بيان الفقه ج3
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيمة لما تضمّ من علم وافر وفكر عالٍ ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافّة… فإن فكر السيد الوالد (قدس) يضمّ جواهرَ كثيرة لا بُدّ علينا من نشرها فهي تصبّ في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منّا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشعّ شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً أن كل كتاب له(قدس) لا تضمّ مقدمة لنا فهو ليس صادراً عنّا على أن يكون المخوّل من قِبلنا لطباعة هذه الكتب هم (هيئة تراث السيّد الشهيد) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا.
مقتدى الصدر
10 جمادي الثانية 1429
مبحث الأذان والإقامة
[الأذان لغة]
قال في المفردات(1): «(الأُذُن الجارحة) وهو الأصل اللغوي، «ويُستعار لمن كثر استماعه (هو أذن). وأذِن استمع وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ(2) ويستعمل ذلك في العلم الذي يتوصل إليه بالسماع نحو قوله: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ(3) (يعني اعلموا …) والمؤذّن كل من يُعلم بشيء بنداء ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ(4) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ» (5).
فالأذان الاصطلاحي هو الإعلام بالصلاة بالطريقة الشرعية المخصوصة وهو حصّة من المعنى اللغوي وليس نقلاً.
ــــــ[11]ـــــــ
(1) المفردات في غريب القرآن، ص70 ط دار القلم.
(2) الانشقاق: 2.
(3) البقرة: 279.
(4) يوسف: 70.
(5) الحج: 27.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[الأذان اصطلاحاً]
وقال الهمداني: «ويطلق في عرف الشارع والمتشرّعة على الأذكار الخاصّة التي شرّعت أمام الفرائض اليومية وللإعلام بدخول الوقت»(1). والإشكال في عبارته عدم تحديد نسبة المعنى إلى المعنى اللغوي. وعدم ثبوت ذلك في لسان الشارع وهو النبي؛ لأنَّ جميع تلك الأخبار منقولة في زمن متأخّر عن الأئمّة وليس عن النبي مباشرة وإن كان هذا مظنوناً. مضافاً إلى أنَّه ليس كلّه أذكار إلّا بنحو التسامح المجازي فإنّ (الحيعلات) ليست أذكاراً قطعاً.
[الإقامة لغة واصطلاحاً]
والإقامة من القيام وهو الوقوف، ومنه معنى البقاء والإقامة في المكان، ومنه القيام على الشيء ومراعاته الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء(2) وقَائِمًا بِالْقِسْطِ(3)، ومنه القيام بالليل وغيره قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ(4) يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا(5) ومنه يوم القيامة أي القيام لله سبحانه. ومنه القيام إلى الصلاة أي الوقوف لأجل التسبيب للبدء فيها إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ(6) أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ
ــــــ[12]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه، ج11 ص209 ط مؤسسة آل البيت.
(2) النساء: 34.
(3) آل عمران: 18.
(4) آل عمران: 191.
(5) الفرقان: 64.
(6) المائدة: 6.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الشَّمْسِ(1) وَالمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ(2)، وهو يطلق بالمباشرة على الفعلية ويراد بها الاقتضاء.
فالإقامة مصدر يراد بها إقامة الصلاة أي التسبيب أي جعله يقيم الصلاة كـ(أرجع) أي جعله يرجع و(أسكته) أي جعله يسكت. وذلك بتلاوة الفقرات المعيّنة تسبيباً إلى إقامة الصلاة حقيقة.
وقال الهمداني: «والإقامة في الأصل الإدامة وفي عرف أهل الشرع الأذكار التي قبل الفرائض»(3).
[مناقشة الهمداني في تعريف الإقامة لغةً واصطلاحاً]
وفيه عدّة إشكالات:
1- أنَّها ليست الإدامة وإنّما حصّة من هذه الإقامة في البلد أي الاستمرار فيه وهو وإن أشعر بالإدامة إلّا أنَّ للإدامة بمجرّدها معنى آخر كالتسبيب إلى إدامة الحركة في الشيء أو الإضاءة في المصباح فلا يقال عنها الإقامة.
2- قال: ( في عرف أهل الشرع) ولم ينسبه إلى الشارع مع أنَّه موجود في الأخبار فإن تمّ في الأذان تمّ في الإقامة.
3- ليس كلّها أذكاراً.
4- لم يؤخذ في مفهومها أنَّها قبل الفرائض. فهو شرط خارجي شرعي. وتصدق مفهوماً بدونه وجداناً.
ــــــ[13]ـــــــ
(1) الإسراء: 78.
(2) النساء: 162.
(3) مصباح الفقيه، ج11 ص209 ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[أحكام الأذان والإقامة]
والأخبار على استحبابهما عديدة وبألسنة مختلفة، ومستفادة من عدّة أبواب في الوسائل، قد تصل إلى خمسين حديثاً أو أكثر، مضافاً إلى ألسنة (كراهة الكلام خلالهما) وهو إعطاؤهما احترام الصلاة، ولسان (أنَّك في الإقامة كأنّك في الصلاة). مضافاً إلى أهمّيتها من حيث ظهور عدد من الأخبار بوجوبها للأمر بها بصيغة (افعل) وهو ظاهر بالوجوب، ممّا أدّى إلى فتوى عدد من القدماء بوجوبها أو وجوب بعض حصصها تبعاً للأخبار، وقد ذكر في (الجواهر) و(المصباح) جملة منهم(1).
فينبغي أن يقع الكلام في نفي احتمال الوجوب كما عليه مشهور المتأخّرين بل إجماعهم وهو إجماع في نفسه ليس بحجّة كما هو محقّق في علم الأُصول.
عبارة الهمداني: «وقيل هما شرطان في الجماعة، قد حكي هذا القول عن الشيخين(2) وابن البراج وابن حمزة(3) إلّا أنَّ ما حكي عنهم هو القول بوجوبهما في صلاة الجماعة، فليس فيه تصريح بالشرطية فلعلّهم يقولون بوجوبهما تعبّداً.
نعم حكي عن أبي الصلاح القول بأنّهما شرطان في الجماعة، (وهو مصداق لكلام المحقّق)(4).
ــــــ[14]ـــــــ
(1) جواهر الكلام، ج8 ص4 ط دار الكتب الإسلامية. مصباح الفقيه، ج11 ص211 ط مؤسسة آل البيت.
(2) المقنعة: 97، النهاية: 64.
(3) المهذّب 1: 88، الوسيلة: 91.
(4) الكافي في الفقه: 143.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وعن السيّد في (الجمل) القول بأنَّه تجب الإقامة على الرجال في كل فريضة. والأذان والإقامة على الرجال والنساء في الصبح والمغرب والجمعة، وعلى الرجال خاصّة في الجماعة(1).
وعن ابن أبي عقيل أنَّه قال: يجب الأذان في الصبح والمغرب والإقامة في جميع الخمس(2).
وعن ابن الجنيد أنَّه قال: يجبان على الرجال جماعة وفرادى سفراً وحضراً في الصبح والمغرب والجمعة، وتجب الإقامة في باقي المكتوبات، وقال: وعلى النساء التكبير والشهادتان فقط(3)» انتهى(4).
وقد أفتى هؤلاء بمضامين الأخبار الصحيحة، أمّا الغداة والمغرب فهي باب (6) في (الوسائل)(5) وأمّا صلاة الجماعة فهي باب (7)(6).
وأمّا وجه التفصيل بين الرجل والمرأة فإنَّ مورد كلّ هذه الروايات هو الرجل ومقتضى القاعدة التجريد عن الخصوصية إلّا أنَّه غير ممكن لوجود قرائن منفصلة على مغايرة الحكم مع المرأة وهو.. … وهي واضحة في قلّة الاستحباب لا عدمه لإطلاق الروايات الأخرى.
ــــــ[15]ـــــــ
(1) جمل العلم والعمل: 63.
(2) حكاه عنه العلّامة في المختلف، 2: 136.
(3) حكاه عنه العلّامة في المختلف، 2: 135.
(4) مصباح الفقيه، ج11 ص 210 و211 ط مؤسسة آل البيت.
(5) وسائل الشيعة: ج5 ص386 ح1 و2.
(6) وسائل الشيعة: ج5 ص388 ح1 و2.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[الكلام في دفع احتمال الوجوب دفعاً مطلقاً]
يقع الكلام الآن في دفع احتمال وجوبهما دفعاً مطلقاً. وهو ما حاوله المتأخّرون كـ(المستمسك)(1) و(مصباح الفقيه)(2) وآخرون، وهو:
أولاً: محاولة مخالفة الاحتياط وظاهر الأخبار الصحيحة الصريحة.
ثانياً: استنتاج ما ينبغي استنتاجه وليس سعياً وراء الدليل، ولذا يأمر في (المستمسك) أحياناً بالتأمّل، ويستدلّ في (المصباح) بأخبار ضعيفة على ما سيأتي كأنّ النتيجة لديهم مسلّمة وهذا مؤسف فقهياً.
وينبغي أن يقع الكلام تارة بالنسبة إلى الأذان وأخرى بالنسبة إلى الإقامة.
[دفع احتمال الوجوب للأذان]
أمّا بالنسبة إلى الأذان فيقع الكلام في مراحل ثلاث :
أولاً: في عدم وجوبه مطلقاً عدا ما خرج بدليل يعني غير المرحلتين الآتيتين.
ثانياً: في عدم وجوبه في الجماعة.
ثالثاً: في عدم وجوبه في الصبح والمغرب وهذه المراحل باعتبار اختلاف الدليل وزيادة الصعوبة الفقهية فيه.
والكلام في كلّ مرحلة يقع:
أولاً: في عدم المقتضي. وأخرى: في وجود المانع كالتعارض.
ــــــ[16]ـــــــ
(1) المستمسك: ج5 ص540 وما بعدها، ط النجف (الآداب).
(2) مصباح الفقيه، ج11 ص 213 وما بعدها، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[المرحلة الأولى: في عدم وجوب الأذان مطلقاً]
[ادعاء عدم المقتضي لوجوب الأذان]
لأنَّ غاية ما دلّ على رجحانه هو:
1- الروايات الدالّة على صلاة الملائكة خلفه، وهو لا يدلّ على الوجوب، وهذا وحده غير كافٍ إذ فرض ظهور الوجوب فيها أو في غيرها، وأمّا القول بأنَّ ذكر الثواب دليل الاستحباب فهو غير كافٍ.
إلّا أنَّ الظاهر عدم وجود ما يدلّ على الوجوب في جميع الروايات لا صيغة (افعل) ولا غيرها.
وما يمكن أن يتخيل منه الوجوب لسانان:
أ- (اغتنم الصفّين)(1) وهو أظهر بالاستحباب ويكفي احتمال عدم ظهوره في الوجوب مضافاً إلى ضعف سنده.
ب- لسان (يجزي) وهو وارد في عدد من الروايات مثل «بإسناده عن ابن أبي ليلى عن علي أنه قال: مَنْ صَلَّى بِأَذَانٍ وَ إِقَامَةٍ صَلَّى خَلْفَهُ صَفَّانِ، مِنَ المَلَائِكَةِ لَا يُرَى طَرَفَاهُمَا، وَ مَنْ صَلَّى بِإِقَامَةٍ صَلَّى خَلْفَهُ مَلَكٌ»(2) وغيرها، وهو متعرّض ــــــ[17]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص381 ح4 ط مؤسسة آل البيت«محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن العباس بن هلال عن أبي الحسن الرضا قال: مَنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى خَلْفَهُ صَفَّانِ مِنَ المَلَائِكَةِ، وَإِنْ أَقَامَ بِغَيْرِ أَذَانٍ صَلَّى عَنْ يَمِينِهِ وَاحِدٌ، وَعَنْ شِمَالِهِ وَاحِدٌ ثُمَّ قَالَ اغْتَنِمِ الصَّفَّيْنِ».
(2) الوسائل: ج5 ص382 ح5 ط مؤسسة آل البيت.
محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق أنه قال: «يُجْزِي فِي السَّفَرِ إِقَامَةٌ بِغَيْرِ أَذَانٍ». ص384 ح1.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
للإجزاء عن الوظيفة بغضّ النظر عن واقع تلك الوظيفة.
2- لسان (لا بدَّ من) مثل: «وَفي العلل عن محمد بن الحسن عن الصفار عن محمد بن عبد الحميد و أحمد بن محمد بن عيسى جميعاً عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن صفوان بن مهران عن أبي عبد الله قال: الْأَذَانُ مَثْنَى مَثْنَى وَ الْإِقَامَةُ مَثْنَى مَثْنَى، وَ لَا بُدَّ فِي الْفَجْرِ وَ الْمَغْرِبِ مِنْ أَذَانٍ وَ إِقَامَةٍ، فِي الحَضَرِ وَ السَّفَرِ لِأَنَّهُ لَا يُقَصَّرُ فِيهِمَا فِي حَضَرٍ وَ لَا سَفَرٍ وَ تُجْزِئُكَ إِقَامَةٌ بِغَيْرِ أَذَانٍ، فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَ الْأَذَانُ وَ الْإِقَامَةُ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ أَفْضَلُ»(1).
وهو ليس نصّاً في الوجوب، بل يناسب مع شدّة الاستحباب بحيث يتأسّف الفرد لفوات ثوابه، على أنَّ هذه الروايات ليست في مورد المرحلة التي نتكلّم فيها، إلّا أنَّها مجرّد مثال، ففي المرحلة هذه لا يوجد أية رواية.
أيضاً لسان (لا تدع) ولسان (لا يجوز) أو (لم يجز) -نفى الجواز- وهما من الأخبار الخاصّة غير العامّة وما في الحديث عنها.
[وجود المانع]
وأمّا وجود المانع فهو إمّا لفظي وإمّا لُبِّيّ.
[وجود المانع اللفظي]
أمّا اللفظي فقد نتصوّره عامّاً أي دالّاً على عدم وجوب الأذان مطلقاً. وهو الذي ينفع في هذه المرحلة؛ لأنَّه يكون بمنزلة القرينة المنفصلة على حمل ما هو دالّ
ــــــ[18]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص386 ح2 ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
على الوجوب على الاستحباب أو يتعارضان ويتساقطان ونرجع إلى الأصل المؤمّن، وقد نتصوّر المعارض خاصّاً في بعض الحصص كالجماعة وغير الصبح والمغرب ونحو ذلك.
أمّا المعارض العام فقد استدلّ الهمداني بـ (لا تعاد) ومفهومها نصّ في المطلوب إلّا أنَّه خارج عن محلّ الكلام؛ لأنَّها واضحة في الفوت عن غير عمد وإلّا فلا إشكال من الإعادة. وإذا فات الأذان أو الإقامة عن سهو أو نسيان فلا بأس به ولم يقل أحد بوجوبه.
وأمّا الأخبار الخاصّة فلا يوجد خبر مطلق لكلّ الحصص والحالات(1) خاصّ بالسفر(2) خاصّ بالفرادى انصرافاً واضحاً؛ لأنَّ من صلّى خلفه البشر استغنى عن صفّ الملائكة(3) خاصّ بالانفراد انصرافاً ومثله(4) ونحوه(1 ) خاصّ بغير الصبح
ــــــ[19]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص384 ح1 ط مؤسسة آل البيت«محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق أنه قال: يُجْزِي فِي السَّفَرِ إِقَامَةٌ بِغَيْرِ أَذَانٍ».
(2) الوسائل: ج5 ص384 ح3 ط مؤسسة آل البيت«محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد عن محمد بن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن عبيد الله بن علي الحلبي قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عَنِ الرَّجُلِ هَلْ يُجْزِيهِ، فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ إِقَامَةٌ، لَيْسَ مَعَهَا أَذَانٌ قَالَ نَعَمْ لَا بَأْسَ بِهِ».
(3) الوسائل: ج5 ص384 ح2 ط مؤسسة آل البيت«في ثواب الأعمال عن محمد بن علي ماجيلويه بإسناده عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله ع مَنْ صَلَّى بِإِقَامَةٍ صَلَّى خَلْفَهُ مَلَكٌ صَفّاً وَاحِداً».
(4) الوسائل: ج5 ص384 ح4 ط مؤسسة آل البيت«عنه عن فضالة بن أيوب عن عبد
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
والمغرب (ونحوه(1) ويجرد عن الخصوصية إلّا أنَّه غير تامّ سنداً). إلّا أنَّ المهمّ أنَّها جميعاً ظاهرة بدفع دعوى وجوب الأذان مطلقاً كما هو الحال في هذا الفرض.
[وجود المانع اللُّبّي]
وأمّا المانع اللبّي: وهو الإجماع وهو حاصل بل بضرورة الفقه والدين أنَّه ليس واجباً بنحو الموجبة الكلية.
فإن قلت: فإنّه مدركي بهذه الأخبار.
قلنا:
1- كلّا؛ لأنَّه لا يوجد دليل مطابقي لذلك.
2- أنَّه أكبر من كلّ هذه الأخبار.
3- إن أفتى بعضهم بذلك للأخبار أو لنحو من التجريد عن الخصوصية فهذا ضئيل فالإجماع أولى أن يكون أهمّ منه.
فقد يقال: إ نَّه إعراض الأصحاب. فإن أريد به الإعراض عن وجوب الأذان في كلّ الحصص، فهو حاصل إن قبلنا الكبرى فيختلّ ما دلّ على الوجوب سنداً أو
ــــــ[20]ـــــــ
الله بن سنان عن أبي عبد الله قال: يُجْزِيكَ إِذَا خَلَوْتَ فِي بَيْتِكَ، إِقَامَةٌ وَاحِدَةٌ بِغَيْرِ أَذَانٍ».
(1) الوسائل: ج5 ص384 ح5 ط مؤسسة آل البيت«عنه عن الحسن عن زرعة عن سماعة قال: قال أبو عبد الله لا تُصَلَّى الْغَدَاةُ وَالمَغْرِبُ إِلّا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَرُخِّصَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ بِالإِقَامَةِ وَالأَذَانُ أَفْضَلُ».
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
(2 ) الوسائل: ج5 ص385 ح10 ط مؤسسة آل البيت«عبد الله بن جعفر في قرب الإسناد عن أحمد وعبد الله ابني محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ قُلْتُ تَحْضُرُ الصَّلَاةُ، وَ نَحْنُ مُجْتَمِعُونَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، أَ تُجْزِينَا إِقَامَةٌ بِغَيْرِ أَذَانٍ؟ قَالَ: نَعَمْ».
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
دلالة. إلّا أنَّه لو أُريد منه عدم وجوبه مطلقاً فهو غير موجود لفتوى العديدين بخلافه.
نعم، ذلك حاصل عند المتأخّرين وهو ليس بحجّة.
والسيرة: فإنَّ السيرة القطعية على عدم الالتزام بالأذان ويمكن الصعود بها إلى زمن المعصومين إلّا أنَّها لُبّية يؤخذ منها بالقدر المتيقّن. وهو نفي السالبة الجزئية لا الكلية مضافاً إلى احتمال عدم وجودها في بعض الحصص كالجماعة والصبح والمغرب.
[المرحلة الثانية: في وجوب الأذان في الجماعة]
في وجوب الأذان في الجماعة، والكلام أيضاً يقع في المقتضي أولاً ثمّ في المانع:
[الكلام في المقتضي]
أمّا المقتضى، فأمران:
الأمر الأول: وجوبه مطلقاً -فيشمل الجماعة- وقد سبق انتفاء ذلك.
الأمر الثاني: الأخبار الخاصّة بأذان الجماعة(1) وكلّها محلّ مناقشة سنداً أو دلالة. إذن المقتضي في غاية الضعف.
ــــــ[21]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص385 ح10، ط مؤسسة آل البيت«عبد الله بن جعفر في قرب الإسناد عن أحمد وعبد الله ابني محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ قُلْتُ تَحْضُرُ الصَّلاةُ، وَنَحْنُ مُجْتَمِعُونَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، أَ تُجْزِينَا إِقَامَةٌ بِغَيْرِ أَذَانٍ قَالَ نَعَمْ».
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[وجود المانع]
والمانع فهو لفظي أو لبّي(1).
[المانع اللفظي]
فإن قلت: فإنَّها مقيّدة بغير الجماعة.
قلنا: يمكن أنَّ الجماعة مقيّدة بغير السفر، وعلى أي حال فيتعارضان في مورد الالتقاء ويسقط الدليل على الوجوب، إلّا أنَّ المهمّ هو إقامة المانع على مطلق وجوب أذان الجماعة في السفر وغيره، فإذا لم تكن واجبة في السفر كفى في نفي الموجبة الكليّة، وانصرافها إلى خصوص الأفراد بعيد إذ كان المعتاد إقامة الجماعة سفراً.
وحالة الانتظار لا دخل لها(2) وإنّما كأنَّهم يقضون الوقت بالأذان وإلّا بادروا إلى الصلاة.
والرواية واضحة بوجود الجماعة وإن لم تكن نصّاً بها(3).
ــــــ[22]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص384 ح1، ط مؤسسة آل البيت: «محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق أنه قال: يُجْزِي فِي السَّفَرِ إِقَامَةٌ بِغَيْرِ أَذَانٍ».
(2) الوسائل: ج5 ص385 ح8، ط مؤسسة آل البيت: «وَعنه عن أحمد عن الحسن بن علي بن فضال عن عبد الله بن بكير عن الحسن بن زياد قال: قال أبو عبد الله إِذَا كَانَ الْقَوْمُ لا يَنْتَظِرُونَ أَحَداً، اكْتَفَوْا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ».
(3) يعني ترك الأذان.
الوسائل: ج5 ص386 و387، ط مؤسسة آل البيت:
ح1: «محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن زرارة عن أبي جعفرأنه قال: أَدْنَى مَا يُجْزِي مِنَ الْأَذَانِ، أَنْ تَفْتَتِحَ اللَّيْلَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَتَفْتَتِحَ النَّهَارَ بِأَذَانٍ وَ ِقَامَةٍ، وَيُجْزِيكَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ إِقَامَةٌ بِغَيْرِ أَذَانٍ».
ح2: «وَفي العلل عن محمد بن الحسن عن الصفار عن محمد بن عبد الحميد وأحمد بن محمد بن عيسى جميعاً عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن صفوان بن مهران عن أبي عبد الله قال: الْأَذَانُ مَثْنَى مَثْنَى وَالْإِقَامَةُ مَثْنَى مَثْنَى، وَلا بُدَّ فِي الْفَجْرِ وَالمَغْرِبِ مِنْ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ لأَنَّهُ لا يُقَصَّرُ فِيهِمَا فِي حَضَرٍ وَلا سَفَرٍ وَتُجْزِئُكَ إِقَامَةٌ بِغَيْرِ أَذَانٍ، فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَالْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ أَفْضَلُ».
ح3: «محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة وحماد عن معاوية بن وهب أو ابن عمار عن الصباح بن سيابة قال: قال لي أبو عبد الله لا تَدَعِ الأَذَانَ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، فَإِنْ تَرَكْتَهُ فَلا تَتْرُكْهُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا تَقْصِيرٌ».
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
يتعارضان ويتساقطان في مورد الاجتماع وليس موردها الفرادى وخاصّة، وليس أحدهما مقيّداً بالآخر.
بعد شمول (أقيمت) للأذان وإسقاط الكلام لأثر الأذان(1).
وكلاهما محلّ إشكال، وقوله: (إلاّ في تقديم إمامٍ) لا خصوصية له لوضوح إبطال كلّ كلام للصلاة.
[المانع اللُّبّي]
وأمّا المانع اللبّي فكلاهما غير معلوم: أمّا الإجماع فلذهاب عدد من القدماء
ــــــ[23]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص393 ح1، ط مؤسسة آل البيت: «محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن زرارة عن أبي جعفرأنه قال: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ حَرُمَ الْكَلامُ عَلَى الإِمَامِ، وَأَهْلِ المَسْجِدِ إلّا فِي تَقْدِيمِ إِمَامٍ».
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
إلى وجوبه. وأمّا السيرة فلأنَّها على وجود الأذان والإقامة لا على تركهما، فلو كان المقتضي موجوداً كان المانع مفقوداً إلّا أنَّ المقتضي منتفٍ.
فإن قلت: إ نَّ الشهرة أخذت العمل بالمقتضي.
قلنا: هذا مطعون كبرى وصغرى.
أمّا الكبرى فلعدم الإسناد بالشهرة، وأمّا صغرى فلعدم إحراز الشهرة في مورد الكلام، وهذا غير عمل بعض القدماء وفتواهم بالوجوب فإنَّه لم يحرز الشهرة بينهم، فالعمدة هو عدم وجود المقتضي لا المانع وكلا الأمرين للوجوب ضعيفان.
[المرحلة الثالثة: في وجوب الأذان في الصبح والمغرب]
وأمّا التفصيل الآخر من ناحية الصبح والمغرب، فالكلام تارة من باب المقتضي والآخر المانع.
[الكلام في المقتضي]
أمّا المقتضي(1) وما كان فيه صحّة وفساد، فالظاهر الإشارة إليهما وكذلك عن أحدهما في حديث قال: «إِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ تُبَادِرُ أَمْراً تَخَافُ أَنْ يَفُوتَكَ تُجْزِيكَ إِقَامَةٌ إلّا الْفَجْرَ وَالْمَغْرِبَ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تُؤَذِّنَ فِيهِمَا وَتُقِيمَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لا يُقْصَرُ فِيهِمَا، كَمَا يُقْصَرُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ»(2).
فالمقتضي موجود أكيداً. ويكون في موارد القدر المتيقّن أوكد.
ــــــ[24]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص386 ح1، 2، 3، 4، 5، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص387 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
نعم، يصلح للتقييد كما في حال السفر الذي ورد سقوطه كما سبق.
فإن قلت: فإنَّه ورد ذكر السفر في نفس هذا الباب وأنَّه في المغرب والصبح لا الأذان.
قلنا: لم يكن المقصود فعليّة السفر، بل كونه حكمة لعدم السقوط حضراً.
عودة على ألسنتها وأنَّها لا تدلّ على الوجوب، وحسنة(1) وضعيفة(2).
[وجود المانع]
وأمّا المانع: فهو إمّا لفظي أو لبّي:
[المانع اللفظي]
أمّا اللفظي: فهو «وَبإسناده عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين عن جعفر بن بشير عن عمر بن يزيد قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عَنِ الإِقَامَةِ، بِغَيْرِ
ــــــ[25]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص386 ح3، ط مؤسسة آل البيت «محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة وحماد عن معاوية بن وهب أو ابن عمار عن الصباح بن سيابة قال: قال لي أبو عبد الله لا تَدَعِ الأَذَانَ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، فَإِنْ تَرَكْتَهُ فَلا تَتْرُكْهُ فِي المَغْرِبِ وَالْفَجْرِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا تَقْصِيرٌ». وكذلك ج5 نفس المصدر.
(2) الوسائل: ج5 ص386 ح7، ط مؤسسة آل البيت «محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أحدهما في حديث قال: إِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ تُبَادِرُ أَمْراً تَخَافُ أَنْ يَفُوتَكَ تُجْزِيكَ إِقَامَةٌ إلّا الْفَجْرَ وَالْمَغْرِبَ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تُؤَذِّنَ فِيهِمَا وَتُقِيمَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لا يُقْصَرُ فِيهِمَا، كَمَا يُقْصَرُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ».
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
أَذَانٍ فِي الْمَغْرِبِ. فَقَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ يُعْتَادَ»(1).
وجعفر بن بشر روى عن الثقات بنصّ النجاشي، ولو كانت عامّة لشملت عمر بن يزيد ولكنّها مجملة (أو جزئية). والمتن: تجريد عن الخصوصية للصبح ولكلّ الصلوات؛ لأنَّه جاز في القدر المتيقّن ففي غيره أولى، بل السؤال عن لحاظ ذلك ومن ذلك ضمّ الارتكاز المتشرّعي الواضح في أذهاننا والذي يمكن استصحابه بالقهقري إلى زمان الأئمة كقرينة متصلة على فهم الاستحباب المؤكّد لا الوجوب، وإنَّ ذلك للنصيحة والموعظة وليس للفتوى ولو فرض الشكّ لعدم الاطمئنان وعدم حجّية الاستصحاب القهقري أو لكونه مثبتاً، ولكنّه يمكن صرفه إلى الأمارية بقرينة عقلائية عندئذٍ نشكّ بوجود القرينة فيكون مقتضى الأصل العملي والأصل اللفظي عدمها فيكون الظهور حجّة
[المانع اللبي]
وأمّا الإجماع فهو غير موجود على اعتبار وقوع الخلاف في ذلك بين القدماء، وإجماع المتأخّرين ليس بحجّة، ولكنّ الشهرة بين المتقدّمين والمتأخّرين عليه، والارتكاز عليه -أي الاستحباب- بالرغم من وجود الروايات والفتوى بالوجوب.
وأمّا العمل فهو:
1- لا لسان له.
2- إن كان له لسان فهو دالّ على الوجوب، إلّا أن نستدلّ بالعمل على الترك وهو لم يثبت كسيرة كاملة.
ــــــ[26]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص386 ح6، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وأمّا التفصيل بين السفر والحضر فهو غير محتمل: بل التجريد عن الخصوصية لكلّ منهما ثابت، فإن كان الأذان واجباً ففي كلا الموردين وإن كان مستحبّاً ففيهما أيضاً، على أنَّ القدر المتيقّن هو الحضر، وإنّما رخّص في تركه في السفر. مثل «محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق أنه قال: يُجْزِي فِي السَّفَرِ إِقَامَةٌ بِغَيْرِ أَذَانٍ»(1).
ولكن هناك روايات صحيحة ومطلقة للحضر بل هي نصّ في الحضر وإن كانت مطلقة من الجهات الأخرى، مثل: «محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد عن محمد بن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن عبيد الله بن علي الحلبي قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عَنِ الرَّجُلِ هَلْ يُجْزِيهِ، فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ إِقَامَةٌ، لَيْسَ مَعَهَا أَذَانٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، لا بَأْسَ بِهِ»(2).
[دفع احتمال الوجوب للإقامة]
وأمّا الكلام في احتمال وجوب الإقامة، فتارةً عن وجوبها مطلقاً في الفرائض وأخرى عن التفاصيل أمّا احتمال وجوبها مطلقاً، فإنّنا إن قلنا بوجوب الأذان وتماميّة المقتضي فيه فذلك في الإقامة أولى بالارتكاز المتشرّعي، لأنَّها أهمّ ففي كلّ مورد وجب فيه الأذان وجبت الإقامة إ مّا مطلقاً أو في بعض الموارد كالجماعة أو الصبح والمغرب ولكنّنا لم نقل بتمامية المقتضي للأذان مطلقاً. فتكون الأولوية من هذه الناحية سالبة بانتفاء الموضوع، وإنّما لا بدَّ من استئناف دليل محتمل للإقامة وحدها.
ــــــ[27]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص384 ح1، ط مؤسسة آل البيت. كذلك ح7 و9.
(2) الوسائل: ج5 ص384 ح3، ط مؤسسة آل البيت. كذلك ح4، 6، 10.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[دفع احتمال وجوب الإقامة مطلقاً]
فهنا تارة يقع الكلام في المقتضي وأخرى في المانع.
مع عدم التنافي بين الوجوب والدالّة على الثواب كما سبق(1).
أولاً: تصوّر المقتضي(2)
غير تامّة سنداً بـ(الحسن بن سعيد) بعد أن سبقت منافاة سائر الألسنة.
وأمّا رواية العلل: عن محمّد بن الحسن عن الصفّار عن محمّد بن عبد الحميد وأحمد بن محمّد بن عيسى جميعاً عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي عن صفوان بن مهران عن أبي عبد الله «قال: الأَذان مثنى مثنى والإِقامة مثنى مثنى ــــــ[28]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص369 ح1، ط مؤسسة آل البيت «محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن زرارة والفضيل عن أبي جعفر قال: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَبَلَغَ الْبَيْتَ المَعْمُورَ وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَأَذَّنَ جَبْرَئِيلُ وَأَقَامَ فَتَقَدَّمَ رَسُولُ الله وَصَفَّ الْمَلائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ خَلْفَ مُحَمَّدٍ» وكذلك ح2.
الوسائل: ج5 ص372 ح4، ط مؤسسة آل البيت «وَعنه عن محمد بن الحسين عن محمد بن حسان عن عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي قال: قال رسول الله لِلْمُؤَذِّنِ فِيمَا بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ المُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ. قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّهُمْ يَجْتَلِدُونَ عَلَى الأَذَانِ، قَالَ: كَلا، إِنَّهُ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَطْرَحُونَ الأَذَانَ عَلَى ضُعَفَائِهِمْ، وَتِلْكَ لُحُومٌ حَرَّمَهَا اللهُ عَلَى النَّارِ».
(2) الوسائل: ج5 ص384 ح5، ط مؤسسة آل البيت: «وعنه عن الحسن عن زرعة عن سماعة قال: قال أبو عبد الله: لا تصلّى الغداة والمغرب إلّا بأذان وإقامة ورخّص في سائر الصلوات بالإِقامة والأَذان أفضل».
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ولابدّ في الفجر والمغرب من أذان وإقامة في الحضر والسفر، لأنّه لا يقصّر فيهما في حضر ولا سفر، وتجزئك إقامة بغير أذان في الظهر والعصر والعشاء الآخرة والأَذان والإِقامة في جميع الصلوات أفضل»(1) فصحيحة السند.
أمّا قوله «لا بدَّ» فهو خارج عن محلّ كلامنا ويمكن أن يحمل على الاستحباب.
وما هو داخل في محلّ الكلام فهو لسان «تجزيك» وقد سبق مناقشته، بأن فيها قرينة على الاستحباب.
وهي غير معتبرة السند(2) فهي ضعيفة بالحسن بن سعيد لم يجر من الجواز، فتكون دليلاً على الوجوب.
جوابه: احتمال أنَّه من الأجزاء (ويجزيك) قرينة عليه إ مّا موضوعاً أو حكماً(3).
وقوله «عن عمّار قال: سمعت أبا عبد الله يقول: لا بدّ للمريض أن
ــــــ[29]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص386 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص387 ح5، ط مؤسسة آل البيت: «وعنه عن الحسن أخيه عن زرعة عن سماعة قال: قال أبو عبد الله: لا تصلّ الغداة والمغرب إلّا بأذان وإقامة ورخّص في سائر الصلوات بالإِقامة والأَذان أفضل».
(3) الوسائل: ج5 ص396 ح12، ط مؤسسة آل البيت: «محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن محمّد بن إسماعيل عن صالح بن عقبة عن أبي هارون المكفوف قال: قال أبو عبد الله: يا أبا هارون، الإِقامة من الصلاة، فإذا أقمت، فلا تتكلّم ولا تؤم بيدك».
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
يؤذّن ويقيم إذا أراد الصلاة، ولو في نفسه إن لم يقدر على أن يتكلّم به. سئل: فإن كان شديد الوجع؟ قال: لا بدّ من أن يؤذّن ويقيم، لأنَّه لا صلاة إلّا بأذان وإقامة»(1).
فيها قرينة على الاستحباب، مضافاً إلى ضعف سندها، وهي قابلة للمناقشة دلالة، كقوله: «لا صلاة لجار المسجد» مضافاً إلى عدم الكبرى قطعاً وخاصّة في الأولى.
[ثانياً]: وأمّا وجود المانع فقسمان :
[المانع اللفظي]
الأوّل:
1- الأخبار الدالّة على السقوط حال النسيان مع مناقشته ونحو (لا تعاد).
2- الدالّة على الاجتزاء بإقامة الغير ونحوه، والاكتفاء من المرء ببعضها ونحوه ممّا يستبعد في الواجب، ويمكن أن يكون تنزيلاً أو تقييداً للموضوع أنَّ المكلّف مطلوب منه الإقامة.
الثاني: ما دلّ على نفي وجوب الإقامة بالمطابقة، قال الشيخ الهمداني: (ويشهد له الخبر المروي عن (الدعائم) عن علي: «قال لا بأس بأن يصلي الرجل بنفسه بلا أذان ولا إقامة»)(2).
ــــــ[30]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص444 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مصباح الفقيه: ج11، ص214، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وهو ينفي عموم الوجوب إلّا أنَّه ضعيف، وقوله: «عن أبي جعفر قال: كنّا معه فسمع إقامة جارٍ له بالصلاة فقال: قوموا فقمنا فصلّينا معه بغير أذان ولا إقامة، وقال: يجزئكم أذان جاركم»(1).
هو من فعل المعصوم وهو يدل على الجواز -إلاّ أنَّ الخبر ضعيف- وليس في الرواية أنَّه سمع أذان الآخرين.
ثالثاً: الاكتفاء ببعض الإقامة للنساء أو للمستعجل المؤتمّ بغير العدد مع استبعاد سقوط الواجب فيعرف عدم وجوبه. واستبعاد التنزيل. فتأمّل.
مضافاً إلى ما دلّ على جواز التكلّم خلال الأذان والإقامة(2) وهي معتبرة سنداً ويبعد الكلام في الواجب الصلاتي. فتأمّل.
[المانع اللبي]
وأمّا الأدلّة اللبّية:
فالإجماع على الاستحباب بين المتأخّرين ليس بحجّة ولدى المتقدّمين غير موجود إلّا أنَّه لا يبعد القول بوجود التفصيل ولم يقل أحد بالوجوب مطلقاً فيكون هناك إجماع مركّب في عدم الوجوب المطلق الذي هو محلّ كلامنا.
وقد يقال: إ نَّه إجماع مدركي لوجود الروايات على عدم وجوب الإقامة.
ــــــ[31]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص437 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص394 ح8، ط مؤسسة آل البيت: «وعنه عن محمّد بن سنان عن عبد الله بن مسكان عن محمّد الحلبي قال: سألت أبا عبد اللهعن الرجل يتكلّم في أذانه أو في إقامته؟ فقال: لا بأس».
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
قلنا: إ نَّ هاتين الروايتين الضعيفتين لا تقومان سبباً لوصول الإجماع المؤكّد فيكون تعبّدياً، بل الأمر أكثر لأنَّ الروايات على وجوبها ومع ذلك حصل الإجماع على استحبابها.
وأمّا الشهرة: فمتحقّقة وهي عظيمة أيضاً على نفي الوجوب بالرغم من الروايات المحتملة الدلالة عليه. ولا توجب الخدش سنداً أو دلالةً.
نعم، هي حجّة بنفسها إن أوجبت الاطمئنان إلّا أنَّها لا تصلح للإسقاط لأنَّ مفادها ليس شاذّاً.
وأمّا السيرة: فالسيرة على الوجود لا تنفع، وأمّا على العدم فيمكن المناقشة بعدم السيرة على العدم، وإن وجدت دلّت على عدم الوجوب جزماً.
والارتكاز أيضاً على الاستحباب موجود إلّا أنَّه لعلّه من الفتاوى.
والعمدة هو تصوّر المقتضي. يبقى الكلام في التفاصيل: كالجماعة والفجر والمغرب.
[الكلام في وجوب الإقامة في التفاصيل]
[وجوبها في الفجر والمغرب]
أمّا الفجر والمغرب فهو باب فيه رواية واحدة مخدوشة سنداً(1).
1- هل المراد جنس الصلاة أو فردها.
2- مناقشة الدلالة لعدم احتمال وجوب الأذان فنلحق به الإقامة.
3- لسان (ينبغي) لا يدلّ على الوجوب.
ــــــ[32]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص388 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
جوابها:
أوّلاً: (يجزيك) راجع لحكم الأذان والإقامة لا لحكم الصلاة، فيجب البحث عن حكمها من دليل آخر.
ثانياً: قوله: «إلاّ الفجر والمغرب»(1) يعني تجب فيهما الأذان والإقامة معاً. وقد سبق نقاشه وهو غير محتمل؛ فاستحباب الأذان يدلّ على استحباب الإقامة لوحدة السياق.
فإن قلت: لم يصرّح به.
قلنا: السياق هنا معنوي لا لفظي ولا يفرق في صحّة وحدة السياق من حيث ذلك.
[وجوبها في الجماعة]
وأمّا الجماعة، فقد استدلّ عليه في المستمسك بعدّة نصوص في نفس الرواية(2).
إلاّ أنها غير تامّة سنداً، وقد سبق نقاشه.
وعلى العموم فيها مقدّمتان للاستدلال، والواقع أنَّ أحدهما مفهوم الآخر.
ــــــ[33]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص387 ح7، ط مؤسسة آل البيت: «محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمّد عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أحدهما -في حديث- قال: إن كنت وحدك تبادر أمراً تخاف أن يفوتك تجزيك إقامة، إلّا الفجر والمغرب، فإنّه ينبغي أن تؤذّن فيهما وتقيم، من أجل أنّه لا يقصّر فيهما كما يقصّر في سائر الصلوات».
( ) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 149، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وفيه: إنَّ فيه دلالة على وجوب الأذان وهو غير محتمل فقهياً ووحدة السياق مع الإقامة تقتضي استحبابها أيضاً.
والقول بوجوب الإقامة فقط إسقاط للرواية؛ لأنَّه يقول: «لم يجز إلّا أذان وإقامة» وخاصّة مع قرينية الذيل(1) وهي معتبرة سنداً.
جوابها:
1- أنَّها من أدلّة وجوب الأذان وهو غير محتمل والقائل به نادر.
2- إذا لم تخل لا يدل على أنَّه في جماعة مصلّين، بل مطلق وجود جماعة من الناس، فلا يكون هذا القيد محتملاً.
فإن قلت: فإنَّ ذلك يكون قرينة على تقييد الإطلاق بخصوص صلاة الجماعة وخاصّة مع ذكر الصلاة ولو ضمناً.
قلنا: الصلاة مذكورة للفرد لا للآخرين.
فإن قلت: وجوب الأذان والإقامة لعلّه لخصوصية المسجد لا لخصوصية الجماعة.
قلنا: هذا يؤيّد الاستحباب بالارتكاز المتشرعي.
ــــــ[34]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص388 ح1، ط مؤسسة آل البيت: «محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمّد عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أحدهما قال: سألته: أيجزئ أذان واحد؟ قال: إن صلّيت جماعة لم يجز إلّا أذان وإقامة، وإن كنت وحدك تبادر أمراً تخاف أن يفوتك يجزئك إقامة إلّا الفجر والمغرب».
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
والرواية وإن كانت معتبرة سنداً لكنّها من فعل المعصوم فلا يكون لها مفهوم.
أضف إلى ذلك: أنها ليست بلسان (الإجزاء) كما هو ظاهر كلام (المستمسك)(1) ولكنّها بلسان الجواز وبالجملة الخبرية المستعملة في مقام الإنشاء.
جوابه:
1- ما قاله في (المستمسك)(2) أنَّها في مقام إجزاء العمل السابق.
2- أنَّها ضمّت الأذان وهو غير محتمل.
ثُمَّ ذكر في (المستمسك) بعض المعارضات لوجوب الأذان والإقامة(3). إلّا أنَّها تصلح لإسقاط وجوب الأذان لا إقامة، لأنَّها تأمر بإقامةٍ وحدها.
ــــــ[35]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 527، ط إحياء التراث العربي.
(2) المصدر السابق.
( =3) قال: «وفيه: أن ظاهر الأول السؤال عن إجزاء الإقامة عن الأذان والإقامة وحينئذٍ فالجواب بعدم الإجزاء إنما يقتضي الوجوب لو كان وجوب الأذان والإقامة مفروغاً عنه، وهو عين المدّعى، بل لا يقول به المدّعي إلّا في خصوص الجماعة، فالخبر ليس في مقام جعل الوجوب تعبّداً أو وضعاً لهما في الجماعة أو مطلقاً، بل في مقام بيان الاكتفاء عن المشروع ببعضه وعدمه وأين هو من المدّعى؟!
ومن ذلك يظهر الإشكال في الاستدلال بصحيح ابن سنان.
مضافاً إلى عدم وضوح دلالته على الجماعة، فتأمّل….» مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 527، 528، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
والكلام هنا فعلاً عن الإقامة ولا يوجد خبر نافٍ للإقامة إلّا واحد ضعيف يذكره أيضاً هو خبر الحسن بن زياد، قال: «قال أبو عبد الله: إذا كان القوم لا ينتظرون أحداً اكتفوا بإقامة واحدة»(1).
وهو ضعيف مضافاً إلى أنَّه يعلّل ترك الإقامة فلا يكون نصّاً أو واضحاً في عدمهما، وهو نصّ بصلاة الجماعة فيكون في الفرد أولى أو مثله. وهو يريد أن يبرز عدم وجوب هذه الأمور وعدم دلالة الالتزام بها متشرّعياً على الوجوب. وإشكال الراوي ناشئ من العادة مع علمه بالاستحباب. وهي تدلّ على إجزاء المنفرد عن الجامع، بل ولو في محلّ آخر ولو سمعه الإمام فقط، فهنا بحوث في طول ضعف هذه الرواية: أنَّ التسامح في أدلّة السنن هل يقيد الإطلاق المعتبر أم ينبغي التمسّك بالإطلاق؟ الظاهر الثاني. وهي أيضاً تدلّ على قطع الكلام لإجزاء الأذان والإقامة سواء كان الإجزاء بالسماع أو بالأداء كما تدلّ على أنَّ سماع بعض الأذان والإقامة كافٍ في الإجزاء عن الجميع ولا يجب الاستماع إليها كلّها. وهذا واضح في فرع مشابه وهو إجزاء أذان الجماعة بعد نهايتها مع أنّك لم تسمع الأذان ولم تر الصلاة وإنما رأيت بقية المصلّين.
[الحديث عن الإقامة في السفر والحضر]
أمّا التفصيل في السفر والحضر كما في الباب الخامس من (الوسائل)(2) إلَّا أنَّ
ــــــ[36]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص385 ح8، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص384، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
أغلب رواياته تسقط الأذان وتثبت الإقامة فتكون دليلاً على وجوبها في السفر والحضر لولا المناقشات السابقة، غير أنَّ بعضها يستفاد منه وجود إقامة واحدة لأكثر من صلاة فتكون الثانية بدون أذان ولا إقامة مثل رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله قال: «سمعته يقول: يقصر الأَذان في السفر كما تقصر الصلاة، تجزي إقامة واحدة»(1).
وربما يجرّد عن الخصوصية من السفر إلى الحضر.
جوابه:
1- ضعف السند.
2- عدم إمكان التجريد عن الخصوصية للنص ّبالفرق بين السفر والحضر.
3- إنَّ قوله «إقامة واحدة» إسقاط للزائد وهو الأذان لا للناقص وهو الإقامة الأخرى.
4. إن َّه يمكن التقدير يعني (إقامة واحدة لكلّ صلاة)، ولا يراد بها نفي احتمال الاثنين وإنّما نفي احتمال الأذان مثل رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن الصادق أنّه قال: «يجزي في السفر إقامة بغير أذان»(2).
إذن فالأذان والإقامة مستحبّان دائماً وليسا بواجبين، وهما مستحبان مؤكّدان جدّاً لا ينبغي إهمالهما أصلاً.
ــــــ[37]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص385 ح9، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص384 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[مناقشة عبارة صاحب (المصباح): « لكن يشترط أن تسرّ المرأة »]
[في عود الضمير مبهماً في عبارته]
قال في (مصباح الفقيه): «و(لكن يشترط أن تسرّ المرأة) على ما صرّح به غير واحد»(1).
الضمير مفرد فهل هو راجع إلى الأذان أو إلى المجموع؟
فإن قلت: إنَّه راجع إلى ما يجهر به الرجل وهو الأذان.
قلنا: إنَّ الكلام هنا ليس للإعلام ولا يجهر به الرجل.
فإن قلت: إنَّ الكلام هنا لما يصلح للإعلام وهو الأذان دون الإقامة.
قلنا: يرجع هذا عندئذٍ إلى النهي عن أذان المرأة للإعلام. وهذا صحيح لأنَّه أمر على خلاف السيرة والمرتكز المتشرّعي أكيداً. ولكن دليله يأتي.
والضمير هنا مفرد مع أنَّه في سياق التثنية في كلام المحقّق فإنَّه قال أولاً: «وهما مستحبان في الصلوات الخمس المفروضة» إلى أن قال: «ولكن يشترط أن تسرّ به المرأة وقيل: هما شرطان في الجماعة»(2).
وهذه طريقة غير مستحسنة في البيان، فإن كان المقصود الأذان لزم ذكره لا إعادة الضمير إليه، وإن كان المقصود المجموع لزم ذكر الضمير المثنى.
ــــــ[38]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص210، ط مؤسسة آل البيت.
(2) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط دار الأضواء الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[في المقصود من (الاشتراط)]
ثُمَّ إنَّ المقصود بالاشتراط أحد أمور:
1- ما هو ظاهره من الشرطية بحيث يكون شرط الصحّة فلو جهرت به بطل، كما قال المحقق: «وقيل هما شرطان في الجماعة».
وهذا غير محتمل فقهياً. بل تأثم -على بعض التقادير- ويصحّ أذانها.
2- الوجوب.
3- الاستحباب وتعيينه حسب الدليل الآتي، كما لو تمّت قضية الأجنبي صغرى وكبرى ثمّ إ نَّه لا موجب فقهي للنصّ على الأذان فقط، بل بعض ملاكات الوجوب شاملة للإقامة أيضاً، بل يمكن أن تكون كلّها كذلك كما سيأتي. اللهمّ إلا أن يقال: إ نَّه يريد بالضمير المفرد المجموع وفيه بُعد.
وأمّا بحسب الدليل: فقد يقال إ نَّ المرأة ليس عليها أذان ولا إقامة أو ليس عليها أذان فقط بل تقيم فقط. ويدلّ عليه عدّة أخبار(1) مع كون الشهادتين ليست أذاناً والسؤال عن الأذان ربما يجرّد عن الخصوصية للإقامة وقد تمنع لأنَّها أهمّ في نظر الشارع فسقوط الأذان لا يدلّ على سقوطها، ومع كون الشهادتين ليست أذان ولا إقامة بالحمل الشايع المتشرّعي إلّا باعتبار التنزيل.
[ما دلّ على استحباب الأذان والإقامة للنساء]
يقابل ذلك ما دلّ على ثبوت الاستحباب للنساء وهو صنفان:
ــــــ[39]ـــــــ
(1) لاحظ: وسائل الشيعة ج5 باب14 ط آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
1- أن نفهم من الشهادتين في الأخبار السابقة التنزيل ولو بلسان (يجزيها) أو «فحسبها»(1)، يعني: عن الأذان، فلو لم تكن أذاناً تنزيلاً لم يجزها؛ لأنَّه ليس كذلك حقيقةً.
2- ما دلّ على كونه أفضل، كرواية عبد الله بن سنان قال: «سألت أبا عبد الله عن المرأة تؤذّن للصلاة؟ فقال: حَسَن إن فَعَلتْ، وإن لم تفعلْ أجزَأَها أن تُكبّر، وأن تَشهدَ أن لَا إِلَهَ إلّا الله، وأنَّ محمّداً رسولُ الله»(2).
ورواية الصدوق قال: قال الصادق: «ليس على المرأة أذان ولا إقامة إذا سمعت أذان القبيلة، وتكفيها الشهادتان، ولكن إذا أذّنت وأقامت فهو أفضل»(3).
