصل الألف.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
النقطة الأُولى: أنَّ هذه الجملة يراد بها الجنس لا العهد، فإنَّ الألف واللام الداخلة على أسماء الأجناس تنقسم إلى جنسيّة وعهديّة. وأمّا غير ذلك – كما هو المستعمل هنا من اسم الموصول- فلا مورد للعهد فيه، وإنَّما يراد به الجنس دائماً، ويتّضح ذلك فيما إذا أبدلنا اسم الموصول (التي) بـ(ما) الموصولة. فقلنا: ما يكون عليها الناس، فإنَّها تكون واضحة العموم. ولا شكّ أنَّ إبدال اسم الموصول لا يعطي اختلافاً في المعنى.
إذن، فكلّ ما يكون فيه الناس يسمّى أرضاً.
النقطة الثانية: أنَّ المراد من الناس ليس خصوص البشر، بل قد يراد منه سلالات أُخرى.
قال ابن منظور: الناس: قد يكون من الإنس وقد يكون من الجنّ(1).
أقول: ويؤيّده قوله تعالى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}(2)، فإنَّ المراد: أنَّ الشيطان يوسوس في صدور الجنّ والإنس، فيكون المراد من الناس الثانية في الآية خصوص الإنس، ومن الناس الأُولى فيها الجنّ أو الأعمّ من الإنس والجنّ.
ومن الممكن القول أنَّ المراد بالجنّ ليس سلالة معيّنة؛ لوضوح أنَّهم غير مرئيّين وغير معروفين للبشر، وإنَّما يراد بهم كلّ سلالة غير معروفة وغير مرئيّة، الأمر الذي يجعل اللفظ شاملاً للسلالات التي قد تكون موجودة في كواكب أُخرى، باعتبارها غير معروفة فعلاً للبشر.
وهذا لا يعني أنّ تلك السلالات هي من الجنّ بالمعنى الذي يعتقده
ــــــ[74]ـــــــ
(1) لسان العرب 6: 245، فصل النون.
(2) سورة الناس، الآيتان: 5-6.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الناس، وإنما المراد شمول معنى الجنس لهم، وإن اختلفوا عن هؤلاء الجنّ بالخلقة؛ باعتبار أنَّ المعنى المشترك هو الاختفاء عن البشر وجهالة البشر بهم. وهو أمرٌ صادق على كلّ السلالات العاقلة غير البشريّة.
إذن فلفظ الأرض يصدق على كلِّ ما عليه الناس، سواء كانوا بشراً أم لم يكونوا، وسواء كانوا على الأرض المعهودة أم في أجرام سماويّة أُخرى. إذن فأرض تلك الأجرام هي أرض أيضاً؛ باعتبار شمول تعريف ابن منظور لها.
النقطة الثالثة: أنَّ لفظ >عليها< في تعريف ابن منظور لا ينبغي أن يشكّل لنا مشكلة حين قال: (التي عليها الناس)، فإذا وجدنا في بعض الأجرام ذواتاً عاقلةً لا تعيش على سطح الأرض منها [وإنَّما] في داخله بشكلٍ وآخر، لم يكن أرضاً.
ليس الأمر كذلك، بل هي أرض مشمولة للتعريف، وإنَّما أخذ ابن منظور لفظ >عليها< باعتبار الغالب، وما هو المعتاد من حال البشر على الأرض.
كما يمكن أن يقال: إنَّ عنوان >عليها< يصدق حتّى لو كان الخلق في الباطن؛ لأنَّهم على أيّ حال في القشرة الخارجيّة للكوكب وليسوا قريبين من المركز، فالاستعلاء صادق بالنسبة إلى مجموع الكواكب.
المستوى الثالث: التمسّك بالفهم الارتكازي العرفي لمعنى الأرض، وهو ما يمكن أن يكون تحت الأرجل أو ما يمكن المشي عليه، من الأجرام السماويّة (بما فيها أرضنا).
وفي هذا التعريف عدّة نقاط:
ــــــ[75]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
النقطة الأُولى: أنَّنا أخذنا عنوان الإمكان لا الفعليّة، توخّياً لشمول المفهوم للأجرام غير المسكونة أيضاً، ما دامت ممّا يمكن المشي عليها وكونها تحت الأرجل.
النقطة الثانية: إن قصدنا من الأرجل أرجل البشر كان عنوان الإمكان ضروريّاً أيضاً؛ للشمول لأجرام سماويّة لم تطأها رجل إنسان، وإن كان يمكن فيه ذلك.
وإن قصدنا من الأرجل ما هو الأشمل من الحيوان والمخلوقات الأُخرى أيضاً، كان عنوان الإمكان ضروريّاً لأجل الشمول للأجرام غير المسكونة، والتي لم تطأها رجل مخلوق.
النقطة الثالثة: لا يراد بالإمكان في التعريف ما هو فعليّ منه، حتّى يقال: إنَّ بعض الأجرام لا يمكن فعلاً أن تطأها الأرجل، بل يراد بالإمكان ما هو عقليّ منه. ومن المعلوم أنَّ الأجرام السماويّة على العموم ممّا يمكن أن تطأها الأرجل، إلَّا ما سنشير إليه بعد قليل.
النقطة الرابعة: من الأجرام السماويّة ما لا يمكن أن تطأها: كـ[ما تطأ] الأرض أو تمشي عليها، لعدّة أسباب:
1. الحرارة الشديدة كالشمس أو أشدّ منها.
2. للبرودة الشديدة بحيث ينجمد الماشي عليها.
3. لشدّة الجاذبيّة كالثقب الأسود.
4. لهشاشة الأرض كطبقة ضخمة من الغبار الناعم أو الوحل.
5. لوجود عواصف شديدة مستمرّة كالمشتري.
إلى غير ذلك من الأسباب.
ــــــ[76]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
فهل نقول في مثل ذلك: إنَّ أمثال هذه الأجرام ليس لها أرض، أو لا يصدق عليها مفهوم الأرض؟
ونحن إذا اعتمدنا على الفهم العرفي الارتكازي لمفهوم الأرض رأينا أنَّ المهمّ في صدق الأرض وانطباقها هو وجود قشرة صلبة نسبيّاً، أو قل متماسكة نسبيّاً للجرم أو الكوكب، فإذا كان له ذلك كان له أرض وإلَّا فلا.
ولا يهمّ بعد ذلك أنَّ ما فوق هذه القشرة ممّا يمكن فعلاً المشي عليها أو السكنى فيها لأيّ مخلوق. كما لا يهمّ شكل الجوّ الذي يكتنفها من حرٍّ أو بردٍ أو عواصف.
وبذلك يمكننا أن نطمئنّ إلى صدق الأرض على عدد من الأقسام السابقة، ولا يبقى بعد ذلك إلَّا ما لا قشرة له من الكواكب أو النجوم كما لو كان:
1. متكوّناً من غازات فقط.
2. متكوّناً من غبار فقط.
3. متكوّناً من موادّ متفجّرة فقط.
ونقصد من قولنا (فقط) عدم وجود القشرة المتماسكة فيه. إذن فلا يوجد فيه أرض بطبيعة الحال. ومثل هذه الأجرام غير قابلة للسكنى بحال، بل هي ليست أجراماً على الحقيقة وإن بدت للناظر كذلك لما فيها من التخلخل العظيم.
وأمّا الثقب الأسود، فهو لشدّة جاذبيّته لا يمكن التعرّف على حقيقته، وأنَّه هل لديه قشرة متماسكة أم لا، فيبقى صدق الأرض عليه متوقّفاً على ذلك، وإن كان الظنّ على ذلك على أيّ حال؛ لأنَّ قوّة الجاذبيّة
ــــــ[77]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
تعمل على وجود القشرة الصلبة، كما أنَّها تنتج من مثل تلك القشرة، لا من مجرّد غازات متجمّعة مثلاً.
إذن ينتج أنَّ القشرة المتماسكة هي الأرض عرفاً، بما فيها أرضنا هذه، لما فيها من القشرة المتماسكة.
فإن قيل: إنَّ السيرة العقلائيّة والارتكازات العرفيّة إنَّما تكون حجّة فيما إذا كانت معاصرة لعصر وجود الأئمّة^، كما هو المحقّق في علم الأُصول(1)، وأمّا إذا كانت السيرة متأخّرة عنهم لم تكن حجّة بحال.
وإذا التفتنا إلى السيرة التي نتحدّث عنها وجدناها متأخّرة بلا شكٍّ؛ لأنّ الفقهاء لم يكونوا يدركون أنَّ للقمر والشمس – فضلاً عن النجوم والكواكب الأُخرى- أراضيَ يمكن المشي عليها، أو قشرة متماسكة – كما عبّرنا- إذن لا يكون فهمهم وسيرتهم على ذلك حجّة.
وهذا الإشكال ناشئ من سوء فهم ما نريد القصد إليه، وذلك من ناحيتين:
الناحية الأُولى: أنَّنا علمنا من المصادر القديمة أنَّ معنى الأرض بالشكل الواسع الذي لا يختصّ بهذه الأرض موجود كما في القرآن الكريم وغيره، وهذا معناه أنَّه ارتكاز يمرّ في عصر المعصومين^.
الناحية الثانية: أنَّ اشتراط السيرة بمعاصرة المعصومين^ إنَّما هو للسيرة التي يستنتج منها بعض الأحكام الشرعيّة، جوازاً أو وجوباً، وأمّا مورد كلامنا فإنَّ المقصود هو دعوى أنَّ لفظ الأرض موضوع لغةً للقشرة
ــــــ[78]ـــــــ
(1) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 4: 234، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، حجيّة السيرة.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
المتماسكة لأيّ كوكب أو نجم، ويكون استعماله فيه استعمالاً حقيقيّاً، وليس مجازيّاً كما قد يخطر ببال البعض، بغضّ النظر عن الأحكام الشرعيّة.
كلّ ما في الموضوع أنَّنا إذا تمَّ لنا ذلك لغةً، أمكننا أن نتمسّك بإطلاق لفظ الأرض لدى ورودها في لغة الكتاب والسنّة، وعدم اختصاصه بقشرة أرضنا هذه.
وهنا قد يقال: إنَّنا في هذه المسألة نتكلّم عن التيمّم بالتراب، وهو ممّا أُخذ فيه لفظ الصعيد لا الأرض. والصعيد خاصّ بأرضنا، وإن كان لفظ الأرض عامّاً. وبتعبير آخر: إنَّنا برهنّا إلى الآن على عموم مفهوم الأرض لا عموم مفهوم الصعيد، فلم نحصل على فائدة في هذا الباب.
وجوابه: إنَّ هذا السؤال ناتج من قلّة الملاحظة لما قلنا، حيث سمعنا مكرّراً: أنَّ الصعيد هو مطلق وجه الأرض. إذن فقد ورد لفظ الأرض في تعريف معنى الصعيد. فيكون معنى الصعيد عندئذٍ هو مطلق وجه الأرض، أيّ أرض كانت.
وإذا سألنا الارتكاز العرفي رأينا أنَّه كما أنَّ معنى الأرض عامّ كذلك كلّ متعلّقاتها عامّ أيضاً، كالتراب والصخر والغبار والمعادن والجبال والوديان والأنهار والبحار إلى غير ذلك من الأُمور والمتعلّقات؛ إذ لا يفرّق العرف في إطلاقها واستعمالها بين أن تكون على هذه الأرض أو في أيّ جرمٍ سماويّ.
بل وكذلك مفاهيم أُخرى كالماء والهواء والنار، والنبات والحيوان، بل الإنسان إذا وجد ما يشبه تركيبه الجسدي. بل وكذلك الموادّ المستخلصة من هذه الأُمور، كالفواكه والحليب والخضار وغيرها إن وجدت على
ــــــ[79]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
كواكب أُخر.
فهذا هو الكلام في الفقرة الثانية من هذه المسألة.
الفقرة الثالثة: أنَّه كما يجوز التيمّم بأرض الجرم السماوي كذلك يجوز الدفن فيها.
والمهمّ شرعيّاً وفقهيّاً في الدفن هو المواراة في الأرض لأجل حجب ريحه عن الناس وحجب الجثّة من الوحوش، وسترها عن الناظرين. ومن الواضح أن المواراة تحصل، سواء كانت مكوّنات الأرض هناك تشبه المكوّنات الأرضيّة هنا أم لا، فلا يتوقّف الأمر هنا على ذلك، فما كان هو الحال في التيمّم وإن كان الأمر صحيحاً في نفسه كما عرفنا.
نعم، يمكن أن تكون المكوّنات الأرضيّة ممّا لا يحقّق فيها النتائج المطلوبة التي ذكرناها، كما لو كانت شفّافةً لا تمنع النظر، [أ]و كانت رخوةً لا تمنع الرائحة.
وهنا يمكن أن يقال: إنَّ المهمّ في الدفن إدخال الميّت في عمق القشرة بحيث يصدق عرفاً عنوان الدفن أو عنوان القبر. أمّا هذه الأهداف فهي حكم وليست عللاً للتشريع، فلا بأس أحياناً أن تتخلّف بعضها أو كلّها، ولا يجب على الفرد أن يحاول إيجادها بعد صدق الدفن. وحتّى عنوان المواراة فإنّه لفظ استعمله الفقهاء حسب فهمهم وفتواهم وليس له في الكتاب والسنّة أثر، والمواراة هي الحجب إلَّا أنّها غير لازمة.
نعم، في صورة واحدة، وهي إذا لزم من عدم الحجب شكل من أشكال الهتك للميّت أو يشمّ ريحه أو الاطّلاع على جسده، فعندئذٍ يلزم التوصّل إلى الحجب ولا يكون عنوان الدفن كافياً، فإن أمكن اختيار أرضٍ
ــــــ[80]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
حاجبةٍ وحجبٍ تعيّنَ، وإلَّا لزم حجبه بطريق آخر، إمّا بوضع جسم صلب عليه كرقاقة من المعدن، أو الابتعاد به عن البصر والمجتمع، في محلّ يقلّ فيه السالكون.
هذا وينبغي الإلماع إلى أنَّ جواز الدفن في أيّ مكان موقوف على أحكام أُخرى، اختصرنا الإشارة إليها في هذه المسألة، ككون القبر مملوكاً أو مباحاً، والمهمّ أن لا يكون مغصوباً.
كما أن شروط الدفن وحرمة النبش ومستحبّات التجهيز ثابتة في أيّ مكان، سواء كان على وجه الأرض هذه أم غيرها. وهو المشار إليه في المسألة بقولنا: طبقاً لأحكامهما، فإنّ هذا ممّا يُؤخذ من الفقه الاعتيادي لا من هذا الكتاب.
مسألة (5) إذا كان تحرّك المركبة الفضائيّة من الأرض داخل وقت إحدى الصلوات ولم يكن الفرد متطهّراً، وجب عليه أخذ الماء معه للقيام بالتطهير، كالوضوء في داخل المركبة.
وليس كذلك مع تحرّكها في وقتٍ لا تجب فيه صلاة، ولكن يستحبّ عندئذٍ جلب الماء للوضوء أو التراب للتيمّم إلى المركبة، فإن لم يجلب ذلك ودخل الوقت وهو غير متطهّر، كان فاقداً للطهورين، فيصلّي بدون وضوء ولا تيمّم، ولا تسقط الصلاة بحال(1).
في وجوب نقل الماء إذا خرج بعد الوقت
في هذه المسألة عدّة فقرات لابدَّ من النظر فيها:
ــــــ[81]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 17، كتاب الطهارة، مسألة رقم (5).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الفقرة الأُولى: إذا كان تحرّك المركبة وخروجها من الأرض إلى الفضاء في وقت صلاة حاضرة، وكذلك كلّ واسطة نقل لا يأمل معها الرجوع خلال الوقت نفسه وأداء الصلاة الاختياريّة، ولم يكن الفرد الراكب قد صلّى قبل ذلك، ولم يكن على طهارة (وضوء أو غسل أو طهارة خبثيّة) أيضاً، وجب عليه نقل الماء معه إلى المركبة ليتوضّأ هناك، أو نقل التراب ليتيمّم إذا كانت وظيفته الفعليّة هي التيمّم.
ووجوب النقل هذا باعتبار مقدّميّته للصلاة الحاضرة، المنجز وجوبها في ذمّته؛ إذ لولاه سيصبح فاقداً للطهورين اختياراً، وهو قادر على تبديل هذه الحالة بتحصيل شرائط الصلاة، فيكون الأمر بالمقدّمة ثابتاً في حقّه، بعد أن كان الصحيح في علم الأُصول هو وجوب مقدّمة الواجب(1).
هذا، وإنَّما يجب نقل الشيء الذي يناسب وظيفته الشرعيّة الفعليّة من ماءٍ أو تراب، وأمّا نقل الآخر خارج عن وظيفته فيدخل في حكم الفقرة الآتية التي تتحدّث عن نقل هذه الأُمور قبل دخول الوقت.
نعم، يبقى أمر واحد، وهو ما إذا كانت وظيفته التيمّم وكان خروجه أوّل الوقت، ولم نقل بالمواسعة، واحتمل ارتفاع عذره إلى آخر الوقت، فهل يجب عليه نقل الماء أم التراب أم كليهما؟
أمّا وجوب نقل التراب فباعتبار وظيفته الفعليّة التي هي التيمّم، وأمّا وجوب نقل الماء والتراب معاً فباعتبار احتمال ارتفاع العذر، وخاصّة إذا كان موثوقاً له محلّ الاطمئنان، وهو نفسه السبب للقول بوجوب نقل الماء وحده؛ باعتبار أنَّه يثق بانتقال وظيفته إلى الطهارة المائيّة، وأمّا الترابيّة
ــــــ[82]ـــــــ
(1) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 2: 173، مباحث الدليل اللفظي، مقدّمة الواجب.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
فليست وظيفته فعلاً للمنع من المواسعة.
والتحقيق: أنَّنا إذا قلنا بحجّيّة الاستصحاب الاستقبالي أمكن القول بوجوب نقل التراب خاصّة؛ لجريان عدّة استصحابات موضوعيّة وحكميّة من الحال إلى الاستقبال، كاستصحاب بقاء العذر، واستصحاب عدم وجوب الوضوء واستصحاب وظيفة التيمّم.
وإن كانت هذه الاستصحابات الحكمية غير خالية من المناقشة؛ لما قلناه من أنَّ وظيفته الفعليّة أوّل الوقت ليست هي التيمّم ولا الوضوء، بل هي تأخير الصلاة، خاصّة بعد المنع عن المواسعة كما هو المفروض، غير أنَّ في الاستصحاب الموضوعي كفاية، الأمر الذي ينتج عدم وجوب نقل الماء لا وحده ولا منضمّاً إلى التراب، ولو لجريان أصالة البراءة عنه؛ باعتبار كون ذلك الأصل مثبتاً فيه.
وأمّا إذا لم نقل بحجّيّة الاستصحاب الاستقبالي، فقد يقال: بأنَّ اللازم هو الاحتياط بنقل الماء والتراب معاً لاحتمال ارتفاع العذر وعدمه، ولا مؤمّن في البين.
إلَّا أنَّ الصحيح هو وجود المؤمّن، وهو أصالة البراءة عن وجوب نقل الماء، وموضوعه احتمال بقاء العذر.
وقد يقال: بأنَّ هذا الأصل معارض بأصالة البراءة عن وجوب نقل التراب أيضاً؛ لفرض كونه ليس وظيفته فعلاً، للمنع عن المواسعة، وإنَّما قد يجب التيمّم بعداً، فيتعارضان باعتبار أنَّ جريان الأصلين يستلزمان الإذن الشرعي في بقاء الفرد فاقداً للطهورين، أو قل باعتبار العلم إجمالاً بوجوب أحدهما.
ــــــ[83]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وهذا الكلام قابل للمناقشة من جهات:
أوّلاً: أنَّ هذا الاستلزام ممّا يثبت بالأصل العملي المحرز فضلاً عن غيره.
ثانياً: أنَّ هذا العلم الإجمالي غير منجّز فعلاً؛ باعتبار عدم وجود وظيفة التطهير له الآن على الإطلاق، وأمّا في المستقبل فسوف تكون الوظيفة طبقاً لحاله، ولا يكون فيها عندئذٍ علم إجمالي.
نعم، لو قلنا بوجوب المقدّمات المفوّتة عُلم إجمالاً بوجوب أحد الأمرين بالوجوب المقدّمي، إلَّا أن الصحيح عدم وجوبها على القاعدة، ما لم يثبت وجوبها بدليلٍ آخر، كالسير إلى الحجّ قبل وقته، وليس هذا منها.
إلَّا أنَّ الصحيح هو جواز المواسعة، ولو بأداء العبادة رجاء المطلوبيّة أو رجاء استمرار العذر، فإن زال العذر وجب في بعض الصور إعادتها، وذلك فيما إذا كان العذر بالعنوان الثانوي، كالاضطرار والإكراه، لا بالعنوان الأوّلي، كالعذر عن بعض الدماء وعن نجاسة ما لا يستر العورة من اللباس. بل المبادرة والمواسعة في مثل ذلك قطعيّة وليست رجائيّة.
كما أنَّ الأرجح هو جريان الاستصحاب الاستقبالي، كما هو المحقّق في علم الأُصول(1)، ومعه يتعيّن عليه حمل التراب، ولا يجب عليه حمل الماء، وإنَّما يكون حمله من الاحتياط الاستحبابي.
نعم، لو نفينا الاستصحاب الاستقبالي، وقلنا بجواز المواسعة الرجائيّة أمكن القول بكون هذا الاحتياط وجوبيّاً بعد تنجّز الأمر
ــــــ[84]ـــــــ
(1) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 2: 202، مباحث الدليل اللفظي، الأمر الأوّل من التنبيهات، المقدّمات المفوّتة.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
بالصلاة، واحتمال ارتفاع العذر في آخر الوقت. وأمّا الفتوى بالوجوب فيتوقّف على معنى المقدّمات المفوّتة وبعد توسيع معناها إلى الطاعة الرجائيّة وعدم كفايتها عن الامتثال القطعي.
الفقرة الثانية: أنَّه إذا كان الخروج قبل الوقت، استحبّ له نقل الماء أو التراب بل كليهما إلى المركبة.
وكذلك الحال لو صلّى الصلاة الاختياريّة وخرج بعدها، وكذلك لو صلّى الصلاة العذريّة التي لا يجب إعادتها، كما أشرنا في الفقرة الأُولى من هذه المسألة، فإنَّ التكليف عندئذٍ ينتقل إلى الصلاة التي لم يدخل وقتها بعد، وهو تكليف استحبابي، وليس وجوبيّاً؛ لعدم تنجّز التكليف بالصلاة الآتية فلا تجب مقدّماته.
وأمّا وجه الاستحباب فباعتبار كونه انقياداً وطاعة في الجملة بلا شكٍّ؛ لاحتمال كون الوظيفة ستكون كذلك، وهذا معنى يشمل الماء والتراب، إلَّا مع الوثوق أو العلم بعدم المعارض الذي تتبدّل معه الوظيفة إلى التيمّم، غير أنَّ مثل هذا الوثوق غير موجود عادة.
ولا وجه لكونه احتياطاً استحبابيّاً إلَّا باعتبار كونه مقدّمة رجائيّة، وبعد أن ثبت به الاستحباب بعنوانه لا حاجة إلى مثل هذا الاحتياط الرجائي؛ لوضوح عدم تنجيزه ولو استحباباً، وغايته الانقياد وهو منتج للفتوى بالاستحباب لا بالاحتياط الاستحبابي.
الفقرة الثالثة: إذا لم يجلب الماء والتراب معه إلى حال السفر إمّا غفلةً أو جهلاً أو عصياناً، أو لكون الوقت غير داخل ولم يعمل باستحباب المقدّمات المفوّتة أو أحد تلك الأسباب، ثمَّ حلّ عليه الوقت الصلاتي وهو
ــــــ[85]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
في المركبة من دون وجود الماء أو التراب حال كونه غير متطهّر.
عندئذٍ يكون فاقداً للطهورين، وفاقد الطهورين – على الأقوى- يصلّي على حاله، ثمَّ قد يجب القضاء بعد ذلك، وقد لا يجب، على تفصيلٍ قد نشير إلى مجمله بعدئذٍ.
والدليل على أنَّ فاقد الطهورين لا تسقط عنه الصلاة الأدائيّة، هو الفقرة التي كادت أن تكون معقد الإجماع، وعليها السيرة المتشرّعيّة قطعاً والارتكاز المتشرّعي أيضاً، وهي قولهم: الصلاة لا تسقط بحال(1)، فإنَّها عامّ غير قابل للتخصيص بأيّ حال، ويشمل مورد الكلام بطبيعة الحال.
وهي ليست من الكتاب والسنّة بالمعنى المصطلح، إلَّا أنَّنا أشرنا الآن إلى أدلّتها، وهي تكفي في حجّيتها، بمعنى: أنَّها تكشف عن موافقة المعصومين^ عليها بكلٍّ تأكيد.
ومعه، فإن قيل: إنّ الإجماع غير منعقد، بل الإجماع المنقول على عدم وجوب الصلاة على فاقد الطهورين.
وإن قيل: إنَّ الإجماع المنعقد على هذه الفقرة من الإجماع المنقول لا المحصّل وهو ليس بحجّة.
وإن قيل: إنَّ هذين إجماعان متهافتان، فيسقطان عن الحجّية بما فيه الإجماع على هذه الفقرة.
فإنّه يقال: إنّ زوال الإجماع لا يقتضي سقوط هذه الفقرة عن الحجّية؛
ــــــ[86]ـــــــ
(1) أُنظر: جواهر الكلام 7: 418، كتاب الصلاة، الركن الأوّل في المقدّمات، المقدّمة الثالثة، ومصباح الفقيه 6: 334، كتاب الطهارة، الركن الثالث في الطهارة الترابيّة، وما وراء الفقه 10: 181، فصل قاعدة الميسور، شرائط ثبوت القاعدة.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
لوجود الاطمئنان عليها للسيرة المتشرّعيّة والارتكاز المتشرّعي أيضاً.
فإن قيل: كيف ندّعي وجود السيرة والارتكاز مع مخالفة جماعة من الفقهاء لها، وفتواهم بسقوط الصلاة في مثل هذه الحال، فإنَّه إن لم يكن إجماع فلا أقلّ من وجود عدد معتدٍّ به منهم(1).
قلنا: إنَّ وجود هذا العدد صحيح، إلَّا أنّه لا ينافي السيرة والارتكاز على اعتبار أنَّ فتواهم إن كانت على طبق القاعدة الأوّليّة، بغضِّ النظر عن هذه القاعدة، ومع الغفلة عنها ولو أخذوها بنظر الاعتبار لم يمكنهم الفتوى بالسقوط.
فإنَّ مقتضى القاعدة الأوّليّة هو السقوط ما عدا ما خرج بالدليل؛ باعتبار أنَّ الطهورين مقدّمة للصلاة، ومع تعذّر المقدّمات تتعذّر الصلاة نفسها، والأمر بالمتعذّر متعذّر، فيكون الأمر بالصلاة ساقطاً، وهذه قاعدة عامّة لكلِّ ما كان على هذا الغرار ممّا تعذّرت فيه المقدّمات.
إلَّا أنَّ كلّ قاعدة – كما أشرنا- يمكن الإخراج منها بالدليل، وهنا كانت هذه الفقرة (لا تسقط الصلاة بحال) دليلاً على الإخراج، بمعنى: عدم سقوط الأمر بالصلاة في هذه الحال، بل سقوط الشرطيّة والمقدّميّة عن المقدّمات، وبقاء الباقي تحت الأمر.
فإن قيل: إنّ بين القاعدتين عموماً من وجه، فمقتضى القاعدة التساقط بينهما في مورد الاجتماع، وهو محلّ الكلام، فلا تبقى هذه الفقرة على الحجّية.
قلنا: إنَّه يمكن أن يجاب على ذلك بأكثر من وجه:
ــــــ[87]ـــــــ
(1) أُنظر تفصيل ذلك في: ما وراء الفقه 10: 179، فصل قاعدة الميسور.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
أوّلاً: أنَّه بعد فرض التساقط يمكن التمسّك بإطلاق دليل الصلاة السالم عن معارضٍ بعد فرض أنَّ ما يأتي به صلاة عرفاً. فتأمّل.
ثانياً: أنَّ قاعدة سقوط المقدّمات تختلف جوهراً عن الفقرة المشار إليها، فإنَّها حكم عقلي وليس لها (مفهوم) معيّن ليقع مع هذه الفقرة بنسبة العموم من وجه.
ثالثاً: وهو الأهمّ: أنَّ هذه الفقرة كما أشرنا نصٌّ في الإطلاق غير قابلٍ للتخصيص، في حين إنَّ القاعدة الأُخرى قابلةٌ له، بمعنى: قابلة للإسقاط والإخراج بنفيها موضوعاً بنفي الشرطيّة كما أشرنا.
بل أنَّ أدلّة الشرطيّة بنفسها غير شاملة لصورة التعذّر عقلاً وعرفاً، على حين إنَّ القاعدة الأُخرى قطعيّة الشمول للمورد، فليس بينهما تعارض بنحو العموم من وجه ليتساقطا.
