أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
بيان الفقه/ ج4

بيان الفقه ج4

بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر

 

مبحث النية

قال المحقق: «الركن الثاني في أفعال الصلاة: وهي واجبة ومسنونة فالواجبات ثمانية الأوّل: النية»(1).
والنية فيها تفاصيل كثيرة، نبدأ بالدليل على أصل وجوبها إجمالاً بغض النظر عن أيّ تفصيل آتي، مثل كونها جزءاً أو شرطاً أو كونها لفظاً أو إخطاراً أو كونها في الواجب أو هو والمستحب أو هي في مجموع الواجب أو في الجزء وهل تجزي نية الرجاء أو لا؟ وهكذا.
[الدليل على أصل وجوبها إجمالاً]
وما يمكن أن يستدلّ به على أصل الوجوب:
الكتاب والسنّة والإجماع، والمصادر لم تذكر غير الإجماع بالتقريب الآتي، مع أنَّ المتوقع أن تذكر السند فإنَّ هناك أخباراً قابلة للاستدلال وليس الوجه في تركها إلّا أنَّهم وجدوها غير دالّة إطلاقاً على المطلوب على ما سيأتي.
[الاستدلال بالكتاب الكريم]
أمّا الكتاب الكريم فباعتبار ظهور كثير من آياته بأنَّ الثواب على حسن النية
ــــــ[11]ـــــــ
)1)شرائع الإسلام: ج1 ص94 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
والعقاب على سوء النية، وإنَّ أهمية العمل إنّما هي ثانوية بالنسبة إليه، كقوله تعالى: وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَام(1) إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ(2) لَـهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا(3) وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(4) ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ(5) وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ(6) وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ(7) إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم(8).
وكذلك: وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللهِ(9) فَمَنْ يُرِدْ اللهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا(10) أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ(11) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.
ــــــ[12]ـــــــ
(1) البقرة: 204.
(2) النحل: 106.
(3) الأعراف: 179.
(4) الحج: 32.
(5) الأحزاب: 53.
(6) الفتح: 12.
(7) الحجرات: 7.
(8) الأنفال: 2.
(9) النحل: 106.
(10) لأنعام: 125.
(11) الزمر: 22.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
والجواب على ذلك: أنَّ وجود النيّة يكون على عدد من المستويات لا أقلّ من أربعة.
[مستويات النية الأربعة]
الأوّل: النيّة في أصول الدين بمعنى حسن العقيدة قلبياً وسوؤها.
الثاني: النيّة تجاه الخالق سبحانه بمعنى الرضا بقدره وقضاءه وعدمه، أو حسن الظنّ بالله سبحانه وعدمه.
الثالث: النيّة تجاه المخلوقين من أنَّ الفرد تغلب عليه الرغبات الصالحة أو السيئة.
الرابع: النيّة في الأعمال على مقدار المصطلح في هذا الباب، وهي ضرورة وجودها في كل عمل، ولا شكّ أن الآيات كلّها لا تعرض لها لهذا الباب الذي هو محل الشاهد وإنّما تتعرض إلى أمور أعمّ منها بكثير، والاستدلال بالأعمّ متعذّر.
وفي المستند(1) يستدل بآيتين أُخريين ويعتبر الاستدلال بهما مسلّم الصحّة، ولا شكّ أنّه تجوّز في الاستدلال واضح. أمّا قوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ(2) فهو أمر بالصلاة دون النية وأمّا قوله: (وَانْحَرْ) فلا يحتمل أن يراد به النية بل هو مفسّر برفع اليد إلى النحر خلال التكبير أو نحر الإبل بعد صلاة العيد وغير ذلك، وكلّ ذلك مباين لمعنى النية.
فإن قلت: فإن الأمر بالصلاة أمر بالنية لأنّها متضمنة فيها.
ــــــ[13]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص5 من الموسوعة.
(2) الكوثر: 2.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
قلنا: هذا التضمن لا ينبغي أن يؤخذ مسلّماً بل هو محلّ الكلام إلّا من خلال الاستدلال على وجوب النية، ولا تدلّ عليه الآية، بل ينبغي أن يؤخذ من دليل آخر أسبق رتبة.
فإن قلت: فإنّ (وَانْحَرْ) بمعنى رفع اليد إلى النحرة وهو ملازم للنيّة.
قلنا:
أوّلاً: هذا غير متعيّن؛ إذ لعلّ المراد نحر الإبل.
ثانياً: لو تنزّلنا فالنظر إلى كون اليد إلى النحر وهو أمر مباين للنية وغير ملازم عرفاً ولا عقلاً معه.
نعم، هو أمر معتاد متشرعيّاً إلاّ أنَّه أصبح كذلك بعد الاستدلال على وجوب النيّة، والآية نازلة في صدر الإسلام حينما لم تكن كذلك.
وأمّا قوله: وَأَقِمْ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي(1) فهو أمر بالصلاة بلا إشكال، وقد عرفنا أنّنا لا ينبغي اعتبارها متضمّنة للنيّة؛ لأنّه سيكون مصادرة على المطلوب هنا. وأمّا قوله: (لِذِكْرِي) فليس أمراً بالنية بل هو بيان للغرض من الأمر بالصلاة؛ لأنَّ الصلاة مصداق للذكر على أي حال.
فإن قلت: فإنَّ النية ذكر.
قلنا: نعم، إلاّ أنَّ الآية غير ظاهرة فيها بل بالأعمّ، بل القرينة على خلافها في اللام، فإنَّ المعنى: (صلِّ) لكي تذكرني بالنيّة، بحيث يكون الغرض من الصلاة هو وجود النية، وهو أمر غير محتمل.
ــــــ[14]ـــــــ
(1) طه: 14.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
قد يُقال أنَّ قوله تعالى: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ(7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ(1) دالّ على ذلك، باعتبار أنَّ الأمر بالنصب أمر بالصلاة، أي: انصب نفسك للصلاة والأمر بالرغبة أمر بالنية؛ لأنَّها تكون في باطن النفس.
وجوابه: أنَّ الظاهر من النصب هو التعب وهو أعمّ من الصلاة، ولو كان بمعنى الانتصاب فهو أيضاً أعمّ من الصلاة. وأمّا الأمر بالرغبة فهو أيضاً أعم من النيّة، لأنَّه رغبة بما يرضي الله سبحانه.
مضافاً إلى أنَّ الاستدلال يتوقّف على الربط بين الفقرتين وهو ممّا لا ظهور فيه.
[الاستدلال بالأخبار]
وأمّا الأخبار فهي في الوسائل بألسنة عديدة وبأبواب متعدّدة، مجموعها يزيد على حدّ التواتر، منها:
[اللسان الأول والثاني]
لسان: «لا عمل إلّا بنية»(2).
ولسان: «إنَّما الأعمال بالنيات»(3).
الدالّ على حصر وجود العمل بالنية، وليس المراد وجوده التكويني بل وجوده المجزي أمام الله سبحانه. فإذا لم يكن بنيّة فهو ملحق بالعدم، وهو معنى
ــــــ[15]ـــــــ
(1) سورة الشرح، الآية: 7ـ8.
( 2) الوسائل: ج5 ص47 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص49 ح8، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
بطلانه، ولعلّ هذا هو أوضح الألسنة. ويؤيّده قوله: «ليكن لك في كل شيء نيّة»(1) فإنَّ ظاهر صيغة الأمر هو الوجوب. ولا يُراد به الوجوب التكليفي إذ لا يحتمل، فيتعيّن الوضعي.
وجواب ذلك من وجوه:
الوجه الأوّل: ما قلناه في جواب الآيات الكريمة من أنَّ للنية معان متعدّدة فلا يتعيّن المعنى الاصطلاحي المقصود، بل لعلّه معنى متأخّر فلا يحمل عليه النصّ المتقدم.
الوجه الثاني: أنَّ معنى العمل والأعمال عرفاً يشمل العبادات وغيرها والواجبات وغيرها، وخاصّة أنَّ لسانه غير قابل للتخصيص، وخاصّة قوله: «ليكن لك في كلِّ شيء نيّة» فهو واسع الانطباق، فيكون استدلال بالأعمّ.
فإن قلت: فإنَّ القدر المتيقن منه هو العبادات.
قلنا: نعم، إلّا أنَّ المراد لما كان هو الأعمّ أصلاً فلابدَّ من حمل الأمر على الاستحباب فتكون النتيجة هي الاستحباب في العبادات وغيرها.
وهو غير المطلوب.
ويوضح ذلك قوله في الرواية: «اجعل لك في كلّ شيء نيّة» حتّى في الطعام والشرب، وهو معنى أخلاقي واستحبابي أكيداً.
الوجه الثالث: أنَّ القصد من هذه الأخبار هو الثواب الأخروي، أو قل هو مرحلة القبول لا مرحلة الإجزاء، وكلامنا في الإجزاء لا القبول، ويؤيّده قوله:
ــــــ[16]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص48 ح8، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ غَزَا ابْتِغَاءَ مَا عِنْدَ اللهِ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ غَزَا يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيَا أَوْ نَوَى عِقَالًا لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلّا مَا نَوَى»(1).
فإنَّه ظاهر بعدّة أمور:
1- ما قلناه من توقّف الثواب الأخروي على حسن النيّة.
2- إنَّه مثّل بأمر غير عبادي بالمعنى الأخصّ.
3- إنَّه يشير إلى الإخلاص في العبادة وترك الشرك الخفي والرياء ونحوه، وهو غير ما نريده الآن.
4- إنّه بذلك يفسّر النصّ الآخر: «إنّما الأعمال بالنيات».
[رواية أبي بصير «حسن النية بالطاعة»]
وكذلك رواية أبي بصير قال: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله عَنْ حَدِّ الْعِبَادَةِ، الَّتِي إِذَا فَعَلَهَا فَاعِلُهَا كَانَ مُؤَدِّياً، فَقَالَ حُسْنُ النِّيَّةِ بِالطَّاعَةِ»(2).
وهو سؤال عن الحدّ الذي لا يكون مجزياً بدونه فيدخل في محلّ الكلام.
جوابه: أنَّ الحسن ينبغي أن يحمل على كون النية جامعة للشرائط الفقهيّة ونحو ذلك، وهو لا شكّ خلاف الظاهر، فإن كان ذلك حسناً فهو حصّة من المعنى فيكون استدلالاً بالأعمّ، وعلى الأول فهو استدلال بالمباين. ومعه يتعين حملها على الاستحباب.
ــــــ[17]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص49 ح10، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص50 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فإن قلت: فما وجه كونه جواباً على ذلك السؤال.
قلنا: لا بدَّ من حمل المؤدّي على المقبول لا على المجزئ.
أو قل: حمل المؤدّي على المؤدّي المطلق لا مطلق المؤدّي.
فإن قيل: إنَّه خلاف الظاهر، قلنا أنَّه هو مقتضى الجواب حتماً.
فإن قلت: فليكن السؤال قرينة على الجواب دون العكس، كما سبق.
قلنا: نعم، ولكنّه لا ينتج المطلوب؛ إذ لا يحتمل أن يراد بحسن النيّة المعنى الفقهي، وإنّما لا بدَّ أن يحمل على أقلّ المجزئ من المعنى اللغوي.
[رواية السكوني «نية المؤمن خير من عمله»]
وكذلك رواية السكوني عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله «نِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، وَ نِيَّةُ الْكَافِرِ شَرٌّ مِنْ عَمَلِهِ، وَ كُلُّ عَامِلٍ يَعْمَلُ عَلَى نِيَّتِهِ»(1).
يحمل على أحد المستويات الأربعة السابقة للنيّة.
[رواية أبي بصير «إن المؤمن ليهمّ بالحسنة»]
مضافاً إلى ما ورد من أنَّ العزم على الخير يعتبر حسنة من قبيل رواية أبي بصير عن أبي عبد الله قال: «إِنَّ المُؤْمِنَ لَيَهُمُّ بِالْحَسَنَةِ وَ لَا يَعْمَلُ بِهَا فَتُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةٌ، وَإِنْ هُوَ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَهُمُّ بِالسَّيِّئَةِ أَنْ يَعْمَلَهَا، فَلَا يَعْمَلُهَا فَلا تُكْتَبُ عَلَيْهِ»(2).
ــــــ[18]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص50 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص50 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
إلّا أنَّ العزم على الشرّ يكون مغفوراً ما لم يُفعل، مضافاً إلى المناقشة في معنى العمل وهو أعمّ من المطلوب. وبتلك المستويات يتبين لماذا أنّها خير وشرّ؛ لأنّها هي العلّة والأساس والعمل الظاهر معلول.
[رواية أبي هاشم «إنَّما خُلِّد أهل النار..»]
وكذلك رواية أبي هاشم قال: قال أبو عبد الله: «إِنَّمَا خُلِّدَ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ، لأَنَّ نِيَّاتِهِمْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا، أَنْ لَوْ خُلِّدُوا فِيهَا أَنْ يَعْصُوا اللهَ أَبَداً، وَ إِنَّمَا خُلِّدَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ، لأَنَّ نِيَّاتِهِمْ كَانَتْ فِي الدُّنْيَا، أَنْ لَوْ بَقُوا فِيهَا أَنْ يُطِيعُوا اللهَ أَبَداً، فَبِالنِّيَّاتِ خُلِّدَ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ، ثُمَّ تَلا قَوْلَهُ تَعَالَى قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ، قَالَ عَلَى نِيَّتِهِ»(1).
بتقريب: إنَّ التنزيل باعتبار كونه ملحقاً بالعدم بدونها، إذن فهي ركن فيه عرفاً وفقهياً.
وجوابه: ولو احتمالاً أنَّه لا تنزيل فيه، بل المنظور إلى مرحلتين:
1- أنَّ النيّة عملٌ وهي حقيقة كذلك.
2- أنَّها أهمّ من العمل إلى حدّ أن نسبته إليها كالعدم وإن كان صحيحاً جامعاً للشرائط، ولعلّه يدلُّ على صحته كونه عملاً وإلّا لم يكن عملاً باعتباره باطلاً.
فإن قلت: فإنَّ العمل بالمعنى اللغوي أعمّ.
ــــــ[19]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص51 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
قلنا: لا يحتمل أن يراد ذاك؛ لأنَّه لا ربط للنية بالمباحات إلّا على القول بانتفاء المباح للمؤمن ونحو ذلك، أو نحمل معنى النيّة على مطلق الباطن بصفته علّة لكلّ الأعمال الظاهريّة.
ولكنّهم يفتون بجوازها جميعاً؛ لأنَّ من حقّ العبد أنْ يُعامل الله حسب حاله وإدراكه، بل أقلّ من حاله وإدراكه ما دام طريقه طريقاً قريباً.
[الأدلة اللبية]
أمّا الأدلّة اللبيّة، فهي الإجماع والسيرة والارتكاز لعلّه لم يكن في عصر المعصومين. وكلّها قطعاً على وجوب النية وضعاً أو تكليفاً.
فلئن كان الكتاب والسنة لم يدلا على ذلك ولم نحصل منهما إطلاقاً كافياً؛ فإنَّ الأدلّة اللبيّة تدلّ عليه، ولكن لا إطلاق لها، كما أنّها هنا لا تصلح أن تكون مدركية:
1- لعدم وجود المدرك وهو ما يدلّ على ذلك من السنّة والكتاب.
2- لأنَّ وضوح الأمر لبّاً أعلى منه لفظاً.
فإن قلت: بأنَّ الروايات كثيرة ومحتملة الدلالة.
قلنا: هي كثيرة، إلّا أنَّ احتمال الدلالة ضعيف.
فإن قلت: فلأنهم عملوا بها لاحتمال المطلوبيّة أو احتياطاً ثُمَّ تطوّر الأمر في الأجيال المتأخّرة إلى القول بالجزئيّة والشرطيّة.
قلنا: هذا خلاف ظاهرهم محتمل إلّا أنّه بعيد، مضافاً إلى أنّه لا يمنع القول بالشرطية من باب الاحتياط الوجوبي، وإن كان خلاف الواقع الفقهي، إلّا أنّنا
ــــــ[20]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
نعلم أنَّ الاحتياط لا ينافي الواقع.
مضافاً إلى أنّه شرطٌ عرفي وعقلي؛ لأنَّ العمل الفاقد للنيّة مطلقاً ليس بعمل، ولا يحمد عليه صاحبه عقلاً ولا عقلائيّاً.
وعلى أيّ حال فحيث لا إطلاق لزم الأخذ بالقدر المتيقن وما زاد عن ذلك يكون مجرى للأصل المؤمّن من أصالة البراءة أو أصالة عدم الشرطية مع احتمال شرطيته كما هو المفروض، كما في الأمور الأربعة المنسوبة في الفريضة وغيرها. ويأتي الكلام عنها نصّ الشرائع.
[الكلام في تعريف النية]
وعدم التعريف قبل الدليل، لأنّه يتوقّف مقدارها على مقدار الدليل. وما هو القدر المتيقن من النية صدقها العرفي؛ لأنّنا نتكلم دائماً بلغة العرف، ومن هنا قال الهمداني: «أنَّه ليس للنية حقيقة شرعية أو متشرعية بل هي لغة وعرفاً وشرعاً الإرادة والقصد»(1).
[النية العرفية]
ولعلّ أحسن تعبير لذلك أمران:
الأول: إنّه لو سئل لالتفت أو أجاب وهو معنى عرفي.
الثاني: إنّه يعلم ماذا يفعل، والثاني علّة للأوّل، وهما متلازمان، ولا يجب أكثر من ذلك، وكذلك يمكن القول: أنَّ العرف لا يعلم ما هي النيّة إطلاقاً، يعني
ــــــ[21]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص390، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
بالتسامح العرفي لا بالدقّة العرفيّة مع العلم أنَّ كلّ أفعاله لا تخلو من نوايا ومقاصد، فبمقدار تلك النيّة العرفية الموجودة والتي لا يلتفت إليها العرف ولا صاحبها أيضاً يكفي، لأن الزائد مجرى للأصل في صحّة العبادات، ويكشف عن ذلك تخلّف العناوين السابقة، كما لو فعله بدون إرادة كالساهي والنائم والغالط أو إذا سئل تحير ولم يجب، أو أنَّه لا يعلم ماذا يفعل كالمخدوع والمغرر به.
وهذا يعني أنّنا بعد فقد الإطلاق نقتصر على القدر المتيقّن من النيّة وهو المقدار غير الملتفت إليه منها إذا كان يعلم ماذا يفعل، كما هو شأن العرفي، ومن هنا صحّحوا من يغتسل في الحمام بدون التفات؛ لأنَّه حال الغسل كان يعلم ماذا يفعل وكذلك إذا سئل أجاب.
ومن هنا يظهر أنَّ تعريف النيّة بأنّها إرادة تفعل بالقلب وإن كان أحوط إلّا أنّه لا شكّ أنّه أكثر من المقدار العرفي (ومن الذي ثبت بالأصل كما سبق) لأن المقدار العرفي لا يلتفت إليه إطلاقاً ولا (يفعل) لا في الفكر ولا في الذهن.
فإن قلت: فإنّنا سمعنا أنَّ النية هي القصد والإرادة وهو في القلب.
قلنا: نعم، لكنّ الواجب هو ما يتوقّف عليه الفعل قهراً وتكويناً وهو موجود دائماً وليس المطلوب أكثر من ذلك، فإن قصد بالتعريف شمولها لكلّ عمل عرفي ووجودها بدون التفات، بل بالعلم الحصولي لا الحضوري، فهذا صحيح، وإن قصد أنّها (تفعل) عمداً فهذا غير واجب وغير عرفي.

ــــــ[22]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
[النية الإخطارية]
وكذلك تعريفها في الشرائع؛ إذ قال: «وحقيقتها استحضار صفة الصلاة في الذهن»(1) فإنَّ هذه هي النيّة الإخطارية، وهي مجرى للأصل كالنية اللفظية.
مضافاً إلى أنّه ليس حقيقة النيّة العرفية ذلك كما هو واضح، فإن قصد أن حقيقتها تلك عرفاً فهو خطأ وإن قصد حقيقتها شرعاً فهو خطأ أيضاً لعدم الدليل المطلق وإن قصد أن هذا المقدار هو الواجب بحيث لا يجزي ما دون فهو خطأ أيضاً؛ لعدم وجود دليل لا خاصّ ولا عامّ على ذلك.
نعم، هنا عدّة أمور ترجح الالتفات الذهني هو الإخطار:
1- الاحتياط ولو استحبابي باعتبار فتاوى الفقهاء.
2- أهمية العبادة لدى المكلّف وليست كسائر التصرفات.
3- أنَّ المنوي لو كان بسيطاً أو قليلاً لأمكن الإعراض عنه من باب قهرية وجوده، إلّا أنَّ هناك نوع من التفاصيل لا تكون عادة واضحة إلّا بالإخطار.
فإن قلت: فإنَّ هذا يؤدّي إلى القول بالوجوب.
قلنا: كلّا، لا دليل على وجوب شيء منها. نعم، لو كان الحال مشتبهاً ومردّداً كما لو كان لديه أداء وقضاء، فتعيين أحدهما لا يكون عرفاً وعادة إلّا بالالتفات والإخطار.
نعم، لو أمكن بدونه كفى، لكنه غالباً غير ممكن.
ــــــ[23]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص94 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
[البقاء الحكمي للنية]
وقالوا: أنّه لابدَّ من بقائها الحكمي إلى نهاية العمل بمعنى عدم تبديلها إلى نيّة أخرى، وإلاّ فسد العمل، وهذا في نفسه صحيح، إلّا أنّنا لا داعي إلى أن نقيدها بالحكمي إلّا بناء على وجوب النيّة اللفظية أو الإخطارية؛ لعدم إمكان بقائهما باستمرار فيقال بوجوب البقاء حكماً، وإمّا على المبنى الراجح فالنيّة بنفسها تبقى، وهي الداعي الارتكازي الذي لو سئل أجاب أو التفت، مضافاً إلى أنّه يمكن أن يناقش ذلك المشهور بأنَّ المفروض أنَّ النية واجبة في كلّ العمل، وهذا واضح، فإن أوجبنا النيّة اللفظية أو الإخطارية وجبت في كلّ العمل.
أمّا بقاؤها الحكمي فغير مجزئ؛ لأنّه ليس نيّة من ذلك القبيل فيبطل العمل، لأنّه بدون نيّة، كما أنَّ النيّة اللفظيّة تبطله فهو يبطل على كلا الوجهين ولا دليل على صحّته بعد فرض وجود الدليل على النيّة بذلك المعنى. ويمكن أن يجاب:
أوّلاً: بعمل المعصومين وأصحابهم؛ إذ لا يحتمل فيهمبقاء النيّة حقيقة طول العمل وخاصّة اللفظية المبطلة للعمل.
ثانياً: تعذّر ذلك فيكون تكليفاً بما لا يطاق فيكون ساقطاً. وكلا الوجهين صحيحان إلّا أنّه لا ينتج خصوص مذهبهم وهو البقاء الحكمي، بل كفاية النيّة الارتكازية، ولا اقل من أنّه مردّد النتيجة أو الأعمّ، فلا يكون استدلالاً على خصوص مسلكهم.
إذن فالنيّة الحكمية مطعونة صغرى وكبرى. أمّا كبرى؛ فلعدم الدليل كما قلنا. وأمّا صغرى؛ فلأنّها قبل الصلاة، ولا حجّيّة فيها، وإنَّما يبقى حكماً ما كان له
ــــــ[24]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
حجيّة دون ما ليس له، سواء كان لفظاً أو ذهناً.
[هل النية شرط أو جزء]
ثُمَّ إنّه أثار الشيخ الهمداني السؤال عمّا إذا كانت النية جزءً أو شرطاً(1) كيف تكون محكومة بأحكام الصلاة أو جزء منها وهي قبلها؟ وكيف يكن لها استمرار حكمي كذلك سواء كانت إخطاراً أو لفظاً.
وقال: «إنَّه على التقول بالجزئية لابدَّ أن يراعى في فعلها شرائط الصلاة من الطهارة والقيام والاستقبال بخلاف الشرطية كما لا يخفى»(2).
[مناقشة القول بالشرطية]
وكيف كان فلم نعثر فيما ذكروه من أدلّة الطرفين ما يعتمد عليه.
ثُمَّ اختار الشرطية.
وهذا قابل للمناقشة على وجهين:
1- إنّه يتكلّم ارتكازاً من أنَّ النيّة تفعل قبل الصلاة، وهذا خطأ لا يغتفر له، وإنّما النيّة لو قلنا بأنّها إخطارية فهي تبدأ مع التكبير، وليست قبل التكبير نيّة، وإنّما هو إعداد ذهني للنيّة، فإذا كانت النيّة خلال العمل يشملها شرائط العمل من الطهارة والاستقبال، وإن كانت النية قبلها فهي ليست نيّة لم يجب ذلك فيها، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً.
ــــــ[25]ـــــــ
(1) لاحظ: مصباح الفقيه: ج11 ص388، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص388، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
2- لا يحتمل أنَّ النيّة التي قبل العمل لا جزء ولا شرط، ولكن النية خلال العمل هي التي يحتمل فيها ذلك، ففي كلامه اختلال في المبنى.
وإمّا جزئيتها وشرطيتها فحيث إنّها غير منصوصة ولم يتحصّل من كلام الهمداني أيضاً شيء كافي إلّا أنّه -بتعبير مناسب- يلزم من عدمها العدم، وهذا يعني شامل للجزء كما هو شامل للشرط، فهو استدلال بالأعمّ، فيكون باطلاً.
وإنّما اللازم هنا تقديم الفهم العرفي من حيث أنّه يرى النيّة جزءاً أو شرطاً، لا شكّ أنّها ليست جزءاً عنده؛ لأنَّ جزء العمل عمل، وهي ليست عملاً عرفاً، بل هي غير موجودة بالتسامح العرفي أصلاً كما مرّ، وحيث أنّها لازمة الوجود تكويناً وشرعاً، إذن فهي شرط وليست جزءاً.
يمكن القول: بأنَّ كلاً من الجزئية والشرطية مجرى للأصل المؤمن؛ لعدم ورودهما معاً بعنوانهما ولا أحدهما. نعم، بمقدار ما هو موجود في سائر الأفعال وشرط تكويني فيها ومقرّ من قبل المعصومين تثبت الشرطية.
[الكلام في ركنية النية]
قال المحقق: «وهي ركن في الصلاة لو أخلّ بها عامداً أو ناسياً لم تنعقد صلاته»(1) هذا قابل للمناقشة كبرى وصغرى.
أمّا كبرى، فلأنّنا ينبغي أن نحقّق معنى الركن الاصطلاحي فهو:
أوّلاً: لم يرد في كتاب ولا سنّة وإنّما هو اصطلاح متأخّر. ومن هنا لا يكون بعنوانه موضوعاً لحكم شرعي.
ــــــ[26]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص94 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
ثانياً: أنَّ قضيته تكون تكرارية، فبدلاً من بيان الموضوع يكفي بيان المحمول، وهو الوارد في الشريعة. أمّا الموضوع فلم يرد، وإنّما هو مجرّد تكلّف. والمفروض أنّهما متساويان، فبيان أحدهما يغني عن بيان الآخر. مضافاً إلى أنَّ انطباق عنوان الركن عليها وعلى غيرها إذا لم يكن له سند شرعي، فيكون كاذباً، إلّا إذا كانت هناك قرينة حالية أو مقالية على إرادة المصطلح.
وأمّا صغرى: فهو ما أشكل به الهمداني؛ لأنَّ المعنى الاصطلاحي للركن هو مانعية الزيادة والنقيصة عمداً أو سهواً. في حين إنَّ النية إمّا لا يمكن فيها الزيادة عقلاً أو عقلائياً وإمّا لا تضرّ فيها الزيادة.
[كلام في تصور معنى الزيادة في النية]
قال: «وخصوصاً على القول بشرطيتها، حيث إنَّ الزيادة لا تكون إلّا في الأجزاء الخارجية»(1) يعني: تمتنع الزيادة في الشرائط كالطهارة والاستقبال والموالاة والترتيب وغير ذلك، ولم يذكر وجهاً للاستحالة وأخذها وجدانية ساذجة.
أقول: هو ونحن اخترنا الشرطية، ولكن مع ذلك يمكن فيها الزيادة:
1- بتكرار الإخطار مع نيّة الشرطية أو الجزئية في الجميع.
2- بالنيّة على النيّة، وهي ليست واجبة قطعاً، بل النيّة منوية بذاتها كما أنَّ الضوء مضيء بذاته.
3- بوجود إخطارين في الذهن وإن كان صعباً. فالجواب هو الثاني، وهو أنَّها
ــــــ[27]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص390، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
لا تضرّ ولا تكون قادحة كما هو مقتضى الأصل المؤمّن عن المانعية. وعلى أيّ حال فانطباق معنى الركن الاصطلاحي عليها من هذه الزاوية ممتنع، إلّا أن نخصّ الاصطلاح بجانب النقيصة انتصاراً للمحقّق الحلّي، وهو غير ممكن.
فإن قلت: كيف لا تقدح زيادتها وخاصّة مع نيّة الشرطية فيها ونحو ذلك، كما لو قرأ الذكر مرّتين بقصد الوجوب.
جوابه:
1- إنَّ الزيادة بدون قصد الشرطية غير قادحة، وهذا قصد الهمداني.
2- وإنَّ ذكرنا وجوهاً للزيادة إلّا أنَّ الوجه الوحيد عرفاً هو تكرار الإخطار وهو غير قادح بعدّة تقريبات حتّى مع قصد الشرطية:
1- أصالة عدم البطلان أو استصحابه أو أصالة عدم المانعية.
2- أنّه وجود فعلي مستمرّ للنيّة بدل الوجود الحكمي.
3- أنّه بمنزلة النيّة لذلك الجزء أو الكون الصلاتي الذي تقع فيه، إلّا أنَّ هذا لا يتمّ إذا نوى بدأ الصلاة وهو في الركوع بنية الشرطية؛ فتبطل صلاته.
نعم، إذا كانت نيّته الاستمرار في الصلاة أو الإتيان بالجزء فلا بأس، وكلّ ذلك لا يحتمل أن يكون ركناً حتّى لو قلنا بجوازه، بل قد يكون مانعاً كما رأينا.
وعلى أي حال فلو تصورّنا الزيادة المانعة كانت مثل أي ركن آخر من هذه الناحية، إلّا أنَّ الكلام في أنَّ هذه الزيادة المانعة هل هي مبطلة حتى مع السهو والنسيان أو الجهل ونحوها أم مطلقاً، والركن يبطل مطلقاً، فإن لم نقل ذلك في النية كان حرفاًلها عن الركن.
ــــــ[28]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وكما يمكن النقاش بإمكان الزيادة يمكن بإمكان النقيصة.
نعم، العمد ممكن الزيادة ولكن إذا كان ذلك جهلاً أو نسياناً ونحوها، فأصالة عدم المانعية جارية، مضافاً إلى أنَّ انعدام النيّة جهلاً أو نسياناً غير متصوّر، لو كانت هي الداعي الارتكازي كما عليه المشهور والصحيح. نعم، انعدام الإخطار متصوّر.
وعلى أي حال فإذا قلنا بجواز النقصان جهلاً أو نسياناً وعدم المبطلية، سواء قلنا بوجوب الإخطار أو لم نقل، كان فرقاً عن الركن أيضاً.
خلافاً للهمداني والمحقّق، إذن فالنيّة لا تضرّ زيادتها ولا نقيصتها جهلاً أو نسياناً أو لا تتصور كذلك عرفاً، ومعه فهي تختلف عن الركن، ولا يحتمل أن تكون ركناً، بل نقصان النيّة عمداً غير ممكن إلّا في الرياء ونحوه.
هذا وقد عبّر الهمداني باستظهار ماهية الصلاة وصفة الصلاة، وظاهره الكلّي، في حين عبّر الحلّي بصفة الصلاة، وظاهره الجزئي. والظاهر أنَّ صفة الكلّي وحدها لا تكفي، بل من اللازم تصوّر انطباق الكلّي المأمور به على الفرد المأتي به، فيكون صفة للجزئي. ولعل هذا مراد الهمداني وإن لم يكن ظاهر عبارته.
أقول: وهذا التطبيق أُعطي بيد المكلّف، فكأنّه يسمِّ صلاته ويصفها بأوصاف كما يسمّ ولده بـ(عَلَم)، ويكون وصف المكلّف للصلاة حجّة.
فإن قلت: فإنّه لا دليل على الحجّية.
قلنا: هذا ممّا لابدَّ منه بعد تعدد ما يحب قصده في الصلاة -كما سيأتي- إن قلنا به، والسيرة القطعية عليه حتّى أنَّ من المعلوم أنَّ صلاة المعصومين أنفسهم كانت على هذه الشاكلة إذ لا يحتمل احتمالاً معتداً به شيء آخر.
ــــــ[29]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
[ما يجب قصده في النية]
قال المحقق: «والقصد بها إلى أمور أربعة»(1)يعني: انقسامات أربعة:
أوّلاً: الحكم من الوجوب والندب.
ثانياً: سنخ القربة.
ثالثاً: ما سمّاه بالتعيين، يعني اسم الصلاة: الفريضة أو النافلة.
رابعاً: كونه أداء أو قضاء وقد أضفنا في المنهج انقسامين آخرين:
خامساً: الإتمام والقصر في مورده.
سادساً: الجزم بالنيّة أو الرجاء، وسيأتي الحديث عن تفصيلها.
ومنها: نيّة الإخلاص، يعني: عدم الرياء.
ومنها: نيّة الجماعة، فإنّها ذات حكم وهو تبعيّة المأموم للإمام.
ومنها: نيّة المكان كتحية المسجد والطواف والسعي وصلاة الزيارة عن قرب يعني في الحرم.
[الكلام عن انقسامات النية إجمالا]
ويقع الكلام عنها الآن إجمالاً، وأوّل خطوة أنّه لا تنافي بين ما قلناه من الداعي الارتكازي ونفي الإخطار بالأصل المؤمّن، ومن قصد هذه الأمور كلّها أو بعضها حسب المطلوب؛ إذ يمكن القول بأنّها جميعاً منويّة ارتكازاً. وهذا موجود في النيّة العرفية؛ إذ قد يذهب شخص إلى مكان لنتائج متعددة كما لو يزور
ــــــ[30]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص94 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
المالك ويرى فلاناً ويعمل كذا وهكذا، فلا منافاة بين التعدد والارتكازية.
نعم، ظاهر المحقّق الحلّي الاستحضار أو الإخطار فيجب إخطار هذه جميعاً في الذهن، فهنا نسأل: هل إخطارها قبل الصلاة أو خلالها. أمّا قبلها فلا حجّيّة فيه قطعاً، ولا أثر له، يعني: ليس المتأخّر وجود تنزيلي أو حكمي له، لأنّه شيء خارج عن الشريعة، وغير منصوص، وإن كان في داخل الصلاة فهو غير محتمل، ولم يقل به أحد وبناء على المشهور فالتكبيرة خارج الصلاة، فلا تجب فيها النيّة، بل هو منافي للذكر، وقصد المعنى من التكبير وغيره، وأسوأ منه الإخطار بعد التكبير بحيث لا يكون أثناء التكبير ناوياً. وفي الحقيقة أنّه ناو بالارتكاز لا بالإخطار، ومن الصعب جداً أن نقول: أنّه حال التكبير هو خارج الصلاة فلا تجب النية. وسيأتي الحديث عنه في التكبير وإنّما قالوا بالنية المتقدمة على الصلاة من قال بأنّه لفظية وكلاهما غير محتمل.
وكفاية الارتكاز للجميع بمعنى أنّه لو سئل أجاب أو انتبه، لا تستثني ولا واحداً، لكن الشيء الذي يحصل غالباً هو صعوبة الاعتماد على النيّة الارتكازية؛ لأنّها مع عدم الاستحضار تكون مساوقة غالباً للنسيان، بحيث لعلّه إذا سئل لم يجب ولم يعرف، ولا أقلّ من احتمال ذلك يعني: احتمال عدم النية الواجبة، فتبطل الصلاة ولو باستصحاب اشتغال الذمّة بالوجوب. ومن هنا قلنا في المنهج أنّه على الأحوط وجوباً إخطار الثلاثة الأولى وكذلك القصر والتمام مع التردد وهذا مبني على عدّة أمور.
ــــــ[31]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
مضافاً إلى ذلك:
1- وجوب إخطار أحد هذه الأمور.
2- كفاية قصد الصلاة عن قصد القربة وكذا قصد الوجوب، ولا يجب قصد الامتثال بالتعيين ولو ارتكازاً، وهو احتياط، وليس فتوى؛ لأنَّ الفتوى بالإخطار مشكل مع عدم الدليل عليه.
3- وجوبها كلّها ارتكازاً، وهذا ما سيأتي.
[الكلام عن انقسامات النية تفصيلاً]
والآن ينبغي الدخول في مثل هذه التفاصيل.
[نية القربة]
وأهمها القربة، وهي فيها عدّة أمور:
أهمها [أولاً]: معناها.
وثانياً: هل يغني عنها غيرها كقصد الوجوب أو قصد الامتثال أم لا؟
[القرب الزماني والمكاني]
أمّا معناها فلا نشكّ أنَّ الأصل في التقرّب: المعنى المكاني والزماني، أي: في ظرف معيّن أو رتبة معيّنة، فإنَّ العلّة أقرب إلى المعلول من علّتها، وهكذا. ولا شكّ أنَّ كلّ ذلك غير صادق على الله عزّ وجلّ.
أمّا القرب المكاني والزماني فإشكاله من عدّة جهات:
1- إنّه تمّ البرهان على أنّه لا في مكان ومستغنى عن كلِّ مكان، فإذا لم يكن
ــــــ[32]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
في مكان، فالقرب إليه سالبة بانتفاء الموضوع.
2- إنّه في السماع أنّه في كلّ مكان ولا يخلو منه مكان هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (1) إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ(2) لأنَّ نسبته إلى كلّ الخلق نسبة متواطئة. إذن فالاقتراب معتذر؛ لأنَّ المكان الذي أنا فيه قريب، والمكان الذي أصل إليه قريب أيضاً، فلم يحصل زيادة في الاقتراب.
3- ما ذكره في المستند (3) ما محصله: أنَّ القرب والبعد معنى إضافي، ومثله لا يصدق إلّا بطرفين، والبعد أحدهما إلّا أنَّ الله سبحانه لا يمكن أن يكون طرفاً؛ لاستحالة كونه في مكان، فلا يتمّ التضايف. وكلّ هذه التقريبات تأتي في الزمان أيضاً.
[القرب الرتبي]
وأمّا الاقتراب الرتبي فهو أيضاً ممتنع؛ لعدم صدق كلتا الأطروحتين التاليتين:
1- إنَّه قاطع للتسلسل. إذن فوجودي هنا في هذه المرتبة ضروري بحكم العقل، ولا معنى لأن اقترب في مراتب العلل إلى الله عزّ وجلّ.
2- إنّه ملابس لكلِّ علّة، ولا يوجد المعلول إلّا بقضية، بناء على نظرية أصالة الوجود.
ــــــ[33]ـــــــ
(1) الحديد: 4.
(2) المجادلة: 7.
(3) مستند العروة الوثقى: ج14 ص9 من الموسوعة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
إذن فهو بهذا المعنى ملابس لي وقريب منّي، كما هو قريب من علّتي، وكما هو قريب من معلولي، فلا معنى للقرب التكويني منه والمرتبي.
[أطروحة القرب الخيالي]
الأُطروحة الأخرى: ما نستطيع أن نسمّيه بالقرب الخيالي: بعد ضمّ مقدمة وهي أنّه هناك فرق بين الوهم والخيال واقعاً، وإن لم يكن ذلك ثابتاً في أذهان العرف، إلّا أنّه ثابت على مستوى الحكمة العليا ويصرح به صدر المتألهين في الأسفار، فإنَّ الوهم دائماً تكون مرئياته كاذبة في حين تكون مرئيات الخيال دائماً صادقة؛ ولذا يعبر أنَّ المؤمن يرى الجنة بعين الخيال لا بعينه المادية الدنيوية بطبيعة الحال.
وهذا أفضل بالدقّة من أن نسمّيه رؤية معنويّة، لأنَّ عالم المعنى حقيقة هو عالم الصور الذهنية.
إذن: لا نكون قد أعطينا لعالم الروح إلّا إثباتاتها وفهمنا لها دون واقعها الأخروي. إلّا أنَّ أفضل لفظ عرفي لا زال استعماله ممكن هو ذلك يعني عالم المعنى، بشرط أن لا نريد من المعنى الصورة وإنَّما ذي الصورة أو منشأ انتزاعها أو أن معنى اللفظ هو الخارج لا الصورة الذهنية وهو عالم الروح، وهو مقول بالتشكيك؛ لأنَّ التجرّد الروحي على مراتب. فيتحصل فيه نحوان من البعد والقرب كلّه يرى بعين الروح أو بعين العقل أو بعين الخيال.
الأوّل: أنَّ أي عالم من عوالم الروح فهو فسيح كعالمنا هنا، ومن هنا ينظر فيه الإنسان القرب والبعد بشكل وجداني، وكذلك الحركة والسكون المناسبانلهم.
ــــــ[34]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الثاني: أنَّ العقل يدرك والروح تدرك أنَّ الشيء كلّما كان أكثر تجرّداً كان أعلى في السَّمَاوَاتِ الْعُلاَ(1) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ(2)ومن هنا كان أبعد عمّا هو أقلّ منه وأقرب إلى ما هو شبيه له أو قريب الشبه منه، وهذا هو المقصود في الحكمة العليا.
وهذا يترتب عليه عدّة أمور ظاهريّة وباطنيّة،
فمن الباطن: أنَّ حجّيّة النور أعلى من حجّيّة الظلمة، والفرد حين يتكامل يصعد فيها، وإن عالم الجبروت أعلى من عالم الملكوت والملكوت الأعلى أعلى من الملكوت الأولي؛ لأنَّ العقل أعلى من النفس وإنَّ الفكرة حال تذكرها أقرب إلى العقل أو إلى الذهن من حال نسيانها ومن هنا يقول جاءتني الفكرة ومن قوله تعالى: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى(3) أي: المسافة الروحية. ومنه قوله تعالى: تَنَزَّلُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ(4) وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ(5).
وكذلك أننا حين نقنت نرفع باطن الكف إلى الأعلى وحين ندعو نرفع وجوهنا إلى أعلى كأنَّنا نخاطب شخص هو في العلو المكاني وإنما هو علو روحي أو خيالي، والخيال حقّ والوهم باطل. ومن الممكن القول: أن عالم الروح بكثير
ــــــ[35]ـــــــ
(1) طه: 4.
(2) غافر: 15.
(3) النجم، الآيتان: 8-9.
(4) القدر: 4.
(5) الحديد: 25.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
من مراتبه -بل كلّها- فيه مسافة روحية وحركة روحية، إلّا ذات الله سبحانه وتعالى، فإنّه أجلْ من ذلك ولا يشبهه شيء مما خلقه لا المادة ولا الروح، ولكنّه -لا أكثر- أكثر تجرّداً وبساطة حتى من عالم الروح، فهو فوقها اعتباراً وبعيد الخيال في حين عالم المادة دونها، والمؤمن حين يريد الوصول بالتكامل إلى العالم العلوي فإنّه يصعد من عالم المادة إلى عالم الروح إلى عالم الله أو عالم اللاهوت، وهو معنى آخر من معاني المعراج، إذ لا يحتمل أن يكون الملائكة أجسام كما لا يحتمل أن يكون الأنبياء الموتى أجسام وإنما أجسامهم في داخل قبورهم.
إذن: فأرواحهم تعيش في العالم المناسب لها، والنبي قد رآهم بالعين المناسبة لرؤيتهم، والتي سمّاها صدر المتألهين بعين الخيال، سواء كان جسمه معه أم لا. ومن هنا لا يرتبط الأمر بنفي المعراج الجسماني.
والقرب في الصلاة بالمعنى الثاني وقد ورد أنّها معراج كل تقي يعني اقتضاء، لأنه: أبسط من كلّ خلقه.
[مناقشة صاحب المستند في المراد من القرب المكاني]
قال في المستند: «من الواضح جدّاً أن المراد بالقرب ليس هو القرب المكاني، بل ولا الادعائي والتنزيلي؛ لوضوح أنَّ القرب بين شيئين يتضمن التضايف بحيث أنَّ أحدهما إذا كان قريباً كان الآخر أيضاً قريباً كذلك واقعاً أو تنزيلاً»(1).
أقول: وهذه تحتاج إلى صغرى تقول: إلّا أنَّ الله لا يمكن أن يكون طرفاً للإضافة، والنتيجة أنّه لا يمكن فيه القرب، لا ما قاله: من أنّه سبحانه قريب من جميع
ــــــ[36]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص9 من الموسوعة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
البشر، بل هو أقرب إلينا من حبل الوريد، فقد جعل له الإضافة التي نفاها قبل سطر.
فإن قصد من الإضافة المنفيّة الإضافة المكانيّة فنعم؛ لتعذر المكان، لا لتعذّر الطرف. وإلاّ فإن الطرفين موجودان في الخارج وهو العبد والمعبود، وإن قصد تعذر كل إضافة فهو باطل جزماً، لأنَّ الطاعة والعبادة والدعاء والاستجابة والرحمة وغيرها كثير هي أيضاً معاني إضافية صادقة على الله سبحانه، بل كلّ الأسماء الحسنى التي تتعلّق بالأفعال هي هكذا كالخالق والرازق، فالله سبحانه بصفته موجوداً يقع طرفاً للإضافة.
نعم، طرفيته فرع ثبوت الصفة له فإذا كانت الصفة مجالاً كالقرب المكاني لم يقع لتعذّر الصفة لا الموصوف. وإن قصد الإضافة الروحيّة أو الخياليّة فهي موجودة للصدق العقلي والمتشرعي بأن العبد قد يكون بعيداً عن الله، وقد يكون قريباً وكلّما كان أكثر تجرّداً أو معنوياً كان أقرب.
وأمّا القرب الادعائي التنزيلي، ففيه كبرى وصغرى. أمّا صغراه فممكنة كما في سائر الموارد التي عرفناها، ولا يقاس بالمكان؛ لأنّه ليس بمحال، ولكنّه مطعون كبرى لأنَّ التنزيل يحتاج إلى دليل ولا دليل، ولا أنَّ المكلف يقصد التنزيل أكيداً، وليس هذا مراد المستند وإنما مراده الصغرى وهي ممكنة، في حين ظاهره أنّها محال كالقرب المكاني.
[كلام حول مدلول القربة]
يبقى الكلام بأنَّ الفرد حين يقول: أصلّي قربة إلى الله، فهل هو معنى إخباري أو إنشائي إيجادي أو اقتضائي؟ أمّا الأخبار فهو عن المستقبل وهو ممّا يتعذّر عادة، ــــــ[37]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وأمّا الإنشاء فهو ليس معاملة.
وأمّا الإيجاد بنحو العليّة التامّة، فقد يكون الفرد قاصراً عنه،
وأمّا الاقتضائي فهو الأصحّ، أي أوجد مقتضى التقرب لله عزّ وجلّ. وإيجاده معطى بيد العبد، والطاعة إنّما هي مقتضى الثواب وليست علّة تامّة له، وإذا قصده كانت بمنزلة علّة ما به الوجود فيفيض الله عليها فيضه.
إذن فهذا المعنى بمعنى رجاء حصول التقرّب، وليس من حقّه أن ينوي التقرّب العلّي أو الفعلي؛ إذ قد يكون عاجزاً عنه. والاحتمال دافع للاستدلال.
والمراد بالتقرّب:
تارة ما يكون في المرتبة المتقدمة على الصلاة أو المستقلّ عنها، لكي يبقى التقرب خلالها حتى تنتهي، وهذا هو المفهوم متشرعيّاً.
وأخرى يكون بالصلاة، يعني: اجعل الصلاة سبباً للقرب، وهو الظاهر من قوله: أصلي قربة إلى الله. وهذا معناه أنَّ التقرب يحصل بحصول سببه وهو انتهاء الصلاة، وهذا لا يضر فيه لأنَّ الصلاة تكون برجاء حصول القرب والتكامل، وهذا التكامل يستمر ما دام الفرد موجوداً ما لم يحبط بالذنب.
[نقد استدلال صاحب المستند]
ليس في المستند أي شيء يصلح أن يكون دليلاً على وجوب النية عامّة أو القربة خاصّة، وإنَّما يأخذ ذلك مسلماً من الماتن اليزدي، وكلّ حديثه إنَّما هو عن الموضوع، أي عن معاني النية وأقسامها وكونها جزءاً أو شرطاً ونحو ذلك، فلئن كان أصل النية واجباً بالإجماع أو بالضرورة ونحو ذلك فما هو الدليل على
ــــــ[38]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
التفاصيل إذ لا ملازمة بينهما، إذ قد يمكن الطعن في الصغرى وأنّه ليس من النيّة الواجبة فيحتاج إلى استئناف دليل والمهم الآن أن ما نريد الدخول به -وهو الدليل على وجوب قصد القربة بعنوانه- غير موجود إطلاقا هناك.
[ترجيح قصد الامتثال على قصد القربة]
والحقّ أنّه لو دار الأمر بين قصد القربة وقصد الامتثال لكان الثاني أولى من عدّة جهات:
1- لأنَّ الأوّل اقتضائي كما عرفنا والثاني علّي.
2- إنَّ القربة ممكنة الحصول أو احتماله والامتثال قطعي.
3- إنَّ الأوّل من الله فيما الثاني من العبد.
4- أنَّ التشريع أو الأمر سبب للثاني دون الأوّل.
5- إنَّ الثاني فيه نوع من الذلّة غير موجودة في الأوّل.
6- إنَّ الأوّل فيه نوع من الوثوق بالنفس غير موجود في الثاني. ولهذا ونحوه اعتبره في العروة أسمى المقاصد بما فيها القربة، فإن المهم في الأمر إطاعته سواء حصل القرب أم لا.
وبالإطاعة تحصل الأغراض والمصالح الواقعية دون العكس يعني أنّه دون العكس يمتثل فيقربه الله تكويناً سواء قصد القربة أم لا. فالامتثال سبب ثبوتي للتقرب دون العكس حتى أنّه لو قصد القربة بشرط لا عن الامتثال بطل، وكذلك كل النوايا الأخرى فلو قصد الثواب أو خوف العقاب أو كونه أهلاً للعبادة بشرط لا عن الامتثال بطل، لأنَّ المهم هو الامتثال والطاعة ولولا الأمر لما صليت وأقصى الاحترام للآمر إطاعته.
ــــــ[39]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
ومعه فمن المتعذر الاستدلال على القربة بعنوانها غايته الاستدلال على جامع النية الأعم من جميع المقاصد وهو ضروري، أمّا أي واحد منها فلا دليل عليه بحيث يجب اختياره على غيره وهذا المعنى لم يشر إليه في المستند، نعم بمقدار ما يثبت أنَّ أحد هذه الأمور هي فيه بالحمل الشايع المتشرعي أو العرفي يكون قصدها كافياً، ومجزياً عن الباقي ولا يبعد أن يكون الجميع كذلك.
[الإشارة إلى أمرين]
بقيت الإشارة إلى أمرين:
أحدهما: أنَّ قصد الوجوب أو الندب هو قصد الامتثال بعينه وإن اختلف عنواناً وكذلك قصد الأمر وقصد التكليف ونحوه فإن قصد للوجوب وحده لا معنى له إلّا قصد امتثال هذا الوجوب وإنّي أعمل لأنّك أوجبت عليّ وهو الامتثال.
ثانيهما: أنّه قد يستدل على بطلان بعض النوايا كقصد الثواب ودفع العقاب بما ورد من أنّه عبادة التجار وعبادة العبيد، وهو نحو اعتراض عليها فتكون باطلة يعني لا تكون مصداقاً من النية الشرعية المطلوبة.
وجوابه:
1- ضعف السند.
2- حملها عل الجانب الأخلاقي.
3- إنّها بيان لضعفها ونقصانها لا بيان لبطلانها.
بل لعلّه من هذه الناحية دال على الإمضاء والإجزاء. والاطمئنان بالصدور لا يعني النص والعبادة تأييد للإقرار لا البطلان.
ــــــ[40]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
[الفرق بين العبادات بالمعنى الأخصّ والمعنى الأعمّ]
بقي أمر لا ينبغي إهماله وهو الفرق بين العبادات بالمعنى الأخص والمعنى الأعم إذ قد يقال: أنّنا بعد أن عرفنا ضرورة وجود النية تكويناً في كلّ فعل اختياري، وبهذا استدللنا على وجوب النية ولم يكن لها دليل آخر، لأنّها إذا فقدت لم يكن الفعل معتداً به عرفاً ولا عقلاً، وهذا معنى مشترك بين كلا الصنفين من العبادات، لوضوح أنَّ جميعها كذلك وخاصّة إذا علمنا أنَّ العبادات بالمعنى الأعم لا تقترن فضيلتها بالنية بهذا المعنى بل أصل وجودها، لأنَّها بدون النية تكون ملحقاً بالعدم كفعل السكران والنائم، بل حتى ما نعلم أنّه خارج عن العبادات كالعقود والإيقاعات كذلك.
وجوابه: أنّنا إذا تكلمنا عن النية بهذا المقدار الذي يتحيز به الفعل الاختياري لم يبق فرق، إلّا أنَّهم لا يقصدون في التفريق هذا المعنى وإنَّما يقصدون العلّة الغائية وقصدها وليس مجرّد الالتفات إلى الفعل نفسه وإلاّ كان فعل السكران أيضاً عن اختياره وإمّا العلّة الغائية فتختلف من حيث إنَّه هو الامتثال أو رضا الله سبحانه أو الجانب الإنساني أو الإضرار بالآخرين أو أي شيء آخر، والمعاملات لها أيضاً علل غائية مباشرة وهي حصول الملكية أو غيرها من الآثار وعلل غائية بعيدة هي التمكن من عمل آخر مثلاً.
وليس كلّ عمل له علّة غائية كالسفاهات وأضرابها، كما أنَّ عدداً من الأعمال لها علّة غائية سافلة كالظلم وهناك علل غائية دنيوية، وكلّ ذلك خارج عن حيز العبادات خاصّها وعامّها، وإنّما يكون عبادة فيما إذا كان القصد مرتبطاً بالمعبود
ــــــ[41]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
بشكل وآخر فإن كان الفعل ممّا يتوقف صحّته وإجزاؤه عليه فهو العبادة بالمعنى الأخص وإلاّ فالأعم.
فإن قلت: فلماذا لم نقل أنَّ النية هي قصد الغاية أو العلّة الغائية وقلنا بأنّها مجرد الالتفات إلى الفعل مع أنّ هذا لا معنى له كما اتضح الآن.
وهذا جوابه أحد أمرين:
1- إنّنا لم نقل أن قصد الفعل وحده كافياً، فإنَّنا قلنا بكفاية الداعي الإرتكازي وذاك الداعي قد يكون محتوياً على العلّة الغائية بحيث لو سئل أجاب.
2- إنّ العبادات لا يمكن أن تكون إلّا بالاختيار الكامل إلى قصد الفعل مضافاً إلى ربطها بنحو من الأنحاء بالله سبحانه وتعالى. وهي باطلة من دون ذلك جزماً ومعه فقصد الغاية في مثل هذا المستوى من العمل متحقق.
نعم، إلى هنا صحّ تعريف النية بأنّها قصد الغاية المرضية لله عز وجلّ ولو ارتكازاً.
ومعه ينتج أمور:
1- الفرق بين العبادات بالمعنى الأخص وبالمعنى الأعم، فما كانت صحته مربوطة بهذه العلّة الغائية فهي أخصّ وما كان كماله مربوطاً به فهو أعم.
2- عدم كفاية قصد الفعل وحده في العبادة وهو واضح، غير أنّ الأكل والشرب له غاية دنيوية ارتكازية والعبادة لها غاية أخروية ارتكازية.
3- إنّه لم يتغير الموقف في كفاية الارتكاز إذا كان هذا القصد موجوداً في الارتكاز كما هو الغالب.
ــــــ[42]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
4- كما سمعنا أنَّه لبعض الأعمال والمعاملات غاية أدنى وغاية أعلى فالعبادات كذلك، فمثلاً الأدنى هو الامتثال أو إفراغ الذمّة والأعلى إطاعة الله سبحانه وتحصيل رضاه، لأنَّه يُسأل لماذا تمتثل يقول لرضا الله سبحانه فهذه غاية الغاية، وهما يجتمعان لا محالة ارتكازاً، وبالأولى أن نقبل بإخطار أحدهما دون الآخر.
5- إنّنا قلنا إن قصد الوجوب والندب هو قصد الامتثال وهذا معناه أن قصد الامتثال وقصد الوجوب وقصد الطاعة متلازمة بنحو التساوي، وهي تكاد أن تكون واحدة عرفاً لكنّها تختلف دقّة.
6- إنَّ غاية الغاية قد يكون رضا الله وقد يكون تحصيل الثواب أو دفع العقاب وكلّه مجزي لأنَّ فيه نحواً من النسبة إلى الله، لأنَّ المراد ثواب الله وعقابه وهذا يكفي.
وهذا من قبيل العلّة الغائية التي قبل وجودها فكرة وبعد وجودها تطبيق.
ومن هذا ينتج:
أولاً: إنَّ هذه المقاصد الثلاثة كلّها من قصد الغاية.
ثانياً: وحيث أنّها متساوية بالحمل الشايع المتشرعي إذن يكفي قصد واحد منها عن قصد الباقي ولو ارتكازاً كأنّه قصد الواحد بالدلالة المطابقية والباقي بالدلالة الالتزامية، فإن قلنا بالنية الإخطارية كفى الباقي ارتكازاً، وإن قلنا بالنية الارتكازية توقف الباقي على تطبيق الكبرى والصغرى وهو الالتفات إلى ما هو المرتكز والى الملازمة لكي يلتفت إلى الباقي ولا يضرّ عدمها حتى ارتكازاً بعد كون
ــــــ[43]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الدليل عليه لبيّاً مجملاً وجريان الأصل المؤمّن عن الباقي. فإذا أدخلنا المقاصد الأخرى كصغرى من الغاية كنيل الثواب ودفع العقاب كان كل واحد مغنياً عن الآخر.
[الكلام في أمرين: أولهما الاكتفاء بالنية المتدنية. وثانيهما نية شكر المنعم]
يبقى الكلام في أمرين:
الأمر الأوّل: كيف تكتفي في النية المتدنية ولا تجب العالية مع أنّها أحوط بلا إشكال وهو القدر المتيقن من الدليل اللبّي.
جوابه:
أوّلاً: أمّا مع عدم الالتفات إلى العالية فلا إشكال إذ المنسي لا يدخل تحت التكليف وهو منفي في حديث الرفع، فتجري عنه البراءة مع وجود الأدنى بدلاً عنه.
ثانياً: أنّه ما دام الدليل لبيّا أمكن إجراء البراءة عن الزائد ما دام الارتباط بالله موجوداً حتى مع الالتفات وإن كان لا أثر له مع الالتفات وكفاية الارتكاز.
فإن قلت: فإنَّ الدليل لبّي والقدر المتيقن هو الزائد والتفصيلي وليس القليل، كما أنَّ القدر المتيقن هو الإخطار أو اللفظ؛ لأنَّ معنى القدر المتقين هنا هو الأوفق بالاحتياط.
جوابه: أنَّ هذا وإن كان صحيحاً كبروياً إلّا أنَّ المورد ليس صغرى له؛ لأنَّ الدليل كما هو لبّي هو مجمل أيضاً، ومن ناحية الإجمال يمكن جريان البراءة عن كل قيد زائد محتمل في النية.
ــــــ[44]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الأمر الثاني: أنَّه ذكر في العروة من جملة المقاصد: شكر نعمه التي لا تحصى ولم يعلّق في المستند عليه بشيء(1) كأنّه إقرار لها، وهي الآن فكرة مشهورة، ولكنّني ناقشت فيها في فقه الأخلاق وقلت: أنّها تكون صلاة شكر لا صلاة ظهر. وقلت هناك: أنَّ مراد الفقهاء الشكر العام في مطلق العبادات لا في هذه العبادة بالخصوص، إلّا أن هذا وحده لا يكفي، لأنَّ الإشكال سار في كلّ العبادات عندئذٍ.
بل لعلّ المراد: أنَّ أهليته للطاعة فرع أهليته للشكر فهو يطاع من أجل تحصيل الشكر بالحمل الشايع، وهذا قصد جيّد؛ لأن المقصود بالمباشرة هو الطاعة أو الامتثال وهو يكفي، وفي طوله يحصل مصداق الشكر تكويناً، وأمّا أن يقصد الشكر بعنوانه التفصيلي فلا، وأفضل دليل على نفيه أنَّ الدليل هنا لبّي وهذا خارج عن القدر المتيقن.
[في قصد الوجوب والاستحباب]
وقد تحصّل إلى الآن أنَّه يكفي القصد الارتكازي لواحد من هذه الأقسام الثلاثة الوجوب والامتثال والقربة لاتحادها بالحمل الشايع المتشرعي وتلازمهما وجريان البراءة عن قصد المجموع. وقد أشار في العروة إلى عدم وجوب قصد الوجوب والاستحباب وفسّره في المستند بأنّهما من كيفيات الأمر لا من خصوصيات المأمور به.
ــــــ[45]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
إلاّ أنَّ هذا له مراحل من التفكير:
ألأوّل: قصد الوجوب والاستحباب بعنوانهما التفصيلي وهو غير واجب لجريان البراءة ضدّه.
الثاني: قصدهما الإجمالي يعني تعلّق التكليف بالصلاة أياً كان وهذا هو الذي ذكر عنه في المستند: «أنَّ مجرد الإتيان بالعمل بداعي الأمر كاف في تحقق العبادة وإن لم يعلم به وجوبي أو استحبابي»(1).
أقول:
1- إنَّ قصد الأمر إجمالاً قصد لواقعه من وجه.
2- إنَّنا يمكن لنا إجراء البراءة حتى عن المقدار الإجمالي مع وجود النوايا الأخرى كالقربة ونحوها.
3- كونه من خصائص الأمر لا من صفات المأمور به وإن كان صحيحاً، وهذا المعنى يقصده المولى ولا معنى لقصد العبد. إلّا أنَّه لا يبرر عدم وجوبه لما ذكرناه من قصد الغاية وهو امتثال الأمر وهذا يكون صفة للمأمور به أو للمأتي به.
وبتعبير آخر: أنَّ قصد الوجوب وقصد أن هذا المأتي به هو الواجب بذلك الوجوب متلازمان عرفاً بل عقلاً وهذا يكفي.
الثالث: أنَّ الوجوب يتعين قصده مع عدم قصد الأمور الثلاثة الأخرى ولو ارتكازاً. ولا يمكن إجراء الأصل المؤمّن عنه في هذه الصورة كما هو ظاهر عبارة المستند أو إطلاقها؛ إذ يلازم ذلك عدم قصده أي واحد منها حتى ارتكازاً وهو
ــــــ[46]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص13 ـ 14 من الموسوعة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
غير محتمل الجواز فيكون العمل عندئذٍ غير منتسب إلى الله سبحانه مطلقاً فيقع باطلاً.
فإن قلت: أنَّ الفقهاء قالوا أنّه يكفي أي انتساب إلى الله وإن قلّ حتى لو كان الطمع بالثواب أو الخوف من العقاب وهو صحيح فلماذا تتعين الثلاثة في نظرك وهذا للتوضيح.
قلنا: نقصد من الثلاثة التقسيمات الثلاثة وليس العناوين الثلاثة:
1- الحكم الذي هو الوجوب أو الندب.
2- قصد الامتثال.
3- قصد القربة بإحدى تلك المعاني، فلو قصد عنوان واحد من هذه التقسيمات كفى.
[الأدلة على اشتراط قصد التعيين]
وأمّا اشتراط التعيين يعني تسمية الصلاة -ولو ارتكازاً- بأسمائها الشرعية المتلقاة من الشارع المقدّس هو الأصل الأولي وإن كان هو أصالة عدم الشرطيّة إلّا أنَّه يمكن أن يُقال في الاستدلال للاشتراط عدّة أُمور:
[الصلوات ماهيات مختلفة]
الأمر الأوّل: ما ذكر في المستند(1) والمصباح(2) من كون الصلوات ماهيات
ــــــ[47]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص64 من الموسوعة.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص391، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
مختلفة شرعاً، وزاد في المصباح على أنَّ ذلك ينطبق على الصلوات الواجبة والمستحبة الواردة، فلابدَّ من قصد العنوان لكي تكون الصلاة مصداقاً لتلك الماهيّة الشرعية، فإنَّها إنَّما كانت ماهيات متعددة شرعاً بالقصد مع اتفاقها من جميع الجهات في الأجزاء والشرائط كالظهرين.
ويمكن أن يُستدلّ على كونها ماهيات شرعية مختلفة بعدّة أدلّة.
الأوّل: الارتكاز المتشرعي الذي يفرق بين الصلوات جزماً.
الثاني: ما دلّ على الترتيب، فإنَّه لا معنى للترتيب إلّا مع اختلاف الماهية بالقصد.
الثالث: قوله في رواية معتبرة: «إلاّ أنَّ هذه قبل هذه»(1) الدالّ على أنَّ فهم الشارع لهذه الصلوات كونها ماهيات مختلفة وإلاّ لم يصدق الترتيب.
فإن قيل: فإن هذا الدليل يرجع إلى سابقه، وهو اشتراط الترتيب، فلا يكون وجهاً مستقلاً. والرواية إنّما تدلّ على الترتيب.
قلنا:
1- هناك اختلاف بحيثية الاستفادة من الرواية، فمرّة نستفيد وجوب الترتيب ومرّة نستفيد الماهيّة بدليل أنَّنا لو حذفنا معنى الترتيب من الرواية كفى في الاستدلال بها هنا.
2- إنَّ دليل وجوب الترتيب غير منحصر بهذه الرواية، بل عليه الارتكاز المتشرعي، وهو أوضح في الفهم الفقهي من حكم دلّت عليه رواية واحدة معتبرة
ــــــ[48]ـــــــ
(1) الوسائل: ج4 ص130 ح20، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
عندئذٍ ففي الإمكان أن نستدلّ للوجه الثاني بغير هذه الرواية ممّا دلّ على وجوب الترتيب كالارتكاز، ونخصّ هذا الوجه الثالث بهذه الرواية.
3- إنّه في الإمكان القول بأنَّ هذه الرواية لا تدلّ على وجوب الترتيب، بل نفهم منها الإشارة إلى دليل أو جعل أسبق منها رتبة يدلّ عليه. ومن هنا كان الترتيب ثابتاً في الإسلام قبل صدورها جزماً من زمن رسول الله. إذن تنحصر الاستفادة من هذه الرواية باختلاف الماهيات.
ويؤيّد ذلك: أنَّ سياق الرواية ليس بيان الجعل أو التشريع بل الأخبار: أنَّ هذه قبل هذه بمعنى اجعل هذه قبل هذه بل ثبوت ذلك في نفس الأمر في المرتبة السابق على صدور الحديث.
[الأخبار]
الأمر الثاني: ما دلّ من الأخبار على جواز العدول أحياناً من صلاة إلى صلاة أُخرى من لاحقة إلى سابقة أو بالعكس أو من واجبة إلى مندوبة وغير ذلك، فإنّه لا تعييناً لذلك إلّا بالقصد. وهذا يمكن أن يكون دليلاً على تعدد الماهيات كما يمكن أن يكون دليلاً على وجوب القصد بالالتزام.
[تعلق الأمر بالعنوان]
الأمر الثالث: أنَّ الأمر متعلق بالعنوان نفسه: كصلّ صلاة الظهر وليس بأربع ركعات مطلقة من هذه الناحية. فلا يقع الفرد امتثالاً حقيقة إلّا إذا كان واجداً لجميع ما تعلق به الأمر بما فيه العنوان.
ــــــ[49]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وفي المستند قال: «لزم المتصدي للامتثال مراعاة عنوان العمل وقصد تعيينه مقدمة لتحقّقه، وامتثال أمره»(1).
وهذه المقدّمة مجازية وغير اصطلاحية، لأنَّه نفس الإتيان بالواجب وليس مقدمة للواجب. وبه يتضح عدم كفاية الوجه الأوّل وحده وهو كونها ماهيات متعدّدة؛ إذ الكلام في وجوب تعيينها وهو لا يكون إلّا بتعلق الأمر به فيصح الوجوبان كمقدمتين لوجه واحد وليسا مستقلين وكذا الدليل الثاني.
ثُمَّ قال: «وبعبارة أخرى: إنما يكتفى بقصد الأمر فيما إذا كان متعلقه ذات العمل»(2).
أقول: قصد من ذات العملِ العمل الخارجي وهو غريب، بعد ضم مقدمتين:
الأولى: أنَّ الصلاة متكونة من أجزاء وشرائط مختلفة في الماهيات والكيفيات.
الثانية: أن القصد منكيفياتها وليس العمل الخارجي فقط، إذن فذات الصلاة يشمل القصد ولا يمكن التعبير عن العمل الخارجي بكونه ذاته فقط والأمر الشرعي متوجّه إلى ذات الصلاة بما فيه القصد وليس إلى ذات الصلاة مقيداً بالقصد لدخالة القصد في الذات أيضاً.
[الادلة اللبية]
الأمر الرابع: الإجماع على وجوب التعيين وبعد التنزّل عن الوجوه السابقة لا يكون مدركياً.
ــــــ[50]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص12 من الموسوعة.
(2) المصدر السابق.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أقول: الدليل السابق عقلي في واقعه وليس ظهورياً وهو عدم صدق الامتثال إلّا بالقصد فتكون النتيجة عقلية أيضاً. فهل يكون الإجماع مدركياً إذا كان مدركه عقليّاً أو يختص بالدليل الظهوري كما عليه المشهور. الظاهر العمومي، فإن طعنّا بحجيته فالشهرة وهي أيضاً مطعونة ومدركية.
الأمر الخامس: السيرة المتشرعية.
الأمر السادس: الارتكاز المتشرعي وهو غير الارتكاز على استقلال الماهيات، بل هنا ارتكاز على وجوب قصد العنوان.
[سؤالان في المقام]
يبقى سؤالان:
الأوّل: عن كفاية القصد الإجمالي ولا شكّ في كفايته وقيامه مقام التفصيلي في صحّة الصلاة، لأنَّ الدليل لبّي فإذا دار الأمر بين التفصيلي والإجمالي أمكن نفي التفصيلية بالأصل المؤمّن حتى اختياراً فضلاً عن صور الجهل والنسيان ونحوها كقوله: الصلاة المفروضة في هذا الوقت ونحو ذلك، بعد ضمّ مقدمة وهي أنَّ القصد الإجمالي(1)يفي عن التفصيلي موضوعاً وذلك بأحد طريقين:
1- أن نقول: أنَّه يكشف عنه كشفاً ناقصاً أو هو تعريف به من وجه لا من كلّ الوجوه وهذا كافٍ بعد جريان الأصل المؤمّن عن الزائد.
ــــــ[51]ـــــــ
(1) هو قصد الكلّي الذي ينطبق عليه، والآخوند قال: بأن قصد الجزئي قصد للكلي فيكون موردنا أولى، مضافاً إلى جريان الأصل المؤمن عن التفصيل حتى في صورة العمد لو أمكن.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
2- أن نقول: أنّه وإن كان كذلك إثباتاً إلّا أنَّه عينه ثبوتاً لأنَّ المقصود هو ما في علم الله سبحانه وهناك لا يوجد إجمال، بل ينطبق العنوان الإجمالي على التفصيلي تماماً وإن كان المكلف جاهلاً به مع كون الدليل لبيّاً فيجرى الأصل المؤمن عن خصوص التفصيلي.
السؤال الثاني: إنّه هل يكفي غيره عنه، بعد الجزم أنَّه يكفي عن غيره لأنّنا إذا قلنا بكفاية قصد واحد من الأربعة وقد قصد العنوان كالظهر فهو واحد منها ويكون كافياً بأي مرتبة من مراتب النية كان ولكن الكلام في العكس فلو قصد غيره كالقربة أو الوجوب دون العنوان كالظهر، فهل يجزي عنه، مع أنّنا نقول بكفاية قصد الواحد منها لجريان الأصل المؤمن عن الخصائص الباقية.
وقد يقال: أنَّ هذا لا أثر له في النية الارتكازية.
قلنا: أن صورة المسألة ستكون عندئذ إن قصد القربة موجود ارتكازاً إلّا أنَّ قصد العنوان كالظهر غير موجود إطلاقاً بحيث لو سئل لما أجاب لا إجمالاً ولا تفصيلاً، وعندئذ نقول: إنَّ هذا ممّا لا يمكن القول بصحّته أمّا مع التردد بين واجبين أو أكثر فواضح، وأمّا مع عدم التردد فكذلك لفرض عدم تعيّن الماهية المؤدّاة إطلاقاً، وهو على خلاف الدليل السابق على تعيّن الماهية شرعاً.
إذن فهو يكفي عن غيره ولا يكفي غيره عنه، فيتعيّن قصده ولو ارتكازاً أمّا وحده أو مع غيره من الأمور الأربعة ولا يمكن جريان الأصل عنه، أمّا لو قلنا بالإخطار فلا يتعين إخطاره بل يكفي أي واحد بعد فرض كونه موجوداً في الارتكاز بحيث لو سئل أجاب.
ــــــ[52]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
[لزوم التعيين مع التعدد]
الآن نقول كلمة في لزوم التعيين في النية فيما إذا كان هناك واجبان متماثلان أو مستحبان أو واجب ومستحب فقد يُقال أنّه يجب التعيين في النية أياً كان تعريفها.
وقد قسّم وفرّق في المستند(1) بين ما إذا كان الواجب عنوان خاص أم لا، فالأول كالظهر والعصر أو نافلة الصبح وفريضته أو ظهراً أداء وظهراً قضاء، والثاني مثل ظهرين قضاء أو يومين من شهر رمضان أو درهمين للدين. فيقال: أنّه يجب التعيين في الأوّل دون الثاني.
وقد عبّر في المستند عن الأوّل: أنّهما مشتركان بذات العمل ومختلفان بالقصد. وسبق أن قلنا أنَّ التعبير بذات العمل مسامحة، وإنما ينبغي القول أنّهما مشتركان بصورة العمل العرفية أو بكل الأجزاء والشرائط إلّا القصد.
والدليل على الوجوب في الأوّل هو ما ذكره في المستند في توقف الماهية عليه، وبدونه تنتفي الماهية(2).
[المناقشة الأولى]
فإن قلت: فإنَّ الماهية تعيين باسم الصلاة وعنوانها فيجب القصد في صلاة الظهر والعصر وهذا لا ينطبق على قصد الأداء والقضاء وقصد الوجوب والاستحباب.
قلنا: هذا صحيح لو أخذناه من ناحية عقلية إذ يقال: أنَّ الأداء والوجوب
ــــــ[53]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص59 من الموسوعة.
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص15 من الموسوعة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
من أوصاف الماهية وليس دخيلاً في الماهية وإنما تتعين الماهية فقط بالعنوان كالظهر وأمّا شرعاً ومتشرعياً فالاحتمال قائم على أنَّ كلّ ذلك داخل في الماهية وأنَّ الأداء ماهية والقضاء ماهية والمستحب ماهية والواجب ماهية.
أمّا الثاني فجزمي، وأمّا الأوّل فاحتمالي فيكون الأمر دائراً بين التعيين والتخيير من حيث قصد القضاء مثلاً، فيتعين التعيين وهذا أسبق رتبة من أصالة البراءة عن الشرطية وهو شرطية قصد القضاء إذ معناه أصالة البراءة عن التعيين مع أنّنا قلنا في علم الأصول بعدم جريانها في مثله، فإذا لم يقصد أمكن استصحاب اشتغال الذمّة، وهي نتيجة البطلان.
ولكن هذا التقريب لا يأتي مع الجزم بالماهية كالصلاتين من الظهر القضائي أو يومين صوم، فيأتي بفرد منهما إجمالاً ويكون مجزءاً للجزم بحصول الماهية لاشتراكهما في كلّ الخصائص حقيقة إلّا الوقت، وهو غير دخيل في الماهية جزماً.
وقد قال في المستند عنه أنَّه: «ما ليس له عنوان خاص ولا امتياز بين الفردين»(1) ولكن في الواقع له عنوان خاصّ من أنَّه ماتيوم الأحد مثلاً وهذا بمجرّده لا يكفي لأنَّ هذا العنوان إن كان دخيلاً في الماهية وجب قصده لتوقّف الماهية عليه وإنَّما المهمّ هو ما قلناه من عدم كونه دخيلاً في الماهية.
وأمّا مثال الدين لدرهمين وأدّى أحدهما إجمالاً، فهو من المعاملات وكلامنا في العبادات، لأنَّ ماهية العبادات لها تفاصيل أدقّ من ماهيات المعاملات فعقد القرض غير عقد البيع غير أنَّ الدراهم أو الثمن ونحوهما غير دخيل في الماهية
ــــــ[54]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فتشمله القاعدة التي قلناها من أنَّ ما ليس دخيلاً في الماهية لا يجب قصده.
[المناقشة الثانية]
فإن قلت: فإنَّ القصر والتمام دخيل في الماهية المتشرعية جزماً لاختلاف صورة الصلاة به مع أنَّه لا يجب قصده لدى المشهور، فكيف نوفق بين ذلك وبين وجوب قصد كلّ ما هو دخيل في الماهية.
قلنا: الوجوه في ذلك متعدّدة:
الوجه الأوّل: أن نلغي هذه القاعدة ونقول أنَّ القصد لا دخل للماهية فيه، بل بحسب الدليل الدالّ عليه في كل مورد، أو أنَّ الدخيل في الماهية هو اسم الصلاة فقط والباقي بمنزلة الحكم الخارج عنها، وهو المسلك الفقهي المتعارف، وإذا فشلت الوجوه الأخرى فهذا هو سبيلنا الوحيد.
وبعبارة أخرى: أن ما هو دخيل في الوجوب فعله دخيل في الماهية وما هو خارج فهو خارج عنها إلّا أنَّه تعيّن للموضوع مع الحكم وعلى خلاف الارتكاز المتشرعي على وجود ماهية في المرتبة السابقة.
الوجه الثاني: أن نقبل بنتيجة تلك القاعدة على سعتها، فينتج وجوب نية القصر والتمام كما عليه البعض وهو الأوفق بالاحتياط أيضاً.
الوجه الثالث: أن نعمل بالقاعد مع تقييداتها، فقد يكون شيء دخيل في الماهية ولكن دلّ الدليل على عدم وجوب قصده في شيء خارج الماهية ويجب كاستحباب الظهر وكالقصر والتمام لو كان الدال على ذلك دليل قطعي لا احتياطي، وإلاّ فلا مجال للأصل المؤمن مع كون الماهية المتشرعية غير محفوظة على الفرض.
ــــــ[55]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الوجه الرابع: أنَّ للماهية مرتبتين، فهناك ماهية وهناك حصّة أو صنف منها وليس غيرها كالإنسان العراقي واللبناني.
1- هذا يدرك وجداناً.
2- هذا غير معقول عقلاً، لأنَّ الحصّة من الماهية ولكنّه معقول شرعاً وعرفاً.
وما هو واجب القصد ما هو دخيل في أصل الماهية كالوجوب والاستحباب وأسماء الفرائض والنوافل، دون الحصص، كالجماعة والمسجد، فيكون القصر والتمام من الحصص التي لا يجب قصدها، ولكن يمكن النقض بأمرين:
أحدهما: الأداء والقضاء فإنها بالارتكاز المتشرعي من حصص الماهية وغير دخيل بها ذاتاً من حيث أنَّ صلاة الظهر هي هي سواء صلّيت أداء أم قضاء مع أنَّه يجب قصد عنوانه.
ثانيهما: صلاة الظهر الواجبة والمستحبة فإنّها جزماً ماهية واحدة مع أنَّه يجب قصد عنوانه وهو الاستحباب.
[تقييد قاعدة «كل ما هو دخيل في الماهية يجب قصده»]
وهنا لابدَّ أن نعود إلى تقييدات القاعدة وأنَّ هذه الأمور بالرغم من عدم دخلها في الماهية فقد دلّ الدليل على وجوب قصدها ولو كان هو الإجماع ونحوه في حين لم يدلّ الدليل على حصص أخرى للصلاة كالقصر والتمام والجماعة والمكان والزمان، فتدخل ضمن القاعدة العامّة لأنَّها خارجة عن ماهية الصلاة فلا يجب قصدها.
ــــــ[56]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
إذن: فحفظ أو قصد كلّ ما له دخل في الماهية ضروري دون الحصّة إلّا ما دلّ الدليل على قصد الحصّة أو على أمر خارجي، كالاستحباب والوجوب.
فإذا انحفظت الماهية على التقديرين ولم يدلّ دليل على وجوب القصد والتمييز بين الحصّتين فهو المطلوب كيومين من صوم القضاء أو صلاتين من الظهر أداء وقضاء ونحوها.
وهذا البحث ينتج أمور:
منها: وجوب التعيين لدخله في الماهية ولو غضضنا النظر عن ذلك لابدَّ من القول به باعتبار الدليل.
ومنها: أنَّ ما ليس دخيلاً في الماهية لا يجب قصده ما لم يدلّ الدليل على ثبوته.
ومنها: أنَّه ما هو دخيل الماهية يجب قصده ما لم يدلّ الدليل على نفيه، كماهو ثابت بوجوب قصده، أمّا لأنَّه دخيل في الماهية وأمّا لوجود الدليل على دخله.
إذن: فوجوب التعيين أو التسمية لأجل كونه هو القدر المتيقن من الماهية، فهذا أحد شكلي الدليل، وأمّا إذا غضضنا النظر عن ذلك لم نجد دليلاً لفظياً على الوجوب.
[تتمة الكلام في الأدلة]
ولكن يمكن الاستدلال بأمرين رئيسيين:
1- الارتكاز والإجماع، والارتكاز أهم لأنَّه لا يعتبر مدركياً.
2- إقرار مسألة الماهية الشرعية من قبل الشارع نفسه بقوله: «أن هذه قبل هذه»(1).
ــــــ[57]ـــــــ
(1) الوسائل: ج4 ص130 ح20، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فإن قلت: فإنّنا قلنا بكفاية قصد واحد من الأربعة والآن نتج وجوب اثنين أحدهما نحو من أنحاء القربة أو الوجوب والثاني التعيين للماهية.
قلنا: إنَّ ذلك إنَّما يمكن في القدر المتيقن من العبادات التي ليس فيها ترديد بحيث يمكن جريان الأصل المؤمن عن الزائد، وأمّا بدون ذلك فلا، كما في موارد الترديد وكما لو اقتصر على القربة دون التعيين أو موارد دلّ الدليل على وجوب قصدها كالقضاء والقصر، فإنَّه عندئذ لابدَّ من التعيين.
[الكلام في وجوب قصد الاداء والقضاء]
والأداء والقضاء فقد جزم في العروة والمستند(1) بعدم وجوب قصدهما معاً وجزم المحقق الحلّي بوجوب قصد أحدهما(2).
وقال في العروة: «إلّا مع توقف التعيين على قصد أحدهما»(3) فكأنّها تقع تكويناً أداء أو تقع تكويناً قضاءً وهذا يكفي ويجري الأصل المؤمّن في وجوب القصد، والهمداني يرى الوجوب يقول: «أمّا الأداء: فواضح، لأنّ إطاعة أوامرها إلّا بالقصد إلى إيجاد متعلّقاتها»(4).
جوابه: الطعن في الصغرى، لأنَّه في صورة عدم التردد وكما هو الغالب يكفي أن تقع العبادة في الوقت تكويناً ويجري الأصل المؤمن عن وجوب القصد
ــــــ[58]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص13من الموسوعة.
(2) شرائع الإسلام: ج1 ص94 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(3) المسألة رقم 2 من العروة، لاحظ: المستند: ج14 ص13من الموسوعة.
(4) مصباح الفقيه: ج11 ص393، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وبجريانه لا يثبت أنّه مأمور به أو أنَّه جزء المتعلق. فيكون المدّعي مسؤولاً عن إثبات ذلك ولا دليل عليه.
وهناك أدلّة أخرى محتملة على وجوب قصد الأداء تصلح أن تكون قاطعة للأصل المؤمن. وهي لبيّة مثل السيرة والإجماع والشهرة، إلّا أنَّه يمكن المناقشة فيها:
أوّلاً: في أنّها لبيّة والقدر المتيقن غير هذا أعني طرف الترديد والكلام فيما ليس فيه ترديد.
ثانياً: الشك في أصل وجودها، لأنَّ الإجماع غير مدّعى إطلاقاً فضلاً عن كونه محصلاً.
مضافاً إلى تصريح العلماء بخلافه وجواز عدم القصد فيما ليس مردداً.
مضافاً إلى احتمال كونه احتياطياً لا لزومياً والإجماع على الاحتياط ليس بحجّة، وأمّا السيرة فهي لا يمكن إنكارها إلّا أنَّ السيرة العملية لا تدلّ على الوجوب.
مضافاً إلى إمكان القول: بأنَّ الالتفات إلى الأداء التفات إلى أمر تكويني وهو يكون قهراً للملتفت وإن لم يكن واجباً.
مضافاً إلى احتمال كونها احتياطية وليست فتوائية وهذا بنفسه يقال: في الارتكاز المتشرعي.
[أدلة قصد القضاء]
وأمّا القضاء فيمكن أن يستدل له بعدّة أدلّة:
الدليل الأول: عدم تمامية ما قاله الهمداني -احتمالاً- من عدم وجوب قصد ــــــ[59]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
القضاء بعد فهم مقدمتين:
المقدمة الأولى: أن الأداء والقضاء ماهية واحدة شرعاً وهذه الصفة خصوصية زائدة على الماهية.
المقدمة الثانية: أنَّه لا دليل على وجوب قصدها ولو كانا ماهيتين لوجب القصد، فيجري عنها الأصل المؤمن، إلّا أنَّه استنتج شيئاً آخر، لأنَّه قال أولاً: «بل يكفي عدم تعيين التمام ولو بالغفلة»(1).
وقال ثانياً: «بل يكفي الإثبات بصلاة مطلقة من نوع ما اشتغلت به ذمّته»(2).
وكِلا الأمرين غير لازمين لو تمّ دليله: أمّا الأمر الثاني: فلأنه عنوان إجمالي أو كلّي ينطبق على القضاء، فلو تعمده كفى فضلاً عمّا إذا لم يتعمده والمهم أن القصد التفصيلي والإجمالي معاً يمكن أن يكون مجرى للأصل المؤمن. وكذلك الأوّل.
وأجاب عليه: أنَّ هذا ليس من قبيل أن يتعلق الأمر بطبيعة مقيدة وأمر بمطلقها كي يقع الفرد المقيد امتثالاً للمطلق، بل من قبيل تعدد المطلوب فالمطلوب عند التمكن من المقيد هو القيد بخصوصه وعند تعذّره للفرد العلويعند القيد.
وهذا قابل للمناقشة: إذ بناء على مسلكه من وحدة الماهية يكون الأمر بذات صلاة الظهر أمراً بالمطلق والأمر بالوقت أمراً بالمقيد. فيكون الإتيان بالقضاء من قبيل المطلق عند تعذر المقيد، فيكون من قبيل الأوّل الذي نفاه.
ــــــ[60]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) المصدر السابق.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
إلاّ أنَّ هذا تابع لمدى الاستفادة من الأدلّة، والظاهر أن أدلة القضاء توجب القضاء بعنوانه لا بعنوان كونه إتياناً بذات الصلاة فيكون من قبيل تعدد المطلوب كما قال ثانياً.
فإن قلت: فإن خير ما يستدل به على ذلك المعتبرة التي تقول: «أقضي ما فات كما فات»(1).
يعني: ما فات قصراً أو تماماً، وغير ذلك. فإنَّنا إن حملنا معنى مادة القضاء على الاستقلالية. كان العنوان واجب القصد، وأما إذا حملناه على الطريقية لم يكن كذلك.
والظاهر هو الطريقية، لأنَّ المراد من القضاء معناه لا عنوانه.
وبتعبيرٍ آخر: أنه استعمل كسائر الألفاظ ليراد به المعنى وهو الإتيان بالصلاة خارج الوقت، فكأنه قال: أأتي بالصلاة خارج الوقت كما فاتت. وهذا لا يعني قصد القضاء بعنوانه، بل بوجوده التكويني خارج الوقت، يعني الإتيان بماهية الصلاة عندئذٍ، وهو يدعم الفكرة بأن الأداء والقضاء ماهية واحدة وهما حصتان لها.
فإن قلت: فإن هذا على خلاف القاعدة الفقهية من قصد العنوان في جميع العبادات والمعاملات، فلو كان المراد مجرد الأثر التكويني لما احتاج الأمر إلى القصد، مع أنهم يفتون في الجميع بقصد العنوان.
ــــــ[61]ـــــــ
(1) الوسائل: ج8 ص268 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
قلنا:
أولاً: مقتضى القاعدة عدم وجوب قصد العنوان إلّا ما خرج بدليل، لأنه إنما أخذ العنوان في الأدلة طريقاً إلى الوجود التكويني للمعنون لا أكثر حتى الصوم والحج. إلّا ما كان مردّداً، حتى من المعاملات، فإنّه إذ يحتمل فيه البيع والإجارة لابدَّ من قصد الواقع. وفي القضاء حين لا يكون مردداً لم يدل دليل على أكثر من ذلك.
ثانياً: بإبراز فرق بين القضاء وغيره، أو بين حصتين من الأمور، بعضها قصديوبعضها تكويني، فما كان يمثل أصل الماهية كان قصده ضرورياً لوجود الماهية، وما كان يمثل الحصة كفى قصد الماهية بعد الإقرار بأن عنوان الحصة طريقي لا يجب قصده، والقضاء حصة وليس ماهية، فالدليل من هذه الناحية غير تام.
ثالثاً: يحتمل أن يراد بالقضاء: الإتيان، كما قال تعالى: فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ(1)وليس عنواناً مستقلاً ليجب قصده، وعندئذ يسقط هذا الدليل.
الدليل الثاني: الفحص في أدلة القضاء عما يمكن أن يكون عنواناً قصدياً للقضاء.
يمكن تقسيمها إلى عدّة ألسنة.
أحدها: بعنوان يصلي، من قبيل رواية زرارة عن أبي جعفر أنّه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة – إلى أن قال – فنسي أن يصلّيها حتى ذهب وقتها؟ قال: «يصلّيها» (2).
ــــــ[62]ـــــــ
(1) الجمعة: 10.
(2) الوسائل: ج8 ص254 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
ثانيها: بعنوان الأداء، من قبيل رواية زرارة عن أبي جعفر  أنّه قال: «أربع صلوات يصلّيها الرجل في كلّ ساعة: صلاة فاتتك فمتى ذكرتها أدّيتها»(1).
ثالثها: بعنوان يقضي وهو الأعم الأغلب، من قبيل رواية حمزة بن الطيّار عن أبي عبدالله -في حديث- قال: «إنّ الله أمر بالصلاة والصوم فنام رسول الله عن الصلاة، فقال: أنا أُنيمك وأنا أُوقظك فإذا قمت فصلّ ليعلموا إذا أصابهم ذلك كيف يصنعون، ليس كما يقولون: إذا نام عنها هلك، وكذلك الصيام أنا أُمرضك وأنا أصححك فاذا شفيتك فاقضه»(2). مما يدل على وجود اصطلاح متشرّعي متعارف عندئذٍ.
[مناقشة الاستدلال على قصد القضاء]
فإن قلت: فكيف بالروايات التي لم تدل على عنوان القضاء.
قلنا: ليس بالضرورة يورد المتكلم عنوان القضاء دائماً، بل يمكن أن يدل عليه بلفظ آخر، ونحن نعلم أن ذلك مراده.
فإن قلت: فإن القضاء لغة هو الأداء. أو قل هما بمعنىً واحد كما في القرآن والسنة.
قلنا: نعم، إلّا أننا نخرج من ذلك بالقرائن المتصلة الموجودة في سياق الروايات، من أن المراد الأداء خارج الوقت، وهو مقترن بمعنى الوقت، وأنه صادق بخروج الوقت، وإلاّ فمن قضى لم تفته أصل الصلاة، ويدل عليه رواية
ــــــ[63]ـــــــ
(1) الوسائل: ج8 ص256 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج8 ص255 ح6، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
زرارة قال: «قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر؟ قال: يقضي ما فاته كما فاته، إن كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها، وإن كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته»(1) الذي استعمل لكلا اللفظين القضاء والأداء. فيكون القضاء قرينة على الأداء.
فإن قلت: فلماذا لا يكون العكس.
قلنا: أنه لا يحتمل أن يراد بالأداء إيقاعها في الوقت، بل خارج الوقت، فيكون قضاءً بالحمل الشائع.
فإن قلت: فإن الروايات لم تدل على وجوب القصد، بعد التسليم أن عنوان القضاء يصدق على إتيان الماهية خارج الوقت.
فلو قال: أصلي الظهر التي فاتت كفى.
قلنا:
أولاً: أنه يجب أن يأتي بالقصد الذي يجعل صلاته قضاء بالحمل الشايع المتشرعي، ولا أقل أن يعلم إيقاعها خارج وقتها. فإن لم يعلم ذلك بطلت وهذا واضح.
ثانياً: أننا نستكشف كون هذا الاصطلاح للقضاء هو المتعارف في زمان الأئمة وأصحابهم وهو العنوان الفاصل عن الأداء. مع العلم أن العبادات المتماثلة خارجاً لا تفرق إلّا بالقصود، فيتعين القصد لأجل إيجاد المقصود وإن كانت أصل الماهية محفوظة، ولا أقل من الاحتياط الوجوبي بذلك.
ــــــ[64]ـــــــ
(1) الوسائل: ج8 ص268 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
[كلمة في نوم رسول الله  عن صلاة الصبح]
كلمة عن نوم رسول الله عن صلاة الصبح، وهل أن ذلك ينافي العصمة؟
1- تفسير الكريهة التي حصلت بترك الفريضة واحتمال كونه نوعاً من الغضب.
2- إثبات فاعلية الله سبحانه وتدلّ عليه الآية الشريفة وَيُرْسِلُ الأُخْرَى(1) أنا أنيمك وأنا أوقظك.
3- هذا لإثبات كيفية القضاء في أوّل الإسلام.
فإن قلت: فإنَّه يقول الحكم بلسانه: أنّه من لم يصلِّ في الوقت صلّى خارج الوقت.
قلنا: هو لم يكن مُدرّس فقه أو شرائع، وكان الناس قليلي التفقه، وإنّما الحادثة الخارجية هي التي تثير الانتباه فقط. ولم تكن فروع فقهية أكثر من ذلك، وفي القرآن الكريم ليس أكثر من ذلك، ولذا كان للآيات جميعاً أسباب نزول، وإلاّ لم تحتج إلى السبب. وكان الأئمة يفعلون أموراً مرجوحة للدلالة على الجواز؛ لئلا يحمل الأمر بها أو السيرة على إيجادها أو تركها على الوجوب أو الإلزام، مثاله: ستر العورة بالطين، وكان يمكنه أن يبين ذلك بكلامه بدون مثال عملي، وهكذا.
ــــــ[65]ـــــــ
(1) الزمر: 42.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
[تتمة أدلة قصد القضاء]
الدليل الثالث: الإجماع والشهرة على شرطية قصد القضاء في صلاة القضاء. ويمكن القول بالاطمئنان بالإجماع فضلاً عن الشهرة، إلّا أنهما معاً قطعاً مدركيان لاعتمادهما على هذه الروايات، ولا أقل الاحتمال المسقط لحجية الإجماع.
فإن قلت: فإن الأخبار لم يكن لها دلالة على وجوب القصد وإنما فقط أخذت عنوان القضاء، فلا تصلح للمدركية.
قلنا:
1- نحن قرّبنا دلالتها، فلعلّ المجمعين فهموا منها الدلالة.
2- إنَّ احتمال ذلك كان للإسقاط بأي وجهٍ يحتمل أن يكون خطر في أذهانهم، بل ما يكون أضعف في الدلالة كافٍ لإسقاط الإجماع عن الحجيّة. ما لم يكن الإجماع أوسع وأهمّ، وليس هنا كذلك؛ لكثرة الروايات.
الدليل الرابع: السيرة والارتكاز، وكلاهما موجود، إلّا أنَّه يؤخذ منه بالقدر المتيقّن، يعني الأعمّ من العنوان التفصيلي للقضاء أو العنوان الإجمالي الذي هو قضاء بالحمل الشايع؛ لأنَّك لو سألته عن وجوب للتفصيلي والبطلان مع الإجمالي، لم يستطع أن يجيب، والإنصاف أنَّهما ينبغي أن يختلفا في النتيجة الفقهية، فالجامع بين الأمرين الإجمالي والتفصيلي يكون واجباً فتوى، يعني: أنَّ عدمهما معاً مبطل يقيناً، وأما خصوص التفصيلي الذي دلّت عليه الروايات فبنحو الاحتياط الوجوبي، لعدم النص على الشرطية بوضوح. وكون التقريبين السابقين لهما من المشكوك كونهما سبباً للظهور الفعلي على ذلك.
ــــــ[66]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الدليل الخامس: استصحاب اشتغال الذمة، بدون القصد إلّا أنه محكوم بأصالة عدم الشرطية وليس مثبتاً.
الدليل السادس: دوران الأمر بين التعيين والتخيير عند عدم التعيين أو الحكم العقلي بالتعيين، وصغراه هنا محرزة لتردد الأمر بين تعيين وجوب القضاء أو التخيير بين قصده وعدمه. ولكن إنَّما تتمّ الصغرى بعد التنزّل عن الأدلة السابقة. إذ معها لا تصل النوبة إلى الاستصحاب فضلاً عن الفعل.
فوجب الآن ثلاث أمور: -منها الأُمور الأربعة التي ذكر المحقق- جامع القربة، والتعيين أي اسم الفريضة، وعنوان القضاء. أما جامع القربة فهو كلي يكفي فيه أي واحد من حصصه. وأما الآخران فلا إشكال من إمكان وإجزاء قصدهما ولكن هل يكفي قصد العام المنطبق عليهما كفريضة الوقت أو ما في الذمة أو قصد الواقع مع العلم أن الأدلة السابقة دلت على وجوب قصد الحصة لا الكلي.
[القصد الإجمالي في النية]
ما يمكن أن يكون دليلاً على عدم الكفاية أمور:
الأمر الأوّل: ورود الدليل تفصيلياً فكيف نكتفي بالعنوان الإجمالي ومقتضى وجوب الطاعة التطبيق عليه كما ورد.
جوابه: لأكثر من وجه واحد:
الوجه الأوّل: أنه لم يدل الدليل على التفصيلي بعنوانه لأن الدليل أصلاً كان لبياً ومجملاً، فيكفي فيه الجامع بين التفصيلي والإجمالي، وتجري البراءة عن الزائد،
ــــــ[67]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
إلّا ان هذا الوجه خاص بالتعيين، إما نحتمل الانقضاء فلم يكن دليله لبياً.
الوجه الثاني: أن الكلي محتوٍ على الجزئي ثبوتاً ودال عليه إثباتاً، فيكون الجزئي مقصوداً ضمناً، وهذا يكفي.
الوجه الثالث: أن الكلي منطبق في علم الله على الجزئي الواقعي، وهذا يكفي.
الوجه الرابع: أنَّ العنوان التفصيلي قد يكون متعذّراً ومع ذلك لا نقول بسقوط وجوب النيّة فيتعيّن العنوان الإجمالي، لأنَّه المقدار الممكن عندئذٍ.
الأمر الثاني: أن نية الكلي غير تامة لأنها إما إجمالية وإما مرددة لعدم علم المكلف بالعنوان التفصيلي على الفرض، مع كون النية الإجمالية والمرددة باطلة جزماً.
والعنوان الإجمالي هو قصد كلي قد يكون منطبقاً على حصة وقد لا يكون كما سوف يظهر، وإنما إجمالياً لفقده التفاصيل المأخوذة في عناوين الأدلة، وذلك يكون على عدّة مستويات، لأنَّ العنوان التفصيلي إما أن يكون موجوداً أو غير موجود، وعلى كلا التقديرين إما أن يعلم به المكلف أو لا، فهذه أربع صور يمكن أن تكون موضوعاً للقصد الإجمالي:
الصورة الأولى: أن يكون القصد التفصيلي أو إمكانه موجوداً ومعلوماً للمكلف ولكنه يعرض عنه ويقصد قصداً إجمالياً، وهذا غير متصوّر بالنسبة إلى النية الواجبة وهي الارتكازية. بل نفيالإخطارية. نعم هو متصور بالنسبة إلى النية اللفظية، ولكنه على أي حال داخل في مورد النقض والإبرام الآتي.
الصورة الثانية: أن يكون العنوان التفصيلي موجوداً ثبوتاً ولكن بجهله
ــــــ[68]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
المكلف، ويراد به العنوان التفصيلي مما يجب قصده كإحدى الظهرين لا مما لا يجب قصده كقضاء ظهرين في يومين مجهولين، وعندئذٍ تتعذر النية التفصيلية فهل تجزي الإجمالية.
الصورة الثالثة: أن يكون العنوان التفصيلي غير موجود ويعلمه المكلف كذلك إلّا أنه لا مناص له من قصد ما هو غير موجود من باب المقدمة العلمية لما هو موجود كالصلاة إلى الجهات الأربعة حيث يتعين بعضها لعدم القبلة.
الصورة الرابعة: أن يكون العنوان التفصيلي غير موجود ويجهله المكلف وهذا لا معنى له في صورة الغفلة، ثم قد يحصل في الذهن احتمال أن يكون في الذمة شيء كقضاء محتمل أو نحوه. ولا يكون ذلك مطابقاً للواقع. وقد يحصل به يقين أو اطمئنان من باب الجهل المركب، وهذا الفرع بعيد التصور في الأداء إلّا وهماً، ناتجاً من نكتة التفقه كما لو احتمل أن عليه صلاة أداء بعد طلوع الشمس.
جوابه (1): أن النية المرددة باطلة على نقاش ليس هنا محله، غير أن بطلان النية الإجمالية أول الكلام، فإنه الأمر المعنون فعلاً ولم يثبت إلى الآن فساده، وخاصة مع انحصاره وعدم القدرة على التعيين، نعم مع التعمّد تكون مخالفة للاحتياط بعد التنزل عن الوجوه السابقة للجواب، إلّا أننا عرفنا أنه غير متصور بالنسبة إلى النية الارتكازية.
[الأدلة اللبية على إجزاء القصد الإجمالي]
بل يمكن الاستدلال على كفاية النية الكلية أو الإجمالية في الصورتين الثانية والثالثة، بعد إخراج الأولى لأنها غير متصورة والرابعة لكونه جهلاً مركباً، يمكن
ــــــ[69]ـــــــ
(1) هذا جواب على ما ورد في الأمر الثاني ص68، بجميع تفصيلاته.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الاستدلال له بالأدلة اللبية على جوازه.
أما مع الجهل والنسيان والغفلة، فواضح إجزاء الإجمالي لأنه المقدار الممكن فيسقط المتعذر، ويبقى الممكن لأن الصلاة لا تسقط بحال، أما لو قلنا بكفاية القصد الإجمالي حتى مع التمكن فيكون مع عدمه أولى بالجواز.
ورواية الصلاة إلى أربع جهات تدعمه، إلّا أنّها غير تامّة سنداً إلّا أن نقول إن عمل المشهور جابر لأنها عمل بها المشهور.
مضافاً إلى الإجماع والسيرة والارتكاز فإنها جميعاً على ذلك، مع تعذر التفصيل، وليس الإجماع هنا مدركياً؛ لأنه أهم بكثير من الرواية.
إلاّ أنَّه لا يشمل العمد لأنها أدلة لبية يقتصر فيها على القدر المتيقن. إلّا أنه يوجد في العمد نقطتان:
1- إنَّنا قلنا إنه لا يتصور في النية الإرتكازية والإخطارية، فيكون بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع.
2- إنَّنا قلنا إن الكلي محتوٍ على الجزئي أو دال عليه وهو كافٍ عندئذٍ.
[مناقشة فرعين تعرض لهما الهمداني]
والهمداني يتعرّض إلى فرعين خلال كلامه:
أحدهما: «لو أتى بها بقصد كونها أداء بزعم دخول الوقت فانكشف خطأه أو انكشف براءة ذمته منها لكونه آتياً بها قبل ذلك، أن تقع قضاء عما عليه من الفوائت بناء على كفاية قصد حصول الفعل قربة إلى الله في وقوعه عبادة وسقوط الأمر المتعلق بها وإن لم يكن بقصد امتثال قصد هذا الأمر بل بقصد امتثال أمر
ــــــ[70]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وهي غير منجز عليه في الواقع، كما نفينا البعد عنه في نية الوضوء»(1).
أقول: لا يخلو الحال إما أن يكون القصد الإجمالي الذي يشمل الأمرين موجوداً ولو ارتكازاً أو لا. فإن كان موجوداً فمقتضى القاعدة الصحة بحيث لو سئل لقال نعم هذا محتمل أو أنه مقصودي إجمالاً، وأما مع عدم وجوده فلا يحتمل الصحة، وظاهر سياق كلامه عدم وجوده فنفي البعد عنه بعيد.
ثانيهما: «لو زعم فوات صبح هذا اليوم فأتى بصبح قضاء قاصداً بها امتثال هذا الأمر الذي زعم تنجزه عليه فانكشف عدم كونه ثابتاً في ذمته، وكونها مشغولة بقضاء صبح آخر، أن تقع صلاته صحيحة قضاء عن الصبح الآخر الذي كانت ذمته مشغولة بها، ولكن الاعتماد على هذا البناء لا يخلو عن إشكال وإن كان أوفق بالقواعد التي أسسناها في مبحث النية فليتأمّل»(2).
وفرق الفرعين بعد اتحادهما في التعيين، يعني: اسم الصلاة أن الأوّل مردد بين القضاء والأداء، والثاني مردد بين قضائين والجواب نفسه عليه. وأيضا أن الظاهر عدم وجود القصد حتى ارتكازاً فلا يقع مجزءاً.
فإن قلت: فإن قصد الكلي المنطبق على كلتا الحصتين موجود وهو العبادة المعينة المتقرب بها في الفرع الأوّل، وهو ينطبق على كلا الحصتين فمقتضى القاعدة سقوط الأمر الثاني مع الإتيان بحصته. وهو ملتفت إليه ارتكازاً فيكفي.
قلنا: ليس هذا هو الكلي المقصود بل الكلي الجامع بين الأداء والقضاء فقط
ــــــ[71]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص392، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص392، ط مؤسسة آل البيت.

بيان الفقه ج4، محمد الصدر
دون العناوين الأخرى، حتى ما إذا لم تصح أداء صحت قضاء، كرجاء المطلوبية من هذه الناحية، ولكن المفروض عدم وجود هذا الكلي في النية ولو ارتكازاً.
فإن قلت: فإن مثل هذا المعنى موجود في الفرع الثاني، لأن المقصود هو القضاء وهو منطبق على حصص كثيرة، فإن لم يصح قضاء للأولى صح قضاء للأخرى.
أقول: وهذا الفرع أوضح في الصحة من الفرع السابق بخلاف عبارة الهمداني، فإنه استقرب الفرع الأوّل أكثر من الثاني مع أن حقه العكس.
قلنا: المفروض لأجل الصحة وجود قصد كلي قابل للانطباق على كلتا الحصتين وليس هنا كذلك، وذلك لأنه نوى جزئي القضاء، ولم ينو الكلي، والجزئي لا ينطبق على جزئي آخر، والكلي غير موجود ولو ارتكازاً فيبطل.
فإن قلت: فإن الجزئي محتوى على الكلي، وهذا يكفي للصحة.
قلنا: أوضح جواب عليه من أمرين:
1- أن هذا الاحتواء ليس عرفياً بل دقياً.
2- أنه غير مقصود ولو ارتكازاً.
[رواية «من تخيّل أنه قد صلى الظهر فصلى العصر..»]
فإن قلت: فإن هناك رواية فيمن تخيل أنه قد صلى الظهر فصلى العصر، قال: يجعلها ظهراً، ويصلي العصر. وهذا معناه أن الإجزاء تحصل مع انطباق أمرين:
1- كفاية النية بعد الانتهاء من العبادة.
2- وجود جامع بينهما وإن لم يكن مقصوداً ولو ارتكازاً، كفريضة الوقت،
ــــــ[72]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فإن كلا الظهرين فريضة الوقت، بقرينة صحيحة زرارة التي تقول: «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلّا أن هذه قبل هذه»(1) فمتى انطبق هذا الأمران أمكن تصحيح العبادة بعد التجريد عن الخصوصية.
قلنا:
أولاً: أنها ضعيفة السند.
ثانياً: أنها تنطبق على الفرع الثاني دون الأوّل، لأن عنوان القضاء جامع في الثاني ومقصود في الجملة ولا يوجد مثله في الأوّل، وهي نقطة القوة فيه بالرغم من أن ظاهر الهمداني هو العكس.
ثالثاً: أنها لا تنطبق على كلا الفرعين لعدم وجود كلي في الرواية من ناحية وجود الترديد، وهو قصد الظهر أو العصر. لأن المفروض أنه صلى العصر بحدّها، وهو ليس كلياً منطبقاً على الظهر، والجزئي لا ينطبق على الجزء الآخر.
فإن قلت: فإن الإمام أجاز ذلك بالرحمة والعفو الإلهيين، فيكون في مورد وجود الكلي أولى بالصحة، فيمكن التجريد عن الخصوصية من هذه الناحية.
قلنا: هذا غير محتمل متشرّعياً إطلاقاً. ولذا أعرض عنها الأصحاب إجماعاً ولم يعمل بها إلّا الشاذ. والظهور إنما يكون حجة فيما إذا كان محتملاً، مضافاً إلى ضعف سندها في نفسه.
ــــــ[73]ـــــــ
(1) تقدم تخريج الحديث.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
[كلام في الاشتباه في تطبيق النوايا]
قال في العروة: (بالنسبة إلى النوايا غير المقصودة)(1) بل لو قصد أحد الأمرين في مقام الآخر صحّ إذا كان على وجه الاشتباه في التطبيق، كأن قصد امتثال الأمر المتعلق به فعلاً وتخيل أنه أمر أدائي فبان قضائياً أو بالعكس، أو تخيل أنه وجوبي فبان ندبياً أو بالعكس، وكذا القصر والتمام، وأما إذا كان على وجه التقييد فلا يكون صحيحاً كما إذا قصد امتثال الأمر الأدائي ليس إلاّ، أو الأمر الوجوبي ليس إلاّ، فبان الخلاف.
أقول: الحالات هنا عديدة:
منها: أن الفرد لا يعرف معنى هذه الألفاظ وهو القصر والتمام أو الأداء والقضاء ونحوها، فينوي بلفظ غير ما في ذمته، ولكن يقصد واقع ما في ذمته، فيسمى القصر تماماً ويصلي قصراً، فتصح صلاته، لأن نية الواقع كافية والتسمية لا دخل لها.
ومنها: وجود نية الكلي وهو الأمر المتوجه إليه فعلاً أو نحوه، مما ينطبق على إحدى الحصتين.
فإن كان كذلك أمكنت الصحة، وإن لم يكن الآخر مقصوداً إطلاقاً ولكنه حصة من الكلي. وهو المشار إليه في عبارة العروة.
ومنها: وجود نية الحصة في ذهنه فقط بدون الكلي، فلا تجزي كما قلنا بالأمس. لأن الحصة لا تدل على الحصة الأخرى، والبطلان هنا لا يحتاج إلى
ــــــ[74]ـــــــ
(1) النقل هنا بالمعنى القريب، لاحظ: المستند ج14 ص17 من الموسوعة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فرض التقييد المفروض في عبارة العروة، ويكفي في البطلان أن الفرد الآخر غير منوي لا بحده ولا بالكلي المنطبق عليه.
ومنها: ما سمعناه من العروة من كونه تقييدياً فيبطل بالنسبة إلى الفرد الآخر. بل هو أولى بالبطلان من سابقه، ولكننا إذا خصصنا هذا الفرد بالبطلان وقلنا إن الباقي جائز.
إذن: تغالب النوايا من هذه الناحية جائزة، لأن قصد التقييد عند الناس نادر. مع العلم أن الصورة الثالثة باطلة أيضاً، بل التي قبلها لعدم كفاية نية الكلي إذا لم يكن ملتفتاً، ولو احتمالاً أو إجمالاً إلى الفرد الآخر.
نعم، إذا كان ملتفتاً احتمالاً أو إجمالاً كفى جزماً.
[مناقشة صاحب المستند في القصد الإجمالي]
وأغرب من ذلك: ما وقع في المستند (1) حيث مال إلى تصحيح الصلاة حتى مع التقييد بالخلاف، وذلك بعد ضم مقدمتين:
الأولى: كونه ناوياً للكلي المنطبق على الصلاة الأخرى.
الثانية: أن التقييد هنا ممتنع لأن ما هو قابل للتقييد هو الكليات كالمطلقات والعمومات. وأما الجزئي فهو غير قابل للتقييد كإمام الجماعة المصلي في المحراب يحتمل أنه زيد فبان عمر فإنه لا معنى لتقييده، إذن يكون هذا الفرد من الاشتباه في التطبيق فيكون صحيحاً.
ــــــ[75]ـــــــ
(1) لاحظ: مستند العروة: ج14 ص11 وما بعدها من الموسوعة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أقول:
أولاً: لا يفرض في موضوع المسألة نية الكلي القابل للانطباق على الفرد الآخر، فلا يكون الفرد الآخر منوياً لا بحده ولا بالكلي المنطبق عليه.
ثانياً: أن قصد التقييد واضح لإخراج ذلك الفرد الآخر، فإن الكلي إنما يكون قابلاً للانطباق ما لم يقيد بعدمه، والمفروض وجود التقييد.
ثالثاً: ظهر أن فكرة التقييد هنا هي تقييد الكلي الذي فيه النية بخصوص المأتي به وعزل الفرد الآخر وإخراجه، بحيث يكون لهذا الكلي فرد واحد هو خصوص المأتي به (1).
رابعاً: أنه يمكن القول بأن المراد بالتقييد هنا غير تقييد المطلقات وإنما هو بمعنى بشرط لا عن الزيادة، فيكون بشرط لا عن الفرد الآخر فيبطل، ولا يراد تطبيق معنى التقييد الاصطلاحي في المطلقات على الجزئي لكي يقال إنه غير قابل للتقييد، بل لا يفوت صاحب العروة ذلك، وليس التقييد لغة هو بمعنى الوضع الاصطلاحي، بل أعم بالتأكيد، وأن أبيت إلّا عنه فقل إنه تقييد بمعنى مجازي، فكما أن الكلي المقيد يكون بشرط لا مما خرج بالتقييد فكذلك الجزئي يكون بشرط لا عن غيره.
إن قلت: أن الفرد أو الاستعمال المجازي لا يستعمل في العلوم الدقيقة.
ــــــ[76]ـــــــ
(1) بل بمقتضى دليله يتعيّن ذلك لأن الكلي إما أن يكون موجوداً فيكون تقييداً وإن كان غير موجود بطل احتسابه عن الفرد الآخر لأن ذلك غير مقصود والحصة لا تدل على الحصة الأخرى.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
قلنا: نعم، ولكن المراد غير ذلك.
أولاً: أنه ليس مجازاً لغة لأن التقييد في اللغة هو الشد.
ثانياً: أنه مجاز بلحاظ هذا الاصطلاح الأصولي.
ثالثاً: استحداث اصطلاح فقهي غيره لمعنى بشرط لا، وإن فرض أصله مجازياً.
[النية المرددة]
وما يلحق بالكلام عن النية الإجمالية.
الكلام عن النية المرددة كقوله: إما هذا وإما هذا، أو قولنا: هذا أو هذا نحو أداء أو قضاء، والمشهور، بل المتسالم عليه بطلانها. إلّا أن السؤال يأتي ما الفرق بين النية المرددة والنية الإجمالية. حيث حكموا بفساد الأولى وصحة الثانية، فإن لم يتحصل فرق بينهما إذن فينبغي أن يكون محمولهما واحد فإما أن نلحق المرددة بالإجمالية في الصحة أو العكس.
[وجوه في فساد النية المرددة]
وما يمكن أن يكون دليلاً على فساد النية المردّدة عدّة وجوه يتحصل من مجموعها الفرق:
الوجه الأوّل: أننا نوجب النية الارتكازية، والارتكاز لا يتحمل وجود الترديد فإن المرتكز واحد محدد، فإن لم يكن محدداً فهو غير مرتكز أصلاً، فيدور أمره بالارتكاز بين الوجود والعدم، ولا معنى للترديد فيه وإنما ذلك يكون بالإخطار الذهني وهو غير كافٍ للنية.
ــــــ[77]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فإن قلت: فإننا لا نقول بالارتكاز بشرط لا عن الزيادة، بل النية الإخطارية جائزة أيضاً، بل هي أحوط استحباباً.
قلنا: نعم، إلّا أن ذلك فيما إذا كان مرتكزاً وإخطارياً معاً، وأما هنا فهو إخطاري ولكنه ليس ارتكازيا فتبطل النية لأنها ليس لها أساس أو غطاء ارتكازي لمنافاة الارتكاز مع الترديد كما سبق.
قلنا: كَلّا، لوضوح أنه مع وجود المرحلة اللاحقة للنية لا يلحظ العرف وجود أو عدم وجود المرحلة السابقة لها، ولا أقل من جريان الأصل المؤمّن عن ضرورة اجتماع الأخطار والارتكاز معاً.
إذن، فلا يتم هذا الوجه، يعني أن البطلان للنية المرددة من هذا الوجه غير صحيح.
الوجه الثاني: أن النية المرددة صغرى للفرد المردد وهو مستحيل فتكون هذه النية باطلة، ولعل هذا الوجه هو المرتكز في أذهان المشهور أو الحوزة.
إلاّ أنَّه واضح الدفع لأن عالم الترديد يختلف، فعالم الفرد المردد هو الخارج، حيث قالوا: أن وجود الفرد المردد في الخارج مستحيل، وعالم النية المرددة هو الذهن والترديد في الذهن غير مستحيل بل هو متحقق كثيراً في كثير من الأشياء. وفي الحديث القدسي: «ما ترددت في شيء مثل ترددي في قبض روح عبدي المؤمن»(1).
ــــــ[78]ـــــــ
(1) مستدرك سفينة البحار: ج4 ص121 ط جماعة مدرسين.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وبتعبير آخر: أن الترديد إما ثبوتي أو إثباتي والمحال هو الأوّل دون الثاني. والترديد الإثباتي التصديقي موجود لأنَّه معنى الجهل دون الثبوتي يبقى ذهناً.
وبتعبير آخر: أن النية المرددة لا تجعل الصلاة أو العبادة من مصاديق الفرد المردّد، لأنه لو كانت كذلك لاستحال وجودها مع أنها موجودة، ولا معنى لأنَّ تكون استحالتها تؤدي إلى البطلان بل لابدَّ أن تؤدي إلى الزوال والانعدام مع أنها موجودة، لأنها ليست من الفرد المردد الخارجي، وإنما تبطل لنقصان النية فتكون غير منوية فتبطل، ولا ربط لقاعدة الفرد المردد بذلك.
الوجه الثالث: كونها غير معلومة الوصف بالنسبة للمصلي ولو ارتكازاً بخلاف النية الإجمالية فإنها معلومة الوصف ولو إجمالاً.
أقول: أننا إذا قصدنا من المعلومية الالتفات التفصيلي فهو غير موجود في المرددة، ولا في الإجمالية. وإن قصدنا المعلومية الإجمالية أي التحويل على الواقع ففي الإمكان القول بتوفره في كلتا النيتين، لأنه يريد الواقع، إما الأداء أو القضاء. نعم، لو قصد الترديد المحض لم يصح، غير أنه لا يتم لأنه يخرج عن محل الكلام فإن النية تكون بقصد الواقع عندئذٍ، ولا إشكال فيها، وصورة الترديد لا تبطلها ولا أقل من جريان البراءة عن المانعية فيه، وإنما الكلام في الترديد المحض، وفيه تكون الصلاة مجهولة الوصف فتكون باطلة.
إلاّ أن هذا يحتاج إلى كبرى وهو أن الصلاة مجهولة الوصف باطلة، وأحسن تقريب لذلك هو توقف وجود ماهيتها عليه لما عرفناه من توقفه على قصد الوصف.
ــــــ[79]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
جوابه: أن هذا مما يستفاد من قوله: إلّا أنَّ هذه قبل هذه، وهذا يرجع إلى التعيين أو التسمية، فيكون له دخل في الماهية المتشرعية، فإذا كان مردداً بطل، كما لو قال: إما ظهر وإما عصر، وأما الأوصاف الأخرى فغير داخلة في هذا المجال. لأنها ليست دخيلة في الماهية فلا يكون الترديد فيها مبطلاً بعد انحفاظ الماهية.
جوابه: إننا قلنا إننا كمتشرعة نشعر بأن عدداً من الأوصاف دخيل في الماهية وعدد منها غير دخيل إلّا أنه محصّص للماهية وبعضها خارج عنهما معاً. فالخارج لا إشكال في الترديد فيه لأنه لا دخل له وجوداً ولا عدماً، كما لو قال: في المسجد أو في البيت، لأنه لو لم ينو ذلك مطلقاً لم يضر، وأما ما كان داخلاً في الماهية فقد سبق فساده بالترديد لعدم انحفاظ الماهية فيؤدي إلى عدم سقوط الأمر، وأما ما كان دخيلاً في الحصة فيمكن القول بأنه مع عدم انحفاظ الحصة تنتفي الماهية فتبطل لأن الحصة إنما هي حصة الماهية فإذا زالت الحصة زالت الماهية.
جوابه: إلّا أن هذا ليس دائمياً، لأنه على صورتين:
الأولى: أن يكون أحد طرفي الترديد والطرف الآخر خارج الماهية كما لو قال: أما أداء أو في المسجد وقصد الترديد الحقيقي والتهافت إنما هو في قصد اللازم، فهذا باطل لأنه على أحد التقديرين لا حصة فلا ماهية.
الثانية: أن يكون الترديد في حصتين من ماهية واحدة وعندها فالماهية محفوظة على كلا التقديرين فلا وجه للبطلان من هذه الناحية.
اللهم إلّا أن نقول: أن كل ما له دخل في الصلاة من الأوصاف فهو دخيل في الماهية وقد سبق أن ناقشناه.
ــــــ[80]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الوجه الرابع: أن الترديد منافٍ للجزم بالنية فيبطلها، لأن الجزم بالنية في الصلاة دخيل في صحتها.
إلاّ أنه لا يتم لأن معنى الجزم أمران هنا:
الأوّل: الجزم مقابل النية الاحتمالية مثل أن يقول: يحتمل أن تكون واجبة ونحو ذلك. فهذا ممكن إلّا أنه غير الفرد الترديدي.
الثاني: الجزم مقابل الترديد، والحكم هنا بالبطلان مصادرة لأنَّه أوّل الكلام.
الوجه الخامس: الإجماع والشهرة على بطلان النية المرددة، وهذا خال من الدليل اللفظي فلا يكون مدركياً، إلّا أن مدركيته باعتبار القواعد العقلية فلا يحرز كونه تعبدياً موروثاً من قبل المعصومين ولا أقل من الاحتمال كون بعض الفتاوى احتياطياً، ومن حيث كونه دليلاً لبياً فيقتصر فيه على القدر المتيقن وهو الترديد في الماهية دون الحصة ودون ما هو خارج عنها.
الوجه السادس: السيرة وهي عملية لا تدل على البطلان وإن كانت قطعية الحصول، فلابدَّ من ضم الارتكاز إليها.
الوجه السابع: الارتكاز، فإنه لا شكّ أنه على بطلان الصلاة مع النية المرددة، إلّا أنه لبي أيضاً يقتصر فيه على القدر المتيقن، إلّا أننا في الإمكان أن نسأل في الحصة الخارجة عن القدر المتيقن هل هي مبطلة؟
فقد يجيبنا الارتكاز بنعم، ولكن قد نشك في أنه يريد البطلان أو مطلق المرجوحية، فلا يكون مبطلاً.
نعم، لو أجابنا بخصوص البطلان كان وجهاً.
ــــــ[81]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الوجه الثامن: المصير إلى الأصول العملية، وهو استصحاب اشتغال الذمة بعد الإتيان بالصلاة المقترنة بالنية المرددة. وهو إما استصحاب الجامع الثابت في الذمة بين كلا الفردين أو لخصوص كل منهما على تقدير ثبوتهما معاً، وأما مع ثبوت أحدهما فيكون تعليقياً في كل منهما، إلّا أن في استصحاب الجامع الكفاية ولو بعنوان أحدهما.
ونقطة قوته هو: أن النية المرددة إذا كانت مشكوكة البطلان في الأدلة السابقة فهي ليست كذلك في هذا الدليل فتبطل.
ولا تعارضها قاعدة الفراغ أو التجاوز، لورود ذلك الاستصحاب زماناً ورتبة عليها، ولا أقل من التقدم الرتبي، إذ لعل التقدّم الزماني منوط بالالتفات، فيدور البطلان مداره، يعني: أن يلتفت إلى الاستصحاب قبل القاعدة.
كما لا تعارضه أصالة براءة الذمة من المانعية، أو أصالة عدم المانعية أو أصالة البراءة من التكليف بالمقيد، ولا أصالة صحة العمل بعد الانتهاء منه لو سلم وجوده في العبادات فإنه بعده رتبة.
وإن كانت سابقة رتبة عليه، فإن بنينا على صحة التقدّم الرتبي هنا كان البطلان خاصّاً في القدر المتيقّن والباقي يجري عنه الأصل المؤمّن، وأما إذا لم نبنِ على صحّة تقدم الرتبة هنا ولو باعتبار الاطمئنان بعدمه فلا يجري، فيثبت البطلان، إلّا أن هذا غير تامٍّ:
1- لأنَّنا تنزلنا عن الأدلة الأخرى.
2- إنَّه في مورد الاطمئنان لا يجري وفي غيره يجري.
ــــــ[82]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
إلاّ أنَّ البطلان الثابت بالأصول لا مجال له بعد أن عرفنا أنه مع العلم والعمد لا يعني للترديد إلّا بالنية اللفظية وهي ليست حجة، فيتعين الترديد مع العجز عن التعيين، فإن كان وجوب الصلاة اعتيادياً كغيره سقط كل الوجوب بهذا العجز، فيبطل المأتي به؛ لخلوه من الأمر. وإن قلنا بأن الباقي واجب لأنَّ الصلاة لا تسقط بحال، فلا يجري استصحاب البطلان أو اشتغال الذمة لفرض العجز؛ لأنه يكون الترديد واجباً كجزء من الصلاة.
نعم، عندئذ يدور الأمر بينه وبين قصد الواقع المجهول، فيتعين الثاني لأنه لا ترديد فيه بل هو كلي صحيح قابل للانطباق على المورد. فلابدَّ أن يفترض الجهل أو النسيان عن قصد الكلي، وعندئذ تتعيّن جزئية الترديد، طبعاً في غير الماهية، وأما فيها فهي باطلة حتى في صورة الجهل.
فإن قلت: فإن الترديد في الماهية مع انحصاره للمكلف للعجز والجهل أيضاً يكون جائزاً لا أنه يترك الصلاة لأنها لا تسقط بحال.
قلنا: نعم، إلّا أنه يكون على خلاف الاحتياط الوجوبي، فيكون مقتضى الاحتياط إعادتها وقضاؤها، لصدق الفوت مع فوات قصد الماهية حتى مع العجز.
[قصد القصر والإتمام]
أمّا الكلام في صورة قصد القصر والإتمام.
أمّا الإتمام فلعلّ الضرورة الفقهيّة على عدم وجوب قصد إجماعاً وسيرة وارتكازاً، حتى مع اشتغال ذمّته بصلوات قضائية ونحو ذلك فضلاً عن صورة الفراغ، وإنما يقع الكلام عن وجوب قصد القصر ولو ارتكازاً بحيث لو لم يعلم
ــــــ[83]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
عند التكبير نوعية صلاته بطلت مع إمكان القصد ولو بعد الفحص والسؤال.
بقي علينا من خصائص النية:
قصد القصر والتمام، والمشهور أنه لا يجب قصد التمام ولكن يجب قصد القصر أو لا يجب كلا الأمرين بل يوجد هنا تكوينا بالمقدار المطلوب بدون وجود نية أصلا حتى ارتكازاً بحيث لو سئل لما أجاب. وإنما يكون ذلك على سبيل الصدفة، ويجزي غير أن فتوى المشهور بما فيه المستند والمصباح فيه خلط بين مراتب النية؛ إذ يُقال: إنَّه لا يجب قصد ذلك ويراد به التلفظ أو الإخطار أو يقال: يجب قصده ويراد به الارتكاز، فهل المشهور القائل بعدم الوجوب يقبل بعدم النية حتى ارتكازاً. كما لو كان شخص لا يعلم بتكليفه ولا يعلم بالنية الرجائية فصلى وعرف خلال صلاته بوجوب التمام أو القصر، أجزأت صلاته.
[استدلال صاحب المستند على عدم الوجوب فيهما]
وقد استدل في المستند على عدم الوجوب بقوله: «اللازم على المكلف إنما هو الإتيان بذات المأمور به، مع إضافته إلى المولى، وأما الزائد عليه من الخصوصيات التي تكتنف بالعمل من القصر والتمام أو القضاء والأداء، كالالتفات إلى بقية الأجزاء، فلم ينهض على اعتباره أي دليل»(1).
وهذا معناه أنه جعل عدم الدليل دليلاً على العدم، وهذا وحده يكفي في التكوينيات والأمور النظرية، وأمّا في الأمور الشرعية فلا يكفي إلّا بضمِّ أصالة البراءة الشرعية أو العقلية، لوضوح أنها لو لم تكن موجودة لوجب الاحتياط
ــــــ[84]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص13 من الموسوعة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
العقلي أو الشرعي من هذه الناحية. وهو الاحتياط في الشبهة البدوية الذي يقول به بعض الإخباريين، وقد دفعناه بأصالة البراءة، أما مع عدمها يتعيّن الذهاب إلى الاحتياط، ومعه فعدم الدليل بمجرده لا يكفي لعدم الوجوب، بل يكون مؤدياً إلى الوجوب ما لم يدل دليل على عدمه والمفروض عدمه. ولم يشر إلى أصالة البراءة، ولعلّه أخذها مسلّمة لوضوحها. وعلى أي حال فما هو موجود في العبارة لا يكفي.
هذا، ومن الواضح إلى الآن أنه استدل على كلتا القضيتين بسياقٍ واحدٍ ودليل إجمالي واحد، أعني: وجوب قصد التمام ووجوب قصد القصر، مع أنه من الواضح أن أحدهما يختلف عن الآخر في الارتكاز المتشرعي، وإن وجوب قصد القصر أرجح احتمالاً من وجوب قصد التمام، ومعه فلابدَّ من فصل المسألتين في الاستدلال.
[الأدلة اللبية على عدم وجوب قصد التمام]
والظاهر أنَّ كل الأدلة اللبية يمكن ذكرها في المسألة الأولى، وهي وجوب قصد التمام، فإنَّها جميعاً على عدم الوجوب كالإجماع والسيرة العملية والارتكاز المتشرعي.
مضافاً إلى أصالة البراءة كما سبق، لا يبقى إلّا ما سبق من الاكتفاء بالصدفة على القول بأن النية هي الارتكاز، إذ يمكن أن يناقش بالأدلة اللبية، من حيث أن الإجماع لعلّه ناشئ من ذهاب الكثير إلى كون النية هي الإخطار أو الأعم منه ومن اللفظ، وخاصة القدماء والمتوسطين، فقالوا: أنه لا يجب إخطار التمام، وذلك
ــــــ[85]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
ارتكازاً منهم بكفاية الارتكاز والمفروض وجود الارتكاز عند المكلف فتصح صلاته، فقد وجدوا وضوح صحة الصلاة بدون الإخطار فأفتوا به.
وكذلك الارتكاز المتشرعي لأنَّه لو عرض عليه الاحتمال السابق وهو الإتمام صدفة، فلعلّه يشكك فيه ولا يكون أكيد الصحة بالنسبة إليه. كما ليس هناك سيرة على صحته لوضوح ندرة أفراده جداً، وإنَّما الأعمّ الأغلب وجود الارتكاز في نفوسهم.
ومعه يبقى الدليل على عدم وجوب قصد التمام هو أصالة البراءة، ولكن قد يقال: أن الأدلة اللبية قاطعة لها، لا أقل من الارتكاز المتشرعي المشار إليه.
إلاّ أنه يقال: أننا قلنا إن الارتكاز يشكك في الصحة عند عدم وجود القصد الارتكازي، لا أنَّه يجزم بعدم الصحة، ولا يمكن أن يكون قاطعاً لأصالة البراءة إلّا إذا كان قاطعاً بعدمها. وهذه المرتبة غير متحققة جزماً فتكون أصالة البراءة كافية.
[صورة وجوب الجمع بين القصر والإتمام]
هذا فيما إذا كان التمام متعيّناً، وأما إذا كان مردداً كما في صورة وجوب الجمع بين القصر والتمام وغيرها. فالقول بوجوب قصد أحدهما راجحة في مقابل أنّه يبدأ الصلاة ولا يدري أنه ينتهي منها في ركعتين أو في أربع ركعات ومع ذلك تقول بالإجزاء لمجرد الاختيار المتأخر له. ومقتضى الأصل المؤمّن وإن كان كفاية ذلك، إلّا أنه يمكن القول بالإشكال عليه كبرى وصغرى، أما كبرى: فلوجوب التعيين في كل مردد، وهذا ليس محل بحثه ولعلّه يأتي، فإن قلنا بها فالمورد منها بلا
ــــــ[86]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
إشكال. وخاصة في الأولى حيث تكون مرددة حقيقة بين التكليفين القصر والتمام.
وأما إذا طعنا في الكبرى فيبقى الكلام في مورد المسألة، ولا شك أن السيرة العملية على وجود التعيين، إلّا أنّها حيث أنها عملية فلا تدل على وجود الإلزام والوجوب.
نعم، لو ضممنا إليها الارتكاز أمكن القول بالوجوب ولو احتياطاً وجوبياً، وإن كان لاحتمال كونه ناشئاً من التسليم بالكبرى مجال. والمفروض أننا طعنا فيها، ولكن يبقى للاحتياط مجال.
وأما حصول الإجماع بعد التنزّل عن الكبرى أيضاً فله أكثر من مستوى واحد:
أوّلاً: أن يُقال: إنَّ هذه المسألة غير محرزة في كلمات الأقدمين فلا يمكن تحصيل الإجماع فيها. غير أننا قلنا إن الحدس كافٍ فيه.
ثانياً: أن الإجماع لو كان فهو مستند إلى كبرى التعيين، وقد رفضناها، غير أنه يمكن القول بوجود الإجماع في الجملة وهو كافٍ في الحكم.
ثالثاً: أن أثره يظهر بالقول ببطلان الصلاة غير المتعيّنة بالقصد إذا طابقت التكليف الواقعي كما في صورة الجمع بين القصر والتمام، حيث يحصل يقين بمطابقة أحدهما للواقع فيكون تحصيل الإجماع بالبطلان مشكلاً، هذا هو القول في قصد التمام.
وأمّا قصد القصر بمعنى عدم كفاية الصدفة أو الاختيار المتأخّر فيه. ولو طابق الواقع، فنحن هنا لا نستطيع أن نجد الأدلة السابقة على عدم وجوب ــــــ[87]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
القصد مما ذكرناه في التمام.
فالسيرة وإن كانت على عدم وجوب قصد التمام إلّا أنها على قصد القصر في الصلوات المقصودة.
والارتكاز المتشرعي كان من الواضح لديه عدم وجوب قصد التمام في الصلاة غير المرددة، إلّا أنه ليس من الواضح هنا ذلك ولا أقل من الشك المسقط لإحراز وجود الارتكاز على العدم.
ونحوه الإجماع على العدم، بل الظاهر وجود بعض الفتاوى في وجوب قصد القصر، ولا أقل أن البحث أو الحدس لا يوصل إلى وجود إجماع محصل على عدم وجوب القصر، والإجماع المنقول ليس بحجة.
[كلام في مقتضى أصالة البراة]
ومقتضى أصالة البراءة عدم وجوب القصد فهل هناك ما يقطع ذلك، يمكن تصويره ببعض الوجوه:
الوجه الأول: وجود السيرة العملية على قصد القصر، وهذا مؤكد إلّا أنه لا ينتج الفتوى بالوجوب لأن العمل لا لسان له، فلعله ناشئ من الاحتياط أو فتاوى بعض العلماء ونحو ذلك. نعم إنتاجه للاحتياط معقول.
الوجه الثاني: أدلة النية العامة، كقوله: “لكل امرئ ما نوى”، و”نية المرء خير من عمله”، وغير ذلك بعد تعميمها إلى كل الخصائص.
جوابه: أننا هنا نكون قد انتهينا من إسقاطها وإلا لوجب القول بوجوب الإخطار في كل العبادات.
ــــــ[88]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الوجه الثالث: النية الواردة في موارد معينة كالنية الواردة في الحج بعنوان يقول كذا وكذا إلى حد ذهب الكثير إلى وجوب النية اللفظية في الحج خاصة، وهنا يحتاج إلى التجريد عن الخصوصية إلى الصلاة ومن ثم إلى كل خصائصها.
جوابه: أننا ينبغي أن نكون هنا منتهين من بطلان هذا الاستدلال، وإلا لوجبت النية اللفظية في كل العبادات حتى قصد التمام الذي عرفنا عدم وجوبه.
وملخص الكلام فيه:
أولاً: عدم إمكان التجريد عن الخصوصية مع احتمالها في الحج.
ثانياً: لأن تماميتها في الحجّ أيضاً معنى يقول: يعني يقصد وينوي لا أنه يقول بلسانه، وهو في الأغلب وارد في مورد الترديد وخاصة في أذهان العوام بين حج التمتع والإفراد مثلاً أو بين العمرة والحج مثلاً، فيكون مورد كلامنا خارجاً عن هذا كله.
الوجه الرابع: ما ورد في الصوم من أنه يمكن أن يجدد النية قبل الزوال أحياناً نوى الصوم وأجزأه بعد التجريد عن الخصوصية.
[مناقشة ما ورد في نية الصوم]
جوابه: الطعن كبروياً وصغروياً.
أولاً: أننا لو سرنا بهذا الاتجاه لوجب القول بالإخطار في كل العبادات.
ثانياً: أن هذا مورد يحتاج إلى الإخطار وليس كسائر الموارد التي لا يحتاج إليها، لأنه تجديد عمل.
فإن قلت: فإن الدخول في الصلاة أو في أي عبادة هو من تجديد العمل، ــــــ[89]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فيحتاج إلى النية الإخطارية.
قلنا: كلا، فإن التجريد في مورد الكلام للصوم وهو أمر عدمي بخلاف سائر العبادات فإنها أعمال وجودية. فالأمر الوجودي الوحيد هو النية (الإمساك مع النية) فلابدَّ من الإحساس بوجودها ولو طرفة عين، ومن الواضح أن الوجود الارتكازي فقط غير قابل للإحساس به، فلابدَّ من الإخطار للإحساس. لينضم هذا الجزء الوجودي إلى الأمر العدمي وهو الإمساك ليصح الصوم، وهذا غير موجود في سائر العبادات.
إذن فالأدلة على وجوب قصد القصر لا تساعد على الوجوب، فنبقى نحن وأصالة البراءة، ولكن تبقى مورد للاحتياط الوجوبي بقصد القصر، ولو ارتكازاً.
هذا وقد قلنا في التمام بعدم وجوب النية من هذه الناحية ولكن في صورة الترديد كصورة الجمع بين القصر والتمام فإنه يجب التعيين فهذا يكون في صلاة القصر أولى بقصد القصر من الترديد، لأنَّنا قلنا مع التعيين بوجوب القصد فضلاً عن الترديد.
[الخصائص التي يحتمل أن يقع فيها الترديد ]
هذا ويحسن التعرض الآن إلى كبرى وجوب القصد عند كل ترديد في كل عبادة. وهنا ينبغي أن يقطع أن الخصائص التي يحتمل أن يقع فيها الترديد على قسمين أو حصتين:
القسم الأوّل: ما يجب وجوده حتى بدون ترديد، كالتعيين والمراد به اسم الفريضة والذي تتحدّد به ماهيتها، وكقصد أحد الأمور من الوجوب أو الندب ــــــ[90]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أو القربة ونحوها، ومن المعلوم أنّه إذا وجب مع التعيين وجب مع الترديد، إما بالمساواة أو بالأولوية، فتكون نفس الأدلة التي سيقت هناك كافية هنا.
القسم الثاني: غير ذلك من الأوصاف مما لم يدل دليل على وجوب القصد مع عدم الترديد كالقصر والتمام، والأداء والقضاء، والظاهر انحصار المثال في ذلك.
وما ذكره في مورد البرهان على التعيين في المستند(1) هو من القسم الأول، وكأنه جعله شاملاً لكلا القسمين وهو واضح التسامح، لأن الصحة متوقفة عليه حتى مع التعيين فضلاً عن الترديد.
وكذلك فإنَّ الأهمية الارتكازية تختلف بين القسمين أكيداً ويكفي أن نقارن بين صورتي النقص فيهما.
وهناك قسم ثالث يمكن درجه في هذا الصدد وهي الخصائص الزائدة كالمسجدية أو كونها تحت السماء كما في صلاة الاستسقاء ونحوها، فهذا مما لا يجب قصده قطعاً لا في التعيين ولا الترديد، ويكفي عدم الدليل الذي هو مورد البراءة.
إذن، ينحصر الحديث في القسم الثاني، وقد عرفنا أن فيه مثالين فقط هما: القصر والتمام، الأداء والقضاء، وقد سبق كلاهما الحديث فيه وعرفنا أن المشهور هو عدم وجوب القصد في التمام والأداء، ووجوب القصد في القصر والقضاء ولو احتياطاً بمعنى أنه لا مجال لجريان البراءة. هذا مع التعيين.
وأما مع الترديد فأولى بالقصد، فما قلنا بوجوب قصده يتعين مع الترديد أيضاً، إما بالمساواة أو بالأولوية، وأما الفرد الآخر وهو الأداء والتمام الذي لا
ــــــ[91]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص12 ـ 13 من الموسوعة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
يقال عادة بوجود القصد فيه مع وضوحه وتعينه فهل يجب هنا ذلك.
هنا يكون الوجوب منطلقاً من أكثر من وجه واحد:
الوجه الأوّل: فشل الأدلة التي سيقت في مورد تعينه من الإجماع والارتكاز على عدم وجوب القصد، فهنا لا يوجد كل ذلك، فقد يقال: أنه يكون مورداً لاستصحاب اشتغال الذمة بعد الإتيان بالفرد فاقداً للشرط.
جوابه: أنه تجري في المرتبة المتقدمة عليه أصالة البراءة من الشرطية.
الوجه الثاني: أن فرض المسألة هو فرض التردد، فلا يكون الأداء والتمام معلوماً بحده لكي يكون موضوعاً لعدم وجوب قصد التعيين، بل هو أحد طرفي الاحتمال. والطرف الآخر هو القضاء والقصر الذي يجب فيه قصد التعيين مع تعيّنه. فيكون مقتضى الاحتياط الوجوبي لا أقل قصد التعيين.
فإن قلت: فإن مقتضى القاعدة هنا وجوب الجمع بين الصلاتين، ومعه تكون كل صلاة مشمولة لحكم نفسها، فإذا صلى القصر عين وإذا صلى التمام لم يعين وصحت.
جوابه: من أحد وجهين:
أولاً: أنه مع الجمع بين الصلاتين يتعين التعيين قهراً وتكويناً.
ثانياً: أن الكلام في الصلاة الأولى، فإن صلاها ركعتين كانت قصراً وتعين قصد القصر، وكذلك إن شك في ذلك، لا أقل من الاحتياط الوجوبي كما سبق، وإذا كان عازماً على أربع ركعات فهو من قصد التمام.
فإن قلت: هذا هو الحديث في الترديد بين القصر والتمام، وهذا لا يتحقّق في
ــــــ[92]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الأداء والقضاء، لأن المفروض تساوي الصلاتين إلّا من هذه الحيثية فلا تفرق الأولى عن الثانية في عدد ركعاتها.
قلنا: هذا أوضح بانطباق الدليل السابق عليه، فإن المفروض الشك في أن تكون الصلاة الأولى المأتي بها: أن تكون قضاء، والمفروض في القضاء وجوب القصد، سواء كانت معينة أو محتملة كما سبق. أما مع تعينها فبالفتوى بالوجوب وأما مع احتمالها فبالاحتياط الوجوبي به، ومورد الكلام يكون صغرى من الثاني.
الترديد هنا إثباتي وليس ثبوتياً، فليس له ربط بالفرد المردد.
[ما يخصّ التردد في الأداء والقضاء]
تبقى نقطة واحدة خاصة بالقضاء والأداء أو كلاهما قضاء ولا يشمل القصر والتمام، وهو أنه لو لم ينوِ ذلك في صورة الترديد لم يكن مصداقاً من المأمور به فيقع باطلاً.
فإن قلت: فإنَّه يمكن أن يتعين ذلك تكويناً فما كان منها داخل الوقت فهو أداء، وما كان منها خارجه فهو قضاء.
وهذا مع عدم الترديد في الأداء صحيح لأنَّ المطلوب ظهر وقد صلاها في الوقت.
وإنما الكلام في صورة الترديد.
جوابه:
أولاً: أنه خلاف ما سبق من تعين نية القضاء ولو بالاحتياط الوجوبي، وخاصة فيما إذا كان كلاهما قضاء.
ــــــ[93]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
ثانياً: أن هذه الجهة التكوينية قد تتعين، فلو تنزلنا عن الجواب الأوّل السابق أمكن الاعتماد عليها كما لو صلى الصلاة في وقت لا تجب فيه صلاة أو في غير وقتها (بغض النظر عن التشريع)، كما يتعين كونه أداء إذا كان في الوقت ومطابقاً له، وخاصة فيما إذا لم نقل بوجوب قصد الأداء. ولكن مع الاشتباه يتعين التعيين، إلّا أن يقال: إنه لا يمكن الاشتباه لأن مورده الوحيد هو وجود أداء وقضاء في ذمته، من نفس الجنس فإن أتى بها غير منوية القضاء فهي أداء، لأنَّ المشهور عدم وجوب قصد الأداء حتى ارتكازاً.
إلاّ أن كل هذه الأمور من باب الصنعة الفقهية وإلاّ فلا شكّ أن الأحوط وجوباً قصد القضاء في القضاء، بل ربما الفتوى بذلك كما سبق. ومقتضى الاحتياط الأكيد الاستحبابي قصد الأداء.
[كلام في عبارة المحقق «والقصد بها»]
قال المحقّق: «والقصد بها»(1) وهو تسامح في التعبير لأن القصد هو النية إلى أمور أربعة: الوجوب أو الندب والقربة والتعيين، وكونها أداء أو قضاء، وظاهره أنه يرى وجوب الإخطار وقد سبق أن ناقشناه، كما ناقشنا تعين اجتماع النوايا الأربعة بل القدر المتيقن منها هو التعيين وجامع القصد الإلهي.
نعم، في بعض الموارد كالترديد يكون التعيين بالأداء والقضاء ونحوه لابدَّ منه.
ــــــ[94]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص94 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
والظاهر أنه يريد مفهوم المخالفة من عبارته، كمفهوم الحصر، يعني عدم وجوب الزيادة على هذه الأربعة كالقصر.
وهذا أيضاً قابل للمناقشة كما سبق في القصر وفي صورة الترديد.
[الكلام في النية اللفظية]
قال المحقق: «ولا عبرة باللفظ»(1).
قال الهمداني هنا مختصراً ما مؤداه: لأن النية عبارة عن القصد القلبي، فلو جرى على لسانه خلاف ما قصد في قلبه أجزأ ما نواه في قلبه(2).
وعبارته ظاهرة يكون النية هي الإخطار مع أنه دافع قبل ذلك عن النية الارتكازية. اللهم إلّا أن يريد من القصد القلبي ذلك وهو خلاف الظاهر.
ويكفينا في نفي وجوب التلفظ مقدمتان:
الأولى: أن النية سواء كانت الارتكاز أو الإخطار فهي ليست التلفظ عرفاً ولا عقلائياً، فلا يمكن أن تحمل عليها الأدلة.
الثانية: أصالة البراءة عن التلفظ بنحو الوجوب التكليفي والوضعي معاً، لما سبق من أن الأدلّة عليها لبية والقدر المتيقن غير ذلك فينفى الزائد بالأصل.
ومن الطريف أنه في المستند لم يستدل على ذلك بشيء إطلاقاً لا نفياً ولا إثباتاً، وعلى أي حال، فيمكن الاستدلال تارة لعدم الوجوب وأخرى للوجوب بغير ما سبق، إلّا أنها كلها يبدو أنها غير تامة.
ــــــ[95]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص94 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) لاحظ: مصباح الفقيه: ج11 ص396، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
[أدلة عدم وجوب النية اللفظية]
فيستدل على عدم الوجوب:
الدليل الأول: بالإجماع على عدم وجوب التلفظ، ولا أقل من أن القائل به شاذٌ جداً وإن كان متحققاً أو أنه يقول به احتياطاً لا فتوى.
جوابه: أننا لم نحرز ذلك باطمئنان معتبر، فلعله غير شاذ.
الدليل الثاني: السيرة العملية المتشرعية على ترك التلفظ، فيدل على عدم الوجوب، فلو كان واجباً لالتزموا به أو أكثرهم.
جوابه: الطعن في الصغرى إذ لعل أغلب أجيال المتشرعة على التلفظ، ولا أقل من احتماله.
الدليل الثالث: الارتكاز المتشرعي بعدم وجوب التلفظ، وهو مشكوك أيضاً بغض النظر عن فتاوى الفقهاء بعدم وجوبه، وإن كان يمكن إثباته بالاستصحاب القهقري.
الدليل الرابع: ما دل على عدم وجوب الإخطار فيكون دليلاً على عدم اللفظ بطريق أولى.
جوابه: أنه لم يكن لذلك دليل إلّا أصالة البراءة، نعم لو كان دليلاً لفظياً لأمكن التمسك به.
الدليل الخامس: الأدلة الدالة على أجزاء الصلاة وشرائطها فإنها لم تذكر فيها النية، فتكون دالة على عدمها بمفهوم الحصر.
إلاّ أنه واضح الفساد لأكثر من جهة:
ــــــ[96]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أولاً: أنه ليس دليلاً أو سياقاً واحداً، وإنما ذلك مستفاد من أدلة متعددة منفصلة فلا يكون لها مفهوم. إلّا إذا قلنا بأن الشارع كأنّه شخص واحد تكلم في مجلس واحد، وهو غير تام.
ثانياً: أنه قد ذكرت النية في أدلة النية العامة، صحيح نحن رفضناها لكن يكفي في نفي هذا الدليل مجرد ذكرها، إلّا أن نضم مناقشة الدلالة أيضاً فلا يكون هذا الدليل كافياً.
[الاستدلال بالروايات على عدم وجوب النية اللفظية]
الدليل السادس: التمسّك بروايات محدّدة مثل: صحيح حمادأنه قال: «قال لي أبو عبد الله يوماً: تحسن أن تصلّي يا حمّاد؟ قال: قلت: يا سيّدي، أنا أحفظ كتاب حريز في الصلاة، قال: فقال: لا عليك قم صلّ، قال: فقمت بين يديه متوجّهاً إلى القبلة فاستفتحت الصلاة وركعت وسجدت، فقال: يا حمّاد، لا تحسن أن تصلّي، ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستّون سنة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة؟! قال حمّاد: فأصابني في نفسي الذلّ فقلت: جعلت فداك فعلّمني الصلاة، فقام أبو عبد الله مستقبل القبلة منتصباً فأرسل يديه جميعاً على فخذيه قد ضمّ اصابعه وقرّب بين قدميه حتّى كان بينهما ثلاثة أصابع مفرجات، واستقبل بأصابع رجليه جميعاً لم يحرّفهما عن القبلة بخشوع واستكانة فقال: الله أكبر، ثم قرأ الحمد بترتيل، وقل هو الله أحد، ثمّ صبر هنيئة بقدر ما تنفّس وهو قائم، ثمّ قال: الله أكبر وهو قائم، ثمّ ركع وملأ كفّيه من ركبتيه مفرّجات، وردّ ركبتيه إلى خلفه حتّى استوى ظهره، حتّى لو صبّ عليه قطرة ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره وتردّد ركبتيه إلى خلفه، ونصب عنقه، وغمض
ــــــ[97]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
عينيه، ثمّ سبّح ثلاثاً بترتيل وقال: سمع الله لمن حمده، ثمّ كبر وهو قائم، ورفع يديه حيال وجهه، وسجد، ووضع يديه إلى الأرض قبل ركبتيه فقال: سبحان ربّي الأَعلى وبحمده ثلاث مرّات، ولم يضع شيئاً من بدنه على شيء منه، وسجد على ثمانية أعظم: الجبهة، والكفّين، وعيني الركبتين، وأنامل إبهامي الرجلين، والأَنف، فهذه السبعة فرض، ووضع الأَنف على الأَرض سنّة، وهو الإِرغام، ثمّ رفع رأسه من السجود فلمّا استوى جالساً قال: الله أكبر، ثمّ قعد على جانبه الأَيسر، ووضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى، وقال: استغفر الله ربّي وأتوب إليه، ثمّ كبّر وهو جالس وسجد الثانية وقال كما قال في الاُولى ولم يستعن بشيء من بدنه على شيء منه في ركوع ولا سجود، وكان مجنحاً، ولم يضع ذراعيه على الأرض، فصلّى ركعتين على هذا، ثمّ قال: يا حمّاد، هكذا صلّ، ولا تلتفت، ولا تعبث بيديك وأصابعك، ولا تبزق عن يمينك ولا يسارك ولا بين يديك»(1).
ورواية زرارة قال: «إذا قامت المرأة في الصلاة جمعت بين قدميها، ولا تفرج بينهما، وتضمّ يديها إلى صدرها لمكان ثدييها، فإذا ركعت وضعت يديها فوق ركبتيها على فخذيها لئلا تطأطأ كثيراً فترتفع عجيزتها، فإذا جلست فعلى أليتيها، ليس كما يجلس الرجل، وإذا سقطت للسجود بدأت بالقعود وبالركبتين قبل اليدين ثمّ تسجد لاطئة بالأَرض، فإذا كانت في جلوسها ضمّت فخذيها ورفعت ركبتيها من الأَرض، وإذا نهضت انسلّت انسلالاً لا ترفع عجيزتها أوّلاً»(2).
ــــــ[98]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص459 ـ 460 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص463 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وهي بصدد التعداد والحصر حقيقة فلو كان شرطاً لذكرته وإلا كان غشاً للمسلمين وتأييداً للباطل وحاشاهم.
أما دلالتها على عدم النية اللفظية فقطعي. إذ لو كان موجوداً لرواه.
لا يُقال: هذه صلاة مستحبة بدليلين:
أحدهما: أنه لم يكن وقت صلاة.
ثانيهما: أنه لم يؤذن لها ولم يقم.
مضافاً إلى أن الفريضة التي هي ركعتين هي الصبح ومن الواضح في السياق أنه لم يكن وقتها عندئذٍ، وإذا كانت مستحبة لم تحتج إلى النية اللفظية بينما الفريضة قد تحتاج، والتجريد عن الخصوصية غير ممكن مع احتمالها.
[تقريب الاستدلال بصحيحة حماد]
يمكن الاستدلال بصحيحة حماد من عدة وجوه:
الوجه الأول: صلاة حماد أقرها في الجملة، لأن الجواب ظاهر بعدم نقصان جزء واجب أو حدوث مانع مبطل.
الوجه الثاني: تركه للنية بصفتها فعلاً له.
الوجه الثالث: إنَّه في مقام استيعاب الأجزاء الواجبة وليس هذا منها، هذا مع عدم احتمال النسيان عليه، وعدم الإغراء بالباطل وحاشاه. بل تدل على عدم المشروعية أصلاً بعدة تقريبات:
1. إنَّه لا يدخل في عنوان إحسان الصلاة.
2. إنَّ الإمام التزم بالمستحبات ولم يفعل ذلك.
ــــــ[99]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
3. إنَّ الإمام لا يترك المستحبات فلو كان مستحباً لفعله، وإذا لم يكن واجباً ولا مستحباً فهو غير مشروع، فإذا أثبتنا أنه من كلام الآدميين كان مرجوحاً بل مبطلاً للإقامة أو للصلاة.
جواب ذلك لأكثر من وجه:
أوّلاً: أنَّنا نعلم أنه لا فرق في النية بين العبادة المستحبة والواجبة، فإذا كانت هي اللفظية لم يفرق أيضاً فالعلم بعدم الفرق متحقق.
ثانياً: أنَّ الإمام كان بصدد إصلاح صلاة الآخرين يعني فرائضهم وان صلى هو نافلة، فهو في مقام البيان من حيث كل ما له دخل في الفريضة ولم يذكر ذلك، فدل ذلك على عدم وجوبه.
ثالثاً: أنَّه لا دليل على أن تلك الصلاة لم تكن فريضة أداء أو قضاء، وخاصة بعد أن نلتفت إلى ما قلناه من أنه يريد تعليم الفريضة، فينبغي أن تكون صلاته فريضة لكي يكون المأتي به جامعاً لشرائطها. وإلا فأجزاء النافلة وشرائطها لا تفيد في الفريضة مع وجود الاختلاف.
فإن قلت: فإنه كان يريد بيان الحالة الظاهرة فقط كالخشوع واستواء الظهر ورد الركبتين والتفريج بين القدمين، أو قل يريد الحالة الجسمية دون الذهنية، والنية من الثاني دون الأوّل.
قلنا: هذا وإن كان مما ركز عليه الراوي إلاّ أنه ليس هو خصوص ما أراد الإمام بحيث يكون غيره منفياً، وكيف وهو يقول: (إلّا أعلمك الصلاة)، ونحن نعلم أن الصلاة غير مقتصرة على ذلك، بل تشمل النية وغيرها، مضافاً إلى أن هذا
ــــــ[100]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
لا يعني ترك الأجزاء الواجبة، فلو كانت النية اللفظية واجبة لتعين عليه ذكرها.
فإن قلت: فإنها لا تدل على وجود النية أصلاً، حتى الارتكاز لوضوح عدم ذكرها إطلاقاً.
قلنا: هذا مما يؤيد الارتكاز، إذ لو كان المطلوب شيء آخر لذكره، وحيث لم يذكره فهو غير مطلوب، وأما الارتكاز فهو مما لابدَّ منه في كل فعل اختياري، ولا يحتمل عدم وجوده بل لا يمكن، ومن الواضح أن الإمام اكتفى به عن غيره كالإخطار والتلفظ.
[النسبة بين رواية حماد وروايات النية العامة]
فإن قلت: فما هي النسبة بين هذه الرواية وروايات النية العامة.
قلنا: روايات النية العامة لها صورتان:
الصورة الأولى: أن نحملها على النية الفقهية.
الصورة الثانية: أن نصرفها عن ذلك كما هو الصحيح.
وصحيحة حماد أيضاً لها صورتان:
1- أن نفهم منها عدم النية أصلاً.
2- أن نفهم منها وجود النية ولو ارتكازاً.
وبضرب 2×2=4، يتعارضان في فرضين وهو أن نحمل إحداهما على النية الفقهية والأخرى على عدمها.
وأما إذا حملناهما معاً على وجود النية أو على عدمها فلا تعارض، وعند التعارض تصلح أن تكون الصحيحة مقيدة لتلك العمومات، وخاصة إذا دلت هي على النية ودلت صحيحة حماد على عدمها أو يتساقطان ونرجع إلى الأصل
ــــــ[101]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
المؤمّن أو النية الارتكازية عقلاً.
إنَّ حملناها على وجود النية ولو إجمالاً ولو ارتكازاً، وحملنا تلك الروايات على معنى النية الفقهية، كانت متوافقة وبمنزلة المقيد والمفسر وأن النية لا يحتاج فيها إلى اللفظ وإن حملنا صحيحة حماد على هذا الوجه وصرفنا تلك الروايات عن النية الفقهية، فلا تعارض لتعدد الموضوع. وهي لا تدل على عدم النية الفقهية.
نعم، لو دلت على العدم ودلّت الصحيحة على الوجود كانت مقيدة لها. نعم، لو كانت تلك الروايات تدل على وجود النية الفقهية وهذه الرواية تدل على عدمها تعارضت وتساقطت وأمكن الرجوع إلى البراءة، ولكن الصحيح كما عرفنا أنها لا تدل على عدم وجود النية الارتكازية، كما أن الصحيح في تلك الروايات عدم إرادة النية الفقهية فيختلف الموضوع فيرتفع التعارض.
[موقف صحيحة حماد من النية الإخطارية]
فإن قلت: فما هو موقف صحيحة حماد من النية الإخطارية.
فقد يقال: بدلالتها على عدم وجوبه باعتبار عدم التعرض له.
وقد يقال: بعدم هذه الدلالة بأحد تقريبين:
1- إنَّه مما يحدث غالباً أو دائماً. فلا يحتاج إلى التنبيه عليه كما قلنا في الارتكاز.
2- إنَّه ترك التنبيه عليه من باب كلم الناس على قدر عقولهم، لأن ذكره لم يكن مفهوماً للسامع، وكلا التقديرين موقوفين على انحصار معنى النية بالإخطار كما عليه ارتكاز بعض المتشرعة من الفقهاء. لأننا عندئذٍ نقول أنه لا بدَّ من وجوده لأنَّه مما تتوقّف عليه صحة العبادة، لأنها بدونه ستكون بدون نية. فعدم بيانه إثباتاً
ــــــ[102]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
يكون لأحد التقريبين السابقين، إلّا أن المطلب إن معنى النية ليس كذلك أصلاً، بل هو الارتكاز، مضافاً إلى وجوه أخرى في مناقشة التقريبين لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلهما، ونشير فقط إلى التنافي بين مبنيي التقريبين وذلك لأن الأوّل جعل الإخطار غالباً، والثاني جعل الإخطار نادراً. فكيف ذلك، وهذا يدل على فساد التقريبين، والإخطار على أيّ حال ليس نادراً ولا مخالفاً لعقول الناس وأمّا كونه غالباً فلا يدل على تعينه، لأن الارتكاز أكثر منه غالبية لأنه مما لابدَّ منه في كل عمل.
[تتمة في أدلة عدم وجوب التلفظ]
سابعاً: من أدلة عدم وجوب التلفظ أصالة البراءة عن الشرطية وهو يصح بعد التنزّل عن صحيحة حماد، وكذلك استصحاب عدم جعل ذلك عند صدر الإسلام أو باستصحاب العدم الأزلي لو قلنا بكبراه.
[أدلة وجوب النية اللفظية]
وأما الأدلّة على وجوب النية اللفظية نذكرها أولاً فإن تمت نظرنا نسبتها إلى أدلة عدم الوجوب السابقة وخاصة صحيحة حماد، وذلك أنها على عدة طوائف:
الأولى: ما ورد بلسان: «إنما يحل الكلام ويحرم الكلام» من قبيل رواية محمد بن علي بن الحسين عن ابن أبي عمير عن يحيى بن الحجاج عن خالد بن الحجاج قال: «قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللهِ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَقُولُ، اشْتَرِ هَذَا الثَّوْبَ وَأُرْبِحَكَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ أَلَيْسَ إِنْ شَاءَ تَرَكَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ قُلْتُ بَلَى، قَالَ لا بَأْسَ بِهِ إِنَّمَا يُحِلُّ
ــــــ[103]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الْكَلَامُ وَيُحَرِّمُ الْكَلامُ»(1).
فتدعى هنا أنه من العبادات، لأنَّه أعطى قاعدة عامة يمكن السير عليها في كل الموارد بما فيها المعاملات والعبادات، والنية اللفظية من الكلام فبمفهوم الحصر يدل على أنه لا أثر للصلاة بدون النية اللفظية.
وجواب ذلك من عدة وجوه لا أقل تفيدنا في تنمية الملكة:
أولاً: الطعن فيها سنداً، فإنها إلى ابن أبي عمير صحيحة بأسانيد المشايخ إليه وهي معتبرة، إلّا أنَّها بعد ذلك لا تخلو من اغتشاش، فإنها مروية بأربعة احتمالات يحيى بن الحجاج، أو يحيى بن نجيح عن خالد بن الحجاج أو خالد بن نجيح، وبضرب 2×2=4، وواحد منهم محرز الوثاقة، وهي يحيى بن الحجاج.
وأما الباقون فهم إما مجاهيل كخالد بن الحجاج أو لم يوثّقوا كيحيى بن نجيح وخالد بن نجيح، وعلى أي حال فالراوي المباشر عن الإمام الذي هو إما خالد بن الحجاج أو خالد بن نجيح ساقط، وأما اللاحق له فهو مردد بين الثقة وغير الثقة، بعنوانين لا بعنوان واحد، وهو باطل.
فإن قلت: أنها مروية عن ابن أبي عمير وهو لا يروي إلّا عن ثقة.
قلنا: هذا قابل للمناقشة صغرىً وكبرىً:
أما كبرى: فلأن الأمر ليس كذلك، أنه لا يروي إلّا عن ثقة، وإنما قالوا: أن مراسيله كمسانيده، أو أنه لا يرسل إلّا عن ثقة، وأما إذا كان الراوي مذكوراً فنحن وهو ولا يكون ابن عمير كفيلاً له. وهو هنا مذكور على كلا التقديرين.
ــــــ[104]ـــــــ
(1) الوسائل: ج18ص50 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وأما صغرى: فلأننا إن سلمنا ذلك في الراوي المباشر لا نسلم ذلك في غيره، وهنا راويين يفصلان ابن أبي عمير عن الإمام والثاني ساقط كما عرفنا. ولا توجد قاعدة: إن ابن أبي عمير لا يروي عن الإمام إلّا بسند صحيح.
وهذا ينتج سقوط هذه الرواية سنداً، وعمل الأصحاب ليس بحجة كبروياً، وإنَّما عملوا بها في المعاملات لا في العبادات، وكلامنا في العبادات لا في المعاملات.
مضافاً إلى الشك به صغروياً، لأنّه يعيّن أسلوب العقد اللفظي بمفهوم الحصر، وهذا المعنى لم يقل به إلّا القليل.
مضافاً إلى أنه قصد من الكلام ما يسمى بالمقاولة وهي الكلام السابق على العقد، ولم يجرِ عقد بينهما أصلاً، كما هو واضح من سياق الرواية، على أنه لم يرد في أن الثاني منهما تكلم بأي كلام إطلاقاً، فالرواية ساقطة دلالة في موردها، لأن هذه القاعدة لو كانت تامة كان مورد الكلام فيها باطلاً، مع أن الإمام صححه.
إذن: فيراد به الكلام في الجملة وليس الإيجاب والقبول.
ثانياً: أن هذه العبارة لم ترد وحدها وإنما وردت بقرائن متصلة صريحة، تجعلها خاصة بالمعاملات، ومعه نحتاج إلى نحو من التجريد عن الخصوصية إلى العبادات وهو متعذر، مع احتمال الفرق، بل اليقين به ومن هنا لم يستدل الفقهاء بهذه الرواية في مورد الكلام.
فإن قلت: فإنه يضرب قاعدة عامة في كل الأمور الشرعية.
قلنا: أنه يكفي الشك في أنه في مقام البيان من ناحية العبادات أم لا، بل أن
ــــــ[105]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الاطمئنان الفعلي قائم على عدم ذلك.
وظهور كونها قاعدة عامة لو سلم يكفي فيها شمولها للمعاملات كلها فقط.
ثالثاً: لو تنزلنا وقبلنا ذلك فهو يحتاج بقرينة السؤال إلى تنقيح الصغرى في الصلاة الذي هو مورد كلامنا، بعنوان أن المراد من التحليل والتحريم افتتاح الصلاة بالتكبير وتحليلها بالتسليم رواية ابن القداح عن أبي عبد الله قال: «قال رسول الله افْتِتَاحُ الصَّلاةِ الْوُضُوءُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»(1)وهو مطابق بالمادّة مع تلك القاعدة.
جوابه:
أوّلاً: أنَّ التحليل والتحريم في قوله: «إنما يحل الكلام ويحرم الكلام» نفهمه فهماً عرفياً وأمّا الاصطلاح الفقهي فهو متأخر لا يحمل عليه النص المتقدم، فلا تكون القاعدة: (إنّما يحلل الكلام ويحرم الكلام) شاملة للنية.
جوابه: أنّه بمراجعة صحيحة القدّاح يتضح أنّه اصطلاح قديم ومتشرّعي، لأنّها مروية عن النبي فكلتا الروايتين تنقلان اصطلاحاً مشتركاً في التحليل والتحريم وارد عن المعصومين.
ثانياً: إذا كان تحريمها التكبير، إذن فهو خلال التكبير ليس في الصلاة وإنّما يدخل في الصلاة حقيقة بعد انتهائها. وهذا يترتب عليه عدّة نتائج:
منها: عدم وجوب النية خلال التكبير لأنّها إنما تجب في الصلاة.
ومنها: عدم ضرر القواطع والموانع خلالها.
ــــــ[106]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص11 ح10، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
ومنها: عدم انعقاد الجماعة خلالها.
وغير ذلك والمشهوري يلتزم بذلك فتوى لا احتياطاً مع أنّه يتمسك برواية ابن القداح.
مضافاً إلى أن الرواية مبنية على نحو من المجاز والتسامح وإلاّ فمن الواضح أنّه ليس الوضوء افتتاح الصلاة وخاصّة إذا علمنا استحبابه دائماً فلا ينعقد لها سياق في الإلزام ولا اقل من احتمال ذلك.
ثالثاً: أنَّ انطباق مفهوم الكلام العرفي على اللفظ الواقع في الصلاة كالتكبير والتسليم يكون صغرى من تلك الرواية محل نقاش، لا أقل من الاستدلال بما ورد بعنوان كلام الآدميين وهو غير الذكر والقرآن. فيكون المراد بالكلام المحرم والمحلل: الكلام الآدميين. وهو غير التكبير والتسليم بالارتكاز المتشرعي وإن كان من الناحية العقلية أو الدقيّة كذلك.
رابعاً: أنَّ قوله: «إنما يحل الكلام ويحرم الكلام» ورد بلام واحد لا بلامين فهو:
إمّا من الثلاثي بفتح الأول وضم الثاني (من حلّ).
وأمّا من الرباعي بضم الأوّل وكسر الثاني (من أحلّ) على أن تكون من الحلول لا من الحلية.
وأمّا الحلية، فيقال: حلل إلّا أنَّه قابل للمناقشة والراغب جعل (أحله) مقابلاً للشدّ.
وما هو محل الاستدلال هو الرباعي الدال على الحلّية ليكون التسليم سبباً
ــــــ[107]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
لحلية التصرف بصفته كلاماً. وأمّا على الثلاثي فهو إذا نسب إلى المكان صار بمعنى الكون فيه وإن نسب إلى العقدة كان بمعنى فتحها (حل العقدة) وهذا أنسب بالمعاملات ولا ربط له بالعبادات وهو في الرواية الأخرى رباعي لأنه يقول وتحليلها.
إلاّ أنَّ هذا يمكنه جوابه من وجهين:
الأول: أنَّ الحال الصلاتي يمكن أن يلحظ بمنزلة العقدة فهو ينعقد بالتكبير وينحل بالتسليم.
الثاني: أنّ (يحل) وإن وردت ثلاثية بلام واحدة إلّا أنّها في مقابل التحريم بالقرينة المتّصلة، فتكون ضدّها وهو الحلّية، فيكون من استعمال الثلاثي بمعنى الرباعي ولو مجازاً والقرينة المتصلة موجودة عليه.
فإن قلت: كما يمكن ذلك يمكن عكسه بجعل (يحل) قرينة على يحرم فيكون معنى الحرمة انحلال العقدة.
قلنا: القرينة من الجهتين وإن كانت ممكنة نظرياً، إلّا أنّنا نقدّم الأولى منها ولا شك أنَّ الأولى والأظهر هي قرينة (تحريمها) على الحلّية لتدل على أنَّ المراد الحلّية لا الانحلال.
مضافاً إلى إمكان جعل التحريم قرينة على الخطأ في النقل يعني إسقاط اللام الثانية. (يحلل) إن قلت: فإنَّ أصالة الالتفات مع أصالة الوثاقة تنفيه.
قلنا: نعم، ولكن يبعده أمران: أحدهما جواز النقل بالمعنى وهو متقارب عرفاً وإن لم يكن كذلك بالدقّة فلعل الراوي شعر بالتقارب وجوّز لنفسه النقل بالمعنى.
ــــــ[108]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وثانيهما: التسامح العرفي في وجود (لام) أو (لامين) ممكن فلعله كان بلامين. ونقله بلام واحدة من باب التسامح، فتأمّل.
مضافاً إلى أنّنا لو أخذنا وحدة مضمون الروايتين بنظر الاعتبار أصبحتا قرينة على بعضهما فيكون قرينة على أنّ الثلاثي مستعمل بمعنى الرباعي الموجود في الرواية الثانية، أعني صحيحة القدّاح.
ــــــ[109]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر

ــــــ[110]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر

النية (1)

قال: المحقق: «النية: وهي: ركن فيالصلاة، ولو أخل بها عامداً أوناسياًلم تنعقد صلاته. وحقيقتها: استحضار صفةالصلاةفي الذهن» (2).
الكلام في واجب آخر من واجبات الصلاة وهو (النية) والكلام فيها يقع ضمن نقطتين.
النقطة الأولى: وجوب النية.
النقطة الثانية: ركنية النية.
ــــــ[111]ـــــــ
(1) بحث النية الموجود هنا وجدناه في محاضرات مستقلة في بحوث أركان الصلاة يختلف من حيث الصياغة عن البحث المتقدم عن النية وقد أثبتنا كِلا البحثين تتميماً للفائدة العلمية لكون النسبة بينهما عموماً وخصوصاً من وجه من حيث المباحث والنكات المذكورة في البحثين.
( ) شرائع الإسلام: ج1 ص95 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر

ــــــ[112]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الكلام في النقطة الأولى
وجوب النية

يمكن الاستدلال على وجوب النية بالأدلة الثلاثة الكتاب الكريم والسنة الشريفة والأدلة اللبية.
الاستدلال بالآيات الكريمة
تمهيد
قال في المستند أن مادة النية موجودة في القرآن الكريم.
أقول: إن هذه دعوى تحتاج إلى دليل.
وعلى العموم نحن لا نؤمن بوجود مثل هذه المادة في القرآن الكريم.
فإن قلت: إن النية هي القصد ومادة القصد موجودة في القرآن الكريم.
قلنا: نعم، مادة القصد موجودة في القرآن إلّا أنها لم تأتي بهذا المعنى، لأنه من حيث الاستعمال أو من حيث الوضع ذات معاني متباينة وليس القصد الموجود في القرآن بكل استعمالاته بمعنى النية وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ(1) ونحو ذلك شيء غير ما هو المقصود الآن.
ــــــ[113]ـــــــ
(1) فاطر: 32.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وعليه: يكون من المناسب البحث عن مدلولات النية بأحد شكلين:
الشكل الأول: ما كان فيه الكلام عن القلوب.
الشكل الثاني: ما كان فيه الكلام عن الصدور.
فإنه من غير الممكن أن يكون الحديث عن القلب بصفته جرماً أو كونه عضواً وكذا الحديث عن الصدر بصفته جرماً أو عضواً، وإنما الحديث عما فيه من الأمور المعنوية وعلى رأس القائمة (النية) فما في القلب النية وما في الصدر هو أيضا النية.
ولا يخفى أن ما في القلب وما في الصدر هو نفسه، لأن القلب أيضاً في الصدر فما في القلب في الصدر ففي الإمكان اعتبار النية فيهما معاً فمن هذه الناحية اتخذت قياساً متماثلاً على أنه يوجد هناك عموم بمعنى من المعاني بين الصدر والقلب، لأنه قد يكون شيئاً في الصدر ولا يوجد في القلب.
فيمكن اعتبار النية في الصدر والقلب معاً فكل ما دل على (أنه لهم قلوب) ونحو ذلك من الأمور أو الاعتراض والإشكال ضد هذا المعنى (أنه ليس لهم قلوب) وأن صدورهم تحتوي على غِلٍّ ونحو ذلك هذا كلّه يدل على رجحان النية ومن ثم ربما يستدل بذلك على وجوبها.
الآيات الكريمة:
1- قوله تعالى: وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَىٰ مَافِيقَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ(1).
ــــــ[114]ـــــــ
(1) البقرة: 204.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
2- قوله تعالى: إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ(1).
3- قوله تعالى: لَـهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا(2).
4- قوله تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ(3).
5- قوله تعالى: ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ(4).
6- قوله تعالى: وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ(5).
7- قوله تعالى: وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ(6).
8- قوله تعالى: وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ(7).
9- قوله تعالى: إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ(8).
10- قوله تعالى: وَلَكِنمَّنشَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا(9).
11- قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ ــــــ[115]ـــــــ
(1) النحل: 106.
(2) الأعراف: 179.
(3) الحج: 32.
(4) الأحزاب: 53.
(5) الفتح: 12.
(6) الفتح: 1.
(7) الحجرات: 7.
(8) الأنفال: 2.
(9) النحل: 106.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أَنيُضِلَّهُيَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا(1).
إختلفت القَرَأَةُ في قراءة ذلك.
قرأه بعضهم (ضَيِّقًا حَرَجاً) بفتح الحاء والراء منحرجاً.وهي قراءة عامة المكيين والعراقيين، بمعنى جمع(حرجة).
وقرأ عامة قَرَأَة المدينة (ضَيِّقًا حَرِجاً) بفتح الحاء وكسر الراء.
تقريب الاستدلال
إن القلب والصدر إنما هو ظرف للنية وعندئذٍ ممدوح ذلك الصدر أو القلب الذي فيه نية صافية ونية حسنة ومذموم ذلك الصدر أو القلب الذي فيه نية سيئة ونحو ذلك.
وبهذا تدل الآية الكريمة على رجحان وجود النية، لكن لما كان الذم على عدم النية شديد وأنه يستحق الغضب ويستحق العقاب ونحو ذلك، وحينئذٍ يكون وجودها ضرورياً وبذلك نستدل على الوجوب وليس على مطلق الرجحان، لأنه لو لم يكن واجباً لما كان الذم شديداً.