وفي (العلل) عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر قال: قلت له: «المرأة عليها أذان وإقامة؟ فقال: إن كانت سمعت أذان القبيلة فليس عليها أكثر من الشهادتين»(4).
والأولى والأخيرة معتبرة، غير أنَّ هذا التنزيل والتسهيل ثابت للمرأة دون
ــــــ[40]ـــــــ
(1) «وعنه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر: النساء عليهنّ أذان؟ فقال: إذا شهدت الشهادتين فحسبها» وسائل الشيعة ج5 ص405 ح2 ط مؤسسة آل البيت.
(2) لاحظ: الوسائل: ج5: ص405 ح1 ط مؤسسة آل البيت.
(3) لاحظ: الوسائل: ج5 ص406 ح5 ط مؤسسة آل البيت.
(4) لاحظ: الوسائل: ج5 ص407 ح8، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الرجل لشغلها وضعفها، والأفضلية أكيدة لكونها أكثر ذكراً وأكثر تضحية في سبيل الله، إما أن يراد بالأخبار النافية للأذان والإقامة نفي الوجوب أو نفي الاستحباب المؤكّد. وهو الراجح وأمّا الاقتصار على الشهادتين فلا ينبغي أن تفهم منها نفي الأذان باعتبار أنَّه ليس أذاناً بالحمل الشايع المتشرّعي، بل هو تنزيل شرعاً منزلة الأذان، أو قل: إ نَّه اكتفاء شرعي بالناقص بدل التكامل.
ومع ذلك يبقى الكامل في ذمّتها استحباباً ولذا يقول: «حسن إن فعلت» أو «هو أفضل»، نعم بعد إتيانها بالبدل لا مجال للإتيان بالمبدل وهو الكامل لسقوط ما في الذمّة مع احتمال إمكانه بعد قصد إسقاطه والإتيان بالآخر.
[الكلام في تخيير المرأة بين ثلاثة أمور]
إذن فتخيير المرأة بين ثلاثة أمور:
1- إيجاد الأذان والإقامة كالرجل، وفيها من الروايات ما هو معتبر سنداً.
2- الاقتصار على الشهادتين، فإنَّهما تنزيلاً لها أذان وإقامة، وإن كانت الرواية المعتبرة الوحيدة دلّت على تنزيلها منزلة الأذان لا الإقامة وتعميمها للإقامة مشكل كما سبق بيانه، فلاحظ.
نعم، الإتيان به برجاء المطلوبية لا بأس كما في رواية أبي مريم الأنصاري قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «إقامة المرأة أن تكبّر وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً عبده ورسوله»(1).
ــــــ[41]ـــــــ
(1) لاحظ: الوسائل: ج5 ص406، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
3- عدم الأذان والإقامة إطلاقاً، كما في رواية جميل بن دراج قال: «سألت أبا عبد الله عن المرأة أعليها أذان وإقامة؟ فقال: لا»(1).
وهي تفيد الإلغاء لا التنزيل؛ لأنَّ الوجود الناقص يمكن أن ينزّل منزلة الوجود التامّ لا العدم التامّ، وليس لها ثوابها إذا حذفتها:
1- على القاعدة، لأنَّ العمل إيجاده.
2- تمسّكاً بروايات أنَّ إيجادها أفضل.
[مناقشة فتوى المحقّق (بانها تسرّ به اشتراطاً)]
وأمّا فتوى المحقق «بأنَّها تسرّ به اشتراطاً» فهو ممّا لم تدلّ عليه رواية إطلاقاً، ولكن يمكن أن يستدلّ عليه بعدّة أدلّة:
منها: ما دلّ على المنع من سماع صوت الأجنبي للأجنبية -شهوة وبدونها- مطلقاً. إلّا أنَّه يناقش بعدّة وجوه:
1- أنَّه لا يوجد مثل هذا الدليل لا في الكتاب ولا في السنّة، بل الدليل بخلافه، وإنّما هو نتيجة إجماع منقول أو شهرة وليس إجماعاً محصّلاً قطعاً، فلا يكون حجّة، وإنّما العلماء يسكتون نتيجة التقيّة.
نعم، لو كان إجماعاً محصّلاً لكان تعبّدياً لعدم النصّ عليه.
2- لو تنزّلنا وقبلنا أنَّه إجماع محصّل فهو ليس مدركياً إلّا أنَّه لُبّي يؤخذ منه بالقدر المتيقّن وهو ما يكون بشهوة، وأمّا غيره فيبقى على أصالة الجواز، ومنه الأذان قطعاً إلّا أنَّ تقصد به الشهوة والعياذ بالله.
ــــــ[42]ـــــــ
(1) لاحظ: الوسائل:5 ص 406 ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
3- لو تنزّلنا وفرضناه دليلاً لفظياً، فإنَّه إنَّما يدلّ على الحرمة التكليفية لا الوضعية وهو الاشتراط فكيف يقول به.
فإن قلت: على هذا التقدير يكون الأذان منهيّاً عنه وهو عبادة فيبطل.
قلنا:
1- لا معنى لبطلان الأذان، بل كلّ مستحبّ ما لم يكن عبادة ذات ترابط خاصّ كالصلاة والصوم، وأمّا الدعاء وقراءة القرآن ونحوه فلا معنى لبطلانها مع وجودها تكويناً.
2- يمكن القول بأنَّ معنى البطلان هنا هو الإثم التكليفي مع وجود أثره الوضعي وهو التقديم للصلاة.
3- يمكن أن نمنع كلا الأمرين لتعدّد المتعلّق، فإنَّ أحدهما الصوت والآخر مدلوله فلم يتّحد لكي يكون الأذان بنفسه منهيّاً عنه.
مضافاً إلى أنَّ الاشتراط أو الوجوب جارٍ في كلام المحقّق مطلقاً، أي سواء سمعه الأجنبي أو لا، وهذا غير محتمل في حدود هذا الدليل.
نعم، يمكن أن يريد الاستحباب أو الاشتراط الاستحبابي المطلق، يعني وإن لم يسمعه الأجنبي، والأعمّ من الوجوب والاستحباب حسب المورد، ويستدلّ على ذلك بالارتكاز والسيرة وهي قطعيّة وليست مدركيّة.
[مناقشة ما ذكره صاحب (المصباح) من كون صوتها عورة]
ومن الأدلّة للمنع: ما ذكره الشيخ الهمداني في (المصباح) من كون صوتها عورة(1).
ــــــ[43]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص228، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ويجاب:
1- أنَّه ممّا لا دليل عليه بعنوانه.
2- الدليل بخلافه، كما ذكر الشيخ الهمداني(1).
وهذا لا محصّل له ما لم يرجع إلى الوجه التالي، وربما يكون هو مقصوده؛ لوضوح أنَّه لم يرد أنَّ صوتها ليس بعورة.
3. استصحاب العدم الأزلي لكونه عورة فيثبت عدم تعنونه بهذا العنوان. وهذا يتوقّف على صحّة الكبرى وهي صحّة هذا الاستصحاب.
وصحّة الصغرى من حيث أنَّ المتّصف بعدم كونه عورة هل هو الذات في الأزل لتكون قابلة للاستصحاب أو المعدوم بما هو معدوم فيتبدّل إلى الوجود ولا يستصحب. والذات مشكوكة الاتّصاف منذ الأزل، فليس لها حالة سابقة إلّا أن يُراد بها ما قبل الإسلام.
لا يُقال: أنَّ العدم الأزلي للجزئي، ونحن نتكلّم عن موضوع كلّي، والكلّي لا عدم له.
جوابه: أنَّه ينحلّ إلى استصحابات بقدر الجزئيات، ولا مانع منه، مضافاً إلى إمكان القول بانعدام ووجود الكلّي عرفاً بوجود بعض أفراده وانعدامه بانعدام كلّ أفراده.
4- ما ذكرناه في كتابنا (ما وراء الفقه)(2) من أنَّ عنوان العورة لا يثبت إلّا في
ــــــ[44]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص229، ط مؤسسة آل البيت.
(2) ما وراء الفقه، فصل: الستر والحجاب، ج1 ق2 ص174 وما بعدها.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
طول النهي حتّى في العورة الخاصّة لكن حصل فيها تركيز عرفي والنهي هنا أوّل الكلام.
إنَّ ثبوت الموضوع وحده لا يكفي وهو كونها عورة، بل لا بدَّ من ثبوت المحمول بأن يُقال: كلّ عورة يحرم الإحساس المناسب لها حتّى بدون شهوة، وعندئذٍ نحتاج إلى الدليل ولا دليل.
5- أنَّه يمكن القول باختصاص مفهوم العورة بالمرئيات ولا يشمل الحواس الأربع الأخرى، والصوت يكون منها، فلو كان كذلك كانت الموسيقى عورة وهو غير محتمل.
أقول: الجواب ليس عن كلام الشيخ الهمداني بل عن أصل السؤال، لأنَّ كلام الشيخ يختلف كما عرفنا.
[في الاعتداد بأذان المرأة للرجال]
6- بل حُكي عن الشيخ في المبسوط(1) أنَّ المرأة إذا أذّنت للرجال جاز لهم أن يعتدّوا ولا يقيموا؛ لأنَّه لا مانع منه؛ إذ الظاهر أنّ مراده الاعتداد بأذانها فيما إذا أذّنت لهم بحيث سمعوا أذانها فإنَّ هذا هو المتبادر من كلامه، ومن المستبعد أن يلتزم ببطلان أذانها في حدّ ذاته واعتداد الغيرية.
قال الشيخ الهمداني: «ولكن مع ذلك قد يشكل الالتزام بمقالة الشيخ من اعتداد الرجال بأذانها وإن جوّزنا لهم سماع صوتها نظراً إلى ما قد يدّعى من
ــــــ[45]ـــــــ
(1) المبسوط: ج1 ص97، ط جماعة مدرسين، والحاكي عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة ج2 ص 258 ط جماعة مدرسين.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
قصور ما دلّ على الاكتفاء بأذان الغير عن شموله لوروده في أذن الرجل أو انصرافه إليه، ولذا تردّد فيه غير واحد ممّن لا يرى الإسرار شرطاً في أذانها»(1).
جوابه: أنَّ كلام الشيخ حول الاعتداد بأذانها إذا أذّنت لهم لا أنَّها أذّنت قبلهم.
ولكن أجاب عنه في الحدائق: «بأنَّ ما دلّ على الاعتداد بسماع الأذان وإن كان ظاهره كون المؤذّن رجلاً إلّا أنَّه لم يعلم هنا خصوصية للرجل في ذلك فيتعدّى الحكم بطريق المناط القطعي إلى كلّ مؤذّن من رجل أو امرأة كما في سائر جزئيات الأحكام» (2).
[مناقشة ما أورده الهمداني من (ادّعاء القطع بالمناط عهدته على مدّعيه)]
ثُمَّ يقول الهمداني: «ادعاء القطع بالمناط عهدته على مدّعيه»(3).
وفي الحقيقة توجد عدّة طرق لذلك:
أوّلاً: ما ذكر في الحدائق من تنقيح المناط وهو العلّة المستنبطة وهو مطعون
ــــــ[46]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص229، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الحدائق الناضرة: ج7 ص364، ط جماعة مدرسين: «إلاّ أنه يمكن تطرق الإشكال إلى اعتداد الرجال به وإن جوزنا سماع صوت الأجنبية من حيث عدم ورود النقل بذلك والعبادات مبنية على التوقيف».
(3) مصباح الفقيه: ج11 ص229، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
كبروياً لعدم القطع غالباً به للجهل بمناطات الأحكام يشبه القياس المستنبط العلّة(1).
ثانياً: التجريد عن الخصوصية فينعقد في طوله إطلاق ظهوري بالشمول للفرد الآخر ولولا هذا الظهور لما كان حجّة، وهو فرقه عن تنقيح المناط وهو مطلب صحيح في كل الأحكام ما لم يدلّ دليل على التقييد بأحدهما أو يكون صفّة لأحدهما، كالحيض.
ثالثاً: أدلّة الاشتراك، غير أنَّه ليس إلّا الإجماع، فالتمسّك بإطلاقه غير ممكن، لكن قد يقال: التمسّك بإطلاقات بعض الآيات مثل مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى(2) أو إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ(3).
إلاّ أنَّ في كونه من الإطلاق اللفظي نظر وإنَّما هو من الإطلاق المقامي على أحسن تقدير، بل يمكن أن يدّعى أنَّها في مقام بيان أصل التشريع بغضّ النظر عن التفاصيل فيختصّ بالقدر المتيقّن ولا يشمل الزائد، فيسقط كلا الإطلاقين لأدلّة الاشتراك، وهو الأرجح.
ــــــ[47]ـــــــ
(1) الحدائق الناضرة: ج7 ص364، ط جماعة مدرسين: «ويمكن الجواب بأن ما يدل على الاعتداد بسماع الأذان وإن كان ظاهره كون المؤذّن رجلاً إلّا أنه لا تعلم هنا خصوصية للرجل في ذلك، فيتعدّى الحكم بطريق المناط القطعي إلى كلّ مؤذّن من رجل وامرأة كما في سائر جزئيات الأحكام وإن صرّح بالرجل، فإنهم لا يختلفون في تعدية الحكم إلى النساء ما لم تعلم الخصوصية».
(2) آل عمران: 195.
(3) الأحزاب: 35.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
رابعاً: الإطلاق اللفظي وهو متوقّف على كونه في مقام البيان وعلى عدم التقييد وهو مقيّد بالرجل فلولا التجريد لم يتمّ.
خامساً: الإطلاق المقامي يعني الأدلّة إجزاء الأذان، وهو سياقي، إلّا أنَّه هنا أردأ من اللفظي؛ لأنَّه أيضاً فرع كونه في مقام البيان. وهو غير معلوم فلا إطلاق له، مضافاً إلى ما قلناه من التقييد بالرجل لفظياً، فلا يعمّ المرأة إلّا بنحو من التجريد عن الخصوصية.
[في شمول الأذان والإقامة للنوافل]
قال الشيخ الهمداني: «ويتأكّدان فيما يجهر به على ما صرّح به المصنّف وغيره، بل عن (الغنية)(1) دعوى الإجماع عليه، ولعلّه كافٍ في إثباته بعد البناء على المسامحة، وإلاّ فلم نقف في النصوص على ما يشهد له في الإقامة، بل ولا في أذان العشاء، وأمّا الغداة والمغرب فقد شهد بتأكّد مطلوبية الأذان فيها كالإقامة في سائر الفرائض جملة من الأخبار»(2).
ثمّ قال : «وأشدّها الغداة والمغرب وقد سبق أخبارهما»(3).
ثمّ قال: «ولا يؤذّن ولا يقام لشيء من النوافل ولا لشيء من الفرائض عدا الخمس، بلا خلاف فيه على الظاهر بل عن (المعتبر) أنَّه مذهب علماء الإسلام،
ــــــ[48]ـــــــ
(1) غنية النزوع، ص72 ـ 73، ط مؤسسة الإمام الصادق.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص231، ط مؤسسة آل البيت.
(3) المصدر السابق
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
إذ لم يثبت شرعيتهما في سائر الصلوات ما عدا الفرائض الخمس فيكون فعلهما لشيء منه تشريعاً».
أقول: يمكن القول بالتجريد عن الخصوصية فإنَّه لا يوجد ولا خبر واحد فقط لا معتبر ولا ضعيف يقيّد بالفريضة.
نعم، الشيخ الحرّ العاملي جعل عنوان إحدى الأبواب استحباب الأذان لكلّ فريضة وهو ليس بحجّة في نفسه ولذا تمسّك الشيخ الهمداني بنفي الخلاف أو أنَّه مذهب علماء الإسلام ولو كان منصوصاً لكان أولى بالذكر.
وما يمكن أن يكون تقريباً للمنع من الأخبار عدّة وجوه:
الأوّل: لسان (إذا صلّى صلّى خلفه صفّان من الملائكة)(1) فهي جماعة والجماعة خاصّة بالفريضة.
جوابه:
1- أنَّ المراد أنَّه صلّى فرادى، وليس حكم جماعة الملائكة حكم جماعة البشر.
2- أنَّه يقصر الأذان في السفر كما يقصر الرباعية. والقصر خاصّ بالفرائض، هذا لا مفهوم له.
3- لسان تحريم الأذان الثاني في الجماعة لا مفهوم له.
4- لسان الاكتفاء بأذان الجماعة المنتهية.
وفيه:
أ- لا مفهوم له.
ــــــ[49]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 باب4 ح1 ـ 3، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ب- بل يمكن الاكتفاء بأذان المنفرد أيضاً، فإذا جاز الأذان للنافلة أو للفرائض الأخرى جاز الاكتفاء به.
ج- على أنَّ الفرائض الأخرى يمكن فيها الجماعة.
5- سيرة المتشرّعة على ترك الأذان والإقامة في هذه الموارد، والسيرة العملية لا تدلّ على عدم المشروعية في المتروك إلّا أن نضمّ له الارتكاز وهو صحيح.
6- أصالة عدم المشروعية، فإنَّ التقييد بالفريضة وإن لم يأت إلّا أنَّ العموم أو الإطلاق لم يثبت فيشكّ في مشروعيته فيكون الأصل عدمها.
جوابه: أنَّه فرع عدم وجود الإطلاق وهذا ما سوف نبحث عنه، والظاهر وجوده غاية الأمر أنَّه إن ثبت بالإجماع أو الارتكاز عدم المشروعية حمل الإطلاق على الشمول للفرائض فقط بقرينة ارتكازية.
[ما دلّ على الإطلاق من ألسنة الروايات]
وأمّا ما دلّ على الإطلاق فهو عدّة ألسنة يكفينا منها عدم تقييد أي لسان على الإطلاق بالفريضة أو اليومية أو نحوها:
1- ثواب المؤذّنين(1).
2- أنَّ الأذان يكون للصلاة(2).
3- أنَّه يكون للمنفرد والجامع(3).
ــــــ[50]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 باب2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 باب6، ط مؤسسة آل البيت.
(3) لاحظ: الوسائل: ج5 باب25، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
4- أنَّه يكون في السفر والحضر(1).
5- لسان أن تبتدئ النهار بأذان والليل بأذان(2) وغير ذلك.
ويكفينا أن ننتبه أنَّه في الفرائض اليومية التي نوافلها قبلها وهي الصبح والظهرين ستقع النوافل بعد الأذان وليس الفرائض؛ لأنّنا نؤذّن ونتنفّل ونصلّي الفريضة، فيكون الأذان للمجموع، ومن المعلوم أنَّ مجموع ما يجوز له الأذان وما لا يجوز لا يجوز؛ لأنَّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمتين فلا بدّ من الأذان بعد النافلة. وإذا تمّ صدق المجموع شمل الفرائض التي نوافلها بعدها إذ يكون الأذان للمجموع أيضاً.
إذن: يكون هناك أذان للنوافل اليومية ولو في الجملة يعني فيما إذا اقترنت بالفرائض.
فإن قلت: فإنّنا نقصد الأذان لخصوص الفريضة.
قلنا: هذا لم يثبت من ارتكاز المتشرّعة، بل الأذان للورد من مجموع الصلوات.
إذن: ففي الجملة يمكن أن يقال أن النوافل اليومية لها أذان وليس لها إقامة وعدم الإقامة قطعي، لكن يتّضح الفرق مع الفصل بين النوافل والفرائض لكنّه لا ينافي مشروعيته مع الوصل.
وكذلك فإنَّه من اليقين عدم وجود الأذان ولا الإقامة للنوافل غير اليومية
ــــــ[51]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 باب5، ط مؤسسة آل البيت.
( ) الوسائل: ج5 باب6، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وخاصّة المبتدأة ولكن يذكر الله قبلها ولو بالإتيان ببعض فقرات الأذان استقبالاً فإنّ له جهة نفسية وروحية أكيدة.
ومعه فعنوان الصلاة ونحوها المأخوذ في الأخبار يختصّ بغير هذه الحصّة، لأنَّ الظهور لا يشمل ما هو قطعي العدم، وإن كان مقتضى طبع اللفظ الأولي شموله لكلّ صلاة.
[كلام في (الألف واللام ) جنسية أم عهدية]
وأمّا دعوى: أنَّ المراد من الألف واللام العهد للفريضة لا الجنس.
فمدفوعة: بأصالة الجنس مع عدم القرينة على العهد، إلّا أن يقال: إ نَّ الارتكاز المتشرّعي من القوّة والوضوح بحيث يكون كالقرينة المتّصلة لذلك وهو -إلى الآن- لا يبعد أن يكون كذلك في النوافل غير اليومية.
فإن قلت: بأنَّه بعد الاختصاص ببعض الصلوات يحمل على العهد فيتعذّر شموله بالإطلاق أي حمله على الجنس، فيسقط عن الإطلاق بالمرّة.
جوابه:
أوّلاً: لا بأس بذلك، لأنَّه عندئذٍ يؤخذ منه بالقدر المتيقّن وهي الفرائض اليومية وهي النتيجة المشهورية.
ثانياً: أنَّه يمكنه الجمع بين العهد والجنس؛ لأن العهد إذا كان للجزئي سقط عن الإطلاق بالمرّة.
وأمّا إذا كان العهد لحصّة أو لقسم كلّي أمكن الإطلاق أو فهم الجنس في حدود الحصّة المشمولة له.
ــــــ[52]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[الكلام في مشروعية الأذان والإقامة للفرائض غير اليومية]
يقع الكلام في الفرائض غير اليومية من حيث مشروعية الأذان والإقامة لها أو الأذان وحده أمّا المقتضى فموجود أساساً ما لم يدّع قصوره واختصاصه باليومية وهو أوّل الكلام، وأمّا الإجماع فهو لبّي يقتصر منه على القدر المتيقّن وهو النوافل المبتدأة، فقد يكون القدر المتيقّن ذا مراتب فلا بدّ أن يؤخذ بأضيقها مع عدم سعة الدليل وهو هنا النوافل المبتدأة، فإلى هنا لا يكون الأذان والإقامة مستنكراً أمام الفرائض غير اليومية، لا أقل من الإتيان بهما برجاء المطلوبية.
نعم، لا يبعد أنّنا لو رجعنا إلى الارتكاز المتشرّعي نجده يستنكر ويستهجن ذلك وهو دليل على الاستحباب. وإذا انتفى الوجوب والاستحباب انتفت المشروعية، لكن يبقى احتمال أنَّ هذا الارتكاز ناشئ من الترسيخ الفقهائي ونشكّ في وجوده منذ عصر الأئمة ليكون مُقَرّاً، والترسيخ الفقهائي ناشئ من الاحتياط لا من الفتوى، فيبقى الإتيان به برجاء المطلوبية صحيحاً.
[تتمّة في الحديث عن الأذان والإقامة]
قال الشيخ الهمداني: «(ولا يؤذّن) ولا يقام (لشيء من النوافل)»(1).
وهذا قد ظهر وجهه في غير اليومية والتعليق في اليومية.
وقوله : «ولا لشيء من الفرائض عدا الخمس»(2).
ــــــ[53]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص231، ط مؤسسة آل البيت.
(2) المصدر السابق.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وهو أيضاً قد ظهر وجهه وقلنا بإمكانه لرجاء المطلوبية، والجمعة ليست من الخمس وإن كانت يوميّة.
وقوله: «بل يقول المؤذّن: (الصلاة) ثلاثاً»(1).
وفيه خبر ضعيف عن إسماعيل الجعفي(2) وهو خاصّ بالعيدين والتجريد عن الخصوصية محتمل وليس أكيداً إلّا أنّ العمل برجاء المطلوبية جيد.
أقول: خبر إسماعيل الجعفي بعد تجريده عن الخصوصية من العيدين لغيرها ممّا يكون فريضة أحياناً أو كلّياً. فهل لوحظ فيه الفريضة أو الجماعة أو ما يكون أحياناً فريضة وأخرى نافلة؟ فالتجريد عن كلٍّ منها يختلف أو ممّا تصحّ الجماعة فيه ولو كان مستحباً، وأمّا ما صلّاه فرادى فلا معنى للإعلام فيه، وأمّا بدليته عن الأذان وتنزيله منزلته فهو فرع:
1- صحّة الحديث.
2- أن يستفاد منه التنزيل وهو متعذّر، لأن أقصى ما يستفاد منه هو البدلية عن الإعلام لا كونه أذاناً تعبّداً. ولا حاجة لنا إلى التنزيل بعد كفاية ذلك، أعني القول: (الصلاة) ثلاث مرّات.
[الأذان والإقامة لقضاء الصلوات الخمس]
قال المحقق: «وقاضي الصلوات الخمس يؤذّن لكلّ واحد منها ويقيم»(3).
ــــــ[54]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) الوسائل: الباب 7 من أبواب صلاة العيد ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(3) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
1- من باب التجريد عن الخصوصية من الأداء إلى القضاء.
2- اقض ما فات كما فات بما فيها استحباب الأذان والإقامة أشكل عليه فيه وجه عن حقيقتها وأنَّها أيضاً يسقط فيها الأذان.
3- رواية عمّار الساباطي قال: «سئل أبو عبد الله عن الرجل إذا أعاد الصلاة هل يعيد الأذان والإقامة؟ قال: نعم»(1).
وهو غير معتبر على ما يبدو، وإطلاقه شامل لكلّ إعادة عرفاً، فإنّ القضاء إعادة ويعبّر عنه في الأخبار بالإعادة في لسان الرواة لا الأئمة على ما يأتي فيشمل القضاء.
4- لسان (لا صلاة إلّا بأذان وإقامة)(2) ونحوها من المطلقات.
5- معاقد الإجماعات المحكية كما قال الهمداني: «ولا يعارضها… قال كتبت إليه: رجل تجب عليه إعادة الصلاة أيعيدها بأذان وإقامة؟ فكتب: يعيدها بإقامة»(3).
وهناك روايات أخرى في (المصباح)(4) ووجه المعارضة حذف الأذان.
وجوابه:
1- ما ذكره الهمداني من أنَّها تفيد (الرخصة) في الترك لا (العزيمة) ــــــ[55]ـــــــ
(1) الوسائل: الباب 8 من أبواب قضاء الصلوات ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: الباب 35 من أبواب الأذان والإقامة، ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مصباح الفقيه: ج11 ص236، ط مؤسسة آل البيت.
(4) المصدر السابق.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وعدم المشروعية(1).
2- أنَّها أيضاً قابلة للتجريد عن القضاء إلى الأداء في حذف الأذان، وهذا كلام سيأتي والمهمّ الآن أصل ثبوته في القضاء وهو صحيح.
وبمقدار ما نثبت لقضاء اليومية يمكن أن نثبت لغيرها من قضاء الواجبات التي تكون قابلة للقضاء كالآيات، لا مثل صلاة الجمعة وإن كانت يومية.
قال المحقق : «وقاضي الصلوات الخمس يؤذن لكلّ واحدة منها ويقيم»(2) بعد حمل السقوط على الرخصة لا العزيمة وعدم المشروعية.
[في حذف الأذان في الأداء والقضاء]
ثمّ قوله «ولو أذّن للأولى من ورده، ثُمَّ أقام للبواقي كان دونه في الفضل»(3).
فيقع الكلام أوّلاً في الأداء ثمّ في القضاء؛ لأنَّه إذا ثبت ذلك في الأداء فهو في القضاء أولى، لأنَّه ليس أكثر أهمّية منه شرعاً، ولم يستدلّ الهمداني بمثل ذلك مع أنَّه يمكن الاستدلال بالتجريد، بل بالأولوية.
نعم، العكس محلّ إشكال يعني أن ما ورد من حذف الأذان في القضاء يشمل الأداء لأنَّه أهمّ، ولكنّنا على أي حال ينبغي أن ندخل في تفاصيله.
ــــــ[56]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص234 ـ 235، ط مؤسسة آل البيت.
(2) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(3) المصدر السابق.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[في حذف الأذان في الأداء]
للأداء روايات، منها:
1- محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد عن يحيى الحلبي عن أبي عبد الله، قال: «إذا أذّنت في أرض فلاة وأقمت صلّى خلفك صفّان من الملائكة، وإن أقمت ولم تؤذّن صلّى خلفك صفّ واحد»(1).
2- وعنه، عن فضالة عن حسين بن عثمان عن ابن مسكان عن محمد بن مسلم، قال: قال لي أبو عبد الله: «إنك إذا أنتَ أذّنت وأقمت صلّى خلفك صفّان من الملائكة، وإن أقمت إقامة بغير أذان صلّى خلفك صفّ واحد»(2).
3- محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله، قال: «إذا أذّنت وأقمت صلّى خلفك صفّان من الملائكة وإذا أقمت صلّى خلفك صفّ من الملائكة»(3).
[في حذف الأذان في القضاء]
وللقضاء روايات ليس في باب الأداء مثلها، من قبيل:
1- محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه، وعن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن حماد عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر -في حديث-، قال: «إذا كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأوّلهن فأذّن لها وأقم ثمّ صلّها
ــــــ[57]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص381 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص381 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص381 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ثمّ صلِّ ما بعدها بإقامة إقامة لكلّ صلاة»(1).
2- وعن محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين عن موسى بن عيسى قال: «كتبت إليه: رجل تجب عليه إعادة الصلاة أيعيدها بأذان وإقامة؟ فكتب: يعيدها بإقامة»(2).
إلاّ أنَّه أقل منه؛ لأنَّه رخّص بترك الأذان مطلقاً، فيكون الإتيان به في الأوّل له فضل على القاعدة، وكذلك التجريد عن الخصوصية في هذا المورد.
[مناقشة في التعارض بين أخبار الأداء والقضاء]
وقد وجد الهمداني(3) بين أخبار الأداء وأخبار القضاء نحواً من المعارضة إلّا أنَّه مبني على أنَّ الأداء لا يشرّع فيه ترك الأذان ولم يتعرّض لهذه المسألة، أو أنَّ هناك في القضاء ما يدلّ على ذلك وهما مفقودان ولو وجدا لم يتعارضا؛ لأنَّ الأذان موضوع آخر والثاني قابل للتخصيص.
مضافاً إلى الوجهين السابقين والحقّ أنَّهما لا يتعارضان مع عدم التجريد عن الخصوصية، إذ يختصّ كل واحد بمورده: الأداء والقضاء، وأمّا التجريد عنها فهو متعذّر في روايات الأداء؛ لأنَّها نصّ به، لأنَّه ليس في القضاء وقت محدّد مع أنَّها تقول (تفتتح النهار وتفتتح الليل)، وتقول: (يقصر الأذان كما تقصر الصلاة) والقضاء لا يقصر وإنّما يقصر الأداء، وأمّا التجريد بالعكس أي من روايات القضاء إلى الأداء
ــــــ[58]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص446 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص446 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(3) لاحظ: مصباح الفقيه: ج11 ص224، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
فهو متعذّر أيضاً؛ لأنَّ القضاء أردأ أهمّية فحذف الأذان فيه لعلّه لذلك والأداء أهمّ فلا يلازمه.
إلاّ أنّنا لو جرّدنا تعارضا في الظهرين؛ لأنَّهما ورد واحد مع الجمع بينهما، ولكن أدلّة المستحبات لا تتساقط، بل يكون المكلّف مخيّراً بينهما برجاء المطلوبية.
[هل سقوط الأذان رخصة أو عزيمة؟]
ثُمَّ هل السقوط في كلّ هذه الموارد رخصة أم عزيمة؟ مقتضى الفهم الأوّلي كونه عزيمة وأنَّ نفيه نفي للمشروعية، يقابله سياق الامتنان الدالّ على التسهيل وهو ملازم للرخصة ونافٍ للعزيمة، وهذا لا إشكال فيه في روايات القضاء، إلّا أنَّ روايات الأداء، تقول: (الأذان يقصر كما تقصر الصلاة)، والصغرى هنا: (أنَّ القصر عزيمة).
إذن: سقوط الأذان عزيمة، ويكون سياق (الامتنان الاختياري) مرتفعاً، بل هو (امتنان إلزامي) ولا بدّ من الأخذ بالرخصة.
جوابه: أنَّ هذا له لسانان:
أحدهما: مضمونه أنَّ الرباعية لا يؤذّن فيها حتى في الحضر؛ لأنَّها تقصر في السفر فهنا القصر الواجب غير موجود، فالعزيمة على ترك الأذان غير موجود.
وثانيهما: ترك الأذان للرباعية لدى السفر نفسه؛ لأنَّه يقصر مع الصلاة، ومورد القصر متحقّق إذن يكون تركه عزيمة، وهذا له وجه.
لكن قد يقال في مقابله بإمكان التمسّك بمطلقات الأذان.
فإن قلت: فإنَّها مقيّدة بتلك الروايات.
ــــــ[59]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
قلنا: ليس في المستحبّات تقييد.
فإن قلت: نعم، ولكن المفروض الدلالة على العزيمة في السقوط فالتقييد متعيّن.
قلنا: كلاّ، ما لم يدلّ على عدم المشروعية وهو ممنوع، فتأمّل.
إشارة إلى أنَّها دالّة [على] إسقاط الاستحباب فتدلّ بالملازمة على عدم المشروعية، فيكون مقتضى الاحتياط عدم الإتيان بأذان الرباعية في السفر، وهذا لا يشمل الأداء التمام ولا القضاء مطلقاً، فإن سقوطه رخصة فيها يمكن التمسّك بمطلقات الأذان.
والإتيان به برجاء المطلوبية أو الاستحباب ولو ضعيفاً.
[الأذان والإقامة في الجمعة وعرفة]
قال المحقق: «ويصلّي يوم الجمعة بأذان وإقامة والعصر بإقامته، وكذا في الظهر والعصر بعرفة»(1).
والمراد من (عرفة) كلا الأمرين المكان والزمان. وإلّا فلا يحتمل إرادة المكان فقط، كما لا يراد الزمان فقط ولو في سائر البلدان، فإمّا أن نقول بتحمّل اللفظ لكلا المعنيين، وإمّا أن نقول إ نَّه إشارة بلسان الحال أو السياق إلى الزمان المعيّن وهو (يوم عرفة).
ــــــ[60]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[الأذان والإقامة في الجمعة]
أمّا الكلام في الفرع الأولي وهو (يوم الجمعة)، ولم يذكر صلاة الجمعة بوضوح فلعلّه يريد الجامع إلّا أنَّ الانصراف إلى خصوصها بلا شكّ.
وأفضلُ مَن عنون المسألة الشيخ الهمداني حيث قال: «وهذا في الجملة لا شبهة فيه. ولكن الإشكال في أنَّ هذا -أي الاكتفاء بالإقامة وحدها للعصر- هل هو رخصة، كما ذهب إليه غير واحد، أم عزيمة، كما صرّح به آخرون؟ وأنَّه هل هو مخصوص بمن صلّى الجمعة دون الظهر، أم مطلقاً، كما عن الشيخ وغيره؟ وأنَّه هل هو فيما لو جمع بين الفرضين، كما صرّح به غير واحد، بل ربّما نزّل عليه إطلاق غيره، أو أعمّ(1)، كما ربما يستظهر من إطلاق كلماتهم؟ وعلى تقدير الاختصاص بصورة الجمع فهل هو مخصوص بيوم الجمعة، كما يستشعر من تخصيصهم بالذكر، أو أنَّ الحكم كذلك في مطلق الجمع بين الظهرين بل بين فريضتين في الأداء مطلقاً، كما لعله المشهور، بل في القضاء أيضاً كما تقدّمت الإشارة إليه آنفاً»(2).
بحيث يكون الأذان المتكرّر هنا بدعة، أو أنَّ سقوطه عزيمة كما سبق. ولا بدّ من الحديث في أهمّ هذه الفروع:
ولعلّ أهمّها وهو عنوان المسألة في المتن ما إذا صلّيت الجمعة بأذان وإقامة ثُمَّ صلّيت العصر بعدها فيكون حذف الأذان فيها مشروعاً أو واجباً كما سنسمع.
ــــــ[61]ـــــــ
(1) يعني حتّى مع الفصل.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص237، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ويمكن أن يستدل لذلك بعدّة أدلّة:
الأوّل: إطلاق ما دلّ على تأكّد استحباب الأذان للصبح والمغرب أوّل النهار وآخره وعدم ذلك في الباقي كما سبق وصلاة العصر منها.
ثانياً: ما دلّ على أنَّه يؤذّن من ورده ويقيم للباقي والجمعة مع العصر ورد أي متتابعة، فتكون صغرى من الرواية وهي معتبرة، إلّا أنَّها واردة في القضاء كما سمعناه وتجريدها عن الخصوصية للأداء متعذّر لأنَّه أهمّ كما سبق، وخاصّة صلاة الجمعة أو الصلاة يوم الجمعة فإنَّه واضح الأهمّية.
ثالثاً: ما دلّ على الاكتفاء بأذان الجماعة السابقة، بل المفرد السابق كما سبق بعد التجريد عن الخصوصية للجماعة ذاتها بعد أن أذّنت أولاً وأقامت.
إلاّ أنَّ الكلام في الصغرى، فإنَّ المناط فيها على ما نفهم هو احترام المسلم لأذان المسلم غيره. وأمّا احترام المسلم لأذان نفسه فمتعذّر كما هو المؤدّى من هذه المسألة؛ لأنَّ المفروض أنَّ الجماعة هي نفسها، ومع احتمال الفرق يسقط الإطلاق.
رابعاً: رواية حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه، قال: «الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة»(1).
قال في (المستمسك): «بناءً على تفسيره بأذان العصر -كما عن بعضٍ-؛ لأنَّه ثالث الأذان والإقامة للظهر أو ثالث الأذانين للصبح والظهر»(2).
ــــــ[62]ـــــــ
(1) الوسائل: ج7 ص400 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 551، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وهي تفسيرات غريبة وغير محتملة ومن هنا فسّره الشيخ الهمداني بأنَّه نفي لعادة مستحدثة في زمن بعض خلفاء الخلافة الأولى(1).
أقول: المهمّ أنَّه أذان ثالث إما لفرض واحد أو لورد واحد، وأمّا إدخال الإقامة فيه أو صلاة الصبح فهو غير محتمل.
أمّا كونه لفرض واحد فإنّهم يؤذّنون للإعلام ثُمَّ يؤذّنون للخطبتين ثُمَّ للفريضة، فيخرج عن محلّ الكلام، وأمّا كونه لورد واحد فإنَّهم يؤذّنون لخطبتين ثُمَّ للفريضة ثُمَّ للعصر. ويرد الأخير أنَّهم لا يصلّونهما بورد، بل منفصلتين، فيتعيّن التفسير الأوّل، إلّا أنَّ الرواية غير معتبرة السند، كما أنَّها لا تخصّ صلاة العصر التي هي محلّ الكلام.
قال في (المستمسك): «مضمونه أنَّه حمله بعضهم على الأذان الثاني الذي ابتدعه بعض خلفاء الخلافة الأولى عثمان أو معاوية»(2).
غير تامٍّ، لأنَّ حمله على غيره خلاف الظاهر، بل خلاف النصّ.
خامساً: ممّا استُدلّ به على سقوط الأذان لعصر الجمعة: صحيح الفضيل وزرارة عن أبي جعفر «أنَّ رسول الله جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين، وجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين»(3).
ــــــ[63]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص239، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 551، ط إحياء التراث العربي.
(3) الوسائل: ج5 ص445 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[بحث في ترك الأذان والإقامة مع الجمع أو مطلقاً]
قال في (المستمسك): «وفي المدارك وغيرها: الإشكال عليه: بأنَّه إنّما يدلّ على ترك الأذان للعصر والعشاء مع الجمع بين الفرضين لا مطلقاً سواء كان يوم الجمعة أم غيره، وهو غير المدّعى»(1).
ويجاب:
أوّلاً: بما أجاب به في (المستمسك): بأنَّه لم يظهر من المستدلّ اختصاص الدعوى بالجمعة(2).
أقول: ولكنّه نصّ في صورة الجمع فلا يبقى دليل على ترك أذان العصر مع التفريق يوم الجمعة.
ثانياً: أنَّ كلامنا في صورة الجمع، ولا دليل على سقوط الأذان في التفريق.
ثالثاً: أنَّ الرواية من مطلقات سقوط الأذان في المورد الواحد، فيمكن التمسّك بإطلاقها لكلّ حصصها بما فيها يوم الجمعة.
وهذه الرواية وهي أعلائية السند تدلّ على أنَّ النبي جمع بين الصلاتين أحياناً، وهذا معنى وارد في أخبارهم أيضاً، وهذا يدفع التشكيك بأنَّه لم يحصل ذلك منه.
مضافاً إلى أنَّه كان يجمع لبيان المشروعية والجواز لا محالة.
ــــــ[64]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 551، ط إحياء التراث العربي.
(2) المصدر السابق.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
أو أكثر من ذلك بناء على أنَّ المعصوم لا يفعل المكروه، فيثبت على أنَّه مستحبّ يعني تقديم العصر أو تأخير الظهر، لأنَّ الرواية لا تنصّ أنَّه صلّى أوّل الوقت.
سادساً: السيرة على ترك الأذان للعصر واستدلّوا به على السقوط على نحو العزيمة وعدم المشروعيّة لا مطلق السقوط، بعد وضوح أنَّ الأدلّة السابقة لا تدلّ على ذلك لإمكان التمسّك بمطلقات الأذان لكلّ فريضة لإثبات مشروعيته للعصر، فهنا يقال: بأنَّ السيرة على تركه ولو كان مشروعاً لما تركوه، وهو مطعون صغرى وكبرى.
أمّا الصغرى وإن سلّمها الهمداني(1) إلّا أنَّها ليست صحيحة؛ لأنَّ المعصومين لم يكونوا يقيمون صلاة الجمعة ولا الجماعة في أغلب أزمانهم، ولم يثبت بسيرة اطمئنانية أنَّ المعصومين الذين أقاموها كالنبي وأمير المؤمنين كانوا يحذفون الأذان، كما لم يثبت أنَّ حذفهم لو وجد كان من أجل الاقتران بين الصلاتين أو لأجل صلاة الجمعة.
وبتعبير آخر: لم يثبت أنَّهم حذفوا الأذان مع التفريق، الذي هو مقصود المستدلّ.
وأمّا كبرى؛ فلأنَّه لا يدلّ على عدم المشروعية؛ لأنَّ السيرة لا لسان لها فلعلّها تدلّ على عدم الاستحباب ونحو ذلك.
ــــــ[65]ـــــــ
(1) لاحظ: مصباح الفقيه: ج11 ص241، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وأجاب الهمداني(1) على هذا الاستدلال بإبراز المصالح الوقتية لترك الأذان كالمبادرة إلى الواجب وهو الفريضة أو استحباب الأخذ بأضعف المأمومين أو الاستعجال الدنيوي ونحو ذلك.
قال الشيخ الهمداني: «وغير ذلك من العناوين الراجحة الحاصلة بالترك من فعل الأذان المسبوق بأذان يجوز الاكتفاء به، فيكون فعله مرجوحاً (أي أقلّ ثواباً) بالإضافة إلى تركه المجامع مع فعل الصلاة لا مطلقاً كي ينافي مشروعيته ووقوعه عبادة»(2).
أقول: وهذا وإن كان كلّه حسناً إلّا أنَّه لا يثبت عدم الاستحباب، بل المرجوحية في طول المزاحمة.
إلّا أنَّ تقديم فعل الفرض على فعله لو تمّ لعمّ كلّ الفرائض، وهو غير محتملٍ، فإنَّ الشارع المقدّس حين أمر بالأذان علم بتأخّر الفرض بهذا المقدار، فيلزم النهي عن التقديم بهذا الشكل، سواء في مورد كلامنا أو غيره.
سابعاً: ما أدّعي من أصالة عدم المشروعية؛ لأنَّ كلّ شيء شكّ في مشروعيّته، فالأصل عدمها أو إذا شكّ في مشروعيّة شيءٍ فالأصل عدمها؛ لأنَّ كلّ شيء شكّ في وجوده، فالأصل عدمه، وهذا النحو من الأصل وإن اشتهر بين القدماء والمتوسّطين إلّا أنَّه على إطلاقه ممّا لا دليل عليه ما لم يرجع إلى أصل معتبر شرعاً أو ممّا دلّ عليه الدليل، والدليل غير موجود بذلك اللّسان، وإنَّما الأصل الممكن ــــــ[66]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص241، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
لذلك هو الاستحباب، وهو يقرب هنا بأحد شكلين:
أحدهما: استصحاب العدم الأزلي للمشروعيّة.
وثانيهما: استصحاب عدم أصل الجعل منذ أوّل الإسلام المنتج عدم المشروعية؛ لأنَّنا لا نعني من المشروع إلّا المجعول.
وجوابه: بعد التسليم -ولو جدلاً- بهذه الاستصحابات:
أوّلاً: أنَّها لا تنافي الإتيان بالعمل برجاء المطلوبية، ولا يكون عندئذٍ تشريعاً محرماً، بل يكون انقياداً مستحبّاً، وهو هنا الأذان، وهو ذكر لله سبحانه، وليس فيه ظلم لأحدٍ.
ثانياً: أنَّ هذه الاستصحابات مقطوعة بمطلقات الأذان لكلِّ فريضة، فإنَّ العصر فريضة حتماً، ما لم يدلّ دليل على تخصيصها، والتخصيص غير وارد في المستحبّات، مضافاً إلى ضعف أدلّة التخصيص سنداً ودلالة له كما سبق.
فقول المحقّق: «ويصلي يوم الجمعة الظهر بأذان وإقامة والعصر بإقامة»(1) إن قصد الترخيص في السقوط فهو صحيح، ولكنّه ليس خاصّاً بيوم الجمعة، وإن قصد العزيمة والإلزام أو عدم المشروعيّة كما ربما تُشعر عبارته، وخاصّة بعد عطفه على المسألة التالية للصلاة في عرفة، فهو ممّا لا دليل عليه».
وكذا قول الهمداني: «إن َّ هذا في الجملة ممّا لا شبهة فيه»(2).
إلاّ أن يقصد من الجملة الأعمّ من الترخيص والعزيمة، كما أنَّ المحقّق لم يُشِرْ ــــــ[67]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص237، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
إلى خصوص صلاة الجمعة أو الظهر، كما لم يُشرْ إلى الجماعة والفرادى، كما لم يُشرْ إلى الوصل مع الفصل. وعلى أيّ حالٍ فكلّها مشمولة لمطلقات الأذان.
قال في (العروة): «وأمّا مع التفريق فلا يسقط تمسّكاً بالمطلقات وعدم تمامية الأدلّة اللفظيّة واقتصار اللبّية كالإجماع والسيرة على القدر المتيقّن، وهو الجمع. مضافاً إلى أنَّها في نفسها غير محرزة»(1).
[في سقوط أذان العصر في عرفة]
وأمّا المسألة الأخرى وهو سقوط أذان العصر في عرفة، ففيه باب في (الوسائل)(2) يشمل المغرب والعشاء من المزدلفة، ولم يذكرها المحقّق مع أنَّها أوضح وأوكد فقهياً.
ويقرب لعدم المشروعية قوله: «السُّنّة»(3) يعني خبره خلاف السنّة وخاصّة مرتبة المتقدم فإنَّه يفيد المفهوم إلّا أنَّ السُنّة ليس بمعنى مطلق الاستحباب، بل بمعنى عادة المتشرعة أو بمعنى الأفضل أو بمعنى كراهة المستحبّ ولا يكون تخصيصاً كاملاً.
فيكون نفياً للاستحباب، فلا يكون مشروعاً. إلّا أنَّه قال: «يوم عرفة» إلّا أن يجعل قوله: «بمزدلفة» قرينة عليه.
فيكون قوله: «أن رسول الله جمع بين الظهر والعصر بأذان ــــــ[68]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 5427، ط إحياء التراث العربي.
(2) الوسائل: ج5 باب 36 من الأذان والإقامة، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص445 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وإقامتين، وجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين»(1). دالّ على فعل النبي وهو لا يترك المستحبّ، فلا يكون هنا مستحبّ، إلّا أنَّ فعله في الجملة وليس دائماً وإنّما هو لبيان الجواز ولو احتمالاً.
كما أنَّه ليس فيه اسم (عرفة) و(المزدلفة)، غايته أنَّه فهم الحرّ العاملي منها ذلك(2).
والرواية التي بعدها تفسّره إلّا أنَّها مرسلة، فلا يكون التقييد معتبراً، وإن كان الأصل معتبراً.
وممّا يدلّ على ذلك، أعني: عدم المشروعية عن الحلبي عن أبي عبد الله قال: «لا تصلِّ المغرِب حتى تأتي جمعاً، فصلِّ بها المغرِب والعشاء الآخرة بأذانٍ وإِقامتين»(3).
وهي معتبرة السند ومن حيث وجود النهي أو وجود الأمر بعده وهو دالّ على المطلوب.
وجوابه: أنَّه ليس نهياً عن الأذان، بل نهي عن تقديم الصلاة أوّل الوقت.
وأمّا الأمر فهو أمر بأصل الصلاة وليس بترك الأذان الآخر إلّا أن يجعل له ــــــ[69]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص445، ح2 ط مؤسسة آل البيت.
(2) حيث عنون الباب باب: «استحباب الجمع بين ظهري عرفة وظهري الجمعة وعشاءي المزدلفة بأذان واحد وإقامتين وجواز ذلك في كلّ فريضتين». الوسائل: ج5 ص445، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج17 ص14 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ظهور سياقي إلّا أنَّ المستحبات لا تخصيص فيها إلّا أن يدلّ على المبغوضية.
وهو لا يحتمل أن يكون مولوياً إلزامياً وإنّما بيان للأفضل. مع الحاجة إلى التجريد عن الخصوصية من (المشعر) إلى (مِنَى).
مضافاً إلى نقل الإجماع وعدم الخلاف، إلّا أنَّه لُبّي، فلا يدلّ على عدم المشروعيّة، بل على أصل السقوط، فيبقى مجال للتمسّك بمطلقات الأذان لإثبات أصل الاستحباب أو الإتيان به برجاء المطلوبية.
[كلام في دلالة صحيحة منصور بن حازم (الجمع بأذان وإقامتين)]
وفي صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله قال: «صلاة المغرب يجمع بأذان واحد وإقامتين، ولا تصلِّ بينهما شيئاً»، وقال: «هكذا صلى رسول الله».
وإشكاله من جهتين:
1- أنَّ الجملة خبرية(1) فلا تفيد الوجوب. وجوابه أمّا أنَّها أوكد كما قال الآخوند.
ــــــ[70]ـــــــ
(1) «المبحث الثالث: هل الجمل الخبرية التي تستعمل في مقام الطلب والبعث -مثل: يغتسل، ويتوضأ، ويعيد- ظاهرة في الوجوب أو لا؟ لتعدّد المجازات فيها، وليس الوجوب بأقواها، بعد تعذّر حملها على معناها من الإخبار، بثبوت النسبة والحكاية عن وقوعها.
الظاهر الأوّل، بل تكون أظهر من الصيغة، ولكنه لا يخفى أنّه ليست الجمل الخبرية الواقعة في ذلك المقام -أيّ الطلب- مستعملة في غير معناها، بل تكون مستعملة فيه، إلّا أنّه ليس بداعي الأعلام، بل بداعي البعث بنحو آكد، حيث إنّه أخبر بوقوع مطلوبه في مقام طلبه، إظهاراً بإنّه لا يرضى إلّا بوقوعه، فيكون آكد في البعث من الصيغة، كما هو الحال في الصيغ الإنشائية، على ما عرفت من إنّها أبداً تستعمل في معانيها الإِيقاعية لكن بدواعٍ أخر»، كفاية الأصول ص70- 71 ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وجوابه: أنَّها لا تدل على الحصول كالجملة الفعلية. وأمّا أنَّها لها ظهور سياقي في الوجوب.