ويدعم هذه القاعدة: عمل الفقهاء بها في كثير من موارد الصلاة(1)، وإن لم يعملوا بها في هذا المورد، كصورة الاضطرار إلى النجاسة أو تعذّر معرفة القبلة أو تعذّر الحركة الاختياريّة للقيام والركوع والسجود، وأهمّها صلاة الغريق، فإنَّهم في جميعها قالوا بسقوط الشرطيّة لا بسقوط الصلاة، أخذاً بهذه القاعدة بالذات. فلماذا لم يعملوا بها في هذا المورد؟
هذا كلّه إذا كان فقدان الطهورين على غير الاختيار كالإكراه
ــــــ[88]ـــــــ
(1) أُنظر: جواهر الكلام 7: 418، كتاب الصلاة، الركن الأوّل في المقدّمات، المقدّمة الثالثة، ومصباح الفقيه 12: 27، كتاب الصلاة، الركن الثالث من أفعال الصلاة، التنبيه الرابع، وكتاب الصلاة (للمحقّق الداماد) 4: 94،فصل في القيام، المسألة:24.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
والاضطرار، والغفلة عن نقل الماء ونحوها.
وأمّا لو كان اختياريّاً عن علم وعمد، فماذا سيكون الحكم؟
إذ قد يقال: طبقاً لقاعدة: أنَّ ما ليس بالاختيار لا ينافي الاختيار، يعني إذا كانت مقدّمته اختياريّة، فيقال: أنَّه وإن وجبت عليه الصلاة إلَّا أنَّه يعاقب ويكون بمنزلة التارك لها، ويجب عليه القضاء؛ لأنَّها فائتة شرعاً، وإن لم تكن فائتة حقيقة.
وجوابه: أنَّ المفروض أنَّ هذا الترك لإيجاد الماء والتراب إنَّما كان قبل الوقت، وقد دخل عليه الوقت وهو فاقد لهما، ومعه لم يكن الأمر بالصلاة منجّزاً، حتّى يكون عصيانه حراماً، ليكون الحال على ما في السؤال، وجوابه دلَّ الأمر إلى بطلان الصلاة باعتبار النهي عن العبادة أو لغير ذلك من الأسباب. ومعه فالصلاة حقيقة وشرعاً، فلم تفت ليجب قضاؤها من هذه الناحية.
الفقرة الرابعة: هل يجب على مَن صلّى فاقد الطهورين مع ارتفاع المانع من الإعادة في الوقت أو القضاء خارجه؟
أمّا الإعادة في الوقت فلا إشكال في وجوبها؛ لأنَّنا إمّا أن نقول بجواز المواسعة وإمّا أن لا نقول، فإن لم نقل كانت صلاته خلال الوقت باطلة، وعليه إعادتها؛ لأنَّه كان يجب عليه أن ينتظر بمقتضى الصحيحة الواردة في المقام، ولم يفعل، وهذا يدلّ على أحد أمرين، فإمّا أن نقول أنَّ تقديم العبادة منهيّ عنه، والنهي عن العبادة موجب للفساد، وإمّا أن نقول أنَّ شرائط صحّة الصلاة العذريّة لم تكن متحقّقة.
وبتعبير آخر: إنَّ شرائط الصلاة الاختياريّة لم تكن ساقطة، وإنَّما
ــــــ[89]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
تسقط آخر الوقت، وعلى أيّ [حال] فصلاته باطلة تحتاج إلى الإعادة.
وأمّا إذا قلنا بجواز المواسعة فهو إنَّما يجوز له أن يصلّي رجاءً ولا تجوز النيّة القطعيّة، إلا مع العلم العرفي باستمرار العذر وإلَّا كانت تشريعاً محرّماً، فإن حصلت صورة النيّة التشريعيّة فلا إشكال في بطلان صلاته ووجوب إعادتها.
وإن صلّى رجاءً فمعنى الرجاء أحد أمرين:
الأوّل: رجاء عدم ارتفاع العذر.
الثاني: رجاء مطلوبيّة الصلاة فعلاً، بمعنى: احتمال سقوط شرائط الصلاة الاختياريّة، فإن لم تكن ساقطةً فلا مطلوبيّة للصلاة العذريّة، وهي: أنَّها تسقط في الواقع على تقدير استمرار العذر إلى آخر الوقت، والمفروض انكشاف الخلاف فيه فتجب الإعادة.
ومعلوم أنَّ كلا هذين (الرجاءَين) مآلهما إلى معنى مشترك فقهيّاً؛ باعتبار أنَّ الأوّل موضوع للثاني لا أكثر. وإن صلّى بنيّة قطعيّة مع جوازها، إن كان عالماً باستمرار عذره، ولكنّه ارتفع على غير احتساب، ففي مثله لا شكَّ أنَّ الإعادة أوفق بالاحتياط، إلَّا أنَّ الأقوى كونه احتياطاً استحباباً؛ إذ أنَّ مقتضى القاعدة وإن كان عدم مطلوبيّة الصلاة العذريّة فعلاً، مع علم الله سبحانه بارتفاع العذر في الوقت، إلَّا أنَّ المكلّف حيث كان عالماً باستمرار العذر فقد أتى بكلِّ ما يستطيعه من الشروط والأجزاء، ومقتضى القاعدة هو الإجزاء، ولا أقلّ من احتماله، الأمر الذي يكون موضوعاً لأصالة البراءة عن الإعادة.
فإن قيل: إنَّ هذا الفرد قصد أمراً وهميّاً وليس حقيقيّاً كما حقّقنا، فلا
ــــــ[90]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
تكون عبادته صحيحة وإن لم تكن تشريعاً محرّماً.
قلنا: مع احتمال كون الشرائط منوطة بصورة العلم بموضوعاتها، وهذا الفرد عالم بفقدان هذه الموضوعات وارتفاعها، إلَّا أنَّه جاهل مركّب؛ لفرض مخالفة علمه للواقع، ففي صورة الجهل بالموضوع لا يكون إطلاق دليل الشرط شاملاً له، فتقع صلاته جامعةً للشرائط بمقدار ما هو المركّب منها، وهو المنجّز دون غيره، فتكون مجزية.
أقول: مع احتمال ذلك يكفي؛ لكونه موضوعاً لجريان البراءة عن وجوب الإعادة.
وأما صحّة ذلك فعلاً، فإنَّها منوطة بأدلّة الشرائط نفسها، من كونها ذات إطلاق أم لا كالأدلّة اللبّية، فإن كان دليل الشرط لبيّاً لم تجب الإعادة لسقوطه في صورة الجهل؛ لأنَّه خارج عن القدر المتيقّن من الدليل. وإن كان دليل الشرط لفظيّاً وكان له إطلاق وجبت الإعادة، ومعه فينبغي أن يحسب مع كلّ شرط حسابه المستقلّ.
هذا هو الكلام في وجوب الإعادة.
أمّا إذا ارتفع العذر خارج الوقت، وكان قد صلّى الصلاة المجزية داخله، فهل يجب عليه القضاء بنحو الصلاة الاختياريّة الواجدة للشرائط أم لا؟
الصحيح: أنَّ القضاء بأمر جديد، لا بنفس الأمر الصلاتي الأصلي؛ لأنَّ المشروط عدم عند عدم شرطه، فيسقط الأمر كلّه بخروج الوقت، ويحتاج القضاء إلى أمر جديد.
والأمر بالقضاء مقيّد موضوعاً بالفوت، ولا شكَّ بعدم صدقه في
ــــــ[91]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
فرض المسألة، ولا أقلّ من الشكّ في ذلك ليكون مجرى الأصل المؤمّن وشبهة مصداقيّة لدليل القضاء.
نعم، إذا لم يكن قد صلّى بالمرّة، إمّا عصياناً، أو لأنَّه يرى اجتهاداً أو تقليداً سقوط الأمر الأدائي، فإنَّ الفوت عندئذٍ […] بلا إشكال، فيجب القضاء. ولا وجه للقول بسقوط الصلاة أداء وقضاء. إلَّا أن يقال: إنَّ الأمر بالقضاء بنفس الأمر الصلاتي الأدائي بعد سقوط شرطه بخروج الوقت، وهذا غير صحيح كما حُقّق في محلّه، كما أنَّه غير منتج؛ لأنَّ الشرط الساقط إن كان هو الوقت وحده، فما قيل كان صحيحاً، وإن كان هو غيره كالطهارة، فمن الممكن القول ببقاء الأمر الصلاتي بعد سقوط الشرطين معاً: الوقت والطهارة، وكذلك أيّ شرط آخر. فيتعيّن القضاء بخلاف ما إذا كان القضاء بأمر جديد.
ولا شكّ أنَّ مسألة فاقد الطهورين تحتاج إلى حديث أطول، إلَّا أنَّ ما يناسب هذا الكتاب ليس أكثر من هذا المقدار.
مسألة (6) قد يكون حال الفرد في داخل المركبة لا يساعد على الوضوء والتيمّم، إمّا لعدم إمكانه نزع البدلة الفضائيّة، أو لعدم إمكان جمع القطرات المتساقطة مع فقدان الجاذبيّة، وإذا بقيت في الجوّ أدّت إلى الضرر، أو لقلّة الماء المجلوب، بحيث يحتاج إلى شربه أو لغير ذلك من الموانع. وعندئذ يسقط التكليف بالوضوء، فيتيمّم مع إمكانه، وإلَّا كان فاقد الطهورين(1).
ــــــ[92]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 17، كتاب الطهارة، مسألة رقم (6).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
في فاقد الطهورين
هذه المسألة من تفريعات المسألة السابقة؛ إذ مع عدم إمكان الوضوء والتيمّم يسقطان معاً ليصبح الفرد فاقداً للطهورين، وقد عرفنا حكمه فيما سبق، ومع إمكان أحدهما يتعيّن بطبيعة الحال.
يبقى فرع واحد لم يتمَّ التعرّض له في المسألة السابقة، وإن أشرنا لموضوعه إجمالاً، وهو: ما إذا كان الخروج خلال وقت الصلاة، وحصل التعمّد اختياراً بعدم جلب الماء والتراب، ومن ثمَّ أصبح الفرد فاقداً للطهورين باختياره، وما ليس بالاختيار يرجع إلى ما بالاختيار، الأمر الذي قد يقال معه ببطلان صلاته.
ولا شكَّ أنَّه يجب عليه تلافي الموقف بشكلٍ وآخر، إما بنزع البدلة الفضائية أو العود إلى الأرض، أو أيّ شيءٍ يجعل الصلاة جامعة للشرائط، فإن أمكن شيءٌ من ذلك فهو المطلوب، وحدود الإمكان هذا – ما دامت المقدّمات السابقة اختياريّة- هو بذل كلّ قدراته ما لم يصل الأمر إلى التهلكة فيحرم، ويصلّي على حاله عندئذٍ.
فإن لم يفعل ذلك بطلت صلاته ووجب عليه القضاء، وإن فعل فالظاهر عدم وجوب القضاء عليه؛ للشكِّ في وجوبه بعد كونه بأمر جديد، وقد أدّى المكلّف صلاته بكلِّ إمكانه فيكون موضوعاً للبراءة.
وإن أخذ بالمواسعة – ولو رجاءً- فإن ارتفع العذر خلال الوقت فلا إشكال من جوب الإعادة، وإلَّا لم يجب القضاء – كما أشرنا قبل قليل- مع بذل أقصى إمكانه.
وكلّ هذا الكلام إنَّما هو في الصلاة التي دخل وقتها دون الصلوات
ــــــ[93]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الآتية التي يدخل وقتها وهو في المركبة، فإنَّها جميعاً تكون مشمولة لما سبق أن قلناه في المسألة السابقة من حكم عدم جلب الماء والتيمّم قبل الوقت.
ولو اعتقد بكفاية الماء المجلوب للتطهير والشرب ثمَّ انكشف عدم كفايته، فهو بمنزلة مَن ترك جلبه على غير اختيار؛ لوضوح أنَّ الحال لم يكن مقصوداً له، فيكون مشمولاً لأحكام مَن ترك الجلب بغير اختياره، كما سطّرناه في المسألة السابقة.
مسألة (7) في التيمّم يجب الضرب – ولو خفيفاً- على التراب ونحوه، مع توفّر الجاذبيّة، وأمّا مع عدمها فالأقوى سقوط هذا الشرط لتعذّره، كما أنَّ الظاهر سقوط شرطيّة الضرب أو وضع اليد بالاتّجاه الأسفل، فلو وضعها إلى الأمام أو إلى الأعلى جاز، بل هذا ممكن شرعاً على الأرض أيضاً، وإن كان احتماله بعيداً(1).
شرطيّة الضرب في التيمّم
في هذه المسألة عدّة فقرات يحسن استيعابها فيما يلي:
الفقرة الأُولى: أنَّه في التيمّم يجب الضرب على الأرض بمسمّى الضرب وإن كان خفيفاً، ولا يكفي وضع اليد على الأرض.
وليس هذا الكتاب محلّ الاستدلال عليه، بل ينبغي أن يكون موكولاً إلى الفقه الاعتيادي، إلَّا أنَّنا نشير إلى دليله باختصار:
فإنَّه ممّا دلّت عليه عدّة صحاح؛ منها: صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر× عن التيمّم فضرب بيده على الأرض ثمَّ رفعها فنفضها … الحديث(2).
ــــــ[94]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 17، كتاب الطهارة، مسألة رقم (7).
(2) الكافي 3: 61، باب صفة التيمّم، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 211، باب صفة التيمّم وأحكام المحدثين…، الحديث 16، وسائل الشيعة 3: 359، أبواب التيمّم، الباب 11، في كيفيّة التيمّم وجملة من أحكامه، الحديث 3.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وفي صحيحة أُخرى له فيها: ثمَّ أهوى بيديه إلى الأرض فوضعهما على الصعيد … الحديث(1).
وفي صحيحة أُخرى له وفيها: إنَّما قال الله عزّ وجل: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً}(2) فضرب بيديه على الأرض، ثمَّ ضرب إحداهما على الأُخرى… الحديث(3).
فإن قلت: فإنَّه قال في الصحيحة الثانية: فوضعهما على الصعيد، وهو دالٌّ على كفاية الوضع.
قلنا: هذا، ولكنه قال قبل ذلك فأهوى بيديه إلى الأرض، والهوي يقتضي عرفاً درجة من السرعة بكلِّ تأكيد، ولا نريد بالضرب إلَّا ذلك.
فإن قلت: إن ما بعده – وهو التصريح بالوضع- يكون قرينة على المراد من الهوي.
قلنا: كلا، بل القرينيّة بالعكس؛ لتقدّم القرينة المطلوبة، والقرينة
ــــــ[95]ـــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 1: 104، باب التيمّم، صفة التيمّم، الحديث 213، وسائل الشيعة 3: 360، أبواب التيمّم، الباب 11، في كيفيّة التيمّم وجملة من أحكامه، الحديث 8.
(2) سورة النساء، الآية: 43.
(3) وسائل الشيعة 3: 361، أبواب التيمّم، الباب 11، في كيفيّة التيمّم وجملة من أحكامه، الحديث 9، نقلاً عن محمّد بن إدريس في آخر (السرائر) نقلاً من كتاب (نوادر) أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة عن أبي جعفر×… الحديث.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
المتقدّمة أولى من المتأخّرة، مضافاً إلى ظهور السياق في نفسه بوصول اليد إلى الأرض، نتيجة للهوي. فالمراد بالوضع هو حصولها على الأرض عندئذٍ لا أكثر، فالقرينة المدّعاة غير موجودة بالمرّة.
فإن قلت (من ناحية أُخرى): إنَّ أغلب هذه الروايات تحتوي على الأمر بنفض اليد، وهو أمر مستحبّ جزماً، ولا أقلّ من الشهرة فيه، فيكون السياق دالاً على الاستحباب، فلابدَّ من الذهاب إلى استحباب الضرب أيضاً.
قلنا: إنَّ السياق دالٌّ على وجوب النفض، لا على استحباب الضرب، فإنَّ صيغة الأمر وما جرى مجراها كذلك على القاعدة. كلّ ما في الأمر أنَّ القرينة الخارجيّة دلّت على استحباب أحدهما [و] هو النفض، فيبقى الآخر على وجوبه.
هذا، إلى أنَّ العلم باستحباب النفض غير موجود بعد ذهاب البعض إلى وجوبه، غايته أنَّ الدليل المعتبر دلَّ على استحبابه، ولا أقلّ من أصالة البراءة. وفي مثل ذلك لا يصلح أن يكون السياق صالحاً للقرينيّة على استحباب الآخر، بعد أن كان دالاً على الوجوب في نفسه كما أشرنا.
فإن قلت (من ناحية أُخرى): إنَّ هناك روايات دالّة على كفاية وضع اليدين دون الأمر بالضرب، فلماذا لم نأخذ بها؟ كصحيحة زرارة، قال: سمعت أبا جعفر يقول: وذكر التيمّم وما صنع عمار… إلى أن قال: فوضع أبو جعفر كفّيه على الأرض ثمَّ مسح وجهه وكفّيه ولم يمسح الذراعين بشيء (1).
ــــــ[96]ـــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 208، باب صفة التيمّم وأحكامه، الحديث 6، وسائل الشيعة 3: 360، أبواب التيمّم، الباب 11، في كيفيّة التيمّم وجملة من أحكامه، الحديث 5.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
قلنا: إنَّ المناقشة قد تكون بالطعن بإسناد هذه الروايات بأحد وجهين، إمّا الضعف في نفسه، وإمّا إعراض مشهور الفقهاء عن العمل به، وكلاهما غير تامٍّ.
أمّا الضعف في نفسه، فقد عرفنا أنَّ فيها ما هو الصحيح، وهو صحيحة زرارة التي سمعناها.
وأمّا الإعراض، فهو مخدوش كبرى، من حيث كونه لا أثر له، لا في السند ولا في المتن، ما لم يحصل إجماع محصّل، وهو غير موجود في المسألة.
غير أنَّ المناقشة الأساسيّة هي أنَّ الروايات الآمرة بالضرب بمنزلة الخاصّ، والروايات الدالّة على الوضع بمنزلة العامّ؛ لأنَّ الوضع يناسب كلتا الحالتين، الضرب وعدمه، وليس واضحاً بالعدم كما قد يتخيّل. إذن لابدَّ من حمل الخاصّ على العامّ، ولا أقلّ من الاحتياط الوجوبي بالضرب على أيّ حال.
هذا، والواجب هو مسمّى الضرب عرفاً، خفيفاً كان أم متوسّطاً أم قويّاً، غير أنَّ القويّ ببعض أقسامه قد يخرج بالفرد عن العبادة، فلا يصحّ، فيتعيّن تجنّب ذلك.
الفقرة الثانية: أنَّه مع تعذّر الضرب بأيّ سبب، كالسبب الخارجي المشار إليه في المسألة، أو السبب الصحّي المؤقّت، كما لو كان الجوّ يوجد ضعفاً شديداً في الجسم، أو السبب الصحّي الدائم كالضعف المزمن، فمع تعذّر الضرب يوجد هناك احتمالان:
الاحتمال الأوّل: سقوط التيمّم بتعذّر شرطه، فيكون الفرد فاقداً للطهورين.
ــــــ[97]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الاحتمال الثاني: سقوط الشرطيّة، وبقاء التيمّم على مشروعيّته، فيتعيّن كونه مقدمةً للصلاة عندئذٍ، وإلَّا يكون الفرد فاقداً للطهورين.
وبالاستدلال على الاحتمال الثاني – كما هو المشهور(1) والمختار، بل لم يقل بغيره أحد- يسقط الاحتمال الأوّل في نفسه، ولا حاجة إلى استئناف دليل على إسقاطه.
ويمكن الاستدلال على سقوط الشرطيّة بأُمور:
الأمر الأوّل: الإجماع، حيث لا نعرف أحداً قال بسقوط التيمّم مع تعذّر الضرب، بل سقوط شرطيّته عندئذٍ إجماعي.
الأمر الثاني: السيرة المتشرّعيّة والارتكاز المتشرّعي على ذلك بلا إشكال.
الأمر الثالث: أنَّه يمكن أن يقال: إنَّ الروايات بنفسها دالّة على المطلوب، بمعنى: أنَّ شرطيّة الضرب خاصّة بصورة الإمكان، وغير شاملة لصورة التعذّر؛ وذلك بأحد وجهين:
الوجه الأوّل: القرينة العامّة بأنَّ كلّ التكاليف الشرعيّة الواردة في الكتاب والسنّة مقيّدة بالإمكان، وغير شاملة لصورة التعذّر، إلَّا ما خرج بالدليل، كالجهاد والحدود.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ؛ لأنَّ هذه القرينة خارجيّة وليست سياقيّة، والقرينة الخارجيّة لا تُخرج النصّ عن ظهوره الفعلي.
ــــــ[98]ـــــــ
(1) أُنظر: جواهر الكلام 5: 137، كتاب الطهارة، عدم جواز التيمّم بالتراب النجس، والتنقيح في شرح العروة الوثقى 10: 126، كتاب الطهارة، اعتبار الضرب دفعة واحدة.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الوجه الثاني: القرينة الخاصّة في النصّ، بأن نفهم من الأمر بالضرب شكلاً من أشكال الطريقيّة إلى التيمّم، وليس جزءاً دخيلاً فيه، فمع تعذّره تبقى الأجزاء الرئيسيّة واجبة، مع سقوط المتعذّر عن الطريقيّة.
وقد يُضمّ إلى ذلك الارتكاز المتشرّعي الذي يدرك ذلك بوضوح، بحيث يصلح قرينة متّصلة عليه.
وهذا الوجه محتمل، إلَّا أنَّ الجزم به موكول إلى وجدان الفقيه.
وعلى أيّ حال يكفينا الأمران الأوّلان للقول بسقوط الشرطيّة، فيجب التيمّم مع عدم الضرب.
عدم شرطيّة الضرب إلى الأسفل
الفقرة الثالثة: أنَّه لا يجب الضرب إلى الأسفل باتجاه الأرض بالعنوان الأوّلي اختياراً، فضلاً عن صورة التعذّر.
فإنَّ غاية ما يمكن الاستدلال به على لزوم الاتجاه الأسفل، هو قوله في الصحاح السابقة >على الأرض< واتّجاهه أسفل كما هو معلوم. فيتعيّن لدلالة الدليل المعتبر عليه.
فإن قيل: بأنَّ هذا من فعل المعصوم× والفعل لا إطلاق له، فيؤخذ فيه بالقدر المتيقّن.
قلنا: إنَّ هذا لا يكفينا، فإنَّنا ندّعي جواز غيره على الإطلاق، أعني: الضرب إلى غير الأسفل.
ويمكن فهم ذلك من الرواية نفسها، وذلك: بعد أن نضمّ إليها الفهم الارتكازي العرفي بعدم مدخليّة الاتّجاه الأسفل في الوظيفة، وإنَّما المهمّ هو وصول اليد إلى ما يصحّ التيمّم به. وإنَّما كان الاتّجاه الأسفل موجوداً في
ــــــ[99]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الروايات باعتبار كونه هو الواقع الغالب على سطح الأرض.
على أنَّ الروايات خالية عن الأمر به بعنوانه، كما هو معلوم لمن يراجعها، وإنَّما هو عمل ناشئ من الواقع المعاش، فدلالته على الوجوب الشرطي أو الضمني ممنوعة.
فإن قيل: إنَّ هذا الفعل دالٌّ على جامع المطلوبيّة، وقد دلَّ الدليل على لزوم الأُسوة فيتعيّن.
قلنا: إنَّ الفعل لا دلالة له على المطلوبيّة بأيّ شكلٍ؛ لأنَّه لا لسان له، كلّ ما في الأمر أنَّه ينبغي الاحتياط الوجوبي بعمله، ما لم توجد قرينة أُخرى، إلَّا أنَّ القرينة موجودة، وهو الارتكاز المشار إليه، ممّا يجعل الرواية غير دالّة على مطلوبيّته أصلاً، فمقتضى الأُسوة هو تطبيق الوظيفة المدلول عليه في الرواية، وليس منها الاتّجاه الأسفل، ولا أقلّ من إجمال الرواية والرجوع إلى الأصل المؤمّن.
الفقرة الرابعة: أنَّنا لو قلنا بتعيّن الاتّجاه إلى الأسفل اختياراً، فلا نقول به اضطراراً؛ لوجهين على الأقل:
الوجه الأوّل: سقوط الشرطيّة بالتعذّر، مع بقاء وظيفة التيمّم للإجماع والسيرة.
الوجه الثاني: أنَّ الدليل الدالّ على الشرطيّة غير شامل لصورة التعذّر بنفسه؛ لأنَّه لا لسان له كما عرفنا، فيؤخذ بالقدر المتيقّن منه، وهو غير صورة الاضطرار.
ومعه فبقاء وظيفة التيمّم بنفس الدليل وليس بالإجماع والسيرة.
ومحلّ كلامنا في المسألة إنَّما هو في صورة الاضطرار لا الاختيار، وإنَّما
ــــــ[100]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
ذكرنا حالة الاختيار منها استطراداً، وقولنا في المسألة – بل هذا ممكن على الأرض أيضاً- إشارة لصورة الإمكان، ولا دخل لكونه على الأرض في الحكم.
وقولنا هناك: (وإن كان احتماله بعيداً)، يعني: أنَّ وضع التراب بغير الاتّجاه الأسفل للتيمّم به بعيد، بل الأسفل هو الاتّجاه المتعيّن دائماً باعتبار الجاذبيّة الأرضيّة، بخلاف صورة انعدامها، فإنَّ وضع التراب في أيّ اتّجاه ممكن.
نعم، إذا قلنا بجواز التيمّم على الأرض المطبوخة كالجصّ والنورة وغيرهما(1)، أمكن التيمّم على السقوف والحوائط، وهي بغير الاتّجاه الأسفل غالباً بل دائماً، ومعه نحتاج إلى البرهنة على جوازه كما سبق. إلَّا أنَّنا لا نقول بذلك، والدليل عليه موكول إلى محلّه.
يبقى لزوم التنبيه على أمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ الضرب على التراب في المركبة يحدث ضرراً؛ وذلك بتصاعد ذرّات التراب في الجوّ بشكلٍ لا يمكن جمعه، مع انعدام الجاذبية، فإن صحَّ ذلك كان ما قلنا في صورة الاضطرار من سقوط شرطيّة الضرب وارداً هنا ومنطبقاً.
الأمر الثاني: أنَّ وضع التراب يجب أن يكون على جسم صلب نسبياً بأيّ اتّجاهٍ كان (الأعلى أو الأسفل)، فلا يجوز أن تجمع كتلة من التراب في الجوّ (مع انعدام الجاذبيّة)، ويضرب عليها أو يضع يده عليها؛ لأنَّ يده
ــــــ[101]ـــــــ
(1) كما قال به بعض أساتذتنا (منه). أُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 10: 44، كتاب الطهارة، فصل في بيان ما يصحّ به التيمّم.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
ستدخل داخل كتلة التراب ولا يتحقّق التيمّم.
والدليل على ذلك: أنَّنا ندور فقهيّاً مدار صدق الضرب مع إمكانه أو الوضع مع تعذّره، صدقهما عرفاً، ولا شكَّ بانتفاء ذلك مع وجود الكتلة المتخلخلة في الجوّ، وإن مسّ التراب اليد على أيّ حال. إلَّا أنَّه لا يصدق عليه الوضع فضلاً عن الضرب.
إذن فيحتاج الأمر إمّا إلى كون التراب على جسم صلب نسبيّاً أو صلابة نفس التراب وتماسكه؛ ليصدق عليه الضرب بأقلّ مراتبه. فإن لم يمكن التوصّل عمليّاً إلى صدق الضرب، فلا أقلّ من صدق الوضع، فإنّ ذلك من موارد تعذّر الضرب فيسقط، فإن تعذّر حتّى صدق الوضع لم يكفِ إدخال اليد في التراب أو الكتلة الترابيّة، بل أصبح الفرد فاقداً للطهورين.
فإن قيل: بكفاية إدخال اليد في التراب، بتجريد مورد الدليل عن خصوصيّة وضعه عليه (الأعمّ من الضرب). ويقرّبه: أنَّ بعض درجات الضرب قد تدخل اليد في التراب إذا كان عالياً نسبيّاً ومتخلخلاً على الأرض، وهذا لا محذور فيه.
والجواب: عدم صحّة التقريب المذكور؛ إذ في مورده يصدق القرب أو الوضع بعد وصول اليد إلى القسم الثابت من التراب، وإن دخلت في قسم آخر منه. وهذا لا يحدث في فرض مسألتنا؛ من حيث إنّ التراب متخلخل وليس وراءه جسم صلب. [هذا أوّلاً].
ثانياً: أنَّ التجريد المشار إليه ليس صحيحاً؛ لأن الوضع (الأعمّ من الضرب) هو مورد كلّ الأدلّة: السنّة والإجماع والسيرة، فلا يصحّ التيمّم بدونه.
ــــــ[102]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
فإن قلت: إنَّ الدليل لا لسان له، فيؤخذ منه بالقدر المتيقّن، وهو صورة الاختيار، فينتج صدق التيمّم كوظيفة شرعيّة بدونه اضطراراً.
قلنا: نعم، إلَّا أنَّ الارتكاز المتشرّعي ينفيه بكلِّ تأكيد، ويرى عدم صدق التيمّم بدونه مطلقاً، فمع عدم إمكان الوضع (الأعمّ من الضرب) تتعيّن وظيفة فاقد الطهورين.