أقول: في الحقيقة إن في هذا الاستدلال نوع تجوز، وذلك لأكثر من مستوى:
المستوى الأول: إنه إن دلَّ على شيء فأقصى ما يدل عليه هو جامع الرجحان لا الوجوب الذي نحن بصدده في هذا الباب.
ــــــ[116]ـــــــ
(1) الأنعام: 125.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أضف إلى هذا: أن الوجوب لا يمكن استفادته بحده، لعدم أمر في البين ولا هيئة أفعل ولا ما كان بإزائها من الجمل الخبرية ونحو ذلك.
المستوى الثاني: إن المقصود بالنية المعنى الاصطلاحي الفقهي الذي يقسم العبادات إلى عبادات بالمعنى الأخص وعبادات بالمعنى الأعم، وهذا في الحقيقة أحد المحتملات وهو المحتمل الذي ابتنى عليه الاستدلال، لكنه غير متعين، بل المتعين العدم، وذلك لأن النية معنى كلي قابل للصدق على كثيرين فيمكن أن يصدق على هذا المعنى وعلى غيره.
فمن حصص ومعاني النية، النية تجاه الله سبحانه وتعالى التي هي مصرح بها في الكتاب والسنة:
منها: التسليم بقضاء الله وقدره.
ومنها: النية تجاه الله تعالى والتي تتعلق بأفعال الله وقضاءه وقدره.
وكذلك حصة من النية أمام الله وهو حسن الظن بالله سبحانه وتعالى وفرقه عن السابق إن الرضا بقضاء الله بالنسبة إلى الماضي والحاضر وحسن الظن بالله بالنسبة إلى المستقبل بالنسبة إلى التنبؤ بالمستقبل إن الله تعالى لم يفعل بعبده إلّا خيراً.
المستوى الثالث: من حصص النية، النية تجاه المخلوقين أنفسهم هل الإنسان قلبه طيب لا يؤذي أحداً إلّا بمقدار ضرورة قصوى، فهذا حسن النية وغيره سيء النية اعتيادي ولربما يكون سيء النية بالنسبة إلى شخص وحسن ــــــ[117]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
النية بالنسبة إلى شخص آخر هذا كله ممكن.
ومن حصص النية، النية الاصطلاحية التي بمعنى أنه التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا كانت واجبة، فالعمل يكون عبادياً بالمعنى الأخص وإذا كانت مستحبة، فالعمل يكون عبادياً بالمعنى الأعم.
والآيات الكريمات المتقدمة لا تنص على المعنى المصطلح وكل ما ذكرناه من الحصص معاني النية هي نية، أي يصدق أنه ما في قلوبكم وما في صدوركم كل ذلك مصداق لـ(ما الموصولة)، فأي منها قصد هل قصد المعنى المصطلح الذي يتوقف عليه الاستدلال طبعاً لا إذا قصد الأعم، فالاستدلال بالأعم على الأخص باطل.
والمعنى المصطلح إنما هو فرعي اجتماعياً والمهم هو التوجيه اجتماعياً وإلهياً، أي حسن الظن بالله سبحانه وتعالى والرضا بقضاءه وقدره وحسن الركون والاعتقاد بأصول الدين ونحو ذلك من الأمور.
الاستدلال بالكتاب
ذكر في المستند آيتين للاستدلال على وجوب النية:
الآية الأولى قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي(1).
الآية الثانية قوله تعالى:  فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ(2).
ــــــ[118]ـــــــ
(1) طه: 14.
(2) الكوثر: 2.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
قال في المستند: «فنقول: لا إشكال ولا خلاف في اعتبار النيّة في الصلاة، وأنّه لا بدّ من إتيان أجزائها بداعي القربة، فلو أتى بها من غير قصد أو بقصد الرياء تكون الصلاة باطلة.
ويدلّنا على ذلك: قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي وقوله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ وغيرهما من الآيات والأخبار» (1).
الآية الثانية:
أقول: إن الآية الثانية إنما تدل على الأمر بالصلاة أما الأمر بالنية فلا ولا يمكن استفادة وجوب النية لا من كلمة (صَلِّ) ولا من كلمة (إنحر).
نعم، قوله تعالى: وَانْحَرْ له معنيان رئيسيان:
الأول: نحر الإبل بعد صلاة العيد.
الثاني: رفع اليد إلى النحر، أي استقبل القبلة وارفع يدك في أثناء التكبير.
ولا ربط للمعنى الأول بالنية إطلاقاً، ومن المعلوم أن النحر لا يحتاج إلى نية.
والمعنى الثاني له ربط بالنية لكن له معنى مباين للنية وليس يعني مقترناً بها.
فإن قلت: إن الإنسان لكي يكبّر ويرفع يده بلا شك ينوي أولاً.
قلت: إن هنا مصادرة، وهي أننا بصدد الاستدلال على وجوب النية، فإن افترضنا وجود النية ضمناً -ضمن هذه الثلاثة- وأن المقترن التكبير ورفع اليد.
إن قلت: إن (صلِّ) متضمن للنية، لأن (فصلِّ لربك) والصلاة مشروطة
ــــــ[119]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص5 من الموسوعة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
بالنية، وهيئة أفعل دالة على الوجوب بحسب ظاهرها وليس ما ينافي ظهور الوجوب.
قلت: هذا أيضاً مصادرة، لأننا نستدل على وجوب النية فنفترض أنها واجبة وموجودة فعلاً في الصلاة.
الآية الأولى:
هذا تمام الكلام في الآية الثانية أما الآية الأولى، فنقول فيها:
إنها أجنبية عن وجوب النية وذلك لأن الاستدلال:
إما أن يكون بفقرة (أقم الصلاة).
وإما أن يكون بفقرة (لذكري).
– أما الفقرة الأولى، فإنه أمر بعنوان الصلاة لا أمر بوجوب النية.
فإن قلت: إنها تأمر بوجوب النية بالأمر الإلتزامي، لأن الصلاة متضمنة للنية.
قلت: إن هذا الكلام مصادرة، لأننا بصدد الاستدلال على وجوب النية فافتراض أن الصلاة متضمنة للنية فعلاً في المرتبة السابقة على هذا الاستدلال لا يكون مجازاً برهانياً.
– أما الفقرة الثانية، فإننا نفهم أن المراد من ذكر الله سبحانه وتعالى فهما عرفياً، كما نفهم سائر المطالب فهما عرفياً اعتيادي وحينئذٍ نسأل العرف هل النية هي من ذكر الله سبحانه وتعالى؟ أو أنه يوجد هناك ما هو أولى مصداقية
ــــــ[120]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
من النية في ذكر الله وهو أن الصلاة فيها قرآن وفيها تشهد وفيها ذكر الركوع والسجود كلها ذكر الله سبحانه وتعالى؟
الجواب: هذا هو ذكر الله عرفاً وليس النية القلبية وحدها أو ليس النية القلبية بخصوصها وإن كان الذكر يعمها أيضاً فهو استدلال بالأعم على الأخص وهو أيضا غير صحيح وغير قادر على إثبات المطلوب.
الاستدلال بالسنة الشريفة على وجوب النية
1- قوله : «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى».
2- قوله : «لا عمل إلّا بالنية».
وهذه الروايات وأمثالها هي مضمون الباب الأول اعتبره من مجموعة الأبواب التي تتعرض للنية وليس من مطلق مقدمة العبادات.
والاستدلال بها على المدعى ينبغي أن يكون واضحاً، فما لم تكن النية واجبة، جاز تركها ومتى جاز تركها بطل العمل وهو خلف المفروض أنه خصوصاً الصلاة واجب.
مناقشة الاستدلال
إن مثل هذه الروايات لا دلالة فيها على الوجوب وأقصى ما تدل عليه هو الإشارة إلى الحث على أن يكون أداء الفعل عن نية، فهي دالة على الحث على تحصيل الثواب والقربة الواقعية إلى الله سبحانه وتعالى، فلا إشارة إلى الأجزاء أو إلى صحة العمل أساساً، فمن الممكن أن يكون العمل صحيحاً ولكنه غير
ــــــ[121]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
مقبول ومع ذلك يعبر عنه مجازاً أو أخلاقياً بأنه مُنزل مَنزلة العدم، لأنه لا ثواب عليه ونحو ذلك من الكلمات.
أقول: هذا الكلام يمكن المناقشة فيه بهذه المرتبة من التفكير:
– إما بأن يقال: بأن ظاهر السياق هو الحكم الفقهي لا الحكم الأخلاقي.
– أو يقال: بأن هذا متوقف على تقدير كلمة والتقدير على خلاف الظاهر وذلك بأن يقال بأنه لا قبول عمل إلّا بالنية وإنما قبول الأعمال بالنيات أو ثواب الأعمال بالنيات ونحو ذلك.
اللهم إلّا أن نجعل عليه قرينة منفصلة من خبر آخر وهو العاشر في الباب الخامس من أبواب مقدمات العبادات، لأنه روي عن النبيّ أنّه قال: «إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكل امرئ ما نوى»(1).
فهنا كأنه يورد نفس النص الذي نتحدث عنه ونقول إنه لعله فيه تقدير أو ليس فيه تقدير ثم يفسره وطبعاً كما أن السنة يمكن أن تفسر الكتاب كذلك السنة يمكن أن تفسر السنة نفسها، وحينئذٍ يفسر ويقول: “فمن غزا ابتغاء ما عند الله فقد وقع أجره على الله ومن غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالاً لم يكن له إلّا ما نوى”، أي تفسير لسبب حصول الفرد على الثواب، فإن كان طالباً لما عند الله فهو طالب لوجه الله، فهو يعطى ما طلب وإن كان طلب شيئاً من الدنيا يعطى ما طلب.
ــــــ[122]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص5 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وبلا شك إن هذا التفسير هو تفسير أخلاقي وما ينفعنا في المقام هو التفسير الفقهي.
فهذا الخبر يكون بمنزلة التفسير لتلك النصوص وأن المراد من تلك النصوص الجانب الأخلاقي وليس الجانب الفقهي.
الاستدلال برواية أخرى
3- وعنهم، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن عليّ بن أسباط، عن محمّد بن إسحاق بن الحسين بن عمرو، عن حسن بن أبان، عن أبي بصير، قال: «سألت أبا عبد الله عن حدّ العبادة التي إذا فعلها فاعلها كان مؤدّياً؟ فقال: حسن النيّة بالطاعة»(1).
وتقريب الاستدلال [بهذه الرواية على وجوب النية]
يمكن تقريب الاستدلال بهذه الرواية على وجوب النية بأن يقال:
إن هذه الرواية أعطت حداً للعبادة والمحدود عدم عند عدم حده، فحد العبادة يعني أنها لا تكون عبادة بدونها وحسن النية بالطاعة، فإن الطاعة عبارة أخرى عن العبادة، فحينما تؤدي العبادة والطاعة تكون حَسَنَ النية، وحسن النية لا يراد به إلّا الشرائط الفقهية المعتبرة وهو من قبيل نية القربة ونية الوجوب، فيثبت المطلوب.
وفيه: إن أهم مقدمة قابلة للمناقشة هي أن نحمل حسن النية على النية
ــــــ[123]ـــــــ
(1) الوسائل: ج1 ص49 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
المصطلحة والمرتبة فقهياً ترتيباً حسناً، وهذا لا يمكن، لأن حسن النية شيء والفهم العرفي والعقلائي والمتشرعي وترتيب النية الفقهية شيء آخر.
أدلة وجوب التعيين.
التعيين هو عبارة عن تسمية الفريضة والكلام في أن التعيين واجب أو لا؟
– قرب في المستند أن التعيين دخيل في الماهية، قال: «قد يكون الثابت في الذمة تكليفاً واحداً، وقد يكون متعدداً.
فالأوّل: كما في صيام شهر رمضان حيث لا يصلح هذا الزمان لغير هذا النوع من الصيام، فيكفي فيه الإتيان بذات العمل مع قصد الأمر، فلو نوى في المثال صوم الغد متقرّباً كفى ولا حاجة إلى التعيين، بعد أن كان متعيناً في نفسه وغير صالح للاشتراك مع غيره ليفتقر إلى التمييز والتشخيص، وهذا ظاهر.
وأمّا الثاني: كما في صلاتي الظهر والعصر، فبما أنّ إحداهما تغاير الأُخرى ثبوتاً وإن اشتركتا في جميع الخصوصيات إثباتاً كما يكشف عن هذه المغايرة قوله: (…إلاّ أنّ هذه قبل هذه…) إلخ الدال على اعتبار‌ الترتيب، وإلاّ لم يكن مجال للاستثناء، لوضوح أنّ كل من يأتي بثماني ركعات فبطبيعة الحال تكون الأربع الأُولى قبل الأربع الثانية، كما أنّ الركعة الأُولى قبل الثانية، وهي قبل الثالثة وهكذا، فلو لم يكن تغاير وتباين ذاتي بينهما لم يكن وقع لهذا الكلام»(1).
ــــــ[124]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص11 – 12 من الموسوعة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أقول: يمكن تقريب ذلك بالنحو التالي: وهو أنه لا يمكن تحصيل الماهية إلّا به فحينئذٍ لابد من قصده عقلاً وليس فقط شرعاً، لأن المطلوب إيجاد ماهية الصلاة وماهية الصلاة لا تحصل إلّا بها إذن فلابد من قصدها.
نظر في كلام المستند
كان من عبارة المستند قوله: «فيكفي فيه الإتيان بذات العمل مع قصد الأمر أي إنما يكتفى بقصد الأمر فيما إذا كان متعلقه ذات العمل لا العنوان أو دون العنوان، والظاهر أن المكلف يمكن أن يكتفي بقصد الأمر كما يجوز له أن يترك التعيين، فيما إذا كان متعلق الأمر ذات العمل، أي بغض النظر عن العنوان، فصلِّ وإن لم تسمِّ صلاة الظهر -مثلاً- لكن إذا كان التعيين دخيلاً في الأمر فحينئذٍ يجب قصده بطبيعة الحال يعني فصَلِّ قاصداً التعيين، فإنما يجزي فيما إذا كان قاصداً التعيين لكن الكلام هنا على أن التعيين دخيل في متعلق الأمر حقيقةً أم لا؟
فإن دلّ دليل على ذلك أخذنا به وإن لم يدل دليل على ذلك أجرينا عنوان الأصل المؤمّن».
وهذا يمكن التعليق عليه بالنحو التالي:
إن قوله: «ذات العمل فيما إذا كان متعلقه ذات العمل لا العنوان». هنا نطرح هذا السؤال هل يصح أن نسمي الصلاة بغض النظر عن العنوان ذات العمل أم لا وذلك بعد ضم مقدمتين يعني نقول لا وذلك بعد ضم مقدمتين:
ــــــ[125]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
المقدمة الأولى: إن الصلاة لا شك أنها مركّب اعتباري يشتمل على مجموعة من الأعمال ومن الناحية المنطقية أنها مكونة من عدة أمور مختلفة الكيفيات وفي الماهيات وفي المقولات، فمن هذه الناحية إنما تصدق هذه الماهية الكلية أو المجموعية فيما إذا كان المجموع حاوياً لكل الأجزاء والشرائط بطبيعة الحال.
المقدمة الثانية: إن قصد التعيين له دخل دخيل في الحقيقة -الماهية- بالرغم من اختلافه عن الأمور الباقية مقولةً أو ماهيةً، لأنه يختلف عن ماهية الصوت ويختلف عن ماهية حركة الركوع والسجود، فالصلاة ليس لها ماهية معينة وإنما هي مجموعة اعتبارية لو نظرناها من الناحية الفلسفية وليس لها ماهية إلّا ماهية اعتبارية، فمن هذه الناحية قصد التعيين دخيل في الأمر وفي ماهية الصلاة المأمور بها، وحينئذٍ نسأل ما هو ذات الصلاة؟
ذات الصلاة، هو مجموع المأمور به بما فيه قصد التعيين، فالتعبير بذات الصلاة عن غير قصد التعيين عن الصلاة الناقصة قصد التعيين ولا ينبغي صدوره من شخص على مستوى التحقيق والتدقيق.
أدلة أخرى على وجوب قصد التعيين
أقول: ويمكن الاستدلال على وجوب قصد التعيين:
– الارتكاز المتشرعي.
– الدليل الدال على الترتيب.
– الدليل الدال على أن الأمر متعلق بالعنوان نفسه، كصلاة الظهر من قبيل ــــــ[126]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
«إذا زالت الشمس فصلِّ صلاة الظهر».
الاجماع على وجوب التعيين.
ومن الواضح، إننا لا ندخل في دليل إلّا بعد التنزل عن الأدلة الأخرى، فإذا لم يكن هناك دليل آخر يعني من نصوص في كتاب أو سنة، فالإجماع ينفتح بابه والإجماع حاصل أكيداً والإجماع ليس دليلاً على الإثبات وإنما هو دليل على النفي هو الذي ينفعنا، يعني أن الصلاة التي لم يقصد فيها التعيين بالنحو الذي نحن عرفناه من النية لم يكن التعيين موجوداً.
إذن: الصلاة باطلة، وهذا يكفي وهذا الإجماع محرز لا يحتاج إلى مراجعة.
وهذا الإجماع في الحقيقة لو جمعناه مع الأدلة السابقة يكون مدركياً، لأنهم إنما أفتوا بهذه النتيجة لأجل تلك المقدمة وإلاّ ليس يعني تعبدياً بذاك المعنى لكن الذي ينفعنا إننا تنزلنا عن الأدلة السابقة فيبقى الإجماع لوحده، فلا يكون حينها مدركياً.
تحقيق في الإجماع المدرَكي
أضف إلى ذلك: إن الدليل السابق لو كان نصاً في كتاب أو سنة كان تاماً ويكون مدركاً للإجماع لكنه ليس كذلك، لأننا نقول إن الماهية لا تتحقق إلّا بالتعيين فلابد في مقام الامتثال من التعيين حتى تتحقق الماهية المأمور بها، وحينئذٍ ينفتح سؤال مفاده:
إن الإجماع المدركي الذي يسقط عن الحجية هل خاص بما إذا كان مدركه
ــــــ[127]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
اللفظ، أي النص من كتاب أو سنة أو يشمل ما لو كان مدركه العقل؟ احتمالان:
– فإن كان الأول، ففي المقام المدرَك هو العقل وهذا يكفي أي يكون حجة، العقل مع الإجماع لا بأس.
– فإن كان الثاني، فحينئذٍ يسقط عن الاعتبار.
أقول: في الحقيقة إن هذا قابل للمناقشة من أحد وجهين:
الوجه الأول: أن نلتزم أن المدركية ليست تعبدية، فإن القاعدة: إن الإجماع إذا كان مدركياً سقط عن الاعتبار، فإن هذه القاعدة لم ترد لا في كتاب ولا في سنة وإنما استنتجناها من دليلها وهذا الدليل غير خاص بالنصوص اللفظية، بل يشمل القاعدة العقلية أيضاً، ولأجل هذا نحتمل أنهم اعتمدوا على الأدلة مطلقاً، سواء كانت كتابًا أو سنة أو سيرة أو عقلاً.
فمن هذه الناحية لا يختلف الحال، فيصبح الإجماع مدركياً حتى لو كان مدركه عقلياً.
الوجه الثاني: إن هذا الذي قلناه قبل قليل من أن القاعدة عقلية وليست نصية أو لفظية فيه تسامح فيه نوع تسامح، لأن القاعدة العقلية كبرى تحتاج إلى صغرى:
– أما، الصغرى، فواضحة وهي: إن هذا الإجماع له مدرك لفظي.
– أما، الكبرى، وهي أن التعيين دخيل في ماهية الصلاة، فلا يكون من
ــــــ[128]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
حقّ العقل أن يقول إن التعيين دخيل في ماهية الصلاة، وحينئذٍ يكون العقل في طول الدليل الشرعي فيعطي قاعدة أنه بدون التعيين لا ماهية للصلاة ولا تكون مجزية، وهذه النتيجة ناتجة من مقدمتين: إحداهما: عقلية والأخرى: لفظية.
وكما هو معلوم أن النتيجة تتبع أخسّ المقدمتين، فالنتيجة تكون لفظية، وبهذا يكون الإجماع قد استند إلى دليل لفظي، فيسقط عن الحجية، لأنه إجماع مدركي.
سيرة المتشرعة والارتكاز المتشرعي
على اعتبار أن سيرة المتشرعة قائمة على تعيين النية لأي عمل يُراد الإتيان به.
وفيه: بما أن سيرة المتشرعة أمر عملية، فليس لها دلالة على الوجوب، لأن العمل أعم من كونه بنحو الجوب أو الاستحباب.
أجل، الشيء الذي يمكن الاستدلال به هو الارتكاز المتشرعي، لأن السيرة إنما تكون موجودة نتيجة للارتكاز الحاصل للمتشرعة، وهو قطعي الوجود في زمن المعصومين بل هو موجود في عمل المعصومين أنفسهم، فيكون حجة أكيد.
ولربما أن الارتكاز المتشرعي هو أهم الأدلة في هذا المقام.
سؤال وإجابة
يبقى هنا سؤال يوضح طرحهما موضوع المسألة ومحمولها، وهو:
ــــــ[129]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
هل يكفي القصد الإجمالي في التعيين الإجمالي للفريضة أو لابد من القصد التفصيلي؟
الجواب: في الحقيقة هذا يحتاج إلى مرحلتين من الكلام:
المرحلة الأولى: مرحلة الموضوع، أي تحقيق الموضوع وهو أن القصد الإجمالي دال على القصد التفصيلي من وجه كما يعبر في الكفاية قضية الوضع العام والموضوع له العام من وجه، أي إن كليّ الإنسان دال على زيد من وجه، فيصدق أنه إنسان.
فهنا مستويان: إما أنه دال عليه إثباتاً أو أنه دال عليه ثبوتاً.
فإن العام أو المطلق أو الدائرة الواسعة متضمنة دائماً للخاص والجزئي والحصة، والمكلف لم يقصد العنوان الاجمالي بشرط لا عن التفصيلي وإنما قصد ما في ضمنه، أي المعنى التفصيلي.
وهذا هو قصد الأصولي إلّا إني اُريد توسيع البحث قليلاً وهو أن نقول: إن العنوان الإجمالي ينطبق على ما في علم الله تعالى من العنوان التفصيلي، فكأن المكلف قصد العنوان التفصيلي ثبوتاً وإن لم يعرفه إثباتاً.
فإن قصد ما في علم الله تعالى -وما في علم الله هو العنوان التفصيلي الكامل بطبيعة الحال- إما أن يقصد هذا المعنى وإما أن يقصد عالم الواقع بما هو عالم الواقع أيضاً وفي عالم الواقع العنوان التفصيلي الكامل الذي يعلمه الله سبحانه وتعالى.
ــــــ[130]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
إما أن يقصد علم الله سبحانه وتعالى وإما أن يقصد معلوم الله سبحانه وتعالى الذي هو عالم الواقع وكلاهما محل لبحث عميق.
فمن ناحية عالم الثبوت أيضاً يكون نفس التعيين التفصيلي مقصوداً وإن كان الالتفات التفصيلي إليه متعذراً.
وفي حالة الجهل والنسيان والعذر ونحو ذلك لا شك أن التعيين الاجمالي يكفي، لأن له دلالةً ما إثباتية أو ثبوتية، وهذا يكفي لكن إذا كانت الدلالة موجودة، فمقتضى القاعدة أنه يكفي حتى عمداً، لأن قصد العنوان التفصيلي هو قصد للمعنى الإجمالي فتصحّ الصلاة.
إلاّ أن العمدة على انطباق صغراه على كبراه، فهل هذا ممكن في النية أو لا؟ كما لو كانت الصلاة ظهراً ولكنه لا ينوي صلاة الظهر فهل هذا ممكن أو لا؟
الجواب: إذا قلنا إن النية هي الارتكازية فهذا ممتنع بطبيعة الحال، لأنه لو سأل لالتفت إلى عنوان صلاة الظهر رغماً عنه فمن هذه الناحية الإعراض عن العنوان التفصيلي إلى العنوان الإجمالي متعذّر.
وإذا قلنا إن النية هي الاخطارية، فهذا غير ممتنع، لإمكان قصد عنوان صلاة الظهر -مثلاً-.
الاستدلال بالسنة على وجوب التعيين
الروايات التي يمكن أن يستدل بها على اعتبار التعيين كثيرة من قبيل:
الرواية الأولى:
وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله قال: قال رسول الله: «نيّة المؤمن خير من عمله، ونيّة الكافر ــــــ[131]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
شر من عمله، وكلّ عامل يعمل على نيّته»(1).
وهي من جهة السند معتبرة.
أما من جهة الدلالة، فتحتاج إلى تقريب وهو:
إن المستفاد من مثل هذا السياق هو ضرورية النية وأنها إن لم تكن موجودة فالعمل باطل وملحق بالعدم ونحو ذلك من الأمور، لأنه إذا كانت النية خير من العمل وإذا كان كل عامل يعمل على نيته، إذن: العمل بدون نية فهو منزل منزلة العدم.
وبهذا يكون وجود النية ضرورياً لتصحيح العمل ولكونه مجزياً فقهياً.
خصوصاً إن قلنا بأن الظاهر من السياق أنه سياق فقهي لا أخلاقي، فيتعين أن تكون النية أمراً واجباً.
أقول: في الحقيقة هذا الكلام ليس بصحيح، لوضوح أن السياق سياق أخلاقي، لأن نية المرء خير من عمله ونية الكافر شر من عمله في نفسه مطلب صحيح والنية تعبير آخر عن مراتب النية التي تقدم بيانها فيما سبق من قبيل النية تجاه الله سبحانه وتعالى والنية تجاه المخلوقين والنية تجاه أصول الدين والنية تجاه فروع الدين ونحو ذلك، أي الكلام الباطني النفسي والعقلي ونحو ذلك هذا كله يسمى بالنية، لأن النية عادة غير مفهومه للسامعين وللناظرين فكذلك الباطن النفسي غير مفهوم للسامعين وللناظرين فيسمّى نية ولو مجازاً وطبعاً نية
ــــــ[132]ـــــــ
(1) الوسائل: ج1 ص50 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
المؤمن خير من عمله، عمل المؤمن جيد وخير ولكن نيته أفضل، لأن العلة أفضل من المعلول وكذلك الكافر عمله سيِّء وشر ولكن نيته، أي باطنه أشرّ منه وأشدّ، لأنه من هذه الناحية العلة تكون أسوء من المعلول.
وكما أن تلك في العلة الشريفة تكون أشرف كذلك في العلة السيئة تكون أسوء، لأنه هذا إنما هو رشحات من ذاك وآثار من ذاك، فلذاك لا بدّ أنه شديد من هذه الناحية، سواء كان من الناحية الجيدة والخيرة أو من الناحية الفاسدة والشريرة.
وكل عامل يعمل على نيته بطبيعة الحال كل عمل على الإطلاق في الدنيا والآخرة وفي أي مستوى إنما العمل يأتي من القناعة بطبيعة الحال من الكيان الباطني النفسي والعقلي ونحو ذلك من الأمور، فإذن: هو معلول لما هو باطن كل عامل يعمل على نيته سواء كان عمله خير أو شر وهذا لا أصل له في الجانب الفقهي إطلاقاً.
الرواية الثانية:
وعنه، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن المنقريّ، عن أحمد بن يونس، عن أبي هاشم قال: قال أبو عبدالله: «إنّما خُلّد أهل النار في النار، لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو خُلّدوا فيها أن يعصوا الله أبداً، وإنّما خُلّد أهل الجنّة في الجنّة، لأنّ نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبداً، فبالنيّات خُلّد هؤلاء وهؤلاء، ثم تلا قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ قال: على نيّته»(1).
ــــــ[133]ـــــــ
(1) الوسائل: ج1 ص50 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وهي من جهة السند غير معتبرة إلّا أنها من حيث الدلالة تشتمل على لطيفة يحسن التعرّض لها، فلاحظ قوله «ألا وإن النية هي العمل» فهو دال صريحاً بأن الشيء الرئيسي في العمل هو النية، معنى هذا أن لا عمل بدون نية إلى درجة أنه  نزل النية منزلة العمل نفسه، فإذا لم يكن هناك نية فلا عمل وهذا هو عين المطلوب فقهياً، أي أن النية شرط في الأعمال، أي في إجزاء الأعمال وصحتها وخاصة إذا ضممنا هذه المقدمة التي كررتها في الأحاديث السابقة وهو أن السياق ينبغي أن نفهمه سياقاً فقهيا لا أخلاقياً أو لمجرد الثواب أو نحو ذلك.
نكتة لطيفة
يوجد عادة في الفقه والأصول أن الأمر إن دار بين أن يكون الخبر لمجرد قصة تأريخية أو أنه بيان لحكم فقهي، فالأصل والظاهر أنه حكم فقهي، لا أنه مطلباً تاريخياً أو مجرد إخبار عن واقع خارجي.
نعم، لا يقاس الحكم الأخلاقي على المطلب الإخباري كخبر خارجي يعني لو دار الأمر بين خبر خارجي والفقهي يتعين الفقهي. صحيح ولكنه لو دار الأمر بين الحكم الفقهي والحكم الأخلاقي لا يتعين الحكم الفقهي، ليس الحكم الأخلاقي كالخبر الخارجي، لأن الخبر الخارجي ليس من وظيفة الإمام ولا من اختصاصه كمشرع، لأن كلامه أحد أدلة الحكم الشرعي.
لكن لو دار الأمر بين الحكم الفقهي والحكم الأخلاقي كلاهما وظيفته وليس أحدهما وظيفته دون الآخر فمن هذه الناحية لا يتعين حمله على الحكم
ــــــ[134]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الفقهي دون الحكم الأخلاقي ولا الحكم الأخلاقي دون الفقهي وإنما ينبغي أن نفهم من العبارة ما هو الحق في سياقها وما هو الأظهر في سياقها وهنا يكفينا احتمال أن لا يكون كلامه فقهياً فلا نحتاج إلى التأكيد والظهور أنه أخلاقياً، بل الاحتمال مبطل للاستدلال، لأنه نقول: بأنه لا ظهور في الجانب الفقهي وهذا يكفي.
فالجوانب الأخلاقية من أعمال الأئمة ومن وظائفهم بل هي عين وظيفتهم ولعله بمعنى من المعاني أهم من الجانب الفقهي، لأن الجانب الفقهي يتكفل صلاح الأعمال والجانب الأخلاقي يتكفل صلاح النيات والنفوس، وهذه الأخبار كلها تريد صلاح النيات والنفوس التي هي جانب العلة للأعمال والأهم من الأعمال على جميع مستوياتها فمن هذه الناحية أيضا الجانب الأخلاقي من وظائفهم والقرآن يكرس ثلاثة أرباع كلامه على الجانب الأخلاقي.
عوداً على بدء
وعلى العموم، إن الاستدلال بهذه الرواية يتوقف على فهم التنزيل «ألاّ وإن النيّة هي العمل» وإذا فهمنا التنزيل فهمنا تفسير الآية قل كل يعمل على شاكلته، لأنه يقول ثم تلا قوله تعالى قُلْ كُلٌّيَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ(1) أي على نيته، فلو تم السند قلنا بأن هذه الرواية مفسِّرة للآية إذن: فالقرآن الكريم أيضاً
ــــــ[135]ـــــــ
(1) الإسراء: 84.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أشار إلى النية بالمعنى المصطلح الفقهي لو تم التنزيل وتم فهم السياق الفقهي إلّا أن كل هذا ليس بصحيح وذلك لأننا نقول لا تنزيل في البين، النية هي العمل لا يراد بها التنزيل، بل يراد بها بعض المعاني الأخرى منها أن نقول: إن النية عمل بالحمل الشايع، لأن الإنسان قد يعمل بأعضائه الظاهرية وقد يعمل بأعضائه الباطنية يحرك ذهنه يحرك عقله بمقدار ما يستطيع فحينئذٍ تلك أيضاً عمل لكن لا يحس به الآخرون وإنما هو من يحس به من نفسه دون غيره لكن الله تعالى عليم به فكما أنه يعلم بالأعمال الظاهرية يعلم بالأعمال الباطنية وهذا ينبغي أن يكون واضحاً لكل ذي عينين أن الإنسان إذا كان يفكر في أمرٍ ما من الرياضيات أو الفلسفة أو أي علم من العلوم لا يعلم المقابل أنه بأي شيء يفكر وإلى أين وصل استنتاجه فمن هذه الناحية الباطن غير محرَز الوجود أكيداً، فإذا كتبه أو نطقه يصبح محرز الوجود.
فالنية الأهم من الأعمال فكأن الأعمال حصتان: حصة ظاهرية وحصة باطنية.
والحصة الباطنية هي الأساس والأهم من الحصة الظاهرية إلى حد أن العمل الظاهري بالنسبة إلى العمل الباطني كأنه ملحق بالعدم أي إن النية هي العمل من قبيل أن الآخرة هي الحيوان، فإن الحياة هناك وهذه الحياة نتخيلها ونتوهمها وهي ليست حياة أصلاً ملحقة بالعدم وإن كانت تسمّى عرفاً وعقلائياً حياة.
ــــــ[136]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فالنية هي العمل أما هذا -وإن كان عرفاً وعقلائياً- عمل بالحمل الشايع إلّا أن الصدق الحقيقي للقضية هي في النية، أي في الباطن ذاك هو العمل وليس هذا هو العمل.
الرواية الثالثة:
«نيَّةُ المَرْءِ خَيرٌ مِن عَمَلِهِ».
وهي بهذا النص غير موجودة في كتبنا الحديثية المعتبرة لكن يمكن بيان مدلولها بالنحو التالي:
إن هناك عدة معاني ممكنة للنص، فإنه من الناحية الظاهرية أو الفقهية أو اللغوية أن للفظ معنى واحد يظهر أو له ظهور بمعنى واحد وأما المعاني الأخرى فغير ظاهر بها فهي مدفوعة وساقطة ونحو ذلك.
مع ذلك قد يكون الظهور له نحو شمول وسعة بحيث يمكن تطبيقه على حصص متعددة أو أن شخصاً يفهم جانباً وشخصاً يفهم جانباً آخر وشخصاً يفهم جانباً ثالثاً، فهو إما هي حصص لمعنى حقيقي وإما هي حصص لمعنى مجازي وإما هي حصص لمعنى بنحو الاستعارة والكناية والمهم على أن اللغة واسعة وقابلة للتحمل أكبر مما نحن نتصور وأكثر مما نطيق لو صح التعبير
-مثلاً- أنا فسرت بتفسيرين هذا النص:
التفسير الأول: أن نية المؤمن خيرٌ من عمله، لأنها علّة العمل والعلّة أشرف من المعلول.
ــــــ[137]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
التفسير الثاني: أن المراد من النية نفس المؤمن وباطنه وعمله ظاهره، وباطنه هو المطلوب وهو الأساس عند الله تعالى (ينظر إلى قلوبكم ولا ينظر إلى أعمالكم) ونحو ذلك.
فنفس المؤمن أشرف من عمله وهذا أيضاً ينبغي أن يكون واضحاً والروايات تعطي معانٍ أُخَر فتجتمع عندنا عدّة معانٍ غير متشابهة لا بأس بالجمع بينها.
قال الراوي: «قلت لأبي عبد الله إنني سمعتك تقول: نية المؤمن خير من عمله، فكيف تكون النية خيراً من العمل؟ قال: لأن العمل ربما كان رياءً للمخلوقين والنية خالصة لرب العالمين»(1).
وهذا من قبيل «الصوم لي وأنا أجزي به»، لأن الصوم محض باطن لا يفهمه المقابل إلّا بتصريح أو التلميح وأما الصائم لا يعلمه إلّا الله فكثير من الطاعات بما فيها الطاعات الظاهرية، كالصوم لا يعلمها إلّا الله سبحانه وتعالى فمن هذه الناحية ذاك يكون أشد إخلاصاً مما هو ظاهري ومرئي ومحسوس بالنسبة إلى الآخرين، فالنية حيث إنها لا يعلمها إلّا الله والمفروض أنها طاهرة، لأنه يقول نية المؤمن خير من عمله، فحينئذٍ يصير أن تلك أولى بالشراكة والمدح، لأن العمل ربما كان رياءً للمخلوقين وربما لا.
فلا يمكن أن تكون النية رياءً للمخلوقين ولا طرفة عين، لأنها دائماً غير
ــــــ[138]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
مرئية للآخرين والنية خالصة لرب العالمين فيعطي عز وجل على النية ما لا يعطي على العمل، لأن العمل من هذه الناحية متدني النسبة وبعيد عن الله بهذا المعنى في حين أن النية تصلح أن تكون قربية لله سبحانه وتعالى لما فيها من الإخلاص.
الرواية الرابعة:
وعن أبيه، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد، عن عمران بن موسى، عن الحسن بن علي بن النعمان، عن الحسن بن الحسين الأنصاري، عن بعض رجاله، عن أبي جعفر أنه كان يقول: «نيّة المؤمن أفضل من عمله، وذلك لأنه ينوي من الخير ما لا يدركه، ونية الكافر شر من عمله، وذلك لأنّ الكافر ينوي الشرّ ويأمل من الشرّ ما لا يدركه»(1).
فإنّ عمله و(أفضل من عمله)، كأنهما نفس الشي وذلك لأنه ينوي من الخير ما لا يدركه، ونية الكافر شر من عمله، وذلك لأن الكافر ينوي الشر ويأمل من الشر ما لا يدركه كأنه من قبيل بعض الروايات أن الإنسان قد يهم بحسنة فتكتب له وإن لم يوفَّق إلى فعلها فيأمل خيراً، أي من نفسه ومن عمله ربما أراد أن يصلي صلاة الليل فينام ونحو ذلك، فتكتب له صلاة الليل رحمةً من الله سبحانه وتعالى بالرغم من أنه لم يصلِّها تكويناً وحقيقة فمن هذه الناحية نية المرء خير، لأنها أوسع من عمله، لأنه يتمنى أشياءً عملياً لا يستطيعها أو لا
ــــــ[139]ـــــــ
(1) الوسائل: ج1 ص54 ح17، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
يوفَّق إليها فتكون أكثر، تسجَّل له حسنات أزيد من زاوية النية أزيد مما يكون من زاوية العمل نفسه.
وفي الحقيقة هذه الروايات تعطينا كما قلت البعد عن المعنى الفقهي وكلما يكون أبعد كلما يكون تفسيرها أكثر فهي أبعد وليس لها ربط تقريباً بالمعنى الفقهي وإنما لها ربط محض بالمعنى الأخلاقي بطبيعة الحال وليس بالمعنى الفقهي مثلاً هذا الباب الثاني مجموعة روايات، كالنص بهذا المعنى وطبعاً نستطيع أن نجعل هذه الروايات كقرائن منفصلة على تفسير تلك الروايات، كما أن هاتين الروايتين التي تقدم ذكرها من قبيل قرائن متصلة تفسر نفس النص الذي تكلمنا عنه.
الرواية الخامسة:
محمّد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله في قول الله عزّ وجلّ: حَنِيفًا مُّسْلِمًا(1) قال: «خالصاً مخلصاً، ليس فيه شيء من عبادة الأوثان».
هذه الرواية لها مستويان من التفسير:
أحدهما: أن نفهم الأوثان هي هبل واللّات والعُزّى وأضرابها التي كان يعبدونها.
الآخر: أن نفهم من الأوثان كلّ خلق معبود دون الله سبحانه وتعالى.
ــــــ[140]ـــــــ
(1) آل عمران: 67.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أقول: والذي ينبغي أن نفهمه أن معنى الأوثان أوسع من ذلك بكثير، فحبّ الدنيا وثنٌ وحبّها عبادتها، الشهوات وثنٌ وإطاعتها عبادتها ونحو ذلك.
فالذي لا يعبد الأوثان -ولا يوفَّق لذلك إلّا القليل- بحيث لا يعتني بالدنيا طرفة عين ولا بهواء أهواءه وشهواته طرفة عين فهو صالح ومخلص من جميع الجهات حنيفاً مسلماً الذي هو وقت إبراهيم ليس وقت كل أحد قول الله عز وجل حنيفاً مسلماً، خالصاً مخلِصاً لا شيء فيه من عبادة الأوثان.
الرواية السادسة:
وعن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن فضالة بن أيوب، عن السكوني، عن أبي عبدالله قال: «قال أمير المؤمنين -في حديث-: وبالإِخلاص يكون الخلاص»(1).
هذا الحديث له مستويات متعدّدة، لأن كل إخلاص ينتج خلاصاً يناسبه:
1- الخلاص من عمل المحرّمات، كما عليه أغلب الناس.
2- الخلاص من النية السيئة، وهو أن تحصل لديه نيّة حسنة.
وفي كل المستويات تبقى هذه القاعدة موجودة وثابتة وهي بالإخلاص يكون الخلاص، فينبغي أن يخلص الإنسان في كل شيء منه، ولأجل هذا قال أمير المؤمنين: «طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه، ولمينسذكر الله بما تسمع أذناه، ولم يحزن صدره بما أعطي غيره ــــــ[141]ـــــــ
(1) الوسائل: ج1 ص59 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
ولم ينس ذكر الله بما تسمع اذناه ولم يحزن صدره بما اعطي غيره»(1).
الرواية السابعة:
وعن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمّد، عن المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن أبي عبدالله – في حديث – قال: «الإِبقاء على العمل حتى يخلص أشدّ من العمل، والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ»(2).
والمعنى أن الشيء إذا وجد بقي ولم يكن لزواله سبيل، لأن الواقع لا يختلف عما وقع عليه ولكنه هذا من الناحية المنطقية وأما من الناحية الأخلاقية، فالمسألة ليست كذلك، لأنه توجد رواية من هذا القبيل أن الإنسان مثلاً يصلي صلاة الليل أو يتصدق سراً ونحو ذلك لا يعلمه إلّا الله سبحانه وتعالى فيقوله مرة للآخرين فيسجل أنه صدقة الجهر لا صدقة السر ثم يقوله مرة ثانية فيسجل صدقة رياء، أي يبطل عمله، وهذا هو معنى الإبقاء على العمل.
فيُخلِص أو يُخلَص لله سبحانه وتعالى أشد من العمل الخالص.
ما هو العمل الخالص
هو عبارة عن العمل الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلّا الله سبحانه وتعالى. وهو صعبة جداً بما فيها الواجبات والمستحبات وترك المكروهات والمحرمات والمباحات.
ــــــ[142]ـــــــ
(1) الكافي: ج٢ ص ١٦ ط دار الكتب الإسلامية.
(2) الوسائل: ج1 ص60 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
معنى القلب السليم
* قال الراوي: «سألته عن قول الله عز وجل: إِلاّمَنْأَتَى اللهَ بِقَلْبٍسَلِيمٍ قال: السليم الذي يلقى ربّه وليس فيه أحد سواه، وقال: وكلّ قلب فيه شكّ أو شرك فهو ساقط»(1).
فيجب أن يخرج كلّ شيء سوى الله سبحانه وتعالى من قلبه حتى المعصومين الذين هم أبواب الله سبحانه وتعالى، فكأنهم ليس لهم وجود، لأنهم واسطة بين الله سبحانه وتعالى وخلقه.
والوسائط فانية فالعطاء عطاء الله تعالى والمنع هو منع الله سبحانه وتعالى، وليس لغيره من الأمر من شيء فمن هذه الناحية خرج حتى وجود المعصومين  عن القلب وبقي وجود الله سبحانه وتعالى محضاً مع العلم أن الله تعالى رضيهم أولياء له لكنه بهذا المعنى الواقعي الذي هو يعتقده ليس بالمعنى الوهمي الذي يتخيله الناس يكون معنى السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه.
وكل قلب فيه شك والعياذ بالله ليس فقط شك في وجود الله والعياذ بالله وإنما شك في كثير من الأمور من قبيل شك في الحكمة، شك في الرزق، نظير: منع الزوج زوجته عن الحمل الثالث -مثلاً- بدعوى أن رزقه ضعيف، فإن كافل الإنسان حتى مماته هو الله تعالى شأنه، فمن شك في هذه القضية فقد شك في الله سبحانه وتعالى، أي في أفعاله أو في رزقه سبحانه وتعالى.
ــــــ[143]ـــــــ
(1) الوسائل: ج1 ص60 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فينبغي بالإنسان أن يصل إلى التوحيد الحقيقي، فحينئذٍ يخرج من قلبه الشرك كاملاً وإذا خرج من قلبه الشرك كاملاً فهو مخلِص ومخلَص، والعاقبة للمتقين لا لكل أحد، وهذا هو ظاهر الآيات من أن الجنة التي وعدها الله لا يدخلها إلّا المتقون.
معنى الزهد في الدنيا
وقوله : «وإنّما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة»(1).
معنى الزهد في الدنيا له أشكال من الفهم:
المرتبة الدانية
وهي أن الزاهد بلا ريب لديه شهوات، فإن زهد فإنما يزهد عن تلك الشهوات، كالطعام الجيد والفراش الجيد ونحو ذلك. فهو بهذا ينشغل بزهده عن ذكر الله سبحانه وتعالى.
المرتبة العالية
وهو القناعة الحقيقية، بنحو لا يكون لديه فرق بين أن يأكل طعام فاخر أو طعام اعتيادي، بين أن ينام على فراش من حرير أو فراش خشن ونحو ذلك.
نظر في الأدلة الارتكازية
نعلم أن الأدلة إما لفظية أو لُبّية أو أصول عملية، واللبية أو قل: الأدلة ــــــ[144]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الارتكازية، فعند النظر نجد أن فيها نقطتا ضعف:
النقطة الأولى: إنها لا إطلاق فيها، وهذا ينبغي أن يكون مسلَّماً بخلاف الأدلة اللفظية التي فيها إطلاق، ولهذا الفرق تأثير في عدة مسائل.
النقطة الثانية: إن الدليل اللُّبي محتمل المدرك وكل ما كان كذلك فهو ساقط عن الحجية.
وذلك لوضوح أن الروايات موجودة خصوصاً في محل البحث وهو النية، فلعلّ المجمِعين -والاحتمال دافع للاستدلال- اعتمدوا على هذه الروايات، فلا يمكن حينها الاستدلال بالإجماع لاحتمال مدركيته فضلاً عن -مثلاً- اليقين بمدركيته.
فإن قلت: بأن هذه الروايات كثير منها أو لعله كلها: إما ضعيف سنداً أو غير تام دلالة، بل إن كثبراً منها تتعرض لأمور أخلاقية وثوابية لو صح التعبير فتكون بهذا أجنبية عن محل الكلام، وبهذا لا يمكن أن تكون مدركية.
قلت: نعم هذا الذي فهمناه أما هو هذا الذي فهمه الفقهاء جيلاً بعد جيل فهذا لا نعلمه، فلعلّهم فهموا من الأخبار أن الكتاب والسنة المحتمل الدلالة دال على وجوب النية، فمن هذه الناحية يكون احتمال المدركية وارداً وهو أن جملة من الفقهاء أو أكثر الفقهاء إنما أفتوا نتيجة لكلام المعصومين  إذن: احتمال المدركية يبقى قائماً.
أقول: في الحقيقة هذا يمكن أن يجاب بأحد جوابين:
ــــــ[145]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الجواب الأول: نطبق كبرى القائلة بأن الإجماع إذا قيس بالنسبة إلى مدرك:
– فإما أن يكون بقدرها، كالإجماع الذي هو بقدر السنة، بمعنى أن أهميته ليست بأعظم منها، وبهذا يكون مدركياً.
– وإما أن لا يكون بقدرها، كأن تكون أهمية الإجماع وارتكازه ورسوخه أعظم من مجموعة الأخبار التي عندنا، فحينئذٍ يكون الإجماع تعبدياً وليس مدركياً، لأن العلة لا تنتج معلولاً أكبر منها. فمن هذه الناحية طبعاً والأخبار أيضاً موجودة عندنا وعند المتوسطين وعند الأقدمين.
أو قُل إن الأخبار وظهورها، كظهور الكتاب والسنة معاً في كونه دليلاً كافياً لوجوب النية تكليفاً أو وضعاً ونحو ذلك، ظهورها بهذا الترتيب الذي كنا نطمع به ويطمع به كل باحث في النية ليس بصحيح، أي واضح العدم وإذا كان واضح العدم، فهو لا يدل على شيء من هذا القبيل على وجوب النية في العبادات، فمن هذه الناحية يكون الحال بأنه لا يحتمل أنهم اعتمدوا على مثل هذه النصوص والأخبار.
أجل، هو محتمل ثبوتاً بالاحتمال الفلسفي، لكنه غير محتمل احتمالاً معتداً به بحسب الاحتمال الفقهي، فهو وإن كان موجوداً عقلاً لكنه احتمال غير وارد.
والنتيجة: أن المطمئن به أن العلماء لم يعتمدوا على مثل هذه الأخبار مما يعني أن اجماعهم ليس مدركياً، فيرجع الأمر إلى أن الإجماع صحيح.
ــــــ[146]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
لفت نظر
هنا إشارة يحسن بيانها وإن لم تكن هناك قناعة بها لكنه لتنمية الملكة، وهو أن يقال: إن هناك احتمالاً يمكن قد اعتمده العلماء السابقين رضوان الله عليهم وبنو على مثل هذه الأخبار ولعله ليس أكثر من الاحتياط، لأن هذه الأخبار من المبعدات عن مسألتنا التي نحن فيها لكن غاية ما يتيسر للفقيه هو أن يحتاط بإزاء هذه الحصة، أي إنه يحتاط بوجود النية في العبادة وليس أنه يفتي على طبقها بوجود النية للعبادة، فمن هذه الناحية هذا الاحتمال موجود وبعد ضم الكبرى وهي: أن الإجماع الذي يكون حجة هو الإجماع الفتوائي إما منقول أو محصَّل والإجماع الذي يكون محصَّلاً أو منقولاً من فقهاء أفتوا بالاحتياط لا أفتوا بالنتيجة.
نعم، هذا الفقيه يقول احتياط وجوبي وذاك الفقيه يقول احتياط استحبابي وهكذا، فمجموع القائلين بالاحتياط ليس إجماعاً وإن قال كلّهم بالاحتياط الوجوبي فلا يكون إجماعاً ولا قيمة له إطلاقاً، لأن القائل بالاحتياط الوجوبي بينه وبين الله يجهل الحكم الواقعي.
ولو كان الإجماع مركباً لو صحّ التعبير ما بين مفتين وما بين محتاطين بهذا الترتيب لا قيمة له، لأن المجموع يعني النتيجة تتبع أخسّ المقدمات وهو أنهم كلهم ليسوا مفتين أكيداً فإذا لم يكن كلهم مفتين، فحينئذٍ لا إجماع فيهم وإنما لا بد أن نحرز سلفاً أنهم كلّهم مفتون وليس فيهم من يحتاط، فلابد أن ننظر إلى المفتين هل يشكّلون شهرة أو لا؟
ــــــ[147]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وبهذا يكون الإجماع قد انسد بابه من هذه الجهة. على كل حال المناقشة نظرية وإلاّ المسألة ينبغي أن تكون مسلمة.
الأصول العملية
بعد كل ذلك العرض للأدلة وتلك المناقشات نكون قد انتهينا إلى نتيجة مفادها:
عدم وجود دليل تام سنداً ودلالةً على المدّعى، وحينها ينفتح الباب لجريان الأصول العملية، فسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى في الشرايع أن الواجب في النية جملة خصال، هي:
القربة، اسم الصلاة من كونها ظهراً أو عصراً أوكونها أداءً وقضاءً.
وهذه كلها تفاصيل نجهل دليلها في الكتاب والسنة ولا يوجد إطلاق يشملها ولا يوجد نص يخصصها، إذن: نجري البراءة عند الشك في وجوب أي منها، فتكون النية فارغة عن كل خصلة مما تقدم.
أقول: لا زلت أرى احتمال وجوب النية إما تكليفياً في العبادات أو وضعاً، أي شرطاً، وعدمها من قبيل عدم الشرط أو وجود المانع، فمثل الرياء مانع وعدم النية عدم الشرط ونحو ذلك.
وعلى كل تقدير هو حكم وضعي أي شرطية وليس تكليفية، أي مع عدمها يبطل العمل، وحينئذٍ أصالة عدم الشرطية أو أصالة عدم المانعية أو أصالة البراءة ونحو ذلك يأتي كل حسب مورده.
ــــــ[148]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
تعقيب
الأدلة الأربعة تدل -ضمناً- على ضرورة النية حتى العقل، لأننا في المستوى العقلي نتكلم عن مستويين:
أحدهما: بحسب مستوى العقلاء.
والآخر: بحسب مستوى العقل العملي.
ويمكن أن يقال: -وإن كنا في غنى عن هذه المطالب بعد الأدلة السابقة- إن كلّاً من المستوى العقلائي ومستوى الأصل العملي أيضاً يدل على لزوم النية.
– أما المستوى العقلائي، فواضح لأنهم بالنسبة إلى العمل الخالي من النية يقيناً يصح السلب عنه، وإن هذا لم يفعل، لأنه مُكرَه أو شارد أو نائم وشيء من هذا القبيل، إذن: كأنه لم يفعل شيئاً طبعاً بغض النظر عن الضمانات والجنايات، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً.
فإذا كان المطلب هكذا فالعقلاء لا يعترفون بوجود العمل الخالي عن النية، وهذا الأمر كان موجوداً في كل عصور العقلاء بما فيهم عصر المعصومين وامضوه من هذه الناحية وكل هذه الأخبار تدل على الامضاء بمعنى من المعاني.
– والعقل العملي أيضاً، فإن العمل بدون نية ملحق بالعدم، فيكون وجوده وعدمه سيان.
وهذا لا يحتاج إلى إمضاء الأئمة لأنه في نفسه قائم والعقل العملي حجّة مع وجود القطع به.
ــــــ[149]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر

ــــــ[150]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
حقيقة النية

إن مقتضى القاعدة أن الإنسان يبدأ بالموضوع ثم يلحقه بالمحمول، فيتكلم عن الموضوع أولاً وهو تعريف النية ثم عن المحمول وهو الدليل عليه ثانياً.
ونحن عن قصد وعمد أخّرنا الكلام عن تعريف النية بعد الكلام عن الدليل عليها، وربما يكون وجه المصلحة أو الحكمة في ذلك هو أننا إذا قدّمنا الكلام عن معنى النية فسوف نقع في تفاصيل نحن في غنى عنها في حين أننا لو قدّمنا الدليل وثبت أنه لا إطلاق فيه كما هو الحال، فحينئذٍ لا حاجة إلى سرد تفاصيل كثيرة وإنما كل ما في الموضوع إننا نأخذ بالقدر المتيقن مما هو واجب من النية والزائد يكون مجرى للأصل مهما كان حاله ومهما كانت تفاصيله.
بعد ذلك نقول: إن للنية عدة مستويات بطبيعة الحال كما نعلم جميعاً، منها:
المستوى اللفظي: وهو الذي يحتاط به بعض المتشرعة وأنا نهيت عنه، لأن الإقامة – مثلاً – تعني تقيم ثم تقول أصلي صلاة الظهر وجوباً أربع ركعات قربة إلى الله تعالى وهذا بلا شك من كلام الآدميين وقد افتانا الفقهاء أنه إذا تكلم المصلي بكلام الآدميين يستحب له إعادة الإقامة فمن هذه الناحية تكون هذه النية مكروهة وليس فقط أنها واجبة.
ــــــ[151]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أضف إلى هذا: أن الدليل على اعتبار مثل هذه النية غير موجود إطلاقاً وهذا ينبغي أن يكون واضحاً.
المستوى الذهني: وهو النية الذهنية، وتعني إرادة الفعل في القلب وهذا ينبغي أن يكون واضحاً فقهياً، لكن الدليل عليه غير موجود فيكون مجرى لإصالة البراءة.
وبعد أن ثبت أن الدليل الدال على اعتبار النية لا إطلاق فيه يكفينا القدر المتيقن من النية، والقدر المتيقن من النية هو الذي يكون واجباً بالدليل، والآن نسأل ما هو القدر المتيقن من النية؟
الجواب: القدر المتيقن هو الواجب بنحو الحكم الوضعي لا بنحو الحكم التكليفي، وحينئذٍ نقول: إننا دائماً نأخذ اللغة من العرف والنية كوضع عرفي لغوي، ومعرفة المعنى اللغوي مركب من اللغة القاموسية واللغة العرفية، أي العرف السائد في زمن الأئمة  والممضى من قبلهم  والمحصل من هذين المستويين هو الذي يكون حجة في فهم الكتاب والسنة، فالنية كلفظ لغوي وكلفظ عرفي له معنى طبعاً متحصل.
النية في اللغة
في اللغة يقولون إنها هي القصد، فمن كانت نيته السفر إلى بغداد، فبغداد هي قصده، وبمعنى آخر ولو لازمه منطقياً، نقول: القصد هو الإرادة، لأن من يقصد أن يذهب إلى بغداد يريد أن يذهب إلى بغداد بنحو اللازم أما أنه نقول ــــــ[152]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
إنه هو وأما عينه وأما أن نقول لازمه كما هو الأرجح، إذن: فالنية هي الإرادة والقصد.
النية في الاصطلاح.
قال الشيخ الهمداني ليس للنية حقيقة شرعية او متشرعية زائدة على المعنى اللغوي والعرفي «وقد عرفت في باب الوضوء أنّه ليس للنيّة حقيقة شرعيّة أو متشرّعة، بل هي لغة وعرفا وشرعا: الإرادة والقصد، كما فسّرها بها المصنّف في الوضوء حيث قال: هي إرادة تفعل بالقلب»(1).
أقول: كلامه من هذه الناحية جيد، ونحن قرأنا في علم الأصولي أن المعنى الشرعي، أي المعنى الذي كان سائداً في زمن النبي  والمعنى المتشرعي هو المعنى الذي كان سائداً في زمن المعصومين بعد وفاة النبي وصحيح أنه ليس لها معنى شرعي ولا متشرعي لا ذاك المعنى ثابت ولا هذا المعنى ثابت، لأنه لم يرد لا في كتاب ولا في سنة تفسيرها أصلاً.
الكلام في المعنى العرفي
بعد هذا يكون من المهم أن نلتفت إلى بيان المعنى العرفي في الحقيقة يمكن ذكر تعبيران في ذلك:
التعبير الأول: العلم بما يقوم به الفرد ويفعله.
التعبير الثاني: الإجابة عما يقوم به الفرد ويفعله.
ــــــ[153]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص390، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
والمراد من الجواب ليس الجواب اللفظي وإنما مجرد الالتفات وحضور الجواب في الذهن، وهذا المعنى يكفي في أن للفرد نية وقصد لأداء العمل.
نعم، قد يكون الفرد الآن غافل عن تفاصيل العمل، لكن هذا نحو من الالتفات إلى معنى النية وذاك أيضاً نحو من الالتفات إلى معنى النية إلّا أن بالإمكان أن نقول إن المعنى الأول -التعبير الأول- علة للمعنى الثاني -التعبير الثاني- لوضوح أن الفرد لو لم يعلم ماذا يفعل لما أمكنه أن يجيب.
فكونه يعلم ماذا يفعل بمنزلة العلة وجوابه بمنزلة المعلول أو قل التفاته إلى الجواب بمنزلة المعلول، أجل هذا الكلام إنما يفيد نظرياً أما فقهياً فلا.
بيان التعبير الأول
عرفنا التعبير الأول وما هو المراد منه، بعدها ينبغي أن نعمقق الكلام قليلاً وذلك بأن نحلل عبارة (يعلم ماذا يفعل) لأن العلم، كما هو معلوم في المنطق والفلسفة على نحوين:
1- علم حضوري.
2- علم حصولي.
والأُنس بهذين الاصطلاحين يُغنينا عن الخوض في تعريفهما والتمثل لكل منهما.
سؤال وجواب
وهنا نطرح هذا السؤال، وهو: إنه يعلم أي نحو من أنحاء العلم هذا هل هو حضوري أم حصولي؟
ــــــ[154]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الجواب: هو يعلم ماذا يفعل ليس بالعلم الحصولي، أي الالتفات التفصيلي فيلزم أن نرجع إلى النية الاصطلاحية، والنية الاصطلاحية غير واجبة مثلاً ونحو ذلك أو قل إن القدر المتيقن من الأدلة كذا وكذا -كما تقدم- لا المعنى ليس كذلك، لأننا لا نقصد من قولنا يعلم ماذا يفعل بالعلم الحصولي وإنما بالعلم الحضوري بحيث غير ملتفت إليه، ولذا يقال لو سئل لأجاب لو سئل لالتفت وأما قبل سؤاله هو غافل لو صح التعبير.
فمن هذه الناحية إنما توجد إرادات متتابعة لأعمال متتابعة لا يشعر الفرد بإرادته ولربما حتى بعمله إلّا بالعلم الحضوري وليس بالعلم الحصولي، وهذا ما عليه ديدن العرف حيث إنهم يعلمون بأعمالهم طبعاً أكيداً ملتفتين وفاهمين لكن بالعلم الحضوري وليس بالعلم الحصولي ليس بصورة ذهنية تفصيلية منطبعة في الذهن فعلاً لا ليس هكذا إطلاقاً ولا شيء من هذا القبيل.
فاتضح من هذا البيان أننا نطبق كبرى عرفية مقدمة ثم ندخل في الموضوع، كان بعض اساتذتنا يقول إن العرف له مستويان:
1- مستوى التسامح العرفي.
2- مستوى الدقة العرفية.
وبالدقة العرفية لا يختلف صحة الحمل عن صحة السلب، فمثل القطرة من الماء بالتسامح العرفي ليس ماءً، فالرطوبة بالتسامح العرفي من الأولى ليست ماءً.
ــــــ[155]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
لكن القطرة بحكم العقل ماء فمن هذه الناحية يختلف الأمر باختلاف الحاكم، فالحاكم تارة: يكون التسامح العرفي وأخرى: الدقة العرفية ومرة التسامح العقلي ومرة الدقة العقلية وإن كان في جانب العقل الأغلب هو الدقة العقلية بطبيعة الحال وفي جانب العرف التسامح هو الأغلب وإن كان كلا المرتبتين ينقسمان إلى كلا المرتبتين كما هو بالدقة هذه كمقدمة.
بعد ذلك نقول:
إن الشخص الذي يذهب إلى محل عمله بالتسامح العرفي ليس له نية إطلاقاً وإنما هو عمل بالحمل الشايع عمل خارجي موجود وهذا لا يفيدنا فقهياً بطبيعة الحال لكن بالدقة العرفية حينما يرجع الإنسان إلى نفسه يجد أنه لا يوجد عمل بدون قصد وبدون إرادة وبدون نية يستحيل فمن هذه الناحية عقلاً دقةً وعرفاً إنه صاحب نية وقصد وإرادة.
فهنا نحتاج إلى كبرى نطبقها في هذا المجال وهو أن العرف انقسم إلى قسمين:
– عرف تسامحي.
– عرف دقي.
سؤال وجواب
وهما إما يتفقان وإما يختلفان، فإن اتفقا فالأمر واضح وإن اختلفا، فنسأل أي منهما يكون الممضى شرعاً؟
الجواب: في الحقيقة هذا له أحد جوابين:
ــــــ[156]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الجواب الأول: أن نقول -وهو الأرجح- إنهما إن كانا متعارضين فهو تعارض بالمعنى الابتدائي أو التسامحي لو صح التعبير وإلاّ فلا تعارض في البيّن، لأنه في الحقيقة العرف يعترف بلسان حاله طبعاً بكلا الأمرين ويراهما صحيحين، فمن جهة الدقة يرى نفسه فيها ناوياً ومن جهة التسامح يرى نفسه فيها غير ناوٍ، كِلا المطلبين صحيح.
ونحن لا نريد في العبادات إلّا وجود المستوى العرفي العام والمستوى العرفي العام جامع لكِلا الأمرين.
الجواب الثاني: إن تنزلنا عن هذا المستوى وقلنا بأنه يوجد بينهما نحو من التعارض وعند التعارض يتساقطان، فحينئذٍ لابد للشارع أن يختار أحدهما وينفي الآخر، لأنهما متعارضان.
فأنا اعتقد أن الوجه الأول هو الصحيح لكن إن وصلنا إلى هذه النتيجة، فأي من الوجهين نختار؟
المشهور وهو الأحوط أن نختار الدقة العرفية، لأن العرف كأنه بوجوده المعتد به وبوجوده الصحيح هو الدقة ولا أقلّ أنه موافق مع الاحتياط ونحو ذلك، فنأخذ بالدقة العرفية فنوجب النية الاخطارية بطبيعة الحال.
وإذا التفتنا إلى شيء آخر وهو أن الشارع يعلم أن الدين يصل إلى كل المستويات، المرأة والرجل، العامي والمثقف والعالم والجاهل والغني والفقير ونحو ذلك، فهم لا يخرجون عن كونهم عرفيين.
ــــــ[157]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فالنتيجة: تكون عرفية والعرف أكيد يتسامح من هذه الجهة، كالسكون عند الوقف والحركة عند السكون ونحو ذلك وهذا هو الغالب، وهذا هو المعنى الممضى من قبل الشارع.
شرط الاستحضار
قال الشيخ الهمداني: «حقيقتها القصد إلى فعلها طاعة لله وتقرّباً إليه تعالى)، وهو يتوقّف على (استحضار ماهيّة الصلاة) و(صفة الصلاة) الخاصّة الواقعة في حيّز الطلب الذي أراد امتثاله، المميّزة لها عمّا يشاركها في الماهيّة (في الذهن) أي تصوّرها بالخصوص، كما أنّه يتوقّف على تصوّر غايتها التي هي الإطاعة والتقرّب، فتفسيرها باستحضار صفة الصلاة في الذهن مسامحة؛ فإنّه من مقدّمات النيّة، وليس بداخل في حقيقتها، وإنّما حقيقتها القصد بها إلى فعلها طاعة الله تعالى، ولا يعتبر فيها أزيد من ذلك، كما عرفت تحقيقه في باب الوضوء»(1).
أقول: إن كلمة «استحضار صفة الصلاة في الذهن والقصد بها»، وقد أضاف الشيخ الهمداني إليها شرط الماهية لاستحضار، أي احضار ماهية الصلاة وصفة الصلاة والقصد بها، وهنا ينبغي التعليق والانتباه في الحقيقة إلى شيء لا يخلو من الأهمية وهو أن ماهية الصلاة اصطلاح يعني المقول كلي (كلي الإنسان)، الإنسان ماهية والفرس ماهية ونحو ذلك.
ــــــ[158]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص390، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وهنا نسأل: هل يكفي قصد الكلي في الصلاة، كما لو قصد امتثال صلاة ظهر الواجب؟
الجواب: إن ذلك لا ينبغي بطبيعة الحال، لأن الماهية الكلية بما هي كلية غير موجودة وغير مقصودة ولا ينبغي أن يقتصر على قصد الكلي وإنما تطبيق الكلي على الفرد، ومعنى هذا أن المعتبر هو قصد الجزئي وليس إلى قصد الكلي.
قد يقال: إن الانطباق على الخارج يحصل تلقائياً.
نقول: الإنطباق يحصل بقصد الجزئي بالخصوص وهذا تام، والظاهر أن فقهائنا يقصدون ذلك لكنهم لم يشيروا إلى ذلك بوضوح.
لفت نظر
إن هذا الانطباق أمر عرفي ينبغي الإلتفات إليه، فإن الإنسان بقصده ذلك يعطي لعمله الصفة المناسبة، كأنه يسميه، كما يسمي مولوده الجديد، فالمكلف يسمي هذه الأربع ركعات وهي أربع ركعات تكويناً صلاة الظهر -مثلاً- لكنه يفصل هذه قراءة وهذا ذكر وهذه حركة ونحو ذلك.
فإن قلت: إنها ليست بهذه التسمية حجة.
نقول: لها الحجية بدليلين، أحدهما: دليل عرفي والآخر: دليل متشرعي.
– أما الدليل العرفي، فإن سائر الناس يعطون لأفعالهم في أذهانهم صفات معينة، فمن يذهب إلى الزيارة، تارة: يكون بقصد الثواب وأخرى: بقصد الرياء وتارة أخرى: بقصد رؤية فلان ونحو ذلك.
ــــــ[159]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فمن هذه الناحية توجد مجموعة من العناوين منطبقة على هذا الفرد الجزئي والعرفي، فلا يكون مختصر على قصد الكلي وحينما يكون العرف هكذا يكون ممضى من قبل الشريعة بطبيعة الحال.
– أما الدليل الشرعي، وهو السيرة المتشرعية قائمة على ذلك، فلو لم يكن العرف كذلك فأي نية كانوا يقصدون! بل كانت لمثل هذه النوايا فهم يقصدون صلاة ظهر وجوباً قربة إلى الله فحسب، فيصفون ويعنون باختيارهم الصلاة الجزئية الخارجية.
الواجب في النية أربعة أمور
* قال المحقق: «والقصد بها الى أمور أربعة»(1).
في الحقيقة ليست الأمور أربعة وإنما هي انقسامات أربعة، نعم، المكلف يقصد أمور أربعة، لأنه يقصد من كل انقسام واحد فيكون مجموع ما قصد من الانقسامات الأربعة أمور أربعة، لكن الفقيه لا يتكلم بصفته أحد المكلفين وإنما بحساب الاحتمالات لكل المكلفين فمن هذه الناحية تصبح المسألة ذات انقسامات أربعة.
وعند التوسع تكون الانقسامات أكثر من أربعة:
الانقسام الأول: الوجوب والاستحباب
الإلتفات إلى الحكم الشرعي للصلاة أو للعبادة على العموم، وهو مردد ــــــ[160]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
بين اثنين الوجوب والاستحباب، لعدم وجود عبادة مباحة ولا مكروهة ولا محرمة.
وكعنوان للمسألة بغض النظر عن الدليل على الوجوب او الاستحباب يجب أن يقصد المكلف -بدواً أو عنواناً- أحد الأمرين الوجوب أو الاستحباب.
الانقسام الثاني: قصد الثواب
وهو أمر ممكن وإن كان ينقسم إلى قصود متعدد، من قبيل: قصد دفع العقاب وقصد رضا الله سبحانه وتعالى وقصد دفع غضبه وقصد حبه وقصد التقرب إليه تقرباً معنوياً ونحو ذلك فهذا المقسم يكون له إشكال عديدة.
وبلا ريب إن كل هذه القصود مجزية إذ لا دليل على أنها غير مجزية، لأنه مربوطة بالله سبحانه وتعالى وكل ما كان مربوطاً بالله كان مجزياً.
الانقسام الثالث: تمييز العنوان
فإن الصلاة لها أسماء لا تتميز إلّا بأسمائها ونستطيع أن ندعي كما هو ينبغي أن يكون واضحاً متشرعياً ومن ظاهر الكتاب والسنة أنها لها ماهيات مختلفة فمثلاً في رواية محمد بن يعقوب عن علي بن محمد ومحمد بن الحسن جميعاً عن سهل بن زياد عن إسماعيل بن مهران قال: «كَتَبْتُ إِلَى الرِّضَا ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ، إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِذَا غَرَبَتْ دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الآخِرَةِ، إِلّا أَنَّ هَذِهِ قَبْلَ هَذِهِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَأَنَّ وَقْتَ ــــــ[161]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الْمَغْرِبِ إِلَى رُبُعِ اللَّيْلِ، فَكَتَبَ كَذَلِكَ الْوَقْتُ غَيْرَ أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ ضَيِّقٌ»(1).
فالصلاة تكويناً أربع ركعات، بلا فرق بين واجباتها ومستحباتها وبما أنها كذلك كيف تتميز هذه عن هذه؟
فإذا كانت نواياها متحدة أيضاً، كما لو كانتا معاً واجبة، فكلاهما متقرب به وكلاهما أداء إذن: فما هو الباقي للتمييز غير الاسم.
نعم، الصلوات ماهيات اعتبارية لا انتزاعية من قبيل الأمور الإضافية، كما أنها وجودات كلية لها تطبيقات كلية، فيمكن أن تنطبق على كثيرين، فصلاة الظهر معنى كلي وهي الجامعة للشرائط، فتنطبق بهذا على كثيرين، ومن التطبيق يتحقق الامتثال الذي يأتي به الفرد.
ومن ذلك تتضح أهمية التسمية، ومنه نعرف أن المكلف فلو سئل المكلف عما يفعله ولم يعلم أنه يصلي صلاة ظهراً أو عصراً بطلت صلاته.
ويمكن توسيع المسألة لأوسع من ذلك، فبعض النوافل أيضاً لها أسماء ولها عناوين، كصلاة الليل والنوافل اليومية الراتبة ونحو ذلك، فلا يصح أن نجمد على خصوص الفرائض التي يهتم بها الفقهاء.
نعم، النوافل وردت فيها أخبار ضعيفة لكن يمكن أن ندعمها بأخبار (من بلغ).
أجل، هي لا تحتاج إلى عنوان، فإذا صلاها بدون عنوان تكون مصداقاً لأخبار (من بلغ) أو لخبر ضعيف.
ــــــ[162]ـــــــ
(1) الوسائل: ج4 ص130 ح20، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
العبادات الأخرى
الكلام عن الصلاة لكن هذا لا يعني قصره عليها، بل يمكن أن نعمم ذلك، لمثل الصوم وكذا الحج والخمس والزكاة، ونحوها من العبادات.
فكل من الصيام والحج ليس لها عناوين فلا يجب قصدها لكن التسمية هنا ضرورية، لأنها أيضاً ماهيات مختلفة متشرعياً، بل شارعياً، أي في زمن النبي فالصحابة حجوا تكراراً وحج النبي حج تمتع أيضاً، فالمهم انه ماهيتان من الحج، بغض النظر عن العمرة فحج الإفراد وحج التمتع من هذه الناحية لا يختلفان وإنما يختلف من جهة الأسماء، إذن: فلا بد من الاسم.
نعم، الصوم من حيث الاسم، في بعض أقسمه لا عنوان له، كالصوم الواجب في رمضان، وكذا الصوم المستحب، فالصوم موجود تكويناً في الزمان المطلوب وهذا يعلمه الله سبحانه وتعالى لا حاجة إلى أن يقول المكلف أصوم صوم رجب قربة إلى الله.
الانقسام الرابع: الأداء والقضاء
إن هناك عبادات خاصة في الصلاة وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، كالعبادات الأدائية والعبادات القضائية، والشيخ الهمداني يشير إلى أن الأداء والقضاء هل يختلفان ماهية أم لا؟
قال: «وقد عرفت في المبحث المشار إليه أنّ الوجوب والندب ونظائرهما ممّا هو من لواحق الطلب لا يعتبر قصده في مقام الامتثال، وإنّما المعتبر ــــــ[163]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
تشخيص متعلّق الطلب وإتيانه بداعي طلبه، لا تشخيص مراتب الطلب فضلاً عن قصدها.
نعم، ربما يستغنى بقصد الوجوب والندب عن تعيين الماهيّة المأمور بها، كما لو انحصر ما هو واجب عليه في قسم خاصّ، كصلاة العصر مثلاً، فقصد بفعله الصلاة الواجبة عليه بالفعل، فإنّه حينئذ قاصد للماهيّة المأمور بها بعينها.
وقد تقدّم تفصيل الكلام فيما يتعلّق بالمقام من النقض والإبرام في نيّة الوضوء، فلا نطيل بالإعادة» (1).
تقدم أن التسمية تميز اختلاف الماهية وهنا نقول: هل الأداء والقضاء على العنوان أيضاً يميز اختلاف للماهية؟ طبعاً مع حفظ التسمية، أي مع وحدة التسمية هي صلاة ظهر مشروعة في يوم الأحد عند الزوال، فإذا صليتها أداءً فهي ماهية وإذا تركتها وصليتها قضاءً فقد صليت ماهية أخرى.
والجواب: كما عن الشيخ الهمدانيأنها ماهية واحدة أداءً وقضاءً ما دام الضمير يرجع إلى شيء واحد شيء مشروع جزئي نستطيع أن نقول إنه من جميع الجهات لا يختلف فيه صفة الأداء وصفة القضاء.
لكن مع ذلك هنا قد يقال: بما أنها صفة لماهية واحدة وصفتان لماهية واحدة فكأن الله تعالى يقبل وجودها التكويني فلا يجب القصد وإنما إذا أدّيتها بالوجود التكويني لو صحّ التعبير في داخل الوقت كتبها الله أداءً، وإذا أديتها بالوجود التكويني خارج الوقت كتبها الله قضاءً.
فما وقع داخل الوقت أمكن أن ننتزع منه عنوان الأداء وإن وقع خارج الوقت أمكن أن ننتزع منه عنوان القضاء.
ويدعمه طبعاً كمرحلة فكرية إننا نشك مثلاً بوجوب قصد هذا العنوان تفصيلاً أنه هل يجب أن يقول أصلي صلاة الظهر أداءً وجوباً قربة إلى الله؟ مشهور الفقهاء يجرون عنه أصالة البراءة، فلا يجب قصد الأداء إطلاقاً في حين أن الأمر بالعكس، فإذا كان قضاءً فينبغي أن ينص باستحضاره الذهني أن يكون قضاءً أو بارتكازه أن يكون قضاءً.
ــــــ[164]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص391، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أقول: قصد الأداء قطعاً هو مجرى للبراءة لكن قصد القضاء فيه مطلبان لا بد من الالتفات إليهما:
أحدهما: أن الوارد في الشريعة بعنوان القضاء (إقضِ ما فات كما فات)، فعنوان القضاء موجود ولا تنعت الماهية إلّا بالعنوان.
فإذا لم يسمها ولم يصفها بأنها قضاء لم تكن قضاءً طبعاً، فحينئذٍ لابد من قصد عنوان القضاء لكي تكون قضاءً.
والآخر: قد يكون الأمر مردداً بين أمرين فحينئذٍ لابد من التعيين، والتعيين لا يكون إلّا بإعطاء العنوان، بإن نقول: هذه ماهية صلاة الظهر، فهي موجودة لكنها مرددة بين الأداء والقضاء.
تنويه
إن الأمور الأربعة التي أشار إليها المحقق يجب قصدها هل هي وحدها محتملة أو أن هناك احتمالات أخرى للنية وبتعبيري السابق هناك ــــــ[165]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
انقسامات أخرى في النية، ولعل بحسب رأيه أن هذه الأربعة واجبة والأخرى غير واجبة.
في المقابل يمكن القول إن الجميع واجب كما يمكن أن يقال إن شيئاً من هذه الأربعة غير واجب.
على العموم تفاصيل هذه الآراء يأتي في محلها إن شاء الله تعالى.
الانقسام الخامس: النية الجزمية والنية الاحتياطية
النية الجزمية والنية الاحتياطية -رجاء المطلوبية -.
فإن المشهور على عدم كفاية النية الرجائية والاحتياطية، لأن هذا خارج عن القدر المتيقّن، لأن الدليل على لزوم النية لُبّي والدليل اللُّبّي يقتصر فيه على القدر المتيقن والقدر المتيقن من الصحة هي النية الجزمية، فإذا لم تكن النية جزمية كانت باطلة وبهذا تخرج عن القدر المتيقن كما أنه لا يوجد دليل على صحتها.
أقول: النية الجزمية أكيد صحيحة ويصح العمل معها، أما النية الرجائية فهي بحسب النتيجة صحيحة، وهذا ليس من السهل فقهياً إثباته فهو يحتاج إلى كلام دقيق وبيان ما هو الدليل على الصحة بعد كونها نية غير متكاملة كما هو واضح من عنوانها نية رجائية ومن جملة الفروع التي تترتب على نفس هذا الموضوع أنه ما الفرق بين الرجاء وبين الشرطية عرفاً مجرد رجاء الشرطية لا أكثر ولا أقلّ أن المكلف يصلي هذه الصلاة إن كانت واجبة ويصلي هذه الصلاة
ــــــ[166]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
رجاء المطلوبية كأن محصلها واحد والفرق بينها بمنزلة المنعدم.
ومع ذلك يقول الفقهاء قطعاً إنه إن كان بصيغة الشرط، فالنية باطلة وإن كان بصيغة إثبات الأمر لو صح التعبير، فالنية صحيحة هذا كله يحتاج إلى بحث يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
الانقسام السادس: نية الإخلاص أو الإخلاص
وهنا تسامح واضح، لأن النية إما مخلصة أو غير مخلصة، والقضية هنا مشكّكة، أي ذات مراتب كثيرة ما بين الأهداف الدنيوية والأهداف الأخروية، فتارة: رياء محض، وأخرى: رياء غير محض، وتارة أخرى إخلاص محض وهكذا.
هذا من جهة ومن جهة أخرى: تارة يكون داعي الرياء مؤثّر فكذا وأخرى لا يكون داعي القربة هو المؤثر فكذا ونحو ذلك من الأمور، المهم إن القضية مشكّكة وتحتاج إلى بحث مستفيض.
الانقسام السابع: المكان والزمان
وهو الانقسامات بلحاظ المكان والزمان الذي من الممكن أن يكون له دخل في النية، وهنا نسأل هل تجب نية المكان ونية الزمان، مثلاً غسل أول الشهر وغسل الجمعة من العبادات وقد عنونت بعنوان الزمان فإذا قصد الزمان ولم تقصدها ولو ارتكازاً فينبغي أن يعيد الغسل، لأن المكلف لم يغتسل غسل يوم الجمعة، فهو ليس غسل الجمعة بالحمل الشايع المتشرعي لو صح التعبير.
ــــــ[167]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
هذا في قيد الزمان وكذا في قيد المكان من قبيل: صلاة تحية المسجد، طواف تحية المسجد الحرام، فإذا لم تكن معنونة بهذا العنوان، فهي ليست كذلك بالحمل الشايع المتشرعي، أي بهذا المعنى أنه واجب أو شرط.
فهذه جملة من الانقسامات ربما تجدون انقسامات أخرى.
حكم الانقسامات
الآن ينبغي أن نلتفت إلى أن الوجوب المذكور لخصوص الأمور الأربعة التي ذكرها المحقق أو الأعم منها ومما ذكرنا من انقسامات؟
أقول: المهم أن نختار من هذه الانقسامات واقع عبادتنا، فهذه أداء أو قضاء وهي ظهر أو هي عصر ونحو ذلك.
ولما كانت مجموعة من العناوين متعددة ومصداق لكليات مختلفة، فهو من قبيل الإنسان الذي يكون مصداقاً من كليات مختلفة، فهو عالم وطبيب وغني وفقير ونحو ذلك.
كذلك الصلاة فهي مصداق جزئي من عناوين مختلفة جداً افترض أنها انتزاعية أو واقعية المهم أنها كليات ومأمور بها في الجملة في الشريعة إما استحباباً أو وجوباً، وبعضها مأمور بها وضعاً وبعضها تكليفاً، فإذا لم تنوى تلك العناوين بطلت العبادة.
وعلى العموم، فلما كانت العناوين متعددة لم يكن بالإمكان قصدها عن طريق الارتكاز مع اسقاط الإخطار والتلفظ، وهذا لا يوافق المشهور على
ــــــ[168]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
صحته النية، لكن أقول: إن الارتكاز يكفي لكن هذا الارتكاز تفصيلي بحيث لو سئل عن أي من الخصائص الواجبة لكان مستحضراً لها.
إن قلت: إن الازدحام لو صح التعبير والكثرة في النوايا لا يوجد في العرف، معنى هذا أن للشارع فيه رأي زائد عن العرف.
قلت: لا، ليس للشارع رأي زائد عن العرف، لأن العرف أيضاً ليس من كل أعماله بطبيعة الحال بحاجة إلى مزيد مؤونة، مما يعني عدم التنافي بين الارتكاز وبين التعدد.
فلو تتعدد النوايا وكلها لم يكن ملتفت إليها بنحو الاخطار لكنها ملتفت إليها ارتكازاً، فلا نستطيع أن نتنزل عن كون الواجب موجود ارتكازاً.
بيان المحقق لمعنى النية
المحقققال عن النية وحقيقتها، أي إيجاد هذا المعنى في الذهن هو في الحقيقة يميل إلى قضية الاخطار، اخطار هذه الأمور الأربعة.
وهنا نسأل بغض النظر عن قضية ما الدليل على الاخطار، لأنه مجرى لأصالة البراءة عنه وهذا مطلب في نفسه صحيح وإن كان الدليل على خلافه، لاكتفاء الأئمة وأصحابهم أنهم يكتفون بالارتكاز لعدم وجود رواية واحدة تأمر بالنية قبل الصلاة أو في الصلاة إلى آخرها، وأنه ممضى مجرد الارتكاز العرفي.
مناقشة معنى الإخطار
والكلام في هذا الإخطار الذي أمر به المحقق هل هو قبل الصلاة كما
ــــــ[169]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
عليه سيرة المتشرعة أو في أول الصلاة على الإطلاق؟
أقول: لا يوجد احتمال معتد به في البيّن:
فأما قبل الصلاة، فأردء هذه الاحتمالات الثلاثة، لأن لا حجية فيه إطلاقاً ولا دليل عليه أكيداً ولا يمكن بعد ذلك هذا من جملة آثاره المهمة أن الوجود إن كان شرعياً استمر تنزيلاً وحكماً. أما إذا لم يكن شرعياً، فلا تنزيل له حكمي أكيداً.
وهذا الذي يقال بأن بقائه حكماً إلى آخر الصلاة يعني بقاء ما هو غير شرعي وغير داخل في العبادة مضافاً إلى أننا نقول إنه جزء الصلاة أو شرط الصلاة وهو خارج الصلاة وقبل الصلاة ومن كان هذا حاله فحكمه واضح.
نعم، لا بأس أن يكون تهيئة نفسية للنية التي ستكون في داخل الصلاة، أما إننا نعتبرها جزءاً من الصلاة فمحل تأمل، وحتى لو اعتبرناها جزءاً لا تختص بها، لأنه اعتبرناها جزءاً خارجياً ومن هذه الناحية لا دخل له في الصلاة لا سلباً ولا إيجاباً.
أما إذا اعتبرنا أن النية الإخطارية واجبة في أول التكبير فهذا فيه أكثر من محذور وهذا أوجهها، وهو أن نسأل المشهور عن افتتاح الصلاة لأجاب افتتاحها التكبير، بمعنى أن الصلاة لا تبدأ إلّا بعد نهاية التكبير، معنى هذا أن التكبيرة ليست في الصلاة فمن جملة لوازمها – وهي طبعاً أصل المسألة – إذا نوى مع التكبير فقد نوى قبل الصلاة، ولا فرق بين أن يكون نوى قبل التكبير
ــــــ[170]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أو قبل الصلاة، لأنه جامع قبل الصلاة ثابت هنا وإن كان هو في كون التكبيري أو في أثناء التكبير ولكنه ليس في الكون الصلاتي، إذن: نفس الإشكالات التي تأتي على النية قبل الصلاة تأتي هنا، لأنه قبل الصلاة هو بالحمل الشايع المتشرعي أو المشهوري لو صح التعبير، هذا أولاً.
وثانياً: إن هنا نحو منافاة بين قصد التكبير وبين هذا الإخطار، وبهذا تصبح الأشياء أربعة وكل انقسام ينبغي أن نختار منه شيئاً، فالتفكير أمر دقيق يكون مع التكبير في حين أن التكبير فيه تكليفين: أحدهما، لزومي والآخر، استحبابي.
– أما اللزومي، فهو أمر مشهوري طبعاً، فقصد الإحرام هو قصد الدخول في الصلاة فيكون واجباً، أما لو كبر المكلف من دون قصد الدخول في الصلاة، فليس تكبيره إحراماً، فالإحرام لا بد من قصده وما هو مستحب هو الالتفات إلى المعنى، أما مجرد الإتيان بالألفاظ لا معنى له ولا يحقق الإحرام.
وهذا ما يظهر من كلام المحقق المتقدم حين أوجب أربعة أمور فقط، مع العلم أن القلب واحد والذهن واحد فلا يمكن في الذهن إلّا أن يكون له صورة ذهنية واحدة إخطارية.
أضف إلى ذلك وضوح أن قصد الإحرام ليس من النية وإنما كأنه شروع في الصلاة فهو مباين للأربعة الأخرى تبايناً كاملاً ولا يستطيع المشهور أن ينفي هذا المعنى، معنى هذا أنه يحتاج إلى إخطار مستقل وإلى قصد مستقل ولا
ــــــ[171]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
يستطيع الذهن، بل يستحيل عليه أن يقصد قصدين مستقلين.
ولا اعتقد أن المشهور يوافق على ذلك ولا اعتقد أن نفس الرواية المعتبرة التي تدل على أن افتتاح الصلاة التكبير يستفاد منها ذلك، ولا أقل أنه يمكن أصالة البراءة عن النية ونحوها من الأمور، لكنه بالحقيقة أمر متعذر جداً، بل السيرة القطعية على خلافه، فإهمال النية عن علم وعمد أثناء التكبيرة إبطال للصلاة قطعاً، سواء على مبناي أو على المبنى المشهوري من هذه الناحية، إذن: كل الاحتمالات الاخطارية باطلة.
الوجوب الكفائي والأمور الأربعة
تقدم من المحقق أن الأمور الواجبة أربع، هي: الوجوب، الندب، القربة، التعيين.
وأنا أبدء بأهمها لا بما بدأ به المحقق وهو (القربة).
إن البحث في قصد القربة إما موضوعاً أو حكماً.
– أما، موضوعاً، وهو بيان معناه.
– أما، حكماً، وهو بيان وجوبها.
وهنا نسأل: أن قصد الوجوب يكفي عن قصد القربة أو لا؟ وكذا قصد التسمية الذي نسميه بالتعيين؟
بيان معنى القربة
وقبل كل شيء لا بد من بيان معنى القربة.
أصله من القرب وأصل القرب القرب المكاني الذي هو أكثر الأشكال من
ــــــ[172]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
القرب حسية وشهادة لو صح التعبير إلّا انه مع ذلك نستطيع أن نقسم القرب إلى ثلاثة أقسام، ويمكن تسميتها بالأولية والقدر المتيقن من القرب بغض النظر عن أقسام، وهي:
الأول: القرب المكاني.
الثاني: القرب الزماني.
الثالث: القرب الرتبي.
وينبغي أن يكون واضحاً أن القرب معنى إضافي بين اثنين، فيصدق البعد ويصدق القرب.
وكذلك يحسن الالتفات إلى أن المعنى الإضافي بالمعنى الأول، أي متقاربين ومتباعدين قد يكون أحدهما ثابت والآخر متحرك، وقد يكون كلاهما متحركين يقترب بعضهما عن بعض أو يبتعد بعضهما عن بعض بأي معنى من معاني الاقتراب أو الابتعاد.
وهذه المعاني للقرب معروفة لا تحتاج إلى مزيد بيان، لكن المعنى الأوضح هو القرب المكاني والذي يليه القرب الزماني.
تنويه
هناك نوع آخر من القرب وهو القرب المعنوي وهو يشبه القرب المكاني، لكن القرب المكاني أمر مستحيل على الله سبحانه وتعالى والبرهان عليه في علم الكلام والفلسفة لكن نذكر هنا بشيء من الاجمال وهو: إن القرب المكاني
ــــــ[173]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
مختص بالأجسام والخالق تبارك وتعالى منزه عن الجسمية، فيكون متعلق ذلك وهو القرب المكاني أمراً مستحيلاً عليه سبحانه وتعالى، فإذا تم ذلك يكون القرب المكاني سالبة بانتفاء الموضوع.
الرتبة الإلهية
أما بالنسبة إلى القرب الرتبي في الحقيقة تصور الرتبة الإلهية لو صح التعبير أو النسبة الإلهية للخلق على نحوين:
النحو الأول: إنه علة العلل، فإن في هذا الكون مجموعة من العلل، أي إن هذه العلل التكوينية الاعتقادية غير الخفية بعضها يوجد بعضاً وبعضها مستند إلى بعض لكنها لو لم تنتهي إلى الواجب للزم التسلسل والتسلسل باطل، فلابد من انتهائها إلى الواجب بالذات.
هذا هو الفهم المنطقي الذي يطرح عادة في المنطق الحوزوي كما في منطق المظفر وكذلك علم الكلام أيضاً.
أقسام العلل
الشيء الآخر إن جماعة من المتقدّمين والمتأخّرين بما فيهم الشيخ محمد رضا المظفر والظاهر أنه أخذه من الشيخ محمد حسين الأصفهاني (قدس سرهما) وهو تقسيم العلل إلى:
1- ما به الوجود.
2- ما منه الوجود.
ــــــ[174]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وما به الوجود هي العلة التكوينية.
وما منه الوجود هو العلة المفيضة للوجود وهو الفيض الإلهي ولا يمكن وجود المعلول إلّا باجتماع كِلا الحصتين وكِلا النحوين من العلة، فلو تمت العلة ولم يحصل الفيض لا يوجد الشيء.
علة العلل
في الحقيقة هذا فيه أكثر من جهة، منها:
1- ثبت بالدليل العقلي إن علة العلل بسيط من جميع الجهات.
2- ثبت أيضاً بالدليل العقلي إن علة العلل كامل من جميع الجهات.
3- ثبت بالدليل العقلي إن علة العلل مسيطر على كل الخلق.
4- قالوا في محله إن كل ممكن زوج تركيبي، أي هو في ذاته مركب وهذا هو معنى الجسمية، فالجسم مركب دائماً، وبما أن الله سبحانه وتعالى ليس من سنخ الممكنات يكون حينها بسيطاً فلا يكون جسمياً، بل ولا يشبهه أحداً من خلقه أو شيء من خلقه، بمعنى أنه لا يشبه عالم المادة ولا عالم الروح، لأن في كل ذلك تحديد بالآخرة والله تعالى لا حدَّ له، لأنه لا متناهي من كل الجهات لا متناهي في الكمال ليس فيه حد ولو كان فيه حد لكان خلف وجوده.
التكامل وأنواعه
كل هذه المقدمات تنتج بهذا المعنى من العلو أنه أعلى من كل شيء وهذا معناه أن الداني يمكن أن يصعد في عالم الروح وعالم المعنى، وهذه أمور سمعية
ــــــ[175]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
موجودة في القرآن الكريم وحينئذٍ هذا نحو من القرب الذي هو في الحقيقة بمعنى من المعاني هو التكامل الذي في ذاته، كما يعبر في الحكمة أو في الفلسفة أنه في ذات الممكنات شوق إلى التكامل مركوز وهو أيضاً عملي، أي إن الأشياء كلها تتكامل على الإطلاق ليس فيها ما لا يتكامل بخلقة الله وبنظام الله لكن التكامل على أنحاء.
1- تكامل بطيء.
2- تكامل سريع.
ومع ذلك فإن كل الأشياء هي في نطاق التكامل وفي نطاق التصاعد، وفي حدود فهمي أن الله تعالى يخلق الأشياء من نقطة الصفر لو صح التعبير من أقل كمال متصور ثم يبدأ الشيء بالتكامل إلى أن يصل إلى ما لا نهاية ونحو ذلك.
ثم هكذا تبدأ سلسلة جديدة دائماً توجد أشياء ناقصة جداً وتبدأ بالكمال ودائماً من ذاك الطرف تتكامل إلى حدٍّ كبير وهكذا، فالعجلة دائرة باستمرار ما دام الخلق موجوداً وربما يبقى الخلق إلى ما لا نهاية من الزمان لا نعلم، لأن رحمة الله لا تنقطع.
فالمهم أن بإمكان العبد أن يقصد في عباداته وفي كمالاته وفي خيراته القرب من الله سبحانه وتعالى بهذا المعنى أي نحواً من التكامل ولو قليلاً بمقدار طاعته وبمقدار استحقاقه وحينئذٍ نقول إن العلة علتان:
1- علة ما به الوجود.
ــــــ[176]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
2- علة ما منه الوجود.
والإرادة للأفعال الاختيارية هي بمنزلة علة ما به الوجود، فالإنسان عند إرادته القرب فكأنه أوجد علة ما به الوجود للقرب على نقاش سوف يأتي هل هي مقتضي أو علة تامة أو شيء آخر.
والمهم أنه علة عندما تحصل القَدَم الأول من العبد والقَدَم الثاني من الله سبحانه وتعالى وحينئذٍ نقول كما كان يقول الشيخ محمد رضا إن الله تعالى كريم لا بُخل في ساحته فيفيض الوجود على المعلول وعلى المطلوب للعبد وهو القرب فيحصل القرب كما في الحديث القدسي «أنا عندظنعبدي فليظن بي ما شاء وأنا مع عبدي إذا ذكرني فمن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ومن تقرّب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً ومن تقرّب إليَّ ذراعاً تقرّبت إليه باعاً ومن أتاني مشياً أتيته هرولة ومن أتاني بقراب الأرض خطيئة أتيته بمثلها مغفرة ما لم يشرك بي شيئاً»(1).
نقل كلام صاحب المستند والتعليق عليه
قال في المستند: «من الواضح جدّاً أنّ المراد بالقرب ليس هو القرب المكاني الحقيقي، بل ولا الادعائي التنزيلي، لوضوح أنّ القرب بين شيئين يتضمن التضايف بحيث أنّ أحدهما إذا كان قريباً كان الآخر أيضاً كذلك واقعاً أو تنزيلاً.
ومن البيِّن أنّه سبحانه قريب من جميع البشر، بل هو أقرب إلينا من حبل‌
ــــــ[177]ـــــــ
(1) جامع أحاديث الشيعة، ج ١٥، ص٣٦٨ منشورات: مدينة العلم للسيد الخوئي.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الوريد، وكل شي‌ء حاضر عنده حضوراً ذاتياً، بيد أنّ البعض منّا بعيد عنه لكونه غريقاً في الذنوب والخطايا المستوجب لعدم توجهه والتفاته إليه، فهو قريب من عباده تنزيلاً، وهم بعيدون عنه.
بل المراد من القرب الذي يتوخّاه العبد في عبادته هو طلب الحضور بين يدي الرب والشهود عنده بحيث كأنه يراه ويشاهده شهوداً قلبياً لا بصرياً.
ويستفاد من كثير من الأدعية والروايات أنّ الغاية القصوى من العبادات هو لقاء الله تعالى، والوصول إلى هذه المرتبة التي هي أرقى المراتب التي يمكن أن يصل إليها الإنسان، وربما يتفق الوصول إليها بعد التدريب ومجاهدة النفس والتضلّع في العبادة المستتبعة بعد إزالة الملكات الخبيثة لصفاء القلب وقابليته لمشاهدة الرب والسير إليه، فيروم العابد بعبادته النيل إلى هذه المرتبة التي هي المراد من التقرب منه تعالى»(1).
قوله: (ولا الإدّعائي التنزيلي) إن القرب المكاني متعذر لا إشكال فيه لكن القرب الإدعائي التنزيلي معقول، أي أنه قريب بالتنزيل كما أن الطواف صلاة بالتنزيل وبيت المرأة مسجدها بالتنزيل كذلك العبد فهو قريب بالتنزيل.
وعلى العموم (ولا الادعائي التنزيلي) لوضوح أن القرب بين شيئين يتضمن التضايف بحيث إن أحدهما إذا كان قريباً كان الآخر قريباً كذلك واقعاً أو تنزيلاً، أي مكاناً أو تنزيلاً، لأنه ذكر قسمين سابقين المكاني والتنزيلي فيقصد
ــــــ[178]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص9 – 10 من الموسوعة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
من الواقع الواقع الدنيوي الذي هو القرب المكاني.
وفي الحقيقة إن دليله واحد على كلا الصنفين من القرب المكاني والتنزيلي وحاصل دليله:
وإن كان في حقيقته هو بيان للكبرى فقل: إنّ القرب بين شيئين يتضمن التضايف بحيث إذا أحدهما كان قريباً كان الآخر أيضاً قريباً، لكن هذا يحتاج إلى ضم صغرى وهي: إن القرب المكاني والقرب التنزيلي ليس له طرفان، القرب المكاني من الله هو هذا نقصده والقرب التنزيلي من الله ليس له طرفان، إذن: الإضافة فيه ممتنعة، لأن شرط التضايف غير موجود، فإن التضايف يحتاج إلى طرفين، مثلاً سُفل وعُلو، فوق وتحت، يمين ويسار ونحو ذلك، فلو كان شيء واحداً فقط لا معنى للتغاير فيه فضلاً عما إذا لم يكونا موجودين إطلاقاً وهذا ينبغي أن يكون واضحاً.
مع ذلك نقول: وإن كان فيه تسامح في التعبير كأن الله غير موجود في ذاك الطرف، لأنه غير صالح للتضايف المكاني، لأنه لا يشمله معنى المكان وقانون المكان ونظام المكان، فكأنه مُنتفٍ من ذلك الطرف، لأنه إنما يكون ثابتاً إذا كان متّصفاً بالمكان وإما إذا لم يكن متّصفاً بالمكان فليس طرفاً للإضافة المكانية وهذا ينبغي أن يكون واضحاً وهذا مطلب في نفسه جيد.
لكن محل الكلام في الطرفية التنزيلية وهذا في الحقيقة ما ينطبق عليه البرهان وهو برهان واحد لكلٍّ من القرب المكاني والقرب التنزيلي فهل يكون ــــــ[178]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
بالنسبة إلى التنزيلي صحيحاً؟
في الحقيقة الكلام في الصغرى وهي إنما تتم إذا قلنا بأن الله سبحانه وتعالى غير قابل للتنزيل للقرب التنزيلي، فكأنه في ذلك الطرف غير موجود، لأنه غير مُتّصف بالكون التنزيلي كما هو غير مُتّصف بالكون المكاني لو صحّ التعبير فيخرج عن كونه طرفاً للإضافة فكما أنه يكون القرب المكاني متعذّراً كذلك يكون القرب التنزيلي متعذّراً.
إلّا أن هذا ليس بصحيح، لأن الله سبحانه وتعالى قابل لأن يكون طرفاً للإضافة في الحقيقة نحن نستطيع أن نقول: الإضافات بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى كثيرة جداً من قبيل طاعة الله، فهنا مُطاع ومُطيع، عابد ومعبود، داعم ومدعوم، خالق ومخلوق، كلها إضافات والله تعالى طرفها بطبيعة الحال ليس غير الله طرفها، بل الأسماء الحسنى كلها كذلك الأسماء الحسنى المربوطة بالخلق ليس الصفات التي عين ذاته لا صفات الأفعال من قبيل: الرحمة واللطف ونحوها.
ففي الإمكان أن يكون طرفاً لكل إضافة مناسبة مع شأنه وكماله جل جلاله فحينئذٍ لماذا لا يكون طرفاً للتنزيل من هذه الناحية صغرى التنزيل ينبغي أن تكون تامة بالنسبة إليه إلّا أن ننفي وجوده بأن نكون ماديين وهذا ليس معتقدنا.
فعند الإيمان به سبحانه وتعالى يكون الحال أنه يمكن أن يكون الخالق طرفاً
ــــــ[180]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
للتنزيل، وفي الحقيقة لا يحتاج إلى أن يكون الله طرفاً للتنزيل وإنما العبد هو طرف للتنزيل، لأنه بعيد ولكنه منزل منزلة القريب وليس أن الله منزل منزلة القريب.
الإشكال على فكرة التنزيل
والإشكال بالنسبة إلى التنزيل فهو من ناحية أن التنزيل يحتاج إلى دليل مُنَزِّل مُنَزِّل شرعي يقول أيها العبد أنت على بعدك، فإنك قريب إن البعيد قريب تنزيلاً، فالأدلة التنزيلية تحتاج إلى قرينة وإلى دليل معتبر، فإذا لم يكن الدليل موجوداً، فالتنزيل باطل، لأن الدليل غير موجود وليس لأن المورد غير قابل للتنزيل.
وهنا عبارتان لصاحب المستند متنافيات من حيث النتيجة:
العبارة الأولى: (بل ولا الادعائي التنزيلي)، لوضوح أن القرب بين شيئين يتضمن التضايف بحيث أن أحدهما إذا كان قريباً كان الآخر قريباً كذلك واقعاً أو تنزيلاً.
العبارة الثانية: (ومن البيِّن أنه سبحانه قريب من جميع البشر)، بل هو أقرب إلينا من حبل الوريد.
وكما هو ملاحظ فإن النتيجة من هاتين العبارتين مختلفة، فما نفاه في العبارة الأولى أثبته في العبارة الثانية.
أولاً: لأنه قال إن القرب يحتاج إلى طرفي إضافة وطرفي الإضافة لا يصدق على الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المطلب كذلك إذن: لا يصدق عليه أنه قريب
ــــــ[181]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
منا إطلاقاً، بل ليس قريب إلى شيء من المخلوقين، لأن المخلوقين والخالق لا يصدق عليهما القرب والبعد أبداً، وحينئذٍ يقول بأن الله تعالى قريب من كل خلقه معنى هذا أنه أثبت نفس الشيء الذي نفاه قبل قليل وهذا غريب في نفسه.
وثانياً: حينما يكون الله -كما هو السمع- موجود وكذلك لا ينافي الدليل العقلي أن الله تعالى قريب من كل خلقه إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌأُجِيبُ دَعْوَةَالدَّاعِ…(1)، وَهُوَ مَعَكُمْأَيْنَ مَاكُنْتُمْ(2) وهذا الكلام هل ينطبق صغرى لكبرى التضايف التي نفاها؟
لا، لا يكون، فمضمون كلامه كأن الله تعالى قريب من كل شيء هذا ليس هكذا، فإن الله سبحانه وتعالى ليس مورداً للتضايف، لأنه ليس مورداً للمكان أو ليس مورداً للتنزيل لو صح ذلك حينئذٍ التضايف ينتفي، وأما إثبات القرب وأنه قريب من كل شيء هذه ليست صغرى للتضايف بطبيعة الحال.
نعم، إثبات القرب دليل في نفسه، فإن تعذر الاقتراب يكون وجيهاً بهذا الدليل وهو إننا نقول إن الله سبجانه وتعالى موجود في كل صغيرة وفي كل كبيرة وفي كل مكان وفي كل زمان، إذن: الاقتراب من الله يكون متعذراً، لأنه يفترض أن يكون بعيداً مهما كان قليلاً حتى نقترب إليه بأي نحو من انحاء
ــــــ[182]ـــــــ
(1) البقرة: 186.
(2) الحديد: 4.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
القرب الذي تصورناه روحي أو معنوي أو مكاني أو زماني أو رتبي، فإذا كان موجوداً في كل المراتب وفي كل الآنات وفي كل الأمكنة تعذر الاقتراب إليه، لأننا في الحقيقة بهذا المعنى نسير من الله إلى الله، إذن: نحن كنا قريبين لم نبتعد طرفة عين حتى نقترب هذا يصلح أن يكون دليلاً لكن لا يصلح أن يكون مقدمة من مقدمات ذلك الدليل الذي هو التضايف.
سؤال وجواب حول قصد القربة
حاصله: إن قصد العمل العبادي كالصلاة فيه انقسامان:
الانقسام الأول: إما أن يخبر أنه يصلي قربة إلى الله أو ينشئ ذلك، ولو لُبّاً.
الانقسام الثاني: إن قصده هذا لا يخلو: إما علّي أو اقتضائي، بمعنى إن هذا القصد يوجد التقرب بنحو العلية التامة أو يوجده بنحو المقتضي. وكلٌّ من العلية التامة والمقتضي: إما أن يكونا بنحو الإخبار أو الإنشاء فالأقسام أربعة حاصل ضرب اثنين في اثنين، فالقصد يتعلق بأي من هذه المطالب؟
الجواب:
– أما الإخبار، فهو متعذر، لأنه من نوع الإخبار عن المستقبل، لأن النية في أول الصلاة لا علم للمكلف بكون صلاته أنها قربة إلى الله تعالى في المستقبل القريب.
معنى هذا أن من المحتمل جداً أن لا يطابق هذا الإخبار الواقع، فيحتمل من هذه الناحية أن يكون كاذباً.
ــــــ[183]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
– أما الإنشاء، فهو بمعنى من المعاني ممتنع، لأن الإنشاء إنما هو للمعاملات، فقد اتضح من الأبحاث السابقة أن للإنشاء أمرين:
أحدهما: الإنشاء النحوي والصرفي الذي هو الاستفهام والتمني والترجي ونحو ذلك.
ثانيهما: هو المعاملات، أي إيجاد نفس المعاملة عن طريق الإنشاء، كإنشاء البيع -مثلاً -.
وإنشاء قصد القربة ليس هو من الأمر الأول ولا هو من الأمر الثاني، معنى هذا أن قوله (أصلي قربة لله تعالى) ليس إنشاءً بهذا المعنى.
نعم، بناءً على مختار المشهور في أن الإنشاء هو إيجاد المعنى باللفظ، أي تسبيب لفظ لإيجاد معنى، إيجاد لفظ لإيجاد معنى يكون قصد القربة بهذا المعنى إنشاءً.
فإن قصد القربة نحو من الإيجاد، إيجاد اللفظ أو إيجاد الداعي من أجل حصول النتيجة والتقرب التكويني الروحي من الله سبحانه وتعالى.
أقول: إن هذا في الحقيقة ليس إنشاءً اصطلاحاً وإنما يدخل في القسم الآخر الذي وهو قضية العلية وهذا ما سنبينه إن شاء الله تعالى في الأبحاث القادمة.
نعم، العقل له علّية إلى الملكية لكن ليس بهذا النحو من العلية، هذا كأنه علية تكوينية وذاك علة إنشائية وهما يختلفان إلى حدٍّ ما، فدخول النية في
ــــــ[184]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الإخبار محل مناقشة ودخول النية في الإنشاء أيضاً محل مناقشة وإنما هما
-الإخبار والإنشاء- في الحقيقة من سنخ الألفاظ ومن سنخ اللغة، فإن أخرجنا هذا المعنى من سنخ اللغة، لأننا لا نقول بوجوب النية اللفظية ولا بوجوب النية الاخطارية، فهذا يستلزم أن ينتفي اللفظ والذي يستلزم أن ينتفي معناه، لأن اللفظ إنما معناه صورة ذهنية فإذا كانت الألفاظ منتفية والمعنى أي الصورة الذهنية منتفية فالإخطار ينتفي.
ونحن نسمّي الإخطار لغة، لأنه أحد طرفي اللغة الذي هو المعنى، لكننا نفينا هذا واكتفينا بمجرد الداعي التكويني، إذن: لا حاجة إلى التقسيم إلى الإخبار والإنشاء.
أقسام العبادات
ذكرت جملة من الروايات أن العبادات على ثلاثة أقسام:
1- عبادة التجار.
2- عبادة العبيد.
3- عبادة الأحرار. أي الأحرار من شهواتهم وملذاتهم ونفوسهم الأمارة بالسوء في مقابل العبودية التي هي العبودية لله سبحانه وتعالى.
تنويه:
إن الاستفادة من الروايات على مستويين:
الأول: الاستفادة من مضمونها الإجمالي بغض النظر عن التفاصيل.
ــــــ[185]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الثاني: الاستفادة من تفاصيل ألفاظها وإطلاقها وعمومها ونحو ذلك.
– أما الأول، فهو وإن كان مدعوم بالاطمئنان لكن هذا لا ينفع من الناحية الفقهية وإنما الذي ينفع هو المستوى الثاني.
– أما الثاني، فإن الاطمئنان بصدورها عن الأئمة  لا يعني الاطمئنان بصدور جميع الألفاظ والحروف والحركات عنهم  لاحتمال أنها مروية بالمعنى.
أجل، المضمون العام والاجمالي وارد منهم  أما هذه التفاصيل فلا نعلمها وليس فيها اطمئنان أكيد، فإذا التفتنا إلى ذلك ارتفع الاطمئنان بهذه التفاصيل وحينئذٍ لا يمكن الاستدلال بها فقهياً.
معنى الداعي الارتكازي
اتضح مما تقدم بيان معنى الارتكازي وهنا يحسن بنا بيان معناه، فنقول ومن الله تعالى التوفيق.
الداعي الارتكازي:
إما أن يكون بمعنى قصد الفعل أو لا.
فعلى الثاني، يكون خارج عن محل الكلام.
وعلى الأول، لا يكون فرق بين العبادة بالمعنى الأخص والعبادة بالمعنى الأعم، بل وسائر الأفعال.
ولا ينبغي أن يكون قصد الفقيه من الداعي الارتكازي هو ذلك وإنما
ــــــ[186]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
المهم قصد العلّة الغائية المطلوبة من الفعل.
والعلة الغائية تختلف بين الأفعال، فبعضها لا علة لها إطلاقاً، كأفعال السكران والغضبان ونحو ذلك، نعم، مثل النائم والطفل غير المميز ونحو ذلك لأفعالهم نحو من العلية ولكنها ليست موضوعاً لحكم عقلي أو عقلائي أو شرعي.
فلا بد في الأفعال الاعتيادية الاختيارية الملتفت إليها أن لا تكون تحت الاضطرار ولا تحت الإكراه ونحو ذلك، والعبادة دائماً ينبغي أن تكون من هذا القبيل.
وهذا النحو من الأفعال تكون غاياته على أشكال مختلفة يمكن تقسيمها إلى أقسام مختلفة:
1- غايات عادلة. 2- غايات ظالمة.
1- غايات دنيوية. 2- غايات أخروية.
1- غايات قريبة. 2- غايات بعيدة.
– أما الغايات الظالمة والدنيوية، فهي موجودة بالنسبة إلى كثير من الناس.
– أما الغايات العادلة والأخروية التي يُراد منها قصد الثواب وقصد رضا الله سبحانه وتعالى والذي هو المطلوب.
وبهذا النحو اختلفت العبادة عن غيرها، أي في قصد الغاية وليس في قصد أصل الفعل فنحن قلنا بأن المطلوب هو أن يكون قصد الغاية ارتكازاً موجود ــــــ[187]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وليس أصل قصد الفعل ارتكازاً موجود.
– أما الغايات القريبة، والغايات البعيدة، ففي الحقيقة يمكن أن يقال: إن كليهما موجود في كل الأفعال أو في كثير من الأفعال -مثلاً- شراء الطعام الغاية القريبة منه حصول الملكية والغاية البعيدة منه من قبيل التمكن من تناوله.
ثم أيضاً من الغايات البعيدة الإشباع وهكذا تتسلسل الغايات، فالغايات موجودة ومتسلسلة ودائمية وعامة لكل العقلاء والفاعلين للمختارين بطبيعة الحال.
فإن قلت: الظاهر أن معنى النية قد تغير من النية الارتكازية إلى قصد الغاية الإلهية التي هي المطلوبة شرعاً.
قلت: في الحقيقة إن تغيراً لم يحصل غاية الأمر إن بينهما ترتب، فإن قصد الغاية لا يجب أن يكون لفظياً ولا يجب أن يكون إخطارياً وإنما يكفي منه الارتكاز، أي يكفي منه الداعي النفساني ولعله غير الملتفت إليه فعلاً والمعرض عنه بكل تأكيد معرض عنه عملياً وأساساً إلى فهم مثلاً معنى التكبير، ومعنى السورة ومعنى الركوع ومعنى السجود ونحو ذلك قصد الغاية موجود في الجميع بحيث إذا سُئل المكلف لأجاب عما قصده.
فجامع مفهوم قصد الغاية موجود في سائر الأعمال العبادية والعادية وإنما حصصها وأصنافها تختلف، فصنف عبادي وصنف، محرم وصنف مباح ونحو ذلك، وإلاّ فقصد الغاية موجود في كل الأفعال الاختيارية
ــــــ[188]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
نتائج البحث
من كل ما تقدم يمكن الخروج بجملة نتائج، منها:
النتيجة الأولى:
وهو جواب عن السؤال مفاده: ما الفرق بين العبادات بالمعنى الأعم والعبادات بالمعنى الأخص؟
والجواب: في الحقيقة الفرق بينهما هو في قصد الغاية، لأن تلك العبادات التي يكون قصد الغاية الدينية والشرعية دخيلاً في صحتها وفي إجزائها هي العبادات بالمعنى الأخص وتلك الأعمال التي تكون قصد الغاية الشرعية دخيلاً في كمالها وقبولها لو صح التعبير هي العبادات بالمعنى الأعم.
النتيجة الثانية:
عدم كفاية القصد الارتكازي للفعل.
نعم، النية الارتكازية تكفي في مقابل الاخطار والتلفظ وأما أن يكون قصد الفعل وحده بشرط لا، على أن لا يكون مع مثل القربة أو الوجوب أو أي شيء آخر لا يكفي بطبيعة الحال لكن القربة والوجوب والأداء ونحو ذلك يكفي فيها وجودها غير الملتفت إليه أصلاً.
النتيجة الثالثة:
إن الأفعال من جهة الغاية على نوعين:
1 – نوع الغاية القريبة. 2- نوع الغاية البعيدة.
ــــــ[189]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وهذه الأنواع تشمل العبادات، فما هي الغايات القريبة وما هي الغايات البعيدة للعبادات؟
وعرض مثل هذا التسائل، لأجل أن مستويات الناس تختلف بطبيعة الحال حسب إدراكهم لمعنى العبادة ولوظيفتهم في العبادة وللوظيفة العبادة فيهم أو لتاثيرها عليهم لكن في المستطاع القول إن في المعدل المتوسط الذي أقرته الشريعة وترضى به هو أن الغاية القريبة هي الامتثال، فالمكلف عند فعل الصلاة يحقق امتثال الأمر المتوجه إليه والغاية البعيدة هي تحصيل طاعة الله سبحانه وتعالى ونيل رضاه، وهو غاية الغايات وإليه المنتهى والرجعى وحينئذٍ لا تنافي بين هاتين الغايتين.
ففي هذا الجانب الذي هو التقرب إلى الله سبحانه وتعالى تحصل عندنا ثلاث مفاهيم:
المفهوم الأول: ما يرجع إلى الوجوب والندب.
المفهوم الثاني: ما يرجع إلى الامتثال.
المفهوم الثالث: ما يرجع إلى رضا الله سبحانه وتعالى.
ومعنى الامتثال يرجع إلى معنى الوجوب، لأنهما أمران متلازمان ومتساويان إذ لا امتثال بدون تكليف، سواء كان وجوبياً أو استحبابياً، كما أنه لا تكليف بدون امتثال على ما هو المفروض من المطيعين فهما بالنسبة لفرض الطاعة بمنزلة المتلازمين المتساويين.
ــــــ[190]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
كما أن قصد الامتثال وقصد الرضا بمنزلة المتلازمين المتساويين، لأن الامتثال إنما هو لأجل تحصيل رضا الله سبحانه وتعالى بالامتثال، وكل ما كان فيه رضاء الله سبحانه وتعالى فهو مأمور به في الجملة.
وحينئذٍ يصير رضاء الله والامتثال متساوقان، فإذا كان المطلب كذلك فمن الراجح إن نزلنا إلى قلب المتشرع والمتفقه والمتورع، أي بالارتكاز اللاشعوري لو صح التعبير نجدها ثلاثة، وبالنسبة إلى بعض العامة من الناس يبدل رضا الله سبحانه وتعالى بقصد الثواب أو بقصد دفع العقاب ونحو ذلك، فيكون ذلك غايته وليس رضا الله سبحانه وتعالى فذلك أعلى من أن يتحمله أو أن يلتفت إليه.
قد يقال: إن ما ذُكر ليس قصداً إلهياً.
نقول: بل، هو قصد إلهي، لأن فيه تحصيل ثواب الله ودفع عقابه وليس الثواب في الجملة والعقاب في الجملة، وهذا يكفي ما دام فيه نسبة إلى الله سبحانه وتعالى بنحو من الأنحاء، وهذا يكفي لأن الدليل لبي ويقتصر منه على القدر المتيقن وهذا المقدار داخل في القدر المتيقن من الصحة.
متعلق قصد الغاية
إن متعلق قصد الغاية هو كل الأفعال حتى العبادات، بل مطلق العبادات، سواء كان القصد للعبادات بالمعنى الأخص أو كان القصد للعبادات بالمعنى الأعم.
ــــــ[191]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وما ذكره علماء المنطق والفلسفة لفكرة العلة الغائية تنطبق في المقام على قصد الغاية، أي قصد العلة الغائية، لأنهم قالوا إن العلة الغائية في أول وجودها صورة ذهنية وفي نهايتها وجود، بمعنى أنه شيء حاصل في عالم الخارج وفي عالم الجزئيات أو قل تطبيق، في أولها فكرة وفي نهايتها تطبيق، كذلك الصلاة، فإنها في أولها يُراد الطاعة وفي منتهاها قد حصلت الطاعة، وكذلك من كان من العلماء فأولها اسقاط الأمر أو اسقاط الملاك فإذا حصلت عبادة وانتهت فقد سقط الأمر وسقط الملاك.
فهذه المقاصد هي من قبيل العلة الغائية حيث أنها كلها مرتبطة بالله سبحانه وتعالى وحيث أنها كلها متساوية بينها نسبة التساوي بمعنى من المعاني بالحمل الشايع المتشرعي لو صح التعبير.
وبلغة المنطق إنها متلازمة أحدهما يلزم الآخر ومن هذا ينتج أن قصد واحد منها يكفي عن قصد المجموع لا حاجة إلى التفصيل بينها.
حتى تلك العناوين الرئيسية الوجوب والامتثال والقربة أيضاً فهي قصد واحد والثاني يكون بمنزلة الدلالة الالتزامية.
إضاءة
هنا مرحلتان من التفكير تبتنيان على فكرة أن النية اللفظية واجبة مع أنه في معهودي لم يفتِ أحد بوجوبها إلّا أننا نفترض وجوبها، فنقول:
إن قلنا بوجوب الاخطار فحينئذٍ هذا الذي قصد مثلاً الامتثال كان الباقي
ــــــ[192]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
موجوداً بالدلالة الالتزامية ليس اخطارياً، بل ارتكازياً وهذا يكفي، لكن الصعوبة إنما هي بحسب المختار والمشهور، لأننا إن اقتصرنا في وجوب النية على الارتكاز، فالارتكاز على الامتثال كما في المثال كانت الدلالة الالتزامية تحتاج: إما إلى لفظ أو إلى ارتكاز.
والارتكاز يعني أن الباقي غير موجود لكن يمكننا القول إن هذا القصد يكفي حتى لو كان المكلف غافلاً بالمرة عن الدلالة الالتزامية وهي يمكن تقريبها بأحد شكلين:
الشكل الأول: أن نفترض أنها لوازم تكوينية، فإذا قصد الامتثال فقد قصدت امتثال الأمر، وهو الوجوب، فسقط الوجوب وكذا الغرض وحصل الثواب وحصل رضاء الله سبحانه وتعالى كل هذه لوازم تكوينية وعلّية بمعنى من المعاني ولا أقل اقتضائية العلية إن لم تكن علة تامة، فإذا لم يحصل منها مانع سقط كل ما ذُكر.
الشكل الثاني: وهو أن نتنزل عن الشكل الأول وحينئذٍ نقول إن الدلالة الالتزامية تحتاج إلى التفات إلى ما هو بمنزلة الكبرى وما هو بمنزلة الصغرى:
– أما، ما هو بمنزلة الكبرى فهو الإلتفات إلى الملازمة والعامي الاعتيادي لعله لا يلتفت إلى الملازمة والمهم أن اليقين بالملازمة أو لا أقل الاطمئنان بها أن يكون موجوداً ومع وجود طرف الملازمة وهو وجود اللازم ننتقل حينئذٍ إلى الملزوم وإلاّ بدون هذه المقدمات العقلية من الصعب أن ينتقل إلى الملزوم ولا
ــــــ[193]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
حاجة إلى أن ينتقل إلى الملزوم، لأن النية الارتكازية لواحد منها كافٍ ويكفي جريان البراءة عن الباقي.
وفي الحقيقة إن من جملة الأشياء التي ينبغي أن نلتفت إليها:
أولاً: لا بد من تطبيق الكبرى على الصغرى، لأن الدليل اللبي يؤخذ منه بالقدر المتيقن وهذا ما كررناه كثيراً كلٌّ بحسب مسألته.
وثانياً: إن الدليل هنا وإن كان لبّياً لكن العمدة فيما هو القدر المتيقن؟
هو أحوط هذه الأقوال حتى يصح اليقين بفراغ الذمة من جميع الجهات يكون بالإتيان بالنية الاحتياطية، فإن لم يكن هناك احتمال اللفظ فلا أقل من احتمال الإخطار وكذلك احتمال أن يكون المطلوب مجموعة أشياء لعلها ستة أشياء، وهي:
الوجوب، الامتثال، القربة، الأداء، القصر، التمام ونحو ذلك.
إذن: فالقدر المتيقن هو الأحوط، فلماذا نقول بإجزاء واحد منها مع العلم أن الدليل لبي ومقتضى القاعدة أن نقول بالاحتياط في هذا المورد
وجوابه: ينبغي أن نعرض هذه الرواية أولاً وهي:
«سأل المنصورُ العباسي الإمامَ الصادقيوماً عن الذُّباب، وهو يَتَطايح على وجهه، حتَّى أضجره، قائلاً: يا أبا عبد الله، لِم خلق اللهُ الذباب؟ فقال: لِيُذلَّ به الجبابرة. فسَكَت المنصور علماً منه أنه لو ردَّ عليه لوخزه بما ــــــ[194]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
هو أمضُّ جرحاً، وأنفذ طعناً» (1).
فإن دليل هذه المسألة متكون من صفتين:
الأولى: أنه لبي والثانية: أنه مجمل.
وكل من هاتين الصفتين يمكن الاستفادة منها في تفاصيل هذه النتائج فهنا لا نكتفي من حيث كونه لبي، بل من حيث كونه مجمل، أي لم تعطى للنية لا في الكتاب ولا في السنة تفاصيل كثيرة إطلاقاً ولم يشار إليها أبداً فحينئذٍ يكون الحال أن ننظر إلى زاوية الاجمال وهو يساعدنا بإجراء الأصول المؤمّنة عن الصفات المحتملة.
فإن احتملنا التلفظ أجرينا عنه البراءة، وإن احتملنا الإخطار أجرينا عنه البراءة وإن احتملنا صفتين أو ثلاثة أو خمسة أجرينا عنها البراءة.
هذا من زاوية كون الدليل مجمل لا من زاوية كونه لبي، فإذا جرت البراءة من حيث كونه مجمل كفى ذلك في إثبات المدّعى.
إن قلت: إن المسألة أصبحت متناقضة من حيث كونه لبي لابد من الاحتياط ومن حيث كونه مجمل لا بد فيه من إجراء البراءة.
قلت: في الحقيقة إن الاجمال يكفي في جريان البراءة وإذا جرت البراءة لا حاجة إلى الاحتياط، معنى هذا أن الأمر قد تحول إلى احتياط استحبابي وهذا ينبغي أن يكون واضحاً.
ــــــ[195]ـــــــ
(1) القَصص التربويَّة عند الشيخ محمَّد تقي فلسفي، للطيف الراشدي، دار الكتاب الاسلامي.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الشكر من المقاصد
بنى مشهور الفقهاء وعليه تركيز المتأخرين منهم على أنه من جملة المقاصد القربية هي الشكر، بمعنى يصلي الفرد صلاة الظهر – مثلاً – شكراً وقربة إلى الله تعالى.
أقول: إن هذا غير مقبول، لأن نية الشكر استحبابية ونية الظهر وجوبية فكيف يمكن الجمع بين هذين الداعيين؟
قد يقال: إن مقصودهم من الشكر هو الشكر بمجموع العبادات، لأنه سبحانه وتعالى مستحق للعبادة ومستحق للطاعة لكونه منعم، وحيث أنه منعم فهو مستحق للشكر، وحيث أنه مستحق للشكر فهو مستحق للعبادة والامتثال والطاعة، فتكون كل الطاعة مصداقاً بالحمل الشايع لو صح التعبير للشكر.
نقول: إن هذا المقدار من البيان قابل للمناقشة وذلك لأنه بدلاً من أن نقول إن هذه صلاة شكر لا صلاة ظهر أصبحت كل الصلوات اليومية والصيام ونحوها من العبادات مصاديق للشكر لا مصاديق للوجوبات التفصيلية والتكاليف التفصيلية الموجودة فيها.
* وهنا عدة خطوات نذكر أهمها، وهي:
إن قصد الشكر إلى حدٍّ ما منافٍ مع قصد الامتثال، لأن قصد الامتثال شيء وقصد الشكر شيء آخر، فلو اجتمعا في عبادة جزئية شخصية ربما يكون مقتضى الاحتياط، بل الفتوى هو البطلان، لأن المهم هو قصد امتثال الوجوب ــــــ[196]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أما قصد الشكر بعنوانه التفصيلي فهذا لا يخلو:
– إما أن يكون كل العبادة قصد الداعي فيها هو قصد الشكر، لزم خروج كونها صلاة يومية.
– وإما أن لا يكون الأمر كذلك، لزم خروج المسألة عن محل الكلام.
قد يقال: إن باقي الدواعي التي تذكر عادة في الفقه دنيوية وليست إلهية وهذا داعٍ إلهي.
نقول: هذا صحيح ولكنه ليس كل داعٍ إلهي يمكن أن تكون محققة لقصد القربة، فإن هناك دواعي إلهية أخرى منافية لقصد العبادة بالمعنى الأخص.
فذلكة
تحصل مما تقدم أن هنا مقاصد ثلاثة صحيحة، وهي: الامتثال، الوجوب، القربة.
وأن قصد واحد منها يكفي لجريان البراءة عن وجوب الاجتماع لو صح التعبير، أي عن قصد الثلاثة كلها وكذا الارتكاز منها يكفي أيضاً لجريان البراءة عما زاد عمن قصده المكلف.
قد تقول: إن المقاصد كثيرة، منها: قصد الثواب وقصد دفع العقاب ونحو ذلك، فلماذا الاعتبار لهذه الثلاثة فقط.
أقول: في الحقيقة تلك المقاصد إنما هي انقسامات بمعنى من المعاني للقربة حينما نقول قصد القربة، أي واحد من قصود القربة يكفي أياً كان فدخلت تلك ــــــ[197]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الانقسامات هنا في هذه المقصد الثلاثي لو صح التعبير.
وبتعبير آخر: إن هذه الانقسامات إنما هي تقسيمات ثلاثة وليست مقاصد بعنوانها ولذا التقسيم الأول الوجوب أو الاستحباب، فإذا قصد المكلف الوجوب جاز وإذا قصد الاستحباب في مورده جاز أيضاً.
والقربة أيضاً إما بعنوانها وهو عنوان الحصول على الثواب، أو بعنوان أهلية العبادة، ونحو ذلك، فإذن كل هذه الأمور مندرجة ضمناً في هذه الأمور الثلاثة.
مختار صاحب المستند ومناقشته
صاحب المستند يعلق على كلام السيد اليزدي «لا يجب قصد الأداء والقضاء ولا القصر والتمام ولا الوجوب والندب» بقوله: «فإنّهما من كيفيات الأمر لا من خصوصيات المأمور به، وإن صحّ اتصافه بهما أيضاً، لكنه إسناد تبعي والأصل فيه إنّما هو الأمر نفسه باعتبار اقترانه بالترخيص في الترك وعدمه، حيث ينتزع من الأوّل الاستحباب ومن الثاني الوجوب.
وعليه فمجرّد الإتيان بالعمل بداعي الأمر كافٍ في تحقّق العبادة وإن لم يعلم‌ أنّ الأمر المتعلق به وجوبي أو استحبابي، إذ لا دخل له لا في تحقق ذات المأمور به، ولا في إضافته إلى المولى»(1).
ــــــ[198]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص13 – 14من الموسوعة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أقول: هذا الكلام قابلة للمناقشة وبالخصوص عبارته هذه: إن الوجوب والاستحباب من صفات الأمر لا من صفات الامتثال ولا من صفات العمل فلا يحتمل أن يكون الوجوب والاستحباب مقصوداً أو واجب القصد ونحو ذلك.
فإن الوجوب والاستحباب بصفتهما صفة للأمر لم يكن معنى لقصدهما بالامتثال بطبيعة الحال، لأن ذلك إنما هو من قصد الأمر، فالذي يأمر يقصد الوجوب بأمره أو يقصد الاستحباب بأمره، أما أن الممتثل أو المكلف يقصد نفس المعنى الذي ينبغي أن يصدر من المولى فهذا ساقط بطبيعة الحال.
ولأجل ذلك كان من اللازم تفسيره بتفسير آخر حاصله:
إن قصد الوجوب، أي قصد امتثال الوجوب بتقدير مضاف، لأن الله سبحانه وتعالى أوجب في ذمة المكلف متعلق ذلك الأمر وألزمه به، فلا يكون حينها قصد الوجوب بمعنى قصد المولوي للوجوب وإنما بمعنى قصد المكلفين للوجوب لو صح التعبير، وهما معنيان متباينان:
الأول: جهة فاعلة.
والثاني: جهة منفعلة.
والمكلف بطبيعة الحال يقصد الجهة المنفعلة لا الجهة الفاعلة، إذن: الأمر يرجع إلى الامتثال وليس إلى قصد الوجوب.
فكأن صاحب المستند يجري البراءة عن وجوب قصد الوجوب والندب وهذا في نفسه محتمل، لأننا قلنا قبل قليل بكفاية أي واحد من هذه
ــــــ[199]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الأمور الثلاثة وأما الباقي فهو مجرى للبراءة، وذلك بأن يكون أحدها مقصوداً.
لكن إجراء البراءة عن وجوب قصد الثلاثة كلها لو صح التعبير بحيث أن الارتكاز أيضاً ليس موجود لا وجوب ولا ندب ولا امتثال ولا قربة بكل أقسامها بطبيعة الحال بطلت العبادة أكيداً، فلا مجال لجريان البراءة من هذه الناحية.
ومعنى هذا أن عبارة المستند تحتاج إلى تقييد بأن نقصد الوجوب، فيكون مجرى للبراءة إذا قصد غيره دونه.
أما إذا انحصر الأمر بقصد الوجوب أو الندب فهل يكون بالإمكان أن نجري البراءة بحسب إطلاق عبارته؟ كلا.
فظاهر عبارة المستند أن إجراء البراءة مطلق، سواء كان غير الوجوب مقصوداً ومرتكزاً أو لا، مع العلم أن هذا ليس بصحيح بطبيعة الحال، وإنما نجري البراءة من هذه الخصوصية إذا وجدت تلك الخصوصية، لأن واحد من الثلاثة لابد أن يكون موجوداً.
أجل، يمكن الاعتذار له بإننا إن اكتفينا بنية الارتكازية فمن الصعب أن نتصور أن جملة منها غير موجود، لأنه إذا سئل المؤمن عن عمله يقول هو قربة لله تعالى، فيكون الوجوب ونحوه موجوداً.
فليس هناك فرض غالب، بل نادر جداً أن واحد من تلك القصود موجود دون غيرها لكنه ما من واقعة إلّا ولها حكم فلابد حينها أن نخص الافتراض في
ــــــ[200]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
المسألة بهذا المعنى وهو أن الوجوب موجود دون غيره ولو ارتكازاً، فإذا كان المطلب كذلك وجب، لأنه أحد أطراف التخيير وبدونه، أي إذا سقط هو والباقي ساقط تبطل العبادة فلا مجال لجريان أصالة البراءة فيه.
فمن هذه الناحية، نعم هو خلاف الغالب جداً ولعله يظهر أثره فيما إذا أوجبنا النية الإخطارية، فإنها تكفي لتصحيح العمل إخطار أحد هذه الثلاثة ولا يجب عليه اختطار الجميع، لكنه لا يجوز حذفها جميعاً بطبيعة الحال، فجريان البراءة عن واحد بعينه لا بشرط عن وجود الباقي لا يجوز وإنما بشرط شيء من وجود الباقي الواحد نحذفه عن بدل وهو أحد الثلاثة الأخرى.
التعيين
تقدم من المحققأنه ينبغي قصد أمور أربعة، هي: الوجوب أو الندب، القربة، التعيين، الأداء والقضاء، وانتهينا بحمد الله تعالى من البحث عن الأوليين منهما ويقع البحث الآن عن (التعيين).
معنى التعيين
والمراد منه قصد التسمية، كالصلاة الواجبة أو الصلاة المستحبة، لأن أنواع كل نوع من أنواع العبادات له اسم، كصلاة الظهر والعصر وصلاة العيدين عند استحبابها وصلاة الجمعة عند استحبابها وصلاة أول الشهر وصلاة الليل ونحو ذلك، فلابد من تسميتها لكي تتعين.
فبحسب المحقق لا بد من تعيين الصلاة التي يريد إيجادها ونحو ذلك،
ــــــ[201]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وهذا لا كلام فيه إنما الكلام في الحقيقة في المحمول، أي في التسمية على وجوب التعيين، وذلك لأن الأصل الأولي حينما تعرض المسألة بهذا المقدار أنه هل يجب التعيين أو لا؟
دليل التعيين
وبلا شك أصالة البراءة جارية عن هذا الاعتبار، فهو شرط مشكوك وكل ما كان هذا حاله تجري عنه أصالة البراءة، فلابد من إقامة الدليل في مقابل أصالة البراءة بحيث يكون رافع لها وهذا الدليل هو:
الدليل الأول: إن الصلوات، سواء قصدنا منها الصلوات الواجبة أو الصلوات المستحبة ماهيات متعددة متشرعياً وشرعاً وهذه الماهيات لا تتعين إلّا بالقصد بطبيعة الحال، لأنها في كثير من الأحيان تكون الماهيات متماثلة 100% من حيث الأجزاء والشرائط إلّا من حيث القصد، وحينئذٍ ينبغي أن تتشخص الماهية بالقصد، فبالقصد تحصل الماهية وبحصول الماهية يحصل الامتثال، فمن الضروري تشخّص الماهية وتشخّصها هنا بالقصد.
فمثلاً صلاة الظهرين لا فرق بينهما من جهة الركعات والإخفات ونحو ذلك ولكي يمكن التفريق ينهما لابد من قصد إحداهما.
وكذا صلاتي الفجر ونافلتها، فإنه من جهة عملية لا فرق بينهما إلّا من حيث القصد.
نعم، الفرق بين المثالين موجود وهو أن الظهرين لا يختلفان إلّا من حيث
ــــــ[202]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
التسمية وأما النافلة والفريضة فتختلفان من حيث التسمية ومن حيث الحكم الشرعي بطبيعة الحال.
وكلاهما قصد في الحقيقة التسمية قصد الحكم الشرعي أيضا قصد ولكن سائر الزوايا والخصوصيات مشتركان.
فالمهم على انه كل صلاة لها ماهية والماهية لابد من قصدها لتحقق تلك الصلاة وطبعا ليس دائما هذا أيضا ينبغي ان يكون ملتفتاً إليه.
أجل، ليس دائماً القصد هو الذي تختلف به الصلوات فقد تكون هناك أمور تختلف بلحاظها الصلوات، كصلاة الآيات وصلاة الأموات وصلاة المغرب إذا قيست بصلاة العشاء، فكل هذا يختلف فيه الواجب بطبيعة الحال هذا من هذه الناحية.
وكذلك النية ليست خاصة بالصلاة وإنما هي عامة لكل العبادات بالمعنى الأخص والعبادات بالمعنى الأعم فمن هذه الناحية يتضح جداً أن القصد ليس هو السبب الوحيد للاختلاف.
حقيقة اختلاف الماهيات بالقصد
اتضح أن أحد الأمور الرئيسية التي تختلف بها الماهيات هو القصد، والكلام في هذه المسألة بطرح هذا السؤال:
هل إن اختلاف الماهيات بالقصد يحتاج إلى دليل؟
الجواب: إنه بالحقيقة يمكن الاستدلال على ذلك بعدة وجوه، منها:
ــــــ[203]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الدليل الأول: الارتكاز المتشرعي
فلا شك أن المتشرعة يفرقون بين تلك الحصص التي لا تختلف إلّا بالقصد يفرقون بين صلاة الظهر وصلاة العصر وبين نافلة الصبح وصلاة الصبح ونحو ذلك.
فإذا كانوا يفرقون بهذا الأسلوب، معنى هذا أنهم يدركون ضمناً ولا شعورياً لو صح التعبير أو ارتكازاً -باللغة الفقهية- أن هذه ماهية مختلفة عن هذه وإنما الاختلاف بالقصد وحده، فالقصد هو الذي يمثل الماهية.
الدليل الثاني: الدليل الدال على الترتيب
فقد دل الدليل الشرعي على الترتيب بين صلاة الظهرين وبين نافلة الصبح وصلاة الصبح، لأن المشروع حقيقة هو تقديم نافلة الصبح على صلاة الصبح وإن كان أمكن تأخيرها بنحو القضاء، فحينئذٍ ما دل على الترتيب هو نفسه دليل على دخالة القصد في الماهية، لأنه لولا دخالة القصد لما صح الترتيب بطبيعة الحال اطلاقاً، لأنها أربع ركعات مع أربع ركعات متماثلة من جميع الجهات، لا تختلف، فمن هذه الناحية لا يمكن صدق الترتيب إلّا بالقصد.
الدليل الثالث: الروايات
من قبيل: محمد بن يعقوب عن علي بن محمد ومحمد بن الحسن جميعاً عن سهل بن زياد عن إسماعيل بن مهران قال: «كَتَبْتُ إِلَى الرِّضَا ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ، إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَ الْعَصْرِ، وَإِذَا غَرَبَتْ دَخَلَ وَقْتُ
ــــــ[204]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الآخِرَةِ، إلّا أَنَّ هَذِهِ قَبْلَ هَذِهِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَأَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ إِلَى رُبُعِ اللَّيْلِ، فَكَتَبَ كَذَلِكَ الْوَقْتُ غَيْرَ أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ ضَيِّقٌ»(1).
فإن قوله : «إلاّ أن هذه قبل هذه» يمكن أن يستفاد منه اختلاف الماهية، لأن هذه العبارة كأنها تشير إلى حصة من الصلاة، فهذه الأولى وحصة أخرى من الصلاة وهذه الثانية، ولا تختلف في الحقيقة هذه عن هذه إلّا بالقصد، وهذا أيضاً ينبغي أن يكون واضحاً.
إشكال
إن مرجع هذا الدليل هو الدليل السابق، فإن الدليل السابق كان هو عبارة عما دل على الترتيب وهذه الرواية تدل على الترتيب.
إذن: هذا الدليل ليس مستقلاً في اعتبار القصد.
الجواب: في الحقيقة يمكن أن نبين عدة أجوبة، منها:
الجواب الأول:
إن قوله : «إلاّ أن هذه قبل هذه» يمكن أن نستفيد منه أمرين:
الأول: الترتيب بين الصلوات.
الثاني: كون القصد دخيل في الماهية.
والشاهد على استفادة الأمرين معاً إننا لو حذفنا معنى الترتيب من الرواية تبقى استفادة الماهوية مستقلة قائمة، وذلك لأننا استفدناه من قوله: (هذه) ــــــ[205]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص130 ح20، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وهذا يكفي في إثبات المدعى.
الجواب الثاني:
إن الدليل السابق الدال على الترتيب لم يكن هو رواية بعينها، فربما يكون رواية وربما يكون اجماع وربما إنه سيرة ونحو ذلك، مع أن الدليل الحالي هو خاص بالدلالة على اعتبار القصد.
الدليل الرابع: [التفريق الماهوي بين أفراد الصلاة]
إن الصلوات ماهيات مستقلة وما دل على جواز العدول من صلاة إلى صلاة متماثلة الأجزاء والشرائط، من قبيل العدول من صلاة العصر إلى صلاة الظهر، كما لو كان بدأ إنسان صلاة الظهر ثم تذكر أنه لم يصلي الظهر، فيعدل بنيته إلى صلاة الظهر، وليس من قبيل العدول من صلاة العشاء إلى صلاة المغرب.
ومعنى العدول هو تغيير القصد، فبعد أن كان يقصد صلاة العصر هو الآن يقصد صلاة الظهر، فالاسم والقصد من هذه الناحية له دخل حقيقي في التفريق الماهوي طبعاً الاعتباري وليس ماهوي تكويني بطبيعة الحال.
أنواع وجوب التعيين
قصد التعيين على نحوين:
1- القصد الإجمالي، وهو كلي ينطبق على الحصة.
2- القصد التفصيلي، وهو الفرد الذي ينطبق عليه الكلي.
ــــــ[206]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فمثل فريضة الوقت التي هي عنوان ينطبق على أي وقت وهذا بمنزلة الكلي، وصلاة الظهر عنوان ينطبق على الأداء في هذا الوقت، وصلاة الظهر نفسها هي بمنزلة الحصة الفرد.
وهنا نسأل هن طبيعة وجوب التعيين هل هو تفصيلي أو إجمالي؟
الجواب: هو وجوب تفصيلي، بمعنى لا يكفي غيره عنه.
لكن لو قصد الوجوب ولم يقصد التعيين فهل هذا يكفي في صحة العمل أو لا؟
الجواب: لكي يتضح الجواب ينبغي أن نرجع لمسألة النية وما هو المعتبر فيها: هل هو الاخطار أو الارتكاز؟
أقول: بما إننا اخترنا النية الارتكازية، وبقصد الوجوب يكون أحد الأربعة موجوداً فيكون العمل صحيحاً، أما الباقي فبالإمكان إجراء أصالة البراءة عنه.
هل يكفي عن التعيين غيره
اتّضح مما تقدّم أن التعيين يكفي عن غيره لكن هل يكفي غيره عنه؟
الجواب: إن بنينا على عدم الكفاية، فالحاصل أحد أمرين:
الأول: ينبغي للمكلف دائماً أن يختار التعيين، مثلاً أصلي صلاة الظهر.