وأمّا لأنَّها فيها تقدير، أي: مشروعيتها ذلك، فيكون ضدّه خلاف المشروع ولا مفهوم الحصر سياقي .
2- أنَّها في سياق مستحبّ وهو «لا تصلِّ» فتكون مقتضى وحدة السياق ذلك.
جوابه: أنَّ هذا فرع سقوط النوافل استحباباً مع أنَّها ساقطة إلزاماً والسفر في الحجّ هو الغالب.
جوابه: أنَّها ساقطة استحباباً. أمّا في مطلق السفر فلم يثبت سقوط نوافل المغرب لضعف دليله. وأمّا في المشعر فلوجود رواية أخرى تدلّ على تحققها أحياناً وهي معتبرة أبان بن تغلب قال: «صلّيت خلف أبي عبد الله المغرب بالمزدلفة فقام فصلى المغرب، ثُمَّ صلّى العشاء الآخرة، ولم يركع فيما بينها، ثُمَّ صلّيت خلفه بعد ذلك سنة فلمّا صلّى المغرب قام فتنفل بأربع ركعات»(1).
وعلى أي حال لا ينافي الإتيان بالأذان برجاء المطلوبية وإن كان خلاف النصّ والسيرة والأدب تجاه الله سبحانه وخاصّة مع لزوم الأخذ بالرخصة. فقد ــــــ[71]ـــــــ
(1) الوسائل: 14: ص15 ح5 ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
اتّضحت أهمّية هذه المسألة في المشعر عن مِنَى؛ لأنَّ فيها عدّة روايات معتبرة وهي أوضح في السقوط ظهوراً.
ولكن المحقّق ذكر المسألة التي دونها في الأهمّية.
هذا مضافاً إلى الإجماع المنقول بعنوان (بلا خلاف ظاهر) كما في (المستمسك)(1) إلّا أنَّه مدركي جزماً وليست هنا أهمّيّة أكثر من أهمّيّة هذه الروايات. وكذلك فهو لُبّي والقدر المتيقّن منه هو صورة الجمع بين الصلاتين بعرفة والمشعر، فلو فرّقهما تمسّكنا بمطلقات الأذان بشكل واضح. بل إ نَّ الروايات لا تدلّ على ذلك وإنّما هي خاصّة بالتتابع فتبقى صورة الانفصال خارجة، وهذا لم ينتبه إليه الفقهاء. فلو حصل للحاجّ أي عمل ولو صدفة لزمه الأذان.
[الكلام في الأذان في عرفة لغير الحاجّ والمحرم]
ولو توفّر القيدان: الزمان والمكان. ولكن لغير الحجّاج والمحرمين فهل الأمر كذلك في الجمع بين الصلاتين؟
مقتضى إطلاق الروايات هو الشمول. ومقتضى الانصراف هو الخصوص. كما أنَّ القدر المتيقّن من الأدلّة اللُبّية كالإجماع والسيرة هو ذلك الخصوص، فإن حصل انصراف ظهوري فهو وإلاّ يتكوّن احتماله فيكون مجملاً من ناحية غير الحجاج المحرمين فنتمسّك بمطلقات الأذان والإقامة؛ لعدم تمامية مقدّمات الحكمة بعد احتمال التقييد ولو سياقاً.
ــــــ[72]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 550، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[في الأذان والإقامة لمن جاء أثناء صلاة الجماعة]
قال المحقّق: «ولو صلّى الإمام جماعة وجاء آخرون لم يؤذّنوا ولم يقيموا على كراهية ما دامت الأولى لم تتفرّق، فإن تفرّقت صفوفهم، أذّن الآخرون وأقاموا»(1).
إلاّ أنَّ رواياته بعضها مكرّرة وبعضها غير مكرّرة(2).
وفيها مسائل:
1- الالتحاق بنفس الجماعة.
2- انعقاد جماعة بعد جماعة أو مع جماعة.
3- صلاة فرادى بعد جماعة.
4- صلاة جماعة بعد فرادى.
5- شمول البعدية لحال التفرّق.
6- عدم شمول الحكم لمن لا يقتدى به.
المسألة الأولى: لعلّ ترك الأذان والإقامة فيها:
1- من ضروريات الفقه ما دامت الجماعة صحيحة للمأموم.
2- بل قد تستلزم هتكاً للجماعة التي يريد الالتحاق بها.
3- وظهور النفي بعدم المشروعية لأنَّه نفي للمستحبّ.
ــــــ[73]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) لاحظ: الوسائل: باب27 من الأذان. وباب30 من الأذان وهو يدلّ على الاكتفاء بأذان المنفرد، وهو معارض برواية أخرى. والباب 65 من صلاة الجماعة وباب 25 من الأذان نفس العنوان.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وقال في (العروة): «أو كان مسبوقاً، بل مشروعية الإتيان بهما في هذه الصورة لا يخلو من إشكال»(1).
وقال في (المستمسك): «لظهور قوله في خبر معاوية: ليس عليه أذان ولا إقامة في انتفاء الأمر بهما»(2).
وقلنا: إ نَّ هذا بمجرّده دليل على ضعف الاستحباب مضافاً إلى عدم تصوّر التقييد في المستحبات. فيبقى مورد للتمسّك بمطلقات الأذان.
4- ويدلّ عليه أيضاً خبر ابن شريح -الآتي ذكرة قريباً إن شاء الله تعالى-(3) كما عليه السيرة القطعية المقرَّة والارتكاز.
فلا يناقش بضعف سند الخبر وعدم التقييد في المستحبات.
5- الدليل الآتي في انتهاء الجماعة فإنَّه أولى في الصحّة من خلالها.
المسألة الثانية: جماعة مع جماعة والكلام عن مشروعيتها وسقوط أذانها، ودليلها هو الآتي بالأولوية أو التجريد عن الخصوصية احتمال حرمته .
المسألة الثالثة: ترك الأذان والإقامة فيما إذا صلّى جماعة بعد جماعة لا زالت آثارها واضحة ومنعقدة. وعليه جملة من الروايات(4) والإجماع والسيرة، ينافيه ما دلّ على إبطال الكلام للإقامة مع جوابه كونه تعبّداً.
ــــــ[74]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 563، ط إحياء التراث العربي.
(2) المصدر السابق.
(3) الوسائل: ج5 ص395 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
(4) لاحظ الوسائل: باب65 من الجماعة وباب 25 من الأذان والإقامة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ويعارضه ما سبق هي نفسها من صلاة الجماعة وهو: عن معاوية بن شريح عن أبي عبد الله قال: «إذا جاء الرجل والإمام راكع.. إلى أن يقول: ومن أدركه من السجدة الأخيرة وهو في التشهد فقد أدرك الجماعة وليس عليه أذان ولا إقامة. ومن أدركه وقد سلّم فعليه الأذان والإقامة»(1).
ورواية عمار، عن أبي عبد الله -في حديث- قال: «سُئل عن الرجل يؤذّن ويقيم ليصلّي وحده فيجئ رجل آخر فيقول له نصلّي جماعة هل يجوز أن يصلّيا بذلك الأذان والإقامة؟ قال: لا، ولكن يؤذّن ويقيم»(2) بعد التجريد عن الخصوصية، مع جوابه.
إلاّ أنَّ خبر أبي مريم الأنصاري قال: «صلّى بنا أبو جعفر في قميص بلا إزار ولا رداء ولا أذان ولا إقامة -إلى أن قال- فقال: وإني مررت بجعفر وهو يؤذّن ويقيم فلم أتكلّم فأجزأني في ذلك»(3).
يدلّ على جواز الاكتفاء بأذان المنفرد ولا يحتمل دخل عصمته. ولا يضرّه ضعف السند؛ لأنَّه أمر مستحبّ، إلّا أنَّ المراد هنا الترك والترك ليس مصداقاً لأخبار (من بلغ) ويعارضه أيضاً خبر أبي بصير عن أبي عبد الله قال: «قُلْتُ لَهُ الرَّجُلُ يَدْخُلُ المَسْجِدَ وَ قَدْ صَلَّى الْقَوْمُ، أَيُؤَذِّنُ وَ يُقِيمُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ دَخَلَ، وَلَمْ ــــــ[75]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص395 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص432، ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص437، ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
يَتَفَرَّقِ الصَّفُّ صَلَّى بِأَذَانِهِمْ وَإِقَامَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ تَفَرَّقَ الصَّفُّ أَذَّنَ وَأَقَامَ»(1) من الأذان مع جواب الحرّ.
[وجوه الجمع بين أخبار حذف الأذان ووجوده]
وجوه الجمع بين الطائفتين بحيث لا تكون الوجوه متنافية.
أولاً: أن نجعل الطائفة الثانية قرينة على كون هدف الأذان رخصة لا عزيمة، يعني يأتي به جوازاً.
ثانياً: أن تكون الثانية لبيان أصل الاستحباب طبقاً لمطلقات الأذان. والأولى لبيان الاستثناء.
ثالثاً: وهو راجع إلى الثاني وأنَّ الأولى لبيان قلّة الاستحباب والثانية لأجل بيان أصل الاستحباب.
رابعاً: إن قلنا إ نَّ المراد من الأولى الحذف بنحو العزيمة فتكون بنحو التقييد للمطلقات. وهنا لا بدّ منه؛ لأنَّه إلزامي، ويكون ما دلّ على الجواز الطائفة الثانية تقييداً للأولى ببعض الصور، فتكون تقييداً بعد تقييد. وهذا فرع أن يكون فيهما عدم مطلق.
خامساً: أن نقول: إ نَّ موضوع كلتا الطائفتين واحد، ونقول بالعزيمة، فيتعارضان ويتساقطان ونرجع إلى مطلقات الأذان.
سادساً: أنَّهما لا يتعارضان؛ لأنَّ طائفة الحذف أصحّ سنداً وأكثر عدداً من ــــــ[76]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص430، ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
طائفة الوجود، فتتقدّم. إلّا أن نضمّ لها مطلقات الأذان فتكون أولى بالتقديم.
سابعاً: أنَّ الطائفة الثانية إنَّما هي مشيرة إلى مطلقات الأذان، وليست زائدة عليها، بل هي حصص منها، فتكون طريقية الدلالة وتحذف عن التعارض، فتبقى المطلقات وأدلّة الحذف الطائفة الأولى، فتكون تقييداً لها على الكلام السابق من فهم العزيمة أو الرخصة، وهو قلّة الاستحباب.
[في إعادة الأذان للمنفرد الذي أراد الجماعة]
قال المحقّق: «وإذا أذّن المنفرد ثمّ أراد الجماعة، أعاد الأذان والإقامة»(1).
أخذاً بصحيحة عمّار عن أبي عبد الله -في حديث- قال: «سُئل عن الرجل يؤذّن ويقيم ليصلّي وحده فيجئ رجل آخر فيقول له نصلّي جماعة هل يجوز أن يصلّيا بذلك الأذان والإقامة؟ قال: لا، ولكن يؤذّن ويقيم»(2).
ويعارضه خبر أبي مريم الأنصاري قال: «صلّى بنا أبو جعفر في قميص بلا إزار ولا رداء ولا أذان ولا إقامة -إلى أن قال- فقال: وإني مررت بجعفر وهو يؤذّن ويقيم فلم أتكلّم فأجزأني في ذلك»(3).
بعد إلغاء خصوصية العصمة من حيث اكتفاء الجماعة بأذان الواحد، ويمكن الجمع باعتبار نفسه أو غيره.
ــــــ[77]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) الوسائل: ج5 ص432، ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص437، ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[الكلام في شروط المؤذّن]
[العقل]
قال المحقّق: «ويعتبر فيه العقل»(1) أي ويشترط في المؤذّن العقل، فلا اعتبار به لو كان مجنوناً، لم يذكر في (العروة) ولا (المستمسك) شرائط المؤذّن إطلاقاً، فيصحّ ما قاله المحقّق وهو أكيد في الجملة إلّا أنَّ الكلام في الحكم الوضعي لو صادف أذانه الصحّة وخاصّة للإعلام، وإنما الكلام في كفايته للجماعة ونحوها، فيصدف عرفاً ومتشرّعياً أنَّه أذّن.
ولا يوجد في الشريعة ما ينفيه، والمطلقات كافية لإثباته وإجزائه والإجماع إن حصل فهو محمول على ما إذا لم يصادف الصحّة، ولا يمكن التمسّك بدليل عدم تكليفه بصفته مجنوناً:
1- لأنَّه دليل لُبّي لا إطلاق فيه حتّى لو كان لفظياً كقولهم: (أخذ ما وهب سقط ما وجب)، وكذلك (رفع القلم)، فإنَّه خاصٌّ بالتكليف.
2- أن َّه دليل عقلي باعتبار عجز المجنون عن الامتثال فهو لُبّي أيضاً.
3- أنَّ سقوط التكليف عن ه لا يقتضي سقوط الحكم الوضعي عنه، بل هو ثابت عليه كالضمان أكيداً. والكلام إنّما هو في الوضعي دون التكليفي؛ لأنَّه من قبيل الإجزاء عن الغير.
ثُمَّ إنَّ الفقهاء يقولون إ نَّ عبارته ساقطة.
ــــــ[78]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
قلنا: إن َّ المراد فيه هو المعاملات وعدم تأثيرها.
فإن قلت: إ نَّ الأذان من العبادة فيكون مشمولاً للعموم.
قلنا: دليل سقوط المعاملات لا يأتي فيه وهو رضا الولي إذ لا يوجد في الأذان ذلك.
فإن قلت: فإنَّه سقطت عبارته؛ لأنَّه لا تفكير له فقد وجد أذانه بلا تفكير فيكون باطلاً.
قلنا: هذا في المعاملات صحيح، لأنَّه لا بدّ من القصد أمّا في الأذان فقصد المعنى غير مطلوب حتى للعاقل. وإنما الموجود عرفاً هو الأذان فيكفي.
ومعه: لا دليل على اشتراط العقل وإن الشرط هو كون الأذان جامعاً لشرائط الصحّة، فلو صدر من المجنون كفى.
[الإسلام]
قال المحقق: «والإسلام»(1) وهذا واضح وإن لم يرد بعنوانه في الروايات ودليله المحتمل عدّة وجوه:
أولاً: أنَّهم قالوا: إنَّه من البعد عن الله بحيث لا يمكنه القرب. والأذان عبادة فيقع باطلاً وإجزاء الباطل مخالف للقاعدة، ولا نناقشه؛ لأنَّ النتيجة صحيحة.
ثانياً: الإجماع منقولاً ومدّعى حتى قيل: إنَّ نُقُولَ الإجماع مستفيضة ومتواترة. فيكون بمنزلة المحصل.
ــــــ[79]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ثالثاً: أنّنا إذا لم نقل بتكليف الكفّار بالفروع فيقع منه الأذان باطلاً؛ لأنَّه غير مكلّف به، فهو تشريع محرم. إلّا أنَّ الصحيح هو التكليف بالفروع.
رابعاً: أولوية ما دلّ على إيمانه لصحيحة عمّار عن أبي عبد الله قال: «سُئل عن الأذان، هل يجوز أن يكون، عن غير عارف؟ قال: لا يستقيم الأذان ولا يجوز أن يؤذّن به إلّا رجل مسلم عارف، فإن علم الأذان وأذّن به ولم يكن عارفاً لم يجز أذانه ولا إقامته ولا يُقتدى به»( ).
[الإيمان]
فلاحظ «مسلم عارف» والمراد به ذلك لا العارف بالدقّة ولا أقلّ من وحدة السياق مع المسلم وإن لم يكن بينهما ملازمة عقلاً. وكذلك قوله في ذيل الرواية (ولا يقتدى به)؛ لأنَّ من ليس عارفاً بالوقت لا يحتمل فيه ذلك( ).
وبذلك يتّضح شرطية الإيمان أيضاً وهو كونه عارفاً بالولاية. هذا على تقدير أنَّه أذّن أذاناً صحيحاً عندنا فهو باطل؛ لأنَّه غير جامع للشرائط فجعلهم يؤذّنون لنا كعبد الباسط وغيره غير مشروع.
[في الأذان بأذانهم تقية]
وأمّا إذا أذّن بأذانهم فهو أولى بالبطلان أو قل باطل؛ لنقصه وزيادته حتّى لو جاء به شيعي. نعم، ظرف التقيّة قد يقتضي الاجتزاء بأذانهم، وهذا باب آخر. كما ــــــ[80]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص432، ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) أُنظر: عنوان الباب 26 الدال على أنَّه فهم كل ذلك من الرواية بالفحوى (منه).
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
فهموا من الحجّ الاكتفاء بحجّهم أخذاً بقوله: «التقية ديني ودين آبائي»، و«لا دين لمن لا تقيّة له». وأسنادها صحيحة. إلّا أنَّه في الأذان لا بدّ من رفع ظرف التقيّة، ولا يكون إلّا مع الانحصار.
[دلالة قوله (يُقتدى به) على العدالة]
ولا يُقال: أنَّه لا يقتدى به يدلّ على كون ذلك قيداً في المؤذّن فتشترط العدالة. لأنَّه يقال:
1- إ نَّه لم يرد في العبارة كونه شرطاً للمؤذن.
2- إن َّه شرط بالمقدار البيّن في العبارة، وليست العدالة في محلّ البيان.
3- إ نَّ اشتراطها خلاف ضرورة الفقه.
[الذكورة]
قال المحقّق: «والذكورة»(1) ويريد به المؤذّن لـ(أذان الإعلام)؛ لوضوح عدمه للأذان لنفسه أو لجنسه، كما لو أذّنت المرأة لجماعة النساء.
ودليل إرادته الإعلام أنَّه يقول: «صيّتاً»(2) ولا معنى لذلك للأذان لنفسه، ولكن الشروط السابقة كالعقل والإسلام والإيمان شاملة حتّى للأذان لنفسه؛ لاشتراط صحّة العبادات أساساً بها. من هنا كان نحو إجمال فيما هو المقصود له.
والظاهر أنَّ المراد أذان الإعلام، كلّ ما في الأمر أنَّ بعض الشروط خاصّة به، وبعضها شاملة لغيره.
ــــــ[81]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) الوسائل: ج5 ص409 الباب16، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وقد استدلّ الهمداني على الحكم المطلوب بقوله: «أمّا في الأذان الإعلامي فلوضوح عدم كون النساء المطلوب منها العفّة والستر(1) مقصوداً بإطلاق أدلّته وعمومها»(2).
العبارة مرتبكة، ولم يذكر ولا دليلاً واحداً مطلقاً أو عامّاً مع أصالة عدم الإجزاء ولم يذكرها والحكم فرع حرمة سماع صوت الأجنبية، ولا نقول به ومقتضى الأصل جوازه، إلّا أنَّه خلاف السيرة القطعيّة، وهي عملية لا تنتج القول بالحرمة. والارتكاز لا يساعد عليها أيضاً، والإجماع على الحرمة لا يمكن القول به. وأدلّة الحجاب كالآية الكريمة لا ربط لها بالصوت.
وإذا تعارضت أصالة البراءة عن الحرمة وأصالة عدم الإجزاء كانت البراءة أسبق رتبة، إلّا أنَّها لا تدلّ على الإجزاء، بل على الجواز، وهو غير ملازم للإجزاء، فيوقف على الدليل، وبدونه لا تعارض بينهما.
يمكن تعاكس الأدلّة مع الفرع السابق.
ثُمَّ قال الهمداني: «وأمّا في أذان الصلاة، فللأصل؛ لأنَّ سقوط التكليف بالأذان والإقامة عن سائر المكلفين بفعل بعضهم مخالف للأصل محتاج إلى دليل»(3).
ــــــ[82]ـــــــ
(1) والعفّة قد تكون واجبة وقد لا تكون.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص265، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مصباح الفقيه: ج11 ص265، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
هذا راجع إلى نفس المقدّمات السابقة لُبّاً وهو عدم الإطلاق مع أصالة عدم الإجزاء.
[في شمول دليل أذان وإقامة الواحد في الجماعة للمرأة]
ثمّ قال: «وما دلّ على كفاية أذان أو إقامة واحدة من الإمام أو غيره للجماعة قاصرة الشمول عن أذان المرأة وإقامتها؛ إذ ليس في شيء ممّا عثرنا عليه من أدلَّته عموم أو إطلاق مسوق لبيان هذا الحكم بحيث يصحّ التمسّك به لإثبات كفاية أذان النساء، كما لا يخفى على المتتبّع»(1).
هذا يحتاج إلى ضمّ أصالة عدم الإجزاء مضافاً إلى كفاية إطلاقات الأذان.
وعلى العموم، أقول:
1- جعل الاستدلال إجمالياً في الموردين (الستر والسقوط) مع أنَّه ادّعى الإطلاق في دليل الستر وعدمه هنا مع العلم أنَّ المنساق عموماً هو عدم الإطلاق فيها معاً فنرجع إلى الأصول وهو هناك البراءة وهنا عدم الإجزاء أو كما سبق.
وإن قلنا بوجود الإطلاق هنا كان حاكماً على الأصل.
2- إ نَّه منقوض بأذان المرأة لجماعة النساء مع أنَّه لم يرد في دليل فمقتضى الأصل عدم الإجزاء إلّا أنَّه غير محتمل، ومنقوض بأذان المرأة لجماعة من محارمها أو أولادها وزوجها. ويبعد القول بعدم إجزائه.
مضافاً إلى ما هو المشهور المنصو ر من جواز سماع صوت المرأة، فلا يجب الستر في هذه الناحية.
ــــــ[83]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص265، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
مضافاً إلى إمكان التجريد عن خصوصية الرجل المأخوذة في الأخبار وحمله على الغالب؛ لأنَّه المتعارف.
ولا يقال: إ نَّ المرأة أردأ من الرجل فلا يمكن التجريد عن الخصوصية.
قلنا: إن سلّمنا أنَّها أردأ، إلّا أنَّ هذا يكون في المورد الذي يحتمل فيه وجود الرداءة كالعمل خارج المنزل أو القوامة ونحوه، وفي الأذان لا يبدو هذا التأثير موجوداً.
وممّا يستدلّ به أيضاً لعدم الجواز قوله في المعتبرة السابقة: «ولا يجوز أن يؤذّن به إلا رجل مسلم عارف»(1).
وهنا قال الهمداني: «وفيه نظر؛ لجري ذكر الرجل مجرى الغالب، فلا يفهم منه إرادته بالخصوص»(2).
أقول: بخلاف القيدين الآخرين (والفرق هو كون الرجل أصبح بمنزلة الموضوع للآخرين)، ونفس هذا الكلام كان يمكنه أن يقوله في المطلقات مع أنَّه لم يقله.
استدراك
هل يجزي أذان الواحد في الجماعة لنفسها؟
قال في (المستمسك): «قلّ من تعرّض له»(3).
ــــــ[84]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص432، ح1 ط مؤسسة آل البيت.
(2) مصباح الفقيه: ج11: ص265، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 562، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
أقول: وهو الآن من ضروريات الفقه والمتشرّعة، إلّا أنَّ الاستدلال عليه بواحد من الأخبار مشكل.
ودليله: الإجماع والسيرة والارتكاز. فهو في الجملة ثابت إلّا أنَّها أدلّة لُبّية يقتصر فيها على القدر المتيقّن.
كالأذان إخفاتاً أو أذان المرأة ونحو ذلك (وكذا من لم يسمعه لتأخّره مكاناً أو زماناً).
وأمّا الأخبار فقد استدلّ في (المستمسك) بطائفة أهمّها ما دلّ على الاجتزاء بأذان الجماعة بعدها فكيف في حال إقامتها لمن لم يلتحق بالجماعة مع جوازه فضلاً عمّن التحق، ولسان: (أذّن خلف من قرأت خلفه)، وليس فيه مفهوم إلّا أنَّ القربة عليه وأنَّه بصدد البيان من هذه الناحية وأنَّ السيرة كانت عليه. ولسان: «من أدرك الإمام في الركعة الأخيرة فقد أدرك الجماعة وليس عليه أذان ولا إقامة».
ولسان: «إذا قال المؤذّن قد قامت الصلاة أيقوم الناس على أرجلهم أو يجلسون حتى يجيء إمامه. قال: بل يقومون على أرجلهم» (1). الخ.
ولسان: (أنَّ النبي كان إذا دخل المسجد وبلال يقيم الصلاة جلس)(3) وكلّها غير معتبرة.
فيكون السقوط رخصة لا عزيمة ما لم يوجد عنوان ثانوي.
ومقتضى التمسّك بمطلقات الأذان أن يكون لكلٍّ منهم أن يؤذّن لولا لزوم
ــــــ[85]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص438 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص395 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الهتك عرفاً ومتشرّعياً والتمسّك بالإجماع صحيح إلّا أنَّ الخارج عن القدر المتيقّن غير مشمول له.
[الإسرار بالأذان في الجماعة]
فإن أسرّ بأذانه لم يحسب، لأنَّه ليس لهم.
وجوابه: أنَّ ذلك يكون بالقصد، مضافاً إلى أنَّه إن لم يكن لهم كان أولى بالإجزاء؛ لأنَّه القدر المتيقّن من اللسان الوارد بدليل معتبر.
وقد يقال: إ نَّ الإسرار بالأذان لا يكون لهم (بعد التنزّل عن كفاية القصد) ولا يكون لنفسه؛ لأنَّه لم يقصد ذلك. فما وقع لم يقصد وهو نفسه، وما قصد لم يقع وهو الجماعة. وهذا وارد بعد التنزّل عن كفاية القصد للجماعة؛ لأنَّه مع عدم القصد لنفسه لا يكون له وإذا لم يكن له لم يجزئ عن غيره. وليس هنا كبرى لإجزاء الأذان كيف كان ولو للتعليم، بل في بعض الروايات قد أذّنت لنفسها وأقامت فالقصد دخيل على كلا التقديرين.
والنتيجة: أنَّه إذا كان إخفاتياً وقصداً للجماعة لم يمكن القول بعدم إجزائه من الرجل.
فقوله: «لا اعتداد بما لا يُسمع»(1) ليس بصحيح، ما دام الأذان في نفسه جامعاً للشرائط وليس منها السماع، بل أصالة عدم الشرطية تنفيه والمطلقات تثبته.
فإذا صحّ ذلك من الرجل صحّ من المرأة؛ لعدم اشتراط الذكورة في الأذان الاعتباري وشمول المطلقات لها، وإن كان خلاف سيرة المتشرعة فلا يكون هناك
ــــــ[86]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص265، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
مانع من صحّة أذانها من ناحية كونها امرأة ولا من كونها مخفتة، فترتفع الحرمة ويجزئ الأذان. انتهى الاستدراك.
قال: «وقد يستدلّ أيضاً بأنّها إن أسرّت الأذان، لم يسمعوه، ولا اعتداد بما لا يسمع، وإن أجهرت عصت، فلا يقع فعلها عبادة. وفي مقدّمتيه نظر، بل منع»(1).
أقول: وهذا معناه عدم كفاية إطلاقات أدلّة الستر والعفة عن الحرمة. مع أنَّه تمسّك بها أوّلاً.
مضافاً إلى ما قلناه من منع عبادية الأذان.
[في عدم اشتراط البلوغ]
قال المحقق: «ولا يشترط فيه البلوغ، بل يكفي كونه مميزاً»(2).
ومراده أذان الإعلام والجماعة وليس لنفسه؛ إذ يكون الجواز عندئذ ضرورياً.
والأدلّة على المنع سنخان :
أولاً: الأدلّة المانعة عن قبول عبادته فإن تمّت سقط الأذان أيضاً.
جوابه:
1. إنَّنا لا نقبلها بل نقول بصحّتها جميعاً.
2. إنَّها لو تمّت احتاج الفقيه إلى دليل مخصّص وهو موجود في صحيحة آتية تدلّ على جواز ذلك.
ــــــ[87]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ثانياً: ما دلّ على اختصاص الأذان بالرجال أهمّها صحيحة عمّار وفيها: (رجل مسلم عارف)، فهو ينفي الصبي كما ينفي المرأة. إلّا أنَّ الظاهر ورودها مورد الغالب كما أشار الهمداني(1).
مضافاً إلى أنَّها لا مفهوم لها وأنَّ مفهومها مفهوم الوصف.
فإن قيل: إ نَّه يحتاج في فاقد القيد إلى دليل كما هو في «مسلم عارف» وإلّا، فالأصل عدم الإجزاء.
قلنا: هذا صحيح إلّا أنَّه يكفينا هنا نفي الظهور المفهومي لورود رواية صحيحة تأتي على جواز أذان الصبي.
مضافاً إلى ما قلناه في المرأة من كون عنوان الرجل بمنزلة الموضوع والباقي بمنزلة المحمول؛ فلا يتعارضان إلا على تقدير ثبوت المفهوم؛ لأنَّ المنطوقين لموضوعين مختلفان .
ولو قلنا بالمفهوم تعارضا وتساقطا. ورجعنا إلى عمومات الأذان وإلاّ فإلى أصالة عدم الإجزاء.
وأمّا أدلّة الجواز، فأغلبها والمعتبر منها بلسان: «لا بأس أن يؤذن الغلام الذي لم يحتلم»(2).
ــــــ[88]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وتقريبه: استبعاد أن يكون لنفسه بحيث يكون له ظهور في غيره أو يجعل الرواية الأخيرة قرينة على ذلك.
استمرار في حكم أذان الصبي أو نجعل أذانه لنفسه كافياً، أو نجعل قوله: «لا بأس» أنَّه مجزئ كأذان الكبير فتشمله كل الأحكام بنحو من الإطلاق المقامي إذ لو كانت هناك جهة محذوفة لأمكنه التقييد ولم يقيّد.
كما أنَّ قوله: «الذي لم يحتلم» ظاهر بالمميّز وإن كان بالدقّة عاماً لغيره إلّا أنَّه غير محتمل، كما أنَّه ظاهر بعقله وإيمانه وإسلامه، بل بقبول ذلك كلّه منه.
[في أذان المسجّلات والصور المتحرّكة]
يقع الكلام في أذان المسجّلات والصور المتحرّكة. مقتضى القاعدة أعني الأصل العملي عدم الإجزاء ولو باعتبار استصحاب اشتغال الذمّة بالمستحبّ أو استصحاب عدم الإتيان بالشرط الاستحبابي للصلاة ونحو ذلك فما هو القاطع له.
الوجه الوحيد لذلك هو صدقه العرفي؛ لأنَّه أذان وكلّ أذان مجزئ للصلاة إذن فهو مجزئ لها. إلّا أنَّ الطعن في الكبرى، فإنَّ الأذان المجزئ هو ما صدر من النطق البشري وليس كلّ أذان.
وبتعبير آخر: المستحبّ هو أن يؤذّن أو أن يقصد الأذان ونحوه. نعم، لو كان المستحبّ أعمّ من السماع والإسماع والاستماع لكان مجزياً لصدق السماع أو الاستماع قطعاً. إلّا أنَّه قطعاً غير موضوع للأدلّة، بل الموضوع هو فاعلية الأذان وإيجاده بشرياً.
فإن قيل: إ نّ قصد الأذان والتسبيب إليه بالاختيار موجود وذلك بفتح المسجّلة.
ــــــ[89]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص265، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص440، باب جواز أذان غير البالغ، ط مؤسسة آل البيت.
لاحظ الحديث الأول منه: «محمّد بن الحسن بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب، عن العبّاس بن معروف عن عبد الله بن المغيرة عن ابن سنان عن أبي عبد الله -في حديث- قال: لا بأس أن يؤذّن الغلام الذي لم يحتلم».
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
قلنا: كلا، هذا لا يكفي؛ لأنَّ القصد وحده لا يكفي، بل القصد مع إيجاد النطق بالأذان كما أنَّ النطق بالأذان لا يكفي كما لو كان من نائم أو مجنون، ولم تقل باعتبار أذانه أو كان المجنون بحيث لا قصد له إطلاقاً، فالمهمّ إيجاد الأذان بالنطق البشري بقصد الأذان.
ويمكن القول بأنَّ كلّ الأدلّة منصرفة إلى ذلك، ويكفي التفاتاً إلى ذلك أنَّ مثل هذه الأجهزة لم تكن موجودة في الزمان السابق فلا يحتمل أن تكون ملحوظة. فيتعيّن أن يكون الملحوظ هو خصوص الأذان البشري؛ للانصراف القطعي إليه.
وهذا لا يعني أنَّه مع عدم وجود الإطلاق في أية مسألة لا يمكن التمسّك به للمصاديق الحديثية، وإنّما هنا لا يوجد إطلاق.
[في قراءة القرآن بروح الميت بالمسجِّلة]
ومثله قراءة القرآن بروح الميت، فإنَّه لا يثاب إلّا ثواب سماعية القرآن وليس قراءته، فإنَّ تكراره بالمسجّلة ليس قراءة ثانية فلا ثواب عليها، بل الثواب على القراءة الأولى فقط.
نعم، فتح المسجلّة إسماع للقرآن وعليه ثواب كما أنَّ سماعه عليه ثواب.
[في سماع الغناء بالمسجِّلة]
ونحوه سماع الغناء، فإنَّه حرام من المسجّل أو من النطق البشري، إلّا أنَّ فتح المسجّلة ليس نطقاً بشرياً فلا يعاقب المغنّي عقابين؛ لأنَّه غنّى مرّتين، كما أنَّه لا ــــــ[90]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
يثاب بثوابين؛ لأنَّه قرأ القرآن مرّتين أو أذّن مرّتين. وإنّما يترتّب فقط أحكام الإسماع والاستماع والسماع كالسجدة، فلو شغّل المسجّل لم يجب السجود للنطق بها، بل للاستماع إليها، وهكذا.
وهذه كلّها قرائن على عدم إجزاء الأذان المسجّل في الصلاة، لا الانفرادية ولا الجامعة.
نعم، لا يبعد إجزاؤه في أذان الإعلام، لأنَّ المراد من الإعلام مجرّد الإسماع، وليس النطق البشري خاصّة، والإسماع قد حصل، وهو يرجع إلى الشهادة، فيكون الشاهد من فتح المسجّلة.
[في مستحبّات وصفات المؤذّن]
[العدالة]
قال المحقّق: «ويستحبّ كونه عدلاً»(1) أي (المؤذّن الإعلامي) لوضوح عدمه لغيره كما له أذن لنفسه، فاعل (يكون) ليس كل مؤذّن بل المنصوب فلا يشمل المؤذّن لنفسه أو للجماعة.
وأمّا للجماعة فلا يكاد أن يكون محتملاً. إلّا أنَّ احتماله ولو تعسّفاً يجعل اختيار العدل أرجح ولو من باب التسامح في أدلّة السنن. إلّا أنَّ الكلام في صدق البلوغ ولم يرد خبر واحد في عنوان العدالة ومجرّد الاحتمال لا يكفي موضوعاً للبلوغ والمخاطبة بالاستحباب ليست للفرد لاستحباب الإعلام لكلّ أحد.
ــــــ[91]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ولا يحتمل أن يكون أذان غير العادل باطلاً. وإنما المخاطبة للحاكم الشرعي المبسوط اليد الذي يعيّن مؤذّناً، كما نسب إلى الشهيد الثاني في (المصباح): قال في محكي الروض(1) وهو أرجح ممّا قاله الهمداني أنَّ الخطاب للناس؛ لأنَّ المجتمع لا يضمن مصالحه.
نعم، لو آل الأمر إلى ولاية عدول المؤمنين جاز. أو إذا اتّفق عدول المؤمنين حتى مع وجود الحاكم جاز ولا دليل على منعهم لفرض توفّر شرطية العدالة عندئذٍ. بل لو ذهب العادل بنفسه وأذّن كفى.
ويدفع كلّ ذلك كونه للحاكم.
ودليل الشرطية أمور
الأوّل: خبر الصدوق مرسلاً: قال: قال علي قال رسول الله: «يؤمّكم أقربكم ويؤذّن لكم خياركم»(2).
وهو مرسل ولا يدلّ على العدالة بعنوانها بل أفضل الموجودين على أنَّ العبادة لا تخلو من إشكال لدى المقارنة بين الوصفين: أقربكم وخياركم إلّا أن يرجعا إلى معنى واحد.
الثاني: قال في (المصباح): «وعن ابن الجنيد اشتراطه في صحّة الأذان وهو ضعيف»(3).
ــــــ[92]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص268، ط مؤسسة آل البيت. وهو في الأصل: روض الجنان: ج2، ص649.
(2) الوسائل: ج5 ص410 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مصباح الفقيه: ج11 ص268، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
أقول: ومجرى للبراءة. إلّا أنَّه يكون موضوعاً للاحتياط الاستحبابي، كما أنَّه موضوع لأخبار (من بلغ) فإنَّه يصدق البلوغ على فتوى أحد الفقهاء وخاصّة من القدماء. إلّا أن يراد البلوغ عن رسول الله مباشراً وهو غير محتمل أو يراد به مطلق المعصومين دون غيرهم إلّا أنَّ للفتوى دلالة على ذلك على أي حال.
الثالث: على القاعدة باعتبار أنَّ الأذان شهادة بدخول الوقت، فيكون شبهة موضوعية فإذا قلنا فيها بكفاية العدل الواحد أكفته شهادة المؤذن.
جوابه:
أوّلاً: أنَّ هذا في وجوب الأذان أوّل الوقت. وهو وإن كان مرتكزاً في أذهان المتشرّعة الآن إلّا أنَّه غير متعيّن بل يمكن خلال الوقت، ومعه لا يكون شبهة موضوعية لوجوب الصلاة إطلاقاً.
ثانياً: أنَّ هذا في قبول الشاهد الواحد في الشبهات الموضوعية. فإذا قلنا بالتعدّد لم يكف المؤذّن الواحد.
ثالثاً: أنَّ هذا فرع اشتراط العدالة. فإن اكتفينا بالوثاقة اشترطناها دون العدالة.
رابعاً: أنَّ هذا فرع عدم جواز الأذان قبل الوقت؛ لأنَّه عندئذٍ لا يكون شهادة بالوقت بل هو أذان في الجملة للوقت. وهناك من الروايات ما يدلّ على جواز الأذان قبل الوقت، وأنَّ بلال كان يؤذّن بعد الصبح وأنَّ ابن أُمّ مكتوم كان ــــــ[93]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
أعمى ويؤذّن قبل الصبح وكان بإقرار النبي(1).
فلا تكون شهادة بدخول الوقت، وعليه لا تكون العدالة مشترطة.
وهناك نحو إشكال: بعد الصبح وفي روايات معتبرة أخرى حين الفجر.
الرابع -من أدلّة اشتراط العدالة-: أنَّ اختيار الفرد الأفضل للقيام بعبادة ما أفضل من اختيار غيره. ويقاس ذلك على إمام الجماعة بالصفات التي يقدّم بها إذا تشاحّ المأمومون.
إلاّ أنَّ هذا غير محتمل في نفسه كبرى وصغرى:
أمّا كبرى فلأنَّ مطلق العبادة ليست كذلك وإن كانت بنحو المطلوبية الكفائية كقضاء حاجة المحتاجين أو تجهيز الميت.
وأمّا صغرى: فلأنَّ لازمه اشتراط المؤذن (بالأصبح وجهاً) و(بالهاشمي) وغيرها. وهو خلاف المشهور.
الخامس: (لسان رجل ثقة عارف)(2).
ــــــ[94]ـــــــ
(1) «كان لرسول الله مؤذّنان، أحدهما بلال والآخر ابن اُمّ مكتوم، وكان ابن اُمّ مكتوم أعمى، وكان يؤذّن قبل الصبح، وكان بلال يؤذّن بعد الصبح، فقال النبي : إنّ ابن اُمّ مكتوم يؤذّن بليل، فإذا سمعتم أذانه فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان بلال، فغيّرت العامّة هذا الحديث عن جهته، وقالوا: إنّه قال: إنّ بلالاً يؤذّن بليل، فإذا سمعتم أذانه فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن اُمّ مكتوم».
الوسائل: ج5 ص389 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
( ) نظير قوله: «لا يستقيم الأَذان ولا يجوز أن يؤذّن به إلّا رجل مسلم عارف» الوسائل: ج5 ص431 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
جوابه:
1- مسلم عارف.
2- اختلاف الوثاقة عن العدالة.
فإن قيل: هي عرفاً كذلك. نقض عليه بـ(بني فَضّال).
أو بتقريب (العارف) أنَّه يراد به (العادل).
جوابه: ظاهره العارف بأصول الدين لا بفروعه ولو سلّم لم يأخذ معنى التطبيق، فلا يكون له دخل في العدالة وله قرينة متصلّة على الأوّل.
فلا يبقى لاشتراط العدالة إلّا الخبر المرسل للصدوق لو تمّ دلالة مع فتوى ابن الجنيد، كصغرى لأخبار «من بلغ» وهي أيضاً قابلة للمناقشة، فيقع مورداً للاحتياط الاستحبابي؛ لأنَّه يقول «فعمله»(1).
والمراد به إيجاده للأذان بنفسه، أمّا اختياره لغيره فلا. اللهم إلّا أن يقال: إ نَّ مراد ذينك الدليلين هو ذلك فليكون الاختيار بنفسه صغرى لأخبار (من بلغ).
نعم، اختيار الثقة ضروري وخاصّة بعد وجود الارتكاز المتشرّعي والاعتياد على الأذان أوّل الوقت لا قبله ولا بعده.
[أن يكون صيِّتاً (شدّة الصوت)]
وقال المحقّق: «صيّتاً»(2) أي: رفيع الصوت، مبالغة من: صات أو صوّت، كما
ــــــ[95]ـــــــ
( ) نظير قوله: «مَنْ بَلَغَهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ فَعَمِلَهُ، كَانَ لَهُ أَجْرُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ لَمْ يَقُلْهُ». الوسائل: ج1 ص81 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
فسّره في (الحدائق) وغيره. أو عالي الصوت بحسب الفاعلية ولا يراد بها هنا الفعلية؛ لأنَّ الفعلية تكون من تكليف المؤذّن والكلام في هذه المسألة عن تكليف غيره إلّا أنَّ يريد كلا الأمرين وهو بعيد.
قال الهمداني: «ومن جملة من اللغويين تفسيره بشديد الصوت والاختلاف بين التفسيرين على الظاهر في مجرّد التعبير»(1).
أقول: لأنَّ استعمال الرفيع بمعنى العالي مجاز من تسمية المسبب باسم السبب لأنَّ الرفيع هو العالي فعلاً بحيث لا يكون له في الأسفل مكان ومنه قوله: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمْ الطُّورَ(2) أو رفيع المكانة: وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً(3).
وأمّا ما يكون في الأسفل والأعلى فليس رفيعاً حقيقةً كالبخار والنار والدخان والصوت. فيقال بسببه رفيع أي: سبب الارتفاع، وليس السبب رفيعاً وإنما هو سبب لرفع قسم منه إلى الأعلى. ويراد بالعلوّ هنا الانتشار وإن كان المراد أنَّه يصعد من كان في الأعلى إلّا أنَّ هذا غير مهمّ عرفاً وإنّما المهمّ الانتشار.
في حين أنَّ استعمال الشديد أولى؛ لأنَّ الشدّة هي القوّة ووصف الصوت بها مناسب وحقيقي، لأنَّ القوّة على مراتب وأشكال وهذا منها.
ويراد بها قوّة التأثير على الآخرين وسعة سماعهم له.
وأمّا دليله: أمّا على القاعدة فلأنَّ في ذلك إسماع وإعلام أكثر مقدار ممكن من ــــــ[96]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص268، ط مؤسسة آل البيت.
(2) النساء: 154.
(3) مريم: 57.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الناس. والإعلام مستحبّ لكلّ فرد فكلّما زادت الأفراد زاد الاستحباب.
فإن قيل: إنَّ هذا استحباب للمؤذّن نفسه.
قلنا: نعم، وهو لا ينافي كونه استحباباً لمن يعيّنه فلو عيّن الضعيف الصوت كان سبباً لضعف الإعلام ولقلّة الاستحباب، ولعلّ هذا هو المراد بقول النبي: «ألقه على بلال فإنَّه أندى منك صوتاً»(1). يعني أعلى، (وهنا لم يناقش الهمداني في السند).
والنداء من النداوة في الفم كما في مفردات الراغب(2) لأنَّ الفرد كلّما علا صوته زادت نداوة فمه.
وقال الهمداني: «استدلّ له بفتوى الأصحاب»(3).
ولا يقال: إ نَّه إجماع مدركي باعتبار وجود الخبر أو شهرة مدركية فإنَّ ذاك مسقط له في الإلزاميات.
وأمّا في المستحبات فلا؛ لأنَّه يكون المدرك وذو المدرك كلاهما دليلاً يعني صغرى لقاعدة (من بلغ).
وأضاف: وقول النبي «ألقه على بلال فإنَّه أندى منك صوتاً». ولم أعرف صحّة سنده، وكأنه غير موجود في الوسائل، إلّا أنَّ الهمداني أرسله إرسال المسلمّات ممّا يدل على قناعته به.
ــــــ[97]ـــــــ
(1) سنن أبي داوود: ج1، 135 / 499.
(2) المفردات في غريب القرآن: ص797، نشر كلية الآداب بطنطا.
(3) مصباح الفقيه: ج11 ص268، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وهو غير دالّ بالمطابقة، بل باللازم باعتبار أنَّه عيّن بلالاً دون الآخر لكونه أشدّ صوتاً.
قال الهمداني: «وقد يستدلّ له أيضاً بالأخبار الدالّة على استحباب رفع الصوت في الأذان»(1). وهي باب في (الوسائل). وفي عنوانه فهم صاحب (الوسائل) ذلك فقال: صيّتاً كما في المتن. ومعناه أنّه استدلّ بنفس تلك الأخبار على ذلك.
قال الهمداني: «وفيه أنَّه أجنبي عن المقام، فليتأمّل»(2) يعني أنَّه ليس أجنبياً وذلك لأنَّ رفع الصوت إذا استحبّه استحب التسبب إليه.
وكذلك ما قلناه من أنَّ سعة الإعلام مطلوبة كما في بعض تلك الأخبار فيكون التسبب إليه بسعة الصوت مستحباً أيضاً. كما أنَّ استعمال الجهاز المكبر يكون مستحباً أيضاً.
[في أن يكون مُبصراً بصيراً]
وقال المحقّق في صفات المؤذّن: «مبصراً بصيراً»(3).
والكلام، تارة: عن معناهما موضوعاً. والأخرى: عن دليلهما محمولاً.
أمّا معناهما فقد يقال: إنَّهما واحد؛ لأنَّه يقال عن الأعمى بصير يعني (مبصراً) تفاؤلاً أو من باب تسمية الشيء بضدّه. كما قال الشاعر:
ــــــ[98]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص269، ط مؤسسة آل البيت.
(2) المصدر السابق.
(3) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
مُضِلُّ النَّاسِ قَدْ سُمِّيْتَ هَادِي
كَمَا قَدْ سُمِّيَ الأَعْمَى بَصِيْرا
أو احتراماً للأعمى، أو تقززاً من صفة الأعمى؛ فإنَّه اتّجاه عرفي معروف فهو لا يقول: إ نَّه مصاب بالسرطان بل بمرض خبيث. لكي لا يتفوّه باسم المرض الحقيقي.
إذن: فهما يرجعان إلى معنى واحد.
وجوابه: أنَّ مراد المحقّق هنا كون المؤذّن عارفاً بالأوقات كبرى وصغرى.
فقوله: «مبصراً» صغروي، وقوله: «بصيراً» كبروي.
والمراد بالكبرى، معرفة القواعد الكلّية للأوقات الثلاثة فقهياً.
والمراد بالصغرى، كونه مبصراً للجزئي وهو الوقت.
ولولا البصر لا يمكن معرفة الجزئي. ولولا التفقّه لا يمكن معرفة الكلّي؛ فلا بدّ للمؤذن من كلتا الجهتين لتتمّ شهادته بأنَّ الوقت الثابت كبروياً في الفقه قد تحقّق فعلاً.
إن قلت: فلماذا لم يقل متفقهاً تعبيراً عن معرفة الكبرى.
قلنا:
1- التفقّه وحده لا يكفي، بل لا بدّ من الاطلاع على تفاصيل أكثر في معنى حصول الأوقات الثلاثة.
2- إ نَّه يريد أن يجعل سياقاً لفظياً بينهما: مبصراً بصيراً.
3- إ نَّه لو قال: متفقّهاً أو فقيهاً لفهم الأعمّ. وخاصّة: أنَّ قيد (بالأوقات) خارجة عن العبارة في نسخة (المصباح) وإن كانت داخلة فيها في النسخة الرباعية. ــــــ[99]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
مع أنَّ المراد هو خصوص التفقّه بالأوقات.
4- أن يراد بالبصير صاحب البصيرة المعنوية. بحيث لا يكتفي في رؤية الوقت بالحسّ المباشر بل يناله بالحسّ الباطن كما قلنا في الفجر.
وأمّا دليله: فهو مطابق للقاعدة إذ لولا كون المؤذّن عارفاً بالوقت كبرى وصغرى لما كان أذانه حجّة ولا شهادته.
والمهمّ استحباب تعيين مثل هذا الإنسان، بل اللازم القول بوجوبه؛ لأنَّ تعيين الجاهل إضلال للناس أكيداً، فيصلّون ويصومون خطأ، فتكون المسؤولية عليهما معاً.
فإن قيل: بأنَّ هذا لم يثبت.
قلنا: نعم، بالعلم التفصيلي، لكنّه ثابت بالعلم الإجمالي ولو مستقبلاً. فيحرم.
فإن قلت: فإنَّه لم يرد مثله في الأخبار وإلاّ لما تمسّك الهمداني بقول الأصحاب ولو كان واجباً لورد.
قلنا : إنَّهم لم يكونوا متمكّنين من نصب المؤذّن.
فإن قلت: فإن النبي أقرّ أذان الأعمى.
قلنا: لم يثبت أنَّه نصّبه، بل سكت عن تبرّعه بالأذان فقط، بل نهى عن تنفيذه وأسقط حجّيته، فلا إقرار.
ومعه لا حاجة إلى أدلّة الهمداني الضعيفة التي قرنها بالأمر بالتأمّل عدّة مرّات. حيث قال في مبصراً: «وعلّله غير واحد بتمكّنه من معرفة الأوقات»(1).
ــــــ[100]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص269، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وهو المتعيّن كما قلنا، والأولى التعليل له بفتوى الأصحاب وما عن بعضهم من نقل الإجماع عليه بعد البناء على المسامحة.
أقول: الاعتماد على قولٍ اعتماد على دليله وهم أفتوا اطمئناناً للدليل الأوّل الذي لم يقبله.
[في قوله: أن يكون بصيراً بالأوقات]
قال: «وأن يكون بصيراً بالأوقات التي يؤذّن لها».
وعلّله بعضهم بالأمن من الغلط، وهذا مجمل من حيث الكبرى والصغرى، وفي كفاية هذا النحو من المرجّحات لإثبات الاستحباب تأمّل.