مسألة (8) إذا حصل للفرد في أيّ مكان يتعذّر عليه الوضوء والتيمّم معاً، مثل: عدم التراب والماء، أو شدّة البرد أو شدّة الحرّ أو شدّة الجاذبيّة أو غير ذلك من الموانع، كان فاقداً – عندئذٍ- للطهورين، ويصلّي بدون وضوء ولا تيمّم(1).
بعض الأمثلة لفاقد الطهورين
وهذا ما سبق أن برهنّا عليه في مسألةٍ سابقة فلا نعيد. وليس في هذه المسألة ما يزيد عليه إلَّا بعض الأمثلة لحصول فقدان الطهورين، ولا يفرق في ذلك بين وجه الأرض وغيره.
مسألة (9) إذا شكَّ في السائل الموجود على الكوكب، أنَّه ماء مطلق؛ لاحتمال كونه ليس بمطلق، أو أنَّه ليس بماء أصلاً، لم يكفِ استعماله في الطهارة، وانتقلت الوظيفة إلى التيمّم(2).
في الشكِّ في إطلاق الماء
وذلك لجريان الأُصول الموضوعيّة والحكميّة معاً، كعدم وجود الماء
ــــــ[103]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 18، كتاب الطهارة، مسألة رقم (10).
(2) فقه الفضاء: 18-19، كتاب الطهارة، مسألة رقم (11).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
المطلق أو الماء الذي يصحّ الوضوء به أو الغسل به، وهو استصحاب للعدم الأزلي، على القول به. وكذلك عدم كون استعمال هذا الماء في التطهير استعمالاً للماء. وليس هذا مأخوذاً كلازم للأصل السابق ليقال أنَّه مثبت، بل أنَّ جريان الأصل في المورد نفسه، وهو استصحاب للعدم الأزلي؛ لأنَّ هذا الاستعمال من أوّل وجوده لم نعلم صفته، فيجري. فتأمّل.
وكذلك جريان استصحاب عدم تأثير هذا الاستعمال في رفع الحدث، وهو العمدة أو الحجّة، وإن كان الأحوط استحباباً عندئذٍ الجمع بينه وبين التيمّم.
مسألة (10) إذا شكَّ في سطح الأرض من الكوكب – أيّ كوكب- أنَّه من جنس صعيد الأرض، واحتمل احتمالاً معتدّاً به أنَّه من قبيل المعدن مثلاً، كالملح أو الحديد المتقطّع أو غيرهما، لم يجز استعماله في التيمّم. فإن لم يكن له ماء كان فاقداً للطهورين(1).
الشكّ في جنس الصعيد
لا يخلو سطح الجرم السماوي – بمعنى: صعيد أرضه- من أحد أُمور في مكوّناته من حيث شَبَهه بالموادّ الأرضيّة:
أ) أن يكون شبيهاً بالموادّ الأرضيّة بحيث يصدق عليه عرفاً أنَّه تراب أو رمل أو صخر ونحو ذلك.
ب) أن يكون شبيهاً بالمعادن الأرضيّة، كما هو المشار إليه في المسألة.
ج) أن لا يكون شبيهاً بشيءٍ من ذلك بقسميه.
ــــــ[104]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 19، كتاب الطهارة، مسألة رقم (12).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
د) أن يكون بعضه هكذا وبعضه الآخر هكذا، على ما سوف نفصّل بعد ذلك.
والكلام في هذه المسألة من القسم الثاني يقيناً أو احتمالاً بعد التسليم بصحّة التيمّم في القسم الأوّل، وعلى أيّ حال فينبغي لنا فيما يلي الإلمام بشيءٍ من الأدلّة ونتائجها في الأقسام الأربعة كلّها.
أمّا في القسم الأوّل: وهو إحراز الشبه بالمواد الأرضيّة بالحسّ أو بالحجّة الشرعيّة فلا إشكال من صحّة التيمّم به بعد الذهاب إلى جواز التيمّم بكلِّ أنواع الموادّ المكوّنة لسطح الأرض.
ولو قلنا بأنَّ الصعيد هو التراب الخالص فقط، فالمفروض وجود ما يماثله هناك أيضاً، فالمسألة تصحّ على كلا التقديرين.
والمهمّ في ذلك هو الصدق العرفي لعنوان بعض أجناس الصعيد كالتراب والرمل، بل صدق الصعيد نفسه، كما سبق أن قرّبنا في مسألةٍ سابقة، فيكون موضوعاً للحكم بجواز التيمّم ولا إشكال.
وأمّا القسم الثاني: فإن أحرز كون المكوّنات الأرضيّة شبيهة بالمعدم الأرضي فلا إشكال بعدم جواز التيمّم فيه، على كلام يأتي. وإن شكَّ في ذلك، فإن قلنا بالجواز في الصورة الأُولى فلا إشكال هنا بجواز التيمّم؛ لإحراز جوازه على كلا التقديرين، أعني: كون الموادّ تراباً أم معدناً.
وإن قلنا بعدم الجواز في مثل ذلك – كما هو الصحيح، وقد أشرنا إليه وسيأتي مزيد إيضاح له- فالشكّ في ذلك يقتضي الشكّ في صحّة التيمّم، فيكون استصحاب الحدث جارياً، وكذلك الاستصحابات الأزلية التي أجرينا ما يشبهها في طرف الشكّ في الماء، كاستصحاب عدم وجود التراب
ــــــ[105]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
أو الصعيد هنا، وكاستصحاب أنَّ هذا ليس تراباً أو صعيداً، بنحو كان التامّة أوّلاً، وبنحو كان الناقصة ثانياً.
وأمّا القسم الثالث: فلا ينبغي الإشكال في جواز التيمّم، وما قد يقال لتقريب المنع: من أنَّ متعلّق التيمّم هو التراب أو الصعيد، وهو عنوانٌ مشكوك الانطباق على موادّ الكوكب، بل محرز العدم على الفرض، فكيف يجوز التيمّم؟
يمكن أن يجاب بوجهين رئيسيّين:
الوجه الأوّل: أنَّ العناوين التفصيليّة للصعيد – أعني: التراب والرمل والحصى ونحوها- وإن لم تكن صادقة على الفرض، إلَّا أنَّ معنى الصعيد ومفهومه صادق بلا شكٍّ؛ باعتبار أنَّ الصعيد ليس إلَّا وجه الأرض، وهو صادق هنا، كلّ ما في الأمر أنَّ مصاديق الصعيد على الأرض غيرها على كوكب آخر، وهذا لا يضرّ بصدق هذا المفهوم.
ومن المعلوم أنَّ العنوان المأخوذ في الآية لجواز التيمّم هو مفهوم الصعيد لا عناوين مصاديقه، فينتج جواز التيمّم بالموادّ الأرضيّة هناك وإن لم تشبه الموادّ الأرضيّة.
نعم، لو قلنا بأنَّ الصعيد هو خصوص التراب الخالص، لم يجز على – على هذا الوجه- استعمال تلك الموارد لإحراز كونها من غير التراب. إلَّا أنَّ هذا فرض لم نقل به على أيّ حال. نعم، يبقى لهذا القول وجه في جواز التيمّم نعلمه في الوجه الثاني الآتي.
الوجه الثاني: لو تنزّلنا عن الوجه الأوّل وقلنا بعدم صدق شيءٍ من العناوين الأرضيّة هناك، إلَّا أنَّ ما هو محرز يقيناً هو كون هذه الموادّ
ــــــ[106]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الأرضيّة على الكوكب إنَّما هي بمنزلة التراب والرمل والحصى، أي: أنَّها تكوّن وجه الأرض هناك، كما تكوّن هذه الموادّ وجه أرضنا هذه. كما أنَّ المفروض أنَّ أهل الكوكب وسكّانه الأصليّين يستعملون هذه الموادّ في ما يشابه الغايات التي يستعمل بها البشر وجه الأرض هذه، كالزراعة فيه والبناء وغير ذلك.
إذن ينتج من ذلك أن الموادّ الأرضيّة هناك وإن لم تكن تراباً ورملاً وحصى حقيقة، إلَّا أنَّها تراب ورمل وحصى عرفاً، يعني: أنَّ نسبتها إلى ذلك الكوكب كنسبة هذه الموادّ إلى أرضنا؛ باعتبار تشابه وظائفهما العمليّة في الكوكبين، وخاصّة إذا كان السكّان الأصليّون يعتبرون تلك الموادّ تراباً ورملاً وحصى عمليّاً، فهي موسومة بهذه العناوين في عرفهم على الأقلّ.
ينتج من ذلك أنَّ العرف سوف يوافق على كلِّ تلك الموادّ رملاً وحصى وتراباً، بعد الالتفات إلى عرف السكّان أوّلاً، وإلى وحدة الوظيفة ثانياً، وإلى كونها الموادّ المنحصرة لسطح تلك الأرض ثالثاً، وبذلك يصحّ عرفاً تسميتها بتلك العناوين، فتكون موضوعاً لجواز التيمّم.
ومعه، فلو قلنا بأنَّ الصعيد هو خصوص التراب، أمكن التيمّم بما يقابل التراب الأرضي كما قرّبنا، وإن قلنا بجواز التيمّم بالموادّ الأرضيّة الأُخرى فذلك.
وبهذا الوجه يمكن التقريب الذي أشرنا إليه في القسم الثاني، حيث يفترض أنَّ الموادّ الأرضيّة هناك تشبه المعادن الأرضيّة، فإنه يقال الآن: أنَّ نفس هذا الوجه الثاني وارد فيها، ومنتج لجواز التيمّم عليها وإن أشبهت المعادن الأرضيّة؛ وذلك لانطباق الملاكات الثلاثة السابقة عليها، فهي:
ــــــ[107]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
أوّلاً: تكوّن سطح الكوكب وهي موادّه المنحصرة ولا يوجد سواها.
وثانياً: ذات وظيفة مشتركة مع الموادّ الأرضيّة على أرضنا هذه، يعني: تستعمل بنفس الاستعمالات كما أوضحنا.
وثالثاً: أنَّ السكّان الأصليّين يصطلحون عليها ما يقال معنى التراب والرمل والصخر في لغتهم.
فإذا التفت العرف إلى نحو هذه الملاكات، فإنَّه يذعن إلى كون هذه الموادّ صعيداً، فيجوز التيمّم به، بعد كونه موضوعاً له في الآية الكريمة.
وليس لدينا في الأدلّة إطلاق يمنع التيمّم في كلِّ معدن، كلُّ ما في الأمر أنَّ المعادن الأرضيّة لا يصدق عليها الصعيد، فلا يجوز فيها التيمّم؛ لأنَّها خارجة عن موضوعه، فإذا أمكن تطبيق مفهوم الصعيد هناك دخل في موضوع الآية بلا معارض.
هذا، وينبغي الالتفات إلى: أنَّنا لو منعنا الفرد عن التيمّم بهذه الموادّ، فسيكون فاقداً للطهورين بعد فرض امتناع الوضوء عليه شرعاً وانتقال وظيفته إلى التيمّم، وعندئذٍ سيتعذّر التيمّم عليه أيضاً.
وهذا ينتج أنَّ التيمّم بهذه الموادّ أوفق بالاحتياط؛ لأنَّه إمّا أن يكون مجزياً، فلا إشكال، وإمّا أن لا يكون مجزياً، فالفرد لم يخرج عن حاله بكونه فاقداً للطهورين. إذن فالقول بالاحتياط الوجوبي بالتيمّم بها له وجهٌ وجيه.
نعم، إذا أحرز كون الموادّ إنَّما هي من قبيل المعادن في ذلك الكوكب نفسه، لم يجز التيمّم بها، إلَّا أنَّ هذا يعني أنَّها غير غالبة فيه ولا تكوّن كلّ قشرته الأرضيّة؛ لأنَّ شأن المعادن هو ذلك على أيّ حال. وليكن هذا الفرض هو المراد من مسألتنا التي طرحناها للاستدلال الآن، فإنَّ المكلّف
ــــــ[108]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
إن أحرز كونه معدناً لم يجز التيمّم قطعاً، وإن احتمل ذلك لم يجز التيمّم؛ باعتبار كونه شبهة مصداقيّة، مع جريان الأُصول المبطلة له كاستصحاب الحدث.
هذا هو الحديث في القسم الثالث المشار إليه في أوّل هذه المسألة.
[وأمّا] القسم الرابع: وهو ما إذا كان على الكوكب أكثر من قسم واحد من الموادّ؛ باعتبار أنَّ بعضها يشابه الموادّ الأرضيّة وبعضها لا يشابهها، أو أنَّ بعضها يشابه المعادن وبعضها لا يشابهها، أو أنَّ بعضها من جنس المعادن فعلاً وبعضها ليس كذلك… .
فإن منعنا عن التيمّم في بعض الصور وجب اختيار القسم الذي يجوز التيمّم فيه لا محالة مع الإمكان، وإن أجزنا التيمّم على كلا التقديرين أو كلّ التقادير كان الفرد مخيّراً بينهما لا محالة، وإن كان الأحوط استحباباً اختيار ما هو الأقرب إلى ما هو متعلّق الآية بالفهم الأرضي لهذه الموادّ. فيختار في التقسيم الأوّل ما يشابه الموادّ الأرضيّة، ويختار في القسم الثاني ما لا يشابه المعادن وهكذا. أمّا اجتناب ما هو من المعادن فعلاً فهو لازم. ومع تعذّر غيره يكون الفرد فاقداً للطهورين.
وكذلك الحال في بعض التقسيمات الأُخرى لو قلنا بعدم جواز التيمّم ببعضها، مع فقد ما جاز التيمّم فيه.
بقي من هذه المسألة أن نشير إلى أنَّنا قلنا فيها: أنَّه احتمل احتمالاً معتدّاً به.
أقول: وهذا قيد ضروريّ باعتبار إلغاء الاحتمال غير المعتدّ به؛ لأنَّه عندئذٍ سيقابل الوثوق أو الاطمئنان، أو العلم العرفي، وكلّها حجّة شرعاً،
ــــــ[109]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الأمر الذي يجعل الاحتمال غير المعتدّ به منفيّاً بالحجّة الشرعيّة.
وهذا الكلام لا يأتي في الاحتمال المعتدّ به، أو لا تقابله الحجّة فيبقى موضوعاً لجريان الأُصول العمليّة حسب مواردها.
فما قاله صاحب الكفاية: بأنَّ الأصل العملي يبقى حجّة حتّى لو كان الظنّ بخلافه(1) صحيحٌ، ما لم يبلغ الظنّ حدّ الوثوق فما فوقه، فإنَّه عندئذٍ يكون أمارةً حاكمةً على الأصل العملي، إلَّا أنَّ عبارته كأنَّها أوسع من ذلك، فراجع.
مسألة (11) الأحوط وجوباً عدم الذهاب اختياراً إلى أيّ مكان أو كوكب تتعذّر فيه بعض الشرائط الاعتياديّة للصلاة، كالطهارة والقبلة والوقت. نعم، لو لم يكن ذلك بالاختيار، كما لو كان مكرهاً من قبل ظالم أو مأموراً من قبل عادل أمراً إلزاميّاً، جاز له الذهاب بل وجب، ويتطهّر هناك ويصلّي حسب إمكانه(2).
في عدم جواز الذهاب بدون الإكراه أو الولاية
لا يخلو الجوّ (بالمعنى العامّ) في الكواكب والنجوم الأُخرى بل حتّى في بعض مناطق الأرض – كالجزائر المنقطعة أو القطبين- لا يخلو حالها بالنسبة إلى أيّة عبادة وليست الصلاة فقط، من أحد أشكال:
الشكل الأوّل: أن تكون الصلاة الاعتياديّة الاختياريّة وغيرها من العبادات يمكن الإتيان بها كاملةً وبشكل اعتيادي.
الشكل الثاني: أن لا يكون الأمر كذلك، بل ستكون بعض الأجزاء
ــــــ[110]ـــــــ
(1) أُنظر: كفاية الأُصول: 438، المقصد الثامن، تعارض الأدلّة والأمارات.
(2) فقه الفضاء: 19، كتاب الطهارة، مسألة رقم (13).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
أو الشروط متعذّرة، لكن إلى بدل، على ما سنوضّحه بعد هذا.
الشكل الثالث: أن تكون بعض الأجزاء والشرائط متعذّرة لا إلى بدل.
هذا، والمكلّف لا يخلو الداعي إلى ذهابه إلى هناك من أحد أُمور:
الأمر الأوّل: أن يكون غرضه دنيويّاً كالتنزّه أو الاطّلاع أو البحث العلمي أو غيرها، والمهمّ أنَّه يذهب مختاراً.
الأمر الثاني: أن يذهب مكرهاً من قبل شخص أو جهة أقوى منه، كحاكم ظالم ونحوه.
الأمر الثالث: أن يذهب مأموراً من قبل الحاكم الشرعي العادل الذي تجب طاعته، إذا قلنا بعموم الولاية لأمثال ذلك.
فالصور في كلا التقسيمين ثلاثة، فتكون نتيجة ضربها تسعة، إلَّا أنَّ المهمّ هو التعرّف عليها جملةً لا تفصيلاً؛ لأنَّ عدداً من هذه الاحتمالات متّحدة في الحكم كما سنرى.
فيقع الكلام في ذلك ضمن عدّة فقرات:
الفقرة الأُولى: أن تأخذ الشكل الأوّل من التقسيم الأوّل بنظر الاعتبار، بمعنى: انحفاظ سائر شرائط وأجزاء صلاته وسائر عباداته، وفي مثله لا شكّ في جواز الذهاب اختياراً.
ولا يحتاج ذلك إلى استئناف دليل، شأنه في ذلك شأن الذهاب من مدينة اعتياديّة على وجه الأرض إلى مدينة أُخرى، بل إنَّ هذا هو المثال المفضّل لهذا الشكل الذي نذكره، ولم يقل أحد من الفقهاء بمنعه.
ومعه لا يختلف الحال في الجواز بين الأُمور الثلاثة جميعاً المذكورة في
ــــــ[111]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
التقسيم الثاني؛ لأنَّه لو جاز الذهاب اختياراً جاز غيره بطريق أولى.
الفقرة الثانية: أن نأخذ الشكل الثاني من التقسيم الأوّل بنظر الاعتبار، وهو تعذّر بعض أجزاء أو شرائط العبادة إلى بدل.
ونقصد بالبدل ما يمكن إنجازه شرعاً ليقوم مقام الشرط أو الجزء، بحيث لا يكون الشرط أو الجزء متعذّراً تعذّراً كاملاً.
وأوضح أشكال البدل هو التيمّم بدل الوضوء، ومنه أيضاً – في حدود الفهم في مسألتنا على الأقلّ- الصلاة بنجاسة عذريّة، وإمكان الصلاة إلى عدّة جهات أو التوجّه إلى الكرة الأرضيّة كلّها كمصداق للتوجّه إلى القبلة، كما سيأتي في مبحث القبلة وهكذا.
وفي مثل ذلك لا ينبغي أن نشكّ فقهيّاً بجواز الذهاب نتيجة للسببين الأخيرين من التقسيم الثاني، وهما الإكراه والولاية.
أما الإكراه فإنَّه يجوز ما كان حراماً وممنوعاً بدونه بلا إشكال، وكذلك الضرورة، وتسقط الأجزاء والشرائط المتعلّقة به، فإن دلَّ دليل على بقاء تعلّق الأمر بالباقي – كما في الصلاة- أخذنا به وإلَّا سقطت العبادة كلّها.
وأمّا الولاية فالمفروض شمولها لأمثال هذه الصور بأدلّة ليس هنا محلّ سردها. فإذا أمر الوليّ وجب الذهاب حتّى لو كان مزيلاً للعبادة الاختياريّة، ويصلّي الفرد المأمور هناك حسب إمكانه.
وليس بإزاء ذلك إلَّا مناقشة واحدة وحاصلها:
أنَّ الولاية العامّة إنَّما يقال بها في الموارد التي يكون العمل المأمور به ممّا لم يتعلّق به الحكم الإلزامي في نفسه، وأمّا إذا تعلّق أمر الوليّ بما فيه حكم
ــــــ[112]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
إلزامي، بحيث أوجب فعل الحرام أو ترك الواجب أو أمر بما يلازم ذلك عادة، فليس له في هذا الحدّ ولاية؛ لأنَّه لا يحلّل الحرام ويحرّم الحلال، بل يجب إطاعة الحاكم الشرعي وإهمال حكم الحاكم، فإن أكرهه على ذلك كان حاكماً ظالماً.
وجواب ذلك تفصيلاً موكول إلى محلّه. ومختصر الكلام فيه: أنَّنا فهمنا الولاية العامّة للفقيه الجامع للشرائط من معتبرة عمر بن حنظلة التي يقول فيها الإمام×: >ينظران [إلى] مَن كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته حاكماً …< الحديث(1). والمهمّ قوله: >فإنّي قد جعلته حاكماً<.
إذن فله أن يتصرّف كما يتصرّف الحاكم العرفي ضمن حدود المصلحة العامّة. ومن هنا فقد تقتضي المصلحة العامّة خلاف ما هو محكوم به شرعاً، فيرتفع الحكم بذلك، فيصبح بالعنوان الثاني مباحاً، فجاز به تعلّق حكم الحاكم.
هذا مضافاً إلى أنَّ أغلب العبادات – بل جميعها- لا تكون ممّا قد دخل وقتها عادةً، حال الحكم الواجب التنفيذ، فلا إشكال من هذه الناحية؛ إذ لا نقول بوجوب المقدّمات المفوّتة على القاعدة.
وأمّا الفرد المنفّذ للحكم إن كان تنفيذه حال وقت إحدى الصلوات مثلاً، وقع التزاحم عنده بين الحكمين، ولا شكّ عندئذٍ من تقدّم حكم
ــــــ[113]ـــــــ
(1) الكافي 1: 67، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث، الحديث 10, وسائل الشيعة 27: 27, كتاب القضاء, باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث من الشيعة، الحديث 1.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الحاكم لتعلّق المصلحة العامّة بطاعته وفشل المجتمع بدونه. مضافاً إلى وجود البدل بالنسبة إلى كثير من العبادات، حيث لا تفوت بكلِّ وجودها. وأمّا إطاعة الحاكم فلا بدل لها، فيقال بتقديم ما ليس له بدل على ما له بدل.
ولا يقال: إنَّ هذا من تقديم الحكم الشخصيّ على الحكم الشرعي، أو قل: من تقديم أمر المخلوق على أمر الخالق.
إذ يقال: أوّلاً: أنَّ هذا المخلوق – أعني: الحاكم العادل- واجب الإطاعة شرعاً. فكلا الحكمين شرعيّان.
ثانياً: أنَّنا نتبع ما هو الأهمّ في نظر الشارع لا في نظر الحاكم، غير أنَّ ما هو الأهمّ في نظر الشارع هو إطاعة الحاكم، وليس تنفيذ العبادة الاختياريّة. وتمام الكلام في محلّه.
ولا ينبغي أن يفرّق عندئذٍ بين ما له بدل من العبادات وما ليس له بدل، أي: بين الشكل الثاني والثالث من التقسيم الأوّل من أوّل هذه المسألة؛ فإنَّهما معاً ممّا يجب فيه طاعة الحاكم. نعم، لا يأتي التقريب الأخير الذي ذكرناه لها، فيما لا بدل له، فيبقى له التقريب الآخر وتقريبات أُخرى نذكرها.
فهذا هو الكلام في الذهاب نتيجة لحكم الحاكم الشرعي، وكذلك أشرنا إلى صورة الإكراه.
وأمّا الذهاب اختياراً – والكلام الآن في الشكل الذي له بدل من العبادات- فهل يقتضي وجود البدل جواز ذلك أم لا؟
الصحيح عدم صحّة هذا الاقتضاء، مع تنجّز التكليف بالعبادة الجامعة للشرائط؛ لأنَّه يكون عصياناً اختياريّاً له، سوى ما خرج بالدليل؛
ــــــ[114]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
كالسفر هرباً من الصوم في نهار شهر رمضان، وإلَّا فمقتضى القاعدة الحرمة.
إلَّا أنَّ هذا خاصّ بصورة التنجّز، كالصلاة الداخل وقتها، فلا يجوز أن يتسبّب إلى عجزه عن الصلاة الاختياريّة المأمور بها.
نعم، إذا تسبّب إلى ذلك عصياناً أو جهلاً أو خطأً، حدث في طول العجز تكليف جديد بالبدل، على صورة الترتّب، وإن لم يكن منه حقيقة، إلَّا أنَّ القول بالترتّب صحيح كما هو المحقّق في علم الأُصول(1)، فهنا أولى بالصحّة، إلَّا أنَّه يكون معاتباً لترك الحكم الآخر.
وأمّا بالنسبة إلى الصلوات التي لم يدخل وقتها، فلحرمة تفويت الاختياري منها وجهان رئيسيّان:
الوجه الأوّل: أن نقول بوجوب المقدّمات المفوّتة، على أن نقصد من المقدّمات ما هو الأعمّ من الفعل والترك، أو على معنى: أنَّ الفعل المقدّمي هو الواجب، إلَّا أنَّ الترك يكون حراماً بصفته ضدّاً له. والمحقّق في علم الأُصول(2) بطلان كلّ هذه المطالب، فهذا الوجه لا يتمّ.
الوجه الثاني: أنَّنا نعرف من ذوق الشارع، المتصيَّد من الأدلّة المتفرّقة، حرمة التفويت الكثير للعبادات الاختياريّة، بحيث يجعل نفسه عاجزاً عنها في زمان طويل كأيّام أو أشهر أو سنين، فإنَّ فيها تفويتاً فعليّاً لملاكاتٍ
ــــــ[115]ـــــــ
(1) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 2: 329، مبحث الأوامر، الفصل الرابع مبحث الترتّب.
(2) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 2: 202، مباحث الدليل اللفظي، مبحث مقدّمة الواجب، المقدّمات المفوّتة.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
شرعيّة إلزاميّة قطعيّة الحصول عادةً في المستقبل.
إلَّا أنَّ هذا لا يشمل العبادات القليلة جدّاً، كالصلاة الواحدة والاثنتين، ولذا يجوز تفويتها قبل وقتها بالنوم ونحوه. إلَّا أنَّه من غير المحتمل شمول ذلك لصلوات عديدة وأيّام كثيرة.
إذن، فالمقدّمات المفوّتة واجبة بهذا المقدار، لكنّها غير واجبة بالوجوب المقدّمي بل بالوجوب الاستقلالي، وهذا هو الفرق بين المسلكين.
ويؤّيده، بل يدلّ عليه صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله× في رجلٍ أجنب في سفره ولم يجد إلَّا الثلج أو ماءً جامداً، فقال: >هو بمنزلة الضرورة يتيمّم، ولا أرى أن يعود إلى هذه الأرض التي توبق دينه<(1).
وخبر الصدوق قال: وروي: إن أجنبت في أرضٍ ولم تجد إلَّا ماءً جامداً ولم تخلص إلى الصعيد فصلِّ بالتمسّح، ثمَّ لا تعد إلى الأرض التي يوبق فيها دينك(2).
وخبر محمّد عن أحدهما‘، أنَّه سئل عن الرجل يقيم بالبلاد الأشهر، وليس فيها ماء من أجل المراعي وصلاح الإبل، قال: >لا<(3).
ــــــ[116]ـــــــ
(1) الكافي 3: 67، باب الرجل يصيبه الجنابة فلا يجد إلَّا الثلج أو الماء الجامد، الحديث1، تهذيب الأحكام 1: 192، باب التيمّم وأحكامه، حديث27، وسائل الشيعة 3: 355، باب جواز التيمّم عند الضرورة …، حديث9.
(2) المقنع (للشيخ الصدوق): 43، الباب الخامس: باب الغسل من الجنابة وغيرها، وسائل الشيعة 3: 391، باب كراهة الإقامة على غير ماءٍ ولو لغرض، حديث3.
(3) والخبر عن محمّد بن الحسن، بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب، عن محمّد بن الحسين عن صفوان عن العلاء عن محمّد عن أحدهما … راجع تهذيب الأحكام 1: 405، باب التيمّم وأحكامه، حديث8، وسائل الشيعة 3: 391، باب كراهة الإقامة على غير ماء ولو لغرض، حديث1.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
ولنا على هذه الأخبار عدّة تعليقات:
التعليق الأوّل: أنَّ هذه الأخبار – وخاصّة الصحيحة(1)- تدلّ على الحرمة؛ لقوله فيها: >ولا أرى أن يعود إلى هذه الأرض التي توبق دينه<.
واحتمال أنَّها توبق دينه من نواحٍ أُخرى غير ما وقع في السؤال غير وارد؛ لأنَّه الظاهر؛ إذ لم يبيّن عنها غير ذلك. والإمام يتحدّث عن أرض كليّة لا شخصيّة، وليس المفروض في بيان الأحكام استعمال علمه بالمغيّبات.
إذن فالظاهر هو كون الموبق للدّين هو الجهة الواقعة في السؤال، والتي سنزيدها أيضاً فيما يلي.
