أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

تأليف

المحتاج إلى رحمة ربه الكريم

محمد الصدر

بإشراف
مقتدى بن السيد محمد الصدر
ربيع الثاني 1389
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
ــــــ[3]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

ــــــ[4]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمّد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين.
لا تعتريني الغاشية وأنا أتصفّح كتاب الوافية؛ فإنَّ كلماته شافية ولكلِّ شكٍّ نافية، فهي جليّة كافية؛ استدلّ بها السيّد الوالد+ على أدقّ التفاصيل الخاصّة بصلاة الخوف وما يتعلّق بها من جميع النواحي. فكان -بحقّ- كتاباً استدلاليّاً من الدرجة الأُولى، يعطينا الصورة الواضحة والجليّة عن تلكم الشعيرة.
وقد أحاط السيّد الوالد+ في هذا الكتاب بكلِّ دقائق المسائل المتعلّقة، وذكر الكثير من الآراء والفتاوى، معترضاً على بعضها ومؤيّداً للآخر، ومناقشاً للبعض الآخر؛ ممّا يدلّ على سعة الاطلاع ودقّته بما لا يشوبه الشكّ.
وبعد أن كان هذا الكتاب في رفوف مكتبته الزاخرة وبين مخطوطاته، مَنَّ الله عليَّ بفضله ورحمته بأن مكّنني أن أُخرج هذا الكتاب القيّم إلى النور بمساعدة الإخوة في (هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره) برونقه الجديد؛ لينهل منه المجتمع العطش إلى علمه وفتاويه، ويستفيد منه فقهيّاً وعلميّاً، ولا سيّما طلبة الحوزة الأعزّاء.
ــــــ[5]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

فجزى الله القائمين على هذا العمل خير الجزاء. والحمد لله الذي جعلنا ممّن يتشرّف بالإخراج والتقديم لمثل هذه الكتب العظيمة، وأنَّه لذو فضلٍ على العالمين. وإنَّها في نفس الوقت المسؤليّة الكبيرة التي أسال الله أن يجعلني والجميع على قدرها، وأن يهدينا سبل الرشاد، وأن لا نَزلّ عن نهج مَن خطّ تلك الكلمات الباهرات الرائعات.

مقتدى الصدر
26/جمادى الآخر/ 1433

ــــــ[6]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمةً للعالمين، محمّد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
وبعد؛ كثيرة هي الكتب التي أُلّفت في الفقه وأُصوله. فمنذ بداية تاريخ الغيبة الصغرى وإلى الآن صدرت عن علمائنا آلاف الكتب والرسائل في هذا المجال.
نعم، قليلة هي التي احتلّت موقع الصدارة في المكتبة الإسلاميّة، كمؤلّفات الشيخ المفيد والسيّد المرتضى والشريف الرضي والطوسي، حتّى وصلت النوبة إلى المدارس العظيمة المتأخّرة، كالشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني ومن تبعه من طلابه المحقّقين كالمحقّق النائيني ومدرسته. حتّى وصلت النوبة إلى المحقّق الكبير السيّد الشهيد الصدر الأوّل ومدرسته (قدّس الله أسرارهم أجمعين). فقد أثروا المكتبة الإسلاميّة بمؤلّفاتهم الثمينة، وشقّوا العلوم بجهودهم وجهادهم الكبيرين.
إنَّ كلّ منصفٍ متجرّد عندما يطّلع على هذا التراث الكبير والتركة العلميّة الفريدة، لابدَّ له من الخشوع أمام تلك الجهود الجبّارة، ولابدَّ له أن ينحني اجلالاً لعظمة مؤلّفيها؛ فقد جاءت هذه الآثار الكريمة ببركة جهودٍ استثنائيّة.
ــــــ[7]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

وأنَّ من جملة آثار الأعلام المتأخّرين التي احتلّت هذا الموقع، وتصدّرت في الطليعة الأُولى لمؤلّفات الطائفة، هي آثار الحجّة الكبير أُستاذ الجيل وزعيم الحوزة العلويّة النجفيّة آية الله العظمى السيّد الشهيد السعيد محمّد الصدر(أعلى الله مقامه الشريف).
لقد كان ومنذ صباه متميّزاً عن أقرانه بكثرة جديّته ومتابعته وتأليفه، حيث إنَّه بدأ بالتأليف وهو لم يتجاوز السادسة عشر من عمره المبارك. وهكذا شقّ هذا المضمار وتميّز قلمه وأنفردت مؤلّفاته وتصانيفه من ذلك الحين.
هذا الكتاب الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام ألَّفه وهو لم يتجاوز العقد الثالث من عمره المبارك. وهو من ثمرة تلك الجهود الاستثنائيّة التي تميّز بها +. فقد تناول فيه كلّ التفاصيل التي يمكن الخوض فيها في هذا الباب.
بالإضافة إلى ذلك فهو يمثّل مرحلة من مراحل المستوى العلمي، وليس بالضروة أن يكون مقبولاً عنده بعد ذلك، بالرغم من أنَّه فريد في بابه، حيث إنَّه لم يكتب في هذا الموضوع بهذا الكمّ من التفريعات والتشقيقات والتي يصعب على غير أهل الاختصاص التوجّه إلى مطالبه. ولذلك ارتأينا أن يخرج للنور بعد أن كان في طيّات مخطوطاته الثمينة.
* * * *
ــــــ[8]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

موجز عن حياة آية الله العظمى
السيد الشهيد محمّد الصدر+
نسبه الشريف
يرجع نسب السيّد الشهيد محمّد الصدر+ إلى الإمام موسى بن جعفر× في سلسلةٍ نسبيّةٍ قليلة النظير في صحّتها ووضوحها وتواترها، حتّى وصفت بـ(السلسلة الذهبيّة) لما فيها من رجالاتٍ عرفوا بالزعامة والسيادة، ولعلّ هذه المزيّة قد انفردت بها هذه العائلة الكريمة؛ حيث إنَّها من لدن المعصومين عليهم الصلاة والسلام وحتّى الآن في كلّ جيل منهم من هو سيّد جيله والمعترف له بالعلم والفضل والزعامة في عصره.
فهو (1) محمّد بن (2) محمّد صادق بن (3)محمّد مهدي بن (4) إسماعيل بن (5) محمّد صدر الدين بن (6) صالح بن (7) محمّد بن (8) إبراهيم شرف الدين بن (9) زين العابدين إبراهيم بن (10) نور الدين علي بن (11) علي نور الدين بن (12) الحسين عزّ الدين بن (13) محمّد بن (14) الحسين بن (15) علي بن (16) محمّد بن (17) عبّاس تاج الدين أبي الحسن بن (18) محمّد شمس الدين بن (19) عبد الله جلال الدين بن (20) أحمد بن (21) حمزة أبي الفوارس بن (22) سعد الله أبي محمّد بن (23) حمزة القصير أبي أحمد بن (24) محمّد أبي السعادات بن (25) عبد الله أبي محمّد بن (26)
ــــــ[9]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
محمّد الحارث أبي الحرث بن (27) علي ابن الديلميّة أبي الحسن بن (28) عبد الله أبي طاهر بن (29) محمّد المحدّث أبي الحسن بن (30) طاهر أبي الطيّب بن (31) الحسين القطعي بن (32) موسى أبي سبحة بن (33) إبراهيم المرتضى الأصغر ابن (34) الإمام موسى الكاظم× ابن (35) الإمام جعفر الصادق× ابن (36) الإمام محمّد الباقر× ابن (37) الإمام علي زين العابدين× ابن (38) الإمام الحسين الشهيد× ابن (39) الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب×.
ولادته ونشأته
ولد+ في السابع عشر من ربيع الأوّل عام 1362 هـ، أي: يوم المولد النبويّ الشريف.
عاش في كنف جدّه لأُمّه آية الله العظمى الشيخ محمّد رضا آل ياسين+، وهو من المراجع المشهورين آنذاك، وقد زامنت فترة مرجعيّته مرجعيّة السيّد أبي الحسن الأصفهاني+، ليعود المرجع الأعلى بعد رحيله.
ومن الجدير بالذكر أنَّ أباه السيّد الحجّة محمّد صادق الصدر+ لم يُرزق ولداً بعد زواجه، حتّى اتّفق أن ذهب مع زوجته إلى بيت الله الحرام، وعندما تشرّفا بزيارة قبر النبي’ دَعَوَا ربّهما أن يرزقهما ولداً صالحاً يسمّيانه (محمّد)، فكان أن مَنّ الله تعالى شأنه عليهما بعد فترةٍ يسيرةٍ بهذا المولود المبارك في يوم ولادة جدّه المصطفى’، فكان الولد الوحيد لهما.
نشأ سماحته في بيت علمٍ وفضلٍ، وزقّ العلم منذ صباه بواسطة والده الحجّة+. وقد كان لنشأته وتربيته الدينيّة انعكاسٌ في خُلُقه الرفيع وسماحته وبشاشته وصدره الرحب، فكان قلبه -بعد تسنّمه المرجعيّة العامّة-
ــــــ[10]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
يستوعب كلّ ما يُطرح عليه من أسئلة وشبهات دون أيّما شعور بالحرج أو الخجل أو التردّد. وليس هذا بعجيب؛ إذ ليست نفسه الشريفة إلَّا {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}(1).
تزوّج من بنت عمّه السيّد الحجّة محمّد جعفر الصدر+، ورُزق بأربعة أولاد، هم: السيّد مصطفى، والسيّد مرتضى، والسيّد مؤمّل، والسيّد مقتدى، وقد تزوّج ثلاثة منهم من بنات السيّد الشهيد الصدر الأوّل+، وله بنتان تزوّجنَ من ابنَي السيّد الحجّة محمّد كلانتر+.
نشأته العلمية
بدأ+ الدرس الحوزوي في سنٍّ مبكّرةٍ، حيث كان ذلك في سنة 1373 هـ، وقد ارتدى الزيّ الحوزوي وهو ابن إحدى عشرة سنة، مبتدئاً بدراسة النحو والمنطق والفقه وغير ذلك من دروس المقدّمات على يد والده الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر+، ثمَّ على يد السيّد طالب الرفاعي، ثمَّ على يد الشيخ حسن طرّاد العاملي، وأكمل بقيّة دروسه على يد السيّد الحجّة محمّد تقي الحكيم+ والحجّة الشيخ محمّد تقي الإيرواني+.
دخل كلّيّة الفقه سنة 1379هـ . دارساً على يد ألمع أساتذتها، فدرس:
1. الفلسفة الإلهيّة على يد آية الله الشيخ محمّد رضا المظفّر+.
2. الأُصول والفقه المقارن على يد آية الله السيّد محمّد تقي الحكيم+.
3. الفقه على يد الحجّة الشيخ محمّد تقي الإيرواني+.
4. علوم اللغة العربيّة على يد الحجّة الشيخ عبد المهدي مطر+.
ــــــ[11]ـــــــ
(1) سورة إبراهيم، الآية: 24.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
كما أفاد من بعض الأساتذة من ذوي الاختصاصات والدراسات غير الحوزويّة: كالسيّد عبد الوهّاب الكربلائي مدرِّس اللغة الإنجليزيّة، حيث كان سماحته أفضل طلاب صفّه في هذا المجال، والدكتور حاتم الكعبي في علم النفس، والدكتور فاضل حسين في التاريخ، وكذا درس الرياضيات في الكلّيّة نفسها حيث كان من المتميّزين فيه.
تخرّج من كلّيّة الفقه سنة 1383 هـ . ضمن الدفعة الأُولى من خرِّيجي كلّيّة الفقه.
ثُمَّ دخل مرحلة السطوح العليا، فدرس كتاب الكفاية على يد أُستاذه السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+، وكتاب المكاسب على يد السيّد محمّد تقي الحكيم+. وقد كان لدراسته عند هذين العلمين الأثر الأكبر في صقل شخصيته العلمائية ونموّ موهبته العلميّة التي شهد له بها أساتذته أنفسهم، ثمَّ أكمل دراسة كتاب المكاسب عند الشيخ الحجّة صدر البادكوبي+، الذي كان من مبرَّزي الحوزة وفضلائها.
ثمَّ حضر دروس البحث الخارج عند جملة من أعلام النجف الأشرف، وهم:
1. آية الله العظمى السيّد الشهيد السعيد محمّد باقر الصدر+ فقهاً وأُصولاً.
2. آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي+ فقهاً وأُصولاً.
3. آية الله العظمى السيّد روح الله الموسوي الخميني+ فقهاً.
4. آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم+ فقهاً.
5. آية الله الحجّة السيّد إسماعيل الصدر+ فقهاً.
ــــــ[12]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ولابدَّ لنا أن نذكر إلى جانب مسيرته العلميّة وأساتذته في هذا المجال مسيرتَه في طريق المعرفة الإلهيّة والعلوم الأخلاقيّة، حيث تلقّى المعارف الإلهيّة الحقّة على يد أُستاذه الكبير الحاجّ عبد الزهراء الكرعاوي (رضوان الله عليه)، الذي كان من تلامذة العارف الكبير الشيخ محمّد جواد الأنصاري الهمداني+ وكان هذا الجانب واضحاً جدّاً في شخصيّة المترجم له، بل طغى هذا الجانب على أكثر تصانيفه ودروسه الثمينة، فراجع وتفطّن.
ثُمَّ إنَّ ممّا يدلّ على نبوغه وتقدّمه العلمي أمرين:
الأوّل: اطّلاعه+ على آراء أربعة من أشهر المجتهدين في ذلك الوقت، وهم السيّد الشهيد الصدر الأوّل والسيّد الخوئي والسيّد الخميني والسيّد الحكيم (قدّس الله أسرارهم أجمعين). وهذا الاطّلاع الذي حصل له من خلال حضور أبحاثهم ودروسهم الشريفة أدّى بطبيعة الحال إلى نموّ وتطوّر المستوى العلمي له بوضوحٍ.
الثاني: تميّز أُستاذه السيّد الشهيد الصدر الأوّل بالإبداع والتجديد في الأُصول، وهذا يعني أنَّه قد أفاد – بلا شكٍّ – من هذا التجديد والإبداع.
وبلحاظ هاتين النقطتين يمكن لنا الحكم ابتداءً بألمعيّته وغزارة علمه، بل وأعلميّته على أقرانه، فقد شهد له بذلك كلّ من حضر دروسه من الفضلاء والأعلام، لا سيّما درسه في الأُصول؛ إذ أصبح آنذاك الدرس الرئيس في حوزة النجف الأشرف.
من مميّزات تقريراته لأبحاث أساتذته
كان+ غاية بالجدّ والاجتهاد في حضوره أبحاث أساتذته؛ حيث كان معروفاً عند أقرانه بتميّزه لكتابة تلك الأبحاث، فلم يكن يترك شاردة وواردة
ــــــ[13]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إلَّا وسجّلها، سواء كان ذلك إشكالاً له أم لغيره في داخل الدرس وخارجه، حتّى أنَّه أثبت تأخّر الأُستاذ عن الدرس أو غيابه، ومن تلك المميّزات أيضاً:
• حضوره المتواصل وعدم انقطاعه عن الحضور، ما أنتج استيعاب كتاباته لتلك الأبحاث.
• جامعيّة ما كتبه لأبحاث أساتذته، وهذه المزيّة تفتقدها أكثر كتابات زملائه.
• كان أغلب زملائه يستعينون بكتاباته؛ حيث كان جملة منهم كثير السفر والانقطاع، حتّى أنَّ أحد التلامذة كان جديد العهد في حضوره عند السيّد الشهيد الصدر الأوّل+ ولم يدرك درس الأُستاذ إلَّا قليلاً، فأخذ من كتابات السيّد الشهيد الصدر الثاني+ قرابة ألف وثمانمائة صفحة. وهذه المزيّة قلّما تُوجد عند الآخرين، فهي تعبّر عن نفسٍ طيّبةٍ همّها خدمة الشريعة سواء كان عن طريق نفسها أم كان عن طريق الآخرين.
نعم، إنَّ جملة من أبحاث أُصول السيّد الصدر الأوّل+ لم نعثر عليها، وأغلب الظنّ أنَّ ذلك كان للسبب المذكور، أي: بسبب إعارته الآخرين كتاباته.
إجازته في الرواية
أمّا إجازته في الرواية فله إجازات من عدّة مشايخ، أعلاها من الملاّ محسن الطهراني الشهير بـ(آغا بزرگ الطهراني+) عن أعلى مشايخه، أي: الميرزا حسين النوري صاحب كتاب >مستدرك الوسائل<.
ومنهم أيضاً والده الحجّة السيّد محمّد صادق الصدر+، وخاله الشيخ مرتضى آل ياسين+، وابن عمّه السيّد آقا حسين خادم الشريعة+،
ــــــ[14]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والسيّد رضا الصدر+، والسيّد عبد الرزّاق المقرّم+، والسيّد حسن الخرسان+، والسيّد عبد الأعلى السبزواري+ والدكتور حسين علي محفوظ&.
اجتهاده
أُجيز بالاجتهاد من قِبَل أُستاذه السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+ في سنة 1398 هـ . (وكان عمره آنذاك 36 سنة)، حيث اتّفق أنَّ جملة من الفضلاء طلبوا من السيّد الشهيد محمّد الصدر أن يباحثهم على مستوى أبحاث الخارج، وقد سألوا السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر عن ذلك، فبارك لهم وشجّعهم عليه، وذكر لهم تمام الأهليّة للسيّد محمّد الصدر، وقد اتّفقوا على أن تكون مادّة البحث في الفقه الاستدلالي كتاب >المختصر النافع< للمحقّق الحلّي؛ لأنَّه يمثّل دورة فقهيّة كاملة ومختصرة في الوقت نفسه، وكان مكان الدرس آنذاك مسجد الشيخ الطوسي+، وقد استمرّ الدرس قرابة أربعة أشهر، وقد أدّت صعوبة الظروف حينها إلى انقطاع البحث وتفرّق الطلاب.
ثمَّ بتسديد الله وعونه عاد سيّدنا الشهيد+ إلى إلقاء البحث الفقهي بعد سنوات عدّة في جامعة النجف الدينيّة على متن كتاب >المختصر النافع< أيضاً، ثُمَّ توقّف الدرس، على أثر أحداث الانتفاضة الشعبانيّة ليعود بعدها لإلقاء دروسه المباركة في مسجد الرأس الملاصق للحرم العلويّ المقدّس، واستمرّ بحثه إلى آخر يومٍ من عمره الشريف. وكان يلقي في هذا المسجد أبحاثه في كلّ يوم كالتالي:
ــــــ[15]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أوّلاً: البحث الفقهي صباحاً.
ثانياً: البحث الأُصولي عصراً.
ثالثاً: إلقاء محاضرات تاريخيّة وأخلاقيّة وعقائديّة.
رابعاً: دروس في شرح كفاية الأُصول.
خامساً: الدروس القرآنية في يومي الخميس والجمعة من كلّ أُسبوعٍ.
وممّا تتميّز به هذه المحاضرات -أي: الدروس القرآنيّة- روح التجدّد والجُرأة في نقد الآراء وتفنيدها، كما اتّخذ سيّدنا+ أُسلوباً مغايراً لأُسلوب سائر المفسّرين في تفسير القرآن الكريم؛ إذ إنَّهم كانوا يبدؤون بتفسير القرآن الكريم من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، إلَّا أنَّه شرع تفسيره من سورة الناس رجوعاً إلى باقي السور القرآنيّة المباركة، وهو منهجٌ في البحث لم يسبق إليه سابقٌ. وله في اتّخاذ هذا المنهج رأيٌ سديدٌ طرحه في بداية البحث، فقال موضّحاً السبب في ذلك: >سيجد القارئ الكريم أنَّني بدأت من المصحف بنهايته، وجعلت التعرّض إلى سور القرآن بالعكس.
فإنَّ هذا ممّا التزمته في كتابي هذا نتيجة لعاملين نفسي وعقلي: أمّا العامل النفسي: فهو تقديم الطرافة في الأسلوب وترك التقليد للأُمور التقليديّة المشهورة، فيما يمكن ترك التقليد فيه.
وأمّا العامل العقلي فلأنَّ التفاسير العامّة كلّها تبدأ من أوّل القرآن الكريم طبعاً، فتكون أكثر مطالبها وأفكارها قد سردته فعلاً في حوالي النصف الأوّل من القرآن الكريم، وأمّا في النصف الثاني فلا يوجد غالباً إلَّا التحويل على ما سبق أن ذكره المؤلّف؛ الأمر الذي ينتج أن يقع الكلام في النصف [الثاني] من القرآن مختصراً ومقتضباً، ممّا يعطي انطباعاً لطبقة من الناس أنَّه
ــــــ[16]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أقلّ أهمّيّة أو أنَّه أقلّ في المضمون والمعنى ونحو ذلك.
في حين إنَّنا لو عكسنا الأمر فبدأنا من الأخير، لاستطعنا إشباع البحث في السور القصيرة، وتفصيل ما اختصره الآخرون، ورفع الاشتباه المشار إليه. فإن لم نكن بمنهجنا قد استنتجنا أكثر من هذه الفائدة لكفى<(1).
فاتّخذ سيّدنا هذا المنهج من باب سدّ النقص الذي يُحتمل الوقوع فيه بملاك ما تقدّم، ولغرض إشباع آخر للقرآن بحثاً ودفاعاً، ولأجل سدّ الفراغ الموجود.
من أقوال العلماء في حقّه
قال المفكّر الإسلامي الكبير آية الله العظمى السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر+ عند تقديمه لكتاب (موسوعة الإمام المهدي#) للشهيد الصدر الثاني+: >… وسأقتصر على هذا الموجز من الأفكار تاركاً التوسّع فيها وما يرتبط بها من تفاصيل إلى الكتاب القيِّم الذي أمامنا، فإنَّنا بين يدي موسوعةٍ جليلةٍ في الإمام المهدي‏، وضعها أحد أولادنا وتلامذتنا الأعزّاء، وهو العلّامة البحّاثة السيّد محمّد الصدر حفظه الله تعالى، وهي موسوعة لم يسبق لها نظير في تأريخ التصنيف الشيعي حول المهدي# في إحاطتها وشمولها لقضيّة الإمام المنتظر من كلّ جوانبها، وفيها من سعة الأُفق وطول النفس العلمي واستيعاب الكثير من النكات واللفتات، ما يعبِّر عن الجهود الجليلة التي بذلها المؤلّف في إنجاز هذه الموسوعة الفريدة.
وإنّي لأحسّ بالسعادة وأنا أشعر بما تملؤه هذه الموسوعة من فراغ، وما
ــــــ[17]ـــــــ
(1) منّة المنان في الدفاع عن القرآن: 1-19، المقدّمة.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
تعبِّر عنه من فضل ونباهةٍ وألمعيّة. وأسأل المولى سبحانه وتعالى أن يقرّ عيني به ويريني فيه عَلَماً من أعلام الدين…<(1).
وقال والده آية الله الحجّة المقدّس السيّد محمّد صادق الصدر+ في حقّه: >… وإنَّ من نعم الله وآلائه على هذا العبد الفقير إلى عفوه وصفحه أن رزقني من الأولاد واحداً كألف، وبه يحفظ الله لنا هذه السلسلة الذهبيّة أن تفقد بعض حلقاتها، وبه تحتفظ السلسلة بكامل نضارتها وهيبتها وجميل هيأتها. وُلد حفظه الله في السنة الثانية والستّين بعد الألف والثلاثمائة في ضحى يوم عيد مولد النبيّ الأعظم’ وبهذه المناسبة سميّته محمّداً. نشأ والحمد لله نشأة حسنة تحت ظلّ جدّه شيخنا آية الله العظمى مرجع عصره الشيخ محمّد رضا آل يس رضوان الله عليه، فلمّا تقلّص ظلّ الشيخ عنّا في سنة 1370هـ كان لا يزال ولدي طفلاً في الثامنة. فاشتغل في تعلّم مبادئ القراءة والكتابة والقرآن الكريم، ثمَّ اشتغل بمقدّمات العلوم فأتمّها، وبعدها درس السطوح فأتقنها. وهو في الوقت الحاضر يحضر دروس الخارج على العلماء الأعلام وآيات الله العظام، وقد دنا من الاجتهاد قاب قوسين أو أدنى إن لم يكن قد لمسه باليسرى واليمنى. وزيادةً على ذلك حصّل من العلوم ما هو خارج عن دائرة اختصاص المجتهدين، وألمّ إلمامة بسيطة بلغةٍ أجنبيّة، وقد أحاط كلّ ذلك بالتقوى والعفاف والطهر. فشكراً لله إن كان الشكر يفي ويكفي … وهذا ولدي العالم الفاضل التقيّ النقيّ المؤلّف المجيد والشاعر الناثر محمّد الصدر… ولا أراني بحاجةٍ إلى نصحه ووعظه؛ فإنَّه مستغنٍ عن ذلك بل هو
ــــــ[18]ـــــــ
( ) كان ذلك بتاريخ: 17/جمادى الثانية/1397هـ، أي: في سنة: 1977م. أُنظر: موسوعة الإمام المهدي# 1: 50.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الذي يجب أن ينصح ويعظ الناس، وهنا يأتي المثل المشهور: ما المسؤول بأعلم من السائل، فقد رضع درّ الدين وتربّى في حجر الدين، والمأمول منه أن يصرف همّه وهمّته إلى نصرة الدين…<(1).
وقال آية الله العظمى الشيخ آغا بزرك الطهراني+ في إجازته إيّاه بالرواية: >فإنَّ الفاضل الكامل البارع الباهر المحقّق المصنّف الماهر ثقة الإسلام وعماد الأعلام وسلالة الفقهاء الفخام مولانا الممجّد جناب السيّد محمّد نجل العالم الجليل السيّد محمّد صادق بن العلّامة الأجل السيّد محمّد مهدي الصدر ابن آية الله العظمى السيّد إسماعيل الصدر الموسوي العاملي الكاظمي طاب ثراه وجعل الجنّة مثواه ووفّق حفيده المذكور لإنجاز ما رغب فيه من الخدمة لدين الإسلام الحنيف وإبلاغ أُصوله وفروعه إلى الخاصّ والعامّ والوضيع والشريف…<(2).
وقال العلّامة الحجّة السيّد عبد الرزاق المقرّم+ في إجازته إيّاه بالرواية: >… فإنَّ العلّامة البارع في فنون المعارف الإلهيّة والباحث عن مخبّآت حقايق الشريعة وآدابها السيّد محمّد نجل حجّة الإسلام التقي الورع السيّد محمّد صادق آل آية الله السيّد إسماعيل الصدر نوّر الله ضريحه، لما عرف من قدر العلم وقدر مساعي أعلام الأُمّة فأخذ بسيرتهم واستضاء بأنوار تعاليمهم…<(3).
ــــــ[19]ـــــــ
(1) كان ذلك بتاريخ: 17/ 6/ 1387هـ، أي: في سنة: 1967م. مخطوط.
(2) كان ذلك بتاريخ: 10/ جمادى الثانية/ 1387هـ، أي: في سنة: 1967م. مخطوط.
(3) كان ذلك بتاريخ: 19/ جمادى الثانية/ 1387هـ، أي: في سنة: 1967م. مخطوط.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وقال آية الله السيّد رضا الصدر+: >قرّة عيوننا المفدّى وكعبة آمالنا المرجّى، ركن التقى وحصن الهدى ملاذ الإسلام وكهفه، وقدوة المتّقين حبيبنا محمّد من آل الصدر حفظه الله بقدرته التي لا تضام، ورعاه بعينه التي لا تنام… قرأت كتابك العزيز فشممت من خلال سطوره رائحة التقوى والعلم، ولقيني منه روح الفضل والصدق، والفضائل النفسيّة والفواضل الإنسانيّة مزيّنة بالهمّة والجدّ والعمل. أسأله تعالى أن يوفّقكم لخدمة الإسلام وأن يجعلكم شرفاً لنا وفخراً، آمين يا ربّ العالمين…<(1).
صفاته وسجاياه
لقد شهد لسيّدنا الشهيد+ جمعٌ غفيرٌ ممّن عرفوه منذ صباه بالتواضع ووضوح الشخصيّة، علاوةً على اتّصافه بسرعة البديهة في الإجابة على الأسئلة الفقهيّة والعلميّة والفكريّة.
وبالاقتراب منه+ يتّضح سلوكه العرفاني الذي يحاول إخفاءه قدر الإمكان، وكثيراً ما كان يؤكّد في عباراته على لزوم اليقظة، والحذر من الوقوع في الانحراف وعدم الاستقامة وعدم اتّباع خطّ أهل البيت^، مؤكّداً في ذلك على جانب الإخلاص مع الله في القول والفعل. لذا نجده لم يكن يرضى أن تقبّل يده، معلّلاً ذلك بقوله: أنت تدخل الجنّة وأنا أدخل النار؟! أي: تدخل الجنة؛ لأنَّك تفعل ذلك قربةً إلى الله، وأنا أدخل النار؛ لاحتمال حصول الكبر بتقبيل اليد.
وتراه يجيب عن بعض المسائل جواباً ناشئاً من أعلى مراتب التقوى
ــــــ[20]ـــــــ
(1) لم يثبّت فيها التاريخ، وأغلب الظنّ أنَّها قبل سنة 1390هـ . مخطوط.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
قائلاًً: بحسب القاعدة حلال، لكن إن كنت تحبّ الله وتحبّ أن تكون ورعاً، فلا تفعل ذلك.
ثُمَّ إنَّه يستشفّ أحياناً من بعض إجاباته لسائليه أسرار ما خفي من المعرفة الإلهيّة، حيث يحجب في كثير من الأحيان الإجابة قائلاً: هذا من الأسرار؛ رأفةً بالسائل أن لا يتحمّل الجواب، وهكذا كان الاقتراب منه+ يكشف عن بعض الآفاق المعنويّة والعرفانيّة التي كان عليها، وما خفي أعظم.
وقد امتاز+ بالأمانة العلميّة، كما اتّفق بعض الأحيان – وإن كان نادراً- تأخّره عن بحث أساتذته، ممّا يضطّره إلى أخذ ما فاته من البحث من زملائه، إلَّا أنَّه كان يشير إلى ذلك مع أنَّ ما أفاده منهم لا يتجاوز الصفحة الواحدة، بالإضافة إلى أنَّه كان يقرّر حسب فهمه الخاصّ لتلك الدروس والبحوث، إلَّا أنَّه كان يأبى إلَّا أن يذكر أصحاب تلك الأقوال التي يوردها، وهو قلّما نلحظه عند الآخرين، فراجع وتبصّر.
مرجعيته الصالحة وقيادة الأُمّة
لا نبالغ إذا قلنا: إنَّ سيّدنا الشهيد محمّد الصدر+ ومرجعيّته أسّست حصناً رفيعاً للإسلام، وقلعة شامخة للمسلمين، وملاذاً للأُمّة الإسلاميّة في العالم الإسلامي.
إنَّ المرجعيّة الدينيّة كانت على وشك الزوال والفناء في النجف الأشرف بسبب ظروف وأوضاع العراق الرهيبة، ووجود نظام جعل جُلّ همّه القضاء على شخصيّات المذهب الجعفري، ولم يبق منها إلَّا صُبابة لا تروي من ظمأٍ،
ــــــ[21]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ولم يكن هناك من حَلٍّ حقيقي لمعالجة هذا الوضع المعقّد إلَّا تصدّيه+؛ لأنَّه أفضل علاج ناجع لأخطر قضيّة عرفتْها المرجعيّة، برغم معرفته التامّة بما ستقدم عليه السلطة الحاكمة في بغداد من إجراءات؛ إثر الإصلاحات التي قام بها في المجتمع العراقي والحوزوي على وجه الخصوص، والتي كانت تخرج منه على شكل تصريحات بين الحين والآخر.
كما أنَّ تصدّيه سدّ الطريق على المتطفّلين الذين يتربّصون الدوائر ويتحيّنون الفرص لاستغلال المناصب الربّانيّة لمصالحهم الخاصّة، حتّى لو أدّى ذلك إلى الإضرار بالإسلام وقيمه السامية ورموزه المقدّسة.
ويجب أن نعرف أنَّ للمرجع الديني مقوّمات أساسية: منها: الأهليّة واللياقة والخبرة والقدرة على التفاعل مع الأُمّة بالمستوى الذي تترقّبه منه، فضلاً عن الاجتهاد الذي هو شرطٌ ضروري لعمليّة التصدّي. ولكن يجب أن نشير إلى أنَّ شرط الاجتهاد وحده ليس كافياً للتصدّي، بل يجب تَوفّر الشروط الأُخرى التي ذكرناها، ولعلّ عدم توفّرها يجعل تلك المرجعيّة وَبَالاً على الإسلام والمسلمين. ولا نقول ذلك اعتباطاً؛ فإنَّ تأريخ المرجعيّة شاهد صدقٍ على صحّة ذلك؛ إذ إنَّ الساحة قد شهدت وعلى امتداد التاريخ نماذج كان عدم تصدّيهم أنفع للإسلام وأصلح للمسلمين.
كما كان تصدّيه+ يمثّل امتداداً للخطّ المرجعي الصحيح الذي كان يجب أنْ يبقى وأنْ يستمّر؛ لأنَّه مدرسة خاصّة لا في العمق العلمي -الفقهي والأُصولي والمعرفي- فقط، بل وفي الفهم الصحيح للمقام المرجعي وما يتطلّبه ويقتضيه.
إنَّ المرجعيّة بذاتها ليست هدفاً، وإنَّما هي امتداد لخطّ ومدرسة أهل
ــــــ[22]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
البيت، وما يجب أن يرشح عن هذا الفهم من أدوارٍ ومسؤوليّاتٍ كبيرةٍ وأهدافٍ ساميةٍ.
ولا نتخطّى الحقيقة إذا ما قلنا: إنَّ مرجعيّة سيّدنا الصدر الثاني+ جاءت لتلبّي حاجات الأُمّة الدينيّة والعلميّة والثقافيّة؛ وذلك لأنَّه+ لم يكن فقيهاً محدود الأبعاد بما اعتاد العلماء دراسته والتعمّق فيه من علوم فقهيّة وأُصوليّة فقط، بل تميّز بالشمول والتنوّع في مختلف آفاق المعرفة التي تحتاجها الأُمّة، ولا سيّما تجاه الطبقة الرشيدة المثقّفة.
إنَّ تصانيفه+ المتنوّعة تكشف لنا عن مدى اطّلاعه الواسع وثقافته العميقة من جانبٍ، وعن وعيه الكبير لحاجات الأُمّة الفكريّة والروحيّة والأخلاقيّة من جانبٍ آخر.
ولعلّ هذه الميزة التي اتّسمت بها شخصيّته العلميّة والقياديّة إحدى المحفّزات التي جعلت الأُمّة تلتفّ حوله وتسير تحت رايته.
وسعى شهيدنا السعيد في ظلّ تصدّيه للمرجعيّة إلى الحفاظ على الحوزة العلميّة في النجف الأشرف، بعد أن تفكّكت وآذنت بخطرٍ كبيرٍ على حاضرها ومستقبلها، فرمّم ما قد تلف، وبنى ما دعت الحاجة إليه، مع أنَّه قد لا يدرك أهمّيّة عمله العظيم مَن لم يعاصر أو يعايش تلك الظروف والأوضاع القاسية، إلَّا أنَّ ما قام به+ وما بذله من جهود جبّارة لأجل حماية هذا الكيان الكبير وإمداده بالحياة والحيويّة كان مشهوداً وملحوظاً عند الجميع، فلولاه لَمَا كان للحوزة العلميّة في النجف الأشرف إلَّا وجودٌ هامشيٌ لا قيمة له.
ومن خطواته الكبيرة إرسال العلماء والفضلاء إلى أنحاء العراق كافّة لممارسة مهامّهم الثقافيّة والتبليغيّة، وتلبية حاجات الأُمّة المختلفة. وعلى هذا
ــــــ[23]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الأساس شهدت الساحة حركةً لا سابقة لها في هذا المجال، رغم الصعاب الكبيرة التي تواجه المراجع في أمثال هذه الأُمور، إلَّا أنَّه+ استطاع – وبفترة زمنية قياسيّة – ملء شواغر وفراغات هائلة لم يكن بالإمكان سدّها من دون تصدّيه للمرجعيّة.
كما نلحظ أنَّه+ حرص على انتقاء النماذج الصالحة من العلماء والمبلّغين الذين يمثّلون القدوة الطيّبة، ليمثّلوا المرجعيّة الدينيّة بما تعنيه من قيمٍ وآمالٍ، وتجنّب إرسال مَن لا يتمتّع باللياقة، وحرص كلّ الحرص على سلوك هذا المنهج رغم ما يسبّبه ذلك من مشاكل وإحراجاتٍ كبيرةٍ.
كما سعى إلى تربية طلاب الحوزة العلميّة في النجف الأشرف تربية إسلاميّة نقيّة، موفّراً لهم كلّ ما هو ممكن من الأسباب المادّيّة والمعنويّة التي تتيح لهم جوّاً دراسيّاً مناسباً يمكنهم به تخطّي المراحل الدراسيّة بصورة طبيعيّة.
فبالإضافة إلى تلبية احتياجاتهم المادّيّة المختلفة كانت رعايته المعنويّة واضحةً ومشهودةً في كلّ شيءٍ، ممّا يجعل طالب العلم يشعر بالاطمئنان الذي يحقّق له الراحة النفسيّة اللازمة لمواصلة طلب العلم والعمل به، ثمَّ هداية الناس إلى ما يُرضي الله عزّ وجلّ. كما كان تجاوبه حقيقيّاً مع الأُمّة في تطلّعاتها وحاجاتها وإدراك مشاكلها، ولا سيّما فيما يرتبط بالطبقة المستضعفة منها، فسعى لتقديم كلّ ما هو متاحٌ له من إمكانات مادّيّة، فكان يساعد الفقراء والمحتاجين ويرعاهم بما عُرف عنه من خُلقٍ إسلامي رفيعٍ، فجذب قلوبهم دون عناءٍ، وشدّ إليه عقولهم دون مشقّةٍ، وهكذا تفعل مكارم الأخلاق التي هي سلاح الأنبياء والصالحين.
ــــــ[24]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
آثاره وتصانيفه الثمينة
ترك السيّد الشهيد محمّد الصدر+ مؤلّفات كثيرة، امتازت كلّها بالإبداع والابتكار، ومنها:
أولاً: مؤلفاته
1- منّة المنان في الدفاع عن القرآن، في خمسة أجزاء.
2- بين يدي القرآن الكريم، وهو فهرست موضوعي للقرآن الكريم.
3- فوز الأنام في أدعية الليالي والأيّام.
4- ما وراء الفقه، خمسة عشر مجلداً.
5- بيان الفقه، وهو بحثٌ فقهيّ استدلالي في سبعة أجزاء.
6- حكم القضاء في مدارك فقه الفضاء.
7- مبحث ولاية الفقيه.
8- مدارك الآراء في اعبار حال الوجوب أو حال الأداء.
9- الفكرة الحيّة في حكم حلق اللحية.
10- الكلمة التامة في الولاية العامة.
11- الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام.
12- الإفحام لمدّعي الاختلاف في الأحكام.
13- تعليقة على (بعض كتب) شرائع الإسلام للمحقق الحلي أبو القاسم نجم الدين بن جعفر بن الحسن.
14- تعليقة على الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية (في أحكام القضاء والشهادات والحدود والقصاص والديات) للشيخ زين الدين الجبلي العاملي.
ــــــ[25]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
15- تعليقة على الرسالة العملية كتاب الحج من (العروة الوثقى) للسيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي قدس سره.
16- تعليقة على (مستحدثات المسائل) للسيد الخوئي قدس سره.
17- تعليقة على الرسالة العملية (مناسك الحج) للسيد الخوئي قدس سره في جزئين.
18- تعليقة على الرسالة العمليّة (منهاج الصالحين) للسيّد الخوئيّ قدس سره في جزئين.
19- تعليقة على تكملة منهاج الصالحين للسيد الخوئي قدس سره.
20- تعليقة على الرسالة العملية (وسيلة النجاة) للسيد أبي الحسن الأصفهاني قدس سره في جزئين.
21- تعليقة على رسالة السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره (الفتاوى الواضحة) في جزئين.
22- منهج الصالحين، وهو رسالة عملية موسّعة في خمسة مجلدات.
23- مسائل وردود في خمسة أجزاء (بمجلدين).
24- الصراط القويم، وهو رسالة عملية مختصرة.
25- الرسائل الاستفتائيّة.
26- فقه الطب.
27- فقه الفضاء، وهو رسالة عملية في مسائل وأحكام الفضاء المستحدثة.
28- فقه العشائر.
29- فقه الموضوعات الحديثة، وهو رسالة عملية في المسائل المستحدثة أيضاً.
30- مناسك الحجّ.
ــــــ[26]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
31- الزكاة بين السائل والمجيب.
32- الصوم بين السائل والمجيب.
33- الخمس بين السائل والمجيب.
34- الطهارة بين السائل والمجيب.
35- مسائل في الحجاب.
36- فقه المجتمع.
37- مختصر أحكام الصلاة.
38- مسائل في حرمة الغناء.
39- موارد جواز النظر.
40- فقه الدماء الثلاثة.
41- منهج الأصول، في سبعة أجزاء.
42- شرح كفاية الاصول للآخوند في أربعة أجزاء.
43- أصول علم الأصول.
44- موسوعة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وتحتوي على:
أ. تاريخ الغيبة الصغرى.
ب. تاريخ الغيبة الكبرى.
جـ . تاريخ ما بعد الظهور.
د. اليوم الموعود بين الفكر المادي والديني.
هـ. هل الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف طويل العمر.
45- الإمام المهدي المنتظر، مختصر موسوعة الإمام المهدي.
46- المهدي عليه السلام للسيد صدر الدين الصدر قدس سره/ تحقيق.
47- أضواء على ثورة الإمام الحسين عليه السلام.
ــــــ[27]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
48- شذرات من تاريخ فلسفة الإمام الحسين عليه السلام.
49- رفع الشبهات عن الأنبياء عليهم السلام.
50- تعليقات على كتاب (الشيعة والسنّة) لإحسان إلهي ظهير.
51- أشعة من عقائد الإسلام.
52- الإجازات عن الأئمة الهداة.
53- حب الذات وتأثيره على السلوك الإنساني.
54- الدر النضيد في شرح سبب صغر الجسم البعيد. بحث فيزيائي.
55- فقه الأخلاق في جزئين.
56- رسائل ومقالات طبع بثلاثة أجزاء، جزئين منها بعنوان إشراقات فكرية والثالث بعنوان إشراقات أدبية.
57- مجموعة أشعار الحياة، وهو ديوان شعر يمثّل مراحل حياة سيدّنا الشهيد قدس سره.
58- الكتاب الحبيب (مختصر مغني اللبيب).
59- خطب الجمعة لشهيد صلاة الجمعة.
60- مواعظ ولقاءات في جزئين.
61- نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان.
62- الأسرة في الإسلام.
63- فلسفة الحج ومصالحه في الإسلام.
64- حديث حول الكذب.
65- بحث حول الرجعة.
66- كلمة في البداء.
67- الرد على الشبهات من السنّة والآيات.
ــــــ[28]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ثانياً: تقريراته
1- كتاب الطهارة للسيد محمد باقر الصدر قدس سره في عشرة أجزاء.
2- محاضرات في علم أصول الفقه للسيد محمد باقر الصدر قدس سره في ستة وعشرين جزءاً.
3- تقريرات في علم أصول الفقه للسيد الخوئي قدس سره في اثنا عشر جزءاً.
4- كتاب البيع للسيد الخميني قدس سره في اثنا عشر جزءاً.
5- محاضرات أساتذته في كلية الفقه في تسعة مجلدات.
6- دروس في شرح كفاية الأصول، من أبحاث السيد محمد باقر الصدر قدس سره.
7- اللمعة في حكم صلاة الجمعة، وهو تقريرٌ لأبحاث السيد إسماعيل الصدر قدس سره.
ومن خلال هذه الآثار والتصانيف القيّمة تتّضح بعض اهتمامات السيّد الشهيد الصدر الثاني+ بالفقه المعاصر، وأنَّ كلّ مؤلَّف من هذه المؤلّفات شكّل قضيّة من القضايا وحاجة من الحاجات الملحّة للكتابة فيها.
جريمة الاغتيال
كان من عادة السيّد+ أنْ يجلس في مكتبه (البرانيّ) بعد صلاتي المغرب والعشاء في يومي الخميس والجمعة، ليخرج بعدها سماحته إلى بيته. وفي تلك الليلة خرج السيّد على عادته ومعه ولداه – السيّد مصطفى والسيّد مؤمّل قدّس سرهما- بلا حمايةٍ ولا حاشيةٍ، وفيما كانوا يقطعون الطريق إلى
ــــــ[29]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
بداية منطقة (الحنّانة) في إحدى ضواحي النجف القريبة، وعند الساحة المعروفة بـ(ساحة ثورة العشرين)، جاءت سيّارة أميركيّة الصنع، ونزل منها مجموعة من عناصر السلطة الظالمة وبأيديهم أسلحة رشّاشة، وفتحوا النار على سيّارة السيّد، فاستشهدوا جميعاً.
وبعد استشهادهم حضر جمع من مسؤولي السلطة إلى المستشفى، وذهب آخرون إلى بيته، ولم يسمحوا بتجمهر المعزّين أو الراغبين بتشييع جنازته، ولذا قام بمهمّة تغسيله وتكفينه مع نجلَيه مجموعةٌ من طلاّبه ومريديه، ثُمَّ شيّعوه ليلاً، حيث تمّ دفنه في المقبرة الجديدة الواقعة في وادي السلام.
* * * *
ــــــ[30]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

منهجنا في التحقيق
اقتصر عملنا في تحقيق هذا الكتاب على ما يلي:
أوّلاً: المقابلة مع النسخة الخطّيّة بيد السيّد الشهيد +.
ثانياً: تقويم النصّ ومراجعته وتصحيحه طبقاً للمعايير المعهودة في التحقيق والتدقيق.
ثالثاً: تقطيع المتن وتنظيم فقراته بحسب اقتضاء الحال.
رابعاً: تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة من المجاميع الروائيّة المعتبرة، وضبطها وتمييزها عن غيرها.
خامساً: إرجاع الآراء الواردة في الكتاب إلى أصحابها ومصادرها الأصليّة.
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لكلِّ ما فيه خير وصلاح، إنَّه سميع مجيب.
كما نستغفره تعالى شانه من كلِّ زللٍ وخطأ، سائلين العلماء والباحثين الكرام أن يتجاوزوا عن كلِّ عيب ونقصٍ لُوحظ في إخراج هذا الكتاب؛ فإنَّ الكمال لله وحده.

والحمد لله أوّلاً وآخراً
الإشراف العام
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
ــــــ[31]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

ــــــ[32]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

ــــــ[33]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

ــــــ[34]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

ــــــ[35]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

ــــــ[36]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

ــــــ[37]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

ــــــ[38]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

الوافية في حكم
صلاة الخوف في الإسلام

ــــــ[39]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

ــــــ[40]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّد الخلق أجمعين وعلى آله الطيّبين الطاهرين
ــــــ[41]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

ــــــ[42]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

يقع الكلام في صلاة الخوف
في مقامات ثلاثة وخاتمة

 المقام الأوّل: في سببيّة الخوف لقصر الصلاة
 المقام الثاني: في صلاة الخوف مع الأمن في الجملة
 المقام الثالث: في صلاة شدّة الخوف
 خاتمة: في إلحاق أسباب أُخرى بالخوف
ــــــ[43]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

ــــــ[44]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

المقام الأول
سببيّة الخوف لقصر الصلاة

• الوجه الأوّل: التمسّك بقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ ….} وظهورات الآية
• الوجه الثاني: التمسّك بقوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ … وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} وظهورات الآية
• الوجه الثالث: التمسّك بصحيحة زرارة لسببيّة الخوف
• التعارض مع أدلّة أُخرى

ــــــ[45]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

ــــــ[46]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

المقام الأوّل: في سببيّة الخوف لقصر الصلاة كسببيّة السفر له، وهذا ثابت في الجملة ومتسالم عليه، وإن اختلفوا في التفاصيل.
والخلاف ثابت في صورة انفكاك عنوان السفر عن الخوف، وإلَّا فإنَّه لو كان عنوان السفر متحقّقاً، كان موجباً للقصر لا محالة مع الأمن فضلاً عن الخوف، وإنَّما اختلفوا فيما إذا تحقّقت الصلاة مع الخوف حضراً، فهل تقصر مطلقاً أم في بعض الموارد، على أقوال:
• القول الأوّل: أنَّ صلاة الخوف مقصورةٌ جماعةً وفرادى على النحو الذي تقصر في السفر، كما عن السيّد(1) والشيخ في الخلاف(2) وابن الجنيد(3) وابن أبي عقيل(4) وابن البراج(5) وغيرهم، بل ربّما نسب هذا القول إلى الأكثر بل المشهور(5).
ــــــ[47]ـــــــ
( ) أُنظر: الانتصار: 164، كتاب الصلاة، لو أتمَّ المسافر صلاته، مسألة: 62، والناصريّات.
(2) أُنظر: الخلاف 1: 637، كتاب الصلاة، صلاة الخوف، مسألة: 409.
(3) حكاه العلّامة في مختلف الشيعة 3: 36، الباب الرابع في التوابع، الفصل الثالث في صلاة الخوف، مسألة صلاة الخوف من حيث القصر والاتمام.
(4) حكاه العلّامة في مختلف الشيعة 3: 35، الباب الرابع في التوابع، الفصل الثالث في صلاة الخوف، مسألة صلاة الخوف من حيث القصر والاتمام.
(5) أُنظر: المهذّب 1: 87، كتاب الصلاة، باب الصلاة، باب صلاة الخوف والمطاردة والمسابقة.
(6) أُنظر: روض الجنان 2: 1012، كتاب الصلاة، النظر الثالث، المقصد الثالث في صلاة الخوف، مدارك الأحكام 4: 410، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع في صلاة الخوف: (فذهب الأكثر ومنهم الشيخ في الخلاف والمرتضى و… إلى وجوب التقصير حضراً وسفراً، جماعة وفرادى)، وفي الجواهر 14: 157: (وكيف كان فصلاة الخوف مقصورة في الكمّ سفراً جماعة وفرادى قولاً واحداً وكتاباً وسنّةً، وفي الحضر إذا صلّيت جماعة بلا خلاف … فإن صلّيت فرادى قيل تقصر، وقيل لا، والأوّل أشبه وأشهر، بل هو المشهور بين الأصحاب نقلاً وتحصيلاً).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• القول الثاني: أنَّ صلاة الخوف مقصورةٌ جماعةً لا فرادى، كما عن الشيخ في المبسوط(1) وابن إدريس في السرائر(2)، وعن الشهيد أنَّه نسبه إلى ظاهر جماعة من الأصحاب(3)، والمراد بالجماعة إيقاع الصلاة بالنحو الذي يأتي في المقام الثاني، كصلاة ذات الرقاع، وليس المراد به مطلق الجماعة، على ما سيأتي.
• القول الثالث: أنَّ صلاة الخوف لا تقصر إلّاَ في السفر، كما نقل عن بعض الأصحاب(4)، وهو قول شاذٌّ نادر، وقائله غير معروف، وإن حكاه الحلّي(5) والشهيد(6)، كما في الرياض(7).
ــــــ[48]ـــــــ
(1) راجع المبسوط 1: 165، كتاب الصلاة، صلاة الخوف.
(2) أُنظر: السرائر 1: 348، كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف.
(3) أُنظر: ذكرى الشيعة 4: 343، كتاب الصلاة، الفصل الثاني في صلاة الخوف، المسألة الأُولى.
(4) أُنظر: المبسوط 1: 163، كتاب الصلاة، صلاة الخوف.
(5) راجع مختلف الشيعة 3: 36، كتاب الصلاة، الفصل الثالث في صلاة الخوف، كيفية أداء صلاة الخوف.
(6) راجع ذكرى الشيعة 4: 343، كتاب الصلاة، الفصل الثاني في صلاة الخوف، المسألة الأُولى.
(7) راجع رياض المسائل 4: 395، كتاب الصلاة، صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• القول الرابع: أنَّ المراد بالقصر: أنَّ الركعتين ينقص منهما واحدة، وهو المحكي عن الإسكافي(1) وعن ابن الجنيد أيضاً(2).
ومن الواضح أنَّ هذا القول ليس قسيماً للأقوال السابقة، وإنَّما هو ناظر إلى جهة أُخرى غيرها، على ما يأتي.
وجوه سببية الخوف للقصر
وما قيل أو يمكن أن يُقال فيما يصلح دليلاً لسببيّة الخوف بعنوانه للقصر: عدّة وجوه:
الوجه الأوّل [لسببيّة الخوف بعنوانه لقصر الصلاة]
التمسّك بقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا}(3)(4).
وإنَّما يتمّ الاستدلال بهذه الآية الكريمة، بعد تتميم بعض ظهوراتها، فلابدَّ من استعراضها والبحث فيها:
◘ الظهور الأوّل: ظهور قوله تعالى: {ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} في السفر الموجب للقصر شرعاً. أمّا دلالته على السفر فهو واضحٌ لغةً ولم يستشكل فيه أحد.
ــــــ[49]ـــــــ
(1) حكاه في الرياض 4: 395، كتاب الصلاة، صلاة الخوف.
(2) نقله عنه في مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق: 712، كتاب الصلاة، في صلاة الخوف والمطاردة…
(3) سورة النساء، الآية: 101.
(4) ممّن استدلّ بالآية صاحب روض الجنان 2: 1012، كتاب الصلاة، النظر الثالث، المقصد الثالث: في صلاة الخوف، ومدارك الأحكام 4: 411، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
قال في المجمع: ضربتم في الأرض أي: سرتم فيها(1).
وقال في المفردات: والضرب في الأرض: الذهاب فيها؛ هو ضربها بالأرجل(2)، فهو من الدلالة الحقيقيّة أو المجازيّة بلا إشكال.
وأمّا دلالته على كون السفر هو الموجب للتقصير فبعدّة تقريبات:
• التقريب الأوّل: تفسيره في ظاهر الحديث الصحيح بذلك. والخبر المعتبر كما يكون دليلاً على تقييد الكتاب يكون دليلاً على تفسيره أيضاً كما ثبت في محلّه(3). فعن الصدوق – في الصحيح- عن زرارة ومحمّد بن مسلم أنَّهما قالا: قلنا لأبي جعفر×: ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي وكم هي، فقال: >إن الله عزَّ وجلَّ يقول: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ}، فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر< الخبر(4).
والمراد من التقصير في السفر في الرواية، هو جعل الصلاة الرباعيّة ركعتين في السفر الموجب له شرعاً، بلا إشكال؛ بقرينة مقابلته بالتمام وبالحضر.
ــــــ[50]ـــــــ
(1) مجمع البحرين 3: 10، باب (ض).
(2) مفردات غريب القرآن: 295، كتاب الضاد وما يتّصل بها.
(3) أُنظر: أجود التقريرات 1: 504، المقصد الرابع في العموم والخصوص، فصل جواز تخصيص العامّ الوارد في الكتاب بالخبر الواحد، والأُصول العامّة للفقه المقارن: 229، السنّة وعلاقتها بالكتاب، والبيان في تفسير القرآن (للسيد الخوئي): 397، أُصول التفسير، مدارك التفاسير.
(4) مَن لا يحضره الفقيه 1: 434، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، الحديث: 1265، وسائل الشيعة 8: 517، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب22، باب أنَّ القصر في السفر فرض واجب…، الحديث: 2.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إذن فسياق استشهاد الإمام بالآية الكريمة يعقد لها ظهوراً: بأنَّ المراد بها هو ذلك، سواء في معنى السفر الذي نتكلّم عنه أو معنى التقصير الذي نشير إليه؛ إذ لو كان المراد منهما أُموراً أُخرى لما صحّ الاستشهاد بها، كما هو واضح. وهذا التقريب تامٌّ وصحيح، فالظهور في محلّه.
• التقريب الثاني: التمسّك بالأدلّة الدالّة على مقدار السفر الشرعي، فإنَّها مقيّدة للتقصير في مقدار معيّن، فتكون إمّا مفسّرة لهذه الآية الكريمة أو مقيّدة لها.
إلّاَ أنَّ هذا التقريب إنَّما يتمّ على فرض كون المراد من التقصير في الآية ما هو المراد في تلك الروايات من جعل الرباعيّة ركعتين، وإلّاَ لو كان المراد به أمراً آخر – على ما سنبحث- فإنَّ الآية تكون مختلفة موضوعاً ومحمولاً عن تلك الروايات، فلا تصلح للقرينيّة عليها، وإنَّما تصلح على ما في التقريب مع اتّحادهما في المحمول.
• التقريب الثالث: التمسّك بارتكاز المتشرّعة المقتضي لفهم معانٍ معيّنة من الألفاظ إذا وقعت في استعمال الشارع أو الفقهاء. ولا إشكال في حجيّة هذا الفهم على تقدير إحراز ابتناء النصّ عليه، وممّا لا إشكال فيه أيضاً أنَّ المتشرّعة يفهمون من السفر والتقصير إذا اقترنا في لسان الشارع سفراً خاصّاً وتقصيراً معيّناً معروفاً في الشرع.
إلّاَ أنَّ هذا لا يتمّ؛ لعدم ابتناء الآية على هذا الارتكاز، باعتبار نزولها قبل انعقاده، ولا أقلّ من الشكّ في ذلك، فالمدار في إثبات هذا الظهور هو التقريب الأوّل.
◘ الظهور الثاني: ظهور قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} في
ــــــ[51]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الوجوب(1) دون الجواز، أو بتعبير آخر: بالعزيمة دون الرخصة، على ما هو المدّعى أساساً في سببيّة الخوف للتقصير.
وهذا الظهور وإن لم يكن ثابتاً لفظاً؛ لأنَّ غاية ما يستلزمه نفي الجناح هو الرخصة والجواز كما هو واضح، إلّاَ أنَّه ثابت بالتفسير في الدليل المعتبر، وهو نفس صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم المشار إليها، فإنَّ فيها بعد الذي رويناه: [قالا] قلنا: إنَّما قال الله عزَّ وجلَّ: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} ولم يقل: افعلوا، فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟ فقال×: >أوليس قد قال الله عزّ وجلّ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}(2). ألا ترون أنَّ الطواف بهما واجب مفروض؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ ذكره في كتابه وصنعه نبيّه’، وكذلك التقصير [في السفر] شيء صنعه النبي’ وذكره الله تعالى في كتابه<(3)، الخبر. وهو واضح في التفسير بالوجوب.
لا يُقال: إنَّ الإمام× حوّل الأمر إلى اعتقاد الراوي، حيث قال: ألا ترون أنَّ الطواف بهما واجب، وكأنَّه غضّ النظر عن واقع المراد في نفسه.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا غير تامٍّ.
ــــــ[52]ـــــــ
(1) أُنظر: كنز العرفان في فقه القرآن 1: 184، كتاب الصلاة، النوع الثامن، الآية السادسة، الفائدة الأُولى: قصر الصلاة جائز إجماعاً.
(2) سورة البقرة، الآية: 158.
(3) مَن لا يحضره الفقيه 1: 434، كتاب الصلاة، صلاة المسافر، الحديث: 1265، وسائل الشيعة 8: 517، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب 22، باب أنَّ القصر في السفر فرض واجب…، الحديث: 2.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أمّا أوّلاً: فلاستظهار أخذ الرؤية والعلم في المقام طريقاً لا موضوعاً، وخاصّة بالنسبة إلى فقيهين من فقهاء أهل البيت^، كزرارة ومحمّد بن مسلم، فالمدار هو كون المراد هو الوجوب في نفسه.
وأمّا ثانياً: فلأنَّ الإمام× ضمَّ إلى علم الراوي بذلك، التسالم الشرعي على الوجوب في الطواف؛ باعتبار أنَّ الله تعالى ذكره في كتابه، وصنعه نبيّه’، ثمَّ قاس التقصير على ذلك باعتبار وجود كلا هذين الأمرين فيه.
ولعلّه يستفاد من سياق هذا الكلام كبرويّة هذين الأمرين، وأنَّ كلَّ ما ذكره الله تعالى في كتابه وصنعه النبي’ فهو واجب، وقد ذكر لهما مصداقين هما الطواف والتقصير.
وأمّا ثالثاً: فلأنَّنا نغضّ النظر عن هذا المقطع من الرواية بأجمعه، وننظر إلى المقطع الذي نقلناه في الظهور الأوّل، وهو كالنصِّ في تفسير نفي الجناح بالوجوب.
◘ الظهور الثالث: ظهور قوله تعالى: {أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ} في التقصير المراد شرعاً، كالتقصير في السفر، أي: التقصير كمّاً، وليس المراد التقصير كيفاً بإلغاء بعض الواجبات مثلاً. ولا شكَّ أنَّ هذا الظهور ثابتٌ بتفسير الصحيحة السابقة له في أكثر من موضع رويناها جميعاً، ولا شكَّ أنَّ المراد بالتقصير في الصحيحة هو التقصير كمّاً على ما يعبّرون.
كما أنَّ التقريب الثالث للظهور الأوّل، وهو التمسّك بارتكاز المتشرّعة لو تمّ، فإنَّه يتمّم هذا الظهور بلا إشكال.
وإنَّما الكلام في وجود المانع عن هذا الظهور، بحيث ربّما يتنقّح له ظهور آخر بواسطة تفسيره في صحيحة حريز عن أبي عبد الله×: في قول الله عزَّ
ــــــ[53]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وجلَّ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا}. قال: >في الركعتين ينقص منهما واحدة<(1). وقد قلنا: إنَّ تفسير القرآن بالحديث المعتبر معتبرٌ. وقوله: >في الركعتين< يريد به: نزلت الآية في الركعتين، الخ، أي: إنَّ المراد بها هو ذلك.
إلّاَ أنَّ هذا لا يتمّ من جهات:
الأُولى: لكون الرواية موهونة بإعراض المشهور – الذي هو كالإجماع- عنها، فإنَّه ليس مَن يفتي على طبقها إلّاَ الشاذّ النادر(2). وإعراض المشهور موهن للرواية عند مَن يؤمن بهذه الكبرى.(3)
الثانية: أنَّها معارضة بما سمعت من صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم، فإذا انتهى الأمر إلى التساقط رجعنا إلى مدلول الآية نفسها، وهو التقصير بالنحو المتعارف. فتأمّل.
ــــــ[54]ـــــــ
( ) تهذيب الأحكام 3: 300، كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف، الحديث: 5، وسائل الشيعة 8: 433، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب1، باب وجوب القصر فيها سفراً وحضراً، الحديث3، وفيه عن حريز عن زرارة.
(2) حكي ذلك عن ابن الجنيد. أُنظر: مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 712، كتاب الصلاة، في صلاة الخوف والمطاردة…
(3) مثل الشهيد الصدر الأوّل+ في بحوث في علم الأُصول 4: 424، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، مباحث الظن: حجّيّة الأخبار، تحديد دائرة الحجيّة، والميرزا النائيني في أجود التقريرات 2: 161، المقصد السادس في الأمارات، الأمر الثالث، اشتهار الفتوى بخلاف ما هو حجّة في نفسه، والعراقي في نهاية الأفكار 3: 184، القسم الأوّل، في مبحث القطع والظن، الأمر السادس من التنهبيات في جابريّة مطلق الظنّ، وموهنيّته للرواية.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الثالثة: احتمال أنَّ المراد من صحيحة حريز أنَّ الإمام يصلّي مع كلِّ طائفة ركعة، فكأنَّ صلواتهما ردّت إليهما، كما عن ابن بابويه. وهو بلا شكٍّ خلاف الظاهر؛ لأنَّه يحتاج إلى قرينة مفقودة(1).
◘ الظهور الرابع -وهو المهمّ في مقام الاستدلال على ما هو المراد- وهو: ظهور قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ} بالاستقلال في الشرطيّة لوجوب التقصير.
توضيح ذلك: أنَّ الآية اشتملت على شرطين وجزاء واحد. فالشرطان هما الضرب في الأرض من ناحية والخوف من ناحية أُخرى، والجزاء هو وجوب التقصير. ولا شكَّ أنَّ الظاهر هو رجوع الجزاء إلى كلا الشرطين، إلّاَ أنَّ الأمر يدور في الشرطين بين أن يكون الشرط في الواقع هو مجموعهما، أو كلّ واحد مستقلاً، أو أحدهما بالخصوص دون الآخر، والذي يفيد المستدلّ لكون الخوف سبباً في التقصير هو أحد أمرين: إمّا أن يكون الشرط كلّ واحد منهما مستقلاً، أو هو الخوف دون السفر، ويضرّ بالاستدلال لا محالة أن يكون الشرط هو السفر دون الخوف أو أن يكون مجموع الأمرين بحيث يكون ارتفاع أحدهما موجباً لارتفاع الجزاء.
ولا شكَّ أنَّ المنساق الابتدائي من الآية هو أن يكون الشرط هو المجموع، كما هو الظاهر من كلِّ شرطين اقترنا في جملة واحدة، ولم يكن هناك دليل على الخلاف، فكأنَّه قال: إذا سافرت وخفت فقصّر.
وهذا بمنطوقه وإن لم يكن معارضاً لشيء من الأدلّة، لكونه متعرّضاً
ــــــ[55]ـــــــ
( ) أُنظر: مناقشات أُخرى ص85. [في المورد الخامس: معارضة الحديث الشريف بصحيحة حريز عن أبي عبد الله× في قول الله عزّ وجلّ: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ}] (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
لمورد الاجتماع؛ دليل وجوب التقصير في السفر ودليل وجوب التقصير عند الخوف الآتي وهو صحيحة زرارة، وهما متصادقان على وجوب التقصير في فرض منطوق الآية لا محالة.
ولكن مفهومها يكون معارضاً لكلا الدليلين بإطلاقه، فإنَّه دالّ من ناحية على عدم وجوب التقصير في السفر المجرّد عن الخوف وهو معارض لأدلّة السفر، ودالّ من ناحية أُخرى على عدم وجوبه في الخوف المجرّد عن السفر، وهو معارض لأدلّة الخوف.
بل يزداد الطين بلّة لو علمنا أنَّ أدلّة السفر والخوف ليست إلّاَ أخبار الآحاد، وعند معارضتها مع الإطلاق الكتابي يقدّم عليها لا محالة، فينتج الالتزام بمفهوم الآية دون تلك الأدلّة. ويرتفع ما تسالموا عليه من وجوب التقصير عند السفر المجرّد عن الخوف.
ولو كان بإمكاننا أن نقبل ما قالوه وتسالموا عليه من أنَّ الالتزام بكون المجموع شرطاً أمر مخالف للإجماع ولم يقل به أحد، وبهذا دفعوا هذا الاحتمال. فلو أمكن الاعتراف بكون هذا الأمر محذوراً لسهل الأمر، إلّاَ أنَّنا لا نرى أنَّ الإجماع ممّا يوهن دلالة الخبر الواحد، فضلاً عن دلالة القرآن. وكون الإجماع قائماً على خلافه لا يعني عدم انعقاد الظهور وجداناً، غايته عدم إمكان الفتوى على طبقه؛ لوقوعه طرفاً للمعارضة أو لغير ذلك من الأسباب.
فلابدَّ لنا أن نبحث عن القرائن اللفظيّة المقتضية لرفع اليد عن هذا الظهور، وما يتصوّر في هذا المقام عدّة أُمور:
ــــــ[56]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الأمر الأوّل: ما قالوه(1): من أنَّه ليس المراد بالسفر في الآية على الظاهر سفر القصر، وإلّاَ لم يكن في التقييد بالخوف فائدة، فكأنَّ المراد حمل السفر على الأعمّ من السفر الموجب للقصر، ليكون الخوف موجباً له في مورد الانفكاك، وإنَّما يصحّ هذا الحمل صوناً لكلام المولى عن اللغويّة، فإنَّه لو كان المراد بالسفر ما هو الموجب للقصر لكان موجباً له مع وجود الخوف وعدمه، فيكون ذكره مستأنفاً لاغياً.
إلّاَ أنَّ هذا الأمر إنَّما يتمّ كما هو واضح، مع انحصار تصحيح السياق بهذا الحمل الذي ذكروه، وأمّا مع عدم الانحصار فلا يتمّ لا محالة، فلو حملنا السفر على موجب القصر، وحملنا الشرطين على الاستقلال لما لزم المحذور، وكذلك لو حملنا السفر على موجب القصر واعتبرناه الشرط الوحيد في الآية كما نذكر في التقريب الثالث، لما لزم المحذور أيضاً.
• الأمر الثاني: ما قالوه(2): إنَّ الشرطين – أعني: السفر والخوف- إن كانا على سبيل الجمع في جواز التقصير وجب الإتمام لو فقد أحدهما، والتالي باطل بالإجماع فيبطل المقدّم. وإذا لم يكونا شرطين على سبيل الجمع، وجب أن يكونا شرطين على البدل، فأيّهما حصل وجب القصر.
وواضح أنَّ قبول هذا الدليل يتوقّف على الاعتراف بالكبرى
ــــــ[57]ـــــــ
(1) أُنظر: فقه القرآن (للراوندي) 1: 146، سورة النساء، وكنز العرفان 1: 184، سورة النساء.
(2) راجع ذلك في كنز الفوائد 1: 153، كتاب الصلاة، المقصد الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، وإيضاح الفوائد 1: 156، كتاب الصلاة، المقصد الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، وكنز العرفان 1: 184.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والصغرى، وكلاهما ممنوع. أمّا الكبرى فلما أشرنا إليه من أنَّ الإجماع لا يوهن دلالة الخبر فضلاً عن دلالة الكتاب، ولا يرجّح إحدى الدلالتين على الأُخرى. والقطع بكونه مخالفاً للواقع لا يقتضي سقوط الإطلاق في مرحلة المراد الاستعمالي، كما هو واضح. وأمّا سقوط المدلول الجدّي، فهو متوقّف على إمكان قرينيّة الدليل اللبّي على الدليل اللفظي، وهو لا يخلو من منع.
وأمّا الصغرى فلأنَّ منع الجمع لا يستلزم كونهما شرطين على البدل، وهو المراد من الاستقلال بالشرطيّة لكلٍّ منهما. بل يكفي في رفع هذا المحذور أحد أُمور هذا أحدها. والآخر: كون السفر وحده شرطاً مع إلغاء الخوف، وثالثها هو العكس، كما سنذكر في التقريبات التالية.
• الأمر الثالث – لرفع اليد عن ظهور الآية بشرطيّة المجموع-: هو إقامة القرينة على إلغاء شرطيّة الخوف، وكون المدار هو السفر بخصوصه.
وذلك بأن يُقال: أنَّ الشرطيّة الثانية – التي أُخذ فيها الخوف- جارية مجرى الأعمّ الأغلب في أسفارهم، فإنَّهم كانوا يخافون الأعداء في عامّتها، بل قد يدّعى كون الخوف لازماً عاديّاً في تلك الأزمنة. وإذا جرى القيد مجرى الغالب، لم يكن له ظهور في القيديّة يجري في ذلك مجرى {وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ}(1) في كونه غير ظاهر عرفاً في القيديّة.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ، فإنَّ كون الخوف غالباً في أسفار تلك الأزمنة وإن كان تامّاً، إلَّا أنَّ الغلبة لا تستدعي سقوط ظهور الشرطيّة بسببيّة الخوف للتقصير، ولا يُقاس ذاك على الوصف المأخوذ في الآية المقيس عليها، فإنَّ الوصف إذا ورد مورد الغالب ارتفع ظهوره بالقيديّة عرفاً، إلَّا أنَّ الشرطيّة
ــــــ[58]ـــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 23.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
حيث إنَّها أقوى ظهوراً من الوصف وآكد، لم يمكن أن تخلّ الغلبة بظهورها بالتوقّف والاشتراط.
مضافاً إلى ما ستعرف من أنَّ السياق القرآني كلّه قائم على الكلام عن الخوف وما يترتّب عليه من الأحكام شرعاً، ومعه لا يمكن غضّ النظر عن سببيّته وشرطيّته، وغاية ما يكون لهذه الغلبة من أثر هو كونها سبباً وحكمة للتشريع، بمعنى: أنَّ الله تعالى حيث علم غلبة الخوف في السفر، جعل حكم التقصير فيه تسهيلاً على العباد. إذن فهي حكمة وليست علّة ولا قيداً.
• الأمر الرابع – لرفع اليد عن ظهور الآية بشرطيّة المجموع-: هو أن يُقال: أنَّ الآية وإن احتوت على شرطين لجزاء واحد، إلَّا أنَّ أحدهما وهو السفر متقدّم في اللفظ على الآخر، وإذ يدور الأمر بينهما بعد العلم بعدم شرطيّة المجموع لقيام الإجماع على خلافه، يتقدّم الشرط الأوّل لا محالة.
وهذا إن أُريد به ما هو ظاهره من إلغاء شرطيّة الخوف فهو غير تامٍّ؛ لوجوه:
أحدها: إنكار تأثير ضمّ مسألة الإجماع في النتيجة، كما سبق غير مرّة.
وثانيها: أنَّه لا يتعيّن إلغاء شرطيّة الخوف، بل يمكن أن يكون سبباً مستقلاً، ويكون ذلك كافياً في التفصّي عن مخالفة الإجماع.
وبتعبير آخر: إنَّ الأمر ليس دائراً بينهما، كما تُخيّل، وإنَّما هناك احتمال آخر، وهو استقلال الخوف بالشرطيّة، فيتعيّن ذلك بعد ظهور الآية في الشرطيّة في الجملة، وعدم صلاحيّة الإجماع لرفع اليد عنه من هذه الناحية.
وثالثها: أنَّ كون الشرط متقدّماً لا يعطيه الظهور في التعيّن عند دوران الأمر بينهما، بعد إشراكهما في الشرطيّة، والعلم بكذب أحدهما على الفرض.
ــــــ[59]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وإن أُريد بهذا التقريب التوصّل إلى دعوى: أنَّ الخوف شرط في شرط، في مقابل أن يكونا شرطين عرضيّين، بأن يُقال: بأنَّ القدر المتيقّن من الإجماع هو بطلان عرضيّتهما، وأمّا كون الخوف من قبيل الشرط في الشرط، فلا إجماع على خلافه؛ وذلك لظهور الآية في ذلك، فإنَّها دالّة على أنَّ المسافر إذا خاف وجب عليه التقصير، فأصبح الشرطان طوليّين أُخذ السفر أوّلاً، وأُخذ في ضمنه الخوف شرطاً.
إلَّا أنَّ هذا الكلام ممّا لا محصّل له، وإن صدر نحوه من بعض الأصحاب(1)، فإنَّ كونهما شرطين طوليّين لا يغيّر من النتيجة شيئاً، وهي عدم وجوب القصر عند انتفاء أحدهما كما هو واضح، وهو داخل فيما هو مخالف للإجماع لا محالة.
● الأمر الخامس: وهو تعميق للأمر الرابع بلحاظ اعتماده على بعض مقدّماته، وإن كان يختلف عنه في النتيجة.
وهو أن يُقال: إنَّ أمر الشرطين حيث يدور بين أُمور أربعة، فنحن نملك أدلّة لدفع ثلاثة وجوه منها فيتعيّن الرابع:
الوجه الأوّل: احتمال شرطيّة المجموع، وهو مدفوع بقيام الإجماع على خلافه.
الوجه الثاني والثالث: احتمال شرطيّة أحدهما بخصوصه إمّا السفر وإمّا الخوف، ويدفعه ظهور الآية باشتراط الأمر الآخر فيتعيّن.
الوجه الرابع: وهو استقلال كلّ منهما بالشرطيّة.
ــــــ[60]ـــــــ
(1) راجع ما ورد في مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 712، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، حيث نقل ممّا ورد فيه.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وهذا التقريب تامّ مع الاعتراف بكبرى مسألة الإجماع التي أشرنا إلى فسادها.
• الأمر السادس: التمسّك بظهور السياق القرآني لإثبات استقلال شرطيّة الخوف؛ وذلك لأنَّ ذكر الخوف في هذه الآية الكريمة وإن وقع شرطاً متأخّراً في اللفظ، إلَّا أنَّه أصبح توطئة لسياقٍ قرآنيٍّ كبير، حيث وردت بعد هذه الآية مباشرة الآية التي نشير إليها، وهي المشرّعة لصلاة الخوف ويبقى السياق القرآني منصبّاً على الحرب والخوف إلى عدّة آيات، طبقاً لهذه المقدّمة {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا}(1).
وهذا يشعر بانقطاع هذه المقدّمة عمّا قبلها، واستئنافها كلاماً جديداً، ويترتّب عليه استقلال عنوان الخوف في الشرطيّة للقصر، وخاصّة بعد أن كان تشريع صلاة الخوف المأمور بها في هذا السياق مقصوراً بحسب ظاهر الآية على ما نشير إليه.
فإن قيل: إنَّ استقلال عنوان الخوف في الشرطيّة فرع انقطاع هذا الشرط عمّا قبله، وهو خلاف الظاهر، فإنَّك زعمت ظهور الآية بشرطيّة المجموع، فلا أقلّ من المعارضة بين الظهورين وإجمال الآية.
فإنَّه يُقال: إنَّ ظهور الآية بشرطيّة المجموع إنَّما يتمّ لو لاحظنا الآية منفردة ومنسلخة عن السياق القرآني، وأمّا بعد ضمّها إليه فيتكوّن لها ظهور آخر، يكون حاكماً على ذلك الظهور، باعتبار تقدّمه عليه موضوعاً. فتأمّل.
مضافاً إلى وجود بعض القرائن الدالّة على ذلك، وهي:
ــــــ[61]ـــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 101.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
القرينة الأُولى: ضمّ السياق القرآني لشرطيّة السفر إلى السياق القرآني لشرطيّة الخوف، فإنَّ الآية السابقة على التي نتكلّم عنها، تتحدّث عن السفر في قوله تعالى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً …} الآية(1)، وقد وقع الأمر بالتقصير في السفر في آخر هذا السياق كنتيجة له، ثمَّ تحوّل الكلام إلى سياق آخر هو سياق الخوف، وكان الأمر بالتقصير في حالة الخوف توطئة له كما قلنا.
إذن فكلّ شرطيّةٍ تابعةٌ لسياقٍ مستقلٍّ في القرآن؛ فيدلّ ذلك على استقلالها في الشرطيّة.
القرينة الثانية: ضمّ صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم السابقة الدالّة على استقلال السفر بالشرطيّة، حيث قال تعليقاً على الآية الكريمة: >فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر<. فإنَّ الاستشهاد بالآية – مع كون السفر جزء الموضوع- ممّا لا يمكن، كما هو واضح. وقد قلنا بأنَّ الخبر المعتبر حجّة في تفسير القرآن، كما ثبت في محلّه(2).
وبعد استقلال السفر بالشرطيّة يتعيّن استقلال الخوف بالشرطيّة أيضاً، إذ لا بديل يتصوّر لذلك إلَّا إلغاؤه رأساً، وقد ذكرنا من القرائن الدالّة على شرطيّته في الجملة ما فيه الكفاية بلا إشكال.
لا يُقال: بأنَّنا سبق أن أوقعنا هذه الصحيحة طرفاً للمعارضة مع
ــــــ[62]ـــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 100.
(2) راجع تفصيل ذلك في الأُصول العامّة للفقه المقارن: 219-223، الباب الأوّل، القسم الثاني: السنّة (كيفيّة الاستفادة منها)، والبيان في تفسير القرآن (للخوئي): 263، حجّية ظواهر القرآن، مدارك التفسير.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
صحيحة زرارة الشارحة لمعنى القصر في الآية بجعل الركعتين ركعة واحدة، فكيف يمكن التمسّك بها بعد سقوطها؟
فإنَّه يُقال: إنَّ المعارضة إنَّما توجب سقوط مدلول الدليل المعتبر بمقدارها، وتبقى المداليل الأُخرى على اعتبارها، لا أنَّ المعارضة في شيء تسقط مجموع الدليلين عن الحجّيّة، كما ثبت في محلّه. والمعارضة بين الصحيحتين إنَّما هو في كيفيّة القصر لا في استقلال السفر في الشرطيّة والسببيّة له على إجماله، فإن لم تكن الصحيحتان متصادقتين على ذلك، فلا أقلّ من سكوت صحيحة زرارة، وصراحة الأُخرى في ذلك.
وهذه القرينة تامّة، وبها يتنقّح الظهور الرابع في استقلال الخوف في شرطيّة التقصير.
◘ الظهور الخامس للآية الكريمة: ظهورها بكون مطلق الخوف سبباً للتقصير، لا خصوص الخوف المعيّن المشار إليه فيها.
لا شكَّ أنَّ الظهور الابتدائي في الآية قائمٌ على شرطيّة الخوف الناشئ من فتنة الكفار في وجوب التقصير، فإنَّ الواقع بعد أداء الشرط ليس هو طبيعيَّ الخوف على إطلاقه، بل الخوف المقيّد بذلك، فهل في الإمكان إلغاء هذا القيد من السياق وفهم شرطيّة طبيعيّ الخوف للتقصير.
نقول: يمكن فهم ذلك بالتمسّك بعدّة قرائن:
• القرينة الأُولى: أنَّ مناسبات الحكم والموضوع تقتضي ذلك؛ وذلك: بأن يُقال: إنَّ التقصير إنَّما شرّع في مورد الخوف من الكفّار؛ باعتبار ما في الخوف من ضرورة وحرج وضيق، تخفيفاً على المكلّفين وتسهيلاً على المسلمين. ومن الواضح أنَّ الحرج والضيق أمر غير مختصّ بالخوف من
ــــــ[63]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الكفّار، بل هو يعمّ كلّ خوف، بل قد تكون بعض المخاوف أكثر وأكبر، فحيث كان الموضوع عامّاً، ناسب أن يكون الحكم عامّاً أيضاً لكلِّ خوف.
وهذا التقريب إن نقّح ظهوراً في لفظ الخوف لكلِّ موجب للضيق والضرورة من أنواع المخاوف فهو، وإلَّا فإنَّه يكون من تنقيح المناط الملحق بالقياس المحرّم الذي لا نقول به.
• القرينة الثانية: دعوى ظهور الخوف في كونه علّة لتشريع القصر، فيتمسّك بإطلاق التعليل.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ:
أمّا أوّلاً: فلإمكان إنكار هذا الظهور، ودعوى ظهور الخوف في كونه قيداً للمكلّف بأن يكون المراد هو أنَّ الخائف يقصر، كما قلنا ذلك في ظهور لفظ السفر في ذلك في الرسالة السابقة (مدارك الآراء)(1)، مضافاً إلى أنَّ وحدة السياق بينهما تقتضي ذلك.
وأمّا ثانياً: فلأنَّ ما طرق سمعك من التمسّك بإطلاق التعليل إنَّما هو في الجمل التي تقع في سياق التعليل، كقولنا: الخمر حرام؛ لأنَّه مسكر.
وأمّا اللفظ المفرد الذي يستشعر منه التعليل، فمن الصعب التمسّك بإطلاقه، خلافاً للسياق الذي وقع فيه.
وأمّا ثالثاً: فلأنَّه لو تمّ انطباق هذه الكبرى على المورد، فغاية ما تثبت هو التمسّك بإطلاق العلّة الموجودة في الكلام، فلابدَّ من نقل الكلام إلى الصغرى. والصغرى بعد غضّ النظر عن القرائن الأُخرى هي الخوف من
ــــــ[64]ــــــ
( ) راجع مدارك الآراء (للشهيد الصدر الثاني+): 59، الجهة الأُولى: في الدليل الاجتهادي …، الاستدلال بالروايات الخاصّة، تفصيل الكلام في دلالة الصحيح.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الكفّار لا مطلق الخوف. ودعوى: كون العلّة ظاهرة بالوقوف عند الطبيعي الجامع دائماً، عهدتها على مدّعيها.
• القرينة الثالثة: ظهور السياق بالتجريد عن الخصوصيّة، وحمل المورد على المثاليّة.
وذلك بأن يُقال: بأنَّ المجتمع الذي نزل فيه القرآن – وهو المجتمع الإسلامي الأوّل- لم يكن يدرك خوفاً مهمّاً في السفر إلَّا هذا المعنى، وهو تعرّض المشركين والكفّار لهم في الطريق؛ لأنَّه كان مجتمع رسالة ودعوة ومناجزة للكفّارة بحدّ السيف. وأمّا الأخطار الأُخرى كاللصوص والوحوش، فكانت هيّنة نسبيّاً في نظرهم، ومن هنا أصبح مورد الآية هو أهمّ الأخطار المتصوّر في ذلك الحين. وهو إنَّما ذكر مثالاً لأيّ خوف أو خطر أحاط بالإنسان، فإنَّ العرف بعد التجريد عن خصوصيّة المورد يفهم التعميم لطبيعيّ الخوف الناشئ من خطرٍ فعليّ. نعم، يبقى في الخوف الوهمي إشكال من حيث شمول العموم له، كما يأتي في مورده.
لا يُقال: بأنَّ السياق الذي أشرنا إليه – وهو إتباع هذه الآية بآية تشريع صلاة الخوف- يدلّ بوضوحٍ على أنَّ الخوف من الكفّار لم يذكر عرضاً، وإنَّما ذكر كشيءٍ أساسي وإلَّا لما صحّ الاستطراد منه إلى تشريع صلاة الخوف، وإذا كان ذكره أساسيّاً لم يمكن تجريد خصوصيّته.
فإنَّه يُقال: أوّلاً: أنَّ كون ذكر شيءٍ أساسيّاً في الكلام لا يستلزم كونه قيداً فيه، وإذا لم يكن قيداً أمكن تجريده عن الخصوصيّة لا محالة.
ثانياً: أنَّنا ننكر أن يكون ذكره أساسيّاً بنحو ينافي المثاليّة، ومع ذلك يمكن الاستطراد إلى ذكر أحكام صلاة الخوف بلا أيّ محذور بلاغيّ، فإنَّ
ــــــ[65]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الدخول في مواضيع الكلام لا يحتاج إلى أكثر من هذه التوطئة.
ومن هنا ظهر عدم منافاة الظهور بالمثاليّة لظهوره بالتوطئة والمقدّميّة لتشريع صلاة الخوف الذي ذكرناه، فإنَّ ما هو المقدّمة إمّا هو خصوص المثال أو هو مطلق موارد الخوف بعد التجريد عن الخصوصيّة، وهو يكفي في مقام التقديم كما قدّمنا.
وهذه القرينة تامّة صناعيّاً، وإن كان في النفس من نتيجتها شيء.
وإذا أمكن تتميم هذا الظهور – ولو بالقرينة الثالثة- تمّت لدينا دلالة الآية على كبرى سببيّة عنوان الخوف بنفسه للقصر، وأما إذا ثبت استقلال هذا العنوان، ولم يثبت تعدّيه عن مورده، فيكون المعنى: أنَّ الخوف من الكفّار سببٌ مستقلٌّ للقصر دون سائر أنحاء الخوف.
وحينئذٍ فقد يقع البحث عن مفهوم هذه الشرطيّة على هذا التقدير، فقد يكون هو: إذا لم تخافوا من الكفّار فلا يجب القصر، وبذلك يعارض كلاً من مفهوم وجوب القصر عند السفر، والأدلّة الآتية الدالّة على وجوب التقصير عند مطلق الخوف، وكلّ ذلك تأتي الإشارة إليه في محلّه.
إلَّا أنَّ ما ينبغي أن يقع فيه الكلام فعلاً: – بعد فرض تتميم الكبرى على النحو المطلوب، واستقلال كلّ من الشرطين بالسببيّة- أن يقع التعارض بين المفهومين الحاصلين لكلِّ شرط باستقلاله، فإن الشرطيّة الأُولى دالّة على عدم وجوب القصر في غير السفر حتّى مع وجود الخوف، والشرطيّة الثانية دالّة على عدم وجوبه في غير الخوف حتّى في السفر، فقد يتعارضان في موردي الافتراق ويتساقطان وينتهي الأمر إلى عدم دلالة الآية على وجوب القصر إلَّا في مورد الاجتماع، وهو نفس الأمر الذي فررنا منه سابقاً، لكن بعد سقوط
ــــــ[66]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
المفهوم، فلا يكون منافياً للإجماع على عدم شرطيّة المجموع.
وإذا سقطت الآية عن الدلالة في موردي الافتراق، أمكن الرجوع إلى الأدلّة الأُخرى الخاصّة بكلا الموردين، ولا يعارضها مفهوم الآية بعد سقوطه.
ومن هنا لم يكن لهذه المعارضة تلك الأهميّة، في تسلسل الاستدلال، إلَّا أنَّه ينبغي التعرّض لوجوه رفعها، فإنَّها قد تنفع في تنقيح بعض الظهورات التي قد يستفاد منها فيما يلي من البحث.
وما يمكن أن يُقال في حلِّ المعارضة وجوه:
الوجه الأوّل: أن يدّعى تقديم مفهوم الشرطيّة الأُولى ورفع اليد عن مفهوم الثانية؛ وذلك لنحو ما قلناه في الوجه الرابع من وجوه رفع اليد عن شرطيّة المجموع، وذلك بأن يُقال: إنَّ الدالّ على المفهوم الأوّل متقدّم على الدالّ على المفهوم الثاني، وهذا يكسبه ظهوراً أقوى أو يكشف عن أهمّيته لدى المتكلّم، ومن هنا يتعيّن تقديمه عند المعارضة.
إلَّا أنَّ هذا الوجه ليس فنيّاً؛ لعدم الاعتبار بالتقديم عرفاً، لا ثبوتاً ولا إثباتاً كما هو واضح.
الوجه الثاني: أن نتمسّك بانقلاب النسبة لحلِّ المعارضة، وذلك بأن يُقال: إنَّنا نضمّ الدليل الآتي الدالّ على وجوب القصر عند الخوف، فنقيّد به مفهوم الشرطيّة الأُولى، فيصبح أخصّ من مفهوم الشرطيّة الثانية، فيقدّم عليه بالتخصيص.
إلَّا أنَّ هذا الوجه لا يقوم أمام التدقيق؛ وذلك:
أوّلاً: لأنَّنا نعمل عكس هذا الانقلاب، فنضمّ الأدلّة الدالّة على وجوب
ــــــ[67]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
القصر في السفر من سوى هذه الآية إلى مفهوم الشرطيّة الثانية، فيكون أخصّ من المفهوم الأوّل فيقدّم عليه.
وثانياً: أنَّ المفهوم الأوّل بعد تقييده يصبح دالّاً على وجوب التقصير في مورد الخوف، وعدم وجوبه عند عدمه، والأوّل هو عين المنطوق الثاني، فكيف يمكن أن يقيّد به مفهومه. فتأمل. والثاني عين المفهوم الثاني فلا يصلح لتقييده كما هو واضح.
وثالثاً: أنَّ المعارضة بين المفهومين تتمّ في الرتبة السابقة على نسبتهما إلى الأدلّة؛ وذلك لأنَّهما مفهومان في كلِّ واحد، فلو أمكن لهما أن يتعارضا لتساقطا في مرحلة المدلول الاستعمالي قبل أن تصل النوبة إلى التقييد كما هو واضح.
الوجه الثالث: أن نقيّد مفهوم كلّ منهما بمنطوق الآخر، فنحصل على نتيجة أفضل من نتيجة الوجه الثاني من دون أن يلزم شيء من محاذيره؛ لكون المقيّدات موجودة في نفس الكلام مع الاستغناء عن الأدلّة الخارجيّة.
وينتج من ذلك ما هو الغرض المطلوب، وهو وجوب القصر عند السفر وعند الخوف، وعند اجتماعهما، وعدم وجوبه عند عدمهما.
وهذا الوجه تامّ على تقدير تسليم المعارضة، إلَّا أن يرجع إلى إنكارها في الواقع، فيعود إلى الوجه الآتي.
الوجه الرابع: أن يُقال بعدم وجود المعارضة المتخيّلة أصلاً؛ وذلك لأنَّ المعارضة إنَّما تتحقّق بين الإطلاقين بعد انعقادهما، وذلك في الدليلين المنفصلين حيث كان المولى في مقام البيان في كلّ منهما ولم يبيّن، فأصبح المراد الاستعمالي ثابتاً وشاملاً لمورد التعارض.
وأمّا في الكلام الواحد الذي يصلح بعضه أن يكون قرينة على بعض،
ــــــ[68]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فالإطلاق لا يمكن انعقاده أساساً؛ لأن المولى في مقام البيان وقد بيّن ما يصلح للتقييد. ومن المعلوم أنَّ المفهومين في قدرهما المتيقّن غير متعارضين، وهو دلالة كلّ منهما على عدم وجوب القصر في حالة عدم السفر والخوف معاً، وإنَّما يتعارضان في الزائد عن ذلك، وهو إنَّما يثبت بالإطلاق وهو ممّا لا يمكن انعقاده في الكلام الواحد.
فمن هذه الناحية لا يمكن الالتزام بوجود مفهوم مطلق لهاتين الشرطيّتين، وإن قلنا باستقلالهما فإنَّ معنى الاستقلال الذي قلناه ليس هو الاستقلال في الكلام كما هو واضح، بل هو استقلال العنوان المأخوذ في السببيّة للقصر، وهو أمر أجنبيّ عن مسألة انعقاد الإطلاق.
وإذا تمَّ ذلك لا يصلح أيّ من المفهومين للمعارضة مع شيءٍ من الأدلّة الأُخرى من حيث هو لا إطلاق فيه. نعم، قد يتصوّر له الإطلاق من جهات أُخرى يمكن التمسّك به من ناحيتها.
فتحصّل: أنَّ الآية تدلّ على كبرى سببيّة مطلق الخوف لوجوب القصر على الظاهر.
[الوجه الثاني: التمسك بدليلية الآية لسببية الخوف]
الوجه الثاني لسببيّة الخوف بعنوانه للقصر: التمسّك بقوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}(1). وهي الآية اللاحقة مباشرة للآية التي تكلّمنا عنها في
ــــــ[69]ـــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 102.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الوجه الأوّل. وسيأتي الكلام عنها في المقام الثاني حيث نتكلّم عن كيفيّة صلاة الخوف. ولكن لابدَّ من تتميم بعض الظهورات في هذه الآية مما سوى ذلك لتتّضح حقيقة الحال.
◘ الظهور الأوّل: ظهور ورود هذه الآية مورد الخوف وتشريع هذه الصلاة حال الخوف، بالرغم من عدم وجود ذكر لعنوان الخوف فيها. وهذا الظهور واضح؛ لوجود قرائن داخليّة وسياقيّة عليه.
أمَّا القرائن الداخليّة فكثيرة:
• منها: الأمر للطائفة الأُولى بأخذ الأسلحة في أثناء الصلاة.
• ومنها: أمرها بالحراسة بعد انتهائها من الصلاة.
• ومنها: أمر الطائفة الثانية بأخذ الأسلحة في أثناء الصلاة.
• ومنها: قوله تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً}(1).
فكلّ ذلك يجعل السياق الداخلي نصّاً في كونه وارداً مورد الخوف.
وأمّا القرائن السياقيّة فباعتبار التقديم لهذه الآية بعنوان الخوف نفسه في الآية السابقة كما سبق، مع تعقيبه بالتحذير من الأعداء الكافرين في نهاية الآية الأُولى. قال الله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا}. وهذا ما يجعل السياق أوضح في كونه وارداً مورد الخوف.
◘ الظهور الثاني: ظهور ارتباط هذه الآية بما قبلها وترتّبها عليها، وهو واضح أيضاً؛ لعدّة قرائن:
ــــــ[70]ـــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 102.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الأُولى: هي نفس وحدة السياق وتسلسل الكلام عن موضوع مترابط، فإنَّ المتكلّم ما لم ينتقل إلى كلامٍ أجنبيّ عن السابق، يُعرف من حاله أنَّه لم ينتهِ من بيان مقصوده بعد، وأنَّ ما يقوله أخيراً تكميل وتحديد لما يقوله أوّلاً. وأمّا الصغرى – وهي كون الآية الثانية غير أجنبية عن الأُولى- فهي ممّا لا يحتاج [إلى] برهان.
• الثانية: ظهور ذكر الخوف في الآية الأُولى، في كونه مقدّمة وتمهيداً للآية الثانية، كما سبق أن ذكرناه.
• الثالثة: ظهور اتّحاد مرجع الضمير في الآيتين لكن مع حصول الالتفات باصطلاح علم البلاغة.
توضيح ذلك: أنَّ الآية الأُولى قالت: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} فاستعملت ضمير الجمع للمخاطب والمراد به المسلمين المحاربين للكفّار، ولا يضرّ بهذا الظهور ما قلناه من التجريد عن الخصوصيّة، فإنَّ هذا التجريد إنَّما يفيد في تعميم مدلول الخوف، لا في تغيير مرجع الضمير كما هو واضح.
والآية الثانية قالت: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ}، فاستعملت ضمير الجمع للغائبين، والمراد به أيضاً نفس القوم المسلمين المحاربين للكفّار، وهذا الظهور هنا أوضح من الآية السابقة؛ لوضوح كون تشريع صلاة الخوف لمثل هؤلاء القوم المحاربين، وليس أدلّ على ذلك من رجوع السياق مرّةً أُخرى بعد الالتفات من الضمير الغائب إلى ضمير المخاطب في قوله تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ} الآية.
ــــــ[71]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وإذا كان مرجع الضمير في الآيتين واحداً، دلَّ ذلك بوضوح على وحدة الكلام والسياق في الآيتين، وهو المطلوب.
وإذا ثبت هذا الظهور، التزمنا بمحاذيره وبركاته على حدٍّ سواء. فما عن >الذخيرة<(1) من أنَّ مرجع الضمير في الآية الثانية يكون إلى أُولئك الضاربين في الأرض الخائفين يكون تامّاً، على تقدير أن نفهم من الآية الأُولى كون مجموع الشرطين قيداً للحكم، ولا يتمّ على تقدير استفادة استقلال الشرط الثاني كما هو واضح.
◘ الظهور الثالث: ظهور اتّحاد مرجع الضمير في الآيتين، كما شرحنا وقرّبناه كدليل للظهور الثاني.
◘ الظهور الرابع: ظهور الصلاة في كونها ركعتين على وجه القصر، فهنا أمران:
• الأمر الأوّل: ظهور كون الصلاة ركعتين، فإنَّه ممّا لا شكَّ فيه كون الصلاة المذكورة في الآية مقتصرةً على ركعتين من دون وضوح في الاقتصار عليها نصّاً. ولكن يمكن تقريب هذا الظهور بعدّة قرائن:
القرينة الأُولى: تفسيرها بالحديث المعتبر بذلك، وذلك في رواية الحلبي عن أبي عبد الله× الواردة في شرح صلاة الخوف، الآتية في المقام الثاني، وهي ظاهرة في الاقتصار على الركعتين. وهذا يتمّ بعد ضمّ مقدّمة أُخرى إليه، وهي إحراز اتّحاد التشريع الذي يعرب عنه الحديث وتعرب عنه الآية، لكي يصلح أن يكون تفسيراً لها. وهذا الإحراز متحقّق لنصِّ السؤال في الحديث عن ذلك، وظهور كون مورد الآية هو ذلك كما أسلفنا.
ــــــ[72]ـــــــ
(1) راجع ذخيرة المعاد (ط.ق) ج1،ق2: 403، كتاب الصلاة، صلاة الخوف وكيفيّتها.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
القرينة الثانية: التمسّك بالإطلاق المقامي في المقام.
وذلك بأن يُقال: بأنَّ الله تعالى في هذه الآية كان في مقام بيان أحكام تمام الصلاة التي بدأ الكلام عنها في الآية الثانية، وهي صلاة الجماعة حال الخوف، فلو كانت الصلاة ثلاثيّة أو رباعيّة لكان عليه أن يذكرها ويتعرّض لأحكامها، ولكنّه لم يتعرّض لها وجداناً كما أشرنا إليه، إذن فالمطلوب هو خصوص الركعتين دون زيادة.
القرينة الثالثة: التمسّك بقرينيّة الآية السابقة عليها بعد فرض اتّحاد سياقهما كما سبق.
فإنَّنا سبق أن قلنا بدلالة الآية الأُولى على سببيّة الخوف للتقصير مستقلاً، فيفهم من اتّحاد السياق كون صلاة الخوف المذكورة في الآية الثانية تطبيقاً للكبرى المذكورة سابقاً من حيث عدد الركعات، بعدما قلناه من أنَّ المراد بالتقصير هو القصر في الكميّة دون الكيفيّة.
فتحصّل: أنَّ للآية ظهوراً معتبراً في اقتصار ما هو المطلوب على الركعتين.
• الأمر الثاني: ظهور كون هاتين الركعتين قد أُتي بهما على وجه التقصير، في مقابل احتمال أن تكون ركعتين بالأصل كصلاة الصبح. وهذا الظهور أساسيّ في تنقيح ما هو المراد من دلالة الآية على كبرى سببيّة الخوف للقصر؛ لأنَّه إذا كان المراد ما كان ركعتين بالأصل، فإنَّه لن يكون في هذه الآية أيّ تعرّض للقصر، لا بعنوانه -كما هو واضح- ولا بلازمه بناءً على هذا الفرض.
ويمكن أن تقام على هذا الظهور بعض القرائن:
ــــــ[73]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الأُولى: ما ذكرنا في القرينة الثالثة للظهور السابق، وهو ظهور كون صلاة الخوف صغرى لكبرى وجوب القصر عند الخوف، المذكورة قبلها، وهذا كما ينقّح كون المأتيّ به خصوص الركعتين، ينقّح كونه كذلك على وجه القصر، وينفى بوضوح كون الصلاة مشروعة بركعتين بالأصل.
الثانية: انصراف الصلاة المأمور بها في الآية [إلى أنَّها] صلاة رباعيّة بالأصل، إمّا لبعد كونها خصوص صلاة الصبح، وإمّا لدعوى أنَّها لو كانت ركعتين بحسب الأصل لما احتيج إلى بيان أحكامها، فإنَّها قصيرة في نفسها مناسبة مع حال الخوف. فتأمّل، وإمّا لبعد انعقاد صلاة الجماعة في صلاة الصبح خارجاً، وإمّا لبعد وجود الخوف في زمان أدائها حتّى في حالة الحرب الفعليّة في ذلك الزمان؛ لعدم مناجزة القتال في ما بين الطلوعين.
وحيث يعلم أنَّها ليست ثلاثية؛ لعدم قابليّتها للقصر في الشريعة، فتأمّل. فيتعيّن كونها رباعيّة مقصورة.
الثالثة: ضمّ صحيحة زرارة الآتية الدالّة على سببيّة الخوف بعنوانه للقصر إلى دلالة هذه الآية بكون المطلوب هو الركعتين في موردها، فينتج أنَّ مشروعيّة الركعتين إمّا لكونهما كذلك بأصل الشريعة وإمّا كونهما كذلك باعتبار القصر. وفي كلا الموردين يمكن أن تصلّى صلاة ذات الرقاع المشروعة في الآية.
إلَّا أنَّ هذه القرينة لا تكاد تنقّح ظهوراً في العبارة، بكون المأتي به كان على وجه القصر، ليستفاد منه في تأسيس الكبرى المطلوبة. وقد قلنا: بأنَّ القرائن الصناعيّة لا تتمّ حجّيتها ما لم تؤدّ إلى إيجاد الظهور الوجداني في اللفظ.
وعلى أيّ حال، فإنَّ هذه القرينة لو تمّت لكانت نتيجتها أعمّ وأنسب بالمقام الثاني الذي نتعرّض له من نتيجة القرينة الأُولى التي تضيق عن إثبات
ــــــ[74]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
هذا العموم، فنحتاج إلى ضمّ دليلٍ خارجي يدلّ على جواز الاتيان بصلاة ذات الرقاع فيما كانت ركعتين بحسب الأصل.
◘ الظهور الخامس: ظهور الآية بإلغاء خصوصيّة صلاة الجماعة المأخوذة فيها وجداناً. وهذا الظهور دخيل أيضاً في استفادة الكبرى من هذه الآية؛ إذ بدونه يختصّ التقصير بمورد الجماعة، كما هو واضح بعد تسليم سائر الظهورات الأُخرى.
ويمكن تتميم هذا الظهور ببعض القرائن:
القرينة الأُولى: ما ذكرناه من استفادة كون المدار في التقصير هو الخوف، فيُقال: بأنَّه ما دام هو العلّة والموضوع فإنَّ العرف يفهم اختصاصه بالموضوعيّة، مع إلغاء خصوصيّة كون الصلاة مقامة في جماعة.
إلَّا أنَّ هذه الاستفادة إنَّما تتمّ مع أخذ الخوف بعنوانه في الموضوع، ليدخل تحت القاعدة: إنَّ كلّ أمر أُخذ في الموضوع فهو ظاهر أنَّه مأخوذ بعنوانه فيه. ونحوها من القواعد والظهورات، وهذه غير شاملة للخوف المستفاد من السياق كما هو واضح.
وبناءً عليه، فإن أُريد استفادة ذلك من الآية الثانية فهو غير تامٍّ؛ لعدم أخذ عنوان الخوف فيها، وإن أُريد استفادته من الآية الأُولى فهو خلف المفروض من استفادته من هذه الآية.
القرينة الثانية: التمسّك بقوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ} بأن يُقال: إنَّ صلاة الجماعة إنَّما أُمر بها على تقدير أمرين:
أحدهما: وجود رسول الله’ بين الجيش، وربَّما يعممّ إلى كلّ صالح للإمامة على ما يأتي.
ــــــ[75]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ثانيهما: إرادتهم جميعاً لإقامة الجماعة.
وإذا تخلّف أيّ من الأمرين فإنَّ الجماعة لا تنعقد لا محالة كما هو واضح. ولكن عدم انعقادها لا يعني اختلاف ماهيّة الصلاة المأمور بها في الآية. وإذا انحفظت الماهيّة عرفاً أو حقيقة بعد التجريد عن خصوصيّة الجماعة فيُقال: إنَّ المأمور به من ماهيّة الصلاة ركعتان لا أكثر. كما سبق أن استظهرنا من الآية، والأمر يتبع موضوعه لا محالة، وموضوعه محفوظ حتّى عند عدم الجماعة، فينتج الأمر بالقصر مطلقاً من هذه الناحية.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ، وإن سلّمت كثير من مقدّماته؛ وذلك لأنَّ ما ينحفظ من ماهية الصلاة بعد التجريد عن خصوصيّة الجماعة هو طبيعي الصلاة الجامع بين الركعتين وغيرها؛ لاحتمال دخل خصوصيّة الركعتين في الجماعة، وعدم ما يدفع هذا الاحتمال في الآية. نعم، لو كان عنوان القصر مأخوذاً في الجماعة لأمِنَ ادّعاء انحفاظه بعد التجريد، إلَّا أنَّنا علمنا أن هذا شيء مفهوم من السياق ولم يؤخذ عنوانه في الآية بالوجدان. والتحويل على الآية السابقة وإن كان لا يخلو من وجه، إلَّا أنَّ هذا خلف استفادة المطلب من هذه الآية بخصوصها.
القرينة الثالثة: ضمّ صحيحة زرارة الآتية إلى هذه الآية، وتلك الصحيحة مطلقة من حيث إقامة الجماعة لا محالة، فتحمل الآية عليها من باب التفسير أو من استظهار تطبيق الكبرى على الصغرى.
وهذا وإن كان صحيحاً في الجملة -وسيأتي له مزيد توضيح في الحديث عن النسبة بين الآية والرواية عند الحديث عن الرواية نفسها- إلَّا أنَّه في الحقيقة راجع إلى استفادة المطلب من الرواية لا من الآية، وهو خلف
ــــــ[76]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
المقصود في المقام كما عرفت. وأمّا دعوى أنَّ ضمّ الرواية إليها ينقّح ظهوراً جديداً في سياقها، فهي ممّا لا سبيل إليها، وعهدتها على مدّعيها.
فتحصّل أنَّ هذه الآية الكريمة مع عزلها عن سائر الأدلّة، بما فيها الآية السابقة عليها، لا يمكن أن تدلّ على كبرى مسببيّة الخوف للتقصير، إلَّا في حدود صلاة الجماعة، ولكنّها لا مفهوم لها؛ لورود الشرط فيها لبيان الموضوع على ما يأتي في المقام الثاني، فلا تكون معارضة أو مخصّصة للمطلق الدالّ على مثل هذه الكبرى.
نعم، مع ضمّها إلى الآية السابقة، فإنَّها قد تدلّ على ذلك، كما قلنا في القرينة الأُولى على الظهور الخامس. وكذلك مع ضمّها إلى الصحيحة المشار إليها كما قلنا في القرينة الثالثة على الظهور الخامس، وكلا هذين النحوين من الضمّ مضافاً إلى أنَّه خلف استفادة المطلب من هذه الآية مستقلاً، فإنَّه يكون من قبيل ضمّ الحجر إلى جنب الإنسان، للاكتفاء حينئذٍ بدلالة الآية الأُولى والصحيحة في أنفسهما على ذلك من دون حاجة إلى هذا الضمّ، كما سبق في الآية، وسنعرف حال الصحيحة.
على أنَّه يمكن القول باستحالة دلالة هذه الآية على شيءٍ من التشريع غير ما هي مسوقة لبيانه، وذلك لإناطة الأمر بالإرادة في الآية، كما هو المستظهر من قوله تعالى: {فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ} وإناطة تنجّز أمر بإرادة امتثاله محال كما تعرف، للزوم عدم إمكان تنجّزه أصلاً، والأمر بشيءٍ غير قابل للتنجيز لغوٌ محال.
وإنَّما حصل التحويل في الآية في أصل تشريع صلاة الجماعة، وأصل
ــــــ[77]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
تشريع القصر، ونحوهما من الأحكام على كبريات أُخرى ثابتة في الشريعة.
وأمّا التشريع التي هي مسوقة لبيانه، وهو الكيفيّة الخاصّة في صلاة الجماعة، فهو إن حملنا الأمر به على الوجوب، يلزم المحذور أيضاً، فتأمّل. فلابدَّ أن يُقال: إنَّه تشريع تسهيلي يؤتى به اختياراً أو عند الحاجة، فيكون الإتيان به متوقّفاً على إرادتين طوليّتين:
إحداهما: إرادة إقامة صلاة الجماعة.
الثانية: إرادة أن تكون الجماعة على هذه الكيفيّة.
ومثل هذا التشريع أمر لا يقتضي إلَّا الجواز والإباحة التكليفيّة أو الوضعيّة في إيقاع الصلاة كذلك(1). ومن المعلوم أنَّ الجواز لا يحتاج في امتثاله إلى تنجيز.
نعم، قد يصبح اختيار هذه الكيفيّة واجباً عند انطباق كبرى أُخرى عليها، كالضرر والحرج ووجود المصلحة الحربيّة في ذلك ونحو ذلك، ولا يكون في ذلك محذور؛ لاستحباب أصل الجماعة ووجوب كيفيّتها على الفرض، فلا يكون هذا الوجوب موكولاً على الإرادة بل إلى التشريع الاستحبابي.
وهذا بنفسه يصلح جواباً على تقريب الاستحالة؛ إذ يكون المراد من قوله تعالى: {فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ} إطاعة الأمر الاستحبابي بإقامة الجماعة – لا محض إرادتها- بناءً على ما ذكرناه من التحويل على كبريات أُخرى، فيكون الأمر بالكيفيّة موكولاً إلى الأمر الاستحبابي لا إلى محض الإرادة ليكون حمله على الوجوب محالاً.
ــــــ[78]ـــــــ
( ) وخاصّة إذا لم نقل بمخالفته لشرائط الجماعة، على ما سنبحث فيه في محلّه (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
[الوجه الثالث: التمسّك بصحيحة زرارة لسببيّة الخوف]
الوجه الثالث لسببيّة الخوف بعنوانه للقصر: التمسّك بصحيحة زرارة الواردة في هذا الباب، وهي ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر× قال: قلت له: صلاة الخوف وصلاة السفر تقصران جميعاً؟ قال: >نعم، وصلاة الخوف أحقّ أن تقصر من صلاة السفر الذي لا خوف فيه<(1). ورواه الشيخ بإسناده عن سعد عن أحمد بن محمّد عن علي بن حديد وعبد الرحمن بن أبي نجران جميعاً عن حمّاد عن حريز عن زرارة(2).
وهذا الحديث الشريف هو الدليل الرئيسي الذي اعتمد عليه الأصحاب في إثبات الكبرى المطلوبة، بعد أن شكّكوا إجمالاً في دلالة الآيتين السابقتين عليها. أمّا حال الآيتين فقد بسطناه بما لا مزيد عليه، وأمّا تماميّة هذا الحديث سنداً ودلالة، فهو أمر صحيح لا غبار عليه.
فإنَّ خلاصة ما يستفاد من دلالة الحديث: أنَّ السائل يسأل عن سببيّة كلّ من عنوان الخوف وعنوان السفر للقصر، فيجيبه الإمام× بالإيجاب. ثمَّ يذكر بأنَّ عنوان الخوف في نفسه أحقّ في سببيّته للقصر من عنوان السفر في نفسه المجرّد عن الخوف.
وتمام الظهورات الدخيلة في استفادة الكبرى ممّا كنّا نتمّمه في الآيتين
ــــــ[79]ـــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 1: 465، كتاب الصلاة، صلاة الخوف والمطاردة…، الحديث: 1339، وسائل الشيعة 8: 433، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر، الباب1، باب وجوب القصد فيها سفراً وحضراً، الحديث 11094.
(2) تهذيب الأحكام 3: 302، كتاب الصلاة، الباب، 29، باب صلاة الخوف، الحديث 12، وفيه: >ليس فيه خوف< بدل >لا خوف فيه<.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
السابقتين بتجميع القرائن؛ تتّضح من هذا الحديث الشريف إمّا بالنصِّ أو بالظهور المعتبر.
أمّا الظهور بكون الخوف هو الموضوع فهو مستفادٌ من نفس أخذ عنوانه، والظاهر من أيّ عنوان أُخذ في الموضوع أنَّه تمام الموضوع للحكم المترتّب عليه.
وأمّا الظهور بكون الخوف مستقلاً في السببيّة عن السفر، فهو ممّا يدلّ عليه سياق السؤال، فإنَّ العطف يدلّ على التغاير لا محالة. مضافاً إلى الأولويّة التي ذكرها الإمام× للخوف، فإنَّها تجعله كالنصِّ في الاستقلال.
وأمّا الظهور بكون المراد من القصر هو جعل الرباعية ركعتين دون أمر آخر ممّا احتملناه في الآية، فيدلّ عليه – مضافاً إلى ارتكاز المتشرّعة المقتضي للفهم من لفظ القصر ذلك، والمبتني عليه النصّ بلا إشكال- يدلّ عليه: مقارنته بالسفر المعلوم والمتسالم عليه بين الراوي والإمام على إيجابه للقصر بالنحو المعيّن. ومن المعلوم أنَّه قد أُضيف القصر إلى كلتا الصلاتين دفعةً واحدة في قوله: >تقصران جميعاً<، ومن المحال أو المخالف للظاهر جدّاً أن يراد بالقصر في كلّ منهما معنى مستقلٌّ.
ومن هنا لا يبعد كون لسان الحديث من هذه الناحية آبياً عن التقييد والتفسير بنحو آخر من معاني القصر.
وهذه الظهورات الثلاثة كافية لإثبات الكبرى المطلوبة، وهي أنَّ الخوف موضوع تامٌّ وسبب مستقلّ للقصر بالمعنى الذي يوجبه السفر في الشريعة، مؤيّدة بالتأكيد والأولويّة التي يذكرها الإمام× لعنوان الخوف، الذي هو بمنزلة التعليل الذي يمكن التمسّك بإطلاقه على ما استفاده في
ــــــ[80]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
المصباح(1).
وهناك ظهورات أُخرى في الحديث آكد ممّا كانت عليه في الآيتين السابقتين:
منها: ظهور كون القصر عزيمة لا رخصة، فإنَّه يستفاد من أمرين واضحين:
أحدهما: مقارنته بالقصر الناشئ عن السفر. ومن المعلوم أنَّ القصر في السفر عزيمة؛ وإنَّما كان الترخيص في المواطن الأربعة بشكلٍ استثنائي وبعنوان ثانوي، فيكون القصر في المقيس وهو الخوف أيضاً عزيمة.
ثانيهما: استفادته من لفظ >نعم< الذي هو بمنزلة تكرار الحكم الموجود في السؤال، فيكون التقدير: إنَّ صلاة الخوف وصلاة السفر تقصران جميعاً. ومن المعلوم أنَّ الجملة الخبريّة الواقعة في سياق الإنشاء إن لم تكن أدلّ على الوجوب من الأمر الاعتيادي فهي لا تقصر عنه لا محالة. ولئن يكن السياق في السؤال استفهامياً فإنَّه بعد تقديره في الجواب يصبح إثباتاً وتقريراً فيدلّ على الوجوب.
ومنها: ظهور كون طبيعيّ الخوف بأيّ سبب وُجد موضوعاً لوجوب القصر، ولا يختصّ بما كانت تشعر به الآية الأُولى من الخوف [من] الكفّار في الحرب. وهذا مفهوم من التمسّك بإطلاق لفظ الخوف الوارد في الحديث، فإنَّه لم يقيّد بسبب معيّن مع أنَّ المولى كان في مقام البيان.
ومنها: ظهور إلغاء خصوصيّة الجماعة، التي كانت مأخوذة في الآية الثانية، فإنَّ إطلاق الحديث دالٌّ على ثبوت الحكم في الجماعة وغيرها، كما هو واضح.
ــــــ[81]ـــــــ
( ) راجع مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 712، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
[التعارض مع أدلّة أُخرى]
وبعد تتميم دلالة الحديث الشريف بهذا النحو، لابدَّ من التعرّض إلى ما قد يتخيّل كونه مورداً للمعارضة مع بعض مداليل الآيتين السابقتين أو الأدلّة الأُخرى:
• المورد الأوّل: معارضته مع مفهوم الآية الأُولى على تقدير أنَّ الشرط فيها هو مجموع الخوف والسفر، فإنَّه يكون أخصّ من مدلول الحديث فيقدّم عليه.
إلَّا أنَّنا ذكرنا استظهار استقلال كلّ من الشرطين بالسببيّة، فيكون وجود مثل هذا المفهوم فرضاً لا واقع له.
• المورد الثاني: معارضته بمفهوم وجوب القصر عند السفر، المدلول عليه في الشرطيّة الأُولى من الآية الكريمة. وحيث تكون النسبة بينهما هي العموم من وجه، يتقدّم العموم الكتابي لا محالة، وتسقط دلالة الحديث على وجوب القصر في الخوف المجرّد عن السفر.
إلَّا أنَّنا ذكرنا أنَّ كلاً من الشرطيّتين في الآية الأُولى، وإن كانتا مستقلّتين، إلَّا أنَّهما خاليتان من المفهوم – كما أوضحناه فيما سبق- بحيث لا يمكن أن يعارض به شيءٌ من الأدلّة الأُخرى.
• المورد الثالث: معارضته بمفهوم وجوب القصر عند الخوف من الكفّار، على تقدير تتميم الكبرى بهذا المقدار من الشرطيّة الثانية في الآية الأُولى، كما أشرنا إلى احتماله. وحيث يكون هذا المفهوم أخصّ من مدلول الحديث، فيتقدّم عليه.
ــــــ[82]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إلَّا أنَّ هذا الكلام يرد عليه:
أوّلاً: إنكار هذا المفهوم أساساً بعد أن عرفنا أن تتميم الكبرى بالنحو المشار إليه ضعيفٌ غايته، ولم يقل به أحد.
ثانياً: أنَّ مفهوم وجوب التقصير عند الخوف من الكفّار يعني انتفاء وجوبه عند هذه الحصّة من الخوف. وهو يناسب مع عدم الخوف أصلاً ومع وجود الخوف بأسباب أُخرى. فإذا دلَّ الحديث الشريف على وجوب القصر بكلِّ سبب، كانت حصّة الخوف الناشئ من الكفّار، مطابقةً مع منطوق الآية وأجنبيةً عن مفهومها، فلا تصلح للتقييد أو المعارضة، فتبقى الحصّة الأُخرى من مدلول الحديث، وهي الخوف الناشئ من أسباب أُخرى، وهو أخصّ من مفهوم الآية فيتقدّم عليه بالتخصيص. ويختصّ المفهوم -بعد تقييده- بصورة عدم وجود الخوف أصلاً.
لا يُقال: إنَّ النسبة بين الدليلين بعد ملاحظة جميع ما يشملانه من الحصص هي العموم من وجه؛ فلابدَّ من تقديم المفهوم الكتابي لا محالة في مورد الاجتماع، وهو الخوف الناشئ عن غير الكفّار.
فإنَّه يُقال: ليست النسبة بين الإطلاقين هي العموم من وجه، فإنَّنا لا نفهم من هذه النسبة إلَّا العنوانين اللذين يلتقيان في مورد، ويكون لكلِّ منهما مورد افتراق، وفي المقام ليس كذلك؛ فإنَّهما وإن كانا يجتمعان في الخوف الناشئ من غير سبب الكفّار، إلَّا أنَّ مورد عدم وجود الخوف أصلاً لا يصلح أن يكون مورداً للافتراق، لكونه دالاً على السالبة بانتفاء الموضوع، كما أنَّ شمول الحديث للخوف الناشئ من الكفّار أجنبيٌّ عن كلا شقّي المفهوم موضوعاً ومحمولاً كما أشرنا إليه، فلا يصلح أن يكون مورداً للافتراق أيضاً.
ــــــ[83]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فإن قيل: إنَّه بناءً على ذلك، يدور الأمر بين تقييد الآية بمورد الاجتماع من مدلول الحديث، أو تقييد الحديث بمورد الاجتماع من مدلول المفهوم في الآية، لا يبعد تقديم التقييد الثاني؛ لأنَّ الحديث بعد تقييده يبقى له مورد للشمول، وأمَّا المفهوم بعد تقييده فلا يبقى له مورد إلَّا السالبة بانتفاء الموضوع.
وإذا رفعنا اليد عن التقييد فيبقى مورد الاجتماع في الدليلين مدلولاً عليه بنحوٍ متهافت إلى حدّ التناقض؛ فإنَّ الحديث ينصّ على وجوب القصر فيه والآية تنفيه، فيتقدّم العموم الكتابي لا محالة. وهذه النتيجة كسابقتها ضدّ مصلحة إثبات كبرى سببيّة مطلق الخوف للقصر كما هو واضح.
قلنا: إنَّه لا موجب لرفع اليد عن التقييد، وإذ يدور الأمر بين التقييدين، يصحّ ما قيل، لولا نكتة في الحديث الشريف يجب أخذها بنظر الاعتبار، وهي التأكيد على سببيّة الخوف، وجعله أولى من السفر في القصر، وهذا يعطي مضافاً إلى أهميّة الملاك في مورده بنظر الشارع، يعطي جهة شمول واستيعاب لا تكاد تكون قابلةً للتقييد بحسب سياقها، فإنَّ ما هو الأولى من السفر ليس هو خصوص الحرب مع الكفّار كما هو واضح، بل كلّ ما يوازيه من المخاطر، من أنحاء الخوف من اللصوص أو الوحوش أو نحو ذلك.
ومع أخذ هذا الشمول المؤكّد في جانب الحديث، يتعيّن أن يكون مقيّداً للآية، كما قلنا في أوّل المناقشة. ويقتصر مدلول المفهوم – على تقدير وجوده- بما إذا انتفى الخوف أساساً.
وبعبارة أُخرى: إنَّه بدوران الأمر بين التقييدين يدور الأمر بين محذورين، إمَّا بقاء مفهوم الآية بدون مورد، وإمَّا رفع اليد عن الشمول المؤكّد للحديث، ولا شكَّ أنَّ المحذور الثاني أشدّ عرفاً؛ أخذاً بالتأكيد المستفاد من الحديث.
ــــــ[84]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فتحصّل: أنَّ المتعيّن هو الأخذ بالحديث وإثبات كبرى سببيّة الخوف به، مع رفع اليد عن إطلاق المفهوم في الآية على تقدير وجوده.
• المورد الرابع: معارضة الحديث الشريف بمفهوم الآية الثانية التي ذكرناها، وهي الواردة لتشريع صلاة الخوف؛ بناءً على ما قلناه من عدم إمكان تجريدها عن خصوصيّة صلاة الجماعة بنفسها، فيكون المفهوم دالاً على عدم وجوب القصر عند عدم انعقاد الجماعة، وهذا يكون أخصّ من مدلول الحديث فيتقدّم عليه لا محالة.
وهذا هو التقريب النهائي لقول الشيخ ومن تابعه باقتصار سببيّة الخوف على انعقاد الجماعة(1).
إلَّا أنَّنا سبق أن أشرنا إلى عدم وجود مفهوم للآية الثانية؛ لورود الشرط فيها لبيان الموضوع كما يأتي. فلا يبقى إلَّا المنطوق، وهو لا يصلح للمعارضة مع الحديث كما هو واضح؛ لمصادقته معه في مورده، بل هو مصداق من مصاديقه؛ لشمول الحديث مورد الجماعة بإطلاقه.
• المورد الخامس: معارضة هذا الحديث الشريف بصحيحة حريز عن أبي عبد الله× في قول الله عزّ وجلّ: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا}، قال: >في الركعتين ينقص منهما واحدة<(2).
ــــــ[85]ـــــــ
( ) أُنظر: المبسوط 1: 165، كتاب الصلاة، صلاة الخوف.
(2) تهذيب الأحكام 3: 300، كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف، الحديث: 5، وسائل الشيعة 8: 433، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب1، باب وجوب القصر فيها سفراً وحضراً، الحديث3، وفيه عن حريز عن زرارة.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
بدعوى أنَّ هذه الصحيحة متعرّضة لتفسير القصر المشرّع عند الخوف، فتكون معارضةً لظهور صحيحة زرارة التي نتكلّم عنها، إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ؛ لوجوه:
أوّلاً: لإعراض المشهور الذي هو كالإجماع عنها، عند من يعترف بكبرى الإعراض.
ثانياً: أنَّ الحديث وارد لتفسير الآية بالخصوص، وليس كما تُخّيل من العموم؛ وذلك لأنَّ قول الإمام×: >الركعتين< متعلّق بمحذوف تقديره: نزلت هذه الآية في الركعتين ونحو ذلك. ومن المعلوم أنَّه إذا كان المراد بالآية ذلك لا يستلزم أن يراد بصحيحة زرارة ذلك أيضاً، إلَّا بعد ضمّ القطع بوحدة التشريع فيهما. إلَّا أنَّ ذلك غاية ما ينتج التخيير من هذه الناحية أو تعرضّهما إلى شكلين من أشكال القصر يكون كلّ منهما في مورد معيّن مثلاً، ولا يوجب التعارض بينهما.
ثالثاً: أنَّ الحديث مخالفٌ للمقطوع في الشريعة؛ وذلك لأنَّها تفسّر القصر الوارد في الآية، وهو لفظ واحد يرجع إلى كلّ من السفر والخوف، فلئن كان في جانب الخوف محتمل المطابقة للواقع، فهو في جانب السفر غير محتمل المطابقة للواقع؛ لقيام التواتر والضرورة على خلافه. ومن المخالف للظاهر جدّاً أنَّها تفسّر المدلول التحليلي للتقصير بالمقدار الراجع إلى الخوف، مع احتمال استلزام استعمال اللفظ في أكثر من معنى.
رابعاً: ما ذكرناه فيما سبق من احتمال أن يراد بصحيحة حريز أنَّ الإمام يصلّي بكلِّ طائفة ركعة، فكأنَّ صلواتهما ردّت إليهما، كما عن ابن بابويه. إلَّا أنَّنا قلنا إنَّه خلاف الظاهر.
ــــــ[86]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
خامساً: أنَّ غاية ما يدلّ عليه الحديث هو شكل القصر وكيفيّته في الصلاة ذات الركعتين، ولم يتعرّض بأيّ حال لكيفيّة القصر في الصلاة الرباعية، ومن هنا يبقى الظهور على حاله بالنسبة إليها في كلّ من الآية وصحيحة زرارة، غاية الأمر يحصل نحو شمول في معنى القصر بلحاظ تفسيره في الحديث، فلابدَّ من الالتزام به مع غضّ النظر عن المناقشات الأُخرى. وبذلك نصل إلى نحو النتيجة التي حصلت للمناقشة الثانية. فتأمّل.
سادساً: ما عن الحدائق من اختصاص هذه الرواية بما إذا كان: الحال أضيق والخوف أشدّ من الحالة الموجبة للركعتين فيقتصر على الركعة(1).
ومن المعلوم أنَّ هذا مخالف للظاهر، كالحمل السابق. وقد حملها الفقيه الهمداني على التقيّة، من باب آخر الدواء الكيّ(2)، وهو فرع معرفة فتوى العامّة في ذلك ولم تُحرز.
فتحصّل أنَّ هذا الحديث ساقط؛ للمناقشة الثالثة على أقلّ تقدير، ومعه يسقط تمام مؤيّداته على تقدير الغضّ عن ضعف إسنادها.
فمنها: ما روي عن أبي جعفر محمّد بن علي× >أنَّ رسول الله’ صلّى كذلك بعسفان<(3).
أقول: يعني صلّى بالنحو الوارد في الرواية الآتية، وهي ما روي عن
ــــــ[87]ـــــــ
( ) الحدائق الناضرة 11: 269، كتاب الصلاة، تحديد القصر في صلاة الخوف.
(2) راجع مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق: 712، كتاب الصلاة، في صلاة الخوف والمطاردة…
(3) سنن أبي داود 2: 23، الرقم 1246، ط: عام 1369، ومسند أحمد بن حنبل 4: 59، والسنن الكبرى (للبيهقي) 3: 254، كتاب صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
حذيفة بن اليمان وجابر وابن عباس وغيرهم، وقال بعض الرواة: وكانت لرسول الله’ ركعتان ولكلِّ طائفة ركعة(1).
ونحوه ما عن العياشي في تفسيره عن إبراهيم بن عمر عن أبي عبد الله× قال: >فرض الله على المقيم أربع ركعات، وفرض على المسافر ركعتين تمام، وفرض على الخائف ركعة. وهو قول الله عزّ وجلّ: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا} يقول: من الركعتين[فتصير] ركعة(2).
ومن الطريف في هذه الرواية أنَّه يفرّق بين سببيّة السفر وسببيّة الخوف للقصر، مع أنَّ لفظ القصر في الآية واحد قد أُسند إلى كليهما، كما سبق أن قلنا. فيستلزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين.
ولا يُقال: إنَّ هذا اللفظ الواحد يمكن أن يكون مستعملاً في طبيعي القصر الجامع بين الأمرين.
فإنَّه يُقال: إمّا أن تؤخذ الركعة الناتجة عن الخوف >بشرط لا< عن الزيادة أو لا تؤخذ. فإن أُخذت كذلك أصبحت مباينةً للقصر بالمعنى الآخر، ولم يمكن تصوّر جامع طبيعيّ مّا بينهما. والجامع الانتزاعي لا يفيد كما هو واضح لمَن تأمّل في السياق، فيتعيّن أن يكون مستعملاً بنحو المشترك اللفظي
ــــــ[88]ـــــــ
( ) راجع المصدر السابق.
(2) تفسير العياشي 1: 255ـ 271، قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ…}، وسائل الشيعة 8: 434، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب1، باب وجوب القصر فيها سفراً وحضراً، الحديث4. وفي تفسير العياشي: >على المقيم خمس صلوات< بدل: >على المقيم أربع ركعات<.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
في المعنيين، وذلك ليس إلَّا من استعمال اللفظ فيهما معاً.
وأمّا إذا لم تؤخذ الركعة >بشرط لا< عن الزيادة، بحيث يكون للخائف أن يأتي بركعتين أيضاً، فهو إن لم يصبح عين المعنى المتعارف للقصر، فلا أقلّ من دلالته على التخيير، بعد ضمّه إلى مدلول الآية أو صحيحة زرارة، ومعه لا يكون معارضاً في نفسه لهما، إن لم يكن تخصيصه بصحيحة زرارة بتعيين أحد طرفي التخيير، وهو خصوص الركعتين. فتأمّل.
وبهذا ينتهي الكلام عن الوجه الثالث لإثبات كبرى سببيّة الخوف للقصر، وهو التمسّك بصحيحة زرارة، وقد ثبت كونها تامّة سنداً ودلالة.
وبه ينتهي المقام الأوّل في ثبوت هذه الكبرى بأدلتها الثلاثة، وقد تحصّل ثبوتها بالصحيحة بوضوح، وبالآية مع تجميع القرائن، وعدم ثبوتها بالآية الثانية.
ــــــ[89]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