إلاّ أنَّ يؤتى به برجاء الاستحباب أو بقصد الاحتياط الاستحبابي أو برجاء الاحتياط الاستحبابي، والأولى الاستدلال له بفتوى الأصحاب من باب المسامحة فليتأمّل إذا كان المقصود من (التأمّل) الطعن في (عنوان الورود) أو أنَّه أقلّ من صدق الورود. لكن يأتي عليه الإشكال السابق وهو أنَّهم اعتمدوا على دليل طعن فيه فلا يكون الفرع أقوى من الأصل.
الدليل الآخر: قياسه على إمام الجماعة في المبصر إذا تشاحّ الأئمّة من باب التجريد عن الخصوصية.
جوابه:
1- أنَّ إمامة الجماعة أهمّ شرعاً.
2- أن التردّد في التعيين ليس تشاحّاً.
ــــــ[101]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[استحباب الطهارة]
قال المحقّق: «متطهراً»(1) وهو من تكليف نفسه فيعمّ سائر الموارد لا (الإعلام) فقط وإن ذكره في سياق غيره، أمّا على القاعدة فلا يبعد القول بالاستحباب باعتبار أنَّ العبادات عموماً أفضل لها حالة الوضوء من حالة الحدث. والأذان عبادة.
فإن قلت: فإنَّه ليس بعبادة.
قلنا: هو ليس بعبادة بالمعنى الأخصّ. ولكنّه عبادة بالمعنى الأعمّ والذكر عبادة منه أيضاً، والمشروط استحباباً بالطهارة هو العبادة بالمعنى الأعمّ لا الأخصّ، كقراءة القرآن والأدعية وقضاء حوائج الإخوان وغيرها.
مضافاً إلى استشعار أنَّه من المقدمات القريبة للصلاة. مضافاً إلى الارتكاز المتشرّعي به، ونقل عدم الخلاف فيه(2).
مضافاً إلى الإجماع المنقول وهو مدركي.
وأمّا الأخبار، فكلّها وردت بعنوان جواز أذان المحدث إلّا القليل والضعيف والمرسل المروي عن كتب الفروع: «لا تؤذّن إلّا وأنت متطهر». وفي آخر: «حقّ وسنّة أن لا يؤذّن أحد إلّا وهو طاهر»(3).
ــــــ[102]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص269، ط مؤسسة آل البيت.
(3) وقريب من مضمونه في سنن البيهقي باب: لا يؤذن إلّا طاهر ج1 ص 397.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وفي هامش (المستمسك) عن سنن البيهقي: «لا يؤذّن إلّا طاهر»(1) وهو محتمل الكلية والجزئية وفي كليهما ظاهر بأصل المطلوبية إلَّا أنَّه مع الكلية يكون ظاهراً لمفهوم الحصر بالوجوب.
وفي خبر (الدعائم) عن (المستدرك): «لا بأس أن يؤذّن الرجل على غير طهر ويكون على طهر أفضل»(2) وهو مشار إليه في المصدر.
ويمكن الاستدلال بها أيضاً على استحباب الطهارة ولذا قال الهمداني: (ويشهد له )؛ لأنّها ظاهرة بأنَّ الحدث نحو استثناء من الحالة الطبيعية والأولى للأذان. ونحو رحمة وتوسيع للمؤذن. مضافاً إلى جواز الفصل بينه وبين الصلاة بخلاف الإقامة(3).
كلّ الأخبار واضحة في الفصل بين الأذان والصلاة، بحيث تلحظ الأذان وحده كأنَّه لا صلاة بعده. ومن هنا قد يُراد به الإعلام أو ما يعمّه (مع إ نَّه غير مذكور بعنوانه فيها).
[في شرطية التطهّر للإقامة]
وأمّا الإقامة فعلى وضوء بتقريبات غير القواعد كما سبق في الأذان:
1- نصّ الروايات:
ـ [عن ] زرارة عن أبي جعفر أنه قال: «تؤذّن وأنت على غير وضوء في ــــــ[103]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 596، ط إحياء التراث العربي.
(2) مستدرك الوسائل باب: 8 من أبواب الأذان والإقامة، ح2.
(3) لاحظ: الوسائل: باب9 من أبواب الأذان والإقامة، ص391، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ثوب واحد، قائماً أو قاعداً وأينما توجّهت ولكن إذا أقمت فعلى وضوء متهيئاً للصلاة»(1).
ـ [عن] الحلبي عن أبي عبد الله قال «لا بأس أن يؤذّن الرجل من غير وضوء ولا يقيم أو هو على وضوء»(2).
– إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عن أبيه عن أبيه، «أنّ علياً كان يقول – في حديث -: ولا بأس بأن يؤذّن المؤذّن وهو جنب، ولا يقيم حتى يغتسل»(3).
– علي بن جعفر عن أخيه قال: «سألته عن المؤذّن يحدث في أذانه وإقامته؟ قال: إن كان الحدث في الأذان فلا بأس، وإن كان في الإقامة فليتوضّأ وليقم إقامة»(4).
2- ما دلّ على أنَّه من الصلاة.
3- الرواية الأخيرة من الباب؛ لأنَّ لازمه الفصل.
4- أنَّه لو كان محدثاً احتاج إلى التطهير فتفصل عن الصلاة.
والروايات واضحة في الشرطية وليس الاستحباب فقط؛ إذ لا يحتمل الوجوب لأنَّ الإقامة في ــــــ[104]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص391، ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5: ص391، ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل:5 ص392، ح6، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: 5ج ص393، ح7، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
نفسها غير واجبة. والهمداني يستبعد الوجوب التكليفي وكذلك قصد الفقهاء القدماء له.
[مناقشة لوجوب التطهر الشرطي للإقامة]
ثُمَّ يقول الشيخ الهمداني: «إنَّ حملها على الوجوب الشرطي أولى من الحمل على الاستحباب أو كراهة الترك.
ولكن لقائل أن يقول: إ نَّ دعوى انسباق الشرطية إلى الذهن من الأخبار في مقابل المشهور غير مسموعة؛ لأنَّ تخطئة المشهور فيما يتبادر من النصّ خطأ فعدم فهم المشهور منها الشرطية كاشف إمّا عن فساد الدعوى من أصلها أو في خصوص المورد لخصوصية مانعة عن ظهورها في الطلب الشرطي. مع أنَّه يكفي الشكّ في الخصوصية المانعة حيث إ نَّ مقتضى الأصل كون الأوامر والنواهي شرعية لا شرطية، فلا تصحّ الأخبار مانعة عن الرجوع إلى الأصل بعد قيام احتمال كونها مسوقة لإرادة الحكم التكليفي كما هو واضح»(1).
قد يقال: لا معنى للشرطية لأنَّه لا مورد لبطلان الأذان لأن أثره تكويني.
والمهم هو استفادة ذلك من ألسِنة الأخبار بتقريبين:
1- إنَّ النفي أو النهي بنفسه ظاهر في الشرطية كقوله: «لا تصلّ إلّا وأنت على وضوء»، الظاهر في فساد الصلاة بدونه، وهو معنى الشرطية، لأنَّ المشروط عدم عند عدم شرطه.
ــــــ[105]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص272، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
جوابه: أنَّ هذا اللسان مناسب مع التكليفي عرفاً أيضاً ما لم يضمّ له ارتكاز متشرّعي بالشرطية وهذا غير موجود في جانب الإقامة أو يشك فيه. وهذا مثل (اغسله)، فإنَّه لا يقيّد النجاسة إلّا بضمّ الارتكاز وإلاّ فهو واضح في التكليفي.
قوله: «أيصلّي بإقامته؟ قال: لا»(1) وهي معتبرة السند وهي نصّ أو كالنصّ في بطلان الإقامة وهي تقيّد الشرطية، إلَّا أنَّ الصحيح أنَّها إنَّما تقيّدها لو انحصر الأمر بالإعادة بعدم الطهارة مع أنّنا قلنا إ نَّ وجود الفصل كافٍ بها.
فلا دليل على الشرطية من الأخبار كما لو كان الفرد يجوز له التيمم فتيمّم بعد الإقامة وصلّى.
[في الأذان قائماً]
قال المحقّق: «قائماً»(2) وهو من صفاته الشخصية وليس من صفات المنصب فيرد عليه الإشكال السابق كما أنَّه من صفات (الأذان الإعلامي) لا الأذان الشخصي، لأنَّ الشخصي منه يتبع أصلاً فلا يكون أردأ منها.
وأمّا الإعلامي، فلا يقوم به مريض، لأنَّه منافٍ لفكرة الإعلام لوضوح أنَّ الإعلام حال القيام أوسع إلّا مع التكبير بالآلة.
وأمّا المؤذّن في الجماعة فأذانه قاعداً ممكن فالحكمة منتفية، والمراد بـ(قائماً) في مقابل القاعد لا في مقابل الماشي مع أنَّه مستعمل في القرآن(3) مقابل الماشي «قاموا»(3) ــــــ[106]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص393 ح8، ط مؤسسة آل البيت.
(2) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(3) في قوله تعالى: يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَـهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (البقرة: 20).
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
إلّا أنَّ الأولى صحّة وحقيقية هذا الاستعمال ومجازية الآخر، واستعمال الواقف فيه أولى، وإن كانا يستعملان مترادفين فإذا كان المراد من القائم غير القاعد لم ينفِ صفة المشي، لأنَّه قائم أيضاً بهذا المعنى.
فقد يقال: إ نَّ الملاك حيث هو سعة الإعلام وهو أوسع مع المشي يكون أولى وكذلك الصعود على مرتفع وكذلك مدّ الصوت أو استعمال الأجهزة وكلّما توصّل به إلى سعة الخبر ولو على وجه البسيطة بالإذاعة ونحوها.
والكلام في الاستدلال عليه تارة في الأدلّة العامّة وعلى القواعد، وأخرى في الأدلّة الخاصّة كالإجماع والروايات
[الاستدلال على القيام بالأدلة العامّة والقواعد]
أمّا القواعد: فهو أننا نعرف مطلوبية سعة الإعلام إ مّا بصفته إعلاماً، وإ مّا بما دلّ على مثوبة سعة الصوت، أو ما دلّ على تنزيل الإقامة منزلة الصلاة بعد التجريد للأذان مع منع التجريد.
إذن: فكل ما تسبّب إلى سعة الإعلام كان ثواباً وصغرى له بما فيها القيام وبما فيها الصعود على مرتفع أو استعمال الأجهزة الحديثة. ومن هنا استحبّ بناء المنارة ولم تكن موجودة في زمن المعصومين وكان المؤذّنون يمشون في ممّرها لزيادة الإعلام وتوزيع الصوت.
فقد يقال: إ نَّه دخل بناء المنارة في أخبار (من بلغ).
ــــــ[107]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
قلنا:
1. إ نَّ الأخبار الدالّة على سعة الصوت معتبرة.
2. مطلوبية أصل (الإعلام) وانحلاله على الأفراد، أمّا بدليل معتبر من السنة أو بدليل ارتكازي متشرّعي وعلى كلّ تقدير لا يكون صغرى لأخبار (من بلغ) لمنع صدق الورود عندئذٍ.
[الاستدلال على القيام بالروايات]
ويدلّ عليه من الأدلّة الخاصّة الإجماع كما عن غير واحد كما في (المستمسك)(1) وخبر حمران قال «سألت أبا جعفر عن الأذان جالسا؟ قال: لا يؤذّن جالساً إلّا راكب أو مريض»(2).
قال الهمداني: «والمرسل المروي عن دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد قال: لا يؤذّن الرجل وهو جالس إلّا مريض أو راكب، ولا يقيم إلّا قائماً على الأرض إلّا مِن علّة لا يستطيع منها القيام»(3).
وهي تامّة دلالةً لوجود مفهوم الحصر الدالّ على الوجوب في نفسه، بل الشرطية، إلّا أنَّها غير تامّة سنداً ومعارضة بما دلّ على الجواز، فتحمل من ناحية الدلالة على مطلق المطلوبية ومن ناحية السند تكون صغرى لأخبار (من بلغ).
وقد يناقش ذلك باعتبار سقوطها بالتعارض فلا تكون صغرى لها، إلّا أنَّ الصحيح أنَّ أخبار (من بلغ) شاملة لكلّ مورد احتمالي وسقوطه بالمعارضة لا يقتضي عدم احتمال صحّته، نعم ما علمنا بكذبه يسقط عن أخبار (من بلغ).
ــــــ[108]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 596، ط إحياء التراث العربي.
(2) الوسائل: ج5 ص404، ح11 ط مؤسسة آل البيت.
(3) مصباح الفقيه: ج11 ص274، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وقد يقال: إنَّ موردنا يشبه ذلك لوجود الأخبار الصحيحة والمستفيضة على ما سيأتي بجواز الجلوس في الأذان. فيكون ما دلّ على المطلوبية ساقطاً جداً.
قلنا:
أولاً: إ نَّ هذا ينتج عدم تأكّد استحباب الأذان، وليس التأكّد من عدمه فيبقى صغرى الأخبار (من بلغ).
ثانياً: إنَّ الدالّ على استحباب القيام ليس هذه الأخبار الضعيفة فقط، بل بعض القواعد العامّة كما عرفنا.
فلا يكون معلوم الكذب ليخرج عن أخبار (من بلغ).
ثالثاً: إ نَّه يمكن القول: إ نَّ المهمّ في أخبار (من بلغ) هو الورود وهو صادق حتى فيما يعلم كذبه ولو بالعلم العرفي، فتأمّل.
[في الأذان جلوساً]
وأمّا الأخبار الدالّة على جواز الجلوس وفيها ما هو الصحيح سنداً، نظير: زرارة، عن أبي جعفر أنه قال «تؤذّن وأنت على غير وضوء في ثوب واحد، قائماً أو قاعداً وأينما توجّهت ولكن إذا أقمت فعلى وضوء متهيئاً للصلاة»(1).
ــــــ[109]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص391، ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وكرّرها في أبواب أخرى من قبيل رواية زرارة عن أبي جعفر «قال: تؤذّن وأنت على غير وضوء في ثوب واحد، قائماً أو قاعداً، وأينما توجّهت، ولكن إذا أقمت فعلى وضوء متهيئاً للصلاة»(1).
– وأحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الرضا أنه قال: «يؤذّن الرجل وهو جالس، ويؤذّن وهو راكب»(2).
– ومحمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله: «يؤذّن الرجل وهو قاعد؟ قال: نعم، ولا يقيم إلا وهو قائم»(3).
– وأحمد بن محمد عن عبد صالح قال: «يؤذّن الرجل وهو جالس، ولا يقيم إلّا وهو قائم، وقال: تؤذّن وأنت راكب، ولا تقيم إلّا وأنت على الأرض»(4).
– ومحمد عن أحدهما قال: «سألته عن الرجل يؤذن وهو يمشي أو على ظهر دابته أو على غير طهور؟ فقال: نعم، إذا كان التشهّد مستقبل القبلة فلا بأس»(5).
****
وكثير من الأخبار اشترطت القيام في الإقامة إلى حدّ قال في (المستمسك): «إ نَّه ــــــ[110]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص401، ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص402، ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص402، ح5، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج5 ص402، ح6، ط مؤسسة آل البيت.
(5) الوسائل: ج5 ص403، ح7، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
لا يوجد بإزائها ما يدلّ على جواز الجلوس فيها»(1).
وبالطبع يراد به الجواز اختياراً لا اضطراراً.
ويدلّ عليه أيضاً ما دلّ على (أن الكون في الإقامة كون في الصلاة)(2) وهي معتبرة سنداً، فيدلّ على شمول شرائطها له؛ لأنّ التنزيل إنّما يكون بلحاظ الأحكام، ومن جملة الشرائط للمتمكّن الصلاة قائماً. وكلّ هذه القواعد تدلّ على بطلان الإقامة جالساً اختياراً. وحكى عن المفيد الالتزام بذلك وكما في (المصباح)(3).
وقد ناقشها في (المصباح)(4) دلالة لا سنداً. مع أنَّه يمكن المناقشة سنداً يعني في أصل مقتضي الحجية ما لم تكن إحداهما معتبرة أو ضعيفة.
[في أن يكون الأذان على مرتفع]
قال المحقق: «على مرتفع»(5) كما تدلّ عليه رواية عبد الله بن سنان 16/7 عن أبي عبد الله قال: «قال: كان طول حائط مسجد رسول الله قامة، فكان يقول لبلال إذا أذّن: يا بلال اعل فوق الجدار وارفع صوتك بالأذان»(6).
ــــــ[111]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 596، ط إحياء التراث العربي.
(2) الوسائل: ج5 ص402، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مصباح الفقيه: ج11 ص277، ط مؤسسة آل البيت.
(4) المصدر السابق.
(5) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(6) الوسائل: ج5 ص411 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[الأذان في المنارة]
وقول علي بن جعفر قال: «سألت أبا الحسن عن الأذان في المنارة، أسنة هو؟ فقال: إنما كان يؤذّن للنبي في الأرض ولم يكن يومئذٍ منارة»(1) بالنسبة إلى المنارة.
قال الهمداني: «وربّما يستشعر من هذه الرواية كراهة الصعود على المنارة للأذان ولعلّه لما فيه من الإشراف على بيوت الناس. كما لا يبعد أن يكون هذا هو الوجه لما رواه السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي أنَّه مرّ على منارة طويلة فأمر بهدمها ثم قال: لا ترفعوا المنارة إلّا مع سطح المسجد»(2).
وفي باب 16 من (الوسائل) الجزء الخامس عدّة روايات لاستحباب رفع الصوت استدلّ بها الهمداني على استحباب الارتفاع ولعلّه للدلالة الالتزامية وهو خاصّ بالأذان الإعلامي ولا يشمل غيره وأذان الجماعة إعلامي في الجملة وأمّا الإقامة فلا.
[من صلّى منفرداً دون أذان سهواً]
«ولو صلّى منفرداً ولم يؤذّن ساهياً رجع إلى الأذان مستقبلاً صلاته»، فقد أخذ قيد الانفراد وهو خلاف إطلاق الأدلّة فإن قيل: فإنَّه يلزم إبطال كثير من الصلوات في الجماعة.
ــــــ[112]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص410 ح6، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص283، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
قلنا: لا بأس بذلك إلّا أن احتمال سهو المجموع مع علمهم بالاستحباب ضعيف جداً.
نعم قد يكونون جاهلين باستحباب الإقامة وهو خارج عن مورد الدليل فلا يجوز القطع.
وأخذ عنوان (ساهياً) يعني عن الصغرى لا الكبرى، فلو كان عامداً لم يجز له إبطال الفريضة؛ لأنَّه خارج عن دليل الجواز، فلا يبقى في دليل التحريم والسهو والنسيان هنا من باب واحد.
والمحقّق ذكر الأذان وحده دون الإقامة، ولكن الأمر في الإقامة أولى إلّا أنَّ الصحيحة الآتية ذكرتهما معاً، فلو ترك أحدهما كان خارجاً عن موردها والتجريد غير ممكن فيبقى تحت دليل الحرمة لقطع الفريضة. فاقتصاره على ذكر الأذان محلّ إشكال.
وقوله : «رجع إلى الأذان مستقبلاً صلاته»(1) يعني أنَّه قطع صلاته الأولى وأذّن وأقام ودخل في صلاة أخرى بتكبيرة جديدة. وربما كان عدم ذكره للإقامة لأنَّها ملازمة للأذان متشرّعياً؛ لأنَّ كلّ من أذّن أقام دون العكس. فلو ذكر الإقامة في عبارته كان تاركاً لذكر الأذان دون العكس.
قال: «وفيه رواية أخرى»(2).
ــــــ[113]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
قال الهمداني: «بل روايات»(1).
ومقصود المحقّق جنس الرواية وليس الرواية بقيد الوحدة. وإنّما حمله الاختصار على هذا التعبير.
وفي (المستمسك): «عن الشيخ في النهاية والحلّي: أنَّه إن نسيهما ودخل في الصلاة مضى ولم يرجع وإن تركهما متعمّداً رجع ما لم يركع، ووجهه غير ظاهر»(2).
أقول: وهو عكس المشهور.
[الاحتمالات في الرجوع أو عدمه بعد الدخول في الصلاة]
ومعه تكون الاحتمالات عديدة:
أوّلاً: أنَّه لا يرجع مطلقاً تعمّد أو نسى تمسّكاً بمطلقات حرمة قطع الفريضة، وهذا لا يتمّ؛ لأنَّ الجواز ثابت لدى السهو بدليل معتبر كما سنقول وحرمة القطع ثابت بدليل لبّي لا إطلاق له.
ثانياً: أنَّه يرجع مطلقاً سواء تعمّد أو سها وهو مقتضى كون دليل الحرمة لُبّياً فيكون أيّ تفريع خارجاً عن القدر المتيقّن وهذا منه، وكلاهما منه. إلّا أنَّه خاصّ بصورة النقص وهو لا يحصل مع السهو عن الأذان والإقامة بالارتكاز المتشرّعي فنبقى ودليل الحرمة.
ثالثاً: ما نسب إلى الشيخ والحلي، وقال عنه السيد الحكيم أنَّ وجهه غير ظاهر.
ــــــ[114]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص283، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 605، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
أقول: وجهه أنَّ الفرد إن جعل صلاته ناقصة خرج عن القدر المتيقّن عن دليل الحرمة فيجوز له إبطالها، وذلك فيما لو تعمّد ترك الأذان والإقامة وأمّا مع السهو فصلاته غير ناقصة تنزيلاً؛ لأنَّ الساهي معذور.
أضف إلى ذلك: أن الساهي عن الأذان ليس أهمّ من الساهي عن جزء غير ركني فكما لا يجوز القطع هناك لم يجز هنا وكما هناك تنزيل كذلك هنا.
وبتعبير آخر: هو لم يجعل صلاته ناقصة.
وربما يستدلّ له أن من تركهما عمداً يعاقب بتحمّل الحرمة للقطع بخلاف الساهي.
إلاّ أنَّ هذا غير تامّ لعدم وجوب القطع ولا القول ببطلان الصلاة.
إلاّ أنَّ هذا الوجه على أي حال دفعه المشهور بالرواية وهي صحيحة الحلبي كما قالوا، إلّا أنَّ الظاهر أنَّها ضعيفة السند فينبغي أن نبقى نحن والقواعد لوجود علي بن النعمان وقد سبق. وعمل المشهور غير جابر.
رابعاً: ما هو المشهور من الجواز عند السهو والحرمة مع العمد أمّا الحرمة فباعتبار حرمة قطع الفريضة، وأمّا عدم جواز القطع قياساً للأذان بالجزء غير الركن فهو غير تامّ كبرى وصغرى.
أمّا كبرى، فلوجود الفارق.
وأمّا صغرى، فلوجود الدليل في الأذان.
ــــــ[115]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
فإن قلت: فإن دليل حرمة القطع لفظي وهو الآية: وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ(1).
قلنا: إ نَّها لمطلق المطلوبية؛ لأنَّها شاملة للمستحبات مضافاً إلى احتمال معنى البطلان ببطلان النية أو النظر إلى كلّ مورد بدليل خارجي.
وكذلك قوله في الصحيحة (قائم على صلاتك) إلّا أنَّه حكم طريقي. إلّا أنَّه غير تامّ كبرى وصغرى.
أمّا كبرى: فلنقصان الصلاة المدعوم بارتكاز المشهور والأخبار.
وأمّا الجواز، فللاستثناء بصحيحة -إن تمّ سندها- الحلبي عن أبي عبد الله قال: «إذا افتتحت الصلاة فنسيت أن تؤذّن وتقيم ثمّ ذكرت قبل أن تركع فانصرف وأذّن وأقم واستفتح الصلاة، وإن كنت قد ركعت فأتمّ على صلاتك»(2).
ليس فيها مفهوم إلّا أنَّه تبقى على دليل الحرمة. وهي تجمع بين الأذان والإقامة فيبقى فرض أحدهما حراماً. وإن كان الدليل لُبّياً.
وأمّا إذا لم يتمّ سنداً فهل تكفي فيه أدلّة (من بلغ) للتقييد مع فرض وجود الإطلاق في دليل الحرمة؟ كلا، ولكن مع كون دليل الحرمة لُبّياً كفى إلّا أنّنا عندئذٍ لا نحتاج إلى رواية أصلاً.
[في وجود المعارض الدالّ على الاستمرار في الصلاة]
وجود المعارض(3) وهو دالّ على الاستمرار في الصلاة، فإن كان دليل الحرمة ــــــ[116]ـــــــ
(1) محمد: 34.
(2) الوسائل: ج5 ص434، ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص413، ح1 و7، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
لفظياً حرّم وإلاّ فلا، فيحمل الأمر بالاستمرار على الجواز والإجزاء. وليس فيها أمر معتدّ به؛ لأنَّه في موضع احتمال الحصر.
وكذلك رواية محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله «قال في الرجل ينسى الأذان والإقامة حتى يدخل في الصلاة، قال: إن كان ذكر قبل أن يقرأ فليصلِّ على النبيّ وليقم، وإن كان قد قرأ فليتمّ صلاته»(1).
علي بن النعمان وثقّه النجاشي(2) إلّا أنَّه قد يناقش من ناحيتين:
1- كونه مردداً بين الثقة وغيره. إلّا أن الوثوق حاصل بكونه الثقة.
2- أنَّ سند الشيخ إلى كتابه ضعيف فإنَّه عن أبي المفضل عن ابن بطّة، وكلاهما لم تثبت وثاقته، إلّا أنَّ هذا الإشكال لا يتمّ لكون السند موجوداً في الرواية وهو معتبر وهو يدلّ على أنّها غير مروية بالسند الضعيف أو عن ذلك الكتاب.
وأمّا سعيد الأعرج ففيه إشكالان:
1 – رواية كتابه ضعيفة كالسابق مع جوابه.
2 – أنَّه نفسه لم يوثّق بعنوانه، ولكن بعد ضمّ مقدّمتين يصبح ثقة:
ــــــ[117]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص413، ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(2) قال النجاشي: «علي بن النعمان الاعلم النخعي، أبو الحسن، مولاهم كوفي، روى عن الرضا وأخوه داود، أعلا منه وابنه الحسن بن علي، وابنه أحمد رويا الحديث، وكان علي ثقة، وجهاً، ثبتاً، صحيحاً واضح الطريقة» معجم رجال الحديث: ج13 ص229 ط الخامسة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
أ- أنَّه هو سعيد بن عبد الرحمن.
ب- أنَّ سعيد بن عبد الرحمن وثّقه النجاشي.
لكننا نمنع عن المقدّمة الأولى ولا أقلّ من احتمال نفيها، فيبطل الاستدلال. ويقرّبها في (المعجم): «إذ لو كانا متغايرين للزم على النجاشي والشيخ التعرّض لكليهما»(1).
وهو كما نرى مضافاً إلى معارضتها بروايات أخرى بالباب كما يأتي ولا نستطيع أن نؤسّس قاعدة جواز قطع الفريضة لنسيانهما. إلّا أن يدّعى أنَّ هذا ليس مورداً للإجماع في نفسه إلّا أنَّه خارج القدر المتيقّن.
لا يقال: إ نَّه لُبّي، لأنَّه معتمد على الروايات فلا يكون حجّة.
فإنَّه يقال: إ نّنا لا نريد الإجماع على جواز القطع ليكون كذلك بل نريد الإجماع على حرمة القطع. فيكفينا عدم وجوده هنا، فيكون المورد مجرى للبراءة عن الحرمة وهذا يكفي؛ فيكون بضمّ استحباب الأذان دليلاً كافياً لاستحباب القطع.
فالنتيجة: هو المصير إلى ما عليه المشهور تقريباً بعد ضمّ مقدّمات:
1- أنَّ دليل قطع الصلاة لُبّي فلا يشمل كلّ من الترك سهواً أو عمداً.
2- الرواية التي تدعم هذه الجهة في المشهور.
فينتج الجواز أو استحباب القطع مع السهو لوجود المقتضي وهو أدلّة استحباب الأذان أو الإقامة، وهي مطلقة وليست لُبّية مع عدم المانع وهو حرمة قطع الفريضة.
ــــــ[118]ـــــــ
(1) معجم رجال الحديث: ج9 ص123 ط الخامسة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[في تعمّد ترك الأذان أو الإقامة]
أمّا في صورة العمد فالجواز وليس الاستحباب، لأنَّ أدلّة الأذان قد سقطت بالعصيان بالترك عمداً إلى تكبيرة الإحرام مع وجود حرمة قطع الفريضة ووجود الأمر بالاستمرار بها في الصحيحة وعمل المشهور بها، فلا يتحصّل عدم وجود المانع إلّا بالأصل. وهو غير كافٍ للحكم بالاستحباب.
فإن قلت: فإنّنا نقول: إنَّ دليل القطع لُبّي وهو لا يشمل الصلاة المشكوكة والناقصة بما فيه نقصان الأذان والإقامة.
قلنا: هذا يكون بوجوه:
أوّلاً: أنَّه مستحبّ، ونقصان المستحبّ لا يوجب قطع الصلاة، بل يدخل في القدر المتيقّن الذي لا يجوز قطعه.
ثانياً: أنَّ الأذان والإقامة إنّما هي خارج الصلاة، وأ مّا النقصان الذي يجوز معه القطع إنّما هو داخل الصلاة يعني من التكبير إلى التسليم وليس الأذان كذلك، فلا يجوز قطعها لهذا السبب ويدخل أيضاً داخل القدر المتيقّن الذي لا يجوز قطعه.
ثالثاً: ما قام هناك احتمال معتدّ به على جواز القطع سواء في داخل الصلاة كالقنوت إذا تركه عمداً أو في خارجها كالأذان والإقامة، فإنَّ عليه الشهرة والروايات، والآن يكفينا منها مجرّد وجودها بغضّ النظر عن كونها حجّة أم لا. بصفتها تعطي ظنّاً معتدّاً به في جواز القطع فيجوز القطع ويخرج عن القدر المتيقّن.
ــــــ[119]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ونتيجته جواز القطع في كلا الحالتين العمد والسهو؛ لأنَّ في كلٍّ منها احتمالاً معتدّاً به، لأنَّ هناك فتوى على طبقها على كلا التقديرين، وإن كانت الفتوى كلّما كانت أوضح فهو أفضل ممّا يفضل جانب المشهور فإنَّ فيه شهرة وروايات. ويبقى جانب العمد مخالفاً للاحتياط.
أما رواية زيد بن علي عن آبائه عن علي، قال: «دخل رجلان المسجد وقد صلى الناس فقال لهما علي: إن شئتما فليؤمّ أحدكما صاحبه ولا يؤذّن ولا يقيم»(1).
فلعلّ المراد من افتتاح الصلاة الإقبال عليها دون التكبير.
والجواب:
1- أنَّه إشارة إلى أنَّ افتتاحها التكبير.
2- أنَّها لا تكون مبدوءة حقيقة إلّا به.
وقوله: «فانصرف» يعني أبطل صلاتك وبحسب إطلاقها أنَّها تبطل بمجرّد النية وعدم وقوع ذلك داخل الصلاة.
أما رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله قال في الرجل ينسى الأذان والإقامة حتى يدخل في الصلاة: «قال: إن كان ذكر قبل أن يقرأ فليصل على النبي وليقم، وإن كان قد قرأ فليتمّ صلاته»(2).
ــــــ[120]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص430، ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص434ـ 435، ح4، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
لم يقل: قطع الصلاة، وهو غير محتمل ولم يذكر الأذان ويلزم دخول غير الذكر في الصلاة ولم يذكر آل النبي.
وقوله: «فليتمّ صلاته» لعلّه إشارة إلى القطع، والصحيح أنَّه بمعنى: فليتمّ صلاته بدون إقامة.
وأما رواية حسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله، قال: «سألته، عن الرجل يستفتح صلاته المكتوبة ثمّ يذكر أنه لم يقم. قال: فإن ذكر أنه لم يقم قبل أن يقرأ فليسلّم على النبي ثمّ يقيم ويصلّي، وإن ذكر بعد ما قرأ بعض السورة فليتمّ على صلاته»(1).
ورواية علي بن يقطين قال: «سألت أبا الحسن عن الرجل ينسى أن يقيم الصلاة وقد افتتح الصلاة؟ قال: إن كان قد فرغ من صلاته فقد تمّت صلاته، وإن لم يكن فرغ من صلاته فليعد»(2).
[الأخبار الدالّة على عدم جواز القطع]
والطائفة الأخرى الدالّة على عدم الجواز، من قبيل:
1- رواية عبيد بن زرارة عن أبيه قال: «سألت أبا جعفر عن رجل نسي الأذان والإقامة حتى دخل في الصلاة قال: فليمضِ في صلاته فإنّما الأذان سُنّة»(3).
2- رواية داود بن سرحان عن أبي عبد الله «في رجل نسي الأذان
ــــــ[121]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص435، ح5، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص433، ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص434، ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
والإقامة حتى دخل في الصلاة. قال: ليس عليه شيء»(1).
3- رواية زكريا بن آدم قال: قلت لأبي الحسن الرضا: «جعلت فداك كنت في صلاتي فذكرت في الركعة الثانية وأنا في القراءة أني لم أقم فكيف أصنع؟ قال: اسكت موضع قراءتك وقل: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، ثمّ امضِ في قراءتك وصلاتك وقد تمّت صلاتك»(2).
4- رواية زرارة عن أبي عبد الله قال: قلت له: «رجل ينسي الأذان والإقامة حتى يكبّر. قال: يمضي على صلاته ولا يعيد»(3).
5- رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله قال في الرجل ينسى الأذان والإقامة حتى يدخل في الصلاة، قال: «إن كان ذكر قبل أن يقرأ فليصلِّ على النبيّ وليقم، وإن كان قد قرأ فليتمّ صلاته»(4).
6- رواية حسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله «قال: سألته عن الرجل يستفتح صلاته المكتوبة ثمّ يذكر أنه لم يقم. قال: فإن ذكر أنه لم يقم قبل أن يقرأ فليسلّم على النبيّ ثمّ يقيم ويصلّي، وإن ذكر بعدما قرأ بعض السورة فليتمّ على صلاته»(5).
ــــــ[122]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص434، ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص435، ح6، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص436، ح7، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج5 ص434، ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(5) الوسائل: ج5 ص435، ح5، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
7- عن نعمان الرازي «قال: سمعت أبا عبد الله وسأله أبو عبيدة الحذاء، عن حديث رجل نسي أن يؤذّن ويقيم حتى كبّر ودخل في الصلاة؟ قال: إن كان دخل المسجد ومن نيّته أن يؤذّن ويقيم فليمضِ في صلاته ولا ينصرف»(1).
وكلّها في النسيان، فيبقى العمد خالياً من التقريبات الثلاثة كلّها إلّا بلحاظ فتوى الشيخ والحلّي فيشملها التقريب الثالث. فيبقى الرجوع مخالفاً للاحتياط إلّا أنَّه استحبابي لا وجوبي.
إلاّ أنَّ الحقّ مع المشهور -إلى هذا الحدّ- بأنَّ القطع مع السهو أرجح احتمال ثبوته ثبوتاً من العمد.
فإن قيل: (فليمضِ في صلاته) أو (فليتم على صلاته) وغيرها أمر بالإتمام على خلاف ما قلناه من جواز القطع.
قلنا: هذا أمر طريقي لأصل الصلاة.
فإن قيل: فإنّنا قلنا بجواز قطع الصلاة مطلقاً في حين قيّدت الروايات بما قبل القراءة أو بما قبل الركوع.
قلنا: إن أخذنا بالوجه الأصلي لجواز القطع لم تنفِ هذه الروايات؛ لأنَّها معاً مثبتين. وتكون هذه الروايات دالّة على حصّة منه. وليس لها مفهوم مخالفة. فتأمّل.
وجهه أنّنا نسأل عن صحّة التقييد المذكور فيها مع العلم أنَّ المراد الإطلاق على المفروض إلّا أن يقال: إ نَّه من باب (دعوا الناس على غفلاتهم) وهو بعيد.
ــــــ[123]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص436، ح8، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وإن أخذنا بالوجه الأخير وهو ما فيه قرائن على النقص فيجوز القطع بحدود هذه القرائن وإن لم يكن الدليل معتبراً، فيختصّ بخصوص مورد الروايات والمشهور ولا يجوز أن يتعدّاه؛ لأنّنا قلنا إ نَّه في غيره يدخل في القدر المتيقّن من دليل حرمة قطع الفريضة: وكون الأذان نقصاً في نفسه لم يثبت؛ لأننا أجبنا عنه بكونه خارج الصلاة.
وأمّا الترديد بين الأقل والأكثر في موضع الصلاة ممّا ورد في الروايات فإن كنا نتوخّى وجود الدليل المعتبر اقتصرنا عليه.
وجوابه: أنَّه لا يوجد دليل معتبر منها إطلاقاً فيحرم قطع الفريضة للأذان والإقامة مطلقاً. ولكنّنا لم نقل ذلك بل يكفينا وجود الدليل غير المعتبر؛ للاحتمال الذي يخرج المورد عن القدر المتيقّن من الحرمة.
وذلك: بأن نأخذ بأوسع المداليل الواردة وهي قوله: «ما لم يركع» وليس بعد التكبير مباشرة .
ونفس الوجه يأتي في الجمع بين الأذان والإقامة يعني نسيانهما معاً أو أحدهما، وقد وردا معاً من قبيل:
1- رواية داود بن سرحان عن أبي عبد الله في رجل نسي الأذان والإقامة حتى دخل في الصلاة، «قال: ليس عليه شيء»(1).
2- رواية الحلبي عن أبي عبد الله «قال: إذا افتتحت الصلاة فنسيت أن ــــــ[124]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص434، ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
تؤذّن وتقيم ثمّ ذكرت قبل أن تركع فانصرف وأذّن وأقم واستفتح الصلاة، وإن كنت قد ركعت فأتمّ على صلاتك»(1).
3ـ رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله قال في الرجل ينسى الأذان والإقامة حتى يدخل في الصلاة، قال: «إن كان ذكر قبل أن يقرأ فليصلِّ على النبي وليقم، وإن كان قد قرأ فليتمّ صلاته»(2).
ووردت الإقامة [في] مثل: رواية زكريا بن آدم «قال: قلت لأبي الحسن الرضا: جعلت فداك كنت في صلاتي فذكرت في الركعة الثانية وأنا في القراءة أني لم أقم فكيف أصنع؟ قال: اسكت موضع قراءتك وقل: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، ثمّ امضِ في قراءتك وصلاتك وقد تمّت صلاتك»(3).
فنأخذ بالأوسع إلّا أنَّ نسيان الأذان وحده أو تعمّد تركه لم يرد. فيبقى تحت دليل المنع، ولا يشمله فتوى الشيخ والحلّي(5).
فإنَّها خاصّة بتعمّد تركهما معاً، لا ترك الأذان فقط. وهي غير واردة في الإقامة وحدها أيضاً لكنّنا نأخذ من الأخبار المشار إليها في (الوسائل): ج5 الباب 29 الأحاديث: 5-6.
ــــــ[125]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص434، ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص434 ـ 435، ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص435، ح6، ط مؤسسة آل البيت.
(4) لاحظ: مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 605، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[في الجمع بين الطائفتين الدالّة على الرجوع والدالّة على عدمه]
وأمّا الجمع بين الطائفتين ففي الدقّة أنهما غير متعارضتين إلّا إذا فهمنا من قوله «فليمضِ في صلاته» الموضوعية لا الطريقية؛ إذ يكون عندئذٍ معارضاً لما دلّ على جواز القطع خلال القراءة ونحوها من الطائفة الأولى، إلّا أنّنا فهمنا منه الطريقية لأصل الفريضة. فيكون مضمون الطائفة الأولى مخصّصاً له كما هو مخصّص للدليل الأصلي للحرمة، ويكون كلّ ما ذكر في الروايات جائزاً بقصد المطلوبية ولا يحتاج إلى صحّة السند ما لم يكن مبطلاً عمل القاعدة، وأمّا للرواية المتقدمة(1).
قوله: «قال الشيخ: هذا محمول على الاستحباب»(2)يعني أمر (فليعد)، هذا غير محتمل، إلّا إذا كان مراده عدم الوجوب.
وذلك:
أوّلاً: أنَّه أمرٌ في مورد الحضر.
ثانياً: أنّنا قلنا أنَّه يقع التزاحم بين مرجوحيّة القطع ورجحان الأذان والإقامة فلا يبقى لأحدهما رجحان وإنّما جواز القطع على نحو الإباحة مقابل الحرمة، فإذا قطع الفريضة شمله الحكم بالاستحباب.
قال الحرّ العاملي: «أقول: وهو مقيّد بما قبل الركوع»(3)؛ لأنَّه في نفسه مطلق.
ــــــ[126]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص433 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص435 ذيل الحديث6، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص433، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
قد يُقال هنا: إ نَّ الأحكام الاستحبابية لا تقييد فيها، فنأخذ بالمطلق والمقيّد .
وجوابه: أنَّه تقييد في الحكم الإلزامي وهو حرمة القطع؛ إذ يكون شاملاً لكلّ الأكوان الصلاتية إلّا ما خرج بدليل وهو «ما لم يركع».
فإن قلت: فإنَّ هذا موافق لقولنا بالإطلاق، ويكون قرينة عليه؛ لأنَّنا توخّينا وجود دليل وإن لم يكن معتبراً فهذا منه.
قلنا:
أوّلاً: إ نّنا قلنا بتقييده بما قبل الركوع فيسقط الباقي عن الحجّية.
ثانياً: إن َّ احتمال هذا المضمون المطلق الوارد في هذه الرواية فقط غير معتد به. ولعلّه على خلاف الإجماع. فيسقط.
[في إعطاء المؤذّن أجرة]
قال المحقّق: «ويُعطى (المؤذّن) الأجرة من بيت المال إذا لم يوجد من يتطوّع به»(1).
يعني استحباباً وليس مجرّد التبرّع ولكن مع ملاحظة عدم اضطراره كمؤذّن.
أقول : المقصود به المؤذّن المنصوب لا المطلق، وليس المال: الحقوق العامّة عندنا ممّا ينطبق عليه فيأخذها كمستحق ليعتاش بها، نعم تنطبق الأجرة على سبيل صدق الزكاة والخراج وحقّ الإمام والحقوق المختلطة. أمّا حق السادة والنذورات والكفّارات فلا تنطبق عليها وكذلك غير عنوان سبيل الله من الزكاة: لكن يجب أن يكون مصداقاً.
ــــــ[127]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[نواحي الإشكال في الأجرة]
والإشكال فيه الأجرة من نواحٍ ثلاث:
الناحية الأولى: عدم أخذ الأجرة على الواجبات، إ مّا باعتباره واجباً ولو بالنذر أو بتوسيع الموضوع إلى كلّ العبادات أو باعتبار انطباقه على نفسه ولا يمكن أخذ الأجرة في مثل ذلك.
أمّا أخذ الأجرة على الواجبات ف قد جوّزناها في محلّها ومنه قضاء الصلوات عن الموتى بالأجرة، فأولى من المستحب. ولو تنزّلنا فالمقصود الواجب في الأصل لا بالعارض كالنذر. وانطباقه على نفسه وإن كان صحّ في نفسه إلّا أنَّه محلّ إشكال للأذان الإعلامي ولو صحّ كان أخذ الأجرة على الأعمّ الأغلب.
الناحية الثانية: الجانب الأخلاقي؛ لأنَّ فيه تضحية بثواب الآخرة؛ لأنَّ ثوابه أجرته فقط.
الناحية الثالثة: ولعلّه هو المشار إليه في الروايات بمعنى المنع مقيّداً. والرواية الأولى معتبرة إلّا أنَّ دلالتها غير تامّة ومحمولة على المعنى الأخلاقي وكذا غيرها.
[كلام في كراهة الأجرة وكونها سحتاً]
وقد عبّر الهمداني: «أن سَوق الخبرين خصوصاً ثانيهما يشهد بإرادة الكراهة، مع أنَّه لا دلالة فيها على بطلان الإجارة وعدم استحقاقه للأجرة»(1).
ــــــ[128]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص295، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وبتعبير آخر: إنَّما هو حكم تكليفي وليس وضعياً، واستدلّ له لفظياً بما روي عن كتاب دعائم الإسلامي عن علي أنَّه قال: «من السحت أجر المؤذّن».
قال الراغب: «السّحت القشر الذي يستأصل، قال تعالى: فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ(1)، وقرئ فيسحتكم. يقال: سحته وأسحته. ومنه: السُّحت للمحظور الذي يلزم صاحبه العار كأنَّه يسحت دينه ومروءته قال تعالى: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ(2) أي لما يسحت دينهم. وقال: «كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به». وسمّى (الرشوة) سحتاً لذلك، وروي «كسب الحجام سحت». فهذا لكونه ساحتاً للمروءة لا للدين ألا ترى أنّه أذن في إعلافه الناضح وإطعامه المماليك»(3).
وفيه مواقع للنظر كما تذكره شفاهاً أهمهّا اختصاص مفهومه بالمال.
[في أخذ الأجرة على الأذان للغير وجواز الاستنابة]
قال الشيخ الهمداني: «وهو المرسلة لا قصد به في دلالتها ولكنّه قاصر السند، اللهم إلّا أن يجعل الشهرة جابرة له وفيه تأمّل»(4).
ثُمَّ قال الشيخ الهمداني: «ولكن خصّه غير واحد من قال بالجواز بالأذان الإعلامي الذي لا يتوقّف الفائدة المقصودة منه بالإجارة على وقوعه طاعة له تعالى
ــــــ[129]ـــــــ
(1) طه: 61.
(2) المائدة: 42.
(3) المفردات في غريب القرآن، ص400، مادّة (سحت) ط كلية الآداب، جامعة طنطا.
(4) مصباح الفقيه: ج11 ص295، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
دون أذان الصلاة والإقامة ونحوها ممّا يتوقف فائدته للغير على وقوعه طاعة له تعالى. فإنَّه ينافي إيقاعه للغير عوضاً عمّا يأخذ منه من الأجرة»( ).
ولا يقاس بالعبادات المستأجرة عليها نيابة عن الغير فإن قصد وقوع هذه العبادات عوضاً عمّا يستحقه ليس في مرتبة قصد القربة المعتبرة في صحّتها كي يمتنع تصادقهما على مورد. نعم لو ثبت جواز الاستنابة فيهما واستأجره على أن يؤذّن ويقيم نيابة عنه لصار حالهما حال العبادات المستأجرة عليها في الصحّة وعدم التنافي بين القصدين. ولكنّه لم يثبت بل ظاهر الأدلّة اعتبار المباشرة، مع أنَّه على تقدير ثبوته خارج عن محلّ الكلام فإنَّ النزاع إنّما هو في جواز الاستيجار على أن يؤذّن ويقيم أصالة لصلاة الجماعة أو لصلاته منفرداً ليجتزي المستأجر بهما عنهما في صلاته. فهذا ممّا يتوقّف صحّته على وقوعه طاعة لله. وهو ينافي استحقاق عوضه من الغير.
جواب ذلك: أنَّه ذكر وجهين من الإشكال كليهما لا يتمّ:
أحدهما: أنَّه يتوقف فائدته للغير على كونه طاعة له تعالى.
ثانيهما: أنَّه في المورد الاعتيادي لأجرة العبادات لا يكون قصد القربة المعتبرة في صحّتها في مرتبة قصد الإجارة فلا تكون مضرّة، بخلاف الأذان في محلّ الكلام.
وكلاهما مورد الإشكال والعمدة هو الثاني، فإنَّه متّحد مع باقي العبادات في المعنى فيشمله ما نقوله فيها من وجه الجواز. وليس الأمر طولياً في العبادات ــــــ[130]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص296، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وعرضياً في الأذان، بل هو طولي في الأذان أيضاً مع الوجه الذي اخترناه في محلّه. فلو جازت الاستنابة فيه فلا إشكال.
وبتعبير آخر: أنَّ كلا الصورتين ترجعان إلى صورة واحدة وهما: أخذ الأجرة على الأذان للغير وجواز الاستنابة فيه. وقد منع الأولى وأجاز الثانية على تقدير الصحّة مع أنَّهما واحد.
وكذلك الوجه الأوّل: فإنَّ سائر العبادات تتوقّف فائدتها على قصد القربة، تقوله هناك، نقوله هنا. مضافاً إلى أنَّ ما قاله أخيراً حول موضوع النزاع ليس بصحيح موضوعاً وإن كان صحيحاً حكماً ومحمولاً.
فقول المحقّق: «ويعطى الأجرة من بيت المال» يدلّ على أنَّه يقول بجواز الأجرة؛ لأنَّه للمصالح والأذان منها، فإذا وجد من يتطوّع به تعيّن عليه وكان الصرف من بيت المال تبذيراً، لأنَّه لا بدّ أن يصرف في مصلحة أخرى ممّا لا بديل لها مالياً.
كيفية الأذان
[مشروعية الأذان قبل الوقت]
ثمَّ قال المحقّق: «الثالث في كيفية الأذان: ولا يؤذّن الأبعد دخول الوقت»(1).
قال الهمداني: «بإجماع المسلمين كما ادّعاه في (الجواهر) وغيره. إذ لا يتنجز
ــــــ[131]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
التكليف به إلّا بعد حصول سببه فقبله تشريع محرّم. اللهم إلّا أن يقصد مجرّد الذكر لا العبادة الموظفة المسنونة»(1).
أقول: الظاهر أنَّ صاحب (الجواهر) نظر إلى مشروعية الأذان بعد الوقت. ولا يبعد أن يكون الإجماع الذي ادّعاه صحيحاً. إلّا أنَّ الكلام ليس هكذا بل في الحصّة المضادّة وهو جواز الأذان قبل الوقت بصفته أذاناً مشروعاً لا مطلق الذكر. فهذا الإجماع لا يكفي، لأنَّ المسألة غير محرزة في المصادر القديمة.
قال الهمداني: «وعن السيّد في المسائل الناصرية والحلّي وابن الجنيد وأبي الصلاح والجعفي رحمهم الله المنع من تقديمه في الصبح أيضاً»(2).
والدليل الثاني بمجرده أيضاً غير كاف لأنَّ تنجّز المستحب لا معنى له. فمن هنا يمكن أن يستدلّ له بوجوه أخرى:
منها: أنَّ الأذان مقدّمة مستحبّة للصلاة فإيقاعه للصلاة يقتضي تنجّز الأمر بالصلاة نفسه. وأمّا قبل الوقت فالأمر بالصلاة غير منجّز فلا يترشّح على المقدّمات الواجبة ولا المستحبّة مطلق المطلوبية، إذا دخل الوقت فأذّن وهو يدلّ على الحرمة التشريعية قبله لا الذاتية فلو أذّن بقصد الورود لم يجز وكان بدعة.
ومنها: أنَّ الأذان الإعلامي إخبار عن دخول الوقت بالدلالة الالتزامية وبلسان الحال. وهذا عرف قطعي. فيكون قبله كذباً.
ــــــ[132]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص299، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص300، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وهو قابل للمناقشة كبرى وصغرى خاصّة مع عدم التعهّد إلّا أنَّه غالبي الصدق.
ومنها: أنَّ الناس بصفتهم المسامحية سوف يبادرون إلى الصلاة: فإذا كان ذلك قبل الوقت: كان المؤذّن ضامناً شرعاً لصحّة صلاتهم، ويكون إعانة على الإثم، وسبباً في بطلانها فيكون حراماً، وكذلك لو أذّن في الوقت المشكوك ما لم يحرز دخوله.
ومنها: أنَّه تشريع محرّم أو بدعة؛ لأنَّه من إطاعة أمر غير موجود لا استقلالي ولا مقدّمي. فإذا قيل أنَّه موجود لما ورد من أذان ابن أم مكتوم قبل الفجر وأنّه يؤذّن بليل، ولذا قال المحقّق: «وقد رخّص تقديمه على الصبح»(1).
وبعد التجريد عن الخصوصية يشمل كلّ أذان، إذن فجوازه قبل الوقت وارد فلا يكون تشريعاً محرمّاً وكان إعلاماً بقرب حلول الصلاة لا بحلولها فعلاً.
[مناقشة دلالة رواية (ابن أم مكثوم)]
جوابه: بعد التسليم بالسند أنَّ الجواز المستفاد غايته إقرار النبي لابن أم مكتوم بذلك، ولا يوجد في الروايات ما يدلّ على أنَّه أمره به. وفي حدود فهمي أنَّه لا يريد أن ينهاه عنه وإنّما نهى المسلمين عن ا تباعه ونبّه هم على أنَّه يؤذّن بالليل، فمقدمات الإقرار غير جارية بصحّته، لأنَّ النهي موجود. واثنين من مقدمات الحكمة منتفية وأنَّه كان يستطيع أن ينهى ولم ينه، فيبقى الأذان قبل الوقت مطلقاً غير جائز.
ــــــ[133]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
فما قالوه من الجواز في الصحيح مطلقاً محلّ نظر؛ لأنَّه يحتاج إلى التجريد عن الخصوصية من ابن أم مكتوم إلى غيره ولا أقلّ من الأعمى إلى غيره. وهو متعذّر وخاصّة مع وجود المحاذير السابقة.
ويبدو أنَّ ابن أم مكتوم كان يؤذّن في الأوقات كلّها ولكنّه كان يخطأ في أذان الصبح فقط. ولا يبدو أنَّ المسألة تستمرّ طويلاً. فإنَّ النبي وإن لم ينهه إلّا أنَّه نهى المسلمين عن ا تباعه. وهذا ما سوف يبلغه فإذا بلغه غيّر حاله.
[الكلام في أوجه أدلّة الجواز وأصالة البراءة]
فأدلّة جواز الأذان، مضافاً إلى أصالة البراءة عن الحرمة وهي محكومة قبل الوقت منحصرة في ثلاث وجوه:
الأوّل: التمسّك بأذان ابن أُم مكتوم، وقد عرفنا حاله وأنَّه ليس مُقَرّاً من قبل النبي.
الثاني: أن يؤذّن بقصد الذكر وهو أمر معقول إلّا أنَّه لا يتمّ:
أولاً: لأنَّ الأذان ليس كلّه ذكر.
ثانياً: لأنَّ فيه نفس المضاعفات السابقة من الدلالة الالتزامية والإعانة على الإثم، لعدم علم السامعين أنَّه لمجرّد الذكر ما لم يقم قرينة صريحة على ذلك، مضافاً إلى أن الذكر ليس بأذان متشرّعاً . وصورة الأذان لا تصحّ مع عدم وجود القصد.
ــــــ[134]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الثالث: ما أُشير إليه في بعض الأخبار المعتبرة في (المصباح)(1) مثل ما عن ابن سنان قال: «قلت له: إنَّ لنا مؤذّناً يؤذّن بليل. فقال: أما أنَّ ذلك ينفع الجيران لقيامهم إلى الصلاة وأمّا السنة فإنَّه ينادي مع طلوع الفجر ولا يكون بين الأذان والإقامة إلّا الركعتان»(2).
وهي واضحة أيضاً في أنَّ الإقامة لا تكون إلّا بعد الوقت. وهناك بهذا المضمون أخبار أخرى.
فإن قلت: كيف أقرّه الإمام لمنفعة الجيران.
قلنا: ما أقرّه، بل روى له نهي رسول الله وهو كاف.
وجوابه: أنَّه نحو اعتذار من الإمام للمؤذّن. وهو لا يتمّ مع وجود الإشكالات السابقة كالكذب والإعانة على الإثم.
نعم، لو كان مقصوده مجرّد إيقاظ النائمين ولم يكن فيه دلالة عرفية على تلك الأمور فهو جائز. وهذا يتمّ بعد تنبيه النبي لهم عن ذلك. وإلّا فمن الواضح أنَّ الأوّل الأولى لتلاوة الأذان متشرّعياً هو الإخبار عن دخول الوقت مضافاً إلى عدم إمكان التجريد عن الخصوصية من الصبح لغيره؛ لأنَّ غيره ليس فيه إيقاظ النائمين. والمفروض أن كلامنا عام لسائر الأوقات وغير خاصّ بالصبح فعلاً. فيكون الدليل – إن تمّ- أخصّ من المدّعى.
ــــــ[135]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص301، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص391 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وأمّا إقراره للأذان فهو أكيد إلّا أنَّه محمول على غير مورد الحرمة أو يدعه على غفلته. مضافاً إلى أنَّه روى النهي عن رسول الله.
الرابع: صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله قال: «لا تنتظر بأذانك وإقامتك إلّا دخول وقت الصلاة واحدر إقامتك حدراً وكان لرسول الله مؤذنان… الخ». والاستدلال بها بوجهين متعاضدين:
1- المفهوم من صدر الرواية.
2- نهى رسول الله عن ا تباع أذان ابن أم مكتوم.
أمّا الأول فباطل في نفسه إلّا أن يجعل الثاني قرينة عليه.
وكذلك الثاني من حيث عدم النهي عن نفس الأذان قبل الوقت بل عن ترتيب الأثر عليه.
وجوابه: أنَّ سياق الرواية للنهي عنه أو جعل صدرها قرينة على ذلك فيكون الدليل مركّباً من كلتا الفقرتين.
وفي خبر آخر: «لا تؤذّن حتى يستبين لك الفجر» وأنَّه أمره بإعادة الأذان (1) وهي ضعيفة.
الإقامة قبل الوقت
وأمّا الإقامة قبل الوقت فغير محتملة الصحّة وإن لم تكن فيها بعض الوجوه التي تأتي في الأذان الإعلامي. ولكن المفروض أنَّها مشروطة بشروط الصلاة بما
ــــــ[136]ـــــــ
(1) سنن أبي داوود، كتاب الصلاة، باب في الأذان قبل دخول الوقت، ص534، رقم الحديث 469، البيهقي: ج2 ص212.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
فيها الاستقبال والطهارة بخلاف الأذان وخاصّة الإعلامي منه.
وخاصّة مع الالتفات إلى الأخبار الدالّة على أنَّك إذا كانت في الإقامة فأنت في الصلاة، والتجريد عن الخصوصية غير ممكن.
[مناقشة المحقّق والهمداني في تقديمها على الصبح]
قال المحقّق: «وقد رخّص في تقديمه على الصبح»(1).
قال الشيخ الهمداني: «كما ذهب إليه الشيخ وأكثر أصحابنا، بل المعظم على ما نسب إليهم بل عن المعتبر عندنا وعن المنتهى عند علمائنا.
وعن ابن أبي عقيل أنَّه قال: الأذان عند آل الرسول للصلوات الخمس بعد دخول وقتها إلّا الصبح. فإنَّه جائز أن يؤذّن لها قبل دخول وقتها بذلك تواترت الأخبار عنهم. وكان لرسول الله مؤذّنان…
وعن السيد في المسائل الناصرية والحلبي وابن الجنيد وأبي الصلاح والجعفي رحمهم الله المنع من تقديمه في الصبح أيضاً»(2).
أمّا الشهرة فإنّها مدركية وضعيفة فليست حجّة.
وأمّا تواتر الروايات فغير محرز صغرى إلّا أن تكون المصادر قد أُحرقت أو أنَّه يعبّر بالتواتر عن كلّ ما يفيد العلم وقد حصل له ذلك من هذا المقدار.
ولو سلّمناه فإنّما هو التواتر على أن ابن أُمّ مكتوم كان يؤذّن قبل الفجر لا أنَّه
ــــــ[137]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص 299 و300، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
فتوى صريحة بجوازه. وقد فهمنا النهي -وهو متواتر بتواتره- عن اتّباع أذانه وسبب إقراره عليه.
مضافاً إلى أنَّه لا دليل على استمرار هذا الرجل بالأذان قبل الفجر حتى بعد نهي النبي، بل قلنا إن َّ المظنون خلافه ولا أقلّ من الاحتمال المبطل للاستدلال فليس هذا مروي فضلاً عن كونه متواتراً.
[مناقشة المحقّق في استحباب الإعادة بعد الطلوع]
قال المحقّق: «لكن يستحبّ إعادته بعد طلوعه»(1) أي الصبح كما يدلّ عليه أمر النبي بلالاً أن يعيد الأذان في الخبر المتقدّم.
أقول: يحتمل أن يكون أمره بالإعادة باعتبار بطلان الأذان السابق مع حصول موضوع الأذان فعلاً وهو دخول الوقت. والاحتمال مبطل للاستدلال.
وهذا ليس من قبيل جواز الإتيان بنافلة الصبح قبل الفجر واستحباب إعادتها بعده لوجود الدليل الكافي على جواز الإتيان بها قبل الفجر مع انضمام حصول موضوعها بعد الفجر. فيصدق على الإتيان بها عنوان الإعادة.
وأما مع بطلان الفرد السابق من العبادة، فلا يصدق على الثاني أنَّه إعادة. والأذان مثل هذا إذا كان مصداقاً للبطلان قبل الوقت كما قرّبنا فاستعمال المحقّق لمفهوم الإعادة ناشئ من قوله بالجواز أو من استعمال الإعادة بالمعنى الشكلي أو العرفي.
ــــــ[138]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[الكلام في فصول الأذان والإقامة]
قال المحقّق: «الأذان على الأشهر ثمانية عشر فصلاً»(1) بل عن بعض دعوى الإجماع وعن آخر نسبته إلى علمائنا وعن (الذكرى) إلى عمل الأصحاب. والسيرة عليها والارتكاز المتشرّعي أيضاً.
ثمّ قال الشيخ الهمداني: «وكفى دليلاً لهما على التفصيل المزبور معروفية كونهما كذلك لدى الشيعة لقضاء العادة في مثل الأذان والإقامة بضبط فصولهما من الصدر الأوّل خصوصاً بعد وقوع الخلاف بينهم وبين المخالفين الموجب لمزيد الالتفات وشدّة الاهتمام بالضبط مضافاً إلى الإجماعات المنقولة عن الأصحاب قولاً وعملاً المعتضدة بالشهرة وعدم نقل الخلاف فيهما عدا ما عن الشيخ في الخلاف حاكياً عن بعض الأصحاب من أنَّه جعل فصول الإقامة مثل فصول الأذان وزاد فيها قد قامت الصلاة مرّتين.
وعن ابن الجنيد أنَّه قال: التهليل في آخر الإقامة مرّة واحدة إذا كان المقيم قد أتى بها بعد الأذان وإن كان قد أتى بها بغير أذان ثنّى لا اله إلّا الله في آخرها»(2).
الكلام في الأذان
الأخبار الدالّة على نصوص الأذان:
الطائفة الأولى: وهي التي تدلّ على أن التكبير الأوّل مرّتين، من قبيل رواية
ــــــ[139]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص305، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
صفوان الجمّال قال: «سمعت أبا عبد الله يقول: الأَذان مثنى مثنى والإِقامة مثنى مثنى»(1).
الطائفة الثانية: وهي التي تدلّ على أن التكبير الأوّل أربع، من قبيل رواية زرارة عن أبي جعفر قال: قال: «يا زرارة تفتتح الأَذان بأربع تكبيرات وتختمه بتكبيرتين وتهليلتين»(2).
وجوه الجمع:
1- تقديم ما عليه السيرة أو الشهرة أو الإجماع.
2- تقديم صحيح السند.
3- التخيير شرعاً. إلّا أنَّه على معنى الاثنين.
جوابه: أنَّ الزيادة تكون جزاءً وإن كانت مستحبّة بناء على إمكانه.
4- التقييد.
جوابه: ظهور الأقلّ بالانحصار ونفي الزائد فيتعارضان. اللهم إلّا أن يقال بعدم هذا الظهور مع وضوح الأربع أو مع وضوح احتمالها.
فإن قلت: فإنها مستحبة وهو ليس فيه تقييد.
قلنا: هذا باعتبار الحكم الوضعي وهو الجزئية. وفيه تقييد كالإلزام.
5- ما ذكره الشيخ من أنَه قصد إفهام السائل التلفّظ بالتكبير وكأنَّ الأربع معلوماً لديه(3).
ــــــ[140]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص414 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص413 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص415، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
6- ما ذكره الشيخ أيضاً الإجزاء بالاثنين وهو راجع إلى الوجه الثالث. وبقية الأحاديث على الأفضلية. ويكون الإتيان بالأربع على نحو الاحتياط الاستحبابي على أحسن تقدير.
7- البراءة عن الأكثر للجزئية؛ لأنَّه من الأقلّ والأكثر الاستقلاليين في طول التعارض والتساقط بين الروايات. إلّا أنَّ الوجوه الأخرى مقدّمة كالتقييد.
8- حمل الاثنين على التقية. وهذا فرع كونهم كذلك في المشهور عندهم. والآن مشهورهم ليسوا على ذلك ويمكن استصحابه قهقرائياً. ما لم يثبت الخلاف.
فإن قيل: فإنَّه لا بدّ من إحراز أصالة الجهة وإلا سقط اللفظ عن الحجّية.
قلنا : كلا، بل العكس صحيح وهو أن المسقط هو إحراز العدم. وأمّا مع احتماله فتكون أصالة الجدّ أو الجهة نافذة.
[الاستدلال على أن التكبير مرّتان ]
ومن وجوه الاستدلال على أنَّ التكبير مرّتان في الأذان:
أنَّ الإقامة مثل الأذان بنصّ بعض الروايات المعتبرة. فيصدق العكس أيضاً والإقامة فيها تكبيران إذن فالأذان كذلك.
وجوابه: أنَّ ذلك وارد في روايات الأربع. إلّا الرواية الثانية وفيها علي بن السندي.
والتقريب فيها ساقط أيضاً؛ لأنَّه ينص على أن الأذان اثنان.
رواية أنَّه اثنان مع الأذان وعدم جريان البراءة في المستحبات.
ــــــ[141]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الكلام في إضافة الشهادة بالولاية لعلي
روى الصدوق في الفقيه: أنَّه بعدما ذكر حديث أبي بكر الحضرمي وكليب الأسدي. قال: «هذا هو الأذان الصحيح لا يزاد ولا ينقص منه. والمفوّضة لعنهم الله قد وضعوا أخباراً وزادوا بها في الأذان محمد وآل محمد خير البرية. وفي بعض رواياتهم بعد أشهد أنَّ محمد رسول الله اشهد أن علياً ولي الله مرّتين. ومنهم من روى بدل ذلك أشهد أنَّ علياً أمير المؤمنين حقاً مرّتين ولا شكّ أنَّ علياً وليّ الله وأنّه أمير المؤمنين حقاً وأنَّ محمد وآله خير البرية. ولكن ذلك ليس في أصل الأذان وإنّما ذكرت تلك ليعرف بهذه الزيادة المتّهمون بالتفويض المدلّسون أنفسهم في جملتنا»(1).
وعن الشيخ في (المبسوط) أنَّه قال: «فأمّا ما روي من شواذ الأخبار من قول: أنَّ علياً ولي الله وأنَّ محمداً وآله خير البرية فممّا لا يعمل عليه في الأذان والإقامة فمن عمل به كان مخطئاً»(2).
وعن (المنتهى) أنَّه قال: «ما روي من الشاذّ من قول: أنَّ علياً ولي الله وآل محمد خير البرية فممّا لا يعوّل عليه»(3).
وتعليقنا على ذلك:
أولاً: أنَّه يتحصّل من هذا الكلام أنَّ فيه روايات عديدة أو وصل منها قليل وإن لم تصل إلينا.
ــــــ[142]ـــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه: ج1 ص290 ط دار الكتب الإسلامية.
(2) المبسوط: ج1 ص99 ط جماعة مدرسين.
(3) منهى المطلب: ج3 ص 381 ط قسم الفقه في مجمع البحوث الإسلامية.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ثانياً: أنَّ مشهور القدماء أعني ذلك الجيل من العلماء لم يأخذ بها.
ثالثاً: يحتمل أنَّ عدم الأخذ بها فقهياً وعدم العمل بها متشرّعياً إنّما هو لأجل التقية، ولذا لما اكتسب الشيعة قوة في زمن البويهيين ذكروا ذلك.
رابعاً: يحتمل أنَّ كتابة هؤلاء العلماء لهذه الإشكالات في مؤلّفاتهم لأجل التقية.
خامساً: أنَّ أسناد تلك الروايات غير معروفة ولكن مضمونها مشمول لقاعدة التسامح في أدلة السنن، وظاهر (المستمسك) أنَّها تثبت بها الجزئية(1) وهو ممنوع كما يأتي في أدلّة السنن.
سادساً: أنَّ المعروف أن الجبرية والمفوضة من العامّة وليس واحداً منهم شيعياً وكأن الشيخ الصدوق أراد أن يميّزهم بصفة فقال إ نَّهم مفوّضة ولو باعتبار أنَّهم يؤمنون بالتقديس لأهل البيت لأنَّهم أبواب الله وأوامره تصدر من بيوتهم وبهم تخرج الأرض أشجارها وتخرج الأشجار ثمارها. وإنما لعنهم عن طريق الاستخدام أو الحمل على التفويض المطلق لأهل البيت.
سابعاً: أنَّ دعاءه باللعنة عليهم ليس ظاهراً أنَّه من أجل التزامهم بالشهادة بالولاية بل لأنَّهم ضالّون في أنفسهم. ولا اعتقد أنّ الصدوق يرى ضلالهم وإنما تكلّم بذلك تقية.
ثامناً: أنَّهم قالوا: إ نَّ هذه الأخبار ممّا لا يعوّل عليه. هذا بغضّ النظر عن أخبار (من بلغ) كما أشرنا ومن الوجوه الآتية التي تدعم الموضوع ككلّ. ولعلّ
ــــــ[143]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 536، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
هذا أيضاً قالوه للتقية. إلّا أنَّها من قبلنا غير معروفة السند فلا بدّ في تتميمها من أخبار (من بلغ).
تاسعاً: أنَّه قال -الصدوق-: إ نَّ «ذلك ليس في أصل الأذان» وهذا لا يعني حرمة الزيادة.
نعم، يعني الحرمة التشريعية لو أتى بها بقصد الجزئية، بل الحرمة لمجموع الأذان، لأن المركب من المشروع وغير المشروع غير مشروع، لأنَّ النتيجة تتبع أخسّ المقدمتين، كما أنَّه عبادة فيبطل بالزيادة أو بالنهي عنه. إلّا أنّنا قلنا إ نّه ليس بعبادة ولكنّنا بعد أن قلنا بإمكان الجزء المستحبي أمكن اعتبار الشهادة بالولاية جزءاً مستحباً ولو في طول التسامح في أدلّة السنن إلّا أنَّ الكلام في الكبرى عندئذٍ. وهي أنَّ أدلّة التسامح لا تفيد الجزئية، لأنَّها خالية من التشريع.
نعم، هي تفيد عدم بطلان الأذان مع ذكره وحصوله على الثواب عليه. لكنّها لا تشمل صورة قصد الجزئية عمداً؛ لأنَّه ليس لها إطلاق من هذه الناحية فيبقى على الحرمة.
[الأدلّة على الشهادة لعلي]
فالأدلّة على الشهادة بالولاية عديدة:
أوّلاً: السيرة وهي عملية ولا إطلاق لها. ولا تدلّ على الجزئية إلّا وهماً ولم يثبت وجودها في زمن المعصومين.
ثانياً: الارتكاز حتى أنَّه جزء من الأذان إلّا أنّنا لا نستطيع استصحابه إلى زمن المعصومين ولا أن نعتبره حجّة في الجزئية بعد نصّ العلماء بخلاف ذلك.
ــــــ[144]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ثالثاً: ما دلّ على استحباب ذكر المعصومين احتراماً أو شعاراً أو حزناً أو حبّاً ونحوه أو لأجل تجديد الصلاة عليهم إلّا أنَّ هذا:
1. يعني جميعهم وهو غير محتمل.
جوابه: أنَّه محتمل فقهياً إلّا أنّنا نقتصر منه على ما هو المتعارف.
2. إلّا أنَّه لا يثبت الجزئية بل هو ذكر مستقلّ.
رابعاً: ما في خبر الاحتجاج: «إذا قال أحدكم لا اله إلّا الله محمد رسول الله فليقل عليّ أمير المؤمنين»(1)، ولم يقل: (وليّ الله)؛ لأنَّ ذلك أهم لأنَّه أمير الأولياء .
جوابه: ضعفه، ومع التسامح فيه عدم الدلالة على الجزئية. ولم يقل (ولي الله) إلّا مع التجريد عن الخصوصية ولم يذكر ذرّيته. مع عدم إمكان التجريد لأهمّية علي.
خامساً: الأخبار المشار إليها في كلام الصدوق وغيره، وهي تدلّ على الجزئية، إلّا أنَّها غير تامّةٍ سنداً، ومعرض عنها إجماعاً، يعني من حيث الجزئية إلّا أنَّ الإجماع حاصل على عدمها من حيث عدم الدليل على الجزئية لا الجزم بعدمها إجماعاً، بل ذلك على سبيل الاحتياط، فقد تكون تلك الأخبار مستفيضة إجمالاً.
وهي دالّة على الجزئية، فلو قلنا باستفاضتها ثبتت والإعراض عن المستفيض لا أثر له.
ــــــ[145]ـــــــ
(1) الاحتجاج: ج1 ص 231 تحقيق السيد باقر الخرسان.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
سادساً: ما في الاحتجاج أيضاً حسب نقل (المستمسك)(1) خبر القاسم بن معاوية عن الصادق في طي احتجاجات علي مع المهاجرين والأنصار في ذيل (تفصيل ما كتب على العرش). وغيره ولم يذكر لفظه. والمعروف أنَّ الموجود على العرش ذكر المعصومين وأسماؤهم واحداً واحداً فيمكن أن يُقال: كما أنَّ الله تعالى قرن ذكر وليّه بذكر نبيّه كذلك لنا أو علينا أن نقرنه.
وهذا أكيد لولا ضعف السند إلّا أنَّه لا يدلّ على الجزئية حتى المستحبية، ويشمل كل المعصومين ولا يتمّ الاستحباب فضلاً عن الجزئيّة حتى بأدلّة التسامح بل وإن كانت قطعية الصحّة.
سابعاً: صحيح زرارة عن أبي جعفر «وصل على النبي كلّما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في أذان أو غيره»(2) فإنَّه يمكن أن نضمّ إليه ما ورد من النهي عن الصلاة المبتورة. فتكون النتيجة: كلّما ذكر النبي ذكر آله. بما فيهم علي.
جوابه: أن نتيجته هي: أنَّه إذا ذكر النبي وجبت الصلاة على النبي وآله. وليس ذكرهم بعد ذكره. مضافاً إلى أنَّه يشمل كلّ المعصومين أو عنوان الآل كقولهم: «أشهد أنَّ محمد رسول الله وآله خير البرية» وليس ما هو متعارف.
نعم، احتاط في (العروة)(3) في وجوب الصلاة على النبي عند ذكره لصحّة سند هذه الرواية. وبالتجريد نصل إلى السلام على المعصومين عند ذكرهم. إلّا أنَّه لا
ــــــ[146]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 545، ط إحياء التراث العربي.
(2) الوسائل: ج5 ص451 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(3) لاحظ: مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 544، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
يحتمل فيه الوجوب وإن كانت صيغة (افعل) ظاهرة به وهي معتبرة سنداً. إلّا أنَّ إعراض المشهور بل الإجماع ضدّه.
كما لا تدلّ على وجوب ذكرهم بغضّ النظر عن الصلاة عليهم لا في الأذان ولا في غيره ما لم يجب بعنوان ثانوي كالنذر والدخول في الدين.
ثامناً: كونه نصرة للمذهب وعلامة له وخذلاناً لغيره. وهذا غير ما سبق أمّا باعتبار متعلقه وهو المذهب هنا والأئمة هناك أو باعتبار طريق الإيجاب هناك والسلب هنا أو علامة له أو نصرة للدين الحق أصلاً. إلّا أنَّه لا يثبت الجزئية نعم، وجوده في الأذان أكثر نصرة ودعاية وإعلاماً من غيره فهو أهمّ.
تاسعاً: ما في الكافي(1) غير معتبرة.
وتقريبه: أنَّ الله تعالى قرن بين ذكر نبيه ووليه، فكذلك يرجح لنا ذلك. وهذا الرجحان يشمل الأذان.
جوابه: أنَّه بغضّ النظر عن السند والظاهر أنّها غير معتبرة. إلّا أنَّها:
1- لا تدلّ على الجزئية.
2- تدل على التكرار ثلاث مرّات وهو محتمل جوازاً إلّا أنَّه غير متعارف وقد قال في (العروة) بجواز التكرار -في حي على الصلاة لا الشهادات الأولى- لكي يجتمع الناس ولكن قال: وليس الزائد جزءاً من الأذان.
3- المناقشة في دلالة الرواية بأنَّ هذا النداء تكويني وليس تشريعياً؛ لأنَّ
ــــــ[147]ـــــــ
(1) الكافي: ج2 ص441، ح8 ط دار الكتب الإسلامية.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
السماء والأرض قائمة بهما كما هي قائمة بالله سبحانه وفي طوله فالمراد الإشارة أنَّها قائمة بعلي كما هي قائمة بمحمّد وليست فقط قائمة بمحمد.
4 – المناقشة دلالة من حيث احتمال تطبيق قوله تعالى: وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا(1) وليس هو نور ذات الله سبحانه لأنَّه أعلى من ذلك ولا يشبهه شيء من خلقه حتى النور والظلمة. إذن فهو نور النبي وعلي فالمراد الإشارة إلى ضمّه إلى النبي في ذلك.
وفي مثله حديث المعراج: «أنني كلما صعدت سماء وجدت علياً». وهذا له أحد تفسيرين:
1- بوجوده التكويني الذي تقوم به تلك السماء وهو أعرف بحقيقة علي.
2- أنَّ علياً يصل إلى تلك السماء ويعرج يعني عروج النبي إليها لأنَّه هو نفسه وليس غيره.
أمّا الأذان الذي حصل في المعراج حين أذّن جبرئيل لجماعة النبي فهو مجمل من هذه الناحية؛ لأنَّ أخباره – وهي متعدّدة في (الوسائل)- إلّا أنَّها تقول: أذّن جبرئيل وليس فيها فقرات الأذان. فلا يمكن الاستدلال بها سلباً ولا إيجاباً.
عاشراً: قد يُستدل بالقرآن الكريم فإنَّ عدداً لا يستهان به من الآيات نازل في علي بالتسمية وبدونها.
ــــــ[148]ـــــــ
(1) سورة الزمر، الآية: 69.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
منها: لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا(1) و(صراط علي حق نمسكه)(2) وهَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ(3) مضافاً إلى آية التصدق وآية المباهلة وآية القربى وآية السقاية وغيرها كثيراً فكما نوّه الله سبحانه باسمه فمن الراجح أنّنا أيضاً ننوه باسمه.
جوابه:
1- هذا من ناحية أصول الدين وكلامنا في فروع الدين.
2- ليس له ربط بالأذان لا مطابقة ولا إطلاقاً، لأنَّه ليس في محل البيان من هذه الناحية.
3- أنَّه لو كان كذلك لا يدل على الجزئية بل الظرفية أي ظرفية الأذان في الجملة لذكره وهذا غير المطلوب.
الحادي عشر: ضمّ بعض الروايات والطوائف إلى بعضها كما لو ضممنا ما دلّ على رجحان ذكرهم إلى ما دلّ على الصلاة على النبي إلى ما دلّ على مرجوحية الصلاة المبتورة أو ضمّ خبر (الاحتجاج)، والدليل الرابع فيما سبق فيندفع بذلك بعض الإشكالات من أنَّه لا خصوصية لذكرهم في غير الصلاة، بل تثبت هذه الخصوصية بالطائفة الأخرى.
ــــــ[149]ـــــــ
(1) سورة مريم، الآية: 50.
(2) وهو أن الحروف المقطعة في القرآن، إذا أسقطنا المكرر منها، تتكون جملة رئيسية واحدة لا ثاني لها، نتحدى من يستطيع أن يُرتبها ترتيباً آخر، لا يوجد، (صراط عليٍّ حقّ نمسكه) وهذا مشهور جداً (منه ذكر ذلك في إحدى المواعظ).
(3) سورة الحجر، الآية: 41.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
جوابه:
1- أنَّه ليس في مقام البيان من ناحية جزئية الأذان، بل مطلقاً.
2- أنَّه لا يدل على الجزئية، بل الظرفية.
الثاني عشر: ومثله ضمّ كلّ الروايات عدا ما رواه الصدوق عليه الرحمة.
الثالث عشر: ضمّ كلّ الروايات بما فيها روايات الصدوق فإذا كانت مستفيضة فتكون أكثر استفاضة. وهذا في نفسه صحيح إلّا أنَّه على موضوع جزئية الأذان ليس بصحيح:
1- لأنّنا قلنا إ نّها كلّها -عدا روايات الصدوق- لا يدلّ على الجزئية.
2- لأنّ تواترها إجمالي فيؤخذ منه بالقدر المتيقّن وهو أصل رجحان ذكرهم لا الجزئية.
3- أن َّ أخبار الصدوق بنفسها تدلّ على الجزئية وضمّ الباقي إليها كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان لا يفيد شيئاً.
فإن أحرزنا استفاضة تلك الأخبار ثبتت الجزئية واستغنينا عن النظر إلى أسنادها وأمّا إذا شككنا في الاستفاضة كما هو الحال فعلاً. فلا تثبت الجزئية بعد فرض كونها مراسيل هو كذلك فعلاً. والأدلّة الأخرى لا تساعد عليه ـ أي: الجزئية ـ وأصالة عدم الجزئية جارية في نفسها حتى الاستحباب بعنوانه، يعني الجزئية الاستحبابية أو إلزامية لا الاستحباب فإنّه ليس مجرى للبراءة في الأذان ولو بنحو الظرفية فضلاً عن الجزئية.
نعم، يصلح أن يكون ذلك مصداقاً لقاعدة عامّة لذكر المعصومين استحباباً
ــــــ[150]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
أو وجوباً أحياناً والأذان يكون أهم ممّا سواه في هذا الجهة لأنَّه إعلامياً مهمّ. مع العلم أنَّه لا يحتمل إبطال الأذان وخاصّة مع عدم وجود الفاصل الكبير أو صدق الأذان عرفاً، وعدم وجوب الموالاة بالمعنى الدقّي فيه لا أقلّ من أصالة عدم الشرطية. ولا بأس بالإتيان به برجاء مطلوبية الجزئية أو الاستحباب في الأذان بعنوانه.
نعم، لو قصد الجزئية الجزمية بطل الأذان على الأحوط وجوباً ولا مجال إلى الفتوى لاحتمال صحّته وورود أخبار الصدوق أو استفاضتها. لكونه وظيفة شرعية واردة وإن لم تكن عبادة والمكون من الباطل والصحيح باطلاً بل تشريع حرام والمكوّن منه ومن غيره حرام.
[كلام في التكرير]
قال في (العروة): «ولا بأس بالتكرير في (حي على الصلاة أو حي على الفلاح) للمبالغة في اجتماع الناس. ولكن الزائد ليس جزءاً من الأذان»(1).
قال في (المستمسك): «اتفاقاً كما في (المختلف) وظاهر غيره لموثق أبي بصير عن أبي عبد الله: «لو أن مؤذّناً أعاد في الشهادة أو في حي على الصلاة أو حي على الفلاح، المرّتين والثلاث وأكثر من ذلك إذا كان إنما يريد به جماعة القوم ليجمعهم لم يكن به بأس».
وفي صحيح زرارة: «قال لي أبو جعفر -في حديث-: إن شئت زدت
ــــــ[151]ـــــــ
(1) لاحظ: مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 545، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
على التثويب حي على الفلاح. مكان: الصلاة خير من النوم» ومن الأول يظهر عموم الحكم للشهادة»(1).
أقول: ما في المتن لا مفهوم له وإن كان مشعراً به.
وهو فرع غير محرّر في (الشرائع) وإن كان ظاهر (المستمسك) أنَّه مبحوث لدى القدماء وما دام الخبران وخاصّة الأول معتبر في الجملة فهو حجّة على المطلوب، إلّا أنَّنا يمكن أن نجد له عدّة معارضات تدلّ على المنع عن الزيادة:
أوّلاً: ما دلّ على الحصر مثل ما دلّ على أنَّ الأذان ثمانية عشر حرفاً والإقامة سبعة عشر حرفاً، كرواية إسماعيل الجعفي قال: «سمعت أبا جعفر يقول: الأَذان والإِقامة خمسة وثلاثون حرفاً، فعدّ ذلك بيده واحداً واحداً، الأَذان ثمانية عشر حرفاً، والإِقامة سبعة عشر حرفاً»(2).
وهي معتبرة وواضحة في الحصر من كلتا الجهتين: القلّة والكثرة. وإلاّ لم يكن الحال كما قال.
إلاّ أنَّه يمكن أن يجاب أنَّ ذلك للجزئية. وتلك لغيرها، ولذا يقول: «إن شئت زدت»(3) ويقول: «لو أنَّ مؤذّناً أعاد في الشهادة….»(4).
ــــــ[152]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 545 ـ 546 ط إحياء التراث العربي.
(2) الوسائل: ج5 ص413 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص426 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج5 ص428 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
والجزئية الاختيارية منفية متشرعياً وعقلائياً. كما أن احتمال أن لا يكون لفقرات الأذان حصر منفي متشرعياً.
فإن قلت: إ نَّها ممكنة في المستحبات.
قلنا: هذا فرع ثبوت الجزئية الاستحبابية لا أصل الاستحباب.
يعني إن قلت: إ نَّ روايات الزيادة تفيد روايات الحصر من طرف المنع عن الزيادة وتخصّها بالمنع عن النقيصة.
قلنا: هذا يلزم منه عدم الحصر في فقرات الأذان. وهو غير محتمل متشرّعياً.
وكذلك روايات الباب التاسع عشر، نظير رواية زرارة عن أبي جعفر قال: قال: «يا زرارة، تفتتح الأَذان بأربع تكبيرات وتختمه بتكبيرتين وتهليلتين»(1) وغيرها. وكلّها خاصّة بالأذان ولا تشمل الإقامة، فتبقى الإقامة على القواعد العامّة.
ثانياً: إنَّ هذا منفي متشرّعياً جزماً والسيرة على خلافه.
قلنا: نعم، إلّا أنَّها غير مرتفعة إلى زمن المعصومين للعلم بخلافه لما رأينا من وروده.
ثالثاً: إنَّ هذا يقتضي الفصل بين فقرات الأذان التي هي جزء منه، وهو ينافي الموالاة فينقطع الأذان.
فإن قلت: فإننا نعتبرها جزءاً فلا محذور.
ــــــ[153]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص413 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
قلنا:
1- روايات الجزئية لم تتمّ.
2- إ نّنا في هذا الوجه نتنزّل عن صحّتها.
3- إ نّ الجزئية غير المحدودة باطلة عرفاً ومتشرّعياً.
فإن قلت: إ نَّه لا بأس به إذا كان ذكراً.
قلنا: ننقض بالصلاة فهل يجوز طول الذكر بين الحمد والسورة مثلاً.
فإن قلت: فإنه يقول في الرواية وإن كان معتبراً.
قلنا: مضافاً إلى عدم صحة السند، ينبغي تقييده بما لم يخرج عن الموالاة أو الكثير بالمقدار الملحوظ عرفاً، فإنَّه يعلّله بأن يجتمع الناس. وقد يتأخّر ذلك ربع ساعة أو نصف ساعة.
وجوه [في تقييد التكرير بعدم منافاة الموالاة]
1- قلنا ينبغي تقييده بما لا ينافي الموالاة، لأنَّه مع عدمه لا أذان عرفاً ومتشرعياً وهذا ما يعلمه الإمام.
2- أو نقول: إ نَّ هذا مورد سقطت فيه الموالاة في نظر الشارع، فلا بدّ من تتميم السند.
3- أو نقول: إ نَّه ما دام مؤذّناً عرفاً فالموالاة محفوظة متشرّعياً.
4- أو نقول يضعف السند بابن أبي حمزة.
5- أن نقول: إ نَّ المراد اجتماع الموجودين لا المجيء من الخارج بحيث يحصل التأخير الكثير.
ــــــ[154]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
رابعاً: إن َّه مع جواز التكرار في الإقامة يرتفع الفرق بينهما عدداً، وهذا لازم باطل، فالملزوم مثله للجزم بالفرق بينهما في الجملة، والروايات المعتبرة عليه.
قلنا: كذلك إذا قلنا بالتكرار في الإقامة، فإنَّ هذا لو قلنا بالجزئية لا مع عدمها.
فإن قلت: فإن الإمام يعلم بأنَّ الفرد العرفي لا يفهم أن يقصد عدم الجزئية وإنما يؤذّن على غرار واحد.
قلنا: نعم، ويكفي من المؤذّن أن يعتقد في نفسه بما هو جزء شرعي من الأذان بحيث لو سُئل لأجاب. ولا حاجة إلى الالتفات إلى عدم الجزئية تمسّكاً بالإطلاق المقامي للرواية.
مضافاً إلى ما سيأتي من أن التكرار في الإقامة غير مشروع لأنَّه لم يرد فيه دليل كما لا يشمله التعليل وهو اجتماع الناس.
فإن قلت: لماذا مع التجريد عن الخصوصية.
قلنا: لارتباط الإقامة بالصلاة متشرّعياً وفي الرواية المعتبرة. والأذان ليس كذلك، وإنما الإعلامي منه اجتماعي مرتبط بالناس.
إذن: فالدليل على جواز التكرار غير موجود فضلاً عن أنَّه يدلّ على الجزئية، فنبقى نحن والقاعدة. وهي لا تنفي جواز التكرار قليلاً بقصد عدم الجزئية ولا يخرج به عن المولاة. ويكون متعارفاً بحيث لا تحصل فيه مفسدة دينية أو اجتماعية كما هو محتمل في عصرنا الحاضر.
ــــــ[155]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[ما دلّ على أنَّ التكبير في الأذان اثنان لا أربع]
يحسن الآن أن نتعرّض لما دلّ على أنَّ التكبير في الأذان اثنان لا أربع:
من قبيل «قال علي: قال رسول الله : يؤمّكم أقرؤكم، ويؤذّن لكم خياركم»(1).
وهو غير معتبرة سنداً بأبي الربيع الشامي، فإنّه لم يوثّق.
مضافاً إلى احتمال أذانه وإقامته مرّتين وإن كان ضعيفاً إلّا أنَّه دافع للاستدلال ويكون بذلك لو تمّ سنداً معارضاً لما دلّ على المنع عن الأذان الثاني. والمهمّ ضعف السند.
ورواية زرارة والفضيل بن يسار، عن أبي جعفر قال: «لمّا أُسري برسول الله فبلغ البيت المعمور حضرت الصلاة، فأذّن جبرئيل وأقام، فتقدّم رسول الله وصفّ الملائكة والنبيّون خلف رسول الله. قال: فقلنا له: كيف أذّن؟ فقال: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أنّ محمّداً رسول الله، أشهد أنّ محمّداً رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلّا الله، لا إله إلّا الله، والإقامة مثلها، إلّا أنّ فيها: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، بين حيّ على الخير العمل، حيّ على الخير العمل، وبين الله أكبر، فأمر بها رسول الله بلالاً، فلم يزل يؤذّن بها حتى قبض الله رسوله»(2).
ــــــ[156]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص410 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(1) الوسائل: ج5 ص416 ح8، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وهي ضعيفة سنداً بعلي بن السندي، وإنه ثقة في رواية الكشي وهو غير كافٍ في التوثيق.
مضافاً إلى أنَّه ثقه بعنوان علي بن إسماعيل ولم يثبت هو علي بن السندي الوارد في السند.
ورواية حفض بن البختري، عن أبي عبد الله قال: «لما أُسري برسول الله وحضرت الصلاة فأذّن جبرئيل فلمّا قال: الله أكبر، الله أكبر، قالت الملائكة: الله أكبر، الله أكبر، فلما قال: أشهد أن لا إله إلّا الله، قالت الملائكة: خلع الأَنداد، فلمّا قال: أشهد أنّ محمّداً رسول الله، قالت الملائكة: نبيّ بعث، فلمّا قال: حيّ على الصلاة، قالت الملائكة: حثّ على عبادة ربّه، فلمّا قال: حيّ على الفلاح، قالت الملائكة: أفلح من اتبعه»(1).
وهي صحيحة سنداً، إلّا أنَّها غير تامّة دلالة لعدم كونها في مقام بيان الحصر لا في التكبير وإلاّ في الشهادات كما هو واضح لمن راجعها.
بقيت هناك من الروايات معتبرة سنداً وواضحة دلالة بالحصر وهي:
ـ رواية صفوان الجمّال قال: «سمعت أبا عبد اللهيقول: الأَذان مثنى مثنى، والإِقامة مثنى مثنى»(2).
– رواية عبد الله بن سنان قال: «سألت أبا عبد الله عن الأَذان؟ فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أنّ ــــــ[157]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص417 ح10، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص414 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
محمّداً رسول الله، أشهد أنّ محمّداً رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلّا الله، لا إله إلّا الله»(1).
فتقع المعارضة بينهما وبين ما دلّ على الأربع ممّا يكون معتبر سنداً من قبيل رواية إسماعيل الجعفي قال: «سمعت أبا جعفريقول: الأَذان والإِقامة خمسة وثلاثون حرفاً، فعدّ ذلك بيده واحداً واحداً، الأَذان ثمانية عشر حرفاً، والإِقامة سبعة عشر حرفاً»(2).
ورواية المعلّى بن خنيس قال: «سمعت أبا عبد الله يؤذّن فقال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أنّ محمّداً رسول الله، أشهد أنّ محمّداً رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلّا الله، لا إله إلّا الله»(3).
[الجمع بين ما دلّ على الاثنين وما دلّ على الأربع من الأخبار]
ويمكن الجمع بعدّة وجوه:
الأوّل: صرف دلالة الخبرين الدالّين على التثنية:
أمّا بمعونة رواية صفوان الجمّال قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «الأَذان
ــــــ[158]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص414 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص413 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص415 ح6، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
مثنى مثنى، والإِقامة مثنى مثنى»(1) فبالحمل على الأغلب، فإنَّ أغلب ذلك مثنى مثنى، وهو صادق عرفاً.
فإن قلت: فإنَّه دالّ على الحصر التامّ كما هو ظاهر.
قلنا: نعم ولكنَّه اقتضائي قابل للتقييد وأمّا العلي فهو الغالب وليس للكلّ. ولا يلزم من ذلك استثناء الأكثر.
وأمّا بمعونة رواية عبد الله بن سنان قال: «سألت أبا عبد الله عن الأَذان؟ فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أنّ محمّداً رسول الله، أشهد »(2) فلعدّة أمور:
1- أنَّه إشارة إلى أصل التكبير مع معروفية الأربع متشرعياً. وهذا لا يتم لأنَّ ذلك يمكن فيه الواحد. كما يمكن الواحد في كلّ فقرات الأذان لأنها كلّها كذلك معروفة. فسياق الحصر في الباقي يسري إلى التكبير بوحدة السياق.
2- أنَّه يفهمه كيفية التلفّظ بالتكبير وليس مراده العدد.
فإن قلت: فإن الباقي من الفقرات يمكن فيها ذلك مع العلم أنَّها هنا ليست كذلك.
قلنا: إ نَّ الخلاف لدى العوام في التلفظ بالتكبير أكثر، لكنّه لا يتمّ، لأنَّ ذلك:
1- يتمّ بالواحد وبالثلاث ، فلماذا ذكر اثنين فقط.
2- مضافاً إلى وحدة السياق في الحصر، ويمكنه الجمع بين الأمرين أعني
ــــــ[159]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص414 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص414 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الدلالة على الحصر والدلالة على التلفّظ، بل سيكون في الأربع أوضح في التلفّظ فلماذا لم يفعل فتدلّ على الحصر.
3- يحمل الاثنين على الأجزاء في الأربع على الأفضلية ولذلك استقرّ عليه عمل الشيعة. وهذا الوجه وإن ذكره الشيخ هنا إلّا أنَّه اعتراف بالتعارض وإعطاء وجه في طوله. وهذا معناه أنَّ الجزئية الأصلية هو الاثنين فقط وحمل الأكثر على الاستحباب.
كما في حمل القيد في (اعتق رقبة مؤمنة) على الاستحباب. وهو على خلاف السيرة الممكنة الاستصحاب إلى زمان المعصومين مضافاً إلى كونه ملغياً للفرق مع الإقامة من هذه الناحية.
وإنّ ضمّ الارتكاز بالجزئية إلى تلك الطائفة الدالّة على الأربع يتحصل منه الوجوب.
الثاني: بعد التنزّل عن الوجه الأوّل والاعتراف بالتعارض تكون هناك وجوه:
أوّلاً: الحمل على الاستحباب يعني الأخيرين، وهو الوجه الذي ناقشناه مضافاً إلى أن الحمل على الاستحباب يكون في صيغة افعل كـ (اعتق ) وأمّا هنا فلا توجد.
فإن نظر إلى الظهور كان مانعاً من الزيادة والنقيصة فيتعارضان، صحيح أنَّه ظهور انتفائي قابل للقرينية ضدّه. إلّا أنَّهما معاً متساويان في الأهمّية فيتساقطان وليس فيهما أظهر.
ــــــ[160]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ثانياً: أنَّ تقييد الأقلّ بالأكثر، فيكون ما دلّ على الأول بمنزلة المطلق يعني سواء أضفت إليه اثنين آخرين أم لا. فتدلّ الطائفة الأخرى على لزوم ذلك.
فإن قلت: فإن كلّ الفقرات هكذا.
قلنا: نعم، إلّا أنَّ التكبير وجد فيه المانع وهو المقيّد وهذا لم يوجد فأصبح المقتضي تامّاً وعليّاً.
جوابه: أنَّه ليس من قبيل المطلق دائماً دلالته هي على الحصر بشرط لا على الزيادة وليس فيها سواء أتيت بالباقي أم لا ـ إلّا أن نضمّ له ارتكاز الأربع بحيث يكون هذا إشارة إليها ونحو ذلك فيرجع إلى وجه آخر نذكره.
ثالثاً: تقديم طائفة الأربع باعتبارها الأشهر رواية وهي كبرى صحيحة أنَّه قد يطعن في الصغرى فإنَّها اثنين مقابل اثنين فلا تكون أحدهما أشهر.
جوابه: أنَّ الشهرة متحقّقة في جانب الأربع بعد ضمّ الروايات الأخرى وإن كانت ضعيفة.
فإن قلت: فإنّ الضعيفة لا تقيّد.
قلنا: نعم، بل تقيّد لأن المشهور قد يصل إلى رواة ضعاف اللهم إلّا أن يقال بالتعدّد في الضعيف أيضاً في جانب التكبير الثنائي أيضاً. فتتعارض الشهرتان وتتساقط.
رابعاً: التقديم للشهرة الفتوائية، بل الإجماع على الأربع ولا نعرف فيه مخالفاً وهذا صحيح.
فإن قلت: فإنَّ الشيخ الطوسي وهو من القدماء حمل الأربع على الاستحباب.
ــــــ[161]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
قلنا: هذا قاله لضيق الخناق وإلاّ ففي جميع كتبه الأخرى يقول بجزئية للأربع مع أجوبته التي سبقت.
خامساً: عليه السيرة والعمل متشرّعياً هذا لا يفيد لاحتمال الاستحباب.
سادساً: عليه الارتكاز المتشرّعي وهو صحيح ويستصحب إلى زمن المعصومين وعليه إقرارهم. وذلك بتعيّن الأربع وعدم كفاية الاثنين لا أقلّ من الاحتياط الوجوبي بذلك.
سابعاً: التعارض والتساقط والرجوع إلى روايات أخرى تدل على الأربع.
جوابه:
1- أنَّها ضعيفة.
2- أنّها أيضاً معارضة بروايات ضعيفة دالّة على الاثنين.
3- أنَّها جميعاً تتعارض وتتساقط.
4- أنَّه بعد التساقط نرجع إلى أصالة عدم جزئية الاثنين والآخرين للتكبير. ولا يكون في صالح الأربع .
ثامناً: العمل بالأحوط من الاحتمالين وهو الأربع ولو برجاء المطلوبية. إلّا أنَّ هذا الاحتياط محكوم لأصالة عدم الجزئية التي تجري في موضوعه.
قال في (المستمسك) عن (مفتاح الكرامة): «إن َّ الشيعة في الأعصار والأمصار في الليل والنهار في المجامع والجوامع ورؤوس المآذن يلهجون بالمشهور، فلا يصغى ــــــ[162]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
بعد ذلك كلّه إلى قول القائل بخلاف ذلك»(1).
أقول: العمدة الروايات المعتبرة التي تدلّ على ذلك. ولا دليل على نفي الاثنين من شهرة روائية أو فتوائية. فالإتيان بها برجاء المطلوبية جائز. كما أن قصد الوجوب أي الجزئية بالأربع برجاء المطلوبية جائز. وكذلك غفلة.
[بحث لغوي في (حيّ)]
قلنا في (فقه الأخلاق) ما نصّه: «والمشهور تحريك (حَيَّ) بفتحتين. ولها عندئذ من الناحية اللغوية معنيان:
أوّلاً: أنَّها فعل ماضٍ من الحياة.
ثانياً: أنَّها اسم فعل أمر بمعنى (أقبل) أو بمعنى (الزم) وكل ذلك له معنى في هذه الجملة: فإما بمعنى اقبل إلى الصلاة، أو بمعنى الزم الصلاة أو لازمها. أو معنى حصول الحياة من الصلاة. ويراد بها الحياة الحقيقية المعنوية، أو حصول الثواب في الآخرة (هي الحيوان).
وإذا قرأناها بكسر الباء كانت فعل أمر هنا للتحية أو بمعنى الفعل المتعدي من الحياة يعني(اِحْيَ) وكلاهما له معنى في هذه الصيغة أيضاً. فتكون بمعنى إرساله التحية إلى الصلاة أو بمعنى إحياء الآخرين وهبتهم الحياة عن طريق الصلاة (أو أحي أنت بالصلاة).
وكذلك الحال في كل هذه المعاني بالنسبة إلى الصيغتين وحي على الفلاح، ــــــ[163]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 542، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
حي على خير العمل»(1).
وأمّا تعيينهما تصديقاً فقهياً فلم أجد من تعرّض له وليس فيه رواية. أمّا الفتح فهو المشهور بل المتعين الذي لا يعرف المتشرّعة غيره جيلاً بعد جيل في كل مذاهب الإسلام. فيكون مجزياً جزماً ويمكن استصحابه إلى زمن المعصومين بحيث يكون مقرّاً من قبلهم وهم أيضاً أذّنوا به وأقاموا.
وأمّا (الكسر) فهو مشكوك الحجية، والشكّ بالحجّية والإجزاء يقتضي عدمه لأصالة عدم الحجّية ولم تثبت له. غايته التخيير فإن قصدنا التخيير بعنوانه فهو ممّا لم يرد والأصل عدمه. وإن كان المراد منشأ انتزاع التخيير يعني إجزاء كلٍّ منهما فالحال ما عرفناه من شهرة أحدهما وشذوذ الآخر.
[التكبيرات الأربع والتهليل في آخر الأذان]
وأمّا أربع تكبيرات في آخر الآذان ففيه روايات مرسلة وشاذّة من قبيل رواية «قال: وقد روي اثنان وأربعون فصلاً، يضيف الى ذلك التكبير في آخر الأَذان مرّتين، وفي آخر الإِقامة مرّتين»(2) وغيرها.
وليس بمعتبر ومدفوع بضرورة الفقه. إلّا أنَّه يفتح فرصة للإتيان به برجاء الاستحباب النفسي لأنّه عندئذٍ يكون مشمولاً لأخبار (من بلغ).
وأمّا التهليل في آخر الأذان ففيه رواية معتبرة وهي رواية عبد الله بن سنان ــــــ[164]ـــــــ
(1) فقه الأخلاق للمؤلف، ج1. (ص: 217-218، ط: قديمة) (ص 205 – 206، ط: جديدة).
(2) الوسائل: ج5 ص422 ح22، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
عن أبي عبد الله أنّه قال: «الأَذان: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أن لا إله إلّا الله، وقال في آخره: لا إله إلّا الله مرّة»(1).
جوابه:
1- الطعن سنداً لأنَّه بنحو الوجادة لا الرواية مع جوابه: أنَّهم كانوا يعتمدون على الإجازة لا على القراءة ويكتفون بالاطمئنان بالصحّة وإلاّ فنحن نعلم أنَّ جلّ، بل كلَّ علمائنا الأقدمين والمتوسطين لهم إجازات روايات وأنّ المحقق الحلّي شيخ من مشايخ الإجازة وقد وقع اسمه في أسناد الإجازات أكيداً. فلا طريق صحيح عن البزنطي.
2- أنّها من الروايات التي تدلّ على أن التكبير مرّتان فتكون ساقطة من هذه الجهة.
قلنا: فلا يعد ما قلناه من صحّة ذلك وقاله الشيخ الطوسي، بل هي تدعم فكرة الاثنين.
3- الحمل على التقية وهذا محتمل لأنّهم يفعلون ذلك، فتسقط أصالة الجهة.
4- ما ذكره الحر العاملي ويحتمل كونه ذكر الأذان والإقامة معاً. ويكون التهليل مرّة واحدة في آخر الإقامة لما مضى ويأتي فإن الأذان قد يطلق عليهما.
جوابه:
1- إنَّه ظاهر بالأَذان الحقيقي والإقامة أذان مجازاً من المجاز المتشرّعي.
2- إنَّه لا معنى لكونه ذكراً لهما معاً مع اختلافهما في الجملة وظهور اللفظ بالانحصار فيكون إيهاماً بالباطل، نعم التقية صحيحة.
ــــــ[165]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص421 ح19، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الكلام في الإقامة
فيها عدّة احتمالات في جملة من فقراتها أهمها:
[الروايات الواردة في تكبير الإقامة]
1- أن التكبير في أوّلها مرّتان أو أربع مرّات، وفيها جملة روايات:
منها: ما دلّ على أنَّ الإقامة مثل الأذان تماماً أو بزيادة (قد قامت الصلاة)، من قبيل:
– رواية أبي بكير الحضرمي وكليب الأَسدي جميعاً، عن أبي عبد الله أنّه حكى لهما الأَذان فقال: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أنّ محمّداً رسول الله، أشهد أنّ محمّداً رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلّا الله، لا إله إلّا الله، والإِقامة كذلك»(1).
– رواية يزيد بن الحسن عن موسى بن جعفر عن آبائه عن علي: في حديث تفسير الأَذان – أنّه قال فيه: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أنّ محمّداً رسول الله أشهد أن محمّداً رسول الله حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلّا الله، لا إله إلّا الله». وذكر في الإقامة: قد قامت الصلاة»(2).
ــــــ[166]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص461 ح9، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص 420، 421 ح18، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ومنها: ما دلّ على التكبيرين فقط، من قبيل:
– رواية أبي الربيع عن أبي جعفر -في حديث الإسراء- قال: «ثمّ أمر جبرئيل فأذّن شفعاً، وأقام شفعاً، وقال في أذانه: حيّ على خير العمل، ثمّ تقدّم محمّد فصلّى بالقوم»(1).
– رواية صفوان الجمّال قال: «سمعت أبا عبد الله يقول: الأَذان مثنى مثنى، والإِقامة مثنى مثنى»(2).
وهي ليست نقية الدلالة والسند.
[الروايات الواردة في التهليل في الإقامة]
وأمّا من حيث التهليل في نهايتها:
فيدلّ على الفرد روايات من قبيل:
– رواية معاوية بن وهب عن أبي عبد الله قال: «الأذان مثنى مثنى، والإِقامة واحدة»(3).
– رواية عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله أنّه قال: «الأَذان: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أن لا إله إلّا الله، وقال في آخره: لا إله إلّا الله مرّة»(4). إذا كانت مثل الأذان.
ــــــ[167]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص 414 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص 414 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص 415 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج5 ص 421 ح19، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ويدلّ على الاثنين كلّ ما دلّ على أن الإقامة مثل الأذان من قبيل:
– رواية (المصباح) قال: «وروي اثنان وأربعون فصلاً، فيكون التكبير أربع مرّات في أوّل الأَذان وآخره، وأوّل الإِقامة وآخرها والتهليل مرّتين فيهما»(1).
ـ رواية: قال في (المصباح): «وروي سبعة وثلاثون فصلاً يجعل في أوّل الإِقامة الله أكبر أربع مرّات»(2).
أمّا الأخيرة فضعيفة السند، بل لا مسند لها.
وأمّا المماثلة فيمكن حملها في الجملة أو حمل الثاني على الاستحباب في كل من الأذان والإقامة، إلّا أنَّه بعيد. ولم نفهم ذلك من المسألة السابقة.
وليس كالتكبير يمكن حمل الاثنين على الاستحباب فإنَّه يبقى (مثنى مثنى) في حين إذا حمل في التهليل على الواحدة على الاستحباب لا يبقى كذلك. فالأوجه هو الحمل على المماثلة في الجملة وخاصّة بعد أن نستبعد المماثلة من جميع الوجوه إلى حدّ الاطمئنان بالعدم فيسقط الظهور من الحجّة وخاصّة رواية أبي بكير الحضرمي وكليب الأَسدي جميعاً، عن أبي عبد الله أنّه حكى لهما الأَذان فقال: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أن لا إله إلّا الله، أشهد أنّ محمّداً رسول الله، أشهد أنّ محمّداً رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل، حيّ على خير العمل، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلّا الله، لا إله إلّا الله، والإِقامة كذلك»(3). ــــــ[168]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص 422 ح23، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص 422 ح24، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص 416، 417 ح9، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
من روايات الأربع تكبيرات مع وجود (قد قامت الصلاة).
نعم، لا يبعد القول بأن التهليل الثاني جزء مستحبي في الإقامة ولا ينافيه شيء ممّا سبق. ويكون به كلٌّ من الأذان والإقامة مثنى مثنى، غاية الأمر أنَّه لا مجال للقول بالجزئية هنا.
[في الترتيب بين الأذان والإقامة]
والمحقّق الحلي بعد أن يشرح فقرات الأذان والإقامة على الطريقة المشهورية قال: «والترتيب شرط في صحّة الأذان والإقامة»(1).
والكلام يقع في عدّة جهات:
الجهة الأولى: [في الترتيب ]
في مخالفة الترتّب بين أجزائها، ثمّ في نقض بعض أجزائها عمداً أو سهواً، ثمّ في تقديم الإقامة على الأذان يعني مخالفة الترتيب من هذه الناحية.
أوّلاً: في مخالفة الأجزاء:
كما لو قدّم (الحيعلات) على الشهادات.
التقريب الأول: عن (المدارك) في هامش (الشرائع) المطبوعة: «لا ريب في اشتراط الترتيب بينهما وبين فصولهما لأن الآتي على خلاف الترتيب لا يكون آتياً بالسنة لأنَّها عبادة متلقاة عن صاحب الشرع فيقتصر على صفتها المنقولة»(2).
ــــــ[169]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) مدارك الأحكام: ج3 ص283، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
فهذا أحد التقريبات للزوم الترتّب وهو غير تامّ لما قلناه من أن الأذان ليس بعبادة. وإن قصد العبادة بالمعنى الأعمّ ناقشناه بالكبرى.
التقريب الثاني: أنها وإن لم تكن عبادة إلا أنّ الحقائق الشرعية لا بدّ من إحراز انطباقها على المأتي به ليكون مجزياً وصحيحاً، فإذا لم يحرز انطباق العنوان: أن هذا أذان -مثلاً- شرعاً بطل لأنه لا يسقط ما في الذمة إلّا بإحراز العنوان. وإذا قدّم أو أخّر لم يحرز ذلك.
التقريب الثالث: الإجماع المنقول والمحصّل.
جوابه:
1- إنَّه مدركي لأن على ذلك روايات على ما سوف نسمع.
2- إنَّه لا يوجد في المصادر نقل ذلك فلا يوجد إجماع منقول، إلّا أنَّ هذا لا يدلّ على أن المسألة ليست إجماعية. بل الحدس والاطمئنان قائم بأنَّه فتوى الجميع وأنَّ المخالف عن ذلك إن وجد فهو شاذّ جداً.
التقريب الرابع: الروايات التي تدلّ على جريان (قاعدة الفراغ) في الأذان دون الإقامة من قبيل:
– رواية زرارة، عن أبي عبد الله قال: «من سها في الأَذان فقدّم أو أخّر أعاد على الأَوّل الذي أخّره حتّى يمضي على آخره»(1).
– رواية عمّار الساباطي قال: سألت أبا عبد الله أو سمعته يقول: «إن نسي الرجل حرفاً من الأَذان حتّى يأخذ في الإِقامة فليمضِ في الإقامة فليس عليه
ــــــ[170]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص441 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
شيء، فإن نسي حرفاً من الإِقامة عاد إلى الحرف الذي نسيه، ثمّ يقول من ذلك الموضع إلى آخر الإِقامة»(1).
– رواية محمّد بن علي بن الحسين قال: قال أبو جعفر: «تابع بين الوضوء -إلى أن قال- وكذلك في الأَذان والإِقامة فابدأ بالأول فالأَوّل، فإن قلت: حيّ على الصلاة قبل الشهادتين تشهّدت ثمّ قلت: حيّ على الصلاة»(2).
[جريان قاعدة التجاوز في محلّ الكلام]
إلاّ أنَّها لا تتمّ لأنَّ المفروض فيها حصول الفراغ في الأذان وعدم الفراغ من الإقامة ومع عدم الفراغ لا تجري قاعدة الفراغ مضافاً إلى أن قاعدة الفراغ في المشكوك وهذا في المنسي.
فهل تجري قاعدة التجاوز أو الفراغ فيما إذا كان الحال مشكوكاً أم لا؟ أمّا إذا سها وكان في محلّه فيأتي به بلا إشكال ليكون طبقاً للوظيفة الشرعية ولإحراز صدق الأذان عليه؛ إذ مع الشكّ في الجزء يشكّ في كلا الأمرين.
مضافاً إلى دوران الأمر بين التعيين والتخيير ومقتضى الاحتياط التعيين.
لا يُقال: إنَّه يستحب.
لأنَّه يُقال: إنَّنا نقصد الجزئية الإلزامية والزيادة غير مبطلة جزماً إذا أتى بها بقصد الاحتياط أو رجاء المطلوبية ولا قاطعة للموالاة.
وكذا بروايات باب33 بعد التجريد عن السهو إلى الشكّ، إلّا أنَّه غير تامّ
ــــــ[171]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص442 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص442 ح23، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
موضوعاً لمنع التجريد، ولا محمولاً؛ لأن الروايات تدلّ على عدم الإجزاء (1). فيشمله صحيحة زرارة.
أمّا الشكّ في الأذان يشمله الشكّ في أصل وجوده والشكّ في أجزائه هذا من الشكّ في أجزائه بعده لا في داخله إلّا بنحو من التجريد وهو متعذّر. ولكن روايات الباب33 تنفي قاعدة التجاوز في الأذان كالوضوء.
فإنَّ كلا الأمرين مصداقين عرفيين للعنوان.
فإن قلت: فإنَّ أحد المصداقين مباين للآخر فلا يصدقان إلّا بنحو الاشتراك اللفظي فيلزم قصد معنيين من لفظ واحد.
قلنا: كلا، ما دام يصدق العنوان عرفاً في كلا الموردين.
[جريان قاعدة الفراغ في مورد الكلام]
وأمّا قاعدة الفراغ فيمكن أن يستدلّ لها بعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: نفس مضمون قاعدة التجاوز؛ لأنَّ قاعدة الفراغ أخصّ منها فتشملها قاعدة التجاوز؛ لأنَّ التجاوز كما يكون عن الجزء يكون عن الكلّ. والشكّ في الكلّ هنا إنما كان عن الجزء. فإذا قلنا بقاعدة التجاوز صحّت قاعدة الفراغ. إلّا أنَّه ليس بعرفي.
الوجه الثاني: إطلاق أو صدق العنوان في رواية زرارة السابقة نفسها من حيث إ نّنا ندّعي أنّها تدلّ على قاعدة الفراغ في الأذان مباشرة ومطابقة.
الوجه الثالث: التمسّك بروايات قاعدة الفراغ نفسها، إلّا أنَّه يحتاج إلى نحو
ــــــ[172]ـــــــ
(1) ما وراء الفقه: ج1 ق1 ص186.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
من التجريد عن الخصوصية من الواجبات إلى المستحبات، فإن المذكور فيها خصوص الواجب، كالوضوء لكنه ليس واجباً دائماً والصلاة والشمول إلى المستحبات مع احتمال الفرق مشكل.
فإن قلت: فإنّ الوضوء المذكور فيها مقدّمة والأذان مقدّمة فالتجريد ممكن.
قلنا: كلا، فإنّ الوضوء مقدّمة واجبة والأذان مستحبة فيتعذّر التجريد.
فإن قلت: فإنَّنا قد نتكلّم بناءً على عدم وجوب مقدّمة الواجب.
قلنا: نعم:
1- إنّنا وإن نفيناها في الأصول فإنَّنا نثبتها في الفقه.
2- إنّها واجب عقلي عندئذٍ وليس الأذان كذلك. فالعمدة في (قاعدة الفراغ) الوجوه السابقة. وإن فهم المشهور ذلك والاستدلال بالمشهور غير تامّ.
إلاّ أنَّ رواية الباب 33 تنفي قاعدة الفراغ، فتكون أخصّ فتقدّم على تقدير تمامية المقتضي. ووجه الجمع هو أنَّ صحيحة زرارة في الشكّ وصحيحة عمار في السهو فتجري قاعدة الفراغ مع الشكّ -كما هو حالها دائماً- لا مع السهو والنسيان.
[الجهة الثانية: في السهو]
وأمّا مع السهو وقد دخل في التكبير فمقتضى القاعدة عدم الجواز لحرمة إبطال الفريضة.
فإن قلت: فإن دليله لُبّي.
قلنا: نعم، إلّا أنّ هذا من القدر المتيقّن لأنَّ مورده مستحبّ.
ــــــ[173]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
فإن قلت: فإن الإقامة مُنَزَّلَة مَنْزِلَة الصلاة.
قلنا: هو محمول على الاستحباب مضافاً إلى أنّه ليس في مقام البيان في هذا الناحية، إلّا أن رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: «سألته عن الرجل يخطئ في أذانه وإقامته فذكر قبل أن يقوم في الصلاة، ما حاله؟ قال: إن كان أخطأ في أذانه مضى على صلاته، وإن كان في إقامته انصرف فأعادها وحدها، وإن ذكر بعد الفراغ من ركعة أو ركعتين مضى على صلاته، وأجزأه ذلك»(1) تفصل بين الأذان والإقامة.
[الجهة الثالثة: في التتابع]
وأمّا مسألة التتابع بين الأذان والإقامة. فهو غير موجود بمعنى الشرطية وتوقّف صحّة أو إجزاء أحدهما على صحّة الآخر لوضوح أنّه إذا جاء بأحدهما وترك الآخر عمداً أو سهواً لا يبطل ما جاء به سواء كان هو الأذان وحده أو الإقامة وحدها. فلا حكم وضعي ولا تكليفي لا وجوبي ولا استحبابي بالتتابع بهذا المعنى.
نعم لو انتهى من الأذان استحبّ له قراءة الإقامة باستحباب مستقلّ. وهذا الاستحباب موجود قبل الأذان بأن يقيم ولو من دون أذان. وكذلك لو كان عازماً على ترك الإقامة لم يسقط استحباب الأذان.
وإنما تظهر الفائدة أو الأثر في صورة واحدة وهو ما لو عكس. فأقام ثمّ أذّن عمداً أو سهواً فهل يعتبر تاركاً للإقامة لأنَّه لم يأت بها بعد الأذان؟ أو يكون ما أتى به أولاً مجزياً؟ وجهان:
ــــــ[174]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص442 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
أولاً: الإجزاء باعتبار ما عرفناه من عدم الشرطية. ولا أقلّ من أصالة عدمها بعد عدم الدليل عليها.
الثاني: عدم الإجزاء باعتبار وجود الدليل على لزوم التتابع وذلك بعدّة أدلّة:
1- السيرة المتشرّعية.
لا يقال: إ نّها لا تدلّ على الحكم الوضعي لأنّها دالّة بمقدار المدّعى هنا.
2- الارتكاز المتشرعي.
3- الإجماع المنقول.
4- الإجماع المحصّل إن حدسناه.
5- ألسِنة متعددة تدلّ على التتابع، من قبيل:
رواية عمّار الساباطي قال: سألت أبا عبد الله أو سمعته يقول: «إن نسي الرجل حرفاً من الأَذان حتّى يأخذ في الإِقامة، فليمضِ في الإقامة فليس عليه شيء، فإن نسي حرفاً من الإِقامة عاد إلى الحرف الذي نسيه، ثمّ يقول من ذلك الموضع إلى آخر الإِقامة»(1).
ـ رواية محمّد بن عذافر عن أبي عبد الله قال: «أذّن خلف من قرأت خلفه»(2).
إلى حدّ تشعر بأنّه مسلّم، وهو مسلّم إلّا أنَّه لا إطلاق له؛ لأنَّه لم يقل: قدّم الأذان على الإقامة ونحو ذلك، بل غاية مطابقته للأذان الشرعي وهو أكيد فإذا
ــــــ[175]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص442 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص443 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
أقام ثُمَّ أذّن استحبّ له طبقاً لهذا الأدب الشرعي أن يكرّر الإقامة. وأمّا إذا لم يفعل فلا دليل على عدم إجزاء السابق حتى لو كان الترك عمداً.
فإن قلت: فإن كان مجزياً سقط ما في ذمّة المكلّف ولا وجه لتكرارها.
قلنا: مقتضى الأدب الشرعي المستفاد من هذه الأدلّة هو التكرار. والحكم استحبابي على أي حال ولكن لا يبعد وجوده هنا.
وأمّا احتمال الشرطية بمعنى البطلان بدونه فلا، ففي مورد الكلام له أن يكتفي بما جاء به ويكون مفرغاً للذمّة ولكن يستحبّ له باستحباب جديد تكراره حفظاً للتتابع المنصوص في الأدلّة.
[كلام في قطع الفريضة لمن نسيَ من الاذان أو الإقامة شيئاً]
أمّا قطع الفريضة بالنسبة إلى من نسي من الأذان أو الإقامة شيئاً أو قدّم الإقامة على الأذان مقتضى القاعدة المنع طبعاً لحرمة قطع الفريضة.
فإن قلت: فإنّ دليله لبّي يقتصر منه على القدر المتيقّن.
قلنا: نعم، إلّا أنَّ المورد من القدر المتيقّن باعتبار انحفاظ الفريضة في نفسها وعدم نقصها.
ولكن قد نتمسّك بالأخبار الدالّة على جواز قطع الفريضة لمن نسي الأذان والإقامة باعتبار أنَّ النقص الذي أصبح معلوماً للمكلّف مبطل للأذان والإقامة وخاصّة مع الأخبار الدالّة على لزوم تداركها وهو باب كامل في (الوسائل) كما عرفنا، فإذا لم يتدارك فلا أذان له ولا إقامة. ومع عدمهما يكون قطع الفريضة له
ــــــ[176]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
جائزاً تمسّكاً بإطلاق تلك الأخبار من قبيل:
– رواية محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله قال في الرجل ينسى الأَذان والإِقامة حتّى يدخل في الصلاة، قال: «إن كان ذكر قبل أن يقرأ فليصلّ على النبيّ وليقم وإن كان قد قرأ فليتمّ صلاته»(1).
– رواية زيد الشحام أنّه سأل أبا عبد اللهعن رجل نسي الأَذان والإِقامة حتى دخل في الصلاة؟ فقال: «إن كان ذكر قبل أن يقرأ فليصلّ على النبي وآله وليقم، وإن كان قد دخل في القراءة فليتمّ صلاته»(2).
جوابه:
1- وجود المعارض بحيث لم نفعل ذلك في صورة النسيان التامّ للتساقط.
2- أنّه ظاهر بالنسيان التامّ وليس بالنقيصة المألوفة بالنسيان كما في تقريب السؤال أصلاً، وليس في مقام البيان من هذه الجهة فلا يكون لها إطلاق فيحرم القطع.
[كلام في ما يُستحبّ في الإقامة]
[في استحباب استقبال القبلة]
قال المحقّق: «ويستحبّ فيها سبعة أشياء: أن يكون مستقبل القبلة»(3) ويستدلّ له بعدة أدلّة بغضّ النظر عن كون المراد هل هو الشرطية أو الشرطية الاستحبابية أو الاستحباب.
ــــــ[177]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص434 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص436 ح9، ط مؤسسة آل البيت.
(3) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
1. الإجماع.
2- الشهرة.
3- السيرة.
4- ما دلّ على أنَّ كل عمل استقبل به القبلة فهو أفضل «خير المجالس ما استقبل به القبلة»(1).
5- ما دلّ على أنّك إذا كنت في الإقامة كنت في الصلاة، من قبيل رواية يونس الشيباني عن أبي عبد الله قال: «قلت له: اُؤذّن وأنا راكب؟ قال: نعم. قلت: فاُقيم ورجلي في الركاب؟ قال: لا. قلت: فاُقيم ورجلي في الركاب؟ قال: لا. قلت: فاُقيم وأنا قاعد؟ قال: لا. قلت: فاُقيم وأنا ماش؟ قال: نعم. ماشٍ إلى الصلاة، قال: ثمّ قال: إذا أقمت الصلاة فأقم مترسّلاً، فإنّك في الصلاة. قال: قلت له: قد سألتك: اُقيم وأنا ماش؟ قلت لي: نعم، فيجوز أن أمشي في الصلاة؟ فقال: نعم، إذا دخلت من باب المسجد فكبّرت وأنت مع إمام عادل ثمّ مشيت إلى الصلاة أجزأك ذلك، وإذا الإِمام كبّر للركوع كنت معه في الركعة، لأنّه إن أدركته وهو راكع لم تدرك التكبير لم تكن معه في الركوع»(2).
ولكنه خاصّ بالإقامة ولا يشمل الأذان ولا يمكن التجريد ومن شرائط الصلاة استقبال القبلة.
6- [في الرواية عن علي] قال: «يستقبل المؤذّن في الأذان والإقامة فإذا
ــــــ[178]ـــــــ
(1) الموسوعة الكويتية: ج4 ص75. ورواه الهيثمي عن النبي في المجمع ج8 ص59.
(2)الوسائل: ج5 ص403 ح9، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
قال حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح حوّل وجهه يميناً وشمالاً».
7- الاستدلال ببعض الأخبار الدالّة على الاستقبال جزئياً، من قبيل: رواية محمّد عن أحدهما قال: «سألته عن الرجل يؤذّن وهو يمشي أو على ظهر دابّته، وعلى غير طهور؟ فقال: نعم إذا كان التشهّد مستقبل القبلة فلا بأس»(1).
8- ما دلّ على أهمية الإقامة إجمالاً، فكأنّها أولى من الأذان بالاستقبال، من قبيل:
– رواية ابن سنان عن أبي عبد الله قال: «لا بأس للمسافر أن يؤذّن وهو راكب ويقيم وهو على الأَرض قائم»(2).
– رواية محمّد بن مسلم قال: قلت لأَبي عبد الله: «يؤذّن الرجل وهو قاعد؟ قال: نعم ولا يقيم إلّا وهو قائم»(3).
يبقى الاستدلال المعاكس من أنّه منافٍ للإعلام والإعلام مستحبّ فيتساقطان أو يتقدّم الإعلام أو نفصّل بين الإعلام وغيره.
والظاهر أن كليهما مستحبّ، فإنَّ الإعلام مطلوب أيضاً ومستحبّ فإذا تعارضا قدّم الأهمّ وهو الإعلام بلا إشكال.
فإن قيل: إنَّ الأهمّ في المستحبات هو الأكثر ثواباً وهو هنا الاستقبال.
ــــــ[179]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص403 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص402 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص402 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
قلنا:
1- إنَّ هذا لم يثبت.
2- حتى لو كان فإنَّ الأهمّ عمليّاً ودنيوياً وعرفاً هو أداؤه لوظيفة الإعلام.
[في استحباب أن يقف على أواخر الفصول]
قال المحقّق: «وأن يقف على أواخر الفصول»(1).
نبحث هنا:
أولاً: على مقتضى القواعد. وأخرى على الأدلّة الخاصّة.
[البحث في مقتضى القاعدة]
أمّا مقتضى القاعدة فإنهم قالوا: إ نّه مع الوقف السكون ومع الدرج الحركة(2).
وفي العبارة ذكر الوقف وأراد به لازمه اللغوي وهو السكون.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أنَّه لا ربط لذلك بالسرعة في الكلام وإن كانت الملازمة غالبة إلّا أنّها ليست عامّة لوضوح إمكانها معاً مع السرعة ومع البطء، غاية الأمر أن البطء إذا كان شديداً جداً تعيّن الوقف وإذا كانت السرعة شديدة جداً تعيّن الدرج، إلّا أنَّه غير غالب. فإحدى المسألتين غير الأخرى.
ومطلوبية الوقف هنا لا نعني البطء في القول، لأنّهما غير متلازمين كما عرفنا فإذا ثبت البطء في الأذان فهو بدليل آخر. كما أنَّ الحدر في الإقامة مطلوبة مع أن الوقف أيضاً مطلوب فقد اجتمعا.
ــــــ[180]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) لاحظ: مصباح الفقيه: ج11 ص438، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
والقواعد في نفسها لا تقتضي التحريك أو السكون بل هي قضية شرطية يعني إن وقفت فسكّن وإن درجت فحرّك. أمّا إيجاد علّة ذلك فهو باختيار المكلّف. فنحتاج هنا إلى دليل تعبّدي على استحباب احدهما أو على البطء في الأذان والحدر في الإقامة.
وبالرغم من أن مقتضى القاعدة اللغوية هو ذلك فإننا قلنا بخلافه وهو الاحتياط الاستحبابي بهذا الصدد. وهذا ما ينبغي الدخول في تفاصيله في مبحث القراءة وليس هنا.
[بحث لغوي في الوقف على سكون والدرج على حركة]
ولكن نشير إلى المدرك وهو أن أغلب الناطقين العرفيين لا يمكنهم ذلك أو يغفلون عن ذلك. واللغة إنّما هي عرفية فهذا ينتج أمرين:
أحدهما: في طرف العلّة وهو أنّه لا يحتمل أن تكون اللغة العرفية كذلك.
ثانيهما: في طرف المعلول: وهو أن الشارع المقدّس أمضى العرف على ما هو عليه من التسامح في هذه الجهة.
فهو إن كان أفصح أكيداً إلّا أن هذه الفصاحة غير عرفية. قد كانت الفصاحة منتشرة في زمن النبي وأمير المؤمنين ولم تنتشر الرطانة بعدُ .
فإما أن نقول: إنَّ الشارع ترك الناس على طبعهم.
وإما أن نقول: إنّنا نأخذ بالإقرار المتأخّر.
وكلاهما يؤدّي إلى عدم لزوم القاعدة اللغوية المذكورة، وخاصّة في السكون في الدرج.
ــــــ[181]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
فنتج عندنا الآن أمران:
الأول: أنّه ليس مقتضى القاعدة اللغوية عرفاً ذلك ليكون هو اللازم ا تّباعه في الأذان.
الثاني: أن مسألة الوقف غير مسألة البطء في التلفظ لأنهما متلازمان غالبيان وليسا دائميين كما قلنا. والظاهر أنَّ المحقق الحلي ملتفت إلى ذلك وقد أمر بالوقف بعنوانه. فلا بدّ أن ندخل في المرحلة الثانية وهو البحث عن الدليل في المسألة.
[الكلام في الأدلّة الخاصّة]
– رواية خالد بن نجيح عنه أنّه قال: «والأَذان والإِقامة مجزومان»(1).
– رواية ابن بابويه: وفي حديث آخر: «موقوفان»(2).
والاستدلال بهما فرع أن يكون المراد بالجزم والوقف المعنى الاصطلاحي أو قريباً منه وهو إظهار السكون مع قطع الكلام، وهذا اصطلاح موجود إلّا أنَّه نشكّ في وجوده في عصر المعصومين إلّا أنَّ المناط في ذلك هو احتمال وجوده في زمن الصادقين لكي نستصحب استصحاباً قهقرياً.
وهذا الاحتمال قائم لأن القواعد اللغوية أول ما تمّ تأسيسها في ذلك الجوّ. وقد يجاب بتعارض الاستصحابين.
وقد يقال: بتقديم الاستصحاب الاعتباري المقتضي للعدم.
ــــــ[182]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص409 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص409 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وجوابه: تقديم القهقري لأنَّه أمارة فيحكم على الآخر مضافاً إلى الظنّ الفعلي بوجوده والتعارض فرع وجود المعنى اللغوي المباين فإن كان أعمّ كفى عن الاستدلال فضلاً عن التساوي.
وقد يناقش بعض الروايتين: وذلك يكون صغرى لأخبار (من بلغ) وهو أيضاً صغرى له؛ لأن ظاهر العبارة كونها واردة عن الإمام.
وقد يناقش بأنَّ النسبة إلى الأذان والإقامة لا إلى فقراتهما إذن فقد يراد بهما شيء آخر يناسب الحال.
وجوابه: أنّه لا يتحصّل لذلك معنى فغايته أنهما مجزومان آخرهما يعني الفقرة الأخيرة منهما ولا خصوصية لها عن الباقي فيكون الحكم عامّاً أو أن نفهم منهما ابتداء إرادة الفقرات.
وقد يناقش بأنّه لعلّ المراد من الجزم اللهجة الجزمية في مقابل الاستفهامية أو الاستهزائية، وهو:
1- بعيد في نفسه.
2- لا قرينة عليه.
3- خلاف المراد الاصطلاحي للجزم.
[في رواية: الأذان جزم بإفصاح الألف والهاء، والإقامة حدراً]
أما رواية زرارة قال: قال أبو جعفر: «الأَذان جزم بإفصاح الألف
ــــــ[183]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
والهاء، والإِقامة حدراً»(1). فلا يرد فيها احتمال البتّ عرفاً.
نعم، استعمل الجزم هنا مجازاً وهي معتبرة.
وفيها أمران آخران:
[الأمر الأول: الإقامة حدراً]
الإقامة حدراً من انحدر إذا سقط والسقوط يتضمّن السرعة بجاذبية الأرض فيكون المراد السرعة كأنّما ينحدر من جبل.
[الأمر الثاني: إفصاح الألف والهاء]
وفيها: قوله: بإفصاح (الألف) و(الهاء) وهو أمر موجود لتلافي ما كان سائراً من عدم الإفصاح، ويبدو من المصادر الحيرة في تفسيره لعدم التفاتهم إلى المشكلة.
إلاّ أنَّ المشكلة في (الهاء) لا زالت قائمة وهي (الهاء) في لفظ الجلالة، ومنه قول الشاعر.
لم أقل للمشيب أهلاً وسهلا
زائر زارنا أقام قليلا
لا ولا للشباب في دعة اللا
سوّد الصحف بالذنوب وولّا
فلو قلبنا البيت الأوّل لظهر الهاء: لم أقل للشباب في دعة الله ولا للمشيب أهلا وسهلا الخ. وهذا ما يؤثّر في الأذان لا إله إلّا اللا. بل إلّا الله بإظهار النفس للهاء.
وأمّا الألف قال الهمداني: «يحتمل أن يكون مطلق الألف والهاء الواقعين في
ــــــ[184]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص409 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الأذان»(1) هذا غير محتمل، لأنّه ليس مشكلة قائمة.
«وتخصيص الحرفين بذلك»(2) دفع دخل، لأنَّ المشكلة فيهما لدى المؤذّنين.
«لوقوع اللبس والإدغام فيهما غالباً لدى الإسراع وعدم التأنّي فإنَّه كثيراً ما يلتبس أشهد ممّن يسرع بالتكلّم به بأشد، وكذلك الله أكبر بالكبر.
ويحتمل أن يكون المراد بهما الألف والهاء الواقعتين في أواخر الفصول من الشهادتين والحيعلات والتهليل.
ويحتمل أن يكون المراد بهما ما في لفظ الجلالة من التكبير، كما يؤيّد هذا الاحتمال خبر ابن نجيح عن الصادق أنّه قال: «التكبير جزم في الأذان مع الإفصاح بالهاء والألف»(3).
الملازمة غالبية بين الحدر وترك الهاء والأخبار دالّة على الوجوب من قبيل:
– رواية زرارة قال: قال أبو جعفر: «إذا أذّنت فافصح بالألف والهاء»(4).
– رواية زرارة قال: قال أبو جعفر: «الأَذان جزم بإفصاح الألف والهاء والإِقامة حدراً»(5).
وهما معتبران سنداً.
ــــــ[185]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص324، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص324، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مصباح الفقيه: ج11 ص324، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج5 ص408 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(5) الوسائل: ج5 ص408 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
المهمّ هو أنَّ هذا التنبيه من قبلهم لأجل حلّ مشكلة قائمة لدى المؤذّنين.
[مواضع (الهاء) و(الالف) محلّ الإشكال]
أما (الهاء) ففي مواضع:
1- لفظ الجلالة كما سبق.
2- أشهد.
3- الصلاة فإنَّ القاعدة هو الوقف عليها بالتاء أو بالهاء لا بالألف كما عليه كل المؤذّنين.
وأمّا (الألف) فقلب ألف القطع وصلاً على خلاف القاعدة كما في التكبير.
فإن قلت: فإنّ السيرة على ذلك بتقريبين:
1- في الصوت المنخفض.
2- في أكثرية الناس.
قلنا: إنّها ليست حجّة لأنها منهيّ عنها.
فإن قلت: الأخبار ضعيفة.
قلنا:
1- فيها ما هو معتبر.
2- يكفي الضعيف لاحتمال النهي المسقط للحجّية.
فإن قلت: السيرة واسعة ولا يكفي هذا النهي.
قلنا بذل الأئمة وسعهم والباقي دعوا الناس على غفلاتهم مضافاً إلى أنّه غلط غير معتبر للمعنى.
ــــــ[186]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[في استحباب التأنّي في الأذان، والحدر في الإقامة]
قال المحقّق: [الثالث والرابع] «أن يتأنّى في الأذان ويحدر في الإقامة»(1).
قال الهمداني: «والمراد بالحدر هو الإسراع الغير النافي لحفظ الوقوف في أواخر الفصول، فالمراد به ترك التأنّي والتطويل المطلوب في الأذان لا السرعة والاستعجال الخارج عن المتعارف»(2).
وقد شعر الهمداني بنحو من التعارض بينها وبين ما في خبر الشيباني حيث قال: «إذا أقمت [الصلاة] فأقم مترسّلا فإنّك في الصلاة»(3).
«فأقم مترسلاً». وقال: (أنّه لا ينافيه لأنه على الوجه المتعارف الذي لا ينافي الوقف المأمور به استحباباً)(4).
أقول: الوجه الآخر: أن (مترسّلاً) لا يعني متأنّياً بل مسترسلاً يعني مسرعاً فيكونان بمعنى واحد.
فالحدر في الإقامة مطلوب إلّا أنَّ الترسّل في الأذان والبطء فيه ممّا لا دليل عليه كما أفتى به المحقّق:
1- إلّا أن يبقى على القاعدة من الوقت ونحوه. وهو عنوان آخر.
2- أو نفهم من الأمر بالحدر في الإقامة عدمه في الأذان وهو كما ترى.
ــــــ[187]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص325، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص403 ح9، ط مؤسسة آل البيت.
(4) أنظر: مصباح الفقيه: ج11 ص325.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
3- أو نفهم من الأذان جزم البطء لأنّه لازمه الغالب.
[كلام في استحباب الأذان ترتيلاً والإقامة حدراً]
«الأذان ترتيل والإقامة حدر»(1) وهو من الإخبار بالمصدر كزيد عدل إلّا أنَّه يراد به اسم المفعول وذاك اسم الفاعل.
قال الراغب: «الرتل اتّساق الشيء وانتظامه على استقامة. يقال: رجل رتل الأسنان والترتيل إرسال الكلمة من الفم بسهولة واستقامة. قال تعالى: وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً(2) وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً(3)»(4).
أقول: الرتل مصدر يفيد الانتظام والاستقامة المادية. يقال: رتل من الناس أو رتل من البضاعة. وهو هنا على معنى اسم المصدر. وصيغة التفعيل بمعنى إيجاد الشيء أو المادّة كالترتيب والتكسير والتطعيم وغيرها. فالترتيل إيجاد الرتل والاستقامة وهو على القاعدة يرجع إلى نفس المعنى المادي يعني تنظيم الناس والبضاعة وجعلهم على الاستقامة إلّا أنّه استعير إلى تنظيم الكلام واستقامته ونزل به القرآن والآن أصبح الاستعمال حقيقياً بالرغم من أنّها استقامة معنوية وليست مادية.
ويمكن أن يكون مصداقاً حقيقياً إذا لم نقم المعنى المادي بناء على ما هو
ــــــ[188]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص 429 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(2) المزمل: 4.
(3) الفرقان: 32.
(4) المفردات في غريب القرآن: ص341، ط دار القلم، بيروت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الصحيح من أن الأجيال المتأخّرة لها حقّ الوضع والنقل.
فالمهمّ أنَّ المؤدّى لقوله: «الأذان ترتيل» يعني باستقامة، وهو مناسب مع السرعة والبطء عقلاً لا عرفاً.
فهل نفهم منه البطء والتأنّي؟ هذا يحتاج إلى قرينة خارجية وهي موجودة ومتّصلة، وهو مقابلته لـ(الحدر) فإنَّ (الحدر) قطعاً بمعنى السرعة، و(الترتيل) مشكوك، على الفرض فبقرينة التقابل نعرف منه البطء، وإلاّ لما كان هناك تقابل بينهما؛ لأن المعنى الأصلي للترتيل لازم في الإقامة أيضاً ومناسب مع (الحدر) أيضاً أو قل إ نّ بينهما عموماً من وجه. فلا يكون مقابلاً له فلا يكون دالّاً على بطء الأذان إلا أنّ المقابلة محرزة في الظاهر.
والسند وإن كان ضعيفاً إلّا أنه يكفي فيها أخبار (من بلغ). وبحسب الإطلاق فإن كلّ أذان بطيء، وكلّ إقامة سريعة، سواء كانا للإعلام أو للعرف الشخصي، ثمّ إنّ الشيخ الهمداني يدافع عن جواز الوقف مع الحركة والسكون مع الوصل، ولكن لا يستدلّ عليه بشيء إلّا كونه ليس لحناً وهذا لا يكفي؛ لأن ذلك غير منصوص -أعني المنع- عن اللحن فإن أردنا كونه مخالفاً للقواعد العربية فهو كذلك ولا نستطيع نفيه، إلّا أنَّ ننفيه على اعتبار رجحانه لا ضرورته كما سبق أ ن قلنا.
ثُمَّ قال: «إن مثل هذا اللحن الغير المعتبر للمعنى غير قادح في صحّة الإقامة»(1).
هذا أيضاً لا يتمّ مع العمد على ما هو المفروض وإن تمّ مع السهو.
ــــــ[189]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص326، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[في استحباب أن لا يتكلّم بينهما]
قال المحقق: «وأن لا يتكلّم خلالهما»(1).
وقد جمع المحقّق والهمداني للاستدلال بهما معاً أما نحن فينبغي أن نتكلّم أولاً في الإقامة لأنَّها أوضح محمولاً من الأذان من هذه الجهة.
فما يمكنه أن يستدلّ به في مرجوحية الكلام للإقامة بشكل أعمّ من الكراهة لا البطلان على ما سيأتي، أمور:
أوّلاً: الشهرة قال في المصباح: «على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة على ما ادّعاه في (الجواهر)»(2).
وكأن هذه الشهرة في الأذان والإقامة.
ونحن نستدلّ بها هنا للإقامة وهي تامّة حدساً، بل قال الهمداني: (إنّ هذا هو عمدة المستند في الأذان)(3) فهو في الإقامة أولى أكيداً.
ثانياً: السيرة والارتكاز، وإن كان المفروض تأخير الأدلّة اللُبّية على اللفظية.
ثالثا: لسان ما دلّ على أنك (إذا كنت في الاقامة فأنت في الصلاة) من قبيل:
– رواية أبي هارون المكفوف قال: قال أبو عبد الله: «يا أبا هارون، الإِقامة من الصلاة، فإذا أقمت فلا تتكلّم ولا تؤم بيدك»(4).
ــــــ[190]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص326، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مصباح الفقيه: ج11 ص326، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج5 ص396 ح12، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
– رواية يونس الشيباني، عن أبي عبد الله قال: قلت له: «اُؤذّن وأنا راكب؟ قال: نعم. قلت: فاُقيم ورجلي في الركاب؟ قال: لا. قلت: فاُقيم ورجلي في الركاب؟ قال: لا. قلت: فاُقيم وأنا قاعد؟ قال: لا. قلت: فاُقيم وأنا ماش؟ قال: نعم. ماشٍ إلى الصلاة. قال: ثمّ قال: إذا أقمت الصلاة فأقم مترسّلاً، فإنّك في الصلاة، قال: قلت له: قد سألتك: اُقيم وأنا ماش؟ قلت لي: نعم، فيجوز أن أمشي في الصلاة؟ فقال: نعم، إذا دخلت من باب المسجد فكبّرت وأنت مع إمام عادل ثمّ مشيت الى الصلاة أجزأك ذلك، وإذا الإِمام كبّر للركوع كنت معه في الركعة، لأنّه إن أدركته وهو راكع لم تدرك التكبير لم تكن معه في الركوع»(1).
بعد ضمّ المنع عن الكلام في الصلاة، إلّا أن نطعن في السند.
رابعاً: أخبار النهي، من قبيل:
– رواية محمّد بن مسلم قال: قال أبو عبد الله: «لا تتكلّم إذا أقمت الصلاة، فإنّك إذا تكلّمت أعدت الإِقامة»(2).
– رواية عمرو بن أبي نصر قال: قلت لأبي عبد الله: «أيتكلّم الرجل في الأَذان؟ قال: لا بأس. قلت: في الإِقامة؟ قال: لا»(3).
على إحدى النسخ وليست نصّا على كل حال كما يشير إليها (المصباح) و(المستمسك) ولكن على تقدير المنع في الأذان ففي الإقامة أولى.
ــــــ[191]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص403ح9، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص392ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص392ح3، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
خامساً: ما دلّ على المنع بعد (قد قامت الصلاة)، من قبيل رواية ابن أبي عمير قال: «سألت أبا عبد الله7 عن الرجل، يتكلّم في الإِقامة؟ قال: نعم، فإذا قال المؤذّن: قد قامت الصلاة، فقد حرم الكلام على أهل المسجد، إلّا أن يكونوا قد اجتمعوا من شتّى وليس لهم إمام، فلا بأس أن يقول بعضهم لبعض: تقدّم يا فلان»(1).
سادساً: ما دلّ على جواز الكلام لضرورة الإمام، من قبيل رواية زرارة عن أبي جعفر أنّه قال: «إذا اُقيمت الصلاة حرم الكلام على الإِمام وأهل المسجد إلّا في تقديم إمام»(2).
وهذه الوجوه تختلف من حيث استفادة الحرمة أو الكراهة.
[الكلام في أخبار جواز التكلّم]
يبقى التطرّق لأخبار الجواز من قبيل رواية الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللهعن الرجل يتكلّم في أذانه أو في إقامته؟ فقال: لا بأس»(3).
ومنها أيضاً ما دلّ على جواز الكلام إذا لم يكن معهم إمام من قبيل رواية سماعة قال: قال أبو عبد الله: «إذا أقام المؤذّن الصلاة فقد حرم الكلام، إلّا أن يكون القوم ليس يعرف لهم إمام»(4).
ــــــ[192]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص395ح7، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص393ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص395ح8، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج5 ص394ح5، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[الجمع بين الاخبار الدالّة على المنع والدالّة على الجواز]
وأهمّ وجوه الجمع:
1- هو الحمل على الكراهة. وهي غير منافية مع شيء من الوجوه السابقة لأن الشهرة نصّ بالكراهة ولا توجد شهرة بالحرمة. والنواهي ممكنة الحمل عليها يبقى الكون الإقامي كون صلاتي. وهو دالّ على الحرمة. إلّا أنه لا بدّ من التنزّل عنه يعني أنه كذلك تنزيهاً لا حقيقة والارتكاز المتشرّعي يدعمه أو نطعن فيها سنداً.
2- القول بجواز الكلام مطلقاً أخذاً بروايات الجواز مع الطعن بأسانيد روايات المنع أو دلالتها من قبيل رواية حمّاد بن عمرو وأنس بن محمّد عن أبيه جميعاً عن جعفر بن محمّد عن آبائه -في وصيّة النبي لعلي أنّه قال:- «وكره الكلام بين الأَذان والإِقامة في صلاة الغداة»(1).
وهي تامّة سنداً ودلالة.
3- الأخذ بأخبار المنع للطعن بأخبار الجواز سنداً ودلالة أمّا دلالة فكلّها صريحة أو ظاهرة، وأمّا سنداً فالظاهر صحّة سند.
4- الأخذ بالكراهة لا لمجرد الجمع، بل بقرينة إلّا أنّها فرع تماميتها سنداً ودلالة وهي كما ترى لأن الكراهة ليست اصطلاحية، فإذا ثبتت الحرمة من روايات أخرى أمكن حملها على الحرمة. دون العكس بأن تكون هي قرينة على عدم الحرمة في غيرها.
ــــــ[193]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص394ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
5- التفصيل بين ما هو أسبق من قوله (قد قامت الصلاة) فيجوز، وما بعده لا يجوز بقرينة رواية سماعة قال: قال أبو عبد الله: «إذا أقام المؤذّن الصلاة فقد حرم الكلام، إلّا أن يكون القوم ليس يعرف لهم إمام»(1).
وهي معتبرة السند فتكون مقيّدة لكلّ طائفة بحدودها أو بنحو انقلاب النسبة، إلّا أنّه لا يتمّ؛ لأنّ المفروض الحمل على الحرمة وهو لا يناسب الذيل.
وأما الكراهة فليس فيها تقييد.
مضافاً إلى أنّ بعض أخبار الجواز وأخبار المنع لا يناسبه، كما أشار إلى ذلك الهمداني(2).
فالمتعيّن الحمل على الكراهة على القاعدة كما هو المشهور.
6- رواية حماد بن عمرو وأنس بن محمد عن أبيه جميعاً عن جعفر ابن محمد عن آبائه (في وصية النبي لعلي) أنه قال: «وكره الكلام بين الأذان والإقامة في صلاة الغداة»(3) وفيها وجهان للجمع إلّا أنها ضعيفة:
أ- بين الأذان والإقامة للتحريم والباقي للجواز.
ب- في صلاة الغداة للمنع والباقي للجواز.
جـ- هما معاً للمنع والباقي للجواز وأكثر الروايات مناسبة مع هذا التقييد إلّا أن يقال: أنّه من تعيين الأكثر في طائفة المنع.
ــــــ[194]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص394ح5، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص330، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص394ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وقد يُقال ذلك بالوجوه الثلاثة كلّها أو بنحو انقلاب النسبة.
[استحباب الفصل بين الأذان والإقامة]
قال المحقّق: «السادس: أن يفصل فيهما بركعتين أو جلسة أو سجدة أو خطوة إلّا في المغرب فإن الأولى أن يفصل بخطوة أو سكتة»(1).
فيقع الكلام من المطلق أولاً وفي الخاصّ ثانياً.
[الكلام في المطلق: الفصل بالقعود]
روايات القعود من قبيل رواية الحسن بن شهاب عن أبي عبد الله قال: «لا بدّ من قعود بين الأَذان والإِقامة»(2).
أو برواية عمّار الساباطي عن أبي عبد الله قال: «إذا قمت إلى صلاة فريضة فأذّن وأقم وافصل بين الأَذان والإِقامة بقعود أو بكلام أو بتسبيح»(3).
وهي معتبرة، أو نافلة يعني ركعتين فأكثر.
والعمدة فيه عدم التتابع بين فقرات الأذان والإقامة كالتتابع بين فقرات كلٍّ منها إذ تكون كالنصّ الواحد وخاصّة إذا لم يلتزم الفرد بالبطء والسرعة المستحبين بينهما ويشهد لذلك فهم الهمداني من أنّ (ما ذكرته الروايات إنما هو لمجرّد التمثل)، وإلاّ فالمطلوب مطلق الفصل أو طبيعيه»(4).
ــــــ[195]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) الوسائل: ج5 ص397 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص397 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(4) مصباح الفقيه: ج11 ص337، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
أقول: على أن لا يكون كبيراً مخرجاً للفرد عن حالة الصلاة؛ ولذا حدّدوه بأمور صغيرة نسبياً.
فإن قلت: إ نها لا مفهوم لها.
قلنا: نعم، ولكن محو الصورة العرفية والمتشرعية غير كافٍ في القول بالبطلان.
فإن قلت: فإنَّ من جملة الفواصل المذكورة النوافل وهي قد تطول.
قلنا: إذا كان الفصل بالعبادة لا يكون مخرجاً عن صورته العرفية والمتشرّعيّة مهما كان طويلاً، وخاصّة إذا كانت العبادة مربوطة بنفس الصلاة التي يؤذّن لها وبرفيقها بخطوة أو سكتة وهي ليست طويلة إلى الحدّ الذي يمحو الصلاة على أي حال كمئة ركعة ونحوها.
[الكلام في المطلق: الفصل بخطوة]
(الخطوة) لم يعرف لها دليل إلّا ما في الفقه الرضوي عن المستدرك: «وإن أحببت أن تجلس بين الأذان والإقامة فافعل، فإن فيه فضلاً كثيراً وإنَّما ذلك على الإمام، وأما المنفرد فيخطو تجاه القبلة خطوة برجله اليمنى ثمّ يقول بالله استفتح وبالله استنجح وأتوجه..» الخ (1).
أقول: وهو غير خاصٍّ بالمغرب. وأمّا المأموم فهو مسكوت عنه في الرواية مع أنَّ السيرة على خلافها.
ــــــ[196]ـــــــ
(1) الفقه الرضوي ص97 ـ 98.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[الكلام في الخاص: الفصل بين الأذان الإقامة في المغرب]
وأما روايات المغرب فمن قبيل:
– رواية ابن فرقد عن أبي عبد الله قال: «بين كلّ أذانين قعدة، إلّا المغرب، فإنّ بينهما نفساً»(1).
– رواية إسحاق الجريري عن أبي عبد الله قال: «قال: من جلس فيما بين أذان المغرب والإِقامة كان كالمتشحّط بدمه في سبيل الله»(2).
فمعارضة بما دلّ على جواز الترك من قبيل:
– رواية عبد الله بن مسكان قال: «رأيت أبا عبد الله أذّن وأقام من غير أن يفصل بينهما بجلوس»(3).
– رواية عمّار عن أبي عبد الله-في حديث- قال: «سألته عن الرجل ينسى أن يفصل بين الأَذان والإِقامة بشيء حتى أخذ في الصلاة أو أقام للصلاة؟ قال: ليس عليه شيء وليس له أن يدع ذلك عمداً»(4).
وعلى العموم فإن الإفادة ليست هي الوجوب وإن كان بعضها كذلك من قبيل:
ــــــ[197]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص398 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص399 ح10، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص399 ح9، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج5 ص398 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
– رواية الحسن بن شهاب عن أبي عبد الله قال: «لابدّ من قعود بين الأَذان والإِقامة»(1).
– رواية سليمان بن جعفر الجعفري قال: سمعته يقول: «افرق بين الأَذان والإِقامة بجلوس أو بركعتين»(2).
إلاّ أنَّ الحمل على الاستحباب ضروري للشهرة والتعارض.
مضافاً إلى بعض مضامينها.
والفصل بينها إنما هو بالقصد ولو لم يقصد بطلا.
وحمل قول المحقّق: «من غير أن يفصل بينهما بجلوس» أي بجلوس طويل خلاف الظاهر، لأنّه نفي للجنس ظاهراً.
قال المحقّق: «وأن يرفع الصوت به إذا كان ذكراً»(3).
ولا يحدّد بالذكر منه.
قال المحقّق: «وكل ذلك يتأكّد في الإقامة»(4).
وهو تجوّز؛ لأنه قال: «ويستحبّ فيها سبعة أشياء أنه يكون مستقبل القبلة وأن يقف على أواخر الفصول ويتأنّى في الأذان ويحدر في الإقامة وأن لا يتكلّم خلالهما وأن يفصل بينهما بركعتين أو جلسة أو سجدة إلّا في المغرب فإن الأولى أن
ــــــ[198]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص397 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص397 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(3) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(4) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
يفصل بينهما بخطوة أو سكتة وأن يرفع الصوت به إذا كان ذكراً وكل ذلك يتأكّد في الإقامة»(1).
[كلام في الترجيع في الأذان]
قال المحقّق: «ويكره الترجيع في الأذان إلّا أن يريد الإشعار»(2).
قال الهمداني: «كما حكي عن غير واحد بل عن التذكرة والمنتهى نسبته إلى علمائنا»(3).
وهذا يدلّ على أنه ليس عليه كتاب ولا سنة وهذا صحيح والشهرة ليست حجّة إلّا أنّها تكون صغرى لأخبار (من بلغ).
فإن قلت: فإنّ الشهرة هنا تعبّدية وليست مدركية فينبغي أن تكون حجّة.
قلنا: ذاك تفصيل في الإجماع، ولا إجماع هنا ولا أقلّ من الشكّ فيه ولا أثر له.
وأمّا الشهرة فليست حجّة مطلقاً.
قال الشيخ الهمداني: «ولكنّهم اختلفوا في تفسيره قال صاحب (المدارك): اختلف العلماء في حقيقة الترجيع فقال الشيخ في (المبسوط): إنّه تكرار التكبير والشهادتين من أوّل الأذان.
وقال الشهيد في (الذكرى): إنّه تكرار الفصل في زيادة على الموظف. وذكر جماعة من أهل اللغة أنّه تكرار الشهادتين جهراً بعد إخفاتهما وهو قول الشافعي، فإنه
ــــــ[199]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) شرائع الإسلام: ج1 ص92 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(3) مصباح الفقيه: ج11 ص342، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
استحبّ الترجيع بهذا المعنى تعويلاً على أنه أمر (أبا محذورة) بذلك.
وردّ بما رواه العامّة أيضا أن النبي إنما خصّ أبا محذورة بالشهادتين سرّاً ثمّ بالترجيع جهراً، لأنَّه لم يكن مُقِرّاً بهما.
واختلف الأصحاب أيضاً في حكم الترجيع.
فقال الشيخ في (المبسوط) والخلاف أنَّه غير مسنون، وقال ابن إدريس وابن حمزة إنّه محرّم وهو ظاهر اختيار الشيخ في (النهاية).
وذهب آخرون إلى كراهته والمعتمد التحريم، لأنَّ الأذان سنّة متلقاة من الشارع كسائر العبادات فيكون الزيادة فيه تشريعاً محرماً. انتهى»(1).
قال في (مجمع البحرين): «وفي الخبر (سيجيئ قوم من بعدي يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية لا يجوز تراقيهم)، ترجيع الصوت ترديده في الحلق كقراءة أصحاب الألحان (آ آ آ آ) وهذا هو المنهي عنه. وأمّا الترجيع بمعنى تحسين الصوت في القراءة فمأمور به. ومنه قوله: رجع بالقرآن صوتك، فإن الله يحب الصوت الحسن.
وما روي: أنَّه يوم الفتح كان يرجع في قراءته. ومنه الدعاء اللهم اجعله لقلوبنا عبرة عند ترجيعه»(2).
ثُمَّ قال: «والترجيع في الأذان: تكرار الفصول زيادة على الموظف، وقيل هو
ــــــ[200]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص342 ـ 343، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مجمع البحرين: ج4 ص334، ط مكتبة مرتضوي.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
تكرار التكبير في أوّل الشهادتين»(1).
وظاهر كلامه أن معنى الترجيع في القرآن غير الترجيع في الأذان وسيأتي بيان وجهه، والذي أحسبه أنّ القدماء ذهبوا إلى تفسيرهم باعتبار أن الترجيع من الرجعة أو الرجوع ولا معنى للرجوع إلّا التكرار وهذا صادق في الأذان، ولا يصدق في القرآن إذ تكرار عبارات القرآن ليس أمراً عرفياً، ولو حصل لما كان حراماً أو مكروهاً، فلا يمكن حمل النهي عليه فحملوا الترجيع على معنى آخر.
فيه: أن هذا التفصيل غير ممكن لغةً وعرفاً، بل الترجيع هو مدّ الصوت كما قال في المجمع عن الترجيع في القرآن، وهو ممّا يدعمه التبادر وصحّة الحمل وعدمه وجداناً وبذلك يتغيّر موضوع المسألة عن موضوع كلامهم حيث إ نّهم أفتوا بالكراهة أو التحريم في تكرار الفقرات كما فهموه من الترجيع، وهو ما سبق بحثه.
وإنما الكلام الآن في جواز الترجيع بمعنى مدّ الصوت وعدم جوازه. ولذا قالوا الترجيع في الغناء، فهل يكون له في الأذان فقط معنى مبايناً وإنما اعتمد في (المجمع) على كلمات السابقين وثوقاً بهم واحتراماً لهم. والمسألة مختلفة تماماً.
[بحث في معنى الترجيع]
والظاهر أنّ المحقّق فهم ما فهمناه وهو تكرار الصوت ومدّه، ولذا أفتى بالكراهة إلّا في الإعلام ويمكن القول بأنها ظاهرة اجتماعية متشرّعية؛ لأن الأذان الإعلامي لا يخلو من ذلك غالباً، بخلاف الإقامة فإن الغالب عدم ذلك فيها،
ــــــ[201]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وخاصّة وأن المشهور والمروي استحباب الحدر والسرعة وهو ينافي مع الترجيع فإنه ملازم للبطء أكيداً.
الترجيع:
1- ما زاد على الغالب.
2- ما زاد عن المتعارف.
3- ما زاد عن المقرّر في التجويد.
4- ما فيه تكرار النفس، ويمكن إرجاع الأول إلى الرابع والثاني إلى الثالث.
وهنا ينبغي أن نلتفت أن الترجيع ليس هو مطلق المدّ؛ لأنَّ المدّ قد يكون واجباً وقد يكون مستحبّاً وقد يكون مورداً للاحتياط وهو ما كان في علم التجويد واجباً أو مستحباً، وهم وإن ذكروه في القرآن الكريم لكنّه يشمل كل النصوص الفصيحة وخاصّة مثل الأذان والأدعية.
فالواجب ما كان بحركتين والمستحبّ ما زاد إلى خمس أو سبع حركات. وما زاد على ذلك فهو ترجيع وقد يصدق على المدّ الطويل أيضاً عرفاً والمدار فيه هو عدم كفاية النفس للمدِّ، بل يأخذ نفساً آخر فيكون صوته (آآآآ) فيبقى المدّ والترجيع عموماً مطلقاً والمدّ هو الأعمّ غالباً فالترجيع متعدٍّ إلى المفعول، كالتكسير والتفسير والتحطيم والتكبير والترتيب والتعظيم والقرينية والتربيب، ويراد به إرجاع النفس عندما يخرج المدّ عن مقدار الحاجة.
[في حكم الترجيع]
أمّا حكمه فالترجيع إما اعتيادي أو طويل جداً فإن كان طويلاً جداً بحيث أخرج العبارة عن وجودها العرفي حرم لبطلان الفكرة إلّا أن يعيدها وإلاّ بطل
ــــــ[202]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الأذان كلّه، وإن كان اعتيادياً فهو إما واجب أو مستحبّ ولا يحتمل كراهته ولم يقل أحد بكراهته، لأنّه إنَّما عنوا من الكراهة أو التحريم ما فهموه من الترجيع لا هذا المعنى، وهو أوفق بالفصاحة والذوق وتشمله أخبار (المجمع) بلا معارض والأخبار في (مجمع البحرين) تدلّ على استحبابه وأنّه من تحسين الصوت بالقرآن ولا خصوصية للقرآن فيشمل الأذان أيضاً.
ولا يوجد خبر يفيد الكراهة المطلقة. وإنما يقول ما مؤدّاه: (يأتي على الناس زمان أو في آخر الزمان يرجّعون القرآن لا يجوز تراقيهم)(1)، والنوح والرهبانية ليست حراماً، وهو طعن بالقارئ لا بالأسلوب فيبقى الأسلوب على حكمه الأصلي. وإنما لا يجوز تراقيهم ليس من أجل الأسلوب، بل لأجل عدم استحقاقهم ذاتاً لكثرة ذنوبهم ونحو ذلك، بل الخبر دالّ على أكثر من ذلك وهو استحباب الترجيع. وأنَّهم بالرغم من قيامهم بهذا المستحبّ فإنَّه لا يجوز تراقيهم.
نعم، لو كان المدّ طويلاً مع حفظ صورة الكلمة ولكنّه غير متعارف أمكن
ــــــ[203]ـــــــ
( 1) الوسائل ج6 ص 210-211 ح1 باب 24 تسلسل 7753 «باب تحريم الغناء في القرآن واستحباب تحسين الصوت به بما دون الغناء والتوسّط في رفع الصوت عن محمد بن يعقوب عن علي بن محمد عن إبراهيم الأحمر عن عبد الله بن حماد عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله اقرؤا القرآن بألحان العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر فإنه سيجيئ من بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية لا يجوز تراقيهم قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم».
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
القول بالكراهة ولكن لا دليل عليه من كتاب وسنّة ولا إجماع؛ لأن موضوع كلامهم غير هذا.
نعم، هو لمجرّد كونه غير متعارف، ثُمّ لو قلنا بالكراهة فهل يكون الإشعار كافياً في ارتفاعها؟
مقتضى القاعدة:
1- العدم لشمول الحكم بالاستحباب.
2- أن الحكم ليس له إطلاق؛ لأنَّ دليله لبّي.
3- أنَّه يقع التزاحم بين استحباب الإشعار وكراهة الترجيع، فتسقط الكراهة أو تتبدلّ إلى الاستحباب؛ لأنَّه أهمّ. وهذا معناه أن الترجيع في غير أذان الإعلام مكروه.
4- نستصحب استحبابه إلّا أنه لا يجري لتغيّر الموضوع لتغيّر الصوت.
هذا إذا أراد المحقّق الترجيع بالصوت، وأما التكرار الذي فهمه الأصحاب .
وليس المفهومان مترادفين، بل من وجه. غايته أن الحرّ العاملي جعل عنوان الباب ذلك أو نقصد من الإشعار ذلك. وهو كما ترى، فإن أراد بقصد الجزئية فهو محرم وإلّا فهو جائز وليس بمكروه.
[كلام في التثويب وهو قول المؤذّن: (الصلاة خير من النوم)]
«وكذا يكره قول: الصلاة خير من النوم».
قال الشيخ الهمداني: «وفي (المدارك): هذا هو المعبّر عنه بالتثويب على ما نصّ عليه الشيخ في (المبسوط) وأكثر الأصحاب، وصرّح به جماعة من أهل اللغة، منهم:
ــــــ[204]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ابن الأثير في (النهاية)، وقال: إنَّما سمّي تثويباً، لأنَّه من ثاب يثوب إذا رجع، فإنَّ المؤذّن إذا قال (حيّ على الصلاة) فقد دعاهم إليها، فإذا قال بعدها (الصلاة خير من النوم) فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة إليها.
وقال الشيخ في (النهاية): التثويب تكرير الشهادتين والتكبير.
وقال ابن إدريس: التثويب تكرير الشهادتين دفعتين؛ لأنَّه مأخوذ من ثاب إذا رجع، وفسّر بعضهم بما يقال بين الأذان والإقامة من الجملتين في أذان الصبح.
واختلف الأصحاب في حكم التثويب في الأذان الذي هو عبارة عن قول: الصلاة خير من النوم. بعد اتّفاقهم على إباحته للتقية.
فقال ابن إدريس وابن حمزة بالتحريم وهو ظاهر اختيار الشيخ في (النهاية) سواء في ذلك أذان الصبح وغيره.
وقال الشيخ في (المبسوط) والمرتضى في (الانتصار) بكراهيته، وقال ابن الجنيد: إنّه لا بأس به في أذان الفجر خاصّة.
وقال الجعفي: تقول في أذان الصبح بعد قولك (حيّ على خير العمل): (الصلاة خير من النوم) مرّتين وليست من أصل الأذان.
والمعتمد: التحريم. لنا: أنَّ الأذان عبادة متلقاة من صاحب الشرع فيقتصر في كيفيتها على المنقول»(1).
أقول: مقتضى القاعدة ضمّ أمرين آخرين مضافاً إلى عدم التقيّة:
الأوّل: عدم قصد الجزئية وإلاّ بطل الأذان، لأنَّه لا يحتمل فيه الجزئية بعد
ــــــ[205]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص345 ـ 346، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
نفي الروايات المعتبرة على فقرات الأذان، ولم يكن هذا منها وهي دالّة على الحصر في الجملة، فتكون دالّة بالمفهوم على عدم الجزئية.
الثاني: ذكر (حيّ على خير العمل) لأنَّ حذفه موجب لنقصان الأذان، وهو غير جائز وموجب للبطلان، ولا يعوّض عنه قولهم: (الصلاة خير من النوم) قطعاً.
[كلام في حرمة التثويب]
فالمسألة أنّك إذا أتيت بالأذان كلّه بما فيه (حيّ على خير العمل) وأتيت بـ(الصلاة خير من النوم) بدون قصد الجزئية فهل يحرم أو لا.
مضافاً إلى عدم التقية وعدم نصرة الباطل.
على العموم في المقام طائفتان:
الأولى: ما كان بعنوان (الصلاة خير من النوم) وهي من قبيل:
– رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر قال: «كان أبيينادي في بيته بالصلاة خير من النوم، ولو ردّدت ذلك لم يكن به بأس»(1).
– رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله قال: «إذا كنت في أذان الفجر فقل: الصلاة خير من النوم بعد حيّ على خير العمل ولا تقل في الإِقامة الصلاة خير من النوم إنّما هذا في الأَذان»(2).
الثانية: ما كان بعنوان التثويب، من قبيل:
ــــــ[206]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص427 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص427 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
– رواية معاوية بن وهب قال: «سألت أبا عبد الله عن التثويب الذي يكون بين الأَذان والإِقامة؟ فقال: ما نعرفه»(1).
– رواية زرارة قال: «قال لي أبو جعفر -في حديث-: إن شئت زدت على التثويب حيّ على الفلاح مكان الصلاة خير من النوم»(2).
الحمل على الإنكار بعيد. والإقامة لا نفهم منها إقامة نفس الصلاة إذا أقمتم الصلاة.
أمّا طائفة التثويب فلا دليل على أنّه يراد به ذلك ولا أقلّ من الاحتمال المبطل للاستدلال، ويقول الحرّ أنَّه أعمّ.
وأمّا الخبران الأخيران فهما:
1- التقية.
2- عدم الجزئية.
وقد ذكرنا في موضوع المسألة ذلك. والمظنون أن العامّة يذهبون إلى ذلك أيضاً، فلا يكون الشيعي أسوأ منهم، ولا دليل على حرمته بالعنوان الأولي. نعم، بالعنوان الثانوي محرّم باعتباره إعانة على الإثم.
فيكون حمله على التقية منافياً مع (حيّ على خير العمل) ولا يدلّ على الجزئيّة بل يدلّ على عدمها، فظهوره بترك المتشرّعة لها مضافاً إلى الأخبار الدالّة على ضبط فقرات الأذان، إلّا أن يقال: إنَّ مجرّد (الصلاة خير من النوم) تقيّة، لعدم ملاحظة الفرق عرفاً.
ــــــ[207]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص426 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص426 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[الكلام في كراهة التثويب]
وأما الكراهة التي أفتاها المحقق وظاهرها الكراهة التكليفية الاصطلاحية فلا دليل عليها إلّا ترك المتشرّعة لها، وهو استدلال بالأعمّ؛ لأنَّه قد يكون ناشئاً من احتمال الحرمة – كما اشرنا- أو من ترسخ الجزئية في أذهان العوام في حين أنّه ليس بجزء.
في أحكام الأذان
وفيه مسائل:
[الأولى: من نام خلال الأذان أو الإقامة]
الأولى: من نام خلال الأذان أو الإقامة ثُمَّ استيقظ، استحب له استينافه.
بشرط:
1- أن لا يكون طويلاً.
2- أن يكون ناقضاً للوضوء.
لا شكّ أنَّ مقتضى أصالة البراءة عن الشرطية أو استصحاب الصحّة الاقتضائية أو المانعية هو الإجزاء في هذه الصورة، ولكن يمكن الاستدلال المضادّ الحاكم عل الأصل بعدّة أمورٍ:
منها: شرطية الوضوء للأذان والإقامة، ولا شكّ في استحبابه، إلّا أنَّ الشرطيّة بالمعنى الاصطلاحي لم تثبت للإقامة، فضلاً عن الأذان، إلّا في الإقامة في روايات (أنَّ الكون في الإقامة كون في الصلاة)، وهي مخدوشة سنداً ودلالة.
ــــــ[208]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ومنها: الفصل بين أجزائها بزمان معتدٍ به، يكون خلال النوم، ولذا طبّق القدماء كصاحب المدارك وغيره كبرى التعبّديّة والتوقيفية في الأذان، ومنه أن يعدّ المجموع عملاً واحداً عرفاً، والنوم ينافيه. وهذا قابل للمناقشة صغرى؛ لأنَّ النوم قد يكون قليلاً جداً بحيث لا يفصل كما في بعض الطباع وكما ذكرنا في عنوان المسألة على افتراض ذلك عرفاً متعيّن.
وناقشه الهمداني كبرى بقوله: «لأنَّ الذي يتوقّف على النقل والتلقّي من الشارع إنَّما هي الأجزاء والشرائط المعتبرة في العبادة، وأمّا ما يحتمل اعتباره فينفى بالأصل»(1).
أقول: وهذا غير تامّ، لأنَّ الخريطة كاملة من جميع الجهات -بعد التنزّل عن مناقشة الصغرى- ومتلقّاة من قبل الشارع، فإذا تخلخلت نشكّ في مشروعية العمل، والأصل عدم المشروعية، ونفيه بالأصل منافٍ لتلقّيه الذي هو بمنزلة الأمارة. وإذا تنزّلنا عن الإشكال في الصغرى كان هذا الإشكال متعيّناً.
وفيها: ما استدلّ به الهمداني في مرسلة (الفقيه) عن أبي جعفر: «تابع بين الوضوء -إلى أن قال- وكذلك الأذان والإقامة فابدأ بالأول فالأول، فإن قلت:(حي على الصلاة) قبل الشهادتين تشهّدت، ثُمَّ قلت: (حي الصلاة).
وفيه: أنَّ الرواية كالنصِّ في إرادة الترتّب من المتابعة»(2).
فكأن الهمداني يدافع عن إمكان الفصل الكثير بين فقرات الأذان والإقامة
ــــــ[209]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص352، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص352، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
سواء بالنوم أم غيره وإن احتاط بعد ذلك وهو كما ترى.
نعم، الطعن بالصغرى ممكن -كما سبق- وهو أنَّ النوم لا يلازم ذلك.
ومنها: الفصل بين الأذان والإقامة إن قلنا به، أو بين الإقامة والصلاة بمقدار معتدّ به من الزمان؛ لأنّه إن نام أحدث وامتنعت عليه الصلاة إلّا بوضوء، والوضوء يأخذ زمان معتدّاً به. فعليه يعيد الأذان والإقامة.
أقول: لا شكّ في ذلك إذا حصل ذلك لكن يمكن نقل الفرض فيها:
1- إذا كان المكلّف مكلّفاً بالتيمم وهو قصير الزمان.
2- أو فاقداً للطهورين.
3- أو كانت سِنَة لا نوماً فبقي على وضوئه أو كان النوم غير ناقض كما لو لم يستولِ على الحواس كلّها، كما قد يستشعر من سياق كلام الهمداني.
4- نعم إمكان جعل الوضوء بزمان قصير جداً نسبياً بحيث لا يعدُّ فاصلاً وخاصّة لو التفت العرف إلى حاله.
ومنها: ما ذكره الهمداني: «مع إمكان أن يدّعى أن النوم المستولي على القلب الموجب لتعطيل الحواس الذي هو نوم حقيقي هو في حدّ ذاته كالفصل الطويل مانع عرفاً عن حصول التوالي وإن كان لا يخلو عن نظر، بل منع»(1).
أقول:
1- المفروض دخول السنة في عنوان المسالة فيكون استدلالاً أخصّ من المدعى.
ــــــ[210]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص353، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
2- المفروض من أنَّنا إذا نظرنا إلى السامع العرفي اعتبره متتابعاً. وإذا نظرنا إلى المؤذّن نفسه لم نجد شعوره متتابعاً للفصل بنوم حقيقي وهو مسقط للوجود الدنيوي السابق عليه مهما كان. إلّا أنَّ هذا الإسقاط غير تامّ:
أوّلاً: بالنقض كالنوم حال الصوم أو حال الحجّ فإن كان مسقطاً أبطله وهو غير محتمل.
ثانياً: بالحلّ وهو أنَّ الإسقاط إنما يكون خلال النوم نفسه وأمّا إذا استيقظ فقد رجع إلى واقعه واستطاع ربط المتأخّر بالمتقدّم وضابطه أفعاله. إذن فلا مانع من كلتا الجهتين: السامع والمتكلّم نفسه.
[من أغمي عليه خلال الأذان أو الإقامة]
قال المحقّق: «وكذا إذا أغمي عليه»(1).
هنا أيضاً ينبغي أن نفترض عدم طول المدّة بحيث لا يخرج عن الموالاة العرفية وإلاّ كان من الأكيد بطلان السابق واشتغال الذمّة باللاحق، وحيث إنَّ المحقّق أفتى باستحباب الإعادة في النوم والإغماء القليل والكثير فهو في فسحة من هذه الناحية إلّا أن يكون النوم أو السنة أو الإغماء قليلاً جدّا بحيث لا يكون فاصلاً عرفياً قطعاً، وهذا بعيد في النوم والإغماء، وأمّا في السِنَة فممكن إلّا أن ظاهر عبارته أنه لم يذكرها في العنوان.
ولكننا في العنوان ينبغي أن نذكر الإغماء الذي يشكّ كونه فاصلاً أم لا من
ــــــ[211]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص93 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
حيث الزمان. ومن حيث الحال وعندئذٍ فتقريبه أن العرف لا يفرق بين النوم والإغماء فالإغماء نوم بالحمل الشايع العرفي فأي وجه قلناه هناك نقوله هنا وفي مقابله أن نقول: إ نّ العرف يفرق بين النوم والإغماء لمصادفته كثيراً في الناس ويعتبر الإغماء أشدّ حالة من النوم، فإذا قلنا بالصحة في النوم لم يلازم القول بالصحّة في الإغماء وإن قلنا بالبطلان في النوم كان أولى في الإغماء.
وأكثر الوجوه السابقة للنوم كانت تتكفّل الحديث عن وجوب المتابعة وعدم الفصل والمفروض أن الفصل لم يحرز وهذا راجع إلى فترة الزمان، وأهم تقريب كان هو تقريب الهمداني من (أن حال النائم الحقيقي هو الانفصال عمّا سبق، فيكون بالنسبة إلى المغمى عليه مثله أو أولى منه)(1).
ولكن يرد نفس الجواب أننا لا نلاحظ حال النوم، بل الوجود الدنيوي للنائم وهو يربط ما قبله بما بعده وهذا يكفي وهذا يرد في الإغماء أيضاً.
[الثانية: من أذّن ثم ارتدّ]
(الثانية: إذا أذّن ثُمَّ ارتدّ جاز -للإمام أو غيره- أن يعتدّ به ويقيم غيره)(2).
الشيخ الهمداني: «ولو رجع هو بنفسه اجتزئ به ولم يعده لسقوط التكليف به حين فعله فلا مقتضى لإعادته»(3).
أقول: إنّ الارتداد لا يكون قلبياً بل لسانياً.
ــــــ[212]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص353، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص353، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مصباح الفقيه: ج11 ص323 و354، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
فإن قلنا: إنّه مبطل للوضوء أو إنَّ غسل التوبة واجبٌ ونحوه لزم الفصل الكبير غالباً واستحبّ له الإعادة. ولو لم نقل به اجتزأ به، ومقتضى القاعدة عدم بطلان الوضوء بالارتكاز للحصر الموجود في الروايات المعتبرة بالحدث.
وينبغي أن نأخذ في موضوع المسألة عدم الفصل العرفي بين أجزاء الأذان بكلمة الكفر وكلمة الإسلام، كما نأخذ فيه عدم استمراره بالأذان حال ارتداده لو اشترطنا في المؤذّن الإسلام. كما لو ارتدّ أثناء صلاته واستمرّ بصلاته ثُمَّ رجع فهل تصحّ أم لا. طبعاً لا.
أولاً: لأجل أن الكفر لا يحصل إلّا بالكلام.
ثانياً: يشترط في الصحّة الإسلام في كل عبادة، إلّا أنّنا قلنا إنّ الأذان ليس بعبادة بالمعنى الأخصّ ولكن الإقامة إذا صحّت تلك الروايات عبادة وإلاّ فكلاهما ليسا عبادة ومعه لا يشترط فيهما الإسلام ولا تكون كلمة الكفر تعليلة أصلاً فضلاً عن كلمة الإسلام.
فإذا لم نشترط بالمؤذِّن الإسلام فأولى بالصحّة فيما إذا لم يكن كافراً في أي فقرة من فقرات الأذان وإن ارتدّ دقيقة أو أقل. إلّا أننا سبق أن بحثناه واشترطناه فيكون الارتداد مانعاً عن الصحّة في الجملة.
وأمّا إذا ارتدّ بعد الأذان فمن الواضح بقاء الأذان على الصحّة لنفسه إذا رجع ولغيره إذا كان في الجماعة، إذ كما يمكن فرض رجوعه خلال الأذان يمكن فرض رجوعه قبل الإقامة، فيقيم هو لا غيره، بل حتى لو استمر بالارتداد أمكن أن يقيم هو لعدم شرطية الإسلام -لو قلنا بها-.
ــــــ[213]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
فإن قلت: إنّ الكلام ليس في إجزائها عن نفسه، بل عن غيره؛ لأنَّه إن تاب بعد الإقامة أمكنه أن يجتزئ بها لنفسه. وأما غيره فلا.
قلنا: بالنسبة إلى الغير فإنَّه يجتزئ بالإقامة الصحيحة، فإن كانت صحيحة – كما سبق- أمكنه الاجتزاء بها.
فإن قلت: فإن دليل الاجتزاء لا يشمله.
قلنا: إنّ القدر المتيقّن والمورد هو المسلم طبعاً، إلّا أنَّه لا نافي لغيره لا بالمطابقة ولا مفهوم المخالفة، بل يمكن التجريد عن الخصوصية لكلّ ما صحّ أذانه وإقامته.
[مناقشة الاستدلال بالحديث: المسلمين يسعى بذمّتهم أدناهم]
فإن قلت: فإنَّ صحّته عن غيره من باب «أن المسلمين يسعى بذمتهم أدناهم»(1).
وأمّا من ليس بمسلم فلا ذمّة له فلا يجزي.
قلنا: هذا وجه مخرّج وظنّي وليس بمعتبر، يعني ليس هذا هو الدليل بل الروايات الخاصّة في الباب، نعم لو كان هو الدليل لتمّ، لأنَّ ذمّة الإسلام لا تكون موجودة، وإن كان هذا قابل للمناقشة في الذمّي والمعاهد.
فإنَّ (الذمّة) بينه وبين الإسلام وإن لم تكن أهلية إلّا أنّها مجعولة وهذا يكفي ولا دليل على اختصاص الاجتزاء بالأذان بالذمّة الأصلية.
ــــــ[214]ـــــــ
(1) شرح البخاري لابن بطال: ج5 ص350 ط مكتبة الرشد، الرياض.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
مضافاً إلى إمكان القول إنَّ ما يجزي عن نفسه يجزي عن غيره، فإذا قلنا في الصلاة ذلك، قلنا في الأذان مثله.
فإن قلت: فإنَّ هذا غير مقبول على إطلاقه.
قلنا: إنَّ مختصر القول في ذلك: أنَّ ما دلّ الدليل على إجزائه بالعنوان الأولي فإنَّه يجزي عن غيره.
أو تقول: كلّه جائز إلّا ما خرج بدليل ولو بالارتكاز المتشرّعي.
أو العنوان الواقعي والعنوان الثانوي وضابطه ما كان صلاة كاملة في نظر الشارع أو ما كان يصلى به باختياره.
سواء كان في الروايات كالدم الأقلّ من الدرهم أو الأصل كأصالة البراءة عن الشرطية والمانعية وعلى أي حال فهذه الصلاة في طول الدليل ليست ناقضة في نظر الشارع وأما إذا كان العذر بالعنوان الثانوي فالأمر يختلف كصلاة الإيماء والمستلقي وغيره.
[ شهادة المرتدّ في أول الوقت ]
قال الهمداني: «ولو ارتدّ في أثناء الأذان ثمّ رجع استأنف على قول) نسبه في (المدارك) إلى الشيخ في (المبسوط).
وهو ضعيف، فإنَّ الارتداد في الأثناء كالارتداد بعد العمل لا يؤثّر في انقلاب ما وقع عليه من الصحّة فالأقوى جواز البناء ما لم تفت الموالاة»(1).
ــــــ[215]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص354، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
أقول: إن لم نقل بشرطية الإسلام فواضح وأما إذا قلنا بشرطية الإسلام فلا بدّ أن لا تصدر أيّة فقرة في كفره، كما هو الأرجح والأحوط، ولو صدرت أعادها بعد إسلامه.
فإن ارتدّ خلال الأذان ولم يرجع وقلنا بصحّة أذانه السابق، فهل يكمله غيره ولو باعتبار القول بأنَّ شرطية وحدة المؤذن غير معتبرة ولم يشر إليها أحد أو أنَّ هذا مخالف لسيرة المتشرّعة ونفيها بالأصل غير ممكن في المستحبّ إلّا أنَّ الكلام في الحكم الوضعي وهو الإجزاء وهو ممّا تجري فيه الأصول، إلّا أنَّه مستنكر متشرّعياً فيكون مقتضى الاحتياط الوجوب اشتراط الوحدة، ومثله لو أغمي على المؤذّن أو مات ونحو ذلك خلال الأذان، فهل يجوز أن يبادر غيره إلى إكماله بدون فوات الموالاة؟
[الثالثة: استحباب حكاية الأذان مع النفس لمن سمعه]
قال الهمداني: «(الثالثة: يستحب لمن سمع الأذان أن يحكيه مع نفسه) بمعنى أنَّه لا يقصد بفعله إنشاء الأذان الذي حكمته مشروعية الإعلام بل يقصد به الحكاية التي هي بمنزلة المخاطبة مع نفسه، فالمراد بالحكاية مع نفسه الكلام معها قاصداً به الحكاية»(1).
جوابه:
أوّلاً: أنَّ هذا لم يرد في الأدلّة لنتجشّم تفسيره وإنّما ورد: أن يقول كما يقول المؤذّن، وليس كما فسّره المحقّق.
ــــــ[216]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص354، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ثانياً: الحكاية هنا بمعنى الإخبار فكأنّه يقول قال المؤذّن الله أكبر إلّا أن قسماً من هذا بلسان حاله وقسماً منه بلسان مقاله.
فإن قلت: فإنَّه يكفي التكرار كما يقول لصدق الحكاية -كما ربّما يفهم من سياق كلام المحقّق-.
قلنا: كلا، لا يكفي -إلاّ مجازاً- لأن مجرّد التكرار هو التقليد كالقرد والببغاء وليس لهم قصد الحكاية بالمعنى الأوّل، بل هذا إنّما سمّي حكاية لأنَّ فيه نحو أخبار عن فعل الآخر وإن لم يكن مقصوداً فكانت حكاية مجازية والمجاز وإن كان صحيحاً لغة إلّا أنَّه مخالف للأصل ويحتاج إلى قرينة وهي مقصودة في كلام المحقّق.
[مناقشة في قوله: (مع نفسه)]
وأمّا قوله «مع نفسه» ففيه عدّة تفسيرات:
الأول: أنَّه الحكاية عادّة تكون للآخرين بأن يخبرهم بحصول شيء، إلّا أنَّ هذا غير ضروري هنا بل يمكن أن يكتفي به لنفسه، فكأنه يتكلّم مع نفسه.
الثاني: عدم قصد إنشاء الأذان للصلاة ولا للإعلام، وإنما هو مجرّد تكرار ما قاله المؤذّن، وحيث إنَّ الحكمة الرئيسية للأذان وهو كونه للصلاة وهذا ليس لها، فيكون كأنّه مع نفسه يعني بقوله: بما هو لفظ مستقلّ وليس مقدّمة لغيره وبهذا المعنى يمكن إرجاع الضمير إلى الأذان نفسه يعني لحاظه في نفسه لا مقدّمة للصلاة.
الثالث: «أو بدون صوت» ما فهمه الهمداني بأنَّه يخفض به صوته؛ لأنَّ الذي
ــــــ[217]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
يتكلّم مع نفسه لا يحتاج إلى ارتفاع الصوت فترى بعض الناس يتمتم وحده، فهذا إن أردنا منه المعنى الغالب بدون شرطية الإخفات فهو المطلوب وإن قلنا بشرطية الإخفات بطل وورد عليه إشكال الهمداني من أنَّه «ينافيه إطلاق النصوص والفتاوى. كما سنعرف، ولذا حمله المحقق الكركي فيما حكي عن فوائده على الكتاب على أن المراد بحكايته مع نفسه ألّا يرفع صوته كالمؤذّن وهذا أيضاً لا يخلو من نظر»(1).
أقول: إذا رفع صوته كالمؤذّن كان مؤذّناً بالحمل الشايع المتشرعي والعرفي وليس حاكياً وهو خلف المطلوب.
فإن قلت: فإنَّ الحكاية تتحقق بالقصد -وهو قاصد لها بالمفروض-.
قلنا: نعم إلّا أنَّ بعض العناوين القصدية تنطبق قهراً وإن لم تقصد لأنَّ مصداقها العرفي يكون واضحاً كالذلّة وهذا من هذا القبيل.
قلنا: لا تنافي بين وجود الأذان ووجود الحكاية، مضافاً إلى ظهور الروايات في أنّه يقول كما يقول ولو في بيت الخلاء، فهل المفروض أنَّه يرفع صوته هناك كالمؤذّن.
[مناقشة ما أورده صاحب العروة في حكاية الأذان]
والذي يهوّن الخطب هو أنَّه لم يرد كما قال المحقّق وإنَّما لسان الروايات ما يأتي.
ــــــ[218]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص354، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
قال في (العروة): «يستحبّ حكاية الأذان عند سماعه؛ سواء كان أذان الإعلام أو أذان الإعظام أي أذان الصلاة جماعة أو فرادى مكروهاً كان أو مستحباً(1). نعم، لا يستحب حكاية الأذان المحرّم(2).
والمراد بالحكاية: أن يقول: مثل ما قال المؤذّن عند السماع، من غير فصل معتدّ به.
وكذا يستحبّ حكاية الإقامة أيضاً، لكن ينبغي إذا قال المقيم (قد قامت الصلاة) أن يقول هو: (اللهم أقمها وأدمها واجعلني من خير صالحي أهلها) والأولى تبديل الحيعلات بالحولقة بأن يقول: (لا حول ولا قوة إلّا بالله)»(3).
وقال السيد في (العروة) في المسألة التي بعدها: «يجوز حكاية الأذان وهو في الصلاة لكن الأقوى حينئذٍ تبديل الحيعلات بالحولقة»(4).
يعني وجوب ذلك لعدم كونه ذكراً.
ويتضمّنه مرسل (الدعائم) عن أبي عبد الله: «إذا قال المؤذّن الله أكبر فقل الله أكبر، فإذا قال: أشهد أنَّ محمداً رسول الله فقل أشهد أنَّ محمداً رسوله الله، فإذا قال: قد قامت الصلاة فقل اللهم أقمها وأدمها واجعلنا من خير صالحي أهلها عملاً»(5).
ــــــ[219]ـــــــ
(1) يعني الأذان في موارد السقوط (منه).
(2) ولم يذكر ما هو (منه).
(3) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 575 ـ 576، ط إحياء التراث العربي.
(4) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 578، ط إحياء التراث العربي.
(5) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 577، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
أقول: الضمير يرجع إلى كلّي الصلاة وليس إلى صلاة معيّنة فهو دعاء للدين لا دعاء لإمام الجماعة.
ومرسل (الدعائم) عن علي بن الحسين: «أنَّ رسول الله كان إذا سمع الأذان قال كما يقول، فإذا قال: حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على خير العمل قال: لا حول ولا قوة إلّا بالله»(1).
أقول: هذا تبديل لغير ذكر الله بذكر الله مع سقوط فائدة (الحيعلات) عنده لأنَّه لا يؤذّن.
ثُمَّ قال في (المستمسك): «يعني: لو لم يبدّل الحيعلات بالحولقة بطلت صلاته، لأنَّ الحيعلات من كلام الآدميين»(2).
فلو حرم الإيكال حرمت الحكاية، وكونها من الذكر ممنوع جداً، وأضعف منه أنَّ ما بين ما دلّ على استحباب الحكاية مطلقاً في الصلاة وغير الصلاة وما دلّ على البطلان بكلام الآدميين عموم من وجه، فالبناء على البطلان يتوقّف على ترجيح الثاني وهو غير ظاهر فيكون المرجع في مورد المعارضة الأصل المؤمن وهو استصحاب الصحة أو أصالة البراءة عن المانعية والأصل اللفظي إذ يفهم من إطلاق دليل الاستحباب تخصيص دليل المانعية بغير الأذان والإقامة فتجوز الحيعلات.
ــــــ[220]ـــــــ
(1) مستدرك الوسائل: باب 34، من أبواب الأذان والإقامة، ح5.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 578، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ويجاب:
أولاً: بالطعن في وجود الإطلاق؛ لأنَّه لم يكن في مقام البيان من هذه الجهة والقدر المتيقّن استحبابه خارج الصلاة.
ثانياً: ما قاله في (المستمسك): «نعم، في مورد يحرم الإبطال فيه يقع التعارض بين إطلاق الاستحباب وإطلاق حرمة الإبطال، لكن في مثل ذلك يجمع العرف بين الدليلين بحمل الأوّل على كونه وارداً لبيان حكمه بالنظر إلى عنوانه الأوّلي، فلا يصلح لمعارضة إطلاق الدليل المتعرّض لحكمه بالنظر إلى عنوانه الثانوي وهو عنوان الإبطال، فيكون التعارض من قبيل تعارض اللا مقتضي مع المقتضي المقدم فيه الثاني»(1).
جوابه:
أولاً: أنَّ هذا مبني على أنَّ للدليلين سنداً وإطلاقاً كافيان وليس كذلك إذ الروايات الحكاية بين ضعيف سنداً أو دلالة، وأمّا دليل حرمة الإبطال فهو لبّي فلا تعارض.
وثانياً: لو تنزّلنا وقبلنا الإطلاق في الدليلين كان الاستحباب ثابتاً في الصلاة للحيعلات. فهو مأذون بها من قبل الشارع فلا يحتمل أن يكون مبطلاً.
وثالثاً: لو تنزّلنا وقبلنا التعارض لم يكن أحدهما مرجّحاً.
وكون الإبطال بمنزلة العنوان الثانوي إن صحّ فإنّ استحباب التكرار في الصلاة بمنزلة العنوان الثانوي أيضاً. فأحدهما بمنزلة العنوان الثانوي للآخر فلا تقدّم.
ــــــ[221]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج5 ص 578، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[الرابعة: في الكلام إذا قال المؤذّن (قد قامت الصلاة)]
قال المحقق: «المسألة الرابعة: إذا قال المؤذّن قد قامت الصلاة كره الكلام كراهية مغلّظة إلّا فيما يتعلّق بتدبير المصلين»(1) من تسوية الصف أو تقديم إمام أو نحو ذلك. وقد حكي عن الشيخين في (النهاية) و(المقنعة) والسيد المرتضى في (المصباح) القول بالحرمة للمستفيضة التي وقع فيها التصريح بأنّه «إذا قال المؤذّن قد قامت الصلاة حرم الكلام على أهل المسجد.. الخ ». وفيها إلّا في تقديم إمام وهي معتبرة السند، لأنَّ الصدوق يرويها بسنده عن زرارة، إلّا أنّها لا تدلّ على الحرمة:
أوّلاً: لأن اصطلاح الحرمة لعلّه متأخّر والاحتمال مبطل للاستدلال.
ثانياً: أنَّه لا يحتمل أن يراد به الحكم الوضعي أي البطلان إذ فيه لا يفرق بين تقديم إمام وغيره.
ثالثاً: أنَّه لا يحتمل أن يراد به الحكم التكليفي إذ الرواية التي بعدها تقيّد بالحكم الوضعي وهي معتبرة السند صحيحة محمد بن مسلم: «لا تتكلّم إذا أقمت الصلاة، فإنَّك إذا تكلّمت أعدت الإقامة» والفقرة الثانية قرينة على الأُولى والمهمّ أن هذا كلّه مما سبق الكلام فيه.
[الخامسة: في التفات المؤذّن يميناً وشمالاً]
قال الشيخ الهمداني: «(المسألة الخامسة: يكره للمؤذّن أن يلتفت يميناً وشمالاً) كما صرّح به غير واحد، بل عن (التذكرة) نسبته إلى علمائنا خلافاً للمحكي
ــــــ[222]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص93 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
عن الشافعي فيستحب أن يلتفت يميناً إذا قال حي على الصلاة ويساراً إذا قال حي على خير العمل ولأبي حنيفة فيدور في المأذنة ويلوي عنقه إذا كان في الأرض»( ).
والاستدلال على الاستحباب تارة والكراهة أخرى.
[في الأدلّة على الاستحباب]
أما الأدلّة على الاستحباب:
1- أنّه مناسب للإعلام وصدقه يذهب أكثر مع دورانه في المنارة، وهذا أكيد فحتى لو كان مكروها تتزاحم الكراهة مع هذا الاستحباب ويقدم الاستحباب إلّا أنَّه خاص بأذان الإعلام، فلو اقتصرنا على هذا الوجه لا بدّ من القول بالتفصيل إذ لا تزاحم في غيره.
2- رواية (دعائم الإسلام) مرسلاً عن علي: «يستقبل المؤذّن القبلة في الأذان والإقامة فإذا قال حي على الصلاة حي على الفلاح حوّل وجهه يميناً وشمالاً»(1) وهي كافية للاستحباب من باب التسامح، كما ذكر الهمداني(2) والحقّ معه من هذه الناحية.
إلاّ أننا لو نسبناها إلى الوجه الأوّل اختصّ هذا الثاني بغير الإعلام لوضوح أنَّ الإعلام متوقّف على الالتفات في كلّ الأذان.
ــــــ[223]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص365ـ 366، ط مؤسسة آل البيت.
(2) المصدر السابق.
(3) مصباح الفقيه: ج11 ص366، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[في الأدلّة على الكراهة]
وأمّا الأدلّة على الكراهة:
1- ما يشبه الإجماع حتى نسبه في التذكرة إلى علمائنا وهو إجماع ليس بمدركي لأن المدرك وهو للرواية بخلافه ومع ذلك أفتوا بالكراهة.
2- فتوى العامّة بالاستحباب والرشد في خلافهم.
وهذا قابل للمناقشة كبرى وصغرى:
أمّا كبرى، فلعدم إطلاق في الدليل يشمل المستحبات أو التي لها مقتضى الصحّة عندنا ولم يقل الرشد في خلافهم في كل شيء، بل في بعض الفتاوى الخلافية المشهورة.
وأمّا صغرى، فخلاف الاستحباب هو نفيه المناسب مع الكراهة والإباحة فلا يتعيّن القول بالكراهة.
وأمّا عن فتوى علمائنا فهي متبعة ما لم تقع طرفاً للمزاحمة مع الإعلام فتسقط.
[السادسة: في اتّشاح الناس في الأذان]
قال المحقق: «السادسة: إذا تشاح الناس في الأذان قدم الأعلم ومع التساوي يقرع بينهم»(1).
عن (المسالك): «المراد بالأعلم هنا الأعلم بأحكام الأذان التي من جملتها الأوقات لا مطلق العلم وإنما يقدّم الأعلم على غيره مع تساويهما عدالة أو فسقاً،
ــــــ[224]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص93 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
فلو اختلفا قدم العدل. وكذا يقدم المبصر على المكفوف والأشدّ محافظة على الأذان في الوقت»(1).
قال الهمداني: «والظاهر أنَّ محطّ نظرهم هو المؤذّن المنصوب الذي يستحق الأجرة والارتزاق من بيت المال كما صرّح به غير واحد، وإلاّ فلا موقع للتشاح لجواز أن يؤذِّن الجميع للإعلام وللجماعة أيضاً على الأظهر»(2).
أقول: إنَّما يحصل التشاح والتعارض مع اشتراط الوحدة في الأذان وهي غير مشترطة.
فإن قيل: فإنّ الأذان الثاني باطل عندنا بالرغم من أنَّه صحيح عند العامّة.
قلنا: إنّ المراد به الأذان بعد الخطبتين مضافاً إلى الأذان قبلهما، وهو يختصّ بصلاة الجمعة وكلٌّ منهما أيضاً عنوان كلّي قابل للصدق على كثيرين فلو أذّن جماعة قبل الخطبة كان كلّه من الأذان الأوّل ولو أذّنوا بعدها كان كلّه من الأذان الثاني.
ولا مورد للنهي غير ذلك وتعدّد الأذان مستحبّ في غير هذا المورد تمسّكاً بالمطلقات ولو أذن الجميع. إذن فلماذا يحصل التشاح.
[في أسباب التشاح]
أسبابه:
الأول: أن نتنزّل عمّا قلناه ونمنع كل أذان ثاني.
أو نقول: إنَّهما لو كانا سوية جاز أما إذا كانا طوليين في الزمان فلا، فيحصل
ــــــ[225]ـــــــ
(1) مسالك الأفهام: ج1 ص192 ط مؤسسة المعارف الإسلامية.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص366 ـ 367، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
التشاح بمن هو الأسبق لكي يفوز بالثواب.
الثاني: العنوان الثانوي، كأمر الحاكم أو ضيق الوقت.
الثالث: ما فهمه الهمداني من أنَّ التشاح يحصل في المؤذن المنصوب(1).
[في معاني الاتشاح]
وهذا غريب، لأنَّ التشاح هنا على ثلاثة معانٍ:
1- أمّا أن يحصل بين منصوب وغيره فيقدم المنصوب ولا مجال لصفة أخرى.
2- وأمّا أن يحصل بين منصوبين، وهو متعذّر إذ نصب الاثنين غير معقول إلّا أن يكون منصوباً لمسجد آخر فيقدم المنصوب لنفس المسجد.
3 – أن يحصل التزاحم في النصب وهذا قد يحصل إلّا أنَّه ليس تشاحاً في الأذان كما هو ظاهر المحقق.
إذن فالتشاح من ناحية النصب منسدّ. وإنما لا بدّ من فرض عدم وجود النصب في هذا المورد ليمكن حصول التشاح.
الرابع: أن توجد أسباب أخرى للتشاح مثل أن يكون شخص ناذراً أو مُستأجراً للأذان أو أكثر مع المنع عن تكرر الأذان فقهياً، ولم نمنع.
إذن: فلا مورد له أصلاً.
[فيمن الذي يُقَدِم (بكسر الدال)]
لكن لو تنزّلنا وقبلنا موضوع المسألة فمن الذي يُقَدِّم:
ــــــ[226]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص366 ـ 367، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
1- الحاكم الشرعي المبسوط اليد.
2- الحاكم الشرعي غير مبسوط اليد.
3- نائب أو وكيل الحاكم ممن هو مخوّل بذلك ولو بالإطلاق أو الفحوى.
4- إمام الجماعة أو متولّي المسجد.
5- المصلّون أو جماعة من المتفقّهين منهم.
6- القرعة إلّا أنّها تنفي الأوصاف إلّا أن نفرض التساوي.
7- الشريعة مع عدم التساوي.
8- عدول المؤمنين ولو لم يكونوا مأمومين.
9- أي واحد عشوائياً.
10- الحاكم غير الشرعي.
والمهم أنّه إذا قدّم الواحد وسكت الباقون فلا إشكال. وإنما يرجع الإشكال فيما إذا حصل التشاح في التقديم أيضاً. كما لو كان المقدمون بصفة واحدة أو صفتين كالمأمومين أو عدول المؤمنين، ومن هنا يكون الأرجح إيكال الأمر إلى شخص جامع لشرطين.