وقوله: >ولا أرى<، غير دالٍّ على الحرمة، إلَّا أنَّه لا يكون قرينة على عدمها في ذيل العبارة كما قد يدّعى؛ لقوّة الظهور في الذيل بالحرمة، فغايته أنَّ قوله: >لا أرى< دلَّ على جامع الزجر، لا على غير المحرّم بشرط لا، فيكون الذيل دالاً على إرادة الحرمة منه، أو لا يكون قرينةً عليه على الأقلّ.
التعليق الثاني: أنَّ موضوع هذا الحكم هو الذهاب إلى أرض لا يجد فيها الفرد إلَّا الثلج، ولكن بعد التجريد عن الخصوصيّة يمكن التعميم إلى الذهاب إلى أيّ مكان يسبّب انتقال الوظيفة إلى الصلاة الاضطراريّة والعجز عن الاختياريّة منها، ويمكن التعميم أكثر، وهو أنَّ كلّ تسبيب إلى مثل هذا العجز ممنوعٌ شرعاً، ما لم يدلّ دليل على جوازه بالخصوص. فإنَّ العرف يفهم أنَّ السبب في التحريم هو هذا التعجيز وليس غيره من الخصائص المأخوذة في السؤال.
ــــــ[117]ـــــــ
(1) أي: صحيحة محمّد بن مسلم.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وعلى أيّ حال، فالرواية شاملة للذهاب إلى الفضاء والركوب في المركبات الفضائيّة والأقمار الصناعيّة والدخول إلى الإجرام السماويّة، ممّا يؤدّي كلّه غالباً جدّاً إلى الصلاة الاضطراريّة والتعجيز عن الاختياريّة منها.
ومن هنا قلنا: أنَّ كلّ هذه التصرّفات تكون محرّمة بالاختيار ما لم يقترن بأمر حاكم ظالم أو عادل.
التعليق الثالث: أنَّه من الظاهر في الرواية أنَّ الإشارة إلى أمرين:
الأوّل: الصلاة التي لم يدخل وقتها بعد.
الثاني: البقاء مدّة معتدّاً بها، وليس مثل اليوم الواحد أو الأقلّ.
والتعميم من المدّة الطويلة إلى المدّة القصيرة للتجريد عن الخصوصيّة غير ممكنٍ عرفاً؛ لوضوح أنَّ المدّة الطويلة من العجز عن الصلاة الاختياريّة أهمّ في نظر الشارع من المدّة القصيرة لهذا العجز، ومن هنا لا تكون هذه الروايات دليلاً على حرمة ذلك.
التعليق الرابع: أنّه من المظنون أنَّ الرواية الثانية هي نفسها الأُولى، مع نقل الصدوق لها بالمعنى، وليست رواية أُخرى. ومعه تكون ما تتّفق معها من المضامين حجّة، وما يُختلف فيها ليس بحجّة؛ باعتبار أنَّ هذه الرواية الثانية مرسلة وساقطة سنداً.
التعليق الخامس: أنَّ أكثر هذه الروايات – بل كلّها- تدلّ على أنّ الذهاب المنهّي عنه كان لمصلحة دنيويّة.
فالرواية الأخيرة تدلّ على أنَّه ذهب لرعي الإبل. والأُولَيَين يدلّان بالسياق على أنَّ السفر لابدَّ أن يكون لمصلحةٍ عقلائيّة وليس جزافيّاً أو للتنزّه، وإلَّا لـم يُلقِ الفرد نفسه في مثل هذه المصاعب عبثاً، وهو أمر قد
ــــــ[118]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
يصل إلى درجة الاطمئنان.
ونتيجة ذلك: أنَّنا نفهم أنَّ الأهداف الدنيويّة الصحيحة لا تصحّح ولا تجوّز السفر إلى الأماكن التي تعجّز الإنسان عن الصلاة الاختياريّة، بل مطلق التسبيب إلى مثل هذا العجز بسفر أو غيره.
التعليق السادس: أنَّ مورد الروايات هو العجز عن الصلاة الاختياريّة مع التمكّن من البدل، وقد نصّت – مع ذلك- على الحرمة، فيكون التعجيز عن الصلاة فيما لا بدل له أولى بالحرمة.
التعليق السابع: أنَّ الظاهر السياقي للرواية دالٌّ على القصد وليس التورّط صدفة في أرض الثلج؛ لعدَّة قرائن:
منها: أنَّ أرض الثلج تكون واسعة جدّاً، بحيث لا يحتمل الدخول فيها والتوغّل بها إلَّا عمداً، مضافاً إلى فهم الإمام× ذلك لدلالة الجواب عليه بالنهي عن العود؛ إذ لو كان صدفةً أو سهواً لم يقتضِ الأمر ذلك، وكان معذوراً جزماً شرعاً وفقهيّاً.
فإذا طبّقنا ذلك في محلِّ الكلام، فإنَّه يشابهه أيضاً؛ إذ بدون أمر العادل أو الظالم فإنَّ السفر يكون اختياريّاً ولهدف دنيويّ، فيقع تحت المنع. وهذا لا يعني المنع منه مع حصول أحد ذينك الأمرين، كما هو معلوم. كما لم يَعنِ بالرواية المنع عن التوّرط صدفةً أو سهواً أو جهلاً أو نحوها؛ لأنَّ التجريد عن الخصوصيّة إلى هذه الصور غير ممكنةٍ عرفاً؛ لاحتمال الفرق بل الجزم به. فتبقى هذه الصور على مقتضى القاعدة بغضِّ النظر عن هدف الصحيحة.
التعليق الثامن: أنَّه لا حاجة إلى تكرار القول بأنَّ هذه الحرمة ترتفع
ــــــ[119]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
بالأمرين المشار إليهما فيما سبق، وهو الإكراه من قبل ظالمٍ أو التوجيه الإلزامي من قبل حاكمٍ عادل؛ لمبرّرات سبق أن ذكرناها. فإن حصل ذلك ارتفعت الحرمة وصلّى الفرد بمقدار إمكانه. وكذلك فيما لو كان الفرد غافلاً وقد حصل هناك وهو لا يعلم، أو جاهلاً بالحكم – أعني: بهذه الحرمة- وذهب عمداً، فإنَّ جهله عذرٌ له عن الحرمة، فيكون تكليفه بالواقع الذي حصل فيه هو الصلاة الاضطراريّة.
فهذا هو الكلام في الفقرة الثانية من هذه المسألة، وهي فوات العبادة ذات البدل، وقد تحصّل لنا حكم العبادة التي لا بدل لها، فإنَّهما معاً مثلان في الموارد التي يجوز فيها التعجيز والموارد التي لا يجوز، فلا حاجة إلى استئناف كلامٍ جديدٍ في هذا النوع.
الفقرة الثالثة: ينبغي الإشارة إلى أنَّه قد يقال: إنَّ الدليل الذي ذكرناه كافٍ في الفتوى بالحرمة، بدون أمرٍ إلزاميٍّ من ظالم أو عادل، فما الذي حدانا في أوّل المسألة أن جعلناه احتياطاً وجوباً، لا فتوى.
وجواب ذلك: إنَّ مقتضى القاعدة – بغضِّ النظر عن صحيحة محمّد بن مسلم السابقة- هو ذلك لا محالة، أعني: الاحتياط؛ لفرض عدم دخول أوقات الصلوات الآتية عند السفر أو عدم التنجّز عند التعجيز، وهذا لا يختلف فيه الحال بين الصلوات أو العبادات القليلة والكثيرة، بعد منع وجوب المقدّمات المفوّتة، فيكون مقتضى القاعدة الجواز مطلقاً.
إلَّا أنَّنا أشرنا إلى العلم من ذوق الشارع المنع، إلَّا أنَّ هذا العلم ليس واصلاً درجة القطع الكامل، بل هو اطمئنانيّ، فيكون حجّةً ظاهريّةً قابلةً لاحتمال الخلاف، ومن هنا أمكن جعل الحكم احتياطيّاً، وإن كان يمكن
ــــــ[120]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
جعله بنحو الفتوى الجزميّة لقيام الحجّة عليه.
وأمّا إذا أخذنا الصحيحة بنظر الاعتبار، فهي وإن كانت ظاهرة بالمنع، إلَّا أنَّ فيها احتمالات أُخرى ضعيفة، كقرينة الصدر في الجواب على الذيل، وكإمكان المناقشة في مقدار المرجوحيّة المقصودة منها؛ إذ قد يُؤَوّل قوله >توبق دينه< بما لا يناسب الحرمة، فمن هنا ناسب الأخذ بالاحتياط دون الفتوى، وإن كانت الفتوى أيضاً ممكنة؛ باعتبار قيام الحجّة فيها.
مسألة (12) ما أشرنا إليه في المسألة السابقة، لا يكون قصد البحث العلمي والاستقصاء الطبيعي مبرّراً لجوازه، ما لم يقترن الذهاب بأحد الأمرين المشار إليهما هناك. أو تكون هناك ضرورة واضحة للعموم، مع انحصار دفعها بالذهاب فيجوز بمقدار الدفع لا أكثر(1).
لا تكون الأسباب الدنيويّة مجوّزة للذهاب إلَّا مع الضرورة العامّة
يمكن تقسيم هذه المسألة إلى فقرتين:
الفقرة الأُولى: أنَّنا عرفنا في المسألة السابقة مع ما سردنا من أدلّتها عدم جواز الذهاب لأيِّ غرضٍ دنيويٍّ مهما كان وجيهاً، بما فيه إجراء البحوث العلميّة الفيزيائيّة أو الكيمياويّة أو الفلكيّة، أو أي شيء آخر، ولا يكون أيّ شيءٍ من ذلك مبرّراً أو سبباً للجواز.
فهذه الفقرة إنَّما هي تطبيق لما سبق أن قلناه.
الفقرة الثانية: سبق أن عرفنا أنَّ هناك مبرّرين أو سببين لجواز الذهاب، هما أمر العادل وإكراه الظالم، على تفصيل سبق. والآن نضيف
ــــــ[121]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 19، كتاب الطهارة، مسألة رقم (14).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
سبباً آخر للجواز، هو ما إذا ثبت أنَّ هناك مصلحة عامّة للبحوث العلميّة بالشرائط التالية:
أوّلاً: أن تكون المصلحة عامّة لا خاصّة.
ثانياً: أن تكون ذات أهميّة عالية في نظر الشارع.
ثالثاً: توقّف دفع البلاء على هذه البحوث العلميّة.
رابعاً: توقّف هذه البحوث العلميّة على ذهاب الإنسان فيها، بحيث لو أرسلت المركبة غير مأهولة لأدّى ذلك إلى فشل البرنامج، ومن ثَمَّ لم تنجح المحاولة لدفع الضرر.
خامساً: أن يكون هذا الضرر أو البلاء محلّ الوثوق أو الاطمئنان، كما أنَّ جميع الفقرات السابقة كذلك، فلو كان بعضها لمجرّد الاحتمال لم يجز السفر.
وهنا، ينبغي الإشارة باختصار إلى أدلّة كلّ واحدٍ من هذه الشرائط:
الشرط الأوّل: أن تكون المصلحة عامّة لا خاصّة.
وفي هذا الشرط فقرتان أو عنوانان.
العنوان الأوّل: شرطيّة المصلحة العامّة.
العنوان الثاني: عدم شرطيّة المصلحة الخاصّة.
أمّا العنوان الأوّل: فالمهمّ فيه أنَّ تبديل الصلاة الاختياريّة إلى صلاة اضطراريّة سيكون باعتبار اقتضاء المصلحة العامّة له.
والمصالح العامّة وإن كانت تختلف في أهميّتها عقلاً وشرعاً، إلَّا أنَّه ممّا لا شكّ فيه أنَّها ذات أهميّة عالية في نظر الشارع، بحيث تتقدّم على ما سواها من الأغراض والملاكات، وتقديم المصلحة العامّة على الخاصّة أمر راجح
ــــــ[122]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وواضح في حكم العقل العملي.
لا يقال: إنَّ هذا إنَّما يتمّ فيما إذا صعدت المصلحة العامّة إلى حدِّ الضرورة، وأمّا ما دونها فلا.
فإنَّه يقال: كلّا، فإنَّ الضرورة ملاك مستقلّ بنفسه موجب لسقوط الحكم المضادّ، سواء كان مرتبطاً بالمصلحة العامّة أو الخاصّة، وإنَّما الكلام فيما سبق، فيما إذا لم تكن هناك ضرورات في المصلحة العامّة، إلَّا أنَّها لا تخرج عن كونها منها، أعني: مصلحة عامّة.
نعم، لو كانت المصلحة العامّة ذات نتائج محرّمة، أو تحتوي على محرّم بشكلٍ وآخر، بل مطلق المرجوح، لم يجز تقديمها على ملاك الصلاة الاختياريّة. وكذلك لو كانت ذات طابع كمالي أو إضافي، بحيث يقتضي هذا العمل مجرّد الترفيه أو نحوه، لم يجز أيضاً تقديمه على ملاك الصلاة الاختياريّة للشكّ – في كلتا الصورتين- بأهميّة مثل هذه المصلحة العامّة في نظر الشارع على ملاك الصلاة، بل في كثير من الصور يُحرز أهميّة ملاك الصلاة على تلك المصلحة، وأمّا إذا كانت المصلحة محرّمة فواضح.
[وأمّا] العنوان الثاني: عدم شرطيّة المصلحة الخاصّة، والتي لا ترقى إلى حدِّ الضرورة؛ لوضوح أنَّها لو كانت في حدِّ الضرورة أو الإكراه أو الحرج أو العسر أو الضرر ونحو ذلك جازت جزماً، وتقدّمت على ملاك الصلاة الاختياريّة، سواء كان لها بدلٌ أم لم يكن لها بدل.
وأمّا إذا لم تكن كذلك، لم يجز القيام بالعمل، وتقديمه على ملاك الصلاة، سواء كان له بدلٌ أم لم يكن، وقد سبق أن برهنّا بأنَّ أيّاً من الملاكات الدنيويّة لا يجوز تقديمه على الصلاة، حتّى لو كان ذا هدفٍ
ــــــ[123]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
عقلائي صحيح، ما لم يقترن بأحد الأمرين الآخرين: الإكراه من ظالم أو إيجاب حاكم عادل.
الشرط الثاني: أن تكون المصلحة العامّة ذات أهميّة عاليةٍ في نظر الشارع.
وهذا هو ما عرفناه قبل قليل من أنَّ المصالح العامّة المحرّمة أو الترفيهيّة لا تتقدّم على ملاك العبادة فيحرم السفر لأجلها.
إلَّا أنَّنا أشرنا إلى أنَّه من الضروريّ شرعاً أن تبلغ المصلحة العامّة إلى حدِّ الضرورة، بل يجوز تقديمها على ملاك العبادة فيما دون ذلك من المصالح. إذن فيمكن القول أنَّ كثيراً من المصالح العامّة هي فعلاً ذات أهميّةٍ كبيرةٍ شرعاً وعقلاً، بل لمجرّد كونها ذات مصلحة عامّة غير ترفيهيّة ولا محرّمة، بل أنَّ تسمية المصلحة المحرّمة والترفيهيّة مصلحة فعليّة وحقيقيّة، يحتوي على تسامح واضح، بل المحرّم منها مفسدة فعليّة.
ومعه يمكن القول: أنَّ المصلحة العامّة عموماً هي ذات جانبٍ عالي الأهميّة شرعاً وعقلاً.
فإن قلت: إذن سقط هذا الشرط؛ لأنَّ المصلحة العامّة بعنوانها مهمّة، فلا حاجة إلى اشتراط أهميّتها.
قلنا: نعم، غير أنَّ اشتراطه للإيضاح للعامّة بإخراج المصالح الترفيهيّة والمحرّمة كما أشرنا.
الشرط الثالث: توقّف دفع البلاء أو إنجاز المصلحة العامّة على البحث العلمي الفضائي.
وهذا واضح؛ إذ لو لم يكن متوقّفاً عليه، كان البحث العلمي
ــــــ[124]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الفضائي غير مرتبطٍ بالمصلحة العامّة، فلا يجوز تقديمه على ملاك العبادة، فلا يجوز السفر لأجله.
الشرط الرابع: توقّف البحوث العلميّة الفضائيّة التي نحتاج إليها على سفر الإنسان إلى الفضاء.
وهذا واضحٌ أيضاً؛ إذ لو أمكن إنجاز هذه البحوث عن غير هذا الطريق، كما لو أمكن إتمامها على سطح الأرض أو بمركبةٍ غير مأهولة، كان ذهاب الإنسان إلى هناك مستأنفاً، وعلى غير هدفٍ من أهداف المصلحة العامّة، فيحرم ما لم يقترن بالأمرين الآخرين: حكم الظالم وحكم العادل.
وعلى أيّ حالٍ، فما قلناه في نصِّ المسألة من أنَّه يجب أن تكون هناك ضرورة واضحة للعموم لا يخلو من تسامح، بل عرفنا أنَّه يكفي أن تكون هناك مصلحة عامّة، غير ذات طابعٍ ترفيهيٍّ ولا محرّمٍ، سواء كانت لضرورة أم لم تكن، إلّاَ أنَّ الضرورة أوضح جوازاً من صورة عدمها لا محالة.
وإنَّما اشترطنا ذلك باعتبار التركيز على أهميّة ملاك العبادة إثباتاً لا أكثر.
مسألة (13) يجب طهارة ما يُؤكل وما يُشرب على المركبة، أو في أيّ كوكبٍ أو نجم، بل مطلقاً. ولا يجوز أكل أو شرب النجس أو المتنجّس. فلو عُومل البول أو الخروج بالمواد الكيميائيّة أو غيرها، بحيث يصبحان طعاماً وشراباً لم يجز تناوله؛ لبقائه على النجاسة. نعم، مع حصول التبخير أو الاستحالة النوعيّة تحصل الطهارة ويجوز التناول(1).
ــــــ[125]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 19-20، كتاب الطهارة، مسألة رقم (15).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
لو عُومل البول والخروج بالموادّ لم يجز أكله إلَّا مع الاستحالة
يمكن التكلّم في هذه المسألة ضمن عدّة فقرات:
الفقرة الأُولى: أنَّنا عقدنا هذه المسألة من زاوية عدم وجود الضرورة، فيكون مقتضى القاعدة حرمة أكل وشرب النجس والمتنجّس، وأمّا مع الضرورة فلا إشكال في الجواز. وكذلك كلّ الملاكات الرافعة للتكليف، كالضرر والعسر والحرج والإكراه وغيرها.
نعم، ينبغي الإشارة هنا إلى أنَّ الضرورة قد لا ترتبط بالاختيار؛ لوجود الإكراه من ظالمٍ أو الأمر الإلزامي من عادلٍ، فإن حصل ذلك فهو القدر المتيقّن من الجواز المشار إليه.
وأمّا لو كانت الضرورة ناتجة من الاختيار – كما لو خرج لمصلحةٍ شخصيّة أو ترفيهيّة أو لغرضٍ محرّم أو نحو ذلك، ممّا عرفناه في المسألة السابقة، أو اطّلع على الحكم الفقهيّ بعدم الجواز فخرج إلى السفر عصياناً، وغير ذلك- ففي مثل ذلك قد يقال ببقاء حرمة أكل النجس والمتنجّس في حقِّ مثل هذا الفرد؛ لأنَّ ما ليس بالاختيار يعود إلى ما بالاختيار، فيقع طعامه وشرابه حراماً، حتّى لو كان منحصراً به.
وجواب ذلك: أنَّ نتيجة هذه المقدّمة – وهي: أنَّ ما ليس بالاختيار يعود إلى ما بالاختيار- هي بقاء الحرمة عليه نظريّاً لا عمليّاً، بمعنى: أنَّه يعاقب عليها، إلَّا أنَّه لا يعني عدم جواز التناول شرعاً كما سنشير.
ونظيره في الفقه: أنَّ عدم جواز أكل الميتة يرتفع مع الضرورة، إلَّا إذا كان عادياً أو باغياً، كما نصّ القرآن الكريم {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ}. وأمّا الباغي والعادي، فلا يجوز لهما التناول حتّى مع الضرورة، بمعنى: أنَّ الحرمة لا
ــــــ[126]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
ترتفع في حقّهما، ونتيجة ذلك أنَّهما يعاقبان على التناول، غير أنَّ هذا لا يعني عدم الجواز الفعلي للتناول، وسقوط الحرمة بالضرورة، بل تحولّها إلى الوجوب أحياناً، ومع ذلك فهو يعاقب على الحرمة غير الساقطة، ويكون سرّ هذا العقاب أنَّ هذا الفرد لماذا أصبح باختياره باغياً أو عادياً ليدخل في ضمن الحرمة لا في الجواز، أو بتعبير آخر: أنَّه يدخل في المستثنى لا في المستثنى منه.
نعود إلى مسألتنا: فحرمة أكل وشرب النجس مرتفعة مع الضرورة، إلَّا أنَّها باقية في نفس الوقت لا بمعنى أنَّها منجّزة، بل الحكم المنجّز هو الجواز لا محالة؛ تمسّكاً بإطلاق الأدلّة الرافعة للتكليف، وبعض ألسنتها غير قابل للتقييد، كقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وقوله×: >ما من محرّم إلَّا أحلّه الله للضرورة<(1).
وأمّا الحرمة التي نقول ببقائها، فإنّها منتجة للعقوبة فقط، وسرّها العقاب على ممارسة الاختيار في دفع النفس إلى حال الضرورة.
وأوضح دليلٍ على ذلك، هو التمسّك بدليل حرمة أكل النجس نفسه. غير أنَّ هذا الإطلاق ساقط في صورة الضرورة غير الناتجة من الاختيار، عقلاً وشرعاً، فيبقى ساري المفعول في صورة الضرورة الناتجة من الاختيار، ولا أقل من الشكِّ في سقوطه، فنتمسّك بالإطلاق.
ــــــ[127]ـــــــ
(1) أُنظر: تهذيب الأحكام 3: 177، باب صلاة الغريق والمتوحّل والمضطرّ بغير ذلك، حديث 10، وباب صلاة المضطرّ، حديث 23، وسائل الشيعة 2: 21، باب جواز مرور الجنب والحائض …، حديث 18-19، و4: 373، باب جواز لبس الحرير للرجال في الحرب والضرورة خاصّة، حديث 6، 7، 8.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
فإن قلت: إنَّ هذا الإطلاق ساقطٌ جزماً، تمسّكاً بإطلاق أدلّة الضرورة، والضرر غير القابل للتقييد كما قلنا، فالقول ببقائه قول باجتماع النقيضين.
قلنا: نعم، ولكنّه ساقط خطاباً، غير أنَّه غير ساقط ملاكاً؛ باعتبار اختياريّة المقدّمة.
فإن قلت: كيف لنا أن نستكشف الملاك بعد سقوط الخطاب.
قلنا: إنَّ للدليل الأوّلي – أعني: دليل حرمة أكل النجس- دلالتين لكلِّ منها إطلاق، أحدهما الدلالة على الحرمة، والأُخرى الدلالة على العقوبة. والإطلاق الأوّل وإن كان ساقطاً، إلَّا أنَّ الثاني لا موجب لسقوطه، فيبقى ساري المفعول.
فإن قلت: فإنَّ الخطاب دالٌّ بالالتزام على حصول استحقاق العقاب لكلِّ عاصٍ للنهي أو الحرمة ومخالفٍ لها. أمّا في صورة سقوط الخطاب بالحرمة، فالعصيان منتفٍ فيكون العقاب منتفياً، وبتعبير آخر: إنَّ دلالته الالتزاميّة على حصول استحقاقه منتفٍ.
قلنا: يمكن القول بأنَّ إطلاق الحرمة المطابقي غير ساقط حتّى في حال الضرورات إطلاقاً، إلَّا أنَّ حال الضرورة يكون عذراً عقليّاً أو شرعيّاً عند ارتكاب الحرام. فإذا علمنا في مورد عدم سقوط الحرمة وعدم وجود العذر، كان ذلك سبباً للقول بالتمسّك بإطلاق دليل الحرمة نفسه، بكلتا الدلالتين المطابقيّة والالتزاميّة، بمعنى: أنَّه حرام معاقب عليه، وذلك باعتبار اختياريّة المقدّمة.
فإن قلت: إنَّ هذا خلاف الإطلاق غير القابل للتقييد في أدلّة النفي، كأدلّة الحرج والضرورة كما أشرنا.
ــــــ[128]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
قلنا: يمكن القول بتقييد هذه الأدلّة موضوعاً، بحمل الضرر والحرج أنفسها على ما كان ذا مقدّمة غير اختياريّة، وأمّا ما له مقدّمة اختياريّة فليس بضررٍ وحرج، فلا يكون الحكم فيه مرتفعاً.
وما سمعته من عدم إمكان التقييد إنَّما هو في تقييدها المحمولي لا في تقييدها الموضوعي، على أنَّه ليس هذا تقييداً، بل تدقيق في فهم الموضوع.
أقول: لا أجد أنَّ الموضوع يستحقّ أكثر من ذلك من البحث، فتبقى تتمّة الكلام إلى محلٍّ آخر.
الفقرة الثانية: أنَّه يحرم أكل النجس والمتنجّس مطلقاً – أعني: في أيّ مكان وزمان- على القاعدة وفي غير الضرورة.
وكان اللازم تقديم هذه الفقرة، إلَّا أنَّ الفقرة الأُولى أشدّ ارتباطاً بموضوع الكتاب، كما هو معلوم. وأمّا حكم أكل النجس والمتنجّس فهو غير مرتبطٍ بالفضاء مباشرةً، بل ينبغي أن يبقى الاستدلال عليه موكولاً إلى الفقه المتعارف، ونأخذه هنا مسلّماً، غير أنَّه مع ذلك يحسن أن نشير إلى دليله باختصار:
لا شكَّ أنَّ هذا الحكم معقد إجماع محصّل في الجملة إلى حدٍّ يمكن أن يقال: إنَّه أوسع وأقوى من كونه ناشئاً من الروايات. ومعه لا يكون وجودها مسقطاً له بعنوان كونه مدركيّاً.
غير أنَّ نقطة الضعف فيه هي كونه دليلاً لبيّاً لا إطلاق فيه، لو اقتصرنا عليه.
وقد استدلّ الشيخ صاحب الجواهر(1) بهذا الصدد بقوله تعالى: {إِلاَّ
ــــــ[129]ـــــــ
(1) أُنظر: جواهر الكلام 36: 354، كتاب الأطعمة والأشربة، النوع الثالث الأعيان النجسة.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ}(1) بناءً على أنَّ المراد من الرجس النجاسة المتعارفة فقهيّاً، ومعه يكون تعليلاً يمكن التمسّك بإطلاقه.
وفيه: أوّلاً: أنَّه ليس المراد من الرجس النجاسة الفقهيّة- ولم يُجز بذلك هو نفسه، بل ذكر الدليل على تقديره- بل أنَّ هذا حكم لعلّه لم يكن نازلاً في القرآن الكريم إلى حين نزول الآية، ولم يكن معروفاً ومتداولاً بين المسلمين، ولا أقلّ من الشكِّ في ذلك، الأمر الذي يحدونا على حمل الآية على معناها اللغوي دون الاصطلاحي.
فإن قلت: إنَّ هناك وجهاً أوضح من ذلك، وهو أنَّ الحمل على المعنى الاصطلاحي يتعذّر لتأخّره.
قلنا: هذا صحيح كبرويّاً، ولكن لا صغرى له هنا؛ لأنَّ معنى النجاسة لو كان شائعاً بين المسلمين لأمكن حمل الآية الكريمة عليه، بغضِّ النظر عن اصطلاح النجاسة نفسه، بل يكون معبّراً عنه بالرجس، بل الإشكال من حيث عدم معروفيّته يومئذٍ ولو احتمالاً.
ثانياً: أنَّ الآية الكريمة تحتوي على ذكر ثلاثة أُمور من أعيان النجاسة، فإن صحَّ ذيلها تعليلاً فإنَّما يكون له إطلاق لأعيان النجاسة، ولا يمكن تعميمه لحرمة أكل المتنجّس؛ للفرق بينهما قطعاً في الارتكاز الشرعي والمتشرّعي، ولا أقل من احتماله.
ثالثاً: أنَّه سبحانه يقول: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ}، فأفرد الضمير. إذن فهو يعود إلى لحم الخنزير، وهو الأخير من الثلاثة والأقرب إلى الضمير كمرجعٍ له،
ــــــ[130]ـــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية: 145.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
ومعلومٌ أنَّ لحم الخنزير أشدُّ في نظر الشارع من غيره من النجاسات، فيكون التعليل – لو تمَّ- سارياً على مثله من النجاسات كلحم الكلب مثلاً، وأمّا ما دونه في الأهميّة في أعيان النجاسة فلا يمكن التعميم إليها؛ لاحتمال الفرق. بل لعلّه لا يشمل أيّ نجاسة أُخرى حتّى الخمر باعتبار نجاستها، بغضِّ النظر عن حرمة الشرب.
واستدلّ الشيخ صاحب الجواهر بالسنّة المقطوع بها(1)، وإن لم تكن متواترة اصطلاحاً، على حدِّ قوله. إلَّا أنَّه لم يذكر ولا خبراً واحداً من هذه السنّة الكثيرة، وهو غريب. ولو تمَّ فإنَّه أيضاً دليله لبّي يُقتصر فيه على القدر المتيقّن، وبتعبير أدقّ: يقتصر به على مورد التواتر الإجمالي، بعد اليقين بانتفاء التواتر اللفظي.