الثاني: لو لم يختر المكلف التعيين، بطلت الصلاة، فلابد له حينئذٍ من نية أمرين من الثلاثة الباقية.
إلفات نظر
كان البحث عن قضية التعيين بالمعنى الذي اصطلح عليه المحقق والآن نبحثه بمعنى آخر وهو: إنه عند حصول التردد بين فردين لابد من تعيين
ــــــ[207]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أحدهما، كالتردد بين الأداء والقضاء.
وهذا البحث إنما هو بلحاظ العبادات التي لا تختلف إلّا بهذا القصد نفسه وإلاّ من سائر الجهات هي متشاكلة، فبالنسبة إلى الوجوب والاستحباب نافلة الصبح وفريضة الصبح هما يختلفان فلا بد من قصد الاستحباب في أحدهما والوجوب في الآخر، وبالنسبة إلى الظهرين وكذا بالنسبة إلى الظهر أداءً أو الظهر قضاءً أيضاً ونحو ذلك فيجب التعيين.
أما الأداء فيقصد الأداء وأما القضاء فيقصد القضاء وهكذا وهذه مرحلة من التعريف بالموضوع.
المرحلة الأخرى: أن يكون التعيين بين نحوين من الترددات، كما لو وجد احتمالان كل منهما على قسمين، كما لو كان له يومين من شهر رمضان قضاءً فهل يجب عليه أن يعيّن أحدهما أنه اليوم الأول الذي فاتني وهذا هو اليوم الثاني الذي فاتني؟ الظاهر أن ذلك ليس بواجب.
ومثل ما لو كان مديناً لزيد بدرهمين درهم استدانه في شهر رجب ودرهم استدانه في شهر شعبان، فمن الناحية الفقهية لا يجب التعيين أكيداً.
وحينئذٍ نسأل ما هو الفرق بينهما لماذا بالقسم الأول وجب التعيين في حين أنه في القسم الثاني لم يجب التعيين؟
الجواب: إن ذات العمل بكل تفاصيله هنا محفوظ وذات العمل هناك غير محفوظ، بل يحتاج إلى قيد.
ــــــ[208]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
إشكال وجواب
إن قلت: إن التعيينات من القسم الأول من قبيل صلاة ظهر وصلاة عصر أو أداء وقضاء ونحو ذلك، وهي بحسب الفرض من الواجبات، وقلتم إن الماهية محفوظة في كِلا الفرضين وما دامت الماهية محفوظة في كِلا الفرضين، إذن: لا يجب التعيين، لأن الله تعالى يريد من المكلف ماهية الشيء وهي على كِلا التقديرين محفوظة وهذا يكفي في تحقيق الامتثال بعد الالتفات إلى أن أدائية العبادة وقضائها صفة خارجة عن الماهية.
فلماذا لا يتحقق الإجزاء ونجري الأصول المؤمنة عن الخصائص الزائدة.
قلت: صحيح أن الماهية محفوظة والماهية هي المأمور بها بدون قيد زائد فيجب إقامة دليل على التعيين من الخارج، ولعله لا وجود لدليل على التعيين، وأن هذه الاستبعادات بأن الأداء والقضاء لا دخل لها بالماهية وأن الاستحباب والوجوب كذلك وإن كان من الناحية المنطقية صحيح لكن من ناحية متشرعية أو شرعية غير صحيح، بل يمكن القول بخلافه وذلك بأن يقال أن المتشرعة أو الشارع إنما تنظر إلى صلاة الأداء، كماهية مستقلة عن ماهية صلاة القضاء، وإلى الصلاة المستحبة كماهية مستقلة عن الصلاة الواجبة، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً بالنسبة إلى التفريق بين الاستحباب والوجوب، ونحن لا نقصد من الماهية الماهيات المقولية أو المنطقية بطبيعة الحال وإنما الماهيات الاعتبارية، فأي شيء له دخل في نظر الشارع بماهوية الماهية نضعه.
ــــــ[209]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فإذا كان المطلب كذلك تكون النتيجة على خلاف ما قلناه في الإشكال، لأن ما يجب امتثاله هو إيجاد الماهية الشرعية الصحيحة في نظر الشريعة فإن كانت الماهية بغض النظر عن هذه التفاصيل أمكن إجراء الأصل المؤمن عنها ولكن إذا لم يكن الأمر كذلك بطبيعة الحال أن الماهية لا توجد إلّا بهذه التفاصيل، إذن: يجب قصد الأداء أو القضاء أو الاستحباب أو الأصالة من قبيل القضاء عن الغير أو من هذه التفاصيل التي لها دخل في الماهية حتى يصح الامتثال وإلاّ لم يكن الامتثال مجزياً.
تلخص مما تقدم النتائج التالية
1- إن الامتثال لا يحصل إلّا إذا حصلت الماهية وبدون حصولها لا طاعة ولا امتثال، فلا ينطبق المأتي به على المأمور به، لأن المأمور به هو عنوان الماهية وليس بالدلالة المطابقية عنوان الماهية وإنما هو منشأ انتزاع الماهية.
2- إن كل وصف له دخل في الوجوب جزءاً كان أو شرطاً أو عدم مانع أو أي شيء آخر نستطيع أن ندخله في الماهية، لأنه في الحقيقة جزء أو قل قسم من المأمور به فما دام قسماً من المأمور به يمكن أن يدخل في الماهية، لأننا لا نقصد من الماهية الماهيات العقلية المقولية وإنما ماهية تركيبية شرعية، الشارع يمكن أن يدخل فيها ما شاء وأن يخرج منها ما شاء.
3- إننا لا نقدر على إدراك الواقع وإنما هو على واقعه لكن ندرك منه ما دل الدليل على ثبوته وما دل الدليل على ثبوته فهو من الماهية وما دل على خروجه فهو ليس من الماهية.
ــــــ[310]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
نقض وجوابه
إن قلت: إن هذا الكلام منقوض، فإن هناك أمور يجب قصدها وتهيينها من قبيل القصر والإتمام، وبقصدهما يكونا دخيلين في الماهية مع أن القصر والتمام ليسا من ذات الصلاة، أي أنهما من الصفات الخارجية عن الماهية والإضافية للماهية لو صح التعبير، فلذا تنقض القاعدة المتقدمة.
قلت: في الحقيقة إن بالإمكان تقديم عدة أجوبة، منها:
الجواب الأول: إن الأشياء الخارجة عن الماهيات الحقيقية إنما هي عناوين انتزاعية ولا نستطيع أن نسميها ماهية ونحو ذلك، فالماهية بالنسبة إلى الصلاة ساقطة أساساً، لأن العبادات إنما هي مجموعة مركبات من هذه الأمور المعروفة المحتملة ونحو ذلك من الأمور الموجودة في الشرائع وحينئذٍ لا دخل للماهية في وجوب القصد أصلاً، وإنما نحن نتبع الدليل فما دلّ الدليل على وجوبه سواء كان دليلاً لبياً أو لفظياً أو أصلاً عملياً أو أي شيء نأخذ به وما دل الدليل على نفيه نفيناه.
وفيه: إن الجواب بني على كبرى مفادها: أن الماهيات فقط الماهيات المقولية، وهذا صحيح من الناحية العقلية، لكن محل البحث ليس الفلسفة أو علم الكلام، وإنما هو الفهم العرفي الذي هو العمدة في الفهم الفقهي، والماهيات في العرف كثيرة، فمن هذه الناحية لا نستطيع أن ننفي سائر الماهيات وإن كانت بالدقة عناوين انتزاعية إلّا أنها بنظر العرف ماهيات.
ــــــ[311]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الجواب الثاني: هَب أننا سلمنا أن الماهية ثابتة لكن الماهية ثابتة بخصيصة واحدة لا بكل الخصائص وهو التسمية، بحيث نعبر صلاة الظهر، صلاة العصر، صلاة الليل، غسل الجمعة ونحو ذلك، هذا بحسب المعنى المتشرعي والشارعي.
وماهيته بهذه الخصوصية من واجبات ومستحبات ونحوها، وأما غيرها من الشروط والخصائص فهو منفي ببركة الأصل المؤمّن.
وفيه: إن هذا الكلام ليس بصحيح، لأن الماهية بهذا المقدار ثابتة والباقي إنما هي شرائط خارجية حقيقيه، فإن ثبت شيء منها فهو وإذا ثبت عدمه نلغيه.
الجواب الثالث: إن قصد الماهية وخصائصها ضروري إلّا ما خرج بدليل، فإن دل دليل على عدم وجوب القصد أخذنا به، كقصد التمام وقصد الأداء ونحو ذلك.
وفيه: إننا فرضنا شيئاً ما دخيلاً في الماهية وأن عدمه ملازم لعدم الماهية فحينئذٍ هنا نفترض أن الأداء دخيل في الماهية كدخالة القضاء ومع ذلك يجوز تركه مع كونه دخيلاً في الماهية وكذلك التمام – مثلاً – دخيل في الماهية كدخالة القصد ولكنه مع ذلك يجوز تركه، وذلك بدليل المقيد وهذا الكلام هل هو ممكن في الماهيات العقلية؟
لا، ليس ممكناً بطبيعة الحال، فكيف يكون شيء ما دخيلاً في الماهية ومع ذلك لو فرض عدمه حفظت الماهية، فإذا لزم من عدمه عدم الماهية لزم عدم
ــــــ[312]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الامتثال، لأن الامتثال إنما يوجد بالماهية والماهية بالامتثال، إذن: بطل الجزئي من الصلاة التي جئت بها مع العلم انه لا يسقط.
أجل، هذا يمكن أن يجاب عنه بطبيعة الحال ببطلان القياس والتشابه ما بين المستوى العقلي من التفكير والمستوى العرفي من التفكير أو قل المستوى الفقهي من التفكير.
نعم، بالنسبة إلى المستوى العقلي يلزم من عدمِه عدمُه، أي يلزم من عدم جزء الماهية عدم الماهية كلاً وهذا ينبغي أن يكون صحيحاً، فإذا لم يكن شيء ما ناطقاً فهو ليس بإنسان وإذا لم يكن شيء ما حيواناً فهو ليس بإنسان أكيد.
لكنه بالنسبة إلى الماهيات العرفية والمتشرعية، الأمر ليس كذلك لإمكان أن يدخل فيها أي شيء ويمكن أن يخرج منها أي شيء، ولا يلزم من عدمِه عدمُه.
خلاصة الاعتراضات
قلنا إن المدار في محل البحث هو عنوان الماهية بتمام خصائصها، وهذا البحث واجه بعض الإشكالات والنقوض وهنا يحسن تلخيصها، فنقول: –
1- إننا نشعر أن الصلاة في أصل الماهية لا دخل للأدائية والقضائية فيها فهي صلاة ظهر مثلاً أو صلاة نافلة، والظهر ماهية سواء أديت أو قضيت والقضاء له حصة من الماهية وامتثال للماهية لو صح التعبير وليس شيئاً خارجياً، فالماهية محفوظة سواء كانت أداءً أو قضاءً، فمقتضى القاعدة أنها لا يجب أن تقصد.
ــــــ[213]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
2- إننا نشعر بأن صلاة الظهر نفس الماهية، سواء أُدِّيَت وجوباً أو استحباباً، أي تكراراً في جماعة ونحو ذلك، وحينئذٍ مقتضى القاعدة أن لا يجب القصد لا الوجوب ولا الاستحباب، لأنها خارجة عن هذا الجانب.
خلاصة الأجوبة والنتائج
1- إننا نشعر بوجداننا كمتشرعة أن شيئا ما هو دخيل بالماهية وشيئاً ما هو ليس دخيلاً بالماهية.
2- إن مقتضى القاعدة أن ما هو دخيل بالماهية لا حاجة إلى أن نتجشم صعوبته، كتجشم الدليل عليه، بل يكفي أن هذا دخيل في ماهية الصلاة والصلاة المأمور بها إنما هي الماهية، أي الماهية الأصلية وهذا يكفي لكونه واجباً إلّا أن يخرج بدليل.
3- إن بعض الأمور مشتركة في الماهية والأمور الزائدة لا يجب قصده من قبيل صوم يومين من رمضان قضائيين، لأن وقت الأداء الفائت لا دخل له في الماهية، سواء كان ظهر يوم الأحد أو ظهر يوم الاثنين، والمهم هو حفظ الماهية القضائية لو صح التعبير وأُنجزها وأُؤدّيها الآن قضاءً عما فات بما في الذمة إجمالاً وهذا يكفي، لأن وقت الأداء غير دخيل في الماهية يقيناً بذاك المعنى من وقت الأداء.
4- لو توخّينا في وجوب التعيين دليلاً لفظياً لم نتمكن من ذلك، بمعنى لا دليل لفظي لا من آية ولا من رواية وإنما هو مطلوب على القاعدة، لأن التعيين
ــــــ[214]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
من هذه الناحية، أي اسم الفرائض والنوافل هو القدر المتيقن والأكيد والأساسي من عنوان الماهية المتشرعية للعبادات، فلابد حينها من قصد التعيين ولا يمكن التنازل عن هذه الجهة، فدليل الماهية ينفعنا من هذه الناحية لا أنه بما أنه لا دليل عليه من الخارج فنجري عنه الأصول المؤمنة ولا يمكن أن ندفعه بعد دخله في الماهية من هذه الناحية.
5- إن الدليل على التعيين يمكن أن يكون أحد أمور مضافاً إلى الماهية، وهي:
أولاً: الاجماع، لكن الاجماع مبتلى بكونه مدرَكياً، فما لم نجزم بأنه تعبدي صرف لم يكن بالإمكان الاعتماد عليه.
ثانياً: الارتكاز المتشرعي والسيرة المتشرعية المدعومة بالارتكاز المتشرعي وهذا موروث جيلاً بعد جيل بين المسلمين وليس فقط عند الإمامية عن عصر المعصومين بل عن عصر رسول الله.
ثالثاً: الرواية المعتبرة التي تقول إذا دخل الوقت فقد وجبت صلاتي الظهر والعصر إلّا أن هذه قبل هذه، لأن صدق هذه وهذه لا يكون إلّا بالتعيين: إذن: فيتعين التعيين.
استفهام استنكاري
إتّضح مما تقدّم أنه يجب قصد واحد من الأمور الأربعة التي ذكرها المشهور وذكرها المحقق وهي: الوجوب أو الندب والتعيين والقربة
ــــــ[215]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
والأداء أو القضاء، في حين أن المتحصل والنتيجة التي ذُكر أنه لابد من قصد اثنين أحدهما التعيين، ولازم هذا التنافي بين الأمرين، الأول: أن يقصد واحد منها فقط والثاني: أن يقصد اثنين منها.
الجواب: في الحقيقة القضية مرتبطة بأمر رئيسي وهو إمكان جريان الأصل المؤمّن، فمتى ما جرى الأصل المؤمّن عن شيءٍ ما من القصود الأربعة اقتصرنا على غيره، أي اقتصرنا على ما لم يجري عنه الأصل المؤمّن وأما إذا لم يجري الأصل المؤمّن عن أكثر من واحد بحيث نكون غير معذورين إلّا إذا قصدنا اثنين، فلابد حينها من الالتزام به ويمكننا القول بعدها: إن حصة واحدة من الاحتمالات المتعددة وحصص الصلاة المتكثرة نتيجتها أنه يجري الأصل المؤمّن في ثلاثة منها ويبقى واحد، وذلك فيما إذا لم يكن هناك ترديد بالموضوع، كالصلاة الأدائية الاعتيادية وعنوان الأداء لا يجب وكذا عنوان التمام، وكذلك أيضاً قصد القربة والوجوب واللذين أرجعناهما إلى معنى واحد مع التعيين الذي هو ثانيهما الذي هو اسم الصلاة.
وفي الحقيقة يدور الأمر بين هذين الأمرين افترض نسميه قصد القربة والتعيين فهل يجب كلا العنوانين أو أحدهما كافٍ؟
نقول: عند الشك نجري الأصل المؤمّن عن التعدد والإتيان بواحد كافٍ وحيث أنه ثبت سابقاً أن التعيين لا يجري عنه الأصل المؤمّن، لأنه دخيل في الماهية يكفي قصد واحد وهو التعيين، كـ(هذه صلاة الظهر) و(هذه صلاة
ــــــ[216]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الصبح)، يكون هذا هو المطلوب والباقي يكون مجرى للأصول المؤمّنة.
نعم، قد تكون في صور أخرى تدلنا الأدلة الحاكمة على الأصول المؤمّنة بأنه يجب قصد هذا الأمر، من قبيل يجب قصد القصر مثلاً أو يجب قصد القضاء، فإذا دل الدليل على وجوب قصده لم يكن بالإمكان إجراء الأصل المؤمّن عنه، لأن الأصل المؤمّن يكون محكوماً للدليل المعاكس له لو صح التعبير.
كما أنه ليس دائماً أنه يجب قصد أحد الأمور الأربعة، كما أنه ليس دائماً يجب التعدد وكل هذا بيانه قد تقدم.
البحث في الأداء والقضاء
والبحث فيهما على نحوين:
الأول: في وجوب قصد الأداء.
الثاني: في وجوب قصد القضاء.
وجوب قصد الأداء
– أما الكلام في وجوب قصد الأداء، فنقول فيه:
إن المشهور شهرة عظيمة عدم وجوب قصد الأداء، لأن الأداء مطلب تكويني.
قال في متن العروة وفي المستند الذي هو شرح العروة بعدم وجوب قصد الأداء، قال: «مسألة 2: لا يجب قصد الأداء والقضاء… إذ اللاّزم على
ــــــ[217]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
المكلف إنّما هو الإتيان بذات المأمور به مع تعيينه فيما يحتاج إلى التعيين حسبما مرّ مع إضافته إلى المولى، وأمّا الزائد عليه من الخصوصيات الّتي تكتنف بالعمل من القصر والتمام أو القضاء والأداء، كالالتفات إلى بقيّة الأجزاء، فلم ينهض على اعتباره أيّ دليل، فلو لم يكن في ذمته إلّا الأداء تماماً، فقصد أربع ركعات بقصد الظهر صح وكفى، وإن لم يكن ملتفتاً إلى شي‌ء من الخصوصيتين تفصيلاً حين العمل»(1).
إلاّ أن المحقق والشيخ الهمداني يريان وجوب القصد: «ولكن المشهور بين الأصحاب -رضوان الله عليهم- اعتبار أمور أخر، كالمصنّف في الكتاب حيث اعتبر (القصد) بها إلى أمور أربعة: الوجوب أو الندب والقربة والتعيين، وكونها أداء أو قضاء وقد عرفت في المبحث المشار إليه أنّ الوجوب والندب ونظائرهما ممّا هو من لواحق الطلب لا يعتبر قصده في مقام الامتثال، وإنّما المعتبر تشخيص متعلّق الطلب وإتيانه بداعي طلبه، لا تشخيص مراتب الطلب فضلاً عن قصدها»(2).
مما يدل على أن المسألة ليست تسالمية.
إستدلال الهمداني في المقام
ثم إن الشيخ الهمداني يبرهن على مقصوده بضم صغرى إلى كبرى، الصغرى: دخالة الوقت كقيد في المأمور به.
ــــــ[218]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص13 من الموسوعة.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص391، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الكبرى: إنما يحصل الامتثال بإيجاد الصلاة بشرائطها التي من جملتها الوقت.
وقبل بيان ذلك نذكر عبارة المصباح: «وقد تقدّم تفصيل الكلام فيما يتعلّق بالمقام من النقض والإبرام في نيّة الوضوء، فلا نطيل بالإعادة.
وملخّصه أنّه لا يعتبر في صدق الإطاعة -التي تتوقّف عليه صحّة العبادات- إلّا اختيار الفعل الذي تعلّق به التكليف، قاصدا به الخروج عن عهدة ذلك التكليف، وهذا لا يتوقّف إلّا على تخصيص ذلك الفعل بالقصد بتوصيفه بشي‌ء من خواصّه التي تجعله موافقا للمأمور به كي يصحّ اتّصاف ذلك الفعل الموافق للمأمور به من حيث كونه كذلك بكونه صادرا عن قصد وإرادة، فالذي يعتبر في المقام إنّما هو تعيين القسم الخاصّ من الصلاة، كالظهر والعصر أو نافلتهما أو الآيات أو صلاة جعفر أو الاستسقاء أو العيد أو غير ذلك، وإيقاعه امتثالا لأمره، فإنّ هذه الصلوات حقائق مختلفة وإن اتّحد بعضها مع بعض صورة، كما يكشف عن ذلك اختلاف آثارها، بل ظهور أدلّتها في كون كلّ منها نوعا من الصلاة، فلا بدّ من تعيينه بالقصد»(1).
بيان الصغرى إن الأداء والقضاء منشأ انتزاعي
وهذا ينبغي أن يكون واضحاً والوقت دخيل في المأمور به، بل لعله ما يعتمد عليه الهمداني ولعله أهم الخصائص وأهم الشرائط بدليل أن أي ــــــ[219]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص391 – 392 ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
شرط زاحم الوقت، كان الوقت مقدم عليه من قبيل الستر والتطهير ونحوها، فالوقت مقدم على جميعها وهذا ينبغي أن يكون مسلّماً فقهياً فمن هذه الناحية الوقت أهم الشرائط، ولذا يكون اعتباره ليس بشرط.
بيان الكبرى يحصل الامتثال بإيجاد الصلاة بشرائطها
يحصل الامتثال بإيجاد الصلاة بشرائطها التي من جملتها الوقت وحينئذٍ يجب قصد الأداء، أي قصد الوقت بهذا المعنى، فيقصد الصلاة داخل الوقت بإزاء أنه يصلي خارج الوقت ليس قضاء وإنما هو أداء.
أقول: في الحقيقة هذا الكلام غريب من الشيخ الهمداني لأن الشرط له مستويان من التفكير:
الأول: قصد الوقت أو قصد الأداء.
الثاني: الوجود التكويني للوقت.
والذي ينتجه دليل الهمداني هو الثاني، أي الوجود التكويني للوقت، فيكون دليله أخص من المدعى.
نعم، الوقت أهم الشرائط صحيح ولا يمكن إيجاد الصلاة إلّا به لكن هذا بوجوده التكويني لا بوجوده القصدي.
وأما قصد الوقت فهذا باب زائد، أي إذا كان يجب إيجاد الصلاة في الوقت فيجب قصد الوقت هذه مؤونة زائدة غير موجودة في دليله إطلاقاً، والنتيجة: أن المدعى بحاجة إلى استئناف دليل على وجوب القصد بعنوانه التفصيلي لو صح التعبير ولو ارتكازاً.
ــــــ[220]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
ولما لم يوجد دليل أمكن إجراء الأصل المؤمّن عن قصده وهذا ينبغي أن يكون واضحاً.
الدليل على وجوب نية الأداء
أقول: يمكن الاستدلال على وجوب نية الأداء بمجموعة من الأدلة اللبية، لعدم وجود أدلة لفظية، وأهم تلك الأدلة اللبية (الإجماع والسيرة).
فيمكن القول إن الإجماع قام على وجوب القصد وكذلك تسالمت سيرة المتشرعة على وجوب القصد وهذا يكفي، إذن القصد واجب.
وفيه: في الحقيقة إن كلاً منهما قابل للمناقشة:
الأمر الأول:
فالإشكال مشترك بينهما وهو إنهما معاً من الأدلة اللبية وبطبيعة الحال الدليل اللبي يؤخذ منه بالقدر المتيقن، والقدر المتيقن من ذلك هو حصول الترديد كما نعبر ويعبر الفقهاء عادة في مثل هذا المكان، فيتعين حينها قصد الأداء وهذا ينبغي أن يكون واضحاً.
الأمر الثاني:
– أما الإجماع، فيمكن انكاره، بمعنى أن إجماع تعبدي لا وجود له خصوصاً أن الأصل هو العدم.
– أما السيرة، فإن أصل وجودها أن كل متشرع يصلي لا بد أن يكون ملتفتاً إلى أن صلاته أدائية وهذا مستبعد جداً، والسيرة بما هي سيرة عملية لا تدل على حكم.
ــــــ[221]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أقول: في الحقيقة هذا له أكثر من جواب:
الجواب الأول: إن نية الأداء للمصلين عموماً أو لأيّ مصلٍّ تحصل تكويناً -تلقائياً- والإنسان كشخص إنما هو متوجه إلى ربه وإلى صلاته يعرف خصائصها وإذا سئل التفت وليس المراد من النية أكثر من ذلك، فهذا الالتفات يحصل تكويناً، سواء كان واجباً أو لم يكن واجباً، سواء كان مستحباً أو لم يكن مستحباً وهو حاصل على كل حال فما هو موجود خارجاً حصوله تكويني وما نريد استنتاجه ووجوبه وهذا ليس تبايناً فمن هذه الناحية السيرة كأنما سقطت عن الاستدلال.
الجواب الثاني: بعد التنزل عن الجواب الأول يمكن القول: إن قصد المتشرعة للوجوب لعله من باب الاحتياط الاستحبابي أو الوجوبي، وهذا قصدهم جيلاً بعد جيل وليس ذلك من باب الفتوى بالوجوب.
ونستطيع أن نقول هذا حكم موروث تعبدي من قبل المعصومين لتكون هذه السيرة حجة.
وفيه: إن هذا أول الكلام، فلا يكون هذا دليلاً كافياً.
والنتيجة: إن الإجماع والسيرة على وجوب قصد الأداء ساقطان عن الحجية ودليل الشيخ الهمداني أيضا ساقط، فلا محصل للأدلة التي بهذا الصدد تسرد.
فيبقى الأصل المؤمّن الذي هو أصالة عدم الشرطية أو أصالة البراءة عن وجوب قصد الأداء جارٍ بلا معارض وبلا حاكم.
ــــــ[222]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وجوب قصد القضاء
تم الكلام عن وجوب قصد الأداء واتضح عدم وجوبه وهذا واضح وهو الآن عن وجوب قصد القضاء، لكن البحث فيه ليس بواضح.
على العموم الشيخ الهمدانيأولاً يبين دليل الوجوب ثم يقيم دليلاً على عدم وجوب القضاء.
قال في المصباح: «وأمّا القضاء : فقد يتخيّل عدم احتياجه إلى التعيين، بل يكفي عدم تعيين الأداء في صحّتها قضاء؛ نظرا إلى ما قوّيناه في المواقيت من أنّ القضاء ليس ماهيّة مباينة للأداء، وقد جعلها الشارع تداركا لما فات من باب التعبّد، بل هي بعينها تلك الصلاة الواجبة في الوقت، وقد أمر الشارع بإيقاعها في خارجه عند فوات الوقت، فإيقاعها في الوقت خصوصيّة معتبرة فيها، ولكن لا تنتفي مطلوبيّتها بفوات تلك الخصوصيّة، فهما من قبيل المطلق والمقيّد، فلو اشتغلت ذمّته بحاضرة وفوائت من نوعها، يعتبر في الحاضرة تعيينها، وعند عدم تخصيصها بالقصد تقع قضاء، فلا يعتبر في القضاء قصده، بل يكفي الإتيان بصلاة مطلقة من نوع ما اشتغلت به ذمّته قربة إلى الله، لا بقصد وقوعها أداء.
ولكن يدفعه أنّ هذا ليس من قبيل ما لو تعلّق أمر بطبيعة مقيّدة وأمر آخر بمطلقها كي يقع الفرد المأتيّ به عند عدم قصد القيد امتثالاً للمطلق، بل من قبيل تعدّد المطلوب، فالمطلوب عند التمكّن من القيد هو المقيّد بخصوصه، وعند تعذّره الفرد العاري عن القيد، فهما لدى التحليل مطلوبان بطلبين مترتّبين، والطبيعة المطلقة التي هي القدر المشترك بينهما ليست من حيث هي
ــــــ[223]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
متعلّقة لطلب، وإلاّ لحصل امتثاله في ضمن المقيّد أيضا، كما في صلاة الجماعة والفرادى»(1).
أقول: يمكن بيان دليله ضمن مقدمتين:
المقدمة الأولى: يمكن الاستنتاج أن القضاء والأداء ماهية واحدة وليست ماهيتين.
المقدمة الثانية: لا يجب قصد شيء زائد على الماهية، لأن الماهية المأمور بها هي هذه والأمور الزائدة فيمكن إجراء الأصل المؤمن عن اعتبارها.
أقول: المقدمة صحيحة بلا ريب، أما المقدمة الثانية فقد تقدم منا الكلام عنها وأن ما هو دخيل في الماهية هو القدر المتيقن من الوجوب ومجرد كوننا نشعر أنه جزء من الماهية فلا يكفي في وجوبه.
وما كان من الحصص والأمور الخارجية لو صح التعبير لا يحتاج إلى دليل ولا دليل، فإذا لم يكن هناك دليل على وجوب قصد القضاء، إذن: تجري عنه الأصول المؤمّنة.
تفصيل الكلام في دليل الهمداني
في المقام عبارتان للشيخ الهمداني يمكن مناقشة دليله من خلالهما:
الأولى: «بل يكفي عدم تعيين التمام».
فمن خلالها يمكن القول أن دليله ينتج أن قصد القضاء بعنوانه غير
ــــــ[224]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص393 – 394 ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
واجب، وعليه ينبغي أن ينفي الحصة الأخرى وإن لم يثبت الحصة المطلوبة انه يصلي صلاة الظهر غير الأدائية وحينئذٍ ينتزع منه عنوان القضاء تكويناً وهذا يكفي.
الثانية: «بل يكفي الإتيان بصلاة مطلقة من نوع ما اشتغلت به ذمته».
بمعنى أن للمكلف الإلتفات إلى الكلي الذي هو العنوان الاجمالي.
أقول: بنحو الاجمال إذا تم الدليل ولم نناقشه من نواحي أخرى فإن كلا هاتين النتيجتين تكون مجرى للأصل المؤمّن:
– أما الحصة الثانية -قضية قصد الكلي- إن الكلي متضمن للجزئي، فإذا قصدنا الكلي فقد قصدنا القضاء لكن ضمناً أو بشكل غير ملتفت إليه والمفروض أن القضاء لا بجزئيته ولا بكليته متعين.
– أما الحصة الأولى -قضية عدم قصد الأداء- فهذا ينبغي أن يكون واضحاً، لأن المكلف:
تارة: يقصد الأداء، فمن حيث القضاء فاسد وهذا واضح.
وأخرى: لا يقصد الأداء، فيهمله تكويناً، فلا يقصد الأداء تكويناً ولا يقصد القضاء تكويناً، وإنما يصلي حسب المطلوب منه لو صح التعبير في علم الله وحينئذٍ يجري الأصل المؤمّن عن قصد القضاء وأما قصد الأداء فغير موجود تكويناً لا أنه يلتفت إلى عدم قصدية الأداء.
وبلحاظه أيضاً يجري عنه الأصول المؤمّنة.
ــــــ[225]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
بيان كلام الشيخ الهمداني
يمكن بيان كلامه بالنحو التالي:
إن الشيخ الهمداني جعل دليله على عدم وجوب قصد القضاء وفق صغرى وكبرى.
– أما الصغرى، فهي: إن معنى الأداء ومعنى القضاء غير دخيل في ماهية الصلاة، وإنما هما حصتان من ماهية واحدة، وإثبات مثل هذا الكلام ينبغي الرجوع فيه إلى الوجدان المتشرعي.
– أما الكبرى، فهي: إنه يكفي في الامتثال أداء ما هو مرتبط بالماهية ولا حاجة إلى الزائد عن الماهية وكل ما هو زائد عليها نجري عنه الأصل المؤمّن ما لم يدل عليه دليل وهذا مما لم يدل عليه دليل فيجري عنه الأصل المؤمّن.
فلا يرى أن الأمر بالماهية من قبيل المطلق والأمر بالحصة من قبيل المقيد وأن امتثال الأمر المطلق يكفي عن امتثال الأمر المقيد ما لم يدل دليل على التقييد بالخصوص على المفهوم الأضيق والمفروض أن الدليل على المفهوم الأضيق غير موجود، إذن: نكتفي بالعنوان الأعم الذي هو الماهية مثلاً (أعتق رقبة) ونحتمل أنها موصوفة بالإيمان فنجري أصالة البراءة عن وصف الإيمان، فنعتق مطلق الرقبة.
فليس مورد الماهية ومورد القضاء من قبيل المطلق والمقيد، بل من مورد تعدد المطلوب، لأن التردد ليس بين مطلق الماهية والقضاء، بل بين الأداء
ــــــ[226]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
والقضاء، ففي الوقت يكون المطلوب هو الأداء خاصة وفي خارج الوقت يكون المطلوب القضاء خاصة وليس هنا مطلق الماهية ولا هنا مطلق الماهية، إذن لا يمكن إجراء الأصل المؤمن عن القضاء فلابد من قصده.
أقول: في الحقيقة هذا المعنى قابل للمناقشة بأكثر من وجه:
الوجه الأول: إن تعدد المطلوب كما أنه دال على وجوب قصد القضاء كذلك هو دال على وجوب قصد الأداء، وهو أكيداً لا يقول يجب قصد الأداء كما صرح بذلك، فلِمَ إذن: يجب الإتيان بأحد المطلوبين وترك الآخر أليس هذا من الترجيح بلا مرجح؟
فظهر أن هذا في نفسه غير تام وإنما يحتاج إلى دليل آخر خارجي.
الوجه الثاني: إن الأداء والقضاء ليسا دخيلين في الماهية وإنما الماهية تتكون من أمور أخرى خارجة عن معنى القضاء والأداء، فلازم هذا أن تكون النسبة التي نفاها ليست بين متباينين أو بين حصتين أو بين تعدد المطلوب لو صح التعبير وإنما بين المطلق والمقيد، لأن بين الماهية وحصتها التي هي القضاء علاقة الإطلاق والتقييد، فيرجع حينها الأمر إلى نفس موضوع الدليل الذي ناقشه، وهو دوران الأمر بين مطلق الماهية والقضاء، لأنه إن صح هذا فالمفروض أنه يتم ذاك الدليل، فإذا كان المطلب كذلك وسرنا على مسلكه يكون المطلب ما ذكرناه، لأن عنوان الأداء لا يجب وإنما يجب فقط عنوان القضاء.
فإذا لم يدل دليل على أن الماهية مطلوبة تبقى أصل الماهية مطلوباً وأما
ــــــ[227]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
القضاء أيضاً فينتزع من كون الصلاة خارج الوقت بغض النظر عن القصد فلا يجب القصد، إذن ولا دليل على القصد إلّا بدليل جديد.
لفت نظر
يمكن أن يقال: إن عنوان القضاء مأخوذ في الأدلة، وعليه يجب قصده ويكون مقيداً لعنوان الماهية المطلقة التي هي الأعم من الأداء والقضاء وإلاّ بدون قصد عنوان القضاء لا تكون العبادة قضاءً بطبيعة الحال.
ومن الدليل على ذلك قاعدة «إقضِ ما فات كما فات» وسندها صحيح بحسب الظاهر، والفقهاء يبنون عليها.
محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد عن حريز عن زرارة قال: «قُلْتُ لَهُ رَجُلٌ فَاتَتْهُ صَلاةٌ مِنْ صَلاةِ السَّفَرِ، فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ، قَالَ يَقْضِي مَا فَاتَهُ كَمَا فَاتَهُ… »(1).
فهذا النص أخذ عنوان القضاء واعتبره في الحكم، فلابد حينئذٍ من قصده لكي يحصل ما هو مطلوب، لأن (اقضِ) مادته القضاء بطبيعة الحال ولا يكون القضاء قضاءً إلّا بالقصد، فلابد من القصد.
مناقشة
يمكن أن نقول: إن هذا الفهم وهو أن مادة (اقضِ) هو القصد فلابد من القصد هذا فرع فهم الاستقلالية من العنوان، وأما إذا فهمنا الطريقية من ــــــ[228]ـــــــ
(1) الوسائل: ج8 ص268 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
العنوان فحينئذٍ يسقط هذا المعنى، (اقضِ) أي أوجد الصلاة خارج الوقت لا أنه يراد القضاء بعنوان كونه قضاءً، بل ما هو منشأ انتزاع القضاء تكويناً.
لكن يمكن أن يقال: إن هذا الفهم يفتح في الفقه باباً جديداً غير محتمل، لأن كل العناوين والماهيات إنما هي بالعناوين والقصود، كالصوم والحج والبيع والإجارة والرهن والعتق والطلاق والزواج ونحو ذلك.
فإذا كان كذلك أجرينا أصالة البراءة عن العنوان وفهمنا منها الطريقية، أي الوجود التكويني للمعاملة أو للعبادة وهو كما ترى.
كلام حول نوم النبي عن صلاة الصبح
قبل الاستمرار في المطلب لا بأس ببيان كلمة بشأن الرواية التي تقول إن النبي نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس.
عن سماعة بن مهران قال: «سألته عن رجل نسي أن يصلّي الصبح حتى طلعت الشمس، قال: يصليها حين يذكرها، فإن رسول الله  رقد عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس ثم صلاها حين استيقظ ولكنه تنحى عن مكانه ذلك ثم صلّى» (1).
وعن حمزة بن الطيار، عن أبي عبد الله قال: «إن الله أمر بالصلاة والصوم فنام رسول اللهعن الصلاة فقال: أنا أنيمك وأنا أوقظك فإذا قمت ــــــ[229]ـــــــ
(1) بحار الأنوار: ج103 ص17.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فصلِّ ليعلموا إذا أصابهم ذلك كيف يصنعون ليس كما يقولون: إذا نام عنها هلك… »(1).
وعن سعيد الأعرج قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «إن الله تبارك وتعالى أنام رسول الله عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، ثم قام فبدأ فصلّى الركعتين اللتين قبل الفجر، ثم صلّى الفجر وأسهاه في صلاته، فسلّم في الركعتين، ثم وصف ما قاله ذو الشمالين، وإنما فعل ذلك به رحمة لهذه الأمة لئلا يعير الرجل المسلم إذا هو نام عن صلاته أو سها فيها فقال: قد أصاب ذلك رسول الله»(2).
وعن سعيد الأعرج قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «نام رسول الله عن الصبح والله عزّ وجل أنامه حتى طلعت الشمس عليه، وكان ذلك رحمة من ربك للناس، ألا ترى لو أن رجلاً نام حتى طلعت الشمس لعيره الناس وقالوا: لا تتورع لصلاتك، فصارت أسوة وسنة فإن قال رجل لرجل: نمت عن الصلاة، قال: قد نام رسول فصارت أسوة ورحمة، رحم الله سبحانه بها هذه الأمة»(3). وهي من جهة السند فجميعها ضعيف كما هو واضح لاشتمال أسانيدها على من هم ضعاف أو مجاهيل وأن بعضها مراسيل.
ــــــ[230]ـــــــ
(1) الكافي: ج1 ص164.
(2) الفقيه: ج1 ص358.
(3) الكافي: ج3 ص294.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
ومن جهة الدلالة، فيمكن القول:
1- عبارة «أنا اوقظك وأنا انيمك» لماذا أوحى الله سبحانه وتعالى إليه بذلك؟
إن النبي  لما فاتته الصلاة اغتمّ غماً شديداً فقال الله تعالى له «أنا اوقظك وأنا انيمك» فلا حاجة إلى حصول الكربة، لأنك لو أنت فعلته باختيارك لكنت مسؤولاً أما إنك لم تفعله باختيارك فلا حاجة للكربة.
2- إن عبارة الكرب قد حذفه صاحب الوسائل ما يدل على وجود خلل في متن الرواية.
3- إن تنزلنا عما تقدم من الإشكالين الأولين نقول إن رسول الله أعظم من ان تحصل له الكربة، لأنه ملتفت إلى الواقعيات، فإذا كان ملتفتاً إلى الواقعيات فلا حاجة إلى أن تحصل له الكربة.
وفيه: إن هنا فرقاً أساسياً بين واقع النبي وبين ظاهره، فإن كل ظاهر يختص بظواهره وبخصوصياته وبعواطفه بغض النظر عن الباطن.
4- إن عبارة «أنا انيمك وأنا اوقظك» تدل على أن الأشياء كلها بيد الله سبحانه وتعالى، وهذا ما يدعمه قوله تعالى: اللهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَحِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَىٰ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(1).
ــــــ[231]ـــــــ
(1) الزمر: 42.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
5- ما هي الحكمة في أن الله سبحانه وتعالى أنام نبيه حتى طلعت الشمس؟
يمكن أن نقول بدوياً: أنه يخبرهم أنه من نام عن صلاة أو فاتته أو تركها عصياناً أو غفلة أو لأي سبب آخر يقضيها خارج وقتها.، فالحكمة هي وجوب القضاء.
الاستدلال على وجوب قصد عنوان القضاء
كنا بصدد الاستدلال على وجوب قصد عنوان القضاء في الصلوات التي تكون قضاءً وأهم ما سقناه من الأدلة هو الروايات وهي وإن لم تكن قد أوجبت ذلك بالدلالة المطابقية إلّا أن ذلك يمكن أن يستنتج منها بتقريبات سابقة لا حاجة إلى تكرارها.
فإن تنزلنا عن الاستدلال بالروايات إما لعدم وجودها أو عدم دلالتها، فحينئذٍ ينفتح الباب في الاستدلال بكل من الأدلة اللبية والأصول العملية والأصول العقلية.
الدليل الأول والثاني: الإجماع والشهرة
فلأجل مشابهتهما هنا ضممناهما وجعلنا البحث فيهما واحد.
وتقريب الاستدلال: إن الاجماع قائم على وجوب قصد عنوان القضاء تفصيلاً في الصلوات التي تكون قضاءً وإن تنزلنا عن الإجماع فلا أقل من الشهرة والشهرة قطعية، بل لعل الإجماع قطعي ومعنى كونه قطعي أنه محصل، ــــــ[232]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
لأننا لا نريد من كونه إجماعاً محصلاً هو ما حصل العلم العرفي به وليس ما تحصل من بطون الكتب، لأنها غير كفيلة بتحصيل الإجماع على أي حال.
الدليل الثالث: السيرة والارتكاز المتشرعيين
وكلاهما قطعاً موجود وقطعاً متصل بزمان الأئمة وتقريبه هو عين الذي قربنا به الإجماع والشهرة.
إشكال
يواجه هذا الدليل إشكالاً مفاده:
إن قصد القضاء إما أن يكون بعنوانه التفصيلي الذي هو محل الكلام وإما أن يكون بعنوانه الإجمالي، أي الكلي المنطبق عليه قصد ما في الذمة أو ما كان في علم الله سلحانه وتعالى أو ما كان في الواقع، فهذه كليات تنطبق على عنوان القضاء، والارتكاز الفقهي يرى أن قصد أي منها يكون مجزئ.
لكنه بالنسبة إلى محل الكلام تكون المسألة مجملة، لأن هذا الارتكاز المتشرعي لا يثبت أن القصد التفصيلي مجزئ أو الأعم منه ومن الاجمالي، فمن هذه الناحية لا نستطيع أن نستدل استدلالاً كاملاً من هذه الناحية إلّا بعد ضم ضمائم من قبيل أن الكلي محتوٍ على الجزئي على الحصة، فكما أن الحصة تكون مجزية كذلك الكلي يكون مجزياً.
جواب الإشكال
إن مما يهون الخطب إن محل الكلام الآن في القصد التفصيلي لعنوان القضاء، فيكون القصد التفصيلي هو القدر المتيقن من الصحة والإجزاء، وإنما ــــــ[233]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الشك في الكلي المنطبق عليه بقصد الواقع وما في الذمة ونحو ذلك، وعليه: نستطيع أن نجزم أن هذا هو القدر المتيقن وهو مورد الارتكاز.
فإذا قصد المكلف عنوان القضاء تفصيلاً فحينئذٍ يكون مجزئ بدليل السيرة وبدليل الارتكاز.
الدليل الرابع: الاستصحاب
وهو استصحاب اشتغال الذمة فيما إذا صلى المكلف بدون قصد القضاء، فالمكلف كانت ذمته قبل البدء بهذه الصلاة المشكوكة الصحة مشغولة بوجوب القضاء (اقضي ما فات) والآن بعد أن انتهى من الصلاة يشك هل فرغت الذمة أو لا؟ الاستصحاب يقضي ببقاء الذمة مشتغلة.
الدليل الخامس: دوران الأمر بين التعيين والتخيير
إن تنزلنا عن كل الأصول السابقة اللفظية والعملية يصل بنا الأمر إلى الأصول العقلية، ومسألتنا هذه تكون صغرى دوران الأمر بين التعيين والتخيير، وهنا إما أن نقصد القضاء فيكون هو المتعين، أو إن يقصده جاز وإن لم يقصده أيضاً جاز وهذا هو معنى التخيير.
والقدر المتيقن من الجواز هو أن المكلف إن لم يقصد القضاء بطل عمله وإن قصده جاز.
وحينئذٍ نطبق عليه كبرى مستنتجة من محلها من علم الأصول وهو أنه إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير، فالاحتياط العقلي يقتضي التعيين، ويكون مقتضى الوظيفة العقلية هو قصد قضاء، لأنه هو هنا معنى التعيين.
ــــــ[234]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
النية الاجمالية
تم الكلام بحمد الله تعالى عن النية التفصيلية وهو الآن يقع في النية الاجمالية.
أقسام النية الإجمالية
يمكن تقسيم النية الإجمالية إلى عدة أقسام وذلك بعد ملاحظة أمرين:
1- من ناحية الثبوت، وهي بحسب عالم التكليف.
2- من ناحية الإثبات، وهي بحسب علم المكلف والتفاته.
أما الأقسام، فهي:
القسم الأول: أن يكون التكليف ثبوتاً موجود في ذمة المكلف والإنسان أيضاً ملتفت إلى وجود التكليف.
القسم الثاني: أن يكون التكليف ثبوتاً موجود في ذمة المكلف لكن المكلف غير ملتفت إلى وجود التكليف.
القسم الثالث: أن يكون التكليف الإثباتي موجود في ذمة المكلف والإنسان أيضاً ملتفت إلى وجود التكليف.
القسم الرابع: أن يكون التكليف الإثباتي موجود في ذمة المكلف لكن المكلف غير ملتفت إلى وجود التكليف.
وعلى أي حال فالاستدلال على جواز أو عدم جواز القصد الإجمالي يكون على مستويين:
ــــــ[235]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
المستوى الأول: الاستدلال بالوجوه المحتملة على عدم الجواز
ومن الوجوه المحتملة:
الوجه الأول: إن ما ورد في الأدلة اللفظية واللبية هو النية التفصيلية، أي وجوب القصد التفصيلي إلى أوصاف الصلاة أو العبادة أياً كانت، فإذا كان القصد اجمالياً فهو خلف القصد التفصيلي، لأنه بالدلالة المطابقية ضد له.
والمهم أنه من الناحية الفقهية يكون عصياناً في الامتثال التفصيلي والقصد التفصيلي، فإذا كان عصياناً، فلا يكون ذلك جائزاً وكذلك إذا قصد العمل اجمالاً، أي بنية اجمالية فنقول إنه لم تفرغ ذمته، لأنه كان قبل الصلاة مشتغل الذمة الآن كذلك للشك بإجزاء النية الاجمالية.
الوجه الثاني: لو تنزلنا عن الوجه السابق وقلنا إن الكلي لا يدل على الحصة ولا على الجزئي إلّا أن هذه النية الاجمالية هي ليست نية كلية، بل هي نية جزئية وذلك لأنها في الحقيقة تنظر إلى ما في علم الله سبحانه وتعالى، لأنه يقول مثلاً الصلاة التي هي في ذمتي أو فريضة الوقت أو نحو ذلك والله سبحانه وتعالى يعلم تفاصيل هذه النية أنها هي صلاة الظهر أو هي صلاة العصر أو هي صلاة قضاء ونحو ذلك من الأمور فمن هذه الناحية ينطبق ما في الذهن على ما في علم الله.
وفي الحقيقة إنّا نقصد ما في علم الله وما في علم الله جزئي وتفصيلي، إذن: فقد قصدت ولو اجمالاً القصد التفصيلي أيضاً.
ــــــ[236]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الوجه الثالث: نتنزل عن الوجوه السابقة ونقول إن العنوان التفصيلي واجب قصده لكن هذا مع الإمكان أما مع العجز عن الفحص ونحو ذلك من الأمور خاصة العجز القصوري، نقول: إن النية التفصيلية متعذرة، إذن: هذه الصلاة لا بأس أن تكون بدون نية، لأنه من قبيل أن نطبق تلك القاعدة (الصلاة لا تسقط بحال) فمهما تعذر شيء بقي الباقي واجباً، فالنية إذا تعذرت بقي الباقي واجباً.
وهذا الكلام لا نقوله حتى في الصلاة، لأن النية التفصيلية متعذرة لكن ينتقل إلى بديلها وهو النية الاجمالية ولا حاجة للتكليف بالنية التفصيلية لفرض العجز.
مناقشة ما دلَّ على عدم اعتبار النية الإجمالية
الدليل الأول:
إن الأدلة التي وردت على وجوب النية إنما هي بخصوص النية التفصيلية مما يعني أن المتعين هو خصوص هذا القسم من النية، أما النية الاجمالية فلم يرد بعنوانها دليل يدل على اعتبارها.
وفيه: إن النية الاجمالية كما لم يدل دليل على اعتبارها، فكذا الحال في النية التفصيلية، وإنما كان الدليل الدال على أصل وجوب النية هو دليل لبي الذي يجب فيه الاقتصار على القدر المتيقن عند الشك والقدر المتيقن هو الإجمالي، بمعنى لا تعيين لأيّ قسم من قسمَي النية.
وحينها يمكن إجراء الأصول المؤمّنة عن الزائد.
ــــــ[237]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الدليل الثاني:
إن النية الكلية بمنزلة النية المرددة، لأنها غير متعينة المصداق وغير متعينة الحصة بطبيعة الحال، وفي النية الاجمالية كأن المكلف يقول: هذه إما صلاة ظهر وإما صلاة عصر، والترديد مبطل للعبادة.
وفيه: إن ما ذُكر قياس مع الفارق، لأن النية الاجمالية ليست كالنية المرددة، لأن الترديد لا نريد به إلّا الالتفات إلى الترديد إما كذا وإما كذا ومع عدم الالتفات إلى الترديد الذي هو نية الجامع الذي هو الكلي المنطبق على كلتا الحصتين وهو بالدقة، بل عرفاً وعقلاً يختلف من قبيل الكلي الانتزاعي الذي يقال عادة في علم الأصول عنوان أحدهما هذا كلي منطبق على اثنين فقط.
الدليل الثالث:
إن نية الكلي اجمالية ونية الكلي باطلة، إذن: النية الاجمالية باطلة أيضاً. فلابد من النية التفصيلية.
وفيه: إن هذا القياس مقدمته الأولى ليست صحيحة، لأننا فرقنا بين النية الاجمالية ونية الكلي.
الدليل على عدم اعتبار النية الاجمالية
وفي الحقيقة لا بد أن نلاحظ أولاً الأقسام الأربعة التي ذكرنا فيما سبق، وبالخصوص أن إثنين منها هو محل البحث وهما:
القسم الأول: أن يكون العنوان التفصيلي موجوداً ثبوتاً، أي في علم الله ولكن المكلف يجهله.
ــــــ[238]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
القسم الثاني: أن يكون العنوان التفصيلي غير موجود والمكلف يعلم أنه غير موجود.
وحينئذٍ يقال بأن النية الاجمالية:
إما أن نبحثها في صورة إمكان النية التفصيلية.
وإما أن نبحثها في صورة تعذر النية التفصيلية التي ينقسم إليها هذان القسمان، لأنها كلاهما من صور التعذر.
– أما في صورة التعذر، فينبغي أن يكون واضحاً أنه ثبت أساساً بإجماع أو إرتكاز ونحوه أن الصلاة لا تسقط بحال، ومعنى هذا أن أي شيء تعذر بقي الباقي واجباً، والمتعذر على تقدير عدم وجوبه هو النية التفصيلية فهذا الوجوب ساقط.
لكننا لو قلنا بوجوب النية التفصيلية إرتكازاً أو إخطاراً ونحو ذلك، فهذا إنما يختص بصورة الإمكان وصورة الالتفات.
أما في صورة الجهل والنسيان والغفلة ونحو ذلك فشائبة العجز متصورة، بطبيعة الحال الناسي عاجز بهذا المعنى والجاهل عاجز بهذا المعنى والغافل عاجز بهذا المعنى، فيسقط ما هو معجوز عنه بطبيعة الحال، لأنه تكليف بما لا يطاق وهذا ينبغي أن يكون مسلّماً.
فرعان فقهيان
الفرع الأول: قال الشيخ الهمداني: «لو أتى بها بقصد كونها أداء بزعم دخول الوقت فانكشف خطؤه أو انكشف براءة ذمّته عنها لكونها آتيا بها قبل ــــــ[239]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
ذلك أن تقع قضاء عمّا عليه من الفوائت، بناء على كفاية قصد حصول الفعل قربة إلى الله في وقوعه عبادة وسقوط الأمر المتعلّق بها وإن لم يكن بقصد امتثال هذا الأمر، بل بقصد أمر وهمّي غير منجّز عليه في الواقع، كما نفينا البعد عنه في نيّة الوضوء»(1).
أقول: الأمر لا يخلو:
إما أن هذا الرجل الذي يصلي هذه الصلاة غير المطلوبة منه لو صح التعبير نيته إرتكازاً أو إخطاراً، كلية تنطبق على القضاء والأداء بحيث أن القضاء أيضاً حصة وإن لم تكن ملتفتاً إليها، لأن النية كلية قابلة للانطباق، فإذا بطل الأداء لو صح التعبير صح القضاء لكن إذا كان هذا غير موجود حتى إرتكازاً أو قل غير موجود في النية التي نوجبها إما لفظاً أو إخطاراً وإما ارتكازاً غير موجود بحيث لو سئل لتحير في الجواب مع ذلك نحمله على أنه قضى تلك الصلاة التي في ذمته.
وهذا قطعي العدم، لإمكان إجراء استصحاب أنه قبل الصلاة كانت ذمته مشغولة بالقضاء والآن أدى هذا الشيء الذي عرفناه فهل سقط ما في ذمته من القضاء؟ نستصحب اشتغال الذمة ولا معنى لأن نقول هذا مصداق من ذاك أو أداء لذاك أو مجزي عن ذاك.
الفرع الثاني: قال الشيخ الهمداني: «لو أتى بفرد من القضاء قاصداً به ــــــ[240]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص394، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
امتثال الأمر المسبّب عن سبب خاصّ -كما لو زعم فوات صبح هذا اليوم فأتى بصبح قضاء قاصدا بها امتثال هذا الأمر الذي زعم تنجّزه عليه، فانكشف عدم كون ذمّته مشغولة بها، وكونها مشغولة بقضاء صبح آخر- أن تقع صلاته صحيحة قضاء عن الصبح الآخر الذي كانت ذمّته مشغولة بها.
ولكن الاعتماد على هذا البناء لا يخلو عن إشكال وإن كان أوفق بالقواعد التي أسّسناها في مبحث النيّة، فليتأمّل»(1).
أقول: الاعتماد على هذا البناء لا يخلو عن إشكال.
بيان ذلك: إن الذي ينوى عادة كلي منطبق على الجزئي مثلاً صلاة الظهر وجوباً قربة إلى الله تعالى وهذا الكلي منطبق على الفرد -الجزئي- المأتي به، فالكلي هنا موجود وهذا الذي قاله في الفرع الأول أنه عبادة مقصود بها التعيين ومقصود بها التقرب ونحو ذلك وكل عبادة تكون هكذا فهي مجزية فحينئذٍ هنا في الفرع الثاني أيضاً ينبغي أن تكون مجزية وهذا الكلي ينطبق على كلا الحصتين يعني عبادة معينة من قبيل صلاة ظهر مقصود بها القربة هذا ينطبق على الأداء وينطبق على القضاء، إذن: إحدى الحصتين زالت أما الحصة الأخرى فلا زالت باقية، وهذه الحصة هي القضاء.
وقد قلنا فيما مضى إن الكلي الذي نبحث عنه على شكلين:
الشكل الأول: تقدّم بيانه في الفرع الأول وهو أنه كلي قابل للانطباق على ــــــ[241]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص394، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
كلتا الحصتين من هذه الزاوية.
الشكل الثاني: هو كلي يكون مركز الترديد حصة له.
وهذا النقل لم يثبت أداءً، فيثبت قضاءً، بمعنى أن يكون الأداء والقضاء حصتان له وليس مجرد أنه صلاة ظهر وجوباً قربة إلى الله تعالى.
فينبغي أن يكون ناوياً كلياً يكون هذا حصة له، أي الأداء مركز الترديد أي شيء مثلاً بدل من الوجوب إلى الاستحباب، فينبغي أن يكون ناوياً لعموم الطلب أو لمطلق الطلب الذي ينطبق على الوجوب والاستحباب، الأداء والقضاء أيضاً يكون عاماً هكذا أو مثلاً قضاء ونحو ذلك.
إن قلت: إن هذا الكلي الذي عبرت عنه أنه تحت الحاجة أو في الفرد الذي تحت الترديد وهو الانتقال من نية إلى نية أخرى، موجود في الفرع الثاني وإن لم يكن موجوداً في الفرع الأول، فإذا بطل الفرع الأول أمكن تصحيح الفرع الثاني.
قلت: هنا وإن كان كلي القضاء مشتركاً بين كلا الحصتين -طرفي الانتقال- أو قل: طرفي الترديد، لكن لو كان المكلف قاصداً كلي القضاء، كقضاء صلاة صبح واجبة قربة إلى الله تعالى، فينبغي تصحيحها، لكن هذا خلف الفرض، فإن الشيخ الهمداني قد قصد الحصة بالذات ولم يقصد الكلي، يعني قصد قضاء اليوم وقضاء أمس ولم يكن في ذهن المكلف إطلاقاً ولو إرتكازاً وحينئذٍ نحتاج إلى هذه الكلمة التي هي غير صحيحة: أن الحصة تنطبق
ــــــ[242]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
على الحصة الثانية كما أن الكلي ينطبق على حصته كذلك هذه الحصة تنطبق على هذه الحصة، وحيث إن المكلف كان قاصد لإحدى الحصتين، إذن: لا ينطبق على الحصة الثانية بطبيعة الحال وتلك الحصة غير مقصودة حتى إرتكازاً، فينبغي القول ببطلان الصلاة.
كلام لصاحب العروة:
قال السيد اليزدي: «لو قصد أحد الأمرين في مقام الآخر صحّ إذا كان على وجه الاشتباه في التطبيق.
كأن قصد امتثال الأمر المتعلق به فعلاً التكليف الذي هو مشغول ذمته به وهذا معناه أنه قصد كلياً قابلاً للانطباق على كلتا الحصتين، لكنه تخيل أنه أمر أدائي فبان قضائياً أو العكس، أو تخيل أنه وجوبي فبان ندبياً أو بالعكس.
أما بالنسبة إلى القصر والتمام، كأنه أيضاً يمكن تطبيق أنه تخيل أن عمله تماماً فبان العكس أو بالعكس.
أما إذا كان على وجه التقييد فلا يكون صحيحاً، فكأنما قصد الأداء على وجه التقييد بمعنى أنه لا بشرط عن غيره فلا يمكن تطبيقه على القضاء أو قصد القصر على وجه التقييد فلا يمكن تطبيقه على وجه التمام كما إذا قصد امتثال الأمر الأدائي ليس إلّا أو الأمر الوجوبي ليس إلّا أو بشرط لا عن الزيادة بلغة أخرى فبان الخلاف فلا يصح»(1).
ــــــ[243]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص14 من الموسوعة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
بعد هذا البيان لعبارة السيد اليزدي يمكننا القول:
إن الحالات هنا عديدة قد تبلغ أربع، طبعاً إثنين منها اتّضحتا من العروة، وهي إذا قصد التقييد لم يصح عن الآخر، وإذا لم يقصد التقييد صح عن الآخر.
تفصيل الكلام في حالاتٍ أربع
لكن المناسب تفصيل الحالات إلى أربع:
الحالة الأولى: [عدم معرفة الفرد بمعنى ألفاظ النية]
إن الفرد لا يعرف معنى هذه الألفاظ، وهي القصر والتمام أو الأداء والقضاء أو الوجوب والندب ونحو ذلك، فتكون ذمته مشغولة بشيء يعلم صفته الكاملة ولكن يسميه بالاسم الآخر، كما لو أنه يصلي صلاة الظهر استحباباً قربة إلى الله تعالى لكنه يقصد الوجوب أو قضاءً ويقصد الأداء ونحو ذلك.
مقتضى القاعدة الصحة، لأنه لا دخل للتسمية وللتلفظ اللغوي وإنما يقصد واقع ما في ذمته وتصح هذه الصلاة وهذا فرع غير موجود في العروة.
الحالة الثانية: [قصد الكلي القابل للانطباق على الحصة]
وهو أحد فرعي العروة، وهو أن يقصد المكلف الكلي القابل للانطباق على الحصة التي يأتي بها والحصة التي لم يأتي بها لكنه لم يأتى به كما لو قصد ما في ذمته أو قصد الواقع ونحو ذلك من النوايا، فيأتي به لكنه طبقه على حصة معينة على الأداء مثلاً في حين أن ذمته مشغولة بالقضاء أو يقصد فريضة الوقت ويطبقها على العصر في حين أن ذمته مشغولة بالظهر، لأنه لم يصلي الظهر إلى الآن وهو لا يعلم.
ــــــ[244]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فيكتفى بوجود الكلي بقصد الكلي الذي قصده في نيته بالانطباق على الحصة الأخرى فيصح.
السيد اليزدي افتى بالصحة وكذلك في المستند وسوف يأتي شيء من الكلام فيه.
الحالة الثالثة: [عدم الالتفات إلى الكلي مطلقاً]
أن لا يكون الكلي في نيته ولا ملتَفَتاً إليه لا إرتكازاً ولا إخطاراً، وإنما ينوي الحصة فقط.
وفي مثله لا نقول بالإجزاء عن فرد سابق، لأن نية حصة لا تدل على الحصة الأخرى، فقصد الجزئي زيد لا يدل على الجزئي عمر، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً.
فالحصة الأخرى غير منوية وبذلك لا تكون موجودة لا بالقصد التفصيلي، لأن المفروض هذا، ولا بالقصد الإجمالي لعدم وجود كلي مقصود منطبق عليها وهذا أيضا ينبغي أن يكون واضحاً.
والنتيجة: أنه ينبغي أن لا يكون مجزياً عنه بالرغم من أنه حسب الظاهر في العروة وفي المستند افتوا بالصحة.
الحالة الرابعة: [الالتفات إلى الحصة مع الاشتباه في التطبيق]
أن لا يكون الكلي في نيته ولا ملتفت إليه لا إرتكازاً ولا إخطاراً، وإنما ينوي الحصة فقط، لكن بقيد وهو الاشتباه في التطبيق.
ــــــ[245]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وهذا ينبغي أن يكون واضحاً عدم الصحة هنا أيضاً وافتى في العروة بالبطلان أيضاً، لكن في المستند أفتى بالصحة.
وجه الفتوى بالصحة
قلنا أن صاحب المستند أفتى بالصحة في الحالة الرابعة، وهنا نحاول أن نبين وجه الحكم بالصحة، فنقول:
إن مجموع الكلام الذي قاله في المستند يمكن ضم مقدمتين يُستنتَج منهما صحة الصلاة التقييدية، أي صحتها على الفرد الآخر المقيد.
المقدمة الأولى: أن نفترض وجود كلي في النية قابل للانطباق على الحصتين.
المقدمة الثانية: أن التقييد لا معنى له، لأن التقييد إنما يصلح للكليات وللعمومات وللمطلقات، وأما تقييد الجزئي لا معنى له، لأن الجزئي غير قابل للتقييد بطبيعة الحال.
أقول: في الحقيقة أن كلا المقدمتين قابلة للمناقشة:
مناقشة المقدمة الأولى:
1- لا يفترض في موضوع المسألة وجود كلي منوي في الذمة وإنما هو قصد الحصة بشرط لا عن الزيادة، فمع قصد الحصة لا يمكن أن يقصد الكلي ولا يوجد في موضوع المسألة أنه قصد الكلي، فتصحيح المسألة بالمقدمة الأولى هو من جزاف القول أكيد.
2- إذا كان الكلي مقصوداً، فالتقييد يكون اصطلاحياً، لأن الجزئي لا يقيد ــــــ[246]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
ولكن الكلي يقيد، فالكلي في الذمة موجود وهو قابل للتقييد من قبيل انه يقول فريضة الوقت المقيدة بكونها ظهراً والمقيدة بكونها عصراً، فهذا من التقييد الاصطلاحي فلا يرد عليه إشكال أنه تقييد الجزئي باطل وساقط ونحو ذلك.
3- إن فكرة التقييد حتى لو كانت باطلة، لكن الحصة تبقى منوية ومقصودة ونتائجها تحصل ونتائجها الرئيسية هو دفع الحصص الأخرى وأن الأفراد الأخرى والحصص الأخرى أقصد عدمها وفي نيته ولو إرتكازاً موجودة، سواء كان قصده صحيحاً أو قصده غلطاً، لكن واقعه ليس بمستحيل، لأنه يريد أن يعدل الباقي عن نيته ويخرجها عن قصده وإذا كان البحث كذلك، إذن: هو يحمل نتيجة واقع نيته وإن كان لفظه غلطاً وواقع نيته أنه لا ينطبق على الفرد الآخر، لأنه بشرط لا عن الفرد الآخر.
مناقشة المقدمة الثانية:
علاقة لفظ التقييد في الجزئي
يمكن إبراز علاقة بين لفظ التقييد والجزئي وهي علاقة المجاز، فإنّ من الممكن استعمال لفظ التقييد في الجزئي مجازاً بعلاقة أن التقييد لا بشرط عن الفرد الآخر كما أن المطلق بعلاقة أنه بشرط لا عن الفرد الآخر، كما أن المطلق بشرط لا عن الجزء الذي خرج بالتقيد.
إمكان المجاز في العلوم العقلية:
قد يقال: إن المجاز في العلوم الدقية والعقلية غير ممكن.
أقول: هذا في الحقيقة له أكثر من جواب واحد:
ــــــ[247]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الجواب الأول: إن هذا الوجه في نفسه تنزُّلي وذلك بعد افتراض أن يكون لفظ التقييد موضوعاً لتقييد المطلقات فيكون استعماله في الجزئي مجازاً، إلّا أنه لغة ليس كذلك بطبيعة الحال، بل هو موضوع للربط ونحو ذلك فمعناه واسع يشمل كل هذه الحصص فمن هذه الناحية ليس استعماله مجازاً في اللغة، بل هو موضوع لهذا وغيره بنحو الاشتراك المعنوي وليس بنحو الحقيقة والمجاز.
الجواب الثاني: لنفترض أن لفظ التقييد ليس موضوعاً لغة بنحو الحقيقة وإنما استعماله اللغوي يكون مجازياً، فإذا تنزلنا عن الجواب السابق أمكن القول بأنه يمكن استحداث اصطلاح جديد لهذا الخصوص كما عليه شيء من هذا القبيل مثلاً إن قصد الإنسان المعنى الكلي المنطبق على الأداء والقضاء صح من قبيل ما نحن فيه من أنه يقصد أحد الحصتين ويصح على الحصة الأخرى التي لم يقصدها، لأن الكلي قابل للانطباق على إحدى الحصتين إلّا إذا كان قصده تقييدياً فلا يصدق على الحصة الأخرى هذا من تقييد الجزئي، وإذا لم يكن القصد تقييدياً جاز تجديد النية قبل الزوال، أي حتى لو لم يكن مسافراً -مثلاً – نحو من التجريد عن الخصوصية.
إذن: التقييد بالنسبة إلى الجزئي مصطلح غير المصطلح الموجود بالنسبة إلى تقييد المطلقات، وما أكثر الألفاظ المشتركة التي تصطلح باصطلاحين مشتركين.
النية الترديدية
يظهر مما بيناه من بحث أن البحث في النية الاجمالية يشابه البحث في النية الترديدية من بعض الجهات، ومن المؤسف أنها بحسب علمي غير مبحوثة إطلاقاً.
ــــــ[248]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
نعم، ربما يتعرض الفقهاء في الرسائل العملية إلى حكمها وهو أن النية المرددة باطلة، لكن من دون تعرض إلى الاستدلال على البطلان.
وهنا نعرض المسألة بعرض سؤال مفاده:
خلصنا في بحث النية الاجمالية إلى أنها كلي يقصد به إحدى حصصه، فهل يمكن إرجاع النية الترديدية إلى النية الاجمالية وهل هما بمعنى واحد؟
أقول: من خلال أن الشهرة العظيمة قائمة على جواز النية الاجمالية، بل والإجماع قائم على بطلان النية الترديدية يبدو أنهما مختلفان محمولاً مع العلم أنهما متحدان موضوعاً.
دليل بطلان النية الترديدية
وما يمكن أن يكون دليلاً على فساد النية الترديدية عدة أمور، منها:
الدليل الأول:
في العبادات عموماً أو في الصلاة خصوصاً أوجب مشهور المتأخرين النية الارتكازية لتصحيح الصلاة، وكما هو واضح، فإن الارتكاز لا يتحمل معنى الترديد.
أجل، معنى الترديد إنما يكون في الاخطار، أي في الاخطار الذهني، بأن يتردد الذهن بين معنيين ملتفت إليهما.
فالارتكاز يدور أمره بين الوجود والعدم، وهذا ينبغي أن يكون واضح وجدانياً وبرهانه هو الوجدان.
وعليه: إذا أجزنا النية الترديدية مع إجازة النية الارتكازية نكون قد جمعنا ــــــ[249]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
بين المتنافيين، وجمع المتنافيات محال.
إذن: فلما كانت المسألة مانعة خلو: إما صحة النية الارتكازية وإما النية الترديدية ولما كانت الأولى مبرهن عليها كانت الثانية باطلة.
فإجزاء النية الارتكازية يعني أننا نلغي النية الترديدية، لأنها منافية لها فيكون هذا الإجزاء برهاناً على بطلان النية الترديدية.
فإن قلت: لا يمكن القول إن النية الارتكازية مجزية بشرط لا عن الزيادة، فهي صحيح مجزية إن لم تكن ذهنية، فالارتكازية وحدها مجزية بشرط أن لا تكون ذهنية وهذا لا يحتمل بطبيعة الحال، وحينئذٍ لا بأس من انضمام النية الارتكازية إلى النية الذهنية، بل هي أحوط استحباباً، أي أن الإخطار أحوط استحباباً، لأن عليه بعض الفتاوى ويحتمل أن يكون هو المستظهر من بعض الأدلة.
إذن: نحن نقول ضمناً بإجزاء النية الذهنية وهذا يكفي، ومعنى هذا أن الترديد موجود في النية الذهنية، لأن الترديد موطنه الذهن، وبهذا يكون الترديد في النية معقول.
أقول: إن النية الذهنية إنما تجزي فيما إذا كانت مقترنة بالنية الارتكازية، بمعنى اجتماع النية الارتكازية مع النية الذهنية فلا بأس، أما مع انفراد الذهنية يعني وجود النية الذهنية بدون النية الارتكازية فهذا فيه بأس، لأن النية الأصلية التي هي الأساس للنوايا والفهم الحقيقي في باطن النفس لا وجود لها.
فيكون وجود الصورة الذهنية والالتفات الذهني بمنزلة الكذب، فهو ــــــ[250]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
صورة بلا واقع، وعليه: إن الصورة الذهنية إنما تكون حجة ومجزية إن انضمت إلى الارتكاز ونشأت عنه.
وبما أن الارتكاز مستحيل فيه التردد والذهن ممكن فيه التردد، فالنية الذهنية هنا لا ارتكاز ورائها وليست منضمة إلى الارتكاز، فالموجود نية واحدة فقط وهي الذهنية، إذن: النية الترديدية الذهنية باطلة.
قد يقال:
1- أنه لا حاجة إلى انضمام إحدى النيتين إلى الأخرى، وإنما تكفي إحداهما عن الأخرى، وحينها يكون بالإمكان إجراء الأصل المؤمّن وهو أصالة البراءة التكليفية أو الوضعية -أصالة عدم الشرطية عن الاجتماع- وبعدها تكون النية الارتكازية وحدها تكفي لتصحيح العمل.
2- مع وجود المرتبة المتأخرة من النية لا يكون لحاظ المرتبة المتقدمة منها عرفياً، لأن النية لها ثلاث مراتب: الارتكاز، الاخطار، التلفظ.
وأحد المراتب المتأخرة أوضح من سابقها وأكثر عرفية، وأياً من تلك المراتب وجدت نسى العرف ما سبق عليها، فمن هذه الناحية تجزي عرفاً.
أقول: إن هاتين الملاحظتين اتضح جوابهما مما تقدم من أبحاث فلاحظ.
الدليل الثاني:
إن النية المردّدة صغرى للفرد المردَّد، فكل فرد مردَّد مستحيل وهذا ينبغي أن يكون مسلماً فلسفياً ومنطقياً، والنية المردَّدة فرد مردَّد بالحمل الشايع، إذن: النية ــــــ[251]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
المرددة مستحيلة، وإذا كانت مستحيلة كانت نتيجتها بطلان الصلاة ونحو ذلك.
وفيه: إن الترديد إما ثبوتي أو إثباتي، وما هو المستحيل هو الترديد الثبوتي الذي هو معنى الفرد المردد ثبوتاً، أي خارجاً وواقعاً والترديد في الإثبات، أي في العلم والاشتباه أمر ذهني.
وبما أنهما لا يجتمعان لا في كيفية ولا في ماهية ولا في عموم ولا في خصوص فسريان حكم أحدهما إلى الآخر قياس مع الفارق.
الدليل الثالث:
إن الصلاة مع النية المرددة غير معلومة الوصف، هل هي ظهر أو عصر، هل هي أداء أو قضاء، وحينئذٍ لم يثبت تعيين ثبوتي للوصف، فتبطل الصلاة، لأنها مجهولة الوصف.
وبهذا يتضح الفرق بين النيتَين.
فالنية المرددة تجعل الصلاة غير موصوفة فتكون مجهولة الوصف وفي النية الاجمالية لا تجعلها كذلك، لأنها عبارة عن كلي وهناك حصة ثابتة لهذا الكلي الذي هو وصف الصلاة.
وفيه: إن الوصف المقصود لا يخلو:
إما أن يكون تفصيلي أو يكون إجمالي.
– فأما الوصف التفصيلي، فإن كلا النيتَين فاقدة له بلا فرق بين النية المرددة والاجمالية، وعليه لا يكون الترديد مبطلاً للعمل من هذه الناحية.
ــــــ[252]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
– وأما الوصف الاجمالي، فهو يستلزم خروج البحث عن محل الكلام كما هو واضح.
الدليل الرابع:
إن الترديد منافٍ للجزم بالنية والجزم بالنية واجب في الصلاة، مما يلزم بطلان العمل مع الترديد، لأنه ملازم لعدم الجزم الذي هو ملازم لعدم شرط الصلاة على ما هو المفروض فتقع الصلاة باطلة بشرطها.
وفيه: في الحقيقة إن هذا الدليل غير تام لا من جهة الكبرى ولا من جهة الصغرى.
– أما من جهة الكبرى، فإن الجزم بالنية مطلوب في الصلاة بهذا المعنى وأن الصلاة بالنية غير الجزمية باطلة، هذا مما لا دليل عليه.
وعلى تقدير وجوب الجزم بالنية فإن هذا الاعتبار مع الإمكان أما مع عدم الإمكان فيسقط هذا الوجوب ويبقى الباقي واجباً أيضاً من الصلاة بطبيعة الحال فتجوز الصلاة بالنية غير الجزمية.
– وأما من جهة الصغرى، فإن الخدش فيها اتضح مما تقدم فلاحظ.
الدليل الخامس:
الإجماع والشهرة.
إنه يمكن أن يقال إن الإجماع دلَّ على البطلان وكذا الشهرة العظيمة على أن الترديد مبطل للصلاة.
ــــــ[253]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وفيه:
أولاً: إن هكذا إجماع محتمل المدركية وكل إجماع من هذا القبيل ليس بحجة.
ويرده: إن هذا الإجماع ليس مدركي وذلك لأن الدليل اللفظي مفقود، فلا يوجد دليل لفظي لا على الإبطال في الترديد ولا على الصحة في الترديد.
ثانياً: إن الإجماع من الأدلة اللبية وفيها يقتصر على القدر المتيقن.
ويرده: إن القدر المتيقن هو الترديد في الماهية، والإجماع عليه منعقد بغض النظر عن المناقشة السابقة.
الدليل السادس:
سيرة المتشرعة وهي محصلة قطعاً جيلاً بعد جيل إن النية الترديدية مبطلة للعمل، فهم عموماً لا يرددون في نواياهم ويجدون أن النية ينبغي أن تكون مستقيمة من هذه الناحية وغير مردّدة.
وفيه: إن السيرة هذه عملية والسيرة العملية لا تدل على الشرطية، على الوجوب الوضعي أو الوجوب التكليفي.
نعم، هي تدلّ على أصل الرجحان وأصل الرجحان أعم من كل ذلك.
أجل، إن ضممنا إلى السيرة الارتكاز والارتكاز حجّة في نفسه فلا حاجة إلى ضم السيرة إليه.
لكنه أيضاً دليل لبي يقتصر منه على القدر المتيقن، فأي حصة فيها ارتكاز ــــــ[254]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
عملنا عليها، أي أبطلنا العبادة ولكن عند الشك في وجود الارتكاز كالترديد بين القصر والتمام ونحو ذلك يسقط هذا الدليل ونبقى نحن والأصول العملية.
الدليل السابع:
الأصول العملية بعد التنزل طبعاً عن الأدلة المتقدمة، ومن بين تلك الأصول يمكن إجراء:
1- استصحاب اشتغال الذمة، بتقريب:
إنه عند زوال الشمس تصبح الذمة مشتغلة بصلاة ظهر، فإن أدّاها مع النية المرددة، نشك بفراغ الذمة والاستصحاب قاضٍ بإبقاء اليقين السابق وهو اشتغال الذمة.
وفيه: إن هذا الاستصحاب لاشتغال الذمة أصل مثبت، لأن وجوب الإعادة وبطلان العمل لازم للاستصحاب.
2- أصالة الصحة، بتقريب:
إن هذا عمل انجز وكل عمل انجز ثم شُك في صحته فهو محكوم بالصحة.
3- أصالة البراءة عن المانعية، بتقريب:
بعد إتيان الإنسان للعبادة مع النية الترديدية يشك هل أن الترديد مانع عن صحة العبادة ويوجب إعادتها أو لا؟ أصالة البراءة تقضي بعدم المانعية.
ــــــ[255]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الدليل الثامن:
قاعدة الفراغ، بتقريب: إنه هذا الإنسان الذي ردد في نيته وانتهى من صلاته يشك بعد العمل في صحة عمله، وهذا بلا شك مجرى لقاعدة الفراغ التي تنتج لنا الصحة.
البحث في القصر والتمام
ومن المناسب طرح هذا السؤال وهو:
هل أن القصر تجب نيته في الصلاة أو أنه ليس بواجب؟
وكذا نقول في طرفه الآخر وهو التمام فهل تجب نية التمام في الصلاة أو أنه ليس بواجب؟
والإجابة عن هذا السؤال بكلا شقيه يفتح أمامنا البحث عن القصر والتمام.
أقول: إن اللازم على المكلف الإتيان بذات المأمور به، أي بعنوان العبادة مع إضافته إلى المولى، وأما ما زاد على ذلك من الخصوصيات والتي تكتنف بالعمل من قبيل القصر والتمام أو القضاء والأداء، لم يرد على اعتبارها دليل، ومن المعلوم: أن عدم الدليل دليل على العدم، معنى هذا أن اعتبار القصر والتمام غير واجب.
مناقشة
الظاهر أن هذه الكبرى (عدم الدليل دليل على العدم) غير كافية في المقام، لأن مورد هذه الكبرى هو الأمور التكوينية والأمور النظرية التي ترتبط بالعقل ــــــ[256]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
النظري، وأما الأمور الشرعية فهي في قبال الأمور التكوينية وحكم الشيء لا يسري إلى قسيمه.
أصالة البراءة
يمكن إجراء أصالة البراءة، فنسأل هل تجب نية القصر والتمام في الصلاة؟
أصالة البراءة تقضي بعدم الوجوب، فاحتمال الوجوب للقصر أو للتمام مدفوع بأصالة البراءة.
نعم، أسقطنا أصالة البراءة عن الاعتبار لزم حينها وجوب الاحتياط في الشبهات البدوية التي ربما تنسب إلى بعض الاخباريين.
فعدم الدليل على الوجوب ملازم للاحتياط، بمعنى ترتيب أثر الوجوب لا أثر عدم الوجوب.
الأدلة اللبية
يمكن القول إن كل الأدلة اللبية ضد وجوب قصد التمام وقصد القصر من قبيل الإجماع والسيرة والارتكاز المتشرعي.
مناقشة الإجماع
الإجماع المدعى يمكن بذر التشكيك فيه وذلك إننا إن نظرنا إلى الطبقات المتقدمة من علمائنا قدس الله أسرارهم الزكية نجدهم يرون أن النية هي النية الاخطارية طبعا ومن يقول باللفظية قليل جداً، فالنية الاخطارية هي المعنى السائد سابقاً.
ــــــ[257]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
نعم نحكم بصحت صلاته لكفاية الارتكاز، لأن النية موجودة وهو الارتكاز لا أنها منتفية بالمرة.
أما السيرة العملية وكذلك الارتكاز المتشرعي فقد تقدمت مناقشتهما فلا نعيد.
الملاحظة على الاستدلال
تقدم الاستدلال على عدم قصد وجوب التمام في الصلاة ويمكن هنا تسجيل ملاحظتين:
الملاحظة الأولى:
إن السيرة العملية ليس لها لسان، فلا تدل على حكم وحينئذٍ كيف نستدل بها هنا على جواز ترك نية التمام؟
نقول: إن السيرة العملية ليس لها لسان هذا صحيح لكن إن جعلناها في مسألةٍ ما دليلاً على الوجوب مثلا عمل المتشرعة هو دليل على وجوب هذا العمل، وهذا بالحقيقة مرجعه إلى القياس الاستثنائي:
– لو لم يكن هذا العمل جائزاً لما فعله المتشرعة.
– لكنهم قد فعلوه.
إذن: هذا العمل جائز.
هذا من جانب الفعل وكذلك من جانب الترك فهو دليل على عدم الوجوب بتقريب:
– لو كان الفعل واجباً لما تركه المتشرعة.
ــــــ[258]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
– لكنهم قد تركوه.
إذن: هذا العمل ليس بواجب.
فبمعنى من المعاني لها لسان وإن كان من الجانب الآخر لا لسان لها لو صح التعبير فبمقدار ما نستطيع أن نستنتج منها ما قلناه وهو إمكان أن نستنتج من الترك عدم الوجوب وهذا يكفي.
الملاحظة الثانية:
إن قلت: الآن في هذا الجيل يوجد عندنا هذا الإحساس وهو ترك نية التمام في الصلاة التامة ولكن من قال إنها متقادمة عهداً إلى عصر المعصومين مع العلم أن الاستصحاب القهقري هنا مثبت، لأنه لا يثبت أنها كانت موجودة بحيث يكون اللازم هو الامضاء، إذن: فنحتاج إلى أمارة ودلالة كل جيل على وجود السيرة في الجيل الذي قبله إلى عصر المعصومين حتى يثبت بالأمارة وإذا ثبت بالأمارة أمكن إمضاؤه، فكيف يثبت بالأمارة ونحن لم نعاصر الأجيال السابقة.
قلت: إن من الواضح والذي لا يقبل التشكيك أن المسلمين عموماً جيلاً بعد جيل لا ينوون قصد التمام في الصلاة التامة إلى عصر المعصومين وهذا لا يحتاج إلى الرجوع إلى المصادر.
الكلام في نية القصر
تقدم أن نية التمام، تارة: تكون مع عدم التردد وأخرى مع التردد.
أما الآن فالكلام في قصد القصر هل هو واجب أو لا؟
ــــــ[259]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
بحسب القاعدة الأولية إنه ليس بواجب تمسكاً بأصالة البراءة.
أما بحسب الدليل فيمكن القول بوجوب قصد القصر بأحد نحوين:
النحو الأول: في صورة الترديد بين أي نيتين يجب التعيين، والمورد هنا منها، لأنه باب الترديد بين النيتين، وحينئذٍ يجب التعيين.
النحو الثاني: وهو أن نسأل هل يوجد دليل على وجوب التعيين؟
الأدلة على وجوب قصد القصر
هناك بعض الأدلة المحتملة من قبيل:
1- السيرة العملية للمتشرعة:
فيمكن القول إن سيرتهم العملية عند الترديد قائمة على التعيين وهو قصد أحد المردَّدَين.
وفيه: إن السيرة لا لسان لها وذلك لأننا نريد هنا أن نستنتج من الالتزام بالقصر وجوب الحكم الشرعي بالوجوب وهذا ما لا يمكن التوصل إليه من خلال السيرة، لأن الالتزام العملي أعم من الوجوب، فتسقط بهذا السيرة كدليل.
2- الارتكاز المتشرعي:
فإن بالإمكان أن ندعي أنك إن سألت المتشرع الاعتيادي هل يجب التعيين عند الترديد بين القصر والتمام لقال: نعم.
وفيه: لكي يكون الارتكاز حجة بحيث يكون ممضى من قبل الأئمة ــــــ[260]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
لابد أن يكون تعبدياً صرفاً فإن كان محتمل المدركية لم يكن حجة وهو هنا محتمل المدركية وذلك بأحد أمرين:
الأول: الاحتياط، فإن المتشرعة يقصدون التعيين احتياطاً.
الثاني: فتاوى العلماء، هي التي سببت في هذا الارتكاز وليس إقرار المعصومين وتعاليمهم.
3- الإجماع:
بدعوى أن اتفاقاً بين العلماء على أنه عند الترديد يجب قصد إحدى الصلاتين بالتعيين.
أقول: يبقى في الاجماع عدة ملاحظات إن تمت تم الاستدلال به وإلاّ أمكن جريان أصالة البراءة.
الملاحظة الأولى: لكي يكون الإجماع حجة يجب أن تكون المسألة مبينة في كلمات الأقدمين، وهذه المسألة غير مسطورة في كلمات الأقدمين، بل لعلها
-ولو احتمالاً- والاحتمال مبطل للاستدلال لم تُذكر هناك.
الملاحظة الثانية: إن من المحتمل أن يكون الإجماع ناشئ من الكبرى التي تقول: (كل مردَّدَين لا بد من التعيين في أحدهما) وقد تقدمت مناقشتها.
الملاحظة الثالثة: ينبغي في مسألتنا هذه أن تكون واضحة المورد بحيث يعلم المكلف بمطابقة عمله للواقع، وهنا نسأل هل هناك إجماع على البطلان حتى مع العلم بالمطابقة للواقع؟ وهو كما ترى.
ــــــ[261]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
كبرى قصد التعيين في مورد الترديد
بعد ذلك البحث المفصل نسبياً أرى من المناسب أن نجعل الكلام في كبرى وجوب التعيين في قصد التعيين عند وجود الترديد بين تكليفين من قبيل أن المكلف يصلي الظهر أداءً وعليه قضاء صلاة ظهر.
فهل المكلف مخير بين قصد الأداء وقصد القضاء اللذين هما من جميع الجهات على شاكلة واحدة إلّا من هذه الجهة وهي قصد الأداء أو قصد القضاء.
وهذا المورد من التردد نستطيع أن نسميه التردد بين صفتين متضادتين فقهيا، فيجب التعيين. وكذلك في مورد الجمع بين الاحتمالين الذي أوضح امثلته الجمع بين القصر والتمام في مورد الاحتياط.
أقول: في الحقيقة ينبغي حصر موضوع الكلام في هذه المسألة بعد أن اتضحت كثير من المباني المرتبطة بها، وهذا الحصر يمكن أن يكون بنحو التقسيم الثلاثي، بمعنى تقسيمها إلى ثلاثة أقسام بحسب ما يتصور للعبادة أو للصلاة بالتعيين من الخصائص ومن الصفات.
حصر موضوع الكلام في أقسام ثلاثة
القسم الأول: عنوان العبادة، فهو مما يجب فيه التعيين حتى لو كانت ذمته مشغولة بهذه الصلاة فقط، فيجب فيها إعطاء الصفة من قبيل أن المكلف يصلي الظهر أو صلاة الليل أو غسل الجمعة.
ــــــ[262]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وهذا القسم يندرج فيه معنيان:
الأول: التسمية، وهو المعنى الذي تقدم ذكره الآن.
الثاني: جامع الارتباط بالله سبحانه وتعالى من قبيل الوجوب أو الندب أو القربة أو المحبوبية ونحو ذلك.
القسم الثاني: وهو كل ما لا يجب قصده وقد دل الدليل على عدم وجوب قصده من قبيل المسجدية والاستسقاء.
تنويه: إن كِلا القسمين الأول والثاني خارج عن محل الكلام.
القسم الثالث: وهو كل ما اشتغلت به الذمة ولم يدل الدليل على وجوب قصدها، فإذا كانت الذمة مشغولة بها وحدها ينبغي أن ينوي المكلف هذا المعنى فكيف في صورة الترديد.
ومشهور الفقهاء يرى عدم وجوب القصد والنية في التمام وفي الأداء حينئذٍ يدخل هذا القسم في محل الكلام، لأنه يقال إن عدم الوجوب في هذا القسم.
أقول: في الحقيقة محل الكلام جعلناه في أضيق صورة وذاك كله لا ينبغي التفصيل فيه الآن لأنه محمولاً وحكماً مفهوم سلفاً.
الدليل على وجوب قصد التعيين في مورد الترديد
– أما ما يمكن أن يكون دليلاً على وجوب قصد التعيين في مورد الترديد فهو ربما وجهين:
ــــــ[263]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الوجه الأول: فشل الأدلة التي سبقت في مورد التعيين، سواء بالنسبة للتمام أو بالنسبة للأداء، فلما كانت تلك الأدلة التي دلت على عدم الوجوب قد فشلت في إثبات التعيين فلا يمكن من خلالها القول إن الأداء لا يجب قصده حتى مع الترديد، وبعد سقوط تلك الأمارات يكون بالإمكان إجراء أصالة البراءة.
الوجه الثاني: إن نفس تلك الأدلة لو صح التعبير نشك في أنها قائمة على وجوب التعيين عند وجود الترديد واشتغال الذمة أو لا، وبما أنها لا ترجح طرف ما لا تكون مثبتة لشيء ومن الأولى لا تكون مثبتة لشيء هنا أيضاً.
إشارات
1- إن الترديد المعنون في الفرع الأخير وهو ضرورة التعيين مع الترديد أو وجوب التعيين مع الترديد ترديد إثباتي وليس ترديداً ثبوتياً، فلا يكون مشمولاً لقضية استحالة الفرد المردَّد، وإنما يكون مستحيلاً ثبوتاً.
2- محل البحث هو التردد والاشتباه الذهني، بحيث لا يعلم المكلف تكليفه هل هو الأداء أو هو القضاء؟
ومثل هذا التردد أنه إثباتي هذا أولاً وثانياً إنه ممكن، لأن الصورة الذهنية موجود من موجودات الخارج إلّا أنها مرددة، وأدل دليل على إمكانه وجوده.
ــــــ[264]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر

التلفظ بالنية

بحث جديد وهو (التلفظ بالنية) فالمشهور يرى عدم وجوب التلفظ بالنية والدليل على هذا الحكم:
1- الارتكاز المتشرعي، فإن المركوز في أذهان المتشرعة أن التلفظ بالنية أمر غير واجب.
وفي الحقيقة هذا يحتاج إلى ضم مقدمة وهي كون هذا الارتكاز ثابت في عصر المعصومين  لكي يمكن أن يكون ممضى من قبلهم.
وفيه: إننا لا يمكننا أن نجزم بأن هذا الارتكاز الذي نحس به اليوم كان موجوداً في عصرهم .
2- ما دل على عدم وجوب الاخطار، فإنه دال على عدم وجوب التلفظ بطريق أولى.
وفيه: لما لم يكن هذا دليلاً لفظياً وارداً في كتاب أو سنة لم يكن مانعاً من إجراء أصالة البراءة عن وجوب الاخطار.
3- لو راجعنا مجموع الأدلة الدال على أجزاء الصلاة وشرائطها وقواطعها وموانعها لا نجد إشارة إلى اعتبار التلفظ بالنية حتى أخبار النية التي عادة ــــــ[265]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
يستدل بها المشهور على وجوب النية ليس فيها شرط التلفظ.
وكل ما لا دليل عليه يكون مجرى للأصل العملي وهو هنا أصالة البراءة.
مناقشة ما ذكر من الأدلة
وفيه: إن ما ذُكر قابل للمناقشة من أكثر من وجه:
الوجه الأول: إن ما زعم أنه دليل في الحقيقة إنه ليس دليلاً واحداً وإنما هو مجموعة روايات صدرت عن المعصومين في أزمنة مختلفة وأماكن متباعدة، فلو كان لها سياق واحد لكان في الإمكان القول إنه كان في مقام البيان ولم يبين، فهو: إما إطلاق لفظي أو إطلاق مقامي، وبما أن السياق محتف بقرائن لفظية تجعل منه دالاً على عدم وجوب اللفظ وأما بدون ذلك فلا نستطيع أن نستدل بهذه الأدلة على عدم وجوب اللفظ ما لم نضم أصالة البراءة وإذا ضممناها حينئذٍ كان الاستدلال بوجه آخر.
الوجه الثاني: الروايات البيانية من قبيل:
1- عن علي بن إبراهيم عن أبيه وعن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة قال: قال أبو جعفر : «أَلَا أَحْكِي لَكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ فَقُلْنَا بَلَى فَدَعَا بِقَعْبٍ فِيهِ شَيْ‌ءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ حَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ غَمَسَ فِيهِ كَفَّهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَالَ هَكَذَا إِذَا كَانَتِ الْكَفُّ طَاهِرَةً، ثُمَّ غَرَفَ مِلأَهَا مَاءً، فَوَضَعَهَا عَلَى جَبِينِهِ، ثُمَّ قَالَ بِسْمِ ــــــ[266]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
اللهِ وَسَدَلَهُ عَلَى أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَظَاهِرِ»(1).
وهي من جهة السند معتبرة.
أما من جهة الدلالة، فيمكن القول: لما كان  يبيّن الوضوء الواجب وهو لم يتلفظ بالنية دلَّ هذا على أن التلفّظ بالنية ليس بواجب.
وتوجد روايات على نفس النسق نسميها الصلوات البيانية تذكر كيفية الصلاة ولا تذكر النية، فيها ما هو معتبر السند.
وهذا ينبغي أن يكون واضحاً فلو كان وجوب التلفظ ثابتاً لتلفّظ، ولم يتلفظ، اذن فوجوب النية غير ثابت طبعاً هنا
أقول: هنا نحن بحاجة إلى الإلتفات إلى نكتة وهو أن فعل المعصوم سنة وحجة وهو هنا لم يتلفظ أي ترك التلفظ بالنية.
وعليه لابد من تعميم معنى الفعل للترك، لأنه كأنه ترك النية عمداً فهو فعل عدم النية بمعنى من المعاني ويكون فعله حجة من هذه الناحية.
2- محمد بن علي بن الحسينباسناده، عنحماد بن عيسىأنه قال:
«قال ليأبو عبد الله يوماً: تحسن أن تصلي يا حماد؟ قال: قلت: يا سيدي أنا أحفظ كتاب حريز فيالصلاةقال: فقال: لا عليك قمصلقال: فقمت بين يديه متوجهاً إلى القبلة فاستفتحتالصلاةوركعت وسجدت فقال: يا حماد لا تحسن أن تصلي ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون ــــــ[267]ـــــــ
(1) الوسائل: ج1 ص387 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
سنة أو سبعون سنة فما يقيمصلاةواحدة بحدودها تامة؟! قال: حماد فأصابني في نفسي الذل فقلت: جعلتفداكفعلمني

الصلاةفقامأبو عبد الله مستقبل القبلة منتصباً فأرسل يديه جميعاً على فخذيه قد ضم أصابعه وقرب بين قدميه حتى كان بينهما ثلاثة أصابع مفرجات، واستقبل بأصابع رجليه جميعاً لم يحرفهما عن القبلة بخشوع واستكانة.
فقال: الله أكبر، ثم قرأ الحمد بترتيل، وقل هو الله أحد ثمصبرهنيئة بقدر ما تنفس وهو قائم، ثم قال: الله أكبر وهو قائم، ثم ركع وملأ كفيه من ركبتيه مفرجات ورد ركبتيه إلى خلفه حتى استوى ظهره، حتى لو صب عليه قطرة ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره وتردد ركبتيه إلى خلفه، ونصب عنقه وغمض عينيه، ثم سبح ثلاثا بترتيل وقال: سبحان ربي العظيم وبحمده، ثم استوى قائما، فلما استمكن من القيام قال: سمع الله لمن حمده، ثم كبر وهو قائم، ورفع يديه حيال وجهه، وسجد ووضع يديه إلى الأرض قبل ركبتيه فقال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاث مرات.
ولم يضع شيئاً من بدنه على شيء منه، وسجد على ثمانية أعظم: الجبهة، والكفين، وعيني الركبتين، وأنامل إبهامي الرجلين، والأنف، فهذه السبعة فرض، ووضع الأنف على الأرض سنة، وهو الإرغام، ثم رفع رأسه منالسجودفلما استوى جالسا قال الله أكبر ثم قعد على جانبه الأيسر ووضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى، وقال: استغفر الله ربي وأتوب إليه، ثم كبر وهو جالس وسجد الثانية.
ــــــ[268]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وقال كما قال في الأولى ولم يستعن بشيء من بدنه على شيء منه في ركوع ولاسجود، وكان مجنحاً، ولم يضع ذراعيه على الأرض،فصلىركعتينعلى هذا، ثم قال: يا حماد، هكذاصل، ولا تلتفت، ولا تعبث بيديك وأصابعك، ولا تبزق عن يمينك ولا يسارك ولا بين يديك»(1).
وهي من جهة السند معتبرة.
تقريب الاستدلال برواية حماد
أما من جهة الدلالة فيمكن أن يستدل بها على عدم وجوب النية اللفظية بعدة وجوه:
الوجه الأول: قول حماد «فقمت بين يديه متوجهاً إلى القبلة فاستفتحت الصلاة وركعت وسجدت» استفتح الصلاة، أي كبرت وهنا من الواضح أنه لم يتلفظ بالنية، فمن خلال الإطلاق مقامي يمكن نفي اعتبار النية اللفظية، خصوصاً إذا أضفنا له إقرار الإمام  أي إنه  لم يعترض عليه بأنه لم يأتي بالنية اللفظية.
إن قلت: إن الإمام رفض صلاة حماد ولم يقرها وعدم إقراره لصلاته لا يمكن معه الاستشهاد بشيء من أعماله.
قلت: إنه لم ينفي صحة الواجبات والقواطع والموانع الرئيسية والأجزاء والشرائط الواجبة، وإنما أراد منه صلاة أحسن وأفضل لا أن الذي أتى به ليس بصحيح.
ــــــ[269]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص495ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الوجه الثاني: صلاة الإمام فإنه  لم يفعل النية اللفظية، بمعنى أنه تركها وفعل الإمام وكذا تركه حجة، فبتركه للتلفظ بالنية نستكشف عدم وجوبها.
طبعاً مع ضم هذه المقدمة وهي أن الإماملا ينسى، لأنه معصوم، خصوصاً وأنه  كان في مقام التعليم.
لفت نظر
إن رواية حماد تدل على عدم مشروعية النية اللفظية، أي أنها ليست واجبة كما تقدم ولا مستحبة كما سنقوله الآن، فإذا لم تكن النية لا واجبة ولا مستحبة، فمعنى هذا أنها غير مشروعة- أي أن جامع الطلب إطلاقاً لم يتوجه إليه، خلافاً لبعض المتشرعة ربما القدماء ونحو ذلك.
عدم استحباب التلفظ بالنية
إن الظهور المعتبر في الرواية على عدم استحباب التلفظ بالنية، وذلك بأحد تقريبات:
التقريب الأول:
عند المقارنة بين صلاة حماد وصلاة الإمام وملاحظة قوله «لا تحسن أن تصلي» فإن الإمام صلى صلاة حسنة أكيد وهذا يلزم عندما نعلم من ظهور الرواية بعدم النية الارتكازية وانتفاءها بعدم النية اللفظية وانتفاءها حينئذٍ يصير على أن وجود النية اللفظية لا دخل له في حسن الصلاة.
ــــــ[270]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فلو كانت النية مستحبة لكان لها دخل في حسن الصلاة وحيث أنه  لم يأتي بها معنى هذا أنه لا دخل لها في حسن الصلاة، فهي ليست مستحبة.
التقريب الثاني:
وهذا التقريب يتوقف على صحة مقدمة ارتكازية عند المتشرعة وهي أن الإمام لا يترك المستحب مع إمكانه ولا يفعل المكروه مع إمكانه.
فنقول حينها إن الإمام لم يتلفظ بالنية، فلو كانت النية أمراً مستحباً لفعله  لكنه لم يفعله، إذن: التلفظ بالنية ليس بمستحب.
التقريب الثالث:
إن الملاحظ في سياق أعمال الإمام أنه حريص على بيان كل ما هو دخيل وجوبا أو استحباباً في الصلاة ولما قد حذف النية اللفظية، فهذا دال على عدم مدخليتها في الصلاة لا بنحو الوجوب ولا بنحو الاستحباب.
المناقشة في صحيحة حماد
توجد بعض الإشكالات حول الاستدلال بهذه الصحيحة ليس فقط بالنية اللفظية، بل بمطلق النية.
الإشكال الأول: إن مما لا شك فيه أن هذه الصلاة التي أداها  مستحبة، ومما لا شك فيه أن الصلاة المستحبة يتسامح فيها ما لا يتسامح في الفرائض، ولربما أن ترك النية اللفظية منها.
وعليه فلا يمكن تجريد هذه الصلاة المستحبة عن الخصوصية منها إلى الفرائض.
ــــــ[271]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الإشكال الثاني: إن الاستدلال بصحيحة حماد يتوقف على أن يكون الإمام في مقام البيان، حتى نتمسك بالإطلاق من جهة النية حتى يمكن القول: أنه لم يأتي بالنية اللفظية، إذن: هي غير واجبة.
فإذا لم يكن في مقام البيان فلا يكون التمسك بالسياق أو بالإطلاق في محله.
تنويه: كأننا إلى الآن انتهينا من الأدلة الدالة على عدم وجوب النية اللفظية في الصلاة وإذا كانت الصلاة غير واجبة ففي غيرها أولى لكنه ما لم يرد دليل بعينه في مورد معين هذا يكون خارج عن محل الكلام.
فمقتضى القاعدة أن النية اللفظية غير واجبة لكل موارد العبادات.
أدلة وجوب النية اللفظية
بعد هذا يناسب الدخول في الأدلة المحتملة على وجوب النية اللفظية، فإذا لم يتم شيء منها كما هو كذلك إلتزمنا بعدم الوجوب كما عليه المشهور، وإن تم شيء منها أو تنزلنا عن ذلك أيضاً فلا بد -كما فعلنا في المرحلة السابقة- إلى النظر في النسب بين الطائفتين من الأدلة.
الدليل الأول
عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عنابن أبي عمير، عنيحيى بن الحجاج عنخالد بن نجيحقال: «قلت لأبي عبد الله: الرجل يجيء فيقول اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا؟ فقال: أليس إن شاء أخذ وإن شاء ترك؟ قلت: ــــــ[272]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
بلى، قال: لا بأس به إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام»(1).
تقريب الدلالة: إن الرواية تفيد قاعدة عامة في سائر الموارد الشرعية بما فيها المعاملات والعبادات معاً وصغراها ينبغي أن تكون محرزة وهي أن النية اللفظية من الكلام بالحمل الشايع الحقيقي العقلي وهذا ينبغي أن يكون واضحاً وحينئذٍ إنما تحل وتحرم النية اللفظية، وتحل وتحرم أي يكون لها أثر شرعي وأثر كل شيء بحسبه فحينئذٍ الدخول في الصلاة وانعقادها واجزاءها وصحتها ما شئت فعبر منوط بالنية اللفظية.
مناقشة الاستدلال
يمكن مناقشة ما قرب به دلالة الرواية بعدة وجوه، من قبيل:
أولاً: من جهة السند، فإن الوارد فيها: يحيى بن الحجاج وفي نسخة نجيح يعني يحيى ابن نجيح وخالد بن الحجاج وفي نسخة نجيح أي خالد بن نجيح وهنا يوجد تشويش، فمن هذه الناحية نجيح إما هذا الراوي موجود أو غير موجود، وحينئذٍ يقال أيضاً كأطروحة أولية أن اثنين في اثنين يساوي أربعة، لأنه يوجد قبل ابن ابي عمير احتمالان يحيى بن الحجاج ويحيى بن نجيح ويوجد قبله احتمالان خالد بن حجاج وخالد نجيح فالاحتمالات أربعة، بمعنى أن سند الرواية من المحتمل أن يكون على أربعة أشكال واحد منها هو السند الحقيقي والباقي وهمي في الحقيقة، مع العلم أن العناوين الأربعة موجودة في ــــــ[273]ـــــــ
(1) الكافي: ج5 ص201ح1، ط دار الكتب الإسلامية.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
معجم رجال الحديث، أي: يحيى بن الحجاج ويحيى بن نجيح إلى آخره.
والمنصوص على وثاقته هو يحيى بن الحجاج فقط والباقين إما غير مذكورين أصلاً، أي مجاهيل أو مجهولي الوثاقة مما يعني أن السند ليس بمعتبر.
إن قلت: أنها مروية عن ابن ابي عمير ومرويات ابن أبي عمير معتبرة السند، لأنه لا يروي إلّا عن ثقة. إذن: هذه الرواية موثقة، لما لم يكن احتمال الانحراف العقائدي وارد فيهم وإنما هم شيعة إمامية فتكون صحيحة.
قلت: هذا من جهة الصغرى لا كلام فيه وإنما الكلام من جهة الكبرى وهي: إن ابن أبي عمير لا يروي إلّا عن ثقة، فهل هو من جهة مسانيده ومراسيله معاً أو خصوص مسانيده؟
أما أنه لا يروي، مرسلاً ومسنداً إلّا عن ثقة فهذا لم يثبت.
أو أنه لا يروي، مسنداً إلّا عن ثقة فهذا يمكن إثباته.
وبهذا تكون الكبرى أخص من المدعى.
أضف إلى ذلك: أننا سلمنا أن ابن أبي عمير لا يروي إلّا عن ثقة وهو يشمل المراسيل والمسانيد، لكن هذا لا يختص بشيوخه المباشر، ومن ذكر ليسوا من شيوخه المباشرين.
وثانياً: من جهة الدلالة، فإنها أجنبية عن المقام، فمحل الكلام عن العبادات والرواية تتكلم عن المعاملات.
أجل، إن أردنا تسريتها إلى العبادات التي هي محل كلامنا نحتاج إلى نحو ــــــ[274]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
من التجريد عن الخصوصية والتجريد عن الخصوصية هنا متعذر لاحتمال الخصوصية أو الاطمئنان بالخصوصية، فإن الارتكاز المتشرعي والعرفي أن أحكام العبادات منعزلة ومباينة لأحكام المعاملات.
هب إننا تنزلنا عما تقدم احتجنا إلى تنقيح الصغرى لإثبات الاستدلال بالرواية وهذ الصغرى هي: إن النية اللفظية من جزئيات الصلاة ومن حصصها.
ويمكن أن يقال إن الدليل دال على ذلك هو:
محمد بن يعقوبعنعلي بن محمدعنسهل بن زيادعنجعفر بن محمد الأشعريعن القداح عن أبي عبد الله قال: «قال: رسول الله افتتاحالصلاةالوضوءوتحريمها التكبير وتحليلها التسليم»(1).
وهي من حيث السند معتبرة وابن القداح هو عبد الله بن ميمون.
أما من جهة الدلالة، فواضحة، لأن التكبير من الكلام.
وفيه: إن مورد كلامنا هو النية اللفظية وتحليل الصلاة وتحريمها إنما هو معنى اصطلاحي فقهي والنص المتقدم لا يحمل على المعنى المتأخر.
أقول: إن التحليل والتحريم وإن كان إلى حد ما نستطيع أن نسميه اصطلاحياً ولكنه اصطلاح متشرعي موجود من زمن المعصومين يكفينا أن صحيحة القداح مروية عن رسول الله وهو على رأس المتشرعة.
ــــــ[275]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص415 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أجل، إنها تشتمل على نوع من التسامح، لأن الوارد فيها (افتتاح الصلاة الوضوء) وكما هو معلوم فإن الوضوء شيء والصلاة شيء آخر.
نعم، الارتكاز المتشرعي قائم على أن الإنسان لا يتوضأ إلّا عند الصلاة.
الدليل الثاني
محمد بن يعقوب، عنمحمد بن يحيى، عنمحمد بن الحسين، عنصفوان بن يحيىعنالعلاء بن رزين، عنمحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله في حديث قال: «فإذا دخل أرضا قبل طلوع الفجر وهو يريد الإقامة بها فعليهصومذلك اليوم، وإن دخل بعد طلوع الفجر فلا صيام وإن شاء صام»(1).
فهي أعلائية السند وواضحة الدلالة، فإن نوى وجدد النية ظاهر بالمعنى اللفظي، لأن العرف إنما يفهم الجهة الظاهرة الحسية وهو اللفظ وليس الجهة الباطنية والمعنوية.
الدليل الثالث
وباسناده عنرفاعة بن موسىقال: «سألت أبا عبد الله  عن الرجل يقبل فيشهر رمضانمن سفر حتى يرى أنه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار قال: إذا طلع الفجر وهو خارج ولم يدخل فهو بالخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر»(2).
ــــــ[276]ـــــــ
(1) الوسائل: ج7 ص134ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج7 ص135ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
في هذه الرواية وسابقتها لا يوجد التعبير بالنية فيكون الاستدلال بها على المدعى من السالبة بانتفاء الموضوع.
الدليل الرابع
محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عنأحمد بن محمد، عنالحسين بن سعيد، عنالنضر بن سويد، عنعاصم بن حميد، عنمحمد بن مسلمقال: «سألت أبا جعفر عن الرجل يقدم من سفر فيشهر رمضانفيدخل أهله حين يصبح أو ارتفاع النهار، قال: إذا طلع الفجر وهو خارج ولم يدخل أهله فهو بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفطر»(1).
وهي بحسب الظاهر معتبرة السند لكنها غير تامة دلالة، لأن اعتبار النية ورد في كلام السائل وليس في كلام الإمام.
الدليل الخامس
علي، عن أبيه، عنابن أبي عميرومحمد بن إسماعيل، عنالفضل بن شاذانعن صفوان، عنابن أبي عميرجميعا، عنمعاوية بن عمار، عن أبي عبد اللهأنه قال: «لا يكون إحرام إلّا في دبرالصلاةمكتوبة أحرمت في دبرها بعد التسليم وإن كانت نافلة صليتركعتينوأحرمت في دبرهما فإذا انفتلت من صلاتك فاحمد الله وأثنِ عليهوصلِّ على النبي»(2).
وهي معتبرة السند.
ــــــ[277]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) الكافي: ج٤ ص٣٣١ ط دار الكتب الإسلامية.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أما دلالة، ففيها تقريبان:
التقريب الأول: التمسك بصيغة إفعل، فإن قوله: «فإذا انفتلت من صلاتك فاحمد الله وأثنِ عليه» وهي صريحة في اعتبار النية اللفظية.
التقريب الثاني: ملاحظة قوله: «يجزيك أن تقول هذا مرة واحدة حين تحرم فإذا لم تقل فلا يجزيك»، فبحسب السياق أن النية اللفظية متعينة وضرورية.
الدليل السادس
محمد بن الحسنباسناده عنالحسين بن سعيد، عنابن أبي عمير، عنحماد بن عثمان، عن أبي عبد الله قال: «قلت له: إني أريد أن أتمتع بالعمرة إلىالحج، فكيف أقول؟ قال: تقول: اللهم إني أريد أن أتمتع بالعمرة إلىالحجعلى كتابك وسنة نبيك، وإن شئت أضمرت الذي تريد»(1).
وهي معتبرة السند، فإن طريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد الأهوازي صحيح ودلالتها على المدعى واضحة.
قد يقال: إنها دالة على اعتبار الاخطار لا التلفظ بالنية، فلاحظ قوله : «وإن شئت اضمرت ذلك في نفسك» وهو ظاهر في الاخطار والارتكاز.
قلت: في الحقيقة اضمرت ذلك في نفسك ليس ظاهراً في الاخطار، وبما أن الخطاب هو للعرف يكون فهم فأضمرت بحسب الفهم العرفي الذي هو معنى الاخطار والارتكاز وليس معنى التلفظ.
ــــــ[278]ـــــــ
(1) الوسائل: ج12 ص342ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر

الاستمرار بالنية

قال المحقق الحلي: «ويجب استمرار حكمها إلى آخر الصلاة» (1).
وهنا تعليقان:
أحدهما: تعليق موضوعي.
والآخر: تعليق حكمي.
التعليق الموضوعي
أما التعليق الموضوعي، ففي الحقيقة إن من الأكيد أن المحقق يبني على الإخطار في النية ولا يكتفي بالارتكاز، فبناءً على الاخطار ينفتح هذا الباب وهو عدم إمكان الحكم باستمرار النية، لأن بقاء الاخطار في الذهن طول الصلاة متعذر أكيد فمن هذه الناحية لابد أن يتصور الفقيه وجوداً غير اخطاري مستمر طيلة الصلاة وحيث أن النية هي الاخطار، إذن: النية حقيقة غير موجودة والارتكاز وإن كان موجوداً إلّا إنه غير كافٍ على المفروض.
واللازم حينئذٍ الحكم ببطلان الصلاة، لأنها بدون نية فعلاً وهذا متعذر لليقين بصحة صلوات المتشرعة حتى الأئمة بغض النظر عن عصمتهم ــــــ[279]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص95 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
طبعاً فمن هذه الناحية لابد أن نفهم في طول الذهول عن النية الاخطارية نحو نية أخرى سمها تعبدية سمها حكمية سمها تنزيلية، تنزيل غير الناوي منزلة الناوي هذا باب آخر.
التعليق الحكمي
– أما التعليق الحكمي. لو تنزلنا عن التعليق الموضوعي وقلنا بوجوب الإخطار فهل نتمسك بإطلاق العبارة أو أن هناك تسامح في التعبير؟
الجواب: الحق أن هناك تسامح في التعبير، لأنه بناءً على الإطلاق توجد عدة لوازم باطلة، من قبيل:
إن هذا الوجوب: إما أن يراد به الوجوب التكليفي أو الوجوب الوضعي -الشرطي- ولا يخلو الأمر من أحدهما:
فإن اُريد به الوجوب التكليفي، وهو وجوب الاستمرار في الفريضة، لأنه إذا انعدمت النية من الفريضة بطلت وحينئذٍ وجوب الاستمرار في الفريضة ضروري وهو وجود الاستمرار في النية من أول العمل إلى آخره.
كما أن وجوب الاستمرار بالنية ضروري لحرمة نقضها ووجوب إيجادها.
قد يقال: إنه يوجد دليل على حرمة نقض الفريضة، إذن: يكون الوجوب من باب الضد.
وحينئذٍ نسأل على أي من المبنَيَيْن -حرمة الإبطال أو وجوب الاستمرار- هذا سيأتي محل بحثه إن شاء الله تعالى.
ــــــ[280]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
على العموم المقصود أن الوجوب بحسب الإطلاق غير ثابت وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، لأن الصلاة قد لا تكون فريضة وحينئذٍ هل وجوب الاستمرار فيها موجود أو حرمة نقضها موجود؟ طبعاً غير موجود، فالوجوب التكليفي غير موجود.
وأما إذا اُريد من الوجوب الوجوب الوضعي -الشرطية- وهو البقاء الحكمي فيشترط في صحة الصلاة البقاء الحكمي والاستمرار التعبدي للنية إلى آخرها.
على اعتبار أن هذا البقاء الحكمي هو نية الصلاة وليس الارتكاز حينئذٍ نقول إنه لا يجب أيضاً، وما اشكلنا عليه في الوجوب التكليفي يأتي هنا من أن الإطلاق ليس بصحيح وإنما هو مقيد في بعض الموارد دون بعض وذلك بعد الالتفات إلى إمكان نقل النية وجواز نقل النية أحياناً في موارد الجواز وحينئذٍ نسأل هل نقول بوجوب استمرار النية وعدم جواز نقضها؟
لا يمكن؛ اللهم إلّا أن يقال أن هذا خارج التقييد وهو مقتضى القاعدة العامة هو وجوب الاستمرار إلّا إذا خرج بالتقييد، ومعنى ذلك أن النقل جائز والصلاة حقيقة تكون بنيّتَيْن لا بنية واحدة في أولها بنية وفي آخرها بنية مع ذلك الشارع يصحح هذه النية بكل تأكيد، فإذا كان المطلب كذلك، أي أنه يبني الشارع على صحة النية الثانية على صحة النية الأخيرة.
إشكالات الشيخ الهمداني
بعد عرض الشيخ الهمداني لعبارة المحقق أشكل عليه بإشكالين:
ــــــ[281]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الإشكال الأول
قال: «وتفسيره بـ(أن لا ينقض النيّة الأولى) لا يخلو عن مسامحة؛ ضرورة أنّ الأمر العدمي لا يصلح أن يكون تفسيراً لاستمرار حكمها، فهو من باب تفسير الشي‌ء بلازمه» (1).
مناقشة الإشكال: في الحقيقة هذا الكلام منه قابل للمناقشة من أكثر من وجه، من قبيل:
إن ظاهر العبارة وإن كان هو أن النفي لا ينقض ولكنه يراد منه الإثبات، أي يمكن أن نرجع مراد المحقق إلى الإثبات وذلك بأحد تقريبين:
التقريب الأول: إن كلامه راجع إلى نفي النفي ونفي النفي إثبات أو قل: عدم العدم وعدم العدم وجود وذلك بأن يقال إن في عبارة المحقق أمران:
أحدهما: لا، وهي للنفي.
والآخر: النقض، وهو أيضاً نحو من النفي أن لا ينقض النية بنية أخرى فحينئذٍ رجع سياق كلامه إلى نفي النفي الذي يراد به بقاء أصل النية.
التقريب الثاني: إن تنزلنا عن التقريب الأول -وإن كان في نفسه صحيحاً- فإن العبارة المطابقية وإن كانت راجعة إلى النفي إلّا أن في الحقيقة المراد منها لباً الإثبات وهو استمرار النية وأن لا ينقض نيته، وهذا تعبير عرفي عن ذاك وليس تعبير عرفي عن لازمه، بل هو هو لأن لازمه قريب وواضح إلى حد يمكن أن يقصد منه مباشرة وهذا يكفي.
ــــــ[282]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص397، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الإشكال الثاني:
قال: «مع أنّه قد يتخلّف ذلك عن استمرار حكمها، فإنّه قد لا ينقض النيّة الأولى ولكن يذهل عنها بالمرّة أو يصدر منه بعض الأجزاء اضطراراً من غير أن يكون من آثار تلك الإرادة»(1).
مناقشة الإشكال: هذا الكلام وإن كان صحيحاً لكننا نذكر أموراً غير النقض أنها مبطلة للاستمرار وتلك الأمور كأنها جائزة في حين أن مقتضى القاعدة غير جائزة، لأنها مخالفة لاستمرار الواجب فأيضاً تبطل معها الصلاة في حين أنه لا تدخل تحت كلام المحقق وتحت دلالاته المطابقية لو صح التعبير ومن تلك الأمور:
الأول: أن يذهل المكلف عن النية بالمرة وهذا ليس نقضاً أكيداً ولكنه ليس استمرار للنية أكيد، لأن المفروض أن النية غير موجودة أصلاً.
الثاني: أن تصدر من المكلف الأعمال اضطراراً أو إكراهاً ونحو ذلك، فحينئذٍ هذا نحو نقض على المحقق لأنه لم ينقض النية بنية أخرى وإنما عمل اضطراراً فهذا هو مراد الشيخ الهمداني.
وفيه، أقول:
أما الأمر الأول، فإن هذا الإشكال وارد على مسلك الإخطار، لأن الإخطار لا يمكن بقاءه بالاستمرار، بل يذهل عنه بالمرة ويستمر في صلاته
ــــــ[283]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص397، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
بدون اخطار خاصة إذا قلنا إنه يذكر الله سبحانه وتعالى قلبياً أو أنه يفهم معاني ما يقول لا أنه يركز باستمرار أنه هو في صلاة الظهر مثلاً أكيد.
وهذا غير واجب، بل لا يمكن، فالذهول بالمرة موجود وكثير الحصول ومع ذلك لا يقول المحقق ولا الشيخ الهمداني ببطلان الصلاة وذلك في الحقيقة ارتكازاً منهم بأن الارتكاز كافٍ في صحة الصلاة وإن الإخطار غير واجب بعنوانه التفصيلي.
أما الأمر الثاني، ويمكن مناقشته بأكثر من وجه:
الوجه الأول: لا ينبغي أن نُدخل هذا الفرض تحت إطلاق كلام المحقق أو نقول أنه كان مقصوداً له حينما قال الاستمرار الحكمي هذا ليس فيه استمرار حكمي ولا ينبغي أن يكون مقصوداً ولا ينبغي أن يقال بإجزاء مثل هذا الركوع أو السجود أو القيام ونحو ذلك.
نعم، لو جرت مقدمات الحكمة في كلام المحقق لكان النقض عليه وارداً شكلياً لكنه من الصعب أن تجري مقدمات الحكمة، لأن كلامه أكيد منصرف عن هذه الناحية ولا يمكن أن يكون في محل البيان من هذه الجهة.
الوجه الثاني: لو تنزلنا عن الجهة الأولى وقلنا بأنه لعله كان في محل البيان من هذه الناحية، فما الضرر في أن نسلم أن الاستمرار الحكمي للنية أو الاستمرار الارتكازي للنية موجود خلال الصلاة كلها سواء فعل فعلاً اضطرارياً أو لم يفعل فعلاً اضطرارياً من هذه الناحية لا يختلف.
ــــــ[284]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
نعم، لو قلنا بأن الجزء يحتاج إلى نية مستقلة فحينئذٍ الجزء الاضطراري لا يكون بنية مستقلة بطبيعة الحال لكونه مضطراً إليه أو مكرها عليه، ونحو ذلك كما لو حمل شيئاً من الأرض ولكن إن لم نقل بذلك أو غضضنا النظر عن هذه المسألة أصلاً فحينئذٍ الصلاة عموماً هي كانت بنية ولا زالت بنية وفعل شيء خلالها كما لو خفض رأسه للاضطرار أو لأي شيء آخر لا يضر باستمرار النية كما هو واضح.
لفت نظر
أفاد المحقق قاعدة مفادها: «لا ينقض النية السابقة بنية أخرى» الشيخ الهمداني التفت إلى ما يعارض هذه القاعدة فذكر جملة من الروايات تؤيد هذه القاعدة من قبيل:
الرواية الأولى
محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيمعن أبيه عنعبد الله بن المغيرةقال في كتاب حريز أنه قال: «إني نسيت أني فيصلاةفريضة حتى ركعت وأنا أنويها تطوعا قال فقال: هي التي قمت فيها، ان كنت قمت وأنت تنوي فريضة ثم دخلك الشك فأنت في الفريضة، وإن كنت دخلت في نافلة فتنويها فريضة فأنت في النافلة، وان كنت دخلت في فريضة ثم ذكرت نافلة كانت عليك فامض في الفريضة»(1).
ــــــ[285]ـــــــ
(1) تهذيب الأحكام: ج٢ ص٣٤٢ ط دار الكتب الإسلامية.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
مناقشة الرواية
وهي من جهة الدلالة ينبغي أن تكون واضحة.
ومن جهة السند تواجه إشكالين:
الأول: أنها مضمرة، فلم يصرح فيها باسم الإمام.
وفيه: إن الرواية المضمرة إن كانت صادرة من شخص اعتيادي فلا حجية فيها وإن كانت صادرة من شخص اعلائي ومن خاصة الأئمة فهي حجة وأنها صادرة عن الإمام.
الثاني: إن عبد الله بن المغيرة يقول في كتاب حريز أي هو قد تحصّل على كتاب حريز الذي ينفصل عنه زماناً وروى ما رآه في كتاب حريز، فهذه الرواية بهذا المقدار عملياً مرسلة، لأنه لم يروِ عنه مشافهة أو إجازة، وإنما وجد كتاب حريز والوجادة غير معتبرة شرعاً وإنما هي بمنزلة الرواية المرسلة وتسقط عن الحجية.
وفيه: إن الإشكال يتسجل فيما إذا شعرنا بأن الراوي عن كتاب حريز شاك في أن هذا هو كتاب حريز وهو ليس كذلك لأنه قال في كتاب حريز، أي أنه كان جازماً أن هذا هو كتاب حريز.
الرواية الثانية
وباسناده عن العياشي، عن جعفر بن أحمد، عن علي بن الحسن، وعلي بن محمّد جميعاً، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن معاوية قال: «سألت أبا عبد الله عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فسها فظنّ أنّها نافلة أو قام في النافلة ــــــ[286]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فظنّ أنّها مكتوبة؟ قال: هي على ما افتتح الصلاة عليه» (1).
كلام في السند:
1- حسب تسلسل الطبعة أن الضمير يعود إلى الكليني، لأنه قال محمد بن يعقوب ثم قال وباسناده عن العياشي لكن كأن المطلب ليس كذلك لأنه قال في نهاية الرواية الأولى محمد بن الحسن باسناده عن علي بن إبراهيم مثله أي يروي مثله المهم، فباسناده أي محمد بن الحسن وليس محمد بن يعقوب.
2- إن سند الشيخ للعياشي مهمل وهذا يكفي لسقوط الرواية عن الحجية.
كلام في الدلالة:
1- قول السائل «قام في الصلاة المكتوبة» قام بمعنى دخل في الصلاة.
2- قوله : «هي على ما افتتح الصلاة عليه» أي على النية الأول للصلاة.
سؤال وجواب
أثار الشيخ الهمدانيسؤالاً مفاده:
إن هذه الروايات تقول بصحة الصلاة مع عدم حفظ الشرط الذي أخذه المحقق وهو (الحكم باستدامة النية) أي أن هذه الروايات على خلاف ما اعتبره المحقق.
ــــــ[287]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص6 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أقول: في الحقيقة إن هذا الشرط في نفسه معقول فقهياً وصحيح، لأن هذا التبدل حاصل فيها حقيقةً، فليس حكم النية موجود ولا وجود النية بوجوده التكويني الارتكازي موجود مع ذلك يمكن الجواب من وجوه، منها:
الوجه الأول:
إن الروايات تناولت صورة وجود التنافي بين الارتكاز والاخطار، فإن الاخطار هو الذي يحصل فيه السهو والتبدل مرة في الذهن أنها فريضة وأخرى أنها نافلة، وهنا فرضان:
1- أن يحصل التنافي بين الارتكاز والنطق بالنية.
2- أن يحصل التوافق بين الارتكاز والنطق بالنية.
أما الثاني، خارج عن محل البحث.
وأما الأول، فنسأل ما هو الذي تقتضيه القاعدة هل هو صحة العمل أو بطلانه؟
الجواب: بما أن النية الأصلية هي الارتكاز والنية الحقة لو صح التعبير والمطلوبة هي الارتكاز، فإذا تنافى الارتكاز والاخطار وهذا أحد صور التنافي حينئذٍ ما هو المقدم؟ الجواب: المقدم هو الارتكاز.
ونفترض أن الارتكاز هو من أول الصلاة إلى آخرها لكن الاخطارات اختلفت حصل شك وتبديل ونحو ذلك.
وينبغي أن نطبق هذا على الروايات هل هو مناسب مفهوماً من ظاهر الروايات.
ــــــ[288]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
إن قلت: هذا متعلق بالاستظهار، فإنه يقول فنويتها وهو ظاهر بالاخطار أي كبر ونوى النية الأولى اخطارية فهو تنافي بين اخطارين وليس بين ارتكاز واخطار ونحو ذلك.
قلت: إن النية الواقعية هي النية عرفاً، أي ارتكازاً، لأن كل النوايا العرفية هي ارتكازية وكل عمل فيه نية وليس فيها نية اخطارية ولا نية لفظية وإنما هو كله على الارتكاز، فإذا فهمنا الظاهر كما أنه دائماً هكذا فهماً عرفياً.
الوجه الثاني:
إن الشيء المستمر هو الارتكاز والشيء الطارئ هو الشك، ويؤيد ذلك قوله في صحيحة حريز «إذا قمت وأنت تنوي فريضة ثم دخلك الشك فأنت في الفريضة» أي فأنت في الفريضة تعبداً، فابني على ما بدأت التكبير به وحينئذٍ نقول: أن الشك خفيف المؤونة وذلك بأن يبني حال الشك على النية الارتكازية الموجودة عنده والتي لا يعلمها الآن تفصيلاً أنه بدأ الصلاة بنية ما، والآن عليها اجمالاً، سواء كان ملتفتاً لها أو لا ويستمر على هذه الحال إلى نهاية الصلاة والمفروض أنه يتذكر بعد ذلك نيته الأساسية وتصح الصلاة، لأنها مقصودة ولو اجمالاً وهذا يكفي أو أنه يحاول رفع شكه وتبديله باليقين وينتهي الحال ويعمل على اليقين الجديد الذي حصل له إلّا أن الكلام في إمكان حمل هذه الروايات على هذا المعنى.
ولأجل هذا كان التعبير تارة بقول: (دخلك الشك) وأخرى بقوله: ــــــ[289]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
(فنويتها وإن كنت دخلت في نافلة فنويتها فريضة فأنت في النافلة) ومعنى ذلك أنها أعطت نحوين من التبدل وليس شيئاً مضبوطاً على نقاش سوف يأتي.
فعلى أي حال (نويتها) ليس ظاهراً بالشك وإن قال إنه دخلك في الشك في العبارة الأولى ومع تعارض القرائن تتساقط ولا يتعين الحمل على خصوص صورة الشك.
الوجه الثالث:
الذي يمكن المصير اليه في هذا الصدد ما ذكره الشيخ الهمداني من اعتبار النية الثانية خطأً والنية الأولى هي الصحيحة والأساسية، فسواء تجلت لو صح التعبير النية الثانية على أنها مقنعة أو أنها شك أو أنها ظن المهم أنها طارئة وخاطئة والنية الطارئة والخاطئة ليست بنية تعبداً وعرفاً فإذا كان كذلك، فالعمل على النية الأولى، بل حتى لو تبدل الارتكاز بالارتكاز.
على أن النية الأساسية هي الارتكازية لا ما دامت النية الثانية حتى لو كانت ارتكازية خاطئة، فالعمل على النية الأولى، لأنها هي الأساسية وصورة الخطأ كأنه ملغى.
قال: «فإنّ مورد هذه الروايات -كما هو صريح بعضها وظاهر بعض- إنّما هو ما لو نوى خلاف نيّته الأولى خطأ، فهو لدى التحليل عازم على إتمام ما دخل فيه، ولكنّه أخطأ في تشخيصه، فلا عبرة بخطئه، وإنّما العبرة بما هو عليه في الواقع، فيقع ما أتى به بنيّة الخلاف جزءاً له؛ لكونه بهذا العنوان مقصوداً له، فلا ــــــ[290]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
ينافي ذلك اعتبار استدامتها حقيقة أو حكماً»(1).
أقول: إننا نسأل الشيخ الهمداني هل تصحح إسناد هذه الروايات أو لا؟
فإن اختار الأول، فقد تم المطلب.
وإن اختار الثاني، وهو بالفعل قد طعن بإسناد كل هذه الروايات، مما يعني سقوطها عن الحجية، فمع غض النظر عن هذه الروايات طبعاً، لأنها غير معتبرة، نسأل حينئذٍ هل أن النية الخاطئة ملغاة شرعاً أو لا؟
فإن لم تكن ملغاة تم الكلام.
وإن كانت ملغاة، فإن هذا الخطأ الذي يسميه خطأ في النية بقي إلى نهاية الصلاة، بمعنى أن الصلاة انتهت على النية الثانية وخاصة إذا كانت النية ارتكازية وكاملة وحقيقية لكنها خاطئة بدأ التكبير بشيء آخر وبالغلط تبدلت وبقي مقتنعاً على التبدل إلى نهاية الصلاة.
فإذا كانت كل نية خاطئة ملغاة، إذن: فهذه نية ملغاة ونعمل على ما بدأ به التكبير فهل هذا يكون صحيحاً!
بناءً على القواعد يكون الأمر مشكل جداً، لأننا نستصحب اشتغال الذمة بالصلاة، فهل هذه الصلاة ابرأت ذمة المكلف أو لا؟ الاستصحاب يقضي بعدم براءة الذمة.
ــــــ[291]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص398 – 399، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الوجوه المحتملة لموضوع صحيحة حريز
في الحقيقة إن صحيحة حريز تفتح أمامنا أبواباً معتداً بها ومحل ابتلاء بما نعلم من أن اغلب النفوس غير متوجهة توجها كاملاً في الصلاة ومن تلك الأبواب:
1- الأشكال والانحاء التي تطرأ على الإنسان من الشك والتبدل والذي يخالف ما كبر عليه في الصلاة له عدة حصص، منها: ما هو واجب تقوم به ماهية الصلاة لو صح التعبير وأهم مثال له التعيين والقربة بما فيها الوجوب والندب ونحو ذلك الذي أنا الحقته كأنه تحت جامع واحد في حينه.
2- ما ندعي مشهورياً أنه غير مقوم لماهية الصلاة ولكنه رئيسي فيها وأهم أمثلته الأداء والقضاء والقصر والتمام، فهي غير مقومة لماهية الصلاة ولكنها مع ذلك بالنسبة إلى الشقين الآخرين لو صح التعبير هكذا توصلنا إلى أنه من اللازم الإتيان بهما لا أقل بنحو الاحتياط الوجوبي وهو القضاء والقصر ولابد من قصدهما فهذا مما يشك فيه.
– أما الجهة الأداء والتمام لا يجب قصدهما فهل إن تغير النية عنهما لا يضر؟
الجواب: إنه مضر، فبالرغم من أنه العنوان الأصلي لا يجب قصده لكن التغير مع ذلك يكون مضراً بالصلاة بطبيعة الحال مقتضى القاعدة الأولية بطلان الصلاة أكيداً فلابد من فحص أن صحيحة حريز هل تشمل كل هذه ــــــ[292]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الأمور أو لا.
3- الرياء وهذا ينبغي أن يكون واضحاً كبر المكلف بالإخلاص حتى قصد الرياء عند دخول جماعة عليه وهو في الركعة الثانية-مثلاً – فهنا هل نقول إنه على ما كبر عليه؟
طبعاً سوف نقول لا، ليس على ما كبر عليه، لأن جزء من الصلاة وقع عن رياء وهو باطل فتبطل الصلاة مع العلم أنها ربما أن إطلاق الرواية أو ظاهرها يشمل هذه الحصة، فينبغي التدقيق.
4- من الصفات المستحبة للصلاة والمحتمل ثبوتها الصفة الزمانية والمكانية ونحو ذلك، كأن يصلي المكلف صلاة الليل في المغرب تخيلاً منه أنه السحر أو بصلي في المسجد تخيلاً منه أنه في البيت.
فهذا كله أمر ممكن طبعاً، فهل أن هذا التغير لا أهمية له لكونه غير مطلوب أساساً لكونه صفة استحبابية، سواء على هذا الوجه أو على هذا الوجه هي الصلاة صحيحة لكنه هذا لا يعني أن الإطلاق لا يشملها فهذا من جملة الخصائص التي ينبغي ان تبحث.
5- إن هذه الرواية والروايات الأخرى التعبير فيها، تارة: بالشك، وأخرى: بالنسيان، وتارة أخرى: بالنية.
وبمعنى من المعاني يحصل تهافت في الظهور، فأي منها نبني عليه؟
في الحقيقة الشيء الذي يتحصّل من مجموع السياق ينبغي أن يكون ــــــ[293]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
واضحاً وهو أن حال المكلف ينطبق عليها كل هذه العناوين، لأنه بالاصطلاح واهم والوهم ليس فهماً عرفياً، فهذه الحالة النفسية الجديدة أو الطارئة هي التي يعبر عنها بهذه الأوصاف وبذلك يجمع بين ظواهر هذه الرواية بالرغم من أنها كالقرائن المتصلة.
الوجوه المحتملة لمحمول صحيحة حريز
تم الاستنتاج من صحيحة حريز بلحاظ الموضوع والآن ندخل في الاستنتاج من المحمول وذلك إننا ذكرنا عدة حصص محتملة لما يمكن أن يكون مشكوكاً خلال الصلاة، بإن يكبر المكلف على نية ذات تفاصيل معينة ثم يشك ببعض تلك التفاصيل، فالتفاصيل المشكوكة على عدة حصص نذكرها تباعاً:
الحصة الأولى:
وهي التي اسماها المحقق بالتعيين أو عنوان الصلاة الذي هو في الحقيقة به تتحدد الماهية، فحينما يقول  «إلاّ أن هذه قبل هذه» لا يعني شيء إلّا أن عنوان الصلاة المنوي من قبيل: صلاة الظهر، صلاة العصر، صلاة الليل.
وحينئذٍ يطرح السؤال التالي: هل يستفاد ذلك من صحيحة حريز أو لا؟
فإذا كبر المكلف على عنوان صلاة ثم فكر في صلاة أخرى لو صح التعبير أو شك أو تبدلت نيته عملياً بأحد التفاسير السابقة إخطاراً أو ارتكازاً أو أي شيء.
الجواب: نعم، هذا هو القدر المتيقن والأوضح في صحيحة حريز، لأنه في الحقيقة وإن كان فيه احتمالين:
ــــــ[294]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الأول: التعيين، الذي هو اسم الصلاة.
الثاني: الحكم، الذي هو الوجوب بصفتها فريضة.
– فإن الحمل الأولي والفهم الاستقلالي للفريضة يقتضي الحمل على الحكم.
– أما الحمل الشايع وهو بالحقيقة حمل طريقي وإشاري إلى ذات الصلاة يقتضي التعيين.
وهنا نسأل أي منهما هو الأظهر؟
الجواب: الثاني هو الأظهر، لأن عنوان الفريضة بما هي فريضة أي واجبة لا يلحظ عادةً وعرفاً، وحينئذٍ يكون المعنى المقصود هو هذه الحصة وهو التعيين أو عنوان الماهية ما شئت فعبر ليس أكثر من ذلك.
مما يعني أن هذا هو القدر المتيقن من ظهور هذه الرواية وحينئذٍ يكون محمولها هو إعطاء القاعدة «إذا كبرت على شيء ثم حصل لك شك أو تغيير فأنت على ما كبرت عليه».
الحصة الثانية:
الحكم الشرعي للصلاة الذي هو إما الوجوب أو الاستحباب، لأن في الصلاة لا يوجد غيرهما.
قد تقول: إن الكراهة موجودة.
نقول: في الحقيقة ينبغي تفسير المكروه بأنه قلة الثواب، أي ضعف ــــــ[295]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الاستحباب وإلاّ هو راجع إلى الاستحباب وليس إلى الكراهة الحقيقية بحيث يكرهها الشارع المقدس ليس كذلك.
وهنا يأتي هذا السؤال وهو: هل يكون مشمول لمعنى صحيحة حريز أو إطلاق أو مفهوم صحيحة حريز أو لا؟
الجواب: إن فهمنا الاستقلالية أو الحمل الاولي فهو.
وإن لم نفهم ذلك، بل فهمنا الحمل الشايع والطريقية وهذا قد تقدم بيانه فلاحظ.
إذن: هذا الوجه باطل فلابد من التمسك بنحو من أنحاء الإطلاق لأجل الشمول لهذه الحصة الذي هو الحكم الشرعي للصلاة فهنا قد يقال:
بأن الإطلاق موجود، لأنه في الحقيقة الحكم الشرعي للصلاة لا يغير ماهيتها فهي صلاة ظهر -مثلاً- سواء كانت واجبة كما هو الاعتيادي أو مستحبة كالمعادة جماعة وكذلك هي صلاة ليل، مما يعني أن ماهيتها محفوظة على كلا الطرفين، فمن هذه الناحية ينبغي أن يكون المطلب مشمولاً للإطلاق.
أقول: إن التمسك بهذا الاطلاق يعني أن المكلف إن شك في عنوان الظهر -مثلاً- وجب عليه البناء على ما كبر عليه، سواء كانت صلاة الظهر واجبة أو مستحبة، لكن بشرط وهو أن يكون الشك في عنوان الفريضة في التعيين لا في الحكم الشرعي في الحصة الأولى لا في الثانية وأما إن فُهم له إطلاق وتسرية إلى ناحية الحصة الثانية الذي هو حكمها فلا، لأنه الآن المفروض أنه قد أحرز معنى الظهر لكن شك هل هي استحبابية أو وجوبية ومع احراز التعيين فيكون غير مشمول بالإطلاق ويحتاج إلى نحو آخر من الإطلاق غير هذا.
ــــــ[296]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وهذا الإطلاق الآخر نحو من التجريد عن الخصوصية، فلا خصوصية لمسألة التعيين وإنما اُخذت هذه المسألة مجرد مثال وحينئذٍ لا بأس أن يسري الحكم إلى أي حصة إو إلى أي خصوصية شك فيها من خصوصيات النية.
وفي طول التجريد عن الخصوصية يكون هذا مفهوماً، أي الإطلاق يكون في محله على أن نحرز شرطين:
الأول: إنه في مقام البيان من هذه الناحية.
الثاني: إن التجريد عن الخصوصية ينتج ظهوراً مفهومياً لغةً.
فإذا كان هكذا، فنعم لا يبعد أن يكون بدرجة من الدرجات هذا الظهور موجود خاصة بالنسبة إلى هذه الحصة التي نتكلم عنها.
نعم، في حصص أخرى على ما سوف يأتي قد نشك أن المتكلم في مقام البيان أو لا، أو نشك بإلغاء الخصوصية هناك احتمال معتد به من الفرق وحينئذٍ يسقط هذا التقريب.
الحصة الثالثة:
كما هو واضح أن الأداء والقضاء مما لم يوجد نص عليهما في الدلالة المطابقية في الرواية، فنحتاج في التعميم إليهما إلى أحد تقريبين:
التقريب الأول:
أن نفهم الإطلاق من التجريد عن الخصوصية.
وفيه: إن في طول التجريد عن الخصوصية والحمل على المثالية حمل المورد ــــــ[297]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
على المثالية وأنه كان في مقام البيان من هذه الجهة، وفي الحقيقة هذا وحده لا يكفي، لأننا نعلم أساساً بغض النظر عن مناقشات تأتي أن المورد الذي هو مورد الرواية والمثال الجزئي لها أهم من هذه الحصة، لأن مورد التعيين الذي هو اسم الصلاة الذي هو فريضة أو نافلة كما عبر يمثل ماهية الصلاة وأما كونها أداء وقضاء فهي صفات طارئة عليها وإذا كانت صفات طارئة عليها يكون التجريد عن الخصوصية متعذراً.
التقريب الثاني:
أن نفترض أن الإمام  أعطى قاعدة عامة في أول الرواية بقوله: «التي قمت فيها» أي صلاة كانت وبأي نية كانت مع تلك المناقشة التي قلناها وهو قرينية السؤال مع جوابه حينئذٍ تكون كقاعدة معتد بها عرفاً للتمسك بها في مثل هذا المورد.
أضف إلى ذلك: إننا نضم بعض المقدمات إلى بعض لكي نستنتج نفس النتيجة الإطلاقية وهو أن الشك في الأداء والقضاء أيضا مشمول للقاعدة التي في الرواية، وتلك المقدمات:
المقدمة الأولى:
أن نلتفت إلى عنوان الأداء وهو ليس شيئاً زائداً عرفاً ومتشرعياً على الصلاة، لأنه هو القدر المتيقن من الصلاة، فإن الإنسان يصلي الظهر أو يصلي الفجر أو يصلي المغرب، أي صلاة المغرب، -مثلاً – ماهيتها أدائية، فلا يختلف ــــــ[298]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
عرفاً ومتشرعياً عنوان الماهية الذي هو المغرب عن كونها أداء ذات أهمية متساوية أو متقاربة جداً وكما يرجع هذا إلى معنى الماهية يرجع ذاك إلى معنى الماهية.
وحينها نقول: لو شك أنها أداء أو لا؟ نوى على ما كبر عليه وهو الأداء.
أجل، الأمر ليس كذلك بالنسبة للقضاء، لأنه قد يقال بأن القضاء ليس هو الماهية متشرعياً، لأن الوقت له دخل كبير في حقيقة الصلاة، فإذا كان قد نوى القضاء عند التكبير فلا يمكن إن يرجع إليه ويجعله القاعدة العامة.
المقدمة الثانية:
إن الأداء والقضاء متضادان متشرعياً وعرفاً، والمتضادان متواردان على مورد واحد أو بمعنى من المعاني محكومان لحكم واحد، وكما أن الأداء يمثل ماهية الصلاة كذلك القضاء يمثل ماهية الصلاة، فاذا مثل ماهية الصلاة كان التجريد عن الخصوصية سهلاً بالنسبة إلى فريضة أو نافلة، فالشك فيه يكون شك في التعيين والقضاء ملحق به، لأنه ضده، والضدان لا يختلفان محمولاً، لأنهما متواردان على مورد واحد، فما يكون للأداء محمولاً يكون للقضاء محمولاً.
وبعبارة أخرى: إن الشك في الأداء هو بعينه الشك في القضاء، لأن المكلف عند شكه أنه يصلي أداءً فهو يشك أنها صلاة أداء أو قضاء بهذا المعنى فإذا كان المطلب هكذا تكون النتيجة: أنه يبني على ما كبّر عليه على مقتضى القاعدة العامة المعطاة في الرواية.
ــــــ[299]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الحصة الرابعة:
وهو البحث عن القصر والتمام هل هما مشمولان للرواية أو لا؟
كما لو كبر على إحدى الصفتين قصراً مثلاً ثم شك في أنه نوى قصراً أو لا وكذا العكس.
في الحقيقة هذا يحتاج إلى بيان مقدمتين:
المقدمة الأولى: وجود الموضوع، وهذا ضروري، لأنه إذا كان شيء ما لا موضوع له حتى لو كان كبر عليه غلطاً لا يرجع إلى ما كبر عليه، فلو أن شخصاً نوى الإقامة عشرة أيام ونوى قصراً غلطاً لا موضوع له فتبطل صلاته وكذلك العكس.
المقدمة الثانية: نية القصر أو التمام، وهذا أيضاً ينبغي الالتفات إلى ضروريته، لأن النية شرط في تصحيح الصلاة.
أما إن لم نشترط نية القصر والتمام كما في نية التمام، فلا حاجة إلى كل هذا الكلام حينئذٍ تصح الصلاة، سواء كانت مشمولة لهذه الرواية أو لم تكن مشمولة لهذه الرواية، لأنه لا نية عنده عند التكبير.
أهمية المسألة
لكي تتضح أهمية هذه المسألة لابد من حزم أمر وهو:
إما أن نقول بالاشتراط أو لا نقول.
فإن الإنسان إذا كبر على أحد الشكلين -قصر أو تمام- قد يقال إنه ليس له ــــــ[300]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أن يبدل نيته إلى الشكل الآخر خلال الصلاة، كما لو كان -مع حفظ الموضوع طبعاً- عليه الظهر قضاء قصر والظهر قضاء تمام فحينئذٍ يقول: الله أكبر وهو يقضي التمام بطلت الصلاة، فينوي القصر ويتم ركعتين ليس تكويناً، بل تعبداً.
فإذا عدل عن نيته عن علم وعمد فلربما فيه إشكال. على كل حال المسألة إلى حدٍّ ما تبرز ذات أهمية بمقدار ما فهذا موضوعها ويأتي الكلام عن المحمول.
تطبيقات لتقريبات الإطلاق
تقدم معنا التقريبات الممكنة للإطلاق والآن نحاول تطبيقها ولو بشيء من الاختصار، ومن تلك التطبيقات:
1- أن نتمسك بعنوان فريضة التي فهمنا منها التعيين باصطلاح المحقق لأن الظهر أيضاً قد تكون قصراً وقد تكون تماماً فلها إطلاق من هذه الناحية، فالقصر والتمام داخل في إطلاق هذه الصورة، فإذا شككنا بعنوان الظهر وكانت قصراً أو شككنا بعنوان الظهر وكانت تماماً، فالشك ليس بعنوان الظهر وإنما بعنوان القصر أو بعنوان التمام ذاك الإطلاق لا يشمل مثل هذه الصورة.
2- إن الأداء يمثل أصل الماهية، أي يمثل الظهر، تقول أصلي صلاة الظهر أي أداءً فهو في العرف والمتشرعة يمثل الماهية كذلك هنا التمام يمثل الماهية، لأنها نفهمها من الفريضة، أي من التعيين الذي فهمناه من الفريضة، فنحتاج ــــــ[301]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
حينها إلى ضم مقدمة أخرى، لأن الشك في هاتين الصفتين لا في مضاداتها، أي في الأداء والتمام فما هو حال القصر والقضاء في القضاء قلنا هنا أيضاً نضم نفس المقدمة وهو وجود تضاد أو يوجد تضاد بين القضاء والأداء وبين القصر والتمام في ارتكاز المتشرعة والضدان متواردان على موضوع واحد كما يتصف به أحدهما يتصف به الآخر، أي المتواردان على صفة واحدة ومنشأ انتزاع واحد لو صح التعبير فكما أن الأداء يكون دخيلاً في الماهية كذلك القضاء يكون دخيلاً في الماهية وكما أن التمام دخيل في الماهية كذلك القصر يكون دخيلاً في الماهية.
لكن هذا وإن كان له درجة من الاعتداد به لو صح التعبير بالنسبة إلى الأداء، لأن الأداء حقيقةً نفس ماهية الصلاة لكن التمام في حدود حدسي المتشرعي أنه ليس كالأداء في الأهمية، فالتمام صفة إضافية على الأداء في الأهمية، الوقت له دخالة رئيسية في الصلاة الذي هو معنى الأداء أما الحضر والسفر ليس له تلك الدخالة الرئيسية في الصلاة، فإذا كان هذا الوصف الذي هو التمام ليس له تلك الدخالة الرئيسية، فحري أن يكون القصر الذي هو ضده والذي هو أبعد عنه عن ماهية الصلاة أن يكون له دخل في ماهية الصلاة، فإذا كان مثل هذا التقريب للإطلاق في الأداء والقضاء يكون صحيحاً، فليس يلازم أن يكون في التمام والقصر يكون صحيحاً.
3- التجريد عن الخصوصية فقد فهمنا من فريضة التعيين وهو يشمل كل شيء من خصائص الصلاة وليس اسمها وعنوانها ونحو ذلك، بل كل ــــــ[302]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
خصائص الصلاة هذا الذي عادة تذكر في النية الأمور الأربعة وهي التي ذكرها المحقق ومنها القصر والتمام وهما أيضاً متواردان على موضوع واحد وهذا يمكن أن نستفيد من هذه القاعدة.
وفي الحقيقة هذا فرع الإطلاق والإطلاق فرع مقدمات الحكمة ومقدمات الحكم فرع تمامية مقدماتها ومن جملتها أن يكون في محل البيان، فإذا لم يكن في مقام البيان أو يشك في ذلك، فالظهور يكون مشكوكاً ومن ثم لا يكون حجة، فيسقط الإطلاق عن الاعتبار.
4- أن تكون الصلاة مشتملة على نوع من النقص، فهل هذه الحصة تكون مشمولة لهذه الرواية ومصداقاً لها، كما لو شك المكلف في الأداء أو في القضاء أو في القصر أو في التمام نقص من الناحية الاعتقادية كالتشكيك بسعة قدرة الخالق تعالى شأنه أو عصمة النبي الأكرم ونحو ذلك.
فهل يفتى فقهياً ببطلان صلاته مع الاقتناع، كبر عن نية صحيحة وتبدلت نيته إلى الاقتناع بخلافها فهل تبطل صلاته أو لا؟
مقتضى ظاهر الفقه أنه لا تبطل صلاته ما دام ظاهراً يشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمداً رسول الله.
أقول: في الحقيقة هذا قابل للمناقشة لكن إذا بنينا عليه ينسد هذا السؤال من هذه الجهة، لأنه إذا كان اليقين أو الاطمئنان بهذه الأفكار غير مبطل للصلاة فكيف بالاحتمال، بل كيف بما هو أدنى منه وهو أنه غير راضٍ عن هذه ــــــ[303]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الأفكار، حينئذٍ نصحح الصلاة في كل هذه الحصص لو صح التعبير، ولا نحتاج إلى التمسك بإطلاق هذه الرواية في التصحيح.
5- الرياء، فمن الممكن أن تكون الحصة الصلاتية المشتملة على الرياء مشمولة لصحيحة حريز، كما لو دخل الإنسان بدون رياء في الصلاة ثم حصلت له دوافع الرياء خلال الصلاة فهل يمكن أن نتمسك بإطلاق هذه الصحيحة لتصحيح صلاته أم لا؟
المشهور يقول بعدم الشمول بصراحة فيفتي ببطلان الصلاة.
وفي الحقيقة هذا يحتاج إلى بعض القيود موضوعاً قبل أن ندخل فيه محمولاً:
القيد الأول: أن لا يكون الرياء عن قناعة وجزم وعزم من قبل المكلف لا عن وسواس وشك وظنون وخاصة إذا كان المكلف لا يرضى بهذه الوساوس هو يشعر بشيء من الرياء ولا يرضى أن يكون شاعراً بهذا الشيء ولو كان في حال أحسن لكان أفضل له من الناحية النفسية، فإذا كان بهذا الترتيب فلا أثر له أكيداً هذا ليس رياءً.
القيد الثاني: ينبغي أن نلتفت إلى أن في الصلاة شكلين مما يمكن أن يقع فيه الرياء:
1- الكون الصلاتي، وهو كونه في الصلاة ما بين التكبير والتسليم ليس أكثر.
ــــــ[304]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
2- الجزء الصلاتي، وهو عبارة عن الأجزاء المشار إليها والمحددة، من قبيل: الركوع والسجود والقراءة أو التشهد والتسليم ونحوها،
وقد يفرَّق بينهما من أن الإنسان قد يقصد الرياء في أحدهما دون الآخر.
فينبغي أن نقول:
إن كان الرياء في الكون الصلاتي متصور نقول ببطلان الصلاة عند وقوع الرياء فيها.
وإن كان الرياء متصور في الجزء الصلاتي، فينبغي أن نخرجه عن محل الكلام الآن.
نعم، يبقى هناك قاعدة أخرى، وهي: أن الرياء إذا كان في الجزء الصلاتي ولم يكن في الكون الصلاتي طبعاً جزء الواجب الجزء المستحب ينبغي إخراجه عن محل كلامنا الآن.
وهنا نعيد السؤال: هل تصح الصلاة مع الرياء؟
الجواب: إذا كان جزءاً غير ركني لزم إعادته وتصح الصلاة، من قبيل قرأ لأجل الرياء سورة المؤمنون فيقرأ مرة أخرى لأجل الإخلاص.
وإذا كان جزءاً ركنياً، لم يكن بالإمكان إعادته فتبطل الصلاة.
تنزيل الغفلة منزلة النية
مطلب جديد نخوض فيه وهو (تنزيل الغفلة منزلة النية) فإن الإنسان من غير الممكن أن يكون متذكر للنية الإخطارية من أول الصلاة إلى آخرها.
ففي الحقيقة نحن نواجه تنزيلاً آخر بلغة المحقق وهو بقاء النية حكماً ــــــ[305]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
إلى نهاية الصلاة، أي تنزيل الغفلة منزلة النية.
ولابد من تطبيق هذا التنزيل بناءً على المسالك الثلاثة: الاخطار، الارتكاز، اللفظ، بأن نقول: متى نحتاج إلى هذا التنزيل ومتى لا نحتاج إليه بناء على هذه المسالك الثلاثة.
– أما بناءً على اللفظ والاخطار، فإن تنزيل المحقق ضروري لو صح التعبير وهو تنزيل الغفلة منزلة النية لعدم استمرار اللفظ وعدم استمرار الاخطار.
وفيه: إن من الأكيد مائة بالمائة أن اللفظ يكون قبل التكبيرة وما هو قبل التكبيرة ليس في الصلاة وما ليس في الصلاة ليس بحجة، والاخطار أيضاً يكون قبل التكبيرة فيجري عليه ما جرى في اللفظ.
فينتج على هذا أن البقاء التعبدي الحكمي التنزيلي خلال الصلاة بقاء لما ليس بحجة.
أجل، صحح الفقهاء الذين يرون مسلك اللفظ والاخطار هذه الصلاة لأجل الارتكاز، أي أن النية موجودة بالارتكاز وليس بالاخطار ولا بالتلفظ.
وفيه: إن الارتكاز موجود بنفسه في كل عمل عُمِل في الكون الصلاتي وفي الجزء الصلاتي، موجود باستمرار من أول الصلاة إلى آخرها تكويناً ولا حاجة إلى التنزيل الشرعي.
ومما بيناه يتضح حال مسلك الارتكاز.
ــــــ[306]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
نية قطع الصلاة
في بعض الأحيان ينوي المكلف قطع الصلاة فهل يجوز له ذلك أو لا؟
الجواب: لا يجوز له ذلك إلّا عند الضرورة، والدال عليه:
الدليل الأول
قوله تعالى: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ(1) بتقريب: إن (لا تبطلوا) صيغة نهي وهي ظاهرة في التحريم والصلاة عمل، إذن: لا تبطلوا صلواتكم، أي لا تخرجوا منها.
نعم، يستثنى الخروج الشرعي كما لو تبيّن غصبيّة المحل الذي يؤدّي فيه الصلاة.
مناقشة
في الحقيقة هذا قابل للمناقشة من أكثر من وجه:
الوجه الأول: إن المراد بإبطال الأعمال هنا هو إبطال العمل بعد العمل، وهو من قبيل قوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمبِالْمَنِّ وَالأَذَىٰ(2) وإبطال العمل بعد العمل موجود عرفاً وشرعاً حتى في العرف.
الوجه الثاني: إن من المحتمل جداً أن يكون المراد من أعمالكم أعم من الفرائض اليومية، وبهذا يكون الدليل أعم من المدعى.
ــــــ[307]ـــــــ
(1) محمد: 33.
(2) البقرة: 264.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الدليل الثاني
قوله : «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم»(1).
وتقريب الاستدلال: إن المصلي ما بين التكبير والتسليم هو في الصلاة، سواء كان في نية واحدة أو نيتين وسواء اختلفت نواياه أو اتحدت ونحو ذلك من التعبيرات وحينئذٍ يصير على هذا نحو تصحيح للصلاة، لأنه كبر فاحرم ثم سلم فخرج من الصلاة فهذا المصداق للصلاة صحيح.
وفيه: إنه أعم من المدعى، لأنه إنما ينتج صحة الصلاة في الجملة، أما صحته بعنوان النية التي كبر عليها كما في صحيحة حريز أو النية الثانية كما لعله رجحناه.
الدليل الثالث
إن المكلف الذي نوى الانقطاع فقد نوى الخروج من الصلاة وحينئذٍ تبدل عمله شرعاً وعرفاً، لأن العرف يقوّم العمل بالنية والشرع أيضاً يقوّم العمل بالنية.
وفيه: إن كون الشرع يقوّم العمل بالنية هذا فرع ثبوت أن يكون العمل غير موجود، أي الصلاة قد بطلت ونحن لا نستطيع أن نقول ببطلان الصلاة، فقد ذكرت الشريعة جملة من المبطلات من قبيل: الضحك وترك الموالاة ونحوها، وبدون ذلك فالصلاة مستصحبة الصحة.
ــــــ[308]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص415 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
أدلة صحة الصلاة مع نية القطع
الدليل الأول:
قاعدة لا تعاد: «لا تعادالصلاةإلاّ من خمس: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود» والمعنى عدم إعادةالصلاةفي فرض وقوع الخلل فيها، إلّا في الخمس الموارد المذكورة.
وتقريب دلالتها على ذلك: إنه لم يعد تبدل النية من هذه الموارد التي تعاد فيه الصلاة في الاستثناء فيدخل في المستثنى الذي لا تعاد فيه الصلاة وهذا يكفي، أي أن الصلاة هنا بالرغم من تبدل النية فهي صحيحة ومجزية.
وفيه: إنها تثبت الصحة في الجملة وليس الصحة كما تدلنا عليه صحيحة حريز وهو البناء على التكبير.
الدليل الثاني:
إن المكلف حين نوى الخروج خرج من الصلاة إذ لا يشترط في الخروج فعل مخل بها، بل العمدة هي نية الخروج فلابد من دخول المجدد فيها بنية وتكبير مجددتين.
مناقشة:
ناقش الشيخ الهمداني بمناقشتين:
الأولى: إن المأخوذ بنظر الاعتبار هو أن النية وحدها كافية للخروج عن الصلاة.
ــــــ[309]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وفيه: إن النية وحدها ليست كافية للخروج، لأن القواطع والموانع عن العبادة محصورة شرعاً ومما هو معدد في الرسائل العملية وهذا ليس منها، فيحتاج من يدعي الانقطاع إلى دليل على الانقطاع وهو غير موجود.
الثانية: إن صدق الخروج عرفاً متحقق إلّا أن العمل لا يقتضي الانقطاع وبطلانه للحكم بعد العود الى الباقي، أي بتجديد النية بتحقق الصلاة الذي هو المدار في الامتثال إذ لم يرد من الشرع اعتبار أمر آخر وجوداً ولا عدماً.
وفيه:
1- إنما الأعمال بالنيات، وهذا ثابت عرفاً أكيداً، فإن النية الارتكازية دخيلة في حقيقة العمل وكذلك شرعاً، فإن النية دخيلة في حقيقة العمل فلو لم تكن نية فلا عمل.
2- إذا غيّر المكلف نيته فقد دخل في عمل آخر وإن لم يحصل منه عمل آخر عرفي، كالقراءة والمشي ونحو ذلك إلّا أن الإنسان لا يخلو من عمل في كل آنات حياته والعمل متقوم بالنية فقد كان عمله الصلاة، لأنه كان قد نوى الصلاة والآن عمله الوقوف مثلاً أو الجلوس، لأنه نوى الخروج للصلاة فقد دخل في عمل آخر وإذا دخل في عمل آخر تغير عمله الأول عرفاً وبطل شرعاً.
وهذا الكلام مرجعه إلى محصلين:
أحدهما: إن العمل بالنية عرفاً وشرعاً، فإذا تغيرت النية زال العمل.
الآخر: بزوال العمل الأول يكون فد دخل بعمل ثانٍ، أي دخوله بعمل جديد فتبطل صلاته.
ــــــ[310]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
وفي الحقيقة إن هذا ليس عملاً جديداً لو صدق عرفاً بأنه عمل جديد.
وأن الإنسان لا يخلو من عمل خلال حياته عقلاً صحيح ولكننا نريد أن نفهمه من زاوية عرفية وهو من زاوية عرفية ليس بصحيح وطبعاً الشريعة مفهومة من زاوية عرفية، لأن ظواهر الكتاب والسنة إنما هي هكذا.
الدليل الثالث:
إن قصد الخروج غير موجب لانقطاع الصلاة وليس كسائر الأمور القاطعة كالكلام والحركة والضحك والبكاء، لأن تلك قد ورد في قاطعيتها دليل وهذه لم يرد في قاطعيتها الدليل.
وفيه: إن الوجدان على خلافه وذلك لأن قواطع الصلاة كما هو ينبغي أن يكون واضحاً ترد على الصلاة يعني الصلاة موجودة ثم يقطعها، بمثل الضحك والبكاء ونحو ذلك.
وما ورد تسامح فيه في الشرع، كقتل العقرب ورضاعة الطفل وحمله ونحو ذلك قد ورد فيه دليل ولا يمكن القياس عليها.
فما نحن فيه رافع لماهية الصلاة وليس قطع لها.
الدليل الرابع:
إن نية القطع غير مانعة عن صدق اسم الصلاة، كصدق اسم المتكلم والقارئ على المتلبس بالكلام في الآنات المتخللة بين أجزائها الغير المانعة عن اتصال بعضها ببعض في العرف، فالعدم المتخلل لا يضر بالصدق العرفي.
ــــــ[311]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
هذه المقدمة بمنزلة الكبرى أما صغراها، فهي مسألتنا فإنه يصدق على على المكلف أنه متكلم بالرغم من سكوته وعدم نطقه ونحو ذلك، فإذا كان مصلي إذن: صلاته مجزية.
وفيه:
1- هذا الدليل مبنائي، فهو يتم بناءً على اختيار أن وضع الألفاظ للأعم من الصحيح والفاسد.
2- عند تغير النية ترتفع ماهية الصلاة، لتقوّم الصلاة بالنية، ولذا قال: «إن هذه قبل هذه» وليس هناك شيء يميز هذه عن هذه إلّا النية، وإلاّ فهي جميعاً متحدة في جميع الصفات وحينئذٍ لا مجال لإرجاعها إلّا بوجود جديد.
الدليل الخامس:
إن الأكوان المتخللة الذي هو بمعنى الكون الصلاتي ليست جزءاً من أجزاء الصلاة، فإذا لم تكن جزءاً فحينئذٍ لا تبطل بتغيير النية فيها.
وفيه: إن هذه دعوى فمن قال إن الأكوان ليست بجزء، فهي كبرى (إن تغيير النية في الجزء مبطل) غير مبرهنة.

* قال المحقق: «وكذا لو نوى أن يفعل ما ينافيها، فإن فعله بطلت»(1).
بمعنى أنه نوى أن يفعل شيء من قواطع الصلاة، فإن فعل ذلك بطلت صلاته.
ــــــ[312]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص94 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
بعد هذا نقول: إن هذا الفرد المصلي الذي عزم على التكلم -مثلاً- هل هو ملتفت إلى الملازمة بين التكلم وبطلان العبادة أو غير ملتفت، كأن يكون جاهلاً بالحكم أو الموضوع أو كان غافلاً.
فإن هكذا فهو لم يعزم على الإتيان بالقاطع بعنوانه واعتقاده، لأنه ليس قاطعاً باعتقاده وهو العزم على التكلم، إذن: هو لم يعزم على قطع الصلاة فيكون المطلب قابلاً لاستصحاب الصحة.
الكلام وفق أجزاء الصلاة
من الواضح أن أجزاء الصلاة على ثلاثة أشكال، هي:
1- جزء واجب ركني.
2- جزء واجب غير ركني.
3- جزء مستحب.
وينبغي جعل الكلام على وفق هذه الأشكال الثلاثة، وقبل ذلك لابد من التنبيه على أمر مفاده:
إن الصحيح هو اعتبار جزء مستحب من أجزاء الصلاة ولا تقاس ماهيتها بالماهيات الحقيقية التي لا يمكن أن يؤخذ فيها جزء إلّا أن يكون ذاتي لها، وهو خصوص الجنس والفصل ولا مجال للخاصة في الماهية، لأنهم قالوا أن شيئاً ما يدخل في الماهية فيكون جزءاً منها ويخرج من الماهية فلا يكون جزءاً منها فهذا ليس بصحيح إنما الماهية محددة غير قابلة للنقيصة والزيادة، وفي المستحب الأمر ــــــ[313]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
ليس كذلك، بمعنى إذا كانت ماهية الصلاة حقيقية يستحيل فيها ذلك أنه إذا دخل القنوت كان جزءاً من ماهية الصلاة وإذا ترك القنوت لا بأس أن يخرج عن ماهية الصلاة.
أقول:
في الحقيقة هذا يمكن أن له يجاب بأكثر من جواب أهمها:
1- إن الصلاة ماهية اعتبارية والماهيات الاعتبارية لا يؤخذ فيها ما ذُكر، لأنه مختص بالماهيات الحقيقية التي لها جنس وفصل.
فلا محذور أن يكن فيها ذلك، إذا دخل كان جزءاً من ماهية الصلاة وإذا خرج أيضاً يخرج من ماهية الصلاة فلا بأس بذلك.
2- إن المستحبات كلها جزء استحبابي من ماهية الصلاة، سواء فعلها المكلف أو لم يفعلها، والصلاة مقيدة به تقييداً استحبابياً، لكنه مع ذلك يجوز أن يترك جزء الماهية هذا، لأن المفروض أنه جزء استحبابي وكل أمر استحبابي يجوز تركه، ولا يكون تركه مبطلاً للصلاة.
عوداً على بدأ:
– أما الجزء الاستحبابي فهو مبدأ الكلام، لأنه خفيف المؤونة وهو:
إن المستحبات عموماً، سواء اعتبرناها جزءاً أو لا إذا قصد بالمستحب الرياء فهل تبطل الصلاة؟
الجواب: مقتضى القاعدة أنها لا تبطل وإنما يبطل العمل نفسه، فكأنه لم يقنت.
ــــــ[314]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
اللهم إلّا أن يقال بأن وجود أصل الرياء في ماهية العبادة مبطل لها، فإذا كان هكذا فهذا أيضاً مصداق بالحمل الشايع منه وهذا ينبغي أن يكون أكيداً، إذن الصلاة باطلة.
وفيه: إن هنا كبرى مشكل وهي: إن الصلاة تبطل بالرياء مطلقاً، وهذا قابل للتشكيك، فلا أقل حينها من إجراء أصالة البراءة عن المانعية، لأن الدليل على الخصوص غير موجود أكيداً لا في الكتاب ولا في السنة، فالدليل عن مورده الأصول العملية.
وهذا لا يختلف فيه سواء قلنا بأن المستحب جزء من الماهية أو لا.
فإذا لم نقل إنه جزء من الماهية فهو أولى بعدم البطلان بطبيعة الحال.
وإذا قلنا إنه جزء من الماهية، فإن الجزء أصبح ريائياً فبطل جزء من الماهية وإذا بطل جزء من الماهية بطلت كل الماهية بطبيعة الحال.
– أما الجزء الواجب غير الركني، فلو حصل عن رياء، بأن أتى المكلف بالقراءة -مثلاً- رياءً فهل تبطل الصلاة؟
الجواب:
يقول الشيخ الهمداني إن مجرد الإتيان بالجزء رياءً تصدق النقيصة، فتبطل الصلاة، لأنها تكون فاقدة للجزء بما هو جامع للشرائط.
أقول: لو جاء بالجزء الناقص، كما لو استغفر وأعاد القراءة أمكن القول بتصحيح الصلاة.
ــــــ[315]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
قد يقال: إن أتى المكلف بالجزء ثانيةً لزمت الزيادة وبطلت الصلاة فهي تبطل على كلا التقديرين.
قلت: إن مثل هذه الزيادة عند تكرار الجزء ثانياً غير مبطلة للصلاة، لعدم وجود دليل على أن كل زيادة مبطلة للصلاة.
خصوصاً وأن الفعل الثاني يقع مطابقاً لأمره مؤثراً في حصول عنوان الصلاة.
– أما الجزء الواجب الركني، فلو وقع فيه الرياء كما لو ركع رياءً فهل تبطل الصلاة به؟
الجواب: هو البطلان، لأن الزيادة قطعاً مبطلة للعمل، ومع بقاء الجزء مراءى به يكون العمل ناقصاً، والركن نقصانه وزيادته مبطلة للعمل، سواء كان عن عمد أو عن سهو.
إلى هنا انتهى الحديث عن الرياء.

ــــــ[316]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر

الفهرس

مبحث النية 11
[الدليل على أصل وجوبها إجمالاً] 11
[الاستدلال بالكتاب الكريم] 11
[مستويات النية الأربعة] 13
[الاستدلال بالأخبار] 15
[اللسان الأول والثاني] 15
[رواية أبي بصير «حسن النية بالطاعة»] 17
[رواية السكوني «نية المؤمن خير من عمله»] 18
[رواية أبي بصير «إن المؤمن ليهمّ بالحسنة»] 18
[رواية أبي هاشم «إنَّما خُلِّد أهل النار..»] 19
[الأدلة اللبية] 20
[الكلام في تعريف النية] 21
[النية العرفية] 21
ــــــ[317]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
[النية الإخطارية] 23
[البقاء الحكمي للنية] 24
[هل النية شرط أو جزء] 25
[مناقشة القول بالشرطية] 25
[الكلام في ركنية النية] 26
[كلام في تصور معنى الزيادة في النية] 27
[ما يجب قصده في النية] 30
[الكلام عن انقسامات النية إجمالا] 30
[الكلام عن انقسامات النية تفصيلاً] 32
[نية القربة] 32
[القرب الزماني والمكاني] 32
[القرب الرتبي] 33
[أطروحة القرب الخيالي] 34
[مناقشة صاحب المستند في المراد من القرب المكاني] 36
[كلام حول مدلول القربة] 37
[نقد استدلال صاحب المستند] 38
[ترجيح قصد الامتثال على قصد القربة] 39
[الإشارة إلى أمرين] 40
ــــــ[318]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
[الفرق بين العبادات بالمعنى الأخصّ والمعنى الأعمّ] 41
[الكلام في أمرين: أولهما الاكتفاء بالنية المتدنية. وثانيهما نية شكر المنعم] 44
[في قصد الوجوب والاستحباب] 45
[الأدلة على اشتراط قصد التعيين] 47
[الصلوات ماهيات مختلفة] 47
[الأخبار] 49
[تعلق الأمر بالعنوان] 49
[الادلة اللبية] 50
[سؤالان في المقام] 51
[لزوم التعيين مع التعدد] 53
[المناقشة الأولى] 53
[المناقشة الثانية] 55
[تقييد قاعدة «كل ما هو دخيل في الماهية يجب قصده»] 56
[تتمة الكلام في الأدلة] 57
[الكلام في وجوب قصد الاداء والقضاء] 58
[أدلة قصد القضاء] 59
[مناقشة الاستدلال على قصد القضاء] 63
ــــــ[319]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
[كلمة في نوم رسول الله  عن صلاة الصبح] 65
[تتمة أدلة قصد القضاء] 66
[القصد الإجمالي في النية] 67
[الأدلة اللبية على إجزاء القصد الإجمالي] 69
[مناقشة فرعين تعرض لهما الهمداني] 70
[رواية «من تخيّل أنه قد صلى الظهر فصلى العصر..»] 72
[كلام في الاشتباه في تطبيق النوايا] 74
[مناقشة صاحب المستند في القصد الإجمالي] 75
[النية المرددة] 77
[وجوه في فساد النية المرددة] 77
[قصد القصر والإتمام] 83
[استدلال صاحب المستند على عدم الوجوب فيهما] 84
[الأدلة اللبية على عدم وجوب قصد التمام] 85
[صورة وجوب الجمع بين القصر والإتمام] 86
[كلام في مقتضى أصالة البراة] 88
[مناقشة ما ورد في نية الصوم] 89
[الخصائص التي يحتمل أن يقع فيها الترديد ] 90
[ما يخصّ التردد في الأداء والقضاء] 93
ــــــ[320]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
[كلام في عبارة المحقق «والقصد بها»] 94
[الكلام في النية اللفظية] 95
[أدلة عدم وجوب النية اللفظية] 96
[الاستدلال بالروايات على عدم وجوب النية اللفظية] 97
[تقريب الاستدلال بصحيحة حماد] 99
[النسبة بين رواية حماد وروايات النية العامة] 101
[موقف صحيحة حماد من النية الإخطارية] 102
[تتمة في أدلة عدم وجوب التلفظ] 103
[أدلة وجوب النية اللفظية] 103
النية 111
وجوب النية 113
الاستدلال بالآيات الكريمة 113
تمهيد 113
تقريب الاستدلال 116
الاستدلال بالكتاب 118
الآية الثانية 119
الآية الأولى 120
ــــــ[321]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الاستدلال بالسنة الشريفة على وجوب النية 121
مناقشة الاستدلال 121
الاستدلال برواية أخرى 123
وتقريب الاستدلال [بهذه الرواية على وجوب النية] 123
أدلة وجوب التعيين. 124
نظر في كلام المستند 125
أدلة أخرى على وجوب قصد التعيين 126
الاجماع على وجوب التعيين. 127
تحقيق في الإجماع المدرَكي 127
سيرة المتشرعة والارتكاز المتشرعي 129
سؤال وإجابة 129
الاستدلال بالسنة على وجوب التعيين 131
الرواية الأولى: 131
الرواية الثانية: 133
نكتة لطيفة 134
عوداً على بدء 135
الرواية الثالثة 137
الرواية الرابعة 139
ــــــ[322]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الرواية الخامسة 140
الرواية السادسة 141
الرواية السابعة 142
ما هو العمل الخالص 142
معنى القلب السليم 143
معنى الزهد في الدنيا 144
المرتبة الدانية 144
المرتبة العالية 144
نظر في الأدلة الارتكازية 144
لفت نظر 147
الأصول العملية 148
تعقيب 149
حقيقة النية 151
النية في اللغة 152
النية في الاصطلاح. 153
الكلام في المعنى العرفي 153
بيان التعبير الأول 154
ــــــ[323]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
سؤال وجواب 154
سؤال وجواب 156
شرط الاستحضار 158
لفت نظر 159
الواجب في النية أربعة أمور 160
الانقسام الأول: الوجوب والاستحباب 160
الانقسام الثاني: قصد الثواب 161
الانقسام الثالث: تمييز العنوان 161
العبادات الأخرى 163
الانقسام الرابع: الأداء والقضاء 163
تنويه 165
الانقسام الخامس: النية الجزمية والنية الاحتياطية 166
الانقسام السادس: نية الإخلاص أو الإخلاص 167
الانقسام السابع: المكان والزمان 167
حكم الانقسامات 168
بيان المحقق لمعنى النية 169
مناقشة معنى الإخطار 169
الوجوب الكفائي والأمور الأربعة 172
ــــــ[324]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
بيان معنى القربة 172
تنويه 173
الرتبة الإلهية 174
أقسام العلل 174
علة العلل 175
التكامل وأنواعه 175
نقل كلام صاحب المستند والتعليق عليه 177
الإشكال على فكرة التنزيل 181
سؤال وجواب حول قصد القربة 183
أقسام العبادات 185
معنى الداعي الارتكازي 186
نتائج البحث 189
النتيجة الأولى 189
النتيجة الثانية 189
النتيجة الثالثة 189
متعلق قصد الغاية 191
إضاءة 192
الشكر من المقاصد 196
ــــــ[325]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
فذلكة 197
مختار صاحب المستند ومناقشته 198
التعيين 201
معنى التعيين 201
دليل التعيين 202
حقيقة اختلاف الماهيات بالقصد 203
الدليل الأول: الارتكاز المتشرعي 204
الدليل الثاني: الدليل الدال على الترتيب 204
الدليل الثالث: الروايات 204
إشكال 205
الجواب الأول 205
الجواب الثاني 206
الدليل الرابع: [التفريق الماهوي بين أفراد الصلاة] 206
أنواع وجوب التعيين 206
هل يكفي عن التعيين غيره 207
إلفات نظر 207
إشكال وجواب 209
تلخص مما تقدم النتائج التالية 210
ــــــ[326]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
نقض وجوابه 211
خلاصة الاعتراضات 213
خلاصة الأجوبة والنتائج 214
استفهام استنكاري 215
البحث في الأداء والقضاء 217
وجوب قصد الأداء 217
إستدلال الهمداني في المقام 218
بيان الصغرى إن الأداء والقضاء منشأ انتزاعي 219
بيان الكبرى يحصل الامتثال بإيجاد الصلاة بشرائطها 220
الدليل على وجوب نية الأداء 221
الأمر الأول 221
الأمر الثاني 221
وجوب قصد القضاء 223
تفصيل الكلام في دليل الهمداني 224
بيان كلام الشيخ الهمداني 226
لفت نظر 228
مناقشة 228
كلام حول نوم النبي عن صلاة الصبح 229
ــــــ[327]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الاستدلال على وجوب قصد عنوان القضاء 232
الدليل الأول والثاني: الإجماع والشهرة 232
الدليل الثالث: السيرة والارتكاز المتشرعيين 233
إشكال 233
جواب الإشكال 233
الدليل الرابع: الاستصحاب 234
الدليل الخامس: دوران الأمر بين التعيين والتخيير 234
النية الاجمالية 235
أقسام النية الإجمالية 235
المستوى الأول: الاستدلال بالوجوه المحتملة على عدم الجواز 236
مناقشة ما دلَّ على عدم اعتبار النية الإجمالية 237
الدليل الأول 237
الدليل الثاني 238
الدليل الثالث 238
الدليل على عدم اعتبار النية الاجمالية 238
فرعان فقهيان 239
تفصيل الكلام في حالاتٍ أربع 244
الحالة الأولى: [عدم معرفة الفرد بمعنى ألفاظ النية] 244
ــــــ[328]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الحالة الثانية: [قصد الكلي القابل للانطباق على الحصة] 244
الحالة الثالثة: [عدم الالتفات إلى الكلي مطلقاً] 245
الحالة الرابعة: [الالتفات إلى الحصة مع الاشتباه في التطبيق] 245
وجه الفتوى بالصحة 246
مناقشة المقدمة الأولى 246
مناقشة المقدمة الثانية 247
إمكان المجاز في العلوم العقلية 247
النية الترديدية 248
دليل بطلان النية الترديدية 249
الدليل الأول 249
الدليل الثاني 251
الدليل الثالث 252
الدليل الرابع 253
الدليل الخامس 253
الدليل السادس 254
الدليل السابع 255
الدليل الثامن 256
البحث في القصر والتمام 256
ــــــ[329]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
مناقشة 256
أصالة البراءة 257
الأدلة اللبية 257
مناقشة الإجماع 257
الملاحظة على الاستدلال 258
الملاحظة الأولى: 258
الملاحظة الثانية: 259
الكلام في نية القصر 259
الأدلة على وجوب قصد القصر 260
1- السيرة العملية للمتشرعة 260
2- الارتكاز المتشرعي 260
3- الإجماع 261
كبرى قصد التعيين في مورد الترديد 262
حصر موضوع الكلام في أقسام ثلاثة 262
الدليل على وجوب قصد التعيين في مورد الترديد 263
إشارات 264
التلفظ بالنية 265
ــــــ[330]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
مناقشة ما ذكر من الأدلة 266
تقريب الاستدلال برواية حماد 269
لفت نظر 270
عدم استحباب التلفظ بالنية 270
التقريب الأول 270
التقريب الثاني 271
التقريب الثالث 271
المناقشة في صحيحة حماد 271
أدلة وجوب النية اللفظية 272
الدليل الأول 272
مناقشة الاستدلال 273
الدليل الثاني 276
الدليل الثالث 276
الدليل الرابع 277
الدليل الخامس 277
الدليل السادس 278
الاستمرار بالنية 279
ــــــ[331]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
التعليق الموضوعي 279
التعليق الحكمي 280
إشكالات الشيخ الهمداني 281
الإشكال الأول 282
الإشكال الثاني 283
لفت نظر 285
الرواية الأولى 285
مناقشة الرواية 286
الرواية الثانية 286
كلام في السند 287
كلام في الدلالة 287
سؤال وجواب 287
الوجه الأول 288
الوجه الثاني 289
الوجه الثالث: 290
الوجوه المحتملة لموضوع صحيحة حريز 292
الوجوه المحتملة لمحمول صحيحة حريز 294
الحصة الأولى 294
ــــــ[332]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الحصة الثانية 295
الحصة الثالثة 297
التقريب الأول 297
التقريب الثاني 298
المقدمة الأولى 298
المقدمة الثانية 299
الحصة الرابعة 300
أهمية المسألة 300
تطبيقات لتقريبات الإطلاق 301
تنزيل الغفلة منزلة النية 305
نية قطع الصلاة 307
الدليل الأول 307
مناقشة 307
الدليل الثاني 308
الدليل الثالث 308
أدلة صحة الصلاة مع نية القطع 309
الدليل الأول 309
الدليل الثاني 309
ــــــ[333]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر
الدليل الثالث 311
الدليل الرابع 311
الدليل الخامس 312
الكلام وفق أجزاء الصلاة 313
الفهرس 317
ــــــ[334]ـــــــ
بيان الفقه ج4، محمد الصدر