1. الحجية الشرعية كالحاكم الشرعي أو نائبه المخوّل.
2. أن يكون واحداً لا متعدّداً ممّن هو موجود في ذلك المكان كالحاكم الشرعي أو إمام الجماعة أو متولي المسجد.
[في الصفة التي تُقَدَّم (بفتح الدال)]
ثُمَّ إنَّه مع حفظ التنزّل السابق والمنع من تكرر الأذان، فأي صفة نقدّم؟ طبعاً:
ــــــ[227]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
1- إذا كان أحدهما الأذان عليه واجباً والآخر مستحباً قدّمنا الواجب. كما لو كان أحدهما ناذراً أو مأجوراً ولو في يوم واحد.
2- إذا كان أحدهما راتباً والآخر غير راتب قدمنا الراتب، لأن النسبة بينهما العموم من وجه.
3- إذا كان أحدهما حجّة والآخر ليس بحجّة:
إمّا: لأنّه مرسل من الحاكم الشرعي.
أو: لأن خبره بالوقت حجّة ونحوه فنقدمه.
4- الصفات الشخصية كالأعلم بالأذان أو الأعلم بالفقه أو الأعدل أو العادل وحينئذٍ لا بدّ من النظر إلى الدليل.
ويبدو أن المسألة خالية من الروايات والشهرة، فلا بدّ من الرجوع إلى ذوق الشارع في الترجيح، وما يبدو هنا صفتان: العلم والعدالة، فإن تساووا بأحدهما قدّم بالأخرى بلا إشكال، وأمّا إذا تساووا بهما قدّم بالقرعة بلا إشكال لأنَّها لكلّ أمر مشكل ولا دخل لصفات أخرى كالأصبح أو الذي يرغب به المأمومون.
[الكلام في صور التعارض بين الصفتين]
وإنَّما الكلام في صورة التعارض بين الصفتين بأن كان أحدهما أعلم فاسق والآخر عادل جاهل، فقد حكم المحقق بتقديم الأعلم فقط، وحكم الشهيد الثاني في المسالك بتقديم الأعدل كما سبق(1).
ــــــ[228]ـــــــ
(1) مسالك الأفهام: ج1 ص192 ط مؤسسة المعارف الإسلامية.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
فهنا إمّا أن يراد مجرد حصول الأذان أو مع أسبابه كالاطلاع على الوقت ونحوه. فإن أريد حجية شهادته بدخول الوقت فهو العادل وإن كان جاهلاً لأنَّه يمكن أن يكون قد تأكّد من الوقت قبل أذانه. وتقديم الأعلم – كما قال المحقق الحلّي- ليس بصحيح لأنّه لو لم تحرز عدالته فضلاً عمّا إذا أحرز فسقه لا يكون شهادته حجّة فربما كلامه يعود إلى بعض الصور الآتية حملاً على الصحّة.
والتزاحم إمّا أن يقع بين شخص أحرز علمه وفسقه وشخص أحرز جهله وعدله، فلا شك أن الثاني أقرب عند الله فيقدم وعلم الفاسق أشدّ عليه يوم القيامة، وهنا أيضاً الحق مع الشهيد الثاني لا مع المحقق.
وأخرى يكون بين شخص أحرز علمه ولم تحرز عدالته -لا أنّه أحرز فسقه- وشخص أحرزت عدالته ولم يحرز علمه لا أنَّه أحرز جهله، وهذا هو الفرض الأغلب في مثل هذه المزاحمة، فلا يبعد تقديم العالم، ولا أقل من القول: بأن كليهما صفة حسنة فإمّا أن يتخيّر المقدّم أحدهما أو يقرع بينهما وكذا إذا كانا بصفة واحدة في جميع الجهات.
[السابعة: في جواز أذان الجميع إذا كانوا جماعة]
قال المحقق: «السابعة: إذا كانوا جماعة جاز أن يؤذنوا جميعاً»(1) بكل أنواع الأذان الإعلامي والشخصي وللجماعة فإنَّ ذلك هو مقتضى الأدلّة، لأن إطلاقها على أساس استحبابها على كل واحد ولا يوجد دليل على مرجوحية الجمع بين الأذانات المتعدّدة، إلّا قضية حرمة الأذان الثاني وقد عرفنا حاله.
ــــــ[229]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص93 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
نعم، لو حصلت في ذلك جهات مرجوحة كان مرجوحاً كذهاب وقت الفضيلة أو تعجب الناس أو غير ذلك ومن العجيب أنَّ المحقق يذكر التشاح في مسألة ويذكر الاجتماع في الأذان في المسألة التي بعدها مع تنافيهما أكيداً، إذ لو كان الاجتماع ممكناً لم يكن التشاح ممكناً إلّا باعتبار النفس الأمّارة بالسوء.
ولا يفرق في ذلك بين كون المؤذّنين مجتمعين أو متداخلين أو متتابعين، لأنّ كل ذلك هو مقتضى الإطلاق للاستحباب، فالتتابع ليس أفضل من الاشتراك من هذه الناحية إلّا أن يكون أوضح في ذكر الله لسماع أذان واحد في كلّ مرّة، إلّا أنَّه مرجوح من ناحية أخرى وهو فوات وقت الفضيلة؛ لأنَّ المعروف أنَّ الصلاة كلّما قربت من أوّل الوقت فهي أفضل ولولا استحباب الأذان والإقامة لكان ينبغي أن يكون التكبير للصلاة في أوّل الوقت تماماً. وتعدّد الأذان موجب للتأخير، فلا أقلّ من أن يتزاحم السببان للرجحان والمرجوحية، فيندفع سبب الرجحان إما بمثله أو بالأهمّ.
وقد قال الهمداني عن استحباب التتابع «لم نعرف مستنده»(1) وقد عرفناه.
[الثامنة: في اجتزاء الامام بسماعه الأذان]
قال المحقّق: «الثامنة: إذا سمع الإمام أذان مؤذّن جاز أن يجتزئ به في الجماعة وإن كان ذلك المؤذّن منفرداً»(2) وقد سبق ذلك في قول المحقّق: «ولو صلّى جماعة وجاء آخرون لم يؤذّنوا ولم يقيموا على كراهية ما دامت الأولى لم تتفرّق… الخ»(3).
ــــــ[230]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص368، ط مؤسسة آل البيت.
(2) شرائع الإسلام: ج1 ص93 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(3) شرائع الإسلام: ج1 ص91 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وقد كان لهذه المسألة حصص كثيرة، وقد أراد المحقّق هنا أن يشير إلى بعض الحصص وهي أقلّها في الفهم المتشرعي.
أما الأخبار الدالّ على ذلك
فمن قبيل:
– رواية أبي مريم الأنصاري قال: «صلّى بنا أبو جعفر في قميص بلا إزار ولا رداء ولا أذان ولا إقامة -إلى أن قال- فقال: وإنّي مررت بجعفر وهو يؤذّن ويقيم فلم أتكلّم فأجزأني ذلك»(1).
– رواية عمرو بن خالد عن أبي جعفر قال: «كنّا معه فسمع إقامة جارٍ له بالصلاة فقال: قوموا فقمنا فصلّينا معه بغير أذان ولا إقامة، وقال: يجزئكم أذان جاركم»(2).
وضعف السند لا يضرّ، كل ما في الأمر أنّه رخصة لا عزيمة لاستحباب كلا الأمرين وهو الأذان وتركه، وقد استظهر الهمداني أن «إعادته أفضل»(3). أقول: إلّا فيما إذا لزم احتقار الأذان السابق.
والمحقّق أفتى بمقتضى نصّ الرواية وإلاّ فمقتضى الفهم العرفي من عبارته عدم الفرق بين الإمام والمأموم، إلّا أنَّ عدم الفرق ذلك شرعاً غير محرز فلا يكون السقوط محرزاً فيكون الأذان متعيّناً.
ــــــ[231]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص437 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص437 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مصباح الفقيه: ج11 ص372، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[الكلام في الاجتزاء هل هو رخصة أو عزيمة؟]
وهل هو رخصة أم عزيمة للمفرد والجامع بالنسبة لمن سمع الأذان، في حدود فهمي فإنّه رخصة، لأن كليهما مستحبّ ما لم يحصل عنوان ثانوي.
فإن قلت: فإنَّ هذه النصوص دليل على سقوط التكليف بالأذان فيكون عزيمة.
قلنا:
أولاً: يحتاج ذلك إلى فهم تنزيل من سمع الأذان منزلة المؤذّن والى صحّة السند وكلاهما قابل للمناقشة.
ثانياً: إنّ لسان الروايات لسان الكفاية لا لسان براءة الذمّة.
فإن قلت: إ نّنا لا نحتاج في المستحبات إلى سند.
قلنا: نعم، ولكن في براءة الذمة نحتاج إلى سند لوجود القاعدة المضادّة وهو أنَّ كلّ من يريد الصلاة ولم يؤذّن يستحبّ له الأذان، وهذا لم يؤذّن أكيداً وإنما سمع الأذان فنستصحب اشتغال الذمّة ما لم يثبت بدليل كافٍ سنداً ودلالةً وتكون نتيجته التخيير أو الرخصة، ولسان الروايات مجرّد الكفاية.
[في كفاية سماع بعض الأذان أو كلّه]
ثُمَّ أثار الهمداني فرعاً آخر وهو كفاية سماع بعض الأذان أو كلّه.
وقال: «أولاً: أنَّه كما أن إيجاد الأذان ناقصاً غير مجزئ كذلك سماعه ناقصاً»(1).
ــــــ[232]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص373، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ثُمَّ قال: «فعمدة المستند لهذا القول هو الوجه الأوّل وهو الاقتصار في الحكم المخالف للأصل على القدر المتيقّن»(1).
أقول: إلّا أنَّ القدر المتيقّن ليس هو ذلك بل هو مفاد الروايات وهي تفيد كفاية البعض لاستبعاد أن يكون قد سمع الإمام كلّ أذان جعفر وكذلك الأخرى. ثمّ يجيب الهمداني بأن هذا الاستبعاد بعيد ويقرّبه بوجوه بعيدة كاحتمال بطء مرور الإمام أو توقّفه عند سماع الأذان أو إسراع جعفر في أذانه ونحو ذلك، وكلّه خلاف الظاهر فالظاهر أن سماع البعض مع إحراز التمامية ولو بالاستصحاب يكفي.
لكن مقتضى القاعدة ينبغي أن نحرز أيضاً أنَّ المؤذّن أتمم أذانه إثباتاً وثبوتاً، وليس في الروايات ما يشعر بخلاف ذلك، وليس المورد أولى من الأذان نفسه.
[التاسعة: الحدث أثناء الأذان والإقامة]
قال المحقق: «التاسعة: من أحدث في أثناء الأذان والإقامة تطهّر وبنى والأفضل أن يعيد الإقامة»(2) طبعاً مع حفظ الموالاة المتشرّعية كما قلنا في بعض المسائل السابقة من أنَّه يتوضّأ بسرعة أو وظيفته التيمّم أو أنّه فاقد الطهورين، والمقصود فقهياً أنَّه لا يجب أن يكون المؤذّن متطهّراً، بل يستحبّ فإذا فات الشرط الاستحبابي عمداً أو خطأً أجزأ الأذان.
فلو أذّن محدثاً عامداً كان له الوضوء خلال الأذان أو بعده للصلاة، وأما
ــــــ[233]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص373 ـ 374، ط مؤسسة آل البيت.
(2) شرائع الإسلام: ج1 ص93 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الإقامة فهي من هذه الناحية أولى من الأذان في هذا الحكم إلّا أنَّ الموالاة آكد في الإقامة، بل تنفرد بالدليل عليه أيضاً. وهو أن الكون الإقامي كون صلاتي.
مضافاً إلى خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى قال: «سألته عن المؤذن يحدث في أذانه أو في إقامته؟ قال: إن كان الحدث في الأذان فلا بأس وإن كان في الإقامة فليتوضّأ وليقم إقامة»(1).
وقد استدلّ بها الهمداني ومراده اشتراط الطهارة في الإقامة إلّا أنَّ الأمر بالإعادة لعلّه مستند إلى فوات الموالاة، ولم تفت في الأذان وإنّما فاتت في الإقامة، ولو اشترط الطهارة فقط لزم القول بالبناء على السابق -لأنَّه كان على طهارة أو في الكون الإقامي- وقراءة الباقي مع أنَّ ظاهر الرواية كون يبدأ بها من جديد، إلّا أن نقول بصيغة أخرى للشرطية للطهارة وهو أنَّ كل أجزاء الإقامة مشترطة بالكون على طهارة في كلّ الأجزاء حتى المتأخّر منها وهو أمرٌ محتمل إلّا أنَّه بعيدٌ بحيث يكون بطلان الجزء المتأخّر يؤدّي إلى بطلان التقديم مع انحفاظ الموالاة في المفروض.
فإن قلت: فإن مقتضى تنزيلها منزلة الصلاة هو ذلك.
قلنا: نعم إلّا أنَّ كون المدرك له إطلاق من هذه الناحية محلّ إشكال.
ولذا يصحّ ما قال المحقّق: «إذا أحدث في أثناء الأذان والإقامة تطهّر وبنى»؛ لعدم شرطية الطهارة وانحفاظ الموالاة، أو نقول لشرطية الطهارة في الألفاظ لا في الكون، والأفضل أن يعيد الإقامة أخذاً برواية على بن جعفر.
ــــــ[234]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص393 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[العاشرة: أن الإقامة لا تُعاد إذا أحدث في الصلاة إلا أن يتكلّم]
قال المحقّق: «العاشرة: من أحدث في الصلاة تطهّر وأعادها ولا يعيد الإقامة إلّا أن يتكلّم»(1) أمّا إعادة الصلاة فمسلمة إلّا أنَّ دليلها ليس هنا وإنما في قواطع الصلاة، وهناك يقال إ نَّ الحدث قاطع سواء وقع سهواً أم عمداً وسواء كان كبيراً أو صغيراً وسواء كان واحداً أو متعدّداً أن تصوّرنا حدوث حدثين دفعة واحدة؛ وذلك لاشتراط جميع الأكوان الصلاتية بالكون على طهارة، ويأتي دليله في حينه.
وإنَّما سرد المسألة هنا لأجل التوصّل بها إلى أنَّ تأثير الحدث في إبطال الصلاة هل يبطل الإقامة أم لا؟
وجوابه: لا؛ لأنَّ الإقامة حصلت على طهارة وما وقع عليه لا يختلف وبطلان الصلاة غير ملازم مع بطلان الإقامة وكلّ ما في الأمر لا بدّ من فرض انحفاظ الموالاة بينهما كما في المسائل السابقة.
فإن قلت: فإنّه أذّن وأقام لتلك الصلاة التي أصبحت باطلة، وهذه صلاة أخرى فلا بدّ أن يقيم لها، ولا تجزي إقامة صلاة عن صلاة أخرى ولو كانت الإقامة صحيحة في نفسها.
قلنا: يجاب ذلك بأحد وجهين:
الأول: أنَّ النية خلال الإقامة هو إيجادها للصلاة أي لمطلق الصلاة أو طبيعي الصلاة -أو طبيعي صلاة الظهر مثلاً- المتمثّل بهذا الفرد، وليس لهذا الفرد بشرط لا عن غيره، فإذا بطل الفرد كانت الإقامة للطبيعي متمثّلاً بفرد آخر.
ــــــ[235]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص93 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الثاني: أنَّه يمكن قياسه، هل هو تنقيح المناط أو التجريد عن الخصوصية على من سمع أذان الغير وإقامته، فإنّه حكم الشارع بسقوطها عنه، وهنا أولى لأنَّ الإقامة إقامته والاذان أذانه.
فإن قلت: هو قد بطلت صلاته وذاك الآخر قد صحّت صلاته على ما هو المفروض فاختلف الحال فلا قياس.
قلنا: كلا، ليس المفروض صحّة صلاة الآخر بل لعلّه أقام ولم يصلِّ أصلاً ومقتضى الروايات إجزاء إقامته ما دامت على الوجه الصحيح، فكذلك الحال في المقام.
[الحادية عشرة: من صلّى خلف إمام لا يُقتدى به أذّن لنفسه وأقام]
قال المحقّق: «الحادية عشرة: من صلّى خلف إمام لا يقتدى به أذّن لنفسه وأقام»(1).
والكلام في الإعادة:
إمّا لبطلان الجماعة كما هو ظاهر المحقّق.
وإمّا لبطلان الأذان نفسه.
والأوّل يتحقّق في الشيعي، والثاني يتحقّق في السنّي، أمّا مع بطلان الأذان نفسه فإنَّه لا يجزي عن الغير فلا بدّ له أن يؤذّن، لأن المجزي إنّما هو الأذان الكامل ويمكن أن تحمل العبارة على ذلك لأنَّه يقول بعد ذلك: فإن أخلّ بشيء من فصول
ــــــ[236]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص93 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الأذان استحب للمأموم أن يتلفّظ به، إذا حملناه على الإخلال النوعي يعني عدم الإيمان بالجزئية كـ (حيّ على خير العمل) لا نسياناً ونحوه.
وأمّا مع بطلان الجماعة مع صحّة الأذان فيمكن القول بإجزاء الأذان لما سبق من عدم اشتراط صحّة الصلاة في صحّة الأذان وعدم الملازمة بين البطلانين، كما لا دليل على عدالة المؤذّن أو عدالة الإمام في إجزاء الأذان، فمقتضى القاعدة الإجزاء.
إلاّ أنَّ رواية ابن سنان، عن أبي عبد الله قال: «إذا أذّن مؤذّن فنقص الأَذان وأنت تريد أن تصلّي بأذانه فأتمّ ما نقص هو من أذانه»(1). تدلّ على عدم الإجزاء، لعلّه لعدم إجزاء أذان الجماعة عموماً، وليس فيها أنّه يصلّي جماعة بل لعلّ ظاهره الخلاف.
وكذلك ما بعدها رواية عمرو بن خالد عن أبي جعفر قال: «كنّا معه فسمع إقامة جارٍ له بالصلاة فقال: قوموا فقمنا فصلّينا معه بغير أذان ولا إقامة، وقال: يجزئكم أذان جاركم»(2). والثانية مخالفة للتقية لعلّه لأجل عدم وثاقته أو لكونه للإعلام أو لكونه ناقصاً لا من حيث كونه مخالفاً.
وكلّها ظاهرة بالمعنى الأوّل دون الثاني، لأنَّ الشيعي الذي لا يقتدى به لا يجوز أو لا يستحبّ الالتحاق به بخلاف السنّي.
وأشكل عليها في (المدارك)(3): «أنَّها ضعيفة السند ومقتضاها تقديم الذكر
ــــــ[237]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص437 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص437 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مدارك الأحكام: ج3 ص302، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
المستحبّ على القراءة الواجبة وهو مشكل» .
وأجيب عنه: بانجبار الضعف بالعمل وبأن هذا الاستشكال في تقديم الذكر المستحبّ على القراءة الواجبة من قبيل الاجتهاد في مقابلة النصّ مع أن القراءة إنّما تجب بعد دخوله في الصلاة على تقدير التمكن من فعلها فله قبل افتتاح الصلاة أن يشتغل بالمباحات فضلاً عن الذكر المستحبّ ثمّ يراعي بعد دخوله في الصلاة ما يقتضيه تكليفه من القراءة وعدمها.
ويمكن الدفاع عن المدارك أمّا ضعف الرواية فبأمرين:
1. أنّنا لا نقبل الانجبار بعمل الأصحاب.
2. أنَّ الأمر يعود إلى حكم إلزامي لا إلى حكم استحبابي وذلك لفوات صلاة الجماعة.
وأمّا عن الآخر فإنَّه يشترط في الجماعة [……..](1).
[الثانية عشر: في ترك الأذان والإقامة لمن خشي فوات الصلاة]
قال المحقّق: «وإن خشي فوات الصلاة اقتصر على تكبيرتين وعلى قوله قد قامت الصلاة»(2).
أخذاً برواية معاذ بن كثير، عن أبي عبد الله قال: «إذا دخل الرجل المسجد وهو لا يأتمّ بصاحبه وقد بقي على الإِمام آية أو آيتان فخشي إن هو أذّن
ــــــ[238]ـــــــ
(1) سقط في النسخة الخطية.
(2) شرائع الإسلام: ج1 ص93 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وأقام أن يركع فليقل: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، وليدخل في الصلاة»(1).
وهي مخالفة للقاعدة من حيث إنَّ التبعيض في الإقامة مشروع للنساء ولا يشمل الرجال، والتجريد عن الخصوصية غير ممكن، فلو أعملنا الرواية:
أوّلاً: لا خصوصية لمن لا يقتدى به، فلو علمنا أنَّه لم يؤذّن ولم يقم ولو لعذر أو عجلة أمكن التجريد عن الخصوصية.
ثانياً: يمكن التجريد بالخصوصية للنساء أيضاً.
ثالثاً: قدّم المحقّق لفظ التكبير احتراماً وحذف التهليل، وهو سهو منه، فلو اقتصر على ما قاله المحقّق لم يجزئ؛ لأنَّه على خلاف القاعدة، والتسامح يقتضي الأخذ بالقاعدة فقط.
[الثالثة عشر: إذا أخلّ المؤذن في شي من فصول الأذان]
ثُمَّ قال: «وإذا أخلّ المؤذّن بشيء من فصول الأذان استحبّ للمأموم التلفّظ به». واستظهر الهمداني(2) و(المدارك)(3) بأنَّه تتمّة للمسألة السابقة؛ ولذا يختصّ بالمخالفين، مع أنّ مضمون المسألة والرواية عامّ لإطلاق النصّ كما سيأتي.
أقول: يمكن الاعتذار للمحقّق أنّه قال: «إذا أذّن المؤذن» يعني الكلّي، وإلاّ ففي مورد المسألة لم يسمع الأذان.
ــــــ[239]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص443 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص380، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مدارك الأحكام: ج3 ص302، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
وأشكل عليه في (المدارك)، بقوله:
أولاً: «أمّا أوّلاً: فبأنّه خلاف مدلول النصّ وهو صحيح ابن سنان إذا أذّن مؤذّن فنقّص الأذان وأنت تريد أن تصلّي بأذانه فأتمّ ما نقص هو من أذانه»(1).
ولم يقم وجه المخالفة، إلّا أنَّ الظاهر أنّ وجهه أنّ الرواية تأمر بالإتمام والمحقّق يأمر بالتدارك.
وقوله ثانياً: «وأمّا ثانياً: فلما صرّح به الأصحاب ودلّت عليه الأخبار من عدم الاعتداد بأذان المخالف، فلا فائدة في إتيان المأموم بما تركه الإمام [المؤذّن] من الفصول، اللّهم إلّا أن يقال أنَّ ذلك مستحب في نفسه وإن كان الأذان غير معتدّ به، وهو حسن لو ثبت دليله.
واحتمل الشارح جعل هذه المسألة منفصلة عن الكلام السابق، وأنّها محمولة على غير المخالف كناسي بعض فصول الأذان، أو تاركه، أو تارك الجهر به؛ تقيّة»(2).
وهو جيّد من حيث المعنى، لكنّه بعيد من حيث اللفظ.
ثُمَّ قال الهمداني: «أقول: ولعلّه أراد بمخالفة النصّ عدّه مستحبّاً مع ظهور النصّ بالوجوب الشرطي»(3).
أقول: هذا لا يتمّ؛ لأنّه ظاهر بالأفضلية لا بالوجوب، فلو اكتفى بالأذان
ــــــ[240]ـــــــ
(1) مدارك الأحكام: ج3 ص302، ط مؤسسة آل البيت.
(2) المصدر السابق.
(3) مصباح الفقيه: ج11 ص381، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الناقص نسياناً أجزأه، فلا منافاة من هذه الناحية.
نعم، ينافيه بما قلناه من أنّه أمر بالإتمام لا بالتدارك والإتمام ظاهر بقراءة باقي الأذان كلّه، إلّا أنَّه أيضاً لا يتمّ؛ لأنَّ المراد من الإتمام التدارك الذي به يحصل التمام.
وأمّا الإشكال الثاني وهو عدم الاعتداد بأذان المخالف فهو وإنَّ صحّ في كلّ أذان ناقص نوعي أو شخصي عمداً بحيث لا يكون معذوراً فيه أمّا إذا كان معذوراً فلا بأس للأمر بحضور جماعاتهم، إلّا أنَّ الخبر منصرف عنه؛ لأنّه ظاهر بخصوص الغفلة والنسيان؛ ولعدم صدق الإنقاص في المخالف أو في الإنقاص النوعي؛ لأنَّ المؤذّن نفسه يعتقد بالتمامية خلافاً لما قاله الهمداني من أنّه «أوضح الأفراد» (1) فإنَّه كذلك من باب تداعي المعاني لا من الاستظهار، وكذلك عبارة المحقّق واضحة بالانصراف عن ذلك أيضاً.
ومن هنا يتّضح أنَّ المحمول مختصّ بالناسي، ولا يشمل العامد بكلّ أقسامه حتّى لو كان إمامياً كما لا يشمل من لم يجهر بأذانه تقيّة، فإنَّه قد قال الفقرة في الجملة، وهذا يكفي في الصحّة؛ لعدم شرطية الجهر في صحّة الأذان.
اللهم إلّا أن يُقال أحد وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ الإخفات كان بحيث انتفى الصوت بالمرّة، فيصدق نقصان الأذان، وهذا ينبغي أن يقيّد بما إذا كان المؤذّن يعتقد بوجود الصوت، وإلاّ بطل أذانه إذا كان عامداً.
ــــــ[241]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص382، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الوجه الثاني: أنَّ المأموم قد لا يسمع بعض فقرات الأذان فيستحبّ له إعادتها، إلّا أنَّ هذا غير محتمل؛ لأنَّ عدداً من ألسنة الروايات على خلافه كأذان جعفر وأذان جاركم والاكتفاء بأذان الجماعة قبل تفرّقها ونحوها.
مسألتان لم يتعرّض لهما المحقّق الحلي
بقي من مسائل الأذان مسألتان لم يتعرّض لهما المحقّق يحسن التعرّض لها؛ لأنّها محلّ البلاء نسبياً.
المسألة الأولى: الأذان عند ظهور الجن
منها ما ورد في خبر الصدوق عن الإمام الباقر «أنّه إذا تولّعت الغول بكم فأذّنوا أذان الصلاة»(1) وهي عدّة أخبار والظاهر أنَّ الموجود منها في (المصباح) أكثر من الوسائل، فقد تصل إلى حدّ الاستفاضة وإن كانت كلّها ضعيفة، وفي بعضها «إذا تغوّلت بكم الغيلان»(2).
فهنا عدّة خطوات:
[الخطوة الأولى: المعنى اللغوي لتولّعت وتغوّلت].
والظاهر أنّهما عبارتان كانتا مستعملتين لدى العرب في ظاهرة الجنّ وظهورهم للناس.
وأمّا أصلهما اللغوي:
ــــــ[242]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص456 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(2) المصدر السابق.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
فولع:
في المجمع ومختار الصحاح غير مفسّرة.
وفي المنجد(1): «وَلَع يلع ولْعاً بحقّه ذهب به. تولّع به أحبّه وعلق به شديداً، إتلع فلاناً والعةٌ أي خفي عليه أمره، فلا أدري أحي هو أم ميت. إيتلع فلان قلبي انتزعه الوالع (ج) ولعه: الكذّاب، يقال: وَلَع والِع، أي: كذب عظيم». وكلّ منها يمكن أن يكون أصلاً لهذا الاستعمال.
وأمّا غول:
قال الراغب: «الغَوْل إهلاك الشيء من حيث لا يحسّ به، يقال: غال يغول غولاً، واغتاله اغتيالاً، ومنه سمّي السعلاة غولاً، قال في صفة خمر الجنة: ﴿لا فيها غول﴾ نفياً لكلّ ما نبّه عليه بقوله: وأثمهما أكبر من نفعهما. وبقوله: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ(2)(3).
وقال في المنجد(4): «غاله غَوْلا: أهلكه من حيث لا يدري، وغالته الخمر شربها فذهبت بعقله أو بصحّة بدنه وضلّلته، تغوّلت الأرض بفلان أهلكته وضلّلته، وتغوّلت الغيلان القوم أضلّتهم عن المحجّة الغائلة (ج) غوائل: الداهية المهلكة، الغول (ج) أغوال وغيلان: الداهية الهلكة، حيوان لا وجود له.
ــــــ[243]ـــــــ
(1) المنجد في اللغة والأدب والعلوم: ص918، ط المطبعة الكاثوليكية.
(2) المائدة: 90.
(3) المفردات في غريب القرآن: ص619 ـ 620 ط دار القلم.
(4)المنجد في اللغة والأدب والعلوم: ص562، ط المطبعة الكاثوليكية.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
غاول مغاولة: أسرع في السير. تغاولاً: تسابقاً وتبادراً.
تغوّلت المرأة: تلوّنت، و الأمر تنكّر. الغوال: ما يتلوّن ألواناً من السحرة والجنّ.
الغال (ج) غالات: القفل – فارسية أو مولدة . الغول: التراب الكثير – ما انهبط من الأرض. الأغول من العيش: الناعم».
وفي (المصباح)(1): «وفسّره الهروي: بأنَّ العرب تقول إ نّ الغيلان في الفلوات ترائي الناس. تغوّل غولاً أي: تلوّن تلوناً تضلّهم عن الطريق وتهلكهم. وروي في الحديث (لا غول) وفيه إبطال لكلام العرب، فيمكن أن يكون الأذان لدفع الخيال الذي يحصل في الفلوات وإن لم يكن له حقيقة.
وعن النهاية الأثيرية(2): وقيل قوله: (لا غول) ليس نفياً لعين الغول ووجوده، إنما فيه إبطال زعم العرب في تلوّنه بالصور المختلفة واغتياله، فيكون المعنى بقوله لا غول: أنّه لا يستطيع أن يضلّ أحداً.
وفي الحديث الآخر: (لا غول ولكن السعالي) سحرة الجنّ، أي ولكن في الجنّ سحرة لهم تلبيس وتخييل، ومنه الحديث: إذا تغوّلت الغيلان فبادروا بالأذان، أي: ادفعوا شرّها بذكر الله تعالى».
[الخطوة الثانية: إمكان انكشاف الجنّ]
هذا وأمّا من حيث الإمكان فالجنّ منصوص على وجوده في القرآن الكريم.
ــــــ[244]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص383، ط مؤسسة آل البيت.
(2) النهاية في غريب الحديث، ج3 ص396 ط المكتبة العلمية.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
ولا نعلم تفاصيل حياتهم. وهم محجوبون عنّا ويعيشون على أرضنا، والمهمّ إمكان رؤيتهم للبشر أحياناً، أمّا بتجرّد البشري أو تجسّم الجنّي ولو جزئياً وإلاّ لم يحسّ به، وليس في ذلك أذية دائماً؛ لأنَّ الجنّ ليس كلّه مؤذي، وإنَّما أغلب الأذى يكون للخوف من الجنّ، وهو ليس نقصاً في الجنّي، بل في البشري.
وهذا ما يحصل من الانكشافات غير المتوقعة أحياناً، ولا دليل على أنَّ انكشافه يكون باختياره دائماً بل أحياناً باختيار الإنسان وأحياناً بمشيئة الله تعالى، وغالباً ما يحصل في حال الرهبة والوحشة كحال الانفراد أو الظلام أو التيه ونحو ذلك، وهو ممكن في قدرة الله وقدرة الجنّ وقدرة البشر، والقصص في ذلك فوق التواتر، إلّا أنَّ المهمّ أنَّ نسبة الوهم والخيال فيها عالية جداً، وما ينتج من التواتر قليل.
[الخطوة الثالثة: في مدلول قوله: (تولّعت) و(تغوّلت)]
وعليه فقوله: «إذا تولّعت أو تغوّلت» يعني:
1- آذتك أو خفت منها. وليس مجرّد الخوف، بل ما كان له مسبب منهم، ولذا كان منسوباً إليهم.
2- كما أنَّه ليس المراد الهلاك الكامل؛ لأنّه عندئذٍ لا مورد للأذان ولا دافع لأمر الله.
3- كما أنَّه لا يشمل مورد تقبل البشري له؛ لأنَّه عندئذٍ لا يريد طردهم كما لو هو تولّع ببعض الجنّ وأحبهم.
4- كما لا يشمل صورة عدم وجود الأمرين: الهلاك والخوف بحيث يكون الفرد آمناً. ومنه الأسفار الحديثة، بل لعلّه أنَّ الخوف ينبغي أن يكون ناشئاً من
ــــــ[245]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
سبب. وأمّا إذا كان وهميّاً صرفاً فلا مجال لدفع الجنّ؛ لأنّه لا يوجد جنّ لكي يدفعوا. وقوله: (تغولن) يعني يحصل فعلاً سبب، لا أنَّه وهمي خالص، غاية الأمر أنَّ الفرد قد يكون قاطعاً بوجود الجنّ على غير واقع فيتعذّر ولا يزول ما فيه؛ لعدم وجودهم.
[الخطوة الرابعة: الآيات القرآنية في تأثير الجنّ]
قال تعالى: شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ(1) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدْ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الإِنسِ(2) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ(3) بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ(4).
والتأثير المحتمل على أشكال:
1- تجرّد البشري.
2- الوسوسة.
3- ظهور الجنّ على شكل بشر.
4- التأثير على الذهن تذكيراً أو نسياناً. وَمَا أَنْسَانِيهُ إلّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ(5).
ــــــ[246]ـــــــ
(1) الأنعام: 112.
(2) الأنعام: 128.
(3) فصّلت: 29.
(4) سبأ: 41.
(5) الكهف: 63.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
5- الإيحاء بالخطة أو بالعمل.
6- التأثير على النفس بالقناعة أو بالتشكيك بأصول الدين أو فروعه.
وظاهر الآيات تأثير الأنس على الجنّ أيضاً يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ(1).
ونحن نعلم أنَّ الإنسان أقوى نفساً وأقوى عقلاً من الجنّ، والجنّ يحبّ البشر روحاً وعقلاً، ويأخذ منه ويحسبه جيد أو حقّ غير أنَّ الجنّ لهم خصوصية التلبّس بأشكال، وهو ممّا يفقده الأنس، ومن هنا يخافون منهم، وإنّما يخاف من له نفس ضعيفة غير متطورة إلى جانب القوة، فإذا أصبح الأنس شيطاناً أو رحماناً أصبح قوياً؛ ولذا يسخّرهم لأغراضه.
والعكس غير موجود.
وعلى أي حال فإنَّ أخذ الجنّ من البشر يكون على أشكال أهمّها أنَّنا نعلم أنّهم يرون البشر ويسمعون منهم، فلربما اقتنعوا من بعض كلامهم.
وبالنسبة إلى الآيات بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ أي في عالم واحد لا في عالمين، أو نقول بإمكان ذلك، فليس من المستبعد أنَّ شياطين الأنس يرون الجنّ من حيث يعلمون أو لا يعلمون أو يوسوس الجنّ في نفوسهم وقناعاتهم كما يوسوس الشيطان، وهو من الجنّ.
وقوله: قد استكثرتم يمكن تفسيره، قد تكاملتم بسبب الأنس أو من حيث لا يعلم الأنس، والخطاب لكلّ الجنّ خيّرهم وشرّهم.
أو أنَّهم تعدوا المقدار المسموح لهم بالعلاقة بالأنس، أو أنّهم أخضعوا عدداً
ــــــ[247]ـــــــ
(1) الأنعام: 112.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
كبيراً من الأنس لأهوائهم وأغراضهم، ونحن لا نعلم كم يمكن للجنّ أن يستفيد من الأنس.
ونقول: أضلّانا ظاهره واحد أنسي وواحد جنّي أو إمام الضلالة والشيطان، وهو من الجنّ أو حصّتان كليّتان، ويفسّره بعضهم باثنين بعد الإسلام من الأنس، لكن لا بدّ أن يقابله اثنان من الجنّ، وهو مفقود. والمهم أنَّ الشياطين الأنس والجنّ كلاهما قابل لإضلال الأنس والجنّ معاً.
وقوله تعالى: يَعْبُدُونَ الْجِنَّ (1) له عدّة تفاسير:
1- ما هو ظاهره من عبادة الجنّ.
وجوابه: أنَّنا لو سألنا أكثر البشر لأنكروه.
2- عدم تشخيص الذات الإلهية طبعاً فيتخيّل زيد بأنَّ شيئاً ما هو الله ويعبده، ثُمَّ يظهر أنّه جنَّ أو هو واقعاً كذلك.
3- إنَّ الشيطان من الجنّ، وهو معبود عبادة طاعة لا عبادة خشوع.
4- أنَّ باطن الإنسان من عالم الجنّ وهو عالم الملكوت الأدنى فالنفس هي جنّي في داخل الفرد، كما يقول ابن عربي(2) وهي معبودة بالأنانية والهوى والشهوات، أي عبادة طاعة أيضاً اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ(3).
واسم الجنّ لم يأت في الحديث وإنما عبارة الغول وهو مطابق لفهم المجتمع
ــــــ[248]ـــــــ
(1) سبأ: 41.
(2) لاحظ: الفتوحات المكية: ج3 ص301 الطبعة الحديثة.
(3) الفرقان: 43.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
عندئذٍ، فمن الممكن أن نفهم منه معنى الموت والهلاك يعني إن رأيت سبب الهلاك فأذّن، ولكن هذا يأتي في أحد النصّين وهو تغوّل الغول ولا يأتي في تولّعت بمعنى أحبّت ولكن بمعنى ذهب به أو انتزعه يأتي فمن الممكن أن لا نفهم منها مسألة الجنّ إطلاقاً. ولكن الإنصاف أنّه خلاف الفهم العرفي والسياقي.
المسألة الثانية: الأذان في أذن المولود
وأمّا الأذان في أذن المولود كما تدلّ عليه مرسلة الصدوق عن الصادق قال: «المولود إذا ولد يؤذّن في أذنه اليمنى ويقام في اليسرى»(1) وقد أخذ بها المتشرعة، إلّا أنَّ هذا الأخذ لا يجبر ضعف السند باعتبار التسامح في أدلّة السنن يعني أخذوها مع اعترافهم بضعفها بخلاف الأخذ في الأحكام الإلزامية، فإن قيل: أنّهم جزموا بالفتوى قلنا تكفي أدلّة (من بلغ) لذلك وفي بعض مواليد الأئمة كذلك فالسيرة عليه.
والكلام يقع في الحكمة من ذلك مع أنَّ المولود لا يفهم شيئاً إطلاقاً.
جواب ذلك من وجوه:
1- أنَّه يسمع لا محالة فيكون أوّل ما يسمعه ذكر الله سبحانه للبركة وإن لم يفهمه.
2- ما كان يقوله والدي من أنَّ له أثراً وضعياً في هدايته إلى الحقّ في كبره.
ــــــ[249]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص456 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
3- أن ظاهره وإن كان ضعيفاً ولا يفهم شيئاً قطعاً إلّا أنَّ روحه موجودة وهي تفهم.
4- أنَّ هذا إنّما هو لمجرّد الثواب بصفته مأموراً به في الشريعة، فهو يفيد الكبير ولا يفيد الصغير، إلّا أنَّه خلاف الحكمة، كتجهيز الميت فإنَّه ليس ذنباً له إذا لم يجهّز ولا حسنة له إذا جهّز.
ولا يخفى أنَّ مواليد الأئمة لا يمكن التجريد عن الخصوصية.
1. لأنَّه عمل وهو لا إطلاق له.
2. إنَّ فهم الأئمّة أعلى بكثير من الفهم الاعتيادي حتى لو كانوا حديثي الولادة.
ــــــ[250]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الفهرس
مبحث الأذان والإقامة 11
[الأذان لغة] 11
[الأذان اصطلاحاً] 12
[الإقامة لغة واصطلاحاً] 12
[مناقشة الهمداني في تعريف الإقامة لغة واصطلاحاً] 13
[أحكام الأذان والإقامة] 14
[الكلام في دفع احتمال الوجوب دفعاً مطلقاً] 16
[دفع احتمال الوجوب للأذان] 16
[المرحلة الأولى: في عدم وجوب الاذان مطلقاً] 17
[ادعاء عدم المقتضي لوجوب الأذان] 17
[وجود المانع] 18
[وجود المانع اللفظي] 18
ــــــ[251]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[وجود المانع اللُّبّي] 20
[المرحلة الثانية: في وجوب الأذان في الجماعة] 21
[الكلام في المقتضي] 21
[وجود المانع] 22
[المانع اللفظي] 22
[المانع اللبي] 23
[المرحلة الثالثة: في وجوب الأذان في الصبح والمغرب] 24
[الكلام في المقتضي] 24
[وجود المانع] 25
[المانع اللفظي] 25
[المانع اللبي] 26
[دفع احتمال الوجوب للإقامة] 27
[دفع احتمال وجوب الإقامة مطلقاً] 28
أولاً: تصوّر المقتضي 28
[ثانياً]: وأمّا وجود المانع فقسمين: 30
[المانع اللفظي] 30
ــــــ[252]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[المانع اللبي] 31
[الكلام في وجوب الإقامة في التفاصيل] 32
[وجوبها في الفجر والمغرب] 32
[وجوبها في الجماعة] 33
[الحديث عن الإقامة في السفر والحضر] 36
[مناقشة عبارة صاحب (المصباح) « لكن يشترط أن تسرّ المرأة »] 38
[في عود الضمير مبهماً في عبارته] 38
[في المقصود من (الاشتراط)] 39
[ما دلّ على استحباب الأذان والإقامة للنساء] 39
[الكلام في تخيير المرأة بين ثلاثة أمور] 41
[مناقشة فتوى المحقق (بانها تسرّ به اشتراطا)] 42
[مناقشة ما ذكره صاحب (المصباح) (من كون صوتها عورة)] 43
[في الاعتداد بأذان المرأة للرجال] 45
[مناقشة ما أورده الهمداني من (ادعاء القطع بالمناط عهدته على مدعيه)] 46
ــــــ[253]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[في شمول الأذان والإقامة للنوافل] 48
[ما دل على الإطلاق من ألسن الروايات] 50
[كلام في (ال) جنسية أم عهدية؟] 52
[الكلام في مشروعية الأذان والإقامة للفرائض غير اليومية] 53
[تتمة في الحديث عن الأذان والإقامة] 53
[الأذان والإقامة لقضاء الصلوات الخمس] 54
[في حذف الأذان في الأداء والقضاء] 56
[في حذف الأذان في الأداء] 57
[في حذف الأذان في القضاء] 57
[مناقشة في التعارض بين أخبار الأداء والقضاء] 58
[هل سقوط الأذان رخصة أو عزيمة؟] 59
[الأذان والإقامة في الجمعة وعرفة] 60
[الأذان والإقامة في الجمعة] 61
[بحث في ترك الأذان والإقامة مع الجمع أو مطلقا] 64
[في سقوط أذان العصر في عرفة] 68
[كلام في دلالة صحيحة منصور بن حازم (الجمع بأذان وإقامتين)] 70
[الكلام في الأذان في عرفة لغير الحاج والمحرم] 72
ــــــ[254]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[في الأذان والإقامة لمن جاء أثناء صلاة الجماعة] 73
[وجوه الجمع بين أخبار حذف الاذان ووجوده] 76
[في إعادة الاذان للمنفرد الذي أراد الجماعة] 77
[الكلام في شروط المؤذّن] 78
[العقل] 78
[الإسلام] 79
[الإيمان] 80
[في الأذان بأذانهم تقية] 80
[دلالة قوله (يُقتدى به) على العدالة] 81
[الذكورة] 81
[في شمول دليل أذان وإقامة الواحد في الجماعة للمرأة] 83
استدراك 84
[في عدم اشتراط البلوغ] 87
[في أذان المسجلات والصور المتحركة] 89
[في قراءة القرآن بروح الميت بالمسجِّلة] 90
[في سماع الغناء بالمسجِّلة] 90
ــــــ[255]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[في مستحبات وصفات المؤذّن] 91
[العدالة] 91
دليل الشرطية أمور 92
[أن يكون صيِّتاً (شدة الصوت)] 95
[في أن يكون مُبصراً بصيراً] 98
[في قوله: أن يكون بصيرا بالأوقات] 101
[استحباب الطهارة] 102
[في شرطية التطهر للإقامة] 103
[مناقشة لوجوب التطهر الشرطي للإقامة] 105
[في الأذان قائماً] 106
[الاستدلال على القيام بالأدلة العامة والقواعد] 107
[الاستدلال على القيام بالروايات] 108
[في الأذان جلوساً] 109
[في أن يكون الأذان على مرتفع] 111
[الأذان في المنارة] 112
[من صلى منفرداً دون أذان سهواً] 112
ــــــ[256]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[الاحتمالات في الرجوع أو عدمه بعد الدخول في الصلاة] 114
[في وجود المعارض الدال على الاستمرار في الصلاة] 116
[في تعمد ترك الأذان أو الإقامة] 119
[الأخبار الدالة على عدم جواز القطع] 121
[في الجمع بين الطائفتين الدالة على الرجوع والدالة على عدمه] 126
[في إعطاء المؤذّن أجرة] 127
[نواحي الإشكال في الأجرة] 128
[كلام في كراهة الأجرة وكونها سحتاً] 128
[في أخذ الأجرة على الأذان للغير وجواز الإستنابة] 129
كيفية الأذان 131
[مشروعية الأذان قبل الوقت] 131
[مناقشة دلالة رواية (ابن أم مكثوم)] 133
[الكلام في أوجه أدلة الجواز وأصالة البراءة] 134
الإقامة قبل الوقت 136
[مناقشة المحقق والهمداني في تقديمها على الصبح] 137
[مناقشة المحقق في استحباب الإعادة بعد الطلوع] 138
ــــــ[257]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[الكلام في فصول الأذان والإقامة] 139
الكلام في الأذان 139
[الاستدلال على أن التكبير مرتين] 141
الكلام في إضافة الشهادة بالولاية لعلي 142
[الأدلّة على الشهادة لعلي] 144
[كلام في التكرير] 151
وجوه [في تقييد التكرير بعدم منافاة الموالاة] 154
[ما دلّ على أنَّ التكبير في الأذان اثنان لا أربع] 156
[الجمع بين ما دلّ على الاثنين وما دلّ على الأربع من الأخبار] 158
[بحث لغوي في (حيّ)] 163
[التكبيرات الأربع والتهليل في آخر الأذان] 164
الكلام في الإقامة 166
[الروايات الواردة في تكبير الإقامة] 166
[الروايات الواردة في التهليل في الإقامة] 167
[في الترتيب بين الأذان والإقامة] 169
ــــــ[258]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
الجهة الأولى: [في الترتيب ] 169
أوّلاً: في مخالفة الأجزاء: 169
[جريان قاعدة التجاوز في محل الكلام] 171
[جريان قاعدة الفراغ في مورد الكلام] 172
[الجهة الثانية: في السهو] 173
[الجهة الثالثة: في التتابع] 174
[كلام في قطع الفريضة لمن نسيَ من الاذان أو الإقامة شيئاً] 176
[كلام في ما يُستحب في الإقامة] 177
[في استحباب استقبال القبلة] 177
[في استحباب أن يقف على أواخر الفصول] 180
[البحث في مقتضى القاعدة] 180
[بحث لغوي في الوقف على سكون والدرج على حركة] 181
[الكلام في الأدلة الخاصة] 182
[في رواية: الاذان جزم بإفصاح الألف والهاء، والإقامة حدراً] 183
ــــــ[259]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[الأمر الأول: الإقامة حدراً] 184
[الأمر الثاني: إفصاح الألف والهاء] 184
[مواضع (الهاء) و(الالف) محل الإشكال] 186
[في استحباب التأنّي في الأذان، والحدر في الإقامة] 187
[كلام في استحباب الأذان ترتيلاً والإقامة حدراً] 188
[في استحباب أن لا يتلكم بينهما] 190
[الكلام في أخبار جواز التكلم] 192
[الجمع بين الاخبار الدالة على المنع والدالة على الجواز] 193
[استحباب الفصل بين الأذان والإقامة] 195
[الكلام في المطلق: الفصل بالقعود] 195
[الكلام في المطلق: الفصل بخطوة] 196
[الكلام في الخاص: الفصل بين الأذان الإقامة في المغرب] 197
[كلام في الترجيع في الأذان] 199
[بحث في معنى الترجيع] 201
[في حكم الترجيع] 202
[كلام في التثويب وهو قول المؤذن: (الصلاة خير من النوم)] 204
ــــــ[260]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[كلام في حرمة الثتويب] 206
[الكلام في كراهة التثويب] 208
في أحكام الأذان 208
[الأولى: من نام خلال الأذان أو الإقامة] 208
[من أغمي عليه خلال الأذان أو الإقامة] 211
[الثانية: من أذّن ثم ارتد] 212
[مناقشة الاستدلال بالحديث: المسلمين يسعى بذمّتهم أدناهم] 214
[ شهادة المرتد في أول الوقت ] 215
[الثالثة: استحباب حكاية الأذان مع النفس لمن سمعه] 216
[مناقشة في قوله: (مع نفسه)] 217
[مناقشة ما أورده صاحب العروة في حكاية الأذان] 218
[الرابعة: في الكلام إذا قول المؤذن (قد قامت الصلاة)] 222
[الخامسة: في التفات المؤذن يميناً وشمالاً] 222
[في الأدلّة على الاستحباب] 223
[في الأدلة على الكراهة] 224
[السادسة: في اتشاح الناس في الأذان] 224
ــــــ[261]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
[في أسباب التشاح] 225
[في معاني الاتشاح] 226
[فيمن الذي يُقَدِم (بكسر الدال)] 226
[في الصفة التي تُقَدَّم (بفتح الدال)] 227
[الكلام في صور التعارض بين الصفتين] 228
[السابعة: في جواز أذان الجميع إذا كانوا جماعة] 229
[الثامنة: في اجتزاء الامام بسماعه الأذان] 230
أما الأخبار الدال على ذلك 231
[الكلام في الاجتزاء هل هو رخصة أو عزيمة؟] 232
[في كفاية سماع بعض الأذان أو كله] 232
[التاسعة: الحدث اثناء الأذان والإقامة] 233
[العاشرة: أن الإقامة لا تُعاد إذا أحدث في الصلاة إلا أن يتكلم] 235
[الحادية عشرة: من صلى خلف إمام لا يُقتدى به أذن لنفسه وأقام] 236
[الثانية عشر: في ترك الأذان والإقامة لمن خشي فوات الصلاة] 238
[الثالثة عشر: إذا أخلّ المؤذن في شي من فصول الأذان] 239
مسألتان لم يتعرض لهما المحقق الحلي 242
ــــــ[262]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر
المسألة الأولى: الأذان عند ظهور الجن 242
فهنا عدّة خطوات: 242
[الخطوة الأولى: المعنى اللغوي لتولعت وتغولت]. 242
[الخطوة الثانية: امكان انكشاف الجن] 244
[الخطوة الثالثة: في مدلول قوله: (تولّعت) و(تغوّلت)] 245
[الخطوة الرابعة: الآيات القرآنية في تأثير الجن] 246
المسألة الثانية: الأذان في أذن المولود 249
الفهرس 251
ــــــ[263]ـــــــ
بيان الفقه ج3، محمد الصدر