بيان الفقه: مبحث تكبيرة الإحرام والقيام
قال: المحقق: «لا تصحّ الصلاة بدونها أو إلاّ بها ولو أخلّ بها نسياناً»(1).
الكلام في واجب آخر من واجبات الصلاة وهو «تكبيرة الاحرام» والكلام فيها يقع ضمن نقاط.
النقطة الأولى: وجوب تكبيرة الاحرام.
النقطة الثانية: رُكنية تكبيرة الاحرام.
الكلام في النقطة الأولى: وجوب التكبيرة
[الاستدلال على الوجوب]
يمكن الاستدلال على وجوب التكبيرة بالأخبار التي وردت بهذا المضمون وإن كانت بألسُن متعددة من قبيل:
1- ما كان بلسان «وجوب التكبيرة».
ونذكر منه روايتين:
الرواية الأولى: محمّد بن الحسن باسناده، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد، عن علي بن حديد، وعبد الرحمن بن أبي نجران، والحسين بن سعيد كلّهم،
ــــــ[9]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص95 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن زرارة، عن أبي جعفر «قال: يجزئك في الصلاة من الكلام والتوجّه -الى أن قال- وتجزئك تكبيرة واحدة»(1).
الرواية الثانية: وباسناده عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن حسين، عن زيد الشحّام، وعن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب، عن زيد الشحّام قال: «قلت لأبي عبد الله: الافتتاح، فقال: تكبيرة تجزئك، قلت: فالسبع، قال: ذلك الفضل»(2).
2- ما كان بلسان «مفتاح الصلاة التكبير».
3- ما كان بلسان «أنف الصلاة التكبير».
وهذه الطائفة تشترك بعنوان التكبير، أو قل تشترك بالدلالة على وجوب عنوان التكبير وبعض ذلك معتبر السند أكيداً، وحينئذٍ تبقى مقدِّمة واحدة لابد منها، لأن هذا وحده لا يكفي لإثبات الوجوب؛ لاحتمال أن يكون المراد بالتكبير شيء آخر غير لفظ «الله أكبر»، فلابدّ من مقدّمة نثبت فيها أن المراد من التكبير هو لفظ «الله أكبر».
[في أن المراد بالتكبير لفظ (الله أكبر)]
وهذه المقدمة لها أكثر من دليل:
الدليل الأول: الارتكاز المتشرعي
الارتكاز المتشرعي القطعي على هذا الانفهام وهو قطعاً إننا نفهم من هذا التكبير هذا المعنى وهو لفظ «الله أكبر».
ــــــ[10]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص9 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص10 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الدليل الثاني: التمسك بالاستصحاب القهقري
التمسك بالاستصحاب القهقري أو القهقرائي حسب ما يعبرون وذلك بأن يقال: إننا الآن كمتشرعة نفهم من التكبير لفظ «الله أكبر» ولأجل إثبات أن هذا المعنى كان موجوداً في العصر المعاصر للأئمة نقهقر هذا المعنى الموجود اليوم إلى ذلك الزمان فيثبت المطلوب.
مناقشة
تقدم منا في أبحاث سابقة المناقشة سابقاً لمثله مع جوابها.
وهنا نقول: إن هذا الاستصحاب أصل عملي لكنه لا يثبت لوازمه العرفية، فلا يثبت الظهور حتى لو كان عند المتشرعة الذي يفهمون ذلك في ذلك الحين إلاّ أن الظهور من لوازم وجود ذلك الفهم فلا يثبت.
جواب المناقشة:
أقول: إن هذا الاستصحاب بالحقيقة ليس استصحاباً وإنما هو تلقّي أمارة عن أمارة عن أمارة جيلاً بعد جيل وكلّ جيل يُشكّل أمارة على سابقه إلى جيل المعصومين فيثبت في المقام الأمارة والأمارة تثبت لوازمها وهو الظهور اللفظي.
الدليل الثالث: [الفهم المتلقى عن صاحب الشرع]
إن المتلقى عن صاحب الشرع أنَّ فهم معنى لفظ «الله أكبر» من خلال التكبير هو هذا المعنى، وهو موجود جيلاً بعد جيل ومتوارث عن صاحب
ــــــ[11]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الشرع، وهذا عكس الاستصحاب السابق، فإن الاستصحاب السابق نصعد فيه جيلاً بعد جيل إلى عصره، وفي هذا الوجه ننزل جيلاً بعد جيل من عصره إلى العصر الحاضر وكلا اللحاظين صحيح لا بأس به، معنى هذا أن هذا المعنى متلقى بالتواتر من قبل المعصومين.
الدليل الرابع: التمسك بالمادة اللغوية
التمسك بالمادة اللغوية؛ لأن التكبير أُخذ من مادة (كبّر) الذي هو مأخوذ من «الله أكبر»، من اللفظة الثانية من التكبيرة لو صحّ التعبير وهو لفظ (أكبر) فنسميه تكبير بعد كأنما التغاضي عن لفظ الجلالة.
مناقشة
في الحقيقة التكبير وإن كان مأخوذ من مادة أكبر إلاّ أن المادة قابلة للانطباق على سائر المشتقات، فقد يكون بمعنى المشتق فاعل أو مفعول أو أي شيء آخر، فمن هذه الناحية كله يصدق عليه التكبير لانحفاظ نفس المادة في أي صيغة مشتقة أو التقلب بالمشتقات ما لم يتعين بأحد الوجوه السابقة، لأنه يراد بالتكبير أفعل التفضيل الذي هو الأكبر.
فإن قلت: إن كل هذه الوجوه كما تلاحظون بشيء من التدقيق واضح أنها بمنزلة الأدلة اللُبّية لا إطلاق لها ولا نستطيع أن نتمسك بها في نفي بعض التفاصيل الأخرى.
فغاية ما حصلنا عليه هو الارتكاز المتشرعي والارتكاز المتشرعي لا إطلاق
ــــــ[12]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
له، لأنه ليس لها ظهور لفظي وما هو المتلقى بالتواتر هو السيرة العملية والسيرة العملية ليس لها ظهور لفظي.
قلت: إنه بأحد الوجوه يمكن تحصيل ظهور لفظي وذلك عن طريق الاستصحاب القهقري أو الأمارة القهقرية، وهو يثبت على أن الظهور في لفظ التكبير هو «الله أكبر» فبذلك ننفي به الأدلة الأخرى.
أقول: هذا خطأ، فإن غاية ما يثبت به الأمارة التي أشرنا إليها على أن ظهور التكبير بلفظ «الله أكبر» ولكننا لا نريد أن نثبت الآن ذلك، بل نريد إطلاقاً أو (مفهوم مخالفة) ينفي أو نافٍ للحصص الباقية وهذا لا يتحصل، لأن التكبير إنما هو على أحسن تقدير من مفهوم الوضع.
فأحسن طريقة لاقتناص المفهوم من مثل هذا الاستدلال أو من مثل هذه الطائفة أن يقال: بأن عندنا قناعة ووثوقاً أو قل إننا نثق بهذه الأمارة المؤلفة من أمرين:
الأمر الأول: إننا على يقين من أن المعصومين أنفسهم كانوا يستعملون هذا اللفظ في صلواتهم اليومية الواجبة والمستحبة وكذلك أصحابهم جيلاً بعد جيل وإلى الآن وإلى يوم القيامة ما دام دين محمد.
الأمر الثاني: إن الأئمة شخصياً وكذلك غيرهم لم يستعملوا صيغة أخرى ولا مشتقاً آخر ولا ألف ولام ولا مثلاً الله الأكبر ولا أي شيء كان غير هذه الصيغة إذ لو كانوا قد استعملوا ذلك لورد لنا ولو بخبر ضعيف ولم يرد.
والنتيجة: إنهم لم يستعملوا ذلك أكيداً وعدم استعمالهم دال على عدم الجواز.
ــــــ[13]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
فإن قلت: إن الترك أعم من عدم الجواز وإنما تركوه لمصالح أخرى ليس لمجرد عدم الجواز.
قلنا: الترك أعم من عدم الجواز صحيح إلاّ أنه مع ذلك نستطيع أن نفهم من هذه السيرة المركوزة والواضحة نحواً من الحسم وأن افتتاح الصلاة إنما هذا دون غيره، فاذا فهمنا من السيرة نحواً من الحسم أو قل فهمنا من الارتكاز المتشرعي نحواً من الحسم يكون له مفهوم نافٍ.
[أطروحة المفهوم الإرتكازي]
فإن قلت: إن السيرة والارتكاز دليل لبّي والدليل اللبّي كما أن ليس فيه إطلاق ليس له مفهوم مخالفة، ونحن نريد أن نفهم مفهوم المخالفة من أدلة لبيّة على خلاف القاعدة، لأنه لا وصل لها وإنما يفهم مفهوم المخالفة من الظهور المطابقي، فإذا لم يكن هناك ظهور مطابقي فلا ظهور مفهومي لو صح التعبير.
قلت: في الحقيقة هذا الجواب أنا اطرحه كأطروحة بحسب قناعتي أنه شيء جيد، وذلك بأن يقال إن مفهوم المخالفة على نحوين:
– مفهوم مخالفة ظهوري.
– مفهوم مخالفة ارتكازي.
فما تقوله من أن الدليل الارتكازي ليس له مفهوم مخالفة حق أي ليس له مفهوم مخالفة ظهوري، لأنه أصلاً لا ظهور له، سالبة بانتفاء الموضوع، لكن مع ذلك يبقى الحصة الثانية أو السنخ الثاني من مفهوم المخالفة، لأننا نستطيع أن نسأل ارتكازنا كمتشرعة إنما هو الارتكاز المتشرعي وهو موزع عندنا جميعاً وزعمنا قبل
ــــــ[14]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
قليل أن الارتكاز قائم على الحسم أنه «الله أكبر» لا غيرها ونحو ذلك من الأمور بدون تغيير ولا تبديل حسب كلام السيد اليزدي.
فإذا فهمنا منه الحسم أصبح معنى المفهوم أيضاً مرتكزاً، فكما أن الدلالة المطابقية مرتكزة كذلك الدلالة المخالفة التي ربما نسميها بالمفهوم أيضاً مرتكزة، كلاهما محل ارتكاز وهذا مفهوم نستطيع أن نسميه مفهوم ارتكازي أو حصة أخرى من الارتكاز نتقدم بها قدماً في داخل التدقيق لو صح التعبير.
الكلام في النقطة الثانية: ركنية التكبيرة
الكلام وفق مقتضى القاعدة، فنتحدث أولاً عن موضوع المسألة قبل محمولها، ومما هو داخل في موضوع المسألة أن الفقهاء قرنوا بين مقدمتين كبرى وصغرى.
– أما الكبرى، فمفادها: «الركن هو ما تبطل الصلاة بتركه عمداً وسهواً زيادة ونقيصة».
– أما الصغرى، فهي: إنّ التكبيرة تبطل الصلاة بزيادتها ونقصانها عمداً وسهواً».
والنتيجة: فطبقاً للحمل الشايع المتشرعي أو الشرعي تكون تكبيرة الإحرام مصداقاً للركن، فلو أخلّ المكلف بها ولو نسياناً بطلت الصلاة.
هذا هو المشهور بين الفقهاء ونحن قلنا في مبحث الركوع أن المكلف إذا أنقص الركوع سهواً فليس بذاك الوضوح فقهياً أنه تبطل صلاته.
نعم، الاحتياط الوجوبي يقتضي ذلك أما بنحو الفتوى القطعية بحجة شرعية
ــــــ[15]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
كاملة على الركنية من ناحية الترك في الركوع فليس هكذا.
وهنا أي في التكبيرة الأمر كذلك، فلو زاد المكلف التكبيرة سهواً فليس بذاك الوضوح، فيمكن الطعن بالكبرى؛ لأن معنى الركن لم يرد لا في كتاب ولا في سنّة، وإنما هو مصطلح فقهائي، فالركن بعنوان كونه ركناً لم يرد في دليل معتبر وإذا ورد بدليل معتبر لزم تفسيره بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الاصطلاحي.
وفي المقام دلّ الدليل على أن نقصان التكبيرة مبطل سواء كان عمداً أو سهواً، أما زيادتها فهو باب آخر لم يدل عليه الدليل.
دليل ركنية تكبيرة الاحرام
الكلام في اعتبار التكبير ركناً يقع في جهتين:
الجهة الأولى: الكلام في نقاص التكبيرة.
الجهة الثانية: الكلام في زيادة التكبيرة.
وكل منهما يبحث من جهتين: العمد والسهو.
الجهة الأولى: الكلام في نقاص التكبيرة
المعروف أن مقتضى الاستدلال البدء أولاً بالكتاب ثم بالسنة ثم بالإجماع ثم بالعقل، وبما أن الكتاب وكذا العقل لم يتعرضا لهذه المسألة سيكون الاستدلال مقتصراً على السنة والإجماع.
ويلزم تقديم الاستدلال بالسنة على الاستدلال بالإجماع، لأن الإجماع فرع السنة، كما أن السنة أشرف.
أجل، لما كان الحديث عن الإجماع مختصراً اقتضى هذا تقديم الحديث عنه.
ــــــ[16]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الاستدلال بالإجماع
إن الاجماع قائم على أن نقصان التكبيرة مخل بالصلاة وهو في الجملة صحيح، لأنه في بعض حصصه يحقق اليقين وهو الترك عمداً.
لكن الإشكال هنا أن الاجماع بعنوانه دليل لُبّي يقتصر منه على القدر المتيقن، والقدر المتيقن هو العمد فهل يشمل النسيان أو لا؟
أقول: في صورة النسيان يوجد اجماع اطمئناناً وإن لم يكن بدرجة الاطمئنان في الترك العمدي كما هو واضح، أي إن تحصيله بصفته اجماعاً حقاً اطمئناني وهذا لا يعني اليقين بعدم وجود شاذّ من الفقهاء يقول بعدم البطلان مع النقصان نسياناً أو سهواً، وذلك لأننا نقول أن الأخبار متعارضة، بعضها دالة على الوجوب على ما سوف يأتي، وبعضها دالة على عدم الوجوب.
والفقيه إما أن يترك هذه الطائفة ويعمل بتلك الطائفة وإما بالعكس أو أنه يعارض بينهما ويساقط، فاذا تساقطا فلأي شيء نرجع؟
المرجع هو أصالة عدم الشرطية أو أصالة البراءة ونحو ذلك من الأمور، وفي صورة النسيان لا يجب، وليس عندنا إطلاق يشمل صورة النسيان أنها تبطل الصلاة وأنها جزء حتى في صورة النسيان لكي تبطل الصلاة، فتعود النوبة إلى الأصل العملي النافي أو الظني.
ربما إن بعض الشذاذ من الفقهاء يقول بذلك لكن مع ذلك إن لم يكن هناك اجماع فباليقين أن هناك شهرة عظيمة بالبطلان ومتفق عليه بمعنى من المعاني على البطلان حتى في صورة النسيان أو على البطلان في صورة النسيان فضلاً عن صورة العمد.
ــــــ[17]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الاستدلال بالسنة
وأما الأخبار، فهي على طائفتين:
الأولى: الدالة على الوجوب.
الثانية: الدالة على الندب، بمعنى أن الإعادة غير واجبة في صورة النسيان.
البحث على وفق الطائفة الأولى [الدالة على الوجوب]:
الكلام في الأخبار الدالة على الوجوب، لأن عنوان المسالة هو هكذا يطرح، فلا معنى لأن نُدخل الطائفة الدالة على عدم الوجوب في الدليل على الوجوب. نعم، نذكرها كمعارض.
وطبعاً الدال على الوجوب ينبغي القول إن له نحو إطلاق يشمل صورتي العمد والسهو والنسيان وحينئذٍ يمكن تقسيم الأخبار الدالة على الوجوب إلى عدة ألسنة، كل لسان طائفة، وبعضها فيه رواية واحدة وبعضها أكثر من رواية.
لسان: «تحريمها التكبير».
نبدأ بأشهر الألسنة على الإطلاق، لسان «تحريمها التكبير» وهي رواية معتبرة حسب الظاهر وإن لم يكونوا من أصحاب الاجماع إلاّ أنه معتبرة بتوثيق الكشّي وغيره، ونصّها بحسب الوسائل:
وعن علي بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعري، عن ابن القداح عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله «افتتاح الصلاة الوضوء،
ــــــ[18]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم»(1).
كلام في السند:
ابن القداح هو عبد الله بن ميمون وثقه النجاشي، فهي معتبرة والمشهور على العمل بها أيضاً، وإن كنت لا أرى حجية الشهورة.
كلام في الدلالة:
يقول «افتتاحها التكبير» وتقريب الاستدلال، أن هنا مقدمات إحداهما مذكورة في الرواية وأخرى: غير مذكورة، موجودة لا شعوريا في الرواية لو صحّ التعبير.
أما المقدمة المذكورة فهي بحسب المضمون (بدون التكبير لا افتتاح) لأن افتتاحها التكبير، فإذا انتفى التكبير انتفى الافتتاح وهذا ينبغي أن يكون واضحاً.
أما المقدمة غير مذكورة (إذا انتفى الافتتاح انتفت الصلاة) وإلاّ إذا وجدت الصلاة بدون افتتاح مثلاً، نقول: لا بأس تسقط الرواية عن محل الاستدلال، فلابد من ضمّ هذه المقدمة التي أُخذت مسلمة، (بدون افتتاح لا صلاة)، فهي معدومة وزائلة كأنه لم يبدأ بصلاته، يعني صلاته باطلة، فنحتاج إلى تقريب عرفي يقول بأنه (بدون افتتاح لا صلاة)، وهذا يمكن تقريبه بأحد وجهين:
[تقريبان في القول: (لا صلاة بدون افتتاح)]
التقريب الأول: عرفي.
وهو (لا صلاة بدون افتتاح)، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، لأن العمل إنما
ــــــ[19]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص11 ح10، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
تستمر به إذا بدأت به، إذا افتتحته وبدأت به، أما إذا لم تبدأ به فلا معنى للاستمرار، لأنه معدوم عقلاً وعرفاً وعقلائياً.
أجل، هنا نحتاج إلى تنبيه، لأن المفروض أنه حينما نسي التكبيرة بدأ بالصلاة، الآن هو يصلي لكنه مع ذلك هو لم يأت بالصلاة تنزيلاً، أي تنزيل الموجود منزلة المفقود وإن هذا المأتي به إنما هو باطل، لأن الافتتاح غير متحقق برأي الشارع وتنزيل الشارع وإلاّ ليس عدم افتتاح تكويناً، هو افتتحها ودخل في الصلاة، فنحتاج إلى نحو من التنزيل في طول المقدمة العرفية.
التقريب الثاني: متشرّعي.
وهو أن يقال أن الارتكاز المتشرعي على ذلك وهو ارتكاز مقارب لمنهج الأئمة لأننا نعلم حدساً صعود هذا الشعور المتشرعي ووجوده في زمانهم وصعوده إلى عصرهم ونحو ذلك، إذن فهو مقارب، لأنه لم يأت هناك نفي أو نهي لو صحّ التعبير عن مضمونه، بل ورد هناك تأييد لمضمونه، هي هذه اللغة بنفسها تأييد.
وهناك مضامين أخرى وحكم أخرى تؤيد هذا المضمون المتشرعي وهو أن (الافتتاح هو التكبير) و(بدون افتتاح لا عمل أصلاً) و(لا صحّة للصلاة أصلاً) ونحو ذلك من الكلمات، فهذه مقدمة صغروية -لو صحّ التعبير- تدعم هذا المضمون.
لفت نظر:
يمكن أن يقال في نفس هذا المضمون -قضية النسيان- أن القدر المتيقن في هذا ا
ــــــ[20]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
للسان العمد، افتتاحها التكبير العمدي. وأما إذا ترك نسياناً فهو خارج القدر المتيقن، بل لعلها تفتتح بدون التكبير، بمجرد أن يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين)، كافٍ مثلاً، جوابه هو الإطلاق أكيد، الإطلاق موجود وهذا يكفي ومقدمات الحكمة أيضاً جارية وحجة أي: سواء كان الافتتاح متعيّن بالتكبير ولا تفتتح بغيره، فسواء كان عن عمد أو عن سهو أو عن نسيان.
ولا يقال: إن هذا متوقف على فهم مفهوم المخالفة ومفهوم المخالفة هنا منسدّ؛ لأنه من مفهوم اللقب الذي ليس بحجة.
لأننا نقول: إنه (لا افتتاح إلاّ بالتكبير) بنحو الجزم، أي بدون تكبير لا افتتاح، هو لم يقل ذلك، فحينئذٍ المطلب يتوه وتسقط عن الإطلاق فنأخذ بما هو القدر المتيقن، (افتتاحها التكبير) لا بأس، لكن إثباتها من أين نأتي به؟ هذا له أحد جوابين:
الجواب الأول: إنه طرق سمعك أن اللقب أو أي شيء مما هو معنون في باب المفاهيم وإن لم يكن له مفهوم كبروي بنحو الكبرى الكلية ولكنه موجود بنحو جزئي وإن لم يكن بنحو عمومي أو كبروي، لأنه يقال: إنه لماذا أخذ الشارع هذا العنوان في موضوع المسالة؟ لماذا قال (افتتحاها) مثلاً؟
قد يقول: جزئها التكبير، فحينئذٍ إذا ترك الجزء لا بأس به، فيكون هذا جوابه وهو وجود مفهوم لكنه ليس عمومياً، وهذا المقدار كافٍ للالتزام بمفهوم المخالفة ولو بالمقدار الجزئي، إنه (بدون التكبير لا افتتاح).
الجواب الثاني: نعم، تبقى قضية الإطلاق، لأنها تكون بمنزلة المهملة وليس بمنزلة المطلقة أو الكبرى الكلية، فنقتصر حينها على القدر المتيقن الذي هو صورة العمد ولا يشمل صورتي السهو والنسيان.
ــــــ[21]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
لكن لعل التقريب الثاني أفيد من هذه الناحية وذلك بجعل السيرة المتشرعية، أو قل على الأفضل الارتكاز المتشرعي المجعول للسيرة المتشرعية قرينة متصلة على هذا المعنى، وهو (افتتاحها التكبير)، فالصلاة باطلة سواء ترك التكبير عن سهو أو نسيان.
ولا يقال: إن هذا رجوع إلى الاستدلال بالارتكاز المتشرعي وضم هذه العبارة إلى الارتكاز المتشرعي كضم الحجر إلى جنب الإنسان بأنّ الدليل هو هذا: وهو أن الارتكاز المتشرعي يقول: بالبطلان في صورة النسيان.
لأنه يقال: إننا هنا بضم الدليلين نستفيد فائدة وذلك لأنه عندنا دليل على القضية المهملة ودليل على القضية المطلقة ومن الصحيح أنه في مثل مرتبة كلامنا أن الدليل على القضية المهملة يكون بالارتكاز، لا بمفهوم المخالفة لأنه أسقطناه بالتنزل عنه، لكن إذا ضممنا الارتكاز إلى الدلالة المطابقية المنطوقية لهذه الرواية يصير عندنا إطلاق، يعني هذا الذي يقال عادة إن الارتكاز دليل لبّي يقتصر فيه على القدر المتيقن صحيح، لكنه إلاّ إذا ضُمّ له إطلاق وجُعل مبنى الارتكاز قرينة على الإطلاق فمن هذه الناحية يكتسب كِلتا نقطتي القوة، منطوق أو مدلول، في الحقيقة مدلول القضية المهملة وكذلك مدلول القضية المطلقة، مدلول القضية المهملة من الارتكاز ومدلول القضية المطلقة من منطوق الرواية وهذا يكفي، حينئذٍ نتمسك بإطلاقه باعتبار ضم الدليلين احدهما الى الاخر.
إشكال دلالي:
قد يقول: افتتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم، والفقهاء
ــــــ[22]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
قدس الله اسرارهم يأخذون بالفقرتين الثانية والثالثة «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» وهنا نسأل من أين جاء «افتتاح الصلاة الوضوء».
الجواب: إنه حمل مجازي، أي يوجد قرينة متصلة على المجاز، فاذا كان توجد قرينة متصلة على المجاز فلعله كلها مجاز وليس حقيقياً، حينئذٍ مبني على التسامح أو نحو من الأفضلية ونحو ذلك من الكلمات، فماذا نقول؟!
إن قلت: إن قوله «افتتاح الصلاة الوضوء» مجاز يقيناً، فيكون قرينة على مجازية ما بعدها، فتسقط الرواية عن الحجية، لأنه لا نعلم المقصود أن تحريمها هل هو التحريم المطلق أو التحريم التنجيزي أو الكراهتي أو معنى ثالث.
نقول: يمكن الإجابة عن ذلك بأكثر من مستوى أبرزها التمسك بوحدة السياق.
إن هذه القرينية تتوقف على وحدة السياق، بأن نقول إن الأول إذا كان مجازاً كان الباقي مجازاً، وهذه الملازمة إنما هي من وحدة السياق وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، لكن وحدة السياق إنما تكون حجة فيما إذا احتُمل في الباقي الاستحباب أو المجازية، من قبيل لو افضى للجمعة والجنابة فاحتملنا أن الجمعة يكون واجب وعلمنا أن الجنابة واجب، حينئذٍ نحمل ما هو محتمل الوجوب على ما هو متيقن الوجوب على نحو الاحتياط لكن إذا علمنا أن غسل الجمعة مستحب وعلمنا أن غسل الجنابة واجب صارت قرينة وحدة السياق تفرق بين الأمرين، ولا معنى لوحدة السياق مع العلم، لأن وحدة السياق ظهور والظهور إنما يكون مع الاحتمال، أما لو علم بعدمه فلا مجال للتفكير هنا، حينئذٍ يقال بأنه من الممكن القول
ــــــ[23]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
بأن «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» معلوم المقصود، معلوم بأنه استعمل استعمالاً حقيقياً أو نحو ذلك إما بنحو الاستقلال أو بنحو الإلزام الظهوري وبضم الارتكاز المتشرعي إليه فحينئذٍ لا يمكن أن تؤثر عليه وحدة السياق على أن نحمله على معاني أخرى مجازية أو نحو ذلك.
مطالب أخرى
المطلب الأول: [في احتمال أن وحدة السياق مشترطة بالأكثرية]
وهو ربما يقلّ الالتفات إليه وهو أن وحدة السياق ربما عرفاً في أغلب الظن أن تكون -طبعاً الاحتمال مبطل للاستدلال- مشترطة بالأكثرية، يعني مثلاً أمران استحبابيان وأمر محتمل الاستحبابية والوجوب وهو مردد بين الاستحباب والوجوب فنحمل الأقل على الأكثر أو بالعكس أمران وجوبيان وواحد محتمل الوجوب والاستحباب فنحمله على الأكثر، لكن الأمر هنا ليس هكذا.
ولو تنزلنا وقلنا إن وحدة السياق مع تماثل العدد تبقى قرينة واحدة وذو القرينة اثنان، الذي هو يقيني المجازية مثلاً على هذا الكلام واحد وهو «افتتاح الصلاة الوضوء» وأما ذو القرينة على هذا الكلام «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم»، حينئذٍ ينتفي عن موضوع وحدة السياق لأن شرط وحدة السياق هو أن تكون القرينة أكثر من ذي القرينة وعددها أزيد مع أن ذلك غير موجود.
المطلب الثاني: [قوله (تحريمها) قرينة على مجازية الافتتاح]
إن القرينية بالعكس وليست من هذه الجهة، بل بالجهة المقابلة، يعني أن تلك
ــــــ[24]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الكلمات تكون قرينة على مجازية «افتتاح الصلاة الوضوء» وذلك بأن يقال: إنّ قوله «تحريمها التكبير» يدل على أنه قبل التكبير لا تحريم، فلو جمعنا بين العبارتين في «افتتاح الصلاة الوضوء» و«تحريمها التكبير» يتحصل أن الصلاة تفتتح بالوضوء لكن من دون تحريم، أي من دون المنع عن الموانع والقواطع الشروط والأجزاء أو ترك الشروط والأجزاء بمعنى آخر، والصلاة من دون تحريم غير بادئة إلاّ بالالتزام بهذه الأمور، إذن: فهو افتتاح بدون بدءٍ بالصلاة الذي هو افتتاح مجازي وقوله تحريمها قرينة على أن الافتتاح هو مجازي، فيكون الثاني قرينة على الأول وليس العكس.
[لسان: «لا تفتتح الصلاة إلّا بها»]
البحث على وفق الطائفة الثانية: الطائفة الأخرى التي لسانها «لا تفتتح الصلاة إلاّ بها» ومن تلك الطائفة رواية المجالس بإسناده -في حديث- جاء نفر من اليهود إلى رسول الله وأمّا قوله: «الله أكبر -إلى أن قال- لا تفتتح الصلاة إلّا بها»(1).
مناقشة سندية:
الرواية غير معتبرة السند، لأنها مرسلة، ولكي يتم الاستدلال بها ينبغي التنزّل عن عدم اعتبار السند، بعدها يكون الكلام عن دلالتها.
تقريب الدلالة:
تقريب الاستدلال يتوقف على بيان مقدمتين:
ــــــ[25]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص12 ح12، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
إحداهما: مصرح بها في الرواية.
والأخرى: ضمنية اُخذت مسلمة.
أما المقدمة الأولى، فهي أنه لا تفتتح الصلاة إلاّ بها، أي بدون تكبير لا افتتاح، هذا نصها أي ظهورها المباشر والمطابقي.
أما المقدمة الثانية، فهي أنه بدون الافتتاح لا شروع في الصلاة أو لا وجود للصلاة في نظر الشارع وإن تخيل المكلف أنه يصلي.
إن قلت: إننا قلنا باعتبار الرواية السابقة إن الافتتاح أُريد به معنى مجازي لا معنى حقيقياً وإن افتتاح الصلاة الوضوء مجاز أكيد، فحينئذٍ هنا أيضاً نفس المادة، أي مادة الافتتاح موجودة فتكون تلك قرينة على إرادة المجازية من هذه الرواية.
قلت: يمكن الجواب بأكثر من وجه:
1- أن المجاز يشترط في وجوده القرينة ووجود العلاقة، وهنا نسأل أي قرينة تُشترط في المجاز؟
هي القرينة المتصلة وأما كون القرينة على المجاز منفصلة فمما لا ذكر لها ولا اعتبار.
وفي المقام القرينة منفصلة، لأنها رواية قيلت من معصوم آخر وفي زمان ومكان آخر، هذه عن رسول الله وتلك عن أبي عبد الله الصادق.
2- أنّ القرينية بالعكس، وهذا ما أوضحناه في الرواية المتقدمة.
فالمعصوم يقول: «لا تفتتح الصلاة إلاّ بها» أي لا تفتتح الصلاة بالوضوء، وهذا ليس بحقيقي وإنما الحقيقة هي افتتاح الصلاة التكبير، وعليه لو صلُحت
ــــــ[26]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
القرينة المنفصلة على المجاز فإنّما الثانية تصلح قرينة على الأولى وليست الأولى تصلح قرينة على الثانية، أي بعد التنزل عن الإشكال الأول وهو انفصال القرينة.
[لسان: «أنف الصلاة التكبير»]
البحث على وفق الطائفة الثالثة: الطائفة الأخرى وهي ما كان لسانها: «أنف الصلاة التكبير» وهذا اللسان قد ورد فيه روايتان، كأنّ نسبة التكبير إلى الصلاة نسبة الأنف إلى الوجه في الإنسان حيث إن الأنف مهم في جسم الإنسان ووجهه، وإن كان هو ليس أقل أهمية من الجبهة وإن كان العرف يقول: إن الجبهة -مثلاً- شرف، والأنف ليس شرف، فمن هذه الناحية يكون للجبهة هذه الدرجة من التقديم وإذا كان بهذا الترتيب إذن فأهمية التكبير بالنسبة إلى الصلاة عالية جداً.
وتقريب الاستدلال في روايات هذه الطائفة ينبغي أن يكون على هذا الترتيب وهو أن الوجه بدون الأنف كأنه غير موجود أو بمعنى مسامحي غير موجود، فكذلك الصلاة بدون تكبير أيضاً غير موجودة.
والجواب: هنا أيضاً ينبغي أن يكون واضحاً وذلك لأنها هي على العكس أدلّ لأنه غاية ما تدل عليه هو بشاعة الوجه أو قبح الوجه مع عدم وجود الأنف أو مع كون أنفه مجدوعاً أو مقطوعاً ونحو ذلك وهذا أكيد.
إذن: غاية ما تدل على المقيس هو النقص الفضيع الكثير في الصلاة عند عدم التكبير وهذا غير ملازم مع البطلان أكيدا، ثم واضح أنه مع جدع الأنف الوجه والإنسان يكون موجوداً لا أنه يموت من غير أنفه وقد قلنا قبل قليل: إن عدم الوجه عند عدم الأنف إنما هو مسامحي وحقيقة يبقى الوجه والإنسان، إذن:
ــــــ[27]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
بالمقيس وهو الصلاة تبقى مع عدم التكبير كما أن الوجه يبقى مع عدم الأنف وهذا دليل على الصحّة لا دليل على البطلان، على أصل الإنسان موجود، يرى وجود الصلاة وليس أنه لم يبدأ بالصلاة إطلاقاً.
متن الرواية:
وهي التي رواها في الوسائل بهذا النحو: محمّد بن الحسين الرضي في المجازات النبويّة عنهأنّه قال: «لكلّ شيء وجه ووجه دينكم الصلاة، ولكلّ شيء أنف وأنف الصلاة التكبير»(1).
[لسان: «التكبير مفتاح الصلاة»]
البحث على وفق الطائفة الرابعة: الطائفة الأخرى وهي التي لسانها: «التكبير مفتاح الصلاة» ومنها ما رواه في الوسائل: «وعنه عن أحمد بن محمّد عن أبيه عن ابن المغيرة عن ناصح المؤذّن، عن أبي عبد الله -في حديث- قال: فإنّ مفتاح الصلاة التكبير»(2).
مناقشة سندية
وهي أيضاً غير معتبرة السند بسبب الإرسال، وبعد التنزل عن هذه المناقشة ولأجل تنمية المَلَكة، ننتقل إلى الاستدلال.
ــــــ[28]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص12 ح13، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص10 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
دلالة الرواية
وتقريب دلالتها على المُدّعى، نقول: إن (مفتاح) له عدة احتمالات ثبوتية، منها:
1- أن يكون مفتاح اسم آلة.
2- أن يكون مفتاح اسم زمان.
3- أن يكون مفتاح اسم مكان.
4- أن يكون مفتاح اسم مصدر.
فإن بنينا على الاحتمال الرابع، وأن المفتاح هنا هو مصدر فهو عين الافتتاح، فيدخل فيه «لا تفتتح الصلاة إلّا بها» لأن مادة الإفعال أحد معاني المصدرية، وقد ذكرت ذلك في علم الأصول، فمن هذه الناحية هنا الافتتاح موجود فيكون التقريب هنا هو نفس التقريب الذي قلناه هناك، مع فارق واحد وهو: أننا هناك ولمجرد الإيضاح احتجنا إلى بيان مقدمتين، وعلى العموم إن من دون افتتاح لا شروع وبدون شروع لا صلاة.
لكن هنا نحتاج إلى قرينة، فمثلاً إن بنينا على الاحتمال الثالث أو الثاني -اسم المكان أو الزمان- نحتاج إلى مقدمة أخرى أسبق منها رتبة، لأنه بدون التكبير مكان الصلاة مفقود أو زمان الصلاة مفقود.
هذا من جهة ومن جهة أخرى: إنه مع فقد زمان الصلاة لا بدء للصلاة.
مضافاً إلى: إن لم يبدأ بالصلاة فالصلاة منعدمة أو زائلة، أي باطلة، وهذه الملازمات عرفية أو أدبية أو عقلائية، طبعاً ليست فقهية أكيداً، وكذلك لو حملناه
ــــــ[29]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
على المعنى الحقيقي وهو اسم الآلة، طبعاً هو صيغته صيغة اسم الآلة لكنه إما أن نقول تجوّزاً أو أكثر من التجوّز يعني أقرب إلى الذوق الأدبي أنه أحياناً يستعمل اسم الآلة بمعنى المصدر أو بمعنى اسم المكان أو الزمان: (يصير)، لكنّ نصّه هو اسم آلة، أي آلة الفتح -المفتاح- فإنسان في باب مغلقة يحتاج إلى مفتاح، مغلقة أي بالغلق وليس مسدودة، يعني مقفولة، يحتاج إلى مفتاح لكي يدخل إلى داخل الغرفة أو البيت، فإذا كان ليس له مفتاح لن تفتح الباب ولن يدخل، فإذا كان المطلب كذلك، أي أنه لا افتتاح بدون مفتاح، تمت المقدمة الأولى.
أما المقدمة الثانية: لا شروع أو لا بدء بدون افتتاح ولا عمل بدون بدء وشروع، إذن: الصلاة باطلة.
[لسان: «تجزيك من الصلاة تكبيرة»]
البحث على وفق الطائفة الخامسة: الطائفة الأخرى هي التي لسانها: «تجزيك من الصلاة تكبيرة» وفيها جملة روايات معتبرة السند من قبيل:
الرواية الأولى:
محمّد بن الحسن باسناده، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد، عن علي بن حديد، وعبد الرحمن بن أبي نجران، والحسين بن سعيد كلّهم، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن زرارة، عن أبي جعفر «قال: يجزئك في الصلاة من الكلام والتوجّه -الى أن قال- وتجزئك تكبيرة واحدة»(1).
ــــــ[30]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص9 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
كلام في السند.
هذه الرواية كما يعبر أعلائية السند، فإن رواتها كلهم من الثقات.
وقوله: «من الكلام والتوجه» أي بعض الدعاء، مثل: وجهت وجهي…
الرواية الثانية:
وباسناده عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن حسين، عن زيد الشحّام، وعن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب، عن زيد الشحّام قال: «قلت لأبي عبد الله: الافتتاح، فقال: تكبيرة تجزئك، قلت: فالسبع، قال: ذلك الفضل»(1).
الرواية الثالثة:
وعنه، عن فضالة، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله «قال: الإِمام يجزئه تكبيرة واحدة، ويجزئك ثلاث مترسّلاً إذا كنت وحدك»(2).
كلام في السند:
وهاتان الروايتان كسابقتها معتبرة، فإن رواتهما كلهم من الثقات.
كلام في الدلالة
والتقريب البدوي للاستدلال بهذه الروايات أن (تجزيك واحدة) هو دفع للأقل، أي أنه أقل من واحدة لا تكفي، لأنه عدم التكبيرة وعدم الإجزاء موافق
ــــــ[31]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص9 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص10 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
للبطلان وملازم له، بل هو المصطلح الفقهي وكذلك المصطلح المتشرعي أيضاً، والمقر من قبل الأئمة لا تجزي بمعنى أنه لا يكون هناك بدء للصلاة ومن هنا تكون الصلاة باطلة.
مناقشة الاستدلال:
في الحقيقة هذا النحو من الاستدلال عليه أكثر من إشكال:
الإشكال الأول: [عدم إمكان الاستفادة من مفهوم المخالفة]
إن ما نريد أن نستفيده في حقيقة الأمر هو من مفهوم المخالفة وليس من المنطوق فلذا قلت: النفي من ناحية الخلّة، معنى النفي أن نفهم ظهوراً غير ظهور المنطوق، ضد الظهور المنطوقي، الذي هو معنى مفهوم المخالفة، والكلام في مفهوم المخالفة يصح هنا أو لا يصح؟
الحق: أنه لا يصح، لأنه لا شرط له ولا حصر ولا شيء آخر، إذن: نرجع إلى ما يسمى مفهوم الوصف أو مفهوم اللقب وهو باطل.
جواب الإشكال الأول:
هذا الإشكال يمكن الإجابة عنه بأكثر من وجه:
الوجه الأول: صحيح أن الوصف واللقب بحسب القاعدة ليس لها مفهوم لكن هذا مع عدم القرينة أما مع وجود القرينة على المفهوم فالأمر مختلف، والقرينة موجودة وهي قرينة السياق، فإن السياق دالّ على أن التكبيرة ضرورية وإذا كانت ضرورية فعدمها منتج للبطلان ولعدم الإجزاء، أو نفس المعنى نجعله -نجعل
ــــــ[32]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
السياق- قرينة عليه فنقدّرها: يجزيك تكبيرة واحدة على الأقل، مثلاً ولو باللغة الحديثة، فإذا كان قال (على الأقل) يعني إذا أقل من ذلك لا يجزيك.
الوجه الثاني: أن القرينة التي يمكن بيانها في المقام هي الارتكاز العرفي، وهي قرينة عامة وهي متسالم عليها بين المتكلم والسائل، فحينئذٍ الارتكاز العرفي قائم على أن كل صلاة تحتاج إلى تكبير ولا صلاة إلاّ بالتكبير، فيفهم منها ذلك والسامع فهم منها ذلك أكيداً وهذا يكفي.
[الإشكال الثاني: [مفهوم الوصف واللقب بنحو الكبرى الكلية ممنوع]
الشيء الآخر الذي في هذا الصدد ولا يحتاج إلى الاستمرار بالبحث أنه قلنا في أمثال ذلك أن مفهوم الوصف واللقب إنما بنحو الكبرى الكلية ممنوع، ولكن بنحو القضية الجزئية التي تفسر وجود العنوان ضروري ومطابق للظهور، وإلاّ لماذا قال (يجزيك)؟ ولماذا لم يقل كبّر وكفى؟ فمن هذه الناحية المفهوم بنحو القضية الجزئية موجود ولا بد منه ونطعن باعتباره الظهوري ولكنه لا إطلاق إلاّ أن نضم له كما فعلنا في التكبير الارتكاز المتشرعي، فبعد ضم الارتكاز المتشرعي إلى أصل وجود الحكم هنا يحدث عندنا إطلاق في الجملة.
ألفات نظر
بعد ذلك نبين بعض الأفكار ينبغي الالتفات إليها، منها:
1- أن قوله: «افتتاح الصلاة الوضوء» في حدود فهمي أن هذا كلام مبني على نظرية معينة وهي أن الإنسان يتوضأ ويصلي، أي لا يتوضأ إلاّ للصلاة وكأنه
ــــــ[33]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
حينما يهمّ إلى الصلاة، يكون مصداقاً لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ(1) فالوضوء للصلاة والدخول في الوضوء دخول في الصلاة في الجملة ولو مجازاً، فصارت الجملة صادقة «افتتاح الصلاة الوضوء» لكن ما هو الأفضل عند الله؟ هل هو هذا أم الشكل الآخر؟ وهو أن الإنسان ينبغي أن يكون على وضوء باستمرار، كلما أحدث رفع حدثه وتوضأ، ويبقى دائماً على وضوء، وأنا أحسب هذا من ضروريات الفقه أو من ضروريات الدين لا يحتاج إلى استدلال ولكن مع ذلك الاستدلال عليه ممكن ولسنا نحن بصدد أن نأخذه مفروغاً عنه، فإذا كان الإنسان على وضوء لم يحتج إلى وضوء فإنما يذهب يصلي فإنما همته مباشرة إلى الصلاة وليس إلى الوضوء، فكأنه نحتاج إلى تقييد هذه العبارة «افتتاح الصلاة الوضوء».
وهذه الصورة ينبغي أن تكون عامة بين المسلمين إن كانوا متورعين ومتقين وكذلك نضم إليها فكرة أن الدين والإسلام نزل لكي يُطبَّق دفعة واحدة بما فيه من واجبات ومستحبات ورسول الله يقول «افتتاح الصلاة الوضوء» وهو يدرك هذا المعنى، فيكون افتتاح الصلاة الوضوء بهذا المعنى من التجوّز على كلا التقديرين صحيح.
– إما على التقدير: أنه محدث ثواباً ذلك بأن همته تتجه رأساً إلى الوضوء وليس إلى الصلاة
ــــــ[34]ـــــــ
(1) المائدة: 6.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
– وإما على تقدير: أنه كان على وضوء فيدخل للصلاة.
2- أن الإمكان الأخير الذي تحدثنا عنه «تجزيك تكبيرة واحدة» وقلنا إن السياق فيها والاتجاه فيها إلى نفي الأقل، أي عدم التكبيرة إطلاقاً، فإنّ الأقل من الواحد هو الصفر، وأن محل الاستدلال كان أن التكبيرة إن كانت منعدمة، فالصلاة باطلة، فإذا أبطلنا هذه الفكرة أو أعرضنا عنها كأنّ الاستدلال يبطل أيضاً.
إن قلت: إن السياق ليس هكذا، يجزيك من التكبير واحدة بنفي الزائد، أكيد بأنّ سياقها نفي الزائد لا نفي الأقل، والإنسان الغافل يقول هذا الكلام، فكيف والقائل الإمام فهو بصدد نفي وجوب التكبيرات السبع بصفتها ندب أو نفي وجوب أكثر من واحدة «تجزيك واحدة» فلا حاجة أن تكبّر ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، فتجزيك واحدة، فهي لنفي الزائد وهذا صريح.
وهنا نكمل هذا الإشكال بأن نقول: إذا انتفى هذا الظهور المزعوم انتفت النتيجة، وذلك بانتفاء لازمها وهو الاستدلال بهذه الرواية وهذه النتيجة خطأ.
قلنا: إن هذه النتيجة صحيحة، لأن السياق هو لنفي الزائد لا لنفي الأقل ولكن في الحقيقة لا ملازمة بين أن تكون مثلاً لنفي الزائد لا لنفي الأقل، لإمكان أن تكون في سياق الحصر من كلا الطرفين ولا بأس به، هي من ناحية الحصر بالواحد بشرط لا عن الزيادة وبشرط لا عن النقيصة.
إن قلت: لا شك أن الترتيب أو الاهتمام أو مقام البيان إنما هو من تلك الجهة، أي نفي الزائد لا نفي الأقل حينئذٍ تحصل عندنا قضية مهملة، أي من قبيل مفهوم اللقب بنحو القضية المهملة، ليس في مقام البيان من حيث التفاصيل ونحن في
ــــــ[35]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
حاجة الى مقام البيان، لأنه لابد من الإطلاق إلى صورتي العمد والنسيان والسهو ونحو ذلك من الأمور في حين أنه هذا كأنما لا دليل عليه، لأننا لا أقل نشك أنه في مقام البيان.
قلت: يمكننا أن نضم الارتكاز المتشرعي إلى هذه القضية المهملة والارتكاز المتشرعي كأنه بمقدار ما يسري فهو حجة، من قبيل إننا نسأل الارتكاز المتشرعي إن الإنسان إذا صلى بلا تكبيرة نسياناً أو سهواً ما حكم صلاته؟ لأجاب: باطلة، فإننا نضم هذا إلى هذه الجملة فيحصل لها إطلاق.
إن قلت: إن ضم الارتكاز إلى جملة مهملة يحصل فيها إطلاق ليس بصحيح، لأن الجملة المنفية مهملة يؤخذ منها بالقدر المتيقن والارتكاز أيضاً مهمل يؤخذ منه بالقدر المتيقن، لأنه دليل لُبّي لا إطلاق له، فضمّ ما لا إطلاق له إلى ما لا إطلاق له لا يحقق الإطلاق.
قلت: إنه يحدث، لأن هذا الارتكاز إن كان بنحو القرينة المنفصلة فالإشكال وارد، لا إطلاق مع القرينة المنفصلة، لكننا ندّعي ضمه بنحو القرينة المتصلة، أي أنه من الوضوح بحيث يعتمد عليه المتكلم ويعتمد عليه السامع وهو في مقام الاعتماد عليه، إذا كان المطلب كذلك، إذن: يكتسب اللفظ حضوراً في كلا الأمرين، لأنه في مقام البيان وأنه ساري -بنحو من التجريد عن الخصوصية- إلى كل الحصص، ومن هذه الناحية وجداناً وعرفاً يحصل، وهو بحسب القاعدة العامة إن هذا الأمر مما يندر ولا يقاس عليه، لأن هذه الأشياء دلالية، والدليل اللُبي أيضاً فيه دلالة والدليل اللفظي أيضاً فيه دلالة فإذا ضممنا بلحظ القرينة المتصلة دلالة إلى
ــــــ[36]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
دلالة فلربما تحدث عرفاً لا عقلاً أيضاً وإنما دائماً -الكتاب والسنة إنما يأمران بالعرف- تحدث دلالة ثالثة لا بأس بذلك.
[لسان: «وجوب الإعادة مع نسيان التكبيرة»]
البحث على وفق الطائفة السادسة: اللسان الآخر الذي يمكن الاستشهاد به وهذه التسمية بحسب فهمي، لكن كأنه في المصباح(1) هو العمدة ليس شيء غير هذا اللسان نستشهد به اقتصر الشيخ الهمدانيعلى هذه الطائفة من الروايات، فلم يتعرض للطوائف الأخرى السابقة، فقصر نظره الشريف في الاستدلال على الباب الثاني.
وهذه الطائفة من الروايات (لسان وجوب الإعادة مع نسيان التكبيرة)، مثل الخمسة الأولى من تلك الروايات وفيها ما هو معتبر السند، فيسأل السائل: أنه
-مثلاً- (دخل للصلاة)، وبعضها يقول: (افتتح الصلاة)، وبعضها يقول: (ركع)، ثم تذكر أنه (لم يُكبّر)، قال في الجواب عن تلك الأسئلة: (يُعيد)، قال: (يُكبّر) وهكذا بحسب اختلاف الألسنة في الأجوبة، والمهم أنه (يُعيد).
وعلى العموم نحن هنا نذكر بعض من تلك الروايات:
1- محمّد بن الحسن باسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح؟ قال: يعيد»(2).
ــــــ[37]ـــــــ
(1) لاحظ: مصباح الفقيه: ج11 ص430، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص12 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
ورواه الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعن محمّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، جميعاً، عن ابن أبي عمير، مثله.
2- وعنه، عن فضالة، عن صفوان، عن العلاء، عن محمّد، عن أحدهما «في الذي يذكر أنّه لم يكبّر في أوّل صلاته، فقال، إذا استيقن أنّه لم يكبّر فليعد، ولكن كيف يستيقن؟!» (1)
وقوله: «ولكن كيف يستيقن!» يعطي زخم نفسي من هذه الناحية، تشجيع للاستمرار بالصلاة.
الكلام وفق القاعدة العامة: [في قوله «يعيد» و «يعيدها»]
إن تقريب الاستدلال يحتاج إلى بيان جملة مقدمات، منها:
1- إن من الواضح في علم الأصول أن كلمة «يعيد» دال على الوجوب، لأنها جملة خبرية مُساقة سياق الإلجاء والطلب وتكون مثل صيغة الحل أو أوضح منها، وحسب فهمي أن مثل علم الاصول حملها على جامع الطلب بالرغم من أن الأخوند وآخرين(2) قالوا إنها موضوعة للوجوب أو إنها أدل على الوجوب لكنه هناك اعتبرت ظهورها البدوي، ظهورها الذاتي أو الوضعي لجامع الطلب أي الأعم من الاستحباب والوجوب لكنه من الناحية الفقهية لابد من التنزل عن ذلك لأنه بوضوح الفهم المتشرعي والسياقي والشرعي بالوجوب وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، وهذه مقدمات محرزة.
ــــــ[38]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص12 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) لاحظ: كفاية الأصول: ص70، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
2- إن الكلام عن الأوامر تارة يكون عن هيئة (يعيدها) بالكلام المختصر، وأخرى: عن مادة (يعيد) وجوب الإعادة وهو ملازم لبطلان الفرد السابق، أي أنه لم يأتِ به من دون تكبيرة نسياناً ملغى وملحق بالعدم وهذا المطلب أيضاً صحيح إذ لو كان معتداً به لما أمر بالإعادة وحيث أمر بالإعادة، إذن: الفرد الأول غير معتد به، فلو كان معتداً به لأجزأ ولو أجزأ لما أمر بالإعادة.
وهنا نقول: هل المكلف (بترك التكبيرة عمداً أو أعمّ منه ومن النسيان) يبطل الصلاة؟
ربما الشيخ الهمداني عنده الأعم فيقول: «بأن هذه الروايات للنسيان»(1).
[بطلان الصلاة بترك التكبيرة عمداً]
وأما دليل العمدية فهو ضرورة الدين، في الحقيقة أنا من هذه الناحية نظامي، لأنه الآن نتكلم في صورة العمد، والنسيان سوف يأتي الكلام عنه أو يعرف حكمه ضمناً، حينئذٍ نقول: إن هذه روايات للنسيان ولا تدخل في محل كلامنا لأن كلامنا هو العمد، حينئذٍ الجواب يكون هو محل الشاهد: أنها دالة على البطلان عمداً بأحد تقريبين غير متنافيين يمكن الجمع بينهما:
التقريب الأول: الأولوي، ينبغي أن يكون واضحاً إذا بطلت الصلاة مع الترك نسياناً فهي بالترك عمداً أولى بالبطلان، ولو صحّت نسياناً لما كان العمد أولى بالصحّة، وكذلك لو بطلت عمداً في صورة النسيان لا يكون أولى لكنه من هذه
ــــــ[39]ـــــــ
(1) لاحظ: مصباح الفقيه: ج11 ص430، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الجهة أولى، فإذا بطلت نسياناً فبطلانها عمداً أولى.
والغرض من بيان جملة من الفروع لكي يُلتفت إلى معنى الأولوية بدقة مستحضرة أو ملتفَت إليها، وهذا مطلب في نفسه كأنما قطعي.
التقريب الثاني: الإطلاقي، وهو أن نتنزل عن الأولوية بشكل من الأشكال، لأن هذا اللسان وهذه الروايات تدل على البطلان إطلاقاً لا أولويةً، فهي خاصة بالنسيان فكيف يكون إطلاقها شاملاً لحالة العمد!!
والجواب: إن ذلك يكون بحسب فهم الفقيه لها وما يستظهره منها.
النصوص الدالة على ركنية التكبير
بعد بيان دليل وجوب تكبيرة الإحرام وأنها واجب من واجبات الصلاة يقع الآن الكلام في بيان الروايات الدالة على ركنية تكبيرة الإحرام وعدم الإجزاء مع نسيانها.
الرواية الأولى:
محمّد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح؟ قال: يعيد»(1).
وهي معتبرة سنداً وتامّة دلالة.
ــــــ[40]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص12 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الرواية الثانية:
وعنه، عن فضالة، عن صفوان، عن العلاء، عن محمّد، عن أحدهما في الذي يذكر أنّه لم يكبّر في أوّل صلاته، فقال: «إذا استيقن أنّه لم يكبّر فليعد، ولكن كيف يستيقن؟!»(1).
وهي معتبرة سنداً وواضحة دلالةً، فإن من لم يكبّر التكبيرة الواجبة في صلاته، لم تكن صلاته صحيحة، فإن مفهوم الشرط يقول: إنه إذا لم يستيقن أنه لم يكبّر لا تجب عليه الإعادة، لأن قاعدة التجاوز سارية المفعول ونحو ذلك من الأمور.
ويمكن أن يقال أيضاً: إن مادة اليقين في قوله (يستيقن) لا ينبغي أن يكون المراد منها اليقين العقلي، وإنما نفهم اليقين فهما عرفياً، لأن وظائف الكتاب والسنة من هذه الناحية يبين اليقين العرفي.
الكلام في كيفية تحصيل اليقين العرفي وطريقه
هو الفهم العرفي، بمعنى أن ما يفهمه العرف من هذه العبارة التي أفادها هو المطلوب، فكأن العبارة شرط.
نعم، اليقين العقلي حجة سواء حصل من سبب عرفي أو من غيره.
أما الاطمئنان العرفي، فإن حصل من سبب عرفي وعقلائي فهو حجة، أما إن حصل من سبب غير عقلائي فلا يكون معتبراً.
وحينئذٍ يمكن أن يقال لهذا الرجل: إنك لم تستيقن وكيف لك أن تستيقن اليقين المعتبر؟
ــــــ[41]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص13 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
وذلك لعدم وجود يقين عقلي -تكوين-.
أما اليقين العرفي فهو وإن كان موجوداً لكنه ليس بحجة، لأنه ناشئ من منشأ غير عقلائية ومثله لا يكون حجة، فكأنه يصير نفي الحكم بنفي الموضوع، من لم يستيقن اليقين العرفي لا يكون يقينه معتبراً، فهو تنزيل الموجود منزلة المعدوم لأجل التوصل إلى نفي حجيته، حينئذٍ يستقيم المطلب.
الرواية الثالثة:
وعنه، عن صفوان، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة قال: «سألت أبا عبد الله عن رجل أقام الصلاة فنسي أن يكبّر حتىّ افتتح الصلاة؟ قال: يعيد الصلاة»(1).
[الكلام في السند]
وهي معتبرة سنداً.
وأما دلالةً
وأما دلالةً، فإن قوله: «حتى افتتح الصلاة» دال على أن فرض أنه كبّر تكبيرة
ــــــ[42]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص13 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الإحرام، وعند قرأت العبارة مرة ثانية لا تكون الرواية مستقيمة «الرجل أقام الصلاة فنسي أن يكبّر حتى افتتح بتكبيرة الإحرام، قال: يعيد الصلاة».
وبهذا لا تكون الرواية صحيحة لا موضوعاً ولا محمولاً، لأن الذي كبّر تكبيرة الإحرام تصحّ صلاته كائناً ما كان التكبير الذي نسيه، فمن هذه الناحية يحتاج الأمر إلى إلى توجيه.
ويمكن توجيهه:
أما -كما هو المشهور- بالحمل على أنه يكبّر التكبيرة الأخيرة في الإقامة، وحينئذٍ يضطرون إلى قوله أنه يعيد الصلاة لكن بنحو الاستحباب لا الوجوب.
أو أن نفهم من الصلاة إعادة الإقامة وليس نفس الصلاة، وهو بنحو الاستحباب أيضاً لا وجوباً.
أقول: في الحقيقة الخروج من ذلك الإشكال إنما يكون بمناقشة مقدمتين كبرى وصغرى.
أما الكبرى: فهي تسمية تكبيرة الإحرام بالافتتاح، وهو اصطلاح متشرعي مشهور، والمناقشة فيه هو بحمل الاستعمالات -كاستعمال الافتتاح أو مادة الافتتاح باصطلاح الأصول- عادة في زمانهم على معنى تكبيرة الإحرام فيتعين هذا الحمل كبرياً.
هذا أولاً. وثانياً: يتعين صغروياً، وهو لابد من أن يكون هذا الرجل في هذه الرواية -بحسب كلام السائل- قد استعمل مادة الافتتاح طبقاً للعادة الاجتماعية السائدة المفروضة كبروياً -التي قبل قليل ذكرتها- وحينئذٍ يكون بالإمكان منع الكبرى والصغرى معاً.
أما الكبرى، فهي غير معلومة هل أن معنى الافتتاح في ذلك الحين كان يقصد به تكبيرة الإحرام أو لا؟
ــــــ[43]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
وعلى تقدير تحققه وأن معنى الافتتاح في ذلك الحين كان يقصد به تكبيرة الإحرام، فلا نعلم أنه هو المعنى الشائع بحيث يضطر المتكلم إلى استعماله وإلاّ لا يُفهم كلامه.
والشك يكفي لإسقاط الاحتمال، وبالتالي إسقاط الدليل المقابل، وعندئذٍ يصير واضحاً أن هذا المعنى ليس هو المقصود، بمعنى أننا نمنع من أن يكون المقصود من الافتتاح تكبيرة الإحرام، وإنما هو مطلق الدخول في الصلاة، وحينئذٍ يتعين أن يكون «يكبّر» لتكبيرة الإحرام، هو هذا مقصوده.
لفت نظر
إن الإعادة تصدق حقيقةً، سواء في اللغة أو العرف حال صحّة كِلا الفردين أمَّا مع فساد أحدهما، فتكون إعادته هي المتعينة، الآخر ذاهب كالعدم، وحينئذٍ مع صحّة العمل يكون المطلب صحيحاً وأما أن نقول إن العمل مع بطلان أحد الفردين فليس كذلك.
والوارد أنه يقول: «يعيد الصلاة» فكيف يكون ذلك!!
في الحقيقة هذا له أحد تبريرين:
الأول: أن نقول بالوضع للأعم -كما عليه مشهور الفقهاء- فكما أن الثاني صلاة، لأن الصحيح حصة من الأعم، والأول أيضاً صلاة، لأنه حصة من الأعم كذلك يكون كلاهما صلاة في الجملة وهذا يكفي.
الثاني: أن نقول بالوضع للصحيح -كما عليه متأخري المحققين- ويكون الاستعمال في الأعم مجازاً، والمجاز جائز مع إقامة القرينة عليه، ونحن ندّعي هنا أن
ــــــ[44]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
هذه صغرى من هذه الكبرى، استعملت في الأعم مجازاً مع اقامة قرينة عليه وهو إعادة الصلاة، فمعنى: «يعيد الصلاة» أن الأول باطل ولابدّ من تكرارها، فتسمى مثل هذه القرينة بالحالية أو بالمقالية ونحو ذلك.
الرواية الرابعة: سألته عن الرجل ينسى أن يكبّر حتّى قرأ؟ قال: يكبّر
وبإسناده عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن ذريح بن محمّد المحاربي، عن أبي عبد الله قال: «سألته عن الرجل ينسى أن يكبّر حتّى قرأ؟ قال: يكبّر»(1).
وهي غير معتبرة سنداً.
الكلام في دلالة الرواية
وأما دلالة فتقريب الاستدلال يحتاج إلى ضم مقدمة وهي أنه «يكبّر» أي يأتي بما نسي، لأن المنسي هو التكبير أو قل مادة التكبير، فحينما يقول «يكبّر» أي يأتي بنفس متعلق النسيان، وهي نفس مادة التكبير التي نسيها، أي يفتتح الصلاة من جديد وأن ما بيده باطل، ولابد من تكرار الصلاة، وعند التكرار ما هي النتيجة؟
إن ظهور الرواية هو أنه يأتي بما نسي وما نسي هو التكبير الذي هو موجود ما قبل القراءة وعليه سيرة المتشرعة والوجوب الشرعي وهذا الوجوب كان ممضى وصحيحاً في عصر الأئمة فيكبّر أي يأتي بتكبيرة الإحرام وتكون صلاته التي جاء بها الأولى الفرد السابق ليس صحيحا.
ــــــ[45]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص13 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
نتيجة الأبحاث
1- تحصل من مجموعة الروايات التي قرأناها كلا الحكمين، نقيصة التكبيرة عمداً ونقيصتها نسياناً.
2- تم الكلام بحمد الله تعالى في النقيصة أما الزيادة فيأتي إن شاء الله تعالى الكلام فيها.
3- الزيادة من هذه الناحية تدخل في تعريف الركن الذي هو اصطلاح متأخر، فمن ناحية النقيصة هي ركن.
4- إن السهو والاشتباه كله يندرج في النسيان، لأنه لا يراد من النسيان حصة بذاتها لكن نقول:
إما: أن النسيان يراد به أعم للجهات الجديدة التي توجب الغفلة عن شيء ما.
وإما أن النسيان بعنوان كونه نسياناً غير الساهي وغير الكذا وغير الكذا لا يراد به ذلك.
وإنما العمدة عدم التعمد في الترك، أيضاً نتيجته نفس المحمول وهو الإطلاق، أي أنه الموضوع نوسعه بالتجريد عن الخصوصية وتشمله المحمولات، فكلا النقطتين لو صح التعبير محرزة.
الجهة الثانية: الطائفة الدالة على صحّة الصلاة مع ترك التكبيرة نسياناً
العنوان الجديد الذي ينبغي الدخول فيه هو ما ذُكر من الأخبار المعارضة ليس للعمد كما تقدم وإنما للنسيان أو السهو:
فقد يقال: إن نتيجة ما تقدم تكون نقيصة التكبيرة عمداً مبطلة والتي ليست
ــــــ[46]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
عن عمد غير مبطلة فلا تكون ركناً لكن إما لقصور في السند أو لقصور في الدلالة أو نحو ذلك من ترجيح الطرف الآخر لبعض المرجحات.
والنتيجة فتوائياً سوف تكون بطلان صورة النسيان أكيداً، ولكننا لا ينبغي مع ذلك أن نغفل عن الطائفة المعارضة لا أقل لتنمية الاستدلال.
النصوص في المسألة:
النصوص التي تُذكر في المقام يميل المشهور والذوق المشهوري إلى أنها تدل على ذلك، لربما هي لا تدل على المعارضة، لكن الفقهاء لما استشكلوا فيها إلى حد ما ينبغي درجها مدرجاً واحداً ولنعنونها بالطائفة الدالة على الجواز، أي على جواز ترك التكبيرة نسياناً وصحّة الصلاة مع النسيان.
الرواية الأولى: [الرجل ينسى أوّل تكبيرة من الافتتاح…]
وبإسناده عن سعد بن عبد الله، عن أبي جعفر، عن علي بن حديد وعبد الرحمن بن أبي نجران جميعاً، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن زرارة، عن أبي جعفر قال: قلت له: «الرجل ينسى أوّل تكبيرة من الافتتاح، فقال: إن ذكرها قبل الركوع كبّر ثمّ قرأ ثمّ ركع، وإن ذكرها في الصلاة كبّرها في قيامه في موضع التكبير قبل القراءة وبعد القراءة، قلت: فإن ذكرها بعد الصلاة؟ قال: فليقضها ولا شيء عليه»(1).
ــــــ[47]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص14 ح8، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
كلام في السند:
سند الرواية لا كلام فيه أو يمكن أن نغض الكلام فيه.
كلام في الدلالة:
إن متنها من المتشابهات، لأننا يمكن أن نسأل: إن طهورها هل يدل بظهور عرفي على صحّة الصلاة مع نسيان تكبيرة الإحرام الواجبة بهذه القيود أو يكفي الاجمال؟
فعلى الأول، لا تكون هذه الرواية معارضة، لأنها لا تدل على الجواز، وإنما تعارض إذا دلت على الجواز.
وعلى الثاني، فكيف يمكن القول بأنها معارضة بالمعنى الاصطلاحي، لأن من شروط المعارضة تكافىء الدليلين ومن التكافىء وضوح دلالة كلّ منهما.
[أطروحات في دلالة الرواية]
وعلى العموم توجد في المقام عدة اطروحات:
الأطروحة الأولى: حمل الرواية على تكبيرة الإحرام.
أن نحمل الرواية على تكبيرة الإحرام، لأن تكبيرة الإحرام أول تكبيرة الصلاة وهذا ينبغي أن يكون مؤكداً، هذا بحسب الفهم المشهوري لكن يمكن أن يكون المكلف قد أتى بالتكبيرات السبع المستحبة وأخرتَ نية الوجوب إلى التكبيرة السابعة.
فإن افترضنا أن المكلف قد أتى بالصلاة بواجباتها فقط، وحينها تكون تكبيرة
ــــــ[48]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الإحرام أول تكبيرة، والرجل ينسى أول تكبيرة، أي ينسى تكبيرة الإحرام، من الافتتاح.
فينبغي أن نحمل (الافتتاح) على الجنس ويعتبر الجار والمجرور بمنزلة النعت وليس قيداً وإنما نعت، كأنما لمجرد التفهيم، فتكون هذه التكبيرة حصة وجزئي من مطلق كلي الافتتاح، بهذا المعنى، يمكن أن نستشكل إذا افتى الفقيه بصحّة الصلاة.
الأطروحة الثانية: [حلمها على التبعيض، فيكون المنسي مستحباً]
الرجل ينسى أول تكبيرة من الافتتاح، ولا ننسى أن أظهر معاني منه هو التبعيض، فإذا أمكن حملها على التبعيض، كأنما تعين يكون هو الأظهر، وحينئذٍ يمكن أن يكون قرينة على مجموع السياق ولا يكون السياق مجملاً، إذا أردنا بالمعنى الأول أن نحملها على تكبيرة الإحرام، فإن الأعم الأغلب من سيرة المتشرعة أنهم يجعلون التكبيرة الأخيرة هي الواجبة وليس الأولى ولا غيرها، كما أن هذا الشيء مجمل في ذهن المتشرعة لجواز الافتتاح بالسبع كلها.
أضف إلى هذا أن المكلف حتى لو نسي واحدة من السبع التي ينوي في جميعها الافتتاح، فالموجود الذي جاء به يكفي، فينبغي أن نحمل النسيان على الفرد الغالب، وهو أنهم ينوون الست الأولى مستحبة والأخيرة واجبة، إذن: يتعيّن هذا المنسي أن يكون مستحباً.
الشيخ الهمداني يقول: «وعن الشيخ أنّه أجاب عن هذه الأخبار.
أمّا عمّا عدا الأخيرة: فبالحمل على من لا يتيقّن الترك.
ولا بأس به في مقام التوجيه، كما تقدّمت الإشارة إليه.
ــــــ[49]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
فما في خبر أبي بصير -من الأمر بالتكبير إن ذكرها وهو قائم- يحمل على الاستحباب، إلاّ أنّ ضعف الخبر وتشابهه مانع عن إثباته.
وأمّا عن الأخيرة: فبأنّ قوله: (فليقضها) يعني الصلاة، فكأنّه رحمه الله حمل قوله: (كبّرها في قيامه في موضع التكبيرة) إلى آخره، على إرادة استئناف الصلاة والإتيان بالتكبيرة قائما في موضعها.
وكيف كان فهذا التوجيه لا يخلو عن بعد.
وأبعد منه ما في الوسائل وغيره من حمله على غير تكبيرة الافتتاح، والقضاء على الاستحباب»(1).
أقول: هذا هو الأظهر والأقرب وليس هو الأبعد، لكن يأتي دفع دخلٍ وهو إن التكبيرة المستحبة لا يمكن تداركها أصلاً ولا تبطل الصلاة أصلاً؟
والدفع: إن هذا على نحو الاستحباب، فبدل أن نحملها على الوجوب نحملها على الاستحباب، لأن موضوع المسألة هو المستحب، ولا يزيد المحمول على الموضوع، ولذا يقول: والقضاء على وجه الاستحباب.
الأطروحة الثالثة: [حملها على التكبيرات المستحبة داخل الصلاة].
إن أول تكبيرة معنى إضافي فهنا الثاني والثالث -مثلاً- وغيره وهنا نسأل عما كان في ذهن المتكلم حينما قال (أوّل)؟
الجواب: هو عبارة عن التكبيرات التي في داخل الصلاة والتي يقول المشهور
ــــــ[50]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص433 – 434، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
عادةً باستحبابها ونحن كذلك، وهناك من يقول بوجوبها، والتكبيرة محلها بعد القراءة وبعد الركوع وهكذا.
كما أن في الصلاة خمسة عشر أو عشرين تكبيرة، بعد السجود الأول وقبل السجود الثاني وهكذا، ولهذا ينبغي أن نضم مقدمتين:
الأولى: إن الصلاة مقتصرة على الواجب.
الثاني: أن هذه التكبيرات التي في داخل الصلاة واجبة.
فلو قلنا إنه مقتصر على الواجب فماذا يعني هذا! يعني أن التكبيرات غير موجودة ما خلا تكبيرة الإحرام التي هي الوحيدة موجودة، وبهذا لا تكون الأول.
وكذلك إذا قلنا سبع تكبيرات فينبغي أن نقول: بأنها يفتتح بها الصلاة كلّها دفعة واحدة على خلاف غالبية السيرة حتى تكون كلها مصداق للواجب وتكون كل التكبيرات حتى في داخل الصلاة واجبة، هذا أيضاً محتمل، فحينئذٍ يصدق عنوان الأول على أول واحدة من التكبيرات السبع الواجبة حتى لو نسبت إلى ما في داخل الصلاة ونحو ذلك من الكلمات لكن كله طبعاً خلاف الظاهر وخلاف الغالب أكيد.
نأتي إلى المحمول، ونقول إذا كان موضوع المسألة خارج كانت القضية سالبة بانتفاء الموضوع، لأن المحمول نفس الموضوع ولا يمكن أن يزيد المحمول على الموضوع، فقوله: «إن ذكرها قبل الركوع، كبّر ثم قرأ ثم ركع» فيصدق سواء كان المتروك واجباً أو كان مستحباً، لأنه لم يغادر ولم يعبر محله، لا زال في محله، أي أنه قبل القراءة تذكر وهو في محله، إن ذكرها قبل الركوع، كبّر ثم قرأ ثم ركع،
ــــــ[51]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
فعنوان (قبل الركوع) يعمّ ما قبل القراءة، وكذلك خلال القراءة وكذلك بعد القراءة، فإن كانت تكبيرة واجبة يلغيه ويكبّر من جديد ويقرأ من جديد وهذا مما لا إشكال فيه إلاّ في صورة واحدة وهو أنه يكبّر وينوي التوجه بكل التكبيرات وينسى واحدة، فهذا بالرغم من أن المنسية واجبة لكنها غير مُعتنى بها، لأنه إذا تذكر ترك التكبيرة المستحبة قبل القراءة، كبّر للإحرام ثم صار بناؤه على أنه يكبّر ستاً مستحبات، لكن إذا حملنا لفظ (قبل الركوع) على قبليّته المباشرة والعرفية، لأنه صحيح بالدقة قبل القراءة هو (قبل الركوع) لكنه عرفاً ليس كذلك، إذن: بعد الحمد والسورة تذكر، يقول:«كبّر ثم اقرأ ثم أركع»، فيسقط القراءة ويأتي بالتكبيرة المستحبة ويقرأ ويركع.
والنتيجة: أن المنسي هو تكبيرة مستحبة والإمام يقول: لك أن تعتبر القراءة لاغية وتأتي بالتكبيرة المستحبة في محلها ثم تكرر القراءة وتركع وتسجد، ويمكن الفتوى على أساسه.
زيادة بيان في الدلالة
أصل المسألة كان عبارة عن سؤال مفاده: الرجل ينسى أول تكبيرة من الافتتاح، وقد عرضنا الاحتمالات المتصورة فيها فكان أهمها اثنين:
الأول: أن تكون التكبيرة المنسية هي التكبيرة الواجبة.
الثاني: أن تكون التكبيرة المنسية هي التكبيرة المستحبة.
وقد ذكرنا جملة من التقريبات لكل احتمال منهما فلاحظ.
قد يقال: ألا يمكن أن تكون الاحتمالات أربعة حاصل ضرب اثنين في اثنين،
ــــــ[52]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
لأن المنسي: إما هي التكبيرة الواجبة أو التكبيرة المستحب.
والمكلف: إما أن يذكرها قبل القراءة أو بعد القراءة.
نقول: هذا ليس بصحيح، لأن بعض الصور معلومة الحكم، فإن المكلف إن تذكرها قبل القراءة فلا إشكال على كلا التقديرين في صحّة الصلاة، سواء كانت تكبيرة واجبة أو كانت مستحبة، لأنه في موضع التكبير.
– أما إن تذكرها بعد القراءة، فهنا احتمالان:
الأول: أن تكون التكبيرة المنسية واجبة، فإنه:
-إما يُتمّ القراءة ويستمر بالصلاة أو يُبطل القراءة، لأنها بدون تكبير ثم يأتي بالتكبير ويقرأ من جديد.
ولكن العبارة وإن كانت مجملة من هذه الناحية إلاّ أنه لابدّ أن نخرجها بدليل لُبّي أو بيقين فقهي.
الثاني: أن تكون التكبيرة المنسية مستحبة وحينئذٍ كلا الاحتمالين يأتي هنا، وكلاهما مُشكل.
أما الاحتمال الأول، فإنه يكبر بعد القراءة بعنوان إحدى التكبيرات الست ويستمر في صلاته.
أقول: إن تعين ذلك بظهور الرواية والسند معتبر يكون المفهوم منه أن الشارع يتساهل متى ما تذكر التكبيرات المستحبة أتى بها.
أما الاحتمال الثاني، أن يهدم ما في يده من قراءة.
أقول: هذا لا يمكن، لأنه قد جاء بتكبيرة الإحرام وإنما شكه كان في التكبيرة الاستحبابية.
ــــــ[53]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
وعلى العموم، فإن أصل المسألة كانت مجملة.
[فيما إذا ذكر التكبيرة بعد الصلاة: «فليقضها ولا شيء عليه»]
هذا كله إن ذكرها قبل الفراغ من الصلاة أما إن ذكرها بعد الصلاة، قال: «فليقضها ولا شيء عليه» وهنا اجمال، لأن الضمير في قوله: «فليقضها…» فيه احتمالان:
الأول: أن يكون مرجعه الصلاة.
الثاني: أن يكون مرجعه التكبيرة.
والذي يطابق القواعد هو الثاني، أي أنه ذكر التكبيرة الواجبة وأنها هي المتروكة، فيجب عليه أن يقضي الصلاة، لأنها بدون تكبيرة إحرام.
لكن لما لم يكن هذا التعبير هو التعبير المتعارف على الأعم الأغلب وإنما قضاء الصلاة هو الأعم الأغلب، فمن هذه الناحية يُرجَح أن يكون قرينة متصلة على رجوع الضمير إلى الصلاة.
قد يقال: إن الضمير لا مرجع له.
نقول: إن عبارة «فليقضها ولا شيء عليه» تدل على أن مرجعه كلام السائل.
أما إن ذكرها بعد الصلاة، قال: «فليقضها ولا شيء عليه» فيها ثلاث احتمالات:
الاحتمال الأول: [إرجاع الضمير إلى الصلاة]
أن نرجع الضمير -كما فعل الشيخ- إلى الصلاة، وهو موجود في سؤال
ــــــ[54]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
السائل وهو صحيح لغةً وعرفاً، فكأن السائل ذكر أنه أخلّ بالتكبير الواجب، فليقض الصلاة، أي فليعد الصلاة. فتخرج من هذه الناحية عن القاعدة التي نحن بصددها وهي الدالة على جواز الترك، وتكون النتيجة أن القاعدة في المقام هي عدم الجواز.
طبعاً المناقشات الأخرى التي تقدم ذكرها لا ينبغي أن تنسى وحاصلها بأنه لا يتعين في سؤال الأول أصلاً أن المراد بالتكبير التكبير الواجب، التكبير الأول من الافتتاح، وهو مجمل، فإذن: الجزم بهذا الاحتمال يبقى بلا وجه.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد هو قضاء التكبيرة
وهنا احتمالان:
1- هل هي تكبيرة الإحرام الواجبة؟
2- هل هي التكبيرة المستحبة؟
أقول: هنا مقدمة ذكرناها مفصّلاً وهي عود الضمير الى التكبيرة، كما أنه يستشكل في عود الضمير في قوله: «فليقضها» إلى الصلاة، لأن الكلام من أول السؤال وفي الجواب والسؤال الثاني كله كان عن التكبيرة، فدفع التكبير وإن كان بعيداً لكنه سياقاً ليس ببعيد، لأنه يقول في جواب السؤال الثاني: «فإن ذكرها بعد الصلاة» فالضمير هنا يعود إلى التكبيرة يقيناً، وكذلك حينما يقول: «فليقضها ولا شيء عليه».
لكن الذي يبعّدها إلى حد ما انصراف «فليقضها» أي الصلاة، لأن مادة القضاء مناسبة للصلاة وليس للتكبيرة، لكن هذا يمكن أن يجاب عنه بأكثر من وجه من قبيل:
ــــــ[55]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
ليس المراد أكيداً من القضاء، القضاء الاصطلاحي لكي يناسب الصلاة إذ لعل الواجب الإتيان بالوقت وهو الإعادة وليس يتعين بالقضاء، ولا أقل أن المراد من القضاء الأعم من الإعادة والقضاء، بمعنى أن المراد مطلق الإيجاد، وحينئذٍ يكون المعنى (فأوجد الصلاة) أو (أوجد التكبيرة) وهذا لا بأس به، والنتيجة «فليقضها» أي فليأتِ بها، وبهذا المعنى مادة القضاء لا تكون خاصة بالصلاة.
طبعاً مرجع الضمير حينما يكون مردداً مؤدى الضمير نفسه يكون مردداً وهذا ينبغي أن يكون واضحاً، وحينئذٍ مرجع الضمير إما هو التكبيرة الواجبة وإما هو التكبيرة المستحبة:
– فإن كانت التكبيرة المستحبة، فالمعنى أنه فليقضها بعد الصلاة، أي يكبّر بما أنه نسي التكبير.
وهذا المعنى وإن لم أجد أحداً يجيزه إلاّ أنه لو تمت هذه الاستفادة والسند أيضاً تام أكيداً أمكن استحبابه ولا بأس به، ومسامحة من قبل الشارع إعطاء فرصة جديدة للمكلف بأن يفعل وإلاّ مقتضى القواعد الأولية ما طرق سمعك في الأصول من أنه تبقى بقية من المِلاك في استحبابية غير ممكنة الاستيفاء، لأنه كيف يمكن أن يعود إلى أول الصلاة ويكبّر سبع تكبيرات غير ممكن الاستيفاء، فكأن الشارع هنا يقول: هذا نحو من الاستيفاء أُجيزه لك.
والنحو الثاني بالإمكان أيضاً بناءً على ما تقدم من أنه يعيد الصلاة بالتكبيرات السبع، أي يأتي بما فاته من التكبير مع إعادة الصلاة وهذا أيضاً فيه نقطة قوة لو أخذنا بأن مادة القضاء مناسبة للصلاة، والتكبيرة مستحبة والقضاء للتكبيرة [وهو
ــــــ[56]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
لا يكون مناسباً لها] وإنما للصلاة، فيعيد الصلاة برجاء الاستحباب الموجود هنا أو برجاء المطلوبية أو أي شيء بعنوان أنه يستعيد ذلك الجزء الاستحبابي الذي فاته من الملاك.
وهذا مما لم أجد أحداً افتى به، لكن مع ذلك إن فهمناه بالخصوص وتعين ظهوره أمكنت الفتوى به.
وأما لو كانت التكبيرة واجبة، مرجع الضمير هو التكبيرة الواجبة حينئذٍ «فليقضها» أيضاً كما قلنا في طرف الاستحباب أنه إما أن يقضي التكبيرة الواجبة إذ أنه لم يكبر في أول الصلاة، والآن يقول بنية القضاء الواجب «الله أكبر» فكأنه كبّر، على هذا التقدير تكون واضحة المعارضة للطائفة الدالة على تعين التكبير في أول الصلاة.
نعم، هذه تكون دليلاً على أن الصلاة بدون تكبيرة واجبة جائزة وهي صحيحة السند.
أجل، هذا الخبر إنما هو مستوى إضافي وإلاّ فإن القضاء ليس الحاقاً حقيقياً في محله.
أو أنه يقول إن الصلاة مع النسيان -نسيان التكبير- تصح بشرط القضاء.
وعلى كلا التقديرين تتحقق المعارضة إلاّ أن هذه المعارضة فرع وضوح أن المطلوب هو التكبيرة الواجبة مع العلم على أنه لا يوجد أصلاً وضوح.
الاحتمال الثالث: [يقضي التكبيرة في محلها]
إن التكبيرة واجبة والقضاء للصلاة، «فليقضها» أي التكبيرة لكنه يقضيها في
ــــــ[57]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
محلها، أي أنه يكبر تكبيرة الإحرام ويصلي ويستمر بصلاته بهذا المعنى، ونحن نفهم أنه قد يقضي التكبيرة لكنه قد يقضي التكبيرة ليست وحدها، بل مع الصلاة المرفقة بها، فتعود المسألة على القواعد ولا تكون المسألة فيها ظهور بالمعارضة.
ويصح القول: إن قوله: «فليقضها ولا شيء عليه» إن كان المراد قضاء التكبيرة، يعني يقضي التكبيرة بعد الصلاة ولا شيء عليه، ولا قضاء عليه من جهة الصلاة، لأنها حينئذٍ تقع مجزية ويكفي أنه يكبّر مرة واحدة بعد التسليم ولا شيء عليه.
فيكون قوله: «ولا شيء عليه» كالقرينة المتصلة في إعادة الضمير إلى التكبيرة وليس إلى الصلاة، ولا يمكن أن نفهم العكس، لأنه ترك التكبيرة نسياناً.
الرواية الثانية: [سألته عن رجل نسي أن يكبّر حتّى دخل في الصلاة]
وعنه، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن عبيد الله بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله قال: «سألته عن رجل نسي أن يكبّر حتّى دخل في الصلاة؟ فقال: أليس كان من نيّته أن يكبّر؟ قلت: نعم، قال: فليمض في صلاته»(1).
[كلام في السند]
وهي من جهة السند صحيحة وتعرف بصحيحة الحلبي.
ــــــ[58]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص15 ح9، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
ومن جهة الدلالة
فظاهرها الأولي يعارض ما تقدم من نصوص، لأنه اكتفى بقصد التكبير عن التكبير «أليس كان من نيته أن يكبّر، قلت: نعم، قال: فليمض في صلاته» أي يستمر في صلاته التي هو فيها، بغض النظر عن تأويلات أخرى ممكنة، طبعا التأويل ممكن للضرورة وأما الظهور فقطعي لا ممكن، إلاّ أنه مع ذلك يمكن الجواب عليه ببعض الاجوبة:
منها: إعراض المشهور، فإن مضمونها قد أعرض عنه مشهور الفقهاء، فهم يفتون في مثل هذه الحالة ببطلان الصلاة.
أقول: هذا هو الواقع، فهذه صلاة بلا تكبير بغض النظر عن الترك ما هو سببه، إذن: هذه الصلاة باطلة.
منها: الحمل على التقية، لأن مضمونها يوافق العامة.
أقول: هذا قابل للمناقشة من جهتين:
الأولى: التأكّد من أن فتواهم بهذا المضمون؟ والأصل العدم.
الثانية: التشكيك في فعلية التقية، بمعنى هل أن التقية فعلية أو لا؟ والأصل العدم.
منها: أن الشارع المقدس اكتفى بالمعافاة، أي بالإبراز العملي بدل الإبراز اللفظي وهو كأنما التوجه الى القبلة والبدء بالبسملة والنية القلبية للصلاة وليس لتكبيرة الإحرام ونحو ذلك.
إلاّ أن هذا الوجه بطبيعة الحال كما نعلم ساقط، ولا أقل من إمكان أن نقول:
ــــــ[59]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
إن مقتضى الأصل هو التمسك بالمطلقات سواء كانت في المعاملات أو في العبادات، والإطلاقات المقتضية لوجوب اللفظ، فإن خرج شيء ما بدليل فهو وأما إذا لم يخرج شيء ما بدليل أو حصة معينة بدليل نبقى نحن والإطلاقات وما خرج بدليل هو المعافاة في المعاملات وليست المعافاة في العبادات بطبيعة الحال، فالإبراز العملي في العبادات باطل، أي بحسب الإطلاقات الأولية إنه قُل: (الله أكبر)، وأما (كبّرْ) بالإبراز العملي فهذا لا يكفي ويحتاج إلى دليل وليس هناك دليل.
اللهم إلاّ أن يقال: إن هذه الرواية معتبرة السند ودالة على ذلك، لأنه يقول: «أليس كان من نيته أن يكبر» فتكون هي المقيدة، وهذا التقييد في الحقيقة سوف يأتي في الجمع بين الطائفتين الدالة على بطلان الصلاة مع النسيان مع ترك التكبيرة حال النسيان.
الرواية الثالثة: [«قوله: إن ذكرها وهو قائم قبل أن يركع فليكبّر»].
وباسناده عن علي بن مهزيار، عن فضالة بن أيّوب، عن الحسين بن عثمان، عن سماعة بن مهران، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عن رجل قام في الصلاة فنسي أن يكبّر فبدأ بالقراءة؟ فقال: «إن ذكرها وهو قائم قبل أن يركع فليكبّر، وإن ركع فليمض في صلاته»(1).
كلام في السند:
هذه الرواية ولاشتمالها على عدة رواة وقعوا محلاً للمناقشة من قبيل (سماعة
ــــــ[60]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص15 ح10، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
بن مهران) الذي هو واقفي و(أبو بصير) المردد بين أشخاص بعضهم ثقة وبعضهم ليسوا كذلك.
كلام في الدلالة:
إن قول السائل «قام في الصلاة» مجمل، لوجود قرينة متصلة على أنه لم يدخل في الصلاة.
وقوله: «فنسي أن يكبّر فبدأ بالقراءة» ينبغي أن يقال هنا (للصلاة) وليس (في الصلاة) ولربما أنه استعمل حرف بدل حرف حقيقة أو مجازاً بناءً على ما حققناه في الأصول من إمكان استعمال الحرف مجازاً.
على العموم: موضوع المسألة هو «فنسي أن يكبر فبدأ بالقراءة، فقال: إن ذكرها وهو قائم قبل أن يركع فليكبر وإن ركع فليمض في صلاته».
قد يقال: إن هنا احتمالان:
أحدهما: أنه نسى التكبير الاستحبابي.
الثاني: أنه نسى التكبير الوجوبي.
فعلى الأول تخرج الرواية عن محل الكلام.
أقول: إن هذا غير وارد اطلاقاً، لأن السؤال -سواء بلسان الحال أو السياق- عن ترك تكبيرة الإحرام، فلاحظ قوله «فبدأ بالقراءة» فواضح أنه بدأ بالقراءة وأن الذي تركه هو التكبيرة وهي الواجبة لا المستحبة، لأنها هي التي تكون بعد القراءة -كما أوضحنا هذا سابقاً- والمهم أن ترك الواجب ينبغي أن يكون النص بمنزلة الصريح فيه.
ــــــ[61]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
[وجوه لتصحيح فهم الرواية]
وعلى أي حال يمكن إبراز عدة وجوه لتصحيح فهم الرواية على القواعد، فإن لم يتم -ولن يتم- شيء منها حينئذٍ تخرج هذه الرواية عن الطائفة المعارضة ولا تدل على صحّة الصلاة مع نسيان تكبيرة الإحرام، ومن تلك الوجوه:
الوجه الأول: أن نحمل قوله: «صلاته» على كلي الصلاة
أو قل: على صلاة جديدة وليس على الصلاة التي هو فيها، لأنه يقول «وإن ركع» لأنه هذه هي العبارة التي محل الإشكال وليست «وإن ركع فليمضِ في صلاته» أي فليمض في الصلاة الثانية التي يبدأ فيها بعد رفع يده عما في يده مما يسحب منه وهي الصلاة الأولى فيحمل على أنه «فليمضِ في صلاته» الثانية.
ولتوضيحه نقول: إن اللفظ إذا كان يشتمل على ألف ولام فمن المحتمل أن تكون هذه اللام عهدية وحينئذٍ تكون ظاهرة بالإشارة إلى الصلاة الأولى لا الثانية وأما بدون الألف واللام فالعهد كأنما غير محتمل وإذا لم يكن محتملاً تعيّنت الكلية، أي الجنس.
وجوابه: أن فهم العهد غير منحصر بوجود الألف واللام، نعم بوجودها كان العهد محتملاً، لكن هذه الملازمة من أحد الطرفين.
إذن: مع وجود الألف واللام نفهم العهد أما أن فهم العهد منحصر بالألف واللام فلا.
أجل، العهد يمكن أن تقام عليه قرائن أخرى وفي المقام بالإمكان إقامة قرينة على العهدية وهي نسبة الإضافة (صلاته) لأن الصلاة الجديدة لم يدخل بها بعد في
ــــــ[62]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
موضوع مسألتنا وإنما يجب عليه أن يدخلها مجدداً أو في المستقبل أو في الآن الثاني ما شئت فعبّر.
وأما الآن فالمسألة ليست هكذا، لأن صلاته حقيقةً وبالحمل الشايع العرفي والمرئي عملياً هي الأولى وليست الثانية فمن هذه الناحية الإضافة تصدق على الصلاة الأولى دون الثانية ومن هنا نفهم الآن معنى العهدية أو نتيجة العهدية.
[مناقشة في موافقة هذا الوجه مع الطائفة الأولى]
فإن قلت: إن الرواية فيها ما يدل على بطلان الصلاة، وبهذا تكون موافقة للطائفة الأولى وهو قوله: «إن ذكرها وهو قائم قبل أن يركع فليكبّر» فإنه كما مضى مثله في الروايات السابقة أن المحتمل: أنه يكبّر في موضعه، كما يحتمل أنه يترك ما في يده ويكبّر ويبدأ صلاته من جديد «فليكبّر» أي فليكبّر تكبيرة الإحرام الأصلية التي يبدأ بها صلاة ثانية، وحينئذٍ نقول: نعم إنّ الأرجح هو هذا: أن يكبّر تكبيرة الإحرام لصلاة ثانية لا أن يكبّر في موضعه ويبتدأ بما جاء به من الحمد والسورة.
أقول: هذا كأنما بعيد بالارتكاز المتشرعي أكيداً فمن هذه الناحية إذا فهمنا هذا، إذن: يكون قوله: «فليكبّر» دال على بطلان ما في اليد ووجوب الإتيان بصلاة ثانية، في الحقيقة هذا لعله له أكثر من جواب:
الجواب الأول: إن الرواية تدخل في طرف المعارضة
لأنها تقول بالتخصيص، إذا فهمنا هذا الفهم فنفهم التخصيص، فإذا كانت
ــــــ[63]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الفاتحة بطلت صلاته وأما في الركوع وما بعده صحّت صلاته «فليمض في صلاته» فمن ناحية الشق الثاني من التخصيص تكون معارضة، كيف إذا دخل في الركوع تصح صلاته حتى من دون تكبير؟
وهذا على خلاف الارتكاز المتشرعي، بل الفقهي.
الجواب الثاني: [حملها على الشك في تكبيرة الافتتاح دون اليقين]
إن من وجوه فهم هذه الرواية على القواعد ما حمله الشيخ على الشك في تكبيرة الافتتاح دون اليقين بما تقدّم، لأنه تقدّم في روايات أخرى منفصلة الدلالة على ذلك، فكأنما تلك تلقي ضوءً على هذه الرواية «إن ذكرها وهو قائم قبل أن يركع فليكبّر» أي يجدد التكبيرة على ما فهمته قبل قليل وإن ركع فليمض.
وقاعدة التجاوز تقتضي ترك التكبيرة، أي تقتضي الصحّة «فليمض في صلاته» أي حملها على الشك بهذه الصورة وصارت مطابقة إلاّ أنه له حمول تبرعيّة كثيرة وبطبيعة الحال القرائن المنفصلة بهذا الترتيب بمجرد أنه تقدم شيء يدل على ذلك، هذا من الناحية الفقهية والأصولية ليس بمعتبر.
الوجه الثاني: [حملها على طبيعي الصلاة وماهيتها]
إن قوله: «فليمض في صلاته» أي في طبيعي الصلاة وماهيتها.
قد يقال: إن الماهية لها مصداقان:
أحدهما: الصلاة التي تُرك فيها التكبير.
الآخر: الصلاة التي يأتي بها الآن.
ــــــ[64]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
وحيث إن المضي في المصداق الأول مخالف للقواعد، نفهم من ذلك المضي في المصداق الثاني.
أقول: إن هذا ليس بصحيح لوضوح أنه توجد مجموعة من القرائن المتصلة على أن المراد هو الفرد وهو الذي نسميه المصداق الأول، أي الصلاة المنسية التكبير، وهذا الفرد «فليمض» به، لأنه مقتضى ظهور الإضافة، أي إضافة الضمير في قوله: «صلاته» لأن الثانية ليست صلاته إلى الآن.
الرواية الرابعة: [الإِنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح]
محمّد بن علي بن الحسين قال: روي عن الصادق أنّه قال: «الإِنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح»(1).
وهي من جهة السند غير معتبرة، لأنها مرسلة.
ومن جهة الدلالة، فإن فيها نكتة يحسن التعرض لها وهي:
إن هذه الرواية من المحتمل أن تكون ضمن الطائفة التي دلّت على بطلان الصلاة كما أن من المحتمل أن تكون ضمن الطائفة التي دلت على صحّة الصلاة، ولترجيح أحد تلك الاحتمالات لابدّ من فهم هذه الرواية كاطروحة -وهو كل فهم يكون مجرد احتمال-:
الفهم الأول: الإخبار المحض
فإن قول: «الإنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح» جملة إخبارية، فكأنه
ــــــ[65]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص15 ح11، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
قال: (كل إنسان أو طبيعي الإنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح) وحينئذٍ تخرج عن القضية التشريعية فلا تندرج لا في الطائفة الأولى ولا في الطائفة الثانية.
إن قلت: ما هو ربط تكبيرة الإحرام بـ«إنسان»؟
قلت: لوضوح ذلك نحتاج إلى قيد إما متضمن في معنى الإنسان وإما مقدّر لفظياً من قبيل أن نقول: الإنسان المتورع، الإنسان المطيع لا ينسى تكبيرة الافتتاح.
أما أن نقدره وإما أن نضمنه في معنى الإنسان من قبيل ما يقال عادة (إن إنسان السوء ليس بإنسان) كما في بعض الروايات: «العقل: ما عبد به الرحمن، وعصي به الشيطان، واكتسب به الجنان»(1)، وإلاّ فهو مجنون لا عقل له، ليس بإنسان، فالإنسان يعني الإنسان المتكامل الذي هو المتورع، فهذا الإنسان لا ينسى تكبيرة الإحرام لكن إن اقتصرنا على هذه الأخبار.
إن قلت: ما دام فيها الإنسان المتورع والإنسان المطيع فقد خرجت من معنى الإخبار إلى معنى الإنشاء.
قلت: ذكرنا في علم الأصول أن سياق الإخبار بعيد عن سياق الإمامة، لأنه في الحقيقة يُسأل عن مسألة فقهية ويجيب، وجوابه يكون بنحو الإنشاء وهذا هو الذي يناسب مقام الإمام فإن مقام التشريع يوجب عليه أن يكون منشأ لا مخبراً.
نعم، إن لم يدل دليل -قرينة متصلة أو قرينة منفصلة- على أن كلامه إخبار.
إن قلت: إن الروايات عموماً مقطعة، ولربما سقطت عند التقطيع القرائن،
ــــــ[66]ـــــــ
(1) الوسائل: ج15 ص205 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
لأن بعض الألفاظ كانت قرينة على بعض فحينما فصلوها قدس الله أسرارهم حرمنا هذه القرينية.
قلت: الأمر يمكن أن يكون بالعكس، فلعله كان يُريد الإخبار وكانت هناك قرينة على الإخبار لكنها لأجل التقطيع قد ضاعت وبورود الاحتمال يبطل الاستدلال.
الفهم الثاني: [ان نفصل بين (لا) وما بعدها بنقطة]
أن نقترح أن هناك نقطة بعد كلمة (لا) فتكون الجملة هكذا (لا. ينسى الإنسان الافتتاح) إلاّ أن هذا كمقترح جيد لكنه أكيد خلاف الظاهر، لأنه يتوقف على هذه الخطوة وهو الفصل بين (لا) وبين (ينسى) فصلاً معنوياً بغض النظر عن أنّنا وضعنا نقطة أو فارزة أو لا، بحيث يبدأ كلاماً جديداً غير مربوط بـ (لا) يقول -مثلاً- (ينسى)، الذي يدل على الجواز، طبعاً الظهور على خلاف ذلك وهو أن (لا) نافية للنسيان نفسه لا أن هناك فاصل بينهما وعلى تقدير التنزّل عن هذا فتصبح هذه الرواية من الطائفة الثانية التي تدل على الجواز لا من الطائفة التي تدل على عدم الجواز.
الفهم الثالث: [أنها جملة إخبارية نافية في مورد الإنشاء]
وهو الذي ينبغي أن يكون مشهورياً وهو فهم صحيح وهو أنها جملة إخبارية نافية واردة في مورد الإنشاء وفي مورد التشريع وهنا نقول:
– أما أنها ناهية، فتكون دالة على التشريع، فإذا كانت ناهية تكون «لا ينس».
ــــــ[67]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
إلاّ أنه يعود إلى الغلط في النقل أو السهو في النقل أو الطبع ونحو ذلك.
– أما أنها نافية، فلا تكون دالة على التشريع، وهي بهذا لا تكون بمعنى «لا ينس».
والفارق بين الأمرين (النهي والنفي)
إنه في مورد النهي يكون لإثبات الأمر.
وأنه في مورد النفي يكون لنفي الأمر، لأنه يكون حينها للنهي.
وقد تقدم من أن كل حكم يتعلق بشيء قابل للصحّة والفساد فمفاده الصحّة والفساد إن كان نهياً فمفاده الفساد، وإن كان أمراً فمفاده الصحّة، يعني يحمل على الحكم الوضعي وليس على الحكم التكليفي وهنا ينبغي الحمل على الحكم الوضعي لا على الحكم التكليفي ومعه تكون دالة على بطلان الصلاة مع النسيان، أي أنه لا ينسى الافتتاح أي الإنسان لا يجوز أن ينسى الافتتاح وضعاً، وحينئذٍ يصير جزء من الطائفة الأولى وليس جزء من الطائفة الثانية.
والنتيجة: أننا قد حصلنا على روايتين فقط دالتين على المدعى وهذا كافٍ.
طرق حلّ التعارض
وحينئذٍ نحتاج إلى وجوه الجمع بين هاتين الطائفتين، بطبيعة الحال إن وجوه الجمع ذات مراتب، أي أن ترتيبها يحتاج إلى ذوق وفن، بعضها سابق رتبة على بعض، وبعضها مكافىء لبعض ونحو ذلك.
في المقابل قد يقال: لا ترتيب بينها وذلك لأن كل وجه يفترض أن يتنزل عن مجموع الوجوه الأخرى وهذا يكفي، لكن مع ذلك فإن الترتيب فيه ذوق.
ــــــ[68]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
على العموم، فإن هذه الوجوه غير مرتبة، مع ذلك نحن نذكرها بالنحو التالي:
الوجه الأول: الالتزام بإسقاط الطائفة الثانية [الدالة على الجواز]
الالتزام بإسقاط الطائفة الثانية وذلك لأجل إعراض الأصحاب عن مضمونها، فأكيد هنالك إجماع محرز على أن التكبيرة المتروكة مع النسيان تبطل الصلاة فيها. بعد هذا لا يبقى إلاّ روايات الطائفة الدالة على البطلان.
مناقشة:
الصغرى -الأصحاب أعرضوا عن هذه الروايات- هنا محرزة فلا مناقشة فيها لكن الكبرى وهي إن إعراض الأصحاب هل يسقط الروايات المعتبرة عن الحجية؟
في الحقيقة الأمر ليس كذلك وتفصيله في أصول الفقه فلاحظ.
الوجه الثاني: نلتزم بان مضمون هذه الروايات قطعي العدم أو اطمئناني العدم
وحينئذٍ يمكن أن يقال: أن الظهور حجة وإنما هو أمارة والأمارة إنما تكون حجة مع عدم الاطمئنان أو مع عدم العلم.
لكن الحقيقة العلم العرفي يُكذّب هذا، ومع وجود العلم العرفي فلا معنى للأخذ بها.
وهنا أيضاً الصغرى محرزة وحينئذٍ لا معنى للقول بحجية هاتين الروايتين وإن كانتا معتبرتي السند، وهذا في نفسه صحيح.
الوجه الثالث اخراج الروايتين عن اقتضاء الدلالة
إخراج هاتين الروايتين عن اقتضاء الدلالة كما فعله الشيخ في بعض محامله
ــــــ[69]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
لها، من قبيل حملها على مواد الشك في التكبيرة لا على اليقين بتركها أو من قبيل حملها على التقية وحينئذٍ تسقط هذه الطائفة عن معارضة الطائفة التي تقول ببطلان الصلاة مع النسيان.
مناقشة:
تقدم في الأبحاث السابقة مناقشة هذه المحامل من عدم وجود ما يدل عليها من قرائن متصلة، فلذا فإنها باصطلاح المتأخرين تكون جمع تبرعيّ.
الوجه الرابع: [تقييد الطائفة الأولى التي تقول بالبطلان بالثانية بالجواز للناسي]
الالتزام بالتقييد طبعاً بعد التنزّل عن الوجوه السابقة، فتقييد الطائفة الأولى بالثانية، الطائفة الأولى مطلقة والثانية مقيِّدة لها.
أجل، لابدّ من الالتفات إلى هذه النقطة وهي إن كلتا الطائفتين خاصتان بصورة ترك التكبير مع النسيان، إمّا الطائفة الأولى التي تقول بالبطلان وإمّا الطائفة الثانية التي تقول بالصحّة مع ذلك هي خاصة بصورة النسيان لكنها مطلقة لصور داخلية لو صح التعبير.
فصحيحة الحلبي شاملة لعنوان «أليس كان من نيته أن يكبّر» وهذا العنوان ضروري نُقيِّد به إطلاق الطائفة الأولى الدالة على البطلان، فيصير أنه (تبطل إذا لم يكن من نيته أن يكبّر)، و(تصحّ إذا كان من نيته أن يكبّر)، وطبعاً الغالب أن المكلف من نيته أن يكبّر، فكل ناسي إنما يكون من نيته أن يكبر.
ومثل موثقة أبي بصير «إن ذكرها قبل أن يركع» فهي أيضاً أخصّ من الطائفة
ــــــ[70]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الأولى، فإن ذكر التكبيرة قبل أن يركع ولنقل إن محمولها «بطلت» وقطع الصلاة وبدأ التكبير من جديد وإذا ذكرها بعد إن يركع استمر بصلاته.
الوجه الخامس: الالتزام باستقرار التعارض ومن ثم التساقط
وهذا الوجه إنما يُصار إليه بعد غضّ النظر عن التقييد بطبيعة الحال، بعد ذلك يكون المرجع إلى المطلقات الفوقانية التي تقول: «افتتاحها التكبير» يعني إذا لم يكن هناك تكبير فلم تفتتح الصلاة، فهي باطلة.
الوجه السادس: الالتزام بمضمون الطائفة الأولى التي تقول بالبطلان
الالتزام بمضمون روايات الطائفة الأولى التي تقول بالبطلان، لأنها خمس أو ست روايات منها معتبرة السند والطائفة الثانية روايتان فقط منها معتبرة السند والكثرة تكون مُرجِحة، إذن: الترجيح إلى جانب المشهور الذي يرى بطلان الصلاة مع النسيان.
أقول: الصغرى إلى حدّ ما محرزة إلاّ أن الكلام في الكبرى وهو هل أن كثرة العدد موجب للترجيح أم لا؟ الحق: لا.
نعم، إذا كانت هناك استفاضة أو تواتر فالأمر يختلف.
إلفات نظر
هنا فكرة لابدّ أن نشير إليها لأجل تنمية المَلَكة على الأقل وهي النسبة بين المقيِّدين:
الأولى: لو تذكّر قبل الركوع صحّت الصلاة وإن تذكّر بعد الركوع بطلت الصلاة.
ــــــ[71]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الثانية: لو كان من نيته أن يكبّر صحّت الصلاة وإن لم يكن في نيته أن يكبّر بطلت الصلاة.
والسؤال هنا بأيّ منهما نأخذ؟
نقول: في الحقيقة إن الأمر يتوقف على مطلب وهو:
أن الأمر لا يخلو:
– إما أن يكون في كليهما مفهوم معتبر.
– إما أن لا يكون في كليهما مفهوم معتبر.
فعلى الثاني، أمكن الأخذ بالجامع.
وعلى الأول، أمكن الأخذ بالمجموع.
والإشكال يبدأ فيما إذا كان لكل منهما مفهوم، أي لكل منهما شرط الذي هو سبب المفهوم ويحدث المعلول الذي هو مفهوم المخالفة، فمفهوم المخالفة يعارض منطوق الآخر فيكون من قبيل مسألة إذا خفي الأذان فقصر وإذا خفيت الجدران فقصر.
وفي علم الأصول خلاف طويل عريض، والقدر المتيقن الأخذ بمحل انطباقهما معاً، لأنه بينهما عموم من وجه، مجمعهما هو أنه يكون قد نوى أن يكبّر ويكون قد تذكّر قبل الركوع حينئذٍ على كلا تقديري القاعدتين المرويتين تكون صلاته صحيحة.
ــــــ[72]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الرواية الخامسة: [قوله: «…الله أكبر -إلى أن قال- لا تفتتح الصلاة إلاّ بها»]
في (المجالس) باسناده -في حديث- «جاء نفر من اليهود إلى رسول الله وأمّا قوله: الله أكبر -إلى أن قال- لا تفتتح الصلاة إلاّ بها»(1).
كلام في السند:
إن سندها ضعيف بالإرسال.
كلام في الدلالة:
هذه الرواية من جملة الروايات التي فيها لفظ «الله أكبر» وأن الصلاة لا تفتتح إلاّ بها، ولفظ «الله أكبر» لم تأتِ مطلقاً وإنمها هو مفتاح الصلاة وأول الصلاة، فلا يبقى مجال هنا للمنقاشة إلاّ ما قد يظهر من المستمسك حيث قال: «وخبر المجالس قد اشتمل على ذكر حرف العطف، فهو على خلاف المدعى أدل»(2).
وفيه: إن هذه الواو عاطفة جملة على جملة ومن وظيفة المتكلم بهذا الحديث الذي هو إن صحّ السند فهو رسول الله لا أنها داخلة في التكبير، لا يحتمل أنها داخلة في التكبير إطلاقاً.
إن قلت: إن مقتضى السياق أن الألف واللام وصلية، لأنه قال: «والله أكبر» ولم يقل: (وألله أكبر) -بإظهار الهمزة على الألف في لفظ الجلالة- فكما تلفّظ بها هنا
ــــــ[73]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص12 ح12، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 57، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
يجوز في الصلاة بقرينة أنه:
أولاً: إنه هو الاسم الأكرم.
وثانياً: أنه لا تفتتح الصلاة إلاّ بها، أي حال كونها مُدغمة الهمزة لا أنها ظاهرة الهمزة، لأنه قال والله أكبر وهذه لا تفتتح الصلاة إلاّ بها.
وفيه: إن هذا وهمٌ، لأنّ وجود الهمزة وعدمها لفظياً لا دخل له في أصل الكلمة لغة ولا عرفاً، لأن العرف يرى أن الكلمة محفوظة، سواء وُجدت الهمزة أو حُذفت، فهي بعينها مصداق تامّ للمعنى الموضوع له، فمن هذه الناحية سواء قال: (وألله أكبر) أو قال (الله أكبر) أو قال (والله أكبر) لا يختلف الحال في شيء.
والنتيجة: أن هذه الرواية من هذه الناحية واضحة الدلالة لها ظهور بالمطلوب وهو وجوب التكبير في الصلاة بغض النظر عن التفاصيل.
الرواية السادسة: [«كان رسول الله أتمّ الناس صلاةً وأوجزهم.. »]
محمّد بن علي بن الحسين قال: «كان رسول اللهأتمّ الناس صلاةً وأوجزهم، كان إذا دخل في صلاته قال: الله أكبر، بسم الله الرحمن الرحيم»(1).
قبل الدخول في استظهار المعنى نشير إلى نقطتين:
النقطة الأولى: [الحمل على التمامية في الأفعال الواجبة، والتمامية المعنوية]
قال الإمام -بناء على صحة السند-: «إن رسول اللهكان أتمّ الناس صلاة وأوجزهم»، فعند ملاحظة هذا النص نجد نحو من التهافت بين كونها أتم
ــــــ[74]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص11 ح11، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
وكونها أوجز، فإن أوجز يعني أصغر الصلوات وأقلّها أعمالاً، فهو ليس موجز لفظي، بل هو تطبيق مجازي للإيجاز على إيجاز الأفعال وقلّتها، معنى هذا أن صلاة النبيكانت قليلة الأفعال وأسرعهم انتهاءً من الصلاة، فهو بهذا يحثّ العامة على الصلاة؛ لأنها لا تأخذ وقتاً كثيراً.
لكن هذا ينافي معنى (الأتم)؛ لأن التامّ يعني أنها مفصلة كثيرة.
أقول: في الحقيقة إن هذا يمكن أن يجاب عنه بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
الحمل على التمامية في الأعمال الواجبة في الأجزاء والشرائط الإلزامية دون غيرها. فيكون معنى أتم هو من ناحية الإلزاميات وأوجز من ناحية غير الأجزاء والشرائط الإلزامية.
الجواب الثاني:
الحمل على التمامية المعنوية على اعتبار أن الصلاة كُلّما صدرت من شخص أعلى في مراتب الصفاء وفي مراتب اليقين تكون أتمّ وهذا ينبغي أن يكون أكيداً كبروياً وهو خير الخلق على الإطلاق.
النقطة الثانية قوله: «كان إذا دخل في صلاته قال الله أكبر….»
إن قوله: «كان إذا دخل في صلاته قال الله أكبر بسم الله الرحمن الرحيم» يرى المشهور أن المكلف لا يدخل في الصلاة إلاّ بعد انتهاءه من التكبير والسيد اليزدي يصرح بأنه يجوز إيجاد الموانع والقواطع خلال التكبير وهو أيضاً
ــــــ[75]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
مستوى إطلاق أو أكثر من إطلاق قوله «وتحريمها التكبير» كأنّما لا تحرم إلاّ بعد التكبير، فالتكبير لا يحصل بالحمل الشايع إلاّ بانتهائه، حينئذٍ يدخل الإنسان في (منطقة حرام) -لو صحّ التعبير- في أفعال الصلاة، وأما خلال التكبير فليس كذلك، من قبيل أن الإنسان خلال غسل الجنابة ليس هو مغتسل إلى أن ينتهي من الغسل، وكذلك الميت، فهنا كذلك فبعد انتهاء التكبير يصبح مكبّراً، وكل مصلٍّ قد كبّر فصلاته تكون صحيحة.
فالمشهور يعتبر التكبير بمنزلة الشرط لا بمنزلة الجزء، لأن الجزء إنما يكون في داخل الماهية وهذا سبب وجود الماهية وليس هو جزء من الماهية، هذا سابق رُتبة على الماهية في حين أنه من الأكيد أنه داخل في الماهية.
محل الاستدلال
الكلام يقع فعلاً عن إثبات المطلوب وهو وجوب التكبيرة بدون زيادة ولا نقيصة، فلو سُلّمَ اعتبار سندها -وهي ليست تامة – ننتقل إلى البحث في دلالتها على الحكم -وجوب التكبيرة بدون زيادة ولا نقيصة- لكن هذه الرواية ليست أحسن حالاً من سابقاتها لم نطل النظر في مدلولها.
تقييم الاستدلال بالأخبار
بعد استعراض روايات الباب لم يكن بالإمكان الاستدلال بألسنة السنة، لأنها:
أولاً: أخبار ضعيفة، وثانياً: غير تامة الدلالة. فإن الأخبار الوارد فيها لفظ ــــــ[76]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
«الله أكبر» تشتمل على روايتين كلاهما غير معتبرة السند، والأخبار الوارد فيها لفظ «افتتاحها التكبير» أو «تحريمها التكبير» وإن كنا فهمنا منها أن اللفظ هو لفظ «الله أكبر» إلاّ أن ذلك كان استعانة بالسيرة وليس من لفظ التكبير نفسه، لأنه على عاتق اللغة لو صح التعبير ينطبق على كل الحصص الظاهرة المحتملة، مثلاً «الله أكبر» إذا كانت همزته همزة قطع أو همزة وصل فهو تكبير أكيداً، هنا لا يفيد في الاقتصار على همزة القطع كما هو متعارف إلاّ بضمّ السيرة بحيث يقال بأن الفهم من هذه الروايات بضمّ السيرة هو هذه الصيغة وليس غيرها من الصيغ فإذا استعملنا السيرة كانت هي وحدها كافية للاستدلال ولا حاجة إلى كل تلك الأخبار، فبمعنى من المعاني أن الاستدلال بالأخبار عموماً في غير محله، لأنها ليست في مقام البيان من هذه الناحية، خصوصاً أن هذه العبارة خاصة هي المطلوبة دون غيرها، بل العكس لعل مقتضى إطلاقها إجزاء كل هذه الأمور ما دام يصدق عليها أنها تكبيرة الإحرام وليس على ما هو مطلوب من ضيق المطلوب، بل هي تدل على سعة المطلوب لو صحّ التعبير، وإنما فقط التمسك بالسيرة وإذا تمسكنا بالسيرة تكون مقيدة بمثل هذه الإطلاقات إن وجدت، لأنها إن لم تكن قرينة متصلة فهي قرينة منفصلة، بل بالتأكيد أنها قرينة متصلة، لأنه حينما يقول تكبير معناه ذلك وهو أن المتكلم قصد هذه الصيغة لا غير وفهم السامع هذه الصيغة لا غير وأن سيرة الأئمة أنفسهم كانوا يُكبّرون بذلك وأصحابهم وكذلك المسلمون جيلاً بعد جيل وإلى العصر الحاضر.
ــــــ[77]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
تتمّة في بيان المطلوب
يبقى بيان هذه النقطة وهي: أننا لا نريد أن نثبت صحّة هذه الصيغة وأنها من الضروريات وإنما نريد أن نثبت فساد الصيغ الأخرى، وفساد الصيغ الأخرى يكون بأحد أمرين:
1- بضم (الارتكاز) إلى (السيرة) وهو ما سمّيناه بـ(مفهوم المخالفة الارتكازي).
2- الاستعانة بتوقيفية الشريعة، لأنه يقال إن اللغة توقيفية والشريعة توقيفية، فلا يجوز غير ما ذُكر فيها.
لكن الشيخ الهمداني يطعن بهذه التوقيفية، لأن الدليل على خلافها وذلك لوجود الإطلاق في الدليل، طبعاً لا فرق بين الإطلاق والتصريح، كأنما الأئمة صرّحوا بحسب إطلاق كلماتهم أنه كل هذا جائز فمن هذه الناحية يلغون دليل التوقيفية وليس عنوان التوقيفية دليل طبعاً، بل الدليل بخلافه من هذه الناحية، فإذن دليل التوقيفية سقط.
وهذه نصّ عبارة الشيخ الهمداني: «وربما يستدلّ له أيضاً بتوقيفيّة العبادة، ولم يثبت جوازها بغير هذه الصورة.
وفيه نظر: يظهر وجهه ممّا حقّقناه في الأصول، وأشرنا إليه مراراً في مطاوي كلماتنا السابقة من أنّ المرجع لدى الشكّ في شرطيّة شيء للعبادة أو جزئيّته هي البراءة، لا الاشتغال، وإن كان قد يُتأمّل فيه في مثل المقام الذي يدور الأمر فيه بين ــــــ[78]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
التعيين والتخيير، فليتأمّل»(1).
أقول: هذه المناقشة صحيحة من هذه الناحية ولكن الدليل الارتكازي لم يسقط إلى حدّ الآن.
[تتمة في منشأ الارتكاز هنا]
إن قلت: إن هذه الارتكازية ناشئة من احتياطات الفقهاء ومن فتاوى الفقهاء فحينئذٍ ليس الارتكاز موروث جيلاً بعد جيل وأنه مُتلقّى من قبل الأئمة
قلت: يمكن الجواب ذلك بأحد مستويين:
المستوى الأول: [وجود هذا الارتكاز في زمن الأئمة]
إننا نعلم بوجود هذا الارتكاز في زمن الأئمة ومعه لا نكون بحاجة إلى الاستصحاب القهقري، فإن الاطمئنان قائم على أن الأئمة أنفسهم كانوا يكبّرون بذلك والمسلمون كلهم يكبّرون بذلك وليس بغير هذه الصيغة، هذا من هذه الجهة.
المستوى الثاني: [ان الفقهاء قد تلقوا هذه الفكرة عن المعصومين]
إن الفقهاء من جملة المتشرعة، أي أن سيرة المتشرعة شاملة للفقهاء وغيرهم والنتيجة على أن هذا المجموع تلقوا الحكم بالاختصاص، أي بشرط لا عن الزيادة في التكبير لو صحّ التعبير، وهم قد تلقوا هذه الفكرة عن المعصومين عن الجيل
ــــــ[79]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص437، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
المعاصر للمعصومين والمُقرّ من قبل المعصومين.
الأصل العملي
بعد أن فشل الاستدلال بألسنة السنة، لأنها أخبار ضعيفة وأغلبها غير تام الدلالة، لأنها ليست في مقام البيان من هذه الناحية، ينبغي أن يكون الكلام في الاستدلال على ركنية التكبير بالمصير إلى الأصول العملية وهي في المقام:
– استصحاب اشتغال الذمة بمن صلى، بشيء من هذا القبيل مثلاً قال (الله الأكبر) وصلى فهل صحت صلاته أم لا؟ فرغت ذمته أم لا؟ فنستصحب اشتغال الذمة.
وفيه: إنه في نفسه يجري إلاّ أنه لا يجري، لأن هناك أصل أسبق منه رتبة ويكون حاكم عليه بمقتضى الأسبقية الرتبية وهو أصالة عدم الشرطية، أي عدم شرطية «الله أكبر» وحدها أو قل أصالة عدم مانعية التغيير.
فإن هذا الذي نريد أن ننفيه ليس بمانع، لأنه بالآخرة هو مصداق للتكبير، وما دام كونه مصداقاً لغةً وعرفاً لماهية التكبير فهو صحيح والمطلوب هو التكبير، وتغييره بهذا المقدار ليس مضراً بالماهية، إذن: فهو مجرى لأصالة عدم المانعية.
الإتيان بمعنى التكبيرة
قال المحقق: «ولا تنعقد بمعناها»(1).
بمعنى إن المكلف إن نطق بمعنى (الله أكبر) ولم يأت بها:
– إما بتغييرأحد اللفظين لفظ الجلالة أو الصفة (أكبر)».
ــــــ[80]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص95 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
– أو بتغيير كلا اللفظين، كما لو أبدل لفظ الجلال باسم آخر والصفة بصفة أخرى.
– أو بإضافة شيء يخرجه عن الماهية.
فليس هذا تكبير بالحمل العرفي وبالحمل المتشرعي، وعليه لا ينبغي أن نقول إنه دخل في الصلاة ولا أنه افتتح الصلاة إطلاقاً وإنما هو فرد باطل ابتداءً، هذا صحيح انه لا تنعقد بمعناها، لأن ماهية التكبير العرفي والمتشرعي منتفية فيكون مقتضى إطلاق قوله: «تحريمها التكبير» أن التحريم غير موجود بغيره، أي بغير التكبير الاعتيادي وهذا ليس تكبيراً أو يصحّ عنه الترك على الفرض.
ولأجل، هذا قال الشيخ الهمداني: «(لا تنعقد) الصلاة (بمعناها) سواء أدّى بِلُغة عربيّة غيرها وإن رادفتها أو فارسيّة أو غيرهما»(1).
في الإخلال بحرف من التكبيرة
ثم قال المحقق: «ولو اّخلّ بحرف منها لم تنعقد صلاته»(2). والمقصود في صورة العلم والعمد أو هو القدر المتيقن منها وهو سيتعرض لصورة العجز في المستقبل ولكنه لا يتعرض لصورة الجهل والنسيان، وطبعاً ينبغي أن يكون واضحاً على أنه إذا أخلّ بحرف منها تبطل، لأنه ضرر ونقص مخلّ بالمعنى وغير فصيح فمن هذه الناحية أيضاً ينبغي البطلان.
ــــــ[81]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص437، ط مؤسسة آل البيت.
(2) شرائع الإسلام: ج1 ص95 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
اللحن في التكبيرة
اللحن صفة للحرف، سواء كانت الحركة مطابقة للقواعد أو مخالفة لها، وليست من ماهية الحرف، فإن اختلفت ماهية الحرف بتبدّله أو مدلوله إلى حرف آخر أو إسقاطه بالمرّة أو زيادة حرف، فحينئذٍ يحصل تبدّل بالماهية -ماهية الحرف- وليس ماهية التكبير.
أما بالنسبة إلى الحركات، سواء كانت حركات الإعراب أو حركات البُنية اللغوية الأصلية فإنما هي بمنزلة العرض إلى معروضه وليس الجوهر أو الماهية لكن على كل تقدير إذا كان التغيير عن علم وعمد ينبغي القول بالبطلان مطلقاً، سواء كان التغيير بماهية الحرف أو كان التغيير بصفته، وسواء كان التغيير مُجازاً لغة أو ممنوعاً لغة، وسواء كان التغيير مُغيّراً للمعنى أم غير مغير للمعنى ونحو ذلك من الأسباب، لأن الارتكاز يقتضي ذلك وهو التعبّد بصورة معينة من التكبير لا يمكن الحياد عنها.
وكذلك سواء غيّر تغيير ماهية الحرف ماهية التكبير أم لا، وهذا أحيانا يحصل كما في قلب الراء أو غير ذلك فيتغير الحرف من الراء إلى اللام ولكنه عرفاً غيّر نطق الراء ونطقه لاماً عن علم وعمد فلم يتغير ماهية التكبير ولكنه مع ذلك يكون الأمر مشكل.
اللحن جهلاً أو نسياناً
أما في صورة الجهل أو النسيان، فينبغي التسالم من هذه الناحية والوضوح من هذه الناحية على أنه مع تغيير الماهية ينبغي القول بالبطلان، لأن المأتي به ليس
ــــــ[82]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
مصداقاً للحمل الشايع المتشرعي والعرفي للمأمور به الذي هو جزء أو شرط أو نحو ذلك من الصلاة، عملياً التكبير هو جزء من الصلاة، سواء كان تغيير الماهية يُقصد به تغيير ماهية التكبير أو تغيير ماهية الحرف، فإنه مهما قلّ هو تغيير للماهية وإذا كان تغييراً للماهية كان على خلاف شرط المأمور به.
لكن يبقى هذا المطلب وهو أنه افتراض أن الغلط أو الجهل أو نحو ذلك لم يغير ماهية التكبير ولا ماهية الحرف وكان عن جهل ونسيان وغفلة ونحو ذلك من الأمور، إذن في طول الجهل يتخيل أن المأتي به عين المأمور به أو مصداق كامل المصداقية من المأمور به وهو أيضاً ينبغي أن نقول أنه غلط غير مغير للمعنى، فإن كان مغيراً للمعنى، فينبغي القول بفساده ولو على الأحوط وجوباً حتى في صورة الجهل.
أما إذا كانت كل هذه القيود موجودة فلا موجب للقول بالبطلان، لأنهم تسالموا على أن الغلط غير مغير للمعنى حيث إن المأتي به مصداق من الماهية اللغوية والأصلية والعرفية يكفي في تكبيرة الإحرام أو القراءة أو ذكر الركوع أو السجود أو أي شيء من هذا القبيل أو الأذان أو الإقامة لا فرق.
العجز عن غير الملحون
هذا كله في صورة العلم والعمد في مقابل العجز، أما في صورة العجز، فقال المحقق: «فإن لم يتمكن من التلفظ بها، كالأعجم لزم التعلم»(1).
ــــــ[83]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص95 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
فلا يبادر إلى الصلاة ما دام غير متعلم ويرجو أن يتعلم خلال الوقت، لكن هذا لا يعني القول بالمواسعة، بل هو بالمضايقة بأن يبذل جهده خلال الوقت للتعلم ثم يصلي بصلاة صحيحة خير له من البدار إلى الصلاة الخاطئة، وهنا ينبغي الالتفات إلى عدّة أمور:
الأمر الأول: [ذكر الأعجم من باب المثال الأغلب]
إن ذكر الأعجم من باب المثال وإلاّ ليس الأمر خاصاً بالأعجم، بل إذا قُصد به غير العرب فالعرب أيضاً فيهم من لا يقيم الألفاظ حقيقة ويحتاج إلى تعلّم ولعله كثير منهم هكذا فمن هذه الناحية هذا إنما هو مثال والأمر غير منحصر به.
نعم، هو المثال الأغلب، لأننا لو قسنا مجموع البشرية، فأغلبها أعاجم بهذا المعنى، أي ليسوا من العرب فحينئذٍ المثال له يكون أولى من المثال لأهل اللغة العربية.
الأمر الثاني: [اختلاف لفظ طبعتي الشرائع بين (الأعجم) و(الأعجمي)]
في طبعة الشرائع تحقيق عبد الحسين البقال المتن هكذا (كالأعجم) أما في نسخة المصباح فالمتن هكذا (كالأعجمي) وحينها لا نعلم الكلام الصادر من المحقق مع العلم أن المحقق مدقق في اللغة كما هو مدقق في الفقه إلى حدّ نستطيع أن نقول إن قوله حجة.
أجل، المسألة لما لم تكن بالأهمية لم يكن موجب للرجوع إلى الكتب القديمة المخطوطة للشرائع، لكن إن قال: (الأعجم)، فعليه بعض التعليقات:
ــــــ[84]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
من قبيل: أن الأعجم لغةً وعرفاً ينطبق على الحيوان، ولا ينطبق على الإنسان وإنما ينطبق على الإنسان عنوان الأعجمي أي المنسوب إلى (الأعجم) وليس لفظ الأعجم نفسه فلذا حينما نقارن بين عربي وأعجمي نجد أنه كلاهما بياء النسبة وهذا قرينة -وإن كانت ناقصة- على أنه من الأنسب استعمال اللفظ بياء النسبة وليس بدونها على ما فعل في (طبعة البقال).
والمراد من الأعجمي أو الأعجم من لا ينطق اللغة العربية بفصاحة وبتعبير آخر ليس نسبه عربياً وإنما من غير العرب.
نعم، إذا نطق اللغة العربية بفصاحة فهو ليس بأعجمي بطبيعة الحال، حتى لو كانت لغته الأصلية غير العربية ولكن هنا ارتكاز نستطيع أن نقول إنه موجود جيلاً بعد جيل ونشعر به وهو أن الذوق العربي لا يستسيغ اللغات الأخرى حيث أنه لا يفهمها ويستوحش من طرائق بيانها ومن لهجاتها فيعتبرها سمجة وغير صحيحة.
ذوو الأعذار
قال الشيخ الهمداني: «ولا يتشاغل بالصلاة مع سعة الوقت ورجاء التعلّم، كما لا يتشاغل بالصلاة مع التيمّم أو بلا ستر مع رجاء وجدان الماء أو الساتر في رحله أو قريباً منه، وليس هو حينئذٍ مع رجاء التمكّن من تحصيل الشرط بالفعل من أولي الأعذار الذين قد يقال فيهم بأنّ لهم البدار.
نعم، لو عجز في الحال عن الاشتغال بالتعلّم، اندرج في موضوع مسألة أولي ــــــ[86]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الأعذار»(1).
رجاء التعلم في بعض الطبعات (ورجا التعلم) ورجا هنا إما فعل ماضي أو مقصور الممدود أي رجاء التعلم، على كل حال يوجد هناك أمل في التعلم في المستقبل القريب، فهو عذر مؤقت يؤمل ارتفاعه، وحينئذٍ يجب التأخير إلى حين ارتفاع العذر، فإن ارتفع فهو وإلاّ فيصلّي في آخر الوقت.
وليس هو حينئذٍ من رجاء التمكن من تحصيل الشرط بالفعل من أولي الاعذار الذين يقال بهم بجواز البدار أو بأصالة البدار، في الحقيقة كأن ذوي الاعذار على قسمين:
– قسم ورد جواز الصلاة بعذره.
– قسم لم يرد جواز الصلاة بعذره.
والأول: يمكن التمسك بإطلاقه إلى كل الوقت، أي تجوز الصلاة بعذره، سواء بادر أو أخرّ فنتمسك بالإطلاق لأجل إثبات جواز البدار.
والثاني: يمكن التمسك بأصالة الاحتياط وعدم جواز البدار.
والنتيجة: إن كان عندنا مطلقات لأهل الاعذار فيمكن التمسك بإطلاقاتها للبدار إلى الصلاة في أول الوقت ولا أقل برجاء المطلوبية، أي برجاء عدم زوال العذر إلى آخر الوقت.
أما إن لم يكن مثل هذا الإطلاق موجوداً حينئذ لابدّ من الاحتياط أي التعلم والصلاة بعد انجاز التعلم نتيجته.
ــــــ[86]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص441، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
مدلول خبر: [«إنّك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح…»]
عبد الله بن جعفر في قُرْب الإِسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: سمعت جعفر بن محمّديقول: «إنّك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح وكذلك الأخرس في القراءة في الصلاة والتشهّد وما أشبه ذلك، فهذا بمنزلة العجم والمُحرِم لا يُراد منه ما يراد من العاقل المتكلّم الفصيح»(1).
كلام في السند
1- مسعدة بن صدقة وإن كان فيه كلام طويل لكن بالنتيجة يمكن توثيقه.
2- هارون بن مسلم، فاسد العقيدة فهو واقفي إلاّ أن النجاشي وثّقه، وهذا يكفي في الأخذ بروايته بغض النظر عن عقيدته.
3- ظاهر عبارة الوسائل (عبد الله بن جعفر عن هارون بن مسلم) أنه شيخه المباشر، وإلاّ لقال (بإسناده عن هارون بن مسلم) وصاحب قرب الإسناد ثقة جليل لا يروي عن غير الثقة فمن هذه الناحية يكون حجة علينا.
4- الخبر ينقله الحر العاملي عن الكليني أي السند يبدأ بمحمد بن يعقوب وطريقه معتبر.
ــــــ[87]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص136 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
كلام في الدلالة
إن مقتضى الإطلاق أنه لا يطلب منه كما يطلب من العاقل المتكلم الفصيح، أي لا يُتوقَّع من شخص ذي لكنة وغير عربي أن يتكلم كلاماً عربياً فصيحاً.
إن قلت: إنه على هذا تكون واضحة في صورة العجز، نعم العاجز يعلم، عادة أصحاب اللكنة يعلمون أنهم طول الوقت لا يمكن رفع اللكنة إطلاقاً، فيدخل في من يعجز عن التعلم وأمثالها، فيكون مطابقاً للقاعدة.
جواز البدار
إن مقتضى القاعدة الأولية هو ما يقوله الفقهاء وهو عدم جواز البدار ووجوب التأخير ما لم يعلم أو يطمئن بالعلم العرفي على أن العذر لا يرتفع، كما أن القاعدة الأولية هو تعدد التعلّم إلى حصول النتيجة.
وكل ذلك إلاّ ما خرج بدليل، والأدلة التي تدل على الرحمة من قِبل الشارع موجودة، من قبيل رواية قرب الإسناد بالنسبة إلى اللكنة التي تدل على جوز البدار.
كما أن أدلة التقية بالوضوء تجوز البدار وكذلك أدلة التقية في الصلاة، (احضروا مواسمهم وجماعاتهم) ونحو ذلك.
لكن ليس هناك تجريد عن الخصوصية، لأن التقية محتملة الخصوصية من هذه الناحية وإذا كانت محتملة الخصوصية لا يمكن التجريد إلى الأعذار الأخرى.
فما لم يدلّ الدليل لابدّ في البدار من الاحتياط وإجراء قاعدة الاشتغال.
أو قل: نتمسك بإطلاق دليل التعلّم.
ــــــ[88]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
[العجز عن التعلّم]
قال الهمداني: «نعم، لو عجز في الحال عن الاشتغال بالتعلّم، اندرج في موضوع مسألة أولي الأعذار»(1).
فإن تعذر التعلم:
إما، لعدم المقتضي، أي عدم وجود المعلم.
أو لوجود المانع، وهو إما مرض أو شغل مهم أو خطورة على نفسه ونحو ذلك.
فهذه من جملة موارد العسر والحرج عن التعلم فيجوز البدار.
قال المحقق: «فإن ضاق أحرم بترجمتها»(2).
أي إن ضاق الوقت عن التعلم فلا يجوز له البدار وهذا هو الاحتياط المشهوري ما بين الفقهاء والمحققعلى هذا الغرار.
وفي الحقيقة إن لضيق الوقت احتمالاً أمرين:
الأول: سقوط التكبيرة، لأن التكبيرة المطلوبة المطابقة للمأمور به الواقعي غير موجودة ومتعذرة وكل شيء متعذر يسقط ونحن نعرف أن أجزاء الصلاة المتعذرة تسقط ويبقى وجوب الباقي.
الثاني: التنزل من المرتبة الأولى للتكبيرة إلى مراتب أخرى أدنى منها، بمعنى ــــــ[89]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص441، ط مؤسسة آل البيت.
(2) شرائع الإسلام: ج1 ص95 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
أن التكبيرة لا تسقط بحال وإنما يُتنزّل فيها من مرتبة إلى أخرى.
وهذا كما في الغريق حيث الركعة كلها تتعذر حينئذٍ يُكتفى بتسبيحة واحدة عن كلّ ركعة بدون تكبيرة إحرام حتى أنهم قالوا يُكبّر ويسبّح لكل ركعة فمن هذه الناحية أعطى الفقهاء للتكبيرة أهمية زائدة عن سائر الواجبات حتى الأركان ومثل هذه الأهمية لم تثبت لا في كتاب ولا في سنة إلاّ قضية تحريمها التكبير.
الترجمة
لو لم يتمكن المكلف من التكبيرة انتقل إلى البديل ومن جملة البديل الترجمة، ومعنى الترجمة كما فهمه الشيخ الهمداني الإتيان بما يرادفها من لغة أخرى(1).
أقول: ويمكن أن يستدل به على لزوم الترجمة -مع العلم أنه لم يرد بخصوصه دليل لا في الكتاب ولا في السنة- بعدة أمور:
الدليل الأول: الإجماع
وهو ما ادعاه السيد صاحب المدارك: «إن هذا مذهب علمائنا وأكثر العامة»(2).
أقول: يمكن المناقشة فيه من عدة جهات:
الجهة الأولى: أن هذا ليس بعنوان الإجماع وإنما هو بعنوان مذهب علمائنا فمن هذه الناحية ليس إجماعاً لا محصّلاً ولا منقولاً، ونحن لا نقول بحجية
ــــــ[90]ـــــــ
(1) لاحظ: مصباح الفقيه: ج11 ص442، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مدارك الأحكام: ج3 ص322، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الإجماع المنقول فضلاً عما دونه.
الجهة الثانية: هب إننا سلّمنا أنه إجماع، فغايته أنه إجماع منقول والإجماع المنقول ليس بحجة.
الجهة الثالثة: لو سلّمنا أنه إجماع محصّل، فالإجماع المحصّل إنّما يكون حجة فيما إذا لم يكن مدركياً لكن المدرك محتمل لوجود جملة من الروايات.
الدليل الثاني: النصوص
فيمكن التمسك بالروايات الدالة على أن افتتاح الصلاة التكبير بغير لفظ (الله أكبر) طبعاً، والتي تصدق مع الترجمة أنه افتتح الصلاة بالتكبير.
وفيه: أنها ضعيفة السند وبعضها غير واضح الدلالة.
إن قلت: إن الضعف السندي مُنجبر بعمل الأصحاب.
قلت: أولاً: لم يثبت أنهم عملوا بها، وثانياً: إن عمل الأصحاب ليس بجابر للسند.
الدليل الثالث: قاعدة الميسور
بتقريب: إن المعنى ميسور من مجموع اللفظ والمعنى، فإن تعذّر اللفظ بقي المعنى مقدوراً عليه وهو غير داخل في العجز.
أقول: إننا لا نرى وجود لقاعدة الميسور، وليس لها إلاّ عذوبة ألفاظها، أضف إلى ذلك ضعف مستندها.
ولأجل هذا استدلّ الشيخ الهمداني بالعرف لا بالروايات، قال: «وإذا
ــــــ[91]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
تعذّر عليه ذلك اللفظ، قام مرادفه مقامه بعد أن علم أنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، بشهادة العرف بعد أن علموا بأنّ مطلوبيّة هذا الكلام ليست من حيث مجرّد اللفظ، بل بلحاظ المعنى الحاصل به، كما فيما نحن فيه»(1).
وعلى العموم فإن القاعدة هي مدركهم في المقام كما قال الشيخ الهمداني «كيف كان فلا ينبغي الارتياب في أصل الحكم بعد اتّفاق كلمة الأصحاب عليه واعتضاده بما سمعت، بل الإنصاف عدم قصور للقاعدة عن شموله، وهي -بحسب الظاهر- عمدة مستند الأصحاب فيما اتّفقوا عليه، والله العالم»(2).
الأخرس
قال المحقق: «والاخرس ينطق بها على قدر الإمكان، فإن عجز أصلاً عقد قلبه بمعناها مع الإشارة»(3).
فإن للخُرْس مراتب، منها: عدم القدرة على النطق تماما. ومنها: القدرة بصعوبة ونحو ذلك. فينطق بها بقدر الإمكان، فإن عجز أصلاً كان أخرساً مطلقاً، وحينها يكون مكلف بأمرين، الأول: يعقد قلبه بمعناها، والثاني: يُشير بأصبعيه على ما سوف يأتي في بعض الروايات.
وببيان آخر: إن للخرس -من ناحية موضوع المسألة- ثلاثة مستويات:
ــــــ[92]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج11 ص443، ط مؤسسة آل البيت.
(2) المصدر السابق.
(3) شرائع الإسلام: ج1 ص95 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
المستوى الأول: [الخرس الجزئي]
أن يكون للفرد خرس جزئي، أي فيه ثقل في اللسان:
فإن صدق عرفاً على ما ينطق به هو تكبير فلا إشكال في وجوبه عليه، فيكون مشمولاً للإجماع والأخبار التي دلّت على ذلك.
وإن لم يصدق عرفاً على ما ينطق به هو تكبير فلا إشكال في عدم وجوبها عليه، لأنه قاصر عن الإتيان بالتكبير.
المستوى الثاني: [الخرس الكلي]
أن يكون للفرد خرس كلي، أي لا يصدر منه أي كلام لا مع الناس ولا في الصلاة.
والكلام كل الكلام هو في مستند المسألة:
قال في المستمسك: «والعمدة فيه خبر السكوني عن أبي عبد الله: (تلبية الأخرس وتشهده وقراءته للقرآن في الصلاة تحريك لسانه وإشارته بإصبعه)(1) بناءً على فهم عدم الخصوصية للموارد الثلاثة المذكورة فيه -كما هو غير بعيد- فيكون المراد: أن الأخرس يؤدي عباداته القولية بما يؤدي به مراداته ومقاصده من تحريك اللسان والإشارة بالإصبع»(2).
أما السند:
ــــــ[93]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص136 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 68، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
وصف السيد الحكيم الرواية بخبر السكوني، فالسكوني وإن لم يوثق لكنه بمنزلة الثقة وباقي رجال السند ثقات فالسند حينها يكون معتبر.
وأما الدلالة:
فالدلالة على المدعى واضح لا يحتاج إلى تقريب.
فالنتيجة: أن تكليف الأخرس هو عقد القلب وتكليفه بالنطق قبيح، لأنه عاجز وتكليف العاجز مستحيل.
الترتيب في كلمتي التكبير.
قال المحقق: «والترتيب فيها واجب، ولو عكس لم تنعقد الصلاة»(1).
قال الشيخ الهمداني: «(والترتيب فيها واجب) وكذا الموالاة، فـ(لو عكس) بأن قدّم لفظ «أكبر» على لفظ الجلالة أو فصل بينهما بلفظ أو زمان يغيّر الصورة (لم تنعقد الصلاة) لما عرفت من اعتبار حفظ صورتها المذكورة بلا خلاف فيه»(2).
والدال عليه:
أن لفظ «الله أكبر» لو لم يقع بين كلمتيه الترتيب انمحت صورة وهيئة التكبير مع أن من الواجب اعتبار حفظ صورتها المذكورة، ولا خلاف في ذلك كما صرّح في الجواهر.
ــــــ[94]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص95 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) مصباح الفقيه: ج11 ص448، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
مبحث القيام
ــــــ[95]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
ــــــ[96]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
مبحث القيام
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلهِ قَانِتِينَ(238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً(1)
الثالث من أفعال الصلاة – كتاباً وسنّة وإجماعاً-: القيام
[عرض قول صاحب المصباح في القيام]
قال الشيخ الهمداني: «أمّا الأوّل: فقوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً(2).
المفسّر في أخبار أهل البيت أنَّ الصحيح يصلّي قائماً، والمريض جالساً وعلى جنوبهم.
وأمّا السنة: ففي صحيحة زرارة المتقدّمة في المسألة السابقة: «وقم منتصّباً، فإنّ رسول الله’ قال: من لم يقم صلبه فلا صلاة له»(3).
ــــــ[97]ـــــــ
(1) البقرة: 238- 239.
(2) آل عمران: 191.
(3) الوسائل: ج5، ص488، ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
إلى غير ذلك من الأخبار التي ستمرّ بك إن شاء الله تعالى.
(وهو) في الجملة (ركنٌ) في كلّ ركعةٍ من ركعات الصلاة (مع القدرة، فمن أخلّ به) وتركه (عمداً أو سهواً بطلت صلاته) بلا خلاف فيه، بل إجماع العلماء، كما عن جماعة، نقله منهم المصنف في المعتبر، بل علماء الإسلام كما عن المنتهى، وظاهر النصوص والفتاوى، بل صريح بعضها أنّه من حيث هو معتبر في الصلاة، ومن جملة أفعالها، ولا ينافيه شرطيته لسائر الأفعال الواقعة حاله من التكبير والقراءة والركوع، الذي ستعرف اشتراط كونه عن قيام؛ إذ لا تنافي بين الجهتين.
بل ظاهر معاقد إجماعاتهم المحكيّة كصريح بعض كلماتهم: أنّ ركنيّته التي انعقدت إجماعهم عليها إنّما هي بهذه الملاحظة، أي: بلحاظ نفسه من حيث هو، لا من حيث شرطيته لركن آخر من تكبيرة الإحرام أو الركوع.
ولكن إقامة الدليل عليه مشكلٌ خصوصاً لو فُسّر الركن بما كانت زيادته كنقصه عمداً أو سهواً مبطلة، كما في جملة من كلماتهم، بل عن غير واحد نسبته إلى الأصحاب، فجعلوا اتّفاق كلمتهم على أنّه ركن دليلاً عليه بالمعنى المزبور، فاحتاجوا في الموارد الكثيرة التي علم عدم اختلال الصلاة بها بزيادة القيام فيها إلى التشبث بأدلّتها الخاصّة الدالّة عليها، وجعلوها مخصصة لما اقتضاء قاعدة الركنيّة، كما في زيادة الركوع في بعض الموارد.
وكيف كان، فقد استشكل جماعة من المتأخّرين منهم المحقّق الثاني، على ما حُكي عنهم إطلاق القول بركنية القيام: بأنّ الناسي القراءة وأبعاضها صلاته صحيحة مع فوات بعض القيام المستلزم لفوات المجموع، فعدلوا عن القول
ــــــ[98]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
بالإطلاق إلى ما حُكي عن الشهيد في بعض تحقيقاته من أنّه قال: إنّ القيام بالنسبة إلى الصلاة على أنحاء، فالقيام في النية شرط كالنية، والقيام في التكبير تابع له في الركنية، والقيام في القراءة واجب غير ركن، والقيام المتّصل بالركوع ركن، فلو ركع جالساً بطلت صلاته وإن كان ناسياً. والقيام من الركوع واجب غير ركن؛ إذ لو هوى من غير قيام وسجد ناسياً، لم تبطل صلاته، والقيام في القنوت تابع له في الاستحباب) انتهى.
وعن المحقّق الثاني الاستشكال في استحباب القيام حال القنوت: بأنّه قيام القنوت متّصل بقيام القراءة، فهو في الحقيقة قيام واحد، فكيف يتّصف بعضه بالوجوب وبعضه بالاستحباب؟!
وردّ: بأنّ مجرّد الاتّصال ليس بمانع عن ذلك بعد وجود خواص الندب فيه» انتهت عبارة المصباح(1).
[الجواب على ما أورده الهمداني]
وهذا يُجاب بعدّة أجوبة:
1- إنّ الإجماع بالنسبة إلينا إجماع منقول غير محصل، وهو ليس بحجّة.
2- إنّ الإجماع مدركي؛ لأنّه يقيناً أو احتمالاً معتمد على الروايات.
3- إنّ الإجماع دليل لبّي يقتصر فيه على القدر المتيقّن، إلاّ أنّ نعلم قيامه على المجموع كلّه، وهو منسدّ جزماً؛ لوجود المناقشات السابقة فيه، ولا أقلّ من الاحتمال المبطل للاستدلال.
ــــــ[99]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص 5- 6- 7، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
4- إنّ ما قاله الشهيد يحتاج إلى دليل مطلق على التبعية وهو مفقود.
5- إنّ القيام حال النيّة غير موجود إطلاقاً؛ لأنَّنا لا نقول بالنيّة اللفظيّة ولا الإخطاريّة، وإنّما هو الداعي المستمرّ خلال الصلاة كلّها.
وبتعبير آخر: إنّ القيام خلال النيّة هل هو قبل التكبيرة أم بعدها؟ وكلاهما لا يتمّ. أمّا قبلها فهو ليس جزءاً من الصلاة، فضلاً عن أن يكون ركناً. وأمّا بعدها فالنيّة غير مشروعة بحيث لو نوى لفظياً بطلت صلاته.
مضافاً إلى وقوع التكبيرة بدون نيّة.
مضافاً إلى تصريحهم بأنّه يأتي بعد التكبيرة القراءة، ولم يجعلوا قياماً خاصّاً بالنيّة.
6- إنّنا لم نفهم مقولة: (منتصباً) فإنّه لا صلاة لمن لم يقم صلبه ذلك، ولعلّ هذا هو دليلهم الرئيسي في التمسّك بإطلاقه للجزئية حتّى في صورة النسيان والسهو والجهل.
ولم يستدلوا بالآية على الركنية مع أنّها لو تمّت على أصل الوجوب لدلّت على الركنية بإطلاقها لصورة السهو، فإنّ الساهي وإن كان غير مكلّف إلاّ أنَّ أثره وهو وجوب التدارك، أو نقول: إنّ الوجوب الوضعي الإشتراطي يمكن أن يكون في ذمته، وإنّما يختصّ العدم بالتكليفي؛ لاستحالة أن يكون محركاً عندئذٍ.
7- إنّ نفس الفكرة يمكن تطبيقها بالنسبة إلى الجلوس لمن وظيفته الجلوس، بمعنى أنّه لو صلّى مضطجعاً سهواً بطلت صلاته، فهل نقول بركنية الجلوس بالنسبة إليه، ولم يُشرِ إلى ذلك أحد، الأمر الذي ينتج أنّ كلّ شيءٍ إذا نظرنا إلى ما
ــــــ[100]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
دونه كان ركناً، وكذا إلى ما فوقه لو نظرنا إلى الرواية التي تقول ببطلان قيام المريض.
[بحث لغوي في (القيام)]
قال الراغب: «قوم، يقال: يقوم قياماً فهو قائمٌ، وجمعه قيام. وأقامه غيره، وأقام بالمكان إقامة. والقيام على أضرب: قيام بالشخص، إمّا بالتسخير أو اختياراً، وقيام للشيء وهو المراعاة للشيء والحفظ له. وقيام هو على العزم على الشيء.
فمن القيام بالتسخير قوله تعالى: قَائِمٌ وَحَصِيدٌ(1)، وقوله: أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا(2).
ومن القيام الذي هو بالاختيار قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا(3)وقوله: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ(4)وقوله: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ(5)وقوله: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا(6).
والقيام في الآيتين جمع قائم.
ومن المراعاة للشيء قوله تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ(7) وقوله: ــــــ[101]ـــــــ
(1) هود: 100.
(2) الحشر: 5.
(3) الزمر: 9.
(4) آل عمران: 191.
(5) النساء: 34.
(6) الفرقان: 64.
(7) المائدة: 8.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
قَائِماً بِالْقِسْطِ(1) وقوله: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ(2).
ومن القيام الذي هو العزم قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ(3) وقوله: يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ(4) أي: يديمون فعلها ويحافظون عليها»(5).
فيكون الجواب على الاستدلال بالآية:
1- إنّ (حافظوا) طريقي، فالأمر شمله بوحدة السياق.
2- إنّ للقيام معاني أخرى، وخاصّة مع التعدّي باللام، فيكون بمنزلة المحافظة والالتزام، مثل قوله: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ(6) وأوضح مصاديقها هو الصلاة، يعني الالتزام بالصلاة لا القيام الفعلي بها.
ــــــ[102]ـــــــ
(1) آل عمران: 18.
(2) الرعد: 33.
(3) المائدة: 6.
(4) المائدة: 55.
(5) المفردات في غريب القرآن ص690 ط دار القلم، دمشق.
(6) الرعد: 33.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
[أحكام القيام]
[في وجوب القيام]
ولا حاجة الآن إلى أن نستدلّ على أصل وجوب القيام؛ لأنّه أوضح من أن يذكر، وقد سبق أن استدللنا بالسيرة والارتكازية.
كما لا حاجة إلى أن نستدلّ على الركنية؛ فإنّ منشأ انتزاعها مجرى للأصل المؤمن بلا شكّ ما لم يثبت.
أمّا ثبوته للكلّ فلا يكاد يكون محتملاً، ولا يوجد إجماع ولا إطلاق عليه.
فإن قلت: فإنّ ضمّ الإطلاق الأزماني إلى الأفرادي يقتضيه للساهي؟
قلنا: نعم، لو كان في مقام البيان من هذه الجهة. وليس كذلك.
نعم، يبقى حصتين منه قابلة للبحث:
إحداهما: القيام حال التكبير، وقد سبق أن بحثناه في التكبير، ولم نجد دليلاً على ركنيته.
نعم، كون ذلك هو الأحوط وجوباً فلا بأس.
ثانيهما: القيام قبل الركوع، وهذا ما أريد بحثه الآن، فإذا خلصنا إلى النتيجة وأنّه ليس بركن، إذن فليس شيء من القيام بركن، وإنّما هو واجب. وأمّا نقصانه سهواً فحمل العذر إلّا بالاحتياط الوجوبي. والكلام الآن في الفتوى، وهي متعذّرة.
ــــــ[103]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
[القيام قبل الركوع]
وما يمكن أن يُستدل به على ركنية القيام قبل الركوع أمور:
أوّلاً: الإجماع: وهو مدركي ولو احتمالاً. والظاهر أنّه هو الدليل الرئيسي عندهم هنا.
ثانياً: القاعدة التي ذكرها الشهيد الأوّل من حيث اتّصاف القيام بصفة ما يقع فيه، فيكون القيام قبل الركوع ركناً؛ لأنّه يقع فيه الركوع وهو ركن(1).
وهذا واضح المناقشة كبرى وصغرى.
أمّا كبرى: فللطعن بالقاعدة أساساً؛ فأنّها لا أساس لها في الشريعة. نعم، هي منسجمة حدساً، وهو ليس بحجّة.
وأمّا بحسب الدليل فالأصل المؤمن ضدّها، بل بعض الإطلاقات ضدّها أيضاً، كالقيام حال القنوت، فإنّه مخالف لإطلاق وجوب القيام.
وأمّا صغرى: فلأنّه ما المراد بما يقع فيه. هذا مما ينبغي أن يحفظ فيه القيام ليصدق أنّه يقع فيه كالقراءة خلال القيام. ومن المعلوم أنّ القيام لا يحفظ مع الركوع.
وبتعبير آخر: أنّ الركوع يكون بعد القيام، لا في القيام، وأنّ القيام ينتهي مع الركوع.
ولذا فسرّناه بالمنهج بأنّه ليس إلّا الركوع عن قيام، ولا دليل على ما هو أكثر من ذلك.
ــــــ[104]ـــــــ
(1) نقل عبارته المحقق الهمداني في المصباح الفقيه: ج12 ص7، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
ويصرّح المحقّقان الهمداني(1) والحكيم(2) أنّ منشأ القول بالركنية ليس إلّا الإجماع، وهي نتيجة غير محتملة عند الهمداني؛ لأنّ زيادة القيام ونقيصته قبل الركوع سهواً غير مبطلة للصلاة قطعاً.
فإن قلت: فإنّ ذلك غير متصوّر؛ لأنّه لا يكون قياماً قبل الركوع ما لم يركع عنه، فيتعيّن.
وأجاب الهمداني: «بأنّه لا دليل على اعتبار هذا الوصف قيداً في القيام الواجب في الصلاة؛ كي يعقل أن يكون دخيلاً في ركنيته -يعني في ركنية القيام-، بل الواجب نصّاً وفتوى هو القيام الواقع قبل الركوع حال القراءة والتكبير، واتّصاله بالركوع ليس شرطاً في صحّة القيام؛ إذ لا دليل عليه، بل هو شرط في صحّة الركوع؛ حيث اعتبر في كونه عن قيام. فليتأمّل (3).
أقول: بل هو ليس شرطاً حتّى بذلك. نعم، لو كان شرطاً للركن لكان بمنزلة الركن؛ لأنّه يلزم من عدمه عدم الركن. ولكن هذا أيضاً ممّا لا دليل عليه، بل المراد الركوع القيامي، لا أكثر، مع بطلان الركوع متقوساً.
فالثالث من وجوه الاستدلال على الركنية كونه شرطاً للركن، وليس كذلك، فلو قام متقوساً غفلة أو نسياناً أو جهلاً صحّت صلاته، بمعنى جريان أصالة
ــــــ[105]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص8، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 92، ط إحياء التراث العربي.
(3) مصباح الفقيه: ج12 ص9، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
البراءة عن مثل هذه الشرطية، واستصحاب الصحّة الاقتضائية للصلاة.
ونحن قلنا في المنهج بركنية القيام حال التكبير وقبل الركوع، إلاّ أنّه:
1- مجاراةً للمشهور والوضوح الفقهي، بحيث يحصل الاطمئنان به حدساً.
2- أنّه أوفق بالاحتياط، وإلاّ ففي نفسه مما لا دليل عليه.
ويؤيد ذلك: عدم تصوّر زيادة القيام الركني، وبه يصرّح السيّد اليزدي في العروة؛ إذ يقول: «إذا زاد القيام – كما لو قام في محلّ القعود سهواً- لا تبطل صلاته، وكذا إذا زاد القيام حال القراءة بأن زاد القراءة سهواً. وأمّا زيادة القيام الركني فغير متصوّرة من دون زيادة ركن آخر، فإنّ القيام حال تكبيرة الإحرام لا يزاد إلّا بزيادتها، وكذا القيام المتّصل بالركوع لا يزاد إلّا بزيادته»(1).
والسيّد في التعليقة يستبعد الزيادة حتّى للقيام الواجب غير الركن، يعني: حال القراءة، ويقول: «قد عرفت الإشكال في كون القيام للقراءة والتسبيح جزءاً أو شرطاً لهما -يعني: تكبيرة الإحرام والقراءة- فعلى تقدير الشرطية لا يتصوّر زيادته سهواً»(2).
وحاصل الفكرة: أنّه إنّما يتصوّر الزيادة مع المشروط لا بدونه، بخلاف ما لو اعتبرنا القيام جزءاً، فإنّ زيادته ممكنة، وذلك كتكرار القراءة سهواً.
وهو وجه وجيه، لكنه متوقّف على ثبوت الشرطية، ولم تثبت. وسنبحثها عمّا قليل.
ــــــ[106]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 99، ط إحياء التراث العربي.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 99 – 100، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
[تصور زيادة القيام بعد الركوع]
ثمّ قال: «نعم، تتصور زيادة القيام بعد الركوع بأن ينتصب بعد الركوع، ويهوي للسجود، فيسجد، ثمّ يتخيل أنّه لم ينتصب بعد ركوعه، فيقوم ثانياً بقصد الانتصاب بعد الركوع، فهذه زيادة سهوية»(1).
أقول: يمكن المناقشة فيه كبرى وصغرى.
أمّا كبرى؛ فلأنّ هذا القيام في علم الله ليس عن ركوع، وما كان هو الواجب هو كونه عن ركوع، فلا يقع واجباً. نعم، قصده، إلاّ أنّه قصد غير مطابق للواقع. فتأمّل. يراد به: أنّ القصد كافٍ للبطلان، ولو كان كلّ مخالف للواقع غير مبطل لشمل الواجبات الارتكازية.
وأمّا صغرى؛ فلأنّ الكلام في القيام السابق على الركوع لا اللاحق له، وإن كان هذا مصداقاً من القيام، على أية حال. إلاّ أنّه لم يقل أحد بركنيته؛ لتبطل الصلاة.
[الكلام في شرطية القيام حال القراءة والتسبيحات]
قال اليزدي: «هل القيام حال القراءة وحال التسبيحات الأربع شرط فيهما أو واجب حالهما؟ وجهان. الأحوط الأوّل، والأظهر الثاني»(2).
أقول: أمّا كونه واجباً فلا إشكال فيه، وإنّما الكلام في الشرطية. ويمكن أن يُقال: أنّه لا أثر لذلك أصلاً؛ لأنّ الشرطية على تقدير ثبوتها فإنّما هي ذكريّة وليست
ــــــ[107]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 96، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
واقعيّة؛ لإمكان إجراء الأصل عن الشرطية الواقعية.
نعم، لو التفت كان شرطاً، فتكون النسبة بين الواجب والشرط هي التساوي، ولا يكون له أثر.
ومن الغريب في المستمسك أنّه يقول: «والبناء عليهما -يعني: الجزئية والشرطية- بعيد جدّاً»(1).
أقول: مع أنّنا أشرنا أنّه لابدّ من أحدهما، ولا يحتمل ارتفاعهما معاً كما تشعر به عبارته، وإذا كان لابدّ من إحداهما فتتعين الجزئية، ويجري الأصل المؤمن في الشرطية؛ لأنّها مؤونة زائدة.
إلاّ أنّه في المستمسك يقول بالعكس، قال: «فإنّ صحيح زرارة (وقم منتصباً) ظاهر في إرادة الإلزام بالانتصاب، لا تشريع وجوب القيام بالصلاة، فليس له ظهور قوي في وجوب القيام مستقلاً. اللهم إلاّ أن يكون بملاحظة الارتكاز العرفي، كان القيام في نفسه من مظاهر العبودية، فوجوبه يكون بنفسه لا شرطاً لغيره، لكن في كفاية هذا المقدار في رفع اليد عن ظاهر الأدلة تأمّل ظاهر»(2).
أقول:
1- لو قبلنا عدم دلالة صحيحة زرارة على الجزئية، فهل تدلّ على الشرطية، وهي أبعد احتمالاً. فغايته أنّها تبقى مجملة، لو سلّمنا أصل الدلالة، بل هي للجزئية
ــــــ[108]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 96، ط إحياء التراث العربي.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 96، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
أقرب؛ لأنّها ليست في مقام بيان الشرطية لأي شيء، فإنّ الشرطية معنى إضافي، ولم يذكر فيها ما هو شرطاً له.
2- أنّه لو ضمّ الارتكاز العرفي أو المتشرعي بجزئية القيام كفى عن هذا الارتكاز الآخر الذي ذكره.
[استحباب القيام حال القنوت]
يبقى التعرّض إلى احتمال أن يكون القيام حال القنوت مستحبّاً، وهو بعيد فقهياً؛ إذ لا أثر في الكتاب والسنّة والإجماع والعقل للقاعدة التي ذكرها الشهيد ولكن يمكن أن يُستدلّ له بأحد أمرين:
الأوّل: أنّه لو جلس خلال القنوت عمداً، لأنّه لا يحتمل فيه الركنية صحّت صلاته، ولا أقلّ من استصحاب الصحّة الاقتضائية للصلاة. مع العلم أنّه لا دليل على بطلان صلاته بهذه الحركة؛ لأنّه لم يفت بها شرط ولا واجب.
نعم، يبقى شيء معتدٌّ به، وهو: أنّ هذه الحركة خلاف السيرة القطعية الصاعدة إلى زمن المعصومين قطعاً، وأنّه ليس واحداً من المسلمين يجلس خلال قنوته حتّى المعصومين أنفسهم، وإنّما هو مجرّد فرض فقهي. وهذا الالتزام وإن لم يدلّ على الوجوب (وليس فيه ارتكاز وجوب) إلاّ أنّه له سبب شديد وإلاّ لأمكن تخلفه مرّة أو مرّات.
الثاني: أنّه يجوز ترك القنوت بلا إشكال؛ لأنّه مستحب، وإذا تركه ترك القيام خلاله، وهذا جائز. لا بمعنى أنّه يجلس بل يركع. إذن يجوز ترك القنوت وترك القيام خلاله، وكلّ ما جاز تركه فهو ليس بواجب، ولا تأتي فيه السيرة السابقة.
ــــــ[109]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
وإذا ركّبنا بين الوجهين: الأوّل والثاني، أمكن القول: بأنّ القنوت مستحب، إلاّ أنّ القيام خلاله ليس بمستحبٍّ، كما ليس بواجب، وأنّ الفرد خلال القنوت مخيّر بين القيام والجلوس ولا دليل على استحباب القيام بعنوانه ولكننا أجبنا عن الوجه السابق على أيةٍ حال.
وأمّا هذا الوجه فغاية ما يُقال في مقابله: أنّه لو استمرّ قائماً بقنوت أو بدونه، فهو عرفاً جزء من قيام القراءة، وقيام القراءة واجب. إذن فهذا الجزء واجب.
فإن قلت: فإنّ القراءة انتهت، فلا يصدق قيام القراءة.
قلنا: لا أقلّ من استصحاب الوجوب؛ إذ يُقال: كان هذا القيام واجباً والآن كما كان. إلاّ أنَّ هذا إن تمّ في ما إذا لم يقنت لا يتمّ فيما إذا قنت؛ لأنَّ القيام حال القنوت مغايرٌ عرفاً للقيام حال القراءة، وإن كان نحو استمرار له، ومع المغايرة يرتفع موضوع الاستصحاب.
مضافاً إلى أنَّ هذا الاستصحاب لا يحتمل أنّه ينتج حرمة تركه، ولو كان واجباً كما هو مقتضى الاستصحاب لحرم تركه.
فغاية ما قلناه: إنّه لو بقي واقفاً لأمكن استصحاب الوجوب، وهذا لا ينافي ترك الوقوف متى أراد. وثبوت الوجوب في طول افتراض وجود العمل لا معنى له، وإنّما يثبت العمل في طول وجوبه.
وعليه، فلا مناص من نفي الوجوب. وله أمثلة أخرى في الصلاة.
فلو قلنا بعدم وجوب السورة كان القيام خلالها غير واجب، ولكنّه مستحبّ؛ لعدم احتمال جواز الجلوس عندئذٍ، بل يكون شرطاً للمستحبّ فيكون مستحبّاً.
ــــــ[110]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
ومثله جلوس التشهد في التسليم الثاني إذا قلنا باستحبابها بعد الإتيان بالأولى، بل كذلك وضع الركوع والسجود خلال الذكر المستحبّ، وبعد سقوط الذكر الواجب.
[كلام في القيام مستقلَّاً دون اعتماد]
قال المحقّق: «وإذا أمكنه القيام مستقلّاً وجب، وإلاّ وجب أن يعتمد على ما يتمكّن معه من القيام. وروي جواز الاعتماد على الحايط مع القدرة»(1).
قال الهمداني: «ولذا ذهب جماعة من المتأخرين وفاقاً لبعض القدماء كأبي الصلاح، على ما حُكي عنهم إلى القول بجوازه اختياراً على كراهية. والمراد بالاستقلال كما عن جماعة من الأصحاب التصريح به عدم الاستناد والاعتماد على شيء بحيث لو زال ذلك الشيء وهو غافل لسقط»(2) وهذا أمر مقول بالتشكيك.
[ادلة المشهور على القيام مستقلَّاً]
واستدلّ المشهور:
1- بانصراف أدلّة القيام إليه.
2- بل عن بعضهم دعوى أنّ الاستقلال بالمعنى المزبور مأخوذ في مفهوم القيام. فإنّ القائم لا بالاستقلال لا قائم حقيقة.
3- وبأنّه هو المعهود الواقع من فعل النبي’ والأئمة الذين أُمرنا بالتأسي
ــــــ[111]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص18، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
بهم خصوصاً في الصلاة التي ورد فيها: «صلّوا كما رأيتموني أصلي»(1) وتقدم مناقشته كبرى وصغرى.
4- وبأنّه هو الذي يحصل معه القطع بفراغ الذمّة عمّا اشتغلت به يقيناً. (بل تجري البراءة في المرتبة السابقة عليه).
5- مضافاً إلى دوران الأمر بين التعيين والتخيير، فيتعين التعيين عقلاً. هذا إذا وصلت النوبة إلى حكم العقل، ولم تصل لوجود أدلّة أسبق رتبة منه.
[اخبار المنع]
وروايات المنع عن الإتكاء من قبيل رواية عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله قال: «لا تمسك بخمرك وأنت تصلي، ولا تستند إلى جدار وأنت تصلي إلاّ أن تكون مريضاً»(2).
– ورواية عبد الله بن بكير، قال: «سألت أبا عبد الله عن الصلاة قاعداً أو متوكياً على عصا أو حائط؟ فقال: لا ما شأن أبيك وشأن هذا ما بلغ أبوك هذا بعد»(3).
ــــــ[112]ـــــــ
(1) الظاهر أنَّه عامّي نقله عن كنز العمال. (المؤلف).
لاحظ: سنن البيهقي: ج2، باب من سها فترك ركناً عاد، ص298.
سنن الدارقطني: ج1، باب الاجتهاد في القبلة، ص181، وج1، باب في ذكر الأمر بالأذان والإمامة، ص273.
(2) الوسائل: ج5، ص500، ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5، ص487، ح20، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
أو مفهوم الخبر المروي في المستدرك عن دعوات الراوندي: «فإن لم يتمكّن من القيام بنفسه اعتمد على حائط أو عكازة»(1).
أخبار الجواز
من قبيل:
رواية علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر عن الرجل هل يصلح له أن يستند إلى حائط المسجد وهو يصلي، أو يضع يده على الحائط وهو قائم من غير مرضٍ ولا علّة؟ فقال: «لا بأس»، وعن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الأولتين هل يصلح له أن يتناول جانب المسجد فينهض، يستعين به على القيام من غير ضعف ولا علّة؟ فقال: «لا بأس به»(2).
– رواية سعيد بن يسار قال: «سألت أبا عبد الله عن التكاءة في الصلاة على الحائط يميناً وشمالاً؟ فقال: لا بأس»(3).
– رواية عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله، قال: «سألته عن الرجل يصلي متوكياً على عصا أو على حائط، قال: لا بأس بالتوكأ على عصا والاتكاء على الحائط»(4).
ــــــ[113]ـــــــ
(1) مستدرك الوسائل: ج4، ص117 ط، جماعة مدرسين.
(2) الوسائل: ج5، ص500، ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5، ص500، ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج5، ص500، ح4، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
والجمع عن قوله: «لا تمسك بخمرك وأنت تصلي»(1).
بحث لغوي في (خمرك)
خمر: ستر. ومنه سميت خمراً؛ لأنّها تستر العقل، والخمار لأنّه يستر الرأس، قال تعالى: إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ(2)، وقال: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ(3).
نعم، حصل بعض التوسّع كما في التخمير والخمرة، وهي ما يضع الرجل عليه وجهه في السجود. والخمير: العجين المختمر، أخذ من صناعة الخمر آلة تستر العقل.
ودخل في خمار الناس أي: فيما يواريه ويستره منهم. وخمر وجهه –بالتثقيل- أي: غطاه وستره.
قال: والخمر بالتحريك: ما واراك من خزف أو جبل أو شجر(4).
ومنه قوله: «لا تمسك بخمرك وأنت تصلي»(5) أي: لا تستند إليه في صلاتك.
ومعه يستقيم معنى الاستناد، إلاّ أنه يرد إشكالان:
ــــــ[114]ـــــــ
(1) لاحظ: مستمسك العروة الوثقى: ج6، ص104 ط، دار إحياء التراث العربي.
(2) المائدة: 90.
(3) النور: 31.
(4) مصباح الفقيه: ج12 ص20، ط مؤسسة آل البيت.
(5) تقدم تخريجه.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
1. إضافته إلى كاف الخطاب، فإنَّه مّما لا يناسب، ولم يقل (جدارك).
2. أنّه قال: (تمسك) وهناك قال: (تستند) وهما متغايران.
3. أنّه على هذا التقدير يصبح المضمون متكرّراً، وهو بعيد.
[مناقشة في دلالة رواية ابن بكير(الاتكاء)]
وبالنسبة إلى رواية عبد الله بن بكير قال: «سألت أبا عبد الله عن الصلاة قاعداً أو متوكئاً على عصا أو حائط؟ فقال: لا، ما شأن أبيك وشأن هذا ما بلغ أبوك هذا بعد»(1).
فإن قوله (لا):
1- تصلح أن تكون ناهية عن المتعلّق، كما هو محلّ الاستدلال.
2- كما تصلح أن تكون ناهية عن السؤال، يعني: لا تسأل ما شأنك وهذا. فيكون تركاً للجواب، إلاّ أنَّه يبعده ذيل الجواب.
كما يمكن أن تكون نافية، وهذه يمكن أن نفهمها أنّها:
1- إخبارية في مقام النهي.
2- أنَّها نفي للحكم بلسان نفي الموضوع.
3- أنَّها تفيد نفي الجواز المسؤول عنه.
4- أنَّها تأكيد لما بعدها.
فلا تكون دالّة على حكم.
ــــــ[115]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص487 ح20، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
جوابه:
1- أنّ السياق تشريعي لا قصة.
2- أنَّها حتّى على هذا التقدير تكون دالّة على حكم، وأنّ السياق دالٌّ على أنَّه جواب على حكم.
بقي فهم السؤال؛ لأنَّ المطلوب فيه أحد أمور:
1- إجازة الكلّ.
2- إجازة البعض كيف كان.
3- بيان الترتّب والتدريجية في الجواز.
ومن هنا وجد ذكر الجلوس مع فهم السائل أنَّه يكون بعد التوكي، والجواب نفى الجميع، وهو يعني أنَّ أخفَّ تلك المراحل غير جائزة لأبيك، فضلاً عن غيرها.
وجوه الجمع [بين الاخبار]
الأوّل: ما نسبه الهمداني إلى المشهور: «وقد نُسب إلى المشهور حمل هذه الأخبار على الاستناد الغير تام»(1).
واعترض عليه: «بأنَّه يحتاج إلى شاهد»(2).
مضافاً إلى أنَّ بعض الألفاظ مشتركة، كوضع اليد على الحائط.
الثاني: الجواز في القيام، بمعنى: التحرّك نحوه والمنع في القيام الأصلي، إلاّ أنَّ
ــــــ[116]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص20، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص21، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
خلاف نصّ بعضها، من قبيل رواية علي بن جعفر «أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر عن الرجل هل يصلح له أن يستند إلى حائط المسجد وهو يصلّي، أو يضع يده على الحائط وهو قائم من غير مرض ولا علّة؟ فقال: لا بأس، وعن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الأوّلتين هل يصلح له أن يتناول جانب المسجد فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف ولا علّة؟ فقال: لا بأس به»(1).
الثالث: التفريق بين العذر ونحوه «إلاّ أن تكون مريضاً» إلاّ أنَّه ينافيه ما في رواية ابن جعفر: «من غير مرض ولا علّة»(2).
الرابع: التفصيل بين بعض العناوين وبعض، فالمنع من التوكي على عصا والجواز لوضع اليد على حائط، يدفعه اشتراك أكثر العناوين.
الخامس: الحمل على الكراهية، كما اختاره الهمداني(3).
السادس: في مطلق الاعتماد أو الاعتيادي إسقاط أخبار الاعتماد سنداً أو أي من الطائفتين.
جوابه: كلتاهما معتبرة، نظير:
– رواية عبد الله بن بكير قال: «سألت أبا عبد الله عن الصلاة قاعداً أو متوكئاً على عصا أو حائط؟ فقال: لا، ما شأن أبيك وشأن هذا ما بلغ أبوك
ــــــ[117]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص499 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) المصدر السابق.
(3) مصباح الفقيه: ج12 ص21، ط مؤسسة آل البيت حيث جاء فيه «فالنهي عنه حينئذٍ محمول على الكراهة».
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
هذا بعد»(1).
– رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله «قال: لا تمسك بخمرك(1) وأنت تصلّي، ولا تستند إلى جدار(وأنت تصلّي) إلاّ أن تكون مريضاً»(2).
السابع: إسقاطها لإعراض المشهور، و[عن] الهمداني أنَّه رماها بعضهم بالشذوذ(3)، وهو ممّا لم يُحرز تطبيقاً لأي من الطائفتين.
الثامن: موافقتها للتقييد، وهي خارجاً غير مُحرزة.
التاسع: التخصيص بخصوص العجز والمرض، كما يقول: «إلّا أنْ تكون مريضاً» فتكون النتيجة إلى جانب طائفة المنع؛ لأنَّه مع التخصيص تكون النتيجة مع المخصَّص.
إلاّ أنَّ هذا لا يتمّ:
[مناقشة (التخصيص بخصوص العجز والمرض]
1- لإباء سياق الجواز عن التخصيص، أمّا باعتبار انصرافه إلى صورة الإمكان والقدرة، وأمّا لأنَّ هذا القيد واضح عرفاً. فلما لم يذكر كان السياق دالاً على الجواز مطلقاً.
2- ينافيه قوله في رواية علي بن جعفر «أنّه سأل أخاه موسى بن
ــــــ[118]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص487 ح20، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص500 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مصباح الفقيه: ج12 ص21، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
جعفر عن الرجل هل يصلح له أن يستند إلى حائط المسجد وهو يصلّي، أو يضع يده على الحائط وهو قائم من غير مرض ولا علّة؟ فقال: «لا بأس، وعن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الأوّلتين هل يصلح له أن يتناول جانب المسجد فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف ولا علّة؟ فقال: لا بأس به»(1).
[الاستدلال على الجواز بطائفة أخرى]
ويمكن أن ندخل طائفة ثالثة في المقام، وهو قوله: «قُم منتصباً» للاستدلال على الجواز، فإنَّها كما يمكن أن يستدلّ بها على المنع -كما سبق أن ناقشناه- يمكن أن يستدلّ بإطلاقها على الجواز. فكيف تكون النسبة عندئذٍ.
أوّلاً: أن نعتبر الروايات الدالة على الجواز طائفة واحدة بما فيها المطلق والخاصّ، فتتساقط بالتعارض أو نصير إلى القول بالكراهة.
ثانياً: أن نخصّص المطلق بروايات المنع، فتصبح من روايات المنع، وتتساقط معها بالمعارضة مع روايات الجواز بما فيها الحمل على الكراهة. وهذا من انقلاب النسبة الممنوعة.
ثالثاً: أن نخصّص المطلق بطائفة الجواز، فتصبح النتيجة كالأولى. إلاّ أنَّه من التخصيص مع الاتّحاد في المضمون، أو في الكيف وهو السلب والإيجاب.
رابعاً: أن نقيّده بكِلا الطائفتين، فتكون النتيجة هي المنع مع الإمكان، إلاّ أنَّه ــــــ[119]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص499 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
يرد عليه ما سبق في النحو الثالث.
خامساً: أن نساقط الخاصّين، ونرجع إلى الإطلاق، وتكون النتيجة الجواز. إلاّ أنَّه هنا لا يتمّ؛ لأنَّ التساقط يفيد الكراهة، وهذا المطلق لا ينافيها.
هذا، ويمكن نفس الحمل باحتمالاته لو قلنا أنَّ هذا مطلق من ناحية المنع، كالانصراف.
نعم، لو قلنا بأنَّ مادّة القيام موضوعة لغة للقيام المستقلّ، دخل مباشرة في الطائفة الدالّة على المنع، ولم يبقَ على إطلاقه.
وعلى أيّة حال، فالكراهة أرجح مع القدرة على الاستقلال، إلاّ أنَّه يجب أن يراد بها الاعتماد الاعتيادي. أمّا إذا كان بحيث يسقط فلابدّ من الذهاب إلى الاحتياط الوجوبي بالترك؛ لشمول أخبار المنع له بلا إشكال، وعدم وضوح إخبار الجواز فيه؛ مع كون السيرة القطعية الكاملة على عدمه، بل الارتكاز أيضاً على المنع ولو احتياطاً.
نعم، مع الضرورة لا شكّ في الجواز. وروايات المنع مقيدة بالقرينة المتّصلة على ذلك «إلاّ أن تكون مريضاً» ولا يراد به مطلق المرض، بل المرض المانع من الوقوف الاستقلالي.
وهنا يأتي الكلام في لزوم الاقتصار على ما يرتفع به العجز إذا منعنا عن الاعتماد الزائد مع التمكّن من عدمه. وأمّا إذا قلنا بالكراهة فلا بأس من الزائد هنا. وعلى أيّة حال فينبغي أن نلتفت إلى أنّ اعتماد المريض اعتماد كامل غالباً، ومعه لا نتيجة عرفية في التفصيل.
ــــــ[120]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
[دوران الأمر بين الاعتماد والجلوس]
يبقى الكلام في دوران الأمر بين الاعتماد والجلوس، فإنَّ كلاهما نقص، وقد فضّل الفقهاء بالإجماع الوقوف معتمداً على الجلوس، في حين أنني أحسب أنَّ السيرة بخلافه، وأنَّ الفرد بمجرّد أن أحسَّ بالضعف جلس وصلّى. وفيه عصيان لتلك الفتوى، فبأيّهما نأخذ.
والذي يمكن أن يكون دليلاً على وجوب الوقوف معتمداً أمور:
من قبيل رواية علي بن يقطين عن أبي الحسن «قال: سألته عن السفينة لم يقدر صاحبها على القيام يصلّي فيها وهو جالس، يومئ أو يسجد؟ قال: يقوم وإن حنى ظهره»(1).
– رواية ابن أبي عمير عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد الله «قال: الصلاة في السفينة إيماء»(2).
ويعتبرها في المستمسك صحيحة(3).
واستدل [السيد الحكيم] بصحيحة ابن سنان(4) وهي بعيدة عن المطلوب. وعن دعوات الراوندي في المستدرك: «فإن لم يتمكّن من القيام بنفسه اعتمد على حائط أو
ــــــ[121]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص505 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص506 ح6، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 111، ط إحياء التراث العربي.
(4) الوسائل: ج5 ص500 ح2، ط مؤسسة آل البيت. مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص112، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
عكازة»(1) يعني: لم يأمر بالجلوس.
إلاّ أنَّه تعارضه عدّة روايات – كما يأتي-، ومقتضى القاعدة إيقاع التزاحم بين الشرطين، وتقديم الأهمّ في نظر الشارع، والسيرة تدلّ على أهمية الاستقدار والاستقلال بالجلوس.
مضافاً إلى الإجماع أو الشهرة العظيمة لا أقلّ، إلاّ أنَّه محتمل المدركية، مضافاً إلى أنّه معارض بالسيرة على الجلوس. فمن أين جاءت هذه السيرة إذا كان الإجماع على ذلك.
نعم، دوران الأمر بين التعيين والتخيير يعيّن التعيين بالوقوف معتمداً، يعني: الاعتماد الكامل؛ إذ لا يحتمل معه تعيّن الجلوس.
[الكلام في الاخبار المعارضة]
أمّا الأخبار المعارضة فعديدة، وكأنّه لم يرد في المريض وإنّما في السفينة، وجامعه عدم إمكان القيام المستقلّ، من قبيل رواية الحلبي -في حديث- أنّه: «سأل أبا عبد الله عن الصلاة في السفينة؟ فقال: إن أمكنه القيام فليصلّ قائماً، وإلاّ فليقعد ثمّ يصلّي»(2).
وكلّها لم تأمر بالاعتماد، ولو كان مقدّماً رتبة شرعاً لأمرت به.
وكذلك الباب السادس إلى حدّ قد يحصل وضوح في عدم الاعتماد. مضافاً إلى
ــــــ[122]ـــــــ
(1) مستدرك الوسائل: ج4، ص117 ط، جماعة مدرسين.
(2) الوسائل: ج5 ص504 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
أنَّه يذكر حدّ الجلوس، ولا يذكر حدّ الاعتماد. مما يدلّ على أنّه غير ممنوع؛ إذ لو كان ممنوعاً مع التمكّن تركه لكان اللازم بيانه.
إلاّ أنَّ إشكال الإطلاق فيه أوضح للطعن في كونه يريد بيان الوظيفة الفعليّة.
فإن قلت: فإنَّه لا مورد للاعتماد في السفينة، فيدور أمرها بين الصلاة قائماً والصلاة جالساً. وأمّا المرض فالاعتماد فيه معقول. فلا يصحّ التجريد عن الخصوصيّة من السفينة إلى المرض.
قلنا: كلا، بل الاعتماد في السفينة وارد وممكن، وينجي غالباً من السقوط. فالتجريد صحّ.
فإن قلت: فإنّ هنا فرقاً آخر بين السفينة والمرض؛ وذلك أنَّه في السفينة دخل باختياره وأوجد موضوع جواز الجلوس باختياره، بخلافه في المرض.
قلنا:
أولاً: مقتضى القاعدة: لا يجب حفظ الموضوع ولا رفعه كالإتمام والإفطار. فكذلك الجلوس، والمفروض أنَّه يصلّي في محلّ لا يصل معه الى اليابسة، وإن كان الإطلاق متحقّق حتّى من هذه الناحية في بعضها.
ثانياً: إنّ المرض يكون أولى بالصحّة من السفينة؛ لأنّه وجود غير اختياري، وقد علّق الجلوس في الاختياري فيكون في غيره أولى.
فإن قلت: فإنّه ليس في مقام البيان من هذه الناحية، يعني: من ناحية ترك الاعتماد، أو أنَّه إطلاق يمكن تقييده؛ لأنَّ القيام أعمّ من الاعتماد وعدمه، فيقيد بالاعتماد مع العجز عن الاستقلال.
ــــــ[123]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
قلنا: أنّه في مقام بيان الوظيفة الفعليّة، وهو دالّ باللازم البيّن على جواز عدم الاعتماد أو تركه؛ إذ لو كان ذلك واجباً كان الإمام مقصّراً في بيان الوظيفة الفعليّة.
[في تعيّن القيام مع الاعتماد لركنية القيام]
ومّما يمكن الاستدلال به على تعيّن القيام مع الاعتماد (ركنية القيام)، فإنّ بعضه ركن، فإذا فات كلّه فات بعضه، الذي هو ركن، فتبطل الصلاة.
جوابه: مضافاً إلى أنّنا لم يتمّ الدليل عندنا على الركنية في كِلا الموردين (التكبير والركوع) فإن تركه كذلك عمدي وليس سهوي، فيكون مبطلاً سواء كان ركناً أم لا.
مضافاً إلى أنَّه لو دلّ الدليل على جواز الجلوس فهو بنفسه دليل على إلغاء تلك الركنية، وتتحوّل الركنية إلى الجلوس في مقابل الاضطجاع -كما سمعنا فيما سبق-.
مضافاً إلى الشكّ في كونه في تلك الحال ركناً، وهو الحال الذي يضطرّ فيه إلى الاعتماد، ولا إطلاق فيه، فيجري فيه الأصل المؤمّن عن الركنية.
[الكلام في قاعدة (لا تُعاد)]
وقد استدلّ الهمداني(1) في ما يقرب من هذا الفرع بقاعدة (لا تُعاد) لأنَّ هذا ليس منها. وهو إنّما يكون تامّاً مع فرض الالتفات إلى الحكم بعد الصلاة؛ لينطبق عنوان الإعادة المنفي، إلاّ أنَّ المفروض أنّ المصلي يفكّر في تكليفه خلال الصلاة، فلا يكون هناك مورد لـ(لا تعاد)؛ لأنّه كان منتبهاً حين صلاته، ولا إطلاق لها إلى مثل هذه الصورة.
ــــــ[124]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص23، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
نعم، لو أتى بالجلوس غفلة أو باعتقاد الصحّة أو برجاء المطلوبية، وانتهت صلاته، جرت (لا تعاد) على القاعدة.
[مناقشة المحقق في إمكان القيام في بعض الصلاة]
ثمّ قال المحقّق: «ولو قدر على القيام في بعض الصلاة، وجب أن يقوم بقدر مكنته»(1).
نتحدّث: أوّلاً: عن اعتبار الاعتماد، بأن يُقال بالمنع عنه، فإن اضطر إليه اعتمد، وإن لم يضطرّ تركه، وهكذا عدّة مرّات.
أمّا لو قلنا بالجواز مطلقاً أو بالجواز مع ضرورة بسيطة أو حاجة بسيطة، فلو تحسّن حاله من ضرورة شديدة إلى ضرورة بسيطة جاز الاستمرار بالاعتماد.
وأمّا أصل المسألة، فالمفروض أنّه جلس ثمّ وجد نشاطاً فقام، فقد يعلم أنّه يقوم معتمداً، فإن قدّمناه، وإلاّ جاز أن يبقى جالساً.
وبغضّ النظر عن الاعتماد، يعني تقول: يدور الأمر بين القيام والجلوس. فإذا أحسّ بنشاط قام، فإذا أحسّ بالمرض جلس، وهكذا ولو لعدّة مرّات.
فهذا في نفسه لا يحتاج إلى دليل أكثر من مطلقات نفس القيام والجلوس؛ لأنّ موضوع القيام هو النشاط، وموضوع الجلوس هو العجز عن القيام. ففي أي لحظة تحقّق موضوع أحدهما وجب، ولو كان متلبّساً بالآخر. فلو كان قائماً قعد، وإن كان قاعداً قام.
ــــــ[125]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
وهذا هو مضمون الدليل الرئيسي الذي يستدلّ به الهمداني، لكنه ذكر أنّه موقوف على ملاحظة أجزاء القيام وحصصه، وإنّ القيام ليس قياماً واحداً يجب دفعة واحدة ويسقط دفعة واحدة. فلو تمكّن من جزءٍ أتى به، وإن عجز عن جزء تركه.
قال: «فأبعاض القيام حالها حال سائر أجزاء الصلاة وشرائطها، التي يفهم عدم سقوطها بسقوط جزء آخر، أو شرط آخر، مّما دلّ على أنّ الصلاة لا تسقط بحال»(1).
ولكنّه كأنّه في نفسه شيء من النظر التحصيصي للقيام، مع أنّه عرفي ومتشرعي، ويكفي أن يلتفت المتشرع إلى ما يكون فيه من تكبير وقنوت وقراءة وغيرها؛ ليدرك كونه جزءاً وليس واحداً حقيقة.
وهذا يكفي بما جعله مؤيّداً، مثل ما دلّ على وجوبه حال التكبير، واشتراط التكبير به، وكذا القراءة، وكذا قبل الركوع وبعده. فإنّ لكلّ منها دليل خاصّ يدلُّ على اعتباره من حيث هو جزءاً أو شرطاً.
أقول: يمكن منعه أو أكثره؛ ولذا أمر بالتأمّل، وجعله مؤيداً فقط. ولم يذكر مبرراً لتبعيض القيام غير ذلك، فلو أسقطنا هذا الاستظهار بقي دليله بدون صغرى. إلاّ أنّنا ذكرنا أنّ الأمر لا يتوقّف على ذلك، بل الفهم العرفي والمتشرعي على التبعيض وإن لم تكن هذه الأدلّة.
ــــــ[126]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص27، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
[مناقشة أدلة الهمداني]
وقد استدلّ [ الشيخ الهمداني(1)] بأدلّة أخرى:
منها: عدم الخلاف.
والنبوي المرسل: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»(2).
والعلويان المرسلان: «الميسور لا يسقط بالمعسور»(3) و«ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه»(4).
وكلها غير تامّة سنداً ولا دلالة:
1- لتردّدها بين الجزء والجزئي.
2- لعمومها للمستحبات، فيلزم تخصيص الأكثر.
3- ملاحظة القيام واحداً غير مجزئ، فيجب الباقي عند تعذّر البعض. وهي نظرة مخالفة لارتكاز المتشرعة.
[مناقشة الاستدلال بصحيحة جميل(5) «إذا قوِيَ فلْيقمْ»]
قال: «واستدلّ أيضاً للمطلوب بظهور قوله في صحيحة جميل: «إذا قوي
ــــــ[127]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص27، ط مؤسسة آل البيت.
(2) صحيح مسلم: ج2: 975 / 412، سنن البيهقي: ج4: 326.
(3) لاحظ: عوائد الأيّام: 261.
(4) لاحظ: غوالي اللآلئ: ج4، ص58 و205.
(5) جميل بن دراج.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
فليقم» في وجوب القيام عليه في وقت قوته، وهو عين ما في المتن.
وفيه تأمّل، فإنّ الصحيحة بظاهرها مسوقة لبيان الحدّ الذي يجب معه الصلاة قائماً….. فيشكل التمسّك بإطلاقها لما نحن فيه؛ لورودها مورد حكم آخر. فليتأمّل»(1).
والتأمّل واضح بعد الالتفات إلى ما كان ذكره من تحليل القيام إلى أجزاء، فيكون كلّ جزءٍ منوطاً بقوله: «إذا قوي فليقم». وليس هذا حكماً آخر، بل هو هو، بل أنّ ما قلناه في الدليل الرئيسي الأوّل من التمسّك بإطلاقات القيام يرجع إليه.
نعم، لو كان القيام واحداً لكان نظرها إليه، فيكون المراد بيان أصل حكم هذا القيام الواحد، وليس في مقام البيان من حيث العجز عن بعضه. إلاّ أنّ فكرة القيام الواحد قد نفاها ونفيناها، فإذا تحلل القيام كان كلّ جزء منوطاً بالقوّة، وهي الإمكان وعدم العجز.
ولكن يمكن الخدشة فيه: من حيث أنّه ليس زائداً على المطلقات، وأمّا تقييده بعدم العجز فهو موجود عقلاً وفي الارتكاز المتشرعي، ولا يحتمل أن يصبر المصلّي على كلّ الشدائد من أجل القيام، فيكون هذا التقييد في الرواية إرشاداً إلى ذلك.
[فيما يُقدّم في القيام مع التعذر عن بعضه]
ثُمَّ قال في المصباح: «وكيف كان، فلو قدر على القيام زماناً لا يسع القراءة والركوع قدّم القراءة، وجلس في الركوع. كما صرّح به في الجواهر وغيره، فإنّ العجز
ــــــ[128]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص28، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الذي هو شرط جواز القعود لم يتحقّق بعد، فإذا انتهى إلى الركوع صار عاجزاً، واندرج في الموضوع الذي شُرع له الصلاة قاعداً، خلافاً للمحكي عن المبسوط والنهاية والسرائر والمهذب والوسيلة والجامع(1). فقدّموا الركوع إلى القراءة في ذلك، بل نسبه في الأوّل إلى رواية أصحابنا.
وأورد عليه في الجواهر، بأنّه مخالف لمقتضى الترتيب، والرواية لم تصل إلينا، والتحليل بأنّه أهمّ؛ لأنّه ركنٌ، مع أنّه اعتبار لا يصلح أن يكون مدركاً لحكم شرعي»(2).
إلى أن قال: «وكيف كان فقد يجاب عمّا أورده في الجواهر من مخالفته لمقتضى الترتيب: بأنّ الترتيب بين الأجزاء إنّما هو في وجودها، لا في وجوبها؛ إذ لا ترتيب في وجوبها، بل هو في ضمن وجوب الكلّ، يتحقّق قبل الشروع.
فعند كلّ جزء يكون هو وما بعده سواء في صفة الوجوب، والمفروض ثبوت العجز عن أحدهما لا بعينه، فيتّصف المقدور وهو الواحد على البدل بصفة الوجوب، ومقتضاه التخيير إن يكن ترجيح، وإلاّ يتعين الراجح»(3).
[مناقشة ترجيح القيام للركوع]
والترجيح هنا في جانب القيام للركوع لإدراك الركوع القيامي والقيام المتصل بالركوع.
ــــــ[129]ـــــــ
(1) الظاهر يقصد جامع المقاصد (المؤلف).
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص28 – 29 ط مؤسسة آل البيت.
(3) مصباح الفقيه: ج12 ص29 – 30 ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
ونوقش فيه: بأنَّ الجزء الثاني إنّما يجب إتيانه قائماً بعد إتيان الواجبات المتقدّمة عليه، التي منها القيام. والفرض أنّ إتيانه قائماً كذلك غير ممكن، فلا يقع التكليف به، فيتعلّق الوجوب، وإن لم يكن فيه ترتّب، كنفس الأجزاء، إلاّ أنّه إنّما يتعلّق بكلّ شيءٍ مقدور في محلّه.
وهذه قاعدة مطّردة في كلّ فعلين لوحظ بينهما الترتيب شرعاً، ثمّ تعلّق العجز بأحدهما على البدل. كما فيمن نذر الحج ماشياً فعجز عن بعض الطريق، وكما فيمن عجز عن تغسيل الميت الأغسال الثلاثة، فإنّه يجب في الموضعين وأمثالهما الإتيان بالمقدور على حسب الترتيب الملحوظ فيهما عند القدرة على المجموع.
وبتعبير آخر:
أوّلاً: إنّ القدرة على شيئين على نحو البدل إنّما تصدق في المتعاصرين زماناً، كالتصدّق بدرهمين دفعة. وأمّا في المتدرجين زماناً فهي لأن صدقت عقلاً، فهي لا تصدّق عرفاً؛ لأنَّ العجز ينحصر في ثانيهما مع القدرة على أولاهما، فيتعيّن ذلك.
نعم، لو تنزّلنا عن ذلك، كان تقديم الأهمّ وجيهاً.
ثانياً: إنّ معنى تقديم الأهمّ المتأخّر أن يجلس خلال القراءة مع إمكانه القيام لحفظ القدرة على القيام قبل الركوع، وهذا فيه إشكالان:
1- أنّه جلس في مورد القدرة على القيام فتبطل قراءته.
2- أنّ حفظ الموضوع غير واجب.
ثالثاً: إنّنا لو أخذ القيام كجزء واحد، لكان وجهاً، إلاّ أنّ كلامهم على تحليل القيام إلى أجزاء، فإذا تمّ ذلك كان كلّ جزء متقدّم وجوداً ووجوباً، ولا معنى
ــــــ[130]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
لوجوب الجزء المتأخّر حال القيام بالجزء المتقدّم أو قبله، فإنّ المتأخّر إنّما يجب بعد الانتهاء من المتقدّم، فالسورة إنّما تجب بعد تمام الفاتحة. وهذا لا يفرق بين ما هو ركن وغيره. إذن الركن وإن كان أهمّ إلاّ أنَّ وجوبه لم يكن موجوداً خلال القيام بالجزء السابق لتجب حفظ القدرة له، أو قل: إنّه لم يكن وجوبه منجزاً، ولا يجب حفظ موضوعه إلى حين تنجّزه.
مضافاً إلى الجواب الثاني الذي ذكره الشيخ الهمداني: «إنّ المستفاد من قوله في صحيحة جميل المتقدّمة: (إذا قوي فليقم) ونحوه: إنّ وجوب القيام في كلّ جزء وعدمه يتبع قدرة المكلّف عليه وعجزه عنه في زمان ذلك الجزء»(1).
وما ذكره في وجه التخيير أو الترجيح إنّما يستقيم إذا كان تقييد الواجبين المترتّبين في الوجود دون الوجوب بمجرّد اقتضاء العقل الحاكم بكفاية مطلق القدرة في تنجّز التكليف بإيجاد الواجب الثاني في وقته، كما في الحجّ ونظائره، لا في مثل المقام، مّما ورد دليل لفظي دالّ على اشتراط وجوبه بالقدرة عليه عند حضور زمانه المستلزم لانتفاء شرط الوجوب فيما أعجز عنه(2).
أقول: ولكن قدر أشرنا آنفاً إلى أنَّ استفادة وجوب أبعاض القيام وقت قوته عليه من إطلاق الرواية لا يخلو من تأمّل.
وهذا مع صحّة الفكرة الأساسية فيه، وهي: عدم وجوب حفظ القدرة. إلاّ
ــــــ[131]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص30، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص31، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
أنّه قابل للمناقشة من أكثر من جهة:
1- أنّ الاستفادة من الرواية فرع تحليل القيام إلى حصص، فيتعيّن هذا الفهم. وهذا هو الذي مال إليه وقرّبناه أيضاً، وإنّما تتعذّر الاستفادة لو تعذّر التحليل.
نعم، بالرغم من التحليل يُرجّح أنّ المراد بالرواية أصل القيام أو أصل تشريع القيام بدون الإشارة إلى التفاصيل أو بدون أن يكون في محلّ البيان فيها. إلاّ أنّه بلا موجب؛ لأنّ حصص القيام نفهمها من مادّة القيام، والمفروض وجود الفهم المتشرعي لها، ومتسالم عليه بين المتكلّم والسامع.
2- أنّه يمكن المناقشة في القاعدة التي ذكرها حين قال: «بمجرّد اقتضاء العقل الحاكم بكافية مطلق القدرة في تنجّز التكليف بإيجاد الواجب الثاني في وقته كالحجّ ونحوه»(1).
المنتج لوجوب حفظ القدرة للواجب الثاني.
أقول: هذا مطعون كبرى وصغرى ما لم يرد دليلٌ عليه بعنوانه التفصيلي، ككراهة الصوم لمن يضعفه عن الدعاء، وهو استحبابي، وغير موجود في الواجبات.
أمّا صغرى، فلأنّ العقل لا يدرك أهمّية شيء على شيء، وإنّما هو مُدرك شرعي وليس عقلياً.
وأمّا كبرى، فلعدم وجود قاعدة في حفظ القدرة للواجب الثاني حتّى لو كان السابق مستحبّاً كالصوم المستحب المانع عن الصوم الواجب المتأخّر عنه، فإنّه لا
ــــــ[132]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص31، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
إشكال فيه. ولا يوجد في الحجّ ولا في غيره شيء من هذا القبيل.
وممّا ينبغي الالتفات إليه أنّنا قلنا طبقاً للمشهور: بأنّه إذا أحسّ بالضعف جلس، وإذا أحس بالقوة قام. ولكن من كان هذا حاله فإنَّ نفس القيام أو النهوض عليه صعب ومتعسّر، واستمرار القيام أسهل عليه من النهوض والجلوس المتكرّر، فيعمل بمقدار إمكانه.
كما أنّه تحصّل أنّ الجلوس خفيف المؤونة شرعاً، ولا تدلّ الروايات على خلافه، وأنّ المشهور إلى عدم جواز الجلوس إلاّ بعد تعذّر القيام بكلّ صورة معتمداً أو منحنياً أو مضطرباً أو فاتحاً رجليه جدّاً ونحو ذلك. ليس الأمر كذلك، كما سمعنا من الروايات المعتبرة الواضحة.
ويبقى ذلك موافقاً مع الاحتياط الاستحبابي، وكلّما كان الوضع أسهل للمصلّي كان أوفق بالاحتياط.
[الصلاة قاعدا مع تعذر القيام]
ثُمَّ قال المحقّق: «(وإلاّ صلى قاعداً)(1) ولم تصل النوبة إلى الاستلقاء والاضطجاع إلاّ بعد تعذّر القعود، [والاستدلال عليها] من الكتاب وَقُعُودًا(2)(3) والإجماع
ــــــ[133]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) آل عمران: 191.
( ) المغايرة بين جلس وقعد. فقعد يعني عن العمل كقوله تعالى: فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (التوبة: 83) وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ (النور: 60) فلا يتم الاستدلال بالآية.
قلنا: الآية قرينة سياقية على إرادة ذلك، فإنّه حصّة من القعود بذلك المعنى؛ لأنّ القاعد أو الجالس لا يستطيع أن يعمل كالقائم أو الماشي:
1- تشمل المستحبات، فنفهم جامع الطلب، أو يلزم التحصيص بالأكثر من حيث الحصص.
2- لا نفهم الحكم الوضعي جزماً.
وبها نردّ على الإطلاق المدّعى إلى قيام الصلاة وقعود الصلاة.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
والعقل. مع مناقشته صغرى وكبرى.
والروايات في ذلك كثيرة، منها: «رواية أبي حمزة عن أبي جعفر في قول الله عزّ وجلّ: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ قال: الصحيح يصلّي قائماً، وقعوداً: المريض يصلّي جالساً، وعلى جنوبهم الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلّي جالساً»(1).
وإطلاقها شامل، وتنزيلها عامّ للمتمكّن والعاجز، إلاّ أنّه لم يعمل به المشهور، بل هو من القطعيات.
وإطلاق الأخيرة شامل لهما، فيشمل المريض لكنّه لا يضعف؛ لأنّه كذلك بالعنوان الأوّلي.
[حدّ جواز القيام]
قال المحقّق: «وقيل حدّ ذلك -جواز القيام- أن لا يتمكّن من المشي بقدر زمان صلاته. والأول أظهر»(2).
ــــــ[134]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص481 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
وهو أصل القدرة، وهذه الفتوى منقولة عن الشيخ المفيد كما في المصباح(1).
وهذا النحو من التحديد طبعاً قائم على العجز العرفي لا العجز العقلي.
فلو قدر على المشي عقلاً لا عرفاً جلس، وهذا واضح والتفت إليه الشيخ الهمداني أيضاً.
إلاّ أنّ الإشكال في مقدار مدة المشي هل هي على طول صلاته أو على طول قيامه؟ ظاهر الخبر وظاهر الفتوى وظاهر المحقّق هو الأوّل. ولكن يمكن تأويله بمناسبات الحكم والموضوع على الثاني، باعتبار أنّ القيام هو حال المشي لا الركوع والسجود.
ومن هنا لا يردّ عليه استبعاد الفتوى في نظر الهمداني باعتبار أن مثل هذا الرجل يكون نشيطاً حقيقة فكيف يجوز له الجلوس؛ لأنّه يُقال: إنّه لا يستطيع المشي طول زمان صلاته ولكن يستطيعه في مقدار قيامه، فيجب عليه القيام.
وعلى الفتوى الأخرى: يجب عليه الجلوس بالرغم من نشاطه هذا، وهو بعيد. لكن الاستبعاد لا يكفي إذا تمّ الدليل عليه سنداً ودلالة.
إلاّ أنّ الذي يهون الخطب أنّها غير تامّة سنداً، فإنّها عن سليمان بن حفص المروزي(2) وهو لم يوثق، بل لم يمدح، إلاّ أنّه من رجال كامل الزيارات، كما في
ــــــ[135]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص40، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص495 ح4، ط مؤسسة آل البيت. «المريض إنّما يصلّي قاعداً إذا صار أن يمشي بالحال التي لا يقدر فيها على أن يمشي مقدار صلاته إلى أن يفرغ قائماً».
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
المعجم. وهو لا يكفي عندنا وعند المشهور في توثيقه.
ولعل الشيخ المفيد يرى اعتبار السند باعتبار عمله بالحسنة، إلاّ أنّه غير ممدوح، ولعلّه كان ممدوحاً في حينه، فهل نفهم من عمل المفيد ذلك باللازم؟
1- لعلّه يعمل بغير الممدوح.
2- نحن لا نقول حتى بحجّيّة الممدوح، إلاّ أن يكون مدحه ملازماً للوثاقة.
وأمّا دلالة، فقد حملها الشيخ الهمداني على أنّ المراد بها الحال الغالب( ) وليس المراد بها ضابطة تعبدية يدور مدارها الحكم نفياً وإثباتاً، كي ينافي الأدلة المتقدّمة، يعني الروايات التي دلّت على مضمون: (هو أبصر بنفسه).
أقول: لو تمّت سنداً -كما هو المفروض في النقاش الدلالي- لم يكن هذا الإشكال وارداً؛ لأنّ ظاهر كلام الإمام هو التعبد، وضرب القاعدة، وليس الحديث خارج الشريعة، وإلاّ أمكن حمل كثير من الروايات على الغالب، كقوله: «الميسور لا يسقط بالمعسور» و«لا ضرر ولا ضرار» وغيرهما، وهو مّما لا يرضاه المشهور.
وإذا تمّ كونها قاعدية تعبدية لا تكون معارضة لتلك الأخبار، بل تكون مبيّنة للحدّ التفصيلي الذي أجملته تلك الروايات، فتكون حاكمة عليها. فلو كان يشعر بالعجز من باب التكاسل، ولكنّه يستطيع المشي بمقدار الصلاة، وجب عليه القيام ولو بصعوبة.
ــــــ[136]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص41، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
نعم، القدرة على المشي قدرة عرفية لا محالة، لا عقلية، وبها نفهم مادّة (يقدر) الواردة في الرواية، فإذا كان عاجزاً عن هذا المقدار من المشي جلس.
نعم، لو أمكن حملها على القدرة على المشي بمقدار قيامه بغض النظر عن زمان ركوعه وسجوده، لكان ألطف، ولكان أضيق دائرة؛ لأنّ من يستطيع أن يمشي هذا المقدار يجب عليه القيام وإن لم يستطع أن يمشي طول صلاته، وهو أوفق بالاحتياط أيضاً.
إلاّ أن القرينة المتّصلة فيها على طول الصلاة؛ لأنّه يقول: «إلى أن يفرغ» وواضح أنّ المراد الفراغ من الصلاة لا الفراغ من القيام.
إلاّ أنّ قوله: «قائماً» في آخر الرواية، قد يجعل قرينة على ذلك بعد استبعاد رجوعها الى المشي؛ لأنّ المشي لا يكون إلاّ قائماً. وأمّا المشي جلوساً فهو ليس مشياً حقيقة، كما هو ليس مراداً قطعاً، فتقييده بالقائم غريب.
إلاّ أنّ ظاهر العبارة هو ذلك، ولعلّه من النقل بالمعنى، أو أنّ فيه نقص في العبارة بتقدير: فيجب أن يصلي قائماً.
[مناقشة دليل الهمداني حول تعيّن القيام أو الجلوس أو المشي]
وقال الشيخ الهمداني(1): «واسُتدل للقول المزبور -وهو تعين القيام أو تعيّن الجلوس أو التمكّن من المشي خلال الصلاة، وعبارته مجملة من هذه الناحية- أيضاً
ــــــ[137]ـــــــ
(1) ذكره الشيخ الهمداني في مورد تعيّن الجلوس، وفهم منه تعيّن القيام، كما يظهر من الجواب عليه (المؤلف).
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
بأنَّه مع المشي يتحقّق القيام، وينتفي الاستقرار، وينعكس الأمر في الجلوس، ودرك الأصل أولى من درك الوصف. يعني: حينما يدور أمره بين القيام بدون استقرار أو الجلوس باستقرار يتعيّن الثاني»(1).
أقول: النتيجة صحيحة في غير هذا الدليل، فإنّ القائم بغير استقرار عاجز عن القيام عرفاً، وكلّ عاجز عنه تجوز له الصلاة عن جلوس، كما سمعنا من الأخبار.
إلاّ أنَّ هذا الدليل ليس بصحيح؛ لأكثر من وجه:
أوّلاً: أنّ إدخال مفهوم المشي في الدليل بلا موجب؛ إذ يكون ظاهره أنّه يدور الأمر بين الصلاة قائماً ماشياً وبين الصلاة جالساً، وعند المشي ينعدم الاستقرار، وعند الجلوس يوجد الاستقرار، فيكون أولى. إلاّ أنّ الكلام ليس في ذلك أكيداً، ولو كان في ذلك لتقدّم الجلوس على المشي جزماً، كما لو دار أمره بين المشي والجلوس مع عجزه عن الانتصاب، تقدّم الجلوس جزماً وصحّ الدليل من هذه الجهة إلاّ أن يراد الاستدلال به على القيام، فيبطل، ولا يكون محتملاً.
[كلام في الأصل والوصف]
ثانياً: أنّ الكبرى التي بيّنها مجملة، وهي قول الهمداني: «ودرك الأصل أولى من درك الوصف»(2) فما المراد بالأصل والوصف؟
عادة يُقال: إنّ الوصف هو الاستقرار والأصل هو القيام. فإذا كان الأصل
ــــــ[138]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص42، ط مؤسسة آل البيت.
(2) المصدر السابق.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
مقدّماً كان القيام مقدّماً على الاستقرار، فيكون دليلاً على العكس، يعني: تقدّم القيام غير المستقرّ على الجلوس المستقرّ.
نعم، لو أُريد من الأصل الأعمّ من القيام والجلوس ومن الوصف الأعمّ من الاستقرار والثبات، أمكن الزعم بأنّ درك الأصل بالجلوس أولى من عدم الاستقرار بالقيام. إلاّ أنّه مع ذلك لا يتمّ؛ لأنّ الأصل أصبح هو الأعمّ من القيام والجلوس، فيكون دركه بدرك أفضل الفردين وهو القيام. وإذا تنزّلنا عن وجوب درك الوصف الذي هو الأعمّ من الاستقرار وعدمه -على الفرض- يعني: قلنا بجواز عدم الاستقرار.
إذن: بعد ضمّ المقدّمتين يتعيّن القيام بدون استقرار.
إذن، فهذا دليل على تعيّن القيام، لا على تعيّن الجلوس، وإن كان الهمداني قد ذكره هنا متوهّماً، بل الهمداني ذكره لا لمطلق الجلوس، بل لعدم القدرة على المشي طول صلاته، كما دلّت عليه الرواية، في حين لا يتحصّل منه ذلك. وذكره للمشي باطل، كما ذكرنا في المناقشة الأولى، على أنّه لا يتعيّن أن يكون زمانه بمقدار القيام أم بمقدار الصلاة كلّها.
وأجاب عليه الشيخ الهمداني: «وفيه: أنّه بعد فرض إمكان تدارك الوصف قائماً بموصوف آخر وهو حال الجلوس، أي: بعد تسليم استقرار (اتصاف) الوصف بالوجوب، سواء تقوّم بالقيام أم بالجلوس، تكون دعوى الأولوية عارية عن الشاهد؛ إذ لا امتناع أن يكون الجلوس مستقرّاً أهمّ وأولى لدى الشارع من القيام بلا استقرار»(1).
ــــــ[139]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
إلاّ أنّ هذا بمجرّده لا يتمّ؛ لأنّ عدم الامتناع الذي قاله لا يعين النتيجة، في حين أنّ الخصم قد عيّن النتيجة، وهي كبرى أن التمسّك بالأصل شرعاً أولى من التمسّك بالوصف، والأصل هو الأعمّ من القيام والجلوس، فنزعم هنا أنّه يتعيّن الجلوس مستقرّاً.
أقول: إلاّ أنّ هذا فيه ترجيح للوصف على الأصل، يعني: الاستقرار على القيام. نعم، لو فهمنا من الدليل العكس، وهو ترجيح القيام غير المستقرّ على الجلوس المستقرّ، لكان وجهاً. ونحن لو غضضنا النظر عن الروايات المذكورة، واقتصرنا على إطلاقات دليل وجوب القيام لكانت النتيجة صحّة هذه الكبرى، يعني: قم، ولو بدون استقرار. ولكنّه عندئذٍ يرجع إلى الدليل الذي بعده؛ لأنّ الشيخ الهمداني قال: «وقد يستدل له أيضاً بإطلاقات أدلّة القيام، مقتصراً في تقييدها بالاستقرار على القدر المتيقّن، وهو في حال التمكّن كنظائره من الانتصاب والاستقلال»(1).
أقول: يعني: يبقى الباقي أنّه يجب القيام بإطلاق أدلّته، ولا يجب الاستقرار لتعذره.
أقول: وهذا في نفسه جيد على القاعدة لولا ما سبق أن استفدناه من عدم الوجوب من الروايات؛ لأنّه كان في مقام بيان الوظيفة الفعليّة، ولم يأمر بغير الجلوس. مضافاً إلى إمكان الطعن بوجود إطلاقات للقيام بهذا المعنى؛ لكي نستطيع أن نتمسّك بإطلاقها.
ــــــ[140]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
[كلام في قاعدة الميسور]
كما استدلّ الشيخ بـ(قاعدة الميسور)؛ لأنّ القيام المضطرب ميسور من مطلق القيام، فإذا تعذّر الاستقرار وجب الباقي.
أقول: إلاّ أنّه غير تامّ كبرى وصغرى.
أمّا كبرى، فللطعن بقاعدة الميسور.
وأما صغرى، فلأنّنا نحتاج فيها إلى إطلاق يشمل الأجزاء أيضاً، وليس الواجبات الاستقلاليّة، بل الأجزاء والشرائط ونحوها. مع العلم أنّ قوله (بشيء) يعطي الواجب الاستقلالي؛ لأنّ الجزء والشرط غير مأمور به بالأمر التفصيلي، ولا يبعد أنّه لا يكون في مقام البيان من هذه الجهة.
ومن الغريب أنّ الشيخ الهمداني فهم من الرواية ومن عبارة المحقّق: «أنّ لا يتمكّن من المشي بمقدار صلاته»(1) أنّه إذا تمكّن من ذلك مشى في صلاته وصلّى، وطبّق أدلّته السابقة -التي ذكرناها- على ذلك ونفاها(2).
فمن ذلك: استبعاده عرفاً عن أن يسمى المشي قياماً؛ لأنّ حالة المشي مباينة لحالة القيام عرفاً.
مع العلم أنّ هذا ليس هو مقصود الحلّي ولا الرواية، بل مقدار القدرة على المشي هي القاعدة في وجوب الوقوف أو الجلوس. وأمّا المشي بعنوانه التفصيلي ــــــ[141]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص44، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
خلال الصلاة فغير مقصود جزماً.
وقلنا: أنّه لو دار الأمر بين المشي خلال الصلاة والجلوس، تعيّن الجلوس بلا إشكال؛ لأنّ الصلاة ماشياً في الفريضة أمر مستنكر متشرعيّاً، فكأنّه ليس في صلاة، أو أمر منافي لها، بحيث لا يصدق أنّه في الصلاة متشرعيّاً.
ولفظ الرواية: «المريض إّنما يصلي قاعداً إذا صار أن يمشي بالحال التي لا يقدر فيها على أن يمشي مقدار صلاته الى أن يفرغ قائماً».
وهو واضح في تحديد جواز القعود بعدم القدرة على المشي خلال صلاة كاملة، وليس فيها أمر بالمشي خلال الصلاة. ويوضّحه وجود (إذا) الشرطيّة، فإنّها منافية للأمر بالمشي.
مضافاً إلى لفظ (مقدار) و(ليس في صلاته).
مضافاً إلى لفظ (قائماً)؛ إذ يكون قيداً للمشي، وهو بعيد، ولا يمكن أن يكون قيداً للصلاة.
وبتعبير آخر: أنّ جزاء الشرط متقدّم في صدر الرواية، وهو أنّه يصلي قاعداً. ومفهومه: أنّه إذا قدر أن يمشي فلا يصلي قاعداً. وأمّا أنّه كيف يصلي عندئذٍ هل يصلّي ماشياً أم واقفاً. فهذا مسكوت عنه، بل الصلاة ماشياً لو وجبت للزم إضافة قيد لفعل الشرط، وهو أنّه يقدر أن يمشي طول صلاته، ولا يستطيع القيام بدون مشي، فيتعيّن عليه المشي. وهذا ما لا تقوم الرواية ببيانه.
ثُمَّ قال المحقّق: «والأوّل أظهر»(1).
ــــــ[142]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
يعني: أنّ حدّ القيام هو حدّ القدرة عليه، وليس المشي طول صلاته، وهذه الأظهرية صحيحة؛ لضعف الرواية.
[كلام في الركوع عن قيام (وركوع الجالس)]
ثُمَّ قال: «والقاعد إذا تمكّن من القيام إلى الركوع وجب، وإلاّ ركع جالساً»(1).
أقول: وهو فرع مشهوري، شرحه الهمداني بقوله: «كي يكون ركوعه عن قيام؛ لما أشرنا إليه في صدر المبحث من وجوب القيام المتّصل بالركوع، بل ركنيته، إمّا من حيث هو أو من حيث كونه شرطاً في الركوع، فلا يسقط بسقوط غيره، مّما هو معتبر حال القراءة أو التكبير»(2).
أقول: وقد سبق أن نفيناه:
1- أنّه لم يدلّ دليل كافٍ على الركنية المشهورية للقيام قبل الركوع.
2- أنّنا لو سلّمناها فهي خاصّة بمن تكليفه القيام، ولا تجب على من تكليفه الجلوس، بل تكون بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع.
3- أنّنا فهمنا من الروايات جواز الجلوس مطلقاً؛ لأنّها بصدد بيان الوظيفة الفعليّة، ولم تذكر شيئاً من هذه التفاصيل.
4- أنّنا قلنا أنّه مع تعذّر القيام يتعذر النهوض أيضاً في الأعمّ الأغلب، فلا يكلّف بالنهوض لأجل تحصيل القيام قبل الركوع مع تعذّره.
ــــــ[143]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص44، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
5- أنّه يمكن القول أنّه مع تسليم الدليل على ركنية القيام قبل الركوع فهو لا إطلاق له. فإذا دلّ الدليل على جواز الجلوس تقدّم عليه. واختصّت الركنيّة بصورة تعيّن القيام وإمكانه خلال الحمد والسورة. أمّا إذا كان جالساً خلال ركع جالساً أيضاً.
ثُمَّ قال المحقّق: «وإلاّ ركع جالساً»(1) يعني: عند تعذّر القيام مطلقاً بكلّ حصصه حتّى القيام قبل الركوع.
قال الهمداني: «بلا إشكال، ولا خلاف، بل هو مّما تدلّ عليه ضرورة الفقه والسيرة التامّة والارتكاز المتشرعي القطعي. وكلّها أدلّة لبيّة»(2).
ولكن إذا رجعنا إلى الأدلّة اللفظيّة لم نجد شيئاً معتدّاً به، أو قل: لم نجد ذكراً للركوع إطلاقاً.
نعم، مقتضى إطلاق أدلّة الصلاة جلوساً، وهي متواترة كما سبق استمراره بالصلاة جالساً، وعدم سقوط الركوع والسجود عنه. ومعنى ذلك: أنّه يركع في حاله تلك. ومعنى ذلك أنَّ هناك هيئة معيّنة متّفق عليها كانت هي الركوع الجلوسي، وكانت واضحة عند أصحاب الأئمة بحيث لم يكن موجب لبيانها بصراحة، وهذه الهيئة هي الهيئة الموجودة فعلاً لدى المتشرّعة إجمالاً؛ لأنّها لو كانت مختلفة لوصلت إلينا، ولم يصل غيرها.
ــــــ[144]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص44، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
فبالاستصحاب القهقري الأمارتي نستطيع أن نثبت أنّ المصداق الحقيقي للركوع الجلوسي المسلّم عندهم هو هذا الذي نعرفه وإن خالف في صورته بعضٌ كما سيأتي، إلاّ أنّه نادر.
فإذا تمّ ذلك كانت هذه السيرة بمنزلة القرينة على الإطلاقات اللفظيّة، يعني: أنّه يصلّي جالساً، ويركع كما هو متعارف عند المتشرعة، وخاصّة بعد العلم بعدم سقوط الركوع، وعدم وجوب الركوع القيامي على المفروض في حاله.
وهناك تقريب آخر -نفهمه من هذه الإطلاقات- وهو: إنّنا حيث نعلم بعدم سقوط الركوع. إذن، فيجب عليه أن يركع بأن يكون نسبة جسمه إلى الجلوس ركوعاً كنسبة جسمه إلى القيام ركوعاً، وذلك بخفض رأسه وظهره، وهو يؤدي إلى نفس هذه النتيجة.
إلاّ أنّ هذا وحده لا يكفي؛ لوجود احتمالات أخرى في هذه النسبة المذكورة، كالركوع الذي حُكيّ في (الذكرى)(1) و(جامع المقاصد)(2) من وجوب رفع الفخذين؛ لأنّه أقرب إلى الركوع القيامي. وسيأتي الكلام فيه. إلاّ أنّ كونه أقرب بهذه النسبة غير متعيّن؛ لأنّ هذا القرب مشكوك، إلاّ أنّ قرب الركوع المتعارف أيضاً سيكون مشكوكاً.
قال: «لأصالة بقاء وجوبه الثابت حال القيام»(3) يعني: الاستصحاب.
ــــــ[145]ـــــــ
(1) ج3 ص269.
(2) ج2 ص204.
(3) المصدر السابق.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
ويجاب:
أ- 1. بما ذكره الهمداني بأنّ رفعهما حال القيام لم يكن واجباً من حيث هو، بل تبعاً للهيئة الواجبة في تلك الحالة كغيره مّما هو من لوازم تلك الهيئة.
2- أنّه استصحاب تعليقي، ولا نقول به؛ لأنّه مقطوع العدم قبل حصول موضوعه وهو الركوع في الصلاة، وإنّما هو مضمون: إذا ركعت في الصلاة فأرفع ساقيك.
فإن كان هناك استصحاب فعلي فهو لعدم وجوب رفع الفخذين قبل الصلاة.
ب- ثمّ إنّنا ينبغي أن نتذكر ما قلناه سابقاً من جواز كون الرجل على أية حال خلال جلوس الصلاة ولا يتعيّن لها حال واجب بعينه، حتّى مّما هو غير متعارف؛ لأصالة عدم المانعية. إلاّ أنّنا نستطيع أن نتصوّر مفهوماً إجمالياً متشرعياً لشكل الأرجل بحيث إن خرج عليه لم يكن مصلياً بالحمل الشايع المتشرعي كما لو رفع رجليه أو إحداهما إلى أعلى من غير ضرورة، فيكون من منافيات الصلاة المبطلة لها.
لكن هل هذا ينافي مع خفض الجسم لأجل الركوع، كأنّه تحصّل إنّ ما هو جائز من أشكال حال الرجل كلّه لا ينافي ذلك. نعم، ما هو غير جائز قد ينافيه، إلاّ أنّه بالنسبة إليه كالسالبة بانتفاء الموضوع.
[حدّ وكيفية ركوع الجالس]
ثُمَّ قال الشيخ الهمداني: «نعم، قد يُقال: بأنّه يجب عليه الارتفاع زيادة عن حال الجلوس (مع التمكّن طبعاً) ودون ما يحصل ركوع القائم من مراعاة الأقرب فالأقرب لقاعدة الميسور. فعليه قد يتجّه ما ذكره، إلاّ أنّ هذا القول في حدّ ذاته محلّ
ــــــ[147]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
نظر، وكون القاعدة مقتضية له لا يخلو من تأمّل (يعني ليس هو ميسوراً منه)»(1).
أقول: فيه مناقشة كبرى وصغرى.
أمّا كبرى فلمنع قاعدة الميسور سنداً ودلالةً.
وأمّا صغرى: فلأنّه يجب أن يأتي بالميسور من الأجزاء والشرائط الواجبة، وهذا الحال يعني ارتفاع الفخذين ليس بواجب، كما سمعنا من الشيخ الهمداني نفسه، وإنّما هو وضع قهري لحالة القيام لا أكثر، فحين تزول حالة القيام لا يكون مطلوباً.
ثمّ قال الهمداني: «ثُمَّ أنّ المعروف في كيفية ركوع الجالس على ما صرّح به غير واحد وجهان:
أحدهما: أن ينحني بحيث يصير بالنسبة إلى القاعد المنتصب، كالراكع بالنسبة إلى القائم المنتصب، والآخر أنّ ينحني بحيث تكون نسبة ركوعه إلى سجوده كنسبة القائم إلى سجوده… فإذا روعيت هذه النسبة كان أكمل الركوع أن ينحني بحيث تحاذي جبهته مسجده، وأدناء وجهه ما قدام ركبتيه»(2).
أقول: ويوجد أقلّ من ذلك، وهو أن تحاذي جبهته ركبتيه. وبه قال في الفتاوى الواضحة وقد ذكرنا في المنهج الاحتياط بالزيادة على ذلك إلى أن يكون ذقنه بإزاء ركبتيه، وهو ما ذكره الهمداني بأن وجهه قدام ركبتيه.
وحيث لم يكن من هذه النواحي تحديد شرعي أمكن أجراء أصالة البراءة عن
ــــــ[147]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص45، ط مؤسسة آل البيت.
(2) المصدر السابق.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
شرطية الزائد كلما شكّ به. ومن هنا قال الهمداني عن ذلك أنّه أكمل الركوع، ولم يفتِ بوجوبه أو تعيّنه.
لكن اللازم أن يصدق عليه كونه ركوعاً بالحمل الشايع المتشرعي، فإن كان غير ذلك لم يجز، كما لو كان ميلاً قليلاً أو كان ميلاً إلى أحد الجانبين. ومن هنا كان يأتي إلى النظر أنّ مجرّد كون الجبهة فوق الركبتين غير كافٍ، وإنّما لابدّ من زيادة الميل حتّى يكون الذقن فوقها.
وأمّا كون نسبة الجسم جالساً ركوعاً كنسبة الجسم واقفاً – كما ذكر الهمداني – فهذا مّما لم يدلّ عليه دليل، فهو ممنوع كبرى؛ لجريان الأصل المؤمن، مضافاً إلى منع الصغرى، وهي أنّ الحاكم بهذه المماثلة من هو؟ هل هو الشارع أو المتشرعة أو العرف؟ مع وجود الاختلاف الأساسي في شكل الجسم بين القيام والقعود، ولا مماثلة بينهما. فكيف تصحّ المماثلة بين حاليهما؟!
مضافاً إلى أنّ ما قاله من أنّ أكمل الركوع هو أن يوازي جبهته محل سجوده، أنّه من المحتمل أن لا يكون هذا ركوعاً بالحمل الشايع المتشرعي، فيخرج عن حدّ الركوع، فيبطل.
[كلام في الاضطجاع مع العجز عن القعود]
ثمّ قال المحقق: «وإذا عجز عن القعود صلّى مضطجعاً»(1).
ولم يحدّد في العجز عن القعود حد ولا اعتماد، وإن كانت تشمله تلك الأخبار
ــــــ[148]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
التي تقول: «ذاك إليه»، «هو أبصر بنفسه» بعد تجريدها عن الخصوصية. والاعتماد حال الجلوس غير عرفي، بخلاف الاعتماد حال القيام، إلاّ الاعتماد على اليدين مثلاً من الأمام أو من الجنبين. فإذا أمكّنه ذلك لم يجز الاضطجاع؛ لصدق إمكان الجلوس ولو متكلّفاً. وكذلك يجري استصحاب وظيفة الجلوس وعدم انتقالها إلى الاضطجاع.
ومن هنا لا تجري أصالة البراءة عن وجوب هذا الاعتماد.
وكذلك إذا اضطر أن يلقي ظهره على حائط خلفه وهو جالس.
وأمّا احتمال أن يمسكه أحد فلا يحتمل، ولم يذكره الفقهاء، لا في القيام ولا في الجلوس؛ إذ لا يجب على الآخر جزماً ولو أمره المصلّي، ولو حصل فإنّه يكون بمنزلة الاعتماد قائماً أو قاعداً، فيشمله أحكامه.
ولا بأس أن نلتفت إلى أنّه إذا عجز عن جلسة التشهد تربّع، ولا تصل النوبة إلى الاضطجاع، فإنّنا عرفنا أنّ جلسة التشهد غير واجبة، وأنّ تحديد وضع الرجل فيما هو متعارف من الجلوس العرفي غير موجود. إذن، فالتربع أو مدّ الرجل جائز اختياراً، فلا تصل النوبة إلى الاضطجاع مع إمكانه. ولو تنزّلنا وقبلنا وجوب جلسة التشهد، فلا أقلّ أن نقول بتعيّن الأوضاع الأخرى مع العجز عنها، ولا ينتقل الحال إلى ترك الجلوس أصلاً.
ويمكن الاستدلال على جواز الصلاة اضطجاعاً بل تعينه مع كونه خلاف القاعدة الأولية؛ لسقوط الأمر السابق وعدم إحراز أمر جديد بحيث يمكن أن تجري عنه البراءة. إلاّ أنّه يستدل له بالأدلة الثلاثة:
ــــــ[149]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
[الدليل الأول]: أمّا الكتاب فقوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ(1). وإذا تمّ الاستدلال كانت أيضاً دليلاً على تقديم الجنب على الاستلقاء على الظهر، مضافاً إلى وجوه أخرى، منها: إمكان استقبال القبلة بالوجه بخلاف الاستلقاء فإنّه لا يصدق الاستقبال عرفاً تماماً، فيكون متأخّراً رتبة.
إلاّ أنّنا ناقشنا بالاستفادة من الآية الكريمة، فلا نعيد(2). ويكفي أنّها لا تتعرّض للصلاة أصلاً.
[الدليل الثاني]: وأمّا الأدلّة اللبيّة، فالإجماع عليه اطمئناناً.
يقول الهمداني: «بلا خلاف فيه على الظاهر، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه»(3).
وهذا المقدار إنّما هو إجماع منقول وليس بحجّة، كما لا نعلم متعلّقه، هل هو جواز ترك الجلوس في الصلاة أو هو الاضطجاع مقابل الاستلقاء، أو هو إجزاء الاستلقاء في الصلاة، أو غيره. كلّ ذلك مجمل في العبارة.
وأمّا السيرة فيمكن أن يُقال أنّها عليه. إلاّ أن نقول:
1- أنّه من النادر حصوله، وما كان نادراً لا سيرة عليه. إلاّ أن يُقال: إنّ كلّ شيء له سيرة بحده ومقداره.
ــــــ[150]ـــــــ
(1) آل عمران: 191.
(2) انظر: [بحث لغوي في (القيام)] الصفحة 3 و4.
(3) مصباح الفقيه: ج12 ص48، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
2- أنَّها سيرة مأخوذة من فتاوى الفقهاء لا تعبّديّة من الشارع.
3- أنّنا لو قبلنا بها فهي قليلة، لا نعلم مقدارها وفحواها، وإنّما القدر المتيقّن منها ترك الجلوس في الصلاة، وأمّا خصوص الاضطجاع دون الاستلقاء فغير متعين في السيرة جزماً، ولا في الارتكاز المتشرّعي. فتأمّل.
[الدليل الثالث]: وأما الروايات: وينبغي الالتفات:
أوّلاً: إلى أنّنا نتكلم الآن في أصل المسألة، بدون الالتفات إلى مراتب الاضطجاع والاستلقاء، وجامعها ترك الجلوس والقيام معاً، وأمّا الترتيب بينها فهو مسألة أخرى ستأتي.
وعليه، فمن الأمور التي تجاوز عنها أنّها تفترض أن معنى الاضطجاع والاستلقاء واحد لغة أو عرفاً؛ لنستطيع الاستدلال بكلّ ألسنة الروايات في هذه المرحلة الإجمالية، ثُمَّ بعد ذلك يأتي التفصيل.
[الكلام في تكليف المصلي مع العجز عن القعود]
[ثانياً]: ثُمَّ قال الشيخ الهمداني: «وكيف كان، فالأخبار المزبورة بأسرها متّفقة الدلالة على وجوب الاضطجاع (بالمعنى الكلّي) عند تعذر الجلوس، ولكن مضامينها مختلفة من حيث الإطلاق والتقييد؛ ولذا اختلف الأصحاب بعد اتفاقهم على أصل الاضطجاع في أنّه هل هو مخير بين الجانبين وعند تعذّره مطلقاً يستلقي أو يتعيّن الاضطجاع على جانبه الأيمن، وإذا عجز عنه استلقى، أو إذا عجز عنه اضطجع على الجانب الأيسر، وإذا عجز عن هذا أيضاً استلقى على أقوال: فظاهر المقنعة والجمل والوسيلة والنافع والإرشاد والألفية وموضع من المبسوط وصريح
ــــــ[151]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
موضع آخر منه والتذكرة ونهاية الأحكام كظاهر المتن(1) هو الأوّل، وهو التخيير بين الجانبين.
ولكن حُكي عن بعضهم التصريح بأفضلية تقديم الأيمن.
وحُكي عن المعظم القول بتعين الأيمن، بل عن ظاهر المعتبر والمنتهى حيث نسباه إلى علمائنا في عبارتهما وصريح الغنية والخلاف دعوى الإجماع عليه.
وصرح غير واحد منهم: بأنّه إذا عجز عن ذلك اضطجع على الجانب الأيسر، بل ربما نسب هذا القول -أي الترتيب بين الجانين- إلى المشهور. وأدّعى شيخنا المرتضى (الأنصاري) أنّه المعروف بين المتأخرين»(2).
أقول: وعلى أي حال ينبغي أن نسير فقرة فقرة من تكليف المصلي، فإنّه إن عجز عن الجلوس، وتعين عليه الاضطجاع بالمعنى الأعمّ، فما هو الحال الذي يختاره؟ فيه أحد ثلاث احتمالات حاصرة:
إمّا أن يكون مخيّراً بين الحالات الثلاث، وإمّا أن يكون مخيّراً بين الحالات الاثنين، وإمّا أن يتعين عليه الاضطجاع على جانبه الأيمن.
وكلّ ذلك يمكن فهمه من الأدّلة، فنعرضها، ثُمَّ نجد النسبة بينها، مع ما هو معتبر منها سنداً؛ ليكون هو الحجّة. وهناك احتمال أضعف منها وهو تعيّن الاستلقاء على الظهر ابتداءً.
ــــــ[152]ـــــــ
(1) يعني المحقّق.
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص51، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
[الأول]: أمّا احتمال التخيير بين الجوانب الثلاثة، فهو تمسّك بالإطلاق لكلّ الروايات التي لم تذكر فيها حالة التمدّد من قبل رواية سماعة قال: «سألته عن الرجل يكون في عينيه الماء فينتزع الماء منها فيستلقي على ظهره الأيّام الكثيرة: أربعين يوماً أو أقل أو أكثر، فيمتنع من الصلاة لأيام وهو على حاله؟ فقال: لا بأس بذلك، وليس شيء ممّا حرّم الله إلاّ وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه»(1).
وكذلك الروايات التي تأمر بالاضطجاع أو بالاستلقاء، إذا كان معناهما اللغوي واحداً، وهو مطلق التمدّد.
وكذلك مقتضى الأصل عدم المانعية بلا إشكال لأي واحد من هذه الأوضاع الثلاثة، فإنّ اشتراط أي واحد منها يحتاج إلى دليل، فإذا غضضنا النظر عن ذلك الدليل بقينا نحن والأصل الذي يقتضي الجواز.
إلاّ أنّه ليس فيه إجماع ولا شهرة، فإنّ الشهرة ذات طرفين: إمّا باختيار الجانب الأيمن خاصّة، وإمّا باختيار أحد الجانبين، فإذا عجز استلقى. وأمّا إمكان اختيار الاستلقاء ابتداءً – كما عليه هذا الاحتمال- فلا شهرة فيه، بل الشهرة على خلافه.
وسواء كان مدركه المطلقات – لو صحّت سنداً- أو الأصل المؤمن، فإنّه يكون محكوماً للأدلّة التالية التي توجب نفي الاستلقاء أو الترتيب، لكننا نحتاج فيها إلى دلالة نافية للإطلاق أو الأصل، إمّا بالمنطوق أو بالمفهوم، وأمّا مجرّد الأمر بأحد تلك الاحتمالات فهو لا مفهوم له؛ لأنّ مفهوم اللقب لا نقول به، فلعلّه يأمر
ــــــ[153]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص482 ح6، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
به كواحد من الاحتمالات المجزية، لا لتعينه بنفسه.
[الثاني]: وأمّا احتمال التخيير بين الجانبين مع حذف الاستلقاء كطرف للتخيير، فيمكن الاستدلال عليه بالكتاب والسنّة والشهرة.
أمّا الكتاب؛ فلأنّه يقول: وَعَلَى جُنُوبِهِمْ(1) والجنب أعمّ من الطرفين، فيكون له إطلاق من هذه الناحية، لولا المناقشات الأساسية في أصل الاستدلال، وقد أشار الشيخ الهمداني(2) أن الآية تدل على هذه الفتوى المشهورية.
وأمّا الشهرة فقد سمعناها، وعليها جماعة من علمائنا بما فيها المحقّق الحلّي في الشرائع(3) والشيخ في موضعين من المبسوط(4) أحدهما ظاهر والآخر صريح.
وأمّا الأخبار فمن قبيل رواية أبي حمزة عن أبي جعفر في قول الله عزّ وجلّ: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ قال: «الصحيح يصلّي قائماً، وقعوداً: المريض يصلّي جالساً، وعلى جنوبهم الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلّي جالساً»(5).
وفيها إطلاق لمطلق الاضطجاع من قبيل رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: «سألته عن المريض الذي لا يستطيع القعود ولا الايماء، كيف
ــــــ[154]ـــــــ
(1)آل عمران: 191.
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص48، ط مؤسسة آل البيت.
(3) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(4) المبسوط: ج1، ص110 – 129 ط جماعة مدرسين.
(5) الوسائل: ج5 ص481 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
يصلّي وهو مضطجع؟ قال: يرفع مروحة الى وجهه ويضع على جبينه ويكبّر هو»(1).
إلاّ أنّ هذا يمكن تقييده بما دلّ على تعيّن الجانب الأيمن، وعدم جواز اختيار الجانب الأيسر ابتداءً، من قبيل قال: وقال رسول الله: «المريض يصلّي قائماً، فان لم يستطع صلّى جالساً، فإن لم يستطع صلّى على جنبه الأيمن، فإن لم يستطع صلّى على جنبه الأيسر، فان لم يستطع استلقى وأومأ إيماءً، وجعل وجهه نحو القبلة، وجعل سجوده أخفض من ركوعه»(2).
أو تعيّن الاستلقاء ابتداءً، من قبيل رواية الهروي عن الرضا عن آبائه: قال: قال رسول الله: «إذا لم يستطع الرجل أن يصلّي قائماً فليصلّ جالساً، فان لم يستطع جالساً فليصلّ مستلقياً، ناصباً رجليه بحيال القبلة يومئ إيماءً»(3).
إلاّ أنّ هذه المقيّدات كلّها غير نقية السند، في حين أنّ بعض المطلقات معتبرة السند، من قبيل رواية سماعة قال: «سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس؟ قال: فليصلّ وهو مضطجع، وليضع على جبهته شيئاً إذا سجد فانه يجزي عنه، ولن يكلّفه الله ما لا طاقة له به»(4).
والظاهر أنّها هي مستند المشهور.
[الثالث]: وأمّا احتمال تعيّن الجانب الأيمن، فيستدلّ عليه بالسنّة والعقل:
ــــــ[155]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص481 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص485 ح15، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص486 ح18، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج5 ص482 ح6، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
أمّا العقل: فلحكمه بالتعيين عند دوران الأمر بين التعيين والتخيير. وهذا في نفسه واضح لولا المطلقات السابقة التي تدلّ على التخيير، فإنّها مقدّمة على حكم العقل، وكذلك أصالة البراءة عن المانعيّة مقدّمة على حكم العقل.
فنبقى نحن والروايات التي من قبيل رواية عمّار عن أبي عبد الله «قال: المريض إذا لم يقدر أن يصلّي قاعداً، كيف قدر صلّى، إمّا أن يوجّه فيومي إيماءً، وقال: يوجّه كما يوجّه الرجل في لحده، وينام على جانبه الأيمن، ثمّ يومي بالصلاة، فإن لم يقدر أن ينام على جنبه الأيمن، فكيف ما قدر فانّه له جائز، وليستقبل بوجهه القبلة ثمّ يؤمي بالصلاة إيماءً»(1).
هي معتبرة السند، وتصلح أن تكون مقيدة لما دلّ بإطلاقه على جواز الجانبين.
ومن قبيل قال: وقال رسول الله: «المريض يصلّي قائماً، فإن لم يستطع صلّى جالساً، فإن لم يستطع صلّى على جنبه الأيمن، فإن لم يستطع صلّى على جنبه الأيسر، فإن لم يستطع استلقى وأومأ إيماءاً، وجعل وجهه نحو القبلة، وجعل سجوده أخفض من ركوعه»(2).
وهي صريحة في المطلوب، إلاّ أنّها غير معتبرة السند، حتّى لو كان بالسند السابق، فإنّه غير تامًّ.
والعيب الوحيد في رواية عمار هو أحمد بن الحسن، فإنّه: أحمد بن الحسن بن
ــــــ[156]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص483 ح10، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص485 ح15، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
علي بن فضّال، ولم يوثق، إلاّ قوله في آل فضّال: «خذوا ما رووا»(1). إلا أنه لو تم سنداً لا يدلّ على وثاقتهم جميعاً، وإنّما النظر إلى حيثية واحدة، هو عدم منع فساد عقائدهم عن الأخذ برواياتهم، وهو مطلب على القاعدة، لا يحتاج إلى صحّة في السند. فتكون هذه الرواية (ضعيفة) أو (حسنة) على أحسن تقدير إن فهمنا من الشيعي مطلق الشيعي، حتّى لو كان منحرفاً عقائدياً. ومعه تكون كِلتا الروايتين غير معتبرتين. وسمّاه في المستمسك بـ(الموثّق)، والظاهر أنّه بناءً على توثيق أحمد بن الحسن هذا، وهو غير صحيح.
فإن قلت: فإنّه عمل به المشهور، فيتمّ سنداً.
قلنا: كلا، من عدّة جهات:
أوّلاً: الطعن في الكبرى، وإنَّ عمل المشهور لا يُتمّ السند.
ثانياً: أنّه غير محرز الشهرة بين القدماء، وإنّما الظاهر أنَّ الشهرة في التخيير بين الجانبين. نعم، أصبح مشهوراً بين المتأخرين، ولو بنحو الاحتياط الوجوبي.
ثالثاً: مخالفة النصّ للمشهور فيما يأتي، بعد العجز عن اليمين، فإنّه ليس فيه تعيّن اليسار. إذن، فلا دليل على تعيّن اليمين. مضافاً إلى معارضتها ما دلّ على تعيّن الاستلقاء كما يأتي، بعد التنزّل عن ضعف سندها، أو هو من باب تعارض الضعيفين.
ــــــ[157]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص487 ح21، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
ما دلّ على الاستلقاء(1): من قبيل رواية سماعة «قال: سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس؟ قال: فليصلّ وهو مضطجع، وليضع على جبهته شيئاً إذا سجد فانه يجزي عنه، ولن يكلّفه الله ما لا طاقة له به»(2).
وجوابه: أنّ الأوليان وإن أمكن تتميم سندهما، إلاّ أنّ الظاهر انحصار الاستلقاء له بقول الأطباء، فهو يعجز عن الاضطجاع، ولا إشكال فيه مع العجز. وأمّا الأخيرتان فهي ضعيفة السند. مضافاً إلى معارضتهما بما دلّ على تعيّن اليمين، وكذلك على التخيير بين الجانبين أو المجموع منهما. إلاّ أن يحمل الطائفتان على الجواز، ونرفع اليد عن ظهور التعيّن في كُلّاٍ منهما، وننفي مفهوم المخالفة. وقلنا أنّه من تعارض الضعيف.
وعلى أية حال فالدليل على تعيّن اليمين وعلى تعيّن الاستلقاء غير تامًّ. فلابدّ من النظر إلى العمومات السابقة بشكل أدقّ سنداً ودلالة.
فهل أنّ تعيّن الجنب تخييراً – مع نفي الاستلقاء- فيه دليل معتبر؟
وأهمّ ما دلّ على ذلك قوله: «وسئل عن المريض لا يستطيع الجلوس أيصلّي وهو مضطجع؟ ويضع على جبهته شيئاً؟ قال: نعم، لم يكلّفه الله إلّا طاقته»(3).
والظاهر أنّ الأولى منها تامّة سنداً، ومطلقة من حيث الجنبين، وقد عمل بها المشهور بالمعنى الذي سمعناه.
ــــــ[158]ـــــــ
(1) وقد مرّ الحديث عن الاضطجاع ص38.
(2) الوسائل: ج5 ص482 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج5 ص485 ح14، عن الامام موسى بن جعفر، ط مؤسسة آل
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
إلاّ أنّها هل تدلّ على نفي الاستلقاء على الظهر؟ وهذا راجع إلى وجود مفهوم المخالفة، وهو منتفٍ، فيمكن أن تحمل على المثالية، إلاّ أنّ هذا الحمل فرع كونه أسهل أو أغلب، فقد تقول: إنّ الاستلقاء هو الأسهل والأغلب للمرضى، أو تشكّ في ذلك. وعندئذٍ تسأل عن الوجه في تعيّن الاضطجاع في الرواية، فيكون له مفهوم بنحو القضية الجزئية، وهو يكفي للفتوى بالتعيّن، ويكون قاطعاً لأصالة عدم مانعيّة الاستلقاء.
في رواية سماعة المتقدمة وهو مَنْ (الحسن) في سندها؟
قال في المعجم: «روى الحسين بن سعيد، عن الحسن والحسين بن سعيد أخيه، والحسن بن علي، والحسن بن علي بن فضّال، والحسن بن علي بن يقطين، والحسن بن علي الوشاء، والحسن بن محبوب. وروى عن زرعة: الحسن، والحسن بن سعيد، والحسن بن علي بن أبي حمزة، والحسن بن محمد، والحسن بن محمّد بن عمران، والحسن بن محمّد الحضرمي، والوحيد المشترك هو الحسن والحسن بن سعيد أخو الحسين بن سعيد، فيتعيّن فيه اطمئناناً، وهو لم يوثق، إلاّ أنّه يبدو أنّه مخالف مع أخيه علمياً وروائياً، وهذه صفة ملازمة مع الوثاقة؛ إذ لو لم يكن كذلك لتركه أخوه الحسين، ولم يردّ عنه. ومع ذلك يبقى في النفس منه شيء، إلاّ أن يراد الاحتياط فيه. وزرعة بن محمد واقفي، ثقة، صحب سماعة، وأكثر عنه»(1).
وقد يُقال -في الدلالة-: إنّ الاضطجاع متعرّض إلى خصوص الجانب
ــــــ[159]ـــــــ
(1 ) معجم رجال الحديث، السيد الخوئي، ج5، ص333.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الأيمن، ولا شكّ أنّه القدر المتيقّن والأغلب، إلاّ أنّه لا يبلغ درجة الانصراف بحيث يشكل فيه ظهوراً، بحيث أنّه لو كان أراد الأيمن لكان عليه بيانه، ولم يبينه.
ورواية «قال: وسئل عن المريض لا يستطيع الجلوس أيصلّي وهو مضطجع؟ ويضع على جبهته شيئاً؟ قال: نعم، لم يكلّفه الله إلاّ طاقته» ضعيفة، والاضطجاع في السؤال بخلاف السابقة»(1).
ورواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن قال: «سألته عن المريض الذي لا يستطيع القعود ولا الايماء، كيف يصلّي وهو مضطجع؟ قال: يرفع مروحة الى وجهه ويضع على جبينه ويكبّر هو»(2).
وعبد الله بن الحسن لم يوثق، والرواية لم ترو عن كتاب علي بن جعفر، المعتمد عليه ولو بنسبة بلا سند، فلا تكون حجّة.
[الكلام لغة في (ضجع) و(رقد) و(استلقى)]
(ضجع) في المنجد: وضع جنبه بالأرض(3).
ولم يعين أياً منهما، ويبدو أنّها تستعمل بالأعمّ، وهو مطلق التمدد كما في قوله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ المَضَاجِعِ(4) أي المراقد كما في المجمع(5)؛ لأنّ النائم
ــــــ[160]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص485 ح14، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج5 ص487 ح21، ط مؤسسة آل البيت.
(3) المنجد في اللغة والأدب ص446 ط المطبعة الكاثوليكية، بيروت.
(4) السجدة: 16.
(5) مجمع البحرين: ج1 ص381 ط، مرتضوي، تحقيق: أحمد الحسيني.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
يتحرّك فلا يتعيّن له شكل معين خلال النوم. وكذلك قوله تعالى: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ(1) أي في أماكن الرقود والنوم. وكذلك قوله تعالى: لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ(2) يعني مراقدهم وقبورهم. وليس فيه تعيين الجنب.
إن قلت: فإنّه يجب شرعاً الرقود على اليمين؛ فهو ما يشير إليه القرآن.
قلنا: بل يحمل على الأعمّ بالمعنى اللغوي.
فإن قلت: فإنّ ذلك كان مسنوناً ومأموراً به في عهد النبي.
قلنا: نعم، لكن لا يحمل عليه النص إلاّ أن يكون مشهوراً ومرتكزاً عرفاً، ولم يحصل ذلك.
وعلى أيّ حال لا يتحصّل من (ضجع) إلاّ معنى (رقد) الذي هو الأعمّ من الاستلقاء، لولا كلام المنجد.
(استلقى) استفعل من لقي، وهو له معنيان: من اللقاء ومن الإلقاء. وهو الطرح أرضاً، فاستلقى يعني انطرح أو رقد. وهو غير متعيّن على الظهر، ولا يوجد في كتب اللغة -التي راجعتها، وهي: المفردات والمنجد والمجمع- ذلك.
[نتائج عدم ثبوت التخيير بين الجانبين]
وعلى أيّ حال فالتخيير بين الجانبين بعنوانه لم يثبت أيضاً لضعف السند، وخاصة بعد أن عرفنا أن الاستلقاء والاضطجاع بمعنى واحد، حتّى أنّ العكس
ــــــ[161]ـــــــ
(1) النساء: 34.
(2) آل عمران: 154.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
ممكن بأن نقول: استلقى على جنبه واضطجع على ظهره. وهذا ينتج:
الأمر الأول: دخول الاستلقاء على الظهر اختياراً بعد الجلوس مباشرة. إمّا تمسّكاً بالأصل وإمّا اعتماداً على الروايات، وقد طعنّا فيها؛ لأنّها كانت أربعة: اثنان منها يتعيّن فيها النوم على الظهر بقول الأطباء، واثنان منها ضعاف سنداً. فالعمدة هو الأصل، وهو ينتج نتيجة الإطلاق أو التخيير بين الجوانب.
الأمر الثاني: أنّه يكون كل ما دلّ على مطلق التمدّد وعلى الاضطجاع وعلى الاستلقاء بمعنى واحد، ليس له تعين على الجنب أو على الظهر، بل يكون دالاً ابتداءً على المطلق من هذه الناحية، وخاصّة بعد ضمّ الأصلين: أصالة عدم مانعية أحد الأشكال وأصالة براءة الذمّة من تعيّن أحدهما، بعد عدم قيام الدليل عليه.
الأمر الثالث: أنّه يكون هذا المضمون مستفيضاً أو متواتراً، بحيث نستغني عن الإسناد، وإطلاقه أيضاً محرز؛ لأنّ كلّ الروايات تكون مطلقة من تلك الناحية.
الأمر الرابع: أنّه يمكن القول بإسقاط الاستلقاء على الظهر بضمّ الشهرة المركبة من تعيّن اليمين وتعيّن الجانبين، بحيث يكون الاستلقاء على الظهر جائزاً بعد الجلوس رأساً، فإنّه ممّا تنفيه هذه الشهرة، فإن حصل اطمئنان بعدمه فهو المطلوب، وإلا كان مخالفاً للاحتياط الاستحبابي؛ لأنّ الشهرة البسيطة ليست بحجّة، فضلاً عن المركبة. نعم، يكون احتياطاً استحبابياً أكيداً.
[كلام في عدم تعّين أي شكل]
ثُمَّ إنَّه قد يُقال بعدم تعيّن أي شكل، لا هذه الثلاثة ولا غيرها، وإنّما المهمّ هو العجز عن الجلوس، فينتفي. وأمّا اختيار حالة للجسم بعد ذلك فغير مهمّ سوى
ــــــ[162]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
استقبال القبلة بالشكل المناسب، إمّا بالمطلقات، وهي التي لم تذكر حالاً معينة للتمدّد أو بعناوين الاضطجاع والاستلقاء؛ لأنّها لم يؤخذ فيها حدٌّ معين إطلاقاً، وإمّا بالأصول المؤمّنة كأصالة عدم المانعية وأصالة عدم الشرطية وأصالة البراءة عن متمم التكليفين بالتعيّن، واستصحاب الصحة الاقتضائية، إن طرأ الضعف خلال الصلاة. والمفروض عدم تعينه من حيث القدرة، فهو يستطيع أحد الأمور الثلاثة، ولكنّه يختار بإرادته غيرها. وأمّا الاضطرار فلا إشكال بالإجزاء.
ومع وجود المقتضي للصحّة -على أيّ حال- فليس هناك مانع متصوّر إلاّ السيرة على تركه، يعني: اختيار أحد الأوضاع الثلاثة بشرط لا عن الزيادة.
فإن قلت: فإنّ السيرة في الأمور القليلة الحصول غير متوفّرة، وهذا منها.
قلنا: نعم، فإمّا أن نقول: إنّ السيرة في كلّ شيء بحسبه، وهي قطعية بهذا المقدار، وإمّا أن نقول: إنّنا نستطيع أن نتمسّك بالارتكاز المتشرعي الباعث على هذه السيرة، فإنّه يستشكل من الأوضاع الأخرى ويرى أنّ صحّة الصلاة منوطة بأحد الثلاثة.
ولكن يمكن تمحيصه من حيث أنّ المراد إن كان هو مجرّد الاحتياط والإشكال فهو غير كافٍ، بعد أن أقمنا الحجّة على صحّتها من ناحية أخرى. ومن يدري حجّة على من لا يدري وإن كان هو جازماً ببطلان الصلاة مع عدمه، ولو بالاطمئنان العرفي كان حجّة من هذه الناحية، وقاطعاً للأصول العملية المؤمّنة من هذه الجهة، وكذلك يمكن أن يكون بمنزلة القرينة المتّصلة على حمل المطلقات على أحد الأشكال الثلاثة دون غيرها.
ــــــ[163]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
وكذلك إذا قلنا: إنَّ الحال العرفي للتمدّد منحصر في أحد هذه الثلاثة، وأمّا غيرها فهي حال غير عرفي، ولا يمكن حمل المطلقات عليه، وإنّما هي منصرفة منه.
قد يقال بالمنع عن السيرة بالإطلاقات؛ باعتبار المنافاة معها، إلاّ أنّه لا يتمّ وإنَّما النافي لها هو الحصّة الراجعة إليها، والمضادة لها، وهي تحليلية لا تصلح للردع.
والسيرة ترجع إلى الترك، فهي ليست عملية، وإنّما تكون بمنزلة الارتكاز المتشرعي عليه، وهو راجح.
[كلام في استقبال القبلة في غير الأوضاع الثلاثة]
والمانع الآخر المحتمل لمحلّ الكلام هو مسألة استقبال القبلة، فإنّها في الأوضاع الثلاثة المعروفة متعيّنة، وأمّا في غيرها فغير متعيّنة، فمثلاً لو صلّى منقلباً على وجهه فكيف ستكون قبلته، وإذا تعذّر القبلة اختياراً -كما هو المفروض- بطلت الصلاة. ولابدّ له أن يعود إلى الوضع الذي يمكن له الاستقبال.
إلاّ أنّ هذا يمكن أن يجاب بأحد أمرين:
الأمر الأوّل: النقض بالاستلقاء على الظهر، فإنّ الاستقبال بالقدمين ليس استقبالاً عرفياً، فلا تتمّ به الصلاة على القاعدة.
فإن قلت: فإنّه استقبال تنزيلي تعبدي.
قلنا: ما دلّ على ذلك رواية واحدة غير معتبرة السند، بل هو غير موجود في الروايات إطلاقاً، وإنّما الموجود توجيه وجهه إلى القبلة، والموجود توجيه من يصلّي على يمينه كالمحتضر، وليس توجيه من يصلّي على ظهره كالمدفون.
إذن، يتعيّن عليه مع القدرة توجيه وجهه؛ ليصدق الاستقبال. نعم، مع العجز يسقط.
ــــــ[164]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الأمر الثاني: أنّه لو كان الاستقبال بالقدم وارداً في ظهور أو سيرة أمكن التجريد عن الخصوصية إلى الانبطاح على البطن، فإنّه أيضاً يجعل قدمه إلى القبلة، ويكون مستقبلاً؛ إذ لا فرق بين رفع القدم إلى أعلى أو خفضها، كلّ ما في الأمر أنّ باطنها إلى القبلة، وهذا يحصل ويكفي.
كما يمكن القول بتوجيه رأسه إلى القبلة، أو يرفع رأسه قليلاً مع الإمكان لينظر إلى جهة القبلة، ويكون ذلك استقبالاً له.
والحقّ أنّ الخارج عن الحالات الثلاثة هو ذلك، دون ما قد تتصوره من عدم التمدّد على الجنب بعطف الرجلين ونحوه، فإنّ مدّ الرجلين غير واجبٍ أكيداً، لا في الصلاة على الجنب، ولا في الصلاة على الظهر، إلاّ إذا قلنا أنّه استقبال بالقدم، وقد نفيناه، وإنّما هو استقبال بالوجه.
ومع حصوله لا يتعيّن أن تكون الرجلين ممدودة، بل أحدهما أو كلاهما يمكن أن يكون منعطفاً، فكما لا تحديد لوضع اليد لا تحديد لوضع الرجل.
هذا هو الكلام في المرتبة اللاحقة للجلوس مباشرة، وأمّا المراتب الأخرى فقد ثبت عدمها؛ لأنّ الترتيب فيه رواية واحدة غير معتبرة، وعمل المشهور بها ليس بحجّة؛ على أنّه مشهور المتأخّرين. وأمّا إطالة الكلام بالتنزيل عن ذلك فهو بلا موجب.
يبقى الكلام في أسلوب الركوع والسجود، هل هو الإيماء بالرأس أو بالعين؟ وعلى كِلا التقديرين هل أن السجود أخفض من الركوع أم لا؟ وهل يضع عند السجود شيئاً على جبهته أم لا؟
ــــــ[165]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
فهذه أحكام تأتي في باب الركوع والسجود، وليس الآن محلّ بحثها.
قال المحقّق: «وإذا عجز عن القعود صلّى مضطجعاً (1).فإن عجز صلّى مستلقياً، والأخيران يوميان لركوعهما وسجودهما(2)، ومن عجز عن حالة في أثناء الصلاة انتقل إلى ما دونها مستمرّاً، كالقائم يعجز فيقعد(3) والقاعد يعجز فيضطجع، والمضطجع يعجز فيستلقي، وكذا العكس(4)» (5).
[كلام في كيفية السجود]
قال المحقق: «ومن لا يقدر على السجود يرفع ما يسجد عليه، فإن لم يقدر أومأ(6). والمسنون في هذا الفعل شيئان:
أن يتربّع المصلّي قاعداً في حالة قراءته، ويثني رجليه في حال ركوعه. وقيل: ويتورّك في حال تشهده»(7).
ــــــ[166]ـــــــ
(1) وهذا الذي يفهم منه التخيير بين الجانبين؛ لأنّه لم يذكره بصراحة (منه).
(2) لتعذر الركوع والسجود الاعتيادي، ولم يذكر أنّه يمكن الإيماء بالرأس أو بالعين أو أنّه مخيّر بينهما أو أنّه ينصرف إلى الإيماء بالرأس (منه).
(3) ولم ينصّ على الاعتماد (منه).
(4) مع صعوبة الاستقبال (منه).
(5) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(6) ومراده السجود الاعتيادي، وأمّا الإيماء فكأنّه لا يحتاج إلى وضع شيء على الجبهة، في حين هو منصوص في رواية معتبرة -على ما أتذكر- إلاّ أنه منصوص في التمدد خاصّة (منه).
(7) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
وفي صحيحة حمران عن أحدهما قال: «كان أبي إذا صلّى جالساً تربّع، فإذا ركع ثنى رجليه»(1).
وفي الجواهر ينقل الإجماع على استحبابه وعلى عدم وجوبه(2) إلاّ أنّه يشكك في معناه ويحتمل أنّه يرفع فخذيه، وأنّه هو جلوس القرفصاء المنقول عن النبي’ أنّه أحد جلساته الثلاثة. واحتمال أنّه جلوس العبد المتهيئ للامتثال.
والظاهر أنّ هذا الكلام كلّه لأجل موافقة السيرة المظنون صعودها إلى زمن المعصومين. والظاهر بعد ضمّ السيرة إلى الرواية أنّها لا تدلّ على الاستحباب، بل على الجواز، كما في رواية: «كان أبي يصلي نافلة العشاء قائماً» أو «كان الإمام الكاظم إذا خاف عليه الحال قلل من النوافل» ونحو ذلك.
ولا ينافيه استحباب التورّك، وهو إخراج القدمين إلى الجانب الأيسر، والجلوس على الورك الأيمن؛ لأنّه يُقال:
1- إنّ التورّك يكون متى ما أختار جلسة التشهد، فإذا اختار التربّع ارتفع موضوعه، ولا يجب، ولا يستحب إيجاد الموضوع.
2- إنّ التورّك مأمور به في موارد معينة، وليس خلال القراءة للجالس، بل للمتشهد، والظاهر أن بعض الأخبار دالّة عليه كأخبار الصلوات البيانية، فنسبته إلى القيل غريب.
ــــــ[167]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص502 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(2) جواهر الكلام: ج9 ص283 ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
ــــــ[168]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الفهرس
مبحث تكبيرة الإحرام 9
الكلام في النقطة الأولى: وجوب التكبيرة 9
[الاستدلال على الوجوب] 9
[في أن المراد بالتكبير لفظ (الله أكبر)] 10
الدليل الأول: الارتكاز المتشرعي 10
الدليل الثاني: التمسك بالاستصحاب القهقري 11
مناقشة 11
جواب المناقشة 11
الدليل الثالث: [الفهم المتلقى عن صاحب الشرع] 11
الدليل الرابع: التمسك بالمادة اللغوية 12
مناقشة 12
[أطروحة المفهوم الإرتكازي] 14
ــــــ[169]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الكلام في النقطة الثانية: ركنية التكبيرة 15
الجهة الأولى: الكلام في نقاص التكبيرة 16
الاستدلال بالإجماع 17
الاستدلال بالسنة 18
البحث على وفق الطائفة الأولى [الدالة على الوجوب] 18
لسان: «تحريمها التكبير». 18
كلام في السند: 19
كلام في الدلالة: 19
[تقريبان في القول: (لا صلاة بدون افتتاح)] 19
التقريب الأول: عرفي. 19
التقريب الثاني: متشرّعي. 20
لفت نظر: 20
إشكال دلالي 22
مطالب أخرى 24
المطلب الأول: [في احتمال أن وحدة السياق مشترطة بالأكثرية] 24
ــــــ[170]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
المطلب الثاني: [قوله (تحريمها) قرينة على مجازية الافتتاح] 24
[لسان: «لا تفتتح الصلاة إلّا بها»] 25
مناقشة سندية: 25
تقريب الدلالة: 25
[لسان: «أنف الصلاة التكبير»] 27
متن الرواية: 28
[لسان: «التكبير مفتاح الصلاة»] 28
مناقشة سندية 28
دلالة الرواية 29
[لسان: «تجزيك من الصلاة تكبيرة»] 30
الرواية الأولى: 30
كلام في السند. 31
الرواية الثانية 31
الرواية الثالثة 31
كلام في السند 31
ــــــ[171]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
كلام في الدلالة 31
مناقشة الاستدلال 32
الإشكال الأول: [عدم إمكان الاستفادة من مفهوم المخالفة] 32
[الإشكال الثاني: [مفهوم الوصف واللقب بنحو الكبرى الكلية ممنوع] 33
ألفات نظر 33
[لسان: «وجوب الإعادة مع نسيان التكبيرة»] 37
الكلام وفق القاعدة العامة: [في قوله «يعيد» و «يعيدها»] 38
[بطلان الصلاة بترك التكبيرة عمداً] 39
النصوص الدالة على ركنية التكبير 40
الرواية الأولى 40
الرواية الثانية 41
الكلام في كيفية تحصيل اليقين العرفي وطريقه 41
الرواية الثالثة 42
[الكلام في السند] 42
ــــــ[172]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
وأما دلالةً 42
لفت نظر 44
الرواية الرابعة: سألته عن الرجل ينسى أن يكبّر حتّى قرأ؟ قال: يكبّر 45
الكلام في دلالة الرواية 45
نتيجة الأبحاث 46
الجهة الثانية: الطائفة الدالة على صحّة الصلاة مع ترك التكبيرة نسياناً 46
النصوص في المسألة: 47
الرواية الأولى: [الرجل ينسى أوّل تكبيرة من الافتتاح…] 47
كلام في السند 48
كلام في الدلالة 48
[أطروحات في دلالة الرواية] 48
الأطروحة الأولى: حمل الرواية على تكبيرة الإحرام. 48
الأطروحة الثانية: [حلمها على التبعيض، فيكون المنسي مستحباً] 49
الأطروحة الثالثة: [حملها على التكبيرات المستحبة داخل الصلاة]. 50
ــــــ[173]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
زيادة بيان في الدلالة 52
[فيما إذا ذكر التكبيرة بعد الصلاة: «فليقضها ولا شيء عليه»] 54
الاحتمال الأول: [إرجاع الضمير إلى الصلاة] 54
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد هو قضاء التكبيرة 55
الاحتمال الثالث: [يقضي التكبيرة في محلها] 57
الرواية الثانية: [سألته عن رجل نسي أن يكبّر حتّى دخل في الصلاة] 58
[كلام في السند] 58
ومن جهة الدلالة 59
الرواية الثالثة: [«قوله: إن ذكرها وهو قائم قبل أن يركع فليكبّر»]. 60
كلام في الدلالة 61
[وجوه لتصحيح فهم الرواية] 62
الوجه الأول: أن نحمل قوله: «صلاته» على كلي الصلاة 62
[مناقشة في موافقة هذا الوجه مع الطائفة الأولى] 63
الجواب الأول: إن الرواية تدخل في طرف المعارضة 63
الجواب الثاني: [حملها على الشك في تكبيرة الافتتاح دون اليقين] 64
ــــــ[174]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الوجه الثاني: [حملها على طبيعي الصلاة وماهيتها] 64
الرواية الرابعة: [الإِنسان لا ينسى تكبيرة الافتتاح] 65
الفهم الأول: الإخبار المحض 65
الفهم الثاني: [ان نفصل بين (لا) وما بعدها بنقطة] 67
الفهم الثالث: [أنها جملة إخبارية نافية في مورد الإنشاء] 67
طرق حلّ التعارض 68
الوجه الأول: الالتزام بإسقاط الطائفة الثانية [الدالة على الجواز] 69
مناقشة 69
الوجه الثاني: نلتزم بان مضمون هذه الروايات قطعي العدم أو اطمئناني العدم 69
الوجه الثالث اخراج الروايتين عن اقتضاء الدلالة 69
مناقشة 70
الوجه الرابع: [تقييد الطائفة الأولى التي تقول بالبطلان بالثانية بالجواز للناسي] 70
الوجه الخامس: الالتزام باستقرار التعارض ومن ثم التساقط 71
ــــــ[175]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
الوجه السادس: الالتزام بمضمون الطائفة الأولى التي تقول بالبطلان 71
إلفات نظر 71
الرواية الخامسة: [قوله: «…الله أكبر -إلى أن قال- لا تفتتح الصلاة إلاّ بها»] 73
كلام في السند 73
كلام في الدلالة 73
الرواية السادسة: [«كان رسول الله أتمّ الناس صلاةً وأوجزهم.. »] 74
النقطة الأولى: [الحمل على التمامية في الأفعال الواجبة، والتمامية المعنوية] 74
الجواب الأول 75
الجواب الثاني 75
النقطة الثانية قوله: «كان إذا دخل في صلاته قال الله أكبر….» 75
محل الاستدلال 76
تقييم الاستدلال بالأخبار 76
تتمّة في بيان المطلوب 78
ــــــ[176]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
[تتمة في منشأ الارتكاز هنا] 79
المستوى الأول: [وجود هذا الارتكاز في زمن الأئمة] 79
المستوى الثاني: [ان الفقهاء قد تلقوا هذه الفكرة عن المعصومين] 79
الأصل العملي 80
الإتيان بمعنى التكبيرة 80
في الإخلال بحرف من التكبيرة 81
اللحن في التكبيرة 82
اللحن جهلاً أو نسياناً 82
العجز عن غير الملحون 83
الأمر الأول: [ذكر الأعجم من باب المثال الأغلب] 84
الأمر الثاني: [اختلاف لفظ طبعتي الشرائع بين (الأعجم) و(الأعجمي)] 84
ذوو الأعذار 85
مدلول خبر: [«إنّك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح…»] 87
ــــــ[177]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
كلام في السند 87
كلام في الدلالة 88
جواز البدار 88
[العجز عن التعلّم] 89
الترجمة 90
الدليل الأول: الإجماع 90
الدليل الثاني: النصوص 91
الدليل الثالث: قاعدة الميسور 91
الأخرس 92
المستوى الأول: [الخرس الجزئي] 93
المستوى الثاني: [الخرس الكلي] 93
الترتيب في كلمتي التكبير. 94
مبحث القيام 97
[عرض قول صاحب المصباح في القيام] 97
[الجواب على ما أورده الهمداني] 99
ــــــ[178]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
[بحث لغوي في (القيام)] 101
[أحكام القيام] 103
[في وجوب القيام] 103
[القيام قبل الركوع] 104
[تصور زيادة القيام بعد الركوع] 107
[الكلام في شرطية القيام حال القراءة والتسبيحات] 107
[استحباب القيام حال القنوت] 109
[كلام في القيام مستقلَّاً دون اعتماد] 111
[ادلة المشهور على القيام مستقلَّاً] 111
[اخبار المنع] 112
أخبار الجواز 113
بحث لغوي في (خمرك) 114
[مناقشة في دلالة رواية ابن بكير(الاتكاء)] 115
وجوه الجمع [بين الاخبار] 116
[مناقشة (التخصيص بخصوص العجز والمرض] 118
[الاستدلال على الجواز بطائفة أخرى] 119
ــــــ[179]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
[دوران الأمر بين الاعتماد والجلوس] 121
[الكلام في الاخبار المعارضة] 122
[في تعيّن القيام مع الاعتماد لركنية القيام] 124
[الكلام في قاعدة (لا تُعاد)] 124
[مناقشة المحقق في إمكان القيام في بعض الصلاة] 125
[مناقشة أدلة الهمداني] 127
[مناقشة الاستدلال بصحيحة جميل «إذا قوِيَ فلْيقمْ»] 127
[فيما يُقدّم في القيام مع التعذر عن بعضه] 128
[مناقشة ترجيح القيام للركوع] 129
[الصلاة قاعدا مع تعذر القيام] 133
[حدّ جواز القيام] 134
[مناقشة دليل الهمداني حول تعيّن القيام أو الجلوس أو المشي] 137
[كلام في الأصل والوصف] 138
[كلام في قاعدة الميسور] 141
[كلام في الركوع عن قيام (وركوع الجالس)] 143
[حدّ وكيفية ركوع الجالس] 146
ــــــ[180]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر
[كلام في الاضطجاع مع العجز عن القعود] 148
[الكلام في تكليف المصلي مع العجز عن القعود] 151
[الكلام لغة في (ضجع) و(رقد) و(استلقى)] 160
[نتائج عدم ثبوت التخيير بين الجانبين] 161
[كلام في عدم تعّين أي شكل] 162
[كلام في استقبال القبلة في غير الأوضاع الثلاثة] 164
[كلام في كيفية السجود] 166
الفهرس 169
ــــــ[181]ـــــــ
بيان الفقه ج5، محمد الصدر