بيان الفقه
مبحث القبلة
تأليف سماحة الحجّة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمّد الصدر
بإشراف
مقتدى بن السيد محمّد الصدر
الجزء الأوّل
هيئة تراث الشهيد السعيد السيّد محمّد الصدر
النجف الأشرف
مقدمة السيد مقتدى الصدر للطبعة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على أشرف خلقه محمّد وآله أجمعين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
قال تعالى في محكم كتابه العزيز: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
انطلاقاً من هذه الآية الكريمة التي تحدّى بها الله (عزّ وجلّ) الكافرين ومن في قلبه (ريب)، بأن يأتوا بمثل ما نزل من القرآن -لو صحّ التعبير- وهذا التحدّي يكون على عدّة مستويات إذا جمعناها مع آيات أخر:
الأول: أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ولم ولن يستطيعوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً بطبيعة الحال.
الثاني: أن يأتوا بسورة واحدة فقط، ولم ولن يستطيعوا أيضاً، بطبيعة الحال، حيث كان بعضهم حاولوا ذلك إلا أنهم فشلوا فشلاً ذريعاً، حتى في مدح أنفسهم وأصحابهم ومعتقداتهم، وهذا لا مجال للشكّ فيه.
الثالث: أن يأتوا بآية واحدة متكاملة معنىً ومغزىً وفائدةً وبلاغةً. وغيرها من الأمور التي يجمعها القرآن الكريم، كتاب الله العزيز، وأنّى لهم ذلك.
فمن هنا أقول: إلى من كان في شكّ وفي ريبٍ ممّا دعا إليه السيّد الوالد، من الهداية والإصلاح والتكامل والفلاح، في الدنيا والآخرة، لمجتمعه وللعالم كلّه، سيراً على نهج أهل البيت (سلام الله عليهم أجمعين)، وهو عنهم ليس ببعيد.
ــــــ[3]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وإلى كلّ طالب للحقيقة، وإلى كلّ من هو بعيد عن النهج الصحيح، وإلى كل من يريد الخروج عن الصراط القويم ونهج الصالحين، أن يقرأ هذا الكتاب العظيم والفقه الغزير، والعلم الدقيق، والنظرة الثاقبة والحكمة البالغة، والتأويل الصحيح والبلاغة المتناهية والفلسفة المتعالية، والباب التي ينفتح منها ألف باب، والتي لم يستطع فتحها أحد من الفقهاء قبله. سواء في مجال التأليف أو التدريس، أو في مجال الفتوى أو الاستنباط.
حتى يكون هذا الكتاب باباً لهدايتهم ودخولهم في النهج الصحيح، نهج أهل البيت (سلام الله عليهم أجمعين).
ولأجل أن يوفّقه الله لأن يستمرّ على طريق الحقّ المستقيم ولأجل إفساد وإحباط كلّ المحاولات التي تحاك لإنهاء خطّ أهل البيت(عم).
ومن لم يوفّق إلى ذلك فأقول له: من كان في ريب مما ادّعاه السيد الوالد من الأعلمية أن يأتي بمثل هذا الكتاب، وليفتِ به كما يشاء وليستدلّ به كما يريد.
إلا أنه لم ولن يستطع بطبيعة الحال، حيث إن الاجتهاد والأعلمية، نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده، إنه وليّ التوفيق.
ومن هنا أدعوهم للتمسّك بهذا البيان الواضح والحجّة الدامغة ألا وهو كتاب (بيان الفقه) الدورة الفقهية الاستدلالية، التي هي إحدى مؤلّفات السيد الوالد(قدس) والتي ألّفها قبل استشهاده بقليل. ولذا فهي لم تكمل مع شديد الأسف، وقدّمت هذه المقدّمة لكي يمكن الحفاظ على مؤلّفاته(قدس) ولا تكون مباحة لكلّ شخص طباعةً ونشراً. فإن المصلحة لا تقتضي ذلك كما هو واضح، وأخيراً قمت بفهرست الكتاب قدر الإمكان والله وليّ التوفيق.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
حرّره بتاريخ 27 ذي الحجة 1423
الأحقر مقتدى الصدر
ــــــ[4]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
مقدمة السيد مقتدى الصدر للطبعة الثانية
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل أشهر أو يزيد، وقبل أيام سبقت استشهاده والتحاقه بالرفيق الأعلى قد خطّ بيده الشريفة كلمات رائعات عاليات كاملات، بل للعقول باهرات، جعلها تحت عنوان (بيان الفقه)، قد ضمّت أروع وأفضل مسائل القبلة أو (مبحث القبلة) ومبحث لباس المصلّي، فصار قبلةً للأنام يتوجّه إليها كلّ راغب لطريق الحقّ.
فهو(قدس) عبّد لنا طريقاً، وخطّ لنا اتّجاهاً نسير إليه في تكاملنا، ونتوجّه إليه في صلاتنا وعباداتنا، فقد ولّانا قبلة نرتضيها، كما ارتضاها من قبلنا أسيادنا وقادتنا ومعصومونا.
فقبلتنا هدفنا، وهو رضا الله سبحانه وتعالى، إن توجهنا إليها صلح هدفنا، وأثمرت جهودنا، وأينعت أعمالنا، وتعالت عباداتنا وسَمَت أنفسنا وتفتّحت أبصارنا واهتدت أفئدتنا وتنوّرت عقولنا وخشعت قلوبنا.
فهذا كتاب قد جعلَنا من النور نقتبس لننطلق من ثنايا الحقّ متّجهين نحو الحقّ المطلق بكلّ جوارحنا وأحاسيسنا خاشعين خاضعين تهوى إليه أنفسنا وعقولنا، كما قال تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ﴾، فنسأل الله أن يكون طريقنا واحداً وهدفنا واحداً لا نزلّ ولا نخزى، فطريق الشيطان معبّد أمام الناظرين، والفارق بين الحقّ والباطل قدر
ــــــ[5]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
قليل.
لكن هذا الكتاب كما خطَّ أروع فقه محمّد بما يخصّ أحكام القبلة، فهو خطّ أسمى معاني التكامل والسير الأخلاقي نحو الكمالات اللامتناهية عسى أن نستلهم من بين ثنايا الكتاب وطيات الكلمات طريقنا وسط طريق الحقّ الذي قلّ سالكوه.
والحمد لله ربّ العالمين
مقتدى الصدر
أوّل جمادى الثانية 1430هـ
ــــــ[6]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر(قدس)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين كما يستحقهّ حمداً كثيراً، ثمّ الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
وبعد، فإنه غير خفيٍّ على كلّ متتبّع لآثار السيد الشهيد الصدر الثاني(قدس) مسألة عمق المطلب، وبعد الغَور، والغوص في المسائل، حتى أنه لا يبقي شاردةً ولا واردةً إلّا ذكرها وأشبعها بحثاً ومناقشة نقضاً وإبراماً.
وما ذلك إلّا دليل على طول باعه وعمق فكره، وسطوته على كلّ ما يرتبط بالعلوم التي كتب فيها، وخير شاهد على ذلك من كتبه الكثيرة هو هذا الكتاب (بيان الفقه)، حيث كتبه(قدس) على مستوىً عالٍ من الدقّة والرصانة، وهو كثير التشقيق في مسائله، عظيم الشأن في مطالبه. وهذا الأثر هو شرح موسّع على مبحثين من مباحث كتاب (شرائع الإسلام) للمحقّق الحلّي (أعلى الله مقامه)، وهما: (مبحث القبلة)، و(مبحث لباس المصلي).
ولم يقتصر فيه(قدس) على أقوال الأعلام والمناقشة فيها، كما هو السائد والمعروف عند الأصحاب، بل أبدع وابتكر، كما هو ديدنه في باقي مؤلفاته ودروسه، وهذه الميزة هي من ميزاته التي عُرفَ بها! حتى ذكره أحد الأعلام بقوله: (لقد كان للسيد الشهيد محمد الصدر(قدس) عقلية منقطعة النظير في
ــــــ[7]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
القدرة على التشقيق والتوسّع في البحث، وفرض الاحتمالات في المسائل…).
وليس هذا بعجيب على شخص عرفته الأوساط العلمية بالجدّ والاجتهاد، والانكباب على الدرس والتدريس منذ نعومة أظفاره، وعدم الانشغال بالدنيا وملذّاتها، بل عكفَ على طلب العلم إلى آخر حياته المباركة، ولم يُثنِهِ كثرة المصائب التي ألمّت به وبعائلته الكريمة. فقد تمحّض وجوده لله تعالى، شأنه في ذلك شأن آبائه الطاهرين في الشعور بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتق قادة الأمّة، فأعطى كل شيء لله تعالى، فأعطاه الله كلّ شيء ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
ويظهر أن السيد المؤلّف (أعلى الله مقامه الشريف) كان بصدد كتابة موسوعة فقهية معمّقة وموسّعة ابتدأها بهذا الكتاب الشريف، إلا أن الأقدار حالت دون ذلك.
ولقد تصدّت هيئة التراث لتحقيق هذا الكتاب وإخراجه بالصورة المناسبة وكان عملنا كالتالي:
1- تقطيع النصوص: حيث قمنا بتقطيع نصوص الكتاب في بعض الموارد التي دعت الحاجة إليها.
2- إدخال علامات التنقيط على متن الكتاب بحسب ما هو المعمول به في نظام التحقيق.
3- تخريج الأحاديث والنصوص: فقد قمنا بتخريج الأحاديث الموجودة في هذا الكتاب، وما ذكره المؤلّف(قدس) من أقوال العلماء، حيث كانت بعض الطبعات مختلفة، فقد اعتمدنا على بعض النسخ حديثة الطبع.
4- تنظيم الهوامش والإخراج: حيث تمّ تنظيم الهوامش، وإخراج
ــــــ[8]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الكتاب بصورة فنية مُرضية، وبحسب المعمول به في مناهج التحقيق.
5- عدم التعليق على العبائر التي تحتاج إلى إيضاح، وذلك باعتبار الكتاب تخصّصي، فلم نَرَ من المناسب بيان ذلك.
6- فرز عبارة الشرائع عن أبحاث وتعليقات السيد الشهيد(قدس).
7- لقد قمنا بإضافة ما وجدناه ضرورياً لضبط النصّ بين معقوفتين، دون الإشارة إلى ذلك لمعلوميته.
هذا وقد سعت الهيئة بما يمكن لها من العمل لأجل تحقيق هذا الكتاب الشريف، ولا ندّعي لعملنا الكمال، فإن الكمال لله وحده. فنرجو من الإخوة الفضلاء تنبيهنا على أي خطأ إن وجد ولكم جزيل الشكر والامتنان.
الإشراف العام
هيئة تراث الشهيد السعيد السيّد محمّد الصدر(قدس)
ــــــ[9]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
ــــــ[10]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
بسم الله الرحمن الرحيم
مبحث القبلة
القبلة: اسم مصدر من الاستقبال، بمعنى الجهة والاتّجاه. يقال: قابله واستقبله إذا وقف تجاهه أو حاذه بوجهه(1).
وليس معناه حيز الكعبة إلا بمعنى التوجّه إليه. وأخذت من حيث التوجّه وإلا فالطواف -أيضاً- حول حيز الكعبة لا حول جرمها حقيقةً.
والاستدلال على وجوب الاستقبال في الصلاة تارةً يكون بالكتاب الكريم والأخرى بالسنة الشريفة.
الاستدلال بالقران الكريم
وما يمكن الاستدلال به من القرآن الكريم عدّة آيات:
[الآية الاولى: قد نرى تقلب وجهك في السماء]
قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾(2) إلى أن يقول: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ
ــــــ[11]ـــــــ
(1) لسان العرب 11: 537، مادة (قبل)
(2) سورة البقرة، الآية: 144.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾(1).
إلى أن يقول: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّـهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّـهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾(2)
إلى أن يقول: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾(3).
وإنما تلوناها كلّها باعتبار ارتباطها كلّها في الموضوع، ولإمكان وجود قرائن ودلائل فيما بينها على بعضها البعض.
ولنا في الاستدلال بالآية عدّة نقاط:
النقطة الأولى: أن التكرار في الآية الكريمة واضح جداً في الحديث عن القبلة. كقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وغيرها. وهو يدلّ على الأهمية البالغة لها في نظر الشارع المقدّس، وهو أمر مساوق للوجوب، بل لعلّه أهمّ منه.
النقطة الثانية: هناك تكرار في الآية الكريمة، بصيغة فعل الأمر الدالّ على الوجوب -كما هو محقّق في علم الأصول(4)- كقوله: (فولّ وجهك ـ فولّوا ــــــ[12]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 145.
(2) سورة البقرة، الآية: 148-149.
(3) سورة البقرة، الآية:150.
(4) انظر: معارج الأصول، المحقق الحلي:64.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وجوهكم ـ فولّ وجهك) أيضاً.
وحسب ما حقّقناه فإن الأمر الصادر في الموارد القابلة للصحّة والفساد ظاهر بالحكم الوضعي وليس الحكم التكليفي؛ باعتبار أنها تدلّ على الصحّة مع حصول الطاعة، والفساد بدونه، وهو معنى الحكم الوضعي.
وأما الصغرى فمحرزة، وهي كون الصلاة مورداً للصحّة والفساد، فيكون الأمر بخصوصها، والمقيدة لشروطها من سنخ الحكم الوضعي.
النقطة الثالثة: أن الخطاب في الآية بالمباشرة وان كان خاصا بالنبي (ص). كقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (1)، غير أن هناك قرائن حالية ومقالية على عدم الاختصاص وإن كان الخطاب المباشر في القرآن دائماً للنبي(ص)، بصفته هو السامع للوحي بالمباشرة دون غيره. إلا أن القرائن هنا على عدم الاختصاص به(ص).
أولاً: التجريد عن الخصوصية من النبي(ص) إلى غيره من المسلمين، أو قل: إننا نفهم أنه خوطب في هذه الآية لا بصفته أمراً مختصّاً به، بل بصفته أمراً مشتركاً بينه وبين غيره من المسلمين.
ثانياً: تحوّل السياق في الآية نفسها من خطاب النبي (ص) إلى غيره بصراحة ووضوح؛ لأنه يقول: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ يقولها مرّتين، إلى أن يقول: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وهو أمر يجعل السياق صريحاً في العموم.
النقطة الرابعة: أنه لماذا قال: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، ولم يقل: شطر
ــــــ[13]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 144.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الكعبة؟
وجوابه من عدّة وجوه:
الأول: أن الكعبة الشريفة هي المسجد الحرام وهي البيت الحرام، ولم يكن في الجاهلية وفي أول الاسلام شيء يسمّى بالمسجد حول الكعبة، وإنما حولها أرض تمثّل مطافاً حولها، وحول الأرض بيوت يدخل أصحابها إلى جهة الكعبة من أبواب فيها. ومما يدلّ على ذلك حديث سدّ الأبواب؛ لأنه(ص) سدَّ الأبواب إلا باب علي(ع)(1).
ومعه فمن الواضح أن توجيه المصلّي نحو المسجد الحرام ليس إلا توجيهاً نحو الكعبة الشريفة نفسها.
الثاني: لو تنزّلنا وقبلنا زيادة المسجد الحرام عن الكعبة -كما هو المرتكز متشرّعياً- فإنه من الممكن القول: إنه إنما نصَّ عليه نصّاً طريقياً بالإشارة إلى ما فيه، وهو الكعبة، وليس المقصود ذاته. وخاصّة إذا التفتنا إلى الارتكاز المتشرّعي القطعي بأن القبلة هي الكعبة وليست المسجد الحرام، فبضمِّ هذه القرينة إلى الآية الكريمة نستطيع أن نفهم الطريقية.
الثالث: لو تنزّلنا عن الوجه الثاني يتعيّن أن يكون المسجد الحرام كلّه هو القبلة دون الكعبة. وقد أفتى بذلك بعض الفقهاء(2) بمضمون أن الكعبة قبلة لمن كان داخل في المسجد الحرام، وأما من كان في خارجه من سائر بلاد الإسلام فالمسجد الحرام هو قبلته؛ أخذاً بظاهر الآية مع عدم الالتفات إلى الجوابين السابقين.
ــــــ[14]ـــــــ
(1) انظر: عيون أخبار الرضا2: 210، وأمالي الصدوق: 618.
(2) انظر: الخلاف1: 295، ومختلف الشيعة 2: 60.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
النقطة الخامسة: أن الآية الكريمة ذكرت قبلة أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾. فما المقصود منها؟
وجواب ذلك على مستويين:
المستوى الأول: المستوى الدنيوي، وهو أن نفهم من القبلة معناها المتشرّعي الاعتيادي، وقبلة أهل الكتاب هي بيت المقدس، ولعلّ هذا هو التفسير المشهوري للآية.
ويرد عليه:
أولاً: إنه لا دليل تاريخي أو ديني يدلّ على أنهم كان لديهم صلاة يجب فيها استقبال القبلة لكي يكون بيت المقدس قبلتهم.
فإن قلت: إن النبي (ص) إنما استقبل بيت المقدس في أول الإسلام في صلاته(1) موافقة لهم، وهذا يدلّ على أنهم كانوا يستقبلونه.
قلنا: كلا بهذا المعنى. نعم، لو حملنا استقباله على الموافقة معهم والمجاملة لهم فهي على معنى آخر؛ باعتبار أن بيت المقدس هو البقعة المقدّسة التي يؤمنون بها جميعاً، فإظهار النبي (ص) تقديسها والاهتمام بها يعتبر خطوة في مصلحة الإسلام لا محالة، وأهمّ علامة على التقديس هو الاستقبال في الصلاة التي هي عمود الدين.
ثانياً: ينفيه قوله تعالى: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، الأمر الذي يدلّ على أن أهل الكتاب كان لديهم أكثر من قبلة وليس قبلة واحدة، في حين أن ــــــ[15]ـــــــ
(1) انظر: ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة3: 155.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
المرتكز لدى المتشرّعة هي كونها قبلة واحدة وليست اثنتين. فماذا يقول المتشرعة في ظاهر الآية؟
ومعه يكون هذا الفهم بالمستوى الأول منتفياً، وينفتح المجال لنا للفهم على المستوى الثاني.
المستوى الثاني: المستوى المعنوي، أعني: حمل معنى القبلة على معنى معنوي، فإن قبلة كل شخص أو جماعة هو هدفه الذي يسعى له، سواء كان دنيوياً أم أخروياً، نفسياً أم عقلياً أم عقائدياً.
فيكون المراد من قبلة أهل الكتاب هو أهدافهم الدينية، أو قل: دينهم نفسه أو قل: مصالحهم الدينية حتى من الناحية الدنيوية، وبهذا تتعدّد قبلاتهم، ويتعصّب بعضهم ضدّ بعض، كما يتعصّبون ضدّ الاسلام، ويصدق قوله تعالى: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾.
وتوجد عدّة قرائن في سياق الآية على ذلك:
منها: قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ حيث قد يعني: أن قبلة أهل الكتاب هي أهواؤهم، وأهدافهم النفسية ليس إلا.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، يعني: تكون تلك القبلة هي وجهته. ومن الواضح أنه ليس المراد بالوجهة هنا الاتّجاه المادي، بل المعنوي أي: الاستهداف، سواء كان دنيوياً أم أخروياً.
ومنها: قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، أي: اجعلوا الخيرات والأعمال الصالحات هي أهدافكم وقبلتكم، دون الأهواء والشهوات.
النقطة السادسة: أننا بما ذكرناه في النقطة السابقة سوف نقع في تهافت في ظاهر سياق الآية؛ من حيث إن المراد منه هل هي القبلة الدنيوية أو القبلة ــــــ[16]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
المعنوية؛ إذ من الواضح أن المسجد الحرام المذكور في الآية أكثر من مرّة هو قبلة دنيوية -لو صحّ التعبير- فيكون قرينةً على أن المراد بقبلة أهل الكتاب هو ذلك أيضاً.
قلنا: يجاب هذا على مستويين:
المستوى الأول: وهو الموافق لفهم المشهور، وهو أن نفهم من كلا النحوين من القبلة: القبلة الدنيوية -كما عبّرنا- بقرينّية المسجد الحرام، وهذا يرد عليه ما سبق من ظهور الآية بتعدّد القبلة لدى أهل الكتاب، يعني: أن قبلة اليهود غير قبلة النصارى. فعلى المشهور أن يبيّن ذلك. ولم يبين؟! إلى غير ذلك مما سبق.
المستوى الثاني: أن نفهم المستوى المعنوي من كلتا القبلتين: بأن نفهم من (المسجد الحرام) معنى معنوياً لا معنى (دنيوياً)، فتسقط القبلة المتشرّعية السابقة. إلا أن الآية عندئذٍ تسقط عن الاستدلال على القبلة المتشرّعية (الدنيوية) المطلوبة، ونحتاج في إثبات شرطية القبلة إلى أدلّة أخرى، وهي متوفّرة كما سنرى.
النقطة السابعة: أن كثيراً من سياقات هذه الآيات الكريمات يدعم معنى القبلة المعنوية.
منها: أنه لم يذكر الصلاة في الآية، بل تدلّ على وجوب استقبال القبلة في كل مكان وزمان، لا في خصوص الصلاة. وهذا أمر غير محتمل لو كان المراد بها القبلة المتشرّعية.
ومنها: قوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. حيث لا اختصاص له بمجموعة معينة، بل يشمل كل فرد. ومن الواضح أن لكل فرد هدفه الخاصّ به، كما أن ــــــ[17]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
لكلّ مجتمع هدفه، ولكلّ دين هدفه.
أما إذا أردنا أن نخصَّ المقصود بالآية في القبلة المتشرّعية فسوف لن تشمل أكثر تلك المستويات، بل كلّها، وتختصّ بموارد قليلة.
ومنها: قوله: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني في الجانب المعنوي: أنك مهما استهدفت من هدف أو عملت من عمل فلتكن غايتك فيه الصلاح والحقّ دون اتّباع الهوى والباطل.
ومنها: قوله تعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ فإن هذا من المستبعد ارتباطه بالقبلة المتشرّعية أو (الدنيوية)؛ إذ سيكون الأمر بالعكس؛ لأن اختيار قبلة ثانية من قبل النبي (ص) سيفتح الإشكال والاعتراض ضدّه من قبل الأديان الأخرى، وبالتالي ستكون حجّتهم ضدّه، ولا يصدق العكس المبيَّن في الآية الكريمة.
أما لو كان المراد من القبلة: الهدف المعنوي وهو الحقّ والصلاح، فمن الواضح أنه سيكون للنبي (ص) والمسلمين الحجّة البالغة ضدّ أهل الكتاب وأهوائهم وضلالاتهم.
النقطة الثامنة: أنه ليس هناك إشكالٌ معتدّ به في حمل القبلة في سياق هذه الآيات الكريمات على كلا المحتوين: المادي والمعنوي، وعليه إما أن نفهم كلا الأمرين من كلّ السياق؛ باعتبار أن القبلة المتشرّعية هي الفهم المادي، والقبلة المعنوية هي الفهم المعنوي.
وإما [أن نفهم] التبعيض، يعني: تارةً يُراد بالآية هذا وتارةً ذاك. وهنا من الممكن القول: بأن المراد بالسياق: الجانب المعنوي إلا ما خرج بدليل، والدليل هنا هو النصّ على المسجد الحرام، فيراد به القبلة المادية، ويراد بباقي
ــــــ[18]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
السياق القبلة المعنوية. فتأمّل.
[الآية الثانية: وأقم وجهك للدين حنيفاً]
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾(1).
بتقريب: أنه يراد من الدين خصوص الصلاة، ومن إقامة الوجه خصوص القبلة، بقرينة عامّة وهي الارتكاز المتشرّعي، وخاصّة وهي الإقامة؛ لأنه لا يكون ذلك إلا في الصلاة. فإذا التفتنا إلى أن (أقم) صيغة افعل دلّ على وجوب ذلك المتعلّق إما بنحو الحكم التكليفي أو الوضعي، كما سبق.
إلا أن الإنصاف عدم إمكان ذلك، خاصّة وأن للدين معنى أعمّ من الصلاة، ولا أقلّ من الإجمال المسقط للاستدلال.
وأما قرينة الارتكاز المتشرعي ففي الإمكان منعها.
وأما قرينة الإقامة باعتبار ظهور الآية بالإقامة المادية والجسدية ففيها:
أولاً: إمكان منعها وفهم المعنى المعنوي رأساً منها.
وثانياً: أنه كما يمكن أن تكون الإقامة قرينة على (الدين) أو قل: كما يمكن أن يكون صدر الآية قرينة على ذيلها، كذلك يمكن العكس، الأمر الذي يؤدّي إلى الإجمال.
[الآية الثالثة: إني وجهت وجهي للذي فطرني]
قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾(2).
بتقريب: عدم إمكان التوجّه إلى الله سبحانه وتعالى توجّهاً مادياً، فيتعيّن أن يكون المراد غير الله سبحانه، وليس ذلك إلا الكعبة المشرفة، وخاصّة إذا التفتنا إلى ما قلناه في (ما وراء الفقه) وغيره: بأن الكعبة تعتبر هي الرمز المادي ــــــ[19]ـــــــ
(1) سورة يونس، الآية: 105.
(2) سورة الأنعام، الآية:79.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
للوجود الإلهي، فإذا تعذّر التوجّه المادي للوجود الإلهي، تعيّن التوجه إلى رمزه وهو الكعبة نفسها(1).
إلا أن الإنصاف هو ورود سنخ الإشكال على الاستدلال بالآية السابقة؛ من حيث تهافت قرينية الصدر والذيل، الأمر الذي يؤدّي إلى الإجمال.
مضافاً إلى كونه إخباراً، وليس فيها صيغة (افعل). فإن فهمنا منها نحواً من الحثِّ والترغيب الدالِّ على التشريع، فلا أقلّ من دلالته على جامع المطلوبية، لا خصوص الوجوب.
مضافاً إلى وضوح عدم ذكر القبلة والصلاة في السياق إطلاقاً، فإن فهمناها كذلك فإنما هو حمل على نحو من المجاز، وهو خلاف الأصل.
[الآية الرابعة: سيقول السفهاء من الناس]
الآية الرابعة: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾(2).
إلى أن يقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ﴾(3)، إلى أن يقول: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾(2). وهي الآية الأولى التي ذكرناها.
وتقريب الاستدلال بها يحتاج إلى ضمّ الواقع المتشرّعي القطعي في
ــــــ[20]ـــــــ
(1) راجع (ما وراء الفقه) 2: ق2، ص121.
(2) سورة البقرة، الآية: 142-143.
(3) سورة البقرة، الآية:143.
(4) سورة البقرة، الآية:144.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
التوجّه إلى الكعبة الشريفة، فتكون هذه الآية مكرّسة لردِّ الاعتراض على التحوّل من القبلة الأولى إلى الثانية والاعتذار عن ذلك.
وهي واضحة فإنَّ توقّع الاستمرار على القبلة الأولى إنما هو من قول السفهاء، وإنَّ القبلة الثانية هي الصراط المستقيم، وهي أن القبلة الثانية أو هذا التحوّل صعب وكبير على الناس الاعتياديين ﴿إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ﴾.
غير أن القبلة الأولى والثانية غير مسمّاة في الآية، ومن هنا قلنا بالحاجة إلى ضمّ الواقع المتشرّعي بتعيّن الثانية بالكعبة الشريفة، لتكون الآية الكريمة دليلاً على أنها حقّ وأنها هي الصراط المستقيم.
ومع ذلك نحتاج إلى الكلام في عدّة نقاط
[النقطة الأولى: ردّ إشكال عدم ذكر الصلاة في الآية]
النقطة الأولى أنه لم يرد اسم الصلاة في الآية الكريمة، ومن هنا فقد يقال بسقوط الاستدلال بها.
إلا أننا يمكن أن نضمّ الارتكاز المتشرّعي القطعي بأن القبلة إنما هي مربوطة بالصلاة، ولا يحتمل أن تكون مربوطة بأي شيء آخر، ما عدا ما دلّ عليه الدليل التحديدي كالذبح.
[النقطة الثانية: ردّ عدم تعيين السفهاء في الآية]
النقطة الثانية أن السفهاء غير معنيين في الآية الكريمة، هل هم من أعداء الإسلام أم من المسلمين أيضاً؟ وهل السؤال عندهم بحسن نيّة أم بسوء نيّة؟
وحسب فهمي فإن كلّ هذه الأصناف موجودة في المجتمع، ويجمعها حسب النظر المبيَّن في القرآن الكريم هو كونهم سفهاء، أي: متدنّين في المستوى العقلي والنفسي والثقافي، وليسوا ممّن ﴿هَدَى اللَّـهُ﴾ بغضّ النظر دينه وطبقته.
ــــــ[21]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
فإن قلت: إن المراد من الهداية هنا الدخول في الإسلام، فيختصّ الاعتراض بالكفّار.
قلنا: كلا؛ لوجود القرينة المتّصلة في الآية على ذلك، وهي (السفهاء). فمن ﴿هَدَى اللَّـهُ﴾ في مقابلهم، وليس في مقابل الكفّار، ونحن نعلم أن المستويات المتدنّية موجودة في مختلف الأفراد، وعندئذٍ لا بد أن نفهم من الهداية أمراً أعلى من مجرّد الدخول في الإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾(1).
[النقطة الثالثة: ردّ الإشكال على أن الآية تاريخية]
النقطة الثالثة أن سياق هذه الآية الكريمة يدلّ على المورد التاريخي لنزولها أو سببه، وهو أمر معلوم من التاريخ ولا أقلّ من كونه اطمئنانياً، أعني: تحوّل القبلة إلى الكعبة.
ومعه يتعيّن أن يراد بالقبلة هنا: القبلة المتشرّعية في الصلاة دون القبلة المعنوية، وخاصّة بعد الالتفات إلى أن (السفهاء) بمستواهم المتدنّي لن يدركوا تحوّل القبلة المعنوية، بل يختصّ التفاتهم بالقبلة المتشرّعية المادية.
[النقطة الرابعة: رد إشكال متعلق الجار والمجرور في الآية]
النقطة الرابعة حول قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فالجار والمجرور متعلّق بـ(تقلّب) لا بـ(نَرَى)، يعني: تقلّب وجهك حول السماء أو في أطرافها وأكنافها.
[أطروحات أسباب التقلّب في الآية]
أما سبب التقلّب ففيه عدّة احتمالات:
1 ـ أنه(ص) [كان] بانتظار الوحي.
2 ـ أنه(ص) كان بانتظار نزول جبريل.
3 ـ أنه(ص) كان يواجه بعض المشاكل التي ينتظر فيها الحلّ من الله
ــــــ[22]ـــــــ
(1) سورة الحج، الآية:54.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
سبحانه.
4 ـ الغضب من الكلام السيئ الذي كان يصدر من الكفار عامّة ومن اليهود خاصّة.
5 ـ النظر إلى النجوم وأحوالها وحركاتها.
6 ـ أنه(ص) كان مسبوقاً بدرجة من الاستياء من الناس لاستقبال بيت المقدس؛ باعتباره قبلة اليهود، فهو ينتظر الأمر الإلهي بالتبديل.
[ترجيح الأطروحة الأخيرة]
وهذا الأخير هو الذي يفسّر ورود التقلّب في هذا السياق دون غيره، وإلا فالأمور الأولى غير مختصّة بالقبلة كما هو واضح.
[النقطة الخامسة: تحويلات القبلة]
النقطة الخامسة حسب فهمي فإن القبلة كانت أولاً هي الكعبة ثمّ تحوّلت إلى بيت المقدس ثم تحوّلت إلى الكعبة.
وهذا المعنى عموماً يستفاد من التاريخ لا من القرآن الكريم؛ حيث إنه من الأكيد أن النبي (ص) قبل الهجرة كان يخرج إلى الصلاة في المسجد الحرام ويستقبل الكعبة الشريفة(1).
ولكن منذ الهجرة وحينما بدأ الصلاة العامّة في المدينة المنوّرة، توجّه إلى بيت المقدس، إلى أن ورد الأمر بالتحوّل في هذه الآيات الكريمة.
[النقطة السادسة: اتّساع معنى القبلة]
النقطة السادسة: أن معنى القبلة هو معنى الاتّجاه والاستقبال كما سبق، وليس خاصّاً في اللّغة باتّجاه معيّن، ولذا طُبّق في الآية الكريمة على كلا الاتّجاهين: القديم والحديث، لو صحّ التعبير. فسمّي الاتّجاه إلى بيت المقدس، قبلة. وذلك قوله تعالى: ﴿الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾(2). كما سمّي الاتّجاه إلى
ــــــ[23]ـــــــ
(1) انظر كتاب: ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة3: 157.
(2) سورة البقرة، الآية: 143.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الكعبة قبلة، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾.
وهذا التعبير في الآية يدلّ على أن الاعتراض والإشكال على القبلة الأولى لم يكن فقط في أذهان الناس المسلمين، بل كان في الذهن النبويّ أيضاً، وأنها لم تكن مرضيّة بصفتها قبلة لليهود، أو مفضّلة لديهم، وقد أصبحت الكعبة هي القبلة المرضيّة بطبيعة الحال.
[أطروحات الأجوبة]
فإن قلت: فلماذا توجّه إلى القبلة الأولى، وهو لا يرضاها؟
قلنا: لذلك عدّة أجوبة:
أولا: توجّه الأمر الإلهي إليه عن طريق الوحي (غير القرآني) بالتوجّه إلى بيت المقدس، كما هو المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾.
ثانيا: أن (صوب) بيت المقدس كان أوضح في المجتمع المدني من (صوب) مكّة المكرّمة، ولم يكن يريد النبي (ص) استعمال العلم الخاصّ به في ذلك. فتأمَّل.
ثالثاً: أن المصلحة العامّة كانت تقتضي ذلك، وهي إظهار نحو من المجاملة أو الوحدة تجاه الأديان السابقة، لكي يكسبهم إلى طريقه.
رابعاً: أنها كانت مجعولة للامتحان الإلهي لأفراد المسلمين، كما هو المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾(1).
وأوضح وجهة متصوّرة للامتحان هو احتمال الاعتراض على تشريع القبلة الأولى، فمن لا يكون من قبله اعتراض فهو (ممن يتبع الرسول)، ومن ــــــ[24]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية:143.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
يكون من قبله ذلك فهو (ممن ينقلب على عقبيه).
فإن قلت: فإن الاعتراض كان موجوداً في نفوس المسلمين حتى في نفس الرسول (ص)، وقد دلّ القرآن على ذلك كما سبق.
قلنا: هذا جهل بمؤدّى الكلام؛ فإن كراهة القبلة غير الاعتراض على التشريع، والمفروض من الفرد المسلم أن يقبل التشريع ويرحّب به، وإن كان فيما يكرهه، وما هو موجود في نفوس المؤمنين والرسول (ص) هو الكراهة لا الاعتراض بطبيعة الحال.
[الآية الخامسة: وجّهت وجهي للذي فطرني]
قوله تعالى: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾(1).
بتقريب: أن التوجّه مادياً إلى الله سبحانه مستحيل، فلا يمكن أن يكون هو المأمور به في الآية الكريمة؛ لأن الأمر بالمستحيل مستحيل، فيتعيّن أن يكون المراد الاتّجاه المادي.
وبعد ضمّ الارتكاز المتشرّعي على أن الاتّجاه المادي خاصّ بالصلاة أو غالب على الصلاة، عندئذٍ ينحصر أن يكون المراد بالآية الكريمة وجوب الاتّجاه إلى القبلة.
[مناقشة الآية]
إلا أن هذا الاستدلال قابل للمناقشة بعدّة أمور:
أولاً: إن هذا من كلام إبراهيم (ع) ، وهو فيما [كان] قبل الإسلام، وما قبله منسوخ بالإسلام نفسه، فلا يكون حجّة.
ثانياً: إنه قبل الإسلام لم تكن هناك صلاة، أو لم تكن بالطريقة الإسلامية، فلا يمكن أن يراد التوجّه إلى القبلة في الصلاة الإسلامية.
ــــــ[25]ـــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية:79.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
ثالثاً: إن القضية فيها إخبارية وليست انشاءً أو أمراً، فإن دلّت على الرجحان فلا أقلّ أنها تدلّ على مطلق المطلوبية لا خصوص الحصّة الوجوبية.
رابعاً: إنها تشمل الصلوات المستحبّة لا محالة، بعد التنزّل عن الإشكالات الأخرى، ولا يحتمل أن يكون التوجّه في المستحبات واجباً.
إلا أن هذا بمجرده مردود، بأن المراد هو الحكم الوضعي، وهو شامل لكلا الجهتين، لا التكليفي ليخصّ الواجبات.
خامساً: إن فيها قرائن -كالمتّصلة- على اختصاصها بالجانب المعنوي أو العقائدي؛ فإنها واردة كنتيجة للأفكار التي عاشها (ع) حول عبادة الشمس والقمر والنجوم، ومناقشته لذلك، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾(1) إلى آخر الآيات.
وتوجيه الوجه -سواء أريد به التوجيه المعنوي أم التوجيه المادي للوجه المعنوي أو للوجه المادي- كلّه ممكن أمام الحقّ وأمام عظمة الله سبحانه، حتى توجيه الوجه المادي بتوجيه مادي؛ فإنه يعني العمل الدنيوي بالطاعات.
[الآية السادسة: وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد]
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾(2).
بتقريب: أن إقامة الوجه ظاهرة بالتوجّه المادي عرفاً، وهو خاصّ بالصلاة أو غالب عليها، كما عليه الارتكاز المتشرّعي، وخاصّة مع ورود عنوان المسجد في الآية، الذي هو أيضا خاصّ بالصلاة، أو غالب عليها.
ــــــ[26]ـــــــ
(1) سورة الأنعام ، الآية:77.
(2) سورة الأعراف، الآية:29.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
[مناقشة الآية]
وما يمكن أن يجاب به هذا الاستدلال عدّة أمور:
[أولاً: معنى المسجد في الآية]
المناقشة من حيث اصطلاح المسجد، فإن الاستدلال بالآية يتوقّف على فهم الاصطلاح المتشرّعي المعروف منه، في حين يمكن منع وجود هذا الفهم لدى نزول القرآن الكريم.
إلا أن هذا بمجّرده يمكن أن يجاب بأكثر من وجه:
الوجه الأول: أن هذا الاصطلاح المتشرّعي كان موجوداً في عصر النبي (ص) ومستعمل في القرآن الكريم أيضاً في (المسجد الحرام) وفي قوله تعالى ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾(1). فمن الممكن أن يراد في الآية التي نحن بصددها ذلك أيضاً، ولا يبقى إلا التأمّل في تواريخ نزول الآيات.
الوجه الثاني: أننا لو تنزّلنا وقبلنا منع الاصطلاح في عصر نزول الآية، إلا أن الاستدلال لا يتوقّف عليه؛ لأن الفهم اللغوي للمسجد -وهو محلّ السجود- كان في ذلك. فتأمَّل.
[ثانياً: أن ظاهر (أقيموا) الوجوب في الآية]
[معنى القسط في الآية]
إن الاستدلال يتوقّف على أن يكون المراد من (أقيموا) الوجوب كما هو ظاهرها الأولي، ولكن توجد في السياق قرينة متّصلة على الاستحباب أو جامع المطلوبية، وهي قوله تعالى قبل هذه العبارة: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾(2). والقسط مستحبّ وليس بواجب، فلا أقلّ أن يكون مؤدّياً إلى إجمال الآية التي نحن بصددها.
ــــــ[27]ـــــــ
(1) سورة التوبة، الآية:108.
(2) سورة الأعراف، الآية:29.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
غير أن جواب ذلك من أكثر من وجه:
الوجه الأول: أن القسط هو العدل، وهو واجب لا مستحبّ، أو قل: إن صفته المقالية هي الوجوب، فلا يكون قرينة على الاستحباب.
الوجه الثاني: أنه وردت في صدر الآية مادة الأمر، ووردت في ذيلها صيغته، ومع وجود هذا الاختلاف لا توجد وحدة سياق تعني دلالتها على معنى واحد، هو إما الوجوب وإما الاستحباب، كما هو مراد المستشكل، بل يمكن أن يراد من كلٍّ منهما ما يناسبه.
وقد ذهبنا في علم الأصول(1) إلى أن المادة موضوعة لجامع المطلوبية الأعمّ من الوجوب والاستحباب، والهيئة موضوعة لخصوص الحصّة الوجوبية.
[ثالثاً: الاستدلال على ذيل الآية]
إنه قال:﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. وهو مستحبّ، فتنعقد وحدة في السياق تكون كالقرينة المتّصلة بأن المراد من الأمر في (أقيموا) أيضاً هو الاستحباب، فلا يتمّ الاستدلال.
[ترابط ذيل الآية مع مقدّمتها]
غير أن جواب ذلك من أكثر من وجه:
الوجه الأول: أن الإشكال يتوقّف على تعيّن فهم الاستحباب من (ادعوه) وهو متوقّف على فهم مطلق الدعاء، مع أنه لعلّه خاصّ بالدعاء في الصلاة، فتسقط القرينية.
الوجه الثاني: أن وحدة السياق بالاستحباب خاطئة؛ لأن السياق فيه ثلاثة أوامر لأنه يقول: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ﴾(2).
ــــــ[28]ـــــــ
(1) انظر: منهج الأصول3: 256 وما بعدها.
(2) سورة الأعراف، الآية:29.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
والاثنان الأوليان من هذه الأوامر متعيّنان في الوجوب، لما قلناه من أن العدل واجب، فإن كانت هناك وحدة سياق فهي للوجوب لا للاستحباب، فيكون على عكس مراد المستشكل أدل.
[رابعاً: اتّساع معنى الصلاة]
إنها شاملة للصلاة المستحبّة، ولا يحتمل أن يكون الاستقبال في الصلاة المستحبّة واجباً، كما سبق في مثله.
[و] جوابه أيضاً ما سبق من أن المراد الحكم الوضعي لا التكليفي.
[خامساً: معنى الإقامة في الآية]
إن مقتضى إطلاق مادة الإقامة في هذه الآية الكريمة وكذلك في الآية السابقة: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، هو استمرارها وعدم اختصاصها بالصلاة؛ فإن هذا هو مقتضى إطلاقها الزماني والمكاني، ووجوبه غير محتمل.
فإن قلت: فإن الارتكاز المتشرعي يخصها بالصلاة.
قلنا: في الإمكان منع هذا الفهم بالاختصاص إلا بقرينة، وهي متوفرة في الآية التي نتكلم فيها في قوله: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. دون تلك الآية السابقة.
الاستدلال بالسُنّة الشريفة
تدلّ على ذلك أخبار كثيرة تكاد تصل إلى حدّ التواتر، وهي عدّة طوائف:
[الطائفة الأولى: وجوب القبلة في الصلاة]
ما دلّ على مجرّد عنوان القبلة، وهي روايات عديدة نذكر بعضها كنموذج:
[الرواية الأولى: صحيحة زرارة]
منها صحيحة زرارة، قال: “سألت أبا جعفر (ع) عن الفرض في الصلاة؟ فقال: الوقت والطهور والقبلة والتوجّه والركوع والسجود والدعاء”. قلت: ما سوى ذلك؟ فقال: “سُنّة في فريضة”(1).
ــــــ[29]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 295، باب 1 من أبواب القبلة.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وتقريب الاستدلال بعد صحّة السند كونها نصّت على القبلة في ضمن ما هو فرض في الصلاة، وهو المطلوب.
[الإشكالات الواردة على الرواية والردّ عليها]
وما يمكن أن يكون إشكالاً على ذلك عدّة أمور:
[عدم تعيين الكعبة]
أولاً: إنه ذكر القبلة، ولم يعيّن كونها الكعبة.
إلا أنه غير وارد بعد ضمّ الارتكاز المتشرّعي بفهم الكعبة من القبلة في ذلك العصر من عهد الإسلام، وهو ارتكاز قطعي، إلا أنه بنفسه يصلح أن يكون دليلاً مستقلّاً على شرطية القبلة كما سياتي.
[دلالتها على الاستحباب لا الوجوب]
ثانياً: إن ما في الرواية ما هو واضح الاستحباب وهو التوجّه والدعاء، فإما أن تكون نتيجة ذلك هو تعيّن سياق الاستحباب للجميع أو أن المراد هو جامع المطلوبية، وهو خلاف مقصود المستدلّ.
ويمكن الجواب على ذلك بأمور:
الأول: أنه لو كانت هناك وحدة سياق فهي بالعكس؛ لأن الأغلب من الأمور المذكورة واضحة الوجوب، فينبغي أن يُصار إلى وجوب هذين الأمرين وخاصّة بعد صحّة السند. أو نقول: إن مقتضى السياق هو الوجوب إلا ما خرج بدليل، وقد خرج هذان الأمران بدليل، فيبقى الباقي على الوجوب.
الثاني: أنه يمكن حمل هذين العنوانين على ما هو واجب في الصلاة، فيراد بالتوجّه النيّة، وبالدعاء الذكر، كذكر الركوع والسجود، أو الدعاء الموجود في سورة الحمد كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾(1).
ــــــ[30]ـــــــ
(1) سورة الفاتحة، الآية:6.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
ولا أقلّ من أنه يقع التعارض بين ظهور السياق بالوجوب وظهور هذه الأمور بما هو مستحبّ، فلا يمكن أن تكون قرينة على حمل السياق على الاستحباب، مع الإمكان الحفاظ على ظهور الوجوب.
[الرواية الثانية: عن أبي بصير]
ومنها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) ، قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾؟ قال: “أمره أن يقيم وجهه للقبلة، ليس فيه شيء من عبادة الأوثان خالصاً مخلصاً”(1).
[الإشكالات الواردة على الرواية والرد عليها]
ويرد على الاستدلال بها مضافاً إلى ضعف السند، الإشكال الأول السابق مع جوابه.
مضافا إلى أنه قد يقال: إن قوله: (أمره) استعمل فيه مادة الأمر وقد قلنا في محلّه إنها لجامع المطلوبية الأعمّ من الوجوب والاستحباب، وهو خلاف المطلوب فعلاً من الوجوب.
وجوابه: ينبغي أن يكون واضحاً؛ فإن القرينة المتّصلة تعيّنه في هيئة الأمر؛ من حيث إنه مجرّد إشارة وطريق إلى الآية الكريمة، وما هو مستعمل فيها هو الهيئة لا المادة.
والسؤال الآخر الوارد في الاستدلال بهذه الرواية هو عن عدم ذكر الصلاة بعنوانها فيها، لا في الآية الكريمة ولا في الرواية.
وجوابه: ما سبق من اقتران مفهوم القبلة بالصلاة أكيداً في الارتكاز المتشرّعي، وهذا الاقتران موجود في عصر الأئمة(عم) وفي أذهان أصحابهم، فيعود الحال: أن المراد هو الاستقبال في الصلاة.
غير أنه قد يقال: إن في الآية والرواية معاً قرائن متّصلة على أن المراد ــــــ[31]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 295، باب1 من أبواب القبلة، ح2.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
بالقبلة: القبلة المعنوية، لا المادية أو الشرعية، وهو إقامة وجهه للدين حنيفاً مخلصاً ليس فيه شيء من عبادة الأوثان، وهذا معنى قريب من أصول الدين، ولا ربط له بالصلاة بالمباشر. وحمله على وجود هذا الحال في خصوص الصلاة بلا موجب؛ بعد العلم بأن الفرد المؤمن يجب أن يكون على هذا الحال دائماً، وبه تسقط الرواية عن الاستدلال.
وبتعبير آخر: أنه يقع التعارض بين هذا الظهور، وظهور القبلة في اختصاصه بالصلاة، وهو تعارض بنحو القرائن المتّصلة، فإن لم يكن هذا الظهور هو الأقرب فلا أقلّ من الإجمال.
[الرواية الثالثة: عن أبي بصير ]
ومنها: رواية أبي بصير، بنفس السند عن أبي عبد الله (ع) قال: “سألته عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؟ قال: هذه القبلة أيضاً”(1).
[الإشكالات الواردة على الرواية والرد عليها]
ويرد على الاستدلال بها
بعض الاشكالات السابقة مع ما سبق من مناقشات، مضافاً إلى أمور أخرى:
أولاً: ما ذكرناه في الاستدلال في الآيات بأنه يتوقّف على أن يراد بالمسجد مفهومه المتشرّعي، وقد سبق مع مناقشاته.