وسنسمع بعد لحظات بعض الروايات، إلَّا أنَّها ليست بهذا الوضوح سنداً ولا دلالة، كما سنرى.
منها: صحيحة محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر× عن آنية أهل الذمّة والمجوس، فقال: >لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخون، ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر<(2).
وتقريب الاستدلال بها، بالفقرة الأخيرة التي دلّت على المنع عن
ــــــ[131]ـــــــ
(1) أُنظر: جواهر الكلام 36: 354، كتاب الأطعمة والأشربة، النوع الثالث الأعيان النجسة.
(2) وسائل الشيعة 3: 419، أبواب النجاسات، الباب 14نجاسة الكافر ولو ذميّاً ولو ناصبيّاً، الحديث1. (منه). وراجع أيضاً: الكافي 6: 264، كتاب الأطعمة، باب علل التحريم، باب طعام أهل الذمّة…، الحديث 5.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الأكل في الآنية التي يُشرب فيها الخمر، فإنَّ السبب في ذلك فقهيّاً ليس إلَّا كون الطعام متنجّساً من الآنية المتنجّسة. والطعام غالباً رطب قابل لانتقال النجاسة، وإذا تمَّ ذلك في المتنجّس ففي عين النجس أولى. ولا خصوصيّة للخمر هنا، بل يمكن التعميم إلى كلِّ آنيةٍ متنجّسة ولو بغيرها؛ لعدم احتمال الفرق بالارتكاز المتشرّعي.
فإن قلت: فإنَّ الرواية دالّة بإطلاقها على الحرمة – ولو بعد الغسل- إذا كان الإناء معدّاً لشرب الخمر. إذن فالمراد منها جهة معنويّة لا النجاسة الفقهيّة المتعارفة.
قلنا: هذا الإطلاق صحيح في نفسه، إلَّا أنَّ له معارضاً بنحو القرينة المتّصلة بالعبارة، وهي ظهور الفعليّة في قوله: >يشربون< يعني: أنَّ زمان شربهم قريب جدّاً، وأنَّهم يمارسون الشرب الآن. وهذا الفهم يرفع ذلك الإطلاق وجوداً أو موضوعاً.
فإن قلت: فإنَّه ظاهر بالأواني المعدّة أكثر من ظهورها بالفعليّة.
قلنا: نمنع وضوح هذا الظهور على ذلك وجداناً، مضافاً إلى إمكان القول بأنَّ الظاهر منها مورد اجتماع الأمرين معاً، وهو الإعداد والفعليّة، ويكون التعميم إلى الموارد الأُخرى بالتجريد عن الخصوصيّة.
فعلى أيّ حالٍ فالإطلاق لصورة عدم سريان النجاسة، إمّا لغسل الإناء أو لجفافه وجفاف الطعام الموضوع فيه، فهذا الإطلاق ساقط بالارتكاز المتشرّعي أو محمول على المعنى المعنوي.
ومنها: حسنة زكريّا بن آدم قال: سألت أبا الحسن× عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير، قال: >يهراق المرق أو
ــــــ[132]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
يطعمه أهل الذمّة أو الكلب، واللحم فاغسله وكله< قلت: فإنَّه قطر فيه الدم؟ قال: >الدم تأكله النار إن شاء الله<. قلت: فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم؛ فقال: >فسد< … الحديث(1).
وهي واضحة إجمالاً بحرمة أكل المتنجّس؛ لأكثر من مورد فيها، فهو×:
أوّلاً: يأمر بإهراق المرق أو إطعامه لغير المسلمين. والأمر بالإهراق لا يكون جزافاً وإلَّا كان أمراً بالتبذير، وهو غير محتملٍ من الإمام×، وإنَّما كان باعتبار كون المرق المتنجّس لا يمكن تطهيره ولا يمكن شرعاً أكله. إذن فقد سقطت قيمته فيجوز إهراقه.
ثانياً: أمره بغسل اللحم، باعتباره متنجّساً، ولا يجوز بحسب المفهوم أكله قبل الغسل، وهذا مفهوم واضح من السياق، وإن لم يكن من أحد المفاهيم المتعارفة في الأُصول.
ثالثاً: قوله عن العجين المتنجّس: أنَّه فسد، فإنَّه كالمرق لا يمكن تطهيره ولا يمكن أكله. إذن فقد فسد.
إلَّا أنَّ هذه الرواية مع ذلك لا تخلو من المناقشة:
فهي أوّلاً: غير معتبرة سنداً بالحسن بن مبارك، فإنَّه لم يوثّق(2). نعم،
ــــــ[133]ـــــــ
(1) المصدر السابق: الحديث8. (منه)، وراجع أيضاً: الكافي 6: 422، أبواب الأنبذة، باب الفقاع، باب المسكر يقطر منه في الطعام، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 279، كتاب الطهارة، باب تطهير الثياب وغيرها، الحديث 107، وفي الكافي: (أهل الذمّة أو الكلاب) بدل: (أهل الذمّة أو الكلب).
(1) أُنظر: معجم رجال الحديث 6: 94، باب الحاء، رقم: 3076.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
عمل بها الأصحاب(1)، إلَّا أنَّ عمل الأصحاب كبرويّاً غير جابر للسند ما لم يكن إجماعاً، والإجماع وإن كان حاصلاً إلَّا أنَّه ليس لأجل العمل بها [بل] لوجود روايات أُخرى من ناحية، ولكونه قويّاً أعلى من دلالة الروايات كما عرفنا.
نعم، عمل بها المشهور بعنوانها التفصيلي، إلَّا أنَّ عمل المشهور ليس بحجّة.
ثانياً: أنَّ فيها مناقشة دلاليّة، وهي قوله: >الدم تأكله النار إن شاء الله تعالى<، والمراد أنّه يستهلك في المرق فلا يضرّ أكله بعد الاستهلاك.
إلَّا أنَّ هذا إنَّما يفيد باعتبار حرمة شرب الدم، فإنَّه بعد الاستهلاك يخرج عن كونه دماً، وأمّا باعتبار نجاسة الدم فلا يفيد؛ لأنَّ الدم بمجرّد سقوطه ينجّس المرق ولا سبيل إلى تطهيره، فهو ينجّسه قبل الاستهلاك، فلا يكون الاستهلاك مطهّراً له. وحمله على الدم المتخلّف في الذبيحة بعيد غايته؛ إذ المتخلّف يكون لاصقاً باللحم والعظم، ولا يقطر منه عادةً في القدر. فالدم إذن سقط من جرح في يد إنسان ونحو ذلك، ومعه يكون سبباً للنجاسة لا محالة.
ثالثاً: فيها مناقشة دلاليّة أُخرى، وهي قوله: >فسد<. الشامل لكلِّ العجين، مع العلم أنَّ ما يفسد من العجين إنَّما هو المجاور لعين النجاسة،
ــــــ[134]ـــــــ
(1) أُنظر: جواهر الكلام 36: 381، كتاب الأطعمة والأشربة، القسم الخامس في المائعات، النوع الثاني الدم المسفوح، ومصباح الفقيه 8: 278، كتاب الطهارة، القول في أحكام النجاسات، رياض المسائل 2: 294، كتاب الأطعمة والأشربة، القسم الخامس.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
فيمكن إلقاؤه والاستفادة من الباقي. والعجين ظاهر بالجسم السميك منه لا بما يشبه السائل منه، ليقال: أنَّ النجاسة تسري في الجميع.
ومع وجود المناقشات الدلاليّة نعلم أنَّ في الرواية خللاً، لا أقلّ من كونها من النقل بالمعنى، بحيث لم يكن هذا النقل مضبوطاً كما ينبغي، ومعه فلا نعلم ماذا كان قول الإمام× في الواقع لنتمسّك بإطلاقه.
إذن فالرواية غر تامّةٍ سنداً ولا دلالة.
ومنها: معتبرة السكوني عن أبي عبد الله×: أنَّ أمير المؤمنين سئل عن قدر طبخت، فإذا في القدر فأرة، فقال: >يهراق مرقها ويغسل اللحم ويُؤكل<(1).
وتقريبها نفس التقريب السابق، وحاصله: أنَّ الأمر بالإهراق ظاهر بالسقوط عن القيمة وإلَّا كان تبذيراً. والسقوط عن القيمة ليس إلَّا باعتبار امتناع التطهير وامتناع الأكل، وليس له سببٌ آخر بالارتكاز المتشرّعي.
هذا مضافاً إلى الأمر بغسل اللحم الدالّ على كونه متنجّساً، كما دلّ على عدم جواز الأكل قبل الغسل. وقد سبق مثله مع بعض المناقشات.
فإن قلت: إنَّ الأمر بالإهراق لعلّه لحرمة أكل لحم الفأرة المتفسّخ في القدر.
قلنا: إنَّ الرواية واضحة في عدم تفسّخها، فإنَّه يقول: فإذا فيها فأرة، يعني: أنَّها تعرف بمنظرها، وهذا لا يكون مع التفسّخ كما هو معلوم.
فإن قلت: إنَّ جواز أكل اللحم بعد تطهيره متوقّفٌ على طهارته
ــــــ[135]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 24: 196، كتاب الأطعمة والأشربة، باب44، حديث1. (منه). وراجع أيضاً: الكافي 6: 261، كتاب الأطعمة، باب الفأرة تموت في الطعام والشراب، الحديث 3، تهذيب الأحكام 9: 87، كتاب الصيد والذبائح، باب الذبائح والأطعمة، الحديث99.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
بالغسل، إلَّا أنَّ ذلك مشكل؛ لأنَّ النجاسة قد دخلت إلى داخله فتنجّست جميع مادّته ظاهره وباطنه، وتطهير الظاهر لا يغني عن تطهير الباطن. وهذا الإشكال وارد على عدد من الروايات التي تحتوي على هذا المضمون بما فيها حسنة زكريّا بن آدم السابقة.
وجواب ذلك من عدّة وجوه:
أولاً: أنَّ اللحم لعلّه لم يكن مطبوخاً جدّاً، بل كان لا يخلو من التماسك والصلابة. إذن فامتصاصه للمرق المتنجّس قليل، ولا أقلّ من الشكِّ في ذلك، فيستصحب عدمه.
ثانياً: أنَّ الأمر بالغسل لا يتعيّن فيه وجه خاصّ، كإراقة الماء على اللحم، بل المهمّ طهارته، كما لو نقّع بالكرّ أو النهر الجاري إلى زمان يدخل الماء في باطنه فيطهر.
ثالثاً: أنَّ هذه النجاسة لو تمّت أسناد بعض الروايات الدالّة عليها، تكون من النجاسات المعفوّ عنها شرعاً، بمعنى: جواز أكل اللحم، وإن بقي في باطنه جزءٌ متنجّس.
ومنها: صحيحة الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله× عن الفأرة والدابّة تقع في الطعام والشراب فتموت فيه، فقال: >إن كان سمناً أو عسلاً أو زيتاً، فإنَّه ربّما يكون بعض هذا، فإن كان الشتاء فانزع ما حوله وكله، وإن كان الصيف فارفعه حتّى تسرج به. وإن كان ثرداً فاطرح الذي كان عليه ولا تترك طعامك من أجل دابّة ماتت فيه<(1).
ــــــ[136]ـــــــ
(1) تهذيب الأحكام 9: 86، كتاب الصيد والذبائح، باب الذبائح والأطعمة، الحديث 96، وسائل الشيعة 24: 195، كتاب الأطعمة والأشربة، باب أنَّ الفأرة ونحوها إذا ماتت في الزيت أو…، الحديث 3.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وهي واضحة بوجوب الاجتناب عن المقدار المتنجّس بالميتة، إلَّا أنَّ فيها إشكالاً واحداً، وهو المراد من الزيت؟ فإمّا أن يراد به زيت الزيتون، في مقابل السمن الذي هو الزيت الحيواني، وإمّا أن يراد به الدهن السائل في مقابل السمن الذي يكون جامداً غالباً، بغضّ النظر عن مصادره الطبيعيّة. إذن فكلا الاحتمالين في الزيت يتعيّن أنَّه سائل غير قابل للجمود في برد الشتاء، وإنَّما غايته أنَّه يثخن قليلاً، ولكنّه لا يجمد، ومعه فسقوط الفأرة فيه تنجّسه جميعاً. فجعله في الرواية كالسمن الثخين بلا وجه.
غير أنَّ ظاهر الرواية – وهي صحيحة السند- الاكتفاء بالثخانة في عدم سريان النجاسة إلى سائر الأجزاء، ولا يتعيّن فيه الجمود التامّ ونحوه. ومن هنا ذكر العسل، فإنَّه غالباً سائل ليس بجامد، ولكنه ثخين ليس بالخفيف، فيكفي إزالة محلّ الملاقاة من أمثال هذه الأطعمة.
وأمّا إذا كان السمن سائلاً تماماً – كما في حرارة الصيف- فيحرم أكله، ولكن لا يجوز إراقته مع إمكان الاستفادة منه بفوائد أُخرى، ومن هنا يأمر بالاستصباح به كفائدة عقلائيّة كانت يومئذٍ سارية المفعول، ولا يأمر بالإراقة.
فهذه جملة من الروايات الدالّة على حرمة أكل المتنجّس مع مناقشاتها الدلاليّة والسنديّة. وهناك روايات أُخرى أضعف سنداً ودلالة أعرضنا عنها اختصاراً.
وعلى أيّ حال، فصحيحة محمّد بن مسلم الأُولى – وكذلك صحيحة الحلبي الأخيرة- يمكن فهم الإطلاق منها بعد التجريد عن خصوصيّة المورد، وخاصّة أنَّ موردهما معاً هو الطعام المتنجّس، فيكون الحكم في عين
ــــــ[137]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
النجاسة أوكد وأولى.
فهذا هو مختصر الكلام في حرمة أكل النجس وشربه، وقد ثبت فيه دليل مطلق، مضافاً إلى عدم الفرق بين الأكل والشرب بالارتكاز العرفي، فإنَّ المهم هو الإدخال في المعدة سائلاً كان أم جامداً، ويحتاج إلى قضم أم لا يحتاج.
فهذا هو الكلام في الفقرة الثانية من المسألة.
الفقرة الثالثة: أنَّه إذا عومل الخروج أو البول بالموادّ الكيمياويّة أو غيرها، فأصبح شراباً أو طعاماً، لم يجز أكله على القاعدة إلَّا لضرورة، فلابدَّ من تحضير أطعمة أُخرى للسفر الفضائي.
وحرمة الأكل عندئذٍ ثابتة بالاستصحاب الموضوعي، وهو النجاسة العينيّة، والحكمي وهو حرمة الأكل.
لا يقال: إنَّه مع حصول التغيّر قد تحصل فيه استحالة فيكون طاهراً بسببها.
فإنَّه يقال: سلّمنا، ولكن الموادّ التي أُهريقت عليه قبل الاستحالة، أو في حالٍ يمكن فيه استصحاب النجاسة، تلك الموادّ قد تنجّست واختلطت فيه، فتكون موجبةً لنجاسة المجموع، ومعلوم أنَّه بالاستحالة تزول النجاسة الناشئة من عنوان البول ونحوه، لا النجاسة الناشئة من الملاقاة، فإنَّ الملاقاة حاصلة مع عنوان الجسم الرطب لا على عنوان آخر، وهذا العنوان لم يحصل فيه استحالة ولم يتبدّل.
وينبغي الإلماع إلى مسلكين محتملين في الفقه ينفعان في المقام:
أحدهما: أنَّ المتنجّس إذا طرأت عليه نجاسة أُخرى من نوعها أو من
ــــــ[138]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
غير نوعها، فإنَّه يتنجّس أيضاً، فإذا حصل سبب مزيل لإحدى النجاستين كما في المقام بقيت الأُخرى.
ثانيهما: أنَّ المتنجّس لا يتنجّس مرّة أُخرى.
وخلاصة التحقيق فيها: أنَّه لو كان هناك للمتنجّس الزائد أثرٌ زائد شرعاً حكم به، كما في ملاكات البول بعد الدم، فإنَّ أثره زيادة الصبّ للتطهير، وأمّا ما لا أثر له كملاقاة البول مرّتين أو ملاقاة الميتة والدم، فإنَّه يكون الحكم بالتنجّس لاغياً. اللهم إلَّا أنَّ يقال بالتجريد عن الخصوصيّة، حيث دلّت أدلّة الملاقاة على نجاسة الملاقي (بالياء) وبحسب إطلاقها تشمل كلّ الأجسام، سواء كانت طاهرة أم متنجّسة، كلّ ما في الأمر أنَّ مواردها هي الأجسام الطاهرة، وهو لا يقيّد الوارد.
إلَّا أنَّ هذا الوجه لا يخلو من خدشة؛ وذلك لعدم إمكان التعميم من الطاهر إلى المتنجّس لوجهين على الأقل:
الوجه الأوّل: احتمال الفرق بينهما بالملاقاة، ولو لاحتمال أنَّ حرمة النجاسة ثابتة غير قابلة للزيادة.
الوجه الثاني: أنَّ السراية بالملاقاة إنَّما فهمناها من الأدلّة بعنوان >اغسل<، وهذا لا يمكن أن يشمل الملاقاة الثانية وحدها كما هو معلوم. فإنَّ الجسم إذا غسل طهر من كلتا الملاقاتين، فشمول الإطلاق للثانية بحدّها غير ممكن. هذا فضلاً عمّا إذا كان الملاقى (بالفتح) عين النجاسة، فإنَّه غير قابل للغسل أساساً ولا يكون الغسل قابلاً لتطهيره.
إلَّا أنَّه يمكن أن يقال: مع ذلك أنَّه بالارتكاز المتشرّعي، فإنَّ النجاسة أو المتنجّس قابل للزيادة والتضاعف، فكلّما حصلت ملاقاة جديدة زادت
ــــــ[139]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
النجاسة، ومع قياس هذا الأمر بالقذارة العرفيّة، وهي قابلة للتضاعف، يكون الأمر واضحاً، فيحكم بالسراية، سواء كان لها أثرٌ شرعي أو لا.
وهذا ينبغي أن يكون ثابتاً في صورة اتّحاد مستوى المتلاقيين، يعني: تلاقي المتنجّس مع المتنجّس أو العين مع العين، وأولى ثبوتاً ملاقاة المتنجّس بالمتنجّس مع العين، غير أنَّه تبقى الصورة الأُخرى وهي ملاقاة العين مع المتنجّس، فهل يكتسب نجاسة أُخرى فوق نجاسته العينيّة أم لا؟
أقول: إذا تصوّرنا زيادة نجاسة العين مع ملاقاة العين الأُخرى بالارتكاز المتشرّعي، فلا مانع من تصوّر نجاستها أو سراية النجاسة إليها من المتنجّس، إلَّا أنَّ كلا الموردين – وخاصّة الأخير- يحتاج إلى الجزم بهذا الارتكاز وهو متعذّر.
ومع الحكم في هذه الصورة بعدم السراية، فقد يقال في محلّ كلامنا في المسألة بأنَّه من هذا القبيل؛ وذلك لأنَّ المواد الكيمياويّة تلقى على عين النجاسة، فلا تكتسب العين نجاسة أُخرى على الفرض.
إلَّا أنَّ هذا يحتوي على سوء فهم لمورد الكلام؛ لأنَّ الموادّ التي تلقى على العين طاهرة وبالملاقاة تتنجّس، وقد قلنا فيما سبق أنه بالاستحالة يرتفع عنوان العين لا عنوان المتنجّس، ومعه فإمّا أن نقول ببقاء نجاسة تلك الموادّ الكيمياويّة في هذا المجموع، أو بسراية تلك النجاسة إلى الموادّ التي حصلت فيها الاستحالة، فتكون تلك الموادّ متنجّسة أيضاً.
اللهم إلَّا أن يقال: إنَّ الاستحالة كما حصلت على العين حصلت على تلك الموادّ المتنجّسة، وهي مطهّرة مع حصولها للعين والمتنجّس معاً، كما هو المحقّق في محلّه.
ــــــ[140]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
إلَّا أنَّ حصول الاستحالة للموادّ الكيمياويّة مشكوك، وما هو محرز إنَّما هو استحالة العين فقط، أمّا تلك الموادّ فهي مستهلكة وليست مستحيلة، والمستهلك ينجس كغيره، ولا أقلّ من استصحاب تنجّسه السابق بالعين مع استصحاب عدم استحالته.
إذن فقد صحّ ما قلناه من نجاسة الطعام والشراب المصنوع من الخروجين، فيحرم تناولهما لغير الضرورة.
الفقرة الرابعة من المسألة: أنَّه مع حصول الاستحالة في أعيان النجاسة بدون أن تلقى عليها موادّ خارجيّة – كما لو حصل التبخير في البول أو عومل بغاز أو ضغط أو حرارة أو نحو ذلك- فإنَّ هذه الاستحالة تكون موجبة لطهارة الناتج، ومعه يجوز أكله وشربه، غير أنَّه ينبغي الوثوق أو الاطمئنان بحصول الاستحالة النوعيّة، بحيث يصبح شيئاً آخر عرفاً، ولا يكفي تغيّر قوامه أو لونه ونحو ذلك، كما هو معلوم فقهيّاً.
مسألة (14) الأقوى طهارة أهل الكتاب بالطهارة الذاتيّة. فمَن رافق واحداً منهم أو أكثر في رحلة فضائيّة أو غيرها، جاز له البناء على طهارة ما يلاقيه ببدنه أو ثوبه ما لم يعلم بنجاسته(1).
في طهارة أهل الكتاب
في هذه المسألة فقرتان: إحداهما بمنزلة الكبرى، والأُخرى بمنزلة الصغرى أو التطبيق لها.
الفقرة الأُولى: في طهارة أهل الكتاب بنحو الطهارة الذاتيّة، والمقصود
ــــــ[141]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 20، كتاب الطهارة، مسألة رقم (16).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
بها أنَّهم ليسوا نجاسة عينيّة كالكلب والخنزير وسائر الكفّار، بل هم طاهرون عيناً، ممّا ييسّر جريان الأُصول المؤمّنة في الأُمور الملاقية لهم، كأصالة الطهارة واستصحابها، وتكون حاكمة على الأُصول الأُخرى المتأخّرة عنها.
إلَّا أنَّ هذا لا يعني كون الكافر كالمسلم تماماً، بل هو يختلف عنه اختلافات أساسيّة من حيث الطهارة، منها عدم مطهّرية (الغيبة) له ولممتلكاته، ومنها تعرّض الكافر للنجاسات؛ باعتباره لا يؤمن بنجاستها كالخمر والخنزير والكلب، مع عدم تصدّيه لتطهير جسمه وثيابه كالمسلم بطبيعة الحال.
ومن ثمَّ يكاد ينحصر الحكم بالطهارة في صورة ما إذا أحرزنا طهارة الكتابي فعلاً، كما لو غسل يده أمامنا أو خرج من الحمام لتوّه، فإنَّه يكون طاهراً وقابلاً لاستصحاب الطهارة، هو مع جميع ما يلاقيه إلى أن نثق أو نطمئنّ بتجدّد النجاسة عليه.
وأمّا ملاقاته أو بعض ثيابه أو أُموره الأُخرى مع الجفاف، فلا إشكال في طهارة الملاقي.
وعلى أيّ حال، فالاستدلال على طهارة أهل الكتاب بهذا المعنى ينبغي أن يبقى موكولاً إلى الفقه الاعتيادي. إلَّا أنَّ مسؤوليتنا الآن هي الإشارة إليه على أيّ حال.
والأقوى في الدليل على الطهارة هو التمسّك بأصالة الطهارة الحكميّة بعد تساقط طائفتين من الروايات، والتي بعضها تامّ سنداً ودلالة، والتي يدلّ قسم منها على الطهارة، وقسم منها على النجاسة، فتصير بعد
ــــــ[142]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
التعارض إلى أصالة الطهارة كما أشرنا.
ولا يفيد تقديم أدلّة النجاسة لموافقتها الكتاب؛ لأنَّ الآية الكريمة غير دالّةٍ على النجاسة على ما سنشير.
كما لا يفيد تقديمها بحمل أدلّة الطهارة على التقيّة؛ لكثرتها وتظافرها، فإنَّه حمل الخبر والخبرين على التقيّة أمر معقول، وأمّا حمل طائفة مهمّة عليها، فهو بعيد إلى حدٍّ يحصل الاطمئنان بعدمه، ولعلّنا نشير إلى بعض التفاصيل في الآتي.
كما لا يفيد تقديم أخبار النجاسة لموافقتها المشهور، للمناقشة في ذلك كبرويّاً، من حيث إنَّ الشهرة الفتوائيّة – وخاصّة في العصور المتأخّرة- لا تكون جابرة ولا سبباً للتقديم.
كما لا تكون هذه الشهرة سبباً للاحتياط الوجوبي بالنجاسة، كما بنى عليه السيّد الأستاذ(1)؛ لعدم ثبوتها صغرويّاً بهذه السعة، التي بها تكون حجّة، مضافاً إلى المناقشة بها كبرويّاً من حيث إنَّ الشهرة ليست بحجّةٍ ما لم تبلغ درجة مقاربة للإجماع، بحيث يكون القول الآخر شاذّاً نادراً، وتمام الكلام في محلّه.
كما لا يفيد في تقديم أخبار الطهارة تظافرها وكثرتها عدداً بالنسبة إلى أخبار النجاسة، فإنَّ المفهم هو وجود ما هو تامّ سنداً ودلالة في أخبار النجاسة، أو قل: في كلتا الطائفتين وهو متحقّق فعلاً. والشهرة الروائيّة حجّة، إلَّا أنَّها إنَّما تكون في شهرة خبر معيّن لا في مجموعة من الأخبار، فإنَّ مضمونها العامّ يعتبر من الاستفاضة الإجماليّة وليس من الشهرة.
ــــــ[143]ـــــــ
(1) أُنظر: دراسات في علم الأُصول 3: 145، مباحث الظنّ، المبحث الرابع حجيّة الشهرة.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
على أنَّ المراد بالشهرة الروائيّة الاشتهار السندي لا الدلالي.
كما لا يفيد في تقديم أخبار الطهارة وجود طائفة من الأخبار تدلّ على أنَّ المرتكز في أذهان المتشرّعة من أصحاب الأئمّة^ هو الطهارة كما فعل سيّدنا الأستاذ(1)؛ لأنَّ قسماً من هذه الروايات غير دالٍّ على ذلك، وإن دلَّ هو أو غيره، فهذا الارتكاز لا يكون حجّة بعد وجود الأخبار النافية للطهارة، فلا يكون هذا الارتكاز ممضى من قبلهم^.
فإن قلت: فإنَّ الأخبار الدالّة على وجوده دالّة على إمضائه، ومنها ما هو الصحيح سنداً.
قلنا: نعم، إلَّا أنَّ أخبار النجاسة دالّة على النهي عنه وإبطاله، فهذا الارتكاز بمنزلة الحكم بالطهارة نفسه يقع طرفاً للمعارضة بين الطائفتين.
فإن قلت: فإن الأخبار الدالّة على الارتكاز تكون بمنزلة القرينة المتّصلة عليه، بخلاف الأخبار الدالّة على النجاسة، والقرينة المتّصلة مقدّمة على القرينة المنفصلة.
قلنا: المناقشة هنا كبرويّة؛ إذ لا تقديم للقرينة المتّصلة بعد أن كانت كلتاهما دليلاً كافياً ما لم تكن المتّصلة مقدّمة رتبةً أو موضوعاً، ومجرّد اتّصالها لا يعطيها هذا التقديم كما هو واضح، بل قد يكون الأمر بالعكس، فتكون القرينة المنفصلة متقدّمة رتبةً فيتعيّن العمل عليها. وفي المقام لا يوجد تقديم رتبيّ لأدلّة الطهارة.
فإن قلت: فإنَّ أدلّة الطهارة ناظرة إلى إمضاء هذا الارتكاز بخلاف
ــــــ[144]ـــــــ
(1) أُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 55، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، الثامن الكافر، طهارة أهل الكتاب.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
أدلّة النجاسة.
قلنا: كلا؛ إذ قد يكون المستفاد منها سياقيّاً وجود هذا الارتكاز، أمّا الصراحة بالنظر إليه وإمضائه فغير متحقّق في شيءٍ من الأدلّة، ومن هنا فقد تكون أدلّة النجاسة كافيةً في النهي عن هذا الارتكاز.
على أنَّ وجود هذا الارتكاز محلّ إشكال، وإنَّما المستفاد من مجموع الروايات هو أنَّ السؤال كان متداولاً ومطروحاً بين أصحاب الأئمّة بدون أن يكون هناك وضوح في أذهانهم إلى جانب الطهارة أو النجاسة، ومن هنا كثر السؤال منهم وكثرت الروايات الواردة بهذا الصدد. فالاطمئنان بوجود هذا الارتكاز أو حصول حجّة عليه – بغضِّ النظر عن إمضائه وعدمه- محلّ إشكال.
ولابدَّ لنا إلى أن نشير إلى أهمّ النقاط – التي تقع في طريق الاستدلال- بشيءٍ من الاختصار، وإلَّا فإنَّ الأخبار عديدة جدّاً، ولا مجال لاستيعابها في هذا الكتاب، وإنَّما نختار ما هو الأفضل سنداً ودلالة منها.