ــــــ[90]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

المقام الثاني
صلاة الخوف مع الأمن في الجملة
◘ الناحية الأُولى: في صلاة ذات الرقاع
• الفصل الأوّل: في كيفيّة إيقاع الصلاة الثلاثيّة بنحو صلاة ذات الرقاع
• الفصل الثاني: شرائط صلاة ذات الرقاع
• الفصل الثالث: فروق الجماعة الاعتيادية عنها
• الفصل الرابع: جهات لابدّ من الحديث عنها
• الفصل الخامس: اتّصافها بأحكام الصلاة المنفردة وصلاة الجماعة جميعاً
• الفصل السادس: في وجوب حمل السلاح فيها، في الجملة
• الفصل السابع: صلاة ذات الرقاع والحرب بالأساليب الحديثة
◘ الناحية الثانية: في صلاة عسفان
◘ الناحية الثالثة: في صلاة بطن النخل
ــــــ[91]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

ــــــ[92]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

المقام الثاني: في الصلاة المشروعة في حال الخوف مع الأمن في الجملة، في مقابل صلاة شدّة الخوف التي يأتي التكلّم عنها في المقام الثالث.
والمراد بالصلاة المعَنْوَنة في هذا المقام في كلمات الفقهاء: الصلاة المقامة حال الحرب، مع عدم الاشتباك الفعلي في القتال، وهو المراد بالأمن في الجملة، كحال تحضير الأسلحة أو تجمّع الجيش أو توجّهه إلى مكان قريب للقتال ونحو ذلك.
وأمّا الكلام عن لزوم تحديد ذلك، أو اشتراط كون الحرب مشروعةً في الإسلام، أو شمول هذه الصلاة لغير حالة الحرب أو نحو ذلك من الأُمور فهو ممّا يأتي التعرّض له، حسب الاستفادة من الأدلّة.
والصلاة التي تقام حال الحرب مشروعةً – على ما يستفاد من الأدلّة الآتية- على كيفيّات ثلاث:
إحداها: صلاة ذات الرقاع، والأُخرى: صلاة عسفان، والثالثة: صلاة بطن النخل. وقد وردت جميعاً عن رسول الله’ أنَّه صلّاها في بعض غزواته. فيقع الكلام بهذا اللحاظ في ثلاث نواحٍ:
ــــــ[93]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

الناحية الأولى
في صلاة ذات الرقاع
وقد ذكروا في سبب تسميتها بهذا الاسم عدّة أسباب محتملة، فقيل: إنَّ القتال كان في سفح جبل فيه جدد حمر وصفر كالرقاع، وقيل: كانت الصحابة حفاة فلفّوا على أرجلهم الجلود والخرق لئلّا تحترق(1).
قال صاحب المعجم: وقيل سمّيت برقاع كانت في ألويتهم. وقيل: الرقاع اسم شجر كانت في موضع الغزوة. قال: وفسّرها مسلم في الصحيح: بأنَّ الصحابة نقبت أرجلهم من الشجر فلفّوا عليها الخرق، وهي على ثلاثة أميال من المدينة عند بئر أروما. هكذا نقله صاحب معجم البلدان بالألف. قال: وبين الهجرة وبين هذه الغزوة أربع سنين وثمانية أيّام. وقيل مرّ بذلك الموضع ثمانية حفاة فنقبت أرجلهم وتساقطت أظفارهم، فكانوا يلفّون عليها الخرق(2). انتهى ما نقلناه عن المصباح(3). ومعلوم أنَّه لا يترتّب على مثل ذلك أيُّ غرضٍ فقهيّ.
والدليل على مشروعيّة صلاة ذات الرقاع وكيفيّتها أمران رئيسيّان: آية ورواية معتبرة.
ــــــ[94]ـــــــ
( ) راجع معجم البلدان (للحموي) 3: 56 باب الراء والقاف وما يليهما.
(2) أُنظر: المصدر السابق.
(3) أُنظر: مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 713، كتاب الصلاة، في صلاة الخوف…، الكيفيّة الأُولى والثانية لصلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
1. الدليل القرآني
وهو قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا}(1).
وقد تعرّضنا لهذه الآية كدليل يمكن أن يدلّ على سببيّة الخوف للقصر، ولم تتمّ كما سلف. إلَّا أنَّنا استفدنا منها عدّة ظهورات، كان أهمّها ورودها في سياق الخوف، وارتباطها بالآية السابقة عليها إلى حدّ اتّحاد مرجع الضمير في الآيتين. وأمّا ظهورها في الركعتين وفي صلاة الجماعة، فسنكرّره في هذا الفصل بما هو متّصل بمحلّ الكلام.
الظهورات التي تتمّ بها دلالة الآية
وعلى أيّ حال، فلابدَّ من تنقيح عدد من الظهورات الأُخرى، التي تتمّ بها دلالة الآية على كيفيّة هذه الصلاة وشرائطها وأحكامها.
الظهور الأوّل: ظهور الشرط فيها بأنَّه وارد لبيان الموضوع
فلا يكون له مفهوم كما سبق أن أشرنا؛ وذلك لأنَّ المأخوذ في منطوق الشرط أمران، أشرنا إليهما فيما سبق:
ــــــ[95]ـــــــ
(1) سورة النساء، الآية: 102.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أحدهما: وجود رسول الله’ بين العسكر، وربما يعمّم إلى مطلق الصالح للإمامة على ما نذكره.
ثانيهما: إرادتهم لامتثال الحكم الشرعي الاستحبابي بإقامة الجماعة.
وحيث يكون المأخوذ في المنطوق هو مجموع هذين الأمرين؛ فإنَّ المفهوم يتصوّر بانتفاء أحدهما فضلاً عن انتفائهما معاً. ومن المعلوم أنَّه مع الانتفاء تصبح هذه الصلاة سالبةً بانتفاء الموضوع؛ لأنَّ الشرط الأوّل مأخوذ في موضوعها شرعاً، والشرط الثاني مأخوذ في موضوعها تكويناً. ومن المقرّر في محلّه أنَّ السلب بانتفاء الموضوع لا يكون مفهوماً دلاليّاً صالحاً لمعارضة الأدلّة الأُخرى.
الظهور الثاني: ظهور الآية بأنَّ الصلاة تقام جماعةً لا أنَّها تنعقد بالفرادى
[وهو] الأمر الذي لم نستطع بتقريباتٍ سابقة أن نجرّد الآية عن خصوصيّته بعد فرض ثبوته، فيُتكلَّم الآن عن ثبوت هذا الظهور في نفسه.
وهو واضح من السياق جدّاً وجداناً، على أنَّه يمكن أن تقام عليه عدّة قرائن:
القرينة الأُولى: قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} الظاهر باشتراط وجود النبي’ أو مطلق الإمام× بينهم. وهذا إنَّما يظهر له وجه معلوم مع كون المراد هو انعقاد الجماعة المشروعة في أدلّة أُخرى سابقة على هذه الآية والمعلومة لدى المسلمين عند نزولها. وأمّا لو لم يكن المراد ذلك لما كان لهذا الشرط وجه معلوم.
القرينة الثانية: قوله تعالى: {فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ}. فإنَّ الصلاة المفردة لا تكون للغير كما هو واضح عرفاً وشرعاً، وإنَّما تصدق الإقامة للغير فيما إذا كان إماماً صلّى من أجل أن يقتدي به الآخرون. وهذا واضح يكاد أن يكون كالنصِّ في المطلوب.
ــــــ[96]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
القرينة الثالثة: قوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} وقوله بعد ذلك: {فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ}، وهذا الثاني يكون قرينةً على أنَّ المراد من قيام الطائفة الأُولى قيامها للصلاة خاصّة.
وعلى أيّ حال فليس المراد بكونهم مع النبي’ مجرّد التجاور البدني في صلاة الفرادى، وإنَّما يصدق أنَّهم قائمون معه ومشتركون معه في الصلاة فيما إذا انتظموا في صلاة مشتركة هي صلاة الجماعة، وبدونه لا يمكن أن يصدق لا محالة.
وإذا ثبت ظهور الآية بصلاة الجماعة يثبت أنَّ هذه الصلاة شرّعت بهذه الصورة، وأمّا كونها شرطاً فيها فلا يستفاد من هذا المقدار من البيان، وإنَّما سنعرفه من خلال الاطّلاع على كيفيّتها التي لا تكون إلَّا بتصوّر وجود الإمام والمأمومين، فإنَّها تمثل ارتباطاً خاصّاً بينهم، وتكون بدونهم من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.
الظهور الثالث: ظهور الآية باشتراط وجود النبي’ بين عسكر المصلّين
وقد يعمّم إلى مطلق الصالح لإمامة الجماعة، أو غيره من التعميمات على ما نشير إليه.
لا إشكال أنَّ رسول الله’ هو المخاطب ابتداءً بهذه الآية، وقد وُجّه إليه ضمير الخطاب مكرّراً فيها. فهل يقتضي ذلك اختصاص إقامة هذه الصلاة به’؟ كما ذهب إليه أبو يوسف والمزني(1) تمسّكاً بظاهر وغفلة عمّا
ــــــ[97]ـــــــ
( ) أُنظر: الخلاف 1: 635، كتاب الصلاة، كتاب صلاة الخوف، مسألة (408)، والمبسوط (للسرخسي) 2: 45، باب صلاة الخوف، الهداية في شرح البداية 1: 89، باب صلاة الخوف، والمجموع (شرح المهذّب) 4: 405، باب صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
يدلّ على الخلاف، أو يعمّم إلى ما هو أزيد من ذلك؟
وقد ذكر صاحب الجواهر(1) عدّة تقريبات لتجريد الآية عن هذه الخصوصيّة نذكرها بلفظنا وبياننا:
التقريب الأوّل: استفادة المثاليّة من الآية بأن يُقال: إنَّ المفهوم عرفاً من سياق الآية هو تشريع هذه الصلاة جماعة، وصلاة الجماعة تنعقد -كما هو المعروف لدى المسلمين حتّى في ذلك الحين- بمطلق الإمام لا بخصوص النبي’، فمن هنا يفهم العرف عدم اختصاصها به’، وإنَّما ذكر بخصوصه لعدم انفكاكه عنه غالباً في تلك الأوقات أو لأنَّه حال حضوره’ معهم أنَّهم لا يصلّون فرادى غالباً كما يعبِّر صاحب الجواهر.
التقريب الثاني: أنَّنا بعد أن عرفنا – فيما سبق- انعقاد سياق الآية على أنَّها واردة مورد الخوف، نقول: إنَّ المفهوم عرفاً من هذا السياق هو تشريع هذه الصلاة في حالة الخوف، ومع كون المدار هو الخوف تلغى خصوصيّة اشتراط كون النبي’ معهم كما هو واضح.
التقريب الثالث: أنَّ المنساق عرفاً من الآية هو كون تشريع هذه الصلاة لأجل التسهيل والتخفيف على المسلمين في حالة الخوف. وعليه فلابدَّ أن يكون هذا الملاك ثابتاً في كلّ خوف يقع فيه المسلمون في الحرب أو في غيرها -إذا استظهرنا التعميم- وليس هذا الأمر خاصّاً بزمان رسول الله’ أو مشروطاً بوجوده.
وهذا التقريب ممّا يمكن أن يذكر على ضوء عبارة الجواهر، وإن لم يذكر هناك.
ــــــ[98]ـــــــ
( ) راجع جواهر الكلام 14: 156، وما بعدها، كتاب الصلاة، كيفيّة صلاة الخوف والمطاردة.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
التقريب الرابع: هو ضمّ دليل التأسّي إلى هذه الآية، فيدلّ على مشروعيّة هذه الصلاة بالنسبة إلى سائر المسلمين.
ولا يخفى أنَّه إنَّما يتمّ في غير مختصّات النبي’ من الأحكام، وكون هذه الصلاة ممّا لم يثبت كونها من مختصّاته أوّل الكلام وعين الدعوى؛ ضرورة أنَّ مدّعي الاختصاص يرى ظهورها في ذلك، فيكون هذا الظهور دليلاً اجتهادياً على الاختصاص، ومعه كيف يعمّم بدليل التأسّي؟
نعم، بعد ضمّ الفهم العرفي بالتجريد عن الخصوصيّة يمكن أن يتمّ ذلك، إلَّا أنَّه معه يمكن الاكتفاء بذلك التقريب بلا حاجة إلى دليل التأسّي.
التقريب الخامس: ضمّ ما دلَّ على اشتراك المسلمين في الأحكام، الذي يسمّيه في >الجواهر< بأصالة الاشتراك(1)، فيدلّ ذلك على تعميم حكم هذه الصلاة إلى سائر المسلمين.
ويرد على هذا التقريب عين ما أوردنا على التقريب السابق لفظاً بلفظ، فلا يكون تامّاً.
وقد أورد صاحب >الجواهر< على تقريبه هذا إشكالين ونفاهما مؤذناً بعدم التزامه بنتيجتهما(2):
أحدهما: أنَّنا علمنا من ظهور الآية كون النبي’ هو المورد لهذه الآية، ومعه كيف يمكن التعميم؟
ويردّه: أنَّ أصالة الاشتراك كافيةٌ لتجريد المورد عن الخصوصيّة وتعميم الحكم، بعد العلم بأنَّ المورد لا يخصّص الوارد.
ــــــ[99]ـــــــ
(1) راجع المصدر السابق.
(2) راجع المصدر السابق.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ثانيهما: أنَّ مفهوم قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} دالٌّ على عدم مشروعيّة هذه الصلاة بدونه شخصيّاً، فيكون هذا معارضاً لمدلول أصالة الاشتراك.
ويردّه: أنَّه من الواضح أنَّ ثبوت هذا المفهوم فرع عدم جريان أصالة الاشتراك في المنطوق، فلا يكون معارضاً لها. على أنَّنا قلنا بعدم ثبوت هذا المفهوم في نفسه لورود الشرط مورد بيان الموضوع.
إلَّا أنَّ كل هذا إنَّما يتمّ بعد فرض عدم ظهور الآية بالاختصاص كما قلناه؛ إذ معه لا يمكن جريان أصالة الاشتراك كما هو واضح.
التقريب السادس: ضمّ ما دلَّ على أنَّ أمير المؤمنين× أقام هذه الصلاة ليلة الهرير(1)، وما دلَّ على أنَّ حذيفة بن اليمان أقامها بطبرستان(2)، وهو يدلّ على عدم اختصاصها بالنبيّ’ كما هو واضح، بعد إحراز حجّيّة فعل مَن أقامها كأمير المؤمنين×، وعدم احتمال اختصاصها بالمعصومين لإقامة حذيفة لها، وعدم دلالة الآية على مثل ذلك.
وهذا الدليل تامٌّ بعد تسليم صغراه، إلَّا أنَّ الكلام في ثبوت السند التاريخي لإقامة هذه الصلاة في هذه المواطن، فإنَّه على الأغلب لا يكون معتبراً، ولا أقلّ من الشكِّ في ذلك.
التقريب السابع: ضمّ الإجماع محصّلاً ومنقولاً عنّا وعن أكثر الجمهور على عدم الاختصاص، إلَّا أنَّه من الظاهر أنَّ هذا الدليل لا يمكن أن يقوم تجاه
ــــــ[100]ـــــــ
( ) راجع الكافي 3: 458، كتاب الصلاة، أبواب السفر، باب صلاة المطاردة والمواقفة والمسايفة، الحديث: 2، وسائل الشيعة 8: 443، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب4، باب كيفيّة صلاة المطاردة والمسابقة…، الحديث: 8.
(2) راجع سنن أبي داود 2: 23، الرقم 1246. (ط 1469).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الظهور المدّعى للآية، إلَّا إذا كان قطعيّ المطابقة للواقع. وأمّا مسألة تتميم الظهور بالإجماع أو وهنه به، فهذا ما لا نقبله كبروياً كما ثبت في محلّه(1).
التقريب الثامن الذي يمكن أن يذكر في المقام: هو ضمّ أدلّة الجريان إلى مدلول الآية، وهي الأخبار الدالّة على أنَّ القرآن يجري في المسلمين كما يجري الشمس والقمر، وأنَّ الآية في القرآن لو كانت خاصّة بموردها فلو انتفى المورد لماتت الآية ولمات القرآن على ما أتذكّر من تعبيرها(2)، وقد ذكروا أنَّ من هذه الأخبار ما هو معتبر سنداً(3).
ومن المعلوم أنَّ لسان هذه الأخبار هو لسان النظر والحكومة إلى تمام مداليل القرآن، فإنَّها تنفي اختصاص كلّ الآيات بأمرٍ معيّنٍ من مواردها،
ــــــ[101]ـــــــ
( ) راجع أجود التقريرات 2: 161، المقصد السادس في الأمارات، المقام الثاني في وقوع التعبّد في الأمارات، فصل ممّا ثبت حجّيّته بالخصوص بالخبر الواحد، التنبيه الثالث، الأمر الثالث.
(2) راجع ذلك في تفسير العيّاشي 2: 203، الحديث: 6، وفيه: عن عبد الرحيم القصير قال: كنت يوماً من الأيّام عند أبي جعفر× فقال: >يا عبد الرحيم< قلت: لبّيك، قال: >قول الله: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}؛ إذ قال رسول الله’: أنا المنذر وعلي الهاد، ومَن الهاد اليوم؟< قال: فسكتُّ طويلاً ثمَّ رفعت رأسي فقلت: جُعلت فداك هي فيكم توارثونها رجل فرجل حتّى انتهت اليك، فأنت – جُعلت فداك- الهاد؛ قال: >صدقت يا عبد الرحيم، إنَّ القرآن حيّ لا يموت، والآية حيّة لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في الأقوام ماتوا فمات القرآن، ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين، … إنَّ القرآن حيّ لم يمت وإنَّه يجري ما يجري الليل والنهار، وكما تجري الشمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أوّلنا<.
(3) راجع التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 20، كتاب الطهارة، فصل في المياه، طهوريّة الماء المطلق، الجهة الثالثة.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وتعمّمها كقوانين عامّة على سائر المسلمين، فتكون هذه الصلاة صغرى لذلك، فتكون عامّة على سائر المسلمين.
لا يُقال: إنَّ هذا خاصّ بالآيات التي لم يُؤخذ فيها المورد لفظاً، بل كان سبب نزولها مستقلاً عن سياقها، وأمّا إذا أُخذ المورد فيها لفظاً، كما هو الحال في محلّ الكلام، فلا يكون مشمولاً لهذه الأخبار؛ لدلالة الآية بنفسها على القيد به.
فإنَّه يُقال: إنَّ معنى النظر والحكومة التي استفدناها لهذه الأخبار هي كونها مفسدة لها ونافية لظهورها بقيديّة المورد، لو كانت ظاهرة في ذلك. فيكون ظهور الآية في محلِّ الكلام بالاختصاص محكوماً لهذه الأخبار، ومعلوم المخالفة مع الواقع.
وهذا الوجه لا يبعد تماميّته على تقدير تماميّة هذه الأخبار سنداً كما قيل. ولم أستطع أن أجدها في المصادر المتوفّرة لأجل تجديد النظر في ذلك. والأمر في ذلك هيّن بعد تتميم دلالة الآية بنفسها على التجريد بالتقريبات الثلاثة الأُولى.
وإذا انتفت خصوصيّة النبي’ بصفته نبيّاً، وهو القدر المتيقّن من التجريد، فماذا يبقى عندنا من الخصوصيّات؟ لا شكَّ أنَّه تجب المحافظة على خصوصيّة إمام الجماعة بما له من الشرائط المعروفة بالأدلّة الأُخرى. ولا يمكن تجريدها بعد فرض صحّة صلاة الجماعة التي تقام في الحرب، فإنَّه يستفاد من تلك الأدلّة بطلانها عند عدمها، بعد كون هذه الصلاة صغرى لتلك الأدلّة، ومنطبقاً للعنوان المأخوذ فيها، وهو صلاة الجماعة.
يبقى بعد ذلك احتمال اشتراط كونه معصوماً واحتمال كونه قائداً للجيش، واحتمال كونه قائداً معصوماً. فإنَّ النبي’ كان كذلك حال إقامته للصلاة، فبعد تجريد المورد عن خصوصيّة النبوّة يحتمل بقاء مثل هذه
ــــــ[102]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الخصوصيّات غير قابلة للتجريد.
وخلاصة القول في ذلك: أنَّنا إذا أخذنا بأحد التقريبات الأخيرة من الرابع فما بعده، فهي بنفسها تنفي هذه الاحتمالات جملةً وتفصيلاً، فإنَّها تنافي اشتراك سائر المسلمين بالأحكام وتأسّيهم بالنبي’ في أفعاله، والإجماع على جواز هذه الصلاة لسائر المسلمين ونحوها من الأدلّة، فتكون منفيّةً بنفس هذه التقريبات.
إلَّا أنَّنا ناقشنا في كلِّ هذه التقريبات، وإنَّما تمّت لدينا التقريبات الثلاثة الأُولى التي ترجع إلى مفاد الآية. ومعه لا يمكن التمسّك بإطلاق الآية لإثبات التجريد، بعد فرض كونه فرع التجريد ومترتّباً عليه، فلابدَّ من محاسبة هذه الاحتمالات في أنفسها.
أمَّا احتمال كونه معصوماً فهو منتفٍ أساساً؛ لعدم دخله شرعاً في إمامة الجماعة ولا في قيادة الجيش ولا في رئاسة الدولة الإسلاميّة، ومعه لا يحتمل عرفاً أخذه في الدليل، مع إمكان دلالة الدليل على غيره، مضافاً إلى ما يرد على الاحتمال الآخر الذي سنذكره.
وأمّا احتمال كونه قائداً للجيش، فهو منتفٍ أيضاً؛ لكونه مدلولاً تحليليّاً غير متعيّن، مع انحصار التعيّن في غيره.
توضيح ذلك: أنَّنا قلنا إنَّه ممّا لابدَّ منه المحافظة على خصوصيّة شرائط إمام الجماعة، ويشكّ بوجود قيود أُخرى كالذي نتكلّم عنه فعلاً. وبناءً عليه يكون للّفظ قدراً متعيّناً من الدلالة، بعد التجريد عن ظاهره، مع احتمال أُمور أُخرى لا معيّن لها في نفسها، كاحتمال كونه معصوماً أو قائداً للجيش، وفي مثل ذلك يفهم العرف من اللفظ معناه المتعيّن دون المعاني غير المتعيّنة لا محالة.
ــــــ[103]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وبعبارة أُخرى: إنَّ عدم تعيّنها أو عدم تعيّن اللفظ لها، يمنع من أن يكون ظاهراً فيها، بل هو يكون ظاهراً في ما هو المتعيّن، وهو شرائط إمام الجماعة، فيتعيّن الأخذ بها.
وإذا انتفى هذان الاحتمالان ينتفي احتمال كونه قائداً معصوماً، فإنَّه ينتفي بانتفاء أحد العنوانين، فضلاً عن كليهما، ولا يبقى إلَّا دعوى أنَّه أقرب المجازات بعد تعذّر الحقيقة؛ لأنَّه أخصّ العناوين بعد التجريد السابق، بخلاف أحد العنوانين بمجرّده، فإنَّه ليس كذلك كما هو واضح، وكلّما دار الأمر بين المجاز القريب والبعيد تعيّن القريب لا محالة.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ:
أما أوّلاً: فلأنَّه وإن كان أخصّ العناوين بعد التجريد كما ذُكر، إلَّا أنَّ الأخصيّة في عالم المفاهيم والتصوّر العقلي شيءٌ وكونه أقرب المجازات إلى الحقيقة شيءٌ آخر، فإنَّ المراد من أقرب المجازات هو أقلّها احتياجاً إلى القرينة، أو ما يكتفى فيها بأقلِّ مقدار من المسامحة. ومن المعلوم أنَّ القرينة التي قامت على التجريد متساوية النسبة إلى سائر الاحتمالات الأُخرى، وليس هناك إلَّا الأخصيّة في عالم المفاهيم التي لا تعطيها أولويّة بحسب الفهم العرفي.
وأمّا ثانياً: فلأنَّ الأمر ليس دائراً بين الأخذ بأيّ المجازات، بلا تعيين ليتعيّن الأخذ بالأقرب – إن تمّت الكبرى- وذلك لما قلنا من تعيّن أحد المعاني بخصوصه وهو شرائط إمامة الجماعة، وعدم قيام القرينة على غيره، فيتعيّن الأخذ بما هو المتعيّن لا محالة.
فتحصّل: أنَّ التعميم من خصوصيّة النبي’ إلى كلِّ شخصٍ صالحٍ للإمامة هو الصحيح.
ــــــ[104]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ومن ثمَّ لا يتعيّن أن يكون المقيم لهذه الصلاة في الحرب هو القائد نفسه، بل لشخصٍ آخر أن يقيمها بإذنه أو بدونه، كما أنَّ هذا يكون من المقدّمات المهمّة لبعض المطالب الآتية، كعدم اختصاص هذه الصلاة في حالة الحرب وغيرها.
ولا يخفى أنَّ مَن يقول بعدم اختلاف هذه الصلاة عن الجماعة الاعتياديّة، بحيث يمكن الإتيان بها في حالة الأمن أيضاً كما يصرّح به الفقيه الهمداني(1)، فهو في فسحة من هذه الناحية، ويتعيّن عليه الأخذ بما اخترناه ابتداء؛ لعدم دخل أيّ من العناوين الأُخرى في شرائط إمامة الجماعة.
الظهور الرابع: ظهور الآية بإيقاع الصلاة في حالة الحرب
وهذا واضح منها تمام الوضوح؛ لعدّة قرائن تجعلها نصّاً في ذلك:
أحدها: ارتباطها بالآية السابقة عليها وترتّبها عليها كما سبق أن قلنا. وقد مُهّد لها في الآية الأُولى بقوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا}، والفتنة المشار إليها هو الحرب لا محالة، أو أنَّه أخصّ أنحائها كما ورد: كفى في السيف فتنة.
ثانيها: ظهور اتّحاد مرجع الضمائر في الآيتين كما سبق، فإنَّها تدلّ على أنَّ المحاربين المدلول عليهم بالآية الأُولى هم المأمورون بقوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ}، وبالتالي هم الذين شرّعت في حقّهم هذه الصلاة.
ــــــ[105]ـــــــ
( ) راجع مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق 2: 714، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع في صلاة الخوف، الفرق بين صلاة الخوف والجماعة.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ثالثها: أمر كلٍّ من الطائفتين بحمل أسلحتهم حال الصلاة.
رابعها: الأمر بالمحارسة، على ما نشير إليه في محلّه.
خامسها: الأمر بالحذر من هجوم الكفّار عليهم وميلهم ميلةً واحدة. وكلّ ذلك دالٌّ بالنصِّ على كون الصلاة مشروعةً حال الحرب كقدرٍ متيقّنٍ لهذا التشريع.
إلَّا أنَّ الكلام يقع في إمكان تجريد هذه الصلاة عن هذه الخصوصيّة الأكيدة الواضحة، بحيث يمكن إقامتها في مطلق أحوال الخوف، أو لا يمكن.
ولا يخفى أنَّ الفقيه الهمداني في فسحة من هذه الناحية؛ لأنَّه يرى اتّحاد شرائطها مع صلاة الجماعة الاعتياديّة، بحيث يمكن إقامتها في حال الأمن أيضاً، فضلاً عن مطلق أحوال الخوف(1).
ولا يُقال: إنَّ هذا فرع عدم اشتراط خصوصيّة الحرب.
فإنَّه يُقال: كلّا، فإنَّ نظره+ إلى عدم اختلاف هذه الصلاة عن الجماعة الاعتياديّة في شرائطها الداخليّة، بحيث لو أتى بها في حال الأمن لا تبطل صفة الجماعة فيها، وهذا أمرٌ مقدّمٌ على اشتراط الحرب وملغٍ له كما هو واضح.
وإنَّما ينفتح الكلام في ذلك بناءً على إنكار هذا المبنى، والالتزام باختلافها عن الصلاة الاعتياديّة، وثبوتها تعبّداً في حال مخصوص، وما يمكن أن يُقال من القرائن الدالّة على إلغاء خصوصيّة حال الحرب عن تشريع:
ــــــ[106]ـــــــ
( ) راجع مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 714، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، الفرق بين صلاة الخوف والجماعة.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
القرينة الأُولى: ما ذكرناه في الآية الأُولى من تجريد الخوف المذكور فيها عن خصوصيّة كونه ناشئاً من فتنة الكفار وحربهم، وحيث ثبت أنَّ هذا المقطع من الآية الأُولى هو تمهيد للآية الثانية، فيكون ما هو التمهيد هو ذكر مطلق الخوف لا ذكر خصوص الحرب.
إلَّا أنَّ هذا لا يكاد يكون تامّاً؛ لما قلناه من أنَّ ذلك التجريد لا ينافي المقدّميّة للآية الثانية بحالة الحرب نفسها بصفتها المورد المذكور في اللفظ، فإنَّه يكون كافياً في التقديم، ومعه لا يتعيّن أن يكون ما هو المقدّمة مجرّداً عن الخصوصيّة.
القرينة الثانية: ما ذكرناه من أنَّ العرف يفهم من سياق الآية: أنَّ الصلاة إنَّما شرّعت لأجل الخوف، وأنَّ المدار هو الخوف نفسه، وحينئذٍ تلغى خصوصيّة الحرب ويُعمّم إلى سائر أسباب الخوف.
ولا يُقال: إنَّ خصوصيّة الحرب شديدة وأكيدة في الآية، فكيف يمكن تجريدها بمجرّد ذلك؟
فإنَّه يُقال: إنَّ الشدّة والتأكيد لم يستفد إلَّا من التكرار في الآية بذكر مورد الحرب بألفاظ مختلفة، وهذا لا يزيد على كون الحرب مورداً للتشريع، وناشئاً منه.
وأمّا كونه قيداً له فهو أوّل الكلام. ومن المعلوم أنَّه بعد أن يكون المدار عرفاً هو الخوف فإنَّه تلغى قيديّة حالة الحرب لا محالة.
نعم، لو لم نستطع في الظهور السابق أن نلغي خصوصيّة كون الإمام قائداً للجيش، أشكل الأمر في المقام. ولكنّنا توصّلنا إلى إلغاء هذه الخصوصيّة، فيكون مؤيّداً لما ذكرناه الآن من إلغاء خصوصيّة الحرب.
ــــــ[107]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أقول: ولا يبعد تماميّة هذا الظهور بالقرينة الثانية، وبناءً عليه يمكن إقامة هذه الصلاة في سائر أنحاء الخوف وأسبابه، وإن خالفت في أحكامها صلاة الجماعة الاعتياديّة.
الظهور الخامس: ظهور الآية في كون إقامة هذه الصلاة جائزة لا واجبة
أو بتعبير آخر: في كون صلاة الجماعة أمراً اختياريّاً لهم إيجاده ولهم تركه، وإن كان الأفضل إيجاده أخذاً بالاستحباب العامّ السابق على هذا التشريع لأصل صلاة الجماعة، وليس في الآية أيُّ حثٍّ وترغيب في إقامتها. وإنَّما تتكفّل بيان أحكامها وشرائطها على تقدير إرادة إيجادها. وقد سبق أن قلنا إنَّ هذا أمر لا استحالة فيه؛ لعدم توقّف هذا التشريع [على] محض الإرادة، بل على الإرادة المنضوية تحت الاستحباب الشرعي، وبالتالي على الاستحباب نفسه.
ويستفاد ذلك من قوله تعالى: {فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ} الظاهر بكون إقامة الصلاة أمراً اختياريّاً لا إلزام فيه. كما أنَّ الألف واللام في الصلاة عهد إلى الصلاة المعروفة عندهم قبل هذا التشريع، ممّا كان يقيمها النبي’ حال الأمن، وهي صلاة الجماعة، وهذا كلّه واضحٌ لا غبار عليه.
ومن هنا يمكن لبعض الجيش أو لجملة من الخائفين أن لا يشترك في صلاة الجماعة المقامة، بل له أن يصلّي وحده، ولا يلزم من ذلك محذور إلَّا مخالفة الأدب والاستحباب الإسلامي.
نعم، ممّا لا شكَّ فيه أنَّ نفس تشريع هذه الصلاة في حالة الحرب أو الخوف، خاصّة مع الإلزام بمخالفة شرائطها لصلاة الجماعة في الأمن، واعتبارها أمراً تعبديّاً للخوف، فيكون نفس تشريع هذه الصلاة بعد ضمّه إلى الأمر الاستحبابي الأصلي بإقامة صلاة الجماعة قرينةً على تأكّد هذا
ــــــ[108]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الاستحباب وأهميّته بنظر الشارع الإسلامي، بحيث لا ينبغي تركه حتّى في حالة الحرب والخوف، ولو برفع اليد عن بعض شرائطه الأصليّة وأحكامه.
إلَّا أنَّ هذا التأكّد لا يسري إلى هذه الآية كقوله: {فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ} أو قوله: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ}؛ لأنَّه في طول الآية على الفرض، ومع سرايته إلى الآية تكون هي في طوله، فتستحيل هذه السراية، إلَّا أنَّ هذه الاستحالة لا تؤثّر في تقليل أهميّة الصلاة المقامة في الحرب؛ لأنَّها وإن لم تكتسب أهميّتها من هذه الآية، فإنَّها تكتسبها من الأمر الأصلي بإقامة صلاة الجماعة الذي أُقيمت القرينة على تأكده وأهميّته، فإنَّها بنفسها امتثال له كما هو واضح.
الظهور السادس: [وجود] عدّة أوامر في الآية الكريمة يختلف حالها باختلاف متعلّقها
وتنقسم من هذه الناحية إلى ثلاثة أقسام: استحبابيّ ووجوبيّ وإرشاديّ.
• القسم الأوّل: ما يرجع إلى الأمر بأصل انعقاد الصلاة والتحاق المصلّين بها، وهي قوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ}، وقوله تعالى: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ}.
ومثل هذه الأوامر لا تفيد إلَّا الاستحباب، بالرغم من أنَّ ظاهر صيغة (افعل) في الوجوب؛ لقيام القرينة على صرفها عن هذا الظهور، وهي ما قلناه: من ترتّبها على إرادة امتثال الأمر الاستحبابي الأصلي بإقامة صلاة الجماعة، ومعه لا يمكن أن تزيد هذه الأوامر على ذلك الأمر في الدلالة، فيتعيّن حملها على الاستحباب لا محالة. بما فيها الأمر بأن تأتي الطائفة الثانية، فإنَّ الإتيان مقدّمةٌ للأمر الاستحبابي فلا يكون إلَّا مستحبّاً.
لا يُقال: إنَّنا سنلتزم بوجود أوامر تدلّ على الوجوب في الآية، ومعه فإنَّ
ــــــ[109]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وحدة السياق تقتضي دلالة هذه الأوامر على الوجوب أيضاً.
فإنَّه يُقال: إنَّ القرائن السياقيّة محكومة للقرائن اللفظيّة؛ لانعقادها عند عدمها كما هو واضح، والمفروض قيام القرينة اللفظيّة الداخليّة والخارجيّة على استحباب هذه الأوامر. وهي غير شاملة إلَّا للأوامر المربوطة بأصل انعقاد الصلاة.
• القسم الثاني: الأمر بأخذ الأسلحة مرّتين في الآية، وخاصّة الأمر الأوّل منهما، فإنَّه ظاهر بالوجوب، ولا قرينة تقتضي الحمل على خلاف هذا الظاهر، فإنَّ ما يتخيّل كونه قرينة على ذلك أُمور:
أحدها: وحدة السياق مع الأوامر التي قامت القرينة على استحبابها، فيجب أن تحمل هذه الأوامر على الاستحباب أيضاً.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ، فإنَّ وحدة السياق إنَّما تتمّ قرينيّتها مع عرضيّة الأوامر، لا مع طوليّتها، وفي المقام الطوليّة محرزة. فإنَّ المطلوب هو حمل الأسلحة في أثناء الصلاة، وإن كان البدء بحملها قبلها، فهي في طول إقامة الصلاة، ومعه لا تكون وحدة السياق مؤثّرة عرفاً في حمل الأمر الطولي على الاستحباب.
وهذا يكاد أن يكون تامّاً، وإن كان في النفس منه شيء.
ثانيها: كون الأمر بأخذ السلاح وارداً في مقام توهّم الحضر، فإنَّه من المحتمل المنع عن حمل السلاح في الصلاة فورد هذا الأمر بالإذن فيه. ومن المقرّر في محلّه أنَّ الأمر الوارد في مقام توهّم الحضر لا يدلّ إلَّا على الجواز(1).
ــــــ[110]ـــــــ
( ) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 2: 117-118، مباثح الدليل اللفظي، المقصد الأوّل في الأوامر، الجهة السادسة: دلالة الأمر في مورد الحضر.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وهذا ممّا ذكره الفقيه الهمداني ومنع صحّته(1)، ولعلَّ نظره في ذلك هو منع الصغرى، وذلك بأن يُقال: إنَّ الحضر لم يكن متوهّماً، فإنَّ الأمر متعلّق بحمل السلاح بمقدار لا يمنع عن الإتيان بأفعال الصلاة، وهو معلوم الجواز عند المسلمين. ولا يراد به حمل كلّ الأسلحة كما يأتي.
أقول: ولا يبعد تماميّة هذه المناقشة.
ثالثها: قياسها على أوامر الطبيب المعرّاة عن المولويّة، فإنَّ كلا النحوين من الأوامر واردةٌ للإرشاد إلى حفظ النفس ودفع الضرر.
وهذا أيضاً ممّا ذكره الفقيه المشار إليه(2)، واستبعده نظراً إلى منع صحّة هذا القياس. وكأنَّ نظره إلى منع كون مطلق الأوامر المقتضية للمحافظة على النفس ونحوها للإرشاد، حتّى لو كانت ظاهرة بالمولويّة في نفسها. وإلَّا لكان حرمة قتل النفس وحرمة قتل المؤمن ونحوها، من الأوامر الإرشاديّة التي لا عقاب عليها. وهو خلاف الإجماع وارتكاز المتشرّعة بلا إشكال.
وإنَّما حملت أوامر الطبيب ونحوها على الإرشاد لعدم إمكان حملها عقلاً على المولويّة، وإلَّا فهي في نفسها ظاهرة في الوجوب كسائر الأوامر، فتأمّل.
رابعها: ما ذكره+ أيضاً من كون الأمر مسوقاً للبعث إلى تحصيل هذه المصلحة -يعني حفظ النفس- التي هي راجحٌ عقليّ. وذكر أنَّ هذا لا يقتضي صرفه عن ظاهره من الوجوب، وهذا صحيح، وإلَّا للزم حمل سائر الأوامر والنواهي في الشريعة على الإرشاد؛ للعلم بوجود المصلحة لها، وكونُها
ــــــ[111]ـــــــ
( ) أُنظر: مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 716، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، الكيفيّة الثالثة لصلاة الخوف.
( ) أُنظر المصدر السابق.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
مصلحة معلومة لنا أو كونُها مصلحة يحسن الأخذ بها عقلاً لا ينافي ظهورها بالوجوب أيضاً؛ للنقض بكثير من الأوامر الشرعيّة المشتملة على مثل ذلك، مع عدم إمكان حملها على الإرشاد، كالأوامر التي ذكرناها في القرينة السابقة بنفسها.
ثُمَّ أورد على نفسه دعوى عدم مناسبة الأمر بهذه المصلحة العقليّة، إلَّا مع الاستحباب. ثمَّ أجاب بمنعه قائلاً: فإنَّه بمنزلة ما لو أمر رئيس العسكر جنده بأن لا يفارقوا سلاحهم حتّى في حال النوم، استظهاراً في التوقّي من كيد أعدائهم، فإنَّ المتبادر ليس إلى الوجوب. وفي الحقيقة أنَّ هذه الدعوى مع جوابها قائمان على مجرّد الاستظهار، والعمدة هو ظهور الصيغة في الوجوب مع عدم قابليّة هذه القرينة على رفع اليد عنه.
خامسها: وهو مختصّ بالأمر الثاني بحمل السلاح الوارد في قوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}.
وذلك بأن يُقال: إنَّنا إذا قلنا بالوجوب المولوي لأخذ الحذر فلا إشكال، فإنَّ هذا الأمر يكون مستعملاً في الوجوب بكلا متعلّقيه، وأما إذا حملنا الأمر به على الإرشاد على ما نبحث فيه، فيشكل الأمر في حمل الأمر بأخذ الأسلحة على الوجوب جدّاً؛ لاستحالة استعمال الهيئة الواحدة في معنيين متباينين، كما ثبت في محلّه، فيتعيّن حمله على الإرشاد أيضاً.
ويمكن الإجابة على ذلك بهذا البيان:
وهو أن يُقال: إنَّ العطف إنَّما يكون على تقدير تكرار العامل، ومع تكراره يرتفع الإشكال بلا إشكال؛ لأنَّه قائم على فرض وحدة الهيئة ومع تكراره لا تكون وحدة.
ــــــ[112]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إلَّا أنَّ هذا الوجه غير كافٍ بهذا المقدار. فإنَّ ما طرق سمعك من تقدير تكرار العامل، وإن زعمه النحويّون وأضرابهم تقديراً لفظيّاً(1)، إلَّا أنَّه في الحقيقة تقدير بحسب المعنى وواقع المراد، وتكون كلّ الأُمور المتعاطفة مسندةً إلى الفعل ابتداء بحسب ظاهر اللفظ. إذن فلا تعدّد في الهيئة من جهة اللفظ، فيبقى الإشكال على حاله.
إلَّا أنَّه يمكن أن يعمّق هذا الوجه بتقريبين لضرورة التقدير، ومع التقدير يرتفع الإشكال بلا إشكال.
• التقريب الأوّل: أنَّنا بدون التقدير نقع بنحو تلك الاستحالة لا محالة.
وذلك: بالنسبة إلى مادّة الفعل وهي الأخذ، فإنَّها مستعملة على الحقيقة بالنسبة إلى أخذ السلاح، ومستعملة على نحو المجاز بالنسبة إلى أخذ الحذر، كما هو واضح. واستعمال اللفظ في معنيين من هذا القبيل محال، ولا يختصّ ذلك بالهيئة كما كان في أصل الإشكال.
ولا جامع بين الحقيقة والمجاز ليدَّعى استعمال المادّة فيه؛ لتنافيهما الذاتي من حيث توقّف أحدهما على عدم القرينة والآخر على وجودها. فيتعيّن المصير إلى التقدير وإن كان خلاف الظاهر.
• التقريب الثاني: أنَّنا بدون التقدير نقع باستحالة أُخرى لا محالة، لعلّها أشدّ من تلك الاستحالتين.
وذلك: أنَّ هيئة الفعل تكون مسندةً إلى أمرين في عرض واحد، ومن المعلوم أنَّ الهيئة معنىً حرفيٌّ وحدانيّ، كما ثبت في محلّه، ولا تقوم إلَّا بوجود طرف آخر، ومن الضروري أن يكون الطرف الآخر واحداً أيضاً؛ لاستحالة
ــــــ[113]ـــــــ
(1) راجع مفاتيح الأُصول: 28، حيث تطرّق إلى جميع الأقوال، وما يُقال حول ذلك.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
تعلّق الأمر الوحداني بطرفين عرضيّين. وإذ نجد الهيئة مسندةً في اللفظ إلى أمرين، لابدَّ من ارتكاب إحدى مخالفات ثلاث تتعيّن واحدة منها بعد فساد الأخريين:
إحداها: أن نتصوّر الهيئة مستعملةً في جامع الطلب، وهذا مضافاً إلى كونه محالاً في نفسه؛ لاستحالة تصوّر الجامع بين المعاني الحرفيّة كما ثبت في محلّه(1)، فإنَّه لا يحلّ الإشكال أيضاً؛ لأنَّ الجامع الحرفي لا يخرج عن كونه أمراً وحدانيّاً يستحيل أن يتعلّق بطرفين في عرض واحد.
ثانيتها: دعوى أنَّ الطرف الآخر ليس متعدّداً، وإنَّما هو الجامع بين الأمرين الحذر والسلاح، فيكون الطرف واحداً وترتفع الاستحالة لا محالة.
إلَّا أنَّ هذا أيضاً لا يتمّ، فإنَّه إن أُريد بالجامع الجامع الطبيعي، فهو غير موجودٍ بينهما مباشرة؛ إذ لا تجمعهما إلَّا الأجناس العالية، بنحوٍ إذا اقتصرنا عليه حصل خلاف المقصود لا محالة. وإن أُريد به الجامع الانتزاعي فليس ذلك إلَّا عنوان أحدهما، ومن المعلوم أنَّه خلاف المقصود؛ إذ المراد الأمر بأخذ كلا الأمرين لا أحدهما دون الآخر.
ثالثتها: هو التكرار المدَّعى، فيتعيّن بعد انحصار الأمر به، وإن كان مخالفاً للظاهر أيضاً.
وإذا تعيّن التكرار لم يبقَ إشكال إلَّا مسألة وحدة السياق، فإنَّ الأمر بأخذ السلاح هنا مقترن مع الأمر بأخذ الحذر، وحيث ان المفروض أن الأمر بالحذر إرشادي، فلابدَّ أن يكون الأمر الآخر إرشاديّاً أيضاً؛ لظهور السياق في ذلك.
ــــــ[114]ـــــــ
(1) راجع بحوث في علم الأُصول 1: 227، مباحث الدليل اللفظي، البحوث التحليليّة اللفظيّة، الحروف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إلَّا أنَّ هذا واضح الدفع؛ وذلك للقطع بعدم الفرق بين حكم الطائفة الأُولى والطائفة الثانية بالنسبة لأخذ السلاح في الصلاة، وقد سبق أن حملنا الأمر الأوّل بأخذ السلاح على الوجوب، فيتعيّن حمل الأمر الثاني على الوجوب أيضاً. ومن المعلوم أنَّ وحدة السياق إنَّما تؤثّر عند عدم القطع بمخالفتها للواقع.
فتحصّل أنَّ المتعيّن هو حمل الأمر بأخذ السلاح لكلتا الطائفتين على الوجوب.
ويقوّي هذا الحمل جدّاً – بل يعيّنه- الإذن المتأخّر بعدم حمل السلاح لمن به أذى من مطرٍ أو مرضٍ في ذيل الآية؛ إذ لو كان المراد من الأمر بحمله مجرّد الاستحباب لما كان للإذن بعدمه وجه، خاصّة مع تخصيصه بحال الضرورة والحرج، فهذا يكشف بنحو الإنّ بأنَّ المراد من الأمر السابق هو الوجوب.
ولا يُقال: إنَّ الأمر يدور بين قرينتين، إمّا وحدة السياق التي ذكرناها على فرض تماميّتها، وإمّا هذا الإذن بعدم حمل السلاح الذي ذكرناه، ولا مرجّح لإحدى القرينتين على الأُخرى.
فإنَّه يُقال: إنَّنا قلنا أنَّ القرينة اللفظيّة حاكمةٌ على قرينة السياق، وما ذكرناه قرينةٌ لفظيّةٌ كما هو واضح، فيتعيّن حمله على الوجوب.
ولا يخفى أنَّ هذا الإذن راجع إلى كلا الأمرين بحمل السلاح، كما هو واضح، فيتعيّن حملهما معاً على الوجوب، وقد سبق أن قرّرنا إمكان ذلك ثبوتاً وعدم المانع منه إثباتاً.
• القسم الثالث: من الأوامر في الآية، ومرجعها جميعاً إلى وجوب
ــــــ[115]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
المحافظة على النفس، وهي نوعان: الأمر بالمحارسة والأمر بالحذر.
وسيأتي الكلام عن المراد بالمادّة.
وأمّا الهيئة فما يمكن أن يُقال في صرفها عن ظاهرها في الوجوب، وجوه:
• الوجه الأوّل: دعوى كون الأمر بالمحارسة والأمر بالحذر مقدّمة للواجب، ومقدّمة الواجب ليست بواجبة مولويّاً، كما ثبت في علم الأُصول(1) -على الفرض- فلا يكون المراد بها الوجوب.
بيان ذلك: أنَّه لا إشكال [في] أنَّ الأمر بهذين الأمرين مستقلاً مع غضّ النظر عمّا يترتّب عليه من حفظ النفس المحترمة، ليس مقصوداً، وإنَّما الغرض الأساسي متعلّق بحفظ النفس. وإنَّما أمر بهذين الأمرين مقدّمةً، فتكون هذه صغرى لوجوب مقدّمة الواجب، فإن أنكرناه على ما هو المبنى في هذا الوجه، كان وجوب المحارسة والحذر عقليّاً لا مولويّاً، كما هو واضح.
وهذا الوجه تامٌّ بعد تسليم صغراه وكبراه، أمّا الصغرى فوجدانيّة بحسب الظهور، ويؤيّدها قوله تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ…} الآية وهو ظاهر جدّاً بكون المراد الأساسي هو الحفاظ على النفس المحترمة دون تلك العناوين بذواتها، وأمّا الكبرى فبحثها موكول إلى محلّه.
• الوجه الثاني: أنَّه بعد تسليم وجوب مقدّمة الواجب فإنَّه غاية ما يثبت أنَّ المحارسة والحذر واجبة بوجوب سابق باعتباره مقدّمة للمحافظة على النفس المحترمة، وأمّا كونه أمراً واجباً بعنوانه في أثناء صلاة ذات الرقاع،
ــــــ[116]ـــــــ
(1) راجع كفاية الأُصول: 89، الفصل الرابع: مقدّمة الواجب، ونهاية الأفكار 2: 258، المبحث الرابع: في مقدّمة الواجب.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فهو ممّا لا يمكن إثباتاً وثبوتاً. أمّا إثباتاً فلظهور رجوع هذه الأوامر إلى تلك السابقة عليها، فلا تكون مغايرة لها. وأمّا ثبوتاً فلاستحالة تعلّق بعثين بمتعلّق واحد.
لا يُقال: إنَّ هذا ينافي ما ذكرناه من إمكان أن يكون الأمر المتكرّر دالاً على الوجوب.
فإنَّه يُقال: إنَّما يكون دالاً عليه في حدود الأمر الأوّل، لا في الشيء الزائد عليه، والمفروض إثبات الأمر الزائد به، وهو ممّا لا يمكن.
ولا يُقال: إنَّه في الأمر الزائد غير مكرّر فيلتزم بالوجوب بمقداره.
فإنَّه يُقال: هذا إنَّما يتمّ على تقدير القول بتركّب الهيئة من ذاتٍ وقيد(1)، وإمكان بقاء الذات بعد انتفائه، وأمّا بعد القول باستحالة ذلك وبساطة الهيئة، فلا يمكن كما هو واضح، على أنَّ المراد هنا نفي الذات وبقاء القيد، وهو أسوأ من السابق.
• الوجه الثالث: أنَّه بعد تسليم أنَّ الغرض متعلّقٌ بالمحارسة والحذر بعنوانهما؛ وليس مقدّمةً لشيء – ولو بدعوى أنَّ هذه العناوين هي عبارة عن المحافظة على النفس، وليست أمراً زائداً عليه عرفاً- يُقال: إنَّ القيد المشار إليه في الوجه السابق لا يمكن إثباته، وهو دخل هذين الأمرين في صلاة الخوف؛ وذلك: لظهور رجوعهما إلى وجوب المحافظة على النفس، إن لم تكن عينها على الفرض، ومعه تتحدّد بحدودها لا محالة. ومن المعلوم أنَّ هذا الوجوب أجنبيٌّ، عن الأمر بصلاة الخوف، واجتماعُهما في مقام الامتثال لا يعني سريان الوجوب من أحدهما إلى الآخر، أو كون أحدهما قيداً للآخر.
ــــــ[117]ـــــــ
( ) احذر وليكن حذرك في الصلاة (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وبتعبير آخر: إنَّ الأمر يدور بين ظهورين:
أحدهما: ظهور كون الأمر بالمحارسة والحذر قيداً في الصلاة، كما هو مقتضى السياق.
ثانيهما: ظهوره برجوعه إلى وجوب المحافظة على النفس، ولا يبعد أن يكون الظهور الثاني أقوى، بل هو رافع لموضوع الظهور الأوّل؛ لما قلناه من أنَّه يتحدّد بحدود ما يرجع إليه لا محالة.
فتحصّل: أنَّ هذين الأمرين لا ربط لهما بالصلاة، وإن دلّا على الوجوب في أنفسهما. ومعه يدور الأمر مدار ما دلّا عليه من الشرائط والقيود، مع غضِّ النظر عن الصلاة.
وقد يستدلّ لإثبات كونه قيداً بوجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ ما قيل من كون الأمر بالحذر والمحارسة مقدّمة أو عبارة عن الأمر بالمحافظة على النفس غير تامٍّ. فيتعيّن الأخذ بظهورها الأوّلي في الوجوب.
بيان ذلك: أنَّ ذات الأمر بالمحافظة ومقدّماته إنَّما تكون سارية المفعول فيما إذا كان شاملاً بإطلاقه لحال الحرب. وأمّا إذا لم يكن شاملاً لذلك، فلا يكون واجباً لا بذاته ولا بمقدّماته كما هو واضح. ومعه لا تكون الأوامر بالمحارسة والحذر راجعة إليه لا محالة؛ فيتعيّن حملها على ظاهرها.
والوجه في كون الإطلاق غير شاملٍ هو كون الأمر بالجهاد مخصّصاً للأمر بالمحافظة على النفس عرفاً؛ لقيامه على إلقاء النفس بالتهلكة، والتعرّض للقتل، فلا تكون النواهي المتعلّقة بهذه العناوين شاملة له.
إلَّا أنَّ هذا الوجه غير تامٍّ؛ لعدم تماميّة مبناه؛ وذلك: لأنَّ أوامر
ــــــ[118]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
المحافظة على النفس شاملة في نفسها لحال الجهاد بلا إشكال، ودعوى كونها مخصّصةً لها دعوى غير صناعيّة؛ لكون النسبة بينهما هي العموم من وجه، وعدم الالتفات إلى النكتة التي سنقولها، وهي: أنَّ الأساس في تقديم أوامر الجهاد هو قوّة مصلحتها لا محالة بعد التزاحم، وهذا غاية ما يقتضي أن تكون المصلحة الأقوى هي المتّبعة، وهي أوامر الجهاد لا محالة. إلَّا أنَّ ذلك إنَّما يكون إذا كان الأمر بالجهاد منجّزاً وفعليّاً، وذلك في الموارد الخاصّة لكلِّ مبارزة أو زحفٍ بخصوصه، وأمّا فيما بين ذلك من الزمان فيكون الأمر بالمحافظة على النفس ساري المفعول لا محالة.
ومن المعلوم أنَّ المزاحمة تقتضي سقوط الأمر المهمّ بمقدارها، ولذلك تجد أنَّ [تجنّب] إلقاء النفس في التهلكة في زمن الحرب من غير ناحية الجهاد يكون واجباً لا محالة. كما أنَّ تسليم النفس إلى القتل بلا مقاومة غير جائز أيضاً، كما أنَّ الهجوم بلا مصلحةٍ جهاديّةٍ غير جائزٍ أيضاً.
إذن فالأمر بالمحافظة على النفس شاملٌ لحال الجهاد أيضاً، ومعه لا يتمّ هذا الوجه.
الوجه الثاني: التمسّك بإطلاق التعليل، وذلك بأن يُقال: إنَّ قوله تعالى: {ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا …} الآية بمنزلة التعليل لوجوب المحارسة والحذر، ومقتضى إطلاقه وجوب هذين الأمرين في أثناء الصلاة؛ لأنَّه هو الظرف الذي كان الكفّار يودّون [فيه] أن يميلوا على المسلمين ميلة واحدة، ولو كان المراد ما هو الأعمّ من ذلك أو الأخصّ لوجب تقييده بشيءٍ لا محالة.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ؛ فإنَّه غاية ما يثبت وجوب المحارسة والحذر في أثناء الصلاة، إلَّا أنَّه لا يدلّ على أنَّ ذلك شرط في الصلاة كما هو واضح. بل
ــــــ[119]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وجوبه باعتبار أنَّ حال الصلاة صغرى من صغريات وجوب المحافظة على النفس في حال الخطر؛ وبخاصّة أنَّ المسلمين في حال الصلاة يكونون أبعد عن المقاومة والدفاع من حال غيرها، كما يبدو لأوّل وهلة.
فرجع أيضاً إلى وجوب المحافظة على النفس ووجوب الدفاع أيضاً، ولم يثبت كونه قيداً في الصلاة.
الوجه الثالث: التمسّك بظهور مادّة المحارسة؛ إذ يُقال: إنَّ الأمر بها كان في أثناء الصلاة لا محالة، فلو كانت راجعة إلى وجوب المحافظة على النفس لم يكن للمحارسة خصوصيّة، ولوجب الدفاع بكلِّ وسيلة، فاتّخاذ هذا الأُسلوب الذي سنتكلّم عنه في أثناء الصلاة يدلّ على أنَّ لهذا الظرف خصوصيّة في الدفاع، وهو معنى كونه قيداً في الصلاة.
إلَّا أنَّ هذا الوجه وإن كان صحيحاً في مقدّماته، إلَّا أنَّه غير منتجٍ كما يطلب، بل ينتج كون الصلاة قيداً في الأمر بالمحارسة، لا كون هذا الأمر قيداً فيها. ولا يخرج بذلك عن كونه تطبيقاً لوجوب المحافظة عن النفس، غاية الأمر أنَّه تطبيق في ظرفٍ خاصٍّ يتميّز بصعوبة خاصّة هو ظرف الصلاة، ولا يعني ذلك بأيّ وجه كونه قيداً فيها كما هو واضح.
الوجه الرابع: التمسّك بوحدة السياق مع الأوامر التي قلنا بانحفاظ ظهورها في الوجوب، كقوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} على ما قلنا بلزوم الالتزام بتكرار صيغة الأمر بعد حرف العطف.
إلَّا أنَّ هذا الوجه لو تمَّ، فإنَّما ينتج وجوب الحذر في نفسه، دون كونه قيداً للصلاة، فإنَّنا غاية ما أثبتنا في وجوب حمل الأسلحة هو ذلك، ولم يثبت فيه أكثر من ذلك.
ــــــ[120]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
مضافاً إلى أنَّ وحدة السياق لا تتمّ لكونها محكومةً للوجوه والقرائن التي ذكرناها على عدم كونه قيداً، فراجع وتأمّل.
فتحصّل: أنَّه لا يمكن الالتزام بدخل المحارسة والحذر قيداً في الصلاة، وإن كانت واجبةً في أنفسها بأصل دليل وجوب المحافظة على النفس ووجوب الدفاع في الجهاد، دون هذه الأوامر بخصوصها، وهذا معنى ما أشرنا إليه من كونها إرشاديّة، لو صحّ كون الأمر إرشاداً إلى حكمٍ شرعيٍّ سابق عليه.
ويمكن أن يُقال ذلك بعينه في حمل السلاح أيضاً، أمَّا كونه دالاً على الوجوب وكونه ليس قيداً في الصلاة، فقد أشرنا إلى لزوم الالتزام به، ويأتي مزيد توضيح له. وأمّا كون وجوبه مستفاداً من أوامر سابقة على هذا الأمر، فهو متوقّف على استفادة وجوبه منها، بمعنى: أنَّه فرع كون وجوب المحافظة، والدفاع يقتضي – كما لا يبعد- وجوب حمل السلاح، ولو بإطلاقه، كما كان يقتضي بإطلاقه وجوب المحارسة وأخذ الحذر. وإن قيل بالفرق بين هذه الأوامر، فلابدَّ من الالتزام باستفادة وجوب حمل السلاح من نفس هذا الأمر في الآية لا باعتبار الأمر السابق عليه.
الظهور السابع: ظهور انقسام الجيش المجاهد إلى طائفتين
وهو ممّا تعتبر الآية نصّاً فيه؛ لظهور (من) بالتبعيض في قوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ}، وظهور قوله تعالى: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى…} بالانقسام أيضاً، إلَّا أنَّ الكلام يقع في موارد:
• المورد الأوّل: لا إشكال أنَّ التحاق الطائفة الأُولى بالإمام يقتضي إيجاد هذه الصلاة موضوعاً، فهو وإن كان أمراً مستحبّاً كما سبق، إلَّا أنَّه بدون
ــــــ[121]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
امتثاله لا توجد هذه الصلاة لا محالة، ومن هنا كان التحاق الطائفة الأُولى أساسيّاً في تأسيس هذه الصلاة.
وأمّا التحاق الطائفة الثانية بعد أن استفدنا من الأمر به مجرّد الاستحباب فلا يقتضي عصيانه إلَّا مخالفة الأمر الاستحبابي، وهو ممّا لا عقاب عليه، وعليه فيُقال: بعدم لزوم التحاق أحد بالإمام بعد تفرّق الطائفة الأُولى عنه، وإنَّما يصلّي بهم على تقدير التحاقهم، وأمّا إذا أبوا ذلك وأرادوا الصلاة فرادى، فإنَّه يكمل صلاته فرادى أيضاً.
• المورد الثاني: أنَّه لا تعيّن بحسب التشريع لأيّ من الطائفتين على الأُخرى، فيمكن انقسام الجيش أو الخائفين طائفتين، بأيّ نحوٍ كان، وبأيّ عددٍ، فإنَّه لم تُؤخذ في هذه الأوامر إلَّا عنوان الطائفة دون عناوين الأشخاص أو مهنهم أو نسب أعدادهم كما هو واضح.
ومعه يمكن أن تكون الطائفة الأُولى [شخصاً] واحداً والثانية كثيرين أو بالعكس، أو [يكون] كلاهما واحداً.
ودعوى: منافاة ذلك لظهور الطائفة بالمتعدّدين، يدفعها: أنَّ المراد بالطائفة في المقام مجرّد الانقسام عرفاً بمقدار إمكان تحقيق صورة صلاة ذات الرقاع، وأمّا خصوصيّة العدد فهي ملغاةٌ عرفاً.
• المورد الثالث: أنَّه مضافاً إلى أنَّ مقتضى القاعدة هو عدم لزوم هذه الصلاة على مجموع الموجودين، بعد الالتزام باستحبابها أساساً، مضافاً إليه أنَّ الآية ظاهرة بذلك أيضاً، فإنَّ غاية ما تقتضي هو قيام طائفتين من الموجودين بهذه الصلاة، وأمّا استفادة انقسام مجموعهم إلى طائفتين فهو ممّا لا يمكن استفادته من الآية.
ــــــ[122]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
لا يُقال: أنَّ قوله تعالى: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} مشعرة بأنَّ الباقي كلّهم يلتحقون بالصلاة، ومعه يثبت المطلوب كما هو واضح. ولو كان المراد أنَّ بعض الباقي هو الذي يلتحق لكان يقول: (ولتأت طائفة أُخرى ممّن لم يصلّوا) ليدلّ على التبعيض، وحيث إنَّه لم يرد ذلك، يكون منطوق الآية دالاً على المطلوب.
فإنَّه يُقال: إنَّ غاية ما تدلّ عليه الآية هو مجيء طائفة أُخرى موصوفة بكونها لم تصلّ الجماعة في الركعة الثانية. وأمَّا كون هذه الطائفة هي كلّ الباقين فهو ممّا لا قرينة عليه. إذن فبالإمكان إثبات ما دلّت عليه (من) التبعيضيّة لفظاً عن طريق الإطلاق المقامي؛ حيث إنَّه لو كان المراد التحاق الجميع لكان عليه بيان ذلك، وهو في مقام البيان.
وعليه فيمكن قيام اثنين فأكثر من مجموع الجيش الكبير بهذه الصلاة، كما يمكن إقامة هذه الصلاة مكرّراً في وقت واحد، إمّا عرضيّاً، بناءً على ما قلناه من عدم لزوم كون الإمام هو القائد أو الإمام، بل يكفي كونه جامعاً لشرائط الإمامة في صلاة الجماعة الاعتياديّة، أو طوليّاً؛ بناءً على استحباب إعادة الصلاة الفريضة للإمام لو طلب منه إقامة جماعة أُخرى.
• المورد الرابع: أنَّ عنوان الانقسام أو التفرّق إلى طائفتين لم يؤخذ في الآية حتّى يتكلّم عن ظهوره في الوجوب أو الاستحباب، وإنَّما استفدنا ذلك من السياق المتكوّن من الأمر بالتحاق الطائفة الأُولى بالإمام والتحاق الطائفة الثانية به. وحيث قلنا باستحباب هذه الأوامر فلا يمكن أن يكون ما يستفاد من سياقهما أزيد منهما، فيقتصر في لزوم الانقسام على الاستحباب أيضاً.
نعم، هذا قد يرجع إلى ما أشرنا إليه في المورد الأوّل من عدم لزوم
ــــــ[123]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
التحاق الطائفة الثانية بالإمام، فتكون الصلاة مقتصرة على طائفة واحدة من دون انقسام. نعم، إذا عرف الإمام التحاق الجميع به في الركعة الأُولى من دون أن يتحقّق الانقسام، لم يكن له أن يصلّي هذه الصلاة،؛ بناءً على مخالفتها لشرائط الجماعة الاعتياديّة، على ما نبحث فيه، ولزمه الاستمرار بالجميع إلى آخر الصلاة؛ لعدم إحراز مشروعيّة هذه الصلاة إلَّا في صورة الانقسام، أو في صورة صلاة البعض وراء الإمام دون الكلّ، سواء صلّى البعض الآخر وراءه أو لا، كما سلف.
وعليه فيكون الانقسام بهذا المعنى ممّا أُخذ شرطاً [في] هذه الصلاة، ولكن حيث إنَّ إقامة أصل هذه الصلاة مستحبّ فيكون تحقيق شرطه مستحبّاً لا محالة.
• المورد الخامس: في خصوصيّة أخذ الانقسام الثنائي في الآية دون الأكثر.
وذلك: أنَّه لا إشكال أنَّ الآية الكريمة لا تدلّ على أكثر من الانقسام إلى طائفتين لأداء ركعتين، إلَّا أنَّ الكلام في دخل خصوصيّة هذا الانقسام أو عدمه، وما قيل أو يمكن أن يُقال في التجريد عن هذه الخصوصيّة عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: ما ذكره الفقيه الهمداني+(1) ولم يستبعده من دعوى القطع بأنَّ المقصود من تشريع هذه الصلاة هي إدراك الجميع فضيلة صلاة الجماعة من غير مدخليّة خصوصيّة كيفيّة التفريق وتثنيته في ذلك.
وبعبارة أُخرى: إنَّ المقصود من تشريع هذه الصلاة هو إعطاء المجال
ــــــ[124]ـــــــ
( ) راجع مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 713، كتاب الصلاة، في صلاة الخوف والمطاردة…، الكيفيّة الأُولى والثانية لصلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والفرصة للجميع لإدراك فضيلة صلاة الجماعة مع المحافظة التامّة على قوّة الدفاع ضدّ العدو، وهذا يتمّ بعدد من أشكال التفريق، ولا خصوصيّة للتثنية في ذلك.
وهذا أمر إن تمَّ القطع به وجداناً – كما لم يستبعده الفقيه المشار إليه- فهو. وإن أُريد به تنقيح ظهور في الآية، فهو ممّا لا يمكن عرفاً، كما هو واضح.
الوجه الثاني: التمسّك بمناسبات الحكم والموضوع، بأن يُقال: إنَّ الحكم بالانقسام الثنائي إنَّما كان لأجل أنَّ الصلاة متكوّنة من ركعتين، فلو كانت الصلاة تختلف عن ذلك لاختلف التقسيم لا محالة.
وربما يزاد على ذلك بأن يستنتج من الآية قاعدة عامّة هي أنَّه لابدَّ لكلِّ طائفة ركعة أو لكلِّ ركعة طائفة، فحيث اقتصر على الركعتين وجب التقسيم الثنائي، وحيث يزداد عدد الركعات لابدَّ من زيادة التقسيم.
أمّا فهم هذه الكبرى فهو ساقط. أمّا من جهة الآية فواضح؛ لما قلناه من عدم تكفّلها بيان الانقسام بعنوانه حتّى يتمسّك بإطلاقه، وأمّا من جهة أصل مناسبات الحكم والموضوع، فهي أيضاً قاصرة عن إثباتها، فإنَّها غاية ما تثبت تجريد التقسيم الثنائي عن الخصوصيّة، لا اقتصار كلّ طائفة على ركعة، على أنَّه معارض لما ورد في الحديث المعتبر من أنَّ الطائفة الثانية تصلّي في المغرب ركعتين، فلو صلح هذا الحديث تفسيراً للآية لسقط فهم الكبرى لا محالة.
وأمّا أصل مناسبات الحكم والموضوع، فهي أيضاً قائمة على تخيّل الملازمة ولو بنحو عاديّ، على أنَّ كلّ طائفة تقوم بركعة واحدة فقط، أو فهم ذلك من الآية، وكلاهما غير تامّ. ومع الالتفات إلى إمكان المحافظة على التقسيم الثنائي مع زيادة عدد الركعات يتّضح أن لا لزوم إلى الزيادة على هذا التقسيم.
ــــــ[125]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الوجه الثالث: أنَّ الآية لم تشر إلى انتهاء الصلاة بانتهاء الركعتين، على ما نبحث عنه فيما بعد إن شاء الله. كما أنَّها لم تأمر مجموع الموجودين بالالتحاق بالصلاة، كما عرفنا. إذن ينتج أنَّه لو بقيت من الصلاة ركعة ثالثة، وكان هناك بقيّة من الموجودين لم يلتحقوا بالصلاة بعد، فإنَّهم يلتحقون بهذه الركعة الثالثة، وتتمّ بهم الصلاة.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ:
أوّلاً: لتوقّفه على إثبات ظهور الآية بعدم الانتهاء من الصلاة بانتهاء الركعتين، وأمّا لو كانت ظاهرة بخلافه أو مجملة من هذه الناحية، فإنَّه لا يتمّ لا محالة؛ لعدم وجود الدليل الشرعي على الزائد، بناءً على مخالفتها لشرائط الجماعة على ما هو المفروض.
وأمّا ثانياً: فلأنَّ الآية لو كانت ظاهرة بعدم الانتهاء من الصلاة، فهي غير ظاهرة لا محالة بالتحاق طائفة ثالثة، بل غايته استمرار الطائفة الثانية مع الإمام إلى نهاية الصلاة فيبقى التحاق الطائفة الثالثة ممّا لا دليل عليه.
وأمّا ثالثاً: فلأنَّ مراد المستدلّ هو إثبات ظهور الآية بالجامع بين الركعتين والثلاث مثلاً، بحيث لو كانت ركعتين لأدّيت بطائفتين، ولو كانت ثلاثاً لأدّيت بثلاث، وهذا ممّا لا يمكن إثباته بهذا الوجه؛ إذ مع التنزّل عن الوجهين السابقين يتعيّن كون الركعات والطوائف ثلاثاً في ثلاثٍ، ولا يكون للركعتين والطائفتين أيّ تعرّض في الآية.
فتحصّل: أنَّ الأحوط هو الاقتصار على التقسيم الثنائي، بأيّ عدد كان من الركعات، حتّى لو قلنا بإمكان أداء صلاة ذات الرقاع في الرباعيّة، على ما يشير إليه في المصباح، وهذا هو الموافق للأخبار الآتية أيضاً.
ــــــ[126]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
نعم، إذا قلنا بعدم مخالفة شرائطها لشرائط صلاة الجماعة على ما يراه الفقيه الهمداني، أمكن القول بجواز الأخذ بأيّ تقسيمٍ شاء الإمام، ومعه يكون الوجه الذي ذكره – ونقلناه عنه- وجهاً مستأنفاً كما هو واضح.
وإذا ضممنا إلى ذلك ما يذهب إليه صاحب الجواهر وغيره من جواز الانفراد في صلاة الجماعة متى شاء المأموم، أمكن التقسيم إلى عشرة أقسام: يصلّي كلّ قسمٍ مع الإمام ولو جزءاً من الركعة، ولو في الصلاة الثنائية. فتأمّل.
الظهور الثامن – في الآية الكريمة-: ظهور اختصاص مشروعيّة هذه الصلاة، بما إذا كان العدوّ على خلاف القبلة
[وذلك] بحيث يستدبرونه عند التوجّه إليها، بحيث جعلوا ذلك من شرائطها، فلو كان العدوّ إلى يمين المصلّي أو يساره أو كان أمامه لم تشرّع هذه الصلاة.
وممّا لا إشكال فيه دلالتها في الجملة على وجود العدوّ بضدّ القبلة. وذلك: بحسب ما يستفاد من قوله تعالى: {فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ}، بتقريب: أنَّ المراد من الضمير الأوّل هو المصلّون في الركعة الأُولى، ومن الضمير الثاني المصلّون في الركعة الثانية. وأنَّ المراد بالكون وراءهم هو مواجهة العدوّ الكائن وراءهم، وأنَّ الغرض من ذلك هو دفع العدوّ عن المصلّين، أو المحارسة التي نشير إليها في الظهور الآتي. وهذا التقريب هو الذي فهمه الفقهاء ارتكازاً من الآية(1).
ــــــ[127]ـــــــ
(1) راجع المسائل الناصريّات: 263، كتاب الصلاة، المسألة العاشرة والمائة، يصلّي في الخوف بالطائفة الأُولى، وجامع الخلاف والوفاق: 95، كتاب الصلاة، فصل كيفيّة صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إلَّا أنَّه -كما هو واضح- قائمٌ على عدّة دعاوى لظهورات متعدّدة، فإذا أمكن تتميمها تمَّ هذا التقريب، وإن رجحت أضدادها، أو كانت الآية مجملة لم يتمّ لا محالة.
إذن فتماميّة هذا التقريب يتوقّف على عدّة أُمور:
• الأمر الأوّل: أنَّ المراد بالضمير الأوّل هو الطائفة الأُولى التي تلتحق بالإمام في الركعة الأُولى.
وهذا واضحٌ جدّاً من السياق؛ لوجود مرجعه قبل ذلك في الكلام، وإرجاع ضمير الجمع إليه مكرّراً في قوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا}، فيكون المراد هو أنَّ الطائفة الأُولى يجب عليها الكون من وراء المصلّين بعد انتهائهم من الصلاة، بعد تتميم الظهورات الأُخرى.
• الأمر الثاني: أنَّ المراد بالضمير الثاني هو الطائفة الثانية، التي تلتحق بالإمام في الركعة الثانية.
وهو أمر غير بعيدٍ، بالرغم من عدم وجود مرجعه فيما سبق من الكلام، ولا فيما يأتي. إلَّا أنَّ المتحصّل من الآية هو أنَّه بعد ذهاب الطائفة الأُولى والتحاق الطائفة الثانية تتكّون الجماعة مرّة ثانية، ممّا يصحّ أن يسند إليها ضمير الخطاب مجموعاً. إذن فهذا الضمير يعود إلى الطائفة الثانية الملتحقة بالإمام والمدلول عليها بعد محلّ الضمير.
لا يُقال: إنَّ مقتضى السياق رجوعه إلى خصوص الإمام دون غيره، لوروده في الكلام بعد فرض ذهاب الطائفة الأُولى وقبل التحاق الثانية، فلا يبقى مرجع للضمير إلَّا للإمام وحده، الذي لا زال في الصلاة منتظراً للطائفة الثانية.
ــــــ[128]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا إنَّما يتمّ على فرض ورود الضمير قبل فرض التحاق الطائفة الثانية كما هو واضح، وهذا لم يثبت من السياق، بل الظاهر منه عوده إلى الطائفة الثانية الملتحقة بالإمام والمذكورة بعد محلّ الضمير.
ودعوى كونه من التهافت في الافتراض في الكلام الواحد مدفوعة بإنكار ذلك، غاية الأمر أنَّ افتراض التحاق الطائفة الثانية يبدأ بإرجاع هذا الضمير نفسه.
لا يُقال: إنَّ ذلك يستلزم تعدّد الافتراض في الكلام الواحد، فإنَّ قوله تعالى: {فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} يبدأ بافتراض عدم التحاق الطائفة الثانية وينختم بافتراض التحاقها.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا أوفق بالأسلوب الأدبي البلاغي، كما هو جليّ لمَن استقرأ أسلوب القرآن وغيره من أساليب العرب، على أنَّه لم يثبت كون قوله تعالى: {فَلْيَكُونُوا} قائماً على افتراض عدم التحاق الطائفة الثانية ليكون من التهافت في الافتراض.
فإن قيل: إنَّ عود الضمير إلى الطائفة الثانية يستلزم عوده على متأخّر لفظاً ورتبةً، وهو خطأ في التعبير العربي، فيتعيّن حمله على معنىً آخر لا يستلزم ذلك.
قلنا: إنَّ هذا ممنوع كبرى وصغرى، أما كبرى فلعدم كون ذلك محذوراً أساساً، إذا ورد في كلام العرب البليغ، وإن كان غير قياسيٍّ في نفسه.
وأمّا صغرى فلإنكار عوده إلى متأخّر لا لفظاً ولا رتبة، أمّا رتبةً فواضح؛ لأنَّهم يقصدون بالتأخّر الرتبي ما كان من قبيل تأخّر الخبر عن المبتدأ، أو المفعول عن الفاعل ونحو ذلك، وليس ما في المقام من قبيله. فإنَّ
ــــــ[129]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الجملة المستقلّة لا تكون متأخّرة رتبة عن الجملة الأُخرى لمجرّد تأخّرها في اللفظ.
وأمّا عدم التأخّر اللفظي؛ فلما ذكرناه من عدم وجود مرجع معيّن له في اللفظ لا فيما قبله ولا فيما بعده، كما هو واضح لمَن راجع الآية، وإنَّما هو عائدٌ إلى المعنى المتحصّل من الجملة المتأخّرة عليه، وهو الطائفة الثانية الملتحقة بالإمام. وهذا المعنى لم ينصّ عليه في اللفظ ليعود الضمير على متأخّر لفظاً. وعوده على خصوص الطائفة الثانية وهي متأخّرة غير تامِّ؛ لعدم صحّة الخطاب حينئذٍ، فإنَّ الخطاب مع النبي’ الذي هو الإمام في هذه الصلاة، فاستثناؤه عن مرجع الضمير يُسقط إمكانيّة الخطاب كما هو واضح.
فتحصّل أنَّ هذا الظهور ثابت، وهو رجوع الضمير إلى الطائفة الثانية الملتحقة بالإمام في الركعة الثانية.
• الأمر الثالث: كون الغرض من ذهاب الطائفة الأُولى وراء المصلّين هو الدفاع دون أمرٍ آخر.
وهذا أيضاً غير بعيد، بعد فرض انتهائهم من الصلاة، وعدم احتمال كونهم وراءهم لأجل الصلاة، ولا لغرض العبث وقتل الوقت بلا عمل. فيتعيّن أن يكون ذلك للدفاع، وهو متعيّن بعدما عرفنا أنَّ سياق الآية قائمٌ على افتراض وجود الخوف وأن موردها هو الحرب خاصّة، وأنَّ هذه الأوامر من قبيل الأوامر العسكرية وتطبيق لوجوب المحافظة على النفس ووجوب الجهاد والدفاع، وخاصّة في وقتٍ صعبٍ كوقت اشتغال عدد منهم بالصلاة.
فإذا ثبتت هذه الظهورات الثلاثة، نعرف أنَّ الصلاة المشرّعة في الآية مختصّة بما إذا كان العدوّ على خلاف القبلة.
ــــــ[130]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وأمّا كونها مختصّةً بها بحيث يكون إقامتها في مورد آخر تشريعاً محرّماً، بناءً على اختلاف شرائطها عن شرائط صلاة الجماعة الاعتياديّة، فهو يتوقّف على عدم إمكان تجريد الآية عن هذه الخصوصيّة.
وما يمكن أن يُقال في محاولة التجريد عن الخصوصيّة أمران:
الأمر الأوّل: التمسّك بقاعدة: أنَّ المورد لا يخصّص الوارد. ببيان: أنَّ الأمر بالكون وراء المصلّين إنَّما حصل باعتبار القضيّة الخارجيّة، وهو كون العدوّ في ضدّ القبلة حال نزولها وفي مورد تطبيقها في ذلك الحين. وأمّا كونه مقيّداً بذلك في سائر الموارد فيحتاج إلى قرينةٍ غير موجودةٍ في الكلام. فما دام الكلام مطلقاً والمورد لا يكون مقيّداً له، أمكن التمسّك بإطلاقه لإثبات مشروعيّة هذه الصلاة في حال انتفاء هذا القيد.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ؛ إذ بعد تسليم كبراه لا تكون الآية صغرى لها، لكفاية احتمال التقييد لا محالة، والحاجة إلى وجود دليل على مشروعيّة الصلاة في مورد آخر، ولا يكفي عدم الدليل على الاختصاص، ومن المعلوم أنَّ الآية بعد تجريدها عن المورد لا يكون لها إطلاق شامل للموارد الأُخرى، بل غايته أنَّ الآية ساكتة وغير متعرّضة لذلك. فتأمّل.
الأمر الثاني: التمسّك بمناسبات الحكم والموضوع، بأن يُقال: إنَّ تمام المطلوب من الطائفة الأُولى والغرض الرئيسي هو الدفاع عن المصلّين أثناء الصلاة، وفي هذا لا يفرق – كما هو واضح- بين أن يكون العدوّ بضدّ القبلة أو إلى جهتها أو غير ذلك.
وهذا تامّ إن فهم من الحكم توسعة دائرة موضوعه، ونقّح ظهوراً في ذلك. وخاصّة إذا ضمّ إلى الوجه الأوّل، كما هو واضح لمَن تأمّل.
ــــــ[131]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فإذا تمَّ هذان الأمران وتجرّدت الآية عن خصوصيّة كون العدوّ إلى ضدّ القبلة، ثبتت مشروعيّة الصلاة في غير هذا المورد لا محالة، فإنَّ قوله تعالى: {فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} وإن لم يكن له إطلاق لغير هذه الحال كما أشرنا إليه، إلَّا أننا نتمسّك بإطلاق الأوامر الأُخرى في الآية كقوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} المطلق من حيث كون العدوّ بضدّ القبلة، والمفروض عدم قيام القرينة على خلاف ذلك.
هذا بحسب ظهور الآية على ما هو مورد الكلام.
وأمّا أصل الاشتراط فهو موقوف على عدم وجود المقيّد، وهو ما سنتكلّم فيه بعد الانتهاء من الأدلّة على مشروعيّة هذه الصلاة.
الظهور التاسع: ظهور الآية بوجوب المحارسة، من حيث مادّتها، بعد أن سبق الحديث في الهيئة
والمقصود بالمحارسة تبادل الحراسة، بمعنى وقوف كلّ طائفة موقف المدافع والحارس للطائفة الأُخرى الملتحقة بالصلاة.
وتتميم هذا الظهور من مقدّمات الظهور السابق، كما أشرنا إليه. فإنَّ كلا الأمرين اللذين حاولنا بهما التجريد عن الخصوصيّة متوقّفٌ على كون المراد من ذهاب الطائفة الأُولى وراء المصلّين هو الدفاع والحراسة. وأمّا لو كان المراد غير ذلك فلا يتمّ كما هو واضح.
والكلام في هذا الظهور تارةً يقع في حراسة الطائفة الأُولى للثانية، وأُخرى يقع في حراسة الطائفة الثانية للأُولى.
• أمّا حراسة الطائفة الأُولى للثانية في الركعة الثانية فهو أمرٌ واضح؛ لما قلناه في الأمر الثالث من الظهور السابق، والأمر الثاني من محاولة التجريد عن
ــــــ[132]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الخصوصيّة، وهي مناسبات الحكم والموضوع، فلا حاجة إلى استئناف الكلام فيها.
• وأمّا حراسة الطائفة الثانية للأُولى عند البدء في الصلاة خلال الركعة الأُولى، فالآية لا تدلُّ عليها لفظيّاً لا محالة. وغاية ما يمكن أن يقرّب به كون المراد هو ذلك لبّاً أُمور:
الأمر الأوّل: القطع بعدم الفرق بين الطائفتين، وحيث وجب على الطائفة الثانية حراسة الأُولى كما سبق، فإنَّه يجب على الأُولى حراسة الثانية، ومن المعلوم أنَّ عهدة هذا القطع على مدّعيه. فيتمّ هذا الوجه عند مَن يجد مثل هذا القطع لا محالة دون غيره.
الأمر الثاني: التمسّك بالظهور السياقي للآية الدالّ على التقسيم كما ذكرنا. فإنَّه يُقال: إنَّه لا وجه متصوّر لهذا التقسيم، إلَّا أن تحصل للمصلّين في كلّ ركعةٍ طائفة تدافع عنهم، وقد ثبت أحد شقّي ذلك بظاهر الآية، ويثبت شقّه الآخر باعتبار المقطع بثبوت الغرض المشار إليه.
إلَّا أنَّ هذا الوجه إنَّما يتمّ فيما إذا كان الوجه المتصوّر للانقسام هو ذلك، وأمّا مع وجود وجهٍ آخر معادل له أو أوضح، فإنَّه لا يمكن تتميم هذا الوجه لا محالة.
وما يتصوّر وجهاً آخر للتقسيم هو ما سبق أن نقلناه عن الفقيه الهمداني(1)، من إتاحة الفرصة للجميع بأن يشتركوا في الصلاة، وبدونه لا يتمّ لهم ذلك إلَّا بالتعرّض للخطر لا محالة. وهذا أجنبيٌّ عن مسألة الحراسة كما
ــــــ[133]ـــــــ
(1) أُنظر: مصباح الفقيه (ط.ق) 2ق2: 713: كتاب الصلاة، في صلاة الخوف والمطاردة…، الكيفيّة الأُولى والثانية لصلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
هو واضح، فتأمّل.
الأمر الثالث: التمسّك بقوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} الدالّ على الوجوب كما قلنا. وذلك ببيان: أنَّ الخوف والخطر إذا كان يقتضي إيجاب أخذ السلاح على المصلّين في أثناء الصلاة، فهو ثابت بالأولويّة لغير المصلّين لا محالة. ولئن كان أحد شقّي المسألة ثابتاً بظاهر الآية؛ لضرورة كون الطائفة الحارسة حاملة للسلاح لا محالة، فكذلك العكس، إذا ثبت بالقطع بالأولويّة أنَّ الطائفة الثانية حاملة للسلاح في الركعة الأُولى، فيثبت أنَّها حارسة؛ لأنَّنا لا نعني بالحراسة إلَّا حمل السلاح في وجه العدوّ.
وفي الواقع أنَّنا إذا فهمنا من الحراسة مجرّد حذر الطائفة الحارسة من كيد الأعداء فهذا الوجه تامّ لو تمّت الأولويّة، فإنَّ أوضح مصاديق الحذر هو حمل السلاح احتراساً من العدوّ.
وأمّا إذا فهمنا من الحراسة – كما لا يبعد- أكثر من مجرّد الحذر، بل هو عمل وقائي يتضمّن التجمّع والاستعداد لصدّ العدوّ على تقدير هجومه، فهو غير ملازم مع مجرّد حمل السلاح كما هو واضح؛ إذ قد يحصل الحمل ولا تحصل الحراسة، ومعه لا يمكن إثبات وجوب الحراسة به حتّى على تقدير تماميّة الأولويّة.
على أنَّ في الأولويّة كلاماً – في تنقيحها للظهور وعدّها من جملة المفاهيم اللفظيّة- موكولاً إلى محلّه.
الأمر الرابع: التمسّك بقوله تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا … الآية} الدالّ على لزوم الحذر والاحتراس الشديد، والاحتراس لا يكون إلَّا بالحراسة؛ لوضوح أنَّ الفرد يكون في أثناء الصلاة أضعف عن الدفاع، وقد طبّق هذا
ــــــ[134]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
المعنى في أحد شقّي المسألة بمقتضى ظهور الآية، فلابدَّ من تطبيقه في الشقّ الآخر بمقتضى لزوم الحذر والخوف من ميل الكفّار ميلة واحدة.
إلَّا أنَّ هذا الوجه متوقّف على ثبوت عجز المصلّي عن الدفاع عن نفسه، وانحصار الدفاع بالحراسة، وأمّا لو انتفى أحدهما فلا يتمّ هذا الوجه كما هو واضح؛ إذ مع تمكن المصلّي من الدفاع عن نفسه ولو بلحاظ أمره بالحذر وحمل السلاح يكون هو المصداق لوجوب الحذر والاحتراس، ومعه يكون فرض الحراسة مستأنفاً، وكذلك مع عدم انحصار الدفاع بالحراسة كما هو واضح؛ إذ لا لزوم لها حينئذٍ، ومع عدم دلالة الآية عليها لفظيّاً لا يكون هذا الوجه معيّناً لها.
إذن فالآية لا تكاد تدلّ على وجوب حراسة الطائفة الثانية للأُولى في الركعة الأُولى، فإن كان هذا الحكم ثابتاً – كما هو الصحيح- فبأدلّة أُخرى غيرها، على ما يأتي.
وحيث نقول بوجوب الحراسة ولو في الركعة الثانية، وقد سبق أن قلنا إنَّ وجوبها راجع إلى وجوب المحافظة على النفس، وإنَّه أجنبيّ عن تشريع هذه الصلاة، إذن فعصيانه لا يوجب بطلان الصلاة، وإنَّما يوجب: إمّا إلقاء النفس في التهلكة، وإمّا الفرار من الزحف، ونحو ذلك من العناوين المحرّمة.
وعليه، فيتحدّد وجوب الحراسة في حدود هذه العناوين، فلو كانت السلامة محرزة أو مظنونة لكثرة الجيش أو قوّته، أو بُعد العدوّ، لم تجب الحراسة أصلاً، بل لم يجب حمل السلاح في أثناء الصلاة ولا أخذ الحذر؛ لرجوعهما إلى ذلك، كما أشرنا إليه أيضاً.
إلَّا أن يُقال: إنَّه عند ظنّ السلامة، لا تكون هذه مشروعة؛ لكونها مشروعة عند الخوف.
ــــــ[135]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وهذا متوقّف على أمرين:
أحدهما: كون شرائطها مختلفة عن شرائط صلاة الجماعة.
ثانيهما: تفسير كلام الفقهاء القائل بأنَّ هذه الصلاة مشروعة حال الخوف مع الأمن في الجملة، بالأمن المشكوك أو الموهوم، دون المظنون، وسيأتي الكلام فيه في مقامٍ آتٍ.
الظهور العاشر: ظهور الآية باقتصار الطائفة الأُولى على ركعةٍ واحدةٍ مع الإمام
فإنَّ المنساق من قوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ… فَإِذَا سَجَدُوا} أنَّ قيام الطائفة الأُولى مع الإمام لا يراد به إلَّا كونهم يكبّرون معه ويبدأون الصلاة في أوّل صلاته، وهذا واضح جدّاً مع ملاحظة الارتكاز السابق على الآية، والقاضي بوجود صورة معيّنة لصلاة الجماعة، فينعقد لهذه الآية ظهورٌ في كونها إشارةً إلى ذلك لا محالة.
والمراد بالسجود المذكور في الآية هو السجود في نهاية الركعة الأُولى، كما لا يبعد انسياقه وتبادره من الآية، فإنَّه لو كان المراد السجود في ركعة بعدها لبيّن ذلك لا محالة. فتأمّل.
لا يُقال: إنَّ القرينة قائمة على أنَّ المراد بالسجود هو السجود الثاني، وهو قوله تعالى: {فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} وهم إنَّما يجب عليهم الدفاع بعد الركعة الثانية لا محالة، فيكون المراد من قوله تعالى: {فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا …} أنَّهم يعملون ذلك بعد سجود الركعة الثانية.
فإنَّه يُقال: إنَّ إتمامهم للركعة الثانية غير مشار إليه في الآية أصلاً، وإنَّما علمنا به من الخارج. فلو اقتصرنا على مدلول الآية لما كان بين الظهورين تعارض، ولحكمنا بأدائهم الصلاة ركعة واحدة، ويكون ذهابهم إلى مواجهة
ــــــ[136]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
العدوّ بعد سجود الركعة الأُولى.
وحيث كان هذا مقطوع البطلان، فإنَّه يدور الأمر بين ظهورين لا يمكن الجمع بينهما:
أحدهما: الظهور بكون السجود هو في الركعة الأُولى، مع رفع اليد عن الظهور الآخر، والالتزام بأداء ركعة أُخرى بعد هذا السجود، بمقتضى الأخبار المعتبرة.
ثانيهما: الظهور بكون مواجهة العدوّ بعد السجود، مع رفع اليد عن الظهور الأوّل والالتزام بأدائهم ركعة أُخرى قبل السجود المشار إليه في الآية بنحو غير مذكور فيها.
وإذا دار الأمر بين هذين الظهورين، فلا يبعد تقديم الظهور الأوّل منهما. وغاية ما يمكن أن يُقال في تقديم الظهور الثاني أمران:
الأمر الأوّل: ظهور الشرطيّة بالترتّب وعدم الانفصال في قوله تعالى: {فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا}. وهذا الظهور ثابتٌ لا محالة، إلَّا أنَّه عبارة عن الظهور الثاني المشار إليه وليس ظهوراً آخر. وقد قلنا إنَّه أضعف من الظهور الأوّل.
الأمر الثاني: أنَّ التعارض إنَّما نشأ كما عرفنا من الدليل الخارجي، الدالّ على أداء الطائفة الأُولى ركعتين في الصلاة لا ركعة واحدة. وهذا الدليل يصلح أن يكون مقيّداً للظهور الأوّل، ولا يصلح أن يكون مقيّداً للظهور الثاني. فيتعيّن الأخذ بالظهور الثاني، ورفع اليد عن الأوّل.
إلَّا أنَّ هذه دعوى بلا دليل، فإنَّ منشأ التعارض تكون نسبته إلى المتعارضين على حدٍّ سواء، فكما يمكن أن يكون دالاً على تقييد الظهور الأوّل
ــــــ[137]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وتعيين السجود بكونه في الركعة الثانية، كذلك يمكن أن يكون قرينة على الانفصال بين السجود وبين مقابلة العدوّ، بركعة، ولا ترجيح بينهما كما هو ظاهر.
وإذا انعدم المرجّح، لا يبقى إلَّا الوجدان في استظهار قوّة أيّ من الظهورين، ولا يبعد كون الظهور الأوّل أقوى في الجملة.
وعلى أيّ حال فالمسألة هيّنة والمطلب واضح، بحسب الأخبار المعتبرة وإن لم يكن بهذا الوضوح في الآية.
الظهور الحادي عشر: ظهور الآية بالتحاق الطائفة الثانية مع الإمام في الركعة الثانية وانتهائهم من الصلاة معه
فهنا ظهوران متعلّقان بصلاة الطائفة الثانية:
أحدهما: أنَّ الطائفة الثانية تلتحق بالإمام في ركعته الثانية، وهذا الأمر – بغضّ النظر عن الأخبار الآتية- ممّا يصعب إثباته من الآية.
وغاية ما يمكن أن يُقال في تقريبه: إنَّه ممّا لا إشكال فيه بحسب ظهور الآية: أنَّ الطائفة الثانية تلتحق بعد انتهاء الأُولى من الصلاة ومفارقتهم للإمام وفسحهم المجال لهم. وقد عرفنا من الظهور السابق أن الطائفة الأُولى تصلّي مع الإمام ركعة واحدة. وعرفنا في المقام الأوّل أنَّ الصلاة مقصورة ومتكوّنة من ركعتين، فينتج من ذلك أنَّ الطائفة الأُولى تصلّي ركعتها الثانية منفردة وتغادر المكان، فيتعيّن أن يكون التحاق الطائفة الثانية في الركعة الثانية للإمام.
إلَّا أنَّ هذا غير فنّي، كما هو واضح، فإنَّه بعد تسليم تمام مقدّماته، لم يظهر من الآية انتظار الإمام في أثناء صلاته للطائفة الثانية، فلّعله حين تنفرد الطائفة الأُولى بعد ركعتهم معه، ينفرد هو أيضاً ويتمّ صلاته بدون التحاق
ــــــ[138]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أحدٍ معه. ويبدأ مع الطائفة الثانية صلاة أُخرى استحباباً. وإنَّما ثبت تفصيل ذلك عن طريق السنّة ولم يثبت بالكتاب العزيز. ومع وجود هذا الاحتمال -بقطع النظر عن الأخبار- لا تكون الآية دالّة على مثل هذا الظهور.
ثانيهما: أنَّ الطائفة الثانية متى التحقت فإنَّها تنتهي من الصلاة مع الإمام.
وهذا الظهور قريب من النفس؛ باعتبار استشعاره من قوله: {فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ}؛ إذ لا حالة منتظرة بعد التحاق الطائفة الثانية، وخاصّة بعد الذي قلناه من عدم جواز الانقسام الزائد على الاثنين، فيتعيّن أن يستمرّوا معه في الصلاة إلى نهايتها.
وفي هذا المعنى بعض الفوائد، وحاصلها أنَّ الطائفة الثانية تصلّي مع الإمام ما تبقّى من الصلاة، سواء كان الباقي ركعة أو أكثر، فيكون بذلك مؤيّداً للطائفة من الأخبار الدالّة على أنَّ الطائفة الأُولى تصلّي ركعة من الثلاثيّة والثانية ركعتين، ومضادّاً للطائفة المعاكسة على ما سنذكر.
ودعوى ظهور أن الطائفة الثانية تصلّي ركعة واحدة مع الإمام، مدفوعة بأنَّها ممّا لا مبرّر لها أصلاً، ولا منشأ يدلّ عليها في الآية، فإنَّ غاية ما تدلّ عليه هو صلاة الطائفة الثانية مع الإمام، وهو أعمّ من الركعة الواحدة والأكثر كما هو واضح. وقياسها على الطائفة الأُولى قياس مع الفارق وبلا موجب.
الظهور الثاني عشر: ظهور الإذن بعدم حمل السلاح في أثناء الصلاة لبعض الأشخاص
وهو الظهور الذي كان القرينة الرئيسيّة في استفادة الوجوب من الأمر بحمل السلاح كما سبق.
ــــــ[139]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
بل يمكن جعله دليلاً برأسه لذلك؛ بلحاظ مفهومه كما هو واضح لمن تأمّل، والآية نصٌّ في هذا الظهور في الجملة، وحاصله: إخراج من كان به أذى من مطر، ومن كان مريضاً، عن وجوب حمل السلاح، فيجوز له أن يضع سلاحه ولا يحمله في أثناء الصلاة.
وهذا واضح: وإنَّما يقع الكلام حول ذلك في ناحيتين:
الناحية الأُولى: في النظر في النسبة بين العنوانين في الآية
وهما المرضى ومَن كان به أذى من المطر.
فهل أنَّ المراد بالأذى ما ينتج من المطر من المرض أحياناً كالحمّى ووجع الرأس مثلاً، ليكون من عطف العامّ على الخاصّ، أو المراد به مطلق الأذى الشامل لانهمال المطر فعلاً على الإنسان، أو الرطوبة الزائدة في الأرض ونحو ذلك، ليكون بينهما نسبة العموم من وجه؟ وعلى تقدير أن يكون المراد هو الأوّل فقد يراد بالمرض مطلقه فتكون النسبة ما سبق، وقد يراد به ما عدا الكسور والجروح؛ بدعوى أنَّ هذه الأُمور لا تعدّ مرضاً عرفاً، فتعود النسبة بين ذينك العنوانين إلى العموم من وجه؛ لشمول الأذى للكسور والجروح الناتجة عن المطر، كما لو زلق الإنسان فانكسرت رجله.
والظاهر: أنَّ النسبة بينهما هي العموم من وجه على النحو الأوّل، فإنَّ دعوى أنَّ الكسور والجروح بالنحو المانع عن حمل السلاح لا يعدّ مرضاً عرفاً، لا يمكن المساعدة عليها، كما أنَّ الأذى شاملٌ لما لا يكون مرضاً أصلاً كما مثّلنا أوّلاً.
نعم، معه لا يمكن التمسّك بالإطلاق لحالة الشكّ، فإنَّ السياق العامّ للآية يعطي أنَّ المدار ليس هو المرض والأذى بعنوانهما، لكي ندور مدارهما في
ــــــ[140]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
جواز إلقاء السلاح، وإنَّما المدار هو أداء هذه الأسباب إلى عدم القدرة على حمل السلاح، إذن فيجب على المصلّي حمل السلاح، ما لم يحرز عجزه عن ذلك بأحد هذين السببين. ومع الشكّ يكون شبهة مصداقيّة للجواز، فيكون مشمولاً للوجوب.
لا يُقال: كيف يكون شبهة مصداقيّة والمرض محرز؟
فإنَّه يُقال: إنَّنا بعد أن أقمنا القرينة السياقيّة على أنَّ المراد ليس هو مطلق المرض والأذى، بل هو المرض والأذى المانع عن حمل السلاح، فإذا شككنا في انطباق هذا العنوان على شيءٍ، يكون من قبيل الشبهة المصداقيّة له. وحيث كان هذا الجواز مخصّصاً لذلك الوجوب، كان من قبيل الشبهة المصداقيّة للمخصّص، ومعه يكون العامّ متّبعاً لا محالة، كما حقّق في محلّه.
الناحية الثانية: في إمكان التعميم أكثر ممّا سبق
فإنَّ غاية ما أثبتناه في الناحية الأُولى هو أنَّ موضوع الجواز هو العجز الناتج عن المرض أو الأذى، وما يمكن أن يُقال في تعميمه لكلِّ أنحاء العجز وجهان:
• الوجه الأوّل: أنَّ هذين العنوانين لم يذكرا في الآية، بحسب الفهم العرفي، بخصوصيّتهما، وإنَّما ذكرا باعتبار كونهما سببين للعجز عن حمل السلاح، وذلك بأحد تقريبين:
التقريب الأوّل: هو أن يُقال: أنَّ هذين العنوانين إنَّما ذكرا لجريانهما مجرى الغالب، فإنَّ الغالب في العجز عن حمل السلاح هو أن يكون ناتجاً عن أحد هذين السببين، فقد ذكر السبب وأُريد به لازمه الأعمّ.
التقريب الثاني: التمسّك بقرينة الامتنان، حيث إنَّ رفع هذا الوجوب
ــــــ[141]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
عن المصلّي جارٍ مجرى الامتنان لا محالة، ومن المعلوم أنَّه لو كان عاجزاً عن حمل السلاح عجزاً عاديّاً بغير هذين السببين، يكون خلاف الامتنان إيجاب حمل السلاح عليه، فنعرف بقرينة الامتنان التعميم لكلِّ عجزٍ ناتج عن أيّ سبب.
وإذا ثبت التعميم بأحد هذين التقريبين دار الجواز مداره، وكان العجز عذراً عن حمل السلاح مع إحرازه.
• الوجه الثاني: التمسّك بالقواعد الرافعة للتكليف؛ كـ(لا ضرر) و(لا حرج) ونحوها، بناءً على حكومتها على الأدلّة الأوّليّة في الشريعة، فتكون رافعة لوجوب حمل السلاح لا محالة. وهذا الوجه تامّ في الجملة إلَّا أنَّه:
أوّلاً: إذن وترخيص خارج عن مدلول الآية على ما هو محلّ الكلام.
ثانياً: أنَّه لا ينتج التعميم لكلِّ عجز عادي، وإنَّما ينتج الترخيص في حدود انحفاظ العناوين المرخّصة، كالضرر والحرج وغيرها، فما كان عجزاً لا يدخل تحتها أو تحت المستثنيات في الآية، فإنَّه لا يكون خارجاً عن دائرة الوجوب.
ثالثاً: أنَّ هذا الترخيص يقع موقع التزاحم مع الأدلّة الأُخرى، كوجوب المحافظة على النفس أو وجوب الجهاد، فقد يكون دليل الضرر والحرج مقدّماً إذا كان أهمّ بنظر الشارع، أو كان يسقط الفرد عن إمكان الجهاد، وقد يكون دليل الجهاد مقدّماً لو لم يكن الضرر والحرج بالغاً، فإنَّ وجوب المحافظة على النفس يكون ساقطاً في ذلك الحين، فكيف بتحمّل الضرر والحرج.
ولا يبعد أن يكون الترخيص الثابت بالآية نفسها كذلك، لولا مناقشتين:
ــــــ[142]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الأُولى: كون الاستثناء في الآية من قبيل التقييد المتّصل، والتقييد في أدلّة الضرر والحرج منفصل لا محالة، والتقييد المتّصل يكون كاشفاً عن عدم وجود المصلحة أساساً، فتأمّل.
الثانية: أنَّه مع أهميّة وجوب الجهاد والقتال الفعلي يرتفع موضوع صلاة ذات الرقاع وينتقل الحال إلى صلاة شدّة الخوف، على ما أخذوا في موضوعها، وسيأتي الكلام عن صحّة ذلك.
الظهور الثالث عشر: ظهور الآية بالشرط الذي ذكره الفقهاء
وهو اشتراط هذه الصلاة بوجود الأمن في الجملة(1)، على ما شرحناه في أوّل هذا المقام الثاني، في مقابل صلاة شدّة الخوف.
قد يستفاد ذلك من قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ} الظاهر – كما قلنا- بإرادة إقامة الصلاة امتثالاً للأمر الاستحبابي بإقامة صلاة الجماعة السابق على تشريع هذه الصلاة.
ومن المعلوم أنَّه في زمان شدّة الخوف إمّا لا يمكن تكويناً وإمّا لا يجوز تشريعاً الاشتغال بإقامة الجماعة، ومعه يسقط استحباب إقامتها لا محالة، ويكون الاشتغال بها محرّماً أو ممتنعاً عادة. إذن فينحصر تشريع هذه الصلاة بصورة عدم شدّة الخوف، وهو المراد من الأمن في الجملة على ما اصطلحوا عليه.
وهذا التقريب تامّ في نفسه؛ لوضوح سقوط تشريع هذه الصلاة عند شدّة الخوف، فيكون الشرط الذي ذكره الفقهاء صحيحاً.
ــــــ[143]ـــــــ
(1) تقدّم تخريج ذلك مفصّلاً، فراجع.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إلَّا أنَّ الكلام في أنَّ الدليل الدالّ على السقوط هل هو من الوضوح في أذهان المسلمين عند نزول الآية بحيث يصلح أن يكون مقيّداً متّصلاً لإطلاقها، ومعه نستطيع أن نقول: إنَّ الآية دالّة، على هذا الشرط مع شيءٍ من المسامحة، باعتبار تصرّف المقيّد المتّصل بالمراد الاستعمالي من الكلام.
أو أنَّه ليس بذلك الوضوح، بحيث لا يصلح إلَّا مقيّداً منفصلاً، وقد يتصوّر كونه حاكماً على مدلول الآية، مع انحفاظ مرادها الاستعمالي. وعلى أيّ حال فالنتيجة واحدة، وهذا الشرط تامّ في نفسه.
فهذا هو حاصل الكلام في مهمّ الظهورات من هذه الآية الكريمة، حال كونها ملحوظة مستقلّة عن سائر الأدلّة الأُخرى الواردة في المقام. ومن المعلوم أنَّ النتيجة لا تحصل إلَّا بعد استيعاب سائر الأدلّة.
2. الدليل الروائي
الدليل الثاني على مشروعيّة هذه الصلاة:
• ما رواه محمّد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله× عن صلاة الخوف، قال: >يقوم الإمام وتجيء طائفة من أصحابه فيقومون خلفه، وطائفة بإزاء العدوّ، فيصلّي بهم الإمام ركعة، ثمَّ يقوم ويقومون معه، فيمثل قائماً، ويصلّون هم الركعة الثانية ثمَّ يسلّم بعضهم على بعض، ثمَّ ينصرفون فيقومون في مقام أصحابهم ويجيء الآخرون فيقومون خلف الإمام فيصلّي بهم الركعة الثانية، ثمَّ يجلس الإمام، فيقومون هم فيصلّون ركعة أُخرى، ثمَّ يسلّم عليهم فينصرفون بتسليمه …<(1) إلى آخر
ــــــ[144]ـــــــ
(1) الكافي 3: 455، كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف، الحديث: 1، تهذيب الأحكام 3: 171، كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف، الحديث: 1، وسائل الشيعة 8: 437، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب2، باب استحباب صلاة الجماعة في الخوف وكيفيّتها، الحديث: 4.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الرواية، حيث يتعرّض فيها إلى كيفيّة صلاة المغرب على ما يأتي.
• ونحوها: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله× قال: >صلّى النبي’ بأصحابه في غزوة ذات الرقاع صلاة الخوف، ففرّق أصحابه فرقتين، فأقام فرقة بإزاء العدوّ وفرقة خلفه. فكبّر وكبّروا، فقرأ وأنصتوا، وركع وركعوا، فسجد وسجدوا، ثمَّ استمرّ رسول الله’ قائماً وصلّوا لأنفسهم ركعة، ثمَّ سلّم بعضهم على بعض، ثمَّ خرجوا إلى أصحابهم فقاموا بإزاء العدوّ وجاء أصحابهم فقاموا خلف رسول الله’، فكبّر وكبّروا وقرأ فأنصتوا وركع فركعوا وسجد فسجدوا، ثمَّ جلس رسول الله’ فتشهّد ثمَّ سلّم عليهم فقاموا، ثمَّ قضوا لأنفسهم ركعة ثمَّ سلّم بعضهم على بعض …<(1) إلى آخر الرواية.
ودلالة هذين الحديثين على صورة صلاة الخوف واضحة ومفصّلة، حتّى أنَّنا نجد جملة من الظهورات التي لم تكن واضحة في الآية، نجدها واضحة هنا في كلا الحديثين أو في أحدهما.
ــــــ[145]ـــــــ
( ) الكافي 3: 456، كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف، الحديث: 2، مَن لا يحضره الفقيه 1: 460ـ 463، كتاب الصلاة، صلاة الخوف والمطاردة…، الحديث: 1234، وسائل الشيعة 8: 435، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب2، باب استحباب صلاة الجماعة في الخوف وكيفيّتها، الحديث: 1. وفي الكافي عن محمّد بن يحيى، عن عبد الله بن محمّد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن ابان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله× مثله إلى قوله×: >ثمَّ سلّم بعضهم على بعض<.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فظهور كون الصلاة تنعقد جماعةً واضحٌ من الحديثين، حيث عبّر في أحدهما: فيقومون خلفه وفي الآخر، وفرقة خلفه، وهو نصُّ بالمطلوب بحسب ارتكاز المتشرّعة.
وظهور تجريد المورد عن خصوصيّة النبي’ ظاهر جدّاً من الحديث الأوّل لا محالة؛ لأنَّه يعبّر بالإمام، ولا يراد به في سياق الكلام عن صلاة الجماعة إلَّا إمام الجماعة، والحديث الثاني إن لم يكن حاله كالآية الكريمة وتأتي سائر التقريبات السابقة فيه أيضاً، فهو أحسن حالاً منها من هذه الناحية، باعتباره ناقلاً لفعل النبي’ وهو مجمل على أكبر تقدير من حيث اعتبار الخصوصيّة، وليس فيه أيّ ظهور باعتبارها كما هو ظاهر، على حين كان لتوهُّم الاعتبار في الآية مجالٌ مهمّ.
وظهور كون إيقاع هذه الصلاة في زمن الحرب محرزٌ أيضاً من كلا الحديثين كما هو واضح، وإن كان في الثاني أوضح؛ لأنَّه في الأوّل يعبّر بالعدوّ ولعلّه أعمّ من المحارب كاللصوص وغيرهم، ويأتي التقريب السابق في التجريد عن هذه الخصوصيّة، وتعميم مشروعيّتها لكلِّ خوف.
وظهور تبعيّة الأمر بهذه الصلاة للأمر الأصلي بصلاة الجماعة، فيكتسب منه استحبابه، فيكون إقامة هذه الصلاة أمراً اختياريّاً، لهم إيجاده ولهم تركه، وإن كان إيجادها أفضل، محفوظ في سياق كلا الحديثين.
كما أنَّ انقسام الجيش إلى طائفتين ممّا يدلّ عليه كلا الحديثين بوضوح، والأوّل منهما يكاد يكون واضحاً بانعقاد الصلاة بطائفتين في الجملة، بلا حاجة إلى اشتراك جميع الجيش في ذلك، والحديث الثاني وإن كان نصّاً باشتراك الجميع في الصلاة على البدل، إلَّا أنَّ ذلك للرغبة في إقامتها من قبل الجميع،
ــــــ[146]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وبخاصّة مع رسول الله’ وأمره لهم بالصلاة، ولا يكون ذلك مقيّداً لما هو مقتضى القاعدة من استحباب الالتحاق بهذه الصلاة.
وأمّا المحاولات السابقة للتجريد عن خصوصيّة التقسيم الثنائي، فهي لم تكن تامّة في الآية، وهي في المقام أبعد عن الصحّة؛ لصراحة كلا الحديثين في ذيلهما الذي لم نروه بالتقسيم الثنائي حتّى في الصلاة الثلاثيّة، ومن البعيد جدّاً أن يكون ذلك باختيار الإمام؛ على ما يأتي.
ووجوب المحارسة أوضح في كلا الحديثين منه في الآية، فإنَّ الآية كما عرفنا دالّة على وجوب الحراسة في خصوص الركعة الثانية، وغير دالّة على وجوبها في الأُولى، في حين إنَّ الحديثين دالّان على مشروعيّتها في كلتا الركعتين على كلتا الطائفتين على البدل، وإن كان في استفادة الوجوب منها إشكال.
فإنَّ الفعل المنقول في الحديث الثاني غير دالٍّ على الوجوب كما هو واضح، كما أنَّ الحديث الأوّل معتمد على استعمال القضايا الخبريّة المراد بها الإنشاء، وبعضها للاستحباب بلا إشكال، كقوله في أوّل الحديث: >يقوم الإمام<، ومقتضى وحدة السياق هو إرادة الاستحباب من الجميع، ومعه تبقى الحراسة في الركعة الأُولى بلا دليل على وجوبها.
وجهان للتقريب في المقام
ويمكن تقريب الوجوب بأحد وجهين:
الوجه الأوّل: إنكار وحدة السياق؛ لأنَّ هذه الأوامر وإن كانت مشتملةً على ما هو مستحبٌّ بلا إشكال، فإنَّها مشتملةٌ على ما هو واجب بلا إشكال، كالأمر بأفعال الصلاة. فمقتضى وحدة السياق هو الوجوب، إلَّا ما دلَّ الدليل على استحبابه، كالأمر الأوّل.
ــــــ[147]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الوجه الثاني: أنَّنا ذكرنا أنَّ وجوب الحراسة أمر غير مرتبط بالصلاة قيداً أو شرطاً، وإنَّما هو واجب بوجوب الجهاد أو وجوب المحافظة على النفس، ومعه يكون وجوبهاً ثابتاً وإن لم يدلّ عليه الدليل الخاصّ.
والوجه الأوّل لا يخلو من إشكال؛ لاشتمال السياق على ما هو واجبٌ ضمنيٌّ وواجبٌ استقلاليّ، ومستحبٌّ، وليس للسياق وحدةٌ معيّنة؛ على ما سيظهر من مطاوي كلماتنا.
كما أنَّ الوجه الثاني غاية ما يُثبت وجوب المحارسة عند الحاجة إليها، ووجود المصلحة فيها، وتنتفي بانتفائها، وهو أمر صحيح ذكرناه في غضون كلامنا في الآية الكريمة، فيلتزم به في حراسة كلتا الطائفتين.
وكذلك ظهور أداء الطائفة الأُولى ركعةً واحدةً مع الإمام محرزٌ من كلا الحديثين. وقد عرفنا أنَّ الآية دالّةٌ عليه، ولكنّها غير دالّة على مقدار ما تؤدّي الطائفة الثانية من الركعات، وأمّا الحديثان فدالّان على اقتصارهم على الركعة بوضوح فيما إذا كانت الصلاة ركعتين كما هو المفروض.
وكذلك ظهور التحاق الطائفة الثانية بالإمام في الركعة الثانية، وانتهائهم معه واضحٌ من كلا الخبرين.
وكذلك ظهور اشتراط هذه الصلاة بوجود الأمن في الجملة، بنفس التقريب السابق.
وتختصّ الآية بعدّة أحكام لم يتعرّض لها في أيٍّ من الحديثين، كالأمر بأخذ السلاح وأخذ الحذر، والإذن بإسقاطه عند المرض والأذى، وظهور اختصاص مشروعيّة الصلاة بما إذا كان العدوّ بخلاف القبلة، على ما كانت تُشعر به الآية، وقد رفضناه.
ــــــ[148]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والآية على تقدير دلالتها تكون مقيّدةً للحديثين لا محالة، ولكن قد سبق أن قرّبنا تجريدها عن هذه الخصوصيّة، ولكن بدلالتها على الأحكام الأُخرى تكون مقيّدةً لها لا محالة.
خصائص الحديثين المستدلّ بهما
ويختصّ الحديثان بأحكام تفصيليّة لم تصرّح بها الآية، يمكن إيضاحها بالأُمور التالية:
◘ الأمر الأوّل: كون المتّبع حال متابعة الإمام أحكام صلاة الجماعة الاعتياديّة، بما فيها عدم قراءة المأمومين ونيابة الإمام عنهم فيها، وبما فيها وجوب متابعة المأمومين له، بمعنى إتيانهم بأفعال الصلاة بعده، ممّا يُستشعر منه – بل يُستظهر- شمول سائر أحكام الجماعة له، بما فيها من عدم الاعتناء بالشكِّ مع ضبط الإمام أو المأموم وغير ذلك من الأحكام.
وهذا واضحٌ جدّاً من الحديث الثاني؛ إذ يقول: >فكبّر وكبّروا، فقرأ وأنصتوا، وركع وركعوا، فسجد وسجدوا<، ويكرّر ذلك في التحاق الطائفة الثانية أيضاً، تأكيداً وتوضيحاً.
والحديث الأوّل لا يعارضه، بل يؤيّده في ذلك، فإنَّ هذا هو المستفاد من قوله: >فيصلّي بهم الإمام ركعة<، أو قوله: >فيصلّي بهم الركعة الثانية<، والصلاة بهم ظاهر بانعقاد صلاة الجماعة شرعاً، بحسب ارتكاز المتشرّعة، فتكون مصداقاً لا محالة لسائر الأحكام المترتّبة شرعاً على الإمام أو المأمومين أو الشكّ في الجماعة أو غير ذلك.
◘ الأمر الثاني: كون الائتمام منقطعاً عند الركعة الثانية لكلِّ طائفة.
ــــــ[149]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أمّا الحديث الثاني فكالصريح في ذلك، حيث يقول في الطائفة الأُولى: >وصلّوا لأنفسهم ركعة، ثمَّ سلّم بعضهم على بعض<، ويقول في الثانية: >فقاموا، ثمَّ قضوا لأنفسهم ركعة ثمَّ سلّم بعضهم على بعض<.
ومن الواضح أنَّ صلاة الإنسان لنفسه مضادّة عرفاً مع صلاة الإنسان لصلاة إمام الجماعة، فإنَّه إن صلّى لنفسه كان اختياره في أفعال صلاته إلى نفسه محضاً، وأمّا عند الائتمام فيكون مرتبطاً في أفعاله بأفعال الإمام، على أنَّه من القريب أن يكون قيد >لأنفسهم< قد ذكر في كلام الإمام لإيضاح هذه الجهة بالخصوص، والنصّ على انفرادهم بعد نصّه على وجوب المتابعة في الركعة الأُولى.
وأمّا الحديث الأوّل فظاهر في ذلك أيضاً؛ لأنَّه يقول في الطائفة الأُولى: >ويصلّون هم الركعة الثانية<، وفي الطائفة الثانية: >فيقومون هم فيصلّون ركعة أُخرى<، وتقريب ظهوره يكون بأحد وجوه:
الوجه الأوّل: نحو ما ذكرناه في الحديث الثاني، وذلك بأن يُقال: إنَّ نسبة الصلاة إلى الفرد مضادّة عرفاً لنسبتها إلى الإمام، حيث يملك الفرد اختياره في أفعاله في الأوّل دون الثاني.
الوجه الثاني: ظهور المقابلة بين قوله: >فيصلّي بهم الإمام ركعة<، وقوله: >ويصلّون هم الركعة الثانية<، ونحوه في الطائفة الثانية. وحيث إنَّ المراد من الأوّل هو وجوب المتابعة، فيكون المراد من الثاني عدم المتابعة لا محالة.
لا يُقال: بأنَّه ليس هناك من يتوهّم المتابعة، وإنَّما يدّعى بقاء الائتمام بدون المتابعة.
فإنَّه يُقال: إنَّ عدم المتابعة معناه عدم الاقتداء وحصول الانفراد لا
ــــــ[150]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
محالة؛ إذ لا معنى للقدرة مع الاستقلال بالقراءة والأفعال لا محالة.
فإن قيل: بأنَّ هذا مخالف للمستفاد من نفس الحديث الشريف، من بقاء القدوة في الطائفة الثانية؛ إذ يقول: >فينصرفون بتسليمه<، ولو كانوا قد انفردوا لما أمكن عودهم إلى الائتمام مرّة أُخرى، كما هو المعلوم من الأدلّة الخارجيّة.
قلنا: أوّلاً: إنَّ ما دلَّ عليه الدليل من عدم جواز الائتمام في أثناء الصلاة يكون مخصّصاً بخصوص هذا المورد، ولا محذور فيه لو دلَّ عليه الدليل المعتبر، كما في المقام.
ثانياً: إنَّ الحديث غير دالٍّ على عودة الائتمام مرّة أُخرى، فإنَّه قد يدّعى ظهوره ببقائهم على الائتمام بحسب مرتبة الثواب لا بحسب الحكم الشرعي، كما قيل، ومعه لا يكون منافياً مع ما قلناه. فتأمّل.
ثالثاً: إنَّ هذا الحديث معارض في هذه النقطة مع الحديث الثاني، [أي] صحيحة عبد الرحمن، فإنَّها دالّة على بقاء الانفراد إلى حين الخروج من الصلاة، وسيأتي الكلام عن هذه المعارضة.
الوجه الثالث لدلالة الحديث الأوّل على الانفراد: التمسّك بالتأكيد الموجود في الحديث، والناتج عن إظهار ضمير الفعل في قوله: >ويصلّون هم الركعة الثانية<، وهو ظاهر في كونهم مستقلّين ومنفردين في الصلاة، بل ربما لم يؤتَ بهذا التأكيد إلَّا لهذا الغرض، ودفع احتمال بقاء الائتمام.
فإن قيل: إنَّ هذا الوجه غاية ما يدفع بقاء المتابعة، ولا يدفع بقاء الائتمام.
قلنا: بأنَّه – مضافاً إلى كونه خلاف الظاهر- أنَّنا قلنا بأنَّ عدم المتابعة هي بعينها أو ملازمة لا تنفكّ عن عدم الائتمام.
ــــــ[151]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
هذا بحسب ظهور الحديثين، وللأصحاب اختلاف وكلام في ذلك يأتي التعرّض له بعد ذلك.
◘ الأمر الثالث: صراحة الحديثين معاً، بأنَّ الغرض من التقسيم الثنائي هو وقوف غير المصلّين إلى جهة العدوّ وبإزائه، بنحو يمنعه على مواصلة الهجوم، وهذا المعنى من المحارسة كان مدلولاً سياقيّاً في الآية ولم يكن صريحاً بهذا النحو.
◘ الأمر الرابع: دلالة الحديثين معاً على انتظار الإمام للطائفة الثانية قائماً في قيام ركعته الثانية، ريثما تنتهي الطائفة الأُولى من ركعتها الثانية وتذهب لتنوب عن الطائفة الثانية في الحراسة، وتأتي الطائفة الثانية للائتمام به في ركعته الثانية.
قال في الحديث الأوّل: >فيمثل قائماً، ويصلّون هم الركعة الثانية<، وقال في الثاني: >ثمَّ استمرّ رسول الله’ قائماً وصلّوا لأنفسهم ركعة<، وهذا واضح.
إلَّا أنَّ الكلام يقع في جهات:
الجهة الأُولى: أنَّ مقتضى الإطلاق جواز انتظار الإمام [على] حال قيامه زماناً طويلاً، مهما طالت الركعة الثانية للطائفة الأُولى وطال ذهابهم إلى جهة العدوّ، ومجيء الطائفة الثانية وانتظام صفوفهم.
وهذا الأمر من مقدّمات البرهنة على اختلاف هذه الصلاة في الشرائط عن صلاة الجماعة الاعتياديّة، على ما نشير إليه.
الجهة الثانية: مقتضى الإطلاق عدم وجوب شيء على الإمام حال قيامه من الأذكار أو الأفعال، وإنَّما يبدأ بالقراءة بعد التحاق الطائفة الثانية كما يشعر به الحديث الأوّل وينصّ عليه الحديث الثاني، وهذا أيضاً من مقدّمات المطلب المشار إليه كما يأتي.
ــــــ[152]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الجهة الثالثة: أنَّ هذا الانتظار شرط في انتظام صورة صلاة ذات الرقاع بلا إشكال، كما أنَّ مجيء الطائفة الثانية شرط فيها أيضاً، إلَّا أنَّ هذا الانتظار ليس واجباً تكليفيّاً ولا واجباً وضعيّاً، بمعنى: كونه شرطاً في صحّة الصلاة، بل غاية ما يستفاد من الأدلّة استحباب هذا الانتظار لإفساح المجال لالتحاق الطائفة الثانية في صلاة الجماعة، وكونه شرطاً لتحقّق صورة هذه الصلاة كما يستفاد من الأدلّة عدم بطلان أصل الصلاة ولا هيئة صلاة الجماعة به ولو تعبداً في هذا المورد. وأمّا وجوبه التكليفي أو الشرطي فلا.
وإذا تمَّ ذلك جاز للإمام أحد أُمور على حدٍّ سواء. إمّا الاستمرار بإمامة الفرقة الأُولى إلى نهاية الصلاة، وإمّا إتمام الصلاة منفرداً بدون الانتظار، وإمّا اختيار الانتظار لفسح المجال للطائفة الثانية للالتحاق.
وغاية ما يتخيّل كونه دليلاً على الوجوب هو وحدة السياق مع ما يكتنفه من الأوامر الدالّة على الوجوب بلا إشكال.
بيان ذلك: أنَّ الحديث الثاني يعرب عن فعل رسول الله’ وهو غير دالّ على الوجوب بأيّ نوعيّة كما هو واضح، وإنَّما العمدة في هذا الاستدلال هو الحديث الأوّل، فإنَّ الأمر بانتظار الإمام مكتنفٌ بأمرين كلاهما للوجوب لا محالة، وهما قوله: >فيصلّي بهم< إلى قوله: >ثمَّ يقوم ويقومون معه<، وقوله: >ويصلّون هم الركعة الثانية<، ومقتضى وحدة السياق كونه دالاً على الوجوب لا محالة.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ:
• أوّلاً: لعدم وجود سياق واحد في هذا الحديث، على ما أشرنا إليه؛ لوجود مفادات متعدّدة للأوامر الموجودة فيه، فما يشكّ فيه لا يتعيّن كونه
ــــــ[153]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
مماثلاً لأيّ منها. وكون الأمر محفوفاً بأمرين دالّين على الوجوب موكول إلى مجرّد الصدفة، ولا يشكّل معه سياقاً معيّناً، بل لابدَّ من النظر إلى مجموع الأوامر، ومعه لا نجد وحدة معيّنة ذات أيّ مدلول.
• ثانياً: لانتفاء وحدة السياق من ناحية أُخرى، هي ظهور الأوامر المكتنفة بالأمر بالانتظار، بكونها تحويلاً على أوامر الأجزاء في الصلاة السابقة على تشريع هذه الآية، وتكراراً لها، على حين إنَّ الأمر بالانتظار تشريع خاصّ بهذه الصلاة كما هو واضح.
ونحن وإن قلنا في بعض كلماتنا أنَّ التكرار في الأمر لا يعني عدم الظهور في الوجوب، إلَّا أنَّ الخصوصيّة المشار إليها تمنع من انعقاد وحدة السياق لا محالة، وقرينيّتها؛ وذلك لأنَّ العرف إنَّما يفهم الوحدة عند ورود الأوامر على نحوٍ واحد، مع كون سائر الخصوصيّات والقيود المأخوذة في البعض دون البعض مشكوكة. وأمَّا مع إحراز الاختلاف في إحدى الخصوصيّات الدخيلة في الموضوع – وهو اختلاف سياق التشريع- فيكون احتمال كون التشريع الجديد مغايراً للتشريع السابق موجوداً ومانعاً عن انعقاد وحدة السياق عرفاً.
لا يُقال: إنَّنا نثبت بوحدة السياق مماثلة التشريع الجديد مع التشريع السابق في الخصوصيّات الأُخرى.
فإنَّه يُقال: إنَّ انعقادها فرع أن لا يكون هذا الاحتمال مانعاً، فكيف يمكن دفعه بها، ومع دفعه بها يكون دوراً صريحاً كما هو واضح لمَن تأمّل.
• ثالثاً: إنَّ المراد إمّا أن يكون هو إثبات الوجوب التكليفي الاستقلالي بخصوصه. وإمّا أن يكون هو إثبات الوجوب الشرطي الضمني بخصوصه.
ــــــ[154]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وإمّا أن يكون المراد هو إثبات جامع الوجوب مهملاً من ناحية الاستقلاليّة والضمنيّة.
أما الوجوب الاستقلالي بخصوصه فلا يمكن إثباته باعتبار اكتنافه بأمرين ضمنيّين هما: الأمر بالقيام والأمر بالركعة الثانية، فيكون مقتضى وحدة السياق – على تقدير ثبوتها- هو إثبات الضمنيّة دون الاستقلاليّة كما هو واضح.
وأمّا الوجوب الضمني، فهو وإن كان من الممكن إثباته بغضِّ النظر عن الإشكالين السابقين، فإن أُريد توقّف انعقاد صورة هذه الصلاة عليه، فهو تامٌّ على ما قلنا، إلَّا أنَّه لا يعيّن وجوبه؛ لعدم زيادة الشرط على المشروط لا محالة، فإذا كان أصل الصلاة مستحبّاً، فلا يكون شرطها واجباً لا محالة. فغاية ما ينتج انتفاؤه انتفاء صورة هذه الصلاة، وهو لا يقتضي بطلان أصل الصلاة، بل ولا بطلان صلاة الجماعة الاعتياديّة كما هو واضح.
وإن أُريد شرطيّته في أصل الصلاة، فهو مضافاً إلى أنَّه خلاف الضرورة وخلاف ما دلَّ على أجزاء الصلاة وشرائطها، وليس هذا منها كما هو واضح، فإنَّه أيضاً خلاف فرض كونه تشريعاً جديداً خاصّاً بانعقاد هذه الصلاة، كما هو واضح من السياق، فاعتباره دخيلاً في أصل الصلاة يستدعي اعتبار ما هو متأخّر متقدّماً وهو محال. فتأمّل.
ودعوى: أنَّنا نثبت بطلان أصل الصلاة عند انعقاد صلاة ذات الرقاع، بانتفاء هذا الشرط وإن لم يكن مبطلاً لأصل الصلاة في غير هذا المورد.
مدفوعة: بكونه غير محتمل في نفسه، وخلاف المتسالم عليه، مضافاً إلى أنَّه خلاف لسان أدلّة أجزاء الصلاة وشرائطها المطلقة من هذا القيد لا محالة،
ــــــ[155]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والدالّة على انحصار القيود في غيره، بنحوٍ غير قابل للتقييد عرفاً بالدليل الظاهر، فضلاً عن ظهورٍ ضعيفٍ قائمٍ على التسليم والافتراض، وغير وارد في مقام التقييد أساساً.
وأمّا إثبات وجوب الجامع بدعوى: أنَّنا غاية ما نحتاج إليه هو الإلزام بالانتظار، سواء كان استقلاليّاً أو ضمنيّاً، فيرد عليه:
أوّلاً: ما قلنا من أنَّ غاية ما يمكن لوحدة السياق أن تثبته هو خصوص الوجوب الضمني، دون غيره. فإن أُريد إثبات الجامع المقيّد بالضمنية فهو تامّ – بغضّ النظر عمّا سبق- وإن أريد إثبات الجامع المجرّد عن هذه الخصوصيّة، فهو ممّا لا يمكن؛ لدلالة هذه القرينة على القيد لا محالة.
وأمّا ثانياً: فلأنَّ كلا فردي الجامع إذا ثبت فساده على ما سبق، كان هذا الجامع فاسداً لا محالة؛ لكونه جامعاً بين فاسدين، فيتعيّن أن يكون المراد أمراً آخر مغايراً للجامع بكلا فرديه، وهو المقصود.
وأمّا ثالثاً: فلأنَّ عصيان هذا الجامع لا يثبت بطلان الصلاة لا محالة؛ لكون الوجوب التكليفي غير قيد في صحّتها كما هو المفروض. ومع احتمال وجود الجامع في هذا الفرد واقعاً، لا يكون هناك دليل على بطلانها مع وجود الإطلاقات المصحّحة لا محالة. وكون الدليل المقيّد مردّداً بين الأمرين لا يقتضي البطلان كما هو واضح، بل يقتضي التمسّك بالعامّ الدالّ على الصحّة لا محالة.
يبقى الكلام في هذه الجهة في استفادة عدم بطلان أصل صلاة الجماعة من الأدلّة وإن انتفت صورة صلاة ذات الرقاع بانتفاء الانتظار.
وهذا واضح جدّاً لشمول إطلاقات الصحّة لها لا محالة، لفرض كونها جامعة للشرائط الأُخرى، وعدم حصول ما يبطلها، بل هو أولى بالصحّة؛
ــــــ[156]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
لاحتمال أن يكون هذا الانتظار مبطلاً، وإنَّما جاز في هذا المورد تعبّداً.
◘ الأمر الخامس: دلالة الحديثين معاً على بقاء الانفراد الذي أشرنا إليه في الأمر الثاني، حتّى نهاية صلاة الطائفة الأُولى، ولا تعود هذه الطائفة إلى الائتمام بل تذهب لتقوم مقام صاحبتها في الحراسة.
وهذا واضح من كلا الحديثين، حيث يقول الأوّل منهما: >ويصلّون هم الركعة الثانية، ثمَّ يسلّم بعضهم على بعض، ثمَّ ينصرفون فيقومون مقام أصحابهم<.
ويقول الثاني منهما: >وصلّوا لأنفسهم ركعة ثُمَّ سلّم بعضهم على بعض، ثم خرجوا إلى أصحابهم فأقاموا بإزاء العدو<.
◘ الأمر السادس: دلالة الحديثين على التحاق الطائفة الثانية في الركعة الثانية للإمام، ففي الحديث الأوّل: >ويجيء الآخرون فيقومون خلف الإمام فيصلّي بهم الركعة الثانية<، وفي الثاني: >وجاء أصحابهم فقاموا خلف رسول الله’ فكبّر وكبّروا وقرأ فأنصتوا …< الخ، وهذا واضح.
وإنَّما الكلام في التكبير المذكور في الرواية الثانية، فإنَّه يُشعر – لو خلّينا ونفسه- بكونه تكبير الإحرام، ومن المعلوم أنَّ هذا التكبير لا يكون في الركعة الثانية، كما أنَّه من المعلوم أنَّ الإمام لا يستأنف صلاة جديدة، ولا يكون قد انتهى من الصلاة بركعة واحدة.
وما قيل أو يمكن أن يُقال في توجيه ذلك وجوه:
• الأوّل: ما ذكره الفقيه الهمداني+ من أن يكون المقصود: تعليم الفرقة الثانية وتنبيههم على أن يجعلوا ما أدركوه أوّل صلاتهم ويفتتحوها بالتكبير، كما لو كانوا يأتّمون به في الركعة الأُولى(1).
ــــــ[157]ـــــــ
( ) مصباح الفقيه (ط.ق) 2ق2: 714، كتاب الصلاة، الفرق بين صلاة الخوف والجماعة.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الثاني: ما ذكره+(1) أيضاً من أن يكون هذا التكبير عبارة عن تجديد صورة الافتتاح التي هي في الحقيقة ليست إلَّا التلفّظ بالتكبير الذي هو مستحبّ مطلقاً، ويكون مشروعاً في المقام ليأتمّ به المأمومون في افتتاحهم للصلاة.
أقول: لا يبدو بين الوجهين تباينٌ صناعيّ، بحيث يتمّ أحدهما مع غضّ النظر عن الآخر، بل يرجعان إلى وجهٍ واحد، فإنَّ تكرار التكبير وتجديد صورة الافتتاح إنَّما كان لتعليم الفرقة الثانية لا محالة.
• الثالث: ما ذكرناه من عدم مشروعيّة تكبيرة الإحرام في الركعة الثانية، بل هو مبطل للصلاة، كما ثبت في محلّه. والحديث واضح جدّاً في بقاء رسول الله’ في الصلاة وعدم استئنافه صلاة جديدة. فيتعيّن حمله على أيّ وجهٍ آخر غير الافتتاح.
ولا يُقال: إنَّه مبطل للصلاة إلَّا في هذه الصلاة؛ إذ يصلح هذا الحديث لتقييد قاعدة إبطال الصلاة بتكبير الافتتاح في الأثناء.
فإنَّه يُقال: إنَّه لا موجب للتقييد بأيّ حال، فإنَّ فعل النبي محتمل لوجوه، وإنَّما يصلح للتقييد إذا كان متعيّناً في الافتتاح.
لا يُقال: إنَّ التكبير ظاهر بالافتتاح والإحرام على ما ذكرنا، وهذا كافٍ في صلاحيّته للتقييد.
فإنَّه يُقال: إنَّه لابدَّ من رفع اليد عن هذا الظهور، على تقدير وجوده لقيام الضرورة على خلافه، وعدم احتمال خروج هذه الصلاة بالخصوص عن مقتضى القاعدة، وعدم ذكره في الأدلّة الأُخرى الدالّة على هذه الصلاة.
ــــــ[158]ـــــــ
(1) أُنظر: المصدر السابق.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فتحصّل أنَّ غاية ما يمكن أن يدلَّ عليه الحديث هو استحباب التكبير على ما ذكره الفقيه الهمداني+، إن لم يكن فعلاً رآه النبي’ وقتيّاً، وشخّص مصلحته في ذلك الحين، ولو لأحد الوجهين الأوّلين، من دون أن يكون مشمولاً لأدلّة التأسي. فتأمّل.
◘ الأمر السابع: أنَّ الحديثين اختلفا في انتظار الإمام للطائفة الثانية في التشهّد والتسليم، فبينما يدلّ الأوّل على الانتظار – حيث يقول: >ثمَّ يسلّم عليهم فينصرفون بتسليمه<، وهو مشعر بجريانه مجرى الجماعة الاعتياديّة، من حيث كون تسليمه سبباً في خروجهم من الصلاة، بناءً على عدم جواز سبقه بالتسليم- فإنَّه يدلّ الحديث الآخر على انصراف الإمام بمجرّد انفراد الطائفة الثانية، فإنَّه يتشهّد ويسلّم، وتبقى الطائفة الثانية في الصلاة ركعة أُخرى لا محالة، ويسلّمون مستقلّين عن الإمام.
والكلام تارةً يقع في إمكان الرجوع إلى الائتمام بعد الانفراد على ما هو ظاهر الحديث الأوّل، وأُخرى يقع في حلِّ التعارض بين الحديثين، ولا يخفى أنَّ التعارض إنَّما يكون له صورة على تقدير تنقيح الظهور الأوّل بالعود إلى الائتمام، وأمّا لو حملنا الحديث الأوّل على البقاء على الانفراد لما كان هناك معارضة كما هو واضح، غايته انتظار الإمام لهم والتسليم معهم سويّة بدون ائتمام.
أمّا الكلام في جواز الائتمام بعد الانفراد، فقد سبق بعض الكلام فيه، وذكرنا احتمال عدم دلالة الحديث على ذلك، وإن كان خلاف الظاهر. كما ذكرنا أنَّه على تقدير دلالته يمكن أن يكون مقيّداً لما دلَّ على عدم الجواز ولو في خصوص هذه الصلاة، وهو ممّا لا محذور فيه على القاعدة.
ــــــ[159]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
على أنَّه ليس هناك دليل اجتهادي يدلُّ على عدم الجواز، غايته أنَّهم شكّوا بعدم المشروعيّة عند عدم وجود الدليل، ومن المعلوم أنَّ هذا الحديث يكون حاكماً على هذا الأصل ومثبتاً للمشروعيّة لا محالة. ولم يثبت إجماع على عدم الجواز لا محصّلاً ولا منقولاً؛ لأنَّها من المسائل التي لم يتعرّض لها القدماء لنعرف آراءهم فيها. وعلى تقدير ثبوته فهو دليل لبّي يُؤخذ منه بالقدر المتيقّن، وهو صورة الائتمام بعد الانفراد من أوّل الصلاة. ومحلّ الكلام خارجٌ عن ذلك؛ لكون الطائفة الثانية كانت مؤتمّة في أوّل صلاتها ثمَّ عادت إلى الائتمام ثانية، فلا يكون هذا المورد مشمولاً للإجماع.
على أنَّ هذا الحديث إنَّما يكون على مقتضى القاعدة على تقدير الفتوى التي أشرنا إليها فيما سبق، وهي وجوب المتابعة حتّى في الانتهاء من الصلاة، فإنَّه يصدق حينئذٍ أنَّهم ينصرفون بتسليمه، وأمّا مع إنكار وجوب المتابعة في هذا المورد فيعرف أنَّ الشارع لم يجعل انتهاء المأموم مربوطاً بانتهاء الإمام؛ لجواز انتهائه قبله؛ إذ لو كان مربوطاً لبطلت صلاته لا محالة، والمفروض القول بصحّتها.
ومعه يكون الحديث معارضاً لما دلَّ على عدم وجوب المتابعة في هذا المورد إن كان دليلاً اجتهاديّاً، ويكون حاكماً عليه ولو في خصوص هذه الصلاة – بغضّ النظر عن معارضه- إن كان دليل عدم الجواز لبيّاً أو نحوه، كما هو كذلك.
وعليه فالظاهر دلالة الحديث على رجوع الائتمام بعد الانفراد، فتصل النوبة إلى المعارضة بينه وبين الحديث الثاني، فلابدَّ من التكلّم حول ذلك.
وما قيل أو يمكن أن يُقال في هذه المعارضة وجوه:
ــــــ[160]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الوجه الأوّل: حمل الباء في قوله: >فينصرفون بتسليمه< على مجرّد المعيّة، وصرفها عن ظاهرها بالسببيّة والموضوعيّة؛ وذلك بقرينة ذيل الحديث نفسه(1)، حيث تعرّض لكيفيّة صلاة الخوف في المغرب، وقال في آخرها: >فيتمّون ركعة أُخرى ثم يسلّم عليهم<.
وظاهره أنَّ الإمام ينتظر بدون تسليم حتّى ينتهي المأمومون من ركعاتهم، ثمَّ يسلّم عليهم بعد ذلك منفرداً، فليكن الأوّل كذلك أيضاً.
ولا يُقال: إنَّ مقتضى القاعدة هو قرينيّة الأوّل على الثاني دون العكس.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا فرع تساوي الظهورين، وأمّا لو كان الأخير أقوى، فإنَّه يتعيّن في القرينيّة لا محالة، وفي المقام كذلك؛ للشكّ في المراد من الأوّل وتعيّن المراد من الثاني، فيكون ظهوره أقوى. فتأمّل.
• الوجه الثاني: وهن صحيحة الحلبي بالتسالم والإجماع على خلافها، بدعوى قيام الإجماع أو الشهرة على عدم إمكان الائتمام بعد الانفراد، وهذا غير تامٍّ صغرى وكبرى. أمّا صغرى؛ فلما سبق من عدم وجود الإجماع، وأمّا كبرى؛ فلعدم قبول الوهن الناشئ من الشهرة، بل الإجماع على ما حُقّق في محلّه.
• الوجه الثالث: الحمل على التخيير في كلا الحديثين. فيكون الإمام مخيّراً بين انتظار المأمومين والتسليم بهم، وبين إنهاء صلاته بعد انفرادهم، وذلك بأحد تقريبين:
التقريب الأوّل: أن يُقال: إنَّ مقتضى القاعدة هو ذلك أساساً، أمّا الانتهاء من الصلاة قبل المأمومين فواضح(2).
ــــــ[161]ـــــــ
( ) أي: ذيل الحديث الأوّل.
( ) لأنَّه لا يجب على الإمام الالتزام بإمامته في تمام الصلاة (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وأمّا انتظارهم فهو غير مخلٍّ بالموالاة، وليس فيه رجوع للائتمام بعد الانفراد على الفرض، أو أنَّ هذا في نفسه جائز. وإذا كان كلا الأمرين جائزين في أنفسهما، كان كلّ دليلٍ دالاً على أحد شقّي التخيير.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ؛ لقصوره عن أن ينقّح ظهوراً في الحديثين في كونهما قائمين على تلك القاعدة المشار إليها في التقريب، فإنَّ النصّ إنَّما يقوم على قاعدة من القواعد، ويكون مشيراً إليها فيما إذا كانت القاعدة واضحة جدّاً في ذهن المتشرّعة عند صدور النصّ. ومن المعلوم أنَّ القاعدة المشار إليها لم يثبت كونها كذلك.
ومعه يكون الحمل على التخيير خلاف إطلاق كلٍّ من الحديثين؛ على ما هو ظاهر.
التقريب الثاني: أن يُقال: إنَّ صحيحة عبد الرحمن لا إطلاق لها كما هو معلوم؛ لإفادتها فعل رسول الله’، والفعل مجمل من حيث التعيين والتخيير. وإنَّما غاية ما يدلّ عليه عدم التعيين في الشقّ الآخر المضادّ لا محالة. فهو بهذه الدلالة يكون قرينة على تقييد الإطلاق الدالّ على التعيين، فيحمل على التخيير لا محالة، وجواز كلا الأمرين للإمام. ومعه يحمل الأمر في صحيحة الحلبي على الاستحباب لا محالة، فيكون الانتظار أفضل شقّي التخيير.
وهذه النتيجة هي أحد الأمرين اللذين احتملهما الفقيه الهمداني، في مقام حلّ المعارضة(1).
ــــــ[162]ـــــــ
( ) راجع مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 714، كتاب الصلاة، الفرق بين صلاة الخوف والجماعة.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والأمر الثاني هو حمل الحديث على بيان محض الرخصة(1)، وهذا -كما نرى- مخالف لدلالة الأمر على المطلوبيّة في الجملة. ومن ثَمَّ يتعيّن الحمل على الاستحباب لا محالة.
وفي ضوء ما سبق أن قلناه، يكون الأفضل للإمام الانتظار والتسليم بالمأمومين، ومعه يعود الائتمام بعد الانفراد؛ لما استفدناه من دلالة الحديث على ذلك. وللإمام أيضاً أن يسلّم وينفلت من صلاته بعد انفراد الطائفة الثانية، ويدعها تكمل صلاتها بدونه.
فهذا هو تمام الكلام في مهمّ الظهورات للحديثين – صحيحة الحلبي وصحيحة عبد الرحمن- وهما الدليلان الرئيسيّان في المقام. وقد تنقّح بهما عدد لا يستهان به من أحكام صلاة ذات الرقاع.
أمران في صحيحة عبد الرحمن
لم يبقَ إلَّا أنَّ نشير في خصوص صحيحة عبد الرحمن إلى أمرين:
• الأمر الأوّل: أنَّه يقول في الطائفة الثانية: >فقاموا ثمَّ قضوا لأنفسهم ركعة<، والقضاء هنا بمعنى الأداء والانتهاء من الصلاة، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ}(2) يعني انتهت، بقرينة ما سبق في نفس الحديث بالنسبة إلى الطائفة الأُولى، فإنَّه قال: >وصلّوا لأنفسهم ركعة<، مضافاً إلى ظهور السياق كلّه في ذلك كما هو واضح.
• الأمر الثاني: أنَّ لصحيحة عبد الرحمن ذيلاً لم نروه فيما سبق، وهو قول الإمام الصادق× بعد الذي رويناه: >وقد قال الله لنبيّه’: فإذا كنت
ــــــ[163]ـــــــ
(1) راجع المصدر السابق.
(2) سورة الجمعة، الآية: 10.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك<(1). وذكر الآية. >فهذه صلاة الخوف التي أمر الله بها نبيّه …< إلى آخر الرواية.
فقد يدّعى كون هذا الحديث تفسيراً بالمعنى الصناعي للآية الكريمة، بمعنى أنَّه يوضّح مواطن الإجمال فيها أو يتعبّدنا بظهورات فيها غير مفهومة عرفاً. وقد سبق أن قلنا بأنَّ تفسير الكتاب بالخبر المعتبر، ممّا لا قصور في حجّيته.
وهذه الدعوى لا مشاحة فيها لو أمكن أن يكون تفسيراً في بعض الموارد، مثل: أنَّنا نفهم من قوله تعالى: {فَإِذَا سَجَدُوا} أنَّهم انتهوا من ركعة واحدة وراء الإمام، أو قوله تعالى: {فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} كونهم مواجهين للعدوّ، أو قوله تعالى: {فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} أنَّ الفرقة الثانية تصلّي وراء الإمام ركعة واحدة أيضاً، ونحو ذلك من الظهورات التي لم تكن بذلك الوضوح، أو نفهم وجوب الحراسة على الطائفة الأُولى، لو لوحظت الآية منفردة كما سبق.
إلَّا أنَّ سياق الحديث بشكلٍ عامّ هو بيان فعل رسول الله’ لهذه الصلاة، تطبيقاً لحكم الآية. وهذا غاية ما يُنقّح هو أنَّ الحكم الواقعي المتعلّق بهذه الصلاة هو ذلك، ولو بإضافة اجتهاد رسول الله’ وتشريعه إلى مواطن الإجمال في الآية، فإنَّ له صلاحيّة التشريع في هذه الموارد، كما ثبت في محلّه.
وأمّا كون المراد الاستعمالي من الآية هو ذلك، فهو ممّا لا يكاد ينقّحه الحديث؛ لكون الفعل مجمل الدلالة في كونه تطبيقاً لما نطقت به الآية، أو كونه
ــــــ[164]ـــــــ
( ) مَن لا يحضره الفقيه 1: 462، كتاب الصلاة، صلاة الخوف والمطاردة…، ذيل الحديث: 1334، وسائل الشيعة 8: 435، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب2، باب استحباب صلاة الجماعة في الخوف وكيفيّتها، ذيل الحديث: 1.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
تشريعاً من رسول الله’.
ودعوى: كون كلّ ذلك ممّا فهمه رسول الله’ من الآية بعلمه الخاصّ، فيكون فهمه’ حجّة علينا لا محالة.
مدفوعة: بعدم ظهور الرواية في ذلك، فيبقى ما هو مجمل في الآية على إجماله لا محالة.
نعم، لو كان للرواية لسان معيّن لأمكن أن يكون موضّحاً لإجمالها، إلَّا أنَّ الفعل لا لسان له كما هو معلوم.
وأمّا احتمال التفسير بهذا المعنى في الحديث الأوّل فهو موهون غايته، لأنَّ التفسير إنَّما يتحقّق مع الإشارة والنظر كما كان في صحيحة عبد الرحمن، ومن المعلوم أنَّ صحيحة الحلبي خالية عن ذلك. ومجرّد كون الآية والحديث متعرّضين لموضوع واحد لا يكفي لإثبات التفسير، كما هو واضح. ودعوى: ظهور سياق الحديث في كونه معرباً ومبيّناً للمقصود من الآية، عهدتها على مدّعيها. مضافاً إلى أنَّها تثبت التفسير في الجملة، لا أنَّها تثبته لمجموع مجملات الآية. فتأمّل.
فهذا هو تمام الكلام في هذين الحديثين.
يبقى الكلام فيما ورد لهما من المؤيّدات من الأخبار:
المؤيدات من الأخبار
• منها: رواية الحميري المرويّة عن قرب الإسناد عن عبد الله بن الحسن عن جدّه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى× قال: سألته عن صلاة الخوف كيف هي؟ قال: >يقوم الإمام فيصلّي ببعض أصحابه ركعة، وفي الثانية ويقوم
ــــــ[165]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أصحابه فيصلّون الثانية، ويخفّفون وينصرفون، ويأتي أصحابهم الباقون، فيصلّون معه الثانية. فإذا قعد في التشهّد قاموا فصلّوا الثانية لأنفسهم، ثمَّ يقعدون معه، ثمَّ يسلّم وينصرفون معه<( ).
ودلالتها بشكلٍ عامٍّ واضحةٌ، وإنَّما ينبغي الإشارة فيها إلى عدّة أُمور:
• الأمر الأوّل: أنَّ سياق الرواية لا يفهم منه الأمر البتّة، بل الظاهر بقاء القضايا الإخباريّة الموجودة فيها محفوظة على ظاهرها؛ لأنَّ المفهوم من السياق أنَّ الإمام× يروي كيفيّة صلاة الخوف للراوي، ويخبره بأعمال الإمام والمأمومين، وليس هو في مقام التشريع والأمر بشيء، فمن هذه الناحية تسقط هذه الرواية، حتّى على تقدير تماميّة سندها، على إمكان التقييد أو المعارضة لشيءٍ من الأدلّة. مضافاً إلى ضعف السند في نفسه.
لا يُقال: إنَّ هذا السياق لا يضرّ بدلالة الرواية؛ فإنَّه وإن لم تكن مسوقة لبيان التشريع إلَّا أنها دالّة على وجود تشريعٍ سابق لا محالة، وهي مسوقة لبيان كيفيّة امتثاله.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا السياق وإن كان واضحاً، إلَّا أنَّ التشريع السابق لا يُعلم أنه على نحو الوجوب أو الاستحباب على نحو الجزئيّة أو الاستقلال، ولا يمكن أن يفهم ذلك من العمل المنقول في الرواية؛ لعدم إمكان التمسّك بإطلاقها كما هو واضح.
• الأمر الثاني: أنَّ هذه الرواية دون سوابقها تدلّ على تخفيف الطائفة
ــــــ[166]ـــــــ
( ) قرب الاسناد: 220، باب صلاة الخوف، الحديث: 859، مسائل علي بن جعفر: 107، السؤال11، وسائل الشيعة 8: 437، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب2، باب استحباب صلاة الجماعة في الخوف وكيفيّتها، الحديث: 5.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الأُولى للصلاة، والغرض من ذلك واضح، وهو تقليل زمان انتظار الإمام، على حين كان مقتضى إطلاق الأدلّة السابقة جواز الإطالة، وكان ذلك إحدى المقدّمات لدعوى اختلاف صلاة الجماعة عن صلاة الخوف في الشرائط، فلو تمّت دلالة هذه الرواية، لانتفت هذه المقدّمة لكونها مقيّدة لذلك الإطلاق لا محالة.
إلَّا أنَّ هذا متوقّف على استفادة الوجوب أو الجزئيّة من الرواية، وهو غير ممكن؛ لما قلناه في الأمر السابق، ومع الغضّ عنه لم يمكن إثبات ذلك أيضاً؛ لوقوعه في سياق أوامر استحبابيّة، كقوله: >يقوم الإمام<، وقوله: >ويأتي أصحابهم الباقون<، بناءً على ما ذكرناه من استحباب التحاق المأمومين بهذه الصلاة أساساً.
• الأمر الثالث: أنَّها غير دالّة على وجوب المحارسة(1)، ولا على انتظار الإمام حال قيامه، إن لم تكن مشعرة بضدّه؛ إذ يخصّص القيام بالمأمومين(2)، كما أنَّها غير دالّة على عود الائتمام في التسليم الأخير بعد الانفراد، وإن كانت مشعرةً به، وعلى تقدير الدلالة، فيأتي فيها الكلام السابق من كونه أحد شقّي التخيير.
• ومنها: ما عن العياشي في تفسيره، عن زرارة ومحمّد بن مسلم عن أبي جعفر× قال: >إذا حضرت الصلاة في الخوف فرّقهم الإمام فرقتين، فرقة مقبلة على عدوّهم، وفرقة خلفه، كما قال الله تبارك وتعالى؛ فيكبّر بهم ثمَّ يصلّي بهم ركعة، ثمَّ يقوم بعدما يرفع رأسه من السجود فيمثل قائماً ويقوم الذين صلّوا خلفه ركعة،
ــــــ[167]ـــــــ
( ) فتكون الروايات السابقة والآية مقيّداً لها لا محالة (منه+).
(2) فلو تمّت سنداً كانت معارضة لما سبق، ولابدَّ من حملها على التخيير لا محالة، كما هو مقتضى القاعدة في نفسها (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فيصلّي كلّ إنسان منهم لنفسه ركعة ثمَّ يسلّم بعضهم على بعض. ثمَّ يذهبون إلى أصحابهم فيقومون مقامهم ويجيء الآخرون، والإمام قائم فيكبّرون ويدخلون في الصلاة خلفه، فيصلّي بهم ركعة ثمَّ يسلّم. فيكون للأوّلين استفتاح الصلاة بالتكبير، وللآخرين التسليم من الإمام. فإذا سلّم الإمام قام كلّ إنسان من الطائفة الأخيرة، فيصلّي لنفسه ركعة واحدة، فتمّت للإمام ركعتان، ولكلِّ إنسان من القوم ركعتان، واحدة في جماعة والأُخرى وحداناً…<(1) الحديث.
ودلالتها كسابقتها واضحةٌ بشكلٍ عامٍّ، غايته أنَّه لابدَّ من التعرّض فيها إلى أُمور:
• الأمر الأوّل: أنَّ الرواية تأمر لتقسيم المجموع إلى فرقتين أو طائفتين، تشتغل إحداهما بالصلاة وتقوم الأُخرى بالحراسة، وهذا موافق للصحيحتين السابقتين، إلَّا أنَّنا لم نستطع أن نستفيده من ظاهر الآية، كما سبق. إلَّا أنَّه في هذه الرواية ينسب هذا المعنى إلى الآية نفسها في قوله: >كما قال الله تعالى< وهو بهذا يكون ناظراً ومفسّراً للآية لا محالة، فلو كان تامّاً سنداً لكان دالاً على ظهور الآية، فيثبت ظهورها تعبّداً، إلَّا أنَّه غير تامٍّ من حيث السند، فيبقى ما قلناه على حاله.
• الأمر الثاني: أنَّ هذه الرواية دالّة بوضوحٍ على انفراد الطائفة الأُولى وبقائها منفردةً إلى نهاية صلاتها، وبقاء الإمام منتظراً قائماً، حتّى تلتحق الطائفة الثانية، وهو بإطلاقه موافق للصحيحتين السابقتين، من حيث جواز طوله من حيث الزمان، وعدم وجوب أيّ ذكر عليه في أثنائه.
ــــــ[168]ـــــــ
( ) تفسير العيّاشي 1: 272، الحديث: 257، وسائل الشيعة 8: 438، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب2، الحديث: 8.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الأمر الثالث: أنَّ الرواية في نفسها دالّةٌ على انفراد الطائفة الثانية وبقائها منفردةً إلى آخر صلاتها، فإنَّ قوله: >فيصلّي بهم ركعةً ثمَّ يسلّم< ليس فيها أيُّ إشعار بعود الائتمام بعد الانفراد، إن لم [يكن] مشعراً بل دالاً على العكس، وهو كون الإمام يسلّم منفرداً.
إلَّا أنَّ الكلام في دلالة قوله: فيكون للأوّلين استفتاح الصلاة بالتكبير وللآخرين التسليم من الإمام. وقد ورد نحوه في صحيحة أُخرى لزرارة(1)، وقد جعل من أدلّة وجوب انتظار الإمام للطائفة الثانية، وحمله آخرون على التخيير جمعاً، وسيأتي الكلام عن ذلك في حينه. وإنَّما الكلام فعلاً في دلالة هذه الرواية على ذلك في نفسها لكي تكون مؤيّدة للصحيحة الآتية.
فقد يتخيّل دلالتها على ذلك ببيان: أنَّ المراد بأنَّ التكبير يكون للطائفة الأُولى هو اشتراكهم مع الإمام في افتتاح الصلاة، فكذلك يكون المراد من أنَّ التسليم يكون للطائفة الثانية اشتراكهم معه فيه(2)، وليس ذلك إلَّا بعود الائتمام بعد الانفراد، أو على الأقلّ وجوب الانتظار على الإمام لكي يسلّم معهم.
إلَّا أنَّ هذا يتوقّف تماميّته على أمرين:
أحدهما: أن تكون (من) بمعنى (مع) ليكون المعنى أنَّهم يسلّمون مع الإمام، وإلَّا لم يتعيّن ذلك كما هو واضح، بل غايته أنَّ الإمام يسلّم حال وجود الطائفة الثانية في الصلاة، وهو أمر لا يُثبت المطلوب.
لا يُقال: إنَّ هذا لا يشكّل ميزةً للطائفة الثانية على ما [كانت] الرواية بصدد بيانه.
ــــــ[169]ـــــــ
( ) راجع وسائل الشيعة 8: 436، الباب 1 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 2.
(2) بمقتضى ظهور المقابلة ووحدة السياق (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فإنَّه يُقال: إن لم يكتف بذلك ميزة، فإنَّه يمكن الافتراض بأنَّ انتظار الإمام لهم هو الميزة، وإن كان يسلّم منفرداً.
ثانيهما: أن يكون المراد أنَّهم يأتمّون به في التسليم، ومن المعلوم أنَّ التسليم مع الإمام – لو ثبت كونه هو المراد- لا يلازم عود الائتمام به، بل غايته تسليمهم دفعةً واحدةً حال كونهم منفردين، وهذا يكفي ميزةً للطائفة الثانية، قد تعادل ميزة الطائفة الأُولى في التكبير.
ومع التنزّل عن ذلك أيضاً، وإثبات عود الائتمام ثانيةً بعد الانفراد، فهو ممّا لا يزيد عن صحيحة الحلبي، وقد قلنا أنَّ هذا هو أحد شقّي التخيير ابتداءً، بلا حاجة إلى استفادة وجوب انتظار الإمام.
• الأمر الرابع: أنَّه ممّا يجعل المراد واضحاً محدّداً قوله في نهاية الرواية: >فتمّت للإمام ركعتان ولكلِّ إنسان من القوم ركعتان، واحدة في جماعة والأُخرى وحداناً<، وهو نصّ بأداء الركعة الثانية منفردين. فلو تمَّ السند كانت الرواية دليلاً ضدّ مَن يرى انحفاظ الجماعة مع عدم المتابعة.
وعلى أيّ حالٍ فالمراد إمّا أن يكون إلحاق التشهّد والتسليم بالركعة الثانية في كونه انفراديّاً، فهو المطلوب. وإمّا أن يكون المراد هو الانفراد في خصوص الركعة دون التشهّد، فهذا خلاف ارتكاز المتشرّعة من إلحاق التشهّد بالركعة الثانية المعلوم ارتكاز النصّ عليه، فلا يمكن أن يكون هذا مراداً لا محالة.
فيتعيّن أن يكون المراد بقاء الانفراد إلى آخر الصلاة، ومعه يكون هذا قرينة على أنَّ المراد هو انفراد الإمام بالتسليم لا محالة، إمّا مع الانتظار أو بدونه.
ــــــ[170]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وبعد أن تمَّ الاستدلال على مشروعيّة صلاة ذات الرقاع واتّضحت ضمناً جملةٌ من أحكامها وكيفيّة إيقاعها، لابدَّ – بعد ذلك- من التعرّض في خاتمة هذه الناحية المعقودة لبيان هذه الصلاة من بيان عدّة أُمور لم تتّضح ممّا سبق، من الأُمور التي حولّنا البحث فيها إلى مقامٍ آخر، وغيرها من الأُمور، ونعقد الكلام في ذلك في عدّة فصول:
ــــــ[171]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