ثانياً: أن هذه الظرفية هل هي قيد المحمول أو هي قيد الموضوع؟
ويراد بالأول: وجوب الصلاة وجعلها في المساجد دائماً، وهو غير محتمل الوجوب. ويراد بالثاني: أن الفرد إذا كان في المسجد وجبت عليه الصلاة دائماً أو أحياناً، وهو أيضاً غير محتمل الوجوب. ولا يوجد احتمال معتدّ به آخر، فلا بد من حمل الصيغة على الاستحباب.
ــــــ[32]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 296، باب1 من أبواب القبلة، ح3.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
ثالثاً: إن إقامة الوجه أعمّ من الصلاة بلحاظ، وأخصّ منها بلحاظ آخر، وهو خلاف الاستدلال بأن المراد منها الصلاة.
جوابه: أما كونه أخصّ فلا يضرّ بالاستدلال بعد التجريد عن الخصوصية في كلّ الصلاة، وأما كونه أعمّ فالمفروض ظهوره بخصوص الصلاة.
[الطائفة الثانية: ما دلّ على تحويل القبلة في عصر النبي(ص)]
ما دلّ على تحويل القبلة في عصر النبي (ص) إجمالاً.
[الرواية الأولى: عن معاوية بن عمار]
منها: رواية معاوية بن عمار عن ابي عبد الله(ع) قال قلت له: “متى صرف رسول الله (ص) إلى الكعبة؟ قال: بعد رجوعه من بدر”(1).
[الرواية الثانية: عن أبي البحتري]
ومنها: رواية أبي البختري عن أبي جعفر بن محمد عن أبيه: “إن رسول الله (ص) استقبل بيت المقدس تسعة عشر شهراً، ثمّ صرف إلى الكعبة وهو في العصر”(2).
[الإشكالات الواردة على مجمل الروايتين والردّ عليها]
وضعف السند فيهما ظاهر.
[تعليق الحر العاملي ومناقشته]
ويعلّق الحر العاملي على الأخيرة فيقول: هذا محمول على ما بعد الهجرة(3).
أقول: بل هو ظاهر فيه ظهوراً كافياً؛ لأن المراد استقبال القبلة بصلاة الجماعة ومن غير المعروف أن صلاة الجماعة كانت تقام قبل الهجرة.
[الرواية الثالثة: معتبرة معاوية بن عمار]
مضافاً إلى قرائن أخر: كالروايات التي تقول بأن التحوّل بعد رجوعه من بدر، وهو حاصل بعد الهجرة قطعاً، كالرواية الأولى في هذه الطائفة.
كمعتبرة معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله (ع): “متى صرف رسول الله (ص) إلى الكعبة؟ قال: بعد رجوعه من بدر، وكان يصلي في المدينة ــــــ[33]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 4: 297، باب 1من أبواب القبلة، ح1.
(2) وسائل الشيعة4: 303، باب2 من أبواب القبلة، ح17.
(3) وسائل الشيعة4: 303.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً، ثمّ أعيد إلى الكعبة”(1).
وهي تندرج أيضا في هذه الطائفة، وهي معتبرة السند، وواضحة الارتباط بالصلاة بحسب الارتكاز المتشرعي والتاريخي.
وقوله: “أعيد إلى الكعبة” فيه دلالة على ما سبق أن قلناه من أن الاستقبال الأول أو الأصلي كان إلى الكعبة، وذلك في الصلاة في مكّة، فلما هاجر (ص) توجّه إلى بيت المقدس ثمّ أعيد إلى الكعبة.
[الطائفة الثالثة: ما دلّ على تحويل القبلة تفصيلاً]
[الرواية الأولى: عن أبي بصير]
منها: رواية أبي بصير عن أحدهما(عما) في حديث قال: قلت له: “إن الله أمره أن يصلّي إلى بيت المقدس؟ قال: نعم، ألا ترى أن الله يقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾(2)”.
ثمّ قال: ﴿إن بني عبد الأشهل أتوهم وهم في الصلاة قد صلّوا ركعتين إلى بيت المقدس، فقيل لهم: إن نبيكم قد صرف إلى الكعبة، فتحوّل النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، وجعلوا الركعتين الباقيتين إلى الكعبة، فصلّوا صلاة واحدة إلى قبلتين، فلذلك سمي مسجدهم مسجد القبلتين﴾(3).
[الرواية الثانية: عن الشيخ الصدوق]
ومثلها ما رواه الشيخ الصدوق(قدس) قال: “وصلى رسول الله(ص) إلى بيت المقدس بعد النبوّة ثلاث عشرة سنة بمكّة وتسعة عشر شهراً بالمدينة، ثم عيّرته اليهود فقالوا له: إنك تابع لقبلتنا، فاغتمَّ لذلك غمّاً شديداً. فلما كان في بعض الليل خرج (ص) يقلب وجهه في آفاق السماء. فلما أصبح صلى الغداة، ــــــ[34]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 298، باب2 من أبواب القبلة ج3.
(2) سورة البقرة، الآية:143.
(3) وسائل الشيعة (ط. آل البيت)4: 297، باب2 من أبواب القبلة، ح2.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
فلما صلى من الظهر ركعتين جاء جبرئيل (ع) فقال له: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ…﴾الآية. ثمّ أخذ بيد النبي (ص) فحوَّل وجهه إلى الكعبة، وحوَّل مَن خلفه وجوههم حتى قام الرجال مقام النساء والنساء مقام الرجال، فكان أول صلاته إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة”(1) إلى آخر الرواية.
[الإشكالات الواردة على الرواية]
[1/ إنها من مراسيل الصدوق]
وهي من مراسيل الصدوق، فتكون ساقطةً سنداً.
[2/ عدم إمكان كون الصلاة [قبل] الهجرة إلى بيت المقدس]
وهي تدلّ بوضوح [على] أن الصلاة قبل الهجرة كانت إلى بيت المقدس، وهو مستبعد.
[3/ لا إشكال في تقدّم النساء على الرجال في الصلاة]
كما تدلّ على بطلان الصلاة إذا كان الرجال خلف النساء أو في صفّهن، ولذا حصل التحوّل المذكور في الرواية عندما تحوّلت القبلة، وهذا ما لا نقول به، وإنما نقول بالكراهة، اللّهم إلا أن يقال: إنهم تحوّلوا لأجل تجنّب الكراهة أو مطلق المرجوحية.
[4/ تحويل القبلة يستلزم بطلان الصلاة]
إلا أن الإشكال الأهمّ في طريقة تحوّل القبلة خلال الصلاة؛ فإنه مستلزم لكثرة الحركة، وهو ملازم لعدم الطمأنينة وعدم الموالاة ومحو صورة الصلاة، كما نعبّر فقهياً، وكلّها من مبطلات الصلاة، فكيف صحّت لهم صلاة واحدة بعينها إلى قبلتين. ولو كان التحوّل ما بين صلاتين بحيث تبدأ الثانية إلى الجهة الأخرى، لَما ورد هذا الإشكال طبعاً، إلا أنه خلاف نصّ الرواية.
[مناقشة الإشكال الأخير]
وجوابه من وجوه:
أولاً: أن الإشكال ناشئ من الارتكاز المتشرّعي الموجود- وتشعر به الرواية أيضاً- من اختلاف جهة القبلتين اختلافاً كبيراً، كما لو كانت إحداهما في
ــــــ[35]ـــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه1: 275، وسائل الشيعة4: 301، باب2 من أبواب القبلة، ح12.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الشمال والأخرى في الجنوب، وعندئذٍ تتحقّق الحركة الكثيرة وتبطل الصلاة.
إلا أننا نستطيع أن نتصوّر كون زاوية الانتقال والتغيير قليلة، بحيث توجب تغيير الوجه خلال الصلاة تغييراً بسيطاً، فلا تبطل.
إلا أن هذا خلاف الواقع الجغرافي؛ من حيث إن التحوّل كان في المدينة، ومن المعلوم أن مكّة المكرّمة جنوب المدينة وبيت المقدس إلى شمالها، بحيث لا يقلّ الاختلاف بينهما عن 150 درجة، وهو اختلاف مهمّ يعود معه الإشكال.
ومن أجل هذا الاختلاف نصّت الرواية: (إنه قام الرجال مقام النساء والنساء مقام الرجال)، ولو كان الاختلاف بسيطاً لما احتاج الأمر إلى ذلك.
[معجزية تحويل القبلة]
ثانياً: أن التحول كان بالمعجزة ببركة النبي (ص)، بحيث لم تبطل صلاتهم بكثرة الحركة والالتفات.
وهذا مستبعد إلى حدِ الاطمئنان بعدمه، والرواية واضحة في نفيه؛ من حيث إن قوله: “حتى قام الرجال” أي باختيارهم لا بالمعجزة.
إلا أننا على أي حال لا بد لنا من التسليم بشيء من الإعجاز؛ لأن تحويل القبلة يحتاج إلى تفهيم الناس المصلّين، كما أن تحوّل النساء مكان الرجال والرجال محلّ النساء يحتاج إلى كلام، فكيف لا يكون الكلام مبطلاً للصلاة، مضافاً إلى كثرة الحركة.
ويكون مضمون المعجزة هنا أن الناس فهموا مقصود النبي (ص) من دون كلام، وأخذ كل واحد موضعه أيضاً بدون كلام كذلك، وهو كما ترى.
[صعوبة الأمر فقهياً]
ثالثاً: أن هذه الرباعية وهي صلاة العصر قد أجيز في ذلك اليوم تقسيمها إلى ركعتين ركعتين بإشراف النبي (ص)، فلما انتهت الركعتان الأوليان تحوّلت القبلة، فبدأوا الركعتين الباقيتين، فلم تتحوّل القبلة خلال الصلاة.
ــــــ[36]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
إلا أن هذا أيضاً مما يَحصُل الاطمئنان بعدمه، ويواجه عدّة إشكالات في تطبيقه، ومن أهمّها منافاته مع ظاهر الروايات حيث يقول في بعضها: “فكان أوّل صلاتهم إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة”(1) وهذا لا يصدق مع انفصال الركعتين بتسليم وتكبير جديد.
مضافاً إلى قوله في رواية أخرى: “إن القبلة قد صرفت، وتحوّلوا وهم ركوع”(2) أي: راكعون، في حين أن تصورنا في هذا الوجه أنهم تحوّلوا بعد التسليم.
رابعاً: أن الصلاة لم تبطل بكثرة الكلام وكثرة الحركة؛ لأن كون ذلك مبطلاً لم يكن مسنوناً في الشريعة، وإنما ورد ذلك من النبي (ص) في زمانٍ متأخّر عن هذا العهد.
وجوابه: أننا لو سلّمنا ذلك فلا نسلّم أن محو صورة الصلاة والخروج عن حالتها ووضعها المتعارف غير مبطل، بحيث يصبح الفرد يتكلّم ويمشي على حريته، ومع ذلك يعتبر في داخل الصلاة. إن هذا غير محتمل في كلِّ أعوام الإسلام، وهو مما يغلب الظنّ بالحاجة إلى حصوله عند الأمر بتحوّل القبلة.
خامساً: أن ذلك قد حصل في الجملة، إلا أنه بإمضاء وإشراف من النبي(ص)، وإمضاء النبي (ص)حجّة، فقد اعتبرها هو صلاة واحدة، وإن كان ذلك على خلاف المتعارف فقهياً.
والمصلحة المتصوّرة في ذلك هو حفظ هذا المعنى، وهو إمكان أو حصول صحّة صلاة واحدة بعينها إلى قبلتين، وهي من هذه الناحية خالية من
ــــــ[37]ـــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه1: 275.
(2) وسائل الشيعة4: 301، باب2 من أبواب القبلة، ح13.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الإشكال، مادام كلا الجزأين من الصلاة جامعاً للشرائط في حينه، ولم يقصّر المكلّف في تطبيق الشرط بعد تغييره.
سادساً: أننا يمكن أن نمنع عن أن يكون التحوّل خلال صلاة الجماعة، فلا يلزم الإشكال؛ إذ يكون كل واحد من المصلّين منفرداً فيحوّل وجهه بنفسه، وإنما كان الاجتماع في المسجد رجالاً ونساءً بدون جماعة.
فإن قلت: فإن كون النساء خلف الرجال وتحوّلهم ظاهر في أنهم في صلاة جماعة.
قلنا: كلا؛ فإن التأخّر لا بد منه، سواء في جماعة أم فرادى.
كما أن مقتضى إطلاق بعض الروايات -كالتي سمعناها في الطائفة الثانية- هو ذاك؛ باعتبار أنها لم تذكر كون التحوّل خلال صلاة الجماعة، وإن ذكرت أنها في صلاة، فتأمّل.
وعلى كل حال فالمطلب لا يخلو من صعوبة فقهية، مضافاً إلى أن المعروف أن المسجد خاصّ بالرجال، ولا تدخله النساء إلا نادراً، في حين أن ظاهر هذه الروايات هي التزام النساء بالصلاة خلف النبي (ص) باستمرار، ولعلّها المورد الوحيد الدالّ على ذلك، وهو أمر ممكن ولكنه مستبعد.
[ضعف السند عموماً]
وإنما العمدة هو الطعن في هذه الروايات سنداً، الأمر الذي ينتج أننا نعلم بالتحويل، إلا أننا لا نعلم كونه في صلاة واحدة، فيرتفع الإشكال.
[التعارض بين مضامين بعض الروايات]
مضافاً إلى التعارض بين مضامين الروايات، فمثلاً: بينما يدلّ بعضها على أن التحوّل في الظهر- كما في رواية الصدوق(1) السابقة – يدلّ بعضها ــــــ[38]ـــــــ
(1) مَن لا يحضره الفقيه1: 275,
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الآخر على أنه كان خلال صلاة العصر، كما في رواية المفيد(1).
وبينما يدلّ الكثير من الروايات [على] أن التحول كان في مسجد واحد حيث كان رسول الله (ص)، دلّت رواية الصدوق على أنها كانت في مسجدين من مساجد المدينة(2).
وبينما يدلّ عدد من الروايات على أن التحوّل كان حال القيام في الركعة الثانية أو الثالثة، على ما يبدو، تدلّ رواية الطوسي في (الأمالي)(3) [على] أنَ التحول كان خلال الركوع، إلى غير ذلك.
[تفصيل التعارض]
فإن قلت: فإنَّ بعض الروايات التي سبقت وغيرها تقول: عيَّرته اليهود وقالوا له: إنك تابع لقبلتنا، وهو دالّ على وجود القبلة لليهود، مع أننا سبق أن نفينا ذلك وقلنا: إنه لم يثبت أن لليهود والنصارى قبلة.
قلنا: هذا يجاب بعدّة أجوبة:
أولاً: الطعن في السند، الأمر الذي يفتح احتمال الزيادة والنقيصة في الأخبار، فلعلّ هذه الأمور منها.
ــــــ[39]ـــــــ
(1) مسار الشيعة:58.
(2) روى الشيخ الحر العاملي هذه القضية في وسائل الشيعة4: 301، عن الشيخ الصدوق. وكذلك العلامة المجلسي في بحار الأنوار 19: 201، إلا أنهما لم يذكرا تكملة الحديث الذي رواه الشيخ الصدوق، مع أنهما يرويان عنه، حيث قال في مَن لا يحضره الفقيه1: 275: (وبلغ الخبر مسجداً بالمدينة صلى أهله من العصر ركعتين فحولوا نحو الكعبة). بينما ذكر تمام الخبر مع الزيادة العلامة الحلي في منتهى المطلب4: 169، والشهيد الأول في كتاب ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة3: 155، والمحقق البحراني في الحدائق الناظرة6: 369، وغيرهم.
(3) الأمالي، الشيخ الطوسي: 338.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
[حلّ التعارض]
ثانياً: أننا لا نمانع أن تكون لهم قبلة يجب عليهم التوجه إليها في بعض أعمالهم، وإن لم يثبت ذلك بدليل معتبر، إلا أن هذه الروايات لو تمت سنداً صلحت أن تكون دليلاً عليه، وهو أمر محتمل على أية حال.
ثالثاً: أن المراد بالقبلة التي لليهود ليست القبلة المصطلحة لدى المسلمين، وإنما هي لغة إسلامية مبيّنة لواقع يهودي مجهول، فلعلّ المراد به مجرّد التقديس، ولا شكّ أنهم يقدّسون البيت المقدس، فيكون التقديس مشتركاً مع المسلمين، بينما هم لا يقدّسون المسجد الحرام، فيختصّ تقديسه بالمسلمين.
[مناقشة اغتمام الرسول(ص)]
فإن قلت: فإن بعض الروايات تقول: “ثمّ عيرته اليهود، فقالوا له: إنك تابع لقبلتنا، فاغتمّ لذلك غمّاً شديداً”. ولعلّ القرآن الكريم أيضاً دالّ على ذلك في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فإن هذا الحال دالّ على وجود الغمّ والحيرة في نفسه المقدّسة (ص).
مع أنه لا وجه لوجود هذا الغمّ، بعد أن كان يعلم من أوّل الأمر تقديس اليهود لبيت القدس، بل لعلّ مصلحة التوجّه إليه وهو مجاملتهم في الجملة، كما سبق أن احتملناه.
قلنا: يمكن أن يجاب [عن] ذلك بعدّة وجوه:
الوجه الأول: ضعف سند الرواية؛ فإنها -كما سبق – من مراسيل الصدوق التي لم تثبت حجيتها.
الوجه الثاني: أنه يمكن القول بعدم دلالة القرآن الكريم على ذلك -يعني على الغمّ والحيرة- وإنما هو لمجرّد انتظار الوحي أو توقّعه.
الوجه الثالث: أنه (ص) اغتمّ لتورّط اليهود في الذنوب بتعيير النبي (ص) وغير ذلك من معايبهم، وهذا أمر منطقي وحسن، كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ
ــــــ[40]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾(1)، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾(2).
الوجه الرابع: أن الغمّ كان لأجل الحمل على السوء، وهذا أمر موجود اجتماعياً بين الخصوم، فيما كان النبي (ص) يرى المصلحة في التوجّه إلى بيت المقدس، صوَّره خصومه على أنه مفسدة.
هذا، ولا حاجة لنا أن نطيل في ذكر طوائف الروايات الدالّة على المطلوب، وهو وجوب استقبال القبلة خلال الصلاة إجمالاً؛ فإنها على طوائف وألسنة عديدة، حتى يمكن أن يكون كلّ باب من أبواب القبلة في الوسائل طائفة برأسها، وهي تسعة عشر باباً(3). وخاصّة بعد ضمّ الارتكاز المتشرّعي القطعي على اختصاص الصلاة بالقبلة أو اختصاص القبلة بالصلاة.
[الأدلّة اللّبية]
هذا ولا ينبغي أن ننسى أخيراً الإشارة إلى الأدلّة اللّبية الدالّة على ذلك، لو صحّ لنا التنزّل عن دلالة الكتاب والسنة.
وتلك الأدلّة هي الإجماع والسيرة والارتكاز المتشرّعي، وكلّها موجودة قطعاً في القبلة بمفهومها الإجمالي، أي: بقطع النظر عن التفاصيل، بل هو من ضروريات الدين إلى حدّ لا يحتاج إلى دليل.
ويكفي أن نلتفت إلى أن المسلمين يسمّون أهل القبلة، وأن القبلة من الأمور الرئيسية المشتركة بين كلّ المذاهب، حيث يقال: إ ن نبيهم واحد وكتابهم واحد وقبلتهم واحدة.
ــــــ[41]ـــــــ
(1) سورة الشعراء، الآية:3.
(2) سورة النحل، الآية:127.
(3) راجع: وسائل الشيعة4: 295-341، أبواب القبلة.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
قال المحقق الحلي: (وهي الكعبة لمن كان في المسجد، والمسجد لمن كان في الحرم، والحرم لمن خرج عنه)(1).
يقع الكلام في ذلك في عدَّة جهات:
[الجهة الأولى: أن الكعبة قبلة لمن في المسجد]
إن الكعبة هي القبلة لمن كان في المسجد الحرام كما قال، وهذا لا شكّ فيه، ولكن الكلام في اختصاصها به، والمشهور- كما هو ظاهر سائر الأدلّة- أنها قبلةٌ لكلّ المصلّين على وجه الأرض، لا يختصّ ذلك بالمسجد الحرام أو غيره، وكل نصوص الكتاب والسنة خالية عنه.
نعم ربما [يستشكل] على ذلك بعض الجهات:
أولاً: أن الكعبة إذا كانت قبلة فلا بد من إحرازها حقيقة ليحرز شرط الصلاة، وإلا كان مقتضى القاعدة بطلان الصلاة، وحيث إن هذا لا يتيسّر إلا في داخل المسجد الحرام، إذن هي قبلة في المحلّ الذي يتيسّر إحرازها دون غيره.
وهذا الوجه -كما ترى- غير قابل لتقييد المطلقات؛ إذ إن بين الواقع والإحراز عموماً من وجه، فقد يمكن إحراز الاستقبال من بُعد، وقد لا يمكن إحرازه حتى في داخل المسجد الحرام، كما في حال العتمة والظلام ونحوه. هذا بغضّ النظر عن سعة جهة القبلة على ما سوف نقول.
ثانياً: أنه من اليقين القول بصحّة صلاة البعيد والقريب من هذه الناحية، أي الاستقبال، في حين أنه لا يصحّ صدق الاستقبال إلا باستقبال العين، وحيث لا يمكن استقبال عين الكعبة عن بُعد، إذن ناسب أن تكون هناك (عين واسعة) يمكن استقبالها عن بعد، وهي المسجد لمن كان في الحرم، والحرم لمن كان خارجه، وسقطت الكعبة عن مشروعية الاستقبال؛ لتعذّر ذلك فيها.
ــــــ[42]ـــــــ
(2) شرائع الإسلام1: 51.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وجوابه: بالطعن بعدّة مقدمات فيه:
منها: قوله: إنه لا يصح صدق الاستقبال من بُعد، أولاً يصدق الاستقبال إلا باستقبال العين، فإنه إن أريد به الدقّة العقلية فنعم، وأما إذا أريد به الفهم العرفي فلا، ولا شكّ أننا نفهم الكتاب والسنة بالفهم العرفي بعيداً عن الدقّة العقلية.
إذن يمكن استقبال عين الكعبة عن بُعد بالاستقبال العرفي، وإن لم يكن بالاستقبال الدقّي أو العقلي.
ومنها: أننا لو توخّينا الدقّة فإن هذا لا يكون لازماً باطلاً، يعني حيث يتعذّر استقبال الكعبة، إذن لا تكون هي قبلة.
كلا، بل يجب أن يتسبّب المكلّف إلى الاستقبال مهما كان احتياطاً لدينه، ولو باعتبار وجوب المقدّمات المفوّتة، إلا أن الدقّة أساساً غير مطلوبة، كما أشرنا ويأتي.
ومنها: أن توسيع العين التي يجب استقبالها لا يؤدّي إلى سهولةٍ معتدٍّ بها في الاستقبال؛ إذ قد يتعذّر بالدقّة استقبال أوسع هذه الاحتمالات، وهي الحرم، إذا كان الفرد المصلّي على بعدٍ سحيق.
مضافاً إلى أن توسيع العين التي يجب استقبالها ليس باختيارنا، وإنما بحسب الأدلّة، وهذا ما سنبحثه، وستجد أن الأدلّة قاصرة الدلالة عليه.
ثالثاً: أن على ذلك فتوى بعض فقهائنا الأقدمين كالسيد أبي المكارم ابن زهرة(1)، فلا ينبغي أن نتعدّى عن فتواهما.
ــــــ[43]ـــــــ
(1) قال ابن زهرة: (القبلة: هي الكعبة، فمن كان مشاهداً لها وجب عليه التوجّه لها، ومن شاهد المسجد ولم يشاهد الكعبة وجب عليه التوجّه إليه، ومن لم يشاهده توجّه نحوه بلا خلاف). انظر: غنية النزوع، للسيد أبي المكارم ابن زهرة: 68.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وجوابه واضح:
أولاً: أن فتوى المجتهد ليست حجّة على المجتهد الآخر، حتى مع اختلاف العصر، وإنما المهمّ هو الدليل.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أننا لا نعتبر الشهرة حجّة، وما يحتمل فيه الحجّية من أقسام الشهرة إنما هي الشهرة بين الأقدمين، ومع ذلك فهي ليست بحجّة، فكيف بفتوى القليلين مما قد يعتبر شذوذاً مضافاً للمشهور.
ثانياً: أن هذه النسبة لم تثبت إلى هذين العلمين(قدس سرهما)؛ فإن العبارة المنقولة عن الشيخ ابن زهرة في الغنية، أنه قال: (القبلة هي الكعبة، فمن كان مشاهداً لها وجب عليه التوجّه لها، ومن شاهد المسجد ولم يشاهد الكعبة وجب عليه التوجّه إليه، ومن لم يشاهده توجّه نحوه بلا خلاف)(1).
فكونه مشاهداً لها أعمّ من كونه في المسجد وغيره، وإن كان الغالب فيها ذلك، كما أنه يمكن فهم التوجّه إلى المسجد بصفته طريقاً إلى التوجّه إلى الكعبة لا بذاته، كما أنه لم يذكر التوجّه إلى الحرم، كما ذكره المحقّق(2).
ويدلّ على هذه الطريقية عبارة المفيد المنقولة عن المقنعة، حيث قال: (والقبلة هي الكعبة…ثمّ المسجد قبلة لمن نأى عنها؛ لأن التوجّه إليه توجّه إليها). ثمّ قال: (ومن كان نائياً عنها خارجاً من المسجد الحرام توجّه إليها بالتوجّه إليه)(3). وهي واضحة بالطريقية.
[الجهة الثانية: أن المسجد قبلة لمن كان في الحرم والاستدلال عليه]
ــــــ[44]ـــــــ
(1) غنية النزوع: 68.
(2) شرائع الإسلام1: 51.
(3) المقنعة: 95.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
فنسب القول به إلى بعض القدماء(1)، كما سمعناه وناقشناه، والمشهور بالشهرة العظيمة خلافه أكيداً.
ويمكن الاستدلال عليه بالأدلّة الثلاثة: الكتاب والسُنّة والإجماع.
[الكتاب الكريم]
أما الكتاب: فإن الآية بلا شكّ تذكر المسجد الحرام ولا تذكر الكعبة، حيث يقول: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾(2)، وهي كالنصّ بالمطلوب.
وجواب ذلك من عدة وجوه:
أولاً: أن نقول إن معنى ذلك: أن الكعبة ليست هي القبلة، بل المسجد الحرام، وهو أمٌر يكاد يكون ضروري البطلان.
ثانياً: ما أشرنا إليه فيما سبق من أن المراد بالمسجد الحرام نفس الكعبة الشريفة، ولم يكن في حينها مسجد حولها.
ثالثاً: أن نعتبر هذا الظهور غير محتمل الأخذ به، والظهور القرآني حجّة ما لم نعلم بعدمه، وهذا يكاد يكون معلوم العدم، فلا بد من تأويله.
رابعاً: معارضة هذا للرأي بما دلّ من الأخبار على خصوص الكعبة. إلا أن هذا لا يتمّ [لأمرين]:
[الأول]: أننا لو تنزّلنا عن الوجوه السابقة حصل التعارض بين الأخبار وظاهر القرآن، فتسقط الأخبار عن الحجّية.
ــــــ[45]ـــــــ
(1) انظر: مفتاح الكرامة5: 268، حيث نسبه إلى (الخلاف) و (المراسم العلوية) وغيرها.
(2) سورة البقرة، الآية: 144.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
[الثاني]: أن الأعمّ الأغلب من الأخبار إنما هي بعنوان القبلة، لا بعنوان الكعبة، ومسألتنا هنا صغروية وأن القبلة هل هي الكعبة أم المسجد؟ ولم يرد ذكر الكعبة في هذا الصدد إلا في القليل الذي لعلّه غير تامّ سنداً، كالصلاة على جبل أبي قبيس(1) ونحوها.
خامساً: الحمل على الطريقية -كما سبق- فإن التوجّه إلى المسجد توجّه إلى الكعبة في الجملة، وخاصّة عند البعد عنهما معاً، بل يصدق ذلك حتى في المسافة غير البعيدة نسبياً ولو في كيلو متر واحد كبيوت مكّة نفسها، فضلاً عن الأبعد.
سادساً: أن الفرد لو تجنّب الصلاة إلى الكعبة المشرّفة عمداً وصلى إلى جدار المسجد فقط، جرى استصحاب اشتغال الذمّة الملازم مع وجوب الإعادة ضمن القدر المتيقّن، أعني: بالتوجّه إلى الكعبة.
وهذه الملازمة ليست مثبتة، وإنما يراد بها التمسّك بإطلاق الأدلّة الأصلية، بعد ثبوت بطلان الفرد المأتي به بالأصل.
إلا أن هذا الوجه لا يتمّ؛ لأننا لا يخلوا إما أن نتنزّل عن الوجوه السابقة من المناقشة أو لا، فإن تنزّلنا ثبت ظهور الكتاب الكريم بكون المسجد الحرام هو القبلة، وهو أمارة قاطعة لاستصحاب اشتغال الذمّة. وإن أُخذ بالوجوه السابقة كانت كافية في ردّ الاستدلال بالآية، ولا نحتاج معه إلى هذا الاستصحاب، وإن كان جارياً في نفسه.
[السُنّة الشريفة وهي أربعة أخبار منها]
وأما السنة فهي عبارة عن أربعة أخبار كلّها غير تامّة السند، خصّها الحرّ
ــــــ[46]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 339، باب18 من أبواب القبلة، ح2.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
العاملي في بابٍ في (الوسائل).
[1/ خبر الحجّال]
منها: خبر الحجّال عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله (ع): “إن الله تعالى جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد، وجعل المسجد قبلة لأهل الحرم وجعل الحرم قبلة لأهل الدنيا”(1).
[2/ الخبر الذي بعده]
وفي الخبر الذي بعده: “والحرم قبلة للناس جميعاً”(2).
[3/ خبر أبي غرّة]
وعن أبي غرّة قال: “قال لي أبو عبد الله (ع): البيت قبلة المسجد والمسجد قبلة مكة، ومكة قبلة الحرم، والحرم قبلة الدنيا”(3).
ونقاشها ظاهرٌ بعدة وجوه:
أولاً: ضعف السند، كما هو واضح لمن يلاحظها.
ثانياً: إعراض المشهور عنها إن قلنا بصحّة الكبرى.
ثالثا: معارضتها بالأخبار الدالّة على أن القبلة هي خصوص الكعبة.
فإن قلت: فإننا قلنا: إنها قليلة وغير معتبرة السند في الغالب.
قلنا: نعم، إلا أنها على أي حال أكثر من هذه الروايات عدداً وأهمّ سنداً.
فإن قلت: فإن تلك الأخبار ليس لها مفهوم مخالفة يدلّ على أن غير الكعبة ليس بقبلة ليقع طرفاً للمعارضة مع هذه الأخبار، ومن الواضح أن كون الكعبة قبلةً لا ينافي كون شيءٍ آخر أيضاً قبلةً.
قلنا: نعم. إلا أنه يمكن ضمّ الارتكاز المتشرّعي الدالّ على انحصار
ــــــ[47]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 303، باب3 من أبواب القبلة، ح1.
(2) المصدر السابق:4: 304، باب 3من أبواب القبلة، ح2.
(3) المصدر السابق4: 304، باب3 من أبواب القبلة، ح4
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
القبلة بالكعبة إلى تلك الأخبار، ليكون لها مفهوم مخالفة باعتبار الدلالة على الحصر عندئذٍ، ويكون هذا الارتكاز بمنزلة القرينة المتّصلة لوضوحه.
غير أن هذا الارتكاز لو تمَّ كفى دليلاً على إسقاط هذه الأخبار التي نحن بصددها، بدون الحاجة إلى الزيادة.
رابعاً: الحمل على الطريقية كما أشرنا فيما سبق. ومما بيّنه الشيخ الحرّ بهذا الصدد أنه قال: وقد ذكر بعض المحقّقين أنه لا نزاع هنا ولا اختلاف بين أحاديث هذا الباب والذي قبله؛ لأن جهة المحاذاة مع البعد متّسعة، وهذه الأحاديث وما دلّ على أن ما بين المشرق والمغرب قبلة وما دلّ على استقبال المسجد الحرام من الآية والرواية وغير ذلك كلّه إشارة إلى اتّساع جهة المحاذاة وتسهيل الأمر ودفع الوسواس(1)، إلى آخر كلامه.
واتّساع الجهة تعبير آخر عن الطريقية إلى التوجّه إلى الكعبة المشرّفة بالجهة المتّسعة.
[الأدلّة اللّبية]
وأما الأدلّة اللّبية على نفس المعنى فقد يدّعى الشهرة بين المتقدّمين على ذلك، خاصّة أن المحقّق في (الشرائع) يُفتي في الأغلب بما هو المشهور، وقد سمعنا هذا المضمون منه، فيكون صغرى للمشهور.
إلا أن هذا مطعون كبرى وصغرى:
أما كبرى فلأن الشهرة ليست بحجّة، والإجماع غير متحقّق لا منقولاً ولا محصّلاً.
وأما صغرى فلإمكان إنكار الشهرة، بل الشهرة بخلافه على أن الشهرة يمكن أن تكون مدركية؛ لاحتمال اعتمادهم على هذه الأخبار الضعيفة، ولا ــــــ[48]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 304- 305.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
أقلّ من الاحتمال المبطل للاستدلال. وإذا كان الإجماع المدركي ليس بحجّة، فكيف بالشهرة المدركية؟!
[الجهة الثالثة: أن الحرم قبلة لأهل الدنيا والاستدلال عليه]
أن الحرم قبلة لأهل الدنيا، يعني الذين[هم خارج الحرم].
ويمكن الاستدلال عليه بالأدلّة الثلاثة:
[الكتاب الكريم]
أما الكتاب الكريم فبحمل المسجد الحرام الوارد في الآية على معنى الحرم المكّي، وليس خصوص المسجد ولا الكعبة، وهو أمر محتمل، إلا أنه بعيد.
غير أنه يمكن إقامة قرينة عليه، وهي قوله تعالى: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾(1)؛ من حيث إن المقصود ليس من كان حاضراً في المسجد، بل في الحرم أو في مكّة عموماً، الذي هو معنى الحرم.
وجوابه: تعيّن المجازية في هذه الآية، وعدم الملازمة بين هذه الآية وغيرها، أو قل: لا ملازمة بين استعمال المسجد الحرام في القرآن الكريم، فقد يكون بعضها مجازياً وبعضها حقيقياً، فلا تصلح لأن تكون هذه الآية قرينة منفصلة على الآية التي نحن بصددها.
[السُنّة الشريفة]
وأما الأخبار فهي الأخبار الأربعة السابقة التي سمعناها وعرفنا ضعف سندها وسائر مناقشاتها.
وإنما ينبغي هنا الإلماع إلى نكتة من التعارض بين لسانين من الأخبار، فإنه بينما يعتبر الحرم قبلة لمن كان خارج المسجد، فإن الرواية الرابعة تعتبر مكّة قبلةً لمن كان خارج المسجد، والحرم قبلة لمن كان خارج مكّة، ومع هذا
ــــــ[49]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
التعارض فقد نصير إلى التساقط.
وجوابه من أكثر من وجه:
أولاً: إمكان القول بالتخصيص؛ فإن اللسان الأول بمنزلة العام، والثاني بمنزلة الخاصّ، كأنه قال: إن الحرم ليس قبلة لكلّ من كان خارج المسجد، بل لمن كان خارج مكّة أيضاً، بعد وضوح أن من كان خارج مكّة فهو خارج المسجد أيضاً.
ثانياً: الأخذ بالروايات الأكثر عدداً، وهو اللسان الأول الذي لا يذكر مكّة بعنوانها، غير أنه مع ضعف سنده يكون تطبيق هذه الكبرى عليه مشكلاً.
ثالثاً: الحمل على الطريقية واتّساع الجهة كما سبق، وبذلك تزول العناوين التفصيلية المأخوذة في كِلا اللسانين، فيزول التعارض.
مضافاً إلى وضوح: أن التعارض هنا من تعارض الأخبار الضعيفة.
كما أن هناك إشكالاً مشتركاً على كون المسجد قبلة أو مكّة أو الحرم، وذلك: أن الحمل على الطريقية واتّساع الجهة إذا كان مقبولاً من خارجها فهو غير مقبول من داخلها كما سنوضح، وذلك بعد الالتفات إلى قاعدة -ذهب الفقهاء إلى صحّتها أكيداً وإن لم يصرّحوا بها لفظياً- وهي أن يُقال: (إن ما كان كلّه قبلةً كان جزؤه قبلةً)، والفرد إنما يستقبل في صلاته جزء الكعبة وليس كلّها، ومع ذلك تصحّ صلاته بالضرورة، كما أن الصلاة في داخل الكعبة جائزة ومجزية، وإنما يكون الاستقبال من الداخل إلى جزئها لا إلى كلّها، كما هو واضح.
فإن طبّقنا نفس القاعدة على المسجد والحرم ومكّة أشكل الأمر، ولم يمكن القول بالصحّة، كما لو صلى داخل المسجد متوجّهاً إلى أحد جدرانه
ــــــ[50]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
– كما يصلي في داخل الكعبة متوجّهاً إلى أحد الجدران- فإن صلاته تلك باطلة جزماً، ونحوه لو صلّى كذلك في مكّة أو الحرم، بل قد يفرض أنه يستدبر الكعبة فعلاً وتصحّ صلاته؛ باعتباره متوجّها إلى قبلة أخرى، وهو غير محتمل.
وكذلك العكس، بمعنى: أنه لو صلى مستقبلاً المسجد وهو يعلم أنه لا يستقبل الكعبة – كما لو صلى قريباً من الجدار من الجانب الآخر للكعبة- بطلت صلاته، وكذا الحال أيضاً في مكّة والحرم.
وهذا يدلّ بوضوح على كون المسجد ومكّة والحرم ليست قبلة، وإلا لاتّصفت من حيث صحّة الصلاة بمختلف اتّجاهاتها بنفس أوصاف الكعبة الشريفة.
ــــــ[51]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الكلام في جهة الكعبة
يمكن أن يُراد بجهة القبلة أو جهة الكعبة عدّة أمور:
أولاً: حيز الكعبة، وهي المحلّ الذي تشغله من الفضاء.
ثانياً: المكان من الجهات الأربع حيث يمكن التوجّه إليها من أي جهة كانت.
ثالثاً: ما بين المشرق والمغرب، كما ورد تفسيره في بعض الروايات(1).
رابعاً: اتّساع دائرة الاستقبال مع البعد هندسياً.
خامساً: اتّساع دائرة الاستقبال مع البعد عرفياً.
ولا كلام لنا على الأول؛ فإنه يستقبل الحيز على كل حال، وكذلك الثاني؛ من حيث إنه إما راجع إلى المعنى الأول، أو إلى أحد المعنيين الأخيرين.
[اتساع الجهة العرفية والاستدلال عليه]
وإنما الكلام في اتّساع جهة القبلة مع البعد، وعدم وجوب المداقّة في الاتّجاه إلى العين، وهو أمرٌ محلّ ابتلاء كلّ المسلمين، ولذا ينبغي إفاضة الحديث فيه.
والفرق بين الوجه الثالث والرابع أن ندّعي في الثالث: أن هذه النتيجة تحصل بالدقّة الهندسية، كما تحصل بالتسامح العرفي المذكور في الوجه الرابع، ولعلّ هذا هو مشهور الفقهاء المتأخّرين، ولازمه أنه لو لم تقتضِ الدقّة ذلك لما افتوا باتّساع الجهة.
ــــــ[52]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 312، باب9 من أبواب القبلة، ح2.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
إلا أن الصحيح عدم اقتضاء الدقّة ذلك؛ لأن الخطوط المستقيمة يجب أن تنتهي بالدقّة بجدار الكعبة، مهما كان البعد سحيقاً، فليس في الجهة اتّساع يذكر أصلاً، وإنما يحصل التوسّع في بُعد المصلي عن الكعبة، وهذا أمرٌ تكويني خارج عن محلّ الكلام وغير ملازم مع اتّساع الجهة، كما هو واضح لمن يفكّر.
فالصحيح عدم اقتضاء الدقّة ذلك، ومع ذلك نقول باتّساع الجهة؛ لأنه ليس المدار في فهم ظواهر الكتاب والسنة هو الدقّة، بل هو الفهم العرفي، الذي يبتني عليه الوجه الأخير.
ولا شكّ أن الصغرى(1) عرفاً ثابتة، وأن الاستقبال التقريبي استقبالٌ بالحمل الشايع العرفي، وكلّما ابتعد الإنسان المصلي عن الكعبة كان الحمل صادقاً مع زيادة في التسامح والتقريب، وإن لم يقتضِ ذلك مواجهة العين حقيقة، بل قد يخرج خطّ المواجهة الدقّي عن الحرم المكّي كلّه، ومع ذلك فالمواجهة والاستقبال العرفي ثابت.
وهذا أمر عرفي غير خاصّ بالكعبة، بل يشمل كلّ استقبال بعيد لأي جسم، كاستقبال مدينة كراجي من العراق، أو استقبال مدينة لندن من نيويورك،
فالمطلوب شرعاً هو استقبال عين الكعبة، لكن لا بالدقّة، بل باتّساع الجهة العرفية، فيقع الكلام فعلاً عن أدلّة هذا الاتّساع شرعاً. وما يمكن أن يُستدلّ به عليه عدّة أمور من الأدلّة الأربعة جميعاً:
[الكتاب الكريم]
أما من الكتاب الكريم: فقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾(2) من حيث أن مادة (فَوَلِّ) تعني الاتّجاه والاستقبال، وهو يُفهم فهماً
ــــــ[53]ـــــــ
(1) وهي كون فهم ظواهر الكتاب والسنّة هو الفهم العرفي.
(2) سورة البقرة، الآية:144.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
عرفياً، والاستقبال العرفي يتحقّق بما سبق.
وخاصةً إذا التفتنا إلى الاتّساع المكاني المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾(1). وهذا يعني: أن الشارع المقدّس يعلم بأنه في الإمكان أن يكون البعد سحيقاً جداً قد يصل إلى آلاف أو ملايين الكيلومترات، فتكون الدقّة متعذّرة حقيقة إلا للاختصاصيين. إذن نعرف أن المأمور به هو الجهة لا الدقّة.
وقد يُقال: إن لفظ الوجه يدل على الدقة، وهو قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾؛ لأنه إما بمعنى المواجهة أو بمعنى الاتّجاه، وكلاهما لا يحصلان بدون الدقة.
جوابه:
أولاً: أن المواجهة والاتّجاه يؤخذان من جهة عرفية أيضاً، لا من جهةٍ دقّية، والمعنى العرفي يحصل مع السعة، ولا يمكن فهم الآية أكثر من ذلك.
ثانياً: أننا لو تنزّلنا وقبلنا الدقّة هنا، فيمكن أن يُقال: إن بعض مدلول الآية عرفي وبعضه دقّي، فيتعارضان بنحو القرائن المتّصلة، فيبتلي النصّ بالإجمال، ومعه يبقى الاستدلال على وجوب الدقّة بهذه الآية مُنسدّاً.
وقد يُقال: إن الآية الكريمة ذكرت المسجد الحرام دون الكعبة المشرفة، وإنما ذكرته تسهيلاً للاتجاه الدقي؛ لمدى كبر المسجد وصغر الكعبة، فيكون وجوده أو ذكره قرينة على أن المراد الدقّة.
وجوابه:
أولاً: أننا قلنا فيما سبق: إن المراد من المسجد الحرام هو الكعبة: إما بالدلالة المطابقية أو بالدلالة التضمّنية، فكأن الآية الكريمة ذكرت الكعبة لا ــــــ[54]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية:144.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
المسجد، وينسدّ الدليل.
ثانياً: أن هذا التسهيل إنما يتمّ بالقرب من المسجد الحرام، وأما مع البعد عنه فلا، فنبقى والفهم العرفي في صدق الاتّجاه إليه، كما قلنا في الكعبة تماماً، فلم يكن تسهيلاً في أغلب مناطق العالم.
ثالثاً: أننا لو سلّمناه فإنه يقع التعارض بين الظهورين ويتساقطان، فلا يبقى دليل على الدقّة، كما سبق في مثله.
رابعاً: لا يبعد القول بعد التنزّل عمّا سبق: إنه إنما عبّر بالمسجد الحرام للدلالة على السعة لا على الضيق والدقّة، وإنما يحصل التسهيل بالسعة لا بالضيق.
وقد يُقال: إن الآيات الأخرى الدالّة على وجوب التوجّه إلى القبلة دالّة على وجوب التوجّه الدقّي مثل: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾(1)، وقوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾(2)، فتكون قرينة منفصلة على إرادة الدقّة هنا في الآية التي نحن بصددها.
جوابه: من عدة وجوه:
أولاً: أن هذه الآيات المذكورة غير دالّة أساساً على وجوب استقبال القبلة في الصلاة، كما سبق.
ثانياً: لو قبلنا دلالتها فإنما هي أيضاً دلالة عرفية تسامحية، وليست دقّية عقلية.
ثالثاً: أنه لو سلّم فإنه يقع التعارض والتساقط، ولا يبقى دليل على
ــــــ[55]ـــــــ
(1) سورة الأعراف، الآية:29.
(2) سورة الأنعام، الآية:79.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الدقّة، بل يمكن القول: إننا في طول التعارض نرجح إلى الفهم العرفي.
وقد يُقال مثل ذلك في الروايات؛ بدعوى أن الروايات الدالّة على وجوب الاستقبال دالّة على الدقّة، فتكون قرينة منفصلة على فهم الآية الكريمة.
جوابه: أن كلّ الوجوه الثلاثة السابقة في الجواب تنطبق هنا، فراجع.
فهذا هو الحديث عن دلالة الآيات على اتّساع الجهة.
[السُنّة الشريفة]
وأما الاستدلال بالروايات فهي على طوائف عديدة، كلّها أو أكثرها كالنصّ في الجهة العرفية، ولكثرتها لا حاجة إلى النظر بالأسانيد، بل يكون المضمون الإجمالي في جواز الاقتصار على الجهة بمنزلة المتواتر أو المستفيض، وهو يكفي دليلاً على المدّعى.
[الطائفة الأولى: أخبار تحويل القبلة]
وهي واضحة في أن التحويل كان خلال الصلاة، مع استبعاد حصول الدقّة أو توخّي الدقّة في التوجّه حال كونهم في الصلاة، إلى حدّ يحصل الاطمئنان بعدمه.
وخاصّةً إذا التفتنا إلى الرواية(1) التي تنصّ على حصول التحويل في بعض مساجد المدينة بدون حضور النبي (ص)، مع عدم احتمال الطعن في صحّة صلاتهم.
[الطائفة الثانية: ما بين المشرق والمغرب قبلة:]
منها: ما دلّ على أن ما بين المشرق والمغرب قبلة.
[صحيحة زرارة]
منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) أنه قال: “لا صلاة إلا إلى القبلة. قال: قلت: وأين حدّ القبلة؟ قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة
ــــــ[56]ـــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه1: 275.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
كلّه)(1). الحديث.
قال الشهيد في الذكرى: هذا نصّ على الجهة(2).
[رواية أبي هشام الجعفري]
ومنها: رواية أبي هاشم الجعفري قال: “سألت الرضا (ع) عن المصلوب، فقال: أما علمت أن جدّي صلى على عمّه؟ فقلت: أعلم ذلك، ولكنّي لا أفهمه مُبيّناً. فقال: أبيّنه لك: إن كان وجه المصلوب إلى القبلة فقم على منكبه الأيمن، وإن كان قفاه إلى القبلة فقم على منكبه الأيسر؛ فإن بين المشرق والمغرب قبلة. وإن كان منكبه الأيسر إلى القبلة فقم على منكبه الأيمن، وإن كان منكبه الأيمن إلى القبلة فقم على منكبه الأيسر، وكيف كان منحرفاً فلا تزايلن مناكبه، وليكن وجهك إلى ما بين المشرق والمغرب، ولا تستقبله ولا تستدبره البتة. قال أبو هاشم: وقد فهمت، إن شاء الله فهمته والله”(3).
ونحن من قِبِلِنا لا بد أن نفهم هذا الحديث ولو بكلمتين، فإنه يتحدّث عن الصلاة على المصلوب حال كونه مصلوباً بدون إيقاع أي تغيير فيه، كما لو كان الإنسان في تقية أو اضطرار لا يستطيع أن يُزيله عن محلّه، فيصلّي عليه صلاة الأموات، وهو على حاله.
والرواية تنهى عن استقباله واستدباره، يعني: وقوف المصلّي مواجهاً لوجههِ أو مواجهاً لظهره، وإن اقتضى ذلك الانحراف عن القبلة، والعذر في ذلك هو أن ما بين المشرق والمغرب كلّه قبلة، وهذا مكرّر في الرواية مرّتين.
بل من الواضح أن الطريقة المأمور بها في الرواية هو أن يصلّي إلى الشرق
ــــــ[57]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 312، باب9 من أبواب القبلة، ح2.
(2) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة3: 160.
(3) وسائل الشيعة3: 130. باب35 من أبواب صلاة الجنازة، ح1.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
من القبلة تماماً أو إلى الغرب منها. فمثلاً حين يكون وجهه إلى القبلة فالاستقبال الحقيقي هو أن يقف المصلي خلف ظهره، وهذا ممنوع بمنطوق الرواية، فأمر أن يقف المصلّي عند منكبه الأيمن، وبذلك قد ينحرف عن القبلة 90 درجة، ومع ذلك تصحّ صلاته.
فهذه الرواية ليست فقط تجيز تجنّب القبلة الدقّية، بل تأمر بتجنّبها، وذلك في صورة الصلاة على المصلوب.
إلا أن الاستدلال بها يتوقّف على أمرين: أحدهما صحّة السند، ليؤخذ بها في موردها على الأقلّ، والآخر: التجريد عن الخصوصية من صلاة المصلوب إلى غيرها من الصلوات: كالصلوات اليومية.
وهذا التجريد عن الخصوصية متعذّر، وعليه قرائن في نفس الرواية، وهو النهي عن استقبال المصلوب واستدباره؛ إذ لولا ذلك لأمكن التدقيق أكثر في القبلة، وهذا المعنى غير موجود في سائر الصلوات.
هذا وينبغي أن نلتفت إلى إمكان تجريد هذا المعنى عن الخصوصية في معنى معيّن، بل هو المتعين، وهو قوله: “ما بين المشرق والمغرب قبلة”؛ فإن نصّه قائم على اعتبار كون القبلة في الجنوب، كما هو الأغلب في مناطق الشرق: كالمدينة المنورة والكوفة والبصرة والشام، وهو مكان صدور النصّ.
ولكن إذا كانت القبلة إلى الشرق: كمصر أو إلى الغرب: كالبحرين، فسوف يصدق قولنا: ما بين الشمال والجنوب كلّه قبلة.
فبالتجريد عن الخصوصية نفهم أن المهمّ هو إمكان الانحراف عن القبلة بمقدار 90 درجة، ومع ذلك تكون الصلاة صحيحة أينما كان اتّجاه القبلة بالدقّة، وهذه الدرجات تحسب بالقبلة الدقّية، بالدقّة العرفية بطبيعة الحال.
ــــــ[58]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
[اختصاص الروايات بالعمد ومناقشته]
هذا، وإن هذه الروايات تشمل العمد: إما بالنصّ أو بالإطلاق، ولا تختصّ بالسهو النسيان، كما في روايات أخرى، ومن هنا أوردناها في هذه الطائفة، وتركنا الأخرى.
فإن قلت: فإن مضمونها غير محتمل؛ لأنه يشمل العمد ويشمل الانحراف الكثير، بحيث لا يمكن القول فقهياً بجوازه.
قلنا: يُجاب بعدّة أجوبة:
أولاً: أن هذا النصّ لا يشمل نفس المشرق والمغرب قطعاً؛ لأنه يقول: “ما بين المشرق والمغرب” فلا تصحّ الصلاة إليهما حقيقة.
فإذا أخذنا المشرق والمغرب بمعنى عرفي أو تقريبي لا بالدقّة، لم يجز لنا الاقتراب من المشرق الدقّي، فضلاً عن الوصول إليه، وبذلك يضيق مقدار القبلة بمقدار معتدٍّ به.
ثانياً: أننا لو أخذنا مشارق السنة كلها ومغاربها وقلنا: إنها غير مشمولة للرواية، فلا يجوز التوجّه إليها بوجودها العرفي، ضاق مقدار القبلة أكثر بطبيعة الحال.
ثالثاً: أننا كما نفهم معنى الشرق والغرب فهماً عرفياً، كذلك نفهم معنى (ما بينهما) فهماً عرفياً، ومعه لا يزيد المقدار المتحصّل من النصّ أكثر مما عليه المشهور من القول بسعة القبلة.
والمهم أننا عندئذٍ لا نعلم ببطلان الصحّة، بل مقتضى صحّة السند في صحيحة زرارة هو صحّة الصلاة.
فإن قلت: فإنه يقول: “ما بين المشرق والمغرب قبلة كلّه” وهذه الكلمة الأخيرة قرينة على الاستيعاب أو على الدقّة، فيزيد المقدار المسموح به على ــــــ[59]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
المقدار المشهور.
قلنا:
أولاً: إننا يمكن أن نفهم من لفظ (كلّه) الاستيعاب أو الكلّ العرفي بالمعنى الذي سبق، ولا دلالة معتد بها على ما يخالف القاعدة.
ثانياً: إننا لو تنزّلنا وقبلنا ذلك، فمعناه أنه وارد بسند صحيح، فيكون حجّة، ولا يمنع عنه الشهرة بخلافه عندنا؛ فإن إعراض المشهور غير مسقط عن الحجّية، لا سنداً ولا دلالة، كما حقّقناه في محلّه.
[الطائفة الثالثة: ما دلّ على حجية العمل بالنجم القطبي]
الطائفة الثالثة ما دلّ على جواز الاتّساع بجهة القبلة، وما دلّ على حجّية العمل بالنجم القطبي (الجدي) في معرفة القبلة.
وهي عدّة أخبار عقد لها الشيخ الحرّ في (الوسائل) باباً كاملاً، وكلّها ضعيفة السند:
[رواية اسماعيل بن أبي زياد]
منها: رواية إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر بن محمد، عن آبائه(عم)، قال: “قال رسول الله (ص): ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال: هو الجدي؛ لأنه نجم لا يزول، وعليه بناء القبلة، وبه يهتدي أهل البرّ والبحر”(1).
[رواية محمد بن مسلم]
ورواية محمد بن مسلم، عن أحدهما(عما)، قال: “سألته عن القبلة، فقال: ضع الجدي في قفاك وصلِّ”(2).
[مرسلة الصدوق في (الفقيه)]
ومرسلة الصدوق في (الفقيه)، قال: “قال رجل للصادق (ع) إني أكون في السفر ولا أهتدي إلى القبلة بالليل، فقال: أتعرف الكوكب الذي يقال له جَدْي؟ قلت: نعم. قال: اجعله على يمينك، وإذا كنت في طريق الحجّ
ــــــ[60]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 307، باب 5 من أبواب القبلة، ح3.
(2) وسائل الشيعة4: 306، الباب السابق، ح1.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
فاجعله بين كتفيك”(1).
[تقريب الاستدلال بهذه الطائفة]
وتقريب الاستدلال بهذه الطائفة: إن جعل الجدي في الخلف أو إلى اليمين ونحو ذلك إنما هو تقريبي وليس دقّياً أكيداً، وخاصّة بعد أن نلتفت إلى بُعد النجم السحيق من ناحية، وإلى كون هذه العلامة شاملة لسائر الناس العرفيين، وغير خاصّة بالمختصين بطبيعة الحال، فأي شيء تكون نتيجتها، فإنها ستكون حجّة في تعيين القبلة، وتصحّ لها الصلاة، بعد غضّ النظر عن السند.
وأودّ فيما يلي التعرّض إلى بعض النقاط:
[النقطة الأولى: مناقشة أخبار الجدي]
إن أخبار (الجَدْي) وإن كانت كلّها غير معتبرة السند، إلا أنه يمكن الأخذ بمدلولها على القاعدة لعدّة أمور:
الأول: أنه قد يُدّعى بأنها مستفيضة عدداً.
الثاني: أن المشهور عَمِلَ بها، لو قبلنا عمل المشهور كبروياً.
الثالث: – وهو العمدة-: أن الاعتماد على النجوم الثوابت عامّة وعلى الجَدْي خاصّة أمر عرفي سائر آلافاً من السنين، ويُستدلّ بها على عدد من الأمور بما فيها الجهات والأماكن وغير ذلك، وهذه السيرة ممضاة من قبل المعصومين (ع) بلا شكّ؛ لعدم ورود النهي عنها ولو بخبر ضعيف.
إذن فالاستدلال بالجدي على القبلة ممكن، لكن بعد ثبوت نفي الدقّة والتوسّع في الجهة، ونستطيع أن نجعل ذلك دليلاً على هذا التوسّع بمجرّد هذه السيرة. نعم، لو أخذنا بهذه الأخبار باعتبار أحد الوجهين الأولين كعمل المشهور، أمكن ذلك.
ــــــ[61]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 306، باب5 من أبواب القبلة، ح2.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
[النقطة الثانية: إثبات الجدي فلكياً]
في جهة غير فقهية نشير فيها إلى ثبوت نجم (الجَدْي) فلكياً، فإن هذا صحيح عملياً منذ آلاف السنين بل منذ ملايين السنين، حيث يُرى تجاه الأرض بنفس الموقع قطعاً.
وهذا أمر لم يقدّم له العلم الحديث تفسيراً معتداً به، مع أنه يُعتبر من الغرائب، بل مما هو ممتنع حصوله طبقاً للقانون الطبيعي لدى حركة كل الأجرام السماوية وباستمرار، بما فيها الأرض والتوابع الشمسية والشمس نفسها والجَدْي نفسه والمجرّة التي نحن فيها وكلّ المجرّات، ومع ذلك فإن نسبة الجدي إلى الأرض ثابتة باستمرار في نقطة أو زاوية دقيقة لا تختلف إطلاقاً، مع أن مقتضى القانون الطبيعي أن دوران الأرض حول الشمس سنوياً كافٍ لاختلافها، فضلاً عمّا هو أكثر من ذلك.
وهذا إنما يدلّ على أن هناك إرادة إلهية خاصّة بهذا الكوكب المبارك؛ لكي يكون رحمة لمن في الأرض وهادياً في ظلمات البرّ والبحر، فسبحان الله القادر المقتدر.
[النقطة الثالثة: التنزل عن السند]
إننا لو اعتبرنا هذه الأخبار حجّة بصحة السند أو بعمل المشهور ونحوه، أمكن الاستدلال بها على السعة في القبلة، كما سبق تقريبه.
[شروط علامية الجدي]
والمهمّ الآن أن نلتفت إلى أن استعمال الجَدْي في التعرّف على القبلة يحتاج إلى العلم بثلاثة أمور على الأقلّ:
الأول: التعرف على الجَدْي نفسه، فإذا شكّ فيه لم يصحّ.
الثاني: أن يعرف الفرد منطقته التي هو فيها من الأرض، فلو جهل ذلك أو شكّ فيه لم يصحّ.
الثالث: أن يعرف جهة القبلة لمنطقته إجمالاً، ويكون استعمال الجَدْي لزيادة التأكّد نسبياً، فلو لم يعلم أن القبلة في الشمال أو في الجنوب مثلاً، لم ينفع ــــــ[62]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
استعمال الجَدْي.
[كيفية استعمال الجدي للتعرف على القبلة]
الرابع: -وهو مهمّ أيضاً-: أن يعرف كيفية استعمال الجَدْي للتعرّف على القبلة كنجمٍ ثابتٍ في الشمال الحقيقي، لو صحّ التعبير.
فلو كانت القبلة شمالية وجهل جهة الشمال بحث عن النجم واستقبله، ولو كانت الجهة جنوبية استدبره أي: جعله وراء ظهره، ولو كانت شرقية جعله عن يساره، وهكذا.
ويُقدّر لكلّ جهة مقدار لو كانت القبلة إلى الجنوب الشرقي أو الجنوب الغربي ونحو ذلك.
وقد يُقال: إن هذا حكم ظاهري في طول الجهل، وليس حكماً واقعياً ثابتاً على كلّ حال، وخاصّة لو لاحظنا قوله في مرسلة الصدوق: “إني أكون في السفر، ولا أهتدي إلى القبلة في الليل”.
فإنه يُقال: إنه يجاب بضعف سند هذه الرواية، بل لا سند لها، وأما الروايات الأخرى فهي مطلقة من حيث صورتي الجهل والعلم.
فإن قلت: فإنها أيضاً تدلّ على وجود الشكّ، ولا معنى لكونه علامة على القبلة إلا مع وجود الشكّ.
قلنا: نعم، إلا أن الحكم واقعي أيضاً، بدليل عدم الأمر بالإعادة أو القضاء مع انكشاف الخلاف، كما هو مقتضى الإطلاق المقامي.
فإن قلت: هل يمكن أن يكون المدلول حكماً ظاهرياً وواقعياً في نفس الوقت.
قلنا: هذا وإن لم يكن معقولاً بالدلالة المطابقية، إلا أنه معقول بالنتيجة، بعد إمكان إلحاق الحكم الظاهري -الذي لا ينكشف خلافه، وتكون نتيجته مقبولة قبولاً مطلقاً- بالحكم الواقعي.
ــــــ[63]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
فإن قلت: فإن هذا ثابت في كثير من الأحكام الظاهرية، فمثلاً [يُقال]: إن الصلاة بالطهارة الظاهرية كافية، وإن ثبت الخلاف.
قلنا: مقتضى القاعدة الأولية البطلان، وإنما هذا تَعبُّد بالصحة بدليل خارجي؛ باعتبار أن الصلاة في النجاسة المجهولة صحيحة.
فإن قلت: فإن مورد الكلام مثله؛ باعتبار أن الصلاة في حال الجهل تصحّ ما بين المشرق والمغرب، غاية الأمر أن الفرد يصل إلى أقرب نقطة ممكنة للقبلة بدلالة الجدي.
قلنا: هذا أول الكلام؛ لأن محلّ كلامنا هو ذلك. فتأمّل.
[النقطة الرابعة: مناقشة مرسلة الصدوق]
إنه يقول في مرسلة الصدوق: “وإذا كنت في طريق الحج، فاجعله بين كتفيك”، مع أنه يأمره أن يجعله في بلاده على يمينه، وهذا فيه نقطة قوّة ونقطة ضعف.
أما نقطة قوته فهو بيان اختلاف الاستعمالات للجَدْي، وأنه لا يستعمل على كيفية واحدة في كلّ البلاد، وهذا صحيح، وقد أشرنا إليه فيما سبق.
وأما نقطة ضعفه فإن الفرد حين يذهب إلى الحجّ سيتّجه من بلاده إلى مكّة بخطٍ مستقيم تقريباً، ليس فيه تعرّجات أساسية، وخاصّة في البرّ المفتوح، كما عليه حال الجزيرة العربية. إذن، ستكون قبلته نفس قبلة بلده، كما هو واضح لمن يتأمّل، فكيف اختلف استعمال الجدي؟! وهو يدل على اختلاف القبلة، وهو أمر غير مفهوم، والرواية مرسلة على أي حال.
[النقطة الخامسة: اتّساع معنى الجدي]
إنه يمكن تجريد الجدي عن الخصوصية لكلّ نجم ثابت، بل للجهات الأربع، مع سبق التعرّف عليها من قبل الفرد، غير أن هذا يتوقّف على العلم إجمالاً بنسبة القبلة (أو مكّة) إلى البلاد التي هو فيها؛ إذ بدون ذلك سوف لن ينتج شيئاً.
ــــــ[64]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
فإن قلت: فإنه إن عرف تلك النسبة لم يحتجّ إلى علامة.
قلنا:
أولاً: إنه قد يحتاج إلى شيء من التفكير مهما قلّ.
وثانيا: إن فيه زيادة من التأكّد والتدقيق في الاتّجاه الصحيح.
[الطائفة الرابعة: مما دل على جواز الاتّساع بجهة القبلة]
قال أبو الفضل شاذان بن جبريل القمي في (رسالة القبلة) قال: (قد تُعلم القبلة بالمشاهدة، أو يخبر عن مشاهدة توجب العلم (بأن ينصب النبي (ص) مسجداً)، كقبلة المدينة وقبا، وفي بعض أسفاره وغزواته، وهي مساجد معروفة إلى الآن مثل: مسجد الفضيخ ومسجد الأعمى ومسجد الإجابة ومسجد البغلة ومسجد الفتح وسلع، وغيرها من المواضع التي صلى فيها النبي (ص).
وكالقبور المرفوعة بحضوره مثل: قبر إبراهيم بن رسول الله(ص) وفاطمة بنت أسد، وقبر حمزة سيد الشهداء بأحُد وغيره، أو نصبها أحد من الأئمة(عما) مثل: الكوفة والبصرة وغيرهما، أو يحكم بأنهم صلّوا إليها (صلى الله عليهم) فإنه بجميع ذلك تعلم القبلة)(1). انتهى.
وهذه وإن كانت من كلام أبي الفضل، إلا أنها ليست فتوى، بل رواية؛ لأنها تعبير آخر عن فعل المعصومين الذين بنيت تحت إشرافهم المحاريب والقبور، وفعل المعصوم حجّة، وهو من أقسام السُنّة الشريفة.
وكذلك ما دلّ على وجوب التوجّه، حيث يتوجّه جماعة المسلمين في المساجد ونحوها، وكلّ ذلك لا ينتج القبلة الدقّية قطعاً، بل كفاية التوجّه العرفي.
ــــــ[65]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 309، باب 6 من أبواب القبلة، ح5.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
بل يمكن أن يقال ذلك حتى في المسجد الذي صلى فيه النبي (ص) وبنى المحراب فيه على الجهة العرفية لا الدقّية، ولا أقلّ من الشكّّ في أنه بُني في حياته أو بعدها، والشك في أن المعصوم كان يتوخّى القبلة الدقّية، ولم يرد في ذلك نصّ واضح.
فإن قلت: فإن ما روي عن المعصومين(عم) دقّي وليس تسامحياً؛ لأنهم كانوا يعلمون القبلة الدقّية بالإلهام ونحوه، فلا يجوز لهم تجاوزها.
قلنا:
أولاً: إن الإلهام يستعمل في الأمور الباطنية، وأما ظاهر الشريعة فلا يستعمل فيها الإلهام، حتى لتكاليفهم أنفسهم، ولا أقلّ من الشكّ في ذلك، ولم يثبت خلافه بدليل.
ثانياً: إننا لو تنزّلنا وقبلنا الإلهام، فلا نعلم أن الإلهام كان يأمرهم بالتوجّه الدقّي أو التوجّه العرفي.
وبتعبير آخر: أنهم حتى ولو علموا بالقبلة الدقّية لم يجب عليهم التوجّه إليها، بل يكفي فيه التوجّه العرفي، ولا أقلّ من احتمال ذلك.
ثالثاً: إننا يمكن أن نقول: إنه ليس عندنا في العصر الحاضر ما أشار إليه ابن شاذان مما هو مستعمل تحت إشراف المعصومين(عم)؛ فإن كل ذلك قد اندرس وتغيّر، ولعلّه بُني مجدّداً بأيدٍ أخرى، ولا أقلّ من احتمال ذلك.
[الطائفة الخامسة: ما دلّ على جواز الصلاة على جبل أبي قبيس]
منها: رواية بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال: “سأله رجل، قال: صلّيت فوق أبي قبيس العصر، فهل يجزي ذلك والكعبة تحتي؟ قال: نعم، إنها قبلة من موضعها إلى السماء”(1).
ــــــ[66]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 339، باب18 من أبواب القبلة، ح1.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وكلّها روايات غير معتبرة السند، ولكنّها لو سلّمت دلّت على كفاية الاستقبال العرفي من حيث بعد المسافة نسبياً عن الكعبة، ومن حيث الارتفاع عنها، وكلاهما موجب للتسامح عرفاً.
فإن قلت: إنه كان يرى الكعبة من فوق الجبل، فيمكنه أن يتوجّه إليها بالدقّة.
قلنا: هذا جهل بوضع الجبال؛ فإن كثيراً منها لا يتيسّر فيها ذلك، وليس في الرواية ما يدلّ على رؤية الكعبة.
[أخبار وجوب التدقيق]
وهي على عدّة طوائف
والآن ندخل فيما يصلح أن يكون معارضاً لتلك الأخبار الدالّة على التسامح في التوجّه، بحيث تكون هذه الطائفة دالّة على وجوب الدقّة في الاستقبال، فإن تمّت فهو المطلوب، وإلا كان التامّ هو الطائفة التي انتهينا منها.
فإن قلت: فإن الكثير منها كان ضعيف السند، فكيف يتمّ حجّةً على أي مضمون؟
قلنا: إننا سبق أن قلنا: إن مجموعها ينتج تواتراً إجمالياً بالمضمون، وهذا يكفي، وخاصّة مع جريان الأصل المؤمّن عن وجوب التوجّه الدقّي.
وأما الأخبار التي يمكن أن يستدلّ بها على وجوب التدقيق فعدة طوائف:
[الطائفة الأولى: ما دل على وجوب التحري]
منها: موثّقة سماعة قال: “سألته عن الصلاة بالليل والنهار إذا لم يرَ الشمس ولا القمر ولا النجوم، قال: اجتهد رأيك وتعمد القبلة جهدك”(1).
ــــــ[67]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 308، باب6 من أبواب القبلة، ح2، والموجود في الكافي (إذا ترَ الشمس). الكافي3: 284.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
أقول: ومثله الخبر الذي قبله(1).
وتقريبه: أنه لولا وجوب الدقّة في الاستدلال ما أمره الإمام (ع) ببذل الجهد المضاعف لتحصيلها.
وجوابه: لو كان الأمر ببذل الجهد في الظروف الطبيعية الحسنة لكان للاستدلال وجهٌ، إلا أنه من الواضح أنه متحقّق في الظروف الاستثنائية والمعقّدة، كما هو واضح من السؤال، مضافاً إلى أن المفروض الشكّ الكامل في الجهات كلّها، فمع بذل الجهد الكامل لا يتحصّل التدقيق، بل يتحصّل التقريب فقط.
وأما بدون ذلك الجهد فسيكون الابتعاد بالصلاة عن القبلة فاحشاً بطبيعة الحال.
[الطائفة الثانية: ما ورد بلسان الصلاة إلى أربع جهات]
وهي روايتان غير معتبرتي السند.
منها: مرسلة الصدوق قال: “فيمن لا يهتدي إلى القبلة في مفازة، أنه يصلي إلى أربع جهات”(3).
وفي مرسلة خراش: “ليس كما يقولون، إذا كان ذلك فليصلِّ لأربع وجوه”(3).
بتقريب: أن التوجّه إلى القبلة حال الجهل يكفي فيه الصلاة إلى ثلاث جهات، فأمره (ع) -لو تمّ السند- بالصلاة إلى أربع دليل على وجوب توخّي الدقّة، فإذا لزم ذلك حال الجهل، كان في حال العلم أولى.
ــــــ[68]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 307، باب6 من أبواب القبلة، ح1.
(2) وسائل الشيعة4: 310، باب8 من أبواب القبلة، ح1.
(3) وسائل الشيعة4: 311، الباب السابق، ح5.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وجوابه: من عدة وجوه:
أولاً: ضعف السند، كما ألمعنا.
ثانياً: أن الأخبار الصحيحة معارضة لها في أنه يصلّي حيث شاء.
منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) أنه قال: “يجزي المتحيِّر أبداً أينما توجّه، إذا لم يعلم أين وجه القبلة”(1).
و[منها]: صحيحة زرارة قال: “سألت أبا جعفر (ع) عن قبلة المتحِّير، فقال: يصلّي حيث شاء”(3).
وهي واضحة في المطلوب، غير أنه قد يُقال: إن هذه الأخبار بمنزلة المطلق، وهي قابلة للتقييد بروايات الصلاة إلى الجهات الأربع.
إلا أنه لا يتمّ:
أولاً: لأن لسان (حيث شاء) غير قابل للتقييد عرفاً.
ثانياً: أنه يمكن أن يقال: إن النسبة بينهما إما التباين، وإما العموم المطلق بالعكس إذا لوحظ جانب الترك، فتأمّل.
فإن قيل: فإن المشهور عمل برواية الأربع جهات، فذلك جابر لسندها، وأعرض [عن] الأخرى، فتسقط عن الحجّية.
قلنا:
أولاً: إن عمل المشهور وإعراضه ليس بحجّة كبروياً.
ثانياً: إن الكلام ليس في الفتوى على طبق الصحاح التي تقول: (يصلي حيث شاء) وإنما المهمّ الآن الاستدلال بلسان روايات الجهات الأربع لإنتاج وجوب الدقّة في القبلة، وهذا لا يكون؛ بعد سقوطها بالتعارض على أكثر التقادير.
ــــــ[69]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 311، باب8 من أبواب القبلة، ح2.
(2) المصدر السابق: ح3.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
يعني: إذا أسقطنا عمل المشهور كبروياً، فهي أخبار ضعيفة ومعارضة بما هو أوضح منها، وإن عملنا بالمشهور في جانبها فقط -باعتبار أن عمل المشهور أهمّ من إعراضه أحياناً- كانت الطائفتان صحيحتين سنداً، ومتساقطتين بالمعارضة.
نعم، لو طبّقنا كبرى عمل المشهور على الطائفتين، تقدّمت روايات الجهات الأربع من هذه الناحية، وتكون دليلاً على الدقّة لولا المناقشة الآتية.
ثالثاً: إنها أيضاً لا تكون دليلاً على الدقّة، بل هي على عدمها أدلّ؛ لأنه يبقى الفرق عن القبلة الدقّية كبيراً، حتى لو صلّى إلى أربع جهات، ولو أراد الدقة لأَمَرَ بالصلاة إلى ثماني جهات ونحوها.
[الطائفة الثالثة: لسان النهي عن الصلاة إلى غير القبلة]
كصحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر (ع): “لا تُعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود”(1).
ومعناه: أنه إذا فاتت القبلة بطلت الصلاة، كما لو صلّى قبل الوقت ونحو ذلك.
وعنه عن أبي جعفر (ع) أنه قال له: “إذا استقبلت القبلة بوجهك، فلا تقلب وجهك عن القبلة، فتفسد صلاتك”(2).
وجوابه: أن العنوان المأخوذ فيها [إما] عرفي تسامحي، وإما أن نجعل ما دلّ على التسامح – مما سبق أن ذكرناه- دليلاً عليه، فيكون منسدّاً وحاكماً على
ــــــ[70]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة6: 91، باب 29 من أبواب القراءة في الصلاة، ح5.
(1) وسائل الشيعة5: 510، باب16، من أبواب أفعال الصلاة، ح1، وانظر الكافي3: 300 لاشتماله على زيادة.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
هذه الطائفة.
[الطائفة الرابعة: ما دلّ على استحباب التياسر مع المناقشة]
منها: مرفوعة علي بن محمد قال: “قيل لأبي عبد الله (ع): لِمَ صار الرجل ينحرف في الصلاة إلى اليسار؟ فقال: لأن للكعبة ستة حدود: أربعة منها على يسارك، واثنان منها على يمينك، فمن أجل ذلك وقع التحريف على اليسار”(1).
و [منها]: رواية المفضل بن عمر: أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة، وعن السبب فيه، فقال: “إن الحجر الاسود لمّا أنزل من الجنة ووضع في موضعه، جعل أنصاب الحرم من حيث يلحقه النور، نور الحجر الأسود، فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال، وعن يسارها ثمانية أميال، كلّه اثنا عشر ميلاً، فإذا انحرف الإنسان ذات اليمين خرج عن حدّ القبلة؛ لقلّة أنصاب الحرم، وإذا انحرف الإنسان ذات اليسار لم يكن خارجاً عن حدّ القبلة”(2).
وتقريب الاستدلال بها: أن القبلة لو كانت تسامحية لم يجب التياسر، وإنما وجوبه لأجل الوصول إلى الدقّة في الاستقبال.
وجوابه من عدة وجوه:
أولاً: ضعف السند لِكلتا الروايتين.
ثانياً: أنه لم يُعيّن البلد الذي يحصل فيه التياسر، فلعلّ فيه زيادة في التسامح، حسب وضع البلد الذي هم فيه.
ــــــ[71]ـــــــ
(2) وسائل الشيعة4: 305، باب4 من أبواب القبلة، ح1.
(2) وسائل الشيعة4: 305، باب 4 من أبواب القبلة، ح2.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
ثالثاً: أن كِلتا الروايتين تدلّان أن التياسر يُخرج المصلّي عن مواجهة الكعبة بالدقّة، وإنما يستقبل حدودها وأنصابها، فتكون كالنصّ في التسامح، وأن الصلاة مجزية بالرغم من الانحراف.
رابعاً: أن الأمور الموصوفة في الروايات غير مفهومة وغير عرفية، فلا تصلح شاهداً حقيقياً على شيء.
خامساً: أن التياسر لو قبلنا أنه مقرّب نحو القبلة الدقّية، فإنه يبقى هناك فرق بينه وبين الدقّة، ويكفي هنا أن نلتفت إلى أن الأشخاص يختلفون في مقدار التياسر، ومع ذلك فإن صلواتهم مجزية؛ لأن المطلوب هنا هو مطلق التياسر، وليس حصّة منه.
[الطائفة الخامسة: في من علم أنه صلى إلى غير القبلة]
الطائفة الخامسة فيما ورد فيمن عَلِم أنه صلّى إلى غير القبلة بطلت صلاته.
منها: ما عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله (ع) ، قال: “إذا صلّيت وأنت على غير القبلة فاستبان لك أنك صلّيت وأنت على غير القبلة -وأنت في الوقت – فَأَعِدْ، وإن فاتك الوقت فلا تعد)(1).
و[منها]: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (ع): قال: “إذا صلّيت على غير القبلة فاستبان لك قبل أن تصبح أنك صلّيت على غير القبلة، فَأَعِد صلاتك”(2).
وجوابها: كما قلناه في جواب الطائفة الثالثة، من حيث إن المأخوذ فيها عنوان القبلة لا أكثر، فإما أن نفهمه ابتداءً فهماً تسامحياً، أو نجعل ما دلّ على التسامح جواباً عليه.
ــــــ[72]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 315، باب11 من أبواب القبلة، ح1.
(2) وسائل الشيعة4: 316، الباب السابق، ح3.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
مضافاً إلى أمرٍ آخرٍ فيها، وهو أن المفروض أن المصلّي جاهل بالقبلة خلال صلاته، فإذا أخذنا بما دلّ على أن ما بين المشرق والمغرب قبلة للجاهل -كما عليه الروايات المعتبرة والمشهور- اختصّ الانحراف عما زاد على ذلك ليكون مبطلاً، ويسقط الاستدلال بهذه الطائفة.
[الطائفة السادسة: الإجماع والشهرة في وجوب التدقيق في القبلة]
الطائفة السادسة الإجماع والشهرة في وجوب التدقيق في القبلة لكلّ مصلٍ مسلم.
[بطلان الاستدلال بهذه الطوائف على الدقّة]
وجوابه من وجوه:
أولاً: أن الإجماع المُحصّل غير حاصل، والمنقول منه ليس بحجّة.
ثانياً: أن الشهرة ليست بحجّة.
ثالثاً: أن الاجماع والشهرة هنا مدركياً؛ لانهما مأخوذان مما يوازيهما من الأخبار: إما احتياطاً أو احتمالاً.
رابعاً: أن القدر المتيقّن من قصد المجمعين -لو سلّم- هو الدقّة العرفية، وإن كان القدر المتيقّن من مضمون الإجماع هو الدقّة العقلية، إلا أننا نأخذ بقصدهم.
إذن فلم يتحصّل من الطوائف التي استدللنا بها على الدقّة ما هو مطلوب من وجوب التدقيق.
ولكنّنا الآن يمكن أن نتنازل ونقبل دلالتها في الجملة، وعندئذٍ نحتاج إلى وجه للجمع بين الطائفتين في طول التعارض.
[وجوه جمع الطوائف]
وما يمكن أن يقال في الجمع عدّة وجوه:
الوجه الأول: أن أدلّة التسامح بمنزلة العامّ وأدلة الدقّة بمنزلة الخاصّ، ولا بد من حمل العامّ على الخاصّ، فتجب الدقّة.
ــــــ[73]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الوجه الثاني: عكس السابق: بأن تكون أدلّة التسامح قرينة عرفية على المراد من أدلّة الدقّة، فلا تجب الدقّة.
الوجه الثالث: حمل أدلّة الدقّة على مورد الإمكان، وحمل الأخرى على مورد عدمه، ويُراد بالإمكان تارةً ما بعد الفحص وأخرى ما قبله.
الوجه الرابع: حمل أدلّة الدقّة على وجوب الإعادة في الوقت، لا في خارجه إذا ثبت الخلاف، وحمل الأخرى على وجوب الإعادة مطلقاً، وهذا وجه تبرّعي، ما لم نجعل عليه قرائن منفصلة من بعض الأخبار.
الوجه الخامس: تعارض الطوائف من السُنّة، والرجوع إلى القرآن الكريم، وهو غير دالّ على الدقّة بالفهم العرفي.
الوجه السادس: نفس نتيجة الوجه السابق؛ على اعتبار موافقته أخبار التسامح مع القرآن الكريم، ومخالفة أخبار الدقّة له.
الوجه السابع: عكس الوجهين السابقين؛ على اعتبار فهم وجوب التدقيق من القرآن الكريم.
الوجه الثامن: استصحاب بقاء التكليف واشتغال الذمة لو صلّى إلى غير القبلة الدقّية.
الوجه التاسع: إجراء أصالة البراءة عن وجوب الدقّة، وهذا حاكم على الاستصحاب السابق؛ لأنه أسبق منه رتبةً.
الوجه العاشر: التعارض والتساقط والمصير إلى الإجماع الدالّ على عدم الدقّة.
الوجه الحادي عشر: التعارض كذلك والمصير إلى العقل الدالّ على وجوب الدقّة.
الوجه الثاني عشر: أنه لو صلّى بالتسامح فترة من الزمن يحصل له علم ــــــ[74]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
إجمالي ببطلان بعض صلواته، لو صلّاها إلى اتجاهات متعدّدة.
جوابه: أن هذا الوجه إنما ينعقد لو قلنا بالقبلة الدقّية، فيكون مصادرة على الموضوع؛ لأنها أول الكلام الآن.
[الأخبار الواردة على الصلاة في السفينة]
ثمّ إن من الأخبار التي يحتمل دلالتها على جواز التسامح في القبلة أخبار الصلاة في السفينة:
[صحيحة الحلبي]
منها: صحيحة الحلبي: أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في السفينة، فقال: “يستقبل القبلة، ويَصُفُّ رجليه، فإذا دارت واستطاع أن يتوجّه إلى القبلة، وإلا فليصلِ حيث توجهت به….”(1).
بتقريب: أنه يوجب الانحراف إلى القبلة إذا انحرفت السفينة مع الإمكان والقدرة، ومن الواضح عدم إمكان التدقيق بالقبلة مع الانحراف خلال الصلاة.
إلا أنه يمكن أن يجاب أنَّ هذا الاستدلال متوقّف على نحوٍ من التجريد عن الخصوصية لكلّ مصلٍ وإن لم يكن في السفينة، وهو متعذّر مع احتمال الخصوصية، بل الجزم بوجودها هنا وأنه حال الضرورة؛ لأنهم يبقون أياماً طوالاً في السفينة لا يجدون أرضاً ينزلون فيها.
ويدلّ على وجود الضرورة في السفينة عدّة أخبار.
[رواية علي بن إبراهيم]
منها: رواية علي بن إبراهيم، قال سألته عن الصلاة في السفينة، قال:
ــــــ[75]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 320، باب13 من أبواب القبلة، ح1، ورواه الكليني في الكافي2: 441 عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد الله (ع) ، أنه سُئل عن الصلاة في السفينة، فقال: (يستقبل القبلة، فإذا دارت واستطاع أن يتوجه إلى القبلة فلِيَفعل، وإلا فليصلِ حيث توجهت به).
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
“يصلّي وهو جالس إذا لم يمكنه القيام في السفينة، ولا يُصلّي في السفينة وهو يقدر على الشطّ”(1).
[معتبرة حماد بن عيسى]
و[منها]: معتبرة حماد بن عيسى، قال سمعت أبا عبد الله (ع) يُسأل عن الصلاة في السفينة؟ فيقول: “إن استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد(2) فاخرجوا، فإن لم تقدروا فصلّوا قياماً، فإن لم تستطيعوا فصلّوا قعوداً، وتحرّوا القبلة”(3).
فالأمر بالخروج من السفينة إلى الأرض للصلاة دليل عرفي على وجود الضرورة في السفينة من هذه الناحية.
إلا أنه يمكن أن يقال: إنه معارض بما هو أقوى سنداً، وهو صحيحة جميل بن دراج أنه قال لأبي عبد الله (ع): “تكون السفينة قريبة من الجدْ(4)، فأخرج وأُصلي؟ قال: صلِّ فيها، أما ترضى بصلاة نوح (ع) ؟!”(5).
وهو نصٌ بإمكان الخروج، أو قل: بجواز الصلاة وإجزائها مع الإمكان من الخروج وصحّة السند، ولا أقلّ من التعارض بين الطائفتين، فتجري البراءة عن وجوب الخروج تكليفاً أو وضعاً، ولا يعارضها الأصل المتأخّر عنها رتبة، وهو استصحاب اشتغال الذمّة مع عدمه.
لا يُقال: إنها عند الصلاة تكون واقفة، وخاصّة بقرينة أنها قريبة من الشاطئ.
فإنه يُقال: إن لها إطلاقاً لِكِلتا الصورتين، أعني: سير السفينة
ــــــ[76]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 321، باب13 من أبواب القبلة، ح8.
(2) الجَدَد: الأرض الصلبة.
(3) وسائل الشيعة4: 323، باب13 من أبواب القبلة، ح14.
¬¬(4) الجدّ: شاطئ النهر.
(5) وسائل الشيعة4: 320، الباب السابق، ح3.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
ووقوفها، ولا يتعيّن كونها واقفة إذا كانت قريبة للشاطئ.
وقد يجاب الاستدلال بهذه الطائفة بما دلّ على سقوط القبلة في غير التكبير في الصلاة في السفينة، كرواية يونس بن يعقوب، قال: “وسأله عن الصلاة المكتوبة في السفينة، وهي تأخذ شرقاً وغرباً، فقال: استقبل القبلة ثم كَبّر، ثم دُر مع السفينة حيث دارت بك”(1).
وهذا يؤكّد حال الضرورة، أو أن للسفينة أحكامها التي لا يمكن تجريدها عن الخصوصية.
إلا أنه محمول على الضرورة، فيكون أخصّ مما دلّ على الجواز في السفينة مطلقاً، فيختصّ بما إذا كانت واقفة أو متّجهة باتّجاه واحد.
وأما حمل المجوّز على خصوص النافلة والمنع عن الفريضة فهو مخالف لعدد من الروايات، فيها ما سبق.
[رواية يعقوب بن شعيب]
ومنها: رواية يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (ع) ، قال: “لا بأس بالصلاة في جماعة في السفينة”(2).
أقول: الجماعة لا تكون إلا في الفريضة. ونحوها رواية إبراهيم بن ميمون(3).
[صحيحة حماد بن عثمان]
وصحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (ع): “[أنه] سُئل عن الصلاة في السفينة، فقال: يستقبل القبلة، فإذا ادارت واستطاع أن يتوجه إلى القبلة فليفعل، وإلا فليصلِ حيث توجهت “(4). والصلاة تنصرف إلى الفريضة، أو
ــــــ[77]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 321، باب13 من أبواب القبلة، ح6.
¬(2) وسائل الشيعة4: 322، الباب السابق، ح9.
(3) وسائل الشيعة4: 322، باب13 من أبواب القبلة، ح12.
(4) وسائل الشيعة4: 322، باب13 من أبواب القبلة، ح13.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
أنها تشملها بطبيعة الحال.
فهذا هو الاستدلال بالسنة على جواز التسامح بالقبلة.
الأدلّة اللّبية
وأما الكلام في الأدلّة اللّبية:
أولاً: الإجماع
أولاً الإجماع على هذا الجواز فإن أُريد منه المنقول فليس بحجّة، وإن أُريد به المحصّل والمحرز فجوابه:
[أولاً]: أنه ممكن منعه؛ من حيث إن المسألة مختلف فيها، وليس إجماعية من أحد الطرفين.
[وثانياً]: أنه لو كان متوفّراً فلا نعلم توفّره على التسامح، كما هو المطلوب الآن، بل لعلّه مبني على التدقيق.
[وثالثاً]: أنه على أي حال مدركي؛ لاعتماد المجمعين على الروايات والأدلّة الأخرى.
فإن قلت: فإنهم إن كانوا قد اعتمدوا على غير الأدلّة اللفظية لم يكن ساقطاً عن الحجّية.
قلنا: كلا، بل يكفي ذلك في مدركيته، وسقوطه عن الحجّية؛ لأنه لا يكون تعبّدياً خالصاً موروثاً من قبل المعصومين(عم)، كما هو شرط حجّية الإجماع.
ثانياً: السيرة المتشرعية
وهي ثابتة جزماً على التسامح.
فإن قيل: بل هي ثابتة على التدقيق.
قلنا: التدقيق هنا: إما احتياطي وإما بمعنى التحرّي والفحص، وهو لا ينتج الدقّة الحقيقية إلا نادراً.
ــــــ[78]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
فإن قلت: فإنها سيرة مدركية من قبل المتشرعة؛ فإن مدركها فتاوى الفقهاء بجهة القبلة.
قلنا:
أولاً: إن مدركيتها لا تضرّ بحجّيتها، كما في الإجماع؛ فإنها إن ثبت وجودها جيلاً بعد جيل إلى جيل المعصومين (ع) كفى في حجّيتها، ويكون عمل العلماء في ضمن السيرة.
ثانياً: إنه لا يبعد أن تكون السيرة أوسع من المدرك وأوضح، فتكون حجّة؛ لأن المدرك -وهو فتوى العلماء- أمرٌ مختلف فيه بينهم، في حين أن السيرة مطبقة على التسامح.
ثالثاً: العرف
ثالثاً من الأدلّة اللبية العرف من حيث إنه يقرّ أن الاتّجاه من بُعد هو اتّجاه مسامحي لا دقّي، فيصدق حصول الاتّجاه حتى لو أخذنا بالدقّة العرفية، فضلاً عن التسامح العرفي، وهذا المعنى غير المعنى العقلي باتّساع الدائرة مع البعد، فإنه يأتي بالدليل العقلي.
ومثالها في عدّة موارد.
منها: التوجّه إلى النجوم.
ومنها: أن سيرة العرف في مواليهم وعبيدهم إذا أمروهم بالتوجّه إلى أي شيء ليس أكثر من ذلك، فإذا توجّه المأمور توجّهاً عرفياً مسامحياً كان ممتثلاً في نظر العرف جزماً؛ لأن العرف بنفسه لأموره الخاصة به يتكفّل ببيان الكبرى والصغرى معاً، والشارع خاطبنا بصفته واحداً من العرف على أي حال.
هذا مضافاً إلى ما قلناه من أن فهم العناوين المأخوذة في الأدلّة لا بد أن يكون فهماً عرفياً، كالاستقبال والتوجّه والسمت والمقابلة وغير ذلك، كل ما
ــــــ[79]ـــــــ
بيان الفقه، محمد الصدر
في الأمر أننا لا ينبغي أن نفهمها بالتسامح العرفي ولا بالدقّة العرفية، بل بأمر وسط بينهما، وإن كانت الدقّة العرفية هي الأحوط استحباباً.
وقد يُقال: إنه يقع التعارض بين فهم العرف وفهم الكتاب والسُنّة المبني على التدقيق، فيكون الثاني مقدّماً؛ لأنه بنفسه حجّة أو فيه ردع عن الأخذ بتلك السيرة.
قلنا: هذا صحيح على تقدير صراحة الكتاب والسنة بالاتّجاه الدقّي؛ لأنه بذلك يكون قد ألغى إقرار السيرة العرفية ونهى عنها، وأما مع عدم الصراحة فالعرف هو الحاكم على ظواهر الألفاظ، على أننا لم نجد أي دليل معتدٍّ به على الدقّة. ولو وجدناه -كقوله: “تعمد القبلة جهدك”(1)-لحملناه على الدقّة العرفية لا الدقّة العقلية.
فغايته هو المصير إلى الدقّة العرفية لا الوسط الذي قلنا به، إلا أنه مخدوش دلالةً؛ لأن الأمر به في طول الشكّ المفروض في الرواية، وما يمكن تحصيله عادةً من الشاكّ ليس أكثر مما قلناه.
رابعاً: العقل
رابعاً من الأدلّة اللّبية العقل، وفيه عدّة جوانب: أهمّها الجانب الهندسي:
[أوجه الجانب الهندسي ومناقشته]
إذ نجعل المصلّي في مركز دائرة والكعبة في المحيط، فيكون التوجّه إلى القبلة بأحد تقريبات:
الأول: أن الفرد وهو في المركز يمكنه التوجّه ضمن عدّة درجات من هذه الدائرة، وليس في خطّ مستقيم واحد.
الثاني: أنه يمكن التوجّه بمقدار محيط نظره من الأفق.
الثالث: أننا نجعل دائرتين: الأولى: حول المصلّي وهي صغيرة،
ــــــ[80]ـــــــ
(1) الكافي3: 284.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
والأخرى: تلك التي تقع الكعبة في محيطها، وقد نضيف دائرة ثالثة هي دائرة الأفق، فأيّ مقدار من الدائرة الصغيرة يكون مقابلاً للدائرة الكبيرة؟ وكلّما بعدت المسافة كانت الجهة أوسع؛ لأن محيط الدائرة التي تكون فيها الكعبة أوسع.
الرابع: أن نجعل الكعبة المشرّفة في مركز دائرة والمصلّي في محيطها، فالمثلث الذي يخرج من أركان الكعبة -وهو ربع الدائرة- يكون قابلاً للاستقبال.
كما يمكن أن نقول أمراً أضيق من ذلك، فإن كلّ درجة هي ضيقة في المركز ومتّسعة مع البعد، فيكون طرفاها من جانب محيطها كافياً للاستقبال.
الخامس: ما عن بعض المشايخ -كما في (المستمسك)(1)- من: أن قوس الجبهة (وهي المواجهة) خُمس دائرة الرأس، فيكفي خُمس دائرة الأفق في التوجّه، وهو 72 درجة، وعليه فلا يضرّ الانحراف ثلاثين درجة تقريباً.
أقول: يعني: عن القبلة الدقّية، بل ينتج إمكان الانحراف 36 درجة؛ لأنه نصف الرقم السابق.
السادس: أن نلحظ العلاقة بين الدائرتين بالمماسّة؛ من حيث إن نقطة المماسّة تكون في الدائرة الواسعة واسعة، فبمقدارها تكون القبلة.
السابع: النظر إلى الدائرة التي تقع الكعبة في مركزها؛ من حيث إن درجاتها إلى جهة المكلّف واسعة، وهي أمارة على سعة الجهة.
الثامن: العلاقة بين الدائرتين من حيث تلاقي الخطوط الوهمية، فبمقدار ما يضع هذا التلاقي من مربع منحرف تتّسع القبلة.
ــــــ[81]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى5: 181.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
التاسع: العلاقة بين الدائرتين في إدخال إحداهما إلى حدّ مركز الأخرى، فبمقدار التلاقي بينهما في منطقة محيطيهما تتّسع القبلة.
العاشر: العلاقة أيضاً بوجود دائرة بقدر الحرم المكّي نهايتي الدائرتين، فأينما حصل التوجّه كان قبلة.
[انحناء النطاق الهندسي]
فهذه عشرة أوجه في الهندسة كأدلّة على ترك الدقّة في التوجه.
ويمكن أن يستشكل حول ذلك بأمور:
الأمر الأول -كما هو ظاهر (المستمسك)(1)-: أن هذه الدائرة ليست خطوطها مستقيمة، وإنما هي منحنية بتحدّب سطح الأرض، فلا تكون دائرة هندسية يمكن التعويل عليها.
وجوابه:
أولاً: أن هذا لا دخل له في دقّة حصول الدائرة ونتائجها.
ثانياً: أن سطح الأرض وإن كان محدّباً بالدقّة، إلا أنه مسطّح عرفاً، وهذا يكفي.
فإن قيل: كلامنا الآن بالدقّة.
قلنا: نعم، إلا أن النتائج تحصل بهذا المقدار من الفهم العرفي.
ثالثاً: يمكن فرض الدائرة مستقيمة الخطوط على غير سطح الأرض، إما في الفضاء الذي فوقه أو تحت سطح الأرض، إلا أنها عندئذٍ لا تكون عرفية، كما أشرنا في فقه الفضاء(2).
الأمر الثاني: أن عمل الدائرة لا يفيد؛ لأن المعتبر شرعاً هو ما يكون مستفاداً من الدليل الشرعي، ولم نفهم من هذه الدوائر شيئاً محدوداً.
ــــــ[82]ـــــــ
(1) راجع مستمسك العروة الوثقى5: 189.
(2) فقه الفضاء: 32.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الأمر الثالث: أن أحجام هذه الدوائر وسعتها مجرّد افتراض، وبعضها ينتج تسامحاً في القبلة غير محتمل.
الأمر الرابع: أن عمل هذه الدوائر لا ينتج جواز التسامح، بل وجوب الدقّة وعدم حصول المواجهة من بعد.
جوابه:
أولاً: أننا لا نحتاج إلى تلك الدوائر، وإنما يكفي الالتفات إلى المواجهة العرفية بخطٍّ مستقيم.
ثانياً: أن الدليل إن كان متحقّقاً ومعتبراً أغنى عن هذه الدوائر، سواء كانت مضمونة الدقّة أم التسامح.
فإن قلت: إن الدليل الهندسي يدلّ على أن مادة التوجّه والاستقبال دقّية.
قلنا:
[أولاً]: إنها تحتاج إلى ضمّ كبرى شرعية مصحّحة لها.
[وثانياً]: إنه لو دار الأمر بين فهم المادة فهماً هندسياً أو فهماً عرفياً، تعيَّن الفهم العرفي.
وأما استعمال العقل كدليل في هذا الصدد [فهو] خارج النطاق الهندسي، فيكون على أنحاء:
النحو الأول: حكم العقل بوجوب مقدّمة الواجب، لو تمّ في محلّه.
بتقريب: أن الواجب هو الصلاة، والمقدّمة هو الاستقبال، ولا يكون إلا بالاستقبال الدقّي، فيكون هذا النحو من الاستقبال واجباً.
جوابه: أنه يتوقف على أن المقدّمة هو الاستقبال الدقي، وقد سبق منعه. نعم، لو اقتصرنا على هذا الدليل وتنزّلنا عن الدليل اللفظي، لزم الاحتياط بمقدار لا يلزم منه العسر والحرج، وإلا فمقدّمة الواجب هنا تتحقّق
ــــــ[83]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
بالاستقبال التسامحي.
النحو الثاني: العلم الإجمالي المنجز بعد دخول الوقت بأن إحدى الجهات قبلة، فيجب إما الاحتياط بالتدقيق، وإما الاحتياط بالتكرار، وإذا كان الجزم بالنيّة لازماً وجب التدقيق.
ويجاب:
أولاً: أنه مع قيام الدليل على القبلة العرفية فإن العلم الإجمالي ينحلّ ويكون كلّه قبلة.
ثانياً: أنه مع عدم ذلك الدليل يكون المرجع إلى الاشتغال العقلي لا العلم الإجمالي.
نعم، يمكن أن يقرّب العلم الإجمالي بتقريبات أخرى:
[منها]: أنه لو صلّى أفراد عديدون إلى جهات عديدة -لو صحّ التعبير- علمنا إجمالا أن بعضهم ليسوا إلى القبلة.
[ومنها]: لو صلّى فرد بذاته عدّة صلوات هكذا حصل العلم الإجمالي.
[ومنها]: لو صلّى فرد بذاته في بلدان متعدّدة ذات قبلة تسامحية حصل هذا العلم الإجمالي.
[ومنها]: أننا لو علمنا بالقبلة التسامحية أياماً أو في أوقات صلاة عديدة، حصل هذا العلم الإجمالي أيضاً.
ولعلّ كلّ هذه الوجوه تندرج في وجه واحد، وهي مبنيّة على عدم الدليل على القبلة التسامحية، وإلا كان كلّه قبلة، إلا أنه يفرض أنه زاد الانحراف عنها، مضافاً إلى أن بعض صوره غير منجز؛ لكونه بين أفراد متعدّدين.
ــــــ[84]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
النحو الثالث: جريان قاعدة الاشتغال بعد العمل، وهذا لا محصّل له إلا استصحاب اشتغال الذمّة بعد العمل لو صلّى إلى غير القبلة الدقّية، بشرط أن يكون هذا العمل قد أنجز برجاء المطلوبية.
إلا أنه لا يجري؛ لحكومة أصالة الصحّة أو قاعدة الفراغ عليه، مضافاً إلى أصالة البراءة عن التدقيق الذي يجري في موضوعه.
الآن لا بد لنا من الفحص عن أمرين: أولهما: هل لهذا البحث من أثر؟ ثانيهما: السؤال عن مقدار التسامح الذي ثبتت صحته؟
أما الأمر الأول فباعتبار ضمّ أمرين:
الأول: قبح تكليف العاجز مع أن التكليف بالقبلة الدقّية مما يعجز عنه الأغلب، بل الكلّ.
الثاني: أن العرف يتوجّه تلقائياً إلى القبلة العرفية ما لم يؤمن بالدقّة.
وكِلا الوجهين يُنتجان عدم وجوب الدقّة، بمعنى: أنه لا أثر للأمر بها، وإنما الأثر المتصوّر الوحيد هو وجوب التدقيق في الفحص بمقدار الإمكان، لو كانت القبلة الدقّية مطلوبة، بخلاف ما إذا كان المطلوب هو الجهة، والتدقيق في الفحص غير محتمل الوجوب عملياً، أكثر من العلامات الواردة، إلا قوله: “وتعمد القبلة جهدك”(1)، وقد أجبنا عنه.
وأما ثاني الأمرين: فالضابط للتسامح عدّة أمور، لا يمكن أن تزيد عليها تسامحياً، ولا يجب أكثر منها دقّة.
أحدها: أن نقول للعرفي: توجّه إلى القبلة، كما قال الشارع فعلاً، فبمقدار ــــــ[85]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 308، باب6 من أبواب القبلة، ح2 و3.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
ما يفهم العرفي من حافّة القبلة يكون حجّة: تسامحاً أو دقّةً.
وهذا على أي حال ليس كثير الانحراف عن القبلة الدقية، إلا مع الجهل والإهمال، وهما غير مفروضين في محلّ الكلام.
ثانيها: اتّخاذ العلامات، وهي تهدي إلى قبلة تقريبية لا دقّية، فليس لنا أن نزيد عليها دقّةً ولا تسامحاً.
ثالثها: الجمع بين طوائف الروايات الدالّ منها على التسامح والدالّ منها على الدقّة؛ فإنه بعد جعل بعضها قرينة على البعض الآخر فإن غاية ما ينتج هي القبلة الدقّية عرفاً، لا الدقّية عقلاً جزماً.
وهذا هو الأحوط، وإن كان وجوبه منفياً بأَلسِنةٍ أخرى مثل لسان: (ما بين المشرق والمغرب قبلة كلّه)(1) وبعض العلامات، فيؤدّي إلى ما قلناه من الوسطين التسامح والدقّة العرفيين، وهو ليس أمراً محدّداً، بل يتبع نسبة مكان المصلّي إلى مكان الكعبة الشريفة، كما يتبع وجدان المكلّف ومستواه ونحو ذلك.
القبلة هي الحيّز:
يمكن الاستدلال على ذلك نفياً واثباتاً.
[القول بالنفي]
أما الاستدلال المحتمل على نفيه فبعدّة أمور:
الأول: قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾(2) الظاهر بالجسم دون الحيز.
وجوابه: أنه لا يُعدّ ثبوته مع الزوال، وخاصةً مع التعيّن الارتكازي
ــــــ[86]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 300، باب2 من أبواب القبلة، ح9.
(2) سورة البقرة، الآية:144.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
لمحلّ الجسم، بحيث يكون التوجّه عندئذٍ إلى الحيّز توجّهاً عرفاً إلى الجسم.
الثاني: الإجماع على التوجّه إلى الكعبة، يعني بوجودها المادي المقابل للحيّز.
وجوابه:
أولاً: منع هذا الإجماع أساساً.
ثانياً: أنه إجماع على الموضوع لا الحكم، فلا يكون حجّة.
ثالثاً: أن مدلول الاجماع هو التوجّه إلى القبلة لا الكعبة، كما زعم المستدلّ.
رابعاً: يمكن القول بوجود إجماع على صحّة الصلاة إلى الحيّز، فإما أن نقول بتعيّنه، أو نقول بتعارض الإجماعين وتساقطهما، وبذلك يسقط دليل المستدلّ.
خامساً: يمكن القول: إن الإجماع المستدلّ به إجماع مدركي، كالدليل الأول ونحوه ولو احتمالاً، فيسقط عن الحجّية.
الثالث: السيرة على التوجّه إلى جسم الكعبة دون الحيّز؛ لأنه لم يصدف أن انهدمت الكعبة كلّها خلال أجيال الاسلام.
وجوابه:
أولاً: أن السيرة العملية لا لسان لها، وإنما يحتاج الاستدلال على نفي الحيّز على نحو من فهم مفهوم المخالفة منها، وهو متعذّر.
ثانياً: أن المروي حصول الانهدام في زمن الأئمة(عم)أكثر من مرّة، ومنها: أن الحجر الأسود لا يضعه إلا معصوم(1).
ثالثاً: الاطمئنان بأن الصخر والتراب الموجود في بناء الكعبة لا دخل له
ــــــ[87]ـــــــ
(1) بحار الأنوار96: 226.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
جزماً بالقبلة.
وجوابه: أن هذا إذا قصد به بناء جزئي منها فصحيح، إلا أنه غير المتنازع فيه فعلاً، وإذا قُصد به بناء كلي فهو أول الكلام وعين المتنازع فيه.
[القول بالإثبات]
وأما الأدلّة على الحيّز فأمور:
[الأول: الأخبار ومناقشتها]
الأخبار(1) الدالّة على أن الكعبة قبلة من تخوم الأرض إلى عنان السماء، بعد الالتفات إلى أنها لا تكون كذلك بالجرم المادي.
جوابه: أنها ضعيفة السند، مضافاً إلى أنها تحتاج إلى نحو من التجريد عن الخصوصية من منطقة التنزيل الاعتباري إلى منطقة البناء الموجودة فعلاً للكعبة، وهو متعذّر؛ إذ لا تدلّ الأخبار على نفي أهمّية البناء.
مضافاً إلى ورود الوجه الذي سنقوله على الوجه الآتي.
[الثاني: الإجماع على أن الكعبة قبلة من تخوم الأرض إلى عنان السماء]
الإجماع على أن الكعبة قبلة من تخوم الأرض إلى عنان السماء، ولا أعرف فيه مخالفاً سوى الأستاذ المحقّق.
جوابه:
أولاً: أنه إجماع مدركي ولو احتمالاً؛ لاحتمال اعتمادهم على الأخبار المشار إليها، فيسقط عن الحجية.
ثانياً: أن الإجماع المحصّل غير محصّل، والمنقول ليس بحجّة.
ثالثاً: أنه لا لسان له ليحصل منه نفي أهمّية البناء والاقتصار على الحيّز، كما في الأخبار.
رابعاً: وجود المخالف وهو الأستاذ المحقّق؛ لأنه يرى أن القبلة من أعلى إلى الأسفل بخطّ مائل، حسب ما سمعته منه مشافهةً.
جوابه: من أكثر من وجه:
ــــــ[88]ـــــــ
(2) وسائل الشيعة4: 339، باب18 من أبواب القبلة، ح1 و3.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
أولاً: أن خلافه لا يضرّ لو تمّ الإجماع؛ لكونه متأخّراً وشاذّاً.
ثانياً: أن الخطّ المائل لا يصدق دائماً؛ وذلك عند عدم صدق المواجهة مع الوجود المادي للكعبة، كما لو صلّى في منطقة فوق الكعبة مباشرةً.
[الثالث: الإجماع على أن الحيز هو القبلة]
وفرقه عن السابق أنه متعلّق بخصوص الحيّز للجزء المادي للكعبة، بغضّ النظر عن امتداده إلى أعلى أو أسفل، ولا يعرف فيه خلاف، فإن وِجِد فهو شاذّ.
وهو ليس بمدركي؛ لأن مدركه المحتمل ليس إلا الأخبار السابقة، وهي لا تصلح مدركاً؛ لأن موضوعها مختلف.
[الرابع الارتكاز المتشرّعي]
الرابع الارتكاز المتشرّعي والعرفي على عدم زوال القبلة بزوال البنية.
لا يُقال: إن الالتزام العملي على التوجّه إلى البنية، فلا يتمّ هذا الوجه.
فإنه يُقال: إن هذا وإن كان هو الغالب إلا أنه ليس بعنوانه، بل بصفته حيّزاً في الارتكاز، مضافاً إلى حصول الهدم في الكعبة فعلاً في عصر الائمة(عم)، فتكون السيرة بالتوجّه إلى الحيّز ممضاة.
[احتمالات الصلاة أعلى من الكعبة والاستدلال عليها]
والصلاة أعلى من الكعبة فيه عقلياً عدّة احتمالات:
الأول: طول الكعبة كما دلّت عليه الأخبار من تخوم الأرض إلى عنان السماء.
الثاني: الخطّ المائل، كما عليه الأستاذ المحقّق.
الثالث: الخطّ المنكسر.
الرابع: تقدير الكعبة.
الخامس: جهة الكعبة.
والمهمّ أنه لا يوجد فقيه يقول ببطلان الصلاة أعلى من الكعبة، وهذا معنى الإجماع لكنه لا يعني أحد هذه الاحتمالات الخمسة.
السنة الشريفة وهي على عدة طوائف
والأخبار الدالّة على ذلك عدّة طوائف:
ــــــ[89]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الطائفة الأولى: الصلاة على جبل أبي قبيس
الأخبار الخاصّة بالصلاة على جبل أبي قبيس.
كرواية ابن سنان، عن أبي عبد الله (ع) ، قال: “سأله رجل قال: صلّيت فوق أبي قبيس العصر، فهل يجزي ذلك والكعبة تحتي؟ قال: نعم، إنها قبلة من موضعها إلى السماء”(1).
ورواية خالد، قال: “قلت لأبي عبد الله (ع): الرجل يصلّي على أبي قبيس مستقبل القبلة، فقال: لا بأس”(2).
وكِلاهما غير معتبر السند، وليس فيه دلالة على تعيّن أحد الاحتمالات الخمسة السابقة، بل يمكن حمله على أيٍّ منها.
الطائفة الثانية: الصلاة على سطح الكعبة
الطائفة الثانية الأخبار الدالّة على الصلاة على سطح الكعبة.
والمشهور أفتى على أن المصلّي يجعل جزءاً من الكعبة أمامه وتصحّ صلاته، إلا أن هذا المعنى ليس في الأخبار أصلاً، وإنما يوجد في ذلك خبران ضعيفان.
منها: حديث المناهي، قال: “نهى رسول الله (ص) عن الصلاة على ظهر الكعبة”(3).
ورواية عبد السلام بن صالح عن الرضا (ع) في الذي تدركه الصلاة وهو فوق الكعبة، قال: “إن قام لم يكن له قبلة، ولكن يستلقي على قفاه ويفتح عينيه إلى السماء، ويعقد بقلبه القبلة التي في السماء البيت المعمور”(3) إلى آخر ــــــ[90]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 339، باب18 من أبواب القبلة، ح1.
(2) نفس المصدر: ح2.
(3) وسائل الشيعة4: 340، باب19 من أبواب القبلة، ح1.
(4) وسائل الشيعة4: 340، باب19 من أبواب القبلة، ح2.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الرواية.
وكِلاهما خالٍ من فتوى المشهور، وإنما قالوه باعتبار رواية الطاطري الآتية، بعد ضمّ مقدّمة، وهو أن ما كان كلّه قبلة فبعضه قبلة، وهذا يستفاد من عدّة ألسنة من الأخبار أوضحها ما دلّ على جواز الصلاة في جوف الكعبة(1)، فإن الاستقبال يكون عندئذٍ لبعض الكعبة لا الكلّ، كما هو واضح.
وينبغي الالتفات إلى أمر في رواية عبد السلام السابقة، وهو أنه بناءً على النظرة المادية للكون لا يمكن إحراز التوجّه إلى البيت المعمور الذي في السماء؛ لحركة الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس، مع العلم أن البيت المعمور ثابت بطبيعة الحال.
نعم، يمكن ذلك بناءً على الوجود اللامادي، ويدلّ عليه قوله: (ويعقد بقلبه القبلة التي في السماء البيت المعمور)(2) مع وضوح أن استقبال القبلة لا يحتاج في نفسه إلى نية.
الطائفة الثالثة: الصلاة في جوف الكعبة
الطائفة الثالثة ما دلّ من الأخبار على الصلاة في جوف الكعبة.
وهي على عدّة ألسنة:
اللسان الأول: المنع عن الصلاة في جوف الكعبة
الأول ما دلّ على المنع عن الصلاة في جوف الكعبة:
منها: صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما(عما) قال: “لا تصلِّ المكتوبة في الكعبة”(3)، ونحوه الخبران اللذان بعده(4)، وكلّها معتبرة السند وسيأتي الحديث عنها.
ــــــ[91]ـــــــ
(1) المصدر السابق4: 336، باب17 من أبوب القبلة، ح5 و6.
(2) وسائل الشيعة4: 340، باب19 من أبواب القبلة، ح2.
(3) وسائل الشيعة4: 336، باب17 من أبواب القبلة، ح1.
(3) المصدر السابق4: 337، باب17 من أبواب القبلة، ح3و4.
بيان الفقه، محمد الصدر
اللسان الثاني: جواز الصلاة في جوف الكعبة
الثاني ما دلّ على الجواز إلا أنه لا يُعيّن جهة القبلة:
كمعتبرة يونس بن يعقوب، قال: قلت لأبي عبد الله (ع): “حضرت الصلاة المكتوبة وأنا في الكعبة، أفأُصلّي فيها؟ قال: صلِّ”(1).
ورواية عبد الله بن ميمون، عن جعفر بن محمد عن أبيه(عما) أنه رأى علي بن الحسين (ع) يصلّي في الكعبة ركعتين(2).
اللسان الثالث: الصلاة إلى أربع جهات في جوف الكعبة
الثالث ما يُفهم منه الصلاة إلى أربع جهات إذا صلّى في جوف الكعبة.
قال الكليني: وروي في حديثٍ آخر: “يصلي في أربع جوانبها إذا اضطرّ إلى ذلك”(3).
وتقييدها بالضرورة على خلاف القاعدة؛ لأن الحكم الوضعي لا يسقط بالعنوان الثانوي، وإنما يسقط الحكم التكليفي المشروط به.
اللسان الرابع: ما دلّ على الأمر بالصلاة استلقاء
وهي رواية ابن مروان قال: “رأيت يونس بمنى يسأل أبا الحسن (ع) عن الرجل إذا حضرته صلاة الفريضة وهو في الكعبة، فلم يمكن الخروج من الكعبة، قال: استلقى على قفاه ويصلي إيماءً”. وذكر قول الله عز وجل: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ﴾(4)”(5).
مناقشة مجموع الأخبار
ولكن هل تنتج هذه الطائفة ما هو المطلوب الآن، وهو استقبال الجزء أو الحيّز؟ هذا قابل للمناقشة لأمور:
ــــــ[92]ـــــــ
(1) المصدر السابق4: 337، باب17 من أبواب القبلة، ح6.
(1) وسائل الشيعة4: 338، باب 17 من أبواب القبلة، ح8.
(2) الكافي3: 391، وسائل الشيعة4: 336، باب17 من أبواب القبلة، ح2.
(3) سورة البقرة، الآية: 115.
(4) وسائل الشيعة4: 338، باب من أبواب القبلة، ح7.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
[الأول]: وجود النهي عن الصلاة داخل الكعبة، وهذا معناه: أنه لا توجد أي قبلة داخل الكعبة، وخاصّة إذا التفتنا إلى اللسان الرابع، وهو الأمر بالاستلقاء، كما في الصلاة على سطح الكعبة تماماً.
[الثاني]: مع التنزّل فإن الجدار موجود أمام المصلّي، وهو يصلح قبلة (ماديّة)، فلا يشمل الحيّز والصلاة على سطح الكعبة.
[الثالث]: ليس في هذه الروايات إطلاق للصلاة خارج الكعبة؛ لأنها في مورد الداخل، وتجريدها عن الخصوصية غير عرفي.
ثمّ إننا نواجه تعارضاً بين هذه الألسنة بين النهي والإثبات أو الجواز، فما هو وجه الجمع بينهما؟ وذلك في ضمن وجوه:
[الأول]: حمل النهي على الكراهة أو مطلق المرجوحية؛ بقرينيّة روايات الجواز، إلا أن هذا فرع أن تكون سائر الروايات معتبرة السند بعد العلم بأن النهي معتبر.
[الثاني]: تقييد النهي بحال عدم الضرورة، كما نطقت به إحدى الروايات.
[الثالث]: تقييد النهي بالمكتوبة أو الفريضة، أما غيرها فجائز.
[الرابع]: كِلا التقييدين؛ باعتبار ورودِهما معاً بألسنةٍ متعدّدة، غير أن نفس الإشكال الذي أوردناه على الأمر الأول وارد على كل هذه الأمور.
فالوجه في إسقاط النهي هو أنه لا يقول به أحد حسب علمنا، إلا الشواذ، وهو من سنخ إعراض المشهور، إلا أن الأمر هنا أقوى من المشهور، فيتعيّن حمله على الكراهة.
ومعه يتحصّل المعنى الذي ذكرناه، وهو أن ما كان كلّه قبلة كان جزؤه ــــــ[93]ـــــــ
بيان الفقه، محمد الصدر
قبلة؛ لأن الاستقبال في جوف الكعبة لا يكون إلا بالجزء.
فإن قيل: إننا دائماً -وعلى أفضل تقدير- نستقبل الجزء، حتى لو صلينا خارج الكعبة.
قلنا: نعم، إلا أنه من المحتمل أن يُقال لدى الصلاة خارجها: إنه من الواجب أن يكون عرض الكعبة كلّه أمامنا، وهذا الأمر لا يتحقّق أكيداً في جوفها.
أو يُقال: إنه عند الصلاة في الخارج لا يكون الاستدبار لجزء من الكعبة أصلاً، وهذه نقطة قوّة، بخلاف الصلاة في جوفها؛ فإن المصلّي كما يستقبل جزءاً يستدبر آخر.
وحيث ثبت جواز الصلاة في جوف الكعبة ثبت كل ذلك بالالتزام.
بقي التنبيه على أمور
[الأمر الأول: تعليق الحرّ العاملي]
أنه علق الشيخ الحرّ على الطائفة الثانية قائلاً: (ادّعى الشيخ الإجماع على مضمونه، وقد توقّف فيه جماعة من المتأخّرين؛ لأنه يُنافي وجوب القيام والركوع والسجود واستقبال الكعبة، فحكموا أن من صلّى على ظهر الكعبة أبرز بين يديه منها شيئاً، ولا يخفى أنه لا تصريح فيه بالفريضة، فيمكن حمله على النافلة أو على العجز عن القيام أو على الضرورة، مع عدم إمكان إبراز شيء بين يديه؛ لما مرّ…)(1).
أقول يرد على ذلك أكثر من وجه:
ــــــ[94]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة3: 340.
بيان الفقه، محمد الصدر
أولاً: أن كل ذلك من الحمول التبرّعية التي لا قرينة متّصلة عليها، بل السياق يقتضي عدمها.
ثانياً: ما ذكره الشيخ الحرّ نفسه بقوله: (إلا أن تأويله موقوف على وجود المعارض الخاص)(1).
أقول: يعني المعارض في مورده؛ ليكون التأويل صحيحاً في نظره، في حين أن هذا المعارض غير موجود، فلا يصحّ التأويل.
والمختار هو وجوب استقبال الجهة دون الدقّة، والحيّز دون البنية، والوجود المعنوي الممتدّ للكعبة دون هذا المقدار المنظور منها، والجزء دون الكلّ، وهذا لا يفرق فيه بين سطح الكعبة وداخلها وخارجها.
فإن قلت: إن الاستقبال العرفي لا يصدق للوجود المعنوي للكعبة، كما في امتداد الكعبة أو الشاذروان.
قلنا:
أولاً: إن الاستقبال هو المواجهة، وهذا لا يفرق فيه بين الجزء المعنوي والمادي.
ثانياً: لو تنزّلنا وقبلنا عدم الصدق العرفي، فإن الشارع المقدس أجازنا بهذا المقدار من الاستقبال بحسب الدليل، وهذا يكفي.
[الأمر الثاني: لا نصّ على تخوم الأرض]
إنه لا نصّ على تخوم الأرض، وإنما النصّ خاصّ بطرف العلوّ، فلو أخذنا بالنصّ احتجنا إلى نحو من التجريد عن الخصوصية ممّا فوق الكعبة إلى ما تحتها.
إلا أننا عرفنا ضعف السند، وإنما المهمّ في ذلك هو الإجماع والسيرة، وهي متحقّقة في كلتا الجهتين.
ــــــ[95]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 340.
بيان الفقه، محمد الصدر
والمهمّ الآن هو أن نلتفت إلى تقديرهما، وهو أيضاً غير منصوص، وعدم النصّ واضح؛ لأنه لم يكن بمستوى الأفهام يومئذٍ.
والذي نجده بالوعي العرفي الحاصل لدينا الآن، أن هذا التحديد لا يمكن أن يكون مستمرّاً إلى غير النهاية، وإنما محدّد بأحد أمرين:
الأول: إمكان الاستعمال البشري في العلو والسفل، أما في الأماكن التي لا يحتمل وجود البشر فيها فهي بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع، والتجريد عن الخصوصية إليها غير ممكن.
الثاني: الجوّ من جهة العلوّ والقشرة الأرضية من جهة السفل، فلو وصلنا في العلوّ إلى الفضاء الأصلي لم يكن ذلك قبلة، كما لو وصلنا في السفل إلى الطبقة الحارّة من قلب الأرض، والتي لا يمكن أن تكون محلّاً للبشر لم يكن ذلك قبلة أيضاً، وإنما اللازم على كلا التقديرين الرجوع إلى الجهة على ما سيأتي.
ونتيجة الأمر الأول أضيق وأقلّ من الأمر الثاني، وأوضح في الفهم العرفي منه، كما هو واضح لمن يتأمّل.
[الأمر الثالث: استقبال الأرض لمن [يكون] خارج الأرض]
حكمنا في بعض مؤلفاتنا(1): أن المصلّي في خارج الأرض يستقبل الأرض ما دام تعيين الأرض ممكناً، وهو ممكن لا محالة في داخل المجموعة الشمسية.
والسبب في ذلك: أن استقبال الأرض استقبالٌ للكعبة في الجملة؛ لأنها محتوية على الكعبة، والواجب في القبلة ليست إلا الجهة، وهي متحقّقة بهذا المقدار جزماً.
ــــــ[96]ـــــــ
(1) فقه الفضاء: 35.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وأما في البعد الزائد على ذلك -بحيث يكون خارج المجموعة الشمسية بمقدارٍ معتدٍّ به- فجب عليه استقبال الشمس أو قل: المجموعة الشمسية؛ لأن الكعبة من ضمنها، وتكون المسافات والفروق بين الشمس وتوابعها، بمنزلة الملغاة في مثل ذلك البعد السحيق.
وهذا البعد يتحقّق ضمن مجرّتنا -درب التبانة- دون ما كان خارجاً عنها.
وأما إذا كان خارجاً عنها بمقدار معتدٍّ به، فيستقبل المجرّة نفسها بصفتها محتوية على الكعبة الشريفة، وتتحقّق الجهة من هذه الجهة.
وأما إذا وجب عليه استقبال شيء من ذلك ولم يستطع التعرّف عليه إلى حدّ العجز، فيسقط استقبال القبلة عندئذٍ، ويكون مخيّراً بالتوجّه إلى أي جهة كانت؛ طبقا لقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ﴾(1).
[الأمر الرابع: الوجود الحكمي والمعنوي للكعبة]
هناك الوجود الحكمي أو المعنوي للكعبة الشريفة، وهناك جهة القبلة، وهما يختلفان من عدّة جهات:
أولاً: من حيث الدليل: فإن الرواية على الوجود الحكمي ضعيفة كما سبق، والشهرة والإجماع لعلّه مدركي، والوجود العرفي للكعبة لا يشمله بكلّ تأكيد.
ثانياً: من حيث النتائج، فإنه يمكن أن يُقال: بأن بينهما عموماً وخصوصاً من وجه، وذلك في أربع صور:
الأولى: انتفاؤها معاً، وذلك بالصلاة قرب بنية الكعبة نفسها، فلا تصدق الجهة ولا الوجود المعنوي أو الحكمي.
الثانية: تحقّق الجهة دون الوجود المعنوي، وهو غالب الاستقبال على
ــــــ[97]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 115.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وجه الأرض.
الثالثة: تحقّق الوجود الحكمي دون الجهة، وذلك في أحد موردين:
أحدهما: استقبال الشاذروان عن قرب.
ثانيهما: استقبال الوجود الممتدّ للكعبة عن قرب.
وكلاهما شكلٌ من أشكال الوجود الحكمي للكعبة، ويمكن أن نصطلح على منطقة الشاذروان بالوجود المعنوي، وعلى الوجود الممتدّ بالوجود الحكمي، وعندئذٍ ستكون الصور أكثر.
الرابعة: وجودهما معاً، أعني: الجهة والوجود الحكمي، وهو استقبال الوجود الممتدّ عن البعد، أو استقبال الشاذروان كذلك، وإن كان هذا الأخير دقّياً؛ لأن جهة الشاذروان هي جهة الكعبة نفسها.
[الأمر الخامس: مداليل الروايات الخاصّة بالصلاة في جوف الكعبة]
الأمر الخامس في النظر إلى مداليل الروايات الخاصّة بالصلاة في جوف الكعبة.
منها: صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما(عما) قال: “لا تُصل المكتوبة في الكعبة”(1).
والنهي محمول على الكراهة؛ لعدم احتمالٍ معتدٍّ به للحرمة التكليفية أو الوضعية، فكأنّه يُراد في الفريضة قبلة كاملة، يعني استقبال كلّ الكعبة، وهذا ما لا يتحقّق في الداخل.
وهناك عدّة أخبار بهذا المضمون أكثرها معتبرة السند(2)، فيبقى القول بالجواز مخالفاً للاحتياط الوجوبي.
ــــــ[98]ـــــــ
¬¬(1) وسائل الشيعة4: 336، باب17 من أبواب القبلة، حر1.
(2) وسائل الشيعة4: 337، باب17 من أبواب القبلة، ح3 و4.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وهناك رواية دالّة على الجواز عن يونس بن يعقوب، قال: “قلت لأبي عبد الله (ع): حضرت الصلاة المكتوبة وأنا في الكعبة، أفأصلي فيها؟ قال: صلِّ”(1).
قال الشيخ الطوسي: (هذا محمول على الضرورة على أن ذلك مكروه غير محظور)(2).
فهو يحملها على أحد محملين مؤدّاهما الكراهة عند القدرة، وعدمها عند عدمها، ومن الواضح أنه يقول بالكراهة بالرغم من وجود الصحاح الناهية، وهذا يؤيّد ما قلناه من: أنه لا يوجد احتمال فقهي معتدٍّ به للمنع.
ورواية عبد الله بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه(عما): “أنه رأى علي بن الحسين (ع) يصلي في الكعبة ركعتين”(3).
إذ من الممكن أن يكون لها إطلاق لكون الصلاة فريضة أو نافلة. فتأمّل.
وعلى أي حال فإن مقتضى إطلاقها جواز الصلاة إلى أية جهة يختارها المصلّي. هذا، ولو باعتبار الإطلاق المقامي لبيان الإمام الباقر (ع) .
[الأمر السادس: في النطر إلى الصلاة فوق الكعبة]
وفي الباب المعقود لها في (الوسائل)(4) روايتان كلتاهما ضعيف السند، الأولى تنهى عن الصلاة على ظهر الكعبة، والثانية تأمر بالصلاة استلقاءً على
ــــــ[99]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 337، باب 17 من أبواب القبلة، ح6.
(2) وسائل الشيعة4: 338.
(3) وسائل الشيعة4: 338، باب 17 من أبواب القبلة، ح8.
(4) وسائل الشيعة4: 340، باب 19 من أبواب القبلة، ح1 و2.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الظهر، وجامعهما عدم جواز الصلاة الاختيارية هناك، وإطلاقهما شامل للفريضة والنافلة معاً، كما أنه شامل لحال الضرورة والإمكان، وهو غير محتمل فقهياً.
والصحيح جواز الصلاة الاختيارية إلى أي جهة كانت، مع إبراز جزء من الكعبة أمامه، وذلك لصدق الوجوه السابقة كلها:
1 ـ الوجود العرفي للكعبة.
2 ـ الوجود المعنوي الممتدّ لها.
3 ـ الجهة.
4 ـ الخطّ المائل الذي يميل له الاستاذ المحقّق.
[مناقشة فيما إذا نصب شيء أمامه]
ولا يحتاج إلى نصب شيء أمامه؛ لصدق القبلة بدونه، ولو وضع شيئاً لم يكن من الكعبة ما لم يكن من ضمن بنائها.
وكذا إذا صلّى إلى بابها، يعني: يجب عليه أن يبرز شيئا أمامه، كما لو صلّى على السطح، ولا يجوز السجود في نهاية الحيّز، ولا يجب أن ينصب شيئاً أمامه.
وقد يستدلّ على وجوب نصب الشيء أمامه بما دلّ على أن رسول الله (ص) صلّى إلى عنزة (1)،بتقريب: أنه في البرية نصب شيئاً أمامه وهي العنزة أو العصا، وهو يدلّ على عدم جواز الصلاة نحو الفضاء، وهذا ما يحصل فوق الكعبة أيضا وكذلك في باب الكعبة، فيجب أن ينصب شيئاً، ولا يتعيّن كونه عصا، بعد تجريدها عن الخصوصية.
إلا أنه لا يتمّ [لوجوه]:
أولاً: لأنها مخدوشة سنداً.
ــــــ[100]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة5: 136، باب 12من أبواب مكان المصلي، ح1.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
ثانياً: أنها غير دالّة على الالتزام؛ لأنها دالّة على عمل المعصوم (ع)، وهو لا لسان له.
ثالثاً: أن الصلاة في البرية حصلت لعدد من العصومين (ع)، ولم يرد عن أيٍّ منهم أنه نصب شيئاً أمامه، مما يدلّ على الجواز.
رابعاً: لو تنزّلنا أمكن دعوى الفرق بين الصحراء والكعبة، ولا أقلّ من الاحتمال المبطل للاستدلال.
[استطالة صفّ المأمومين]
ثمّ قال المحقق الحلي: (ولو استطال صفّ المأمومين في المسجد، حتى خرج بعضهم عن سمت الكعبة، بطلت صلاة ذلك البعض)(1).
أقول: هذا في الصلاة عن قريب، وتصحّ صلاة الجميع إن كانوا في البعد؛ لصدق الجهة لجميعهم.
[بطلان الصلاة الدائرية]
ومنه يظهر بطلان الصلاة الدائرية جماعة حول الكعبة؛ فإن فيها إشكالين:
الأول: تقدّم المأموم على الامام.
والثاني: خروج الصفّ عن سمت الكعبة.
ــــــ[101]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام1: 52.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
علامات القبلة
وقد استدللنا فيما سبق بها لفهم دلالتها الالتزامية، وهي الدلالة على أن القبلة هي الجهة لا الدقة، والآن نعرضها بدلالتها المطابقية.
وهنا تصدق ثلاثة من الأدلة الاربعة: الكتاب والسنة والعقل.
[الاستدلال بالكتاب]
أما الاستدلال بالكتاب ففي عدّة آيات:
[مناقشة الآية: وبالنجم هم يهتدون]
منها: قوله تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾(1).
والألف واللام هنا قد تكون عهدية، فيُراد بالنجم هنا خصوص الجدي، وقد تكون جنسية، فيُراد بها مطلق النجوم التي يستدل بها عرفاً وعادةً في البرّ والبحر.
وعلى كل تقدير فهي لها إطلاق للصلاة وغيرها، وانصرافها إلى خصوص معرفة الطريق انصراف بدوي، يدفعه الظهور بالشمول.
فإن قلت: فإن الهداية تنصرف إلى الهداية الدينية والعقائدية؛ فإن أغلب استعمالها في القرآن الكريم لذلك، فلا تشمل الهداية التكوينية التي هي مقصود المستدلّ.
قلنا: بل الأمر بالعكس؛ لأن الهداية التكوينية هي الهداية الحقيقية عرفاً، والهداية الدينية مجازية أصلاً، والتوجّه إلى القبلة توجّه تكويني، فيدخل
ــــــ[102]ـــــــ
(1) سورة النحل، الآية:16.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
كمصداق حقيقي في الإطلاق.
نعم، مع تعيّن حملها على أمر معنوي تسقط عن الاستدلال، إلا أن الإنصاف أن ظهورها مختصّ بالمعنى المادي، وخاصّة مع قرينية النجم؛ فإن معناها الحقيقي يقتضي ذلك، وحمله على المجاز خلاف الأصل، بل بعيد في نفسه.
هذا، ولكن الآية لم تذكر كيفية الهداية والاستدلال، وإنما أوكلته إلى أهل الخبرة أو إلى الوجدان.
فإن قلت: فإن الآية الأخرى قرينة على عدم إرادة الصلاة، وهي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾(1)؛ فإنها واضحة في خصوص الأسفار ولا تعرّض فيها للصلاة.
قلنا: يُجاب ذلك بأكثر من وجه:
أولاً: لا ملازمة في القصد بين الآيتين، ومجرّد اتّحاد متعلّقهما في النجوم لا يقتضي الظهور [فيه].
ثانياً: أننا يمكن أن نفهم الإطلاق إلى الصلاة في كلتا الآيتين، وخاصّة بعد أن نلتفت إلى حذف متعلّق الهداية، فيتّحد مضمون الآيتين.
ومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾(2).
بتقريب: حفظ الناس من الشياطين، ومنها: عدم الاهتداء إلى القبلة، ومع وجود الحفظ يهتدي الناس إلى القبلة.
ــــــ[103]ـــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية:97.
(2) سورة الصافات، الآيتان: 6-7.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
إلا أن هذا التقريب غير تامّ [لوجوه]:
أولاً: أننا لا نستطيع أن نُثبت فقهياً أن الجهل بالقبلة أو السهو عنها شيء من الشياطين. نعم، التضييع العمدي منهم، وليس الكلام فيه.
ثانياً: أن مؤدّى الآية الكريمة هو منع الشياطين عن السماء لا عن الناس، فيسقط الاستدلال.
فإن قلت: [إنَّ قوله](مارد) أي: لغيره، فإذا منع من عمله ذاك اهتدى الناس.
قلنا: إن (مارد) يمكن أن يكون بمعنى المانع لنفسه عن الخير، أو إن اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول، ويكفي أن نلتفت إلى أنه إذا حُجب عن الصعود إلى السماء بقي عنوان المارد منطقياً عليه.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾(1)،أي: حساباً، فبالحساب تعرف القبلة.
إلا أنه لا يتمّ بوضوح؛ لأننا لو سلّمنا أن المراد به الحساب فظاهر السياق هو حساب الأزمان؛ لأنه هو المربوط بالشمس والقمر عادةً وعرفاً، دون حساب المكان، والقبلة من جنس المكان لا الزمان.
[مناقشة الآية: سخّر لكم الشمس والقمر دائبين]
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾(2).
بتقريب: أن من جملة موارد التسخير هو: ما هو المطلوب، يعني: التعرف على القبلة، فتكون من جملة علاماتها.
فإن قيل: إن الظاهر منها جانب الزمان؛ بقرينية ما بعده، لأنه يقول:
ــــــ[104]ـــــــ
(1) سورة الأنعام، الآية:96.
(2) سورة إبراهيم، الآية:33.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾(1) وهما من سنخ الزمان.
قلنا: لا يصلح ذلك قرينة؛ لأن العطف أمارة التغاير، مضافاً إلى أن الشمس وإن أثّرت في وجود النهار، إلا أن القمر لا يؤثّر في وجود الليل، وإنما يظهر في الليل ويظهر أيضاً في النهار.
فإن قيل: يكفي أثر الشمس في إيجاد الليل والنهار.
قلنا: بل ينعقد سياق في تباين المتعاطفين، مضافاً إلى ظهور السياق بأن المراد من التسخير في الفقرة الأولى غير إيجاد الليل والنهار؛ لأن هذا الأخير مفهوم من التسخير الثاني.
فإن قلت: بأن هذا التسخير لم يتعيّن، فلعلّ المراد الإشارة إلى أثر الشمس والقمر في النبات والأجسام ونحو ذلك.
قلنا: يكفي وجود إطلاق لها في تأثيرها في معرفة القبلة، وليس لها عنها انصراف.
فإن قلت: إنَّ صِدق التسخير في الجملة كافٍ في صِدق مضمون الآية الكريمة.
قلنا: نعم، إلا أنه لا ينافي الإطلاق بأنها سخّرت لكلّ منافعها؛ باعتبار حذف المتعلّق، ومنها التعرّف على القبلة.
مناقشة الفرق بين الكوكب والنجم
وبهذه الآيات نستغني عن إدراج الشمس ضمن النجوم لتدخل في الآيات السابقة؛ فإنها خلاف الفهم العرفي، وإن كانت بالدقّة منها.
فإن قيل: إن اصطلاح النجم مقابل الكوكب اصطلاح جديد، لا يحمل عليه النصّ القديم، فتكون الشمس من النجوم.
ــــــ[105]ـــــــ
(1) سورة إبراهيم، الآية: 33.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
قلنا: نعم، هو اصطلاح جديد، إلا أنه يؤيّد كون الشمس ليس نجماً؛ لأنها كذلك بالفهم العرفي.
وفي الواقع: أن الشمس والنجوم تُعرف بها الجهات الأربع أو الثماني، وعن طريق معرفة الجهات تعرف الطرق في البرّ والبحر، وهذا بنفسه سبب معرفة القبلة.
فإن قلت: إن ذلك لا يكون إلا أن يعرف الفرد نسبة المنطقة التي هو فيها إلى القبلة.
قلنا: نعم، ولكن ذلك لازم في معرفة الطريق أيضاً.
ومعه تمّت دلالة الآيات الكريمات بالإطلاق على جواز الاستدلال بالنجوم على القبلة.
فإن قلت: إن معنى حجّيتها جواز العمل بها، وإن لم يحصل العلم.
قلنا: نعم لو كان النصّ وارداً بخصوص القبلة، ولكن الأمر ليس كذلك، ومن الأكيد في الأمور الأخرى أن العرفي لا يعمل بها إلا إذا حصل له الاطمئنان، فكذلك الحال في القبلة.
[مناقشة الآية: وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره]
وقد يستدل بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾(1).
بتقريب: أنه لا بد عرفاً في البعد من علامة، وأوضح العلامات هي النجوم، وخاصّة بعد ضمّ الآيات الأخرى كقرينة إليها.
وجوابه: أنه مع ضمّ الآيات الأخرى يرجع هذا الوجه إلى الوجود السابقة؛ لإمكان الاكتفاء بتلك الآيات كدليل على المطلوب.
مضافاً إلى أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون قرينة متّصلة على بعضه ــــــ[106]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية:144.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
البعض. وأما القرينة المنفصلة فلا تنفع هنا؛ لأنها ترد بعد انعقاد الظهور، والمفروض أنه غير تامّ في نفسه، وإلا لما احتاج إلى ضمّ تلك الآيات.
مضافاً إلى أن المراد هل هو: الاستدلال على شطر المسجد الحرام بالنجوم أو بالأعمّ؟ ولا شكّ أن النجوم غير مذكورة، كما أن الأعمّ غير مذكور، وإنما المهمّ فيها هو الاستقبال، أو قل: إحراز الجهة بأيّ سبب حصل.
فإن قلت: فإن معناها وجود الاطلاق لأيّ علامة بما فيها النجوم.
قلنا: هذا لو كان في مقام بيان إثبات القبلة والدلالة عليها، ولكن التعرّض في الآية لخصوص مقام الثبوت.
[الاستدلال بالسنة الشريفة]
وأما الاستدلال بالروايات على علامة القبلة فهي على طوائف:
[الطائفة الاولى: علامية الجدي على القبلة
الطائفة الأولى أخبار علامية الجدي على القبلة.
وهي أربع روايات مرويّة في الباب الخامس من(الوسائل)(1)، وكلّها ضعيفة السند، إلا أنها على القاعدة، وخاصّةً بعد دلالة القرآن الكريم على جوازه، وخاصّةً مع حصول العلم العرفي به.
فإن قلت: إن النجوم عموماً والجدي خصوصاً لا تُحصّل القبلة الدقّية، فإن كانت هذه الروايات صحيحة السند كفى، وإلا فلا.
قلنا: إننا استفدنا من الأدلّة السابقة جهة القبلة ونفي الدقّة، مضافاً إلى الاستفادة من القرآن باعتبار أمارية النجوم.
فإن قلت: فإنها يجب أن تحصّل الاطمئنان بالقبلة.
قلنا: نعم ولا أقلّ أنه هو الأحوط بعد إمكان المناقشة بها سنداً ودلالةً، إلا أن الاطمئنان يتعلّق بجهة القبلة لا بالقبلة الدقّية.
ــــــ[107]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 306، باب 5من أبواب القبلة، ح1 و2و3و4.
بيان الفقه، محمد الصدر
تصحيح روايات الجدي
وهناك وجوه لأجل إثبات حجّية روايات الجدي:
منها: عمل المشهور بها.
جوابه: أنه وإن كان محرزاً صغرى، إلا أنه قابل للمناقشة كبرى.
ومنها: ما ذكرناه من أنها على القاعدة؛ لأن العُرف يعمل بها.
جوابه: نعم، لكنّه يكون هو الحجّة، ويكفي عن أيّ دليل آخر من آية أو رواية، وضمّه إلى الروايات لا يجعلها حجّة.
[الطائفة الثانية: أخبار التياسر]
وهي ثلاث روايات كلّها ضعيفة السند، مرويّة في الباب الرابع(1)، وهي أيضاً مخدوشة دلالةً [لوجهين]:
الوجه الأول: أنها لم تُعيّن المكان الذي يجب أن يحصل فيه التياسر، مع أننا نعلم أن عدداً من بقاع العالم يكون الاتّجاه إلى القبلة فيها مستقيماً، تارةً إلى الجنوب، وأخرى إلى الشمال، وثالثةً إلى الشرق وهكذا. وهل هذا التياسر المطلوب يكون في بلد السائل أو بلد الإمام أو كليهما؟ فهي مجملة من هذه الناحية.
الوجه الثاني: أنها محتوية على مضامين مجهولة عرفاً، لا يعرفها إلا أهلها، ومعه تكون قرينة متّصلة على إجمال الرواية كلّها؛ لأن النتيجة تتبع أخسّ المقدّمات، والمتّصل يحتمل القرينية، بل والمتّصل بالقرينة المجملة يحتمل أيضاً، ونحن نحتمل قرينية هذه الأمور على النتيجة، فتكون النتيجة مجهولة عرفاً.
فإن قلت: فإننا نطبّق هنا كبرى أخرى ثابتة في علم الأصول، وهي أن سقوط بعض الدلالة عن الحجّية لا يقتضي سقوط الجميع، بل تبقى حجّة
ــــــ[108]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 305، باب 4 من أبواب القبلة، ح1 و2و3.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
بحجّية السند، فهنا يمكن طرح الكلام غير العرفي، والأخذ بالمضمون الباقي، وهو التياسر في القبلة.
قلنا: تلك الكبرى صحيحة في ما لا يكون بعضه قرينةً على البعض، أو يحتمل قرينيته، وأما مع وجود ذلك -كما في مورد الكلام- فلا انطباق لتلك الكبرى.
إجمال ثبوت أهمّية الجدي
وينبغي الالتفات إلى أن أهمّية الجدي هل تثبت بهذه الأدلة؟
أما الكتاب فهو فرع أن يكون الألف واللام عهدية لا جنسية في قوله: ﴿بِالنَّجْمِ﴾، ويمكن أن يتعارض ظهور اللام بالجنس مع ظهور النجم بالمفرد، ولا يبعد أن يكون التقدّم للمتقدّم لفظاً وهو اللام؛ لأنه بمنزلة المتقدّم وإن كان متّصلاً، كما أنه يمكن القول: إنه متقدّم رتبةً في الكلام، فلا يكون المقصود هو الجدي، ولا أقلّ من التعارض بنحو القرينة المتّصلة والإجمال.
وأما تفسيره في السنة بذلك فلا يكفي؛ لأنها روايات ضعيفة، ومن هنا لا يتمّ الاستدلال بها مستقلّةً أيضاً، كما لا يثبت بأنه نجم لا يزول وعليه بناء الكعبة.
ولو كانت تامّة سنداً لم يبقَ له دلالةً على المورد بعد بيان الكبرى، وهي ثابتة؛ لأنه عندئذٍ يعمّ كلّ نجم ثابت، بل لكلّ نجم له ثبوت نسبي، أعني: موعد محدّد في السنة.
نعم هو-أعني الجدي- أكثر النجوم ثباتاً إلى الأرض، لا أن هذا مربوط بخلقة الله تعالى، ولا يزيد في الدلالة على القبلة على غيره من الثوابت.
[الاستدلال بالسيرة]
إلا أنه يمكن إثباته بالسيرة الممضاة قطعاً؛ لعدم ورود النهي، بل ورود ــــــ[109]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الإمضاء في الجملة بهذه الأدلّة ونحوها، والقرآن الكريم ذكر النجم ولم يذكر طريقة الاستفادة منه، فهو تحويل على السيرة مباشرةً، فضلاً عن أن يكون إمضاءً لها.
[مستويات السيرة]
والسيرة هنا لها عدّة مستويات:
أولاً: أنها تنظر نسبة النجوم إلى الزمان، أعني: أيام السنة.
ثانياً: أنها تنظر النجوم ونسبتها إلى المكان، أعني: المنطقة التي يكون فيها الفرد من الأرض.
ثالثاً: أنها لا تعمل ولا تُرتّب الأثر إلا بعد حصول الوثوق.
رابعاً: أنها لا تحتاج إلى استعمال أجهزةٍ دقيقةٍ أصلاً؛ فإن السيرة المُعترف بها شرعاً كانت خالية من ذلك، ومن هنا لا يجب استعمال مثل تلك الأجهزة، ولكنه يجوز بطبيعة الحال.
[استعمال الأجهزة الحديثة والفرق بينهما وبين العين المجرّدة]
كما أنه قد يُستفاد منها؛ من حيث إنها تُبيّن خطاء العين المجرّدة أحياناً، كما أنه من الممكن القول: إنه لا يجوز الاعتماد عليها في استخدام النجوم غير المرئية بالعين المجرّدة وإن كانت ثابتة؛ لأنها تحتاج إلى نحو من التجريد عن الخصوصية يكاد يكون متعذّراً؛ لأن ظاهر الكتاب والسنة قابل لشيء من المناقشة، والسيرة لُبّية لا يمكن تجريدها عن الخصوصية، وهي لا تشمل بمدلولها المباشر النجوم غير المرئية.
ومنها تنطلق إلى علامية الشرق والغرب، أو الشمس والقمر؛ فإن الشرق والغرب مربوط بالشمس والقمر والنجوم، وهي منصوصة في القرآن الكريم والسنة، وموجودة في السيرة.
[الفرق بين الدائب والثابت]
وقوله تعالى: (دَائِبَيْنِ) أي: يُشرقان ويُغربان، وهي تحتاج فقط إلى ــــــ[110]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
معرفة نسبة البلاد إلى الهدف الذي هو القبلة في بحثنا، مضافاً إلى معرفة محلّ الشرق والغرب، ولا يكفي أن نلتفت إلى وجود الشمس في كبد السماء فقط مع جهلنا بباقي التفاصيل، وهي لا تحتاج إلى معرفة أيام السنة حسب فهمي.
[مناقشة الشهيد الثاني]
وقد أشار الشهيد الثاني: أن المراد من الشرق والغرب الاعتداليان(1)، وأما إذا أُريد مطلقهما فيزداد الأمر سوءاً.
ويمكن جوابه على مراحل:
أولاً: أن علامية الشرق والغرب بالدلالة المطابقية إنما هو وارد في لسان الفقهاء لا في لسان الدليل، فازدياد الأمر سوءاً غير مهمّ، إلا أن يكون منصوصاً في لسان الدليل، وهو مفقود.
فإن قلت: إننا ذكرنا ذلك قبل قليل.
قلنا: كان ذلك نحواً من التمسّك بالإطلاق، لا بالدلالة المطابقية.
ثانياً: إننا نعمل على علامية الشرق والغرب بمقدار ما أقرّها القرآن الكريم، ونأخذ بنتائجها، ولا يكون فيها ما هو أسوأ، كما يقول.
ثالثاً: إننا عرفنا من الأدلّة السابقة أن المطلوب شرعاً هو جهة القبلة لا الدقّة فيها، وهذا معناه: أنه يكفي للانطباق حتى على مطلق المشرقين والمغربين؛ لأن اتّخاذهما من موقع المصلّي لا يلزم منه الزيادة على مقدار الجهة.
فإن قلت: إن الشروق والغروب ينشآن من دوران الأرض حول نفسها، وهو أمر غير محسوس وغير عرفي، فكيف يكون علامة؟
قلنا: إن ما هو العلامة هو معلوله، وهو الشرق والغرب الحسّي أو العرفي، وهذا يكفي.
ــــــ[111]ـــــــ
(1) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية1: 507.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وأما جهتا الشمال والجنوب فيمكن الاستدلال على علاميّتهما للقبلة بعدّة طرق:
أولاً: على القاعدة لكلّ ما يكون سبباً للعلم العرفي بالقبلة.
ثانياً: النصّ على النجوم في القرآن الكريم، ومنها الجدي الذي هو في جهة الشمال.
ثالثاً: التمسّك بروايات الجدي-بنفس التقريب- على تقدير تمامية السند.
فإن قلت: إن هذا خاصّ بالشمال، فكيف نفهم جهة الجنوب؟
قلنا: إنه إذا ثبت أحدهما ثبت الآخر بعدّة طرق:
[منها]: إما بالتجريد عن الخصوصية؛ من حيث إن علامية الشمال لا دخل لها بالخصوص، بل يمكن أن نفهم منها مطلق الجهة الشاملة للجنوب.
[ومنها]: أن نلتفت إلى التقابل بينهما عرفاً وعقلاً، فتكون صفة أو نتيجة أحدهما مقابلة للأخرى.
[ومنها]: وإما للتوصيل بين كِلتا الجهتين؛ من حيث إنهما يمثّلان خطّاً واحداً -أعني: الشمال والجنوب- بخطٍّ واحد مستمرّ وهمي عرفي، كما أن الشرق والغرب يمثلان خطاً واحداً.
فإن قلت: إنه غير عرفي.
قلنا: كلا، فإن خطّ دائرة نصف النهار -وهي مقاطعة مع دائرة سير النجوم من الشرق إلى الغرب- يرسم كلاهما أو مجموعهما صليباً سماوياً عرفياً.
فإن قلت: إن التعرف على الجهات لا يكون عادةً وعرفاً إلا في النهار مع
ــــــ[112]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وجود الشمس.
قلنا: كلا، فإنه يوجد في الليل مسير القمر وشروقه وغروبه، وإن كان يمكن التشكيك في كون شروق النجوم وغروبها غير عرفية.
فإن قلت: إن مشرق القمر ومغربه غير مشرق الشمس ومغربها، فيزداد الأمر سوءاً، على تعبير الشهيد الثاني.
قلنا: نعم، إلا أننا لا نريد الدقّة، بل يكفي التعرّف على الجهة.
[علامية الشمس]
بقيت الإشارة في الشمس -أعني: في علاميتها للقبلة- إلى نقطتين:
النقطة الأولى: ما ذكروا من علاميتها عند الزوال من حيث وضعها على الحاجب الأيسر أو وراء الظهر(1)، وهو من مستحدثات الفقهاء، ولا يوجد له في الروايات أثر، إلا ما قد يقال من قياسه على ما ورد من الجدي، بعد التجريد عن الخصوصية، إلا أنه ضعيف السند.
إلا أنه -مع ذلك- على القاعدة، بعد الاستفادة من القرآن الكريم والسيرة الممضاة.
إلا أن طريقة استخدامها تختلف -لا محالة- باختلاف الزمان وهي الفصول، وباختلاف المكان وهو نسبة المكان إلى الشمس وإلى الكعبة، فلا يتعيّن دائماً وضعها فوق الحاجب الأيسر إلا في العراق وما والاها، بل يمكن التجريد عن الخصوصية لكلّ أسلوب آخر يمكن استخدامه بهذا الصدد.
النقطة الثانية: أن مكّة المكرّمة ينعدم فيها الظلّ يومين في السنة، وذلك عند الزوال من منطقتها، فإذا علمنا ذَينك اليومين أمكن التوجّه إلى قرص الشمس وجعله بين العينين؛ فإنه يكون توجّهاً إلى مكّة، ومن ثمّ إلى الكعبة.
ــــــ[113]ـــــــ
(1) انظر: جواهر الكلام7: 367.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وإذا أردنا الدقّة لزمنا معرفة اليوم ومعرفة حصول الزوال أو لحظة حصوله وانعدام الظلّ فعلاً في مكّة المكرّمة نفسها.
إلا أنه يمكن أن يقال: إن ذلك غير لازم. نعم، هو لازم للدقّة، ولكنّنا لا نتوخّى الدقّة، ففي الإمكان استخدام اليومين السابقين على ذلك اليوم أو اللاحقين له، كما يمكن سبق الزوال ولحوقه بقليل، بحيث يصدق عرفاً أن الزوال متحقّق في مكّة.
وهذه علامة تعمّ كلّ المناطق التي يُرى فيها قرص الشمس في تلك الساعة، بل حتى البلد الذي يكون وراء الأفق قليلاً، شرقاً وغرباً، فإذا تمّت تعيّن المنطقة، أما المناطق التي تكون في ليل دامس فلا يمكن فيها ذلك.
[علامية القبور والمساجد والمسالخ والمذابح]
أما علامية القبلة بالقبور والمساجد والمسالخ والمذابح فهو يحتوي على عدّة مستويات:
[المستوى الأول: فعل المعصومين ]
المستوى الأول ما فعله المعصومون(عم) من ذلك من المساجد والمحاريب وغيرها، بعد إحراز السند والتطبيق، ويكفي الإقرار منهم(عم)، فيكون قطعي النتيجة.
أما لو احتملنا الخلاف: إما لاحتمال ضعف السند، أو شككنا في التطبيق: كما لو لم نعرف اتّجاه وضع الميت في داخل قبره ما هو، أو قلنا: إنه لم يثبت أن المعصوم يجب أن يدفنه معصوم بالضرورة، فيكون الدافن غير معصوم، ولو احتمالاً، أو نقول: إن المعصوم لا يستعمل علم الغيب في العلوم الشرعية الظاهرية ولو احتمالاً، إلا أنه شهادةً منه بالصحّة ولو تنزيلاً، وهذا يكفي.
ــــــ[114]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وهذا هو المستوى الوحيد الذي أشار إليه في (الوسائل)(1)، وهو غالباً يكون بمنزلة الرواية المعتبرة لا أكثر.
[المستوى الثان: تسالم أهل البلد مع المناقشة]
القبلة التي تسالم على صحّتها أهل البلد في جميع أعمالهم.
وهناك عدّة أدلّة لإثبات حجّيتها.
أولاً: حصول الاطمئنان الشخصي بالقبلة للزائر مثلاً؛ باعتبار أن الدوام على ذلك جيلاً بعد جيل بدون نكير ولا منبّه يُرجّح الصحّة بلا إشكال، ويبعد احتمال الخطأ.
غير أن هذا الأمر يختلف في البلدان، فإن كان مستواهم الديني أو الثقافي متدنياً لم يحصل الاطمئنان، ولم تحصل الجهة.
ثانياً: حصول التواتر أو الاستفاضة؛ لأنه بمنزلة إخبار كلّ أهل البلد له؛ فإنك لو سألتهم جميعاً لأخبروا بنفس النتيجة قطعاً.
وإشكاله: أن هذا يكون مع عدم احتمال نكتة واحدة تكون سبباً للتواتر، كتعليم شخص لأهل البلد وهو غير ثقة ونحو ذلك، فيجب النظر إلى حجّية تلك النكتة المشتركة، فإن لم تكن حجّة لم يكون التواتر المعلول لها حجّة.
ثالثاً: إخبار أهل الخبرة؛ لأنه في البلد إجمالاً من هو كذلك، والمفروض أن كل أهل البلد يُخبرون بنفس النتيجة.
إلا أن أهل الخبرة في القبلة هم المختصّون بالجغرافية والفقه معاً، وهذا يختلف في البلدان، كما يُشترط فيهم العدالة والتعدّد، فإذا كانوا معلومين في البلد إجمالاً لا تفصيلاً لم يمكن إحراز ذلك.
ــــــ[115]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 309، باب 6 من أبواب القبلة، ح5.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
رابعاً: إخبار ذي اليد، مع كونهم جميعاً مخبرين بالقبلة.
فإن قلت: فإن يد أهل المدينة ليست على مدينتهم إلا مجازاً.
قلنا: نعم، إلا أن لكلّ واحدٍ يداً على جزءٍ منها، وهذا يكفي، لأن إخباره فيما يخصّه حجّة، فتكون مجموع الإخبارات حجّة.
وإشكاله: أن هذا فرع أن يكون إخبار ذي اليد عن القبلة حجّة، وبه قال المشهور.
وتقريب الحجية: أن قول ذي اليد في بعض صفات العين حجّة بلا إشكال، كالطهارة والملكية، فنجرّد عن الخصوصية لكلّ صفة للعين المملوكة أو التي تحت اليد، ومن صفات العين قبلتها، فتكون صغرى من إخبار ذي اليد.
إلا أن هذا مخدوش كبرى وصغرى:
أما كبرى فلاحتمال الفرق بين الصفات، فيتعذّر التعميم لكلّ الصفات. فمثلاً هل يقول المشهور بحجّية خبر صاحب اليد في اللون والحجم ونحوها؟
ولكن لا يبعد القول بالحجّية بكلّ الصفات ذات الأثر الشرعي، كالوزن والعدد ونحوهما، وجهة القبلة منها، فيكون حجّة.
وأما المناقشة صغرى، فلِما ذكره في (المستمسك)(1) من: أن القبلة صفة للمكان عموماً أو للأفق لا الدار.
إلا أن هذا قابل للمناقشة عرفاً؛ لأن القبلة صفة للمكان صغيراً كان أو كبيراً، ونسبة المكان الكبير والصغير إلى القبلة واحدة مع البعد.
وفيه إشكالات أخرى حول ما إذا كان الإخبار بالقبلة هو إخبار
ــــــ[116]ـــــــ
(1) راجع مستمسك العروة الوثقى 5: 189.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
لصاحب اليد من نواحٍ أخرى:
منها: أن إخبار صاحب اليد عن القبلة يحتاج أن يكون سيرة مُقرّة من قبل المعصومين(عم) ليكون حجّة، وهذا في نفسه غير معلوم الحصول خارجاً أو قليل الحصول، فكيف نعرف كونه سيرة مُقرّة من قبلهم (ع)؟
إلا أن هذا مطعون كبرى وصغرى:
أما كبرى: فلكفاية إقرار السيرة بإخبار ذي اليد عموماً، وتكون صغرى محرزة عرفاً للمكلّف، وهذا يكفي.
وأما صغرى: فإننا لو تعبّدنا بعنوان الإخبار لكان في الإمكان المناقشة في حصوله، إلا أنه يمكن التعميم إلى الإخبار بلسان الحال ولسان المقال والإشارة ونحوها، ولا شكّ أن هذا المجموع حاصل في زمن المعصومين (ع)، حتى من قبل المعصومين (ع) في بيوتهم، بلا إشكال.
ومنها: أن القدر المتيقّن من حجّية إخبار ذي اليد هو الإخبار الحسّي، وأما الإخبار الحدسي فلا يكون حجّة بلا إشكال، والإخبار بالقبلة حدسي بلا إشكال.
وجوابه: الطعن بالكبرى والصغرى معاً؛ فإن المهمّ هو الإخبار بالقناعة الكاملة، بغضّ النظر عن كونه حسّياً أو حدسياً، ولذا قد يكون الإخبار عن الطهارة والملكية أيضاً حدسياً، مع العلم أنه إنما -يكون- حجّة ما دام له أثر شرعي وبقناعة كاملة للشاهد.
خامساً: من أدلّة حجّية قبلة البلد: حجّيتها من باب الفحص، بعد العلم بأن هذه الأمور وأمثالها تثبت بعد الفحص.
وإشكاله: أن هذا راجع إلى بذل الوسع في الفحص، ولا شكّ في عدمه ــــــ[117]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
غالباً.
وهذا صحيح كبروياً، إلا أنه مطعون صغرى؛ لإمكان القول: بأن بذل الوسع في كلّ مكان أو في كلّ شيء بحسبه، فإن كانت القبلة واضحة في البلد لم يحتج إلى بذل وسعٍ كثير، بخلاف ما إذا كانت خافية فيه، وهكذا.
سادساً: أننا لو تنزّلنا عن كلّ المستويات السابقة وزعمنا عدم حجّيتها، فسوف نكون جاهلين بالقبلة، ولا يمكن تعيينها بحجّة شرعية، فينتقل الحال إلى حجّية الظنّ بالقبلة، أو كفاية كونها ما بين المشرق والمغرب للجاهل، ولا شكّ أنه يحصل ذلك صغروياً -بمعنى عدم الزائد- بإخبار أهل البلد أو ذي اليد. وسيأتي الكلام عن الكبرى.
[المستوى الثالث: مرافق البلد مع المناقشة]
المستوى الثالث -لمعرفة قبلة البلد- النظر إلى المرافق العامّة الموجودة فيه كمسجد أو مذبح أو مغتسل أو مرافق عامّة أو مصلّى أو مقبرة عامّة ونحو ذلك، والمفروض أن المصلّي لا يرى أحداً من أهل البلد ولا يسأله مباشرة وحقيقة، وإلا دخل في المستوى السابق، وإنما فقط يرى هذا المرفق العامّ.
ففي الحقيقة، أنه يرجع إلى حجّية فعل الفاعلين والمؤسّسين لهذه المرافق العامّة، ومن الممكن القول: إن الفعل كالقول في صدق الشهادة، كما لو رأيت أحداً يُصلّي أو يذبح، فهو يشهد بالقبلة بفعله، فكذلك [حينما] يأتي المحراب أو غيره [فإنه] يشهد بالقبلة عملياً.
ومعه فإن كان الفعل منسوباً إلى شخصٍ واحد يقيناً أو احتمالاً -كالمسجد المبني على طريق سفر أو في صحراء- لم يكن حجّة، ما لم يرجع إلى إخبار الثقة أو إخبار ذي اليد.
وإذا كان الفعل متعدّداً -فكأنه صادر من متعدّدين- كوجود عدد من ــــــ[118]ـــــــ
بيان الفقه، محمد الصدر
المصلّين أو وجود قبور متعدّدة، ارتفع هذا الإشكال، كما يمكن أن تتوخّى إقرار أهل البلد لقبلة المسجد وعدم وجود نكير لها.
لكن هذا يدخل في المستوى الديني والثقافي للبلد لا محالة، فلا تكون القاعدة عامّة لكلّ بلد على الإطلاق.
[المستوى الرابع: اخبار ذي اليد مع المناقشة]
إخبار ذي اليد عن البلد عموماً، وقد سبق بعض الكلام فيه، ولا إشكال أنه لا يفرق فيه بين المملوك وغيره، ولا بين المغصوب وغيره، ولا بين أن يكون ذي اليد عادلاً أم لا، غير أن الإشكال فيه صغروي، وهو كون يد أهل البلد عموماً على البلد عموماً، فإنه غير عرفي بل هو مجازي بلا شكّ.
[المستوى الخامس: البوصلة مع المناقشة]
البوصلة من حيث حجّيتها على الدلالة على القبلة، وهي نوعان أو أكثر:
النوع الأول: النوع الذي يقتصر على المؤشّر المغناطيسي، وهو إنما يشير إلى القطب المغناطيسي، وليس إلى القطب الجغرافي الشمالي، ولا إلى الكعبة الشريفة.
ففي المناطق التي تكون القبلة أو الكعبة في الخطّ المتّصل إلى الشمال أو إلى الجنوب أو قريباً منه، بحيث تصدق جهة القبلة، جاز استعمالها، أعني: استعمال هذه البوصلة كعلامة على القبلة، وإلا فلا.
ومعه لا بد من معرفة نسبة البلد إلى مكّة المكرمة، وإذا ما شككنا في ذلك -إما جهلاً أو نسياناً، إما كبروياً أو صغروياً- فلا تكون هذه البوصلة حجّة؛ لأنه لا بد من إحراز شرط العلامة بحجّة شرعية أو علّة، وكلاهما لم يحصل على الفرض، ومقتضى القاعدة بقاء اشتغال الذمّة بعد مثل هذا الامتثال المشكوك.
ــــــ[119]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
فالمهمّ في هذه البوصلة، هو حصول الاطمئنان بالقبلة.
النوع الثاني: البوصلة التي تحتوي على رسومات أو أرقام لتعيين القبلة، ولا يكون العقرب المؤشّر مؤشراً على القبلة مباشرةً.
وهذا راجع إلى شهادة صانعها أو مهندسها بأن اتّجاه القبلة هو هذا، فتحتاج إلى دليلٍ على حجّيتها، وهو ممكن بأحد أمور: إما باعتباره من قول أهل الخبرة، أو باعتباره من قول الثقة وهو حجّة في الشبهات الموضوعية، أو باعتبار حصول الاطمئنان الشخصي به.
إن قلت: إن خبر الثقة حجّة في الشبهات الموضوعية فيما إذا كان إخباره عن حسّ أو قريباً من الحسّ، وأما اذا كان عن حدس فلا، والصغرى من هذا القبيل؛ فإن جهة الكعبة غير محسوسة بلا إشكال وإنما تشخيصها حدسي لا أكثر، فلا يكون قوله حجّة، ولا يبعد أن يكون نفس القيد موجوداً في قول أهل الخبرة.
قلنا: هو من النوع القريب من الحسّ، فيكون حجّة، وهذا ثابت بفهم العرف وبفهم العلم الطبيعي المعاصر بلا إشكال، وليس حدسياً صِرفاً كما هو واضح.
وهناك إشكال آخر على حجية البوصلة، وهو أن صانعها كافرٌ أو فاسق، فلا يكون قوله حجّة؛ لاشتراط الإسلام والوثاقة، إن لم يكن العدالة، ولا أقلّ من الاحتمال؛ لأنه لا بد من إحراز الموضوع دائماً، وفي القرآن الكريم يقول: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾(1) فضلاً عن أن يكون كافراً.
وهذا يمكن جوابه على عدة مستويات:
ــــــ[120]ـــــــ
(1) سورة الحجرات، الآية:6.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الأول: أن بعض أنواع البوصلات متّصفةٌ فعلاً بهذا الشرط، ولا أقلّ أننا نفرض في موضوع المسألة ذلك، ونقبل بعدم حجّية الباقي.
الثاني: أن نتمسّك بمثل قوله(عم): “خذوا ما رووا، وذروا ما رأوا”(1) لأجل حجّية أمثال هذه الموارد؛ من حيث أنها بمنزلة الرواية عن الواقع ويراد بالرأي: العقيدة، فتكون بمنزلة المقيّدة للآية الكريمة، بأن يكون الفاسق غير ثقة، فإن كان ثقة جاز العمل على استنتاجاته.
إلا أن من الواضح أن موضوعه هو الثقة، فيحتاج إلى إحراز الوثاقة، وليس في الكافر والفاسق وثاقة في الغالب.
وأفضل جواب على ذلك: أن أمثال هذه الآلات إن كانت لمجرّد التصدير إلى الشعوب المستضعفة أو احتمال ذلك، فإنها لا تكون حجّة، ولكن إذا أحرزنا أنهم فعلاً يستعملونها لمصالحهم ومجتمعاتهم، فلا يحتمل أنهم يقصّرون في ذلك تجاه أنفسهم، فيحصل الاطمئنان بصحّة النتيجة.
إلا أن هذا مما ينبغي أن يكون محرز الصغرى، وإلا رجع الحال إلى عدم الحجّية.
فإن قلت: فإن قوله (ع): “خذوا ما رووا” خاصّ بالشبهات الحكمية، ولا يعمّ الشبهات الموضوعية.
قلنا: نعم، يحتاج التعميم إلى نحو من التجريد عن الخصوصية، وهو غير بعيد، بل أولى بالعمل والحجّية؛ لكونها أهون بالذوق المتشرّعي من الشبهات الحكمية.
وكذلك يحتاج إلى نحو من التجريد عن الخصوصية، ممّا هو منقول عن
ــــــ[121]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة27: 102، باب 8 من أبواب كتاب القضاء، ح79.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
المعصومين (ع) الذي هو مورد الرواية، إلى ما منقول عن غيرهم، كما هو مورد الحديث.
وكذا نحو ذلك من الخبر الحسّي الذي هو مورد النصّ إلى الخبر غير الحسّي الذي هو الكلام، أو نقول: إن هذا الشرط خاصّ بخبر الثقة لا بقول أهل الخبرة، وموردنا من قول أهل الخبرة لا من خبر الثقة.
وكذلك نحو من التجريد من المسلم الفاسق الذي هو مورد النصّ، إلى الكافر الذي هو مورد الحاجة أو الكلام، كما في الصناعات اليابانية وغيرها.
[المستوى السادس: قول المجتهد في تعيين القبلة]
حياً كان المجتهد أم ميتاً، كالاعتماد على كلام الشهيد الثاني في (اللمعة) ونحو ذلك.
وإشكاله: إن كانت هذه الشبهة حكمية وكلامه فيها بنحو الفتوى، فيُشترط فيها أن يكون جامعاً لشرائط التقليد بما فيها الحياة، وإن كانت شبهة موضوعية، فالاجتهاد لا دخل له في حجّية إخباره بها.
وجوابه: أننا نفترض أنها بنحو الشبهة الموضوعية لا الحكمية، ومع ذلك يمكن الأخذ بمثل هذه الموارد؛ لأن قول المجتهد يكون بمنزلة أهل الخبرة أو الثقة في الشبهات الموضوعية، فيكون معتبراً، ولا يجب أن يكون جامعاً لشرائط التقليد؛ فإن ذلك شرط في الشبهات الحكمية فقط.
ومن هنا يتّضح إمكان الأخذ بقوله حياً كان أم ميتاً، ولا تشمله مسألة عدم جواز تقليد الميت ابتداءً؛ لأن ذلك أيضاً في الشبهات الحكمية لا الموضوعية.
إلا أنه في الحقيقة يكون موضوع الحجّية هو الوثاقة، ولا دخل للاجتهاد فيها، فينسدُّ هذا المستوى السادس.
ــــــ[122]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
[مناقشة استحباب التياسر]
ثمّ قال المحقق الحلي(قدس): (ويستحبّ لهم التياسر إلى يسار المصلي منهم قليلاً)(1).
أقول: يعني أهل العراق. ونتكلّم في ذلك أولاً موضوعاً، ثمّ محمولاً.
[من ناحية الموضوع]
أما من ناحية الموضوع فالتياسر غير صحيح في العراق قطعاً، وإنما قبلته إلى الجنوب مع التيامن، وأما التياسر فهو مبعّد عن القبلة أكيداً، ولكن -مع ذلك- يمكن حمل كلام المحقّق على عدّة معانٍ:
أولاً: تقريب الجهة اليسرى للإنسان إلى اليمين.
ثانياً: التياسر عن شدّة التيامن الذي كانت عليه المحاريب في العراق.
ثالثاً: التياسر في غير العراق كلبنان وفلسطين.
رابعاً: تقريب التياسر إلى خطّ القبلة وإبعاد اليمين.
خامساً: التياسر عمّا كنت تعتقد من القبلة.
سادساً: الاتّجاه إلى يسار المصلّي هو الأقرب إلى عبارته، فإن كان مصلّياً واحداً اتّجه إلى يسار نفسه، وإن كان متعدّداً اتّجه كلٌّ منهم إلى يسار الآخر.
وعلى العموم فإن الأمر بالتياسر في العراق غير صحيح قطعاً؛ فإنه ينتج الاتّجاه إلى حضر موت أو عمان ونحوها، وإنما نتوجّه إلى مكة في العراق مع شيء من التيامن قليلا كان أم كثيراً؛ فإن بلدانه مختلفة في مقدار زاوية الانحراف.
[من ناحية المحمول]
وأما الكلام عن المحمول في التياسر فأول إشكال فيه: أنه لا معنى للاستحباب في القبلة؛ لأن التياسر إما عن القبلة، أو إلى القبلة، يعني: أن يكون مُبعّداً عنها أو مقرّباً لها، فالأول حرام، والثاني واجب، ولا مورد
ــــــ[123]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام1: 52.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
للاستحباب.
وجوابه: أن هذا إنما يتمّ في وجوب القبلة الدقّية، ولم نقل به، كما لم يقل به المشهور، وأما في جهة القبلة فإن المسالة تكون استحبابية، بمعنى: أن التدقيق حينئذٍ استحبابي وأحوط استحباباً، وهذا معنى جواب أحد عظماء السلف(1): (من القبلة إلى القبلة)؛ فإن هذا المعنى مستحيل في الدقّية لا في الجهة، أو مع القول بالجهة يمكن أن يكون كِلا الاتّجاهين مجزياً، وتكون الدقّة أفضل.
[مناقشة أخبار التياسر]
وأما الأخبار الآمرة بالتياسر أو الدالّة عليه فهي خبران في الباب الرابع من أبواب القبلة(2)، وكِلاهما مطعون سنداً ودلالةً -وقد سبق بعض الحديث عنه-:
أولاً: إنه لم يقل التياسر في العراق أو في أيّ منطقة.
ثانيا: إنه لم ينسبه إلى شيء يكون هو في يساره، كالتياسر عن الجنوب مثلاً، مع أنه لا يصدق التياسر والتيامن إلا بلحاظ شيء آخر لا محالة.
ثالثاً: إننا في الرواية الأولى لم نعرف أن الراوي عراقي؛ لأنها مرفوعة.
رابعاً: ورد في الرواية الثانية قوله: (عن القبلة)، ولم يقل إلى القبلة، وهو ممّا لا محصّل له، أو على الأقلّ أنه تعبير غير عرفي.
خامساً: إن الجواب لا يتحصّل منه الجواز أو الوجوب، بل يحتوي على إقرار في الانحراف عن القبلة الدقّية، وهو يعني جواز الجهة.
سادساً: إنه لا ظهور لها في أن التحريف الذي حصل عن القبلة كان بإقرار المعصومين (ع)، وإنما هو منسوب إلى (أصحابنا) فقط.
ــــــ[124]ـــــــ
(1) المقصود به هو المحقق الحلي، انظر شرح اللمعة1: 74.
(2) وسائل الشيعة4: 305، باب من أبواب القبلة، ح1 و2.
بيان الفقه، محمد الصدر
وفي (الفقه الرضوي)(1) -على ما روي عنه-: “سعة الحرم إلى اليسار أكثر منه إلى اليمين، فلزم التياسر”.
أقول: وبه تفسير الرواية الثانية في الباب التي تقول: “إن أنصاب الحرم إلى اليسار أكثر”.
جواب ذلك:
أولاً: أن (الفقه الرضوي) ضعيف السند.
ثانياً: أن هذا الكلام مبني على أن الحرم قبلة، وهو غير صحيح.
ثالثاً: أنه مبني على أن شكل الحرم غير دائري، وهذا على خلاف ما حققناه في موضوع آخر.
رابعاً: أن حمل (أنصاب الحرم) على سعة الحرم نفسه من جهة اليسار خلاف الظاهر، فلا يصحّ أن تكون مفسّرة لها، فتبقى مجملة.
خامساً: أن سعة الحرم إلى اليسار لا ينتج وجوب التياسر، بل غاية الدلالة على الجواز، فإنه كما يُقال عادة بالجهة إلى الكعبة الشريفة، يُقال أيضاً بالجهة إلى الحرم لو قلنا به.
[مناقشة الشيخ في النهاية]
وقال الشيخ في (النهاية): (ومن توجّه إلى القبلة من أهل العراق والمشرق قاطبة، فعليه أن يتياسر قليلاً؛ ليكون متوجّهاً إلى الحرم، بذلك جاء الأثر عنهم(عم))(2).
إلا أنه لا يتمّ على الإطلاق؛ لأن أهل المشرق منهم من لا يجب عليه التياسر، ومنهم من يجب عليه التيامن، ومنهم من يجب عليه التياسر كثيراً وهكذا؛
ــــــ[125]ـــــــ
(1) فقه الرضا: 98، باب الأذان والإقامة.
(2) النهاية:63، باب معرفة القبلة وأحكامها.
بيان الفقه، محمد الصدر
لأنه يتحدّث عن منطقة كبيرة جداً، وهي مختلفة نسبتها إلى مكّة قطعاً.
ثمّ قال المحقق الحلي(قدس): (مع وجود العلم يعوّل على العلم)(1).
لأنه بكل مراتبه حجّة عقلاً وشرعاً وعرفاً، ولا إشكال في ذلك.
وقد حذف متعلّق العلم، ولم يقل: العلم بجهة الكعبة، بما يعطي ضرورة العلم بالكعبة الدقّية، مع أن الواجب ليس أكثر من ذلك حتى مع العلم.
وأما إذا لم يوجد العلم (عوِّل على الأمارات المفيدة للظن)(2)
وهذا له عدّة تفسيرات:
الأول: العمل بالأمارات التي سبق ذكرها؛ باعتبارها غير مفيدة للعلم.
جوابه: أنها مفيدة للعلم، لكن لا بالقبلة الدقّية بل بالجهة.
الثاني: العمل بالأمارات الدالّة على تلك الأمارات، كالاستدلال على جهة الشرق والغرب بالظلال أو بالبوصلة.
جوابه: أنها أيضاً بذلك المعنى أمارات قطعية.
الثالث: العمل بالأمارات الظنّية على تلك الأمارات، كالاستدلال بوجود الضوء في الأفق على كونه شرقاً أو غرباً، وينتج ظنّاً أو رجحاناً لا يقيناً.
الرابع: أن يكون مراده القبلة الدقّية، فتكون تلك الأمارات دالّة عليها ظنّاً.
وهذا مما لا نقبله كبرى ولا صغرى؛ لأنا قلنا بكفاية الجهة، كما إن من تلك الأمارات ما يدلّ على بعض الدقّة إن لم يكن على جميعها، ولو أراد ــــــ[126]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام1: 52، بشيء من التصرف (منه(قدس)).
(2) شرائع الإسلام1: 52.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الشارع المقدّس الدقّة لما وضع تلك الأمارات.
على أنها معتبرة لو استعملت لغرضها الشرعي، وهو التعرّف على الجهة، وأما اعتبارها لو استعملت كأمارة على الدقّة فهو مما لم يثبته، وإن كان هو غاية ما يستطيع أن يقوله كلّ من يذهب إلى وجوب القبلة الدقّية.
الخامس: أن يكون مراده هو جواز العمل بالظنّ مطلقاً مهما كان منشؤه، ما دام يعطي الظنّ الراجح، وإن لم يصل إلى درجة العلم العرفي، فضلاً عن العلم الحقيقي.
إلا أن الكلام في حجّية مثل هذا الظنّ في تعيين القبلة، إلا أن يراد به حجّية الظنّ الانسدادي، كما هو مفروضه من تعذّر العلم. إلا أن الواقع أنه مع تعذّر العلم يجب العمل بالأمارات، فإن تعذّر ذلك وصلت النوبة إلى الظنّ الانسدادي ولم يذكر الأمارات، ولا يحتمل أن يقصد من العلم ما يعمّها.
[مناقشة الشيخ الهمداني]
بقيت صغرى للأمارات تعرّض لها الشيخ الهمداني حيث قال: (من الامارات المفيدة للظنّ القمر في ليلة السابع: حيث يكون إلى قبلة العراق عند الغرب، وليلة الرابع عشر عند منتصف الليل، وليلة الحادي والعشرين عند الفجر، وكل ذلك تقريبي لا يستمرّ على وجه واحد، فمعرفة القبلة به ظنّي)(1).
ثمّ رجّح أنه موجب للعلم، وأن تغيّراته ليست أكثر من تغيّرات سائر العلامات والنجوم. فإن كان المراد وجود العلم العرفي بالجهة فهو صحيح بكلّ تأكيد، وقد علمنا من بعض أهل العرف أنه يعلم عدد أيام الشهر من هذه الحركة القمرية، كما يعرف العكس، وهو القبلة مع معرفة
ــــــ[127]ـــــــ
¬(1) راجع مصباح الفقيه10: 54 – 57.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
أيام الشهر.
[مناقشة حجّية الظن على القبلة]
وقد أفتى المحقّق الحلي -كما سمعنا- بحجّية الظنّ بالقبلة(1)، ولعلّ مراده الأعمّ من الظنّ المعتبر، وهذا ما يحتاج إلى دليل بغضّ النظر عن رجوعه إلى الظنّ الانسدادي، مع وجود الإشكال فيه أيضاً؛ من حيث ثبوت حجّيته في الشبهات الحكمية دون الموضوعية، فيبقى اعتبارها في الموضوعية، خلاف الأصل، فيجب الاحتياط ما لم ترفع الشبهة الموضوعية إلى الحكمية بلحاظ الحكم الجزئي المتعلّق بها، على أن يراد من الحكمية الأعمّ من الحكم الكلي والجزئي، كما هو غير بعيد.
وبغضّ النظر عن ذلك، يحتاج المورد إلى دليل يخصّه، ويمكن الاستدلال ببعض التقريبات في هذا الصدد:
[التقريب الأول: التمسّك بصحيحة زرارة]
قال: “قال ابو جعفر (ع): يجزي التحرّي أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة”(2).
بتقريب: ان هذا التحري لا يمكن أن ينتج إلا الظنّ العرفي، وأحياناً الظنّ الضعيف في ظرف الجهل المطلق المفروض في المسالة.
إن قلت: أنه يعارضه ما دلّ على وجوب الصلاة إلى أربع جهات.
قلنا:
أولاً: إنه ضعيف السند فلا يعارض ما هو معتبر.
ثانياً: إنها -أعني: الصلاة إلى أربع جهات- صلاة رجائية، ومن هذه الناحية تكون مخالفة للاحتياط، ولا تنتج اليقين بالبراءة.
ثالثاً: إن موضوعها هو المتحيّر، وهو مطلق من حيث كونه قد تحرّى أم
ــــــ[128]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام1: 52.
(1) وسائل الشيعة4: 307، باب 6 من أبواب القبلة، ح1.
بيان الفقه، محمد الصدر
لا، ومعناه: أنه بقي متحيّراً حتى بعد التحرّي أو أنه لا يستطيع التحرّي.
رابعاً: يمكن القول: أن من تحرّى وبقي متحيّراً كمن لم يتحرَّ عرفاً، إلا أنه لم يفعل شيئاً عرفاً.
خامساً: لا معنى لإجراء التحرّي بمجرّده مع عدم إفادته الظنّ؛ لوضوح كونه طريقياً عرفاً، وعندئذٍ لا معنى لتعمّد القبلة، فالرواية كالنصّ في انتاج الظنّ.
سادساً: إنهما لو تعارضا وتساقطا، سقط وجوب التحرّي ووجوب الصلاة إلى أربع جهات، وتبقى شرطية القبلة مع سعة الوقت، وهي تحرز بالصلاة إلى ثلاث جهات، ويبقى العمل بالأربع احتياطاً استحبابياً.
سابعاً: إنه بعد التعارض نقدّم ما وافق الكتاب. بأحد شكلين:
الأول: قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ﴾(1) وهو موافق لإطلاقات روايات التحرّي لصورة بقاء التحيّر، فيصلّي متوجّهاً حيث شاء.
الثاني: قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾(2) وهو أوفق بالصلاة إلى أربع جهات؛ لأنها تنتج ذلك.
ثامناً: الجمع بينهما بأن تكون الصلاة إلى أربع جهات مختصّة بسعة الوقت، والأخرى بضيقه؛ لأننا نعلم بعدم جواز الأخذ بالمواسعة في الصلاة حيث شاء.
وبتعبير آخر: آن الآية ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ مخصّصة لآية ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾، فيكون الموافق لها من السُنّة أخصّ أو أولى بالتقديم، إلا أنه غير تامّ سنداً، ففي
ــــــ[129]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 115.
(2) سورة البقرة، الآية: 144.
بيان الفقه، محمد الصدر
سعة الوقت تجزي الجهات الثلاث فقط.
[التقريب الثاني: أرجحية الظنّ عقلاً وعقلائياً]
التقريب الثاني حجّية الظنّ: أن العمل على الظنّ هو الفرد الأرجح عقلاً وعقلائياً، أما عقلاً فلأنه أفضل مما دونه بلا إشكال، وأما ما فوقه فمتعذّر على المفروض.
وأما عقلائياً، فلأن العقلاء يعملون بالظنّ مع انسداد ما فوقه، وهي سيرة لم يرد عليها نهي.
إلا أن يقال: إن ما دلّ على وجوب الصلاة إلى أربع جهات مخصّص لدليل العقل بضيق الوقت، وناهٍ عن السيرة إلا في ضيق الوقت أيضاً.
فإن قلت: إنها ضعيفة السند كما عرفنا.
قلنا: نعم، لكنّنا نتمسّك بدليل شرطية القبلة ما لم يسقط، وهو لا يسقط إلا مع ضيق الوقت.
فإن قلت: (لا تعاد)(1) لا تشمل صورة الاضطرار، وإن شملت صورة الجهل، مع العلم أن المتحيّر مضطرّ وليس بجاهل.
قلنا: لا اضطرار في سعة الوقت مع إمكان بذل الوسع، إلا أن يعلم الفرد استيعاب التحيّر للوقت كلّه.
وعلى أي حال فالرواية بالقبلة في (لا تعاد) إما القبلة في الجملة أو القبلة الواقعية أو القبلة الاحتياطية، ولا تشمل القبلة المظنونة، بما هي كذلك.
[التقريب الثالث: دليل الانسداد الشرعي دون العقلائي]
التقريب الثالث حجّية الظنّ بالقبلة: دليل الانسداد الشرعي -لو صحّ التعبير- دون الانسداد العقلائي، فإن الظنّ في طول الانسداد يكون حجّة على كل حال.
ــــــ[130]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 312، باب9 من أبواب القبلة، ح1.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
فإن قلت -كما سبق-: إنه خاصّ بالأحكام، ولا يشمل الموضوعات، وموردنا من الموضوعات لا من الأحكام.
قلنا: إن كلّ موضوع له حكم جزئي، فيكون صغرى فيه.
وإن قلت: إن الموضوع هو المنسدّ دون الحكم؛ لفرض انفتاح الحكم.
قلنا: جوابه على نحوين:
الأول: أن المراد: الحكم المنسدّ موضوعه، فيصدق حقيقة أنه منسدّ.
الثاني: تعميم المحمول في دليل الانسداد إلى الموضوعات بالتجريد عن الخصوصية.
وكلا النحوين غير تامّ؛ لأن التجريد عن الخصوصية إنما يكون بفهم عقلائي لكلام معيّن لا لحكم العقل، ودليل الانسداد عقلي لا لفظي، فيتعذّر تجريده عن الخصوصية، وإنما يعود تشخيص حدوده إلى العقل نفسه.
ومن الواضح أن ما يفرض انسداده في دليل الانسداد هو التشريع أو الحكم لا الموضوعات، والشارع بصفته شارعاً ليس مرجعاً في الموضوعات، إذن فدليل الانسداد لا يشمل الموضوعات ولا الحكم المنسدّ موضوعه؛ لأن مرجعه إلى انسداد موضوع، ولا يحكم فيه الفهم العرفي؛ لأنه دليل عقلي.
نعم، الانسداد في الموضوع ينتج الحكم العقلائي بحجّية الظنّ المطلق-كما قلنا- لا الحكم الشرعي بالحجية المستنتج من دليل الانسداد، وذلك الحكم العقلائي ممضى شرعاً؛ لعدم ورود النهي عنه.
ولكن هل تشمل حجّية الظنّ بالقبلة غير الصلاة: كالذبح والدفن أم لا؟
جوابه: أن دليل حجّية الظنّ يختلف، فإن كان هو حجّيته العقلائية أو
ــــــ[131]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الانسداد شمل ذلك كلّه، وإن كان هو الروايات لم يشملها؛ لأن الروايات خاصّة بالصلاة.
فإن قلت: فإنه يقول: “اجتهد رايك، وتعمّد القبلة جهدك”(1) وليس فيه عنوان الصلاة، فيشمل سواها.
قلنا: لا شكّ أن موردها الصلاة في نفسها، يعني: تعمّد القبلة جهدك وصلِّ إليها، وإنما لا بد في فهم الشمول إلى نحو من التجريد عن الخصوصية بأحد أنحاء:
الأول: أن المهمّ في الروايات هو عنوان القبلة، وهو لا يختلف في سائر تلك الحصص.
الثاني: أن الصلاة أهمّ شرعاً من سائر الموارد؛ لأنها عمود الدين، فإذا كان الظنّ مجزياً في الأهمّ كان مجزياً في غيره بالأولوية، ولا أقلّ من المماثلة.
الثالث: أن بعض الروايات لها إطلاق لفظي يشمل سائر الموارد، كقوله في صحيحة زرارة: “يجزي التحرّي أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة”(2)، وكذا روايات علامية الجدي(3)، وكذلك بعض روايات التياسر(4)، وكذلك بعض الباب السادس(5) في (الوسائل) الخاصّ بوجوب الفحص.
لا يقال: إن لفظ (وجه) في قوله: (ما لم يعلم أين وجه القبلة) خاصّ
ــــــ[132]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 308، باب 6 من أبواب القبلة، ح2.
(2) وسائل الشيعة4: 307، باب6 من أبواب القبلة، ح2.
(3) وسائل الشيعة4: 306- 307، باب5 من أبواب القبلة.
(4) وسائل الشيعة4: 305، باب4 من أبواب القبلة.
(5) وسائل الشيعة4: 306- 307، باب6 من أبواب القبلة.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
بالصلاة؛ لأن الاتّجاه يكون فيها.
لأنه يقال: إن كلّ الموارد فيها اتّجاه، وقد عبّر في الصحيحة بوجه القبلة لا بوجه الصلاة، فيكون شاملاً لغيرها.
وكذا يمكن ايجاد نحو من التجريد عن الخصوصية في روايات الصلاة على أبي قبيس لو تمّت سنداً، سواء فهمنا منها الارتفاع الحكمي للكعبة أم الخطّ المائل، فلو ذبح أو دفن على جبل أبي قبيس أو أمثاله كان مشمولاً لحكمه أيضاً.
تبقى فروق أخرى بين الصلاة وغيرها؛ فإن انكشاف الخلاف ثبوتاً ممكن، دون انكشافه إثباتاً، بخلاف غيرها؛ فإنه ممكن ثبوتاً وإثباتاً، فإن انكشف الخلاف فهل يجب التدارك أو الاحتياط؟
أما بالنسبة إلى الدفن فيقع التزاحم بين حرمة النبش وحرمة استمرار عدم التوجّه إلى القبلة، فيقدّم الأهمّ منهما في نظر الشارع.
والذي نعلمه من ذوق الشارع أنه مع وجود الاستدبار عرفاً يجب النبش، بخلاف ما لو كان إلى أحد الطرفين أو اكثر من الشرق أو الغرب؛ للفرق بين حرمة النبش وعدم حرمة تكرار الصلاة، فتكون الصلاة قابلة للتدارك دون الدفن.
وفي صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) ، قال: “كان البراء بن معرور الأنصاري بالمدينة، وكان رسول الله (ص) بمكّة، وأنه حضره الموت، وكان رسول الله (ص) والمسلمون يصلّون إلى بيت المقدس، فأوصى البراء أن يجعل وجهه إلى تلقاء النبي (ص) إلى القبلة، وأنه أوصى بثلث ماله، فجرت به السنة”(1).
ــــــ[135]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة3: 230، باب 61 من أبواب الدفن وما يناسبه، ح1.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وتوجيهه إلى تلقاء النبي (ص) يعني توجيهاً إلى مكّة، وهي القبلة.
وهي واردة في مورد العلم، ولا إطلاق لها لصورة الجهل.
وكذا الإجماع على وجوب التوجّه إلى القبلة، فإنه ليس مدركياً؛ لأنه أقوى وأعمّ من مداركه، ولكنّه لُبّي، فيختصّ بصورة العلم، وتخرج فيه صورة الجهل.
وأما الذبح ففيه مطلقات لوجوب الاستقبال، وفيه مقيّدات بخصوص العلم، فتخرج صورة الجهل والنسيان ونحوها، وكلا الطائفتين معتبرتان.
كمعتبرة محمد بن مسلم قال: “سالت أبا جعفر (ع) عن رجل ذبح ذبيحة فجهل أن يوجّهها إلى القبلة، قال: كُلْ منها”(1).
وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: “سئل عن الذبيحة تذبح لغير القبلة، فقال: لا بأس إذا لم يتعمد”(2).
وصحيحة محمد بن مسلم قال: “سالت أبا عبد الله (ع) عن ذبيحة ذبحت لغير القبلة، فقال: كُلْ، ولا بأس بذلك ما لم يتعمّده”(3).
إذن، فالتوجيه إلى القبلة في الذبح شرط ذكري، فإذا كان جاهلاً بالواقع، واعتمد على الظنّ، صحّ، ولم يكن قابلاً لانكشاف الخلاف، وإطلاقه شامل حتى للاستدبار.
وكذلك لو كان متحيّراً في القبلة، إلا إنه عندئذٍ لم يتعمّد الانحراف عن
ــــــ[134]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة24: 27، باب 14 من أبواب الذبائح، ح2.
(2) المصدر السابق: ح3.
(3) المصدر السابق: ح4.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
القبلة، والنصّ يقول: “ما لم يتعمّد”.
وكذلك إذا لم يشترط الاستقبال في مذهبه، كما هو مشهور العامّة فإنه لا إطلاق في هذه الأخبار له، فيشمله أصالة عدم الشرطية. فتأمّل.
مضافاً إلى إمكان القول: إن الصلاة أهمّ من غيرها، فإذا لم يجب التوجّه فيها في صور التحيّر كان في غيرها أولى، ولا أقلّ من المماثلة.
فإن قلت: إن الصلاة يتصوّر فيها ضيق الوقت دون غيرها.
قلنا: يمكن تصوّر مثله في الذبح والدفن، فيما لو كان جسد الميت مشرفاً على الفساد أو كانت الذبيحة مشرفة على الموت، وكذا لو كان الفرد جائعاً مستعجلاً على الذبح أو مضطرّاً أو مكرها ونحو ذلك، ولكن الدليل أوسع من ذلك، وكذا حجّية الظنّ العقلية عند انسداد باب العلم.
وأما التخلّي فبعنوان: “لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها”(1)، وهو ظاهر بالعمد، والعمد يحصل مع العلم لا مع الجهل، ولم يؤخذ عنوان المقابلة الواقعية، والروايات فيها متظافرة، فلا نحتاج إلى النظر في السند، وكلّها بعنوان الاستقبال والاستدبار.
في تعارض الأمارات في الدلالة على القبلة
الجهل هو مورد حجّية الأمارات، وهو مورد التعارض أيضاً، وذلك مع عدم إمكان الاحتياط؛ إذ مع إمكانه لا مورد للتعارض.
والأمر هنا ثابت: سواء قلنا بالدقّة أم بالجهة، غاية الأمر أن درجة
ــــــ[135]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة1: 302، باب 2 من أبواب أحكام الخلوة، ح6.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الجهل تختلف، فقد يكون الجهل متعلّقاً بالقبلة الدقّية، مع الذهاب إلى وجوبها أو بالجهة، وهكذا.
كما أن الظنّ غير المعتبر هنا بمنزلة الجهل، وإن كان مقتضى الاحتياط ترجيح أرجح الظنون؛ فإن الظنّ المخالف للدليل المعتبر لا يسقطه عن الحجّية.
وتعارض الحجّتين يكون على أقسام؛ لأنهما إما أن تكونا حجّتين متشابهتين كالبيّنتين المتعارضتين أو لا، والتعارض إما أن يكون تكوينياً أو اعتبارياً أو كلاهما، والأغلب في الشكّ في الموضوعات هو التعارض التكويني، والأغلب في الشكّ في الأحكام هو التعارض الاعتباري.
وهل الظنّ المطلق بعد حصول بذل الوسع حجّة في مقابل غيره أم لا، بحيث ينتج إمكان وقوعه طرفاً للتعارض مع ظنون أخرى أم لا، وكذلك كونه طرفاً للتعارض مع ظنّ مطلق آخر؟
والروايات وردت في حجّية الظنّ عند عدم إمكان غيره من الأمارات، فلا يشمل صورة وجود الغير، والأصل عدم الحجّية مع الشكّ فيها، فيكون مقتضى القاعدة تقديم الظنّ الآخر، أو السبب الآخر للظنّ: كالبيّنة، فضلاً عمّا لو أوجبت فعلاً تغيًر الظنّ لدى المكلّف.
فما ذكره المحقّق من تقديم الظنّ الأرجح مبني على عدم حجّية خبر الثقة الواحد في الموضوعات، فيكون كلاهما ظنّاً مطلقاً، فيجب الأخذ بالأرجح؛ لأنه الأولى عقلاً وعقلائياً، وتنطبق عليه كلّ الأدلّة السابقة، وأولى منه ما إذا لم يكن المخبر ثقة. نعم، قد يكون الظنّ الناتج من الخبر هو الأرجح.
وأما إذا قلنا بحجّية خبر الثقة في الموضوعات، فإنه يكون حاكماً على
ــــــ[136]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الظنّ المطلق الحاصل بعد الفحص؛ لأن حجّية الأخير -كما عرفنا- مقيّدة في دليله بعدم حجّية أخرى.
وأما إذا حصل الوثوق بالقبلة أو الاطمئنان وعارضه خبر ثقة أو غير ثقة، فإن لم يكن ثقة كان ما هو الحجة متقدّماً، وهو الاطمئنان، ما لم يتغيّر الوجدان تكوينياً، وإن كان المخبر ثقة، فإن زال بخبره الاطمئنان تكويناً قدّم بلا إشكال، وإن لم يزل كان من تعارض الوثوق الشخصي مع الوثوق النوعي، وكلاهما حجّة، ولم يشترط أحدهما بعدم وجود الآخر. ولا يبعد تقديم الوثوق الشخصي؛ من حيث إن دليله السيرة ونحوها، وهو دليل لبّي يقتصر فيه على القدر المتيقّن، وهو غير هذه الصورة.
وكذا إذا تعارض الخبران أو البيّنتان أخذ بأرجحهما في الظنّ؛ لأن الظنّ الأضعف لا يعتدّ به مع وجود الأقوى، على أنه يمكن القول: بأن رجحان الظنّ يكون دليلاً في صالح أحدهما، فكأنه يكون من أحد الطرفين دليلان، وهما متقدّمان على الدليل الواحد، فتأمّل.
وإذا تعارض الأقوى نوعاً مع الأضعف نوعاً ولم يكن الوجدان مرجّحاً لأحدهما فعلاً: كالبيّنة وخبر الثقة، فمقتضى القاعدة الأولية وإن كان هو التساقط، والمفروض عدم وجود مرجّح وجداني لأحدهما، ولا مزية زائدة، إلا أنه لا يبعد تقديم الظنّ الأقوى وإن كان نوعياً، ولو باعتبار احتمال أن يكون حجّية الضعيف أخذ فيها عقلائياً عدم وجود الأقوى، ومنه التعارض بين التكوين والبيّنة، كما لو تعارضت أمارية الجدي أو الشمس عند الزوال وأضرابهما مع البيّنة أو خبر الواحد الثقة.
فإن كان المورد ثابتاً بالإطلاق -يعني خارجاً عن القدر المتيقّن من
ــــــ[137]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
دليله- أخذ بالبيّنة، بالرغم من أن مقتضى القاعدة هو التساقط، إلا أنه من المعلوم أن هذا أقوى في نظر الشارع ولو إثباتاً، فيؤخذ به، كما لا يبعد انصراف دليل (التكوين) عن صورة وجود المانع أو المقتضي المعاكس، واختصاصه بصورة التحيّر، وهو منتفٍ مع وجود البيّنة.
وإن كان المورد ثابتاً بالدليل نفسه لا بالإطلاق -كالنصّ على الجدي- كان أولى من البيّنة؛ لأن احتمال صدق البيّنة ضعيف عندئذٍ، إلا أن النصّ على الجدي كلّه ضعيف السند، فيكون مقتضى القاعدة هنا أنه إذا بقي الشكّ بعد الفحص عن الجدي ونحوه أخذ بالبيّنة، وإلا أخذ بالعلامة؛ لفرض حصول الاطمئنان بكذب البينّة ومثلها، بل أولى منها خبر الواحد الثقة الحجّة في الموضوعات.
ومثلها إذا عارض (التكوين) صلاة أهل المدينة أو المنطقة؛ لأنهم لا يتبعون علامة النجم ونحوه، فيوجد احتمال توهمّ أو انتساب خطئهم إلى نكتة مشتركة، ومن الصعب أن يحصل الاطمئنان فضلاً عن العلم ضدّ علامية النجوم مع كونها جامعة للشرائط. نعم، إذا حصل ذلك عمل به.
ومع تقديم أحد البيّنتين أو الدليلين يصلّي إلى جهتها، ولا يجب عليه أن يحتاط بالصلاة إلى جهة أخرى، وإن كان أحوط استحباباً؛ إحرازاً للاحتياط الكامل. نعم، بعد التساقط تجب الصلاة إليهما معاً.
[اذا اجتهد فأخبره غيره بخلاف اجتهاده]
ومما قلناه ظهر الكلام في قول المحقّق الحلي: (وإذا اجتهد فأخبره غيره بخلاف اجتهاده)(1).
أقول: فإنه يكون من الظنّين النوعيين المتعارضين، إلا إذا كان قد حصل باجتهاده على ظنّ شخصي، فهل يقدّم ما عليه الظنّ الشخصي أو أن يقال: إن
ــــــ[138]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام1: 52.
بيان الفقه، محمد الصدر
هذا التقييد على خلاف إطلاق أدلّة الحجّية في الطرفين فيتساقطان.
وإن كان كلا الدليلين قد أحدث ظنّاً عنده فيكون من تعارض الظنّين الشخصيين، وهو لا يخلو من بعد؛ لتأثير أحدهما ضدّ الآخر وجداناً، ولا أقلّ من زوالهما معاً.
وعلى أي حال فلا شكّ من لزوم تقديم الأرجح في الظنّ، لأن الآخر الأضعف سيكون ملغى تكوينياً أو تشريعياً. نعم، لو تساوى الظنّان وجب الاحتياط.
في حجية خبر الكافر
فإن كان ثقة أو كان خبيراً عمل به؛ لعموم أدلّة حجّية خبر الثقة وخبر أهل الخبرة، بغضّ النظر عن معتقده، ولا أقلّ من أنه يكون مشمولاً لقوله (ع): “خذوا ما رووا، وذروا ما رأوا”(1).
فإن عارضه خبر الثقة المسلم -والمفروض أن كليهما ثقة وغير خبير أو كلاهما- قدّم خبر المسلم، إلا إذا كان في الكافر مزية، كما لو كان خبيراً وثقة ولم يكن المسلم خبيراً أو لم يكن ثقة.
ولو تعارض خبر الثقة مع خبر الخبير قدّم خبر الثقة؛ لفرض أن الخبير غير ثقة، وإلا قدّم الخبير؛ لكونه حائزاً على كلتا المزيتين دون الآخر.
ولو تعارض خبر الكافر الثقة أو الخبير مع (التكوين) -يعني: الأدلّة التكوينية على القبلة- تبع ذلك بعد تأكّد الفرد من الفحص، وإن كان فحصه تامّاً تعارض حتى مع (البيّنة) على تقدير تمامية إسناده، وإلا قدّم الآخر.
ــــــ[139]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة27: 102، باب 8 من كتاب القضاء، ح79.
بيان الفقه، محمد الصدر
والأعمى يمتنع عليه الفحص التكويني، ولكنّه يسمع الإخبار بالقبلة، وتلمّس القبور والمحاريب، فهو يعوّل في ذلك على غيره على أي حال، ويطبّق ما هو المعتبر مما توصل إليه من اطمئنان أو غيره.
والأصم يعوّل على غيره بالإشارة؛ لأنها نحو من الإخبار، وتوجب لهم الاطمئنان بالمعنى، ويطبّق ما هو المعتبر مما توصّل إليه.
فقول المصنف: (إنه إن كان ذلك المخبر أوثق في نفسه عوّل عليه)(2)، يعني: من اجتهاده وإخبار الآخر ، إنما يصدق فيما إذا شكّ في مقدّمات اجتهاده، وإلا فمقتضى القاعدة التساقط؛ لغرض تمامية دليل الحجّتين.”
اللهم إلا أنه بعد التعارض يعود العمل بالظنّ؛ لأنه ظنّ انسدادي، فيعمل على أرجح الظنّين.
وجوب تحصيل القبلة مع فقدان العلم والظنّ
وكون الروايات بوجوب الصلاة إلى أربع جهات، ذكرها في (الوسائل) في الباب الثامن(2) من أبواب القبلة ضعيفة، فيكون مقتضى القاعدة الأولية هو التخيير في الصلاة إلى الجهات حتى مع سعة الوقت، أو قل: إن المطلوب صلاة واحدة بأي اتّجاه كان، وذلك مع الالتفات إلى أن الجزم بالنية غير ممكن مع التعدّد، فيكون التعدّد موافقاً للاحتياط باعتبار شرطية القبلة، ومخالفاً له باعتبار شرطية الجزم، ولا دليل على لزوم الاحتياط من جهة إذا خالفه من جهة أخرى.
ــــــ[140]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام1: 52.
(2) وسائل الشيعة4: 310، باب 8 من أبواب القبلة.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
إلا أن نتمسّك بدليل (لا تعاد) على وجود التعدّد والتكرار لإحراز القبلة، وهي إحدى الخمسة المذكورة في الصحيحة، ولم يرد في الجزم بالنيّة دليل من هذا القبيل، فيكون الاحتياط في القبلة أولى.
[مناقشة التخيير بالقبلة]
ولكن يمكن المناقشة في ذلك بأكثر من وجه واحد:
أولاً: أن (لا تعاد) في صدد بيان الإعادة كما هو نصّها، وليست في مقام بيان حكم الصلاة لأول مرة.
ثانياً: أن الفرد إذا صلّى إلى إحدى الجهات تخييراً -في مورد المسالة- فقد صلّى إلى القبلة المعتبرة في حقّه، والمفروض أنه لم يثبت الخلاف، فلا يكون مشمولاً للصحيحة.
إذن فالفتوى بوجوب التعدد متعذّر. نعم، يبقى الاحتياط قائماً، خاصّة ونحن نقول بأن قصد الرجاء غير منافٍ مع الواقع، فلا يكون منافياً مع الاحتياط بهذا المعنى، فيكون الاحتياط من جهة القبلة هو الأولى.
والدليل المحتمل على التخيير في القبلة -لو تمّ- أخذنا به، وإلا صرنا إلى أصالة الاشتغال ووجوب الاحتياط، وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ﴾(1). وهو دالّ بوضوح على المطلوب، غاية الأمر أنه مقيّد بدليل لبّي بخصوص صورة انسداد باب العلم والعلمي الذي هو محلّ الكلام، وهو ينفي وجوب التكرار، وهي آية لا سياق لها في آيات القرآن، ليكون ما قبلها وما بعد مرتبطاً بها أو قرينة عليها.
إلا أن ذلك قابل للمناقشة[من وجوه]:
أولاً: أنه من الممكن حمله على أمر معنوي غير حكمي، فقوله: ﴿فَأَيْنَمَا
ــــــ[141]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية: 115.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ﴾ يشير إلى صحة اتّجاهات عديدة من صور التكامل، وأن كلّها تؤدّي إلى وجه الله سبحانه.
إلا أن هذه المناقشة ساقطة؛ لأنها من التأويل المخالف للظاهر.
ثانياً: أنه من الممكن القول: بإنه خاصّ بالأسفار على الطريقة المعاصرة لصدور النصّ، بقرينة ذكر المشرق والمغرب؛ فإنه يبدو في الصحراء أوضح عنه ما بين البيوت.
إلا أنه لا يتمّ؛ لانحفاظ المشرق والمغرب بدون السفر أكيداً.
ثالثاً: أنه يمكن أن يراد من الآية الكريمة جواز التوجّه إلى بيت الله في الصلاة.
إلا أن هذا لم يثبت، وإنما لا بد من القبلة مع الإمكان، ومع تعذّرها تسقط، ويكون التخيير عقلياً لا شرعياً.
إلا أن هذا يمكن جوابه: أنه على تقدير شمول إطلاقه للصلاة، فإنه يراد به كفاية ذلك، وهو المطلوب، مضافاً إلى تأييده بالأخبار وإن ضعفت، وبالارتكاز المتشرّعي.
والدليل الآخر على التخيير هو الإجماع، كما يمكن أن يستدلّ بالعقل، فإنه حاكم بالتخيير في طول العجز.
[القول بعدم التخيير ومناقشته]
وأما الأدلّة على عدم التخيير فهي عديدة:
[الاستدلال بآية: ليس البرّ أن تولوا وجوهكم]
فمن القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾(1) بعد التجريد لخصوصية المشرق والمغرب إلى أي جهة. إذن يكون الاتّجاه الذي اختاره ليس برّاً.
ــــــ[142]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية:177.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
جوابه:
أولاً: أن هذا يراد به الأمر المعنوي؛ بقرينة السياق الآتي في الآية نفسها.
ثانياً: أنه خاصّ بغير الصلاة؛ لأنه قال: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ﴾(1)، فتكون نصّاً بغيرها، في حين أن دلالة الآية الأخرى تشملها.
ثالثاً: أن يراد به ما ليس بقبلة أساساً، أو يكون التوجه إليه جزافاً.
[الاستدلال برواية (لا تعاد)]
والدليل الآخر على عدم التخيير من السُنّة الشريفة، وهي صحيحة “لا تعاد الصلاة إلا من خمسة”(1) وعدّ منها القبلة، وهذه ليست قبلة: إما بكونها ليست كذلك واقعاً، أو لأن القبلة لا تكون إلا تعيينية وليست اختيارية، وهذه اختيارية. إذن هي ليست قبلة بالحمل الشايع.
جوابه من وجوه:
أولاً: أنه يمكن إثبات الصغرى بالآية الكريمة: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ﴾(2)؛ إذ يكون قبلة اختيارية للصلاة.
ثانياً: استحالة تكليف العاجز، والرواية خاصّة بالقادر، فإن شملت العاجز كان معناه سقوط الوجوب عن الصلاة أصلاً عند العجز عن القبلة، وهو غير محتمل؛ لعدم سقوطها بحال، فتقيّد الرواية بصورة القدرة.
[الاستدلال بالرواية [الدالّة] على عدم وجوب الصلاة إلى أربع جهات]
والدليل الآخر على عدم التخيير: الروايات الدالّة على عدم وجوب الصلاة إلى أربع جهات، إلا أنها غير تامّة سنداً.
[أصالة الاحتياط والاشتغال]
والدليل الآخر عليه: أصالة الاشتغال والاحتياط، وأنه إذا صلّى إلى ــــــ[143]ـــــــ
(1) سورة البقرة، الآية:177.
(2) وسائل الشيعة4: 312، باب 9 من أبواب القبلة، ح1.
(3) سورة البقرة، الآية:115.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
جهة تخييراً، بقيت ذمّته مشغولة.
إلا أن هذا في طول عدم الدليل على التخيير بحيث يكون ما يختاره قبلة في حقّه، فإن ثبت بالآية أو غيرها ذلك، كان حاكماً ومتقدّماً على أصالة الاشتغال وقاطعاً لاستصحابه، وإن لم يثبت كان هو المحكم.
فإن صلّى في سعة الوقت اختياراً أجزأه إذا لم ينكشف الخلاف أصلاً، وكان قد نوى الرجاء، بل قد نقول: إنه لا حاجة إلى نية الرجاء بعد قيام الدليل على صحّة القبلة الاختيارية.
وأما إذا انكشف الخلاف في الوقت فيخرج عن موضوع الآية، فتجب الإعادة، وخاصّة مع الالتفات إلى صحيحة (لا تعاد)؛ فإنه لا يصدق أنه صلّى إلى القبلة، فتجب الإعادة.
لا يقال: إن (لا تعاد) خاّصة بمعرفة القبلة خلال الصلاة، فلا تجب الإعادة إذا عرفت بعدها؛ لأنه يقال: إنه منافٍ لمفهوم الإعادة المأخوذة في الرواية نفسها، ويكون الاحوط الإعادة، وإن كان لعدم وجوبها وجه؛ إذ لا دليل على وجوب المضايقة في كلّ شروط الصلاة، وإطلاق الآية ينفيه، والتجريد عن الخصوصية من الطهارة إليه (على اعتبار الدليل على وجوب المضايقة في الطهارة) مبني على عدم احتمال الفرق، مع أنه موجود، مضافاً إلى فقد الدليل المشار إليه في جانب الطهارة أيضاً.
إلا أنه يبقى الاحتياط بالإعادة قائماً على القاعدة، ولو باعتبار أن الصحيحة مقيّدة للآية الكريمة، فتأمّل.
وأما القضاء فهو بأمر جديد، فتجري عنه أصالة البراءة، إلا أن يراد بـ(لا تعاد) ما يعمّه، وهو بعيد عن اصطلاح المتشرعة.
وإن كان القضاء بنفس الأمر الأول شمله ما قلناه في الإعادة، فإن
ــــــ[144]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
أوجبناها أوجبناه، وإن نفيناها نفيناه، بل حتى لو قلنا بنفس الأمر وقد أخذ المكلّف بالمضايقة لم يجب القضاء والاحتياط فينتج؛ لعدم إمكان انكشاف الخلاف.
[استقبال المسافر القبلة]
[قال المحقّق الحلي]: والمسافر يجب عليه استقبال القبلة(1).
لعدم اختصاص القبلة بالحضر؛ وذلك لعدّة أدلّة:
الأول: قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾(2) وهو كالنصّ بالمطلوب.
الثاني: الإجماع، وهو يكاد أن يكون من الضروريات.
الثالث والرابع: السيرة المتشرعية والارتكاز المتشرعي، وهما لا شكّ [في دلالتهما] عليه.
الخامس: السُنّة الشريفة، وهي بألسنة عديدة:
منها: ما ورد بعنوان القبلة لأهل الدنيا أو الناس جميعاً، وهي عدّة روايات جمعها في (الوسائل) في الباب الثالث من أبواب القبلة(3).
والمراد منها السعة في المكان كما هو واضح، فيكون مطلقاً للحضر والسفر، إلا أنها جميعاً لا تخلو من الخدشة سنداً، إلا أن نفهم من تعدّدها أن لها نحواً من الاستفاضة.
ومنها: مرسلة الصدوق: قال: “قال رجل للصادق (ع): إني أكون في ــــــ[145]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام1: 52.
(2) سورة البقرة، الآية:144.
(3) وسائل الشيعة4: 303، باب3 من أبواب القبلة.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
السفر، ولا أهتدي إلى القبلة في الليل، فقال: أتعرف الكوكب الذي يقال له الجدي؟ قلت: نعم. قال: فاجعله على يمينك”(1).
والسؤال واضح بأن الارتكاز على وجوب الصلاة في السفر، وهو ممضى من قبل الإمام (ع) بوضوح؛ لأنه يعطيه طريقة الاستقبال في الصلاة، إلا أنها غير معتبرة سنداً.
وصحيحة زرارة، قال: “قال أبو جعفر (ع): يجزي التحرّي أبداً إذا لم يعلم أين وجه القبلة”(2).
ومعتبرة سماعة، قال: “سالته عن الصلاة بالليل والنهار إذا لم يرَ الشمس ولا القمر ولا النجوم، قال: اجتهد رأيك، وتعمّد القبلة جهدك”(3). ونحوه الخبر الذي بعده عن سماعة(4) أيضاً.
وهي مطلقة من حيث السفر والحضر، بل هي بصورة السفر أوضح؛ إذ لا يكون الاشتباه عادة في الحضر، بل كلّه أو الأعمّ الأغلب منه لا يكون إلا في السفر.
ومرسلة الصدوق، قال: “روي فيمن لا يهتدي إلى القبلة في مفازة أنه يصلي إلى أربعة جوانب”(5).
وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع): أنه قال: “يجزي المتحيّر
ــــــ[146]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 306، باب5 من أبواب القبلة، ح2.
(2) الاستبصار1: 295.
(3) وسائل الشيعة4: 308، باب 6 من أبواب القبلة، ح2.
(4) نفس المصدر: ح3.
(5) المصدر السابق4: 310، باب 8 من أبواب القبلة، ح1.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
أبداً أينما توجّه إذا لم يعلم أين وجه القبلة”(1).
الى روايات أخرى بنفس الباب، وتقريب الاستفادة منها نفس التقريب السابق.
وكذلك طائفة الأخبار الواردة عن الصلاة في السفينة، وهي كثيرة، جمعها في (الوسائل) في الباب الثالث عشر(2)، وهي واضحة أيضاً في ارتكاز الوجوب في السفر، وهو ارتكاز ممضى من قبل الإمام (ع) ، مع الالتفات إلى أن الكون في السفينة في الأعمّ الأغلب لا يكون إلا في سفر.
وجملة من هذه الروايات تنصّ على القبلة كقوله في صحيحة الحلبي: “يستقبل القبلة ويصفّ رجليه، فإذا دارت واستطاع أن يتوجّه إلى القبلة، وإلا فليصلِّ حيث توجّهت به”(3).
وهي واضحة في بيان الوظيفة مع القدرة ومع العجز معاً، وكلاهما في مورد السفر.
ومنها: معتبرة معاوية بن عمار، عن ابي عبد الله (ع) قال: “لا بأس بأن يصلّي الرجل صلاة الليل في السفر وهو يمشي، ولا بأس بأن فاتته صلاة الليل أن يقضيها في النهار وهو يمشي يتوجّه إلى القبلة، ثمّ يمشي ويقرأ، فإذا أراد أن يركع حوّل وجهه إلى القبلة وركع وسجد ثمّ مشى”(4).
وهي واضحة باشتراط القبلة الاختيارية ولو ارتكازاً، ومطلقة للحضر والسفر، بل يمكن القول: بأنها إلى السفر أقرب؛ لأن الحاجة إلى السفر أكثر.
ــــــ[147]ـــــــ
(1) المصدر السابق4: 311، باب 8 من أبواب القبلة، ح2.
(2) وسائل الشيعة4: 320، باب 13 من أبواب القبلة.
(3) وسائل الشيعة4: 320، باب13 من أبواب القبلة، ح1.
(4) وسائل الشيعة4: 334، باب 16 من أبواب القبلة، ح1.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
جعل الصلاة الاختيارية اضطرارية اختياراً مطلقاً
ونتكلّم في ذلك:
أولاً: على القاعدة.
وثانياً: على الأخبار.
[الكلام في القاعدة]
أما على القاعدة فوجهان:
الوجه الأول: المنع، وهو ناتج من التمسّك بإطلاق دليل الشرط لهذه الصورة، مع أن ما ليس بالاختيار يرجع إلى ما بالاختيار، فيكون مفوّتاً للشرط باختياره، فتبطل صلاته.
ويتأكّد هذا فيما إذا كان ذلك داخل الوقت، بل قد يقال بعدم جوازه حتى قبل الوقت؛ لأنه من قبيل المقدّمات المفوّتة على تقدير القول بوجوبها.
وجوابه: أننا قلنا في محلّها: إنه لا دليل على وجوب المقدمات المفوّتة إلا ما خرج بدليل، يعني: ما دلّ عليه الدليل بخصوصه: كالسفر للحجّ، فهي غير واجبة بعنوانها.
وعلى أي حال فتتأكّد الحرمة فيما لو كان التفويت لغرض غير عقلائي أو لمجرّد التشهي.
الوجه الثاني: الجواز؛ لأنه رفع للموضوع، فهو في طول عمله قد اختلف موضوع حكمه، فأصبح الشرط مرتفعاً عن ذمّته، فتصحّ صلاته.
فإن قلت: إن هذا يختلف حسب لسان الدليل من شموله للعاجز أو اختصاصه بالقادر، ومقتضى الإطلاق هو الأول.
قلنا: نعم، إلا أن هذا لا ينتج سقوط المشروط الذي هو الصلاة؛ لأنها لا تسقط بحال، والمفروض عجزه حين الامتثال عن الصلاة الاختيارية.
ــــــ[148]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
فإن قلت: هو ليس بعاجز عقلاً؛ لأن مقدّماته اختيارية.
قلنا: هذا يعود إلى الحكم التكليفي لا إلى الحكم الوضعي، ولو كان في غير الصلاة لكان مقتضى القاعدة هو السقوط أصلاً، فيكون مفوّتاً للواجب عمداً. أما الصلاة فمقتضى القاعدة هو البقاء على الوجوب، فيكون قد أسقط الشرطية اختياراً لا نفس الصلاة، يعني أنه يكون قد ألزم نفسه بالصلاة الاضطرارية، ومن غير المحتمل بقاء الشرط في طول عجزه ولو بالاختيار؛ لأنه ينتج وجوب إيجاد الشرط من العاجز، وهو محال، أو سقوط الوجوب المشروط -وهو وجوب الصلاة- وهو غير محتمل. إذن يتعيّن العمل بتكليفه الفعلي، وهو الإتيان بالصلاة الفاقدة للشرط.
وأما الكلام في الأخبار فليس هناك أي خبر ينهى عن السفر أو يأمر بالصلاة قبله، مع أن جميع الأخبار تجيز الصلاة في السفر بمختلف ألسنتها: كأخبار الجدي وأخبار الصلاة إلى الجهات الأربع وأخبار الصلاة في السفينة وأخبار الصلاة على الراحلة وغيرها.
ومقتضى إطلاقها شمولها لما إذا خرج إلى السفر قبل الوقت أو بعد الوقت وقبل إنجازه للصلاة، كما أن مقتضى الإطلاق عدم وجوب الذهاب إلى مكان تكون فيه الصلاة اختيارية، بل يجوز أن يصلّي حسب إمكانه في مكانه وزمانه.
فإن قلت: إنها ليست في مقام البيان من هذه الناحية، فلا يمكن التمسّك بإطلاقها؛ لأنها في مقام بيان أمور أخرى: كعلامات القبلة أو غيرها.
قلنا: نعم، إذا قصدنا الدلالة المطابقية، ولكن يحصل لها إطلاق مقامي أو التزامي؛ لأنه لو وجب ذلك لوجب على المعصوم (ع) التنبيه عليه، مع أنه
ــــــ[149]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
لم يقل أي شيء بهذا الصدد.
أو بتقريب آخر: أن ارتكاز السائل كان على الجواز بلا شكّ، وقد أقرّ في الجواب.
فإن قلت: لا دليل على أن ارتكاز السائل على ذلك إلا إذا كانوا يفعلون ولم يرد النهي، وإن لم يكونوا يفعلون فلا سيرة ولا ارتكاز.
قلنا: إن الأسفار القديمة بإشراف المكارين، وهم كانوا يراعون المصالح الشخصية الدنيوية، ولم يكن لهم ورع ديني لكي يراعوا أوقات الصلاة، ولم يرد نهي عن الخروج معهم متى أرادوا.
فإن قلت: فإن الناس لم يكونوا يواجهون مشكلة في الصلاة؛ لسهولة الصلاة الاختيارية على الفرد قبل السفر ومعه وبعده.
قلنا: هذا ليس دائمياً، وإلا لم ترد هذه الأسئلة في الروايات عن مختلف حالات الضرورة التي كانت تقع خلال الأسفار، مع أنها لم يرد فيها نهي عن السفر أصلاً.
والدليل الآخر المحتمل لجواز السفر بعد الوقت وقبل أداء الصلاة[هو] أصالة البراءة عن الحرمة، واستصحاب جواز السفر مما قبل دخول الوقت إلى ما بعده.
إلا أنه غير تامّ: أما الاستصحاب فباطل؛ لتغيّر الموضع قطعاً؛ لأنه كان يجوز له الخروج قبل الوقت بدون صلاة؛ لعدم فعلية وجوبها عندئذٍ، وليس كذلك بعد دخول الوقت. وأما استصحاب حكمه بعد دخوله فليس له يقين سابق.
وأما البراءة، فلا تجري؛ لكونها منقطعة بالوجوب الحاصل بدخول الوقت بالصلاة الاختيارية.
ــــــ[150]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
فإن قلت: إن تغيير الموضوع اختياراً جائز، كالسفر هرباً من الصوم أو تخلّصاً من الصلاة التمام، فليكن هذا منها.
قلنا: إن مقتضى القاعدة الأولية وإن كان ذلك، إلا أننا نعلم من ذوق الشارع أن تغيير الموضوع إلى الأفضل غير واجب جزماً، أما تغييره إلى الأدنى فحرام إلا الإفطار والتقصير. ولذا لا يجوز له أن ينجّس نفسه بشكل يعجز معه عن التطهير، أو أن ينقل وظيفته إلى التيمم بعد الوقت، وقد وردت في ذلك رواية صحيحة تمنع من ذلك إلا في حالة واحدة: “إلا أن يأتي أهله”(1).
وارتكاز السائل على أهمّية ذلك بالنسبة إلى الطهارة المائية، بل مطلق الشرائط والأجزاء، وهو ممضى في مقام الجواب.
وضابطه: ما يعلم أهمّيته في نظر الشارع مما لا يعلم، ولا أقلّ: أن يستشهد بـ(لا تعاد) في إثبات الأهمّية للخمس المذكورة فيها، فما يكون مفوّتاً اختياراً للقبلة سيكون منها.
نعم، الطمأنينية ليست منها، فتكون مجرى للبراءة، يعني: يكون جواز تعجيز النفس عن مجرى البراءة، ما لم يثبت بدليل آخر مقيد، وهو مفقود.
[الكلام في الأخبار]
والأخبار الدالّة على ذلك في أبواب التيمّم -بعد التجريد عن الخصوصية- تعمّ القبلة.
مثل معتبرة اسحاق بن عمار قال: “سألت أبا أبراهيم (ع) عن الرجل يكون مع أهله في السفر، فلا يجد الماء، يأتي أهله، فقال: ما أحب أن يفعل
ــــــ[151]ـــــــ
¬¬(1) إليك نص الرواية الواردة في تهذيب الأحكام1: 405 عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا إبراهيم (ع) عن رجل يكون مع أهله في السفر، فلا يجد الماء يأتي اهله، فقال: (ما أحب أن يفعل ذلك إلا أن يكون شبقاً أو يخاف على نفسه).
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
ذلك، إلا أن يكون شبقاً أو يخاف على نفسه”(1).
وهي واضحة في الكراهة؛ بقرينة قوله: “ما أحب”، وكلّ مكروه جائز، وقوله: “أو يخاف على نفسه” يعني: يخاف عليها الحرام.
ويرفع احتمال الحرمة قوله بعد ذلك: “قلت: يطلب بذلك اللّذة. قال: هو حلال”(2).
وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(عما): أنه سئل عن الرجل يقيم بالبلاد الأشهر ليس فيها ماء من أجل المراعي وصلاح الإبل، قال: “لا”(3).
وفيها إطلاق مقامي لجواز ما كان أقلّ من ذلك كاليوم أو اليومين؛ إذ لو لم يكن كذلك لبيّن المنع المطلق، ولم يبيّنه.
وصحيحة عبد الله بن سنان، أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الرجل تصيبه الجنابة في الليلة الباردة، فيخاف على نفسه التلف إن اغتسل، فقال: “يتيمّم ويصلّي، فإن أمن البرد اغتسل وأعاد الصلاة”(4).
وهي مطلقة من حيث تعمّد الجنابة وغيره، ومن حيث السفر وغيره، وأما الأمر بالإعادة فهو محمول على الاستحباب جزماً.
وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال: “سمعته يقول: إذا لم تجد ماءً وأردت التيمم فأخّر التيمم إلى آخر الوقت، فإن فاتك الماء لم تفتك ــــــ[152]ـــــــ
(1) تهذيب الأحكام1: 405.
(2) وسائل الشيعة3: 390، باب 27 من أبواب التيمم، ح2.
(3) وسائل الشيعة3: 391، باب 28 من أبواب التيمم، ح1.
(4) وسائل الشيعة3: 366، باب14 من أبواب التيمم، ح2.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الأرض”(1) وإطلاقاتها كما سبق.
وصحيحة عبد الله بن بكير، قال: “سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل أجنب، فلم يجد ماء، يتيمّم ويصلّي، قال: لا، حتى آخر الوقت؛ إنه إن فاته الماء لم تفتّه الأرض”(2).
وفيها نفس الإطلاقات، لكن مع التقييد بالمضايقة، ونحوها الرواية التي بعدها(3)، ومع التجريد عن الخصوصية تشمل القبلة أيضاً.
الا أن أخبار القبلة لا تشير إلى المضايقة، كأخبار الصلاة فوق الكعبة أو فوق أبي قبيس أو إلى أربع جهات أو في السفينة، ومقتضى إطلاقها جواز المواسعة، إلا أن تحمل على الغالب، وهي صورة العلم باستمرار العذر، أو أن يقال: بعدم إمكان التجريد عن الخصوصية من هذه الناحية، فيختصّ جواز المواسعة بالقبلة، ويختصّ جواز المضايقة بالتيمّم.
ولا يبعد أن يكون مقتضى القاعدة هو إجراء الصلاة مع الغفلة ومع الرجاء، حتى لو كان السبب اختياريا، وقاعدة: (أن ما ليس بالاختيار لا ينافي الاختيار) لا تشمل الصلاة؛ لأنها لا تسقط بحال، فتجب عليه كما هو عليه من الحال في وقت الأداء، أو أنها تنتج حكماً تكليفياً بحرمة تبديل الموضوع لا ربط له بوجوب الباقي، ولا يمكن التجريد عن الخصوصية من أخبار التيمم إلى أخبار القبلة؛ لاحتمال الفرق في نظر الشارع، وإنما يمكن في مثل ذلك كبروياً مع عدم احتمال الفرق.
ــــــ[153]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة3: 384، باب 2 من أبواب التيمم، ح1.
(2) وسائل الشيعة3: 385، باب 2 من أبواب التيمم، ح4.
(3) وسائل الشيعة3: 385، باب2 من أبواب التيمم، ح5.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
فإن قلت: فإنهما: -أعني: الطهارة والقبلة- حكمان متساويان في الأهمّية الشرعية، فيتساويان في الأحكام عادة، ولا أقلّ من إمكان التجريد عن الخصوصية.
قلنا: إن التساوي في الأهمّية لا يلازم الاتّحاد في الأحكام وإمكان التجريد عن الخصوصية.
و(لا تعاد) لا تشمله؛ لأنه قبلة مجزية في الجملة، وكذلك لا تشمل التيمّم؛ لأنه طهارة مجزية في طول حصول تلك الحال، ولكن التيمّم لعلّه خرج بدليل وجوب المضايقة، ما لم نقل -كما قال المشهور- بأنه خاصّ بصورة عدم حصول اليأس. وعلى أي حال، فتبقى القبلة على القاعدة من الجواز.
ولو وجد القبلة في خارج الوقت جزماً لم يجب القضاء؛ لأنه بأمر جديد، وهو في الوقت قد أحرز الامتثال المناسب له.
ولكن لو وجدها في الوقت جزماً، فهل تجب عليه الإعادة؟ هذا مبني على جريان استصحاب اشتغال الذمّة بعد الإتيان بالفرد الأول، إلا أنه لا يتمّ؛ لأننا لو لم نقل بوجوب المضايقة لم يجز؛ لليقين بفراغ الذمّة عندئذٍ، ولو قلنا بوجوبها لم يجز أيضاً لليقين باشتغال الذمّة، بل قد تكون صلاته في سعة الوقت تشريعاً محرماً.
فإن قلت: إننا قلنا بحرمة تبديل الموضوع تكليفاً، فتكون صلاته منهياً عنها، فتكون باطلة.
قلنا: يجاب:
أولاً: أن النهي عن التبديل لا عن نفس الصلاة لكي تبطل.
ثانياً: أن النهي لو تمّ -باعتبار الملازمة- فهو عن الشرط لا عن ذات الصلاة، ولا يمكن أن نستفيد من قاعدة: (أن ما ليس بالاختيار يعود إلى ما ــــــ[154]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
بالاختيار) بقاء الشرطية للعاجز، بحيث تكون واجبة التحصيل موضوعاً.
فغايته: أن يقع التزاحم بين حرمة هذا الشرط ووجوبه فيتساقطان، ولكن لا تسقط شرطية القبلة أساساً؛ لأنها ليست طرفاً للمعارضة، فيكون إنجاز الشرط هو الأوفق بالاحتياط.
[وجوب استقبال القبلة للمسافر]
قال المحقّق الحلي: (والمسافر يجب عليه استقبال القبلة)(1).
للأدلّة الثلاثة: الكتاب والسُنّة والإجماع.
[الكتاب الكريم]
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾(2) والانصراف إلى صورة التوطّن انصراف ابتدائي، فيتمّ إطلاقها لكلّ مصلٍّ سواء كان حاضراً أو مسافراً، حرّاً أم مقيّداً، صحيحاً أم مريضاً، إلى غير ذلك من التفاصيل.
وخاصّة مع قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾(3) الذي يكاد أن يكون خاصّاً بالسفر، فيكون أصرح، والانصراف فيه إلى التوطّن ابتدائي، فلا يدفع صراحته، وهو بمنزلة القرينة المتّصلة على الآية الأولى.
[السُنّة الشريفة]
أما السُنّة فبألسنة مختلفة:
منها: لسان أن الكعبة قبلة لمن في المسجد، والمسجد قبلة لمن في الحرم، والحرم قبلة لأهل الدنيا(4).
غير أن الانصراف إلى التوطّن هنا قوي؛ تمسّكاً بقوله: (أهل)، والمسافر
ــــــ[155]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام1: 53.
(2) سورة البقرة، الآية:144.
(3) سورة البقرة، الآية:144.
(4) وسائل الشيعة4: 303، باب3 من أبواب القبلة، ح1.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
ليس من الأهل، غير أن النسبة لمطلق الدنيا أو وجه الأرض، وليس لمدينة معيّنة، فيكون المسافر من أهل الدنيا بهذا المعنى، ويدعمه ما ورد: “أن الحرم قبلة لكل الناس”(1)، فيشمل المسافر.
ومنها: لسان وجوب التحرّي عن القبلة مع الجهل(2).
ومنها: لسان وجوب الصلاة إلى أربع جهات(3).
ومنها: لسان من اليمين إلى الشمال قبلة(4).
ومنها: روايات الصلاة في السفينة وروايات الصلاة على الراحلة(5) وغيرها، وهي تشمل السفر بالإطلاق أو بمواردها المنصوصة، والانصراف فيها إلى صورة التوطّن موهون جداً، وخاصّة الراحلة والسفينة؛ فإنهما من وسائط السفر أكيداً، واحتمال خلافه موهون جداً، يعني: بحيث يكون الفرد في السفينة لكن في وطنه، ولو تنزّلنا كان الإطلاق كافياً.
فإن قلت: فإن روايات الصلاة على الراحلة وفي السفينة والمحمل أسقطت القبلة، وذكرت عدم وجوب التوجّه إليها، فكيف تستدلّ بها على الوجوب؟
قلنا: نعم، إذا أردنا الاستدلال بها في مواردها ودلالاتها المطابقية، ولكنّنا نريد الاستدلال بها على القبلة الاختيارية، وهي موجودة ارتكازاً في
ــــــ[156]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 304، باب3 من أبواب القبة، ح2.
(2) وسائل الشيعة4: 307، باب6 من أبواب القبلة، ح1.
(3) وسائل الشيعة4: 310-311، باب8 من أبواب القبلة، ح1.
(4) وسائل الشيعة4: 314، باب8 من أبواب القبلة.
(5) وسائل الشيعة4: 325، باب14 من أبواب القبلة.
بيان الفقه، محمد الصدر
ذهن السائل، وممضاة من قبل الإمام (ع) ؛ إذ لو لم يكن أصل القبلة ثابتاً لم يكن موضوع ولا حاجة للسؤال ولا الجواب، فضلاً عن بعض تلك الطوائف تثبت وجوب القبلة بالدلالة المطابقية أو التضمّنية، كروايات العلامات والصلاة إلى أربع جهات والصلاة النافلة في المحمل مع منع الفريضة فيه.
[الإجماع]
وأما الإجماع على وجوب استقبال القبلة في السفر فمتحقّق قطعاً بضرورة الدين والسيرة المتشرعية القطعية من زمان المعصومين(عم)، بل الرسول (ص) نفسه، بل إنهم بأشخاصهم كانوا يفعلون ذلك.
وهذه الأدلّة في نفسها تشمل الواجب والمستحب والاختياري والمعذور، إلا الإجماع؛ فإنه لبّي يؤخذ به بالقدر المتيقّن، فيكون الإطلاق صحيحاً إلا ما خرج بدليل، وذلك في صورة العذر أو الصلاة المستحبّة، كما سياتي.
[الصلاة على الراحلة]
قال المحقّق الحلي: (ولا يجوز له أن يصلّي شيئاً من الفرائض على الراحلة)(1).
لتفويتها اختياراً الشرائط الاختيارية للصلاة، فإن صلّى في الراحلة اختياراً بطلت صلاته، وإنما يجب عليه أن يختار لصلاته زماناً ومكاناً مناسبين للشرائط الاختيارية، وإلا يكون قد أفسدها بنفسه.
ودليله أمران:
الأمر الأول: إطلاق ما دلّ على الأجزاء والشرائط الاختيارية: كالقيام والركوع والاستقرار والقبلة، من حيث شمولها حتى لهذه الصورة فإذا فاتت
ــــــ[157]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام1: 53.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
بعضها بطلت الصلاة.
الأمر الثاني: ما دلّ من الروايات على عدم جواز التفويت اختياراً.
كصحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (ع) قال: “لا يصلّي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل به القبلة، يجزيه فاتحة الكتاب، ويضع بوجهه في الفريضة على ما أمكنه من شيء، ويومي في النافلة إيماءً”(1).
ومفهوم الحصر المستفاد من الاستثناء بعد النفي دالّ على المطلوب.
ورواية محمد بن عذافر -في حديث-، قال: “قلت لأبي عبد الله (ع): رجل يكون في وقت الفريضة لا تمكّنه الأرض من القيام عليها ولا السجود عليها من كثرة الثلج والماء والمطر والوحل أيجوز له أن يصلّي الفريضة في المحمل؟ قال: نعم”(2).
فإنها دلّت بالارتكاز الممضى على لزوم الأجزاء والشرائط الاختيارية، وأنها إنما يجوز تفويتها عند الضرورة خاصّة.
وصحيحة عبد الله بن سنان، قال: “قلت لأبي عبد الله (ع) أيصلّي الرجل شيئاً من المفروض راكباً؟ فقال: لا، إلا من ضرورة”(3).
ورواية عبد الله بن جعفر، قال: كتبت إلى أبي الحسن (ع): “روى -جعلني الله فداك- مواليك عن آبائك أن رسول الله (ص) صلّى الفريضة على راحلة في يوم مطير، ويصيبنا المطر ونحن في محاملنا والأرض مبتلّة، والمطر يؤذي، فهل يجوز لنا يا سيدي أن نصلّي في هذه الحالة في محاملنا أو على دوابنا ــــــ[158]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 325، باب14 من أبواب القبلة، ح1.
(2) وسائل الشيعة4: 325، باب14 من أبواب القبلة، ح2.
(3) وسائل الشيعة4: 325، باب14 من أبواب القبلة، ح4.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الفريضة إن شاء الله تعالى؟ فوقع: يجوز ذلك مع الضرورة الشديدة”(1).
وسياقها واضح في الحصر، وإن لم يكن بالدلالة المطابقية.
وأما صحيحة العلا عن محمد، عن أحدهما(عما)، قال: “سألته عن المرأة تزامل الرجل في المحمل يصلّيان جميعاً، فقال: لا، ولكن يصلّي الرجل، فإذا فرغ صلّت المرأة”(2) فقد يقال: إنها دالّة على الجواز بعنوان جواز الصلاة، وهو حال ضرورة.
إلا أن ذلك ليس بصحيح لعدّة وجوه:
أولاً: أن السؤال إنما هو حول اجتماع الرجل والمرأة، فيؤخذ الجانب الآخر مسلّم الصحّة أو مسكوتاً عنه.
ثانياً: أنه ليس ظاهراً بخصوص الفريضة وقت الاختيار ليكون مخصّصاً، فغاية وقوع التعارض بنحو العموم من وجه، لا التخصيص.
ثالثاً: أن هذا الاطلاق لا يقوم مقام الأدلّة الأكثر والأوضح الدالّة على البطلان.
وكذا رواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (ع) ، قال: “سألته عن رجل جعل الله عليه أن يصلّي كذا وكذا، هل يجزيه أن يصلّي ذلك على دابّته وهو مسافر؟ قال: نعم”(3).
وذلك لعدم صحّة التجريد عن الخصوصية من المنذور وهي الواجبة بالعرض إلى الفريضة وهي الواجبة بالذات، مع احتمال الفرق لدى الشارع
ــــــ[159]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 325، باب14 من أبواب القبلة، ح5.
(2) وسائل الشيعة4: 325، باب 14 من أبواب القبلة، ح3.
(3) وسائل الشيعة4: 326، باب14 من أبواب القبلة،ح6.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وجداناً؛ لأن المنذور أصله مستحبّ.
[الكلام في وسائط النقل]
ثمّ إن وسائط النقل أياً كانت: إما أن تكون حافظة لكلّ شرائط الصلاة -يعني: في الإمكان إيقاعها كذلك؛ باعتبار سيرها باتّجاه القبلة أو [كان] ضدّها سيراً غير مخلّ بالطمأنينة- فذلك هو المطلوب وتصحّ الصلاة الاختيارية.
وإن لم يكن كذلك، فإن كان قادراً على النزول من واسطة النقل أو إيقافها والصلاة فيها مع الإمكان، تعيّن ذلك، [والدليل عليه]:
أولاً: تمسّكاً بالإطلاقات، أي: إطلاقات أدلّة الأجزاء والشرائط من حيث شمولها لهذه الصورة.
ثانياً: تمسّكاً بالروايات الواردة في المورد:
روايات في المقام
منها صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج، عن أبي الحسن (ع) ، قال: “سألته عن صلاة النافلة في الحضر على ظهر الدابة إذا خرجت قريباً من أبيات الكوفة أو كنت مستعجلاً بالكوفة؟ فقال: إن كنت مستعجلاً لا تقدر على النزول وتخوّفت فوت ذلك إن تركته وأنت راكب فنعم، وإلا فإن صلاتك على الأرض أحبّ إليّ”(1).
وهي وإن كانت أقرب إلى الدلالة على الاستحباب، إلا أنه يمكن دعوى الوجوب في ظاهر السياق.
ورواية علي بن إبراهيم، قال: “سألته عن الصلاة في السفينة، قال: يصلّي وهو جالس إذا لم يمكنه القيام في السفينة، ولا يصلّي في السفينة وهو يقدر على الشطّ”(2). وهذه العبارة واضحة في المنع مع الإمكان.
ــــــ[160]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 331، باب15 من أبواب القبلة، ح12.
(2) وسائل الشيعة4: 321، باب13 من أبواب القبلة، ح8.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وصحيحة حماد بن عيسى، قال: “سمعت أبا عبد الله (ع) يسأل عن الصلاة في السفينة فيقول: إن استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا، فإن لم تقدروا فصلّوا قياماً، فإن لم تستطيعوا فصلّوا قعوداً وتحرّوا القبلة”(1).
ولا يعارضها ما دلّ بإطلاقها على الجواز؛ فإنه يمكن أن يقيّد بصورة التعذّر، وتبقى صور الاختيار على القاعدة.
أما ما قد يقال: من ظهور كثير من أخبار الصلاة في الراحلة بالجواز، فإنه وإن كان كذلك، إلا أنها إما خاصّة بالنافلة نصّاً، وإما خاصّة بالمرض والضرورة، وإما نافية للجواز أصلاً، وليس فيها ما هو مطلوب المستدلّ، وكلّها موافقة مع الحكم بلزوم النزول مع الإمكان.
نعم، أخبار السفينة فيها إطلاق، مثل صحيحة الحلبي: “أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في السفينة، فقال: يستقبل القبلة ويصفّ رجليه، فإذا دارت واستطاع أن يتوجّه إلى القبلة، وإلا فليصلِّ حيث توجّهت به، وإن أمكنه القيام فليصلِّ قائماً، وإلا فليقعد ثمّ يصلّي”(2).
وليس فيها أمر بالخروج إلى الساحل، إلا أنها محمولة على الغالب جزماً مع عدم وجود الأرض وكون السفينة في عرض البحر.
وأما صحيحة جميل بن دراج: أنه قال لأبي عبد الله (ع): “تكون السفينة قريبة من الجد(3)، فأخرج فأصلّي، قال: صلِّ فيها، أما ترضى بصلاة نوح”(4) فهي محمولة على أنها واقفة إلى جوار الشاطئ، ولا تتحرّك ولا
ــــــ[161]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 323، باب13 من أبواب القبلة، ح14.
(2) وسائل الشيعة4: 320، باب13 من أبواب القبلة، ح1.
(3) في نسخة (الجدد).
(4) وسائل الشيعة4: 320، باب13 من أبواب القبلة، ح3.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
تنعطف، بل إن انصرافها اللفظي إلى ذلك، ومعه يتيسّر إيقاع الصلاة الاختيارية فيها، فلا يجب الخروج إلى الأرض.
وأما رواية يونس بن يعقوب: أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في الفرات وما هو أصغر منه من الأنهار في السفينة، فقال: “إن صلّيت فحسن، وإن خرجت فحسن”(1) فهي مضافاً إلى المناقشة فيها سنداً، فإن إطلاقها قابل للتقييد بصورة الوقوف أو بصورة الإمكان، وخاصّة إذا التفتنا [إلى] أن السفن النهرية فيها مجال معتدّ به، وليست ضيقة كالقوارب النهرية، فهي يمكن أن تحفظ شرائط الصلاة في الأنهر الصغيرة بما فيها القبلة.
ثمّ إن ما بعدها قرينة عليها وهي: قال: “وسأله عن الصلاة المكتوبة في السفينة، وهي تأخذ شرقاً وغرباً، فقال: استقبل القبلة ثمّ كبّر ثمّ در مع السفينة حيث دارت بك”(2). وهي بمنزلة القرينة المتّصلة؛ لأنها سؤال في نفس المجلس مع الإمام (ع) ، فهل تدلّ على أن السؤال الأول ليس في المكتوبة، كما أن السؤال الثاني ليس في الأنهار؟
التعارض بين الروايات
ولو صرنا إلى التعارض: فإن كان طرف التعارض إطلاقات الشرائط أمكن تقييدها، وإن كان طرفه بعض الروايات مثل: رواية علي بن ابراهيم قال: “سالته عن الصلاة في السفينة، قال: يصلّي وهو جالس إذا لم يمكنه الصلاة في السفينة، ولا يصلّي في السفينة وهو يقدر على الشطّ”، وقال: “يصلي في السفينة، يحول وجهه إلى القبلة، ثم يصلي كيف ما دارت” (3):
فإذا كان طرف التعارض ذلك، تساقطت ورجعنا إلى إطلاقات الشرائط التي تنتج عدم
ــــــ[162]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 321، باب13 من أبواب القبلة،ح5.
(2) وسائل الشيعة4: 321، باب13 من أبواب القبلة، ح6.
(3) وسائل الشيعة4: 321، باب13 من أبواب القبلة، ح8.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الجواز.
وأما مع عدم إمكان النزول فهو الضرورة التي أشار إليها في (الشرائع)، فيصلّي حسب إمكانه.
أما مقتضى القاعدة في القبلة -ونحن الآن حديثنا في القبلة- فإن كان يحرز القبلة؛ لعدم دوران واسطة النقل، أو لإمكان دورانه ضدّ دورانها مع حفظ الاستقرار، وجب ذلك؛ تمسّكاً بإطلاقات أدلّة الأجزاء والشرائط، فيكون الدوران واجباً لا حراماً، لأن المفروض عدم إخلاله بالطمأنينة.
وأما مع إخلاله بها فيقع نحو من التزاحم بين شرط القبلة وشرط الطمأنينة، فيقدّم إطلاق دليل القبلة؛ لأنه أوثق دليلاً، بل قد يكون شرط الطمأنينة لبّياً، فلا إطلاق له كما هو خارج عن القدر المتيقّن مثل مورد الكلام، مع الالتفات إلى أن القبلة هي إحدى الخمسة في صحيحة (لا تعاد) الأمر الذي يدلّ على أهمّيتها شرعاً، فتقدّم القبلة، وتترك الطمانينة، إلا إذا كان تركها بحيث يكون من الفعل الماحي لصورة الصلاة. ودليل المحو غير دليل الطمانينة؛ لأنه تخرج به الصلاة عن كونها مصداقاً للمأمور به عرفاً، فلا تكون مجزية، ولا يفيد بها مجرّد استقبال القبلة.
وأما مع عدم إمكان الدوران فقد قال المشهور هنا طبقاً لبعض الروايات: إنه يستقبل بالتكبيرة فقط، ومقتضى القاعدة أنه يجب الاستقبال في كل جزء يمكن فيه ذلك، ويسقط في جزء لا يمكن فيه ذلك؛ قياساً له بسائر الأجزاء التي تتعذّر أحياناً: كالقيام أو الركوع أو السجود؛ فإن جواز الإيماء مثلاً في أحدها لا يلازم جوازه في غيرها حتى مع القدرة.
فمع إمكان الاستقبال في التكبيرة وحدها يتعيّن، ولكن هذا لا ينفي ــــــ[163]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وجوب الاستقبال فيما يمكن بعد ذلك متّصلاً بالتكبيرة أو منفصلاً عنها، وإذا لم يكن في التكبيرة سقط، وهذا لا يلازم سقوطه مع الإمكان بعد ذلك، ولا يؤدّي ترك الاستقبال حين التكبير مع التعذّر إلى بطلان الصلاة، وخاصّة إذا قلنا بالمواسعة أو قلنا بالمضايقة وجاء بالصلاة في آخر الوقت.
ومن الواضح أن عدم إمكان الاستقبال لا يلازم عدم إمكان الأجزاء الأخرى، وإن كان غالباً يحدث ذلك، فإذا توقّفت أجزاء الصلاة الاختيارية وشرائطها على بعض المقدّمات وجبت؛ إذ بدونها يصدق عرفاً وعقلاً أنه فوّتها وأعرض عنها اختياراً، فتبطل صلاته.
وهذا يشمل حتى معنى المقدّمات المفوتة؛ لأن الواجب هو الجزء المقيّد بالكون في داخل الصلاة، وعند الوصول إليه تكون المقدّمات متعذّرة، وإلا فلا يكون الجزء واجباً فعلاً لتكون مقدّماته واجبة، أو أن تكون مقدّماته السابقة على الصلاة من قبيل المقدمات المفوّتة التي تكون واجبة قبل فعلية وجوب ذيها، كما في وجوب السير إلى الحجّ قبل وقته.
وجواب ذلك من وجهين:
أولاً: الصدق العرفي للتفويت اختياراً.
ثانياً: فعلية الوجوب الانحلالي للجزء، ولكلّ الأجزاء والشرائط من أول الوقت، فيكون الوجوب فعلياً قبل الصلاة، فتجب مقدّمته، ولا تكون من المقدّمات المفوّتة.
وإذا تمّ ذلك كان الخروج من السفينة أو من أيّة واسطة نقل من المقدّمات، كما أن إيقافها من المقدّمات أيضاً.
والكلام في أنه هل يجب من باب المقدّمة أن يطلب من سائق السيارة أو
ــــــ[164]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
السفينة أو غيرهما إيقافها لأجل الصلاة أم لا؟
لا شكّ في الوجوب مع توفّر أمرين:
أحدهما: احتمال الامتثال.
وثانيهما: عدم وجود ذلّة معتد بها في السؤال، ومع توفّرهما تكون من باب المقدّمة للصلاة الاختيارية فتجب، وأما مع عدم توفّر أحدهما أو كليهما فلا إشكال في عدم الوجوب.
فإن قلت: فإن احتمال الامتثال لا يكفي، بل لا بد من إحرازه.
قلنا: كلا، فالمقدّمات العرفية للصلاة الاختيارية تصدق مع الاحتمال، سواء حصلت النتيجة أم لا.
وبتعبير آخر: أن الواجب سدّ باب العدم من ناحية المصلّي، وأما فعل الآخر فهو خارج عن اختيار المصلّي، وإذا دار الأمر بين شرطية القبلة وغيرها قدّم الأهمّ، فإن لم يكن الآخر من الأربعة الباقية في صحيحة (لا تعاد) قدّمت القبلة بلا إشكال، كالطمانينة والقيام.
وأما إن كان منها كالركوع والسجود فقد يقال: إنه لا يتعذّر من المتشرّع الملتفت؛ لتعدّد مصداقية الركوع والسجود دون القبلة، فتأمّل.
الا أن يراد الاختياري منهما، وأما الوقت والطهارة فلا تزاحم غالباً مع الالتفات إلى القبلة.
وهناك جملة من الروايات تدلّ على وجوب الاستقبال بالتكبير فقط(1)، ويراد بها تكبيرة الاحرام لدى الصلاة في السفينة أو واسطة النقل. وسرّه -حسب فهمي- إمكانية الاستقبال لأول مرّة، مع صعوبة الدوران إلى القبلة
ــــــ[165]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 321، باب13 من أبواب القبلة،ح6.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
باستمرار؛ إذ لعلّ المكان لا يسع، أو لأن تعيّن القبلة أو زاويتها خلال الصلاة بمنزلة المتعذّر؛ لأنه يتوقّف على معرفة درجة انعطاف السفينة، وهو مجهول، بل لعلّه لا يلتفت أنها قد انعطفت أصلاً.
منها: صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (ع): أنه سئل عن الصلاة في السفينة، فقال: “يستقبل القبلة، فإذا دارت فاستطاع أن يتوجّه إلى القبلة فليفعل، والا فليصلِّ حيث توجّهت به”(1).
وقوله: “يستقبل القبلة” يعني في أول صلاته، وهي يعني في التكبير.
[ومنها]: صحيحة الحلبي: أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في السفينة، فقال: “يستقبل القبلة ويصفّ رجليه، فإذا دارت واستطاع أن يتوجّه إلى القبلة، وإلا فليصلِّ حيث توجّهت به”(2).
وهو بنفس اللّفظ والمضمون تقريباً.
[ومنها]: رواية يونس بن يعقوب: أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في الفرات… إلى أن يقول: “استقبل القبلة ثمّ كبّر ثمّ در مع السفينة حيث دارت بك”(3).
والمعارض دلّ على الوجوب في غير التكبيرة، أو على عدم الوجوب مطلقاً، أعني: الاستقبال، وهو محمول على عدم الإمكان، وإن كان بعضها مطلقاً.
مثل صحيحة جميل بن دراج: أنه قال لأبي عبد الله (ع): “تكون السفينة
ــــــ[166]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 322، باب13 من أبواب القبلة، ح13.
(2) وسائل الشيعة4: 320، باب13 من ابواب القبلة، ح1.
(3) وسائل الشيعة4: 321، باب13 من أبواب القبلة،ح5 و 6.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
قريبة من الجد فأخرج وأصلي؟ قال: صلِّ فيها، أما ترضى بصلاة نوح (ع)”(1).
ورواية علي بن إبراهيم، قال: “سألته عن الصلاة في السفينة، قال: يصلّي وهو جالس… إلى أن قال: يصلّي في السفينة يحوّل وجهه إلى القبلة، ثمّ يصلّي كيف ما دارت”(2).
ورواية صالح بن الحكم، قال: “سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في السفينة؟ فقال: إن رجلاً سأل أبي عن الصلاة في السفينة، فقال له: أترغب عن صلاة نوح (ع)؟. فقلت له: آخذ معي مدرة أسجد عليها. فقال: نعم”(3).
وجوابه -بعد غضّ النظر عن ضعف سند بعضها-: ما قلنا من أنه محمول على الإمكان، مضافاً إلى قرينية بعض الروايات المعتبرة عليها مثل:
صحيحة الحلبي وفيها -كما سبق-: “يستقبل القبلة ويصفّ رجليه، فإذا دارت واستطاع أن يتوجّه إلى القبلة، وإلا فليصلِّ حيث توجّهت به”(4).
ونحوها صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (ع): “أنه سُئل عن الصلاة في السفينة فقال: يستقبل القبلة فإذا دارت فاستطاع أن يتوجّه إلى القبلة فليفعل، وإلا فليصلِّ حيث توجّهت به”(5).
ــــــ[167]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 320، باب13 من أبواب القبلة، ح3.
(2) المصدر السابق4: 321، ح8.
(3) وسائل الشيعة4: 322، باب13 من أبواب القبلة، ح10.
(4) المصدر السابق: 320، ح1.
(5) المصدر السابق: 322، باب13 من أبواب القبلة، ح13.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
ــــــ[168]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وهي قابلة لتقييد تلك الطائفة، ومع التنزّل يصار إلى التعارض والتساقط، ونرجع إلى إطلاقات وجوب التوجّه إلى القبلة، ولا نصير إلى الأصول المؤمّنة؛ لأن هذه الإطلاقات حاكمة عليه، وبه يثبت ما قلناه من وجوب التوجّه في أي جزء ممكن من الصلاة سواء كان في التكبير أم في غيره.
[بقيت عدة نقاط]
النقطة الأولى: في إمكان التجريد عن الخصوصية من القبلة إلى غيرها من موارد أخرى: كالإيماء للسجود والركوع، ويسجد على ما أمكنه من شيء.
وجوابه:
أولاً: احتمال الفرق بين الموردين، ومع الاحتمال يبطل التجريد عن الخصوصية.
ثانياً: أن الإيماء شرط بديل عن الركوع والسجود، فهل يعتبر الدوران مع السفينة توسّعاً في القبلة، بحيث يكون بديلاً عن القبلة الدقّية، مع أنه يعني بالمطابقة سقوط الشرطية أصلاً، ومعه لا يبقى نحو تماثل بين الموردين لأجل إمكان التجريد.
النقطة الثانية: وجوب السكوت عند الدوران إلى القبلة في الصلاة، إذا كان الفرد خلال القراءة أو الذكر؛ لعدم تحقّق الطمانينة عند الحركة.
وهذا يتوقّف على كبرى وصغرى: أما الكبرى فهي وجوب مطلق الطمانينة حتى لو كان تركها مقدّمة لواجب وكان دليلاً لبّياً، والصغرى: أن الحركة مخلّة بالطمانينة. وكلاهما محلّ مناقشة كما هو واضح.
النقطة الثالثة: في إمكان تأجيل الدوران إلى زمن الإمكان؛ فإنه قد تدور السفينة وهو ساجد، فلا يستطيع الدوران خلال السجود.
ــــــ[168]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
[و]فيه تفصيل: ينتج من الدليل الذي دلّ على أن ما بين المشرق والمغرب قبلة حال التعذّر والجهل، وهذا منها، وما دلّ على صحّة صلاته ما لم يستدبر، ولازمه أن انحراف السفينة إذا زاد على ذلك بطلت صلاته، ووجوب إعادتها في الوقت، وقضاؤها بعده على الأحوط.
وإنما جاء التصريح بالجواز في الروايات السابقة -كما هو الغالب من عدم تحقّق هذا المقدار من الانحراف غالباً- باعتبار أن اتّجاه السفر واحد لا يختلف غالباً.
النقطة الرابعة: أن وجوب الاستقبال السابق هو حكم الفريضة لا النافلة؛ فإن النافلة يجوز فيها المشي والركوب، والروايات في ذلك بالغة حدّ التواتر بمختلف الألسنة.
[مناقشة نفي الاستقبال حتى في حالة التكبير]
(بل لا يجب الاستقبال حتى في تكبيرة الإحرام)(1).
[ويدلّ عليه] منها: رواية الحلبي: أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن صلاة النافلة على البعير والدابة، فقال: “نعم، حيث كان متوجّهاً، وكذلك فعل رسول الله (ص)”(2).
وزاد برواية الكليني: “قلت: أستقبل القبلة إذا أردت التكبير؟ قال: لا، ولكن تكبّر حيث ما كنت متوجّهاً، وكذلك فعل رسول الله (ص)”(3)، وهي معتبرة سنداً.
إلا أنه ورد في المشي خلافه، مثل رواية معاوية بن عمار، عن أبي عبد
ــــــ[169]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام1: 52.
(2) وسائل الشيعة4: 329، باب15 من أبواب القبلة،ح6 و 7.
(3) وسائل الشيعة4: 329، باب15 من أبواب القبلة، ح7.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الله(ع)، قال: “لا بأس بأن يصلّي الرجل صلاة الليل في السفر وهو يمشي… إلى أن يقول: يتوجّه إلى القبلة ثمّ يمشي ويقرأ، فإذا أراد أن يركع حوّل وجهه إلى القبلة وركع وسجد ثمّ مشى”(1).
ورواية ابراهيم بن ميمون، عن أبي عبد الله (ع) قال: “إن صلّيت وأنت تمشي كبّرت، ثمّ مشيت فقرأت، فإذا أردت أن تركع أومأت، ثمّ أومأت بالسجود، فليس في السفر تطوع”.
وهذه الروايات تدلّ على شرطية الاستقبال في بعض الصلاة النافلة: إما في التكبير فقط، أو في غيره.
إلا أننا في باب المستحبّات لا نقول بلزوم التقييد، بل نأخذ بالمطلق والمقيّد معاً، بمعنى: أن العمل بالمطلق بمجرّده مجزٍ أيضاً.
فإن قلت: فإنه ليس مستحبّاً؛ لأن تركه موجب لبطلان النافلة، فيتعيّن التقييد.
قلنا جوابه:
[أولاً]: لا بأس أن يأتي بها برجاء المطلوبية، فإذا انتهى منها أجرى فيها أصالة الصحّة.
ثانياً: إنه من الواضح أنه ليس واجباً؛ لعدم احتمال أن يكون جزء المستحب واجباً، وإنما هو على أفضل تقدير قيد أو شرط، وهذا فرع التقييد، فإذا لم نأخذ بالتقييد لم يكن قيداً.
النقطة الخامسة: في وجوب الاستقبال حال التكبير فقط في الفريضة. وذلك:
أولاً: على القاعدة؛ لإمكان تعيين القبلة قبل الصلاة أو قل: في
ــــــ[170]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 334، باب16 من أبواب القبلة، ح1.
(2) المصدر السابق: ح2.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
أول الصلاة، بخلافه خلال الصلاة.
ثانياً: تمسّكاً بالروايات: كصحيحة الحلبي: أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في السفينة، فقال: “يستقبل القبلة ويصفّ رجليه، فإذا دارت واستطاع أن يتوجّه إلى القبلة، وإلا فليصلِّ حيث توجّهت به”(1).
فقوله: “يستقبل القبلة” يعني حال التكبير.
وصحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله (ع) قال: “لا يصلّي على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل به القبلة، ويجزيه فاتحة الكتاب”(2).
والضمير المجرور لا مرجع له في العبارة، وهناك ظهور سياقي في رجوعه إلى التكبير؛ إذ لو رجع إلى الصلاة للزم تأنيثه.
ومعتبرة معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) يقول فيها: “ولا بأس إن فاتته صلاة الليل أن يقضيها بالنهار وهو يمشي: يتوجّه إلى القبلة ثمّ يمشي ويقرأ)(3).
وواضح من قوله: “يتوجّه إلى القبلة” يعني: حال التكبير؛ بقرينة أن القراءة تكون عقيبه، يعني: يقف ويلتفت إلى القبلة ويكبّر، ثمّ يمشي إلى مقصده وإن كان مخالفاً للقبلة، ويقرأ في مشيه وإن كان مخالفاً للقبلة.
وورودها في النافلة لا يضرّ بالاستدلال هنا؛ لأن ثبوت الحكم بالوجوب في الفريضة أولى، والمقصود هو الشرطية لا الوجوب التكليفي
ــــــ[171]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 320، باب13 من أبواب القبلة، ح1.
(2) وسائل الشيعة4: 325، باب14 من أبواب القبلة، ح1.
(3) وسائل الشيعة4: 334، باب16 من أبواب القبلة، ح1.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
طبعاً.
ولكن تدلّ على الاختصاص بحال الضرورة صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج، عن أبي الحسن (ع) ، قال: “سألته عن صلاة النافلة في الحضر على ظهر الدابة…الى أن قال: فقال: إن كنت مستعجلاً لا تقدر على النزول وتخوّفت فوت ذلك إن تركته وأنت راكب فنعم، وإلا فإن صلاتك على الأرض أحبّ إلّي”(1).
وإذا كانت خاصّة بالضرورة في النافلة فإن ذلك في الفريضة أولى، وهو المطابق للقاعدة، إلا أن قوله: “أحبّ إلّي” لا يدلّ على البطلان.
ولا تعارضها على ذلك التقدير رواية الحلبي: “أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن صلاة النافلة على البعير والدابة، فقال: نعم، حيث كنت متوجّهاً، وكذلك فعل رسول الله (ص)”(2)؛ لورودها في النافلة، والتجريد عن الخصوصية متعذّر من النافلة إلى الفريضة، وإن كنّا نأخذ بالمطلق كما في هذه الرواية، وبالمقيّد في المستحبّ، فإن ذلك لا يشمل الفريضة أيضاً.
النقطة السادسة: في الصلاة مع الحركة بحركة السفينة. فإن إشكالها واضح من حيث صدق التحرّك على المصلّي خلال صلاته.
جوابها:
أولاً: عدم منافاتها للطمأنينة كما سبق، أو على ما هو المفروض.
ثانياً: أنه لا يصدق على المصلّي أنه متحرّك لمجرّد حركة السفينة؛ لفرض كونه ثابتاً قوةً، وهذا صادق لمن رآه من داخل السفينة أم من خارجها؛ للفرق الوجداني العرفي بين أن يمشي الفرد فوق سطح السفينة أو هو واقف هناك؛
ــــــ[172]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 331، باب15 من أبواب القبلة، ح12.
(2) وسائل الشيعة4: 329، باب15 من أبواب القبلة، ح6 و7.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
فإنه عندئذٍ لا يصدق أنه متحرّك أو ماشٍ عرفاً.
ثالثاً: الأخبار، وفيها ما هو معتبر، مثل: صحيحة الحلبي: “أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الصلاة في السفينة فقال: يستقبل القبلة ويصفّ رجليه، فإذا دارت واستطاع أن يتوجّه إلى القبلة، وإلا فليصلِّ حيث توجّهت به”(1).
وفيه أمضاء للارتكاز الموجود بالجواز؛ فإنه كان بالإمكان أن ينهاه عن الصلاة في السفينة أصلاً؛ لوجود الحركة المفروضة، ومع ذلك لم يحصل النهي، بل سكت عن ذلك، وهو ظهور سياقي في الإمضاء.
وفرض كون السفينة واقفة خلاف السياق قطعاً؛ بدليل قوله: “فإذا دارت”.
وصحيحة جميل بن دراج: أنه قال لأبي عبد الله (ع): “تكون السفينة قريبة من الجد فأخرج وأصلّي. فقال: صلِّ فيها أما ترضى بصلاة نوح (ع)”(2).
وذلك بنفس التقريب، إلا أن احتمال الوقوف هنا أرجح؛ لفرض كونها أقرب إلى الشاطئ، إلا أنه غير متعيّن، ولا أقلّ من الإطلاق لكلا الصورتين.
لكن يعارضها طائفتان من الروايات:
طائفتان تنهي عن صلاة في الراحلة
الطائفة الأولى: ما دلّ على النهي عن الصلاة على الراحلة مع الإمكان، وفيها ما هو معتبر مثل: صحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (ع) ، قال: “لا يصلّي على الدابة إلا مريض يستقبل به القبلة”(3).
ــــــ[173]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 320، باب13 من أبواب القبلة، ح1.
(2) وسائل الشيعة4: 320، باب13 من أبواب القبلة، ح3.
(3) وسائل الشيعة4: 325، باب14 من أبواب القبلة، ح1.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وهي واضحة في الاختصاص بحال الضرورة، وبمفهوم الحصر تدلّ على النهي عن صورة الإمكان أو البطلان فيه.
جوابه:
أولاً: أن الاستدلال متوقّف على التجريد عن الخصوصية من الراحلة إلى السفينة، وهو متعذّر؛ لوضوح أن الراحلة لا تضمن الصلاة الاختيارية، بل يتخلّف أغلب الشرائط والأجزاء، بخلاف حال المصلّي في السفينة.
ثانياً: معارضته بما دلّ على الجواز في الراحلة، وهي صحيحة محمد عن أحدهما(عما) قال: “سألته عن المرأة تزامل الرجل في المحمل يصلّيان جميعاً. فقال: لا، ولكن يصلّي الرجل فإذا فرغ صلّت المرأة”(1).
وهي واضحة في أن المانعية الملحوظة هي اجتماع صلاة الرجل مع صلاة المرأة، وليس الحركة؛ فإنها ممضاة؛ لوضوح فرض حركة الراحلة.
لا يقال: إنه هنا ورد عنوان المحمل، وهناك ورد عنوان على الدابة ونحوه، فيتوقّف على التجريد عن الخصوصية، وهو غير ممكن؛ لاحتمال الفرق؛ لأن المحمل مما يمكن معه اتمام الصلاة، بخلاف غيره.
فإنه يقال: إن التجريد عن الخصوصية ممكن؛ لوضوح أن المحمل -أيضاً- مما لا يمكن معه اتمام الصلاة الاختيارية.
ومع التعارض يتعارضان ويتساقطان، ونرجع إلى مقتضى القواعد، وهو الجواز مع خصوص الضرورة، أو مع توفّر الشرائط الاختيارية.
ثالثاً: أن نقيد ما دلّ على الجواز -نحو رواية ابراهيم الكرخي(2)
ــــــ[174]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 325، باب14 من أبواب القبلة، ح3.
(2) وسائل الشيعة4: 329، باب15 من أبواب القبلة، ح2.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الشاملة للنافلة والفريضة- بما دلّ على الجواز عند الضرورة.
وهو قابل للمناقشة؛ من حيث عدم إمكان التقييد مع الاتّحاد في الكيف، وهو النفي والإثبات، كما هو محقّق في علم الأصول، فلا يبقى وجه للتقييد إلا المفهوم، فإن كان المفهوم هنا هو مفهوم الوصف لم يكن معتبراً، وإن كان مفهوم الحصر كان معتبراً.
إذن نقيّد ما دلّ على الجواز بما دلّ على عدم الجواز، بعد تقييده بقرينة منفصلة بصورة الضرورة، فيكون من مصاديق انقلاب النسبة(1)، إلا أن انقلاب النسبة باطل كبروياً، كما هو محقّق في علم الأصول.
الطائفة الثانية للمعارضة: ما دلّ على وجوب الخروج من السفينة مع الإمكان، ومنها ما هو معتبر: كصحيحة حماد بن عيسى قال: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن الصلاة في السفينة، فيقول: “إن استطعتم أن تخرجوا إلى الجدد فاخرجوا، فإن لم تقدروا فصلّوا قياماً، فإن لم تستطيعوا فصلّوا قعوداً وتحرّوا القبلة”(2).
وهي دالّة بالالتزام على بطلان الصلاة، وبالإطلاق على صورة إحراز الشرائط لا صورة وقوف السفينة؛ فإنها خارجة عنها انصرافاً.
جوابه:
أولاً: أن نلتفت إلى ما دلّ على التخيير: كمعتبرة يونس بن يعقوب: “أنه سأل أبا عبد الله عن الصلاة في الفرات، وما هو أصغر منه من الأنهار في السفينة، فقال: إن صلّيت فحسن، وإن خرجت فحسن”(3).
ــــــ[175]ـــــــ
(1) راجع فرائد الأصول4: 102، مقالات الأصول2: 482.
(2) وسائل الشيعة4: 323، باب13 من أبواب القبلة، ح14.
(3) وسائل الشيعة4: 321، باب13 من أبواب القبلة، ح5.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
فنحمل ما دلّ على وجوب الخروج على الاستحباب؛ باعتبار القرينة المنفصلة.
ثانياً: أن نقيّد ما دلّ على الجواز بما دلّ على وجوب الخروج؛ لأن الأول بالإطلاق(1) والثاني بالخصوصية(2)، فينتج وجوب الخروج؛ لأن العمل بعد التخصيص إنما هو بالخاصّ حقيقة.
ثالثاً: أن يتعارضا ويتساقطا ونرجع إلى القواعد، وهي إطلاقات أدلّة الشرائط، وهي تقتضي الجواز، كما ألمعنا في أول العنوان.
فروع البحث عن القبلة
[توجيه الميت إلى القبلة]
الكلام في وجوب توجيه الميت إلى القبلة حال الاحتضار، وهو موجود في الباب 35 من أبواب الاحتضار في (الوسائل)(3)، إلا أن كل أخباره غير معتبرة، كما أنها خاصّة بصورة حصول الموت، وهو غير الاحتضار كما هو واضح، فلا تبقى إلا السيرة والاحتياط.
فإن قلت: فإن هذه الأخبار مدعومة بعمل المشهور، فتكون حجّة.
قلنا: هذا مما لا نقول به في علم الأصول، بل ستكون الشبهة مدركية وتسقط عن الحجّية، كما أن الشهرة ليست حجّة في نفسها.
وأما توجيه الميت إلى القبلة حال الصلاة عليه فلا يوجد فيه خبر، غايته السيرة، بل السيرة على عدم التوجيه.
وأما توجيه الميت إلى القبلة في القبر، فلم يعقد له في (الوسائل) باباً،
ــــــ[176]ـــــــ
(2) وسائل الشيعة4: 320، باب13من أبواب القبلة، ح1.
(3) وسائل الشيعة4: 323، باب13 من أبواب القبلة، ح14.
(4) المصدر السابق2: 452، باب35 من أبواب الاحتضار.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وصاحب (الجواهر) نقل(1) بعض الفتاوى الدالّة على الاستحباب، كما نقل بعض الأخبار.
منها: التوجيه إلى رسول الله (ص).
ومنها: فحوى ما دلّ على توجيه الكافرة الحامل ضدّ القبلة(2)، وكلّه كما ترى، ما لم يوجد إجماع محصّل في البين.
والاستدلال على وضع الكافرة الحامل بالرواية غير تامّ؛ لعدم ثبوت صحّة سندها أولاً، وعدم وجود شهرة روائية ولا فتوائية فيه، ولا أقلّ من احتمال ذلك؛ إذ لعلّ المفتي منهم يقول بعنوان الاحتياط لا الفتوى القطعية، فلا يكون عمله عملاً بالرواية.
مضافاً إلى أن الاستدلال موقوف على إحراز أن يكون وجه الجنين دائماً إلى ظهر أمه، وهذا مما لم يثبت، بل لعلّ الأجنّة تختلف في ذلك.
مضافاً إلى أنه من الأكيد أن الطفل في أشهره الأخيرة يكون رأسه إلى الأسفل، مع أنه لم يؤمر بجعل رأس أمه بالعكس.
مضافاً إلى احتياج الاستدلال إلى التجريد عن الخصوصية من الجنين إلى الإنسان المنفصل، وقد يقال: بالأولوية، ولا أقلّ من التماثل في الحكم؛ لأن الكبير أهمّ، والاهتمام الشرعي بالصغير يلازم الاهتمام بالكبير.
إلا أن هذا غير تامّ؛ لاحتمال أن يكون الاهتمام بالصغير لصغره أو ضعفه، وهذه الصفة لا توجد في الكبير، ومع وجود الاحتمال لا يمكن التجريد عن الخصوصية.
ــــــ[177]ـــــــ
(1) انظر: جواهر الكلام4: 6-12.
(2) انظر: مجمع الفائدة والبرهان للأردبيلي2: 378.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
[ توجيه الذبائح إلى القبلة]
ومن فروع التوجيه إلى القبلة توجيه الذبائح إليها، وهو توجيه الحيوان إلى القبلة حال الذبح، وقد وردت في ذلك عدّة روايات رواها الحرّ العاملي في باب 14 من الذبائح.
منها ما هو معتبر كصحيحة محمد بن مسلم، قال: “سألته عن الذبيحة، فقال: استقبل بذبيحتك القبلة”(1).
ومنها ما يخصّه بحال العمد دون حال الجهل: كصحيحة محمد بن مسلم، قال: “سألت أبا عبد الله عن ذبيحة ذبحت لغير القبلة، قال: كُلْ، ولا بأس بذلك ما لم يتعمّده”(2).
ولم يذكر في الروايات كيفية التوجيه، ويكفي فيه ما صدق عليه عرفاً ذلك، وقد قلنا في محلّه: إنه يكفي في ذلك توجيه الرأس كما يكفي توجيه المذبح، وتمام الكلام في محلّه.
وأما مع تعذّر التوجيه فذلك يكون على شكلين:
أحدهما: أن يصبح الحيوان نافراً بعد أن كان دجيناً بطبعه.
والآخر: أن يكون الحيوان متردّياً في حفرة.
والقاعدة الأولية فيها -بعد تعذّر التذكية- هو كونها ميتة على كل حال؛ لعدم إمكان تطبيق الذبح الشرعي، وكل حيوان مات على غير الذبح الشرعي فهو ميتة، حتى في صورة تعذّر الذبح.
ــــــ[178]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة24: 27، باب14 من أبواب الذبائح، ح1.
(2) المصدر السابق24: 28، باب14 من أبواب الذبائح، ح4.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
إلا أننا يمكن أن نخرج عن ذلك في كلا النوعين: الصايلة والمتردّية.
[حكم الصايلة]
أما الصايلة فلصدق الصيد؛ لأنه لكلّ حيوان نافر وهذا نافر، إلا أن هذا قابل للمناقشة؛ من حيث عدم صدق كونه نافراً؛ لأن نوعه ليس بنافر.
وجوابه: عدم احتمال دخل صنف الحيوان في صدق الصيد، وإنما الدخيل هو النفور فقط، وهو حاصل.
هذا، ولكن لا بد في صدق الصيد من قوّة النفور، وهو لا يحصل في الخروف والدجاج مثلاً لكي يصدق الصيد، ولا أقلّ من الشكّ، فيكون مجرى لأصالة عدم التذكية، وإنما النفور القوي صادق في مثل الثور والجمل.
النفور النوعي والشخصي
إن قلت: الدخيل في صدق الصيد هو النفور النوعي لا الشخصي، وهو غير حاصل.
قلنا: يجاب بأكثر من وجه:
[الأول]: أنه يمكن القول: أن النفور النوعي موجود لا في نوع الحيوان بل في الحيوان الغاضب أو الصائل، وكل حيوان صائل فهو نافر، وهذا يكفي في صدق النفور النوعي.
[الثاني]: أننا ننكر دخل نوع الحيوان في صدق الصيد، وإنما الدخيل فيه هو النفور الفعلي، أو مطلق النفور الأعمّ من النوعي والشخصي، وهو متحقّق.
فإن قلت: فإن الحيوان النافر بطبعه يكون غالباً على رسله، في حين أن هذا الحيوان الهائج ليس كذلك، فلا يصدق الصيد.
قلنا: هذا لا دخل له عرفاً كما سبق، مضافاً إلى أن هذا أولى بصدق الصيد؛ لشدّة الإسراع والمخاصمة في الهائج.
ــــــ[179]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
هذا مضافاً إلى الروايات، كصحيحة الحلبي قال: قال ابو عبد الله (ع): “في ثور تعاصى فابتدره قوم بأسيافهم، وسمّوا، فاتوا علياً (ع) فقال: هذه ذكاة وحيّة، ولحمه حلال”(1).
وصحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (ع): “إن قوماً أتوا النبي (ص) فقالوا: إن بقرة لنا غلبتنا، واستصعبت علينا فضربناها بالسيف، فأمرهم بأكلها”(2).
إلى غير ذلك من الروايات فراجع.
غير أن هذه الأخيرة لم تشر إلى التسمية، فلا بد من تقييدها بها؛ بقرينة الروايات الأخرى، كما أنه يقول: “فأمرهم بأكلها” أي: أجاز لهم أكلها؛ لأنه أمر في مورد الحظر، فلا يفيد إلا الجواز.
فإن قلت: إن الروايات لا تشير إلى الصيد؛ لأنه لا يكون بالسيف، وإنما بانطلاق السلاح.
قلنا: لا حاجة مع الروايات إلى صدق الصيد، بل يقتل كيفما اتّفق، مضافاً إلى رواية أبي البختري عن جعفر، عن أبيه، أن علياً قال: “اذا استصعبت عليكم الذبيحة فعرقبوها، وإن لم تقدروا أن تعرقبوها، فإنه يحلّها ما يحلّ الوحش”(3).
أقول: يعني الصيد الذي يكون للوحش، وهو الحيوان النافر.
وفيها – بالرغم من ضعف سندها- إشارة إلى شيء موافق للقاعدة؛
ــــــ[180]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة24: 19، باب10 من أبواب الذبائح،ح1.
(2) وسائل الشيعة24: 20، باب10 من أبواب الذبائح،ح3.
(3) وسائل الشيعة24: 22، باب10 من أبواب الذبائح،ح9.
بيان الفقه، محمد الصدر
فإن الدابة الصايلة يجب أن يعرقبوها بكسر رجلها ونحوه، وعندئذٍ ينقطع صولتها، فتذبح بقطع الأوداج الأربعة، فإن أمكن ذلك تعيّن، ولم يجز ضربها في أيّ مكان. نعم، لو عجزوا عن ذلك جاز هذا الضرب.
وهذا على مقتضى القاعدة، ولا يحتاج إلى صحّة السند، إلا أنه منوط بشرطين:
أحدهما: الالتفات، فلو غفلوا عن هذه الجهة وضربوها جاز، فيتحصّل أنه شرط ذكري، ولا أقلّ من القول بأن الأمر بهذه المرحلة لا يصل مع الغفلة والنسيان.
ثانيهما: أن يكون وحشاً نافراً بالعنوان الثانوي لا بالأصل؛ وذلك اقتصاراً على مورد النصّ، ولا يحتمل وجوب ذلك بالنافر بالأصل حتى مع إمكانه. نعم، لو فعله -ولو صدفة- سقط عنوان الصيد وتعيّن الذبح بقطع الأوداج.
حكم المتردّية
وأما المتردّية فالقاعدة الأولية تقتضي حرمتها؛ لتعذّر التذكية، كما هو المفروض، فيجري استصحاب عدم التذكية، وكذلك لمفهوم أدلّة الذبح والنحر الدالّة على أن تركه سبب للحرمة.
إلا أن الكلام في تحقّق هذا المفهوم بنحو يكون معتبراً سنداً ودلالةً، ولو أمكن في البعض فهل يكفي في الباقي، كسقوط استقبال القبلة، وقطع الأوداج كلّها؟ مقتضى القاعدة عدم الكفاية.
فإن قلت: فإننا نتمسّك بقاعدة الميسور لأجل تتميم الحلّية، وتكون حاكمة على استصحاب عدم التذكية.
قلنا: كلا؛ لورود عدّة مناقشات منها:
ــــــ[181]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
أولاً: الطعن بكبرى قاعدة الميسور؛ لعدم تماميتها سنداً، كما هو المحقًق في محلًه.
ثانياً: أنه ينبغي أن يصدق أن المأتي به هو ميسور من الذبح أو من التذكية، بأن نفعل الآن بعض ما كنّا نفعل في زمن الاختيار، وأما الإتيان بالمباين فلا يصدق عليه الميسور، ولا شكّ أن الضرب بالسيف مباين لعنوان الذبح.
ثالثاً: أنه يمكن القول: بأن صدق الميسور إنما هو في ما كان فيه طلب وجوبي أو استحبابي، يعني: حصلت في الشريعة علّته، لا معلوله، وهو حلّية لحمه بالتذكية.
وقس على ذلك حصول الطهارة بالغسل المتعدّد؛ من حيث إن الميسور هو الغسلة الواحدة، فإن هذا مما يحصل في الشريعة معلوله لا علّته، مضافاً إلى اختصاص قاعدة الميسور بالحكم التكليفي وعدم شموله للوضعي، فيكون المورد مجرى لاستصحاب النجاسة.
فإن قلت: نجرّد الخصوصية عن خصوصية الصيد إلى نحو الضرب بالسيف للمتردّية.
قلنا: لا يمكن ذلك؛ للتباين بينهما، وعدم صدق عنوان الصيد قطعاً، ومع احتمال الخصوصية لا يمكن التجريد عنها.
فإن قلت: نجرّد عن الخصوصية مورد أخبار الاستعصاء، وليس فيها عنوان الصيد.
قلنا: إنه لا يصدق عنوان الاستعصاء والغلبة، وإنما يتماثلان فقط مع تعذّر الذبح، فنبقى نحن والأخبار الخاصة.
ــــــ[182]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
مثل رواية اسماعيل الجعفي، قال: “قلت لأبي عبد الله (ع): بعير تردّى في بئر كيف ينحر؟ قال: يدخل الحربة فيطعنه بها، ويسمّي ويأكل”(1).
والسياق فيها ظاهر بأن الطعن المذكور ليس في النحر، كما أن (واو) العطف ليس للترتيب بحيث تكون التسمية بعد الضرب، إلا أنها غير تامّة سنداً.
وصحيحة زرارة، عن أبي جعفر (ع) قال: “سألته عن بعير تردّى في بئر فذبح من قبل ذنبه؟ فقال: لا بأس إذا ذكر اسم الله عليه”(2).
وهي تامّة سنداً، وقوله: (فذبح) أي: قتل أو جرح.
ونحوها رواية الحسين بن علوان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي (ع): “أنه سُئل عمّا تردّى على منحره فيقطع ويسمّى عليه، فقال: لا بأس به. وأمر بأكله”(3).
وبالإسناد عن علي (ع) قال: “أيّما إنسية تردّت في بئر فلم يقدر على منحرها، فلينحرها من حيث يقدر عليه، ويسمّي الله عليها وتؤكل”(4).
وكلاهما غير معتبر سنداً، وقوله: (فلينحرها) يعني: يقتلها أو يجرحها؛ لعدم صدق النحر حقيقة على الضرب في غير المنحر.
ــــــ[183]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة24: 20، باب10 من أبواب الذبائح،ح4.
(2) وسائل الشيعة24: 21، باب10من أبواب الذبائح،ح6.
(3) وسائل الشيعة24: 21، باب10من أبواب الذبائح،ح7.
(1) وسائل الشيعة24: 21، باب10من أبواب الذبائح،ح8.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
(في أحكام الخلل وهي مسائل)(1)
[1/ الأعمى يرجع إلى غيره]
[قال المحقق الحلي]: (الأولى: الأعمى يرجع إلى غيره؛ لقصوره عن الاجتهاد، فإن عوّل على رأيه مع وجود المبصر لأمارة وجدها صحّ، وإلا فعليه الإعادة)(2).
فرق الأعمى عن غيره في تعذّر معرفة علامات القبلة لديه بما فيها رؤية الكعبة المشرّفة، ولكنّه لا يختلف عن غيره في الأحكام التي منها: أن الشاكّ يجب عليه أن يحصّل دليلاً معتبراً عليها، فلا يكفي التعويل على الغير ما لم يكن قوله معتبراً، ولو باعتبار كونه واحداً ثقة.
ومنها: عدم وجوب الإعادة فضلاً عن القضاء فيما إذا صلّى الجاهل دون اليمين أو الشمال على ما سوف يأتي، فإن ثبت ذلك أو لم يثبت شيء أصلاً لم تجب عليه الإعادة، ولم يشر إليها المحقّق الحلي.
نعم، يكون اعتماد الأعمى على الأصوات، فقد يعرف من اتّجاهها جهة القبلة ولو باعتبار أصوات المصلّين، فيكون له بمنزلة البيّنة أو الشياع أو قبلة البلد، فيكون حجّة، وهو على أي حال لا يتعدّى صغرى إقامة الحجّة على القبلة.
ــــــ[184]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام1: 53.
(2) شرائع الإسلام1: 53.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وعلى أي حال، فإن دليله من جهتين:
[الأولى: دليل الانسداد]
باعتبار انتاجه بأن كلّ ما انسدّ فيه باب العلم فالظنّ فيه حجّة، والأعمى انسدّ أمامه باب العلم، إذن فتحصيل الظنّ كافٍ بالنسبة إليه.
إلا أنه قابل للمناقشة كبرى وصغرى:
أما كبرى؛ فلأن دليل الانسداد الاعتباري وارد في علم الأصول للشبهات الحكمية لا الموضوعية، وشموله للموضوعية لا يخلو من إشكال.
وأما صغرى؛ فلأنه لا بد من فرض كون الأعمى أو أي فرد آخر ممن تعذّر عليه تحصيل العلم والعلمي حقيقة، ولو من غير ناحية عماه، بل من جميع الجهات، وهذا قد يحصل، إلا أنه ليس مفروضاً في كلّ أعمى أو في كلّ معوق.
[الثانية: الأخبار]
منها صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: “لا بأس بأن يصلي الأعمى بالقوم، وإن كانوا هم الذين يوجّهونه”(1).
أقول: أي يوجّهونه إلى القبلة، وهذا واضح من السياق، كما أن الضمير لفاعل التوجيه هو ضمير جمع، وهذا يلازم تحصيل العلم بالنسبة إليه.
وصحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) (في حديث) قال: “قلت له: أصلي خلف الأعمى؟ قال: نعم، إذا كان من يسدّده، وكان أفضلهم”(2).
وعن السكوني عن أبي عبد الله قال: “قال أمير المؤمنين (ع) (في حديث): لا يؤمّ الأعمى في الصحراء إلا أن يوجّه إلى القبلة)(3).
ــــــ[185]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 310، باب7 من أبواب القبلة،ح1.
(2) المصدر السابق:ح2.
(3) وسائل الشيعة4: 310، باب7 من أبواب القبلة،ح3.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وإطلاق الأخيرين يشمل المخبر الواحد، ولا ينفيه سياق الأولى؛ لأنها لا مفهوم لها، بل لعلّ فهم الجمع منها محلّ منع، كما لو فرض أنه وجّهه واحد، فيصدق التعبير عرفاً بالجمع، ويتّضح ذلك فيما إذا كانوا كلّهم لا يعرفون القبلة إلا واحد.
[الاتّجاه إلى جهة ما بعنوان كونها قبلة]
[قال المحقق]: (الثانية: إذا صلّى إلى جهة إما لغلبة الظنّ أو لضيق الوقت ثمّ تبيّن خطؤه: فإن كان منحرفاً يسيراً فالصلاة ماضية، وإلا أعاد في الوقت)(1).
الاتّجاه إلى جهة ما بعنوان كونها قبلة له أسباب منها:
1- الاختيار ولو رجاءً.
2- قيام الحجّة لديه من بيّنة أو اطمئنان أو قبلة بلد أو غيره.
3- ضيق وقت.
ثم يتبيّن الخلاف، والتبيّن على أقسام: فإما أن يتبيّن له الاتّجاه الواقعي للجهة، وعلى هذا التقدير فإما أن يكون الانحراف يسيراً، وإما أن يكون الانحراف ما بين المشرق والمغرب، وإما أن يكون أبعد من ذلك، وإما أن يكون هو الاستدبار وإن بعد الفرض.
[الكلام في الاختيار]
والكلام في الاختيار الآن: فإن كان تسامحاً بطلت صلاته؛ لتعذّر قصد القربة مع الالتفات، وإن كان جهلاً أو رجاءً وثبت كونه إلى الجهة صحّت صلاته بلا إشكال؛ لكونه حكماً واقعياً لا ظاهرياً، ولا مشروطاً بالعلم، بحيث يكون العلم شرطاً واقعياً للقبلة؛ فإنه لا دليل على ذلك، وإنما العلم طريقي إليها لا أكثر، وهو ظاهر كلّ الأخبار.
[تفصيل الكلام]
ولو تبيّن الاستدبار أو الانحراف اكثر من الشرق والغرب بطلت ــــــ[186]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام1: 54.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
ويجب إعادتها وقضاؤها؛ لصدق الفوت مع صدق البطلان، ولا أقلّ من استصحاب التكليف واشتغال الذمة بعد العمل المشكوك، غير أن هذا يثبت به وجوب الإعادة لا وجوب القضاء؛ لأنه فيه ثبت، ولكن تدل عليه عدة اخبار تأتي، فيكون لأتمّها حجّة.
[طوائف الأخبار]
وأما الأخبار فعلى طوائف:
[الطائفة الأولى: ما دلّ على وجوب الإعادة والقضاء]
الطائفة الأولى ما دلّ على وجوب الإعادة (أو القضاء) لمن صلّى إلى غير القبلة، كصحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) قال: “إن تكلّمت أو صرفت وجهك عن القبلة فأعد صلاتك”(1).
ورواية عمر بن يحيى قال: “سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل صلّى على غير القبلة، ثمّ تبيّنت القبلة وقد دخل وقت صلاة أخرى، قال: يعيدها قبل أن يصلّي هذه التي دخل وقتها”(2).
[الطائفة الثانية: ما بين المشرق والمغرب كلّه قبلة]
الطائفة الثانية ما دلّ على أن ما بين المشرق والمغرب كلّه قبلة:
كصحيحة معاوية بن عمار: “أنه سأل الصادق (ع) عن الرجل يقوم في الصلاة، ثمّ ينظر بعدما فرغ، فيرى أنه قد انحرف عن القبلة يميناً أو شمالاً، فقال له: قد مضت صلاته، وما بين المشرق والمغرب كلّه قبلة”(3).
وصحيحة زرارة، عن أبي جعفر (ع) قال: “لا صلاة إلا إلى القبلة.
قال: قلت: أين حدّ القبلة؟ قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة كلّه”(4).
ويمكن تحصيل النسبة بين هاتين الطائفتين بوجوه:
ــــــ[187]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 313، باب9من أبواب القبلة، ح4.
(2) المصدر السابق: ح5.
(3) وسائل الشيعة4: 313، باب10من أبواب القبلة، ح1.
(4) المصدر السابق: ح2.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الأول: اختصاص الطائفة الأولى بالعامد والثانية بالجاهل، وهو واضح من بعض روايتيهما.
الثاني: حكومة الثانية على الأولى بتوسيع موضوعها، ولو تنزيلاً، كصحيحة زرارة الأخيرة.
الثالث: أن الطائفة الأولى مخصّصة للثانية، بحذف الزائد عن القبلة الشرعية والعرفية.
غير أن هذا لا يتم [لوجوه]:
1 ـ عدم قابلية الأولى للتخصيص؛ لأنها تفترض فقط عدم تحقّق القبلة، وليس فيها حذف الزائد.
2 ـ أنه كما يمكن تخصيص الثانية بالأولى يمكن العكس أيضاً، ولكن الترجيح بدون مرجح.
الرابع: أن كلتا الطائفتين يشتركان بالدلالة على البطلان عند الانحراف عن القبلة الشرعية أو العرفية عمداً، وخاصّة صحيحة زرارة الأخيرة التي يقول فيها: “لا صلاة إلا إلى القبلة”. وهذا دالّ على أن الزائد عن حدّ القبلة تبطل فيه الصلاة، وعليه فمن الممكن أن نأخذ بهذا المقدار المشترك بينهما.
الخامس: تخصيص المطلق من الطائفة الثانية الدالّ على البطلان إلى غير القبلة مطلقاً بصورة العمد؛ بقرينة صحيحة عمار، عن أبي عبد الله (ع): “قال: في رجل صلّى على غير القبلة فيعلم وهو في الصلاة، قبل أن يفرغ من صلاته، قال: إن كان متوجّهاً فيما بين المشرق والمغرب فليحوّل وجهه إلى القبلة ساعة يعلم، وإن كان متوجّهاً إلى دبر القبلة فليقطع الصلاة، ثمّ يحوّل وجهه
ــــــ[188]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
إلى القبلة، ثمّ يفتتح الصلاة”(1).
وبه تتخصّص الطائفة الاولى أيضاً.
السادس: تخصيص ما دلّ على الصحّة فيما بين المشرق والمغرب بالعلم بعد الصلاة، ويبقى البطلان بالعلم خلالها، فتأمّل.
[الطائفة الثالثة: ما دلّ على وجوب الإعادة في الوقت]
مثل: صحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله (ع) ، قال: “إذا صلّيت وأنت على غير قبلة واستبان لك أنك صلّيت وأنت على غير القبلة وأنت في وقتٍ فأعد، وإن فاتك الوقت فلا تعد”(2).
والرواية عنه أيضاً، عن أبي عبد الله (ع) قال: “إذا صلّيت وأنت على غير القبلة واستبان لك أنك على غير القبلة وأنت في وقت فأعد، وإن فاتك فلا تعد”(3).
[النسبة بين الطوائف]
ونسبتها –[أي: الطائفة الثالثة]- إلى الطائفة الثانية هي العموم من وجه: يجتمعان في الصحّة في مورد الاتّفاق، ويجتمعان في البطلان في ضدّه، ويختلفان في موردين، فيمكن أن تقيد الطائفة الثانية بالانكشاف في الوقت، كما يمكن العكس، كما يمكن التساقط والمصير إلى استصحاب اشتغال الذمّة وعدم سقوط الأمر.
أما نسبة هذه الطائفة الثالثة إلى الطائفة الأولى فهي نسبة العموم المطلق من حيث وقت العلم بالقبلة الواقعية: يجتمعان بالعلم في الوقت، فتجب الإعادة أو القضاء خارجه، بخلاف ما إذا حصل العلم بعد الوقت.
ــــــ[189]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 315، باب11من أبواب القبلة، ح4.
(2) وسائل الشيعة4: 315، باب11 من أبواب القبلة، ح1.
(3) المصدر السابق: 317، ح5.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وبتعبير آخر: أن بين موضوعيها تبايناً، وما بين حكميها تصادقاً، فيجب الاستقبال إذا استبان الأمر خلال الصلاة، دون خارجها.
ونسبة لسان الاستبانة خلال الصلاة إلى لسان: (ما بين الشرق والغرب كلّه قبلة) هي العموم من وجه: يجتمعان في الحكم بالصحّة في مورد التصادق وكذلك في البطلان، وأما في مورد التعارض، فيكون التقييد على ثلاثة أشكال:
1 ـ أن نقيّد بلسان (الشرق والغرب) فإذا كان خارج ذلك بطلت الصلاة ولو في الأثناء.
2 ـ أن نقيّد بلسان (خلال الصلاة) فلو لم يعدل قبلته بطلت الصلاة، ولو كانت إلى الشرق والغرب.
3 ـ أن نقيّد بكلا التقييدين، كما هو مقتضى الاحتياط.
أما نسبة هذه الألسنة جميعا إلى (لا تعاد) فهي لم تأخذ عنوان القبلة، فتصلح الأدلّة الأخرى لتقييدها أو الحكومة عليها، مثل العلم خلال الصلاة، أو في الوقت، أو توسيع موضوع القبلة ونحو ذلك، فتجب الإعادة إذا تبيّن الخلل خلال الصلاة أو خلال الوقت، أو أنه في الزائد عن الشرق والغرب، أو بمجموع هذه التغييرات.
ثمّ إن هذه الطوائف وهي:
1 ـ لسان أن ما بين المشرق والمغرب كله قبلة.
2 ـ الاستبانة خلال الصلاة.
3- لسان العلم خلال الوقت.
يمكن تقييدها بالمنفصل جميعاً، فيؤخذ في جانب الصحّة بالقدر المتيقّن، ويبقى الباقي مشمولاً لـ(لا تعاد) أو لكونه (صلّى إلى غير القبلة) أو لاستصحاب اشتغال الذمّة أو عدم سقوط الخطاب.
ــــــ[190]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
فإن قلت: إن نتائج ذلك مخالفة للمشهور، فمثلا: أن المشهور أن الجاهل إذا صلّى ما بين المشرق والمغرب صحّت صلاته: سواء كان العلم بالخلاف خلال الصلاة أم بعدها، في الوقت أم خارجه.
قلنا: هذا المشهور ليس بحجّة؛ فإنه -كما هو- معتمد على هذه الروايات، وليس له دليل بذاته، ومرجعه إلى تقديم روايات المشرق والمغرب على غيرها، وهو يحتاج إلى تقريب مفقود.
[الجمع الدلالي]
والجمع الآخر دلالي، وهو أن نأخذ عدّة أمور بنظر الاعتبار:
أولاً: أن مفهوم (مخالفة القبلة) والانحراف عنها لا يشمل الاستدبار؛ لأن الاستدبار عرفاً أشدّ من مجرّد المخالفة، وبذلك تخرج عدّة حصص مشمولة للاستدبار، كالاستدبار أثناء الصلاة وخلال الوقت وبعده.
الثاني: أن العلم في أثناء الصلاة بالمخالفة يراد به ما كان داخل الوقت لا خارجه، يعني: أثناء الصلاة الأدائية، وهكذا انصرافها العرفي الفعلي، فيختلف موضوعها عن طائفة (يعيد خارج الوقت) فلو انكشف الخلاف خلال صلاة القضاء دخل في هذه الطائفة.
الثالث: أن انكشاف الخلاف خلال الوقت لا يشمل خلال الصلاة، بل يراد به ما كان بعدها عرفاً، وكذلك لسان الانكشاف بعد الوقت، فيختلف اللسان الأول موضوعاً عن طائفة (يعيد في الوقت).
الرابع: أن لسان (ما بين المشرق والمغرب قبلة) غير قابل للتقييد؛ لأنه -عرفاً- نصّ في الإطلاق-مثلاً- لصورة الانكشاف خلال الصلاة أو خلال الوقت أو بعد الوقت.
ورواية اسماعيل الجعفي السابقة غير معتبرة سنداً، ولكنها شاملة ــــــ[191]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
للجاهل والعالم، فتقيّد بصحيحة زرارة السابقة، إلا أن هذا لا يتمّ لأنها إنما تقيّد بمفهومها، وليس لها مفهوم معتبر.
فينتج من مجموع ما ذكرناه: أنه إذا تمّت الصلاة مع الجهل بالقبلة أو توهّم الخلاف، لم تجب الإعادة مع عدم صدق الاستدبار، وإن كان خلال الصلاة؛ فإنه يصبح عالماً بالقبلة، فيصحّ منه الجزء السابق، وعليه التوجّه بالجزء اللّاحق ما لم يكن مستدبراً للقبلة.
فإن قلت: إنه يشمل لسان (يعيد داخل الوقت) يعني: إذا انكشف الخلاف في الوقت، وفيه ما هو معتبر.
قلنا: هذا له عدّة أجوبة:
[الأول]: الإطلاق الذي قلناه من عدم الشمول لما كان خلال الصلاة.
[الثاني]: أن نقيّد بصورة العلم دون صورة الجهل، إلا أن هذا خلاف منطوقها.
[الثالث]: أن تحمل على الاستحباب.
[الرابع]: أن تحمل على صورة انكشاف الاستدبار في الصلاة الأولى: إما نصّاً أو تقييداً، كما أن العكس (وهو الالتفات خلال الصلاة خارج الوقت) يمكن تقييده بأحد هذه الأمور، لكنّه لا يصدق عليه الإعادة إلا أن يراد به مطلق التصحيح.
ومعه يكون عنوانها ساقطاً، يعني التفصيل بين الوقت وخارجه، كما هو المشهور؛ إذ لا يحتمل الأخذ به على إطلاقه، فيقتصر به على القدر المتيقّن، وهو استدبار القبلة أو صورة العلم، أو يحمل على الاستحباب أو الاحتياط الاستحبابي.
ــــــ[192]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
والآن بعد عزل حصّة (الالتفات اثناء الصلاة) يبقى الحديث في كلتا الطائفتين [في] صورة الانتهاء منها:
أما الالتفات بعد الوقت، فهو مورد التسالم على الصحّة: سواء بعنوان (بعد الصلاة) أم بعنوان (بعد الوقت) أم بعنوان (الإعادة)؛ لعدم صدق الإعادة على تكرار القضاء، وإنما يصدق عليه عنوان (بعد الصلاة)، فيخرج موضوعاً عن هذه الطائفة.
وإنما يتعارضان في الالتفات خلال الوقت بعد الصلاة، مثل معتبرة القاسم بن الوليد، قال: “سألته عن رجل تبيّن له وهو في الصلاة أنه على غير القبلة، قال: يستقبلها إذا ثبت ذلك، وإن كان فرغ منها فلا يعيدها”(1).
وصحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله (ع) قال: “إذا صلّيت وأنت على غير القبلة، واستبان لك أنك صلّيت وأنت على غير القبلة وأنت في وقت فأعد، وإن فاتك الوقت فلا تعد”(2).
وكلتاهما صحيح السند، ويمكن الجمع بينهما بعدّة وجوه:
الوجه الأول: أن عدم الإعادة عليه عدّة طوائف أو ألسنة، منها روايات المشرق والمغرب، وروايات اليمين والشمال، وروايات الالتفات خلال الصلاة بعد التجريد عن الخصوصية لما بعدها، فتتقدّم.
الوجه الثاني: تقييد روايات وجوب الإعادة في الوقت بروايات المشرق والمغرب، ثمّ تقيّد رواية عدم وجوب الإعادة بذلك.
جوابه:
ــــــ[193]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 314، باب10من أبواب القبلة، ح3.
(2) وسائل الشيعة4: 315، باب10من أبواب القبلة، ح1.
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
[الأول]: أن هذا من انقلاب النسبة الذي لا نقول به.
[الثاني]: أنه يتوقّف على أن تكون روايات (المشرق والمغرب) لها مفهوم مخالفة بنفي الزائد ليكون قابلاً للتقييد.
الا أن هذه المناقشة لا تتمّ؛ لأن الوصف وإن لم يكن له مفهوم بنحو القضية الكلّية، لكن له مفهوم بنحو القضية الجزئية، وهو كافٍ في التقييد هنا.
الوجه الثالث: من وجوه الجمع تقديم روايات الإعادة في الوقت؛ لعمل المشهور بها، وهو مطعون كبرى؛ لعدم حجّية عمل المشهور.
الوجه الرابع: التعارض والتساقط والرجوع إلى الأصول العملية، وهو هنا أصالة البراءة عن وجوب الإعادة، أو استصحاب اشتغال الذمّة، وهذا الأخير هو الأسبق رتبة. وأما أصالة البراءة فليست عن الإعادة حقيقة، بل عن الأداء؛ لعدم صدق الإعادة مع بطلان أحد الفردين، والأداء يثبت موضوعه بالاستصحاب، أعني: استصحاب اشتغال الذمّة.
[إذا اجتهد ثم تجدد له الشك]
[قال المحقق الحلي]: (إذا اجتهد ثم تجدد له الشك)(1).
إذا فحص المكلّف ثمّ حصل له الشكّ في نتيجة الفحص بعد الصلاة، فهل تجب عليه الإعادة أم لا؟
فإن كان الدليل في نفسه معتبراً على تعيين القلبة صغرى وكبرى، لم يضرّ الشكّ فيه صغروياً؛ لأن الأمارة حجّة من دون وجود شكّ ضدّها.
ولكن أغلب أدلّة القبلة إنما هي من باب الاطمئنان، فيكون حجّة ما دام متحقّقاً، فإذا حصل الشكّ زال الاطمئنان، فتنتفي الحجّية بزوال موضوعها، وهذا لا يفرق فيه بين كونه صلّى بفحص أم لا (كما لو حصل
ــــــ[194]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام1: 54، بشيء من التصرف (منه(قدس)).
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الاطمئنان بدون فحص) أو صلّى صلاة واحدة أو أكثر.
كما أن الأول -أيضاً- لا يفرق فيه ذلك، يعني: أن الأمارة تبقى حجّة حتى لو تجدّد الشكّ، إلا أن يكون الشكّ بدرجة تنتفي معه الصغرى.
هذا لو قامت عنده حجّة شرعية بأحد القسمين، وأما إذا لم تقم عنده حجّة شرعية، كما لو اجتهد فلم يهتدِ إلى القبلة فصلى إلى أربع جهات أو صلى في ضيق الوقت إلى أي جهة شاء، فهل يجب عليه الفحص للصلاة الأخرى أم لا؟
فإن فحص وبقي على ثقته بالنتيجة، صلى بنفس الطريقة ولو مكرراً، ولا يجب عليه الفحص؛ لفرض أنه لديه حجّة شرعية على تعذّر تعيين القبلة.
واذا لم يفحص، وإنما صلى إلى جهة واحدة اختياراً لضيق الوقت أو صلى إلى أربع جهات اختياراً عوض الفحص، أما هذا الأخير فهو قابل للمناقشة كبروياً؛ لأنه مخالف للاحتياط؛ باعتبار عدم إمكان الجزم بالنية في كل الصلوات الأربع، فإنما يصار إليه فيما إذا تعذّرت القبلة ووسع الوقت للتكرار.
وعلى أيّة حال فإن أجزنا ذلك اختياراً -باعتبار كونه نوعاً من الاحتياط- لم يفرق بين الصلوات، وإن لم نجزه إلا بعد التعذّر: فإن كان حكم التعذّر -وهو الاطمئنان به- موجوداً في الصلاة الأخرى فهو، وإلا وجب عليه استئناف الفحص.
وأما لو صلّى في ضيق الوقت فإنه يجوز له التكرار بلا إشكال؛ لنفس الموضوع، وهو ضيق الوقت، أعني: في صلاة أخرى، وإلا فمن الواضح أنها ليست قبلة، ويجب الفحص من جديد.
ــــــ[195]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
ثمّ إنه لو صلّى بإحدى هذه الطرق ولم ينكشف الخلاف؛ فلا إشكال، ولا يجب عليه الإعادة ولا القضاء. وأما إن انكشف الخلاف بحجّة شرعية أو بيقين -بحيث ظهر أنه كان في صلاته السابقة على غير القبلة المجزية حتى حال الجهل، أو كان زائداً عن اليمين والشمال، أو كان مستدبراً- فتلك الوجوه بعضها لا يمكن فيه كشف الخلاف، وهو الاحتياط بالأربع، والباقي يمكن فيه ذلك: سواء صلّى بحجّة شرعية أم لا؛ لأنه حتى لو صلى بحجّة شرعية فإنه يمكن نقضها بنحو الشكّ الساري أو قيام حجّة غيرها.
وأما لو لم تنتقض الحجّة الأولى بالشكّ الساري، فلا حاجة إلى تجديد الفحص. نعم، لو ثبتت القبلة صدفة باليقين ونحوه كان لازمه بطلان الحجّة الأولى، فيحصل الشكّ الساري عند قيام ذلك اليقين.
فإذا تيقّن الخلاف فهل يجب عليه أن يكرّر الصلاة في الوقت أم لا؟
يمكن تقريب عدم الإعادة: بأنه قد صلّى حسب إمكانه في حينه، يعني: أدى جميع الشروط والأجزاء المطلوبة منه حال الأداء، وبذلك سقط الأمر باليقين، فلا تجب عليه الإعادة فضلاً عن القضاء.
فإن قلت: إن الإعادة لا بد أن تكون واجبة ما دام الوقت متحقّقاً؛ باعتبار أهمّ الشروط على الإطلاق.
قلنا: هذا يرجع إلى القول بالمواسعة والمضايقة، فإن قلنا بالمضايقة لزم الإتيان بالصلاة آخر الوقت رأساً، وانتفى الإشكال، وإن قلنا بالمواسعة فمعناه إسقاط أهمّية الوقت شرعاً إلى هذه الدرجة في باب المزاحمة، والنظر إلى ما في الأجزاء والشرائط، والمفروض أنه قد أتى بها كاملة بالمقدار الممكن فتصحّ صلاته، إلا على نحو الاحتياط الاستحبابي.
ــــــ[196]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
وهذا -أعني: وجوب الإعادة في هذه الصورة- هو ما تقتضيه إطلاقات أكثر الطوائف: كالصلاة إلى الشرق والغرب وغيرها، غير أن المفروض أنها ساقطة؛ لأن معنى سقوط الشرط سقوط ما دلّ عليه أيضاً، لأنه هو المنشأ له.
نعم، يبقى هنا دليلان:
[الأول]: ما دلّ على أنه إذا انكشف الخلاف في الوقت وجبت الإعادة؛ فإنه شامل بإطلاقه لهذه الصورة.
[الثاني]: الشهرة أو الإجماع على وجوب الإعادة، وهو مدركي، فلا يبقى إلا الاحتياط الوجوبي، وإذا وجبت الإعادة وجب القضاء أيضاً؛ لعدم الفوت ولو احتياطاً، فتأمّل. وإذا لم تجب الإعادة لم يجب القضاء؛ لعدم صدق الفوت.
وعلى أي حال فالقضاء منوط بشكل الفوت المحتمل خلال الوقت، وهذا له عدّة صور نذكر المهمّ منها:
1- أنه صلى كيف كان وغفل، ولم ينكشف له الخلاف.
2- أنه صلى لحجّة شرعية على القبلة، ولم ينكشف له الخلاف.
3- أنه صلى لحجّة شرعية ثمّ شكّ بنحو الشكّ الساري أنه هل كان إلى الشرق والغرب أم لا؟
4- أنه صلى بحجّة شرعية ثمّ شكّ بالاستدبار.
5- أنه صلى بحجّة شرعية، وتبيّن له الخلاف أنه في ضمن اليمين واليسار أو أكثر في الوقت إلا أنه ترك الإعادة.
6- أنه صلى بفحص فنتج الحجّية ثمّ الشكّ.
ــــــ[197]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
7- أنه صلى بفحص وأنتج فحصه اليأس عن القبلة، فصلى في سعة الوقت صلاة واحدة، ثمّ تبيّن الخلاف.
8- نفس الصورة مع تبيّن الخلاف أنه في ضمن المشرق والمغرب.
9- نفس الصورة، مع تبيّن الخلاف في الأكثر.
10- فحص وحصل له الياس وصلى أربعاً، ثمّ تبيّنت له القبلة في الوقت.
11- نفس الصورة إلا أنه لم يصلِّ في الوقت.
12- نفس الصورة إلا أنه ثبتت له القبلة خارج الوقت.
13- أنه فحص وآيس وصلى صلاة واحدة في ضيق الوقت ولم يتبيّن الخلاف.
14- نفس الصورة [إلا] أنه تبيّن الخلاف أنه ما بين المشرق والمغرب.
15- نفس الصورة ولكن تبيّن وقوع صلاته خارج المشرق والمغرب.
فهنا قد يقال بسقوط الأمر بالصلاة مع المبادرة إليها خلال الوقت، مع بذل إمكانه في الفحص، فلا يجب القضاء، ولم يدلّ في وجوبه دليل معتبر، وإنما دلّ على وجوب الإعادة فيما إذا تبيّن الخلاف في الزيادة على الشرق والغرب، وأما القضاء فلا، ولا مورد للتجريد عن الخصوصية، مع احتمال الفرق.
بل إن القضاء مما نفته طائفة من الروايات، ومقتضى إطلاقها شمولها حتى مثل هذه الصورة.
لا يقال: (الإعادة) لغةً هي تكرار الصلاة، أو هو أعمّ من الأداء والقضاء.
قلنا: نعم، ولكنه محمول على الاستحباب؛ بدليل نفي الإعادة بعد الفوت.
لا يقال: كلا؛ فإن هذا النفي إطلاق يمكن تقييده، أو هو -في الحقيقة-
ــــــ[198]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
ليس له إطلاق لهذه الصورة؛ لأنه خاصّ بالانحراف القليل نسبياً، وهو غير الفرض.
فإن قلت: فإن القضاء بأمر جديد تجري عنه البراءة، وخاصّة بعد أن أدّى ما عليه.
قلنا: يمكن التمسّك بمطلقات وجوب الإعادة إذا كان الانحراف أكثر من اليمين واليسار؛ على اعتبار أن المراد هو الأعمّ من الأداء والقضاء.
فإن قلت: كلا؛ لإحراز القبلة ضمن الأربع، وعدم وجوب تعيين النيّة على ما هو التحقيق.
وأما الصلاة من دون فحص مع تبيّن الخلاف فإن كان ما بين المشرق والمغرب صح، وإلا كان مشمولاً لدليل وجوب القضاء.
هذا كلّه في الفحص عن قبلة الأداء، وأما الفحص عن قبلة القضاء فالقضاء منه موسّع ومنه مضيّق، أما المضيّق فالكلام فيه نفس ما سبق، وأما الموسّع، فلا يتصوّر فيه الضيق، فيكون في قبلته احتياطاً أكثر؛ لإمكان تكرّر الفحص أو تحصيل اليقين العرفي أو الذهاب إلى محلّ محرز القبلة، ونتيجته: أنه لو صلى إلى قبلة محتملة فإنه لا يجزي حتى ما بين المشرق والمغرب من دون فحص، بل الصلوات إلى أربع جهات في القضاء مشكل؛ لأنه غير جزمي النية، والحصول على الجزم ممكن.
نعم، يكون القضاء مضيّقاً في صورتين، فيكون مشمولاً لحكم الفحص للأداء، وهما:
1- القضاء لنفس اليوم، كما ذكرنا في محلّه.
2- القضاء مع اليأس -ولو اطمئناناً- بعد تحقيق الشرط طول العمر، وذلك عند العلم بقرب الوفاة.
ــــــ[199]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
فهرس المصادر
١. إفاضة العوائد تعليق على درر الفوائد، لآية الله العظمى السيد محمد رضا الـﮕـلبايـﮕـاني، الناشر دار القرآن الكريم، قم، الطبعة الأولى، ١٤١٠هـ.
٢. الأمالي، لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة، الناشر دار الثقافة، قم، الطبعة الأولى، 1414هـ.
٣. الأمالي، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، المعروف بالصدوق، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة، قم، الطبعة الأولى،١٤١7هـ.
٤. الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، لأبي جعفر محمد بن الحسن، الطوسي، تحقيق وتعليق السيد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلامية، طهران، بازار سلطاني.
٥. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، للمولى الشيخ محمد باقر المجلسي، مؤسسة الوفاء، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية.
٦. تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، لمحمد بن الحسن الحر العاملي، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، قم، الطبعة الثانية، سنة ١٤١٤ هـ، المطبعة مهر، قم.
ــــــ[201]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
٧. تهذيب الأحكام في شرح مقنعة الشيخ المفيد، لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق وتعليق السيد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلامية، طهران، بازار سلطاني.
٨. جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، لمحمد بن الحسن النجفي، تحقيق وتعليق عباس القوچاني، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة، طهران، ١٣٦٥ ش.
٩. الخلاف، لأبي جعفر محمد بن الحسن، الطوسي، تحقيق جماعة من المحققين، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، سنة ١٤٠٧ هـ.
١٠. ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، لمحمد بن جمال الدين مكي العاملي الجزيني، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، قم، الطبعة الأولى، سنة ١٤١٩ هـ.
١١. الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقية، لزين الدين الجبعي العاملي، تحقيق السيد محمد كلانتر، الطبعة الثانية ١٣٩٨ هـ، منشورات جامعة النجف الأشرف الدينية، ومنشورات مكتبة الداوري، قم، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ (أفست).
١٢. زبدة الأصول، لبهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي الهمداني، المعروف بالبهائي، تحقيق فارس حسون كريم، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ، الناشر مرصاد.
١٣. شرائع الإسلام، المحقق الحلي، أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن، مع تعليق سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، ط ١، نشر: الفقاهة، ١٤٢٧ هـ – ٢٠٠٦.
ــــــ[202]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
١٤. عيون أخبار الرضاء للشيخ الأقدم والمحدّث الأكبر محمد بن علي بن الحسين، أبي جعفر الصدوق، المتوفى سنة ٣٨١ه، صححه وقدم له وعلق عليه الشيخ حسين الأعلمي، منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت لبنان، الطبعة الأولى، سنة ١٩٨٤م.
١٥. غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع، للفقيه السيد حمزة بن علي بن زهرة، الحلبي، تحقيق الشيخ إبراهيم البهادري، المطبعة اعتماد، قم، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ، الناشر مؤسسة الإمام الصادق.
١٦. فرائد الأصول، للشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري، تحقيق لجنة التحقيق، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ، الناشر مجمع الفكر الإسلامي.
١٧. فقه الرضاء المنسوب للإمام الرضاء (عليه السلام) والمشتهر بـ (فقه الرضا)، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، قم، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ.
١٨. فقه الفضاء، سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد الصدر (قدس سره)، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ، دار الأضواء، بيروت.
١٩. الكافي، لأبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكليني الرازي، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، بازار سلطاني.
٢٠. لسان العرب، لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، نشر أدب الحوزة، قم، إيران، سنة ١٤٠٥هـ.
٢١. ما وراء الفقه، آية الله العظمى السيد الشهيد محمد الصدر فذت، هيئة تراث السيد الشهيد الصدر قُ، دار الأضواء، الطبعة الأولى، ١٤٣٠هـ هيئة تراث السيد الشهيد الصدر (قدس سره)، النجف الأشرف.
ــــــ[203]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
٢٢. مجمع البحرين، لفخر الدين الطريحي، بترتيب محمود عادل، وتحقيق السيد أحمد الحسيني، الطبعة الثانية، ١٤٠٨ هـ، مكتب النشر للثقافة الإسلامية.
٢٣. مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، للفقيه المحقق أحمد الأدربيلي، تصحيح وتعليق الحاج مجتبى العراقي وغيره، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية.
٢٤. مختلف الشيعة، لأبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي، المعروف بـ(العلامة الحلي)، تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة، سنة ١٤١٢ هـ.
٢٥. مستمسك العروة الوثقى، لآية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم، إيران، سنة ١٤٠٤ هـ.
٢٦. المسند، لأحمد بن حنبل (٢٤١هـ)، دار صادر، بيروت، لبنان.
٢٧. المسند، للحافظ أحمد بن علي بن المثنى التميمي (٣٠٧هـ)، تحقيق حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق وبيروت.
٢٨. مصباح الفقيه، لآقا رضا الهمداني، انتشارات مكتبة النجاح، طهران (الطبعة الحجرية).
٢٩. معارج الأصول، لأبي القاسم جعفر بن الحسن الهذلي، إعداد محمد حسين الرضوي، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.
٣٠. معجم لغة الفقهاء، وضعه الدكتور محمد رواس، قلعة چي وحامد
ــــــ[204]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
صادق قنيبي، دار النفائس، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، ١٤٠٨هـ.
٣١. مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، للسيد محمد جواد الحسيني العاملي، تحقيق وتعليق الشيخ محمد باقر الخالصي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، الطبعة الأولى، سنة ١٤١٩هـ.
٣٢. مقالات الأصول، للمحقق الأصولي ضياء الدين العراقي، تحقيق الشيخ محسن العراقي والسيد منذر الحكيم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤١٤هـ.
٣٣. المقنعة، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، المعرف بالشيخ المفيد، تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة، الطبعة الثانية، سنة ١٤١٠هـ.
٣٤. من لا يحضره الفقيه، لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، المعروف بالشيخ الصدوق، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم المقدسة، الطبعة الثانية.
٣٥. منهج الأصول، آية الله العظمى الشهيد السعيد محمد الصدر (قدس سره)، الطبعة الأولى، ١٤٢٣هـ – ٢٠٠٢م، دار الأضواء، بیروت.
٣٦. منهج الصالحين، فتاوى آية الله العظمى السيد الشهيد محمد الصدر، دار الأضواء، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ ه، هيئة تراث السيد الشهيد الصدر (قدس سره)، النجف الأشرف.
٣٧. النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، لأبي جعفر محمد بن الحسن، الطوسي، انتشارات قدس محمدي، قم.
ــــــ[205]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
الفهرس
ــــــ[207]ـــــــ
بيان الفقه ج1، محمد الصدر
مقدمة السيد مقتدى الصدر للطبعة الأولى………3
مقدمة السيد مقتدى الصدر للطبعة الثانية………5
مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر(قدس)………7
مبحث القبلة………11
الاستدلال بالقران الكريم………11
الآية الأولى: قد نرى تقلب وجهك في السماء………11
الآية الثانية: وأقم وجهك للدين حنيفاً………19
الآية الثالثة: إني وجهت وجهي للذي فطرني………19
الآية الرابعة: سيقول السفهاء من الناس………20
[النقطة الأولى:] ردّ إشكال عدم ذكر الصلاة في الآية………21
[النقطة الثانية:] ردّ عدم تعيين السفهاء في الآية………21
[النقطة الثالثة:] ردّ الإشكال على أن الآية تاريخية………22
[النقطة الرابعة:] رد إشكال متعلق الجار والمجرور في الآية………22
أطروحات أسباب التقلّب في الآية………22
ترجيح الأطروحة الأخيرة………23
[النقطة الخامسة:] تحويلات القبلة………23
[النقطة السادسة]: اتّساع معنى القبلة………23
أطروحات الأجوبة………24
الآية الخامسة: وجّهت وجهي للذي فطرني………25
مناقشة الآية………25
الآية السادسة: وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد………26
مناقشة الآية………27
أولاً: معنى المسجد في الآية………27
ثانياً: أن ظاهر (أقيموا) الوجوب في الآية………27
معنى القسط في الآية………27
ثالثاً: الاستدلال على ذيل الآية………28
ترابط ذيل الآية مع مقدّمتها………28
رابعاً: اتّساع معنى الصلاة………29
خامساً: معنى الإقامة في الآية………29
الاستدلال بالسُنّة الشريفة………29
الطائفة الأولى: وجوب القبلة في الصلاة………29
الرواية الأولى: صحيحة زرارة………29
الإشكالات الواردة على الرواية والردّ عليها………29
عدم تعيين الكعبة………29
2/ دلالتها على الاستحباب لا الوجوب………29
الرواية الثانية: عن أبي بصير………31
الإشكالات الواردة على الرواية والرد عليها………32
الطائفة الثانية: ما دلّ على تحويل القبلة في عصر النبي(ص)………33
الرواية الأولى: عن معاوية بن عمار………33
الرواية الثانية: عن أبي البحتري………33
الإشكالات الواردة على مجمل الروايتين والردّ عليها………33
تعليق الحر العاملي ومناقشته………33
الرواية الثالثة: معتبرة معاوية بن عمار………33
الطائفة الثالثة: ما دلّ على تحويل القبلة تفصيلاً………34
الرواية الأولى: عن أبي بصير………34
الرواية الثانية: عن الشيخ الصدوق………34
الإشكالات الواردة على الرواية………35
1/ إنها من مراسيل الصدوق………35
2/ عدم إمكان كون الصلاة [قبل] الهجرة إلى بيت المقدس………35
3/ لا إشكال في تقدّم النساء على الرجال في الصلاة………35
4/ تحويل القبلة يستلزم بطلان الصلاة………35
مناقشة الإشكال الأخير………35
معجزية تحويل القبلة………36
صعوبة الأمر فقهياً………36
5/ضعف السند عموماً………38
6/ التعارض بين مضامين بعض الروايات………38
تفصيل التعارض………39
حلّ التعارض………40
مناقشة اغتمام الرسول(ص)………40
الأدلّة اللّبية………41
الجهة الأولى: أن الكعبة قبلة لمن في المسجد………42
الجهة الثانية: أن المسجد قبلة لمن كان في الحرم والاستدلال عليه………44
الكتاب الكريم………45
السُنّة الشريفة وهي أربعة أخبار منها………46
1/ خبر الحجّال………47
2/ الخبر الذي بعده………47
3/ خبر أبي غرّة………47
الأدلّة اللّبية………48
الجهة الثالثة: أن الحرم قبلة لأهل الدنيا والاستدلال عليه………49
الكتاب الكريم………49
السُنّة الشريفة………49
الكلام في جهة الكعبة………52
اتساع الجهة العرفية والاستدلال عليه………52
الكتاب الكريم………53
السُنّة الشريفة………56
الطائفة الأولى: أخبار تحويل القبلة………56
الطائفة الثانية: ما بين المشرق والمغرب قبلة ومنها:………56
صحيحة زرارة………56
رواية أبي هشام الجعفري………57
اختصاص الروايات بالعمد ومناقشته………59
الطائفة الثالثة: ما دلّ على حجية العمل بالنجم القطبي………60
رواية اسماعيل بن أبي زياد………60
رواية محمد بن مسلم………60
مرسلة الصدوق في (الفقيه)………60
[تقريب الاستدلال بهذه الطائفة] ………61
النقطة الأولى: مناقشة أخبار الجدي………61
النقطة الثانية: إثبات الجدي فلكياً………62
النقطة الثالثة: التنزل عن السند………62
شروط علامية الجدي………62
كيفية استعمال الجدي للتعرف على القبلة………63
النقطة الرابعة: مناقشة مرسلة الصدوق………64
النقطة الخامسة: اتّساع معنى الجدي………64
الطائفة الرابعة: مما دل على جواز الاتّساع بجهة القبلة………65
الطائفة الخامسة: ما دلّ على جواز الصلاة على جبل أبي قبيس………66
أخبار وجوب التدقيق………67
الطائفة الأولى: ما دل على وجوب التحري………67
الطائفة الثانية: ما ورد بلسان الصلاة إلى أربع جهات………68
الطائفة الثالثة: لسان النهي عن الصلاة إلى غير القبلة………70
الطائفة الرابعة: ما دلّ على استحباب التياسر مع المناقشة………71
الطائفة الخامسة: في من علم أنه صلى إلى غير القبلة………72
الطائفة السادسة: الإجماع والشهرة في وجوب التدقيق في القبلة………73
بطلان الاستدلال بهذه الطوائف على الدقّة………73
وجوه جمع الطوائف………73
الأخبار الواردة على الصلاة في السفينة………75
صحيحة الحلبي………75
رواية علي بن إبراهيم………75
معتبرة حماد بن عيسى………76
رواية يعقوب بن شعيب………77
صحيحة حماد بن عثمان………77
الأدلّة اللّبية………78
أولاً: الإجماع………78
ثانياً: السيرة المتشرعية………78
ثالثاً: العرف………79
رابعاً: العقل………80
أوجه الجانب الهندسي ومناقشته………80
انحناء النطاق الهندسي………82
القبلة هي الحيّز………86
القول بالنفي………86
القول بالإثبات………88
الأول: الأخبار ومناقشتها………88
الثاني: الإجماع على أن الكعبة قبلة من تخوم الأرض إلى عنان السماء………88
الثالث: الإجماع على أن الحيز هو القبلة………89
الرابع الارتكاز المتشرّعي………89
احتمالات الصلاة أعلى من الكعبة والاستدلال عليها………89
السنة الشريفة وهي على عدة طوائف………89
الطائفة الأولى: الصلاة على جبل أبي قبيس………90
الطائفة الثانية: الصلاة على سطح الكعبة………90
الطائفة الثالثة: الصلاة في جوف الكعبة………91
اللسان الأول: المنع عن الصلاة في جوف الكعبة………91
اللسان الثاني: جواز الصلاة في جوف الكعبة………92
اللسان الثالث: الصلاة إلى أربع جهات في جوف الكعبة………92
اللسان الرابع: ما دلّ على الأمر بالصلاة استلقاء………92
مناقشة مجموع الأخبار………92
بقي التنبيه على أمور………94
الأمر الأول: تعليق الحرّ العاملي………94
الأمر الثاني: لا نصّ على تخوم الأرض………95
الأمر الثالث: استقبال الأرض لمن [يكون] خارج الأرض………96
الأمر الرابع: الوجود الحكمي والمعنوي للكعبة………97
الأمر الخامس: مداليل الروايات الخاصّة بالصلاة في جوف الكعبة………98
الأمر السادس: في النطر إلى الصلاة فوق الكعبة………99
مناقشة فيما إذا نصب شيء أمامه………100
استطالة صفّ المأمومين………101
بطلان الصلاة الدائرية………101
علامات القبلة………102
الاستدلال بالكتاب………102
مناقشة الآية: وبالنجم هم يهتدون………102
مناقشة الآية: سخّر لكم الشمس والقمر دائبين………104
مناقشة الفرق بين الكوكب والنجم………105
مناقشة الآية: وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره………106
الاستدلال بالسنة الشريفة………107
الطائفة الاولى: علامية الجدي على القبلة………107
تصحيح روايات الجدي………108
الطائفة الثانية: أخبار التياسر………108
إجمال ثبوت أهمّية الجدي………109
الاستدلال بالسيرة………109
مستويات السيرة………110
استعمال الأجهزة الحديثة والفرق بينهما وبين العين المجرّدة………110
الفرق بين الدائب والثابت………110
مناقشة الشهيد الثاني………111
علامية الشمس………113
علامية القبور والمساجد والمسالخ والمذابح………114
المستوى الأول: فعل المعصومين ………114
المستوى الثاني: تسالم أهل البلد مع المناقشة………115
المستوى الثالث: مرافق البلد مع المناقشة………118
المستوى الرابع: اخبار ذي اليد مع المناقشة………119
المستوى الخامس: البوصلة مع المناقشة………119
المستوى السادس: قول المجتهد في تعيين القبلة………122
مناقشة استحباب التياسر………123
من ناحية الموضوع………123
من ناحية المحمول………123
مناقشة أخبار التياسر………124
مناقشة الشيخ في النهاية………125
مناقشة الشيخ الهمداني………127
مناقشة حجّية الظن على القبلة………128
التقريب الأول: التمسّك بصحيحة زرارة………128
التقريب الثاني: أرجحية الظنّ عقلاً وعقلائياً………130
التقريب الثالث: دليل الانسداد الشرعي دون العقلائي………130
في تعارض الأمارات في الدلالة على القبلة………135
إذا اجتهد فأخبره غيره بخلاف اجتهاده………138
في حجية خبر الكافر………139
وجوب تحصيل القبلة مع فقدان العلم والظنّ………140
مناقشة التخيير بالقبلة………141
القول بعدم التخيير ومناقشته………142
الاستدلال بآية: ليس البرّ أن تولوا وجوهكم………142
الاستدلال برواية (لا تعاد)………143
الاستدلال بالرواية [الدالّة] على عدم وجوب الصلاة إلى أربع جهات………143
أصالة الاحتياط والاشتغال………143
[استقبال المسافر القبلة]………145
جعل الصلاة الاختيارية اضطرارية اختياراً مطلقاً………148
الكلام في القاعدة………148
الكلام في الأخبار………151
وجوب استقبال القبلة للمسافر………155
الكتاب الكريم………155
السُنّة الشريفة………155
الإجماع………157
الصلاة على الراحلة………157
الكلام في وسائط النقل………160
روايات في المقام………160
التعارض بين الروايات………162
بقيت عدة نقاط………168
مناقشة نفي الاستقبال حتى في حالة التكبير………169
طائفتان تنهي عن صلاة في الراحلة………173
فروع البحث عن القبلة………176
توجيه الميت إلى القبلة………176
توجيه الذبائح إلى القبلة………178
[حكم الصايلة]………179
النفور النوعي والشخصي………179
حكم المتردّية………181
(في أحكام الخلل وهي مسائل)………184
1/ الأعمى يرجع إلى غيره………184
الأولى: دليل الانسداد………185
الثانية: الأخبار………185
[الاتّجاه إلى جهة ما بعنوان كونها قبلة]………186
الكلام في الاختيار………186
تفصيل الكلام………186
طوائف الأخبار………187
الطائفة الأولى: ما دلّ على وجوب الإعادة والقضاء………187
الطائفة الثانية: ما بين المشرق والمغرب كلّه قبلة………187
الطائفة الثالثة: ما دلّ على وجوب الإعادة في الوقت………189
النسبة بين الطوائف………189
الجمع الدلالي………191
إذا اجتهد ثم تجدد له الشك………194
فهرس المصادر………201