ونسرد مرادنا من ذلك ضمن النقاط التالية:
النقطة الأُولى: في سرد أهمّ الأخبار الدالّة على النجاسة، ويكفينا واحد منها تامّ سنداً ودلالة.
فمنها: صحيحة سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد الله× عن سؤر اليهودي والنصراني فقال: >لا<(1).
ــــــ[145]ـــــــ
(1) الكافي 3: 11، كتاب الطهارة، باب الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها…، الحديث 5، تهذيب الأحكام 1: 223، باب المياه وأحكامها…، الحديث 21، وسائل الشيعة 1: 229، أبواب الأسئار، باب نجاسة أسئار أصناف الكافر، الحديث 1.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
والسؤال ظاهر بالسؤال عن الطهارة، بمعنى: إمكان استعماله فيما يشترط فيه ذلك كالأكل والشرب؛ لوضوح أنَّ السؤر إنَّما هو بقيّة الطعام والشراب، والسؤال عن الطعام والشراب ينصرف إلى أكله وشربه، وليس الاستفادات الشاذّة منه.
والجواب: بالنفي أو النهي دالّ على صرف السائل عن السؤر المسؤول عنه وزجره عنه. وليس ذلك إلَّا للنجاسة؛ لأنَّها هي التي ابتنى عليها السؤال، كما قرّبناه.
وقد أقرّ السيّد الأُستاذ بدلالتها على النجاسة، بالرغم من أنَّه نفى التعارض بين الطائفتين بعد ذلك، وهو غريب. والحمل على الكراهة مضافاً إلى أنَّه خلاف الظاهر جزماً، فإنَّه – أيضاً- لا ينافي التعارض، بل هو في طوله كما هو معلوم.
وكذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر× في رجل صافح رجلاً مجوسيّاً فقال: >يغسل يده ولا يتوضّأ<(1).
فإنَّ الأمر بالغسل واضح بالنجاسة، وإنما فهم الفقهاء نجاسة سائر النجاسات من الأمر بالغسل لا بالتصريح بعنوان النجاسة إلا نادراً كما في الناصبي، إلَّا أنَّها لابدَّ من تقييدها بحال الرطوبة الذي هو حال متوفّر بالنسبة إلى عرف اليد وغيره.
ــــــ[146]ـــــــ
(1) الكافي 2: 650، كتاب العشرة، باب التسليم على أهل الملل، الحديث 12، وتهذيب الأحكام 1: 263، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، الحديث 52، وسائل الشيعة 1: 275، أبواب نواقض الوضوء، باب أنَّ لمس الكلب والكافر لا ينقض الوضوء.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وحملها على الاستحباب – كما فعل سيّدنا الأستاذ(1)- غير ظاهر(2)، وإلَّا أمكن حمل سائر أخبار النجاسات عليه، كما أنَّه جعل خبراً غير معتبر كقرينة على الاستحباب في هذه الصحيحة، وهو غريب.
ومنها: معتبرة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى× قال: سألته عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة، وأرقد معه على فراش واحد وأصافحه؟ قال: >لا<(3).
ومن الغريب مناقشة السيّد الأستاذ لها في عدم الرطوبة(4)، أمّا في الطعام (في قصعة واحدة) فهي أمر متعيّن ودائم، وأمّا في الرقود والمصافحة فهو أمر غير قليل، والتقييد به غير غريب. ويبقى إطلاق النهي لصورة الجفاف تنزيهيّاً أو أخلاقيّاً.
النقطة الثانية: في سرد أهمّ الأخبار الدالّة على الطهارة.
منها: صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله× عن مؤاكلة اليهودي والنصراني والمجوسي، فقال: >إن كان من طعامك وتوضّأ فلا
ــــــ[147]ـــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 47، كتاب الطهارة، نجاسة الكافر.
(2) نعم، في طول المعارضة ممكن، إلَّا أنَّه غير مفروض في هذه المرحلة من البحث(منه).
(3) الكافي 6: 264، كتاب الأطعمة، باب طعام أهل الذمّة ومؤاكلتهم وآنيتهم، الحديث 7، تهذيب الأحكام 9: 87، كتاب الصيد والذبائح، باب الذبائح والأطعمة …، الحديث 101، وسائل الشيعة 3: 420، أبواب النجاسات والأواني والجلود، باب نجاسة الكافر ولو ذميّاً ولو نصرانيّاً، الحديث 6.
(4) أُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 47، كتاب الطهارة، نجاسة الكافر.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
بأس<(1).
والمراد بالتوضّؤ هنا الغسل أو غسل اليد خاصّة؛ إذ لا يحتمل أن يصدر الوضوء الإسلامي من الكتابي، والرواية تنفي البأس عن مؤاكلته بشرطين، هما: التوضّؤ والأكل من طعام المسلم، وقلنا في بعض الروايات السابقة أنَّ الغالب في الطعام الرطوبة، فيكون السياق دالاً على الطهارة؛ إذ لو كان جسمه عين نجاسة لم ينتفِ البأس، وإذا حكم بطهارته في مورد حكم بطهارته في كلِّ مورد؛ إذ لا يحتمل التقييد الزماني والمكاني والأحوالي في النجاسة العينيّة بالارتكاز المتشرّعي.
بقي الكلام في مفهوم الشرط الموجود في الرواية، والشرط متكوّن من فقرتين، فمفهومه ثابت مع انتفائهما معاً، ومع انتفاء أحدهما كذلك؛ لأنَّ المجموع غير متحقّق عندئذٍ، والمفهوم دالّ على ثبوت البأس.
فقد يقال: إنَّنا حيث فهمنا من نفي البأس في طرف المنطوق تحقّق الطهارة الذاتيّة، كان المتحقّق في طرف المفهوم انتفاءَها.
فيقال: كلّا، لما أشرنا إليه من أنّ الارتكاز المتشرّعي لا يرى إمكان تبدّل الحال في النجاسة والطهارة العينيّتين، في زمانين أو مكانين، بل هما ثابتان دائماً.
ومن هنا لابدَّ لنا أن نفهم من ثبوت البأس – في طرف المفهوم- ثبوته باعتبار النجاسة العرضيّة حينما لا يكون قد غسل يده أو كان الطعام
ــــــ[148]ـــــــ
(1) الكافي 6: 263، كتاب الأطعمة، باب طعام أهل الذمّة ومؤاكلتهم وآنيتهم، الحديث 3، وسائل الشيعة 24: 208، كتاب الأطعمة والأشربة، باب عدم تحريم مؤاكلة الكفار…، الحديث 1.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
طعامه، بل يكون المنطوق قرينة عليه. وثبوت البأس أعمّ من النجاسة العرضيّة والذاتيّة، فيتعيّن بقرينة المنطوق المتّصلة بأنَّ المراد هو النجاسة العرضيّة.
على أنَّ اشتراط غسل اليد في نفسه دالٌّ على المطلوب؛ لأنَّه ظاهر بتأثير الغسل واختلاف الحال بعده، وهو حصول الطهارة. ولولاه لكان هذا الشرط لاغياً، ولما كان له أثر في رفع النجاسة، ومن ثمَّ في حرمة مؤاكلة الكتابي.
ومعه نكون قد توصّلنا إلى نفس ما قاله السيّد الأُستاذ ولكن بطريق أعمق، فراجع(1).
ومنها: صحيحة إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد الله× ما تقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال: >لا تأكله< ثمَّ سكت هنيئة، ثمَّ قال: >لا تأكله< ثمَّ سكت هنيئة، ثمَّ قال: >لا تأكله ولا تتركه، تقول: إنَّه حرام. ولكن تتركه تتنزّه عنه، إنَّ في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير<(2).
وعلّق عليها سيّدنا الأُستاذ: ودلالتها في طهارة أهل الكتاب وكراهة مؤاكلتهم ظاهرة(3)، ولم يبيّن وجه الظهور.
ــــــ[149]ـــــــ
(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 55، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، الثامن الكافر.
(2) تهذيب الأحكام 9: 87، كتاب الصيد والذبائح، باب الذبائح والأطعمة، الحديث 103، وسائل الشيعة 24: 211، كتاب الأطعمة والأشربة، باب تحريم الأكل في أواني الكفار…، الحديث 4.
(3) التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 51، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، الثامن الكافر.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
فإنَّه يمكن التمسّك منها للطهارة الذاتيّة بفقرتين:
إحداهما: قوله >لا تتركه تقول أنَّه حرام< فإنَّ المراد بالحرام هنا إمّا الموضوع وهو النجاسة في الطعام الناشئة عن النجاسة الذاتيّة للكتابي – لو كانت – أو الحكم بحرمة أكل النجس. والسياق دالٌّ على نفيهما معاً، أو قل: دالّة على نفي الحكم بنفي موضوعه.
ثانيهما: >ولكن تتركه تتنزّه عنه< إلى آخر الخبر، وهو واضحٌ في التعليل باحتمال طروّ النجاسة العرضيّة، ومن المعلوم بالارتكاز المتشرّعي أنَّه لو كانت النجاسة الذاتيّة ثابتةً لكان التعليل بها أولى، بل إثبات العرضيّة واضح سياقيّاً بنفي الأُخرى، وإنَّ الإمام× يريد بها ذلك.
والرواية دالّة على شدّة الكراهة؛ لأنَّه قال: >لا تأكله< مرّتين، ثُمَّ أمر بالتنزّه عنه ثالثة.
ومنها: صحيحة إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا×: الجارية النصرانيّة تخدمك وأنت تعلم أنَّها نصرانيّة لا تتوضّأ ولا تغتسل من جنابة؟ قال: >لا بأس، تغسل يديها<(1).
والسؤال هنا يحتمل أمرين:
أحدهما: وجود جارية نصرانيّة فعلاً في بيت الإمام×، كما احتمله سيّدنا الأُستاذ(2).
ــــــ[150]ـــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1، 399، باب الحيض والاستحاضة والنفاس، الحديث 68، وسائل الشيعة 3: 422، أبواب النجاسات والأواني والجلود، باب نجاسة الكافر ولو ذميّاً…، الحديث 11.
(2) أُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 51، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، الثامن الكافر.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وثانيهما: مجرّد الافتراض والخطاب فيه لا يراد به الخطاب الحقيقي، بل مجرّد النظر إلى السامع كواحد من المسلمين، ومن هنا لا يفرق عرفاً بين أن تكون الضمائر فيه للخطاب أو التكلّم أو الغيبة؛ لأنَّها جميعاً لمجرّد الافتراض وعرض السؤال.
وهذا هو الأظهر في السياق. ولا زالت هذه لهجةً أو أُسلوباً موجوداً ومتعارفاً عرفاً.
وعلى أيّ حال، فعلى كلا التقديرين فالحكم واحد، وهو الحكم بطهارة الجارية بالطهارة الذاتيّة، وهو المفهوم من قوله: >تغسل يديها<؛ باعتبار تأثير الغسل بالطهارة، وإلَّا كان لغواً وتبذيراً للماء، ومعلوم أنَّ عمل الجارية في البيت ملازم مع الرطوبة في الأعمّ الأغلب، ممّا يلازم شرعاً سراية النجاسة لو كانت ثابتة. إذن يكون البأس ثابتاً، في حين قد نفاه الإمام× بقوله: >لا بأس<.
النقطة الثالثة: في الآية الكريمة التي ادُّعي دلالتها على نجاسة أهل الكتاب، وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}(1) فقد استعمل مادّة النجاسة، وهي دالّة على المطلوب.
وهنا لا يحتاج إلى ضمِّ فهم المتشرّعة للنجاسة، كما فعل سيّدنا الأُستاذ(2)، بل يكفي استعمال المعنى اللغوي للمادّة في العرض الأوّل للاستدلال بالآية.
ــــــ[151]ـــــــ
(1) سورة التوبة، الآية: 28.
(2) أُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 43، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، الثامن الكافر.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
نعم، إذا استشكلوا: بأنَّ المعنى اللغوي للنجاسة لا يناسب المعنى الفقهي؛ لأنَّه عبارة عن الوسخ الظاهري، وهو أعمّ من النجاسة الفقهيّة، فلا تكون الآية دالّة على المطلوب؛ عندئذٍٍ يأتي دور فهم المتشرّعة بأن يقال: إنَّنا يمكن أن نحمل الآية على المعنى المتشرّعي للنجاسة فيثبت المطلوب، ومعه فقد اختصر السيّد الأُستاذ طريقاً لابدَّ له من سلوكه نظريّاً.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ؛ لما قاله السيّد الأُستاذ أيضاً(1) من تأخّر وجود هذا الفهم المتشرّعي عن زمن نزول الآية، فلا يمكن حملها عليها، فيتعيّن حملها على المعنى اللغوي أو المعنوي فتخرج عن محلِّ الاستدلال.
إلَّا أنَّ عبارته في ذلك قوله: لم يثبت(2). وهذا بمجرّده لا يكفي؛ لأنَّه يمكن أن يجاب بوجود (الاستصحاب القهقرائي) إلى زمن نزول الآية، فيثبت به وجود الفهم المتشرّعي عندئذٍ. والمحقّق في علم الأُصول حجّية الاستصحاب القهقرائي في الأُمور اللغويّة وما يناسبها من فهم ظواهر الأدلّة(3). إذن فنحتاج إلى حصول الاطمئنان بعدم وجود الفهم المتشرّعي، ولا يكفينا مجرّد الشكّ وعدم الثبوت.
غير أنَّ هذا الاستصحاب مثبت؛ لأنَّه لا يثبت معاصرة الفهم المتشرّعي لنزول الآية الكريمة، إلا بالملازمة العقليّة، اللهمّ إلَّا أنَّ نقول بحجّية بعض أنحائه كما لا يبعد.
ــــــ[152]ـــــــ
(1) أُنظر: المصدر السابق.
(2) المصدر السابق.
(3) لاحظ بحوث في علم الأُصول 4: 293، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، حجيّة الظهور.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
فإن لم يتمّ جريان الأصل، كفى الشكّ في إمكان بل تعيّن حمل الآية الكريمة على المعنى اللغوي.
وقد أورد السيّد الأُستاذ عليها ثانياً بما مؤدّاه(1): من أنَّ ذلك ملازم للقول بنجاسة المشركين بالشرك الخفيّ، فإنَّه من أنحاء الشرك ومراتبه، كالمرائي والمعجب بعباداته وغيرهما، والقول بنجاسة هؤلاء حتّى مع إسلامهم وإيمانهم غير محتملٍ فقهيّاً ومتشرّعيّاً.
إلَّا أنَّ هذا الإيراد غير وارد؛ لعدم شمول معنى الشرك للشرك الخفي، فإنَّه – كمعنى النجاسة- مفهوم متأخّر عن زمن نزول الآية، وإنَّما كان المفهوم منه يومئذٍ عبّاد الأصنام ونحوهم من المشركين بالشرك الجلي.
ولو تنزّلنا حصلت المعارضة بين معنيي الشرك والنجاسة، وهي معارضة بنحو القرينة المتّصلة لوحدة السياق فيهما، فإمّا أن نحمل النجاسة على المعنى الفقهي فيتعيّن حمل الشرك على الجليّ فقط، وإمّا أن نحمل الشرك على معناه الأعمّ، فيتعيّن حمل النجاسة على المعنويّ منها.
غير أنَّ هناك إيراداً آخر يمكن تسجيله على الاستدلال بالآية لم يذكره السيّد الأُستاذ، وهو إنكار أن يكون أهل الكتاب من المشركين، بأحد تقريبات:
أوّلاً: أنَّ المفهوم – كما قلنا- من المشركين زمن نزول الآية هو قريش من عبدة الأصنام دون أهل الكتاب.
ثانياً: أنَّ أهل الكتاب من أهل التوحيد بالمعنى الظاهري، وليسوا
ــــــ[153]ـــــــ
(1) أُنظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 44، كتاب الطهارة، فصل في النجاسات، الثامن الكافر.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
مشركين بالشرك الظاهري عمليّاً، وقد فهمنا من المشركين في الآية الشرك الظاهري فيخرجون عنها موضوعاً.
إلَّا أنَّ هذا الوجه غير تامٍّ؛ لأنَّه ينتقض بـ(الثالوث المقدّس) الذي يراه المسيحيّون، فهم مشركون بالشرك الصريح. اللهمّ إلَّا أن يقال بعدم التفريق بين أهل الكتاب في الحكم.
ثالثاً: أنَّ أهل الكتاب محسوبون على أهل التوحيد بالرغم من أن بعضهم من المشركين كالمسيحيّين، وذلك احتراماً لنبيّهم وشريعتهم التي كانت في عصرها صحيحة ومطابقة للحقّ، وهي شريعة موحّدة، والمفروض إيمانهم به ظاهراً. وإن حصلت بعض التحريفات لدى الجمهور المسيحي. إذن، يتمّ هذا التقريب بإخراج أهل الكتاب عن الشرك موضوعاً.
وبهذا يتمّ عدم دلالة الآية الكريمة على نجاسة أهل الكتاب، وبه يتمّ بطلان ما قيل من أنَّ أخبار النجاسة موافقة معها، وأخبار الطهارة مخالفة معها، فإنَّه فرع دلالتها وهي منتفيةٌ كما قلنا.
النقطة الرابعة: قلنا أنَّ الوجه المختار للجمع بين الطائفتين المتعارضتين هو التعارض والتساقط والرجوع إلى البراءة.
كما يمكن حمل أخبار النجاسة على التنزيه في طول التعارض، فإنَّها غير صريحة بالنجاسة، بل غايته التمسّك بالإطلاق؛ فيمكن تقييده بما دلَّ على الطهارة، كقوله في صحيحة سعيد الأعرج، فقال: >لا<، وقوله في معتبرة علي بن جعفر: قال: >لا<. وحرف النفي وإن كان بالإطلاق دالاً، إلَّا أنَّه يمكن حمله على عدّة معانٍ قريبة ليست من التأويل، أوضحها الحمل
ــــــ[154]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
على التنزيه، إلى غير ذلك من الروايات.
وعلى أيّ حال، فالبحث يحتاج إلى مزيدٍ من الكلام، لا يناسب الاختصار الذي نريده لهذا الكتاب.
فهذا هو الكلام في الفقرة الأُولى من هذه المسألة، وقد ثبتت فيها طهارة أهل الكتاب بالطهارة الذاتيّة.
الفقرة الثانية: هي بمنزلة التطبيق لما عرفناه في الفقرة الأُولى.
وحاصله: أنَّ مَن رافق أحداً من أهل الكتاب في أيّ مكانٍ أو زمان، سواء كان على وجه الأرض أو في مركبة فضائيّة أو في كوكب أو في نجم، وسواء كان الكتابي واحداً أم متعدّداً، أمكنه البناء على طهارة ما يلاقيه [من] جسم أو ثياب الكتابيّين أو أيّ شيءٍ من أُمورهم، ما لم يعلم أو يطمئنّ أو يثق – على الأقلّ- بحصول النجاسة في أحد الطرفين الملاقي أو الملاقى.
وهذا معناه إمكان جريان استصحاب الطهارة في الملاقى (بالفتح) مضافاً إلى أصالة الطهارة. وكذلك جريان استصحاب الطهارة في الملاقي (بالكسر) أعني جسم الكتابي وثيابه ونحوها، إذا علم المسلم بطهارتها. فيكون الحكم بطهارة الملاقى (بالفتح) متعيّناً. وأمّا الملاقاة مع الجفاف كما هو الغالب، فالحكم بالطهارة فيه واضح.
مسألة (15) إذا مات الفرد في أيّ مكانٍ يمكن تجهيزه ودفنه فيه، فلا إشكال، ووجبت الأحكام مع إمكانها، وإن تعذّر بعضها، يكون كما في المسائل الآتية(1).
ــــــ[155]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 20، كتاب الطهارة، مسألة رقم (17).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
مع إمكان تجهيز الميّت يتعيّن وجوبه
هذه المسألة واضحة فقهيّاً؛ إذ مع توفّر جميع موادّ التجهيز والدفن، لا إشكال في وجوبه.
فيفترض في أيّ كوكب مثلاً، وجود ماء وسدر وكافور وأكفان وأرض مناسبة للدفن، كما في الأرض تماماً، ومع الميّت مسلم شبيهه في الجنس، إن رجلاً فرجل أو امرأة فامرأة، يقوم بأمره، وهناك من يحسن الصلاة عليه وطريقة تجهيزه وتغسيله وتكفينه ودفنه.
وتكون تلك الموادّ إمّا مشابهة لما في الأرض تماماً، أو مشابهة لها تقريباً بحيث يصدق عرفاً أنَّه ماء وأنَّه سدر وأنَّه كافور، وإن لم يكن بالدقّة تماماً مثلاً.
وقد قرّبنا بعض التقريبات عن الماء في مسألة سابقة، ويأتي بعض تلك التقريبات هنا فراجع. ولا حاجة للإعادة.
وينبغي أن نشير هنا إلى أنَّ القائم بالتجهيز – وبالأخصّ من يغسّل الميّت ويصلّي عليه- يجب أن يكون مسلماً مماثلاً في الجنس، ولا يجب أن يكون بشريّاً أو إنساناً، فلو كان من بعض سكّان الكواكب الأُخرى جاز، مع توفّر القدرة العقليّة والبدنيّة والتفقّه لديه.
وليس ثمّة من إشكال في ذلك إلَّا انصراف الأدلّة إلى الإنسان، إلَّا أنَّه توجد عدّة تقريبات على عدم وجوب ذلك شرعاً؛ نذكر منها ما يلي:
التقريب الأوّل: أنَّ المهمّ في الواجبات الكفائيّة شرعاً هو حصول المطلوب في أيّ فاعلٍ كان، وهذه هي خصيصة الواجب الكفائي عن غيره. فالمهمّ مثلاً في الدفن صون الميّت عن النظر وصون الأحياء عن الرائحة (مع
ــــــ[156]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
صدق عنوان الدفن لا محالة)، فإن حصل ذلك كان هو مطلوب الشارع المقدّس، بغضِّ النظر عن فاعله وآلته ومكانه وزمانه. وهذا ينبغي أن يكون واضحاً فقهيّاً.
ومن هنا تسقط خصوصيّة الإنسان أو غيره في الواجبات الكفائيّة، التي يكون تجهيز الميّت من أوضحها.
التقريب الثاني: أنَّ أدلّة التجهيز وإن كانت منصرفة إلى الإنسان كما هو المحسوس في العادة، إلَّا أنَّ هذا الانصراف انصراف خارجيّ وليس داخليّاً، والانصراف الخارجي إنَّما يكون حجّة مع قوّة ظهوره بالتقييد، وأمّا بدون ذلك فلا.
ونحن ننكر أن يكون هذا الانصراف الخارجي ظاهراً بالتقييد، وإنَّما هو تبادرٌ وهميٌّ ناشئٌ من العادة الجارية، والمحسوسات الحياتيّة، لا أكثر ولا أقلّ.
التقريب الثالث: أنَّ عنوان البشر أو الإنسان ونحوهما، لم يؤخذ في موضوعات أدلّة تجهيز الميّت، وإنَّما عامّتها واردة بعنوان الضمير المخاطب أو الضمير الغائب، وكلاهما لا موجب لحمله على الإنسان، أمّا الضمير الغائب فواضح، وأمّا المخاطب فظاهره هو خصوص المخاطب، والمفروض فقهيّاً وأُصوليّاً تجريد ذلك عن هذه الخصوصيّة، وإلَّا لانسدَّ باب الاستدلال، ومع التجريد لا موجب للاقتصار فيه على الإنسان، بل يمكن التعميم بالتجريد إلى كلِّ فاعلٍ قادر على ذلك بالقدرة العقليّة والجسميّة والشرعيّة، لو صحّ التعبير.
وهنا ينبغي أن نشير إلى أنَّنا لا نقول هنا بوجوب تجهيز الميّت البشري
ــــــ[157]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
أو غير البشري على سكّان الكواكب الأُخرى؛ لأنَّنا هنا لا نتحدّث عن تكاليفهم، فهم أعلم بها، وإن كان اشتراك التكاليف يقتضي ذلك، كما لعلّنا نشير إلى ذلك في مورد آخر، بل غاية ما نقول هنا: أنَّ القيام بهذا التجهيز أوّلاً: هو جائز (بالمعنى الأعمّ) لسكّان الكوكب، وليس حراماً عليهم على أيّ حال، كما هو محلّ الاطمئنان. وثانياً: هو مجزٍ عن الميّت ووليّه، بحيث لا يحتاج إلى استحضارٍ بشريٍّ لتجهيزه، ولو مع الإمكان والاختيار فضلاً عن الضرورة، وهذا هو المهمّ الآن في المسألة، وقد أثبتناه بالتقريبات السابقة.
مسألة (16) مع تعذّر السدر أو الكافور أو كليهما يغسل على الأحوط بدلهما بالماء المطلق مع الإمكان إلى جنب الغسل الثالث الذي هو بالماء المطلق أساساً، والأحوط فيهما نيّة البدليّة(1).
في تعذّر السدر والكافور
عند تعذّر الخليط، ففي المسألة عدّة احتمالات فقهيّة، نذكر أهمّها:
أوّلاً: سقوط الغسل والتيمّم معاً.
ثانياً: سقوط الغسل ووجوب التيمّم بدله.
ثالثاً: سقوط الخليط والتغسيل بالماء المطلق بدله.
رابعاً: ما قلنا ثالثاً مع الاحتياط بالجمع بينه وبين التيمّم، كما قاله السيّد الأُستاذ في بعض فتاواه(2).
ونحن نتكلّم عن كلِّ هذه الاحتمالات.
ــــــ[158]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 20، كتاب الطهارة، مسألة رقم (18).
(2) راجع منهاج الصالحين(للخوئي) 1: 74، كتاب الطهارة، المقصد الخامس في غسل الأموات، الفصل الثاني في تعذّر السدر والكافور.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الاحتمال الأوّل: ولم أجد مَن يقول به، إلَّا أنَّ له وجهاً فقهيّاً، بأن يقال: أنَّ الطهارة الترابيّة إنَّما تجب مع وجوب الطهارة المائيّة، فإذا سقطت المائيّة سقطت الترابيّة أيضاً.
إلَّا أنَّ هذا غير صحيحٍ لعدّة وجوه، أهمّها وجهان:
الوجه الأوّل: أنَّ هذا إنَّما يتمّ إذا لم يكن للأمر بالغسل إطلاق لصورة التعذّر، فيكون ساقطاً تماماً مع التعذّر، فلا يصدق أن يكون التيمّم بدلاً عنه.
إلَّا أنَّ الصحيح أنَّ الإطلاق ثابت حتّى لصورة التعذّر، غاية الأمر أنَّ هذا الحال يكون عذراً عن تنفيذه. نعم، في صورة العجز الفعلي يكون التكليف لغواً فيكون ساقطاً، إلَّا أنَّ المفروض هنا خلافه.
الوجه الثاني: أنَّ أدلّة وجوب التيمّم دلّت على كونه وظيفة في صورة تعذّر الطهارة المائية، وهو واضح من قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً}، فمع صدق التعذّر يجب التيمّم، سواء كان إطلاق دليل الطهارة المائيّة شاملاً له أو لا. فإنَّ المهم هو صدق التعذّر عرفاً.
وأمّا عنوان البدليّة فهو عنوانٌ يفهم من سياق أدلّة التيمّم، ومن الواضح أنَّه صادق عرفاً، سواء كان إطلاق دليل الطهارة موجوداً أم غير موجود.
وعلى أيّ حالٍ، فهذا الاحتمال ضعيف فقهيّاً.
الاحتمال الثاني: وهو سقوط الغسل بالمرّة، ووجوب التيمّم بدله. فوجهه الفقهي: هو سقوط المطلق بسقوط المقيّد على القاعدة ما لم يدلّ دليل على الخلاف، كما في قضاء الصلاة، وتحقيق ذلك في علم الأُصول.
ــــــ[159]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وتطبيقه في المقام: أنَّه مع تعذّر المقيّد – وهو الماء المخلوط بالسدر أو الكافور- يسقط التكليف المتعلّق بالمقيّد لا محالة، ومعه لا تكليف بالمطلق؛ لسقوطه أيضاً، وعدم مطلوبيّته في نفسه. وإنَّما كانت الحصّة منه مطلوبة في ضمن المقيّد، فيسقطان معاً. وهو معنى سقوط الغسل بالماء القراح مع تعذّر الخليط.
ومعه يصدق تعذّر الطهارة المائيّة فيُصار إلى الطهارة الترابيّة.
ووجه المناقشة في ذلك سيتّضح في بيان الاحتمال الثالث إن شاء الله تعالى.
الاحتمال الثالث: وجوب الغسل بالماء القراح، بعد تعذّر الخليط. [و] وجوبه، إمّا فعلاً وإمّا احتياطاً.
والوجوه الفقهيّة المحتملة للاستدلال على هذا الاحتمال عديدة، نذكر أهمّها:
الوجه الأوّل: أن نبني في علم الأُصول على خلاف القاعدة التي أشرنا إليها في الاحتمال الثاني، بأن نقول: إنَّ الأمر بالمطلق يبقى بعد سقوط القيد، ولذا عبّر بعض الفقهاء أنَّ الغسل بالماء لا يسقط مع سقوط ما يلقى فيه(1).