الفصل الأول
في كيفيّة إيقاع الصلاة الثلاثيّة بنحو صلاة ذات الرقاع
وقد سبق أن عرفنا من الآية الكريمة عدم إمكان انقسام القوم إلى أكثر من طائفتين، بناءً على ما يأتي من مخالفة شرائطها لشرائط الجماعة الاعتياديّة؛ لكون ذلك خارجاً عن المشروع، ومعه لا دليل على صحّة الصلاة.
وحتّى بناءً على اتّحاد الشرائط مع صلاة الجماعة، فقد قالوا بإمكان الانقسام الثلاثي على تقدير إمكان قيام الباقين بالمحارسة، ووفائهم بالغرض من هذه الناحية. وأمّا على تقدير عدم كفايتهم فقد حضروا الانقسام بأيّ نحو يكون مؤدّياً إلى ذلك. وسيأتي تحقيق الكلام عن ذلك.
وعلى أيّ حال، فالروايات تخصّ بالذكر التقسيم الثنائي دون سواه. وقد سبق أن فهمنا من الآية الكريمة أنَّ الطائفة الأُولى تصلّي مع الإمام ركعة واحدة، والثانية تصلّي معه باقي الركعات، ومعه يتعيّن أن تختصّ الطائفة الثانية بالركعتين، وكلّ رواية دلّت على خلاف ذلك فإنَّها تكون مخالفةً للكتاب لا محالة.
وأهمّ ما ورد في مقام بيان ما هو محلّ الكلام صحاح أربع، اثنتان منها ما سبق من صحيحة الحلبي وصحيحة عبد الرحمن، فقد ذُكر في ذيلها كيفيّة إيقاع صلاة المغرب، واثنتان منها لزرارة، أشرنا إلى إحداهما في غضون بعض كلامنا السابق.
ــــــ[172]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أمّا صحيحة عبد الرحمن فتشير إلى ذلك إجمالاً، ونحوّل تفصيل الكيفيّة إلى ما قيل فيها أوّلاً. فهو يقول: وقال: >مَن صلّى المغرب في خوف بالقوم صلّى بالطائفة الأُولى ركعة وبالطائفة الثانية ركعتين<(1)، وكأنَّه يقول: أنَّه يصلّيهما بالكيفيّة التي تقام بها الصلاة حال كونها ذات ركعتين.
وهي بمدلولها موافقة لما فهمناه من الآية، من اختصاص الطائفة الثانية بالركعتين.
على أنَّها يستفاد منها أمرٌ أشرنا إليه في بعض نواحي كلامنا عن الآية الكريمة، وهو عدم اختصاص هذه الصلاة بوجود رسول الله’، فإنَّ هذه الرواية بالرغم من أنَّها تروي فعل النبي’ لهذه الصلاة في الركعتين، وهو مشعر بالاختصاص به لا محالة؛ إلَّا أنَّ الإمام× يقول بعد ذلك: >من صلّى المغرب في خوفٍ بالقوم<، واستعمال اسم الموصول في المقام يجعل السياق نصّاً في تجريد هذه الصلاة عن خصوصيّة وجود النبي’ وإمكان إقامتها من قبل غيره لا محالة. ويكون قرينةً على أنَّ النبي’ أقام هذه الصلاة بصفته جامعاً لشرائط إمامة الجماعة، لا بصفته نبيّاً أو ذا أيّ عنوان آخر غير كونه إماماً للجماعة.
كما أنَّ هذا الذيل مشعرٌ بالتعميم لكلِّ خوف، فإنَّ تنوين التنكير يدلّ على التعميم لا محالة، فإنَّ كلّ خوف يكون مصداقاً له لا محالة.
ولا يُقال: بأنَّ ما سبق في الرواية يكون قرينة على المراد من اختصاصه بحالة الحرب.
ــــــ[173]ـــــــ
( ) مَن لا يحضره الفقيه 1: 463، كتاب الصلاة، صلاة الخوف والمطاردة…، ذيل الحديث: 1334، وسائل الشيعة 8: 435، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب2، باب استحباب صلاة الجماعة في الخوف وكيفيّتها، الحديث: 1.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فإنَّه يُقال: إنَّ الحرب غير مذكور في القسم الأوّل من الرواية أصلاً، غايته العلم الخارجي بكون الخوف كان ناشئاً من الحرب، وهذا غير كافٍ للتقييد بمجرّده.
صحيحة الحلبي
وأمّا صحيحة الحلبي فهي تعطي تفاصيل أكثر عن صلاة المغرب، وتخصّ الركعتين بالطائفة الثانية أيضاً، فإنَّه يقول: >وفي المغرب مثل ذلك: يقوم الإمام وتجيء طائفة فيقومون خلفه ثمَّ يصلّي بهم ركعة، ثمَّ يقوم ويقومون. فيمثل الإمام قائماً ويصلّون الركعتين فيتشهّدون ويسلّم بعضهم على بعض، ثمَّ ينصرفون فيقومون في موقف أصحابهم ويجيء الآخرون ويقومون في موقف أصحابهم خلف الإمام، فيصلّي بهم ركعة يقرأ فيها، ثمَّ يجلس فيتشهّد، ثمَّ يقوم ويقومون معه، ويصلّي بهم ركعة أُخرى، ثمَّ يجلس ويقومون هم فيتمّون ركعة أُخرى، ثمَّ يسلّم عليهم<(1).
والكلام في مدلول هذه الرواية من حيث سياقها العامّ والجهات المشتركة مع ما سبق، قد اتّضح حالها ممّا سبق، فلا حاجة إلى تكرار الحديث فيها. ولابدَّ من تحديد الكلام في أُمور:
• الأمر الأوّل: أنَّ قوله: >وفي المغرب مثل ذلك< ناظر إلى الأحكام المشتركة لا محالة، كانقسام القوم إلى طائفتين، وصلاة الطائفة الأُولى ركعةً مع الإمام وانتظار الإمام للثانية، وانطباق أحكام الجماعة الاعتياديّة حال الاقتداء
ــــــ[174]ـــــــ
( ) الكافي 3: 456، كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف، ذيل الحديث: 1، تهذيب الأحكام 3: 172، كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف، ذيل الحديث: 1، وسائل الشيعة 8: 437، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب2، باب استحباب صلاة الجماعة في الخوف وكيفيّتها، ذيل الحديث: 4.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والمتابعة، والانفراد حال عدم المتابعة، وغيرها من الأحكام.
وليس المراد به ما يشمل الأحكام المختصّة بالمغرب، كاختصاص الطائفة الثانية بركعتين. وعلى تقدير شمول إطلاقه لذلك، فما بعده يكون قرينة متّصلة على المراد، وهذا واضح.
• الأمر الثاني: أنَّ انتظار الإمام يطول لا محالة عمّا كان عليه في الصلاة ذات الركعتين، باعتبار انتظار الإمام بمقدار ركعتين تؤدّيهما الطائفة الأُولى بعد انفرادها، مضافاً إلى زمان ذهابها لمواجهة العدوّ ومجيء الطائفة الثانية. وقد سبق أن قلنا: إنَّ إطلاقها يقتضي جواز الانتظار مهما طال الزمن، بالمقدار الذي يستغرق القيام بهذه الأعمال عرفاً. وإذا كان القسم الأوّل من الرواية الدالّ على صلاة الركعتين مطلقاً من هذه الناحية، فهذا القسم من الرواية أولى بهذا الإطلاق لا محالة.
• الأمر الثالث: أنَّ أداء الإمام للركعتين الباقيتين عليه يختلف في تكليفه عن الركعتين الأوليين اللتين تؤدّيهما الطائفة الثانية خلفه من عدّة نواحٍ:
الناحية الأُولى: أنَّه يتشهّد بعد نهاية ركعتهم الأُولى. وهذا أمر منصوص عليه في الرواية، والمفهوم منها أنَّهم ينتظرونه بعد رفعهم من السجود حتّى يُتمَّ تشهّده، فإنَّه يقول: >ثمَّ يجلس فيتشهّد، ثمَّ يقوم ويقومون معه<، ومقتضى قيامهم معه هو ذلك، كما هو واضح.
وليس في الرواية أنَّهم يتشاغلون بشيءٍ من الذكر، بل مقتضى إطلاقها عدم تكليفهم بذلك، إلَّا أنَّه من الواضح أنَّ مدّة التشهّد لا تكون مضرّةً بالموالاة المعتبرة في الصلاة، فلا تحصل المخالفة مع صلاة الجماعة الاعتياديّة من هذه الناحية.
ــــــ[175]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الناحية الثانية: أنَّ تكليفهم في ركعتهم الثانية هو القراءة لا محالة، في حين إنَّ تكليف إمامهم في ذلك الحين هو التسبيح؛ لأنَّه في ركعته الثالثة، ومن هنا لا يمكنهم أن يقفوا صامتين لينوب عنهم في القراءة، بل لابدَّ أن يشتغل كلّ منهم بما هو تكليفه.
ولا يُقال: إنَّ الإمام له أن يقرأ الحمد في الركعة الثالثة، فإنَّها أفضل من التسبيحات الأربع على ما ذكروا، ومعه يمكن أن ينوب عنهم بقراءتها.
فإنَّه يُقال: إنَّ ما ثبت نيابة الإمام فيه وتحمّله عن المأمومين هو قراءته في ركعته الأُولى والثانية.
أو بعبارة أُخرى: إنَّه ينوب في القراءة في زمانها الخاصّ بها تشريعاً، وأمّا في الركعة الثالثة فليس زماناً خاصّاً بالقراءة شرعاً، وإنَّما نقرأ الحمد إمّا بدلا ًعن التسبيح أو بصفتها أحد شقّي التخيير، ومثل ذلك لا يكون قابلاً للنيابة، ولا إطلاق في الأدلّة يشمل المقام، فيكون خارجاً عمّا هو المشروع لا محالة.
ولو سلّمناه لما استطاع الإمام أن ينوب عنهم إلَّا في سورة الحمد وحدها؛ لعدم مشروعيّة السورة في حقّه، وهذا إنَّما يتمّ على القول بعدم وجوب السورة في الركعتين الأوليين ليجوز للطائفة الثانية الاكتفاء بما يقرؤه الإمام. وأمّا على القول بوجوب السورة فيشكل نيابته جدّاً، واحتمال كونهم يقرأون السورة بعد انتهاء الإمام من الحمد، ساقط بحسب ما هو المعلوم من ذوق الشارع وشكل التشريع في صلاة الجماعة.
نعم، لو تنزّلنا عن ذلك وقلنا بعدم وجوب السورة لتعيّن على الإمام اختيار الحمد وعدم الاشتغال بالتسبيح، وإن كان يمكن أن يُقال حينئذٍ أيضاً بأنَّه موكول إلى اختيار الإمام، فإن قرأ الحمد صمتوا وإن اشتغل بالتسبيح
ــــــ[176]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
قرأوا، ولا يتعيّن عليه الحمد؛ لعدم وجوب النيابة كما هو واضح.
الناحية الثالثة: أنَّ الطائفة الثانية يجب عليهم التشهّد بعد الركعتين، ويكون الإمام في ذلك الحين قد انتهى من الركعة الثالثة فيجب عليه التشهّد أيضاً. ومن هنا يكون تكليفهما متّحداً بحسب الصورة في آنٍ واحد، وإن كان يختلف من حيث الوجه.
وبعد العلم أنَّ اختلاف الوجه غير مضرٍّ بانعقاد صلاة الجماعة كما ثبت في محلّه، يكون من المتعيّن على المأمومين أن يستمرّوا بالائتمام إلى نهاية التشهّد. وبعد انتهائه يقوم المأمومون لركعتهم الثالثة، ويكون الإمام مخيّراً على ما سبق بين المبادرة إلى التسليم والانفلات من الصلاة منفرداً، أو السكوت منتظراً للمأمومين لكي يسلّم معهم، على ما سبق من الكلام في عود الائتمام أو عدمه.
والرواية تأمر بالانتظار في المقام حيث يقول: >فيتمّون ركعة أُخرى ثمَّ يسلّم عليهم<، وحرف العطف هذا دالٌّ على وقوع التسليم من الإمام بعد انتهائهم من الركعة، وهو معنى الانتظار، إلَّا أنَّها مجملة من حيث عود الائتمام، ومناسبة مع اشتراكهم زماناً في التشهّد بدون أن يكون انفلاتهم من الصلاة متوقّفاً على انفلاته، كما كان يدلُّ عليه صدر الرواية.
إلَّا أن يُقال بقرينيّة الصدر عليه، ومعه يأتي ما قلناه في حمله على أنَّه أحد شقّي التخيير.
أقول: إنَّ الائتمام في التشهّد قبل اشتغال الطائفة الثانية يكون متعيّناً، على القول بعدم جواز الانفراد اختياراً؛ إذ يكون مقتضى الاستصحاب بقاء وجوب الائتمام لا محالة، الذي كان معلوم الثبوت قبله، ومن المعلوم انحفاظ الموضوع وكون التشهّد وما قبله من قبيل المتعلّق لا الموضوع، فلا يضرّ تغيّره
ــــــ[177]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
بجريان الاستصحاب.
وأمّا على القول بجواز الانفراد، فيكون الأمر موسّعاً جدّاً، فللمأمومين أن يقتدوا بالإمام في التشهّد ولهم ترك ذلك أساساً، سواء التحقوا بعد ذلك بالتسليم أو لا.
نعم، ما قلناه على القول بعدم جواز الانفراد، إنَّما هو تكليف المأمومين على تقدير اشتغال الإمام بالتشهّد في ذلك الحين، أمّا من حيث تكليف الإمام فهو مخيّر بين اشتغاله بالتشهّد حينئذٍ وبين تأجيل التشهّد إلى حين انتهاء المأمومين من ركعتهم واقتدائهم به في التشهّد والتسليم معاً.
وهذا يتمّ لولا إشكالان:
أحدهما: أنَّه خلاف ظاهر الرواية من اقتصار الإمام على التسليم مع المأمومين في آخر الصلاة.
إلَّا أنَّ يُقال: باستعمال التسليم في الأعمّ من التشهّد، وهو خلاف الظاهر، فلا يصار إليه إلَّا بقرينة مفقودة في المقام.
ثانيهما: أنَّه إنَّما يتمّ على القول برجوع الاقتداء كما اخترناه، وأمّا على القول بعدمه فيشكل الأمر. فقد يُقال: إنَّه يكون المتعيّن تقديم التشهّد للاقتداء، بأكبر مقدار ممكن من الصلاة؛ لأنَّهم إن انفردوا فلا يمكنهم الاقتداء مرّة أُخرى، لا في التشهّد ولا في التسليم على الفرض، والأمر سهل بناءً على مبانينا على أيّ حال.
صحيحة زرارة
وأمّا صحيحة زرارة، فهي ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن ابن أُذينة عن زرارة عن أبي جعفر×
ــــــ[178]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أنَّه قال: >إذا كانت صلاة المغرب في الخوف فرّقَهم فرقتين، فيصلّي بفرقة ركعتين، ثمَّ جلس بهم ثمَّ أشار إليهم بيده فقام كلّ إنسانٍ منهم فيصلّي ركعة ثمَّ سلّموا. فقاموا مقام أصحابهم وجاءت الطائفة الأُخرى فكبّروا ودخلوا في الصلاة، وقام الإمام فصلّى بهم ركعة ثمَّ سلّم، ثمَّ قام كلّ رجلٍ منهم فصلّى ركعة فشفّعها بالتي صلّى مع الإمام، ثمَّ قام فصلّى ركعة ليس فيها قراءة، فتمّت للإمام ثلاث ركعات وللأوّلين ركعتان في جماعة، وللآخرين وحداناً. فصار للأوّلين التكبير وافتتاح الصلاة، وللآخرين التسليم<(1).
ورواه العياشي في تفسيره عن زرارة ومحمّد بن مسلم مثله(2)، وبإسناده عن الحسين بن سعيد عن محمّد بن أبي عمير عن عمر بن أُذينة عن فضيل عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر مثل ذلك(3).
والكلام في هذه الصحيحة يقع ضمن أُمور:
• الأمر الأوّل: أنَّها تدلّ – كما هو واضح لمَن لاحظ سياقها- بأنَّ الإمام يصلّي بالطائفة الأُولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعة، وبذلك تكون معارضة لما سبق، وما يأتي من الروايات الدالّة على اختصاص الطائفة الثانية بالركعتين؛ وذلك لظهور كلّ منهما بتعيّن مضمونه وعدم مشروعيّة غيره.
ومعه قد تصل النوبة إلى إجراء قواعد باب التعارض، وملاحظة الترجيح الجهتي، ومقتضاه ترجيح ما وافق الكتاب لا محالة. وقد سبق أن
ــــــ[179]ـــــــ
( ) تهذيب الأحكام 3: 301، باب صلاة الخوف، الحديث: 8، وسائل الشيعة 8: 436، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب2، باب استحباب صلاة الجماعة في الخوف وكيفيّتها، الحديث: 2.
(2) راجع تفسير العيّاشي 1: 272، الحديث: 257.
(3) راجع تهذيب الأحكام 3: 301، باب صلاة الخوف، الحديث: 9.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
عرفنا أنَّ الآية الكريمة تدلُّ على اختصاص الطائفة الأُولى بركعة واحدة، والطائفة الثانية بباقي الصلاة، وهي بذلك تكون موافقة للطائفة السابقة ومخالفة لهذه الصحيحة، فيتعيّن طرحها لا محالة.
ولا يُقال: بأنَّ مورد الآية هو الصلاة ركعتين، فلا تكون شاملة لمحلِّ الكلام.
فإنَّه يُقال: إنَّنا أشرنا: أنَّ الآية مجملة من حيث انتهاء الصلاة بأيّ عددٍ من الركعات، بل من الممكن القول أنَّها ظاهرة بعكس ذلك، وهو إرادة جامع الباقي، سواء كان ركعة واحدة أو أكثر، والغرض – والله العالم- من إجمالها من هذه الجهة هو ذلك. وعليه فتكون شاملةً للمورد وظاهرةً باختصاص الطائفة الأُولى بركعة والآخرين بالباقي وهو الركعتان.
وبتعبير آخر: إنَّها ظاهرة بالوجدان باختصاص الطائفة الأُولى بركعة، وهذا كافٍ بعد تجريد المورد عن خصوصيّة الركعتين من هذه الناحية. فينتج: أنَّ الطائفة الأُولى تختصّ بركعة في كلِّ صلاة تقام في الخوف. فيكون ما دلَّ على اختصاصها بركعتين كهذه الصحيحة مخالفاً ومعارضاً لا محالة.
وقد ذكر الكثير من أصحابنا من المتقدّمين والمتأخّرين لزوم حمل هذه الرواية ومعارضاتها على التخيير(1).
ــــــ[180]ـــــــ
( ) أُنظر: المعتبر (للمحقّق الحلّي) 2: 459، كتاب الصلاة، المقصد الخامس: صلاة الخوف، منتهى المطلب (ط.ق) (للعلاّمة الحلّي) 1: 402، كتاب الصلاة، في صلاة الخوف والتطريق، ومدارك الأحكام 4: 418، كتاب الصلاة، كيفيّة صلاة الخوف، الحدائق الناضرة 11: 275، كتاب الصلاة، كيفيّة صلاة ذات الرقاع، وجواهر الكلام 14: 169، كتاب الصلاة، كيفيّة صلاة الخوف في الثنائيّة، مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 715، كتاب الصلاة، أحكام صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وذلك ببيانٍ منّا: أنَّه لا تصل النوبة إلى التعارض حتّى تسقط لمخالفتها للكتاب. فإنَّ الجمع الدلالي متقدّم رتبةً عليه، وهو في المقام ممكن؛ وذلك لأنَّ التعارض بين الطائفتين إنَّما حصل لما أشرنا إليه من ظهور كلّ منهما بتعيّن مضمونه وعدم مشروعيّة سواه، وإلَّا فإن ذات المضمون لا معارضة فيه كما هو واضح.
وإذا تمَّ ذلك فإنَّه يصلح كلّ منهما بصفته قرينة منفصلة معتبرة لتقييد هذا الإطلاق، ورفع اليد عن هذا الظهور، فبينما كان يدلّ على وجوب مضمونه – سواء اُتي بشيءٍ آخر أو لا- أصبح دالاً على وجوب مضمونه ما لم يؤتَ بالنحو الآخر من الصلاة، وهو معنى التخيير، فيكون كلا النحوين مجزياً ومسقطاً للتكليف.
وهذا أمر على مقتضى القاعدة في نفسه، إلَّا أنَّه بمجرّده لا يكفي، بل لابدَّ من ملاحظة النسبة بين هذه الصحيحة وبين الآية، فإنَّها كما كانت معارضة للروايات فإنَّها معارضة لدلالة الآية أيضاً.
وحينئذٍ فإمّا أن يُقال: باندراج الآية ابتداء في الطائفة المعارضة لهذه الصحيحة، فكما ينتج تقييد صحيحة الحلبي ومؤيّداتها وحملها على التخيير، كذلك تتقيّد الآية وتحمل على التخيير أيضاً.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ:
أوّلاً: لعدم قابليّة لسان الآية للتقييد في نفسه، فإنَّها نصٌّ باختصاص الطائفة الأُولى بركعة واحدة.
وثانياً: أنَّ ضمّ دليلٍ إلى المعارضة وإخراجه منها اختياراً أمرٌ غير صحيح كما هو معروف، وإنَّما ينضمّ الدليل إلى المعارضة مع اتّحاده مع الطائفة التي ينضمّ إليها في المدلول والرتبة معاً.
ــــــ[181]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وفي المقام: الآية وإن كانت متّحدة في المدلول مع صحيحة الحلبي ومؤيّداتها، إلَّا أنَّها غير متّحدة في الرتبة معها بحسب قواعد باب التعارض، فإنَّنا نستطيع أن نفهم من جعل الكتاب ميزاناً في باب التعارض، كونه لا يكون طرفاً للمعارضة على قدم المساواة مع السنّة، بل ينتهي إلى هذه المعارضة بعد تصفية المعارضات السابقة لا محالة؛ إمّا لعدم وجودها أساساً أو لسقوط أدلّتها بالمعارضة أو بجعل نتيجة التعارض طرفاً للمعارضة مع الآية، أو نحو ذلك من أنحاء الصناعات.
وثالثاً: أنَّ حمل الآية على التخيير ينتج دعوى دلالتها على اختصاص الطائفة الأُولى بركعةٍ واحدة فيما إذا كانت الصلاة ذات ركعتين، وعدم اختصاصها بذلك لثبوت التخيير فيما إذا كانت الصلاة أكثر من ركعتين، وهذا يستدعي التعرّض في أكثر من ظهور واحد في الآية. وهذه الصحيحة إنَّما تكون قرينة – على الفرض- على ظهور واحد لا أكثر.
فتحصّل عدم إمكان حمل الآية على التخيير ابتداءً.
وإذا بطل هذا الوجه يصار إلى وجهٍ آخر مبنيٍّ على القول بانقلاب النسبة(1)، وحاصله: أنَّ كلتا الطائفتين المتعارضتين بعد تقييد إحداهما بالأُخرى، تصبح دالّة على التخيير لا محالة، بناءً على ما هو المحقّق في علم الأُصول: من أنَّ العامّ يتقيّد بضدّ عنوان الخاصّ(2)، وحينئذٍ فيكون مدلول أيّ
ــــــ[182]ـــــــ
( ) راجع أجود التقريرات 2: 518، خاتمة في التعادل والتراجيح، السابع: إذا كان التعارض بين أكثر من دليلين.
(2) راجع فوائد الأُصول 1: 525، المقصد الرابع في العامّ والخاصّ، التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، ومجمع الأفكار (للآملي) 2: 143، المقصد الرابع في العامّ والخاصّ، التنبيه الخامس، هل يكون التخصيص العامّ موجباً لتعنون العامّ بنقيض الخاصّ.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
من الطائفتين أخصّ من مدلول الآية لا محالة، فيكون مقيّداً لها لا محالة. فيصبح مدلولها هو التخيير أيضاً لا محالة.
وهذا يرد عليه – مضافاً إلى بطلان المبنى في نفسه- كلّ من الإيراد الأوّل والثالث للوجه السابق كما هو واضح لمَن تأمّل.
ومع بطلانه يمكن أن يصار إلى وجه آخر، وحاصله: أن يدّعى أنَّنا لم نتمّم ظهور الآية في نفسها كما سبق، وإنَّما تمّمناه بلحاظ تفسيرها بالخبر المعتبر الدالّ على اختصاص الطائفة الأُولى بركعة واحدة، ومعه لا تكون الآية طرفاً للتعارض، بل ما هو طرف له بحسب الحقيقة هو مفسّرها. وإذا تمَّ ذلك ارتفع التعارض لاختلاف الدليلين موضوعاً كما هو واضح، فإنَّ مفسّرها كان هو الدليل الدالّ على الاختصاص في الصلاة ذات الركعتين. والقول بالتخيير إنَّما هو في ذات الثلاث ركعات، فما هو طرف للمعارضة لا دلالة له، وما له دلالة لا يكون طرفاً للمعارضة، ومعه يثبت التخيير فيما هو محلّ الكلام أيضاً.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ:
أوّلاً: أنَّ ما ادّعي في التقريب من تتميم ظهور الآية بضمّ دليل آخر غير صحيح، بل إنَّنا استفدنا اختصاص الطائفة الأُولى بركعة من الآية نفسها.
ثانياً: أنَّه على تقدير تسليم هذه الدعوى، فإنَّ الدليل الخارجي المعتبر يعبّدنا بوجود الظهور في الآية، وإن لم يكن مفهوماً عرفاً منها مستقلّة. ومعه تختصّ هي بطرفيّة المعارضة، بالتعبّد لا بالوجدان.
وثالثاً: أنَّنا نغيّر الدليل الذي جعلناه مفسّراً إلى دليلٍ آخر، هو صحيحة الحلبي وطائفتها من الأخبار المتعرّضة لصلاة المغرب، فإنَّها تدلّ أيضاً على اختصاص الطائفة الأُولى بركعة واحدة، وتصلح أن تكون مفسّرة لها؛ لما أُشير
ــــــ[183]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إليه في صحيحة عبد الرحمن: بأنَّ ما عمله رسول الله هو المراد من الآية. فتأمّل(1).
وإذا تمَّ ذلك في المرتبة السابقة على المعارضة بين الطائفتين، وقعت المعارضة بين الآية والطائفة الأُخرى، وتقدّمت الآية لا محالة؛ لما قلناه من إباء لسان الآية للتقييد، فتأمّل. ومعه لا تصل النوبة إلى المعارضة بين الخبرين. فتأمّل.
فتحصّل: أنَّ القول بالتخيير ممّا لا يمكن؛ لقوّة ظهور الآية في التعيين، ولو بضمّ أدلّة الركعتين السابقة وضمّ الطائفة الأُولى من أخبار محلّ الكلام إليها. ومع قوّة ظهورها تكون معارضة بنحو التباين عرفاً مع صحيحة زرارة التي نتكلّم عنها. وإذا تعارض خبر الواحد مع الكتاب، كانت الآية مقدّمة لا محالة، على مقتضى القاعدة. فيثبت تعيّن اختصاص الطائفة الأُولى بركعة، وسقوط مدلول هذه الرواية عن الاعتبار.
ولو انتهى الأمر إلى الشكّ أو إلى الأخذ بالاحتياط وجوباً أو استحباباً، كان مقتضى كلِّ ذلك هو الأخذ بالتعيين لا محالة؛ لأنَّه المتعيّن عند دوران الأمر بينه وبين التخيير، كما ثبت في محلّه(2). وعلى أيّ حالٍ، فالقول بالتعيّن هو المنسوب إلى أكثر الأصحاب على ما في المصباح وغيره(3).
ــــــ[184]ـــــــ
( ) وجهه رجوع التفسير إلى الصدر دون الذيل (منه+).
(2) أُنظر: كفاية الأُصول: 76، المقصد الأوّل في الأوامر، الفصل الثاني: حين يتعلّق بصيغة الأمر، المبحث السادس، وفوائد الأُصول 3: 434، المقام الثالث في الشكّ، الأمر السابع.
(3) أُنظر: مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 715، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، وجواهر الكلام 14: 171، كتاب الصلاة، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الأمر الثاني من الكلام في صحيحة زرارة: أنَّ كيفيّة هذه الصلاة المدلولة بهذه الرواية يختلف عن كيفيتها على النحو الأوّل؛ فإنَّ الطائفة الأُولى تصلّي وراء الإمام ركعتين ويتشهّدون حال الائتمام لا محالة؛ لاشتراكهم في التكليف مع الإمام وإن لم تنطق به الرواية، وبعد التشهّد يبقى الإمام منتظراً جالساً، ويشير إلى المأمومين بالقيام والاستمرار بصلاتهم، وهذه الإشارة طريقيّة لا محالة لتنبيه المأمومين إلى وظيفتهم الشرعيّة، فلو كان الإمام مطمئنّاً من التفات المأمومين لم تجب.
وظاهر الرواية: أنَّه بعد مجيء الطائفة الثانية يكبّرون واقفين والإمام جالس، فإنَّه يقول: >وجاءت الطائفة الأُخرى فكبّروا ودخلوا في الصلاة وقام الإمام<، وهو ظاهرٌ في الترتّب الزماني.
وهذا خلاف المعروف من قواعد صلاة الجماعة الاعتياديّة، فإنَّه مشتمل على متابعة الإمام للمأمومين، فإنَّه يقوم بعد أن يجد المأمومين قائمين. ومن المعلوم أنَّ مقتضى القاعدة هو متابعة المأمومين للإمام، وهو ممّا لم يتحقّق في المقام. والفقهاء وإن أفتوا بجواز الالتحاق بالجماعة حال جلوس الإمام، إلَّا أنَّهم أوجبوا متابعته في الجلوس ولم يقل أحدٌ بوجوب متابعته إيّاهم.
وقد استشكل البعض في ذلك أيضاً من ناحية الإشكال في إمامة القاعد للقائم على ما في الجواهر(1).
ومثل هذا المضمون موهنٌ للرواية في الجملة، مضافاً إلى ما سبق فيها.
ثمَّ إنَّ المأمومين يصلّون مع الإمام ركعةً فينتهي ما على الإمام من الركعات الثلاث، فيتشهّد الإمام ويسلّم، فإنَّه يقول: >فصلّى ـ الإمام ـ بهم ركعة
ــــــ[185]ـــــــ
( ) راجع جواهر الكلام 14: 164، كتاب الصلاة، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ثمَّ سلَّم< ومقتضاه الانفلات من الصلاة أساساً.
وظاهر الرواية أنَّ المأمومين ينتظرونه في تشهّده وتسليمه، ويستمرّون بصلاتهم بعد انتهائه منفردين، فإنَّه يقول: >ثمَّ قام كلّ رجل< وهو ظاهرٌ بالترتّب، كما هو واضح، ثمَّ يأتون بركعة مع الفاتحة وركعة بدون الفاتحة، كما هو تكليفهم في كلّ صلاة مثلها.
• الأمر الثالث: أنَّهم استشهدوا بقوله في ذيل الرواية: >فصار للأوّلين التكبير وافتتاح الصلاة، وللآخرين التسليم<. وقد سبق أن رأينا مثل هذا التعبير في روايةٍ لزرارة ضعيفة السند مع شيء من الاختلاف، وقد ذُكر هناك تقريب الاستدلال ووجهه وناقشناه في حدود دلالة تلك الرواية.
ومن الطريف أن يكون الاستدلال بهذه الصحيحة أبعد من تلك الرواية، لما عرفنا من دلالتها الواضحة على انتهاء الإمام من الصلاة بتسليمه بمجرّد انفراد الطائفة الثانية، فهي لا تدلّ على مجرّد انتظاره لهم فضلاً عن عود الائتمام.
لعلّ ذلك ممّا حدا بصاحب الجواهر أن يرى أنَّ ما هو مورد الاستدلال هو الفقرة الموجودة في تلك الرواية لا الموجودة في هذه الصحيحة(1).
لا يُقال: إنَّ ذيل الصحيحة يكون قرينةً على ما سبق فيها، فيحمل على كونه يسلّم بعد انتهاء الطائفة الثانية.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا الحمل غير ممكن؛ لوضوح كون استمرار المأمومين بالصلاة منفردين يكون بعد انتهاء الإمام من التسليم، فإنَّه قال: >ثمَّ سلَّم، ثمَّ قام كلّ رجل…< الخ. ومثل هذا الوضوح لا تصلح تلك القرينة لرفع اليد عنه عرفاً.
يبقى الكلام فيما هو المقصود من ذيل الرواية بعد عدم إمكان حمله على
ــــــ[186]ـــــــ
( ) أُنظر: جواهر الكلام 14: 171-173، كتاب الصلاة، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
اشتراكهم بالتسليم، وغاية ما يمكن أن يُقال في ذلك: أنَّه كما كانت ميزة الطائفة الأُولى هي افتتاح الصلاة مع الإمام، كذلك كانت ميزة الطائفة الثانية انتهاء الصلاة بعد انتهاء الإمام، فتسليم الإمام في أثناء صلاة الطائفة الثانية يعطيهم ميزة وإن لم يكن التسليم معه بحسب الزمان. فتأمّل.
وإذا لم يتمّ لنا وجه معقول لذلك، يكون ذلك وجهاً ثالثاً من وجوه وهن هذه الرواية؛ إذ يكون من قبيل الارتباك والتهافت، حيث دلّت الرواية أوّلاً: على سبق التسليم، ودلّت ثانياً: على تأخّره، والله العالم.
• الأمر الرابع: بعد تماميّة الصلاة يكون قد صلّى الإمام ثلاث ركعات إماماً، والطائفة الأُولى ركعتين جماعة وواحدة فرادى، والطائفة الثانية واحدة جماعة وركعتين فرادى. وهذا هو المراد بقوله: >فتمّت للإمام ثلاث ركعات وللأوّلين ركعتان في جماعة وللآخرين وحداناً< يعني في جماعة.
صحيحة أخرى لزرارة
ولزرارةَ صحيحةٌ أُخرى هي رابعة الصحاح الواردة في كيفيّة إيقاع صلاة المغرب في حال الخوف، وهي ما رواه الشيخ بإسناده عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمّد عن علي بن الحكم عن أبان بن عثمان عن زرارة عن أبي عبد الله×، قال: >صلاة الخوف المغرب يصلّي بالأوّلين ركعة ويقضون ركعتين، ويصلّي بالآخرين ركعتين ويقضون ركعة<(1).
وهي تامّة دلالة، وليس فيها إشكال زائد، غير أنَّه لابدَّ من الإشارة إلى
ــــــ[187]ـــــــ
( ) تهذيب الأحكام 3: 301، كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف، الحديث: 10، وسائل الشيعة 8: 436، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب2، باب استحباب صلاة الجماعة في الخوف وكيفيّتها، الحديث: 3.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أُمور ثلاثة مختصرة:
• الأمر الأوّل: أنَّها موافقة لصحيحة الحلبي وصحيحة عبد الرحمن، وما استفدناه من الآية من اختصاص الفرقة الأُولى بركعةٍ واحدة، والثانية بباقي الصلاة، وهي في موردها ركعتان، ويأتي فيها سائر الكلمات التي قيلت في الصحيحتين من هذه الناحية.
• الأمر الثاني: أنَّ المراد بمادّة القضاء المستعملة في الآية مرّتين هو الأداء والانتهاء من الصلاة، كقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ}(1) وهذا واضح.
• الأمر الثالث: أنَّ الإمام× أخذ التفاصيل المعروفة لصلاة الخوف، أصلاً موضوعيّاً في كلامه، ولم يشأ التعرّض لذكرها، فالرواية من هذه الناحية ليست في مقام البيان ليتمسّك بإطلاقها لنفي ثبوت بعض الشرائط، إن لم يكن ظهورها بالإشارة إلى الأحكام الأُخرى مقيّداً لمدلولها على الأقلّ، إن لم يجعلها ظاهرة بها في الجملة. فتأمّل.
مؤيدات الصحاح المتقدّمة
بقي الكلام في مؤيّدات هذه الصحاح؛ ممّا لا يكاد يتمّ من حيث السند، وكلّ ما وجدناه مؤيّداً للصحاح الثلاث في مدلولها المشار إليه، دون الصحيحة الثالثة.
ومن ثَمَّ قد يُقال: بحصول الاستفاضة باختصاص الطائفة الأُولى بركعة واحدة، ضدّ مدلول صحيحة زرارة، ومن ثَمَّ قد يُقال: بتعيّن الأخذ بالطرف المستفيض وسقوط معارضه، وهو من أسباب وهن تلك الصحيحة
ــــــ[188]ـــــــ
(1) سورة الجمعة، الآية: 10.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أيضاً، على تقدير تسليمه كبرى وصغرى.
فمنها: خبر علي بن جعفر المرويّ عن كتابه، وكتاب قرب الإسناد عن أخيه موسى×، قال: وسألته عن صلاة المغرب في الخوف، قال: >يقوم الإمام ببعض أصحابه فيصلّي بهم ركعة ثمَّ يقوم – الإمام – في الثانية ويقومون فيصلّون لأنفسهم ركعتين ويخفّفون وينصرفون، ويأتي أصحابه الباقون فيصلّون معه الثانية، ثمَّ يقوم [في الثانية فيصلّي بهم]، فيكون للإمام الثالثة وللقوم الثانية، ثمَّ يقعدون فيتشهّد ويتشهّدون معه، ثمَّ يقوم أصحابه – الباقون- [والإمام قاعد] فيصلّون الثالثة ويتشهّدون معه ثمَّ يسلّم ويسلمون<(1).
ويقع الكلام في دلالة هذه الرواية ضمن عدّة أُمور:
الأمر الأوّل: أنَّها دالّة على الانفراد حال عدم الاقتداء، كما هو المستفاد من الأدلّة السابقة، وهو المستفاد من قوله: >لأنفسهم< بالتقريب السابق.
الأمر الثاني: أنَّها موجبة للتخفيف في الركعتين اللتين تصلّيهما الطائفة الأُولى منفردة، توخيّاً لتقليل زمان انتظار الإمام، وهذا الأمر وإن دلّت عليه
ــــــ[189]ـــــــ
( ) مسائل علي بن جعفر: 107، الحديث: 12، وقرب الإسناد: 220، باب صلاة الخوف، الحديث: 860، وسائل الشيعة 8: 438، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب2، باب استحباب صلاة الجماعة في الخوف وكيفيّتها، الحديث: 6. ونصّ الرواية في كتاب (مسائل علي بن جعفر) هكذا: وسألت في صلاة المغرب في الخوف، كيف هي؟ قال: >يقوم الإمام فيصلّي ببعض أصحابه ركعة، ثمَّ يقوم في الثانية ويقومون فيصلّون ركعتين، يخفّفون وينصرفون، ويأتي أصحابه الباقون فيصلّون معه الثانية، ثمَّ يقوم بهم في الثانية، فيصلّي بهم فتكون للإمام الثالثة وللقوم الثانية، ثمَّ يقعد ويتشهّد ويتشهّدون معه، ثمَّ يقوم أصحابه، والإمام قاعد فيصلّون الثالثة ويتشهّدون، ثمَّ يسلّم ويسلّمون<.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
بعض الروايات السابقة، إلَّا أنَّ المعتبر منها كان خالياً منه، كما رأينا ممّا سبق.
الأمر الثالث: أنَّها تأمر باقتداء الطائفة الثانية بالإمام في تشهّده، حيث يكون لها تشهّد بعد الركعة الثانية ويكون له بعد الثالثة. وهو عين ما توصّلنا له على مقتضى القواعد، على ما سبق في تحقيقنا لمداليل صحيحة الحلبي، على حين لم تكن الصحيحة دالّة عليه.
الأمر الرابع: أنَّ المراد من قوله: >فيكون للإمام الثالثة وللقوم الثانية< هو أنَّ الطائفة الثانية عند انتهاء اقتدائها تكون قد أتمّت الركعة الثانية، على حين يكون الإمام قد أتمَّ الركعة الثالثة، وهذا واضحٌ.
الأمر الخامس: أنَّها مشعرةٌ بعود الائتمام بعد الانفراد للطائفة الثانية حيث يقول: >ويتشهّدون معه، ثمَّ يسلّم ويسلّمون< وهو تامٌّ على مبانينا السابقة، حيث اعتبرناه أحد شقّي التخيير بالنسبة للإمام، وقد سبق الكلام في تحقيقه بما لا مزيد عليه.
الأمر السادس: أنَّ هذه الرواية تأمر بتعدّد التشهّد الثاني بالنسبة للإمام في الطائفة الثانية، فإنَّها بعد أن تأمر الطائفة الثانية بالاقتداء في التشهّد بعد نهاية ركعتهم الثانية، كما أشرنا إليه في الأمر الثالث، تأمرها أيضاً بالاقتداء بالتشهّد والتسليم معاً بعد نهاية ركعتهم الثالثة، ورجوع الائتمام بعد الانفراد، كما أشرنا في الأمر الخامس.
احتمالات ثلاثة
ومعنى ذلك: أنَّ الإمام يتشهّد مرّتين للطائفة الثانية، ويكون التفصّي من ذلك بأحد احتمالات ثلاثة:
الاحتمال الأوّل: كون هذا التكرار زيادةً من الراوي لم تصدر من الإمام×، ويرجّح أن يكون الزائد هو الثاني، لكون الائتمام في التشهّد أوّلاً
ــــــ[190]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
على مقتضى القاعدة، على حين إنَّ تكراره على خلاف القاعدة.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد القيام بأحد التشهّدين على نحو التخيير، وقد سبق أن قلنا: إنَّ هذا التخيير ثابت في حقّ الإمام في المبادرة إلى التشهّد أو الانتظار به إلى انتهاء الطائفة الثانية من ركعتها الأخيرة. وإن لم يكن هذا التخيير ثابتاً للمأمومين؛ إذ يتعيّن عليهم الائتمام على تقدير اختيار الإمام للتقديم، فلعلّ المراد بالرواية هو الأوّل، وإن كان خلاف الظاهر كما هو ظاهر.
الاحتمال الثالث: أن يكون المراد استحباب تكرار التشهد في نفسه، إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ، فإن أُريد استحباب تكراره بصفته ذكراً مطلقاً، فهو مسلّم، ولا يكون مبطلاً للصلاة، إلَّا أنَّه خلاف الظاهر من الرواية، وإن أُريد استحباب تكراره بصفته جزءاً من الصلاة أو وجوبه، كما هو الظاهر، فهو ممّا لا يمكن الالتزام به؛ لكونه من الزيادة المبطلة لا محالة، مع عدم اعتبار هذه الرواية سنداً، وعدم دلالة شيء من الصحاح عليه.
خبر أبان
ومنها: خبر أبان بن تغلب المرويّ عن تفسير العياشي عن جعفر بن محمّد× قال: >صلاة المغرب في الخوف، أن يجعل أصحابه طائفتين، بإزاء العدوّ واحدة، والأُخرى خلفه، فيصلّي بهم، ثمَّ ينتصب قائماً، ويصلّون هم تمام ركعتين، ثمَّ يسلّم بعضهم على بعض، ثمَّ تأتي الطائفة الأُخرى – خلفه- فيصلّي بهم ركعتين ويصلّون هم ركعة، فيكون للأوّلين قراءة وللآخرين قراءة<(1).
ــــــ[191]ـــــــ
( ) تفسير العيّاشي 1: 272، الحديث: 256، وسائل الشيعة 8: 438، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب2، باب استحباب صلاة الجماعة، في الخوف وكيفيّتها، الحديث: 9.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
دلالة الرواية
والكلام يقع في دلالة هذه الرواية ضمن أُمور:
الأمر الأوّل: أنَّها تأمر بالمحارسة، وهو ما كانت تخلو منه الرواية السابقة، وجملة من الصحاح أيضاً، ويستفاد الأمر من قوله: >يجعل أصحابه طائفتين بإزاء العدو واحدة< يعني: يجعل واحدة، فيكون من قبيل الجمل الخبريّة المراد بها الإنشاء، وهي ظاهرة بالوجوب كصيغة الأمر إن لم تكن أولى منها، كما ثبت في محلّه.
ولكن الرواية تدلّ على وجوب الحراسة في الركعة الأُولى، ولا تدلّ على وجوبها في الركعة الثانية، حتّى بنحو الإشارة، إلَّا أنَّها غير مبيّنة لعدم الوجوب لا محالة، غايته الإطلاق من هذه الناحية، فتكون مقيّدة بالأدلّة الدالّة على الوجوب.
الأمر الثاني: أنَّها دالّة على انتظار الإمام قائماً.
الأمر الثالث: أنَّها مجملة من حيث إيقاع التشهّد والتسليم، فيكون الدليل المفصّل لذلك مقدّماً لا محالة بالحكومة أو بالتقييد.
الأمر الرابع: قوله: >فيكون للأوّلين قراءة وللآخرين قراءة< بمنزلة التعليل لاختصاص الطائفة الأُولى بركعة واحدة، وحاصله: أنَّه كما حصلت الطائفة الأُولى على إحدى الركعتين الأوليين ذات القراءة، كذلك ينبغي أن تحصل الطائفة الثانية على مثل ذلك، وهو إنَّما يحصل إذا اقتصرت الأُولى على ركعة، وابتدأت الثانية بالركعة الثانية، كما هو واضح.
ومقتضى التعليل تعيّن ذلك، وهو الذي استفدناه من الآية الكريمة، وذهبنا إلى تعيّنه كما سبق. فلو كانت هذه الرواية تامّة السند لكانت من أهمّ الأدلّة لتعيّن ذلك كما لا يخفى.
ــــــ[192]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أمران في الختام
وبعد أن انتهى الاستدلال على كيفيّة إيقاع الصلاة الثلاثيّة في الخوف، بقي الكلام عن أمرين يحسن التعرّض إليهما:
• الأمر الأوّل: قد يستدلّ للتخيير بين أن يصلّي الإمام بالطائفة الأُولى ركعة أو ركعتين، بالإجماع المنقول عن الغنية(1). وهو – يعني التخيير- المنقول عن أكثر المتأخّرين وجماعة من القدماء(2)، بل في المحكي عن المنتهى نسبته إلى علمائنا(3)، ونحوه في شرح الإرشاد، (4)، بل في المسالك: لا إشكال في التخيير(5)، وإنَّما اختلفوا في الأفضل(6).
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ لوجهين:
الأوّل: عدم حجّية الإجماع المنقول ولا الشهرة حتّى المحصّلة منها، على ما ثبت في محلّه، وأمّا الإجماع المحصّل فهو محرز العدم لذهاب أكثر القدماء إلى التعيين.
ــــــ[193]ـــــــ
( ) أُنظر: غنية النزوع: 93، كتاب الصلاة، في كيفيّة صلاة الخوف جماعة.
(2) راجع تهذيب الأحكام 3: 299، كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف، ذيل الحديث: 9، وقواعد الأحكام 1: 319، كتاب الصلاة، صلاة ذات الرقاع، ذكرى الشيعة 4: 347، كتاب الصلاة، الفصل الثاني في صلاة الخوف، المسألة الخامسة، كفاية الأحكام 1: 155، كتاب الصلاة، صلاة الخوف، الحدائق الناضرة 11: 276، كتاب الصلاة، المبحث الخامس عشر في صلوات الخوف.
(3) راجع منتهى (ط.ق) 1: 402، كتاب الصلاة، في صلاة الخوف والتطويق.
(4) راجع روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان (ط.ق): 380، كتاب الصلاة، المقصد الثالث في صلاة الخوف.
(5) راجع مسالك الأفهام 1: 334، كتاب الصلاة، أحكام صلاة الخوف والمطاردة…
(6) راجع جواهر الكلام 14: 172، كتاب الصلاة، كيفية صلاة الخوف في المغرب.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الثاني: أنَّنا نحتمل بل نعلم استناد جملة من هؤلاء القائلين بالتخيير إن لم يكن كلّهم، إلى ما أشرنا إليه من كونه هو مقتضى الجمع بين الطائفتين المتعارضتين، ومن المعلوم أنَّ الإجماع إذا عرف مدركه سقط عن الحجية، كما ثبت في محلّه.
• الأمر الثاني: أنَّ القائلين بالتخيير اختلفوا فيما هو الأفضل من شقّي التخيير، فذهب الأكثر إلى أفضليّة ما قال الآخرون بتعيّنه وهو اختصاص الطائفة الأُولى بركعة واحدة، وقال البعض: بأفضليّة الشقّ الآخر(1).
واستدلّوا لأفضليّة الأوّل بوجوه:
• الوجه الأوّل: كونه موافقاً للاحتياط، فإنَّ مقتضى القاعدة ذلك عند دوران الأمر بين التعيين والتخيير(2)؛ فإنَّه لم يذهب أحدٌ إلى تعيّن الثانية، على ما في الجواهر (3). كما أنَّ مقتضاها أن يكون احتياطاً استحبابيّاً بعد فرض دلالة الدليل الاجتهادي على التخيير، وهذا الوجه تامٌّ بعد حفظ مبناه.
• الوجه الثاني: كونه مورداً لكثرة الروايات، على حين لم يرد بالشقّ الثاني إلَّا رواية واحدة، هي صحيحة زرارة كما عرفنا، وهذا يكون وجهاً ملزماً على القول بحصول الاستفاضة في المقام وحجّيتها كبرويّاً، ومعه تسقط الرواية الواحدة عن الحجية لا محالة. وأمّا لو أنكرنا ذلك – كبرى أو صغرى- فلا يبقى لهذا الوجه صورة أصلاً، لما ثبت في محلّه أنَّ كثرة إحدى
ــــــ[194]ـــــــ
( ) راجع مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 715، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(2) راجع كفاية الأُصول: 76، المقصد الأوّل في الأوامر، الفصل الثاني، المبحث السادس، وفوائد الأُصول 3: 434، المقام الثالث في الشكّ، الأمر السابع.
(3) راجع جواهر الكلام 14: 172، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الطائفتين المتعارضتين لا تعطيها رجحاناً إذا كانت متساوية بحسب قواعد باب التعارض، ما لم تبلغ حدّ التواتر.
• الوجه الثالث: كونه أوفق بالعدل والإنصاف، في إدراك كلّ من الطائفتين ركعة من الأوليين اللتين هما الأصل في الصلاة وفيهما القراءة.
وكأنَّ هذا الوجه يرجع إلى حكم العقل باستحسان هذا العدل والإنصاف بعد عدم قيام الدليل المعتبر عليه، فإنَّ خبر أبان الدالّ عليه والقائل: >فيكون للأوّلين قراءة وللآخرين قراءة< لم يكن تامّاً سنداً، وقلنا: إنَّه لو كان تامّاً لكان من أهمّ أدلّة التعيين.
وقد يُقال: إنَّ هذا الشقّ من التخيير، وهو اختصاص الفرقة الأُولى بركعة، وإن كان موافقاً للعدل من هذه الناحية، إلَّا أنَّه مخالف له من ناحية أُخرى، وهو تقسيم الركعات بين الطائفتين بشكلٍ غير متساوٍ، وإعطاء الطائفة الثانية ركعتين دون الأُولى.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا غير تامٍّ.
أمّا أوّلاً: فلما ذكره الفقيه الهمداني: من أنَّ تفضيل الطائفة الثانية بالأخيرة كان جبراً لتأخيرهم وفوات إدراك فضل التبعيّة في الافتتاحِ(1).
وأمّا ثانياً: فلأنَّ هذا الشقّ هو أقرب الشقّين إلى العدل. فإنَّ الشقّ الآخر وهو اختصاص الطائفة الأُولى بركعتين تفوت فيه كلتا الناحيتين على الطائفة الثانية، كما هو واضح. فيتعيّن الأخذ بما هو أقرب للعدل لا محالة.
وهذا تامّ على تقدير تسليم كبراه، إلَّا أنَّها غير مسلّمة، فنحن لا نعلم في العبادات حكماً للعقل إلَّا حكمه بوجوب الطاعة أساساً. وأمّا تفضيل أحد
ــــــ[195]ـــــــ
( ) مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 715، كتاب الصلاة، أحكام صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الأمرين اللذين يكون كلٌّ منهما طاعة – على الفرض- فهذا ممّا لا سبيل للعقل إليه. على أنَّنا لا يمكننا إدراك أهمّية ملاكات الأحكام ومقدار أفضليّة الأفعال ومقدار الثواب المستحقّ عليه، في مثل هذه الأُمور الجزئيّة، حتّى يمكننا تنقيح الصغرى.
• الوجه الرابع: أنَّه مقتضى التأسّي بالمحكيّ من فعل أمير المؤمنين× ليلة الهرير.
وهذا الوجه واضح الدفع بعد تصريحهم بإرسال هذه الرواية، على أنَّها معارضة بمفهوم الحصر للدليل المعتبر الآتي في صلاة شدّة الخوف، والقائل: وفيها – يعني ليلة الهرير- >لم تكن صلاتهم – الظهر والعصر والمغرب والعشاء- عند وقت كلّ صلاة إلَّا التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد والدعاء، فكانت تلك صلواتهم…<(1).
فتحصّل: أنَّ الأفضل هو اختصاص الطائفة الأُولى بركعة واحدة، على تقدير القول بالتخيير، وذلك الوجه الأوّل الذي ذكروه، وهو موافقته للاحتياط.
وأمّا الشقّ الثاني فقد رجّحه في القواعد تبعاً لبعض العامّة، كما في الجواهر(2).
ــــــ[196]ـــــــ
( ) الكافي 3: 458، كتاب الصلاة، باب صلاة المطاردة والمواقفة والمسايفة، الحديث: 2، وسائل الشيعة 8: 445، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب 4، باب كيفيّة صلاة المطاردة والمسايفة…) الحديث: 8.
(2) راجع جواهر الكلام 14: 173، كتاب الصلاة الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، وقواعد الأحكام 1: 319-322، كتاب الصلاة، المقصد الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
واستدلّوا لترجيحه(1) بوجهٍ واحد، وحاصله: طول مدّة الزمان في أداء الصلاة على النحو الأوّل منه على النحو الثاني، فيكون الثاني أفضل للاحتياج إلى الزمان في حالة الحرب.
بيان ذلك: أنَّه على النحو الأوّل يكون على الفرقة الثانية الجلوس عقيب ركعتهم الأُولى تبعاً للإمام الذي يكون من تكليفه التشهّد حينئذٍ، وهذا بخلاف ما لو لحقوه في الركعة الثالثة، فإنَّه عند جلوس الإمام للتشهّد الأخير ينفردون فلا يحصل به تأخير زائد على ما يحتاجونه في أفعال صلواتهم.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ:
أوّلاً: لما أورده صاحب الجواهر(2): من كون زمان التشهد الأوسط لابدَّ أن يكون محفوظاً على أيّ حال، أمّا مع الطائفة الأُولى لاقتدائهم به، على ما عرفنا، وأمّا مع الثانية لانتظارهم له في أثنائه. وأمّا التشهد الأخير، فهم ينفردون فيه على أيّ حال. إذن فمدّة الزمان لا تختلف على كلا التقديرين.
ثانياً: أنَّ ذلك على تقدير تسليمه فهو ليس كبرى كليّة، بل لابدَّ من حساب كلّ صلاة على حدة، فإن كان هناك مصلحة جهاديّة ملزمة تفوت بطول الصلاة، فيتعيّن الأخذ بالشكل الذي يستدعي زماناً أقلّ ويكون واجباً، ويكون الشقّ الآخر حراماً لا أنَّه يقتصر على مجرّد الأفضليّة.
وأمّا إذا لم تكن هناك مصلحة في البين، فلا إشكال بأنَّ الإتيان بالفرد
ــــــ[197]ـــــــ
( ) أُنظر: جواهر الكلام 14: 173، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(2) أُنظر: جواهر الكلام 14: 172-173، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الأطول هو الأفضل، باعتبار أفضليّة استمرار التوجّه إلى الله وطول ذكره أساساً.
وإنَّما يتصوّر هذا الوجه على تقدير تسليمه، فيما إذا كانت هناك مصلحة مزاحمة أهمّ من مصلحة إطالة الصلاة. ولكن أهمّيتها الزائدة بمقدار مستحبّ لا بمقدار ملزم. وهذا ممّا يصعب تشخيصه ويندر وجوده في الخارج.
فتحصّل: أنَّ المتعيّن في الصلاة الثلاثيّة اختصاص الطائفة الأُولى بركعة، وعلى تقدير القول بالتخيير فهو الأفضل أيضاً.
ــــــ[198]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

الفصل الثاني
شرائط صلاة ذات الرقاع
إنَّه قد تحصّل من شرائط صلاة ذات الرقاع، على تقدير مخالفة شرائطها مع شرائط الجماعة الاعتياديّة، عدّة أُمور:
الشرط الأوّل: وجود الخوف في الجملة؛ لكونه مورد الآية وكثير من الروايات والتسالم بين الفقهاء عليه في الجملة، وعدم وجود دليل على مشروعيّتها عند عدم الخوف.
الشرط الثاني: وجود الأمن في الجملة؛ لما قلناه فيما سبق من عدم إمكان إقامتها عند شدّة الخوف تكويناً أو تشريعاً؛ لوجود المصلحة الملزمة المزاحمة.
الشرط الثالث: وجود شخص جامع لشرائط إمامة الجماعة الاعتياديّة، وليس ضروريّاً أن يكون قائداً للجيش أو رئيساً للدولة على ما سبق في الكلام حول الآية من التجريد عن هذه الخصوصيّات، ولما استفدناه بعد ذلك من الصحاح من إمكان التعميم. إلَّا أنَّ هذا الشرط غير خاصٍّ بصلاة الخوف، كما هو ظاهر، بل يعمّ سائر أنحاء إقامة الجماعة.
وقد ذكروا شرائط أُخرى لصلاة الخوف لا تكون كلّها تامّة.
الشرط الرابع: أن يكون في المسلمين كثرة يمكنهم معها الافتراق إلى طائفتين يقاوم كلّ فريق العدوّ، حال اشتغال الفريق الآخر بالصلاة.
وهذا واضح، بعد ما عرفنا من أنَّ الانقسام الثنائي ضروريّ لانعقاد
ــــــ[199]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
صورة صلاة الخوف، فمع سقوطه للتعذّر، لا تكون هذه الصلاة منعقدة، سواء أدّوا صلاة الجماعة كلّهم طائفة واحدة، أو كانوا في حالٍ لا يمكنهم معه الجماعة تكويناً أو تشريعاً كما سبق.
فهذه هي الشرائط التي تصحّ في أنفسها ولا ترجع إلى ما سواها. ومعه تكون هذه الصلاة قد اختصّت بشرائط ثلاثة مع إسقاط الشرط الثالث المشترك.
الشرط الخامس: عدم احتياج الإمام إلى تقسيم المسلمين إلى أكثر من فرقتين. وهذا وإن كان صحيحاً في الجملة؛ لما قلناه من عدم مشروعيّة الانقسام الزائد على الاثنين، على ما استفدناه من الأدلّة، إلَّا أنَّه لا يتمّ في نفسه؛ لأنَّه مبنيٌّ على تخيّل ضرورة اشتراك جميع الحاضرين بهذه الصلاة، وأمّا مع إنكار ذلك على ما ذهبنا إليه، فمن الممكن القيام بهذه الصلاة بطائفتين من الثلاثة، ثمَّ تكرارها من قبل نفس الإمام مستحبّاً أو غيره واجباً بالطائفة الأُخرى، بعد تقسيمها إلى قسمين، وهذا واضح. وخاصّة بعد الذي قلناه من عدم ضرورة تعدّد الطائفة الواحدة، بل يكفي أن تكون – ولو شخصاً واحداً- من المأمومين كما اعترف به صاحب الجواهر أيضاً(1).
الشرط السادس: أن يكون العدوّ في غير جهة القبلة.
قال في المدارك: هذا الشرط مقطوع به في كلام الأصحاب، واستدلّوا عليه بأنَّ النبي’ إنَّما صلّاها كذلك فتجب متابعته، واستوجه العلّامة في (التذكرة) عدم اعتباره؛ لعدم المانع من فعلها بدونه، قال: وفعل النبي’
ــــــ[200]ـــــــ
( ) أُنظر: جواهر الكلام 14: 173، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وقع اتّفاقاً لا أنَّه كان شرطاً(1)(2).
وهذا الشرط وإن كانت تُشعر به الآية، إلَّا أنَّنا أقمنا القرائن على تجريدها عن ذلك، وفعل النبي’ مجمل لا ظهور له بالاشتراط كما هو واضح، على أنَّ سائر الأدلّة الأُخرى تخلو منه، بحيث يمكن التمسّك بإطلاقها مع عدم وجود المقيّد على الفرض.
وكونه مقطوعاً به في كلام الأصحاب، غاية ما ينقّح لنا الشهرة، وهي وإن كانت ثابتة إلَّا أنَّها ليست بحجّة في نفسها، كما هو المحقّق في علم الأُصول(3). بل لو نقّحت إجماعاً لما كان حجّة أيضاً؛ لاحتمال بل إحراز استناده إلى ظاهر الآية، وإلى ما روي من فعل رسول الله’، ومعه يكون المدرك هو هذه الأدلّة دون الإجماع، ويسقط الإجماع عن الحجّية، كما ثبت في محلّه.
الشرط السابع: أن يكون في العدوّ قوّة لا يؤمن أن يهجم على المسلمين في أثناء صلاتهم. وهذا الشرط وإن كان صحيحاً، إلَّا أنَّه راجع إلى الشرط الأوّل الذي ذكرناه، وهو وجود الخوف في الجملة؛ إذ مع القطع بعدم التعرّض لهم لا يتحقّق الخوف لا محالة، ومعه لا حاجة إلى استئناف هذا الشرط، إلَّا إذا أُريد التوضيح والتفصيل أكثر من المقدار اللازم في صناعة الأدلّة.
فتحصّل: أنَّ شرائط هذه الصلاة منحصرة في ثلاثة: هي الأوّل والثاني والرابع ممّا ذكرناه.
ــــــ[201]ـــــــ
( ) مدارك الأحكام 4: 414، كتاب الصلاة، شروط صلاة الخوف.
(2) تذكرة الفقهاء (ط.ق) 1: 195، كتاب الصلاة، شرائط صلاة ذات الرقاع.
(3) راجع بحوث في علم الأُصول 4: 320-321، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، مباحث الظنّ، حجّية الشهرة.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

الفصل الثالث
فروق الجماعة الاعتيادية عنها
صرّح جماعةٌ بعدم اختلال شرائط صلاة الجماعة الاعتياديّة في هذه الصلاة، ومن ثمَّ صرّح صاحب المدارك(1) وصاحب المصباح(2) بإمكان وجواز إقامتها حال الأمن. ومعه يرتفع الشرطان الأولان اللذان ذكرناهما لها في الفصل السابق. نعم، يبقى الشرط الثالث ضروريّاً لانحفاظ صورة هذه الصلاة وهي الانقسام إلى طائفتين، ومن المعلوم إمكان ذلك في حال الأمن والاختيار في الغالب.
وما ذكروه من الفروق المحتملة عن الجماعة الاعتياديّة ثلاثة أُمور عدّدها المحقق الحلّي في الشرائع(3):
الأوّل: انفراد المؤتمّ اختياراً
[وذلك] بناءً على عدم جواز ذلك في صلاة الجماعة الاعتياديّة، وأمّا على
ــــــ[202]ـــــــ
( ) أُنظر: مدارك الأحكام 4: 418، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف..
(2) أُنظر: مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 713، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(3) أُنظر: شرائع الإسلام 1: 120، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
القول بالجواز -كما عليه الكثير من المتأخّرين(1) ومن قبلهم- فلا مخالفة من هذه الجهة.
نعم، ذكر الفقيه الهمداني(2): أنَّ الانفراد يكون واجباً في هذه الصلاة دون غيرها، وهذا لا يتمّ بناءً على مبانينا السابقة؛ لأنّنا ذكرنا أنَّ انفراد الطائفة الأُولى وانتظار الإمام، كلاهما لأجل فسح المجال لالتحاق الطائفة الثانية، وهذا العمل بنفسه مستحبٌّ وليس بواجبٍ؛ لعدم وجوب التحاق الطائفة الثانية كما ذكرنا. فمن ثَمّ يكون انفراد الطائفة الأُولى مستحبّاً لا واجباً، فإنَّ لها البقاء على متابعة الإمام إلى نهاية الصلاة، غاية الأمر أنَّها لا تكون من قبيل ذات الرقاع، وهو ليس محذوراً في نفسه، كما هو واضحٌ.
وأمّا انفراد الطائفة الثانية فهو وإن كان ضرورياً، إلَّا أنَّه من جهة انتهاء الإمام من صلاته، وهو أمرٌ يحدث في الجماعة الاعتياديّة أيضاً لو التحق الفرد في الركعة الأخيرة للإمام. وأمّا انتظار الإمام لها في التسليم فهو أمرٌ خارج عن تكليف المأمومين. على أنَّه سيأتي التعرّض له في الأمر الثاني.
ــــــ[203]ـــــــ
( ) أُنظر: مدارك الأحكام 4: 416، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، قال: (لا يخفى أنَّ انفراد المؤتمّ إنَّما تحصل به المخالفة على قول الشيخ من المنع من المفارقة في حال الاختيار، أمّا إن سوّغناها مطلقاً – كما هو المشهور- فلا يتحقّق المخالفة بذلك لصلاة المختار)، وذخيرة المعاد: 403، كتاب الصلاة، النظر الثالث في اللواحق، المقصد الثالث في صلاة الخوف.
(2) راجع مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 714، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الثاني: توقع الإمام للمأموم وانتظاره له
وهذا يحدث على نحوين: مع عدم انحفاظ المأمومين أو مع انحفاظهم.
• النحو الأوّل: وهو انتظار الإمام للمأمومين مع عدم انحفاظهم، يعني حال انفراد الطائفة الأُولى وذهابهم ومجيء الطائفة الثانية.
وقد ذكرنا أنَّ مقتضى إطلاق الأدلّة المعتبرة هو جواز انتظاره مهما طال الزمان بالمقدار المستلزم عرفاً؛ لانتهاء الطائفة الأُولى من صلاتهم وذهابهم وأخْذهم مواقعهم وتنظيم أنفسهم أمام العدوّ ومجيء الطائفة الثانية والتحاقها بالإمام، ومعه يحصل من الزمان ما تنتفي معه الموالاة اللازمة في الصلاة الاعتياديّة لا محالة.
كما أنَّ مقتضى إطلاقها – كما عرفنا- عدم وجوب شيءٍ من الذكْر والدعاء عليه خلال مدّة الانتظار.
ومقتضى هذين الإطلاقين وجود الفارق المهمّ لهذه الصلاة عن الصلاة الاعتياديّة في الجماعة. نعم، مع تعمّد تقصير الزمان وتقليل الانتظار يرتفع هذا الفارق لا محالة؛ لإمكان أن لا يخلّ الانتظار بالموالاة، وخاصّةً إذا اشتغل الإمام فيه بقراءة الأذكار على ما صرّح به الفقيه الهمداني(1).
إلَّا أنَّ هذا لا ينافي ابتناء تشريعها على الإطلاق من هذه الناحية، وجواز إقامتها بشكلٍ يختلف عن شرائط الجماعة الاعتياديّة، إن لم نقل إنَّ الغالب فيها هو التأخير والتطويل بحسب الأوضاع الخارجيّة للخوف والحروب. والملحوظة جزماً للشارع المقدّس.
ــــــ[204]ـــــــ
( ) راجع مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 714، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
نعم، لو ثبتت الأوامر بالتخفيف في الصلاة بالنسبة للطائفة الأُولى، لثبت وجوب تقليل الانتظار على المأمومين، بأن يكونوا مكلّفين بالمسارعة في الصلاة والانتقال. وهذا الأمر وإن كان خاصاً بالصلاة، إلَّا أنَّه يمكن تعميمه إلى حال الانتقال بالفهم العرفي بحسب مناسبات الحكم والموضوع. إلَّا أنَّ هذه الأوامر لم تثبت بطريقٍ معتبرٍ كما سبق أن عرفنا.
ويزداد ما قلناه وضوحاً في الصلاة الثلاثيّة، إذا صلّى الإمام بالطائفة الأُولى ركعةً واحدةً تعييناً أو تخييراً؛ فإنَّه يحتاج إلى الانتظار بمقدار ركعتين مضافاً إلى حال الانتقال ومجيء الطائفة الثانية، وهو يستلزم زماناً أطول ممّا تستلزمه الصلاة الثنائيّة كما هو واضحٌ.
وأمّا مسألة اشتغال الإمام بالأذكار حال الانتظار، فهو ما لم يُذكر بصراحةٍ ولا إشارةٍ في دليل معتبرٍ ولا غير معتبرٍ، فالإطلاق محفوظ من هذه الناحية، على أفضل وجه، خلافاً للفقيه الهمداني(1).
فتحصّل: أنَّ ذلك من أوضح الفروق بين الصلاتين.
• النحو الثاني: انتظار الإمام للمأمومين مع انحفاظهم يعني مع اشتغالهم بالصلاة خلفه، وهو حال انتظار الإمام الطائفة الثانية لكي يسلّم بهم أو معهم.
وقد ظهر ممّا سبق أنَّ مقتضى الإطلاق ثبوت الفرق من هذه الناحية أيضاً، مع عدم ثبوت الأمر بالتخفيف، وخاصّةً في الصلاة الثلاثيّة التي يحتاج الإمام إلى الانتظار بمقدار ركعتين.
ــــــ[205]ـــــــ
(1) أُنظر: المصدر السابق.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ولا ينافي ذلك ما ذكرناه: من أنَّ انتظار الإمام في هذا المقام إنَّما هو أحد شقيّ التخيير، وله أن يسلّم وينفلت من صلاته بمجرّد انفرادٍ من خلفه، وذلك أنَّ مقتضى الإطلاق عدم بطلان الصلاة عند الانتظار وهو المقصود.
كما أنَّ مقتضى الإطلاق عدم وجوب شيءٍ من الأذكار عليه حال انتظاره، فما ذكره الفقيه الهمداني(1) – من عدم الفرق من هذه الناحية ـ لا يكون تامّاً.
نعم، لا يبعد عدم اختلال الموالاة عند الانتظار مقدار ركعةٍ واحدةٍ مخفّفةٍ، إلَّا أنّنا قلنا إنَّ مقتضى الإطلاق صحّة الصلاة بدون ذلك.
الثالث: إمامة القاعد بالقائم
بمعنى أن يكون الإمام قاعداً والمأموم قائماً، بناءً على عدم جواز ذلك في صلاة الجماعة الاعتياديّة، على ما هو المشهور(2).
وهذا الفرق يمكن ادّعاؤه في موضعين: إمَّا ابتداءً وإمَّا استمراراً لو صحَّ هذا التعبير، على ما نبيّن:
أمّا ثبوته ابتداءً: فلما دلّت عليه صحيحة زرارة المعارِضة التي دلّت على اختصاص الطائفة الثانية بركعةٍ واحدةٍ، فإنَّها أَمرتْ بانتظار الإمام لها جالساً، ثمَّ إنَّهم يلتحقون به ويكبّرون خلفه قائمين حال جلوسه، ثمَّ إنَّه يقوم ويؤدّي بهم ركعةً. فقد حصلت إمامة القاعدة بالقائم ابتداءً، يعني: في أوّل صلاة
ــــــ[206]ـــــــ
( ) أُنظر المصدر السابق.
(2) أُنظر: رياض المسائل 4: 248، كتاب الصلاة، المقصد الثالث في التوابع، الثالث في صلاة الجماعة، الطرف الثاني، مستند الشيعة 8: 40، كتاب الصلاة، المقصد الرابع، الباب الثاني في صلاة الجماعة، الفصل الثالث في شرائط الجماعة، البحث الأوّل، المقام الأوّل في شرائط الإمام، السابع.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
المأموم، وهو الطائفة الثانية.
وهذا أمرٌ تامٌّ، لو تمّت تلك الصحيحة سنداً ودلالةً. ولكنّنا سبق أن رفضنا ذلك، وقلنا: بعدم جواز إيقاع هذه الصلاة بالكيفيّة التي تأمر به هذه الصحيحة. فهذا الفرق يكون لازماً لكلّ مَن يقول بالتخيير بين الكيفيتين في صلاة المغرب، فإنَّه إنَّما يقول به أخْذاً بهذه الصحيحة لا محالة؛ لأنَّها الدليل الوحيد على الكيفيّة الثانية كما عرفنا، ومع الأخْذ بها يجوز للإمام تعييناً أو تخييراً أن ينتظر المأمومين جالساً، وأن يكبّروا خلفه حال جلوسه، ومعه يكون مقتضى النصّ أو الإطلاق ثبوت هذا الفرق لا محالة.
وأمّا ثبوت هذا الفرق استمراراً: فهو مبنيٌّ على تخيّل استمرار الفرقة الثانية بالاقتداء في ركعتهم الثانية والثالثة بالإمام حكماً، وإن استقلّوا عنه بالقراءة والأفعال كما التزم به غير واحدٍ، منهم العلاّمة في المختلف(1) على ما حُكي عنه، مستدلاً بقوله× في صحيحة زرارة: >فصار للأوّلين التكبير وافتتاح الصلاة، وللآخرين التسليم<. قال: ومع الانفراد لا يحصل لهم ذلك على ما نقل عنه في المصباح(2).
وهذا الفرق يكون ثابتاً على هذا المبنى لا محالة، إلَّا أنَّ المبنى ممّا تبنّينا
– فيما سبق- فساده، وقلنا: إنَّه لا معنى للاقتداء مع الاستقلال في الأفعال،
ــــــ[207]ـــــــ
( ) أُنظر: مختلف الشيعة 3: 48، كتاب الصلاة، الباب الرابع في التوابع، الفصل الثالث في صلاة الخوف، المسألة (14).
( ) الذي حكى ذلك عن المختلف السيّد السند في مدارك الأحكام 4: 417، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع في صلاة الخوف، ومصباح الفقيه 2 ق2: 715، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فإنَّهما من قبيل المتضادّين عرفاً وشرعاً. وأمّا العبارة التي استدلّوا بها، فقد عرفنا أنَّها وردت في روايتين لزرارة، إحداهما صحيحة، وعرفنا أنَّها في كلا الموردين لا تدلّ على المطلوب، بل هي في الصحيحة أبعد؛ لصراحتها قبل هذه العبارة بتسليم الإمام وانتهائه من الصلاة بمجرّد انفراد الطائفة الثانية، ومعه ينتفي هذا الاقتداء المتخيّل موضوعاً، كما هو واضحٌ. وعليه فهذا الأمر الثالث من الفرق غير ثابتٍ على التحقيق.
الرابع: عود الائتمام بعد الانفراد
وهو من الفروق التي يمكن أن تُقال(1): إنَّه لم يسبق أحد إلى ذكره، وهو ما ذكرناه في غضون كلامنا السابق، من عود الائتمام بعد الانفراد، بناءً على عدم جوازه في صلاة الجماعة الاعتيادية على ما عليه المشهور.
ولا ينافي ذلك ما سبق، من أنَّ هذا أحد شقّي التخيير، فإنَّ للإمام الانتظار لكي يسلّم بالطائفة الثانية، ومعه يعود الائتمام بعد الانفراد، وله أن يسلّم بمجرّد انفرادهم من دون الانتظار.
وجه عدم المنافاة: هو ما ذكرناه في الأُمور السابقة: من أنَّ مقتضى الإطلاق صحّةُ الصلاة مع اختيار هذا الشقّ لا محالة، وهو المقصود.
فتحصّل: ثبوت الفرق بين هذه الصلاة والصلاة الاعتياديّة في الجماعة، من جهة الفرق الثاني بكلا نحويه والفرق الرابع.
وبناءً عليه، فإن أرادوا من جواز إيقاع صورة هذه الصلاة حال الأمن، إيقاعها مع التحفّظ والتجنّب عن مواطِن الفرق، فلا إشكال في صحّتها، إلَّا
ــــــ[208]ـــــــ
( ) ولم يسبق أحد إلى ذكره (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أنَّ الكلام هو في جواز ذلك مطلقاً، وهو ممّا لا يمكن الالتزام به؛ لثبوت موارد الفرق في خصوص مورد الخوف لا محالة، وصحّة الصلاة حتّى مع تحقّقها في تلك الحال. وأمّا في حال الأمن وانتفاء الخوف، فتكون صحّتها متوقّفةً على انتفاء موارد الفرق لا محالة، والقول بصحّتها مع تحقّقها تشريعٌ محرَّمٌ؛ لعدم وجود الدليل عليه.
إذن، فما اشترطناه في الفصل السابق: من وجوه الخوف مع الأمن في الجملة لصحّة هذه الصلاة، يكون تامّاً لا محالة.
حكم هذه الصلاة في حالة الأمن مع وجود موارد الفرق
وبناءً على ما ذكرناه، يحسن أن يقع الكلام في ما إذا أُقيمت هذه الصلاة في حالة الأمن مع وجود موارد الفرق وتحقّقها، فهل تكون صحيحةً بالنسبة إلى الجميع؟ أم باطلةً بالنسبة إليهم؟ أم تصحّ صلاة البعض دون البعض؟
أمّا الإمام فتبطل صلاته لا محالة؛ لتحقّق الفرق الثاني بكلا شقّيه على الفرض، وهو انتظاره للفرقة الثانية حال مجيئها انتظاراً طويلاً، وانتظاره لها قبل التسليم.
وأمّا الطائفة الأُولى، فقد يمكن القول بصحّة صلاتها؛ بناءً على جواز الانفراد اختياراً في صلاة الجماعة؛ لعدم اختلال صلاتها حال الاقتداء أو حال الانفراد، على الفرض، سواء صلّت وراء الإمام ركعةً واحدةً أو ركعتين. وهذا تامٌّ مع غضّ النظر عن إشكالٍ نشير إليه.
وأمّا الطائفة الثانية: فتكون صلاتها باطلةً لا محالة من عدّة جهات:
إحداها: أنَّها بدأت بالصلاة وراء إمامٍ يصلّي صلاةً فاسدةً؛ لأنَّه كان قد انتظرها طويلاً كما سبق، وعليه فيكون اقتداؤهم باطلاً، وأمّا بطلان صلاتهم
ــــــ[209]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أساساً فهو موقوفٌ على ترْكهم للقراءة، وهو إنَّما يكون إذا التحقوا بالإمام في ركعته الثانية تعييناً على المختار أو تخييراً كما قالوا. وأمّا لو التحقوا في ركعته الثالثة، فتكون صلاتهم الانفراديّة صحيحةً من هذه الجهة.
ثانيتها: أنَّها اقتدت بالإمام الجالس ابتداءً واستمراراً بالمعنى الذي قلناه، وهو ثابتٌ مع غضّ النظر عن مناقشاتنا، إلَّا أنّنا لا نقول بالبطلان من هذه الجهة.
ثالثتها: أنَّها عادت إلى الائتمام بعد الانفراد، فإنَّ هذا إنَّما ثبت جوازه في حال الخوف دون غيره لا محالة، فإن انتظرها الإمام بالتسليم وحصلت نيّة الاقتداء تكون هذه النيّة باطلة، والبناء على جوازها حال الأمن تشريعاً محرّماً.
فتحصّل: أنَّ صلاة الإمام تكون باطلة لا محالة، ومعه لا يمكن انعقاد الجماعة كما هو معلوم، لا بالطائفة الثانية ولا بالطائفة الأُولى، أمّا الطائفة الثانية فللبطلان الفعلي لصلاة الإمام، وأمّا الطائفة الأُولى فلأنَّ البطلان المتأخّر يكشف عن البطلان من أوّل الصلاة لا محالة.
وأمّا صحّة صلاتهم منفردين، فهو مبنيٌّ على إمكان بقاء صحّة الإنفراد مع بطلان الجماعة، وهو ثابت مع انحفاظ القراءة للفرد. ومعه تصحّ صلاة الطائفة الأُولى إن قرأت وراء الإمام، وأمّا إن تركت القراءة على ما هو المفروض فتكون صلاتها باطلة أيضاً. ونحوها الطائفة الثانية إن التحقت بالركعة الثانية للإمام. وأمّا مع التحاقها بالركعة الأخيرة وعدم عود انتظارهم في التشهد فلا يبعد القول بصحّتها؛ لأنَّ المفروض أنَّها تقرأ لنفسها في كلا الركعتين الأوليين(1).
إذن فلا يمكن انعقاد هذه الصلاة جماعةً حال الأمن، مع تحقّق موارد الفروق.
ــــــ[210]ـــــــ
( ) لا أنَّه ينوب عنها في قراءة الحمد في ركعته الثالثة، على ما احتملناه وناقشناه (منّه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

الفصل الرابع
جهات لابدّ من الحديث عنها
إنَّنا بعد أن قلنا: بأنَّ المأخوذ في موضوع هذه الصلاة مطلق الخوف لا خصوص الخوف الناشئ من الحرب كما سبق أن قرّبناه في غضون كلامنا عن الآية، فقد بقيت بعض الجهات محتاجةً إلى زيادة تحقيق، فلابدَّ من التكلّم في هذا الفصل في عدّة جهاتٍ:
1. هل يمكن تعميم موضوعها إلى كلّ حرب
الجهة الأُولى: في أنَّ القدر المتيقّن لجميع الأدلّة بالنسبة لمورد تشريع هذه الصلاة هو الحرب الناشئة من منشأ شرعيٍّ صحيحٍ بحسب قواعد الإسلام، فهل من الممكن تعميم موضوعها إلى كلّ حربٍ من أيّ سببٍ نشأت كما عُمّم موضوعها إلى كلّ خوف من أيّ سببٍ نشأ؟ بل ربّما يُتخيّل أولويّته؛ باعتبار كونه أخصّ، وتعميمه يحتاج إلى مؤونةٍ أقلّ.
وتحقيق ذلك تابعٌ لتحقيق مسألةٍ أُخرى، هي: شمول مشروعيّة هذه الصلاة للخوف الناشئ من سببٍ عمديٍّ اختياريٍّ وعدم شموله. فإن كان شاملاً له كان موضوع الصلاة ثابتاً حتّى في الحرب غير الشرعيّة، وإن لم يكن شاملاً له، لم يكن موضوعها محفوظاً في تلك الحرب، بل يتعيّن إقامة الصلاة بنحو ما تُقام في الأمن، بناءً على ما ذكرناه من اختلافها في الشرائط عن صلاة
ــــــ[211]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الجماعة في الأمن.
وذلك لوضوح أنَّ الدخول في الحرب غير الشرعيّة هو -في الواقع- سببٌ عمديٌّ اختياريٌّ للحرب، ومن ثَمّ للخوف الناشئ منها؛ وذلك: لأنَّ مقتضى الحكم الشرعي هو حرمة الدخول فيها على الفرض، ومخالفةُ هذا الحكم إن كان بسببٍ اضطراريٍّ كانت الحرب شرعيّةً لا محالة؛ لسقوط الحرمة، وإن كان بسببٍ اختياريٍّ كانت مورداً لمحلّ الكلام.
وإذا رجعنا إلى المسألة المشار إليها – وهي ثبوت مشروعيّة هذه الصلاة في الخوف الناشئ من سببٍ اختياريٍّ مطلقاً أو عدمه- نجد عدم إمكان القول بثبوت المشروعيّة لا محالة؛ وذلك للقاعدة العقلية القائلة: (بأن الاضطرار بالاختيار لا ينافي الاختيار)، فهذا الفرد وإن كان خائفاً فعلاً إلَّا أنَّه آمنٌ في نظر الشارع؛ لأنَّه معاتب على دخوله في سبب الخوف، ومن ثَمّ لا تكون أحكام الخوف الشرعيّة شاملةً له لا محالة، ومن ذلك مشروعيّة هذه الصلاة، ومن ثَمّ لا تكون هذه المشروعيّة ثابتةً لا محالة. ومن ثمَّ لا يمكن التعميم لأيّ خوف ناشئ من سببٍ اختياريٍّ، سواء كان حرباً أو لم يكن.
نعم، في الخوف الاختياري الذي أوجبت التعرّض له مصلحةٌ إسلاميّةٌ أقوى – كجهاد الدعوة وغير ذلك- يكون موضوعاً لهذه الصلاة لا محالة؛ لكون التعرّض لمثل هذا الخوف واجباً في الشريعة، ومعه لا يكون اختياريّاً محضاً. أو بتعبير آخر: إنَّ الإرادة المقهورة للتشريع تعتبر كلا إرادة شرعاً أو عرفاً، فتكون ملحقاً بالخوف غير الاختياريّ لا محالة.
فتحصّل: عدم ثبوت موضوع هذه الصلاة في الحرب غير الإسلاميّة، وفي كلّ خوفٍ ناشئٍ من سببٍ اختياريٍّ محرّمٍ شرعاً.
ــــــ[212]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
2. هل الخوف المأخوذ بعنوانه أم بقيد كونه مطابقاً للواقع
الجهة الثانية: بعد أن عرفنا التعميم لكلّ خوفٍ إذا كان اضطراريّاً تكويناً أو تشريعاً، وحينئذٍ فيدور أمر الموضوع بين أن يكون هو الخوف بعنوانه بدون أخْذ أيّ أمرٍ آخر فيه، فيشمل ما إذا كان الخوف وهميّاً ناشئاً من تخيّل السبب الموجب، وبين أن يكون هو الخوف بقيد كونه مطابقاً للواقع، فلو لم يكن السبب المتخيَّل موجوداً لم يكن مشمولاً لدليل مشروعيّة هذه الصلاة.
والكلام يقع تارةً في تحقيق أمر هذا الدوران، وأُخرى: في صورة الشكّ بالمطابقة للواقع. وثالثة: في حال وجوب الإعادة والقضاء على كلا التقديرين، فيقع الكلام في موارد:
◘ المورد الأوّل: في تحقيق موضوع مشروعيّة هذه الصلاة، من حيث اشتراط المطابقة للواقع وعدمه.
لا إشكال أنَّ مورد الآية وسائر الأدلّة هو الخوف المطابق للواقع، يعني الناشئ من سببٍ واقعيٍّ، وظاهره التقييد به وعدم مشروعيّة هذه الصلاة بخلافه ما لم تقم قرينةٌ على التجريد.
وما يمكن أن يُقام قرينةً على التجريد عدّة أُمور:
• الأمر الأوّل: التمسّك بإطلاق قوله تعالى: {خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا}؛ بدعوى كونه ظاهراً باستقلال الخوف بالموضوعيّة، فإنَّه لو كان المراد المطابقة للواقع لقيّده به، وهو في مقام بيان تمام الموضوع لا محالة.
وهذا إنَّما يتمّ فيما لو انحصر مفاد التقييد عرفاً بالنصّ على المطابقة للواقع، إلَّا أنَّ هذا أمرٌ غير عرفيٍّ، كما هو واضحٌ، وإنَّما مفاد التقييد العرفي ليس إلَّا ما ورد في الآية من التعبير الظاهر بوجود سبب الخوف في الخارج.
ــــــ[213]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
بيان ذلك: إنَّه لا فرق عرفاً بين الإخبار بوجود الشيء خارجاً، وبين الإخبار بالإحساس به، فلا فرق بين أن نقول: (زيدٌ في الدار)، وبين أن نقول: (رأيته في الدار). إذن، فالمنساق من الآية كون الإحساس والخوف ناشئاً من سببٍ واقعيٍّ لا محالة، ومعه يكون ظاهره التقييد، بعد أن عرفنا كون التقييد بالمطابقة للواقع بعنوانها أمراً غير عرفيٍّ.
• الأمر الثاني: التمسّك بقرينة الامتنان، وذلك بأن يُقال: بأنَّ صلاة الخوف إنَّما شُرّعت للتخفيف على الخائف امتناناً. وإذا ثبت ذلك، لا يفرق فيه -كما هو واضحٌ- بين أن يكون سبب الخوف واقعيّاً أو لم يكن، فإنَّ عدم مشروعيّة هذه الصلاة بالنسبة للخائف المتوهّم خلاف الامتنان، فيجب ثبوتها في حقّه.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ:
أمّا أوّلاً: فلعدم وجود الامتنان من هذه الناحية أصلاً، فإنَّ التخفيف إنَّما يكون بجعل الصلاة قصراً لا بجعلها جماعةً، كما هو واضحٌ. وإن كان امتناناً من جهة إفساح المجال للحصول على ثواب صلاة الجماعة، إلَّا أنَّ هذا الامتنان أجنبيٌّ عن محلّ الكلام؛ لعدم اقتضائه الثبوت في حقّ الخائف المتوهّم.
وأمّا ثانياً: فلإمكان أن يُقال: إنَّ الامتنان -على تقدير ثبوته- إنَّما يتأكّد ثبوته في حقّ الخائف بسببٍ واقعيٍّ، فإنَّه محتاجٌ إلى التخفيف عن حاله حقيقة، وأمّا الخائف المتوهّم، فحيث إنَّه آمنٌ في الحقيقة فهو ليس في حاجةٍ إلى التخفيف عن حاله، ومن ثَمَّ لا يثبت في حقّه الامتنان، ولا يكون عدم مشروعيّة هذه الصلاة خلاف الامتنان في حقّه، فتأمّل.
ــــــ[214]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الأمر الثالث: التمسّك بظهور التجريد عرفاً، باعتبار أنَّ المنساق من الأدلّة هو كون الخوف هو تمام الموضوع للحكم بالمشروعيّة ولا دخل للقيد الزائد فيه.
ودعوى هذا الظهور عهدتها على مدّعيها، فإنَّها أوّل الكلام بعد العلم بأنَّ محلّ البحث هو ذلك، والمدّعى هو الظهور بالتقييد مع عدم قيام قرينةٍ على الخلاف، ولم تحصل مثل هذه القرينة.
إذن، فالمتحصّل من المورد الأوّل هو تقييد موضوع مشروعيّة هذه الصلاة بكونه خوفاً ذا سببٍ واقعيٍّ.
◘ المورد الثاني: أنَّ المكلّف لا يخلو حاله من أحد أحوالٍ: فإنَّه إمّا أن يكون قاطعاً بوجود سبب الخوف، أو قاطعاً بعدمه، أو شاكّاً، وعلى كلّ حال إمّا أن يكون السبب موجوداً واقعاً أو غير موجود.
فإن كان قاطعاً بوجود السبب المخوف وكان قطعه مطابقاً للواقع، فهو الموضوع التامّ للمشروعيّة كما عرفنا. وإن كان قطعه مخالفاً للواقع فهو يعتقد بكونه موضوعاً تامّاً للمشروعيّة؛ لاستحالة كون القاطع شاكّاً بمطابقة قطعه للواقع، فهو يؤدّي هذه الصلاة طبقاً لِمَا يعتقده، وإنَّما يحصل الأثر فيما إذا انكشف الحال بعد ذلك، كما سنتكلّم عنه في المورد الثالث من هذه الجهة.
وإن كان قاطعاً بعدم السبب المخوف، وكان قطعه مطابقاً للواقع، فلا كلام، وإن كان السبب المخوف موجوداً في الواقع، فهو لا يرى نفسه موضوعاً للمشروعيّة لا محالة، فهو يصلّي صلاةً اعتياديّةً ولا محذور في ذلك؛ لعدم وجوب صلاة ذات الرقاع على الخائف.
نعم، يأتي الإشكال في صلاة شدّة الخوف؛ لكونها متعيّنةً على الخائف
ــــــ[215]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
عند تحقّق موضوعها، وسيأتي الكلام عنه في محلّه من المقام الثالث، إن شاء الله تعالى.
وإن كان خائفاً ولكنّه شاكٌّ أو ظانٌّ بوجود السبب، فهو بحسب تكليفه الفعلي قبل أن ينكشف الحال أن ينظر، فإن كان ظنّه معتبراً شرعاً كما لو كان اطمئناناً عقلائياً أو قامت عليه البيّنة أو نحوها، كان ذلك كافياً في إحراز موضوع المشروعيّة تعبّداً كما هو واضحٌ. وإن كان ظنّه غير معتبرٍ، فإن قلنا بأنَّ موضوع المشروعيّة هو الخوف من دون كونه مقيّداً بالمطابقة للواقع، فهو محرزٌ؛ لكونه موضوعاً للمشروعيّة وجداناً لإحراز الخوف، وإن لم يحرز سببه.
وإن بنينا على ما اخترناه -من تقييده بالمطابقة للواقع- فهو لا يحرز تحقّق الموضوع لا محالة، ومع عدمه لا يكون مشمولاً للحكم بالمشروعيّة لا محالة، وعلى تقدير وجود السبب في الواقع، لا يكون هناك محذورٌ لو لم يؤدّ هذه الصلاة؛ لعدم وجوبها أساساً كما أشرنا إليه.
وأمّا لو أدّى هذه الصلاة بالرغم من شكّه بوجود السبب في الواقع، فصحّة صلاته موقوفةٌ على أن نعلم أنَّه ما هو موضوع المشروعيّة، هل هو مجرّد وجود السبب المخوف في الخارج؟ أم هو وجوده مع وصوله بنحوٍ معتبرٍ؟ فإن كان الأوّل صحّت صلاته لا محالة، كما هو واضحٌ، لو فرض الوجود الواقعي للسبب. وإن كان الثاني كانت باطلةً لا محالة؛ لإحراز عدم الوصول لا محالة، وإن كان السبب موجوداً في الواقع.
والظاهر هو الأوّل؛ لكون العلم طريقاً عقلاً وعرفاً إلى الواقع، لو فرض أنَّه أخذ في لسان الدليل على أنَّه غير مأخوذٍ في شيءٍ من الأدلّة. نعم، لو لم يثبت بطريقٍ معتبرٍ فلا إحراز للموضوع؛ باعتبار عدم إحراز التحقّق في
ــــــ[216]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الخارج، وأمّا لو أحرز ذلك ولو بعد حين، يكون ذلك كافياً في تحقّق الموضوع، فتكون الصلاة صحيحةً لو تمّ منه قصد القربة.
ونحو هذا الكلام بحسب الصورة يُقال في القاطع بعدم وجود السبب المخوف، مع وجود السبب واقعاً، لو صلّى هذه الصلاة وتمشت منه قصد القربة.
فإنَّ صحّة صلاته موقوفةٌ على إحراز موضوعها، وإحرازه موقوفٌ على مبنيين:
أحدهما: ما سبق قبل قليل من أخْذ الوصول المعتبر قيداً في السبب وعدمه، فإن قلنا بهذا القيد لم يكن هذا المكلّف موضوعاً لهذه الصلاة وجداناً؛ لإحراز عدم الوصول على الفرض.
وثانيهما: أنَّه نعلم أنَّه ما هو الموضوع للمشروعيّة، هل هو وجود السبب المخوف في الخارج سواء حصل منه الخوف أو لم يحصل؟ أم أنَّه مقيّدٌ بحصول الخوف الفعلي منه؟ فإن قلنا بالثاني كان هذا المكلّف محرزاً لعدم الموضوع لا محالة؛ لكونه قاطعاً بعدم السبب، ومثله يستحيل أن يحصل في نفسه الخوف منه، ومع عدم وجود الخوف لا يتحقّق الموضوع على الفرض.
فاتّضح أنَّ هذا المكلّف إنَّما تصحّ صلاته إذا قلنا بعدم التقييد من كلتا الجهتين، فإنَّه يكون محرزاً للموضوع بعد انكشاف الحال، والعلم بوجود السبب المخوف حين الصلاة.
أمّا عدم التقييد من الجهة الأُولى فقد تكلّمنا فيه واعترفنا به، فيبقى الكلام في عدم التقييد من الناحية الثانية.
وحاصل الكلام فيه: إنَّ الروايات وإن لم يؤخَذ فيها عنوان الخوف، إلَّا
ــــــ[217]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أنَّه مأخوذٌ في الآية لا محالة، والخوف وإن كان حالةً نفسيّةً معيّنةً على الحقيقة، ومنه قوله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى}(1) إلَّا أنَّه مستعملٌ بما يعادل ذلك، وعلى وجه الحقيقة أيضاً، في خشية الوقوع في الضرر والخطر، وإن تجرّد من الحالة النفسية المعيّنة.
قال الراغب: الخوف توقّع مكروه عن أمارةٍ مظنونة أو معلومة(2). ومن هنا يُستعمل هذا اللفظ في موارد خشية وقوع الغير في الضرر، ومن المعلوم الخاشي لا يكون خائفاً بذلك المعنى. ومن ذلك أن يُقال: (خفتُ عليه من الغرق) مثلاً، ومنه قوله تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي}(3)، [و] قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا}(4)، وقوله تعالى: {وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ}(5) وغيرها في القرآن كثير.
ومن هنا قد يُستعمل الخوف في موردٍ لا موجب فيه اعتياديّاً للخوف النفسي، إلَّا أنَّه باعتبار الخشية من الوقوع في الضرر والمكروه عرفاً أو شرعاً، ومنه قولنا: (أخاف أن يكذب عليّ أو أن يخونني) أو (أخاف أن أرى فلاناً) إذا كنت تكره رؤيته، ومنه قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا}(6).
وإذا استُعمل الخوف منسوباً إلى شخصٍ بلحاظ وقوع الضرر عليه شخصيّاً كان محتملاً الأمرين لا محالة، وهما: ظنّ الضرر، والحالة النفسيّة
ــــــ[218]ـــــــ
(1) سورة طه، الآية: 67.
(2) مفردات غريب القرآن: 161، مادّة (خوف).
(3) سورة مريم، الآية: 6.
(4) سورة النساء، الآية: 35.
(5) سورة يوسف: الآية: 14.
(6) سورة النساء، الآية: 3.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
المعيّنة، وكلاهما استعمالٌ على الحقيقة، فلابدَّ من إقامة القرينة على أحدهما لا محالة، وإلَّا كانت العبارة مجملةً من هذه الناحية لا محالة.
ويمكن إقامة عدّة قرائن على ذلك(1):
• الأُولى: اشتراك النبي’ في هذه الصلاة كما دلّت عليه الآية وصحيحة عبد الرحمن(2)، والنبي’ أشجع البشر وأقواهم قلباً وأبعدهم عن أن يداخله الخوف بالمعنى النفسي، وإنَّما يتحقّق في حقّه ظنّ الضرر لا محالة. فإن كان المدار هو الخوف النفسي لم يصحّ اشتراكه’ بها وإقامته لها، فتكون إقامته لها قرينةً واضحةً. وإليه التشريع والتأويل على عدم إرادة الخوف النفسي في أدلّة مشروعيّة هذه الصلاة وعدم أخْذه فيها ثبوتاً.
• الثانية: اشتراك أمير المؤمنين× بها وإقامته لها، كما دلّت عليه الرواية(3)، وهو أشجع الناس بعد النبي وأقواهم قلباً وأبعدهم عن الخوف النفسي، فيكون إقامته لها دليلاً على عدم التقييد ثبوتاً وإثباتاً.
وهذا إنَّما يتمّ على تقدير اعتبار الرواية الناقلة لإقامته× لها، وقد عرفت أنَّها مرسلةٌ لا حجّيّة فيها.
ــــــ[219]ـــــــ
( ) يعني: عدم دخل الخوف النفسي (منه+).
(2) أُنظر: مَن لا يحضره الفقيه 1: 460، كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 1334، وتهذيب الأحكام 3: 172، كتاب الصلاة، باب 12، الحديث 2، وسائل الشيعة 8: 435، باب 2 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 1.
(3) أُنظر: الكافي 6: 572، كتاب الصلاة، الباب 87، الحديث 3، وتهذيب الأحكام 3: 174، كتاب الصلاة، الباب 13، الحديث 1، وسائل الشيعة 8: 445، باب 4 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 8.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الثالثة: التسالم القطعي بين الفقهاء بعدم التقييد بوجود الخوف الفعلي، ومن ثَمَّ لم يقل أحدٌ بأنَّ مَن لم يحصل له الخوف في أثناء الحرب لا تشرع في حقّه هذه الصلاة، كمَن لم يكن من وظيفته القتال كالطبّاخ في المعسكر مثلاً، أو مَن كان مطمئنّاً شخصيّاً بتحقّق سلامته.
وهذا الوجه إن أُريد به الاستدلال بفهم الفقهاء للآية، فهو لا يتمّ لا محالة؛ لمنع الكبرى كما ثبت في محلّه(1)، إلَّا أنَّه قد يتمّ بتقريبٍ آخر.
وحاصله: أنَّ القطع الناتج عن هذا التسالم ينتج القطع بعدم التقييد ثبوتاً، ومع القطع بذلك يثبت إرادة الإطلاق من النصّ لا محالة؛ للزوم مطابقة مقام الإثبات لمقام الثبوت.
إلَّا أنَّه مع القطع بعدم التقييد، لا تصل النوبة إلى التمسّك بالإطلاق، كما هو واضحٌ. ولكنّه تامٌّ في مرحلة الثبوت، فيوصل إلى نفس المطلوب.
• الرابعة: التمسّك بمناسبات الحكم والموضوع، بدعوى أنَّ نفس تشريع الصلاة يناسب التعميم، بتقريب: أنَّ إقامة هذه الصلاة -كما فُهم من سياق الأدلّة- إنَّما كان لإفساح المجال لجميع الحاضرين للاشتراك بصلاة الجماعة، ومن ثَمَّ الحصول على ثوابها. ومن المعلوم أنَّ هذا الحكم لا يناسب اختصاصه بالخائف الفعليّ من الناحية النفسيّة؛ لعموم الملاك وكونه خلاف الامتنان بالنسبة إلى الآخرين غيرِ الخائفين نفسياً.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ:
ــــــ[220]ـــــــ
( ) راجع أجود التقريرات 2: 161، المقصد السابع في الأمارات، الأمر الثالث: إنَّ اشتهار الفتوى بخلاف ما هو حجّة في نفسه يوجب وهناً في انسداد الدلالة … .
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أوّلاً: لأنَّ مناسبات الحكم والموضوع إنَّما تتمّ قرينيّتها إذا أنتجت قطعاً أو أنتجت ظهوراً، وإلَّا كانت من القياس المحرّم لا محالة. وفي المقام مجرّد كون الحكم يناسبه التعميم لا ينتج الظهور بالتعميم وجداناً.
ثانياً: أنَّ ما ذُكر من الملاك غير محرزٍ؛ لأنَّه لا طريق لنا إلى الملاك إلَّا الحكم الشرعيّ، والمفروض تردّده بين الإطلاق والتقييد، فلا يُعلم وجود الملاك في الحصّة الزائدة، كما هو واضحٌ.
ثالثاً: أنَّ ما ذُكر من قرينة الامتنان أيضاً غير تامّةٍ؛ لإمكان اشتراك غير الخائف في صلاةٍ اعتياديّةٍ أو أن يصلّي منفرداً.
• الخامسة: أن يُدّعى أنَّ الفهم العرفيّ يقتضي ابتداءً فهْم الإطلاق من الآية وعدم دخْل الخوف النفسي في الحكم.
وذلك ببيان: أنَّ المنساق من الأدلّة هو تشريع هذه الصلاة لأجل عدم الحرمان من ثواب صلاة الجماعة بالرغم من وجود الخطر؛ ولذلك شُرّعت المحارسة وأُمر بأخْذ السلاح والحذر، ولو كان الخوف وحده معتبراً لَمَا لزم كلّ ذلك كما هو واضحٌ.
إلَّا أنَّ هذا الوجه أيضاً غير تامٍّ، فإنَّه إن أُريد به عدم كون الخوف وحده موضوعاً للحكم وإن لم يكن له سببٌ، فهذا ما بحثناه سابقاً، وهو غير المدّعى الذي نتكلّم عنه، وإن أُريد به عدم كون الخوف موضوعاً وإن انضمَّ إليه الخطر الفعليّ، فهذا لا يمكن ثبوته، بقرينة تشريع المحارسة وغيرها. لفرض وجود الخطر على أيّ حالٍ، وتشريع المحارسة لا ينفي قيديّة الخوف -كما هو واضحٌ- إن لم يؤكّدها. فتأمّل.
إذن، فلا يبقى إلَّا محض الدعوى في ظهور الآية بالإطلاق، وهي أوّل
ــــــ[221]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الكلام لا محالة، إذ مع ثبوت هذا الظهور لم نحتج إلى إقامة القرائن عليه.
وعلى أيّ حالٍ، فقد تحصّل عدم أخْذ الخوف النفسي قيداً في الحكم بالمشروعيّة؛ للقرينة الأُولى والثالثة وإن بطلت سائر القرائن.
نعم، يبقى الخوف – بمعنى الإحساس بالخطر وظنّ الضرر وإن لم يستتبع حالةً نفسيّةً- قيداً لا محالة؛ باعتبار أخْذه نصّاً بالدليل بنحوٍ لا يمكن تجريده عن الخصوصيّة.
إذن، فما هو محلّ كلامنا وهو القاطع بعدم وجود سبب الخوف، إذا أقام هذه الصلاة وكان الخوف موجوداً في الواقع، لا يكون موضوعاً للمشروعيّة لا محالة؛ لكونه غير خائفٍ نفسيّاً، وغير محتملٍ للخطر والضرر لا محالة؛ لفرض قطعه بعدمه، واستحالة أن يكون القاطع محتملاً للخلاف.
هذا هو تمام الكلام في المورد الثاني، في حال الشكّ في وجود سبب الخوف، وغيره من الأحوال. وقد ثبت أنَّ ما هو الموضوع لمشروعيّة هذه الصلاة هو ظنّ الضرر أو توقّع الخطر المسمّى بالخوف، على أن يكون ناشئاً من سببٍ واقعيٍّ، ولا دخل للحالة النفسيّة من الخوف فيه، كما لا دخل للعلم أو الظنّ المعتبر به، إلَّا بمقدار إثبات وجود جزء الموضوع، وليس هو جزء الموضوع. فلو انكشف وجود الخطر بعد ذلك، كان ذلك كافياً في الموضوعيّة.
◘ المورد الثالث من الكلام في الجهة الثانية: قد تمّ عندنا عدّة صورٍ يُحكم فيها ببطلان هذه الصلاة لعدم الحكم بمشروعيّتها؛ باعتبار عدم وجود موضوعها في الخارج.
وحاصلها: كلّ موردٍ فُقِد فيه السبب المخوف في الخارج، سواء كان المكلّف قاطعاً بوجوده أو قاطعاً بعدمه أو شاكّاً، وكذلك القاطع بعدمه لو
ــــــ[222]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
كان السبب موجوداً لعدم وجود الجزء الآخر في حقّه، وهو الخوف بالمعنى الذي قلناه.
وأمّا الصور الأُخرى فيُحكم فيها بصحّة الصلاة، وحاصلها:
صورة وجود السبب المخوف في الخارج مع الخوف من شرّه وضرره بالمعنى الذي قلناه، سواء كان المكلّف قاطعاً بوجوده أو ظانّاً بالظنّ المعتبر أو بالظنّ غير المعتبر إن تمشّت منه قصد القربة، وانكشف وجود السبب في الخارج، فالقاطع بوجود السبب المخوف، والمخالف قطعه للواقع، إن صلّى هذه الصلاة بتخيّل نفسه موضوعاً لمشروعيّتها – كما سبق أن أشرنا- ولم ينكشف الخلاف، فلا شيء عليه؛ لقطعه بحصول الامتثال لا محالة.
وفي كلّ موردٍ حكمنا فيه ببطلان الصلاة، فهو إمّا أن يكون هذا الحكم قبل انكشاف عدم تحقّق جزئي الموضوع. وإمّا بعد انكشاف ذلك.
أمّا الثاني: فهو القاطع بوجود السبب المخوف، قطعاً غير مطابقٍ للواقع مع انكشاف ذلك بعد ذلك. فإنَّه يعتقد نفسه موضوعاً إلى حين انكشاف الخلاف. ومع انكشافه يثبت عدم مشروعيّة هذه الصلاة، ومعه يثبت عدم انعقاد صلاته جماعةً، فإن صحّت صلاته الانفراديّة – كما فصّلنا فيما سبق- فلا شيء عليه؛ لحصول الامتثال وعدم العقاب على الفائت(1)، وعدم قابليّته للقضاء بعد سقوط الأمر بالصلاة أساساً.
وأمّا مع عدم صحّة صلاته الانفراديّة، كما لو كان قد ترك القراءة، لم تصحّ الجماعة في نفسها؛ لمخالفة شرطها عن شرطها كما عرفنا، فإن كان انكشاف الخلاف في الوقت وجب عليه إعادة الصلاة بنحوٍ صحيحٍ شرعاً
ــــــ[223]ـــــــ
( ) وهو صلاة الخوف (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
بحسب تكليفه الفعليّ، حتّى قد يجوز له إعادتها بصورة ذات الرقاع إن توفّر موضوعها لديه. أو يعيدها بنحوٍ آخر.
وإن كان الانكشاف بعد الوقت، فإن كان الانكشاف قطعيّاً(1) قضاها لا محالة؛ لإحراز عنوان الفوت الذي هو موضوع وجوب القضاء. وإن كان الانكشاف بالظنّ غير المعتبر، لم يجب عليه القضاء؛ لعدم إحراز موضوعه؛ لاحتمال صحّة صلاته في الوقت لاحتمال وجود السبب في الخارج واقعاً، فيكون وجوب القضاء مشكوكاً فتجري عنه أصالة البراءة لا محالة.
وهل يقضيها إذا وجب عليه فرادى أو جماعةً اعتياديّةً أو بصورة صلاة ذات الرقاع أيضاً؟ فهذا ما نتكلّم عنه في نهاية هذا الحديث.
وأمّا الأوّل: وهو من يحكم ببطلان صلاته حال أدائها؛ باعتبار عدم إحراز تحقّق الموضوع، والمفروض عدم تحقّقه خارجاً. وهو الشاكّ أو الظانّ بالظنّ غير المعتبر، بوجود السبب المخوف. ومثله وإن كان يتأتّى منه الخوف بمعنى توقّع الضرر، إلَّا أنَّ الصلاة لا تكون مشروعةً في حقّه؛ لعدم وجود الجزء الثاني من الموضوع على الفرض، فإن كانت صلاته الانفراديّة أو بصفتها جماعة اعتياديّة صحيحةً، فهو، وإلَّا وجب عليه المبادرة إلى الإعادة، من دون توقّع انكشاف شيءٍ لفرض عدم سقوط الأمر المتعلّق بالصلاة، ومع العصيان القضاء.
نعم، لو انكشف وجود السبب المخوف في الخارج، فإنَّه ينكشف صحّة صلاته لا محالة لو تمشَّت منه قصد القربة، وتكون الإعادة أو القضاء مستأنفاً، إلَّا أنَّ هذا خارج عن فرضنا.
ــــــ[224]ـــــــ
( ) أو بدليلٍ معتبرٍ مع عدم بقاء قطعه السابق وتبدّله إلى الشكّ الساري (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وأمّا لو كان ظنّه بوجود السبب المخوف معتبراً، كالاطمئنان والبيّنة، فلا تجب عليه الإعادة ولا القضاء. ما لم ينكشف الخلاف بدليل معتبرٍ أيضاً، ولو بنحو الشكّ الساري. فإن انكشف ذلك في الوقت وجبت عليه الإعادة؛ لانكشاف بقاء الأمر وعدم سقوطه بالامتثال، وإن انكشف خارج الوقت وجب عليه القضاء لا محالة.
وهذا تامٌّ فيما إذا كان الانكشاف المعتبر واصلاً إلى درجة القطع أو ما هو متاخم له، وأمّا لو انكشف بكاشفٍ مساوٍ للكاشف السابق أو أقلّ منه، فقد يُقال بعدم وجوب الإعادة ولا القضاء؛ باعتبار عدم رجحان هذا الكاشف على الكاشف الآخر.
والصحيح هو أن يُقال بوجوب الإعادة وعدم وجوب القضاء؛ وذلك: لأنَّ الكاشفين يتساقطان بالتعارض لا محالة. فإن كان ذلك في الوقت لم يحرز الامتثال لا محالة، فيجب عليه الإعادة بمقتضى قاعدة الاشتغال العقليّة، وإن كان بعد الوقت، لم يحرز الفوت؛ لاحتمال صحّة صلاته واقعاً، والمفروض أنَّه أدّاها في حينها بشكلٍ شرعيٍّ صحيحٍ محتمل المطابقة للواقع، فالفوت – وهو موضوع وجوب القضاء- غير محرزٍ، فلا يجب القضاء.
بقي الكلام فيما أشرنا إليه قبل قليل من كيفيّة القضاء: لا إشكال أنَّه إن قضى صلاته منفرداً أو مؤتمّاً في صلاةٍ جماعةٍ اعتياديّةٍ، كان عمله صحيحاً ومجزياً، وإنَّما الكلام فيما لو حاول القضاء في جماعةٍ صلاة ذات الرقاع، فهل يكون ذلك صحيحاً ومجزياً أو لا يكون؟
لا شكّ أنَّنا إذا بنينا على اتّحاد شروطها مع شروط الجماعة الاعتياديّة،
ــــــ[225]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
على ما بنى عليه صاحب المدارك(1) وصاحب المصباح(2)، جاز له القضاء على هذا الشكل أيضاً، وكذلك على ما قلناه من إمكان تطبيقها على الجماعة الاعتياديّة مع محاولة إزالة الفرق بينهما.
وأمّا لو صُلّيت ذات الرقاع في الخوف، وانحفظت فوارقها عن الصلاة الاعتياديّة -على ما قلنا- أشكل القول بالجواز لا محالة مع تمكّنه من الإتيان بالقضاء بالنحو الاعتيادي.
ولا يُقال: إنَّ مقتضى قوله: >اقضِ ما فات كما فات<(3) مماثلة القضاء للأداء في كلّ الخصوصيات، ومن ذلك صورة صلاة ذات الرقاع، والمفروض أنَّها فاتت كذلك، فيجب القضاء كذلك.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذه مغالطةٌ واضحةٌ، فإنَّ ما فات – في الحقيقة- هو متعلّق الأمر الإلزامي، وهو ذات الصلاة بأجزائها وشرائطها المطلوبة المنجّزة، والمفروض أنَّه بأدائه لصلاة ذات الرقاع لم تصحّ منه الصلاة المطلوبة، فيجب قضاؤها كما فاتت، وصورة هذه الصلاة وإن فاتت، إلَّا أنَّها لم تكن مشروعةً في حقّه على الفرض، ولو كانت مشروعةً لكانت مستحبّةً لا واجبةً، ولو كانت واجبةً لَمَا كانت قابلةً للقضاء لا محالة.
ــــــ[226]ـــــــ
( ) راجع مدارك الأحكام 4: 416-417، كتاب الصلاة الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع في صلاة الخوف.
(2) راجع مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 714، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(3) وسائل الشيعة 8: 268، باب 6، وجوب قضاء ما فات كما فات، وهداية الأُمة 3: 354، كتاب الصلاة، الباب العاشر في قضاء الصلوات، الخامس في وجوب قضاء ما فات كما فات.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إذن، فلابدَّ أن يقضي ما فاته بدون هذه الصلاة مع تمكّنه من غيرها. نعم، في بعض الفروض النادرة قد يُفرض إمكان ذلك، كما لو كان جاهلاً بالقراءة ووجب عليه الصلاة في جماعة، وكان الوقت ضيّقاً، وكانت الجماعة الوحيدة التي يمكنه الالتحاق بها هي من قبيل ذات الرقاع. فقد يُقال بتقديم مصلحة الوقت على مصلحة وجود الشرائط الفائتة. فتأمّل.
بقي الكلام في مطلبٍ واحدٍ يحسن التعرّض له في سياق الكلام عن القضاء، وحاصله: أنَّ الدليل الدالّ على وجوب قضاء صلاة القصر قصراً، كما ثبت في محلّه، هل يشمل المقام بعدما علمنا أنَّ الخوف موجبٌ للقصر أم لا يكون شاملاً، فيكون ذلك الدليل خاصّاً بالقصر المسبّب عن السفر؟
قد يُقال ابتداءً: إنَّ ذلك الدليل خاصّ بالسفر، وغير شامل للمقام؛ وذلك: لأنَّ مصلحة القصر الناتج عن الخوف منحصرةٌ في حال وجود الخوف، فإذا ارتفع الخوف ارتفع موضوع وجوب القصر لا محالة، والمفروض أنَّه يقضيها في حال الأمن، فلا يكون موضوع الخوف موجوداً، فيجب في القضاء الإتمام. إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ كما هو واضح.
أمّا أوّلاً: فلورود عين هذا التقريب في السفر أيضاً، بأن يُقال: بأنَّ مصلحة القصر الناتجة عن السفر منحصرةٌ في حال تحقّق السفر لا محالة، فإذا ارتفع السفر، ارتفع موضوع وجوب القصر، والمفروض أنَّه يقضيها في حال الحضر. فيجب القضاء تماماً. وهذا ممّا لم يلتزم به أحدٌ، مضافاً إلى أنَّه يوجب سقوط الدليل المعتبر بتمام حصصه، وهو خلف كونه معتبراً.
وأمّا ثانياً: فلأنَّ ذلك إن صحَّ فإنَّما يصحّ في حال الأداء. فإذا ارتفع الخوف في الوقت لم يكن له أن يصلّيها قصراً لا محالة، وأمّا القضاء فهو تابعٌ
ــــــ[227]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
لعنوان الفوت، لا لعنوان الخوف، فقد يصدق الفوت حال الخوف فيجب القضاء قصراً على ما نذكر.
وقد يُقرّب ذلك بنحوٍ آخر فيُقال: إنَّ عنوان الخوف عنوانٌ ثانويٌّ طارئٌ، على حين أنَّ عنوان السفر عنوانٌ غير طارئٍ، ومن ثَمَّ تكون مصلحة القصر المسبّب عن الخوف موقتةً طارئةً بطروّه. فإذا شككنا بتبعيّة القضاء للعنوان الأوّلي أو للعنوان الطارئ كان الأصل تبعيّته للعنوان الأوّلي لا محالة. بخلاف عنوان السفر باعتباره عنواناً أوليّاً أساسيّاً، فيكون القضاء تابعاً له عند الشكّ.
إلَّا أنَّ هذا واضح الدفع:
أوّلاً: إنَّ غاية ما ثبت من الخارج هو كون القصر في نفسه عنواناً طارئاً، وأنَّ أصل تشريع الصلاة كان على نحو التمام، كما قيل، وأمّا الزيادة في الثانويّة والطروّ بالنسبة إلى أحد السببين للقصر على الآخر، فهذا لم يثبت. وكون الخوف الموجب للقصر أقلّ وجوداً من السفر، والسفر أغلب منه، لا يجعله أكثر أولويّة وأوّليّة منه لو نُسب إلى الدليل، فإنَّ ذلك لا يغيّر من حاله بصفته موضوعاً للحكم كما هو واضح.
ثانياً: إنَّ ما ذكر في التقريب من أنَّ الأصل تبعيّة القضاء للعنوان الأوّلي غيرُ صحيحٍ؛ وذلك: لأنَّ غاية ما يقرّب به ذلك هو أن يُقال: إنَّنا نلتزم بأمرين: أحدهما: تركّب الأمر بالمقيّد من ذاتٍ وقيدٍ، فلو ارتفع القيد يبقى الأمر بالذات ساري المفعول، ثانيهما: أنَّ القضاء بنفس الأمر بالأداء ليس بأمرٍ جديدٍ.
وحينئذٍ فيُقال: إنَّ القصر بالنسبة إلى التمام من قبيل القيد بالنسبة إلى
ــــــ[228]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الذات، ولو باعتبار النظر إلى سببه، كما هو المفروض، وقد ارتفع القيد وهو السبب في حال القضاء لا محالة، ونشكّ في تبعيّة القضاء للأمر بالذات أو للأمر بالمقيّد، وحيث بنينا على أنَّه بنفس الأمر بالأداء، فما هو الموجود فعلاً من ذلك الأمر هو الأمر بالذات لا محالة دون الأمر بالمقيّد؛ باعتبار ارتفاع القيد وبقاء الذات.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ؛ أمّا أوّلاً: فلعدم قبول كلتا المقدمتين لهذا التقريب، كما ثبت في محلّه.
وأمّا ثانياً: فلأنَّ الأمر بالقضاء إن كان بنفس الأمر السابق، فلابدَّ من ملاحظة ذلك الأمر، فإن كان القيد موجوداً طيلة الوقت، كان القضاء تابعاً له لا محالة، وكذلك لو كان موجوداً آخر الوقت، بناءً على بعض ما سنقوله فيما بعد. وكون القضاء خالياً من القيد في حينه لا يؤثّر في المسألة شيئاً؛ باعتبار أنَّ القضاء تابعٌ للأداء وليس تابعاً لحال الإتيان به. والمفروض أنَّ القيد في حال الأداء موجودٌ.
إذن، فلم يتحصّل تقريبٌ صحيحٌ لدعوى وجوب القضاء تماماً مطلقاً، إذا كان سبب القصر حال الأداء هو الخوف. فلا يبقى إلَّا أن نتكلّم فيما هو التحقيق في نفسه حول ذلك، وحاصله: تطبيق الكبرى التي أسّسناها وبرهنّا عليها في (مداركنا) للقضاء. وملخّصها أنَّنا نفهم من قوله× >اقضِ ما فات كما فات< مماثلة القضاء للتشريع الفائت في حال الأداء، وهو التشريع المتعلّق بآخر فردٍ متصوَّرٍ في الوقت، فإنَّ الفوت لا يصدق إلَّا بانعدام هذا الفرد كما ثبت في محلّه، ومن ثَمَّ يكون وجوب القضاء مماثلاً لوجوب أداء آخر فردٍ من الصلاة بتمام قيوده، بعد فرض عدم تحقّق امتثاله.
ــــــ[229]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وعليه: فإذا كان الخوف مستوعباً للوقت -ولم يصلّ عن عذرٍ أو عن غير عذرٍ- كان القضاء قصراً لا محالة؛ باعتبار أنَّ التشريع الفائت امتثاله في آخر الوقت هو القصر لا محالة، وكذلك إن كان الخوف في آخر الوقت، وخرج الوقت والخوف باقٍ لنفس السبب.
وأمّا لو كان خائفاً في أوّل الوقت ثمَّ أمن ولم يصلِّ طول الوقت، أو لم تكن صلاته صحيحةً، ووجب عليه القضاء، فإنَّه يجب تماماً؛ لأنَّ التشريع الفائت امتثاله في آخر الوقت هو التمام، بعد ارتفاع موضوع القصر وسببه في الوقت، وهذا واضحٌ.
نعم، لو قلنا بأنَّ الفوت يصدق بفوات الصلاة في أوّل الوقت أو بفوات كلا الأمرين كما قيل، فعلى الأوّل يكون القضاء تابعاً لحال المكلّف أوّل الوقت، وعلى الثاني يجب الجمع بين القصر والتمام في القضاء، إلَّا أنَّ كلّ ذلك ممّا لا نقول به، كما ثبت في محلّه هناك.
ولا يأتي في حال الخوف ما جاء من الكلام والخلاف في حال السفر، فيما لو كان مسافراً فحضر في الوقت وأراد أن يصلّي، أو بالعكس، وإن كان مختارنا هناك هو التخيير فيما ذكرناه والقصر في العكس، كما برهنّا عليه في (مداركنا)(1) بما لا مزيد عليه.
لا يأتي كلّ ذلك الخلاف في الخوف، فيما لو كان خائفاً أوّل الوقت ولم يصلّ حتّى حصل الأمن وأراد الصلاة حاله وبالعكس، فإنَّه يتعيّن -على أيِّ
ــــــ[230]ـــــــ
( ) راجع مدارك الآراء (للشهيد الصدر الثاني+): 47: وما بعدها، المقام الأوّل: مَن دخل عليه الوقت … القول المختار وإثباته …، و: 154، وما بعدها، المقام الثاني: في عكس المسألة السابقة.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
حالٍ- القولُ باعتبار حال الأداء على مقتضى القاعدة، من أنَّ المكلّف مسؤولٌ عن تكليفه حال الصلاة، والمفروض أنَّ تأخير الصلاة وتغيّر الموضوع خالٍ من المحذور شرعاً.
وإنَّما لا يأتي الخلاف لخلوّ المسألة هنا عن الأدلّة المتعارضة الموجودة في مسألة السفر، وقياس الخوف على السفر قياسٌ مع الفارق لا محالة؛ للاحتمال الوجداني الفرق بينهما بحسب نظر الشارع، ومعه لا يمكن تجريد تلك الأدلّة عن خصوصيّة السفر وتعميمها لكلّ سببٍ موجبٍ للتقصير.
هذا تمام الكلام في الجهة الثانية من الفصل الرابع من هذه الخاتمة.
3. فتويان متقابلتان
الجهة الثالثة: تقابل الشهيد الثاني+ في شرح الإرشاد(1) والفقيه الهمداني في المصباح(2)، بفتويين متقابلتين، يَرِدَان على الأغلب في غير الحرب من أسباب الخوف التي قلنا إنَّها موجبةٌ للقصر، وإن كانت قد ترد في نفس الحرب أيضاً نادراً.
ــــــ[231]ـــــــ
( ) راجع روض الجنان 2: 1018-1019، كتاب الصلاة، النظر الثالث في اللواحق، المقصد الثالث في صلاة الخوف: (وخائف السبع والسيل والعدو واللصّ ونحوها، يصلّي صلاة الشدّة إن اضطرّ إليها فيقصر في الكيفيّة والكميّة؛ لقول الباقر× في رواية زرارة: (خائف اللصّ والسبع يصلّي صلاة المواقفة إيماءً على دابّته …). والحاصل أنَّ غلبة مطلق الخوف يوجب التطرّق إلى كلّ خائف، ووجهه غير واضح؛ إذ لا دليل عليه، والوقوف مع النصوص عليه بالقصر أوضح.
(2) أُنظر: مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 719-720، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
قال الشهيد الثاني ما لفظه: والظاهر أنَّ سببه -يعني: الخوف- أعمّ من أن يكون عدوّاً أو سبعاً أو لصّاً أو سيلاً أو حريقاً أو غيرها. ثمَّ أتبعه بقوله: والظاهر أنَّه موجبٌ للقصر، سواء كانت النجاة موقوفةً على القصر أم لا؛ لصدق الخوف(1). انتهى.
فهو يتمسّك بإطلاق الدليل لإثبات وجوب القصر حيثما ثبت عنوان الخوف، وهو أمرٌ على مقتضى القاعدة ما لم يثبت التقييد أو ما ينتج نتيجته لا محالة.
أمّا الفقيه الهمداني(2)، فادّعى انصراف الأدلّة عمّا إذا كان القصر لا يُؤثّر في حال المكلّف في التحرّز ممّا يخاف منه، و[أنَّها] مقتصرة بحسب هذا الانصراف على الشقّ الآخر، وهو أنَّ القصر إنَّما يكون واجباً فيما إذا كان نافعاً للمكلّف في النجاة أو التخفيف عنه بلحاظ سبب الخوف.
وقد وردت في عبارته عدّة أُمورٍ تصلح دليلاً صورةً على مدّعاه:
• أحدها: أنَّ المتبادر من إطلاق الفتاوى والنصوص هو ذلك. وهذا إن قصد به كون ذلك هو القدر المتيقّن. والقدر المتيقّن ينسبق إلى الذهن قبل ما سواه؛ باعتباره أخصّ المداليل، فلا مشاحّة، إلَّا أنَّه لا يوجب الاختصاص كما هو واضحٌ.
ــــــ[232]ـــــــ
( ) كذا في الأصل، والصحيح أنَّ هذا الكلام للمقدّس الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان. وسبب ذلك أنَّ للشهيد الثاني والمقدّس الأردبيلي شرحاً على الإرشاد. مجمع الفائدة والبرهان 3: 342، كتاب الصلاة، المقصد الثالث: في صلاة الخوف.
(2) أُنظر: مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 719-720، كتاب الصلاة، الركن الرابع، في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وإن قصد به التبادر اللغوي الذي يجعله الأُصوليّون علامةً على الحقيقة(1)، فينتج أنَّ هذا اللفظ غير دالٍّ -بحسب الإرادة الاستعماليّة- على الإطلاق. فهذا خلاف الوجدان؛ لثبوت الإطلاق في الأدلّة على المستوى الاستعمالي، ومقتضى أصالة المطابقة أن يكون مراداً جدّياً أيضاً.
• ثانيها: استبعاد كون التقصير في مثل الفرض تعبديّاً. وهذا ما لم يرجع إلى الظهور – بتقريبٍ آتٍ- لا يكون تامّاً. فإنَّه لا يكفي نفي كونه تعبديّاً في المقام بنفي كونه موجباً للنجاة، فإنَّه يكفي في عدم تعبديّته كونه ثابتاً للتسهيل على الخائف في حال صعوبته، وإن لم يكن موجباً للتخفيف عليه من حيث سبب الخوف.
وبذلك يبطل ما استنتجه+ من هذا الدليل(2)، من بطلان ما يتراءى من كلمات بعضهم من كون الخوف كالسفر حكمةً لوجوب التقصير، فإنَّه ليس المراد من ذلك كونه أمراً تعبديّاً قد ينفكّ عن مصلحته الواقعيّة، وهي التوصّل إلى النجاة، وثبوت الحكم مع عدم ملاك الخوف يدلّ على كونه حكمةً لا علّةً، كما هو واضحٌ.
إلَّا أنَّ هذا الأسلوب في إبطاله قد عرفنا إبطاله؛ لكون التقصير ثابتاً لمصلحة جامع التخفيف على الخائف، أمّا مع سببيّته للنجاة أو بدونها، فعلى ما قلناه.
ــــــ[233]ـــــــ
( ) راجع كفاية الأُصول: 18، المقدّمة، الأمر السابع: أمارات الوضع، وهداية المسترشدين 1: 213، الفائدة التاسعة. طرق معرفة الحقيقة والمجاز، ومحاضرات في أُصول الفقه 1: 113، علامات الحقيقة والمجاز، وبحوث في علم الأُصول 1: 161، مباحث الدليل اللفظي، المبحث الثالث: علامات الحقيقة.
(2) راجع مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 719-720، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وإن كان هذا الذي أبطله+ باطلاً في نفسه لغير ما قاله، فإنَّه إن أُريد بكون الخوف والسفر حكمةً لا علّةً، كونه كذلك في مرحلة الجعل، فهو غير صحيحٍ؛ لأخذه موضوعاً فيه لا محالة، كما تدلّ عليه الأدلّة الإثباتيّة كما عرفنا. وما دام موضوعاً إذن يدور الحكم مداره لا محالة، فيكون علّة باصطلاحهم.
وإن أُريد كونه حكمةً في مرحلة الملاك، فهو لا يتمّ أيضاً؛ لأنّنا إنَّما نُثبت الملاك بوجود الخطاب، والخطاب دالٌّ على ثبوت الحكم في كلّ موارد السفر والخوف – بغضّ النظر عمّا يأتي- فيكون ذلك كاشفاً عن وجود الملاك في تمام الموارد. ومن المعلوم استحالة تخلّف الملاك عن الحكم وبالعكس، ولو كان حكمةً لتخلّف، فإنّنا لا نعني من الحكمة إلَّا ذلك.
وهذا الذي قلناه مشترك الورود في الخوف والسفر، بل هو في السفر أَولى، فمِن الغريب أن يؤخذ السفر في كلامهم على أنَّه حكمةٌ لا علّةٌ، بنحو التسالم وإرسال المسلّمات.
• ثالثها: دعوى انصراف الأدلّة إلى خصوص الحصّة المدّعاة من القصر، وهي الموجِبة للنجاة أو تقليل الخوف، دون غيرها من الحصص.
وظاهر عبارته إرجاع الانصراف إلى أحد الدليلين السابقين، فإنَّه قال: بما تقدّمت الإشارة إليه من انصرافها، فإذا كنّا قد ناقشنا ما سبق، لم يبقَ للانصراف وجهٌ محصّلٌ، على أنَّه قد ثبت في محلّه عدم منع الانصراف عن انعقاد الإطلاق، ما لم يرجع إلى قصور الظهور عن أدائه(1).
ويمكن تقريب الانصراف بوجهٍ آخر، وحاصله: أنَّ المنساق والمنصرف
ــــــ[234]ـــــــ
( ) راجع بحوث في علم الأُصول 3: 403، مباحث الدليل اللفظي، المطلق والمقيّد، التنبيه الرابع: الانصراف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
عرفاً من الأدلّة هو تشريع القصر بسبب إعطاء المكلّف فرصة الفرار من سبب الخوف أو محاولة تقليله أو تذليله؛ بحيث لولا أنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ، لكان مقتضى الحال سقوطها أيضاً، إلَّا أنَّ الساقط أصبح هو خصوص الركعتين دون المجموع.
ولا يُقال: إنَّنا ذكرنا أنَّ تشريع القصر كان للجامع بين ما يوجب النجاة وبين ما يوجب التخفيف عن حاله في وقت خوفه، وهذا في نفسه كافٍ لتحقّق السبب المشار إليه.
فإنَّه يُقال: إنَّ الخوف لو كان المراد به الحالة النفسيّة لتمّ ما قيل، ولكنّنا قلنا بأنَّه توقع الضرر ولو تجرّد عن الحالة النفسيّة. ومع عدمها لا يحتاج الفرد إلى مجرّد التخفيف، وإنَّما يحتاج إلى النجاة من سبب الخوف فقط كما هو واضحٌ.
فإذا تمّ هذا الوجه، كان إطلاق الأمر بالقصر قاصراً عن الشمول للحصّة الأُخرى لا محالة؛ لاستحالة وجود المعلول من دون ما هو السبب على الفرض.
ولا يُقال: بأنَّ هذا الوجه ينافي ما سيأتي من جواز بل استحباب أداء الصلاة في أوّل الوقت، إذ لو كان الغرض متعلّقاً بإفساح المجال لنجاة المكلّف، إذن فتكون نجاته أولى من صلاته في أوّل الوقت، ما لم يتضيّق وقتها لا محالة.
فإنَّه يُقال: بأنَّ هذا الجواز فيه تقديم لمصلحة أوّل الوقت على المصلحة التي تفوت بالاشتغال بالصلاة. والمفروض أنَّ المكلّف ليس في حالة شدّة الخوف، بل هو في حال الأمن في الجملة كما سبق. بل سنرى جواز تقديم
ــــــ[235]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
صلاة شدّة الخوف أيضاً.
ولا يبعد تماميّة الانصراف بهذا التقريب، ومعه يكون الإطلاق قاصراً عن الشمول للحصّة الأُخرى، وهو ما إذا لم يكن القصر مؤثّراً في إزالة سبب خوفه أو التخفيف منه أصلاً. وهو الموافق لِمَا هو المستشمّ من تسالم الفقهاء على الإتمام في عديد من الأمثلة، كما لو كان الفرد مهدّداً بالقتل من قِبل ظالمٍ، بحيث لا يختلف من حيث المكان أو الزمان أو الأفعال، وبقي على ذلك مدّةً، فإنَّه لا يجوز له القصر في أثنائها. ومثله ما لو كان مهدّداً بالسرقة في خلال أسبوع أو شهر مثلاً، أو كانت مدينةٌ مهدّدةً بحربٍ قبل إعلانها أو بدخول وباء ونحو ذلك، فإنَّ كل ذلك ممّا لم يدَّعِ أحدٌ وجوبَ القصر فيه، فتأمّل.
إذن، فالصحيح هو ما ذكره الفقيه الهمداني في الجملة، خلافاً للشهيد الثاني.
هل شروط الحرب سارية المفعول للخوف؟
الجهة الرابعة: أنَّه بعد تعميم الخوف لكلّ سببٍ موجبٍ له، وغير مختصٍّ بالحرب، على ما هو مورد الآية والروايات، فماذا يكون حال الشرائط التي اعتبرت حال الحرب، وهل تكون سارية المفعول للأسباب الأُخرى للخوف أم لا؟
لا إشكال أنَّ مقتضى أخْذ تلك الشروط في موضوعها – وهي وجود الخوف، والأمن في الجملة، والانقسام إلى طائفتين- مقتضاه عدم مشروعيّتها عند عدم توفّرها لا محالة. وعليه ففي كلّ خوفٍ تتصوّر فيه هذه الشروط، وتكون ذات مصلحة في نفسها، كان مورده هو مورد مشروعيّة هذه الصلاة.
ــــــ[236]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
لكن يقع الكلام في إمكان تصوّر هذه الشروط الثلاثة في كلّ خوف وعدمه.
وفي أنَّه في المورد الذي لا تُتصوّر فيه هذه الشروط، أو لا تكون فيها مصلحةٌ متصوَّرةٌ هل تكون هذه الصلاة مشروعةً أم لا تكون؟
والكلام بالطبع لا يقع في اشتراط الخوف نفسه بعد أخذه مفروض الوجود، وإنَّما يقع في الشرطين الآخرين، وهما الأمن في الجملة، والانقسام إلى طائفتين.
أمّا اشتراط الأمن في الجملة فقد مثّلوا له – بالنسبة إلى حالة الحرب- بالزمان السابق على القتال الذي يكون ظرفاً لتجمّع العسكر أو جمع الأسلحة أو نحو ذلك من الأُمور. ويلحق بذلك انعزال جماعةٍ عن ساحة القتال لعذرٍ شرعي، كأمر القائد أو كونهم ممَّن لا يباشر القتال كالطبّاخ والخيّاط والطبيب والبنّاء ونحوهم ممّن يكون في الجيش، فإنَّ كلّ هؤلاء يكونون مهدّدين في القتل مع الأمن في الجملة.
وأمّا غير الحرب من أسباب الخوف، فهي على أنحاء أربعة:
النحو الأوّل: ما كان شديداً في نفسه وبحسب طبيعته، بحيث لا يتوفّر أو لا يتصوّر فيه الأمن في الجملة، بل أمره دائرٌ بين الوجود بهذه الشدّة والارتفاع بالكلّيّة، كالكون في مسبعةٍ أو في سفينة مشتعلةٍ.
النحو الثاني: ما لم يكن بهذه الشدّة، ولكنّه يوجد بطبيعته على مستوىً واحدٍ لا يتصوّر فيه القلّة والكثرة حتّى يكون تارةً شديداً وأُخرى مأموناً في الجملة. بل هو موجود بنحوٍ واحدٍ وإن طال به الزمان أو معدوم. ويغلب ذلك في بعض الأمراض كما لو كان الجماعة كلّهم مرضى بالسلّ أو بالجذام أو بالسرطان، وكان لقصر الصلاة دخلٌ في نجاتهم.
ــــــ[237]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
النحو الثالث: ما لا يمكن تغييره بالعمل الإنساني على الأغلب، ومن ثمَّ لا يكون لقصر الصلاة أثرٌ في التحرّز منه. ويغلب ذلك في الآفات السماويّة أو الأرضيّة العامّة.
النحو الرابع: ما يتصوّر فيه القلّة والكثرة، والشدّة والخفّة، ومن ثَمَّ يتصوّر فيه حالة شدّة الخوف تارةً، والأمن في الجملة من ناحية أُخرى كسائر موارد الخوف غير ما ذكرنا.
أمّا النحو الأوّل، فلا إشكال في عدم مشروعيّة صلاة ذات الرقاع فيه؛ لِما ذكرناه من وجه اشتراط الأمن في الجملة، وهو تعذّر هذه الصلاة حينئذٍ تكويناً أو تشريعاً؛ لتوقّف إنقاذ النفس ونحوها على عدمها.
ومعه يتعيّن أن تكون الصلاة المقامة في مثل هذا الخوف، هي صلاة شدّة الخوف لا محالة.
وأمّا النحو الأخير من الخوف، فلا إشكال في مشروعيّة الصلاة بالنسبة إليه، في صورة حصول الأمن في الجملة وقلّة الخوف بعض الشيء أو بُعد سببه إلى حدٍ ما. وإذا أصبح شديداً جدّاً، امتنعت هذه الصلاة كما سبق.
وأمّا النحو الثالث، فهو ممّا لا تشرع فيه هذه الصلاة، لا لتخلّف أحد هذه الشروط، بل لتخلّف شرطٍ آخر أشرنا إليه في الجهة السابقة من الكلام، وهو كون القصر مؤثّراً في النجاة من السبب المخوف أو تقليل أثره، والمفروض عدم تأثيره في هذا النحو الثالث، بعد العلم أنَّه عند عدم مشروعيّة القصر لا تشرع صلاة الخوف لا محالة؛ على ما سنبحثه فيما يأتي من الفصول.
وأمّا النحو الثاني، فهو الذي ينبغي أن يكون محلّ الكلام، فإنَّه قد يُقال: بعدم توفّر شرط هذه الصلاة في مثله، وذلك بتقريب:
ــــــ[238]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أنَّ الأمن في الجملة إنَّما يُتصوّر في الخوف الذي يُتصوّر فيه الشدّة والخفّة. حتّى يكون الفرد مأموناً تارةً في الجملة، وأُخرى في شدّة الخوف. وأمّا لو كان حاله متساوياً بحيث لا يتصوّر قلّة سبب الخوف وزيادته، فلا يتصوّر معه وجود الأمن في الجملة. فإنَّ هذا العنوان ممّا يتصوّره العرف منسوباً إلى شدّة الخوف، ومع عدم إمكان قلّة الخوف وزيادته لا يمكن انتزاع هذا العنوان عرفاً.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ؛ وذلك لأنَّ الأمن في الجملة عنوانٌ واقعيٌّ، يعبّر عن مرتبةٍ معيّنةٍ وسطى بين الأمن والخوف الشديد، أو بتعبير آخر: بين عدم سبب الخوف وبين وجوده الفعلي المنجّز الذي يضرّ بالإنسان ضرراً عاجلاً مباشراً.
وذلك بأن يكون السبب موجوداً ولكنَّه لا يكون ضرره منجّزاً ومباشراً؛ فإنَّ المريض في مثالنا هناك قد لا يموت لعدّة أشهر بل لعدّة سنواتٍ، وهذا المعنى أمرٌ واقعيٌّ، وليس انتزاعياً حتّى يكون للعرف انتزاعه وعدمه. نعم للعرف تشخيص وجوده وعدمه في واقعه لا محالة، بمعنى أنَّ هذه المرتبة من الخوف هل هي من الأمن في الجملة، أو أكثر أو أقلّ مثلاً؟
وعلى أيِّ حالٍ ففي فرض القسم الثاني من الخوف، يصدق على هذا الفرد كونه خائفاً لوجود السبب في حقّه، ويصدق عليه أنَّه في أمنٍ في الجملة، ولا يتوقّف ذلك على تصوّر تغيّر حاله بين آونةٍ وأُخرى. ومن هنا تكون هذه الصلاة مشروعةً في حقّه.
فتحصّل: أنَّه تتوفّر شرائط هذه الشرائط في النحو الثاني والأخير، دون الأوّل والثالث.
وأمّا الانقسام إلى طائفتين: فهو ممّا يتصوّر ثبوتاً في كلّ أقسام الخوف،
ــــــ[239]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إلَّا أنَّه قد لا يكون ممكناً عادةً أو تشريعاً في شدّة الخوف، عند الحاجة إلى التكاتف في دفع سبب الخوف وعدم جواز أو عدم التفرّق والانقسام.
ولكنَّ هذا الانقسام ممّا لا يكاد يُتصوّر له مصلحةٌ معيّنةٌ في عددٍ من أقسام الخوف، كالقسمين الثاني والثالث من الأقسام السابقة، فإنَّه لا يختلف حال سبب الخوف ولا يندفع أو يخفّ عند الانقسام.
ومعه قد يُقال: بسقوط شرطيّة الانقسام، وذلك بأن يُقال: إنَّ الانقسام المشروع في الآية وغيرها لم يكن أمراً تعبديّاً لا محالة، وإنَّما هو لأجل القيام بالمحارسة، وحماية بعضهم البعض في حالة الحرب، وأمّا حين تكون المحارسة غير مجدية كما في المقام، فالانقسام إلى طائفتين لا يبقى له وجهٌ معقولٌ.
إلَّا أنَّ هذا الوجه، وإن كان له صورةٌ فنيّةٌ، بحيث تكاد تترتّب عليه نتيجته، لولا نكتة أُغفلت فيه – وكنّا قد ذكرناها في غضون كلامنا، وهي توقّف صورة صلاة ذات الرقاع عليه- فإن أُريد بهذا الوجه نفي هذا التوقّف، فهو ممّا لا يمكن؛ لعدم تصوّر هذه الصلاة بطائفةٍ وجماعةٍ واحدةٍ تصلّي وراء الإمام من أوّل الصلاة إلى آخرها. فإنَّها لا تكون من هذه الصلاة كما هو واضحٌ.
وإن أُريد من هذا الوجه ـ بعد ضمّ التوقّف الذي ذكرناه ـ عدم مشروعيّة هذه الصلاة عندما لا يكون للانقسام مصلحةٌ معقولةٌ، والاكتفاء بمجرّد القصر المسبَّب عن الخوف، فهو أيضاً ممّا لا يمكن، فإنَّ ما هو موضوع هذه الصلاة هو إمكان الانقسام وعدم تعذّره شرعاً أو تكويناً كما رأينا فيما سبق. وهو متوفّرٌ في المقام على الفرض. وأمّا الانقسام الفعلي بعد إمكانه فهو متعلّقٌ للأمر الاستحبابي المتعلّق بهذه الصلاة، وليس موضوعاً له كما هو
ــــــ[340]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
واضح. ولا تندفع متعلّقيّته له بهذا الوجه المذكور، بعد العلم بتوقّف الصلاة عليه.
فتحصّل: أنَّ عدم تعقّل مصلحةٍ معيّنةٍ للانقسام، لا يُسقط مشروعيّة هذه الصلاة بعد إمكانه ثبوتاً. وأمّا بالنسبة إلى شرطيّة الأمن في الجملة، فتدور مشروعيّتها مدار إمكانه وثبوته، وقد قلنا بثبوته في النحو الثاني من الخوف ونحوه كما مرّ.
ــــــ[241]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

الفصل الخامس
اتصافها بأحكام الصلاة المنفردة وصلاة الجماعة جميعاً
تثبت لهذه الصلاة أحكام الصلاة المنفردة وأحكام صلاة الجماعة الاعتياديّة جميعاً على عرفنا، عدا ما دلّ الدليل على جواز تخلّفه فيها، وتثبت لها أحكام القصر الثابتة في أدلّتها، مع إمكان تجريدها عن خصوصيّة السفر.
اتصافها بأحكام الصلاة الانفرادية
فمن اتّصافها بأحكام الصلاة الانفراديّة، اشتراكُها معها في وجوب الجهر ووجوب الإخفات، حيث يَجِبَان في الصلوات اليوميّة، ويستحبّ فيهما الأذكار المستحبّة، وتجب فيها السورة إن قلنا بوجوبها، وتُستحبّ إن قلنا باستحبابها، وإن كان ذلك ممّا يسقط لا محالة عند الحاجة إلى الإسراع من الانتهاء من الصلاة في حال الخوف.
ويُستحبّ فيها القنوت أيضاً، وهو ممّا لم يُشَر له في الأدلّة ولا كلمات الفقهاء. ولا شكّ بشمول استحبابه لهذه الصلاة، إلَّا مع الحاجة إلى الإسراع في النجاة كما أشرنا.
ومن اتّصافها بأحكام الصلاة الانفراديّة أيضاً: أنَّ افتتاحها التكبير وختامها التسليم، وما هو ركن فيها ركنٌ فيها، تبطل بتركه سهواً، ومبطلاتها وشروطها واحدةٌ، وهذا واضحٌ.
ــــــ[242]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
اتّصافها بأحكام صلاة الجماعة
ومن اتّصافها بأحكام صلاة الجماعة: وجوب المتابعة، بمعنى أن يعمل المأموم بعد عمل الإمام، في الركعة التي يأتمّ فيها، دون غيرها كما هو واضحٌ. وإن قلنا ببقاء الائتمام كما زعمه بعضهم(1).
ومن ذلك: صمْت المأمومين عند قراءة الإمام لو كان له ولهم معاً إحدى الركعتين الأوليين، وذلك حال المتابعة أيضاً، دون صورة عدم المتابعة، فإنَّ قراءة الإمام لا تكون متحقّقةً عند عدمها حتّى يصحّ الصمْت من المأمومين. ومن هنا لم يدَّعِ جواز ذلك حتّى مَن قال ببقاء الائتمام.
ومن ذلك: رجوع المأمومين إلى الإمام وبالعكس في أحكام الشكّ والسهو، وكون حفظ أحدهما حجّةً على الآخر، وذلك في حال المتابعة لا محالة، دون حال عدمها. وإن قلنا ببقاء الائتمام فإنَّ حجّيّة حفظ الإمام ليس تعبّديّاً وإنَّما من باب الأماريّة لا محالة. وهذه الأماريّة المقصودة في المقام هي: أن يضبط الإمام أفعال نفسه، بصفته مصلّياً لا محالة. وحيث إنَّ المفروض متابعة المأمومين له، فيكون حفظه لنفسه حفظاً للمأمومين لا محالة. ومن هذه الناحية يكون قوله رافعاً للشكّ من باب الأماريّة.
وأمّا عند عدم المتابعة فلا يكون حفظه لنفسه حفظاً للمأمومين لا محالة، ومعه ينتفي ملاك الأماريّة المقصودة في المقام، فتنتفي حجيّة قوله بصفته إماماً؛ لعدم ثبوت هذه الحجيّة تعبّداً محضاً، بمقتضى الفهم العقلائي.
نعم، عرفنا جملةً من مستثنيات أحكام الجماعة في هذه الصلاة، كجواز
ــــــ[243]ـــــــ
( ) راجع جواهر الكلام 14: 174، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الانفراد، بناءً على عدم جوازه في الجماعة، وكعدم المتابعة في الانتهاء من الصلاة، بناءً على عدم وجوب انتظار الفرقة الثانية كما قلنا، وغير ذلك، فراجع.
ومن أحكام الجماعة جواز الإتيان بها في غير الصلوات اليوميّة، كصلاة الجمعة والعيدين والميّت والاستسقاء وغيرها، وأمّا صلاة ذات الرقاع فيشكل الإتيان بها بهذه الصلوات على صورتها، بناءً على إمكان مخالفة شروطها لشرائطها، إذ مع المخالفة تبطل لا محالة؛ لاختصاص الجواز بمورد اليوميّة وعدم الدليل على الصحّة في غيرها، فيكون دليل البطلان شاملاً.
إذا صادفت صلاة الجمعة والعيدين حالة الخوف أو الحرب
نعم، قد يُقال: إنَّ صلاة الجمعة والعيدين في وقت وجوبهما العيني، ويصادف حالة الخوف أو الحرب بالخصوص فيمكن إقامتها بصورة ذات الرقاع، وخاصّة إذا صعب إقامتها بدونها؛ لحرجٍ أو ضررٍ أو خوفٍ.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ:
أمّا أوّلاً: فلأنَّها خارج دائرة الجواز؛ لعدم صدق الصلاة اليوميّة عليها، ولا إطلاق يشملها كما قلنا.
وأمّا ثانياً: فلأنَّها إنَّما تجب تعييناً إذا طلب الإمام إقامتها وأمر بها، وهو معنى النداء في الآية الكريمة. وإذا كانت الحالة في خوفٍ أو في حربٍ، كان له أن لا يأمر بهذه الصلاة، بل ربّما يُقال بعدم جواز ندائه، إذا كان يعلم بعدم إمكان الإتيان بها بشرائطها. نعم، لو كان الإمام معصوماً× فإنَّه أعرف بتكليفه حينئذٍ.
وأمّا ثالثاً: فلعدم إمكان توفّر شرائطها عند الخوف التي من جملتها:
ــــــ[244]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وجوبها على كلّ مكلّفٍ ذكرٍ بالغٍ حرٍّ حاضرٍ يكون قريباً من إقامتها مسافة ثلاثة أميال فأقلّ. ومن المعلوم أنَّ تكليف الناس بالحضور من المنطقة الآمنة إلى مكان الخوف أمرٌ لا يمكن الالتزام به لا محالة. نعم، لو كان اجتماعهم يرفع سبب الخوف جاز ذلك، لكنّه يكون بارتفاع موضوع الخوف، كما هو واضحٌ.
أمّا رابعاًً: فلتوقّفها على القول بعدم سقوطها في القصر الناشئ من غير السفر، على ما نشير إليه.
هذا في صلاة الجمعة ونحوها ممّا يتصوّر فيها تحقّق صورة صلاة ذات الرقاع، وأمّا صلاة الميّت مثلاً فلا يُتصوّر فيها ذلك كما هو واضحٌ.
وأمّا ثبوت أحكام القصر في الجملة لصلاة ذات الرقاع فواضحٌ لجعل الرباعيّة ركعتين دون الثنائيّة والثلاثيّة، وتُصلّى كلّها بطائفتين كما عرفنا.
ومن أحكام القصر الوارد في أدلّة السفر: سقوطُ بعض النوافل، وسقوطُ صلاة الجمعة ونحو ذلك، فهو متوقّفٌ على ترتّب هذه الأحكام على عنوان القصر، من دون دخْلٍ لعنوان السفر فيه، وهذا متوقّفٌ على إمكان التجريد عن الخصوصيّة كما أسلفنا. فلو وجب القصر في الحضر للخوف، فهل تُقام صلاة الجمعة جوازاً أو وجوباً أو لا تقام؟ [هذا] متوقّفٌ على ما أشرنا إليه، وعلى ما سبق من توقّفها على النداء.
من أحكام الصلاة في نفسها
ومن أحكام الصلاة في نفسها ممّا يحتاج إلى بحثٍ مستقلٍّ: استحبابُ الإتيان بها في أوّل الوقت، مع إحراز الإتيان بها جامعةً لسائر الأجزاء والشرائط، وعدم جواز الإتيان بها كذلك مع عدم إحراز ذلك، مع احتمال
ــــــ[245]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ارتفاع العذر في أثناء الوقت، وأمّا مع إحراز بقائه فله البِدَار، كما ثبت في محلّه.
ومقتضى إطلاق الدليل الدالّ على الحكم الثاني، عدمُ جواز الإتيان بصلاة ذات الرقاع في أوّل الوقت؛ بناءً على ما ذكرناه من اختلاف شرائطها عن شرائط الصلاة الاعتياديّة للجماعة.
بل مقتضى القاعدة عدمُ الإتيان بالصلاة ناقصةً مع إمكان الإتيان بها تامّةً حتّى في آخر الوقت، والمفروض نقصان هذه الصلاة عن غيرها، فكيف يجوز الإتيان بها ولو في ضيق الوقت؟
وجواب كلا الإشكالين جاهزٌ لا محالة:
أمّا الإشكال الأخير فمدفوعٌ: بنفس التصدّي لتشريع مثل هذه الصلاة، فإنَّه نصٌّ، بمقدار قدره المتيقّن، بجواز الإتيان بهذه الصلاة وإن اختلفت عن شرائط الصلاة الاعتياديّة للجماعة، ومن المعلوم أنَّ هذا النصّ يكون مخصّصاً للدليل الدالّ على عدم جواز الإنقاص من الصلاة وإن كان نصّاً في ذلك، لا نصيّة دليل صلاة الخوف؛ ولأنَّ رفْع اليد عن هذا التقييد يلازم رفع اليد عن أصل تشريع هذه الصلاة.
وأمّا الإشكال الأوّل فيمكن دفعه، وإقامة القرينة على جواز التقديم في أوّل الوقت، بوجوهٍ:
• الوجه الأوّل: التمسّك بإطلاق الأدلّة المشرّعة لهذه الصلاة، كالآية الكريمة(1)، والصحاح(2)، فإنَّها غير مقيّدةٍ لا محالة بضيق الوقت، ومقتضاه جواز البِدارِ لا محالة.
ــــــ[246]ـــــــ
( ) سورة النساء، الآيتان: 101-102.
(2) راجع وسائل الشيعة 8: 433، أبواب صلاة الخوف والمطاردة.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ولا يرد عليه: بأنَّ هذا الإطلاق مقيّدٌ بما أشرنا إليه من الدليل الدالّ على عدم جواز البدار.
فإنَّه يُقال:
أوّلاً: إنَّ النسبة بين الدليلين وإن كان هو العموم من وجه، إلَّا أنَّ العرف يفهم لزوم تقديم الآية على ذلك الدليل؛ لوجوه:
1. إمّا باعتبار ورود ذلك الدليل مورد القاعدة العامّة وورود الآية في موردٍ معيّن، فتكتسب قوّة في الإطلاق أكثر من ذلك الدليل.
2. وإمّا لورود الآية بعد معلوميّة مدلول ذلك الدليل في الإسلام، فتكون ناظرةً إليه وحاكمةً عليه. ومع الحكومة لا تُنظر النسبة كما ثبت في محلّه.
3. وإمّا لأنَّ الآية دليلٌ قرآنيٌّ، وهو مقدّم في مورد الالتقاء والتعارض لا محالة.
وثانياً: أنَّه على تقدير التعارض والتساقط لا يبقى لنا دليلٌ على عدم جواز البدار لا محالة، بل يبقى أصل تشريع الصلاة ثابتاً؛ لسلامته عن المعارضة. ومقتضى إطلاقه العقلي وانقسامه على الحصص، جوازُ تطبيقه على الحصّة التي تكون في أوّل الوقت لا محالة.
• الوجه الثاني: بعد التنزّل عن الإطلاق اللفظي يتمسّك بالإطلاق المقامي، وذلك بأن يُقال: بأنَّ المتكلّم كان في مقام بيان جميع ما له دخلٌ في الحكم، ولم يبيّن القيد الزائد، فيُستكشف عدم دخْله في الحكم ثبوتاً.
وعبارته وإن كانت مجملةً على الفرض من حيث الإطلاق اللفظي، إلَّا أنَّ عدم التقييد المقامي كافٍ في إثبات المقصود.
ــــــ[247]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ويرد على هذا الوجه عين ما أوردناه على الإطلاق اللفظي مع جوابه.
• الوجه الثالث: بعد التنزّل عن وجود الدلالة اللفظيّة في الأدلّة الدالّة على صلاة ذات الرقاع، يُقال: إنّها لا تدلّ على العدم لا محالة، بل غايته سكوتها وإجمالها من هذه الجهة.
فيتمسّك بما تأتي الإشارة إليه في المقام الآتي من قيام الدليل على إمكان تقديم صلاة شدّة الخوف في أوّل الوقت، فتكون صلاة ذات الرقاع جائزةَ التقديم بالأولويّة القطعيّة؛ باعتبار جامعيّتها للشرائط أكثر من صلاة شدّة الخوف، وأنّها أقرب إلى الصلاة الاعتياديّة كما هو واضحٌ. فإذا جاز البدار بما هو الأردأ والأبعد، جاز بما هو أحسن وأقرب لا محالة.
• الوجه الرابع: أنَّ رسول الله’ كان يُقيم هذه الصلاة بعد تشريعها في أوّل الوقت، كما هو المطمَأنُّ به إن لم يكن المقطوع به، وسيرة رسول الله’ حجّةٌ بلا إشكال.
ويمكن إقامة عدّة قرائن على ذلك:
الأُولى: أنَّ إقامة الجماعة في أوّل الوقت كان هو ديدنه صلّى الله عليه وآله في سائر الأيّام، وهو الوضع الطبيعي للصلاة في أذهان الصحابة والمجتمع يومئذٍ، وبخاصّةٍ إذا انعقدت جماعةٌ، فمن البعيد جداً أن ينزل حكم في الإسلام يصدم به الذوق الاجتماعي الناشئ من منشأ إسلاميٍّ صحيحٍ وينافيه، فإنَّ الأحكام متكاتفةٌ ومتلائمةٌ، ولا يكون بينها مثل هذا التنافر الغريب.
الثانية: أنَّ الثابت في الشريعة -كما هو معلوم- استحباب الصلاة الجامعة للأجزاء والشرائط في أوّل الوقت، وهي ممكنةٌ مع الأمن في الجملة، وهي في حال الانفراد أفضل لا محالة من صلاةٍ جماعةً تقع في آخر الوقت،
ــــــ[248]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
بحيث لم يبق منه إلَّا مقدار إيقاعها. ومن هذه الناحية لم يكن التشريع الإسلامي ليَستحِبّ مثل هذه الصلاة، ولم يكن للنبي وأصحابه أن يفضّلوها على صلاة أوّل الوقت، وبخاصّة إذا ثبت المبنى القائل بوجوب المستحبّات على النبي’ ولزوم اختياره الأفضل منها(1).
الثالثة: أنَّ الهدف الإسلامي المهمّ حال اشتغال المسلمين في الحرب هو أن يظهروا أمام المشركين بمظهر المخلصين لتعاليم دينهم والمطبّقين لها بحذافيرها، ولعلّ من أوضح أحكام الإسلام – وممّا لا يخفى على غالب الأعداء المحاربين- استحبابَ تقديم الصلاة في أوّل الوقت، حتّى قال جماعة من الفقهاء بوجوبه.
ومن المعلوم أنَّ هذا المظهر سوف يقلّ إلى حدٍّ كبير لو صلّى المسلمون صلاتهم – وهي عمود الدين- في آخر وقتها، بحيث لا يسع إلَّا مقدار أدائها، فيكون خلاف الغرض الإسلامي المهمّ الذي ذكرناه.
الرابعة: لو كان دَيْدَن رسول الله’ على أداء الصلاة في آخر وقتها في حروبه لنقل ذلك لا محالة، إن لم يكن متواتراً فبخبر الواحد على أقلّ تقدير، في حين إنَّه غير موجود حتّى بأضعف الأخبار وأكثرها إرسالاً فضلاً عن المعتبرة والموثوقة.
الخامسة: التمسّك بالإطلاق المقامي لصحيحة عبد الرحمن(2) السالفة
ــــــ[249]ـــــــ
( ) أُنظر: براهين الحجّ للفقهاء والحجج 4: 91.
(2) راجع مَن لا يحضره الفقيه 1: 460، أبواب الصلاة، باب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 1334، وتهذيب الأحكام 3: 172، كتاب الصلاة، الباب 12، الحديث 2, ووسائل الشيعة 8: 435، باب 2 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 1.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الذكر التي تروي فعْل رسول الله’ لهذه الصلاة، فإنَّها وإن لم يكن لها إطلاقٌ لفظيٌّ، إلَّا أنَّ الإمام× كان في مقام نقل جميع ما فعله رسول الله’ ممّا له دخْلٌ في هذه الصلاة. فلو كان قد أخّر رسول الله’ صلاته لذكره لا محالة، وحيث لم يذكره نستكشف عدم تأخيره’ لها في ما فعله’ تطبيقاً للآية الكريمة.
فتحصّل: جواز البِدَار إلى صلاة الخوف المشروعة في الآية في أوّل الوقت، سواء احتمل زوال الخوف أو لم يحتمله، بل ما إذا قطع بزوال الخوف على الظاهر.
ومعه إذا بادر المكلّف إلى هذه الصلاة حال الخوف في أوّل الوقت فقد أتى به بنحوٍ مشروعٍ صحيحٍ جامعٍ للشرائط بحسب تكليفه الفعلي حال الأداء، ومن ثَمّ يكون الإجزاء قهريّاً بعد ضمّ جواز البدار لا محالة؛ إذ لو لم يكن مجزياً لكان التأخير قيداً في الحكم. وقد عرفنا إطلاق الأدلّة من هذه الناحية، فلا يجب عليه الإعادة لا في الوقت ولا خارجه بعد زوال الخوف، كما هو واضحٌ.
نعم، مع الغضّ عن هذه الأدلّة ووصول النوبة إلى الشكّ، يكون الأصل عدم جواز البدار لا محالة، لوصول النوبة إلى التمسّك بقاعدة عدم جوازه، كما أشرنا إليه.
نعم، مع غضّ النظر عنها، يجوز ذلك، إذ لا يبقى دليلٌ على عدم جواز البدار، فيكون دليل مشروعية الصلاة كافٍ لإثبات المشروعيّة، وبغضّ النظر عن هذا الدليل أيضاً، كما لو كان الدليل عليها لبيّاً، كان مقتضى أصالة الاشتغال عدم الإجزاء، بعد العلم بالتكليف الفعلي المنجّز، ما لم يصلّها في ضيق الوقت.
ــــــ[250]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

الفصل السادس
في وجوب حمل السلاح فيها، في الجملة
قد ثبت -فيما سبق- وجوب حمْل السلاح في الجملة في أثناء هذه الصلاة، للأمر به في الآية على ما سبق مفصّلاً، ومعه لا يعتنى بما قيل: إنَّه رُوي في التفسير(1) عن ابن عباس: أنَّ المأمورين بأخْذ السلاح هم الذين بإزاء العدو، على ما في الجواهر(2)، فإنَّ الآية ظاهرةٌ جدّاً بأنَّ المكلّف بأخْذ السلاح هم المصلّون أنفسهم، وإن كان لا يبعد وجوب حمْل السلاح على الآخرين؛ لتوقّف الحراسة عليه أساساً.
وعلى أيّ حالٍ ينبغي أن يقع الكلام في موارد:
• المورد الأوّل: أنَّ المراد بالسلاح عرفاً، ليس هو خصوص الآلات القاتلة ونحوها، بل يشمل جميع ما يحمله الجنديّ ولو لحماية نفسه، ودفْع أثر الأسلحة عنه كالدرع والجوشن ونحوها، وفاقاً للجواهر(3). ولعلّه أوفق بأخْذ الحذر أيضاً كما أشار إليه في الجواهر، إن كان المراد به ترتيب الأثر على
ــــــ[251]ـــــــ
( ) راجع مجمع البيان 3: 156، سورة النساء، الآية: 102، تفسير القرطبي 5: 371، سورة النساء، الآية: 102.
(2) راجع جواهر الكلام 14: 175، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(3) أُنظر المصدر السابق.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الحذر، وإن كان الحذر بنفسه عبارةً عن حالةٍ وجدانيّةٍ من الالتفات الشديد وليس عملاً معيّناً خارجيّاً ليشمله.
• المورد الثاني: أنَّه في غير مورد الحرب من أسباب الخوف، ينتفي وجوب حمْل الأسلحة موضوعاً كما هو واضحٌ، وخاصّةً بعدما قلنا بعدم دخْل المحارسة وحمْل السلاح في صحّة الصلاة، وإنَّما هي صغريات لوجوب حفظ النفس أو لوجوب الجهاد كما أشرنا إليه. وحيث لا يكون جهادٌ ولا يكون للأسلحة أثرٌ في حفظ النفس، يسقطُ حمْلها لا محالة.
ولا يُقال: بتعويض الأسلحة بكلّ ما يوجب حماية النفس، كحمْل الدواء وغيره، فإنَّه ممّا تجري فيه أصالة البراءة بعد عدم الدليل على وجوبه، وعدم إمكان فهْمه من إيجاب حمْل الأسلحة بنفسه.
نعم، لو كان حفْظ النفس متوقِّفاً عليه، لوجب لا محالة من دون أن يكون دخيلاً في صحّة الصلاة أيضاً. نعم، في المخاوف التي تجدي فيها حمْل الأسلحة كالخوف من السبع، لا يبعد إمكان فهْم تعميم الوجوب إليه، بالتجريد عن خصوصيّة الحرب إلى كلّ سبب مخوف يمكن دفعه بالسلاح. إلَّا أنّنا قد ذكرنا عدم دخْله في صحّة الصلاة وارتباطه بحماية النفس. فإذا توقّف ذلك عليه كان واجباً لا محالة، ومع عدمه يتوقّف وجوبه على الفهم المذكور من الآية الكريمة.
• المورد الثالث: مهما وجب حمل السلاح وكان ثقيلاً أو مقيّداً للحركة، بحيث يمنع شيئاً من واجبات الصلاة، لم يجز حمْله لا محالة، وفاقاً لكثير من الأصحاب(1) لتأدّي وجوب حمْل السلاح بمسمّاه، وسقوط الأمر بذلك.
ــــــ[252]ـــــــ
( ) أُنظر: شرائع الإسلام 1: 120، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، تذكرة الفقهاء 4: 448، كتاب الصلاة، المقصد الرابع: في التوابع، الفصل الثالث: في صلاة الخوف، فروع، الفرع ج، مسالك الأفهام 1: 335، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع في صلاة الخوف، جواهر الكلام 14: 175، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في توابع الصلاة، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وخاصّةً إذا كانت الحماية الكافية تتوفّر بما دون ذلك.
واستدلّ الفقيه الهمداني(1) في المقام بانصراف الآية إلى ما هو الغالب المتعارف الذي كانوا يتمكّنون مع أخذه من إقامة الصلاة بحدودها، وهذا لو تمّ فإنَّه محكومٌ لِمَا ذكرناه من سقوط الأمر بحمل مسمّى السلاح إذا كانت الحماية ممّا تحصل به، ولا يؤثّر هذا الانصراف بإيجاب حمْل الزائد عن ذلك؛ لأنَّه حدٌّ من ناحية الكثرة لا من ناحية القلّة عرفاً.
وأمّا لو توقّفت الحماية على حمْل الأسلحة الثقيلة المانعة عن بعض واجبات الصلاة، فتقع المزاحمة بين وجوب الجزء الممنوع ووجوب حمْل السلاح المعيّن، وأثر المزاحمة ليس في تقديم أحدهما؛ لوضوح تقديم حمْل السلاح، المتوقّف عليه الحمايةُ وواجبُ الجهاد على وجوب جزء الصلاة لا محالة. وذلك: لثبوت وجوبه عند الاختيار لا محالة. ومع حمل السلاح الثقيل يرتفع الاختيار ويؤتى بالجزء بحسب الإمكان لا محالة ولو بالإيماء.
وإنَّما يظهر أثر المزاحمة جليّاً في وجوب حمْل أقلّ مقدارٍ مانعٍ من السلاح عند تأدّي الحماية به، ولا يجوز التعدّي إلى الأزيد منه لا محالة؛ لكونه من الاضطرار بالاختيار فتبطل الصلاة بحمله، وأمّا خصوص ما يتوقّف عليه الحماية فتكون جائزة الحمْل، ويؤتى بالصلاة معه بحسب الإمكان.
ــــــ[253]ـــــــ
( ) راجع مصباح الفقيه 2 ق2: 716، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• المورد الرابع: قيل: بعدم جواز حمْل السلاح فيما إذا كانت عليه نجاسةٌ، والقائل به لا يُعرف بالخصوص(1).
وإنَّما يصحّ الخلاف لا محالة بالنسبة إلى السلاح الذي لا تتوقّف عليه الحماية، وأمّا ما تتوقّف عليه الحماية فيجب حمْله لا محالة، وتسقط شرطيّة طهارته على تقدير القول بشرطيّته -على ما يأتي- مع عدم إمكان تطهيره.
ومع عدم توقّفها عليه يتّجه القول بالتحريم على تقدير القول بعدم جواز حمْل المتنجّس في الصلاة مطلقاً، وإن كان ممّا لا تتمّ الصلاة فيه وحده، فإنَّ الصلاة من المحمول، فلا يجوز أن يكون متنجّساً، فيوجب بطلان الصلاة لا محالة.
ومعه لا يجدي التمسّك بالإطلاق للأدلّة الآمرة بأخْذ السلاح، فإنَّه وإن كانت بينهما نسبةُ العموم من وجهٍ، إلَّا أنَّ تحريم حمْل المتنجّس أقوى لساناً عرفاً، فيكون متقدّماً لا محالة في موضع الاجتماع. ومعه لا يفيد دعوى: كون الدليل الدالّ على الجواز كتابياً فيتقدّم. فإنَّها مدفوعة: أنَّه مع التقييد لا يبقى الكتاب دالاً بحسب الإرادة الجديّة على الجواز، وإنَّما تصل النوبة إلى مثل ذلك بعد استحكام المعارضة، كما هو معلومٌ.
وكذلك القول فيما إذا كان السلاح أو الدرع مثلاً ممّا تتمّ الصلاة به منفرداً، ممّا تسالموا على بطلان الصلاة به متنجّساً(2).
ــــــ[254]ـــــــ
( ) أُنظر: السرائر 1: 347، كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف، المبسوط 1: 165، كتاب صلاة الخوف، تذكرة الفقهاء 4: 448، كتاب الصلاة، المقصد الرابع: في التوابع، الفصل الثالث: في صلاة الخوف، المسألة 676، الفرع ب.
(2) أُنظر: المبسوط 1: 164، كتاب الصلاة، كتاب صلاة الخوف، المهذب 1: 114، باب صلاة الخوف والمطاردة، ونهاية الأحكام (للعلّامة) 2: 197، كتاب الصلاة، الفصل الثالث: في صلاة الخوف، روض الجنان 2: 1017، المقصد الثالث: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وكذلك القول لو كانت عين النجاسة موجودةً على السلاح كالدم على السيف مثلاً، على تقدير القول بعدم جواز حمْلها في الصلاة مطلقاً، على أيّ شيءٍ كانت عالقةً من البدن أو اللباس أو المحمولات، سواء كانت ممّا تتمّ به الصلاة منفرداً أو ممّا لا تتمّ. وكذلك القول فيما لو كانت النجاسة سارية إلى البدن أو اللباس أو محلّ السجود، فإنَّه ممّا تسالموا على عدم جوازه(1).
نعم، لو كان السلاح متنجّساً، خالياً من العين، وكان ممّا لا تتمّ به الصلاة منفرداً كالسيف والخنجر والبندقية، وبنينا على جواز حمْل المتنجّس أو جواز أن يكون اللباس متنجّساً ممّا لا تتمّ الصلاة به، ولم تكن نجاسته ساريةً إلى البدن أو اللباس الذي تتمّ به الصلاة أو محلّ السجود، اتّجه حينئذٍ القول بجواز حمل مثل هذا السلاح؛ لكونه مصداقاً إمّا للمحمول أو للّباس الذي لا تتمّ الصلاة به.
قال الفقيه الهمداني(2): وليس في خصوص السلاح ما يدلّ على المنع عن حمْله أو لبْسه إذا كان نجساً، كي يكون حاكماً على الأصول والعمومات النافية للّباس عن الصلاة فيما لا تتمّ الصلاة فيه وحده، الشاملةِ بعمومها للسلاح وغيره. وهذا حقٌّ على هذا المبنى، وهو ممّا دلّت عليه الروايات المعتبرة في محلّه، فيرجّح الأخْذ به مع أخذ القيود السابقة بنظر الاعتبار.
ومعه لا يرد عليه التمسّك برواية وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه أنَّ علياً× قال: >السيفُ بمنزلةِ الرداءِ، تصلّي فيه ما لم تَر فيهِ دَماً، والقوسُ بمنزلةِ
ــــــ[255]ـــــــ
( ) أُنظر المصادر السابقة.
(2) أُنظر: مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 716، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الرداءِ<(1).
بتقريب: أنَّ هذه الرواية موسِّعة لموضوع اللباس الذي تتمّ به الصلاة تعبّداً، فإنَّها تعتبر السيف والقوس منه، فتكون حاكمةً على ما دلّ على عدم جواز الصلاة بما تتمّ معه الصلاة متنجّساً، بتوسعة موضوعه، ومقيّدةً لجواز حمْل السلاح بغير هذه الصورة لا محالة.
وربّما يزيد في الطين بلّة، لو أمكن تجريد السيف والقوس عن الخصوصيّة والتعميم لكلّ سلاحٍ لا تتمّ به الصلاة منفرداً، كما هو مقتضى الفهم العرفي، ومعه ينتج عدم جواز حمْل السلاح المتنجّس مطلقاً. إلَّا أنَّ التمسّك بهذه الرواية لا يتمّ وفاقاً للفقيه الهمداني(2) وإن قرّبناه بهذا التقريب؛
أولاً: لعدم تماميّة السند في نفسه(3)، فتكون ساقطةً عن الحجيّة أساساً.
ثانياً: إنَّ تماميّة هذا التقريب إنَّما تكون على تقدير تماميّة دلالتها على عدم الجواز، وهذه الدلالة فرعُ تقديمها على الأدلّة المجوّزة لحمْل ما لا تتمّ به الصلاة منفرداً حال نجاسته، وتقديمها فرع قابليتها لتخصيص تلك الأدلّة، وهي غير قابلةٍ لذلك؛ لقوّة ظهور تلك الأدلّة، كخبر: عبد الله بن سنان عمّن أخبره عن أبي عبد الله× قال: >كلّما كان على الإنسان أو معه ممّا لا تجوز فيه الصلاة وحده، فلا بأس أن يصلّي فيه وإن كان فيه قذرٌ، مثل القُلُنْسِوَةِ والتّكّةِ
ــــــ[256]ـــــــ
( ) قرب الأسناد: 131، أحاديث متفرّقة، الحديث 460، تهذيب الأحكام 2: 372، كتاب الصلاة، الباب 17، الحديث 78، وسائل الشيعة 3: 529، باب 83 من أبواب النجاسات، الحديث 3.
(2) تقدّم تخريجه آنفاً.
(3) ضعيفة بوهب بن وهب.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والكسرةِ والنَعْل والخُفّين وما أشبه ذلك<(1)، فإنَّ ظهور مثل هذه الرواية في إرادة العموم أقوى من ظهور تلك الرواية في إرادة الحرمة، فالجمع بينهما بالحمْل على الكراهة أولى من التخصيص.
هكذا قال الفقيه الهمداني(2)، وفي ذلك مواقع للنظر، فإنَّه مضافاً إلى ضعْف الرواية التي ذكرها سنداً؛ فإنّنا لا ندّعي تخصيصها لمثل هذا المدلول، بل ادّعينا في التقريب الذي ذكرناه دلالتها على توسعة موضوع الدليل المانع عن حمْل المتنجّس ممّا تتمّ به الصلاة. فإنّنا بعد أن عرفنا من الأدلّة انقسام اللباس إلى ما تتمّ به الصلاة وما لا تتمّ، كانت هذه الرواية مدرِجةً للسيف والقوس، بل لكلّ أمثالها فيما تتمّ به الصلاة لا محالة.
ومع الغضّ عن ذلك، فإنَّه ينتج إسقاط رواية وهب لا محالة، لا التبرّع بحملها على الكراهة مع تسليم كونه خلاف الظاهر.
ثالثاً: ما ذكره الفقيه المشار إليه أيضاً من عدم معرفيّة القول بالتفصيل بين السيف وغيره عن أحدٍ.
وهذا وإن كان صحيحاً، إلَّا أنَّه لا ينتج مقصوده+:
أوّلاً: لأنّنا ذكرنا دلالة الرواية على التعميم لكلّ سلاح لا تتمّ به الصلاة.
وثانياً: لأنَّ غاية ما ينتجه قوله كون الرواية مخالفةً للإجماع المركّب، وهو
ــــــ[257]ـــــــ
( ) تهذيب الأحكام 1: 275، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 97، وسائل الشيعة 3: 457، باب 31 من أبواب النجاسات، الحديث 5.
(2) أُنظر: مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 716، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ممّا يوجب وهنها، وقد ثبت في محلّه عدم وهن الدليل بمخالفته للإجماع غير القطعي وإن كان محصّلاً ومتّحدَ الاتجاه، فضلاً عمّا إذا كان مركّباً.
فالعمدة هي المناقشة الأُولى، وهي الطعن في سند الرواية، وهي كافيةٌ في التوصّل إلى المقصود لا محالة.
ــــــ[258]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

الفصل السابع
صلاة ذات الرقاع والحرب بالأساليب الحديثة
لا إشكال أنَّ مورد الآية والروايات هو الحرب بالأسلوب القديم، وهو المقارعة بالسلاح الأبيض مع التحام الأبدان وتقارب الجيشين المتحاربين من حيث المكان.
وهذا أمرٌ لا غبار عليه بالنسبة إلى هذه الأدلّة؛ لأخْذها بنظر الاعتبار المجتمع الذي صدرت فيه، وما فيه من مستوى تفكيرٍ وثقافةٍ، ومن المعلوم عدم وجود أسلوب آخر للحرب في كلّ العالم يومئذٍ، إلَّا ذلك الأسلوب، ومن غير المنطقي تشريع حكمٍ لموضوعٍ لم يوجد في الخارج وسيوجد بعد ألف سنة، فإنَّه ممّا يُخالف الذهنيّة العرفيّة وتنبذه العقليّة العامّة – في ذلك الحين على الأقلّ- وهو خارجٌ عن وجوب تبليغ الأحكام بالطرق الاعتياديّة، الذي تكفّل بتطبيقه الأئمة^.
ومن هنا انحصر الحال بالنسبة إلى الحروب الحديثة أن نطبّق ما عرفناه وأسّسناه من القواعد والأحكام، ممّا تكون هذه الحروب مصداقاً له.
ونستطيع بسهولة أن نفهم إمكان انطباق شرائط هذه الصلاة – صلاة ذات الرقاع- في الحروب الحديثة، وإذا توفّرت شرائطها كانت مشروعةً وصحيحةً لا محالة.
وقبل ذلك لابدَّ من الإلماع إلى شيءٍ، وهو أنَّ المهم في الفرق بين
ــــــ[259]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الحروب الحديثة والقديمة ما ذكرناه: من ضرورة تقارب المكان على الشكل القديم بين الجيشين المتحاربين، وإمكان تباعده على الشكل الحديث عدّة أميال بل مئات وآلاف الأميال، ففي مثل هذا الظرف يبحث عن توفّر شرائط صلاة الخوف وعدمه.
أمّا الخوف فهو مفروض الوجود لا محالة، وهو ممّا يحصل حتماً عندما تكون الحرب معلنةً كما هو واضحٌ.
وأمّا الأمن في الجملة فهو مفروض الوجود أيضاً؛ إذ لو وصل الحال إلى شدّة الخوف لَمَا جازت هذه الصلاة كما قلنا. وسنتكلّم عن شدّة الخوف في الحروب الحديثة في المقام الآتي إن شاء الله.
والأمن في الجملة ممّا يمكن توفّره – لا محالة- في المعسكرات أو المدن المهدّدة بالقصف بالقنابل أو الصواريخ ونحوه. وذلك قبل حدوث القصف لا محالة، مع إحراز العزم على فعله من قِبل العدو، أو قيام دليلٍ معتبرٍ عليه. وكذلك لو كانت مهددةً بغزوٍ عسكريٍّ جواً أو بحراً أو أرضاً، قبل بدْء عملية الغزو.
وكذلك يتوفّر الأمن في الجملة في أوقات الراحة التي قد يقضيها الجنود بين الأعمال العسكريّة، مع توقّع الخطر في أثنائها، إلى غير ذلك من الموارد والأمثلة.
وأمّا إمكان الانقسام إلى طائفتين فضروريٌّ أيضاً، لعدم إمكان أداء هذه الصلاة بدونها، وقد سبق أن قلنا: إنَّ هذا الانقسام يبقى ضرورياً حتّى مع انتفاء وجوب المحارسة موضوعاً؛ لعدم ترتّب أثر عليها خارجاً. فإنَّ هذا الانقسام أُريد به الأمران مستقلاً، فانتفاء أحدهما لا يسلتزم انتفاء الآخر لا محالة.
ــــــ[260]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وأمّا ما ذكرناه أخيراً: من اشتراط كون القصر ممّا يوجب زوال سبب الخوف أو تخفيفه، وما كان من قبيل ذلك، فلا تُقصر الصلاة لو لم يتوفّر هذا الشرط، وبدون القصر لا تصلَّى هذا الصلاة، على ما نشير إليه فيما يأتي، فهذا الشرط أيضاً ممّا ينبغي توفّره لا محالة، وهو ممكن التوفّر – كما هو واضحٌ- حين يكون الاشتغال بالصلاة الطويلة مانعاً عن الدفاع الواجب، أو لهلاك بعض الأنفس، أو نهب بعض الأموال، أو كان القصر مؤدّياً إلى التخفيف عن الحال، كالتعجيل بمحادثات معيّنةٍ، أو بجمع الأسلحة، وإصلاح آلياتها أو شحنها، أو غير ذلك من الأُمور.
فهذا هو حال شرائط هذه الصلاة، وكلّها ممّا يمكن توفّره في الحرب الحديثة، بالرغم من البُعد المكاني بين المعسكرين المتحاربين. نعم، في صورة المباغتة بالهجوم، لا يتوفّر أكثرها كما هو واضحٌ، بل تبدأ حالة شدّة الخوف رأساً، بدون أن يسبقها الأمن في الجملة.
وأمّا بعض ما أوجبْته الآية من متعلّقات: وهي المحارسة وأخْذ السلاح في أثناء الصلاة وأخْذ الحذر، فهي متى توقّف عليها واجب الجهاد أو حفظ النفس المحترمة أو نحو ذلك، كانت واجبةً لا محالة، وخاصّة بعد أن فهمنا من الآية ارتباطها بمثلِ هذه الأغراض، وعدم كونها شرطاً في الصلاة.
وأمّا عندما لا يكون لبعض هذه أثرٌ معيّنٌ، بحيث يكون وجوده وعدمه سيّان بالنسبة إلى الأغراض الحربيّة، كالمحارسة أو حمل السلاح أثناء الصلاة، نتيجةً للبُعد المكاني عن العدوّ وعدم مواجهته، فإنَّها تسقط لا محالة؛ لِعَين ما فهمناه من الآية، وعدم كون وجوبها تعبّديّاً محضاً، أو كونها ذات ملاكٍ مستقلٍّ متعلّقٍ بعناوينها مع غضّ النظر عن أيّ أمرٍ آخر، فإنَّ كلّ ذلك منفيٌّ
ــــــ[261]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
بالفَهْم العرفي عن سياق الآية ومدلولها؛ فلا تكون دالّةً على الوجوب حال انعدام الأثر لا محالة.
نعم، لو كانت المصلحة الحربيّة والتنظيم الدفاعيّ أو الهجوميّ تقتضي أن لا يتخلّى الجنديُّ عن سلاحه على أيّ حالٍ، وإن لم يكن له فعلاً أثرٌ مباشرٌ، فهذا بنفسه أثرٌ كافٍ يترتّب عليه لا محالة وجوب حمْل السلاح لا محالة.
وأمّا وجوب الحذر فكذلك، فهو يبقى ساري المفعول وواجباً عند ترتّب الأثر عليه، وهذا يكون واضحاً في الجيش العقائديّ الواعي الذي يعلم كلُّ جنديٍّ منه هدفه، ويؤمن بالغرض الذي خرج من أجله. ففي مثله يصحّ تكليف كلّ جنديٍّ مصلٍّ بأنْ يأخذ حذره في أثناء الصلاة، وهذا يكون متحقّقاً في الحروب التي نتكلّم عنها، وهي الحروب الناشئة من سببٍ مشروع في الإسلام. وأمّا في غيرها فقد قلنا: إنَّ هذه الصلاة لا تكون مشروعةً فيها أساساً.
وأمّا في أغلب بل جميع الجيوش الحديثة، التي يُقاد فيها الجنديّ إلى ساحة القتال بدون أن يفهم الغرض أو أن يؤمن بالهدف – بل حتّى مع إنكاره للغرض وكفره بالهدف- وينحصر التخطيط الاستراتيجي والتكتيكي أو السياسي والحربي بالقيادة العامّة، ويختصّ الفهم والحذر بجماعة من القوّاد الكبار في الجيش دون غيرهم من الأفراد، وأمّا الآخرون فلا عليهم إلَّا الإصغاء للأوامر وتنفيذها بدقّة، وإطاعتها بنحوٍ أعمى، لا يعلم الجنديُّ بما وراءه من الأغراض حتّى لو أُمر بما يوجب هلاكه، أو هلاك فرقته(1) وجب عليه عسكرياً تنفيذ الأمر لا محالة. ففي مثل ذلك لو كانت هذه الصلاة
ــــــ[262]ـــــــ
( ) بدون إحراز تقدّمٍ أو مصلحةٍ (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
مشروعةً، لا أثر لتكليف الجنديّ المصلّي بالحذر، إلَّا بنحو التعبّد المنفيّ بالفهم العرفيّ كما قلنا. حتّى ولو ترتّبت عليه المصلحة واقعاً؛ لعدم إمكان الجنديّ أن يرتب أيّ أثرٍ على حذره، لِحَجْره عن التحرّك إلَّا بأمر قوّاده لا محالة.
وهذا بالطبع يدلّ على بطلان هذا التنظيم العسكري لا محالة، وقيامه على أساسٍ خاطئ، ولكن مع أخْذه كأصلٍ موضوعيٍّ، فهل يمكن القول بتبديل وجوب الحذر إلى وجوب الالتفات إلى الأوامر في أثناء الصلاة، أم لا يمكن؟
هذا يتوقّف فقهيّاً على إمكان تصوّر الجامع بين الحذر من العدوّ والالتفات إلى الأوامر وإرجاعهما إلى معنى واحدٍ. وإلَّا فبدونه يكون الالتفات إلى الأوامر – مع كونه ممّا لا أثر له في حال الصلاة- منفيّاً بالأصل لا محالة، وليس ممّا تدلّ الآية على وجوبه على الفرض.
نعم، لو أرجعنا ذلك إلى الحذر نفسه، لكان ممّا تدلّ الآية على وجوبه لا محالة، ولا يبعد صحّة هذا الفَهْم؛ لكون الالتفات إلى الأوامر مقدّمةً للحذر من الأعداء لا محالة، فيكون راجعاً إليه عرفاً، ومعه يمكن التعويض عن وجوب الحذر بوجوب الالتفات إلى إطاعة الأوامر في أثناء الصلاة، ويكون أثر ذلك هو وجوب تنفيذ الأوامر عسكريّاً أو شرعاً في أثناء الصلاة، أمّا بقطعها أو بانتقالها إلى صلاة شدّة الخوف، لو كانت هناك مصلحةٌ أهمّ من الاستمرار على شكْل هذه الصلاة.
ولعلّ من نافلة القول فقهيّاً أن نشير هنا إلى إمكان أداء هذه الصلاة على البوارج الحربيّة مع سعة المكان ووحدة الاتّجاه، وكذلك في المدرّعات والطائرات مع حفظ هذين الشرطين، ومع عدمهما يصلّي المكلّف بحسب
ــــــ[263]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الإمكان ممّا لا مجال لتفصيله في هذه الرسالة، وقد تأتي الإشارة إلى شيءٍ منه في الحديث عن صلاة شدّة الخوف.
إلى هنا تتمّ الفصول السبعة التي في خاتمة مشروعيّة صلاة ذات الرقاع، ولا يبقى إلَّا التعرّض إلى [تتمة في المقام].
ــــــ[264]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

تتمة
في تحقيق ما أشرنا إليه من اشتراط وجوب القصر بما إذا كان القصر مؤثّراً في زوال السبّب المخوّف أو تخفيفه بنحوٍ من الإنحاء
وينتج من ذلك أنَّ الخوف لو كان حاصلاً ولم يكن القصر مؤثّراً كذلك، لم يجز القصر ووجب التمام.
وحينئذٍ يقع الكلام بأنَّ سائر شروط صلاة ذات الرقاع لو كانت متوفّرةً سوى هذا الشرط، فهل ترتفع مشروعيّتها أم أنَّها تُصلّى قصراً أم أنَّها تصلَّى تماماً؟
أمّا أنَّها تُصلّى قصراً، فهو خلف اشتراط القصر بالشرط المذكور؛ لأنَّ المفروض عدم توفّره لا محالة، فيدور الأمر بين أن يكون القصر دخيلاً في هذه الصلاة، فلا تكون مشروعة بدونه. ومعه لا تكون مشروعة عند عدم توفّر الشرط المشار إليه، أو عدم دخالة القصر فيها، فتُصلّى تماماً عند عدم توفّر شرط القصر.
الأدلة على عدم دخالة وجوب القصر كشرط في مشروعية ذات الرقاع
وما يمكن أن يُقال في تقريب عدم دخالة وجوب القصر كشرطٍ في مشروعيّة هذه الصلاة بعضُ الوجوه:
الوجه الأوّل: استظهار المورديّة، وذلك بأن يُقال: إنَّ هناك أمرين اقترنا
ــــــ[265]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
في أدلّة مشروعيّة هذه الصلاة من دون أن يكون أحدهما قيداً للآخر، هما الخوف الموجب للقصر، وكيفيّة هذه الصلاة، والمقصود الرئيسيّ الذي وردتْ الأدلّة لبيانه هو بيان الكيفيّة والشرائط. وطبّقت على مورد الخوف الموجب للقصر من باب المثال؛ ولأنَّه أوضح مورد يمكن الاستفادة من هذه الصلاة؛ باعتبار عدم الجميع فيها دفعة واحدةً.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ:
أولاً: لظهور الآية في القيديّة ما لم يثبت الخلاف. ودعوى كونه مورداً، ممّا لا يمكن الجزم به.
وثانياً: أنَّ المقصود الرئيسي الذي وردت الأدلّة لبيانه هو بيان الوظيفة عند الخوف، مع عدم خسارة ثواب صلاة الجماعة، فليس الخوف الموجب للقصر أمراً ثانويّاً في الآية أو في سائر الأدلّة، أو أنَّه أمرٌ منفصلٌ عن تشريع هذه الصلاة.
الوجه الثاني: المفهوم من الأدلّة هو بيان كيفيّةٍ خاصّةٍ لصلاة الجماعة، أو تشريع ماهيّةٍ معيّنة، هي: حصّةٌ من حصص كلّيِّ الصلاة لا محالة، ومن المعلوم أنَّ هذه الكيفيّة أو الماهيّة يمكن تطبيقها في زمن الخوف الموجب للقصر، كذلك يمكن في زمن ما لا يوجب القصر من الخوف لا محالة. فلو لم يكن للآية إطلاقٌ من هذه الناحية، فإنَّ لغيرها من الأدلّة إطلاقاً ولو مقاميّاً يثبت المقصود.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ [لما يلي]:
أوّلاً: أنَّ هذا الوجه لولا دعوى الإطلاق المقاميّ يرجع إلى الوجه الأوّل، وهو أنَّ المقصود الرئيسيّ هو بيان الكيفيّة ولم يثبت التقييد، ولا يكون
ــــــ[266]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وجهاً مستقلاً.
وثانياً: أنَّ الإطلاق اللفظي لا يمكن؛ لكونه وإن فُرض ثابتاً في بعض الأدلّة، إلَّا أنَّه مقيّدٌ بالأدلّة الأُخرى لا محالة، وأمّا الإطلاق المقامي فهو فرع أن يكون المتكلّم في مقام بيان القيد، وهو لم يثبت في الأدلّة المطلقة من هذه الناحية؛ إذ من المحتمل التعويل على الأدلّة الأُخرى في مقام بيانه.
الوجه الثالث: أنَّه ثبت في الشريعة الإتيانُ بهذه الصلاة بما لا يكون قصراً كصلاة الصبح والمغرب، وأنَّها غير منحصرةٍ بموارد القصر، إذن فتكون ثابتةً في الرباعيّة عندما لا تكون مقصورةً في الخوف مع اجتماع سائر شرائطها.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ:
أمّا أوّلاً: فلأنَّ إمكان ذلك هو فرع عدم التقييد لا محالة، وقد فرضنا استظهاره بعد التنزّل عن الوجهين الأوّلين، وفرض بطلانهما كما سبق.
وأمّا ثانياً: فلاحتمال دخْل عدم مشروعيّة القصر في إمكان انعقاد هذه الصلاة في الصبح والمغرب، ومن المعلوم أنَّ هذا غير ثابتٍ في الرباعيّة لا محالة، وهذا الاحتمال ثابتٌ لا دافع له من ظهورٍ أو أصلٍ.
إذن، فلم يثبت إمكان تحقيق كيفيّة هذه الصلاة عند عدم وجوب القصر وإن تحقّقت شروطها الأُخرى؛ لظهور الآية في التقييد، ومع فرض إجمالها يكون إقامتها تشريعاً محرَّماً في المورد المشكوك، على فرْض تماميّة ما بنينا عليه من اختلاف شرائطها عن الجماعة الاعتياديّة على ما هو المفروض في هذا الكلام.
وعليه، فلا يتمّ ما احتمله الفقيه الهمداني(1): من إمكان تحقيق كيفيّة هذه
ــــــ[267]ـــــــ
( ) أُنظر: مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 715، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الصلاة في الرباعيّة وإن تمّت سائر الشروط الأُخرى.
وبهذا يتسجّل شرطٌ رابعٌ لصلاة الخوف التي نتكلّم عنها، وهو: أن يكون أداؤها قصراً، مؤدّياً إلى التسبّب إلى زوال سبب الخوف أو التخفيف منه أو نحو ذلك، ولا تكون مشروعةً في غير ذلك؛ لكون القصر غير ثابتٍ حينئذٍ، وهي غير مشروعةٍ في غير القصر، كما عرفنا.
الخلاصة
هذا هو تمام الكلام في هذه الخاتمة، وبها ينتهي الكلام في الناحية الأُولى من المقام الثاني من هذه الرسالة، وقد كانت في بيان كيفيّة صلاة ذات الرقاع، وهي أحد أنحاءٍ من الصلوات التي تُصلَّى حال الخوف مع الأمن في الجملة، فيبقى الكلام عن النحوين الآخرين من الصلوات نعرضهما في الناحيتين التاليتين.
ــــــ[268]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

الناحية الثانية
في صلاة عسفان
الناحية الثانية: في كيفيّة ومشروعيّة الصلاة المُسمّاة بصلاة عسفان وعدمها.
وهذه الصلاة قلَّ مَن تعرّض لها من مؤلّفي أصحابنا؛ لضعف مستندها على ما سنرى، وكان ممّن ذكرها الشيخُ في المبسوط(1) والفقيه الهمداني في مصباحه(2).
قال في المصباح: وهذه الصلاة قد نقلها الشيخ في المبسوط فقال – على ما حكي عنه- ما لفظه: ومتى كان العدوّ في جهة القبلة ويكون في مستوى الأرض لا يسترهم شيءٌ ولا يمكنهم أمرٌ يخافون منه، ويكون في المسلمين كثرةٌ لا تلزمهم صلاة الخوف ولا صلاة شدّة الخوف، وإن صلّوا كما صلّى رسول الله’ بعسفان جاز، فإنَّه قام مستقبل القبلة والمشركين(3) أمامه، فصفَّ خلف رسول الله’ صفٌّ، وصَفّ بعد ذلك الصفّ صفٌّ آخر، فركع رسول الله’ وركعوا جميعاً، ثمَّ سجد’ وسجد الصفُّ الذين
ــــــ[269]ـــــــ
( ) أُنظر: المبسوط 1: 166، كتاب الصلاة، صلاة الخوف.
(2) أُنظر: مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 716، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(3) كذا، والصحيح بالرفع: [المشركون] (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
يلونه وقام الآخر يحرسونه، فلمّا سجد الأوّلون السجدتين وقاموا، سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثمَّ تأخّر الصفُّ الذين يلونه إلى مقام الآخرين وتقدّم الصفُّ الآخر إلى مكان الصف الأوّل، ثمَّ ركع رسول الله’ وركعوا جميعاً في حالة. ثمَّ سجد فسجد الصفُّ الذي يليه وقام الآخرون يحرسونه، فلمّا جلس رسول الله’ والصفُّ الذي يليه، سجد الآخرون ثمَّ جلسوا جميعاً وسلّم بهم جميعاً. وصلّى بهم هذه الصلاة يوم بني سليم(1).
ويقع الكلام حول هذه الصلاة في عدّة موارد:
◘ المورد الأوّل: إنَّها من حيث السند ساقطةٌ عن الحجيّة، قال في المصباح(2): وعن المنتهى(3) رواية ذلك عن أبي عباس الزرقي قال: >كنّا بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلّينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرّةً لو حملنا عليهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلمّا حضر العصر قام رسول الله’ مستقبل القبلة، والمشركون أمامه<. وساق الحديث كما روى الشيخ(4).
أقول: وظاهره كون كلام الشيخ الذي نقلناه هو عين لفظ الرواية. ثمَّ
ــــــ[270]ـــــــ
( ) مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 716، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(2) المصدر السابق.
(3) راجع منتهى المطلب 6: 418، كتاب الصلاة، المقصد السابع: في صلاة الخوف، نزول آية القصر في صلاة الخوف، والموجود في النسخة المحقّقة: (مسألة روى أبو عيّاش الزرفي) وليس كما في المتن (أبي عباس). واسم هذا الرجل: عتيق بن معاوية بن الصامت.
(4) راجع المبسوط 1: 66، كتاب الصلاة، صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
قال في المصباح عن المنتهى(1): لكنّه مع ذلك قال بعد أن حكى عن الشيخ الفتوى به: ونحن نتوقّف في هذا؛ لعدم ثبوت النقل عندنا عن أهل البيت^. قال صاحب المصباح(2) وعن المصنف في المعتبر(3) أيضاً: التوقّف فيه؛ معللاً بعدم ثبوت النقل عن أهل البيت.
أقول: وما قيل أو يمكن أن يُقال في تصحيح السند عدّة أقوالٍ:
• أحدها: ما حُكي عن الذكرى(4) من القول بشرعيّتها؛ معلّلاً بأنّها صلاةٌ مشهورةٌ في النقل، فهي كسائر المشهورات الثابتة وإن لم تُنقل بأسانيدَ صحيحةٍ.
وأنت خبيرٌ بما فيه، فإنَّ الشهرة إن أراد بها الشهرة الفتوائيّة، فهي غير تامّةٍ كبرىً وصغرىً، أمّا الكبرى فلإنكار حجّيتها أساساً، كما هو المحقّق في محلّه(5)، وأمّا صغرى فلإنكار ثبوتها، كيف ولم يتعرّض لها جملةٌ من مؤلّفي
ــــــ[271]ـــــــ
( ) مصباح الفقيه 2 ق2: 716، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، ومنتهى المطلب 6: 418، كتاب الصلاة، المقصد السابع: في صلاة الخوف … .
(2) مصباح الفقيه 2 ق2: 716، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف..
(3) أُنظر: المعتبر 2: 463-464، كتاب الصلاة، المقصد الخامس: في صلاة الخوف، قال: (وعندي في هذه الرواية توقّف، لأني لم أستثبتها بطريقٍ محقّق عن أهل البيت^).
(4) أُنظر: ذكرى الشيعة 4: 358، كتاب الصلاة، الركن الخامس: في اللواحق، الفصل الثاني: في صلاة الخوف، المطلب الثالث: صلاة عسفان.
(5) راجع: بحوث في علم الأُصول 4: 321-325، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، مباحث الظنّ، حجّيّة الشهرة.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الأصحاب، ولم يصحّحها كثيرٌ ممّن تعرّض لها. فلم يبقَ ممّن صحّحها إلَّا القليل، فكيف يحقِّق ذلك موضوع الشهرة، إن لم يكن قد اشتهر إنكارها وعدم صحّتها؟!
وإن أراد بالشهرة الشهرة في الرواية، فهي إنَّما تكون حجّةً ومرجّحاً عند التعارض، على تقدير صحّة آحادها من حيث السند، أمّا اجتماع جماعة من غير الموثوقين في النقل بدون أن يحصل التواتر، فلا حجيّة فيه لا محالة.
• ثانيها: بقية ما حُكي عن الذكرى(1) من الاحتجاج، فإنَّه قال: وقد ذكرها الشيخ مرسلاً لها غير مسندٍ ولا محيل على سندٍ. فلو لم تصحّ عنده لم يتعرّض لها حتّى ينبّه على ضعفها، فلا تقصر فتواه عن روايته.
وأنت خبيرٌ بما فيه أيضاً؛ فإنَّ صحّتها عند الشيخ لا تلازم صحّتها عندنا، كما ثبت في محلّه، وقد أشرنا إلى وجه ذلك مختصراً في (مداركنا) فراجع. فإرساله لها إرسال المسلّمات وفتواه على طبقها، غاية ما يدلّ عليه صحّتها عنده، وفيها ما عرفت.
• ثالثها: كون الشيخ قد رواها فعلاً بنفسه حينما قال: وإن صلّوا كما صلّى رسول الله’ بعسفان جاز(2)، فهذه فتوى مقرونة بالرواية، ورواية الشيخ حجّة لا محالة.
وهذا أيضاً لا يتمّ:
أوّلاً: لكون رواية الشيخ مرسلةً بدون سندٍ، كما هو واضحٌ. فلا تكون
ــــــ[272]ـــــــ
( ) راجع ذكرى الشيعة 4: 359، كتاب الصلاة، الركن الخامس: في اللواحق، الفصل الثاني: في صلاة الخوف، المطلب الثالث: صلاة عسفان.
(2) المبسوط 1: 66، كتاب الصلاة، صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
حجّةً، ووثاقة الشيخ في نفسه وإن كان أمراً قطعياً باعتباره شيخ مشايخ الطائفة، إلَّا أنَّ الشكّ فيمَن أسقطهم من الرواة لا محالة، فإنَّهم ممّن لا يُعلم وثاقتهم، والشكّ في الحجيّة كافٍ في القطع بعدمها كما ثبت في محلّه(1).
ثانياً: إنَّ المظنون – بل المحرز في الجملة- أنَّ الشيخ يشير بهذه الرواية إلى رواية أبي عياش الزرقي(2)، باعتبار وجود طريقٍ له إليه، وهو ممّن لم تثبت وثاقته(3)، فلا تكون روايته حجّةً.
• رابعها: ما ذكره في المصباح(4): من أنَّ الشيخ أرسلها إرسال المسلّمات وجزم بصحّة نقْلها.
وهذا لا يزيد على الوجه الثاني، فإنَّه غاية ما يثبت حجيّة هذه الرواية عند الشيخ، وأمّا حجّيتها في نفسها بحيث يمكن ثبوتها عندنا أيضاً، فهو ممّا لم يُعلم، وليس هناك ملازمةٌ تثبته، وفهْم الشيخ حدساً غيرُ حجّةٍ علينا، كما ثبت في محلّه.
• خامسها: ما ذكره في المصباح أيضاً(5)، من أنَّها من الروايات الضعيفة المنجبرة بالشهرة وغيرها من أمارات الوثوق.
ــــــ[273]ـــــــ
( ) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 4: 221، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، مباحث الظنّ، حكم الشكّ في الحجّيّة.
(2) وهو عتيق بن معاوية بن الصامت الأنصاري، يكنّى أبا عيّاش الزرقي، أُنظر: رجال الشيخ الطوسي: 73، باب العين، الرقم 677.
(3) أُنظر: معجم رجال الحديث 12: 112، باب العين، الرقم 7572.
(4) أُنظر: مصباح الفقيه 2 ق2: 716-717، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(5) أُنظر المصدر السابق.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وهذا الوجه يفرق عن الأوّل، فإنَّ الفرض في الأوّل كونها بنفسها مشهورةً، وأمّا الفرض هنا فهي كونها منجبرةً بالشهرة الفتوائيّة.
وهو مردودٌ كبرىً وصغرىً، أمّا كبرىً فلإنكار انجبار الأخبار الضعيفة بالشهرة على طبْقها كما ثبت في محلّه(1). وأمّا صغرىً فلإنكار وجود الشهرة، كما سبق في مناقشة الوجه الأوّل.
• سادسها: ما ذكره في المصباح(2) أيضاً، من اعتضاد رواية الشيخ بنقل أبي عباس المحكيّ في المنتهى(3).
وفيه:
أوّلاً: أنَّ ضمّ روايةٍ ضعيفةٍ إلى مثْلها لا يوجب الاعتضاد كما هو واضحٌ. والظنّ القائم على ذلك ليس بمعتبرٍ، فإنَّه فرع اعتبار إحدى الروايتين أو كلتيهما، والمفروض عدمه.
وثانياً: احتمال رجوع كلتا الروايتين إلى روايةٍ واحدةٍ، كما ذكرناه في مناقشة الوجه الثالث، ومعه كيف يتمّ الاعتضاد المُدّعى.
إذن، فلم تتمّ هذه الرواية من حيث السند، ومعه لا تثبت صحّة هذه الصلاة ولا مشروعيّتها، ولا يمكن شرعاً الاجتزاء بها على تقدير مخالفتها للصلاة الاعتياديّة للجماعة، على ما سنذكر.
ــــــ[274]ـــــــ
( ) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 4: 424-426، مباحث الحجج والأُصول العلميّة، مباحث الظنّ، حجّية الأخبار، تحديد دائرة الحجّية.
(2) راجع مصباح الفقيه 2 ق2: 716-717، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(3) مرّ تخريجه آنفاً.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ومعه لا تبقى مزيد أهميّةٍ في التعرّض إلى تفاصيلها، لولا أنّنا نذكر ذلك مختصراً لمزيد الفائدة والتوضيح.
◘ المورد الثاني: في شرائط هذه الصلاة، فإنَّنا علمنا بوجود عدّة شروط للصلاة السابقة – صلاة ذات الرقاع- فهل هي متوفّرةٌ في هذه الصلاة أم لا؟ أو أنَّ هناك ما يصلح أن يكون بدلاً عنها أم لا؟
أمّا شرط الخوف فمنتفٍ؛ لقول الشيخ الحاكي عن الرواية كما رجحنا: ويكون في المسلمين كثرة لا تلزمهم صلاة الخوف ولا صلاة شدّة الخوف، فكأنَّ هذه الصلاة لا تعتبر من صلاة الخوف أساساً، إذا أخذنا بظهور هذه العبارة فتختصّ بالحرب الذي لا خوف فيه، أو يمكن تعميمها ببعض التقريبات لحالة الأمن أيضاً، بحيث للمكلّفين إقامتها اختياراً لو صحّت روايتها سنداً، فتأمّل.
وأمّا شرط الأمن في الجملة، فهو سالبٌ بانتفاء الموضوع، بل الأمن التامّ أو ما يقاربه موجودٌ كما عرفنا.
وأمّا شرط إمكان الانقسام إلى طائفتين، فهو منتفٍ أيضاً؛ وذلك لأنَّ كيفيّة إقامة هذه الصلاة مبتنيةٌ على اشتراك الجميع فيها مرّةً واحدةً، وتكون المحارسة في أثناء الصلاة على ما سنعرف، فإمكان الانقسام وإن كان متحقّقاً، إلَّا أنَّه خلف تحقيق صورة هذه الصلاة.
وأمّا اشتراط كون إقامتها ممّا يسبّب زوال الخوف أو التخفيف عنه أو تذليله بشكل من الأشكال، فهو سالبٌ بانتفاء الموضوع على الفرض. وأمّا لو سلّمناه أو عمّمناه لكلّ موجب للخوف بمعنى توقّع الضرر كما قلنا في نفسه، وإن لم يكن موجباً له فعلاً، فلا يبعد ثبوته لنفس الفهْم العرفيّ الذي اقتضى
ــــــ[275]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
اشتراط ذلك في الصلاة السابقة.
وتستقلّ هذه الصلاة بشرطٍ قد يُدّعى فيها لم نقل ببديله هناك، وهو كون العدوّ إلى جهة القبلة، بحيث يكون مشاهداً للمصلّين، وهذا بديلٌ لِمَا اشترطوه هناك من كون العدوّ بخلاف القبلة، ولم نقل به كما سبق، حيث استطعنا تجريد الآية عن هذه الخصوصيّة، ولم نجده وارداً في سواها من الأدلّة.
وأمّا في هذه الصلاة، فلا يمكن هذا التجريد؛ لتوقّف إمكان المحارسة في أثناء الصلاة عليه لا محالة. نعم، قد يُقال: بعدم اشتراط المقابلة الحقيقيّة، بل يكفي أن يكون المصلّي مشاهداً للعدوّ، بالتجريد عن الخصوصيّة كما لا يبعد.
فهذا هو الشرط الذي يكاد أن يكون وحيداً لهذه الصلاة، إن لم نلحق به الشرط الرابع للصلاة السابقة، كما سبق، وبهذا الشرط ينتفي إمكان تجريد هذه الصلاة عن خصوصيّة الحرب ونحوها كمحاربة اللصوص مثلاً؛ لانتفاء المحارسة موضوعاً في غيرها، وهي ممّا أخذت في ماهيّتها على ما سنعرف.
وحيث عرفنا إمكان إقامتها مع الغضّ عن السند، في حال انتفاء الخوف أثناء الحرب، فهل يمكن إقامتها حال الخوف مع الأمن في الجملة، كما كان الحال في تلك الصلاة فيكون بين شرطي الصلاتين عموماً مطلقاً، وتكون صلاة عسفان هي الأعمّ.
مقتضى القاعدة إمكان إقامتها لا محالة، مع توفّر شرطها المشار إليه، ما لم تصل الحال إلى شدّة الخوف، وتعذّر إقامتها تكويناً أو تشريعاً، إلَّا أنَّ مقتضى الشرط المستفاد من قوله: (متى كان العدوّ … الخ)(1)، فإنَّ (متى) من أدوات
ــــــ[276]ـــــــ
( ) عبارة الطوسي في المبسوط 1: 166، كتاب الصلاة، صلاة الخوف، التي عبّر عنها بالرواية المرسلة وقد تقدّم الحديث عنها مفصّلاً.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الشرط، وقد وقع في شرطها عدم الخوف كما عرفنا، وفي جوابها جواز إقامة هذه الصلاة كما صلّى رسول الله’ بعسفان، ومفهومها انتفاء هذا الجواز أو المشروعيّة عند انتفاء عدم الخوف، وهو وجوده لا محالة، ومقتضاه وجود التباين بين مورد هذه الصلاة وسابقتها.
وإنَّ هذه الصلاة تُقام في حال أحسن ممّا تُقام به الصلاة السابقة، فإذا اشتدّ بهم الخوف في الجملة صلّوا صلاة ذات الرقاع.
إلَّا أنَّ استفادة المفهوم من (متى) مشكلٌ جدّاً، وخاصّةً في سياقٍ من هذا القبيل، لم يقع الفاء في جوابه، وهذه الأداة كما تُستعمل للشرط تُستعمل ظرفاً مجرّداً عن الشرطيّة، على أنَّ البعض استشكلوا في المفهوم حتّى في مثل (إن وإذا)، ومَن قال به خصّه بهما فتأمّل.
ومع غضّ النظر عن المفهوم، لا تكون إقامتها عند عدم الخوف منافياً لإقامتها حال الخوف، بل يكون موردها أعمّ منهما كما أشرنا إليه.
◘ المورد الثالث: في كيفيّة هذه الصلاة وواجباتها. يستفاد من كلام الشيخ+ الذي استظهرنا كونه بلفظ الرواية: أنَّ كيفيّتها على النحو التالي: أنَّ الإمام يجعل خلْفه صفّين من المصلّين ويكبّر بهم جميعاً، ويقرأ ويركع ويرفع رأسه من الركوع بهم جميعاً، ثمَّ يسجد ويتابعه الصف الأوّل في السجود. ويبقى الصف المتأخّر واقفين يحرسون الساجدين، وبعد انتهائهم من السجدتين مع الإمام يقومون لركعتهم الثانية، ويقفون للحراسة، ويسجد مَن كان في الصف المتأخّر ثمَّ يقومون، ثمَّ يتبادلون بالمكان فيتأخّر مَن كان في الصف الأوّل ويتقدّم مَن كان في الصف الأخير، والرواية مجملةٌ من ناحية كون هذه الحركة قبل القراءة أو بعدها، أو أنَّ الإمام مخيّرٌ في ذلك.
ــــــ[277]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وإذ ينتظرون مرّةً أُخرى يركع الإمام بهم جميعاً ويرفعون رؤوسهم، ثمَّ يحدث ما يشبه ما حدث في الركعة الأُولى، وذلك أنَّ الإمام يسجد لا محالة ويسجد معه الصفّ الأوّل الذي كان متأخّراً سابقاً، ويبقى الصفّ المتأخّر الذي كان متقدّماً واقفاً للحراسة.
وإذ ينتهي الإمام من السجدتين مع الصف الأوّل، يجلس الجلوس الذي يتشهّد فيه ويجلسون معه ولكنّهم لا يتشهّدون، بل ينتظرون حتّى يسجد الصف المتأخّر، حتّى ما إذا جلس للتشهّد، تشهّدوا سويّةً مع الإمام وسلّموا، على أنَّ التشهّد غير مذكورٍ في الرواية، ومقتضى القاعدة ما ذكرناه. إلَّا أن يكون التسليم بمعنى أعمّ من التشهّد، فتأمّل.
ويستنتج من ذلك عدّة أمور:
الأمر الأوّل: أنَّه لا حاجة إلى الانقسام إلى طائفتين، بل تُصلّى هذه الصلاة بطائفةٍ واحدةٍ لو صحّ هذا التعبير.
الأمر الثاني: أنَّ المحارسة تكون في أثناء الصلاة، ويقوم بها الصفّ الذي رفع رأسه من الركوع أو من السجود، للصفّ الذي هو ساجدٌ.
الأمر الثالث: أنَّ هذا التقدّم والتأخّر في الصلاة إنَّما يقومون به لإحراز الصفّ المتأخّر متابعة الإمام في الركعة الثانية بعد أن خسروها في الركعة الأُولى. وإلَّا فمِن المعلوم أنَّ نفس صورة هذه الصلاة مع المحارسة تتمّ بدون هذا التقدّم والتأخّر، كما يتّضح عند التأمّل.
الأمر الرابع: أنَّ الائتمام ينقطع بالنسبة إلى البعض مرّتين ويعود، والرواية نصّ أو كالنصّ بعَوْد الائتمام.
إحداهما: حين يسجد الإمام في الركعة الأُولى ويبقى الصفّ المتأخّر
ــــــ[278]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
حارساً. ثمَّ يلتحق به عند القراءة في الركعة الثانية.
ثانيهما: حين يسجد الإمام في الركعة الثانية، ويبقى الصفّ المتأخّر واقفاً يحرسهم، ثم يلتحقون بالإمام عند التشهّد، ويعود الائتمام بعد الانفراد للمرّة الثانية.
الأمر الخامس: أنَّ الرواية وإن كانت مطلقةً من ناحية إجازة التقدّم والتأخّر، إلَّا أنَّها لا يمكن أن تقف أمام الأدلّة الدالّة على بطلان الصلاة بالاستدبار. ومن ثَمّ يتعيّن على الصف الأوّل التقهقر عند الرجوع إلى الصفّ الأخير، ولا يجوز لهم الالتفات.
الأمر السادس: لم يُذكر القنوت في هذه الصلاة كما يُذكر في شيءٍ من الأدلّة على تلك الصلاة، ومقتضى القاعدة استحبابه إلَّا عند الضرورة، ومقتضاها اشتراك الجميع به في الركعة الثانية بعد القراءة.
الأمر السابع: لم يتّضح أنَّ الركعتين هل هما على وجه القصر أم على وجه التمام، بأن تكون هي صلاة الصبح، وإن كان المتبادر كونها رباعيّةً مقصورةً. ولا يكاد يثبت ذلك من الإطلاق.
ونحن بعد أن عرفنا أنَّ أداءها يكون في غير زمن الخوف، إذن فلا يُحتمل أن تكون مقصورة بسبب الخوف لفرض انتفائه، وإنَّما هي إمّا صلاة الصبح أو هي مقصورةٌ للسفر، كما لا يبعد افتراضه.
الأمر الثامن: ما دلّ الدليل على وجوبه في تلك الصلاة -كحمل السلاح وأخْذ الحذر في أثناء الصلاة- لا يكون شاملاً لهذه الصلاة بنفس ذلك الدليل؛ لاستحالة أن يشمل الحكم غير موضوعه، وهاتان الصلاتان متغايرتان عرفاً وشرعاً، ومن الصعب تعميم الحكم إلى الجامع الطبيعي أو
ــــــ[279]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الانتزاعي بين الصلاتين ليكون الحكم شاملاً لهما. فإنَّ إرادة المطلق من المقيّد يحتاج إلى قرينةٍ مفقودةٍ.
نعم، قد يُقال بوجوبه من ناحية مفهوم المحارسة التي ثبت وجوبها في هذه الصلاة، بدعوى: أنَّ المحارسة لا تتمّ إلَّا بحمْل السلاح وأخْذ الحذر لا محالة، ومن المعلوم أنَّ المحارسة في هذه الصلاة تكون في أثنائها لا محالة إلَّا أنَّه من المعلوم أنَّ هذا التقريب يُثبت هذا الحكم على الفرقة الحارسة دون الصفّ المؤتَمّ، كما هو واضحٌ.
أمّا إيجاب ذلك؛ باعتبار وجوب الجهاد أو وجوب حفْظ النفس، فلا يمكن؛ لفرض كثرة المسلمين وعدم وجود الخوف الموجب لذلك.
الأمر التاسع: ليس في الرواية ما يدلّ على وجوب اشتراك الجميع في هذه الصلاة، بل الأمر هنا كالأمر في الصلاة السابقة، من حيث إنَّ الاشتراك فيها مستحبٌّ على تقدير ثبوتها، وليس واجباً في نفسه، وللباقين أن يصلّوا هذه الصلاة خلف إمام آخر – بعد تعميم المورد لكلّ صالحٍ لإمامةِ الجماعة كما سبق- أو أن يصلّوا فُرَادى.
الأمر العاشر: ليس في الرواية ما يدلّ على كيفيّة الصلاة الثلاثيّة حتّى من ناحية الإطلاق، فإنَّها تنقل فعْل النبيّ’، والفعل لا إطلاق له كما هو معلومٌ.
ومقتضى القاعدة جواز إقامتها بهذا النحو، وليس في ذلك إشكالٌ إلَّا من ناحية التقدّم والتأخّر، فيُقتصر به على مورده بعد الركعة الأُولى دون تكراره بعد الثانية، وتقريب تكراره إمّا بالتجريد عن الخصوصيّة فيثبت في كلّ ركعةٍ، أو بكون عدم الانتقال يسبّب اجتماع ميزةٍ أكبر للصفّ الأوّل في
ــــــ[280]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الركعتين الأخيرتين ممّا يجتمع للصف الأوّل في الركعة الأُولى.
فمثل هذه التقريبات لو تمّت، فغاية ما تثبت جواز التقدّم والتأخّر، وهو لا يقوم أمام الاحتياط بتركه لا محالة، لو قلنا بأنَّه مخالفٌ لشرط الصلاة الاعتياديّة، على ما نبحث على أنَّ الثاني منقوضٌ بالعكس، كما لا يخفى على المتأمّل. والأوّل منهما بعيدٌ في نفسه ولا قرينة عليه.
الأمر الحادي عشر: نصّتْ الرواية على جعْل المأمومين صفَّين فقط، فهل يمكن تعدّد الصفوف أكثر من ذلك أم لا؟
يتوقّف جوازه على أن نتصوّر إمكان التقدّم والتأخّر في الصفوف المتعدّدة شرعاً، بحيث لا يكون مبطلاً للصلاة إمّا في نفسه أو في هذا المورد تعبّداً. أمّا في نفسه فغير محتملٍ؛ لحصول الحركة الكثيرة الماحية لصورة الصلاة حتماً، وأمّا في خصوص هذا المورد تعبّداً فهو متوقّف على وجود إطلاق في الرواية أو إمكان تجريدها عن الخصوصيّة، والأوّل غير ممكنٍ في الفعل كما عرفت، والثاني غير ممكنٍ؛ باعتبار أنَّ احتمال دخْل عدم الزيادة عن الصفّين دخيلٌ في ماهيّة هذه الصلاة أو صحّتها، بنحو لا يمكن الغضّ عنه – يعني عن الاحتمال- عرفاً، ومعه لا يمكن التجريد لا محالة.
إذن، فلا يمكن تعدّد الصفوف إلَّا بترك التقدّم والتأخّر في أثناء الصلاة، والاقتصار على المحارسة كلاً في محلّه، وهذا المفروض إن لم يكن خلاف الاحتياط أيضاً.
الأمر الثاني عشر: لا شكّ أنَّ مورد الرواية هو الحرب مع المشركين. ولا شكّ أنَّ التعميم ممكنٌ إلى كلّ حربٍ مشروعةٍ إسلاميّاً، حتّى من قبيل الحرب مع اللصوص، وذلك بالتجريد عن الخصوصيّة عرفاً، وهذا واضحٌ.
ــــــ[281]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وأمّا التعميم لكلّ سببٍ مخوفٍ وإن لم يكن حرباً، فهو – بناءً على اختلاف شرائط هذه الصلاة عن الصلاة الاعتياديّة على ما نبحث فيه- متوقّفٌ على إمكان التجريد عن الخصوصيّة، وهذا ممكنٌ في أسباب الخوف التي تُفيد فيها المحارسة كالخوف من السبع مثلاً، وأمّا الأسباب التي لا تُجدي فيها المحارسة كالأمراض أو الحريق مثلاً، فلا تكون هذه الصلاة مشروعةً فيها.
والسرّ في ذلك هو: أنَّ المحارسة مأخوذةٌ في أثناء الصلاة قيداً لتحقّق صورتها لا محالة، فإنَّ وقوف المصلّي في أثناء الصلاة بدون المحارسة ممّا لا معنى له، بناءً على اختلاف هذه الصلاة عن الصلاة الاعتياديّة كما هو المفروض.
بخلاف الصلاة السابقة، فإنَّ الطائفة التي لم تكن تشترك في الصلاة وإن كانت وظيفتها الأصليّة هي المحارسة، إلَّا أنَّ هذه الوظيفة قد لا يمكن القيام بها أو تكون سالبةً بانتفاء الموضوع. ومعه تجلس هذه الطائفة بلا عملٍ معيّنٍ منتظرةً الالتحاق بالصلاة، ولا إشكال في ذلك. فهذه هي جوانب الكلام حول كيفيّة هذه الصلاة وواجباتها.
◘ المورد الرابع: في اختلاف هذه الصلاة عن صلاة الجماعة الاعتياديّة.
يمكن أن تكون وجوه الاختلاف بينهما أربعة:
الوجه الأوّل: انتظار الإمام للمأمومين في آخر الركعة الأُولى تارةً وفي نهاية الثانية أُخرى.
إلَّا أنَّ هذا ليس فرقاً بينهما، فإنَّه إنَّما يكون فرقاً لو كان مورد الفرق ممّا يبطل الصلاة الاعتياديّة لطوله، ويكون ثبوته في مورده تعبّديّاً كما قلنا في
ــــــ[282]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الصلاة السابقة. وأمّا في المقام فلا يكون الانتظار طويلاً أكثر من سجدتين، وهو ممّا لا يُبطل الصلاة الاعتياديّة كما هو واضحٌ.
الوجه الثاني: التقدّم والتأخّر الذي يحدث في هذه الصلاة، وقد حُكي عن الذكرى(1) عدم كونه قادحاً في صحّة الصلاة اختياراً، فكيف عند الضرورة؟!
ومن المعلوم أنَّ المسلّم به فقهيّاً هو ما لا يكون خارجاً عن صورة الصلاة، فلو كان خارجاً عنها أبطلها لا محالة، والتقدّم أو التأخّر غير المبطل إذا كان يُتصوّر في الصلاة الانفراديّة أو الجماعة الاعتياديّة(2) فمن الصعب
– إن لم يكن من الممتنع- تصوّره في مثل هذه الجماعة وبهذه الصورة المفروضة.
أمّا إذا حكمنا بجواز أن تتكوّن الجماعة من عدّة صفوفٍ، فواضحٌ؛ لامتناع الانتقال في مثل ذلك إلَّا بحركةٍ كثيرةٍ. وأمّا إذا اقتصرنا على الصفّين، فإمّا أن يكونا متراصّين بمعنى أنَّ أحدهم يُصلّي إلى جنب الآخر أو لا. فإن كان الأوّل، استلزم تبادل المكان بين الصفّين حركةً كبيرةً لا محالة، ولئن كان تقدّم الصفّ المتأخّر يسيراً نسبياً، فإنَّ تقهقرَ الصفّ الأمامي – على ما أشرنا- إلى الخلف في أثناء عمليّة التبادل أمرٌ صعبٌ جدّاً، بحيث لا يستلزم الالتفات المبطِل.
ــــــ[283]ـــــــ
( ) حكاه الهمداني مصباح الفقيه 2 ق2: 716-717، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، ولاحظ أيضاً ذكرى الشيعة 4: 459، كتاب الصلاة، الركن الخامس: في اللواحق، الفصل الثاني: في صلاة الخوف، المطلب الثالث: صلاة عسفان.
(2) يعني: للفرد الواحد (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ومن المعلوم أنَّ الفعل المنقول في الرواية وإن لم يكن له إطلاق، إلَّا أنَّه يُثبت لا محالة جوازَ مقدارٍ من الحركة، بحيث تؤدّي بالنحو المتعارف إلى تبادل الصفَّين، ومن الغريب أن يُدّعى أنَّ الحركة المتعارفة للصفّين المتراصّين مبطلةٌ للصلاة بنفسها أو بلوازمها.
وأمّا إذا لم يكن الصفَّان متراصّين؛ بمعنى أنَّهم نظّموا أنفسهم، بحيث يجعلون فراغاً أمام كلّ مصلٍّ في الصفّ المتأخّر، وفراغاً وراء كلّ مصلٍّ في الصفّ المتقدّم، بأن جعلوا بين كلِّ واحدٍ من المصلّين في الصف الأوّل فراغاً بمقدارٍ يكفي لصلاة شخصٍ واحدٍ، وكذلك في الصفّ المتأخّر، وجعلوا المصلّين فيه يقفون أمام الفراغ من الصفّ الأوّل.
وإنَّما يعملون ذلك فرضاً لأجل أن لا يستلزم الانتقال بطلانَ الصلاة، فإنَّ كلّ واحدٍ من الصفَّين يتقدّم أو يتأخّر إلى فراغ موجودٍ لا إلى مكان مصلٍّ كان في هذا الموضع، وبذلك تسهل حركته ومحافظته على صحّة صلاته.
وهذا الترتيب وإن كان يصحِّح الصلاة الانفراديّة، بمعنى: أنَّ صفّين من هذا القبيل لو تبادلا التقدّم والتأخّر لَمَا حكمنا ببطلان صلاتهم، ولكن أصل انعقاد الجماعة يكون مشكلاً.
وذلك: أمّا في الصفّ الأوّل فصحّته موقوفٌة على مبنى مَن يقول بجواز الفصل بمقدار مكان مصلٍّ واحدٍ بين مصلٍّ ومصلٍّ، وأمّا مَن يقول بعدم جوازه وبضرورة التقارب بين المصلّين أكثر من ذلك، فإنَّه ملزمٌ بالحكم ببطلان الصلاة جماعةً لا محالة. وإذا بطلت صلاة الصفّ الأوّل، تبطل صلاة مَن خلفهم لا محالة؛ لبُعدهم عن الإمام بُعداً لا يَسمح بانعقاد الجماعة على أيّ حالٍ. وإذا بطلت الصلاة جماعةً بطلت الصلاة الفرديّة بترك القراءة لا محالة.
ــــــ[284]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وأمّا الصفّ المتأخّر -فمضافاً إلى ما قلناه في الصفّ الأوّل من الإشكال- فإنَّ كلّ مصلٍّ فيه لا يكون أمامه مصلٍّ من الصفّ الأوّل، بل يكون أمامه فراغ لا محالة، ويكون المصلّي أمامه إلى جهة اليمين وإلى جهة الشمال، وفي مثل ذلك يشكل جدّاً إمكان اتّصاله بالإمام من هذا الطريق، ولا توجد في الفقه قاعدةٌ مصحِّحةٌ له، ومع الشكّ يُرجع إلى استصحاب عدم الامتثال أو قاعدة الاشتغال لا محالة.
فتحصّل: أنَّ هذا التقدّم والتأخّر في هذه الصلاة ممّا يُبطل صلاة الجماعة الاعتياديّة ويكون ثابتاً في هذه الصلاة تعبّداً، على تقدير صحّتها. وإن لم يكن ذلك على نحو الحكم، فعلى نحو الاحتياط الإلزامي.
الوجه الثالث: التخلّف بالركن، فإنَّ الصفّ المتأخّر يتخلّف كما رأينا عن السجود مع الإمام؛ لكي يقوم بحراسة الساجدين. وعن الذكرى(1) أنَّه غير قادحٍ أيضاً في صحّة الصلاة اختياراً، فكيف عند الضرورة؟!
وهذا مبنيٌّ على جواز هذا التخلّف. فإن قيل بجوازه، لم يكن فرقٌ من هذه الناحية. وأمّا إذا قلنا بكونه مبطلاً، فيكون مثبتاً للفرق، ودعوى الضرورة لا تنفيه؛ وذلك: لِمَا قلناه من عدم وجود الضرورة المسقِطة للأحكام الشرعيّة عند إقامة هذه الصلاة، فإنَّ الخوف غير موجودٍ فضلاً عن الضرورة. نعم، سبب الخوف في الجملة موجودٌ إلَّا أنَّه ممّا يُطْمَأنُّ بعدم ضرره؛ لكثرة المسلمين، على ما تُصرّح به الرواية، ومعه كيف يكون ذلك سبباً للضرورة؟!
الوجه الرابع: عود الائتمام بعد الانفراد، فإنَّه ممّا يحدث في هذه الصلاة
ــــــ[285]ـــــــ
( ) راجع: ذكرى الشيعة 4: 459، كتاب الصلاة، الركن الخامس: في اللواحق، الفصل الثاني: في صلاة الخوف، المطلب الثالث: في صلاة عسفان.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
مكرّراً في كلتا الركعتين كما رأينا، والرواية صريحةٌ أو كالصريحة بعود الائتمام كما سمعنا. والمشهور عدم إمكان ذلك في الصلاة الاعتياديّة.
وإذا كان من الممكن البقاء على الانفراد في آخر الركعة الثانية حال التشهّد والتسليم، فإنَّه ليس من الممكن ذلك في آخر الركعة الأُولى؛ لعدم انحفاظ صورة هذه الصلاة حينئذٍ. ومتى تابعنا المشهور لزمنا القول بوجود الفرق لا محالة، وعدم إمكان أداء هذه الصلاة حال الأمن، وعدم وجود سبب الخوف أصلاً.
فتحصّل: أنَّ القيام بمثل هذه الصلاة حال الأمن مشكلٌ وخلاف الاحتياط جدّاً، إن لم نحكم ببطلانها فعلاً، والأمر سهلٌ بعد ضعف السند وقلّة الأهميّة في نفسها.
ــــــ[286]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

الناحية الثالثة
في صلاة بطن النخل
الناحية الثالثة: في كيفيّة ومشروعيّة الصلاة المُسمّاة بصلاة (بطن النخل) وعدمها. سُميّت باسم الموضع الذي روي أنَّ رسول الله’ صلّى فيه بأصحابه بهذه الكيفيّة.
قال أصحابنا في كيفيّتها: إنَّ الإمام يصلّي بطائفةٍ ثمَّ يصلّي بأُخرى، وتكون الثانية له ندباً.
ويقع الكلام في هذه الصلاة في موارد:
• المورد الأوّل: أنَّ سند روايتها غير معتبرٍ، حيث ذكر جماعةٌ من أصحابنا(1) أنَّ الرواية لم تثبت مستندةً من طرقنا، وعن الشيخ في مبسوطه(2) أنَّه رواها على سبيل الإجمال من طرقهم، فقال: رواها الحسن عن أبي بكر عن فعْل النبي’، وهذا يدلّ على جواز صلاة المفترض خلف المتنفّل.
إذن، فهي ساقطةٌ سنداً، فلو كان ثبوتها تعبّديّاً وفيها مخالفةٌ للصلاة
ــــــ[287]ـــــــ
( ) أُنظر: المعتبر 2: 464، كتاب الصلاة، المقصد الخامس: في صلاة الخوف، المسألة 8، منتهى المطلب 6: 418، كتاب الصلاة، المقصد السابع: في صلاة الخوف والمضطرّين، وذخيرة المعاد: 404، كتاب الصلاة، النظر الثالث في اللواحق، المقصد الثالث: في صلاة الخوف.
(2) أُنظر: المبسوط 1: 167، كتاب الصلاة، صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الاعتياديّة، لَمَا جاز إيقاعها. وأمّا لو انطبقت على مقتضى القاعدة، أمكن إقامتها لكونها حينئذٍ صغرىً لأدلّة غير هذه الرواية كما هو واضحٌ. وهذا ممّا سنبحث فيه فيما يأتي.
• المورد الثاني: أنَّهم قالوا بإمكان أن تُصلَّى بهذه الكيفيّة حال الأمن، بمقتضى أحد مبنيين:
المبنى الأوّل: هو القول بجواز اقتداء المفترِض بالمتنفِّل، فإنَّ مَن يصلّي ثانيةً وراء الإمام يكون تكليفه الفرض، على حين يكون الإمام متنفِّلاً باعتبار الإعادة.
وابتناؤها على هذا المبنى واضحٌ؛ إذ لو لم نقل به لم يمكن الحكم بصحّة الصلاة الثانية لا محالة، بعد فرض سقوط السند التعبّديّ لهذه الصلاة.
وإشكال صاحب المدارك(1): بأنَّ هذا الابتناء غير جيّدٍ، قال: إذ لا خلاف في جواز الإعادة للمنفرد واقتداء المفترِض بالمنتفل، كما ذكره -يعني المحقق الحلّي(2)- وغيره، انتهى. ولعلّ هذا هو الذي حدا بالفقيه الهمداني(3) إلى أنَّ قيدَ الابتناء الذي ذكره المحقّق بقوله: حتّى في مثل الفرض – أي: فيما لو أتى بالفريضة جماعةً فأعادها نفلاً- فإنَّه بهذا القيد يتفصّى عن الإشكال في الجملة، يعني عن الشق الأوّل من الإشكال دون الثاني.
ــــــ[288]ـــــــ
( ) أُنظر: مدارك الأحكام 4: 412، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(2) أُنظر: المعتبر 2: 425، كتاب الصلاة، المقصد الرابع: في الجماعة، الطرف الأوّل، المسألة 11.
(3) راجع مصباح الفقيه 2 ق2: 713، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إلَّا أنَّ الإشكال في نفسه غير جيّدٍ؛ وذلك: لأنَّ وضوح الفتوى وشهرتها لا تعني عدم ابتناء بعض الأحكام عليها، فإنَّ معنى الابتناء هو انتفاؤه عند انتفائها. وهو حاصلٌ في المقام.
نعم، يبقى الإشكال اصطلاحيّاً، وهو أنَّ الفقهاء إنَّما يعبّرون بابتناء حكمٍ على فتوى إذا كانت الفتوى محلَّ خلافٍ واضحٍ بين الفقهاء، وأمّا إذا كانت ممّا لا خلاف فيها، فلا يعبّرون بذلك، وإن كان ملاك الابتناء ثابتاً. إلَّا أنَّ هذا كما تعرف ليس من الإشكالات المعنويّة الصناعيّة التي تبتني عليها المطالب الفقهيّة.
المبنى الثاني: هو ما ذكره صاحب المدارك(1) وأشار إليه الفقيه الهمداني(2) كما رأينا، وفيه تعويضٌ عمّا أشكلوا عليه. فقد بناها صاحب المدارك على جواز الإعادة لِمَن صلّى جماعةً، وهو مفاد القيد الذي ذكره الهمداني أيضاً، ولا شكّ أنَّ الابتناء ثابتٌ هنا أيضاً؛ لثبوت ملاكه فيه كما هو واضحٌ، فتكون مشروعيّة هذه الصلاة مبتنيةً على حكمين، أحدهما أعمّ من الآخر، وهما المبنيان المشار إليهما. ولا محذور في ذلك. إلَّا أنَّ جهة الابتناء واحدة، ومن ثَمَّ كان تعبيرهما (قدّس سرّهما) توهّماً أكثر صناعيّةً من التعبير الآخر، وإن كان في نفسه صحيحاً.
• المورد الثالث: في أنَّ هذه الصلاة هل هي مشترَطةٌ ببعض الشروط التعبّديّة، كما كان الحال في سابقاتها، أو غير مشترطةٍ بشيءٍ؟
ــــــ[289]ـــــــ
(1) راجع مدارك الأحكام 4: 412، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(2) مرّ تخريجه آنفاً.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أمّا اشتراطها بحالة الخوف، فقد جزم العلاّمة(1) بعدم اعتباره على ما نقل عنه غير واحد(2)، لكن في الذكرى(3) اشترطها بأُمور؛ أوّلها كون العدوّ في قوّةٍ يُخاف هجومه، وهو ظاهر إن لم يكن نصّاً بإثبات هذا الشرط.
أمّا لو قلنا بعدم اختلافها عن الصلاة الاعتياديّة، وبنينا على أحد المبنيين السابقين، فلا إشكال بعدم الاشتراط، ويكون لأيّ جماعةٍ الائتمام بالمعيد المنتفِل.
وأمّا لو قلنا بعدم جواز ذلك، وبنينا على عدم صحّة السند – كما هو الصحيح على ما سبق- فلا إشكال بعدم الجواز مطلقاً، لا في حال الخوف ولا في غيره، فإنَّ الضرورات مُسقِطةٌ للأحكام، لا أنَّها تكون مشرِّعة للجواز كما هو واضحٌ.
نعم، لو قلنا بعدم جواز ذلك اختياراً وصحّحنا السند، ثبت تعبّداً إمكان الإتيان بها في حال الخوف لا محالة. ويكون مقدار سعة هذا الشرط وضيقه موكولاً إلى لسان الرواية، وهي ليست باليد فعلاً، فإنَّها لم تُنقل في مصادر أصحابنا، فلابدَّ من الاقتصار على القدر المتيقّن، ويكون الإتيان بها في الزائد تشريعاً محرّماً لا محالة.
ــــــ[290]ـــــــ
( ) راجع قواعد الأحكام 1: 320، كتاب الصلاة، المقصد الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، المطلب الأوّل، النوع الثاني: صلاة بطن النخل.
(2) راجع مدارك الأحكام 4: 413، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، وجواهر الكلام 14: 162، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(3) راجع ذكرى الشيعة 4: 358-359، كتاب الصلاة، الركن الخامس، الفصل الثاني: في صلاة الخوف، المطلب الثاني: صلاة بطن النخل.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والاستدلال على توسعته أو تضييقه بالآية المشرِّعة لصلاة (ذات الرقاع) غيرُ تامٍّ؛ لِمَا قلناه في غضون ما سبق من الكلام: من اختلاف الموضوع عرفاً، وعدم إمكان شمول الحكم لغير موضوعه، وعدم إمكان توحيد الموضوع بإرجاعه إلى الجامع الطبيعيّ المفهوميّ أو الانتزاعيّ، كما قلنا.
فتحصّل: أنَّ اشتراط الخوف مبنيٌّ على أحد الوجهين الأخيرين، وأمّا على الوجه الأوّل، فيكون هذا الشرط منتفياً، ويجوز الإتيان بها حال الأمن.
وبناءً على ذلك قال صاحب الجواهر(1): نعم، قد يُقال برجحان فعلها كذلك حال الخوف دون حال الأمن، كما نصّ عليه في الدروس(2). ولم نفهم وجهاً صحيحاً لهذا الرجحان، فإنَّه إنَّما يتمّ صورةً لو جوّزنا اقتداء المفترِض بالمنتفِل بالنحو المُشار إليه، وقلنا بصحّة السند، فإنَّه قد ينتج الرجحان؛ لاختصاص حال الخوف بهذه الصلاة في الرواية. وإن كان هذا إنَّما يكون تامّاً لو كانت الرواية مشتمِلةً على صيغة الأمر، وأمّا لو كانت مجملةً أو كانت متضمِّنةً لفعل النبي’ لهذه الصلاة، فلا يثبت هذا الرجحان كما هو واضحٌ، والمفروض عدم وصول الرواية بلفظها إلينا لنعرف مضمونها، ومعه لا يتمّ الاستدلال. على أنَّها غير تامّةٍ سنداً أصلاً كما عرفنا. إذن فالرجحان غير ثابتٍ على أيّ حالٍ.
ولا يُقال: إنَّ مقتضى التسامح في أدلّة السنن هو ذلك.
فإنَّه يُقال: إنَّ انطباق المورد على القاعدة فرع أمرين: أحدهما: وصول
ــــــ[291]ـــــــ
( ) راجع جواهر الكلام 14: 162، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(2) راجع الدروس الشرعيّة 1: 251، كتاب الصلاة، الدرس 56، صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الرواية، والآخر: اشتمالها على الأمر، أمّا الأوّل فلم يحدث، وأمّا الثاني فلم يثبت، ومجرّد المورديّة والاختصاص – يعني اختصاص حال الخوف بهذه الصلاة كما قلنا- غير كافٍ لإثباته.
وعن الذكرى(1) أنَّه أضاف زيادةً على اشتراط الخوف شرطين آخرين، ممّا كان يرى اشتراطه في صلاة (ذات الرقاع)، وهما: إمكان افتراق المسلمين فرقتين لا أزيد، والآخر كون العدوّ في خلاف القبلة.
وهذا الاشتراط مبنيٌّ على عدّة أُمور:
أحدها: اختلاف هذه الصلاة عن الصلاة الاعتياديّة، فلو كانت بعينها – كما عليه جملة من الأصحاب- أمكن أن تُصلّى بدون أيّ شرطٍ لا محالة.
ثانيها: صحّة سند الرواية، بحيث يثبت تعبّداً صحّة الصلاة ولو اختلفت عن الصلاة الاعتياديّة، إذ مع عدم صحّة السند ـ كما أثبتناه ـ لا تصل النوبة إلى الكلام عن الشرائط.
ثالثها: قياس هذه الصلاة بتلك الصلاة المشرَّعة بالآية الكريمة، واستفادة شروطها من الآية، وقد سبق أن أشرنا إلى عدم إمكان ذلك؛ لأنَّ الجامع الطبيعيّ المفهوميّ غيرُ متصوَّرٍ بينهما عرفاً إلَّا ما كان من قبيل الأجناس العليا الخارجة عن الصدد، وعلى تقدير تصوّره فلا يمكن تجريد الآية عن خصوصيّة تلك الصلاة؛ لظهور اختصاص الشرائط بتلك الصلاة لا محالة. وأمّا الجامع الانتزاعيّ فغير مفيدٍ؛ لإنتاجه كون الشرائط ثابتةً لإحدى الصلاتين على البدل، وهو خلاف المقصود.
ــــــ[292]ـــــــ
(1) راجع ذكرى الشيعة 4: 358-359، كتاب الصلاة الركن الخامس، الفصل الثاني: في صلاة الخوف، المطلب.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
رابعها: التسليم بشرطيّة ما ذكره في تلك الصلاة، وأمّا لو أنكرنا ذلك كان الإنكار ثابتاً بالأولويّة القطعيّة في المقام أيضاً، أو بتعبيرٍ آخر: إنَّ إنكاره يعني عدم كونه شرطاً لا للخصوصيّة ولا للجامع – على تقدير ثبوته- ومعه كيف يكون شرطاً لهذه الصلاة؟!
وحيث إنَّنا أنكرنا شرطيّة كون العدوّ بخلاف القبلة هناك، فيلزمنا إنكار هذا الشرط هنا أيضاً.
وأمّا الافتراق إلى فرقتين، فبعد تسليم سائر الأُمور السابقة لابدَّ من التسليم به، ويكون من ناحية الكثرة شرطاً في الصحّة، بمعنى أنَّ الحالة إذا كانت تقتضي حرمة الافتراق إلى فرقتين، ومع ذلك صلّوا بهذه الكيفيّة التي نتكلّم عنها، فإنَّها تكون باطلةً؛ لكونها عبادةً منهيّاً عنها.
ويكون هذا الشرط من ناحية القلّة شرطاً في الماهيّة، بمعنى توقّف فرض هذه الكيفيّة عليه لا محالة، فإنَّ الإعادة بنفسها لا تُتصوّر إلَّا بقومٍ آخرين يعيد بهم الإمامُ صلاتَه، فلو أمكن الافتراق وصلّوا دفعةً واحدةً، صحّت صلاتهم، وخرجت عن كيفيّة هذه الصلاة.
فـرعٌ
ما ذكرناه من الواجبات في صلاة (ذات الرقاع) ممّا كان مستفاداً من الآية – كوجوب المحارسة، ووجوب حمْل السلاح، وأَخْذ الحذر- غيرُ ثابتٍ في هذه الصلاة، حتّى لو قلنا بثبوت [هذه] الصلاة تعبّداً؛ لعدم إمكان شمول تلك الآية لهذه الصلاة كما قلنا.
بل يتبع في ذلك التكليف المستفاد من أدلّة أُخرى إن وُجدت، كما لو كان الحال مندرجاً في وجوب الجهاد أو وجوب المحافظة على النفس أو على
ــــــ[293]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
المصلّين، فيجب من هذه الأُمور الثلاثة ما يفي بالحاجة، وأمّا لو لم يكن مندرجاً في مثل تلك الأحكام، لم يجب شيءٌ من ذلك، وكان للطائفة الأُخرى أن تشتغل بأيّ شيءٍ قبل الصلاة وبعدها، بل من الممكن إعادة الصلاة مع قومٍ لم يكونوا عازمين على الصلاة حال الصلاة الأُولى أساساً، سواء في حال الخوف أو في غيره لو قلنا به.
وبهذا يتمّ الكلام عن صلاة (بطن النخل) – بعد أن اتّضحت جملةٌ من الخصوصيات العامّة المشتركة مع الصلوات السابقة ممّا ذكرناه في محلّه، فلا نعيد- وبه ينتهي الكلام عن مجموع الصلوات الثلاث المرويّة في حالة الخوف مع الأمن في الجملة، التي عقدنا هذا المقام الثاني لبيانها. ولا يبقى من هذا المقام إلَّا التعرّض إلى تتمّةٍ يحسن بيانها.
تتمة
[ويقع الكلام فيها] في فرض اجتماع الشرائط في بعض الصلاة وانتفائها في البعض الآخر، بناءً على اختلاف شرائطها عن شرائط الصلاة الاعتياديّة، كما قلنا به في (ذات الرقاع)، ورجّحناه في صلاة (عسفان)، ويُقال به في صلاة (بطن النخل) بناءً على عدم جواز اقتداء المفترِض بالمنتفِل، على تقدير ثبوت مشروعيّة هاتين الصلاتين.
والمهمّ في المقام هو التعرّض لذلك في صلاة (ذات الرقاع)؛ لأنَّها الوحيدة الثابتة شرعاً كما عرفنا. ثمَّ نتعرّض بنحوٍ مختصرٍ للصلاتين الأخريين بعد أن تكون جوانب الموضوع قد اتّضحت إلى حدٍّ كبيرٍ.
وقد عرفنا أنَّ شرائط صلاة (ذات الرقاع) عديدةٌ، هي:
ــــــ[294]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الأوّل: الخوف، بمعنى توقّع الشرّ والضرر، على أن يكون السبب المخوف موجوداً في الخارج.
الثاني: الأمن في الجملة.
الثالث: إمكان الافتراق إلى طائفتين.
الرابع: أن يكون القصر مؤثّراً في رفْع سبب الخوف أو تقليله أو محاولة تذليله، وبدونه لا تكون هذه الصلاة مشروعةً.
فيقع الكلام في تخلّف كلّ واحدٍ من هذه الشروط في جهتين: بلحاظ أنَّ انتفاء الشرط إمّا أن يكون في أوّل الصلاة ثمَّ يحدث في أثنائها صدفةً، أو في آخرها مع تحقّقه عند البدء بها.
أمّا انتفاء شرط الخوف، فالكلام [فيه] في [جهتين]:
• الجهة الأُولى: وهي ما إذا كان انتفاؤه ثابتاً في أوّل الصلاة، بحيث قسّمَ القومُ أنفسهم إلى قسمين، وبدأ قسمٌ منهم في الصلاة حال الأمن، ثُمَّ حصل الخوف في أثناء الصلاة، وكان الخوف غير شديدٍ بحيث أصبح موضوعاً لمشروعيّة هذه الصلاة في نفسه.
وقد يُستشكل ابتداءً في أصل صحّة مثل هذه الصلاة، فإنَّ المفروض أنَّهم بدأوا في صلاة (ذات الرقاع) في وقتٍ لم تكن مشروعةً، فلابدَّ أن يحكم بفسادها ابتداءً.
إلَّا أنَّ الحكم بالبطلان – في الحقيقة- مستندٌ إلى أحد سببين: إمّا النيّة وإمّا الأعمال، وإلَّا لكانت صلاةً جماعةً اعتياديّةً وصحيحةً لا محالة. أمّا النيّة: فلا إشكال أنَّهم إذا نَوَوا صلاة (ذات الرقاع) بالخصوص، فإنَّها تقع باطلةً ابتداءً، سواء حدث الخوف قبل اختلاف أعمالها عن أعمال الصلاة الاعتياديّة أم بعده.
ــــــ[295]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فلابدَّ لهم -توخّياً لصحّة صلاتهم- من أن يحدّدوا نيّتهم بالنحو التالي: وهو أنَّهم يصلّون واقع الصلاة التي ستكون مطلوبةً منهم، ثمَّ أنَّهم ينظرون في أثناء صلاتهم، فإن لم يحدث الخوف أصلاً صلُّوا تماماً بطائفةٍ واحدةٍ صلاةً اعتياديّةً. وإن حدث الخوف جاز لهم الإتيان بكيفيّة صلاة (ذات الرقاع) إن لم يتجاوزوا المحلّ، وهو نهاية الركعة الأُولى.
فإن قيل: بأنَّ هذا أيضاً لا يكفي؛ لأنَّهم في أوّل الصلاة لم يكونوا مكلّفين بذات الرقاع، وتغيّر التكليف غير معهودٍ بل غير جائزٍ، فإنَّ الصلاة على ما بدأت به لا محالة.
فإنَّه يُقال: إنَّ تغيّر التكليف معهودٌ وجائزٌ اختياراً، فضلاً عن صورة تغيّر الموضوع، أمّا اختياراً فكنقل النيّة من فرض الأداء إلى فرض القضاء مع عدم وجوب البِدَار إليه، وكنقل النيّة إلى النفل عند إقامة الجماعة. وأمّا صورة تغيّر الموضوع فأمثلته كثيرةٌ:
منها: المثال الأوّل على مبنى وجوب البدار، ومنها: من خرج الوقت وهو في أثناء الصلاة فلابدَّ أن ينوي الباقي قضاءً.
ومنها: ما لو كان يصلّي في السفينة وهو يرى جدران بلده ثمَّ اختفت وهو في الصلاة، فينوي القصر من ذلك الحين لا محالة.
ومنها: ما لو حدثت حالة شدّة الخوف في أثناء الصلاة، فإنَّه يقصّر ويصلّي الباقي بحسب الإمكان بلا إشكال.
ومنها: ما لو حدث الخوف في الجملة، فإنَّه يقصّر ويكملها على نحو صلاة (ذات الرقاع) ولا محذور في ذلك.
ولا يُقال: إنَّ قياس بعض هذه الموارد على بعضٍ، من القياس المحرّم.
ــــــ[296]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فإنَّه يُقال: إنَّ ذلك إنَّما يكون محرّماً عند عدم إحراز النكتة المشتركة بدليلٍ معتبرٍ. وأمّا إذا فهمنا من مجموع أدلّة هذه الأمثلة قاعدةً عامّةً تقول: بجواز نقْل النيّة في الصلاة عند تغيّر الموضوع إلى ما هو مقتضى الموضوع الجديد، فإن كان هناك عملٌ يؤدّى على طبق النيّة الجديدة، جاز الإتيان به، كالاقتصار على الركعتين عند تجديد نيّة القصر، وكإقامة صورة صلاة (ذات الرقاع) عند تجديد نيّتها.
وهذه القاعدة المفهومة من مجموع الأدلّة تكون مخصِّصةً للقاعدة القائلة: بأنَّ الصلاة على ما بدأت به، بغير صورة تغيّر الموضوع لا محالة، لو كانت هذه القاعدة ممّا ثبت بدليلٍ معتبرٍ.
فتحصّل: أنَّ النيّة يمكن أن تكون صحيحةً من أوّل الصلاة، وأمّا الأعمال: فلا سبيل إلى تصحيحها، بناءً على كونها مُبطِلةً للصلاة الاعتياديّة، على ما هو المفروض والمختار، إذا جاؤوا بها حال الأمن وعدم طروّ الخوف، ومجرّد طروّ الخوف بعد ذلك لا يصحِّح ما كانوا قد جاؤوا به قبل تغيّر الموضوع، فإنَّ غاية ما ينتج تغيّره هو صحّة العمل بعد التغيّر لا صحّته قبله، كما هو واضحٌ.
نعم، سبق أن قلنا بإمكان الإتيان بهذه الصلاة صحيحةً حال الأمن، عند محاولة إلغاء الفروق ما بينها وبين الصلاة الاعتياديّة فإن كان ذلك، كانت صحيحةً لا محالة، لكن معه لا تكون منوطةً بطروّ الخوف أصلاً.
إذن، فلابدَّ من فرْض طروّ الخوف قبل الإتيان بعملٍ مُفسِدٍ للصلاة الاعتياديّة حال الأمن، وبعد طروّه يمكن الإتيان بموارد الفروق على ما عرفنا، كالتحاق الطائفة الثانية، والائتمام بعد الانفراد ونحوه.
ــــــ[297]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وإن ارتفع سبب الخوف وعاد الأمن وهم في أثناء الصلاة، أَيُحكمُ بفساد ما أتوا به؛ لأنَّه مطابقٌ لتكليفهم حين الإتيان به، وما وقع صحيحاً في حينه يكون مجزياً لا محالة؟ نعم، لم يجز لهم ترتيب الأثر على وجود الخوف بعد ارتفاعه، وإلَّا بطلت صلاتهم على ما هو المفروض من افتراقها عن الصلاة الاعتياديّة.
فلو طرأ الخوف في الركعة الأُولى، وجاز لهم نقْل النيّة إلى صلاة (ذات الرقاع)، والتحاق الطائفة الثانية، ثمَّ ارتفع الخوف في أثناء الركعة الثانية، لم يجز للإمام انتظارهم للتسليم بهم؛ لأنَّه من عَوْد الائتمام بعد الانفراد غير الجائز في الصلاة الاعتياديّة على المشهور(1). ووجب عليه التسليم منفرداً.
ولو زال الخوف أثناء ذهاب الطائفة الأُولى ومجيء الطائفة الثانية، فإن عرف الإمام سرعة الالتحاق فلا إشكال، فإنَّه يكون من الائتمام في الركعة الثانية وغير مربوطٍ مباشرةً بصلاة الخوف حتّى يُقال بعدم جوازه. وإن عرف التأخير لم يجز؛ لأنَّ موضوع جوازه -وهو الخوف- مرتفعٌ، فيجب عليه الاستمرار في صلاته منفرداً تماماً لا قصراً لو كانت رباعيّةً.
ولو زال الخوف بعد التحاق الثانية وكانت الصلاة قصْراً، وجب عليه إتمامها أربعاً بهم لا محالة، وإن صحّت صلاة الطائفة الأُولى قصراً قبل ذلك.
وممّا قلناه يتّضح وجه القول في جملةٍ من الفروع، فلا حاجة من إفاضة الكلام في ذلك.
ــــــ[298]ـــــــ
( ) أُنظر: الحاشية على الروضة (للنراقي): 245، كتاب الصلاة، الفصل الحادي عشر، والعروة الوثقى 1: 771، كتاب الصلاة، فصل في الجماعة، جملة من أحكام الجماعة، المسألة 20، والعروة الوثقى (مع تعليق عدّة من الفقهاء) 3: 219، كتاب الصلاة، فصل في الجماعة، جملة من أحكام الجماعة، المسألة (20).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الجهة الثانية: في صورة بدء الصلاة بشكلٍ مشروعٍ وفي حال الخوف في الجملة ابتداءً، ثمَّ إنَّه يرتفع في أثناء الصلاة، وقد اتّضح حال ذلك ممّا قدّمناه، فإنَّ الخوف إنمَّا يقتضي صحّة هذه الصلاة. أو بتعبيرٍ آخر: صحّة الإتيان بالأعمال المنافية للصلاة الاعتياديّة حال وجوده، وأمّا بعد ارتفاعه، فالإتيان بتلك الأعمال بنحوٍ مُبطِلٍ يكون مُفسِداً للصلاة لا محالة.
وبناءً عليه، فإذا انتفى الخوف في أثناء الركعة الأُولى، تعيّن الاستمرار بالطائفة الأُولى إلى آخر الصلاة وبنحو التمام إذا كانت رباعيّةً، وإذا انتفى الخوف حال انتظار الإمام أو بعد ذلك، فهو ما أشرنا إليه في الجهة الأُولى.
وأمّا إذا عاد سبب الخوف وتجدَّدَ موضوعُ هذه الصلاة، فإن كان بعد تجاوز المحلّ – يعني أثناء الركعة الثالثة أو الرابعة- فلا إشكال من عدم إمكان تطبيق صورة هذه الصلاة بالنسبة إليهم؛ لحرمة قطْع الفريضة وتجاوز المحلّ فيها، وإن كان لو بدأوها فعلاً، لجازت بنحو (ذات الرقاع).
وأمّا إذا كان قبل تجاوز المحلّ، وجب الاقتصار على الركعتين لا محالة، وأمّا الإتيان بصورة (ذات الرقاع) فهو موقوفٌ على عدم دخول الطائفة الأُولى في الركعة الثانية، فإنَّه بدخولهم فيها يفوت محلّ تبادل الطائفتين، وبه يفوت وقت تطبيق صلاة (ذات الرقاع) لا محالة، وإنَّما يمكن تطبيقها إذا لم يفت وقتها، وهو ما إذا زال الخوف ثمَّ عاد وهم لا يزالون في الركعة الأُولى.
ومع فوات محلّ تطبيق هذه الصلاة، يُقتصر على ركعتين اعتياديّتين؛ لعدم تجاوز محلّ القصر، ثم يمكن أن يصلّي القومُ الباقون صلاة (ذات الرقاع) مع إمامٍ آخر، أو مع الإمام نفسه بناءً على جواز الائتمام بالمعيد المنتفل.
فهذا هو ملخّص القول في انتفاء شرط الخوف. ويُلحق به تماماً شرط
ــــــ[299]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
مطابقته للواقع، فإنَّ قيام دليلٍ معتبرٍ على عدم المطابقة، مساوقٌ لانتفاء الخوف أو -على الأقلّ وما هو المهمّ- لانتفاء ما هو تمام الموضوع للحكم الشرعيّ بمشروعيّة هذه الصلاة.
ومعه تأتي تمام التفاصيل التي قلناها – لو كان ثبوت عدم المطابقة في أوّل الصلاة أو في آخرها أو في أثنائها- بما لا داعي إلى تكراره.
وأمّا انتفاء شرط الأمن في الجملة، بمعنى الانتقال إلى حالة شدّة الخوف، فالكلام فيه يقع أيضاً في جهتين:
• الجهة الأُولى: في صورة انتفاء هذا الشرط في أوّل الصلاة، وتجدّد حدوثه في أثنائها، فكانت الحالة هي حالة شدّة الخوف، وقد بدأوا بصلاة (ذات الرقاع)، ثمَّ زالت الشدّة وحدث الأمن في الجملة، أو حدث الأمن المطلق.
والكلام في مشروعيّة الابتداء بهذه الصلاة عند شدّة الخوف، لا يدخل تحت ضابط معيّنٍ، بل لابدَّ أن يَنظر كلُّ مكلّفٍ إلى تكليفه ومقدار ما يستطيع أن يؤدّيه، وهذا يختلف باختلاف مقدار شدّة الخوف ومقدار الحاجة إلى العمل المضادّ لهذا الخوف.
فإذا اقتضت الحاجة والمصلحة التفرّق عن صلاة الجماعة والمبادرة إلى عملٍ معيّنٍ، وجب الإتيان به وترْك الشروع في الصلاة لا محالة، ومع الشروع بها تقع باطلةً؛ لكونها عبادةً منهيّاً عنها، حتّى على القول بعدم النهي عن الضدّ، فإنَّه ممّا يندرج في نفسه إمّا بحرمة الفرار من الزحف أو بإلقاء النفس في التهلكة، ونحو ذلك من العناوين المحرّمة.
ولا يصحّحها التصرّف في النيّة، على النحو الذي قلناه في صورة انتفاء
ــــــ[300]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
شرط الخوف؛ وذلك لحرمة الجماعة بكلا نحويها ـاعتياديّة وذات الرقاع ـ فيما نحن فيه، وجوازها بالنحو الاعتيادي حال البدء فيما سبق. وإذا بدأت الصلاة باطلةً، أدّى ذلك إلى بطلان الجميع كما هو واضحٌ.
وأمّا إذا لم تقتضِ المصلحةُ وجوبَ التفرّق وإنَّما اقتضت الإيماء بالخصوص – مثلاً – وقلنا بجواز انعقاد الجماعة إيماءً، أمكن القول بمشروعيّة الشروع فيها، ويستمرّ فيها على نحو صلاة الجماعة الاعتياديّة قصراً، لا على نحو (ذات الرقاع)، إلَّا إذا قلنا بجوازها إيماءً أيضاً.
ومتى انعقدت هذه الصلاة مشروعةً، كان استمرارها موقوفاً على عدم شدّة الحالة المؤدّية إلى وجوب التفرّق من ناحية، وعلى عدم زوال سبب الخوف من ناحيةٍ أُخرى، فإن اشتدّ الحال عَمِل كلُّ فردٍ بمقتضى تكليفه الفعليّ، بما لا يدخل تحت ضابطٍ معيّنٍ، وإذا ارتفع سبب الخوف كان ما أتوا به صحيحاً واستمرّوا بصلاةٍ اعتياديّةٍ تامّةٍ، سواء كان مع الطائفة الأُولى أو الثانية، وأمّا إذا تحسّن الحال ولكن بقيَ الخوف في الجملة، فإنَّ الاستمرار بصلاة (ذات الرقاع) يكون جائزاً كما هو واضحٌ.
ويتفرّع على ذلك ما لو تغيّر الحال مرّةً أُخرى، فتكون للمسألة صورٌ كثيرةٌ، انقدح الكلام فيها ممّا سبق. لكن يحسن التعرّض إلى بعضها لزيادة الإيضاح.
فمنها: ما لو انعقدت الصلاة مشروعةً، فطرأت حالة شدّة الخوف، وقبل المبادرة إلى التفرّق رجع الأمن في الجملة، فإنَّهم يستمرّون بصلاة (ذات الرقاع).
ومنها: نفس الفرض السابق مع عَوْد الأمن التامّ، فإنَّهم يستمرّون في
ــــــ[301]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الصلاة الاعتياديّة تماماً، سواء في الطائفة الأُولى فيتمّ بها الصلاة، أو الثانية فكذلك.
ومنها: نفس الفرض، لكنّهم تفرّقوا في شدّة الخوف بمقتضى تكليفهم، واستمرّوا بالصلاة الانفراديّة بحسب الإمكان كما سيأتي في المقام الثالث. ففي مثل ذلك يمتنع الاستمرار بصلاة الجماعة لو هانت الحالة، بل حتّى لو ارتفع سبب الخوف بالكليّة. غاية الأمر: يؤدّي المكلّف ما تبقّى من ركعات صلاته – لو كان- بالنحو المناسب مع الحالة الجديدة. فلو رجع الأمن المطلق، وجبت عليه الصلاة الكاملة التامّة لو لم يكن قد انفلت من الصلاة فيما سبق، فيضيف إليها ركعتين بركوعٍ وسجودٍ. كلّ ذلك منفرداً، ولا تنعقد الجماعة بعد التفرّق:
أوّلاً: لأنَّ عود الائتمام بعد الانفراد ممّا لا يجوز إلَّا في موردٍ دلّ الدليل على جوازه، وليس في هذا المورد دليلٌ من هذا القبيل.
وثانياً: لأنَّ المصلّين لازالوا حال تفرّقهم مشتغلين بالصلاة على الفرض، ورجوعهم إلى الجماعة يستدعي حركةً منافيةً للصلاة لا محالة، وهي غير جائزةٍ بعد فرض ارتفاع حالة شدّة الخوف، فيدور الأمر بين بطلان الصلاة والائتمام. ومن المعلوم أنَّ إبطال الصلاة منهيٌّ عنه بحرمة قطع الفريضة، وهو مقدّمٌ على الأمر الاستحبابي بالجماعة كما هو واضحٌ.
ومنها: انعقاد الصلاة مشروعةً ثمَّ ارتفع سبب الخوف بالكليّة، ثمَّ عاد الخوف في الجملة. وفي مثله يبنون على تكليفهم حال الأمن لا محالة كما أشرنا إليه، فإن عاد الخوف بعد فوات محلّ صلاة (ذات الرقاع)، كما لو كانت الطائفة الأُولى قد دخلت في الركعة الثانية، أو دخلت الثانية في الركعة الثالثة
ــــــ[302]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أو ما بعدها، فحينئذٍ يتعيّن عليهم الإتمام فيما هم فيه. وإن عاد الخوف في الجملة قبل فوات المحلّ، أمكن الاستمرار بنحو (ذات الرقاع) كما قلنا.
ومنها: نفس الفرض، لكن عادت بعد الأمن حالةُ شدّة الخوف بنحوٍ موجِبٍ للتفرّق، فإن تفرّقوا ففيه ما قلناه: من عدم إمكان عَوْد انعقاد الجماعة مرةً ثانيةً بنفس الصلاة وإن لم يتفرّقوا. فإن استمرّت الحالة كما هي، فقد عملوا حراماً وكانت العبادة باطلةً لا محالة، وإن هانت الحالة وعادت إلى الخوف في الجملة قبل مضيّ وقتٍ يتمّ فيه التفرّق، أمكن الاستمرار بصلاة (ذات الرقاع)، وإن عاد الأمن المطلق، استمرّوا بالصلاة التامّة حسب تكليفهم. فهذه هي جملة من الصور الرئيسيّة في المسألة، ومنها يتّضح حال الصور الأُخرى.
فهذا هو حال انتفاء شرط الأمن في الجملة في أوّل الصلاة، وقد عرفنا أنَّه لا يكون مضرّاً بمشروعيّة الصلاة ما لم يؤدِّ الحال إلى شدّة الخوف ووجوب التفرّق، أو أن يرتفع الخوف بالكليّة.
• الجهة الثانية: ما إذا كان انتفاء شرط الأمن في الجملة حاصلاً في آخر الصلاة، بمعنى أنَّ الصلاة انعقدت مشروعةً حال توفّره، ثمَّ طرأ انتفاؤه، فهذا ما سبق أن فصّلنا القول فيه، وذكرنا جملةً من صوره في الجهة السابقة، فلا نعيد.
ولا يفرق عمّا قلنا إلَّا في فرض مشروعيّة الصلاة من حين ابتدائها هنا، على حين لم يكن الفرض في الأوّل هو ذلك، فإنّنا قد عرفنا أنَّها قد تكون مشروعةً ابتداءً وقد لا تكون. وجميع ما قلناه من صور المشروعيّة جارٍ في المقام. فهذا هو الكلام في تخلّف هذا الشرط.
وأمّا شرط إمكان الانقسام إلى طائفتين، فتخلّفه وانتفاؤه يوجِب انتفاء
ــــــ[303]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
صورة صلاة (ذات الرقاع) أساساً كما عرفنا، كما لو كان المأموم واحداً لا ثاني له، أو كان متعدّداً والتحقوا جميعاً بالإمام في صلاته، أو التحق بعضهم وكان البعض الآخر لا يرغب بالصلاة جماعةً، فإنَّه ممّا لا محذور فيه سوى عصيان هذا الأمر الاستحبابي كما عرفنا. أو كان لهم أعمالٌ شخصيّةٌ أو حربيّةٌ ضروريّةٌ أو واجبةٌ شرعاً أو كانت حالتهم هي حالة شدّة الخوف، بحيث يحرم عليهم الالتحاق بصلاة الجماعة، ففي كلّ هذه الصور لا يمكن انعقاد صلاة (ذات الرقاع)، بل يتعيّن على الإمام إتمام الصلاة مع مَن بدأ الصلاة بهم لا محالة.
وبناءً على ذلك، لا معنى لأن نقسّم الكلام إلى ما إذا كان تخلّف هذا الشرط في أوّل الصلاة أو في آخرها، كما كان الحال في الشروط السابقة، فإنَّ تخلّفه أمرٌ وحدانيٌّ ساري المفعول من أوّل الصلاة إلى آخرها، وموجِب لعدم انعقادها بتلك الكيفيّة.
نعم، إحراز عدم توفّر هذا الشرط في مرحلة الإثبات قد يكون قبل الصلاة، وقد يكون في أثناء الركعة الأُولى، وقد يكون بعد انتظار الإمام وانفلات الطائفة الأُولى. فعلى الأوّل: يجب البدء بصلاةٍ اعتياديّةٍ أساساً، ولو نُوِيَتْ (ذات الرقاع) كان تشريعاً محرّماً. وعلى الثاني: يجب الاستمرار بالصلاة الاعتياديّة قصراً حال الخوف. وعلى الثالث: يُتمّ الإمام صلاته منفرداً لا محالة، وتصحّ صلاة الطائفة الأُولى؛ لفرض وجود احتمال التحاق الطائفة الثانية أثناء اشتغالهم بالصلاة.
شرط تأثير القصر في إزالة سبب الخوف
وأمّا شرط تأثير القصر في إزالة سبب الخوف أو تخفيفه أو محاولة تذليله، فيقع الكلام فيه أيضاً في جهتين:
ــــــ[304]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الجهة الأُولى: فيما إذا كان انتفاء هذا الشرط حاصلاً في أوّل الصلاة ثمَّ تحقّق في أثنائها.
والكلام فيما ينويه المكلّف ابتداءً كالكلام في تخلّف الشرط الأوّل، فإنَّ نيّة صلاة (ذات الرقاع) ابتداءً تشريعٌ باطلٌ. بل يجب عليه إذا أراد أن يصحّح صلاته -على أيّ حال- أن ينوي واقع ما سيدخل في تكليفه، فإن تغيّر الموضوعُ وتجدَّدَ حصولُ الشرط، استمرّ بالصلاة بنحو (ذات الرقاع)، وإن لم يتغيّر، تعيّن الاستمرار بالجماعة اعتياديّةً.
وقد اتّضح بما لا مزيد عليه صور وجود الشرط وتخلّفه، سواء قبل فوات محلّ صلاة (ذات الرقاع) أو بعده، وسواء مع فرض ارتفاعه بعد ذلك أو عدمه، وكلّه بعينه ينطبق هنا، مع تغيير عنوان الشرط إلى الشرط الذي نتكلّم عنه.
نعم، يبقى الكلام في تصوير انتقال حال المكلّف من شخصٍ يعلم بفائدة القصر في تخفيف حاله، إلى شخص لا يعلم بذلك أو يحرز العدم. فإنّنا ذكرنا أنَّ اختلاف هذا الحال منوطٌ باختلاف أسباب الخوف، فمن أسبابه ما يكون المسارعة إلى إزالته أو تخفيفه ضروريّةً، فيجري القصر في تخفيف الحال، ومن الأسباب ما لا يكون كذلك، فيكون حال المكلّف بالنسبة إلى القصر والتمام واحداً، ومعه لا يجوز له القصر لا محالة.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنَّ انتقال حال المكلّف أو الجماعة بالنحو المشار إليه تارةً يكون لأجل تغيّر السبب، من سببٍ لا يجدي القصر في تذليله إلى سببٍ يجدي فيه، أو بالعكس، وأُخرى يكون مع انحفاظ السبب بنفسه، ويعود ذلك إلى قناعة المكلّف أو الجماعة بحسب المصالح الوقتيّة التي
ــــــ[305]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
يعيشونها حال الخوف، فقد يتصوّر أنَّهم يقتنعون بفائدة القصر، ثمَّ يقتنعون بعدم جدواه أو بالعكس بالنسبة إلى سببٍ معيّنٍ، ومن المعلوم أنَّ كلّ مكلّفٍ من الجماعة يعمل بحسب قناعته الخاصّة في تشخيص هذه الصغرى، سواء في السبب الواحد أو الأسباب المتعدّدة، ويتوقّف صحّة صلاته وأعمالها على تشخيصه واجتهاده في الموضوع الخارجيّ لا محالة.
• الجهة الثانية: فيما إذا بدأت الصلاة مع إحراز تأثير القصر، وجدواه في إزالة أو تخفيف سبب الخوف، ثمَّ زال هذا الإحراز وتبدّلَ إلى إحراز العدم. وفيه جميع الصور التي أشرنا إليها في الجهة الأُولى، فلا نعيد.
وينبغي الإشارة إلى أنَّ المدار في وصول هذا الشرط إلى المكلّف ليس هو إحراز وجوده بنحو القطع واليقين فقط، بل يكفي الاحتمال العقلائي في سببيّة القصر للنجاة أو التخفيف، فإنَّه ممّا يترتّب عليه جواز القصر لا محالة؛ لاتّحاد ملاكه مع القطع؛ ولأنَّه ينتج عن ضمّ دليل وجوب القصر عند الخوف إلى قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل العقليّة، فتأمّل.
وعلى أيّ حالٍ فيمكن أن يُقال: إنَّ القصر في صورة إحراز سببيّته للنجاة أو التخفيف يكون بنحو العزيمة، وفي صورة الترجيح العقلائي يكون رخصةً، وفي صورة الاحتمال الضعيف والقطع بالعدم يكون بدعةً.
هذا، وأمّا الشرطان الأوّلان فيجب إحرازهما لا محالة، على ما هو القاعدة في كلّ موضوعٍ، ليترتّب عليهما الحكم بمشروعيّة هذه الصلاة وصحّتها، وأمّا الشرط الثالث وهو الانقسام، فيجب تحقّقه في الخارج فعلاً، بغضّ النظر عن وصوله احتمالاً أو يقيناً.
فهذا هو حال تخلّف أحد الشروط في صلاة (ذات الرقاع).
ــــــ[306]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وأمّا صلاة (عسفان)، فلم يتحصّل لها من الشروط إلَّا كون العدوّ إلى جهة القبلة، كما هو المستظهر من دليلها كما عرفنا. وإلَّا كون إقامتها قصراً سببٌ في زوال الخوف أو تقليله، كما احتملناه.
والكلام في تخلّف أحد هذين الشرطين في ابتداء الصلاة أو في أثنائها أو قبل انتهائها، ظهر ما هو مقتضى القاعدة فيه ممّا سبق، وإن كانت ترجّح الإشارة الإجماليّة إلى ذلك.
أمّا تخلّف أحد هذين الشرطين في أوّل الصلاة، فيجعل نيّتها غير مشروعةٍ إلَّا بما أشرنا إليه من نيّة الواقع الذي سيكون مكلَّفاً به في أثناء الصلاة على إجماله، وبعد ذلك إذا تحقّق الشرط كان لهم الإتيان بصورة هذه الصلاة، وإلَّا استمرّوا على الصلاة الاعتياديّة.
وأمّا ارتفاع الشرط بعد وجوده، فإن كان حال ائتمام الصفّ المتأخّر والتحاقه بالجماعة، استمرّوا معهم في صلاةٍ اعتياديّةٍ، ولم يكن لهم الانفراد بعد ذلك، وإن كان انفرادهم وعودهم إلى الاقتداء -حال تحقّق شرط الصلاة- صحيحاً على الفرض(1). وإن كان تخلّفهم حال انفراد الصفّ المتأخّر، لم يجز لهم الالتحاق بالجماعة مرّةً أُخرى، واستقلّ كلُّ مكلّفٍ بصلاته الانفراديّة؛ لأنَّ الجواز كان منوطاً بجواز كيفيّة هذه الصلاة، وهي منوطةٌ بالشرط المفروض عدمه.
ولو عاد السبب بعد ذلك، أمكن القول بجواز الالتحاق مع إمكانه وانحفاظ محلّه؛ لجوازه أساساً في هذه الصلاة، وإن كان يمكن الطعن في ذلك بدعوى: أنَّ المفروض عدم جواز عود الائتمام بعد الانفراد بمقتضى القاعدة
ــــــ[307]ـــــــ
( ) يعني: على تقدير صحّة سند دليل هذه الصلاة (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
العامّة، خرجنا من ذلك بدليل هذه الصلاة على الفرض، بالتحاقٍ معيّنٍ يكون بعد سجود الركعة الأُولى وبعد سجود الركعة الثانية. وأمّا إذا تجاوز المصلّي هذا الحدّ، فنشكّ بجواز التحاقه لا محالة، ولا عموم في المخصّص يشمله، فيُشمل تحت عموم المنع لا محالة.
وهذه الدعوى تامّةٌ إن لم يكن تجريد دليل هذه الصلاة عن خصوصيّة الانفراد في محلٍّ معيّنٍ من الصلاة، كما لا يبعد؛ لورود الحكم بجواز الالتحاق مقيّداً، ولا قرينة على استفادة الإطلاق. هذا وإنَّ الكلام في إمكان انتفاء الشرط الثاني وعدمه، ما سبق في الصلاة السابقة.
وأمّا صلاة (بطن النخل)، فقد سمعنا عن الذكرى(1) اشتراطها بعدّة شروطٍ، تحصّل منها ولو احتمالاً أمران: الخوف، وإمكان افتراق المسلمين إلى فرقتين، وقد يلحق به شرط الأمن في الجملة؛ باعتبار حرمة إقامتها عند شدّة الخوف، لا محالة.
والكلام في تخلّف هذه الشروط هو الكلام في الصلوات السابقة، غاية الأمر أنَّه لابدَّ من الإشارة إلى موارد ما تختصّ به هذه الكيفيّة من الصلاة.
وذلك: أنَّ ماهيّة هذه الصلاة لا تختلف عن صلاة الجماعة الاعتياديّة، وإنَّما هي تتكوّن من صلاتين مستقلّتين، ومن هنا لا تستقل بنيّةٍ زائدةٍ على الصلوات الاعتياديّة، كما أنَّ تصحيح النيّة بالنحو الذي ذكرناه في الصلاتين السابقتين غير جارٍ هنا؛ للقطع بعدم اختلاف التكليف من حيث الأفعال.
نعم، يمكن اختلافه من حيث القصر والتمام، فينوي واقع ما سيكلّف
ــــــ[308]ـــــــ
( ) راجع ذكرى الشيعة 4: 356، كتاب الصلاة، الركن الخامس، الفصل الثاني: في صلاة الخوف، المطلب الثاني: صلاة بطن النخل.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
به من هذه الناحية، وإن كان هذا أمراً مستأنفاً باعتبار مشروعيّة نقْل النيّة واختلاف العمل عند انتقال الموضوع إلى القصر أو إلى التمام كما سبق، وإن لم يكن ذلك متوقّعاً للمكلّف منذ البدء بها.
وأمّا لو نوى القصر عند تخلّف شَرْطه، وهو الخوف في أوّل الصلاة، فإن كان بنحو التشريع، كان محرّماً وبطلت عبادته لا محالة، وإن كان بنحو قصد الإتيان بركعتين لا بشرط عن الزيادة أو نحو ذلك، وجب عليه إتمامها أربعاً إن لم يطرأ الخوف قبل فوات المحلّ أو طرأ بعده.
ولو كان شرط الأمن في الجملة متخلّفاً، بمعنى أنَّه ابتدأ بها في شدّة الخوف، كانت باطلةً من أوّلها لا محالة كما سبق؛ لكونها عبادةً منهيّاً عنها، فإن الاشتغال بها ينافي وجوب الجهاد أو وجوب المحافظة على النفس كما سبق.
نعم، لو كان شرط الانقسام متخلّفاً فلا ضير في صحّة الصلاة؛ فإنَّه شرطٌ للكيفيّة لا للصحّة كما عرفنا. فغاية ما يترتّب عليه لو صلّوا دفعةً واحدةً عدمُ الإعادة ندباً من قِبل الإمام، وهو ممّا لا محذور فيه كما هو واضحٌ.
ثمَّ إنَّه لو كانت هذه الشروط متوفّرةً في أوّل الصلاة ثمَّ انتفت – يعني الشرطين الأوّلين- في أثنائها، عمل على تكليفه لا محالة، فإن انتفى الخوف وجب الاتمام، وإن انتفى الأمن في الجملة وجبت المبادرة إلى ما تقتضيه شدّة الخوف.
فهذا بالنسبة إلى الصلاة الأُولى.
وأمّا الثانية: على تقدير عدم جوازها في غير مورد اجتماع الشروط، فكالأُولى من حيث اختصاص مشروعيّة الشروع فيها باجتماع الشروط، ولكن لا تصحّحها نيّة الواقع حتّى من ناحية القصر والتمام؛ لأنَّ هذه الصلاة الثانية لا تكون إلَّا قصراً لثبوتها تعبّداً في هذا المورد، وعدم وجود الدليل على
ــــــ[309]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ثبوتها في الأعمّ منه، بناءً على ما هو المفروض من عدم جواز اقتداء المفترِض بالمنتفِل المعيد.
فلو ارتفع الخوف في أثنائها جازَ بل وجب قطعها؛ لانتفاء مشروعيّة الاستمرار بها لا محالة. ومعه لا يفيد عَوْد الخوف مرّةً أُخرى؛ لمضي زمانٍ في أثناء الصلاة لم تكن فيه مشروعةً، وإذا بطل البعض بطل الكلُّ كما هو واضحٌ، وأمّا لو انتفى الأمن في الجملة، وجبت المبادرة إلى ما هو التكليف في شدّة الخوف، فلو أمكن الاستمرار بالجماعة إيماءً جاز؛ لانحفاظ مشروعيّتها حينئذٍ بهذا المقدار. وإلَّا وجب التفرّق والإتمام منفرداً.
وأمّا افتراض انتفاء شرط إمكان الانقسام في مبدأ الصلاة أو في أثنائها، فهو ممّا لا معنى له، أمّا في الأثناء فواضحٌ، وأمّا في المبدأ فالمفروض أنَّه قد أمكن الانقسام في المرتبة السابقة، وصلّت الطائفة الأُولى صلاةً وجاء دور الطائفة الثانية، ولا حاجة إلى انقسام هذه الطائفة بدورها.
وأمّا لو قلنا بجواز الاقتداء بالمنتفِل، فإنَّه يمكن إقامتها حال الأمن والاختيار فضلاً عن غيره، ولعلّ الأمر لا يقتصر على طائفتين أو صلاتين، بل للمكلّف أن يعيد صلاته استحباباً عدّة مرّات؛ لأجل ائتمام جماعةٍ في كلّ مرّةٍ لو جوّزنا ذلك.
هذا، وإنَّ حال الشكّ في تحقّق هذه الشروط بناءً على عدم جواز الاقتداء إلَّا تعبّداً، حاله في صلاة (ذات الرقاع)، فلا نعيد.
هذا هو تمام الكلام في هذه التتمة.
وبه ينتهي الكلام في المقام الثاني، في الصلاة المشروعة حال الخوف مع الأمن في الجملة.
ــــــ[310]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

المقام الثالث
في صلاة شدّة الخوف
• الجهة الأُولى: الاستدلال على القصر من حيث الكمّيّة
• الجهة الثانية: الاستدلال على القصر من حيث الكيفيّة
 الناحية الأُولى: في الاستدلال بالآيات
 الناحية الثانية: في الاستدلال بالقواعد العامّة
 الناحية الثالثة: في الاستدلال بالأخبار الخاصّة
• الجهة الثالثة: مباحث وأحكام متعلّقة بصلاة شدّة الخوف
 الفصل الأوّل: جواز البدار
 الفصل الثاني: مطابقة الخوف للواقع
 الفصل الثالث: كون القصر مؤثّراً في نجاة المكلّف
 الفصل الرابع: ترتيب مراتب الخوف
 الفصل الخامس: تحقيق حال النيّة
 الفصل السادس: سقوط الأوامر الضمنيّة المتعلّقة بالأجزاء والشرائط
 الفصل السابع: ثلاث شروط للانتقال إلى البدل التنزيلي
 الفصل الثامن: في حصول شدّة الخوف في بعض الصلوات دون البعض
 الفصل التاسع: قضاء صلاة شدّة الخوف
ــــــ[311]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ــــــ[312]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

[تمهيد]
قالوا(1): وهو أن ينتهي الحال إلى المواقفة والمنازلة والمعانقة والمسايفة والمراماة ونحو ذلك.
أقول: هذا بالنسبة إلى الحرب، ومثل هذه المرتبة من الضرر والخطر بالنسبة إلى غيره، كما لو كان هناك سبعٌ يركض خلفه أو ماءٌ يحاول أن يغرقه، وهكذا.
وتعميمه إلى غير الحرب هنا مشهورٌ، وعليه الأدلّة على ما يأتي، ولا مجال لتخيّل الاختصاص، كما كان في فرض الأمن في الجملة، كما أنَّ المراد من الخوف هو ما ذكرناه من توقّع الضرر وإن تجرّد عن الحالة النفسية الخاصّة، وإن كان اقترانه بها في شدّة الخوف أكثر، واختصاص المقام بزيادة الضرر والخطر واضحٌ، ويترتّب عليه عدّة أحكام يأتي التعرّض لها تباعاً.
أحدها: أولويّته بقصر صلاته.
ثانيها: سقوط جملةٍ من واجبات الصلاة والإتيان بالباقي إن أمكن.
ثالثها: سقوط جملة من شرائط الصلاة، كالقبلة، والطهارة الخبثية،
ــــــ[313]ـــــــ
( ) راجع الخلاف 1: 644، كتاب صلاة الخوف، المسألة 416، المهذب 1: 114، كتاب الصلاة، صلاة المطاردة، شرائع الإسلام 1: 121، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع في صلاة الخوف، وتحرير الأحكام 1: 331، كتاب الصلاة، المقصد الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، السادس عشر: صلاة شدّة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والاستقرار وغيرها، وغير ذلك من الأحكام.
ومن المعلوم أنَّ شدّة الخوف ممّا لا ضابط يضبطها، بل تختلف شدّةً وخفّةً في كلّ مكلّفٍ وباختلاف الظروف والأحوال. وقد عرفنا أنَّ نحواً قليلاً منها تجوز فيه صلاة الجماعة إيماءً. وقد يزداد فيجوز فيه الصلاة على الدابّة مع الركوع والسجود الممكن، فيسجد على قربوس سرجه كما يأتي. وقد يزداد فيومئ برأسه أو بعينيه فوق الدابّة، وقد يزداد فتصبح الركعة تسبيحةً كبرى، وقد يزداد فتصبح تكبيرةً واحدةً، كما سيأتي. فخذ هذا بنظر الاعتبار أثناء التعرّض للأدلّة.
وعلى أيّ حالٍ، فالمهمّ التعرّض إلى عدّة جهاتٍ:
ــــــ[314]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

الجهة الأُولى
في الاستدلال على قصر هذه الصلاة من حيث الكميّة
[وذلك] بمعنى أنَّ الرباعية تصبح ركعتين. ويتمّ ذلك بعدّة وجوه واضحة:
• الأوّل: التمسّك بالعموم الدالّ على وجوب القصر عند الخوف، وهو قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا} على ما سبق من تحقيق دلالته في المقام الأوّل من هذه الرسالة. وأمّا الصغرى -وهو تحقّق الخوف- فمفروضة الوجود كما هو واضحٌ.
• الثاني: التمسّك بالأولويّة القطعيّة، بعد العلم أنَّ القصر في الخوف إنَّما شُرّع للتخفيف عن حال المكلّف وتيسير نجاته، وإعطائه الفرصة للعمل على تذليل سبب الخوف بمقدار مستطاعه، والمكلّف في شدّة الخوف أحوج وجداناً إلى التخفيف عن حاله في صورة الأمن في الجملة.
• الثالث: التمسّك بالأخبار الخاصّة الواردة في المقام، والسالمة عن المعارض في دلالتها المطلوبة، كخبر محمّد بن عذافر عن أبي عبد الله× قال: >إذا جالت الخيل تضطرب بالسيوف أجزأه تكبيرتان<(1)، فهذا تقصيرٌ آخر.
ــــــ[315]ـــــــ
( ) تهذيب الأحكام 3: 300، كتاب الصلاة، باب 29، الحديث 4، الكافي 6: 571، كتاب الصلاة، الباب 87، الحديث 1، وسائل الشيعة 8: 445، باب 4 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 7.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ومرسلة عبد الله بن المغيرة عن الصادق× قال: أقلّ ما يجزي في حد المسايفة عن التكبير تكبيرتان لكلّ صلاةٍ، إلَّا المغرب فإنَّ لها ثلاثاً<(1).
وكلتا الروايتين واضحتان، وخاصّةً الأخيرة، في اعتبار التكبيرة الواحدة بدل الركعة الواحدة، فتصبح الصلاة الثنائية والرباعيّة تكبيرتين، والثلاثيّةُ ثلاث تكبيرات، ومنه نُدرك باللزوم البيِّن مشروعيّة القصر على أقلّ تقدير. إلَّا أنَّ هذا الوجه إنَّما يتمّ على تقدير صحّة هذه الأخبار سنداً، وهي لم تثبت.
• الرابع: التمسّك بقاعدة لا ضرر ولا حرج، فإنَّ شدّة الخوف من الحرج العظيم ابتداءً ومن الضرر العظيم بلحاظ سببه، إن لم يكن ضرراً بنفسه أيضاً. ولا إشكال أنَّ طول الانشغال عن السبب المخوف، ممّا يزيد الضرر والحرج، ومن هنا يكون الانشغال بالركعتين الأخيرتين من الرباعيّة ضرراً وحرجاً، فيكون مقتضى هاتين القاعدتين انتفاءَهما.
إلَّا أنَّه يمكن المناقشة في هذا الوجه:
أوّلاً: بأنَّ القصر لو كان هو مجرّد عدم الإتيان بالركعتين، لكان للقول بسقوط وجوبهما الارتباطيّ – بعد العلم بأنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ، والقصر هو الشكل الشرعيّ الوحيد للتخفيف- وجهٌ وجيهٌ، إلَّا أنَّ القصر كما أثبتنا في (مداركنا)(2) عنوانٌ وجوديٌّ مستقلٌّ عن التمام بحسب الفهم العرفيّ
ــــــ[316]ـــــــ
( ) الكافي 6: 572، كتاب الصلاة، الباب 87، الحديث 3، تهذيب الأحكام 3: 174، كتاب الصلاة، الباب 13، الحديث 4، وسائل الشيعة 8: 444، باب 4 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 3.
(2) راجع مدارك الآراء: 193: المقام الثاني، في عكس المسألة، الجهة الثالثة، الأمر الثالث.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والشرعي، ومعه يبتني القول بإمكان إثباته بلا ضرر أو لا حرج، على مبنى مَن يقول: بأنّهما مثبتان للأحكام، وهو ممّا لا نقول به.
وثانياً: أنَّ هذا الوجه ممّا لا كلّيّة له، بمعنى أنَّه قد تكون الركعتان زيادة حرجٍ بالنسبة إلى المكلّف وقد لا تكون، كما في المخاوف التي لا يختلف حالها باختلاف عمل المكلّف، وكما إذا حكمنا بالقصر من حيث الأعمال والكيفيّة في الصلاة على ما سيأتي، فقد تصبح الركعتان الأخيرتان عبارةً عن تكبيرتين أو ما هو أقلّ من ذلك، وقد لا يكون فيهما مزيد ضررٍ أو حرجٍ بالنسبة إلى المكلّف.
وعليه فالمهمّ هو الوجه الأوّل، ومع التنزّل عنه وافتراض إجمال الدليل فالوجه الثاني؛ وكلاهما ينتج وجوب القصر في المقام.
ــــــ[317]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

الجهة الثانية
في الاستدلال على قصْر صلاة شدّة الخوف من حيث الكيفيّة، وسقوط بعض الأفعال الثابتة في حال الاختيار عنها، في الجملة
والكلام في هذه الجهة يقع في نواحٍ ثلاث بلحاظ أنَّ الدليل تارةً هو الكتاب الكريم، وأُخرى هو القواعد العامّة، وثالثة هو الروايات الخاصّة.
الناحية الأولى: في الاستدلال بالكتاب الكريم
وهي قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا….}(1) الآية.
ظهورات الآية
وتتلخّص ظهورات الآية فيما يلي:
◘ الظهور الأوّل: أنَّها تأمر أوّلاً: بالصلاة الجامعة للأجزاء والشرائط. إمّا بقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ}(2)، وإمّا بقوله: {وَقُومُوا لِلَّهِ}(3)، والأوّل أظهر؛ لأنَّ المحافظة على الصلاة يقتضي امتثالها وعدم العصيان، والامتثال للأوامر الأوّلية المتعلّقة بالصلاة يقتضي الإتيان بها جامعة للأجزاء
ــــــ[318]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآيتان: 238-239.
(2) سورة البقرة، الآية: 238.
(3) سورة البقرة، الآية: 238.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والشرائط لا محالة.
فإن قيل: لعلّ المراد هو الأعمّ من الأوامر الأوّليّة والثانويّة.
قلنا: إن كان ذاك محتملاً في غير الخوف فهو غير محتملٍ فيه؛ بقرينة النصّ عليه في ذيل الآية وتخصيصه بالذكر، وهو ظاهرٌ بكون المراد ممّا قبله ما سواه لا محالة. وبهذا المقدار يتمّ فرضنا، سواء كان المراد المحافظة على الأوامر الثانويّة من جهاتٍ أُخرى كالسفر مثلاً أو لم يكن.
وأمّا الأمر بالقيام لله تعالى، فهو وإن كان يمكن أن يكون المراد به تكرار نفس المعنى وتأكيده، إلَّا أنَّه مضافاً إلى أنَّه خلاف الظاهر، فإنَّه ظاهرٌ بأمرٍ آخر، وحاصله: الاستمرار على عبادة الله وطاعته والمواظبة على الصلوات وتكرارها بحسب الإمكان ونحو ذلك. وهو وإن كان يتضمّن امتثال الصلوات الواجبة لا محالة، إلَّا أنَّه أعمّ منه. وهو الموافق لظهور العطف بالتغاير، وكون التكرار أمراً مستأنفاً إن لم يكن لغواً.
فإن قيل: إنَّنا نتمسّك بالدلالة التضمنيّة لهذا الأمر، أو بتعبيرٍ آخر: بإطلاقه للصلوات الواجبة الجامعة للأجزاء والشرائط.
قلنا: إنَّ هذا وإن كان ممكناً، إلَّا أنَّه يكون أمراً مستأنفاً بعد أن اشتملت الآية على أمرٍ خاصٍّ بالمورد، وهو الأمر بالمحافظة على الصلوات الظاهرُ بالوجوب لا محالة.
فإن قيل: إنَّ هذا الأمر بالمحافظة تكرارٌ للأوامر الأوّلية بإقامة الصلاة، والأمر المكرّر لا يفيد الوجوب.
قلنا: إنَّنا قد حقّقنا في (مداركنا) إمكان استفادة الوجوب من الأمر وإن أحرز كونه مكرّراً، وإلَّا لو صار البناء على إحراز عدم التكرار في كلّ أمرٍ
ــــــ[319]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
لانسدّت استفادة الوجوب من أكثر الأوامر وضوحاً في الشريعة، وتمام الكلام في ذلك في محلّه.
◘ الظهور الثاني: ظهور الصلوات بالصلوات اليوميّة الجامعة للأجزاء والشرائط، فهنا أمران:
• الأمر الأوّل: أنَّ الألف واللام في الصلوات للعهد إلى الصلوات اليوميّة لا للجنس؛ بقرينتين:
إحداهما: الإتيان بهذا اللفظ مجموعاً، وهو يدلّ على الإشارة إلى صلواتٍ معيّنةٍ معهودةٍ. ولو كان المراد الجنس، لكان ينبغي أن يستعمل اللفظ الموضوع للدلالة على الطبيعة بنفسه وهو (الصلاة) مفرداً، فالإتيان به مجموعاً يصرفه عن إرادة الطبيعة لا محالة، ويعيّن كون المراد بها صلواتٍ خاصّةً مقصودةً بالذات.
ثانيتهما: تخصيص الصلاة الوسطى بالذكر، ومهما كان المراد بها – وهذا خارجٌ عن الصدد- فإنَّ القدر المتيقّن من مجموع تفسيراتها أنَّها من الصلوات اليومية بلا إشكال. ومن المعلوم أنَّ تخصيص صلاةٍ يوميّةٍ واحدةٍ بالذكر من طبيعيّ الصلاة وإن كان ممكناً، إلَّا أنَّه أبعد عن الظهور بكثيرٍ من تخصيص واحدةٍ من الخمس المُشار إليها في العبارة.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ تخصيص فردٍ من نوعٍ أظهرُ من تخصيص فردٍ من جنس أعلى منه، كما هو واضحٌ. فيكون ذلك قرينةً على أنَّ المراد هو النوع وهو الصلوات اليوميّة بالخصوص.
• الأمر الثاني: أنَّ المراد بها الصلوات الجامعة للأجزاء والشرائط الثابتة بأدلّتها الأوّلية؛ وذلك لقرينتين:
ــــــ[320]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الأُولى: كونها منصرفةً لا محالة إلى ما هو الغالب في الخارج، من الإتيان بالصلوات الجامعة للشرائط. أو بعبارةٍ أُخرى: الإتيان بالصلوات بعناوينها الأوّلية دون العناوين الثانوية كالسفر والخوف والاضطرار وغيرها. فإنَّها قليلةٌ في الخارج إلى حدٍّ ينعقد الظهور بعدم إرادتها لا محالة.
الثانية: استثناء الخوف في ذيل الآية، وهو دالٌّ بوضوحٍ على أنَّ المراد من الصلوات ما لا يشمل الخوف لا محالة، وهذا كافٍ في المقصود كما قلنا.
◘ الظهور الثالث: ظهور الآية باختصاص مطلوبيّة الصلاة الجامعة للشرائط، أو بعبارةٍ أُخرى: مطلوبيّة مجموع الأجزاء والشرائط، اختصاصُهُ بحال ثبوت العنوان الأوّلي، وهو حال الأمن -على الأقلّ- دون حال الخوف.
وهذا في الجملة ممّا تكاد الآية أن تكون صريحةً به؛ لاستثناء حال الخوف بنحو القرينة المتّصلة، وتعنون العام بضدّ عنوان المقيّد المتّصل ممّا لا نشك فيه، وإن اختلفوا بذلك في المقيّد المنفصل في علم الأصول.
إلَّا أنَّ الكلام يقع في أمرين:
• الأمر الأوّل: في إمكان تعميم الحكم المقيّد لكلّ عنوانٍ ثانويٍّ لا لخصوص الخوف وحده، بدعوى أنَّ الخوف إنَّما ذُكر في الآية باعتبار اشتماله على الضرورة والضرر، فبالإمكان تجريده عن الخصوصيّة وتعميم الحكم لكلّ ضرورةٍ وضررٍ، كما هو المطابق لفتوى الفقهاء.
إلَّا أنَّ هذا مجرّد دعوى، فإنَّ ظاهر العبارة هو اختصاص الخوف بالحكم لا محالة، والاقتصار على مدلوله التحليلي خلاف الظاهر، على أنَّه فرع إلغاء احتمال اختصاص الخوف بملاك مستقلٍّ، وهو موجودٌ وجداناً ولا يمكن إلغاؤه.
فإن قيل: إنَّ معرفة اختصاصه بالمِلاك فرعُ عدم تجريده، فإن أُريد معرفة
ــــــ[321]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
عدم التجريد بالاختصاص بالملاك لدارَ.
فإنَّه يُقال: إنَّنا لا نحتاج إلى إثبات هذا الاختصاص بالدليل حتّى يلزم الدور لو كان دليله عدم التجريد، وإنَّما يكفينا الاحتمال العقلائي للاختصاص، بحيث يمنع العقلاء مع الالتفات إليه من فهْم التجريد، وهو موجودٌ وجداناً فتأمّل.
ومطابقته لفتوى الفقهاء لا يكون مؤيِّداً؛ لأنَّ للفقهاء أدلّةً أُخرى غير هذه الآية، ونحن نتكلّم في الآية فعلاً منعزلةً عن الأدلّة الأُخرى، وبعد ما عرفنا من عدم ظهورها لا تصلح أن تكون مدركاً للفتوى.
وعلى أيّ حال، فهذا الأمر غير مهمٍّ؛ لأنَّ كلامنا في مورد الآية بعينه وهو الخوف، سواء أمكن التعميم أو لا.
• الأمر الثاني: في مقدار ما تدلّ عليه الآية من سقوط الأجزاء والشرائط حال الخوف.
فإنَّنا غاية ما استفدنا من التقييد -إلى الآن- هو عدم مطلوبيّة مجموع الأجزاء والشرائط المطلوبة حال الأمن، بالعنوان الأوّلي، وأمّا أنَّه ماذا يبقى وماذا يسقط بعينه بعد سقوط الأمر بالمجموع، فهو ما نراه فيما يلي:
لا شكّ أنَّ مقتضى القاعدة الأوّليّة -بعد البناء على بساطة الأوامر وعدم تركّبها كما هو المحقّق في علم الأُصول، والبناء على تعلّق أمرٍ واحدٍ بالأجزاء المترابطة لا يمكن ثبوت بعضه وسقوط الآخر- يكون سقوط
ــــــ[322]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أصل الأمر بالصلاة عند امتناع بعض أجزائها تكويناً أو تشريعاً.
◘ إلَّا أنَّه دلّ الدليل على أنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ، بل لا يبعد ظهور الآية في ذلك، وهو ظهورها الرابع. إمّا بنفسها باعتبار أنَّها دالّةٌ على وجوب الصلاة عند الخوف، مع العلم بسقوط الأمر الأوّل. وإمّا بدعوى ظهور سياقها بالإشارة إلى القاعدة المسلّمة قبل نزول الآية، وهي أنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ، وما في الآية من الترخيص عند الخوف متفرّعٌ على ذلك.
وحيث ثبتت هذه القاعدة من خارج الآية ومن داخلها، إذن فهي تدلّ على وجوب الأمر بالباقي بعد تعذّر بعض الأجزاء لا محالة:
إمّا بالملازمة، فإنَّ لازم كون الصلاة غير ساقطةٍ، كون الأمر بها ثابتاً ولو بأمرٍ جديدٍ بعد سقوط الأمر الأوّل.
◘ وأمّا بالدلالة اللفظية، وهو ظهورها الخامس. وذلك بأن يُقال: إنَّ قوله تعالى: {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا}(1) فيه لفظٌ مقدّرٌ لا محالة يصلح عاملاً للحال المنصوبة في اللفظ، وتقدير هذا العامل معلومٌ ممّا تقدّم، وحيث عرفنا أنَّ المراد بما تقدّم هو الأمر بالصلاة، فيكون التقدير: فصلّوا رجالاً أو صلّوا ركباناً. والتقدير بهذا النحو واضحٌ، فيكون كالموجود فتدلّ الآية على الأمر بالصلاة حال الخوف.
لا يُقال: إنَّ هذا الأمر واردٌ في مقام توهّم الحظر، فغاية ما يدلّ عليه هو الجواز.
فإنَّه يُقال: هذا إنَّما يُتوهّم تماميّته فيما إذا كان الأمر الأوّلي بالصلاة موجوداً ويتوهّم الحظر عن مخالفته، فيرد الإذن بذلك. وأمّا حيث يكون الأمر الأوّلي ساقطاً، فوجوب أيّ حصّةٍ منوطٌ بتعلّق الأمر بها لا محالة من جديدٍ،
ــــــ[323]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 239.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ومعه لا يمكن أن ينعقد له ذلك السياق ليُستفاد منه مجرّد الجواز. وسيأتي مزيد توضيحٍ لذلك.
ومن الواضح -كالصريح- أنَّ قوله: {رِجَالاً} هو جمع (راجلٍ) لا جمع (رجلٍ)؛ لظهور مقابلته بما يليه، وقوله: {رُكْبَانًا} هو جمع (راكبٍ)، والراجل: هو الذي يمشي على رجليه، والراكب: هو الذي يمشي بواسطة الدابّة وقد يعمّ غيرها من وسائط النقل.
ولا شكّ أنَّ قوله: {رُكْبَانًا} يجيز الصلاة حال الركوب بما يستلزمه من فوات الأجزاء والشرائط بالمقدار العرفي للركوب على ما سنقول، وإنَّما الإشكال في استفادة جواز تخلّف بعض الأجزاء والشرائط من اللفظة الأُولى.
والإشكال فيه تارةً يُصاغ في نفسه مبنيّاً على أنَّ المراد بالراجل غير الراكب مطلقاً، فيُقال: إنَّ الصلاة الجامعة للأجزاء والشرائط يؤدّيها الإنسان راجلاً أيضاً، فما يبقى لتكرار ذكره من فائدةٍ؛ لأنَّه في صدر الآية أمر أيضاً بالصلاة الجامعة للشرائط.
ويُجاب هذا الإشكال، بوجهين:
الأوّل: الطعن بالمبنى، فإنَّ الراجل في اللغة ليس هو مطلق غير الراكب، وإن كان واقفاً أو مصلّياً صلاةً اعتياديّةً، بل هو خصوص الماشي الذي يستعمل رجليه فعلاً للانتقال(1)، في مقابل مَن يستعمل دابّته فعلاً لذلك. ومعه تكون الآية دالّةً على جواز الصلاة حال المشي عند الخوف. وهو أمرٌ جديدٌ وليس مكرّراً كما ادّعي.
ــــــ[324]ـــــــ
( ) أُنظر: مفردات ألفاظ القرآن: 345، كتاب الراء، ولسان العرب 11: 269، فصل الراء، والصحاح 4: 1705، فصل الراء.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الثاني: أنَّه لو سُلّم أنَّ الراجل هو مطلق غير الراكب، فإنَّه يبقى للعبارة معنىً جديدٌ يرتفع به محذور التكرار؛ وذلك: لأنَّ المأمور به في صدر الآية هو خصوص الصلاة الجامعة للشرائط، على ما فهمنا. وأمّا هنا فهو مشعرٌ بالإذن [في] ترك بعض الشرائط، بحيث للمكلّف أن يصلّي راجلاً صلاةً تامّةً وله أن يُصلّي راكباً صلاةً ناقصةً، فيكون ذكره مقدّمةً لذكر الإذن بالركوب الذي هو المقصود الرئيسي في ذيل الآية.
نعم، يبقى جواز الإتيان بالصلاة التامّة حال الخوف، فإنَّ الآية تكون دالّةً عليه في هذا الفرض، وهو لا محذور فيه ما دامت السلامة محرزةً في الجملة، فإنَّ الآية لم تتعرّض إلى خصوص شدّة الخوف كما هو واضح، وإنَّما تعرّضت إلى طبيعيّ الخوف، فإن ناسب حال المكلّف أن يصلّي صلاةً تامّةً فهو، وإن لم يستطع صلّى راكباً.
وقد يُصاغ الإشكال في ذلك بناءً على أنَّ الأمر بالصلاة التامّة مستفادٌ من قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}(1)، وذلك بأن يُقال: إنَّ القيام والوقوف وكون الإنسان راجلاً يرجع إلى محصّلٍ واحدٍ وحقيقةٍ واحدةٍ، فما الفائدة من التكرار؟ وهذا يردّه – مضافاً إلى ورود كلتا المناقشتين السابقتين فيه- أمران آخران:
الأمر الأوّل: الطعن في المبنى، فإنّنا قلنا بأنَّ الأمر بالصلاة الجامعة للشرائط مستفادٌ من قوله تعالى: {حَافِظُوا}(2) لا من الأمر بالقيام، فإن الأوّل أظهر منه وأولى بالتمسّك. ومعه ينتفي تخيّل التكرار بانتفاء الموضوع.
الأمر الثاني: أنَّنا مع التسليم بالمبنى، نستطيع أن نتصوّر معنىً جديداً
ــــــ[325]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 238.
(2) سورة البقرة، الآية: 238.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
للوقوف المفهوم من كون الإنسان راجلاً من دون أن يستلزم التكرار، ويكون لزوم التكرار قرينةً على تعيّنه لو لم يكن هناك معنىً سواه.
وذلك: بأن نفهم منه الوقوف من دون ركوعٍ وسجودٍ اختياريَّين، بل يبقى واقفاً طول صلاته ويومئ للركوع والسجود إيماءً، فيكون المراد من ذيل الآية هو أنَّه في حال الخوف يجوز أمران:
أحدهما: الصلاة قائماً إيماءً.
ثانيهما: الصلاة راكباً.
وهذا أمرٌ موافقٌ للقاعدة في نفسه كما نرى، فلو لم يكن وجهٌ سواه لتعيّن أنَّه مبنيٌّ على المبنى الباطل في نفسه، على أنَّنا ذكرنا وجوهاً أظهر منه في مناقشتنا للإشكال الأوّل، وقد قلنا إنَّها كافيةٌ في دفْع هذا الإشكال أيضاً.
فتحصّل: أنَّ الأظهر في الآية هو الموافق للمعنى اللغوي، وهو كون الراجل ماشياً، فتكون الآية دالّةً لا محالة على جواز الصلاة حال المشي والركوب عند الخوف. ومقتضى ذلك الانصراف إلى الشكل العرفيّ للمشي والركوب وعدم التقيّد بنحوٍ خاصٍّ منه، كما هو مقتضى الفَهْم العرفيّ من العبارتين، ومقتضى الإطلاق فيهما.
إلَّا أن يُقال: إنَّ إناطة ذلك بالخوف يقتضي سقوط الجزء الذي يتعذّر به وبقاء ما لم يتعذّر. وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ المستفاد من الآية هو كون الخوف جهةً تعليليّةً للسقوط، كما هو مقتضى الشرط المذكور في الآية، وهذه العلّة انحلاليّةٌ على جميع الأجزاء والشرائط لا محالة، فأيّ شرطٍ توفّرت هذه العلّة فيه أسقطتْ وجوبه لا محالة، وأيّ شرطٍ لم تتوفّر فيه يبقى على وجوبه بإطلاق دليله.
إلَّا أنَّ هذا في حدود ظهور الآية، وبغضّ النظر عن صناعة الجمع بين
ــــــ[326]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الأدلّة، ممّا لا يتمّ؛ وذلك: لأنَّ غاية ما يُستفاد من الآية كون الخوف علّةً لسقوط المجموع، وأمّا النظر إلى كلّ واحدٍ من الأجزاء والشرائط فهو غير موجودٍ في الآية. ومن هنا أجاز في حال الخوف الصلاة بدون المجموع، ولو كان التعبير هو انتفاء وجوب المجموع لاقتصرنا في انتفاء وجوب الأجزاء والشرائط على القدر المتيقّن.
ولكنّ الآية أعطتنا حالةً عرفيّةً معيّنةً تجوز الصلاة فيها حال الخوف، وهي حالة الركوب، ومن المعلوم أنَّ الركوب له نحوٌ عرفيٌّ ينصرف إليه لا محالة، ومقتضى ذلك جواز الصلاة بذلك النحو وإن سقط من الأجزاء أو الشرائط ما يمكن التقيّد بإيجاده حال الركوب، وكذلك حال المشي.
نعم، قد يكون مقتضى صناعة الجمع بين الأدلّة هو ما ذُكر، إلَّا أنَّ هذا أمرٌ يأتي التعرّض له وهو خارج عن مدار ظهور الآية، الذي هو محلّ الكلام فعلاً. على أنّنا يجب أن نفهم ظهور الآية أوّلاً، حتّى يمكن أن نجمع بينها وبين سائر الأدلّة. فالمدلول المستنتج من ظهورها متقدّمٌ رتبةً على المدلول المستنتج من الجمع الصناعي لا محالة.
◘ الظهور السادس في الآية الكريمة: وهو ظهور الشرط في كونه مسوقاً لبيان الموضوع، وهذا واضحٌ، فإنَّ الخوف موضوعٌ للحكم بجواز الصلاة ماشياً أو راكباً، ومعه لا يكون في الآية مفهومٌ.
وعلى تقدير وجوده فهو يفيد عدم جواز الصلاة ماشياً أو راكباً، أو بعبارةٍ أُخرى: يفيد وجوب العَوْد إلى الصلاة الجامعة للأجزاء والشرائط عند عدم الخوف. ومعه يكون تكراراً لِمَا في صدر الآية من الحكم(1).
ــــــ[327]ـــــــ
( ) وقد يكون هذا بنفسه دليلاً على عدم وجوده، فتأملّ (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وبعد تماميّة هذه الظهورات الستّة لابدَّ من التعرّض لمطلبين:
◘ المطلب الأوّل: في تحقيق أنَّ الأمر بالصلاة ماشياً أو راكباً، هل هو للوجوب أو للجواز؟
وما يمكن أن يقرّب فيه كونه للجواز أمران:
• الأمر الأوّل: ما سبق من دعوى: أنَّ هذين الأمرين واردان في مورد توهّم الحظر، وما كان كذلك لم يكن دالاً على الوجوب كما حُقّق في محلّه(1)، وما قلناه سابقاً: (من سقوط الأمر السابق، فيتعيّن هذا الأمر للوجوب)، غيرُ تامٍّ؛ فإنَّ سقوط الأمر لا ينافي توهّم الحظر عرفاً، بعد النظر إلى إطلاقات أدلّة الأجزاء والشرائط بالعنوان الأوّلي، فتأمّل.
وتحقيق المطلب هو: أنَّ الأمر في المقام متعلّقٌ بالمجموع المأتّي به حال الخوف، وهو متكوّنٌ من عدّة أُمور:
أحدها: ما بقي من الأفعال المأمور بها بالعنوان الأوّلي.
ثانيها: التروك البديلة للأُمور الساقطة حال الخوف.
ثالثها: الأفعال البديلة للأُمور الساقطة كالإيماء بدل الركوع والسجود ونحوه.
ولا شكّ أنَّ تعلّقه بطبيعيّ الصلاة المتمثّل بالأُمور الاختياريّة الباقية وإبدال الساقطة، تعلّقٌ إلزاميٌّ وجوبيٌّ بعد سقوط الأمر الأوّلي بالصلاة كما قلنا. وهو من هذه الناحية لم يرد مورد توهّم الحظر، فإنَّ المظنون بطبيعيّ الصلاة أن تكون واجبةً لا أن تكون محظورةً، كما هو واضحٌ.
ــــــ[328]ـــــــ
( ) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 3: 115، مباحث الدليل اللفظي، بحوث الأوامر، الجهة السادسة: دلالة الأمر في مورد الحضر.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
نعم، لهذا التوهّم في التروك مجالٌ واضحٌ؛ لكون الأجزاء كانت واجبةً حال الاختيار وكان تركها محرّماً، ومقتضى إطلاق أدلّتها بقاء الحرمة حال الخوف، فيكون الأمر وارداً مورد الحظر لا محالة.
إلَّا أنَّ هذا التقريب فيه غفلةٌ عن أمرين:
أحدهما: أنَّ المحقَّق في علم الأصول كون ترك الواجب ليس بمحرّمٍ؛ لعدم استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضدّه(1).
ثانيهما: أنَّه لو سُلّم ذلك فهي حرمةٌ وضعيّةٌ ضمنيّةٌ وليست استقلاليّةً، كما أنَّها ليست بتكليفيّةٍ إلَّا مع الترك في جميع الوقت، فتأمّل. ومعنى ضمنيّتها هو كون عصيانها مؤدّياً إلى بطلان الفرد المأتّي به، فغاية ما يُستفاد من الأمر الوارد في الآية حينئذٍ هو رفْع هذه الحرمة الضمنيّة المستلزِم لصحّة الباقي لا محالة.
وهذا أمرٌ أجنبيٌّ عن كون الأمر الوارد مورد الحظر يفيد الجواز، إلَّا إذا أردنا من الجواز الصحّة ومن الحظر البطلان، وهو كما ترى.
يبقى أنَّ سقوط هذه الحرمة هل هو بنحو العزيمة أم بنحو الرخصة؟ فهذا ما تتّضح جملةٌ من جوانبه في هذا الأمر الثاني الذي نتعرّض له فيما يلي.
• الأمر الثاني الذي يقرّب به: كونُ الأمر للجواز هو التمسّك بالتفصيل الموجود في الآية، فإنَّ مفاد قوله تعالى: {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا}(2) هو مفاد قولنا: صلّوا إمّا ركباناً وإمّا راجلين. إذن فلكلٍّ من الأمرين عدلٌ، وما له عدلٌ لا
ــــــ[329]ـــــــ
(1) راجع بحوث في علم الأُصول 3: 289 وما بعدها، مباحث الدليل اللفظي، بحوث الأوامر، مبحث الضدّ.
(2) سورة البقرة، الآية: 238.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
يمكن أن يفيد العزيمة والتعيين، بل يفيد التخيير لا محالة، ويكون الواجب هو الجامع بينهما، كما هو الحال في كلّ وجوبٍ تخييريٍّ، وهذا موقوفٌ على أمرين:
أحدهما: عدم استفادة الطوليّة بين الأمرين. فأمَّا إن استفيدت منهما -ما لا يبعد- امتنع فهْم التخيير من الآية كما هو واضحٌ. ووجه الطوليّة هو كون الصلاة حال المشي متقدّمةً رتبةً وفي خوفٍ أقلّ من الصلاة حال الركوب، ولو أمكن ضمّ دليل: أنَّ الضروراتِ تُقدّر بقدرها، إلى هذه الآية كالقرينة المتّصلة، لتعيّن الحمل على الطوليّة لا محالة.
ثانيهما: استفادة كون الجامع انتزاعياً لا طبيعيّاً مفهوميّاً، فإنَّ التخيير إنَّما يكون شرعيّاً إذا كان المأخوذ في لسان الدليل هو الجامع الانتزاعي بنفسه أو بلازمه، وأمّا لو كان المأخوذ هو الجامع الطبيعي المفهومي، فإنَّ التخيير بين أفراده يكون عقليّاً لا شرعيّاً كما هو واضحٌ.
فلعلّ الجامع هو مفهوم الصلاة عند الخوف، أو الصلاة الاضطراريّة ونحو ذلك، وما ذُكر في الآية إنَّما هو أوضح الأفراد وأشيعها، ويكون التخيير بينهما ثابتاً لكن بنحو التخيير العقليّ الشامل لهما ولغيرهما.
وفهْم كون الجامع انتزاعيّاً، أو طبيعيّاً مفهوميّاً، يتوقّف على ما سنراه في المطلب الثاني الذي نتعرّض له، من إمكان التجريد عن الخصوصيّة وفهْم الجامع الطبيعيّ وعدمه.
لا يُقال: إنَّ ظهور الأمر بالتخيير حاكمٌ على ظهور متعلّقه بالجامع المفهوميّ لو ثبت في نفسه، ولو أردنا جعل المتعلّق قرينةً من هذه الناحية لدار.
فإنَّه يُقال: إنَّ الأمر لا بمادّته ولا هيئته دالٌّ على التخيير، وإنَّما يدلّ عليه
ــــــ[330]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
للقرينة المحتفّة به، وهو وجود العدل له شرعاً، وقد عرفت أنَّ ذلك هو فرع أن يكون الجامع انتزاعيّاً لا مفهوميّاً.
◘ المطلب الثاني: في إمكان تجريد المورد عن الخصوصيّة، والاستدلال على كون المراد هو الجامع المفهوميّ الشامل للصلاة حال المشي والصلاة حال الركوب، وليس المراد هو النظر إلى خصوصيّتيهما.
والجامع المفهوميّ المدّعى، قد يكون هو عبارةً عن الباقي من الأجزاء الاختياريّة بعد تعذّر الأجزاء الأُخرى؛ بدعوى أنَّ القاعدة المعطاة في الآية تفيد سقوط بعض الأجزاء عند الخوف وبقاء وجوب الباقي. وقد يكون الجامع هو عبارة عن: الصلاة ضمن وضعيّةٍ أو حالٍ عرفيّةٍ معيّنةٍ، فكما جاز الصلاة حال المشي وحال الركوب -وهما وضعيّتان عرفيّتان، وعرفنا أنَّ مقتضى الإطلاق هو جواز الالتزام بما تقتضيه هذه الحالة عرفاً وإن سقطت بعض الأجزاء اختياراً، ولا يجب الالتزام بالإتيان بها- فكما ثبت ذلك في المشي والركوب، يثبت في كلّ وضعيّةٍ عرفيّةٍ، فلو اضطرّ في حال الخوف إلى أن يحفر لنفسه خندقاً أو مخبأً مثلاً، جاز له الصلاة حال الحفر، بما يستدعيه الحفر من الأعمال عرفاً، ويكون الزائد على ذلك مبطلاً.
وإذا دار الأمر بين هذا الجامع المفهوميّ أو ذاك، تعيّن الثاني لا محالة؛ لِمَا قلناه من أنَّ دلالة المشي والركوب على الوضعيّة العرفيّة أظهر من دلالته على الباقي من الأجزاء، فإنَّ مفهوم الباقي أمرٌ تحليليٌّ عقليٌّ وليس مفهوماً عرفيّاً، فلا يصلح أن يكون جامعاً قريباً إلى الذهن ومفهوماً من الآية. إذن فينبغي أن يكون الجامع المدّعى هو الثاني.
ــــــ[331]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الأدلّة على إرادة الجامع لسائر الوضعيات العرفيّة
وما يمكن أن يُستدلّ به على إرادة الجامع لسائر الوضعيّات العرفيّة، مع إلغاء خصوصيّة الوضعيتين المذكورتين في الآية، أُمورٌ ثلاثةٌ:
الأمر الأوّل: دعوى فهْم المثاليّة عرفاً، وإلغاء خصوصيّتَي السير والركوب، وإنَّما ذُكرا باعتبارهما الأمر الشائع حال الخوف والاضطرار، أو باعتبارهما الأكثر مخالفةً لوضع الصلاة الاعتياديّة. ومن المعلوم أنَّ هاتين النكتتين لا تمنع من إلغاء الخصوصيّة.
الأمر الثاني: أنَّ المنساق عرفاً -كما سبق من الآية- هو كون الخوف جهةً تعليليّةً لسقوط وجوب بعض الأجزاء، وإذا تمّ ذلك أمكن الالتزام بظهور الآية في دوران السقوط مدارها. وإنَّما ذُكر الأمران الموجودان في الآية باعتبارهما أوضح الموارد، لا باعتبار الانحصار. وإلَّا فمهما توفّر الخوف في وضعيّةٍ عرفيّةٍ، سقطت من الأجزاء بمقدار ما تقتضيه تلك الوضعيّة عرفاً.
ولعلّ التنافي منتفٍ بين هذين الوجهين، وإنَّما يعتبر الثاني تعميقاً للأوّل، وإن كانا يختلفان باختلاف نقطة الاستدلال والفهْم العرفي.
الأمر الثالث: أنَّ السير والركوب يتخلّف فيهما عددٌ من أجزاء وشرائط الصلاة الاختياريّة، فيدَّعى بالقطع بالمماثلة والأولويّة: تعميم مدلول الآية إلى كلّ موردٍ أو عملٍ يُقام به حال الخوف ممّا يكون عدد الأجزاء والشرائط المتخلّفة مماثلاً لعددها في أحد ذينك الأمرين، أو أقلّ منه.
وأمّا ما يكون فيه عدد المتخلّف أكثر، فليس للآية تعرّضٌ له بناءً على هذا الوجه، بل ينبغي فهْمه من أدلّةٍ أُخرى.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ:
ــــــ[332]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أوّلاً: لأنَّه قائم على مفهوم الموافقة والأولويّة، وهو ممّا يثبت كونه من الظواهر اللفظيّة، فضلاً عن المماثلة.
ثانياً: أنَّه ممّا لا كلّية له، وإنَّما يدور مدار القطع بالمماثلة أو الأولويّة، ومع الشكّ -كما هو الحال في أكثر الموارد- يمتنع أن تكون الآية شاملةً له، لأنَّه يكون من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
ثالثاً: أنَّ عدد الأجزاء والشرائط غيرُ منضبطٍ برقمٍ معيّنٍ في أيّ جزءٍ من أجزاء الصلاة وأكثر شرائطها، فإنَّ الحال يختلف لو لاحظنا الشخص كعدد كلمات القراءة أو التسبيح أو عدد الركوعات والسجودات في الصلاة الواحدة، أو لاحظنا النوع، كقولنا: القراءة التسبيح التشهّد التسليم، أو لاحظنا الجنس، كقولنا: الجزء الركني والجزء غير الركني، وكذلك الحال في الساتر من حيث الطهارة والإباحة، فإنَّ جنسه هو الساتر أو الملبوس. وشخصه كلّ قطعةٍ من الثياب.
وكذلك المكان من حيث الإباحة فإنَّ نوعه هو هذا العنوان، وشخصه هو الفضاء والفراش والأرض والدار والأساس المبنيّة عليه وهكذا.
نعم، بعض الشرائط تكون وحدانيّةً بسيطةً بالشخص، كالتوجّه إلى القبلة، فإنَّه لا ينحل إلَّا من حيث أجزاء الزمان، وربّما الحال في الكون على الطهارة كذلك، إلَّا أنَّ مثل هذا هو القسم الأقلّ في الأجزاء والشرائط كما رأينا.
ومن هنا يقع السؤال: أنّنا نلحظ أيَّ عددٍ من هذه الأعداد المتكثّرة؟ على الاختلاف في أهميّتها في نظر الشارع ودخْلها في العبادة، والاختلاف في العناوين التي تجمعها، فربّ عملٍ يدخل في عنوانين وربّ عنوانٍ يندرج في
ــــــ[333]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
عملين، وهكذا ممّا لا ضابط له، ممّا يجعل المصير إلى القطع بالمماثلة فضلاً عن الأولويّة متعذّراً إلى حدٍّ بعيد.
فالمهمّ في التجريد عن الخصوصيّة هما الأمران الأوّلان، وهما أوسع من الثالث نتيجةً كما هو واضحٌ، وأوفق مع القاعدة، وبه يثبت تعميم مدلول الآية لكلّ وضعيّةٍ عرفيّةٍ وكلّ عملٍ يقوم به المكلّف حال الخوف – ممّا يكون منفعلاً بالخوف أو فاعلاً لتخفيفه أو تذليله على ما يأتي- في حدود ما يقتضيه ذلك العمل عرفاً من الحركات، فإنَّ الآية تدلّ على سقوط الأجزاء والشرائط بمقداره ولو اختياراً بمقتضى إطلاقها.
هذا تمام الاستدلال بالآية الكريمة.
الناحية الثانية: في الاستدلال بالقواعد العامة
وهي إمّا أن يُستدلّ بها على سقوط المتعذّر، وإمّا يُستدلّ بها على وجوب الباقي، أمّا النحو الأوّل منها فهي: قواعد التزاحم، وقانون العجز، وحديث الرفع، وقواعد رفع الضرر، ورفع الحرج. وأمّا النحو الثاني منها فهي: قاعدة الميسور التي استدلّوا بها في المقام.
أمّا النحو الأوّل من القواعد: وهي المستدلّ بها على سقوط المقدار المتعذّر من الأجزاء والشرائط، وهي: التزاحم، وقانون العجز، وحديث الرفع، وقواعد رفع الضرر والحرج، فلابدَّ من التكلّم في كلّ واحدةٍ منها، وفهْم مقدار ما تنتجه من السعة والضيق، ومقدار اختلاف بعضها عن بعضٍ ونسبة بعضها إلى بعضٍ.
أمّا التزاحم: فلا إشكال بأنَّه مع مزاحمة شيءٍ من أجزاء الصلاة أو شرائطها مع واجب أهمّ من واجبات الجهاد أو المحافظة على النفس المحترمة
ــــــ[334]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ونحو ذلك، كان ذلك الجزء أو الشرط ساقطاً لا محالة.
وقانون التزاحم لا يفرّق فيه بين الواجبات الضمنيّة والاستقلاليّة. غاية الأمر أنَّه مع سقوط الواجب الضمني يكون وجوب المجموع ساقطاً لا محالة، وليس لقانون التزاحم نفسه دلالةٌ على جزئيّة الباقي أو أجزائه، كما هو واضحٌ.
إلَّا أنَّه دلّ الدليل من الطرف الآخر على أنَّ أصل ماهيّة الصلاة أهمّ من سائر العناوين الثانويّة، فهي تتقدّم بقانون التزاحم لا محالة، ولولا أنَّ الشارع قد قصرها من حيث الكيفيّة لوجب رفْع اليد عن الجهاد ونحوه أو تحمّل خطره في سبيل الإتيان بها.
إذن، فغاية ما تقتضيه المزاحمة من السقوط هو سقوط الأجزاء والشرائط، ما لم تصطدم بماهيّة الصلاة، ويكون سقوطها موجِباً لانتفائها، فإنَّها لا تسقط لا محالة بل تتقدّم عند المزاحمة لا محالة.
إلَّا أنَّ قانون التزاحم قاصرٌ – كما هو واضحٌ- عن إثبات المقدار الذي تنحفظ به ماهيّة الصلاة، بل لابدَّ فيه من ضمّ دليلٍ آخر إليه لكي ينتج النتيجة المطلوبة، وما يتصوّر أن ينضمّ إليه هو أحد ثلاثة أدلّة:
الأوّل: الفهْم العرفي أو الصدق العرفي، بأنَّ هذا المكلّف يصلّي، فإن انتفى هذا الصدق فقد انتفت الصلاة، إذن فيجب المحافظة على هذا المقدار من الصدق العرفي لتنحفظ ماهيّة الصلاة.
وهذا تامٌّ، لولا حكومة كلام الشارع عليه، فإنَّه لا حجيّة للعرف ما لم يكن مُقَرّاً به من قِبل الشارع، والشارع في المقام لم يُمضِ هذا الصدق العرفي على ما سنسمع. ومن هنا يكون هذا المقدار من الصلاة أيضاً داخلاً تحت
ــــــ[335]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
المزاحمة، وساقطاً بالتزاحم، ولابدَّ أن نبحث عن ماهيّة الصلاة بدليل آخر.
الثاني: رواية >لا تعاد الصلاة إلَّا من خَمْس<(1) ونحوها، ممّا دلّ على تعداد أهمّ أجزاء الصلاة وشرائطها، وبيان أركانها، وبناءً عليه يُقال: إنَّ ماهيّة الصلاة متمثّلةٌ بهذه الخمس لا محالة، وهي التي يجب المحافظة عليها على كلّ حالٍ.
وهذا تامٌّ لو بقينا نحن وهذه الروايات لا محالة، بل هذا هو الصحيح في مقدارٍ من الخوف يسمح بالإتيان بالأركان، إلَّا أنَّ هذا لا يعني تقدّمها عند المزاحمة؛ لورود الحاكم عليها من قبل الشارع، وهي روايات صلاة شدّة الخوف التي نشير إليها بعد قليلٍ ونذكرها تفصيلاً بعد ذلك. فإنَّ المنساق منها إلغاء ركنيّة وشرطيّة هذه الأُمور الخمسة ونحوها عند الخوف، فتكون حاكمةً عليها بملاك النظر؛ باعتبار وضوح أهميّة الركن في الصلاة ومقدار دخْله فيها عند الإمام والراوي معاً في مجلس المخاطبة، عند صدور روايات شدّة الخوف، فتكون هذه الروايات – وفيها ما هو معتبرٌ- حاكمةً على تلك الروايات ومقيّدةً لها بحال الأمن والاختيار لا محالة.
الثالث: روايات(2) صلاة شدّة الخوف الدالّة على الاكتفاء بالإيماء تارةً
ــــــ[336]ـــــــ
( ) مَن لا يحضره الفقيه 1: 279، أبواب الصلاة وحدودها، باب القبلة، الحديث 857، وتهذيب الأحكام 2: 152، كتاب الصلاة، الباب 9، الحديث 55، وسائل الشيعة 1: 371-372، باب 3 من أبواب الوضوء، الحديث 8.
(2) راجع الكافي 6: 571، كتاب الصلاة، الباب 87، باب صلاة المطاردة والمواقفة … وتهذيب الأحكام 3: 173، كتاب الصلاة، الباب 13، باب صلاة المطاردة والمسايفة، وسائل الشيعة 8: 445، باب 4 كيفيّة صلاة المطاردة والمسايفة وجملة من أحكامها.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والتسبيحات الكبرى ثانيةً والتكبير ثالثةً، باختلاف مراتب شدّة الخوف.
وهذا التحديد يرجع إلى التعبّد الشرعي ببقاء ماهيّة الصلاة ضمن هذه الأُمور، أو أنَّها البدل الاضطراري التعبّدي لها، وعلى أيّ حالٍ فهي آخر الأُمور التي تبقى بعد انتفاء شرائط الصلاة وأجزائها، ولم يرد عن هذه الأُمور بدلٌ آخر، ومن هذه الناحية تكون متقدِّمةً عند المزاحمة، بمعنى أنَّها تجتمع مع سائر أنحاء الخوف وأشدّها خطراً وشرّاً.
وبهذا توصّلنا بقانون التزاحم إلى عين ما تُنتجه أخبار صلاة شدّة الخوف، ولا يبقى بعد هذا إلَّا إشكالٌ عامٌّ حول وجوب ما لم يتعذّر من الأجزاء إن أمكن، فإنَّه عند الإمكان لا يسقط بالمزاحمة لا محالة. وقد أفتى جماعةٌ بوجوبها(1) وسيأتي التعرّض له.
وأمّا العجز فنعني به العجز العقلي، وسيأتي التعرّض للعجز الشرعي في حديث الرفع.
وهذا العجز لا يقتصر في الإسقاط على ما دون الماهيّة كما كان الحال في باب التزاحم، بل هو موجِبٌ لإسقاطها أيضاً عند تعذرّها لا محالة.
بل إنَّ مقتضى القاعدة – كما عرفنا- سقوط الأمر بالمجموع عند تعذّر بعض أجزائه، غاية الأمر أنّنا علمنا من الخارج أنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ، فعلمنا بوجوب انحفاظ ماهيّتها في الجملة ما لم يحصل العجز العقلي عنها أيضاً.
ولو كان لسان هذا الدليل يتكفّل الأمر بجميع الأجزاء المقدورة بعد العجز عن الأُخرى، لدلَّ على وجوبها لا محالة، ولكن من المعلوم أنَّه ليس في
ــــــ[337]ـــــــ
( ) مثل جواهر الكلام 14: 181، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
مقام البيان من هذه الناحية، وإنَّما هو في مقام بيان أهميّة الصلاة وعدم سقوطها في جميع الأحوال في الجملة، وأمّا أنَّ الباقي كلّه يكون واجباً، فهذا ممّا لا تتكفّله هذه القاعدة.
وغاية ما ادُّعي في سبيل إثبات ذلك هو التمسّك بإطلاقات الأدلّة الأوليّة للأجزاء والشرائط، وقد عرفت ما فيه: فإنَّ الإطلاق فرع انحفاظ الأمر في نفسه لا محالة، ومع سقوطه كيف يُدّعى له الإطلاق! ونفس استفادة كون الأمر ضمنيّاً أو شرطيّاً من دليله تقتضي سقوطه عند سقوط المجموع، والمفروض في المقام سقوط المجموع عند العجز عن واجبٍ واحدٍ من الواجبات فضلاً عن العديد منها، وقاعدة >الصلاة لا تسقط بحالٍ< مجملةٌ من هذه الناحية، وقاصرةٌ عن أن تعطي الأدلّة الأوليّة إطلاقاً جديداً بعد سقوط إطلاقها الأوّل، فإنَّه ممّا لا يُفهم عرفاً كما هو واضحٌ.
إذن، فلابدَّ من الفحص عن الماهيّة التي دلّ الدليل على وجوبها في الجملة، وما يمكن أن يكون دليلاً على ذلك هو أحد الأُمور الثلاثة السابقة، وقد ناقشنا الأمرين الأوّلين وانتهينا إلى الأمر الثالث، وهو روايات صلاة شدّة الخوف، وبها يثبت – كما سبق- أنَّ ما يجب المحافظة عليه من ماهيّة الصلاة هو ذلك.
وهنا لا يأتي الوهم السابق الذي تمسّك به جماعة [من] الأصحاب(1) في إيجاب ما تمكّن منه المكلّف من الأجزاء، حيث عرفنا قصور إطلاقات أدلّة
ــــــ[338]ـــــــ
( ) أُنظر: جواهر الكلام 14: 181، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، ومصباح الفقيه 2 ق2: 718، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، صلاة المطاردة.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الأجزاء عن ذلك، وبه ينتفي هذا الوهم عن باب التزاحم، كما هو واضحٌ لمن تأمّل.
وأمّا العجز الشرعي المدلول عليه بحديث (الرفع)(1) في قوله’: >ما اضطروا إليه<، أو >ما لا يطيقون<، أو >ما أكرهوا عليه<، فهو رافعٌ لا محالة، أيّ جزءٍ أو شرطٍ يكون مصداقاً لأحد هذه العناوين لا محالة ولو في طول حدوث سبب الخوف.
ولا يُقال: إنَّ هذا من الاضطرار بالاختيار، فلا يكون مصداقاً للحديث.
فإنَّه يُقال: كلّا، فإنَّ حدوث سبب الخوف إمّا أن يكون اضطراريّاً خارجاً عن قدرة المكلّف، أو أنَّ حدوثه بإذنٍ شرعيٍّ كالجهاد. وفي النحوين لا يرجع الاضطرار إلى الاختيار، بل يبقى اضطراراً تكوينيّاً أو تشريعيّاً كما هو واضحٌ. نعم في الموارد التي يحرم فيها إلقاء النفس في سبب الخوف، وألقى المكلّف نفسه فيه عالماً عامداً، فإنَّه لا يكون مشمولاً للحديث لا محالة، إلَّا أنَّ هذا خارجٌ عن فرض الكلام.
ولا يُقال: إنَّ أوامر الجهاد واردةٌ مورد الخوف والاضطرار، فكيف تكون مشمولة للحديث؟
فإنَّه يُقال: إنَّ ما طرق سمعك من ذلك مختصٌّ بأوامر الجهاد نفسها، فإنَّها لا تكون مرفوعةً بالحديث. ونحن لا ندّعي ارتفاعها، وإنَّما ندّعي شمول
ــــــ[339]ـــــــ
( ) راجع الكافي 4: 289، كتاب الأيمان والكفر، الباب 208، ما رفع عن الأُمّة، وسائل الشيعة 7: 293، باب 37، من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 2، و15: 369، باب 56، جملة مما عفي عنه.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الحديث للأوامر الضمنيّة للصلاة التي تصلّى في تلك الأحوال ونحوها. ومن المعلوم أنَّ هذه الأوامر الضمنيّة ليست واردةً مورد الخوف والاضطرار، فتكون مرفوعةً بالحديث لا محالة.
ومن المعلوم أنَّ سقوط أيّ جزءٍ بانطباقه على أحد العناوين المأخوذة في الحديث يوجب سقوط المجموع لا محالة، حاله في ذلك حال السببين السابقين: التزاحم والعجز العقلي. فنحتاج في إثبات وجوب الباقي ومقدار الساقط إلى دليلٍ آخر.
ودعوى: أنَّنا لا نحتاج إلى شيءٍ من الأدلّة سوى هذا الحديث وإطلاقات أدلّة الأجزاء الأوليّة؛ لإثبات وجوب جميع الباقي؛ وذلك: لأنَّ ضمّ تلك الإطلاقات إلى هذا الحديث ينتج الدلالة الالتزاميّة في نفس الحديث بسقوط جزئيّة الجزء الساقط بعد الإذن الشرعي بتركه، ومعه يدلّ بالالتزام على أنَّ المجموع الواجب هو الباقي من الأجزاء والشرائط.
وهذا هو فرق حديث الرفع عن غيره، فإنَّ السقوط في السابق كان عقليّاً لا شرعيّاً، ومن هنا لم يمكن الاستدلال به على سقوط الجزئيّة، بل لابدَّ من الالتزام بسقوط وجوب المجموع أيضاً، وأمّا في المقام فما دام الإذن بالترك وارداً من مشرّع الصلاة نفسه، فيكون كالقرينة على إلغاء جزئيّة الجزء الساقط. ومعه يبقى الباقي مأموراً به بنفس الأمر السابق المتعلّق بالمجموع، ولا يحتاج إلى أمرٍ جديدٍ.
مدفوعةٌ: بأنَّ هذا إنَّما يتمّ لو ورد من الشارع الإذن بترك بعض أجزاء الصلاة أو شرائطها في موردٍ معيّنٍ، فإنَّه يكون دالاً على إسقاط جزئيّته بالالتزام لا محالة، إلَّا أنَّ حديث الرفع لم يرد في خصوص الصلاة، بل ولا في
ــــــ[340]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
خصوص الواجبات الضمنيّة، بل ولا في خصوص الوجوب كما هو معلومٌ، وإنَّما هو قاعدةٌ عامّةٌ ناظرةٌ إلى سائر التكاليف ورافعةٌ لها عند انطباق أحد العناوين المأخوذة فيه عليها.
ومعه لا يمكن أن يُستفاد عرفاً إسقاط جزئيّة الجزء الساقط، بل يستحيل أن يكون ناظراً إليه بحدّه على ما ثبت في محلّه، ومن هذه الناحية يكون الحال في الإسقاط الشرعي هو الحال في الإسقاط العقلي، في كونه موجباً لسقوط المجموع في نفسه ما لم يدلّ دليلٌ خارجيٌّ على بقاء الوجوب.
وقد سبق أن عرفنا أنَّ قاعدة: أنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ قاصرةٌ عن إثبات وجوب الباقي، فإنَّها تقتصر على بيان بقاء الوجوب في الجملة، وعرفنا أنَّ إطلاقات أدلّة الأجزاء الأوليّة غير وافيةٍ أيضاً؛ لسقوطها بتعذّر الجزء في المرتبة السابقة وعدم قرينةٍ أُخرى تدلّ على شمولها.
وبذلك نصل إلى ما وصلنا إليه في السببين السابقين للسقوط، وهو لزوم التمسّك بروايات صلاة شدّة الخوف باعتبار أنَّها مبينّةٌ للمقدار الذي لا يمكن سقوطه منها في مواردها.
وغنيٌّ عن البيان الإشارة إلى ما ثبت في محلّه(1) من أنَّ الرفع بالعناوين المذكورة في الحديث – سوى: ما لا يعلمون- رفعٌ واقعيٌّ وليس رفعاً ظاهريّاً، وذلك عند طروّ العنوان الثانوي المأخوذ في الحديث.
وكذلك الرفع الناتج عن: العجز أو التزاحم، بعد فرض كون العجز محرزاً والتزاحم واقعياً.
ــــــ[341]ـــــــ
( ) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 5: 40-61، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، الاستدلال على البراءة بالسنّة، حديث الرفع.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وكذلك الرفع الناتج عن: لا ضرر ولا حرج، فإنَّها أماراتٌ ذات حكومةٍ واقعيّةٍ على الأدلّة الأوّليّة، بناءً على المشهور.
والحديث فيهما كالحديث في سوابقها من الأسباب الموجبة للرفع، أمّا إحراز الصغرى فواضحٌ، كما سبق أن أشرنا إليه، فإنَّ شدّة الخوف بنفسها حرجٌ عظيمٌ، وسببه ضررٌ بلا إشكال، إن لم يكن الخوف ضرراً أيضاً، فإنَّ الضرر ليس إلَّا النقص في النفس أو المال أو العِرْض، وفقدان الأمن من أحدها لا محالة، إن لم يكن من أهمّ جهاتها.
وبناءً عليه يكون المقدارُ الموجب للضرر أو الحرج في أثناء الخوف من أجزاء الصلاة أو شرائطها مرتفعاً لا محالة، فإنَّ وجوبه يكون من الأحكام الضرريّة أو الحرجيّة فلا يكون ثابتاً.
والقول: بأنَّ الخوف من الاضطرار بالاختيار، فلا يكون مشمولاً للقاعدة.
مدفوع: بأنّنا نتكلّم في غير فرض إلقاء المكلّف نفسه في سبب الخوف بلا مبرّرٍ شرعيٍّ كما سبق.
وأمّا دلالة كلِّ من القاعدتين على وجوب الباقي بنفسها، فهو ممّا لا يمكن، حتّى بناءً على كونها مثبتةً للأحكام، فإنَّها إنَّما تُثبت من الأحكام ما يكون تركه ضرريّاً، ومن المعلوم أنَّ وجوب الباقي لا دخل له في الضرر سلباً وإيجاباً؛ لفرض عدم ضرريّة وجوده وعدمه.
فيكون مقتضى القاعدة سقوط المجموع، إلَّا ما ثبت بأخبار صلاة شدّة الخوف كما سبق تفصيله فلا نعيد.
ومعه، نصل إلى نفس النتيجة التي وصلنا إليها بناءً على الأسباب
ــــــ[342]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
السابقة للرفع، من لزوم التمسّك بأخبار صلاة شدّة الخوف والأخذ بإطلاقها، باعتبارها الدليل الوحيد على تفاصيل الأجزاء الواجبة بعد سقوط إطلاقات الأدلّة الأوليّة، وقصور قاعدة: >أنَّ الصلاة لا تسقط بحال< عن إثبات جزءٍ معيّنٍ. ومن المعلوم أنَّ مقتضى إطلاق هذه الأخبار على ما يأتي عدم وجوب جميع الباقي، بل يكفي الإتيان بمقدار ما تذكره من الأجزاء والشرائط، وإن كان غيره ممكناً، خلافاً لجماعة من الأصحاب(1)، حيث أوجبوه، فإنَّ الدليل عليه لم يكن إلَّا إطلاق دليله، وهو ساقطٌ في المرتبة السابقة كما عرفنا.
الاستدلال بقاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور
واستدلّوا(2) أيضاً لوجوب الباقي، بقاعدة: >أنَّ الميسور لا يسقُط بالمعسور<(3) الثابتة في خبرٍ بهذا اللفظ على الفرض. وبخبر عن النبي’: >إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم<(4).
ــــــ[343]ـــــــ
( ) تقدّم تخريجه آنفاً.
(2) أُنظر: جواهر الكلام 14: 180، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، ومصباح الفقيه 2 ق2: 717، كتاب الصلاة الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(3) أُنظر: عوائد الأيام: 261، عائدة (27) في بيان قاعدة الميسور، العناوين الفقهيّة 1: 463، العنوان التاسع عشر: في بيان قاعدة الميسور، والقواعد الفقهيّة (البجنوردي) 4: 152، القاعدة (40) قاعدة الميسور، وبحوث في علم الأُصول 5: 383، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، قاعدة الميسور.
(4) مرآة العقول 26: 120، تفسير قوله تعالى: {لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ…}، الحديث 248، وبحار الأنوار 22: 31، كتاب تاريخ نبيّنا’، باب 37.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وتقريب الاستدلال واضحٌ بناءً على كلا التعبيرين. أمّا على الأوّل، فيُقال: إنَّ الباقي هو الميسور من المجموع لا محالة، فيكون مصداقاً لهذه القاعدة الدالّة على عدم سقوط الميسور عند تعذّر المعسور، فينتج وجوب كلّ الباقي لا محالة، وأمّا على الثاني فيُقال: إنَّ الأمر بالصلاة ثابتٌ، وقد أُمرنا بأن نأتي من الواجب بمقدار المستطاع عند تعذّر بعضه، ومقتضى إطلاقه وجوب مجموع الباقي، فإنَّه المقدار المستطاع على الفرض.
مناقشة الاستدلال
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ من وجوهٍ:
أمّا أوّلاً: فلأنَّ التعبير الأوّل ليس روايةً على الإطلاق، وإنَّما هي قاعدةٌ متصيّدةٌ في لسان الفقهاء، والتعبير الثاني وإن كان مرويّاً إلَّا أنَّ سنده لا يتمّ كما ثبت في محلّه، ومعه لا تكون قاعدة الميسور ثابتةً أصلاً.
ودعوى: انجبار السند بفتوى المشهور على طبقها في كثيرٍ من الموارد.
مدفوعةٌ: بإنكار الكبرى كما ثبت في محلّه(1)، على أنَّه لا يوجب انجبار التعبير الأوّل، الذي هو العمدة في الاستدلال؛ لانعدام السند فيه أصلاً.
وأمّا ثانياً: فلمنْع دلالتها على المطلوب، كما ثبت في محلّه أيضاً؛ لاحتمال كون المراد بها الواجبين الاستقلاليين، فإنَّ سقوط أحدهما لا يقتضي سقوط الآخر لا محالة، والأمر بشيءٍ كلّيٍّ ذو مصاديق، فإن تعذّر أحدها لا يوجب سقوط الآخر، وكذلك الواجب التخييري عند تعذّر أحد العدلين، عند التخيير بين المتباينين أو بين الأقلّ والأكثر، لو أمكن. وأمّا تعرُّضها للواجب
ــــــ[344]ـــــــ
(1) تقدّم تخريجه غير مرّة، فراجع.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الارتباطي عند سقوط بعض أجزائه، على ما هو مقصود المستدلّ، فهو بخصوصه خلاف الظاهر. وبالجامع الذي يشمله ويشمل سائر الأقسام التي عدّدناها، غيرُ ممكنٍ، كما ثبت في محلّه.
على أنَّ الرواية النبويّة تختصّ بإشكال في الدلالة بلحاظ صدرها، ممّا يكون موجباً لإجمال العبارة محلّ الاستدلال على أقلّ تقدير، كما هو مفصّل في علم الأُصول(1).
وأمّا ثالثاً: فلأنَّها على تقدير تماميّتها سنداً ودلالةً، فيمكن دعوى: تقييدها بإطلاق(2) أخبار أدلّة صلاة شدّة الخوف، الذي أشرنا إليه. فإنَّ غاية قاعدة الميسور هو الإطلاق فيكون مقيَّداً بغير هذا المورد، فإنَّ إطلاق تلك الأخبار خاصٌّ بالميسور من الباقي لا محالة، أمَّا بنفسه على الفرض أو بنحو انقلاب النسبة بعد ضمّ قاعدة العجز العقلي ونحوها إليه، فيكون أخصّ مطلقاً من قاعدة الميسور، فيقدّم عليها بالتخصيص لا محالة.
غير أنَّه يمكن المناقشة في هذا التقريب بدعوى: إباء لسان قاعدة الميسور عن التخصيص كما لا يبعد، مضافاً إلى عدم القول بصحّة مبنى انقلاب النسبة لو كان هذا التقريب مبنيّاً عليه.
إذن، فالمتحصّل في مناقشة هذه القاعدة هو الطعن فيها سنداً ودلالةً، ضمن المناقشتين الأوليّين: وهو كافٍ في إسقاطها كما هو واضح.
إذن، فنبقى نحن وإطلاقات مدلول الأخبار الخاصّة بصلاة شدّة
ــــــ[345]ـــــــ
( ) أُنظر: بحوث في علم الأُصول 5: 383، مباحث الحجج والأُصول العمليّة، قاعدة الميسور.
(2) المقتضي لعدم وجوب الباقي ممّا لم يؤمر به في لسان الرواية (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الخوف، وقد عرفنا أنَّ التمسّك بقاعدة >أنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ< مجرّدةً ممّا لا يكفي؛ لإجمالها وقصورها عن إثبات وجوب مجموع الباقي، وإنَّما تثبت وجوب الصلاة في الجملة(1).
إذن فلابدَّ من صرف عنان الكلام إلى هذه الأخبار الخاصّة، وهو ما نذكره في ما يلي:
الناحية الثالثة: في الاستدلال بالأخبار الخاصّة الواردة في بيان صلاة الخوف، من حيث كيفيّتها وواجباتها ومراتبها
والمهمّ هو التعرّض للأخبار المعتبرة من حيث السند، ثمَّ نلحقها بغيرها بعد ذلك، ثمَّ إنَّ من الأخبار المعتبرة ما هو خاصٌّ بما إذا كان سبب شدّة الخوف هو الحرب، ومنها ما يعمّمه لكلّ سببٍ، فلابدَّ من التعرّض إلى القسم الأوّل أوّلاً، وإتباعه بالقسم الثاني لا محالة.
1. الأخبار الخاصّة بما إذا كان سبب شدّة الخوف هو الحرب خاصّة
القسم الأوّل من الأخبار المعتبرة: هو ما يختصّ بما إذا كان سبب شدّة الخوف هو الحرب خاصّةً.
صحيحة الفضلاء الثلاثة
وأصحّها سنداً وأفضلها دلالةً صحيحة الفضلاء الثلاثة (زرارة وفضيل ومحمّد بن مسلم) عن أبي جعفر× قال: >في صلاة الخوف عند المطاردة والمناوشة …: يصلّي كلّ إنسانٍ منهم بالإيماء حيث كان وجهه، وإن كانت
ــــــ[346]ـــــــ
( ) راجع قاعدة: الضرورات تقدّر بقدرها ص351 من هذه الرسالة (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
المسايفة والمعانقة وتلاحم القتال؛ فإنَّ أمير المؤمنين× ليلة صفين – وهي ليلة الهرير- لم تكن صلاتهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء (الآخر) عند وقت كلّ صلاةٍ، إلَّا التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد والدعاء. فكانت تلك صلاتهم، لم يأمرهم بإعادة الصلاة<(1).
والمطاردة: هي أن يحمل القرن على الآخر في الحرب محاولاً قتله(2). والمناوشة بالرماح: المطاعنة بها، يُقال: ناوشوهم في القتال: نازلوهم(3). والمسايفة المضاربة بالسيف(4). والمعانقة: من عانقه إذا ضمّه إلى صدره، استعمل مجازاً في الحرب للدلالة على مقدار تقارب الأجسام وشدّة الخطر. والتلاحم: هو اشتباك الحرب، ويُقال: تلاحم القوم إذا تقاتلوا(5).
فهذه هي مداليل هذه الصيغ لغةً، وكلّها من باب المفاعلة أو التفاعل، الذي لا يقوم إلَّا بطرفين. وهذا واضحٌ، فإنَّ الخطر إنَّما ينشأ من محاولة
ــــــ[347]ـــــــ
( ) الكافي 6: 571، كتاب الصلاة، الباب 87، الحديث 2، تهذيب الأحكام 3: 173، كتاب الصلاة، الباب 13، الحديث 1، وسائل الشيعة 8: 445، باب 4 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 8.
(2) أُنظر: كتاب العين 7: 410، حرف الطاء، مادّة (طرد)، والصحاح 2: 502، فصل الطاء، مادّة (طرد)، ومعجم مقاييس اللغة 3: 455، فصل الطاء، مادّة (طرد).
(3) أُنظر: شمس العلوم 10: 4805، باب النون، المناوشة، ولسان العرب 6: 362، فصل الثوب، مادّة (نوش)، تاج العروس 9: 217، فصل النون.
(4) الصحاح 4: 1379، فصل السين، سيف، ولسان العرب 9: 167، فصل السين، سيف، ومجمع البحرين 5: 74، كتاب الفاء، باب ما أوّله سين، سيف.
(5) أُنظر: كتاب العين 1: 168، حرف العين، باب العين والنون والقاف (عنق)، والصحاح 4: 1534، فصل العين (عنق)، ولسان العرب 10: 272، فصل العين (عنق).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
شخصين فأكثر قَتْل بعضهم بعضاً، والحرب إنَّما تصدق بذلك، ولا يمكن أن تقوم بطرفٍ واحدٍ.
ظهوراتها
وعلى أيّ حالٍ، فظهورات هذه الصحيحة عديدةٌ:
• الظهور الأوّل: ظهورها في كونها واردةً مورد الحرب، بل هي نصٌّ في ذلك، إلى حدٍّ يصعب القول بإمكان تجريدها عن هذه الخصوصيّة إلَّا بتنقيح المناط، وهو أمرٌ مستأنفٌ بعد ورود روايات أُخرى في الخوف الناشئ من غير الحرب.
• الظهور الثاني: ظهورها في كونها واردةً مورد شدّة الخوف، بحيث يرتفع الأمن – في الجملة- الذي تكلّمنا عنه في المقام السابق. ويكون احتمال وقوع القتل والضرر على الإنسان كبيراً وقريباً، ويكون على الإنسان تكويناً وتشريعاً أن يقف موقف المدافع عن نفسه، فيقوم بالأعمال التي يقتضيها هذا الموقف لا محالة، ولا محيص له عنها بحالٍ.
وهذا المعنى جارٍ في كلّ العناوين المأخوذة في الرواية، كما هو واضحٌ عند مراجعة مداليلها، فجامعها هو حال شدّة الخوف، وإن كانت تفترق فيما نذكره في [الظهور الثالث].
• الظهور الثالث: وهو ظهورها بذكر مرتبتين من مراتب شدّة الخوف، يكون الخطر والحاجة إلى الحركة في أولاهما أقلّ من الأُخرى.
المرتبة الأُولى: وهي الأخفّ، ما كان من قبيل المطاردة والمناوشة، وفيها لا يكون هناك تقاربٌ بالأجسام وتطاعنٌ مباشرٌ بالسلاح، كما يكون الحال على المرتبة الثانية، وخاصّة إذا كانت المطاردة جماعيّة. ومن هنا ينفسح المجال
ــــــ[348]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
في هذه المرتبة للمكلّف إلى الإيماء، على ما نشير إليه.
المرتبة الثانية: ما كان من قبيل المسايفة والمعانقة، وتكون أشدّ من السابقة، وحال المكلّف أخطر لا محالة؛ لتقارب الأجسام والتطاعن المباشر بالسلاح، ومعه لا ينفسح المجال أمام المكلّف لأيّ حركةٍ تختصّ بالصلاة حتّى الإيماء. بل هو مضطرٌّ لصرف كلّ حواسّه وحركاته لِما هو فيه. ومجاله الوحيد الذي بقي محفوظاً له في الجملة، ويكون حرّاً في استعماله بعض الشيء، هو صوته وكلامه. ومن هذه الناحية أمر باستعماله لأجل الصلاة مختصراً بمقدار ما يساعده حالُه، على ما سيأتي التعرّض له في الظهورات الآتية.
بقي الكلام في هذا الظهور، فيما إذا كانت الرواية ظاهرةً بحصر حال شدّة الخوف الناشئة من الحرب بهاتين المرتبتين حقيقةً أو تعبّداً، أو غير ظاهرةٍ في ذلك. وعلى الثاني فهل يمكن استفادة أحكام المراتب الأُخرى من الرواية أم لا؟
أمّا ظهورها في الحصر فهو منتفٍ؛ لعدم وجود أدوات الحصر، والتعرّض لكلّ مرتبةٍ على حدة. نعم، المنساق من السياق هو استيعاب حالات شدّة الخوف، إلَّا أنَّ هذا الظهور ممّا لا إطلاق له؛ لعدم إحراز كون الإمام× في مقام بيان الاستيعاب الحقيقي، فيكفي الاستيعاب في الجملة، وهو حاصلٌ وهو لا ينافي وجود حالات أُخرى ومراتب لم تتعرّض لها الرواية؛ لشدّة الخوف، سواء كانت مُسمّاة في اللغة باسمٍ معيّنٍ أو لم تكن مسمّاةً.
وعلى تقدير تسليم ظهورها بالحصر، فهو من قبيل الحصر التعبّدي لا الحصر الحقيقي؛ لوجود مراتب أُخرى لشدّة الخوف وجداناً، فلا يمكن أن
ــــــ[349]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
يكون المراد الحقيقي من الحصر، بل يكون ذلك قرينةً على إرادة التعبّدي منه، والمراد به انقسام حالة شدّة الخوف في نظر الشارع إلى قسمين ومرتبتين لا ثالث لهما، وكلّ ما كان من الحالات الأُخرى فهو ملحقٌ تعبّداً بإحدى الحالتين لا محالة؛ من قبيل ما يُقال في انقسام البشر إلى ذكرٍ وأنثى حقيقةً أو تعبّداً.
ويُراد بالانقسام الحقيقي رجوع الخنثى تكويناً في واقعه إلى أحدهما وليس قسماً ثالثاً غيرهما، ويُراد بالانقسام التعبّدي: أنَّ الخنثى وإن فُرض قسماً ثالثاً إلَّا أنَّه ملحقٌ شرعاً بأحدهما لا محالة؛ لأنَّ الانقسام ثنائيٌّ في نظر الشارع تعبّداً في باب جعل الأحكام، فكذلك الحال في الانقسام في المقام.
وحيث ثبت لنا عدم ظهورها في الحصر مع وجود مراتب أُخرى لشدّة الخوف في الخارج، فهل يمكن استفادة أحكام تلك المراتب من الرواية أم لا يمكن؟ الظاهر عدم الإمكان؛ لسكوتها عن بيان المراتب الأُخرى موضوعاً وحكماً كما هو واضحٌ.
ودعوى دلالتها على ذلك، بتقريب: أنَّ المفهوم من سياقها وجود مراتب عديدةٍ لشدّة الخوف. وإنَّما خصّ هاتين المرتبتين بالذكر باعتبارهما الأكثر عروضاً في الحرب أو الأكثر استيعاباً لحالات الحرب.
وبضمّ قاعدة: أنَّ الضرورات تقدّر بقدرها، إلى هذا المدلول السياقي، نستطيع أن نفهم الحكم في باقي المراتب أيضاً، وهو أنَّ المتعذّر من أجزاء الصلاة وشرائطها يكون ساقطاً، والباقي يكون لازماً لا محالة. ومعه تكون الرواية مستوعبة لتمام الحالات.
مدفوعةٌ، من وجوه:
ــــــ[350]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أوّلاً: لعدم وجود المدلول السياقي المدّعى، فإنَّها وإن كانت غير ظاهرةٍ في الحصر، ولكنّها مقتصرةٌ على تعداد مرتبتين، وساكتةٌ عن الزائد، كما هو واضحٌ من سياقها. والتجريد عن الخصوصيّة لا يجدي؛ لأنَّه يوجب نفْي هاتين المرتبتين لا إثبات مراتب أُخرى، على أنَّه غير ممكن؛ لأنَّ نفيهما خلاف ظهورهما بالحديّة، واعتبارهما بعنوانهما لا محالة، الذي هو واضحٌ من السياق، ولا قرينة على إلغائه وتجريده.
وثانياً: إنَّ قاعدة: إنَّ الضرورات تقدّر بقدرها، لا تجدي في نفسها شيئاً وإن استدلّوا بها لوجوب الباقي، ولا ينفع ضمّها إلى الرواية أيضاً.
أمّا الكلام عنها في نفسها، فمحلّه الكلام عن القواعد العامّة التي سبقت، وحيث فاتنا التعرّض لها هناك، لا بأس أن نقول فيها كلمةً مختصرةً، وحاصلها:
أنَّ حالها لا يختلف عن حال تلك القواعد، فإنَّه بعد سقوط الأمر الأوّلي المتعلّق بالمجموع، لا تبقى الأوامر الضمنيّة، بل تكون ساقطةً بسقوطه كما هو معلومٌ. وبانتفائها ينتفي موضوع شمول هذه القاعدة لها. فإنَّ الضرورات إنَّما تُقدّر بقدرها، فيما كان واجباً في المرتبة السابقة. وقد سقطت الوجوبات الضمنيّة في تلك المرتبة.
فإن قيل: إنَّنا نفهم وجوب جميع الباقي بضمّ قاعدة: أنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ، إلى هذه القاعدة، فإنَّها تدلّ على بقاء وجوب بعض الأجزاء وعدم سقوطه في الجملة، وبقاعدة الضرورات يتعيّن هذا البعض في مجموع الباقي.
قلنا: إنَّ هذا غير تامٍّ؛ لأنَّ قاعدة عدم سقوط الصلاة بحالٍ وإن دلّت
ــــــ[351]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
على بقاء وجوب بعض الأجزاء، إلَّا أنَّه بنحوٍ غير متعيّنٍ لا محالة. وبعد سقوط الأوامر الضمنيّة جميعاً يكون تعيينه بفعلٍ معيّنٍ ليكون مشمولاً لقاعدة الضرورات، من قبيل التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة؛ لأنَّ قاعدة الضرورات إنَّما تكون شاملةً له على تقدير وجوبه، ووجوبه الضمنيّ ساقطٌ، ووجوبه من ناحية قاعدة عدم سقوط وجوب الصلاة لم يثبت على التعيين، بل يكون مشكوك الوجوب لا محالة، فيكون شمول قاعدة الضرورات له من قبيل التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
ودعوى: أنّنا نستفيد من ضمّ هاتين القاعدتين عدمَ سقوط الوجوب الضمني لكلّ جزءٍ أو شرطٍ ممكنٍ، فينتج وجوب الباقي لا محالة.
عهدتُها على مدّعيها، فإنَّها إنَّما تتمّ لو كانت قاعدة الضرورات شرعيّةً وخاصّةً بمورد الصلاة، فإنَّها يكون لها مدلولٌ سياقيٌّ دالٌّ على عدم سقوط الأوامر الضمنيّة المتعلّقة بالأجزاء، ولو بنحو تعلّق الأمر الجديد بالمجموع.
إلَّا أنَّها قاعدةٌ عقليّةٌ غير خاصّةٍ بالصلاة كما هو معلومٌ، وقد عرفنا أنَّها إنَّما تشمل ما كان واجباً في المرتبة السابقة، والمفروض سقوط الواجبات الضمنيّة وعدم تعيّن الوجوب بفعلٍ معيّنٍ ولا بالمجموع بقاعدة عدم سقوط الصلاة؛ لإجمالها من هذه الناحية.
إذن، فقاعدة الضرورات لا تجدي في نفسها في إثبات ما هو مقصودهم، من وجوب كلّ الباقي.
وإذا سقطت عن الدلالة في نفسها لم يُجدِ ضمّها إلى الرواية شيئاً. وإن دلّت على وجود مراتب أُخرى لشدّة الخوف على الفرض، فإنَّها – يعني: الرواية- لا تدلّ على انحفاظ الوجوب في المرتبة السابقة -كما هو واضحٌ-
ــــــ[352]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
لتكون مشمولة لهذه القاعدة.
وثالثاً: إنَّه على فرض تسليم دلالة قاعدة الضرورات على وجوب الباقي، فهي تدلّ عليه بنفسها، في أيّ مراتب شدّة الخوف، ويكون ضمّ هذه الرواية إليها من قبيل ضمّ الحجر إلى جنب الإنسان، فتأمّل.
فتحصّل: عدم إمكان استفادة أحكام المراتب الأُخرى للخوف من الرواية، على تقدير دلالتها عليها.
فهذا هو حاصل الكلام في الظهور الثالث للرواية.
• الظهور الرابع: ظهورها بانتفاء شرطيّة استقبال القبلة في كلا المرتبتين.
أمّا في المرتبة الأخفّ، فالرواية كالنصّ في ذلك، فإنَّه يقول: (حيث كان وجهه)، وهو يشير بذلك إلى سقوط هذه الشرطيّة جزماً؛ باعتبار التسالم على وجود هذه الشرطيّة اختياراً بين المتكلّم والسامع ووضوحها في أذهانهما في مجلس التخاطب.
وأمّا في المرتبة الأشدّ، فالسقوط ثابتٌ بالأولويّة القطعيّة لا محالة.
لا يُقال: إنَّنا قلنا فيما سبق عدم كونه من مداليل الألفاظ.
فإنَّه يُقال: إنَّه على تقدير تماميّة ملاك الأولويّة، وحصول القطع، يكون هو بنفسه الحجّة، ولا حاجة إلى التمسّك بالدليل اللفظي إلَّا بصفته منقّحاً لموضوع الأولويّة.
على أنَّه يمكن استفادة السقوط من مفهوم الحصر في قوله: (لم يكن صلاتهم إلَّا التكبير)، الظاهر بعدم تقيّدهم بأيّ شرطٍ آخر سوى ما ذُكر، ومن ذلك الاستقبال لا محالة، بل هو أوضح من غيره؛ لمنافاته لحال شدّة الخوف
ــــــ[353]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أكثر ممّا سواه.
وإذا تمّ ملاك الأولويّة في المرتبة الأُولى الأخفّ، أمكن القول بحصول القطع بسقوط هذا الشرط في كلّ حالةٍ أشدّ منها، سواء كانت متوسطةً بين المرتبتين أو أشدّ من المرتبة الثانية أيضاً. وهذا أمرٌ قريبٌ من النفس وواضحٌ في نفسه.
• الظهور الخامس: ظهورها في أنَّ حكم المرتبة الأُولى من شدّة الخوف هو الإيماء، فإنَّه قال: >يُصلّي كلُّ إنسانٍ منهم بالإيماء<.
والمراد بالإيماء: هو ما يكون بدلاً عن الركوع والسجود، ووجوداً تنزيلياً لهما. بزيادة حركة للسجود عن الركوع، ولا يسقط الذكر فيه مع الإمكان؛ لكون المفهوم من مذاق الشارع المستنتج من مجموع الأدلّة أنَّ الذكر واجبٌ في طبيعيّ الركوع وطبيعيّ السجود، وهذا الإيماء ركوعٌ وسجودٌ بالتنزيل. إذن فيجب فيه الذكر لا محالة.
أمّا إنَّ الإيماء وجودٌ تنزيليٌّ وبدلٌ اضطراريٌّ عنهما، فهذا وإن أَجملتْ فيه الرواية، إلَّا أنَّ الإمام كأنَّه اعتمد على الوضوح والتسالم على ذلك الموجود في زمن التخاطب، بحيث إنَّ الراوي لم يكن بحاجةٍ إلى التفصيل أكثر من ذلك لمعرفة هذا الحكم.
وتُستفاد خصوصيّة التنزيل من جعل البدليّة مع شيءٍ من المسانخة بين البدل والمُبدَل منه، المفهومة من زيادة الإيماء للسجود. فكأنَّ الشارع اعتبر الإيماء ركوعاً وسجوداً اضطراريّاً(1). وهذا أمرٌ عرفيٌّ يمكن فهْمه من السياق.
وأمّا كون الإيماء عملاً أجنبيّاً يسقط معه وجوب الركوع والسجود، أو
ــــــ[354]ـــــــ
( ) و[هي] مرتبة ضعيفة منهما (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
يكون مجزياً عند تعذّر امتثاله شأنُهُ شأن الكفّارة بالنسبة إلى الصوم، فهو بعيدٌ غايته، وخلاف المنساق مِن جعْل البدليّة، وخلاف المسانخة بين الإيماء والمُبدَل عنه، فإنَّ الركوع والسجود سنخٌ من الانحناء، والإيماء سنخٌ أيضاً من الانحناء، فهما ممّا يجمعهما النوع القريب، على أنَّ الكفّارة والصوم ليس بينهما مسانخةٌ أصلاً. وهذا كلّه لا يقتضي مزيداً من الكلام.
وإنَّما الكلام في كيفيّة الإيماء، فقد ذكروا أنَّ المتعيّن أوّلاً هو الإيماء بالرأس، ومع التمكّن منه لا ينتقل إلى ما هو دونه، فإنْ عجز عنه أَوْمَأَ بعينه بزيادة تغميضٍ للسجود عن الركوع.
والوجه الذي يمكن أن يُقال في منع هذه الدعوى هو: التمسّك بإطلاق الرواية، فإنَّها أَمرتْ بالإيماء من دون تقييدٍ كما هو واضحٌ، ومعه يحصل الامتثال بإيجاد مُسمّاه لا محالة. وكما يصدق الإيماء على خفض الرأس، كذلك هو صادقٌ على إغماض العين، وهو مستعملٌ في كلمات سائر أصحابنا المؤلّفين. إذن، فالواجب يتأدّى لا محالة بالإيماء بالعين، وإن أمكن الإيماء بالرأس.
نعم، لا يُحتمل إرادة الإيماء بعضوٍ آخر من البدن كاليد؛ للتسالم القطعيّ على عدم وجوبه في الشريعة.
وتماميّة هذا الوجه منوطةٌ بعدم ما يصلح أن يكون مقيّداً أو مانعاً عن الإطلاق، على ما يأتي. فلابدَّ من النظر في الوجوه المثبِتة لتلك الدعوى لنرى فيها ما يصلح للتقييد أو لا.
وما قيل أو يمكن أن يُقال في الاستدلال لدعوى الطوليّة في بدليّة الإيماء وجوه:
ــــــ[355]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الوجه الأوّل: انصراف الإيماء إلى ما كان بالرأس(1)، فيتعيّن الأخْذ به عند الإطلاق ما لم يتعذّر، ويمكن أن يقرّب هذا الانصراف بتقريبين:
أحدهما: الانصراف من حيث المدلول اللغوي، وذلك: بأن يُقال: إنَّ الإيماء في الحقيقة هو الإشارة(2)، وهي لا تكون إلَّا بتوجيه بعض الأعضاء إلى المشار إليه. وهذا كما هو ممكن باليد وبالأصبع، ممكنٌ بالرأس. إلَّا أنَّه غير ممكنٍ بالعين كما هو واضحٌ. فيتعيّن أن يكون المراد هو الإيماء بالرأس بعد القطع بعدم إرادة غيره كما أشرنا.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ كما هو واضح؛ فإنَّ التوجيه لا يتعيّن أن يكون باليد، بل يكفي وضع العين في اتجاه المشار إليه كما هو المعروف لكي يصدق الإيماء لا محالة.
لا يُقال: إنَّ الإيماء بالعين ليس المراد به في الفقه ذلك، بل المراد الفتح والإغماض، فكيف أصبح مصداقاً للمعنى اللغوي؟
فإنَّه يُقال: كلا، فإنَّ الإيماء يصدق على كلا النحوين، ولا أقلّ أنَّ إغماض العين إيماءٌ إلى الإيجاب وفتحها إيماءٌ إلى السلب، على ما هو المعروف.
ولا يُقال: إنَّ شيوع إيماء العين بالنحو الأوّل يعيّنه.
فإنَّه يُقال: كلا، أمّا أوّلاً: فللقطع بعدم إرادته بقيام الإجماع على خلافه. وأمّا ثانياً: فلأنَّ كون أحد الأفراد هو الأغلب بهذا المقدار، لا ينقّح لنا الانصراف، فغايته الإجمال أو الحكم بالتخيير بينهما، مع غضّ النظر عن المناقشة الأُولى.
ــــــ[356]ـــــــ
( ) أُنظر: كتاب العين 8: 432، باب الميم، باب اللفيف، (ومأ)، والنهاية في غريب الحديث 1: 81، حرف الهمزة، باب الهمزة مع الواو، ولسان 1: 201، فصل الواو (ومأ).
(2) راجع جواهر الكلام 14: 182، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ثانيهما: هو الانصراف بحسب فهْم المتشرّعة، فإنَّهم يفهمون من الإيماء ما يكون بالرأس دون العين عند إطلاقه، فيتعيّن إرادته من اللفظ.
إلَّا أنَّ هذا الوجه ما لم يرجع إلى وجهٍ آخر نقوله، فإنَّه لا يرجع إلى محصّلٍ، بل هو مجرّد دعوى وهي مخالفةٌ للواقع جزماً، فإنَّ الفقهاء والمتشرّعة يستعملون الإيماء في كلا الموردين على نحوٍ واحدٍ، وبلا زيادة قرينةٍ في أحدهما على الآخر.
الوجه الثاني للطوليّة: التمسّك بالشهرة إن لم يكن التسالم على الطوليّة، وعلى عدم مشروعيّة بدليّة الإغماض عند التمكّن من الإيماء بالرأس.
إلَّا أنَّ هذا غير تامّ؛ فإنَّ الشهرة ليست بحجّةٍ كما ثبت في محلّه(1)، والإجماع غير معلوم الحصول. على أنَّه معلوم المدرك فيسقط عن الحجّيّة لا محالة. ومع غضّ النظر عن ذلك فإنَّ الإجماع لا يتصرّف في الظهور ولا ينفي الإطلاق لا محالة، غاية الأمر يُثبت عدم الإرادة الجدّيّة بحسب لُبّ المراد.
الوجه الثالث: أنَّ مقتضى الجمع بين الأدلّة هو ذلك: ذكره الفقيه الهمداني(2) كدليلٍ على الانصراف. والظاهر أنَّ مراده الإشارة إلى ما ورد في الروايات الآتية الذكر من التعرّض للإيماء بالرأس، كصحيحة عبد الرحمن التي فيها: >يكبّر ويومي برأسه إيماء<(3)، وجعل هذا الخاصّ قرينةً على المراد
ــــــ[357]ـــــــ
( ) مرّ تخريجه أكثر من مرّةٍ، فراجع ما تقدّم.
(2) راجع مصباح الفقيه 2 ق2: 717، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(3) الكافي 6: 570، كتاب الصلاة، الباب 86، الحديث 6، تهذيب الأحكام 3: 300، كتاب الصلاة، الباب 29، الحديث 3، وسائل الشيعة 8: 439، باب 3 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 1.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
من المطلق الوارد في صحيحة الفضلاء الثلاثة التي نتكلّم عنها ونحوها.
إلَّا أنَّ هذا غريبٌ منه+(1)، فإنَّه إن أراد بالقرينيّة التقييد، فمن المعلوم أنَّ المقيّد المنفصل لا يكون مخِلاًّ بالمراد الاستعمالي ليكون دليلاً على الانصراف. وإن أراد مجرّد القرينيّة مع غضّ النظر عن التقييد، فمِن المعلوم أنَّ إرادة شيءٍ في كلامٍ لا يعيّن إرادته في كلامٍ آخر؛ وإلَّا لامتنع صدور المطلق في مقابل المقيّد. هذا، وأمّا التقييد بالمعنى الصحيح أُصوليّاً – وهو التصرّف في الإرادة الجديّة بحمل المطلق على المقيّد- فيأتي التعرّض في [له] محلّه.
إذن، فظهور الإيماء في روايتنا في الأعمّ من الرأس والعين ثابتٌ ما لم يثبت التقييد من الخارج، على ما نذكر في محلّه.
• الظهور السادس: ظهور قوله: كلّ إنسان بالعموم وعدمه، فإنَّه يدور أمرُ العموم المدلول عليه بأداة العموم بين أحد أمرين:
أحدهما: أن يكون المراد: (كلّ إنسانٍ) في المعسكر أو كلّ إنسانٍ في الجماعة المحاربة، وإن كانت وظيفته ثانويّةً، بحيث لم يكن الخطر متوجّهاً إليه مباشرةً.
ثانيهما: أن يكون المراد بكلّ إنسانٍ واقعٍ تحت خطر المطاردة والمناوشة فعلاً.
والعموم الأوّل وإن كان هو المتبادر الأوّلي من العبارة، إلَّا أنَّه غير مرادٍ على سعته جزماً؛ بقرينة قوله: >منهم< الظاهر رجوعه إلى المشاركين فعلاً بالجملة. فلا يعمّ غيرهم، لا محالة.
نعم، مَن يكون مشاركاً إلَّا أنَّه متأخّرٌ وراء الجمع أو أُوكِلَ إليه عملٌ
ــــــ[358]ـــــــ
(1) أي: المحقّق الهمداني.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ثانويٌّ كالمراقبة مثلاً، بحيث يكون توجّه الخطر إليه أقلّ، مثل هؤلاء يكونون مشمولين لعموم الضمير لا محالة، ومن هنا يكون مقتضى الحكم الوارد في هذه الصحيحة وجوب الإيماء عليهم وإن تمكّنوا من بعض الأُمور الأُخرى، وخاصّةً بعد ما سبق بما لا مزيد عليه من عدم الدليل على وجوب كلّ الباقي، وإنَّما المدار هو الأخْذ بإطلاق هذه الروايات الخاصّة.
• الظهور السابع: ظهور الرواية في كون الحكم في المرتبة الثانية من شدّة الخوف هو التكبير والتسبيح والتحميد والدعاء. وهذا واضحٌ فيها نقلاً عن فعل أصحاب أمير المؤمنين× في صفين، الظاهر أنَّه كان بأمرٍ منه× ولو في أثناء القتال. فإنَّهم أتوا بهذه الأذكار بقصد البدليّة عن الصلاة لا محالة، وإلَّا لم يكن مجزياً، والمفروض إجزاؤه وعدم وجوب الإعادة ولا القضاء بإقرار الإمام× لهم. وارتفاع قصْد البدليّة معناه ارتفاع الصلاة، وهو خلاف القاعدة القطعيّة من أنَّها لا تسقط بحالٍ، وخلاف استشهاد الإمام أبي جعفر الباقر× بها في كلامه(1)، بل خلاف نصّه× بأنّها كانت من قبيل الصلاة بالنسبة إليهم، حيث قال: >لم تكن صلاتهم إلَّا التكبير ..< (2) الخ.
والكلام في أنَّ المجزي من الأذكار الأربعة المذكورة في الرواية ما هو؟ هل هو المجموع أم هو كلّ واحدٍ على البدل، أم هو أكثر من واحد؟
فقد يُقال: كما صرّح به الفقيه الهمداني(3) -يعني بنتيجة هذا الوجه-
ــــــ[359]ـــــــ
( ) المقصود بها رواية الفضلاء التي تقدّمت.
(2) الكافي 6: 572، كتاب الصلاة، الباب 87، الحديث 2.
(3) راجع مصباح الفقيه 2 ق2: 718، كتاب الصلاة، الركن الرابع في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
بظهور الرواية ببدليّة المجموع؛ وذلك تمسّكاً بظهور حرف العطف الدالّ على التشريك، وظاهر قوله: >لم تكن صلاتهم< يعني لم تكن صلاة كلّ واحد منهم، إذن فالمطلوب صدور كلّ هذه الأذكار من المكلّف في تلك الحال، وإلَّا لم يكن مجزياً عن الصلاة.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ؛ فإنَّه أسند مجموع الأذكار الأربعة إلى مجموع الجيش المحارِب، المدلول عليه بضمير الجمع، فمن هنا لم يكن متعيّناً بحسب الظهور – إن لم يكن خلاف الظاهر فعلاً- أنَّ كلّ هذه الأذكار صدرت من كلّ واحدٍ منهم.
وقد يُقال: بظهور الرواية ببدليّة أكثر من ذكرٍ واحدٍ من هذه الأذكار [على] النحو الذي نشير إليه.
بتقريب: أنَّ المستفاد هو أنَّ المراد بالتكبير تكبيرة الإحرام، وخاصّةً بتقديم ذكْرها قبل الأذكار، فإنَّها بدون ذلك لا يكون لها مزيّةٌ في التقديم.
وهو أمرٌ على مقتضى القاعدة، فإنَّ تكبيرة الإحرام إذا أمكنت وجبت لا محالة، والمفروض تمكّنهم من طبيعيّ التكبير، فيتعيّن أن يأتوا به أوّلاً بقصد الإحرام، ثمَّ يأتون بعده بذكرٍ آخر يكون بدل الصلاة أو الركعات. إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ من وجوهٍ:
أوّلاً: إنَّه ليس في ظاهر العبارة ما يدلّ على أنَّ المراد بالتكبير تكبيرُ الإحرام، وإنَّما هو مجرّد دعوى لا قرينة تُسندها. وتقديم التكبير على غيره لا دليل على أكثر من كونه صدفةً، أو لترتيب الكلام، أو باعتبار بدأها بلفظ الجلالة فتكون أشرف من غيرها.
ثانياً: إنَّ ما ادّعي أنَّ ذلك أمرٌ على مقتضى القاعدة، قد ظهر فساده ممّا
ــــــ[360]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
قدّمناه، وذكرنا أنَّ الأمر بالأجزاء قد سقط بسقوط الأمر الأوّل، ولا دليل على وجود أمرٍ آخر على جزءٍ معيّنٍ إلَّا في حدود ما تدلّ عليه هذه الروايات.
ثالثاً: إنَّه لو سُلّم كون المراد بالتكبير هو ما يكون للإحرام، فلماذا يستبعد الاجتزاء به وحده في مثل تلك الحالة الصعبة من شدّة الخوف، وبأيّ ظهور نثبت وجوب ذكْرٍ آخر معه، بعد فرض سقوط احتمال وجوب المجموع.
إذن، فالرواية لا تكاد تقوم بظهورها إلَّا ببدليّة أحد هذه الأذكار عن الصلاة، بدون وجوب تكرار أو إضافةٍ، ومع فرض الشكّ يكون مجرىً للأصل المثبت للأقلّ، كاستصحاب عدم الجعل واستصحاب عدم اشتغال الذمّة، الحاكم على الأصل المثبت للأكثر، كاستصحاب عدم حصول الامتثال أو قاعدة الاشتغال ونحوها من الأصول.
فإن قيل: إنَّ ظاهر الرواية مناسبٌ مع فرض أنَّ بعض هؤلاء أتى بذكرٍ واحدٍ، وبعضهم أتى بأكثر، وربّما أتى بعضهم بالمجموع، فهل يعتبر كلّ ما أتى به الفرد بدلاً عن صلاته؟
قلنا: إنَّ هذا الظهور وإن لم يكن قابلاً للإنكار، إلَّا أنَّه بحسب القاعدة التي قلناها – مؤيّدةً بإطلاق الرواية- هو أن يُقال: إنَّ أوّل ذكر ينطق به المكلّف في تلك الحالة بقصد البدليّة يكون هو صلاته، ويكون الزائد ذكراً مطلقاً استحبابيّاً، ومن هنا كانت الرواية مطلقة من حيث عدم إيجاب الإعادة حتّى على مَن أتى بذكرٍ واحدٍ من هذه الأذكار.
فإن قيل: قد قلتَ فيما مضى إنَّ الفعل لا إطلاق له، ومن المعلوم أنَّ هذه الرواية ناقلةٌ لفعل الصلاة، من قِبل أصحاب أمير المؤمنين×، كما أنَّ إقرار
ــــــ[361]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أمير المؤمنين× لهم فعل من قبيل السكوت، فلا يكون له إطلاقٌ أيضاً، فكيف زعمتَ إمكان التمسّك بالإطلاق؟
قلنا: إنَّه على تقدير تسليم تمام ما ورد في الإشكال، وإن كان بعضه قابلاً للمناقشة في نفسه: أنّنا لا نتمسّك بإطلاق الفعل ولا الإقرار، وإنَّما نتمسّك بإطلاق كلام الإمام الباقر× الناقل له، ولا شكّ بوجود الإطلاق في كلامه كسائر موارد الكلام.
ثمَّ إنَّه هل لهذه الأذكار المذكورة خصوصيّةٌ في بدليّتها عن الصلاة، أم يمكن تجريدها والقول بأنَّ كلّ ذكرٍ هو قابلٌ للبدليّة عن الصلاة، كالتهليل وقراءة بعض آيات القرآن أيّاً كانت، وخاصّةً بعد ذكْر الدعاء كواحدٍ من الأبدال؟
أقول: إنَّه بغضّ النظر عن ذكْر الدعاء، يكون التعميم لغير التهليل مشكلاً؛ لكون هذه الأذكار الأربعة التي تجمعها التسبيحة الكبرى ذات صِيَغٍ واردةٍ خاصّةٍ، نحتمل دخْلها في بدليّة الصلاة احتمالاً يمنع العرف لو التفت إليه من التجريد عن الخصوصيّة، إلَّا أنَّ التعميم للتهليل يكون ممكناً وقريباً، وإن كان خلاف الاحتياط في نفسه؛ لكونه غير مذكور في الرواية، فتأمّل.
وأمّا بعد ذكر الدعاء كواحدٍ من الأبدال، فإن كان المراد به ما هو المتبادر الأوّلي منه، وهو الاستعانة بالله تعالى بمختلف الألفاظ، فإنَّه يكون حينئذٍ وجهٌ وجيهٌ في التعميم لآيات القرآن والتهليل ونحوها، بقياس المساواة بل الأولويّة، فتأمّل، وإن كان ذلك خلاف الاحتياط، فتأمّل.
إلَّا أنَّه لا ينبغي أن يكون المراد بالدعاء هو ذلك، وخاصّةً بعد اكتسابه أهميّةً بالبدليّة عن الصلاة، فإنَّه يكون قرينةً على ما سنقول؛ وذلك: أنَّ الدعاء
ــــــ[362]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
لغةً: هو النداء والاستعانة، ومن المعلوم أنَّ كليهما يحصل بلفظ: (يا الله)، ونحوه: كـ (يا رحمان) و(يا رحيم)، فالمراد هو ذلك بالقرينة التي ذكرناها(1). فإنَّه لا يناسب جزماً أن يكون مطلق أنحاء الدعاء والتوسّلات بدلاً عن الصلاة المفروضة، ولا أقلّ من الإجمال والشكّ بجعل مطلق الدعاء بدلاً فيكون مورد الاستصحاب عدم الجعل، ونحوه من الأصول النافية.
وإذا تعيّن الدعاء بالنداء، لم يمكن التعميم إلَّا للتهليل؛ لكون الدعاء على هذا من الصيغ الواردة والمحتمل دخْلها في البدليّة احتمالاً لا يمكن نفيْه عرفاً، كما قلنا في الأذكار الأربعة.
• الظهور الثامن: ظهور الرواية بالتنزيل وعدمه، فإنَّه قد يُدّعى: أنَّ ظهور الرواية بإجزاء هذه الأذكار عن الصلاة ليس باعتبار سقوطها ببدليّة ما هو أجنبيٌّ عنها، كالكفّارة بالنسبة إلى الصوم، بل هي ظاهرةٌ بالبدليّة التنزيليّة كالذي قلناه من بدليّة الإيماء عن الركوع والسجود، وخاصّةً بعد انحفاظ المسانخة بين هذه الأذكار والصلاة؛ باعتبار اشتمالها عليها وعلى غيرها من الأذكار.
وطريق إثبات التنزيل هو التمسّك بقوله×: >لم يكن صلاتهم إلَّا التكبير<، وخاصّة قوله×: >فكانت تلك صلاتهم<، فقد حمل× الصلاة على هذه الأذكار، ومن المعلوم أنَّ الحمْل لا يصحّ إلَّا مع نحوٍ من الاتحاد. وحيث
ــــــ[363]ـــــــ
( ) وقد حمله الشهيد الثاني في شرح الإرشاد على الاستحباب وعلى القنوت، وكلاهما خلاف الظاهر ووحدة السياق، واحتمل كونهما كناية عن الصلاة على النبي’ فتكون كناية عن التشهّد، وهو أبعد وأبعد. وما ذكرناه هو المناسب مع اللغة والعرف (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
انتفى الاتحاد الحقيقي لابدَّ من المصير إلى الاتحاد الاعتباري التعبّدي، ولا نعني من التنزيل إلَّا ذلك.
إذن، فاللفظ إمّا أن يكون دالاًّ على جعْل التنزيل بنفس إنشائه، وإمّا دالٌّ على جعْله في المرتبة السابقة عليه، وأيٌّ منهما ثبت لم يكن منافياً مع المقصود.
إلَّا أنَّ هذا ممّا يمكن المناقشة فيه:
أوّلاً: بإنكار الدلالة على التنزيل، بل دعوى أنَّ في اللفظ دلالةً على خلافه، وهي دلالته على التوكيد المدلول عليه بتكرار حمْل الصلاة على هذه الأذكار مرّتين، ممّا يدلّ على أنَّ هذه الأذكار ليست بصلاةٍ وإنَّما هي أمرٌ أجنبيٌّ مُسقِطٌ للصلاة، إذ لو كانت هذه الأذكار صلاةً، لمَا كان موجِبٌ لهذا التأكيد.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ كما هو واضحٌ؛ وذلك:
أنَّ مَن يدّعي التنزيل لا يريد به موافقته لذهن العرف وفهمْه له في المرتبة السابقة على الجعْل، ومن هنا يكون غريباً على السامع، ويحتاج إلى التأكيد لا محالة، والتكرار أصبح مؤيّداً للتنزيل؛ لأنَّه من تكرار الحمْل، والحمْل ملازمٌ للتنزيل كما عرفنا.
كما أنَّه ليس من الضروري أن يُدّعى أنَّ هذه الجُمل بنفسها إنشاءٌ للتنزيل؛ ليُقال إنَّها جملٌ خبريّةٌ تفيد التأكيد، بل من الممكن أن تكون كاشفةً عن التنزيل الواقعي في المرتبة السابقة على صدورها، وباعتباره صحّ الحمْل لا محالة بعد انتفاء الاتحاد الحقيقي.
ثانياً: إنَّ الاتّحاد المصحّح للحمل، لا يتعيّن كونه هو العينيّة التنزيليّة، بل يكفي مجرّد البدليّة والإجزاء عن الصلاة؛ لصحّة الحمل.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ أيضاً؛ وذلك:
ــــــ[364]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
لأنَّ الحمْل الذي يكون في طول التنزيل يكون حملاً حقيقيّاً لا محالة، والحمْل عند مجرّد البدليّة حملٌ مجازيٌّ، فإنَّه حملٌ مع انتفاء العينيّة والاتّحاد بينهما، وتعيّن الحمل على الحقيقة ممّا لا مشاحّة فيه. وخاصّةً بعد أن قلنا بكشفها عن التنزيل دون تكفّلها له مباشرةً، فإنَّه هو الأظهر من سياقها.
ولا يُقال: إنَّ كشْفها على التنزيل فرع عدم دلالتها على مجرّد البدليّة، فلو جعلناه دليلاً على عدمها لدار.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا الدور جارٍ في كلّ حقيقةٍ ومجازٍ، فإنَّ الحمل على الحقيقة فرع عدم دلالة الكلام على المعنى المجازي، فلو جعل المعنى الحقيقي دليلاً على عدم المعنى المجازي للزم الدور، ويحلّ الدور من الناحية الثبوتيّة: كون المجاز هو عدم إرادة الحقيقة، وتوقّف الشيء على عدم ضدّه معلومٌ. ومن الناحية الإثباتيّة: الفهم العرفي والأصل العقلائي القائل بلزوم الأخذ بالمعنى الحقيقي وطرح المجازي عند دوران المراد بينهما.
بل قد يُقال: إنَّه مع القول بتكفّل الحمل لجعل التنزيل فإنَّه يكون أولى بالتقديم على مجرّد البدليّة، فإنَّه يصبح حقيقةً في طول الحمْل بخلاف الآخر، فتأمّل.
فتحصّل: ثبوت ظهور الرواية بتكفّل التنزيل، يعني: تنزيل الأذكار المعينّة منزلة الصلاة، ويترتّب عليه جملة من الأحكام على ما ستعرف.
• الظهور التاسع: ظهورها بانتفاء الإعادة والقضاء، على ما هو مقتضى القاعدة لإحراز الامتثال بما هو مقتضى التكليف الواقعي حال الامتثال، وهو البدل التنزيلي، فيسقط وجوب الإعادة ويسقط وجوب القضاء أيضاً؛ لعدم صِدق الفوت بعد إحراز الامتثال.
ــــــ[365]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
واستفادة ذلك من الرواية يكون بالتمسّك بقوله×: >لم يأمرهم بإعادة الصلاة<، إمّا بأن يُفهم انتفاء الإعادة والقضاء معاً من الدلالة المطابقيّة، بدعوى: كون المراد بالإعادة تكرار الصلاة الأعمّ من الأداء والقضاء، فيثبت بإطلاقها عدم وجوب كلا الفردين لا محالة، وهي دعوى قريبةٌ من النفس، وخاصّةً أنَّ اختصاص لفظ الإعادة بالتكرار في الوقت أمرٌ متأخّرٌ عن زمان الصدور، نشأ في كلام الفقهاء (قدّس سرّهم)، فاستعمال الإمام× للإعادة كان على ما هو المعروف في زمانه× لا محالة، وهو مجرّد التكرار الشامل للأداء والقضاء. ويؤيّده، [بل يعيّنه كون بعض الصلوات المذكورة في الرواية
– إن لم يكن كلّها- قد خرج وقتها عند انتهاء الحرب لا محالة].
ولو أنكرنا ذلك لأمكن أن يستفاد انتفاء الإعادة بالدلالة المطابقيّة، كما هو واضحٌ. وانتفاء القضاء بالدلالة الالتزاميّة؛ باعتبار أنَّ عدم الإعادة لم يكن إلَّا لإحراز الامتثال، وهو بنفسه ملازمٌ لعدم القضاء لا محالة، أو باعتبار أنَّه مهما لم يجب الإعادة مع التمكّن منها، لم يجب القضاء أيضاً بالملازمة، فتأمّل.
• الظهور العاشر: ظهور الرواية بجواز الإتيان بالبدل التنزيلي للصلاة، وهي الأذكار في أوّل الوقت. وهو واضحٌ من قوله×: >عند وقت كلّ صلاة<، وهو ظاهرٌ بكون الصلاة في أوّل الوقت من وجوهٍ:
أوّلاً: إنَّ المنصرف والمفهوم من مثل قولنا: (زيدٌ ملتزم بالصلوات في أوقاتها) أو (صلّيت صلاة الظهر في وقتها)، كون إيقاع الصلاة عند أوّل الوقت لا محالة، وهو معنىً عرفيٌّ وجدانيٌّ.
ثانياً: إنَّ الوقت الرئيسي والأساسي لكلّ صلاةٍ هو أوّل وقتها أو وقت
ــــــ[366]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فضيلتها، بحيث قيل بوجوب إيقاعها فيه، فيكون هذا سبباً لتبادره منه عند الإطلاق.
ثالثاً: إنَّه وقتُ كلِّ صلاةٍ على الحقيقة هو الوقت المطابق لاسمها، والمشروع استحباباً في الشريعة المقدّسة. فمقتضى حمْل اللفظ على معناه الحقيقي، هو كون إيقاعها في أوّل إقامتها وهي أوقات الفضيلة، على حين لو أوقع المكلّف صلاة الظهر عصراً، لمَا كان قد أوقعها في وقتها إلَّا بنحوٍ من المسامحة والمجاز، فتأمّل.
وعلى أيّ حالٍ، فهذا الظهور قريبٌ من النفس جدّاً، وعلى تقدير إنكاره فإثباته بالإطلاق ضروريٌّ وواضحٌ، للقطع في كون الإمام في مقام البيان من هذه الناحية بعد فرض كونه بصدد بيان تمام أحكام هذه الصلاة الاضطراريّة، وإن لم يكن القطع فالأصل العقلائي يقتضي ذلك.
وأمّا عدم التقييد بآخر الوقت فوجدانيٌّ، لا في هذه الرواية فقط، بل في الآية الكريمة التي تكلّمنا عنها أخيراً، وفي جميع الروايات الآتية؛ فإنَّه لم ترد الإشارة ولو ضعيفةً في أيّ دليل معتبرٍ إلى هذا التقييد، على ما سنرى من حال الروايات.
فهذه الظهورات العشرة هي أهمّ مداليل هذه الرواية، صحيحة الفضلاء الثلاثة.
صحيحة الحلبي
ومن الروايات المعتبرة الخاصّة بحال الحرب: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله× قال: >صلاة الزحف على الظهر إيماءٌ برأسك وتكبير، والمسايفة
ــــــ[367]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
تكبيرٌ بغير إيماءٍ، والمطاردة يصلّي كلّ رجلٍ بحياله<(1).
والزحف هو سير الجيش، يُقال: زحف العسكر إلى العدوّ إذا مشوا إليهم في ثقلٍ لكثرتهم، والظهر: هو الدوابّ التي تَحمل الأثقال(2).
وحاصل ما يستفاد من هذه الصحيحة أنَّها تقسّم حال شدّة الخوف إلى مراتب ثلاث على ما سنذكر. وإنَّما اختصّت بشدّة الخوف؛ للقطع بعدم سقوط الكيفيّة الاختياريّة للصلاة عند وجود الأمن في الجملة، كما سمعنا مفصّلاً في المقام السابق، على حين إنَّ الصحيحة مخصّصةٌ لذكر الأبدال الاضطراريّة للصلاة في المراتب الثلاث: وهي:
◘ المرتبة الأُولى: لشدّة الخوف حال المكلّف عند زحف الجيش نحو العدو على ظهر الدوابّ، كالفرس والبغل أو أيّ واسطة نقل أُخرى.
والمراد كون الزحف قد انتهى إلى قرب العدوّ لا محالة، بحيث أصبح الخطر شديداً وحالة شدّة الخوف متحقّقة. والسرّ في هذا التقييد وإن لم يُذكر في الرواية، هو ما أشرنا إليه: من عدم جواز الانتقال إلى البدل الاضطراري والوجود التنزيلي للصلاة ما لم تصل الحالة إلى شدّة الخوف، ولعلّ هذا الحكم باعتبار وضوحه في مجلس التخاطب، ممّا أغنى عن التقييد في اللفظ.
ــــــ[368]ـــــــ
( ) مَن لا يحضره الفقيه 1: 466، أبواب الصلاة وحدودها، باب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 1346، تهذيب الأحكام 3: 174، كتاب الصلاة، الباب 13، الحديث 3، وسائل الشيعة 8: 443، باب 4 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 2.
(2) راجع الصحاح 4: 1367، فصل الزاي (زحف)، ولسان العرب 9: 129، فصل الزاي (زحف)، وتاج العروس 12: 242، فصل الزاي (زحف).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وفي كون هذه المرتبة أقلّ خطراً وخوفاً من المرتبتين الأخيرتين من الوضوح ما يغني عن التنويه.
وقد أمر الإمام× في هذه المرتبة بالإيماء بالرأس مع التكبير، ويقع الكلام في ذلك ضمن أُمورٍ:
• الأمر الأوّل: أنَّ الرواية ظاهرةٌ بتنزيل هذين الأمرين منزلة الصلاة، ضمن هذه المرتبة بالنحو الذي ذكرناه في صحيحة الفضلاء الثلاثة، فلا نعيد.
• الأمر الثاني: أنَّ المأخوذ في لسان الرواية هو طبيعيّ الإيماء بالرأس وطبيعيّ التكبير، مطلقاً من حيث التكرار في أيٍّ منهما، ومطلقاً من حيث إضافة أيّ فعْل أو ذِكْر إليه، كما هو واضحٌ. ومقتضاه جواز بل تعيّن الاجتزاء بإيماء واحدٍ مع تكبيرٍ واحدٍ، ويكون الزائد بقصد الجزئيّة تشريعاً محرّماً مُبْطِلاً ما لم يدلّ دليلٌ على التقييد.
• الأمر الثالث: أنَّها مطلقةٌ من حيث ضمّ أيّ فعلٍ أو ذِكْرٍ ممّا هو مشروعٌ في الصلاة الاختياريّة إليه. وإن كان ذلك ممكناً في الجملة، وهذا واضحٌ بعد الذي قلناه في مناقشتنا للقواعد العامّة، من عدم وجوب كلّ الباقي عند تعذّر البعض؛ وذلك: لسقوط الأمر الضمني المتعلّق به، وعدم الدليل على وجوبه بعد ذلك، إلَّا من حيث هذه الروايات الخاصّة، والمفروض أنَّها مطلقةٌ من هذه الناحية.
• الأمر الرابع المنساق من الرواية: أنَّ التكبير يكون حال الإيماء بالرأس، وعلى تقدير إنكار هذا الظهور فلا أقلّ من الإجمال، ومعه يكون المتعيّن هو ذلك؛ لدوران الأمر بين التعيين والتخيير، ومقتضاه الأخذ بالتعيين كما هو المحقّق في محلّه، على أنَّ المكلّف لو فصل بينهما فإنَّه يشكّ بالإجزاء،
ــــــ[369]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ومقتضى الأصل عدمه كما هو واضحٌ.
نعم، لو ادّعى ظهور الرواية بإيجاد التكبير والإيماء في الجملة، لتعيّن القول بالإجزاء، وإن كان مقتضى الاحتياط الاستحبابي أيضاً هو الجمع أيضاً؛ لاحتمال تعيّن الجمع والقطع بعدم تعيّن التفريق.
• الأمر الخامس: أنَّ الإيماء قيّد بهذه الرواية أن يكون بالرأس، على أنَّنا رأينا أنَّه وقع مطلقاً في صحيحة الفضلاء الثلاثة؛ ولذلك التزم الفقيه الهمداني(1) بحمل المطلق على المقيّد، واستنتج منه اختصاص حال شدّة الخوف بالإيماء بالرأس. وكأنَّه يشير بذلك إلى عدم مشروعيّة الإيماء بالعين في هذه الحالة، خلافاً للكثيرين، حيث اعتبروه بعد تعذّر الإيماء بالرأس. وذكر أنَّ قياسه على المريض ممنوعٌ، على ما نذكر.
إلَّا أنَّ هذا منه+ ممنوعٌ، وخلاصة ما ينبغي أن يُقال بحيث يتّضح المطلب في نفسه هو أن يُقال:
أوّلاً: إنَّ التقييد إنَّما يتمّ فيما إذا كان الموضوع متّحداً في الدليلين بحدوده، ليصحّ أن يُقال: إنَّ الإيماء لا يكون إلَّا بالرأس في كلّ مراتب شدّة الخوف كما يريده الفقيه الهمداني+.
على حين إنّنا حين نلاحظ الروايتين نجدهما أمرتا بالإيماء في مرتبتين منفصلتين لشدّة الخوف. وقياس إحداهما على الأُخرى قياسٌ مع الفارق. فصحيحة الفضلاء أَمرتْ بالإيماء المطلق في المطاردة والمناوشة، وصحيحة الحلبي أَمرتْ بالإيماء بالرأس عند الزحف على الظهر، واعتبرت المطاردة
ــــــ[370]ـــــــ
( ) راجع مصباح الفقيه 2 ق2: 717-718، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
موضوعاً آخر، ومرتبةً أشدّ كما هو واضح من سياقها.
إذن، فاختلاف الموضوع ممّا دلّت عليه الرواية وليس أمراً افتراضيّاً، ومع اختلافه يستحيل أن يشمل حكم أحدهما للآخر؛ إذ يستحيل أن يتعدّى الحكم موضوعه كما ثبت في محلّه، ومعه يستحيل أن يكون أحدهما مقيِّداً للآخر.
ومعه يبقى كلّ موضوعٍ على حكمه، ففي المطاردة يكفي مطلق الإيماء، وفي الزحف لا يكفي إلَّا الإيماء بالرأس.
ودعوى: القطع بعدم الفرق بين الحالتين، عهدتُها على مدّعيها، بعد أن عرفنا كونهما مختلفين من حيث شدّة الخطر، وكون الزحف أخفّ لا محالة من المطاردة. ومن هنا كان احتمال اشتماله على خصوصيّةٍ توجب التعيّن، بل القطع بذلك، مانعاً عن التجريد عن الخصوصيّة لا محالة.
ثانياً: إنَّه حتّى على تقدير اتّحاد موضوعهما، فإنَّه يمكن منْع التقييد أيضاً؛ وذلك لأنَّ المطلق والمقيّد في المقام موجبان، وإنَّما يتعيّن التقييد في الموجبين فيما إذا كانا بصيغة الأمر أو كان الخاصّ بصيغة الأمر، فإنَّ ظهور الخاصّ حينئذٍ وإطلاقه المقتضي للتعيين يعتبر قرينةً عرفيّة على رفْع اليد عن إطلاق العامّ المقتضي للتخيير بين الخاصّ وغيره.
وأمّا في المقام، فالعامّ هو المتكفّل لصيغة الأمر؛ باعتباره جملةً إخباريّةً تتكفّل الطلب، والخاصّ يتكفّل التنزيل، والحمْل دون الأمر كما رأينا، إن لم يمكن القول بإرجاع العامّ إلى التنزيل أيضاً ببعض التقريبات.
وفي مثل ذلك لا تنافي بين الخاصّ والعامّ، كما هو واضحٌ. فإنَّه يمكن أن يكون الإيماء بالرأس منَزَّلاً منزلة الصلاة، والإيماء بالعين مأموراً به ضمن الإطلاق، ولا يمكن أن يحصل التنافي بينهما إلَّا بأحد ظهوراتٍ ثلاثةٍ في
ــــــ[371]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الخاصّ، كلّها غير موجودةٍ.
أحدها: ظهوره في الانحصار، فإنَّه يكون دالاًّ حينئذٍ بالدلالة الالتزاميّة على نفْي الفرد الآخر من العامّ، فيكون قرينةً على نفْيه، ومن المعلوم عدم وجود هذا الظهور، فإنَّ للانحصار أدواتٍ وأساليب لغويّةً معيّنةً لم يستعمل أيٌّ منها في السياق.
فلا يبقى إلَّا مجرّد الإشعار بالانحصار، وهو وإن كان مسلّماً، إلَّا أنَّه ليس من القوّة بحيث يصلح للقرينيّة على العامّ، إن لم يصلح العامّ للقرينيّة عليه.
ثانيها: ظهوره في المفهوم، فإنَّه يكون دالاً على انتفاء الحكم لغير الإيماء بالرأس. إلَّا أنَّ هذا المفهوم ليس إلَّا من قبيل مفهوم اللقب، بل مفهوم الاسم كما لو يدّعى أنَّ قولنا: (أكرِمْ زيداً) يعني لا تكرم عمراً، وعدم وجود مثل هذا المفهوم من الواضحات.
ثالثها: ظهوره بالدلالة الالتزاميّة النافية للفرد الآخر من العامّ، وهذه الدلالة إن أُريد بها ما كان ناشئاً من الظهور بالانحصار، فقد ذكرناه ونفيناه، وإن كان المراد كونها ناشئةً من منشأ آخر، فهي غير متحقّقةٍ أيضاً. فإنَّه لا يتصوّر لها منشأ إلَّا التكاذب والتنافي بين الدليلين، والعلم الإجمالي بسقوط أحدهما، وهو غير موجودٍ بعد رفض السببين السابقين.
فتحصّل: أنَّ التقييد غير تامٍّ، وأنَّ الإيماء بالعين لا زال جائزاً، إمّا في عرض الإيماء بالرأس كما أثبتنا، وإمّا في طوله، كما قالوا.
ثالثاً: إنَّ التقييد لو سُلّم، فغاية ما يثبت تعيّن الإيماء بالرأس مع إمكانه، وأمّا مع عدم إمكانه فلا يمكن لدليله أن يدلّ على نفْي الإيماء بالعين حينئذٍ؛
ــــــ[372]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
لاختلاف الموضوع وجداناً وعرفاً، ومعه لا يتمّ ما هو مقصوده+ من إنكار مشروعيّة الإيماء بالعين في حالة شدّة الخوف، مع قيام دليلٍ عليه.
وقد تعرّض+(1) في مصباحه لدليلين على مشروعيّة الإيماء بالعين، وناقشهما، وكلتا المناقشتين إمّا غير واردتين وإمّا إنَّهما قاصرتان عن إثبات المطلوب.
الدليل الأوّل الذي ذكره لمشروعيّة الإيماء بالعين، هو: التمسّك بقاعدة الميسور، حيث يُقال: إنَّ هذا الإيماء هو الميسور بعد تعذّر الإيماء بالرأس فيكون واجباً.
إلَّا أنَّه+ نفى – كما سبق أن نفينا- صحَّةَ التمسّك بهذه القاعدة، وذكر أنَّ بدليّة الإيماء عن الركوع والسجود إنَّما تثبت بالأدلّة الخاصّة، لا بتلك القاعدة، فإنَّ الإيماء بالرأس فضلاً عن مطلقه أجنبيٌّ عرفاً عن ماهيّة السجود، بل الركوع أيضاً، فلو لم يكن نصٌّ خاصٌّ يدلّ عليه، لم تكن القاعدة كافيّةً في إثباته، والنص إنَّما ورد ها هنا في الإيماء بالرأس، وما في بعض الروايات من الإطلاق وجب صرفه.
وقد رأيت أنّنا منعنا عن التمسّك بقاعدة الميسور، وحولّنا الدلالة على وجوب الإيماء على الأدلّة الخاصّة، كما فعل+، إلَّا أنَّنا قلنا بالتسانخ بين الإيماء وبين الركوع والسجود؛ لأنَّهما معاً من قبيل الانحناء، إلَّا أنَّ هذا لا يؤثّر في الموضوع شيئاً، فلو سلّمنا كونه أجنبياً، بحسب الماهيّة، إلَّا أنّنا لا نسلّم عدم ورود الدليل الخاصّ عليه، المغني عن التمسّك بقاعدة الميسور،
ــــــ[373]ـــــــ
(1) راجع مصباح الفقيه 2 ق2: 717-718، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وهو إطلاق صحيحة الفضلاء الثلاثة، وقد عرفت بما لا مزيد عليه عدم منافاة الخاصّ الوارد في صحيحة الحلبي معه، فلا يجب صرْفه إليه وحمْله عليه، كما يريد+ أن يقول.
الدليل الثاني الذي ذكره(1): هو قياس حال شدّة الخوف بحال المريض، كما صدر من غير واحدٍ(2)، فكما ثبتت الطوليّة في المريض والرجوع إلى بدليّة الإيماء بالعين، فكذلك في المقام.
وناقشه: بأنَّ المريض يشقّ عليه أصل الفعل، وهو الإيماء بالرأس، فلا يصلح أن يكون ذلك دليلاً لإثباته ها هنا، إلَّا بتنقيح المناط، وهو غير واضحٍ.
وهذه المناقشة إن سلّمناها، فهي غاية ما تثبت عدم صحّة القياس، وعدم كون الدليل هناك صالحاً للدليليّة هنا. وهذا واضحٌ، إلَّا أنَّ ذلك لا ينافي ورود الدليل في المقام على مشروعيّة الإيماء بالعين، كما هو واضحٌ أيضاً.
وأمّا قياس المقام على حال المريض، من حيث إثبات الطوليّة التي نفيناها، فهو قياسٌ مع فارق الحال واختلاف الموضوع، إلَّا أن يُدّعى: أنّنا نفهم من مجموع الأدلّة الواردة في كلا البابين قاعدةً عامّةً، وحاصلها: أنَّ مَن تعذّر عليه الركوع والسجود الاختياريّان ينتقل إلى الإيماء بالرأس، فإنْ تعذّر عليه ذلك، انتقل إلى الإيماء بالعين، وتكون هذه القاعدة مخصِّصةً لإطلاق صحيحة الفضلاء الثلاثة.
ــــــ[374]ـــــــ
(1) راجع مصباح الفقيه 2 ق2: 717-718، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(2) راجع جواهر الكلام 14: 183، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، وقد نقل بعض الأقوال في ذلك.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إلَّا أنَّ هذا واضح الدفْع:
أوّلاً: لأنَّ الأدلّة التي يستفاد منها هذه القاعدة لا ينبغي أن تكون ضمنها الأخبار الخاصّة بشدّة الخوف؛ لأنَّ دلالتها هو محلّ الكلام. ولو كانت دالّةً في نفسها لَمَا احتجنا إلى هذا القياس، ولا إلى القاعدة العامّة.
ودعوى: كونها تكتسب معنىً جديداً بلحاظ ضمّها إلى أدلّة المريض.
عهدتُها على مدّعيها، مع غضّ النظر عن التخصيص على الفرض الذي سُلّم عدم إمكانه في نفسه، والاحتياج إلى القاعدة العامّة.
وإذا انتفت دلالة أخبار شدّة الخوف على هذه القاعدة، لم تبقَ إلَّا أخبار المريض، وهي ظاهرها التقييد بحال المرض لا محالة، ودعوى: إمكان تجريدها عن الخصوصيّة ممنوعةٌ؛ لأنَّ الالتفات إلى الفوارق بين الحالين واحتمال دخْلها في الحكم يمنع من ذلك عرفاً.
ثانياً: إنَّه على تقدير استفادة القاعدة العامّة من مجموع الأدلّة، كيف تكون مقيّدةً لإطلاق أخبار شدّة الخوف؟ فإنَّها فرع دلالتها على الفرض، فكيف يكون لها التصرّف فيها من دون دور(1).
فتحصّل: أنَّ الدليل في نفسه غير تامٍّ، لا على مدّعى الهمداني، ولا على الطوليّة. وممّا ذكرناه ظهر عدم كون صحيحة الحلبي التي نتكلّم عنها مقيّدةً لإطلاق صحيحة الفضلاء الثلاثة، وتخصيصها بخصوص الإيماء بالرأس، بل للمكلّف في حال المطاردة أن يختار أيّاً من الإيمائين شاء.
فهذا هو الكلام في المرتبة الأُولى لشدّة الخوف التي تعرّضت لها صحيحةُ الحلبي.
ــــــ[375]ـــــــ
( ) يعني: نتيجة الدور، وهي لزوم تقدّم المتأخّر وتأخّر المتقدّم (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
◘ المرتبة الثانية المسايفة: وهي التضارب بالسيوف كما عرفنا، ومن المعلوم أنَّها أشدّ خطراً من الزحف، وقد أسقط الإمام× في هذه المرتبة وجوب الإيماء وحَكَمَ بوجوب التكبير من دون إيماءٍ، وهذا واضحٌ.
إلَّا أنَّ الكلام يقع في نسبة هذا الحكم والموضوع إلى ما يماثله في الصحيحة السابقة. وذلك ضمن أمرين:
• الأمر الأوّل: أنَّ صحيحة الحلبي اعتبرت المسايفة مرتبةً سابقةً على المطاردة بمقتضى ظاهرها، ولازمه كونها أخفّ منها حالاً، وهذا مضافاً إلى كونه خلاف الوجدان، فإنَّه أيضاً منافٍ لِمَا اعتُبِر في صحيحة الفضلاء من عكس هذا الترتيب، حيث بدأت بذكر المطاردة ثمَّ المسايفة.
إلَّا أنَّ هذا يتمّ مع تماميّة ظهور المطاردة في صحيحة الحلبي في كونها مرتبةً أشدّ من سوابقها، على حين يمكن المناقشة في هذا الظهور من ناحيتين:
الناحية الأُولى: بإنكار ظهور كونها مرتبةً ثالثةً لِمَا سبقها أساساً. وعلى تقدير وجوده، فهو محكوم لقرينتين:
الأُولى: اختلاف السياق وأسلوب الكلام عمّا سبق في الرواية، فإنَّه كان المحمول أو الخبر في الأوليين بصيغة المصدر >إيماءٌ< و>تكبيرٌ<، بخلافه في الثالث، فإنَّه جاء بصيغة الفعل المضارع، وهو مشعرٌ باستقلاله في نفسه.
الثانية: كون الحكم في المطاردة ليس أشدّ ممّا سبقه، ولو كان مرتبةً أشدّ موضوعاً لكانت أشدّ حكماً لا محالة، كما كان الحال عليه في المرتبتين الأوليين. فبمناسبات الحكم والموضوع نعرف كونه ليس من قبيل المرتبة الثالثة.
الناحية الثانية: أنَّه على تقدير كون المطاردة مرتبةً في نفسها، بل وإن كانت مرتبةً ثالثةً بحسب الترتيب اللفظي، إلَّا أنَّها ليست أشدّ من سوابقها،
ــــــ[376]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
كما هو ظاهر الترتيب.
وذلك بأن يُقال: إنَّ الأثر العملي للمعارضة إنَّما يترتّب على اختلاف الحكم المترتّب على المطاردة بعنوانها في الروايتين، وسيأتي عدم اختلافها في الحكم من حيث النتيجة، وأمّا مجرّد الترتيب اللفظي فغير مهمٍّ بعد معلوميّة الموضوع، وانحفاظ عنوان المطاردة.
فتحصّل: أنَّه لابدَّ من الأخْذ بصحيحة الفضلاء في الترتيب؛ لأنَّه الموافق للوجدان، كما أشرنا. ولا يعارضه ما في صحيحة الحلبي؛ باعتبار لزوم رفْع اليد عن ظهورها المعارض؛ لوجود القرائن الداخليّة التي قلناها والخارجيّة، وهي مخالفته للوجدان على نفْيه.
• الأمر الثاني: أنَّ صحيحة الحلبي حكمت بوجوب التكبير بدلاً عن الصلاة بخصوصه، على حين إنَّ صحيحة الفضلاء عدّت مع التكبير التسبيحَ والتحميدَ والدعاءَ كما سمعنا، وتعارضهما من هذه الناحية ليس من قبيل المطلق والمقيّد ليمكن الحمْل عليه، فإنَّ صحيحة الفضلاء ليست متكفّلةً لمجرّد الإطلاق؛ لظهور دخْل عناوين التسبيح والتحميد بنفسها في البدليّة، فقد ينتهي إلى التعارض والتساقط.
إلَّا أنَّ هذا وهمٌ يمكن إزاحته بسهولة:
أوّلاً: إنَّ صحيحة الحلبي – كما قلنا- لم تشتمل على صيغة الأمر ليكون لها ظهورٌ بالتعيين ليكون معارضاً مع ظهور الرواية الأُخرى بالتخيير. وإنَّما تتكفّل صحيحة الحلبي للحمل الظاهر في التنزيل كما عرفنا. وهو خالٍ من الظهور في التعيين، غايته الإشعار بذلك بنحوٍ ضعيفٍ لا يكون قابلاً للمعارضة.
ــــــ[377]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ثانياً: إنَّه على تقدير ظهورها بالتعيين – بأيّ نحوٍ من الأنحاء- فغايته كونها مطلقةً من هذه الناحية، ومن المعلوم أنَّ صحيحة الفضلاء نصٌّ في التخيير، فتكون مقيّدةً لها لا محالة، ويكون الإطلاق في جانب صحيحة الحلبي لا في جانب الصحيحة الأُخرى كما تُوهّم؛ لأنَّ التخيير مستفادٌ من النصّ لا من الإطلاق.
وبتعبيرٍ آخر: إنَّ رفْع اليد عن إطلاق صحيحة الحلبي لا يقتضي رفْعها عن ذات الحكم، بل هو يتناسب مع انحفاظه كما هو واضحٌ، إلَّا أنَّ رفْع اليد عن التخيير المفاد بالصحيحة الأُخرى يقتضي رفْعها عن ذات الحكم بجواز الاجتزاء بالتسبيح والتحميد وبدليّتهما عن الصلاة. وإذا دار الأمر بين هذين الأمرين قُدّم ما فيه انحفاظ ذات الحكم في كلا الطرفين لا محالة.
وبهذا ينتج تعيّن الأخْذ بمدلول صحيحة الفضلاء مع اعتبار التكبير أحد الأبدال عن الصلاة، مع المحافظة على بدليّة الأذكار الأُخرى.
◘ المرتبة الثالثة لشدّة الخوف في صحيحة الحلبي، ولو بحسب الترتيب اللفظي، كما قلنا: هي المطاردة. وهي أن يحمل الأقران بعضهم على بعضٍ، كما سمعنا.
وقال الإمام× بصدد الحكم في هذه المرتبة >يصلّي كلُّ رجلٍ بحياله<(1)، يعني: بانفراده. وهو إشارةٌ إلى عدم إمكان التجمّع حال المطاردة، أمَّا لإقامة
ــــــ[378]ـــــــ
( ) كذا في المصباح، وفي الوسائل: >إيماء يصلّي … < (منه+). راجع مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 717، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع، الكيفية الثالثة لصلاة الخوف، وسائل الشيعة 8: 443، باب 4 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 2.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الجماعة، فإنّها تكون محرّمةً عند توقّف الجهاد على عدمها كما أسلفنا، وأمّا التجمع لمجرّد الدفاع أو الهجوم، فإنَّه يمتنع عادةً على أحد طرفي المطاردة الالتحاق بجماعته، وعليه فيتعيّن على المكلّف أن يصلّي حال المطاردة منفرداً عن الجماعة والتجمّع، وهذا واضحٌ في نفسه، وواضحٌ من الرواية أيضاً.
وبهذا يتّضح أنَّ الإمام× لم يبيّن كيفيّة هذه الصلاة المنفردة(1), بأيّ إشارةٍ أو دلالةٍ, فهو إمّا أن لا يكون في مقام البيان من هذه الناحية, على ما هو الظاهر, وإمّا أنَّه حوّل المكلّف على أدلّةٍ أُخرى كانت معلومةً ومتوفّرةً حال الصدور.
وعلى أيٍّ من الحالين، لابدَّ من استفادة كيفيّة صلاة المطاردة من دليل آخر. ومعه، فإن كنّا ممّن يقول بوجوب كلّ الباقي بعد تعذّر البعض من أجزاء الصلاة وشرائطها – كما قيل- أوجبنا على المكلّف أن يأتي بما يمكنه أو بكلّ ما يمكنه من أجزاء الصلاة وشرائطها. وإن أنكرنا هذا المسلك – كما هو المختار- بعد سقوط الوجوبات الضمنيّة للأجزاء، وعدم ما يدلّ على الوجوب سوى هذه الأخبار الخاصّة، وأمامنا من هذه الأخبار صحيحة الفضلاء التي بيّنت حكم صلاة المطاردة بوضوح، وهو الإيماء حيث كان وجهه.
والمقصود بالإيماء: المطلق هنا، وهو الإيماء للركوع والسجود، كما
ــــــ[379]ـــــــ
( ) [نعم، والحقّ أنَّ ما] في الوسائل [من] قوله×: >والمطاردة: الإيماء، يصلّي كلُ رجلٍّ بحياله< فيكون الإمام قد أشار إلى الكيفيّة وهي متّحدة مع ما في صحيحة الفضلاء, (تصحيح) (منه+). الظاهر أنَّ السيّد الشهيد+ قد عدل عمّا أشار إليه في المتن بهذا الهامش، فلاحظ.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أشرنا، وليس الإيماء المقرون بمجرّد التكبير، كالذي ذُكر في المرتبة الأُولى من هذه الرواية، فيكون هو المتعيّن ما دام ممكناً.
يبقى إشكالٌ واحدٌ يَرِد على المرتبة السابقة وقد يرد على هذه المرتبة أيضاً، وحاصله: أن يُدّعى ظهور الحكم في صحيحة الحلبي بالاختصاص بالعنوان الذي أُخذ موضوعاً له، وهذا منافٍ [مع] ما أخذ في الصحيحة السابقة، من عطف المناوشة على المطاردة وعطف المعانقة على المسايفة، والظاهر منه كون الحكم ثابتاً لعنوانين لا لعنوانٍ واحدٍ.
إلَّا أنَّ هذا الإشكال مدفوعٌ:
أوّلاً: بأنَّ هذا الظهور المدّعى ممّا لا أساس له، فإنَّ غاية ما يمكن أن يُدّعى كدليل عليه هو الإطلاق لا محالة، والإطلاق غاية ما يُثبِت وجوب الحكم عند حصول هذا العنوان، سواء ترتّب على العنوان الآخر أم لا. ومن المعلوم أنَّ ورود العنوان الآخر مقروناً به قرينةٌ متصلةٌ على تقييد هذا الإطلاق لو كان مقيّداً للتعيين، على أنَّه لا يفيد التعيين كما هو واضحٌ، وإنَّما يفيد كون كلّ عنوانٍ هو تمام الموضوع للحكم، بحيث لا يبقى بعد تحقّقه حالةٌ منتظرةٌ، وهذا لا ينافي ثبوت موضوعٍ آخر تامٍّ يترتّب عليه نفس الحكم لا محالة.
فإن قيل: إنَّ هذا مستحيلٌ كاستحالة اجتماع علّتين تامّتين على معلولٍ واحدٍ.
قلنا: هذا مطعونٌ كبرىً وصغرىً، أمّا صغرى: فلكون الحكم واحداً بالنوع، والاستحالة ثابتةٌ في الواحد بالشخص الذي هو المعلول في الحقيقة. وأمّا كبرىً: فلأنَّ الموضوعات والأحكام ليست من قبيل العلّة والمعلول كما حُقّق في محلّه، ولو كان من سنخه فأمْره هيّنٌ أيضاً؛ لكونه من الأُمور
ــــــ[380]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الاعتباريّة الجعليّة، والاعتبار خفيف المؤونة، فتأمّل.
فإن قيل: إنَّ ما ذكرتَه هو الإطلاق في جانب الموضوع لا الإطلاق في جانب الحكم.
قلنا: إنَّ الحكم أسوأ حالاً من حيث ترتّب المطلوب، فإنَّه خالٍ من الإطلاق على الإطلاق. بل إطلاقه مؤيّدٌ لعدم التعيين، حيث يدلّ على ثبوته لهذا الموضوع، سواء ثبت لموضوعٍ آخر أم لا. فتوهّم ظهور الحكم بل الموضوع بالتعيين ساقطٌ غايته. ومعه يتعيّن الأخْذ بمدلول صحيحة الفضلاء بترتّب الحكم على كلا العنوانين لا محالة.
ثانياً: إنَّ هذا الإشكال على تقدير وروده على المسايفة لوجود حكمٍ مترتّبٍ عليها في صحيحة الحلبي من حيث كيفيّة الصلاة، فإنَّه غير واردٍ على المطاردة؛ لعدم وجود الحكم بكيفيّةٍ معيّنةٍ في هذه الصحيحة مترتّبٍ على المطاردة، فيكون إطلاق الحكم المُدّعى في الإشكال منفيّاً أساساً، ويكون الحكم مستفاداً من صحيحة الفضلاء نفسها.
وأمّا إطلاق الموضوع فيبقى فيه مجالٌ لتوهّمٍ ضعيفٍ، وإن كان أضعف من المسايفة؛ باعتبار أنَّ المطاردة حين أُخذت حكمها من الصحيحة الأُخرى، أصبحت عرفاً هي نفس العنوان المأخوذ في تلك الصحيحة، وهو متّحدٌ معه(1) حقيقةً أيضاً، إلَّا أنَّ العرف يفهم من هذه العينيّة عدم الاختصاص(2) حتّى في هذه الرواية؛ لكون هذا العنوان بأحد وجوديه، وهو وروده في صحيحة الفضلاء نصّاً بعدم الاختصاص لا محالة؛ لعطف غيره عليه. ومع
ــــــ[381]ـــــــ
( ) وهو عنوان المطاردة في الروايتين (منه+).
(2) وهو العنوان الذي حاولنا في الإشكال إثباته بالإطلاق (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
التنزّل عن ذلك، فما ذكرناه فيما سبق كافٍ في الردّ كما هو واضحٌ.
فهذا هو الكلام في صحيحة الحلبي.
موثقة أبي بصير
ومن الأخبار المعتبرة الخاصّة بحالة الحرب موثّقة أبي بصير، قال: سمعتُ أبا عبد الله× يقول: >إذا التقوا فاقتتلوا، فإنَّما الصلاة حينئذٍ بالتكبير، فإذا كانوا وقوفاً فالصلاة إيماءً<(1).
وحاصل ما يستفاد من هذه الرواية التعرّض إلى مرتبتين من مراتب شدّة الخوف، وقد تقدّم ذكْر المرتبة الأشدّ والأخطر على الأُخرى.
◘ المرتبة الأُولى: هي حال الاشتغال بالقتال، وحكمها هو الصلاة بالتكبير. ويتّضح جوانب المطلب في الكلام ضمن أُمورٍ:
• الأمر الأوّل: ليس في الرواية ما يدلّ على حال المتقاتلين، من حيث كونهم راجلين أو راكبين، وتوهُّم كونها دالّةً على الثاني بقرينة المقابلة مع الوقوف في المرتبة الثانية، مدفوعٌ: بأنَّه مضافاً إلى أنَّه لا يتعيّن كون معنى الوقوف هو كونهم راجلين، بل من المحتمل أن يكون المراد به التوقّف عن القتال وإن كانوا راكبين، وعلى تقدير ظهوره بالوقوف على الرجلين فالملحوظ فيه هو انقطاعهم عن القتال بقرائن أُخرى، نذكرها في الحديث عن المرتبة الثانية، وليس الملحوظ هو خصوصيّة وقوفهم على الرجلين، وإن كان ثابتاً في نفسه على الفرض، فلا يمكن أن يكون طرفاً للمقابلة.
ــــــ[382]ـــــــ
( ) الكافي 6: 574، كتاب الصلاة، الباب 87، الحديث 5، تهذيب الأحكام 3: 300، كتاب الصلاة، الباب 29، الحديث 7، وسائل الشيعة 8: 446، باب 4 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 9.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الأمر الثاني: أنَّ الاشتغال بالقتال المأخوذ في هذه الرواية قريبٌ من مدلول المسايفة المأخوذ في الروايات السابقة، بحسب الحرب القديمة المعروفة حال الصدور، وقد ترتّب عليها نفس الحكم السابق، وهو بدليّة التكبير عن الصلاة من دون إيماءٍ على ما نشير إليه.
فإن قيل: إنَّ الاشتغال بالقتال أعمّ من المسايفة التي هي التضارب بالسيوف بالخصوص.
قلنا: أوّلاً: إنَّ المسايفة هي الفرد الغالب لا محالة، فقد يمكن حمْل المطلق عليها.
وثانياً: إنَّه يمكن تجريد المسايفة عن الخصوصيّة بحسب الفهم العرفي، وتعميمها إلى التضارب المباشر بالسلاح اليدوي كالخناجر والرماح من أسلحة الحرب القديمة، وهي دعوى قريبةٌ من النفس، وتكون الغالبيّة هنا أكثر، بحيث يمكن حَمْل العامّ عليها بنحوٍ أيسر(1) إن لم يمكن التعميم إلى التضارب المباشر بكلِّ سلاحٍ، وإن كان بعيداً.
ومع غضّ النظر عن ذلك، تكون هذه الموثّقة أعمّ لا محالة، وهو ممّا لا محذور فيه. فما خرج بالتقييد من العناوين التفصيليّة في سائر الأدلّة، كان مقيّداً لهذه الموثّقة، وما لم يخرج كان الحكم ثابتاً له لا محالة بمقتضى إطلاق هذه الرواية.
• الأمر الثالث: أنَّ التكبير المأمور به في هذه المرتبة خالٍ من الإيماء بقرينة المقابلة مع المرتبة الثانية في الرواية، ومفهوم الحصْر لو كان الحصر
ــــــ[383]ـــــــ
( ) وقد تكون عينه حينئذٍ، فإنَّ الاقتتال ليس إلَّا التضارب بالسلاح اليدوي في المفهوم القديم (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ملحوظاً(1) من سائر الجهات، ومع الغضّ عنه، فالإطلاق كافٍ لإثباته كما هو واضحٌ.
• الأمر الرابع: أنَّه من الصعب استفادة التنزيل من هذه الموثّقة، كما استفدناه ممّا سبق؛ وذلك لأنَّ الطريق الواضح لاستفادته هو تصحيح الحمْل به كما قلنا. وفي هذه الموثّقة لا يوجد الحمْل، فإنَّه قال: >وإنَّما الصلاة بالتكبير<، فقد تعدّى الحكم إلى الموضوع بـ(الباء)، وهو ظاهرٌ بكونه سبباً في سقوط وجوب الصلاة، ولا يمكن استفادة التنزيل منه.
وهذا بهذا المقدار وإن كان مسلّماً، إلَّا أنَّه لا يكون مضرّاً بما استفدناه ممّا سبق أو معارِضاً له، إلَّا على تقدير إفادته لعدم التنزيل، وهو ممّا لا قرينة عليه، فإنَّ السببيّة مناسبةٌ مع التنزيل ومع عدمه، فإنَّ الإتيان بالبدل التنزيلي سببٌ في سقوط الوجوب أيضاً، وحيث عرفنا بالدليل المعتبر كون التنزيل ثابتاً بنظر الشارع، إذن فيثبت كون السببيّة المذكورة في هذه الرواية ناتجةً عن التنزيل وغير مجرّدةٍ عنه.
إذن، فالروايات السابقة تصلح للقرينيّة على هذه الرواية من هذه الناحية دون العكس، بل لا تصلح هذه الموثّقة حتّى للمعارضة كما أشرنا.
◘ المرتبة الثانية المأخوذة في الموثقّة لشدّة الخوف: هي كونهم وقوفاً – أي واقفين- وحكمها أنَّ الصلاة إيماءٌ.
ويتّضح الحال فيها في الكلام ضمن أُمور:
ــــــ[384]ـــــــ
( ) إشارة الى احتمال أن يكون المراد بالحصر سقوط الأجزاء الاختياريّة للصلاة، دون ما كان من قبيل الإيماء (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الأمر الأوّل: الوقوف المأخوذ في هذه المرتبة بحسب الثبوت والتصوّر ثلاثة احتمالاتٍ: أحدها: التوقّف عن القتال، سواء كان المكلّف راكباً أو راجلاً. ثانيها: الوقوف على الرجل، سواء كانوا مشتغلين بالحرب أم لا. ثالثها: الوقوف على الرجل غير مشتغلين فعلاً بقتالٍ.
أمّا الاحتمال الأوّل: وهو التوقّف عن القتال في نفسه، فيمكن أن يستفاد من أحد أمرين:
أحدهما: استفادته من مادّة الوقوف بنفسها، باعتبار أنَّ أحد معانيها السكون والتوقّف عن العمل، إلَّا أنَّ هذا لا يكاد يتمّ؛ باعتبار كونه معنىً مجازيّاً، فيتقدّم عليه المعنى الحقيقي للّفظ، الذي نشير إليه.
ثانيهما: كون العطف دالاً على مغايرة ما بعده لِمَا قبْله، وحيث إنَّ الثابت قبله هو الاشتغال بالقتال، يتعيّن أن يكون المراد بما بعده ترْك القتال لا محالة.
وهذه قرينةٌ سياقيّةٌ لا ارتباط لها بمدلول الوقوف في نفسه كما هو واضحٌ، ويمكن الاستشهاد بقرينة المقابلة بين الحالين، وحيث إنَّ الفرض في الحال الأوّل هو الاشتغال بالقتال، يكون الفرض في الحال الثاني عدمه لا محالة، وهذا أمرٌ ثالثٌ إلى جانب الأمرين.
وأمّا الاحتمال الثاني: وهو أن يكون المراد بالوقوف الوقوفَ على الرجل، كما هو معناه الحقيقي، فيتعيّن الحمْل عليه لا محالة.
وبتنقيح هذين الاحتمالين في أنفسهما، ينتج من الجمْع بينهما صحّة الاحتمال الثالث، وهو أن يكون المراد من كونهم واقفين هو وقوفهم على الرجل من دون اشتغال بالقتال.
فإن قيل: إنَّ هذا خلاف فرض شدّة الخوف.
ــــــ[385]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
قلنا: كلّا، فإنَّ توقّف القتال لا يعني توقّع بدئه في أيّ وقت، كيف والأسلحة مشرعة والحرب معلنة! نعم، غاية ما يقتضي ذلك كون هذه المرتبة الثانية أهون حالاً من المرتبة الأُولى، كما أشرنا إليه في أوّل كلامنا عن الرواية.
• الأمر الثاني: المراد بالإيماء المأخوذ مطلقاً في هذه المرتبة، هو الإيماء للركوع والسجود، كما هو المنصرف من الإيماء عند الإطلاق، وليس حاله كالإيماء في صحيحة الحلبي حيث قال: >إيماءٌ وتكبيرٌ<، فعرفنا أنَّ المراد هو مجرّد الإيماء من دون لحاظ بدليّته عن شيء.
والإيماء هنا مطلقٌ، كما في الروايات السابقة، من حيث كونه بالرأس أو بالعين، فيجزي بأيّهما كان كما قلنا، ولم نلتزم بالطوليّة ما بينهما.
وبدليّة الإيماء عن الركوع والسجود كان هو الحكم في المطاردة والمناوشة في صحيحة الفضلاء، فإنَّه أُخذ هناك مطلقاً من هذه الناحية أيضاً، فانصرف إلى ذلك لا محالة، وحيث إنَّ المطاردة والمناوشة أشدّ حالاً من التوقّف عن القتال المفروض في محلّ الكلام، فما هنا أولى بثبوت هذا الحكم لا محالة.
وإن كان يمكن منْع كونه أشدّ؛ فإنَّ التوقّف عن القتال -وهو التضارب بالسلاح اليدوي- لا ينفي الاشتغال بنحوٍ آخر من السلاح أو أساليب الحرب، كالتضارب بالسهام الذي هو المناوشة، ومهما يمكن من أمرٍ فالحكم هو الإيماء للركوع والسجود، إن أمكن.
• الأمر الثالث: أنَّ الرواية تدلّ في هذه المرتبة على التنزيل، فإنَّ الحمْل فيها متحقّقٌ، حيث قال: >فالصلاة إيماءٌ< ولعلّه يكون قرينةً على التنزيل في المرتبة الأُولى من الرواية مضافاً إلى ما سبق.
ــــــ[386]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الأمر الرابع الذي نودّ الإشارة إليه في ذيل هذه الرواية: هو ما ادّعينا قبل قليل ولم نكن قد وفيناه حقّه من التحقيق، وهو أنَّ الإيماء إذا جاء مطلقاً دلّ على كونه بدلاً عن الركوع والسجود، وإذا جاء مقيّداً بأمرٍ، أخذنا بقيده، وألغينا تلك الدلالة.
أمّا الأوّل: فلأنَّ بدليّة الإيماء للركوع والسجود أمرٌ واضحٌ في الشريعة إلى حدٍّ كبيرٍ، وموجودٌ في الأدلّة، فمن الممكن أن يُقال بوضوح: هذا الحكم في مجلس التخاطب بين المتكلّم والسامع وابتناء النصّ عليه، ومن ثَمّ ينعقد له ظهورٌ فيه لا محالة، وأنَّ المراد من الإطلاق ليس هو واقعه، بل تحويل المكلّف على الحكم الذي يعرفه في المرتبة السابقة، وهو بدليّة الإيماء عن الركوع والسجود.
مضافاً إلى أنَّ بدليّة الإيماء المطلق عن الصلاة المفروضة، ممّا لم يُعهد في الشريعة ولم يَرِد جواز الاكتفاء به في دليلٍ واضحٍ إلى حدٍ يُقطع بعدمه، فإنَّ لازم الإطلاق هو جواز الاكتفاء بإيماءةٍ واحدةٍ ولو بالعين عن جميع الصلاة، وهو باطلٌ جزماً، ولا تصل النوبة إليه في أشدّ مراتب الخوف، بل عرفنا أنَّ أبسط الأبدال عن الصلاة هو التكبير ونحوه، وليس الإيماء وحده.
ومن هنا يتعيّن حمْل الإطلاق على البدليّة عن الركوع والسجود.
وإذا كان المطلوب شرعاً هو ذلك في بعض مراتب الخوف، كان لازمه لا محالة أن نفهم من نفس دليله عدم سقوط الأمر الأوّلي المتعلّق بالصلاة؛ وذلك: لأنَّ هذا الأمر إنَّما يسقط عند تعذّر بعض أجزائه بتمام مراتبه، والمفروض أنَّ بعض مراتب الركوع والسجود التنزيليّة موجودةٌ، فالصلاة متكوّنة في الحقيقة من تمام الأجزاء والشرائط على الفرض، فلا موجِب
ــــــ[387]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
لسقوط أمرها.
وبهذا نعرف أنَّه يجب أن يضمّ المكلّف إلى الإيماء بدل الركوع والسجود سائرَ أجزاء الصلاة مع التمكّن منها، لا محالة.
وأمّا مع تمكّنه من الإيماء ولكن تعذّر جزءٌ آخر من الصلاة عليه، فإنَّ الأمر الأوّلي يسقط لا محالة؛ ثمَّ هو ينظر إلى حاله، فإن بقي مصداقاً للعنوان الذي دلّ الدليل على وجوب الإيماء فيه، أومأ للركوع والسجود فقط، والتزم بأذكارهما، ويكون ذلك مجزياً بحسب الاستفادة من الدليل الخاصّ على الفرض.
وإن كان تعذُّرُ الأجزاء الأُخرى موجِباً لانتقاله إلى حالة أشدّ كما هو الغالب، من حيث إنَّ تعذّر الركوع والسجود يكون سابقاً عادةً على تعذّر غيره؛ لاحتياجهما إلى الحركة ولو بالإيماء دون أيّ واجبٍ آخر من الصلاة، فإنَّها تقتصر على مجرّد الأذكار، فإن كانت حاله أشدّ، وجب عليه اتّباع تكليفه في حالته الجديدة.
فهذا هو حال الإيماء إذا ورد مطلقاً في لسان الدليل. وأمّا لو ورد مقيّداً بشيءٍ كقوله في صحيحة الحلبي: >إيماءٌ وتكبيرٌ<، فقد قلنا إنَّ الإيماء هنا لا يدلّ على البدليّة عن الركوع والسجود، بل يقتصر على إيجاد مصداقه مع قيده.
والقرينة على ذلك: أنَّه لو كان المراد هو بدليّته عن الركوع والسجود، لَمَا كان هناك وجهٌ لهذا التقييد، الظاهر يكون نسبته إلى الإيماء نسبة الذكر إلى أفعال الصلاة. ومعه يبقى الإيماء على ظهوره الأوّلي بعدم البدليّة، فيقتصر على صرف وجوده.
ولا يُقال: إذا كان المراد من التكبير ما يكون للإحرام أو ما يكون بعد
ــــــ[388]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الركوع، كان لتقييد الإيماء به وجهٌ ظاهرٌ، فلا يتعيّن صرْفه عن الظاهر.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذا بنفسه خلاف الظاهر، وممّا لا قرينة عليه، مضافاً إلى وجود بعض القرائن على الخلاف، فإنَّه لو كان المراد تكبيرة الإحرام، لناسَبَ تقديم ذكْرها على الإيماء لا محالة، وإن كانت حتّى مع التقديم لا يتعيّن حمْلها عليه فضلاً عن التأخير.
وأمّا لو كان المراد التكبير بعد الركوع، فالأنسب بحسب القواعد ترْكه، وعدم ذكره في الرواية؛ وذلك لأنَّ بدليّة الإيماء عن الركوع على الفرض تكفي عن ذكْره، فإنَّه ركوع تنزيليّ فيكون موضوعاً لوجوب أو استحباب التكبير بعده، وحيث ذُكر التكبير في الرواية، تعيّن أن يكون المراد به تكبيراً آخر مشروعاً في خصوص حال شدّة الخوف، نسبته إلى حركة الإيماء نسبة الذكْر إلى أفعال الصلاة كما قلنا.
على أنَّ قيد الإيماء لا يتعيّن أن يكون هو التكبير، فقد يكون هو غيره في بعض الموارد.
مضافاً إلى أنَّ الاكتفاء بالإطلاق وعدم الإشارة إلى خصوصيّات الإيماء لو كان بدلاً عن الركوع والسجود كتكراره من ناحيةٍ، وزيادة الانحناء عند السجود من ناحيةٍ أُخرى، فهذا الإطلاق – وخاصّةً من الناحية الثانية- دليلٌ على ذلك، في الجملة.
فإن قلت: بأنَّ هذا واردٌ أيضاً فيما إذا كان الإيماء مطلقاً من التقييد في لسان الرواية.
قلنا: نعم، ولكنّ الإطلاق حينئذٍ يعينه للبدليّة عن الركوع والسجود؛ للقطع بعدم بدليّة مجرّد الإيماء عن الصلاة كما أسلفنا.
ــــــ[389]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وما دمنا في صدد الكلام عن الإيماء، لابدَّ أن نشير إلى ما يصلُح دليلاً على ما ذكروه، وأشرنا إليه من لزوم الزيادة في الإيماء بدلاً عن السجود منه على الركوع.
ويمكن الاستدلال على ذلك بعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: كونه مقتضى مناسبات الحكم والموضوع، فإنَّ الركوع والسجود الاختياريين حيث إنَّ أحدهما أخفض من الآخر، وكذلك الحال في الصلاة جالساً، كما هو ظاهرٌ، فلزم أن يكون الإيماء بالرأس، بل وبالعين كذلك، ليتعيّن أن يكون الأخفض منهما بدلاً عن السجود، والآخر بدلاً عن الركوع، ولا تكفي النيّة والذكر، فتأمّل.
الوجه الثاني: استفادته من بعض الأخبار الواردة في باب إيماء المريض، حيث ورد في بعض مراسيل الصدوق في الفقيه عن رسول الله’ قوله: >وأدّى إيماءً وجعل وجهه نحو القبلة …، وجعل سجوده أخفض من ركوعه<(1)، وهو شاملٌ لكلا النحوين من الإيماء بإطلاقه.
فإن قيل: إنَّه واردٌ في باب المريض، وقد سبق أن منعنا من قياس المقام عليه.
قلنا: إنَّ المنع تامٌّ لو أردنا إسراء حكمٍ متعلّقٍ بالمريض بخصوصيّته، ولكنّ المراد هو استفادة حكم الإيماء لا حكم المريض، والعرف يفهم أنَّ الانخفاض في الإيماء حكمٌ متعلِّقٌ بالإيماء، وغير مربوطٍ بالمريض بما هو مريضٌ، فحيث وُجد الإيماء كان هذا الانخفاض لازماً وهو المطلوب.
ــــــ[390]ـــــــ
( ) مَن لا يحضره الفقيه 1: 362، أبواب الصلاة وحدودها، باب صلاة المريض والمغمى عليه و…، الحديث 1037.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وهذا الوجه تامٌّ لو كانت الرواية معتبرةً سنداً، ولكنّها مرسلةٌ وساقطةٌ من هذه الناحية(1).
الوجه الثالث: موافقته مع الاحتياط، فإنَّه عند دوران الأمر بين التعيين والتخيير، يتعيّن الأخْذ بالتعيين كما حُقّق في محلّه، وفي المقام كذلك، إذ يدور الأمر بين احتمال تعيّن انخفاض السجود وعدم تعيّنه، ولا نحتمل تعيّن العكس لا محالة، فيكون مقتضى القاعدة لزوم الانخفاض.
وهذا الوجه تامٌّ في الإيماء بالرأس، فيتعيّن فيه الانخفاض، وكذلك هو تامٌّ في الإيماء بالـ(عين) لا محالة.
ولكن قد يُناقش في هذا الإيماء بوجهين:
أحدهما: أنَّ الانخفاض ممكنٌ بـ(الرأس)، ولكنّه غير ممكن بالـ(عين)، خاصّةً في حالة الخوف التي يحتاج فيها المكلّف إلى زيادة الانتباه والنظر.
وهذا غير تامٍّ؛ فإنَّ الانخفاض هنا أيضاً ممكنٌ، ويكون للركوع دون إطباق الجفنين وللسجود بإطباقهما، إن أمكن، كما في حال المريض والخائف المتمكّن من ذلك. وإن لم يمكن، فإن استطاع التحفّظ على الانخفاض من دون إطباقٍ وَجَبَ، وإلَّا فإن بنينا على كونه مخيّراً بين الإيماء بـ(الرأس) أو بـ(العين) -كما اخترناه- تعيّن عليه الإيماء بالرأس؛ لأنَّه الشقّ الممكن من طرفي التخيير بعد تعذّر الآخر، وإن لم نقل بذلك أو كان الإيماء بالرأس أيضاً متعذّراً، ارتفع وجوب الإيماء أصلاً، واقتصر على التكبير والتسبيح بدلاً عن الصلاة.
ــــــ[391]ـــــــ
( ) ولكن سيأتي من الأخبار المعتبرة ما يدلّ عليه. أُنظر: ص406. [في القسم الثاني من أخبار صلاة شدّة الخوف] (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ثانيهما: أنَّ الاحتياط المذكور محكومٌ بالدليل الاجتهادي الدالّ على تساوي الإيماء بـ(العين) للركوع والسجود، وذلك في بعض روايات المريض أيضاً، والمفروض أنّنا سلّمنا صحّة إسرائها إلى الخائف من هذه الناحية، وهي رواية محمد بن إبراهيم المرويّة عن الكافي(1) والتهذيب(2) عمّن حدّثه عن أبي عبد الله×، وفيها: >فإن لم يقدر صلّى مستلقياً، يكبرّ ثُمّ يقرأ، فإذا أراد الركوع غمّض عينيه ثمَّ سبّح، فإذا سبّح فتح عينيه، فيكون فتْحُ عينه رفْعَ رأسه من الركوع، فإذا أراد السجود غمّض عينيه ثمَّ سبّح، فإذا سبّح فتح عينيه، فيكون فتْحُ عينيه رفْع رأسه من السجود، ثمَّ يتشهّد وينصرف<(3).
ودلالتها على التساوي واضحةٌ، فإنَّها استعملت مادّة التغميض في كلا الحالين، وهو متّحدٌ مفهوماً كما هو واضحٌ؛ لأنَّ التغميض هو التغميض على أيّ حالٍ، كما أنَّ إطلاقها محرزٌ، وعدم ذكر القيد وجدانيٌ.
وهذا الوجه تامٌّ لولا الطعن في السند، كما هو واضحٌ، على أنَّ أسلوبها بعيدٌ عن أسلوب الروايات المعتبرة ممّا يبعّد صدورها في نفسه.
فتحصّل: أنَّ ما ذكروه من وجوب زيادة الانخفاض للإيماء للسجود، وإن لم يكن عليه دليلٌ معتبرٌ، إلَّا أنَّه موافقٌ للاحتياط، فاللازم التقيّد به لا محالة.
ثُمَّ إنَّه على تقدير القول بما اخترناه -وهو التخيير بين الإيماءين- فهو من قبيل التخيير الابتدائي وليس تخييراً استمراريّاً، فلو اختار الإيماء بالرأس
ــــــ[392]ـــــــ
( ) الكافي 6: 438، كتاب الصلاة، الباب 64، الحديث 12.
(2) تهذيب الأحكام 3: 176، كتاب الصلاة، الباب 14، الحديث 6.
(3) وسائل الشيعة 5: 484، باب 1من أبواب القيام، الحديث 13.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
للركوع، ليس له أن يومئ للسجود بعينه، ولا العكس؛ لعدم وروده في الشريعة، وكونه خلاف الاحتياط، وكون ظاهر الروايات سوق الإيماء بسياقٍ واحدٍ، وظاهره لزوم التجانس بين إيماء الركوع والسجود، فلا يكفي الإيماء بالنحوين لا محالة.
هذا هو تمام الكلام في الأخبار المعتبرة الخاصّة بحال الحرب، ولم يبقَ غير صحيحةٍ واحدةٍ لغرض الترتيب الفنّي للبحث، نؤجّلها إلى عدّة صفحاتٍ فيما بعد. وسنتعرّض إلى رواياتٍ معتبرةٍ أُخرى، خاصّةٍ بالأسباب الأُخرى للخوف، أو المتعرّضة لكلا الجهتين، وبهذا قد ينصرف الكلام عن الحرب في الجملة، إلَّا ما قد يُذكر عرضاً، وإلَّا ما سوف نذكره في خاتمة الأخبار.
ومن هنا ناسب أن نتعرّض لخاتمةٍ خاصّةٍ بما سبق من الأخبار، وقد يكون لها الأثر فيما سيأتي أيضاً.
خاتمة: في نسبة مداليل هذه الأخبار إلى الآية الكريمة السابقة
والإشكال المهمّ الوارد على مبانينا في الآية وفي الأخبار، هو: أنَّ حاصل ما استفدناه من الآية الكريمة -كما سبق- هو وجوب الباقي، لكن لا مطلقاً، بل في حدود الوضعيّة العرفيّة التي يقتضيها الخوف والضرورة ككون المكلّف ماشياً أو راكباً أو حافراً للخندق على ما مثّلنا، فما تقتضيه الحالة العرفيّة من التروك لأجزاء الصلاة، جاز ترْكها اختياراً، وما لا تقتضيه استفدنا من الآية الأمر بالإتيان به لا محالة، وإن كان صلاةً ناقصةً.
وحاصل ما استفدناه من الأخبار الخاصّة بشدّة الخوف، بعد تصفية حال القواعد العامّة، هو عدم وجوب الباقي، وجواز الاكتفاء بخصوص ما
ــــــ[393]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
دلّت عليه هذه الأخبار من الأذكار والأفعال في مختلف مراتب شدّة الخوف، كالمطاردة والمناوشة وغيرها.
على حين إنَّ مقتضى القاعدة هو كون المطاردة مثلاً، وكذلك غيرها، حالةً عرفيّةً من الحالات التي تنطبق عليها الآية الكريمة لا محالة، ومقتضاها -كما عرفنا- وجوب الإتيان بالباقي في حدود ما لا تقتضي هذه الوضعيّة العرفيّة لتركه.
فتكون الآية الكريمة مقيّدةً لإطلاق الروايات لا محالة، فيتعيّن الأخْذ بمدلولها، وعلى تقدير التعارض تكون هي المتقدِّمة أيضاً؛ باعتبارها دليلاً كتابياً.
إلَّا أنَّ هذا الإشكال فيه إغفالٌ لنسبة الآية إلى الأخبار، بحسب صناعة الأدلّة، فإنَّ هذه الأخبار مقيّدةٌ لها موضوعاً وحاكمةٌ عليها محمولاً.
أمّا من ناحية الموضوع، فإنَّ موضوع الآية الكريمة هو مطلق الخوف، وليس خاصّاً بشدّة الخوف، كما أشرنا إليه في غضون كلامنا عنها، ومعه يكون قابلاً للتقييد بشدّة الخوف الذي هو مورد الاخبار الخاصّة، بكلّ وضوحٍ، وتختصّ الآية حينئذٍ بالدلالة على وجوب الباقي، فيما إذا لم تبلغ الحالة إلى شدّة الخوف، بل بناءً على تقيّد العامّ بضدّ عنوان الخاصّ تتقيّد الآية بذلك لا محالة. فكأنَّه قال: فإن خفتم خوفاً لا شدّة فيه فيجب الباقي، ومعه تكون منسجمةً مع الأدلّة الخاصّة كما هو واضحٌ.
فإن قيل: إنَّ شدّة الخوف لم تؤخذ في لسان أيٍّ من الأدلّة بعنوانها لكي تكون قيداً للآية، وإنَّما أُخِذ فيها عناوين خاصّةٌ كالمطاردة والمناوشة والمسايفة ونحوها.
ــــــ[394]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
قلنا: نعم، ويكون الحال في التقييد هو الحال الذي ذكرناه، وتتقيّد الآية بعدم هذه العناوين الخاصّة لا محالة، وأمّا إذا أمكن تجريد الأخبار عن خصوصيّات هذه العناوين والتعميم إلى كلّ خوفٍ يكون بمقدارها وهو ما نعنيه من عنوان: شدّة الخوف، إذن، فيكون هو القيد للآية كما سبق.
وأنت خبيرٌ بأنَّ الموضوع إذا تقيّد بقيدٍ، ضاق الحكم المترتّب عليه تبعاً لذلك؛ باعتبار عدم شموله للحصّة الخارجة بالتقييد من الموضوع لا محالة، ففي المقام لا يكون وجوب الباقي شاملاً لحال المطاردة مثلاً أو لمطلق شدّة الخوف. فنبقى نحن ومداليل الأخبار الخاصّة بما لها من الإطلاق والحدود.
فما قيل في الإشكال: من أنَّ المطاردة حالةٌ عرفيّةٌ فتكون مشمولةً لحكم الآية لا يتمّ، مع ورود التقييد على الآية في المرتبة السابقة على الحكم، وهو التقييد في الموضوع.
وبعبارة أُخرى: إنَّ المطاردة ونحوها وإن كانت وضعيّةً عرفيّةً، وكما هي موضوعٌ للأخبار الخاصّة، تصلح موضوعاً للآية لا محالة، إلَّا أنَّ الآية لا تشملها بإطلاقها بعد خروجها بالدليل الخاصّ، مضافاً إلى الحكومة من ناحية المحمول على ما سنذكر.
وأمّا الحكومة من ناحية المحمول، فحاصل القول فيها: أنّنا إنَّما استنتجنا وجوب الباقي؛ باعتبار وجود أمرٍ مقدّرٍ بالصلاة في الآية؛ إذ مرجع قوله {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا}(1) إلى قولنا: (فصلّوا رجالاً أو ركباناً)، وهذا بنفسه يصلح أن يكون أمراً جديداً بالصلاة بعد سقوط الأمر الأوّل، ومن هنا كان لزاماً على المكلّف أن يأتي بالصلاة وهي في حدود المنصرف عرفاً (مجموع
ــــــ[395]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 239.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الباقي)، بما لا ينافي الوضعيّة العرفيّة التي هو فيها.
فإذا ورد دليلٌ يدلّ على تنزيل شيءٍ منزلة الصلاة، كان تحقُّقه امتثالاً تعبّديّاً للأمر بالصلاة الواردِ في الآية، وهو معنى الحكومة، وقد تكفّلت الأخبار الخاصّة بذلك على ما سمعناه مكرّراً، فنزّلت التكبير والإيماء مثلاً منزلة الصلاة، ومعه يكون هذا الفرد مصداقاً تعبّديّاً لقوله تعالى: {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا}، يعني: فصلّوا رجالاً الخ. ويكون إيجاده إيجاداً للصلاة في نظر الشارع حال الركوب أو حال المشي، فتكون هذه الأخبار الخاصّة موسِّعةً لمادّة الصلاة وحاكمةً على الآية بهذا الاعتبار.
فإن قيل: بأنَّ هذه الأخبار فيها إطلاقٌ من ناحية إضافة شيءٍ على ما أُخِذ فيها وعدمه. فمثلاً يُقال: ائتِ بالتكبير والإيماء، سواء أتيت بكلّ الباقي أو لم تأتِ به، ومقتضى القاعدة تقييدها بالآية الدالّة على وجوب كلّ الباقي على الفرض.
قلنا: إنَّ هذا لا يتمّ.
أوّلاً: لعدم وجود مثل هذا الإطلاق في الأخبار، فإنَّها دالّةٌ على انحصار أجزاء الصلاة وشرائطها على ما أُخذ فيها لا محالة، ولا يمكن أن تشمل أُموراً أُخرى كأجزاء للصلاة لا محالة. نعم، للمكلّف أن يأتي بما يشاء من الأذكار بعد الانتهاء من صلاته التعبّديّة، إلَّا أنَّ هذا أمرٌ آخر خارجٌ عن الصدد.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ لسان الأخبار آبٍ عن التقييد، بإضافة شيءٍ آخر إلى ما أُخذ فيه لا محالة. ومعه تصلح هذه الأخبار للتقديم على الآية كما ذكرنا دون العكس.
ثانياً: أنَّه يمكن أن يُقال: إنَّه حتّى على تقدير تسليم التقييد، فإنَّ ما يتقيّد
ــــــ[396]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
من الأخبار هو حكمها التكليفي دون الوضعي.
فإنَّ هذه الأخبار لها مدلولان لا محالة، أحدهما: الأمر بالتكبير والإيماء بعد سقوط الأمر الأوّلي بالصلاة وهو الحكم التكليفي. وثانيهما: الحكم بصحّة المأتيّ به وكونه بدلاً تنزيليّاً عن الصلاة وهو الحكم الوضعي.
والآية وإن سُلّم إمكان تقييدها للوجوب، فيجب على المكلّف الإتيان بكلّ الباقي، إلَّا أنَّه لا يمكن تسليم تقييدها للحكم الوضعي، بمعنى أنَّه يُضاف على البدل التنزيلي جزءٌ جديدٌ، فإنَّ هذا التنزيل إنَّما تمّ باعتبار أخْذ التكبير والإيماء مثلاً موضوعاً للحكم في قضيّةٍ حمليّةٍ ذات قرينةٍ متّصلةٍ، وهذا ممّا لا يتمّ بالتقييد لا محالة، إلَّا على نحوٍ من أنحاء انقلاب النسبة، بمعنى أن يصبح الخاصّ جزءاً من المدلول الاستعمالي للعامّ، بحيث يشمله التنزيل، وهو ممّا لا يمكن الاعتراف به لغةً وعرفاً.
ومعه يبقى التنزيل مطلقاً، أي: يبقى التكبير والإيماء مجزياً عن الصلاة وبدلاً عنها، بالرغم من وجوب إضافة شيءٍ عليه على الفرض. وهذه نتيجةٌ غير تامّةٍ على طبق مقصود المستشكِل، فإنَّ المكلّف بمجرّد أن ينتهي من البدل التنزيلي يَسقط عنه الأمر بالصلاة، ويقطع بعدم وجوب شيءٍ آخر عليه، ومعه لا معنى لشمول إطلاق الآية له حتماً من الناحية التكليفيّة.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّه بعد أن انحفظت الجهة الوضعيّة عن التقييد، لا معنى لتقييد الجهة التكليفيّة مستقلّةً مع الاعتراف بإطلاق التنزيل كما هو واضحٌ، إذن فيكون إطلاق التنزيل مستلزِماً لإطلاق التكليف لا محالة، وهو المطلوب.
فتحصّل: لزوم الاقتصار على مداليل الأخبار الخاصّة في مواردها، أمّا
ــــــ[397]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
بعناوينها التفصيليّة أو بجامع شدّة الخوف، ويكون باقي الموارد من الخوف مشمولاً للآية لا محالة، ويجب فيه الإتيان بالباقي.
هذا كلّه بعد تصفية حساب القواعد العامّة السابقة.
ثمَّ إنَّه قد يُقال: إنَّ حساب القواعد السابقة ليس صافياً في نفسه، فإنَّها وإن كنّا قد توصّلنا إلى قصورها في نفسها عن إفادة وجوب الباقي، ولكنّنا قلنا: بأنّنا عرفنا من الخارج أنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ، وهو يدلّ على بقاء ماهيّة الصلاة في الجملة، وقلنا بأنَّ تعيين المقدار الثابت والمقدار الساقط لا يمكن أن يكون بهذه القواعد العامّة، ولا بدليل عدم سقوط الصلاة، فيتعيّن الأخْذ بالأخبار الخاصّة لشدّة الخوف، وقد عرفنا بما لا مزيد عليه مقدار مداليلها، وأنّها تدلّ على تنزيل بعض الأذكار منزلة الصلاة مطلقةً من حيث وجوب الزائد.
وحينئذٍ فيُقال: إنَّ ما قلناه كان إغفالاً للآية الكريمة؛ إذ بدلاً عن أن ننتهي إلى هذه الأخبار، من الممكن أن ننتهي إلى الآية الكريمة، فتعيّن لنا المقدار الثابت من الساقط، وهي – كما عرفنا- تدلّ على وجوب كلّ الباقي في الوضعيّات العرفيّة.
إلَّا أنَّ هذا الإشكال واضحُ الدفْع:
إمَّا بناءً على مسلك انقلاب النسبة(1) فواضحٌ؛ وذلك لأنَّ الآية إذا تقيّدتْ بالأخبار الخاصّة – كما أشرنا إليه- أصبح مدلولها خاصّاً بغير شدّة الخوف لا محالة، ومعه إمّا أن تخرج عن موضوع القواعد العامّة بالكليّة، لو
ــــــ[398]ـــــــ
(1) أُنظر: أجود التقريرات 2: 518، خاتمة في التعادل والتراجيح، السابع: إذا كان التعارض بين أكثر من دليلين.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
كان العجز أو الحرج أو الضرر مرتفعاً عند ارتفاع شدّة الخوف، أمّا أن نضمّها إلى هذه القواعد فتنتج وجوب الباقي في غير شدّة الخوف، وهو عين ما اخترناه.
وتبقى الأخبار الخاصّة هي التي تعيّن الثابت من الساقط من أجزاء الصلاة وشرائطها في شدّة الخوف.
وإمّا بناءً على إنكار انقلاب النسبة وبطلانه كما بنينا عليه(1)، فبدلاً من أن نقيّد الآية في المرتبة السابقة على ضمّها إلى القواعد كما سبق، نقيّدها في المرتبة المتأخّرة عنها، ويكون تقييداً صحيحاً ينتج نفس النتيجة.
وذلك أنَّه بعد ضمّها إلى القواعد قبل التقييد، ينتج وجوب الباقي في حالة الخوف مطلقاً، فيرِدُ ما ذكرناه من التقييد الموضوعي للآية، بل التقييد المحمولي أيضاً، وتكون الأخبار متقدّمةً على أيِّ حالٍ.
لا يُقال: إنَّ ضمّ الآية إلى القواعد قبل التقييد إنَّما يكون بلحاظ بعض مدلولها لا محالة؛ لخروج البعض الآخر عن موضوع القواعد في نفسه، وهو مورد شمولها للخوف الذي ليس فيه حرجٌ ولا ضررٌ ولا عجزٌ، وإذا ضممنا بعض المدلول كانت النتيجة قريبةً من مدلول الأخبار الخاصّة، فلا يمكن إخراجها منها وتقييدها بها؛ لأنَّه يكون من إخراج الأكثر والتقييد المستهجن.
فإنَّ هذا لا يتمّ:
الأوّل: إنَّ الدعوى الأساسيّة في هذا الوجه هي في مصلحة ما نقصده
ــــــ[399]ـــــــ
( ) راجع بحوث في علم الأُصول 7: 288، تعارض الأدلّة الشرعيّة، القسم الثاني: التعارض المستقرّ، تطبيقات مشكوك فيها للتعارض المستقرّ، ج: نظريّة انقلاب النسبة.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
في الجملة؛ وذلك: لأنَّ ضمّ بعض المدلول وإن كان ممكناً تحليلاً، إلَّا أنَّه بعيدٌ عن فهْم العرف، وإنَّما يكون الضمّ الصناعي بضمّ مجموع دلالة الدليل لا ضمّ حصّة من إطلاقه كما هو واضحٌ، سواء كانت الحصّة كبيرةً أو صغيرةً، وبناءً عليه لا يبقى ما نضمّه إلى القواعد العامّة إلَّا الأخبار الخاصّة وهو المقصود.
الثاني: إنَّه على تقدير صحّة هذا الضمّ، فإنَّه لا يكون من التقييد المستهجن؛ لوجهين:
أوّلاً: إنَّ التقييد لبعض المدلول تقييدٌ للمجموع لا محالة، وبقاء حصّةٍ قليلةٍ من بعض المدلول ليس مستهجناً إذا كانت حصص البعض الآخر وافيةً وكبيرةً، فالتقييد في الواقع ينصبّ على مجموع الآية فلا يكون مستهجناً.
ثانياً: إنَّ التقييد وإن فُرِض أنَّه اختصّ ببعض المدلول؛ إلَّا أنَّه لا يكون من التقييد المستهجن؛ وذلك لأنَّ ما يخرج بالأخبار الخاصّة هو حالة شدّة الخوف، أو هو العناوين التفصيلية المأخوذة في الأخبار على ما سمعنا. ويبقى لبعض المدلول حصصٌ كثيرةٌ يجمعها كلّ خوفٍ ليس بالشديد ممّا يلزم منه الحرج أو الضرر أو العجز أو نحوه، ممّا يدخل في موضوع القواعد السابقة.
وهو وإن كان لا يبعد كونه من تخصيص الأكثر لبعض المدلول، إلَّا أنَّه لا يبلغ إلى حدّ الاستهجان لا محالة.
صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله
هذا كلّه بغضّ النظر عن الرواية التي أجّلناها، وهي صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق× في صلاة الزحف، قال: >يكبّر ويهلّل
ــــــ[400]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
… يقول الله عزّ وجل: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا}(1)<(2)، فإنَّها ظاهرةٌ بتفسير الآية بنحوٍ قد تكون معه غير دالّةٍ على وجوب الباقي أساساً على ما نشير إليه.
والكلام في دلالة هذه الصحيحة يتمّ ضمن أُمورٍ:
• الأمر الأوّل: مورد الرواية هو شدّة الخوف لا محالة، والزحف وإن كان أعمّ في الجملة، إلَّا أنَّه يجب أن يحمل على ذلك بقرينة حكمه لا محالة.
• الأمر الثاني: تزيد هذه الرواية عن سابقاتها بذكر التهليل كبدلٍ عن الصلاة أو جزء البدل، وهو ما سبق أن استفدناه من صحيحة الفضلاء بالتجريد عن الخصوصيّة والتعميم لكلّ ذكرٍ من الأذكار الأربعة.
• الأمر الثالث: تعرّضتْ هذه الرواية لمرتبةٍ واحدةٍ من مراتب شدّة الخوف، أو لعنوان من عناوينها وهو الزحف. وقد سبق أن أُخِذَ هذا العنوان في صحيحة الحلبي، حيث قال فيها: >صلاة الزحف على الظهر إيماءٌ برأسك وتكبيرٌ<(3)، على حين أُخذ التكبير والتهليل معاً في هذه الرواية، وظاهره وجوب الجمع بينهما.
ولا يُقال: إنَّ مثل ذلك ورد في صحيحة الفضلاء(4)، ولم نستفد منه وجوب الجمع.
ــــــ[401]ـــــــ
( ) سورة البقرة، الآية: 239.
(2) وسائل الشيعة 8: 447، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الباب 4، باب كيفيّة صلاة المطاردة والمسايفة …، الحديث 14.
(3) مَن لا يحضره الفقيه 1: 466، أبواب الصلاة وحدودها، باب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 1346، تهذيب الأحكام 3: 174، كتاب الصلاة، الباب 13، الحديث 3، وسائل الشيعة 8: 443، باب 4 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 2.
(4) مرّ تخريجها آنفاً.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فإنَّه يُقال: إنَّ تلك الصحيحة أَسندت المجموع للجماعة كما سبق، وأمّا هذه فأسندت المجموع للفرد المخاطب كما هو واضحٌ، فتكون ظاهرةً بوجوب المجموع عليه.
والجمع بين هذين اللسانين يكون بأحد أساليب:
أحدها: أن يُقال: إنَّ صحيحة الحلبي أخصّ موضوعاً من هذه الصحيحة، فتقيّد بها لا محالة، وذلك من ناحية أخْذ الزحف على الظهر في صحيحة الحلبي ومجيئه في الآخر مطلقاً.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ؛ لأنَّ العرف لا يرى بين الروايتين عموماً وخصوصاً مطلقاً، بل يرى بينهما تساوياً لا محالة؛ وذلك لأنَّه يرى أنَّ المدار وتمام الموضوع هو الزحف، سواءٌ كان على الظهر أو بدونه. فقد يُفهَم التعميم من صحيحة الحلبي وقد يُفهَم التخصيص من هذه الصحيحة من باب أنَّ الغالب في الزحف أن يكون على ظهر الأفراس لا محالة، وعلى كلا التقديرين يتساوى المدلولان، ومعه لا يبقى مجالٌ للتخصيص.
ثانيها: أن يلتزم بالجمع بين كلّ الأُمور المذكورة في الروايتين، فيُقال للمكلّف الذي هو مشاركٌ في الزحف: إنَّه يجب عليك الإيماء برأسك مع التكبير والتهليل، وإذا أمكن الجمع بين المدلولين لا حاجة إلى البحث عن وجوه الجمع بين الدليلين.
وهذا وإن كان موافقاً للاحتياط، إلَّا أنَّه خلاف ظاهر كلّ روايةٍ بالاختصاص، وعدم وجوب شيءٍ آخر غير مدلوله، وسيأتي لذلك مزيد توضيحٍ.
ثالثها: الجمع بينهما، بالقول: بتعيّن الإيماء والتخيير بين التكبير
ــــــ[402]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والتهليل، وهذا الحَمْل فاسدٌ غايته؛ إذ كيف يُقال بتعيّن الإيماء مع دلالة المعارض على نفيه؟! وكيف يُقال: بجواز ترك التكبير إلى بدلٍ، مع اتّفاق الروايتين على ذكره؟!
رابعها: القول بالتخيير بين مجموعي الأمرين المذكورين. فيتخيّر المكلّف بين الإيماء والتكبير من ناحيةٍ، وبين التكبير والتهليل من ناحيةٍ أُخرى. وهذا الوجه هو تقييدٌ للإطلاق المقابل للتقييد بـ(أو) المنتج للتخيير، وكان الوجه الثاني تقييداً للإطلاق المقابل للتقييد بـ(الواو)، والمنتج لوجوب الجمع، وكلا التقييدين في الروايتين يدّعى قرينيّة إحداهما على الأُخرى في ذلك.
وحيث يدور الأمر بين هذين التقييدين، يتعيّن بظاهر كلا الحديثين التقييد بـ(أو) المنتج للتخيير، وذلك لوجهين:
الأوّل: أنَّ ظهوره بكونه تمام الموضوع، ولا شيء معه أكبر من ظهوره بالتعيين، وأنَّه لا بدل له. وهذا أمرٌ عرفيٌ قريب، ومن هنا يكون التقييد المنتج للتخيير أقرب من التقييد المنتج للجمع لا محالة.
الثاني: القطع بعدم وجوب المجموع عليه؛ لأنَّه ثقل عليه وخلاف المقصود، والامتنان في التخفيف على المكلّف حال شدّة الخوف.
فمن هنا: إنَّنا لو لاحظنا صحيحة الحلبي – كما كنّا على ذلك إلى ما قبل ذكر هذه الرواية- لقلنا بتعيّن التكبير والإيماء في الزحف، ولكن بعد الجمع بينها وبين هذه الصحيحة – صحيحة عبد الرحمن- يتعيّن القول بأنَّه أحد طرفي التخيير، وتمام ما قلناه في الحديث عن صحيحة الحلبي حول معنى الإيماء وكيفيّته، واردٌ عليه بصفته أحد طرفي التخيير، وطرفه الآخر هو التكبير والتهليل.
ــــــ[403]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الأمر الرابع: أنَّ (الواو) وإن كانت لمطلق الجمع لغةً، إلَّا أنَّ مقتضى الاحتياط الموافق لتقديم الأمر بالتكبير على الأمر بالتهليل بالرواية، هو تقديمه عند الامتثال أيضاً، وبدونه لا يحرز الامتثال. فتأمّل.
• الأمر الخامس: أنَّ الإمام× طبّق الآية الكريمة على فتواه بوجوب خصوص التكبير والتهليل في شدّة الخوف، ومن المعلوم أنَّ التفسير بالحديث المعتبر معتبرٌ لا محالة، ويعطي ظهوراً ثانوياً للآية وإن لم يكن مفهوماً منها عرفاً، كما هو المحَقَّق في محلّه.
ونحن فيما مضى وإن لم نعترف بالمنافاة بين الآية وبين أخبار شدّة الخوف، إلَّا أنّنا قلنا بظهورها بوجوب الباقي، وقدّمنا عليها أخبار شدّة الخوف بالتقييد موضوعاً وبالحكومة محمولاً.
ومن هنا قد يُقال: إنَّه لا حاجة إلى ما قلناه، بعد أن أصبحت الآية غير دالّةٍ على وجوب الباقي؛ إذ لو كانت دالّةً عليه لَمَا صحّ للإمام× الاستشهاد بها لا محالة، فذِكْره لها دالٌّ على ذلك لا محالة، ومن هنا ينسجم مدلولها مع أخبار شدّة الخوف في نفسه، ولا حاجة إلى إتعاب النفس في الحمْل والتقييد.
وهذا وجهٌ يناسب أساس مقصودنا ولا ينافي شيئاً ممّا ذهبنا إليه، فإنَّ مقتضى القاعدة في صناعة الأدلّة هو النظر إلى الدليل مستقلاً أوّلاً، ثمَّ النظر إلى نسبته إلى ما يفسّره أو يقيّده أو يحكم عليه، ونحن لم نعمل في الآية إلَّا ذلك، فتختصّ الاستظهارات السابقة بما إذا غضضنا النظر عن هذا الحديث.
إلَّا أنّنا نريد أن نقول كلمةً أخيرةً في المقام، وندّعي بقاء الآية على ظهورها؛ وذلك: بإبداء احتمال أن يكون تطبيقُ الإمام للآية على حكم صلاة شدّة الخوف، كان بلحاظ الحكومة المحموليّة التي ذكرناها فيما سبق من هذه الخاتمة.
ــــــ[404]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وذلك: أنَّه بغضّ النظر عن هذه الحكومة، يتعيّن القول بكون صلاة شدّة الخوف مصداقاً في نظر الإمام× للآية، وهذه الصلاة لا يجب فيها الباقي جزماً أو بظهور سائر الأحاديث المعتبرة، فلو كانت الآية دالّةً على وجوب الباقي، لم تكن مصداقاً لها، وحيث إنَّها مصداقٌ لها بالدليل المعتبر، إذن يتعيّن أن لا تكون الآية دالّةً على وجوب الباقي.
ومن هنا ينفتح كلامٌ فيما تدلّ عليه بالتحديد، فقد يُقال بإجمالها من حيث تحديد كيفيّة الصلاة حال المشي أو الركوب، وقد يُقال بغير ذلك.
إلَّا أنّنا لو أخذنا الحكومة التي قلناها بنظر الاعتبار، يمكن المحافظة على ظهورها بكلّ جلاء، وذلك بأن يُقال:
إنَّ الإمام بعد أن نزّل التكبير والتهليل منزلة الصلاة، أصبح مصداقاً تعبّديّاً للصلاة لا محالة، ومن هنا أصبح مشمولاً لقوله تعالى: {فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا}(1) يعني: فصلّوا رجالاً الخ. ويكون الإتيان به امتثالاً لهذا الأمر لا محالة. ومن هنا استشهد الإمام× بهذه الآية.
وإذا صحّ ذلك، بقيت الآية على إطلاقها لا محالة، فإنَّها تدلّ على وجوب الصلاة مطلقاً حال المشي والركوب، والصلاة لها فردان: حقيقيٌّ وتعبّديٌّ، أمّا التعبّدي: فهو الذي تشمله عند تحقّق موضوعه وهو شدّة الخوف. والحقيقي: تشمله فيما سوى ذلك من الحالات. وحيث إنَّ الأمر الأوّلي بالصلاة الكاملة ساقطٌ لا محالة لنفس فرض المشي والركوب المفروض في الآية، فيتعيّن الفرد الحقيقيّ في وجوب الباقي لا محالة. فتصبح الآية دالّةً على وجوب الباقي في غير شدّة الخوف، وعلى وجوب الأفراد التعبّديّة المعيّنة
ــــــ[405]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 239.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
في الأخبار الخاصّة في شدّة الخوف.
وهذا عين ما قلناه سابقاً، ولا تكون هذه الصحيحة قد غيّرت من الموقف شيئاً، وليكن هذا على ذكرٍ منك في المباحث الآتية.
هذا هو تمام الكلام في هذه الخاتمة في نسبة هذه الأحاديث الخاصّة إلى الآية الكريمة.
وبها ينتهي الكلام عن الأحاديث المعتبرة الخاصّة بحال الحرب، وهي القسم الأوّل من أخبار صلاة شدّة الخوف.
2. الأخبار الشاملة لغير حالة الحرب
القسم الثاني من أخبار صلاة شدّة الخوف: الأخبار الشاملة لغير حالة الحرب أيضاً، وبالتعرّض لها يتّضح بجلاء، إلحاق أسباب أُخرى لشدّة الخوف بالحرب.
وبعبارة أُخرى: إنَّ شدّة الخوف ـ من أيِّ سببٍ كانت ـ موجبةٌ لقصر الصلاة من حيث الكميّة والكيفيّة معاً.
صحيحة زرارة
وألطف رواياتِ هذا القسم من حيث التفصيل الجميل ما عن الصدوق في الصحيح: >عن زرارة عن أبي جعفر× أنَّه قال: الذي يخاف اللصوص والسبع يصلّي صلاة المواقفة إيماءً على دابّته، قلتُ: أرأيتَ إن لم يكن المواقِف على وضوء، كيف يصنع ولا يقدر على النزول؟ قال: ليتيمَّم من لبد سرجه ومعرفة دابّته، فإنَّ فيها غباراً، ويصلّي ويجعل السجود أخفض من الركوع، ولا يدور إلى القبلة، ولكن أينما دارت دابّته، غير أنَّه يستقبل القبلة بأوّل تكبيرةٍ حين
ــــــ[406]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
يتوجّه<(1).
وعن الكليني بإسناده عن زرارة: عن أبي جعفر× قال: قلتُ له: أرأيتَ إن لم يكن المواقِف على وضوء … الحديث(2).
وحاصل ما يُستفاد من هذه الرواية على وجه الإجمال، هو: أنَّ الإمام× يبدأ ببيان أنَّ صلاة الخوف الناشئ من غير الحرب، كصلاة الخوف الناشئ من الحرب، فإنَّ المواقفة هي الاشتغال بالحرب، فكما يصلّي المكلّف فيه على دابّته بالإيماء، فكذلك يصلّي الخائف في غير الحرب.
وبالرغم من أنَّ المقصود الأساسي للإمام× في قوله هذا هو بيان حال المكلّف الخائف في غير الحرب، مع قياسه بحال الحرب، فإنَّ الراوي كأنَّه يلتفت إلى حال الحرب نفسها استطراداً، فيفرض كون المكلّف الخائف في الحرب ليس على وضوء في المرتبة السابقة، وهو غير قادرٍ على النزول من دابّته ليتوضّأ أو يتيمّم، فما هو تكليفه؟
فيجيبه الإمام× بمقدار سؤاله، وحيث إنَّه× سبق أن قاس صلاة غير الحرب على صلاة الحرب، فنفهم من جوابه العموم لكلا الحالين، وسيأتي لهذا مزيد توضيحٍ، وعلى أيّ حالٍ فإنَّ الإمام× يأمره بالتيمّم باعتباره هو الطهارة المتيسّرة له في تلك الحال. ويكون التيمّم بالغبار لا محالة؛ لعدم تمكّنه من النزول والتيمّم بالتراب على الفرض.
ــــــ[407]ـــــــ
( ) مَن لا يحضره الفقيه 1: 466، أبواب الصلاة وحدودها، باب صلاة الخوف، والمطاردة، الحديث 1345، تهذيب الأحكام 3: 173، كتاب الصلاة، الباب 12، الحديث 5، وسائل الشيعة 8: 441، باب 3 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 8.
(2) الكافي 6: 574، كتاب الصلاة، الباب 87، الحديث 6.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ويحصل على التراب من لبد سرجه: وهو الصوف الملبّد الذي يغطَّى به السرج، ومعرفة دابّته: وهي موضع العُرف من الفرس، والعرف: هو الشعر النابت في محدّب رقبة الفرس(1). وهذه المواضع من الحيوان يجتمع فيها الغبار في الغالب، خاصّةً بالنسبة إلى المسافر والمتوجّه إلى الحرب، بحيث يقلّ في نظره أهميّة التنظيف؛ لضخامة الهدف المتوجّه إليه وسيطرته على تفكيره.
ويكون التيمّم بالنحو المألوف المتسالم عليه بين المتكلّم والمخاطب. ثمَّ يبدأ بالصلاة إيماءً، وقلنا: إنَّ مقتضى إطلاق الإيماء بدليّته عن الركوع والسجود، والرواية مع ذلك نصٌّ في ذلك، وأَمَرَ الإمام بأن يجعل الإيماء للسجود أخفض ممّا هو للركوع، وهو ممّا ذهب إليه المشهور(2) وأيّدناه، وتصلح هذه الصحيحة دليلاً عليه أيضاً، كما أشرنا في محلّه.
ثُمَّ يبيّن الإمام× سقوط شرطيّة الاستقبال، بل للمكلّف أن يتوجّه ويدور حيث دارت دابّته، ولا يجب عليه من الاستقبال شيءٌ إلَّا حين تكبيرة الإحرام حين يتوجّه. يعني حين يبدأ بالصلاة. فهذا حاصلُ ما يستفاد منها.
أُمور ينبغي التعرّض لها في الصحيحة
وتبقى بعد ذلك أُمورٌ ينبغي التعرّض لها:
ــــــ[408]ـــــــ
( ) راجع الوافي 6: 575، كتاب الطهارة، الباب 62، الحديث 9، بحار الأنوار 78، 155، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث 13.
(2) أُنظر جمل العلم والعمل: 80، كتاب الصلاة، فصل في أحكام صلاة الضرورة كالخوف …، الكافي في الفقه: 147، كتاب الصلاة، فصل في كيفيّة صلاة المضطرّ، المبسوط 1: 166، كتاب الصلاة، صلاة الخوف، المهذّب 1: 114، كتاب الصلاة، كيفيّة صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الأمر الأوّل: أنَّ الصلاة المأمور بها في هذه الصحيحة صلاةٌ تشتمل على تكبيرٍ وركوعٍ وسجودٍ، وتشتمل على قراءةٍ وتشهّدٍ وتسليمٍ لا محالة؛ لكونها أولى بالتمكّن منها، وهو المنصرف وجوده ما بين التكبير والركوع أو ما بعد السجود.
مضافاً إلى ما سبق أن قلناه: أنَّه متى ما وجب الإيماء للركوع والسجود، كانت ماهيّتهما محفوظةً ولو تنزيلاً، فلا يكون الأمر الأوّلي بالصلاة ساقطاً، فيجب مع الإيماء سائر الأجزاء الممكنة، إلَّا أن يسقط الأمر الأوّلي من جهةٍ أُخرى.
• الأمر الثاني: أنَّ الحالة التي تجب فيها أفعال الصلاة بذلك المقدار ليست حالةً شديدةً جدّاً، بل يُفهم مِن جعْل الحكم نفسه، كون المكلّف في فُسْحَةٍ من الإتيان بالتيمّم والإيماء للركوع والسجود.
وغاية ما يستدلّ به على شدّة حاله، قياسُه في الرواية بالمواقفة، وهي الاشتغال بالحرب، ومن المعلوم أنَّ الفرد عند ذلك تكون حالته شديدةً جدّاً لا محالة، إلَّا أنَّ هذا إنَّما يتمّ فيما إذا كان المراد من المواقفة ما يكون من قبيل المطاردة أو المسايفة، إلَّا أنَّ هذا غير محرزٍ، فإنَّ الاشتغال بالحرب يصدق لا محالة من دون ذلك، كما هو واضحٌ عرفاً، ما دام الفرد يقوم بعملٍ حربيٍّ ضدّ العدوّ، ومعه لا تكون حاله شديدةً جدّاً.
بل يمكن أن نعرف من حكم المقيس المراد من المقيس عليه، إذ لا يُحتمل أن تكون الحالة هي شدّة الخوف بالنحو الكامل، ويكلِّفُ الفرد بالصلاة بهذا النحو الموجود في الرواية، فإنَّه خارجٌ عن قدرته تكويناً أو شرعاً، وخلاف المعروف من ذوْق الشارع وامتنانه، وخلاف كلّ الروايات
ــــــ[409]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الواردة في الحرب وغير الحرب، وهي مستفيضةٌ توجِب شيئاً من الاطمئنان بصحّة مداليلها في الجملة، ويطمئنُّ جزماً بهذه النكتة منها، فضلاً عمّا كان منها صحيح السند ومعتبراً.
• الأمر الثالث: أنَّ مورد الرواية – كما هو بيّن- هو الخوف من اللصوص والسبع، ومن المعلوم عرفاً شمول اللصّ لكلّ سارقٍ، وشمول السبع لكلّ مفترِسٍ وإن كان طائراً، فإنَّه هو الموضوع له لغةً، وإن كان يُستعمل عادةً في خصوص الأسد، واستعماله فيه في روايةٍ أُخرى ستأتي الإشارة إليها، لا يعيّن استعماله هنا في خصوصه كما هو واضحٌ.
ومن المعلوم أنَّ الخوف من اللصوص يشمل الخوف على المال؛ باعتبار أخْذ المال في مفهوم اللصّ أساساً، كما يشمل الخوفَ على النفس أيضاً، وأمّا الخوف على الغير فهو خارجٌ عن مورد الرواية، وإن كان الحكم فيه ثابتاً بدليلٍ آخر.
• الأمر الرابع: إنَّ مورد الرواية وإن كان هو الخوف من اللصوص والسبع إلَّا أنَّه يمكن تعميمه بالتجريد العرفيّ عن الخصوصيّة، لكلّ سببٍ لشدّة الخوف، ويؤيّده ما يأتي في الروايات الآتية من الأسباب.
فلو خاف الإنسان من ثورٍ هائجٍ أو جَمَلٍ مغتلم، أو ماءٍ مهاجمٍ أو نارٍ مشبوبةٍ، كان له أن يصلّي هذه الصلاة مع تمكّنه منها.
• الأمر الخامس: أنَّ الرواية دالّةٌ على سقوط شرطيّة الاستقبال إلَّا في تكبيرة الإحرام، فللمكلّف أن يلتفت حيث اقتضاه الخوف أن يلتفت، وتعبير الرواية وإن كان هو >أينما دارت دابّته<، إلَّا أنَّ المراد هو ما ذكرناه، فإنَّ الدابة لا تدور إلَّا بتوجيه راكبها في الغالب.
ــــــ[410]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الأمر السادس: أنَّ هذه الرواية تنفرد عن سائر روايات الباب بالتعرّض إلى الطهارة الحدثيّة، فلابدَّ من التكلّم فيها بما هو مقتضى القاعدة، ثمَّ التعرّض إلى مفاد هذه الرواية.
أمّا مقتضى القاعدة في نفسه، فهو: أنَّ المكلّف لا يخلو حاله قبل شدّة الخوف بين أن يكون على وضوءٍ أو لا. وعلى كلا التقديرين فإمّا أن يكون عالماً أو محتمِلاً لطروّ شدّة الخوف عليه أو لا. وعلى كلّ التقادير إمّا أن يكون الوقت داخلاً أو لا، فهذه ثماني صورٍ:
الأُولى: أن يكون الوقت داخلاً وهو على وضوءٍ ويعلم أو يحتمل بطروّ شدّة الخوف عليه في ما يلي من الزمان، بحيث لن يستطيع أن يجدّده في أثنائها للصلاة، فيجب عليه لا محالة حفْظ طهارته مع الإمكان. ولو نقضها كان مقصّراً وصلاته باطلةٌ، لأنَّه من الاضطرار بالاختيار لا محالة.
الثانية: نفس الفرض، وهو غافلٌ عن طروّ حالة شدّة الخوف بعد ذلك أو عالمٌ بعدمها، وفي الوقت مُتَّسَعٌ، فلا يجب عليه الحفْظ كما هو واضحٌ.
الثالثة: أن يكون الوقت داخلاً وهو على غير وضوءٍ ويعلم بعدم طروّ شدّة الخوف، أو غافلٌ عنها، فلا يجب عليه تجديد الوضوء كما هو واضحٌ أيضاً.
الرابعة: نفس الفرض، مع علمه أو احتماله بطروّ حال شدّة الخوف، فهنا لا يبعد أن يُقال بوجوب الوضوء عليه، ما دام متمكّناً ويعلم بعدم تمكّنه منه بعد ذلك؛ لأنَّ تفويته تفويتٌ لامتثال الحكم الفعلي المنجّز على الفرض.
ولا يُقال: إنَّ المفروض سقوط شرطيّة الطهارة عند شدّة الخوف، فلا يجب الوضوء.
ــــــ[411]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فإنَّه يُقال: ذلك فيما إذا طرأت حالة الشدّة مع غفلة المكلّف أو علمه بالعدم على ما سبق ويأتي، وأمّا مع التفاته وتمكّنه من الوضوء، فإنَّه يكون مقصّراً بتركه لا محالة، ويكون من قبيل الاضطرار بالاختيار.
الخامسة: أن يكون الوقت غير داخلٍ وهو على وضوءٍ ويعلم بعدم طروّ حالة شدّة الخوف، ومعه لا يجب المحافظة على الطهارة كما هو واضحٌ.
السادسة: نفس الفرض مع علمه أو احتماله بطروّ شدّة الخوف في الوقت، وعدم تمكّنه من الطهارة، وخاصّةً بعد الذي ذكرناه من جواز البِدَار إلى الصلاة في أوّل الوقت، وفي مثله لا يبعد الحكم بوجوب المحافظة على طهارته؛ لأنَّ تفويته تفويتٌ للملاك المُلزِم في حينه، ذلك الملاك المشروط بالطهارة في نفسه.
إلَّا أن يُقال: إنَّنا نحتمل دخْل الطهارة في الملاك في حالة الاختيار، دون عدمها، ومعه يحتمل المكلّف عدم اتّصافه بالملاك المُلزِم في الوقت، ولازمه عدم وجوب مقدّماته المفوّتة قبل الوقت لا محالة.
إلَّا أنَّه لا يمكن دفْع ذلك: بأنّنا إنَّما نحتمل ذلك فيما إذا كان ارتفاع الاختيار غير ناشئ من الاختيار، وهو إنَّما يتحقّق فيما إذا كان المكلّف غافلاً أو عالماً بالعدم، وأمّا لو كان ارتفاع الاختيار مستنداً إلى الاختيار، فاحتمال عدم دخْل الطهارة في الملاك غير موجودٍ؛ لاتّحاد حكم الاختيار المطلق والاضطرار المستند إليه عقلاً. فتأمّل.
السابعة: أن يكون الوقت غير داخلٍ، وهو على غير وضوءٍ، ويعلم بعدم طروّ حالة شدّة الخوف، فلا يجب عليه التجديد، كما سبق في أمثاله.
الثامنة: نفس الفرض مع احتمال أو العلم بطروّ الشدّة، والكلام في
ــــــ[412]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وجوب تجديد الطهارة وعدمه ما سبق في الصورة السادسة بعينه فلا نعيد.
فتحصّل: أنَّه متى علم بعدم طروّ حالة شدّة الخوف أو كان غافلاً عنها، فإنَّه لا يجب عليه المحافظة على الوضوء، ولا تجديده على فرض عدمه، سواء كان قبل الوقت أم بعده، ومتى احتمل طروّها أو علم به، وجب عليه التجديد قبل الطروّ، أو المحافظة عليه على فرض وجوده مقدّمةً للكون على طهارة حال الصلاة، وذلك بعد الوقت بلا إشكالٍ وقبله على إشكالٍ.
ومهما وجب عليه المحافظة أو التجديد، فلم يفعل، كانت صلاته باطلةً على مقتضى القاعدة؛ لأنَّه وإن كان مضطرّاً حال شدّة الخوف، إلَّا أنَّه من الاضطرار بالاختيار.
ومهما لم يجب عليه ذلك، وفاجأه طروّ حال شدّة الخوف وهو على غير طهارةٍ – وهذا هو الفرض الذي تفرضه الرواية، وسنناقش شموله لغير هذه الصورة فيما يأتي – ففي مثل ذلك: إنْ ساعده الحال على الوضوء، فلا كلام. وإلَّا انتقل فرضه إلى التيمّم؛ لأنَّه البدل الشرعي له، مضافاً إلى أنَّه يستغرق وقتاً أقلّ من الوضوء لا محالة.
فإن ساعده الحال على التيمّم على التراب فهو، وإلّا انتقل إلى البدل الاضطراري له، وهذا هو فرض الرواية أيضاً، وسنناقش شمولها لغير هذا المورد.
والبدل الاضطراري المتوفّر إن كان هو المرتبة الأسبق من الغبار كالرمل، فإنَّه يتعيّن لا محالة، وإن كان لا يجد إلَّا الغبار، وهذا هو فرض الرواية أيضاً، فإنَّه يتيمّم به ويكون مجزياً.
وأمّا إذا لم يجد حتّى الغبار، فإنَّه يُلحق بفاقد الطهورين، ويتبعه حكمه،
ــــــ[413]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وهو خارج عن صدد هذه الرسالة.
فتحصّل: أنَّ للرواية كما أشرنا موارد ثلاثةً طوليّةً:
أحدها: كون المكلّف غافلاً عن شدّة الخوف أو عالماً بعدمها، وبعبارةٍ أُخرى: كونه معذوراً في عدم كونه على طهارةٍ، وليس مقصّراً في ذلك لتُفرض صحّة صلاته. والرواية وإن كانت أعمّ من ذلك بحسب اللفظ، إلَّا أنَّه يجب حمْلها على ذلك لأمرين:
الأوّل: أنَّ المنساق منها هو ذلك أساساً، وخاصّةً في مثل مفاجأة اللصوص والسبع، ويدلّ عليه أيضاً قوله: >كيف يصنع< الدالّ على التحيّر، ولو كان متوقّعاً لحاله لَمَا أصبح متحيِّراً.
الثاني: أنَّ الرواية على فرض إطلاقها، فإنَّه لا يكون بهذا الوضوح الذي يقيّد مقتضى القاعدة لا محالة. وخاصّة أنَّها غير دالّةٍ على طروّ الخوف في أوّل الوقت، إن لم تكن مشعِرةً بخلافه، ومن المعلوم أنَّ التقصير بالطهارة في الوقت مع توقّع طروّ الخوف من أشدّ التقصير كما قلنا، وغير قابلٍ للنفي بإطلاقٍ بسيطٍ، بل حتّى بدليلٍ معتبرٍ بعد فرض بقاء الحكم الأوّل على حاله.
ثانيها: كون المكلّف لا يجد التراب، فيضطرّ إلى الانتقال إلى بدله الاضطراري.
ثالثها: كون المكلّف لا يجد من البدل الاضطراري للتراب إلَّا الغبار، وهذا المورد مع سابقه واضحان من نفس فرض كونه لا يقدر على النزول من دابّته، والمفروض أنَّه لا يحمل على دابّته ماءً ولا تراباً ولا رَمْلاً.
• الأمر السابع من الكلام عن الرواية: أنَّ الإمام× أمره بالتيمّم على مواطن يغلب فيها وجود الغبار، بل جزم أنَّ فيها غباراً، وذلك على مقتضى
ــــــ[414]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
العادة والغالب، وبناءً عليه يقع الكلام في موارد:
المورد الأوّل: لا خصوصيّة للّبد والمعرفة عرفاً، إلَّا كونهما مَجْمَعَين للغبار، فلو علم بوجود الغبار في مكانٍ آخر من دابّته أو بدنه أو بعض ما يحمله، أمكن التيمّم عليه لا محالة، فإنَّ العرف يفهم كون المدار هو وجود الغبار وليس هو خصوص اللبد أو المعرفة.
المورد الثاني: لو علم بعدم وجود الغبار على اللبد ولا على المعرفة، لم يتيمّم عليهما جزماً؛ إذ من الواضح في الرواية جواز التيمّم عليهما على فرْض وجود الغبار عليهما، ومعه فإنْ وجد غباراً في محلٍّ آخر تيمَّمَ به، وإلَّا كان من فاقد الطهورين لا محالة.
المورد الثالث: يُستفاد من هذه الرواية جواز الاكتفاء بالغبار القليل عند الضرورة، بحيث لا يعدو مُسمّاه. وأمّا أنَّ هذا الحكم عامٌّ لحالة الانتقال إلى التيمّم بالغبار مطلقاً، أو خاصٌّ بما إذا لم يجد الغبار الكثير، فهو ممّا لا يكاد يُفهم من الرواية، ومقتضى الاحتياط هو الثاني لا محالة.
المورد الرابع: يجب أن يتوخّى إصابة باطن كفَّيْه للغبار جزماً، فإنَّ الرواية ليس فيها إطلاقٌ نافٍ لذلك. نعم، يمكن أن يُقال: إنَّ الإمام× حيث أمر بالتيمّم على المعرفة، كَفَتْ الضربة العرفيّة عليها بالمقدار الذي تصيبه، ولا يجب التدقيق، وأمّا التساهل أكثر من ذلك فغير جائزٍ جزماً، بمعنى أنَّه يوجب بطلان التيمّم لا محالة.
• الأمر الثامن: لا خصوصيّة عرفاً للركوب على الدابّة وعدم استطاعة النزول، وخاصّة بعد أن قلنا بدلالة الرواية على التعميم لكلّ خوف.
فتشمل سائر الوضعيّات التي يكون فيها المكلّف حال طروّ الخوف،
ــــــ[416]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
بحيث لا يستطيع تغيير وضعه والاشتغال بالصلاة، ويكون التيمّم بما أمامه من ترابٍ أو غبارٍ.
• الأمر التاسع: أنَّ الإمام× أوجب التوجّه بتكبيرة الإحرام إلى القبلة، فيتعيّن ذلك مع التمكّن منه لا محالة، كما هو فرض الرواية على ما أشرنا إليه.
وأمّا مع عدم التمكّن منه تكويناً أو تشريعاً للمزاحمة، فإنَّه يكون ساقطاً لا محالة؛ وفاقاً لمَن ذكره من الأصحاب(1).
• الأمر العاشر: أمر الإمام× بالتيمّم على النحو المعروف المتسالم عليه بين المتكلّم والمخاطب، ولم يكن بصدد بيان أجزائه وشرائطه، إلَّا من ناحية تعذّر الماء وتعذّر التراب. ومعه لا يمكن التمسّك بإطلاقه من سائر الجهات.
• الأمر الحادي عشر: ليس في الرواية ما يشير إلى عدد ركعات الصلاة، ومن هنا قد يُقال بوجوب التمام، وقد يُقال بالاحتياط بالجمع، كما صدر من الفقيه الهمداني(2)، وهو غريبٌ جدّاً، ومخالفٌ مع الامتنان الشرعي على الخائف والتخفيف عن حاله جزماً.
ونحن في فُسْحةٍ من ذلك، بعد أن أسّسنا كون الخوف من موجبات القصر، في المقام الأوّل من هذه الرسالة.
ــــــ[416]ـــــــ
( ) راجع جواهر الكلام 14: 181، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(2) أُنظر: مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 720، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فإنَّ شدّة الخوف أولى بالقصر، كما كان الخوف بطبيعته أولى بالقصر من السفر، على ما هو مضمون صحيحة زرارة السابقة في ذلك المقام، وكان الدليل الرئيسي على ذلك هو قوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا}(1)، فراجع.
نعم، اشترطنا بعد ذلك أن يكون القصر ممّا له أثرٌ في تخفيف حال المكلّف في الجملة، وكان ذلك في صورة وجود الأمن في الجملة، وأمّا شموله لشدّة الخوف فسيأتي تحقيقه في خاتمة هذه الأخبار، وعلى تقدير اختيار التمام وكان المكلّف ممّن لا يخفّف القصر عن حاله، فالحكم هو وجوب خصوص التمام لا محالة، ولا موجب للجمع بأيّ حالٍ من الأحوال.
بل حتّى على تقدير إجمال الأدلّة، فإنَّ المتعيّن هو التمام أيضاً، بناءً على أصالة التمام التي أسّسوها، وقالوا: بأنَّ أصل تشريع الصلاة هو التمام، فيرجع إليه عند الشكّ، وهو ممّا يوافق عليه الشيخ الهمداني(2) في الجملة، وصاحب الجواهر(3) أيضاً، فهذه هي مهمّ مطالب هذه الرواية.
صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله
ومن الأخبار التي تدخل في هذا القسم: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: سألتُ أبا عبد الله× عن قول الله عزّ وجل: {فَإِنْ خِفْتُمْ
ــــــ[417]ـــــــ
( ) سورة البقرة، الآية: 239.
(2) راجع مصباح الفقيه 2 ق2: 720، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(3) جواهر الكلام 14: 188، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا}(1)، كيف يصلّي وما يقول إن خاف من سبعٍ أو لصٍّ، كيف يصلّي؟ قال: >يكبّر ويومئ برأسه إيماءً<(2).
ويتمّ الكلام في هذه الرواية ضمن أُمورٍ:
• الأمر الأوّل: المنساق من الحكم – كما قلنا نحو ذلك فيما سبق-: أنَّ حالة الخوف المفروضة في هذه الرواية شديدةٌ، يوازي بنحوٍ من الأنحاء خوف المطاردة في الحرب، باعتبار مشابهة الحكم فيهما تقريباً على ما نشير.
ولا يبعد أن يكون المراد منها هو المطاردة أو نحوها، لكن لا في حربٍ عامّةٍ، بل بينه وبين لصٍّ أو سبعٍ، ومن هنا اتّحدتْ إلى حدٍّ ما كيفيّة الصلاة، غاية الفرق هو أخْذ الإيماء هناك مطلقاً وهنا مقيَّداً بالرأس، وقلنا هناك بالتخيير بينه وبين أمرٍ آخر، كما سبق، وظاهر ما ههنا التعيين لا محالة.
• الأمر الثاني: من الصعب استفادة التنزيل من هذه الرواية؛ لعدم وجود الحمْل كما هو واضحٌ، وكذلك في الرواية السابقة، ولكن يمكن أن يُستدلّ على التنزيل بأمرين:
الأوّل: قوله في الرواية السابقة: >يُصلّي صلاة المواقفة<، وحيث عرفنا من أدلّة القسم الأوّل أنَّها بنحو التنزيل، فيتعيّن أن يكون في هذا القسم -وهو الخوف الناشئ من غير سبب الحرب- بنحو التنزيل أيضاً.
وهذا تامٌّ لو كان عنوان المواقفة شاملاً للعناوين السابقة، أو لبعضها
ــــــ[418]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 239.
(2) الكافي 6: 570، كتاب الصلاة، الباب 86، الحديث 6، تهذيب الأحكام 3: 300، كتاب الصلاة، الباب 29، الحديث 3، وسائل الشيعة 8: 439، باب 3 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 1.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
على الأقل، وإلّا فهو بنفسه لم يؤخَذ في شيءٍ من أدلّة القسم الأوّل.
الثاني: التمسّك بالتجريد عن الخصوصيّة، وذلك بأن يُقال: إنَّ العرف يفهم من أنَّ المدار في التنزيل هو البدليّة، وإجزاء هذه الأفعال والأذكار القليلة عن الصلاة المفروضة، وليس المدار هو كون الخوف ناشئاً من الحرب أو ناشئاً من أيّ سببٍ آخر، فاختصاص تلك الروايات بصورة الحرب يكون ملغىً عرفاً، ويعمّم التنزيل إلى كلّ موردٍ ثبتت فيه البدليّة، والبدليّة هنا ثابتةٌ جزماً، كما هو واضحٌ، فيكون التنزيل ثابتاً، وهذا الوجه تامٌّ في نفسه.
• الأمر الثالث: خَصَّصتْ هذه الرواية الإيماء بالرأس، على حين جاء مطلقاً في الصحيحة السابقة.
وقد سبق أن قلنا: إنَّنا يمكن أن نتمسّك بإطلاق الإيماء للشمول للإيماء بالعين أيضاً، فيكون الإيماءان في عرضٍ واحدٍ، وليسا طوليَّين كما يُدّعى، فهل تصلح أن تكون هذه الرواية مقيِّدةً لِمَا قلناه أم لا؟
وقد سبق أن أَثَرْنا مثل هذا الإشكال في صحيحة الحلبي في القسم الأوّل، حيث ورد فيها التقييد بالرأس أيضاً، على حين لم يكن الإيماء في صحيحة الفضلاء مقيّداً به. وقد منعنا التقييد هناك لوجهين؛ أوّلهما واردٌ في المقام بسنخه، وذلك بأن يُقال: إنَّ حمْل المطلق على المقيّد إنَّما يصحّ لا محالة مع اتّحاد الموضوع، وأمّا مع اختلافه فلا معنى للحمْل جزماً، والموضوع في الروايتين مختلفٌ تماماً؛ لأنَّ مرتبة شدّة الخوف في الصحيحة السابقة أخفّ بكثيرٍ منها في هذه الرواية، كما رأينا، فهما إذن يمثّلان مرتبتين منفصلتين لشدّة الخوف، فيكونان موضوعين عرفاً، ومعه يمتنع الحمل لا محالة.
لا يُقال: إنَّ اختلاف الموضوع إنَّما يكون مع انحفاظ خصوصيّتهما، وأمّا
ــــــ[419]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
مع إلغائها والاقتصار على الجامع فإنَّه يكون الموضوع واحداً لا محالة.
فإنَّه يُقال: إنْ أُريد بالجامع ما كان انتزاعيّاً فهو غير مفيد؛ باعتباره مردّد المصداق في الخارج، فلابدَّ أن يُراد بالجامع ما كان طبيعيّاً مفهوميّاً، وحينئذٍ فيُقال: إنَّه من المعلوم أنَّ كلّ حكمٍ من الحكمين تَعلّقَ بالخصوصيّة بذاتها لا بصفتها فرداً من الجامع، ومن هنا كانت الصلاة هناك ذات أفعالٍ أكثر.
فإن قيل: بأنّنا نتمسّك بالجامع في حدود الإيماء دون غيره من الأفعال.
قلنا: هذا ممّا لا معنى له لا في جانب الموضوع ولا في جانب الحكم، أمّا في جانب الموضوع؛ فباعتبار أنَّه يكون من قبيل التجريد الحيثي، وهو ممّا لا يفهمه العرف. وأمّا في جانب الحكم؛ فباعتبار احتمال أن يكون لحدّ الإيماء من الإطلاق والتقييد خصوصيّةٌ حين ينضمّ إلى أفعال أُخرى، ويكون هذا الاحتمال مانعاً من التجريد عند التفات العرف إليه. فتأمّل.
فإن قيل – بالنسبة إلى أصل الإشكال-: إنَّه من الممكن إثبات نتيجة التقييد بالأولويّة، فإنّنا لو لاحظنا مقدار شدّة الخوف في الصحيحتين، لوجدنا أنَّها أشدّ في هذه الصحيحة المقيَّدة، وأخفّ في الصحيحة المطلقة، كما قلنا. ومعناه أنَّ شدّة حال المكلّف أوجب التثقيل عليه بزيادة التقييد، ففهم بالأولويّة أنَّ هذا القيد ثابتٌ في الأخفّ، ليتساويا من هذه الجهة على الأقلّ.
قلنا: إنَّ هذا لا يتمّ من وجوه:
أوّلاً: إنَّ التثقيل بالتقييد لم يحصل على المكلّف جزماً، فإنَّ التقييد وإن كان مسلّماً في الحالة الأشدّ، إلَّا أنَّ الإطلاق هناك مقرونٌ بأفعالٍ أُخرى كثيرةٍ، فلم يحصل التثقيل لتتمّ عن طريقه الأولويّة.
ثانياً: إنَّنا – مع الغضّ عن ذلك- نحتمل أنَّ لله أحكاماً ومصالحاً خفيّةً
ــــــ[320]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
في المقام أوجبت جعْل القيد في المقام دون ذلك المقام: >فإنَّ دين الله لا يُصاب بالعقول< كما ورد عن الأئمّة^(1).
ولكنّ هذا غير تامٍّ:
فإنَّ جملة من مصالح الأحكام خفيّة لا محالة، ولكنّنا في المقام نعلم بأنَّ شدّة حال المكلّف تقتضي التخفيف عليه دون التثقيل لا محالة، وهو أمرٌ كما يُفهم من العقل العملي يُفهم من فحوى مجموع الأدلّة وبقرينة جعْل مراتب الخوف، واختصاص كلّ مرتبةٍ بحكمٍ خاصٍّ على أنَّ المصالح لا تمنع العرف عن الفَهْم والتجريد عن الخصوصيّة، وبعد التجريد وثبوت العموم بالدليل الاجتهادي يثبت على أنَّ المصلحة متعلّقةٌ بالعامّ لا محالة؛ لأنَّه لا كاشف عن الملاك إلَّا الدليل، ويثبت وجوده بمقدار دلالة الدليل لا محالة.
وأمّا الحديث الشريف: >إنَّ دين الله لا يُصاب بالعقول< فهو أجنبيٌّ عمّا نحن فيه، وإنَّما يُراد به الردّ على أهل القياس والاستحسان والمصالح المرسلة، غير المستندة إلى الركن الوثيق.
ثالثاً: ما سبق أن ذكرناه غير مرّةٍ من أنَّ الدلالة على الأولويّة عقليّة وليست لفظيّةً، فإن حصل القطع وما بحكمه فهو، وإلَّا لا حجّيّة فيها جزماً.
وعلى أيّ حالٍ، لو غضضنا النظر عن اختلاف الموضوع للزم القول بالتقييد لا محالة، ولا يَرِدُ ما ذكرناه في صحيحة الحلبي؛ لكون كلتا الروايتين مشتملتين على صيغة الأمر، بخلافه هناك فراجِع وقارِن.
ــــــ[421]ـــــــ
( ) راجع مستدرك الوسائل 17: 262، باب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 25.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الأمر الرابع: تتكفّل صحيحة عبد الرحمن(1) هذه تفسيرَ الآية الكريمة، كما كانت تتعرّض صحيحةٌ أُخرى لنفس الراوي لتفسيرها، ذكرناها في خاتمة القسم الأوّل من الروايات. فهما من هذه الناحية متشابهتان، فقد يُقال: بكونهما نصّان لروايةٍ واحدةٍ، أو أنَّهما نقلٌ بالمعنى لمضمونٍ واحدٍ صادرٍ من الإمام، وهذا الاحتمال وإن كان ثبوتاً موجوداً إلَّا أنَّه لا حجيّة فيه، بل الإمارة قائمةٌ على خلافه لا محالة، فإنَّه مع اختلافهما في السند وصحّة كلا السندين واحتمال اختلافهما في المضمون – وهو موجودٌ وجداناً؛ إذ لا يقطع بوحدتهما لا محالة- لابدَّ من التعبّد بتعدّدهما والأخْذ بمدلوليهما معاً، كما هو معلومٌ.
فإن قيل: إنَّ المفروض أنَّ الإمام× شرح للراوي معنى الآية، كما دلّت عليه الصحيحة الأُولى، فما معنى سؤاله له× عن معنى الآية كما هو صريح الصحيحة الثانية؟
قلنا: إنَّ هذا قد يتمّ فيما إذا كانت الصحيحة الأُولى أقدم زماناً من الثانية، وأمّا لو كان العكس فليس كذلك، فإنَّه يكون قد سأل عن معنى الآية أوّلاً، ثمَّ استشهد بها الإمام× في أثناء كلامه ثانياً، وهو أمرٌ لا محذور فيه.
• الأمر الخامس: الكلام في تفسير هذه الصحيحة للآية هو الكلام في تفسير تلك الصحيحة لها، من حيث دلالتها على عدم دلالة الآية على وجوب الباقي وعدمها. وقد سبق أن قلنا هناك: بأنَّه على تقدير أخْذ الإمام× بنظر الاعتبار ثبوتاً المبنى الذي قلناه -وهو الحكومة من ناحية المحمول- تكون
ــــــ[422]ـــــــ
(1) مرّ تخريجها سابقاً، فراجع.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الآية شاملةً للموارد الخاصّة تعبّداً ولوجوب الباقي في غيرها، وهو أمرٌ محتملٌ في نفسه.
ولا يُقال في المقام: إنَّ هذا على تقدير تماميّة التنزيل في الرواية، فإنَّ الحكومة لا تتمّ بدونه، وهذا وإن كان تامّاً في الصحيحة السابقة؛ لوجود الحمْل فيها ولو تقديراً، إلَّا أنَّه غير تامٍّ في هذه الصحيحة؛ باعتبار عدم وجود الحمْل، وقد قلنا: إنَّ التنزيل يتوقّف على الحمْل لا محالة، ومع عدمه لا تتمّ الحكومة، ومع عدمها لا يتمّ هذا الوجه.
فإنَّه يُقال: إنَّنا أشرنا في بعض ما قلناه سابقاً أنَّنا يمكن أن نفهم التنزيل من جميع الروايات الخاصّة؛ وذلك لأنَّ التنزيل دائرٌ مدار البدليّة لا محالة، والبدليّة محرزةٌ في سائر الروايات.
نعم، لو لم يكن الحمْل موجوداً في روايةٍ أصلاً لأشكل ذلك، ولكن حيث فهمنا التنزيل ببركته وفهمنا كونه دائراً مدار البدليّة، أمكن تعميمه عرفاً لكلّ الروايات الدالّة على البدليّة، سواء كانت من القسم الأوّل أو من القسم الثاني، يعني ما كان فيها سببُ الخوف هو الحرب وما كان فيها السبب غيره.
فإذا ثبت التنزيل تمّت الحكومة، وإذا تمّت الحكومة كان لهذا الاحتمال الذي ذكرناه وجهٌ وجيهٌ.
ومن الأخبار التي تدخل في هذا القسم صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن×، قال: سألته عن الرجل يلقى السبع وقد حضرت الصلاة، لا يستطيع المشي مخافة السبع، فإن قام يصلّي خاف في ركوعه وسجوده السبع، والسبع أمامه على غير القبلة، فإن توجّه إلى القبلة خاف أن يثب عليه الأسدُ، كيف يصنع؟ قال: فقال: >يستقبل الأسد ويصلّي ويومئ برأسه
ــــــ[423]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إيماءً وهو قائمٌ، وإن كان الأسد على غير القبلة<(1).
ومفاد هذه الرواية واضحٌ بشكلٍ عامٍّ، فإنَّ الراوي يفترض شخصاً قد صادفه أسدٌ، وخاف وُثوبَه عليه في أيِّ لحظةٍ، وكان الأسد على غير جهة القبلة، ومن المعلوم بحسب ما ثبت في علم النفس أنَّ الخائف من شيءٍ لا يمكنه عادةً صرْف النظر، بل يبقى يركّز نظره وجميع حواسّه عليه، لكنّنا قلنا بأنَّ المراد من الخوف هو توقّع الضرر، سواء صادف خوفاً نفسيّاً أو لا، وما قيل في علم النفس خاصٌّ بحالة وجود الخوف النفسي، والرواية أعمّ من ذلك لغويّاً وعرفيّاً.
وعلى أيّ حالٍ فما دام الخطر متوقّعاً، فإنَّ المكلّف لا يستطيع أن يركع ولا أن يسجد ولا أن يتوجّه إلى القبلة، فيولّي الأسد ظهره أو أحد جنبيه، بل هو مضطرٌّ – لا محالة- إلى الثبات في مكانه وملاحظة الأسد، إمّا لأجل الخوف النفسي منه وإمّا لاتّقاء شرّه، إن كان الإنسان قويّ القلب، أو معتاداً على معاشرة الوحوش.
والإمام× لا يفتيه بمخالفة مقتضى خوفه بل يقرّه عليه، ويأمره بالصلاة إيماءً قائماً على حاله، ويكون شرط استقبال القبلة ساقطاً، بل يستقبل الأسد وإن كان على خلاف القبلة.
بسط الكلام في توضيح الرواية
يبقى في إيضاح الرواية التعرّض إلى أُمورٍ:
ــــــ[424]ـــــــ
( ) الكافي 6: 575، كتاب الصلاة، الباب 87، الحديث 7، مَن لا يحضره الفقيه 1: 464، أبواب الصلاة وحدودها، باب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 1336، تهذيب الأحكام 3: 300، كتاب الصلاة، الباب 29، الحديث 6، وسائل الشيعة 8: 440، باب 3 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 2.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
• الأمر الأوّل: أنَّ الإيماء المأمور به في الرواية ورد مطلقاً، وقد قلنا: إنَّ وروده بهذا النحو يقتضي من جهةٍ التخيير بين الإيماء بالرأس وبين الإيماء بالعين، ويقتضي من جهةٍ أُخرى عدم الاقتصار على إيماء واحدٍ بل يومئ للركوع والسجود معاً مكرّراً بقدر ما يجب عليه من الركعات، ويجعل الإيماء للسجود أخفض من الركوع، بالرأس كان أو بالعين.
ومعه لا يسقط الذكر في الركوع والسجود، ولا باقي أذكار الصلاة كتكبيرة الإحرام والقراءة والتشهّد والتسليم.
• الأمر الثاني: نعرف من هذا الحكم بالصلاة [مسألةً] مفصّلة [وهي]: أنَّ الخطر ليس شديداً جدّاً، كالشخص الذي يطارده الأسد مثلاً أو الذي يزجر عليه محاولاً الوثوب. بل حاله أخفّ لا محالة كما لو كان الأسد راقداً منصرفاً عنه، ولكنّه يتوقّع شرّه بين آونةٍ وأُخرى.
وأمّا لو بلغ حاله إلى الشدّة العظيمة، لم يجب عليه إلَّا ما يتمكّن منه لا محالة لو كان ملتفتاً إلى تكليفه، فيصلّي بتكبيرٍ واحدٍ أو يقتصر على النيّة كما يأتي.
• الأمر الثالث: أنَّ مورد الرواية وإن كان هو خصوص الأسد – وهو المعبَّر عنه بالسبع في أوّل الرواية بقرينة تفسيره بالأسد في كلام الراوي، فإنَّه أحد معانيه لغةً أو عرفاً- إلَّا أنَّه يمكن تعميمه لسائر السباع بسهولةٍ بالفهم العرفي الواضح، بل يمكن تعميمه لسائر أنحاء الخوف الذي يكون فيها المكلّف مضطراً إلى ملاحظة سبب الخوف من دون أن يستطيع الانتقال أو الركوع أو السجود بالفهم العرفي أيضاً، وإن كان أخفى من الأوّل.
وبهذا ينتهي ما يدخل في هذا القسم من الروايات، وبه ينتهي الكلام
ــــــ[425]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
عن هذا القسم، وهو ما ورد من الروايات المعتبرة في تشخيص حال شدّة الخوف المسبَّبة عن غير الحرب وتحديد كيفيّة الصلاة فيها.
وبهذا استطعنا أن نحمل فكرةً كافيةً عن شدّة الخوف من أيّ سببٍ حصل، ومعه يكون الكلام في الروايات الأُخرى مستأنفاً، لولا فائدته العلميّة المحضة، وإن كان لا يغيّر ممّا قلناه شيئاً؛ باعتبار عدم اعتبار السند، ولكنّنا لتمام الفائدة نتعرّض لشيء منها فيما يلي:
3. الأخبار التي لا تكاد تكون معتبرة سنداً
القسم الثالث: في الأخبار التي لا تكاد تكون معتبرةً سنداً ممّا ورد في حال شدّة الخوف، سواء كان خاصّاً بالحرب أو شاملاً لغيره.
روايتان في المقام
والأخبار المندرجة في العنوان كثيرةٌ، والتعرّض إليها يطيل الكلام من دون طائلٍ، وإنَّما نتعرّض لبعضها ممّا يكون له رجحان في السند على غيره، أو له قوّة في الدلالة، بحيث قد يؤثّر في تغيير بعض النتائج التي توصّلنا إليها على تقدير اعتباره.
فمن ذلك: خبر محمد بن عذافر عن أبي عبد الله× قال: >إذا جالت الخيل تضطرب بالسيوف أجزأه تكبيرتان فهذا تقصيرٌ آخر<(1).
ومرسلة عبد الله بن المغيرة عن الصادق× قال: >أقلّ ما يجزي في حدّ
ــــــ[426]ـــــــ
(1) الكافي 6: 571، كتاب الصلاة، الباب 87، الحديث 1، تهذيب الأحكام 3: 300، كتاب الصلاة، الباب 29، الحديث 4، وسائل الشيعة 8: 445، باب 4 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 7.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
المسايفة عن التكبير تكبيرتان لكلّ صلاةٍ، إلَّا المغرب فإنَّ لها ثلاثاً<(1).
وقد وصف الشهيد الثاني في شرح الإرشاد كلتا الروايتين بالحسنة، وإنَّما ذكرناهما سويّةً؛ باعتبار أنَّهما يشتركان في أداء معنىّ جامع لم تكن تدلّ عليه الأخبار الصحيحة بأيِّ إشارةٍ أو دلالةٍ، وهو كون التكبير الذي يصل إليه التكليف في آخر مرتبةٍ من الخوف في الحرب، وهو حال التضارب بالسيوف وجولان الخيل، والذي نصّت على مشروعيّته صحيحةُ الفضلاء الثلاثة وغيرها(2).
دلّت هاتان الروايتان على كون هذا التكبير إنَّما يجزي عن ركعةٍ واحدةٍ لا عن مجموع الصلاة كما كان هو مقتضى إطلاق الصحاح.
فإن كانت الصلاة ثنائيّةً، فلابدَّ من تكبيرتين، وإن كانت رباعيّةً، وقد أوجب الخوف قصرها، كان عليه تكبيرتان أيضاً، وهو المشار إليه بقوله: >فهذا تقصيرٌ آخر<، يعني أنَّ هذا نحوٌ آخر من القصر، يقتصر فيه على التكبير بدل الركعات مع ملاحظة القصر الواجب عند الخوف.
وأمّا إذا كانت الصلاة ثلاثيةً، فهو ما تعرّضت له الرواية الثانية مطبِّقةً لنفس القاعدة، فأمرتْ بثلاث تكبيراتٍ، وإنَّما قيل فيها: تكبيرتان لكلّ صلاةٍ؛ باعتبار الثنائيّة والرباعيّة – كما هو واضحٌ- التي هي غالب الصلوات اليومية.
ــــــ[427]ـــــــ
(1) الكافي 6: 572، كتاب الصلاة، الباب 87، الحديث 3، تهذيب الأحكام 3: 174، كتاب الصلاة، الباب 13، الحديث 4، وسائل الشيعة 8: 444، باب 4 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 3.
(2) الكافي 6: 571، كتاب الصلاة، الباب 87، الحديث 2، تهذيب الأحكام 3: 173، كتاب الصلاة، الباب 13، الحديث 1، وسائل الشيعة 8: 445، باب 4 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 8.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الكلام في تحقيق حالهما
ويقع الكلام في تحقيق حال هاتين الروايتين ضمن أُمورٍ:
• الأمر الأوّل: أنَّه بناءً على اعتبار سند الروايتين قد يُقال: بتعيّن حمْل الصحاح عليها، فإنَّها أَمرت بالتكبير مطلقاً، من حيث إضافة شيءٍ عليه وعدمه، وقد دلّت هذه الروايات على وجوب إضافة شيءٍ عليه بمعنى وجوب تكراره فيتعيّن الأخْذ بها، بعد فرض صحّة سندها.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ [لما يلي]:
أوّلاً: إنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ صحيحة الفضلاء الثلاثة – وغيرها ممّا سبق- آبيةٌ عن التخصيص؛ باعتبار أنَّها كالنصّ بإجزاء التكبيرة الواحدة.
ثانياً: إنَّ الأمر في الحقيقة غير دائر بين الإطلاق والتقييد أو بين الأقلّ والأكثر، لتكون الروايات المقيّدة آمرةً بالأكثر، ووجوب إضافة شيءٍ إلى ما أمَرت به الصحاح. وإنَّما الأمر دائرٌ بين المتباينين؛ وذلك لأنَّ البدل المطلوب إن كان هو التكبير الواحد، كان إضافة التكبير عليه بقصد الجزئيّة مبطلاً لا محالة، وإن كان المطلوب هو المتعدّد، فالتقليل عن العدد غير مجزٍ أيضاً، فالأمر دائرٌ بين الأقلّ بشرط لا من حيث الزيادة وبين الأكثر. ومعه يكونان متباينين لا محالة، ويحصل التعارض بين الطائفتين، ومقتضى القاعدة ترجيح الصحاح؛ لوجود المرجّح السندي.
لا يُقال: إنَّ المكلّف يستطيع أن يأتي بالتكبير الزائد بقصد الذكر المطلق، أو بقصد الواقع على واقعه احتياطاً.
فإنَّه يُقال: أمّا قصد الذكر المطلق، فلا يجزي على تقدير مطلوبيّة الأكثر؛ لأنَّه مطلوب مع قصْد الجزئيّة لا محالة، شأنه في ذلك شأن سائر أجزاء
ــــــ[428]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الصلاة، وكونها صلاةً اضطراريّةً لا يخرجها عن هذه القاعدة، وخاصّةً أنَّ التكبير لا تتعيّن بدليّته عن الصلاة إلَّا بالنيّة. وسيأتي لهذا مزيد توضيحٍ.
وأمّا قصد الواقع، فهو وإن كان ممكناً ومجزياً لا محالة، ولكنّه خلاف فرض الكلام من استفادة الحكم من الدليل الاجتهادي وعدم وصول المسألة إلى الشكّ الموجب للاحتياط.
فتحصّل: أنَّ ما نُسب إلى فتوى الأصحاب(1) من العمل على طبق هاتين الروايتين لا يتمّ، إلَّا على وجه الاحتياط الاستحبابي، لو أمكن العمل به في شدّة الخوف.
• الأمر الثاني: لا يبعد إمكان التعميم من التكبير المنصوص عليه في هاتين الروايتين إلى سائر الأذكار التي نصّت الصحاح على بدليّتها، وذلك: بإلغاء الخصوصيّة عرفاً، أو بافتراض أن يُراد بالتكبير جنسه الشامل لسائر تلك الأذكار، على ما يعبّر في المصباح(2) غير مرّة، وإن كان لا يخلو من أقلّ تأمّلٍ.
ومع هذا التعميم يكون التعارض الذي ذكرناه في الأمر الأوّل ثابتاً في كلّ الأذكار، ويكون الترجيح محفوظاً للصحاح لا محالة.
• الأمر الثالث: دلّت صحيحة عبد الرحمن الأُولى الخاصّة بالحرب، على أنَّ بدل الصلاة في الزحف هو أنَّ يكبّر ويهلّل، الظاهر بوجوب الجمع، كما عرفنا، فهل تكون معارضةً مع هذه الروايات أم لا؟
ــــــ[429]ـــــــ
(1) أُنظر: مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 718، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، جواهر الكلام 14: 158، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(2) أُنظر: مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 718، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
هذه المعارضة تتوقّف على أمرين:
أحدهما: استفادة التعيين من الصحيحة، وقد سبق أن قلنا بالتخيير بينه وبين مفاد صحيحة الفضلاء، فراجع. ومعه تعود المعارضة السابقة، ولا يكون في هذا زيادةٌ مهمّةٌ.
ثانيهما: استفادة تعيّن أنَّ ما يكون بدلاً عن الركعة الأُولى هو نفس الذكر الذي يكون بدلاً عن الثانية، بناءً على ما ذكرناه من تعميم الروايتين لكلّ ذكْرٍ، فإذا اختار المكلّف التكبير، فتكبيرين، وإذا اختار التحميد فتحميدين، وإذا اختار التهليل فتهليلين.
وأمّا إذا أمكن على بُعْدٍ فيه، أن يُقال: بإجزاء كلّ ذكْرٍ عن ركعةٍ، فمن الممكن أن يكون الأوّل هو التكبير، والآخر هو التهليل، فيكون منسجماً مع الصحيحة لا محالة.
إلَّا أنَّه مع ذلك تبقى المعارضة من جهتين:
إحداهما: ظهور الصحيحة بتعيّن الترتيب ولفظ الذكر، وعلى ما قلناه لا يكون متعيّناً.
ثانيتهما: ظهور الصحيحة بإجزاء التكبير والتهليل عن مطلق الصلاة حتّى الثلاثيّة منها، على حين لا يجزي بناءً على هذه الروايات إلَّا الأذكار الثلاثة.
وعلى أيّ حالٍ: فإن وقعت المعارضة من هاتين الجهتين أو مطلقاً، كان الترجيح لصحيحة عبد الرحمن؛ لوجود المرجّح السندي، حتّى على تقدير اعتبار سند الروايتين.
• الأمر الرابع: لا ظهور في رواية ابن عذافر(1) – وهي الأُولى من
ــــــ[430]ـــــــ
(1) تقدّم تخريجها سابقاً، فراجع.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الروايتين- بإجزاء التكبيرتين عن الصلاة الثلاثيّة؛ لتكون معارضة من هذه الناحية للرواية الثانية.
وذلك لوجود القرينة المتّصلة على إرادة خصوص الثنائيّة، إمّا بالأصل أو بالقصر، وهو قوله في ذيل الرواية: >فهذا تقصيرٌ آخر< وهذا واضحٌ.
بل لعلّه من الممكن بضمّ هذا الذيل أن يستفاد منه قاعدةٌ عامّةٌ في إجزاء التكبيرة الواحدة عن الركعة الواحدة، فتدلّ بالملازمة على لزوم ثلاث تكبيراتٍ للثلاثيّة لا محالة. وإن كان في ذلك بُعْد في نفسه.
• الأمر الخامس: سبق أن عرفنا أنَّ صحيحة الفضلاء الثلاثة عدّدت عدّة أذكارٍ كبدلٍ عن الصلاة، وقد فهمنا منها إجزاء كلّ واحدٍ منها عن الصلاة كلّها كما سبق.
ولكن على تقدير أنّنا استفدنا بدليّة المجموع عن الصلاة – كما حاول غير واحدٍ أن يستفيده(1)- فتقع المعارضة لا محالة بينها وبين هاتين الروايتين، حتّى على تقدير تعميمهما لكلّ ذكْرٍ، بل حتّى على تقدير إمكان القول فيهما بعدم وجوب تسانخ الذكر بدلاً عن الركعة الأُولى مع الذكر بدلاً عن الركعة الثانية.
فإنَّه تبقى المعارضة بينهما من ناحية ظهور الصحيحة على الفرض بوجوب أربعة أذكارٍ دونهما، وعمومها للصلاة الثنائيّة والثلاثيّة معاً دونهما.
ــــــ[431]ـــــــ
(1) راجع ذكرى الشيعة 4: 361-362، كتاب الصلاة، الركن الخامس، الفصل الثاني: في صلاة الخوف، المطلب الرابع، وذخيرة المعاد: 404، كتاب الصلاة، النظر الثالث: في اللواحق، المقصد الثالث: في صلاة الخوف، وجواهر الكلام 14: 183، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ومع حصول المعارضة يكون المتعيّن ترجيح صحيحة الفضلاء لنفس ما سبق في مثله، فيكون الواجب هو مجموع ما ذكر فيها، على مسلك من يقول بدلالتها عليه(1).
• الأمر السادس: احتمل غير واحدٍ، منهم الشهيد الثاني في شرح الإرشاد(2) أن يكون المراد بالتكبيرة الأُولى من التكبيرتين أن تكون للإحرام، وتكون التكبيرة الثانية بدلاً عن باقي الصلاة، إمّا بنفسها أو بأمرٍ آخر نشير إليه.
وهذا لو تمّ يجعل الروايتين منسجمتين مع الأمر بالتكبير في الصحاح في الجملة، على فرض اجتماع أمرين:
أحدهما: عدم استفادة الاختصاص من الصحاح، يعني: التكبير الواحد بشرط لا من حيث الزيادة.
ثانيهما: عدم استفادة كونها مقيّدةً بالإيماء.
والأمر الثاني، وإن كان موجوداً في بعض مراتب شدّة الخوف كما رأينا، إلَّا أنَّ الأوّل منهما ممنوعٌ. فتبقى المعارضة حتّى على هذا الفرض.
على أنَّ احتمال كونها للإحرام بنفسه ممنوعٌ أيضاً؛ وذلك لمَا عرفنا من ظهور كلتا الروايتين ببدليّة التكبير الواحد عن الركعة الواحدة، أمّا الأُولى فبظهور ذيلها، وأمّا الثانية فبظهور سياقها، وهذا واضحٌ لا يمكن رفْع اليد عنه.
ــــــ[432]ـــــــ
(1) راجع المصدر السابق.
(2) روض الجنان 2: 1018، كتاب الصلاة، المقصد الثالث: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وبناءً عليه: إذا كانت التكبيرة الأُولى بدلاً عن الركعة الأُولى، فكيف تُفرض أنَّها للإحرام؟! وهل هذا إلَّا من التهافت في الفرض، بل يلزم الفقيه الذي يحتاط لتكبيرة الإحرام أن يفتي بزيادة تكبيرة على العدد الذي نصّت عليه الروايتان، وهو كما ترى.
• الأمر السابع: احتمل الشهيد الثاني+ أن يكون المراد بالتكبيرة الثانية التسبيحاتِ الأربع، فيكون حاصل مراده: أنَّ التكبيرة الأُولى للإحرام والثانية عبارةٌ أُخرى عن التسبيحات الأربع، وتقع عوضاً عن ركعةٍ واحدةٍ.
وهذا الاحتمال غريبٌ بتمام مطالبه، أمّا أن يكون المراد من الأُولى تكبيرة الإحرام فقد ناقشناه. وأمّا أنَّ التكبيرة الثانية عبارةٌ عن التسبيحات الأربع، فقد تصدّى هو بنفسه لدفعه فقال ما لفظه: والحمْل الذي ذكرناه بعيدٌ؛ فإنَّ فهْم التسبيحات الأربع من التكبير بعيدٌ جدّاً(1)، انتهى. ونحن نقول: إنَّه مخالفٌ للظاهر جدّاً.
وأمّا كون التكبيرة الثانية لا تجزي إلَّا عن ركعةٍ واحدةٍ، فهذا أغرب من
ــــــ[433]ـــــــ
( )راجع: مسالك الأفهام 1: 337، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، والروضة البهيّة (حاشية سلطان العلماء) 1: 113، كتاب الصلاة، الفصل التاسع: في صلاة الخوف، ونسبه إليه في جواهر الكلام 14: 184، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
سابقه، فإنَّ له أحد ثلاث صورٍ محتملةٍ:
الأُولى: أن يكون مراده أنَّ التكبير – بما هو من دون تأويل- يجزي عن ركعةٍ واحدةٍ، فهذا يلزم منه أنَّه لا يجزي عن الثنائيّة إلَّا ثلاث تكبيراتٍ ولا عن الثلاثيّة إلَّا أربع، وهو خلاف المنصرف من كلتا الروايتين كما هو ظاهر.
الثانية: أن يكون مراده أنَّ التكبير بعد تأويله بالتسبيحات الأربع، يكون بدلاً عن ركعةٍ واحدةٍ، وهو الذي قد يستفاد من قوله: والمراد بالتكبيرتين التكبير للإحرام والتكبير عوضاً عن الركعة، وهو >سبحان الله< الخ.
فإن كان المراد ذلك، يلزم منه أن يكرِّر المكلّف بعد تكبيرة الإحرام التسبيحاتِ الأربع مرّتين، أو ثلاثاً بقدر الركعات، وهو أمرٌ لم يقل به أحدٌ، ولم يدلّ عليه دليل، وخلاف التخفيف على حال المكلّف في شدّة الخوف، وهو غرضٌ مهمٌّ للشارع المقدّس الرؤوف بالعباد.
الثالثة: أن يكون مراده أنَّ التسبيحات الأربع تجزي بعد تكبيرة الإحرام مرّةً واحدةً عن مجموع الصلاة.
وهذا قد يتمّ بعد قبول التأويلين، إلَّا أنَّه بناءً عليه لا يكون كلّ ذكْر من الأذكار الأربعة في مقابل ركعةٍ، ولا يفرق بين الثنائيّة والثلاثيّة، والأوّل خلاف صحيحة الفضلاء وغيرها، مضافاً إلى كونه خلاف هاتين الروايتين أيضاً، والثاني خلاف رواية ابن المغيرة(1) بل والرواية الأُولى(2) أيضاً.
إلَّا أن يستفاد من رواية ابن المغيرة وجوب تكرار التسبيحات الكبرى مرّتين بعد الإحرام. وهذا من سبك مجازٍ في مجازٍ، ويدفعه -كما يدفع سوابقه-
ــــــ[434]ـــــــ
(1) مرّ تخريجها عدّة مرّات، فراجع.
(2) مرّ تخريجها عدّة مرّات، فراجع.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الظهورُ إن لم يكن الجزم بأنَّ المراد من كلّ التكبيرات واحدٌ، كما هو مقتضى قرينة وحدة السياق.
وكلُّ الذي حدا بالشهيد الثاني التوصّل إلى هذه الاحتمالات أمران، كلاهما مورد للمناقشة:
الأمر الأوّل: دعوى أنَّ الصلاة مفتتحها التكبير وختامها التسليم، وهو ممّا يتوقّف عليه ماهيّة الصلاة، فيتعيّن بإطلاق الرواية أن تكون كلّ صلاةٍ بادئةٍ بالتكبيرة وإن كانت في شدّة الخوف، وهو ما حدا بالفقيه الهمداني(1) أن ينكر كون البدل هو من ماهيّة الصلاة على تقدير عدم ذينك الأمرين، وقاسه بصلاة الميّت التي يكون حالها كذلك.
وهذا قابلٌ للمناقشة من جهات:
[الجهة] الأُولى: أنَّ غايته هو الإطلاق في هذه الرواية، والمطلق قابلٌ للتخصيص لا محالة، فتكون هذه الرواية قابلةً للتخصيص، فتأمّل.
[الجهة] الثانية: أنَّ الصلاة المبدوءة بالتكبير – باعتبارها بدلاً عن الركعة الأُولى- لا تحتاج إلى تكبيرة الإحرام؛ بل تكون مصداقاً للرواية من دون ذلك؛ لفرض كونها مفتتحةً بالتكبير فعلاً.
إلَّا أنَّ هذا يمكن المناقشة فيه بأمرين:
الأوّل: احتمال أن يكون المراد من التكبير الذي يقع افتتاحاً للصلاة هو تكبير الإحرام بالخصوص، وهو غير بعيدٍ، فتأمّل.
الثاني: أنَّ هذا إنَّما يصحّ في مورد روايَتي ابن المغيرة وابن عذافر، وأمّا لو
ــــــ[435]ـــــــ
(1) راجع مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 718-719، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
عمّمناهما إلى كلّ ذكرٍ، فهو لا يتمّ كما هو واضحٌ، لكون الصلاة مبدوءةً بذكْرٍ غير التكبير.
[الجهة] الثالثة: أنّنا قلنا فيما سبق: إنَّ الأمر الأوّلي بالصلاة ساقطٌ لا محالة، وتسقط بتبعه سائر الأوامر الضمنيّة، ومعه تكون ماهيّة الصلاة الأوّليّة التي تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم قد سقطت، وقلنا إنَّه بعد العلم بعدم سقوط الصلاة بحالٍ من الأحوال، وجب الرجوع في تعيين الباقي إلى الأدلّة الخاصّة بشدّة الخوف، فما دلّتنا عليه وأمرْتنا به فهو المتَّبَع.
ومع الرجوع إليها نجد أنَّه في حال الشدّة الكبيرة للخوف – كحال المسايفة ونحوه، ممّا أُخِذ في موضوع الروايتين اللتين هما محلّ الكلام- [لم يُشَر الى] وجوب تكبيرة الإحرام ولا التسليم في أيّ صحيحةٍ أو ضعيفةٍ بأيّ إشارةٍ أو دلالةٍ، ومعه ينحصر الأمر بالأخْذ بمدلول هذه الأخبار الخاصّة، على أساس كونه بدلاً تنزيليّاً كما سبق أن استفدنا.
ولا يهمّ بعد ذلك أن يكون هناك جامعٌ بين البدل والمبدل منه، ليكونا من ماهيّةٍ واحدةٍ، أو لم يكن كما يريد الفقيه الهمداني(1) أن يقوله، فإنَّ كونهما من ماهيّةٍ واحدةٍ لا نريد به الماهيّة الشرعيّة المستفادة من روايةِ: أنَّ الصلاة مفتتحها التكبير وختامها التسليم(2)، إذ لو كان المدار ذلك لكانت ماهيّةٌ أُخرى لا محالة؛ لوضوح عدم وجوبهما فيه، بل نريد بالجامع ما كان طبيعيّاً مفهوميّاً
ــــــ[436]ـــــــ
( ) راجع مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 718، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(2) راجع الكافي 5: 202، كتاب الطهارة، الباب 26، الحديث 2، وسائل الشيعة 1: 366، باب 1 من أبواب الوضوء، الحديث 4.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
كمفهوم الذكر أو المسقط للأمر بالصلاة المنطبق عليهما معاً، وهو لا يعيّن لزوم افتتاح صلاة شدّة الخوف بالتكبير ولا ختامها بالتسليم كما هو واضحٌ.
الأمر الثاني؛ الذي حدا بالشهيد الثاني إلى ما قال: هو تخيّل دلالة الصحاح السابقة على وجوب التسبيحات الأربع في الصلاة، وقد أفتى على طبق ذلك المحقّقُ في الشرائع(1). وهو يتوقّف على أربعةِ أُمورٍ:
• أوّلها: دلالة صحيحة الفضلاء الثلاثة على بدليّة مجموع ما ذُكر فيها من الأذكار في الجملة عن الصلاة، وذلك: بدعوى دلالة العطف على ذلك.
وسبق أن ناقشناه: باعتبار ظهورها بإسناد مجموع الأذكار إلى مجموع المكلّفين، فلا يتعيّن أن يكون المجموع صادراً عن كلّ واحدٍ منهم، ولا ظهور لها في ذلك، بل مجرّد احتماله كافٍ في سقوطها عن الاستدلال من هذه الناحية.
• ثانيها: إخراج الدعاء المذكور فيها عمّا هو المطلوب واقعاً، وإلَّا لأصبح المطلوب زائداً عن التسبيحات الأربع كما هو واضحٌ.
وقد يُذكر لذلك تقريبان:
التقريب الأوّل: القطع بعدم بدليّة مطلق الدعاء عن الصلاة المفروضة، كما ذكرنا، فإنَّه ممّا لا يتناسب مع ذوق الشارع جزماً، ولكنّنا ناقشناه: بأنَّ المراد بالدعاء هو قول (يا الله) ونحوه بالتقريب الذي سبق، وهو ليس مقطوع العدم كما هو واضحٌ.
مضافاً إلى أنَّ الدعاء – بناءً على وجوب المجموع- يكون جزء المطلوب، ولا قطع بعدم بدليّة مطلقه حينئذٍ، فتأمّل.
ــــــ[437]ـــــــ
(1) راجع شرائع الإسلام 1: 121، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
التقريب الثاني: التمسّك بالإجماع الذي ذكروه(1) في إجزاء التسبيحات الأربع لو أتى بها المكلّف لا محالة عن الصلاة، ومن المعلوم عدم دخول الدعاء ضمنها.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ؛ للطعن في الإجماع كبرويّاً، فإنَّه إجماعٌ محتمل المدرك على أقلّ تقدير، فيكون ساقطاً، مضافاً إلى ما ثبت في محلّه من كون الإجماع لا يكون قرينةً على المراد من اللفظ بحسب الإرادة الاستعماليّة، غايته أنَّه يكون مقيّداً للمراد الجدّي لو كان قطعيّاً. ولو حصل القطع بخروج الدعاء في المقام اختلّ ظهور الرواية بالدلالة على المجموع أساساً؛ لأنَّ ظهورها الأوّلي هو بدليّة المجموع المتركّب من الدعاء وغيره، قد ثبت كذبه بالقطع على الفرض، فهل هي دالّةٌ على وجوب مجموع الباقي من الأذكار المذكورة فيها؟ يكون لمنع ذلك مجالٌ واسعٌ.
• ثالثها: إدخال التهليل على مدلول صحيحة الفضلاء، فإنَّه غير مذكورٍ فيها نصّاً، إذ لو لم يدخل ضمنها لم تنتظم التسبيحات الأربع بشكلها المعروف.
ويمكن أن يستدلّ على ذلك بأمرين:
الأوّل: تجريد الأذكار الموجودة فيها عن الخصوصيّة كما اخترناه، أو
ــــــ[438]ـــــــ
( ) راجع ذكرى الشيعة 4: 361، كتاب الصلاة، الركن الخامس، الفصل الثاني: في صلاة الخوف، المطلب الرابع، وجواهر الكلام 14: 183، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، مدارك الأحكام 4: 422، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع في صلاة الخوف، رياض المسائل4: 326-328، كتاب الصلاة، المقصد الثالث: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، الأُولى من المسائل.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
دعوى كون المراد جنسها كما احتمله الفقيه الهمداني(1)، فتشمل التهليل لا محالة.
إلَّا أنَّ هذا لو أُريد به التوصّل إلى إجزاء كلّ واحدةٍ منها عن الصلاة لصحّ، كما ذكرناه فيما سبق. وأمّا لو أُريد بالتجريد عن الخصوصيّة إدخال التهليل ضمن المجموع الواجب، فهذا ممّا لا يمكن إلَّا بتحصيل دلالتين طوليتين هما: الدلالة على هذا التجريد أوّلاً، والدلالة على شمول الأمر بالمجموع للفرد الجديد الداخل بالتجريد، وهذا أمرٌ غير عرفيٍّ بل غير عقليٍّ أيضاً، فتأمّل.
الثاني: ضمّ صحيحة عبد الرحمن الأُولى الواردة في الخوف المسبّب عن الحرب، فإنَّ فيها قوله: >يكبّر ويهلّل<، ولو بدعوى أنَّ التكبير المذكور فيها هو عين التكبير المذكور في صحيحة الفضلاء، وحيث نصّت هذه الصحيحة على التحاق التهليل، فيكون ملتحقاً بالمجموع المأمور به في صحيحة الفضلاء.
وهذا – كما ترى- غير فنّيٍّ أساساً، فإنَّ صحيحة عبد الرحمن ظاهرةٌ بكفاية الاقتصار على هذين الأمرين لا محالة، ومع تسليم ظهور صحيحة الفضلاء بوجوب مجموع ما فيها من الأذكار، تكون معارضةً لا محالة ويتساقطان، ولا يفيد اشتراكهما بذكر التكبير؛ فإنَّ العرف يرى أنَّ كلّ واحد من المجموعين بدلٌ مستقلٌّ في نفسه، فيرجع الأمر إلى المعارضة.
ومع التنزّل فغاية ما يستفاد هو التخيير بين مفاد الروايتين، لا إدماج إحداهما بالأُخرى كما هو مراد المستدلّ.
ــــــ[439]ـــــــ
(1) راجع مصباح الفقيه (ط.ق) 2ق2: 718، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ومع التنزّل ودعوى أنَّ التكبير المذكور في صحيحة عبد الرحمن عين التكبير المذكور في صحيحة الفضلاء، فغاية ما ينتج شمول صحيحة الفضلاء للتكبير بصفته فرداً من المجموع؛ باعتبار العينية المفروضة، وأمّا شمولها للتهليل فهو ممنوعٌ، وممّا لا يساعد عليه العرف جزماً. وكونه ملحقاً بالتكبير في دليلٍ آخر، لا يبرِّر شموله له عرفاً، بحيث يكون جزءاً من المجموع، كما هو واضحٌ.
• رابعها (يعني من الأُمور التي تتوقّف عليها فتوى المحقّق الحلّي(1) بوجوب مجموع التسبيحات الأربع): أن نلغي خصوصيّة الترتيب المأخوذ في صحيحة الفضلاء، فإنَّها بدأت بالتكبير ثمَّ التسبيح ثمَّ التحميد ثُمَّ الدعاء، وقد ألغيناه على الفرض. فلابدَّ لإحراز الترتيب من تأخير التكبير ووضع التهليل قبله، فهنا أمران:
أحدهما: إلغاء خصوصيّة هذا الترتيب بالتحديد، وهو أمرٌ ممكن عرفاً، إلَّا أنَّه متوقّفٌ على أن لا نفهم من التكبير الواقع في الأوّل أنَّه تكبيرة الإحرام، وإلَّا امتنع هذا الإلغاء لا محالة.
إلَّا أنّنا سبق أن منعنا هذا الفهم في أمثاله، فيتمّ إلغاء خصوصيّة الترتيب، وخاصّةً أنَّ العطف بالواو غير دالٍّ على الترتيب وإن كان مشعراً به.
ثانيهما: إدخال التهليل بعد التحميد قبل التكبير، وهذا على تقدير تسليم إمكان إدخاله، فلا يتعيّن له هذا المكان، وإرادة انتظام التسبيحات الأربع المعروفة أوّل الكلام.
ــــــ[440]ـــــــ
(1) راجع شرائع الإسلام 1: 121، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وكونها واردةً على هذا النحو، فيستأنس بكون التهليل هو الثالث، ممّا لا يصلح دليلاً على الحكم الشرعي كما هو واضحٌ.
وعلى أيّ حالٍ، لو سلّمنا بتمامية جميع هذه الأُمور الأربعة – وكلّها غير تامّة على وجه العموم- صحّ منّا الحكم بوجوب التسبيحات الأربع المعروفة بالخصوص عند إمكانها، ومعه لابدَّ أن نسقط سائر مداليل الأخبار الخاصّة في وجه التكليف في مراتب الخوف الشديد لا محالة من دون وجهٍ فنّيٍّ.
وعلى أيّ حالٍ، فإجزاء التسبيحات الأربع ممّا لا شكّ فيه، على مسلكنا أيضاً، لو أتى بها بُغية الاحتياط أو لا بنيّة الجزئيّة؛ لأنَّه يكون قد أتى بما هو الواجب الواقعي، مع زيادةٍ أو بدونها.
فتحصّل: أنَّ الذي حدا بالشهيد الثاني إلى كلامه هو هذان الأمران، فكأنّه+ أراد أن يطبّق الروايتين اللتين نتكلّم عنهما على القواعد، فتورّط بمخالفة القواعد، حيث رأينا عدم صحّة كلا الأمرين اللذين دعياه إلى ذلك.
• الأمر الثامن من الكلام حول هاتين الروايتين – لابن عذافر ولابن المغيرة-: قال الفقيه الهمداني في مجال كلامه عنهما أنَّها: لا يفهم منها انحصار المأتيّ به بالتكبير؛ إذ لا منافاة بينها وبين أن يكون ما عدا التكبير أيضاً – كفاتحة الكتاب مثلاً- معتبراً في هذه الصلاة(1).
وقد دعاه إلى هذا القول المبنى القائل بوجوب كلّ الباقي ممّا يمكن للمكلّف الإتيان به، ولو من باب الاحتياط. ونحن في فسحةٍ من ذلك عند إنكار هذا المبنى.
ــــــ[441]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 718، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ، حتّى مع القول بذلك المبنى، فلو ثبت بدليلٍ خارجيٍّ، كان معارضاً مع هاتين الروايتين، ولابدَّ من الحمل على التخيير أو الترجيح السندي أو التساقط؛ وذلك لأمرين:
أحدهما: ظهور سياق كلتا الروايتين بالانحصار، وأنَّه لا يجب شيءٌ مع التكبير المذكور فيهما، وقد اعترف الفقيه المشار إليه بنفسه بهذا الظهور في خبر ابن عذافر، وهو أمرٌ عرفيٌ لا إشكال فيه.
ثانيهما: أنَّه ينافي ظهور كلتا الروايتين في إجزاء كلّ تكبيرةٍ عن ركعةٍ، فإن إجزاءها عنها يقتضي سقوط الركعة بجميع أجزائها، فلو أتى معها ببعض الأجزاء لزم الجمع بين البدل والمبدل منه.
وبتعبير آخر: إنَّ ظاهر الروايتين أخْذ عدد التكبير المطلوب فيها بشرط لا عن الزيادة، كما سبق أن أشرنا، سواء من حيث زيادة ذكرٍ من سنخه أو من سنخٍ آخر كالفاتحة ونحوها. فيقع هذا الظهور طرفاً للمنافاة مع وجوب الإتيان بالباقي، مع قصد الجزئيّة لا محالة.
فهذا خلاصة الكلام في هاتين الروايتين.
رواية أُخرى
وممّا يدخل في هذا القسم من الروايات رواية لعبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق× في حديث، قال: >ومَن تعرّضَ له سبعٌ وخاف فوت الصلاة استقبل القبلة وصلّى صلاته إيماءً، فإن خشي السبع وتعرّض له فليدر معه كيف دار وليصلّ بالإيماء<(1).
ــــــ[442]ـــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه 1: 463، أبواب الصلاة وحدودها، باب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 1335، وسائل الشيعة 8: 440، باب 3 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 4.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ويقع الكلام في مفاد هذه الرواية في أُمورٍ:
• الأمر الأوّل: يستفاد منها: أنَّها قسّمت الخوف من السبع إلى مرتبتين:
المرتبة الأُولى: مَن صادف سبعاً في طريقه في السفر مثلاً، وخاف منه، ولكن السبع كان لاهياً عنه بنومٍ أو طعامٍ أو شرابٍ أو نحو ذلك، إلَّا أنَّ المكلّف مع ذلك لم يكن يأمن من شرّه.
فالحكم في مثل ذلك – لو صحّت الرواية- هو أن يستقبل القبلة ويصلّي إيماءً، وقلنا إنَّ معنى الإيماء المطلق هو الإيماء للركوع والسجود مع ما يلازمهما ويحفّ بهما، من الأذكار كالتكبير والقراءة والتشهّد والتسليم.
المرتبة الثانية: أن يتعرّض له السبع فعلاً، بحيث احتاج المكلّف إلى الهرب أو محاولة قتله، ففي مثل ذلك يسقط شرط الاستقبال ويصلّي بالإيماء. والإيماء هنا أيضاً مطلقٌ، فإن استطاع أن يومئ للركوع والسجود فعل، وإلَّا جاز تركه لا محالة. وانتقل الحال إلى مثل صلاة المسايفة، وهو الاقتصار على التكبير.
وهذه المرتبة هي التي تعرّضت لها صحيحة عليّ بن جعفر التي ذكرناها، وذلك بقرينة الحكم التي فيها، فإنَّهما مشتركتان بسقوط شرطيّة الاستقبال، فتأمّل.
• الأمر الثاني: لم يُفسّر السبع بالأسد هنا كما كان الحال في صحيحة عليّ بن جعفر، بل ورد في هذه الرواية مطلقاً، فمن الممكن التمسّك بإطلاقه لكلّ سبعٍ يُخشى من بطشه بسهولةٍ عرفاً ولغةً.
وإن ادّعي أنَّ إشعارها بكون المراد من السبع هو خصوص الأسد، ولو بدعوى: قرينية الصحيحة عليه، وذلك: أنّنا نفهم من الصحيحة استعمال
ــــــ[443]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
السبع في الأسد في تلك العصور، كما أنَّه لا زال كذلك حتّى الآن، فيرجّح أن يكون المراد من الرواية هو ذلك.
إن ادّعي هذا أمكن تعميمه بالتجريد عن الخصوصيّة كما ذكرنا تقريبه في الكلام عن الصحيحة.
• الأمر الثالث: أنَّ هذه الرواية تعرّضت إلى التقييد بخوف فوت الصلاة، وهو قيدٌ غير واردٍ كما سمعنا في شيءٍ من الروايات الخاصّة بالحرب أو العامّة لغيره، صحيحةً أو غير صحيحةٍ(1).
ومن هنا سبق أن قلنا بجواز البدار لصلاة شدّة الخوف، وخاصّةً بعد النصّ في صحيحة الفضلاء الثلاثة بجواز إيقاعها (عند وقت كلّ صلاة). وإذا صلّى المكلّف بحسب تكليفه في وقت إيقاع الصلاة، لم يجب عليه الإعادة والقضاء لا محالة؛ إذ يكون الإجزاء قهريّاً كما حُقّق في محلّه. وسيأتي له مزيد توضيحٍ في الخاتمة إن شاء الله تعالى.
وصحيحة الفضلاء وإن كانت خاصّة بالحرب، إلَّا أنَّه يمكن تعميمه لغير الحرب بالفهم العرفي، وذلك بأن يُقال: إنَّ المنساق عرفاً من الرواية أنَّ جواز البدار ليس دائراً مدار الحرب، بل ليس دائراً مدار الخوف أساساً. وإنَّما هو حكمٌ دائرٌ مدار البدليّة، فمهما تحقّق موضوع لجواز الإتيان بالبدل وورد الإذن بتقديمه، جاز ذلك، وسقط معه الإعادة والقضاء، وهذا هو مقتضى مناسبات الحكم والموضوع أيضاً.
ولا يُقال: بأنَّ الصحيحة ظاهرةٌ بتقييد جواز البدار بحالة الحرب.
ــــــ[444]ـــــــ
( ) إلَّا ما سيأتي عن الفقه الرضوي، إلَّا أنَّه لا يكاد يدخل في ضمن الروايات أساساً؛ لسقوطه بالكلّيّة (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فإنَّه يُقال: هذا فرع عدم إلغاء الخصوصيّة عرفاً، فلا تكون دليلاً على إلغائه، مضافاً إلى أنَّها مبيّنةٌ لفعل أصحاب أمير المؤمنين×، والفعل مجملٌ من حيث الإطلاق والتقييد كما ثبت في محلّه(1).
فإن قيل: فكيف ثبت الإطلاق؟
قلنا: بما أشرنا إليه في محلّه، من التمسّك بإطلاق كلام الإمام الباقر× المبيِّن للواقعة، فإنَّه بيّنها في مقام نقْل أحكام صلاة الخوف ولم يبيّن لها قيداً.
فإن قيل: إذن، فيثبت التقييد عن نفس الطريق.
قلنا: كلاّ، فإنَّ الإطلاق يُستفاد من كلام الإمام الباقر× وهو غير مقيّدٍ بالوجدان، والتقييد غاية ما يُدّعى استفادته من الفعل، وقد منعناه، فليس الإطلاق والتقييد في هذه الرواية متقابلين في كلامٍ واحد، ليثبت أحدهما عند انتفاء الآخر بنفس الطريقة.
فتحصّل: دلالة الدليل المعتبر على جواز البدار في مطلق صلاة الخوف، وهو صحيحة الفضلاء، ولو منعنا ما قلناه من تعميمها لغير الحرب، فالصحاح الواردة في القسم الثاني الخاصّ بغير الحرب كافيةٌ من حيث التمسّك بإطلاقها لإثبات ذلك.
نعم، على هذا تكون رواية عبد الرحمن – التي نتكلّم عنها- مقيّدةً لروايات القسم الثاني على تقدير اعتبارها وحجيّتها لا محالة، على حين لو تمّت دلالة صحيحة الفضلاء على ذلك، لكانت دلالتها أكثر صراحةً لا محالة؛
ــــــ[445]ـــــــ
(1) راجع أُصول الفقه (المظفر) 2: 62، المقصد الثالث: مباحث الحجّة، الباب الثاني: دلالة فعل المعصوم، ودروس في علم الأُصول 2: 99، تحديد دلالات الدليل الشرعي، الدليل الشرعي غير اللفظي، دلالة الفعل.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
لقوله: >عند وقت كلّ صلاةٍ<، فتقع طرفاً للمعارضة مع هذه الرواية، فتأمّل.
وعلى أيّ حالٍ، فالأمرُ سهلٌ بعد كونها غير معتبرة السند في نفسها، والحكم بجواز البدار ثابتٌ مع غضّ النظر عنها لا محالة.
فهذا هو تمام الكلام في هذه الرواية، وبه ينتهي الكلام عن القسم الثالث من الروايات الخاصّ بالروايات غير المعتبرة سنداً، وقد قلنا إنَّها كثيرةٌ عدداً؛ إلَّا أنَّ جملةً منها متّحدة المفاد مع الصحاح، وبعضها ساقطةٌ جدّاً من حيث السند، فاخترنا هذه الثلاثة التي ذكرناها؛ باعتبار انتفاء كلا هذين الأمرين منهما.
وبهذا ينتهي الكلام عن الناحية الثالثة في الاستدلال بالأخبار الواردة في بيان أحكام صلاة الخوف وكيفيتها، سواء الصحيحة منها وغير الصحيحة.
وبه ينتهي الكلام في الجهة الثانية من الكلام عن صلاة شدّة الخوف، في الاستدلال على بيان أحكامها من الكتاب والقواعد العامّة والأخبار الخاصّة، وقد سبق الكلام في كلّ ذلك بما لا مزيد عليه.
ــــــ[446]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

الجهة الثالثة
مباحث وأحكام متعلّقة بصلاة شدّة الخوف
الجهة الثالثة من الحديث عن صلاة شدّة الخوف، حول الكلام عن جملة من المباحث والأحكام المتعلّقة بها، ممّا لم يتّضح تفصيلاً أثناء الحديث عن الأدلّة والروايات، وإن كانت قد سبقت تمام مبانيها، وظهرت صفوة الكلام فيها.
ونعقد الكلام في هذه الجهة في عدّة فصول:
الفصل الأوّل: جواز البدار
ثبت بإطلاق سائر الأدلّة ونصّ صحيحة الفضلاء، جواز البدار بصلاة شدّة الخوف في أوّل الوقت فضلاً عن أثنائه.
ويؤكّد ذلك – بل يعيّنه- كون المكلّف في شدّة الخوف محتمِلاً أو ظانّاً للهلاك وما هو بحكمه لا محالة، بل هما أمران متلازمان عادةً، إذن فالوقت الشرعي لسائر المكلّفين وإن كان فسيحاً إلَّا أنَّ هذا المكلّف يحتمل ضيق الوقت بالنسبة إليه؛ لاحتمال موته أو فقدانه لشعوره في أثناء الوقت، وإذا فاتت الصلاة عن طريق أخْذه برخصة التأخير أوّلاً، وبهلاكه ثانياً، يكون مقصّراً ومعاقَباً لا محالة على ذلك، ومن هنا يجب عليه المبادرة إلى الصلاة في أثناء المطاردة والمسايفة والمسابقة؛ لاحتمال هلاكه في هذه الواقعة بالذات،
ــــــ[447]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ويحرم عليه الأخذ بالرخصة الشرعيّة المجعولة على العموم لا محالة.
نعم، لا يبعد القول بأنَّه في صورة العلم أو الاطمئنان(1) بتمكّنه من الصلاة الجامعة للأجزاء والشرائط، أو الأفضل حالاً من الصلاة الواجبة فيما هو عليه على الأقلّ، وجب ذلك؛ لارتفاع ظنّ الهلاك على الفرض وقبله بالعلم بإحراز الملاك في الوقت تامّاً، فيكون تفويت المرتبة الزائدة منه غير جائزٍ لا محالة، فإنَّها صلاةٌ في نفسها، بعد فرض وجوب الأجزاء والشرائط الزائدة، غاية الأمر دلّ الدليل على جواز التفويت في غير مورد العلم والاطمئنان، فعَلِمْنا عدمَ كون تلك المرتبة الزائدة في مثل ذلك ملزمةً في نظر الشارع.
وأمّا مع وجود العلم والاطمئنان، فلا يبعد القول بانصراف الأدلّة المجوّزة عنه، وفاقاً للفقيه الهمداني(2)، ومعه إطلاق الوجوب الأوّلي على حاله، ونعرف منه كون المرتبة الزائدة من الملاك إلزاميّةً لا محالة.
ومعه إذا بادر إلى صلاة الخوف والحال هذه، وقعت باطلةً؛ لسقوط الأمر بها ملاكاً وخطاباً؛ باعتبارهما مقيّدين بغير هذه الصورة على الفرض، وأمّا الأمر بالصلاة التامّة فهي ليست مصداقاً له، كما هو واضحٌ.
فإن قيل: إنَّ هذا المكلّف لا يكون مكلّفاً بالصلاة بناءً على ذلك؛ لسقوط الأمر بصلاة شدّة الخوف، وعدم وجود الأمر بالصلاة التامّة أيضاً؛ لتعذّره بل حرمة امتثاله عند شدّة الخوف، كما أشرنا في بعض كلماتنا السابقة، وإذا تعذّر
ــــــ[448]ـــــــ
( ) لو فرض اجتماعهما مع شدّة الخوف على خلاف العادة (منه+).
(2) أُنظر: مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 720، كتاب الصلاة، الركن الرابع: في التوابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
كلا فردي الجامع، لا يمكن أن يلتزم بوجوب الجامع كما هو واضحٌ.
فإنَّه يُقال: إنَّ الجامع وإن لم يكن واجباً خطاباً في حقّه؛ لسقوط كلا الأمرين على الفرض، بمعنى عدم شمولهما له، وهو كذلك غير مشمولٍ لملاك صلاة الخوف أيضاً كما قلنا، ولكنّه مشمولٌ لملاك الصلاة التامّة، لا محالة؛ لوجوب انتظاره في الامتثال إلى زوال شدّة الخوف، ولولا شمول الملاك لم يكن هذا الحكم ثابتاً.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ بتفصيله:
فإنَّه لا معنى لثبوت الملاك بدون الخطاب لا ثبوتاً ولا إثباتاً.
أمّا ثبوتاً: فلأنَّ الملاك التامّ لو كان منجّزاً لترتَّبَ عليه الخطاب لا محالة، وفرض عدم تنجّزه هو فرض عدم تحقّق موضوعه، وفرض عدم تحقّق الموضوع هو فرض عدم وجود الملاك لا محالة، فعدم تنجّزه ملازمٌ لعدم وجوده ما لم يوجد موضوعه في الخارج.
وأمّا إثباتاً: فلما قلناه غير مرّةٍ من أنَّ الملاك إنَّما يُعرف وجوده بالخطاب لا محالة، ومع فرض قصوره عن الشمول لا دليل على وجود الملاك لا محالة.
فلابدَّ من الالتزام – بناءً على ذلك- بسقوط جامع الصلاة ملاكاً وخطاباً معاً.
إلَّا أنَّ هذا لا يرفع الصلاة عنه، ولا ينافي قوله×: >الصلاة لا تسقط بحالٍ< فإنَّه مع ذلك يبقى مسؤولاً عن الصلاة لا محالة؛ وذلك: لعلمه على
ــــــ[449]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الفرض بكونه مكلّفاً بالخطاب المنجّز والملاك الملزم في حينه، فهو ملزمٌ بحكم العقل بلزوم انتظاره وإعداد نفسه له، ما لم يطرأ الهلاك من دون اختياره تكويناً أو تشريعاً (يعني نتيجةً للتزاحم). وهذا الحكم العقلي مع ملاكه وملاك مقدميّة الانتظار ثابتٌ في حقّه لا محالة.
ولو مات في ذلك الحين كان معذوراً لا محالة؛ لعدم تفويته ملاكاً ولا خطاب منجّزاً عليه، وبموته ينكشف عدم تنجّز الملاك التامّ عليه لا محالة، إلَّا أنَّ ذلك لا ينافي مسؤوليته التي ذكرناها عن الصلاة إلى حين موته، فإنَّ حكم العقل منوطٌ بالعلم بالتمكّن من الصلاة التامّة، وهو موجودٌ على الفرض لا بواقع التمكّن ليكون منتفياً على الفرض.
لا يُقال: إنَّ حكم العقل بوجوب إعداد نفسه لامتثال الأمر المنجّز في حينه، يقتضي وجوب البقاء على الحياة وشرائط التكليف لا محالة. وهو يلازم وجوب عصيان الأمر بالجهاد، لو كان سبب شدّة الخوف هو ذلك.
فإنَّه يُقال: كلا، فإنَّه وإن كان يقتضي وجوب الإبقاء على الحياة وغيرها من شرائط التكليف، ولكن في حدود التكليف الشرعيّ الفعليّ لا محالة، فإنَّ الحكم الشرعي يكون حاكماً على حكم العقل هذا لا محالة. فإنَّه إنَّما كان لأجل المحافظة على أحكام الشارع، فإن أجاز الشارع عدم حفظ النفس لأجل الصلاة بعد ذلك، ولو في طول المزاحمة، سقط حكم العقل لا محالة.
فإن قيل: بأنَّ الأمر بالصلاة ممّا لا يمكن أن يسقط بالمزاحمة، مع أيّ حكم في الشريعة، كما ثبت بالأدلّة القطعيّة.
قلنا: إنَّ ما قلناه بسقوطه هو وجوب حفظ النفس لا الأمر بالصلاة، على أنَّ القدر المتيقّن من الأدلّة القطعية هو صورة وجود الأمر الفعلي بالصلاة
ــــــ[450]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
بأيّ مرتبةٍ من مراتبها، وأمّا مع سقوطها جميعاً فهو خارجٌ عن الدليل القطعي.
وعلى أيّ حالٍ، فممّا يهوّن الأمر أنَّ نفس فرض وجوب الجهاد بنحوٍ يرجع إلى عدم وجوب حفظ النفس، يكاد أن يكون مناقضاً مع فرض العلم أو الاطمئنان بالسلامة وإدراك امتثال الصلاة التامّة في الوقت، على ما فرضناه في الكلام، ووجه المناقضة هو عدم العلم بالسلامة في مثل ذلك الحين عادةً.
فما قيل آنفاً – من أنَّ حكم العقل المشار إليه ملازمٌ مع عصيان الأمر بالجهاد- غير تامٍّ، أمّا مع الجهاد الذي تحرز به السلامة فواضحٌ، وأمّا الجهاد الذي يُحتمل فيه الهلاك فهو يرفع حكم العقل موضوعاً، لتنجّز صلاة الخوف عليه دون الأمر بالصلاة الكاملة، وافتراض كونه محرزاً للسلامة مع كونه مجاهداً جهاداً يحتمل فيه الهلاك فهو متهافتٌ لا محالة.
وعلى أي حالٍ، فقد استدلّوا لعدم جواز البدار مطلقاً بوجوهٍ عديدةٍ:
الوجه الأوّل: عدم صدق الاضطرار مع سعة الوقت(1)
وهو لا يتمّ:
• أوّلاً: لأنَّ هذه صغرى لكبرى غير مربوطة بصلاة الخوف، وما هو مربوطٌ بها ليست هذه صغراها.
بيان ذلك: أنَّ ما ذكر في الوجه هو صغرى لقاعدة الاضطرار بمعنى العجز أو الحرج، فيُدّعى أنَّ ذلك غير صادقٍ عرفاً إلَّا مع ضيق الوقت، فإذا بادر المكلّف كان مقصّراً بحكم العقل، ووقعت صلاته باطلةً.
ــــــ[451]ـــــــ
( ) راجع مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 720، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، نسبه إلى السيد المرتضى وسلّار وأبي الصلاح، وجواهر الكلام 14: 190، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والاضطرار وإن كان موجوداً في حال شدّة الخوف، إلَّا أنَّ الأحكام الشرعيّة التي عرفنا لم ترد على عنوان الاضطرار لكي تدور مدار وجوده وارتفاعه، وإنَّما وردت على عنوان شدّة الخوف، أو على عناوين تفصيليّة معيّنة كالمطاردة والمسايفة ونحوها، فمتى تحقّقت كانت موضوعاً تامّاً للحكم لا محالة، ودعوى عدم صدق تحقّقها عرفاً في سعة الوقت مجازفةٌ محضةٌ.
• ثانياً: أنَّه على فرض أنَّ المأخوذ في الروايات الخاصّة هو موضوع الاضطرار، فإنّنا نمنع الصغرى المدّعاة في التقريب؛ وذلك بأحد وجوهٍ ثلاثة:
الأوّل: منْع أنَّ العرف يرى عدم صدق الاضطرار في سعة الوقت، بل هو يرى صدقه بعد تحقّقه لا محالة.
الثاني: منْع أنَّ للعرف الحق في تشخيص الأُمور التكوينيّة، فإنَّ غاية ما ثبت من حجيّة نظر العرف هو ما يرجع إلى فهْم الظهورات من الألفاظ، وأمّا عند تحقّق الاضطرار فعلاً تكويناً على الفرض، فليس للعرف المناقشة في ذلك، وأنَّ الاضطرار غير موجودٍ؛ لاحتمال ارتفاعه في الوقت؛ لعدم حجيّة قوله في مثل ذلك.
الثالث: أنَّ الفهم العرفي لو سُلّم بوجوده وحجّيته، فإنَّ الأخبار المعتبرة الخاصّة تحكم عليه لا محالة؛ لأنَّ المستفاد من صراحة صحيحة الفضلاء وإطلاق سواها، هو موضوعيّة الاضطرار وشدّة الخوف عند إقامة الصلاة، وكفاية ذلك وعدم وجوب الإعادة ولا القضاء، كما هو نصّ صحيحة الفضلاء أيضاً.
ومعه يكون المكلّف معذوراً عقلاً وغير مقصّرٍ في الإطاعة عند المبادرة لا محالة، فهذا الوجه لا يمكن المساعدة عليه.
ــــــ[452]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الوجه الثاني: الاقتصار في سقوط الشرائط والأجزاء على محلّ اليقين(1)
إلَّا أنَّ هذا أيضاً لا يتمّ، للمناقشة الأخيرة للوجه السابق، وذلك بأن يُقال: إنَّ الاقتصار إلى اليقين إنَّما يجب في صورة الشكّ بسقوط الأمر الأوّلي، فإنَّ إطلاقه يكون نافذاً حينئذٍ إلى حين العلم بسقوطه.
وفي المقام نعلم بسقوطه حال شدّة الخوف، بالدليل المعتبر، وإن احتمل المكلّف ارتفاعها في الوقت؛ لِمَا قلناه: من أنَّ المستفاد من الأدلّة هو موضوعيّة شدّة الخوف لأحكام الأخبار الخاصّة عند إقامة الصلاة، وعدم وجوب الإعادة والقضاء بعد ذلك.
ومرجع ذلك في الواقع إلى رفْع الشارع يده عن الحكم الأوّلي بثبوت هذا المقدار من الضرورة.
وبتعبيرٍ آخر: إنَّنا نستكشف من هذه الأخبار ضيق ملاكات الأجزاء والشرائط الأوّليّة للصلاة الاختياريّة من أوّل الأمر، بحيث إنَّها قابلةٌ للسقوط بمجرّد تحقّق الاضطرار(2) والشدّة، ومعه لا معنى لوجوب الانتظار إلى آخر الوقت.
وهذا إنَّما يُستفاد من الأخبار الخاصّة باعتبار تقييدها للأدلّة الأوّليّة، وإلَّا فمقتضى إطلاق هذه الأدلّة ثبوتُ الملاك على أيّ حالٍ، فلابدَّ في الاقتصار في التقييد على ما خرج بالدليل، وقد ثبت خروج حال شدّة الخوف بل حال الخوف مطلقاً – كما سبق في المقام الثاني من هذه الرسالة- وأمّا مطلق
ــــــ[453]ـــــــ
( ) راجع مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 720، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، وجواهر الكلام 14: 190، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(2) المحتملة البقاء (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
حال الاضطرار كالمرض والجبيرة ونحوهما فيحتاج في إخراجه إلى دليلٍ خاصٍّ، وهو غير ملازمٍ مع هذا التقييد لا عرفاً ولا شرعاً، فبدون الدليل الخاصّ يبقى مقتضى القاعدة في المرض والجبيرة هو وجوب التأخير لا محالة.
الوجه الثالث: التمسّك برواية عبد الرحمن
الوجه الثالث(1): التمسّك برواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق×، التي رويناها في القسم الثالث من الناحية الثالثة من الجهة الثانية السابقة على هذه الجهة الثالثة، وفيها قوله: >وخاف فوت الصلاة<، التي مرجعها إلى شرطيّة ذلك، والدالّ بمفهومه على عدم مشروعيّة صلاة شدّة الخوف عند عدم هذا الشرط.
وقد سبق أن ناقشناها وقلنا: إنَّها غير معتبرةٍ سنداً، وإن كانت على تقدير اعتبارها تصلح لتقييد المطلقات، مضافاً إلى احتمال حمْلها على خصوص ما إذا اطمأنَّ أو علم المكلّف بزوال العذر، كما حاوله الفقيه الهمداني(2) وإن كان خلاف الظاهر، كما يحتمل اختصاصها بمورد الخوف من السبع بل بخصوص الأسد، فتأمّل واعجب.
الوجه الرابع: التمسّك بما حُكي عن كتاب الفقه الرضوي
حيث قال: >إذا كنتَ راكباً وحضرت الصلاة وتخاف أن تنزل عن سبعٍ أو
ــــــ[454]ـــــــ
( ) أُنظر مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 720، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف، وجواهر الكلام 14: 190، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(2) راجع مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 720، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
لصٍّ أو غير ذلك، فليكن صلاتك على ظهر دابّتك، وتستقبل القبلة وتومئ إيماءً إن أمكنك الوقوف، وإلا استقبلْ القبلة بالافتتاح، ثُمَّ امضِ في طريقك الذي تريد حيث توجّهتْ به راحلتك مشرقاً ومغرباً، وتومئ للركوع والسجود، ويكون السجود أخفض من الركوع، وليس لك أن تفعل ذلك إلَّا آخر الوقت<(1).
وعنهُ أيضاً في آخر الباب قال: >وإذا تعرّض لك سبع وخفتَ أن تفوت الصلاة، فاستقبل القبلة وصلِّ صلاتك بالإيماء، فإن خشيتَ السبع يتعرّض لك فدُرْ معه كيف دار، وصلِّ بالإيماء كيفما يمكنك<(2). انتهى.
وكلا هذين النصّين منسجمان مع جملةٍ من الأحكام المستفادة من الأخبار السابقة، إلَّا التحديد بآخر الوقت أو خوف الفوت، فإنَّه وإن كان صريحاً أو موجباً لتقييد الصحاح على فرض حجيّته، إلَّا أنَّه ساقطٌ عن الحجيّة؛ لسقوط سنده، فإنَّه لم يثبت له سندٌ صحيحٌ أو معتبرٌ.
الوجه الخامس: التمسّك بالاحتياط(3)
فإنَّه الأوفق به بلا إشكال.
إلَّا أنَّه إن أُريد به ما كان وجوبيّاً، فهو ممّا لا وجه له، بعد قيام الدليل الاجتهادي على جواز التقديم، وإن كان المراد به الاحتياط الاستحبابي، فهو غير ثابتٍ أيضاً.
فإنّنا قلنا: إنَّ شدّة الخوف ملازمةٌ مع احتمال الهلاك أو الخروج عن
ــــــ[455]ـــــــ
( ) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا×: 148، الباب 14، صلاة الخوف.
(2) نفس المصدر: 149، الباب 14، صلاة الخوف.
(3) راجع جواهر الكلام 14: 191، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
شرائط التكليف عادةً، ومعه يكون مقتضى الاحتياط الوجوبي – على فرض فقدان الدليل- تقديم الصلاة لا محالة، فإنَّه يكون مقصّراً لو وقع عليه الهلاك من دون إقامتها، ومن المعلوم عدم معارضة الاستحباب مع الوجوب وتعيّن الوجوب لا محالة.
نعم، مع فرض العلم أو الاطمئنان، وفرض عدم انصراف الأدلّة الخاصّة عن هذه الصورة، يكون للاحتياط الاستحبابي مجالٌ، وأمّا حيث قلنا بالانصراف، فإنَّ الدليل الاجتهادي يكون دالاً على وجوب التأخير، وهو إطلاق الأدلّة الأوّليّة، أو حكم العقل بلزوم تحصيل الملاك الملزم على ما قلنا، ومعه يرتفع موضوع هذا الاحتياط أيضاً.
فتحصل: أنَّه لم يتحصّل وجهٌ لوجوب التأخير، فجواز البِدَار، بل وجوبه في بعض الأحيان ثابتٌ.
الفصل الثاني: [مطابقة الخوف للواقع]
سبق في المقام الثاني أنَّ اشترطنا مطابقة الخوف للواقع، بمعنى أن يكون ناشئاً من سببٍ واقعيٍّ. وقلنا بأنَّ المطابقة للواقع مأخوذةٌ في موضوع صلاة الخوف مع الأمن في الجملة، ومعه لا يكون موضوعها تامّاً مع عدم المطابقة للواقع، لا محالة.
وحاصل الوجه في ذلك: ظهور أدلّتها بالتقييد، فإنَّها ظاهرةٌ بوجود السبب خارجاً، فلابدَّ من الأخْذ بهذا القيد ما لم يثبت التعميم، ولم يثبت – كما سبق- وجهٌ تامٌ للتعميم، فيكون مقتضى ظهور أدلّتها اختصاص مشروعيّتها بحال المطابقة للواقع، وعدم شمولها للخوف الوهمي غير المطابق للواقع.
ــــــ[456]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فهل الحال في موضوع صلاة شدّة الخوف هو ذلك أم لا؟ لا شك أنَّ الظهور المشار إليه ثابتٌ في أدلّتها أيضاً، فإنَّها جميعاً تدور حول فرض وجود السبب في الخارج، وهذا ظاهرٌ بالتقييد ما لم تقم قرينةٌ على التعميم، فلابدَّ أن نبحث عن قرائن ووجوهٍ خاصّةٍ بشدّة الخوف على ذلك:
• الوجه الأوّل: التمسّك بقرينة الامتنان التي لم تتمّ في المقام السابق، فإنَّها تكون تامّةً في المقام، وذلك بأن يُقال: إنَّ ظاهر الأدلّة هو التخفيف من الصلاة والانتقال إلى بدلها؛ بقصد التخفيف عن حال المكلّف في ورطته وشدّته امتناناً عليه. وهذا ممّا لا يفرَّق فيه بين أن يكون الخوف مطابقاً للواقع أو لا يكون، فإنَّ المكلّف على أيّ حالٍ يشعر بورطته وشدّته ولو وهماً.
ولا يرد عليه ما أوردناه في المقام السابق: من أنَّ الخائف المتوهّم آمنٌ في الحقيقة، فيكون التخفيف عن حاله أمراً مستأنفاً. فإنَّ هذا إن كان وارداً في صورة وجود الأمن في الجملة، وكون توقّع الضرر قليلاً، فهو غير واردٍ في حال شدّة الخوف لا محالة؛ وذلك: لأنَّ توقّع المكلّف للهلاك دائماً، وخوفه النفسي غالباً يكون بأضعاف الحال السابق، ومن المعلوم أنَّ التخفيف عن حال المكلّف لا ينحصر في مثل ذلك بما يكون من ناحية سبب الخوف، ليكون التخفيف أمراً مستأنفاً عند عدمه، بل يشمل – لا محالة- التخفيف من الحالة النفسية الصعبة التي يشعر بها المكلّف أثناء خوفه، أمّا من ناحية توقّع الضرر أو الفزع النفسي -وهو أيضاً هدفٌ للشارع المقدّس- فلا يمكن رفْع اليد عنه، فتأمّل(1).
• الوجه الثاني: أنَّ المأخوذ في لسان الأدلّة هو شدّة الخوف، على الفرض. والمفهوم من هذا العنوان هو أحد أمرين، كما أشرنا في كلامٍ سابقٍ:
ــــــ[457]ـــــــ
( ) إشارة إلى إمكان منع فهمه من الأدلّة (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إمّا توقّع الضرر والخطر، وإمّا الخوف النفسي والفزع، وكلاهما جهةٌ مربوطةٌ بالفرد وغير مربوطةٍ بالخارج، وكلاهما – أو أحدهما على الأقلّ- موجودٌ على الفرض، فيكون الموضوع المأخوذ في لسان الأدلّة محفوظاً، فيترتّب عليه الحكم لا محالة، سواء كان سبب الخوف موجوداً في الخارج أم لم يكن.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ:
لوضوح ابتنائه على كون المأخوذ في لسان الأدلّة هو شدّة الخوف، وهو ممنوعٌ. بل المأخوذ في الأدلّة هو عناوين تفصيليّةٌ معيّنةٌ كما سمعنا، كالمطاردة والمناوشة والمسايفة ونحوها، ومن المعلوم أنَّها نصٌّ بفرض وجودها في الخارج، لا مجرّد تخيّل وجودها كما هو معلومٌ.
فإن قيل: فإنَّه قد أُخذ الخوف فعلاً في بعض الأدلّة، وهو ما ورد من الحكم المترتّب على الخوف من السبع في أكثر من روايةٍ، كانت إحداها صحيحةً لا محالة، والخوف ليس له إلَّا أحد المعنيين السابقين، وكلاهما معنى نفسيٌّ داخليٌّ، وغير مربوطٍ بالخارج.
قلنا: إنَّه يرد عليه ما أوردنا على الاستشهاد بالآية على المقام، فإنَّها أُخِذ فيها عنوان الخوف، وقلنا بأنَّ أخْذه ظاهرٌ بمطابقته للواقع؛ لأنَّ نسبة الإحساس بشيءٍ من كلامٍ يساوي عرفاً نسبة الوجود إليه، فكما تقول: (زيدٌ موجودٌ في الدار)، تقول: (رأيتُ زيداً في الدار).
ولا يُقال: بأنَّ هذا إن صحّ في توقّع الضرر، فإنَّه لا يصحّ بالنسبة إلى الحالة النفسيّة كما هو واضحٌ.
فإنَّه يُقال: نعم، ولكنّ ظاهر لفظ الخوف على العموم هو توقّع الضرر، دون الحالة النفسيّة، وإن كان استعماله فيهما على نحو الحقيقة، إلَّا أنَّ القرائن
ــــــ[458]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
العامّة والخاصّة(1)، وقد سبق أن تكلّمنا في هذا مفصّلاً في غضون هذه الرسالة.
• الوجه الثالث: أن يُقال: إنَّ المطابقة للواقع إنَّما أُخذت في الأدلّة باعتبار أنَّها الفرد الأغلب، من نحوي الخوف لا محالة، فإنَّ الخوف الوهمي قليلٌ في الجملة، وخاصّة ما كان منه شديداً، سواء كان بمعنى توقّع الضرر أو الفزع.
وقد حُقّق في محلّه أنَّ الغلبة لا تخلّ بالإطلاق للفرد غير الغالب.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ:
أوّلاً: إن ما طرق سمعك من عدم إخلال الغلبة بالإطلاق إنَّما هو فيما إذا كان الإطلاق محرزاً لولاها، ويتخيّل كونها مقيّدةً له، وأمّا في المقام فالمراد هو العكس؛ وذلك لِمَا قلناه من: أنَّ التقييد محرزٌ في الجملة ما لم يثبت الدليل على التعميم، ومن المعلوم أنَّ هذه الغلبة مؤيِّدةٌ للتقييد، ومناسبةٌ معه. نعم، لو كان الخوف الوهمي هو الأغلب، لأمكن تطبيق تلك الكبرى عليه.
ثانياً: إنَّنا نمنع شمول الكبرى لمحلّ الكلام، فإنَّ عدم إخلال الغلبة بالإطلاق إنَّما يكون فيما دون هذه الغلبة، وأمّا لو كانت الغلبة تستوعب جملة أفراد الطبيعة، إلَّا النزر القليل، فإنَّ العرف يقيمها مقام الطبيعة نفسها في موضوعيّتها للحكم، ونتيجته كونها مقيّدةً للإطلاق لا محالة.
نعم، قد يكون لهذا الوجه صورةٌ في مورد وجود الأمن في الجملة، بغضّ النظر عن المناقشة الأُولى؛ وذلك: لأنَّ الغلبة فيها أقلّ من شدّة الخوف في الجملة، فإنَّ كون الإنسان معرّضاً للخوف الوهميّ القليل، أكثر بكثيرٍ من
ــــــ[459]ـــــــ
(1) كذا في الأصل.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
كونه معرَّضاً للخوف الوهميّ الشديد كما هو واضحٌ.
فتحصّل: أنَّه لو تمّت قرينة الامتنان على التعميم فهو، وأمّا لو لم تتمّ، بمعنى: أنَّها لم تنقّح عندنا ظهوراً لفظيّاً بالعموم، فتبقى الأدلّة على ظهورها بالتقييد على مطابقة الخوف للواقع، بمعنى: وجود السبب الموجب لشدّة الخوف في الخارج، ويكون هذا القيد مشترك الوجود في سائر موارد الخوف.
الفصل الثالث: [كون القصر مؤثراً في نجاة المكلّف]
استفدنا في المقام السابق اشتراط سببيّة الخوف للقصر أن يكون القصر مؤثّراً في نجاة المكلّف، أو تخفيف حاله، أو محاولته لتذليل سبب الخوف بأيّ نحوٍ كان، وأمّا لو كان القصر غير مؤثّرٍ أصلاً في ذلك، بحيث يكون هو والتمام على حدٍّ سواء بالنسبة إلى المكلّف الخائف، فيجب التمام لا محالة، وفاقاً للفقيه الهمداني في مصباحه(1).
وهذا قيدٌ مربوط بعنوان الخوف، ولا يفرّق فيه بين خفّة الخوف وشدّته، إلَّا إذا كان الخوف الشديد في نفسه خطراً يجدي في تخفيفه القصر.
ولا يُقال: إنَّ الأخبار من هذه الناحية مطلقة.
فإنَّه يُقال: كلّا، فإنَّ تقريب ما استفدناه من الاشتراط إنَّما هو باعتبار ظهور الأدلّة، في كون تشريع القصر مخفّفاً عن حال المكلّف، ومثل هذا السياق يكون قرينةً متّصلةً على تقييد الإطلاق لا محالة.
نعم، الأغلب في موارد شدّة الخوف هو كون القصر مؤثّراً في التخفيف،
ــــــ[460]ـــــــ
(1) راجع مصباح الفقيه (ط. ق) 2 ق2: 720، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وهذا هو السرّ في إطلاق هذه الروايات، فإنَّ مواردها كلّها ممّا يغلب فيها ذلك.
وقد وردت مورد الأعمّ الأغلب لا محالة، ومن المعلوم أنَّ كلامنا في شدّة الخوف أعمّ ممّا إذا كان سببه هو ما ذُكر في الروايات أو غيره بعد تجريدها عن الخصوصيّة، فقد يحصل خوفٌ لا يؤثّر فيه القصر، كالمهدوم عليه في بيتٍ أو منجم والمنسدّ عليه طريق الخلاص في حفرةٍ أو كهفٍ ونحوها، على أنَّه ليس من الممتنع تصوّر ذلك حتّى في موارد الروايات على قلّةٍ وندرةٍ.
وعلى أيّ حالٍ، ففي مثل ذلك يكون القصر ممّا لا دليل عليه لا محالة، فيكون دليل التمام شاملاً له كما هو واضحٌ.
وبناءً عليه فإنْ كان في مرتبةٍ ورد فيها الأمر بالإيماء مطلقاً، والذي حملناه على الإيماء للركوع والسجود مع ما يسبقهما ويلحقهما من الأذكار، فيجب عليه الإتيان بذلك إلى حدّ أربع ركعاتٍ لا محالة.
وإذا كان في مرتبةٍ من الخوف ورد فيها الأمر بالتكبير أو أحد الأذكار الأربعة الأُخرى ونحوها، وقلنا ببدليّة التكبير عن ركعةٍ واحدةٍ أخذاً برواية ابن عذافر ورواية ابن المغيرة السابقتين، وجب عليه تكرار التكبير أربع مرّات بمقدار عدد الركعات.
ولا يَرِدُ هنا ما أوردنا في صلاة ذات الرقاع بناءً على اختلاف شرائطها عن الجماعة الاعتياديّة، على ما اخترناه، فإنّنا قلنا في ذلك المقام إنَّه متى ما لم يكن الخوف سبباً للقصر؛ لعدم تأثيره في تخفيف حال المكلّف، امتنعت صلاة ذات الرقاع؛ لعدم الدليل على جواز إيقاعها في الرباعيّة، ولم يكن امتناعها باعتبار اشتراطها بنفسها التخفيف عن حال المكلّف كما سبق.
ــــــ[461]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إلَّا أنَّ هذا لا يرد في مورد الإيماء والتكبير، فإنَّه من الممكن إيقاعه في الصلاة الرباعيّة؛ وذلك: لأنَّ اشتراط التخفيف عن حال المكلّف خاصٌّ بالقصر، وليس شاملاً لبدليّة الأذكار أو الإيماء عن الصلاة، ولا يمكن أن يكون شاملاً لامتناع الصلاة الاختياريّة في شدّة الخوف تكويناً، أو تشريعاً، كما قلنا فيما سبق.
فإن قيل: إنَّ الأدلّة الجاعلة للبدليّة أيضاً ظاهرةٌ بجعلها تخفيفاً عن المكلّف، فيكون إيقاعها في غير هذا المورد من دون دليلٍ، وبالتالي تشريعاً محرّماً.
وبعبارة أُخرى: إنَّ هذا القيد كما يُستفاد قيديّته للقصر من حيث الكميّة، كذلك يُستفاد بالنسبة إلى قصر الكيفيّة، وبدونه لا يكون كلا القصرين ثابتاً.
قلنا: إنَّ هذا لا يتمّ:
أوّلاً: لأنَّ لازمه أن يصلّي هذا المكلّف في حال شدّة الخوف صلاةً جامعةً للأجزاء والشرائط. وهو ممتنعٌ عليه تكويناً أو تشريعاً، فإذا سقط الأمر الأوّلي بالمجموع، فلا تعيّن لمَا يجب من الباقي لو خلّينا عن الدليل الخاصّ، كما سبق.
ثانياً: أنَّه إنَّما يتمّ إذا كان قصر الكيفيّة أو البدليّة حكماً وارداً على عنوان الخوف، والأمر ليس كذلك، فإنَّ قصر الكميّة موضوعه هو الخوف، إلَّا أنَّ قصر الكيفيّة موضوعه هو العناوين التفصيليّة وأمثالها بعد إلغاء الخصوصيّة، ومعه لا يتحصّل معنىً لهذه الاستفادة كما هو واضحٌ.
ثالثاً: إنَّه حتّى على تقدير كون البدليّة حكماً موضوعه الخوف، إلَّا أنَّ
ــــــ[462]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
التخفيف عن حال المكلّف لم يؤخذ قيداً فيه؛ باعتبار كون جعل البدل ليس لمجرّد التخفيف وإن أفاد ذلك؛ بل لكون المكلّف ممّا لا يستطيع إلَّا ذلك، وبعد معلوميّة أنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ، وردت هذه الأدلّة الخاصّة لتعيين ما يجب عليه من الباقي أو من البدل.
وهذا بخلاف القصر المترتّب على عنوان الخوف أيضاً، فإنَّ الغرض منه هو مجرّد التخفيف لا محالة؛ وذلك لاستطاعة المكلّف إقامة الصلاة التمام، إمّا بنفسها أو بإبدالها مهما كان الخوف شديداً.
فقصر الكيفيّة مع المحافظة على تمام الكميّة ممكنٌ في شدّة الخوف، دون العكس لا محالة، بالإتيان بالصلاة قصراً تامّة الأجزاء والشرائط.
هذا كلّه فيما إذا كان بدل كلّ ركعةٍ تكبيراً أو إيماءً عن الركوع والسجود.
وأمّا إذا استفدنا من الأدلّة بدليّة التكبير الواحد، أو الإيماء والتكبير مثلاً أو التكبير والتهليل على اختلاف المراتب عن تمام الصلاة، فهو مطلقٌ لا محالة للصلاة الثنائيّة والثلاثيّة كما هو واضحٌ(1)، بل وللرباعيّة أيضاً، وإطلاقه محرزٌ، وورود الدليل مورد الغالب وهو كون الخوف موجباً للقصر لا يضرّ في الإطلاق كما حُقّق في محلّه، وليست الغلبة من الكثرة العظيمة بحيث تكون موجِبةً للتقييد، بل لا يبعد القول بكون سياق الأدلّة الخاصّة آبياً عن التقييد من هذه الناحية؛ ليمكن إخراج الصلاة الرباعيّة منه.
على أنَّنا لو تنزّلنا عن ذلك وألزمناه بالرباعيّة، لم يبق له معيِّن لمَا يجب عليه منها، بعد فرض عدم إمكان إيقاعه لها جامعةً للأجزاء والشرائط، وعدم
ــــــ[463]ـــــــ
( ) لأنَّها هي موردها على التعيين (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
القول بوجوب كلّ الباقي. وفرض اختصاص بدليّة ما ورد في مرتبته من الخوف وهو التكبير بغير الرباعيّة، وإلزامه بتكليف مرتبةٍ أهون من مرتبته كإيجاب الإيماء عليه، لكي يصحّ منه الإتيان بأربع ركعات كذلك، قد يؤدّي به إلى الضرر الفاحش بل الهلاك. على أنَّه خلاف المفروض. وعليه فلا يبقى إلَّا الرجوع إلى الأدلّة الخاصّة بعدما تنزّلنا عنها، وهو المقصود.
[الفصل الرابع: ترتيب مراتب الخوف]
الفصل الرابع: في ذكر ترتيب مراتب الخوف كما نطقت بها الأدلّة السابقة، فإنَّ الروايات السابقة دلّت على وجود مراتب عديدةٍ للخوف، وأخذت عدداً من العناوين موضوعاً لأحكامها، وحيث وردت هذه الأُمور متفرّقةً في عدّة رواياتٍ وطال الكلام عن الجمْع بينها، كان لابدَّ من تنظيمها في قائمةٍ واحدةٍ بحسب الترتيب الذي دلّ عليه الدليل.
ويقع الكلام حول ذلك من ناحيتين:
◘ الناحية الأُولى: أنَّ المدار في موضوعات أحكام هذه الروايات هو العناوين التفصيلية المأخوذة فيها لا محالة دون المراتب، إلَّا ما نشير إليه.
والدلالةُ على المراتب العديدة للخوف واضحةٌ في الكثير من الروايات، سواء المعتبرة منها أو غيرها، فقد دلّت صحيحة الفضلاء على مرتبتين، وصحيحة الحلبي على ثلاث مراتب، وموثقة أبي بصير على مرتبتين، ورواية عبد الرحمن في الخوف من الأسد على مرتبتين، وقد تكلّمنا في كلّ ذلك مفصّلاً.
إلَّا أنَّه يقع الكلام في فائدة جعل هذه المراتب، مع العلم أنَّ ما هو المدار في الحكم الشرعي هو موضوعه وليس ذلك إلَّا العنوان التفصيلي دون المرتبة،
ــــــ[464]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فإنَّ المرتبة ليست إلَّا عنواناً انتزاعياً واقعاً في ضمن السياق، ولم يؤخذ في الموضوع حتّى يترتّب عليه الأثر الشرعي.
وفي مقام بيان فائدة المراتب يقع الكلام في وجهين: أحدهما: يتعلّق بالفائدة الثبوتيّة التي دعتْ الإمام× إلى التعرّض إلى المراتب مضافاً إلى العناوين التفصيليّة. ويتعلّق ثانيهما: بالفائدة الإثباتيّة التي يمكن لنا أن نستفيدها من وجود هذه المراتب في الأدلّة.
• أمّا الوجه الأوّل: فالذي يخطر في الخاطر الفاتر للمعنى الذي توخّاه الإمام× في بيان المراتب ثبوتاً: هو أن يُقال: إنَّ للخوف مراتب تكوينيّة ذات وجودٍ واقعيٍّ كما هو المحسوس والموافق للوجدان، فإنَّه يختلف باختلاف مقدار الخطر المتوجّه للإنسان لا محالة. ومن المعلوم أنَّ بعض المراتب ما يستطيع المكلّف معه الإتيان بالصلاة الجامعة للأجزاء والشرائط، وهو الخوف مع الأمن في الجملة، الذي سبق بيانه في المقام الثاني.
وجملةٌ من مراتبه يمتنع تكويناً أو تشريعاً على المكلّف الإتيان بمثل هذه الصلاة، وجامعها هو شدّة الخوف.
وحيث إنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ باعتبارها عمود الدين وركن الإسلام، وحيث إنَّ تكليف كلّ مكلّفٍ بأكثر ممّا يستطيع ممّا لا يمكن، كما أنَّ تكليفه أقلّ ممّا يستطيع ممّا لا موجب له، فإنَّ الضرورات تُقدَّر بقدرها، والشارع يريد من الفرد أن يأتي بأكبر قدرٍ ممكنٍ من الصلاة.
وقاعدة الضرورات وإن كانت مجملةً بالنسبة إلينا على ما سبق، فإنَّها لا تعيّن وجوب الباقي. إلَّا أنَّها بالنسبة إلى الشارع واضحة الدلالة، باعتبار تمكّنه من الإفتاء على طبقها بمقدار ما تقتضيه المصالح الواقعيّة، ومن ثَمّ أخذ بنظر
ــــــ[465]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الاعتبار المراتب الواقعيّة للخوف، وأفتى في كلّ مرتبةٍ بكيفيّة من الصلاة توافق مقدرة المكلّف من تلك المرتبة.
وهذا لا ينافي أخْذه للعناوين التفصيليّة في موضوع الحكم، فإنَّ العناوين التفصيليّة بنفسها تمثّل المراتب المختلفة للخوف، إذ يدخل عنوان أو عنوانان منها في مرتبةٍ منه، ومن هنا لا يبقى بعد تجريد العنوان عن خصوصيّته إلَّا مرتبته لا محالة.
وقد رأينا أنَّ من أثر اتّحاد العنوانين في المرتبة هو اتّحاد حكمهما من حيث كيفيّة الصلاة، فالنظر الأساسي في تشريع الكيفيّة منصبٌّ على المرتبة وإن أُخذ العنوان التفصيلي وحده في الموضوع، باعتبار اتّحاده ذاتاً مع مرتبته.
ونحن في حدود موارد الروايات إنَّما تعنينا العناوين التفصيليّة دون المراتب لا محالة؛ لكون العناوين هي المأخوذة في الموضوع، والمراتب محفوظةٌ فيها لا محالة. ولكن إذ نضطرّ إلى التجريد عن الخصوصيّة للتعميم لكلّ خوفٍ، تكون هذه العناوين ساقطةً عن الفائدة لا محالة، ولابدّ من التمسّك بالمرتبة، كما نبيّن فيما يلي:
• الوجه الثاني في الفائدة الاثباتيّة من وجود هذه المراتب في الأدلّة: هو ما أشرنا إليه من التعرّف على مراتب الخوف غير الناشئ من الأسباب التي وقعت مورداً للروايات، فإنَّه لا يمكن التوصّل إلى تعميم أحكام هذه الروايات إلى كلّ أسباب الخوف، إلَّا بالتجريد عن الخصوصيّة لا محالة. وهو تجريد عرفيٌّ صحيحٌ، ولكن بعد التجريد ترتفع خصوصيّة العنوان التفصيلي لا محالة، ومعه يتعذّر فهْم ما يماثله من الخوف الناشئ من أسبابٍ أُخرى.
إلَّا أنّنا قلنا إنَّ العنوان التفصيلي متّحدٌ ذاتاً مع مرتبته، ونسبته إليه نسبة
ــــــ[466]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
النوع إلى الجنس، فمع التجريد نصل إلى المرتبة لا محالة، وتكون هي موضوع الحكم الشرعي، لا بصفتها مفهوماً انتزاعيّاً من السياق ليُقال: إنَّها غير مأخوذةٍ في الموضوع، بل بصفتها الجامع الذي توصّلنا إليه بالتجريد، وحيث إنَّ العنوان بنفسه مأخوذٌ في الموضوع، فجامعه مأخوذٌ في ضمنه لا محالة.
ومن المعلوم أنّنا لا نستطيع أن نصل إلى هذا الجامع إلَّا بدلالة الدليل عليه؛ لجهلنا بترتيبه بنظر الشارع لا محالة، وعدم تباني العرف على أمرٍ معيّنٍ من هذه الناحية، فبنصّ الشارع على ذلك نصل بإلغاء الخصوصيّة إلى المرتبة التي عيّنها الشارع للعنوان الذي ألغينا خصوصيّته.
ولا يُقال: إنَّنا عدنا إلى المفهوم الانتزاعي السياقي للمرتبة، الذي نفيناهُ، فإنَّ تعيين الشارع لها إنَّما كان عن هذا الطريق.
فإنَّه يُقال: إنَّنا نستفيد المرتبة عن هذا الطريق – لا محالة- في مرحلة الإثبات، وبذلك نعرف كون هذه المرتبة – وبتعبيرٍ آخر: منشأ انتزاعها الواقعي- هو الجنس لهذا العنوان المعيّن الذي نجرّده عن الخصوصيّة، وبالتجريد نصل إلى ذلك الجنس الجامع لا محالة.
وإذا وصلنا المرتبة الجامعة، أمكن تحصيل مصاديقها في الخارج بسهولةٍ من أيّ سببٍ حصل الخوف، كما ستأتي الإشارة إليه. وحيث اكتسبت المراتب هذه الأهميّة، فلابدَّ من تنظيمها بالنحو الذي دلّ عليه الدليل – هي والعناوين التفصيليّة المندرجة تحتها- بعد ورودها متفرّقةً في الروايات، وهذا ما نبيّنه فيما يلي:
◘ الناحية الثانية: في تنظيم المراتب والعناوين المأخوذة في الروايات.
• المرتبة الأُولى: ما يجب فيها الإيماء للركوع والسجود، سواء في حال
ــــــ[467]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الوقوف أو المشي أو الركوب، ولا يجب استقبال القبلة فيها بشكلٍ عامٍّ، ولا يؤمر المكلّف بتغيير ما عليه من الحال التي هو عليها.
وضابطها: بحسب المستفاد من مجموع الروايات ومن مناسبات الحكم والموضوع، ما إذا كان سبب شدّة الخوف المحتمل منه الهلاك أو الضرر العظيم موجوداً وخطره فعليّاً، إلَّا أنَّه لا يصيب المكلّف فعلاً، بل يحتاج في ذلك إلى مقدّماتٍ قليلةٍ وقريبةٍ.
وبهذا افترقت عن الأمن في الجملة، فإنَّ سبب الخوف هناك يحتاج في إصابته الضرر إلى مقدّماتٍ أكثر وأبعد في الجملة.
وهذه هي أخفّ المراتب في شدّة الخوف، ونفهم وجودها من الحكم بالإيماء بالروايات، فقد أَمرتْ صحيحة الفضلاء الثلاثة بالإيماء عند المطاردة والمناوشة(1)، وأمرت به موثّقة أبي بصير فيما إذا كان الجيش وقوفاً(2)، وكذلك أمرت به صحيحة زرارة فيمَن يخاف اللصوص والسبع يصلّي إيماءً على دابّته ويستقبل القبلة بتكبيرة الإحرام(3)، وأمرت به صحيحة عليّ بن جعفر في الخائف من الأسد، وهو إلى غير القبلة(4)، ونحوه في رواية عبد
ــــــ[468]ـــــــ
( ) راجع الكافي 6: 571، وتهذيب الأحكام 3: 173، وسائل الشيعة 8: 445.
(2) راجع الكافي 6: 574، كتاب الصلاة، الباب 87، الحديث 5، تهذيب الأحكام 3: 300، كتاب الصلاة، الباب29، الحديث 7، وسائل الشيعة 8: 446، الباب 4 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 9.
(3) راجع وسائل الشيعة 8: 441، باب 4، من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 8، وقد تقدّم الإشارة إلى بقيّة مصادره سابقاً.
(4) راجع وسائل الشيعة 8: 439، باب 3 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 2، وقد تقدّم الإشارة إلى بقيّة مصادره سابقاً.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الرحمن(1)، غاية الأمر أنَّه جعله على مرتبتين أمر بأولاهما بالاستقبال ورفع في الأُخرى شرطيّته، فمن ملاحظة جميع هذه الموارد، والحكم الذي استفدناه لها، يتحصّل لها ضابطٌ معيّنٌ، هو الذي ذكرناه، وهو الذي تتعيّن بها المرتبة الأُولى عن سواها، ولا يفرّق في ذلك بين الخوف الناشئ من الحرب أو من غيره.
إذن، فالعناوين التفصيليّة: (المطاردة والمناوشة، ووقوف الجيش مقابل العدو لابتداء القتال والخوف من اللصوص والسبع)، كلّها تندرج في مرتبةٍ واحدةٍ، على اختلافٍ في داخل هذه المرتبة أيضاً. ومن ثَمّ وجب الاستقبال في بعضها دون البعض الآخر.
وقد يكون من الصحيح أنَّ جُلّ أو كلّ هذه العناوين تُشْعِر بالأشدّ من الضابط الذي أعطيناه، ولكنّنا أشرنا في ما سبق أنّنا نفهم مرتبة الخوف من الحكم المترتّب على العنوان، فإنَّه يكون قرينةً عرفيّةً عليه، وحيث فهمنا من الإيماء ما يكون بدلاً عن الركوع والسجود، وقلنا معه بوجوب بعض الأجزاء الأُخرى للصلاة، إذن فلابدَّ أن تكون الحالة مناسبةً للقيام بكلّ هذه الأعمال، ومن المعلوم وجداناً – وبحسب ما يأتي من المراتب الأُخرى- أنَّ الفرد عند وقوع الشرّ عليه فعلاً، كاشتغاله بالقتال مثلاً، لا يمكنه القيام بهذه الصلاة، وغير مكلّفٍ بها أصلاً، ومعه يتعيّن الأخْذ بالضابط الذي قلناه لا محالة.
• المرتبة الثانية: ما يجب فيها الإيماء المنفرد، مع التكبير أو غيره من الأذكار.
وهذا الحكم مذكورٌ في روايتين، فقد أمرت به صحيحة الحلبي عند
ــــــ[469]ـــــــ
(1) راجع وسائل الشيعة 8: 439، باب 3 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 1، وقد تقدّم الإشارة إلى بقيّة مصادره سابقاً.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الزحف على الظهر(1)، وأمرت به صحيحة عبد الرحمن الثانية(2) عند الخوف من سبعٍ أو لصٍّ، وفيها: >يكبّر ويومئ برأسه إيماءً<. ولا يتحصّل من هذين العنوانين ضابطٌ معيّنٌ كما يبدو، بعد العلم أنَّ الزحف على الظهر أخفّ لا محالة من المطاردة والمناوشة المأخوذة في المرتبة السابقة، غايته أنَّه مثله، كما أنَّ الخوف من سبعٍ أو لصٍّ قد نُصَّ عليه في روايات المرتبة السابقة.
والذي يمكن أن يُقال في المقام: إنَّ حكم الخوف من اللصّ أو السبع في صحيحة عبد الرحمن الثانية هو بعينه حكم المرتبة الأُولى، فيُراد بالتكبير تكبير الإحرام وبالإيماء إلإيماء للركوع والسجود، بقرينة تقديم التكبير فيها، ولو كان المراد الاقتصار على التكبير لأخّرهُ كما وقع في صحيحة الحلبي، وهذا ما لم نتعرّض له في الحديث عن هذه الصحيحة وإن كان مقنعاً إلى حدٍّ كبيرٍ، وبه تندرج هذه الصحيحة في المرتبة الأُولى.
وأمّا صحيحة الحلبي، فيُقتصر على موردها تعبّداً من دون أن يتوسّع فيها إلى جامعٍ أعمّ.
ومن هنا تكون المرتبة الثانية لشدّة الخوف ساقطةً وغير موجودةٍ.
• المرتبة الثالثة – بحسب عنواننا وهي الثانية في الواقع-: وهي ما أمر بالتكبير وحده أو نحوه من الأذكار كأحد التسبيحات الأربع، وقلنا في غضون ما سبق إنَّ المكلّف في أثنائها لا مجال له في استعمال شيءٍ من أعضائه
ــــــ[470]ـــــــ
(1) راجع وسائل الشيعة 8: 443، باب 4 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 2، وقد تقدّم الإشارة إلى مصادرهما مفصّلاً.
(2) راجع وسائل الشيعة 8: 439، باب 3 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 1، وقد تقدّمت الإشارة إلى مصادرهما مفصّلاً.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وقِوَاه في غير سبب الخوف إلَّا صوته فقط، ومن هذه الناحية أمكن له أن يصلّي بالتكبير.
وضابطها -بحسب المستفاد من مجموع الروايات ومن مناسبات الحكم والموضوع- ما إذا كان الشرّ المتوقّع من سبب شدّة الخوف واقعاً فعلاً على المكلّف، كالاشتغال بالقتال فعلاً مع الأعداء أو اللصوص أو الوحوش ونحو ذلك.
وقد أُشير إلى ذلك وأُمر بالتكبير المجرّد في جملةٍ من الروايات كصحيحة الفضلاء الثلاثة عند المسايفة والمعانقة وتلاحم القتال، وموثّقة أبي بصير فيما إذا التقوا فاقتتلوا، وصحيحة الحلبي في المسايفة، وكذلك خبر محمد بن عذافر، ومرسلة عبد الله بن المغيرة، غير أنَّهما أوجبتا التكبير بعدد الركعات.
ومؤدّى هذه العناوين التفصيليّة – المسايفة والمعانقة وتلاحم القتال والاقتتال واضطراب السيوف- المأخوذة في خبر ابن عذافر، ودلالتها على الضابط الذي أعطيناه لهذه المرتبة واضحة.
إذن، فقد تحصّل لشدّة الخوف مرتبتان دائرتان بين السلب والإيجاب. فإنَّ السبب المخوف إمّا أن يكون قريباً من المكلّف ولم يمسّه بسوءٍ فهي المرتبة الأُولى، وإن كان قد مسّه بسوءٍ ولو اقتضاءً(1) فهي المرتبة الثانية، وفي الأُولى يجب الإيماء للركوع والسجود، وفي الثانية يجب التكبير بدون الإيماء.
ومن هنا لم يؤخذ في صحيحة الفضلاء وموثّقة أبي بصير إلَّا هاتان المرتبتان، وكذلك الحال في صحيحة الحلبي، وعنوان المطاردة المأخوذ في ذيلها
ــــــ[471]ـــــــ
( ) فيه إشارة إلى أنَّ المكلّف تحت السيوف ونحوها قد لا يكون مصاباً بأذىً، ولكن السيوف [هي] الاقتضاء التامّ لإصابته (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ليس مرتبةً ثالثةً، بل هو من عناوين المرتبة الأُولى كما عرفنا، سواء كان نصّها: >والمطاردة يصلّي كلّ رجلٍ بحياله< على ما في المصباح(1)، حيث لا يكون الإمام قد ذكر كيفيّة الصلاة أصلاً، فنأخذها من صحيحة الفضلاء وتندرج فيما أدرجناه، أو كان نصّها: >والمطاردة إيماءً يصلّي كلّ رجلٍ على حياله< على ما في الوسائل(2) وغيره(3)، فإنَّها حينئذٍ تتّحد مع المرتبة الأُولى وصحيحة الفضلاء موضوعاً وحكماً.
وبتتميم هاتين المرتبتين تنتج عدّة نتائج مهمّةٍ:
إحداها: تطبيق هاتين المرتبتين على المصاديق في الخارج في الحالات والموارد غير المذكورة في الروايات، سواء كانت حالاتٍ حربيّةً أو غيرها، وسواء كانت مستقاةً من الشكل القديم للحرب وللحياة، أو من شكلهما الحديث كالحرب الحديثة وأخطار الذرّة والفضاء.
فإنَّه فيها جميعاً لا يخلو أمر المكلّف من أحد الأمرين:
إمّا أن يكون السبب المخوف قريباً منه جدّاً ولكنّه لم يمسّه بسوءٍ، وإمّا أن يكون السبب منصبّاً عليه فعلاً وماسّاً له بالسوء ولو اقتضاءً ففي الأوّل يصلّي إيماءً، وفي الثاني تكبيراً.
ومعه لا حاجة إلى تطويل الكلام بضرب الأمثلة، فإنَّ الموارد قد
ــــــ[472]ـــــــ
( ) راجع مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 717، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(2) وسائل الشيعة 8: 443، باب 4 من أبواب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 2.
(3) مَن لا يحضره الفقيه 1: 467، أبواب الصلاة وحدودها، باب صلاة الخوف والمطاردة، الحديث 1346، وتهذيب الأحكام 3: 174، كتاب الصلاة، الباب 13، الحديث 3.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
تختلف، ومن هذه الناحية كان على المكلّف أن يطبّق هذين الموردين على نفسه، ويفحص حالته ويصلّي بمقتضاها.
ثانيها: أنّنا لو اقتصرنا على العناوين التفصيليّة لكانت أحكام صلاة شدّة الخوف مِن أعقد الأشياء وأكثرها تفصيلاً، على حين أنَّه لابدَّ أن تكون هناك قاعدةٌ عامّةٌ سهلةٌ، يتذكّرها المكلّف في أثناء خوفه ويطبّقها بلا تعقيدٍ، ولو كلّفناه بتذكّر تفاصيل العناوين لأشكل عليه الأمر جدّاً.
ولكنّه بالتوصّل إلى ضبط المراتب والأحكام بالنحو الذي رأيناه، لا يكون على المكلّف إلَّا تذكّر هذه القاعدة العامّة، ولا يبقى إلَّا استثناءٌ واحدٌ هو الزحف(1) على الظهر، الوارد في صحيحة الحلبي، والذي يمكن تعميمه إلى الزحف إلى الحرب على أيّ واسطة نقلٍ كانت، ولكن يقتصر به على مورده كما قلنا، وإضافة هذا الحكم إلى ذاكرة المكلّف ليس بالأمر العسير.
ثالثها: أنّنا نستطيع أن نفهم حال نفس العناوين الواردة في هذه الروايات الخاصّة، فنوسّع أو نضيّق، فمثلاً لو كانت المطاردة أو المناوشة ممّا ينطبق عليها ضابط المرتبة الأُولى كما استفدناه من مناسبات الحكم والموضوع، انطبق عليها حكمها لا محالة. وأمّا إذا تضاعف الخوف واشتدّ الخطر وإن بقي العنوان محفوظاً، فإنَّ المكلّف حينئذٍ يمتنع عليه أن يصلّي صلاة المرتبة الأُولى، فتكون ساقطةً لا محالة، ومعه تدخل المطاردة أو المناوشة في المرتبة الثانية، ولا يجب فيها إلَّا التكبير.
رابعها: أنَّ أصحابنا المؤلّفين وقعوا من هذه الأخبار الخاصّة بصلاة
ــــــ[473]ـــــــ
( ) على أنَّه يمكن إدخاله في المرتبة الثانية بقرينة صحيحة عبد الرحمن الأُولى، ولو من باب أحد شقّي التخيير كما حملناه عليه (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
شدّة الخوف في حَيْصٍ واضطرابٍ، فكثرت فيهم القالة والمحامل البعيدة، كحمْل الشهيد الثاني في شرح الإرشاد للتكبير على التسبيحات الأربع وغيره، وكحكم الفقيه الهمداني بالجمع بين القصر والتمام في بعض مراتب شدّة الخوف ممّا سبق أن ناقشناه.
وكلّ ذلك ممّا لا حاجة إليه، بعد أن رأيناها أخباراً معتبرةً منسجمةً ذات مداليل واضحةٍ عرفيّةٍ، وليس التعارض بينها إلَّا أقل بكثيرٍ من عددٍ كبيرٍ من موارد الفقه. وهي في عين الوقت تنطبق على القواعد العامّة كإيجاب الخوف للتقصير، والضرورات تُقدّر بقدرها ونحوها، فلا مجال للإشكال من هذه الناحية أيضاً، والحمد لله على حسن التوفيق.
الفصل الخامس: في تحقيق حال النيّة في هذه الصلاة
ويقع الكلام في هذا الفصل في مطالب ثلاثة:
المطلب الأوّل: أنَّ الروايات وإن كانت ساكتةً عن اشتراط النيّة في صلاة شدّة الخوف، إلَّا أنَّ سكوتها ليس دليلاً على الإطلاق لا محالة، وإنَّما هو التحويل على الأمر الواضح المتسالم عليه بين المتكلّم والمخاطب عند صدور الرواية في ضرورة وجود النيّة في الصلاة، وهذه الكيفيّة المشرّعة هي صلاة بالتنزيل، إذن فيجب فيها النيّة لا محالة.
ومن المعلوم أنَّ النيّة غير متعذّرةٍ عند عدم تعذّر الإيماء أو التكبير. فيجب على المكلّف عند الاشتغال ببدل الصلاة من أوّل جزءٍ إلى آخر أن يُحضر النيّة في ذهنه في الجملة، مكوّنةً من نيّة القربة التي هي روح العبادات، والتعيين من ظهرٍ أو عصرٍ أو غيرهما، وأمّا نيّة الأداء والقصر في موردٍ يتعيّن لأحدهما فلا دليل على لزومه.
ــــــ[474]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وعليه فإنْ تَرَكَ نيّة القربة أو التعيين بطلتْ صلاته، بمعنى أنَّ هذا البدل بشخصه لا يكون بدلاً ويحتاج إلى استئناف بدلٍ جديدٍ.
المطلب الثاني: أنَّ الاشتغال بالإيماء بدل الركوع والسجود في صلاة المرتبة الأُولى من شدّة الخوف، يعيّن كونه في حالة الصلاة لا محالة. ولكن التكبير أو أيّ ذكْرٍ آخر ممّا ذكرناه لا يتعيّن كونه للصلاة لا محالة، إلَّا بنيّته لها لا محالة. وعليه: فلابدَّ أن يكون المكلّف ملتفتاً في أثناء التكبير إلى كونه بدلاً عن الصلاة، إلَّا أنَّه ممّا يهوّن الأمر أنَّ نيّة الصلاة بنفسها كافيةٌ لتعيينه ولا يحتاج إلى استئناف نيّةٍ جديدةٍ.
المطلب الثالث: يذكر في صلاة المريض والغريق عادةً أنَّ حال المكلّف قد يصل إلى عدم تمكّنه من أيّ فعلٍ أو ذكرٍ صلاتيٍّ على الإطلاق، ومعه ينتقل التكليف إلى الصلاة بالنيّة فقط، وربّما كلّفوه بنيّة الركوع والسجود وجملةٍ من الأذكار.
وقد وجدنا أنَّ مثْل هذه المرتبة في الخوف لم يُتعرّض لها في الروايات الخاصّة مع أنَّها قد توجد في الخارج أحياناً، كما لو كان المكلّف أبكم في المرتبة السابقة أو قُطع لسانه أو عُقل من شدّة الخوف وأصبح حاله في المرتبة الأُولى أو الثانية من شدّة الخوف في نفسها، ولم يكن يقوى على الذكْر على الفرض، وليس هناك بدلٌ آخر مشروعٌ في الروايات الخاصّة، كما أنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ. ومقتضى قياسه بالمريض – كما لا يبعد- هو أن يصلّي بالنيّة، فإن كان في المرتبة الأُولى أومأ(1) ونوى الذكر إلى جنب نيّة الصلاة، وإن كان في المرتبة الثانية نوى الصلاة وتكبيراً واحداً، بدلاً عمّا هو تكليفه عند النطق.
ــــــ[475]ـــــــ
( ) مع الإمكان (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ولا يُقال: إنَّ هذا القياس، قياسٌ مع الفارق، فإنَّ حال المريض تختلف عن حال الخائف بالوجدان، ونحتمل دخْل موارد الفرق في الحكم.
فإنَّه يُقال: إن كان دليل كفاية النيّة للمريض لفظيّاً، فمن المعلوم أنَّ العرف يجرّدهُ عن الخصوصيّة؛ وذلك: لأنَّه يُفهم أنَّ هذا الحكم ليس من خصوصيات المريض بعنوانه، بل من خصوصيات الفرد الذي حاله هكذا، وهي أنَّه يمتنع عليه سائر الأفعال والأذكار، ومن المعلوم أنَّ مثل هذا العنوان محفوظٌ في حالة الحرب، على الفرض.
وكذلك إذا كان المدرك قاعدةً عامّةً كقاعدة الميسور(1) لو تمّت، أو قاعدة أنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ أو نحوها، فإنَّها كما تنطبق على المريض تنطبق على المحارب وغيره من أنحاء الخائف عند مماثلته لحال المريض؛ وذلك لاتحاد ملاك الانطباق في الجميع وهو تعذّر الصلاة الاختياريّة وتعذّر بدلها المشروع أيضاً.
وأمّا إذا [كان] المدرك هو الإجماع، فهو وإن كان لابدَّ فيه من الأخْذ بالقدر المتيقّن، إلَّا أنَّ القدر المتيقّن هو عموم مَن اتّصف بهذه الحالة، لا خصوص المريض؛ وذلك: لأنّنا نجزم أنَّ ملاك الحكم الشرعيّ هو التعذّر دون المرض، وبعبارةٍ أُخرى: إنَّنا بالإمكان أن نجرّد معقد الإجماع عن الخصوصيّة فيتغيّر مورد قدره المتيقّن بهذا التجريد لا محالة، ونستطيع أن نعمّمه إلى سائر هذه الموارد بسهولةٍ؛ باعتبار مصداقيّتها جميعاً له.
ــــــ[476]ـــــــ
( ) أُنظر: عوائد الأيّام: 461، عائدة 27 في بيان قاعدة الميسور، العناوين الفقهيّة 1: 463، العنوان التاسع عشر في بيان قاعدة الميسور، القواعد الفقهيّة (للبجنوردي) 4: 125، القاعدة (40) قاعدة الميسور.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الفصل السادس: في بعض الكلام عن سقوط الأوامر الضمنية المتعلقة بالأجزاء وبالشرائط
ويقع الكلام في هذا الفصل في ناحيتين:
◘ الناحية الأُولى: عرفنا أنَّ مقتضى القاعدة الأوّليّة هو سقوط الأمر الأوّلي النفسي الاستقلالي بوجوب الصلاة، وبسقوطه يسقط سائر الوجوبات الضمنيّة للأجزاء والشرائط لا محالة. وحيث إنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ، ولا معيّن للمقدار الساقط من الثابت إلَّا الأدلّة الخاصّة، فلابدَّ من التمسّك بمفادها في هذا الصدد.
وقد استفدنا منها أنَّها اعتبرت أُموراً وأذكاراً معيّنةً بدلاً تنزيليّاً عن الصلاة الساقطة. إلَّا أنَّ هذا الذي اعتبرته ليس في الواقع إلَّا بدلاً عن الأجزاء التي تشكّل كيفيّة الصلاة وماهيّتها، فقد أصبحت ماهيّةً بدلاً عن ماهيّةٍ.
وأمّا شرائطها وموانعها وقواطعها فقد يتخيّل سقوطها وعدم إمكان عوْدها بعد السقوط، ومن هذه الناحية لا يجب على المكلّف إلَّا الإيماء أو التكبير مجرّداً عن أيِّ شيءٍ آخر.
إلَّا أنَّ الواقع هو أنَّ الشرائط والموانع على ثلاثة أقسام:
• القسم الأوّل: ما يرتفع موضوعاً عند انتقال التكليف إلى البدل(1)، كاشتراط إباحة المكان، فإنَّه يرجع إلى مانعيّة الغصبية، وهذه المانعيّة إنَّما كانت باعتبار أنَّ الصلاة في المكان المغصوب تصرّفٌ فيه عقلاً أو عرفاً، وكونها تصرّفاً فيه موقوفٌ على أن يكون في الصلاة عملٌ مباشرٌ للمكان المغصوب، كالاعتماد عليه في السجود أو الحركة في الفضاء المغصوب في الركوع ونحو ذلك.
ــــــ[477]ـــــــ
( ) كالجهر والاخفات، فإنَّه ينتفي بانتفاء القراءة في المرتبة الثانية و… الخ (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ومن المعلوم أنَّ البدل المشرّع في الأدلّة الخاصّة -وبخاصّةٍ عند الاقتصار على بدليّة التكبير- أمرٌ أجنبيٌّ عن التصرّف في الفضاء فضلاً عن المكان الذي يستقرّ عليه المكلّف، فتكون الغصبيّة مرتفعةً موضوعاً، بارتفاع التصرّف الصلاتي فيها، فإنَّ ما يشكّل ماهيّة الصلاة – وهو التكبير- ليس تصرّفاً، وما هو تصرّفٌ – كالوقوف في المكان المغصوب أو الركوب على الدابّة المغصوبة- لم يؤخذ في ماهيّة الصلاة.
ولا يُقال: إنَّ الركوب والمشي مذكوران في الآية الكريمة.
فإنَّه يُقال: إنَّه لا يُستفاد منها دخلهما في الصلاة شرطاً أو شطراً، وإنَّما ذُكِرا لأجل الإشارة إلى سقوط بعض الأجزاء والشرائط في الخوف، باعتبارهما الفرد الواضح لتخلّف شرط الاستقرار والاستقبال.
• القسم الثاني – من الشرائط-: ما نُصّ على جواز سقوطه عند التعذّر كالاستقبال والاستقرار، ومع التعميم بإلغاء الخصوصيّة، أو بالقواعد العامّة يشمل كلّ شرطٍ متعذّرٍ على فرض تعذّره وما دام متعذّراً.
• القسم الثالث: ما هو متحقّقٌ موضوعاً وممكن التنفيذ ولو بالاستعداد له قبل طروّ شدّة الخوف، مع احتمالها كالطهارة الحدثيّة التي تكلّمنا عنها مفصّلاً فيما سبق، وكالطهارة الخبثيّة وكشرط الستر، وكقاطعيّة القهقهة والبكاء والكلام ومضيّ زمانٍ كبيرٍ بين أجزاء الصلاة يخلّ بالموالاة، ونحو ذلك، ممّا يمكن صدقه وتحقّقه في البدل، كما يمكن تحقّقه في المبدل، والفرض تمكّن المكلّف منه في الجملة وعدم اضطراره إلى فعل القاطع أو ترْك الشرط.
وهنا لابدَّ أن نعرف أنَّ حال الشرائط ليس كحال الأجزاء، فإنَّ تعذّر الجزء يستدعي سقوط الأمر بالمجموع لا محالة، وأمّا الشرائط فليست كذلك؛
ــــــ[478]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
لعدم تركّبها مع الأجزاء تركّباً ماهويّاً، فإنَّ مجموع الأجزاء تشكّل بنظر الشرع والعرف ماهيّة اعتباريّةً، وهي ترتفع لا محالة بارتفاع بعض أجزائها وتتعذّر بتعذّره، فيكون الأمر بها ساقطاً، وإذا سقط الأمر بالماهيّة انتفت الشرائط موضوعاً، كما هو واضحٌ.
وأمّا بالنسبة إلى الشرائط فليس الأمر كذلك؛ لعدم تركّبها مع الأجزاء تركّباً ماهويّاً، بمعنى أنَّها تشكّل عرفاً وشرعاً خصوصياتٍ خارجةً عن الماهيّة وإن كانت دخيلةً في صحّتها، كما أنَّها بمجموعها لا تشكّل كُلاً مترابطاً، بل كلّ شرطٍ دخيلٌ في ماهيّة الصلاة بنفسه منعزلاً عن دخالة الشرط الآخر.
وينتج عن ذلك أمران: أحدهما: أنَّ تعذّر شرطٍ من الشرائط لا يقتضي سقوط الشرط الآخر ولا يلازمه. ثانيهما: أنَّه من الممكن عند مساعدة الدليل أن يكون تعذّر الشرط غير مؤدٍّ إلى سقوط أصل الماهيّة أيضاً، بل تبقى محفوظةً تحت الأمر بالرغم من سقوط شرطها.
وبناءً عليه نقول: إنَّ سقوط الماهيّة الأوليّة للصلاة بسقوط أمرها، أوجب سقوط الأجزاء والشرائط معاً، إلَّا أنَّ الأجزاء غير قابلةٍ للعود إلَّا بأمرٍ جديدٍ، وقد ثبت الأمر الجديد بالإبدال، بالمقدار الذي عرفناه، وأمّا الشرائط فقد أُخذت في أدلّتها كشرائط لماهيّة الصلاة، وماهيّة الصلاة كما يتحقّق مصداقها بالماهيّة الأوّليّة، كذلك يتحقّق مصداقها بالبدل لا محالة؛ باعتباره وجوداً تنزيليّاً لها، فيشمله أحكامها الممكن شمولها لا محالة.
ومعه يكون البدل مشترطاً بكلّ الشرائط والموانع والقواطع، المأخوذة قيداً في أصل الصلاة، والممكن تحقّقها على الفرض في شدّة الخوف.
وضابط عدم إمكان تحقّقها واضحٌ عرفاً ومن فحوى كلام الشارع،
ــــــ[479]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وهو: توقّف العمل الذي يقتضيه الخوف على عدمها، فتكون شرطيّة الاستقبال ساقطةً عند توقّف الفرار عليه من السبع مثلاً، وشرطيّة الطهارة الخبثيّة ساقطة في حدود نجاسة الدم في الحرب مثلاً، وغير ذلك. وأمّا في خارج حدود هذا الضابط لو أَوْجد المكلّف عمداً في أثناء البدل الصلاتي أحدَ القواطع أو خلّف أحدَ الشرائط، بطلت صلاته لا محالة، وعليه الإعادة بالبدل التامّ، ومع عدمها فالقضاء.
وأيّ شرطٍ أوجب الخوف سقوطه، سقط وحده بدون أن يلازم سقوط الماهيّة أو سقوط أيّ شرطٍ آخر، فإنَّ مقتضى القاعدة الأوليّة وإن كان سقوط أصل الماهيّة، إلَّا أنَّ المستفاد من الأدلّة عموماً هو عدم سقوط البدل بأيِّ حالٍ من الأحوال، وإلَّا لزم سقوط أصل الصلاة، وهو خلاف القاعدة القطعيّة.
إذن، فالبدل يبقى مشروعاً وثابتاً مهما تغيّرت أحوال الشرائط، وإنَّما يوجب تعذّرها سقوط شرطيّتها فقط، كما هو المستفاد من الأدلّة، ومع انحفاظ الماهيّة تنحفظ شرطيّة الشرائط الممكنة الباقية لا محالة؛ لانحفاظها موضوعاً، وعدم ملازمتها مع سقوط الشرط الآخر.
نعم، تخلّف بعض الشرائط لابدَّ أن يُقال بانتفاء الماهيّة معه، وذلك إذا خرجت الصلاة عن صورتها عرفاً، كما في المرتبة الثانية من الخوف، لو نوى الصلاة ونطق بلفظ الجلالة، ثمَّ اضطرّ إلى قطْع الموالاة أو إلى الكلام برهةً كبيرةً من الزمن، فإنَّه بعد ذلك ليس له أن يكمل لفظ (الله أكبر) لا محالة، بل لابدَّ له أن يستأنف بدله الصلاتيّ من جديدٍ.
◘ الناحية الثانية: أنَّه قد يُقال: إن كان حال الشروط هو ذلك، فليس حال الأجزاء كذلك، فإنّك تعترف أنَّها مترابطةٌ، والمجموع المترابط يسقط
ــــــ[480]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
بسقوط جزئه، إذن فكيف قلتَ: بأنَّ الإيماء إذا ورد مطلقاً في الدليل، فإنَّه يُحمل على الإيماء بدل الركوع والسجود؟ وإذا حُمل على ذلك وجب فيهما الذكر، بل يجب في هذه الصلاة التكبير والفاتحة والتشهّد والتسليم، فكيف ينسجم هذا مع ذاك؟
ولو كان قد دلّ عليها الدليل، لسلّمنا باعتباره أمراً جديداً بها، ولكنّه لم يأمر إلَّا بالإيماء، ولنفرض أنَّه إيماء الركوع والسجود، إذن فليقتصر عليهما؛ لعدم تعلّق الأمر الجديد إلَّا بهما، كما هو واضحٌ، وذلك أخفّ على الخائف وأسهل.
نقول في مقام الجواب: إنَّ المنصرف من الإيماء إذا ورد مطلقاً هو بدليّته عن الركوع والسجود لا محالة، وقد سبق أن برهنّا على ذلك، وقلنا: إنَّه من غير المحتمل بدليّة الإيماء وحده عن الصلاة المفروضة، وليس له ذكرٌ معيّنٌ يقرأه الإنسان في لسان الرواية، فيتعيّن أن يكون الإمام قد أخذ بنظر الاعتبار الوضوح الموجود حال الصدور والتسالم في مجلس الخطاب على نيابة الإيماء عن الركوع والسجود عادةً، بحيث لم يحتج إلى التقييد بهما.
فإذا تمّ ذلك، لزم فيهما الذكر لا محالة؛ لأنَّ الذكر واجبٌ في طبيعيّ الركوع والسجود، وقد أصبح هذا فرداً منه ولو تعبّداً.
ومن القطعيّ في الشريعة أيضاً أنَّ الركوع لا يبدأ به المكلّف ابتداءً، بل يسبقه التكبير على أقلّ تقدير. ويحتاج في الخروج من الصلاة إلى التسليم؛ لأنَّ الصلاة مفتتحها التكبير وختامها التسليم، فبشكلٍ عامٍّ من البعيد جدّاً قيام الركوع والسجود أو ما ينوب عنهما، ونيابتهما عن مجموع الصلاة بحسب المفهوم من الأدلّة.
فإن قيل: فإنَّ هذا يقتضي من المكلّف الإتيان بالصلاة التامّة الأجزاء
ــــــ[481]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والشرائط، وهو خلاف الفرض أساساً.
قلنا: كلا، فإنَّ جملةً من الواجبات تكون منتفيةً موضوعاً بنفس ما يستفاد من الدليل من الانتقال إلى الإيماء وعدم وجوب النزول عن الدابّة، وذلك: كالانحناء للركوع والسجود، والقيام قبل الركوع، والجلوس للتشهّد والتسليم، وجلسة الاستراحة، ونحوها من واجبات الصلاة الاختياريّة.
ولا يبقى إلَّا ما عددناه – وهو التكبير والقراءة والتشهّد والتسليم- إلى جانب الإيماء للركوع والسجود.
فإن قيل: فلماذا لم يسقط الأمر بهذه الواجبات عند سقوط الأمر بتلك الواجبات، بعد فرض ارتباطيتها؟
قلنا: سقط الأمر لا محالة، وتعلّق بهذه الواجبات أمرٌ جديدٌ، فهمنا شموله لها من الأمر بالإيماء، بالنحو الذي ذكرناه، وفهمنا قصوره عن الواجبات الأُخرى أيضاً بالنحو الذي ذكرناه.
بل هناك وجهٌ لحذف القراءة والتشهّد أيضاً، وذلك بأن يُقال: إنَّه ينبغي الاقتصار في حالة الخوف على الأجزاء المهمّة من الصلاة في نظر الشارع، دون سواها؛ تخفيفاً على المكلّف، بعد أن علمنا بتعلّق غرض الشارع بذلك، فنستكشف أهميّة الجزء الصلاتي من روايتين:
إحداهما: رواية >لا تعاد<(1) المشتملة على ذكْر التكبير والركوع والسجود
ــــــ[482]ـــــــ
( ) مَن لا يحضره الفقيه 1: 279، أبواب الصلاة وحدودها، باب القبلة، الحديث 857، تهذيب الأحكام 2: 152، كتاب الصلاة، الباب 9، الحديث 55، وسائل الشيعة 1: 372، باب 3 من أبواب الوضوء، الحديث 8، والرواية عن زرارة عن أبي جعفر الباقر×.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والطهارة والاستقبال، أمّا الأخيران فهما من الشروط التي سبق الحديث فيها، فلا يبقى ممّا سوى الركوع والسجود المفروض وجودهما سوى التكبير، فنفهم أهميّته وضرورة وجوده باعتبار ركنيّته في نفسه.
والرواية الأُخرى: الرواية التي مفادها أنَّ الصلاة مفتتحها التكبير وختامها التسليم(1) – لو تمّت سنداً- فإنَّها تدلّ على أهميّة التسليم مضافاً إلى ما سبق.
فينتج أنّنا نضيف إلى الركوع والسجود التكبير والتسليم فقط، مع الذكر في أثنائهما أيضاً، لِمَا ذكرناه، ونحذف القراءة والتشهّد.
إلَّا أنَّ هذا الوجه لا يكاد يكون تامّاً، فإنّنا لم نستفد من الأدلّة التخفيف على المكلّف بأيّ وجهٍ كان، وإنَّما استفدنا ذلك في حدود ما أمر به الشارع من البدل، وما أمر به الشارع هو الإيماء للركوع والسجود المحفوف بالواجبات غير المنتفية موضوعاً كما أشرنا.
وأهمّيّة بعض الواجبات لا تعيّنها للثبوت دون غيرها، إذا اقتضت القاعدة، وظهور الدليل خلافه، كما هو واضحٌ.
فالمتحصّل: وجوب التكبير للإحرام والقراءة والركوع بالإيماء والسجود بالإيماء – ولو بالعين كما قلنا في بعض المباحث السابقة- والتشهّد والتسليم. وكلّ ذلك أذكارٌ لا تستدعي الحركة الزائدة كما هو واضحٌ.
نعم، مناط وجوب هذه الأُمور بإمكانها لا محالة، ومع التعذّر يسقط
ــــــ[483]ـــــــ
( ) الكافي 5: 202، كتاب الطهارة، الباب 6، الحديث 2، مَن لا يحضره الفقيه 1: 33، أبواب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، الحديث 68، وسائل الشيعة 1: 366، باب 1 من أبواب الوضوء، الحديث 4.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
المتعذَّر لا محالة، فإن كان المتعذَّر هو الإيماء للركوع والسجود، فهو على الأغلب إيذانٌ بالانتقال إلى المرتبة الثانية من الخوف، ومعه يتعيّن تكليفه بالبدل الصلاتي فيها.
وإن كان المتعذّر ما سواهما من الواجبات، سقط وجوبه وجزئيّته ولم يسقط المجموع، فإنَّ مقتضى القاعدة وإن كان هو السقوط، إلَّا أنَّ المستفاد من الدليل انحصار البدليّة في هذه المرتبة بهذا النحو من الصلاة، قلّت أجزاؤها أو كَثُرتْ، ورفْع اليد عنها يقتضي إمّا رفْع اليد عن الصلاة أو الانتقال إلى بدل المرتبة الثانية، وكلاهما خلفٌ. ونحو ذلك أيضاً يُقال فيما إذا تعذّر الإيماء للركوع والسجود مع انحفاظ المرتبة، فإنَّه يقتصر على ما سواهما من الأذكار، وهي التكبير والقراءة والتشهّد والتسليم، فتأمّل.
فهذا هو الكلام في سقوط الأوامر الضمنيّة المتعلّقة بالأجزاء والشرائط وبقائها.
الفصل السابع: [شروط الانتقال إلى البدل التنزيلي]
تحصّل من الشرائط لجواز الانتقال إلى البدل التنزيلي المشروع في شدّة الخوف للصلاة ثلاثة شروطٍ:
الشرط الأوّل: حصول شدّة الخوف التي يمتنع معها تكويناً أو تشريعاً الاشتغال بالصلاة الجامعة للأجزاء والشرائط، أو صلاة الأمن في الجملة؛ وذلك لشمول إطلاق الأدلّة الأوليّة لخلاف هذه الحالة لا محالة.
الشرط الثاني: حصول المرتبة المعيّنة من الخوف المتمثّلة بالعناوين التفصيليّة المذكورة في الروايات أو غيرها بعد التعميم لكلّ خوفٍ، وهذا
ــــــ[484]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الشرط واضحٌ بعد أخْذه في لسان الدليل.
وفي الواقع أنَّه عين الشرط الأوّل تحقّقاً، وإن كان غيره لحاظاً.
الشرط الثالث: مطابقة الخوف للواقع، وبعبارةٍ أُخرى: وجود السبب المخوف في الخارج، كما سبق أن ذكرناه.
ويتحصّل من كلامنا في المقام الثاني عن صلاة ذات الرقاع شرطٌ آخر، هو:
الشرط الرابع: وهو أن يكون وقوع المكلّف في سبب الخوف جائزاً شرعاً، إمّا لكونه اضطراريّاً كالحرب الدفاعيّة، أو الخوف الناشئ بسببٍ طبيعيٍّ أو قهريٍّ، وإمّا لكونه واجباً شرعاً كجهاد الدعوة الهجومي عند تحقّق موضوعه.
وأمّا لو كان وقوع المكلّف في سبب الخوف غيرَ جائزٍ شرعاً، كما لو أوقع نفسه اختياراً في مسبعة أو حربٍ غير شرعيّةٍ ونحو ذلك، فإنَّه يكون من الاضطرار بالاختيار وهو لا ينافي الاختيار، وهو وإن اضطرّ في أثناء خوفه إلى الاقتصار على صلاة شدّة الخوف، ولكنّها لا تصحّ منه، ولابدَّ له الإعادة أو القضاء عند ارتفاع الخوف؛ لكونه مقصّراً في سببه على الفرض.
بل لا يبعد أنَّ مجرّد الجواز الشرعيّ للوقوع في سبب الخوف غير كافٍ، مع الالتفات إلى سببيّته في تعذّر بعض أجزاء الصلاة، فإنَّه أيضاً يكون تقصيراً في تفويت الواجب والملاك الملزم كما هو واضحٌ.
إذن، فتختصّ مشروعيّة صلاة الخوف بصورتَي الاضطرار والحرب الواجبة شرعاً، وهما مورد الروايات، كما هو واضحٌ، لمَن تتّبعهما دون غيرهما لا محالة.
ــــــ[485]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
هذا، وأمّا جملة ما اختصّت به صلاة الخوف مع الأمن في الجملة من الشروط، كوجوب حمْل السلاح في أثناء الصلاة أو أخْذ الحذر أو المحارسة، فإنَّها غير شاملةٍ لصلاة شدّة الخوف؛ لاختلاف دليلهما وعدم إمكان تجريد ذلك الدليل عن الخصوصيّة عرفاً؛ لأنَّ احتمال اختصاصه بتلك الصلاة واضحٌ إلى حدٍّ يمنع العرف عن التجريد.
نعم، قد تجب هذه الأُمور من باب وجوب الجهاد أو وجوب حفْظ النفس المحترمة، أو وجوب الدفاع ونحو ذلك من العناوين، إلَّا أنَّه أجنبيٌّ عن الصلاة كما هو واضحٌ.
كما أنَّ ما ذكرناه وبحثناه في المقام الثاني: من احتمال دخْل العلم قيداً في موضوع الصلاة، أو دخْل الخوف النفسي فيها، ممّا نفيناه هناك، منفيٌّ هنا أيضاً. أمّا الاحتمال الأوّل بنفس التقريب السابق فلا نعيد، وأمّا الاحتمال الثاني فلشمول بعض تقريبات ذلك المقام له. وممّا يهوّن الخطب عدم انفكاك شدّة الخوف عن الخوف النفسي إلَّا نادراً، وقد قلنا: إنَّ المدار في الخوف هو توقّع الضرر دون الفزع النفسي، كما هو مقتضى المعنى اللغوي والقرائن العامّة والخاصّة.
الفصل الثامن: في حصول شدّة الخوف في بعض الصلاة دون البعض الآخر
والصور المتصوَّرة لذلك عديدةٌ، حيث عرفنا أنَّ للمكلّف حالاتٍ أربعةً: هي الأمن المطلق، والأمن أو الخوف في الجملة، والمرتبة الأُولى من شدّة الخوف، والمرتبة الثانية منها. وبضربها في نفسها تحصل اثنتا عشرة صورةً.
وبلحاظ أنَّ كلاً من هذه الحالات قد تقع في أوّل الصلاة، وقد تقع في
ــــــ[486]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
آخرها، ويكون في البعض الآخر حالةٌ أُخرى لا محالة، ترتفع الصور إلى أربعة وعشرين. وبلحاظ أنَّ الحالتين الأوليّتين إذا كانتا في أوّل الصلاة فلهما صورتان، فإنَّ المكلّف إمّا أن يكون منفرداً أو مؤتمّاً في جماعةٍ، فتُضاف عدّة صورٍ أُخرى إلى ما سبق.
إلَّا أنَّ جملةً من هذه الصور تمثّل بقاء الصلاة على حالٍ واحدةٍ، وهو خارجٌ عن الفرض في المقام، وقد بحثناه في حدود اختصاص هذه الرسالة. وجملةٌ من الصور تتّصل بتركّب الصلاة من الأمن المطلق والأمن في الجملة، وهو ما بحثناه مستوعباً في المقام الثاني. يبقى بعد ذلك عددٌ من الصور تتّصل بتركّب الصلاة من حالتين، إحداهما إحدى حالتي شدّة الخوف. وهو ما نريد بحثه في هذا الفصل.
ويقع الكلام في قسمين من الصور؛ باعتبار كون الخوف أو اشتداد الحال طارئاً في أثناء الصلاة، وحاصلاً في القسم الأخير منها، أو كان موجوداً من أوّل الصلاة، ثُمَّ ارتفع في أثنائها.
القسم الأوّل: ما إذا بدأ صلاته بحالة أهون أو بالأمن، ثمَّ اشتدّت حالته من ناحية الخوف
وحاصل مقتضى القاعدة في ذلك: أنَّ المكلّف إمّا أن يكون منفرداً أو مجتمعاً في صلاة الجماعة. وعلى أيّ حالٍ يصلّي بقيّة صلاته على مقتضى تكليفه بعد طروّ الخوف. ويكون مجزياً لا محالة؛ لمطابقة كلٍّ من المأتيّ به في الحالتين للمأمور به الواقعي الواصل، فيكون الإجزاء قهريّاً، وتغيّر الموضوع لا يوجب بطلان الصلاة جزماً، بل لعلّه أولى بالإجزاء؛ باعتبار كون أوّل الصلاة أجمع للأجزاء والشرائط على الفرض، فإنَّها أكمل في تحصيل ما هو المقصود؛
ــــــ[487]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
على ما يعبّر في المصباح(1).
وما يذكره+(2) من الإشكال في تركّب الصلاة من الركعات والتسبيحات باعتبار كون التسبيحات مغايرةً بالنوع للركعات عرفاً فلا تتركّب الصلاة من ركعةٍ وتكبيرةٍ، وأنَّ الأمر بتكبيرتين عوض كلّ صلاةٍ ثنائيّةٍ ليس إلَّا كالأمر بالتصدّق بدينارين كذلك، فكما أنَّ الصلاة لا تلتئم من دينارٍ وركعةٍ فكذا من تكبيرةٍ وركعةٍ.
غريب منه+:
أوّلاً: لِمَا ذكرناه من اتّحادهما في النوع، وهو عنوان الذكر كما هو واضحٌ، والعرف لا يفهم من الصلاة إلَّا كونها ذكراً واجباً لله تعالى، والبدل ذكرٌ واجبٌ أيضاً، وبهذا تفترق التكبيرتين عن الدينارين لا محالة.
ثانياً: إنَّه مع الغضّ عن ذلك، فإنَّ مقتضى البدليّة هو كون التكبير ركعةً تعبّداً، فكما تلتئم الصلاة من ركعتين حقيقيّتين، تلتئم من ركعتين تعبّداً وحقيقةً، ولا شأن للعرف في ذلك، فإنَّنا نفهم من أدلّة التنزيل ذلك.
ثالثاً: ما أشار إليه+ من أنَّ الوجه الذي ذكره ينافي قاعدة الإجزاء بالنسبة إلى التكاليف الاضطرارية ولو في أجزائها، وهذا واضحٌ. فإنَّ مقتضى الامتثال المطابق للأمر الفعلي هو الإجزاء والصحّة لا محالة، والمفروض عدم حصول مبطلٍ للصلاة في الأثناء.
ــــــ[488]ـــــــ
(1) راجع مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 719، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
(2) راجع المصدر السابق.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
صورة التفاصيل
فهذا هو مقتضى القاعدة، وتبقى بعض التفاصيل تتّضح عند تعداد الصور، وهي:
• الصورة الأُولى: أن يبدأ صلاته منفرداً في الأمن المطلق ولم يتجاوز الركعتين، وطرأ عليه المرتبة الأُولى من شدّة الخوف، فإنَّه يُتمّ مومياً مقصِّراً لو كان القصر ممّا يخفّف عن حاله، على ما نفرض في كلّ هذه الصور.
• الصورة الثانية: نفس الفرض مع تجاوز الركعتين، ومعه تبقى الصلاة تامّةً من حيث العدد لا محالة، ما لم يضطرّ إلى قطْعها؛ لأنَّه لا دليل على القصر بعد تجاوز حدّه لا في السفر ولا الخوف، ومعه يستمرّ بالصلاة إيماءً للركوع والسجود على النحو الذي قلناه في المرتبة الأُولى.
• الصورة الثالثة: أن يبدأ صلاته منفرداً في حال الخوف في الجملة مع الأمن في الجملة، وهو مكلّفٌ بالقصر ابتداءً لا محالة، لكن بصلاةٍ جامعةٍ الأجزاء والشرائط، ثمَّ تطرأ عليه حالة شدّة الخوف الأُولى، فيُكمل صلاته قصراً إيماءً بالنحو المشار إليه فيما سبق.
• الصورة الرابعة: أن يبدأ صلاته في حال الأمن المطلق ولم يتجاوز الركعتين، ثمَّ تطرأ عليه حالة شدّة الخوف الثانية، فهنا عدّة حالات:
الحالة الأُولى: أن يكون قد أتمّ ركعةً واحدةً فقط، وقلنا بمفاد خبر ابن عذافر بدليّة تكبيرٍ عن كلّ ركعةٍ كما سمعتَ من صاحب المصباح(1) قبل قليل، فهنا يضيف المكلّف تكبيرةً واحدةً ناوياً بها بدليّة الركعة الثانية قصراً، ويكون
ــــــ[489]ـــــــ
(1) أُنظر: مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 718، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
مجزياً وصحيحاً، خلافاً لصاحب المصباح(1)+.
الحالة الثانية: أن يكون المكلّف قد دخل في الركعة الثانية وصلّى قسماً منها، وقلنا بالمسلك المشار إليه، ففي مثل ذلك يشكل الأمر إلى حدٍّ كبيرٍ، فقد يُقال: إنَّه يلغي ما أتى به من الركعة الثانية ويكبّر بدلها. وهذا إنَّما يكون له وجهٌ فيما إذا لم يدخل في الركن، وأمّا مع دخوله فإنَّه يلزم زيادة الركن لا محالة، وإلغاؤه اعتباراً لا يستلزم انعدامه تكويناً، على أنَّه لا دليل على حجّيّة الإلغاء بهذا النحو.
وقد يُقال: بوجوب إتمام ركعته قصراً جامعةً للأجزاء والشرائط، وهذا خلفٌ ويعرّض المكلّف للخطر العظيم.
وقد يُقال: بلزوم الانتهاء من الصلاة إيماءً، وهو أهون الوجوه فساداً، إلَّا أنَّه خلْف كون الإيماء غير مشروعٍ في المرتبة الثانية، كما يعترف به القوم في الجملة.
وعلى أيّ حالٍ، فنحن في فسحةٍ من ذلك؛ لأنَّ مسلكنا يندرج فيما يلي:
الحالة الثالثة: أن لا نلتزم بخبر ابن عذافر، وإنَّما نقول بما دلّت عليه الصحاح من إجزاء تكبيرةٍ واحدةٍ عن مجموع الصلاة، ففي مثل ذلك، يرتفع موضوع ما بيده من الصلاة أساساً؛ لكونه لا يستطيع الاستمرار بها جامعةً للأجزاء والشرائط كما قلنا، ولا إيماءً كما أشرنا إليه. ولا تكبيراً بعدد الركعات؛ لأنّنا أنكرناه، ولا بتكبيرٍ واحدٍ بدل الصلاة؛ لأنَّ بدليّته عن تمام الصلاة متنافٍ مع كونه استمراراً للصلاة لا محالة، وإذا نواه استمراراً بطلت صلاته؛ لأنَّه من زيادة الأركان، ومن الجمع بين البدل والمبدل منه.
ــــــ[490]ـــــــ
(1) أُنظر المصدر السابق.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
إذن، فترتفع ما بيده من أفعال الصلاة موضوعاً، ومعه لا يحرم قطعها؛ لأنَّ ما يحرم قطعه هو الفريضة، وبعد ارتفاع الموضوع لا تبقى فريضةٌ كما هو واضحٌ، بل يقطعها جوازاً بل وجوباً، ويأتي بتكبيرٍ واحدٍ بدلاً عن المجموع.
وفي ذلك لا يفرّق بين أن يكون قد صلّى ركعةً واحدةً فقط، أو صلّى أكثر من ركعةٍ كما هو واضحٌ.
• الصورة الخامسة: نفس فرض الصورة السابقة مع تجاوزه الركعتين، فإن قلنا بما ذهبنا إليه من بدليّة التكبير الواحد وارتفاع ما أتى به موضوعاً فهو. وإن قلنا بالمسلك الآخر، وكان على رأس ركعةٍ كاملةٍ، أتمّ صلاته بالتكبيرات عوضاً عن كلّ ركعةٍ، ولا يقصِّر؛ لمَا قلناه من عدم مشروعيّة القصر عند تجاوز حدّه.
وإذا كان في أثناء الركعة، أشكل الأمر بالنحو الذي أشرنا إليه في الصورة السابقة.
• الصورة السادسة: نفس فرض الصورة الرابعة، مع فرض طروّ شدّة الخوف عليه، بأحد مرتبتيه بعد التشهّد الأوسط مباشرةً. ويحرز في الجملة إمكان الإتيان بالتسليم مخفّفاً؛ فإنَّه يأتي به، وتكون صلاته قصراً جامعةً للأجزاء والشرائط على سائر المسالك.
• الصورة السابعة: أن يبدأ صلاته منفرداً في حال الأمن في الجملة، ثمَّ تطرأ حالة شدّة الخوف الثانية، وتكليفه ابتداءً هو القصر لا محالة، والكلام في تكليفه بعد طروّ الخوف الشديد هو الكلام في الصورة الرابعة بتمام حالاتها ومسالكها.
• الصورة الثامنة: أن يبدأ صلاته جماعةً في حال الأمن المطلق، ولم
ــــــ[491]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
يتجاوز الركعتين، ثمَّ تطرأ عليه وحده أو على عددٍ من المأمومين حالة شدّة الخوف الأُولى، ويبقى الأفراد الباقون -بما فيهم الإمام- آمنين مشغولين بالصلاة.
ففي مثل ذلك يتعيّن عليه الانفراد لا محالة؛ لاختلاف كيفيّة صلاته عن صلاة الإمام، وعدم إمكان متابعته لا محالة، ويستقلّ بتكليفه وهو الإيماء للركوع والسجود مقصّراً من حيث العدد بنقل النيّة إليه. وهذا واضحٌ.
• الصورة التاسعة: نفس الفرض مع تجاوز الركعتين، وقلنا إنَّه مع التجاوز لا يمكن النقل إلى القصر، فيتمّ صلاته بالإيماء منفرداً.
• الصورة العاشرة: نفس فرض الصورة الثامنة من طروّ الحالة الثانية لشدّة الخوف، وفيها يتعيّن الانفراد أيضاً لِمَا قلناه، فإن سلكنا مسلك مفاد خبر ابن عذافر، وكان على رأس ركعةٍ، أتمّ صلاته بالتكبير قصراً، وإن كان في أثناء الركعة، كان فيه الإشكال الذي سبق في الصورة الرابعة.
وأمّا على المختار الذي أشرنا إليه، وهو ارتفاع صلاته موضوعاً، فهو ينقطع عن الصلاة والجماعة معاً، ويبدّل عن صلاته تكبيرةً واحدةً.
• الصورة الحادية عشرة: نفس فرض الصورة العاشرة مع تجاوز الإمام للركعتين، وفي مثله ينفرد أيضاً؛ لعدم إمكان المتابعة. ومعه نفهم قاعدةً عامّةً بلزوم الانفراد لو طرأت عليه إحدى حالتي شدّة الخوف وحده دون الجماعة الآخرين؛ وذلك: لعدم إمكان المتابعة في حقّه في جميع الصور وسائر المسالك. كما أنّنا قلنا إنَّه لا يشرّع في حقّه التقصير فيتمّ صلاته منفرداً إيماءً؛ لأنَّ الفرض هو طروّ الحالة الأُولى لشدّة الخوف، كما سبق في الصورة الثامنة.
• الصورة الثانية عشرة: نفس تصوير الصورة السابقة مع طروّ حالة
ــــــ[492]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
شدّة الخوف، وقد ظهر الحال فيها ممّا سبق أن قلناه، فإنَّه ينفرد ولا يقصّر، وإن قلنا بإجزاء التكبير عن ركعةٍ أتمّ صلاته كذلك، إن كان على رأس ركعةٍ، وإلَّا كان فيه الإشكال السابق. وعلى ما قلناه ترتفع صلاته موضوعاً ويبدّل عن صلاته تكبيراً واحداً.
• الصورة الثالثة عشرة: أن يبدأ صلاته في حال الأمن المطلق، ولم يتجاوز الركعتين، ثمَّ تطرأ حالة شدّة الخوف الأُولى على جميع المصلّين، ففي مثل ذلك يتعيّن على الجميع الإيماء والقصر لا محالة. ومعه إن استطاعوا أن يستمرّوا بالصلاة مع الإيماء وجوّزنا ذلك كان لهم ذلك، وإذا لم يكونوا قد تجاوزوا الركعة الأُولى كان لهم أن يصلّوا صلاة ذات الرقاع إيماءً أيضاً.
وإن اضطرّوا إلى التفرّق سقطتْ شرطيّة الاستقبال والاستقرار كما عرفنا، ووجب التفرّق بدون الحكم ببطلان صلاتهم.
• الصورة الرابعة عشرة: نفس الفرض السابق مع فرض طروّ حالة شدّة الخوف الثانية، ومعه إن أخذنا بما اخترناه ارتفعت صلاتهم موضوعاً وجدّد كلّ فردٍ منهم البدل الاضطراري، ولا تصحّ فيه الجماعة؛ لعدم إمكان الاقتداء تكويناً ولا تشريعاً.
وأمّا إذا بنينا على مسلك مفاد خبر ابن عذافر وكانوا على رأس ركعةٍ، فإن لم نقل بجواز صلاة الجماعة بالتكبير أو اضطرّوا إلى التفرّق فلا كلام، وإن قلنا بالجواز وأمكن الاجتماع ولو لزمنٍ قليلٍ ولو إلى غير القبلة لسقوط شرطيّة الاستقبال في حقّهم جميعاً، فتتمّ جماعتهم إلى غير القبلةِ، ومعه يتمّون جماعتهم مجتمعين بالتكبير ولاءً على عدد الركعات.
• الصورة الخامسة عشرة: أن يبدأ الصلاة في حال الأمن المطلق، وقد
ــــــ[493]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
تجاوز الركعتين وطرأت حالة شدّة الخوف الأُولى، فإن أمكنهم أن يصلّوا جماعةً إيماءً فهو، وإلَّا أكملوا صلاتهم إيماءً متفرّقين، وتكون الصلاة تماماً على كلا النحوين؛ لعدم إمكان الانتقال إلى القصر.
• الصورة السادسة عشرة: نفس الفرض مع طروّ حال شدّة الخوف الثانية، فإن اخترنا ما اخترناه اقتصر على التكبير كما عرفنا. وإن اخترنا المسلك الآخر وكانوا على رأس ركعةٍ أكملوا الباقي تكبيراً، فإن لم يتفرّقوا فبالجماعة وإلَّا فمنفردين، وإن لم يكونوا على رأس ركعةٍ كان فيه الإشكال السابق.
الصورة السابعة عشرة: أن يبدأ بالصلاة جماعةً في حالة الأمن في الجملة، ومعه تكون الصلاة قصراً على أيّ حالٍ كما عرفنا، وتكون صلاتهم اعتياديّة ليست ذات الرقاع، وتطرأ حالة شدّة الخوف الأُولى على المكلّف وحده.
وفي مثل ذلك: ينقطع الاقتداء كما عرفنا ويُتِمّ المكلّف صلاته قصراً إيماءً.
• الصورة الثامنة عشرة: نفس الفرض مع فرض أدائهم لصلاة ذات الرقاع، وفيها لا تختلف وظيفة المكلّف عمّا قلناه في الصورة السابقة، غاية الأمر أنَّه من المعلوم أنَّ ذلك يُتصوّر في الطائفة المشتركة بالصلاة دون الطائفة الحارسة.
ولا يُقال: إنَّ ذات الرقاع غير مشروعةٍ في شدّة الخوف.
فإنَّه يُقال: لم يُؤخذ ذلك في لسان الدليل، وإنَّما ترتفع مشروعيّتها عند عدم إمكان تطبيقها تكويناً أو شرعاً كما قلنا، والفرض عدم تحقّق ذلك.
• الصورة التاسعة عشرة: نفس الصورة السابعة عشرة، مع اشتراك
ــــــ[494]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الجميع في الخوف، ومعه يكملون صلاتهم الجماعة إيماءً إن لم يضطّروا إلى التفرّق، وإلَّا وجب تفرّقهم، وإتمام صلاتهم كذلك.
• الصورة العشرون: هو فرض الصورة الثامنة عشرة مع اشتراك الجميع في الخوف، ومعه يؤدّون صلاة ذات الرقاع بالإيماء لو قلنا بجوازه، وإن اضطرّوا إلى التفرّق وجب.
• الصورة الحادية والعشرون: أن يبدأ الصلاة جماعةً اعتياديّةً وتطرأ على المكلّف وحده حالة شدّة الخوف الثانية، ومعه ينقطع اقتداؤه لا محالة، ويصلّي بحسب تكليفه منفرداً، إمّا بتكبيرٍ واحدٍ كما اخترناه أو بإكمال الصلاة بالتكبير لو كان على رأس ركعةٍ على المسلك الآخر، ويأتي الإشكال السابق لو كان في أثناء الركعة.
• الصورة الثانية والعشرون: نفس الفرض السابق مع فرض صلاتهم ذات الرقاع، وهو لا يفرّق عن الفرض السابق في التكليف.
• الصورة الثالثة والعشرون: نفس فرض الصورة الحادية والعشرين مع فرض طروّ الخوف على الجميع.
فإن قلنا بما اخترناه من انقطاع الاقتداء، تفرّقت الجماعة لا محالة، وإن قلنا بالمسلك الآخر، وكانوا على رأس ركعةٍ، وأمكن أن يصلّوا جماعةً، كان لهم ذلك، وإلَّا تفرّقوا أو ورد الإشكال السابق.
• الصورة الرابعة والعشرون: نفس فرض الصورة الثانية والعشرين مع طروّ الخوف على الجميع، فعلى مسلكنا تتفرّق الجماعة لا محالة، وعلى المسلك الآخر لا يكاد يتصوّر صلاة ذات الرقاع ببدليّة التكبير عن الركعة، بل هي مشروعةٌ للأمن في الجملة، أو للصلاة التي فيها ركوعٌ وسجودٌ ولو إيماءً على
ــــــ[495]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الأقلّ، ومعه تتفرّق الجماعة أو أكملوها اقتداءً بالتكبير على النحو الاعتيادي لا على نحو صلاة ذات الرقاع.
• الصورة الخامسة والعشرون: أن يبدأ صلاة شدّة الخوف الأُولى إيماءً جماعةً لو أمكن، ثمَّ تطرأ حالة شدّة الخوف الثانية، فعلى ما قلناه ترتفع أصل الصلاة موضوعاً، ويبدأ بالبدل الاضطراري من رأسٍ، وعلى ما قالوه وأمكن الاقتداء أكملوا الصلاة جماعةً بالتكبير، وإلَّا تفرّقوا وكبّروا.
• الصورة السادسة والعشرون: أن يبدأ صلاته كذلك منفرداً، ثمَّ تشتدّ حاله إلى شدّة الخوف الثانية، وفي مثله تنقطع صلاته على ما قلناه، ولا فرق في ذلك بين اجتماع الصلاة مع بدلها أو اجتماع البدلين، فإنَّ ما قلناه من كون التكبير بدلاً عن المجموع ينافي الاستمرار بالصلاة السابقة، ومن اجتماع البدل والمبدل منه، مشتركٌ بينهما لا محالة، ومعه يأتي بالتكبير فقط.
وعلى ما قالوه وكان على رأس ركعةٍ من الإيماء، أكمل الصلاة تكبيراً، وإلَّا ورد الإشكال السابق.
فهذا حاصل الصور في القسم الأوّل. وهو ما إذا كان طروّ الخوف أو اشتداد الحالة في أثناء الصلاة.
القسم الثاني: ما إذا بدأ صلاته بحالةٍ أشدّ، ثمَّ تحسّنت حالته أو ارتفع خوفه
وقلنا في القسم السابق: إنَّ مقتضى القاعدة هو إجزاء ما أتى به لا محالة؛ إذ لا يفرّق في ذلك بين كون البدل متقدّماً أو متأخّراً، كما سبق أن ناقشنا الفقيه الهمداني في عدم إمكان تركّب الصلاة من الركعات والتكبير، وأولى بالإمكان ما إذا تركّبت من الإيماء والتكبير، وإن كان هذا على ما قلناه منتفياً موضوعاً؛ باعتبار ما قلناه من أنَّ الصلاة السابقة مع طروّ حال شدّة الخوف الثانية،
ــــــ[496]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ترتفع موضوعاً، سواء كانت بالإيماء أو الركعات، ومع ارتفاعها موضوعاً يلزم الاستغناء عنها، والبدء بالبدل الاضطراري من جديدٍ، ومعه لا يبقى مجالٌ للإشكال والجواب، وإن لم يكن تامّاً في نفسه.
الصورة المتصوّرة
وحاصل الصور المتصوَّرة في ذلك في الجملة:
• الصورة الأُولى: أن يبدأ صلاته منفرداً في حال شدّة الخوف الأُولى، وتكليفه الإيماء كما عرفنا. ثمَّ تتحسّن حالته إلى الأمن في الجملة، فيتمّ صلاته بالركوع والسجود، قصراً لا محالة.
• الصورة الثانية: نفس الفرض، مع طروّ الأمن المطلق، ومعه يتمّ صلاته بالركوع والسجود تماماً لا محالة، ولا يفرّق في ذلك بين أن يأمن في أثناء ركعاته، أو في حال تشهّده، بل حتّى في حال تسليمه، إلَّا أن يكون قد انتهى من تلفّظه، وإلَّا وجب عليه رفْع اليد عنه والاستمرار بالصلاة لا محالة.
• الصورة الثالثة: أن يبدأ صلاته في حالة شدّة الخوف الأُولى جماعةً مومياً معهم مع إمكان ذلك، وتتحسّن حاله منفرداً إلى الأمن في الجملة، فيتمّ صلاته بالركوع والسجود قصراً، منفرداً؛ لعدم إمكان المتابعة كما هو واضحٌ.
• الصورة الرابعة: نفس فرض الصورة السابقة، مع اشتراك الجميع في التحسّن، فإنَّهم يستمرّون بالصلاة مع الركوع والسجود قصراً.
• الصورة الخامسة: نفس فرض الصورة الثالثة مع طروّ الأمن المطلق عليه وحده، ومعه يتمّ منفرداً من حيث الكيفيّة والكميّة معاً، كما هو ظاهرٌ.
• الصورة السادسة: نفس فرض الصورة السابقة مع اشتراكهم في الأمن، فيكملون صلاتهم جماعةً تماماً من حيث الكميّة والكيفيّة.
ــــــ[497]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الصورة السابعة: أن يبدأ صلاته في حال شدّة الخوف الثانية، ثمَّ تتحسّن حالته إلى حالة شدّة الخوف الأُولى، ومعه: إن كان يصلّي على النحو الذي قلناه من كفاية التكبير الواحد عن مجموع الصلاة وتحسّنت حالته في أثناء التكبير، ارتفع هذا البدل موضوعاً؛ لأنَّه إنَّما يكون مشروعاً عند انحفاظ الحالة في أدائه من أوّله إلى آخره، ومع عدم ذلك على الفرض يشكّ في مشروعيّته وإجزائه، والأصل يقتضي عدمهما لا محالة، وعليه فيستأنف المكلّف صلاته إيماءً.
وإن كان يصلّي على النحو الذي قالوه من إجزاء التكبير عن ركعةٍ واحدةٍ، وكان على رأس تكبيرةٍ، أكمل الركعة الثانية إيماءً، بعد أن قلنا بجواز الاجتزاء به ودفعنا إشكال الهمداني(1)، وإن كان في أثناء التكبير للثانية، ورد فيه الإشكال السابق الذي ذكرناه في الصورة الرابعة من القسم السابق، حيث يدور أمر المكلّف بين رفع اليد [عن] هذا الجزء من التكبير والبدء بالركعة الثانية إيماءً وهو خلف إجزائه، وبين الاستمرار على إكماله والاجتزاء به، وهو خلف سقوط مشروعيّته بعد التحسّن، وبين الاجتزاء بقسمٍ من التكبير وقسمٍ من الإيماء لبعض الركعة، وهو كما ترى من الفساد.
• الصورة الثامنة: نفس الفرض السابق مع تحسّن حالته إلى الأمن في الجملة، فعلى ما قلناه يبدأ صلاته من جديدٍ، وعلى ما قالوه وكان على رأس تكبيرةٍ يُلحق بها الركعات قصراً، وإلَّا أتى الإشكال.
• الصورة التاسعة: نفس الفرض السابق مع طروّ الأمن المطلق، فعلى
ــــــ[498]ـــــــ
(1) راجع مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 718، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ما قلناه يبدأ صلاته تماماً من حيث الكميّة والكيفيّة، وعلى ما قالوه يركِّب بين التكبير والركعات التامّة كمّاً وكيفاً، حتّى لو طرأ الخوف بعد التكبير الثاني مباشرةً وجب إلحاق ركعتين به على إشكال(1).
فهذا حاصل الصور في القسم الثاني، وهي أقلّ من صور القسم الأوّل بكثيرٍ؛ لعدم تصوّر التمام في أوّل الصلاة شرعاً، وعدم تصوّر صلاة الجماعة في شدّة الخوف الثانية بل وفي الأُولى، إلَّا نادراً على ما فرضناه.
نعم على هذا الفرض تُضاف أربع صورٍ أُخرى، فإنَّ الجماعة إمّا أن تكون اعتياديّة بالإيماء وهو ما ذكرناه، أو بنحو ذات الرقاع بالإيماء أيضاً، والتكليف بعد تحسّن الحالة لا يختلف إلَّا إذا طرأ الأمن المطلق على الجميع، فلا تكون ذات الرقاع مشروعةً في حقّهم، فيكمل الإمام صلاته بمأموميه
– سواءً كانوا هم الطائفة الأُولى أو الثانية- أربع ركعاتٍ على حسب تكليفهم في الاقتداء.
وبناءً عليه فتكون الصور في هذا القسم ثلاث عشرة، فإذا أضيفت إلى صور القسم الأوّل كانت تسعاً وثلاثين(2)، وقد اتّضح الحال في الصور التي لم نذكرها إن وجدت في أيّ من القسمين، بعد أن أعطينا القواعد العامّة التي تنطبق على هذه الموارد.
هذا كلّه في وجود حالتين فقط في الصلاة الواحدة، ومنه اتّضح الحال في وجود أكثر من حالتين، فإنَّ صورها ترتفع إلى أضعاف ذلك، وتنطبق
ــــــ[499]ـــــــ
( ) حاصله: الانتهاء من صلاته حينئذٍ، فلا معنى للالحاق (منه+).
(2) ولا ينافي هذا ما قلناه من كونها ترجع إلى حوالي أربعٍ وعشرين، فإن أضفنا احتمالاتٍ أُخرى إليها زادت الصور (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
عليها نفس القواعد لا محالة، فإن اشتدّ حاله يطبّق ما قلناه في القسم الأوّل، وإن تحسّن طُبّق ما قلناه في القسم الثاني.
ولا يبقى حول ذلك إلَّا أن نشير إلى أمرٍ واحدٍ، وحاصله: أنَّه إن كان مشتركاً في أوّل الصلاة في جماعةٍ سواءً كانت في الأمن المطلق أو في الأمن في الجملة – اعتياديّةٍ أو ذات الرقاع أو في شدّة الخوف، الأُولى إيماءً كذلك عند إمكانه- ثُمَّ اقتضى حاله الانفراد والاستمرار في صلاته، ثُمَّ اتّحد حاله مع الجماعة بعد ذلك، فإنَّه لا يمكنه الرجوع إلى الائتمام بأيّ حالٍ؛ لعدم الدليل على جواز الائتمام بعد الانفراد، إلَّا في بعض أفعال ذات الرقاع، وأمّا في غيره فلا دليل على جوازه وإمكانه، فيتعيّن على المكلّف البقاء على الانفراد لا محالة، بأيّ حالٍ كان.
وهل ينطبق عدم جواز الائتمام بمجرّد نيّة الانفراد، أم بعد الإتيان بعمل انفرادي؟ وجهان، أظهرهما الأوّل؛ للشكّ في جواز العود أيضاً وعدم الدليل عليه.
نعم، إذا أوجبت حالته ارتفاع صلاته موضوعاً على جملة من الصور السابقة، فأعرض عنها، وقبل أن يبدأ بصلاةٍ جديدةٍ اتّحد حاله مع الجماعة مرّةً أُخرى، أمكن له الاقتداء بالنحو الذي كان عليه قبل اختلاف حاله لا محالة.
ومثله لو أعرض عن الجماعة لِمَا قلناه، وبدأ بصلاةٍ أو بدلٍ منفرداً، ثمَّ ارتفع موضوعاً كما لو بدأ بالتكبير فطرأت حال الأمن المطلق أو في الجملة، أو بدأ بالركعات التامّة وطرأت شدّة الخوف الثانية، وقد سبقت كلتا الصورتين، فبعد رفْع يده عن البدل أو الصلاة، وتكون صلاة الجماعة لا زالت غير منتهيةٍ، وقد اتّحد حاله معها، فله الرجوع إلى الائتمام من أوّل صلاته، وإن
ــــــ[500]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
كانوا في الأثناء؛ لجوازه في الجماعة كما حُقّق في محلّه.
ويُتصوّر هذا الذي قلناه: فيما إذا بدأ صلاته جماعةً في حال إمكانها، ثمَّ طرأت حالة شدّة الخوف، ثمَّ ارتفعت واتّحد حاله مع الجماعة، أو كانت الجماعة آمنةً أمناً مطلقاً وطرأ عليه الأمن أو الخوف في الجملة، فله الالتحاق في ابتداء صلاته ما داموا مستمرّين بالصلاة.
هذا هو تمام الكلام في الفصل الثامن، في حصول شدّة الخوف في بعض الصلاة دون بعض.
الفصل التاسع: في قضاء صلاة شدّة الخوف
لا إشكال بوجوب الإعادة والقضاء عند ترك البدل أو عند انكشاف بطلانهِ للنقص في أجزائه وشرائطه، فإن انكشف في الوقت أعاد على مقتضى تكليفه بعد الانكشاف، فإن لم يُعِدْ أو لم ينكشف حتّى خرج الوقت وجب عليه القضاء لا محالة.
فيقع الكلام في كيفيّة القضاء، وهل يجب بالصلاة الجامعة للأجزاء والشرائط، أم يجب بالبدل بالخصوص، في حالةٍ مماثلةٍ لحال الأداء أم بدونها؟
مقتضى القاعدة القائلة بوجوب قضاء ما فات كما فات(1)، هو وجوب البدل عند القضاء بالخصوص وإن كان في حالة الأمن المطلق، فإنَّ ما فاته في الوقت ليس إلَّا البدل، بعد سقوط الأمر الأوّل لا محالة، وتنجّز وجوب البدل عليه، فيتعيّن القضاء.
وقبل أن نناقش ذلك، لابدَّ أن نشير إلى نكتة الفوت التي أسّسناها في
ــــــ[501]ـــــــ
(1) تقدّم تخريج ذلك سابقاً، فراجع.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
(مداركنا)(1) وحوّلنا عليها في المقام الثاني من هذه الرسالة، وحاصلها:
أنَّ الفوت الذي يجب مماثلة الفرد القضائي له، هو فوت التكليف الذي فات امتثاله في آخر الوقت، ولا اعتبار بالتكاليف السابقة عليه، وإن بنى عليه بعض قدماء الأصحاب(2).
وعليه فلابدَّ من ملاحظة التكليف المتعلّق بآخر فردٍ متصوّر في الوقت، فإن كان هو الصلاة الجامعة للأجزاء والشرائط وإن كانت قصراً، وجب قضاؤها كذلك وإن كانت شدّة الخوف ووجوب البدل قد طرأ في أثناء الوقت، وارتفع قبل نهايته، فينحصر الكلام فيما إذا كان البدل منجّزاً في آخر الوقت بأحد أنحائه لا محالة.
ولا يُقال: بأنَّ هذا تامٌّ فيما إذا ترك المكلّف الصلاة في كلّ الوقت عن عذرٍ أو لغير عذرٍ، وأمّا لو كان قد صلّى بدلاً باطلاً، فالفوت إنَّما يصدق على هذا البدل الباطل، سواء كان وقت إيجاده في أوّل الوقت أو في آخره؛ بناءً على ما قلناه من جواز البدار، وسواء تغيّر حاله في الوقت أو لم يتغيّر.
فإنَّه يُقال: إنَّ الفرد الباطل لا اعتبار به شرعاً، والتكليف الذي فات امتثاله ببطلانه وإن كان يصدق عليه الفوت، ولكنّنا قلنا أنَّ القضاء إنَّما يجب مماثلته مع مصداق الطبيعة الفائتة، وذلك لا يصدق إلَّا آخر الوقت، وأمّا مع انتقال التكليف وزواله في الأثناء فلا يصدق عليه الفوت، وإنَّما يصدق على
ــــــ[502]ـــــــ
(1) راجع مدارك الآراء (للسيّد الشهيد الصدر الثاني): 213، المقام الثالث: فمَن مرَّ بحالي السفر والحضر في الوقت، عدّة نواحٍ في فقه الحديث.
(2) راجع ذلك في مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 721، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
التكليف الأخير الذي فات امتثاله.
ومعه فمجرّد صدْق الفوت على ما كان في أوّل الوقت، وإن لم يكن فوتاً للطبيعة عرفاً، لا يجدي في المقام شيئاً.
وعليه فينحصر الكلام فيما إذا كان البدل منجّزاً في آخر الوقت، سواءً كان هناك فردٌ باطلٌ قبل ذلك أو لم يكن. ولا يفرق في ذلك بين أنحاء البدل الفائت لا محالة. سواءً كان هو الإيماء أو التكبير، فقد يُقال بوجوب القضاء مماثلاً للبدل الفائت، سواءً كان في حالةٍ مماثلةٍ من الخوف أو لم يكن.
وقد يُناقَش ذلك: بأنَّ مماثلة القضاء للبدل خلاف فرض البدليّة، فإنَّ مقتضاها هو وجود التكليف بالمبدل منه في الجملة، وإلَّا لم يكن بدلاً، بل كان أصلاً لا محالة، ومقتضى وجود التكليف بالمبدل منه، أنَّه وإن لم يكن منجّزاً حال وجوب البدل وتنجّزه لا محالة، ولكنّه موجودٌ بأصله ووجوده غير المنجّز لا محالة؛ إذ لا دليل على سقوطه في هذه المرتبة، ومقتضى الإطلاق ثبوتها لا محالة.
ومعه إذا دار الأمر بين مماثلة القضاء مع التكليف المنجّز بالبدل أو التكليف غير المنجّز بالمبدل منه، يتعيّن الثاني لا محالة؛ باعتباره التكليف بالصلاة الجامعة للأجزاء والشرائط الثابتة في أصل الشريعة.
ومن هنا، إذا جاء في القضاء بالفرد المماثل لأصل الصلاة كان مجزياً جزماً، سواءً قلنا بجواز الفرد الآخر عليه أو لا.
إلَّا أنَّ هذا ممّا لا يكاد يتمّ [لما يلي]:
أوّلاً: إنَّ وجود التكليف غير المنجّز بأصل الصلاة وإن كان ثابتاً بالإطلاق في الجملة، إلَّا أنَّه ممّا لا تقتضيه البدليّة، فإنَّه يكفي في البدليّة كونها
ــــــ[503]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ثابتةً عند عدم المبدل منه، ومسقطةً لإعادته وقضائه، سواءً كان عدم المبدل منه مستنداً إلى عدم تنجّزه أو إلى سقوطه النهائي كما هو واضحٌ.
ثانياً: إنَّ مماثلة القضاء للتكليف غير المنجّز مع وجود التكليف المنجّز بغيره ممّا لا يتمّ؛ لأنَّ التكليف غير المنجّز لا يصدق عليه الفوت لا محالة؛ لعدم اقتضائه للجري عليه أداءً كما هو واضحٌ، على حين يصدق الفوت على التكليف المنجّز لاقتضائه للجري عليه أداءً، ومع عدمه يصدق الفوت عرفاً، فيجب مماثلة القضاء مع التكليف الذي صدق فوْته دون الآخر. كما هو واضحٌ.
ثالثاً: إنَّ الاستدلال على ذلك بكون الإتيان بالفرد المماثل لأصل الصلاة مجزياً لا محالة غير تامٍّ أيضاً؛ لعدم قيامه على الأساس المتخيّل، وإنَّما هو تابعٌ – على تقدير ثبوته- للقطع بالأولويّة التي ذكر نحوها الفقيه الهمداني(1): من أنَّ الفرد التامّ موفٍ للغرض أكثر من الفرد الناقص جزماً. على أنَّه في نفسه غير ثابتٍ، فإنَّه إن لم يتمّ الإجماع عليه، فهو خلاف مماثلة القضاء للأداء الفائت بعد بطلان ذلك الوجه، كما هو واضحٌ، والإجماع غير ثابتٍ جزماً؛ لأنَّ هذه المسالة ممّا لم تُبحث سابقاً، فلا يعلم آراء الفقهاء فيها، والقطع بالأولويّة فرع القطع بتماميّة الملاك، وتماميّته فرع تماميّة الدليل عليه أو عدم الدليل على خلافه على الأقلّ، ومَن يدّعي كفاية البدل في القضاء يدّعي قيام الدليل عليه لا محالة. ومعه يبقى الإتيان بالفرد التامّ تشريعاً محرّماً، إلَّا إذا حصل القطع وجداناً على أيّ حالٍ، فعهدته حينئذٍ على مدّعيه.
ــــــ[504]ـــــــ
(1) راجع مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 720-721، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
وقد يُناقش أصل الدعوى بوجهٍ آخر، وحاصله:
أنَّه إنَّما جاز الاجتزاء بالبدل باعتبار عدم إمكان استيفاء الملاك التامّ تكويناً أو تشريعاً كما أشرنا، فيكفي الإتيان بحصّةٍ منه، ومعه يكون تحصيل الحصّة الزائدة غير ممكنٍ؛ لعدم مشروعيّة الأداء والقضاء.
وأمّا عند القضاء فالمفروض أنَّ المكلّف يكون في حال الاختيار، خاصّةً مع عدم القول بوجوب البدار إليه، كما عليه التحقيق، إذن فيمكن للمكلّف أن يأتي بالفرد الكامل فيحرز به الملاك التامّ، بما فيه الحصّة الزائدة، والمفروض أنَّها مع الإمكان تكون ملزِمةً لا محالة، كما هو الحال في وقت الأداء، فيتعيّن على المكلّف في حال القضاء أن يمتثل الحصّة الزائدة بالإتيان بالفرد التامّ، ولو بالانتظار إلى زوال الخوف، بناءً على جوازه الذي قلناه.
إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ:
فإنَّه فرع ثبوت الملاك التامّ في وقت القضاء، وهو فرع وجود الإطلاق في دليله، وهو غير موجودٍ في دليل: >اقض ما فات كما فات<، إلَّا على تقدير الانحلال إلى أمرٍ بالطبيعة وأمرٍ بالقيد ليُدّعى أنَّ الأمر بالطبيعة مطلقٌ مثبت للملاك التامّ في وقت القضاء.
إلَّا أنَّ الانحلال في الأدلّة غير تامٍّ كما حُقّق في محلّه، وإنَّما يدلّ الدليل على المقيّد بما هو مقيّدٌ، ومعه لا يبقى دليلٌ على وجود الملاك التامّ أساساً، وإنَّما الملاك منحصرٌ بوجوب المماثلة أيّاً كان شكلها.
ومن المعلوم أنَّ ثبوت الملاك التامّ في الوقت لا يلازم وجوده في وقت القضاء. نعم، إذا كان مقتضى المماثلة هو ذلك، كما لو صدق الفوت على الفرد التامّ، فيجب قضاؤه تامّاً لا محالة. فيثبت بالملازمة من الدليل وجود الملاك
ــــــ[505]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
التامّ لا محالة، وأمّا مع اقتضاء المماثلة الإتيان بخصوص الفرد الناقص، فهذه الملازمة منتفيةٌ كما هو واضحٌ، إن لم تكن الملازمة ثابتةً بالعكس، فتأمّل.
ولا يُقال: إنَّ مقتضى المماثلة هو الدلالة على أنَّه كما أنَّ الفرد التامّ موفٍ لبعض الملاك فكذلك القضاء. فيكون دالاً بالملازمة على وجوب الحصّة الزائدة في وقت القضاء أيضاً. فيجب تحصيلها مع الإمكان.
فإنَّه يُقال: إنَّ هذه مغالطةٌ واضحةٌ؛ لأنَّ الملاك الثابت في الوقت متعلّقٌ بعنوان الصلاة، ومن ثَمَّ وجب الإتيان بحصّته الزائدة، وأمّا الملاك في وقت القضاء فهو متعلّقٌ بالمماثلة، أو بالفرد المماثل، لا بطبيعيّ الصلاة كما عرفنا، ومعه تكون الحصّة الزائدة منتفيةً موضوعاً من هذه الناحية كما هو واضحٌ.
نعم، لو لم يمكن المماثلة واضطر المكلّف إلى القضاء بنحوٍ أقلّ من الأداء، أمكن تصوّر الحصّة الزائدة لا محالة، إلَّا أنَّ هذا خارجٌ عمّا نحن فيه كما هو معلومٌ.
وقد يُناقش أصل الدعوى: بكفاية الفرد الناقص في القضاء، بدعوى أنَّ الأمر دائرٌ بين التعيين والتخيير، فإنَّ المكلّف إن أتى بالفرد التامّ كان مجزياً لا محالة، بناءً على القطع الذي ذكرناه، ولكنّه إن أتى بالفرد الناقص فإنَّه قد لا يكون مجزياً. ومع دوران الأمر بين التعيين والتخيير، يتعيّن المصير إلى التعيين لا محالة.
إلَّا أنَّ هذه دعوى غير صناعيّةٍ؛ باعتبار وضوح عدم الانتقال إلى مثل هذا الشك إلَّا بعد فقدان الدليل على التخيير، والمدّعى وجوده لا محالة. بل قلنا: إنَّ الدليل دالٌ على إجزاء خصوص الفرد الناقص دون التامّ، وإنَّ القطع المزبور لم يكن قائماً على دليلٍ.
ــــــ[506]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
فتحصّل: أنَّه لا دافع لتلك الدعوى المستندة إلى دليل المماثلة في القضاء، من أنَّه متى صدق الفوت على بدلٍ من الأبدال، وذلك في آخر الوقت، ولم يؤدّه صحيحاً، فإنَّه يجب عليه نفس البدل قضاءً، إمّا الإيماء لو فات في شدّة الخوف الأُولى أو التكبير لو فات في الثانية، ولا يكاد يكون الفرد التامّ من الصلاة صحيحاً ومجزياً، إلَّا لمَن حصل له القطع المزبور من دون دليلٍ صناعيٍّ.
نعم، لو كنّا نقول بوجوب الباقي أداءً، لصعب على المكلّف بناءً على ما اخترناه، تعيين وظيفته في الصلاة، عند القضاء؛ لعدم تعيّن ما كان يستطيعه وما لم يكن يستطيعه عند الأداء، فيجب عليه الإتيان بالفرد التامّ، ناوياً بكلّ جزءٍ واقع الأمر من كونه مكلّفاً به أو غير مكلّف. فإن كان واجباً عليه فهو، وإلَّا لم يكن مبطلاً؛ لعدم قصد الجزئيّة، ويكون هذا كافياً فتأمّل.
ويؤيّد بل يعيّن ما قلنا أمران:
الأمر الأوّل: أنّنا بعد أن قلنا بالتنزيل وأنَّ البدل صلاةٌ تعبّداً، فإنَّه لا يرد شيءٌ من الإشكالات السابقة بغضّ النظر عمّا ذكرناه في مناقشاتها.
أمّا الأوّل: فقد كان مبنيّاً على تخيّل التغاير والاثنينيّة بين البدل والمبدل منه، ليصحّ أن يُقال: إنَّ الأمر بالبدل منجّزٌ والأمر بالمبدل منه غير منجّزٍ، وأمّا مع القول بالتنزيل – وهو اعتبار العينية تعبّداً- فقد اعتبر الشارع البدل مصداقاً للأمر بالصلاة أساساً، ومعه يكون الأمر الأوّلي بالصلاة منجّزاً ويقع هذا مصداقاً له تعبّداً.
فإن قيل: إنَّ هذا على تقدير انحلال الأمر، ولا نقول به.
قلنا: لو كان الأمر الأوّلي بالصلاة مقيّداً بالتقييد المتّصل بالأمر بالأجزاء والشرائط التامّة، لكان ما قيل تامّاً، ولكنّ الأمر بطبيعة الصلاة
ــــــ[507]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
موجودٌ في الشريعة، وتقييده منفصلٌ لا محالة بأدلّةٍ أُخرى، ومع تعذّر القيد يسقط الأمر به، الوارد في دليلٍ منفصلٍ، وبذلك تسقط قيديّته ويبقى الأمر بالصلاة غير مقيّدٍ.
فإن قيل: هذا يؤدّي إلى القول بوجوب الباقي؛ باعتبار أنَّ سقوط الدليل المنفصل لا يستلزم سقوط الدليل الآخر.
قلنا: كلا، فإنَّ ما قلناه إنَّما يتمّ بالنسبة إلى الطبيعة مع قيودها، لا بالنسبة إلى أدلّة القيود نفسها، فإنَّ نفس إقامة الدليل على ارتباطيّتها يقتضي سقوطها بسقوط غيرها.
وما نقوله من بقاء الأمر بالطبيعة، لا يعني بقاء الأمر بالفرد الكامل، بل الأمر بالفرد الكامل يكون ساقطاً جزماً، لتعذّر بعض أجزائه، وهذا الأمر ليس هو عين الأمر بالطبيعة في الأدلّة، بل مستفادٌ من مجموعها، وهو عند تحقّق موضوعه يكتسب اتّحاداً وعينيّةً معها لا محالة. ولكنّه بعد سقوطها وتحقّق موضوع الفرد التنزيلي يكتسب اتّحاداً وعينيّةً مع الأمر بهذا الفرد التنزيلي، ويكون امتثاله امتثالاً له لا محالة.
وأمّا الثاني: فقد كان مبنيّاً على تخيّل كون البدل غير وافٍ بتمام الملاك، وأنَّه تبقى حصّةٌ إلزاميّةٌ منه واجبة الاستيفاء، إلَّا أنَّ هذا في نفسه لا يكاد أن يكون تامّاً؛ فإنّنا نفهم من دليل التنزيل وكونه هذا مصداقاً للصلاة، كونه وافياً بالغرض كلّه عند تحقّق موضوعه، ولا أقلّ من احتمال ذلك المنقّح لجريان الأصل المؤمّن.
فإن قيل: هذا في الأداء، فكيف في القضاء مع فرض عدم وجود الخوف؟
ــــــ[508]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
نقول: إنَّ البدل التنزيلي إنَّما يكون وافياً بالغرض كلّه عند تحقّق موضوعه، وموضوع البدل في الأداء هو شدّة الخوف، كما عرفنا، وموضوعه في وقت القضاء هو كون الفائت متّصفاً بهذه الصفة، فيجب مماثلته له.
وأمّا الثالث: فقد كان مبنيّاً على تخيّل الاثنينيّة والمغايرة بين البدل والمبدل منه ليكون الفرد التامّ وافياً جزماً والفرد الناقص يُشكّ فيه، ولكن بعد إحراز التنزيل ترتفع الاثنينيّة تعبّداً، ويكون البدل وافياً بالملاك وما هو المطلوب جزماً.
بعبارة أُخرى: إنَّنا بضمّ دليل التنزيل إلى دليل مماثلة القضاء للأداء، نفهم سريان حكم التنزيل من حال الأداء إلى حال القضاء، وبه يرتفع الإشكالان الأخيران والإشكال الأوّل أيضاً.
فهذا هو الأمر الأوّل ممّا يؤيّد ما قلناه.
الأمر الثاني: أنّنا وإن لم نقل بوجوب البدار إلى القضاء، بل له -مع إحراز السلامة ولو استصحاباً- أن يؤجّل ما عليه من القضاء ما شاء، إلَّا أنَّ المكلّف قد يرجّح في ظنّه الهلاك في جملةٍ من حوادث الخوف، وقد سبق أن قلنا إنَّه يتعيّن في مثل ذلك أن يبادر إلى صلاته، فيأتي بالبدل ولو في أوّل الوقت أداءً.
فإنَّ الوقت وإن كان واسعاً بحسب أصل التشريع على سائر المكلّفين، ولكنّه ضيّقٌ بالنسبة إليه باعتبار ظنّ الهلاك، وإذا هلك ولم يصلّ، يكون مقصّراً لا محالة.
فمثل ذلك يُقال في القضاء، وأنَّ المكلّف مع رجحان الهلاك أو الخروج عن شرائط التكليف وخاصّةً إذا حصل له الاطمئنان، تتنجّز سائر ما عليه من
ــــــ[509]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الصلوات الفائتة، سواء منها الفائتة في حال الخوف أو في غيره، ويجب عليه أن يأتي بمقدارٍ منها بحسب إمكانه من حيث العدد.
وأمّا من حيث الكيفيّة، فيأتي بالبدل المناسب مع حاله لا محالة، لِمَا فهمناه من أدلّة صلاة شدّة الخوف، بكون البدل مجزياً عن الصلاة التامّة ومنزّلاً منزلتها في شدّة الخوف، سواءً كان أداءً أو قضاءً، ويكون دليل التنزيل حاكماً على وجوب المماثلة عند تعذّرها؛ لعدم احتمال ارتفاع وجوب القضاء أساساً بارتفاع وجوب المماثلة، فإن قضى في حاله تلك عدداً من الصلوات بأبدالها ومات فقد أدّى ما عليه، ولا يجب قضاؤها بعد ذلك، وإن لم يمت وارتفعت حال شدّة الخوف، فلينظر إلى ما أتى به، فإن كان الفائت مماثلاً معه فهو، وإن كان الفائت أكبر منه كما لو فاتته صلاةٌ تامّةٌ أو إيماءٌ فقضاها بالتكبير، أعاد القضاء لا محالة؛ لعدم الدليل على التنزيل في القضاء إلَّا في حدود المماثلة، وأمّا مع عدمه وسعة الوقت واقعاً على الفرض، فلا يكون مجزياً لا محالة، وما أشرنا إليه من إطلاق أدلّة صلاة الخوف خاصٌّ بحال شدّة الخوف نفسها، ولا إطلاق له مثبتٌ لجواز البدار في القضاء كما هو واضحٌ، فإنَّه ليس في مقام البيان من هذه الناحية.
وأمّا لو كان الفائت أقلّ ممّا أتى به، كما لو فاتته الصلاة في شدّة الخوف الثانية فقضاها على نحو صلاة شدّة الخوف الأُولى، في حالتها، فهو مبنيٌ على القطع الذي أشرنا إليه: من أنَّ الفرد الأكبر وافٍ بالغرض أكثر من الفرد الأقلّ. ومع التنزّل فالمساواة، وقلنا إنَّ هذا القطع لا يستند إلى دليلٍ، إلَّا أن يحصل في الوجدان بدونه، وبحسب ما قلناه يكون ما أتى به غير مماثلٍ للفائت لا محالة، فلا يكون مجزياً على مقتضى القاعدة.
ــــــ[510]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
هذا لو أتى بالقضاء بالنحو المذكور عند تحقّق موضوع الكيفيّة، وهو حالة شدّة الخوف الأُولى في المثال، فإنَّه يكون لتوهّم إجزائه مجالٌ.
ونحوه إذا أتى بالصلاة التامّة في الأمن المطلق قضاءً عمّا فاته من البدل وهو التكبير في شدّة الخوف الثانية. وكذلك لو أتى بصلاة ذات الرقاع قضاءً في حال الخوف في الجملة لو قيل بإمكانه وشمول دليله.
وأمّا لو أتى بكيفيّةٍ مغايرةٍ للفائت ومغايرةٍ لتكليفه الفعليّ، لم يكن مجزياً قطعاً؛ لعدم الدليل عليه، وأصالة عدم الإجزاء وعدم حصول الامتثال حتّى لو كان ما أتى به أكبر من الفائت وأكبر ممّا تقتضيه الحالة التي هو فيها، كما لو كان الفائت هو البدل في شدّة الخوف الثانية، وكان هو في حالة شدّة الخوف الأُولى وأتى بالصلاة التامّة أو ذات الرقاع قضاءً، فإنَّه لا يكون مجزياً، ولا يكون ذلك القطع دليلاً عليه؛ لاختصاصه بمشروعيّة الكيفيّة المأتيّ بها بمطابقتها مع الحالة التي هو فيها، على ما ورد في الأدلّة، كما مثّلنا من الإتيان بالقضاء إيماءً في حالة شدّة الخوف الأُولى، إيماءً عمّا فاته في الحالة الثانية لشدّة الخوف.
إلَّا أن يُدَّعى القطع الخارجي أو تعميم لسان الأدلّة بإلغاء الخصوصيّة، بمشروعيّة الصلاة الأكبر في الحالة الأردأ، فيكون الإيماء مشروعاً في الحالة الثانية لشدّة الخوف، مع إمكانه وصلاة ذات الرقاع مشروعة في الحالة الأُولى لشدّة الخوف، إلَّا أنَّ القطع عهدته على مدّعيه، وكذلك الإلغاء بعد ظهور الأدلّة بالقيديّة وعدم القرينة على التجريد.
على أنَّه مختصٌ بما إذا أتى المكلّف بصلاةٍ أكبر ممّا تقتضيه حالته، وأمّا إذا أتى بالأقلّ -كما لو فاتته الصلاة في شدّة الخوف الثانية، وكان في حال الأمن المطلق أو الأمن في الجملة، فقضاها إيماءً كالحالة الأُولى لشدّة الخوف- فإنَّ
ــــــ[511]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ذلك ممّا لا يمكن أن يتخيّل إجزاؤه بحسب صناعة الأدلّة. وعلى ما قلناه يجب أن يقضي ما فاته في المثال بالتكبير على أيّ حالٍ، لتحصل المماثلة بين القضاء والأداء.
ولا يبقى على ما ذكرناه إلَّا إشكالٌ عامٌّ على قاعدة >اقضِ ما فات كما فات<(1) وذلك من جهتين:
الجهة الأُولى: من ناحية اختصاص صحيحة زرارة المتكفّلة لبيان هذه القاعدة بالقصر والتمام.
والجهة الثانية: في التساؤل والتشكيك في مقدار المماثلة من ناحية مدلول الكاف الذي يفيدها في الرواية. وكلا الجهتين خارجتان عن محلّ الكلام.
إلَّا أنّنا نذكر بنحو الإيجاز بأنَّه: من الممكن أنْ يُستفاد من القاعدة عمومها، ويُفهم من ذيلها التطبيق على مورد السؤال. بل هذا هو الظاهر، فإنَّه يقول: قال: قلتُ له: رجلٌ فاتتْه صلاةٌ من صلاة السفر فذكرها في الحضر، قال: >يقضي ما فاته كما فاته، إن كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها، وإن كانت صلاة الحضر فليقضِ صلاة الحضر كما فاتته<(2).
ومع استفادة التطبيق يرتفع احتمال القيّدية كما هو واضحٌ، ومع ارتفاعها يرتفع احتمال أن تكون المماثلة بخصوص عدد الركعات، فإنَّ ذلك كان من حيث مورد المثال، ولم يكن المثال قيْداً، فنتمسّك بإطلاق المماثلة
ــــــ[512]ـــــــ
(1) مرّ تخريجها سابقاً، فراجع.
(2) الكافي 6: 503، كتاب الصلاة، الباب 78، الحديث 7، تهذيب الأحكام 3: 162، كتاب الصلاة، الباب 10، الحديث 11، وسائل الشيعة 8: 268، باب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث1.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
المدلول عليه بالكاف؛ لوجوب المماثلة من سائر الجهات، ولو كان موضوع الأداء قد ارتفع وتبدّل إلى موضوعٍ آخر، وهذا واضحٌ من الرواية جدّاً، وتمام الكلام في محلّه، وقد أشرنا في (مداركنا)(1) إلى طرف منه فراجع.
فتحصّل من هذا الفصل:
أنَّه إذا فاتتْه صلاةٌ أو بدلٌ تنزيليٌّ للصلاة، فيقضيه كما فاته، سواء كان المكلّف في مثل الحال الذي فاتت عليه أو في حال أحسن منها، وإن تنازل حاله في وقت القضاء من وقت الأداء، فإنْ استطاع أن يقضي مثل ما فاته(2) فهو. وإن لم يستطع إلَّا الأدون فإن كان ظانّاً بالسلامة بعد ارتفاع الخوف، وجب عليه التأجيل إلى ذلك الحين؛ لعدم القول بوجوب البدار إلى القضاء. وإن كان محتملاً أو ظانّاً للهلاك، وجب عليه البدار كما قلنا.
وتسقط معه وجوب المماثلة، ويبقى وجوب أصل القضاء، فإن قضى بالنحو الذي تقتضيه حاله ومات لم يُقْضَ عنه، وإن تحسّن حاله وجب تكرار القضاء لإحراز المماثلة لا محالة. إذ ينكشف أنَّ سقوط وجوب المماثلة في ذلك الحين لم يكن مطابقاً للواقع بعد القدرة على التأجيل في الواقع.
نعم، لو دلّ الدليل الاجتهادي على جواز البدار للقضاء، كما دلّ عليه في الأداء، لكان معذّراً للمكلّف عن الإعادة لا محالة، ولكنّه غير موجودٍ. ومع السعة لا يصدق الاضطرار على مقتضى القاعدة، فينكشف عدم السقوط لا محالة، فيجب التكرار.
ــــــ[513]ـــــــ
( ) أُنظر: مدارك الآراء: 213، المقام الثالث: فيمَن مرَّ بحالي السفر والحضر في الوقت، عدّة نواحٍ في فقه الحديث.
(2) بدون امتناع تكويني أو تشريعي (منه+).
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
ولا يُقال: إنَّ دليل البدليّة والتنزيل حاكمٌ عليه، فإنَّه أتى عن القضاء بالبدل التنزيليّ في حال هي موضوع له في دليله الخاصّ، فيكون مجزياً.
فإنَّه يُقال:
أوّلاً: هذا إنَّما يكون له صورة، فيما إذا كان الفائت هو الصلاة التامّة، ليصدق على ما أتى به أنَّه بدلها؛ فإنَّ المستفاد من أدلّة البدليّة، كون المشروع فيها بدلٌ عن الصلاة التامّة، وليست الأبدال تغني عن بعضها البعض، بأن يكون البدلُ بدلاً عن الصلاة والبدل الأكبر منه.
ثانياً: إنَّ هذا غير تامٍّ حتّى في الصلاة؛ لاختصاص البدليّة بحال الخوف والاضطرار، ومع وجود الاختيار في الواقع، لا تكون الحالة المعيّنة موضوعاً للبدليّة في القضاء أساساً، وإن كانت موضوعاً لها في الأداء؛ لوجود الدليل الخاصّ على جواز البدار.
هذا هو تمام الكلام في الكلام عن القضاء، وبه ينتهي الفصل التاسع المتكفّل لبيانه.
وبه ينتهي الكلام عن الجهة الثالثة من الكلام عن صلاة شدّة الخوف بفصولها التسعة التي سبقت.
وبها ينتهي الكلام عن المقام الثالث في صلاة شدّة الخوف. وهو آخر المقامات في هذه الرسالة. ولم تبق من أحكام الخوفِ إلَّا حكم المتوحّل والغريق، نبيّنه في ما يلي.
ــــــ[514]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

خاتمة هذه الرسالة في حكم المتوحّل والغريق
ويقع الكلام فيهما من حيث إنَّهما لا يستطيعان الإتيان بالصلاة التامّة الجامعة للأجزاء والشرائط، بل لابدَّ من سقوط بعض الأجزاء لتعذّرها. ومن ثَمَّ فيُتكلّم في القصر من حيث الكميّة تارة ومن حيث الكيفيّة أُخرى:
الجهة الأُُولى: في التقصير من حيث الكميّة، بجعل الرباعية ركعتين
لا إشكال في مشروعيّة القصر ووجوبه عليهما عند السفر المجرّد عن الخوف، أو عند الخوف المجرّد عن السفر، فضلاً عن صورة تحقّقهما معاً؛ بناءً على ما حقّقناه من كون كلا العنوانين سبباً مستقلاً للقصر.
وإنَّما الكلام فيما إذا توحّل المكلّف في طينٍ أو غرق في نهرٍ، أو التفّ حوله حبلٌ صدفةً فشدّ وثاقه، ولم يكن هناك سفر أو خوف، فهل يكون ذلك موجباً للقصر في الكميّة أو لا؟ ومن هنا عنونّا ذلك في أوّل صفحةٍ من هذه الرسالة بإلحاق أسباب أُخرى في الخوف، من حيث سببيّته للقصر، والمؤدّى واحد. والعنوان هنا أشمل كما هو واضحٌ.
مقتضى القاعدة هو وجوب الإتمام لا محالة؛ لعدم الدليل على القصر، فيكون مشمولاً لأدلّة وجوب التمام لا محالة، أو أصالة التمام على ما يعبّرون(1)، وكونه غير مشمول لأدلّة القصر واضحٌ بعد اختصاصه بالخوف
ــــــ[515]ـــــــ
(1) ورد التعبير بأصالة التمام في طبقة متأخّريّ المتأخّرين عن الأدلّة التي تفترض الصلاة التمام هي التشريع الأوّل.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
والسفر، والمفروض عدم صدق أحدهما عليه.
وما نُقل في سائر المصادر – عن الشهيد في الذكرى: من أنَّه لو خاف من إتمام الصلاة استيلاء الغرق، ورجا عند قصر العدد سلامتَه، وضاق الوقت، فالظاهر أنَّه يقصر العدد أيضاً(1)، على ما في المدارك(2) وغيرها- خروجٌ عن محلّ الفرض.
فإنَّه لا يُشترط في الخوف أن يكون خوفاً في المرتبة السابقة من الصلاة، بل يكفي أن يقع في طول الصلاة أيضاً، لِمَا قلناه: من دلالة الدليل على إيجاب كلّ خوفٍ للقصر. وهذا واضحٌ، وغير مختصٍّ بضيق الوقت كما سبق، بل يجوز له البدار كما سمعنا مفصّلاً.
ثُمّ إنَّ شارح الإرشاد استحسن ما ذكره المصنّف واستدلّ عليه؛ نظراً إلى أنَّه يجوز له الترك فقصْر العدد أولى. قال(3): لكن في سقوط القضاء بذلك نظرٌ؛ لعدم النصّ على جواز القصْر هنا، فوجوب القضاء أجود. كذا نقله في المدارك(4)، ثمَّ أشكل عليه، على ما سنتعرّض لبعضه.
أقول: وكلام الشارح غريب جملةً وتفصيلاً، أمّا إنَّه يجوز له الترك، فهو
ــــــ[516]ـــــــ
( ) راجع ذكرى الشيعة 4: 364، كتاب الصلاة، الركن الخامس، الفصل الثاني: في صلاة الخوف، المطلب الخامس في الأحكام، المسألة الثانية.
(2) راجع مدارك الأحكام 4: 426، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع في صلاة الخوف.
(3) روض الجنان 2: 1019، كتاب الصلاة، النظر الثالث، المقصد الثالث في صلاة الخوف، ومسالك الأفهام 1: 339، كتاب الصلاة، صلاة المطاردة.
(4) راجع مدارك الأحكام 4: 426، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
أغرب ما فيه، إذ كيف يصحّ ذلك والدليل القطعي قائمٌ على أنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ، وإذا كان مراده ترك الأفعال الاختياريّة فهو أمرٌ صحيح، إلَّا أنَّه لا يكون في نفسه تركاً للصلاة، بعد بدليّته عنها وقيامه مقامها.
وعلى أيّ حالٍ، فلا يكون دليلاً على جواز قصر العدد بمجرّده كما هو واضحٌ، لانتفاء الملازمة بينهما، إلَّا بدعوى أنَّه كلّما أمكن من الزيادة في أفعال الصلاة وجب، وهي أوّلاً: كبرى لم تثبت في الشرع، وثانياً: إنَّ القول بالقصر لا يعني أنَّ المتوحّل أو الغريق يأتي به تامّاً من حيث الكيفيّة، بل قد يأتي ببدله، ومعه لا تزيد أفعال الصلاة.
نعم، بناءً على ما ذكرناه من قيام الدليل على القصر، فلا إشكال من هذه الناحية.
وأمّا سقوط القضاء فهو ما أثبته الأصحاب المشكلون عليه بناءً على رأيه في جواز القصر؛ باعتبار أنَّ الإجزاء يكون قهريّاً لا محالة، ومعه لا يصدق الفوت ولا يثبت القضاء، وهذا جيّدٌ وواضحٌ. ومن هنا اعتبروا فتواه بإيجاب القضاء منافيةً لفتواه بجواز القصر.
والاستدلال عليه بعدم النصّ على جواز القصر في المورد غريبٌ أيضاً؛ أوّلاً: لوجود النصّ كما عرفنا. وثانياً: لأنَّ المدار ليس هو النصّ دائماً، بل يكفي قيام الدليل عليه في نظره، وهو الأولويّة، ومع عدم تماميّتها كيف أفتى بجواز القصر؟!
وممّا استشكل به صاحب المدارك عليه: بأنَّ اللازم ممّا اعترف به من انتفاء دليل القصر مساواة حكم التمكّن من الركعتين بحكم التمكّن من
ــــــ[517]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الركعة الواحدة، خاصّةً في عدم وجوب الإتيان بها منفردةً (1)، انتهى؛ باعتبار أنَّ الأولويّة عن الترك ثابتةٌ وانتفاء الدليل مشتركٌ ما بينهما، مع أنَّه لم يقل أحدٌ بوجوب الركعة عليه منفردةً لو تمكّن منها.
وهذا واردٌ عليه، مع الغضّ عمّا سنقوله من قصر الكيفيّة، وإلَّا فإنَّ الإتيان ببدل الركعتين قد يكون أسهل عليه من الإتيان بركعةٍ واحدةٍ تامّةٍ.
وقال الفقيه الهمداني(2) في بعض تعليقهِ على كلام الذكرى: وأمّا تعميم الخوف، فإن سلّمناه بالنسبة إلى سائر الأسباب، فهو فيما إذا كان من قبيل اللصّ والسبع ونحوها ممّا يمكن جعل اللصّ والسبع الواردين مثالاً لها، لا مثل خوف فوات الوقت أو حدوث الموت بوقوع حائط ونحوه كما لا يخفى.
وهذا غريبٌ منه+؛ إذ لا يُعلم مراده ممّا يمكن جعل اللص والسبع الواردين مثالاً له، فإن كان مراده هو مطلق الصراع والمبارزة مع الإنسان والوحوش، فهو ممّا تكاد أن تكون الرواية نصّاً فيه، ولا يقتصر التعميم عليه جزماً كما سنشير. وإن كان مراده هو الأعمّ من ذلك، فليس ذلك إلَّا خوف الهلاك أو الضرر العظيم على نفسٍ محترمةٍ أو مالٍ مهمٍّ، ومن هنا يدخل مثال وقوع الحائط في الموضوع ويندرج تحت الدليل لو كان استمرار وجود المكلّف تحت الحائط اضطراريّاً خارجاً عن القدرة، كما يندرج فيه المتوحّل والغريق لا محالة.
وأمّا خوف فوات الوقت، فمن المغالطة إدراجه في هذا السياق؛ لأنَّ
ــــــ[518]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) راجع مصباح الفقيه (ط.ق) 2 ق2: 720، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
تعبير الخوف فيه إنَّما هو باعتبار توقّع فوات الغرض أو توقّع العقاب الأخروي، وكلاهما خارجٌ عن مضمون هذه الأدلّة وخارج عن الخوف العرفي أساساً.
هذا كلّه بناءً على محاولته+ في التعميم من أخبار اللصّ والسبع، وأمّا بناءً على ما ذكرناه من قيام الدليل على كبرى إيجاب الخوف للسفر في أكثر من آيةٍ في القرآن الكريم، فتندرج هذه الموارد فيها لا محالة على تقدير عدم اندراجها في تلك الأخبار.
هذا هو الكلام في قصر كميّة الركعات [الجهة الأُولى]. وقد تحصّل عدم جوازه من دون سفرٍ ولا خوفٍ، لا في المرتبة السابقة ولا في المرتبة المتأخّرة على الفرض، وكذلك لو كان الخوف موجوداً بدون سفرٍ، إلَّا أنَّ التقصير لم يكن ليخفّف من حاله شيئاً، بحيث يتساوى هو والإتمام بالنسبة إلى حاله، فإنَّه لا يجوز القصر؛ لِمَا سبق أن أشرنا إليه من كبرى هذه المسألة، وما ذكره في الذكرى غير داخلٍ تحت هذه الكبرى.
الجهة الثانية في التقصير من حيث الكيفيّة، سواء وجب عليه التمام أو القصر
فإنَّ المتوحّل والغريق ونحوهما كالمشدود وثاقه ظلماً أو صدفةً، لا يستطيع الإتيان بالصلاة تامّة الأجزاء والشرائط، ويصلّيان بحسب الإمكان؛ لارتفاع ما لا يمكن عقلاً ونقلاً، على ما يعبّر في شرح الإرشاد(1)، وهو بهذا
ــــــ[519]ـــــــ
(1) راجع روض الجنان 2: 1019، كتاب الصلاة، النظر الثالث، المقصد الثالث: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
المقدار ممّا لا شائبة فيه.
إلَّا أنَّ الإشكال فيما يبقى للمكلّف من الكيفيّة، وأنَّه هل يكون مشمولاً لحكم البدل المشروع في أخبار صلاة شدّة الخوف أو لا؟ فإنَّه قد يُقال بشمولها لهُ، بدعوى: إمكان التعميم من الخوف لكلّ تعذّر، بتقريب: أنَّ العرف يفهم من تشريع البدل عند الخوف كونه مشروعاً باعتبار تعذّر الصلاة الاختياريّة لا باعتبار خصوصيّة الخوف، ومعه تكون شاملةً للمقام، إذ الفرض هو التعذّر لا محالة.
وهذا التقريب مقتصرٌ على دعوى فهْم العرف للتعميم على خلاف ظاهر الأخبار بالتقييد بالخوف، وعهدتها على مدّعيها، بعد كون احتمال دخْل الخوف في الحكم احتمالاً معتدّاً به مانعاً للعرف عن التجريد لو التفت إليه، فتأمّل.
إلَّا أنَّ أصل هذه الدعوى في الإيماء تامّةٌ لا محالة؛ لوروده بدلاً عن الركوع والسجود في أكثر من مورد(1) ممّا يُفهم منه عرفاً بوضوح أنَّه غير مختصٍّ بالمورد أو الموارد، وإنَّما هو مشروعٌ باعتبار تعذّر الفعل الاختياري.
ومعه يتعيّن القول بوجوب الإيماء عليه، مع إمكانه عند التوحّل أو الغرق أو شدّ الوثاق؛ وفاقاً لصاحب الجواهر+(2).
وأمّا بدليّة التكبير عند تعذّر الإيماء، فهو موقوفٌ على إمكان التجريد مع قصر النظر على أخبار شدّة الخوف؛ وقد سمعتَ ما فيه.
يبقى احتمال وجوب الباقي عليه، بعد تعذّر بعض الأجزاء بالتوحّل أو
ــــــ[520]ـــــــ
( ) إلَّا أنَّ هذا لا يكون تجريداً لخصوصيّة أخبار شدّة الخوف بالخصوص (منه+).
(2) أُنظر: جواهر الكلام 14: 191-193، كتاب الصلاة، الركن الرابع، الفصل الرابع: في صلاة الخوف.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الغرق، كما تسالم عليه جماعةٌ من أصحابنا المؤلّفين(1)، إمّا مطلقاً أو مع عدم تمكّنه من الإيماء.
أمّا ثبوته مطلقاً فغير تامٍّ جزماً؛ لِمَا سبق أن قلناه في غضون هذه الرسالة، من عدم اقتضاء القواعد العامّة لذلك، حتّى قاعدة: إنَّ الضرورات تُقدّر بقدرها؛ باعتبار شمولها لِمَا كان واجباً في المرتبة السابقة، وإلَّا لم يجب الإتيان بشيءٍ منه لا محالة. ومع سقوط الأمر الأوّلي بالتعذّر، لا يكون موضوعاً له كما هو واضحٌ. ولا يكون دليلاً على أمرٍ جديدٍ، وتمام الكلام في محلّه.
وإذا لم تقتضِ القواعد ذلك، ولم يدلّ عليه دليلٌ بالخصوص، فلا يمكن الالتزام به لا محالة.
وأمّا عند تعذّر الإيماء فيمكن أن يُقال بأحد أمرين:
أحدهما: ما كنّا نتكلّم فيه من وجوب الباقي، وذلك بتقريب: ضمّ قاعدة (الضرورات) إلى قاعدة (أنَّ الصلاة لا تسقط بحالٍ)، وضمّ ذلك إلى العلم الخارجي بعدم جعْل البدل في هذا المورد.
فإنّنا قلنا فيما سبق: إنَّ ضمّ هاتين القاعدتين إلى بعضهما، لا ينتج وجوب كلّ الباقي؛ وذلك لقصور القاعدة الثانية عن الدلالة إلَّا على وجوب الصلاة في الجملة، وقصور القاعدة الأُولى عن الشمول لِمَا سقط أمره في المرتبة السابقة، ومن هنا احتجنا إلى ضمّ العلم الخارجي بعدم جعْل البدل، فإنَّه حينئذٍ يُقال: إنَّه لو كان البدل مجعولاً في موردٍ من الموارد كشدّة الخوف، أمكن تعيين الثابت من الساقط من أجزاء الصلاة به، وأمّا مع عدمه فلا يبعد إمكان أن نجرّد من قاعدة (أنَّ الصلاة لا تسقط بحال)، أو من مجموع الأدلّة فهماً عرفيّاً
ــــــ[521]ـــــــ
(1) راجع المصدر السابق: 14: 192-193.
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
في وجوب الباقي، فإنَّه المتعيّن بعد سقوط التعذّر.
إلَّا أنَّ هذا منوطٌ كما هو معلومٌ بحصول العلم الخارجي، وهو متوقّفٌ على عدم تماميّة البدل بالتقريب الآتي.
ثانيهما: أن يُدّعى وجود البدل وهو التكبير الذي ثبتت مشروعيّته في الحالة الثانية لشدّة الخوف كما عرفنا، وذلك إمّا بالتجريد عن الخصوصيّة بالنحو الذي أشرنا إليه، وإمّا بتعميق هذا التجريد وتأييده بدعوى: أنَّه أمرٌ ثبتت مشروعيّته في الشريعة في الجملة عوضاً عن الإيماء، وبالتالي عن الصلاة، وحيث انسدّ أمامنا باب التعيين لِمَا هو ثابتٌ وما هو ساقطٌ في هذا المورد، تعيّن المصير إليه لا محالة، وبخاصّةٍ بعد الاستئناس بالتجريد العرفي.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ مع رفض التجريد العرفي، فإنَّه يكون من القياس المحرّم، ومن إسراء حكم موضوعٍ إلى موضوعٍ، وهو أمرٌ لا يمكن. وكون موضوعنا ممّا لا دليل عليه، لا يستلزم اقتباس الحكم من موضوعٍ آخر كما هو واضحٌ.
إذن، فيبقى الأمر معلّقاً على التجريد العرفي، فإن تمّ كان حال الغريق والمتوحّل ونحوه حال الخائف، ينتقل إلى التكبير بعد تعذّر الإيماء، غاية الأمر أنَّ طريق الاستدلال يختلف في الجملة، وأمّا مع إنكار هذا التجريد فيجب على المكلّف الإيماء مع إمكانه، مع ما يستلزمه من وجوب التكبير والتسليم وغيرهما، كما قلناه، فإنَّه أمرٌ ثابتٌ في كلّ موارد الإيماء، ومع عدم التمكّن من الإيماء يأتي بما يستطيع من الأجزاء لا محالة، وإن كانت بسيطةً.
والعمدة في المقام أنَّ دعوى التجريد قريبةٌ إلى النفس بمقدارٍ ما، ومعه يتّحد تكليفه مع الخائف، إذ ينتقل إلى التكبير أو إلى ما شاء من التسبيحات
ــــــ[522]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الأربع أو الدعاء، ممّا عرفنا قيام الدليل على بدليّته عند تعذّر الإيماء.
هذا هو الكلام في هذه الخاتمة.

وبها ينتهي الكلام فيما هو المقصود من هذه الرسالة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

الأحد: 26/6/1389
الموافق: 10/8/1969
ــــــ[523]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

ــــــ[524]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

فهرس المصادر
القرآن الكريم
نهج البلاغة
1. ابن جعفر، علي بن جعفر، مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأولى، قم المقدسة إيران، 1409 هـ.
2. ابن فارس، أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: مؤسسة التبليغ الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، الطبعة الأولى، قم المقدسة ـ إيران، سنة الطبع: 1404 هـ.
3. ابن منظور، أبي الفضل جمال الدين بن محمد بن مكرم، لسان العرب، تحقيق: أحمد فارس صاحب الجوائب، الناشر: دار الفكر للطباعة و النشر والتوزيع- دار صادر‌، الطبعة الثالثة، بيروت- لبنان، 1414 هـ.
4. أبي الصلاح الحلبي، تقي الدين بن نجم الدين، الكافي في الفقه، تحقيق الشيخ رضا الأستاذي، الناشر المكتبة العامة للإمام أمير المؤمنين، الطبعة الأولى، أصفهان، إيران، هجرية 1403 هـ.
5. الإحسائي، ابن أبي جمهور محمّد بن عليّ بن إبراهيم، عوالي اللئالي العزيزيّة في الأحاديث الدينيّة، قم، انتشارات سيّد الشهداء، 1405 هـ ق.
6. الأصفهاني، الشيخ محمّد تقي، هداية المسترشدين، قم، مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث.
ــــــ[525]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
7. الإمام الرضا، فقه الرضا‌ المنسوب إلى الإمام رضا، الناشر: مؤسسه آل البيت^، الطبعة الأولى، 1406 ه‍ ق‌، مشهد- إيران‌.
8. الآملي، آية الله العظمى الميرزا هاشم، مجمع الأفكار، الناشر: المطبعة العلمية، 1395ش.
9. البجنوردي، حسن بن آقا بزرك الموسوي، القواعد الفقهيّة، قم، نشر الهادي، 1419هـ ق.
10. البحراني، للعالم البارع الفقيه الشيخ يوسف البحراني، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، تحقيق محمد تقي الإيرواني، والسيد عبد الرزاق المقرّم، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، الطبعة الأولى، 1405 هـ، قم – إيران.
11. تاج العروس من جواهر القاموس، مرتضى الزبيدي، تحقيق: مجموعة من المحقّقين، الناشر: دار الهداية.
12. الجوهري، إسماعيل بن حماد‌، الصحاح ـ تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار‌، الناشر: دار العلم للملايين‌، الطبعة الأولى، بيروت ـ لبنان، 1410 هـ.
13. الحرّ العاملي، الشيخ محمّد بن حسن بن عليّ، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، 1409 هـ ق.
14. الحكيم، العلّامة السيّد محمد تقي، الأُصول العامّة للفقه المقارن، الناشر: المجمع العالمي لأهل البيت^ 1418هـ .
15. الحلبي، ابن زهرة حمزة بن علي الحسيني، غنية النزوع إلى علمي الاُصول والفروع، قم، مؤسّسة الإمام الصادق×، 1417 هـ ق.
ــــــ[526]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
16. الحلّي, جمال الدين أحمد بن محمّد الأسدي, المهذّب البارع في شرح المختصر النافع, قم, مكتب النشر الإسلامي, 1407 هـ ق.
17. الحلي، ابن إدريس محمّد بن منصور بن أحمد، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى، قم مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة بقم المشرفة، 1410 هـ ق.
18. الحلّي، العلّامة جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي المطهر، منتهى المطلب، طبع حجري.
19. الحلّي، العلاّمة حسن بن يوسف بن مطهّر الأسدي، تحرير الأحكام الشرعيّة على مذهب الإماميّة، تحقيق:إبراهيم بهادري، الطبعة الأُولى، 1420هـ، الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق×، قم ـ ايران.
20. الحلّي، العلاّمة حسن بن يوسف بن مطهّر الأسدي، تذكرة الفقهاء، قم، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، 1414 هـ ق.
21. الحلّي، العلّامة حسن بن يوسف بن مطهّر الأسدي، تذكرة الفقهاء، منشورات الكتبة الرضويّة لإحياء الآثار الجعفريّة، طبع قديم.
22. الحلّي، العلاّمة حسن بن يوسف بن مطهّر الأسدي، قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، 1413هـ ق.
23. الحلّي، العلاّمة حسن بن يوسف بن مطهّر الأسدي، مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدّرسين بقم المشرّفة، 1413 هـ ق.
24. الحلّي، المحقّق نجم الدين جعفر بن حسن، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، قم، مؤسّسة اسماعيليان، 1408هـ ق.
ــــــ[527]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
25. الحلّي، محمّد بن حسن بن يوسف، فخر المحقّقين، إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد، تحقيق: مجموعة من الفضلاء، الطبعة الأُولى، 1387هـ، الناشر: مؤسّسة اسماعيليّان، قم ـ إيران.
26. الحموي، شهاب الدين الحموي الرومي البغدادي، معجم البلدان، 1399 -1979، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت- لبنان.
27. الحميري، الشيخ أبو العبّاس عبد الله بن جعفر، قرب الإسناد، قم، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، 1413 هـ ق.
28. الخراساني، الآخوند محمّد كاظم بن حسين، كفاية الأُصول، قم، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، 1409 هـ ق.
29. الخوئي, السيّد أبو القاسم الموسوي, معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة, 1413 هـ ق.
30. الخوئي، أبو القاسم الخوئي، التنقيح في شرح العروة، تقريراً لبحث آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي، بقلم العلّامة الميرزا علي الغروي، الناشر تحت إشراف السيّد لطفي، تاريخ النشر 1418 هـ، الطبعة الأولى، قم ـ إيران.
31. الخوئي، أبو القاسم، البيان في تفسير القرآن، الطبعة الرابعة، 1395-1975، الناشر: دار الزهراء÷، للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان.
32. الخوئي، أبو القاسم، محاضرات في أُصول الفقه، بقلم: محمّد اسحاق الفياض، الناشر: مكتبة أنصاريان، قم، 1417هـ.
33. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن،‌ تحقيق وتصحيح: صفوان عدنان الداودي‌، الناشر: دار العلم- الدار الشامية‌، الطبعة الأولى، 1412 ه‍ ق‌، لبنان- سورية.
ــــــ[528]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
34. الراوندي، قطب الدين سعيد بن هبة الله، فقه القرآن في شرح آيات الأحكام، قم، كتابخانه آية الله مرعشي نجفي، 1405 هـ ق.
35. السبزواري، العلّامة ملّا محمّد باقر، ذخيرة المعاد، الناشر: مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، طبع قديم.
36. السبزواري، محمّد باقر بن محمّد مؤمن، كفاية الأحكام، الطبعة الأُولى، 1423هـ، الناشر: جامعة المدرّسين، قم ـ ايران.
37. السبزواري، محمد باقر، ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد، الناشر: مؤسسة آل البيت^، الطبعة الأولى، 1247، الطبعة الأولى، قم – إيران (حجرية).
38. السرخسي، شمس الدين، المبسوط، بيروت، دار المعرفة، 1406هـ.
39. سنن أبي داود. لسليمان بن أشعث أبو داود السجستاني الأزدي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: دار الفكر، بيروت لبنان.
40. سنن أبي داود، لسليمان بن أشعث السجستاني، الناشر دار الكتاب العربي، بيروت لبنان.
41. السنن الكبرى، لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، الناشر: مجلس دائرة المعارف الكائنة بالهند، الطبعة الأولى، 1344هـ .
42. السيد المرتضى، الفقيه علي بن الحسين الموسوي الملقب بعلم الهدى، المسائل الناصريات، الناشر: رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية، تحقيق: مركز البحوث والتحقيقات العلمية، الطبعة الأولى، إيران، طهران، 1417 هـ.
43. السيوري الحلي، مقداد بن عبد الله السيوري، كنز العرفان في فقه القرآن، الناشر: انتشارات المرتضوي‌، الطبعة الأولى، 1425 ه‍ ق، قم- إيران‌.
44. الشريف المرتضى، علي بن الحسين الموسوي البغدادي، الانتصار في مفردات
ــــــ[529]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الإمامية، الناشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، تاريخ النشر 1415 هـ، الطبعة الأولى، قم ـ إيران.
45. الشريف المرتضى، علي بن الحسين الموسوي، جمل العلم والعمل، الناشر: مطبعة الآداب، الطبعة الأولى، 387 هـ، النجف – العراق.
46. الشهيد الأوّل محمّد بن مكّي العاملي، الدروس الشرعيّة في فقه الإماميّة، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، 1417هـ ق.
47. الشهيد الثاني، زين الدين الجبعي العاملي الشامي، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، الناشر: مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، طبع قديم.
48. الشهيد الثاني، زين الدين بن على العاملي، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان‌، الناشر: مكتب التبليغ الإسلامي في قم المقدّسة، 1402 ه‍ ق، الطبعة الأولى، قم- إيران‌.
49. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي العاملي، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية (المحشّٰي- سلطان العلماء) الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، 1412 ه‍ ق‌، الطبعة الأولى، قم- إيران‌.
50. الشهيد الثاني، زين الدين بن عليّ بن أحمد العاملي، مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، قم، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، 1413 هـ ق.
51. الصدر, السيّد الشهيد محمّد بن محمّد صادق, موسوعة الإمام المهدي×, بيروت, دار القارئ, 1428 هـ ق.
52. الصدر، السيّد الشهيد محمّد بن محمّد صادق، منّة المنان في الدفاع عن القرآن، تحقيق وتقرير: مؤسّسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر، الناشر: المحبّين للطباعة والنشر، الطبعة الأُولى، إيران – قم.
ــــــ[530]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

53. الصدر، السيّد الشهيد محمّد، مدارك الآراء في اعتبار حال الوجوب أو حال الأداء، تحقيق: مؤسّسة المنتظر لإحياء تراث آل الصدر، الناشر: المحبّين للطباعة والنشر، الطبعة الأُولى: 1433هـ، 2012م، إيران- قم.
54. الصدر، آية الله العظمى السيد الشهيد محمّد باقر، بحوث في علم الأُصول، بقلم السيّد محمود الهاشمي، الناشر: مؤسسة دائرة المعارف والفقه الإسلامي، 1417 هـ، قم – إيران.
55. الصدوق، الشيخ محمّد بن علي بن بابويه القمّي، كتاب مَن لا يحضره الفقيه، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، 1413 هـ ق.
56. الطباطبائي المجاهد، العلّامة السيد محمد بن علي، الناشر: مؤسسة آل البيت^.
57. الطباطبائي، علي بن محمّد، رياض المسائل، تحقيق: مجموعة من الفضلاء، الطبعة الأُولى، 1418هـ، الناشر: مؤسّسة آل البيت ^، قم ـ ايران.
58. الطبرسي، أمين الإسلام أبو علي الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، 1415هـ ق.
59. الطريحي، الشيخ فخر الدين بن محمد على بن أحمد الطريحي، مجمع البحرين، تحقيق: السيد أحمد الحسيني، الناشر: المكتبة المرتضوية، الطبعة الثالثة، طهران ـ إيران، سنة الطبع: 1416 هجرية.
60. الطوسي، الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن، الخلاف، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي، 1407هـ ق.
61. الطوسي، الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن، المبسوط في فقه الإماميّة، طهران، المكتبة المرتضويّة لإحياء الآثار الجعفريّة، 1387هـ ق.
ــــــ[531]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
62. الطوسي، الشيخ أبو جعفر محمد بن حسن‌ الطوسي، رجال الشيخ الطوسي‌، تحقيق وتصحيح: جواد قيومي الأصفهانى‌، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدّرسين، 1427 ه‍ ق‌ الطبعة الثالثة، قم- إيران.‌
63. الطوسي، الشيخ أبو جعفر محمّد بن حسن، تهذيب الأحكام، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1407 هـ ق.
64. العاملي الجزيني، الشيخ محمد بن جمال الدين مكي، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت^ لإحياء التراث، الطبعة الأولى، قم المقدسة إيران، سنة الطبع 1419 هجرية .
65. العراقي، ضياء الدين بن محمّد النجفي، نهاية الأفكار، تقرير الشيخ محمّد تقي البروجردي، قم، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، 1417 هـ ق.
66. العلّامة الحلي، الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي الحلي، منتهى المطلب في تحقيق المذهب، تحقيق ونشر: مجمع البحوث الإسلامية، الطبعة الأولى، قم ـ إيران،1412 هـ.
67. العلّامة الحلّي، الحسن بن يوسف بن مطهر الأسدي، نهاية الإحكام في معرفة الأحكام، الناشر: مؤسسة آل البيت^،‌ الطبعة الأولى، 1419 ه‍ ق، قم- إيران‌.
68. العميدي، سيد عميد الدين بن محمد الأعرج، كنز الفوائد في حل مشكلات القواعد، تحقيق وتصحح: محي الدين الواعظي، الحاج كمال الكاتب، وجلال الأسدي، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين‌، الطبعة الأولى، 1416 ه‍ ق، قم- إيران.
ــــــ[532]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
69. العيّاشي، محمّد بن مسعود بن عيّاش السلمي السمرقندي، تفسير العياشي، طهران، چابخانه علميه، 1380 هـ ق.
70. الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، تحقيق وتصحيح: الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي، الناشر: هجرت‌، الطبعة الثانية، 1410 ه‍ ق‌، قم- إيران‌.‌
71. الفيض الكاشاني، محمّد محسين بن شاه مرتضى بن شاه محمود، الوافي، اصفهان، كتابخانه إمام أمير المؤمنين علي×، 1406 هـ ق.
72. القرطبي، أبي عبد الله محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق هشام سمير البخاري، الناشر: دار عالم الكتب، الرياض – السعودية، 1423 هـ.
73. الكاشاني، السيد رضا المدني، براهين الحجّ للفقهاء والحجج، الطبعة الثالثة، 1411 هـ، الناشر: المدرسة العلميّة لآية الله المدني، إيران- اصفهان.
74. الكليني، الشيخ أبو جعفر محمّد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1407 هـ ق.
75. المجاهد، السيد محمّد، مفاتيح الأُصول، الناشر: مؤسسة آل البيت^، قم، بلا ط وتاريخ.
76. المجلسي الثاني، محمد باقر بن محمد تقي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول‌، تحقيق وتصحيح: سيد هاشم رسولي، الناشر: دار الكتب الإسلامية،‌ الطبعة الثانية، 1404 ه‍ ق، طهران- إيران‌.‌
77. المجلسي، المولى محمّد باقر بن محمّد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت، مؤسّسة الوفاء، 1404 هـ ق.
78. المحقّق الحلّي، نجم الدين جعفر بن الحسن الملقب بالمحقق الحلي، المعتبر في
ــــــ[533]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
شرح المختصر‌، تحقيق محمد علي الحيدري وجماعة، الناشر: مؤسسة سيد الشهداء×، الطبعة الأولى، قم المقدسة، إيران، 1407 هـ.
79. المراغي، السيد مير عبد الفتاح بن على الحسيني، العناوين الفقهية، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين‌، الطبعة الأولى، 1417 ه‍ ق، قم- إيران‌.
80. مسند أحمد بن حنبل، أبو عبد الله احمد بن محمد بن حنبل الشيباني، تحقيق: السيد أبو المعاطي النوري، الناشر: عالم الكتب، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، السنة: 1998 م.
81. المظفر، الشيخ محمد رضا، أُصول الفقه، الناشر مطبعة إسماعيليان.
82. المقدس الأردبيلي، أحمد بن محمد الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، تحقيق الشيخ مجتبى العراقي، والشيخ علي بناه الأشتهاردي، وحسين اليزدي الأصفهاني، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، الطبعة الأولى، إيران، قم المقدسة.
83. النائيني, محمّد حسين الغروي, أجود التقريرات, تقرير آية الله السيّد أبو القاسم الموسوي الخوئي, قم, انتشارات مصطفوي, 1368هـ ش.
84. النائيني، الميرز محمّد حسين بن عبد الرحيم الغروي، فوائد الاُصول، تقرير الشيخ محمّد عليّ الكاظمي، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة، 1417 هـ ق.
85. النجفي، الشيخ محمّد حسن بن باقر، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت، دار إحياء التراث العربي1430هـ ق.
86. النراقي، العلامة أحمد بن محمد مهدي النراقي، مستند الشيعة في أحكام
ــــــ[534]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الشريعة، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت^ لإحياء التراث، الطبعة الأولى، قم المقدسة ـ إيران، 1415 هـ.
87. النراقي، المولى أحمد بن محمّد مهدي، عوائد الأيّام في بيان قواعد الأحكام ومهمّات مسائل الحلال والحرام، قم، مكتبة بصيرتي، 1408هـ ق.
88. النراقي، للمولى أحمد بن محمد مهدي، الحاشية على الروضة البهية، تحقيق: رضا الأُستاذي ومحسن الأحمدي، الناشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، الطبعة الأولى، 1425 هـ، قم – إيران.
89. النوري، المحدّث الميزرا حسين، مستدرك الوسائل، قم، مؤسّسة آل البيت^ لإحياء التراث، 1408هـ ق.
90. النووي، أبو زكريّا محيي الدين بن شرف، المجموع في شرح المهذّب، بيروت، دار الفكر.
91. الهمداني، الآقا محمّد رضا بن محمّد هادي، مصباح الفقيه، قم، منشورات مكتبة الصدر.
92. اليزدي، السيّد محمّد كاظم بن عبد العظيم الطباطبائي، العروة الوثقى، بيروت، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، 1409هـ ق.
ــــــ[535]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

ــــــ[536]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام

فهرس محتويات الكتاب
مقدمة السيد مقتدى الصدر (أعزه الله) 5
مقدمة الهيئة 7
موجز عن حياة آية الله العظمى السيد الشهيد محمّد الصدر+ 9
نسبه الشريف 9
ولادته ونشأته 10
نشأته العلمية 11
من مميّزات تقريراته لأبحاث أساتذته 13
إجازته في الرواية 14
اجتهاده 15
من أقوال العلماء في حقّه 17
صفاته وسجاياه 20
مرجعيته الصالحة وقيادة الأُمّة 21
آثاره وتصانيفه الثمينة 25
جريمة الاغتيال 29
يقع الكلام في صلاة الخوف في مقاماتٍ ثلاثة وخاتمة
المقام الأوّل
سببيّة الخوف لقصر الصلاة
وجوه سببية الخوف للقصر 49
الوجه الأوّل [لسببيّة الخوف بعنوانه لقصر الصلاة] 49
ــــــ[537]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
[الوجه الثاني: التمسك بدليلية الآية لسببية الخوف] 69
[الوجه الثالث: التمسّك بصحيحة زرارة لسببيّة الخوف] 79
[التعارض مع أدلّة أُخرى] 82
المقام الثاني
صلاة الخوف مع الأمن في الجملة
الناحية الأُولى: في صلاة ذات الرقاع 94
1. الدليل القرآني 95
الظهورات التي تتمّ بها دلالة الآية 95
الظهور الأوّل: ظهور الشرط فيها بأنَّه وارد لبيان الموضوع 95
الظهور الثاني: ظهور الآية بأنَّ الصلاة تقام جماعةً لا أنَّها تنعقد بالفرادى 96
الظهور الثالث: ظهور الآية باشتراط وجود النبي’ بين عسكر المصلّين 97
الظهور الرابع: ظهور الآية بإيقاع الصلاة في حالة الحرب 105
الظهور الخامس: ظهور الآية في كون إقامة هذه الصلاة جائزة لا واجبة 108
الظهور السادس: [وجود] عدّة أوامر في الآية الكريمة يختلف حالها 109
الظهور السابع: ظهور انقسام الجيش المجاهد إلى طائفتين 121
الظهور الثامن: اختصاص مشروعيّة هذه الصلاة، إذا كان العدوّ 127
الظهور التاسع: وجوب المحارسة، من حيث مادّتها 132
الظهور العاشر: اقتصار الطائفة الأُولى على ركعةٍ واحدةٍ مع الإمام 136
الظهور الحادي عشر: التحاق الطائفة الثانية مع الإمام … 138
الظهور الثاني عشر: ظهور الإذن بعدم حمل السلاح في أثناء الصلاة 139
الناحية الأُولى: في النظر في النسبة بين العنوانين في الآية 140
ــــــ[538]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الناحية الثانية: في إمكان التعميم أكثر ممّا سبق 141
الظهور الثالث عشر: ظهور الآية بالشرط الذي ذكره الفقهاء 143
2. الدليل الروائي 144
وجهان للتقريب في المقام 147
خصائص الحديثين المستدلّ بهما 149
أمران في صحيحة عبد الرحمن 163
المؤيدات من الأخبار 165
الفصل الأوّل: في كيفيّة إيقاع الصلاة الثلاثيّة بنحو صلاة ذات الرقاع 172
صحيحة الحلبي 174
صحيحة زرارة 178
صحيحة أخرى لزرارة 187
مؤيدات الصحاح المتقدّمة 188
احتمالات ثلاثة 190
خبر أبان 191
دلالة الرواية 192
أمران في الختام 193
الفصل الثاني: شرائط صلاة ذات الرقاع 199
الفصل الثالث: فروق الجماعة الاعتيادية عنها 202
الأوّل: انفراد المؤتمّ اختياراً 202
الثاني: توقع الإمام للمأموم وانتظاره له 204
الثالث: إمامة القاعد بالقائم 206
ــــــ[539]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الرابع: عود الائتمام بعد الانفراد 208
حكم هذه الصلاة في حالة الأمن مع وجود موارد الفرق 209
الفصل الرابع: جهات لابدّ من الحديث عنها 211
1. هل يمكن تعميم موضوعها إلى كلّ حرب 211
2. هل الخوف المأخوذ بعنوانه أم بقيد كونه مطابقاً للواقع 213
3. فتويان متقابلتان 231
هل شروط الحرب سارية المفعول للخوف؟ 236
الفصل الخامس: اتصافها بأحكام الصلاة المنفردة وصلاة الجماعة جميعاً 242
اتصافها بأحكام الصلاة الانفرادية 242
اتّصافها بأحكام صلاة الجماعة 243
إذا صادفت صلاة الجمعة والعيدين حالة الخوف أو الحرب 244
من أحكام الصلاة في نفسها 245
الفصل السادس: في وجوب حمل السلاح فيها، في الجملة 251
الفصل السابع: صلاة ذات الرقاع والحرب بالأساليب الحديثة 259
تتمة: في تحقيق ما أشرنا إليه من اشتراط وجوب القصر بما إذا كان القصر مؤثّراً في زوال السبّب المخوّف أو تخفيفه بنحوٍ من الإنحاء 265
الأدلة على عدم دخالة وجوب القصر كشرط في مشروعية ذات الرقاع 265
الخلاصة 268
الناحية الثانية: في صلاة عسفان 269
الناحية الثالثة: في صلاة بطن النخل 287
تتمة 294
شرط تأثير القصر في إزالة سبب الخوف 304
ــــــ[540]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
المقام الثالث
في صلاة شدّة الخوف
[تمهيد] 313
الجهة الأُولى: في الاستدلال على قصر هذه الصلاة من حيث الكميّة 315
الجهة الثانية: في الاستدلال على قصْر صلاة شدّة الخوف من حيث الكيفيّة، وسقوط بعض الأفعال الثابتة في حال الاختيار عنها، في الجملة 318
الناحية الأولى: في الاستدلال بالكتاب الكريم 318
ظهورات الآية 318
الأدلّة على إرادة الجامع لسائر الوضعيات العرفيّة 332
الناحية الثانية: في الاستدلال بالقواعد العامة 334
الاستدلال بقاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور 343
مناقشة الاستدلال 344
الناحية الثالثة: الاستدلال بالأخبار الخاصّة في بيان كيفية صلاة الخوف 346
1. الأخبار الخاصّة بما إذا كان سبب شدّة الخوف هو الحرب خاصّة 346
صحيحة الفضلاء الثلاثة 346
ظهوراتها 348
صحيحة الحلبي 367
موثقة أبي بصير 382
خاتمة: في نسبة مداليل هذه الأخبار إلى الآية الكريمة السابقة 393
صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله 400
2. الأخبار الشاملة لغير حالة الحرب 406
ــــــ[541]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
صحيحة زرارة 406
أُمور ينبغي التعرّض لها في الصحيحة 408
صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله 417
بسط الكلام في توضيح الرواية 424
3. الأخبار التي لا تكاد تكون معتبرة سنداً 426
روايتان في المقام 426
الكلام في تحقيق حالهما 428
رواية أُخرى 442
الجهة الثالثة: مباحث وأحكام متعلّقة بصلاة شدّة الخوف 447
الفصل الأوّل: جواز البدار 447
الوجه الأوّل: عدم صدق الاضطرار مع سعة الوقت 451
الوجه الثاني: الاقتصار في سقوط الشرائط والأجزاء على محلّ اليقين 453
الوجه الثالث: التمسّك برواية عبد الرحمن 454
الوجه الرابع: التمسّك بما حُكي عن كتاب الفقه الرضوي 454
الوجه الخامس: التمسّك بالاحتياط 455
الفصل الثاني: [مطابقة الخوف للواقع] 456
الفصل الثالث: [كون القصر مؤثراً في نجاة المكلّف] 460
[الفصل الرابع: ترتيب مراتب الخوف] 464
الفصل الخامس: في تحقيق حال النيّة في هذه الصلاة 474
الفصل السادس: في بعض الكلام عن سقوط الأوامر الضمنية المتعلقة بالأجزاء وبالشرائط 477
ــــــ[542]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام
الفصل السابع: [شروط الانتقال إلى البدل التنزيلي] 484
الفصل الثامن: في حصول شدّة الخوف في بعض الصلاة دون البعض الآخر 486
القسم الأوّل: ما إذا بدأ صلاته بحالة أهون أو بالأمن، ثمَّ اشتدّت حالته من ناحية الخوف 487
صورة التفاصيل 489
القسم الثاني: ما إذا بدأ صلاته بحالةٍ أشدّ، ثمَّ تحسّنت حالته أو ارتفع خوفه 496
الصورة المتصوّرة 497
الفصل التاسع: في قضاء صلاة شدّة الخوف 501
خاتمة هذه الرسالة في حكم المتوحّل والغريق
الجهة الأُُولى: في التقصير من حيث الكميّة، بجعل الرباعية ركعتين 515
الجهة الثانية في التقصير من حيث الكيفيّة، سواء وجب عليه التمام أو القصر 519
فهرس المصادر 525
فهرس محتويات الكتاب 537
ــــــ[543]ـــــــ
الوافية في حكم صلاة الخوف في الإسلام