أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
بيان الفقه/ ج2

بيان الفقه ج2 

بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر

 

مبحث لباس المصلي

وينبغي أوّلاً أن نذكر الحكم الرئيسي فيه، وهو عدم جواز الصلاة في اللباس النجس، قبل أن ندخل في التفاصيل التي ذكرها المحقّق الحلّي.
ومقتضى الأُصول العمليّة وإن كان هو عدم الشرطيّة وعدم المانعيّة، إلّاَ أنَّه محكوم بالدليل الاجتهادي الدالّ على الشرطيّة والمانعيّة بوضوح.
وما يمكن أن يستدلّ به في هذا الصدد الأخبار والأدلّة اللبّيّة.
[الأخبار الدالة على عدم الصلاة في اللباس النجس]
أمّا الأخبار فعلى طوائف يصل مجموعها فوق حدّ التواتر:
الطائفة الأولى: ما دلّ على عدم جواز الصلاة في جلد الميتة
كصحيحة محمد بن مسلم قال: «سألته عن الجلد الميّت: أيلبس في الصلاة إذا دبغ؟ قال: لا، ولو دبغ سبعين مرّة»(1).
وصحيحة محمّد بن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد الله، في الميتة ــــــ[11]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 4: 343، باب 1 من أبواب لباس المصلي، ح1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
قال: «لا يصلِّ في شيء منه ولا في شسع»(1).
غير أنَّ الاستدلال بهذا اللسان للقاعدة العامّة الفقهيّة إنَّما يتمّ إذا أمكن التجريد عن الخصوصيّة من جلد الميتة إلى غيره من أعيان النجاسة، وكذلك من جلد الميتة بصفته أحد أعيان النجاسة إلى المتنجّس به وبغيره، وإذا أمكن التجريد الأوّل لم يمكن التجريد الثاني قطعاً؛ لأنَّه تجريد إلى الأقلّ، وهو متعذّر، فتبقى هذه الروايات خاصّة بموردها.
الطائفة الثانية: ما دلّ على اشتراط الذكاة في الجلد خلال الصلاة
كرواية علي بن أبي حمزة قال: «سألت أبا عبد الله وأبا الحسن عن لباس الفِراء والصلاة فيها؟ فقال: لا تصلّ فيها إلَّا ما كان منه ذكيّاً. قال: قلت: أوليس الذكي ممّا ذكّي بالحديد؟ قال: بلى إذا كان ممّا يؤكل لحمه»(2).
والاستدلال بهذه الرواية يحتاج إلى مقدّمتين على الأقل:
[الأولى]: صحّة السند، مع أنَّها غير معتبرة، غير أنَّه يمكن القول: إنَّ المضمون مسلّم فقهيّاً، بحيث نستغني معه عن السند.
[الثانية]: أن يقال: إنَّ ما لم يذكَّ فهو ميتة، وكلّ ميتة نجس، فنحتاج إلى نحو من التجريد عن الخصوصيّة، كما قلنا في الطائفة الأُولى.
ــــــ[12]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 4: 345، باب 1، من أبواب لباس المصلّي، ح2.
(2) وسائل الشيعة 4: 345، باب 2، من أبواب لباس المصلّي، ح2.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الطائفة الثالثة: ما دلّ على جواز الصلاة في الدم إذا كان بمقدار الدرهم
كصحيحة مسلم قال: «قلت له: الدم يكون في الثوب عليّ وأنا في الصلاة، قال: إذا رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصلِّ، وإن لم يكن عليك ثوب غيره فامض في صلاتك، ولا إعادة عليك، ما لم يزد على مقدار الدرهم. وما كان أقلّ من ذلك فليس بشيء: رأيته من قبل أو لم تره، وإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيّعت غسله وصلّيت فيه صلاة كثيرة، فأعد ما صلّيت فيه»(1).
فإنّه من الواضح عدم جواز الصلاة في الدم الكثير، والتجريد عن الخصوصيّة لكلّ النجاسات ممكن من هذه الناحية، وإن لم يمكن من جهة العفو عن مقدار الدرهم، كما لا يمكن التجريد من عين النجاسة إلى المتنجّس، إلّا أنَّ كلامنا الآن عن الصلاة في عين النجاسة.
هذا وفي كلّ طائفة أخبار أُخرى عديدة بنفس المضمون، إلّاَ أنّنا نختار منها الأصحّ والأوضح؛ خشية التطويل، إلّا أنَّ غيره سيأتي فيه نفس التقريب الذي نذكره لكلّ طائفة، فالمهم أنَّه بهذا العدد يفوق حدّ التواتر كما ذكرنا بالتأكيد.
الطائفة الرابعة: فيمَن علم بالنجاسة ولم يستطع التعرّف على موضعها
كصحيحة زرارة قال: «قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف -إلى أن قال-: قلت: فإن لم أكن رأيت موضعه وعلمت أنَّه أصابه، فطلبته فلم أقدر عليه، فلمّا أن
ــــــ[13]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 3: 431، باب 20 من أبواب النجاسات، ح6.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
صلّيت وجدته، قال: تغسله وتعيد … الحديث»(1).
وصحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله، قال: «ذكر المني فشدّده فجعله أشدّ من البول، ثمّ قال: إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثمّ صلّيت فيه ثمّ رأيته بعد فلا إعادة عليك، وكذلك البول» (2).
ومن الواضح أنَّ الأمر بالإعادة معناه فساد الصلاة، والسبب مذكور، وهو الصلاة في الدم أو في المني أو في البول، ولا جامع بين هذه الأُمور إلّا كونها من أعيان النجاسة متشرّعيّاً وشرعاً، والإسناد لهاتين الروايتين معتبران.
الطائفة الخامسة: فيمن نسي النجاسة حتّى صلّى
كصحيحة زرارة قال: «قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من منيّ، فعلّمت أثره إلى أن أصيب له من الماء، فأصبت وحضرت الصلاة ونسيت أنَّ بثوبي شيئاً وصلّيت، ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك، قال: تعيد الصلاة وتغسله. قلت: فإنّي لم أكن رأيت موضعه وعلمت أنَّه أصابه، فطلبته فلم أقدر عليه، فلمّا صلّيت وجدته، قال: تغسله وتعيد»(3).
ــــــ[14]ـــــــ
(1) المصدر السابق 3: 477، باب 41 من أبواب النجاسات، ح1.
(2) وسائل الشيعة 3: 478، باب 41 من أبواب النجاسات، ح2.
(3) وسائل الشيعة 3: 377، باب 41 من أبواب النجاسات، ح1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ومعتبرة ابن مسكان قال: «بعثت بمسألة إلى أبي عبد الله مع إبراهيم بن ميمون، فقلت: سَلْهُ عن الرجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بوله، فيصلّي ويذكر بعد ذلك أنَّه لم يغسلها، قال: يغسلها ويعيد»(1).
وتقريبه قد أصبح واضحاً بعد الذي ذكرناه في الطوائف السابقة، غير أنَّ الأخيرة تحتاج إلى نحو من التجريد عن الخصوصيّة من البدن إلى اللباس كي تدخل في محلّ الاستدلال على محلّ الكلام، وهو غير بعيد.
الطائفة السادسة: فيمن أصاب ثوبه خمر أو مسكر
كصحيحة زرارة عن أبي عبد الله، قال: «إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ
-يعني المسكر- فاغسله إن عرفت موضعه … وإن صلّيت فيه فأعد صلاتك»(2).
ويأتي فيه نفس التقريب، مع إمكان التجريد عن الخصوصيّة من المسكر والخمر إلى كلّ أنواع النجاسات.
الطائفة السابعة: فيمن تعذّرت عليه إزالة النجاسة
كصحيحة الحلبي قال: «سألت أبا عبد الله عن رجل أجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره؟ قال: يصلّي فيه، فإذا وجد الماء غسله»(3).
ــــــ[15]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 3: 429، باب 41 من أبواب النجاسات، ح3.
(2) وسائل الشيعة 3: 468، باب 38 من أبواب النجاسات، ح2.
(3) المصدر السابق 3: 484، باب 45 من أبواب النجاسات، ح1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وعنه: «أنَّه سأل أبا عبد الله عن الرجل يكون له الثوب الواحد فيه بول لا يقدر على غسله؟ قال: يصلّي فيه»(1).
والاستدلال بهذه الطائفة يكون بالارتكاز الذي ابتنى عليه السؤال والجواب، وهو أنَّ مقتضى القاعدة المنع وبطلان الصلاة، بحيث يسأل السائل عن حال الضرورة، ولو لم يكن المنع موجوداً أصلاً لما كان للسؤال مورد أصلاً.
الطائفة الثامنة: في أنَّ من يكون له ثوب واحد فإنّه يصلّي عارياً
كموثّقة سماعة قال: «سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض وليس عليه إلّا ثوب واحد، وأجنب فيه، وليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال: يتيمّم ويصلّي عرياناً قاعداً يومئُ إيماءً»(2).
ورواية الحلبي عن أبي عبد الله: «في رجل أصابته جنابة وهو بالفلاة، وليس عليه إلّا ثوب واحد وأصاب ثوبه منيّ؟ قال: يتيمّم ويطرح ثوبه، ويجلس مجتمعاً، فيصلّي ويومئ إيماءً»(3).
الطائفة التاسعة: أنَّه لا يجب إعلام الغير بوجود النجاسة
كصحيحة محمّد بن مسلم، عن أحدهما، قال: «سألته عن الرجل يرى
ــــــ[16]ـــــــ
(1) المصدر السابق: ح3.
(2) وسائل الشيعة 3: 486، باب 46 من أبواب النجاسات، ح1.
(3) وسائل الشيعة 3: 486، ح4.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
في ثوب أخيه دماً وهو يصلّي، قال: لا يؤذنه حتّى ينصرف»(1).
وصحيحة عبد الله بن بـكير قال: «سألت أبا عبد الله عن رجل أعار رجلاً ثوباً فصلّى فيه وهو لا يصلّي فيه، قال: لا يعلمه، قال: قلت: فإن أعلمه؟ قال: يعيد»(2).
مع كون أنَّ الظاهر من (لا يصلّي فيه) أنَّه بسبب النجاسة لا بسبب الغصبيّة ولا بسبب ما لا يؤكل لحمه، ومثل هذا الاحتمال وإن كان موجوداً بدواً، إلّا أنَّه خلاف الظاهر وخلاف الاطمئنان الناشئ من الغالب.
الطائفة العاشرة: ما دلّ على اشتراط الذكاة في الجلد
كرواية قاسم ‌‌‌‌‍‍‌‌الصيقل قال: «كتبت إلى الرضا: إنّي أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة، فتصيب ثيابي، فأُصلّي فيها؟ فكتب إليَّ: إتّخذ ثوباً لصلاتك.
فكتبت إلى أبي جعفر الثاني: كنت كتبت إلى أبيك بكذا وكذا، فصعب عليّ ذلك، فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشيّة الذكيّة، فكتب إليَّ: كلّ أعمال البرّ بالصبر – يرحمك الله- فإن كان ما تعمل وحشيّاً ذكيّاً فلا بأس»(3).
ومقتضى مفهوم الشرطيّة الأخيرة هو وجود البأس فيما لم يكن ذكيّاً، بعد إلغاء عنوان الوحشيّة بالتجريد عن الخصوصيّة عرفاً ومتشرّعيّاً.
ــــــ[17]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 3: 474، باب 40 من أبواب النجاسات، ح1.
(2) وسائل الشيعة 3: 488، باب 47 من أبواب النجاسات، ح3.
(3) وسائل الشيعة 3: 462، باب 34 من أبواب النجاسات، ح4.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فهذه عشر طوائف ممّا يدلّ على ذلك، ولا حاجة إلى التطويل بذكر غيرها، مع الالتفات إلى أنَّ كلّ أخبار النجاسات تدلّ على ذلك؛ لأنَّ مسألتنا -وهي بطلان الصلاة في الثوب النجس- من أوضح نتائجها ودلالتها الالتزامية عرفاً ومتشرّعيّاً.
وكذلك كلّ أخبار المطهّرات؛ لأنَّ الحاجة إلى التطهير إنَّما يكون لأجل تصحيح الصلاة، وليس الأمر تعبّديّاً أو تشهّياً.
وأمّا الأدلّة اللبّيّة فالإجماع على بطلان الصلاة في الثوب النجس أو المتنجّس إلّاَ ما خرج بدليل موجود قطعاً، وكذلك السيرة المتشرّعيّة والارتكاز المتشرّعي موجودان قطعاً حتّى في عصر المعصومين، بل في أشخاص المعصومين أيضاً.
ونفس ما قلناه في الثوب نقوله في البدن، يعني: من حيث اشتراط الطهارة، والدليل هو نفس الأدلّة السابقة من لفظيّة ولبّيّة.
والمختصّ بالبدن من النصوص قليل، كما سمعنا، إلّا أنَّ التجريد عن الخصوصيّة من اللباس إلى البدن ممكن، كما أنَّ العكس ممكن كما سبق في بعضها، على أنَّ بعض النصوص واردة في البدن خاصّة:
كمعتبرة علي بن مهزيار قال: «كتب إليه سليمان بن رشيد يخبره أنَّه بال في ظلمة الليل، وأنَّه أصاب كفّه برد نقطة من البول لم يشكّ أنَّه أصابه ولم يره …، فأجابه بجواب قرأته بخطّه: أمّا ما توهّمت ممّا أصاب يدك فليس بشيء إلّاَ ما تحقّق، فإن حقّقت ذلك كنت حقيقاً أن تعيد الصلوات اللواتي كنت صلّيتهن
ــــــ[18]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
بذلك الوضوء بعينه…. » (1).
ومن الواضح أنَّ الكفّ جزء من البدن وأنَّ إصابته بالنجاسة هي إصابة للبدن.
ورواية الحسين (الحسن) بن زياد قال: «سئل أبو عبد الله عن الرجل يبول فيصيب بعض جسده قدر نكتة من بوله، فيصلّي ثُمَّ يذكر بعد أنَّه لم يغسله؟ قال: يغسله ويعيد صلاته» (2)، ونحوها معتبرة ابن مسكان(3).
وكذا الأدلّة اللبّيّة؛ فإنّها وإن لم يكن لها إطلاق، إلّا أنّنا لا نحتاج هنا إلى إطلاقها؛ لأنَّ السيرة والإجماع حاصلان في البدن نفسه كما هما حاصلان في الثياب.
مضافاً إلى إمكان فهم الأولويّة عن الإجماع على الثياب، لكنّه لا يكون إجماعاً بعنوانه.
بعد أن تمّ ذلك، ندخل في تفاصيل عبارات المحقّق الحلّي.
حيث قال: «لا يجوز الصلاة في جلد الميتة، ولو كان ممّا يؤكل لحمه: سواء دبغ أم لم يدبغ»(4).
ــــــ[19]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 3: 479، باب 42 من أبواب النجاسات، ح1.
(2) وسائل الشيعة 3: 428، باب 19 من أبواب النجاسات، ح2.
(3) المصدر السابق 3: 429، ح3.
(4) شرائع الإسلام 1: 54.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وهذا ما سبق في الطائفة الأولى السابقة، وهي معتبرة السند، وتنصّ على الدبغ أيضاً، كقوله: «ولو دبغ سبعين مرّة» (1).
قال(2): «وما لا يؤكل لحمه -وهو طاهر في حياته ممّا يقع عليه الذكاة- إذا ذكّي كان طاهراً، ولا يستعمل في الصلاة»(3).
ومراده: أنَّ ما لم يكن طاهراً في حياته -وهو الكلب والحنزير- لم تصحّ عليه التذكية شرعاً؛ إذ لا أثر لها عليه إطلاقاً.
وما لم تقع عليه الذكاة من الحيوانات وإن كان طاهر (العين) تكون فيه الذكاة سالبة بانتفاء الموضوع، وقد ذكرنا في (المنهج)(4) عدّة أشكال متصوّرة من ذلك:
منها: ما ليس له أوداج أربعة كالحشرات أو له ذلك، ولكنّه يموت قبل إكمال قطعها أو تكون أوداجه ممتنعة القطع، كما لو كانت بعيدة جدّاً عن الجلد أو كانت محصّنة بعظم ونحوه كالمدرّعات، لكنّ الإشكال أنَّ هذا القسم وإن كان متصوّراً، إلّاَ أنَّه لا مصداق له خارجاً.
وقد عبّر المحقّق الحلّي بالذكاة، وهو السبب الشرعي لطهارة الحيوان الميّت من هذه الناحية، وهي معنى كلّي ينطبق على أربع حصص أو أنواع غير متداخلة
ــــــ[20]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 3: 501، باب 61 من أبواب النجاسات، ح1.
(2) أي: المحقّق الحلّي.
(3) شرائع الإسلام 1: 54.
(4) أُنظر: منهج الصالحين: ج4: ص214.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
على ما سنقول، [و] هي: قطع الأوداج الأربعة والنحر والصيد البرّي والصيد البحري، وهي غير متداخلة، بمعنى: أنَّ استعمال أيّ منها محلّ الآخر باطل شرعاً، ولا يجوز أكل الحيوان المقتول به إلّا ما خرج بدليل.
وموضوع الذبح الذي هو قطع الأوداج متكوّن من الشرائط التالية:
1. أن يكون طاهر العين.
2. أن لا يكون من الحشرات.
3. أن يصدق عليه قطع الأوداج الأربعة، وليس متعذّراً فيه كما سبق.
4. أن لا يكون حيواناً مائيّاً؛ فذبح الحيوان المائي كالسمك غير مشروع.
ولا يشترط فيه أن لا يكون نافراً، فالحيوان النافر يصدق عليه الصيد والذبح معاً ويصحّان فيه، إلّا أنَّهما مع ذلك لا يجتمعان؛ إذ مع النفور يتعذّر الذبح ويتعين الصيد، ومع الاستسلام يتعيّن الذبح ولا يصدق الصيد.
وقد يقال باشتراط أن يكون للحيوان لحم ودم عرفاً، أو أن يكون له نفس سائلة، إلّا أنَّ هذا في الحقيقة راجع إلى اشتراط أن لا يكون حشرة؛ إذ لا يوجد محلّ افتراق بين الأمرين.
كما قد يقال: باشتراط أن لا يكون إنساناً، لعدم صحة التذكية في الإنسان بالضرورة، إلّا أنَّ هذا الاشتراط راجع إلى التدقيق في الفهم، باعتبار تعميم معنى الحيوان إلى الإنسان باعتباره حيواناً ناطقاً، فيحتاج إلى استثنائه.
إلّا أنَّ هذا مبني على فهم دقّي لا عرفي، وإلّا فإنّه في نظر العرف قطعاً أنَّ معنى الحيوان لا يشمل الإنسان، وأنَّ الإنسان ليس بحيوان.
ــــــ[21]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وهذا من أدلّة جواز أن يكون شعر الإنسان خلال الصلاة ولو كان من غيره، وإن كان بالفهم الآخر هو شعر ما لا يؤكل لحمه، وكذا جواز شرب لبن المرأة للكبار والصغار، وإن كان بالفهم الآخر أنَّه لبن ما لا يؤكل لحمه، وما حرم لحمه حرم لبنه.
والحيوان البحري هو الذي يموت في الهواء، فالحيوان البرمائي برّي على الحقيقة؛ لأنَّه يتنفّس الهواء، والبرّي هو الهوائي، يعني: الذي يعيش بتنفّس الهواء: سواء كان طائراً أم ماشياً.
وموضوع الصيد البحري ليس هو نجس العين؛ لأنَّه كلّه ليس كذلك، ولا هو ما له نفس سائلة؛ لأنَّه كلّه ليس كذلك، ولا هو ما يحرم أكله؛ لأنَّ ميتته طاهرة على كلّ حال بكلّ أنواعه، فلا أثر من هذه الناحية. نعم، أثره الوحيد هو حلّيّة الأكل.
وأمّا ما يحلّ أكله من حيوان البحر ما هو زائد عن التذكية، لا شكّ أنَّه السمك ذو القشور دون السمك المجرّد، إلّاَ أنَّ هذا شرط في السمك دون غيره.
وأمّا ما لا يصدق عليه بالحمل الشايع العرفي كونه سمكاً فغير مشروط بذلك، فهل نقول بحرمة أكله؟
أمّا ما كان من الحشرات عرفاً فمقتضى القاعدة الحرمة، ما لم يخرج بدليل كالروبيان، وأمّا غير الحشرات وغير السمك فمقتضى القاعدة الحلّيّة، كقوله
ــــــ[22]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً(1) إذا لم نفهم خصوص سطح الأرض، وقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ(2). ولا أقلّ من الأصل المؤمّن أو المانعيّة عن الحلّيّة.
[حكم لبس ما لا يؤكل لحمه في الصلاة]
يقع الكلام في لبس ما لا يُؤكل لحمه في الصلاة.
دلّ على المنع عدد من الروايات: كموثّقة سماعة قال: «سألته عن لحوم السباع وجلودها، فقال: أمّا لحوم السباع فمن الطير والدوابّ فإنّا نكرهه، وأمّا الجلود فاركبوا عليها، ولا تلبسوا منها شيئاً تصلّون فيه»(3).
والاستدلال بالمنع بها واضح؛ لأنَّه مقتضى النهي، وقلنا: إنَّ النهي إذا تعلّق بأمر قابل للصحّة والفساد فَهِمَ منه الفساد الوضعي، وليس النهي التكليفي، وهذا صغراه محرزة هنا.
غير أنَّ العنوان المأخوذ فيها هو جلود السباع، لا مطلق غير المأكول، فنحتاج إلى نحو من التجريد عن الخصوصيّة وحمل السباع على المثاليّة، وليس في الرواية
-على أيّ حال- مفهوم مخالفة ينفي الزائد؛ لأنَّه على تقديره فهو مفهوم الوصف الذي ليس بحجّة.
ــــــ[23]ـــــــ
(1) البقرة: 29.
(2) المائدة: 96.
(3) وسائل الشيعة 4: 353، باب 5 من أبواب لباس المصلّي، ح3 و4.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ورواية علي بن جعفر، عن أخيه، قال: «سألته عن ركوب جلود السباع، فقال: لا بأس ما لم يسجد عليها»(1).
وظاهرها مربوط بمكان المصلّي، ما لم نفهم من السجود مطلق الصلاة، ونفهم من الاستعلاء في (عليها) ما يشمل الظرفيّة المناسبة للَّبس.
ورواية سماعة قال: «سئل أبو عبد الله عن جلود السباع، فقال: اركبوها ولا تلبسوا شيئاً منها تصلّون فيه» (2).
وفيها نفس الكلام الذي في موثّقة سماعة؛ باعتبار أنَّ المأخوذ فيها عنوان السباع أيضاً.
ورواية إسماعيل الأحوص قال: «سألت أبا الحسن الرضا عن الصلاة في جلود السباع، فقال: لا تصلِّ فيها» (3).
ورواية الفضل بن شاذان، عن الرضا في كتابه إلى المأمون، قال: «ولا يُصلّى في جلود الميتة ولا في جلود السباع» (4)، ونحوها التي بعدها(5).
وصحيحة محمّد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد الله عن جلود الثعالب: أيصلّى فيها؟ فقال: ما أحبّ أن أُصلّي فيها»(6).
ــــــ[24]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 4: 353، باب 5 من أبواب لباس المصلي، ح5.
(2) المصدر السابق 4: 354، باب 5 من أبواب لباس المصلّي، ح6.
(3) المصدر السابق 4: 354، باب 6 من أبواب لباس المصلّي، ح1.
(4) المصدر السابق 4: 355، باب 6 من أبواب لباس المصلّي، ح3.
(5) المصدر السابق 4: 355، باب 6 من أبواب لباس المصلي، ح4.
(6) المصدر السابق 4: 355، باب 7 من أبواب لباس المصلّي، ح1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وهي دالّة على جامع المرجوحيّة بنفي الحبّ، لا خصوص التحريم، والتحريم على أيّ حال مندرج في هذا الجامع.
ورواية علي بن مهزيار قال: «كتب إليه إبراهيم بن عقبة: عندنا جوارب وتكك تُعمل من وبر الأرانب، فهل تجوز الصلاة في وبر الأرانب من غير ضرورة ولا تقيّة؟ فكتب: لا تجوز الصلاة فيها»(1).
وذلك بعد ضمّ مقدّمتين:
الأُولى: أنَّ الأرانب ممّا لا يؤكل لحمها، كما هو إجماع أهل مذهبنا.
والثانية: التجريد عن الخصوصيّة من الأرنب إلى غيره ممّا لا يؤكل لحمه، مع العلم أنَّها ليس فيها مفهوم مخالفة يقتضي الجواز في غيره.
ومثلها بالضبط رواية أحمد بن إسحاق الأبهري(2).
وعن جعفر بن محمّد بن أبي زيد، قال: «سألت الرضا عن جلود الثعالب الذكية، قال: لا تصلِّ فيها»(3).
وذلك بتقريبات سبقت، ونحوها التي بعدها(4). والمقصود بالذكية المذكّاة شرعاً، بحيث تكون طاهرة وغير محكومة بحكم نجاسة الميتة.
وهناك روايتان بمضمون النهي عن لبس الثوب الذي يليه: كرواية أبي علي بن
ــــــ[25]ـــــــ
(1) المصدر السابق 4: 356، باب 7 من أبواب لباس المصلّي، ح3.
(2) وسائل الشيعة 4: 356، باب 7 من أبواب لباس المصلّي، ح5.
(3) المصدر السابق 4: 357، ح6.
(4) المصدر السابق: ح7.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
راشد في حديث قال: «قلت لأبي جعفر: الثعالب يصلّى فيها؟ قال: لا، ولكن تلبس بعد الصلاة. قلت: أُصلّي في الثوب الذي يليه؟ قال: لا» (1).
ورواية علي بن مهزيار: «عن رجل سأل الرضا عن جلود الثعالب؟ فنهى عن الصلاة فيها وفي الثوب الذي يليه، فلم أدرِ أيّ الثوبين الذي يلصق بالوبر أو الذي يلصق بالجلد، فوقّع بخطّه: الثوب الذي يلصق بالجلد»(2).
قال: «وذكر أبو الحسن -يعني: عليّ بن مهزيار- أنَّه سأله عن هذه المسألة، فقال: لا تصلِّ في الذي فوقه ولا في الذي تحته»(3).
وفي هاتين الروايتين عدّة نقاط من الكلام:
الأُولى: أنَّ الاستدلال بها حسب التقريبات السابقة من التجريد عن الخصوصيّة ونحوه.
الثانية: أنَّه إنَّما نهي عن الثوب الذي يليه باعتبار تعلّق الشعر فيه ممّا لا يؤكل لحمه، والمراد من قوله: (الذي يلصق بالجلد) جلد الحيوان لا جلد الإنسان، وهو ليس له مفهوم مخالف على جواز ما يلصق بالوبر، إذا حمل شيئاً من الوبر.
الثالثة: أنَّ الرواية الأخيرة قد تعتبر مرسلة؛ لأنَّها عن رجل سأل الإمام الرضا، إلَّا أنَّ الظاهر أنَّه كان واسطة في السؤال أو قل: كان هو السائل ولم يكن واسطة في الرواية، بل إنَّ علي بن مهزيار عرف جواب الإمام بنفسه؛ لأنَّه
ــــــ[26]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 4: 357، باب 7 من أبواب لباس المصلّي، ح4.
(2) المصدر السابق 4: 357، باب 7 من أبواب لباس المصلّي، ح8.
(3) المصدر السابق 4: 357، في ذيل الحديث الثامن.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
يعرف خطّه، ومن الواضح من السؤال أنَّ الجواب كان خطّيّاً، وقرينته أنَّ قوله: (فلم أدرِ أيّ الثوبين) هو كلام عليّ بن مهزيار، وليس كلام الرجل المجهول، فلا تكون مرسلة.
هذا، وهناك عدد من الروايات يمكن اعتبارها معارضة لهذا المضمون ودالّة على جواز لبس ما لا يؤكل لحمه في الصلاة، لابدّ من استعراض أهمّها ثُمَّ التعرّض إلى النسبة بين الطائفتين.
منها: رواية أبي علي بن راشد قال: «قلت لأبي جعفر: ما تقول في الفِراء أيّ شيء يُصلّى فيه؟ فقال: أيّ الفِراء؟ قلت: الفنك والسنجاب والسمّور، قال: فصلِّ في الفنك والسنجاب، فأمّا السمّور فلا تصلِّ فيه»(1).
وتقريب الاستدلال بها على الجواز أن يقال: إنَّ كلّ هذه الحيوانات المذكورة فيها غير مأكولة اللحم، فيكون مقتضى التجريد عن الخصوصيّة هو الجواز، ما عدا ما خرج بدليل كالسمّور.
فإن قلت: فإنَّ هذا التجريد غير ممكن بعد النهي عن السمّور.
قلنا: إنْ سلّمناه فلا أقلّ أنَّ السياق يقتضي التبعيض بين جلود ما لا يؤكل لحمه والتفصيل بينها.
وبتعبير آخر: إنَّ هناك حيواناً ممّا لا يؤكل لحمه تجوز الصلاة فيه، وهذا واضح من الرواية؛ بعد وضوح أنَّ الفنك والسنجاب ممّا لا يؤكل لحمه.
ــــــ[27]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 4: 349، باب 3 من أبواب لباس المصلي، ح5.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ومعتبرة الوشّاء قال: «كان أبو عبد الله يكره الصلاة في وبر كلّ شيء لا يؤكل لحمه»(1).
والكراهة مناسبة مع الجواز.
وجوابه: أنَّها غير منافية مع المنع.
وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله: «أنَّه سأله عن أشياء منها: الفراء والسنجاب، فقال: لا بأس بالصلاة فيه»(2).
والمراد بالفراء ما هو الأغلب وجوداً في المجتمع وهو مأخوذ ممّا لا يؤكل لحمه، والكلام فيها هو ما سبق في رواية أبي علي بن راشد.
ورواية علي بن أبي حمزة (وهو البطائني) قال: «سألت أبا عبد الله وأبا الحسن عن لباس الفراء والصلاة فيها، قال: لا تصلِّ فيها إلَّا ما كان منه ذكّياً»(3)، ولها تتمّة تأتي.
أمّا من ناحية السند فالبطائني هذا كان له عهد وثاقة وعهد انحراف، فإذا شككنا في أنَّ روايته المعنيّة كانت في أيّ العهدين كانت شبهة مصداقيّة للحجّيّة، فتسقط ما لم نحرز صدورها منه في عهد الوثاقة، ونحن لا نعلم في هذه الرواية بذلك.
ــــــ[28]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 4: 346، باب 2 من أبواب لباس المصلي، ح5.
(2) وسائل الشيعة 4: 347، باب 3 من أبواب لباس المصلّي، ح1.
(3) المصدر السابق 4: 348، ح3.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وقوله: (لباس) أي: لبس، وهو واقع في كلام الراوي لا الإمام. والمراد بالفراء -كما سبق- هو الأغلب المتوفّر في المجتمع، وهو مأخوذ غالباً ممّا لا يُؤكل لحمه.
واشتراط التذكية معناه: أن لا يكون ميتة. إذن فالرواية إلى هنا نصّ بالجواز، إلّاَ أنَّه يقول بعد ذلك: «قلت: أوليس الذكي ذكي بالحديد؟ قال: بلى، إذا كان ممّا يؤكل لحمه. قلت: وما لا يؤكل لحمه من غير الغنم؟ قال: لا بأس بالسنجاب فإنّه دابّة لا تأكل اللحم، وليس هو ممّا نهى عنه رسول الله؛ إذ نهى عن كلّ ذي ناب ومخلب»(1).
وهذه التتمّة تدلّنا بنحو القرينيّة المتصلة على أنَّ مراده ممّا كان منه ذكيّاً أي: مأكول اللحم؛ باعتباره مورد الصدق العرفي والمتشرّعي غالباً، بحيث لا يكاد يصدق عرفاً على الوحوش أنَّها ذكيّة، وإن ذبحت على الطريقة الشرعيّة.
ولمّا وقع السؤال عمّا لا يؤكل لحمه أجاب بجواز السنجاب فقط، وقيّده بشيء على نحو القاعدة العامّة، وهو كونه حيواناً نباتيّاً لا يأكل اللحم، وليس لديه ناب ومخلب.
وهو واضح في ضرب القاعدة العامّة لجواز ما كان كذلك من الحيوان، واختصاص التحريم بالضواري آكلة اللحوم، والظاهر أنَّ نسبة أكل اللحم إلى كونه ذا ناب ومخلب، هي نسبة التساوي خارجاً، كما أنَّها هي النسبة بين الناب والمخلب أيضاً.
ــــــ[29]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 4: 348، باب 3، من أبواب لباس المصلّي، ح3.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ومنها: رواية علي بن يقطين قال: «سألت أبا الحسن عن لباس الفِراء والسمّور والفنك والثعالب وجميع الجلود، قال: لا بأس بذلك» (1).
ورواية الريّان بن الصلت قال: «سألت أبا الحسن الرضا عن لبس فِراء السمّور والسنجاب والحواصل وما أشبهها والمناطق والكَيْمُخْت والمحشو بالقزّ والخفاف من أصناف الجلود، قال: لا بأس بهذا كلّه إلَّا بالثعالب» (2).
وقوله: (الحواصل) يعني: الطير، وقوله: (المناطق) جمع نطاق وهو الحزام، وهو شريط قويّ يعمل من الجلد وكان غالباً ما يلبسه العساكر، ولا زال شيء يسمّى عندهم بالنطاق إلى الآن، وقوله: (الخفاف) جمع خفّ، وهو ما يلبس بالرجل ويلفّ القدم وتصنع من الجلود أيضاً، وفرقها عن النعل أو النعال كون الأخير لا يلف القدم، بل يلي الأرض فقط.
والحكم في الروايتين هو الجواز، واستثنى في الأخيرة الثعالب، فيكون المراد جواز اللبس في الصلاة ولا أقلّ أنَّه مشمول له بالإطلاق.
إلّاَ أنَّه لا يتمّ؛ لوضوح أنَّ المراد باللبس ما كان خارج الصلاة، أو قل مطلق اللبس، أو قل: اللبس من حيث كونه لبساً، بغضّ النظر عن الصلاة، وذلك بأكثر من قرينة:
1- إنَّ المتبادر أو المنصرف من اللباس هو ذلك.
ــــــ[30]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 4: 352، باب 5 من أبواب لباس المصلي، ح1.
(2) وسائل الشيعة 4: 352، باب 5 من أبواب لباس المصلّي، ح1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
2- إنَّه لم يستثنِ الميتة ولم يشترط التذكية، ولو كان المراد الصلاة لذكرها بالضرورة.
3- إنَّ من جملة ما وقع في السؤال (الخِفاف) مع وضوح عدم جواز لبسها خلال الصلاة.
فإن قلت: فإنّه شامل بإطلاقه للَّبس خلال الصلاة.
قلنا: نعم، في نفسه إلّاَ أنَّه قابل للتقييد بما دلّ على المنع، بل يمكن منع الإطلاق؛ للانصراف، أو قل: إنَّ السؤال بنفسه واقع في غير حيثيّة الصلاة.
فإن قلت: فلماذا استثنى الثعالب، فيكون استثناؤها قرينة على أنَّ المراد اللبس في الصلاة؛ لوضوح جواز لبسها في غيرها؟
قلنا: كلاّ، بل تكون هذه الرواية دالّة على المنع من الثعالب في غير الصلاة أيضاً ممّا هو مورد السؤال، أو قل: إنَّه يقع التعارض بين قرينيّة السؤال من حيث كونه في غير الصلاة، وقرينيّة الجواب من حيث كونه في الصلاة، وهو من تعارض القرائن المتّصلة، فيبتلي النصّ بالإجمال، وفي طوله لا يبقى دليل على أنَّ المراد به جواز اللبس في الصلاة.
وصحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله، قال: «سألته عن الفراء والسمور والسنجاب والثعالب وأشباهه، قال: لا بأس بالصلاة فيه» (1).
وهي صحيحة سنداً، وواضحة دلالة على الاختصاص بحال الصلاة، ولذا
ــــــ[31]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 4: 350، باب 4، من أبواب لباس المصلّي، ح2.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
قال الحرّ : أقول: حكم ما عدا السنجاب والفِراء هنا محمول على التقيّة؛ لما مضى ويأتي، ذكره الشيخ وغيره(1).
ولعلّ هذه الرواية في نفسها أوضح روايات المعارضة في هذا الباب، بغضّ النظر عمّا سنقوله في الجمع بين الطائفتين، وخاصّة حينما يقول في السؤال: (وأشباهه)، فإنّه يساعد بوضوح على التجريد عن الخصوصيّة، وإنَّ هذا التجريد قد قام به السائل نفسه.
ورواية الحسن بن شهاب، عن أبي عبد الله، قال: «سألته عن جلود الثعالب إذا كانت ذكيّة أيصلّى فيها؟ قال: نعم»(2).
وعن عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: «سألته عن اللحاف (الخفاف) من الثعالب أو الجرز (الخوارزميّة) منه أيصلّى فيها أم لا؟ قال: إن كان ذكيّاً فلا بأس به»(3).
وكلاهما واضح دلالة إلّا أنَّه غير تامّ سنداً.
هذا، وقبل النظر في وجوه الجمع بين هاتين الطائفتين المتعارضتين، يحسن التعرّض إلى أمرين يمكن التعميم إليها من روايات المنع أو من كِلا الطائفتين، بحيث تقع أيضاً طرفاً للتعارض، وهما: الريش ممّا لا يُؤكل لحمه، والحشرات أو
ــــــ[32]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 4: 351، باب 4، من أبواب لباس المصلّي.
(2) وسائل الشيعة 4: 358، باب 7 من أبواب لباس المصلّي، ح10.
(3) وسائل الشيعة 4: 358، باب 7 من أبواب لباس المصلّي، ح11.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
أجزاؤها، وهي أيضاً ممّا لا يُؤكل لحمه، فهل يمكن تعميم الحكم إليهما أم لا؟
أمّا الريش فقد يقال: إنَّ في الأدلّة ما يشملها بالمنع بالإطلاق، وهو صحيحة ابن بكير قال: «سأل زرارة أبا عبد الله… إلى أن قال: يا زرارة، هذا عن رسول الله، فاحفظ ذلك يا زرارة: فإن كان ممّا يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وكلّ شيء منه جائز إذا علمت أنَّه ذكي قد ذكّاه الذبح، وإن كان غير ذلك ممّا قد نهيت عن أكله وحرّم عليك أكله، فالصلاة في كلّ شيء منه فاسدة، ذكّاه الذابح أو لم يذكه»(1).
والطيور الجوارح لا يجوز أكلها، فتكون مشمولة للحكم بفساد الصلاة فيها، وكذلك الحشرات، مع أنَّ المشهور لا يقول بالمنع فيها، ومقتضى الأصل المؤمّن هو عدم المنع.
إلّا أنَّ هذا غير تامّ؛ لإمكان دعوى انصراف السياق إلى ما لا يؤكل لحمه من الدوابّ لا من الطير، ويؤيّده ما في صدر الرواية؛ لأنَّه يقول فيها: «إنَّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله، فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكلّ شيء منه فاسدة»، لا تقبل الصلاة حتّى يصلّي في غيره ممّا أحلّ الله أكله.
ومن الواضح أنَّ كل هذه العناوين لا تنطبق على الطير، وليس للطير أو للريش فيه ذكر، فالإنصراف إلى غيره واضح، فيبقى هذا تحت دليل الجواز.
وأمّا الحشرات فهي أيضاً تشملها الفقرة التي استشهدنا بإطلاقها؛ لأنَّها أيضاً ممّا لا يؤكل لحمه، فتكون الصلاة ممنوعة فيها.
ــــــ[33]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 4: 345، باب 2 من أبواب لباس المصلي، ح1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
إلّا أنَّ العمدة على تلك العناوين المأخوذة فيها: كالوبر والبول والروث واللحم؛ فإنّها لا تشمل الحشرات الصغار التي لا لحم لها عرفاً: كالذباب والبقّ، فتكون هذه داخلة تحت الأصل المؤمّن.
نعم، ما كان من الحشرات له لحم وجلد وبول وروث كان مشمولاً لدليل المنع بلا إشكال؛ لصدق اسم الموصول عليه، وهو (ما لا يؤكل لحمه) وكذلك عنوان (كلّ شيء حرام أكله) يعني: الحيوانات، وهذه منها.
فإن قلت: فإنَّ المشهور فهم منها الدوابّ، وهي غير الحشرات، بل الوحوش وأضرابها.
قلنا: يمكن منع هذا الإنصراف، مع وضوح أنَّ هذا الصنف من الحشرات هي من الدوابّ أيضاً.
وأمّا وجوه الجمع بين الطائفتين المتعارضتين السابقتين [فهي]:
أوّلاً: أنَّه يمكن القول: إنَّه لم يتمّ شيء من الأدلّة السابقة على الجواز، اللّهمّ إلّا صحيحة الحلبي، وفيها عنواني: (الفِراء والسنجاب). والاستدلال بها على الجواز عموماً متوقّف على نحو من التجريد عن الخصوصيّة، وهو ممكن المنع؛ لأنَّه إشارة إلى موارد خارجيّة كانت متحقّقة في المجتمع في ذلك الحين.
ثانياً: حمل الحكم بالجواز على التقيّة، كما صدر من الشيخ الطوسي(1) والشيخ(2)
ــــــ[34]ـــــــ
(1) الاستبصار 1: 385.
(2) وسائل الشيعة 4: 351.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الحرّ وغيرهما، وهو متوقّف على أن يكون حكم العامّة بالجواز عامّاً.
ثالثاً: تخصيص الجواز بالعناوين الموجودة في الروايات المجوّزة، والحكم في الباقي بالحرمة؛ طبقاً للطائفة الدالّة على الحرمة.
وهذا متوقّف على تصحيح أسناد الروايات المجوّزة أوّلاً، ومنع التجريد عن الخصوصيّة منها ثانياً، والثاني ممنوع.
رابعاً: الأخذ بما فيه شهرة روائيّة، وهي الطائفة المانعة.
إلّا أنَّه متوقّف على إحراز هذه الشهرة، وهي غير محرزة صغرويّاً، وإن كانت الشهرة الفتوائيّة متحقّقة فعلاً.
خامساً: إسقاط سند الطائفة المجوّزة بإعراض الأصحاب؛ لأنَّ الشهرة الفتوائيّة ضدّها، ولم يعمل بها الأصحاب، إلّا أنَّه ممنوع كبرويّاً.
سادساً: تخصيص المنع بالعناوين الواردة في الروايات: كالأرنب والثعلب، والعمل بالجواز على الباقي.
وهذه العناوين وإن كانت هي القدر المتيقّن من المنع، إلّا أنَّ التجريد عن الخصوصيّة لابدّ منه ظهوراً.
سابعاً: التساقط بين الطائفتين والرجوع إلى أحد مرجعين: إمّا إلى أصالة عدم المانعيّة من استعمال جلد ما لا يُؤكل لحمه، أو إلى ما يحكم عليها، وهو الإجماع والسيرة والارتكاز، على ما سيأتي.
فإن قلت: إنَّ الإجماع مدركيّ.
قلنا: إنَّه بعد التساقط لا يكون مدركيّاً.
ــــــ[35]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فإن قلت: فإنَّ التساقط فرضيّ، فيكون الإجماع مدركيّاً بالنسبة إلى الطائفة الدالّة على المنع.
قلنا: قد يكون الإجماع من الوضوح بحيث لا مناص منه حتّى لو كان مدركيّاً، وهو الذي يسقط الطائفة المضادّة له، وليس الشهرة وحدها.
ثامناً: الرجوع بعد التساقط إلى استصحاب اشتغال الذمّة، وعدم سقوط الأمر بالإتيان بالصلاة الفاقدة للشرط، فتجب الإعادة مع توفّر الشرط أو القضاء كذلك.
تاسعاً: الرجوع بعد التساقط إلى استصحاب الجواز حال حياة الحيوان، بعد العلم بقصور الأدلّة على المنع عن الشمول لها.
جوابه: أنَّ مورد الاستصحاب هذا ليس له حالة سابقة؛ لعدم إمكان اللبس حال الحياة. نعم، يصدق الاستصحاب التعليقي وهو ليس بحجّة، مضافاً إلى أنَّ مفاده هو فرض موت الحيوان؛ لعدم إمكان بقاء الجلد حيّاً بعد سلخه.
عاشراً: أنَّ أغلب أخبار الجواز واردة بالعناوين الخاصّة: كالثعلب والفنك والسمّور ونحوها، فإن كان هناك تجريد عن الخصوصيّة فللسباع خاصّة، دون كلّ ما لا يؤكل لحمه، ففي الإمكان تخصيص أخبار المنع بها، فتصبح أخصّ من مطلقات الجواز، فتخّصص بها.
وهذا فيه عدّة وجوه من المناقشة:
الأوّل: أنَّ المخصّص هو القدر المتيقّن من المنع، فإذا جاز فيه جاز في غيره بطريق أولى.
ــــــ[36]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الثاني: أنَّ هذا إنَّما يكون بعد التنزّل عن الوجوه السابقة، وهو بلا موجب.
الثالث: أنَّ هذا من انقلاب النسبة بالقرائن المنفصلة، وهو ممنوع، كما هو الموضّح في علم الأُصول(1).
الرابع: أنَّه ليس عندنا مطلقات للجواز؛ فإنّه إن قصد بها مطلقات مستقلّة فهي غير موجودة، وإن أُريد بها فهم الإطلاق بعد التجريد عن الخصوصيّة فهذا معناه: أنّنا قيّدنا أخبار المنع بالدلالة المطابقيّة لأخبار الجواز، ثمّ رجعنا إلى أخبار الجواز بدلالتها الالتزاميّة، فقيّدناها بأخبار المنع، وهو أمر غير عرفي جدّاً.
[قال المحقّق الحليّ]:
ما لا يُؤكل لحمه إذا ذكّي كان طاهراً(2).
ما لا يؤكل لحمه وهو طاهر في حياته مما يقع عليه الذكاة إذا ذكي كان طاهراً.
يمكن الاستدلال على الطهارة بعدّة وجوه:
أوّلاً: التمسّك بإطلاق قوله تعالى: إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ(3) والمفروض إحراز الصغرى، وأنَّ الحيوان مذكّى فعلاً.
ثانياً: التجريد عن الخصوصيّة من الأخبار الدالّة على الحلّيّة في الحيوانات الأهلية بالتذكية، إلّاَ أنَّ هذا التجريد متوقّف على الجزم بعدم الفرق بين ما يؤكل
ــــــ[37]ـــــــ
(1) أنظر شرائع الإسلام: 1،54، بشيء من التصرف (منه).
(2) شرائع الإسلام 1: 54، كتاب الصلاة، في لباس المصلّي، المقدّمة الرابعة، المسألة الأُولى.
(3) المائدة: 3.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
لحمه وما لا يؤكل من هذه الناحية، وهو متعذّر، ولا أقلّ من الاحتمال المبطل للاستدلال.
ثالثاً: الإجماع والشهرة المتحقّقان في الجملة، وكذلك ارتكاز المتشرّعة عليه، أي: على الطهارة بالتذكية، وأمّا السيرة فغير موجودة؛ لقلّة ما يذكّى من الحيوانات غير المأكول لحمها.
رابعاً: استصحاب الطهارة حال الحياة؛ فإنّه يشكّ في حصول النجاسة بعد التذكية، فنستصحب الطهارة، ولا يكون هذا من تغيّر الموضوع؛ لأنَّ التغيّر في الجملة ممّا لابدّ منه ليفرض حصول الشكّ، وأمّا الزائد عن ذلك فيمكن منعه؛ لأنَّ الموضوع هو الحيوان، وهو متحقّق عرفاً.
خامساً: أصالة الطهارة بعد التنزّل عن الوجوه السابقة، وصغراها محرزة.
فإن قلت: فإنّه بعد التنزّل عن الوجوه السابقة يثبت أنَّه ميتة، وكلّ ميتة نجسة، وصغراه محرزة أيضاً.
قلنا: كلا؛ فإنّه وإن كان ميتة -يعني: أنَّه حيوان ميّت- إلّاَ أنَّه لا دليل لفظي على نجاسة كلّ ميتة إلّاَ ما خرج بدليل، والمفروض أنَّ هذا المورد لم يخرج بدليل، فيبقى مشمولاً لدليل النجاسة. بل دليل نجاسة الميتة لُبّي يقتصر منه على القدر المتيقّن، وهو غير مورد الكلام، الذي هو الحيوان المذكّى، فيكون مشكوك الشمول لدليل الميتة، فيكون مجرى لأصالة الطهارة.
فإن قلت: إنَّ الحيوانات التي لا يُؤكل لحمها نافرة ووحشيّة غالباً، والوحشي لا يطهّره إلّا الصيد، ولا تفيد التذكية في تطهيره.
قلنا: إنَّه يمكن القول فقهيّاً بالتأكيد بصحّة جريان كلا طريقي الحلّيّة عليه،
ــــــ[38]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وهما الصيد والذبح؛ لتحقّق موضوعهما بما فيه. أمّا الصيد فلأنَّه للحيوان النافر، وهذا نافر، وأمّا الذبح فللحيوان الذي له أوداج أربعة، ويكون طاهر العين، وهذا كذلك، ولم يؤخذ في موضوع صحّة الذبح أن يكون مأكول اللحم، ولا أقلّ من التمسّك بمطلقات صحّة التذكية.
ثُمَّ قال المحقّق الحلّي: «وهل يفتقر استعماله في غيرها إلى الدباغ؟ قيل: نعم، وقيل: لا، وهو الأشبه على كراهية»(1).
وهل يفتقر استعماله إلى دباغ؟ الاشبه الكراهية.
يعني: أنَّه طاهر سواء دبغ أم لا؛ تمسّكاً بالأدلّة السابقة نفسها الدالّة على كفاية الذبح في طهارة الحيوان، وأصالة عدم شرطيّة الدباغة، وكذلك من الواضح فقهيّاً أنَّها ليست من المطهّرات، ولكن الظاهر أنَّ عليه بعض العامّة.
وإنَّما الكلام في الدليل على الكراهية بدون الدباغ، ويصلح لها مثل رواية أبي مخلد السراج قال: «كنت عند أبي عبد الله إذ دخل عليه معتب فقال: رجلان بالباب، فقال: ادخلهما. فقال أحدهما: إنّي سرّاج أبيع جلود النمر، فقال: مدبوغة هي؟ قال: نعم … »(2).
ومن الواضح أنَّها غير تامّة سنداً ولا دلالة على اشتراط الدباغة اشتراطاً لزوميّاً، إلّاَ أنَّها لا أقلّ أن تكون سبباً للقول بالكراهة، ولو بعد ضمّ أخبار (مَنْ بلغ) إليها، المنتجة لقاعدة التسامح في أدلّة السنن.
ــــــ[39]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام 1: 54.
(2) وسائل الشيعة 17: 172، باب 38، ح1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
غير أنَّه ينبغي الالتفات إلى أنَّ هذه القاعدة تشمل السند، ولا تشمل الدلالة؛ إذ مع الطعن فيها لا يصدق أنَّه بلغه ثواب على عمل. نعم، مع احتمال الدلالة ولو باحتمال ضعيف يكون عمل المستحبّ أو ترك المكروه -ولو برجاء المطلوبيّة- انقياداً صحيحاً.
الكلام في شعر ما لا يُؤكل لحمه إذا لم يكن مذكّى، هل هو نجس أم لا؟
يمكن الاستدلال على نجاسته ببعض الأدلّة.
الأوّل: قاعدة: أنَّ كلّ ميتة نجس، فيشمل محلّ الكلام.
إلَّا أنَّه مطعون كبرى وصغرى:
أمّا كبرى؛ فللطعن بالسند إذا كان رواية، والطعن بالإطلاق إن كان دليلاً لُبّياً كالإجماع والارتكاز.
وأمّا صغرى؛ فلأنَّ الإطلاق لو فرض فهو انحلاليّ، ويكفي الشكّ في الشمول مع احتمال الفرق؛ باعتبار أنَّ الشعر ممّا لا تحلّه الحياة.
الثاني: لسان لا يجوز الصلاة في الميتة، والشعر منها.
والمفروض وجود الإطلاق لكلِّ أجزائها. وكلّ ما لا يجوز الصلاة فيه فهو نجس.
جوابه: من عدّة وجوه منها:
أوّلاً: أنَّه لا يشمل الشعر؛ لأنَّه ليس ميتة [و] لأنَّه ممّا لا تحلّه الحياة، فلا يصدق عليه الميتة، والتجريد عن الخصوصيّة غير ممكن.
ثانياً: أنَّ لسان: (لا تصلِّ فيه) لا يستفاد منه النجاسة، كما قد وقع في عرق
ــــــ[40]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الجنب من الحرام وعرق الجلال، وإنَّما تستفاد النجاسة فقط من الأمر بالغسل.
الثالث: لسان ما دلَّ على نجاسة جلود الميتة، والشعر جزء منها وموجود عليها. فيشمله الحكم.
جوابه: المنع صغرويّاً؛ إمّا لأنَّه لا يصدق عليه عنوان الجلد، والنجس هو خصوص الجلد، أو باعتبار الفهم، بأنَّ النجاسة ناشئة من الموت، والشعر ممّا لا تحلّه الحياة، فلا يشمله الحكم بالنجاسة.
وأمّا الأدلّة على طهارته، فالإجماع، وهو متحقّق جزماً، واستصحاب الطهارة من حال الحياة، وأصالة الطهارة الحكميّة مع فرض الشكّ، ولكن ما هو الضابط فيما تحلّه الحياة وما لا تحلّه الحياة؟ لأنَّه قد يقال: إنَّ كلّ أجزاء الحيوان ممّا تحلّه الحياة، ولذا ينمو الشعر وينمو العظم. وكلّ ما ينمو فهو ممّا تحلّه الحياة؛ لأنَّه بدون الحياة لا ينمو بطبيعة الحال.
إذن فالشعر والعظم ممّا تحلّه الحياة.
إلّا أنَّ الصحيح أنَّه ممّا لا تحلّه، فإنَّ الضوابط المحتملة لذلك عديدة:
الأوّل: النموّ كما قلنا، إلَّا أنَّه ليس بصحيح؛ لانتقاضه بالنبات.
وهو ليس ممّا تحلّه الحياة عرفاً يقيناً. نعم، النموّ يحتاج إلى الحياة بالدقّة، إلَّا أنَّ المهمّ هو الفهم العرفي لذلك دون الدقّي.
الثاني: الإحساس باللمس، فكلّ ما يحسّ عند لمسه فهو ممّا تحلّه الحياة، وما لا يحسّ لا تحلّه الحياة، والشعر لا يحسّ فهو ممّا لا تحلّه الحياة.
ــــــ[41]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وهذا أيضاً منقوض بالأعضاء الداخليّة للإنسان وغيره، كالقلب والرئة والأمعاء، فإنَّها لا تحسّ عند لمسها ومع ذلك فهي ممّا تحلّه الحياة قطعاً.
والإحساس ناشئ من وجود شبكة عصبيّة لإحساس اللمس.
وليس من مجرّد كون العضو حيّاً.
الثالث: أنَّ كلّ ما يجري فيه الدم فهو ممّا تحلّه الحياة، وما لا يجري فيه الدم لا تحلّه الحياة.
وهذا أيضاً لا يتمّ في نفسه؛ لأنَّه منقوض بالجملة العصبيّة، وهي المخّ والأعصاب، فإنَّها ممّا لا يجري الدم فيها عرفاً، ومع ذلك فهي ممّا تحلّه الحياة قطعاً.
وكذلك قد تنتقض بالعظم، إذا قلنا أنَّه ممّا تحلّه الحياة، كما هو الصحيح خلافاً للمشهور كما يأتي، وهو ممّا لا يجري فيه الدم حتماً.
الرابع: أنَّ ما تحلّه الحياة هو ما يؤدّي قطعه إلى الوفاة، بخلاف ما لا تحلّه.
وهذا غريب؛ لأنَّ قطع اليد والرجل قد لا يؤدّي إلى الوفاة.
وبتعبير آخر: إنَّ المراد الأداء إلى الوفاة مع تلافيه بلفّ ونحوه أو بدونه، فإن كان بدونه فقد يؤدّي القليل إلى الوفاة كالأظفر ونحوه، وإن كان معه، فقد لا يؤدّي الكثير إليها.
وبتعبير ثالث: إنَّ قطع ما لا حياة فيه وإن كان لا يؤدّي إلى الوفاة، إلَّا أنَّ هذا العنوان أعمّ من المطلوب، فإنَّه قد لا يؤدّي قلع الظفر أو العين أو الأنف أو اللسان إلى الوفاة، مع أنَّها ممّا تحلّها الحياة قطعاً.
الخامس: ما يصدق أنَّه لا حياة فيه عرفاً، وهذا وجه جيّد.
ــــــ[42]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وإن كان قد يناقش: أنَّ تشخيص الحياة ليس للعرف، لأنَّه لا يميّزها، لأنَّ الكلام في الأعضاء ليس حال كونها مقطوعة بل حال كونها في الجسم. وفي تلك الحال، كيف يعلم العرف بأنَّها ممّا تحلّها الحياة أم لا؟ إلَّا أن تكون لديه فكرة إجماليّة عن ذلك، ونقول بكفايتها.
السادس: أنَّ ما تحلّه الحياة، ما يُشعِر بالألم في قطعه، وما لا تحلّه الحياة ممّا لا يشعر الفرد بالألم في قطعه.
لا يقال: إنَّ هذا ينقض: بأنَّ نتف الشعر فيه ألم، وقلع الظلف فيه ألم، مع أنَّ الحياة لا تحلّهما مسلَّماً.
فإنَّه يقال: إنَّ هذا الألم ليس في الشعر والظلف، وإنَّما هو في الجزء الحيّ المتّصل بهما.
وإنَّما الإشكال في العظم، فإنَّ المشهور أنَّه ممّا لا تحلّه الحياة(1)، ولكن الظاهر أنَّها تحلّه؛ لأنَّ أكثر هذه الضوابط تشمله، لأنَّه ينمو ويجري فيه الدم ويشعر بالألم صاحبه لدى ضربه أو كسره، بل ألمه أشدّ من ألم ضرب اللحم أو قطعه.
ــــــ[43]ـــــــ
(1) أُنظر: المختصر النافع: 244، كتاب الأطعمة والأشربة، القسم الرابع: في الجامد وهو خمسة، الأوّل، وتذكرة الفقهاء 1: 60، النجاسات، فروع، الثاني، قواعد الأحكام 3: 328، في الجامدات، الأوّل، الدروس 3: 15، درس 203، حكم استعمال ما لا تحلّه الحياة من الميتة، جامع المقاصد 1: 163، المقصد الثالث: في النجاسات، الأوّل في أنواعها، مجمع الفائدة والبرهان 1: 304، النظر السادس: فيما يتبع الطهارة، الحدائق الناظرة 5: 77، ما لا تحلّه الحياة من الميتة، المسألة الثالثة، جواهر الكلام 5: 319، عدم نجاسة ما لا تحلّه الحياة بالموت.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
والإشكال بالجزء المشلول، فإنَّه لا تشمله هذه الضوابط.
وجوابه:
أوّلاً: أنَّه مشلول عن الحركة لا عن الحسّ ولا عن الألم عند الضرب.
ثانياً: أنَّه إن كان مشلولاً عن الألم والحسّ، فهو ميّت، وكلامنا في الحي.
ثالثاً: أنَّنا نتكلّم عن الطبيعة النوعيّة المستقيمة لا عن صور الفساد.
والإشكال في الظفر، فإنَّنا نقطعه ولا نحسّ بالألم، مع أنَّه عظم عرفاً.
جوابه:
أوّلاً: التفريق بين القسم اللاصق من الظفر، والقسم البارز منه. فإذا برز الظفر فإنَّه يموت بالحكمة الإلهيّة ولا نحسّ بألمه وهو غير ملازم للقول: بأنَّ القسم اللاصق أيضاً كذلك.
ثانياً: التفريق بين العظم الاسطواني والعظم المسطّح، وأنَّه يمكن القول، بأنَّ العظم المسطّح ليس بعظمٍ أصلاً، وإنَّما هو من نوع الغضروف، وإن كان سميكاً إلى حدٍّ ما.
ثالثاً: النقض بأظافر ومخالب الحيوانات، فإنَّها تؤلم عند قطعها.
والإشكال: في الضابط المختار للحياة، وهو الإحساس بالألم: بأنَّ ما هو سبب الإحساس بالألم هو وجود الأعصاب عمليّاً وليس هو الحياة. فالأعصاب هي التي تحسّ بالألم وتجعل العضو يحسّ به.
جوابه:
أوّلاً: أنَّه لا دليل على اختصاص الإحساس بالأعصاب.
ــــــ[44]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وإن كان هذا هو المعلن طبّياً، إلَّا أنَّه نحو من النظرة الماديّة إلى الحياة، وهي غير صحيحة.
ثانياً: أنَّ هناك نحو من التلازم بين الحياة والأعصاب، فكلّ عضو حيّ فيه أعصاب، وكلّ عضو فيه أعصاب فهو حيّ عادة.
وأمّا النقض بالعظم، باعتباره يتألّم من دون أعصاب، فجوابه من عدّة وجوه: إمّا بتسليم وجود الأعصاب فيه بالنحو الذي يناسبه، وإمّا بفك التلازم السابق من ناحيته، وإمّا بالتسليم أنَّه ممّا لا تحلّه الحياة، ولعلّ الأقرب هو الثاني.
ثالثاً: أنَّه لا دليل على أنَّ الأعصاب هي الموصلة للألم إلى المخ، ونحو ذلك ممّا قالوه. بدليل أن العضو قد يقطع ولا يحصل ألم فور القطع، وإنَّما يحصل الألم بحصول الجراثيم فيه. فلو كانت الأعصاب، تحسّ عند القطع مطلقاً، كما يزعمون.
والإشكال بتألّم الحشرات، فإنَّه ممّا لا دليل عليه عمليّاً، مع أنَّه عضو حيّ جزماً؛ بدليل أنَّه يتحرّك، وكلّما يتحرّك فهو حيّ، وليس أنَّه كلّ حيّ فهو يتألّم؛ لأنَّه لا دليل على إحساس الحشرات بالألم.
جوابه من عدّة وجوه:
أوّلاً: إنَّ الحركة لا يمكن أن تكون ضابطة للعضو الحي؛ لعدم التلازم بين الأمرين، لوجود أعضاء حيّة غير متحرّكة، وإنَّما تتحرّك بحركة غيره، كما أنَّه يوجد جزء يتحرّك وليس بحي وهو الدم. وإن كان يمكن أن يقال: إنَّ الدم حيّ غير أنَّه يتحرّك بحركة غيره وهو القلب.
ــــــ[45]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فإن قلت: فإنَّنا لا نشعر فيه بالألم، وهو دليل عدم حياته.
قلنا: ذلك لأنَّه سائل.
وإن قصدنا الحركة الدقيّة، كما في الخلايا الحيّة، فهي:
أوّلاً: ليست بحركة عرفيّة. ثانيّاً: أنَّها عامّة لكلِّ الكون وغير خاصّة بالجزء الحيّ.
ثانياً: إنَّ الوجدان قاضٍ بأنَّ الحشرات تتألّم، لكن لا بنحو التألّم البشري، بل بمقدار ما يناسبها من الإحساس، ويدلّ على ذلك تحرّكها بشكل معيّن عند حصول الألم.
ثالثاً: إنَّ الأثر الشرعي لا يترتّب على الحشرات، لا التذكية ولا الصيد، ولا جواز الأكل ولا النجاسة ولا غسل المسّ، ولا غيرها، فلا أثر للحديث عنها.
ثمَّ قال المحقّق الحلّي: «الصوف والشعر والوبر والريش ممّا يؤكل لحمه، لحمه طاهر، سواء جزّ عن حيٍّ أو مذكّى، أو ميّت. ويجوز الصلاة فيه. ولو قلع من الميّت غسل منه موضع الاتّصال، وكذا كلّ ما لا تحلّه الحياة من الميّت إذا كان طاهراً (ليس نجس العين) في حال الحياة»(1).
الأجزاء التي لا تحلّها الحياة إذا قُلعت من الأجزاء التي تحلّها الحياة من الحيوان، وأوضح مصاديقها الشعر. فهو إمّا أن يقطع من حيٍّ أو من ميّتٍ، وعلى كلا التقديرين فإمّا أن يكون طاهر العين أو نجس العين. مضافاً إلى الحديث عن كونه مذكّى أم غير مذكّى.
فإذا قلع من حيٍّ طاهر العين، فهو طاهر إذا لم تحمل من الجلد شيئاً، كما لو قطعت بالمقص أو السكين.
ــــــ[46]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام 1: 54، كتاب الصلاة، المقدّمة الرابعة: في لباس المصلّي، المسألة الثانية.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وإذا حملت شيئاً من الجسم أو من الجلد كان ميتة نجسة على القاعدة الأوليّة، ولكن يمكن تقريب طهارته باعتبار ما قاله المشهور من طهارة القشور والبثور(1)، فإنَّ طهارتها لعدم صدق الميتة عليها، وعدم وجود إطلاق في الأدلّة شاملة لها، وبعد التجريد عن الخصوصيّة يشمل مورد الكلام.
ولكن هذا التجريد متعذّر؛ لأنَّ ذاك عليه سيرة وهذا ليس عليه سيرة.
وأمّا الإجماع، فقد يقال: إنَّ مورد الكلام خارج عن القدر المتيقّن.
إلَّا أنَّ جوابه: أنَّ المورد مثله بل هو أولى.
فإن قلت: إنَّ الإجماع لا لسان له لكي يفهم منه الأولويّة.
قلنا: إنَّ الأولويّة لا تحتاج إلى لسان. أو نقول بنتيجة الإطلاق، وهي حصول الإجماع في المورد نفسه.
وقد يقال: إنَّه إجماع مدركي بصحيح علي بن جعفر: «عن الرجل يكون به الثؤلول أو الجرح، هل يصلح له أن يقطع الثؤلول وهو في صلاته، أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح ويطرحه؟ قال: إن لم يتخوّف أن يسيل الدمّ فلا بأس، وإن تخوّف أن يسيل الدم فلا يفعله» (2).
ــــــ[47]ـــــــ
(1) أُنظر: منتهى المطلب 3: 210، كتاب الطهارة، النجاسات، فروع، السادس عشر، مدارك الأحكام 2: 272، كتاب الطهارة، طهارة ما لا تحلّه الحياة من الميتة، غنائم الأيّام 1: 396، كتاب الطهارة، الفصل الرابع في النجاسات وطريق إزالتها وتطهيرها …، المبحث الثالث: الميتة.
(2) مسائل علي بن جعفر: 241، قواطع الصلاة، الحديث 564، مَن لا يحضره الفقيه 1: 254، الرجل يصلّي وبين يديه مصحف مفتوح، الحديث 776، وسائل الشيعة 3: 504، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني والجلود، الباب 63، باب حكم ما ينتف من البدن من جرح ونحوه، الحديث 1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فله إطلاق مقامي للكبير والصغير والجاف والسائل، وبعض الإشكالات غير واردة، وأوضحها البطلان بسيلان الدم، إلَّا أنَّه يكون نصحاً تكوينيّاً لا شرعيّاً، أو المنع عن زيادة النجاسة.
ويمكن التجريد عن الخصوصيّة، باعتبار أنَّها كلّها من الجلد، أعني: البثور والأجزاء المقطوعة، فنقول: كلّ قطعة صغيرة من الجلد فهي طاهرة.
لا يقال: إنَّه يتعذّر التجريد؛ لأنَّه يفرق بين المقلوع جافّاً، فيكون طاهراً، أو بين المقطوع رطباً فيكون نجساً. والمفروض في مورد الكلام أنَّه ليس بجافٍّ فيكون نجساً.
فإنَّه يقال: إنَّ السيرة على طهارة الجلد الرطب أيضاً، كما في الدُّمَّل وغيره.
وأمَّا عدم الغُسل بمسّه فهو مسلّم؛ لأنَّه لا عظم فيه ولو كان إنسانيّاً.
فإذا لم تثبت نجاستها أمكن إثبات طهارتها بعد السيرة بالاستصحاب من حال الحياة أو بأصالة الطهارة؛ ومعه لا يجب تطهيرها إن قلعت من حيٍّ. حتّى لو أُخذت من جلده. وكذلك لو قلعت من ميّتٍ طاهر كالإنسان الذي تمَّ غسله، أو الحيوان المأكول اللحم المذكّى ونحوه.
هذا إذا كانت قطعة صغيرة، وأمّا إذا كانت قطعة كبيرة، فإنَّها ميّتة نجسة،
ــــــ[48]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وهذا له أثرٌ في العمليّات الجراحيّة. وأمّا لو كان فيها عظم فهي مسلّمة النجاسة.
وأمّا لو قلعت القطعة من ميّتٍ نجسٍ بالموت، كالإنسان الميّت، قبل تمام غسله، أو الحيوان غير المذكّى ممّا له نفس سائلة مأكولاً كان أم لا.
فإن أخرجناه بالقصّ، فلا إشكال في نجاسته.
وإنَّما الإشكال في صورتين:
الصورة الأُولى: أن لا يحمل الشعر معه شيئاً من الجلد، ولكنّه ملامس للجسم الرطب، بالرطوبة الطبيعيّة.
الصورة الثانية: أن يحمل معه شيئاً من الجلد.
أمّا الصورة الأُولى: فقد يقال: بوجوب التطهير-كما عليه المحقّق على ما هو ظاهر عبارته(1)- باعتبار كفاية الرطوبة الإرتكازيّة الطبيعيّة لسريان النجاسة، وهو غير مسلّم، بل يجري في الملاقي استصحاب الطهارة.
فإن قلت: إنَّ هذا الاستصحاب ليس له حالة سابقة.
قلنا: أوّلاً: إنَّه كان طاهراً في حال الحياة فيستصحب.
ثانياً: يمكن جريان الاستصحاب في العدم الأزلي للنجاسة.
والإشكال: بأنَّه لا تصدق عليه الملاقاة؛ لأنَّه مخلوق منه أوّل وجوده هنا.
جوابه: إنَّ ذلك غير مضرّ؛ لأنَّ الناحية الشرعيّة محفوظة، وهي احتمال انتقال
ــــــ[49]ـــــــ
(1) أُنظر: شرائع الإسلام 1: 54، كتاب الصلاة، المقدّمة الرابعة: في لباس المصلّي، المسألة الأُولى.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
النجاسة إلى الجزء الذي لا تحلّه الحياة، فتجري فيه استصحاب الطهارة، سواء صدق (الملاقي) أم لا. على أنَّه يمكن صدق الملاقي فقهيّاً؛ لأنَّ الملاقاة لم يُؤخذ فيها كونها حادثة، بل هو أولى بصدقها.
وبالنسبة إلى القطعة الكبيرة المبانة من الحيّ، يمكن الاستدلال بالأخبار.
منها: صحيح علي بن جعفر السابق.
ومنها: صحيح محمَّد بن قيس عن أبي جعفر: «قال أمير المؤمنين: ما أخذت الحبالة من صيدٍ فقطعت منه يداً أو رجلاً فذروه فإنَّه ميّت. وكلوا ما أدركتم حيّاً وذكرتم اسم الله عليه»(1).
ودلالته على الحرمة واضحة، إلَّا أنَّه لا يدلّ على النجاسة، إلَّا من حيث قوله: (فإنَّه ميّت) لكن يحتاج إلى ضم كبرى [وهي]: إنَّ كلّ ميّت فهو نجس، وهو كما ترى. مضافاً إلى قطعة مبانة فيها عظم، وكلامنا الآن عمّا ليس فيه عظم، والتجريد عن الخصوصيّة إليه غير ممكن.
ومنها: مرسلة أيّوب بن نوح عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله: «إذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة. فإذا مسّها إنسان، فكلّ ما كان فيه عظم فقد
ــــــ[50]ـــــــ
(1) الكافي 6: 214، كتاب الصيد، باب الصيد بالحبالة، الحديث 1، تهذيب الأحكام 9: 37، كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد والذكاة، الحديث 155، وسائل الشيعة 23: 376، كتاب الصيد والذبائح، أبواب الصيد، باب 24، باب أنَّه لا يحلّ أكل ما يُصاد بالحبالة إلَّا أن تُدرك ذكاته …، الحديث 1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وجب على مَن يمسّه الغسل. فإن لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه»(1).
قال: وضعف السند ينجبر بالعمل(2).
أقول: والعمل المشار إليه بمنزلة الإجماع يُؤخذ منه بالقدر المتيقّن، ولا يكون حجّة في الزائد. والظاهر عدم الفرق بين ما خرجت منه الروح قبل القطع وبعده.
ومنها: الأخبار الواردة في إليات الغنم المقطوعة(3)، وكلّها ضعيفة سنداً، وواحدة منها فقط تدلّ على النجاسة، وفيها يقول: «جعلت فداك، إنَّ أهل الجبل تثقل عندهم إليات الغنم فيقطعونها، قال: هي حرام. قلت: فنصطبح بها؟ قال: أما تعلم أنَّه يصيب اليد والثوب وهو حرام» (4).
ــــــ[51]ـــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 429، كتاب الطهارة، أبواب الزيادات، باب تلقين المحتضرين، الحديث 14، وسائل الشيعة 3: 294، كتاب الطهارة، أبواب غسل المسّ، الباب 2، باب وجوب الغسل على مَن مسّ قطعة قطعت من آدمي إن كان فيها عظم …، الحديث 1. ورواه الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أيوب بن نوح، رفعه، عن أبي عبد مثله.
(2) ذكر ذلك نحوه المحقّق الكركي؛ حيث قال تعقيباً على هذه الرواية: ونقل الشيخ الإجماع على ذلك، وتوقّف في المعتبر لضعف الرواية بالإرسال، وعدم تحقّق الإجماع.
وجوابه: إنَّ ضعفها تجبره الشهرة، والإجماع يكفي فيه شهادة الواحد، وعند ابن الجنيد: يجب الغسل بمسّ القطعة من الحيّ ما بينه وبين سنة. جامع المقاصد 1: 459، غسل المسّ.
(3) راجع وسائل الشيعة 24: 71، أبواب الذبائح، الباب 30، باب أنَّ ما يقطع من أعضاء الحيوانات قبل الذكاة فهو ميتة …
(4) الكافي 6: 255، كتاب الأطعمة، باب ما يقطع من إليات الضأن وما يقطع من الصيد بنصفين، الحديث 3، وسائل الشيعة 24: 178، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأطعمة المحرّمة، الباب 32، باب أنَّ ما قطع من إليات الغنم وهي احياء ميّتة يحرم أكله والاستصباح به…، الحديث 1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
والمراد إصابة الدهن لا إصابة الدخان، فيكون المراد من حرمة الإصابة حصول النجاسة.
والأخبار الأُخرى في الباب نصٌّ في غير النجاسة أو منصرف إلى غيرها، مثل قوله: «ما قطع منها ميّت لا ينتفع به»(1). فإنَّ عدم الانتفاع أعمّ من النجاسة، إلَّا أن يُضم إليه كبرى: إنَّ كلّ ميّت نجس، أو يراد من الانتفاع خصوص الأكل، وكلاهما كما ترى.
وعلى أيّ حال، فكلّها لا تشمل محلّ الكلام، إلَّا بالتجريد عن الخصوصيّة وهو متعذّر عرفاً؛ لاحتمال الفرق، والتجريد إنَّما يكون مع الاطمئنان بعدم الفرق.
واحتمال: إمكان التجريد عن الخصوصيّة من الإليات مردود؛ لأنَّ فيه أولويّة معاكسة، وهو الحجم من حيث إنَّ ظاهر الروايات هو قطع كلّ الإلية؟ دفعة واحدة. فإمّا أن يتساقط هذان الظهوران بالأولويّة، وإمّا أن نقدّم الظهور بالحجم، فيمتنع التجريد عن الخصوصيّة.
على أنَّ مورد كلامنا ليس هو اللحم، ولا يصدق عليه ذلك، فلا تكون المماثلة ثابتة فضلاً عن الأولويّة، وتكون الأخبار كلّها خارجة عن محلِّ الاستدلال.
وربّما قيل فقهيّاً: بأنَّ هذه الأخبار دالّة على نجاسة الدخان المتصاعد من
ــــــ[52]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 24: 71، أبواب الذبائح، الباب 30، باب أنَّ ما يقطع من أعضاء الحيوانات قبل الذكاة فهو ميتة…، الحديث 1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الاستصباح بالإليات الميّتة، ولذا نهى جملة من الفقهاء عن الاستصباح بها تحت السقف لئلّا يتنجّس السقف(1)!! وهو قول شاذّ نسبيّاً فقهيّاً، إلَّا أنَّنا لا بأس بهذه المناسبة أن نبحث عن إثباتاته.
فممّا يدلّ على ذلك:
1. تذكير الضمير في قوله: (أما تعلم أنَّه يصيب اليد) ولو أراد (الإلية) لكان الضمير مؤنّثاً.
2. قوله: (فنصطبح)، وهو الإشعال، وهو ملازم للدخان في العصور السابقة.
3. قوله: أنَّه لم يقل: فيصيب اليد والثوب منها: فعدم قوله: (منها) يدلّ على أنَّه لا يعني الإلية.
4. أنَّه خلال الاستصباح لا يصيب الثوب والجسد عن الدهن عادة، وإنَّما يصيب الدخان.
إلَّا أنَّها كلّها وجوه غير تامّة:
أمّا تذكير الضمير؛ فباعتبار الرجوع إلى الدهن الذي يستخرج من الإلية لا إلى الإلية ولا إلى الدخان، وهو لا مرجع له في العبارة على أيّة حال، فلا يتعيّن رجوعه إلى الدخان.
ــــــ[53]ـــــــ
(1) راجع المهذّب (لابن البرّاج) 2: 432، كتاب الأطعمة والأشربة، باب ما يتعلّق بالأطعمة والأشربة، والروضة البهيّة 3: 208، كتاب المتاجر، المكاسب المحرّمة، وكتاب المكاسب (للأنصاري) 1: 89، المكاسب المحرّمة، المسألة الرابعة: المعاوضة على الدهن المتنجّس، وجواهر الكلام 22: 15، جواز التكسّب بالأدهان المتنجسّة.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
على أنَّه يمكن أن يرجع إلى (الإليات)؛ لأنَّه مؤنّث مجازي يمكن عود الضمير المذكّر إليه. مضافاً إلى أنَّه جمع، وهو بمنزلة (اسم الجنس) فيكون الفرد مخيّراً بين إرجاع الضمير المذكّر والمؤنّث.
وأمّا الملازمة مع الدخان، فهي وإن كانت ثابتة، إلَّا أنَّ نجاسته يتوقّف على وجود الظهور في العبارة إليه، وهو مفقود.
وأمّا عدم قوله: (منها) فإمّا أن يكون ظاهراً بالدهن أو مجمل من هذه الناحية. ولا يمكن أن يكون ظاهراً بالدخان؛ لأنَّ الإصابة دقيّة في الدخان، وليست عرفيّة. ولم يقل: أنَّه يصيب السقف، على أنَّ إصابة السقف لا أثر لها؛ لأنَّنا لا نصلّي فيه ولا نأكله.
وأمّا أنَّ الدهن لا يصيب الجسد عند الاستصباح، وإنَّما يصيبه الدخان. فالدهن إنَّما يصيب عند وضعه وعند جمعه لا عند استعماله.
مضافاً إلى أنَّه قال في الرواية: (وهو حرام)، وهو ظاهر بالحكم التكليفي، ولا تكليف في ترك النجس، فينحصر بحرمة الأكل. وبه يندفع الاحتمالان الآخران. وهو دلالتها على نجاسة الدهن، فضلاً عن الدخان.
حول نجاسة الشعر من الحيوان
ويمكن أن يستدلّ بعدّة طوائف من الروايات:
الطائفة الأُولى: ما دلّ على نجاسة شعر الكلب
كصحيحة محمّد بن مسلم، قال: «سألت أبا عبد الله عن الكلب يصيب شيئاً من جسد الرجل، قال: تغسل المكان الذي أصابه»(1).
ــــــ[54]ـــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 23، باب الأحداث الموجبة للطهارة، الحديث 61، وسائل الشيعة 3: 415، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني والجلود، الباب 12، باب نجاسة الكلب ولو سلوقيّاً، الحديث 4.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وإصابة الكلب، يعني: إصابة جسده، وهو عادةً مكسوّ بالشعر، فتكون الإصابة على شعره واقعاً. والأمر بالغسل يستفاد منه النجاسة بعد تقييد الإصابة بالرطوبة بدليلٍ آخر.
ونحوها الرواية الثانية في الباب(1)، بل لعلّها عينها، إلَّا أنَّ الأُولى مرويّة عن طريق الشيخ، والأُخرى عن طريق الكليني.
ونحوها في الدلالة، صحيحة أُخرى لمحمّد بن مسلم، قال: «سألت أبا عبد الله عن الكلب السلوقي، قال: إذا مسسته فاغسل يدك»(2)؛ من حيث إنَّ المسّ يكون للشعر غالباً بل دائماً.
ــــــ[55]ـــــــ
(1) الكافي 3: 60، كتاب الطهارة، باب الكلب يصيب الثوب والجسد وغيره ممّا يكره أن يمسّ شيء منه، وسائل الشيعة 3: 415، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني والجلود، الباب 12، باب نجاسة الكلب ولو سلوقيّاً، الحديث 8. ونصّ الرواية هو: محمّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عن الكلب يصيب شيئاً (من جسد الرجل)؟ قال: «يغسل المكان الذي أصابه.
(2) الكافي 6: 553، كتاب الدواجن، باب الكلاب، الحديث 12، وسائل الشيعة 1: 275، كتاب الطهارة، الباب 11، باب إنَّ لمس الكلب والكافر لا ينقض الوضوء، الحديث 1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الطائفة الثانية: ما ورد في نجاسة شعر الخنزير
كرواية سليمان الاسكاف، قال: «سألت أبا عبد الله عن شعر الخنزير يخرز به، قال: لا بأس به، ولكن يغسل يده إذا أراد أن يصلّي»(1).
وهي واضحة موضوعاً ومحمولاً، إلّا أنَّها غير تامّة سنداً.
ورواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر، قال: «سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله، فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به، قال: إن كان دخل في صلاته فليمض، فإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه، إلَّا أن يكون فيه أثر فيغسله» (2).
وإصابته الخنزير يعني: إصابة ظاهره، وهو مكسوّ بالشعر، فيكون مساوقاً لإصابة الشعر، مع تقييده بالرطوبة بدليلٍ خارجي.
الطائفة الثالثة: فيما ورد من نجاسة الكافر.
كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر: «في رجلٍ صافح رجلاً
ــــــ[56]ـــــــ
(1) تهذيب الأحكام 9: 85، كتاب الصيد والذبائح، باب الذبائح والأطعمة، وما يحلّ من ذلك وما يحرم منه، الحديث 92، وسائل الشيعة 3: 418، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني والجلود، الباب 13، باب نجاسة الخنزير، الحديث 3.
(2) الكافي 3: 61، كتاب الطهارة، باب صفة التيمّم، الحديث 6، وسائل الشيعة 3: 417، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني والجلود، الباب 13، باب نجاسة الخنزير، الحديث 1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
مجوسيّاً، فقال: يغسل يده ولا يتوضّأ»(1).
ورواية خالد القلانسي، قال: «قلت لأبي عبد الله: ألقى الذمّي فيصافحني، قال: امسحها بالتراب أو بالحائط، قلت: فالناصب: قال: اغسلها»(2).
ورواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر، قال: «سألته عن فراش اليهودي والنصراني ينام عليه؟ قال: لا بأس، ولا يصلّى في ثيابهما». وقال: «لا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة، ولا يقعده على فراشه ولا مسجده ولا يصافحه».
قال: «وسألته عن رجلٍ اشترى ثوباً من السوق للّبس لا يدري لمَن كان، هل تصلح الصلاة فيه، قال: إن اشتراه من مسلم فليصلِّ فيه. وإن اشتراه من نصراني، فلا يصلّي فيه حتّى يغسله»(3).
ــــــ[57]ـــــــ
(1) الكافي 2: 650، كتاب العشرة، باب التسليم على أهل الذمم، الحديث 12، وسائل الشيعة 3: 420، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني والجلود، الباب 14، باب نجاسة الكافر ولو ذميّاً ولو نصرانيّاً، الحديث 3.
(2) الكافي 2: 650، كتاب العشرة، باب التسليم على أهل الملل، الحديث 11، وسائل الشيعة 3: 420، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني والجلود، الباب 14، باب نجاسة الكافر ولو ذميّاً ولو نصرانيّاً، الحديث 4. وفي الكافي والوسائل (ط أهل البيت): «بالتراب والحائط» بدل: «بالتراب أو الحائط». نعم، في الوسائل (ط الإسلاميّة): «بالتراب أو الحائط».
(3) مسائل علي بن جعفر: 217، لباس المصلي، الحديث 477، تهذيب الأحكام 1: 263، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، الحديث 53، وسائل الشيعة 3: 421، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني والجلود، الباب 14، باب نجاسة الكافر ولو ذميّاً ولو نصرانيّاً، الحديث 10.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ويعارضها ما دلَّ على الطهارة:
كرواية الكاهلي قال: «سألت أبا عبد الله عن قومٍ مسلمين يأكلون وحضرهم رجل مجوسي، أيدعونه إلى طعامهم؟ فقال: أمّا أنا فلا أواكل المجوسي، وأكره أن أُحرّم عليكم شيئاً تصنعونه في بلادكم»(1).
ورواية إبراهيم بن أبي محمود، قال: «قلت للرضا الجارية النصرانيّة تخدمك وأنت تعلم أنَّها نصرانيّة لا تتوضّأ ولا تغتسل من جنابة، قال: لا بأس، تغسل يدها»(2).
وقد فهم منها بعض أساتذتنا القضيّة الخارجيّة(3)، يعني: وجود خادمة
ــــــ[58]ـــــــ
(1) الكافي 6: 263، كتاب الأطعمة، باب طعام أهل الذمّة ومؤاكلتهم وآنيتهم، الحديث 4، وسائل الشيعة 3: 419، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني والجلود، الباب 14، باب نجاسة الكافر ولو ذميّاً ولو نصرانيّاً، الحديث 2.
(2) تهذيب الأحكام 1: 299، كتاب الطهارة، أبواب الزيادات في أبواب كتاب الطهارة، باب الحيض والاستحاضة والنفاس، الحديث 68، وسائل الشيعة 3: 422، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات والأواني والجلود، الباب 14، باب نجاسة الكافر ولو ذميّاً ولو نصرانيّاً، الحديث11.
(3) راجع التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 41، نجاسة الكافر.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
نصرانيّة فعلاً في بيت الإمام الرضا، إلَّا أنَّ الظاهر كونها على نحو القضيّة الحقيقيّة أو الافتراضيّة، كما هو المتحقّق غالباً في اللهجة العرفيّة.
الطائفة الرابعة: ما ورد في نجاسة الميّت.
كمعتبرة إبراهيم بن ميمون، قال: «سألت أبا عبد الله عن رجلٍ يقع ثوبه على جسد الميّت، قال: إن كان غسّل الميّت فلا تغسل ما أصاب ثوبك منه. وإن كان لم يغسّل فاغسل ما أصاب ثوبك منه، يعني: إذا برد الميّت»(1).
وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله -في حديث- قال: «سألته عن الرجل يصيب ثوبه جسد الميّت، فقال: يغسل ما أصاب الثوب)(2).
مع ملاحظة أمرين:
أحدهما: أنَّ الأمر بالغسل دالٌّ على نجاسة الملاقي، وهو أمرٌ مسلّم فقهيّاً.
وثانيهما: إمكان التجريد عن الخصوصيّة من ميّت الإنسان إلى ميّت الحيوان
ــــــ[59]ـــــــ
(1) الكافي 3: 61، كتاب الطهارة، باب الكلب يصيب الثوب والجسد وغيره ممّا يكره أن يمسّ شيء منه، الحديث 5، تهذيب الأحكام 1: 276، كتب الطهارة، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، الحديث 98، وسائل الشيعة 3: 461، كتاب الطهارة، الباب 34، باب نجاسة الميتة من كلّ ما له نفس سائلة …، الحديث 1.
(2) الكافي 3: 161، كتاب الطهارة، كتاب الجنائز، باب غسل مَن غسّل الميّت ومَن مسّه وهو حارّ، ومَن مسّه وهو بارد، الحديث 4، تهذيب الأحكام 1: 276، كتب الطهارة، باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، الحديث 99، وسائل الشيعة 3: 461، كتاب الطهارة، الباب 34، باب نجاسة الميتة من كلّ ما له نفس سائلة إلَّا أن يطهّر، الحديث 2.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فيشمله الحكم بالنجاسة، إلّا أنَّه متعذّر؛ لاحتمال الخصوصيّة للإنسان، إلّا إذا دلّ الدليل على العلّة المشتركة، وهي كونه ذو نفس سائلة، والبحث فيها في محلّه.

ــــــ[60]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر

مبحث مكان المصلي
ــــــ[61]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر

ــــــ[62]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
مبحث مكان المصلي

طهارة مكان المصلي
نظر عامة على مباحث المسألة
إن الكلام في اشتراط طهارة مكان المصلي فيه -بلا شك- تفاصيل متعددة من أهمها أن الشرط هل هو الطهارة مطلقاً، سواء كان المكان جافاً أم رطباً أو خصوص ما إذا كان المكان رطباً، بمعنى جواز الصلاة مع الجفاف كما عليه المشهور، بل لعل الاجماع قائم عليه.
ولو قلنا بجواز الصلاة في المكان النجس الجاف، فهل يختص بموضع السجود أو يشمل مطلق المكان.
أجل، الاجماع هنا بالعكس، أي هو قائم على اعتبار الطهارة بالنسبة إلى موضع السجود، سواء كان المكان جافاً أو رطباً.
اعتبار الطهارة الأصلية
الكلام الآن عن اشتراط الطهارة الأصلية -لو صح التعبير- بمعنى اعتبار الطهارة مطلقاً، سواء كان المكان جافاً أو رطباً.
ــــــ[63]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فهل أن الدليل يساعد عليها أو لا؟ وإن كان هو في نفسه خلاف الإجماع أو خلاف الشهرة العظيمة حتى أنه نقل(1) عن الحلبي فقط كونه يرى وجوب طهارة المكان للمساجد السبعة دون غيرها من الفجوات التي تكون تحت المصلي وإلى جانبيه ونحو ذلك وإلّا فإن مجموع المكان الذي يصلى عليه مُسَلّم أنه لا تجب طهارته حال كونه جافاً.
مقدمة قبل الدخول بالروايات
مع ذلك يمكن الاستدلال على اعتبار الطهارة في مكان المصلي وإن كان جافاً، وذلك بالاعتماد على ظهور بعض الروايات.
* وقبل الدخول في تفاصيل المسألة أود أن أبين أمراً بالغ الأهمية، وهو:
إن الروايات التي يمكن الاستدلال بها في محل الكلام -اعتبار الطهارة الاصلية للمكان – فيها ما هو مربوط بأخبار مطهرية الشمس، فمن هذه الناحية أود بيان بعض تلك الأخبار التي تتكلم عن مطهرية الشمس، لأجل أن المتعارف عند مشهور المتأخرين أن الشمس من المطهرات.
أجل، هذا البحث لما كان محله كتاب الطهارة فلذا لا يكون من المناسب التفصيل فيه.
بحث استطرادي حول مطهرية الشمس
وقبل عرض تلك الأخبار ننبه على أن مقتضى الأصل العملي هو النجاسة،
ــــــ[64]ـــــــ
(1) الناقل هو العلامة في المختلف2،130 ط مؤسسة النشر الإسلامي.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
لأن الماء هو المطهر الأصلي وغيره يكون مشكوك المطهرية، فلابد أن نثبت أولاً مطهرية الشيء وهو هنا الشمس بعد ذلك يرتفع الشك فينتفي موضوع الأصل العملي.
فلولا ظهور الأخبار التي تمسك بها مشهور المتأخرين، فإن الأصل العملي هو النجاسة عند الشك في مطهرية الشمس، فإن الاستصحاب يقضي ببقاء النجاسة، فالاستصحاب هنا هو الحجة ما لم ينقطع بدليل معتبر سنداً ودلالةً.
والكلام عن وجود مثل هذا الدليل فهذا ما سنبحثه الآن ثم نعود إلى مسألتنا في طهارة المكان وإن كان جافاً.
الروايات الدالة على مطهرية الشمس
الخبر الأول:
محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلى فيه؟ فقال: إذا جففته الشمس فصلِّ عليه، فهو طاهر»(1).
ــــــ[65]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص451 ح1، باب 29أن الشمس إذا جففت الأرض والسطح والبواري من البول وشبهه تطهرها وتجوز الصلاة عليها، ط مؤسسة آل البيت.
وسند الصدوق لزرارة هذا، قال في مشيخة الفقيه: «وما كان فيه عن زرارة بن أعين فقد رويته عن أبى رضي الله عنه عن عبد الله بن جعفر الحميرى عن محمد بن عيسى بن عبيد والحسن بن ظريف وعلي بن إسماعيل بن عيسى كلهم عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد الله عن زرارة بن أعين» ورجال السند كلهم ثقات فالسند معتبر.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
تقريب الدلالة:
إن دلالة الخبر ظاهرة لا تحتاج إلى تقريب للاستدلال بها على المدعى.
الاعتراضات على دلالة الخبر
هنا جملة من الاعتراضات يمكن أن نسجلها على الاستدلال بالخبر.
الاعتراض الأول:
إن قطعنا النظر عن ذيل الخبر، لأن الكلام عنه سيأتي في الاعتراض الآتي، فإن مورد السؤال والجواب معاً هو جواز الصلاة على المكان النجس وليس نجاسته وطهارته، فإذا جففته الشمس، فهل تجوز الصلاة عليه -جواب الشرط- فـ(صلِّ عليه) ليس هو طهارته الأصلية.
فإذا جففت الشمس المكان النجس فـ(صلِّ عليه) فمن هذه الناحية الكلام مطابق لما عليه المشهور، وهو: جواز الصلاة على المكان النجس الجاف.
فلا يدل الخبر على أن المكان قد طهرته فـ (صلِّ عليه).
الاعتراض الثاني:
إن قوله : «فهو طاهر» لا يمكن أن نأخذ (طاهر) على المعنى الاصطلاحي الفقهي، لأن الاصطلاح متأخر زماناً عن صدور الخبر، فلابد من حمله على المعنى اللغوي -العرفي- الذي كان سائداً في ذلك الحين، والطهارة اللغوية -العرفية- إنما تكون عن الوسخ والقذارة لا عن النجاسة الحكمية التي يصطلح عليها في الفقه بالعصور المتأخرة عن عصر
ــــــ[66]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المعصومين في عصر الغيبة ونحو ذلك.
فيكون معنى قوله : «فهو طاهر» أي قذارته غير موجودة ولا تنتقل إلى جسمك من الأرض.
مضافاً إلى نكتة أخرى ينبغي الالتفات إليها، وهي:
إن الإمام  لم يأمر بتنشيف الموضع الذي يبال عليه، مع أن البول إذا جف لا يزول بالمرة وإنما يبقى هناك طبقة فيها ذرات صغيرة واضحة قد تكون معتداً بها أحياناً وقابلةً للرؤية، فإذا جففته الشمس هل يمكن القول بطهارته؟
هذا غير محتمل مع العلم إننا على اطمئنان أن أي بول يجف تبقى هناك جزئيات.
الخبر الثاني:
محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن حماد عن حريز عن زرارة وحديد بن حكيم الأزدي جميعاً قالا: «قلنا لأبي عبد الله السطح يصيبه البول أو يبال عليه يصلى في ذلك المكان، فقال: إن كانت تصيبه الشمس والريح وكان جافاً فلا بأس به إلّا أن يكون يتخذ مبالاً» (1).
ــــــ[67]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص451 ح2، باب 29 أن الشمس إذا جففت الأرض والسطح والبواري من البول وشبهه تطهرها وتجوز الصلاة عليها، ط مؤسسة آل البيت.
ورجال السند كلهم ثقات فالسند معتبر.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
تقريب الدلالة:
إن الاستدلال بالخبر هو بالتمسك بإطلاق قوله: «فلا بأس به» بمعنى لا نجاسة به.
الاعتراضات:
هنا جملة من الاعتراضات يمكن أن نسجلها على الاستدلال بالخبر.
الاعتراض الأول:
إن السؤال كان عن الصلاة في المكان المتنجس لا أنه عن طهارته، نعم يمكن القول إن الارتكاز المتشرعي يدل على أن السؤال كان عن طهارة المكان وإن كان جافاً، لكن هذا لم يثبت، بل الاجماع على خلافه.
وقوله: «وكان جافاً فلا بأس به» بمعنى ما سألت عنه وهو جواز الصلاة فيه لا محذور فيه.
الاعتراض الثاني:
قال المشهور ينبغي أن تختص الشمس بالتجفيف لا أن تشاركها عوامل أخرى من قبيل حرارة خارجية أو ريح أو أي شيء آخر.
مع أن الشمس لا تنفك عن عامل موازي لها في عملية التجفيف، فكيف يكون جوابهم؟
الخبر الثالث:
وباسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن العمركي عن علي بن جعفر عن
ــــــ[68]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
أخيه موسى بن جعفر قال: «سألته عن البواري يصيبها البول هل تصلح الصلاة عليها إذا جفت من غير أن تغسل؟ قال: نعم لا بأس» (1).
تقريب الدلالة ومناقشتها:
والمعنى أن الصلاة تصلح على هكذا أرض إذا جفت من غير أن تغسل، أما أنه تصلح الصلاة عليها بعنوان كونها طاهرة؟
هذا فرع أن نقول بذاك الارتكاز وهو أن اشتراط طهارة المكان حتى لو كان جافاً وهذا في نفسه بعيد وغير موجود لا في الارتكاز العرفي ولا في الارتكاز المتشرعي.
الخبر الرابع:
وعنه، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله -في حديث- قال: «سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس، ولكنه قد يبس الموضع القذر؟ قال: لا يصلي عليه، وأعلم موضعه حتى تغسله»(2).
ــــــ[69]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص451 ح3، باب 29 أن الشمس إذا جففت الأرض والسطح والبواري من البول وشبهه تطهرها وتجوز الصلاة عليها، ط مؤسسة آل البيت.
ورجال السند كلهم ثقات فالسند معتبر.
(2) وسائل الشيعة: ج3 ص452 ح4، باب 29 أن الشمس إذا جففت الأرض والسطح والبواري من البول وشبهه تطهرها وتجوز الصلاة عليها، ط مؤسسة آل البيت.
ورجال السند كلهم ثقات فالسند معتبر.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ولعلَّ صحيحة عمار الساباطي هذه أهم الروايات في هذا الصدد وسندها اعلائي الصحة.
تقريب الاستدلال بالرواية:
والسؤال هنا عن الحصة غير المعرضة للشمس التي تكون تحت السقوف ونحو ذلك من الأمور، فلا تصيبها الشمس ولكن الموضع القذر قد يبس، فأجابه: «لا يصلى عليه وأعلم موضعه حتى تغسله«.
وبما أن الشمس قد وردت في السؤال فيكون الخبر صالحاً لإثبات المدّعى.
مناقشة الاستدلال:
إن الخبر هذا لا ربط له بمطهرية الشمس، لأن الشمس لا تشرق على الموضع القذر مطلقاً فقد يكون الموضع القذر في البيت أو في غيره فلا تصيبه الشمس لكنه قد يبس، فأجابه: «لا يصلى عليه» ولهذا تكون هذه الرواية دالة على لزوم الجفاف وعدم جواز الصلاة على المكان النجس الجاف.
نعم، قد يقال:
إما، إن مدلولها ساقط عن الاعتبار لإعراض المشهور عنه.
أو، أنها معارضة لأدلة أكثر منها.
أو نحملها على الكراهة.
وقوله: «واعلم موضعه حتى تغسله» فإن هذا ليس بياناً لحكم وجوبي، لأن التعليم حكم طريقي لا إلزامي تكليفي.
ــــــ[70]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الاعتراضات:
إن الاعتراضات التي تم تسجيلها على الخبر الأول تأتي هنا بلا فرق بين المخبرين من هذه الجهة.
إلفات نظر:
من لاحظ الخبر يرى أن السؤال كان عن الشمس هل تطهر الأرض، والإمام في جوابه اعرض عن عنوان الطهارة إلى عنوان جواز الصلاة فيه، وهذا له دلالة على أنه لم يقضِ بطهارة الأرض وإنما قال بجواز الصلاة على الموضع النجس الجاف، فلو تنزلنا -جدلاً- وقلنا إن المراد من الطهارة هي الطهارة الفقهية الحكمية لم يكن في الخبر دلالة على المدعى.
الخبر الخامس:
وبإسناده عن أحمد بن محمد عن علي بن الحسن عن عثمان بن عبد الملك عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر قال: «يا أبا بكر ما اشرقت عليه الشمس فقد طهر»(1).
مناقشة سندية:
هذه الرواية غير معتبرة السند ربما لأكثر من راوي أهمهم أبو بكر الحضرمي الذي لم تثبت وثاقته.
ــــــ[71]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص453 ح5، باب 29 أن الشمس إذا جففت الأرض والسطح والبواري من البول وشبهه تطهرها وتجوز الصلاة عليها، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
أجل، لو تم تصحيح السند، كما لو اعتمدنا على بعض المباني الرجالية كالجابرية أو من ورد اسمه في اسناد كامل الزيارات ونحو ذلك فحينئذٍ تكون هذه الرواية دالة على ما ذهب إليه المشهور.
لكن ذلك مع الاحتفاظ بالمناقشات، فقد قلنا إن مادة الطهارة يمكن أن تكون ليست هي نفس المضمون المستعمل عند الفقهاء، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن قوله: «ما اشرقت عليه الشمس» ليس بالضرورة أن يكون إشراقها على المتنجس، بل عليه وعلى الأعم منه، وبهذا تكون الرواية أخص من المدعى -لو صح التعبير-.
فأقصى ما تفيده هذه الرواية هو تحصيل الطهارة المعنوية لا الطهارة الحكمية التي هي محل البحث.
الخبر السادس:
وبهذا الإسناد عن أبي جعفر قال: «كل ما أشرقت عليه الشمس فهو طاهر»(1).
مناقشة سندية للرواية:
هذه الرواية متحدة سنداً مع الرواية السابقة والإشكال السندي الذي يتوجه على تلك يتوجه على هذه.
ــــــ[72]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص453 ح6، باب 29 أن الشمس إذا جففت الأرض والسطح والبواري من البول وشبهه تطهرها وتجوز الصلاة عليها، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الكلام في الدلالة:
ألفاظ هذه الرواية هي ذاتها ألفاظ الرواية المتقدمة، إلاّ أنه هناك يقول: «فقد طهر» وهنا يقول : «فهو طاهر«.
وجميع المناقشات التي تقدمت تأتي هنا بلا خلاف بين الروايتين.
نكات متفرقة [بالنسبة إلى الروايات المدعى دلالتها على مطهّرية الشمس]:
بالنسبة إلى الروايات المدعى دلالتها على مطهّرية الشمس توجد بعض النكات ينبغي الإشارة إليها.
النكتة الأولى:
في صحيحة زرارة وهي الرواية الأولى يقول: «إذا جففته الشمس فصلِّ عليه فهو طاهر«، وهنا يمكن القول أن النجاسة بالمعنى الاصطلاحي الفقهي تستفاد من لسان واحد وهو الأمر بالغسل (اغسله)، (اضف عليه الماء) ونحو ذلك، أما ألسنة أخرى فلا يمكن استفادة النجاسة منها أو الطهارة الفقهية، لأنها أعم من ذلك، فلا يستفاد الأخص من اللسان الدال على الأعم، وهذا من قبيل «لا تصلِّ فيه» فهو لا يدل على النجاسة إذ لعل المنع عن الصلاة أعم من النجاسة، لاحتمال وجود مانع تعبدي آخر غير النجاسة في هذا المورد الذي قال «لا تصلِّ فيه«.
ومن أوضح امثلته عرق الجنب من الحرام، فإن فيه أخباراً كلها «لا تصلِّ فيه»
ــــــ[73]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وليس فيه (اغسله) ومن هنا قلنا ينبغي أن يقال بعدم الملازمة بين المنع عن الصلاة والنجاسة، لأن المنع عن الصلاة أعم من النجاسة، فلا يدل (لا تصلِّ) على النجاسة وإنما يدل على وجود مانع تعبدي لا يجوّز الصلاة.
لكن يمكن جريان استصحاب الطهارة بالنسبة إلى جسم المتعرق بعرق الجنب من الحرام هذا من هذه الناحية. وعكسه «لا تصلِّ» فيه فهو لا يدل على النجاسة، وإنما يدل على الطهارة.
فكما أن (لا تصلِّ) أعم من النجاسة فـ(صلِّ) أيضاً أعم من الطهارة، ولعله أيضاً لأجل ارتفاع تعبدي لوجود مانع تعبدي غير النجاسة.
فقوله: «صلِّ فيه» في مقابل (لا تصلِّ فيه) فإن الأول (صلِّ فيه) دال على أن المكان يبس فلا تنتقل نجاسته إلى جسمك وثوبك فلا بأس أن تصلي فيه بغض النظر عن قوله: (هو طاهر) فصلِّ فيه فهو لا يدل على الطهارة كما أن (لا تصلِّ) فيه لا يدل على النجاسة.
نعم، لسان الدليل الرئيسي والوحيد الذي يمكن أن يستفاد منه النجاسة الحكمية الفقهية هو «اغسله» أو «أرق عليه الماء» ونحو ذلك، أما بالنسبة إلى قوله: (فهو طاهر) فقد تقدّم منا ذكر جوابين له، وإن كان بالإمكان الإجابة بأكثر من جواب، من قبيل:
إن حمل الطهارة والنجاسة والقذارة ونحو ذلك من مواد الكلمات الواردة عن المعصومين أو المستعملة في عصر المعصومين بما لها من المعاني على الطهارة والنجاسة الفقهية الاصطلاحية أول الكلام، لأن كون تلك المواد اللفظية
ــــــ[74]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
مستعملة بهذه المعاني الاصطلاحية بحاجة إلى إثبات وإثباته ليس متعذراً، لإمكان استقراء كثير من الروايات بحيث يثبت التواتر الإجمالي على أن هذه المصطلحات كانت موجودة، فإن أفاد ذلك الاطمئنان وكان منشأه الحس فهو حجة لحجية الاطمئنان، وإن أفاد الاطمئنان ولكن لم يكن منشأه الحس، بل شيئاً آخر من قبيل الغفلة أو الاستصحاب القهقرائي أو أي شيء من هذا القبيل فهو ليس بحجة وإنما تكون حجيته على مدعيه.
نعم، من الناحية العملية إن اقتصرنا على مثل هذه الوجوه فينبغي أن يحمل على المعنى اللغوي لا الاصطلاحي، فإذن (طاهر) ليس معناه أنه لا تسري منه النجاسة، وأنه جاف ذكي ونحو ذلك، فيكون معنى ذكي أنه طاهر حقيقة، وإنما معناه لا تسري النجاسة من أحد الجسمين إلى الجسم الآخر إلاّ برطوبة والرطوبة مفروضة العدم، فحينئذٍ لا يكون هناك سراية من جسم إلى جسم، فهو طاهر فيكون هذا المعنى كافياً، لأنه معنى عرفي يصح السكوت عليه إزاء المعنى المسؤول عن الصلاة.
فيكون الجواب على نفس السؤال الذي ذكره لا مانع للصلاة من هذه الناحية، لعدم سراية النجاسة منه إلى جسمك لكي تبطل الصلاة.
النكتة الثانية:
الروايات المتقدمة إن تم سندها ودلالتها كما لعله يدعى في رواية عمار الساباطي أو صحيحة زرارة مع ذلك لا يمكن الاستناد إلى مختار المشهور لوجود رواية معارضة بمدلولها وهي معتبرة السند، فحينئذٍ تسقط بالمعارضة، وهذه
ــــــ[75]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الرواية المعارضة هي:
وعنه عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: «سألته عن الأرض والسطح يصيبه البول وما أشبهه، هل تطهره الشمس من غير ماء؟ قال: كيف يطهر من غير ماء»(1).
الكلام في السند:
1- إن للشيخ الكليني إلى محمد بن إسماعيل بن بزيع طرقاً صحيحة.
2- إن هذا الخبر مضمر، والإضمار يسقط الرواية عن الاعتبار، لكن عادة يجاب في علم الأصول وكذلك في علم الحديث بأن المضمرة بالنسبة إلى خاصة الأئمة لا يضر، لأنه في العادة يحصل اطمئنان على أن المسؤول إنما هو الإمام أو شخص ناقل لفظ من الإمام بحيث حصل للراوي اطمئنان بأن هذا هو كلام الإمام فحينئذٍ يخبرنا بأنه قال كذا بهذا الترتيب لكن الأول هو الأفضل والأحسن وهو أن نقول: أنه يحصل اطمئنان بأن المسؤول هو الإمام مباشرة.
كلام في المتن:
كان الأنسب بالسياق أن يكون هكذا (هل تطهره الشمس) أو (هل تطهرها الشمس من غير ماء).
ــــــ[76]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص453 ح7، باب 29 أن الشمس إذا جففت الأرض والسطح والبواري من البول وشبهه تطهرها وتجوز الصلاة عليها، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
كلام في الاستدلال:
إن الاستفهام الاستنكاري «كيف يطهر من غير ماء» مطلق وهو بإطلاقه يشمل جميع المطهرات، كالاستحالة والغيبة ونحوها. فحينئذٍ نحتاج إلى تقييد وإن كان الاستفهام الاستنكاري صعب التقييد عرفاً، لكنه مع ذلك قابل للتقييد، ولا بدية التقييد تنشأ من الارتكاز المتشرعي وهو عدم احتمال أن يكون الإمام قد قصد هذا المعنى الشامل والواسع.
ومن جملة الأشياء التي نقيد بها هذا الإطلاق ما دل على مطهرية الشمس.
ملاحظة على الاستدلال:
إن التقييد بالشمس غير ممكن، لأن الإمام نفاها بقرينة متصلة، فمن هذه الناحية لا يمكن أن يكون تقييداً فتقع المعارضة بين الطائفتين وتتساقطان ونرجع إلى استصحاب النجاسة.
نعم، لا يمكن بيان تفاصيل كثيرة، لأن هذه المسألة ليس هنا محل بحثها.
ترجيح أخبار الطهارة
قد يقال: إن هناك مرجحاً لأخبار مطهرية الشمس، ومن بين تلك المرجحات، «خذ بما اشتهر بين أصحابك»(1) فأيّ خبر عمل المشهور به يكون سبباً ــــــ[77]ـــــــ
(1) محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة، قال: «سألت أبا عبد الله عن رجلين من أصحابنا، بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما -إلى أن قال- المجمع عليه عند أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه» وسائل الشيعة: ج27 ص106 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
لتقديمه وطرح الأخبار الأخرى.
أقول: إن الأخذ بالشهرة الروائية معتبر، أما الشهرة الفتوائية فليست كذلك، ومن المؤكد أن مراده من الشهرة هنا هي الشهرة الروائية لا الفتوائية فلا ينفع هذا الحل حينئذٍ.
أصل المسألة:
بعد هذا البيان لمسألة مطهرية الشمس نعود إلى أصل المسألة في المقام وهي إن الصلاة على المكان اليابس النجس باطلة، فإن أمكننا إقامة الاستدلال عليه فبها ونعمت وإلاّ فيمكن التمسك بمطلقات الشرائط والأجزاء ونحو ذلك من تصحيح هذه الصلاة.
النصوص الدالة على الصحة:
النص الأول:
محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلى فيه؟ فقال: إذا جففته الشمس فصل عليه، فهو طاهر»(1).
ــــــ[78]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص451 ح1، باب 29أن الشمس إذا جففت الأرض والسطح والبواري من البول وشبهه تطهرها وتجوز الصلاة عليها، ط مؤسسة آل البيت.
وسند الصدوق لزرارة هذا، قال في مشيخة الفقيه: «وما كان فيه عن زرارة بن أعين فقد رويته عن أبى رضي الله عنه عن عبد الله بن جعفر الحميرى عن محمد بن عيسى بن عبيد والحسن بن ظريف وعلي بن إسماعيل بن عيسى كلهم عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد الله عن زرارة بن أعين» ورجال السند كلهم ثقات فالسند معتبر.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
تقريب الاستدلال:
إن الرواية شرطية وللشرطية مفهوم، أما منطوقها -منطوق الجملة الشرطية-: «إذا جففته الشمس فصلِّ عليه فهو طاهر» وأما مفهومها: (إذا لم تجففه الشمس فهو نجس فلا تصلِّ عليه).
النص الثاني:
وعنه عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله -في حديث- قال: «سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس، ولكنه قد يبس الموضع القذر؟ قال: لا يصلّى عليه، وأعلم موضعه حتى تغسله»(1).
تقريب الاستدلال:
هذا الخبر تام من جهة السند، وتقدّم الكلام عنه مفصّلاً.
وأما من جهة الدلالة، فإن قوله: «واعلم موضعه حتى تغسله» فإن
ــــــ[79]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص452 ح4، باب 29 أن الشمس إذا جففت الأرض والسطح والبواري من البول وشبهه تطهرها وتجوز الصلاة عليها، ط مؤسسة آل البيت.
ورجال السند كلهم ثقات فالسند معتبر.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الموضوع والمحمول مطابق لكلامنا ولكن قد يبس الموضع القذر، فهو واضح في البطلان، فلما كان الحكم منسوباً إلى الصلاة يفهم منه عدم الجواز تكليفاً أو المنع وضعاً وهو لا تصلِّ فيه، أي لا تجزي الصلاة فيه وتبطل.
الاعتراض على الاستدلال:
إن في ذيلها دلالة على أن الخبر أعم من المدعى، فإن غير الشمس يمكن أن يصيب الأرض النجسة فتيبس، فينبغي اسقاط دلالة الخبر حينئذٍ.
قد يقال: يمكن ذلك بالتمسك بفكرة اعراض المشهور، فكل خبر أعرض المشهور عنه اسقطه عن الحجية، وهذا الخبر اعرض المشهور عن مدلوله.
نقول: إن الاجماع على خلاف ذلك وقد تقدم بيان ذلك فلاحظ.
النص الثالث:
محمد بن الحسن بإسناده عن الحسن بن محبوب قال: «سألت أبا الحسن عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب إليَّ بخطه: أن الماء والنار قد طهراه»(1).
ــــــ[80]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص527 ح1، باب 81 باب طهارة ما أحالته النار رماداً أو دخاناً، وحكم الخبز الذي عجن بماء نجس، ط مؤسسة آل البيت.
وطريق الشيخ لابن محبوب هو هذا «ومن جملة ما ذكرته عن الحسن بن محبوب، ما رويته بهذه الأسانيد عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحسن بن محبوب» مشيخة التهذيب ج10 ص ط385 دار الكتب الإسلامية.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وهي معتبرة السند وصحيحة، والظاهر أن المسؤول هو الإمام موسى بن جعفر.
زيادة بيان:
1- عبارة «عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى» إن الجار والمجرور «بالعذرة» مرجعه إلى الجص، أي أن الجص مخلوط بالعذرة وعظام الموتى حتى يفترض كونه نجساً.
وأما إذا افترض كونه طاهراً بعد سؤال السجود عليه أو الصلاة عليه، فلابد أن العذرة وعظام الموتى ترجع إلى الجص لا إلى (يوقد عليه) الذي هو الأظهر طبعاً.
2- عبارة «أن الماء والنار قد طهراه» هو إقرار منه بأن الجص كان نجسا لكن حينما أُحرِق بالنار ثم الماء طهر، فالماء انضمّ إلى النار فتعاقب المطهران عليه «فطهراه» وحينئذٍ يجوز الصلاة عليه.
وبحسب المفهوم -لو كان لهذه الجملة مفهوم – إذا لم يكن الماء والنار قد طهراه وكان نجساً ومخلوطاً بالعذرة وعظام الموتى فلا يجوز الصلاة عليه.
3- عبارة «أن الماء والنار قد طهراه» يمكن التمسك هنا بالإطلاق فنثبت الجواز، سواء جف المكان أو لم يجف.
4- عبارة «أيسجد عليه» دالة على أن السؤال كان عن محل السجود والسائل يريد مكان الصلاة لا ما يسجد عليه، لكن بالحقيقة أن كل مكان الصلاة هو في الجملة يسجد عليه، بل المسجد كله في الجملة يسجد عليه فلا خصوصية للسجود بالتعيين وإنما أعم من السجود وغيره.
ــــــ[81]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
النص الرابع:
محمد بن الحسن بإسناده عن الحسن بن محبوب قال: «سألت أبا الحسن عن الجص، يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى، ثم يجصّص به المسجد، أيسجد عليه؟ فكتب إليَّ بخطه: إن الماء والنار قد طهراه»(1).
ملحوظة:
قال الراوي «سألته عن الجص… فكتب إليَّ بخطه» الظاهر أن السؤال كان مشافهة أما الجواب فإنه كتابة، وهذا هو ظاهر الفقرتين.
هذا شيء وهناك شيء آخر وهو: إن عبارة (سألته) أعم ثبوتاً وعرفاً من السؤال اللفظي والسؤال الكتبي، فاذا قامت قرينة على أن السؤال كان بنحو الكتابة تعينت هذه الحصة ونفيت تلك الحصة بالقرينة المتصلة وهو قوله (فكتب إليَّ بخطه) مع استبعاد أن يكون السؤال لفظياً والجواب خطياً، معنى هذا أن «سألته» أي كتبت إليه، فكتب إليَّ بخطه.
تقريب الاستدلال بالصحيحة:
يمكن أن تدل هذه الصحيحة على طهارة المحل حتى مع الجفاف، وذلك يكون ببيان عدة مقدمات، منها:
ــــــ[82]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص527 ح1، باب 81 باب طهارة ما أحالته النار رماداً أو دخاناً، وحكم الخبز الذي عجن بماء نجس، ط مؤسسة آل البيت .
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المقدمة الأولى: عود الجار والمجرور وهو قوله: «بالعذرة وعظام الموتى» إلى الجص لا إلى المحروقات باللغة الحديثة الذي يوقد به.
وفيها: إن هذه المقدمة مطعون فيها وذلك لظهور رجوع الجار والمجرور إلى «يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى» في نفسه ظاهر، وله تقريب عرفي لغوي، وهو أن رجوع الجار والمجرور إلى الجص يستدعي أن لا يكون الجص بنفسه مرجعاً للجار والمجرور، لأنه كلمة غير مشتقة، فمن هذه الناحية لابد من إرجاعه إلى الجص وهذا يتوقف على التقدير -مثلاً – الجص الكائن بالعذرة أو المخلوط بالعذرة.
نعم، إرجاعه إلى «يوقد» لا يحتاج إلى تقدير والرجوع إليه مباشر.
أضف إلى ذلك: أنه أقرب «الجص يوقد عليه بالعذرة» وهذا أمر عرفي فإن العذرة وعظام الموتى -بحسب السيرة العرفية- إنما تستعمل كمحروقات -شيء يوقد به-.
المقدمة الثانية: قول السائل «فكتب إليَّ بخطه: أن الماء والنار قد طهراه» وطهراه بمعنى أنه كان نجساً فعلاً، وسياق كلام الإمام ظاهر بإقرار ما كان يعتقده السائل من أنه كان نجساً وأن الماء والنار قد طهراه، فحينئذٍ ينبغي أن نتكلم في مستويين:
المستوى الأول: هل كان الجص نجساً حقيقة أو لا؟
المستوى الثاني: إن كان الجص نجساً، فالماء والنار هل طهراه أو لا؟
أما المستوى الأول، ففيه جملة احتمالات، منها:
ــــــ[83]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الاحتمال الأول: إن الجص حينما يؤخذ من مقلعه يكون تراباً فيكون قابلاً للتحول إلى الجص، وهو في هذه الحال لا يحتمل أن يكون نجساً، وإنما يتنجس بجملة تقريبات نذكر منها: إن التراب مخلوط بالعذرة وعظام الموتى حتى فيما كان في مقلعه، فهو بهذه الحالة يكون متنجساً.
أقول: هذا التقريب غير ظاهر من الرواية، لأنها بحسب الظهور الذي قربناه قبل قليل أنه يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى وليس أن العذرة وعظام الموتى معه ومخلوطة به حتى تنجسه.
ولو فرضنا أنها مخلوطة به، فلا يفترض أن تكون رطبة، بل هي جافة، لأن الرطوبة غير معلومة، فتكون النجاسة مشكوكة، فيكفي استصحاب طهارته من مقلعه.
أضف إلى ذلك: أن هؤلاء لا يجمعون العذرة وعظام الموتى الرطبة لأجل الاشتعال وإنما يجمعون الجاف منها، وبالتأكيد لابد أن يكون التراب جافاً لكي يمكن تحويله إلى جص.
فمن هذه الناحية لا يحتمل طرو النجاسة على التراب الذي في طريقه إلى أن يصبح جصاً.
الاحتمال الثاني: عند تعرض الجص لألسنة اللهب الناتجة عن عين النجاسة التي يفترض أنها الوقود والمحروقات، كالعذرة وعظام الموتى، وبما أن هذا اللهب نجس، فيلزم تنجس الجص أيضاً.
أقول: هذا الاحتمال غريب جداً ونُجِلُّ الحسن بن المحبوب عن أن يحتمل
ــــــ[84]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
مثل هذا الاحتمال، فضلاً عن أن يكون متحيراً به ويسأل الإمام عنه، لأن اللهب وإن كان نجساً وكان يصل إلى الجص، لكنه لم يلتصق بالجص حتى ينجسه.
تنويه:
قال الشيخ الهمداني بأن الحلبي ذهب إلى أنه يشترط طهارة المكان للمواضع السبعة، ثم علق على هذا الاشتراط بقول: إنني لم أجد على ذلك مدركاً.
أقول: دعوى وجود رواية تنص على مسألتنا هذه لا أساس لها، ولكن يمكن تقريب فتوى الشيخ الحلبي بالنحو التالي:
إن صحيحة عمار الساباطي واضحة الدلالة في اعتبار طهارة مكان المصلي، فنقول: إن طهارة المكان شرط إلاّ ما خرج بالدليل وما خرج بالدليل هو سائر مكان المصلي فيبقى تحت إطلاق الصحيحة مواضع المساجد السبعة وخرج الباقي الذي لا يحتمل اشتراط طهارته الأصلية فيتم مدعى الحلبي.
نعم، الشيخ الهمداني لم يجد لهذا الشرط وجهاً، بسبب حمل هذه الصحيحة على الصحة.
ولعله في الوسائل أيضاً يشار إلى أن النار طهرت العذرة والعظام، بسبب الاستحالة، فإن النار تطهر ما احالته دخاناً أو بخاراً أو رماداً وهذا قد تحول إلى أحد هذه الأمور، إذن: الدخان الذي وصل إلى الجص طاهر والبخار الذي قد يحصل أيضاً طاهر واللهب أيضاً طاهر والرماد أيضاً طاهر، لعدم بقاء العين النجسة حتى يسأل عنه.
ــــــ[85]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ولكن بالحقيقة إن هذا التصحيح لا يمكن المصير إليه، وذلك لأمرين:
الأول: إن صريح عباره «طهراه»» كون مرجع الضمير هو الجص، كما أن الأمور التي يدعى طهارتها بالنار هما: العذرة وعظام الموتى، والجص واحد والضمير مفرد وليس بمثنى ولو كان مرجع الضمير هو العذرة وعظام الموتى، فإن من المناسب أن يكون التعبير: إما «قد طهرهما» أو «قد طهرها» وبهذا يكون «طهراه» نص في الجص.
الثاني: (إن الماء والنار قد طهراه) وظاهره الاشتراك في تطهير شيء معين لا أن الماء قد طهر الجص والنار قد طهرت المحروقات، فإن مثل هذا الاحتمال غير وارد بحسب وحدة السياق.
نعم، يمكن القول إن الجص يستحيل -يحصل فيه استحالة- بسبب النار التي تحيله من حالة الترابية إلى حالة الجصية، وبهذا تكون النار قد طهرت الجص والماء أيضاً على نقاش سوف يأتي في الماء إن شاء الله تعالى.
محل الشاهد: إن النار لما احالت التراب جصاً فقد طهر، فهل هذه الطهارة يمكن استفادتها من الأدلة؟ الأمر مشكل، لأن صحيحة الساباطي لا ذكر فيها لاسم الاستحالة.
كما أن أصل الاستدلال غير تام، لأن معنى الاستحالة هو تحول الشيء من نوع إلى آخر، كما لو كان الشيء خشباً فأصبح رماداً، وبحسب المنطق يمكن أن نسميه (نوع أو جنس) ونحو ذلك.
وهذا المقدار من التغير مع انحفاظ صورة الشيء غير كافٍ لأن الحقيقة لم
ــــــ[86]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
تتغير وإنما تغير اللون فقط، وإلاّ فذراته لا تزال محفوظة.
نعم، هناك شيء آخر تغير أيضاً وهو التماسك، فهو لم يكن يتماسك قبل طبخه وبعد طبخه أصبح متماسكاً.
لكن من الواضح أن هذا الاختلاف لا يكون مبرراً للاختلاف النوعي، ولا أقل من الشك في وجود الاختلاف النوعي.
كلام في قول «أيسجد عليه»:
يمكن عد هذه الرواية من هذه الزاوية من أدلة جواز السجود على المواد المطبوخة، أي المواد الأرضية المتحولة في الطبخ بعد تجريدها عن الخصوصية، فإن الجص لا خصوصية له، ولأجل هذا نقول بجواز السجود على الجص وبجوز السجود على الطابوق وعلى الكاشي وعلى الإسمنت على بعض التقادير وهو إن لم يكن فيه معدن.
فهل هذا كافٍ أو لابد من التعرض لتقريبات لأجل استفادة جواز السجود بقوله: «أيسجد عليه» فإن السؤال من هذه الناحية لا يدل على جواز السجود عليه، فهناك تقريبات لاستفادة جواز السجود عليه يمكن بيانها بنحو سؤال وجواب.
سؤال وجواب:
هل يوجد في المقام مانع عن السجود بعد الاعتقاد بصحة المقتضي وهو أن السجود على الجص ممنوع، لكنه من ناحية النجاسة لعله يصبح السجود عليه
ــــــ[87]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ممنوعاً، فبعد (يجصص به المسجد) (أيسجد عليه) بعد الفراغ عن كونه مما يسجد عليه بصفته جصاً.
لعل المستفاد من ارتكاز السائل أن سيرته كانت جارية على السجود على الجص.
الجواب: يمكن الإجابة عن المسألة ببيان جملة وجوه:
الأول: الإقرار.
فإن الإمام بجوابه كأنه يقول له إن هذا المانع الذي سألت عنه وهو النجاسة مرتفع، وحينها لا يوجد مانع من السجود عليه.
فما كان في ذهن الراوي والذي يمكن استفادته من سؤاله أن جواز السجود على الجص قد أقره عليه الإمام ولو لم يكن جائزاً لنهاه عنه.
الثاني: الإطلاق المقامي.
هب أن استفادة الإقرار غير ممكن، فلا أقل من إمكان القول من أن الإمام لما كان في مقام أداء الحكم فهذا يقتضي أن ينهاه عن السجود على الجص فيما لو كان نجساً ولما لم ينهاه دل هذا على أنه طاهر.
فالحكم صحيح من ناحية المقتضي ومن ناحية عدم المانع، فلو كان صحيحاً من ناحية عدم المانع وفاسداً من ناحية المقتضي الذي هو الجانب الأهم في المقام يكون الحكم في غير محله، وكان ينبغي عليه أن يبين للسائل ذلك.
فلما لم يظهر أن مقدمات الحكمة تامة، فالإطلاق المقامي موجود.
نعم، لا يوجد إطلاق لفظي، لعدم وجود اسم جنس في المقام حتى يمكن التمسك به.
ــــــ[88]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
مناقشة الاستدلال:
إن هذا يقتضي أن يكون الجواب عن جميع الخصائص المذكورة في السؤال في حين أن احتمال أن يكون الجواب عن بعض الخصائص الموجودة في السؤال قائم، فإذا كان الأمر هكذا لزم أن يكون الجواب مقتصر على بيان الطهارة وأن الماء والنار قد طهراه، فلا يوجد في الجواب تعرض للسجود، فيكون الإمام قد أَعرض عن جواب مسألة السجود ومعه لا يكون له ظهور معتد به في هذا الصدد.
إن قلت: إن هذا لازمه عدم المطابقة بين الجواب والسؤال.
قلنا: إن هذا يلزم على كل تقدير، لأننا إذا قلنا إن الجواب هو على كل ما في السؤال من خصائص، فحينئذٍ يكون ما قد حصل السؤال عنه بالدلالة المطابقية مجاباً بالدلالة الالتزامية وما حصل السؤال عنه بالدلالة الالتزامية مجاباً عنه بالدلالة المطابقية، فالسؤال كان بالدلالة المطابقية عن السجود فقط والجواب كان عن الطهارة فقط.
فلم يقل: (نعم يسجد عليه لأن الماء والنار قد طهراه) وإنما يمكن استفادة ذلك بالالتزام.
وكذلك كان السؤال عن الطهارة بالدلالة غير المطابقية:
– ولا بالدلالة الالتزامية، لأن السائل لم يقل أن اختلط الجص بالعذرة وعظام الموتى فيتنجس ويسجد عليه.
– ولا بالدلالة التضمنية، لأن النجاسة لم يذكر شيء منها.
ــــــ[89]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فإن التبعيض من هذه الناحية غير موجود، فالدلالة الالتزامية في الجواب التي يمكن للمستدل لجواز السجود على الجص أن يتمسك بها لا وجود لها، لأننا نحتمل عدم وجود الجواب، فإذا احتملنا أن هذا الجواب غير موجود فمعنى هذا أن هذه الدلالة غير موجودة أيضاً.
فحينئذٍ لا تدل الرواية على جواز السجود وإن سئل عنه بالدلالة المطابقية لكن الإمام اعرض عنه لنكتة.
إن قلت: إن هذا يلزم منه عدم مطابقة الجواب في السؤال.
قلنا: نعم، هذا صحيح لكن يمكن أن تكون هناك نكتة وحكمة في ذهن الإمام ملزمة له أو راجحة في ذهنه على ترك الجواب عن هذا السؤال ويختار شيئاً آخر، وكم هذا له نظير في القرآن، من قبيل: قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِّ(1) يسئلونك عن السبب التكويني لصغر الهلال وكبره، فلما كان الجواب عن السؤال خارجاً عن وظيفة القرآن الكريم وخارجاً عن فهم المجتمع في ذلك الحين، بين لهم ما يخصهم، وما يخص المكلفين هو إن الأهلة مواقيت للناس والحج ونحو ذلك، فيعرض عن الدلالة المطابقية إلى الدلالة الأخرى فمن هذه الناحية هذا موجود في الشريعة، ولعل هذه الرواية منها.
فأعرض عن مورد السؤال ببيان جواب مسألة السجود.
ــــــ[90]ـــــــ
(1) البقرة: 189.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
كلام في السياق:
تقدم منا الاعتراض على سياق الرواية وأنه يتضمن قصوراً من عدة جهات بيَّنا بعضها، من قبيل:
الإعتراض الأول:
الإقرار على أن الجص قد تنجس فعلاً، ونقول هنا أن هذا ليس بصحيح، لأنه إذا كان الجص مخلوطاً بالعذرة وعظام الموتى، فهي جافة وإن لم يكن الجص مخلوطاً بها فلا تحصل الملاقاة، إذن: الإقرار بنجاسة الجص ليس بصحيح.
الاعتراض الثاني:
الإقرار على أن اللهب يطهر الجص في حين أنه لا يطهر الجص، ونقول هنا أن هذا ليس بصحيح، لأن اللهب غير ملاقٍ له وإنما يصبح التراب جصاً بالحرارة وليس بملاقاة اللهب.
وعلى فرض حصول الملاقاة، فإن الاستحالة لا تحصل وإذا لم تحصل فإن مقتضى القاعدة الأولية هو عدم الطهارة.
استدراك:
نعم، إن قلنا إن هذه الرواية تامة سنداً ودلالةً ولم يكن للفقيه مثل هذه الاحتمالات التي قدمناها، فإنها حينئذٍ تدل بوضوح بمطابقة الجواب للسؤال، فتجيز السجود على الجص الطاهر وهذا ظهور عرفي.
فتكون المسألة مجملة.
ــــــ[91]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
في المقام يوجد إطلاق وهو أن الأرض هي المسجد «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» وهذا الإطلاق قابل للتقييد بمثل صحيحة ابن محبوب، والمعنى أن الأرض مسجد وطهور إلاّ ما خرج بدليل، فحديث النبي الأكرم دال على عدم جواز السجود على غير الأرض وهو مقيد بصحيحة ابن محبوب التي تدل على عدم جواز السجود على غير الأرض إلاّ إذا كان أصله أرضاً، كالتراب الذي أصبح جصاً وبعد التجريد عن الخصوصية أصبح آجراً ونحو ذلك.
وتعريضه للحرارة العالية لا يضر من ناحية كونه مسجداً أو صالحاً للسجود عليه، فحينئذٍ ينفتح لنا وجهان لجواز السجود على هذه المحروقات الجص والآجر ونحوها:
الأول: إجراء الاستصحاب الموضوعي، وهو أن نستصحب الأرضية المعلومة سابقاً بعد الشك في كون الجص أرضاً، لأنه كان تراباً.
الثاني: إجراء الاستصحاب الحكمي، وهو أن نستصحب جواز السجود عليه حينما كان تراباً، المشكوك جواز السجود عليه بعد أن أصبح جصاً.
وإجراء الاستصحاب الموضوعي أفضل من إجراء الاستصحاب الحكمي، لإمكان أن يكون الاستصحاب الموضوعي أصلاً مثبتاً، للابدية كون السجود على الأرض واستصحاب الأرض لا يثبت أن السجود على الأرض.
وجه آخر من الاستدلال:
يمكن القول إن هذه الرواية مقيدة لمفهوم «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» إلاّ هنا وجه للمناقشة، مفادها:
ــــــ[92]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
إن هذا المفهوم هو مفهوم الوصف وهو كما هو معلوم في علم الأصول أنه أردأ أنواع المفاهيم، بمعنى أن حجيته غير ثابتة على الإطلاق، وبهذا لا يثبت التقييد وتبقى صحيحة ابن محبوب على إطلاقها، وحينئذٍ لا يبقى إلاّ الاستصحاب الحكمي لجواز السجود.
مناقشة الاستدلال:
هذا الاستصحاب الحكمي هو كذلك قابل للمناقشة، لأن الجص عرفاً يخرج عن كونه أرضاً، فكل مطبوخ ليس بأرض.
ولكي يمكن إجراء الاستصحاب «لا تنقض اليقين بالشك» لابد من وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة، وبصيرورة التراب جصاً يكون الحاصل يقيناً آخر.
فقد كنا على يقين أن هذا الشيء أرض ونحن الآن على يقين أنه جص، وأنه ليس بأرض يقيناً.
ولا أقل من الشك المعتد به الذي يكون سبباً للاحتياط الوجوبي بالترك.
مختصر المسألة:
كان الكلام في دلالة صحيحة الحسن بن محبوب والتعرض لها لم يكن لأجل السجود وإنما لأجل الصلاة على المكان النجس اليابس وقد ادعي في المقام أنها دالة على المنع من هذه الناحية باعتبار أن المكلف يسجد عليه، وحينئذٍ يكون الماء والنار قد طهراه، فلو لم يكونا قد طهراه لما جاز أن يسجد عليه، إذن: مكان المصلي لا يجوز السجود عليه حال نجاسته.
ــــــ[93]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
مناقشة الاستدلال:
وقد ناقشنا هذا الاستدلال بأكثر من جهة لعل أوضحها هو ظهور عبارة (أيسجد عليه) في محل السجود وليس في مطلق مكان الصلاة أو مكان المصلي، فإذا دار الأمر بين الظاهر والأظهر -إذا ادعينا أن ذلك ظاهر- فالأخذ بالأظهر أظهر وأولى بطبيعة الحال.
أضف إلى ذلك: أن هنا نكتة مفادها، إن مضمون الصحيحة قد يثبت بدرجة يضر بالسند نفسه من قبيل إقرار نجاسة الجص أو إقرار تطهير اللهب ونحو ذلك، وهذا في نفسه قد يصل إلى درجة يمكن القول معها:
إما أنها مذكورة بالمعنى وواقعها الله أعلم به.
أو أن سندها غير معتبر، لا من جهة أن رجال السند لم تثبت وثاقتهم وإنما من جهة التوهم والنسيان والخطأ، أو من جهة الدس على الثقاة.
فهذه الرواية بصفتها دالة على عدم جواز الصلاة في المكان النجس اليابس غير معتبرة، لا سنداً ولا دلالة.
مضافاً لما قلناه: من أن المطلب بنفسه غير محتمل فقهياً أصلاً، لأن الاجماع قائم على أن مكان المصلي يجوز أن يكون نجساً يابساً.
فإذا دلت رواية عمار الساباطي السابقة أو صحيحة الحسن بن محبوب على أمر فهو ما لم يصل إلى حد الاستفاضة والتواتر فهو قطعاً غير واصل، وحينئذٍ يكون ساقطاً عن الاعتبار إذ اليقين بخلافه، لأن الخبر إنما كان حجة باعتبار كونه ظناً معتبراً، فإذا قام اليقين على خلافه سقط عن الحجية.
ــــــ[94]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
أجل، هذا غير اعراض المشهور، فإن اعراضهم عن الرواية يسقطها عن الحجية، نعم هو محل للبحث والكلام الطويل.
هل يمكن إجراء أصالة البراءة في المقام؟
يمكن أن نتساءل هنا عن إمكان إجراء أصالة البراءة عن مانعية المكان النجس اليابس عن جواز الصلاة؟
الجواب: إنه لا بأس بذلك، فإذا شككنا بالمانعية جعلنا البراءة الشرعية والعقلية معاً، بيان ذلك:
في المقام لا يوجد شك بالمانعية وإنما علم بعدم المانعية، فيكون جريان أصالة البراءة عن المانعية بلحاظ ظرف الشك أو بلحاظ ظرف العلم؟
– فإن كان جريانها في ظرف العلم بعدم المانعية، فلا يمكن إجراء أصالة البراءة، لأن موضوعها الشك والعلم بعدم المانعية رافع له.
– وإن كان جريانها في ظرف الشك، فهو وإن كان ممكناً إلاّ أنه ليس لنا علم بعدم المانعية، لكن لابد أن نقول بالمانعية، لأن الفرض فرض الشك.
هذا إن فرضنا إننا شاكّون أما لو فرضنا إننا غير شاكين، فلا صحيحة عمار الساباطي ولا الحسن بن محبوب ولا أصالة البراءة تجري على الإطلاق لوجود العلم العرفي بعدم المانعية.
اشتراط الطهارة الأعم:
كان الكلام عن اشتراط الطهارة في موضع السجود، وهذه الطهارة تارة تكون واقعية وأخرى ظاهرية، ومحل البحث هو عن الطهارة الأعم من الواقعية والظاهرية.
ــــــ[95]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وهذه الطهارة -الأعم- هي مقصود الفقهاء من اعتبارهم الطهارة في محل السجود، سواء كان الموضع جافاً أو رطباً، وأنه يختلف عن باقي مكان المصلي، فإن الأماكن الأخرى لمواضع السجود وغيرها لا يشترط فيها الطهارة الأصلية بهذا المعنى، أي كلي الطهارة.
طبيعة الاستدلال:
الملاحظ -كما في الجواهر ومصباح الفقيه- أن الفقهاء يبدأون بالاستدلال على اعتبار الطهارة الأعم من الواقعية والظاهرية، والأعم مما إذا كان نجساً والأعم مما إذا كان رطباً أو جافاً.
لكن مقتضى التسلسل الفكري التام أن يبرهن الإنسان أولاً على ما هو يضاد رأيه فمتى ما إذا فندها أنتهى إلى البراهين التي توافق رأيه، فيبدأ أولاً بإزالة الاحتمالات الأخرى ثم يبني بناءه الفكري.
فينبغي، إذن: البدء بالوجوه المحتملة للجواز، أي لنفي اشتراط الطهارة الأصلية، فنقول ومنه تعالى نستمد العون.
مسألة: إذا كان مكان المصلي جافاً صحت فيه الصلاة.
سواء كان في غير موضع السجود أو في موضع السجود.
الدليل عليه:
إن ما يمكن أن يكون دليلاً على ذلك أحد أمور:
الدليل الأول: أصالة عدم المانعية أو قل أصالة عدم الشرطية.
ــــــ[96]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وهو أن نجري أصالة عدم شرطية الطهارة الأصلية إلاّ أن إجرائها رهن وجود موضوعها وهو عدم الدليل على الاشتراط.
لكن يمكن أن يوجد مثل هذا الدليل وهو إطلاق الأدلة الدالة على جواز الصلاة على المكان المتنجس الشاملة بإطلاقها لمحل السجود.
ومن تلك النصوص صحيحة زرارة الأولى الواردة في تطهير الشمس، محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلى فيه؟ فقال: إذا جففته الشمس فصل عليه، فهو طاهر»(1).
الذي نتيجته جواز الصلاة على المكان النجس الجاف، سواء كان هو موضع السجود أو غيره من المواضع الأخرى التي تصلي عليها.
مناقشة الاستدلال:
الاستدلال بالصحيحة قابل للمناقشة من أكثر من وجه، من قبيل:
ــــــ[97]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص451 ح1، باب 29 أن الشمس إذا جففت الأرض والسطح والبواري من البول وشبهه تطهرها وتجوز الصلاة عليها، ط مؤسسة آل البيت.
وسند الصدوق لزرارة هذا، قال في مشيخة الفقيه: «وما كان فيه عن زرارة بن أعين فقد رويته عن أبى رضي الله عنه عن عبد الله بن جعفر الحميرى عن محمد بن عيسى بن عبيد والحسن بن ظريف وعلي بن إسماعيل بن عيسى كلهم عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد الله عن زرارة بن أعين» ورجال السند كلهم ثقاة فالسند معتبر.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
– إن قوله: «فهو طاهر» فإن القول بتطهير الشمس يلزم أن يكون كل موضع الصلاة طاهراً واقعاً فتجوز الصلاة فيه، سواء كان هو موضع السجود أو غيره.
إلاّ أن هكذا استدلال متوقف على أن يكون للدليل إطلاق يشمل محل السجود، لكن بإمكاننا أن ندعي أنه خاص بغيره ولا يشمل محل السجود الباقي إذا كان جافاً.
وأما إن كان محل السجود جافاً، فإن الصحيحة لم تتعرض لحكمه، لأنه منصرف عنه.
أضف إلى ذلك: إن مضمونها قد أعرض المشهور عنه، لكننا قد ناقشنا فيه كبروياً إلاّ في صورة واحدة وهو ما إذا كان هناك اجماع محرز ضد النص المعتبر السند فحينئذٍ تسقط الدلالة عن الاعتبار، لأنها تكون معلومة الخلاف والخبر الواحد إنما يكون حجة مع احتمال الوفاق لا مع اليقين بالخلاف، وفي المقام الأمر كذلك، لأن القائل بعدم اشتراط الطهارة الأصلية بالمعنى الذي نتكلم عنه شاذ نادر جداً، بل لعله في القدماء غير موجود إطلاقاً وخلاف المتأخرين لا اعتداد به، فمن هذه الناحية معارضة الاجماع للرواية الصحيحة مسقط لها عن الحجية وهو اجماع صحيح من هذه الناحية صغروياً.
الدليل الثاني: من المحتمل الاستدلال لعدم اشتراط الطهارة الأصلية في محل السجود (الإجماع) وتقريب الاستدلال به:
إن العلماء اجمعوا على عدم اشتراط الطهارة في مكان المصلي، فلا بأس بأن يكون مكان المصلي نجساً جافاً، فيمكن حينها التمسك بإطلاق الاجماع لمحل ــــــ[98]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
السجود، فنثبت عدم الاشتراط بلا فرق بين محل السجود وغيره.
مناقشة دليل الإجماع:
أقول: يمكن المناقشة من عدة جهات:
الجهة الأولى: إن الاجماع دليل لُبي لا يمكن التمسك بإطلاقه، لأنه لا لسان له حتى يمكن أن يكون له إطلاق.
ففيه يؤخذ بالقدر المتيقن والقدر المتيقن في المقام هو غير محل السجود ولا يمكن أن يكون الاجماع شاملاً للسجود.
الجهة الثانية: على فرض وجود مثل هذا الإطلاق فهو إطلاق اجماعي فعلى فرض ثبوته فهو مقيد بجملة من الأدلة، منها:
1 – الاجماع أيضاً.
2- الروايات التي سوف تأتي الإشارة إليها.
الجهة الثالث: إن الاجماع لكي يكون حجة لابد أن يكون تعبدياً، فإن كان مدركياً، فليس بحجة، وهذا الاجماع مدركي، لوجود جملة من النصوص في المقام يحتمل جداً استناد المجمعين إليها.
وبهذا يعود الكلام إلى علته، فالإجماع بمنزلة المعلول والروايات بمنزلة العلة ولا كلام لنا مع المعلول إذا كانت العلة متوفرة.
الأدلة الدالة على اشتراط الطهارة:
بعد ذلك ينبغي النظر إلى مجموعة الأدلة الدالة على الاشتراط وأن السجود ــــــ[99]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
على المحل النجس الجاف غير مجزٍ ومانع عن صحة الصلاة وعن أجزاء الصلاة فما يمكن أن يقال بهذا الصدد عدة وجوه:
الوجه الأول: التمسك بصحيحة الحسن بن محبوب.
قال: «سألت أبا الحسن عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه فكتب بخطه: إن الماء والنار قد طهراه» (1).
تقدم منا ذكر هذه الرواية وبينا وجه الاستدلال بها مع ذكر مجموعة من المناقشات، فلاحظ.
وهنا نقول لو تنازلنا عن تلك المناقشات فهل تدل الصحيحة على المدعى أو لا؟
بالحقيقة إن الاستدلال بصحيحة ابن محبوب يتوقف على بيان عدة مقدمات، منها:
المقدمة الأولى: إن رواية ابن محبوب من جهة سندها مما لا كلام فيه، فإنها مروية عن الحسن بن محبوب بواسطة اثنين من المشايخ الاجلاء قدس الله ارواحهم الشيخ الطوسي والشيخ الصدوق وسند كل منهما إلى الحسن بن محبوب معتبر.
ــــــ[100]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص527 ح1، باب 81 باب طهارة ما أحالته النار رماداً أو دخاناً، وحكم الخبز الذي عجن بماء نجس، ط مؤسسة آل البيت .
وطريق الشيخ لابن محبوب هو هذا «ومن جملة ما ذكرته عن الحسن بن محبوب، ما رويته بهذه الأسانيد عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحسن بن محبوب» مشيخة التهذيب ج10 ص ط385 دار الكتب الإسلامية.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
– ومن جهة الدلالة، فمحل تأمّل، لاحتمال أن يكون نقلها بالمعنى أو أن موردها مورد تقية أو من قبيل دعوا الناس على غفلاتهم أو كلموا الناس على قدر عقولهم ونحو ذلك.
المقدمة الثانية: إنها تدل على المنع على تقدير النجاسة، بدعوى: أن مكان المصلي إن كان نجساً فلا تسجد عليه، فلاحظ «سألت أبا الحسن عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثم يجصص به المسجد أيسجد عليه فكتب بخطه إن الماء والنار قد طهراه»، فإن دلالتها المطابقية لا تدل على المطلوب، لكن يمكن الاستدلال بالرواية بأن هناك دلالة التزامية أو ارتكازية تدل على المطلوب، لأن السائل إنما سأل عن السجود، هذا أكيد بعد التنزُّل عن قضية أن الجص لم يتنجس.
فيجيب الإمام: «إن الماء والنار قد طهراه» إن المانع عن السجود قد زال وهو النجاسة التي هي مورد السؤال، إذن: مورد السؤال والجواب هو النجاسة، وإنما كانت النجاسة مورد السؤال لارتكازية المانعية وإلاّ لو لم تكن مانعية النجاسة ثابتة في ذهن السائل أو لا أقل أنها محتملة في ذهنه، لما أقدم على طرح سؤاله ولما احتاج إلى الإجابة، وبهذا يتم المطلوب.
أقول: هذا الكلام تام -اجمالاً- لكنه متوقف على أن يراد من المكان الذي يصنع بالجص محل السجود، أما إن كان المراد به مطلق مكان المصلي، اختلف حينها المطلب، لأنه وإن كان يصلى عليه لكن من قال إنه يجوز السجود عليه مطلقاً، سواء كان طاهراً أو نجساً، كان جصاً أو لم يكن، وبيان الحال هنا يحتاج إلى ــــــ[101]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
إقامة قرائن نذكرها إن شاء الله تعالى في المقدمة التالية، فلكي تصح هذه المقدمة لابد أن تصح المقدمة التي بعدها.
المقدمة الثالثة: إن الاستدلال بهذه الرواية يتوقف على أن يكون المراد من بعبارة «أيسجد عليه» محل السجود خاصة لا مطلق مكان المصلي إذ لو كان يراد به مطلق مكان المصلي لم يكن له وضوح في محل السجود بطبيعة الحال، ولعله ليس له إطلاق، فمن هذه الناحية يجب أن نفهم أولاً هذا المعنى.
ولفهم هذا المعنى توجد مجموعة من القرائن لكنها متعارضة، فإن عبارة «أيسجد عليه» دالة بالدلالة المطابقية على محل السجود.
لكن هذا بنفسه قابل للمناقشة من أكثر من جهة تقدم بيان بعضها.
1- ومن تلك المناقشات، إن مادة السجود تستعمل لمكان الصلاة أيضاً ومن هنا يقال (المسجد) أي المكان الذي يصلى فيه، لا أنه خصوص أن يسجد فيه، وإن كان هو أهم أجزاء الصلاة.
فمن هذه الناحية إن الصلاة بمعنى من المعاني تستعمل بلفظ السجود أو قل إن السجود يستعمل بمعنى الصلاة.
وحينئذٍ لا يعود الأمر إلى خصوص محل السجود أو محل الجبهة.
2- ومن تلك المناقشات أيضاً، لو تنزلنا عن الوجه الأول فيمكن بيان وجه آخر نقوله في المقدمة التي بعدها لو تنزلنا عن المقدمة التي بعدها وهو مانعية الجص حينئذٍ فيتم الاستدلال، وهو أن المصلي يسجد بالدلالة المطابقية يعني هو السجود الحقيقي الكامل موضع الجبهة، ولا مانع من السجود على الجص ــــــ[102]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المحروق بالنار، فتم المطلب.
لكن إن قلنا في تلك المقدمة إن الجص مما لا يجوز السجود عليه ولا يحتمل إلاّ من شذ من الفقهاء ممن جوز السجود عليه حينئذٍ يمكننا هنا أن نقول إن هذا يشكل قرينة على أن المراد بالسجود هو مكان المصلي لا خصوص سجود الجبهة إذا كانت الأرض مجصصة كما هو الأغلب في البناء القديم، فقول السائل «أيسجد عليه» معناه أيصلى عليه لكي لا تكون المسألة على خلاف القاعدة.
وبذلك نجعل الأدلة الأخرى بمنزلة القرينة المنفصلة على هذه الرواية ونقول «أيسجد عليه» لا يراد به سجود الجبهة وإنما مطلق محل المصلي فمن هذه الناحية لا تتم هذه المقدمة أيضاً، ولا يتأكد لنا على أن المراد موضع السجود، بل مطلق محل المصلي.
المقدمة الرابعة: وهذه المقدمة هي التي اشرت إليها، فإن الاستدلال بهذه الرواية على جواز السجود على الجص، لأن الماء والنار قد طهراه وهذا نحو ضعف في الرواية، لأن القائل بذلك شاذ نادر، مع أن المتسالم عليه مشهورياً بين علماء الامامية هو عدم جواز السجود على المطبوخات -لو صح التعبير- كالأرض والكاشي والجص ونحو ذلك.
فإن كان المطلب كذلك فحينئذٍ تكون هذه الدلالة ساقطة، وبسقوطها يلزم سقوط الدلالة الأخرى أيضاً، لأنه في الحقيقة الدلالة الرئيسية في الرواية مبتنية على عبارة «أيسجد عليه» فتكون المانعية المسؤول عنها مرتفعة والجص من حيث كونه جص لا يشكل مانعاً ولأجل هذا يمكن الإفتاء بالجواز.
ــــــ[103]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
بيان وتوضيح:
إن في المقام ملازمة بين دلالتين في سياق هذه الرواية:
الأولى: دلالة على جواز السجود لأجل الطهارة، لأن الماء والنار قد طهراه.
الثانية: دلالة على جواز السجود على الجص بما هو جص.
فاذا سقطت إحدى الدلالتين سقطت الدلالة الأخرى، لأن الدلالة الأخرى دلالة اقتضائية، لأن السؤال كان عن الجص وعن جواز السجود عليه، فإذا سقطت الدلالة التي هي أقرب إلى الظهور كانت الدلالة الثانية التي هي أبعد عن الظهور أولى بالسقوط بطبيعة الحال، لأن الدلالة الإقتضائية غير عرفية، وبهذا لا يلزم أن يكون لها ظهور، وبهذا تسقط عن الحجة.
فإن قيل: إن الدلالة المطلوبة هنا ليست هي الجواز على تقدير الطهارة، لأن البحث ليس من هذه الجهة وإنما البحث على عكس ذلك، فهو المنع على تقدير النجاسة، ولهذا ينبغي أن تكون الملازمة بين جواز السجود على الجص والمنع عن السجود على تقدير النجاسة، فيكون هذا مطلباً صحيحاً، أي إن سقطت الدلالة من ناحية الجص يسقط ملازمها وهو المنع على تقدير النجاسة.
نقول: تقدم منا أن الملازمة بين جواز السجود على الجص وجوازه على الطاهر وليس الكلام عن المنع عن النجس، ولذا تبقى الدلالة على المنع على السجود على النجس على حالها غير ساقطة.
لكن الحق أن الملازمة حاصلة بين الدلالات الثلاث، أحدها تكون هي الدلالة الرئيسية وهي جواز السجود على الجص بعنوان كونه جصاً، وهذا هو ــــــ[104]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الذي يعبر عن ارتكاز السائل والذي أقره الإمام فإذا سقط هذا المعنى تبقى ورائه دلالتان متلازمتان:
إحداهما: ذات معنى منفي، وهو عدم جواز السجود على الجص.
والأخرى: ذات معنى إثباتي، وهو جواز السجود على الجص.
والكلام يدور عن المنع عن جواز السجود على الجص النجس إذا كان جافاً وكلاهما يرتفعان بسقوط الدلالة الرئيسية، لأنهما دلالتان حيثيتان والدلالة الحيثية ليست تامة الظهور، فلا تكون حجة عرفاً.
والدلالة المبحوث عنها لا تكون ساقطة عن الحجية ليس بصحيح، لأنه كما تسقط الدلالة على الجواز على تقدير الطهارة تسقط الدلالة على المنع على تقدير النجاسة ومعه تسقط هذه الرواية عن الحجية وإن كانت صحيحة السند، وتفقد صلاحيتها للاستدلال بمحل الكلام.
الوجه الثاني: الاجماع.
والمناقشة فيه واضحة، فلكي يكون حجة لابد أن يكون محصلاً، والمحصل منه هو الشهرة العظيمة، لأنها ليست شهرة قليلة ولا محتملة وإنما هي مؤكدة وشاملة للكثيرين من القدماء والمحدثين، وهذه الشهرة وحدها كافية في الفتوى بعدم جواز السجود على المحل النجس الجاف. ولا أقل من الاحتياط الوجوبي بعدم الجواز وهذا يكون من قبيل الآراء الشاذة على مناقشات سوف تأتي من قبيل أنها آراء مدركية ونحو ذلك.
ــــــ[105]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
كلام المحقق الهمداني:
في المقام كلام للشيخ الهمداني في مصباح الفقيه، يقول: «ولا ينافيه ما حكي عن المصنّف في المعتبر من أنّه نقل عن الراوندي وصاحب الوسيلة القول بأنّ الأرض والبواري والحصر إذا أصابها البول وجفّفتها الشمس لا تطهر بذلك، لكن يجوز السجود عليها، واستجوده؛ فإنّ هذا مرجعه إلى الخلاف في كيفيّة تأثير الشمس من أنّها هل تؤثّر الطهارة أو العفو عن السجود عليها، فهو مؤكّد؛ للإجماع على عدم جواز السجود على النجس الذي لم يثبت العفو عنه»(1).
قوله : (لا ينافيه) أي ولا ينافي حصول الاجماع.
فإن الشيخ الهمداني يقول: إن ثلاثة من الفقهاء وهم: المحقق والراوندي وصاحب الوسيلة يقولون بجواز السجود على هذه الأمور البواري والحصر.
والشيخ الهمداني يرى أن كلام هؤلاء الأعلام الثلاثة (قدس الله اسرارهم) لا ينافي الاجماع على عدم الجواز على السجود على المحل النجس، وهو بالحقيقة مرجعه إلى الخلاف في كيفية تأثير الشمس، هل أنها تؤثر الطهارة أو العفو عن السجود عليه.
بل يرى أن كلامهم مؤكِّد للإجماع على عدم جواز السجود على النجس الذي لم يثبت العفو عنه (إذا لم يكن عفو فلا تسجد عليه) حتى إذا كان نجساً جافاً.
أقول: لكن إذا ثبت العفو عنه كان مستثنى، والمستثنى هو عنوان الأرض ــــــ[106]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص91 ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وهو من استثناء الأكثر. والمحل الرئيسي «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً». وكأنما غفل المحقق الهمداني عن هذا، فهو مؤكِّد للإجماع على عدم جواز السجود على النجس الذي لم يثبت العفو عنه.
وعلى العموم إن في هذا الكلام فقرتين تحتاجان إلى شيء من التعليق:
الفقرة الأولى: الكلام الذي أفاده المحقق الهمداني، فإن هذا مرجعه إلى الخلاف في كيفية تأثير الشمس من أنها هل تؤثر الطهارة أو العفو عن السجود عليه.
في الحقيقة إن مرجعه إلى اختلاف الاستفادة من روايات مطهرية الشمس، هل أنه يستفاد منه مطهرية الشمس كاملة بحيث يجوز السجود عليه، لأنه طاهر أو لا؟
وهو من قبيل عرق الجنب من الحرام الذي يستفاد منه جواز الصلاة عليه والسجود عليه تعبداً وإن بقي نجساً.
فالعمدة هو في وجه استفادة الطهارة من الروايات المشهورة، وهؤلاء الثلاثة استفادوا جواز السجود.
الأدلة على مختار الفقهاء الثلاثة:
إن الروايات في ذلك مختلفة لكن النص الرئيسي يمكن أن يستفاد من صحيحة عمار الساباطي وهو بتمامه: وعنه، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله -في حديث- قال: «سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس، ولكنه قد يبس الموضع القذر؟ قال: لا يصلِّ عليه، وأعلم موضعه حتى تغسله».
ــــــ[107]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وعن الشمس هل تطهر الأرض؟ قال: «إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشمس، ثم يبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة، وإن أصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر وكان رطباً فلا تجوز الصلاة عليه حتى ييبس، وإن كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس، وإن كان غير الشمس أصابه حتى يبس فإنه لا يجوز ذلك» (1).
فإن فيها قد ذُكر اسم الجبهة والجبهة مخصصة للسجود، والمعنى أن ما يصيب ذلك الموضع القذر، فلا تصلِّ عليه حتى ييبس، فكأن الإمام أمر أولاً: بأن الموضع الذي يسجد عليه يجب أن يكون يابساً وثانياً: أن الجسم الملاقي لموضع السجود يجب أن لا تكون فيه رطوبة مُسرِية.
فإن قوله (حتى ييبس) هو غاية حصول السجود، فيكون لهذا الكلام مفهوم، وهو: إذا يبس فالمانع مرفوع، والمانع هو محل الكلام وهو: السريان -سريان النجاسة- في مكان المصلي، هذا بحسب الفهم المشهوري للكلمات، أما بحسب فهم الأعلام الثلاثة، فإن جبهتك معنونة في الرواية بوضوح وجبهتك رطبة والجبهة وظيفتها السجود، فمفهوم الغاية، أن المنع إنما يكون إذا كانت ــــــ[108]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص452 ح4، باب 29 أن الشمس إذا جففت الأرض والسطح والبواري من البول وشبهه تطهرها وتجوز الصلاة عليها، ط مؤسسة آل البيت.
ورجال السند كلهم ثقات فالسند معتبر.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الرطوبة المسرية في مكان الجبهة ويرتفع المنع فيما إذا كان الجفاف حاصلاً فيه
-مكان الجبهة-.
فإذا تم ذلك كله فحينئذٍ يتم كلام هؤلاء الثلاثة ويكون قولهم مستفاداً من مثل هذه الأدلة، ولا ملازمة بين المنع عن السجود وطهارة المكان، فيمكن أن لا تكون الطهارة ثابتة ومع ذلك يجوز السجود عليه.
مناقشة الأدلة:
ما تم تقريب فتوى الأعلام الثلاثة قابل للمناقشة من جملة وجوه:
الوجه الأول: إن هذه الملازمة ثابتة، فإذا كان السجود جائزاً كانت الطهارة ثابتة، وليس هو نظير: عرق الجنب من الحرام، فهنا وبحسب ما يفهم من النص
-الظهور العرفي والمتشرعي- أنه يجوز السجود عليه والمحل طاهر.
الوجه الثاني: إن الجبهة وإن كانت هي موضع السجود وقد ذُكرت في النص إلاّ أنها لم تُذكر وحدها، وإنما ذُكرت في ضمن مجموعة من العناوين، معنى هذا أن السياق ليس سياق السجود وحده، بل الجبهة اُخذت في النص كجزء من أجزاء البدن الذي يمس الموضع النجس اليابس فتنتقل النجاسة باعتبار رطوبة نفس البدن.
الوجه الثالث: إن سياق النص ليس المراد منه السجود، وإنما الصلاة عليه مطلقاً، فإن تنجس واصابته الشمس ولم ييبس لم تجُزْ الصلاة عليه، فيكون ذكر الصلاة قرينة على المعنى المراد وهو مكان المصلي، فالدلالة المطابقية تقول لا تجوز الصلاة حتى ييبس وإن كانت رجلك رطبة وجبهتك رطبة أو غير ذلك.
ــــــ[109]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فمن أين جاء القول باختصاص النص بخصوص المكان الذي يسجد عليه لتكون النتيجة: عدم جواز السجود على الموضع النجس اليابس.
الوجه الرابع: لو تنزلنا عن الوجوه السابقة التي تقدمت من المناقشة وقلنا بدلالة الصحيحة على الجواز إلاّ أنها معارضة، ومعارضتها بنحو التقييد من تلك النصوص التي تكون مقيّدة لهذه الصحيحة، (صحيحة زرارة)(1) لأنها تصرح بتطهير الشمس، فكل ما اصابته الشمس فقد طهر، فهذه الصحيحة بمنزلة القرينة المنفصلة على أن سبب جواز السجود هو الطهارة وليس الجفاف، وإنما جففته الشمس، فطهر فلأجل هذا جاز السجود عليه.
مناقشة أخرى على الهمداني:
هنا مناقشة أخرى يمكن أن نسجلها على الشيخ الهمداني، فإنه يرى أن فتوى هؤلاء الأعلام الثلاثة من جواز السجود على الموضع القذر الجاف تؤكد الإجماع على عدم جواز السجود على النجس الذي لم يثبت العفو عنه، أما الموضع ــــــ[110]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص451 ح1، باب 29 أن الشمس إذا جففت الأرض والسطح والبواري من البول وشبهه تطهرها وتجوز الصلاة عليها، ط مؤسسة آل البيت.
وسند الصدوق لزرارة هذا، قال في مشيخة الفقيه: «وما كان فيه عن زرارة بن أعين فقد رويته عن أبى رضي الله عنه عن عبد الله بن جعفر الحميرى عن محمد بن عيسى بن عبيد والحسن بن ظريف وعلي بن إسماعيل بن عيسى كلهم عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد الله عن زرارة بن أعين» ورجال السند كلهم ثقات فالسند معتبر.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الذي لم يثبت العفو عنه، فإن هؤلاء الأعلام يرون عدم جواز السجود عليه، في حين أن الموضع الذي ثبت العفو عنه يخالفون فيه وإن الذي نريد إثباته هو ذلك الموضع الذي لم يثبت العفو عن السجود عليه، معنى هذا أن رأيهم يؤكد الإجماع، فإن لم يكن هناك عفو فليس هناك جواز للسجود وإن كان المكان جافاً.
أقول: إن ما أفاده  قابل للمناقشة من عدة وجوه:
الوجه الأول: إن المطلوب في المقام أحد محتملين:
أولهما: إقامة الإجماع على أن الموضع الذي لم يرد العذر عنه لا يجوز السجود عليه، بإن يكون عندنا حصتان، ونخصص موضع السجود النجس ما ورد فيه العفو وما لم يرد فيه العفو.
فنسأل حينها إذا لم يرد العفو عنه فهل هو محل اجماع أو لا؟
نقول: إنه محل إجماع حتى من قبل هؤلاء الأعلام الثلاثة، فمن هذه الناحية يكون تأكيداً للإجماع.
إلاّ أن المسالة ليست معروضة بهذا النحو، لأن المشهور يعرض المسألة في كلتا الحصتين، فيقول: هل يجوز السجود على الموضع النجس الجاف مطلقاً، سواء ورد العفو عنه أو لم يرد العفو عنه.
إن هؤلاء الأعلام الثلاثة عندما يرون الجواز فهل يؤكد رأيهم الاجماع على المطلق؟
الجواب: لا، وإن رأيهم يخل بالإجماع على المطلق، لأنهم من هذه الناحية وفي هذه الحصة زعموا وجود العفو وقالوا بالجواز.
ــــــ[111]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فكيف حينها نستطيع أن نحصل الاجماع على مجموع الحصتين مع خلاف هؤلاء الأعلام!
أضف إلى ذلك: إن لفظ الأرض مأخوذ فيما تجففه الشمس ويجوز السجود على الأرض والحصر والبواري عناوين موجودة في الروايات وموجودة في كلام هؤلاء الأعلام الثلاثة، فالأرض هي الموضع الرئيسي الذي خصص للسجود «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»، فإذا كانت الأرض هي التي خرجت بالاستثناء واعتبر من صلى عليها معذوراً وهي نجسة جافة، إذن: يكون الفرد الرئيسي للسجود قد خرج واعتبر معذوراً وهذا بلا ريب يخل بالاجماع، لأن الصحة المعذورة تكون أوسع وأكبر وأعم من الحصة غير المعذورة الذي زعم المحقق وجود الاجماع فيها وإن رأي هؤلاء يؤكدها -غير الأرض-.
قد يقال: إن هذا من استثناء الأكثر وهو استثناء قبيح (كل شيء نجس جاف لا يجوز السجود عليه إلاّ الأرض والحصر والبواري) ولما كانت الأرض هي الأكثر استعمالاً في السجود فمن هذه الناحية يكون من استثناء الأكثر إن لم يكن 90% فلا أقل من 80% فيكون الاستثناء في غير محله.
الوجه الثاني: أن يكون مراد الأعلام الثلاثة الجواز المطلق، أي في تلك الحصتين، فحينئذٍ لا يبقى من الاجماع شيء.
أقول: إن خلاف هؤلاء الأعلام الثلاثة لا يضر بالإجماع، لأنهم وإن كانوا ثلاثة محققين كبار إلاّ أن الإجماع على خلافهم، فالشهرة العظيمة على خلافهم ويعتبر رأيهم شاذا بالارتكاز الفقهي والارتكاز المتشرعي وإجماع الآخرين ضدهم ــــــ[112]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فمن هذه الناحية لا يضر قولهم بالجواز وإن قالوا فعلاً به.
الوجه الثالث: إن مخالفة الإجماع على شكلين:
الشكل الأول: أن تكون المخالفة تعبدية، لأننا كما نشترط في حجية الإجماع أن يكون تعبدياً نشترط في خلاف الإجماع أن يكون تعبدياً وحينئذٍ يضر الإجماع وينقض حجيته.
أما إن كان الخلاف مدركياً وأن هؤلاء المخالفين اعتمدوا على رواية عمار الساباطي وأضرابها مما دل على ذلك، والخلاف المدركي لا يضر بالإجماع التعبدي، بل لعله يؤكده وذلك أن المجمعين -بالرغم من إمكان استفادة هذا النحو من الفهم من رواية عمار الساباطي وغيره- تطابقوا ضد هذا الفهم، أي أنهم ورثوا المطلب تعبداً من المعصومين فلا يكون اجماعهم مدركياً، بل المدرك على خلافه ومع ذلك أجمعوا عليه فهذا مما يؤكده لا أنه ينقضه.
أقول: هذا الكلام قابل للمناقشة، فإن الإجماع الحجة فيه نقطتان:
النقطة الأولى: أن يكون تعبدياً.
النقطة الثانية: أن لا يكون محصلاً.
وما يضر بأحد هاتين الصفتين يضر بالإجماع ولا شك أن الخلاف من قبل بعض الفقهاء الثلاثة أو غيرهم من القدماء يخرج الإجماع عن كونه كاملاً وحجة، فمن هذه الناحية هذه المناقشة لا تتم.
أضف إلى ذلك: هل نستطيع أن نتصور خلافاً تعبدياً في الأصل والاستثناء؟ لا يمكن، لأن التعبدية في الإجماع إنما هي بمعنى كونه موروثاً عن
ــــــ[113]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المعصومين فالرأي الرئيسي الموروث عن المعصومين هو ما أجمعوا عليه.
فإن وجد اثنان أو ثلاثة من الفقهاء قد خالفوا الإجماع، فهل نستطيع أن نقول أيضاً إن خلافهم تعبدي موروث من قبل المعصومين؟
هل يوجد تناقض في كلام المعصومين؟:
وبهذه الحالة يكون الرأي الموروث من قبل المعصومين متناقضاً، فهو بنحو النفي تارة وبنحو الإثبات أخرى، وهذا يستحيل صدوره من المعصومين.
أقول: يمكن الإجابة عن هذا بجوابين:
الجواب الأول:
إن مرجع هذا الكلام إلى التناقض في فتوى المعصومين وهو مستحيل بدليل العصمة نفسه.
الجواب الثاني:
إن المخالف للإجماع والذي نتحدث عنه -اثنين أو ثلاثة من العلماء- وإن كانوا من المتقدمين أو حتى من متأخري المتقدمين لا ينطبق عليهم هذا التعريف أنهم ورثوا الفتوى التعبدية جيلاً بعد جيل من قبل الأئمة، لأن هذا لا يكون إلاّ في فترة الفتوى واشتهارها.
قد يقال: إن هذا المعنى من التعارض لا يختلف عن التعارض في الروايات، كما أنه لا بأس بوجود التعارض بين الروايات. وكذلك لا بأس بالتعارض بين ــــــ[114]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الفتوتين التعبديتين، فكما تتعارض الروايات كذلك تتعارض الفتاوى التعبدية.
نقول: هذا قياس مع الفارق وهو الالتفات إلى أصالة الجهة في المتعارضين المتباينين ونحوهما، فإننا نعلم بدليل العصمة أن أصالة الجهة غير موجودة في أحدهما أو غير موجودة في كليهما، لكن لو كان السند المفروض فيهما معاً معتبراً والدلالة ظاهرة، فإن الساقط هو أصالة الجهة أي نحو من أنحاء التقية، فنعلم اجمالاً أن أحدهما معتبر.
محل الكلام:
وهذا الكلام إن أجريناه في الإجماع، فإن الإجماع ليس فيه أصالة جهة فيه ساقطة، معنى هذا عدم وجود احتمال التقية في البيّن، فحينما نقول إن هذه الفتوى موروثة جيلاً بعد جيل، معنى هذا أن الأئمة خصوا أصحابهم اجمعين بهذه الفتوى، فلا يحتمل وجود التقية حينئذٍ.
واحتمال التقية إن لم يكن معلوم العدم بالعلم الدقّي، فلا أقل أنه معلوم العدم بالعلم العرفي فمن هذه الناحية يكون الإجماع موافقاً للتقية.
والنتيجة: إن قياس محل الكلام بالروايات المتعارضة ليس بصحيح.
إن قلت: إن أصل الإجماع قد يكون مدركياً لكن ما هو مدركه؟
نقول: إن مدرك الإجماع هو مدلول صحيحة ابن محبوب الذي يقول بأن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى، فهي تدل على ذات مضمون الإجماع، أي أن مدلولها ومدلول الاجماع واحد، ولأجل هذا لعل المجمعين قد استندوا إلى صحيحة ابن محبوب في فتواهم، فإن دخل الاحتمال بطل الاستدلال، كما أن ــــــ[115]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
النتيجة تتبع أخس المقدمتين، إذن: يتضح أن هذا الاجماع معلول لتلك الرواية فيكون الكلام مع تلك الرواية الذي هو معنى مدركي يسقط عن الحجية.
مناقشة مدرك الإجماع:
أقول: إن هذا الكلام ليس بصحيح من جهتين:
الجهة الأولى: تقدم منا المناقشة في مدلول صحيحة ابن محبوب، خصوصاً في عبارة «النار والماء قد طهراه» وأنها غير دالة على المدعى، مما أوجب الشك في أنها نقلت بالمعنى أو أنها مقلوبة ونحو ذلك، وينتج عن هذا سقوطها عن الحجية، وهذا الفهم الذي فهمناه منها لا أقل أنه وارد في أذهان المجمعين، فلذا لم يعملوا بهذه الرواية وإنما تلقوا المضمون تعبداً من قبل الأئمة الذي هو معنى الاجماع غير المدركي الذي هو الاجماع التعبدي الذي يكون حجة.
الجهة الثانية: تقدم بيان كبرى في المقام وهي (المدرك إن كان بحجم الاجماع وبأهمية الاجماع أسقط الاجماع عن الحجية) فهنا نحاول تطبيقها، فنقول: افترض أنه توجد روايات عديدة مع اجماع يسقط عن الحجية، لأنه مدركي إلاّ أن هذه الرواية واحدة أولاً، وإن تصيد الحكم فيها وإن كان لها إطلاق فهو إطلاق في رواية واحدة ثانياً، ولو تنزلنا عن الوجه الأول وأنه لا دلالة لها أصلاً وقلنا أن لها دلالة فإنما هو إطلاق مقامي، مع العلم أن الاجماع هنا يكاد أن يكون مطبقا والمخالف شاذا ولعله مفسراً قوله من بعض التفاسير ونحو ذلك.
إذن: المدرك لا يصنع اجماعاً ولا يكون علة لإجماع من هذا القبيل فلذا لا يصلح أن يكون علة، لعدم التناسب بين العلة والمعلول، فنسأل عن الحصة الزائدة ــــــ[116]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ولماذا أجمع المجمعون بهذا الحجم وبهذه الأهمية، فالحصة الزائدة تكون تعبدية وليست بمدركية وهذا هنا يكفي للقول بعدم دلالة الرواية في المدعى.
الجهة الثالثة: إن من الأدلة الدالة على اشتراط الطهارة الأصلية في محل السجود النبوي «جنبوا مساجدكم النجاسة»(1) فهو:
– من جهة سنده، فضعيف، لأنه مرسل.
– ومن جهة دلالته -لو تنزلنا عن السند- فإن الشيخ الهمداني ظاهر عبارته الميل إلى دلالته على هذا المعنى وأن (مساجدكم) أي محال سجودكم(2).
تأييد رأي السيد الحكيم:
وأنكر السيد الحكيم في المستمسك ذلك لضعف سندها ودلالتها(3).
أقول: وهذا هو الصحيح، لأنه يتوقف على مقدمتين:
ــــــ[117]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج5 ص229 ح2، 24 – باب استحباب تعاهد النعلين عند باب المسجد، وتحريم إدخال النجاسة المتعدية إليه، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص85 و86، ط مؤسسة آل البيت : «وربما يستدلّ له بالنبويّ: (جنّبوا مساجدكم النجاسة) وفيه: أنّه يحتمل قويّاً أن يكون المراد بالمساجد الأماكن المعدّة للصلاة، المسمّاة بالمسجد، لا مواضع السجود، وعلى تقدير إرادة هذا المعنى، فالمتبادر منه مواضع الجباه دون سائر المواضع».
(3) مستمسك العروة: ج5 ص361، ط دار إحياء التراث العربي: «والنبوي: (جنبوا مساجدكم النجاسة) ضعيف سنداً ودلالة، فيتعين الرجوع إلى أصالة البراءة من الشرطية».
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
إحداهما: صحيحة، والثانية: باطلة.
– أما المقدمة الباطلة، فهي: أن الاستدلال بالنبوي يتوقف على أن يكون لفظ (المسجِد) لم يكن موجوداً في عصر النبوة وإنما المساجد بهذا المعنى وهو عمارة المساجد متأخر عن عصر النبوة حتى يحمل مساجدكم في كلام النبي على محل السجود ولا يحتمل أنه يريد المسجد المبني، لأن هذا شيء لم يكن معهود عرفاً.
– أما المقدمة الصحيحة، إن مفرد (مساجدكم) هل هو مسجَد -بالفتح- فيجمع على مساجد أو هو مسجِد – بالكسر – فيجمع على مساجد.
فكل منهما ممكن والمستدل عليه أن يثبت على أن المفرد مسجَد حتى نفهم منه محل السجود أو يكون أظهر، وبما أننا لا نستطيع أن نتأكد أن المساجد في الرواية مفردها مسجِد أو مسجَد وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
أضف إلى ذلك: إنه بالإمكان دعوى تحقق وجدان متشرعي في أن مفرد المساجد مسجِد وليس مسجَد، لأن مسجَد لفظ غير عرفي أولاً وغير سائر حتى بين المتشرعة ثانياً، وأما الشيء المتعارف والمشهور والمنظور للعرف هو المسجِد والمقصود منه بناء المساجد أو المساجد المبنية، فحينئذٍ يكون معنى (جنبوا مساجدكم النجاسة) واضحاً، وربما هذا عليه إجماع المسلمين في أنه لا يجوز تنجيس المسجد، فلا حاجة بعد ذلك للتكلف وصرف مضمونه إلى ما هو بعيد عن مضمونه.
الجهة الرابعة: صحيحة عبد الله بن بكير.
وبإسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن عبد الله بن بكير قال: ــــــ[118]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
«سألت أبا عبد الله عن الشاذَكُونَة(1) يصيبها الاحتلام، أيصلى عليها؟ فقال: لا»(2).
وهذه الرواية تامة من جهة السند، وكذلك من جهة الدلالة ولتقريب دلالتها نحتاج إلى إثبات إطلاقين، فإن السائل قال (أيصلى عليها) وهذه العبارة:
– إما أن نفسرها بمعنى أيسجد عليها فيتم الاستدلال، ولكن هذا التفسير على خلاف الظاهر.
– وإما أن نبقيها على ظاهرها، فيكون المراد هو مطلق الصلاة، وهذا لا ينفعنا في الاستدلال، فنكون حينها بحاجة إلى إطلاقين:
الإطلاق الأول: وهو الإطلاق الإجزائي، فإن عبارة «أيصلى عليها» تشتمل على إطلاق إجزائي يشمل محل السجود وإلاّ إذا كان معنى «أيصلى عليها» غير شامل لمحل السجود بحيث يكون منصرفاً عنه، فلا يتم الاستدلال بالصحيحة.
الإطلاق الثاني: وهو الإطلاق الأزماني، فإن عبارة «أيصلى عليها» تشتمل على إطلاق أزماني يشمل زمان كون المكان فيه رطباً وزمان كون المكان فيه جافاً، فلا يجوز السجود عليها لا في زمان الرطوبة ولا زمان الجفاف.
فإن تم هذان الإطلاقان تكون فتوى الأعلام الثلاثة وجيهةً.
ــــــ[119]ـــــــ
(1) الشاذَكُونَة. ثياب غلاظ مضربة تعمل باليمن. القاموس المحيط، ج4 ص241. ومن الناحية الفقهية ليست أكثر من كونها مكاناً للمصلي.
(2) وسائل الشيعة: ج3 ص455 ح6، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
تفسير الشيخ:
قال في الوسائل: إن الشيخ حملها على الاستحباب أو الرطوبة المتعدية(1).
معنى هذا أن الشيخأخذ بنظر الاعتبار الارتكاز المتشرعي وهو أن المقصود بالرواية غير محل السجود، وأنها منصرفة عن محل السجود كما هو الأرجح.
أقول: إن هذا تقريب وجداني لم يقم عليه تقريب برهاني لفظي.
كما أن مساحة الاحتلام من النجاسة صغيرة جداً، أما مكان المصلي فهو بالنسبة إليها كبير جداً.
فهذه النجاسة وإن كانت رطبة لكنها لا يمكن أن تتعدى لمكان المصلي، ولأجل هذا حمله الشيخ على الاستحباب.
وفي المستمسك أشار السيد الحكيم إلى أن هذا المعنى هو المتعين أي كونه محل السجود(2).
أقول: إن قوله: «أيصلى عليه» لا توجد له دلالة واضحة على أن المعنى المراد هو خصوص محل السجود.
ــــــ[120]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص455، ط مؤسسة آل البيت.
(2) قال: «وموثق ابن بكير عن أبي عبد الله: عن الشاذكونه يصيبها الاحتلام أيصلى عليها؟ قال: لا، المتعين الجمع بينهما بحمل الثانية على السجود والأولى على غيره، بقرينة الاجماع». مستمسك العروة، ج6 ص360ط دار إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الروايات الدالة على الجواز:
توجد بعض النصوص تدل على الجواز من قبيل:
الرواية الأولى:
ما رواه محمد بن أبي عمير وعنه عن العباس بن معروف عن صفوان عن صالح النيلي عن محمد بن أبي عمير قال: «قلت لأبي عبد الله: أُصلي على الشاذكونه وقد اصابتها الجنابة؟ فقال: لا بأس»(1).
وهي من جهة السند غير معتبرة، أما من جهة الدلالة فهي صريحة في الجواز.
الرواية الثانية:
ما رواه علي بن جعفر وبإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن العمركي عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر -في حديث- قال: «سألته عن البواري يصيبها البول هل تصلح الصلاة عليها إذا جفت من غير أن تغسل؟ قال: نعم لا بأس»(2).
والرواية من جهة السند تامة فهي صحيحة، أما من جهة الدلالة، فإن كلام السائل يشعر أنه يفكر باطنياً -لو صح التعبير- بأن كلاً من هذين السببين، وهما: الجنابة وماء الغسل، سبب لنجاسة الآخر، والإمام بجوابه أقره على تفكيره ــــــ[121]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص454 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(2) وسائل الشيعة: ج3 ص451 و452ح3، ط مؤسسة آل البيت .
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ذاك، فيدل الجواب على نجاسة الماء النازل من المجنب حتى لو كان بدنه طاهراً.
أقول: إن اختصار الجواب بكلمة واحدة لا يعني وجود الإمضاء لذلك الارتكاز، فلعل عدم التفصيل هو من باب دعوا الناس على غفلاتهم، ولا أقل يكفينا الشك في وجود مثل هذا الإمضاء.
أضف إليه: الوضوح الفقهي الذي لا يحتمل القول بالنجاسة إلاّ من قبل الشاذ النادر وإلاّ فإن الواضح فقهياً أن الماء المستعمل في الجنابة مع طهارة البدن طاهر، فكل ماء طاهر مطهر.
حل التعارض بين الروايتين:
بعد ذلك يتضح أن هنا صحيحتين إحداهما تمنع عن جواز السجود وهي صحيحة عبد الله بن بكير والأخرى تجيز السجود، وهي صحيحة ابن جعفر.
فيقع بينهما التعارض، ولهذا التعارض عدة حلول، منها:
الأول: ما أفاده الشيخ الهمداني من أن نحمل المنع في الصحيحة على محل السجود ونحمل الإجازة على مطلق مكان المصلي.
أقول: تقدمت المناقشة في هذه الدعوى فلاحظ.
الثاني: أن نحمل أحدهما على الرطوبة والأخرى على عدم الرطوبة.
وفيه: هذا الجمع لا شاهد عليه فهو تبرعي.
الأصل العملي في المقام:
إن لم نتمكن من حل التعارض فيصار إلى التساقط ومن ثم إلى الأصل ــــــ[122]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
العملي، وهو يمكن تصوره بأنحاء مختلفة:
1- أصالة الاحتياط:
فيمكن إجراء أصالة الاحتياط على المنع عن السجود على المحل النجس الجاف.
2- أصالة الاستصحاب:
فإن استصحاب عدم السجود يمكن إجراؤه في المقام، بتقريب: إن هذا الموضع قد تنجس يقيناً وهو قد كان رطباً فحينئذٍ يمنع المكلف من السجود عليه، وبعد جفافه نشك هل لا يزال المنع عن السجود عليه قائماً؟ والاستصحاب قاضٍ ببقاء المنع.
فإن قلت: إن هذا الاستصحاب يصدق في المورد الجزئي ولا يصدق في المورد الكلي، فإن محل البحث هو أن موضع السجود هذا كان رطباً ثم جفَّ، أما الكلي فهو أعمّ من ذلك.
قلنا: هذا صحيح. ولكننا ندّعي أن كلّ مصاديق المسألة من هذا القبيل، أي موارد جزئية، لأن فرض كونه متنجساً هو فرض كونه رطباً، فإن النجاسة لا تنتقل إلاّ بالرطوبة وحينئذٍ يكون هذا الفرض موضوعاً للمنع، فنستصحب المنع إلى ما بعد الجفاف.
3- أصالة الاشتغال:
أما أصالة الاشتغال فهي أيضاً يمكن تصورها في المقام، بتقريب: أنه بعد ــــــ[123]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الفراغ من الصلاة وكون المكلف قد صلى على موضع نجس يابس، فهو يشك هل فرغت الذمة بمثل هذا الامتثال؟
وإن اشتغال الذمة اليقيني يُلزِم المكلف بإفراغها يقيناً وهذا اليقين يتحصل بالصلاة على مكان طاهر.
سؤال: هل يمكن تطبيق قاعدة الفراغ، بتقريب: بعد أن فرغ المكلف من الصلاة، وبعد معرفته بنجاسة المكان سابقاً وجفافه يشك في صحة الصلاة فهل يمكن تصحيحها بتطبيق قاعدة الفراغ؟
الجواب: لا يمكن إجراء القاعدة هنا، لأن مورد إجرائها الموضوعات، ومحل بحثنا عن الأحكام.
عوداً للكلام عن الإجماع:
يمكن عرض البحث فيه ضمن مقدمات:
المقدمة الأولى: إن عمدة الدليل على وجوب الطهارة الأصلية باصطلاحنا في محل السجود بعد سقوط الأدلة الأخرى هي الروايات.
فإنها ساقطة سنداً ودلالة أو سنداً أو دلالة، فإن بعض الروايات معتبرة سنداً إلاّ أنها غير دالة على المدعى.
وبالنتيجة لا يبقى في المقام إلّا الإجماع والإجماع في نفسه حجة، لأنه إجماع محصل إلاّ من قبل هؤلاء الأعلام الثلاثة الذين ناقشنا آرائهم وانتهى الحال فمن هذه الناحية ينبغي أن يكون الإجماع حجة بهذا الصدد.
ــــــ[124]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المقدمة الثانية: بما أن في المقام إجماعاً فإننا نسأل عن معقد إجماعهم ما هو؟
فننظر إن كان له إطلاق أمكن التمسك به وإلاّ يصار إلى القدر المتيقن إن وجد.
وفي المقام يمكن القول إن معقد إجماعهم، أي العبارة الموروثة منهم تشترط أن يكون ما يقع عليه السجود طاهراً وما يقع عليه السجود هو مجموع ما تقع عليه الجبهة، فهذا المقدار هو الذي يجب أن يكون طاهراً، ولا يتحقق ذلك عرفاً إلاّ إذا كان مجموع المسجِد أو مجموع المسجَد طاهراً، لأنه إذا كان بعضه نجساً فقد حصل السجود ولو بنحو القضية الجزئية وهو على خلاف الاجماع.
مناقشة المقدمة الثانية:
هذه المقدمة يمكن المناقشة فيها من عدة وجوه:
الوجه الأول: إن هذا الحكم إذا كان محتمل الصحة وقام عليه دليل معتبر كان حجة أما إن لم يكن محتمل الصحة، فقيام الدليل المعتبر عليه ليس بمعتبر، لأنه دليل على ما هو غير الحكم الشرعي. والحجية إنما تخص محل الحكم الشرعي احتمالاً أو يقيناً.
أما قيام إطلاق أو اجماع أو نص في مورد لا نحتمل أنه هو ليكون هو مورد الحكم الشرعي.
ــــــ[125]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وقلنا في علم الأصول أن الإجماع الحجة إنما يكون متعلقه الأحكام لا الموضوعات الخارجية ومحل البحث هو في أمر خارجي، فلذا لا يكون الاجماع هنا حجة.
الوجه الثاني: تقدم في الوجه الأول إن كان يوجد إطلاق لمعقد الإجماع أمكن التمسك به، وهنا نقول إن ذلك إن تم فهو يتم في صورة وجود عبارة تتوارث جيلاً بعد جيل، نعلم حينها أن الاجماع مطابق لها وأن الأعلام قد اجمعوا على جملة -باصطلاح النحو- وهذه العبارة تكون بمنزلة نص الرواية -على إشكال ليس هنا محله- فإن لم تتحقق هذه العبارة -ومن المؤكد لا وجود لمثل هذه العبارة، لأن الكتب الفقهية على أشكال مختلفة وكل فقيه يتكلّم على طبعه. أضف إلى ذلك أن كثيراً من الفقهاء أو قل بنسبة90% من الفقهاء ولربما أكثر ليس لهم مؤلفات فقهية وردت إلينا- فلم يوجد إجماع وحينها يعود الإجماع لبياً، والاجماع اللبي يتمسك فيه بالقدر المتيقن.
الوجه الثالث: لو تنزلنا عن كل ما تقدم وفرضنا أن مثل هذه العبارة الموروثة لها وجود، فنقول: أنه ينبغي أن تكون هي عبارة عن بطلان السجود على الأرض النجسة.
لكن هذا الفرض يمكن المناقشة فيه فإنهم لم يعبروا بالسجود على الأرض النجسة، لأنها بحسب الإطلاق يجب أن تكون كلها طاهرة، أما إن كان بعضها نجساً، فيصدق حينها السجود على الأرض النجسة، كما قربه الشيخ الهمداني.
ــــــ[126]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ويمكن رده: بأن الفقهاء لم يعبروا بموضع السجود ولم يعبروا بالأرض النجسة.
إن قلت: ينبغي أن لا نتغافل عن قول النبي الأكرم: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً».
قلنا: إن هذا خلف الفرض، فإننا قد فرضنا التنازل عن الروايات وتمسكنا بالإجماع وحده.
أضف إلى ذلك: أن محل الكلام هو في فرض وجود إطلاق والحديث الشريف لا إطلاق فيه، لأنه بيان لأصل الحكم ولكي يثبت الإطلاق لابد أن تتحقق مقدمات الحكمة ومنها أن لا يكون المتكلم في مقام التشريع.
الصلاة في الحمام
فرع جديد نتكلم عنه باختصار باعتبار أنه بيان لحكم ترخيصي وهو كراهة الصلاة في الحمام، لأن الذي يُلزم به المكلف هو فعل الواجبات وترك المحرمات.
نعم، ترك المستحبات وفعل المكروهات كبروياً ليس بصحيح.
على العموم فإن الشيخ في الوسائل عقد باباً كاملاً لأجل بيان كراهية الصلاة في الحمام.
أقول: الحمام المتداول ذكره في الفقه له حصتان:
الأولى: الحمام الخاص، وهو ما يكون في الدور.
الثانية: الحمام العام، وهو الذي يكون لعامة الناس ويسمى بحمام السوق، وإطلاقات الأدلة تشمل كلا القسمين.
ــــــ[127]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
النصوص الشرعية في المقام
وهنا لا بأس بذكر جملة من النصوص التي يمكن أن تكون دالة على الحكم، من قبيل.
1- ما رواه محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن علي بن جعفر، «أنه سأل أخاه موسى بن جعفر عن الصلاة في بيت الحمام؟ فقال: إذا كان الموضع نظيفاً فلا بأس، يعني المسلخ»(1).
وهي من جهة السند معتبرة، وأما من جهة الدلالة، فتقريبها:
إن عبارة (بيت الحمام) بالاصطلاح القديم خصوصاً في زمان المعصومين هو المكان المسقوف، فلذا يعبر عن الكعبة بالبيت، لأن لها سقفاً.
ولذا يكون انصراف إلى محل الغسل لا إلى الحمام الأصلي، والحمام بقول مطلق ليس هو محل النزع، بل هو محل الغسل، فبيت الحمام هو محل الغسل عن الصلاة.
فأجاب: «إذا كان الموضع نظيفاً فلا بأس» والنظافة تحمل على معناها اللغوي، لكنه هنا غير محتمل فقهياً وإنما المراد بالنظافة الطهارة مع تقييدها أيضاً بالطهارة المسرية. وإذا لم يكن نجساً مسرياً فلا بأس.
أقول: إن تعبير (لا بأس) يمنع من التمسك بالرواية لإثبات المدعى والدلالة على الكراهية، لأنها ليست من الألفاظ الموضوعة لذلك.
ــــــ[128]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج5 ص176 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
عبارة المسلخ:
ورد في آخر الرواية عبارة (المسلخ) فهل هو من كلام الإمام أو من كلام الراوي؟ الظاهر أنه تفسير الراوي، ولا أقل من الاحتمال المبطل للاستدلال به، فيسقط عن الحجية.
الصلاة في المكان المغصوب
الجاهل والناسي للغصبية
قال المحقق: «وإن كان ناسياً أو جاهلاً بالغصبية صحّت صلاته ولو كان جاهلاً بتحريم المغصوب لم يعذر» (1).
يقع الحديث عن أمرين:
أحدهما: بنحو الكبرى، وهو حرمة الغصب أساساً.
والآخر: بنحو الصغرى، وهو كون هذا المكان مغصوباً أو لا.
وعلى كِلا التقديرين أو الأكثر، لأن الكلام: إما بلحاظ الكبرى أو بلحاظ الصغرى، والمكلف إما جاهل أو ناسي، وعند ضرب إثنين في إثنين يكون المجموع أربعة تقادير.
وكذلك المكلف: إما هو الغاصب أو غيره الغاصب، وبضم هذين التقديرين تكون الاحتمالات ثمانية.
ومما ينبغي التنبيه عليه:
ــــــ[129]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص89 ط دار الأضواء الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
كيف يكون الغاصب جاهلاً بالغصب؟
ولبيانه توجد عدة تصويرات من قبيل:
1- أن تكون أمواله مستحقة للخمس أو الزكاة وهو لا يعلم، نظير: شخص يأخذ سجادة -مثلاً- بنحو الاستعارة لأجل الصلاة عليها وهذه الاستعارة لمدة شهر. وبعده يكون المستعير غير مأذون بالصلاة عليها، فلو صلى عليها بعد الشهر يكون غاصباً وهذا نحو من الجهل، لأنه خالي الذهن. ومن أول الأمر لم يلتفت.
أجل، هو عرفاً يسمى ناسياً، لأنه يكون ناسياً للشرط لا للحرمة.
أما بالنسبة إلى الحرمة -حرمة الغصب- فهو بحسب الفرض لم تكن تخطر في باله حتى يعتبر غاصباً، فهو بمنزلة الجاهل بالحرمة من هذه الناحية.
2- أن يكون الشخص قد وكلّ آخر بإجراء المعاملات الغصبية من بيع وشراء ونحوها، وافترضنا أن الموكل يدخل بيت الوكيل ويصلي فيه وهو يجهل ما إذا كانت هذه الأموال التي بنى بها البيت من الأموال الحلال أو من الأموال الحرام، وكذا لو بنى الوكيل داراً للموكل وأدى الموكل الصلاة فيها وهو يجهل بأن الأموال التي بنى بها البيت من الأموال الحلال أو من الأموال الحرام.
أجل، هذا المثال قابل للمناقشة، لأنه هو المسؤول في يوم القيامة وإن كان هو عملياً المنفذ -أي الوكيل- لكن كلاهما يكونان مسؤولين يوم القيامة هذا غاصب وذاك غاصب.
لفت نظر:
في بعض الاحتمالات المتقدمة وخصوصاً في مثال الذي في أمواله خمس وزكاة خاصة، فيما لو لم يكن مهملاً للوظيفة الشرعية، أي هو من هذه الجهة غير ــــــ[130]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ملتفت ولكنه ربما يؤخِّر الامتثال يوماً أو أكثر، فهل يسمى غاصباً أو سارقاً؟ أو ليس غاصباً ولا سارقاً؟ وذلك يأتي بيانه عند بيان معنى الغاصب عرفاً.
لكن نقول: لو لم يكن غاصباً ولا سارقاً لا تبطل صلاته، لأن الحرمة متعلقة بالغصب والسرقة وليس بعنوان آخر.
بعد هذا أقول: إني عرضت هذا السؤال لأجل بيان أمر مهم وهو أن عنوان الغاصب أو لا تغصب غير موجود في الأدلة وإنما هو عنوان قد استُلَّ من الأدلة التفصيلية.
نعم، العنوان الموجود في هذه الرواية التي لم نقبل بها هو «لا يحلّ دم امرئ مسلم أو ماله إلاّ بطيبة نفسه منه»(1) وعنوان (الغاصب ملعون).
نعم، يوجد في حرمة السرقة أن السارق يحد عند تحقق جملة من الشرائط، منها: أن يهتك ستراً وأن يهتك حرزاً ونحو ذلك(2).
وفي محل الكلام إن قلنا بالبطلان فلا نقول بخصوص السرقة وبعنوان السرقة، بل أعم منها ومن الغاصب، فالصلاة باطلة من الغاصب، سواء صدق عليه أنه سارق أو لم يصدق عليه ذلك.
فعنوان السرقة لا دخل له وإن كانت محرمة وعنوان الغصب لا دخل له، أي لم يرد في دليل من الكتاب والسنة.
ــــــ[131]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج14 ص572 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) لاحظ، شرائع الإسلام: ج4 ص161 ط دار الأضواء الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
أجل، حكم العقل موجود وهو أن الغاصب عمله غير صحيح، لأن الغصب مداق للظلم والظلم قبيح.
فمن هذه الناحية ينبغي بالنسبة إلى صورة الجهل والنسيان ونحوها أن نعرضها على نفس الأدلة التي مررنا عليها في صورة العلم والعمد، أما صورة الغاصب فقد أشرنا إليها قبل قليل فلا حاجة إلى التكرار.
الدليل اللبي والدليل المطلق:
وعلى العموم، تقدم منا أن الأدلة على قسمين: إما لبية وإما مطلقة.
وقلنا إن الدليل المطلق غير موجود والدليل اللبي غير مفيد، فمن هذه الناحية لابد من القول بصحة الصلاة، لأن النهي غير موجود لعدم وجود تزاحم بين الأمر والنهي، لأن النهي مفقود والأمر موجود.
أضف إلى ذلك أن الجاهل والناسي لا يخاطب وإن كان الخطاب موجود ثبوتاً بحق المكلفين لكن الجهل والنسيان من المسقطات للتكليف.
ولأجل هذا ولأن الكلام في الشبهة الموضوعية لا تكون الحرمة موجودة والوجوب موجود فلا مزاحم لصحة وإجزاء الفرد المأتي به من الصلاة.
حكم الجاهل بالغصبية
قال المحقق: «وإن كان ناسياً أو جاهلاً بالغصبية صحت صلاته» (1).
ــــــ[132]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص89 ط دار الأضواء الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
هذا هو البحث الكبروي، وهو حرمة الغصب أساساً.
فهل الجاهل بالغصبية يكون معذوراً فتصح صلاته أو ليس بمعذور فتبطل صلاته؟
المحقق  يرى أنه لا يعذر، لأن أدلة الاشتراط ثابتة للجاهلين والعالمين، لأن الكلام في أصل التشريع لا تغصب أو لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيبة نفس منه.
فالنتيجة: أن مثل هذا المكلف لو صلى في المكان المغصوب فهو مشمول للحكم وإن لم يكن يعلم، فصلاته باطلة، لأنه مشمول للحكم، فالأمر بالصلاة وإن كان موجوداً إلاّ أن النهي عن صورة الجهل موجود أيضاً.
وكم لهذا نظير في الفقه، فإن المكلف لو جهل بركنية الركوع -مثلاً- أو بإبطال زيادته حكماً، وأتى بركوعين فصلاته تقع باطلة، لأن الحكم بالبطلان -في هذه الصورة- شامل لصورة الجهل.
الجاهل القاصر والجاهل المقصر:
كل هذا بحسب التصور لمسألتنا هذه، وقد شرح المحقق الهمداني في مصباحه(1) الكلام عن الجاهل، وحاصله ما أفاده: أن الجاهل على قسمين قاصر ومقصر، وأن المحقق الحلي لم يعذر الجاهل، لكن من هو المكلف الذي لا يعذر أمطلقاً أو خصوص المقصر؟
ــــــ[133]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص 37 ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الحق أنه خصوص المقصر، إذن: ينبغي أن تبطل صلاته، أما القاصر فينبغي أن يكون معذوراً فلا تبطل صلاته، لأن النهي للقاصر أصلاً لا وجود له.
سؤال: هنا سؤال ينبغي التأمل فيه كملاحظة على ما أفاده المحقق الهمداني: الجاهل القاصر في ركنية الركوع وقد أتى بركوعين فهل يمكن أن تكون صلاته صحيحة؟
– أما الكلام في الصغرى، فهي بنفسها تقع صغرى لمسألتين محررتين في علم الأصول:
إحداهما: مسألة النهي عن العبادة.
والأخرى: اجتماع الأمر والنهي.
وكلاهما منتج كما هو المعروف في علم الأصول إلى فساد الصلاة.
أما ما هي النسبة بين المسألتين هل هما العموم من وجه أو العموم المطلق؟ فليس بالأمر المهم.
اجتماع الأمر والنهي في العبادة:
على العموم، اجتماع الأمر والنهي يمكن تصوره على شكلين، لأن الأمر:
إما أن يكون تعبدياً وإما أن يكون توصلياً، ومن الناحية النظرية الصرفة ان النهي أيضا يمكن أن يكون تعبدياً ويمكن أن يكون توصلياً وإن كان من الناحية الخارجية الواقعية في الشريعة ان النواهي كلها توصلية لا تعبّدية، إذ لا يمكن أن تنوي في الترك قَصْد القربة لكنه نظرياً يتصور أن يكون نهيٌ تتوقف طاعته وترك متعلقه على قصد القربة، فحاصل ضرب اثنين في اثنين تكون الفروض أربعة، ــــــ[134]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وإذا حصرنا النواهي في خصوص التوصليات -كما هو موجود خارجاً- كانت مسألة اجتماع الأمر والنهي منقسمة إلى قسمين، لأن الأمر: إما أن يكون تعبدياً وإما أن يكون توصلياً.
والمثال المذكور لمسألة اجتماع الأمر والنهي هو الصلاة ووجوب إزالة النجاسة عن المسجد، والصلاة وإن كانت أمراً تعبدياً لكنها منهي عنها باعتبار تزاحمها مع الأهم في حين أنه يمكن تزاحم الأمر التوصلي مع النهي أيضاً، وعلى كِلا التقديرين يكون صغرى لنفس المسألة ومنتجاً لخصوص الأمر، سواءً كان تعبدياً أم كان توصلياً.
قد يقال: إنه بعد سقوط الأمر نتمسك بالملاك، لأن الملاك موجود وإن كان الخطاب مفقوداً أو ساقطاً.
نقول: إن الملاك يعرف بالخطاب، والخطاب حيث إنه ساقط فلا نستطيع أن نتأكد من وجود الملاك، والملاك إنما يطاع ويمتثل في صورة إحرازه وأما مع عدم إحرازه والشك في وجوده فامتثاله في غير محله ولعله يكون من التشريع المحرم.
– وعلى العموم، إن قلنا إن مسألة اجتماع الأمر والنهي تشمل الجانب التوصلي والتعبدي للأمر، فحينئذٍ تكون النسبة بين هذه المسألة ومسألة النهي عن العبادة العموم المطلق، والعموم من هذه الجهة من مسألة اجتماع الأمر والنهي، فالنهي عن العبادة إحدى حصتي اجتماع الأمر والنهي في الحقيقة، لأن النهي عن العبادة يكون من اجتماع الأمر والنهي لكن الأمر تعبدي وهو النهي عن العبادة في حين أنه قد يكون تعبدياً وقد لا يكون تعبدياً في حين أن علماء الأصول فصلوا ــــــ[135]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
تماماً هذا عن هذا لأجل مباني تعرض في محلها.
وعلى كلا التقديرين، فالصلاة باطلة:
أما مسألة اجتماع الأمر والنهي، فواضح، لأننا إن قلنا في مسألة اجتماع الأمر والنهي بالبطلان وبعدم إجزاء الملاك ونحو ذلك فهو يسري إلى النهي عن العبادة، لأننا إن قلنا في الأمر التوصلي بالبطلان فالأمر التعبدي أولى بالسقوط والبطلان.
نعم، لو قلنا هناك في اجتماع الأمر والنهي في الأمر التوصلي بالصحة حينئذٍ ينفتح كلام جديد في أن الأمر التعبدي هل يكون أيضاً مثل التوصلي في الصحة أو لا؟
اجتماع الأمر والنهي في الأمر التوصلي:
فهنا جملة تقريبات خاصة بالأمر التوصلي من قبيل:
إن المبعد لا يمكن أن يكون مقرباً، فإن هذا الأمر وإن كان موجوداً ولم يسقط لكن امتثاله يكون محل عجز ويكون معجوزاً عنه، لأنه منهي عنه وإذا كان منهياً عنه، فأي تقرب بالمنهي عنه، فحينئذٍ يؤول الأمر إلى البطلان، سواءً كان تعبدياً أو توصلياً.
قد يقال: -لأجل شحذ الذهن- لماذا عطفنا الأمر التوصلي على الأمر التعبدي في حين أن في علم الأصول -بحسب رأي المشهور- يقال بصحة المعاملات حتى مع النهي عنها وأن المعاملات المنهي عنها تقع صحيحة، وهل الأمر التوصلي إلاّ المعاملات.
ــــــ[136]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
نقول: قلنا قبل قليل أن الأمر التوصلي وكذا ملاكه يسقط بالنهي عنه، فالمعاملة ينبغي أن تكون باطلة.
وهذا الكلام إنما هو على مستوى التدقيق الأصولي، وينبغي التأمل فيه قليلاً لكي تتم الإجابة عن مثل ذلك.
والجواب بعد التأمل: إن المعاملات حكمٌ وضعي والحكم الذي تكلمت عنه حكمٌ تكليفي وفرق كبير بين الحكمين، فإذا تعارض نهي مع حكم تكليفي توصلي أو مع حكم تكليفي تعبدي سقط الحكمان معاً، بمعنى إذا كان طرفه توصلياً طرف النهي توصلياً أو طرف النهي تعبدياً سقط ما دام تكليفياً.
وأما قضية الأحكام الوضعية، فلا تسقط وتبقى على حالها والمعاملات والضمانات ونحو ذلك من الأمور كلها أمور وضعية وليست أموراً تكليفية، فمن هذه الناحية إذا وقعت هذه الأحكام طرفاً للنهي لا تسقط، بل تبقى على حالها، سواء كان النهي أسبق رتبة منها أو ألحق رتبة منها أو مساوياً للرتبة لها.
ومن أمثلة ذلك بطلان الصلاة للغاصب نفسه، أما بطلانها لغير الغاصب فقد بيناه في بحث (لباس المصلي).
ولا بأس باختصاره هنا، فنقول:
إن غير الغاصب لا يخلو حاله من أحد أمرين: إما عالم وإما جاهل.
الغاصب العالم بالغصبية:
ويراد بالعالم هنا العلم بالصغرى، أما العلم بالكبرى وهو (الغصب حرام) فلا، لأن المفروض أنه عالم بالكبرى، فيبقى الكلام عن الصغرى، بأن يكون ــــــ[137]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
جاهلاً بالصغرى – هذا المكان مغصوب – ولم يكن هو الغاصب، فتوجد عدة صور:
الصورة الأولى: أن يكون غير الغاصب عالماً بغصبية الغاصب لهذا المكان
-مثلاً-.
الصورة الثانية: أن يكون غير الغاصب جاهلاً بغصبية الغاصب لهذه السجادة -مثلاً-.
فلو أن المكلف اعتمد على قاعدة اليد وصلى، فحينئذٍ تقع صلاته صحيحة، لأن غيره هو الغاصب وهو لا يدري.
نعم، للكلام من جهة الاستدلال تتمة تأتي إن شاء الله تعالى بيانه في محله.
الغاصب الجاهل بالغصبية:
وكذلك الجهل فهو أيضاً يمكن تقسيمه إلى:
الصورة الأولى: ما كان جهلاً أساسياً، بمعنى لم يسبق له العلم أصلاً.
الصورة الثانية: ما لم يكن كذلك كما لو كان ناسياً، بمعنى سبق له العلم وتحول إلى النسيان.
أجل، بالنسبة إلى الغاصب من الصعب تقسيمه إلى هذين القسمين، لأنه – الغاصب – قد ينسى أنه غصب هذا الفراش، وبهذا يكون قد نسى الصغرى أو يكون قد نسى الكبرى، لكنه يجهل أنه غاصب أساساً، فإن مثل هذا مما يصعب تصوره لكن في بعض الأحيان لا يبعد ثبوته، نظير: ما لو كان شخص وكيلاً عن آخر يؤدي عنه بعض الأعمال فيكون الوكيل هو من قام بالغصب، ففي مثل هذه ــــــ[138]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الحالة من الممكن القول -فقهياً- أن يدَ الوكيل يدُ الأصيل، بمعنى أن القبض الشرعي يتم بقبض الوكيل وكذلك القبض غير الشرعي يتم بقبض الوكيل، فحينئذٍ يكون الغاصب حقيقة هو الموكل وليس الوكيل، لكنه لا يعلم أنه الغاصب، فيكون جاهلاً أساساً أنه غاصب.
هذه حالة وحالة أخرى: إذا كانت أموال شخص مستحقة للخمس لكنه جاهل بذلك أو للزكاة كذلك أو لرد المظالم أو شيء من هذا القبيل، وأن تلك الحقوق قد تعلقت بالعين لا التي تتعلق بالذمة -على تفصيل في محله- فهنا يمكن أن نتصور أن الغاصب جاهل أساساً.
عودة لصلب الموضوع:
كان الكلام عن المصلي أو المتصرف بالعين المغصوبة وكان هو غير الغاصب مع علمه بالغصب:
فإن قلنا هنا بالصحة، كان الحكم بصحة العمل في صورة الجهل والنسيان أولى ثبوتاً.
وإن قلنا هنا بالبطلان، وقع البحث عن صورتي الجهل والنسيان هل يمكن أن يكون عمله باطلاً؟
أدلة بطلان الغصب عن عمد
أجل، في صورة العمد تكون الأدلة مختلفة، فلذا ينبغي عرض المسألة على الأدلة السابقة التي استدللنا بها على بطلان صلاة الغاصب، وهي في الحقيقة ــــــ[139]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
عديدة تبلغ أربعة أو أن أهمها هو أربعة أو خمسة، وهي:
1- رواية «لا يحل مال أمر إلاّ بطيبة نفس منه».
2- الإجماع.
3- العقل الذي يحكم بأن التصرف بأموال المغصوب منه ظلم قبيح.
4- مجموع الروايات الدالة على النهي على ذلك.
5- اجتماع الأمر والنهي.
وبعض هذه الأدلة لبية يقتصر فيها على القدر المتيقن وبعض هذه الأدلة لفظية ولها إطلاق.
أما الأدلة اللبية فأمرها هين بعد كون القدر المتيقن منها هو الغاصب وإذا كان الفرد غير الغاصب فهو خارج عن القدر المتيقن، وإذا كان خارجاً عن القدر المتيقن فلا تشمله الأدلة بطبيعة الحال.
تفصيل الأدلة اللبية في المقام
أما الأدلة اللبية في المقام، فهي:
الدليل الأول: الإجماع.
القائم على بطلان صلاة الغاصب في الأرض المغصوبة، وهو لما كان لُبياً لزم الاقتصار فيه على القدر المتيقن، فلا يحمل غير الغاصب على الإعادة.
قد يقال: إن الاجماع وإن لم يكن له إطلاق إلاّ أننا في هذه الحصة المشكوكة أو في أي حصة مشكوكة يمكن إحراز الاجماع في نفس هذه الحصة، فإذا أحرزنا مثل
ــــــ[140]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
هذا الاجماع تقع الصلاة باطلة وهذا أمر مجمع عليه بعنوانه التفصيلي، فكما أن صلاة الغاصب مجمعٌ على بطلانها كذلك صلاة غير الغاصب مع العلم والعمد أيضاً مجمعٌ على بطلانها.
هذا الإحراز نظري، بمعنى لا يوجد مثل هذا الاحراز، ولا أقل نشك في مثله، فنحن نشك بحصول شهرة على ذلك فضلاً عن الاجماع وإن سلَّمنا بحصول الشهرة، إلاّ أن الشهرة من ناحية كبروية ليست بحجة.
نعم، الإجماع المحرز والمحصّل حجّة إلاّ أنه هنا غير محصّل.
الدليل الثاني: استفاضة الروايات.
وهو الاعتماد على مجموع من الروايات لا رواية طيبة نفسه فقط، وبموجبها نحكم ببطلان صلاة الغاصب في المكان المغصوب.
أجل، هذا الحكم مضمون اجمالي مقتنص من مجموع الروايات، لأننا غضضنا النظر عن أفراد الروايات وخصائصها والمضمون الإجمالي أيضاً ينتج نفس النتيجة وهو أنه ينبغي الاقتصار فيه على القدر المتيقن.
الدليل الثالث: اجتماع الأمر والنهي.
أو النهي عن العبادة ونحو ذلك، فهي لا تنتج فساد الصلاة هذه، لأن قضية اجتماع الأمر والنهي فرع وجود نهي وهنا يوجد أمر محرز وهو الأمر بالصلاة أما النهي فهو محل كلام، فالأمر موجود والنهي غير موجود.
وكذلك النهي عن العبادة غير موجود، لعدم الدليل عليه بحسب الأدلة ــــــ[141]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الأخرى، فلا يكون غير الغاصب محققاً لصغرى (النهي عن العبادة موجب لفسادها).
إذن: اجتماع الأمر والنهي لا وجود له إلاّ بعد تمامية الأدلة الأخرى، والأدلة الأخرى إن اقتصرنا فيها على ما هو لُبي لا يفيد شيئاً، لأنه لا إطلاق له يشمل غير الغاصب.
نعم، بالنسبة إلى الأدلة التي لها إطلاق يمكن القول إنها تشمل غير الغاصب.
إطلاق حكم العقل ومناقشته:
ويمكن المناقشة في معنى الإطلاق في أحد الدليلين وهو حكم العقل بالتصرف في أموال المالك بدون إذنه، لأنه ظلم والظلم قبيح، وهذا لا يفرق فيه بين ما إذا كان هو الغاصب أو غير الغاصب، لأن غير الغاصب أيضاً يتصرف في أموال الآخرين بدون إذنهم في أموال الآخرين، فهو أيضاً يكون ظلماً له – للآخر – ويكون قبيحاً.
إلاّ أننا في طرف الغاصب أسقطنا هذا الدليل لنفي الملازمة بين الحكم العقلي والحكم الشرعي في الغاصب فلا يكون غير الغاصب هنا أولى بالصحة من الغاصب، يعني لو اقتصرنا على هذا الدليل نصحح الصلاة حتى للغاصب فضلاً عن غير الغاصب.
– أما رواية (لا يحل مال أمر مسلم إلاّ بطيبة نفس منه)، فإن لها بالتأكيد إطلاقاً
ــــــ[142]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
لغير الغاصب، لأنها تشترط طيب النفس وطيب النفس لابد من احرازه، فإن موضوع صحة الصلاة هو طيبة النفس ولابد من إحرازه ولو بالأصل المفروض، وغير الغاصب لم يحرز أن المالك هل هو طيب النفس وراضٍ أو لا؟ ويكفي الشك في وجود هذه الطيبة لنفي صحة الصلاة.
معنى طيب النفس:
إن المراد من طيبة النفس ليس هو الرضا التفصيلي والحقيقي، بل إن عدم الكراهة في المعاملات يكفي لصحة المعاملات من قبيل بيع المضطر. كشخصٍ جائعٍ يريد أن يبيع فراشه لأجل أن يأكل، فالبائع ليس بطيب النفس لهذا البيع ومع ذلك يقال بصحة بيعه، لأن له رضا فعلي وإن لم يكن له طيب نفس بالمعنى الكامل أو بالمعنى العرفي.
فهنا ينقلب الموضوع، فلو كان المراد هو طيب النفس، فلابد من احراز الطيبة وإلاّ بطلت الصلاة، وهنا نقول: لابد من إحراز الكراهة لكي تبطل وإلاّ فلا تبطل الصلاة، لأن الكراهة غير محرزة، إذن: يمكن تصحيح الصلاة ما لم نحرز الكراهة وغير الغاصب لم يحرز الكراهة بحسب الفرض، لأن المسألة على ثلاث أقسام:
إما طيبة، وإما كارهة وإما غافلة، والأولان اتضحا مما تقدم وأما الثالث، فكما لو كان المالك غير ملتفت أصلاً ولا يعلم أن أمواله قد تم التصرف فيها، فهو لا طيب النفس ولا كاره، فإن اشترطنا الطيبة بطلت الصلاة وإن اشترطنا عدم الكراهة صحت الصلاة.
ــــــ[143]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الجاهل بالحكم:
تقدم منا إننا قسمنا الجاهل إلى:
1- جاهل بالموضوع الذي هو الجهل بالغصبية.
2- جاهل بالحكم، أي بحرمة الغصب.
والثاني هو محل الكلام، وهو أيضاً يمكن تقسيمه إلى: قاصر ومقصر.
– أما الجاهل المقصر، فلا إشكال في شمول الأدلة له من الجزئية والمانعية ونحو ذلك.
توهم ودفع:
وتوهم: إنه غير قاصد للخطاب باعتبار كونه جاهلاً.
مدفوعٌ: بأن ما ليس بالاختيار يرجع إلى ما بالاختيار، فهو معاتب ومعاقب على عدم تعلمه كما تنص عليه الرواية.
ونتيجة ذلك يكون بمنزلة العالم بالغصبية، وكل ما قلناه عن العلم بالغصبية نقوله هنا فيوجد في حقه نهيٌ، ولما كان عندنا -هناك- نهيٌ واقعي وإن لم يكن الجاهل المقصر ملتفتاً إليه، تبطل صلاته:
إما، لاستحالة اجتماع الأمر والنهي، أو لأن النهي عن العبادة يوجب الفساد.
الكلام في الجاهل القاصر:
وهذا لا كلام فيه، إنما الكلام في القاصر لأنه جزماً غير مكلف فلابد من
ــــــ[144]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
القول بصحة صلاته، فهل هذه النتيجة صحيحة أو ليست بصحيحة؟
أقول: ينبغي تطبيق القواعد على هذا الفرض، لأننا نحكم بشمول التكليف للجاهل والعالم معاً بمقتضى أدلة الاشتراك التي توجب الشمول في التكاليف، لكل مكلف ذكر وانثى، سفيه وذكي، جاهل وعالم.
فبناءً على أدلة الاشتراك يكون الجاهل مكلفاً فيلحق حينئذٍ الجاهل بقسميه القاصر والمقصر بالعارف، لأنه لم يفرق عنه شيئاً، فالعارف بالحكم مكلف والجاهل بقسميه أيضاً مكلفاً فحينئذٍ يشملهما حكم العالم، فتبطل صلاتهما، لأن الفعلية موجودة وإن لم يكن التنجز موجوداً، الفعلية موجودة للنهي وهي قاصدة وكافية لإبطال الصلاة أي للعبادة.
مناقشة أدلة الاشتراك:
لكن شمول التكليف وأدلة الاشتراك إلى الجاهل القاصر قابل للمناقشة من وجهين، لأن أدلة الاشتراك لها أحد منشئين -بحسب الفهم- هما:
الدليل الأول: الإجماع.
وهو دليل لُبي يقتصر فيه على القدر المتيقن، والقدر المتيقن ليس هو الجاهل القاصر على أي حال، لأن المقدر المتيقن:
إما العالم بالخصوص أو من هو بمنزلة العالم وملحق بالعالم الجاهل المقصر.
وإما من ليس بمنزلة العالم ولا يحتمل أن يكون بمنزلة العالم ولا يمكن تجريد الخصوصية من العالم إليه وهو الجاهل القاصر.
ــــــ[145]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وبهذا يكون الجاهل القاصر خارجاً عن القدر المتيقن ولا يصلح للإجماع.
الدليل الثاني: إطلاقات الأدلة.
فإن أكثر أدلة اعتبار الجزئية والمانعية والشرطية لها إطلاقات، فهي تشمل بإطلاقها لمطلق المكلف، سواء كان عالماً أو جاهلاً، وسواء كان قادراً أو عاجزاً، وسواء كان قاصراً أو مقصراً في نفسه.
لكن هذا الإطلاق قابل للخدشة وذلك لأكثر من وجه، من قبيل الانصراف، فإن قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ(1) تفيد خطاب: أيها الملتفتون إلى هذا التكليف أيها العالمون به. إما عالمون، إما محتملون، إما ملتفتون إما جاهلون مقصرون، أما من كان غافلاً بالمرة وغير ملتفت أصلاً يكون مثل هذا الإطلاق منصرفاً عنه.
إشكال ودفع:
لا يقال: إن مثل هذا الانصراف منشأه خارج اللفظ لا أنه من داخل اللفظ.
لأنه يقال: إن مثل هذا المكلف الساهي بالمرة وغير الملتفت بالمرة وغير المقصر في مقدمات الواجب لا يكون مخاطباً بمثلوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ولما لم يكن مخاطباً لم يشمله الإطلاق لا عرفاً ولا عقلائياً.
ومعنى هذا عدم إمكان مقايسة الجاهل القاصر على الجاهل المقصر وعلى العالم.
ــــــ[146]ـــــــ
(1) البقرة: 73.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
إلاّ أن لذلك نتائج لا يمكن الإلتزام بها، من قبيل النقض الذي ذكرناه سابقاً، وهو لو أن شخصاً كان جاهلاً جهلاً قصورياً فركع مرتين وهو لا يعلم بالمانعية -مانعية الزيادة في الركن- فلو لم يكن مكلفاً فلا بد من القول بصحة صلاته مع العلم أن مثل هذه النتيجة لا يلتزم أحد من الفقهاء بها، أي لا يحكم بصحة صلاته، لأنها باطلة، سواء كان عمداً أو سهواً وسواء كان عن جهل قصوري أو تقصيري ونحو ذلك.
فإن هذه الدرجة من التفكير توجب علينا الالتزام بصحة الصلاة إلاّ في موردٍ خرج بالاستثناء وهو: كل صلاة للجاهل المقصر تقع صحيحة، لأن المانعية في مورد جهله القصوري غير ثابتة وكذا نقول في الشرطية في مورد جهل المكلف القصوري وكذا لا جزئية.
إذن: نقول بصحة صلاته إلاّ فيما خرج بدليل، من قبيل ما دل على بطلان الصلاة عند زيادة الجزء الركني أو نقصانه.
أما بالنسبة للقاعدة الأولية، فتبقى هي صحة الصلاة ومن امثلتها تكرار الجزء غير الركني، كتكرار السورة باعتقاد أنها واجبة مرتين لجهل قصوري، أو ترك السورة أو ترك ذكر الحمد أو ذكر الركوع والسجود ونحو ذلك، لأجل جهل قصوري، فلابد من القول بصحة صلاته، لأنه أتى بكل ما هو متمكن منه وغير عاجز عنه. وذاك غير مكلف به بطبيعة الحال باعتبار جهله القصوري في فرض المسألة.
ــــــ[147]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ومن جملة تطبيقات ذلك محل كلامنا وهو أن المكلف لا يعلم بحرمة الغصب بالجهل القصوري فحينئذٍ تصحّ صلاته، لأن هذه المانعية لم تصل إليه حال جهله وحال عجزه عن التعلم والفهم، فلابد من القول بالصحة.
ويمكن القول: إن هذه المرتبة من التفكير توصلنا إلى مرتبة أخرى من التفكير وهو، إن ما تكلمنا عنه إلى الآن إنما هو خصوص الأحكام التكليفية قاصر ومقصر، أما الأحكام الوضعية فلا يتصور فيها وجود قاصر ومقصر.
فما ذكرناه من انصراف الأدلة عن القاصر إنما يختص بالأحكام التكليفية، أما الأحكام الوضعية، فلما لم يكن متصوراً فيه القاصر والمقصر فلا يشمله الانصراف.
تقريب ذلك: لو أن رضيعاً كسر إناءً والرضيع غير مميز وهو قاصر قطعاً مع ذلك نقول بتضمينه لا ضمان وليه، فالحكم الوضعي ثابت للقاصر والمقصر معاً. وحينئذٍ تترتب هذه الآثار.
ولكن نقول إن الأحكام التي نتكلم عنها الآن أحكام وضعية لا تكليفية ومرجعها إلى اعتبار الشرطية والمانعية والجزئية ونحو ذلك، وهذه كلها أحكام وضعية، فهي شاملة لمثل الجاهل القاصر وحينئذٍ لابد من القول ببطلان صلاته، لأنه من المفروض أنه مشترط بعدم الغصبية أو أن الغصبية مانع أو أن وجود الحمد شرط أو جزء ولم يأتِ به، وهو قاصر في تركه. فلابد من القول ببطلان صلاته لنقصها أساساً عن الصلاة الكاملة المطلوبة منه فعلاً بحسب الحكم الوضعي وإن لم تكون مطلوبة بحسب الحكم التكليفي.
ــــــ[148]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الكلام في الحكم الوضعي
إن الحكم الوضعي لا يخلو من أحد احتمالين:
الأول: أن يكون مجعولاً بذاته.
الثاني: أن يكون منتزعاً عن الحكم التكليفي.
فبناءً على الثاني وأن الحكم الوضعي منتزع عن الحكم التكليفي، وبما أن الفرع لا يزيد على الأصل -المنتزع لا يزيد على المنتزع عنه- فإذا سقط الحكم التكليفي لابد أن يسقط الحكم الوضعي، لعدم وجود محل ينتزع منه الحكم الوضعي.
وبهذا لا توجد مانعية ولا شرطية ولا جزئية ونحو ذلك، وما ذكرناه في الأحكام التكليفية يأتي هنا في هذا النوع في الأحكام الوضعية.
وإن قلنا إن الحكم الوضعي شامل للقاصر إلاّ أن الحكم التكليفي غير شامل للقاصر وحيث أن الحكم الوضعي متأخر رتبة عن الحكم التكليفي، وبما أن الحكم التكليفي غير موجود فالحكم الوضعي لا يكون موجوداً أيضاً.
إلاّ أن هذا الكلام يواجه جملة من النقوض، من قبيل:
مثال الطفل الرضيع، فإن التزمنا بأن الحكم الوضعي فرع ومنتزع عن الحكم التكليفي فينبغي أن لا نقول هنا بالضمان، لأن الحكم التكليفي قطعاً غير موجود، لأن الطفل غير مكلف، وبانتفاء الحكم التكليفي ينتفي الحكم الوضعي وهو هنا الضمان، فلا ضمان على الطفل.
اللهم إلاّ أن نقول: إن هذه المسألة ومثيلاتها مما قام الاجماع على استثناءها
ــــــ[149]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وإلاّ فإن القاعدة هي عدم وجود الحكم التكليفي، وحينئذٍ يكون مسؤولاً عن الاستثناء بأيّ مقدار وبأي عنوان وبأي متعلق.
فالحكم الوضعي قد يكون حكماً حقيقياً -لو صح التعبير- وقد يكون مفهوماً انتزاعياً ينتزع من الحكم التكليفي، فليس كل حكم وضعي هو هكذا -مفهوم انتزاعي- فالملكية والحرية والرقية ونحو ذلك، هي أصلية -مستقلة- وتترتب في طولها الأحكام التكليفية، من قبيل: حرمة الغصب.
فكون هذا الحكم أصلاً وذاك فرع، هو بحسب الوارد في الأدلة، إجماعاً أو كتاباً أو سنة، فما كان وارداً بعنوانه فيها يكون مجعولاً مستقلاً والحكم غير الوارد في الأدلة نحن بحسب تفكيرنا سميناه الشرطية أو المانعية، ومرجع ذلك في الحقيقة هو الاصطلاح الأصولي والفقهي، فلا وجود للملكية ولا للحرية ولا للزوجية.
نعم، يوجد أمر ويوجد نهي وهذا شيء وذاك شيء آخر.
محل الكلام: يمكن القول هنا في محل الكلام لأجل التفريق بين مثالين ذكرناهما قبل قليل، وهما:
مثال الطفل حينما يكسر إناءً، فيضمن، لأن الضمان مجعول مستقل في الشريعة وهو حكم وضعي مستقل وغير ساقط عن القاصر.
ومثال الجاهل القاصر، إذا صلى في أرض مغصوبة صحت صلاته، لأن معنى المانعية هنا منتزع عن الحكم التكليفي وليست مجعولة بذاتها في الشريعة.
أجل، هذه اصطلاحات أسسها الأصوليون وليس لها وجود عرفي بحياله
ــــــ[150]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ويكون مفهوماً من الأدلة.
وبذلك ينتج عندنا التفريق بين هذين المثالين وينتج أن في مورد الكلام عن الجاهل القاصر تكون صلاته صحيحة في الأرض المغصوبة حتى ولو كان هو الغاصب أو غير الغاصب، لأن المفروض أن في بعض الأمثلة يمكن أن يصبح الغاصب جاهلاً قاصراً بغصبيته فتصح صلاته فضلاً عن غير الغصب، وربما كان الأرجح بحسب الاستدلالات السابقة أن صلاته صحيحة حتى عن علم وعمد فضلاً عن غير العلم والعمد إن كان جاهلاً مقصراً فضلاً عما إذا كان جاهلاً قاصراً.
إشارة:
إن الرواية التي تمسكوا بها كثيراً وهي (لا يحل مال أمرئ مسلم إلاّ بطيبة نفس منه) لا بد للاستدلال بها من إحراز الطيبة. وهنا الطيبة غير محرزة حتى من قبل الجاهل القاصر، فهو لم يحرز صحة صلاته أو شرطية الصلاة، فلابد من القول ببطلان صلاته، أو لا أقل أن نقول إننا فهمنا من الطيبة عدم الكراهة وليست الطيبة بعنوانها، لكن هنا الكراهة محرزة، لأن المفروض أنه غاصب والمالك يكره الغاصب، وإذا احرزت الكراهة فحينئذٍ تكون مانعية الصلاة محرزة من هذه الناحية، فلا بد إذن: من القول ببطلان الصلاة.
مع أنه بناءً على القواعد لابد من الحكم بالصحة، ولكن بمستوى من التفكير لابد أن نقول ببطلان الصلاة هنا أيضاً، لأن القاصر بما هو قاصر أو حين كونه قاصراً أو بصفته قاصراً غير مشمول حتى لهذه الرواية أصلاً، لأنه لم يحرز أن
ــــــ[151]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
التصرف حرام، يعني أن هذه الرواية لم تصله وهو قصوره عن تحصيل هذه الرواية والالتفات إليها.
فحكم الرواية غير شامل للقاصر وإذا كان حكمها غير شامل له، فنقول بصحة صلاته، والشرطية وإن قلنا بها غير محرزة وهي الطيبة والمانعية وهي الكراهة أيضاً غير واصلة إليه ونحو ذلك لا أنها لم تصل إليه موضوعاً، بل لم تصل إليه حكماً، بمعنى أصل هذه الرواية بكل مداليلها لم يعرف بها هذا المكلف عن قصور لا عن تقصير، فلابد من الحكم بصحة صلاته.
إلى هنا تم الكلام بحمد الله تعالى عن مسألتنا هذه (استعمال المغصوب جهلاً أو نسياناً).
لو دخل الأرض المغصوبة وأراد الخروج
مسألة: لو دخل المكلف الأرض المغصوبة، إما باختياره أو بإكراه أو باضطرار، ثم أراد الخروج وحال خروجه أتى بالصلاة، وبلا شك إن هذا الفرض منحصر بحالة ضيق الوقت أو طول الخروج بحيث ينبغي أن يمشي المكلف عدة كيلو مترات في الأرض المغصوبة.
وقد أشار المحقق الهمداني أنه ينبغي للإنسان أن لا يتصرف زيادة على ما يستلزمه الخروج وهو نفس المشي وأما إذا تصرف شيئاً زائداً على ما يستلزمه الخروج كان المطلب مشكلاً كما لو ركع وسجد بصلاة اختيارية أو وقف
ــــــ[152]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
لاستقبال القبلة ونحو ذلك، ففي مثل ذلك كأن الفقيه لا يمكن أن يصحح صلاته وإنما يجب عليه الخروج بأسرع وقت(1).
وحينئذٍ يقع الكلام في انه هل تصح صلاته هذه أو لا؟
الجواب: إنها تصح، وهذا فرع أن يكون المورد منهياً عنه، لأنه إذا لم يكن منهياً عنه بعنوان كونه تائباً وخارجاً من الأرض وفي طريقه إلى تسليم المطلوب إلى صاحبه أو التخلية بينه وبين صاحبه فحينئذٍ يكون فعله هذا مأموراً به وليس منهياً عنه، فلا وجه أصلاً للقول ببطلان الصلاة:
– لا من جهة اجتماع الأمر والنهي، لأن النهي لا وجود له.
– ولا من جهة النهي عن العبادة يقتضي الفساد، لعدم وجود النهي.
أما إذا قلنا إن النهي موجود فحينئذٍ يأتي الكلام عن صحته وعدم صحته.
نعم، إن المحقق الهمداني وغيره يرى أن المسالة تكاد تكون اجماعية إلّا من شذ في أن الصلاة صحيحة.
ونقل عن صاحب المدارك أنه قال: «بأن هذا المورد مأمور به وغير منهي عنه إما كونه مأموراً به، بتقريب منا: فلأنه مقدمة إلى تسليم العين المغصوبة إلى صاحبها أو الأرض المغصوبة إلى صاحبها أو التخلية كما عبر قبل قليل والتخلية
ــــــ[153]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص 33 ط مؤسسة آل البيت قال: «نعم، لو ندم عن عمله وتاب ثمّ خرج بقصد التخلّص من الغصب، لا يبعد القول بالصحّة إن لم يكن موجباً لتصرّف زائد عمّا يتوقّف عليه الخروج، وسيأتي مزيد توضيح للمقام عند تعرّض المصنّف لهذا الفرع».
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
أيضاً نحو من القبض عند تعذر القبض كما ثبت في محله»(1).
فالأمر موجود بلا شك لكن هل هو منهي عنه هنا؟
هل يجتمع الأمر والنهي في مثل هذه المسألة؟
قال صاحب المدارك: «إن النهي عنه محال»(2) كأنه لكبرى استحالة اجتماع الأمر والنهي، لأنه هنا من الأكيد أنه مأمور به ومن المشكوك أنه منهي عنه وحيث أنه لا يجتمع الأمر والنهي، إذن: الأمر ثابت والنهي ساقط وبتحقق هذه المقدمات من سقوط النهي، فلا مانع من صحة الصلاة كما قررنا ذلك فيما تقدم.
كما يمكن أن يجيب -نقلاً عن مشهور الفقهاء- ببعض التقريبات، من قبيل:
إننا ندعي هنا أن الأمر والنهي يمكن أن يجتمعان باعتبار أن متعلق أحدهما غير متعلق الآخر، فإن النهي متعلقه الغصب والأمر متعلقه الصلاة، فلذا تقتضي القاعدة ثبوتهما معاً وفعليتهما معاً ومنجزيتهما معاً، لأن كل شرائط الفعلية والمنجزية فضلاً عن الإنشاء موجودة ومحرزة.
ــــــ[154]ـــــــ
(1) مدارك الأحكام: ج3 ص 219 ط مؤسسة آل البيت قال : «ولا يخفى أنّ الخروج من المكان المغصوب واجب مضيّق، ولا معصية فيه إذا خرج بما هو شرط في الخروج من السرعة وسلوك أقرب الطرق وأقلّها ضرراً؛ إذ لا معصية بإيقاع المأمور به الذي لا نهي عنه».
(2) مدارك الأحكام: ج3 ص 217 ط مؤسسة آل البيت «وأطبق علماؤنا على بطلانها أيضا، لأن الحركات والسكنات الواقعة في المكان المغصوب منهي عنها كما هو المفروض فلا يكون مأموراً بها، ضرورة استحالة كون الشيء الواحد مأمورا به ومنهيا عنه».
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فلأجل ذلك يكون المورد محل اجتماع الأمر والنهي بدون تساقط، فيبقيان معاً فاعلين ومؤثرين، هذا البيان هو منحى من مناحي الفهم الأصولي المشهوري، نعم، وإن كان تمثيلهم بمورد آخر وهو قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ(1).
مناقشة صاحب المدارك:
قال صاحب المدارك في اجتماع الأمر والنهي: (إن اجتماع الأمر والنهي محال)، ولكن يمكننا القول إن اجتماع الأمر والنهي ليس بمحال، فلاحظ ما يمثلون به وهو قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ ثم قال بعدها تعالى شأنه: فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(2) فإن المكلف إن كان باغياً وعادياً ثبت الإثم عليه وإن لم يكن باغياً ولا عادياً فلا أثم عليه.
فإن كان المكلف باغياً وعادياً وكان مضطراً فلا أثم عليه، وأما إن كان المكلف باغياً وعادياً وغير مضطر كان عليه الإثم، أما إذا اجتمع الأمران، أي كان المكلف مضطراً وفي عين الوقت إما باغي وإما عادي فما هو الموقف؟
ذهب المشهور(3) بإمكان اجتماع الحرمة والوجوب معاً.
ــــــ[155]ـــــــ
(1) البقرة: 173.
(2) البقرة: 173.
(3) لاحظ: منتهى المطلب في تحقيق المذهب: ج4 ص 300 تحقيق: قسم الفقه في مجمع البحوث الإسلامية.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
– أما الوجوب، فلتوقف حفظ نفسه على الأكل من الميتة أو من لحم الخنزير.
– أما الحرمة، فلأن الآية استثنته من عدم الإثم فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍمما يعني أن الباغي والعادي يكون عليه الإثم بهذا المعنى، فحينئذٍ تجتمع الحرمة والوجوب بشكل فعلي ومنجز وجامع للشرائط من جميع الجهات.
أجل، موضوع كل منهما مختلف، فموضوع الوجوب هو حفظ النفس وموضوع الحرمة هو أكل لحم الميتة أو شرب الخمر ونحو ذلك، لكن وبنحو الاتفاق كان متعلق كل منهما واحداً، بالوحدة الخارجية لو صحّ التعبير.
هل الآية دالة على وجود الحرمة:
هذا ما عليه المشهور بين الفقهاء.
أقول: هذا الكلام هو فرع دلالة الآية على وجود الحرمة، فهل الآية الكريمة دالة على وجود الحرمة أو لا؟
بعد هذا نرى هل المقيس عليه صحيح أو ليس بصحيح؟ بعد ذلك نرجع إلى الحكم المقيس الذي هو الخروج من الأرض المغصوبة.
ولتقريب الاستدلال يمكننا القول:
إن بنينا على دلالة الآية الكريمة على الحرمة يكون ذلك بأحد تقريبين:
التقريب الأول: بحسب مفهوم المخالفة، بتقريب: إنه إن لم يكن باغياً ولا عادياً فلا إثم عليه، فإذا كان باغياً وعادياً فعليه إثم.
فغاية ما تدل عليه الآية هو من جهة الجانب المنطوقي في الدلالة المطابقية أو
ــــــ[156]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المنطوقية، أما من جهة الجانب المفهومي، فليس بصحيح، أي أنها في المضطر غير الباغي والعادي جائز وهذا لا يلازم أنه في المضطر الباغي والعادي غير جائز إلاّ بناءً على مفهوم الوصف الملغى أصوليًا وغير حجة مشهورياً، ونفس المشهور الذي قال بهذا الكلام الغاه في الأصول.
التقريب الثاني: التمسك بإطلاقات الأدلة الأولية، الدالة على حرمة لحم الميتة ولحم الخنزير، فسواء كان المكلف مضطراً أو لم يكن مضطراً يحرم عليه الأكل، لكن توجد أدلة أخرى من قبيل: (لا ضرر ولا ضرار)، و(رفع عن أمتي ما اضطروا إليه)، و(ما جعل عليكم في الدين من حرج)، تدل على أن الاضطرار رافع للتكليف، فتكون مثل هذه الإطلاقات ساقطة بحسب القواعد الأولية.
فيكون هذا المورد صغرى من صغريات الحرج، لأنه يخاف على نفسه كما هو المفروض والكبرى هي نص القرآن الكريم: مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(1).
فظهر أن ما زعمه من أنه يجب عليه أن يأكل ولكنه يعاقب على أكله بعنوان أنه حرام ليس بصحيح، لعدم وجود مثل تلك الإطلاقات بعد وجود المقيد لها.
التقريب الثالث: نعم، يمكن بيان تقريب ثالث: وهو على أن الملاك موجود وإن كان خطاب الحرمة لم نستطع التأكد منه، لكن الوجوب موجود، والاضطرار يقتضي الوجوب ولكن خطاب الحرمة ساقط أو منتفي، إما لعدم المقتضي أو
ــــــ[157]ـــــــ
(1) الحج: 78.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
لوجود المانع، لكن ملاكه موجود وهو يقتضي الفساد وإبطال العبادة إذا كان النهي عن العبادة يقتضي الفساد.
وإن لم يكن الخطاب موجوداً نحتاج إلى ضم الكبرى التي تقول إن الملاك يقوم بدور الخطاب وإن منجزيته منجزية الخطاب وفعليته فعلية الخطاب، لكننا إنما نعرف وجود الملاك من الخطاب بمقدار ما للخطاب من مرتبة إنشائية أو فعلية أو منجزية.
ولا دليل على أن الملاك هنا موجود حيث أن الشارع لم يقل للمكلف لا تأكل، فملاك لا تأكل لا دليل على وجوده، وحينها يكفي استصحاب العدم أو أصالة العدم أو أي أصل عملي آخر تكون نتيجته عدم الوجود.
إذن: يمكن أن ‏ننفي الملاك في حالة سقوط الخطاب، فإن زعمنا أن الإثم مترتب على الملاك أيضاً لا وجه له حينئذٍ لأن الإثم لا يترتب أو قل لا وجود له، لأن الملاك لا دليل عليه، أضف إلى ذلك: إننا وإن فرضنا وجود ما يدل عليه، فلا ينفعنا في المقام، لأن الإثم لا يترتب على مخالفة الملاك.
ولو فرضنا أنه يترتب على مخالفته الإثم، ولكن في حال الاضطرار لا نحتمل أنه يترتب عليه عقاب، لعدم وجود عصيان للملاك حقيقته وإنما دفع للضرر عن النفس وهو لم يلتفت إلى وجود الملاك.
فهنا وجه آخر لاستبعاد فهم التحريم من الآية على الباغي والعادي وهو إننا ندعي أن الباغي والعادي عناوين مندمجة في المضطر فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا
ــــــ[158]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
عَادٍ(1)، فإن تنزلنا عن الوجوه الأولى وفهمناها فهما استقلالياً بحيث أن المضطر عنوان والباغي عنوان والعادي عنوان حينئذٍ وهذا ما تقدم بيانه مع جوابه، ولكن هنا ندعي بهذا الترتيب: أن الله سبحانه وتعالى أراد من مجموع هذه العناوين عنواناً واحداً وليس عناوين متعددة اندمج بعضها في بعض واندك بعضها في بعض. وهذا المتحصّل العام من مجموع العناوين الثلاثة هو الذي لا أثم عليه، فمن اضطر وهو لا ينوي البغي ولا ينوي الاعتداء لا أثم عليه لا أن الباغي له عنوان والعادي له عنوان آخر حتى نبحث في اللغة ونستفيد المفهوم ونحو ذلك من الأمور.
إذن: المقيس عليه ليس بصحيح ولم يجتمع الأمر والنهي بشكل منجز، فصاحب المدارك على حق بقوله: «باستحالة اجتماع الأمر مع ثبوت النهي» ولو ارتكازاً -وإن كانت هذه العبارة كأنها غير موجودة في المدارك- لكنه قال باستحالة ثبوت النهي مع التأكد من وجود الإثم، وهذا يحتاج إلى كبرى استحالة اجتماعهما، فهذا بحسب الارتكاز موجود في ذهنه ونستطيع أن نقول أنه قال به لأن عبارته بالفحوى تدل عليه.
وأما زعم أن الأمر والنهي يتنجزان معاً لكل المراتب فهذا ليس بصحيح.
عوداً لصلب الموضوع:
ما تقدم من كلام كان ثبوتياً، وتبين أنه بحسب الثبوت ليس بحرام، والكلام
ــــــ[159]ـــــــ
(1) البقرة: 173.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الآن إثباتياً، وهو البحث بحسب الأدلة هل أنها تساعد على حرمة التصرف في هذا الخارج عن الأرض المغصوبة أو لا؟
يمكن القول أن الأدلة دلت على الحرام وحينئذٍ يقع الكلام في تصحيح الصلاة لأنه مشمول للإطلاقات -مثلاً- في نفسه، فالمقتضي موجود
سؤالان:
الأول: هذا الخروج هل هو حرام أو لا؟
الثاني: هذا الخروج هل هو واجب أو لا؟
فإن ثبتت الحرمة أو لم تثبت أو ثبت الوجوب أو لم يثبت، فهل يمكن المصير إلى صحة الصلاة؟
أقول: لا مقتضي لبطلان الصلاة أصلاً بحسب إطلاقات الشرائط الأولية.
فيبقى السؤال هل هذا الخروج حرام أو لا؟ وهو بالحقيقة راجع إلى أدلة حرمة الغصب، وأدلة حرمة الغصب: إما لبية وإما لفظية مطلقة.
– أما الأول -الأدلة اللبية- فهي خارجة عن محل الكلام، بلا فرق بين الاجماع والسيرة، ونحو ذلك على نقاش سبق، وهو أن الدليل اللبي يؤخذ منه القدر المتيقن. والقدر المتيقن غير هذا المقام.
قد يقال: في المقام يمكن تحصيل إجماع أو شهرة بخصوص هذه الحصة.
نقول: هذا لا ينفع، لأن الاجماع والشهرة على خلاف صحة الصلاة لا على بطلانها.
– أما الثاني -الأدلة اللفظية المطلقة- فيأتي عنه الكلام مفصلاً.
ــــــ[160]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
قاعدة: إن ما ليس بالاختيار يعود إلى ما بالاختيار.
هذه القاعدة لا يمكن التمسك بإطلاقها في المقام لاعترافهم جميعاً بأن دليل العقل من اللُّبّيات وليس له إطلاق، وهذه القاعدة عقلية، فلا إطلاق لها، فلابد من التمسك بالقدر المتيقن وهو في محل الكلام خصوص صورة عدم التوبة والبدء بالتخلية والتسليم، بلا فرق بين أن يكون قادراً على الخروج باللحظة كما لو كان في نهاية الأرض أو في باب البيت أو لا بد من مشي مسافة.
ومن الواضح أن محل كلامنا ليس كذلك، بل هو خارج القدر المتيقن، لأنه بادئ بالتخلية والتوبة والتسليم ونحو ذلك، فمن هذه الناحية لا نستطيع أن نتمسك بإطلاق القاعدة العقلية، فإذا كان هناك ملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، فإنما توجد في قدره المتيقن ونحن لا نناقش في القدر المتيقن وإنما كلامنا فيما خرج عنه وما خرج عنه حكم العقل منتفٍ بالقبح على توضيح أيضاً سوف يأتي إن شاء الله تعالى.
لا أن القضية (ما ليس بالاختيار يعود إلى ما بالاختيار) أمر قبيح، وبهذا يكون النهي العقلي غير موجود، وكذلك النهي الشرعي غير موجود والأمر الشرعي موجود، كلاهما لا مانع منه. أحدهما سلم وهو أيضاً في طريقه إلى التسليم والثاني صلى وهو أيضاً مشغول في الصلاة وفي طريقه إلى الصلاة، فلا تزاحم، فلا اجتماع الأمر والنهي ولا أن النهي عن العبادة يقتضي الفساد.
وهنا أمر ينبغي الالتفات إليه وهو: إن حكم العقل قد لا يكون واضحاً أحياناً، فمثلاً العقل العملي الذي هو المقصود من العقل الآن كما هو معلوم يحكم
ــــــ[161]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
بحسن العدل وقبح الظلم بحسن الصدق وقبح الكذب، وهذا في مورد الصفاء، أي الكذب الخالي من أية مصلحة ومن أية مزاحم صافي، فهو خالي من أية مفسدة ومن أية مزاحم. وعنوان الصدق والكذب ككلي غير منطبق على الخارج، لأن هذه الدنيا هي دار المزاحمات والابتلاءات، صدق من ناحية وكذب من ناحية، مصلحة من ناحية ومفسدة من ناحية، فحينئذٍ يتحير العقل لا يستطيع أن يجزم بأن شيئاً ما هو حسن حقاً أو هو قبيح حقاً. أو هو عدل حقاً أو ظلم حقاً فلا يستطيع الجزم، فمن هذه الناحية نستطيع القول: إنه في طول التزاحم سقط حكم العقل بالظلم، فيجزم العقل بالظلم إن تاب، والذي هو محل الكلام، فإننا نفرض أن المكلف تاب وصار في طريق التخلية، فهذا جزماً ليس بقبيح، ولا يكون مجزوماً بقبحه، وعدم الجزم بالقبح لا يكفي لنفي النهي الشرعي أو النهي العقلي أو معاً، فتبقى العبادة بلا مزاحم.
ففي مسألتنا العقل قد يحكم بكون الخروج حسناً أو لا أقل أنه يشك في أنه ظلم، فلا يجزم بأنه ظلم وهذا يكفي في المقام.
تفسير الشيخ الهمداني للتزاحم:
يقول الشيخ الهمداني بهذا الصدد: إن الأمر الشرعي إرشادي إلى حكم العقل، وحسب فهمي أن هذا تحت ظرف الفكرة وحاصلها: بأنه يجد أن التزاحم بين أمر بالصلاة ونهي عن الغصب وأمر بالخروج ونحو ذلك، فإن الأمر بالخروج والتخلية إرشادي إلى حكم العقل، لأن حكم العقل له هنا مرتبتان من الحكم،
ــــــ[162]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
إحداهما: لا تغصب، والثانية: سلّم المغصوب، وحينئذٍ يقول الشارع ذات الكلام أيضاً، بقوله: لا تغصب وسلّم المغصوب، وهذا أمر إرشادي، فيسقط عن المزاحمة ويقع التزاحم بين أمرين مولويين، وأما بين أمر إرشادي وأمر مولوي أو بين أمر إرشادي ونهي مولوي أو نحو ذلك، فلا يقع تزاحم، وهذا نحو حل للتزاحم الموجود في هذا الصدد(1).
ــــــ[163]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص 38 و39 ط مؤسسة آل البيت قال :«أقول: ولكنّك عرفت آنفاً عند البحث عن جواز النافلة في المغصوب أنّه بعد البناء على حرمة مثل هذه التصرّفات ـ كما هو الأقوى ـ لا يتفاوت الحال بين ما لو صلّى وهو داخل أو خارج في كون عمله قبيحاً وموجباً لاستحقاق العقاب عليه ما لم يكن خروجه عن ندم قاصدا به التخلّص من الغصب، فلا يصحّ وقوعه عبادة، وصيرورة المكلّف مضطراً إلى الغصب بمقدار ما يتحقّق به التخلّص منه لا يجدي في رفع قبح هذا المقدار وإباحته بعد أن كان اضطراره إليه مسببا عن مقدّمة اختياريّة، وهي دخوله في المغصوب عن عزم وإرادة، فإنّه يكفي في اتّصاف الفعل أو الترك الصادر من المكلّف بالحسن والقبح وكونه موجباً لاستحقاق الثواب والعقاب استناده إلى مقدّمة اختياريّة؛ ضرورة كفاية هذا المقدار من الاختيار في مذمّة الفاعل على فعله أو مدحه عليه، ولا يشترط في ذلك بقاؤه بصفة الاختياريّة إلى حين حصوله، وهذا معنى ما يقال: «إنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار» أي يكفي في اتّصاف الفعل بكونه اختيارياً استناده إلى مقدّمة اختياريّة وإن عرضه ضرورة الفعل أو الترك بعد ترتيب تلك المقدّمة أو تركها، فالضرورة اللاحقة له غير قادحة في اتّصافه بكونه فعلاً اختيارياً موصوفاً بالحرمة أو الوجوب.
نعم، بعد عروض الاضطرار ينقطع التكليف بمعنى أنّه لا يبقى بعد أن اضطرّ إلى ارتكاب المغصوب -مثلاً- النهي المتعلّق به بصفة التنجّز، أي يخرج عن صلاحيّة الباعثيّة على الترك بعد أن صارت مخالفته واجبة الحصول بتهيئة مقدّماتها، فيكون إيجاد سبب المخالفة كنفس المخالفة موجباً لسقوط التكليف، ولكن لا يجدي ذلك في جوازها بعد أن كانت مستندة إلى مقدّمة اختياريّة، كما هو واضح.
وأمّا ما ذكروه من أنّه مأمور بالخروج فلا معصية.
ففيه: ما تقدّمت الإشارة إليه فيما سبق من أنّ أمره بذلك ليس إلاّ لكون خروجه أقلّ مفسدة من البقاء، نظير: ما لو جعل المكلّف نفسه بترتيب بعض المقدّمات الاختياريّة مضطرّا إمّا إلى ارتكاب فعل الزنا أو شرب الخمر مثلاُ، فيستقلّ العقل حينئذ بأنّه يجب عليه بعد عروض الاضطرار اختيار أقلّ القبيحين وأهون المعصيتين، بل الشرع أيضاً قد يوجب عليه ذلك، ولكن وجوبه إرشادي محض على حسب ما يستقلّ به العقل، فلا يترتب على موافقته سوى الخاصيّة المترتّبة على ذات المأمور به، أي أقلّيّة المعصية، فلا يؤثّر ذلك في انقلاب المعصية طاعة».
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الرد على أقوال الهمداني:
وفي الحقيقة إن التزاحم في طول التوبة غير موجود أصلاً وإن قلنا بالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، لأن ما هو موجود الحكم العقلي بلزوم التخلية والحكم الشرعي بلزوم التخلية والأمر بالصلاة وهما غير متزاحمين، فمن هذه الناحية لا يضطرنا البرهان إلى القول: بأن الأمر الشرعي بالتخلية هو فرع الحكم العقلي بالتخلية، وإنما هو حكم مستقل.
نعم، إن قلنا بالملازمة ففيه كلام، لأن من المحتمل أن يكون فرعاً له لكننا إن
ــــــ[164]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
نفينا الملازمة العقلية بين الحكم العقلي والحكم الشرعي، فلا بأس أن نقول باستقلال الحكم الشرعي أو يتعين القول باستقلاله، وحينئذٍ تكون الصلاة في ظرف الأمر وفي ظرف امتثال الأمر بالتخلية وليس في ظرف عصيان الأمر بالتخلية، فلا موجب للقول ببطلانها.
تفسير آخر للشيخ الهمداني:
ومن طريف ما قاله الشيخ الهمداني: أنه يمكن تنزيل كلام القائلين بالصحة على صورة ضيق الوقت مع إمكان تنزيل كلمات القائلين بصحة الصلاة على الخروج على ما لو كان ناوياً بخروجه التخلص من الغصب بعد التوبة(1).
ــــــ[165]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص 41 و42 ط مؤسسة آل البيت  قال: «وكيف كان فلو أخذ في الخروج مع التوبة وإرادة التخلّص من الغصب، أمكن الالتزام بصحة صلاته؛ نظراً إلى أنّ التائب عن الذنب كمن لا ذنب له، فهو بعد التوبة بمنزلة من وجد نفسه في أرض مغصوبة وجب عليه الخروج منها من غير أن يستحقّ على تصرّفه في مال الغير حال خروجه عقوبة، فلا مانع حينئذٍ من أن يأتي في هذا الحين بما هو واجب عليه من فعل الصلاة.
ولكن قد يشكل ذلك بأنّ التوبة إنّما تؤثّر في العفو عن المعصية وصيرورتها كالعدم في عدم ترتّب العقوبة عليها، لا في تبدّل موضوعها كي يصحّ تعلّق التكليف بفعلها…
ثمّ لو سلّم أنّ التوبة تؤثّر في انقلاب الموضوع وصيرورة الخروج بقصد التخلّص واجباً شرعيّاً مولويّاً، فقد يشكل أيضاً الحكم بصحّة الصلاة المأتي بها في هذا الحين، الفاقدة للاستقرار والركوع والسجود ونحوها من الأجزاء والشرائط الاختياريّة؛ نظراً إلى أنّه في سعة الوقت لدى تمكنه من ترك الغصب كان مكلّفاً بصلاة تامة الأجزاء والشرائط الاختياريّة، وقد صيرها في حقّه ممتنعة باختياره، وهذا وإن كان موجباً لارتفاع التكليف الاختياري لكنّه بواسطة العصيان الذي قد يتأمّل في سببيّته لانقلاب التكليف واندراج المكلّف في موضوع العاجز المأمور بالصلاة الاضطراريّة؛ فإنّه لا يبعد دعوى انصراف ما دلّ على شرعيّتها للعاجز عن العاجز الذي نشأ عجزه من اختياره لمخالفة تكليفه الاختياري، وليس معنى «أن الصلاة لا تسقط بحال» بقاء التكليف بها بعد أن عصى المكلّف وصيّر إيجادها على النحو المعتبر شرعاً ممتنعاً، فمن الجائز أن يكون تأخير الصلاة إلى أن يتضيّق الوقت من التخلّص عن الغصب والإتيان بصلاة تامّة الأجزاء والشرائط بمنزلة ما لو أخرها إلى أن خرج الوقت في كونه موجبا للقضاء».
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
أقول: إن ما ذُكر لا يخلو من بعد، لأن عنوان الباب فقهياً الصلاة حال الخروج من الأرض المغصوبة، فنتمسك بإطلاق هذا العنوان أنه حال الخروج ناوياً للتوبة أو غير ناوٍ للتوبة وكأن هذا الكلام في صورة عدم نيته للتوبة، وفيها تقع صلاته باطلة، لأنه غصب فعلي ونهي فعلي لا حاجة إلى احتمال صحتها أصلاً، بل هي عبادة منهي عنها، وإنما الكلام في صورة تصديه للتوبة، هذا هو محل الكلام وهو لا يخلو من بعد، بل ويتعين حمل كلام الأصحاب عليه، لأن التمسك بإطلاق عنوان الخروج لا دخل له، لأن المهم هو الشروع بالتخلية، فلو شرع بالتخلية، بأي طريق آخر غير الخروج لكفى.
ثم يذكر دليلاً على ذلك وهو إمكان التمسك لصحة الصلاة بمقولة أن (التائب عن الذنب كمن لا ذنب له) وهذا المكلف تائب عن الذنب، إذن: لا ذنب له.
ــــــ[166]ـــــــ

ومن خلال الملازمة هذه نعرف أن لا نهي في البيّن، إذ لو كان هناك نهي لكان عاصياً، ومعنى هذا أن هذه الصلاة غير منهي عنها فتقع صحيحة.
مناقشة كلام الهمداني:
إن ما ذُكر قابل للمناقشة، فقد تقدم منا القول بصحة الصلاة لقصور المقتضي، ولو قلنا إن المقتضي للبطلان موجود ونريد أن نتمسك بهذه العبارة «التائب عن الذنب كمن لا ذنب له» لأجل تصحيح الصلاة فلا يتم ذلك، لعدة وجوه من قبيل:
الوجه الأول: الطعن في السند، فنحن لا نعلم إن هذه العبارة هل هي خبر أو حكمة.
هب أنه بيان لمسلك للعقلاء فهو إذن دليل لُبي وهو عند الشك نقتصر فيه على القدر المتيقن، والقدر المتيقن ليس (التائب عن الذنب كمن لا ذنب له)، لأن هذا مورده غير العباديات، فهو لا يشمل المتورط في الغصبية، بل يكون له ذنب وهو الغصبية، فتبطل صلاته.
الوجه الثاني: أن القول بصحة الصلاة في هذه الصورة موقوف على التنزيل على فهم أن (التائب عن الذنب كمن لا ذنب له) والتنزيل موقوف على أن السياق يقتضيه على استظهاره من العبارة أن التائب حقيقة لا ذنب له، ليس كتنزيل الطواف بالبيت صلاة، للترديد في أن (كاف) التشبيه أيضاً نحو من انحاء التنزيل.
نعم، لو قال هكذا: إن التائب عن الذنب لا ذنب له بدون الكاف كان تنزيلاً من قبيل الطواف بالبيت صلاة، لكن يبقى أمر آخر في هذه الصورة وهو أن
ــــــ[167]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
(كمن لا ذنب) توجب خللاً في السياق بسبب ركّة المتن.
فهذا المكلف في الحقيقة له ذنب لكنه مغفور له أو مغضوض عنه النظر أو نحو ذلك، وحينئذٍ يستوجب البناء على هذا السياق أن هذا الذنب الباقي بعد الغفران مثلاً أيضاً يدلنا بالملازمة على وجود نهي وإلاّ لولا النهي لما كان هناك ذنب فذاك النهي هو الذي يبطل الصلاة فـ(كاف) التشبيه هنا يضر في الحقيقة بالتنزيل المطلوب.
الجواب الثالث: لو تنزلنا عن المناقشة السابقة واعتبرنا التنزيل السابق تنزيلاً كاملاً وأن التائب لا ذنب له، إلاّ أن ذلك لا ينفعنا في المقام، لأن هذا التنزيل يتم في الموارد الاعتيادية أما مورد اجتماع الأمر والنهي أو مورد النهي عن العبادة ونحو ذلك فلا، لأن فرض الكلام أن الدليل لُبي وله قدر متيقن – كما قربناه فيما سبق – وعلى فرض أن له إطلاقاً فإن إطلاقه إنما هو في صورة كون النهي ليس مساوقاً للصلاة ومزامنا مع العبادة في أثناء أدائها، فلا يكن نهياً.
فموضوع مسألتنا هنا أنه في أثناء أداء المكلف للصلاة كان النهي موجوداً، لأن مكانه لا يزال منعوتاً بالحرمة، لأنه أرض مغصوبة، فهذا الكلام وإن كان وجهاً للجواب إلاّ أنه ليس بصحيح، لأننا قربنا أكثر من مرة بأن مجرد وجود المكلف في الأرض المغصوبة لا يقتضي كونه منهياً عن العبادة فيه، لأنه تاب وهو في طريق التخلية وكونه في الأرض المغصوبة أمراً اضطرارياً لأجل طريق الخروج.
فكون المكلف في الأرض المغصوبة بعنوانه لا يوجب النهي أو قل لا يحقق موضوع النهي بعد أن كان في طريق التخلية والخروج، وبهذا تكون العبادة غير ــــــ[168]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
منهي عنها فلا تقع باطلة، فلا يكون النهي مزامناً ومساوقاً للعبادة.
بيان سبب الخلط بين الأمر والنهي:
نعم، هنا تخيل سبب الخلط في هذا الوجه وهو أن هذا المكلف قبل العبادة ولو بلحظة كان غاصباً فتكون الصلاة منهياً عنها، وهو مع العبادة ارتفع النهي أو لا، فيبقى النهي.
الحق: أنه قبل العبادة كان منهياً عنه وليس عند العبادة، لأن ما بعد التوبة لا يوجد نهي، لأنه في طريق التسليم هذا مأمور به وليس منهيا عنه.
الوجه الرابع: ما ذكره المحقق الهمداني(1): إن هذا التنزيل وإن كان أمراً مسلماً لكنه بعد التنزل عن الوجه الثاني -قضية (كاف) التشبيه- لا نسلم بوجود التنزيل، فكما يحتمل أن يكون تنزيلاً يحتمل أن لا يكون تنزيلاً بلحاظ عدم العقوبة لا بلحاظ عدم الحكم والنهي لاضطرار المكلف كما يقول الشيخ الهمداني(2)، فلا يعاقب مثل هذا المكلف لا أنه غير منهي حتى تصح صلاته، فإن
ــــــ[169]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص 40 ط مؤسسة آل البيت «وكيف كان فلو أخذ في الخروج مع التوبة وإرادة التخلّص من الغصب، أمكن الالتزام بصحة صلاته؛ نظراً إلى أنّ التائب عن الذنب كمن لا ذنب له، فهو بعد التوبة بمنزلة من وجد نفسه في أرض مغصوبة وجب عليه الخروج منها من غير أن يستحقّ على تصرّفه في مال الغير حال خروجه عقوبة، فلا مانع حينئذٍ من أن يأتي في هذا الحين بما هو واجب عليه من فعل الصلاة».
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص39 ط مؤسسة آل البيت «بعد عروض الاضطرار ينقطع التكليف بمعنى أنّه لا يبقى بعد أن اضطرّ إلى ارتكاب المغصوب -مثلاً- النهي المتعلّق به بصفة التنجّز».
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
عدم العقوبة لا يلازم وجود النهي، لأنه عاصٍ اضطراراً.
مناقشة كلام الهمداني:
هذا الكلام في الحقيقة ليس بتام لأكثر من وجه:
الوجه الأول: إننا لو تنزلنا عن الإشكالات السابقة على هذا الخبر أو قل عن هذه الحكمة، فنستطيع أن نتمسك بإطلاقها لكل الآثار أو لكلا الأثرين، أي أن التائب عن الذنب لا ذنب له لا تكليفاً ولا وضعاً ولا عقوبة.
واحتمال كون التنزيل خاصاً بالعقوبة مدفوع بالتمسك بالإطلاق.
الوجه الثاني: إن ارتفاع العقوبة ثابت بالملازمة، لأن للدليل ظهور بعدم العقوبة على ما هو المفروض فيكون دالا بالملازمة على أن سبب العقوبة غير موجود وهو النهي أو العصيان الذي هو أحد أسباب العقوبة، فبما أن العقوبة غير موجودة إذن: العصيان غير موجود، وبما أن العصيان غير موجود يكون النهي غير موجود أيضاً، لأن النهي لو كان موجوداً لكان المكلف عاصياً ولو كان عاصياً لعوقب، فلِمَ لم يعاقب؟ إذن: هو غير عاصٍ وكذا هو غير منهي، فتصح صلاته.
وبعدها لا معنى لأن نعتقد بارتفاع العقوبة ومع ذلك نعتقد بوجود النهي.
أضف إليه: ما قلناه سابقاً من أن النهي أساساً هنا غير موجود، لعدم وجود المقتضي له لا لمجرد عدم المانع، لأن النهي -كما شرحناه في أول المطلب- إنما هو أمران:
ــــــ[170]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
أحدهما: عنوان الغاصب، وعنوان الغاصب لم يرد في كتاب ولا في سنة.
الثاني: رواية «لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيبة نفس منه» وقد ناقشناها في نفسها.
قد يقال: بوجود إجماع على البطلان.
نقول: هذا إنما يكون قبل التوبة وأما إن كان تائباً وفي طريق التخلية فلا إشكال فيه من هذه الناحية. وهذا الوجه في المناقشة يقول بأن مقتضى النهي قاصر عن الشمول للمورد.
لو صلى ولم يتشاغل بالخروج
مسألة: قال المحقق: «ولو صلى ولم يتشاغل بالخروج لم تصح»(1).
إن مثل هذا المكلف لو صلى ولم يتشاغل بالخروج:
– فإن لم يكن تائباً، فالأمر واضح وهو بطلان الصلاة في الأرض المغصوبة ولا ينفع لتصحيح الصلاة الالتزام بتقيد الصلاة بأقل تصرف ممكن، كالأصوات مثلاً والحركات التي لا تقع في الغصب، ونحو ذلك، لأنه يصلي في مكان مغصوب وفي فضاء مغصوب.
– وإن كان تائباً، ففيه مطلبان: أحدهما: تاب عنه، والثاني: لم يتب عنه.
فإن (لا تغصب) بحسب الفرض أنه تاب عنه، لكن الغصب لا يزال موجوداً، لكن الخروج من الأرض المغصوبة بعد لم يتب عنه، فهو بهذا يعد عاصياً فإذا كان عاصياً فمن هذه الناحية لا موجب للقول بصحة صلاته.
ــــــ[171]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص89 ط دار الأضواء الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وبهذا يكون التقييد الذي ذكره في مصباح الفقيه وهو: ينبغي تقييد الخروج بأقل تصرف ممكن ونحو ذلك(1).
لا موجب له وإن تنزلنا عن كل ما تقدم من مناقشات، لأن ثقل الإنسان ووقوفه حال القراءة أو وقوفه قبل الركوع الايمائي وإن كان بعينه ركناً أو واجباً، فالمكلف قد تعمد التصرف في المغصوب، لأنه لم يقف في مكان مباح وإنما وقف في مكان مغصوب.
لفت نظر:
إن من جملة الأدلة التي سيقت على جواز وإجزاء الصلاة أثناء أداها حال الخروج هو (الاستصحاب) وبما أنه يواجه بعض الإشكالات اقتضى هذا إلفات النظر إلى بعضها.
فقد يقال: إننا لو نظرنا إلى لحظة النهي عن الاستمرار في الكون في المكان المغصوب حينما جاء الأمر بالخروج، فإن إجزاء الصلاة يكون دائراً بين أمرين:
– ما هو ماضٍ منها ومنقضي.
– ما هو استقبالي منها ولم يأت به المكلف إلى الآن.
نفترض أن الركعتين الأولى والثانية ماضية قد أنجزت وانتهت والركعتين الثالثة والرابعة آتية لم تنجز بعد، فهنا يمكن أن يقال: أن كِلا النحوين من الصلاة ــــــ[172]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص37 ط مؤسسة آل البيت «وإذا ضاق الوقت وهو آخذ في الخروج صحّت صلاته» إذا لم تكن صلاته موجبة لتصرّف زائد على ما يتوقّف عليه الخروج».
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
لا معنى لوجود الاستصحاب فيها:
– أما الماضي، فقد وقع وانتهى حاله، فيكون استصحاب صحته لا معنى له، لعدم وجود أثر لمثل هذا الاستصحاب.
– وأما الآتي، فلا معنى لاستصحاب صحته بعد عدم إنجازه.
نعم، يتم هذا بنحو من الاستصحاب التعليقي، فإذا جاء بالآتي صح.
لكن الاستصحاب التعليقي باطل، إذن: هذا الذي يترتب عليه باطل أيضاً.
مناقشة إمكان إجراء استصحاب الكلي:
قد يقال: ألا يمكن إجراء نحو من استصحاب الكلي، بتقريب: إن كلي الصلاة الأعم من الماضي والمستقبل والحاضر، كان صحيحاً، والصلاة الماضية صلاة، إذن: هي صحيحة إلى الآن.
نقول: إن استصحاب الكلي غير تام، وقد برهن على عدم تماميته في علم الأصول.
لكن يمكن الذب عنه على مستويين:
المستوى الأول: إن القول بأن الاستصحاب الكلي مطلقاً باطل ليس بتام، لإمكان إثبات اعتبار الاستصحاب الكلي من القسم الأول فهو القدر المتيقن من شموله لأدلة الاستصحاب كصحيحة زرارة أو صحائح زرارة، فهذا القسم معتبر بذاته من دون بيان تفاصيل زائدة وحينئذٍ يمكن إجراء الاستصحاب بغض النظر عن أجوبة أخرى.
ــــــ[173]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المستوى الثاني: إن هذا الاستصحاب ليس من استصحاب الكلي وإنما هو من استصحاب الجزئي، وبيانه بأحد تقريبين:
التقريب الأول: الكون في هذه الصلاة، أي تلبس المكلف بحالة الصلاة بغض النظر عن التفاصيل، أي الأجزاء والشرائط والموانع والقواطع، فهذا فرد من الصلاة وهي أمر جزئي خارجي.
والمكلف في هذه الصلاة إلى اللحظة التي قبل ورود النهي، فنسأل هل خرج هذا المكلف من صلاته بمجرد ورود النهي أو لا؟
فهذا الجزئي الذي كان مشروعاً هل خرج منه المكلف بمجرد ورود النهي أو لا زال متلبساً به؟
الجواب: لا، وقد تقدم جوابه وستأتي إن شاء الله تعالى إشارة إلى جواب آخر.
على العموم، بناءً على هذا المستوى من التفسير، نقول: الاستصحاب قابل للجريان.
التقريب الثاني: أن نوجه النظر إلى الأجزاء الماضية من الصلاة إلى الركعتين الأوليتين، والأجزاء الماضية لها اقتضاء الصحة لو تمت شرائطها بما فيها التحاق الأجزاء الآتية بها، ولا نجعل الاستصحاب بلحاظ العلية التامة – الشرط وعدم المانع – للصحة لكي لا يكون استصحاباً تعليقياً، وإنما ننظر إلى الأجزاء المنجزة والماضية، فنستصحب اقتضاء الصحة الذي كان موجوداً قبل ورود النهي.
ــــــ[174]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
نعم، الاستصحاب بكل تقريباته هذه ليس بصحيح، لحكومة الدليل عليه، لأنه يجري في موضوعه وهو المنع عن الغصب في طول هذا الحكم الناتج في طول نهي المالك، لأن المالك إن نهى كان تصرف المكلف غصباً فيكون حراماً فتصبح العبادة من الآن منهياً عنها، لأن الأجزاء المتأخرة تبطل وببطلانها تبطل الأجزاء المتقدمة، لأن لها اقتضاء الصحة لا أن لها علية الصحة، وبهذا تبطل كل الأجزاء وتبطل الصلاة كلها.
الأدلة في المقام:
الدليل الأول: إن المانع الشرعي كالمانع العقلي
من جملة الأدلة التي سيقت بهذا الصدد أن المانع الشرعي كالمانع العقلي، وفي المقام حين ينهى المالك عن البقاء في ملكه يجب على المكلف الخروج لكن هذا الكلام خاص بغير الصلاة، لأنه في صورة الصلاة هناك مانع شرعي وهو حرمة قطع الفريضة، وهناك مانع شرعي أيضاً عن امتثال أمر المالك والمانع الشرعي كالمانع العقلي، إذن: لا يجب امتثال أمر المالك في الخروج عن الأرض المغصوبة.
مناقشة الدليل:
يمكن الإجابة عن هذا الدليل بما أجاب به الشيخ الهمداني الذي حاصله: «إن هنا أمران، أحدهما للمولى والآخر للمالك، ولكن هذا الأمر متقدم على هذا الأمر رتبة وحاكم عليه ورافع لشرط الصلاة وهو حرمة الغصب، إذن المانعية والعجز من هذه الناحية موجود. لأن المانع الشرعي عن إكمال الصلاة
ــــــ[175]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
موجود وليس عن امتثال أمر المالك وهذا في نفسه صحيح ولكن إذا فرضنا أن الحكمين في مرتبة واحدة. وهما امتثال أمر الصلاة الذي هو حرمة قطع الفريضة ووجوب الخروج عن الأرض المغصوبة، فإذا تنزلنا وقبلنا أنهما في مرتبة واحدة، فغاية الأمر أن أحدهما مانع عن الآخر» (1).
ــــــ[176]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص 46 و47 ط مؤسسة آل البيت «استدلّ للقول الأوّل بحرمة قطع الصلاة بعد أن دخل فيها بأمر شرعيّ، وهي مانعة عن نفوذ أمر المالك بالخروج؛ لكونه أمراً بالمنكر، مع اعتضاده بالاستصحاب، و«أن الصلاة على ما افتتحت» وأنّ المانع الشرعي عن امتثال [ أمر ] المالك بالخروج ـ وهو وجوب المضي‌ في الصلاة ـ كالمانع العقليّ ، وأنّ المالك بإذنه في الكون واللبث ـ مثلاً ـ قادم على احتمال اشتغاله بما لا يمكنه قطعه، فلا يكون التصرّف في ملكه من غير رضاه بعد التلبّس منافياً لسلطنته، بل هو من آثار سلطنته السابقة.
وقد يقال في توجيه الاستدلال بأنّ ما دلّ على حرمة التصرّف في مال الغير معارض بما دلّ على حرمة قطع الصلاة ووجوب الاستقرار فيها والركوع والسجود، فيرجع على تقدير المكافئة إلى أصالة الجواز.
وفي الجميع ما لا يخفى؛ لابتناء الجميع على أن لا يكون رضا المالك بعد الدخول في الصلاة معتبراً في إباحة هذا التصرّف في ملكه، وهو مناف لإطلاق ما دلّ على أنّه «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ عن طيب نفسه» و«أنّ الناس مسلطون على أموالهم» فلا يصلح شيء من المذكورات معارضاً لهذا الإطلاق؛ لحكومته عليها؛ فإنّ وجوب المضيّ في الصلاة مشروط عقلاً بتمكّنه من ذلك، وهو موقوف على أن لا يكون بقاؤه في هذا المكان بعد رجوع المالك عن إذنه حراماً، وقد دلّ الدليل على حرمته، فإطلاق هذا الدليل حاكم على إطلاق ما دلّ على حرمة قطع الصلاة، ووجوب المضيّ فيها؛ لأنّ هذا الإطلاق مقيّد بإباحة مكان المصلّي، وقد دلّ ذلك الدليل بإطلاقه على انتفاء الإباحة عند عدم رضا المالك بتصرّفه، فلا معارضة بينهما، فليس أمر المالك بالخروج ـ بعد أن دلّ الدليل الشرعي بإطلاقه أو عمومه على حرمة بقاء المصلّي في ملكه بعد رجوعه عن إذنه ـ أمراً بالمنكر، بل بالمعروف… .
هذا، مع أنّه لا منافاة بين حرمة القطع وحرمة التصرّف في مال الغير بعد رجوعه عن إذنه؛ لإمكان الجمع بينهما بالخروج مصلّياً، كما هو مستند القول الثاني، أي الخروج مصلّياً مطلقاً».
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
نعم، قد يقال في هذه المرتبة أن الأمرين متعارضان فيتساقطان وإذا تساقطا لم يبق لدليل المستدل أثر، فتسقط مانعية الصلاة عن امتثال أمر المالك وهذا يكفي في اسقاط الدليل.
الدليل الثاني: إن المالك أقدم بإذنه السابق على تصرف المصلي تصرفاً طويلاً
وبناءً على هذا الأذن أدى المكلف الصلاة، فلنقل إنه أتى منها بركعتين بمقتضى هذا الأذن ثم صدر منه المنع، فيمكن والحال هذه التمسك بأذنه السابق، لأن إذنه السابق يعني أتم صلاتك في داري -مثلاً- أضف إلى ذلك علم المالك بحرمة قطع الصلاة.
وبهذا يمكن التمسك بأمر المالك الذي يكون بطبعه طويل الأمد فيحرم قطع الصلاة، بل يتعين الاستمرار بالإذن الأول من الناحية الشرعية.
مناقشة الدليل:
هذا هو الدليل وبيانه، فهل هو صحيح؟
ــــــ[177]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الحق: إنه ليس بصحيح على إطلاقه، بمعنى أنه يمكن أن يكون صحيحاً في بعض الصور التي يساعد عليه العرف.
الدليل الثالث: إجزاء الصلاة إلى نهايتها حتى مع صدور النهي
وهو الذي بينه الشيخ الهمداني بعبارة (قد يقال) بدعوى إجزاء الصلاة إلى نهايتها حتى مع صدور النهي.
وذلك بأن نوقع المعارضة بين حرمة قطع الفريضة ووجوب الخروج من الأرض المغصوبة فيتساقطان، فإذا تساقطا لم يبق وجوب الخروج عن الأرض المغصوبة ناجزاً في حق المكلف. فحينئذٍ يستمر المكلف بالصلاة اقتصاراً على الواجب وتقع مجزية، لأن النهي سقط عن الاستمرار، فتكون هذه الصلاة عبادة غير منهي عنها فتقع صحيحة(1).
أقول: هذا التقريب للدليل إنما هو مني، فإن الشيخ الهمداني أقتصر على بيان التعارض والتساقط.
مناقشة الدليل:
إن ما ذُكر مدفوع بوجوه كثيرة، منها:
ــــــ[178]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص 47 ط مؤسسة آل البيت «وقد يقال في توجيه الاستدلال بأنّ ما دلّ على حرمة التصرّف في مال الغير معارض بما دلّ على حرمة قطع الصلاة ووجوب الاستقرار فيها والركوع والسجود، فيرجع على تقدير المكافئة إلى أصالة الجواز».
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
1- ما ذكره الشيخ الهمداني نفسه(1) وحاصله: إن النهي عن الغصب أسبق رتبة وحاكم على حرمة قطع الفريضة فحينئذٍ هو الذي يجب أن يكون مطاعاً وليس حرمة قطع الفريضة.
2- عند النظر إلى إطلاق أدلة هذين الحكمين – قطع الفريضة ووجوب الاستمرار في الصلاة – فإن الأمر لا يخلو: إما أن يوجد لها إطلاق أو لا.
– فإن كان أحدهما مطلقاً والآخر لُبياً أمكن التمسك بالمطلق وكان حاكماً على الآخر اللبي، سواء كان وجوب الاستمرار في الصلاة هو المطلق أم وجوب الخروج عن الأرض المغصوبة هو المطلق.
– وإن كانا مطلقين تعارضا وتساقطا، وبهذا المقدار يكون المطلب صحيحاً بهذا المستوى من التفكير.
– وان كانا لبّيين، كما هما لبّيان حقيقة، لأنا قلنا بأن حرمة قطع الفريضة إنما هو بالإجماع، والإجماع لبي يقتصر منه على القدر المتيقن، والقدر المتيقن ليس هذا المورد، أي في حال نهي المالك على الاستمرار في الأرض المغصوبة، وكذلك دليل الغصب أيضاً بمعنى من المعاني لبي، لأن رواية «الناس مسلطون على أموالهم» ليس لها سند معتبر، وكذلك «لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيبة نفس منه» ليست دلالتها معتبرة.
إذن: لم يبقَ إلاّ نحو من الاجماع والاجماع أيضاً غير هذه الصورة، بمعنى أن
ــــــ[179]ـــــــ
(1) المصدر سابق.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
هذا ليس قدرها المتيقن، وإنما هو أن يكون المكلف خارج الصلاة عند أمر المالك بالخروج، أما في حال كون المكلف داخل الصلاة فهذا خارج عن القدر المتيقن، وكلاهما دليل لبي.
فإن كان كلاهما لبّياً فلا يتعارضان، لأن التعارض فرع شمول أحدهما لمورد الآخر وهذا ليس كذلك.
أجل، عبّرنا عن هذا المورد بالتعارض لقصور المقتضي ولقصور الدليل وليس لفاعلية الدليل وشمول الدليل.
وفي الحقيقة لا هذا الدليل يشمل المورد ولا ذاك الدليل يشمل المورد.
الدليل الرابع: لا يبقى نهي عن العبادة بعد التساقط، فتكون العبادة صحيحة
بعد فرض الدليلين السابقين مطلقين، يكونان حينها متعارضين فيتساقطان، وتقدم أن المستدل يرى أنه لا يبقى نهي عن العبادة بعد التساقط، فتكون العبادة صحيحة ويجب عليه الاستمرار بها.
مناقشة الدليل:
إن التساقط يتم فيهما معاً، بمعنى أن وجوب الاستمرار في الفريضة يسقط أيضاً، فإن الأمرين -حرمة الغصب وحرمة قطع الفريضة- يسقطان معاً فلا موجب للتمسُّك بأحدهما بعد إسقاط الآخر، وحينئذٍ حرمة قطع الفريضة ووجوب الاستمرار بها تكون ساقطة أيضاً.
أجل، لو عبّرنا بحرمة قطع الفريضة عن الحكم الوضعي لزم التعارض بين
ــــــ[180]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الحكم التكليفي في الخروج والحكم الوضعي في إجزاء الصلاة.
وكذا نوقع التعارض بين حكمين وضعيين كما نوقع التعارض بين حكمين تكليفيين، أحدهما التصرف في الأرض المغصوبة كحكم وضعي، والثاني إجزاء الصلاة كحكم وضعي، فيتعارضان ويتساقطان.
والنتيجة: إنه لا إجزاء للصلاة، فإذا كان إجزاء الصلاة يسقط فهو المطلوب، بمعنى أنه تبطل الصلاة ولابد من التخلي عنها والمسارعة إلى تخلية الأرض المغصوبة.
نعم، هنا بعض الاستدلالات إلى جانب صحة الصلاة من قبيل:
إن التساقط في طول التعارض والتساقط يمكن التمسك له بأدلة أخرى سارية المفعول في هذا الصدد منها الاستصحاب الذي ذكرناه في الوجه السابق، وهو إن صح يمكن إجزاؤه هنا بعد سقوط النهي.
أجل، إجزاء الصلاة أيضاً يسقط ولكنها كانت مجزية قبل لحظة ولا دليل على بطلانها. نعم لا دليل على إجزائها ولكن لا دليل على بطلانها أيضاً فيكون الدليل اللفظي ساقطاً ولكنه بالنسبة إلى الاستصحاب يكون جارياً قابل للجريان بشرط أن لا يكون من استصحاب الكلي أو الاستصحاب التعليقي.
الدليل الخامس: تطبيق كبرى دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين
يمكن تطبيق كبرى دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين وحينئذٍ يجب الإحتياط والإتيان بالأكثر فحينئذٍ لا يجزي الإيماء حال الخروج. هكذا بحسب النتيجة. وإنما يجب الاستقرار والإتيان بالصلاة التفصيلية الاختيارية، لأنها من
ــــــ[181]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
قبيل الأكثر والإيماء حال الخروج من قبيل الأقل فهكذا يمكن القول.
على العموم، يتعين هنا الأكثر وهو الاستقرار والاستمرار في الصلاة.
مناقشة الدليل:
في الحقيقة هذا الكلام مطعون فيه من جهة الكبرى وكذا الصغرى.
– أما من جهة الصغرى، فلأننا ننكر أن الصلاة الاختيارية بمنزلة الأكثر بالنسبة للإيماء، لأنه ليس بعرفي، ومبني على المسامحة.
هذا من جهة ومن جهة أخرى إن الايماء والركوع والسجود الاختياريين متباينان وليس أحدهما أقل والآخر أكثر.
– أما من جهة الكبرى، فعند دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين يمكن إجراء البراءة، وبهذا تكون جميع احتمالات الشرطية والمانعية الواردة منفية ببركة إجراء أصالة البراءة.
أجل، في علم الأصول نؤسس أن في دوران الأمر بين الأقل والأكثر وجوب الاحتياط ولكن في الفقه لا نقول بالاحتياط.
صور المسألة:
يمكن حصر صور المسألة التي بأيدينا في ست صور بالنحو التالي:
إن موضوع مسألتنا هو المكلف المأمور بالخروج خلال الصلاة وهذا له صور ثلاث، هي:
1- أن يقطع الصلاة.
ــــــ[182]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
2- أن يستمر بالصلاة مستقراً في المكان المغصوب.
3- أن يستمر بالصلاة وهو خارج من المكان المغصوب.
كما إننا إن لحظنا وقت الصلاة، فإن الأمر لا يخلو:
إما أن يكون وقت الصلاة واسعاً وإما أن يكون ضيقاً.
فحاصل ضرب ثلاثة في إثنتين تكون الصور في مسألتنا هذه ستاً.
الكلام في الصورة الأولى (أن يقطع الصلاة) والثانية (أن يستمر بالصلاة مستقراً في المكان المغصوب)
وقد تقدم منا بحث إحدى هذه الصور وهي (عدم جواز الصلاة مستقراً في سعة الوقت) وانتهينا فيه من عدم جواز الصلاة.
وهنا نعمق البحث أكثر ونقول:
هب إن الصلاة لم تجز، فنسأل ما هو الجائز حينها؟
هل يجوز الجامع بين الاحتمالين الآخرين، يجب قطعها على التعيين أو يجوز الاستمرار بها خروجاً؟
جوابه: إن تعيين أحد الاحتمالين لا يكون إلّا بدليل.
هذا في سعة الوقت أما في ضيق الوقت، فيتعين احتمال واحد لم يتم التعرض له وهو حرمة قطع الصلاة، لأن في قطع الصلاة تفويتاً لشرطية الوقت، لأن تارك الصلاة هو من لا يؤديها في داخل الوقت. ويُعدُّ تارك الصلاة حتى لو قضاها في خارجه.
ــــــ[183]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وحينئذٍ ففي ضيق الوقت الذي لم يبقَ منه إلاّ أربع ركعات يحرم قطع الفريضة.
بعد هذا نسأل: ما هو المتعين بعد حرمة قطعها، هل هو أحدهما بالتعيين، أي الاحتمالين الآخرين، كما فرضه الشيخ الهمداني بأنه الخروج مصلياً أو أحدهما جامع الأمرين من الخروج مصلياً أو الاستمرار بالصلاة مقتصراً على الواجب ومستقراً كما عليه الشيخ صاحب الجواهر حسب ظاهر ما نقل عنهم.
على العموم، إننا من هذا الطرف نفينا أحد الاحتمالات الستة وهو الاستقرار في الصلاة في سعة الوقت ومن ذاك الطرف نفينا أحد الاحتمالات الستة وهو قطع الفريضة في ضيق الوقت يبقى أربعة احتمالات أخرى لابد من استئناف الكلام فيها.
الكلام في الصورة الثالثة: أن يستمر بالصلاة وهو خارج من المكان المغصوب
في فرض سعة الوقت
وهي (الصلاة في فرض سعة الوقت) وفي سعة الوقت احتمالان:
أحدهما: أن يقطع المكلف الفريضة.
والآخر: أن يخرج المكلف مصلياً.
قد يقال: إن الراجح أن يخرج المكلف مصلياً، ومقدماً على احتمال قطع الفريضة، والوجه فيه: حرمة قطع الفريضة، وما دام المكلف قد شرع في الخروج فيجب عليه الاستمرار في أداء الصلاة ولا يزاحمه حرمة الغصب، لأن الغصب لا
ــــــ[184]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وجود له، بالتقريب الذي قدمناه.
وبما أن خروج المكلف بأمر المالك يكون للمالك طيبة نفس فهو يمتثل أمر المالك حينما أذن له، فمن هذه الناحية لا يوجد نهي عن الكون في الأرض المغصوبة بهذا المعنى أيضاً.
نعم، مقتضى الاحتياط أنه يصليها متحركاً خارجاً ثم يعيدها برجاء المطلوبية بعد الوصول إلى الأرض المباحة في سعة الوقت.
سؤال: هل أن أداءه للصلاة حال الخروج مجزئ للصلاة؟
الجواب: يمكن الجواب على ذلك بأكثر من وجه، منها:
إن دليل حرمة قطع الفريضة لبي والدليل اللبي يقتصر منه على القدر المتيقن وليس له إطلاق بطبيعة الحال، وهو الاجماع ونحو ذلك، فحينئذٍ هذا الفرض خارج عن القدر المتيقن، لأن القدر المتيقن هي الفرائض الاعتيادية في أرض مباحة فهذه هي التي يحرم قطعها، أما مثل هذه التفاصيل فهي خارجة عن القدر المتيقن.
إعتراض:
قد يقال: ما هو المراد من القدر المتيقن في المقام، فإن المفروض أنه الصلاة الايمائية الفاقدة لبعض الشرائط، كالاستقرار والركوع الاختياري والسجود الاختياري، فهل في مثلها يمكن القول بجواز قطعها؟
نقول: إن هذا النوع من الفريضة إذا وقع بحسب الإمكان جامعاً للشرائط
ــــــ[185]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الممكنة كان صحيحاً ويحرم قطعه، كما في الفرائض الاعتيادية الاختيارية. فمن هذه الناحية -كون الصلاة فاقدة للاستقرار والاختيار- لا يجوز قطعها، لأن هذه الصلاة -كما قلنا فيما سبق- هي في نفسها عليها اجماع. وإن لم يكن للإجماع إطلاق فلا أقل إنه يمكننا تحصيل اجماع على كل حصة حصة، وهذا الاجماع حاصل حتى بالنسبة إلى الصلاة الايمائية، فهي يحرم قطعها.
إذن: لا وجه لإخراجها عن القدر المتيقن.
قد يقال: الوجه في إخراجه هو الغصبية.
نقول: إنها انتفت الآن وذلك عند أمر المالك للمكلف بالخروج، وعند وجود الأمر من المالك توجد طيبة النفس منه.
تقييم للجواب:
في الحقيقة إن الوجه الأول قابل للمناقشة، لأنه في غير محله أما الوجه الثاني فهو وجيه، لأن المفروض أن الوقت واسع وبلحاظه يكون المطلوب إيجاد الصلاة الاختيارية فيكون استمرار المكلف في الصلاة منافياً للصلاة الاختيارية، لأن استمراره إنما يتعين بترك الاستقرار وترك الاختيارية في الركوع والسجود، ولا يجوز له أن يصلي هنا صلاة اختيارية ليتعين عليه امتثال أمر المالك والخروج، وإذا أراد أن يصلي صلاة اختيارية يصلي خارجاً، فالمهم إن قطع الصلاة مقدمة لإيجاد الفريضة التامة الجامعة للأجزاء والشرائط.
وهذا الكلام وإن كان وجيهاً إلاّ أنه قابل للمناقشة، لعدم الملازمة بين إتمام هذه الفريضة إيماءً والصلاة خارجاً تامة الأجزاء والشرائط، فمن الممكن الجمع
ــــــ[186]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
بينهما احتياطاً كما هو واضح، إذن: قطع هذه الفريضة ليس مقدمة حقيقية لإيجاد تلك الصلاة.
لكن مع ذلك توجد نكتة يحسن الالتفات إليها وهي إن هذا الفرد لو صلى إيماءً حال خروجه لا يستطيع أن يجزم في النية في الصلاة الاختيارية، لاحتمال سقوط الأمر حسب إمكانه فلابد من الإتيان بها برجاء المطلوبية.
فيكون هذا الفرد إنما يمتثل أمراً احتمالي الوجوب وليس يقينياً ولم تقم عليه حجة، بل لعل الحجة بخلافه، إذن: لا يستطيع أن يجزم بالنية وإنما لابد له من نية الرجاء أو رجائية النية فما شئت فعبر، فمن هذه الناحية لو أراد أن يصلي صلاة اختيارية جامعة للشرائط بما فيها النية الجزمية يتعين عليه أن يقطع الصلاة الايمائية حتى يتيسر له القيام بهذا الاحتياط الكامل الذي هو الصلاة الاختيارية جزمية النية، لأنه ترك الصلاة الايمائية فبقي الأمر يقيناً في ذمته.
لكن إن أتمها، فلعل الأمر سقط فلا يستطيع أن يجزم بالنية. وإن أراد أن يحتاط، بأن يجمع بين الأمرين، بعد القول إن النية الرجائية ليست مخلة بالصلاة وليست مبطلة للصلاة لو كان الإنسان يعمل بالاحتياط المطلق وغير مقلد وإنما يعمل بالاحتياط في مقابل الاجتهاد والتقليد، فحينئذٍ يتعين عليه قطع الصلاة والإتيان بفريضة جزمية، لأن نفس الرجائية في النية هي خلاف الاحتياط.
لكن لو اعتمدنا على الاجتهاد أو التقليد، فلا بأس أن نقول بأن رجائية النية ليست مخالفة للاحتياط، لأنه يكون انقياداً للشارع والشارع لا يريد أكثر من ذلك: إما طاعة جزمية أو طاعة احتمالية.
ــــــ[187]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فإن طابق -الاجتهاد أو التقليد- الواقع صح وإلاّ كان بمنزلة المستحب.
الصلاة في المكان المغصوب في ضيق الوقت:
أما في ضيق الوقت، فإن الشيخ صاحب الجواهر كأنه رجح الاستقرار في الصلاة، بأن ينتهي المكلف من الصلاة أولاً ثم يخرج، لا أنه يخرج مصلياً كما عليه الشيخ الهمداني.
ترجيح مختار صاحب الجواهر بتقريبين:
أقول: الراجح هو ما عليه الشيخ صاحب الجواهر بأحد التقريبات الثلاثة:
التقريب الأول: الإجماع والتسليم
إن الاجماع والتسليم مسلّم فيكون العمل مجزياً وصحيحاً، وإن كان كذلك فلا بأس به، لأن القواعد قابلة للتخصيص أياً كانت وهذا منها.
نعم، مثل هذا الاجماع لم نحرزه أكيداً لا نقلاً ولا يقينا:
– أما الاجماع المحصل فغير موجود، لا أقل من الشك فيه، لأنه من المسائل المتأخرة جداً مما نجزم بعدم التعرض لها في كتب القدماء.
– أما الاجماع المنقول، فلا شيء غير كلام صاحب الجواهر ومثل هذا الإجماع لا يصلح حتى أن يكون اجماعاً منقولاً.
وعلى تقدير كونه اجماعاً منقولاً، فإن الإجماع المنقول ليس بحجة كبروياً.
التقريب الثاني: عدم فورية التسليم
إن عدم فورية التسليم للعين المغصوبة من قبيل، أن نقول -مثلاً- في حق
ــــــ[188]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الشفعة أن الأخذ فيها فوري لكن هذا لا ينافي الأعمال الاضطرارية المتلبس بها الفرد، كما لو كان يصلي أو كان في الحمام ونحو ذلك، فإن الغصب قد يكون على هذا المستوى، أي أنه ليس فوري التسليم، فلما كان المكلف مشغولاً بالصلاة، فبعد ثبوت الكبرى، فإن الصغرى محرزة، لأن المكلف شرع بإذن المالك، فصلاته صحيحة.
فلا يجب عليه الآن الخروج فوراً وإنما يجب عليه الخروج فوراً بحسب العرف لا بنحو الفور الدقي، بمعنى لا بأس من أن ينتهي من صلاته ثم يخرج.
وبهذا يتعين عليه الإتمام مستقراً ولا يجوز له الخروج، لأن فيه تفويتاً لشرائط الاستقرار والصلاة الاختيارية في الركوع والسجود.
مناقشة التقريب الثاني:
هذا الكلام يتم إن كان الغصب كالشفعة لكن قياس الغصب على الشفعة قياس مع الفارق، لأن التأخير فيها قد دل الدليل عليه باستقلاله، فهناك الفورية ذات معنى وهنا الفورية ذات معنى آخر، وإن كانت الفورية ليست عقلية، بمعنى إن الإنسان ينبغي عليه الخروج بسرعة الضوء، وإنما يخرج فوراً بحسب إمكانه.
وحيث لم يجز قطع الصلاة إذن يجب الخروج مصلياً.
التقريب الثالث: التمسك بإطلاقات الاختيار والاستقرار
فإن أدلة الركوع والسجود والتشهد تنفي بإطلاقها عدم الاستقرار وعدم الاختيار.
ــــــ[189]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
تأمل في أدلة الاستقرار والطمأنينة:
إن الذي افهمه من مجموع الأدلة الدالة على اعتبار الطمأنينة والاستقرار في الركوع والسجود لا يمكن تحصيل دليل لفظي عليها وإنما يتحصل منه دليل لبي من قبيل: إن سيرة الأئمة والمتشرعة كان على أداء الصلاة الاعتيادية، وهي الاحوط أكيداً، بل الفتوى بذلك، لأن السيرة حجة في إثبات الفتوى، لكنها دليل لبي يقتصر منه على القدر المتيقن وهذا الفرض خارج عن القدر المتيقن، لأنه معارض بدليل الغصب.
فإن قلت: إن دليل الغصب أيضاً لبي لو كان مثبتاً بقضية (طيب نفس) أو (الناس مسلطون) ونحو ذلك.
قلت: هب أنه صحيح لكنه ليس بتام لا سنداً ولا دلالة.
فيعود حينها إلى الدليل اللبي أيضاً وحينئذٍ يتعارضان بتعارض لا اقتضائي، أي لا دليل الغصب شامل لهذه الصورة ولا دليل الاختيارية والاستقرار شامل لهذه الصورة، فينبغي أن يكون مخيراً بحسب هذا التفسير.
ملاحظتان على الدليل اللبي والمطلق:
الملاحظة الأولى: لو قلنا بأن لأحد الدليلين إطلاق دون الآخر تعين الأخذ بالإطلاق وكان حاكماً أو وارداً على الدليل اللبي.
الملاحظة الثانية: لو كان كلاهما لبياً، فإن دليل الغصب مهما كان حاله فهو أسبق رتبة وجاري في موضوع دليل وجوب الصلاة والاستقرار، فيكون أولى في
ــــــ[190]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الأخذ به، وحينئذٍ فلا شك يكون الأحوط هو الخروج مصلياً وليس الاستقرار لفورية وجوب التسليم أو لوجوب فورية التسليم.
الكلام في الصورة الرابعة:
بقي التعرض إلى مسألة القضاء. فهل أن هذه الصلاة يجب قضاؤها أو لا، بعنوان أنها صلاة ناقصة وإيمائية؟
في الحقيقة إن القضاء إنما يكون بأمر جديد وأن موضوعه هو الفوت، فمتى صدق الفوت في هذه الصور الست وجب القضاء، وفي صورة الإتيان بالصلاة الممكنة قليلة الأجزاء والشرائط فمن غير المجزوم به صدق عنوان الفوت عليها، لأنه أتى بما هو ممكن من الأجزاء والشرائط وأما الزائد فلم يكن لازماً في ذمته ولا واجباً عليه وإنما هذه الحصة من الصلاة واجبة عليه وقد أدى ما في ذمته وما هو واجب عليه.
محاذاة(1) المرأة للرجل في الصلاة
وقبل الدخول في البحث تجدر الإشارة إلى القدر المتيقّن منه، إذ وقع السؤال في الروايات عن صلاة الرجل، لا عن صلاة المرأة، بمعنى: هل يمكن أن نقول ببطلان صلاة الرجل إلى جنب المرأة دون العكس؟
وكذلك القدر المتيقّن من مجموع الروايات نساء الرجل في بيته، من قبيل:
ــــــ[191]ـــــــ
(1) المحاذاة: كون الشخصين ببعدٍ واحدٍ عن الكعبة. (منه).
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
زوجته، وأخته، ونحو ذلك. فهل يختصّ التحريم بالمذكورات، أم يعمّ غيرهن؟
في المسألة أقوال
والمختار لجماعة من الفقهاء القول بالتحريم، أي: البطلان(1). بينما ذهب آخرون إلى الكراهيّة(2). وهناك من ذهب إلى التفصيل(3) بين التقدّم والمحاذاة (4).
فحكموا بجواز تقدّم المرأة على الرجل، وفي الوقت نفسه حكموا ببطلان صلاة الرجل إن كانت المرأة محاذيةً له، وما ذلك إلّا لاستنادهم على رواية(5) يمكن تتميمها سنداً ودلالةً، فتكون مخصّصةً للعمومات الدالة على بطلان الصلاة -وإن كان يبدو بحسب المتشرعة أنَّ تقدّم المرأة أولى بالبطلان من المحاذاة-.
وينبغي أن نلحظ الأقوال من ناحية الحكم الوضعي لأنَّ الحكم التكليفي غير محتمل -كما ذهب إلى ذلك المشهور(6)- وإن كان لابدّ من النظر في الروايات، وأيّ النحوين نستفيده منها.
ــــــ[192]ـــــــ
(1) انظر: الخلاف 1: 423، المقنعة: 152، النهاية: 100.
(2) انظر: السرائر 1: 267، جامع المقاصد 2: 120، مصباح الفقيه 11: 52.
(3) نسب صاحب الحدائق هذا القول إلى صاحب المدارك 7: 179، 180.
(4) انظر: مدارك الأحكام 3: 153، 154.
(5) وسائل الشيعة 5: 126، الباب الخامس، كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه، أو إلى جانبيه، وكذا المرأة الّا بمكّة، الحديثان: 12، 13.
(6) انظر: مفتاح الكرامة 6: 148-152.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
أمّا عن القول الثاني(1) فقد تمسّك له بطائفة من الروايات يمكن استفادة الإجزاء منها، والروايات مستفيضة لا حاجة لنا للبحث عن إسنادها واحدةً بعد أخرى، فيحصل بالاستفاضة الاطمئنان، وهو حجة من دون إشكالٍ.
والكلام نفسه يجري في القول الأول أيضاً(2).
ويمكن حصر الأدلّة بنوعين من الأدلة الأربعة، فيخرج عن البحث الكتاب الكريم والعقل، وتبقى السنّة والأدلّة اللبيّة(3) فقط، من قبيل: الإجماع، والسيرة، وغيرهما.
وقبل الدخول في الروايات الدالة على عدم الجواز ينبغي النظر فيما سيكون بمثابة القرينة المتّصلة على فهم السؤال والجواب؛ لأنّنا لا يمكن أن نكون تعبديين، أو قل: ميكانيكيين بالفهم، فنفهم اللغة كقاموس، وإنّما يجب أن نفهم اللغة كعرفٍ وارتكازٍ اجتماعيٍّ ولغويٍّ وعقلائيٍّ. فما الذي كان مرتكزاً في الأذهان عند السائلين؟
المناشئ المحتملة للسؤال في الروايات
المنشأ الأول: إنَّ الصلاة بجانب المرأة خلاف الأدب الإسلامي؛ لأنَّ الاستفادة العامّة من التشريع هي الفصل النسبي بين الجنسين، أو قل: بين الصنفين -بحسب الاصطلاح المنطقي- وهذا الفصل النسبي ينافي الاقتراب
ــــــ[193]ـــــــ
(1) الكراهة.
(2) أي: وجود الروايات الكثيرة التي يمكن تحصيل الاطمئنان الحجّة منها.
(3) هذا النوع من الأدلّة لا يمكن الاستفادة منه لعدم الإطلاق فيه. (منه).
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
حال العبادة، والصلاة عبادةٌ بلا شكٍّ بل هي عمود الدين كما ورد(1)، فينبغي ابتعاد بعضهما عن بعض أخذاً بالفكرة الاجمالية المستفادة من الكتاب والسنّة وسيرة الأئمّة والمتشرعة.
إلّا أنَّ ذلك قابل للمناقشة باعتبار ثبوت هذا الأدب في غير محارم الرجل، ونساء أسرته، فلا وجود لمثل هذا الأدب الإسلامي، ولا يحتمل أنّ المركوز في أذهانهم ذلك، فإنَّ أغلب الصلوات تقع بجنبهن، ولهذا نجد الروايات أشارت
-تبعاً للأسئلة- إلى خصوص نسائهم، ولم تقع عن النساء الأخريات. مضافاً إلى عدم إمكان جعل المنشأ الحقيقي مطلق الأدب الإسلامي؛ فإنّه لو كان فلا يمكن أن يصوم المكلف إلى جنب المرأة، ولا يمكن أن يحج كذلك، وهذا -بطبيعة الحال- ما سينعكس في الروايات، فتجد السؤال عن جميع الحصص المحتملة، مع أنَّ الرواة لم يسألوا عن غير الصلاة.
فتحصّل: أنَّ الخصوصية في نفس الصلاة، ولهذا صارت مورداً للسؤال، وليس المطلوب الأدب الإسلامي.
المنشأ الثاني: إنَّ المرتكز في أذهان الرواة من أصحاب الأئمّةأنَّ المرأة سبب للغفلة، فمن وجد عنده امرأةً أو عدّة نساء يتشتت ذهنه، وينصرف إلى الرغبة بهن، أو التعجب من حالهن، مع كون المطلوب منه التوجّه في الصلاة من ناحية النيّة، والقرآن، والذكر، وغير ذلك من الأمور. طبعاً، قد يختلف مقدار
ــــــ[194]ـــــــ
(1) المحاسن 1: 44، الأمالي (للمفيد) 189، الوافي 2: 330.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الغفلة بسبب طبائع الرجال، واختلاف أعمارهم وما إلى ذلك. وما ينبغي أن يلحظ أنَّ المرأة مطلق وجودها يكون منافياً لحال الصلاة، وليس الحصة الصلاتيّة من وجودها، وهو مطلب في نفسه صحيح.
لكنّ هذا ليس بجواب مقنع، فإذا ما لاحظنا كتاب الوسائل -مثلاً- نجد أخباراً عن حال صلاة المرأة، وعن عدم صلاتها، وقد نفواالبأس عن حال العدم، من قبيل ما ورد: «أنَّ النبيَّ كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهِيَ حَائِضٌ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَيْهَا، فَرَفَعَتْ رِجْلَيْهَا حَتَّى يَسْجُدَ»(1).
أمّا في حال صلاتها فهناك طائفة من الأخبار الناهية كما ستعرف.
نعم، تبقى الغفلة غير مبطلة للصلاة، فهي شرط للقبول والكمال، وقد ورد عن أبي عبد الله: «الصَّلاَةُ وُكِّلَ بِهَا مَلَكٌ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ غَيْرُهَا، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا قَبَضَهَا ثُمَّ صَعِدَ بِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُقْبَلُ قُبِلَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لاَ يُقْبَلُ قِيلَ رُدَّهَا عَلَى عَبْدِي، فَيَأْتِي بِهَا حَتَّى يَضْرِبَ بِهَا وَجْهَهُ ثُمَّ يَقُولُ: أُفٍّ لَكَ مَا يَزَالُ لَكَ عَمَلٌ يُعْيِينِي»(2).
ــــــ[195]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 122، الباب الرابع، جواز صلاة الرجل وان كانت المرأة قدّامه أو خلفه أو إلى جانبه، وهي لا تصلّي ولو كانت جنباً أو حائضاً، وكذا المرأة، الحديث: 4.
(2) المحاسن 1: 82 عقاب من تهاون بالصلاة، الكافي 3: 482، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال 273، عقاب من صلّى لغير وقتها، مع اختلاف يسير في الألفاظ.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
والحدس يدعمه؛ فإنّي عندما أفكر في الدنيا من أول الصلاة إلى آخرها لا ثواب لي فيها قطعاً(1)، لكنّها مجزية على كل حال، فلا يصلح عندئذٍ أن يكون سبباً للسؤال.
وهذا قابل للمناقشة أيضاً:
فإنَّ الأئمّة قاموا بتربية أصحابهم على أهميّة الثواب والتكامل المعنوي والأخلاقي، ولربما صار سبباً للسؤال عن حال الصلاة مع وجودهن سواء كنَّ زوجاتٍ أم بناتٍ أم أخواتٍ أم غيرهنَّ.
المنشأ الثالث: إذا استعرضنا الروايات ومجمل التأريخ فنحصل على نتيجة مهمة: كون السؤال قد وقع في العصر الأوسط -إن صحّ التعبير- ففي العصر المتقدّم كان المسلمون يصلون متقدّمين أو متأخرين إلى جنب نسائهم، ولم يكن في البين ما يثير اسئلتهم واستفساراتهم، غير أنَّ اللغط قد كثر بالتدريج في زمن الصادقين، إذا ما أردنا تحديد فترة سؤالهم، وهذا يعني: إمكان انعقاد السيرة في الزمان الأول السابق على زمانيهما، فيكون النهي الصادر منهما محمولاً على الكراهة، الّا أن نقول: ما دام الناس لم يسألوا فلا يجب على العالم -وإن كان معصوماً- أن يبادرهم بالتعليم، وينبههم على أنَّ مثل ذلك مبطل لصلاة.
المنشأ الرابع: إنَّ المرتكز في الأذهان لم يكن بطلان الصلاة، وإنّما هو جامع
ــــــ[196]ـــــــ
(1) ونحن تربينا في الحوزة على دفع استحقاق العقاب فقط، لا أن نعمل ما نستحق به دخول الجنة، لأنّ الرحمة ثابتة من عند الله وليس بالعمل. (منه).
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المرجوحيّة بين الصلاة والكراهة، فيكون سؤالهم مشكّلاً قرينةً على الجواب أيضاً، أعني: يكتسب الجواب هذه الصفة من سؤالهم عن جامع المرجوحيّة.
وما يمكن أن يقال فيه: إنّ جامع المرجوحيّة ليس محركاً نحو السؤال كما في العصور المتأخرة. نعم، لو فرضنا حرمة أو حكماً إلزامياً لأمكن القول بالتحريك.
الّا أنّه قابل للمناقشة أيضاً لوجهين وجدانيين:
الوجه الأول: أنّهم كانوا يهتمون أخلاقياً بجامع المرجوحية. وقد تكلمنا عنه قبل قليل.
الوجه الثاني: أنَّ جامع المرجوحيّة مستبطن للحرمة في إحدى حصتيه، فيكون سبباً لبطلان الصلاة احتمالاً.
المنشأ الخامس والأخير: إنَّ المرتكز في أذهان العرف الحكم التكليفي بقطع النظر عن الحكم الوضعي، وحيث لم يكن العرف مسبوقاً بقاعدة النهي عن العبادة يقتضي بطلانها -على اعتبار أنَّ الفقه والأصول لم يكونا متوسعين إلى هذه الدرجة- فعندئذٍ يكون سؤالهم عن الحرمة التكليفية، شأنه شأن المحرمات الأخرى كالكذب، والغيبة، وشرب الخمر، والسرقة، ونحو ذلك. وأمّا كون صلاتي باطلة فهذا باب آخر.
إذن، لو ضممنا الكبرى الخارجية القائلة: ما دام النهي التكليفي ثابتاً فهذه الصلاة منهي عنها -فتقع الصلاة باطلةً لا محالة-.
فهذه هي الأمور المحتملة المسوقة لبيان القرينة المتصلة للروايات، وعلينا أن نمحصها ونأخذ الجامع والمقسم الرئيسي لها، كي نفهم القرينة الواقعية التي هي
ــــــ[197]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
بمنزلة القرينة المتصلة الارتكازية على الروايات الناهية والمجيزة على حدٍّ سواء.
دفع المناشئ
أمّا الأمر الأول -الذي مجمله: الأدب الإسلامي القاضي بالفصل بين الجنسين- فقد أوردنا عليه إيرادين:
الإيراد الأول: عدم ثبوت الأدب الإسلامي في نساء الرجل ومحارمه.
الإيراد الثاني: عدم إمكان جعل المنشأ الحقيقي مطلق الأدب الإسلامي.
ونجيب عن كل إيراد بجواب:
جواب الإيراد الأول: إنَّ المسلم المتورع قد يخطر في باله مرجوحيّة الصلاة جنب حلائله ونساء أسرته، ولا أقلّ من أنَّ هذا ثابت احتمالاً في مهمات الشريعة الغراء التي منها الصلاة.
جواب الإيراد الثاني: عدم منافاة السؤال عن الصلاة التي تعدّ أولى أمور العباد وأهمها.
أمّا الأمر الثاني -الذي مجمله: الغفلة المسبّبة عن وجود المرأة-: فقد أوردنا عليه إيرادين أيضاً نذكر أحدهما فقط:
الإيراد: لم يرد أيّ سؤال عن صلاة المرأة بحيال الرجل، وإنّما كان السؤال في جميع الروايات عن صلاة الرجل.
وجواب هذا الإيراد: يمكن الوصول إلى بطلان صلاتها بالتجريد عن الخصوصيّة، فتكون صادقةً على كلا الطرفين.
ــــــ[198]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
أمّا الأمر الثالث -الذي مجمله استقراء زمن صدور الروايات الناهية-: فأوردنا عليه إيراداً كان حاصله: ما دام لم يتوجه إليهم سؤال فلا تجب الإجابة.
وجواب هذا الإيراد: السيرة الأولى مطمئن بوجودها، والنهي عن الصلاة كان معلوم العدم والّا لو كان لوصل إلينا بعضٌ مّما صدر، فاحتمال بطلان الصلاة أمر غير ارتكازي بكل تأكيد، فيسقط عن القرينيّة.
أمّا الأمر الرابع -الذي مجمله عدم كون العرف(1) مسبوقاً بقاعدة (النهي عن العبادة يقتضي بطلانها)-: فحال الجواب فيه ظهر مّما تقدم.
أما الأمر الخامس -الذي مجمله السؤال عن جامع المرجوحيّة بين البطلان والكراهة، فيكون الجواب كذلك-: فأوردنا عليه ما يلي:
الإيراد: إنّ جامع المرجوحيّة ليس محركاً لهم نحو السؤال.
والجواب عن الإيراد: إنَّ جامع المرجوحيّة مستبطن للحرمة في إحدى حصتيه، وهذا المعنى باستطاعته أن يحرّك العرف نحو طلب الجواب عن سؤاله؛ فإنّ ما ينبغي أن يعرفه العامي من الإمام أو الروايات هو هذا المعنى، وحينئذٍ يكون بمنزلة القرينة المتصلة على نصوص الروايات، فعندما يقول الإمام: (لا) -كما هو في لسان بعض الروايات(2)- فهو يقرّه على ارتكازه المتقدّم، حتى لو
ــــــ[199]ـــــــ
(1) هنا جعله السيد المقرر له رابعاً، وهوّ بحسب ترتيبه يقع خامساً. والأمر سهلٌ.
( ) وسائل الشيعة 5: 124، الباب الخامس، باب كراهية صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه أو إلى جانبيه، وكذا المرأة إلّا بمكة، الحديثان: 4، 5.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
جاءت (لا) بمعنى النهي: فعندئذٍ لابد أن يحمل على جامع المرجوحيّة باعتبار الارتكاز.
إذن، ما هو الملفوظ يكون الارتكاز قرينةً عليه، فلا يكون دالاً إلّا على جامع المرجوحيّة.
أمّا حمل النهي على الحكم الوضعي أو التكليفي فغير صحيح -كما عرفت من وجود القرينة الصارفة- فيكون الكلام محتفّاً بالقرينة فيسقط ظهوره بالإلزام عن الحجية.
لا يقال: إنّ احتمال أن يكون المرتكز هو البطلان الوضعي أو التكليفي، وهو داعم لكون (لا تصل) للنهي.
فإنّه يجاب: هذا ناشئ من قلّة التحقيق في علم الأصول، فمعنى القرينية ما يزيل الظهور عن ظاهره، لا أن يجعل ظهوراً لغير الظاهر، ومن هنا وقع الخلط بين المسألتين، فإنَّ احتمال جامع المرجوحيّة كافٍ في إزالة الظهور عن المانعية المشهورية فيما إذا كنا نقول بالتحريم الوضعي أو التكليفي.
وفي قبال هذا لو كان معنى (لا تصل) غير ظاهر في الحرمة، فهذه القرينة لا تجعل الظهور لغير الظاهر كما قلنا(1).
ــــــ[200]ـــــــ
(1) فصّل السيد الشهيد بين أحوال:
أ- حالة ما إذا قلنا: إنَّ ظهور (لا) في الحرمة الأعمّ من التكليفية والوضعية، وكانت القرينة دالة على خلاف هذا الظهور، فعندئذٍ لابدَّ من حمل كلام الإمام على القرينة؛ فإنّ الإمام -حسب الفرض- أمضى السائلين هذه القرينة بعدم تصديه لهم. وعليه: بما أنّه ظاهر فيمكن حمله على معنى مغاير لظهوره، فيكون دور القرينة إسقاط هذا الظهور، وتبديله لصالحها.
ب- حالة ما إذا قلنا: إنّ (لا) غير ظاهرة في الحرمة، فإنَّ القرينة لا تجعل ظهوراً لـ (لا) في الحرمة الذي لم تكن (لا) ظاهرة فيه من البداية؛ وذلك لغرض أنَّ دلالة القرينة فرع كون ذي القرينة دالاً على المعنى.
ح- حالة ما إذا قلنا: إنَّ ظهور (لا) في الحرمة، ويكون الارتكاز دالاً على الحرمة أيضاً. وهذا سيأتي جوابه (منه).
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
والحاصل: أنّنا لو قرأنا الروايات كلّها ووجدناها دالةً على النهي الإلزامي فلا يمكن حملها عليه، وذلك: لأنّ مثل هذا النهي صادر عن علّة واحدة، وارتكاز واحد موجود في أذهان الأئمة، وأذهان أصحابهم؛ فلا يصلح شيءٌ منها للدلالة على الإلزام. وهذا كلّه في جانب النهي.
أمّا جانب الطائفة المجوزة فيبقى الجواز ماشياً على رسله، ولا يسقط عن ظهوره بالجواز شيءٌ؛ فإنَّ القرينة المتصلة دالةٌ على عدم البطلان، وبالتالي تقع مؤيّدةً لروايات الجواز.
هذا، وإن كنت إلى عهد قريب أبني على التعارض ثُمَّ التساقط بين الطائفتين، فنرجع إلى إطلاقات الأجزاء والشرائط، ويكون عندئذٍ النهي صادراً بلحاظ نفس السائلين، فمن كان متورعاً يقال له: (لا تصلِّ إلى جنب المرأة) ومن كان أقل ورعاً يقال له: (صلِّ) فيكون النهي دالاً على الكراهة.
ــــــ[201]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الروايات المانعة والمجوزة
الروايات المانعة
لنبدأ بذكر الروايات التي قلنا بعدم الحاجة للرجوع إلى إسنادها، وذلك لحصول الاستفاضة منها، ولكننا سنذكر الروايات مع أسانيدها تبركاً بالسند الصحيح.
الرواية الأولى:
مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوب،عَنْمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى،عَنْمُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْجَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنحَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْإِدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْقُمِّيِّ، قَالَ: «سَأَلْتُأَبَا عَبْدِ اللَه عَنِ الرَّجُلِيُصَلِّي وَبِحِيَالِهِ امْرَأَةٌ قَائِمَةٌعَلَى فِرَاشِهَا جَنْباً فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ قَاعِدَةً فَلاَ يَضُرُّكَ وَإِنْ كَانَتْ تُصَلِّي فَلاَ» (1).
ما المراد من قول الراوي: بحياله؟
المراد منه: اثنان في نفس البعد عن شيء ثالث، فيكون هذا بحيال ذلك، فيبتعدان عن الشيء الثالث بنفس البعد.
وما المراد من قوله: امرأة قائمة على فراشها جنباً؟
ــــــ[202]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 121، الباب الرابع. جواز صلاة الرجل وان كانت المرأة قدّامه أو خلفه أو إلى جانبه وهي لا تصلّي ولو كانت جنباً أو حائضاً، وكذا المرأة، الحديث: 1. وورد في نسخة أخرى: جنبه.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المراد منه: أنّها واقفة، وليس المراد أنّها ثابتة، وهذا وإن كان محتملاً إلّا أنّه مخالف للظهور الأولي أكيداً.
ولا يمكن أن يحمل(قاعدة) على عدم صلاتها؛ لأنّه مخالفٌ للظهور أيضاً، بل لا يمكن حمل (قاعدة) على ما هو الأعمّ من الصلاة وعدمها، فتكون من قبيل: أنّها قاعدة سواء كانت تصلي جالسة أم لا؛ فإنّه بعيدٌ أيضاً، بدليل: أنّه أصبح قسيماً لقوله: «إن كانت قاعدة فلا يضرّك، وإن كانت تصلي فلا بأس».
وبعبارة أخرى: إن كانت قاعدة لا تصلّي، حينئذٍ تكون هذه بمنزلة القرينة المتصلة على إخراج الحصة الصلاتيّة من قعود المرأة.
وما المراد من قوله: (لا)؟
المراد منه: أمور تختلف بحسب التقدير، فباعتباره حرفاً لا يعرف مؤدّاه إلّا بالانضمام والتقدير بمثل: (لا يجوز) ليس صحيحاً؛ لعدم وجود مادّة الجواز حتى يمكن حمل كلام الإمام عليها.
وكذلك التقدير بـ(لا بأس).
نعم، يمكن أن يقال بنفي ما سبق في الشقّ الأول بحيث يكون قرينةً على الشقّ الثاني، فيكون المعنى المراد: لا، لا يضرّك، وهذا كأنّه أوضح التخريجات.
إذن، المحمول هو الضرر، والضرر يدل على جامع المرجوحيّة؛ لأنّه جامع النقص، فمن أين نأخذ استفادة البطلان والتحريم من هذه الرواية؟
لا يمكن استفادته عندئذٍ، بل أقصى ما يمكن أن نستفيده وجود الضرر إجمالاً، أمّا كونه ضرراً مبطلاً فهذا مّما لا دليل عليه.
ــــــ[203]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الرواية الثانية:
عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ،عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ،عَنِ اَلْوَشَّاءِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي، وَالْمَرْأَةُ بِحِذَاهُ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: لاَ بَأْسَ بِهِ إِذَاكَانَتْ لاَ تُصَلِّي»(1).
وهذه الرواية أوضح من سابقتها؛ فإنّها بحسب مفهوم الشرط تمنع من الصلاة، فيمكن أن نفهم من قوله: «لاَ بَأْسَ بِهِ إِذَاكَانَتْ لاَ تُصَلِّي» أنَّ هناك بأساً في الصلاة، فتتعين الحصة الإلزامية باعتبار أنَّ المراد منها بطلان الصلاة.
الفرق بين لفظي حيال ومحاذاة
ينبغي أن يفرّق بين أنَّ شخصاً واقفاً بحيال شخص، وآخر بحذاه. أمّا كونه بحياله فهو بحسب فهمي اللغوي -فإنّي راجعت على عجالة مصدرين أو ثلاثة مصادر لغوية لكنّي لم أقف على هذا اللفظ- يقتضي أن يكون بمعنى: أمامه، أي: فيحول من كان أمامه بينه وبين شيءٍ ما، وإذا استعطنا أن نفهم منه هذا المتقدّم فيكون تعبير السائل غير مستقيم؛ فإنّه افترض امرأةً قائمةً بحياله جنباً، وهذا لا معنى له الّا أن يكون قرينةً على استعمال هذا اللفظ بمعنى المحاذاة مجازاً.
نعم، التعبير بمحاذاته جنباً يكون صحيحاً بلا شكٍّ.
ــــــ[204]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 121، 122، الباب الرابع: باب جواز صلاة الرجل وان كانت المرأة قدّامه أو خلفه أو إلى جانبه وهي لا تصلّي ولو كانت جنباً أو حائضاً، وكذا المرأة، الحديث:2.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
عوداً على بدء
قلنا إنَّ الرواية الثانية دالةٌ على البطلان الذي ذهب إليه المشهور المتوقّف على استفادته من مفهوم الشرط.
لكنّ الكلام في أنّ الشرط هل له مفهوم مطلقاً أم لا؟
وهل هو ثابت وضعاً أم إطلاقاً؟
فلو قلنا: إنَّه ثابت بالإطلاق، فينبغي أن تكون مقدّمات الحكمة تامّةً، وعندئذٍ يثبت المفهوم، أمّا مع عدم تماميتها فالجملة الشرطيّة تكون قابلةً للنقاش؛ لأنّ القدر المتيقّن من معنى اللفظ دلالته المنطوقية، أو قل: دلالته المطابقيّة التي تبيّن حصةً من المنطوق فقط، فلا يتعدّى منه إلى جانب المفهوم، إذ الفرض أنَّه ساكتٌ عنه.
ومن جملة مقدّمات الحكمة تمامية أصالة الجهة، فنبحث عن وجود مصلحة في الكتمان، كالتقية ونحو ذلك، والتقية يجب أن نفهمها بمعناها الواسع، فلا نقتصر على الاتّقاء من المذاهب الأربعة وحسب، فتشمل التقية مراعاة مصلحة المتكلم، أو السائل، أو الآخرين.
وكلامنا فعلاً في صغرى ظهور الشرطيّة في المفهوم؛ إذ لعلّ الإمام يرى الجواز لكنّه لا يريد بيانه، كما أنّه لا يريد بيان عدمه؛ فإنّ في عدم الجواز كذباً، وفي الجواز تقيّةً؛ إذ العامّة يرون البطلان، بل ربما اتقى الإمام من الشيعة أنفسهم فلم ير حاجةً في مواجهة العرف السائد آنذاك، خصوصاً وأنّ الحكم بالاحتياط فيه نحو من الانقياد، فلا داعي لقولهمبالجواز.
فأصالة الجهة غير تامة، فالجملة الشرطية لا مفهوم لها.
ــــــ[205]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
نعم، لو قلنا: إنّه ثابت وضعاً، فلابدّ من فهمه عندئذٍ الّا مع قيام قرينة على خلافه، ولعلّنا نناقش في هذه القرائن بوصفها مزيلة للمعنى الوضعي، وناقلة له من الحقيقة إلى المجاز.
الرواية الثالثة(1):
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ اِبْنِ فَضَّالٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ رِبَاطٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ قَائِمَة مُعْتَرِضَة بَيْنَ يَدَيْهِ وَهِيَ لاَ تُصَلِّي» (2).
وهذه من روايات الإذن حيث دلت بمنطوقها على جواز التقدّم على المصلي في غير حال الصلاة.
وقد يستفاد من قوله: (لا تصلي) بطلان الصلاة، ويستدل عندئذٍ بالمفهوم، لكن لا يمكن المصير إليه إطلاقاً؛ إذ لم يثبت لمثل هذه الجملة مفهوم، فتخرج الرواية عن تلك الطائفة المانعة.
الرواية الرابعة:
وَبِإِسْنَادِهِ(3) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
ــــــ[206]ـــــــ
(1) إنّما نذكر الروايات للتمرن على الملكة التي نحن بصدد تنميتها. (منه).
(2) وسائل الشيعة 5: 122، الباب الرابع: باب جواز صلاة الرجل وان كانت المرأة قدّامه أو خلفه أو إلى جانبه وهي لا تصلّي ولو كانت جنباً أو حائضاً، وكذا المرأة، الحديث: 3.
(3) أي: محمد بن الحسن الطوسي.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
سَعِيدٍ، عَنْ مُصَدِّقٍ، عَنْ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَه (فِي حَدِيثٍ) أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَسْتَقِيمُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ امْرَأَةٌ تُصَلِّي، فَقَالَ: «إِنْ كَانَتِ المرْأَةُ قَاعِدَةً أَوْ نَائِمَةً أَوْ قَائِمَةً فِي غَيْرِ صَلاَةٍ فَلاَ بَأْسَ حَيْثُ كَانَتْ»(1).
وهذه الرواية معتبرة السند بحسب الظاهر.
وقول الراوي: يستقيم، بمعنى: الاعتدال في المشي، فليست القضية معوجة ومنحرفة عن جادة الصواب، أو قل: يجوز له، والسياق وإن كان سياق الاستفهام إلّا أنّ ظاهره الإخبار؛ بدليل حاجة السائل إلى جواب الإمام.
والاستدلال إنّما هو بمفهوم الشرط، فتوجد (إن)، وموضوعها (وهو المرأة غير المصلية)، ومحمولها (الجواز)، فباختلاف الموضوع سيختلف المحمول أكيداً، فينتج: إذا كانت المرأة في حال الصلاة فصلاة الرجل باطلة.
إلّا أنّه قابل للمناقشة من جهتين:
الجهة الأولى: إنّ السائل سئل عن حصة معيّنة، وهي: المرأة التي تصلي، وكان ينبغي أن يقول له الإمام: نعم أو لا.
ونحن نسأل: لماذا لم يجبه الإمام عن تلك الحصة التي وقعت مورداً للسؤال، وأجابه عن حصة غير مسؤول عنها، وهي المرأة التي لا تصلي، وهذا بنفسه يسقط مفهوم الشرط؛ لأنَّ مقدمات الحكمة غير جارية في المقام، فكأنَّ
ــــــ[207]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 122، الباب الرابع: باب جواز صلاة الرجل وان كانت المرأة قدّامه أو خلفه أو إلى جانبه وهي لا تصلّي ولو كانت جنباً أو حائضاً، وكذا المرأة، الحديث: 6.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الإمام لا يريد أن يقول له: هذا جائز، وما ذلك الّا لنحو من أنحاء التقية، أو غير ذلك.
الجهة الثانية: بعد الجزاء عن الشرط، فأنت إذا لاحظت البعد بينهما تولّد عندك احتمال عدم إرادة المفهوم. فيسقط هذا الاحتمال بمجرّد ظهور الجملة الشرطية في المفهوم.
وكون اللفظ من أول وجوده على هذا النحو والترتيب يمنع من جريان الاستصحاب.
فهاتان جهتا النقاش، وإن كانت الجهة الأولى أولى.
الرواية الخامسة:
مُحَمَّدُ بْنُ اَلْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنِ اَلْعَلاَءِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَحَدِهِمَا قَالَ: «سَأَلْتُهُ عَنِ اَلرَّجُلِ يُصَلِّي فِي زَاوِيَةِ اَلْحُجْرَةِ وَاِمْرَأَتُهُ أَوِ اِبْنَتُهُ تُصَلِّي بِحِذَاهُ فِي اَلزَّاوِيَةِ اَلْأُخْرَى، قَالَ: لاَ يَنْبَغِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا شِبْرٌ أَجْزَأَهُ، يَعْنِي إِذَا كَانَ اَلرَّجُلُ مُتَقَدِّماً لِلْمَرْأَةِ بِشِبْرٍ»(1).
هل يمكننا فهم المنع من قوله: (لاَ يَنْبَغِي)؟
الجواب: كلا، فإنَّ (لاَ يَنْبَغِي) دلالتها على جامع المرجوحيّة أوضح من
ــــــ[208]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 123، الباب الخامس، كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه أو إلى جانبيه، وكذا المرأة إلّا بمكّة، الحديث:1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
دلالتها على المنع، والحرمة، والبطلان.
فإن قلت: إنّه ههنا أخذ مفهوم الإجزاء، فقال: «فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا شِبْرٌ أَجْزَأَهُ» وهذا نفسه يعني: إن لم يكن بينهما شبر فتقع الصلاة باطلةً بلا إشكال.
قلت: لا يمكن التفكير بذلك على هذا المستوى؛ لأنّ الإجزاء اصطلاح فقهيٌ متأخّر عن زمن المعصومين أكيداً، والذي يدل على ما نقوله قوله: (لا ينبغي) التي لابدّ من حملها على معنى يجامع جامع المرجوحية، وعندئذٍ تكون بمعنى: ارتفع المحذور بعد أن كان موجوداً.
فإن قلت: لماذا لا تحمل الجملة الشرطية على التفسير، فتكون مفسرة لقوله: (لاَ يَنْبَغِي) فتكون النتيجة مغايرة للحمل الأول؟
قلت: نحن لا ندعي احتمالنا الذي أبرزناه، غاية الأمر: هو احتمال يقابله احتمال آخر، فيكون مسقطاً لحجية الاحتمال الثاني، وهذا إنّما يصيّر الرواية مجملةً، وبالتالي لا يمكن التمسك بدلالة الرواية على عدم الإجزاء، أي: الحرمة، أو البطلان.
ثُمَّ في ذيل الرواية ورد: «يعني إذا كان الرجل متقدّماً للمرأة بشبر».
والظاهر أنّه من كلام الراوي، لا من كلام الإمام، وهناك قرينة على ذلك: وهو قوله: (يعني) التي لم يستعملها المعصومونفي كلامهم، فيطمئن بكون الوارد من الراوي، وأراد به تفسير كلام الإمام.
وجعل هذه الرواية ضمن أدلة الجواز أقرب من جعلها ضمن الأدلة المانعة، ولو تنزلنا عن الظهور في جامع المرجوحيّة، وادّعينا أنّها بمنزلة النصّ في الحصة
ــــــ[209]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
غير الإلزامية، ولا أقل من كونها ظاهرة في الحصة غير الإلزاميّة، فيمكن أن يقال: إنَّ الفهم العرفي لعدم الإنبغاء ليس الإلزام، وإلّا غاية الأمر أراد الإمام أن يعلم السائل أدباً ونحو ذلك -وهذا مطلب في نفسه جيدٌ- والّا لو كان هو مراده فلماذا لم يقل: حرام أو باطلة.
الرد على القائلين بالمنع
أحدهما: ما نقوله على مضضٍ من أنَّ الشبر اتخذ لتصحيح الصلاة، فلو لم يؤخذ لاختلت الصلاة، وتكون مهددة بالبطلان.
ثانيهما: إنَّ من يدّعي البطلان يتمسك بالروايات القائلة بوجود عشرة أذرع أو أكثر، ولا أحد يقول بشبر ونحوه.
الرواية السادسة:
وَعَنْهُ(1)، عَنْ صَفْوَانَ وَفَضَالَةَ، عَنِ اَلْعَلاَءِ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحَدِهِمَا قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ المَرْأَةِ تُزَامِلُ(2) الرَّجُلَ فِي المَحْمِلِ يُصَلِّيَانِ جَمِيعاً؟ قَالَ: «لاَ، وَلَكِنْ يُصَلِّي الرَّجُلُ فَإِذَا فَرَغَ صَلَّتِ المَرْأَةُ»(3).
ــــــ[210]ـــــــ
(1) أي: الحسين بن سعيد.
(2) ورد في الاستبصار: (تواصل) 1: 399، الحديث 3.
(3) وسائل الشيعة 5: 124، الباب الخامس، كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه أو إلى جانبيه، وكذا المرأة إلّا بمكّة، الحديث: 2.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
إلفات نظر
الموضع الأول: قد يوضع على الجَمل شيءٌ يشبه الكيس عن يمينه وعن شماله، فيدخل فيه المسافرون فيحصل التزامل كما في الرواية.
الموضع الثاني: لا ينبغي الإشكال عن حال الاستقرار المأخوذ في الصلاة، إذ يمكن افتراض إمكان عدم النزول للعسر، أو لحرج، أو لضرر، وبالتالي تصحّ الصلاة في المحمل.
الموضع الثالث: لو قلنا ببطلان الصلاة بالتجاور، فتبطل سواء وقعت المجاورة منهما وهما يصليان ايماءً أم لا بلا فرق في المقام.
الموضع الرابع: من الواضح فقهياً أنّ صلاة الرجل -مثلاً- لا يمكن وصفها بالوجوب، والاستحباب، والحرمة، والكراهة -بمعنى: قلّة الثواب- في هذا الموضع إن صدرت منه لا على نحو الاجتماع، إنّما الكلام في اجتماعهماً زماناً ومكاناً.
الموضع الخامس: إنَّ تقديم مطلق الرجل على مطلق المرأة لا يصحّ أن يكون بملاك القيمومة التي مردّها إلى قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء…(1) بمعنى: ليس للرجل هذه القيمومة على كل النساء. نعم، هي ثابتة على زوجته وبنته، وليس أكثر من ذلك.
الموضع السادس: على الرغم من أنَّ سند هذه الرواية صحيح، لكن يجب
ــــــ[211]ـــــــ
(1) النساء: 34.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
إرسال علمها إلى باريها، لمّا تقدّم في الموضع الرابع من سقوط ظهور (يصلي) بالوجوب وحتى بالاستحباب.
فإن قلت: بإمكان جواز الاستناد إليها في الفتيا ولو تنزلاً.
قلت: هذا ممكن إلّا أنَّ غايته الإفتاء بالحكم غير الإلزامي لوجود القرينة المتصلة كما مرّ.
الموضع السابع: قد يقال: إنّنا نخرج من أحد طرفي التخيير لمرجح أخلاقيٍّ، وهو ارتكاز أنَّ الرجل أفضل من المرأة، وهذا المقدار صالح للتقييد بكلام الإمام.
الرواية السابعة:
وَعَنْهُ(1)، عَنْ فَضَالَةَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنِ اَلْحَسَنِ الصَّيْقَلِ، عَنِ اِبْنِ مُسْكَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ هُوَ لَيْثٌ المُرَادِيُّ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِيُصَلِّيَانِ فِيبَيْتٍ وَاحِدٍ، المَرْأَةُ عَنْ يَمِينِ الرَّجُلِ بِحِذَاهُ، قَالَ: «لاَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا شِبْرٌ أَوْ ذِرَاعٌ، ثُمَّ قَالَ:كَانَ طُولُ رَحْلِ رَسُولِ اللهِ ذِرَاعاً وَكَانَ يَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ إِذَا صَلَّى يَسْتُرُهُ مِمَّنْ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ»(2).
ــــــ[212]ـــــــ
(1) أي: الحسين بن سعيد.
(2) وسائل الشيعة 5: 124، الباب الخامس، كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه أو إلى جانبيه وكذا المرأة إلّا بمكّة، الحديث: 3.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وهذه الرواية معتبرة السند، وإن كانت مضمرة؛ لأنَّ المضمر أبو بصير، ولا يضرّ بمثله الإضمار، فإنّه لا يحتمل أن يسأل غير الإمام عن مسائله الشرعية، كما لا يحتمل أن يذكر لي ولأمثالي حكماً لغير الإمام، فيتعيّن أن يكون الضمير راجعاً إلى الإمام. وهذا المطلب مطرّد في خواص الأئمة كلهم.
وقول الراوي: في بيت واحد، يريد منه الغرفة -كما هو ثابت لغةً(1)- المحوّطة والمسقوفة بالخشب، أو الطابوق، أو نحو ذلك.
وقوله: (لا) إمّا أن يراد منه لا النافية، أو يراد منه لا الناهية، وعلى كلا التقديرين فهي دالّةٌ على النهي بشكل من الأشكال، بل حتّى لو كان المراد منها الإخبار كما في: (يتوضأ) أو (يغتسل) الظاهرتين بالإلزام وضعاً أو إطلاقاً، فيكون تقديرها: (لا يصليان)، أو (لا يصليا)، على النفي أو النهي كما تقدّم.
وأخذ الإمام الذراع والشبر في مقام الإجابة مرجعه في الحقيقة إلى أنَّ الشيء الملزم هو الأقل، والزائد يكون على وجه الاستحباب، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، لا أن يكون هذا من قبيل أنَّ الأقل مطلق، والزائد مقيّد، فنأخذ بجانب الزائد، فهذا وإن كان محتملاً الّا أنّه مختص بالقرينة المنفصلة على ما ستعرفه إن شاء الله تعالى.
ثُمَّ قال الإمام: “كان طول رحل رسول الله ذراعاً، وكان يضعه بين يديه إذا صلى يستره ممّن يمرّ بين يديه”.
ــــــ[213]ـــــــ
(1) انظر: لسان العرب 1: 545 – 547.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فهل يدل هذا على المرجوحيّة -مرجوحيّة مرور المارّ أمام المصلي- علماً أنَّ العامة يقولون ببطلان الصلاة؟
يبدو أنَّ المطلب الكراهة، فهي ثابتة في الجملة، ولا يحتمل أن يكون كلام الإمام محمولاً على التقية؟ لأنّه نقلٌ عن النبي، ولم يكن نقلاً إلزامياً. وجامع المرجوحيّة أو الرجحان محمول على الاستحباب أو الكراهة، فالقدر المتيقّن منه غير الالزام بطبيعة الحال.
وعليه: فتدل الرواية على حكم واقعي، غايته: أنَّ الحكم يكون مستقلاً عن السابق فيكون بمثابة المتبرع بحكم غير مسؤول عنه، وبذلك يكون الكلام تاماً. أو نحكم بكون الكلام تطبيقاً من تطبيقات الحكم الأول، فيكون من حصصه وآثاره، وعندئذٍ يكون الحكم -على مذهبنا- جائزاً، ولا دلالة فيه على الوجوب أو الاستحباب، إذ نقل الامام عملاً عن رسول الله، ومثله لا يدل على ما قلناه.
بل يمكن أن يقال: إنَّ فعله دالٌ على كون هذا العمل استحبابياً؛ لأنَّ الحكم إذا كان إلزامياً أصبحت جميع حصصه إلزامية، وحيث إنَّ بعض حصصه استحبابية، فهذا بمنزلة القرينة المتصلة على أنَّ أصل الحكم استحبابيٌ، وليس إلزامياً.
الرواية الثامنة:
وَعَنْهُ(1)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْكَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ قَالَ: «سَأَلْتُهُ عَنِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ يُصَلِّيَانِجَمِيعاً فِي بَيْتٍ، المَرْأَةُ عَنْ
ــــــ[214]ـــــــ
(1) أي: عن الحسين بن سعيد.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
يَمِينِ الرَّجُلِ بِحِذَاهُ، قَالَ: لاَ، حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُمَا شِبْرٌ أَوْ ذِرَاعٌ أَوْ نَحْوُهُ» (1).
وهذه الرواية تقدّم مضمونها. فتكون التعليقات الجارية هناك جارية هنا أيضاً، ولا حاجة لتكرارها.
الرواية التاسعة:
وَبِإِسْنَادِهِ(2) عَنْ سَعْدٍ، عَنْسِنْدِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ: قَالَ: «قُلْتُلِأَبِي عَبْدِ اللهِ أُصَلِّي وَالمَرْأَةُ إِلَى جَنْبِي وَهِيَ تُصَلِّي؟ قَالَ: لاَ، إِلَّا أَنْ تَتَقَدَّمَ هِيَ أَوْ أَنْتَ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ وَهِيَ بِحِذَاكَ جَالِسَةٌ أَوْ قَائِمَةٌ»(3).
في الحقيقة عبارة الرواية: «وَلاَ بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ وَهِيَ بِحِذَاكَ جَالِسَةٌ أَوْ قَائِمَةٌ» قابلة لوجهين على الأقل:
الوجه الأول: أن يكون فاعل تصلي عائداً عليه (أنتَ) فيتم المطلوب، بتقريب: لا بأس أن تصلي أنت، وهي جالسة، أو قائمة، أي: غير مصلية، فيكون السياق صحيحاً.
ــــــ[215]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 124، الباب الخامس، كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه أو إلى جانبيه وكذا المرأة إلّا بمكّة، الحديث: 4.
(2) أي: محمد بن الحسن الطوسي.
(3) وسائل الشيعة 5: 124، 125، الباب الخامس، كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه أو إلى جانبيه وكذا المرأة إلّا بمكّة، الحديث: 5.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الوجه الثاني: أن يكون فاعل تصلي عائداً إليها (أنتِ)، وهذا يحتمل أمرين:
الأمر الأول: تصلي هي من جلوس، أو من قيام.
الأمر الثاني: تصلي هي صلاتها المشتملة على القيام، والركوع، والسجود، فيكون ذيل الرواية دالاً على الجواز الأعم من الإباحة والكراهة، فيحمل صدر الرواية على جامع المرجوحية أيضاً، فيجتمعان بطبيعة الحال. فيكون ذيل الرواية قرينة على ما في صدرها.
إن قلت: إنّنا لا نستظهر هذا المعنى منها، بل نستظهر المعنى الأول، فتكون ظاهرةً في البطلان.
قلت: يكفي لدفع البطلان أن نستظهر في مقابله ما يدل على الكراهة، وقد قيل: إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال، وهذا إذا لم نحمله على حال صلاة المرأة، فتخرج الرواية عن محل الاستدلال. أمّا إذا حملناها على صورة صلاة المرأة جالسة أو قائمة -خلال صلاتها- فتدخل في محل الكلام. ويفترض بحسب الفهم العرفي من المحاذاة -إلى جنبك- أنَّ الرواية تدل على جواز المحاذاة.
إلّا أنَّ هذا بعيد عن سياق الرواية، لأنَّ اسم الصلاة لم يرد بالنسبة إلى المرأة، ولا يمكن أن تجعل صلاة الرجل بنحو القرينة المتصلة دالة على صلاة المرأة لتخلّفها في صورة عدم الصلاة.
وهل يمكن الاستناد إلى الاطلاق لصورتي الصلاة وعدمها، إذ نحاول تجريدها عن خصوصية كونها جالسة وقائمة في غير الصلاة أيضاً؟
ــــــ[216]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
والجواب: لا يمكن، وذلك: أنَّ التجريد عن الخصوصية إنّما يكون مع العلم بعدمها، والمفروض أنَّ العلم بعدم الخصوصية أول الكلام، فيكون التجريد متعذّراً، ولا يتمّ لهم الاستدلال بالرواية.
الرواية العاشرة:
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ حَرِيزٍ، عَنِ اَلْفُضَيْلِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ قَالَ: «المَرْأَةُ تُصَلِّي خَلْفَ زَوْجِهَا الْفَرِيضَةَ وَالتَّطَوُّعَ وَتَأْتَمُّ بِهِ فِي الصَّلاَةِ»(1).
وهذه الرواية تامّة سنداً، وقد يدّعى أنَّ فيها ما يدل بمفهومه على أنَّ المرأة إذا صلت خلف زوجها فحينئذٍ يكون تقدّمها مبطلاً للصلاة.
وهذا له عدة أجوبة نقتصر فيها على ما يناسب المقام:
الجواب الأول: إنَّ ذيل الرواية بمنزلة القرينة المتصلة، فإنّ قوله: «وَتَأْتَمُّ بِهِ فِي الصَّلاَةِ» يستفاد منه: الصلاة جماعة لا مطلقاً حتى لو كانت منفردةً.
الجواب الثاني: الإلزام -على تقديره- يلازم فهم المفهوم، بل الظهور فيه، وقد قلنا: إنَّ مثل هذه الجمل لا وجود للمفهوم فيها فضلاً عن الظهور فيه.
والحقّ: أنّها ليست دالة على البطلان بالدلالة المطابقية، والدلالة المفهومية. وقد تقدم قبل قليل جداً الكلام عن الثاني. وأمّا الكلام عن الدلالة المطابقية
ــــــ[217]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 127، الباب السادس، باب جواز صلاة الرجل والمرأة تصلّي معه مطلقاً إذا كان مقدّماً عليها بمسقط جسدها أو بصدره، الحديث: 1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فيمكن استفادة الحث الاستحبابي على صلاة الجماعة، فإذا ضمت إليها الروايات الأخرى التي دلت على شرائط الإمامة من قبيل ما ورد: «لاَ تُصَلِّ إِلاَّ خَلْفَ مَنْ تَثِقُ بِدِينِهِ»(1) فسوف نخرج بنتيجة: أنّ زوجها لو كان جامعاً لشرائط الإمامة فينبغي عدم اقتصارهما على الثواب المعدّ للصلاة فرادى، كما ينبغي لهما الصلاة جماعة لينالا بذلك الثواب الأكبر كما ورد: «الصَّلاَةُ فِي جَمَاعَةٍ تَفْضُلُ عَلَى كُلِّ صَلاَةِ الْفَرْدِ بِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً تَكُونُ خَمْساً وَعِشْرِينَ صَلاَةً»(2) وأيضاً: «وَمَنْ مَشَى إِلَى مَسْجِدٍ يَطْلُبُ فِيهِ الْجَمَاعَةَ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ حَسَنَةٍ وَيُرْفَعُ لَهُ مِنَ الدَّرَجَاتِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ مَاتَ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ وَكَّلَ اللهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَعُودُونَهُ فِي قَبْرِهِ وَيُبَشِّرُونَهُ وَيُؤْنِسُونَهُ فِي وَحْدَتِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُبْعَثَ»(3) وغيرهما.
الرواية الحادية عشرة:
وَبِإِسْنَادِهِ(4) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ اِبْنِ أَبِي
ــــــ[218]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 8: 309، الباب العاشر، اشتراط كون إمام الجماعة مؤمناً موالياً للأئمّة، وعدم جواز الاقتداء بالمخالف في الاعتقادات الصحيحة الأصوليّة إلّا لتقيّة، الحديث: 2.
(2) وسائل الشيعة 8: 285، الباب الأول، تأكد استحبابها في الفرائض، وعدم وجوبها فيما عدا الجمعة والعيدين، الحديث: 1.
(3) وسائل الشيعة 8: 287، الباب الأول، تأكد استحبابها في الفرائض، وعدم وجوبها فيما عدا الجمعة والعيدين، الحديث: 7.
(4) أي: محمد بن الحسن الطوسي.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
عُمَيْرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: «سَأَلْتُهُ عَنِ المَرْأَةِ تُصَلِّي عِنْدَ الرَّجُلِ، فَقَالَ: لاَ تُصَلِّي المَرْأَةُ بِحِيَالِ الرَّجُلِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قُدَّامَهَا وَلَوْ بِصَدْرِهِ»(1).
وهنا لم يتخذ عنوان المحاذاة، بل اتخذ عنوان كونها بحياله، أي: أمامه، فتفيد حرمة تقدم المرأة على الرجل، وعندئذٍ قد يقال: ما الدليل على عدم جواز المحاذاة
-إذا فهمنا من هذه الرواية حرمة التقدّم فقط-؟
ويجاب: بالأولوية أو المماثلة:
أمّا الأولوية فالمحاذاة سبب للبطلان، وأولى في البطلان من التقدم حيث إنّه أفاد: «إِلَّا أَنْ يَكُونَ قُدَّامَهَا وَلَوْ بِصَدْرِهِ» وهذا مفيد لبطلان المحاذاة والتقدّم، إلّا أنّ المحاذاة تكون أولى بالبطلان.
أمّا المماثلة -بمعنى: المساواة- فإنّما تصحّ مع التجريد عن الخصوصية، فإذا وقفت المرأة بجنب الرجل يكون حكمها حكم من تقدّمت على الرجل، وهو البطلان.
الرواية الثانية عشرة:
وَعَنْهُ(2)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ اِبْنِ فَضَّالٍ، عَمَّنْ أَخْبَرَهُ، عَنْ جَمِيلٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَه: «فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي وَالمَرْأَةُ بِحِذَاهُ أَوْ إِلَى جَنْبَيْهِ(3)، قَالَ: إِذَا كَانَ
ــــــ[219]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 127، الباب السادس، جواز صلاة الرجل والمرأة تصلّي معه مطلقاً إذا كان متقدّماً عليها بمسقط جسدها أو بصدره، الحديث: 2.
(2) أي: محمد بن علي بن محبوب.
(3) ورد لفظ: (جنبه) في كل من الاستبصار 1: 399، وتهذيب الأحكام 2: 379، حديث: 112.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
سُجُودُهَا مَعَ رُكُوعِهِ فَلاَ بَأْسَ»(1).
وهي ساقطة سنداً بالإرسال الّا أنّنا نذكرها لوجود نكتة يحسن الالتفات إليها.
وقول الراوي: «في الرجل يصلي والمرأة بحذاه أو إلى جنبه» معناهما واحد، إذ هما متساويان في البعد عن الكعبة، و(أو) تفسيرية لا عاطفة تعطف المباين على المباين.
وقول الإمام: «إِذَا كَانَ سُجُودُهَا مَعَ رُكُوعِهِ فَلاَ بَأْسَ» منطوق له مفهوم، وهو: إذا لم يكن كذلك ففيه بأس.
لكن لابدّ لنا من فهم المنطوق أولاً حتّى نتعدى لفهم المفهوم، فعلى تقدير أن يكون الخبر صحيحاً، فالإمام يريد أن يؤسس لحال تأخر المرأة عن الرجل بحيث يكون سجودها مع ركوعه؛ لأنَّ المأخوذ بالمعية هنا المعية المكانيّة لا المعية الزمانية، فحينئذٍ إذا سجدت أصبح رأسها محاذياً لصدره، أو جسمه، وتقدم رأسه على رأسها، وعندئذٍ نقول: يكون هذا من قبيل صورة لحال تقدّم الرجل على المرأة.
الرواية الثالثة عشرة:
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُصَدِّقٍ، عَنْ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله: «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَسْتَقِيمُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ امْرَأَةٌ تُصَلِّي؟ قَالَ: لاَ يُصَلِّي حَتَّى يَجْعَلَ بَيْنَهُ
ــــــ[220]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 127، الباب السادس، جواز صلاة الرجل والمرأة تصلّي معه مطلقاً إذا كان متقدّماً عليها بمسقط جسدها أو بصدره، الحديث: 3.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وَبَيْنَهَا أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ وَإِنْ كَانَتْ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِثْلَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ تُصَلِّي خَلْفَهُ فَلاَ بَأْسَ وَإِنْ كَانَتْ تُصِيبُ ثَوْبَهُ وَإِنْ كَانَتِ المَرْأَةُ قَاعِدَةً أَوْ نَائِمَةً أَوْ قَائِمَةً فِي غَيْرِ صَلاَةٍ فَلاَ بَأْسَ حَيْثُ كَانَتْ» (1).
وهي معتبرة السند، ولا بأس أن نشير إلى كثرة الروايات في موضوع المحاذاة والتقدّم، فقد بلغت أبوابه تسعاً على اختلاف عناوينها، الّا أنَّ كثيراً منها ضعيف بالضعف السندي، أو الضعف الدلالي.
كما لا بأس أن نشير أيضاً إلى إمكان الاكتفاء برواية واحدة معتبرة سنداً، وظاهرة دلالة، مّما يعني: لو توفّر لنا أكثر من رواية لكان التمسك أولى كفايةً.
كما يجدر بنا الإشارة إلى احتمال خطأ الناسخ للرواية أو الراوي لها، فإنَّه ذكر عن الإمام أنّه قال: (لا يصلي)، ومعنى ذلك أنَّ (لا) تكون نافيةً، وهو بعيدٌ؛ لكونه مشرعاً، مع أنَّ الراوي قد سمعها من الإمام صوتاً لا كتابةً.
والفقرة الأولى فيها ما يصلح أن يكون شاهداً، فهي تدل على المنع، وتذكر عشرة أذرع في حين أنَّ الصحاح التي تقدّم بعضها تقول: شبراً أو ذراعاً. فحينئذٍ تكون هذه الرواية دالةً على المنع فيما دون العشرة أذرع، مع أنّنا قرّبنا عدة تقريبات تنفي هذا المعنى أكيداً.
ــــــ[221]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 128، الباب السابع، جواز صلاة الرجل والمرأة تصلّي أمامه أو إلى جانبه مع تباعدهما عشرة أذرع فصاعداً، وأقله ذراع أو شبر، الحديث: 1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
منها: الارتكاز المتشرعي.
ومنها: السيرة السابقة على الصادقين.
وعليه: لا نحتمل أن يكون هذا الأمر لزومياً، وإنّما هو على نحو الاستحباب، بل ربما الأكيد منه.
ولا أقل من احتمال ذلك الذي هو مانعٌ عن الاستدلال.
أو أنَّ النهي هنا إنّما دلّ على جامع المرجوحيّة، وليس فيه دلالة على الحصة اللزوميّة. ففي الحقيقة من الصعب أن نقول: إنَّ هذا لا يمكن التنازل عنه بعد أن دلّت الروايات، والسيرة على خلافه.
نعم، يبقى مجال البحث مفتوحاً في أيٍّ منهما مطلق، وأيٍّ منهما مقيّد. وليس هذا محلّه، وسنأتي عليه إن شاء الله.
الرواية الرابعة عشرة:
عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: «سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي الضُّحَى وَأَمَامَهُ امْرَأَةٌ تُصَلِّي بَيْنَهُمَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، قَالَ: لاَ بَأْسَ لِيَمْضِ فِي صَلاَتِهِ»(1).
ونشير إلى نكتتين في المقام:
الأولى: أنَّ فترة ما بين طلوع الشمس إلى زوالها خالية عن وجوب أيّة صلاة،
ــــــ[222]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فلابدَّ أن يكون مقصود الراوي من الصلاة أنّها لا تتصف بعنوان الأداء، كأن تكون نافلةً، أو قضاءً، أو نحو ذلك.
وعلى كل حال، فالمطلب صحيح في نفسه فقهياً؛ لأنَّ المهم أصل وجود الصلاة.
الثانية: هل هي دالةٌ على المنع في صورة ما إذا كان الفاصل أقل من عشرة أذرع؟
وهنا نتمسك بارتكاز السائل بالمنع عمّا دون العشرة، وهذا بطبيعة الحال قد أقرّ من قبل الإمام، فتكون الرواية من أدلة المنع.
الخلاصة
ونحن وإن لم نبحث جميع روايات الباب إلّا أنّنا بحثنا المهم منها الذي كان دالاً على المنع والبطلان، أو قل: الذي كان دالاً على ما يدّعى من المنع والبطلان.
والآن نحن بصدد الخطوة الأولى، وهي البحث عمّا يكون صحيحاً سنداً، وواضحاً دلالةً؛ لأنَّ الكثير مّما هو موجود إمّا ضعيفٌ سنداً أو دلالةً، وتصفو حوالي ثلاث أو أربع روايات تامة من الجهتين السندية والدلالية، إلّا أنّها لا تعني كونها نصّاً غير قابل للتقييد، فهذه الروايات التي دلالتها الإطلاقية تامة لا يمكن المصير إليها، والحكم على أساسها بالبطلان ما لم نحرز عدم وجود معارض في موردها.
هذا، وتوجد عدة روايات سنشير إليها إجمالاً:
ــــــ[223]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 128، 129، الباب السابع، جواز صلاة الرجل والمرأة تصلّي أمامه أو إلى جانبه مع تباعدهما عشرة أذرع فصاعداً، وأقله ذراع أو شبر، الحديث: 2.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
كرواية عبد الرحمن(1) عن أبي عبد الله المستدل بمفهوم شرطها المنعقد دلالتها على البطلان، وكذا الرواية الرابعة من الباب الخامس وهي رواية محمد بن سنان(2)، بل توجد في الباب الخامس روايات تتابعت(3)، وهي تامّة سنداً ودلالةً، فقد يقال: إنَّ الروايات متواترة، أو لا أقل: مستفيضة، وهي دالة على البطلان والمنع الوضعي، أو التكليفي، ولعلّه تصل إلى ما نسبته 85% منها، وهي مكرسة لأجل إثبات ذلك، فيكون هذا موجباً للعلم ولو العرفي من هذه الناحية، بل قلنا -غير مرة-: يكفي للفقيه تحصيل رواية واحدة فقط للاستدلال على المطلوب.
وهذا قابل للمناقشة من جهتين:
الجهة الأولى: أنّ هذه الروايات المدعى دلالتها على المنع لابدّ أن يكون لها ظهور بالمنع، فيصح حينئذٍ دعوى التواتر أو الاستفاضة باعتبار عدم ظهور أيّ نقص من ناحية السند فيما إذا تواترت الأخبار أو استفاضت، لكن يجب أن يبحث في الروايات الدالة على البطلان من ناحية النقص الدلالي أيضاً، وإذا ما بحثنا فيها فسوف نجد أنَّ جملةً مّما أستدل به على المنع هو إلى الجواز أقرب، فلو قمنا باستثناء
ــــــ[224]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 121، 122، الباب الرابع، جواز صلاة الرجل وإن كنت المرأة قدّامه أو خلفه أو إلى جانبه وهي لا تصلّي. ولو كانت جنباً أو حائضاً، وكذا المرأة، الحديث: 2.
(2) وسائل الشيعة 5: 124، الباب الخامس، كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه أو إلى جانبيه، وكذا المرأة إلّا بمكّة، الحديث: 4.
(3) وسائل الشيعة 5: 124، 125، الباب الخامس، كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه أو إلى جانبيه، وكذا المرأة إلّا بمكة، الحديث: 5، 6، 7.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
هذه الروايات واخراجها فلا يبقى مقدار معتد به لتتشكّل الاستفاضة فضلاً عن التواتر.
من قبيل ما قلناه أخيراً -الرواية الرابعة عشرة- من الرواية الصحيحة سنداً ودلالةً، فلا يبقى لدينا إلّا رواية أو روايتان أو ثلاث روايات، وهي مّما لا تحقق معنى الاستفاضة فضلاً عن التواتر.
فإذا تعارضت روايات المنع، وروايات الجواز حكمنا بالتساقط والرجوع إلى إطلاقات أدلة الشرطية الأصلية، أو إلى أصالة البراءة عن المانعية.
الجهة الثانية: أنَّ الروايات الدالة على الشبر والذراع ونحو ذلك انّما دلالتها على الجواز، وليس فيها دلالة على المنع، وحينئذٍ تتقلص العديد من الروايات الدالة على المنع، وبالتالي لا مجال لادعاء الاستفاضة فضلاً عن التواتر.
نعم، لو كان هناك أخبار مستفيضة، وأخرى غير مستفيضة فنقدم المستفيضة على غيرها. لكنَّ البحث -كما أشرنا- في الصغرى، وليس البحث في كبرى الاستفاضة.
الروايات القائلة بالجواز
الرواية الأولى:
مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَمِيلٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله أَنَّهُ قَالَ: «لاَ بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ المَرْأَةُ بِحِذَاءِ الرَّجُلِ وَ هُوَ يُصَلِّي، فَإِنَّ النبيَّ كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهِيَ حَائِضٌ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَيْهَا فَرَفَعَتْ
ــــــ[225]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
رِجْلَيْهَا حَتَّى يَسْجُدَ»(1).
وهذه الرواية دالة على جواز محاذاة الرجل للمرأة، -ولسنا نريد الخوض في مسألة التقدّم، فإنّه باب آخر يأتي الكلام عنه، وفيه رواية قد أجازت التقدّم، ومنعت المحاذاة- بمعنى: أنّها تقف إلى جنبه، وبنفس البعد عن الكعبة.
وقد ورد النص بالصحة، ومنهم من ذهب إليها(2)، فهل نقول: إنّها من قبيل المقيد للروايات المانعة، أو نقول: إنَّ موضع الروايات المجيزة مختلف عن موضوع الروايات المانعة، فالروايات المجيزة موضوعها التقدم، والروايات المانعة موضوعها المحاذاة، وعندئذٍ لا توجد أيّة مماثلة أو أولوية.
وبهذا الارتكاز ينبغي أن نفهم -كما أشرنا إليه في بداية البحث(3)- أنَّ التقدّم أشد وضوحاً في البطلان.
وهذه الرواية التي صدرنا بها الحديث معتبرة السند، وباعثة للاطمئنان في اعتبارها؛ لأنَّ سند الشيخ الصدوق إلى ابن دراج معتبر، وصحيح على أيّة حال، وإن وجد من أعترض على إسنادها -وهو الشيخ الهمداني(4)- باعتبار التعدد، وأنّ الثانية ليست معتبرة السند، وقد أخذ العينية في مقام الاعتراض، فإذا كان سندهما
ــــــ[226]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 122، الباب الرابع، جواز صلاة الرجل وإن كانت المرأة قدّامه أو خلفه أو إلى جانبه وهي لا تصلّي، ولو كانت جنباً أو حائضاً، وكذا المرأة، الحديث: 4.
(2) انظر: مدارك الأحكام 3: 153، 154.
(3) راجع الصفحة: 2.
(4) انظر: مصباح الفقيه 11: 62.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
واحداً فحينئذٍ يعود إسناد هذه الرواية مختلاً، وبما أنَّ النتيجة تابعة لأخس المقدمتين فيتعيّن القول بسقوط هذه الرواية، فإذا حصل لنا فهمٌ اطمئناني -كما هو الحاصل- من متحاذيين، بمعنى: متجاورين، كانت عبارة (جنباً إلى جنب) نصّاً في المطلوب، وعندئذٍ تكون كلتا الصورتين صحيحةً.
لفت نظر:
ينبغي علينا ملاحظة أمر في هذا المقام: أن تصلي المرأة بحذاء الرجل، وهو يصلي، ويفترض صلاة الرجل متقدّمةً زماناً على صلاة المرأة ولو بالتكبير، فقد قال المشهور(1) -ومعه حقٌّ- ببطلان الصلاة الثانية لا الأولى، فيمكن بعد التجريد عن الخصوصية أن نقول: إنَّ الصلاة الثانية باطلةٌ بغض النظر عمّن تقدّم سواء أكان الرجل أم المرأة، وإنّما أخذت المرأة على نحو المثال فقط.
مطلبان:
الأول: وقعت زيادة (لا) في نسخة بدل، فهل تؤثّر على المقام؟
الجواب: استفادة الجواز بعيدة، وإن لم يستفد منها المنع، (فلا بأس) لا تعني: يتعيّن -كما هو القول بالمنع- وإنّما يستفاد منها عرفاً -وبطريقة دون النسخة الأولى وضوحاً- أنَّ وجود الصلاة وعدمه سيّان فلا فرق عند الشارع في صلاة المرأة، أو أن تترك الصلاة بهذا النحو.
ــــــ[227]ـــــــ
(1) انظر: مدارك الأحكام 3: 224، مسالك الأفهام 1: 172، جامع المقاصد 2: 121، الذكرى 3: 83.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الثاني: قوله: (وهي حائض) مسوق لبيان حالتها، وأنّها أمام الرجل في غير الصلاة أو في حال الحيض ممّا يعني الجواز بشكل واضح.
الّا أنَّ الشيخ الهمداني ذكر نقاشاً حاصله(1): لا كلام في جواز أن يصلي الرجل وبين يديه امرأة قائمة، أو نائمة، فيغلب على الظن وقوع التصحيف في الرواية، فيكون مضرّاً بمحل الكلام في استفادة الجواز من الرواية، لأنَّ الاشكال راجع إلى هذه الفقرة التي تعدّ خارجة عن السياق ممّا يضرّ بصحتها، فلا يمكن جعل ذيل الرواية مصداقاً وتطبيقاً للصدر على الذيل، فتسقط عن الاعتبار.
وبعبارة أخرى: الإمام يتكلم عن المرأة التي تصلي، ولا يتكلم عن التي لا تصلي، فحينئذٍ قد يستشكل بأنَّ ذيلها غير متناسب مع صدرها، فتسقط عن الاعتبار.
وهذا له عدّة أجوبة:
منها(2): لماذا نعتبر الذيل مصداقاً للصدر؟ ولم لا نعتبر أنَّ الإمام قد تبرع بهذا الكلام الجديد لموضع جديد، ومحمول جديد، لأنَّ المرأة إمّا أنْ تصلي مع الرجل، وإمّا أن تضطجع أمام الرجل، وعلى كلا التقديرين يكون هذا جائزاً.
وبتعبير آخر: هذا نحو من تبرع الإمام، ونستطيع أن نقيم القرائن عليه، ولا أقل من كون تلك القرائن احتمالية، فيدفع بها الاستدلال المضادّ، فيمكن التمسك
ــــــ[228]ـــــــ
(1) انظر: مصباح الفقيه 11: 61.
(2) وهو الجواب الجامع. (منه).
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
بظهور الصدر من الرواية الذي هو حجة في المقام، ويبقى الذيل مردّداً في الظهور لعدّة احتمالات، فنتمسك بظهور الصدر، ولا يضرنا الترديد الحاصل ما دام لم يصل لمرحلة الظهور في نفسه، إذ لا جزم في ذيل الرواية بشيءٍ.
قرائن محتملة:
القرينة الأولى: زيادة الفاء في جملة الرواية، فيكون كلام الإمام تبرعاً ببيانٍ جديدٍ.
القرينة الثانية: كان الناس حينذاك -وخاصّة المجتمع المختلط في مذاهبه الإسلامية- مشتبهين بالبطلان، وقد خيّم على أذهانهم هذا البطلان، بل كانت الخاصة تحت العامة في هذا الجو، فانبرى الإمام مبيّناً لهم، دافعاً الشبهة عنهم
-الخاصة- وفي ذلك مصلحة عامّة أكيداً كالوضوح الموجود الآن في الحكم، فإنّ الحكم لم يكن معروفاً آنذاك، ولهذا كثر السؤال والاختلاف والاشتباه.
القرينة الثالثة: لو تنزلنا عن الوجهين السابقين لتعيّنت المنافاة بين الصدر والذيل، ومعنى ذلك: أنَّ الإمام سيلقي في قلوب مستمعيه هذه المنافاة على مرّ الأجيال، وبما أنَّ هذا الكلام لا ينسجم مع عصمة الإمام، فيتعيّن أن يكون الصدر بياناً لموضوع، والذيل بياناً لموضوع آخر.
ومنها: لو دلّ الذيل على المنع، والصدر على الجواز لكنّا نقول: هذا بمنزلة القرينة المتصلة، فعندئذٍ يختلّ الذيل بالجواز المدلول عليه بالصدر.
ولكن بعد أن عرفت أنَّ كليهما دال على الجواز، فأيّ انحلال بالحكم؟
ــــــ[229]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ومنها: إنّنا لو دققنا في الذيل فسنجده خارجاً عن محلّ الكلام؛ لأنَّ المرأة إذا صلت أمام الرجل حكمنا بصحة صلاته -بناءً على من يذهب إلى التفصيل- فكيف بها وهي مضطجعة؟
إنّما الكلام يختصّ بصورة المحاذاة والمجاورة لا التقدّم -كما تقدّم في بداية البحث(1)- والنتيجة: إنَّ الإتيان بالذيل ليس بمخلٍّ بالاستفادة من الصدر.
التحقيق:
وسند الحديث المدعى تشابهه بل اتحاده: محمد بن علي الحسين عن جميل، عن أبي عبد الله أنه قال: «لاَ بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ المَرْأَةُ بِحِذَاءِ الرَّجُلِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَإِنَّ النبيَّ كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهِيَ حَائِضٌ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَيْهَا فَرَفَعَتْ رِجْلَيْهَا حَتَّى يَسْجُدَ»(2).
وسند الحديث الآخر، ومتنه: محمد بن الحسن -الطوسي- وَعَنْهُ(3) عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ(4) عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ ــــــ[230]ـــــــ
(1) راجع الصفحة: 192، من هذا الكتاب.
(2) وسائل الشيعة 5: 122، الباب الرابع، جواز صلاة الرجل وإن كانت المرأة قدّامه أو خلفه أو إلى جانبه وهي لا تصلّي، ولو كانت جنباً، أو حائضاً، وكذا المرأة، الحديث: 4.
(3) أي: سعد بن عبد الله.
(4) الرواية إلى هنا معتبرة سنداً. (منه).
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
عَنْ أَبِي عَبْدِ الله: «فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي وَالمَرْأَةُ تُصَلِّي بِحِذَاهُ قَالَ: لاَ بَأْسَ»(1).
تقريب التمسك بالروايتين:
ادّعى الشيخ الهمداني أنَّ الروايتين يحتمل مرجعهما إلى رواية واحدة، وإن لم يذكر وجهاً لاحتمال الإتحاد(2).
ونحن نحاول أن نوجد له وجهاً بطرح تقريب ذهني لهاتين الروايتين المستقلتين سنداً ودلالةً، فنوجد التقريب من دون القرائن، وأخرى مع القرائن التي تصلح أن تكون جواباً.
وتقريبه: أنّ هاتين الروايتين متحدتان سنداً ودلالةً، أمّا اتحادها السندي فلأنّهما جميعاً عن جميل بن دراج، وإسناد المشايخ في الكتب الأربعة متشابهة: لأنَّ الكليني يعدّ شيخاً للطوسي والصدوق، فمن هذه الناحية قد يكون الإسناد إلى جميل بن دراج واحداً، وأمّا اتحادهما الدلالي فلأن كلتا الروايتين ورد فيهما: (المرأة تصلي بحذاه، فقال: لا بأس). فلو سلمنا بذينك الأمرين أمكننا انتزاع الوحدة بين الروايتين.
مناقشة رأي الهمداني:
وهناك جملة من الردود والمناقشات -وإن كان بعضها متدنياً وساذجاً-:
ــــــ[231]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 125، الباب الخامس، كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه، أو إلى جانبيه، وكذا المرأة إلّا بمكة، الحديث: 6.
(2) انظر: مصباح الفقيه 11: 61.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المناقشة الأولى:
ما قد يقال: إنَّ جميلاً متعدد، فمن أين علمتهم أنّه جميل بن دراج؟
والجواب عنها: هذا حاصل بالاطمئنان بحسب رتبته من الرواة.
المناقشة الثانية:
ما قد يقال: إنَّ الروايتين وإن اتفقتا مضموناً ومعنىً إلّا أنَّهما مختلفتان نصّاً ولفظاً، وفيهما ما هو مقدّمٌ، وما هو مؤخّر، ففي إحدى الروايتين: (لا بأس أن تصلي المرأة بحذاه الرجل)، وفي الأخرى: (في الرجل يصلي والمرأة تصلّي بحذاه؟ قال: لا بأس).
فوقعت (لا بأس) في مبتدأ الحديث الأول، في حين وقعت في الحديث الآخر في آخره.
إن قلت: هذا نقل للمعنى، والنقل بالمعنى جائز(1)، ووردت فيه روايات معتبرة اكيداً(2).
قلت: النقل بالمعنى وإن كان صحيحاً إلّا أنَّ هنا نقطتين ينبغي الالتفات إليهما:
الأولى: ظهور كل رواية من أيّ راوٍ بالشهادة بأنَّ روايته هي كما قالها
ــــــ[232]ـــــــ
(1) انظر: مصابيح الظلام 1: 14، أجوبة المسائل المهنائية 38، الرعاية في علم الدراية 310، 311.
(2) الكافي 1: 51، وسائل الشيعة 27: 80، الباب الثامن من صفات القاضي، الحديث:10
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المعصوم لفظاً ومعنى، ولذا يمكن التمسك بإطلاقها، وتقييدها، وعمومها، وورودها، وحكومتها، ونحو ذلك، بل يتمسك بـ(واوها)، و(لامها)، وغيرهما، ولولا ذلك لأمكن القول بسقوط الفقه كلّه من أوله إلى آخره، أو قل: أغلبه.
إذن، شهادة الراوي تنفي التساوي، وهذا هو معنى التغاير في محل الكلام.
الثانية: إنَّ النقل بالمعنى، وإن جاز الاعتماد عليه، لكن لا نستطيع أن ننسب سؤال الراوي إلى الإمام، حيث ورد: “هل يجوز أن يصلّي الرجل إلى جنب المرأة، فقال: لا بأس”.
فكأنما يدور الأمر بين أن يكون هذا من كلام الإمام، أو من كلام الراوي.
المناقشة الثالثة: نظرية تعويض السند أو تبديله:
والبحث فيها تارة يكون من ناحية الكبرى، وأخرى من ناحية الصغرى، وقد تكلمت عنها سابقاً(1)، كما أنَّ بعض الفقهاء تمسك بالتعويض فيما إذا كان السند عاطلاً بالإرسال.
أمّا الكلام في الكبرى فقد قيل ما حاصله: لو أنَّ الشيخ الصدوق أو الشيخ الطوسي قالا: كل ما رويته عن فلان، فأنا أرويه عن فلان، وفلان، وفلان عن المذكور أولاً، وفرضناه ذاكراً أو ذاكرين لأكثر من طريق، فعندئذٍ يمكن التعويض عن هذا الطريق الضعيف بذاك الطريق الصحيح، فتكون الرواية مصداقاً لقوله المتقدّم (كل)، وتكتسب تعويضاً سندياً، ويصبح للرواية سندان أو أكثر، وبالتالي
ــــــ[233]ـــــــ
(1) في غير بحثنا (منه).
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
نتغلب على مشكلة الضعف من خلال تبديل الطريق بطريق آخر.
الّا أنّ ذلك لا يستقيم لأنّه نحو تمسك بالعام في الشبهة المصداقية باعتبار أنَّ كل ما روياه عن فلان يشك في كون (كل) شاملة للمروي عنه من بداية عمره إلى نهايته، فيحصل لنا العلم أو الاطمئنان بعدم استيعاب كل روايات المذكور أولاً المنتشرة في كل حياته، فنشك في مصداق أنّ هذه الرواية هل هي من (كل) المتقدمة، وتطبيق من تطبيقاتها، ومروية بذات السند ضمناً أو ليست مروية؟ وبحصول الشك لا يمكن التمسك عندئذ بالعام.
الّا أنَّ الأمر لا ينحصر بذلك، فلا بدَّ من النظر إلى كلام الشيخ الصدوق، أو إلى كلام الشيخ الطوسي فنرى ما الذي قالاه، فهل قال أحدهما: أخبرني بكل روايته، فنحتمل أنّه لم يروها كلها على الاطلاق -كما هو المطمئن به- فيكون من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. أو قال أحدهما الفاظاً أخرى قابلة للتمسك بها على أيّة حال كقولهما، أو قول أحدهما: ما رويته في هذا الكتاب، أو ما رويته في كتابي هذا عن فلان، فهو عن فلان بسند صحيح، ثُمّ نجد في نفس الكتاب -كالفقيه مثلاً- رواية مرسلة، فيصحّ أن يقال: إنّ لهذه الرواية سندين أحدهما موصوف بالصحة، والآخر موصوف بالضعف للإرسال.
إضافة إلى إحراز أنّ الراوي ليس له روايات الّا في الكتاب الذي أخذ منه الشيخ الطوسي أو الصدوق، فيحصل لنا الاطمئنان بأنّه لم يرو رواية واحدة خارج هذا الكتاب، أو قل: إذا توفرت عندنا قرينة على عدم امتلاكه لكتاب آخر، فعندئذٍ يكون طرفنا -وهو الطوسي أو الصدوق- شاهداً على كون الرواية معتبرة
ــــــ[234]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ومعتمدة وإن وردت مرسلة.
الّا أن هذا الأمر قابل للنقاش باعتبار الشك الحاصل بأنّ هذه الرواية واردة في كتاب هذا الراوي.
والسرَّ فيه: تلف أغلب الكتب والأصول المسماة بالأربعمئة، فكثير منها إندرس ولم يبقَ الّا النزر القليل، فبالتالي لا يصح اثبات هذه المرويات الا بنفس الطرق ونفس الاسانيد الموصوفة بعدم الاعتبار، فإذا شككنا عاد الإشكال ورجعنا إلى نقطة البداية.
نعم، نظريّة تعويض السند أو تبديله في نفسها محترمة وجيدة، ويبقى على الفقيه النظر في الموارد التي تحقق الشبهة المصداقية إذا أراد التمسك بالعام، وإذا ما حصل له ذلك، فينظر إذا أمكنه تلافيه وتخطيه أو لا يمكنه.
هذا كلّه في كبرى التعويض أو التبديل.
أمّا البحث الصغروي فنضع أيدينا على رواية جميل بن دراج ونقول: هذه الرواية التي يرويها الشيخ الطوسي في جامعيه(1) بإسناده عن يعقوب بن يزيد بن الحسن بن علي بن فضال عمّن أخبره عن جميل بن دراج، وسند الشيخ الطوسي في مشيخة التهذيب والاستبصار معتبر على أيّة حال.
فيقال عندئذٍ: إنّ هذه وصلت إلى الشيخ الطوسي بسندين: سند غير معتبر، وهو الذي ذكره في الكتاب، وسند آخر معتبر ذكره في المشيخة، فهل يرد عليه
ــــــ[235]ـــــــ
(1) التهذيب والاستبصار.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المحذور المتقدم، أعني: محذور التمسك بالعام في الشبهة المصداقية؟
في الحقيقة هذا تابع لكلام الشيخ في المشيخة، وتحديد المراد منه، والذي أفهمه منه الرجوع إلى كل رواياته، أي: يرجع إلى معنى كل رواياته المروية في كتابي هذا، أو حمل نص الشيخ الطوسي على معنى: أنا أروي عن جميل في كتابي هذا بسند كذا، وكذا، فإن ذكر كلمة (هذا) فتحمل على المعنى الذي به نخرج عن كون الشبهة مصداقية، وإن لم يذكر كلمة (هذا) بأن قال: كل ما رويته عن جميل مثلاً فالأرجح -وبحسب القرينة المتصلة الحالية إن لم تكن مقالية- كونه محمولاً على الأول أيضاً، فتنتفي إرادة ما رويته في كتب أخرى، أو في كتاب لم أؤلفه، أو ما رويته بلساني للناس لوجود القرينة على خلافه.
فلا يقال: إنَّ المسألة ستكون من قبيل العام والخاص، فالشيخ يقول في المشيخة: كل ما رويته في كتابي هذا عن جميل فهو عن فلان، عن فلان… وكان السند معتبراً، ونفس الشيخ عندما يروي هذه الرواية في أبواب مكان المصلي يرويها غير معتبرة السند، فيكون سنده للرواية بمثابة الخاص، وكلامه في المشيخة بمثابة العام.
وبالتالي، يكون ذلك بمنزلة القرينة المتصلة، أو المنفصلة على أنّه ليس كل ما رواه عن جميل بسند معتبر، فيصحّ أن يقال فيه: أنَّ كلّ ما رواه عن جميل سنده معتبر إلّا هذا، أو إلّا ما رواه مرسلاً، أو أيّ شيءٍ من هذا القبيل.
وعليه: لا يمكن أن يتصف الخاصّ بالحجية الثابتة للعام الّا بعد الفراغ عن شمول العام له، وهو محل الكلام.
ــــــ[236]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فإنّه يجاب: الثابت في علم الأصول أنَّ التقييد يكون متفرعاً على شيء ضمني، وهو كون الحكم الواقعي واحداً، فالثابت في الشريعة إمّا المطلق أو المقيّد، ويجب العمل بأحدهما، وحيث إنَّ القيد قرينة على المطلق، فتكون النتيجة تابعة للأخص.
فلو بنينا على مثل ذلك في إخبارات الشيخ لصحّ الاتكاء عليه، ووجب العمل على المقيد مثلاً، إلّا أنَّ ثبوت هذا المعنى بحاجة إلى مؤنة عظيمة لا تكاد تتحقق في العصور المتقدّمة التي كان التركيز فيها على نفس نقل الروايات -خشية الضياع- فيروي الواحد منهم عن عدة مشايخ، ومشايخه عن عدة مشايخ آخرين، وهكذا.
وما نحن فيه كذلك، فجميل بن دراج أخذ منه الرواة عن هذا الطريق، وهناك من روى عنه بطرق أخرى.
إن قلت: أليس الاحتمال دافعاً للاستدلال، والنتيجة تتبع أخس المقدّمتين.
قلت: هذا خالٍ عن التحقيق؛ لأنَّ الاحتمال هنا مشمول بالكلّيّة العامة التي قالها الشيخ في المشيخة، فالاحتمال موجود لكنّه مدفوع بالكبرى الكلّيّة التي أعطاها الشيخ في المشيخة.
فتحصل: إنّ سند الرواية ليس سنداً واحداً بل هما سندان، فتصح الرواية من دون أن يلزم ما قيل، وتكون حجة في المطلوب.
ــــــ[237]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
أمّا دلالتها فقد بنى على صحتها الشيخ الهمداني(1) مدعياً أنّها وإن كانت مطلقة قابلة للتقييد -ابتداءً- بروايات النهي عن الصلاة جنباً إلى جنبٍ، الّا أنّ هذا التقييد غير ممكن لبعده.
وحمل هذه الرواية على التقييد أبعد من حمل البأس على المنع، فيتعين الأخذ بالأقرب ظهوراً، ومعه حقٌّ فيما ذهب إليه.
ويقرب تقييد المحاذاة للقبلة بأن يكونا على بعد واحد منها، وإن كان مقدار التباعد أمتاراً، أو كيلو مترات، فيصدق حينئذٍ التحاذي إلى القبلة كمحاذاة الميقات.
وهذا الكلام دقي وغير عرفي، فإنَّ بحذاه تعني تجاوره وتقترب منه عرفاً، فإلى جنبه لا يمكن تقييده بعشرة أذرع؛ لأنّه ينافيه نصّاً.
ومن هنا كان التقييد بعشرة أذرع -كما أفاده القائلون بالبطلان- في غير محله جدّاً.
وقد ظهر لك ما في كلام الشيخ الطوسي، إذ قال ما نصه: فالوجه في هذا الخبر أن نحمله على أنّه إذا كان الرجل متقدماً على المرأة بشيءٍ يسير، فيكون قوله: تصلي بحذاه على ما ضرب من المجاز لقربها منه(2).
ــــــ[238]ـــــــ
(1) انظر: مصباح الفقيه 11: 62.
(2) انظر: الاستبصار 1: 400.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المفسر بكلام صاحب الوسائل: حمله الشيخ على وجود حائل أو تباعد عشرة أذرع(1).
رفض كلام الشيخ:
ولا نوافقه على ذلك لأمرين:
الأمر الأول: إنَّ ذلك يلزم منه اجتماع الضدين، فإنَّ التقارب والتباعد ضدان بلا شبهة، فيصير قوله (بحذاه) بمعنى: لا يمكن أن تكون قريبة منه بمقدار عشرة أذرع، وبعيدة عنه بنفس المقدار.
الأمر الثاني: ما ورد في الرواية أيضاً: «لاَ يُصَلِّي حَتَّى يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ وَإِنْ كَانَتْ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِثْلَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ تُصَلِّي خَلْفَهُ فَلاَ بَأْسَ وَإِنْ كَانَتْ تُصِيبُ ثَوْبَهُ وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ قَاعِدَةً أَوْ نَائِمَةً أَوْ قَائِمَةً فِي غَيْرِ صَلاَةٍ فَلاَ بَأْسَ حَيْثُ كَانَتْ»(2).
أمّا قضية الحائل فهم لا يكتفون إلّا بما يستر الجسم كاملاً من قبيل الحائط، فهل من الصحيح أن يطلق عليها أنّها صلت بحذاه مع وجود هذا الفاصل المعتد به بين المرأة والرجل؟
فهذا غير قابل للتقييد من هذا الجهة.
ــــــ[239]ـــــــ
(1) انظر: وسائل الشيعة 5: 125.
(2) وسائل الشيعة 5: 128، الباب السابع، جواز صلاة الرجل والمرأة تصلّي أمامه أو إلى جانبه مع تباعدهما عشرة أذرع فصاعداً، وأقله ذراع أو شبر، الحديث: 1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الرواية الثانية:
مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ اَلصَّفَّارِ، عَنِ اَلْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ، عَنْ فَضَالَةَ، عَنْ أَبَانٍ، عَنِ اَلْفُضَيْلِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَتْ مَكَّةُ بَكَّةَ لِأَنَّهُ يَبْتَكُّ فِيهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَالمَرْأَةُ تُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ وَمَعَكَ وَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ»(1).
ولها عدة تقريبات:
التقريب الأول: التمسك بعنوان الكراهة، فهي وإن كانت تنصّ على جواز التحاذي في مكة المعظّمة إلّا أنّها تنص على الكراهة في غيرها من البلاد.
وبالجملة: دلالتها على الجواز في مكة وسائر البلدان بمعناه الأعمّ واضحةٌ، غير أنّه قد يستشكل بعدم وجود الكراهة المصطلحة في زمن الأئمّة.
التقريب الثاني: إنّنا لا نحتمل الفرق بين مكة وغيرها فقهيّاً؛ فلابدّ من عدم القول بالفصل بينهما(2).
الّا أنّ الحقّ وجود الفرق بينهما، وهو المنصوص في هذه الرواية، فيكون عدم احتمال المحقق الهمداني الفرق غير صحيح؛ فإنّه احتمال في قبال التنصيص من قبلهم.
ــــــ[240]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 126، الباب الخامس، كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه أو إلى جانبيه، وكذا المرأة الّا بمكّة، الحديث: 10.
(2) انظر: مصباح الفقيه 11: 63.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فكأنّ مكة توجب نحو طهارة للنساء والرجال غير موجود في المحالّ الأخرى.
وهذا الأخير بحاجة إلى تقريب أيضاً؛ لأنَّ معنى البك الازدحام، وهو من الأضداد كما أفاده ابن دريد(1).وتقريبه: إنَّ كون الإنسان في زحام شديد يوجب نحواً من أنحاء البلاء فيما إذا كان المقصود وجه الله، فيكون سبباً في الطهارة المعنوية ما داموا في هذا البلاء، ومن هنا صحّح الشارع العبادة به.
مع أنَّ البكَّ الحاصل في مكة يمكن حمله على البكّ الحاصل في غير مكة بنحوٍ من تجريد الخصوصية، لا أن نقول -كما قال الهمداني-: بعدم الفرق بين مكة وسائر البلدان سواء حصل البكّ فيهما أم لم يحصل.
أو نقول: بتجريد مكة عن خصوصيتها باعتبارها من المدن المقدّسة، فنتعدى إلى جميع المدن المقدّسة، ولا يشمل عدم الخصوصيّة في المقام المدن الظالم أهلها، فهو ممّا نقطع بخصوصية مكة، ولا أقلّ من احتمالها المانع لما ذهب إليه.
التقريب الثالث: إنَّ الكراهيّة وإن لم تكن مستعملة بالمعنى المصطلح، لكنّها لا تدل على المنع والبطلان، وإنّما تكون دالّةً على جامع المرجوحيّة. ولو كان الأمر في سائر البلدان حراماً، فلِمَ سكت الإمام عنه، ولم يبيّنه، وهو في مقام البيان. فالمنع مدفوع بالإطلاق المقامي.
ــــــ[241]ـــــــ
(1) انظر: جمهرة اللغة 1: 7.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الرواية الثالثة:
مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حَرِيزٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله: فِي اَلمَرْأَةِ تُصَلِّي إِلَى جَنْبِ اَلرَّجُلِ قَرِيباً مِنْهُ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مَوْضِعُ رَجلٍ فَلاَ بَأْسَ»(1).
وهذه معتبرة سنداً، وهي مع ضمها إلى ما تقدّم من الروايات التي تنتج معنى أكثر من المحاذاة التي قد تنطبق على بعد عشرة أمتار، أو أقل، أو أكثر، بل قد يصل إلى كيلو مترات، فأخذت القرب العرفي الذي يساهم في إبعاد مثل هذه الصور، فقال: «إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مَوْضِعُ رَجلٍ فَلاَ بَأْسَ».
وموضع الرجل هو إمّا عرض قدم، وإمّا طول قدم المسمّى: (فوتاً): وأمّا خطوة فتقدر بمجموع قدمين.
وحينئذٍ قد يقال: بدلالته على المنع لأنّ مفهوم الشرط يقتضي ذلك، فإذا كان أقل من قدم ففيه بأس.
قلنا: هذا قول ثالث مخالف للإجماع المركّب؛ لأنَّ القائل بالمنع قائل بعشرة أذرع، والقائل بالجواز قائل به مطلقاً، فيكون المقدار القليل رافعاً للمنع، والأقل منه في ضمن المنع. وهذا أيضاً ممكن استخراجه من المحقق الهمداني في مصباح الفقيه(2).
ــــــ[242]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 126، الباب الخامس، كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه أو إلى جانبيه، وكذا المرأة الّا بمكّة، الحديث: 11. وورد في نسخة أخرى:(رحل).
(2) انظر: مصباح الفقيه 11: 63.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وبالتالي يكون المفهوم لاغياً فتبقى الدلالة المطابقية -التي هي واضحةً في الجواز- مطلقاً سواء كان مقدار رجل أو لم يكن.
وجاء في نسخة أخرى بدل الجيم حاءً، فعندئذٍ قد يقول قائل: إنّما هذا الجواز لأجل الفاصل الذي أخذته الرواية، وهو (الرحل).
لكنّا نقول: هذا مجرد وهم؛ لأنَّ الفاصل بمقدار رحل ليس طوله أكثر من متر -إذا لم يكن أقل منه- فهما يركعان سوية، ويسجدان سوية، وهذا الفاصل (الرحل) لا يصحح الصلاة بينهما، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: قد نفهم منه موضع الرحل، لا الرحل نفسه كما هو أقرب إلى فهم العبارة، وحينئذٍ نرجع إلى ما قلناه أولاً من تفسير الرحل بمقدار قدمين، أو ثلاثة أقدام، فرجع الإشكال السابق على القائلين بعدم الجواز الذين أخذوا مقدار عشرة أذرع، أو أكثر من عشرة أذرع، ونحو ذلك من الكلمات.
الرواية الرابعة:
مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ فِي (آخِرِ اَلسَّرَائِرِ) نَقْلاً مِنْ كِتَابِ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: «قُلْتُ لَهُ: الْمَرْأَةُ والرَّجُلُ يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُبَالَةَ صَاحِبِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا قَدْرُ مَوْضِعِ رَحْلٍ» (1).
ويبدو أنَّ الرواية معتبرة سنداً أيضاً، أمّا من ناحية الدلالة فهي كسابقاتها
ــــــ[243]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 126، الباب الخامس، باب كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه، أو إلى جانبيه، وكذا المرأة الّا بمكّة، الحديث: 12.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وبنفس التقريب، وهنا (الرحل) لم يرد إلّا بهذه النسخة. لكن ما معنى (قباله صاحبه)؟
تارةً نفهم من القبالة معنى الأمام والمقابلة، أي: يصلي أحدهما أمام الآخر، وهذا ينبغي عدم إنكاره.
وأخرى نفهم من القبالة معنى المحاذاة، ولا أقل من أن نعقد للعبارة إطلاقاً فيكون التقدم مصداقاً من مصاديق القبالة كما أنَّ المحاذاة تكون منها.
وهذان المعنيان يمكن أن نوكل إلى الفهم العرفي معرفتهما بلا شكٍّ، فلو كانت القبالة بمعنى التقدّم لخرجت الرواية عن محل الاستدلال على أن تكون مختصة بمسألة التقدّم فقط، وهذا ما سيجيء البحث عنه إن بقيت الحياة.
نعم، لا يمكن أن يكون معنى القبالة مختصاً بالمحاذاة كما هو واضح، وإنّما كلامنا لشمول هذا اللفظ إلى المقابلة والمحاذاة، بحيث يكون كلاهما صادقاً على القرب منه سواء أكانت أمامه في الجملة أم معه لو صح التعبير، وتكون المحاذاة عندئذٍ داخلة في إطلاق هذه الرواية محلّ الكلام.
الرواية الخامسة: عَنْهُ(1)، عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: الْمَرْأَةُ تُصَلِّي حِيَالَ زَوْجِهَا؟ قَالَ: «تُصَلِّي بِإِزَاءِ الرَّجُلِ إِذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ قَدْرُ مَا لاَ يُتَخَطَّى أَوْ قَدْرُ عَظْمِ الذِّرَاعِ فَصَاعِداً»(2).
ــــــ[244]ـــــــ
(1) أي: محمد بن علي بن بابويه الصدوق.
(2)وسائل الشيعة 5: 126، الباب الخامس، باب كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه، أو إلى جانبيه، وكذا المرأة الّا بمكّة، الحديث: 13، وورد في الفقيه 1: 247: قدر ما يتخطى.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وههنا مطلبان:
أحدهما: في الموضوع، وهو أنّ المرأة تصلي حيال زوجها، وهذا له ظهور أولي في التقدم، فيخرج عن محل كلامنا، إلّا أن نفهم معنىً شاملاً للتقدم والمحاذاة معاً. فيكون حصةً من المفهوم المأخوذ في الرواية، فتخل حينئذٍ في محل الكلام.
ثانيهما: في المحمول، وهو أنَّ الإمام  ذكر شيئين بنحو الفاصل.
الأول: ما لا يتخطى.
الثاني: قدر عظم الذراع.
ولو بقينا نحن وما لا يتخطى لقلنا بالمنع لأنَّ ما لا يتخطى يكون حاصلها مقارباً لعشرة أذرع. لكنّه تنزل فوراً بقرينة متصلة إلى عظم الذراع، وعظم الذراع ليس أكثر من أربعين إلى خمسة وأربعين سنتمتراً، فعندما يذكر الأقل والأكثر تكون النتيجة صحة الاكتفاء بالأقل، ولا يوجب الاحتياط بالأكثر، فكأنَّ الإمام ذكر عظم الذراع، وأسقط عنه عنوان ما لا يتخطى، فإذا كان كذلك تكون الرواية ملحقة بروايات الجواز، وتخرج عن روايات المنع.
وجوه الجمع بين الطائفتين
وما يمكن أن يكون وجهاً للجمع بين الطائفتين وجوه عديدة نذكرها تباعاً:
الوجه الأول: إلغاء الطائفة المجوزة.
بمعنى: إننا نقول: إنَّ الطائفة المانعة صحيحة سنداً، ومعتبرة دلالةً، وليس في المقام طائفة مجوزة حيث إنّها ساقطة سنداً أو دلالةً، فيصير الحال إلى المنع وإلغاء الطائفة المجوزة، وهذا يحتاج إلى تقريب حاصله: أنَّ المهم من الروايات روايتان،
ــــــ[245]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وهاتان الروايتان هما الذي قال عنهما المحقق الهمداني: إنَّهما رواية واحدة(1)، إذ في ذيل أحداهما يتكلم عن عائشة، والثانية هي رواية جميل، وكلتاهما غير تامٍ.
أمّا الثانية فعن مجهول عن جميل فتسقط سنداً بالضعف لجهالة المروي عنه. وأمّا الأولى فهي مذيلة بذيل غير مناسب باعتبار وضوحها في عدم وجود الصلاة للمرأة، في حين أنَّ السؤال كان صلاة المرأة، فسقطت أيضاً ولكن بالدلالة.
النتيجة:
والنتيجة: ان كلتا الروايتين لا يمكن الاعتماد عليهما إما سنداً أو دلالةً(2).
وجوابه: إنّما يتم الكلام في طول التنزل عمّا قلناه -ولن نتنزل عنه- وذلك: إنّنا أجبنا عن هذين الإشكالين، وكان حاصل جوابهما:
أمّا عن الأول فهو: أنَّ ذيل الرواية ليس منافياً لصدرها، وغير ملغٍ لظهورها بالجواز، وقد تبرع الإمام بالجواب عن الموضوع الجديد بمحمول جديد، كما مرّ سابقاً.
أمّا عن الثاني فهو: أنَّ الروايتين رواية واحدة فتتخذ نفس سندها كما نسبناه إلى المحقق الهمداني، أو نحتمل تبديل سندها بعنوان أخبرني بكل رواياته، فتصح عندئذٍ سنداً.
الوجه الثاني: إلغاء الطائفة المانعة.
بأن يقال: لدينا طائفة مجوزة، وهي تامة سنداً ودلالةً، لأنَّ المهم منها صنفان:
ــــــ[246]ـــــــ
(1) انظر: مصباح الفقيه 11: 61.
(2) انظر: مصباح الفقيه 11: 62.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الصنف الأول من الروايات:
ما دل على المنع بعنوان من العناوين التي تقلّ عن عشرة أذرع كالشبر، والذراع، ونحو ذلك.
وهذا ما جعل الشيخ الهمداني يحاول دفعه بمخالفة الإجماع المركّب. وإحداث قول ثالث، ممّا جعل المانعين لا يقولون به كما تقدم(1).
إضافة لما قلناه من أنَّ الأدب الديني يقضي الاستقلالية بالركوع، والسجود، والخشوع، وعدم التفكير بالغير مما هو محكوم بالاستحباب، فتسقط الأدلة الدالة على المنع بأخذ الشبر والذراع.
وكلا الوجهين له وجه وجيه.
الصنف الثاني من الروايات:
في النقاش بدلالة ما دل على المنع على الرغم من كونه صحيحاً سنداً، وحاصله: أنَّ اشتراط أكثر من عشرة أذرع بين الرجل والمرأة غير محتمل في نفسه. إضافةً إلى ما قلناه في الصنف الأول من عدم القول به فيشكّل هذا المعنى قولاً ثالثاً على خلاف قول المانعين الذين اكتفوا بعشرة أذرع من غير زيادة، وعلى خلاف قول المجوّزين أيضاً الذين أجازوا الصلاة بقولٍ مطلقٍ.
إن قلت: نستطيع أن نلغي الأكثر فنحمله على الاستحباب، ونبقي العشرة أذرع -كما فصل أصحاب المنع- ونلتزم بها.
ــــــ[247]ـــــــ
(1) انظر: مصباح الفقيه 11: 63.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
قلت: هذا ممنوع، ولا يمكن أن يصار إليه، وذلك: لأنّه ملازم لإلغاء أصل العنوان المأخوذ في الرواية، وهو عنوان: الأكثر من عشرة أذرع، فلو اقتصرنا على العشرة أذرع نكون قد ألغينا العنوان بالكلية، فعنوان العشرة أذرع لا يصدق مع الاقتصار على العشرة أذرع فقط.
إذن، فهو غير قابل للتقييد بإجماع، أو سنة، أو سيرة، أو أي أنحاء أُخَر لسقوط العنوان، وما كان كذلك يكون بمنزلة النص غير القابل للتقييد.
والنتيجة: هذه الرواية وإن كانت تامة سنداً إلّا أنَّ دلالتها محلّ إشكال.
الوجه الثالث: إذا جمعنا بين الوجهين المتقدمين.
بعد أن نتنزل عن أجوبتهما، فيتحصّل: عدم وجود الطائفة المجوزة لأنا قمنا بإلغائهما. وعدم وجود الطائفة المانعة للسبب نفسه. فيحصل ما أستطيع أن أسميه بالتعارض اللا اقتضائي بين الطائفتين، فلا هذه موجودة، ولا تلك موجودة أيضاً.
فعلى على أي شيءٍ يكون العمل؟
تارةً نتعامل مع التعارض اللا اقتضائي -لأننّا سوف نبني على وجوه آتية- على أنّهما لو تعارضا وتساقطا فهل المرجع إلى الأصول العملية، أو المطلقات؟ فكما يصح في باب التعارض الاقتضائي الرجوع إليهما يصح في التعارض اللا اقتضائي أيضاً.
لكنّنا نريد الاقتصار على مقدار ما لو تصورنا فعلاً أنَّ هنا طوائف ثلاث لا طائفتان، فلو سقط اثنتان بالتعارض اللاإقتضائي، أو حتى بنحو التعارض الاقتضائي رجعنا إلى الثالثة التي يعارضها شيءٌ.
ــــــ[248]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فالطائفة المجوّزة عارضت الطائفة المانعة بعنوان أكثر من عشرة أذرع فيسقطان، وتبقى الثالثة بلا معارض، وقد أخذت عنوان الشبر والذراع، وحينئذٍ نقول: المنع كان في حدود ضيقّة، أي: يجوز إذا كان الفاصل ذراعاً فأكثر فضلاً عن العشرة أذرع.
لكن يأتي عليه الجوابان المتقدمان اللذان كان:
أحدهما: أنّه مخالف للإجماع المركّب، وهو إحداث قول ثالث، وأنَّ القائلين بالمنع لم يقولوا به.
ثانيهما: أنَّ هذا المقدار من التقارب تقارب عرفي، وطبيعي، وملازم لصحة الصلاة، والتوجه إليها، وفهم القراءة، وعدم الالتفات، ونحو ذلك، فإنَّ ذلك أمر استحبابي مؤكّد غير ظاهر في البطلان، فحينئذٍ تسقط ثلاثتها.
الوجه الرابع: أن نقول بتقديم الطائفة المانعة.
لأنّها مستفيضة وكثيرة الروايات في مقابل القليل الذي تحصّل منه روايتان للجواز لا أكثر، بينما الروايات الدالة على المنع فيها ما يناهز خمس عشرة روايةً، وحينئذٍ نضم إلى ذلك ما تواتر عنهم بتقديم المشتهر بين أصحابك كما ورد: «خذ بالمشتهر بين أصحابك»(1) وأنّه «لا ريب فيه»(2) فيقدّم المتواتر أو المستفيض
ــــــ[249]ـــــــ
(1) الكافي 1: 76، الحديث: 10، وسائل الشيعة 27: 106، الباب التاسع، وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة، وكيفية العمل بها، الحديث: 1، مع اختلاف يسير في الألفاظ.
(2) الكافي 1: 76، الحديث: 10، وسائل الشيعة 27: 106، التاسع، وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة، وكيفية العمل بها، الحديث: 1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
على الخبر الواحد بكل تأكيد.
لكن هذا فرع أن تكون رواية الشبر، أو الذراع دالة على المنع، أو غير ساقطة بوجه من الوجوه المتقدّمة، فإنّه بعد عدم ادخالنا لهذه الرواية تكون الروايات المانعة قليلة أيضاً فتكاد أن تكون واحدة، أو نحو ذلك، والذي عمل به الأصحاب رواية العشرة أذرع، والباقي كلّه لم يعملوا به.
فنحن ننكر الاستفاضة في هذا الطرف، كما أننّا لا نقول في طرف الروايات المجوزة بالاستفاضة أيضاً.
الوجه الخامس: وهو عكس الوجه المتقدم -الرابع-.
بأن ندّعي أنَّ الطائفة المجوزة مستفيضة، والطائفة المانعة قليلة.
أمّا كون المانعة قليلة فباعتبار-ما قلناه قبل قليل- إخراج روايات الشبر والذراع. وحينئذٍ تكون رواية أو روايتين.
أمّا كون المجوّزة كثيرة فباعتبار إلحاق طائفة الشبر والذراع فيها؛ لأنّنا قلنا بعدم دلالتها على المنع فتكون للجواز أقرب، وبذلك تتحقّق الكثرة بجانب روايات الجواز، فتتقدّم بلا إشكال.
لكنّنا لا نقبل بذلك إذ هذه النتيجة متوقفة على ادخال روايات الشبر والذراع في طائفة الجواز، وعلى إخراجها من طائفة المنع، ونحن وإن كنا نتمكن من إخراجها من طائفة المنع، لكننا لا نستطيع إدخالها في طائفة الجواز، إذ هو أول الكلام، فكل الكلام كان في الإخراج وقد تمّ، أمّا الادخال فهو ما نريد إثباته فعلاً.
ــــــ[250]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وبعد سقوط هذا الوجه يعود التعارض من جانب المنع، وهي رواية واحدة أو روايتان، ومن جانب الجواز، وهو روايتان، فحينئذٍ تكون قابلتين للتساقط بنحو اللاإقتضاء، وقابلتين للتساقط بنحو الاقتضاء الّا أنّه في خبري الآحاد لا الأخبار المستفيضة.
وعندئذٍ نرجع إلى خبر المنع -وهو رواية: عشرة أذرع- لأنَّ سنده تام في قبال السندين اللذين دلا على الجواز، فإنَّ أحدهما ضعيف بالإرسال، والآخر محتمل للإرسال، إضافة إلى الإشكال الذي نقلناه عن المحقق الهمداني حيث احتمل وحدة السند، ووحدة السياق، فإذا احتملنا الوحدة فتكون النتيجة تابعة لأخس المقدّمتين، وهو الإرسال.
فهذه تامة سنداً، والأخرى مرسلة، فيقدّم جانب الروايات الدالة على المنع، وهو مصداق لما جاء عنهم: «خذ ما أشتهر بين أصحابك»(1).
الّا أنَّ هذا علمنا بجوابه، فإنّه وإن كان تامّاً سنداً غير أنَّ دلالته قابلة للخدشة لما قلناه من لزوم طرح العنوان وإلغاؤه، فيتحتم علينا الأخذ بالمجموع -الذي هو عبارة عن نفس العنوان (أكثر من عشرة أذرع)- وعندئذٍ نحكم بالاستحباب.
أمّا إسناد الروايتين فمخدوش أيضاً، وتكلمنا فيه، وبدلنا سندها، فراجع.
أمّا تطبيق رواية (خذ ما أشتهر بين أصحابك) على ما نحن فيه فهو محلّ تأمّل ظاهر.
ــــــ[251]ـــــــ
(1)الكافي 1: 76، الحديث: 10، وسائل الشيعة 27: 106، الحديث: 1، مع اختلاف يسير في الألفاظ.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الوجه السادس: إنّ الروايات المجوّزة بمنزلة المطلق، والروايات المانعة بمنزلة المقيد.
وعندئذٍ لابدّ من المصير إلى المقيّد، وتكون النتيجة المنع.
وهذا قابل للمناقشة لأنّه فرع أن تكون الروايات الدالة على الجواز قابلة للتقييد، وقد قلنا: إنّها نصٌّ في الجواز موضوعاً.
وبيانه: إنَّ المحاذاة هي التقارب العرفي بين شيئين، أو أشياء، ومع هذا التقارب لا يمكن تقييده بعشرة أذرع إذ يلزم تقييد التقارب العرفي بالتباعد العرفي، فيلغو العنوان المأخوذ موضوعاً في روايات الجواز، ويستدل بعنوان آخر ضده أو نقيضه، فيسقط الاستدلال بالتقييد من هذه الجهة.
الوجه السابع: لو تنزلنا عن الوجوه السابقة.
وقلنا بوجود طائفتين تامتين سنداً ودلالةً، فحينئذٍ تصل النوبة إلى التعارض ثم التساقط، وبعد ذلك نقول: المرجع حينئذٍ استصحاب اشتغال الذمّة لأن ذمّته ستكون مشغولةً بصلاة الظهر إذا زالت الشمس، وقد أتى بها محاذياً للمرأة، فيحصل الشك له بسقوط ما في ذمته، فيستصحب شغل الذمّة.
وهذا الاستصحاب وإن كان متصوراً في نفسه إلّا أنّه ممّا لا يجوز اللجوء إليه باعتباره محكوماً بالأدلة اللفظية كإطلاقات أدلة الأجزاء والشرائط، وقاعدة لا تعاد اللذين يقتضيان صحة الصلاة لا بطلانها.
الوجه الثامن: الرجوع إلى أدلة الأجزاء
وهو نفس الوجه السابق من جهة المصير إلى التعارض والتساقط لكننا نرجع
ــــــ[252]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
هذه المرة إلى أدلة الأجزاء والشرائط، لا إلى الاستصحاب.
فلو قيل بعدم تمامية هذا السند، أو هذه الدلالة من ناحية الإطلاق، أو نحو ذلك من الأمور لكفانا العلم إجمالاً بتمامية بعضها من الناحيتين المشار إليهما، فلا نحتاج إلى الفحص السندي، والإطلاقي.
ولنأخذ بعض الأمثلة على ذلك: لو شككنا في صحة الصلاة المأتية بلا سورة بعد الفاتحة، أو بلا ذكر في الركوع، أو من دون ذكر في السجود، فحينئذٍ يصحّ التمسك بالرواية المعلومة بالإجمال الدالة على تصحيح هذا المورد المشكوك، ونفس الأمر نقوله فيما إذا وقعت صلاة الرجل بجانب المرأة.
الوجه التاسع: التمسك بقاعدة التجاوز، وقاعدة الفراغ، وقاعدة لا تعاد بعد فرض التعارض والتساقط.
فهل بالإمكان التمسك بهذه القواعد؟
أمّا قاعدة الفراغ فموضوعها الفراغ عن تلك العبادة، وهو صادق على ما إذا صلى الرجل إلى جنب المرأة، ولم يكن ملتفتاً، ثم التفت بعد فراغه من الصلاة، وهنا يمكن القول بصحة الصلاة اعتماداً على قاعدة الفراغ.
أمّا قاعدة لا تعاد الصلاة الّا من خمس، فهذا ليس من الخمسة التي تعاد الصلاة لأجلها.
لكن السؤال المهم، هل يمكن التمسك بالقاعدة قبل الصلاة أو لا؟
والجواب: مقتضى الدلالة المطابقية لها عدم الإعادة، فهي بمنزلة قاعدة الفراغ المختصة بما إذا كان قد أنجز فرداً، أو فكر بفرد آخر، أو بدأ بالفرد الثاني
ــــــ[253]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
حتى تصدق عليه الإعادة في جميع الصور، ولا يمكن التعدي من مورد القاعدة المشار إليها إلى ما نحن فيه.
لكن عند إجراء نحو من التجريد من الخصوصيّة عن طريق إبراز أهمية هذه الأمور الخمسة في إبطال الصلاة سواء فاتت عن علم، أو عن سهو، أو عن نسيان، أو عن غفلة، وبمفهوم الحصر -وهو مفهوم صحيح بطبيعة الحال- دل على عدم إعادة الصلاة في غيرها، فصحّ لنا التمسك بتلك القاعدة وإن كان موردها لا يشمل إلّا الفراغ عن العبادة المأتي بها.
إذن، نستطيع القول بأنَّ لا تعاد نافية لهذه الشرطية بإطلاقها اللفظي، وبالإمكان تصحيح صلاة الرجل إلى جنب المرأة، وصلاة المرأة إلى جنب الرجل عن علم وعمد.
أمّا قاعدة التجاوز فليس لها أثر، لأنّها يتمسك بها في الشك الواقع في الأجزاء أثناء الصلاة، وما يمكن تجاوزه من الشروط. وهذا ليس منها.
جواز تقدم المرأة على الرجل وعدم جوازه
تقدم حكم المحاذاة، وبحثنا قبل قليل في جوازها وتحريمها حيث قلنا بإمكان أن يختار التحريم للأولوية أو التجريد عن الخصوصية، بل يمكن أن نذهب إلى عدم الملازمة بين صورتي المحاذاة والتقدم، فنقول ببطلان الصلاة في صورة المحاذاة، وعدم بطلانها في صورة التقدم خصوصاً إذا التفتنا إلى عدم ثبوت الإجماع على هذه الملازمة، بل وعدم ثبوت الإجماع بين جواز الصلاة في صورة
ــــــ[254]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المحاذاة، وجوازها في صورة التقدم، فعندئذٍ يجب أن يستأنف دليل جديد لصورة التقدّم، سواء قلنا بجواز المحاذاة أم بتحريمها، وهما مسألتان منفصلتان تماماً.
الأدلة التي قد يستفاد منها الحرمة
الدليل الأول: التجريد عن الخصوصية.
وذلك بدعوى: أنَّ بطلان صلاة الرجل إلى جنب المرأة بأن يكون اقتراب كل جسم من الجسم الآخر -الّا إذا ابتعدت ذراعاً أو عشرة أذرع من جميع الجهات- فلو كانت المرأة خلف الرجل، أو على يمينه، أو شماله، أو متقدمة عليه قليلاً، أو كثيراً بحيث تصبح أمامه فنصف الدائرة التي تبدأ من أحد الجانبين، وتنتهي بالجانب الآخر كلّها ممنوعة بالتجريد عن خصوصية كل صورة من الصور المتقدمة فيتشكّل لنا ظهورٌ في الدليل بعد التجريد، وهذا الدليل يكون له نحو من الإطلاق لصورة التقدم.
إذن، يبقى الباقي تحت نفس حكم الدليل الذي فرضناه مطلقاً.
وجوابه: قد تقدَّم منا أنَّ التمسك بالتجريد عن الخصوصية في غير محلّه باعتبار احتمالها فلا يمكن القول بعدمها إطلاقاً.
ومن الجدير الالتفات إلى أمرين:
أحدهما: الأخبار المجوّزة المعتبرة سنداً.
ثانيهما: وجود الإفتاء على ضوئها بنحو غير شاذ، فإنّها لو كانت شاذة فلا يمكن الأخذ بها فقهياً.
ــــــ[255]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فتبيّن: أنَّ المماثلة المدعاة غير موجودة ممّا يعني: عدم صحة الاتكاء على التجريد على الخصوصية.
الدليل الثاني: الأولوية.
ومدرك الأولوية لابدَّ أن يكون الإرتكاز المتشرعي، بتقريب: بعد أن حكمنا ببطلان الصلاة في صورة المحاذاة فلابدّ أن نحكم ببطلانها في صورة التقدم.
وجوابه:
أولاً: لماذا حكم المتشرعة بذلك؟
قد يمكن الاستشعار -فيما هو دون الدلالة- له بإمامة المرأة للرجل، فيقال: إنَّ إمامة المرأة للرجل لا تصح لأجل عدم إمكان تقدمها عليه شرعاً، فلو كانت تتمكن من التقدّم لما كان هناك مانع أصلاً.
لكن هذا ما لا يمكن أن نصير إليه لأننا ننكر دليله وهو الارتكاز المتشرعي على الأولوية -وإن كان التبادر الأولي لبعض الناس هو ذلك إلى حدٍّ ما- باعتباره غير موجود في زمن المعصومين، ولم يقع تحت أنظارهم، فلا يمكن وصفه بالحجية، بل ربما نتج هذا من الفتاوى المتأخرة بالبطلان، وأصبح مسلّماً عندنا، فيحصل -لا أقل- الشك، وهو يقتضي عدم الحجية.
هذا فضلاً عن الأدلة التي تقف ضد البطلان التي يمكن استفادة الممنوعية منها، فما دل من الأدلة على جواز التقدّم بالدلالة المطابقية يكون دالاً على نفي الأولوية بالدلالة الإلتزامية.
ــــــ[256]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ثانياً: ما قد يستفاد من مجموع الروايات المانعة أنّ هذا الاقتراب بين الجسمين، أعني: جسم الرجل والمرأة الذي يكون سبباً في بطلان الصلاة إلّا أن يكون بين الجسمين نحو من عشرة أذرع، أو من ذراع، أو نحو ذلك.
وحينئذٍ بسذاجة نقول: إنَّ هذا التقارب فيما إذا صلت أمامه من دون فاصل لا يكون موجوداً حيث يكفي موضع السجود من موضع قدمه إلى موضع سجوده، فلا تقارب في البين فيما إذا قسناه بالشبر، لأنَّه سيحقق ما هو أكثر منه، وإذا قسناه بالذراع فيكون أكثر بكثير من الذراع. وإذا قسناه بأمور أخرى من قبيل موضع رحل سيكون أكثر من موضع رحل.
نعم، الروايات التي حكمت بعشرة أذرع قد تأتي في هذا المقام، لكنّا دفعناها بالإسقاط باعتبار ما سبق.
أو قل: لا جرم أنَّ جسم المرأة سيكون أبعد من جسم الرجل إذا لاحظنا فاصل السجود فيتباعدان تكويناً؛ لأنّ الرجل يحتاج إلى مسافة لسجوده وركوعه فيكون جسمه -على الأعم الأغلب- متباعداً عن المرأة. إذن، لا أولوية في المقام.
لا يقال: انّهما لو سجداً معاً، أو ركعا كذلك، فيكون الجسمان متقاربين. فإنّه يجاب: ليس هذا ممّا يحدث غالباً، فإنَّ الغلبة قاضية بعدم ركوعهما معاً، وعدم سجودهما معاً أيضاً، فإنّهما لا يصليان جماعة، ويكون الرجل مأموماً لكي نقول بذلك، فعندئذٍ يركعان ويسجدان بنحو متفاوت، وهو لا يعني عدم التقائهما فيها.
فالتباعد الغالبي يكون ثابتاً في حين أنّهما لو صليا جنباً إلى جنب يكون الالتقاء مستمراً بطبيعة الحال.
ــــــ[257]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
إذن، هناك نقطة قوة فقهية بالنسبة إلى التقدّم على ما كان في المحاذاة، فمن هذه الناحية نقول: إنَّ التقدّم أولى بالبطلان من المحاذاة.
الدليل الثالث: حرمة الاطّلاع.
إنَّ المرأة إذا صلت أمام الرجل في حال ركوعها أو سجودها سوف يطلّع على مؤخرّتها، وهذا خلاف الأدب الشرعي بل يقتضي التحريم أو بطلان الصلاة.
وجوابه:
أولاً: لا يمكن أن نصير إلى التحريم، فإنَّ هذا وحده غير كافٍ للقول به، إذ هو من الاطلاع على حجم العورة لا الاطلاع على العورة نفسها، وهذا غير محرّم أكيداً.
ثانياً: لقد ثبت في محلّه من اجتماع الأمر والنهي أنَّ مثل ذلك لا يكون مبطلاً للصلاة، ومثاله المشهور: النظر إلى الأجنبية على تقدير كونه محرماً، وقلنا في الجواب الأول بعدم حرمته.
الدليل الرابع: المنع عن إمامة المرأة.
إنّ المنع عن صلاة المرأة أماماً، وصلاة الرجل مأموماً سببه التقدّم، فحينئذٍ:
إمّا أن نقول: بتجريد الخصوصيّة من ذاك الدليل إلى محل الكلام، وعندئذٍ يصح لنا التمسك بالخطاب.
وإمّا أن نقول: بعدم التجريد فيصح لنا التمسك بالملاك الدال على المنع.
والنتيجة: عدم صحة صلاة المرأة متقدمة على الرجل سواء كانت إماماً أم لم تكن. وهذا التصور البدوي للمسألة ممّا لا دليل عليه، ولا يمكن استفادته من
ــــــ[258]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الأدلة الدالة على المنع عن الجماعة، بل بعد أن نعرف بوجود الرواية الدالة على عدم صحة التقدم وجوازه في الصلاة، فعندئذٍ يمكن أن نجردها عن الخصوصية على العكس من القول السابق -فينتج ذلك: أنَّ جواز التقدّم المدلول عليه بالروايات يدل على الجامع بين التقدّم والمحاذاة، لا أنَّ حرمة المحاذاة منتجة لحرمة التقدّم، كما هو المشهور(1)- فتتشكّل قرينة من جواز التقدم على صرف ظهور الروايات المانعة عن المحاذاة إلى جواز القول به.
الدليل الخامس: إطلاقات أدلة المحاذاة.
إطلاقات أدلة المحاذاة على منع تقدّم المرأة على الرجل بما يكون إطلاقاً لفظياً قابلاً للشمول بمعناه اللفظي والاستعمالي لكل من حصتي المحاذاة والتقدّم.
والكلام فيما يفترق الإطلاق عن التمسك بالتجريد عن الخصوصيّة فنقول: إنّ دليل المحاذاة ليس فيه إطلاق شامل للصورتين، بل هو من البداية لا يدل إلّا على حصة واحدة، ولكن بتجريدنا عن خصوصية المسألة شمل الحصة الأخرى، وهذا يختلف كثيراً مع الإطلاق الذي نفرضه شاملاً لهما لفظاً.
فتحصّل: أنَّ بيان الشمول لحصة المحاذاة:
إمّا أن تكون ثابتة عن طريق التجريد عن الخصوصية وإن دلّت على هذا الشمول لكن عن طريق غير النصّ.
وإمّا أن يكون الإطلاق شاملاً لهما منذ البداية، أعني: شاملاً لحصتي المحاذاة والتقدم.
ــــــ[259]ـــــــ
(1) انظر: المقنعة 152، الخلاف 1: 423، النهاية 100.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
لكن المسألة ليست كذلك، فإنَّ الألفاظ المأخوذة في الروايات لا تناسب التقدم بل تختص حقيقة بالمحاذاة من قبيل ما ورد سؤالاً: «فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي وَ الْمَرْأَةُ تُصَلِّي بِحِذَاهُ»(1) و«عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي وَ المَرْأَةُ بِحِذَاهُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ»(2) وكذا ما ورد جواباً: «وَتَأْتَمُّ بِهِ فِي الصَّلاَةِ» (3) و«وَالمَرْأَةُ تُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ وَمَعَكَ»(4) فإنّ دلالتها على المحاذاة بنحو النصوصية، أو بنحو الظهور كما تقدّم.
فيكون التمسك بالإطلاق اللفظي في غير محلّه.
الدليل السادس: وجود روايتين.
هناك روايتان يحتمل دلالتهما بالمطابقة على منع تقدّم المرأة بالخصوص، فإذا تمتا سنداً ودلالةً فحينئذٍ سوف تقفان في طرف المعارضة لما يأتي من الروايات الدالة على جواز التقدّم.
ــــــ[260]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 125، الباب الخامس، كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه، أو إلى جانبيه، وكذا المرأة إلّا بمكة، الحديث: 6.
(2) وسائل الشيعة 5: 121، 122، الباب الرابع، جواز صلاة الرجل وإن كانت خلفه أو إلى جانبه، وهي لا تصلّي ولو كانت جنباً أو حائضاً، وكذا المرأة، الحديث: 2.
(3) وسائل الشيعة 5: 127، الباب السادس، باب جواز صلاة الرجل والمرأة تصلّي معه مطلقاً إذا كان مقدّماً عليها بمسقط جسدها أو بصدره، الحديث: 1.
(4) وسائل الشيعة 5: 126، الباب الخامس، كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه أو إلى جانبيه، وكذا المرأة الّا بمكّة، الحديث: 10.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الرواية الأولى الدالة على منع التقدم:
مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ فِي (آخِرِ اَلسَّرَائِرِ) نَقْلاً مِنْ كِتَابِ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: «قُلْتُ لَهُ: الْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُبَالَةَ صَاحِبِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا قَدْرُ مَوْضِعِ رَحْلٍ»(1).
ومن المحتمل أنَّ قبالة صاحبه بمعنى: أمام صاحبه، فالمرأة تصلي أمام الرجل، وكذا الرجل أمام المرأة.
وعندئذٍ تكون دالة بالمفهوم على المنع فيما إذا لم يكن هناك قدر رحل كما هو واضح.
الرواية الثانية الدالة على منع التقدم:
عَنْهُ(2)، عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: المَرْأَةُ تُصَلِّي حِيَالَ زَوْجِهَا؟ قَالَ: «تُصَلِّي بِإِزَاءِ الرَّجُلِ إِذَا كَانَ بَيْنَهَا وَ بَيْنَهُ قَدْرُ مَا لاَ يُتَخَطَّى أَوْ قَدْرُ عَظْمِ الذِّرَاعِ فَصَاعِداً»(3).
ــــــ[261]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 126، الباب الخامس، باب كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه، أو إلى جانبيه، وكذا المرأة الّا بمكّة، الحديث: 12.
(2) أي: محمد بن علي بن بابويه الصدوق.
(3) وسائل الشيعة 5: 126، الباب الخامس، باب كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه، أو إلى جانبيه، وكذا المرأة الّا بمكّة، الحديث: 13.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وهنا نقول: حيال الرجل بمعنى: أمامه، كما نقولها عرفاً: (قبالة)، أي: أنَّ المرأة تصلي حيال زوجها، فيقرب بعدة تقريبات.
التقريب الأول: أن نفهم من حيال معنى الأمام.
التقريب الثاني: أن نتمسك بمفهوم الرواية، وهو دال على المنع، لأنَّ منطوقها يدل على الجواز إذا كان بينها وبين الرجل قدر ما لا يتخطى أو قدر عظم الذراع فصاعداً.
التقريب الثالث: لماذا استبدل الإمام عنوان السؤال بعنوان آخر للجواب، ففي السؤال ورد عنوان (حيال)، وفي الجواب ورد عنوان (إزاء)؟
وجوابه: إنَّ الاستبدال إنّما حصل لكون صلاة المرأة أمام الرجل ممنوعة مطلقاً، وقد لجأ الإمام إلى استبداله بالمحاذاة؛ لأنَّ فيه تفصيلاً بين القرب والبعد وما شابه ذلك.
والجواب عن كلتا الروايتين:
أمّا الرواية الأولى فنستطيع أن ننكر الظهور اللغوي الأصلي فنقول: إنّ قبالة وإن كانت ظاهرة عرفاً في المقابلة، لكن هذه المقابلة إنما تكون وجهاً لوجه، لا أنَّ أحدهما يستقبل القبلة ويستدبر صاحبه، فالقبالة عندئذٍ بمعنى: القرب من صاحبه سواء أكان صاحبه إلى جنبه، أو كان أمامه، أو كان في الشمال وهكذا، ممّا يعني أنَّ الرؤية حاصلة من طرف واحد فقط، ولا أقل من الشك المسقط للاستدلال.
ــــــ[262]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
أما الرواية الثانية فيمكن أن نمنع معنى التقدم، أي: نمنع أن يكون إزاء وحيال دالين على معنى التقدّم، وحينئذٍ يكونان بمعنى: أنّهما يصليان جنباً إلى جنب، فالموضوع لم يتغير، مضافاً إلى إشكال المحقق الهمداني من أنّه احداث لقول ثالث مخالف للإجماع المركّب(1) حيث لم يقل أحد أنَّ الفاصل القليل غير مضرّ، فهم على قولين:
الأول: المنع الّا مع عشرة أذرع.
الثاني: الجواز مطلقاً.
فهذا التقريب مضرٌّ سواء فهمنا أنَّها تصلي بحذاه، أو أمامه، فمثل هذا الفاصل القليل -عظم الذراع- غير محتمل.
الدليل السابع: النصوص المأخوذ فيها عنوان المحاذاة.
إذا نظرنا إلى النصوص التي أخذ فيها عنوان المحاذاة فنجد أنّها على طائفتين:
فمنها ما دل عل الجواز.
ومنها ما دل على المنع -وهو على الأغلب-.
وحينئذٍ نتمسك بما دل على المنع، ونقول: تصدق المحاذاة سواء كان الرجل والمرأة جنباً إلى جنب، أو أنّ المرأة أمام الرجل، أو الرجل أمام المرأة، والأخيرة خارجة عن القدر المتيقّن.
ــــــ[263]ـــــــ
(1) انظر: مصباح الفقيه 11: 63.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
تقريبات للتمسك بالمنع:
التقريب الأول: إنَّ المحاذاة عبارة عن التقارب.
وهذا صادق سواء كان كل منهما متوجهاً بوجهه إلى الآخر أم كان كل منهما مستدبر الآخر، أو كان أحدهما إلى جنب الآخر، فكل ذلك يصدق عليه المحاذاة ممّا يعني: أنّنا نسقط من المحاذاة النسبة إلى شيء ثالث، فهذا لا ضرورة إليه، وحيث إنَّ المحمول هو المنع، أو البطلان -كما هو المفروض- فيندرج هذا في ضمن الروايات الناهية عن التقدم ولو بالإطلاق، وهذا يكفي.
التقريب الثاني: إنّ المحاذاة تكون بين جسمين متباعدين عن جسم ثالث بنفس المقدار.
فإن نسبناهما إلى الكعبة المشرفة لم يكونا متحاذيين، لأنَّ المرأة أقرب بشبر إلى الكعبة من الرجل.
سؤال مهم:
لماذا ننسبهما إلى الكعبة، والكعبة غير مرئية، وهي بعيدة، فالنسبة غير عرفية، إنّما العرف على نسبة المرء إلى ما حوله من جدار، أو باب، أو شخص ثالث، لأنَّ مثل هذه الأمور معاشة، ومرئية، ومحسوسة عرفاً.
وعندئذٍ نقول: لا فرق في هذا التقريب بين أن يكون بعدهما واحداً عن الجدار سواء كانا متغايرين وجهاً أم لا ما دام أنّنا قلنا: إنَّ الكعبة ليست مناطاً عرفاً لكي ينسب إليها الشخصان.
وعندئذٍ تكون روايات منع التحاذي بين الرجل والمرأة لها إطلاق في صورة ــــــ[264]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
التقدم الذي يعدّ أكثر عرفية من صورة التحاذي إلى الكعبة الشريفة.
جوابان للسؤال:
الجواب الأول: إنّ التحاذي إنّما يصدق إذا كانا متوجهين إلى جهة واحدة، لا ما إذا كانت وجوههما متغايرين، فهما بالنسبة إلى الجدار الذي على اليمين، أو على الشمال ليسا متحاذيين عرفاً، فيجب أن يصدق التوجه ثمّ تصدق المحاذاة. وليس هذا منحصراً بالإنسان فقط بل كل جسمين وقفا نستطيع أن ننسبهما إلى جسم ثالث.
الجواب الثاني: ما قلناه في التقريب الثاني لا يمكننا المصير إليه، لأنّ الكعبة ملحوظة عرفاً باعتبارها تشكّل هماً للمصلي والمصلية، فهي بمنزلة المحسوس، وملتفت إليها.
فمن هذه الناحية لا بأس عرفاً أن ننسب التحاذي إلى الكعبة، فيكون تقدم المرأة على الرجل لا يصدق عليه التحاذي إلى الكعبة الشريفة.
فلو فرض التنزل عن الوجه الأول، وقلنا بصدق التحاذي بالنسبة إلى الأجسام الأخرى، ولكنّه لا يكونان متحاذيين للكعبة، فهذه المرأة أقرب إلى الكعبة بشبر واحد من الرجل، فلا إطلاق في طائفة المنع لصورة التقدم.
الدليل الثامن: وهو عبارة عن ثلاث روايات.
الرواية الأولى:
وَبِإِسْنَادِهِ(1) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ اِبْنِ أَبِي
ــــــ[265]ـــــــ
(1) أي: محمد بن الحسن الطوسي.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
عُمَيْرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: «سَأَلْتُهُ عَنِ المَرْأَةِ تُصَلِّي عِنْدَ الرَّجُلِ، فَقَالَ: لاَ تُصَلِّي المَرْأَةُ بِحِيَالِ الرَّجُلِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قُدَّامَهَا وَلَوْ بِصَدْرِهِ»(1).
وهي معتبرة السند، وفيها مطلبان:
المطلب الأول: قوله: (عند الرجل) أعمّ أكيداً من (إزاء) و(بحذاء) فمن هذه الناحية يكون لها إطلاق.
المطلب الثاني: قول الإمام: «لاَ تُصَلِّي المَرْأَةُ بِحِيَالِ الرَّجُلِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قُدَّامَهَا وَلَوْ بِصَدْرِهِ» له منطوق ومفهوم، فالمنطوق: «لاَ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ بِحِيَالِ الرَّجُلِ» فقوله:
إمّا أن نفهم منه إرادة الإمام على عدم جواز تقدم المرأة على الرجل، فتكون دالة بالمنطوق على المقصود.
أو نفهم منه معنى المحاذاة فنستطيع أن نستدل بها بتقريب آخر، وهو إطلاق المفهوم، وذلك: أنّه قال: «لاَ تُصَلِّي المَرْأَةُ بِحِيَالِ الرَّجُلِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قُدَّامَهَا وَلَوْ بِصَدْرِهِ» فيكون مفهومها: إذا لم يكن قدامها ولو بصدره فصلاتها باطلة على تفصيل سيأتي.
وهذا البطلان له إطلاق أيضاً فيما إذا كانت محاذية له أو قدامه، فيشمل كلتا الصورتين الّا أن نخرج بدليل قابل للتقييد في الروايات الآتية.
ــــــ[266]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 127، الباب السادس، جواز صلاة الرجل والمرأة تصلّي معه مطلقاً إذا كان متقدّماً عليها بمسقط جسدها أو بصدره، الحديث: 2.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الرواية الثانية:
وَعَنْهُ(1)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ اِبْنِ فَضَّالٍ، عَمَّنْ أَخْبَرَهُ، عَنْ جَمِيلٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله: «فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي وَالمَرْأَةُ بِحِذَاهُ أَوْ إِلَى جَنْبَيْهِ(2)، قَالَ: إِذَا كَانَ سُجُودُهَا مَعَ رُكُوعِهِ فَلاَ بَأْسَ»(3).
تقدّم أنّنا قلنا: إنَّ الإمام يريد أن يؤسّس صورة أن تكون المرأة خلف الرجل، ويكون سجودها مع ركوعه بحيث يكون جسمها متأخراً عن جسمه، وتقدّم أنّ انطباعها العرفي هو اشتراط تأخر المرأة عن الرجل، وحينئذٍ بحسب المفهوم إذا كان سجودها مع ركوعه فهو باطل سواء بالمحاذاة أم التقدم.
الرواية الثالثة:
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُصَدِّقٍ، عَنْ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله: «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَسْتَقِيمُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ امْرَأَةٌ تُصَلِّي؟ قَالَ: لاَ يُصَلِّي حَتَّى يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ وَإِنْ كَانَتْ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِثْلَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ تُصَلِّي خَلْفَهُ فَلاَ بَأْسَ وَإِنْ كَانَتْ تُصِيبُ ثَوْبَهُ وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ ــــــ[267]ـــــــ
(1) أي: محمد بن علي بن محبوب.
(2) ورد لفظ: (جنبه) في كل من الاستبصار 1: 399، وتهذيب الأحكام 2: 379، حديث 112.
(3) وسائل الشيعة 5: 127، الباب السادس، جواز صلاة الرجل والمرأة تصلّي معه مطلقاً إذا كان متقدّماً عليها بمسقط جسدها أو بصدره، الحديث: 3.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
قَاعِدَةً أَوْ نَائِمَةً أَوْ قَائِمَةً فِي غَيْرِ صَلاَةٍ فَلاَ بَأْسَ حَيْثُ كَانَتْ»(1).
وتقدم الكلام عن (يستقيم له) وبقي قوله: (بين يديه امرأة تصلي) فنقول: المراد منها أمامه، فإنّك لو قلت: وضعت بين يديه طعاماً، أو شيئاً، فيتحتم علينا هذا المعنى.
سؤال مهم:
لكن السؤال المهم في الرواية: لماذا استبدل الإمام موضوع السائل، وأخذ يرد عن موضوع آخر؟ مع أنَّ مفهوم الشرط واضح هنا، وصحيح كبروياً، وفيه إطلاق للمحاذاة أو التقدم.
وللإجابة عن السؤال نقول: إنّه لم يرد أن يجيب عنه؛ لأنَّ فيه خلافاً، أو تقية، أو مصلحة، وبالتالي تكون عدم اجابته كالقرينة المتصلة على جوازه بحسب الارتكاز السياقي، لكن الإمام -كما قلنا- لا يريد أن يبيّن جوازه، فيكون السياق أقرب إلى الجواز منه إلى عدم الجواز، فيختص المفهوم عندئذٍ بالمحاذاة فإنَّها إذا كانت خلفه فلا بأس، وإن كانت محاذية له ففيه بأس، وتخرج صورة ما إذا كانت أمامه.
الدليل التاسع: الأصول العملية.
إذا ما تنزلنا عن الأخبار فنصل إلى الأصول العملية التي منها ما يؤدّي إلى المنع، وهي أصالة اشتغال الذمة، وتصويره: أنّه بعد أن ينتهي من صلاته يشكّ في
ــــــ[268]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 128، الباب السابع، جواز صلاة الرجل والمرأة تصلّي أمامه أو إلى جانبه مع تباعدهما عشرة أذرع فصاعداً، وأقله ذراع أو شبر، الحديث: 1.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
سقوط ما في ذمته، وبما أنَّ الشك في المكلف به، فهو يقطع بأنَّه لم يأتِ بالصلاة ولم يتمّ تفريغ الذمة، فنتمسك بالاشتغال الذي تكون نتيجته كاستصحاب شغل الذمة.
لكنّه فرع الّا يكون هناك دليل على جواز التقدم، وعلى الإجزاء مع تقدم المرأة، والّا كان الدليل رافعاً لموضوع الأصل، وحاكماً عليه، فيكون مقدّماً على الأصل لو كان الأصل جارياً في نفسه.
الأدلة الدالة على جواز التقدم
وهي عدة أدلة -وأنا بحسب ذوقي أرى تقديم المتأخر، وتأخير المتقدم لأنَّ ذلك قد يكون في أكثر الأحيان أسهل فهماً، وأوضح استنتاجاً-.
الدليل الأول: أصالة عدم الشرطية.
أصالة عدم الشرطية باعتبار أنّا نشكّ هل تقدم المرأة على الرجل مانع من صحة صلاة الرجل، أو عن صحة صلاتها، فالأصل الجاري هو عدم الشرطية؟
لكنّه فرع ألّا يكون هناك دليل على المنع، فإنّه سوف يأتي التقريب المتقدم من كون أدلة المنع اللفظي متقدّمة على عدم المنع الأصالتي، فحينئذٍ يكون هذا فرع عدم وجود الأدلة التي ثبت بعض منها -ولا أقل ثبوت دليل واحد- فلابدّ من افتراض القول بالتساقط معاً، وعندئذٍ تبقى الأصالة، أو نرجع الى إطلاقات أدلة الأجزاء والشرائط ولو في رواية واحدة أو شرط واحد أو جزء واحد، فنصحّح الصلاة.
ــــــ[269]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الدليل الثاني: الشهرة.
التمسك بالشهرة، إذ ليس في البين إجماع قابل للتمسك غير الإجماعات المنقولة التي لا تتصف بالحجية بطبيعة الحال.
أو قل: صغرى الإجماع غير متحقّقة، فالإجماع محرز العدم إذ آراء علمائنا على نحوين: إمّا المنع، وإما الجواز، فتبقى إلى جانب الجواز على تقدير صحتها كبرى وصغرى.
لكن صغراها فيها إشكال ناشئ من الشك في تحقيقها فلا نستطيع ترجيح أحد الرأيين.
نعم، لو كان القائلون بالجواز يشكّلون الأكثر والأشهر لأمكننا القول بتحقيق الشهرة، لكن أنّى لنا إثبات ذلك؟
وكبراها أيضاً ليست متحققة فإنَّ الشهرة ليست حجة في نفسها.
الدليل الثالث: الأخبار.
الأخبار الدالة على الجواز ينبغي خوض غمارها في الجملة، فإن وجدنا فيها ما هو تام سنداً ودلالةً بنينا عليه إن لم يكن معارضاً بمثله، والّا رجعنا إلى القواعد العامة.
ولابدّ في المقام من المرور على الروايات المحتملة الدلالة وان كانت قابلة للنقاش والّا ففي الحقيقة ليس عندنا الّا رواية واحدة، أو روايتان على ما سيظهر من مطاوي بحثنا.
ــــــ[270]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الرواية الأولى:
مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَمِيلٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله أَنَّهُ قَالَ: «لاَ بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ المَرْأَةُ بِحِذَاءِ الرَّجُلِ وَ هُوَ يُصَلِّي، فَإِنَّ النبيَّ كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهِيَ حَائِضٌ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَيْهَا فَرَفَعَتْ رِجْلَيْهَا حَتَّى يَسْجُدَ»(1).
ولو اقتصر على عبارة «لاَ بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ المَرْأَةُ بِحِذَاءِ الرَّجُلِ وَهُوَ يُصَلِّي» لكان الاستدلال بها موقوفاً على التمسك بشمول اللفظ -بحذاء- إلى من كان أمامه، وإلى من كان بجانبه، ومعنى ذلك: أنَّ الإطلاق لكلتا الصورتين لابدَّ من القول بتماميته، والحال أنّه ليس تاماً كما تقدّم.
لكن في الرواية ذيل يمكن أن يكون قرينة على المطلوب، وذلك قوله: «فَإِنَّ النبيَّ كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهِيَ حَائِضٌ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَيْهَا فَرَفَعَتْ رِجْلَيْهَا حَتَّى يَسْجُدَ» وتقدم الإشكال عليها بأنَّ صدرها لا يناسب ذيلها، فإنَّ في الصدر سؤالاً عن صلاة المرأة بحذاء الرجل، وإنَّ في الذيل ما يدل على عدم صلاة المرأة بنحو النصوصية(2).
وقد تقدّم الحديث عنه، فإنّا قلنا في جواب هذا الاشكال، وكان خاصاً
ــــــ[271]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 122، الباب الرابع، جواز صلاة الرجل وإن كانت المرأة قدّامه أو خلفه أو إلى جانبه وهي لا تصلّي، ولو كانت جنباً أو حائضاً، وكذا المرأة، الحديث: 4.
(2) راجع الصفحة: 260، من هذا الكتاب.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
بالمحاذاة، والآن نبحث التقدم الذي فيه الذيل نصّ في تقدمها على الرجل وهو أوضح من المسألة السابقة، والشمول يحتاج إلى نحو من أنحاء التجريد عن الخصوصية -المماثلة أو الأولوية- فإنَّ صلاة المرأة إذا فسدت من ناحية التقدم فتفسد من ناحية المحاذاة أيضاً.
والاستدلال موقوف على إلغاء الإشكال المتقدّم بأن نجعل نحواً من القرينة الارتكازية على أنَّ الذيل له نحو ارتباط بالصدر، فتكون النتيجة: إنّ المرأة حال صلاتها وعدمها يشملها الحكم بالدلالة الالتزامية، فيكون بمنزلة القرينة المتصلة على إدخاله في مورد السؤال ولو بالإطلاق، أمّا إذا قلنا بعدم مطابقة الصدر للذيل فينتج عدم شمول السؤال لفرض المسألة، وهو بعيدٌ.
ومن هنا -وبعد التجريد عن خصوصية الأفراد، فإنَّ النبي وإن كان له خصوصية إلّا أنّه في المقام يطمئن بعدم خصوصيته، وعائشة لا خصوصية لها أيضاً- نقول: إنّ المحمول ليس لفظياً، وإنّما نقل لعمل النبي واجتزأ بصلاته أكيداً ولم تجب اعادتها، وهذا ما يمكن أن يستدل عليه بالإطلاق المقامي بل أكثر من الإطلاق المقامي، فإنّا نقول: لو أعاد النبي صلاته لم يكن لكلام الإمام أي معنى وفائدة.
سؤال وجوابان:
غير أنَّ الاستدلال بهذا التقريب متوقف على أن يكون الجواب مطابقاً للسؤال، ولو ببعض دلالاته، ولا يحتمل أن يكون بعيداً عنه تماماً.
وهذا له أحد جوابين:
الجواب الأول: احتمال البعد ثابت لأنَّ الإمام أفاد مطلباً قد أثير اجتماعياً
ــــــ[272]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وكان العامة وغيرهم يبنون عليه، وهو ابطال الصلاة لمطلق وجود المرأة، أي: حتى لو لم تكن مصلية، وكانت مضطجعة، أو جالسة أمام المصلي، أو مارّة قدّام المصلي، فحينئذٍ تبطل صلاة الرجل، وعليه: يحتمل أنَّ الإمام تبرع بهذا الكلام غير المرتبط بالسؤال السابق عليه، وهذا احتمال معتد به، ومحترم في نفسه، وحينئذٍ يبطل الاستدلال فيما إذا دخل الاحتمال.
نعم، لو أوجب ذاك التقريب المتقدم الاطمئنان فيقال بحجيته من دون إشكال إلّا أنَّ البحث فيما إذا لم يكن الارتباط موجوداً فلا ينعقد الإطلاق فيه من هذه الناحية.
الجواب الثاني: لو اغمضنا النظر، وقلنا بحصول الاطمئنان والقرينية، فتتعارض عندئذٍ القرائن المتصلة فلا يغدو العمل بكلا الإطلاقين ممكناً لغرض تساقطهما، وعندئذٍ نخسر القرينة التي أقيمت قبل قليل من إلحاق الذيل بالصدر أو الجواب بالسؤال، فيكون الاستدلال بدلالة الرواية على جواز صورة المرأة متقدمة على الرجل غير صحيح.
الرواية الثانية:
وَبِإِسْنَادِهِ(1) عَنْ سَعْدٍ، عَنْسِنْدِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ: قَالَ: «قُلْتُلِأَبِي عَبْدِ الله أُصَلِّي وَالمَرْأَةُ إِلَى جَنْبِي وَهِيَ تُصَلِّي؟
ــــــ[273]ـــــــ
(1) أي: محمد بن الحسن الطوسي.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
قَالَ: لاَ، إِلَّا أَنْ تَتَقَدَّمَ هِيَ أَوْ أَنْتَ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ وَهِيَ بِحِذَاكَ جَالِسَةٌ أَوْ قَائِمَةٌ» (1).
ويمكن أن يكون قوله: (تُصَلِّي) راجعاً إلى المذكر، أو المؤنث لولا وجود قرينة متصلة على تشخيص المرجع، وهو قوله: (وَهِيَ بِحِذَاكَ) فيكون مرجعه المذكر لا محالة.
والاستدلال على جواز تقدم المرأة موقوف على مقدمتين:
المقدمة الأولى: أن يكون قوله: (بِحِذَاكَ) شاملاً للتقدّم، فتصدق المحاذاة الأمامية كما صدقت المحاذاة الجانبية، إلّا أنّا قد نفينا هذا المعنى فيما تقدم(2)، فتكون هذه المقدمة ساقطة.
المقدمة الثانية: فهم الإطلاق من قوله: (جَالِسَةٌ أَوْ قَائِمَةٌ) لصورتي الصلاة وعدمها، ففي صورة عدم الصلاة يمكن تصور الجلوس والقيام لها، وفي صورة الصلاة يمكن تصور الجلوس والقيام لها أيضاً، خصوصاً إذا فهمنا من العطف أنّه بمعنى (الواو) لا بمعنى (أو)، فيكون تتابعها العرفي ظاهراً في كونها مصلية، لكنك لابدَّ أن تعرف أنّه نحو من التحميل على الرواية إذ الوارد فيها (الواو) مضافاً إلى ضعف المقدمة الأولى، مضافاً إلى ضعفها السندي بالسندي بن محمد فإنّه لم يوثقه أصحاب الرجال بخلاف سعد فهو ثقة، وعبد الله بن يعفور
ــــــ[274]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 124، 125، الباب الخامس، كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه أو إلى جانبيه وكذا المرأة إلّا بمكّة، الحديث: 5.
(2) راجع الصفحة: 24، 25.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فهو أحد كبراء أصحاب الصادق.
بقي قوله: تتقدم هي أو أنت، وهو وإن أمكن فيه القراءات المتعددة إلّا أنَّ المعنى واحد.
والحاصل: أنَّ الرواية دلت على حكمين:
الأول: المنع عن المحاذاة.
الثاني: جواز تقدم المرأة على الرجل، وهذا مستفاد من الاستثناء من عدم الجواز، وهو دال على الجواز بطبيعة الحال.
والكلام ليس في تقدم الرجل بل هو عطف على كلتا الصورتين -صورة تقدم المرأة، وصورة تقدم الرجل- على أن يكون حكمهما واحداً، وهو صحة الصلاة في حين أنّهما إذا كانا في صف واحد بطلت الصلاة.
وذيل الرواية غير مرتبط بها الّا إذا قلنا: إنَّ (بحذاك) فيشمل جانبي التقدم والمحاذاة وقد تقدّم القول فيه.
أمّا دلالتها على منع الصلاة الجانبية فهذا ما نفيناه قبل قليل، وقلنا ما هو أزيد من ذلك: إذ لو كانت دالة على البطلان فهي معارضة بما دل على الجواز، وبالتالي تسقط بالمعارضة، إضافة إلى وجود قرينة متصلة تنفي هذا المعنى، وهي: «لاَ بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ وَهِيَ بِحِذَاكَ جَالِسَةٌ أَوْ قَائِمَةٌ» إذ ظاهرها العرفي -بغض النظر عن هذا الكلام الأخير- أنّها تصلي إلى جنبي فتكون محاذية لي، وكلتاهما بنفس المضمون والمعنى.
وقوله: (لا) النافية الملحقة بنفي البأس يراد منها: الكراهة، و(لا بأس)
ــــــ[275]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
يدل على أصل الجواز الجامع بينهما، فتكون هذه بمنزلة القرينة المتصلة على أنْ النفي غير دال على المنع.
الرواية الثالثة:
مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ اَلصَّفَّارِ، عَنِ اَلْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ، عَنْ فَضَالَةَ، عَنْ أَبَانٍ، عَنِ اَلْفُضَيْلِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَتْ مَكَّةُ بَكَّةَ لِأَنَّهُ يَبْتَكُّ فِيهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَالمَرْأَةُ تُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ وَمَعَكَ وَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ»(1).
وهي من الروايات المهمة جداً، إضافة إلى كونها معتبرة سنداً.
والبحث فيها يحتاج إلى تلك المقدمة الهمدانية(2) -إن صح التعبير- فإنّه أفاد مختصراً: لا فرق بين مكة وغيرها من البلدان في صورة المحاذاة، ولا يحتمل وجود خصوصية لها.
وأجبنا عنه(3): القرينة المتصلة في الرواية تدل على خصوصية مكة وهي: (تبك الرجال والنساء) فهنا لو جردنا مكة عن خصوصيتها، فعندئذٍ تكون كغيرها من البلدان الشاملة لكل بقعة من بقاع الأرض، ولو كان بمقدرونا
ــــــ[276]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 126، الباب الخامس، كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه أو إلى جانبيه، وكذا المرأة الّا بمكّة، الحديث: 10.
(2) انظر: مصباح الفقيه 11: 63.
(3) راجع الصفحة: 50، 51.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
التجريد أو لو كان لا بدّ من التجريد فنقول: إنَّ المكان المزدحم الذي تبك الرجال والنساء، فيحصل التدافع بينهما، فيجوز فيه أن تصلي المرأة أمامه وإلى جنبه وهكذا.
أمّا المكان الذي هو غير مزدحم فاعمال التجريد فيه لا موجب له.
حكم كلتا الصلاتين
ومقتضى إطلاقات الأدلة الأولية هو بطلانهما معاً إلّا أنَّ هذه الإطلاقات قابلة للتقييد بعدة أدلة.
الدليل الأول: الإجماع.
الاجماع على عدم بطلان الصلاة المتقدمة بالصلاة المتأخرة، فيحصل لنا العلم العرفي أو الاطمئنان(1) بأنَّ الصلاة المتأخرة غير قادرة على ابطال الصلاة المتقدمة.
وببيان آخر: تحصّل الشهرة، وهي بمنزلة الاجماع المحصل بمعنى من المعاني، فيكون حجة وإن كنا لم نبحث عن آراء الفقهاء المتقدمين إلّا أنني قلت: إنَّ الإجماع المحصّل يمكن تحصيله بالحدس لا بالحس، لأنَّ غالبية فقهائنا لا نعلم بآرائهم، ولم تنقل كلماتهم.
فمن هذه الناحية تبقى حجية الاجماع كبرى من دون صغرى.
الدليل الثاني: الإجماع المركب.
الاجماع المركّب يعني أنَّ القول ببطلانها يستلزم إحداث قول ثالث، لأنّ
ــــــ[277]ـــــــ
(1) إن لم يحصل لنا العلم العقلي أو الفلسفي. (منه).
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الفقهاء انقسموا إلى فرقتين: ففرقة قالت بعدم البطلان أساساً من قبيل: حكمهم بصحة صلاة المرأة والرجل فيما إذا صلت أمامه، أو خلفه، أو بعده، أو قبله، وإنّما يتفرع على القول بالبطلان أو الحرمة لا على القول بالجواز، وفرقة قالوا بالتفصيل بين الصلاتين، فحكموا بصحة الصلاة المتقدمة، وببطلان الصلاة المساوية والمتأخرة، ولم يذهب أحد إلى البطلان المطلق فيكون البطلان المطلق على خلاف الإجماع المركّب.
مناقشة الإجماع المركب:
الّا أنَّ ذلك قابل للمناقشة صغرى وكبرى:
أمّا الصغرى فبعد التنزل عن الوجه السابق والقول بأنّه لا يوجد إجماع على المدعى بل المسألة خلافية، فإحداث قول ثالث لا بأس به الّا أنّ يشكّل عنواناً يتهرب منه عادةً كالتشريع والبدعة بل يمكن القول بإحداث قول ثالث، وإن كانت الشهرة العظيمة على خلافه.
أمّا من ناحية الكبرى فنسأل: ما هي صورة هذا الإحداث؟
والجواب: صورته أنَّ الفقهاء ما بين متمسك بالإطلاق من هذا الجانب، ومتمسك بالإطلاق من الجانب الآخر.
لكنَّ تقدم قبل قليل أنَّ الفقهاء على قسمين: قسم قائل بالصحة مطلقاً، وقسم قائل بالتفصيل بين ما إذا تأخرت الصلاة أو تساوت، ولم يقل أحد من الفقهاء إنَّ الصلاة المتقدمة تبطل بالصلاة المتأخرة، فلو كان إحداث القول الثالث
ــــــ[278]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ما بين القائل بالتحريم المطلق أو القائل بالجواز المطلق لأمكننا أن نعدّ هذا مخالفاً للإجماع المركّب، أمّا في المقام فالمسألة موافقة لأحد القولين، ولا يلزم منها إحداث قول ثالث. وتفصيل الكلام موكول إلى علم الأصول.
الدليل الثالث: الأخبار.
وبعض الأخبار قابلة للحمل على غير صورة المسألة، فأخبار المنع إنّما تمنع صورة تأخّر الرجل عن المرأة في الصلاة.
وأخبار الجواز إنّما تجوز صورة تقدم الرجل على المرأة في الصلاة أيضاً، فحينئذٍ يكون هذا المورد بمنزلة المقيّد للأخبار المانعة إن كانت دالة على الحرمة أو البطلان، وعندئذٍ نتمسك بأصالة عدم المانعية، أو بإطلاقات أدلة الأجزاء والشرائط، أو بالأصل العملي.
الخبر الأول: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ،عَنْمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى،عَنْمُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْجَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنحَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْإِدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْقُمِّيِّ، قَالَ: «سَأَلْتُأَبَا عَبْدِ الله عَنِ الرَّجُلِيُصَلِّي وَبِحِيَالِهِ امْرَأَةٌ قَائِمَةٌعَلَى فِرَاشِهَا جَنْباً فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ قَاعِدَةً فَلاَ يَضُرُّكَ وَ إِنْ كَانَتْ تُصَلِّي فَلاَ»(1).
وأحسن ما قيل من الإشكال المبنائي الذي يذكرونه عادةً على أصل المسألة،
ــــــ[279]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 121، الباب الرابع. جواز صلاة الرجل وان كانت المرأة قدّامه أو خلفه أو إلى جانبه وهي لا تصلّي ولو كانت جنباً أو حائضاً، وكذا المرأة، الحديث: 1. وورد في نسخة أخرى: جنبه.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وحاصله: أنّ هذه الرواية لا تدل على كون المرأة تصلي فإنَّ المفهوم من قول الراوي السؤال عن مجرد وجود المرأة لا أكثر ولا أقل، فأجابه: بما لا يدل على أسبقية صلاتها على الرجل.
لكن إذا ما أردنا من جعل السؤال قرينةً على الجواب فنتحصّل على المراد الآتي: إنَّ السؤال فيه إشعار، بل فيه ظهور على أنَّ المرأة موجودة قبل الرجل بنحو أسبق، وهي قائمة على فراشها، فحينئذٍ يأتي جواب الإمام: إن كانت تصلي قبله فتبطل صلاة الرجل، وإن كانت متأخرة عنه فتبطل صلاتها.
الخبر الثاني: عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ،عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ،عَنِ اَلْوَشَّاءِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي، وَالمَرْأَةُ بِحِذَاهُ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: لاَ بَأْسَ بِهِ إِذَاكَانَتْ لاَ تُصَلِّي»(1).
ونفس الإشكال المتقدم يمكن أن يكون قابلاً للورود، فيقال: اسم الصلاة لم يرد في سؤال السائل، فهو قال: الرجل يصلي والمرأة بحذاه عن يمينه، أو عن يساره.
وأيضاً يمكن أن نقدّم نفس الإجابة المتقدمة التي كان حاصلها: أنَّ المرأة
ــــــ[280]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 121، 122، الباب الرابع: باب جواز صلاة الرجل وان كانت المرأة قدّامه أو خلفه أو إلى جانبه وهي لا تصلّي ولو كانت جنباً أو حائضاً، وكذا المرأة، الحديث:2.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
أخذت مفروغة الوجود، وسابقة على وجود الرجل وصلاته، فحينئذٍ مفهوم (لا بأس) يكون: إذا كانت تصلي سابقة على الرجل فهناك بأس في صلاته، فبقرينة السؤال وضمه إلى الجواب فتحصل استفادة تكون بمنزلة القرينة المتصلة على أنَّ صلاتها أسبق من صلاة الرجل، فنقيده بهذه الموارد الخاصة، فهذا بمنزلة الخاص، والدال على البطلان بمنزلة العام، فتكون النتيجة: بطلان صلاة الرجل إذا كانت المرأة سابقة عليه، وعدم بطلان صلاته فيما إذا كان هو السابق، والمرأة لاحقة.
لكنّ الإشكال في كونهما غير متساويين إثباتاً ونفياً بل هما متساويان في النفي فقط، فإمّا لا صحة للصلاة إطلاقاً، وإمّا لا صحة للصلاة فيما إذا تقدمت بصلاتها على صلاة الرجل، فهل يكون هذا مورداً للتقييد أو لا، فيما إذا كان العام نافياً، والخاص مثبتاً أو بالعكس؟
والجواب: هذا له وجه وجيه، فإنّه بمنزلة القرينة على خلافه فيكون مقيداً له لاستحالة صدور المتنافيين عن المعصومين.
لكن لا يمكن لنا أن نستفيد من الخاص مفهوم المخالفة، فلو كان كذلك لكان مثبتاً، أي: أنَّ صورة تقدّم صلاة المرأة على صلاة الرجل تبطل صلاته، ويكون مفهومه: إذا كانت صلاة الرجل متقدمة على صلاة المرأة فتصح صلاته، وحينئذٍ يقيد العام بذلك.
لكنّه باطل في المقام، فإنّ موضوع مسألتنا هذان الخبران، وهما ما يستفاد منهما صورة تقدم صلاة المرأة لا العكس، فإنّ صورة تقدم صلاة الرجل بحاجة للمفهوم، وهو غير موجود سياقاً من قبيل مفهوم الشرط، أو الوصف، أو الحصر، أو نحو ذلك.
ــــــ[281]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
نعم، يمكن أن نستفيد من الروايات -المستدل بها سابقاً- جواز صلاة المرأة إلى جنب الرجل، لكنّه مطلب آخر.
إذن، ما دل على البطلان مطلقاً يختص بصورة تأخر المرأة على الرجل فيكون الدال على البطلان نافياً، وما دل على الجواز أخصّ منه، ويكون مثبتاً، فيكون دليلاً على التقييد.
الخبر الثالث: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَمِيلٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله أَنَّهُ قَالَ: «لاَ بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ المَرْأَةُ بِحِذَاءِ الرَّجُلِ وَ هُوَ يُصَلِّي، فَإِنَّ النبيَّ كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهِيَ حَائِضٌ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَيْهَا فَرَفَعَتْ رِجْلَيْهَا حَتَّى يَسْجُدَ» (1).
وهذا الخبر عكس الخبر السابق حكماً، وإن كان متحداً معه موضوعاً، فبعد أن قلنا بعدم الفرق بين تقدم الرجل أو تقدم المرأة، فإذا جاءت المرأة وصلت إلى جنبه، فتتحقّق المحاذاة المكانية لكن صلاة المرأة متأخرة عن صلاة الرجل زماناً، فمع ذلك لا بأس أن تصلي المرأة بحذاه، وهو يصلي.
ومعنى (لا بأس) صحة كلتا الصلاتين لاستفادة ذلك من الإطلاق، فتكون معارضة لما دل على المنع مطلقاً لأنّ صحة الصلاة مع التأخر تستلزم صحة الصلاة مع الاقتران والتقدم بطريق أولى.
ــــــ[282]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة 5: 122، الباب الرابع، جواز صلاة الرجل وإن كانت المرأة قدّامه أو خلفه أو إلى جانبه وهي لا تصلّي، ولو كانت جنباً أو حائضاً، وكذا المرأة، الحديث: 4.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الخبر الرابع: وَعَنْهُ(1) عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله: «فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي وَ المَرْأَةُ تُصَلِّي بِحِذَاهُ قَالَ: لاَ بَأْسَ»(2).
وقد مرت مناقشة السند فيما تقدم.
فنقول: -بعد استبعاد التساوي في التكبير بطبيعة الحال- إنّ هذا لا يخلو عرفاً وعقلائياً من أن يكون أحدهما متقدّماً سواء كان الرجل يصلي والمرأة بحذاه، أو كانت المرأة تصلي والرجل يصلي بحذاها، أو في صورة تساويهما الذي هو أولى بالصحة فيدل على الجواز، أو نقول بتأخرها على النحو المتقدم، وعندئذٍ تكون دالة على الجواز أيضاً، ويصار إلى التعارض بين ما دلت عليه الرواية هنا، وما دلت عليه الرواية هناك.
الدليل الرابع(3): ما ذكره المحقّق الهمداني(4).
ــــــ[283]ـــــــ
(1) أي: سعد بن عبد الله.
(2) وسائل الشيعة 5: 125، الباب الخامس، كراهة صلاة الرجل والمرأة تصلّي قدّامه، أو إلى جانبيه، وكذا المرأة إلّا بمكة، الحديث: 6.
(3) انظر: مصباح الفقيه 11: 69، 70.
(4) هنا كلام في خاطري أود قوله، وهو عبارة عن أمرين:
الأمر الأول: إنّ الشيخ الهمداني من الفضلاء المتأخرين والمحقّقين على مستوى الاجتهاد والتحقيق.
الأمر الثاني: إنّ ما عند المتقدم عند المتأخر وزيادة، فالإنسان يناقش العلماء الأقدمين، ولا بأس به، لكن مناقشته للمتأخرين تكون بمثابة النقاش مع أسلافه، لأنّه أخذ خلاصة السابقين، وتقدم عليهم قدماً في التحقيق. وعليه: أكون أنا أو غيري ممّن يناقشهم متقدماً عليهم قدماً أيضاً، وهذا كل المطلوب.
والنقاش مع صاحب المصباح الذي هو متأخر عن صاحب الجواهر ينبغي أن يكون متقدماً على صاحب الجواهر بالملاك نفسه، وفي موارد الاشتراك طبعاً -ومصباح الفقيه ليس فقهاً كاملاً- بل ينبغي أن يكون متقدماً على المتأخرين عن المحقّق الهمداني بملاك فضله، وعلمه، وتحقيقاته الذي يعد أفضل من المتأخرين حسب فهمي. (منه)
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وهو مختص بأصل البطلان فينفتح البحث عن الصلاة المتقدمة أو المساوية، وحاصله: لو حصل التعاقب بين الصلاتين اختص البطلان بالثانية دون الأولى؛ لأنَّ اللاحقة ليست بصلاة كي تصلح للمنع عن صحة الصلاة الأولى، فلو صلت متأخرة لا تصح صلاتها فتكون كصلاة الحائض، أو المحدث، فهي ليست صلاة حقيقةً فلا يتنجّز بواسطتها النهي في حق المتقدم؛ لأنّه فرع تحقق موضوعه.
أما لو اقترنت الصلاتان معاً فتبطلان لأنَّ مقتضى اعتبار هذا الشرط -الرجل لا يصلي إلى جنب المرأة والمرأة كذلك- حصول التمانع من كل طرف فهذا يمنع عن صحة هذه، وهذه تمنع عن صحة هذا أيضاً، وعندئذٍ يحكم العقل ببطلانها، ولا إطلاق في المقام ليشمل كلا فردي الصلاة، فهما إمّا صحيحتان أو فاسدتان، ولا سبيل إلى الأوّل لأنَّه ينافي الاشتراط المزبور -وهو عدم صلاة كل منهما فتكون الصحة ملازمة للترجيح وهو بلا مرجح- ويتعيّن الثاني، أي: بطلانها.
ــــــ[284]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
إشكالان على كلام المحقق الهمداني:
الإشكال الأول: ينبغي أن نقول ببطلان صلاة المتقدّم، فبعد أن كبّرت المرأة إلى جنبه أصبحت إلى جانبه صورة صلاة عرفية، فينبغي أن نقول ببطلانهما معاً، وهذا خلاف مقصودك.
الإشكال الثاني: إنَّ هذا الكلام مرتبط بالبحث الأصولي المعنون بالصحيح والأعم، فهل المراد من الصلاة بالأدلة الشرعية الصلاة المجزية الجامعة للأجزاء والشرائط من كل الجهات، أو إنَّ المراد من الصلاة صورة الصلاة العرفية؟ ممّا يعني ترتب شيء آخر في المرتبة السابقة عليه، وهو: أننّا نفهم الكتاب والسنة فهماً عرفياً، ومقتضى الفهم العرفي أنَّ الصلاة هي الأعمّ من الصحيح والفاسد، الّا في مثل هذه الموارد فلابدَّ علينا من تقديم فهمٍ مطابقٍ مع الشريعة، فحينما يأمرنا الشارع بالصلاة قطعاً فهو يأمرنا بالصلاة المجزية، لا يأمر بالصلاة العرفية الفاقدة للأجزاء، أو الشرائط، أو كليهما معاً، فالشارع والمتشرعة يذهبان إلى الصلاة الصحيحة لا الباطلة(1) ما عدا ما خرج بالدليل كصلاة الحائض التي استعمل فيها لفظ الصلاة عرفاً، ولم يستعمل لفظ الصلاة مجازاً(2).
وحينئذٍ ينتج من ذلك: أنَّ المتأخّر زماناً موضوع للحكم الشرعي لأنَّ إلى جنبه صلاة صحيحة، فتبطل الصلاة المتأخرة، والعكس ليس صحيحاً فإنَّ السابق
ــــــ[285]ـــــــ
(1) انظر: منهج الأصول: ج1، ص320.
(2) انظر: منهج الأصول: ج1، ص295.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
زماناً ليس موضوعاً للحكم الشرعي لأنّه ليس إلى جنبه صلاة جامعة للشرائط ومجزية لأنَّ ذلك الشرط الذي أفسد الصلاة أسبق رتبة من هذا الشرط، وإن كانا متزامنين أيضاً من الناحية المعنوية، بل نستطيع أن نقول للمتأخر: إنّه بدأ بصلاة فاسدة.
أمّا مسألة التزامن في التكبير أو الاقتران في الصلاة فيلزم من ذلك صحة صلاتها.
وبيانه: إنَّ الصلاتين المقارنتين إذا وجدتا معاً فتصحّان، لأنَّ هذه ليس جامعة للشرائط فلا تكون موضوعاً للحكم الشرعي بالبطلان، وتلك أيضاً، فمن هذه الناحية ينتج لابدّية القول بصحة كلتا الصلاتين.
وهذا ما تذرع به المحقق الهمداني مع أنّه ليس محصّل، لأننا نسأل: هل هذا الحكم العقلي في مرتبة سابقة على الحكم الشرعي، أو في مرتبة متأخرة عنه؟
ويكون الجواب: بعدم الاحتمال الأول، فلا يحتمل أن يكون في مرتبة سابقة على الحكم الشرعي بل هو متأخّر عن الحكم الشرعي، وليس في مرتبته، وعندئذٍ ينفتح لنا سؤال آخر: هل نقول بشمول الإطلاق كهذين الفردين أم لا؟
وهنا نجيب بوضوح: إن كان شاملاً لها فلا نحتاج إلى حكم العقل، بل حكم الشرع كافٍ لإبطال هذين الفردين معاً، كما لو فهمنا الصحة الاقتضائية أو الأعم من الصحيح والفاسد، ونحو ذلك من الأمور، فلا تكون حاجة إلى حكم العقل وانضمامه سواء أكان في المرتبة السابقة أم في المرتبة المتأخرة، وسواء فرضنا شمول إطلاق الدليل للفردين أو لم نفرضه، فتكون النتيجة: أنَّ الفردين غير مشمولين للإطلاق، فمن هذه الناحية -على تقدير القول بالبطلان- لا يكون الفردان
ــــــ[286]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المقترنان باطلين بل يكونان صحيحين.
وعلى الجملة: فنحن نذهب إلى القول بالصحة مطلقاً بنحو التساوي، أو التقدم لأحدهما على الأخر، وكذلك في المقترنين.
نهاية المطاف
بقيت لنا نقطتان حول عبارة المحقق الحلي إذ قال: ولا يجوز أن يصلي وإلى جنبه امرأة تصلّي أمامه سواء صلت بصلاته أو كانت منفردة، وسواء كانت محرماً أو أجنبية.
وقيل: ذلك مكروه، وهو الأشبه، ويزول التحريم أو الكراهية إذا كان بينهما حائل أو مقدار عشرة أذرع(1).
مناقشة كلام المحقق في عدة نقاط
النقطة الأولى: في قوله: سواء كانت محرماً أو أجنبية.
قسّم المحقّق الحلي المرأة إلى قسمين:
الأول: المحرم.
الثاني: الأجنبية.
والحال هي تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: المحرم.

ــــــ[287]ـــــــ
(1) انظر: شرائع الإسلام 1: 61، 62.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الثاني: الأجنبية.
الثالث: الزوجة.
وذلك لأنَّ الزوجة ليست محرماً وإن كان يشملها الجامع الذي هو جواز الرؤية المختص بكل من الأم، والبنت، والأخت، ونحو ذلك.
وهل المقصود بالمحرم من يحرم عليه نكاحها مؤبداً؟
الجواب: كلا، إذ ينتقض بالملاعنة والمطلقة تسعاً، فإنّهما يحرمان عليه من جهة النكاح ولا يجوز له أن يراهن.
إذن، المحرم هو ما دلت عليه الآية الشريفة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ(1).
وإذا لم ترتض ذلك فنقول: يجب أن يكون التقسيم بلحاظ ما قبل عروض الزوجية فإنّ المرأة قبل العروض إمّا أن تكون محرماً، أو أجنبية.
وإذا قطعنا النظر عمّا قلناه وصرفناه إلى الأدلة فتكون العناوين المتقدمة مشمولة للدليل جزماً وإن كان القدر المتيقن منه نساء بيته كزوجته، وابنته، وما شابههما.
فكيف نتعدى من هذا المقدار إلى مطلق المرأة استدلالياً؟
وجوابه:
أولاً: نتعدى عن طريق التجريد عن الخصوصية، فنقول: المراد من المرأة
ــــــ[288]ـــــــ
(1) النساء: 23.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
طبيعتها، فتكون المذكورات بعد تجريدهن ممّا يصدق عليهم لفظ: المرأة.
ثانياً: يمكننا التمسك بالإطلاق اللفظي فتكون مطلق المرأة مشمولة لهذا الاطلاق، وهو متوقف على وجود لفظ المرأة سواء كان بينها وبين الرجل علاقة نسب أو سبب.
ثالثاً: يمكننا التمسك بالأولوية، ويكون تقريبها: أنَّ نساء الرجل في بيته معتاد على وجودها، فلا ينشغل الرجل بها، فتصح صلاته، ويخشع قلبه، ويتم ذكره، أمّا الأجنبيات فليس الأمر فيهن كذلك فربما ينشغل ذهن المصلي بهن، ويذهب عنه الذكر، وحينئذٍ نقول: إذا بطلت صلاته بجنب نساء بيته فنحكم بالبطلان فيما إذا وقعن الأجنبيات بجنبه بطريق أولى.
النقطة الثانية: في قوله: يزول التحريم أو الكراهية إذا كان بينهما حائل أو مقدار عشرة أذرع.
وتقدّم الكلام عن التحريم وزواله بفاصل عشرة أذرع ولا نعيد.
لكن إذا قلنا بالكراهة فقد يقال: إنَّ فاصل عشرة أذرع لا يكفي لأنّ العنوان المأخوذ هو المحاذاة، وهي متحققة حتى لو تباعد الجسمان عن الكعبة كثيراً جداً، فموضوع الكراهة -المحاذاة- موجود، فيبقى الحكم بالكراهة قائماً.
قد يقال: إنّنا في باب المستحبات والمكروهات ولا يمكننا أن نصير إلى التقييد، بل يبقى المطلق مستحباً ويكون المقيد أشدّ استحباباً، وكذلك الأمر في المكروهات أيضاً، فالحكم التنزيهي سواء كان بنحو الاستحباب أو بنحو الكراهة غير قابل للتقييد.
ــــــ[289]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
لكنّه ليس بصحيح، فالاستحباب قابل للتقييد، والكراهة قابلة له إذا كان مدلول أحد الدليلين رجحان الفعل، ومدلول الآخر رجحان الترك بمعنى أعم ولا يعني أنّهما ما داما -العام والخاص أو المطلق والمقيد- متماثلين في الإثبات، أو متماثلين في النفي لا يكونان قابلين للتخصيص أو التقييد.
فنقول لحل المسألة بنحو الأطروحة: إنَّ رواية عشرة أذرع تعرض لنا فهماً عرفياً في انتفاء المحاذاة، فالمحاذاة يمكن أن نفهمها بنحو دقي، ويمكن أن نفهمها بنحو عرفي وفي الإشكال أخذت المحاذاة بنحو دقي، وهي موجودة جزماً للمتباعدين إذا تحاذيا، ولكن المراد منها المحاذاة العرفية، وهي غير متحققة بين الجسمين.
ما يصح السجود عليه
تقدم الكلام عن قول النبي الأكرم «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» فإن المراد من الأرض ما يسمى باللغة الحديثة الكرة الأرضية، يكون ما ذكره الشيخ الهمداني من أن المفخور والمطبوخ من التراب يمكن السجود عليه، لأنه جزء من هذا الكوكب ككل صحيحاً.
ما المقصود من الأرض في حديث النبي
لكن المطلب ليس كذلك، لأن هذا الفهم في نفسه فهم غلط، لعدة أمور، منها:
الأمر الأول: إن المعادن بمختلف أنواعها، سواء كانت في باطن الأرض أو
ــــــ[290]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ظاهرها، وسواء كانت سائلة أو جامدة، وسواء كانت منطبعة أو غير منطبعة، هي من الأرض، وهي جزء من هذا الكوكب ككل.
وبناء على فهم هذا المعنى من الأرض فلابد حينئذٍ من الفتوى بجواز السجود على المعادن وهو كما ترى.
إن قلت: إن المعادن خرجت بدليل مستقل، فتستثنى من عنوان الأرض ومن عدم جواز السجود.
قلت: لا يوجد شيء من هذا القبيل وإنما الفقهاء هم الذين أخرجوها بعنوان عدم صدق الأرض عليها في حين إننا إذا فهمنا من الأرض هذا المعنى حينئذٍ يصدق عليها الأرض قطعاً، كما يصدق على الخزف والكاشي والجص والنورة، كذلك يصدق على المعادن.
الأمر الثاني: في علم الأصول تذكر قاعدة مفادها، (مناسبات الحكم والموضوع) فليس كل حكم يرد على كل موضوع، بل أن لكل حكم موضوعه المناسب له بحسب العرف.
فيتم تحديد الموضوع بقدر ما هو المناسب لحكمه، وإن كان الحكم في نفسه مطلقاً إلاّ أنه يقيد بهذا الموضوع.
ومن أمثلة ذلك حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ(1) فهل أن المحرم هو أكلهن أو الجلوس معهن أو ماذا؟ لكن قاعدة مناسبات الحكم والموضوع تقتضي حرمة نكاحهن.
ــــــ[291]ـــــــ
(1) النساء: 23.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
والنتيجة: أنه إذا ما اكتسبت مناسبات الحكم والموضوع ظهوراً عرفياً بحيث لا يقع لبس فيه، تكون هي المعتمد.
أجل، لما كان الموضوع هو من يحدد حكمه تكون القاعدة (مناسبات الحكم والموضوع) عكس الطبيعي، فإن الطبيعي هي أن الموضوع يحدد حكمه لكن القاعدة هنا أن الحكم يحدد موضوعه.
وهذه القاعدة يمكن تطبيقها في المقام، فإنه يصح السجود على الأرض أو لا يسجد إلّا على الأرض، يعني الكرة الأرضية ككل بحيث نتصور أن الأرض أصبحت تحت الجبهة، وهذا بحسب الدقة صحيح لكنه بحسب العرف ليس بصحيح، لأن الأرض ككل لا ينظر إليها قطعاً، وإنما الشيء الصحيح أنه يسجد على الأرض الملحوظة بمقدار ما يناسب السجود ومفهومه، فلا يتصور حينها أن يكون لمثل «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» إطلاق أفرادي يشمل كل قطع الأرض.
إن قلت: إن ما ذُكر لا يتفق في النتيجة مع القاعدة، فلو قلنا بإرادة الأرض ككل فلا أقل إننا نتوصل إلى نتيجة هذه الإرادة بالإطلاق الافرادي لكل أجزاء الأرض ككل.
قلت: إن هذا يتم إن كانت اللام في الأرض جنسية لكنها ليست جنسية وإنما هي عهدية، فالأرض هي التي يسميها العرف أرضاً، أي هذه الأرض التي نتعارف عليها ونعيش فوقها وليست هي كل الكرة الأرضية.
وبهذا لا يكون لهذه القضية إطلاق، لأنها تصبح مهملة والمهملة بمنزلة
ــــــ[292]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المجملة والمجملة لا حجية فيها، وبفقد الإطلاق لا يكون للدليل المحرز وجود، فلابد فيها من المصير إلى الأصل والتمسك بالقدر المتقين، والقدر المتيقن هو الأرض غير المطبوخة، فلا يجوز السجود على غيرها.
إن قلت: إن هذا الشك يدفعه الاستصحاب، فإن هذه المحروقات، كالجص والنورة كانت يقيناً أرضاً، وبعد فخرها نشك هل لا زالت أرضاً؟ يرتفع هذا الشك بالاستصحاب.
قلت: الاستصحاب غير جارٍ في المقام، لعدم وجود الشك في خروج هذه الأشياء عن اسم الأرض، وإنما نحن نعلم علماً عرفياً، وذلك لاستحالتها وتبدل ماهيتها.
فإنك إن سألت العرف عن صحة سلب اسم التراب -مثلاً- عنها، لقالوا: نعم إنه ليس تراباً، بل جصاً أو نورة ونحو ذلك.
فمن هذه الناحية تحولت ماهية الأرض من ماهية إلى أخرى.
كما ان التراب ليس بجص قطعاً وان قلنا إن التراب جص يعني تراب قابل للتحول الى الجص بالإحراق لأنه ليس كل تراب قابل للتحول الى جص بالإحراق وانما معدن خاص له -لو صح التعبير- ذاك نسميه تراب جص أي تراب قابل للتحول.
فهو واقعاً وخارجاً قبل احراقه هو تراب وليس بجص وبعد احراقه يصبح جصاً وليس بترابٍ.
والنتيجة: إنا ما ذهب إليه الشيخ الهمداني بحسب وجدانه هو هذا الذي
ــــــ[294]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
قلناه، وفي الحقيقة هذا تسامح في التعبير، لأننا نأخذ من عبارته ما فيه شمول، وهو ليس كذلك بحسب العرف، لأن المشاهد حساً أن العرف يقول لمن بنى بيتاً أنه بناه من جص لا من تراب ويبني بالطابوق لا بالتراب. وهذا الفهم العرفي كافٍ لإثبات التحول.
أدلة الشيخ الهمداني
للشيخ الهمداني عدة تقريبات لدعم موقفه من جواز السجود على الجص والنورة، من قبيل الاستشهاد بصحيحة الحسن بن محبوب وهي: «سألت أبا الحسن عن الجص، يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى، ثم يجصّص به المسجد، أيسجد عليه؟ فكتب إليه بخطه: إن الماء والنار قد طهراه»(1).
وفحوى كلام الهمداني إن ظاهرها جواز السجود عليه على تقدير طهارته مفروغاً عنه لديهم، لأن الإشكال إنما من جهة المانع وهو العذرة وعظام الموتى، ولو لم يكن مانع النجاسة موجوداً لسجد عليه وهذا بحسب الارتكاز الذهني للسائل، وقد أقره الإمام.
ــــــ[294]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج3 ص527 ح1، باب 81 باب طهارة ما أحالته النار رماداً أو دخاناً، وحكم الخبز الذي عجن بماء نجس، ط مؤسسة آل البيت .
وطريق الشيخ لابن محبوب هو هذا «ومن جملة ما ذكرته عن الحسن بن محبوب، ما رويته بهذه الأسانيد عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحسن بن محبوب مشيخة التهذيب ج10 ص ط385 دار الكتب الإسلامية.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
هذا من جهة ومن جهة أخرى: أنها تدل على الجواز، بوجهين:
أولاً: التقرير الذي قدمناه قبل قليل.
وثانياً: الاقتصار في الجواز على جواز السجود بالماء والنار، وهذا هو المسمى بالإطلاق المقامي، فلو كان غير جائز للزم التنبيه عليه وإلاّ يكون تغريراً بالجهل أو تغريراً بما هو باطل ونحو ذلك، فالإطلاق كان ممكناً لكنه لم يقيد.
نعم، لا يكون الإطلاق لفظياً، لأنه يحتاج إلى اسم جنس وهو غير موجود(1).
مناقشة استدلال الهمداني
يمكن أن نجيب عن ذلك بأكثر من وجه:
الوجه الأول: إن العذرة وعظام الموتى لا يخلو من أحد أمرين:
– إما أنها تختلط بالتراب الذي يصنع جصاً وتنجسه نتيجة لوجود الرطوبة.
فحينئذٍ لا الماء ولا النار يمكن أن تطهره، لأن النار ليست من المطهرات والماء يقيناً هو قليل، وهو بالاختلاط يصبح مضافاً.
– وإما إن عظام الموتى ونحو ذلك من النجاسات غير مختلطة بالتراب وإنما يوقد تحت اللهب.
وهو حينها لا يكون نجساً حتى يطهره الماء أو يطهره النار.
والنتيجة: أن المضمون غير ظاهر المعنى، ويجب إرجاع معناه إلى أهله.
ــــــ[295]ـــــــ
(1) لاحظ: مصباح الفقيه: ج11 ص86، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الوجه الثاني: يمكن القول إن نظر الراوي بسؤاله أمران:
الأمر الأول: وهو ما فهمه الشيخ الهمداني من أن الجص هل يسجد عليه أو لا؟ وهذا ما تقدم بيانه.
الأمر الثاني: إن الجص بعد أن تنجس هل يسجد عليه أو لا؟ وكأنه ينتظر من الإمام إجازة السجود بلفظٍ.
ويمكن الإجابة عن كلا الأمرين، بأن النتيجة التي نتوصل إليها بعد الطبخ يجوز السجود عليها بصفتها جصاً وبصفتها مخلوطة بعظام الموتى، لكنه لما يكون الجواب أن الماء والنار قد طهراه، فبعد التنزل عن إشكالنا الأول فإن من المحتمل أن الإمام أجاب من إحدى زاويتين مما هو مرتكز في ذهن السائل، أما الآخر فقد أهمله:
– إما، لأن العبارة العرفية لا تتحمله.
– وإما، لأن هناك مطالب ثانوية من قبيل (كلم الناس على قدر عقولهم) أو (دعوا الناس على غفلاتهم) أو لأجل التقية ونحو ذلك.
فحينئذٍ يكون الإطلاق مقامياً، لأنه كان يمكنه أن يقيد لكنه لم يقيد، أي كان يمكنه أن ينهى عن السجود لكنه لم ينه.
وحينئذٍ لا يكون الاستدلال بالرواية على جواز السجود على الجص صحيحاً.
أدلة تؤيد الشيخ الهمداني:
تقدم جملة أدلة غير لفظية يمكن التمسك بها للقول بجواز السجود على الجص والنورة، من قبيل:
ــــــ[296]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
1- الإجماع.
2- الإرتكاز المتشرعي.
3- السيرة المتشرعية.
لكن الإشكال التي تواجهه هي أنها أدلة لبية لا لسان لها، وحينئذٍ يؤخذ منها بالقدر المتيقن، وهذا قد تقدم بيانه بشكل مفصل.

الكلام في الأدوية
يمكن تصنيف ما يدخل إلى جوف الإنسان أو بالاصطلاح الطبي إلى الجهاز الهضمي إلى:
1- طعام اعتيادي، وهو ما يتناوله الإنسان ليعيش وينمو ويتفاعل مع الحياة.
2- الأدوية، وهو ما يتناوله الإنسان لأجل دفع مضرة عن بدنه.
والكلام الآن هو في شمول حكم الجص للأدوية أو أن الحكم لا يشمله.
نقول: إن الأدلة المتقدمة، سواء كانت لفظية أو لبية، لابد أولاً من تنقيح الصغرى، فهل الدواء صغرى للعناوين المأخوذة في الأدلة أو لا؟
ثم يأتي دور الكبرى.
هل الكلام عن الجص يشمل الأدوية
إن العناوين الماخوذة في الروايات ثلاثة، هي:
أ- كونه طعاماً.
ــــــ[297]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ب – كونه مأكولاً.
ج – كونه من ثمار الأرض.
ويمكن الدعوى في المقام أن جميع هذه العناوين لا تنطبق على الأدوية.
– أما كونه طعاماً، فينبغي أن يكون واضحاً، لأن الطعام – عرفاً – هو ما كان لأجل التغذية والدواء ليس كذلك.
– أما كونه مأكولاً، فإن (أَكل) فعل ماضي، والمصدر منه أو اسم المصدر هو مادة (أَكل)، بمعنى هل هذا الشيء مما يؤكل؟
تقريبان على أن الدواء ليس مثل الأكل:
فهنا جملة تقريبات تدل على أن الدواء ليس مما يؤكل.
التقريب الأول: إنه ليس من الوجبات الغذائية الاعتيادية كما قلنا في الطعام.
التقريب الثاني: إن الأكل هو تحريك الفك لأجل المضغ وغالب الأدوية ربما بنسبة 99% لا تمضغ.
– أما كونه من ثمار الأرض، فينبغي أن يكون واضحاً، لأن الدواء ليس ثمرة فعلاً، لأنه حلل وركب وحصل فيه تغييرات واستحالات ونحو ذلك.
إن قلت: ألا يكون معنى (إنه من ثمرات الأرض) أن منشأه الأرض وبهذا تصدق الرواية على الأدوية، فإن أغلبها منشأه الأرض.
نقول: الظاهر أن (من) تبعيضية لا منشية، أي أنه شيء مأخوذ من ثمار الأرض، فلا يكون نظر الرواية إلى أن ثمار الأرض قد أصبحت أدوية، فإن هذا منصرف عنه.
ــــــ[298]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
إن قلت: ألا يمكن فهم كلا المعنيين -التبعيضية والمنشئية-.
قلت: هذا الحمل متعذر ولا سبيل إليه، لأنه من استعمال اللفظ في معنيين متغايرين، وهذا النوع من الاستعمال إما مستحيل عقلاً أو ممنوع عرفاً وهو خلاف الظاهر.
مناقشة التقريبين:
يمكن المناقشة بالنحو التالي:
إن الطعام والأكل في اللغة هو التناول، قال: «طعم: الطعم تناول الغذاء ويسمى ما يتناول منه طعم وطعام»(1).
أقول: الذي أستطيع قوله إن معنى الغذاء بدلالته المطابقية غير مأخوذ ولا التناول بدلالته المطابقية مأخوذ، لأن الطعام والأكل إنما هو تعبير عرفي وحقيقة يعرفها كل الناس، فالذي نعرفه والذي نعبر عنه ولو مجازاً بتناول الغذاء هو ذاك معنى الطعام، أما عدم كونه غذاء فاحتماله:
– إما أنه يريد من الغذاء الوجبة، فنقول: إنه (يتغدى)، وبعد التجريد عن الخصوصية يكون شاملاً للوجبات الثلاث.
إذن: وجبة الطعام الغذاء، فهل أن طاعم تناول وجبة الطعام خاصة دون غيرها؟ هذا غير محتمل.
ــــــ[299]ـــــــ
(1) المفردات في غريب القرآن، مادة طعم، نشر دار المعرفة، تحقيق: محمد سيد كيلاني.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
– أو أنه يريد من الغذاء ما يغذي الجسم ويعطيه قوة ونشاطاً ونحو ذلك الذي يسمى بالمغذي أو الأكل المغذي أيضاً.
-أما التناول، فإن معناه الحقيقي -كما أراه- هو البلع والدخول إلى الجهاز الهضمي، سواء كان بلعاً اختيارياً أو غير اختياري.
في الحقيقة هذا هو الذي طعم، أي بلع ودخل في جوفه.
والأدوية التي تكون صغرى البحث من ذلك، فما دام دخل المعدة صدق عليه أنه هو مأكول ومطعوم.
وفي الاصطلاح كذلك، إذن: كل ما كان دواءً كان ممنوع السجود عليه.
نعم، من غير المتعارف السجود على السوائل، لأن السجود عادة يكون على الأجسام الصلبة، فيختص الكلام بالأدوية الصلبة وهي لا يجوز السجود عليها، لأنها مما يؤكل ويطعم وإن لم تكن من ثمار الأرض.
ملاحظة على ما قاله الشيخ الهمداني:
جوَّز الشيخ الهمداني السجود على الخزف والجص والنورة ونحوها، ويمكن النقض عليه:
أولاً: أنه بالحرق يحصل تبدل للعنوان.
وثانياً: لو كان جواز السجود لأجل الأصل، فينبغي أن نقول بجواز السجود على الرماد وعلى الفحم، لأن أصلهما من النبات، ولا قائل به.
وإذا شككنا بجواز السجود عليهما، نستصحب الجواز، ومقتضى القاعدة
ــــــ[300]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
لولا ما قلناه من تبدل العنوان هو الشك، لأننا نشك أن تبدل العنوان هل كان سبباً في منع السجود أو لا؟
فهنا إما نستصحب الحكم وهو جواز السجود أو نستصحب الموضوع وهو أنه كان خشباً.
أقول: إن هذا الاستصحاب محكوم بالعلم بالخلاف، وذلك لتبدل الماهية التي لم يقبلها الشيخ الهمداني.
نعم، هو تبدل عرفي، لأنه أصبح رماداً فيصح سلب الخشب عنه.
إذن: ما يجوز السجود عليه -تبعاً للروايات الصحيحة- هو الأرض وما أنبتت وهذا ليس من الأرض ولا مما نبت منها.
الكلام في الزجاج
الزجاج في حدود ما افهمه من كلام الشيخ الهمداني(1) أنه من الموضوعات الحديثة في عصره، وأن التعرض له لا وجود له في كلمات الفقهاء، والكلام فيه:
تارة، يكون من جهة موضوعه.
ــــــ[301]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11، ص178، ط مؤسسة آل البيت«وأمّا الزجاج، فلا ينبغي التأمّل في انقلابه عمّا كان عرفاً، فلا يجوز السجود عليه، سواء كان في الأصل من أجزاء الأرض محضة من حجارة أو حصى ونحوه أو ممتزجة مع غيرها ممّا ليس بأرض من ملح ونحوه.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وأخرى، يكون من جهة حكمه.
– أما من جهة موضوعه، فالبحث ليس من الجهة العلمية، كالبحث عن كيفية صنعه، وإنما من جهة كونه موضوعاً تترتب عليه الأحكام، وهو بحسب معناه العرفي، والذي أعرفه أن للزجاج حصصاً متعددة، وإن كانت -تقريباً- جميعها من منشأ انتزاعي واحد.
وهو بحسب هذا المعنى -العرفي- حقيقته أنه خزف لكنه يكون مطلياً بمادة ليست خزفية تكون ذات ألوان.
– أما من جهة حكمه، فالزجاج لا يجوز السجود عليه حتى لو قلنا بجواز السجود على الخزف، لأن هذه المادة المطلية تكون حاجباً بين الجبهة وبين الخزف، فإن هذه المادة مجهولة الحال هل هي من الأرض أو هي مادة كيميائية أو أي شيء آخر؟
تفصيل الكلام في حكمه
في بيان حكم الزجاج مستويان من البحث:
المستوى الأول: وهو الكلام على وفق مقتضى القاعدة.
وهي منع جواز السجود على غير الأرض وما أنبتت، والزجاج وإن كان أصله من الأرض إلاّ أنه بعد تبدل عنوانه وماهيته عرفاً، لم يكن يصدق عليه أنه أرض، فلا يجوز السجود عليه.
لكن لما أنكرنا أن تبدل العنوان العرفي يستلزم زوال الحكم، يمكن القول بجواز السجود على الزجاج:
ــــــ[302]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
إما لليقين، بأن الحكم بالجواز يبقى ساري المفعول فيه.
وإما لاستصحاب اليقين السابق أنه من الأرض. وبعد تبدّل ماهيته نشك هل زال الحكم بجواز السجود عليه؟ والاستصحاب قاضٍ ببقائه.
هذا ما يقتضيه الدليل العام، ولكن إن وجد نص يدل على المنع عن السجود في مثل الزجاج خرجنا عن الحكم السابق ومثل هذا النص -الرواية- موجود، وهو ما سنبحثه إن شاء الله تعالى في المستوى الثاني.
المستوى الثاني: وهو الكلام وفق الدليل الخاص.
وهو دعوى وجود روايات تمنع من السجود على الزجاج، من قبيل:
1- محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين أن بعض أصحابنا كتب إلى أبي الحسن الماضي يسأله عن الصلاة على الزجاج قال: فلما نفذ كتابي إليه تفكرت وقلت: هو مما أنبتت الأرض، وما كان لي أن (أسأل) عنه، قال: فكتب إلي: لا تصل على الزجاج وإن حدثتك نفسك أنه مما أنبتت الأرض، ولكنه من الملح والرمل وهما ممسوخان(1).
كلام في السند:
رجال السند جميعهم ثقات إلاّ محمد بن الحسين فإنه مردد بين من هو ثقة ومن هو ضعيف.
ــــــ[303]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج5 ص360 ح1، 12 – باب عدم جواز السجود على المعادن كالذهب والفضة والزجاج والملح وغيرها، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
نعم، الشيخ الهمداني يرى صحة سندها ووضوح دلالتها(1).
كلام في الدلالة:
إن تجاوزنا الإشكال السندي يقع الكلام في الدلالة، وهي:
إن الزجاج كان له وجود منذ زمن العباسيين وإن لم يكن بالكثرة الموجودة اليوم.
وكان يظن السائل أن الزجاج من الأرض، وبما أنه هكذا فمن غير المناسب سؤال الإمام عنه، لأنه بهذا يجوز السجود عليه.
مع ذلك كتب إليَّ يمنعني من الصلاة عليه، فنفنى أن يكون الزجاج مما أنبتت الأرض.
ومعنى لا تصلِّ على الزجاج ليس بمعنى مكان المصلي وإنما بمعنى مسجد الجبهة، هذا ما نطمئن به وإن لم توجد قرينة لفظية تدل عليه، فإن تنزلنا عن هذا الاطمئنان يلزم خروج الرواية عن محل الكلام، لأن مكان المصلي لا بأس أن يكون زجاجاً.
كلام الشيخ الهمداني في الرواية:
الشيخ الهمداني يستند إلى لفظ (وهما ممسوخان) ويرى أن هذا نحو تعليل
ــــــ[304]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11، ص178، ط مؤسسة آل البيت«ويشهد له أيضاً -مضافاً إلى عدم صدق اسم الأرض عليه- صحيحة محمّد ابن الحسين.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
للنهي، فإن الزجاج معمول من الملح ومن الرمل، والملح والرمل ممسوخان وكل معمول مما هو ممسوخ لا يجوز السجود عليه(1).
معنى المسخ:
بعد ورود كلمة المسخ في الرواية يكون من اللازم تقديم بعض التفسيرات للممسوخ، ويمكن هنا حمل المسخ على أحد معاني ثلاثة:
المعنى الأول: تغيير خلق بعض الآدميين إلى شيء آخر.
كما موجود في التوراة المتعارفة أن زوجة لوط مسخت عمود ملح حين التفت إلى الخلف بعد نهي الجميع عن الالتفات إلى الخلف.
ولأجل هذا قد يعتمد فقيه على ظاهر الرواية ويقول بكراهة السجود على الرمل، لأنه ممسوخ.
المعنى الثاني: تحول جثث الموتى من بشر وحيوانات وغير ذلك إلى أرض.
وبهذا يكون المراد بالمسخ الاستحالة.
المعنى الثالث: هو الانقلاب.
فالمسخ هو عبارة عن عمل الرمل والملح -مثلاً- زجاجاً.
ــــــ[305]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11، ص178، ط مؤسسة آل البيت «أقول: ولعلّ المراد بقوله: «إنّهما ممسوخان» حال صيرورتهما زجاجاً، أي غير باقيين على حقيقتهما، لا أنّهما من حيث هما ممسوخان، كما يوهمه ظاهر العبارة.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فالمسخ لما كان هو التغيير فقد صدق على الانقلاب -تغير ماهية الشيء عرفاً- مسخ.
بعد هذا نقول:
عند ملاحظة هذه الرواية -إن صح سندها- نجد أن الملح والرمل ممسوخان، فيستنتج من ذلك من قبل بعض الفقهاء المتقدمين أنه يكره السجود عليهما أو على الرمل خاصة.
السجود على الملح
– أما السجود على الملح، فهو ممنوع، لأنه معدن.
قد يقال: إن الملح من قبيل الرمل يجمع من الأرض ولذا ينبغي أن يقال بكراهة السجود عليه لا بمانعيته.
نقول: إن هذا مردود من عدة وجوه:
الوجه الأول: إن المعدن عرفاً لم يؤخذ فيه أن يكون في باطن الأرض وهذا أيضاً يشير إليه الفقهاء، فيمثلون بالمعدن الذي في باطن الأرض بالملح، لكنه معدن بمعنى عرفي آخر وهو خروجه عن المادة الأرضية الأصلية وتحوله إلى مادة أخرى.
الوجه الثاني: لا يمكن أن ندعي أن الملح من سنخ الرمل، ولو فرضنا أنه منه بمعنى من المعاني إلاّ أنه يختلف عنه اختلافاً جذرياً، وذلك لوضوح أن الملح يذوب في الماء في حين أن الرمل لا يذوب فيه، وهذا فرق ملحوظ عرفاً.
ــــــ[306]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
السجود على الرمل
وأما الرمل الذي قيل من قبل بعضهم أنه يستنتج من هذه الرواية كراهة السجود عليه، فإن سلمنا بهذا فإنه بمثابة الصغرى وهي: (الرمل ممسوخ) ولابد له من ضم كبرى وهي: (كل ممسوخ يكره السجود عليه) أو (كل ممسوخ يمنع السجود عليه) وهذه الكبرى لا تحقق لها، ودونك النصوص فلاحظ.
وعليه: يمكن الإجابة عن هذا الحكم (كراهة السجود على الرمل) بأكثر من جواب، نذكر منها جوابين:
الجواب الأول: إن قلنا بكراهة السجود على الرمل كبروياً.
فمعنى هذا أن هذا المسخ هو المسخ الحقيقي، أي المعنى الموضوع له مادة المسخ وهو مسخ الإنسان إلى قرد مثلاً أو إلى حجر أو إلى رمل، ونحو ذلك.
أما هذا المسخ الذي اعطينا معناه بعدة وجوه وهو التحول الطبيعي من مادة إلى مادة على أشكال مختلفة من التصورات ليس هو مسخاً بالمعنى الحقيقي وإنما هو مسخ مجاز، فإن وجد مسخ للملح والرمل فهما ليسا ممسوخين حقيقة وإنما مجازاً، وحينئذٍ تكون العبارة مجملة من حيث كونه مسخاً حقيقيا أو مجازياً.
قد يقال: إن تعين المعنى الحقيقي ممكن بتوسط أصالة الحقيقة.
نقول: إن موضوع أصالة الحقيقة هو الشك، وفي المقام عندنا اطمئنان بأن الرمل والملح ليسا ممسوخين.
فأصالة الحقيقة، بل وكل الظواهر إنما تكون حجة عند عدم العلم المعتبر
ــــــ[307]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وبلا ريب أن الاطمئنان علم معتبر، أجل هو علم عرفي.
وعليه: احتمال المجازية يبقى قائماً، فلذا لا تتحقق الصغرى لكبرى كراهة السجود على الممسوخ.
الجواب الثاني: إن الكبرى المطلوب تحققها في المقام لا وجود لها.
ومن طالع الروايات لا يجد لهذه الكبرى أثراً.
إذن: إن مثل هذا الحكم مطعون في صغراه وكذا في كبراه.
نعم، يمكن بيان تقريب يساعد على القول لمثل هذا الحكم، وهو: إن بالإمكان استظهار أن الممسوخ يحرم أكله، فيلزم أن يكون أيضاً يحرم السجود عليه، لأن مقتضى القاعدة هو عدم صحة السجود على الحيوانات والممسوخ من الحيوان، إذن: الممسوخ لا يصح السجود عليه.
قد يقال: إن هذا التقريب باطل، لأنه قياس.
نقول: إن أرجعناه إلى التجريد عن الخصوصية أو إلى نحو من مناسبات الحكم والموضوع ونحو ذلك فلا وجود لشائبة القياس.
لكن الحق أن هذا التقريب للحكم غير تام، لعدم وجود الملازمة بين حرمة الأكل وحرمة السجود.
أضف إلى ذلك: أن صغرى المسخ ليست عرفية، لأن الممنوع ليس هو الممسوخ بعنوانه.
أجل، من تتبع الأخبار يجد أنها تكفلت ببيان كبرى وصغرى الممسوخ ولولا أن الأخبار تكفلت صغرى المسخ وذلك بتعداد الحيوانات الممسوخة لما تعرفنا
ــــــ[308]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
عليها.
مما يعني أن المحرم ليس الممسوخ بعنوانه وإنما حيوانات بعينها.
كلام الشيخ الهمداني في دلالة الخبر:
تقدم معنى خبر محمد بن الحسين وهنا نقول إن الشيخ الهمداني يرى إن هذا الخبر -وهو صحيح بحسب ادعاءه- قد يؤدي إلى القول بحرمة السجود على الرمل، لأن في الخبر ما يشكل قرينة على الحرمة:
القرينة الأولى: وحدة السياق.
فبعد ورود المنع (لا تصلِّ) وعند الشك في جواز السجود على الزجاج وعدمه اقتضت وحدة السياق المنع عن السجود.
القرينة الثانية: قوله (هما ممسوخان).
فإن هذا تعليل للمنع بـ«لا تصلِّ على الزجاج، لأنهما ممسوخان» فسبب المنع أنه يصنع من رمل الممسوخ.
بيان عبارة الشيخ الهمداني:
قال الشيخ الهمداني «وربما التزم بعض بكراهة السجود على الرمل؛ أخذا بهذا الظاهر.
وهذا وإن كان مقتضاه الحرمة خصوصاً بعد وقوعه تعليلاً للنهي عن السجود على الزجاج ولكنّه لابدّ من حمله على الكراهة بعد العلم بدخوله في مسمّى الأرض وشهادة النصّ والإجماع على جواز السجود عليه بالخصوص،
ــــــ[309]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
مضافاً إلى العمومات الدالّة عليه)(1).
مناقشة كلام الهمداني:
وما أفاده  قابل للمناقشة:
– أما، النص -فإن تم سنداً ودلالةً- فهو بمنزلة المقيد، ولا يصلح التمسك بالمطلق ونلغي المقيد.
– وأما، قضية دخوله في مسمى الأرض، فغايته إن بالإمكان -عند مراجعة الأدلة- استفادة أن كل أرض يجوز السجود عليها إلاّ الرمل.
– وأما الاجماع، فهو أضعف من الجميع، لأنه دليل لبي لا إطلاق له حتى يمكن التمسك بما كان محلاً للشك، ولذا يتمسك منه بالقدر المتيقن والقدر المتيقن ليس هو الرمل أكيداً.
مناقشة أخرى لكلام الشيخ الهمداني:
إن قول الهمداني «وإن كان مقتضاه الحرمة خصوصاً بعد وقوعه تعليلاً للنهي عن السجود على الزجاج».
يمكن المناقشة فيه بعدة وجوه:
الوجه الأول: إن قول (كل ارض يجوز السجود عليها إلاّ الرمل) هو من الاستثناء بالأكثر، لأننا نعلم خارجاً أن أكثر ظاهر الأرض هو رمل حتى الجبال،
ــــــ[310]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11، ص178، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
فإن فيها رمال كثيرة.
الوجه الثاني: إن التعبير بالأرض ينصرف إلى الرمل خاصة، لأن أكثر وجه الأرض رمل.
إذن: حينما نقول يجوز السجود على كل أرض، معناه السجود على كل رمل، فلا تحصل حينها معارضة ولا يكون تقييداً وإنما يكون نفياً لموضوع الدليل المقابل.
الوجه الثالث: يمكن لكل فقيه تحصيل اطمئنان شخصي لجواز السجود على الرمل، فننفي بهذا القول بحرمة السجود على الرمل، لأن الرواية لو كانت ظاهرة في حرمة السجود على الرمل لم يكن هذا الظهور حجة لوجود الاطمئنان بخلافه.

الكلام في السجود على القير
الكلام في مسألة جديدة من مسائل ما يصح السجود عليه وهي (السجود على القير) ونعقد البحث عن الروايات التي عقد لها الشيخ الحر العامليباباً بعدم جواز السجود على القير، وبحسب التتبع، فإن اثنين منها تدل على المنع والباقي يدل على الجواز.
الروايات الدالة على المنع
1- النصوص العامة التي دلت بمفهومها على عدم جواز السجود على غير الأرض أو ما نبت منها، والقير من مصاديق من غير الأرض ولا مما نبت منها، وقد تقدم بيان بعضها فلاحظ.
ــــــ[311]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
2- النصوص الخاصة التي دلت بمنطوقها على عدم جواز السجود على القير، من قبيل: (محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه وعن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر  قال: «قلت له: أسجد على الزفت يعني القير؟ فقال: لا» (1).
الروايات الدالة على الجواز
1- وبإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن الحسين عن جعفر بن بشير عن صالح بن الحكم قال: «سألت أبا عبد الله عن الصلاة في السفينة -إلى أن قال- فقلت له: آخذ معي مدرة، أسجد عليها؟ فقال: نعم» (2).
فهي من جهة السند تامة وإن كان جعفر بن البشير وصالح بن الحكم لا يخلوان من مناقشة.
ومن جهة الدلالة:
قد يقال: إنها دالة على عدم جواز السجود على القير باعتبار أن السفينة مطلية بالقير، وسبب السؤال عن أخذ المدرة هو لأجل الارتكاز من أن السجود على القير الموجود في السفينة ممنوع.
ــــــ[312]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج5 ص346 ح1، 2 – باب عدم جواز السجود اختياراً على القطن والكتان والشعر والصوف وكل ما يلبس أو يؤكل، ط مؤسسة آل البيت.
(2) وسائل الشيعة: ج5 ص354 ح2، 6 – باب عدم جواز السجود على القير والقفر والصاروج إلا في الضرورة، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
أقول: إن هذا الارتكاز غير واضح. وربما وجد في السفينة قطعة بارزة من الخشب المصنوع منه السفينة وسجد عليه فمن هذه الناحية لا يتعين في السفينة السجود على القير.
أما تقريب دلالتها على الجواز: إن هذه المدرة مخلوعة من السفينة نفسها لأن القير أحيانا يتكسر فيكون قطعاً فيأخذها البعض وإنما سميت مدرة، لأنها تشبه المدرة، لأن المدرة هي الحجر أو الحصاة أو نحو ذلك وليست هي قطعة القير لكنها تشبه الحصاة مجازاً.
مناقشة التقريب على الجواز:
إن هذا التقريب غير تام لوضوح ضرورة الحمل على الحقيقة وليس على المجاز، فالمدرة هي الحصاة وظاهر السياق أنه آخذ معي مدرة لا أنه يأخذها من السفينة نفسها، وإنما يأخذها قبل الدخول إلى السفينة.
2- وبإسناده عن الحسين بن سعيد عن النضر عن محمد بن أبي حمزة عن معاوية بن عمار قال: «سأل المعلى بن خنيس أبا عبد الله وأنا عنده عن السجود على القفر وعلى القير؟ فقال: لا بأس به»(1).
وهو وإن كان واضحاً من جهة الدلالة إلا أنه مناقش سنداً من جهة محمد بن
ــــــ[313]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج5 ص354 ح4، 6 – باب عدم جواز السجود على القير والقفر والصاروج إلا في الضرورة، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
أبي حمزة فهو لم يوثق.
3- وبإسناده عن معاوية بن عمار: «أنه سأل أبا عبد الله عن الصلاة على القار؟ فقال: لا بأس به»(1).
والكلام فيه تارة من جهة السند وأخرى من جهة الدلالة.
– أما من جهة الدلالة، فإن لفظ القار فيه ثلاثة احتمالات:
الأول: القير.
الثاني: نبات موجودة في اليمن.
الثالث: مادة سوداء يطلى بها جلد الأبل الجرباء.
أما الاحتمال الثالث، فليس منه، لوجود قرينة تدل على أن تلك التسمية إنما هي لأجل التشابه في اللون، وهذه القرينة، هي: إن القير إذا مسح أو لصق على الجلد، فإنه يلتصق ومن الصعب قلعه ولأجل هذا سمي به. فالقار مادة مستقلة وليس هو القير.
أما الاحتمال الثاني، فليس منه، لأن العرب، أي في الحجاز ونجد والعراق ونحو ذلك في زمن الأئمة لم يكونوا يعرفون تلك الشجرة.
فيتعين المعنى الأول.
مناقشة الرواية سنداً:
– أما من جهة السند، فإن هنا عدة خطوات، هي:
ــــــ[314]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة: ج5 ص354 ح5، 6 – باب عدم جواز السجود على القير والقفر والصاروج إلا في الضرورة، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الخطوة الأولى: أن نجعل الضمير في كلمة (إسناده) مرجعه الشيخ وطريق الشيخ إلى معاوية بن عمار في الفهرست، هو هذا: (معاوية بن عمار الدهني، له كتب… أخبرنا بذلك جماعة عن أبي جعفر بن بابويه عن ابن الوليد عن الصفار عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى عنه.
وأخبرنا بذلك أيضاً أحمد بن محمد بن موسى عن أحمد بن محمد بن سعيد عن الحسن بن عتبة بن عبد الرحمن الكندي، قال حدثنا محمد بن سكين قال حدثنا معاوية بن عمار) وطريق الشيخ إليه معتبر.
الخطوة الثانية: أن نجعل الضمير في كلمة (إسناده) مرجعه الشيخ لكن الطريق ليس لمعاوية وإنما للحسين بن سعيد، بإرجاع السند في هذه الرواية إلى التي قبلها وهي ذات الرقم 4 وذاك السند هو سند الشيخ للحسين بن سعيد، وبناءً عليه لا تكون الرواية تامة سنداً، لأن في طريقها حينئذٍ محمد بن ابي حمزة الذي لم تثبت وثاقته.
الخطوة الثالثة: أن نجعل الضمير في كلمة (إسناده) مرجعه الكليني لأن الرواية الثالثة بالباب يقول وقد تقدم في حديث زرارة عن أبي جعفر “قال قلت له أيسجد على الزفت يعني القير قال: لا”.
وتقدم في باب سابق وهذا الباب الثاني الرواية الأولى: محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه وعن محمد بن إسماعيل… إلى آخره عن زرارة، وقد تقدم في حديث زرارة عن أبي جعفر إذن هذه الرواية الثالثة مروية عن الكليني فتكون عبارة
ــــــ[315]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
(وبإسناده) إسناد الشيخ الكليني، وإسناد الشيخ الكليني إلى معاوية بن عمار معتبر.
ويؤيد ذلك: إن الرواية السادسة بعد هذه الخامسة التي نتكلم عن سندها يقول ورواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن معاوية بن عمار، معنى ذلك أن الشيخ الحر يرى أن هذا الضمير مرجعه إلى الكليني وإلاّ لو كان مرجعه إلى الشيخ لما كان هناك حاجة إلى التصريح بالشيخ يقول ورواه الشيخ.
إلفات نظر
إن بعض عبائر الشيخ الهمداني فيها دلالة على أنه يرى أن هذه الطائفة من الروايات والتي تدل على الجواز، كلها ضعيفة السند.
وفي الحقيقة أن بعضها يمكن تصحيح سندها.
ــــــ[316]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر

المصادر

• القرآن الكريم
1- أجوبة المسائل المُهَنّٰائية، تأليف: العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، الناشر: مطبعة الخيام، قم – إيران، سنة الطبع: 1401هـ.
2- الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، تأليف: الطوسي، محمد بن الحسن، الناشر: دار الكتب الإسلامية، طهران – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1390هـ.
3- الأمالي، تأليف: المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، الناشر: المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1413هـ.
4- تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد (رضوان الله تعالى عليه)، تأليف: الطوسي، محمد بن الحسن، تحقيق وتعليق: السيد حسن الخرسان، الناشر: دار الكتب الإسلامية، النجف الأشرف، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1381هـ.
5- ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، تأليف: الصدوق، محمد بن علي بن الحسن بن بابويه، تحقيق: الشيخ حسين الأعلمي، الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت – لبنان، الطبعة: الرابعة، سنة الطبع:1410هـ- 1989م.
ــــــ[317]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
6- جامع المقاصد في شرح القواعد، تأليف: المحقق الكركي، علي بن الحسين، الناشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة: الطبعة الثانية، سنة الطبع: 1414هـ.
7- جمهرة اللغة، تأليف: محمد بن الحسن بن دريد، تحقيق: رمزي منير بلعبكي، الناشر: دار العلم للملايين، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1987م.
8- الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، تأليف: البحراني، يوسف بن أحمد، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم‏ – إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1423هـ.
9- ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، تأليف: الشهيد الأول، محمد بن مكي، قم‏- إيران، الطبعة: الثالثة، سنة الطبع: 1425هـ.
10- الرعاية في علم الدراية، تأليف: الشهيد الثاني، زين الدين بن علي العاملي، تحقيق: عبد الحسين محمد علي بقال، الناشر: مكتبة المرعشي النجفي، قم – إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1408هـ.
11- السرائر، تأليف: ابن ادريس الحلي، محمد بن منصور، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم‏- إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1410هـ.
12- شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، تأليف: المحقق الحلي، جعفر بن حسن، الناشر: اسماعليان، قم – إيران، سنة الطبع: 1408هـ.
ــــــ[318]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
13- الكافي، تأليف: الكليني، محمد بن يعقوب بن اسحاق، الناشر: دار الكتب الإسلامية، طهران – إيران، الطبعة: الرابعة، سنة الطبع: 1407هـ.
14- لسان العرب، تأليف: ابن منظور، محمد بن مکرم، بتعليق: علي شيري، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بیروت – لبنان، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1408هـ.
15- المحاسن، تأليف: البرقي، أحمد بن محمد بن خالد، الناشر: دار الكتب الإسلامية، قم – إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1371هـ.
16- مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، تأليف: العاملي، محمد بن علي الموسوي، الناشر: منشورات الفجر، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1429هـ- 2008م.
17- مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، تأليف: الشهيد الثاني، زين الدين بن علي العاملي، الناشر: مؤسسة المعارف الإسلامية، قم المقدسة – إيران، سنة الطبع: 1414هـ.
18- مصابيح الظلام في شرح مفاتيح الشرائع، تأليف: الوحيد البهبهاني، محمد بن باقر أكمل، الناشر: مؤسسة العلامة المجدد الوحيد البهبهاني، قم – إيران، سنة الطبع: 1424هـ.
19- مصباح الفقيه، تأليف: الهمداني، الآغا رضا بن محمد، الناشر: مؤسسة التاريخ العربي، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1432هـ- 2011م.
ــــــ[319]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
20- مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلاّمة، تأليف: العاملي، محمد جواد، تحقيق: الشيخ محمد باقر الخالصي، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم‏- إيران، الطبعة: الثالثة، سنة الطبع: 1433هـ.
21- المقنعة، تأليف: المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، الناشر: المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1413هـ.
22- من لا يحضره الفقيه، تأليف: ابن بابويه، محمد بن علي، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم‏- إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1413هـ.
23- منهج الأصول، تأليف: الصدر، محمد محمد صادق، الناشر: دار مكتبة البصائر، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، سنة الطبع:1431هـ- 2010م.
24- النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، تأليف: الطوسي، محمد بن الحسن، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1390هـ- 1970م.
25- الوافي، تأليف: الفيض الكاشاني، محمد محسن بن مرتضى، الناشر: مكتبة الإمام أمير المؤمنين، اصفهان – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1406هـ.
26- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تأليف: الحر العاملي، محمد بن الحسن، تحقيق: الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، الطبعة: السادسة، سنة الطبع: 1412هـ- 1991م.

ــــــ[320]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر

الفهرس

مبحث لباس المصلي 11
[الأخبار الدالة على عدم الصلاة في اللباس النجس] 11
الطائفة الأولى: ما دلّ على عدم جواز الصلاة في جلد الميتة 11
الطائفة الثانية: ما دلّ على اشتراط الذكاة في الجلد خلال الصلاة 12
الطائفة الثالثة: ما دلّ على جواز الصلاة في الدم إذا كان بمقدار الدرهم 13
الطائفة الرابعة: فيمَن علم بالنجاسة ولم يستطع التعرّف على موضعها 13
الطائفة الخامسة: فيمن نسي النجاسة حتّى صلّى 14
الطائفة السادسة: فيمن أصاب ثوبه خمر أو مسكر 15
الطائفة السابعة: فيمن تعذّرت عليه إزالة النجاسة 15
الطائفة الثامنة: في أنَّ من يكون له ثوب واحد فإنّه يصلّي عارياً 16
الطائفة التاسعة: أنَّه لا يجب إعلام الغير بوجود النجاسة 16
الطائفة العاشرة: ما دلّ على اشتراط الذكاة في الجلد 17
[حكم لبس ما لا يؤكل لحمه في الصلاة] 23
ما لا يُؤكل لحمه إذا ذكّي كان طاهراً. 37
الكلام في شعر ما لا يُؤكل لحمه إذا لم يكن مذكّى، هل هو نجس أم لا؟ 40
يمكن الاستدلال على نجاسته ببعض الأدلّة. 40
الأوّل: قاعدة: أنَّ كلّ ميتة نجس، فيشمل محلّ الكلام. 40
ــــــ[321]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الثاني: لسان لا يجوز الصلاة في الميتة، والشعر منها. 40
الثالث: لسان ما دلَّ على نجاسة جلود الميتة، والشعر جزء منها وموجود عليها. فيشمله الحكم. 41
حول نجاسة الشعر من الحيوان 54
الطائفة الأُولى: ما دلّ على نجاسة شعر الكلب 54
الطائفة الثانية: ما ورد في نجاسة شعر الخنزير 56
الطائفة الثالثة: فيما ورد من نجاسة الكافر. 56
الطائفة الرابعة: ما ورد في نجاسة الميّت. 59
مبحث مكان المصلي 63
طهارة مكان المصلي 63
نظر عامة على مباحث المسألة 63
اعتبار الطهارة الأصلية 63
مقدمة قبل الدخول بالروايات 64
بحث استطرادي حول مطهرية الشمس 64
الروايات الدالة على مطهرية الشمس 65
الخبر الأول: 65
تقريب الدلالة: 66
الاعتراضات على دلالة الخبر 66
الاعتراض الأول 66
الاعتراض الثاني 66
الخبر الثاني 67
تقريب الدلالة 68
ــــــ[322 ]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الاعتراضات 68
الاعتراض الأول 68
الاعتراض الثاني 68
الخبر الثالث 68
تقريب الدلالة ومناقشتها 69
الخبر الرابع 69
تقريب الاستدلال بالرواية 70
مناقشة الاستدلال 70
الاعتراضات 71
إلفات نظر 71
الخبر الخامس 71
مناقشة سندية 71
الخبر السادس 72
مناقشة سندية للرواية 72
الكلام في الدلالة 73
نكات متفرقة [بالنسبة إلى الروايات المدعى دلالتها على مطهّرية الشمس] 73
النكتة الأولى 73
النكتة الثانية 75
الكلام في السند 76
كلام في المتن 76
كلام في الاستدلال 77
ــــــ[323]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
ملاحظة على الاستدلال 77
ترجيح أخبار الطهارة 77
أصل المسألة 78
النصوص الدالة على الصحة 78
النص الأول 78
تقريب الاستدلال 79
النص الثاني 79
تقريب الاستدلال 79
الاعتراض على الاستدلال 80
النص الثالث 80
زيادة بيان 81
النص الرابع 82
ملحوظة 82
تقريب الاستدلال بالصحيحة 82
تنويه 85
كلام في قول «أيسجد عليه» 87
سؤال وجواب 87
مناقشة الاستدلال 89
كلام في السياق 91
الإعتراض الأول 91
الاعتراض الثاني 91
استدراك 91
ــــــ[324]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
وجه آخر من الاستدلال 92
مناقشة الاستدلال 93
مختصر المسألة 93
مناقشة الاستدلال 94
هل يمكن إجراء أصالة البراءة في المقام 95
اشتراط الطهارة الأعم 95
طبيعة الاستدلال 96
مسألة: إذا كان مكان المصلي جافاً صحت فيه الصلاة. 96
الدليل عليه 96
الدليل الأول: أصالة عدم المانعية أو قل أصالة عدم الشرطية. 96
مناقشة الاستدلال 97
الدليل الثاني: من المحتمل الاستدلال لعدم اشتراط الطهارة الأصلية في محل السجود (الإجماع) وتقريب الاستدلال به 98
مناقشة دليل الإجماع 99
الأدلة الدالة على اشتراط الطهارة 99
الوجه الأول: التمسك بصحيحة الحسن بن محبوب. 100
بيان وتوضيح 104
الوجه الثاني: الاجماع. 105
كلام المحقق الهمداني 106
الأدلة على مختار الفقهاء الثلاثة 107
مناقشة الأدلة 109
مناقشة أخرى على الهمداني 110
ــــــ[325]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
هل يوجد تناقض في كلام المعصومين؟ 114
الجواب الأول 114
الجواب الثاني 114
محل الكلام 115
مناقشة مدرك الإجماع 116
تأييد رأي السيد الحكيم 117
تفسير الشيخ 120
الروايات الدالة على الجواز 121
الرواية الأولى 121
الرواية الثانية 121
حل التعارض بين الروايتين 122
الأصل العملي في المقام 122
1- أصالة الاحتياط 123
2- أصالة الاستصحاب 123
3- أصالة الاشتغال 123
عوداً للكلام عن الإجماع: 124
المقدمة الأولى: إن عمدة الدليل على وجوب الطهارة الأصلية باصطلاحنا في محل السجود بعد سقوط الأدلة الأخرى هي الروايات. 124
المقدمة الثانية: بما أن في المقام إجماعاً فإننا نسأل عن معقد إجماعهم ما هو؟ 125
مناقشة المقدمة الثانية 125
الصلاة في الحمام 127
ــــــ[326]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
النصوص الشرعية في المقام 128
عبارة المسلخ: 129
الصلاة في المكان المغصوب 129
الجاهل والناسي للغصبية 129
كيف يكون الغاصب جاهلاً بالغصب؟ 130
لفت نظر 130
الدليل اللبي والدليل المطلق 132
حكم الجاهل بالغصبية 132
الجاهل القاصر والجاهل المقصر 133
اجتماع الأمر والنهي في العبادة 134
اجتماع الأمر والنهي في الأمر التوصلي 136
الغاصب العالم بالغصبية 137
الغاصب الجاهل بالغصبية 138
عودة لصلب الموضوع 139
أدلة بطلان الغصب عن عمد 139
تفصيل الأدلة اللبية في المقام 140
الدليل الأول: الاجماع. 140
الدليل الثاني: استفاضة الروايات. 141
الدليل الثالث: اجتماع الأمر والنهي. 141
إطلاق حكم العقل ومناقشته 142
معنى طيب النفس 143
الجاهل بالحكم 144
ــــــ[327]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
توهم ودفع 144
الكلام في الجاهل القاصر 144
مناقشة أدلة الاشتراك 145
الدليل الأول: الاجماع. 145
الدليل الثاني: إطلاقات الأدلة. 146
إشكال ودفع 146
الكلام في الحكم الوضعي 149
إشارة: 151
لو دخل الأرض المغصوبة وأراد الخروج 152
هل يجتمع الأمر والنهي في مثل هذه المسألة؟ 154
مناقشة صاحب المدارك 155
هل الآية دالة على وجود الحرمة 156
عوداً لصلب الموضوع 159
سؤالان 160
قاعدة: إن ما ليس بالاختيار يعود إلى ما بالاختيار. 161
تفسير الشيخ الهمداني للتزاحم 162
الرد على أقوال الهمداني 164
تفسير آخر للشيخ الهمداني 165
مناقشة كلام الهمداني 167
بيان سبب الخلط بين الأمر والنهي 169
مناقشة كلام الهمداني 170
لو صلى ولم يتشاغل بالخروج 171
ــــــ[328]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
لفت نظر 172
مناقشة إمكان إجراء استصحاب الكلي 173
الأدلة في المقام 175
الدليل الأول: إن المانع الشرعي كالمانع العقلي 175
مناقشة الدليل 175
الدليل الثاني: إن المالك أقدم بإذنه السابق على تصرف المصلي تصرفاً طويلاً 177
مناقشة الدليل 177
الدليل الثالث: إجزاء الصلاة إلى نهايتها حتى مع صدور النهي 178
مناقشة الدليل 178
الدليل الرابع: لا يبقى نهي عن العبادة بعد التساقط، فتكون العبادة صحيحة 180
مناقشة الدليل 180
الدليل الخامس: تطبيق كبرى دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين 181
مناقشة الدليل 182
صور المسألة 182
الكلام في الصورة الأولى (أن يقطع الصلاة) والثانية (أن يستمر بالصلاة مستقراً في المكان المغصوب) 183
الكلام في الصورة الثالثة: أن يستمر بالصلاة وهو خارج من المكان المغصوب 184
في فرض سعة الوقت 184
ــــــ[329]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
سؤال: هل أن أداءه للصلاة حال الخروج مجزئ للصلاة؟ 185
إعتراض 185
تقييم للجواب: 186
الصلاة في المكان المغصوب في ضيق الوقت 188
ترجيح مختار صاحب الجواهر بتقريبين 188
التقريب الأول: الإجماع والتسليم 188
التقريب الثاني: عدم فورية التسليم 188
مناقشة التقريب الثاني 189
التقريب الثالث: التمسك بإطلاقات الاختيار والاستقرار 189
تأمل في أدلة الاستقرار والطمأنينة 190
ملاحظتان على الدليل اللبي والمطلق 190
الكلام في الصورة الرابعة 191
محاذاة المرأة للرجل في الصلاة 191
في المسألة أقوال 192
المناشئ المحتملة للسؤال في الروايات 193
دفع المناشئ 198
الروايات المانعة والمجوزة 202
الروايات المانعة 202
الرواية الأولى 202
الرواية الثانية: 204
الفرق بين لفظي حيال ومحاذاة 204
عوداً على بدء 205
ــــــ[230]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الرواية الثالثة 206
الرواية الرابعة 206
الرواية الخامسة 208
الرد على القائلين بالمنع 210
الرواية السادسة 210
إلفات نظر 211
الرواية السابعة 212
الرواية الثامنة 214
الرواية التاسعة 215
الرواية العاشرة 217
الرواية الحادية عشرة 218
الرواية الثانية عشرة 219
الرواية الثالثة عشرة 220
الرواية الرابعة عشرة 222
الخلاصة 223
الروايات القائلة بالجواز 225
الرواية الأولى 225
لفت نظر 227
مطلبان 227
قرائن محتملة 229
التحقيق 230
تقريب التمسك بالروايتين 231
ــــــ[231]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
مناقشة رأي الهمداني 231
المناقشة الأولى 232
المناقشة الثانية 232
المناقشة الثالثة: نظرية تعويض السند أو تبديله 233
رفض كلام الشيخ 239
الرواية الثانية 240
الرواية الثالثة 242
الرواية الرابعة 243
وجوه الجمع بين الطائفتين 245
الوجه الأول: إلغاء الطائفة المجوزة. 245
النتيجة 246
الوجه الثاني: إلغاء الطائفة المانعة. 246
الصنف الأول من الروايات 247
الصنف الثاني من الروايات 247
الوجه الثالث: إذا جمعنا بين الوجهين المتقدمين. 248
الوجه الرابع: أن نقول بتقديم الطائفة المانعة. 249
الوجه الخامس: وهو عكس الوجه المتقدم -الرابع-. 250
الوجه السادس: إنّ الروايات المجوّزة بمنزلة المطلق، والروايات المانعة بمنزلة المقيد. 252
الوجه السابع: لو تنزلنا عن الوجوه السابقة. 252
الوجه الثامن: الرجوع إلى أدلة الأجزاء 252
الوجه التاسع: التمسك بقاعدة التجاوز، وقاعدة الفراغ، وقاعدة لا تعاد ــــــ[332]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
بعد فرض التعارض والتساقط. 253
جواز تقدم المرأة على الرجل وعدم جوازه 254
الأدلة التي قد يستفاد منها الحرمة 255
الدليل الأول: التجريد عن الخصوصية. 255
الدليل الثاني: الأولوية. 256
الدليل الثالث: حرمة الإطّلاع. 258
الدليل الرابع: المنع عن إمامة المرأة. 258
الدليل الخامس: إطلاقات أدلة المحاذاة. 259
الدليل السادس: وجود روايتين. 260
الرواية الأولى الدالة على منع التقدم 261
الرواية الثانية الدالة على منع التقدم 261
والجواب عن كلتا الروايتين 262
الدليل السابع: النصوص المأخوذ فيها عنوان المحاذاة. 263
تقريبات للتمسك بالمنع 264
التقريب الأول: إنَّ المحاذاة عبارة عن التقارب. 264
التقريب الثاني: إنّ المحاذاة تكون بين جسمين متباعدين عن جسم ثالث بنفس المقدار. 264
سؤال مهم 264
جوابان للسؤال 265
الدليل الثامن: وهو عبارة عن ثلاث روايات. 265
الرواية الأولى 265
الرواية الثانية 267
ــــــ[333]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
الرواية الثالثة 267
سؤال مهم 268
الدليل التاسع: الأصول العملية. 268
الأدلة الدالة على جواز التقدم 269
الدليل الأول: أصالة عدم الشرطية. 269
الدليل الثاني: الشهرة. 270
الدليل الثالث: الأخبار. 270
الرواية الأولى 271
سؤال وجوابان 272
الرواية الثانية 273
الرواية الثالثة 276
حكم كلتا الصلاتين 277
الدليل الأول: الاجماع. 277
الدليل الثاني: الإجماع المركب. 277
مناقشة الإجماع المركب: 278
الدليل الثالث: الأخبار. 279
الدليل الرابع: ما ذكره المحقّق الهمداني. 283
إشكالان على كلام المحقق الهمداني 285
نهاية المطاف 287
مناقشة كلام المحقق في عدة نقاط 287
النقطة الأولى: في قوله: سواء كانت محرماً أو أجنبية. 287
النقطة الثانية: في قوله: يزول التحريم أو الكراهية إذا كان بينهما حائل ــــــ[334]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
أو مقدار عشرة أذرع. 289
ما يصح السجود عليه 290
ما المقصود من الأرض في حديث النبي 290
أدلة الشيخ الهمداني 294
مناقشة استدلال الهمداني 295
أدلة تؤيد الشيخ الهمداني: 296
الكلام في الأدوية 297
هل الكلام عن الجص يشمل الأدوية 297
تقريبان على أن الدواء ليس مثل الأكل 298
مناقشة التقريبين 299
ملاحظة على ما قاله الشيخ الهمداني 300
الكلام في الزجاج 301
تفصيل الكلام في حكمه 302
المستوى الأول: وهو الكلام على وفق مقتضى القاعدة. 302
المستوى الثاني: وهو الكلام وفق الدليل الخاص. 303
كلام في السند 303
كلام في الدلالة 304
كلام الشيخ الهمداني في الرواية 304
معنى المسخ 305
المعنى الأول: تغيير خلق بعض الآدميين إلى شيء آخر. 305
المعنى الثاني: تحول جثث الموتى من بشر وحيوانات وغير ذلك إلى أرض. 305
ــــــ[335]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر
المعنى الثالث: هو الانقلاب. 305
السجود على الملح 306
السجود على الرمل 307
الجواب الأول: إن قلنا بكراهة السجود على الرمل كبروياً. 307
الجواب الثاني: إن الكبرى المطلوب تحققها في المقام لا وجود لها. 308
كلام الشيخ الهمداني في دلالة الخبر: 309
القرينة الأولى: وحدة السياق. 309
القرينة الثانية: قوله (هما ممسوخان). 309
بيان عبارة الشيخ الهمداني: 309
مناقشة كلام الهمداني: 310
مناقشة أخرى لكلام الشيخ الهمداني: 310
الكلام في السجود على القير 311
الروايات الدالة على المنع 311
الروايات الدالة على الجواز 312
مناقشة التقريب على الجواز: 313
مناقشة الرواية سنداً: 314
إلفات نظر 316
فهرس المصادر 317
الفهرس 321
ــــــ[336]ـــــــ
بيان الفقه ج2، محمد الصدر