ــــــ[160]ـــــــ
(1) أُنظر: العروة الوثقى (مع تعليقات بعض الأعلام) 2: 48، وقد اختلفت كلمات الأعلام في هذه المسألة، فمنهم من قال بوجوب الغسل مرّة واحدة بالماء القراح، وهذا ما اختاره الشهيد، وقيل بوجوب الغسل ثلاثاً، وهذا ما اختاره العلّامة في الإرشاد، ودليل الأوّل بالأصل والشك بوجوب الزائد، والثاني لعدم ما دلَّ على صحّة الاكتفاء بغسلٍ واحد، فتجب الأغسال الثلاثة تحصيلاً للبراءة اليقينيّة من التكليف الثابت. راجع إرشاد الأذهان 1: 230، والألفيّة والنفلية: 49، ذخيرة المعاد (ط.ق) 1ق1: 84.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وجواب ذلك مبنائيٌّ وهو أنَّنا حقّقنا في علم الأُصول بطلان ذلك، وأنَّ مقتضى القاعدة سقوط المطلق والمقيّد معاً(1).
الوجه الثاني: أنَّ إلقاء الخليط بالماء من باب تعدّد المطلوب وليس من باب التقييد ليسقط بسقوطه. ومعه فإذا سقط المطلوب الثاني بقي المطلوب الأوّل وهو أصل الغسل.
وجواب ذلك: أنَّ هذا خلاف المنساق من الأدلّة، فإنَّ مقتضى القاعدة هو أن نفهم من دليل التقييد حصول التقييد، لا أن نفهم منه خطاباً مستقلاً، ما لم يثبت ذلك بقرينةٍ خاصّة، والمفروض انتفاؤها في المورد.
الوجه الثالث: ما أشار إليه في المستمسك(2) من أنَّ التغسيل بالماء المطلق يصدق عليه أنَّه ميسور من التغسيل بالماء المخلوط، والميسور لا يسقط بالمعسور.
وهذا الوجه تامٌّ صغرويّاً عرفاً، بناءً على تماميّة القاعدة كبرويّاً، وهي مشهوريّة على أيّ حال.
وأمّا ما قاله في المستمسك من أنَّ صدق الميسور هنا يتوقّف على اعتبار الإطلاق في الغسلين الأوّلين، وأمّا مع اعتبار الإضافة فلا يصدق(3).
فهو غريبٌ؛ للتسالم فقهيّاً على وجوب إطلاق الماء، وأن لا يكون
ــــــ[161]ـــــــ
(1) أُنظر: منهج الأُصول 5: 46، وما بعدها، أجزاء الحكم الاضطراري، مسألة تبعيّة القضاء للأداء.
(2) أُنظر: مستمسك العروة الوثقى 4: 128، فصل في أحكام الأموات، فصل في كيفيّة الغسل.
(3) المصدر السابق.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الخليط بمقدار يخرجه إلى الإضافة، وقد أقرّ به المؤلّف في موضعٍ آخر(1). فلا يوجد فقيه يقول بالتقدير المشار إليه.
مضافاً إلى إمكان القول بانطباق الميسور حتّى على هذا التقدير؛ لوضوح أنَّ الماء المطلق مشابه عرفاً للماء الخليط، وإن لم يكن مشابهاً عرفاً للسوائل المعتصرة من الفواكه. ويدعم ذلك وضوح عدم أخذ عنوان الإضافة في الأدلّة بلا إشكال.
الوجه الرابع: ما أشار إليه في المستمسك أيضاً(2) وهو الاستصحاب، ولم يشر إلى كونه استصحاباً حكميّاً أو موضوعيّاً، فإنَّ كليهما يمكن تقريبه على أيّ حال:
أمّا الاستصحاب الحكمي، فباعتبار أنَّ وجوب الغسل كان ثابتاً مع وجود الخليط، فيشكّ في ارتفاعه بعد تعذّره فيستصحب.
وأمّا الاستصحاب الموضوعي، فباعتبار أنَّ ما يغتسل به كان موجوداً قبل التعذّر فيستصحب بعده.
والاعتراض عليه بأنَّه من باب تغيُّر الموضوع لا وجه له؛ لانحفاظه عرفاً، وابتناء عدم جريانه بناءً على اعتبار إضافة الماء، فما ذكره المؤلّف في المستمسك(3) غير تامٍّ صغرى وكبرى. أمّا الصغرى فلإمكان دعوى انحفاظ الموضوع، وأمّا الكبرى فلما أشرنا إليه من أنَّ اشتراط الإضافة غير
ــــــ[162]ـــــــ
(1) المصدر السابق 4: 118.
(2) أُنظر: مستمسك العروة الوثقى 4: 128، فصل في أحكام الأموات، فصل في كيفيّة الغسل.
(3) المصدر السابق.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
محتملٍ فقهيّاً.
وإنَّما الإشكال على كلا وجهي الاستصحاب، هو عدم وجود الحالة السابقة على المفروض، أمّا مع وجودها فلا إشكال من جريانه، كما لو كان الخليط موجوداً والماء موجوداً، ففقد الخليط، كما لو سرقه سارق مثلاً. وإلَّا أنَّ هذا غير مفروض في المسألة، بل المفروض تعذّره بالأصل، أعني: قبل حصول الوفاة أساساً، فلا مجال للاستصحاب بقسميه.
الوجه الخامس: الشهرة المحرزة والإجماع المنقول، وهما متحقّقان: فإن قلنا بحجّيتهما فهو المطلوب، إلَّا أنَّ الصحيح عدم حجّيّتهما معاً.
إذن فكلّ الوجوه غير تامّة. إلَّا أنَّ المصير إلى الاحتياط الوجوبي بالتغسيل بالماء المطلق متعيّن؛ لاحتمال تماميّة الوجهين الثالث والخامس، ولا أقلّ من عدم مخالفتهما.
هذا، ويبقى الكلام في وجوب قصد البدليّة عند المباشرة بالغسلين.
وقد استدلّ عليه في جامع المقاصد بأنَّه: لابدَّ من تمييز الغسلات بعضها عن بعض؛ لوجوب الترتيب بينها، وذلك بالنيّة(1).
وهذا واضح؛ لأنَّ الطبيعة الواحدة لا تتمايز أفرادها إلَّا بالقصد، كالصلاة والصوم، فإنَّه لا يتميّز كونها ظهراً أو عصراً، وكونها أداءً أو قضاء، وكونها عن النفس أو عن الغير إلَّا بالقصد؛ وذلك لتشابهها في الحقيقة بالدقّة العقليّة.
وما ذكره في المستمسك(2) من كون الأغسال الثلاثة حقائق متعدّدة،
ــــــ[163]ـــــــ
(1) جامع المقاصد 1: 372، كتاب الطهارة، كيفيّة الغسل.
(2) أُنظر: مستمسك العروة الوثقى 4: 129، فصل في أحكام الأموات، فصل في كيفيّة الغسل.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
غريبٌ غايته، ولم يذكر له وجهاً. بل هو منفيٌّ عرفاً وعقلاً. والمفروض أنَّ ذلك إثباتاً ونفياً ثابت بغضِّ النظر عن القصد. ومع تعدّد الحقيقة فقد ينتج عدم وجوب القصد اكتفاءً بهذا التعدّد.
إلَّا أنَّنا قلنا أنَّها حقيقة واحدة عقلاً، ولو تعدّدت عقلاً اتّحدت عرفاً، فلابدَّ من القصد لحصول التعدّد شرعاً.
هذا تمام الكلام في الاحتمال الثالث.
والاحتمال الرابع: هو ضمّ التيمّم إلى الغسل بالماء القراح، كما نقلناه عن السيّد الأُستاذ، وهو بنحو الاحتياط لا بنحو الفتوى، غير أنَّه جعله احتياطاً وجوبيّاً. فهل يمكن المصير إلى كونه احتياطاً استحبابيّاً، مع التسليم بكونه أوفق بأحد الاحتياطين على أيّ حال.
أمّا الفتوى بذلك، فلا سبيل إليها؛ لوضوح البرهنة – كما سبق- على إجزاء البدليّة، أعني: الغسل بالماء المطلق بدل المخلوط، ومعه فقد يتعيّن أن يكون الاحتياط استحبابيّاً.
ولكن ذلك لا يتمّ من جميع الوجوه؛ لما سبق من أنَّ جميع الوجوه التي برهنّا بها على ذلك لم تكن تامّة، ومن هنا لم يمكن إنتاجها للفتوى، بل للاحتياط الوجوبي بالبدليّة، الأمر الذي يحتمل معه فوات الطهارة المائيّة وتعذّرها، فيتعيّن التيمّم، ولا أقلّ من الاحتياط الوجوبي فيه؛ لاحتمال عدم فوات الطهارة المائيّة أيضاً.
ولا يخفى أنَّ مجرّد احتمال فوات الطهارة المائيّة بمجرّده لا يكفي موضوعاً للتيمّم، بل لابدَّ من الجزم بالفوات ليتحقّق الجزم بالموضوع؛ إذ بدونه يكون مجرى للبراءة، فيعود الحكم بالتيمّم احتياطاً استحبابيّاً.
ــــــ[164]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
اللهمّ إلَّا أن يُقال بالجزم بعدم تماميّة الدليل على البدليّة أساساً، فيحرز به موضوع الطهارة الترابيّة، لا للمناقشة صغروياً، لتوفّر الماء على الفرد، بل للمناقشة كبرويّاً، أعني: عدم ثبوت البدليّة، ومعه يكون الناجز هو تعذّر الطهارة المائيّة بالعنوان الأولي، أعني: الغسل المقيّد بالخليط، فيصار معه إلى التيمّم.
إلَّا أنَّ هذا الجزم بعدم تماميّة الدليل، غير ممكن كما سبق، فيبقى الاحتياط بالتيمّم استحبابيّاً.
مسألة (17) مع تعذّر الماء يُصار إلى التيمّم، فييمّم ثلاث مرّات بدل الثلاث أغسال، والأقوى استعمال يد الميّت في المسح مع الإمكان، ومع عدمه فيد الحيّ(1).
مع تعذّر الماء يجب التيمّم بيد الميت مع الإمكان
في المسألة فقرتان:
الفقرة الأُولى: أنَّه مع تعذّر الماء يصار إلى التيمّم بدلاً عن الأغسال الثلاثة؛ لأنَّه بذلك يكون موضوع الطهارة الترابيّة محرز التحقّق ولا إشكال، وإنَّما يوجد شيء من الإشكال والكلام الفقهي في الفقرة التالية.
الفقرة الثانية: أنَّ تيمّم الميّت هل يكون بيد الميّت أم بيد الحيّ؟
والمشهور – وخاصّة بين المتأخّرين- أنَّه بيد الحيّ(2)، وعُلّل أنَّه بدل
ــــــ[165]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 20، كتاب الطهارة، مسألة رقم (19).
(2) لاحظ غنائم الأيام 3: 410، كتاب الصلاة، الفصل الرابع في اللواحق، خاتمة في أحكام الجنائز، المقصد الثاني في الغسل، ومستمسك العروة الوثقى 4: 134، كتاب الطهارة، فصل في كيفيّة الغسل، المسألة(11).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
التغسيل الذي يكلّف به الحيّ، فكأنَّه في الغسل يمسحه بالماء وفي التيمّم يمسحه بالتراب، أو أنَّه في الغسل هو الذي يتحرّك، ففي التيمّم هو الذي يتحرّك أيضاً، وهو غريب كما ترى.
نعم، قد يستدلّ له بانصراف أدلّة التيمّم إليه، بأحد تقريبين:
التقريب الأول: أن الأمر في تلك الأدلّة إنَّما هو بتحريك يد الحيّ وهو شامل لمحلِّ الكلام.
وهو غير تامٍّ؛ لأنَّ عنوان يد الحيّ غير مأخوذ هناك، بل يد المتيمّم، وهي هنا يد الميّت لا يد الحيّ، ولو تنزّلنا فيد الحيّ تنطبق على يد المتيمّم في تلك الأدلّة لفرض كونه حيّاً، فتعميم العنوان ليد حيٍّ آخر مع عدم القطع بعدم الفرق متعذّر.
التقريب الثاني: ما ذكره في المستمسك(1) من غلبة ضعف يد الميّت عن إمكان مسحها، فيكون دليل التيمّم منصرفاً إلى يد الحيّ؛ لغلبة قوّتها أيضاً، وأجاب عن ذلك باختصار، بأنَّه لا مجال لهذه الدعوى في عمومات البدليّة.
أقول: هذه الغلبة ممنوعة صغرى وكبرى، أمّا صغرى فلأنَّ الإنسان إذا مات ينقطع تسلّطه على تحريك جسمه، لا أنَّ جسمه ينهار ويتلاشى إلَّا بعد مدّة طويلة، والمفروض تغسيله في يوم موته، فتكون يده محفوظة وقابلة للتحريك، إلَّا في قليل ممّن يموت بحوادث موجبة لتلاشي الجسم، وهم نسبة قليلة. فالصغرى ممنوعة.
وأمّا منع الكبرى – والظاهر أنَّها مراده في المستمسك(2)- فلأنَّ هذه
ــــــ[166]ـــــــ
(1) أُنظر: مستمسك العروة الوثقى 4: 134، كتاب الطهارة، فصل في كيفيّة الغسل، المسألة (11).
(2) المصدر السابق.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الغلبة – لو سلّمت- غلبة خارجيّة يشكّ في كونها سبباً للظهور، مضافاً إلى كون الوجدان على خلافه. وسيأتي له مزيد إيضاح لدى الاستدلال على الوجه الآخر.
إذن يمكن أن يستدلّ لتعيّن التيمّم بيد الميّت بتقريبين أيضاً:
التقريب الأوّل: أنَّه لا إشكال في ظهور أدلّة التيمّم بالأمر أو بشرطيّة استعمال يد المتيمّم نفسه في تيمّمه. فالميّت نفسه قبل موته كان يجب عليه أن يستعمل يده، ولو أمكن أمره بالتيمّم بعد الموت لكان هذا الشرط نافذاً عليه مع الإمكان، ولا دليل على تغيّر هذا الشرط بالموت.
نعم، يوجب الموت سقوط التكليف عن الميّت أوّلاً، وتعذّر تحريكه لجسمه ثانياً، وأمّا استعمال يده في تيمّمه، فهذا أمر ممكن بتحريك الحيّ لها، فيتعيّن.
التقريب الثاني: إذا دار الأمر بين استعمال يد الميّت أو يد الحيّ كان الأوّل هو القدر المتيقّن من الجواز والإجزاء. ويحتاج الثاني إلى دليل يدلّ عليه. ومقتضى الاستصحاب هو البطلان، أمّا باعتبار استصحاب عدم كون الميّت متيمّماً، أو باعتبار استصحاب وجوب التيمّم في ذمّة الحي أو نحو ذلك.
وإذا تمَّ لنا الاستدلال على تعيّن يد الميّت مع الإمكان، لا وجه للبدء بيد الحيّ ثمَّ نحتاط بيد الميّت كما قال بعض. كما لا وجه للبدء بيد الميّت ثمَّ نحتاط بيد الحيّ، كما قال آخرون(1)، بل يتعيّن التيمّم بيد الميّت خاصّة مع إمكانه.
ــــــ[167]ـــــــ
(1) أُنظر: العروة الوثقى(مع تعليقات بعض الأعلام) 2: 52، أحكام الأموات، كيفيّة غسل الميّت، مسألة:11.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
ومع عدم الإمكان يتعيّن استعمال يد الحيّ ولا يسقط التيمّم، ومقتضى القاعدة وإن كان هو سقوطه لإطلاق الشرطيّة إلَّا أنَّ تسالم الفقهاء على ذلك حتّى يمكن اعتباره إجماعاً؛ لأنَّهم بين قائل بتقديم يد الحيّ وبين قائل بتأخيرها إلى حال الضرورة، فالإجماع المركّب في حال الضرورة متحقّق على يد الحيّ فيؤخذ به.
مسألة (18) مع تعذّر الكفن يلفّ الميّت بأيّ قماش أو ثوب. ومع تعذّره تستر عورته فقط مع الإمكان ولو بالطين(1).
في حال تعذّر وجود الكفن
قد يكون التعذّر من حيث الكميّة، وقد يكون من حيث الكيفيّة؛ لأنَّ اللازم من الكفن ثلاث قطع: مئزر وإزار وقميص, واللازم في الكيفيّة كونه ليس من الذهب ولا من الحرير ولا من المغصوب ولا النجس. والمسألة وإن تعرّضت إلى تعذّر الكميّة، باعتبارها الأغلب من أفراد التعذّر، إلَّا أنَّنا هنا يحسن أن نتعرّض إلى كلا القسمين، لكلِّ قسمٍ فقرة:
الفقرة الأُولى: في تعذّر الكميّة، وهو مورد المسألة.
على أن يكون المتوفّر جامعاً للشرائط التي ذكرناها في الكيفيّة.
وعندئذٍ فقد يقال بعدم وجوب التكفين أصلاً؛ لأنَّ دليل الكفن ليس مطلقاً بل مقيّد، بمعنى: أنَّ دليل التكفين بكلِّ قطعة من القطع الثلاث مقيّد بوجود القطع الأُخرى، أو قل إنَّ دليل أصل التكفين مقيّد بأن يكون بثلاث قطع. وقد عرفنا في مسألة سابقة أنَّه مع سقوط المقيّد يسقط المطلق، فلا يبقى دليل على وجوب التكفين أساساً.
ــــــ[168]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 20-21، كتاب الطهارة، مسألة رقم (20).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وهذا الكلام، وإن كان مطلقاً للقاعدة الأوّليّة، إلَّا أنَّ عدم وجوب الباقي مع إمكانه أو عدم وجوب لفّ البدن بغيره، مع تعذّر الجميع لعلّه خلاف الضرورة الفقهيّة والمتشرعيّة.
وادّعي عليها الإجماع(1)، بل هو مظنون الحصول جدّاً، إلى حدٍّ يوثق بحصوله. ويمكن تقريب الاستدلال لهذه النتيجة بعدة أُمور:
الأمر الأوّل: أنَّ الأمر بالقطع الثلاث للكفن من باب تعدّد المطلوب، يعني: يوجد أمر استقلالي لكلِّ واحد منها، فإذا سقط بعضها لتعذّره بقي الباقي.
وهذا غير بعيدٍ لمن راجع الرواية الشارحة لطريقة التكفين، حيث تذكر كلّ قطعة بحيالها. إلَّا أن هذا الدليل قاصر الشمول للصورة الأُخرى، وهي تعذّر جميع القطع، والمصير إلى قماش أو ثوب لا يصدق عليه عنوان أحدها، فإنَّه لا يثبت وجوبه بهذا المقدار.
الأمر الثاني: إنكار القاعدة الأُصوليّة السابقة، بمعنى: الذهاب إلى بقاء المطلق مع سقوط المقيّد، والمطلق هنا إمّا أصل التكفين مع صدقه على الباقي من الكفن، أو هو استعمال أيّ قطعة معيّنة مع تقييدها بالأُخرى، فإذا تعذّرت الأُخرى بقيت الأُولى على وجوبها.
وهذا الوجه مناقشته كبرويّة.
ــــــ[169]ـــــــ
(1) أُنظر: مدارك الأحكام 2: 92، كتاب الطهارة، الركن الثاني في الطهارة المائيّة، مفتاح الكرامة 4: 9، كتاب الطهارة، المقصد التاسع، الفصل الثاني في التكليف، المطلب الأوّل، ومستند الشيعة 3: 178، كتاب الطهارة، الباب الثاني، الفصل السادس في غسل الأموات، المبحث الثالث في التكفين.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الأمر الثالث: أنَّ المنساق من أدلّة التكفين حكمة معيّنة، وهي أنَّ الكفن مرادٌ لأجل احترام الميّت والستر عليه، فإذا سقط الخطاب بقي الملاك.
وهذا الدليل يشمل كلتا الصورتين – أعني: تعذّر بعض القطع وتعذّر جميعها أيضاً- ولا يبعد صدقه.
الأمر الرابع: أنَّ الأمر بالقطعة المعيّنة من الكفن وإن كان جزئيّاً وضمنيّاً في نفسه، إلَّا أنَّه بعد تعذّر بعضها يقوم دليل آخر على الأمر بالباقي أمراً استقلاليّاً جديداً، نعرفه من الإجماع أو من الارتكاز المتشرّعي أو نحو ذلك.
وهذا كما يمكن تقريبه مع فقدان بعض القطع- وهو الأُسلوب الذي ذكرناه- يمكن تقريبه مع فقدان كلّ القطع، حيث يقال: إنَّه بعد فقدان أصل الكفن يحدث في طوله أمر جديد بالتكفين بغيره، وإن لم يكن مأموراً به بالعنوان الأوّلي، لا استقلالاً ولا ضمناً.
وهذا الأمر الجديد أيضاً نعرفه إمّا من الإجماع أو من الارتكاز.
وهذا التقريب غير بعيد.
ومعه يتبرهن ما في المسألة من وجوب لفّ الميّت بأيّ قماشٍ أو ثوبٍ متوفّر مع تعذّر الكفن، وهو الصورة الثانية التي قلنا[ها]، وتكون الصورة الأُولى، وهي صورة تعذّر بعض القطع مع توفّر الباقي، فيجب استعمالها، [و] تكون هذه الصورة مثلها أو أولى بالصحّة.
وما قاله صاحب الجواهر هنا في الصورة الأُولى من أنَّه يشكل تقديم الإزار على المئزر أو المئزر على القميص(1)، ونحو ذلك غريب؛ وذلك لأنَّه
ــــــ[170]ـــــــ
(1) أُنظر: جواهر الكلام 4: 169، كتاب الطهارة، الركن الثاني، الفصل الخامس في أحكام الأموات، الثالث في تكفينه.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
مع الفقدان يجب استعمال الموجود كلّه ويسقط وجوب ما هو مفقود، وليس الأمر اختياريّاً.
نعم، مع توفّر القيمة لإحدى القطع، وتعذّرها للجميع يأتي هذا الكلام، فأيّ القطع يجب شراؤها، ولا يبعد أنَّه مع التمكّن من الإزار يتعيّن؛ لأنَّه ستر لكلِّ الجسد ولو لوحده، ومع دوران الأمر بين القميص والمئزر فلا يبعد تقديم المئزر؛ لأنَّ فيه ستراً للعورة، إلَّا أن يتمّ ذلك بالقميص نفسه فيتعيّن.
الفقرة الثانية: مع تعذّر الكيفيّة يصار إلى ما هو الممكن منها. وهنا عدّة افتراضات:
الأوّل: تيسّر الحرير أو الذهب فقط.
الثاني: تيسّر ذلك في بعض القطع، مع عدم توفّر الباقي، يعني: التعذّر من حيث الكميّة والكيفيّة معاً.
الثالث: توفّر المغصوب أو النجس وحده.
وعلى أيّ حال فبغضّ النظر عن المغصوب، يمكن أن يأتي عدّة تقريبات ممّا سبق في الحكم بالوجوب في هذه الصورة، مع تغيير صورة البيان في التقريبات.
وهذا ما نحيله إلى فطنة القارئ. وخاصّة التقريبين الأخيرين بصفتهما أرجح من الأوّلين، وإلَّا فإنَّ التقريب الثاني قد يرد هنا أيضاً.
والنتيجة على أيّ حال وجوب تيسّر ما هو موجود سواء كان حريراً أم ذهباً، أو نجساً وسواء كان هو كلَّ الكفن أو بعضه، وسواء صدق عليه عنوان الكفن أم لم يصدق.
ــــــ[171]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
نعم، يبقى الكلام في أُمور:
الأمر الأوّل: أنَّه مع توفّر المغصوب، فإنَّه لا يجوز استعماله أصلاً، حتّى لستر عورة الميّت فضلاً عن تكفينه، وهو جزماً خارج عن جميع التقريبات السابقة.
كما لا يبعد خروج جلد الميتة ونجس العين عن هذا الدليل؛ باعتبار عدم تعلّق الأمر به بالعنوان الأوّلي، وعدم إمكان التجريد عن الخصوصيّة إليه مع احتمال الفرق وجداناً.
الأمر الثاني: إذا كانت بعض قطع الكفن اختياريّة وبعضها اضطراريّة وجب تكفين الميّت بالاختياري منها بلا إشكال، ولم يجب إكماله من الاضطراري للاكتفاء بالاختياري بالارتكاز المتشرّعي، فيبقى الاضطراري منهيّاً عنه.
الأمر الثالث: أنَّه مع تعذّر الكفن يجب ستر عورة الميّت بأيّ ساتر مع الإمكان، حتّى لو كان طيناً أو ورق الشجر أو غيرها، وهو حكم واضح بالإجماع والارتكاز المتشرّعي ولا يحتاج إلى مزيد الاستدلال عليه.
وأمّا مع تعذّر الستر فيدفن ويكون القبر له ساتراً.
ومعه يكون الدفن واجباً باعتبارين: بالاستقلال، وباعتباره مقدّمة للستر، ولا تنافي بين هذين الوجوبين ليتعارضا، أو يقال: بعدم ثبوت الوجوب الغيري مع وجود الوجوب النفسي.
مسألة (19) في المسائل السابقة، إذا أمكن الانتظار إلى حين الرجوع إلى الأرض أو الوصول إلى كوكب نعلم فيه إمكان التجهيز ـ فرضاً ـ وجب الانتظار، وحدّه عدم وصول الرائحة، وإلَّا وجبت المبادرة إلى ما سبق من الأحكام، وكذلك ما سنقوله في الدفن (1).
ــــــ[172]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 21، كتاب الطهارة، مسألة رقم (21).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
حدّ الانتظار في دفن الميّت
يعتبر وجوب الانتظار إلى حين الوصول إلى محلٍّ يمكن فيه تجهيز الميّت واضحاً شرعاً؛ إذ معه لا يصدق التعذّر فتكون الأحكام واجبة، ويكون هذا الوصول إلى محلِّ الإمكان واجباً مقدميّاً، والمفروض كونه ممكناً غير متعذّر ولا متعسّر.
نعم، يبقى الكلام في صور ذلك التيسير: فإنَّ مفروض المسألة بدويّاً، هو التعذّر التامّ لكلِّ أو لأغلب أحكام التجهيز في محلِّ الوفاة، والإمكان التامّ لها في المحلِّ الآخر.
إلَّا أنَّ ذلك ممّا لا يكون دائماً، فقد يكون البعض متعذّراً أوّلاً، والبعض ممكن ثانياً لكن بشكلٍ أكثر من ذي قبل. كما يمكن أن يكون هكذا، فيصبح ما كان متعذّراً ممكناً، وما كان ممكناً متعذّراً، كلّ ذلك مع إمكان الذهاب تماماً.
والظاهر أنَّه ما دام في المكان الثاني يمكن توفير أحد الواجبات أو أكثر من تجهيز الميّت ولو لصفةٍ من الصفات، أو ما هو نحوها عرفاً، كصفة الطهارة للكفن أو للجسم، إذن يجب الحضور إلى المحلِّ الثاني لإنجاز هذا الواجب، سواء كان واجباً استقلاليّاً كالدفن، أو جزءاً كأحد قطع الكفن أو شرطاً كالطهارة.
لا يقال: إنَّنا في علم الأُصول توصّلنا بصعوبة إلى وجوب مقدّمة الواجب الاستقلالي، فكيف يمكن ذلك للواجب الضمني لا الشرطي. وكيف يترشّح من هذه الواجبات وجوب مقدّمي على المقدّمة؟
[لأنّا] نقول: يكون ذلك لأكثر من تقريب واحد، ومحلّه وإن كان هو
ــــــ[173]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
علم الأُصول إلَّا أنَّنا نذكره هنا لعدم التعرّض له هناك بوضوح:
التقريب الأوّل: أنَّ الوجوب المقدّمي مترشّح حقيقةً من الأمر الاستقلالي لا من الأمر الضمني ولا الشرطي.
وتوجيهه: أنَّ ترك المأمور به الضمني يقتضي ترك الواجب الاستقلالي، كما أنَّ ترك المقدّمة يقتضي تفويت المأمور به الضمني، فكلا التوقّفين ثابت، والمتوقّف على المتوقّف متوقّف على ذلك الشيء. إذن فالواجب الاستقلالي يتوقّف على مقدّمة جزئه أو شرطه، ومعه تشمله كبرى وجوب مقدّمة الواجب؛ لأنَّنا لا نعني من المقدّمة ما يكون مقدّمة للمجموع ( بشرط لا)، بل نعني بها كلّ ما يتوقّف عليه الواجب الاستقلالي، وهو حاصل في المقام.
التقريب الثاني: أنَّ الوجوب المقدّمي مترشّح من الأمر الضمني، لا من الأمر الاستقلالي.
وتوجيهه: أنَّ الأمر بالجزء أمر نفسي وليس غيريّاً؛ لأنَّه ينبسط عليه الأمر من الأمر الاستقلالي، فيناله جزء منه باعتباره جزءاً من المأمور به.
وما تمَّ البرهان عليه في علم الأُصول هو أنَّ الأمر النفسي هو الذي يترشّح منه الوجوب على المقدّمة؛ باعتباره مقصوداً بالذات للآمر وليس غيريّاً، وقد عرفنا أنَّ الأمر بالجزء استقلالي، فيمكن أن يترشّح منه على مقدّمة الوجوب.
أمّا الواجب الغيري، فلا يترشّح منه على مقدّمته وجوب غيري آخر؛ لقصوره الذاتي عن ذلك، بصفته غير ملحوظ للآمر بالإرادة المطابقيّة. فيكون من هذه الناحية قاصراً.
ــــــ[174]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
نعم، يمكن أن يقرَّب به التوجيه الأوّل؛ باعتبار أنَّ مقدّمة المقدّمة مقدّمة لذيها في الحقيقة، فيكون مشمولاً للوجوب النفسي، أعني: أنَّ الوجوب النفسي يترشّح منه وجوب غيري على مقدّمته ومقدّمة مقدّمته بصفته مقدّمة له.
ومن هنا يتّضح أنَّ الشرط إن اعتبرناه بمنزلة الجزء في اكتساب الوجوب النفسي، كان مشمولاً للتوجيه الثاني، وإن اعتبرناه بمنزلة المقدّمة في الوجوب الغيري، كان مشمولاً للتوجيه الأوّل.
هذا كلّه فيما إذا كان المكان الثاني ممّا تتوفّر فيه الشرائط أو الأجزاء الواجبة لتجهيز الميّت، كلاً أو بعضاً، دون العكس، يعني: من دون أن يتعذّر في الثاني ما كان أو بعض ما كان ممكناً في الأوّل.
وهنا ينبغي أن نتحدّث عن موارد لا يوجد فيها حجّة شرعيّة، فلو وجدت كان المورد محرزاً بها كالمحرز بالعلم. فلو فرض الخروج من مكان يحرز فيه وجود الماء- مثلاً- إلى مكان يشكّ بوجود الماء فيه، مع إمكان استصحابه، أو إلى مكان يتوفّر فيه سائل يشكّ كونه ماء مع إمكان إثبات كونه كذلك بأحد التقريبات التي ذكرناها في محلّها؛ إذن يجوز هذا الانتقال على القاعدة، وإن كان يوجد فيه احتياط استحبابي بالترك لمجرّد احتمال عدم مطابقة الأصل الظاهري للواقع.
وعلى أيّ حال فمحلّ حديثنا هو ما إذا لم تكن هناك حجّة ظاهريّة كافية للشكّ.
ومعه فقد يقال: إنَّه يقع التزاحم بين الأُمور الممكنة هنا والأُمور الممكنة هناك. ومقتضى القاعدة هو تقديم الأهمّ منها في نظر الشارع.
ــــــ[175]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وهذا واضح مع كون المتعذّر في المكانين هو من قبيل الأمر الاستقلالي، كالتكفين إذا تعارض مع الدفن مثلاً.
وأمّا إذا وقع التزاحم بين أمرين ضمنيّين أو أمر ضمني وأمر استقلالي، فالظاهر في الثاني هو أهميّة الأمر الاستقلالي كالتزاحم بين طهارة الكفن والدفن، والظاهر في الفرض الأوّل هو تقديم الأهمّ منظوراً إليه من واقع التعذّر الحاصل في المكانين.
[وذلك] لما قلناه في تقريبات سابقة من أنَّ التزاحم يعود في الواقع بين الواجبات الاستقلاليّة حقيقة، لا الواجبات الضمنيّة؛ باعتبار أنّ المتوقّف على المتوقّف متوقّف على ذلك الشيء.
نعم، لا يبعد القول: بأنَّ التزاحم إن كان بين شبيهين في سنخ الأمر كجزئين أو شرطين، فالحكم فيهما ما قلناه. وأمّا إذا كانا من سنخين، كتزاحم جزء وشرط، فلا يبعد كون صفة الجزئيّة مقدّمة على صفة الشرطيّة إلَّا ما ندر بحسب الفهم المتشرّعي.
بقيت في المسألة نقطة واحدة وهي تشخيص حدّ التعذّر.
وقلنا في المسألة أنَّه حصول الرائحة، وهذا في الواقع أوّل حدّ محتمل، فيكون أوفق بالاحتياط لمصلحة الميّت من الحدود الأُخرى المحتملة، كاشتداد الرائحة أو التفسّخ ونحوها.
واختيار الحدّ الذي قلناه واضح؛ لإحراز أهميّته من قبل الشارع بحسب الفهم المتشرّعي، حفاظاً على احترام الميّت.
وفي الواقع: أنَّه يقع التزاحم بين الحصول على الشرط المتعذّر في المكان الثاني وبين عدم الرائحة، فيكون عدم الرائحة مقدّماً لأهميّته؛ لكون
ــــــ[176]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
حصولها نحواً من الهتك للميّت، المطلوب عدمه شديداً في الشريعة، كما قلنا، فتجب المبادرة إلى دفنه في المكان الأوّل.
ومثاله في كتاب الصلاة: الوقت، فإنَّه محرز التقديم على سائر الشرائط، وليس حدّاً تعبديّاً، أعني: منصوصاً عليه، فكذلك الحال في الحدِّ الذي يصدق معه التأخير للميّت.
نعم، قد يقال: أنَّه في الزمان أو المكان الذي تتأخّر فيه الرائحة أياماً. إذن يصدق التأخير العرفي للميّت وإن لم تحصل الرائحة، ومعه تجب المبادرة إلى دفنه من دون انتظار حصول الشرط المتعذّر.
إلَّا أنَّ هذا لا يخلو من مناقشة؛ لأنَّ التأخير إلى حدِّ حصول الرائحة حرام شرعاً، وحرمته ذو أهميّة عالية. ومن هنا قلنا بتقديمه على سائر الشرائط، ما عدا في صورة حصول الشكّ عن الوفاة؛ لكون دفن الحيّ أشدّ في نظر الشارع المقدّس من حصول الرائحة.
فحصول الرائحة حرام مهمّ شرعاً في نفسه، غير أنَّ التأخير بعنوانه غير محرّمٍ في نفسه، فإذا تزاحم مع شرائط واجبة كانت تلك الواجبات هي المتقدّمة لا محالة. بل لا يصدق التزاحم إلَّا بدويّاً؛ لعدم الحكم الإلزامي في أحد الطرفين.
نعم، لو حصل التفاقم في التأخير في مكان أو زمان لا تحصل فيه رائحة أصلاً- أو بعد- إلَّا بعد دهرٍ طويل، كما لو وضع الميّت في المجمّدة، فهذا التفاقم قد يكون محرّماً في نفسه ومقدّماً على سائر الشرائط، وخاصّة إذا كان ينتزع منه التساهل أو التسامح بالدفن، كما هو كذلك غالباً.
وعلى أيّ حال، ففي مثل ذلك ينبغي حساب المدّة، فما دامت في حيّز
ــــــ[177]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الجواز وجب التأخير إلى حين حصول الشرط، وإن دخلت حيّز الحرمة جاز التقديم بل وجب، ولو بدون ذلك الشرط المتعذّر.
مسألة (20) قلنا أنَّه يجوز استعمال سطح أيّ كوكب للدفن. وهذا لا يفرّق فيه بين أن يكون من جنس التراب أو الصخر أو المعدن أو غيرها. بل المطلوب إمكان إيجاد قبر فيه لمواراة الجسد(1).
حكم دفن الميّت في غير الأرض
ينبغي أن يكون هذا واضحاً؛ لأنَّ المطلوب إن كان هو الدفن، فهو ممّا يصدق عرفاً على الفرض.
وإن كان المطلوب هو إيجاد الحكمة من الدفن، كستره عن الناظرين وستر رائحته، فهو ممّا يحصل أيضاً، فلا إشكال من هذه الناحية، وإذا أمكن وجب.
لا يبقى بعد ذلك إلَّا مناقشة واحدة، وهي أنَّه قد يقال: أنَّ الواجب هو مواراة الميّت في الموادّ الأرضيّة أو ما يشبهها، وليس في موادّ أُخرى معروفة أو غير معروفة. فمتى صدق الرمل أو التراب أو الصخر جاز دفن الميّت، وأمّا بدونه فلا.
ويمكن أن يجاب [عن] ذلك بعدّة أجوبة، نذكر أهمّها:
الجواب الأوّل: أن المهمّ هو تحقّق عنوان الدفن، كما هو المفهوم من الأدلّة، وهو ممّا يتحقّق.
وهذا الجواب ينتج جواز الدفن في المعدن وغيره من الموادّ على سطح
ــــــ[178]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 21، كتاب الطهارة، رقم المسألة (22).
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الأرض، ومع الاختيار فضلاً عن غير الأرض، وعن صورة الاضطرار. والأمر شرعاً كذلك على الظاهر.
الجواب الثاني: لو تنزّلنا عن الوجه الأوّل وقلنا بوجوب الدفن في التراب ونحوه، إلَّا أنَّنا هنا يمكن أن نقرّب الأمر، كما قرّبناه في (الماء) من حيث إنَّ هذه المادّة التي تكسو وجه الكوكب وإن لم يصدق عليها التراب على الفرض، إلَّا أنَّها في ذلك الكوكب ليست إلَّا التراب؛ لعدّة تقريبات:
1. لانحصار وجوده كمادّة كاسية للكوكب.
2. أنَّ وظيفته هناك وظيفة التراب هنا.
3. أنَّه يمكن استخدامه لأهمّ الأغراض التي يستخدم لها التراب عقلائيّاً واجتماعيّاً. وكذلك لدى سكّان ذلك الكوكب إن وجدوا، وغير ذلك.
إذن ينتج أنَّ هذا تراب في طول تعذّر ذلك التراب.
إذن يكون موضوعاً لجواز الدفن فيه لا محالة، وإن صدق عليه عنوان بعض المعادن على أيّ حال.
ويكفينا أن نلتفت إلى أنَّ عدم دفنه قد يعني هتك الميّت، لأنَّه عصيان للأمر بالدفن أساساً- مع إمكانه بهذا المقدار- فلا يسقط خطابه.
مسألة (21) مع تعذّر الدفن، إمّا لكونه في المركبة الفضائيّة مع تعذّر الانتظار، أو لكون أرض الكوكب صلبة لا يمكن حفرها، أو لغير ذلك من الأسباب، فإن وجد هناك بحر أو بحيرة أمكن تثقيل الجثّة وإلقاؤها فيه، سواء صدق على السائل أنَّه ماء أم لا. وكذلك إن وجد مستنقع عميق أو نهر كبير أو غيرهما.
ــــــ[179]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
فإن لم يوجد كلّ ذلك، وأمكن إلقاء الجثّة في الفضاء الكوني، تعيّن ذلك على الأحوط. وإن لم يمكن ذلك وجب الانتظار بها إلى الوقت الذي يمكن دفنها فيه. ويجب صيانة الآخرين من مضاعفاتها عندئذٍ مع الإمكان، كما يحرم إهمالها من دون دفن مع الإمكان.
وقد يتعيّن في بعض حالات الضرورة إعطاء الجثّة للحيوانات لكي تأكلها، أو أن تُحرق بالنار للتخلّص من مضاعفاتها، أو أن تجفّف تحت حرارة عالية نسبيّاً، كلّ ذلك مع الإمكان(1).
حكم حال تعذّر دفن الميّت
تتعرّض هذه المسألة لصور تعذّر الدفن الاعتيادي، غير أنَّ فيها عدّة فقرات لابدَّ من عنونتها والبرهنة على أحكامها:
الفقرة الأُولى: صورة تعذّر الدفن مع إمكان إلقاء الجثّة في بحرٍ أو بحيرةٍ فيها ماء أو ما يشبه الماء عرفاً.
وفي مثله يكون مصداقاً للأمر الوارد بالروايات الصحيحة الصريحة التي تأمر بإلقائه بالماء.
كصحيحة أيوب بن الحرّ قال: سئل أبو عبد الله× عن رجل مات وهو في السفينة في البحر كيف يصنع به؟ قال: >يوضع في خابيّة ويوكأ رأسها وتطرح في الماء<(2).
ــــــ[180]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 21-22، كتاب الطهارة، رقم المسألة (23).
(2) الكافي 3: 213، باب مَن يموت في السفينة ولا يقدر على الشطّ …، الحديث 1، وسائل الشيعة 3: 206، أبواب الدفن، باب أنَّ مَن مات قي البحر ولم يمكن دفنه في الأرض…، الحديث 1.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وخبر وهب عن أبي عبد الله× قال: >قال أمير المؤمنين×: إذا مات الميّت في البحر غسّل وكفّن وحنّط، ثمَّ يصلّى عليه، ثمَّ يوثق في رجليه حجر ويرمى به في الماء<(1).
إلى غير ذلك من الأخبار.
ولنا على هذين الخبرين عدّة تعليقات:
التعليق الأوّل: أنَّ بين الخبرين عموماً من وجه من حيث الأحكام، حيث أفصح أحدهما عمّا سكت عنه الآخر. فنرى الثاني أمر بتجهيز الميّت قبل رميه، وسكت الأوّل عن ذلك، كما أنَّ الأوّل أمر بجعله في خابيّة بخلاف الثاني.
والخبر الثاني وإن لم يكن معتبر السند، إلَّا أنَّ تجهيز الميّت قبل رميه، على القاعدة لا يحتاج إلى خبر خاصّ، وإنَّما نتمسّك به باطلاقات ما دلَّ على وجوب هذه الأُمور كالتغسيل والتكفين وغيرهما، وبها نقيّد الصحيحة الأُولى إن كان لها إطلاق.
غير أنَّ ظاهرها أنَّها لا إطلاق لها؛ باعتبار كون الحديث فيها حيثيّاً وليس في مقام البيان من جهات أُخرى.
فلا يقال: بأنَّ بينها وبين الإطلاقات المشار إليها عموماً من وجه، فكيف يصحّ التقييد؟ وقد ظهر وجهه.
التعليق الثاني: أنَّ الخبر الأوّل من حيث كونه أمراً بالوضع في خابيّة
ــــــ[181]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 3: 206، باب مَن مات في البحر ولم يمكن دفنه في الأرض…، الحديث 2، ورواه الصدوق مرسلاً عن أمير المؤمنين مع اختلافٍ في الألفاظ، أُنظر: مَن لا يحضره الفقيه 1: 157، الحديث 438.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
يكون أخصّ من الخبر الآخر، وما يماثله من الأمر بالإلقاء مجرّداً.
والخبر الثاني: وإن كان ظاهراً بعدم الخابيّة ونحوها، بل بإلقاء الجسد مجرّداً، إلَّا أنَّ هذا لا يعني التعارض بينهما؛ إذ لا نحتمل عرفاً ومتشرعيّاً أن يكون لتجرّده دخل في المتعلّق.
فلا يبقى إلَّا الإلقاء، فيكون مطلقاً قابلاً للتقييد.
التعليق الثالث: أنَّ الأمر بوضعه في خابيّة ظاهر في الوجوب، وسنده معتبر فيتعيّن. والحكمة منه صيانة الجسد عن وحوش البحر لفترة معتدّ بها من الزمن.
ومعه يكون هذا العمل مقدّماً شرعاً على ما دلّت عليه الأخبار الأُخرى من تثقيله بالحجر والحديد؛ لأنَّها جميعاً غير نقيّة السند، بما فيها الخبر الثاني الذي سبق. إذن فمع إمكان جعله في خابيّة أو صندوق أو نحوها يتعيّن. ولا يكفي تثقيله بالحجر أو الحديد.
التعليق الرابع: مع عدم إمكان إغلاق الخابيّة، يكون وجودها كعدمها؛ لأنَّ المأمور به هو جعله في خابيّة مغلقة، فإذا لم تكن مغلقة فليس هو المأمور به، ومع التعذّر يسقط أصل الحكم ونعود إلى أُمور أُخرى سنذكرها.
التعليق الخامس: مع تعذّر الخابيّة ونحوها ممّا يضمّ الميّت ويصونه، فهل يجب تثقيله بالحديد أو الحجر ونحوهما، بعد أن عرفنا أنَّ الروايات الدالّة عليه غير معتبرة السند؟
الحقّ هو الحكم بذلك، بغضّ النظر عن ذلك، لا للإجماع عليه، فإنَّه إجماع مدركيّ يحتمل استناده إلى هذه الأخبار، بل لكونه على القاعدة؛ فإنَّ
ــــــ[182]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الجسد ما لم يثقل فقد يبقى على سطح الماء، أو يؤول أمره إلى ذلك بعد الانتفاخ.
وفي ذلك تعريض للميّت للذلّة والتشهير وهو محرّم.
بخلاف ما إذا جعل فيه الثقل، فإنَّه سيغوص عميقاً، فيكون الماء ساتراً له عن العيون وساتراً لرائحته عن الأنوف، فيقوم بنفس الحكمة التي جعل من أجلها القبر.
وأمّا قصّة اعتداء السمك عليه، فهو ممّا لا يمكن منعه على المفروض مع تعذّر الخابيّة ونحوه.
التعليق السادس: أمرت الأخبار الآمرة بالثقل: أن يكون الثقل في رجلي الميّت، وهو لا شكّ أولى. غير أنَّه لا يتعيّن لضعف إسنادها، فيمكن وضع الثقل حيث كان من الجسد؛ فإنَّه يكون تطبيقاً للقاعدة التي اقتضته ممّا سمعناه.
التعليق السابع: أنَّ ما يربط بالميّت أو ما يوضع فيه الميّت على حدٍّ سواء، هو جسم قابل للغرق في الماء.
والخشب غير قابل لذلك، بل يبقى على سطح الماء. ومعه فلا يجوز استعماله في كلا طريقتي الاستعمال؛ فإن الحكمة القطعيّة من ذلك هو إغراقه في داخل الماء، وهو ممّا لا يحصل من الخشب عادة.
التعليق الثامن: أنَّ الروايات المطلقة كلّها استعملت عنوان البحر، وهو ممّا لا خصوصيّة له عرفاً، بعد إمكان توفّر الغرض والحكمة في غيره، كالبحيرة والنهر الكبير والمستنقع الكبير، والمهمّ في كبرها عمقها بحيث تختفي الجثّة في قعرها. أمّا إذا كانت ضحلة، فلا يجوز إلقاؤه فيها لغير الضرورة.
ــــــ[183]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
وبعض الروايات الخاصّة أخذت عنوان النهر أو نهر الفرات، الأمر الذي يؤيّد عدم خصوصيّة البحر بعنوانه.
فمن ذلك رواية سليمان بن خالد، قال: قال لي أبو عبد الله×: >كيف صنعتم بعمّي زيد؟< قلت: إنَّهم كانوا يحرسونه، فلمّا شفّ الناس(1) أخذنا جثّته فدفنّاه في جرف على شاطئ الفرات. فلمّا أصبحوا جالت الخيل يطلبونه فوجدوه فأحرقوه. فقال: >ألا أوقرتموه حديداً وألقيتموه في الفرات؟ صلّى الله عليه ولعن قاتله<(2).
غير أنَّ هذه الرواية غير تامّة سنداً أوّلاً، وغير ظاهرة بالوجوب ثانياً، كما هو واضح من سياقها. فيبقى الحكم على مقتضى القاعدة.
بقي الكلام في هذه الفقرة من المسألة: ما إذا كان البحر أو الماء الذي نريد إلقاء الميّت فيه، في كوكبٍ خارج الأرض، ليس ماء على الشكل الأرضي بالضبط، وإنَّما يشبه الماء، فهل يكون الحكم سارياً فيه أيضاً؟
لا إشكال في ذلك؛ لصدق الماء عليه عرفاً على الفرض، مضافاً إلى صدق البحر والنهر عليه. هذا مضافاً إلى أنَّه يأتي فيه ما سنقوله في الفقرة التالية من وجوب الإلقاء في الماء حتّى لو لم يكن مشابهاً إطلاقاً لما في الأرض.
الفقرة الثانية(3):
ــــــ[184]ـــــــ
(1) أي: رقّوا ونقصوا.
(2) الكافي 8: 161، هلاك بني أُميّة بعد زيد بن علي بن الحسين…، الحديث 163، وسائل الشيعة 3: 208، أبواب صلاة الجنازة، باب جواز تثقيل الميّت وإلقائه في الماء…، الحديث 1.
(3) هذا آخر ما وجدناه من هذه الأبحاث بقلم المصنّف.
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء

فهرس المصادر
القرآن الكريم.
1. إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان، تأليف العلّامة أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر الأسدي، تحقيق: الشيخ فارس الحسّون، الطبعة الأُولى: 1410 هـ، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، إيران- قم.
2. الاستبصار، تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، تحقيق وتعليق: الحجّة السيّد حسن الموسوي الخرسان، الناشر: دار الكتب العلميّة، طهران، تصحيح: الشيخ محمّد الآخوندي، 1390هـ، الطبعة الرابعة.
3. الأُصول العامّة للفقه المقارن، تأليف: العلّامة السيد محمّد تقي الحكيم، الطبعة الثانية: 1979م، الناشر: مؤسسة آل البيت^ للطباعة والنشر.
4. الألفيّة والنفليّة، للشهيد الأوّل محمّد بن مكّي العاملي، تحقيق: علي الفاضل القائيني النجفي، الطبعة الأُولى: 1408 هـ، الناشر: مركز التحقيق الإسلامي التابع للمكتب الإعلامي في الحوزة العلميّة، قم- إيران.
5. بحوث في علم الأُصول، تأليف آية الله السيّد محمود الهاشمي الشاهرودي، تقريراً لأبحاث آية الله العظمى السيّد محمد باقر الصدر الناشر: مؤسّسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي، الطبعة
ــــــ[185]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الرابعة: 1431هـ 2010م.
6. تاج العروس، الزبيدي، المتوفى 1205هـ، تحقيق علي شيري، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1414هـ 1994م.
7. التنقيح في شرح العروة الوثقى، تقريراً لبحث آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي، تأليف الميرزا علي الغروي، مطبعة الآداب النجف، لم تذكر الطبعة ولا تاريخها.
8. تهذيب الأحكام، الشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، تحقيق وتعليق: السيّد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، 1390 هـ.
9. جامع المقاصد في شرح القواعد، تأليف المحقّق الشيخ علي بن الحسين الكركي، تحقيق: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، قم المقدّسة، الطبعة الأُولى: 1408هـ.
10. جواهر الكلام، محمّد حسن النجفي، تحقيق وتعليق: الشيخ عباس القوجاني، الطبعة الثانية: 1365 هـ، دار الكتب الإسلاميّة، طهران.
11. دراسات في علم الأُصول، آية الله السيّد علي الشاهرودي، تقريراً لأبحاث سماحة آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي، الناشر: مؤسّسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، الطبعة الثانية:1426هـ، 2005م.
12. ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد، للعلّامة المحقّق ملّا محمّد باقر السبزواري، الناشر: مؤسسة آل البيت^ لإحياء التراث. ط: قديم.
13. رياض المسائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل، الفقيه المدقّق السيّد علي الطباطبائي، تحقيق ونشر: مؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الأُولى
ــــــ[186]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
رمضان المبارك 1412هـ ق.
14. العروة الوثقى، تأليف آية الله العظمى السيّد محمّد كاظم اليزدي، مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام، تحقيق ونشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، الطبعة الأُولى: 1417هـ .
15. غنائم الأيام في مسائل الحلال والحرام، للفقيه المحقّق الميرزا أبو القاسم القمّي، تحقيق: عباس تبريزيان، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأُولى: 1417هـ ، الناشر: مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي.
16. فقه الفضاء، تأليف آية الله العظمى الشهيد السعيد السيّد محمّد الصدر.
17. الكافي، محمّد بن يعقوب الكليني، صحّحه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، الطبعة الثالثة: 1388 هـ.
18. كفاية الأُصول، الآخوند الخراساني، محمّد كاظم، تحقيق: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، قم المشرّفة، الطبعة الأُولى: 1409هـ .
19. لسان العرب، ابن منظور، المتوفى 711هـ، نشر أدب الحوزة، قم، إيران، 1405هـ.
20. ما وراء الفقه، آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّد الصدر، إشراف: هيئة تراث السيّد الشهيد الصدر،
21. مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، تأليف الفقيه المحقّق السيّد محمّد بن علي الموسوي العاملي، تحقيق: مؤسّسة آل البيت ^
ــــــ[187]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
لإحياء التراث، مشهد المقدّسة، الناشر: مؤسّسة آل البيت ^ لإحياء التراث، قم المقدّسة، الطبعة الأُولى: 1410هـ .
22. مستمسك العروة الوثقى، تأليف فقيه العصر آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، 1391هـ، الطبعة الرابعة، افسيت منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، إيران، قم، 1404هـ.
23. مستند الشيعة، العلّامة الفقيه المولى أحمد بن محمّد مهدي النراقي، تحقيق: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، مشهد المقدّسة، الطبعة الأُولى: 1415 هـ، نشر: مؤسّسة آل البيت^ في قم المقدّسة.
24. مصباح الفقيه، للشيخ المحقّق رضا بن محمّد هادي الهمداني، تحقيق وتصحيح: مجموعة من العلماء، الناشر: المؤسّسة الجعفريّة لإحياء التراث، ومؤسّسة النشر الإسلامي، الطبعة الأُولى: 1416هـ ، إيران، قم.
25. معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرجال، للإمام الأكبر زعيم الحوزة العلميّة السيّد أبو القاسم الخوئي، الطبعة الخامسة، 1413هـ ، 1992م.
26. معجم مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارس زكريا، المتوفى 395هـ، تحقيق عبد السلام محمد هارون، 1404هـ، مكتبة الإعلام الإسلامي.
27. مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلّامة، للفقيه المتتبع السيّد محمّد جواد الحسيني العاملي، تحقيق وتعليق: الشيخ محمّد باقر الخالصي، الناشر: مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة،
ــــــ[188]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
الطبعة الأُولى: 1419هـ .
28. المقنع، تأليف الشيخ الأقدم أبي جعفر الصدوق محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القميّ، تحقيق ونشر: مؤسّسة الإمام الهادي×، 1415هـ، من دون تاريخ.
29. مَن لا يحضره الفقيه، الشيخ محمّد بن علي بن بابويه القمي الصدوق، صحّحه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، الطبعة الثانية.
30. منّة المنان في الدفاع عن القرآن، تأليف آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد الصدر.
31. منهاج الصالحين، فتاوى مرجع المسلمين زعيم الحوزة العلميّة السيّد أبو القاسم الخوئي، الطبعة الثامنة والعشرون: 1410هـ ، الناشر: مدينة العلم، إيران-قم.
32. منهج الأُصول، تأليف آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّد الصدر، الطبعة الأولى: 1423 هـ، 2002 م، الناشر: دار الأضواء، بيروت- لبنان.
33. موسوعة الإمام المهدي، تأليف الشهيد السعيد آية الله العظمى السيّد محمّد محمّد صادق الصدر، الطبعة الأولى، 1428 هـ- 2007 م، دار القارئ، بيروت – لبنان.
34. وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، تحقيق: مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، الطبعة الثانية: 1414 هـ، قم المقدّسة.
ــــــ[189]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء

ــــــ[190]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
فهرس المحتويات
مقدمة المؤسّسة 7
موجز عن حياة آية الله العظمى السيد الشهيد محمّد الصدر 9
نسبه الشريف 9
ولادته ونشأته 10
نشأته العلمية 11
من مميّزات تقريراته لأبحاث أساتذته 13
إجازته في الرواية 14
اجتهاده 15
من أقوال العلماء في حقّه 17
صفاته وسجاياه 20
مرجعيّته الصالحة وقيادة الأُمّة 21
آثاره وتصانيفه الثمينة 25
جريمة الاغتيال 29
منهجنا في التحقيق 31
كتاب الطهارة 39
وجوب الطهارة المائيّة مع توفّر الماء 39
إذا كان الماء المتوفّر غير الماء الأرضي 46
الكلام في الماء المتجمّد 49
الشكّ في إطلاق الماء 51
في الكرّ والجاري 54
في ما يجوز فيه التيمّم والدفن 63
في جواز التيمّم في صعيد غير الأرض 70
ــــــ[191]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء
في وجوب نقل الماء إذا خرج بعد الوقت 81
في فاقد الطهورين 93
شرطيّة الضرب في التيمّم 94
عدم شرطيّة الضرب إلى الأسفل 99
بعض الأمثلة لفاقد الطهورين 103
في الشكِّ في إطلاق الماء 103
الشكّ في جنس الصعيد 104
في عدم جواز الذهاب بدون الإكراه أو الولاية 110
لا تكون الأسباب الدنيويّة مجوّزة للذهاب إلَّا مع الضرورة العامّة 121
لو عُومل البول والخروج بالموادّ لم يجز أكله إلَّا مع الاستحالة 126
في طهارة أهل الكتاب 141
مع إمكان تجهيز الميّت يتعيّن وجوبه 156
في تعذّر السدر والكافور 158
مع تعذّر الماء يجب التيمّم بيد الميت مع الإمكان 165
في حال تعذّر وجود الكفن 168
حدّ الانتظار في دفن الميّت 173
حكم دفن الميّت في غير الأرض 178
حكم حال تعذّر دفن الميّت 180
الفقرة الثانية: 184
فهرس المصادر 185
فهرس المحتويات 191
ــــــ[192]ـــــــ
حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء