أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
بيان الفقه/ ج6

بيان الفقه: مبحث القراءة 

مبحث القراءة
الرابع من أفعال الصلاة: القراءة
[وجوب القراءة]
وهي واجبة، والاستدلال على القراءة في الجملة يعني على وجوب الفاتحة.
ويمكن أن يُستدلّ على وجوبها في الجملة بالأدلّة الثلاثة: الكتاب والسنّة والإجماع.
[دليل الاجماع]
أمّا الإجماع: فحاصل قطعاً، بل هي من ضروريات الفقه، بل لعلّها من ضروريات الدين. ولا يوجد من يخالف فيها من كلّ مذاهب المسلمين؛ لأنّ معنى القراءة -في الجملة- وجوب الحمد، وهو كذلك، سواء قلنا بوجوب السورة بعدها أم لا.
[دليل الكتاب]
وأمّا الكتاب: فقوله تعالى: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ(1) بعد العلم بأنّه لا وجوب في غير الصلاة، كذا في الجواهر(2) وكأنّه استدلال بنحو القياس الاستثنائي، حيث نأخذ مسلّماً فهم الوجوب من الصيغة، فإن فهمنا الأعمّ من الصلاة كان خلف فهم الوجوب، فيتعيّن كونه في الصلاة.
ــــــ[11]ـــــــ
(1) المزمل: 20.
(2) جواهر الكلام: ج9 ص285 ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وهذا من فهم الموضوع من المحمول، في حين يمكن فهم المحمول من الموضوع، فإنّ أحدهما قرينة على الآخر، فإن فهمنا منه مطلق القراءة كان الأمر لمطلق الطلب.
وأجاب عنه في الجواهر أنّه لو أراد الصلاة استلزم التكلّف بإخراج ما عدا الصلاة وما عدا الفاتحة أو هي والسورة ممّا تيسّر، وإرادة الوجوب الشرطي والشرعي من الأمر على فرض العموم للفرض والنفل، يعني وهو خلاف الظاهر(1).
أقول: ينتج من ذلك أنّه لابدّ من حمل الأمر على جامع الطلب حتّى لو قلنا بشموله للصلاة، وحتّى لو قلنا بأنّ المراد به الحكم الوضعي؛ لشموله للسورة في النافلة، وهي مستحبّة قطعاً، مضافاً إلى استثناء الأكثر المستقبح، وهو ما كان خارج الصلاة.
[كلام في وجوب قراءة القرآن في ركعتي الفجر]
وقال في المستند: «لا إشكال ولا خلاف من أحد من المسلمين في وجوب قراءة القرآن في ركعتي الفجر»(2).
أقول: وكأنّه استدلال بقوله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً(3).
ــــــ[12]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص262 من الموسوعة.
(3) الإسراء: 78.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ويرد: أوّلاً: أنّ التفسير المشهور لقوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ(1) أنَّ المراد بقرآن الفجر هو صلاة الصبح لا القراءة خلالها.
ثانياً: أنّ (أقم) وإن كان ظاهراً بالوجوب، إلاّ أنّه في سياق الاستحباب؛ لأنّه يقول: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ(2) ثُمَّ يقول: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً(3) ويقول: وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً(4).
وكلّها استحبابية من الناحية الفقهية قطعاً، وهي عديدة، فتكون قرينة على استحباب ذاك الواحد.
فإن قلت: فإنّنا نضمّ إليها الدليل على وجوب القراءة.
قلنا: إذن يكون ذاك الدليل هو التامّ وليس هذه الآية وحدها.
[في قوله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ]
ثالثاً: أنّنا قلنا في فصل الأوقات إنّ هذه الآية غير دالة على أوقات الصلاة، فإن كان هناك صلاة فهي ليست الفريضة، بل صلاة مستحبّة.
مضافاً إلى أنّه يقول: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ فيغيّر عنوان الصلاة إلى عنوان القرآن
ــــــ[13]ـــــــ
(1) الإسراء: 78.
(2) الإسراء: 79.
(3) الإسراء: 80.
(4) الإسراء: 81.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
إثباتاً، وهو دليل تغيّر القصد ثبوتاً.
ووَقُرْآنَ الْفَجْرِ منصوب، فلو كان ظرف مكان أو زمان لكان وجهاً للمشهور، أي: أقم الصلاة عند قرآن الفجر، ويحمل على رؤية الفجر، إلاّ أنّ هذا يقابله احتمال أنّه مفعول به، يعني: اقرأ قرآن الفجر أو أقم قرآن الفجر فيكون دالاً على نفس القرآن للصلاة.
رابعاً: أنّ ضمّ الإجماع إلى القرآن بلا موجب، فلو تنزّلنا عن الإشكالات السابقة كفت الآية عن الإجماع، وإنّما يصار إليه فيما لا نصّ فيه، وإلاّ كان مدركيّاً، ولا توجد قاعدة في الكتاب الكريم أنّ الإجماع جابر للظهور كما قيل في السنّة، على أنّنا في السنّة نفيناه، فكيف في الكتاب.
خامساً: أنّه يقول: «من أحدّ من المسلمين»(1) وهو غريب؛ لأنّ الإجماع إنّما يؤخذ من المجتهدين لا من أفراد الناس. نعم، أفراد الناس تعرف منهم السيرة، وليس مراده السيرة، بدليل أنّه ذكرها في كلامه بعد ذلك.
إذن: فمراده هنا الإجماع الفتوائي، وهو إنّما يؤخذ من أهل الفتوى، لا من غيرهم.
[دليل السّنّة]
وأمّا السنّة الشريفة فعدد من الصحاح سنداً والظاهرة دلالة، وهي عديدة بحيث يمكن أن نعتبرها مستفيضة.
منها: أبواب القراءة من قبيل رواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر قال:
ــــــ[14]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص262 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
«سألته عن الذي لا يقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته؟ قال: لا صلاة له إلاّ أن يقرأ بها في جهر أو إخفات، قلت: أيّما أحبّ إليك إذا كان خائفاً أو مستعجلاً يقرأ سورة أو فاتحة الكتاب؟ قال: فاتحة الكتاب»(1).
وهي دالة على نفي الماهية أو الصحّة، وأمّا الدلالة على نفي القبول أو الثواب في عدم الصلاة في المسجد فهو بقرينة خارجيّة، كما أنّها واضحة بالحكم الوضعي، وفيها كفاية.
ورواية سماعة قال: «سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب
-إلى أن قال- فليقرأها ما دام لم يركع فإنّه لا قراءة حتّى يبدأ بها في جهر أو إخفات»(2) إلى نهاية الباب.
وكلّها ظاهرة في نفي الماهيّة، ومنه نعرف أنّ مضمون: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب» ليس فقط معتبر السند، بل مستفيض.
واستدلّ في المستند(3) بصحيحة حمّاد(4) في الصلاة البيانية، وهي في أبواب أفعال الصلاة، بقرينة قوله في نهايتها: قوله: «هكذا فصلّ» الظاهر في الوجوب، وهو غريب غاية الغرابة؛ لأنّه محفوف بأضعافه من المستحبات. مضافاً إلى سياقه نفسه، وهو يعلم بذلك، إلاّ أنّه استدلال صوري أكيداً.
ــــــ[15]ـــــــ
( 1) الوسائل: ج6 ص37 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص38 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مستند العروة الوثقى: ج14 ص52 من الموسوعة.
(4) الوسائل: ج5 ص495 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[الاخبار المعارضة للوجوب]
والمعارضة المحتملة لاحظ أبواب القراءة من قبيل رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: «سألته عن رجل افتتح الصلاة فقرأ سورة قبل فاتحة الكتاب ثمّ ذكر بعدما فرغ من السورة؟ قال: يمضي في صلاته ويقرأ فاتحة الكتاب فيما يستقبل»(1).
– ورواية زرارة عن أبي جعفر  أنّه قال: «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود، ثمّ قال: القراءة سنّة والتشهّد سنّة، ولا تنقض السنّة الفريضة»(2).
يمكن حمل الفرق بين القسمين في رواية (لا تعاد) على أنّ الخمسة تشمل العمد والسهو والنسيان، بخلاف الباقي، إلاّ أنّه ينقض بالتكبيرة والوقت (لأنّه لا تصدق الإعادة إلاّ إذا صلّى قبل الوقت) وعدم الموالاة العرفية (الصلاة غير متحقّقة). كما يمكن الفرق أنّ الخمسة تشمل العالم والجاهل، يعني: لا يُعذر منها الجاهل قاصراً كان أم مقصراً، بخلاف الباقي، فإنّ الجاهل القاصر فيها معذوراً إذا جاء بالخمسة كاملة، وهو المراد من قوله: «ولا تنقض السنة الفريضة» يعني: لا ينقض نقصها ومبطلاتها صحّة الخمسة. كما يمكن تقييدها بكلّ تلك القيود، كما هو المشهور.
وعلى أيّ حال لا يتحصّل منها أنّ معنى السنّة هو الاستحباب؛ لتقع في
ــــــ[16]ـــــــ
(1)الوسائل: ج6 ص89 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(2)الوسائل: ج6 ص91 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
طائفة المعارضة، بل السنّة أصلاً هو الطريق، وسنّ يعني: عمل الطريق، وإنّما سمّي طريقاً لأنّه يُطرق بالأقدام، وإلاّ فهو سَنَن. والأسلوب الحياتي طريق معنوي، والشريعة أسلوب حياتي، فهي طريق، وهي حاوية على الواجب والمستحبّ، فيكون معنىّ السنّة الأعمّ منهما.
نعم، لو أردنا أن نستدلّ بها على وجوب القراءة لما أمكن؛ ولذا لم نستدلّ بها في طائفة الوجوب، ولكنها غير دالّة على الاستحباب لتكون معارضة، بل دالّة على الجامع، وبضمّ طائفة الوجوب أو الارتكاز أو الإجماع على الوجوب يمكن حملها على الوجوب.
ورواية زيد بن علي قال: «صلّيت مع أبي المغرب فنسي فاتحة الكتاب في الركعة الاُولى فقرأها في الثانية»(1).
يحتاج إلى ضمّ استحالة النسيان على المعصوم؛ لينتج جواز الترك، وهي ضعيفة السند. وقوله: «فقرأها في الثانية» لعلّه يدلّ على أنّه قرأها مرّتين.
ويمكن القول: إنّ النسيان ممكن عليه بإرادة خاصّة من الله سبحانه لأجل بيان الحكم.
[أوجه الجمع بين الأخبار]
وأمّا وجوه الجمع -لو سلّمنا بهذه الطائفة-:
1- تقديم المستفيض أو المتواتر على هذا العدد القليل، وخاصّة إذا التفتنا أنّها معارضة واحدة هي رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال:
ــــــ[17]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص92 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
«سألته عن رجل افتتح الصلاة فقرأ سورة قبل فاتحة الكتاب ثمّ ذكر بعدما فرغ من السورة؟ قال: يمضي في صلاته ويقرأ فاتحة الكتاب فيما يستقبل»(1).
والباقي إمّا ضعيف سنداً أو دلالة.
2- إنّ الإمام  يقول «يمضي» في جوٍ واضح الوجوب. إذن فهو يريد الوجوب، ولا يمكن أنّه أفتى بخلافه، فيحمل على ما يناسبه، ولو أنّ المراد من قوله: «فيما يستقبل» يعني: قبل الركوع.
3- حملها على من ذكر بعد الركوع، كما حملها في الوسائل، فإنّه أيضاً بعد الفراغ من السورة في الجملة، إلاّ أنّ هذا وحده خلاف الظاهر جزماً، إلاّ أن نضمّ إليه الارتكاز السابق.
فثبت أنّ الحمد واجبة، فثبت أنّ القراءة واجبة، يعني الكلّي، لكنّه مطبّقاً على هذا الجزئي، وبثبوت الجزئي يثبت الكلّي دون العكس.
[الكلام في محلّ القراءة]
يبقى الكلام في محلّ القراءة، والمشهور أنّه الركعة الأولى والثانية من كلّ صلاة؛ ولذا قال المحقّق: «في الثنائية وفي الأوليين من الثلاثية والرباعية»(2).
وفي ذلك أسلوبان للاستدلال:
أحدهما: أنّ نستدل بما دلّ على وجوب قراءتها في الركعتين الأوليين.
ــــــ[18]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص89 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(2) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ثانيهما: أن نستدلّ على عدم وجوبها في الباقي، فيتقيد الإطلاق في الأولتين أيضاً. ولا يوجد في المصادر أية إشارة إلى محاولة الاستدلال على ذلك إطلاقاً، وإنّما يستدلون على كلّ وجوب القراءة في الصلاة فقط، ويأخذون محلّها مسلّماً وهذا شامل للجواهر والمصباح والمستند والمستمسك، كلهم على قلب واحد من هذه الناحية، كان ثبوت وجوب أصل القراءة يكفي في ثبوتها في محلّها المعروف، وهذا في نفسه صحيح إلاّ أنّه مع ذلك يحتاج إلى إشارة واستدلال ولو مختصراً.
ومن الطريف أنّنا نجد أنّ الأخبار أيضاً غير دالّة عليه، وإنّما تذكر وجوب القراءة وتفاصيلها بدون ذكر مواضعها، سوى أن الحرّ العاملي في (الوسائل) يعنوّن بعض الأبواب بأنّها في الركعتين الأوليتين، ويعتبر أنَّ ثبوت المطلق كافٍ في ثبوت المقيد، ونحن نشير فيما يلي إلى المرحلتين من الاستدلال:
المرحلة الأولى: في وجوبها في الركعتين الأوليتين -بالمعنى الأعمّ-: ولابدّ هنا -بعد فقد الدليل اللفظي- أن نستدلّ بالأدلّة اللبيّة القاطعة للأصول العملية المؤمنة:
1- الإجماع، وهذا ينبغي أن يكون مسلّماً.
2- السيرة العملية، وهي أكيدة حتّى في أشخاص المعصومين.
3- الارتكاز المتشرعي، والظاهر أنّ هذا هو الذي جعل علماءنا يشعرون بأن ارتباطه الكلّي كافٍ في إتيان الجزئي، أي محلّ القراءة؛ لأنّ هناك تسالماً بين المتكلم والسامع على ذلك، ووضوحاً في الذهن. إلاّ أنّ هذا لا يعني الإعراض عن الاستدلال، وعن ذكر الوجه في هذه الملازمة.
ــــــ[19]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
والأمر بهذا المقدار لا يكفي إلاّ مع القناعة بأنّ هذه الأدلة وخاصّة الإجماع والارتكاز قاضٍ بالقول ببطلان الصلاة مع عدمها، وإلاّ فإثباتها إجمالاً مع عدم الالتفات إلى تسبيب الترك للبطلان لا يكفي هنا.
ويمكن الاستدلال بطريق آخر بأن يُقال: إنّ الكلّيّ الذي أثبتته نصوص الأخبار المتواترة مشكّك بين أن يكون في كلّ الركعات أو الأولتين، والقدر المتيقّن هو الأولتين، فتكون حجّة فيها.
كما أنّها من ناحية أخرى إذا حصل التشكيك بأنّ الأخبار لم تذكر محلّ الفاتحة من أنّه القيام أو الركوع أو السجود مثلاً، كان القدر المتيقّن متشرّعياً هو القيام، فتكون مختصّة به، ويكون الباقي مجرى للبراءة، أو للأدلة الأخرى.
[المرحلة الثانية] وأمّا الكلام في المرحلة الثانية من الكلام وهو عدم وجوبها في الركعتين الأخيرين -بالمعنى الأعمّ- فهو مما يأتي في محلّه، إلاّ أنّه أيضاً قليل الأدلّة اللفظيّة، والثقل فيه أيضاً على الأدلّة اللبيّة، إلى حدّ قد يُقال: إنّ السيرة بالتسبيح فيها مردوع عنها بإطلاقات القراءة في الصلاة، فتجب القراءة في الركعات الأربع عند القيام، وهو إطلاق واضح في نفسه، غير أنّه يجاب:
1- بانصراف أدلّة القراءة إلى الأولتين بعد ضمّ الارتكاز والسيرة إليه، لا في نفسه.
2- تقييده بما دلّ من الأدلة اللفظيّة واللبيّة على عدم وجوب الحمد في الأخيرتين، فإنّ النسبة بينهما هي العموم المطلق، فيتقيّد الأعمّ منهما، لا أنّه يكون ناهياً عنه. وهذه نتيجة واضحة متشرعيّاً أيضاً.
ــــــ[20]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وعلى أيّ حال فالقراءة بالحمد في كلّ الركعات جائزة بلا إشكال.
قد يُقال: أنّه يمكن الاستدلال بالسنّة لمحلّ سورة الحمد، وذلك بألسنة متعدّدة، منها: صحيحة حمّاد في تعليم الصلاة، وفيها: قرأ الحمد بترتيل. وهي في أبواب أفعال الصلاة(1).
ومنها: رواية زيد الشحام في تعليم الصلاة في المعراج(2).
ومنها: رواية صفوان(3).
ومنها: الرواية الواردة في عبارات الإمام الرضا(4).
ومنها: ما دلّ على نيابة الإمام في الجماعة في القراءة(5).
ومنها: ما دلّ على جواز الالتحاق بعد القراءة وقبل الركوع أو في الركوع في الجماعة(6).
ومنها: ما دلّ على قراءة سورة الجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة(7).
ومنها: ما دلّ على تقطيع السورة في صلاة الآيات -لو اعتبرناها ركعتين-(8).
ــــــ[21]ـــــــ
(1) الوسائل: ج5 ص495 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص54 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج6 ص57 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج6 ص124 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(5) الوسائل: ج8 ص353، ط مؤسسة آل البيت.
(6) الوسائل: ج8 ص381، ط مؤسسة آل البيت.
(7) الوسائل: ج7 ص343، ط مؤسسة آل البيت.
(8) الوسائل: ج7 ص495، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ومنها: ما دلّ على جواز حذف السورة في الاستعجال(1).
ومنها: ما دلّ على جواز حذف الحمد في النسيان(2).
وكذلك ما دلّ على تعيينات استحبابية للسور في بعض النوافل وبعدد معين(3).
ومنها: ما دلّ على التسبيحات بعد القراءة في صلاة جعفر(4).
وبالتالي فإنّ للقراءة أحكاماً عديدة، وكلّ ما ورد منها في ذلك فهو دالٌّ على المطلوب.
وجوابه: أنّنا لو ضممّنا الارتكاز إليه بمعنى التسالم الضمني الواضح في مجلس التخاطب، والممضى من قبل المعصوم في ذلك، كانت دالة فعلاً. وأمّا مع تجرّدها عن ذلك فستكون ناقصة حتماً؛ لأنّها إمّا فعل المعصوم وهو لا يدلّ على الوجوب، وإمّا كون القراءة موضوع المسألة لا محمولها كما في نيابة الإمام وغيرها، حيث أخذت مسلّمة حسب دليلها الأسبق رتبة، ونحن لا نعلم -على الفرض- مقدار دلالة ذلك الدليل.
ولو أخذنا التسالم الضمني بنظر الاعتبار أمكن أن تكون كلّ الروايات الواردة في كتاب الصلاة دالّة على ذلك، حتّى لو تحدثت عن الركوع أو السجود؛
ــــــ[22]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص39، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص89 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج6 ص129، 130 – 131، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج8 ص49، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
للتسالم بين المتكلّم والسامع على صورة الصلاة التفصيلية الاختيارية، بما فيها قراءة الحمد والسورة. وهذا ممّا لا يحتمل القول به.
[وجوب قراءة الحمد على وجهها الصحيح]
قال المحقّق: «وتجب قراءتها أجمع، لا يصحّ الصلاة مع الإخلال ولو بحرف واحد منها عمداً حتّى التشديد»(1).
يكفي في ذلك دليلاً الدليل الذي تعبّدناه: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب»(2) «ومن لم يقرأ بالحمد فلا صلاة له»(3).
بتقريب: أنّ الحمد بالحمل الشايع قرآن موحى، فلا بدّ من مماثلة المقروء للموحى، فإذا لم تحصل المماثلة لم يكن هذا سورة الحمد حقيقة بالحمل الشايع، وإن كان الاختلاف قليلاً.
وفي صورة الحذف يُقال: إنّه قرأ بعض السورة، وهو خلاف إطلاق النصوص. وكذلك يصدق البعض مع التغيير؛ لأنّ الصحيح منه هو البعض، وأمّا المتغيّر فالصحيح محذوف، والموجود مباين.
فإن قلت: أنّه يكفي الحمل العرفي بأنّها سورة الحمد، ولا شكّ أنّه ينطبق حتّى مع الغلط أو النقص القليل.
ــــــ[23]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) نهاية الأحكام: ج1 ص161، ط إسماعيليان.
(3) الوسائل: ج6 ص38، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
قلنا: نعم، ولكنّه غير مجزئ، بل لا بد من الدقّة، بل حتّى العرف لو التفت إلى النقص لم يجدها السورة كاملة، وعلى الشكل الذي نزلت وحياً. مضافاً إلى الإجماع بعدم كفاية الصدق العرفي مع النقص أو التحريف.
فإن قلت -من جهة أخرى-: إنّ الموحى به يصدق عرفاً مع الالتزام بالحروف والحركات، دون الفصاحة الدقّيّة والقلب والإدغام ونحو ذلك. والصدق العرفي كافٍ.
قلنا: إنّ مقتضى القاعدة الأوليّة وإن كان ذلك، إلاّ أنّها تخرج بالنصوص الفصيحة عموماً، وفي القرآن خصوصاً، بقرينة حالية تمنع عن ذلك. وذلك أنّها تدلّ على أنّ مبنى القرآن على الدقّة في الفصاحة، يعني: أنّه نزل هكذا يقيناً أو اطمئناناً، فقراءته على كلّ صورة أخرى تغيير له نحو الأردأ، وكذلك تغيير له عن الشكل الذي نزل به، وهو ممنوع.
فإن قلت: إنّه لا يوجد إحراز أنّه نزل هكذا أو هكذا؛ لاختلاف القراءات.
قلنا: إنَّه في المورد الذي يوجد تسالم -ولو نسبي- على القراءة، ولعلّه هو أكثر القرآن. بمعنى: أنّ إجماع القرّاء أو أكثرهم في قراءة معينة، لزم اتباعها، ولم يجز غيرها. وأمّا في المورد الذي لم يتحقّق فيه ذلك، بل كان الاختلاف في القراءات موجوداً.
فهنا كبرى وصغرى. أمّا الكبرى فهي أنّ كلّ قراءة كانت مشهورة في زمن المعصومين فهي حجّة، وهي القراءات السبع أو العشرة؛ لأنّهم أقرّوا ما هو مشهور، ولم يغيّروا، فتجري ما يشبه مقدّمات الحكمة: أنّهم كانوا يستطيعون
ــــــ[24]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
النهي عنه، ولم ينهوا عنه، إذن فهو صحيح. وخاصّة مع ورود الحديث: «اقرأوا كما يقرأ الناس»(1) فتكون كلّ قراءة مشهورة مشمولة لهذه الكبرى.
وأمّا غير المشهورة فيعني عدم دقّة الناس بها، فكأنّها غير موجودة، ولا حاجة إلى النهي عنها، فأنّها بنفسها منحسرة عن المجتمع بدون نهي. فالكبرى تامّة، على نقاش سوف يأتي.
[كلام في اثبات القراءة المشهورة]
إلاّ أنّ الكلام في الصغرى، وهو أنّنا لابدّ أن نثبت أنّ هذه القراءة -أيّاً كانت- قد كانت فعلاً مشهورة في عصر المعصومين، فهنا قد تقول: إنّ قراءة الكسائي مشهورة، أو أنّ القراءات العشر كانت مشهورة. وهذا معنى اطمئناني، إلاّ أنّ كون هذه القراءة هي قراءة الكسائي أو قراءة ورش أو غيرهما، لا يمكن إثباته بدليل معتبر، فإنّه إنّما ترويه الكتب العامّة، وليس في الكتب الخاصّة له أثر. إلاّ أن نطعن في وجودها أصلاً؛ لاحتمال تأخّرها عنهم.
نعم، بعض المنقولات قد يحصل الاطمئنان بها، فيكون بنفسه حجّة. وأمّا بدون حصول الاطمئنان فالمسألة لا تخلو من خدشة ومخالفة للاحتياط.
نعم، القراءة الاعتيادية جائزة بعنوان الرجاء، إلاّ أنّ ذلك لا يكفي في الصلاة؛ لجريان استصحاب اشتغال الذمّة.
نعم، لا يبعد أن تكون القراءة المتعارفة التي هي قراءة حفص عن عاصم،
ــــــ[25]ـــــــ
(1) الكافي: ج2 ص 633، ط دار الكتب الإسلامية.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
يمكن أن نقول اطمئناناً إنّها جامعة لهذه الشرائط؛ إذ يحصل الاطمئنان باشتهارها في عصر المعصومين ولو في ضمن السبعة المشهورة، كما يحصل الاطمئنان بصحّة نسبتها إلى صاحبها بالتسالم جيلاً بعد جيل على ذلك. وإلاّ لولا ذلك فالمسألة تبقى غير خالية من الإشكال، الأمر الذي قد ينتج لزوم قراءة القرآن برجاء المطلوبية أو برجاء الصحّة، ولا يجوز الجزم به.
[دليل حجّيّة القراءة المتعارفة أو غيرها]
يبقى الكلام -بعد الإشكال على كلّ القراءات- أن نبحث عن دليل حجّيّة القراءة المتعارفة أو غيرها(1).
ويتلخص في عدة وجوهٍ:
[مناقشة إحراز إقرار الأئمة للقراءات]
الوجه الأوّل: إحراز إقرار الأئمة لبعض القراءات، والفقهاء أحرزوا إقرارهم للسبعة، بل للعشرة، بل لكلّ قراءة مشهورة في زمنهم.
ــــــ[26]ـــــــ
(1) آثار حجّيّة القراءة:
1- جواز القراءة في الصلاة.
2- الفتوى بها كظهور قرآني معتبر.
3- جواز نسبته إلى الله تعالى بلسان الحال أو المقال. وعدم الإفطار في الصوم لو قرأ القرآن.
4- في النذر والإيجار ونحوهما من العناوين الثانوية.
5- في جواز كتابة القرآن على القراءة الحجّة، وتمكين الآخرين من القراءة بها.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وقلنا في جوابه: إنّ الشهرة وحدها لا تكفي؛ لأنّها قد تكون بين أبناء العامّة والدولة، ولم يُشَكِّلوا ظاهر المجتمع وأكثريته. ومعه، لابدّ في الإقرار من إحراز مقدّمتين:
1- أنّ القراءة مشهورة بين أصحاب الأئمة بحيث يستطاع النهي عنها لهم إذا كانت باطلة.
2- أنّه لم يكن لديهم قراءة أخرى عرفوها من الأئمة كما دلّت عليه بعض الروايات.
وإن كان يمكن القول بكفاية المقدّمة الأولى -وهي مجرّد الشهرة- فلو كان المشهور قراءتين أو أكثر كانت كلّها حجّة.
ولكن يأتي الإشكال من جهتين:
أوّلاً: لا يحتمل شهرة القراءات السبعة كلّها أو العشرة بين أصحاب الأئمة، وهم في وضع لا يحسد عليه، ونعلم أنّ اهتمامهم لم يكن في ذلك، وإنّما الاهتمام إمّا برزقهم أو بفقههم، وإنّما كان ذلك اتجاه أبناء العامّة. فالشهرة المفروضة إنّما تكون هناك، وإذا تمّ ذلك سقطت إحدى مقدّمات الإقرار وهو أنّه يستطيع أن ينهى؛ لأنّه لا يستطيع أن ينهى؛ لأنّه لا أمر لمن لا يطاع.
ثانياً: لو تنزّلنا عن المقدّمة الأولى وقبلنا من المشهور إقرار كلّ هذه القراءات فسيحصل محذور كون القرآن على أشكال مختلفة، وهو غير محتمل. فلو كان ذلك عند عامّة الناس لهان الأمر، ولكنّه يكون بإقرار المعصومين وإمضائهم، وهو غير محتمل ثبوتاً وإثباتاً؛ لأنّ خاصّتهم سيتعجبون من ذلك، وسيكون له انطباع سيئ في المجتمع.
ــــــ[27]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
فإن قلت: إنّ المجتمع اعتاد على ذلك منذ صدر الإسلام، كابن مسعود وغيره.
قلنا: نعم، إلاّ أنّ أصحاب الأئمة لم يعتادوا على ذلك، فإنّنا ننكر ولو احتمالاً أنّهم كانوا يقرءون على قراءات متعددة؛ ولذا كانوا مطمئنين من هذه الناحية.
وعلى أيّة حال فأيّة قراءة كانت جامعة لهذه الشرائط ومشهورة بين أصحاب الأئمة، وقد أقرّت من قبلهم، فلا شكّ أنّها حجّة. إلاّ أنّ الكلام في وجود الصغرى لها؛ لأنّ الاحتمال دافع للاستدلال.
وأنا أحتمل جدّاً أنّ الفقهاء يفكرون هكذا، لكن ليس لهم الشجاعة الكافية لبيانه من باب أنّه ليس كلّ ما يعرف يُقال، إلاّ أنّ هذا يلزم منه محاذير كثيرة في العبادات والمعاملات، وهم لا يفوتهم ذلك.
لكن ممّا يهوّن الخطب أنّ هذا المعنى لا يسري إلى صحّة الصلاة الفريضة؛ لأنّ الحمد والتوحيد فيها قراءة مشهورة، مطمئنّة الصحّة، وكذلك سورة القدر.
الوجه الثاني: أن نحتاط في قراءة القرآن، فنقرأ بالتكرار، كما لو كان الأمر مردداً بين القصر والتمام، فيجب الجمع بينهما، فكذلك هذا يكون مردداً فيجب الجمع بينهما، وإنّما يجب الجمع بين وجوه القراءات المشهورة التي تختلف باختلاف عرفي، لا مجرّد الغنّة والقلقلة والمدّ ونحوه، وهو قليل على أية حال، إلاّ أنّ صغراه صعبة الحصول، أي أنّها لا تثبت بدليل معتبر، فإنّ اختلافات القراءات كلّها منقولة في كتب العامّة، ولا أثر -حسب علمي- في كتب الخاصّة لها، فلا
ــــــ[28]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
تكون حجّة. أعني: من حيث انتسابها إلى صاحبها.
فإن قلت: فأنّهم يعملون بها في صلواتهم وفقههم ونحو ذلك، وهذا دليل اعتمادهم عليها، واطمئنانهم بها، فيكون سبباً لاطمئنانها.
قلنا: غاية ما يثبت حجّيّتها في نظرهم، إمّا سبب تلك الحجّيّة فغير معلوم، والمظنون -ولو احتمالاً- أنّهم يعتبرون النقل خبر الثقة، وهو حجّة، ومن المعلوم أنّه ليس ثقة لدينا كالسيوطي والجرجاني وأضرابهم. اللّهم إلاّ أن يصل نقل القراءة عن صاحبها بالاستفاضة جيلاً بعد جيل، وهو بعيد.
[مناقشة تطبيق (حجّيّة الظن الانسدادي)]
الوجه الثالث: أنّ نطبّق عليه كبرى حجّيّة الظن الانسدادي بعنوان أن طريق العلم إلى الحصّة الموحاة حقيقة متعذر، بل مُنسدّ تماماً، فيكون الظنّ حجّة. وصغراه محرزة، وهي وجود الظنّ بالصحّة في كلّ القراءات السبعة، بل العشرة، وإن لم يكن ظنّاً معتبراً.
وهذا قابل للمناقشة من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنّه شبهة موضوعيّة لا شبهة حكمية، والظنّ الانسدادي حجّة في الحكمية لا في الموضوعية. ويمكن أن يجاب بأحد شكلين:
1- أنّهم في الأصول وإن نصّوا على الشبهات الحكميّة إلاّ أنّهم لم ينفوا سريانه إلى الشبهات الموضوعيّة، أو قل: إنّ القدر المتيقّن هو الحكمية، إلاّ أنّ نتيجته شاملة لغيرها؛ لفرض أن مقدّماته تامّة فيها.
2- أنّ الشبهات الموضوعيّة فيها جهات حكميّة أو قل شبهات حكميّة في
ــــــ[29]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
مواردها، ونحن هنا لا نتكلّم عن ذات الموضوع، بل عن حكمه الشرعي. غاية الأمر أنّها حصة من قاعدة شرعيّة كحرمة الكذب على الله، وليست هي على سعتها.
الوجه الثاني: أنّ مقدمته في القراءات غير تامّة، فمثلاً من جملتها عدم إمكان تحصيل الاطمئنان بالفحص، وهنا يمكن تحصيله به.
جوابه: أنّنا نتكلّم في المورد الذي يتعذّر فيه تحصيل الاطمئنان ليكون هو الحجّة.
الوجه الثالث: أنّ نتيجة دليل الانسداد هو حجّيّة ظنّ واحد، وليس ظنون كثيرة، وفي المورد تكون الظنون متعدّدة بعدد القراءات، فيكون أجنبياً عن نتيجة دليل الانسداد.
قلنا: أوّلاً: هذا أيضاً بلا موجب ما دام منتجاً لحجّيّة مطلق الظنّ، فكلّ واحدٍ من هذه الظنون أو المظنونات تكون صغرى له، أو بتعبيرٍ آخر: تشملها المقدّمات بغض النظر عن القراءات الأخرى، فلكلّ قراءة دليل انسدادٍ بنفسه.
ثانياً: أنّنا يمكن أن نأخذ بأرجح الظنون على الإطلاق، فيكون حجّة، ويكون الباقي غير حجّة؛ لأنّ الترجيح عليه بالظنّ الأرجح ممكن وليس منسدّاً، فتنحصر الحجّيّة بأرجح الظنون.
فإن قلت: فإنّها كلّها راجحة، أو قلّ: هي بمستوى واحد.
قلنا:
1- لو سلّمنا وجب الأخذ بالمجموعة الأرجح.
ــــــ[30]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
2- إنّ السبعة أرجح من العشرة.
3- إنّ قراءة حفص عن عاصم وهي المشهورة هي الأرجح ظنّاً على الإطلاق، في حدود وجداننا الحالي على أيّة حال. والأمر يرجع إلى ظنّ المكلّف ووجدانه.
[كلام في تطبيق (أخبار المنع)]
الوجه الرابع -لحجيّة القراءات-: أن نطبّق عليها كبرى (أخبار من بلغ)(1) لوضوح أنّ القراءات بلغتنا عن رسول الله.
قلنا: ثواب ذلك وإن لم يكن رسول الله قد قاله. وبتعبير آخر: أنّه يمكن تجريد رسول الله عن الخصوصية؛ لأنّه إنّما بلّغنا عن الله سبحانه. والمهم هو البلوغ عن المولى الحقيقي أيّاً كان مصداقه، سواء من الله أو رسوله أو أحد المعصومين، وهذا واضح.
وصغراه محرزة؛ لأنّ كلّ واحدة من الروايات والقراءات واردة عن رسول الله، فإنّه لا يوجد غيره من أخبرنا عن الوحي مباشرة. ولا يوجد تخصيص أنّه بلّغه عن شيعي بل يشمل كلّ المسلمين، والقراءات بلّغت عنهم، ولا بأس بذلك.
وإذا تمّ هذا الوجه نفي الاحتياط الذي قلناه في الوجه الثاني من وجوب تكرار الكلمة ونحو ذلك، بل يكون كلّ واحدٍ معتبراً في نفسه؛ لأنّه صغرى للبلوغ، كما ينفي الاختصاص بظنّ واحد كدليل الانسداد.
ــــــ[31]ـــــــ
(1) لاحظ: قاعدة التسامح في أدلة السنن من القواعد الفقهية كمائة قاعدة للمصطفوي ومن الأصول الحلقة الثانية للشهيد محمد باقر الصدر.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
إلاّ أنّ هذا قابل للمناقشة من عدّة جهات:
الجهة الأولى: في مدلول أخبار (من بلّغ)، فإنّ مدلولها حصول الثواب، وليس الحجّيّة، كما يبتني عليه هذا الوجه.
الجهة الثانية: أنّ أخبار (من بلّغ) وإن شملت الظنون المتعددة، إلاّ أنّها لا تشمل الظنون المتعارضة، كما في القراءات، بعد اليقين بأنَّ الوحي واحد، فإذا تعارضت تساقطت.
فإن قلت: فإنّه بالرغم من التعارض فإنّه يبقى كلّ ظنّ وكلّ قراءة منها مشمولة في نفسها لأخبار (من بلّغ).
قلنا: نعم، لو تصوّرنا أنّ التعارض واقع في المرتبة السابقة عليها إلاّ أنَّنا ينبغي أن نلتفت إلى أنَّ التعارض كما يقع في المرتبة السابقة عليها يقع كذلك في المرتبة اللاحقة لها، فالموضوع وهو البلوغ وإن بقيّ محرزاً إلاّ أنّ المحمول وهو الحجّيّة -إن قلنا بها، كما هو مقتضى التنزّل عن الجهة الأولى- تكون ساقطة بالتعارض.
الجهة الثالثة: أنّ هذه الأخبار تعطي قاعدة عامّة للمستحبّات دون غيرها، أو قل: أنّ المشهور خصّها بالمستحبّات، ولذا قيل: التسامح بأدلّة السنن يعني المستحبّات، ولا يشمل الواجبات. والمقام من الواجبات، لا من المستحبّات؛ لأنّ قراءة القرآن تدخل موضوعاً أو متعلّقاً في عدد منها.
إلاّ أنّ هذا يجاب بأكثر من وجه واحد:
أوّلاً: أنّنا نتكلّم الآن عن خصوص الطرف المستحب وهو القراءة العامّة
ــــــ[32]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
للقرآن ونحوها، دون الواجب، وقد قلنا أنّ هذا الكلام كلّه أثره في الواجب قليل، بل لا يوجد.
ثانياً: أنّه لو كان له أثر في الواجب وجب الاحتياط بالتكرار لا محالة، ومع تعذّر الاحتياط يقتصر على الامتثال الاحتمالي برجاء المطلوبية، ولا تجوز النية القطعية بأنّ هذا الوحي الموحى نفسه.
[الكلام في قراءة الفاتحة في صلاة الاحتياط]
قال المحقّق: «القراءة وهي واجبة(1) ويتعين بالحمد في كل ثنائية»(2) وأحادية كركعة الاحتياط والوتر، ولو قال في الركعة الأولى والثانية كفى؛ لصدقها في كلّ الموارد.
ثم قال: «وفي الأولين من كلّ رباعية وثلاثية»(3).
وكلّ هذا قد سبق، والإشكال الوحيد في صلاة الاحتياط؛ لأنّها تقع بدلاً عن الركعة الثالثة والرابعة، فكيف يصحّ فيها القراءة بسورة الحمد أو يتعيّن فيها ذلك، مع أنّها غير متعيّنة في الثالثة والرابعة. وهذا أمر ليس هنا محلّه، بل في الخلل الواقع في الصلاة. ويكفينا الآن أمران:
أحدهما: الوضوح الفقهي بإجزاء الحمد في ركعات الاحتياط إلى حدّ يمكن
ــــــ[33]ـــــــ
(1) يعني بالوجوب الوضعي أو الشرطي، (منه).
(2) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثال.ثة
(3) المصدر السابق.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
أن تكون عليه الضرورة والإجماع.
وثانيها: أنّها أوفق بالاحتياط؛ لأنّ مقتضى البدلية هو جواز قراءة الحمد، فيمكن قراءتها إمّا على نحو الجواز أو على نحو الوجوب، ولا يجوز تبديلها إلى التسبيح؛ لأنّه مخالف لِكِلا هذين الوجهين.
[تتمة في وجوب قراءة الحمد أجمع]
قال المحقّق: «ويجب قراءتها أجمع»(1).
فلو أنقص منها شيئاً عن علم وعمد بدون تعويض بطلت صلاته؛ لأنّه يجب أن يأتي بجزئي من سورة الحمد بحيث تكون بالحمل الشايع كذلك يصدق عليها أنّها سورة الحمد الموحاة أو صورة مطابقة لها. فلو أنقص منها شيئاً لم يكن ذلك صادقاً فتبطل. وهذا أمر نأخذه بالدقّة كما قيل أنّه لو بقي من محلّ الغسل مقدار شعرة لم يغسل بطل وضوؤه أو غسله. وهو ليس دقّة عقليّة، بل عرفيّة؛ لوضوح أنّ النقص مهما كان يصدق عليه السلب عرفاً، وأنّها ليست هي السورة الموحاة، ونحن لا نقول في الشرعيات بالأعمّ، بل بالصحيح؛ لأنّ الشارع لا يطلب إلاّ الصحيح، فصورة السورة محفوظة إلاّ أنّ هذا لا يكفي، بل يحتاج إلى الدقّة من هذه الناحية.
والشيخ الهمداني اقتصر على قوله: «كما يشهد له الأدلّة المتقدّمة»(2).
ــــــ[34]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص105، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وهو غفلة منه عن إمكان صدق الفاتحة على الأعمّ للعرفي، والأدلة المتقدّمة دلّت على عنوان الفاتحة أو الحمد، وهو صادق على أيّة حال، لكنّه التفت لا شعورياً إلى أنّ المطلوب بها هو الفرد الصحيح.
ولا فرق في ذلك بين الزيادة والنقيصة والمتغيّر.
أمّا الزيادة فباعتبار أمرين:
1- الزيادة بقصد القرآن، فيحرم في نفسه، ويفسد السورة، ويفسد الصلاة. وهذا واضح.
2- الزيادة لا بقصد القرآن، أو قل لا بقصد الفاتحة، كما لو ذكر الله خلال القراءة أو قرأ آية من سورة أخرى خلالها، فهذا يتوقّف على عدم انقطاع تسلسل القراءة الأصلية. فلو انقطعت بطلت، بحيث لا يصدق عليها سورة الحمد، والمفروض هنا عدم التكرار الاحتياطي.
وأمّا النقيصة فأوضح؛ لأنّ وجوب السورة منبسط على كلّ حروفها وحركاتها الدخيلة فيها وحياً وإعراباً، فإن تمّ التغيير والإنقاص فلم يقرأ كلّ السورة وإن كان ما قرأه منها، إلاّ أنّ قراءة البعض لا يجزي وإن كان بنسبة عالية.
وبتعبير آخر: أنّ عنوان سورة الحمد يصدق على جميع السورة بشرط شيء عن اجتماع كلّ أجزائها الموحاة، وأمّا صدقه على بعضها فممنوع عقلاً وعرفاً.
وأمّا التغيير والتبديل فيرجع إلى مجموع النقيصة والزيادة؛ لأنّه حين حذف الأصل فقد أنقص، وحين أضاف ما هو بدله فقد أزاد. فيأتي فيه كِلا الدليلين للبطلان.
وبتعبير آخر: أنّه لا يصدق عليه عنوان سورة الحمد الموحاة؛ لأنّ الموحاة ليست كذلك أكيداً.
ــــــ[35]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وأمّا التشديد فهو اصطلاح على مجموع حرفين ينطقان ولا يكتبان، وإنّما يكتبان على شكل حرف واحد عليه شدّة، والحرف الأوّل ساكن والثاني متحرّك كـ(محمّد)، فإذا خفّف التشديد فقد نطق الحرف المتحرّك وترك الحرف الساكن، فيصبح مصداقاً من النقيصة الباطلة، لا يختلف في ذلك التشديد الأصلي، يعني: ما كان في بنية الكلمة لغة كـ(محمّد وإيّاك)، أو الناشئ من الألف واللام الشمسية كـ(الرّحمن والرّحيم)، أو الناشئ من الإدغام في حروف (يرملون) مثل (محمّد وآل محمّد).
وبتعبير آخر: أنّ المصلّي لو خفف الحرف فقد حذف الحرف المتحرّك، ولو حرّكه مخفّفاً فقد حذف الحرف الساكن، وكلاهما نقيصة. ولو أزاد تشديداً فقد جعل الحرف الواحد حرفين، فيكون مصداقاً للزيادة، وهكذا.
[كلام في وجوب الفصاحة في قراءة القرآن الكريم]
الآن نتكلّم عن القاعدة العامّة في وجوب الفصاحة في القراءة في القرآن الكريم خاصّة، وفيه غيره عامّة – واعتقد أنّ القدماء اعتمدوا عليها ضمناً وإن لم يكن صريحاً- وهي تكون بمنزلة الكبرى، وصغراها أنّ كذا وكذا هو فصيح كالإدغام عند حروف (يرملون). إذن يكون واجباً؛ لأنّه فصيح. وبذلك نستغني عمّا هو ظاهر المستمسك من التمسّك بالإجماعات المنقولة ونحوها في كثير من المواضع(1).
ــــــ[36]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 234 وما بعدها، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وهل هو إجماع مدركي؛ لأنّ مدركه هو القواعد، لا السنّة والكتاب.
إذ قد يُقال في مقابل ذلك أنّه لا يجب أن يُقرأ القرآن فصيحاً؛ لعدّة وجوه:
أوّلاً: وضع المشتقّ للأعمّ -كما هو الصحيح- وحتّى لو كان موضوعاً للصحيح فيكفي فيه الصدق العرفي، وهو لا شكّ صادق بدون ذلك.
ثانياً: أنّنا لا نعلم أنّ الوحي نزل فصيحاً إلى هذه الدرجة، وخاصّة ونحن نرى أنّ فيه مخالفة للقواعد العرفية، كقوله: إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ(1) وإرجاع الضمير المذكر إلى المؤنث، كقوله: يَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ(2).
ثالثاً: أنّنا يمكن أن نجري أصالة عدم وجود هذه الدرجة من الفصاحة في الوحي، أو قل عدم هذا أو ذاكٍ من مواردها، كالإدغام أو المدّ ونحوه. وهذا الأصل جارٍ في المرتبة السابقة على أصولٍ أخرى كاستصحاب اشتغال الذمّة عند القراءة بدون فصاحة.
رابعاً: أنّنا قد ندّعي أنّ الوحي لم ينزل لفظاً، وإنّما نزل معنى. غاية الأمر أنّه معنى محدّد وقريب من اللفظ، وكان اللفظ بترتيب النبي. ومعه لا يوجد في الوحي إدغام وإمالة ونحو ذلك؛ لأنّها من شؤون اللفظ، فلا دليل على وجوبها.
خامساً: أنّ الدليل المتيسّر على الوحي هو القراءات، فما كان حجّة اتّبعناه
-وهذا ما سبق أن قلناه- وما لم يكن حجّة تركناه، ولا يجب الزائد على ذلك.
وبتعبيرٍ آخر: أنّ الفصاحة إن انطبقت على قراءة معتبرة فهو، وإلاّ لم تجب؛
ــــــ[37]ـــــــ
(1) طه: 63.
(2) البيّنة: 1.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
لأنّها تكون عندئذٍ خارجة عن القراءات وشاذة.
سادساً: أنّ القرآن قد يُقرأ بصور عديدة منافية مع إمكان الالتزام بالفصاحة كالقراءة بسرعة أو القراءة بصوت منخفض أو القراءة لعوام النّاس.
وهذا ينتج عدّة تقريبات، منها:
الأوّل: أنّه لا شكّ أنّ كثرة قراءة القرآن راجح جدّاً حتّى يمكن أن يختم في اليوم أو اليومين ختمة، وقد ورد ذلك عن المعصومين وكثرة القراءة ملازمة للسرعة، والسرعة منافية مع تلك المرتبة من الفصاحة.
الثاني: أنّ الله يعلم حين جعل التشريع الإسلامي أنّ الصلاة تجب على العوام وعلى غير العرب من أهل اللكنة والرطانة ونحو ذلك، فلو كان قد أوجب الفصاحة لما كان هذا ممكناً لأكثر البشريّة، واللازم باطل، فالملزوم مثله.
ويجاب ذلك:
أوّلاً -بوجه رئيسي-: نؤسس فيه وجوب الفصاحة، ثُمَّ نتعرّض إلى تفاصيل تلك الإشكالات.
وهو أن يُقال: إنّ اللغة العربية في صدر الإسلام يعني عصر النبوة والجيل السابق عليها ونحو ذلك كانت لغتهم فصيحة غير مختلطة بالأعاجم يقيناً أو اطمئناناً، أو قل: أنّها إن كانت مختلطة فذلك بنسبة ضئيلة، لا تضرّ ولا تؤثّر على المجتمع ككلّ.
فإذا لاحظنا المتكلمين عامّة والملتزمين خاصّة كالخطباء والشعراء كقيس بن ساعدة وسحبان وائل وغيرهما، وقد كانوا في ذلك العصر كثيرون. ولا شكّ أنّ
ــــــ[38]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
التوقّع والابتغاء في الفصاحة ومطابقة القواعد التفصيلية لديهم أكثر من غيرهم، بحيث تكون السيرة على أنّه إذا أخطأ في الإدغام مثلاً ونحوه فأنهم يخطؤونه ويعتبون عليه، ويعتبرونه بدرجة أقل من الكمال الذي يدعيه لنفسه. يعني إنّ ترك الفصاحة نقص في عرف أهل اللغة، يجلّ عنه الخطيب والشاعر، بل كل المتكلمين أو غالبهم.
وعندئذٍ يمكن تقديم عدّة تقريبات لتطبيقها على القرآن الكريم:
أوّلاً: أن يُقال أنّ اللغة العرفية يومئذٍ كانت هكذا، وهي الشائعة والمتعارفة، والقرآن نزل على اللغة المتعارفة.
ثانياً: أن يُقال أنّ اللغة لعامّة المتكلمين وإن لم تكن كذلك ولو احتمالاً؛ لأنّ هذا ممّا لا تطيقه عامّة النّاس، إلاّ أنّه كان صفة عرفية للخطباء والشعراء والمشاهير كالملوك والخلفاء ونحوهم. والقرآن من هذا القبيل أكيداً، فيتعين فيه ذلك.
ثالثاً: أنّ العرف كان يعتبر ذلك نقصاً في الكلام، ويعتب على من تخلّف فيه أو حصل له ويعيبه. ولا شكّ أنّ القرآن خالٍ من ذلك:
1- لأنّه نزل باللغة الإعجازية وتحدّى بها الكفار، فتكون اللغة الإعجازية أولى بذلك.
2- أنّه لو كان فيه تخلّف من هذا القبيل لكان نقصاً، ولو كان نقصاً لكان أدلّ الأدلّة ضده من قبل أعدائه، وإنّ كلامه ناقص لا قيمة [له]، مع أنّه لم يتفوّه بذلك أحدٌ.
3- أنّ في هذا النحو من الكمال جهة إعلامية لطيفة وأكيدة، كإقامة حجّة
ــــــ[39]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
على صحة الإسلام وترغيب بالدخول فيه، ولو كان أضعف لضعفت الحجّة عليه، وهذا يكفي.
4- أنّ النبي يقول: «أوتيت جوامع الكلم»(1) أي الكلمات المختصرة الجامعة لمعاني كثيرة. وفي الحديث النبوي كثير من ذلك، يكفي أنّه جمعه الشريف الرضي في (المجازات النبوية) وهذا يعنى لتجربته بالتواتر وعدم النظر إلى الأسناد، ولو لم يكن للنبي معلم ما فإن ذلك يكفي في دحض حجّته مع أنّه لم يُشِر إلى ذلك أحد.
وجوامع الكلم فصيحة في غاية الفصاحة والجزالة، مع أنّها إذا قيست بالقرآن الكريم كانت أقلّ منها، من حيث الكمية والكيفية. ومن هنا يصدق عليه ما يصدق على أمير المؤمنين أنّ كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق. إذن يتعيّن في القرآن وجود الفصاحة والجزالة إلاّ ما خرج بدليل. والظاهر أنّ هذه هي الحجّة عموماً التي يتّخذها المشهور في وجوب الفصاحة.
[معنى قوله تعالى: مَا فَرَّطْنَا]
فإن قلت: فإنّك قلت في محل آخر(2): إنّ القرآن الكريم وهو يقول: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ(3) صورة إثباتية لقوانين الكون أو قلّ للكون عامّة، والكون
ــــــ[40]ـــــــ
(1) لاحظ: بحار الأنوار ج70 ص 274، دار إحياء التراث.
(2) منة المنان في الدفاع عن القرآن، للمؤلف: ج1، المقدمة ص39.
(3) الأنعام: 38.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
إمكاني محدود وناقص، فمن المعقول أن يكون هناك نقص في القرآن أو قلّ ينطبع النقص التكويني عليه:
1- لأنّه بوجوده التكويني جزء من هذا الكون.
2- أنّ معانيه تدلّ على تفاصيل الكون وفيها نقص لا محالة.
فقد تقول: أنّ ذلك ينتج عدم وجوب الفصاحة في القرآن الكريم.
جوابه: أوّلاً: أنّ هذه فكرة فلسفيّة لا دخل لها في الفصاحة، فقد يكون الدالّ -الذي هو القرآن- كاملاً، والمدلول -الذي هو الكون- ناقصاً. مضافاً إلى أنّ مستوى الفصاحة ليست بذاك العمق الكوني الذي تقول بنقصانه.
فمثلاً إنّ المركّب يحتاج إلى مركّب، فهو مفتقر إلى غيره، والقرآن بوجوده التكويني أيضاً مركّب، فهو يحتاج إلى غيره، وهذا لا دخل له في الفصاحة، كما هو واضح.
ثانياً: أنّ ما وجد فيه أو قل في القراءات المشهورة من أنحاء النقص كاستثناء عن قاعدة الفصاحة -لو صحّ التعبير- يكفي في إيفاء هذه الحاجة، فيبقى الباقي تحت قانون وجوب الفصاحة.
****
فإن قلت: فإنّك أعطيت السيرة على مستويين: سيرة عوام الناس وسيرة خطبائها وشعرائها وملوكها، والسيرة الأولى أعمّ وأشمل لعددٍ كثيرٍ من الناس أو لملايين من الناس، والقرآن نزل عرفياً، يعني على العرف العامّ، وليس على العرف الخاصّ، ونحن عندنا اطمئنان أنّ العرف العامّ لم يكن فيه هذه التدقيقات اللفظيّة
ــــــ[41]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
والفصاحة المتزايدة. إذن لا تثبت وجوب الفصاحة للقرآن.
قلنا: يُجاب بعدّة وجوه:
1- أنّه عندنا اطمئنان بأنّ السيرة العامّة كانت على هذه الفصاحة؛ لأنّها كانت هي اللغة السائدة والدارجة يومئذٍ، فنزول القرآن على طبقها يعني وجوب الفصاحة أو نزوله فصيحاً.
2- أنّنا لو تنزّلنا فالسيرة بين الخطباء والشعراء وأضرابهم أيضاً سيرة عرفية وكثيرة العدد وشديدة الضغط والتأثير عند الخطأ، والقرآن من هذا القبيل، فإنّه نزل بلغة الرئاسة والمولوية لا بلغة أجلاف العوام، فهو من حيث اختلاف السيرتين هو من هذه السيرة لا من تلك السيرة، ومن حيث اتفاقهما يعني بمطلق ظواهر الألفاظ فهو على طبقها أيضاً. ففي الحقيقة يكون مطابقاً للسيرة الخاصّية؛ لأنّ ذلك أصلح لدينه وأضمن لهيبته وعظمته.
وبتعبير آخر: أنّ المقتضي لذلك موجود والمانع مفقود، والوجه في فقدان المانع: أنّ اللغة الخاصيّة يومئذٍ لو لم تكن مفهومة للجميع لكان الالتزام بها ممنوعاً؛ لأنّ المقصود من القرآن فهم الجميع ومخاطبة الجميع، إلاّ أنّها مفهومة، ولها ظواهر مطابقة للعرف العامّ، كما نجد في الخطب والشعر، وإنّما الفرق بجزالتها وفصاحتها والتزامها لمستوى عالي من القواعد.
فإن قلت: فهل يحتمل أن يكون الخطباء والشعراء يومئذٍ يقولون كلامهم ذاك بنحو قواعد التجويد القرآنية، التي عليها عامّة القرّاء، فإذا لم يكن محتملاً، إذن فالقراءة غير منطبّقة على تلك السيرة.
ــــــ[42]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
قلنا: نعم، هو غير محتمل، وهذا يؤدي إلى عدم وجوب كثير من قواعد التجويد. وأمّا الاستدلال على استحبابها فسيأتي، وإنّما المهم وجوب بعضها أو لعلّه بعضها الأقلّ كالإدغام في حروف (يرملون) ونحوها، ممّا يحصل الاطمئنان بالتزام الخطباء والشعراء يومئذٍ بها أو قل الاطمئنان بكونها مصداقاً للفصاحة، فإن لم يحصل هذا الاطمئنان بأية قاعدة من التجويد وغيره لم يجب تطبيقها؛ لأنّ القرآن عندئذٍ مصداق من الفصيح، سواء حصلت تلك أم لم تحصل.
[مناقشة الوجوه السابقة على عدم وجوب الفصاحة]
والآن نطبّق الوجوه السابقة التي ذكرناها كأطروحات لعدم وجوب الفصاحة:
[في وضع المشتقّ للأعمّ]
الأوّل: أنّ المشتقّ موضوع للأعمّ فيصدق كالقرآن وسورة الفاتحة ونحوها.
قلنا: هذا يجاب بعدّة أجوبة منها:
1- أنّه يمكن أن يُقال إنّ هذا ليس من المشتقّ كالقرآن وسورة التوحيد فإنّه مصدر، والمصدر خارج عن المشتقّ الأصولي كما ثبت في محلّه، فيتعيّن فيما هو خارج عن المشتقّ وضعه للصحيح وإن قلنا بوضع المشتقّ للأعمّ.
قلنا: هذا أجابوا عليه في علم الأصول بأنّ هناك ملحقات بالمشتقّ كالحرّ والعبد والزوجة ونحوها، وكذلك المنسوبات كالنجفي والبغدادي، وبحسب فهمي فإنّ هذا معنى يصدق على كلّ اللغة حتّى الحروف مثل (في) و(على)
ــــــ[43]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
والجوامد كـ(الأرض والسماء)، فيصدق أيضاً على القرآن والسورة.
2- أنّنا قلنا إنّ المشتق وإن وضع للأعمّ إلاّ أنّ المطلوب الشرعي هو الصحيح، وهنا نتكلّم عمّا هو المطلوب الشرعي لا محالة.
وأما قولهم هناك: «أنّه حتّى لو كان موضوعاً للصحيح فيكفي فيه الصدق العرفي، وهذا لا يؤدّي إلى الالتزام بالفصاحة».
جوابه: أنّنا عرفنا أنّ العرف الذي كان سائداً في عصر نزول القرآن هو عرف فصيح، فلا يصدق عليه بذلك العرف أنّه قرآن إلاّ بالفصاحة، وأمّا عرفنا الحاضر فهو عرف متأخّر، ولا حجّيّة فيه. مضافاً إلى ما قلناه من أنّ هذا الأمر ينبغي ملاحظته بالدقّة العرفيّة لا بالتسامح العرفي، وهذا يكفي؛ لأنّ الدقّة العرفيّة التي ثبتت لديها فصاحة القرآن تنفي عنه هذه الصفة ما لم يكن فصيحاً.
وبتعبير آخر: أنّنا نثبت بدليل الفصاحة أنّ الوحي كان فصيحاً، ونعرف بالتعبّد وجوب مماثلة القراءة أو المقروء مع الموحى به، فيثبت أنّ المقروء يجب أن يكون فصيحاً. وهذا لا دخل للعرف فيه؛ لأنّه حكم تعبّدي، ولا دخل للوضع للصحيح والأعمّ فيه.
فإن قلت: إنّنا أخذنا الوحي بمقدار القراءات الموجودة، وفيها ما ينافي الفصاحة ولو قليلاً.
قلنا: يُجاب بأحد وجهين:
1- إمّا أن يدلّ ذلك على بطلان القراءة ولو في مورده؛ للعلم بأنّ الوحي فصيح مطلق، فيكون هذا القارئ متوهّماً.
ــــــ[44]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
2- وإمّا أن نقول: إنّه ما من عامّ إلاّ وقد خصّ، وإنّ كلّ الوحي القرآني فصيح إلاّ ما خرج بدليل، وهذا المورد أو ذاك خارج بدليل.
فهذا هو خلاصة الإشكال الأوّل مع جوابه.
[في أنّنا لا نعلم أنّ الوحي نزل فصيحاً إلى هذه الدرجة]
وكان الإشكال الثاني: أنّنا لا نعلم أنّ الوحي نزل فصيحاً إلى هذه الدرجة، كيف ونحن نجد فيه مخالفة للقواعد العربية، وإعادة الضمير المذكر إلى المؤنث، وغير ذلك؟!
جوابه: قد اتّضح مما سبق، فإنّ ما نقرؤه ليس من الوحي الموحى بالضبط، بل هو إحدى القراءات، فمن الممكن أن ينتسب الغلط إلى القارئ -إلى حفص أو عاصم- لا إلى الوحي، وإنّما قلنا: إنّه ما من عامّ إلاّ وقد خصّ في مورد اتّفقت عليه القراءات كلّها أو أكثرها، ومع ذلك يكون مورداً مخالفاً لبعض قواعد الفصاحة أو النحو ونحو ذلك، وهو قليل جدّاً أو لعلّه مفقود.
وهنا نستطيع أن نتذكر ما قلناه من الاستفادة من الروايات بأنّ المعصومين لهم قراءتهم الخاصّة بهم، وعندئذٍ نستطيع أن نقول بوضوح: إنّ تلك القراءة هي الفصيحة الحقيقية؛ لأنّها معصومة من جانب العلّة ومن جانب المعلول، يعني: الوحي والقارئ المعصوم. ولكن [……..](1) منعت عن وصول تلك القراءة إلينا.
ــــــ[45]ـــــــ
(1) كلمة غير واضحة في المخطوطة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[في إجراء أصالة عدم وجود هذه الدرجة من الفصاحة في الوحي]
وكان الإشكال الثالث: أنّنا يمكن أن نجري أصالة عدم وجود هذه الدرجة من الفصاحة في الوحي، أو قل نجريه في موارده المعينة. وهذا الأصل سابق رتبة على أصول أخرى كاستصحاب اشتغال الذمّة بدون فصاحة.
جوابه من أكثر من وجه:
أوّلاً: أنّ هذا الوجه صحيح لو وصلت النوبة إلى الأصول العملية، إلاّ أنَّها لا تصل؛ لأنّها تجري عند الشكّ، وهذا معناه أنّنا نشكّ في أنّ الوحي نزل فصيحاً أم لا. وقد أقمنا الدليل على نزوله فصيحاً من باب الأمارة والاطمئنان، فيكون قاطعاً وحاكماً على استصحاب عدم نزوله كذلك.
ثانياً: أنّ هذا الأصل مثبت؛ لأنّ المهم ليس عنوان عدم الفصاحة بل تطبيقاته، أي: قراءة الكلمة بهذه الطريقة أو تلك. وهذا لا يثبت بالأصل إلاّ بالملازمة العقليّة.
نعم، يمكن أن تجري أصالة البراءة عن وجوب الالتزام بهذه الطريقة الفصيحة أو تلك، وهي أيضاً محكومة لما قلناه من دليل وجوب الفصاحة. وكذلك لا يحتمل جريانها مشهورياً بعد وجوب إتّباع إحدى القراءات السبع مثلاً. نعم، لو جرت لحكمت على أصالة الاشتغال وعدم براءة الذمّة بالقراءة غير الفصيحة؛ لأنّها جارية في رتبة موضوعها.
[في أن الوحي نزل معنىً لا لفظاً]
وكان الإشكال الرابع: أنّ الوحي لم ينزل لفظاً، وإنّما نزل معنى، وكان اللفظ بترتيب النبي ومعه فليس في الوحي ألفاظ لكي نقول أنّه نزل فصيحاً، بل ذلك سالبة بانتفاء الموضوع.
ــــــ[46]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
جوابه من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنّنا نقول إنّ القرآن نزل لفظاً ولم ينزل معنى، إذن فيتعيّن أن يكون لفظاً فصيحاً. ويمكن الاستدلال على ذلك ببعض الوجوه:
1- الإجماع على ذلك، والظاهر أنّ العبارة منسوبة مضموناً إلى الشيخ المفيد أنّه قام الإجماع والتسالم على أنّ ما بين الدفتين هو القرآن الكريم بلفظه ومعناه.
وقد سبق أن ناقشناه؛ لأنّه كتب ذلك بالعنوان الثانوي؛ لدفع احتمال التحريف، وإلاّ فهو يعلم بتعدد القراءات، فما بين الدفتين أي قراءة منها؟ وبالتأكيد كانت قراءة أخرى غير هذه المشهورة التي هي قراءة حفص عن عاصم.
مضافاً إلى أنّ الاستدلال بالإجماع إنّما يصحّ إذا كان له أثر شرعي، وليس له أثر شرعي – كما سبق- إلاّ صحّة القول: أنّه قال الله سبحانه. وهو الوجه الآتي، فلا يصحّ هذا الوجه وجهاً مستقلاً.
2- أنّ القرآن لو نزل معنى فقط، أو حتّى معنى قريباً من اللفظ -كما عبّرنا- فلا نستطيع أن نقول: قال الله سبحانه. ولا يصدق ذلك صدقاً حقيقيّاً بالحمل الشايع (هذا قول الله سبحانه) وإنّما يكون قول النبي؛ لأنّ المستشكل يقول إنّه من ترتيبه. مع أنّنا نعلم باليقين صدق القول: أنّه قول الله سبحانه. وهو يقين موروث عن المعصومين.
3- أنّ النبي كان يغشاه الوحي، فإذا سري عنه قال الآيات بلفظها ومعناها، ولم يحتج إلى ترتيبها من جديد، ولو كان اللفظ عليه لاحتاج إلى ذلك جزماً، فيكون للقرآن موقفين:
ــــــ[47]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
أحدهما: الوحي.
والثاني: التأليف.
وهو منتفٍ يقيناً.
4- قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ(1) وهذا -كما هو واضح- لا يكون بالنسبة إلى المعاني المجرّدة والصور الذهنيّة؛ لأنّها لا تجمع، بل تتبدّل في الذهن لا محالة، كما أنّها غير قابلة للقراءة، وإنّما تقبلها الألفاظ كما هي غير قابلة للكتابة، وإنّما تقبلها الألفاظ. نعم، يمكن الحمل المجازي: أنّ المعاني قرأت وكتبت، يعني: عن طريق الألفاظ، إلاّ أنّ المجاز خلاف الأصل وخلاف الظاهر. إذن، فالقرآن نفسه يدلّ على أنّه نزل وحياً لفظيّاً وليس من باب المعاني فقط.
الوجه الثاني: أنّنا إذا تنزّلنا عن الوجه الأوّل -ولن نتنزّل- وفرضنا ألفاظ القرآن بترتيب النبي، فلا يختلف أثره الشرعي عندنا إطلاقاً، لا من ناحية العلّة، ولا من ناحية المعلول.
أمّا من ناحية العلّة؛ فلأنّ ما قلناه من سبب الفصاحة العربية منطبق على رسول الله وأنّ القرآن وجد لكي يضاهي أبلغ الخطب والقصائد وأعظمها، بل ليتقدّم عليها ويكون أحسن منها. وقد تحدّى البشرية في ذلك بما فيها البلغاء الموجودين يومئذٍ، والنبي معصوم ومسدد، فهو يرتّبه بأحسن وجه، لا يختلف في ذلك عن الوحي إطلاقاً.
وأمّا معلولاً؛ فلأنّ السيرة الفصيحة ممضاة من قبل النبي، فتكون حجّة
ــــــ[48]ـــــــ
(1) القيامة: 17.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
علينا، ويجب علينا إتّباعها وتطبيقها، وليس كما يتصور السائل أنّ القرآن لو كان نزل وحياً لفظيّاً لوجبت الفصاحة، وأمّا إذا كان لفظه بيد النبي فلا تجب الفصاحة، بل هي واجبة على كِلا التقديرين.
نعم، لو لم ينزل لفظاً لم يصدق أنّ الوحي بليغ؛ لأنّ الفصاحة والبلاغة وصف للفظ واللغة، فيكون سالبة بانتفاء الموضوع، إلاّ أنّ هذا أمر نظري ليس له نتيجة عملية؛ إذ يجب إتّباع الفصاحة حتّى لو كانت الألفاظ بترتيب النبي.
[في أنّ الدليل المتّيسّر على الوحي هو القراءات]
الإشكال الآخر(1): أن ننظر إلى القراءات ونقول: إنّ الكلام في الفصاحة
-بغضّ النظر عن القراءات- كلام مستأنف ولا محلّ له، فإنّنا عمليّاً يجب علينا اختيار القراءة التي تكون حجّة ومعتبرة، سواء كانت فصيحة أم لا. وأمّا الفصاحة
-بغضّ النظر عن القراءة أو إحدى القراءات- فلا معنى للحديث عنها.
وبتعبير آخر: أنّ الفصاحة المطلوبة موجودة في هذه القراءة التي نقرؤها، أو قل في القراءات السبع كلّها، فلماذا نبحث عن الفصاحة خارج ذلك؟
وبتعبير آخر: إذا كان بينهما عموماً من وجه، فالمتقدّم هو القراءة لا الفصاحة؛ لأنّ الدليل قام على حجّيّتها.
وجوابه: يكون بما سمّيناه في الدرس ببيان النسبة بين الفصاحة والقراءات، فإنّ ما بينهما -حسب ما أفهم- عموماً من وجه، فقد يجتمعان في كلّ مورد كانت إحدى القراءات فيه فصيحة، وهي أغلب الموارد، وقد يختلفان، وذلك حين
ــــــ[49]ـــــــ
(1) الإشكال الخامس.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
تكون القراءة غير فصيحة أو مخالفة لبعض القواعد، بحيث يمكن أن تنسب إلى وهم القارئ، وليس إلى الوحي الحقيقي.
فينتج من ذلك عدّة وجوه:
أوّلاً: أنّ كلامنا في الفصاحة باعتبار أنّ تركها مخلّ بقراءة القرآن، فإذا كانت إحدى القراءات فصيحة وتركنا فصاحتها كان نقصاً ممنوعاً.
ثانياً: أنَّ القراءة إذا لم تكن فصيحة وجب اختيار الفصيح وترك تلك القراءة في هذا المورد، فإن كانت قراءة فصيحة وأخرى غير فصيحة تعيّنت الفصيحة، وإن كانت كلّها غير فصيحة تعيّنت الفصاحة.
فإن قلت: إنّها قراءة معتبرة بكلّ تفاصيلها.
قلنا: يمكن القول: إنّ دليل اعتبارها لبيّ؛ لأنّه من قبيل إمضاء السيرة ولا إطلاق له، فلا يكون معتبراً بالزائد عن القدر المتيقّن، والقدر المتيقّن هو ما كان منها فصيحاً، وأمّا غير الفصيح فلا تكون فيه حجّة؛ لأنّه خارج عن القدر المتيقّن.
ثالثاً: أنّ الفصاحة لو كانت في قراءتين معتبرتين، كان مقتضى القاعدة جواز كلتيها من كِلا ناحيتين: دليل الفصاحة ودليل القراءة.
رابعاً: أنّ القراءة أو القراءات المعتبرة لم تكن فصيحة، وكانت القراءة الأفصح شاذة أو غير معتبرة، وجب إتّباع الأفصح وإن كان شاذاً. إلاّ أنّ هذا
-على ما أعتقد- ليس له مصداق حقيقي.
خامساً: أنّه يمكن أن ينتج من كلّ ما قلناه: أنّ العمدة فيما يجب إتّباعه هو الفصاحة وليس القراءة المعيّنة أو القراءات السبع، فإنّ دليل الفصاحة قطعي
ــــــ[50]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
باليقين العرفي أو أكثر. وأمّا أسناد القراءات فهي محلّ مناقشة -كما سبق مفصّلاً – ومن عدّة نواحي. ومعه، فإذا قرأ القرآن فصيحاً كفى في الصحّة، سواء كان مطابقاً لإحدى القراءات أم لا، وسواء كان مطابقاً لإحداها أو ملفّقاً من عددٍ منها.
نعم، لو كانت الفصاحة متوفّرة في إحدى القراءات، وفي خارج القراءات معاً، وجب اختيار ما في القراءات، ولم يجز تعدّيها على الأحوط وجوباً، كأنّه عندنا اطمئنان بانحصار الوحي في إحداها لا محالة. والمفروض توفّر شرط الفصاحة، فلا يكون هناك داعٍ معقول لتعدّيها إلى غيرها وإن كان فصيحاً.
أمّا ما أجمعت عليه القراءات فلا يجوز تعدّيه أكيداً فصيحاً كان أم لا؛ لحصول الاطمئنان الفعلي أنّه الوحي، فإن كان فصيحاً فهو المطلوب، وإلاّ فما من عامّ إلاّ وقد خصّ، وقال الله سبحانه: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ(1) حتّى المورد غير الفصيح.
[في أن قراءة القرآن بصور عديدة مخالفة للفصاحة]
الإشكال السادس: أنّ القرآن يمكن أن يقرأ بصور عديدة، قد تكون قطعية الصحّة مع أنّها منافية للفصاحة، وهذا يكون دليلاً على عدم وجوب الفصاحة. وذكرنا لذلك ثلاث موارد: السرعة في القراءة، والقراءة بصوت منخفض، والقراءة بلهجة غير عربية.
ــــــ[51]ـــــــ
(1) الأنعام: 38.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
فنتعرّض لكلّ واحدة منها، وكلّها محلّ ابتلاء فعلاً. والقاعدة العامّة في ذلك عدّة أمور:
الأمر الأوّل: النقض بالقراءات التي يقول المشهور بحجّيّتها وتعيّنها، فكيف يمكن إتّباع قواعدها مع هذه الحالات الثلاث. فما تقولونه هنا نقوله هنا.
الأمر الثاني: أنّه على العموم يجب إتّباع قواعد الفصاحة في كلّ الحالات، ونقبل باللوازم، أي: بطلان القراءة أحياناً.
فإن قلت: فإنّ هذا دليل لبيّ يقتصر فيه على القدر المتيقّن، وهو غير هذه الموارد.
قلنا: نعم، هو دليل لبيّ، ولكنّه شامل لهذه الموارد؛ لأنّ المطلوب هو أن يكون المقروء قرآناً بالحمل الشايع، ومع إحراز المخالفة مع الفصاحة أو مع القراءات نشكّ في ذلك، فنجري الأصول النافية له.
الأمر الثالث: أنّ دليل وجوب الفصاحة دليل لبيّ، لا يشمل صورة العناوين الثانوية كالعجز والعسر والحرج ونحوها، ومن الصحيح أنّ المُأتى به لا يكون قرآناً مطابقاً للواقع، إلاّ أنّ هذا الفرق يكون محلّ عذر بلا إشكال، ويكون مبرئ للذمّة، وهذا يشمل اللهجات غير العربية لو كان عاجزاً من التعلم أو تقويم لسانه أو في ذلك عسر وحرج. إلاّ أنّ الشهادة بلسان الحال أنّه هو القرآن المنزل مشكل.
الأمر الرابع: أنّه دليل لبيّ والقدر المتيقّن منه حال العلم والالتفات، فلو لم يعلم بالقاعدة أصلاً، كما في أغلب العوام أو علم بها ولم يعلم تطبيقاتها، أو علم
ــــــ[52]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
بها ولكنّه غفل في بعض الموارد عند القراءة، سقط الواجب ويكون معذوراً.
الأمر الخامس: أنّه مع العجز أو الجهل الذي قلناه ينبغي أن نتمسّك بوضع الصحيح والأعمّ بالدقّة العرفيّة، فمع الالتفات والقدرة يجب أن يكون المقروء قرآناً بالصحيح بالحمل الشايع بالدقّة العرفيّة، ومع عدم ذلك يجب أن يكون قرآناً بالأعمّ بالدقّة العرفيّة. وهذا يعني أنّه يجب أن يقيم الحركات الإعرابية وأصوات الحروف، وإن تعذّر عليه القلب والإدغام ونحوها، فلو قلّ على ذلك لم يكن قرآناً جزماً. ويترتّب عليه عدم جواز أخذ الأجرة عليه، وكونه مفطراً في الصوم، إلاّ في الصلاة، فإنّ الواجب يكون هو الباقي كما في سائر أجزاء الصلاة وشرائطها. ولكن هل يجوز أخذ الأجرة عليه مع كونه محالاً في العجز ونحوه.
الأمر السادس: العمدة في وجوب تطبيق قواعد القراءة على الإنسان القارئ نفسه لا على غيره بطبيعة الحال، ومن المعلوم أنّ الإنسان يدرك في نفسه أكثر ممّا يدرك منه غيره. وهذا شامل لجميع الجهات بما فيها الألفاظ، فإذا أدرك الفرد في نفسه أنّه قد طبّق القاعدة اللغوية كفى وإن لم يشعر بذلك السامعون، بل وإن شعروا بتركها أحياناً.
وهذا أمر عرفي يسمّى أنّ الشخص يأكل بعض الحروف أو بعض الكلمات، ويقال: إنّه يمتمت بها لكي لا تفهم عمداً أو طبيعة. وجامع المطالب هو أنّه يرى نفسه قد أتى بها وإن لم تظهر للآخرين، وهذا يكفي في القناعة بالصحّة التي هي تكليفه الشخصي. فمع السرعة أو انخفاض الصوت قد يحصل ذلك، وتصّح القراءة.
ــــــ[53]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
نعم، لو كان الصوت منخفضاً جدّاً بحيث لا وجود له عرفاً إطلاقاً، وهو ما نسمّيه عرفاً بالمطالعة لم يكن مجزياً بصفته قراءة، ولا تتأدّى به الوظيفة لو كان مأجوراً، ولكنّني أعتقد أنّه يحصل على الثواب؛ لأنّ هذا الأسلوب أكثر تأثيراً من الناحية العقليّة والنفسيّة.
وكذلك لو كانت السرعة شديدة بحيث يتعذّر معها إقامة الحركات وقواعد اللغة الفصيحة، وجب خفضها والرجوع إلى البطء المناسب.
وينبغي أن نلتفت إلى أنّه كلّما كان الصوت أخفض كانت القدرة على السرعة أكثر، فإذا طبّقنا ما قلناه من قناعة الفرد نفسه كان ذلك ممكناً في مجال أوسع.
[كلام في اللغة وعالمية الإسلام]
وأمّا بالنسبة إلى غير العرب فيحسن أن نلتفت إلى الإشكال المادّي الذي قاله بعض أهل الدنيا الدنية لي، وهو أنّكم تريدون عالمية الإسلام مع العلم أنّ أغلب البشريّة لا يستطيعون قراءة الحمد والسورة، ومن ثمّ لا يستطيعون أن يصلّوا. فإذا كانت الصلاة محذوفة، وهي عمود الدين، فماذا بقي من الدين لهم.
وجوابه من وجوه:
أوّلاً: أنّنا سنقول كما قال المشهور أنّه يصلّي حسب إمكانه، فإن استطاع بعض الحمد أتى بها، وإن لم يستطع قرأ ترجمتها بلغته. وهذا لا ينحصر بالحمد، بل يشمل كلّ أذكار الصلاة، فنجد عندئذٍ كثيرين يصلّون الصلاة الإسلامية بلغاتهم الخاصّة، وأيّ ضير من ذلك إذا كانوا مجازين شرعاً بذلك.
ــــــ[54]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ثانياً: أنّ الصلاة وإن كانت عمود الدين إلاّ أنّ أصول الدين أهمّ وأشدّ إلزاماً، فحتّى لو فرض أنّهم تركوا الصلاة، إلاّ أنّ عقائدهم وأصول دينهم جيدة وغير منحرفة، كان ذلك خطوة مهمّة نحو الحقّ والعقيدة الصحيحة.
ثالثاً: أنّ الصلاة وإن كانت عمود الدين إلاّ أنّ تطبيق الأحكام الاجتماعية العامّة العادلة في الإسلام كالقضاء لا يقلّ أهمية عن الصلاة، بل يزيد عليها؛ لأنّها فردية، والمصلحة العامّة أهمّ من المصلحة الفرديّة. فإذا دخلوا في الإسلام شملهم عدله وإنصاف المظلوم من الظالم وقضاء حاجة المحتاجين ونحو ذلك، حتّى لو فرضنا أنّه تعذّرت عليهم الصلاة، وغضضنا النظر عن كونها لا تسقط بحال.
رابعاً: أنّ هذا الإشكال يأتي في الصلاة فقط من الواجبات دون غيرها أكيداً كالزكاة والخمس والحجّ والصوم وغيرها، فلو فرضنا أنّ الصلاة سقطت ولكنه كمسلم أتى بجميع الواجبات الأخرى، فلا بأس.
[بحث حول اللهجة العربية واللكنة غير العربية]
ثُمَّ إنّه هنا لا شكّ بعدم وجوب اللهجة العربية أو قل عدم مانعية اللكنة غير العربية بمختلف إشكالها، بل هي قطعية العدم؛ لكونها مقرة من قبل المعصومين، ولا أقلّ من جريان الأصل المؤمّن فيها. طبعاً مع إقامة الحروف والحركات والقواعد كافة، فيما لو كان الفرد واعياً ومبيناً وملتفتاً إلى موقفه. وهم يعلمون بوجوب ذلك وعدم جواز التحريف في الحروف والحركات مع القدرة، بل هم كانوا في عصر الأئمة، وكانوا من خاصّتهم، ولم يرد عنهم النهي
ــــــ[55]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
عن ذلك. فإن قيل: إنّ هذه السيرة تشمل تغيير الحروف، ولم يرد النهي أيضاً.
قلنا: مطعون كبرى وصغرى.
أمّا صغرى؛ فلعدم وجود هذه السيرة ولو احتمالاً، وإنّما هي مجرّد اللكنة.
وأمّا كبرى؛ فلأنّها غير مقرّة على تقدير وجودها، ولا تحتاج في النهي عنه إلى نصّ، وإنّما على القواعد، والمعصومين جعلوه أيضاً موكولاً إلى القواعد أو من باب دعوا الناس على غفلاتهم.
إلاّ أنّ هذا شيء موجود بينهم وخاصّة بين عوامّهم في تغيير الحروف كالثاء والصاد والضاد والظاء والطاء والقاف والذال. مضافاً إلى بعض الحركات الإعرابيّة، فمثلاً في الفارسي توجد في لغتهم حركة يسمّونها فتحة في حين هي بالتذوّق العربي كسرة، فإذا طبّقت على الكلمات العربية كانت غلطاً.
ومن هنا يقولون: لا إلِه إلاّ الله. مع أنّه يجب استعمال الفتحة العربية في الكلمات العربية، ولا يجوز استعمال الفتحة الفارسيّة.
وكذلك تحريف الحركات يكون بالإمالة، وهي موجودة بكثرة في العرف، بإمالة صوت الواو إلى الفتحة، فيكون نحو صوت (O) الإنكليزية، وإمالة صوت الكسرة إلى الفتحة، فيكون نحو صوت (E) الإنكليزية، نحو يوم وحين. في حين أنّ الفصيح أمّا أن تنطقه بسكون الواو أو إشباعها كيوُم وبَوْن، وكذلك الياء كحسَيْن وحين. وقد قيل في الجيل السابق أنّ الإمالة هي لهجة اللبنانيين وهم عندهم إمالة كثيرة، إلاّ أنّ العراقيين أيضاً عندهم ذلك كيوم وسوم وعوم وحسين ووين ودين.
ــــــ[56]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
والمعروف أنّ ورش أكثر قراءته للقرآن بالإمالة في واواته وياءاته، وهو معتبر على المشهور، إلاّ أنّني لا أعتقد كونه أقرب إلى الفصيح، ولا شكّ أنّ الأفصح غيره، كما أنّ الإمالة في غير موارد ورش ممنوع جزماً، وكان من يقول (أعوذ بالله من الشيطان) بالإمالة. ولكن مع العجز يقرأ حسب إمكانه، والإمكان بحسب في كلّ حرف حرف، وكلّ كلمة، فمهما أمكنه الفصيح وجب في أي واحدٍ منها، وإن لم يمكنه تركه.
[الكلام في فصاحة (الإمالة)]
فإن قلت: فإنّ الإمالة لهجة من لهجات العرب، فيجوز القراءة بها.
قلنا: هذا مطعون كبرى وصغرى.
أمّا كبرى، فإنّه لم يثبت جواز قراءة القرآن على كلّ لهجات العرب، وإنّما على لغة قريش، التي هي لغة النبي.
وأمّا صغرى؛ فلأنّ هذه الأمور وإن كانت موجودة بلا شكّ وغيرها مثل قلب الجيم كافاً، وكونها شمسية ونحو ذلك، إلاّ أنّنا لا نعلم أنّه كان لغة عامية أو فصيحة في نظرهم، بمعنى إمكان أن يقولها الخطباء والبلغاء، ويكفي الشكّ في دفع الاستدلال.
فإن قلت: فإنّ من يعجز عن إقامة الحروف والحركات يكون عن إقامة القواعد الأخرى أولى بالعجز كالإدغام والمدّ الواجبين والوصل والألف واللام الشمسيّة والقمرية.
ــــــ[57]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
قلنا: كلا؛ إذ لا ملازمة بينها، فإن كان عاجزاً حقيقة كان معذوراً، ولكن مفروض الكلام فعلاً في العلم والعمد -يعني: فيمن يستطيع لا فيمن لا يستطيع- ومن الإمكان إقامة القواعد العربية بلهجة غير عربية، وإنّما نشكّ في ذلك؛ لعدم معهودية التطبيق، وأنا أعتقد أنّ ذلك كثير في خارج البلاد العربية.
يكفي أن نلتفت إلى أنّ لهجات العرب متعدّدة كالعراقية والمصرية والبحرانية واللبنانية، فإذا قرأ الإنسان دعاء أو قرآناً فإنّه يقرؤه بلهجته، ولا تضرّ اختلاف اللهجات بإقامة القواعد وتطبيقها، فكذلك اللهجات غير العربية، مع الاعتراف بأنّها أصعب إلى حدّ ما، وتحتاج إلى عناية ورعاية، ونحن نأمر العربي بالعناية والرعاية خلال القراءة، فكيف بغيره.
[في معرفة ما هو فصيح وما هو غير فصيح]
وبعد معرفة الكبرى ندخل إلى ما هو الصغرى، والتطبيق في معرفة ما هو فصيح وما ليس بفصيح، وكتاب شرائع الإسلام خالٍ من ذلك، ولكن العروة الوثقى تشير إلى ما هو المهمّ منه، نذكره الآن.
يقول السيد اليزدي في مسألة 36: «يجب الترتيب بين آيات الحمد والسورة وبين كلماتها وحروفها، وكذا الموالاة، فلو أخلّ بشيء من ذلك عمداً، بطلت صلاته»(1).
أو قراءته؛ لخروجها بذلك عن كونها مصداقاً من السورة أو القرآن أو
ــــــ[58]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 230، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
مطابقة المأتي به مع الموحى به. مضافاً إلى الإجماعات التي ينقلها في المستمسك(1).
وناقش المستمسك في وجوب الموالاة وخصّها بالسكوت الطويل(2) ولكنّ الظاهر أنّ لكلّ شيء موالاته الخاصّة به. والمهمّ خارجاً أن لا تبطل ماهيته العرفية كالوضوء والصلاة، وكذلك الكلام حسب ماهيته العرفية، لا أنّ الموالاة المأخوذة بين أجزاء الصلاة مأخوذة بين أجزاء القراءة.
مسألة 37: «لو أخلّ بشيء من الكلمات أو الحروف أو بدّل حرفاً بحرف حتّى الضاد بالظاء أو العكس بطلت»(3).
أقول: لعدم مطابقة المأتي به للموحى به يقيناً، بل هو أولى من مجرّد الفصاحة وأوضح؛ لأنّ إقامة الحروف والحركات البنائية والإعرابية بمنزلة الموضوع للفصاحة، كالإدغام والمدّ ونحو ذلك، فهي أوضح عرفاً وأسبق رتبة، بحيث لو انتفى ذلك فلا موضوع للفصاحة أصلاً.
ــــــ[59]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 230، ط إحياء التراث العربي: «نعم لو كان السكوت الطويل أو ذكر اللفظ الاجنبي مما يخل بالهيئة الكلامية المعتبرة في صحة كونه كلاما كان اعتبار عدمها في محله، لظهور الادلة في وجوب قراءة القرآن على النهج الصحيح العربي، والمفروض كون الموالاة بين أجزاء الجملة دخيلة فيه كحركات الاعراب والبناء والسكنات وغيرها مما يجب في الكلام الصحيح العربي، فكما أن المتكلم لو أراد إخبار صاحبه بأن زيدا قائم، فقال: زيد ثم سكت سكوتاً طويلاً».
(3) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 232، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وهذا ينبغي أن يكون واضحاً في المصلي العربي وغير العربي، لكنّ الكلام الآن في العمد لا في الجهل أو العجز، وإنّما المشكلة الرئيسية في هذه المسألة هي التميّيز بين الضاد والظاء، فإنّ أحد أساتذتي كان ينكر الفرق بينهما وينقل عن أحد اللغويين: إنّ الفرق بينهما كالفرق بين الميم والنون، ويتعجب من ذلك جدّاً ويقول: لا أجد فرقاً بينهما. ومن يسأله أنّ فلاناً ينطق الضاد على شكل الظاء لا يقول بالبطلان.
[كلام في الضاد والظاء]
وقد بحثت بمقدار الإمكان في المصادر لمعرفة رأي الفقهاء في الفرق بينهما، فلم أجد بما فيها المصباح والجواهر والمستند وبعض الرسائل العملية.
ووجدته في المستند يقول: «أنّه لو أخلّ بشيء من الكلمات أو الحروف، فلا إشكال في البطلان مع العمد؛ للزوم الزيادة المبطلة. مضافاً إلى كونه من كلام الآدميّين، بعد عدم كونه من القرآن ولا الذكر ولا الدعاء»(1).
وهذا مطعون كبرى وصغرى.
ــــــ[60]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص430 – 431 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
أمّا كبرى، فإنّ بطلان الصلاة بكلام الآدميّين فهو مضمون رواية غير معتبرة السند-على ما ببالي- وإنّما هو الإجماع وهو لبي يقتصر فيه على القدر المتيقّن، وهو غير هذه الصورة.
وأمّا صغرى؛ فلأنّ كلام الآدميين إن كان هو غير الذكر والدعاء والقرآن فنعم، ولكن من أين حصل على هذا التعريف؟ فيمكن أن تكون هناك مرحلة وسطى ليست هي من القرآن ولا من كلام الآدميين، وهي قراءة القرآن بصورة خاطئة، فإنّه يصدق عليه القرآن عرفاً بالمعنى الأعمّ، ولا يصدق عليه جزماً أنّه كلام اعتيادي، ويكفي الشكّ في ذلك لبطلان النتيجة، وإنّما تفسد الصلاة؛ لعدم مطابقة المأتي به مع الموحى به. وكذلك حصول التحريف العمدي للقرآن الكريم كجزء من العبادة، فيكون من الكذب على الله وعلى رسوله، فتبطل.
والحقّ هو الفرق بين الظاء والضاد، وهو فرق قلّ من يهتدي إليه، حتّى جملة من قرّاء القرآن المشهورين قد يجهلون أو يهملون هذه الجهة، والفقهاء أناطوها بحركة اللسان مع إهمالهم للجهة الصوتية في تلفّظ الحرف. والظاهر أنّ هذا لكونهم ليسوا من أبناء اللغة لا أكثر، ولم ترد حركة اللسان في كتاب ولا سنّة. وقد وجدنا من أبناء اللغة من فقهاء وقرّاء لا يفرّق بينهما، فكيف بغير أبناء اللغة.
ويكفي فرقاً أنّ العرف القديم الذي هو أساس الفصاحة اعتبرهما حرفان لا حرفاً واحداً، ونحن لا نعلم متى جعلت الحروف، وهي جزماً موجودة قبل عصر النبي واستمرت بعده، وهي مقرة من قِبله وقِبل الأئمة.
والعمدة الواضحة في الحروف هو التفريق في الأصوات، فلو لم يفترق الصوت كان حرفاً واحداً. ومن هنا صحّ القلب والإدغام؛ لأنّه يحتوي على تبديل حرف محلّ حرف؛ لأنّ العمدة في الكلام هو النطق، فالتبدّل حصل به وليس بالكتابة. فلو أهملنا العناية بالصوت أمكن أن نقول بأنّه لم ينقلب مع أنّه فعلاً قد
ــــــ[61]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
انقلب وتغيّر أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ(1).
فإذا كانت العمدة هو الصوت، وكان الضاد والظاء متعددان في الكتابة وفي الارتكاز اللغوي، حتّى أنّه يقبح الجهل بذلك ويعتبر تغييرهما في الدعاء والقرآن تحريفاً. إذن فصوتاهما مختلفان جزماً أو قلّ: إنّ الاختلاف الرئيسي بينهما إنّما هو بالصوت وليس بالكتابة فقط، ولا بتحريك اللسان فقط مع اتّحاد الصوت أو إهماله.
ولم نجد في ذلك فرقاً إلاّ ضخامة الصوت وقوته في الضاد بينما يكون الظاء خفيفاً، والناس ينقطون كليهما ظاءً في الواقع.
فإذا كان الصوت ضخماً وقوياً فقد حصلت ماهية الضاد العرفية، فيكون تطبيق حركة اللسان بعدها كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان لا تكون لها أيّة مشروعية، فضلاً عن أن تكون على الأحوط وجوباً.
فأنّهم إنّما قالوا بعد اطمئنانهم بعدم التفريق الصوتي مع وجود فرق جزئي في الجملة بينهما، فينحصر ذلك بحركة اللسان، وحيث يجب التفريق بينهما أكيداً إذن يجب تحريك اللسان، ولكنه حيث وجدنا ما هو الصحيح من الفرق، فإذا أوجده المكلف كفى عن تحريك اللسان جزماً.
[لو أخلّ بحركة بناء أو إعراب]
ثمّ قال في العروة: «وكذا لو أخلّ بحركة بناء أو إعراب»(2).
ــــــ[62]ـــــــ
(1) هود: 48.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 232، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وحركة البناء على شكلين:
[الشكل الأول]: إمّا هي دخيلة في بنية الكلمة، سواء كانت مشتقّة أو جامدة. غاية الأمر أنّ الحركات تشكّل ما يسمّى بالهيئة – في الأصول- في المشتقّات، وأمّا الجوامد فلا هيئة لها، يعني أنّ هيئتها ليست موضوعة زيادة عن مادّتها، بل الموضوع هو المجموع من الهيئة والمادّة. فتفويت الحركة يكون مغيّراً للهيئة في المشتقّات، فيكون مغيّراً للمعنى غالباً، وتفويت الحركة في الجوامد يخرج بها عن وضعها اللغوي الأصلي الذي وضعت به أو له.
[الشكل الثاني]: والمعنى الثاني لحركة البناء: هو حركات آخر الكلمة، التي لو كانت معربة لتغيّرت، ولكنّها مبنية، فلا تتغيّر، فحركتها حركة بناء غير قابلة للتغيّر، وأمّا الشكل الأول فحركة البناء يعني من بنية الكلمة الأصلية.
والظاهر أنّ السيّد اليزدي أراد الثاني منها، بعد الالتفات إلى هذا التقسيم، فإنّه جعل البناء بإزاء الإعراب، وحركة الإعراب هي حركة نهاية الكلمة، على أن تكون قابلة للتغيّر، فتكون حركة البناء هي حركة آخر الكلمة، على أن لا تكون قابلة للتغيّر.
ويمكن إرجاع القسمين إلى معنى واحد، وهو مجموع الصفتين، فإنّ كلّ حركات الكلمة المبنية هي من بنية الكلمة، وكلّها غير قابلة للتغيّر لغوياً ونحوياً، سواء كانت هي حركة الحرف الأخير أو ما قبله من الحروف. فهنا ترجع حركة البناء (في مقابل الإعراب) إلى كونها حركة من بنية الكلمة، ومن أجل ذلك لا تتغيّر، ولو تغيّرت انكسر وتحطّمت بنية الكلمة، ولعلّه لهذا سمّيت الحركة بناء،
ــــــ[63]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
أي: عليها بناء الكلمة وصيغتها الأصلية التي وضعت عليه.
في مقابل الإعراب والكلمات المعربة، التي لا يكون لحرفها الأخير صيغة أصلية، بل له نحو من الشمول والقابلية للاتّصاف بعدّة حركات حسب موقعه الإعرابي من الجملة.
[كلام في المدّ والتشديد والسكون]
قال: «أو مدّ واجب»(1).
وقد عقد السيد اليزدي بعض المسائل فيما يأتي للمدّ الواجب(2).
وقلنا في محله: بأنّ المدّ ماهية مقولة بالتشكيك؛ لأنّه باطل للطول والقصر، ولا يحتمل أن يكون الطويل منه واجباً. ومن هنا يكون المطلوب من المدّ مسماه أو أقل المجزئ منه، وهو حركتان لا أكثر. أمّا لزوم المدّ فسيأتي وجهه في محلّه.
قال: «أو تشديد»(3) وقد تكلّمنا في التشديد؛ لأنّه مذكور في متن الشرائع(4).
قال: «أو سكون لازم»(5).
يقصد منه السكون الإعرابي كالأفعال المجزومة، وهي تجزم وجوباً بحسب القواعد بحيث تكون مخالفتها غلطاً.
ــــــ[64]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 232، ط إحياء التراث العربي.
(2) لاحظ: مستند العروة الوثقى: ج14 ص432 من الموسوعة.
(3) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 232، ط إحياء التراث العربي.
(4) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(5) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 232، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
إلاّ أنّ لنا على كلامه هذا تعليقان:
الأوّل: أن السكون اللازم ينقسم بنفس انقسامات الحركة، فقد يكون من بنية الكلمة ك(محمّد)، وقد يكون في نهاية الكلمة المبنية مثل (بل)، وقد يكون إعراباً كالأفعال المجزومة كقولنا (لم يذهب).
[كلام في أن السكون حركة لأنه أحد أوصاف الحرف الأربعة]
الثاني: أنّ الارتكاز في ذهن النحويين: إنّ السكون ليس بحركة، ومخالف ماهية مع الحركات، وأنّه لو زالت الحركات بقي السكون؛ ولذا سمّيت حركة وسكون تمثيلاً لها بالحركة والسكون التكوينيّين، ومن المعلوم أنّ السكون التكويني مخالف للحركة ومضادّ لها.
إلاّ أنّ هذا التصوّر وهذا القياس واضح البطلان؛ فإنَّ تسميتها بالحركة والسكون إمّا مجازاً أو مجرّد اصطلاح، ومن هنا يمكن اعتبار السكون حركة، أي: صفة من أوصاف الحرف الأربعة، وهي: الفتح والكسر والضم والسكون.
ومن هنا يمكن أن نقول: إنّ (بل) حركة بنائها على السكون، والفعل المجزوم حركة إعرابه على السكون.
هل الحركة تعني حركة الحرف أم حركة اللسان؟ بل حركة الحرف فقط، بارتكازهم كما عليه الوجدان، فالسكون يكون حركة بهذا المعنى، فإن كان ما أوجب سكون اللسان سكوناً كانت كلّها سكونات، وإنّما يتحرّك اللسان بالحرف كالراء واللام لا بالحركات، بل هي تخرج من نفس مخارج الحروف كالعين والباء، وتتحرّك بحركتها وتسكن بسكونها.
ــــــ[65]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وإذا لم يتحرّك فهو ساكن معنى شامل لكلّ الحركات الأربعة بصفتها أضداداً لا خامس لها.
هذا، وقد قيّد السكون بكونه لازماً، يعني: لازم بحسب القواعد العربية المرعيّة الذي يكون تركها خطأ أو غلطاً، في مقابل السكون غير اللازم، وهو سكون الوقف، فإنّه اختياري للمتكلّم يستطيع أن يقف فيسكن أو يدرج فيحرّك، فلا يكون لازماً.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أنّ السكون وإن اعتبرناه حركة إلاّ أنه يختلف عن الأخريات بعدّة أمور:
منها: أنّه غير قابل للشدّة والضعف، في حين تكون تلك الحركات قابلة لها، فشدّتها حروف العلّة وضعفها هو الحركة نفسها، وهما من سنخٍ واحد، وإنّما تختلف بالكميّة لا بالكيفية، أو قل بالصفة لا بالماهية. ومن نتائج ذلك اعتبار الألف الليّنة حركة كالواو والياء، في حين لا تعتبر الألف اليابسة حركة، وهي الهمزة، بل هي حرف من الحروف تختلف عن الأخريات بالماهية لا بالصفة فقط، وعلامة ذلك أنّها قابلة للتحريك.
إلاّ أنّ هذه الجهة موجودة في الواو والياء أيضاً، فقد تكون تفخيماً للضمّة والكسرة كيوم وحين، وقد تكون حرفاً مستقلّاً قابلاً للتحريك كواو العطف وياء النسبة، في حين أن (ياء المتكلم) هو حرف علّة وتفخيم للكسرة. لكن الارتكاز النحوي لاحظ هذا الفرق في جانب الألف، ولم يلاحظه في جانب الواو والياء، كما أنّه اصطلح على هذه الحروف بكلّ أحوالها بأنّها حروف علّة، في حين أنّ ما
ــــــ[66]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
يستحق هذا الاصطلاح هو وجوداتها الحركية فقط كـ(ماء وحين ويوم)، لا وجوداتها الحرفية كاسم ويخرج وسَوْق.
ويختلف السكون عن الحركات بأمر آخر، وهو إمكان الوقف عليه دونها، لو قلنا بذلك على ما هو مشهور النحويين والفقهاء. وسيأتي.
كما يختلف السكون عن سائر الحركات بأمرين آخرين مشهوريين:
1- عدم البدء بالساكن.
2- عدم تتابع ساكنين.
وهذا إن قصد به القبح والمنافاة للفصاحة فصحيح إلى حدّ ما، وليس له في القرآن والنصوص الفصيحة مثال، ولكن المسلك التقليدي يعتبرها مستحيلة وهي ليست كذلك، فنحن نبدأ بالساكن كثيراً مثل: محمّد وكتاب وحسين وكبير وإبريق، وغيرها كثير، وإنّما يستحيل البدء بساكنين، ولا مثال له؛ لأنّه مستحيل، ويمكن المقارنة ذهناً بين البدء بساكن واحد أو بساكنين؛ لنجد إمكان أحدهما وتعذّر الآخر.
كما أن تتابع الساكنين في غير الحرفين الأولين موجود، وخاصّة عند الوقف في السكون، حيث يكون الحرفان الأخيران ساكنين كـ(الوقف، والوقت، وورش الذي هو أحد القرّاء).
وكذلك الوقوف على الكلمة المشدّدة الآخر كـ(ياء النسبة) كـ(عربي وإنساني) حيث تشعر بالفرق بين كسر الياء وتشديدها، فإذا شدّدها كانت من تتابع الساكنين، و(عربي) من ألفاظ القرآن كما هو معلوم. وتتابع السكونات
ــــــ[67]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الثلاثة لا يكون إلاّ وأوّلها حرف علّة، ولا تكون إلاّ في آخر الكلمة، وهي لا تناسب العربية، وإنّما هي موجودة في لغات أخرى.
وهذا ممّا يمكن أن يحدث حتّى في الفصيح ولا ينافي الفصاحة. نعم، الساكنين في وسط الكلمة غير موجودة في الفصيح، ولكنّه قد يوجد في بعض اللهجات العاميّة كالمصرية واللبنانية.
بل من حيث نفي الاستحالة من الممكن القول بأنّ تتابع ثلاثة حروف ساكنة في نهاية الكلمة ممكنة، إلاّ أنّها لا وجود لها في اللغة العربية، لكن حصولها دليل على إمكانها على أيّ حال، وهي موجودة في بعض الكلمات الفارسية كـ(ﭘـوست وﮔـوشت)(1)، لو اعتبرنا الواو حرفاً ساكناً كما هو المشهور، وإنّما المضموم هو الحرف الذي قبله، ومثله في الإنكليزية (روست وكوست وفوكس ولايت وبرايت)(2) وغيرها، وهي موجودة في كلّ لغات العالم. فتأمّل.
نعم، تتابع ثلاثة سواكن خلال كلمة في غير نهايتها مستحيل، ويمكن المقارنة بين الاستحالتين كما قلنا في صورة البدء بالساكن.
وعلى أيّ حال فالسكون يختلف عن غيره، إلاّ أنّ المبالغات المشهورية في الاختلاف تجعله أعمق بكثير ممّا هو عليه في الواقع.
ــــــ[68]ـــــــ
(1) ﭘـوست: يعني جلد. كوشت: يعني لحم.
(2)) مشوي: (Roast (ساحل (Coast: (ثعلب: (Fox (قليل الدسم: (lite (لامع: Bright).
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[مناقشة في اخراج الحرف من غير مخرجه]
ثمّ قال السيّد اليزدي: «وكذا لو أخرج حرفاً من غير مخرجه بحيث يخرج عن صدق ذلك الحرف في عرف العرب»(1) ولم يعلق عليه في المستمسك شيئاً.
ودليله ينبغي أن يكون واضحاً؛ لأنّ تغيير الحرف الذي في بنية الكلمة تغيير للكلمة، فإنّما تكون الكلمة بحروفها، فإذا تغيّرت الحروف أو بعضها أو بعض حركاتها تغيّرت الكلمة، وإذا تغيّرت الكلمة تغيّر القرآن، وهو غير جائز.
وهذا لا يختلف فيه بين أن يكون الصوت الجديد حرفاً آخر موجود في اللغة أو ليس حرفاً عربياً أو ليس حرفاً إطلاقاً. فإنّ مسخ الكلمة يحصل على كلّ حالٍ.
وقضية المخارج وإن كان لها درجة من الصحّة إلاّ أنّها لا دخل لها عرفاً في صوت الحرف، وإنّما المهمّ هو الصوت العرفي للحرف فإذا كان موجوداً صدق أنّه ذلك الحرف بالحمل الشايع العرفي، وإن خرج من غير مخرجه وإن بعد الفرض، وإن لم يكن صوت الحرف موجوداً لم يصدق عليه ذلك وإن خرج من مخرجه، فإنّ المخارج إنّما هي أشياء بالخلقة لا يتعمّدها الإنسان وإنّما المهمّ هو صوت الحرف، إلاّ أنّه قد يكون من المستحيل على الخلقة البشرية تبديل مخرج الحرف أحياناً وخاصّة مع التباعد بين المخرجين كجعل العين شفوياً والياء حلقياً. نعم، الحروف المتقاربة في المخارج قد نقول بإمكان تبديلها، وإن كان بعيداً أيضاً، فبالدّقّة إن بين النطق الصحيح بالحرف وبين مخرجه نسبة التساوي، بحيث لو أراد
ــــــ[69]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 232، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الفرد إخراج حرف آخر من مخرج أيّ حرفٍ لما استطاع، كما أنّه لو أراد إخراج أي حرف من غير مخرجه لما استطاع.
فلذا يلازم إخراج الحرف من غير مخرجه تغيّره حتّى وإذا تغيّر صوته فهو حرف آخر، فليس نفس الحرف؛ لأنّ التغاير بين الحروف إنّما هي بالأصوات، وهذا هو مقصود صاحب (العروة) من إخراج الحرف من غير مخرجه؛ لأنّه يتغيّر بالضرورة.
[التغيير الحاصل بلهجات غير العرب]
بقيت الإشارة إلى التغيّر الذي يحصل بلهجات غير العرب، فإن كان مجرّد اللهجة أو اللكنة فقد قلنا بجوازه، وإن كان فيه تغيير للحرف (وهو عمدي على ما هو المفروض الآن) بحيث أصبح حرفاً آخر بطلت القراءة أو الصلاة.
ولكن للتسهيل عليهم نقول: إنّه يمكن أن نتصوّر أنّ المخرج الواحد يصدر صوتين متقاربين لدى فردين، بحيث لا اختلاف في ماهية الحرف بالعرف العربي، وأمّا اختلاف الأصوات بهذا المعنى فهو موجود بين الأفراد وبين المجموعات أو المجتمعات، ولكن مع ذلك تصدق ماهية الحرف فتصحّ القراءة.
لكن يمكن القول: إنّ هذا أمر لا يزيد على اللهجة بشيء، فإن زاد على ذلك تغيّر الحرف بالعرف العربي، يعني: تحولت ماهيته بالحمل الشايع العرفي، بحيث يصدق السلب وإن كان من نفس المخرج، أو قل: وإن كان يعتقد المتكلّم أنّه أخرجه من نفس المخرج، فإن كان عامداً بطلت قراءته وصلاته.
ــــــ[70]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
والمهمّ الآن أن نلتفت أنّنا في هذه المسألة من (العروة) لا زلنا نتكلّم عن أصل ماهية اللغة لا عن تفاصيلها، أو قل: طبقاً للقواعد الأساسية للنطق والإعراب، لا عن قواعد الفصاحة. وما أخلّ بالقواعد الأساسية أخلّ بالفصاحة دون العكس؛ لأنّ بين هاتين المجموعتين من القواعد نسبة العموم المطلق. وأمّا المسائل الآتية في العروة فأغلبها مربوطة بقواعد الفصاحة كالمسألة الآتية.
[في همزتي الوصل والقطع]
مسألة 38: «يجب حذف همزة الوصل في الدرج، مثل همزة الله والرحمن والرحيم واهدنا ونحو ذلك، فلو أثبتها بطلت. وكذا يجب إثبات همزة القطع كهمزة أنعمت، فلو حذفها حين الوصل بطلت» (1).
أقول: والشيء الذي قلّ من يلتفت إليه أنّه يمكن أن يُقال بوجوب الدرج والوقف الذين هما متقدّمين رتبة على الوصل والقطع، فلو وقف وقطع لم يجز بالرغم من أنّه لم يخالف هذه القاعدة؛ لأنّه يوجب اختلافاً في النصّ القرآني، وعدم مطابقة المأتي به مع الموحى به قطعاً، والمطابقة لا تختصّ بإقامة الحروف الأصلية كما هو واضح.
وكذلك لو درج فوصل لم يجز في همزة القطع (الذين انعمت)، فقوله: (فلو حذفها حين الوصل بطلت) لا يحتاج إلى قيد حين الوصل، بل لو حذفها مطلقاً بطلت، سواء وصل أم قطع، إلاّ أن يكون مراده: فلو حذفها حتّى حين الوصل، بطلت.
ــــــ[71]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص432 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
كما أنّه ممّا قلّ أن يلتفت إليه أنّ الإنسان ليس بالخيار أن يقف في أي موضع يشاء، بل يجب أن يكون ممّا يستسيغه الذوق العربي، فلو لم يكن كذلك لم يجز الوقف كالوقف على (الذين) أو على حرف العطف (وإيّاك).
كما أنّ الوقف في داخل الكلمة الواحدة بما فيها الألف واللام غير جائز حتماً، وبه تنسدّ مسألة الأصوات الممنوعة التي لا معنى لها.
ومن فروعه: أنّ الوقف على الكلمة الساكنة الآخر غير واجب، بل هي ساكنة، سواء درج أم وقف، مثل (عليهم)، فلا يجب الوقف احتياطاً لسكونها.
والمهمّ في هذه المسألة: أنّ همزة الوصل وهمزة القطع -أعني: النطق بها- طبقاً للقواعد من صغريات الفصاحة قطعاً، فلو خالف عمداً بطلت، كما لو قطع همزة الوصل في الدرج كـ(الرحمن والرحيم)، أو وصل همزة القطع كما في (إيّاك وأنعمت).
لكن عرفنّا أنّ الوصل والدرج لا دخل لهما في وجوب قطع همزة القطع ووصل همزة الوصل، بل همزة القطع يجب قطعها في الدرج والوقف. أمّا الوقف فعلى القاعدة، وأمّا في الدرج فلاختصاص حكمها بذلك. أو يُقال: إنّه يجب الوقف قبلها؛ ليكون قطعها أفصح.
وكذلك همزة الوصل يمكن القول بأنّه يجب وصلها في الدرج -على القاعدة- وفي القطع، بمعنى المنع عن القطع للتوصّل إلى وصل الهمزة؛ لقبح القطع في نفسه، كما في البسملة.
نعم، أحياناً لا يكون كذلك كما في (اهدنا)، فإنّه يكون مخيّراً بين الوقف
ــــــ[72]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
والدرج، بل الوقف أرجح؛ لأنّه رأس آية، فإذا وقف قطع الهمزة، وإن درج وصلها.
[مناقشة الوقف بالحركة والوصل بالسكون]
مسألة 39: «الأحوط ترك الوقف بالحركة والوصل بالسكون» (1).
طبعاً بغضّ النظر عمّا قلناه من أنّ السكون إنّما هو نوع من الحركة. وظاهر الاحتياط كونه وجوبياً. وسيأتي أنّه لماذا لم يفتِ بذلك، وإنّما احتاط به.
وتقريب وجوبه: هو كونه صغرى للفصاحة الواجبة فيجب، ويُستدل على هذه الصغروية بكلمات اللغوييّن كما فعل في المستمسك: «كما في قوله في شرح الرضي: (إن ترك مراعاة هذه الأحكام خطأ). وعن المجلسي: (اتّفاق القرّاء وأهل العربية على عدم جواز الوقف بالحركة)»(2).
ويكون هذا قاطعاً وحاكماً على أصالة عدم الشرطية أو عدم المانعيّة الجاري في نفسه في المورد.
وأمّا الوجوه التي تنتج عدم الوجوب فأمور:
الأوّل: ما عن ابن الحاجب: «الوقف قطع الكلمة عمّا بعدها، وفيه وجوه مختلفة في الحس والمحلّ»(3).
ــــــ[73]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص432 من الموسوعة.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 233، ط إحياء التراث العربي.
(3) المصدر السابق.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وهو واضح في عدم اللزوم، ومعناه عدم دخله في الفصاحة؛ إذ لو كان منها كان لازماً لا يجوز تعدّيه. وابن الحاجب حجّة مشهورياً كغيره من أهل الاختصاص.
الثاني: الطعن بحجّة اتّفاق القرّاء وأهل العربية، باعتباره إجماعاً غير معتبر؛ لأنّه إجماع غير متشرعي، فإنّ القرّاء أغلبهم من العامّة، وأهل العربية من هذا اللحاظ لا ربط لهم بالشريعة، فلا معنى لحجّيّة إجماعهم، وإن كان له أثر شرعي.
الثالث: أنّ الشارع يعلم بوجوب الصلاة والقرآن على كثير من مستويات وطبقات ولغات، وإن كثيراً منهم لا فهم لهم لذلك، فتحديد ذلك يقتضي جعل أكثر النّاس في عسر وحرج، أو قل بالعكس: إنّ السيرة على ترك ذلك عرفياً وعملياً، وهي سيرة ممضاة من قبل المعصومين؛ لأنّه لم يرد عنهم فيها شيء أو نهي.
فإن قلت: فإنّ مخالفات القراءة القرآنية كثيرة، ولم يرد فيها نهي، وإنّما اعتمدوا على وجوب تطبيق الفصاحة، وهذا كافٍ.
قلنا: يمكن القول: إنّ ما كان منها عامّ البلوى ولا يحتمل التزام النّاس به عموماً يكون كالمستثنى من تلك القاعدة، والمورد منها. وموارد هذا الاستثناء قليل إلاّ أنّ المورد منها.
الرابع: أنّنا لو قلنا بجواز الوقف حيث شاء القارئ -أعني: في نهايات الكلمات المفردة- لم يكن السكون ممكناً أو كان مخالفاً للفصاحة جزماً كسكون كاف (إيّاك) وباء (رب) في ربّ العالمين و(باء) المغضوب و(نون) الذين، ونحو ذلك.
ــــــ[74]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
إذن فالسكون بقول مطلق ممّا لا يمكن القول به. اللّهم إلاّ أن يُقال بوجوب الدرج في مثل هذه الأماكن، وهو ممّا لم يقله المشهور.
غير أنّ هذا الوجه بهذا المقدار ينتج الجواب على أحد المسألتين وهي وجوب السكون عند الوقف، لا وجوب الحركة عند الدرج، وهما مسألتان وليست واحدة، وهما في ارتكاز الباحثين كأنّها متلازمة، وهي ليست كذلك. فلو نفينا الوجوب في إحداهما أمكن أن نثبته في الأخرى. والأشهر تداولاً هو وجوب السكون عند الوقف، فإذا برهنّا على إمكان التحريك -المقابل للسكون- عند الوقف ولو أحياناً انتفت الكبرى المشهورية هنا.
فإن قلت: فإنّ ما قيل في هذا الوجه صحيح، إلاّ أنّه ينتج التفصيل في ما هو مستحسن من ذلك وغير مستحسن في الذوق العربي، فإن لم يكن السكون مستحسناً التزمنا به، وإن كان مستحسناً التزمنا به، فيضاف قيد على القاعدة المشهورية، وهو وجوب السكون عند الوقف إذا كان مستحسناً.
وهو مطلب جيد، إلاّ أنّه يقابله مطلب آخر، وهو أن يُقال بعدم وجوب السكون إلاّ ما خرج بدليل، فيجب السكون كنهايات الآيات، وحينئذٍ نتحيّر فقهياً هل أنّ وجوب السكون للدليل أو للاستحسان الذوقي، وهل أنّ هذا الدليل هو لغوي أو شرعي، وما هو الضابط فيه؟
فإن كان شرعياً فلابدّ من إثباته سنداً، وقد ورد الأمر بالوقوف في رؤوس الآيات، وهي ضعيفة السند، على أنّ الوقوف لا يلازم السكون إن أخذنا بمعناه الاصطلاحي.
ــــــ[75]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وأمّا إذا كان الدليل لغوياً، ففي الإمكان منعه، وكون المورد مشمولاً لأصالة عدم الشرطية إلاّ في مورد واحد، وهو ما إذا كان غير السكون عند الوقف سمجاً ومنافياً للبلاغة، فيتعيّن السكون. وأوضح أمثلته الوقوف في رؤوس الآيات أو الوقوف في رأس فقرة كاملة من الكلام كرأس سطر، فإنّه قبيح، وإن كان قبيحاً فالسكون لازم.
اللّهم إلاّ أن يُقال: إنّ هذا القبح الذي تشعر به في رؤوس الآيات ليس إلّا للمجاز وللاستحباب الشرعي، مع الشكّ في كونه كان موجوداً في الكلام الفصيح قديماً.
وبتعبيرٍ آخر: مع الشكّ في كون عدمه مخلّاً بالفصاحة في ذلك الحين، فتجري أصالة عدم المانعيّة.
إلاّ أنّه مع ذلك قد يحصل الاطمئنان بعدم استحسان ترك السكون في بعض الموارد فيكون الأحوط وجوباً السكون، كالوقف عند نهايات الآيات. وهذا لا ينافي أنّ القاعدة العامّة المشهوريّة قائمة على الاحتياط الاستحبابي.
وعلى أيّ حالٍ، فإن احتملناه بالظنّ المعتدّ به كان احتياطاً وجوبياً وإلاّ كان احتياطاً استحبابياً. وعلى أيّ حالٍ فلا يحتمل أن يكون ذلك بنحو القاعدة العامّة؛ لما عرفناه من سماجة الوقف أحياناً.
[في العلم بحركة الآخر إذا أراد الوصل]
مسألة 40: «يجب أن يعلم حركة آخر الكلمة إذا أراد أن يقرأها بالوصل بما بعدها، مثلاً إذا أراد أن لا يقف على (العالمينَ) ويصلها بقوله: (الرحمن الرحيم)
ــــــ[76]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
يجب أن يعلم أنّ النون مفتوح، وهكذا. نعم، إذا كان يقف على كلّ آية لا يجب عليه أن يعلم حركة آخر الكلمة»(1).
وعلّق عليه في المستمسك بسطر واحد: «الكلام فيه هو الكلام في وجوب التعلم كليّة»(2).
على اعتبار مقدّميّة التعلّم وطريقيته إلى امتثال الأمر، والمقدّمة واجبة، أو أنّ التعلّم مأمور به بعنوانه التفصيلي.
إلاّ أنّ في هذا الوجوب إشكالاً واضحاً؛ لأنّ التعلّم إنّما يكون واجباً فيما إذا كان مقدّمة لواجب متعيّن كالصلاة، بحيث لا يجوز تركه لا إلى بدل ولا بدون بدل. وأمّا ما جاز تركه أصلاً أو إلى بدل لم يجب تعلمه، وإنّما يجب الجامع بينه وبين بدله، فلا يجب في الكفّارة المخيّرة تعلّم أحكام العتق أو أحكام الإطعام، بل جامع التعلّم.
فإن قلت: فإنّه إن أراد أحدهما وجب عليه تعلمه عيناً.
قلنا: كلا، بل الجامع أيضاً؛ لأنّه غير مجبور على هذه الإرادة، بل يمكن الإعراض عنها في آية لحظة.
وفي المقام مثلها، فإنّ لهذا التعلّم بديلين، لا بدل واحد، هما: الوقف بالسكون أو الوصل على كلّ الصور المحتملة برجاء المطلوبية بحيث يعلم إجمالاً صدق أحدهما، والحركات غير السكون ثلاثة فيمكن أن يكرر ثلاث مرات،
ــــــ[77]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص433 من الموسوعة.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 243، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وتصحّ صلاته، والمفروض أنّنا نقول أنّ الاحتياط أو الرجاء لا ينافي الواقع.
هذا إذا قلنا بوجوب التحريك مع الدرج، وقد بحثنا مسألة التحريك مع الوقف، وقلنا بأنّها أحوط استحباباً.
[في صورتي التحريك مع الدرج]
وأمّا هذه المسألة وهي التحريك مع الدرج، فلها صورتان:
الصورة الأولى: أن تجتمع مع همزة الوصل فتتعيّن في التحريك لتعذّر الجمع بين السكون في الكلمة الأولى مع الوصل في الهمزة، وعلى تقدير الإمكان فهو جزماً منافي للفصاحة، فتبقى الفتوى بوجوبه، وليس الاحتياط الوجوبي.
والصورة الأخرى: أن تكون بعده كلمة ليس فيها همزة، مثل الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(1) أو همزة قطع مثل: يَوْمِ الدِّينِ(4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ(2). فهنا لا دليل على سماجة السكون مع الدرج، فيكون احتياطاً استحبابياً، ولا موجب لكونه احتياطاً وجوبياً، كما عليه السيّد في العروة(3).
[صور السكون في الدرج]
السكون في الدرج فيه عدّة صور:
الصورة الأُولى: أن يجتمع السكون مع همزة الوصل مثل: الرحمن الرحيم،
ــــــ[78]ـــــــ
(1) الفاتحة: 3-4.
(2) الفاتحة: 4-5.
(3) مستند العروة الوثقى: ج14 ص432 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
بسكون النون بدون وقف. فيتعذر نطقه فيتعيّن التحريك.
الصورة الثانية: أن ننظر بالعكس، وذلك أن الوقف بالسكون يقتضي إظهار الهمزة، في حين إنَّ الدرج يقتضي حذفها والمفروض تحقّقه، وقاعدة حذف الهمزة مع الدرج أَولى، فيتعيّن التحريك لإعطاء القدرة على حذف الهمزة؛ لأنَّه بدونها يتعذّر حذفها.
اللهم إلاّ أن يُقال: إنَّه يجمع بين السكون وبين النطق بالهمزة، فيكون وقفاً على القاعدة، إلاّ أنَّه خال من النفس والبطء في الكلام وهو غير لازم، بل يمكن أن يُقال: إنَّه لا يراد بالوقف إلاّ ذلك بملاحظة حاله الظاهرية.
الصورة الثالثة: أن يكون السكون حدّهما سكون الإعراب، فيمتنع مثل: مالك يوم الدين، بسكون الكاف. فإنَّ قصد الوقف وحده لا يكفي ما لم يكن له مبرز، وهو النفس الذي بعده، فإن وجد صحّ السكون وإلاّ كان لحناً.
الصورة الرابعة: نفس الصورة السابقة مع تطبيقها في نهايات الآيات أو نهاية المقطع القرآني، بحيث تكون هناك حركة متّصلة على أنَّ السكون للوقف لا للإعراب، مثل: مالك يوم الدين، إياك نعبد بسكون النون، أو الرحيم الحمد.
فهنا نكون قد عملنا نفس وظيفة الوقف بدون وقف أي بدون نفس. وهنا قد يُقال أيضاً كما سبق: إنَّ الوقف ليس إلاّ هو هذا، أي شكله الظاهري بدون اشتراط النفس أو البطء في القراءة، بدليل جواز القراءة السريعة مع عدم احتمال اشتراطها كلّها بالقراءة بالوصل في كل مقاطع القرآن، مع أنَّ الوقف العرفي لا يتحقّق فيها جزماً.
ــــــ[79]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وفي مثلها لا يبعد القول بالجواز طبقاً للأصل المؤمّن، وأنَّ الترك هنا مبنيٌّ على الاحتياط الاستحبابي، وغايته الوجوبي كما في العروة(1) ولا سبيل إلى الفتوى به.
نعود الآن إلى كلام العروة، فإنَّه في هذه الصورة التي قلنا فيها بجواز السكون: يجوز للمكلّف أن يسكّن ولا يجب عليه تعلم الحركة حتى في الدرج. مضافاً إلى ما قلناه من جواز إتيان اللفظ على صورتين برجاء المطلوبية، ولا يتعيّن التعلّم.
وعلى أيّ حالٍ لم يصحّ أنَّه يجوز السكون للوقف في الدرج مطلقاً، بل في نهاية المقاطع أو الآيات فقط.
[مخارج الحروف]
مسألة: 41: «لا يجب أن يعرف مخارج الحروف على طبق ما ذكره علماء التجويد، بل يكفي إخراجها منها(2) وإن لم يلتفت إليها»(3).
وقد عدّد في المستمسك(4) مخارج الحروف ولا قصد لنا بها الآن، وخاصّة حينما لا نقول بالالتفات إليها. نعم، هي لها أثرٌ في صورة واحدة، وهو تعلّم النطق. فإنَّ غالب الغلط في أصوات الحروف هو الاشتباه في المَخرج، وأنَّه يخرجها من غير مخرجها. فأحسن طريق للتعلّم هو إلفات المتعلّم إلى المخرج؛ لكي
ــــــ[80]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) تكويناً (منه).
(3) العروة الوثقى: ج2: ص517، ط جماعة مدرسين.
(4) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 235، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
يصدر الحرف صحيحاً منه. وإن كان هذا صعباً ويحتاج إلى دقّة، إلاّ أنَّه لابدَّ منه أحياناً شرعاً. وكثيراً ما يقع الاشتباه في الحروف المتشابهة.
وممّا ينبغي الالتفات إليه أنَّ تعدّد الحروف، أو قل تعدّد الأصوات دليل على تعدّد المخارج، ولا يمكن أن يكون مخرج واحد لعدّة أصوات. حيث نقل عن الفرّاء وأتباعه أن مخرج النون واللام والراء واحد وهو من قبيل علّة واحدة (سنخاً) لمعلولات متعدّدة سنخاً، وهو مستحيل لدى مشهور الفلاسفة.
كما أنَّه ينبغي الالتفات إلى أنَّ حروف العلّة الثلاثة إنَّما نتوقّع أن يكون لها مخارج مستقلّة إذا كانت حروفاً كيوم وبون وياس أي الهمزة وهي الألف اليابسة. وأمّا إذا كانت حركات كيوم ولام وقير، فإنّني اعتقد أنَّه ليس للحركات ضعيفها وشديدها مخرج معيّن، بل تخرج من نفس مخرج الحرف أيّاً كان.
فمثلاً: القاف بكل حركاته يخرج من نفس المخرج مع زيادة في الحركة الشديدة الحرفية. كما أنَّ الأمر بالعكس فإنَّ الكسرة في الميم مثلاً تخرج من غير مخرج الكسرة في القاف، وهذا يعني أنَّه ليس للحركات مخرج معيّن بخلاف الحروف.
ولذا قالوا: بأنَّ للحروف مخارج ولم يقولوا بأنَّ للحركات مخارج. أو قل: إنَّ الحركات سبع وليست أربع.
غير أنَّهم حين خلطوا في حروف العلّة بين وضعها الحرفي ووضعها الحركي، أعطوا لها مخارج بصفتها حروفاً، وهذا صادق عليها في وضعها الحرفي لا في وضعها الحركي، فإنَّها في وضعها الحركي تكون كسائر الحركات لا مخرج معيّن
ــــــ[81]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
لها، بل تتبع الحرف الذي متّصف بها، مثل: (ما و قا) بخلاف الهمزة فإنَّ لها مخرجاً ثابتاً بصفتها حرفاً.
[المدار على الصدق العرفي في التلفظ]
ثُمَّ قال: «بل لا يلزم إخراج الحرف من تلك المخارج، بل المدار صدق التلفّظ بذلك الحرف، وإن خرج من غير المخرج الذي عيّنوه»(1).
وهذا صحيح أكيداً، فإنَّ المهمّ الصدق بالحمل الشايع العرفي العربي.
ولكن علّق عليه الحكيم قائلاً(2): »الذي يظهر من كل من تعرّض لذلك: امتناع خروج الحرف من غير المخرج الذي ذكر له، فيكون ما في المتن من قبيل الفرض الذي لا واقع له، وإن كان لا يمتنع من قبوله علماء التجويد ولا غيرهم«.
أقول: ويدل على ذلك فلسفياً ما قلناه: من أنَّ كل مخرج هو بمنزلة العلّة للحرف، فإن تغيّر المخرج حصل نطق الحرف الآخر، واستحالة نطق غيره وإلاّ لزم أن تكون علّة واحدة لمعلولين.
ثُمَّ قال في المستمسك(3): «لكن الإنصاف يقتضي البناء على إمكان إخراج جملة من الحروف من غير مخارجها، فإنَّ طرف اللسان وما دونه إذا لصق بأي موضع من اللثة أو الحنك الأعلى أمكن النطق بالنون واللام، وكذا الكلام في غيرهما. فاختبر».
ــــــ[82]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2: ص517، ط جماعة مدرسين.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 235، ط إحياء التراث العربي.
(3) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 235 – 236، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وهذا قابل للمناقشة كبرى وصغرى:
أما كبرى: فإنَّ حركة اللسان لا تشارك في مخرج الحرف إلاّ قليلاً، وليس كل حركة لسان هي (مخرج)، ويمكن التفريق بينهما، بأنَّ الحركة التي تشارك في المخرج وتسبّب إلى ظهور صوت الحرف هي حركة غير عمدية، بل تكون تلقائية، وأمّا الحركة العمدية فلا تشارك في المخرج، فإن انحفظ معها المخرج صحّ الحرف وإلاّ بطل أو تغيّر.
وهذا من الأسباب الذي قلنا فيه أنَّ حركة اللسان العمدية في الضاد لا دخل لها في المخرج أو في الصوت إطلاقاً.
وأما صغرى: بعد تسليم الكبرى، فلإمكان القول بأنَّ حركة اللسان هذه تغيّر صوت الحرف قليلاً، فإن انحفظت ماهيته صحّ وكشف عن خروجه عن مخرجه الواقعي وإن لم تنحفظ ماهيته بطل.
إذن المحتمل أنَّه يكتسب انحرافاً في الصوت أو ضخامة ونحو ذلك، وهذا على خلاف ما قاله من أنَّ حركة اللسان لا تؤثر إطلاقاً، وإذا لم تؤثر في النون واللام كما قال، فقد تؤثر في غيره.
فإن قلت: فإنّك في مناقشة الكبرى نفيت التأثير.
قلنا: نعم، يعني نفينا التأثير الكلي، لكننا لم ننفِ التأثير أحياناً، فإنَّ هذا حاصل، وإن كان هو الحصّة الأقل على أيّةِ حالٍ.
قال السيّد اليزدي: «بل لا يلزم إخراج الحرف من تلك المخارج، بل المدار ــــــ[83]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
صدق التلفظ بذلك الحرف، وإن خرج من غير المخرج الذي عينوه»(1).
والمهمّ صدق أصل الماهيّة بمختلف حصصها لو صحّ التعبير، من الضخامة أو الدقّة أو اللكنة ونحو ذلك. نعم، لو تغيّرت ماهية الحرف بطل.
قال: «مثلاً: إذا نطق بالضاد أو الظاء على القاعدة لكن لا بما ذكروه من وجوب جعل اللسان من الجانب الأيمن أو الأيسر من الأضراس العليا صحّ»(2).
[تتمة حول النطق بالضاد والظاء]
وقد تحدّثنا(3) في الظاء والضاد، وهذه الحركة عمديّة وتبقى تعبّد خالص. إلاّ أنَّ نقطة القوّة فيها أمران:
1- أنَّها القدر المتيقّن من ذلك مع حسن السليقة لا مطلقاً.
2- أنَّها تفيد للتعلّم لمن يجهل ذلك، وخاصّة أصحاب اللكنة من غير العرب.
ومع ذلك نقول: إنَّه لو حصلت هذه الحركة ولم يحصل صوت الضاد بالتضخيم بطل، يعني صار هو عين صوت الظاء.
وهنا ينبغي أن نلتفت: أنَّ لكل الحروف والحركات ما عدا السكون حالات ثلاثة: اعتيادية، وتضخيم، وترقيق، تختلف فيها اللهجات بين الأفراد وبين المجتمعات، كـ(مكة ولكة)، (جاي وماي) باللغة العامية، وكلّها لا تغيّر ماهية الحرف عرفاً ولغة.
ــــــ[84]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2: ص517، ط جماعة مدرسين.
(2) العروة الوثقى: ج2: ص517، ط جماعة مدرسين.
(3) راجع ص60 من هذا الكتاب.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
فمن هنا قد يُقال: إنَّ الاختلاف بين الضاد والظاء حيث إنَّه في التضخيم فقط. إذن هما من ماهية واحدة، وهذا له إحدى نتيجتين:
1- إمّا أن نقول: بأنَّه لا بأس بإبدال بعضها لبعض؛ لأنَّهما ماهية واحدة.
2- وإمّا أن نقول: إنَّ المهم لو كان هو التضخيم لورد الإشكال. إذن فالمهم هو حركة اللسان كما قالوا.
وجوابه: أنَّنا لو لاحظنا من هذه الزاوية لكان الأمر صحيحاً، غير أنَّ العرف هنا اعتبر المُضخّم حرفاً والمرّقق حرفاً آخر، كما لا يبعد أن يكون ذلك في بعض الحروف الأُخرى كالثاء والذال وكذا الدال والطاء.
وعلى أيّ حالٍ فالاختلاف في الماهيّة بين الضاد والظاء، دقّي جداً، ولذا خفي حتى على المحقّقين. وأمّا حركة اللسان فهو تعبّد صرف لا يؤدّي إلى الاختلاف في الماهيّة يقيناً.
[الكلام في العرف العربي]
ثُمَّ قال السيّد اليزدي: «فالمناط الصدق في عرف العرب، وهكذا في سائر الحروف، فما ذكره علماء التجويد مبني على الغالب»(1).
ولا كلام هنا إلاّ في حصر العرف بعرف العرب، ولا شكّ أنَّه حجّة وأنَّه معاصر مع المعصومين ومُمضى من قبلهم، وأنَّ الفصاحة الحقيقية في القرآن عليه.
ــــــ[85]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2: ص517.، ط جماعة مدرسين.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ولكن مع ذلك يمكن القول: بأنَّ عرف كلّ لغة حجّة في ماهية الحروف التي فيها، فالمهم أنَّ الحروف المشتركة بين كل اللغات كالميم والنون تكون كل اللغات حجّة فيها، ويمكن التعرّف في كل اللغات على انحفاظ ماهياتها.
نعم، في الحروف غير المشتركة يكون أهل اللغة الناطقين بها فقط حجّة، وهي نوعان:
1- الحروف التي تخلو منها العربية وهي أربعة: (گ پ ژ ڤ) وهي غير موجودة في القرآن لكي نبحث عنها.
2- الحروف الخاصّة بالعربية وغير موجودة في غيرها كالضاد والظاء، ويكون العرف العربي هو الذي يفهم ماهياتها ويكون ممضى، وليس للعرف الآخر البتّ فيها.
ولكن قد يُقال: إنَّ العرف غير العربي في أية لغة كانت بدون استثناء غير ممضى من قبل المعصومين لاختصاص مجتمعهم بالعربيّة، فكيف تقول: إنَّ عرفهم حجّة بالحروف مطلقاً أو بالحروف الخاصّة بهم؟
فإن قلت -تتمّة للإشكال-: إنَّ كل عرف حجّة.
قلنا: كلا، وإنَّما فقط العرف المُمضى من قبل المعصومين. وأمّا غيره فليس هم في مقام بيان إمضائه وقادرين على رفضه عملياً؛ لأنَّه بعيد عنهم وغير معهود في مجتمعهم، فلا يكون حجّة.
[هل السيرة تتحقق بالوجود النادر؟]
جوابه: إنَّ هذا إشكال وإن كان ارتكازياً إلاّ أنَّه ليس عملياً؛ لأنَّه قابل ــــــ[86]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
للمناقشة كبرى وصغرى.
أما صغرى لأنَّ عدّة لغات كانت في مجتمع المعصومين: العربية والفارسية والتركية والرومية والسريانية، وخاصّة بعد توسع الفتح الإسلامي وترجمة الكتب من مختلف اللغات، وكذلك كانت لغات عامّة العرب مختلفة اللهجات، وفيها مخالفة للقواعد العربية ونحو ذلك. وكلّه بين سمع وبصر المعصومين وليس نفيه صعباً أو مخالفاً لمستوى المعقول، ومع ذلك سكتوا عنه.
لا يُقال: إنَّ الوجود النادر ليس سيرة كما أنَّ الملتزمين به ليسوا قريبين من الأئمّة مكاناً أو مذهباً أو ديناً، فلا تتوقع أن نسمع النهي.
قلنا: نعم، لكن في حدود سريان السيرة إلى الموالين والشيعة تتوقع صدور النهي، وهو أمر متوقع الحصول بالنسبة إلى كثير من السير.
جوابه:
أولاً: لابدَّ من إحراز السريان.
ثانياً: أنَّه توجد قرينة على عدم السريان إلاّ نادراً، وهو أنَّ عادة كل قوم مختصّة بهم، ومن البعيد أن يلتزم بها غيرهم.
نعم، إذا سرت العادّة فأصبحت جزءاً من المجتمع في ذلك الحين أصبحت سيرة، إلاّ أنَّ دون إحراز ذلك خرط القتاد.
وأمّا كبرى، فالكبرى تنفعنا في موارد عديدة، كإمضاء المعاملات كالتأمين ونحو ذلك.
ــــــ[87]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[كلام في حجّيّة كلّ سيرة وإن لم تكن مُمضاة]
وحاصلها: حجّيّة كل سيرة وإن لم تكن ممضاة فعلاً من قبل المعصومين، وهو باب إذا انفتح سهل الاستدلال الفقهي كثيراً، وأمكن تطبيع الفتاوى على طبق سيرة كل عصر، وتكون الصغرى السابقة جزءاً منها يعني حتى لو لم تسرِ السيرة إلى أصحاب الأئمّة ومواليهم فإنَّها تكون حجّة في نفسها.
[ما يمكن أن يكون دليلاً]
وما يمكن أن يكون دليلاً على ذلك عدّة أُمور:
الأمر الأوّل: أنَّه كانت سير كثيرة متحقّقة في عصر المعصومين وممضاة فنحرر منها كلّيّاً هو مفهوم السيرة، ويكون معاصراً للمعصومين وممضى أيضاً، فأيّ مكان وجدنا له مصداقاً كان سيرة ممضاة، وهذا يكفي.
الأمر الثاني: أنَّنا لو نظرنا حقيقة لم نجدهم قد ناقشوا بأية سيرة عقلائية، وإنَّما ناقشوا بأُمور دينيّة فقط، كالقياس ونحوه وهو ليس سيرة عقلائية.
الأمر الذي يستفاد منه إمضاء الكلي، يعني يجوز لكل شخص أن يتبع سيرة مجتمعه العقلائيّة سواء تقدّمت على عصر المعصومين أم تأخرت، ما لم نحرز مخالفتها للقواعد الشرعيّة. وإلاّ فمقتضى الحجّيّة فيها موجود ما لم يوجد المانع.
الأمر الثالث: أنَّنا نرتّب هنا ما يشبه الإجماع الدخولي، وذلك: أنَّ سيرة كل عصر وعرف ممضاة من قبل الإمام المهدي المعاصر لنا قطعاً، فلو لم تكن صحيحة لبيّن، وحيث إنَّه لم يبيّن، إذن فقد أمضاها. لا يُقال: هذا منافٍ لغيبته،
ــــــ[88]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
فإنَّه يُقال: هو يعرف كيف ينهى عنها بالأسباب الدقّية التي لا نلتفت إليها فإذا لم يحصل ذلك فقد أمضاها.
لا يُقال: إنَّ الأسباب الدقّية لا تصل إلينا لأنَّنا لا نعرفها ولا نفهما.
فإنَّه يُقال: نعم، نحن لا نعرف الأسباب إلاّ أنَّ النتائج تصلنا ونلتفت إليها من حيث لا نعلم.
فمثلاً: يسبب الإمام أن نعتقد بأنَّ هذا الأمر حرام وعليه فتوى بالحرمة وهكذا.
الأمر الرابع: أنَّ معنى السيرة العقلائيّة كونها مشتركة بين المجتمع المسلم والعربي وغيره، فإمضاؤها إمضاء لسيرة كل هذه المجتمعات، فتكون المجتمعات البعيدة مكاناً أو زماناً عن المعصومين، ممضاة في الجملة، أو قل من المتوقّع صدور النهي عن سيرتها لو كانت باطلة، والمفروض عدم الصدور.
[مناقشة مع الأدلة]
غير أنَّ كل هذه الأمور الأربعة قابلة للمناقشة:
أمّا الأمر الأوّل: فلأن كلّي السيرة ليس بسيرة في نفسه، كما لا نتوقّع صدور النهي عنه؛ لأنَّه فوق مستوى أفهام المجتمع، وإنَّما يُراد بالسيرة الجزئي لا الكلّي.
وأمّا الأمر الثالث: وهو السيرة الدخولية، فهو غير محتمل؛ لأنَّ المعلول الذي تصوّرناه هل نعرف أنَّه رأي الإمام أم لا؟ فإذا لم نعرف لم يكن نهياً كافياً، وإن عرفنا كان خلاف غيبته. وبالتالي فلم يكن يستطيع النهي بصفته إماماً، أو قل: لم يكن عليه أن يبيّن ويكون عدم بيانه منافياً للحكمة، بل موافقاً لها، وإن كانت
ــــــ[89]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
السيرة فاسدة لمزاحمته بالأهمّ وهو مصلحة الغيبة.
وأمّا الأمر الرابع: فلأنَّنا من الواضح لا نتوقع صدور النهي عمّا هو للبعيد عن المعصومين زماناً ومكاناً، ولا تكون المقدّمات تامّة فيه. وإنَّما فقط نعلم ذلك لدى سريانه إلى المجتمع المعاصر لهم. فإذا كانت السيرة الممضاة فيه مشابهة للبقية أو مشتركة معها كانت كلّها حجّة وإلاّ فلا.
وبتعبير آخر: إنَّ مجموع السير الممضاة في المجتمع المعاصر حجّة دون غيرها، والتعبير بأنَّه إمضاء للسيرة العقلائية العامّة البشرية مجاز. نعم، هو إمضاء لتلك السيرة من حيث وجودها في ذلك المجتمع لا من حيث عمومها في الدنيا كلّها. إلاّ بعد نحو من التجريد عن الخصوصيّة أو قل: المشابهة في سنخ السيرة بين المجتمعات؛ لأنَّ النهي عن غيره ممّا لا يقبله الناس ولا يفهمونه.
الأمر الثاني: بقى الدليل أو الأمر الثاني الذي هو أحسن هذه التقريبات، فهو يحتاج إلى إظهار هذه النتيجة وهي: إنَّ السيرة -هذه أو غيرها- لو كانت في زمنهم لما ناقشوا فيها أيضاً لأنَّ ديدنهم على عدم مناقشة السير.
وجوابه:
أوّلاً: إنَّ عدم مناقشة السير التي في زمانهم لعلّها لأجل كونها حقّاً، ولا يقاس ذلك بالسير المتأخّرة التي يحتمل فيها البطلان. فلو كانوا معاصرين لها فلعلّهم ينهون عنها.
وجوابه: إنَّنا يمكن أن نعرف البطلان وعدمه من القواعد الشرعيّة، فمتى اقتضت القواعد الشرعيّة البطلان لكونها ظلماً ونحوه فلا كلام، وإن لم تقتضِ
ــــــ[90]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ذلك كان مقتضى الأُصول المؤمّنة جوازها، فتكون في طرف الحقّ، فإذا فهمنا من هذا الوجه أنَّهم لا ينهون عن السيرة الحقّ أو التي لم يحرز بطلانها كفى في اعتبار وحجّيّة هذه السيرة.
ثانياً: أنَّهم لم يناقشوا لأنَّ بيان ذلك ممّا لا يتحمّله الناس.
وجوابه: بالنقض بالسيرة المعاصرة لهم كالسير على المعاملات والظواهر، فإنَّ النهي عنهما ممّا لا يتحمله الناس، ومعه ذلك قَبِل بها العلماء ولا يحتمل بطلانها.
فإن قلت: فإنَّ هنا فرقاً في عدم التحمّل بين النهي عمّا هو معاصر والنهي عمّا هو متأخر، فإنَّ الثاني أشدّ وأغرب.
قلنا: كلا ليس أشدّ وأغرب، ولا يبطل بذلك أصل التقريب، وهو أنَّه ليس من ديدنهم النهي عن السير العقلائيّة، بحيث أيّةُ سيرة لو كانت في زمانهم لما نهوا عنها.
ثالثاً: أنَّهم لم يناقشوا في تلك السير التي كانت في زمانهم باعتبار أنَّها نافعة فعلاً للمجتمع كسِيَر المعاملات والظواهر وغيرها. ولا يوجد بديل عنها، فلو ناقشوا فيها لانتفى النفع. وهذا ممّا لا نحرزه في السِيَر المتأخّرة.
جوابه:
أوّلاً: أنَّنا نحرز النفع في السير المتأخّرة يقيناً في المفروض.
ثانياً: أنَّنا لو غضضنا النظر عن المناقشات السابقة، بطل قول المستدلّ: أنَّه لا بديل لها لو ناقشوا فيها وأبطلوها، بل يمكنهم أن يأتوا بأحسن منها أو
ــــــ[91]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
مثلها، فإنَّهم أعلم بالواقعيات، ولا يحول دون ذلك إلاّ أنَّه فوق علم وفهم المجتمع. والمفروض أنَّنا تنزّلنا عن ذلك بالتنزّل عن الوجوه السابقة.
فإذا تمّ ذلك كانت من نتائجه: إنَّ إمضاء السير التي في زمانهم إمضاء لها في كل العالم دفعة واحدة، وليس كما قلنا فيما سبق أنَّهم يمضون سيرة مجتمعهم، وحيث إنَّ السيرة الخارجة عنه مثلها بالضبط، فتكون ممضاة؛ لأنَّ الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد، بل كلّها تكون ممضاة؛ لأنَّ النقاش في السير ليس من ديدنهم.
[عودة إلى مورد التطبيق (العرف العربي)]
نرجع إلى مورد التطبيق، وهو أنَّ كل أهل لغة يكون حجّة في لغتهم لا محالة، سواء شملهم الإمضاء الفعلي أم لا، وأمّا غير أهل اللغة فلا يكون حجّة في غير لغتهم. فمثلاً: لا يكون الإنكليز حجّة في اللغة الفرنسية ولا العكس.
ومن هنا نعرف أنَّ السيرة في بعض الحقول لا يمكن أن تكون عامّة للبشر أجمعين، بل لابدَّ أن تلحظ المجتمع الذي يناسبها أو الطبقة التي يناسبها أو الحالة التي تناسبها وهكذا. ولا معنى لحجّيّتها في خارج ذلك.
وهذا معناه أنَّ العرف غير العربي أياً كان ليس حجّة في الكلام العربي وإنَّما العكس صحيح يعني أنَّ العرف العربي حجّة على غير العرب -لا في لغاتهم- بل عند محاولتهم التكلّم باللغة العربيّة في الصلاة وغيرها.
كما أنَّنا إذا التفتنا إلى حركة اللغة -أيّة لغة- خلال مئات وآلاف السنين، كان من اللازم النظر إلى السيرة السائدة حال صدور النصّ ولا تكون السِيَر والفُهُوم
ــــــ[92]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
المختلفة المتأخّرة حجّة عليه.
لكن هذا فيما إذا علمنا التأخّر، وأمّا إذا احتملنا الاتصال -كما هو الغالب- أمكن إجراء استصحاب عدم التغيّر بنحو الأصل أو بنحو الأمارة لإثبات أنَّ ما كان موجوداً في ذلك الحين هو الموجود في هذا الحين.
وعلى أيّة حال فإنَّه في العروة حين يقول: (في العرف العربي صحيحة لأنَّهم أهل الاختصاص والذوق في لغتهم وكل أهل لغة أهل اختصاص وذوق في لغته، ولا يمكن الرجوع في لغة إلى عرف أو لغة أُخرى)(1).
[المدّ الواجب]
مسألة: 42: «المد الواجب هو فيما إذا كان بعد أحد حروف المد -وهي الواو المضموم ما قبلها، والياء المكسور ما قبلها، والألف المفتوح ما قبلها وبعدها – همزة مثل جاء وسوء وجيء»(2).
وقوله: (همزة)، يعني بعد حرف العلّة همزة لا مثل حين، وحسب الفكرة السابقة فإنَّ هذه الحروف بمنزلة الحركات، وأنَّها ليست لها مخرج معيّن وإنَّما تخرج من مخارج الحروف التي قبلها. والمد يقاس بالحركات، يعني: حركة الأصابع، فالحركة الواحدة تمثّل ماهية الحرف وليست بمد، والحركتان أقلّ المجزي من المد ويتأدّى به الواجب ويبقى الباقي مستحباً، وقد يصل إلى خمس حركات أو سبع وهو المد الطويل.
ــــــ[93]ـــــــ
(1) ذكر السيد الشهيد مسألة 37 في العروة الوثقى بالمضمون.
(2) العروة الوثقى: ج2: ص517.، ط جماعة مدرسين.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[أدلة وجوب المد]
ودليله أمران:
أحدهما: الذوق العرفي فإنَّه يعيب تركه بحيث تكاد تتحوّل الحروف إلى حركات في تلك الكلمات، فوجود الحركات الأداتيّة متوقّف على أصل المد أو على أقلّ المجزئ منه، فيكون تركه غلطاً وهو المطلوب.
ثانيهما: الشهرة التي تكاد أن تكون إجماعاً بحيث لم نجد مخالفاً معتدّاً به، والشهرة وإن لم تكن حجّة في نفسها إلاّ أنَّها منتجة للاحتياط الوجوبي على الأقل إذا كانت بهذه الكثرة. وأمّا إذا انضمّت إلى الوجه الأوّل أنتج الوجهان الفتوى بالوجوب.
وحسب فهمي: إنَّ العمدة في الفتوى هو الوجه الأوّل؛ لأنَّ الشهرة إنَّما اعتمدت عليه، فيمكن أن تدخل في الشهرة المدركيّة غير المعتبرة في نفسها.
[اجتماع حرف المدّ مع الهمزة]
قال السيد في المستمسك: «اجتماع حرف المد والهمزة الساكنة(1) إن كان في كلمة واحدة يسمّى المدّ المتّصل، وإن كان في كلمتين يسمى بالمنفصل، والأوّل واجب عند القرّاء»(2). وظاهره اتّفاق القرّاء عليه، فبناءً على حجّيّة هذا الاتّفاق يصلح أن يكون دليلاً ثالثاً.
ــــــ[94]ـــــــ
(1) ليست ساكنة؛ لأنَّها تقع في آخر الكلمة تتحرك بحركات الإعراب، (منه).
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 236، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[مناقشة في حديث ابن مسعود]
ثُمَّ يروي في المستمسك حديثاً عن ابن مسعود: «إنَّ ابن مسعود كان يقرئ رجلاً فقرأ الرجل: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالمَسَاكِينِ(1) مرسلة. فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله فقال: كيف أقرأها يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: أقرأنيها إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالمَسَاكِينِ فمدّها»(2).
ثُمَّ يناقش السيّد في سند هذا الدليل ويطعن بالوجوب غفلة عن الأدلّة التي قلناها والتي أشار هو إلى واحد منها وهو اتفاق القرّاء.
والمهمّ أن نفهم المقصود من الحديث، فإنَّ الخلاف بين ابن مسعود والرجل ليس هو في المد أكيداً، وإنَّما هو في وجود الهمزة وعدمها حسب فهمي، وهو المقصود بقوله مرسلة.
وأمّا قوله: فمدّها، يعني: أضاف إليها الهمزة، ومنه اصطلاح القصر والمدّ يعني حذف الهمزة ووجودها، فإنَّ صوت الهمزة نحو من المدّ أو قد يسمّى مدّاً.
إذن نفهم أنَّ للمد معنيين متباينين وأن مورد الحديث هو المورد المباين، ومن هنا يسقط دلالةً، مضافاً إلى سقوطه سنداً أو يكون مجملاً بين المعنيين.
وممّا يدلّ على ذلك القول الذي نقله هناك يقول: »وعن أبي شامة: إنَّما حكى عن الهُذَلِي جواز القصر في مورده«(3).
ــــــ[95]ـــــــ
(1) التوبة: 60.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 236-237، ط إحياء التراث العربي.
(3) المصدر السابق.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
أقول: فإنَّ ترك المد بالمعنى الآخر لا يوجب القصر. نعم، ترك الهمزة يوجب القصر. وأمّا ترك مدّ النفس فليس قصراً، إلاّ أن نصطلح عليه ذلك وهو بعيد.
فلو كان المقصود من المدّ الواجب الذي يقوله في العروة هو ذلك، لكفى الاستدلال عليه بأنَّ تركه يستلزم إنقاص حرف من الكلمة وهو الهمزة، فيكون غلطاً أكيداً. ولا حاجة إلى الاستدلال برواية ابن مسعود ولا بالطعن بسندها كما فعل والمناقشة بالوجوب.
وينبغي أن نلتفت أنَّه ليس في ظاهر العروة الفتوى في الوجوب، فإنَّه يقول: المد الواجب هو كذا وكذا، والمد الواجب اصطلاح في علم التجويد، وليس معناه أنَّه هو يفتي بوجوبه.
[اجتماع حرف المدّ مع سكون لازم]
ثُمَّ قال: السيّد اليزدي: «أو كان بعد أحدها(1) سكون لازم خصوصاً إذا كان مدغماً في حرف آخر مثل (الضآلين)»(2).
أقول: فرقه عن السابق من جهتين:
1- إنَّ الأول همزة فقط دون غيرها.
2- إنَّ الثاني حرف ساكن في حين لم يشترط في الهمزة أن تكون ساكنة، بل هي متحرّكة بحركات الإعراب ولا يشترط في وجوب المدّ الوقف عليها.
ويبدو من المستمسك أنَّ الأوّل يسمّى بالمد الواجب والثاني يسمّى بالمد
ــــــ[96]ـــــــ
(1) يعني حروف المد وهي حروف العلّة (منه).
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص434 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
اللازم في علم التجويد. وفي العروة(1) ساقهما مساقاً واحداً وعبّر عنهما معاً بالمدّ الواجب.
وقال في المستمسك: «ويسمّى المذكور المدّ اللازم وهو أنَّ هذا المدّ اللازم على قسمين؛ لأنَّ الحرف الساكن إمّا مدغم -كما في مثال المتن- (الضآلين) ويسمّى لازماً مشدداً، وإمّا غير مدغم -كما في فواتح السور من (ص) و (ق) ونحوهما- ويسمّى لازماً مخففاً»(2).
ثُمَّ إنَّهم اختلفوا في أنَّ أيّهما أشبع تمكيناً من الآخر، فقد ذهب كثيرٌ منهم أنَّ الأوّل أشبع تمكيناً من الثاني وقيل بالعكس، وقيل بالتساوي؛ لأنَّ الموجب له وهو التقاء الساكنين موجود في كل منهما.
أقول: هذا ممّا لا أثر له فقهياً قطعاً.
قال: هذا وتقييد السكون باللازم (ولم يقل ذلك وإنَّما قال: المد اللازم) لأجل أنَّ السكون إذا لم يكن لازماً كما لو كان عارضاً من جهة الوقف، كما لو وقف على آخر الآية، مثل: العالمين، والرحيم، والدين، ونستعين. فالمدّ جائز عندهم بلا خلافٍ كما قيل، (ويكفينا في ذلك أصالة عدم الشرطية حكماً وأصالة عدم المانعية موضوعاً) وكذا لو كان السكون عارضاً من جهة الوصل لاجتماع حرفين متماثلين، فسكّن أوّلهما نحو: (الرحيم ملك) و(فيه هدى) على قراءة أبي عمرو برواية السوسي.
ــــــ[97]ـــــــ
(1) لاحظ: مستند العروة الوثقى: ج14 ص434 من الموسوعة.
(2) مستمسك العروة الوثقى (للسيّد الحكيم) 6: 237-238.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[مقدار المدّ]
مسألة 43: «إذا مدّ في مقام وجوبه أو في غيره أزيد من المتعارف لا يبطل إلاّ إذا خرجت الكلمة عن كونها تلك الكلمة»(1).
ولم يعلّق عليها في المستمسك سلباً ولا إيجاباً، وهي موافقة للقاعدة.
مسألة 44: «يكفي في المدّ مقدار ألفين، وأكمله إلى أربع ألفات»(2).
والذي أعرفه أنَّه يقاس المدّ بحركات الأصابع لا بالألفات، فإنَّه أدقّ، وأمّا الألف فقد قيل في تفسيره(3): وتمدّ صوتك بقدر قولك ألف ألف أو كتابتها، إذ بقدر عقد أصابعك في امتداد صوتها، وهذا تقريب لا تحديد.
والذي أجده ظناً أنَّ زمان الألف أطول من زمن حركة الأصبع، فيكون التقدير به مختلفاً، ومن جملة آثاره أنَّه قال: وأكمله أربع ألفات، في حين يقدّر المدّ الطويل بسبع حركات للأصابع، وكذلك فإنَّ ألف واحد هو مد ولكن حركة واحدة ليست بمد.
وهذا معناه أنَّ الأربع ألفات أصبحت زماناً بطول السبع حركات تقريباً، ما لم يقصد أنَّ الزائد على الأربعة ليس راجحاً أصلاً. كما أشعرنا به في المنهج؛ لأنَّ الزيادة تؤول إلى النقص والسماجة، ويقيناً أنَّه ليس ديدن الخطباء والبلغاء في السيرة التي تحدثنا عنها فيما سبق.
ــــــ[98]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2: ص518.، ط جماعة مدرسين.
(2) المصدر السابق.
(3) لاحظ: مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 239، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
نعم، أصل المدّ موجود، والمدّ العرفي يتحقّق بمجرّد الزيادة على نطق الحرف، ولو بأقل المجزئ. وقد قلنا فيما سبق إنَّ الحرف يتحقّق بحركة واحدة والمدّ يتحقّق بحركتين ويتأدى به الواجب، فإن كان الألف الذي يقصده في العروة(1) بمقدار الحركة الواحدة زماناً، صدق ما قاله، وهو كفاية الألفين، كأنَّه قال: حركتان.
وأمّا إذا كان الألف أطول زماناً كما هو الأرجح، ولعلّه ظاهر الكلام للمنقول في المستمسك(2)، فتكفي ألف واحدة لوضوح أنَّها بطول ثلاثة حروف، وهذا يكفي للمدّ ولا يحتاج ألف ونصف. فما قاله في العروة من لزوم ألفين لا يكون صحيحاً.
[زيادة المد عن المتعارف]
ثُمَّ قال: «ولا يضر الزائد ما لم يخرج الكلمة عن الصدق»(3).
مثلاً: لو مدّ بمقدار عشر ألفات أو عشر حركات أو أكثر فهل تفسد القراءة، مع الاعتراف بالسماجة، إلاّ أنَّ مجرّد السماجة لا تعني البطلان. وما يمكن أن يكون دليلاً في المقام عدّة أمور:
الأوّل: انعدام الموالاة والتتابع بين الحروف.
الثاني: وجود صوت زائد وطويل غير اعتيادي بين الحروف.
الثالث: خروج الكلمة عن شكلها العرفي.
ــــــ[99]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 239، ط إحياء التراث العربي.
(3) العروة الوثقى: ج2: ص518.، ط جماعة مدرسين.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
إلاّ أنَّ لكلّ هذه الأُمور مراتب؛ لأنَّها مقولة بالتشكيك، وليست كل مراتبها مبطلة، والمهمّ فقهياً هو الصدق العرفي للكلمة، بأن يُقال: قال: كذا. فإن لم يصدق عرفاً بطلت.
وهذا أيضاً هو مراده: ما لم يخرج الكلمة عن الصدق، وإلاّ لو كان أصل الصوت الزائد مبطلاً لكان كل مدّ مبطلاً، وهو غير محتمل.
ومنه ينتج القول في المسألة التي بعدها:
[حكم الفصل بين حروف الكلمة الواحدة]
مسألة 45: «إذا حصل فصل بين حروف كلمة واحدة اختياراً أو اضطراراً، بحيث خرجت عن الصدق بطلت، ومع العمد أبطلت»(1).
إذ لا فرق في الفاصل بين أن يكون صوتاً أو سكوتاً، فقد كان في المسألة السابقة صوتاً هو صوت المدّ وهنا سكوناً، والدليل واحد، هل هناك فارق في التسامح بين الضرورة والاختيار.
[حكم الوقوف على متحرك بقصد الوصل]
مسألة 46: «إذا أعرب آخر الكلمة بقصد الوصل بما بعده (بعدها) فانقطع نفسه، فحصل الوقف بالحركة فالأحوط إعادتها»(2).
فيه مرحلتان من الكلام:
ــــــ[100]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2: ص518.، ط جماعة مدرسين.
(2) العروة الوثقى: ج2: ص518.، ط جماعة مدرسين.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
فإنَّنا إن لم نقل بوجوب ذلك كما رجحناه فيما سبق لم تجب إعادتها؛ لأنَّ ما أتى به لا ينافي القواعد العربيّة، ولا دليل على النهي عنه في ذلك المستوى. وهذا يكفي في الصحة، ويكون الاحتياط استحبابياً، وخاصّة مع الاضطرار كما في المسألة، فإنَّ الدليل لبّي يقتصر منه على القدر المتيقّن وهذا خارج عنه.
وإن قلنا بالوجوب فإن كان التغيير عمداً فلا إشكال بوجوب الإعادة، والظاهر أنَّهم يقولون بالوجوب احتياطاً، فتكون الإعادة احتياطيّة أيضاً.
وأمّا إذا لم يكن عمداً، كما لو كان جهلاً أو اضطراراً ونحو ذلك، فإن كان الدليل لفظياً له إطلاق وجبت الإعادة؛ لأنَّ مقتضى إطلاق الدليل هو الاشتراط حتى في هذا المورد.
إلاّ أنَّ الحقيقة أنَّ الدليل لبّي وهو السيرة ونحوها أو التصريحات الإجماليّة للغوييّن وليست إطلاقاً شرعيّاً، فيختصّ بالقدر المتيقّن وهو العمد، وأمّا مع الاضطرار كما هو مورد المسألة فهو خارج عنه فلا تجب الإعادة.
كما يمكن أن يُقال هنا بقاعدة أُخرى: وهو أنَّ ما وجب بنحو الاحتياط الوجوبي، وحصل عصيانه على غير عمد، لم تجب الإعادة بنحو الاحتياط الوجوبي، بل بنحو الاحتياط الاستحبابي. ولعلّ من موارده ما قلناه: من أنَّ كل شرط حصل للصلاة بنحو الاحتياط الوجوبي كان تكراره وقضاؤه بنحو الاحتياط الاستحبابي، وهذا ناشئ إمّا من كون الدليل لبّياً أو كون القضاء بأمر جديد.
ــــــ[101]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ثُمَّ قال: «وإن لم يكن الفصل كثيراً اكتفى بها»(1).
أقول: كان هذا الفاصل غير الكثير هو وصل أو درج، وليس وقفاً، فيمكن الاكتفاء به كدرج أو في حكمه.
وهذا غريب؛ لأنَّ الوقف يحصل بأقل المجزئ منه وهو نفس واحد، والمفروض في موضوع المسألة حصوله، فإنَّه وقف بالحمل الشايع العرفي، فيدخل في موضوع صدر المسألة، وهو أنَّه إذا حصل الوقف بالحركة، فالأحوط إعادتها. إلاّ أن يريد من عدم الفصل الكثير ما كان أقلّ من نفس واحد، وهو بعيد.
اللهمّ إلاّ أن ترجع المسألة إلى حكم آخر، وهو وجوب نوع من الموالاة بين الكلمات في القراءة، فإن انتفت وجبت إعادة ما تعود معه الموالاة. وهذه الموالاة لا تزول بالفصل غير الكثير. وتصحّ المسألة في صدرها وذيلها.
ولكنّها يبقى الإشكال من حيث عبّر عن عدم الموالاة بالوقف، وهو بعيد، بل أكيد، لأنَّ عدم الموالاة أضعاف الوقف. كما أنَّ وجودها قد يكون بالوقف أيضاً، أي يتناسب مع الدرج والوقف معاً.
[الفصل بالنفس بين كلمتين مع الحركة في مثل (الصراط المستقيم)]
مسألة 47: «إذا انقطع نفسه في مثل (الصراط المستقيم) بعد الوصل بالألف واللام وحذف الألف هل يجب عليه إعادة الألف واللام بأن يقول: المستقيم(2)، أو
ــــــ[102]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2: ص518.، ط جماعة مدرسين.
(2) وإشكاله أنَّه نطق همزة قطع مع أنَّ تكليفه الوصل، (منه).
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
يكفي قوله: مستقيم(1) الأحوط الأوّل، وأحوط منه إعادة الصراط أيضاً»(2).
ونقطة قوّته: هو أنَّه يكون في العمل السابق قد وصل الهمزة فأدى وظيفته من هذه الناحية، فيأتي بالباقي.
ونقطة ضعفه:
أمّا الأُولى: فلأنَّه يكون همزة قطع مع حركة الآخر للكلمة التي قبلها، والمفروض أنَّها مع القطع ساكنة الآخر.
وأمّا في الثانية: فلأنَّ المطلوب هو النطق بالكلمة مُحلّاة بالألف واللام لا بدونها.
وحيث تتعارض جهات الصحّة والفساد فيكون الأحوط الإعادة برجاء المطلوبية. والظاهر كفاية أن يقول: المستقيم بالقطع لتحقّق الوقف في مثل هذه الصورة جزماً.
وأمّا الوصل المطلوب فقد حصل في النطق السابق وقد كان معتبراً في زمانه، أي: أنَّ تحريك نهاية الكلمة السابقة كان صحيحاً في حينه فلا حاجة إلى تكراره، يعني لا حاجة إلى تكرار الكلمة السابقة.
وأمّا الاكتفاء بما بعد الألف واللام (مستقيم) فيلزم منه الفصل بين الألف واللام ومدخول بفاصل، وهذا الفاصل مفروض على كل حال.
ــــــ[103]ـــــــ
(1) وإشكاله الوقف أو الفصل بين الألف واللام من ناحية والكلمة من ناحية أُخرى، (منه).
(2) العروة الوثقى: ج2: ص518 – 519، ط جماعة مدرسين.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
لا يُقال: إنَّه قد أدّى وظيفته من النطق بالألف واللام، فيجب عليه الباقي وهو مستقيم.
فإنَّه يُقال: الوظيفة ليست هي النطق بالألف واللام فقط، بل وصلها بالكلمة ولم يحصل.
ويوجد هناك احتمالٌ آخر، وهو نطق الألف واللام موصولة بدون نطق الكلمة السابقة. وقد يعمل به بعض العوامّ، إلاّ أنَّه باطل لأنَّه من الوصل بعد الوقف.
فإنَّنا وإن قلنا بجواز تحريك الكلمة وصلاً، وجواز النطق بالهمزة وصلاً، إلاّ أنَّ حذفها مع الوقف ممتنع وممنوع جزماً. فيتعيّن عليه أن يقول: ألمستقيم بنطبق الهمزة، وإذا أراد أن يصلها تعيّن تكرار الكلمة التي قبلها.
وعلى أيّة حال فتكرار الكلمة السابقة احتياط استحبابي؛ لأنَّها نطقت في زمانها بشكل صحيح حتى حركة الآخر، لأنَّها كانت في الدرج. فحتى لو قلنا بوجوب السكون في الوقف، فإنَّ هذا وقف حصل بعد نطق الألف واللام لا قبلها فيكون نطق الكلمة صحيحاً.
نعم، وجه الاحتياط الاستحبابي هو دفع احتمال الجمع بين تحريك آخرها وقطع همزة المستقيم، مع عدم الاكتفاء بهذا الوقف القهري، فيعيد الكلمة السابقة.
وفي المستمسك(1) أوجب الإعادة لوجود الفاصل الزمني بين الصفة والموصوف، وهو متوقّف على مقدار الفاصل، وليس المفروض أن يكون كثيراً.
ــــــ[104]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 241، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[الإعادة إذا صار مدخول الألف واللام غلطاً]
ثُمَّ قال: «وكذا إذا صار مدخول الألف واللام غلطاً، كأن صار مستقيم غلطاً، فإذا أراد أن يعيده فالأحوط أن يعيد الألف واللام أيضاً، بأن يقول: المستقيم ولا يكتفي بقوله: مستقيم»(1).
وهذا ينبغي أن يكون له نفس الحكم بدليله السابق، لكن مع تقييد المسألة بأنَّها في مورد وجوب الإعادة؛ إذ قد يُقال: إنَّ الغلط غير المغيّر للمعنى إن حصل سهواً أو اضطراراً أو جهلاً قصرياً أو تقصيرياً لم تجب الإعادة على تفصيل يأتي.
والمهمّ الآن تقييد المسألة بوجوب الإعادة، فلو لم تجب وكانت قراءته مجزية وكانت إعادته خطأ -كما لو قال مستقيم- صحّت صلاته.
ولعلّه لذلك قال: فإذا أراد أن يعيد، ولم يشر إلى وجوب الإعادة.
[في اعادة المضاف إذا جاء المضاف إليه غلطاً]
ثُمَّ قال: «وكذا إذا لم يصحّ المضاف إليه، فالأحوط إعادة المضاف. فإذا لم يصحّ لفظ المغضوب، فالأحوط أن يعيد لفظ الغير أيضاً»(2).
فإنَّه لا فرق في موضوع المسألة بين الصفة والمضاف إليه، فإذا انقطع نفسه على الألف واللام كان الحكم مماثلاً لما سبق، وكذلك لو كانت المسألة غلطاً.
اجتماع مثلين في كلمة واحدة
ــــــ[105]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2: ص519.، ط جماعة مدرسين.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 241، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ثُمَّ قال: مسألة 48: «الإدغام في مثل مدّ وردّ ممّا اجتمع في كلمة واحدة مثلان واجب، سواء كانا متحرّكين كالمذكورين أو ساكنين كمصدرهما»(1).
وقلنا في منهج الصالحين(2): (مسألة 782) يجب الإدغام في مثل مدّ وردّ، مما اجتمع مثلان في كلمة واحدة، وكذلك إذا كانا في كلمتين مثل: اذْهَبْ بِكِتَابِي(3) ويُدْرِكُكُمُ(4). ممّا كان الحرف الأول فيه ساكناً. إلاّ أنَّ صدق الإدغام فيه محلّ مناقشة؛ لأنَّ الإدغام عبارة عن تحويل الحرف السابق إلى اللاحق، وهذا لا يكون إلاّ مع الاختلاف.
في حين إنَّ موضوع المسألة هو كونهما حرفان متشابهان، فيكون هذا تشديداً لا إدغاماً، بمعنى وروده في اللغة أصلاً بحرفين أحدهما ساكن والثاني متحرك. فلو نطقناه بدون تشديد فقد أهملنا أحد الحرفين، فإن نطقناه متحركاً فقد أهملنا الساكن، وإن نطقناه ساكناً فقد أهملنا المتحرّك، فيكون من نقصان حرف كامل، وهو مبطل.
والتشديد هو صورة الإدغام وليس كل تشديد إدغام، ولكن كل إدغام تشديد، وفي المسألة تشديد فقط ولا إدغام.
ومثال الإدغام في حروف يرملون: يَكُنْ لَهُ(5) بتحويل النون لاماً، فيصبح عندنا لامان، أوّلهما ساكن والآخر متحرّك فيصبح كالتشديد.
ــــــ[106]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2: ص519.، ط جماعة مدرسين.
(2) منهج الصالحين (للسيّد الشهيد محمّد الصدر.
(3) النمل: 28.
(4) النساء: 78.
(5) الإخلاص: 4.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وبتعبير آخر: إنَّ هنا أمرين طوليين:
أحدهما: الإدغام، وهو التحويل. والثاني: المتأخر رتبة هو التشديد. وفي (مدّ وردّ) لا يوجد الإدغام، ولكن إذا نظر بنظر عرفي مسامحي كانا معاً على شكل واحد، وهو نظر باطل.
وقوله: سواء كانا متحرّكين كالمذكورين، يعني بصيغة الفعل الماضي، بحيث يكون الحرف الثاني متحرّكاً.
قال: أو ساكنين كمصدرهما، كمدّ وردّ بسكون الحرف الثاني، ولنا على ذلك تعليقان:
الأوّل: أنَّ هذا يكون من تتابع الساكنين. وقد قلنا بإمكانه، ومن موارده ما يحدث عند الوقوف على المشدّد، فيكون كلا الحرفين ساكنين. ومنه الوقوف على ياء النسبة كما سبق، كنجفي وبغدادي، وكل كلمة مضاعفة(1) الآخر: كجانّ مع الوقف عليها.
الثاني: أنَّ مصدرهما لم يرد في القرآن الكريم يوجد مدّ ولا يوجد ردّ. وقد تسالم علماء التجويد على منع التمثيل بغير كلمات القرآن. وإن كان هذا المنع لا محصّل له؛ لأنَّ المدعى هو كون اللغة الفصيحة كلّها على ذلك. ومع وجوده في القرآن لا يكونان معاً ساكنين إلاّ مع الوقوف عليه، ولم يردّ في القرآن محلّ وقف، إلاّ إذا قلنا بجواز الوقوف على كلّ كلمة.
وعلى أي حالٍ، فهذا إدغام وهميّ، والصحيح أن يقول بوجوب التشديد.
ــــــ[107]ـــــــ
(1) الوقف بالتضعيف: هو أن تشدد الحرف الموقوف عليه بأن تزيد عليه حرفا مثله فيلزم الإدغام.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[حكم الادغام]
في النون الساكنة والتنوين مع أحرف يرملون
مسألة 49: «الأحوط الإدغام إذا كان بعد النون الساكنة أو التنوين أحد حروف (يرملون) مع الغنّة، فيما عدا اللام والراء، ولا معها فيهما، لكن الأقوى عدم وجوبه»(1).
قال في المستمسك(2): «الذي صرّح به ابن الحاجب والرضي (رحمه الله) هو الوجوب، أمّا في كلمتين فمطلقاً(3) وأمّا في كلمة واحدة، فإذا لم يكن لبس كـ(انمحى) أُدغم، وإن كان لبس لم يجز الإدغام».
ولم يُمثّل له، و(نون التنوين) نوناً لفظيّة وهي حقيقية وفصيحة، وإن لم تُكتب، والعمدة في الإدغام وغيره هو اللفظ وليس الكتابة والقرآن نزل لفظاً لا كتابة.
إذن (فنون التنوين) تشارك في الإدغام كغيرها، وهذا صغرى من الفصاحة بلا إشكال، وعدمه خطأ في الفصاحة.
إذن فلا بدَّ من الفتوى بوجوبه، إما بفتوى قطعيّة أو بالاحتياط الوجوبي كما قلنا في المنهج(4).
ــــــ[108]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2: ص519.، ط جماعة مدرسين.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 241- 242، ط إحياء التراث العربي.
(3) يعني سواء كان نوناً ساكنة مثل: (يَكن لَه) أو تنوين، مثل: )خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(؛ لأنَّه كلاهما من حروف (يرملون) فيجب الإدغام، (منه).
(4) المصدر السابق.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[الكلام في الإدغام مع الغنّة]
وإنَّما الكلام في الإدغام مع الغنّة، فهو غير محتمل الوجوب، ولا تنطبق الكبرى السابقة عليه، وهي سيرة البلغاء والخطباء السابقين في عصر الجاهلية، فإنَّه من غير المحتمل وجود الغنّة عندهم بحيث يكون عدمها نقصاً، إن لم يكن وجودها نقصاً.
ومن قال بوجوبها استثنى اللام والراء(1) ولكن حيث لم نقل بوجوبها، فهي زائلة من كل الحروف وليس فقط من اللام والراء.
نعم، لو قلنا برجحانها أو استحبابها استثنينا اللام والراء أيضاً، فإنَّه من الواضح أنَّه لا غنّة فيها، وإنَّما بحسب فهمي فهي أقرب إلى حروف العلّة، وهي: الواو والياء -وهي من حروف يرملون- وكلّما شككنا بوجود الغنّة فيه فالأصل عدمه.
[بعض الأفكار في القراءات السبع]
(مسألة 50): «الأحوط القراءة بإحدى القراءات السبع، وإن كان الأقوى عدم وجوبها، بل يكفي القراءة على النهج العربي، وإن كانت مخالفة لهم في حركة بنية أو إعراب»(2).
ــــــ[109]ـــــــ
(1) حكاه الرضي عن سيبويه، لاحظ: مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 242، ط إحياء التراث العربي.
(2) العروة الوثقى: ج2: ص519.، ط جماعة مدرسين.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وقد سبق الكلام في ذلك(1)، ولكن نعطي بمناسبة هذه المسألة بعض الأفكار:
أوّلاً: قال الفقهاء: إنَّه يكفي قراءة القرآن بأية قراءة كانت مشهورة في عصر الأئمّة. وقد ناقشنا ذلك كبرى وصغرى.
ثانياً: أنَّهم قالوا نتيجة لذلك بحجيّة القراءات العشر، باعتبار أنَّها جميعاً مصداق لتلك القاعدة، ولكن يبدو من صاحب العروة أنَّه لا يرى ذلك، بل يحتاج احتياطاً وجوبياً بالسبع، ولا أقلّ أنها أوضح شهرة من الثلاث الباقية، ويكفي الشك في شهرتها، لليقين بعدم حجّيتها.
ثالثاً: يبدو من السيّد اليزدي أنَّه لا يأخذ بهذه القاعدة، وإنَّما المهمّ عنده أن تكون القراءة على النهج العربي، وهذه السبع كذلك. إذن فالعشر أيضاً كذلك، بل الأمر أوسع أيضاً، فكل لفظ صار على النهج العربي كفى في قراءة القرآن، وهذا واضح منه.
رابعاً: أنَّ الأخذ في حجّيّة القراءات إنما يكون في مورد الاختلاف لا الاتّفاق بطبيعة الحال. فإذا كان أحد الوجهين أقرب إلى البلاغة والفصاحة تعيّن الأخذ به، وأمَّا إذا كان كلا الوجهين كذلك كـ(يطهرن) و(يطّهرن)، لم يتعيّن واحد منها طبقاً لهذه القاعدة، بل لابدَّ من مطابقة المأتي به للموحى به، وهذا يتعذّر العلم به.
وعندئذٍ إن قلنا بحجّيّة القراءات كفت القراءة بإحداها؛ لأنَّها حجّة على الصحّة، وإن لم نقل به تعيّن التكرار احتياطاً لإحراز كلا الوجهين، كما يمكن
ــــــ[110]ـــــــ
(1) راجع ص24 من هذا الكتاب.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
القراءة برجاء المطلوبية ورجاء الصحّة من دون العلم بالمطابقة.
وأمّا القراءة بنيّة يقينيّة أنَّه القرآن مع احتمال عدمه ثبوتاً، فهو من الكذب على الله. ولا يبرّره كونه فصيحاً؛ إذ المفروض أنَّ للفصاحة عدّة وجوه في هذا المورد لا نعلم أياً منها الموحى به.
خامساً: ومن هنا نعلم أنَّ قول السيد اليزدي: «بل يكفي القراءة على النهج العربي وإن كانت مخالفة لهم في حركة بنية أو إعراب»(1).
إنَّما يصحّ فقط فيما إذا كانت القراءات قابلة للمناقشة من حيث سيرها على النهج العربي، بحيث يحصل الاطمئنان أنَّ الموحى به لم يكن كذلك، فيتعيّن التغيير.
إلاّ أنَّ هذا ممّا لا وجود له ولا مثال له. نعم، يمكن ذلك في قراءة واحدة، وأمّا أن تكون القراءات كلّها قد خالفت النهج العربي فهو غير محتمل، ولا أقلّ أنَّ بعضها موافق له، ولو خالفت كلّها أو اتفقت على ما هو مخالف للقواعد العربيّة تعيّن الأخذ به ولم يجز صرف اللفظ إلى طريقة النهج العربي.
سادساً: أنَّ هذه الكبرى لو أخذنا بها على سعتها، أمكنّا بها قراءة القرآن على أكثر من شكل واحد، ويكون كل واحد مجزئاً في نفسه، فهل يلتزم في ذلك؟ وهذا ما عليه مسلك العامّة(2).
ــــــ[111]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
أمّا الخاصّة فلا يعترفون به؛ لأنَّه لابدَّ من مطابقة المأتي به مع الموحى به. اللهم إلاّ أن يثبت أحد أمرين:
إمّا أن نقول أنَّ الوحي لم يكن باللفظ، بل بالمعنى وأنَّ اللفظ بأيدينا نتصرّف به كيف نشاء.
وإمّا أن نقول: إنَّ رسول الله قرأ على أشكال مختلفة، وبعد التجريد عن الخصوصيّة يمكن القراءة بأي شكل عربي. فإنَّه أعطى لنفسه الحريّة في ذلك، فكذلك نحن لنا أن نعطي لأنفسنا الحريّة فيه.
وكِلا الأمرين قابلان للمناقشة كما ترى.
والقرّاء السبعة بزعم كل واحد منهم مطابقة قراءته مع الموحى به، ويكذب القراءات الأُخرى، وإن كان المعنى المنتزع منهم جواز القراءة بحريّة من هذه الناحية.
سابعاً: أنَّه يتحصّل من القاعدة التي أعطاها عدم وجوب مطابقة قراءة (الختمة) مطابقة لقراءة معيّنة، بل يمكن فيها تطبيق عدّة قراءات، بل يمكن فيها الخروج على القراءات كلّها لو كان الملفوظ مطابقاً للنهج العربي، وهذا صحيح لو
ــــــ[112]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) شروط صحتها:
ولا بد في قراءة الفاتحة من مراعاة الشروط التالية:
(أ) أن يسمع القارئ نفسه، إذا كان معتدل السمع.
(ب) أن يرتب القراءة حسب ترتيبها الوارد، مراعياً مخارج الحروف، وإبراز الشدّات فيها.
(ج) أن لا يلحن فيها لحناً يغير المعنى، فإن لحن لحنا لا يؤثر على سلامة المعنى لم تبطل.
(د) أن يقرأها بالعربية، فلا تصح ترجمتها، لأن ترجمتها ليست قرآناً.
(هـ) أن يقرأها المصلي وهو قائم، فلو ركع وهو لا يزال يتممها، بطلت القراءة ووجبت الإعادة. هذا وإن عجز المصلي لعجمة ونحوها عن قراءة الفاتحة، قرأ بدلها سبع آيات مما يحفظ من القرآن، فإن لم يحفظ منه شيئاً ذكر الله تعالى بمقدار طول الفاتحة ثم ركع.
الفقه المنهجي، ج١ ص١٣١- ١٣٢، ط دار القلم، دمشق.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
تنزّلنا عن المناقشات السابقة، ولا أعتقد أنَّ شخصاً من علماء العامّة يخالف في ذلك.
نعم، طبْع المصاحف بالشكل المتعارف اقتضى هذه العادة، وإنَّما هي عادة نفسية لا أكثر.
ثامناً: قلنا فيما سبق إنَّنا لو أخذنا بكبرى حجّيّة القراءات السبع أو العشر، لم تقم حجّة على انتسابها لأصحابها إلاّ بخبر ضعيف، إلاّ هذه المشهورة، فإنَّ فيها اطمئنان بانتسابها إلى حفص على الأقلّ.
ولكن يبقى ما فيها من منافيات الإعراب، فإن كان ممّا اتفّق عليه القرّاء سلّمنا به، وإلاّ وجب صرفه إلى مطابقة القواعد العربية، وهذا ممّا يفتقر إلى بحث في القراءات وليس سهلاً.
كما أنَّ الزعم بأنَّ هذه القراءة حجّة حتى فيما هو مخالف للقواعد العربيّة، هو جزاف من القول بلا شكّ، ولا أقلّ من الاحتياط والتكرار.
[اللام الشمسية والقمرية]
مسألة 51: «يجب إدغام اللام مع الألف واللام في أربعة عشر حرفا، وهي: التاء والثاء والدال والذال والراء والزاء والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء واللام والنون، وإظهارها في بقية الحروف. فتقول في الله والرحمن والرحيم والصراط والضالين مثلاً بالإدغام، وفي الحمد والعالمين والمستقيم ونحوها بالإظهار»(1).
ــــــ[113]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2: ص520.، ط جماعة مدرسين.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الكلام هنا في اللام الشمسيّة والقمرية، ولم يصطلح هذا الاصطلاح، وهو أمر واجب لغة بالضرورة اللغوية والعرفية لليقين بأنَّه صغرى للفصاحة، وأنَّ عكسه ممّا يوجب الخلل والخطأ في نظرهم. وبهذا تتمّ المسألة وقد ذكر فيها الحروف المناسبة لذلك.
غير أنَّنا ينبغي أن نلتفت إلى أنَّ عندنا همزة قطع وهمزة وصل، وعندنا لام شمسيّة ولام قمرية، فتكون الصور أربعة.
وهمزة ألف ولام التعريف هي همزة وصل دائماً، وإنَّما تقطع بالوقف. فلا توجد في اللغة همزة قطع بعدها لام شمسيّة أو قمريّة، وإنَّما توجد في غيرها نحو إياك. ولكنّها في الوقف الذي قبلها تكون مقطوعة، فتكون صورها أربعة:
1- أن تنطق الهمزة واللام معاً، وهو في صورة الوقف، وتكون اللام قمرية نحو الحمد والعالمين.
2- أن ندغم الهمزة ونتركها ولكن ننطق اللام؛ وذلك في الدرج في اللام القمريّة نحو: رب العالمين.
3- أن نظهر الهمزة مع ترك اللام لفظاً؛ وذلك في الوقف مع كون اللام شمسيّة نحو الرحمن الرحيم.
4- أن تدغم الهمزة مع ترك اللام وذلك في الدرج في اللام الشمسيّة، نحو: (بسم الله والرحمن الرحيم)، بحيث يتّصل الحرف الأخير من الكلمة السابقة بالحرف الأوّل من الكلمة اللاحقة، ولا يبقى من الألف واللام إلاّ الإدغام.
وهذه قاعدة إدغام أوسع من حروف يرملون، بل مغايرة لها، فإنَّ مقتضى
ــــــ[114]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الإدغام في حروف (يرملون) أن تكون كلّها شمسيّة في حين إنَّ بينها وبين الحروف الشمسيّة عموماً من وجه خارجاً، فبعض حروف (يرملون) شمسيّة كالراء واللام والنون، وبعضها قمريّة كالياء والميم والواو، كما أنَّ غير هذه الحروف بعضها شمسي كالسين والشين والصاد والضاد وبعضها قمري كالعين والحاء.
[اجتماع المثلين في كلمتين]
مسألة 52: «الأحوط الإدغام في مثل (اذهب بكتابي) و(يدرككم) ممّا اجتمع المثلان في كلمتين، مع كون الأوّل ساكناً، لكنَّ الأقوى عدم وجوبه»(1).
وقد سبق(2) أن قلنا بوجوبه ولكن نفينا أن يكون إدغاماً، وإنَّما هو بمنزلة التشديد، والعجيب أن لا يقول بوجوبه هنا، فما هو البديل الجائز له؟
وما يتصوّر أن يكون بديلاً أربعة أُمور كلّها قاطعة:
1- الفصل الزائد بين الحرفين، ممّا يخرج به الكلام عن التتابع.
2- تحريك الحرف الأوّل، وهو على خلاف القواعد العربية.
3- تسكين الحرف الثاني، فيكون متعذّر النطق.
4- تحريك الحرف الثاني بحركة أُخرى، وهو أيضاً خلاف القواعد العربية.
فيتعيّن الأخذ بالتشديد هنا أو ما يسمّونه الإدغام.
ــــــ[115]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2: ص520.، ط جماعة مدرسين.
(2) راجع ص106، من هذا الكتاب.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[مُحسِّنات علم التجويد]
مسألة 53: «لا يجب ما ذكره علماء التجويد من المحسّنات كالإمالة والإشباع والتفخيم والترقيق(1) ونحو ذلك»(2).
وهذا صحيح؛ لأنَّ الحرف والكلمة يصدقان عرفاً سواء أَوْجد ذلك أو تركه، وليس تركه مُخلّاً بالفصاحة بل هو فصيح على كلا التقديرين، وليس تركه خطأ بالفصاحة. مضافاً إلى الاطمئنان بأنَّ السيرة التي استدللنا بها لا تشملها.
ثُمَّ قال: «بل والإدغام غير ما ذكرنا، وإن كان متابعتهم أحسن».
وما ذكره هو إدغام (الألف) و(اللام الشمسيّة) وحروف (يرملون).
ثُمَّ قال في العروة: «بل والإدغام(3) غير ما ذكرنا وإن كان متابعتهم أحسن»(4).
ولم يعلّق عليها في المستمسك شيئاً، كأنَّه يوافق عليه.
[الكلام في إدغامات أخرى]
هناك إدغامات أُخرى غير ما سبق، يعني حروف (يرملون) و(اللام الشمسيّة)، مثل: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ(5) ارْكَبْ مَعَنَا(6) عَاهَدْتُمْ(7)
ــــــ[116]ـــــــ
(1) والقلقلة والمد الطويل، (منه).
(2)العروة الوثقى: ج2: ص521.، ط جماعة مدرسين.
(3) يعني لا يجب الإدغام في، (منه).
(4) المصدر السابق.
(5) النمل: 22.
(6) هود: 42.
(7) النحل: 91.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
فَرَّطتُمْ(1)، فهل هي واجبة أم لا؟
يتوقّف ذلك على إحراز كونها صغرى من الفصاحة، بحيث يكون تركها خطأ، فإن كان هناك اطمئنان بالخطأ أوجب الفتوى بالوجوب، وإن كان أقلّ فهذا احتياط وجوبي، وإن كان أقل فهو احتياط استحبابي، والظاهر أنَّ الحال للوجوب أقرب، إما بنحو الفتوى أو الاحتياط الوجوبي؛ لأنَّ فَكّ الإدغام يحصل لفظ سمج ومن الصعب أن نتصوّر أنَّ البُلغاء كانوا يلفظونه كذلك.
فما عليه صاحب العروة من عدم الوجوب ليس بصحيح، ومن الطريف أنَّ [في] ظاهر عبارته نحواً من الاستحباب؛ لأنَّه قال أحسن. ولم يفتِ حتى بالاحتياط الاستحبابي، وهو واضح البطلان، وناتج من أنَّه ليس ابن اللغة.
هذه قاعدة لم يذكرها وهي: أنَّه كلّما التقى النون مع الباء تحوّل النون إلى ميم، سواء في كلمة واحدة كـ: (أنبياء) و(استغفر لذنبك)، أو في كلمتين من باب واحد، وكذلك النون مع الفاء، سواء في كلمة واحدة كـ: (أنفسهم)، أو في كلمتين: (أنَّ في صدورهم)، وكذلك النون مع الميم مثل: وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ(2).
فَكّ الإدغام خطأ في قوله: (بل ران) و(أن لا ملجأ) و(تقوى من الله) (مفترى بل) و(بشرى للمسلمين) و(يا قوم) و(يا أبت) (أنزلنا) (يرحلون)، (إلى أجل مسمّى فإذا جاء أجلهم)، فهل يجب الوقف على مسمّى أم لا؟ (بل ران)
ــــــ[117]ـــــــ
(1) يوسف: 81.
(2) هود: 48.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
(أنكى) (أنثى) (هدى) (موسى ولقد) (فهو المهتد) (قد جعل) (خبت زدناهم) (ولقد صرفنا).
[حكم الاظهار والإخفاء والقلب]
مسألة 54: «ينبغي(1) مراعاة ما ذكروه من إظهار التنوين والنون الساكنة إذا كان بعدهما أحد حروف الحلق(2) وقلبهما(3) فيما إذا كان بعدهما حرف الباء(4) وإدغامهما إذا كان بعدهما أحد حروف (يرملون)(5) وينبغي إخفائهما(6) إذا كان بعدهما بقية الحروف(7) لكن لا يجب شيء من ذلك حتّى الإدغام في (يرملون) كما مرّ»(8).
ــــــ[118]ـــــــ
(1) يعني لا بنحو الوجوب، بل ولا حتى الاحتياط الاستحبابي، (منه).
(2) سواء كان في كلمة واحدة مثل: منع، أو كلمتين مثل: من عند الله، والتنوين -وهو لا يكون إلاّ في كلمتين- مثل: (مسوّمة عند ربك)، (منه).
(3) ميماً، (منه).
(4) سواء في كلمة واحدة كـ(أنبياء) (واستغفر لذنبك) أو في كلمتين مثل: (من باب واحد)، أو في تنوين مثل: (رجل به جنة)، ولم يقل أنّها تقلب إلى أي حرف، (منه).
(5) يعني إدغام النون الساكنة والتنوين؛ لأنَّ هذه النون من حروف يرملون فوجب الإدغام، ونون التنوين حرف وليست حركة أو صفة فتدخل كصغرى للإدغام بالضرورة، ومن أمثلته: (ولم يكن له)، (من ربك)، وفي التنوين: (شر مكاناً)، (رجالاً نوحي إليهم)، وغيرها كثير، (منه).
(6) يعني النون الساكنة والتنوين.
(7) نحو (خلصوا نجياً)، (على بصيرة أنا)، (من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستحف.. له معقبات من يديه ومن خلفه، يحفظونه من أمر الله)، (منه).
(8) العروة الوثقى: ج2: ص521.، ط جماعة مدرسين.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
أقول: والظاهر أنَّ الإخفاء إنَّما هو احتياط استحبابي أو مستحب، إذ لم نحرز انطباق السيرة السابقة عليه.
مسألة 55: «ينبغي أن يُميّز بين الكلمات ولا يقرأ بحيث يتولّد بين الكلمتين كلمة مهملة، كما إذا قرأ الحمد لله بحيث يتولّد لفظ: دلل، أو تولّد من لله ربِّ لفظ: هرب، وهكذا في مالك يوم الدين تولد: كيو، هكذا في بقيّة الكلمات. وهذا ما يقولون: إنَّ في الحمد سبع كلمات مهملات، وهي دلل، وهرب، وكيو وكنع، وكنس، وتع، وبع»(1).
وقلنا في المنهج(2): «تجب الموالاة أيضاً بين حروف الكلمات مع عدم الوقف على مقاطع فيها بحيث ينتج كلمات مهملة، وهذا المعنى ممكن في القرآن والأدعية. ومن أمثلته في سورة الحمد ما يكون ثلاثياً كقولنا: هِرَب وكَنَع وكَنَس ودِنَص وبِعَل. وما يكون ثنائياً، مثل: مِلْ وهِرَ ونَرْ ومِدْ وطَلْ ومَغْ. وغيرها. فإن حصل مثل ذلك أعاد الكلمة فصيحة. وصحت صلاته».
فالعدد أكثر من سبعة، وكما يتصوّر وجود كلمة مهملة يتصوّر حصول كلمة لها معنى لكنها أجنبية عن السياق، وهي أيضاً ممنوعة؛ لكونها أجنبية مثل: كل أو كن أو يكل في قوله تعالى: (يكن له) أو (ون) في قوله كفواً، ومحمد فيه كلمتان، مح ومد، وهكذا.
ــــــ[119]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2: ص521 – 522، ط جماعة مدرسين.
(2) منهج الصالحين (للسيّد الشهيد محمّد الصدر ، (مسألة: 821).
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وطريقة وجودها هو الوقف خلال حروف الكلمات قبل الكلمة الجديدة وبعدها، وقد أشار في المستمسك إلى الوقف بعدها(1) وهو لا يكفي؛ لأنَّه إذا لم يقف قبلها لا تكون كذلك.
ثُمَّ قال: نعم، إذا لم يكن الفصل (يعني بعدها) معتدّاً به لقلّته لا يقدح، وعليه يحمل ما في المتن، وإلاّ فهو غير ظاهر كما لا يخفى بالتأمّل.
أقول: المتن واضح في ذلك؛ لأنَّه قال: بحيث تتولّد كلمة، فإذا كان الفصل ليس كذلك أو أقل من ذلك لم تتولّد كلمة وهذا يكفي في مراد السيّد اليزدي، فليس في كلامه إطلاق للفصل القليل ليرد الإشكال عليه.

ــــــ[120]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 233، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[التعرض إلى بعض الأمور في القراءة]

وقبل الاستمرار في هذه المسألة ينبغي التعرّض إلى بعض الأُمور:
الأمر الأوّل: إدغامات في غير حروف (يرملون)
هناك إدغامات في غير حروف (يرملون)، لا نعرف لها قاعدة إلاّ أنَّ بعضها واضح الصحّة وبعضها مشكوك وبعضها معلوم العدم.
فما هو واضح الصحّة قوله: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ(1) ارْكَبْ مَعَنَا(2) عَاهَدْتُمْ(3) فَرَّطتُمْ(4) أما جوازها وكونها الأفضل فلا إشكال فيه.
وأمّا وجوبها فهي موقوفة على كونها صغرى للبلاغة، كما سبق ولا يبعد أن يكون كذلك. غير أنَّ الحصّة الأُخرى ليست كذلك أكيداً على ما سيأتي.
وأمثلة الحصّة الأُخرى: قَدْ جَعَلَ(5) كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ(6) وَلَقَدْ
ــــــ[121]ـــــــ
(1) النمل: 22.
(2) هود: 42.
(3) النحل: 91.
(4) يوسف: 81.
(5) مريم: 23.
(6) الإسراء: 97.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
صَرَّفْنَا(1).
فإذا لم تكن صغرى للبلاغة والفصاحة لم يجز إدغامها؛ لأنَّ الحرف الأصلي هو المطلوب في الفصاحة، فيكون مورداً لقاعدة إذا جاز وجب، ويعني ترك الإدغام هنا.
وهناك حصّة أُخرى للإدغام هي أنَّها من حروف (يرملون) إلاّ أنَّ الإدغام فيها مرجوح، والقاعدة وإن كانت تقتضي الإدغام إلاّ أنَّ الفصاحة تنافيه، فيكون المتّبع هو الفصاحة لا الإدغام؛ لأنَّ الإدغام إنَّما عرفناه وصحّحناه من الفصاحة، فإذا اقتضت الفصاحة خلافه تعيّن، ومثاله: أنزلناه.
الأمر الثاني: الوقف والدرج في الكلمات المقصورة
في الكلمات المقصورة وهي: المنتهية بألف مقصورة كهدى وبشرى وتقوى، وأغلبها حسب علمي بقراءة حفص تقرأ بالألف ولا يجوز تنوينها وإدغامها، مثل: وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(2) إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ(3) إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ(4) تَقْوَى مِنْ اللهِ(5) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(6).
ــــــ[122]ـــــــ
(1) الإسراء: 41.
(2) النحل: 89.
(3) الأعراف: 34.
(4) آل عمران: 36.
(5) التوبة: 109.
(6) البقرة: 97.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وبعضها منوّن بالتنوين، مثل: هدى في قوله: هُدًى وَبُشْرَى(1)، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ(2) هُدًى وَرَحْمَةً(3) هُدًى مُسْتَقِيمٍ(4).
والمفروض بالقارئ -كحفص- أنَّه يروي ذلك تعبّداً، والمهم لنا أن نفهم أنَّه أيّ منهما الأفصح، وفي حدود فهمي فإنَّ الأمر يدور بين الوقف والدرج، أما في صورة الوقف على الألف المقصورة فلا يجوز التنوين، بل يجب النطق بالألف، وأمّا عند الدرج فيجب التنوين ولا تظهر الألف.
ولكن الظاهر من هذه الحصّة من القراءات كونها إظهاراً للألف حتى في الدرج، وهو غير فصيح يقيناً، كما أنَّ وجوب الوقف من أجل إظهار الألف غير ثابت يقيناً.
فإن ثبتت حجّيّة القراءة تعبّداً جاز الوجهان، والأحوط عندئذٍ التزام الوقف للاحتياط لإحراز الصحّة من كلا الوجهين، يعني: على طبق القراءة وطبق القاعدة البلاغيّة.
وأمّا إذا لم تصحّ القراءات تعبّداً، يتعيّن الأخذ بمقتضى القاعدة وهو التنوين والإدغام مع اليقين بجواز الدرج وعدم تعيّن الوقف.
ومثل ذلك أنَّه يوجد في القرآن عدة موارد لكلمات تنتهي باللام وتكون
ــــــ[123]ـــــــ
(1) البقرة: 97.
(2) البقرة: 5.
(3) الأنعام: 154.
(4) الحجّ: 57.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
مورداً للتنوين بمقتضى القاعدة إلاّ أنَّه حصل في القراءة المتعارفة فك التنوين منها قوله: بَلْ رَانَ(1) أَلَمْ أَعْهَدْ(2) يس(1) وَالْقُرْآنِ(3)، فهل يجب الوقف، أو هل يجوز فك التنوين مع الدرج؟ كلاهما غير محتمل ولا إشكال من جواز الدرج والإدغام فيها على مقتضى القاعدة.
الأمر الثالث: في الكلمات المنتهية بالياء
في الكلمات المنتهيّة بالياء سواء كانت أصليّة كـ: (مفترى) أو طارئة كـ: (يا قومي)، فهنا مستويان:
المستوى الأوّل: مقتضى القاعدة
أنَّ مقتضى القاعدة في الدرج هو حذف الياء وإدغام التنوين بما بعده كقوله تعالى: مُفْتَرٍ بَلْ(4).
إلاّ أنَّ الكلام في صورة الوقف، فإنَّ القراءة المشهورة تقف على الحرف السابق على الياء مثل: إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ(5)، فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ(6) فَهُوَ
ــــــ[124]ـــــــ
(1) المطففين: 14.
(2) يس: 60.
(3) يس: 1-2.
(4) النحل: 101.
(5) النحل: 101.
(6) طه: 72.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الْمُهْتَدِ(1)، مع أنَّ هذا مخالف للقاعدة، بل لابدَّ في الوقف من إظهار الياء والنطق بها.
فتكون عندنا نفس النتيجة السابقة وهي أن نقول: إن كانت القراءة حجّة جاز الوجهان؛ لأنَّ كلاهما عليه حجّة، أمّا الحذف فباعتبار القراءة، وأمّا الإثبات فباعتبار القاعدة، وأمّا إذا لم تثبت حجّيتها وكان لابدَّ من القراءة الأفصح. أو نقول: إنَّه في موارد تعارض القراءة مع الفصاحة تتقدّم الفصاحة.
إذن يتعيّن الإتيان بالياء وإظهارها في الوقف. ما لم يثبت إجماع القراءات على الحذف، فيجوز أو يتعيّن.
إلاّ أنَّه يمكن منع هذا الإجماع، من حيث إنَّ القرّاء يقرؤون بالياء أحياناً  فَهُوَ المُهْتَدِي(2)، وهو دليل على وجوده في قراءات أُخرى غير حفص.
ومن المحتمل أن يكون الغلط في القراءة ناشئاً من الغلط في الكتابة، من حيث إنَّ كتّاب القرآن الأقدمين حذفوا الياء، فوجده المتأخرون موقوفاً فحسِبوا أنَّه محذوف باللفظ والقراءة أيضاً. مع أنَّ إثباته في الكتابة هو الأفضل بل هو المتعيّن. وأمّا في القراءة فيتبع القواعد التي عرفناها.
وهذا له نظير أو عدّة نظراء في الكتابة القرآنية منها: أنَّ كلمة (شيء)(3) تكتب في كل القرآن صحيحة إلاّ في سورة الكهف، فإنَّها تكتب بألف زائدة، فيتخيّل القارئ أنَّها منطوقة. مع أنَّها غير منطوقة.
ــــــ[125]ـــــــ
(1) الإسراء: 97.
(2) الأعراف: 178.
(3) وهو قوله تعالى:  وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (الكهف: 23).
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وبتعبير آخر: إنَّها كتبت خطأ لا أكثر ولا أقلّ، ومثله: كهيعص، حيث يلفظها البعض بحروفها الأصلية، كما لو أنها نزلت هكذا، والمشهور كاف ها يا عين صاد. فهذا من تغليط الكتابة، فالظاهر أنَّ الياء هكذا أيضاً.
المستوى الثاني: الياء الطارئة كياء المتكلم
في الياء الطارئة كياء المتكلّم، وأوضح أمثلته: (يا قومِ)، حين يكتب ويلفظ بدون ياء، مع أنَّ مقتضى القاعدة ثبوتها خطاً ولفظاً، ونحن لم نسمع الوحي أنَّه نزل بأي من الوجهين.
ومن المحتمل أيضاً أنَّ خطأ القرّاء ناتج من خطأ الكتابة، حيث اكتفى الكتّاب بالكسرة حين سمعوا اللفظ بتخفيف الياء أو ترقيقها فحذفوها متابعة للفظ، فحسبنا أنَّها غير موجودة إطلاقاً يعني لفظياً.
الدليل على حذف الياء
وما يمكن أن يكون دليلاً على جواز ذلك أحد ثلاثة أُمور:
الأوّل: إجماع القراءات السبعة أو العشرة على حذف الياء لفظياً بحيث يقفون على السكون، فيحصل الاطمئنان بالمطابقة مع الوحي.
الثاني: أنَّ هناك اتجاهاً فصيحاً في اللغة العربية بحذف الياء مع قصد المعنى في ثبوتها. فهو يقول: يا قوم على معنى يا قومي. وهذا المعنى لو ثبت فهو خاصّ بياء المتكلّم ولا يعمّ ياء النسبة، ولا نعلم حدوده لوضوح أنَّه إذا قال: بيت وأراد بيتي كان خطأ. فلابدَّ من تحديده بالقدر المتيقّن وهو مورد نداء الجماعة كـ: يا قوم ويا رجال ونحوها.
ــــــ[126]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
إنَّنا سنفتقر إلى الدليل على أنَّ من يقول: (يا قوم) يقصد يا قومي.
وعلى أيّ حالٍ إذا ثبت ذلك في العربيّة أمكن أن يكون الوحي القرآني قد نزل عليه، فتكون القراءة المشهورة حجّة فيه، كما هو المشهور من حجّيتها. وإلاّ فالأمر مطعون صغرى وكبرى، كما هو واضح، يعني: ليس هو ثابت في العربيّة وعلى تقدير ثبوته في العربية، لم يثبت أنَّ الوحي قد سار عليه وخاصّة بعد التنزّل عن الوجه الأوّل وهو إجماع القراءات.
الثالث: أن نثبت أنَّ ياء النسبة في القواعد الفصيحة تثبت في الوقف وتحذف في الدرج، ومن هنا حذفها القرّاء؛ لأنَّ هذا هو الأفصح. إلاّ أنَّ هذا لا يتم؛
1- لعدم إحراز القاعدة، بل لا بأس من إثباتها في الدرج. ولعلّ حذفها يكون خطأ في الفصاحة، والاحتمال مبطل للاستدلال
2- إنَّهم يقفون مع حذف الياء، فحذفها في نظرهم شامل لصورتي الدرج والوقف معاً. وهذا أكيد الخطأ.
الأمر الرابع: [حذف الياء من نهاية الكلمة]
أن نقول: إنَّ الياء حركة، والحركة يجب حذفها في الوقف وإبدالها إلى سكون، فيتعيّن حذف الياء.
جوابه: الطعن في الكبرى والصغرى معاً.
أمّا في الكبرى فلأنَّنا وإن قلنا إنَّ الياء تأتي حركة وهي كذلك في قاضي ومهتدي، إلاّ أنَّهم لم يقولوا ذلك مشهورياً بل إجماعياً، فلا تدخل تحت كبرى إبدالها بالسكون.
ــــــ[127]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وأمّا صغروياً فبالنقض بالواو في مثل يدعو ويرجو فإنَّها تحذف عند الجزم إلاّ أنَّها يعوّض عنها بضمّة ولا يمكن إبدالها إلى السكون للزوم تتابع الساكنين، وهو ممتنع عندهم.
الأمر الخامس: [حذف ياء الاسم المنقوص]
أنَّهم ذكروا في القواعد العربية في الاسم المنقوص أنَّه إذا تجرّد المنقوص من (أل والإضافة) حذفت ياؤه لفظاً وخطاً في حالتي الرفع والجر، كما في الحديث الشريف: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». وتقول: حضر قاض وقبض على جان.
وأمّا في حالتي ثبوت (أل أو الإضافة) فتثبت الياء في جميع الأحوال يعني: في الرفع والنصب والجر، نحو: جنى الباغي على نفسه ومررت بالراعي مع غنمه.
مع العلم أنَّ في مورد الآيات هي كذلك أي من موارد حذف الياء كقوله تعالى: مَا أَنْتَ قَاضٍ(1) فإنَّه خبر محله الرفع.
جوابه:
1- إنَّه لم يُذكر أنَّ هذا الحذف من باب الجواز أو الوجوب. إلاّ أنَّ هذا لا يتم:
أ- لأنَّ ظاهره الوجوب.
ب- إنَّه حتى لو كان هو الجواز فقد اختار الوحي هذه الطريقة؛ لأنَّها فصيحة في الجملة وهذا يكفي.
ــــــ[128]ـــــــ
(1) طه: 72.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
2- إنَّ هذه قاعدة خاصّة بالمنقوص ولا تعمّ ياء النسبة كيا قوم، فلماذا حذف ياء النسبة.
3- إنَّ هذا خاصّ بحذف الألف وأمّا قوله تعالى: فَهُوَ المُهْتَدِ(1) فهو محلّى بالألف، فلماذا حذفت منه الياء.
4- إنَّهم قالوا: إنَّه تبدّل الياء بالحركة أو التنوين مثل: «كلّكم راعٍ»، فهل يصحّ عند الوقف إبدال الحركة بالسكون؛ لأنَّه عندئذٍ تزول الإشارة إلى وجود الياء تماماً، فهذا ممّا لم يصرّحوا به.
نعم، نحن حيث قلنا ورجّحنا جواز الوقف للحركة يكون أقرب إلى الواقع أو تقول: إنَّه عند السكون يجب إرجاع الياء ويكون السكون على الياء.
[من قواعد إثبات الياء]
وفي المصدر الذي اعتمدت عليه يعطي أشهر قواعد الوجوب، أنقل لكم منها اثنين، يقول(2):
«1- إذا وقفنا على منوّنٍ مرفوع أو مكسور حذفنا التنوين أي سكّنّا الأخير: هذا خالد مررت بخالد، وإن كان التنوين بالنصب (رأيت خالداً) تقف عليه ألفاً: رأيت خالدا، ومن العرب من يجيز الوقف على التنوين المنصوب والمرفوع والمكسور».
ــــــ[129]ـــــــ
(1) الإسراء: 97.
(2) لاحظ: حاشية الصبان مبحث الوقف وكذا شروح الألفية مبحث الوقف، كشرح ابن عقيل والأشموني.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
أقول: أوّلاً: هذا معنى جواز الوقف بالحركة كما قلنا.
ثانياً: لم يتعرّض للوقف على المنصوب بالسكون، ولا أحسب أنَّه خاطئ، فيجوز الوجهان. وأمّا في القوافي الشعرية فهو كثير.
ثُمَّ يقول: «إذا وقفنا على المنقوص وكان منصوباً تثبت ياؤه : سمعنا منادياً أم غير منون: (طلبت المعالي).
وما كان غير معرّف بال وهو منصوب ثبتت ياؤه عند الوقف نحو: رأيت مراكب في البحر جواري. وإن كان مرفوعاً أو مجروراً منوّناً فالأرجح حذف ياءه: فاقض ما أنت قاضْ ونحو مررت بقاضْ ويجوز إثبات الياء كقراءة بن كثير: (ولكلّ قوم هادي * ما لهم من دونه من والي)».
أقول: وهذا هو الذي رجحناه على القاعدة الأوّلية، ولا أقلّ من جواز الوجهين، وواضح من سياق المصدر أنَّه أخذ الجواز هنا بنحو الجواز الشرعي؛ لأنَّه مثّل بآيات القرآن، ونحن نتكلم عن الجواز اللغوي.
قال:
«2- وإن كان غير منوّن فالأفصح إثبات يائه: (جاء القاضي) (مررت بالقاضي) ويجوز حذفها كقراءة ابن كثير: (وهو الكبير المتعال) (لينذر يوم التلاق)».
أقول: وهذا أيضاً متحقّق في القراءة المشهورة، وإثبات الياء وإن كان أرجح على القواعد إلاّ أنَّه قد تحصل في القرآن قرينة على الحذف وهو النسق لنهايات الآيات. ولا شكّ أنَّ النسق يقتضي الحذف كما في سورتي: (ق) و(ص) ونحوهما.
ــــــ[130]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[في جواز حذف ياء المتكلم عند الوقف]
ولم يذكر المصدر جواز حذف ياء المتكلّم عند الوقف كياء (قوم) مع العلم أنَّه من المستبعد أن يكون ذلك موجوداً كقاعدة عامّة بأن تقول: (كتاب) وتقصد (كتابي)، و(ولد) ونقصد (ولدي)، وإنَّما له أحد احتمالين:
الأوّل: أن يكون وارداً في اللغة العربية في بعض الكلمات وقف كـ(قوم). وهذا ما لا نعرفه ولا نعرف القاعدة فيه. وربما يتسامح في قوم ما لا يتسامح في غيره تقول: يا قوم تقصد يا قومي وتقول: قومي أو قوم بالكسرة أو بالسكون وتقصد يا قومي، بحذف حرف النداء، وأمّا في غيرها فغير جائز.
الثاني: أن يكون هذا وارداً في قراءات القرآن الكريم تعبّداً، ونحن قلنا: إنَّه متى تعارضت القراءة المعيّنة مع القواعد العربيّة نأخذ بالقواعد، ومتى تعارضت كلّ القراءات معها نأخذ بالقراءات، فيبقى هذا المطلب صغرى لهذه الكبرى، وأمّا اتفاق القراءات وعدمه فيحتاج إلى فحص.
وفي الحقيقة إنَّ كبراه متكوّنة من أُمور:
الأوّل: ما ذكره المشهور من وجود كلمات مهملة، وهي بهذه الصفة ليست جزءاً من القرآن، إلاّ أنَّ هذا نظرٌ إلى المعلول، والمهمّ النظر إلى العلّة، وهو ما نقوله في الأمرين الآتيين.
الثاني: منع الوقف خلال الكلمة، وإنَّما يختصّ محل الوقف في نهايات الكلمات فقط ليستقيم اللفظ والمعنى. وأمَّا في وسط الكلمة فالوقف ممنوع، وليس منعه لأجل تولّد هذه الكلمات، بل لحفظ الموالاة العرفية بين حروف الكلمة
ــــــ[131]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الواحدة ومع وجود الموالاة وعدم الوقف لا تحدث هذه الكلمات المهملة، فإذا حدثت يكون قد قصّر من هذه الجهة. فيكون خطأً في العلّة والمعلول معاً.
الثالث: أنَّ الفصحاء في السيرة التي أشرنا إليها لو عملوا ذلك بنحو العلّة، أي وقفوا خلال الكلمة الواحدة أو المعلول أي حدثت ألفاظ مهملة في كلامهم اعتبره المجتمع في زمانهم خطأ وسبّة يضحك عليها ونقص فيهم، وهذا أمر قطعي، ومعه فهو ممنوع كبروياً. وينتج ذلك أنَّه ممنوع في القرآن الكريم لأنَّنا نعلم أنَّه نزل فصيحاً.
إذن لا يحتمل أن يكون نزل بهذا الترتيب علّة أو معلولاً، فإذا قرأ الفرد بهذا النحو لا يكون المأتي به مطابقاً مع الموحى به، وهذا يكفي في البطلان.
واستدل عليه في المستمسك بوجه آخر حيث قال: «إنَّ للكلمة هيئة خاصّة، ناشئة من توالي حروفها على نحو مخصّص عند أهل اللسان، فإذا فاتت تلك الهيئة بطلت الكلمة»(1).
أقول: وهذا يعني: أنَّ الكلمة تخرج عن حقيقتها بالحمل الشايع العرفي فتبطل عرفاً كما تبطل شرعاً. وهذا راجع إلى الوجه الثاني الذي ذكرناه وهو منع الوقف خلال الكلمة الواحدة. أي: وجوب الموالاة والتوالي بين حروفها
[الوقف والوصل في كلمة (أحد)]
مسألة 56: «إذا لم يقف على أحد في قلْ هو الله أحد، ووصله بالله الصمد
ــــــ[132]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 247 – 248، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
يجوز أن يقول: أحد الله الصمد، بحذف التنوين من أحد وأن يقول: أحدن الله الصمد، بأن يكسر نون التنوين، وعليه ينبغي أن يرقّق اللام من الله. وأمّا على الأوّل فينبغي تفخيمه كما هو القاعدة الكلّيّة من تفخيمه إذا كان قبله مفتوحاً أو مضموماً، وترقيقه إذا كان مكسورا»(1).
وفيها فرعان مستقلّان دمجهما في مسألة واحدة، لالتقاء موضوعيهما في فرع معيّن.
وإحدى المسألتين بمنزلة الكبرى والأُخرى بمنزلة الصغرى، وقد قدّم الحديث عن الصغرى ونحن نقدّم الحديث عن الكبرى، يعني عن المسألة المتأخرة في كلامه، ثُمَّ نأتي إلى تطبيق ذلك على المسألة المتقدّمة.
الفرع الأول في الكبرى
وهذه المسألة أنَّهم قالوا: إنَّه إذا كان قبل لفظ الجلالة حرف مكسور وجب ترقيق اللام فيه، نحو: بسم الله وفي الله وعن الله، وإذا كان قبله حرف مفتوح أو مضموم أو لم يكن قبله شيء مثل الوقف قبله، وجب تضخيم اللام، مثل: (قل هو الله أحد) (الله الصمد)، أو قوله: (عليه الله)، فلو كان مكسوراً وجب ترقيق اللام، ولا يجوز العكس.
ونفهم من تعليق المستمسك(2) فكرتين:
إحداهما: أنَّ اللام الأصليّة هي المخفّفة وأمّا المثقّلة أو المضخمة فهي فرع عليها.
ــــــ[133]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2: ص522.، ط جماعة مدرسين.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 248، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
أقول: كل الحروف لها ثلاث مراتب الأصلي منها الوسط، ويمكن أن يضخم ويمكن أن يرقّق، فلا نستطيع القول أن المرقّقة هي الأصليّة، بل الحالة الوسطى هي الأصليّة، وإنَّما نسميها مرقّقة؛ لأنَّها أرق من المضخمة بطبيعة الحال، ولعلّ مقصوده هو ذلك.
ثانيهما: أنَّه نقل عن ابن الحاجب قوله: «وكذا لام الله إذا كان قبلها ضمّة أو فتحة(1) وهذا التفخيم ليس بواجب عند أهل العربية»(2).
أقول: وعدم الوجوب هذا غريبٌ وخلاف الوجدان، لكنه حينما اعتبر الأصل هي المرقّقة اعتبر التفخيم صورة شاذة لا يصار إليها إلاّ بدليل أو بمعنى آخر ستكون خطأ في التلّفظ، فأجاز الترقيق.
تعليق على ما ذكره صاحب المستمسك
وتعليقنا على ذلك:
1- أنَّ الحرف سواء كان مرقّقاً أو مفخماً، هو محفوظ الماهيّة، ومع حفظ ماهيّته تحفظ الكلمة بالحمل الشايع العرفي اللغوي، وهذا واضح وهو ثابت إلاّ ما خرج بدليل.
2- إنَّ المخالفة لهذه القاعدة في لفظ الجلالة سمج وخاطئ؛ لأنَّ عندنا اطمئناناً أنَّ السيرة الفصيحة عليه، كما أنَّ الموحى عليه، فإذا أتى بخلاف ذلك لم يطابق المأتي به للموحى به لا محالة فيكون خطأ.
ــــــ[134]ـــــــ
(1) يعني تكون مفخمة، (منه).
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 249، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
والسيّد الحكيم يستدلّ بكلام ابن الحاجب لقلّة مصادره على ما يبدو، وإلاّ فلو سلّمنا بوثاقته، فإنَّه واحد يحتاج إلى ثانٍ، وقد قال بعض أساتذتنا: ومعه حتى أنَّ المجتهد يجب أن يكون مجتهداً في كل المسائل التي تعرضه في الاستدلالات، ولا يجوز أن يكون مقلّداً لغيره حتى سيبويه نفسه.
الفرع الثاني: في الصغرى
والمسألة الثانية في المسألة (56) فيها فرعان أحدهما كسر التنوين، والثاني ترقيق لفظ الجلالة، وبذلك تكون متفرّعة على المسألة التي انتهينا منها؛ ولذا قلنا: إنَّ تلك بمنزلة الكبرى وهذه بمنزلة الصغرى.
أمّا كسر التنوين فبسيط، وذلك لالتقاء الساكنين بعد وصل همزة (ال) من لفظ الجلالة، فيلتقي التنوين في (أحد) مع اللام في لفظ الجلالة وكلاهما ساكنة، ونون التنوين نون ساكنة تلحق أواخر الكلمات المحرّكة. كما أنَّ لام (ال) ساكنة، وعند التقاء الساكنين يكسر الحرف ا لأوّل منهما، وهو نون التنوين.
فنقول: أحدُنِ الله الصمد، ويضعون في بعض المصاحف نون تحتها كسرة بين الكلمتين للإشارة إلى ذلك.
وهذه أيضاً قاعدة فصيحة لا يمكن التخلّي عنها؛ لأنَّها مضبوطة كبرى وصغرى، يعني: الكسر عند التقاء الساكنين، ووجود التقاء الساكنين عند وصل همزة لفظ الجلالة.
وأمّا ترقيق لفظ الجلالة: فهو في طول كسر نون التنوين؛ إذ يكون عندئذ لفظ
ــــــ[135]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الجلالة قد دخل على حرف مكسور قبله مباشرة فيكون صغرى للكبرى السابقة وهي الترقيق إذا كان قبله حرف مكسور.
[وصل كلمة (أحد) مع حذف التنوين]
يقول السيّد اليزدي في مسألة 56: «إذا لم يقف على (أحد) في (قلْ هو الله أحد)، ووصله بـ(الله الصمد)(1) يجوز أن يقول: أحد الله الصمد، بحذف التنوين من أحد(2) وأن يقول: أحدنِ الله الصمد، بأن يكسر نون التنوين، وعليه ينبغي أن يرقّق اللام من الله. وأمّا على الأوّل فينبغي تفخيمه كما هو القاعدة الكلّيّة من تفخيمه إذا كان قبله مفتوحاً أو مضموماً، وترقيقه إذا كان مكسورا»(3).
وقد عرفنا تفاصيل هذه المسألة إلاّ ما قاله من نطق (أحد) مضموماً بدون تنوين، مع وصل همزة لفظ الجلالة؛ فإنَّه لا يخلو من صعوبة لغويّة.
والظاهر من التعليق في المستمسك(4) أنَّه نتيجة قراءة منسوبة إلى أبي عمرو، ولكنّه إذا كان خطأ لغة، فإنَّه تتعارض القراءة مع قواعد اللغة، فنقدّم قواعد اللغة كما سبق ونرفض القراءة.
كيف وأنَّ نفس نسبة هذه القراءة إلى أبي عمرو مشكوكة.
فهل أنَّ حذف التنوين ممنوعٌ لغةً أم لا؟
ــــــ[136]ـــــــ
(1) وهو الدرج المقابل للوقف، (منه).
(2) ويكون لفظ الجلالة مفخماً؛ لأنَّ ما قبله مضموم، (منه).
(3) العروة الوثقى: ج2: ص522.، ط جماعة مدرسين.
(4) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 241، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ذكر السيّد الحكيم(1) ما مؤداه بحسب فهمي: أنَّ القاعدة العامّة هو وجود التنوين إلاّ أنَّ هذا لا ينافي ورود حذفه أحياناً.
أمّا القاعدة العامّة فإنَّه قال: المعروف عند أهل العربية: أنَّه لا يحذف التنوين في الاسم المتمكن المنصرف إلاّ في المضاف إلى (ابن) الواقعة بين علمين مثل: جاء زيد بن عمرو، وهذا معناه أنَّه في غير هذا المورد يجب التنوين، ومورد السورة من غيره طبعاً.
وأمّا وروده في اللغة العربيّة في غير هذا المورد فموجود ومثّل له بمثالين من الشعر، أحدهما قوله:
وحاتم الطائي وهاب المائي(2)
والآخر قوله:
فألفيته غير مستعتب
ولا ذاكر الله إلاّ قليلاً(3)

وتفسير ذلك أحد أمور:
أحدهما: الضرورة الشعرية، ومن الواضح أنَّ كليهما مثال شعري ولا يقاس على حال الضرورة، فلا يكون قاعدة عامّة إلاّ عند الضرورة، مضافاً إلى الشكّ في أنَّه من الشعر الجاهلي.
وثانيهما: استثقال ظهور النون عرفاً، أعني: النون المكسورة ومن الواضح أنَّه لو حصل التنوين ظهرت النون وهو أمر ثقيل فحذف التنوين توصّلاً إلى حذف النون، وهذا أمر موافق للطبع وعرف العوامّ. إلاّ أنَّ الشك في كونه موجوداً في
ــــــ[137]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) خزانة الأدب، عبد القادر البغدادي: ج7 ص350.
(3) خزانة الأدب، عبد القادر البغدادي: ج11 ص374.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
السيرة الفصيحة الأصليّة، وهذا ممّا لا يمكن لنا إثباته، بحيث إنَّه لو حذف التنوين لا يكون قد أخطأ، واحتمال الخطأ فيه موجود، فتكون هذه القراءة مخالفة للاحتياط الوجوبي.
ثالثهما: أنَّ ماهيّة الرفع محفوظة بدون تنوين ومحصِّلة للغرض النحوي ولا دخل لنون التنوين بحدّها فيه فيكون اللفظ صحيحاً من هذه الناحية.
وهذا صحيح إذا ثبت أنَّ العرب نطقوه وأنَّه حصّة من الفصاحة، وإلاّ فهو مورد التنوين والحاجة النحوية تقتضي وجود التنوين وليس مجرّد ماهية الرفع.
اللهم إلاّ أنَّ نتمّم المطلب بالأُصول العمليّة -بعد تعذر الأمارة- ومقتضى الأُصول جوازه؛ لأنَّه مجرى لاستصحاب الصحّة الاقتضائية المتحقّق قبل هذا اللفظ ومجرى لأصالة البراءة عن وجوب الإعادة بعده باعتباره محتمل الصحّة، إلاّ أنَّ جريان الأُصول لإثبات النتائج اللغويّة باطل. نعم يبقى الأمر لإثبات الحكم الشرعي صرفاً، ولا يبعد أنَّ السيّد اليزدي أفتى بجواز حذف التنوين لأجل ذلك.
ومع جريان الأُصول المجوّزة، يتحول الاحتياط الوجوبي إلى استحبابي؛ لأنَّ مخالفة الأُصول العمليّة إلى جهة الاحتياط دائماً هو أحوط استحباباً.
[قراءة (مالك) و(ملك)، و(الصراط) بالسين والصاد]
مسألة 57: «يجوز قراءة مالك وملك يوم الدين، ويجوز في الصراط بالصاد والسين بأن يقول: السراط المستقيم، وسراط الذين»(1).
ــــــ[138]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2: ص523.، ط جماعة مدرسين.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
هذا بناء على ما هو المشهور من حجّيّة القراءات السبع أو العشر، فإنَّها جميعاً منها، فيجوز الوجهان في كلتا الآيتين.
إلاّ أنَّ الإشكال في الأُولى -بعد قبول حجّيّة القراءات- هو العلم بأنَّ الوحي نزل على أحد الوجهين أو قل على وجه واحد لا على وجهين، فلماذا جازا معاً، وإنَّما يتعارضان ويتساقطان؛ لأنَّنا نعلم إجمالاً بصحّة أحدهما وكذب الآخر، يعني: عدم مطابقته للموحى به، وكلاهما موافق للفصاحة، فلا تعيين لنا من هذه الجهة، فلابدَّ من التكرار لإحراز براءة الذمة. أو أنَّ تقرأ بالأُسلوب الذي تقتنع بصحته ومطابقته للوحي وهو مالك.
وقد استدلّ في المستمسك(1) عن بعض المصادر ببعض الأدلّة والتقريبات الاعتبارية التي لا تنفع، كيف والمشهور يعتبر اللفظ القرآني تعبّدي صرف لا أنَّه يُقرأ بكل لفظ أو بأي لفظ فصيح.
[وأدلته على حذف الألف أُمور]
أوّلاً: أنَّ المصاحف مرسومة بحذف الألف.
جوابه: أنَّها تضع ألفاً صغيرة فوق الميم، وهو أُسلوب شائع إلى الآن في بعض المصاحف مما يغلط القارئ ولا نعلم أنَّ مقصود الكاتب ترك الألف بالمرّة أو حذفها خطاً لا لفظاً.
ثانياً: أنَّه قراءة أهل الحرمين.
جوابه: أنَّ هذا لا يزيد على حجّيّة القراءات نفسها.
ــــــ[139]ـــــــ
(1) لاحظ: مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 249 وما بعدها، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ثالثاً: أنَّ الله سبحانه عُبّر عنه بالملك في مواضع عديدة من القرآن كقوله: لمن الملك اليوم وملك الناس، فتعالى الله الملك الحقّ والملك القدّوس، فكأنَّه يناسب أن يكون هنا كذلك، أو يمكن أن يكون كذلك.
جوابه واضح من حيث إنَّ صفة الملك وإن كانت كافيّة له في تلك الآيات، إلاّ أنَّ صفة المالك ثابتة أيضا، وله الملك الحقيقي للكون كلّه. ولا ملازمة بين وجود صفة الملك هناك ووجودها هنا والاحتمال مبطل للاستدلال.
رابعاً: الملك يعمّ والمالك يخصّ، ولابدَّ أن تكون كبراه؛ إذ استعمال ما يعمّ أولى من استعمال ما يخصّ.
جوابه: أنَّه مطعون كبرى وصغرى:
أمّا كبرى، فلأنَّ القرآن تعبّدي نزل على وجه واحد، فكون المعنى عامّاً أو خاصّاً لا دخل له في القراءة أصلاً؛ إذ لعلّ الحكمة اقتضت إرادة المعنى الخاصّ دون العام، وهذا مما لا يمكن أن نناله بعقولنا.
وأمّا صغرى، فلأنَّه يمكن دعوى العكس، وما قيل إنَّما هو على مستوى الفهم البشري بعنوان أنَّ الملك واسع الملك بينما المالك إنَّما يملك أشياء محدودة وقليلة نسبياً.
إلاّ أنَّ الأمر بالعكس بالنسبة إلى الخالق، فكونه مالك يعني: هو مالك لعالم الإمكان كله بالملكيّة الحقيقيّة، وأمّا (ملك) فيرجع إلى حجّيّة أمره التشريعي فيه، ولا شكّ أنَّ المالكيّة التكوينيّة أهمّ وأشرف من التشريعيّة، وإن كان كلاهما مهمّاً في نفسه.
ــــــ[140]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وإذا تنزّلنا عن ذلك فلا أقلّ من تساويهما بالأهمّيّة على المستوى الإلهي، وعلى كل حال ينسد الزعم بأنَّ الملك يعمّ والمالك يخصّ.
ثُمَّ قال في المستمسك(1): «وعن أبي حنيفة: أنَّه قرأ (ملك يوم الدين) بلفظ الفعل ونصب اليوم، وعن أبي هريرة: أنَّه قرأ (مالك) بالنصب، وغيره (ملك) بالنصب أيضاً، وغيرهما (مالك) بالرفع».
قال: «ومقتضى ما سبق جواز القراءة بالجميع، لأنَّه اختلاف في الأداء، والكلّ حكاية على النهج العربي عدا الأوّل، فجواز العمل به – لو ثبت – لا يخلو من إشكال، لعدم ثبوت تداوله (يعني ملك بلفظ الفعل)».
وهذا غريب منه، ومطعون كبرى وصغرى:
أمّا كبرى، فلأنَّه ليس مجرّد كون اللفظ فصيحاً يكون صالحاً للقرآنيّة أو يكون جزماً من القرآن؛ لأنَّ القرآن توقيفي، ونازل بوجه واحد، فيكون الباقي تحريفاً فيه.
وحيث نعلم إجمالاً بصحّة واحد وبطلان الباقي، يجب علينا التكرار لإحراز الصحّة، وإلاّ تعارضت الوجوه وتساقطت.
نعم، لو لم نقل أنَّ القرآن توقيفي وأنَّه نزل على وجه واحد كما هو ظاهر اختلافات القراءات، فنعم، كما ربما يفسر قوله(2): «إن القرآن نزل على سبعة أحرف». إلاّ أنَّنا نجلّ السيّد الحكيم عن الالتزام به.
ــــــ[141]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 250، ط إحياء التراث العربي.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 244، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
مضافاً إلى أمر آخر وهو عدم حجّيّة قراءة المتأخّرين كأبي حنيفة ما لم تكن هناك رواية عن النبي إليه، والرواية لم تثبت.
أمّا في المستمسك فقد قال: «لعدم تداوله(1) وبين عدم التداول وعدم الرواية عموماً من وجه، والمهمّ عدم الرواية المعتبرة لا عدم التداول».
وأمّا صغرى، فلأنَّه قال: ومقتضى ما سبق جواز القراءة بالجميع؛ لأنَّه اختلاف في الأداء.
وبتعبيري: لأنَّ الجميع مطابق للقواعد العربيّة، يعني: يمكن أن يكون له تخريج نحوي، لكن هل يكفي ذلك لكونه قرآنياً؟
[الكلام في قراءة السين والصاد]
ثُمَّ قال في المستمسك عن السين والصاد في (الصراط) بعد أن أخذ بنظر الاعتبار أنَّ قراءة الصراط فصيحة، وإنَّما لابدَّ من الاعتذار عن فصاحة السين، قال(2): «فإن المحكي عن قنبل -أحد الراويين عن ابن كثير-: أنَّه قرأ الصراط بالسين في جميع القرآن».
وفي مجمع البيان حكايته عن يعقوب من طريق رويس، وعن خلف: «القراءة بإشمام الصاد بالزاي في جميع القرآن». وفي مجمع البيان حكايته عن حمزة عن جميع الروايات إلا عبد الله بن صالح العجلي وبرواية خلاد بن خالد ومحمد بن سعدان
ــــــ[142]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 250، ط إحياء التراث العربي.
(2) المصدر السابق.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
النحوي عن حمزة: «أنَّ الإشمام المذكور في الأوّل من الفاتحة، وفي غيره من جميع القرآن قراءته بالصاد الخالصة».
وعن الكسائي عن طريق حمدون «إشمام الصاد بالسين».
ثُمَّ قال: «هذا ولا بأس بالقراءة بكل من الصاد والسين لما سبق (يعني الرواية عن القراء السبعة»، ولا سيّما أنَّ الذي ذكره الزمخشري والطبرسي والفيروز آبادي والطريحي: «أنَّ الأصل السين، وأنَّ الصاد فرع منها، وأن كلاً منهما لغة، وأن الأفصح الصاد».
ثُمَّ قال في هامش المستمسك(1): «قال الطريحي في مجمعه في (ص د غ): وربما قيل (سدغ) بالسين لما حكاه الجوهري عن قطرب محمد بن جرير المستنير: أنَّ قوماً من بني تميم يقلبون السين صاداً عند أربعة أحرف: عند الطاء والقاف والغين والخاء، يقولون: سراط وصراط وبسطه وبصطه وسيقل وصيقل ومصغبة ومسغبة وسخر لكم وصخر».
[تعليق على جواز الوجهين]
أقول: وواضح أنَّ هذا مبني على أحد أُمور:
الأوّل: جواز القراءة على طبق القراءة المعيّنة ولو كانت مخالفة للفصاحة، وهو ما نفيناه.
الثاني: جواز القراءة على كلّ لغات العرب، فمادام هناك نطق عربي بأيّة كلمة جاز إدخالها في القرآن، وهو كما ترى. والقرآن نزل على لغة النبي وهي لغة
ــــــ[143]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 250، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
قريش في الحجاز وليس غيرهم.
الثالث: أنَّه ليس للوحي تحديد ثبوتي وإنَّما نزل مجملاً من حيث الحروف أو الحركات ونحو ذلك. فكلّ شيءٍ نطقناه كان مصداقاً له، وهو ممّا منعناه أيضاً.
الرابع: أن نفسّر نزول القرآن بسبع أحرف بجواز القراءة بسبع أحرف بجواز القراءة بسبعة أساليب متباينة فيما بينها، وبعد التجريد عن خصوصيّة السبعة يكون الباب مفتوحاً لكلّ قراءة حتّى لو كانت شاذّة.
ومثل هذه النتائج وممّا كان يرضى به المشهور، وهي أيضاً ظاهر سياق المستمسك، إلاّ أنَّه يقول -يعني المشهور- من ناحية أُخرى: أنَّ القرآن توقيفي والتحريف فيه كبيرة.
وبطبيعة الحال تجري أصالة عدم مطابقة المأتي به بالموحى به ما لم يحرز ذلك بحجّة شرعية كاملة. وقد قلنا إنَّه نزل القرآن على وجه واحد فيجب الاحتياط والتكرار.
مضافاً إلى إمكان القول بالاطمئنان بعدم نزول الوحي بالسين، والاطمئنان أنَّ السين إنَّما هو تسامح في التلفّظ بالصاد، يعني: هو لغة عاميّة في مستوى ذلك العصر، وليس كلّ ما قاله العرب فصيحاً، ولا نعتقد كما يقول المشهور: بأنَّ العربي معصوم لا يخطأ، وإنَّما هذا أمر ذكره النحويون لأجل تتميم شواهدهم ومسائلهم في النحو والصرف، وقد قالوا: (أضعف من حجّة نحوي).
وأمّا أنَّ السين هو الأصل فقد نقله السيّد الحكيم عن جماعة، منهم الطريحي في المجمع ولم تتحصّل من عبارته ذلك.
ــــــ[144]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
مضافاً إلى أنَّه لا يمكن الجزم بأنَّ كلّ صاد في كلمة عربيّة أصلها سين، ولا العكس أيضاً.
نعم، قد تتحوّل بعض الكلمات القليلة، بحيث يكون كلاهما فصيحاً كبسطة وبصطة، وأمّا الباقي فالأمر دائر بينهما، يعني: أنَّه بأحد الحرفين لا بكليهما، وهذا الأمر يدرك بالحس اللغوي من قبل العرف اللغوي.
[وجوه أربعة في قراءة (كُفُؤاً)]
مسألة 58: «يجوز في كفواً أحد أربعة وجوه: (كفُؤاً) بضمّ الفاء وبالهمزة، و(كفْؤاً) بسكون الفاء وبالهمزة، و(كفُواً) بضمّ الفاء وبالواو، و(كفْواً) بسكون الفاء وبالواو، وإن كان الأحوط ترك الأخيرة»(1).
واستنتاج ذلك بسيط؛ لأنَّ للفاء انقسام هو الضمّ والسكون، ولِما بعدها انقسام وهو الواو أو الهمزة. فتصبح الاحتمالات أربعة.
[تصحيح الوجوه الأربعة]
والمشهور اعتمد في تصحيح هذه الوجوه على القراءات، ولكنّنا ينبغي أن نسير على مرحلتين:
الأُولى: في تصحيحها لغة حتى ما إذا فسد بعضها رفضناه أصلاً؛ لأنَّه يثبت أنَّ القراءة خاطئة لغويّاً، فلا يحتمل أن تكون مطابقة للوحيّ القرآني.
الثانية: في تصحيحها في القراءات.
ــــــ[145]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2: ص523.، ط جماعة مدرسين.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[الجانب اللغوي]
فقد قال في المفردات(1): الكُفء: في المنزلة والقدر… يُقال: فلان كُفء لفلان في المناكحة، أو في المحاربة، ونحو ذلك. قال تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوءاً أَحَدٌ(2): ومنه المكافأة. أي: المساواة والمقابلة في الفعل، وفلان كفؤ لك في المضادة.
ولم نجد وجوه القراءة.
وأصلها لغةً الكفؤ، بسكون الفاء مع وجود الهمزة، وقد تسهل الهمزة وتحذف؛ وذلك على وجهين:
الأوّل: أن يبقى الفاء على سكونه في كفؤ، وتتحوّل الهمزة واواً، فيكون: (كُفْواً)، وهو نطق ثقيل نسبياً.
والثاني: أن يعامل مع الواو معاملة الحركة فيُقال (كُفُو) وفي النصب يُقال: (كُفُواً)، وأما الاحتمال الرابع وهو (كُفُؤاً) بضمّ الفاء مع وجود الهمزة، فهو فرع وجود أصل المادّة، يُقال: كفْؤ وكفُؤ في اللغة. وهو محتمل إلاّ أنَّنا لم نستطع التأكّد منه.
وهذه الأُمور انقطع الاستشهاد بها خارج القرآن، وإذا شكّ في فصاحة لفظ فإنَّه يلحق بعدم الفصيح؛ للحاجة إلى الدليل على الفصاحة في كلِّ مورد.
فنتج إلى الآن إخراج وجهين منهما: هما (كُفْواً) بسكون الفاء، ووجود الواو لثقله. و(كفُؤاً) بضمّ الواو ووجود الهمزة؛ للشكّ في فصاحته.
ويبقى الاحتمال الثالث: (كفُواً) بضمّ الفاء ووجود الواو، وهو تسهيل
ــــــ[146]ـــــــ
(1) المفردات في غريب القرآن ص718 ط دار القلم.
(2) الإخلاص: 4.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
لكفُؤاً، فإذا كان الأصل وهو وجود الهمزة مشكوك الفصاحة كان تسهيله مشكوكاً أيضاً، بل أولى بالشكّ. فينحصر باللّفظ الأصل وهو (كفْؤاً) بسكون الفاء ووجود الهمزة.
ونستطيع أن نتنزّل ونقول: إنَّه لا فرق في الفصاحة بين سكون الفاء وضمّها، هذا مع وجود الهمزة في كلا الصورتين (كفْؤ) و(كفُؤ) ولو بقناعة ضعيفة وإن كان ضمّها أفصح فيتعيّن.
وإذا جئنا إلى التسهيل، فإن كان التسهيل في كلتا الصورتين ممكناً وفصيحاً لغة، صحّت الصور الأربع كلّها، إلاّ أنَّنا نستطيع أن ننفي وجود التسهيل مع السكون لثقالته: (كفْواً) فيبقى مع الضمّ وهو (كفُواً) وهو القراءة المشهورة.
ونستطيع أن نلتفت إلى حقيقتها اللغويّة مع إبدال النصب القرآني إلى حركة أُخرى كالضمّ أو الكسر أو السكون.
وإلى هنا نتج من اللغة نفس ما اختاره المشهور من الوجوه الثلاثة ونفى الرابع لولا أنَّه من المؤكّد أنَّ كفؤ بسكون الفاء ووجود الهمزة هو الأفصح مع كون القرآن قد نزل على وجه واحد، فيكون غيره مشكلاً، بما فيها القراءة المشهورة: كفُواً بضمّ الفاء ووجود الواو.
[جانب القراءات]
ففي المستند(1) يكتفي بالقول بأنَّ الوجوه الثلاثة متداولة ومشهورة والوجه الرابع غير متداول. وهذا يحتاج إلى ضمّ كبرى: أنَّه متداول في عصر
ــــــ[147]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص439 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
المعصومين ليكون مُقرّاً من قبلهم، وعندئذٍ يكون الجزم بكون الوجوه الثلاثة متداولة عندئذٍ دعوى بدون دليل، إلاّ أنَّ تنسب إلى القراءات المشهورة عندئذٍ وهو وجه آخر يأتي أما بدونه فلا.
وفي مجمع البحرين(1) قال الشيخ أبو علي: قرأ نافع وحمزة وخلف «كفؤاً» ساكنة الفاء ومهموزة، وقرأ حفص «كفواً» مضمومة الفاء مفتوحة الواو، وقرأ الباقون «كفؤا» بالهمزة وضمّ الفاء. ونفس هذا المضمون موجود في المستمسك(2) وقال: «ولم يذكر الوجه الأخير».
ثُمَّ قال: نعم، في كتاب غيث النفع للصفاقسي: قرأ حفص بإبدال الهمزة واواً وصلاً ووقفاً، والباقون بالهمزة، وقرأ حمزة بإسكان الفاء، والباقون بالضمّ لغتان. وهو أيضا ساكت عن الوجه الأخير.
فتحصّل أنَّ الوجوه الثلاثة مِن القراءات السبع، أمّا الأخير فليس منها، ويوجد في بعض المصادر من يسمّى القارئ، وليس تحت يدي الآن، والظاهر أنَّه من القرّاء العشرة، فإن أجزناها كما هو الأشهر جاز، كما في المنهج، وإلاّ فلا.
نعم، يبقى شيء، وهو أنَّه لا يحتمل وجوب القراءة على وجهة في سورة التوحيد بحسب السيرة القطعية المتشرّعية، وإن احتملناه في غيرها، فإذا أجزنا الوجوه الثلاثة كفى أي واحد منها، وإذا اخترنا الأفصح وهو كفؤاً بسكون الفاء ووجود الهمزة كان متعيّناً.
ــــــ[148]ـــــــ
(1) مجمع البحرين: ج4 ص49 ط مرتضوي.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 251، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[لزوم التعلم مع التردد بين وجهين]
«مسألة 59: إذا لم يدرِ إعراب كلمة أو بناءها أو بعض حروفها أنَّه الصاد مثلاً أو السين أو نحو ذلك، يجب عليه أن يتعلم. ولا يجوز له أن يكرّرها بالوجهين؛ لأنَّ الغلط من الوجهين(1) ملحق بكلام الآدميين»(2).
أمّا وجوب التعلّم لتصحيح الصلاة خاصّة والعبادة عامّة، فهو واضح فقهياً، وأمّا إن كان الغلط من الوجهين ليس من القرآن، فهو واضح أيضاً، ووافق عليه في المستمسك(3).
إلاّ أنَّه ينبغي أن يقيّد فيها إذا لم يكن على كلا الوجهين قراءة معتبرة، وأمّا إذا كان عليهما قراءة معتبرة، كان الوجهان قرآناً كما هو المفروض مشهورياً، ولكن السيّدين(4) ذكرا هذا الكلام من الارتكاز الذي أشرنا إليه، وهو أنَّ القرآن نزل على شكلٍ واحد، وإذا تمّ ذلك تعارضت القراءات وتساقطت.
وأمّا أنَّ الغلط منهما ملحق بكلام الآدميين، فيعلم إجمالاً ببطلان صلاته من أحد اللفظين، وينتج بطلان صلاته على أي حال.
فهذا مطعون كبرى وصغرى، أمّا كبرى: فلأنَّ دليل بطلان الصلاة بكلام الآدميين لبّي يُقتصر منه على القدر المتيقّن، وهو غير المورد، وكذلك عرفاً يصدق
ــــــ[149]ـــــــ
(1) المعلوم إجمالاً (منه).
(2) العروة الوثقى: ج2: ص223، ط جماعة مدرسين.
(3) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 251، ط إحياء التراث العربي.
(4) السيّد اليزدي والسيّد الحكيم.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
عليه أنَّه قرآن وإن لم يكن مطابقاً للموحى به، وخاصّة أنَّ المفروض الإتيان به برجاء المطلوبية.
وكذلك فإنَّه يمكن القول إنَّ ما يبطل الصلاة هو الكلام العمدي من جميع الجهات، وهذا ليس كذلك، فإنَّه وإن كان عمدياً إلاّ أنَّه وجد في طول الجهل، وفي ظرف الجهل وبرجاء المطلوبيّة، والمفروض أنَّه لم يقصد الجزئيّة الجزميّة، ومع الشكّ في صحّة الصلاة يجري استصحاب الصحّة، وهو حاكم ومتقدّم رتبة على استصحاب اشتغال الذمّة الجاري بعد الانتهاء.
[من قرأ بوجه معتقداً صحته ثم انكشف خطؤه]
مسألة 60: «إذا اعتقد كون الكلمة على الوجه الكذائي من حيث الإعراب أو البناء أو مخرج الحرف فصلّى مدّة على تلك الكيفية، ثُمَّ تبيّن له كونه غلطاً، فالأحوط الإعادة أو القضاء. وإن كان الأقوى عدم الوجوب»(1).
وقد علّق عليه السيّد في المستمسك(2): لحديث «لا تعاد الصلاة»(3) لأنَّه ليس من الخمس، بناءً على عمومه للجاهل بالحكم، إذا كان حين العمل يرى أنَّه في مقام أداء المأمور به والخروج عن عهدته، كما هو غير بعيد والإطلاق اللفظي موجود لنفي الإعادة من النقص ومن الزيادة المفروضتان في المسألة.
نعم، لا يشمل العامد ولا الجاهل الذي لا يرى أنَّه تبرأ ذمته بفعله وهذا
ــــــ[150]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2: ص223 – 224، ط جماعة مدرسين.
(2) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 250، ط إحياء التراث العربي.
(3) الوسائل: ج1 ص372 ح6، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
عمليّاً غير موجود خارجاً؛ لانصراف الحديث إلى العامل في مقام الامتثال، فهل هذا الانصراف كافٍ في التقييد خاصّة مع قصد الرجاء.
مضافاً إلى استصحاب الصحّة وقاعدة الفراغ وأصالة البراءة من وجوب القضاء. نعم، لو لوحظت الإعادة كان المورد مجرى لاستصحاب اشتغال الذمّة، ولكن الأُصول الأُخرى كافية فيه وحاكمة عليه.
[الكلام في جواز الوقف مطلقاً وعدمه]
تبقى المسألة الأخيرة في هذا الصدد وهي صحّة القراءة، وهو أنَّه هل يجوز الوقف في كلّ مكان؟ يعني: بعد أي لفظ من اسم أو فعل أو حرف أو لا؟ وإذا لم يجز فما هو الضابط في ذلك، فإنَّ معناه أنَّ الوقف أحياناً جائز وأحياناً ممنوع فكيف يكون ذلك.
وأريد الوقف هنا المقابل للدرج، بغض النظر عن استلزامه للسكون، وخاصّة إذا لم نقل بتعيّن السكون، وأنَّ التحريك ممكن مع الوقف، كما هو لغة من لغات العرب كما سمعنا.
لم يتعرّض إلى ذلك أحدٌ ولم يعطِ الضابط فيه، ومن هنا لابدَّ من استئناف التفكير فيه، ومقتضى القاعدة حسب إطلاق كلماتهم هو الجواز مطلقاً، كما أنَّه هو مقتضى الأصل المؤمّن عند الشكّ في مانعيته أو عدم جوازه تكليفاً. كما أنَّه غير مغيّر للمعنى. غاية الأمر أنَّ الكلام يصبح بطيئاً بعد أن كان سريعاً وفيه توقّف كثير.
ــــــ[151]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وفي أوّل قدم يمكن القول بأنَّه يشترط في الوقف أن لا يكون مخلاً بالموالاة العرفيّة للجملة الواحدة أو لكلّ الجمل. فلو أخلّ الوقف بالجملة بطل لفظها ومعناها، ومن ثَمَّ بطلت القراءة، إلاّ أنَّ هذا أمرٌ راجعٌ إلى كيفيّة الوقف لا إلى كمّيته، أو قل هو راجع إلى كمّيّة الوقف الواحد، ونحن نسأل هنا عن كمّية الوقف المتعدّد.
ومن جملة ما يؤخذ بنظر الاعتبار أنَّنا لو أجزنا الوقف على أيِّ كلمة، جاز الوقف على كلّ كلمة، وأمكن إسكان آخرها وقطع الهمزة عمّا بعدها وهكذا. فيصبح الكلام غير عرفي بلا إشكال فضلاً عن كونه منافياً مع الفصاحة والبلاغة، فيبطل.
مضافاً إلى استلزامه سكون أواخر كلّ الكلمات وجوباً أو جوازاً، وبالتالي نكون قد تركنا كل علامات الإعراب من حيث إنَّنا عملنا بقاعدة جواز الوقف، وهو باطل.
مضافاً إلى إمكان أنَّ الوقف ممنوع بين اللفظين المرتبطين ارتباطاً معنوياً، فلابدَّ من الدرج بينهما ليظهر المعنى، كالجار والمجرور، والعاطف والمعطوف، والصفة والموصوف، والفعل والفاعل، والمضاف والمضاف إليه ونحو ذلك، كقوله تعالى: يَوْمِ الدِّينِ(1) وصِرَاطَ الَّذِينَ(2).
مضافاً إلى أنَّنا لو قلنا بوجوب السكون عند الوقف لزم من حصول الوقف
ــــــ[152]ـــــــ
(1) الحمد: 4.
(2) الحمد: 7.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
على بعض الكلمات أو الأدوات تغيير صيغتها البنائية، مثل: الذين، وهو، وله، وغير، وإياك، ممّا يحدث سماجة في اللفظ.
مضافاً إلى أنَّنا لو قلنا بجواز الوقف مطلقاً، جاز فصل الحرف الواحد عن الكلمة، مع أنَّهما كالكلمة الواحدة، سواء كان حرف الجرّ كقوله: لله، وله، أو حرف العطف كالفاء في قوله: فظنوا أو فليبكوا، بل حتّى ألف ولام التعريف أمكن الوقف عليها، وكل ذلك غير ممكن كما هو معلوم.
وحيث إنَّ الأمر ليس له ضابطة خاصّة، فالعمدة في ذلك هو التعويل على العرف، ولا نقصد به العرف الاعتيادي، وإنَّما العرف البلاغي لدى الفصحاء في العصر الذي استشهدنا به. وهم طبعاً يتحدّثون على السجّيّة، ولكنّنا نلاحظ أي شيء وقفوا فيه جاز الوقف فيه وكلّ شيء درجوا فيه جاز الدرج فيه.
إلاّ أنَّ الصعوبة أنَّ هذا الأمر لا يعرف من النقل المروي لنا؛ لأنَّ خطبهم وصلت بالكتابة ولم تصل بالصوت، في حين إنَّ الوقف والدرج صوتي ولا يعرف من الكتابة.
فيبقى الأمر حسب التشخيص الحدسي، فما كان الوقف فيه ممنوعاً تركناه وما كان فيه جائزاً فعلناه، ولكن لا يبعد أنَّ الأصل في الموارد المشكوكة هو الجواز؛ لأمرين: أماريّ الذي هو التسالم على جواز الوقف مطلقاً أو مهما أمكن. وأصل عملي وهو أصالة عدم المانعية أو استصحاب الصحّة الاقتضائية للقراءة.
إذن يوجد وقف ممنوع. نعم، حسب فهمي لا يوجد وقف لازم، بل يجوز الدرج في أي مكان، وهذا فرقه عن الوقف؛ لأنَّه لا يجوز الوقف في أيّ مكان.
ــــــ[153]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
نعم، قد يكون الدرج أولى وأكثر إيضاحاً للمعنى واللفظ، إلاّ أنَّ الحجّة الشرعيّة في منع الدرج هنا هو كونه مخلاً بالفصاحة بالمعنى الذي ذكرناه. وهذا ما يمكن منعه، ومع الشكّ فيه كبروياً أو صغروياً يجري الأصل المؤمّن.
نعم، يوجد درج مرجوح لدليل خاصّ تعبّدي، مع عدم كونه مخلاً بالفصاحة كالدرج في رؤوس الآي، فإنَّ الوقف مستحب والدرج منهي عنه.
والأساس في ذلك حسب فهمي أنَّها مع الوقف يقف بالسكون جوازاً أو لزوماً فتتشابه رؤوس الآي ويحصل نسق واحد. وأمّا مع التحريك فبعضه منصوب وبعضه مرفوع فيفسد النسق.
إذن نفهم أنَّ العمدة على السكون لا على الوقف، فلو قلنا بلزوم السكون مع الوقف ولزوم التحريك مع الدرج اتحدت القاعدتان مورداً، وأمّا إذا قلنا بجواز التحريك مع الوقف وجواز السكون مع الدرج.
فالمهمّ هو السكون في نهايات الآيات لا الوقف بعنوانه وإنَّما أخذ بعنوانه؛ لأنَّه أمارة غالبة وملازم غالبي للسكون.
[عدم صحّة الصلاة مع الإخلال بالقراءة]
قال المحقّق: «ولا يصحّ الصلاة مع الإخلال ولو بحرف واحد منها عمداً، حتى التشديد، وكذا إعرابها»(1).
وهذا هو الذي قادنا إلى الدخول في تفاصيل التجويد لو صحّ التعبير وقد انتهينا منه.
ــــــ[154]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[في جزئية البسملة للسورة]
ثُمَّ قال: والبسملة آية منها، تجب قراءتها معها.
[في دعوى الإجماع]
قال الهمداني: «(والبسملة جزء منها يجب قراءتها معها) بلا خلاف فيه بيننا على الظاهر، بل وإجماعاً كما عن جماعة نقله، بل الأمر كذلك بالإضافة إلى سائر السور عدا براءة على المشهور، بل لم ينقل عن أحد منّا الخلاف فيه عدا ما ستسمعه من ابن الجنيد، بل عن التذكرة وغيره دعوى إجماعنا عليه، وعن المنتهى نسبته إلى فقهاء أهل البيت»(1).
وهذا بهذا المقدار يكون بالنسبة إلينا إجماعاً منقولاً فليس بحجّة، مضافاً إلى احتمال أن يكون مدركيّاً مستنداً إلى الروايات الآتية. ولكن الذي أعلمه وأفهمه أنَّ الخلاف بيننا وبين العامّة، هو أنَّ العامّة يرون البسملة جزءاً من الفاتحة فقط. والإماميّة يرون البسملة جزءاً من كل سور القرآن عدا براءة.
إذن فالتسالم بين المذاهب موجود على جزئية البسملة من الفاتحة التي هي محل للكلام فعلاً، ولا يحتمل أن لا تكون البسملة جزءاً من أيّة سورة.
وهذا الإجماع من الوضوح بحيث يكون قطعياً بحيث لا يمكن أن يكون مدركياً؛ لأنَّه أكبر من مدركه وأهمّ.
[الاستدلال بالسبع المثاني على جزئية البسملة]
ولا يمكن أن يستدلّ عليه بعنوان كون الحمد هي السبع المثاني، يعني سبع
ــــــ[155]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص120 – 121 – 122، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
آيات، وحيث إنّنا لو أخرجنا البسملة بقيت ست آيات، إذن يتعيّن أن تكون البسملة جزءاً لكي تكون سبعة، لا يتم لعدّة وجوه ممكنة:
أوّلاً: الطعن في أن يكون المراد بالسبع المثاني سورة الحمد، بل ظاهر الآية أنَّها غيرها (السبع المثاني والقرآن العظيم)؛ لأنَّ سورة الحمد من القرآن والتعاطف دليل التباين. إذن يُراد بالسبع المثاني أمر تكويني أو روحي لا نفهمه.
ثانياً: أنَّنا لو قبلنا أنَّ السبع المثاني هي الحمد، ولو بدلالة الروايات الآتية، فمن قال إنَّ المراد بها الآيات؟ والاحتمال دافع للاستدلال، وليس المعنى اللغوي للمثاني هو الآيات. أمّا لماذا سمّيت بذلك فهذا ما سيأتي عند ذكر الأخبار.
ثالثاً: أنَّ كونها ست آيات بدون البسملة يتوقّف على أن تكون الآية الأخيرة تبدأ بقوله: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ لا من قوله: وَلاَ الضَّالِّينَ بحيث تكون آية في نفسها.
وهذا وإن كان مشهورياً ومثبتاً بالمصاحف، إلاّ أنَّنا نعلم أنَّ هناك خلاف في تحديد الآيات أحياناً وهذا منها، وهنا لا نستطيع أن نستدل بكونها سبع مثانٍ.
إذن فالآية الأخيرة واحدة متّصلة؛ لأنَّه يكون مصادرة على الموضوع، أو قل: يلزم الدور، لتوقّف كونها ستاً على السبع المثاني، وتوقّف السبع المثاني على كونها ستاً.
نعم، إذا حصل لنا حدس اطمئناني مستقل بذلك فلا بأس، ولو باعتبار تسالم ــــــ[156]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
المتشرّعة على ذلك.
وإلاّ فصغر الآية لا يعني عدمها كقوله: مُدْهَامَّتَانِ(1) ونحوها وكذلك الحروف المقطّعة، التي تعتبر آية واحدة، وإن كان على خلاف المصحف المشهور عندنا.
[تمامية الدليل بانضمام الروايات]
وعلى أيّة حال فلم يتمّ دليل السبع المثاني على جزئية البسملة للحمد، ما لم نضمّ إليه الروايات الآتية:
1- رواية صفوان قال: «صليت خلف أبي عبد الله أياماً فكان يقرأ في فاتحة الكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها بالقراءة جهر ببسم الله الرحمن الرحيم وأخفى ما سوى ذلك»(2).
وهي دالّة على عمل الإمام وهو مجمل من حيث الدلالة على الجزئية.
2- ورواية محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد الله عن السبع المثاني والقرآن العظيم أهي الفاتحة؟ قال: نعم. قلت: بسم الله الرحمن الرحيم من السبع؟ قال: نعم، هي أفضلهن»(3). ومِنْ التبعيضية تدلّ على الجزئيّة.
3- ورواية الكاهلي قال: «صلّى بنا أبو عبد الله في مسجد بني كاهل فجهر مرتين ببسم الله الرحمن الرحيم وقنت في الفجر وسلم واحدة ممّا يلي القبلة»(4).
ــــــ[157]ـــــــ
(1) الرحمن: 64.
(2) الوسائل: ج6 ص57 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج6 ص57 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج6 ص57 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
تدلّ على الفعل، وهو مجمل من حيث الجزئيّة، ولكن لم يكونوا يتركونها، فينتج الاحتياط بقراءتها.
4- ورواية معاوية بن عمار قال: «قلت لأبي عبد الله إذا قمت للصلاة أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة القرآن؟ قال: نعم. قلت: فإذا قرأت فاتحة القرآن أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مع السورة؟ قال: نعم»(1).
وهي صحيحة، تدلّ على عدم الرجحان تكليفاً، ولا تدلّ على الجزئيّة وضعاً. اللهم إلاّ أنَّنا نفهم أنَّه إشارة إلى المشكلة المعروضة عندئذٍ، فتحمل على الجزئية.
5- ورواية محمد بن زياد وعلي ابن محمد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن بن علي العسكري عن آبائه، عن أمير المؤمنين (في حديث) أنَّه: «قال: بسم الله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب، وهي سبع آيات تمامها بسم الله الرحمن الرحيم»(2) هي نصّ بالجزئية إلاّ أنَّها ضعيفة السند، وكذلك التي بعدها.
6- وروية عيون الأخبار بهذا السند قال: «قيل لأمير المؤمنين أخبرنا عن بسم الله الرحمن الرحيم أهي من فاتحة الكتاب؟ قال: فقال: نعم كان رسول الله يقرأها ويعدّها آية منها، ويقول فاتحة الكتاب هي السبع المثاني»(3).
7- ورواية المفضل عن الصادق  في حديث أنه قال: «بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ دَرَجَاتِ الجَنَّةِ عَلَى عَدَدِ آيَاتِ الْقُرْآنِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لِقَارِئِ الْقُرْآنِ، اقْرَأْ ــــــ[158]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص58 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص58 ح9، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج6 ص58 ح10، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وارْقَ فَكُلَّمَا قَرَأَ آيَةً يَرْقَى دَرَجَةً»(1).
[وجه الدلالة في الرواية الخامسة]
والمقصود من تمامها في الرواية الخامسة أجمعها أو بدونها تكون ناقصة.
إلاّ أنَّه يبدو منها أنَّ المشكلة المعروضة بين الخاصّة والعامّة هي جزئيّة البسملة للحمد وعدمها، مع أنَّنا قلنا إنَّ هذه الجزئيّة متسالم على صحّتها وإنَّما الخلاف في غيرها، ولا يحتمل أن لا تكون البسملة جزءاً من أيّة سورة، ولربما قالوا: إنَّها جزء من سورة النحل فقط، وهناك منهم من يتركها في الصلاة، وهو دليل على عدم الجزئيّة.
قلنا: هذا معقول في نفسه، ولكن مع ذلك يمكن أن يجاب:
1- إنَّ القول بعدم الجزئيّة عندهم نادر، ويلتزم به المتعصّبون فقط، وهو سلوك غير مرضٍ به للمشهور عندهم.
2- إنَّ هنا فرق بين الجزئيّة وجواز الترك، وما صحّ عنهم هو جواز الترك، فلعلّه كان ملازماً مع الجزئيّة، يعني: أنَّهم يرون تركه حتّى لو كان جزءاً ومتسالم على جزئيته.
[الكلام حول مادة (ثُنِيَ) في الرواية الثانية]
وفيما يخصّ الرواية الثانية فإنَّ: مادّة ثني غير موجودة في مجمع البحرين؛ لأنَّه يرتّب الكلمات بالحروف الأخيرة من الثلاثي، وليس فيه الواو والياء إطلاقاً.
ــــــ[159]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص190 ح10، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وأمّا الراغب في المفردات فقد أسهب عن ذلك فقال: «وسمّيت سور القرآن مثاني(1) في قوله عزّ وجلّ: ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ المَثانِي(2) لأنَّها تُثنّى على مرور الأوقات وتكرّر، فلا تدرس ولا تنقطع دروس سائر الأشياء التي تضمحل وتبطل على مرور الأيام، وعلى ذلك قوله تعالى: الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ(3)(4) ويصحّ أنَّه قيل للقرآن: مثاني(5) لما يثنّى ويتجدّد حالاً بعد حال من فوائده… ويصحّ أن يكون ذلك من الثناء تشبيهاً على أنَّه أبداً يظهر منه ما يدعو إلى الثناء عليه، وعلى من يتلوه ويعلمه ويعمل به»(6).
أقول: ويمكن أن يكون وجهه ما قاله الفلاسفة(7) من: أنَّ كلَّ ممكن زوج تركيبي، أي: مركّب من ماهيّة ووجود أو من ظاهر وباطن أو من عالم الاستقلال وعالم الفناء، ومن جملة الممكنات القرآن الكريم، فكلّه اثنين بهذا المعنى. وكلّ أبعاضه أيضا اثنين، وكلّ ممكن مركّب أيضاً كذلك. كلّه وأبعاضه أيضاً اثنين، وهذا واضح في قوله تعالى: الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ، فجعل مصداق المثاني هو كلّ القرآن.
ــــــ[160]ـــــــ
(1) نفسر المثاني بالسور لا بالآيات؛ لأنَّها صفة محذوفة الموصوف.
(2) الحجر: 87.
(3) الزمر: 23.
(4) وهنا أوضح بإرادة السورة؛ لأنَّ النسبة إلى القرآن لا إلى سورة بعينها.
(5) وهنا الموصوف القرآن.
(6) المفردات في غريب القرآن: 179، ط دار القلم، دمشق.
(7) لاحظ نهاية الحكمة: ج1 ص57، ط جماعة مدرسين.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وأمّا قوله تعالى: سَبْعاً مِنَ المَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ(1) فإن فهمنا عطف العامّ على الخاصّ، أمكن القول بأنَّ المراد بها بعض القرآن. وأدلى ما يكون مقصوداً لله هو سورة الحمد.
كما يمكن أن يُراد الإشارة إلى سبع سور مهمة من القرآن، تكون هي بعضه، أو سبع سور كلّيّة مندرجة في ضمنه كالكلّي في العين.
وبهذا المعنى يمكن تطبيقه على كلّ السور على وجه البدل، كما قلنا في الإيهام الإثباتي، في قوله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى(2).
وأمّا إذا فهمنا من التعاطف التباين فمعناه: أنَّ السبع المثاني ليست من القرآن، وحيث إنَّ سورة الحمد منه (رسماً)، فهي ليست مرادة بالسبع المثاني، وإنَّما يُراد بها نعم أُخرى غير القرآن أعطيت للنبي وهي سبع، وهي أيضاً مثانٍ، بأي معنى من معانيه، أي: توجب الثناء أو أنَّها زوج تركيبي؛ لأنَّها من عالم الإمكان.
وعلى أي حال، فلا يتعيّن من ناحية لغويّة إطلاقاً أن يُراد بالمثاني الآيات، ولا تتعيّن لفظ السبع قرينة عليه؛ لأنَّها إنَّما هي وصف للمثاني، فكلّما قصد من المثاني قصد من السبع وبالعكس، باعتبارهما لفظين مستقلين(3) وموصوفهما واحد.
[مناسبة تسميتها بالسبع المثاني]
وقيل(4): إنَّها سمّيت بذلك؛ لأنَّها نزلت مرتّين أو لأنَّها تقرأ في الصلاة مرتين.
ــــــ[161]ـــــــ
(1) الحجر: 87.
(2) البقرة: 238.
(3) تراجع صورة: 588.
(4) لاحظ: التبيان في تفسير القرآن: ج1 ص303 – 304 ط جماعة مدرسين.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وجوابه:
1- إنَّ هذا رأي في طول القرآن فلا نأخذ به.
2- إنَّها مثنى واحد، وليست متعدّدة، وأمّا إذا قصدت الآيات، فكثير من الآيات نزلت مرّتين وأكثر.
[إلفات نظر]
نعم، من حقّ السنّة الشريفة الصحيحة أن تفسّر القرآن الكريم، بأنَّ تفسر السبع المثاني بسورة الحمد، وهذا ما حصل، ولكنّنا ينبغي أن نلتفت إلى أمرين:
الأمر الأوّل: أنَّه ورد أنَّ للقرآن ظاهراً وباطناً وأنَّ له سبعة بطون. يعني: أنَّه لا يُراد به معنى واحد، بل عدّة معاني متعدّدة في الرتبة، فإذا صحّ تفسيرها بسورة الحمد، فهذا تعبير عن أحد تلك المراتب، وقد يكون أنَّنا إذا تعمّقنا أكثر فإنَّه يتغيّر المعنى.
لا يُقال: إنَّ المعصومين أخبرونا فيتعيّن.
فإنَّه يُقال: إنَّهم إنَّما يتكلّمون على قدر عقولنا وبقدر المصلحة.
الأمر الثاني: أنَّنا فهمنا من السبع المثاني معنى كلّيّاً، هو ما يثنّى عليه أو ما تتجّدد فوائده أو ما يكون زوجاً تركيبياً، فتكون سورة الحمد من مصاديقه، كما أنَّ كلّ القرآن من مصاديقه.
وليس هو المعنى المنحصر للسبع المثاني، بل تكون هذه الأخبار من أخبار الجري، يجري في الناس كمجرى الشمس والقمر؛ لأنَّها إنَّما تعطي أحد المصاديق أو أهم المصاديق، وليس ذلك هو المعنى الوحيد والمنحصر.
ولكن لو قبلنا أنَّ المراد سورة الحمد بعينها ولو تنزّلاً، فهل نفهم من السبع:
ــــــ[162]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
سبع آيات؟! كلا. وإنَّما المراد: أنَّ سورة الحمد تتّصف بكونها السبع المثاني، من جهات وحيثيات يعلمها الله سبحانه، كما لو كان لمجموعها سبع فوائد رئيسية ونحو ذلك. وهذا ليس على نحو الحصر، بل على نحو التقريب.
نعم، قد يُقال: إنَّ الروايات المعتبرة دالّة على أنَّ المراد بالسبع: سبع آيات، من قبيل الرواية الثانية المتقدّمة، وفيها: «قلت: بسم الله الرحمن الرحيم من السبع؟ قال: نعم، هي أفضلهن»(1).
فإن قلت: فإنَّ غاية ما يدلّ عليه هو اعتقاد الراوي بذلك.
قلنا: نعم، ولكن أمضاه الإمام، إلاّ أن يكون الإمضاء ممنوعاً باعتبار كلّموا الناس على عقولهم. أو أنَّ هذه مشكلة غير مندرجة في السؤال لا حاجة الآن إلى وضعها، فيكون بمنزلة الإقرار المؤقّت لا الإقرار المطلق ليكون حجّة.
مضافاً إلى شيء آخر ذكرناه قبل قليل، وهو أنَّ الآيات إن كانت مرادة فهي حصّة من الكلّي وليست كلّ المعنى وإقرار الإمام لا يُراد به أكثر من ذلك.
كما أشرنا إلى أنَّ هذا الرقم لا يُراد به التحديد الحقيقي، فهو لا ينافي أن تكون الآيات أكثر قليلاً، كثمان أو تسع مثلاً، وبالتالي لا يمكن أن نستدلّ بهذا الرقم في الآية الشريفة على كون سورة الحمد مكوّنة من سبع آيات فقط.
[الروايات الدالة على عدم جزئية البسملة من الحمد]
أمّا الروايات التي تدلّ على عدم جزئيّة البسملة من الحمد هي:
1- رواية مسمع البصري قال: «صليت مع أبي عبد الله فقرأ بسم الله
ــــــ[163]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص57 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، ثُمَّ قرأ السورة التي بعد الحمد ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثُمَّ قام في الثانية فقرأ الحمد ولم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم، ثُمَّ قرأ بسورة أخرى»(1).
2- رواية محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد الله عن الرجل يكون إماماً يستفتح بالحمد ولا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. فقال: لا يضرّه ولا بأس به»(2).
3- رواية محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد الله عن السبع المثاني والقرآن العظيم أهي الفاتحة؟ قال: نعم. قلت: بسم الله الرحمن الرحيم من السبع؟ قال: نعم، هي أفضلهن»(3).
4- رواية يوسف بن محمد بن زياد وعلي ابن محمد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن بن علي العسكري عن آبائه، عن أمير المؤمنين أنَّه: قال: «بسم الله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب، وهي سبع آيات تمامها بسم الله الرحمن الرحيم»(4) هي نصّ بالجزئية إلاّ أنَّها ضعيفة السند، وكذلك التي بعدها.
5- روية (عيون الأخبار) بهذا السند قال: قيل لأمير المؤمنين أخبرنا عن بسم الله الرحمن الرحيم أهي من فاتحة الكتاب؟ قال: فقال: نعم كان رسول
ــــــ[164]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص62 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص62 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج6 ص57 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج6 ص59ح9، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الله يقرأها ويعدّها آية منها، ويقول فاتحة الكتاب هي السبع المثاني»(1).
ولكنّها على أيّ حال تدلّ على أنَّ البسملة جزء منها، في حدود إقرار الإمام، إمّا الإقرار المطلق، أو المؤقّت، كما أشرنا سابقاً.
وكذلك الباب 14 منه خصوصاً الروايتان الأولى والثانية التي تقدّمت قبل قليل والطعن سنداً ودلالةً.
[كلام في جزئية البسملة من كل سورة]
يبقى الاستدلال على أنَّ البسملة جزء من كل السور.
والاستدلال على ذلك ينبغي أن يكون بدليل لبُّي، كالتسالم على ذلك بين أهل المذهب، أو إجماع علمائنا الذي يُعرف ضمناً أو بالارتكاز المتشرعي، ونحو ذلك. وهذا ثابت في الجملة بلا إشكال.
وأمّا إذا التفتنا إلى الأخبار نجدها أنَّها صدرت في جو تقيّة مكثفة، فلا يكاد يتحصّل منها شيء، ويمكن تقسيمها إلى طائفتين: إحداها دالّة على الجزئيّة، والأُخرى دالّة على عدمها.
[ما دل على الجزئية من الروايات]
فمن قبيل:
1- رواية يحيى بن أبي عمران، قال: «كتبت إلى أبي جعفر جعلت فداك! ما تقول في رجل ابتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاته وحده في أم الكتاب، فلمّا صار إلى غير أم الكتاب من السورة تركها؟ فقال العباسي: ليس بذلك بأس،
ــــــ[165]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص59 ح10، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
فكتب بخطّه يعيدها مرّتين على رغم أنفه يعني العباسي»(1) وواضح منها أنَّها في تقيّة مكثّفة، وفي طول ذلك يمكن أن نفهم منها الجزئيّة، إلاّ أنَّها غير تامّة سنداً.
2- رواية هارون عن أبي عبد الله قال: «قال لي: كتموا بسم الله الرحمن الرحيم، فنعم والله الأسماء كتموها»(2) وهي مطلقة لكل السور إلاّ أنَّها غير تامة سنداً.
فليس هناك رواية تامّة سنداً ودلالة تدل على الجزئية.
[ما دل على عدم الجزئية من الروايات]
وأمّا المعارضة فعديدة، ولعلّ بعضها تامّ السند من قبيل:
1- رواية محمد بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله: «أنَّهما سألاه عمّن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حين يريد يقرأ فاتحة الكتاب. قال: نعم، إن شاء سراً وإن شاء جهراً، فقالا: أفيقرأها مع السورة الأخرى؟ فقال: لا»(3).
2- رواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر قال: «سألته عن الرجل يفتتح القراءة في الصلاة أو يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: نعم، إذا استفتح الصلاة فليقلها في أول ما يفتتح، ثُمَّ يكفيه ما بعد ذلك»(4).
3- رواية مسمع البصري قال: «صليت مع أبي عبد الله فقرأ بسم الله
ــــــ[166]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص58ح6، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص58 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج6 ص61 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، ثُمَّ قرأ السورة التي بعد الحمد ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثُمَّ قام في الثانية فقرأ الحمد ولم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم، ثُمَّ قرأ بسورة أخرى»(1).
4- رواية محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد الله عن الرجل يكون إماماً يستفتح بالحمد ولا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. فقال: لا يضرّه ولا بأس به»(2).
إلاّ أنَّ كلّها محمول على التقيّة ولو احتمالاً، ولكن الاحتمال الآخر وهو المطابقة للواقع موجود أيضاً، فالمنقول عن الأئمّة ليس فيه وضوحٌ في الجزئيّة وعدمها.
ولكن هذا التسالم الارتكازي موجود أيضاً وإن لم يكن بوضوح الحمد، وهو موروث من المعصومين، وهو يدلّ على أنَّهم قالوا في المحافل الخاصّة بالجزئيّة، ولكن لم يُنقل من باب التقيّة. ولا تعارضه هذه الأخبار الدالّة على العدم؛ لأنَّها من باب التقيّة، وأمّا إجماعهم على عدم الجزئيّة فلا قيمة له.
[وجوب قراءة البسملة مع الحمد]
قال المحقّق: «وَالْبَسْمَلَةُ جزء مِنْهَا، تَجِبُ قِرَاءَتُهَا مَعَاً»(3) باعتبارها جزءاً؛ لأنَّ حذف الجزء يؤدي إلى البطلان.
ــــــ[167]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص62 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص62 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
(3) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
إلاّ أنَّ هذا في صورة العلم والعمد، وأمَّا في غيره فلا تبطل الصلاة قطعاً؛ لعدم وجود إطلاق شامل لهذه الصورة؛ ولأنَّها جزء غير ركني لا تبطل الصلاة بحذفه جهلاً أو نسياناً.
وأمَّا جواز حذفه تقيّة فهو نصّ تلك الروايات، وبعضها معتبر السند كما سبق، مضافاً إلى روايات التقيّة التي بعضها معتبر السند، إذا ضممناها بعدم سقوط الصلاة بتعذّر الجزء، وإنَّما يبقى الباقي واجباً.
[الكلام في ترجمة الفاتحة]
ثُمَّ قال المحقّق: «وَلا يُجْزِي المُصَلِّي تَرْجَمَتُهَا»(1).
قال الهمداني في التعليق على ذلك: «(ولا يجزي المصلي) عن الفاتحة (ترجمتها) ولو بالعربية(2) فضلاً عن الفارسية اختياراً بلا شبهة، فإنَّ ترجمتها ليست عين فاتحة الكتاب المأمور بقراءتها كي تكون مجزية»(3).
أقول: لأنَّه يكذب الحمل ويصحّ السلب، وعدم مطابقة المأتي للموحى به، والمطابقة يجب أن تكون من جميع الجهات لا من حيث المعنى فقط.
هذا في حال الاختيار، كما أشار الهمداني أيضاً، وأمّا في حال الاضطرار فقد نقل في طبعة البقّال للشرائع عن الشيخ علي في الهامش(4) قوله:
ــــــ[168]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) يعني بالمرادف لو أمكن، (منه).
(3) مصباح الفقيه: ج12 ص126، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الشرائع ج1 ص96 التعليقة رقم 4 ط محمد علي البقال.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
اختياراً واضطراراً، وهذا هو مقتضى القاعدة الأوّليّة؛ لعدم وجود الدليل على الجزئيّة للفرد الآخر حتى في حال الاضطرار، فيكون مقتضى القاعدة سقوط الحمد مطلقاً.
إلاّ أنَّ هذا خلاف المشهور على ما أعتقد، فإنَّ المشهور يطبّق قاعدة أُخرى لعلّها أوفق بالاحتياط، وهو أنَّ ما يسقط هو بمقدار المتعذّر، وما هو ممكن لا يسقط. والمتعذّر في فرض المسألة هو اللفظ لا المعنى فيسقط اللفظ ويبقى المعنى واجباً عل المكلّف بلفظ آخر عربي أو عربي، وقلنا أنَّه أوفق بالاحتياط حفاظاً على المعنى.
إلاّ أنَّه لا يتمّ لا كبرى ولا صغرى:
أمّا صغرى، فلعدم إمكان الحفاظ على المعنى تماماً، بل هو يتخيّر قطعاً حتى قيل(1): كل مترجم خائن.
نعم، لو أُريد الحفاظ على بعض المعنى مهما قل أمكن القول بالوجوب، إلاّ أنَّنا عندئذٍ نكون قد أزدنا ألفاظ كثيرة غير قرآنيّة، ومعاني كثيرة غير قرآنيّة لحفظ قسم قليل من معاني القرآن ومفرداته تصوّراً، وهذا ممّا لا يجب قطعاً.
وأمّا كبرى، فلعدم وجوب حفظ المعنى مع تعذّر اللفظ، فإنَّ ما هو الواجب
ــــــ[169]ـــــــ
(1) مثل إيطالي مشهور، يقول الإيطاليون: (إن تكون مترجما فأنت خائن)، ويقصدون هنا (الخيانة الجمالية) للنص الأصلي عندما ينقل إلى لغة أخرى تتطلب تدخل المترجم، حتى لو أدى ذلك إلى بعض التنازلات المقبولة عن خصاص النص الأصلي، وبما لا يخل بجوهر المحتوى الدلالي للنص في لغته الأصلية.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
هو قراءة الحمد أو قراءة القرآن المتمثّل بالحمد. أمّا معاني القرآن فليست هي قرآن بالحمل الشايع، ولا هي سورة الحمد بالحمل الشايع، فإذا تعذّر اللفظ تعذّرت سورة الحمد وتعذّر القرآن عرفاً. وإن أمكنت معانيه -فرضاً- أو بعضها.
إلاّ أنَّ هذا لا ينافي الاحتياط في الإتيان بترجمتها مع الإمكان، والأحوط اختيار الترجمة الدقيقة جدّاً، وليكن هذا الاحتياط وجوبياً حفاظاً على المعنى.
[مع تعذر الفاتحة يقرأ من سائر القرآن بقدرها]
وفي مقابل احتمال الترجمة احتمال آخر وهو: أنَّه عند تعذّر الفاتحة يقرأ ما تيسّر له من سائر القرآن بقدرها، إمّا زماناً وإمّا بالكلمات، وإمّا بالحروف.
وهذا أيضاً يمكن توجيهه بأن يقال: إنَّ الحمد لها صفتان: إحداهما: بمنزلة الكلّي والجنس والآخر بمنزلة الفصل، والجنس: أنَّها قرآن، والفصل: أنَّها فاتحة الكتاب. فإذا سقط الفصل للتعذّر بقي الجنس مع فرض إمكانه وهو أصل القرآنيّة.
إلاّ أنَّه يجاب بسنخ الجواب السابق في الترقية وهو: أنَّ المطلوب هو خصوص الفاتحة أو قل الجنس المقيّد بالفصل لا الجنس وحده، وهذا أصبح في علم الأُصول الحديث من الضروريات مثل كون القضاء بأمر جديد لسقوط الأمر الأدائي بجنسه وفصله، وكذلك إذا سقط الأمر بالوجوب لم يبق الاستحباب ولا جامع المطلوبية؛ باعتبار كونه جنساً وهكذا.
ومعه فمقتضى القاعدة الأوّليّة هو السقوط بدون تعويض قرآني، إلاّ أنَّه مع
ــــــ[170]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ذلك يمكن القول: أنَّه أوفق بالاحتياط إلاّ أنَّه ينبغي أن يكون هنا استحبابياً، بخلاف الترجمة. فإنَّ المعاني كانت جزءاً من اللفظ عرفاً، فكانت المحافظة عليها محافظة على جزء الفاتحة، وأمّا القرآن الآخر -لو صحّ التعبير- فهو مباين لسورة الفاتحة عرفاً ولفظاً ومعنى ولا يشترك إلاّ بكليّ القرآنية فيكون الاحتياط استحبابياً.
ومن هنا يظهر أنَّه لو دار الأمر بين التعويضين وهما الترجمة الدقيقة أو القرآن الآخر، كانت الترجمة أولى، بل أسبق رتبة؛ لأنَّ جزئية المعاني أوضح من جزئية الجنس وهو أصل القرآنيّة عرفاً.
[في ملازمة السورة للحمد ثبوتاً وسقوطاً]
وهنا فرع لم أجد من تعرّض له، وهو مترتّب على تعذّر سورة الحمد، بحيث تسقط بدون تعويض؛ لتعذّر التعويض أو لأنَّنا نذهب إلى عدم وجوبه. فهل تجب السورة عندئذٍ مع إمكانها أم لا؟ بمعنى أنَّها ملازمة معها ثبوتاً وسقوطاً.
هذا راجع إلى نحو الاستفادة من دليلها، فإن كان له إطلاق حتى لهذه الصورة فلا إشكال في ثبوته، بحيث يثبت به قراءة سورة في الركعتين الأوليتين غير الحمد سواء قرأ الحمد أم لم يقرأها، فلو تركها عصياناً أو نسياناً أو اضطراراً وجبت السورة.
وهذا هو الأوفق بالاحتياط بلا إشكال إلاّ أنَّ الكلام في الأمارة لا في الاحتياط.
ــــــ[171]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
والدليل إمّا أن يكون لفظياً أو لبّياً.
أمّا إذا كان لبّياً فواضح أنَّه لا إطلاق له، مضافاً إلى أنَّ محصّله هو قراءة سورة بعد الفاتحة – كما يعبّرون- وهذا لا يصدق على السورة دون الفاتحة، ولم يقولوا أنَّه يقرأ سورة غير الفاتحة.
وأمّا إذا كان لفظياً فانصرافه إلى ذلك أعني السورة التي قبلها فاتحة، كما هو الحال في الأعم الأغلب جدّاً من الحالات، فينصرف إليها ولا يكون له إطلاق لمثل ما هو موضوع الكلام وهو السورة وحدها فتكون مجرى للأصل المؤمّن.
وإنَّما قلت في المنهج بالاحتياط الوجوبي في قراءة السورة وليس بالفتوى لقصور الأدلّة عن ذلك وعدم إمكان القول باستحبابها أو الاحتياط الاستحبابي للسيرة والإجماع المنقول.
فهنا نستطيع أن نضمّ قاعدة تقول: إنَّ كلّ ما ثبت بنحو الاحتياط الوجوبي إذا انضم إليه مورد آخر للشك كان بنحو الاحتياط الاستحبابي.
ومورد الكلام فيه للشك في قراءة السورة وحدها، وهو خارج القدر المتيقّن من موارد وجوبها، ولا إطلاق في الأدلّة اللفظية، وإلاّ لانتقل الحال إلى الفتوى ولم نقتصر إلى الاحتياط. فتكون القراءة بنحو الاحتياط الاستحبابي.
نعم، لو قلنا بوجوب السورة بالفتوى أمكن القول هنا بكونها بنحو الاحتياط الوجوبي، وإذا كان للأدلّة إطلاقاً أمكن القول بوجوبها بالفتوى حتى بدون الحمد. وأمّا إذا أفتى الفقيه باستحباب السورة أو بنحو الاحتياط الاستحبابي فسقوطها بسقوط الحمد أولى.
ــــــ[172]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
نعم، يبقى الاحتياط الاستحبابي بالإتيان بها بشكل أضعف متحقّقاً.
[وجوب الترتيب بين الكلمات]
ثُمَّ قال المحقّق: «وَيَجِبُ تَرْتِيبُ كَلِمَاتِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْقُولِ فَلَوْ خَالَفَ عَمْدًا أَعَادَ الصلاة»(1).
لعدم مطابقة المأتي به للموحى به فيبطل، ولكن هذا لو خالف كل القراءات، وأمّا إذا كانت قراءته مطابقة لواحدة منها، وإن خالفت المشهور جاز، على القول بحجّيّة القراءات كما هو المشهور.
والمهمّ أنَّه أسقط مسألة القراءات في هذه العبارة، وهو أمر لا يكاد يعذر فيه. ونحن تكلّمنا فيما سبق عن ذلك مُفصَّلاً فلا نعيد.
[في استئناف القراءة الخاطئة قبل الركوع]
قال: «وَإِنْ كَانَ نَاسِياً، اسْتَأْنَفَ الْقِرَاءَةَ مَا لَمْ يَرْكَعْ»(2).
يعني: أعاد ما يظن أنَّه خطأ، وهذا في النسيان واضح؛ لأنَّ الجزء الخاطئ جزء غير ركني فلا يضر زيادته نسياناً أو جهلاً ونحو ذلك. ولا أقلّ أنَّه يجري عنه أصالة عدم المانعية.
وإنَّما الكلام في العمد، فقد يُقال: إنَّ الأمر أيضاً كذلك فإنَّه إن أعاد صحّت قراءته وصلاته مع أنَّ المحقّق والمشهور أفتوا ببطلان الصلاة فوراً. ويمكن أن
ــــــ[173]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) المصدر السابق.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
يُقال في مقابله: إنَّ هذا العامد للقراءة الباطلة، هل قصد الجزئيّة بهذه القراءة أم لا؟ فإن لم يقصدها بها فلا إشكال من صحّة صلاته في نفسها من هذه الناحية، وإن أثم في تحريف القرآن الكريم. غاية الأمر أنَّه يجب عليه إعادتها صحيحة مع حفظ الموالاة، وتصحّ صلاته.
وأمّا إذا نوى الجزئية فقد تكوّنت صلاته من جزء باطل فتبطل فوراً؛ لأنَّه من قبيل التشريع المحرّم فتقع الصلاة منهياً عنها فتبطل. ومعنى ذلك أنَّها غير قابلة للتدارك حتى لو تاب وأراد الإعادة.
إلاّ أنَّه يمكن أن يُقال: إنَّه وإن أثم إلاّ أنَّ الكون الصلاتي مستصحب الصحّة، فيكون هناك مجال للإعادة التصحيح، إلاّ أنَّ هذا فرع أن لا يكون قد قصد الجزئيّة عمداً تشريعاً وإلاّ بطلت، فإنَّه لا ملازمة بين العمدين: العمد إلى التحريف والعمد بالجزئيّة فإن كانا متحقّقين بطلت بلا إشكال وإن تحقّق الأوّل دون الثاني، أمكن القول بصحّتها بالإعادة والتصحيح.
ثُمَّ قال المحقّق: «وَإِنْ كَانَ نَاسِياً، اسْتَأْنَفَ الْقِرَاءَةَ مَا لَمْ يَرْكَعْ فإِنْ رَكَعَ مَضَى فِي صَلاتِهِ -وَلَوْ ذَكَرَ-»(1).
قال الهمداني: «إجماعاً كما ادعاه في الجواهر؛ لعموم قوله لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الحديث مضافاً إلى فحوى ما دلّ على عدم بطلان الصلاة بترك الفاتحة سهواً ولا بزيادة الكلام كذلك»(2).
ــــــ[174]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص126، ط مؤسسة آل البيت.بيان الفقه ج6، محمد الصدر
أقول: والإجماع المذكور واضح المدركيّة بل مشار إلى مدركه في نفس العبارة، وهي رواية لا تعاد، ونحن لا نحتاج إليه؛ لأنَّ التمسّك بلا تعاد كافٍ لأنَّ هذا ليس من الخمسة.
والفحوى المذكورة أيضاً صحيحة وهي الأولويّة؛ لأنَّ ترك الفاتحة كلّها سهواً أو نسياناً غير مبطل، فكيف ببعضها.
فإن قلت: فإنَّ الكلام ليس في نسيان بعضها، بل في تحريفه. والتقديم والتأخير.
قلنا: هذا لا يكون أسوأ من عدم الفاتحة أصلاً. فكأنَّه لم يقرأ الفاتحة نسياناً ولا شيء عليه بعد الخروج من محلّ التدارك بالدخول بالركن.
وكذلك ما دلّ على عدم بطلان الصلاة، بزيادة الكلام نسياناً أو سهواً، كما أشار الهمداني(1)، فإنَّ هذا المورد أولى بالصحّة؛ لأنَّه ليس من القدر المتيقّن من الكلام المبطل.
[في وجوب التعلم قبل دخول الوقت]
ثُمَّ قال المحقّق: «وَمَنْ لا يُحْسِنُهَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعَلُّمُ»(2).
وقال الهمداني: «ولو قبل دخول الوقت لدى العلم بعدم التمكّن منه بعده»(3).
ــــــ[175]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(3) مصباح الفقيه: ج12 ص127، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
أقول: للبرهنة على وجوب المقدّمات المفوّتة مطلقاً في علم الأُصول، وهذا مصداق منها.
وأمّا إذا قلنا -كما رجّحناه هناك- أنَّ مقتضى القاعدة عدم وجوب المقدّمات المفوّتة إلاّ ما دلّ الدليل الشرعي على وجوبه كالسفر إلى الحجّ فإنَّ مقتضى السيرة وجوبه. وأمّا بدون الدليل الخارجي فمقتضى القاعدة جواز إهمال المقدّمة المفوّتة والعمل في داخل الوقت حسب التكليف الفعلي المطلوب.
ويمكن بيان تفصيل آخر: وهو أنَّ المقدّمات المفوّتة قد تكون دائمة وملازمة للتكليف كالغسل قبل الفجر، وقد تكون طارئة كما لو بالعجز عن التعلّم داخل الوقت، فيُقال بوجوبها في الأوّل مستفاداً من نفس دليل الشرطيّة، وبعدم وجوبها في الثاني إلاّ ما دلّ الدليل على وجوبه بخصوصه. والمورد من هذا القبيل الثاني.
فإن قلت: فإنَّه دلّ الدليل على وجوب التعلّم بالمطلقات، وهو شامل لما قبل الوقت ولما بعده.
قلنا: فيه وجهان: فإمّا أن نقبله على إطلاقه لما قبل الوقت، فيكون ممّا دلّ الدليل عليه بخصوصه أي التعلم، كما عمل به المشهور.
[نفي الوجوب]
وإمّا أن ننفي ذلك بأحد تقريبين:
التقريب الأوّل: أنَّ التعلّم كسائر المقدّمات ولا يحتمل أن يكون أهم منها. والمدار في سائر المقدّمات هو سعة الوقت فقط دون النظر إلى الموانع الأُخرى، فإن كان العجز من غير سعة الوقت لم يجب قبله.
ــــــ[176]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
التقريب الثاني: أنَّ وجوب التعلّم طريقيّ، وليس ذاتياً كسائر المقدّمات، كالطهارات الثلاث مثلاً، ومقتضى الطريقيّة هو النظر إلى ذي الطريق. وإذا نظرنا إليه وجدناه معذوراً في الوقت لفرض العجز، ومع عدم وجوب ذي الطريق كيف يجب الطريق؟
وذلك مثل الأمر بالمعروف، فمن يجهل وجوب القراءة مثلاً تصحّ صلاته في ظرف جهله، ولا يجب أمره بالمعروف بإرشاده إلى وجوب القراءة؛ لأنَّه طريقيّ، وذو الطريق غير منجّز عليه. وأن يكون منجّزاً عليه في طول الطريق أي: إنجاز التعلّم أو إنجاز الأمر بالمعروف، وهو غير واجب.
إلاّ أن كلا الوجهين قابلان للمناقشة.
أمّا الأوّل: فلا يبعد أن يكون التعلّم أهمّ بالارتكاز المتشرّعي من سائر المقدّمات، سواء الطريقيّة منها أو الذاتيّة، بل حتى أهمّ من الوقت نفسه، الذي يعتبر أهمّ القيود على الإطلاق.
وأمّا الثاني: فلأنَّ مقتضى القاعدة وإن كان كذلك، إلاّ أنَّها قاعدة اقتضائية على أي حال، قابلة بطرو المانع عليها بالدليل الدالّ على وجوب التعلّم ولو بالإطلاق قبل الوقت. ولا أقلّ أنَّه ينتج الاحتياط الوجوبي للتعلّم وخاصّة بعد ضمّ الإطلاق إلى الارتكاز والإجماع ونحوه.
إذ من الصحيح ما قاله المحقّق(1): «أنَّ من لا يحسن الفاتحة يجب عليه التعلّم»، وما قاله الهمداني(2) من: «أنَّ هذا الوجوب شامل لما قبل الوقت، وليس هذا خاصّاً
ــــــ[177]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص96 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) لاحظ: مصباح الفقيه: ج12 ص127، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
بالفاتحة، بل شامل لكل أجزاء الصلاة وشرائطها ومقدّماتها»، أعني: من حيث التعلّم.
[هل الواجب تعييني أو تخيري؟]
ثُمَّ قال الشيخ الهمداني: «وربّما استظهر من إطلاق المتن وغيره، كون التعلّم واجباً عينياً لا تخييرياً بينه وبين الأئتمام أو متابعة الغير في القراءة. وقد قوّاه في الجواهر بعد أن حكى عن كاشف الغطاء التصريح به، وفرّع عليه أنَّه لو تركه في السعة وائتم أثِمَ وصحّت صلاته»(1).
ثُمَّ تابع قائلاً: «ولا يخفى عليك أنَّ هذا إنَّما يتّجه لو قيل بكون التعلّم واجباً نفسياً، وهو ليس كذلك؛ إذ لا دليل عليه، وإنَّما أوجبناه مقدّمة للقراءة الواجبة في الصلاة، فمتى فُرض قدرته على الإتيان بصلاة صحيحة مبرئة للذمة بدون تعلّم القراءة، بان يأتم بغيره لا يتعيّن عليه تعلمها»(2).
إلى أن قال: «وكيف كان، فمقتضى الأصل عدم وجوب التعلّم عيناً إلاّ إذا امتنع الخروج عن عهدة التكليف بالصلاة بدونه. وإلاّ فالواجب هو القدر المشترك (الجامع) بينه وبين غيره ممّا يتمكّن معه من الخروج عن عهدة الواجب لا خصوص شيء منها بعينه»(3).
لطريقيّة التعلّم وأنَّ المهم شرعاً هو الإتيان بصلاة صحيحة والمفروض قدرته على الإتيان بها.
ــــــ[178]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص127، ط مؤسسة آل البيت.
(2) المصدر السابق.
(3) مصباح الفقيه: ج12 ص128، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ثُمَّ قال: «وإطلاق حكم الأصحاب بوجوبه (يعني التعلّم) إنَّما هو بالنظر إلى ما هو تكليفه من حيث هو، فهو مصروف عن فرض القدرة على الائتمام، أي: غير ملحوظ من هذه الجهة»(1).
لأنَّ الإجماع دليل لبّي وليس له إطلاق كما ليس له انصراف فيقتصر منه على القدر المتيقّن، وهو صورة العجز عن الائتمام ونحوه.
[إشكال وجواب]
وهناك إشكال رئيسي على وجوب الائتمام ونحوه أشار إليه الهمداني(2) وهو كونه باختيار الغير وهو خارج عن اختيار المصلّي نفسه، والتكليف بغير المقدور مستحيل.
وجوابه: من عدّة وجوه:
أولاً: النقض بالتعلّم نفسه، فإنَّه أيضاً بفعل الغير.
ثانياً: أنَّه في إمكان الشارع اعتبار فعل الغير مفروض الوجود كوجود صلاة جماعة موجودة فيلتحق بها المصلّي، أو مفروض الرضا والقناعة، وغاية ما على المصلّي هو الطلب والإقناع لا غير.
ثالثاً: أنَّه في إمكان الشارع أن يوجب على الغير قضاء حاجة المؤمن من هذه الناحية، فكلّ من طلب منه التعلّم وجب عليه التعليم، وكلّ من طلب منه الائتمام وجب عليه التسبيب إلى ذلك، وكلّ من طلب منه القراءة له للمتابعة وجب وهكذا. وهذا لا يبعد ثبوته مع التمكّن والقدرة.
ــــــ[179]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص128، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وقد أجاب الشيخ الهمداني بجوابين آخرين نعرضهما بغضّ النظر عمّا أجبناه والتنزّل عنه، ولا يخفى أنَّه مع التنزّل عنه يُجعل مورد للاستحالة. يعني: يجب على المأموم إقامة صلاة الإمام أو يجب عليه أن يقرأ له (زيد) ليتابعه وهكذا، وهذا بعينه التكليف بفعل الغير فيكون محالاً.
ولكن الهمداني -مع ذلك- قال(1): «مدفوع: أوّلاً: بأنَّه لو لم يكن فعلاً اختيارياً له لامتنع تعلق التكليف به، مع أنَّه أفضل فردي الصلاة الواجبة عليه»، يعني الجماعة.
وهذا بعد التنزّل عمّا سبق واضح الدفع:
1- إنَّه لا يحتمل أن يكون فعل الغير فعلاً اختيارياً للفرد نفسه.
2- إنَّه لا يحتمل أن يتعلّق به التكليف على غرار التكليف بأفعال نفسه.
وإنَّما كأنَّ الشيخ الهمداني أخذ بعض تلك الأجوبة في ذهنه لا شعورياً، كوجود صلاة جماعة مفروضة، كما هو الغالب في المجتمع الذي يعيش فيه، وأجاب بجوابه، وإلاّ فالأمر أوضح من ذلك.
ثُمَّ قال:
«وثانياً: بأنَّه يكفي في عدم تنجّز التكليف بالمقدّمة (يعني: التعلّم) علمه بحصول ذيها ولو بفعل الغير، من غير توقّفه على هذه المقّدمة»(2). يعني: التعلّم أيضاً، وهو يعني عدم تنجّزها تعييناً.
ــــــ[180]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص128، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وهذا صحيح إلاّ أنَه راجع إلى الوجه الذي قلناه من أخذ فعل الغير مفروض الوجود، وإلاّ فمن أين يستطيع أن يحصل العلم بفعل الغير أو طاعته له.
ثُمَّ قال: «نعم، تعلّقه بفعل الغير قد يكون مانعاً عن الجزم ببقاء القدرة على إتمام الصلاة مأموماً(1)… فعند ترك التعلّم قد لا يحصل له الاطمئنان بعدم احتياجه إلى القراءة، فلا يتأتّى منه قصد القربة على سبيل الجزم. فعلى القول باعتبار الجزم بالنيّة كما هو المشهور اتّجه حينئذٍ بطلان صلاته لا صحّتها، وكونه آثماً بترك التعلّم كما ذكره في الجواهر»(2).
أقول: جوابه من جهتين:
الجهة الأُولى: النقض بكل جماعة، بل بكل عبادة، فإنَّه قد يأتيه المانع من موت أو غيره ومع ذلك لم يقل أحد ببطلان العبادات حتى مع الالتفات، وما ذلك إلاّ لوضوح أنَّ الجزم بالنية بهذا المعنى غير محتمل الوجوب. ولا أعتقد أنَّه هو المشهور، وإنَّما المشهور هو بطلان الترديد في النيّة يعني ترك مجموع الجزم والرجاء، وهو مبطل لا محالة.
ويكفي هنا أن نلتفت إلى أنَّ هذا المشهور دليل لبّي يقتصر منه على القدر المتيقّن وهو الترديد، وليس مجموع الترديد والرجاء، بمعنى: تعيّن الجزم الكامل بالنيّة من جميع الجهات، فإنَّه لا يتوفّر لأي ملتفت قطعاً.
الجهة الثانية: أنَّه يمكن إجراء الأصل المؤمّن عن وجوب مثل هذا الجزم، كما
ــــــ[181]ـــــــ
(1) كطرو الموانع على الإمام أو على الاتصال ونحو ذلك، (منه).
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص128، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
يمكن الاعتماد على السيرة في نفيه، فإنَّ كل أحد معرض إلى قطع العبادة حتى المعصومين وأصحابهم، فتكون سيرة ممضاة فتصحّ.
وهذا معناه الاستدلال على صحّة نيّة الرجاء. فيلتحق بالجماعة بنيّة الرجاء، فإذا تمّت صحّت وإلاّ عمل عملاً آخر.
[حكم القراءة في المصحف]
ثُمَّ قال الهمداني: «وهل تجوز القراءة في المصحف: إمّا لدى الضرورة وعدم القدرة على الحفظ فمّما لا شبهة فيه، بل ربّما يظهر من غير واحدٍ: دعوى الإجماع عليه»(1).
أقول: العهدة هو الأدلّة على سقوط التكليف بالضرورة والحرج والعسر ونحوها، فإن كان هناك تكليفاً بالحفظ والاستظهار سقط.
وأمّا الاستدلال بالإجماع فواضح البطلان؛ لأنَّه مدركي حتماً؛ ولعلّه يشبه الإجماع على وجوب الصلاة والصوم مع أنَّه منصوص بالقرآن.
ثُمَّ قال: «وأمّا مع التمكّن من الحفظ فعن المصنّف والعلّامة وجماعة من المتأخّرين: الجواز؛ لإطلاق أدلّة القراءة(2) وخصوص رواية الحسن بن زياد الصيقل، قال: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في الرجل يصلّي وهو ينظر في المصحف، يقرأ فيه يضع السراج قريباً منه؟ فقال: لا بأس بذلك»(3).
ــــــ[182]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص129، ط مؤسسة آل البيت.
(2) والأُصول المؤمّنة عن شرطيّة الحفظ، (منه).
(3) الوسائل: ج6 ص107ح1، ط مؤسسة آل البيت. مصباح الفقيه: ج12 ص129، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وهو إمّا مطلق لصورة الاختيار أو خاصّ بها، فالدلالة تامّة إلاّ أنَّ العمدة هو السند.
ثم قال: «وحُكيَ عن جماعة منهم العلامة في التحرير والشهيد في الذكرى والدروس والمحقّق الثاني: القول بالمنع إلاّ على تقدير عدم التمكّن من الحفظ، بدعوى أنَّه هو المتبادر من الأمر بالقراءة في الصلاة»(1).
والقراءة هي: إمّا مطلق النطق أو القراءة على ورق ولا يحتمل صدقها فقط على خصوص الحصّة الأُخرى.
قال الراغب: «والقراءة ضمّ الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل (يعني: النطق) وليس يُقال ذلك لكلّ جمع.
لا يُقال: قرأت القوم إذا جمعتهم، ويدلّ على ذلك أنَّه لا يُقال للحرف الواحد إذا تفوّه به قراءة»(2).
أقول: المهم هو الصوت بغضّ النظر عن علّته وهو الورق.
ويكفي أن نلتفت إلى كذب السلب حين تقول: إنَّ القراءة على الورق ليست قراءة، بل هي قراءة لا محالة.
الاستدلال على القول بالمنع
1- واستُدلّ عليه بقاعدة الاشتغال(3) مع أنَّ الأُصول الشرعيّة العمليّة مقدّمة على الأُصول العقليّة ونسبتها إليها كنسبة الأمارات إلى الأُصول؛ لأنَّها رافعة
ــــــ[183]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص129، ط مؤسسة آل البيت.
(2) المفردات في غريب القرآن: ص618 ط دار القلم، دمشق.
(3) مصباح الفقيه: ج12 ص129، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
لموضوعها، ويكفي هنا البراءة عن المانعيّة فيتقدّم على الأصل العقلي بالاشتغال وعلى استصحاب اشتغال الذمّة بعد الانتهاء من الفرد المشكوك؛ لأنَّها جارية في رتبة موضوعاتها.
2- ثُمَّ قال: «وبالخبر العامي: أنَّ رجلاً سأل النبي فقال: إني لا أستطيع أن أحفظ شيئاً من القرآن فماذا أصنع؟ فقال له: قل سبحان الله والحمد لله»(1) «إذ لو جاز القراءة من القرآن لأمر به»(2). وهو مطعون سنداً ودلالة.
هذا فرع أنَّه يعرف القراءة من المصحّف، فلعلّه أميّ لا يعرف القراءة والكتابة، فقد وجد -على أي حال- مصلحة في ترك ذلك، ومنها: أنَّه لا يملك نسخة من المصحف ولم تكن متيسّرة له بسهولة في ذك العصر.
3- ثُمَّ قال: «وخبر علي بن جعفر(3) المروي عن قرب الإسناد عن أخيه موسى بن جعفر: قال سألته عن الرجل والمرأة يضع المصحف أمامه ينظر فيه ويقرأ ويصلي، قال: لا يعتد بتلك الصلاة»(4).
وجوابه: أنَّه ليس له ظهور بقراءة الصلاة، بل المراد القراءة في المصحّف كيف كان، فهو يقرأ في المصحف كثيراً خلال صلاته إلى حد تذهب الموالاة بين أجزاء الصلاة فتبطل، وليس فيه ظهور أكثر من ذلك بقرينة القراءة في المصحف، وليس في الصلاة.
ــــــ[184]ـــــــ
(1) سنن أبي داود 1: 220 حديث 832، ومسند أحمد بن حنبل 4: 352 و356 و382.
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص129، ط مؤسسة آل البيت.
(3) يعني: استدلوا به للمنع، (منه).
(4) مصباح الفقيه: ج12 ص130، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وأجاب الهمداني بمعارضته لرواية الصيقل مع الحمل على الكراهة(1) هل يمكن ذلك.
وقال: «ولا يصحّ تنزيل إطلاق نفي البأس الوارد في خبر الصيقل على من لا يستطيع أن يقرأ شيئا من القرآن حتى الفاتحة عن ظهر القلب، فإنّه تنزيل على فرد نادر بل غير واقع بحسب العادة؛ إذ العادة قاضية بحفظ فاتحة الكتاب وشيء من القرآن ممّا يقرؤه الرجل في صلواته الخمس قبل أن يصير عارفا بقراءة المصحف»(2).
4- ثُمَّ قال: «ولأن القراءة من المصحف مكروهة إجماعاً، كما عن الإيضاح ولا شيء من المكروه بواجب إجماعاً»(3).
وواضح أنَّ هذا مطعون بكل مقدّماته: أمّا كونه مكروهاً على إطلاقه فهو قطعي العدم، بل هناك روايات على رجحانه، وإنَّما مرادهم قراءة المصحف في الصلاة، وهو لا يتعيّن كونه لأجل القراءة، وإنمّا ثبتت الكراهة بهذه الأخبار لا بشيء آخر.
وأمّا الإجماع فهو إجماع منقول وليس بحجّة إلاّ بضمّ أدلّة التسامح في أدلة السنن، فحين يقول: ليس شيء من المكروه بواجب، يجب أن يقصد به المكروه الواقعي إن تمّ، لا المكروه بهذا المستوى.
ــــــ[185]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص131، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص130، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مصباح الفقيه: ج12 ص130، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
مضافاً إلى المنع عن هذه القاعدة أيضاً نقضاً وحلاً:
أمّا النقض: فبالصلاة أداءً أو قضاء في وقت أو مكان كراهتها.
وأمّا حلاً: فإنَّ الصحيح جواز اجتماع الأمر والنهي بعنوانين، وكذلك سائر الأحكام.
مضافاً إلى إمكان القول أنَّه مع الضرورة يرتفع المكروه، إلاّ أنَّ الكلام في حال الاختيار.
[قراءة ما تيسّر من الفاتحة مع ضيق الوقت عن التعلم]
ثُمَّ قال المحقّق والهمداني: «(وإن ضاق الوقت) عن التعلّم (قرأ ما تيسّر منها) وصحّت صلاته بلا خلاف فيه، ولا إشكال فيما إذا لم يكن عن تقصير؛ لأنَّ هذا هو الذي يقتضيه الأصول المقرّرة في الشريعة من عدم سقوط الصلاة بحال، وانتفاء التكليف بغير المقدور، وعدم سقوط الميسور بالمعسور»(1).
أقول: والمهمّ في ضيق الوقت ليس هو التحديد بحيث لو أتمّ السورة أو الفاتحة خرج الوقت، وإنَّما ضيق الوقت عن التكلّم، فيجب الباقي منها، وإن كان مقتضى إطلاق كلامهم أنَّه يجب بقدر الباقي منها آيات أُخرى من القرآن إذا كان يحسنها.
مضافاً إلى تقييد آخر: وهو أنَّ من ضاق وقته عن التعلّم وكان عاجزاً عن الجماعة وعن واحد يُراد له الألفاظ لوضوح أنَّه معه لا تسقط سورة الحمد ولا بعضها، ولعلّه لوضوحه ترك الإشارة إليه، أو القرينة ما كان قاله قبل ذلك.
ــــــ[186]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص132، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وقد يُقال: أنَّه يكرّر ما يعرفه منها إلى حدّ يكون في المجموع بقدرها، إلاّ أنَّ ذلك ممّا لا دليل على وجود الإجماع عليه، ولم يدلّ عليه دليل لفظي ومقتضى الأصل نفيه، فلا يبقى تحت الوجوب إلاّ ما يحسنه أو ما تعلمه من الحمد أو غيرها.
[في عدم التعلم عن تقصير]
ثُمَّ قال الهمداني: «وأمّا إذا كان عدم التعلّم عن تقصير فلا يخلو صحتها عن إشكال؛ إذ القدرة المعتبرة في صحّة التكليف هي مطلق القدرة الحاصلة في الفرض لا القدرة المطلقة، أي: المستمرة إلى زمان الفعل»(1).
جوابه: أنَّ دليلها لبّي في إجماع أو عقل، وهو يقتصر منه على القدر المتيقّن وهو القدرة المطلقة أو الفعلية، دون مطلق القدرة، وعدم صحّة الصلاة غير محتمل عملياً وفقهياً.
ثُمَّ قال: «وليس معنى أنَّ الصلاة لا تسقط بحال بقاء الأمر بها، بعد أن عصى المكلّف وصيّر إيجادها على النحو المعتبر شرعاً في حقه ممتنعاً، بل معناه: أنَّه لا يعرض للمكلّف حال ولا مرتبة من العجز إلاّ وهو مكلّف بالصلاة معها بحسب وسعه. ومن الواضح أنَّ القادر على تعلّم الفاتحة مكلّف بالصلاة معها ويستحقّ المؤاخذة على تركها»(2).
ــــــ[187]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص132، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص132- 133، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ثُمَّ قال: «فيكون تركه للتعلّم بمنزلة تأخيره الصلاة إلى أن يتضيّق الوقت عن أدائها وعدم كونه منافياً لعموم الصلاة لا تسقط بحال»(1).
أقول: الكلام في الحكم الوضعي، وهو صحّة الصلاة لا في الحكم التكليفي، وهو الإثم، فإن سلّمنا أنَّه يأثم على التأخير وهو غاية ما يدلّ عليه كلامه فإنَّنا لا نسلّم بطلان الصلاة، بل هو غير محتمل فقهياً.
فإن قلت: فإنَّها تقع صلاة منهياً عنها فتقع باطلة.
قلنا: يجاب بأحد وجوه:
1- أمّا الطعن في الكبرى وأنَّ النهي عن العبادة لا يقتضي الفساد.
2- وأمّا المنع عن الصغرى وهي: أنَّ الفساد عموماً صحيح، إلاّ ما خرج بدليل، والصحّة هنا ضرورية، إذن فقد خرجت بدليل.
3- وأمّا المنع عن وجود النهي عنها أساساً، فإنَّ قاعدة ما ليس بالاختيار يعود إلى ما بالاختيار وإن كانت صحيحة عقلاً، إلاّ أنَّ المورد بمنزلة التخصيص لها.
فإن قلت: فإنَّ أحكام العقل غير قابلة للتخصيص.
قلنا: نعم، إلاّ أنَّ المراد أنَّ المورد فيه نتيجة التحصيص، وهو الحكم بالإجزاء بالرغم من أنَّ مقتضى القاعدة الحكم بعدمه؛ وذلك بتنزّل الشارع عن ذلك، وإجازة الصلاة والحكم بإجزائها.
ــــــ[188]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[في من لا يقدر إلا على الملحون أو بعض الفاتحة]
ثُمَّ قال الشيخ الهمداني: «ثم إنَّ من لم يحسن قراءة الفاتحة: إمّا متمكّن من الإتيان بمسمّاها عرفاً، بمعنى: أنَّه قادر على قرائتها ولكن مع اللحن في إعرابها وحروفها كما هو الغالب في السواد وعوام العجم، أو لا يقدر إلاّ على بعضها.
أمّا الأوّل: فهو بمنزلة الفأفأء والتمتام ونحوهما(1) في أنَّه يأتي بما تيسّر له من قرائتها ويجزي به بلا خلاف فيه على الظاهر(2) ولا إشكال أنَّه هو الذي تقتضيه قاعدة الميسور(3).
مضافاً إلى إمكان استفادته من بعض الأخبار الواردة في العاجز(4)، مثل رواية مسعدة بن صدقة المرويّة عن قرب الإسناد قال: «سمعت جعفر بن محمد يقول: إنَّك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح. وكذلك الأخرس في القراءة والصلاة والتشهّد وما أشبه ذلك فهذا بمنزلة العجم المحرم، لا يُراد منه ما يُراد من العاقل المتكلّم الفصيح»(5).
وفي خبر السكوني عن الصادق عن النبي: «أنَّ الرجل الأعجمي في أمتي ليقرأ القرآن بعجميته فترفعه الملائكة على عربيته»(6).
ــــــ[189]ـــــــ
(1) بعد فرض عجزه الحقيقي عن التكلّم، (منه).
(2) هذا هو عين الإجماع على وجوب الباقي، (منه).
(3) مطعونة كبرى إلاّ أنَّها محرّرة صغرى، (منه).
(4) ما لم يكن عن تقصير كما نبهنا عليه آنفا، (منه).
(5) قرب الإسناد: ص49 ط مؤسسة آل البيت.
(6) الوسائل: ج6 ص220 – 221 ح4، ط مؤسسة آل البيت.بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وفي الخبر: أنَّ سين بلال شينٌ عند الله.
وانصرافها عن العاجز، الذي منعه عن التعلّم ضيق الوقت لا عدم القدرة (عن التعلّم)، غير قادح بعد وضوح المناط»(1).
أقول: بل مقتضى القاعدة هو فعليّة العجز أما لضيق الوقت أو اليأس منه، فكلاهما مصداق للقاعدة، فإنَّ الأعجمي كما قد يصلّي في سعة الوقت قد يصلّي في ضيقه.
قال: «هذا مع إمكان منع الانصراف خصوصاً في رواية مسعدة بن صدقة، بل هي كالنصّ في الشمول من حيث كونها في مقام إعطاء الضابط.
وأمّا الثاني وهو ما إذا لم يقدر إلاّ على بعضها ممّا يسمّى بعضها من فاتحة الكتاب مثل آية أو أكثر من الآيات المختصّة بها، لا مثل البسملة ونحوها مما ستعرفه. فالحكم في هذه الصورة أيضاً أنَّه يجب عليه أن يأتي بما يعلمه منها.
وهذا أيضاً ممّا لا شبهة، بل لا خلاف فيه بيننا على الظاهر، بل عن غير واحدٍ دعوى الإجماع عليه.
ويشهد له مضافاً إلى ذلك (يعني: الإجماع) عموم قوله: «إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم»(2). وقوله: «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه»(3)(4).
ــــــ[190]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص134- 135، ط مؤسسة آل البيت.
(2) عوالي اللئالي: ج4: ص58، ح 206. وفيه (أمرتم لا أمرتكم) وعن الإمام لا النبي.
(3) عوالي اللئالي: ج4 ص58 ح 207.
(4) مصباح الفقيه: ج12 ص134 -135، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
«… وربّما يستدلّ له أيضاً بقاعدة الميسور. وفيه نظر(1) إذ الآية أو الآيتان والثلاث ليست ميسور الفاتحة. فإنَّ ثبت أنَّ أبعاض الفاتحة من حيث هي كجملتها معتبرة في الصلاة التي لا تسقط بحال، فهي عين المأمور به لا ميسورة وإلاّ فلا يفي بإثباتها القاعدة»(2).
أقول: والفكرة الأساسيّة في ذلك، بعد سقوط أخبار قاعدة الميسور. أنَّنا هل نعامل أجزاء الصلاة معاملة الصلاة نفسها من حيث إنَّه إذا سقط بعضها وجب الباقي، أو أنَّ هذا خاص بالصلاة، ولا يشمل أجزاءها، فإذا سقط الأمر بالحمد أو بالسورة مجموعاً لم يجب الباقي.
الظاهر هو الأوّل لأنَّ الجزء جزء، فنلحظ الآيات جزءاً من الصلاة ابتداءً، فإذا سقط وجوب بعضها وجب الإتيان بالباقي، ولا ربط له بقاعدة الميسور كبرى ولا صغرى، وهذا لا يختلف فيه أن يكون ما يحسنه ميسوراً من الفاتحة أم لا، وسواء كان فصيحاً أم ملحوناً، وسواء كان في أوّلها أو وسطها أو آخرها، وسواء كان كثيراً أم قليلاً إلاّ أن يسقط عن الاعتبار المتشرّعي كالكلمة الواحدة أو الكلمات المتفرّقة التي لا تكوّن آية واحدة فضلاً عن الأكثر.
[هل يجتزئ ببعض الفاتحة أم يجب عليه التعويض؟]
ثُمَّ قال الهمداني: «وإنما الإشكال والخلاف في أنَّه هل يجتزي بهذا البعض من غير تعويض عن الجزء المجهول كما هو ظاهر المتن وغيره، بل صريح بعض أم
ــــــ[191]ـــــــ
(1) طعناً في الصغرى، (منه).
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص136، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
يجب عليه التعويض بقدره كما عن العلامة في بعض كتبه والشهيد في الدروس والمحقق الثاني وغيره، بل عن بعض نسبته إلى المشهور بين المتأخّرين.
واستدل للأوّل بأصالة البراءة واقتضاء الأمر بالقدر المستطاع أو الممكن من الشيء في الخبرين المتقدّمين، كقاعدة الميسور، لو سلّمنا جريانها في المقام أجزأه.
وللقول الثاني بأصالة الاحتياط في العبادة، وأن كلّ ما دلّ على البدليّة -عند تعذّر جميع الفاتحة- دلّ على اعتبارها عن كل جزء منها، وبعموم [قوله تعالى]: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ(1) وعموم قوله: لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب»(2) خرج منه الصلاة المجرّدة عنها المشتملة على بدلها.
ولقوله في الخبر المروي عن علل الفضل: «لِمَ أمروا بالقراءة في الصلاة؟ قيل: لأن لا يكون القرآن مهجوراً مضيّعاً… -إلى أن قال- فلِمَ بدء بالحمد في كل قراءة دون ساير السور؟ قيل: لأنَّه ليس شيء من القرآن والكلام جمع فيه من جوامع الخير والحكمة ما جمع في سورة (الحمد)».
فإنَّه يدلّ بظاهره على أنَّ ماهيّة القراءة مطلوبة في نفسها لحكمة عدم هجران القرآن، وخصوصيّة الفاتحة لحكمة أُخرى. ففقد الخصوصيّة لا يوجب سقوط الماهيّة؛ ولأنَّ النبي في الخبر أمر الإعرابي في الخبر الآتي بالتحميد والتهليل والتكبير، مع بُعد أن يكون جاهلاً بالتسمية، بل بضمّ كلمتي (رب العالمين) إلى التحميد الذي هو من أجزاء التسبيحات، فيحصل له ثلاث آيات. فلولا
ــــــ[192]ـــــــ
(1) المزمّل: 20.
(2) عوالي اللئالي: ج1 ص159 ح 2.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
التعويض ولو بالذكر لاستغنى بالآيات الثلاث عن الذكر(1).
وواضح أنَّ كل هذه الأدلّة من الطرفين باطلة إلاّ أصالة البراءة ولا نافي لها. نعم، يبقى احتياط استحبابي بذلك وقد يكون وجوبياً تفصّياً عن خلاف من قال به.
ويدلّ على ضعف المسألة هنا أنَّه هل يجب تكرار ما يحسنه من الفاتحة أم يجب التعويض من غيرها، أم هو مخيّر في ذلك، ولم يشر الشيخ الهمداني إلى ذلك على أيّة حال.
إذ قد يُقال بأسبقية تكرار ما يحسن منها رتبة؛ باعتبار كونها مصداقاً من الفاتحة بخلاف باقي القرآن الكريم.
[مع التعذر يقرأ ما تيسر من القرآن أو التسبيحات بقدرها]
ثُمَّ قال المحقّق: «وإن تعذّر(2) قرأ ما تيسّر من غيرها من القرآن أو سبّح الله وهلّله وكبّره بقدر القراءة، ثُمَّ يجب عليه التعلم»(3).
وهنا عدّة أُمور:
الأوّل: أنَّ أصل هذه الفتوى دليلها ضعيف كما سيأتي، فالمرجع البراءة بعد سقوطها بالعجز وبقاء الباقي واجباً بدونها، فإن كان هناك شيء فالاحتياط الاستحبابي أو الوجوبي على أكثر تقدير.
الثاني: أنَّنا لو سلّمناه فظاهر العبارة أنَّه يُخيّر من أي سور القرآن كانت، لكنّنا
ــــــ[193]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص137 – 138، ط مؤسسة آل البيت.
(2) يعني: جزء الفاتحة أو كونها ملحونة، (منه).
(3) شرائع الإسلام: ج1 ص97 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ينبغي أن نلتفت أنَّه لم يعتبر البسملة ميسوراً من الفاتحة، ينبغي اختيار غيرها. مع أنَّها أَولى من غيرها، فيكررها سبع مرات مثلاً بقصد كونها جزءاً من الفاتحة؛ لأنَّها بهذا القصد تكون منها وهو أولى أن يكون من غيرها وأولى من التسبيحات المأمور بها في الخبر.
كما أنَّه لو اختار غيرها فينبغي أن تكون بقدرها عرفاً، ولكن هل هو بعدد الحروف أو بعدد الكلمات أو بالآيات هذا غير معلوم. ومقتضى القاعدة العمل بأكبر المحتملات ولو برجاء المطلوبيّة، مع إمكان جريان البراءة عن الزائد، وإذا انتهى حجم الفاتحة ولم تنته الآية أو كان في أثنائها لفظ ومعنى، فهل يجب إتمامها أو يقطعها حيث كان؟ وجهان.
الثالث: أنَّه قال الهمداني: «والذي يظهر من المتن التخيير بين القراءة والتسبيحات، وهو خلاف المشهور، فإنَّ المشهور بين الأصحاب على ما نسب إليه القول بتقديم القراءة على التسبيحات مع الإمكان، بل لم ينقل القول بالتخيير إلاّ عن ظاهر عبارة المصنف في الكتاب والشيخ في موضع من المبسوط، وهو مع شذوذه ممّا لا يساعد عليه دليل فالأقوى ما هو المشهور من تعيّن القراءة لدى التمكّن منها.
كما يشهد له -مضافاً إلى عدم نقل خلاف محقّق فيه- النبويّ المتقدّم: إذا قمت إلى الصلاة، فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلاّ فاحمد الله وهلّله وكبّره. وضعفه مجبور بذكر الخاصّة له في كتبهم على وجه الاستناد.
وصحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله: أنَّه قال: «إنَّ الله فرض من الصلاة
ــــــ[194]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الركوع والسجود، ألا ترى لو أنَّ رجلاً دخل في الإسلام لا يحسن أن يقرأ القرآن، أجزأه أن يكبّر ويسبّح ويصلّي، فإنَّها تدلّ على أنَّ الاجتزاء بالتكبير والتسبيح إنَّما هو عند عدم التمكّن من قراءة القرآن وحمل القران على خصوص الفاتحة خلاف الظاهر فليتأمل.
واستُدلّ له أيضاً بعموم قوله تعالى: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ(1)»(2).
وأنَّ القراءة أقرب إلى الفاتحة من الذكر، وكلّ هذه الأدلة محل نظر.
[وجوه اختلاف السورة عن الفاتحة]
ثُمَّ قال الهمداني بعد ذلك: «واعلم أنَّ حال السورة بناءً على وجوبها حال الحمد في أنَّه يجب على من لم يحسنها أن يتعلمها ما لم يتضيّق الوقت، وإذا تضيّق الوقت أتى بما يحسنه منها كالفاتحة؛ لعين ما عرفته في الفاتحة من قاعدة الميسور وغيرها.
ولو لم يحسن شيئاً منها أصلاً سقط التكليف بها ولم يجب التعويض بالذكر؛ لعدم الدليل عليه، فإنَّ ما دلّ على التعويض بالذكر من النص والإجماع إنَّما يدلّ عليه في جاهل الفاتحة»(3).
ثم قال: «نعم، المنساق إلى الذهن من النصوص ككثيرٍ من الفتاوى بدليّة الذكر عند الجهل بقراءة شيء من القرآن عن القراءة الواجبة في الصلاة لا
ــــــ[195]ـــــــ
(1) المزمّل: 20.
(2) مصباح الفقيه: ج12 ص 144، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مصباح الفقيه: ج12 ص152، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
خصوص الفاتحة فالمتجه على القول باعتبار المساواة بين البدل والمبدل في عدد الحروف، كونه بقدر القراءة الواجبة لا خصوص الفاتحة.
كما ربّما يستظهر ذلك من كلمات كثيرٍ منهم في فتاواهم ومعاقد إجماعاتهم المحكيّة. ولكنّك عرفت ضعف المبنى وكفاية التسبيحات الأربع مرة واحدة. فالاحوط عدم قصد بدليتها عن خصوص الفاتحة، بل عن القراءة الواجبة عليه أو امتثال أمره الواقعي من غير تعيين سببه»(1).
أقول: تختلف السورة عن الفاتحة من عدّة وجوه:
الأوّل: أنَّ وجوب الفاتحة من الضروريات بخلاف السورة، حتى أنَّني لم أجد وجهاً معتدّاً به للفتوى بوجوبها، فقلنا بها بنحو الاحتياط الوجوبي.
الثاني: أنَّ وجوب الفاتحة متعيّن ولا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب، في حين إنَّ السورة تسقط ببعض العناوين الثانوية كالعجلة ونحوها. ومع التجريد عن الخصوصيّة لكل العناوين الثانوية يمكن القول بسقوطها عند الجهل وعدم وجوب تعلّمها أصلاً حتى لو قلنا بوجوبها فضلاً عن عدمه.
وبتعبير آخر: أنَّنا نفهم أقلّيّة أهمّيّة السورة شرعاً عن الفاتحة، وهذا يترتّب عليه عدّة آثار، منها: سقوطها مع الجهل حتى لو وجبت مع العلم، ما لم يدلّ دليل على وجوبها حتى حال الجهل، وهو دليل مفقود، بل الدليل على وجوبها حال العلم غير تامٍّ فكيف حال الجهل.
الثالث: أنَّ الفاتحة معنى جزئي -تقريباً- وأمّا السورة فمعنى كلّي يكاد أن
ــــــ[196]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص152 – 153، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ينطبق على كل سور القرآن، وليس خاصّاً بسورة التوحيد كما هو معلوم.
هذا ينتج عدّة نتائج:
منها: أنَّ الفرد إذا كان عالماً بأيّة سورة وجبت عليه قراءتها بعد الحمد (مع بعض القيود). ولا يصدق عليه عندئذٍ أنَّه جاهل.
ومنها: أنَّه يجوز للجاهل أن يقرأ غير العزائم من السور برجاء المطلوبية حتى المعوذتين وألم نشرح والضحى ونحو ذلك، وخاصّة إذا قلنا بسقوط وجوبها عند الجهل، فيكون ذلك نحواً من التعويض، ويسدّ نقطة الضعف فيها قصد الرجاء، مع انحصار تعلّمه بهذه السور على الفرض.
ومنها: أنَّنا لو قلنا بوجوب التعويض والبدليّة بقدر الكلمات أو الحروف، أمكن التعويض عن أصغر سورة في القرآن ولم يجب الزائد، بل كان مجرى للأصل المؤمن.
نعم، يجوز له اختيار سورة أكبر والتعويض عنها، ولا تبطل صلاته إلاّ أنَّه ليس مجالاً للاستحباب فضلاً عن الوجوب، كما لا مجال للاحتياط الاستحبابي أيضاً؛ لأنَّ المعوّض وهو نفس قراءة السورة مع القدرة لم يثبت استحباب قراءة السور الطوال ولا السيرة عليه، فضلاً عن الاحتياط الاستحبابي فكيف بالعوض، وإن ثبت الاستحباب فإنَّما هو للأصل لا للعوض.
[حكم لأخرس]
ثُمَّ قال المحقّق: «والأخرس يحرّك لسانه بالقراءة ويعقد بها قلبه»(1).
ــــــ[197]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص97 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
قال المحقّق الهمداني: «بلا خلاف فيه على الظاهر(1) والأظهر اعتبار الإشارة بأصبعه أيضاً معه.
كما يدلّ عليها خبر السكوني عن الصادق قال: «تلبية الأخرس وتشهّده وقراءته للقرآن في الصلاة تحريك لسانه وإشارته بأصبعه(2)»(3).
قال الهمداني: «ويعقد بها قلبه أي يتعقّلها تفصيلاً إن أمكنه وإلاّ فإجمالاً حتى يتأتّى منه قصد امتثال الأمر المتعلّق بها بإشارته»(4).
أقول: والخبر خال من ذلك ومقتضى الأصل خلافه.
قال الهمداني: «وربَّما زعم بعض أنَّه يعتبر في حقّ الأخرس أن يعقد قلبه بمعناها، أي: يتعقّل معنى الفاتحة والسورة، ويؤدّيها بالإشارة على حسب ما يؤدّي سائر مقاصده بالإشارة. كما يجب على غيره أن يؤدّي تلك المعاني بألفاظها في ضمن القراءة. وهو خطأ كما أوضحناه في تكبيرة الإحرام فلا نطيل بالإعادة»(5).
أقول: وقلنا هناك: إنَّ مثل هذا الرأي هو الأصوب، فإنَّ للخرس أو لكلّ أخرس أُسلوبه في التفاهم، يعرفه جماعته من حوله، فالمطلوب منه أن يطبّق نفس أُسلوبه على القرآن والذكر.
ــــــ[198]ـــــــ
(1) يعني: على تحريك اللسان، (منه).
(2) الكافي: ج3 ص315 ح 17 ط دار الكتب الإسلامية.
(3) مصباح الفقيه: ج12 ص155، ط مؤسسة آل البيت.
(4) المصدر السابق.
(5) المصدر السابق.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وهذا يعني: كأنَّه يتكلّم ويريد أن يفهّم لغيره معنى الفاتحة والسورة تفصيلاً آية آية، وتكون الإشارة وتحريك اللسان بدلاً له عن اللفظ.
نعم، هذا قد يكون متعذّراً للخرس في الغالب، فيكتفى منهم بما هو ممكن ولو كان هو المعنى الإجمالي.
وقلنا هناك: إنَّ المراد من خبر السكوني هو ذلك لو تممّناه سنداً، ولا يمكن تكليف الأخرس بغير طريقته الخاصّة.
ومن هنا نفهم معنى واشتراط عقد القلب الذي ذكره المحقّق ولم يذكره في الخبر، فإنَّه إشارة إلى ضرورة قصد المعاني تفصيلاً.
وما ذكره الشيخ الهمداني من «أنَّ معاني القرآن ليست قرآناً وأنَّها ليست مطلوبة»(1).
غير تامٍّ -مع الإمكان- لأنَّها غير مطلوبة بمجرّدها، وأمّا مع الألفاظ فهي مطلوبة، والأخرس يعوّض عن الألفاظ بالحركات.
وبتعبير آخر: أنَّ المطلوب في القرآن والذكر كلا مرتبتي الثبوت والإثبات. فالثبوت هو المعاني، والإثبات هو بيانها. فإن كان ناطقاً وجب بيانها بالألفاظ وإلاّ وجب بيانها بالحركات.
مضافاً إلى الفرق عند الأخرس بين التكبيرة والحمد والسورة، فإنَّه متعذّر بدون قصد المعاني تفصيلاً.
ــــــ[199]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص155- 156، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
إلاّ أنَّ للكلام أصلاً في وجوب قصد المعاني، فإنَّه مجرى للأصل المؤمّن، وهو ممّا يفوت عن أغلب البشر، بل لو قرأ الفاتحة بدون التفات إلى معانيها أجزأت حتماً، فيقاس عليه الأخرس. وأنَّ المهمّ هو مرحلة الإثبات فقط.
إلاّ أنَّه يمكن الطعن بكلا الأمرين في الناطق والأخرس مع إمكان الالتفات ولو إلى المعنى اللغوي السطحي، أو بمقدار ما هو ممكن للفرد. فإن تعذّر الجميع سقط كما في أكثر الأعاجم وأكثر الخرس.
[اتحاد بعض السور وجواز العدول منها إلى الأُخرى]
بقي فرعان في القراءة يحسن التعرّض لهما قبل الانتهاء من فصل القراءة والانتقال إلى التسبيحات، ولم يتعرّض لهما الهمداني في ما هو المظنون. ولكن تعرّض لهما في العروة وشرحها في المستند(1) وهما اتحاد بعض السور وجواز العدول من سورة إلى سورة.
[أدلة القائلين بالاتحاد]
أما اتّحاد بعض السور فقد قيل(2): إنَّ (الضحى) و(ألم نشرح) سورة واحدة، وأنَّ (الفيل) و(الإيلاف) سورة واحدة، فما يمكن أن يستدلّ به على الاتحاد أُمور:
أوّلها وأهمّها: الإجماع
حيث نقل الحرّ في الوسائل عن الشيخ الطوسي قال: لأنّ هاتين السورتين
ــــــ[200]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص372 من الموسوعة.
(2) لاحظ الحدائق: ج8 ص202، ط جماعة مدرسين.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
سورة واحدة عند آل محمد وينبغي أن يقرأهما موضعاً واحداً، ولا يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم في الفرائض(1). يعني الضحى وألم نشرح، ويقول في نهاية الباب العاشر: قد عرفت أنَّ الضحى وألم نشرح سورة واحدة.
أقول: وهذا الكلام فيه عدّة نقاط ضعف:
أوّلاً: أنَّ مورده سورة اتّحاد (الضحى) و(ألم نشرح) وليس اتّحاد (الفيل) و(الإيلاف)، مع أنَّ المدّعى موجود في الطرفين، ولا ملازمة بينها كما لا ملازمة بين الإجماع في الموردين.
ثانياً: أنَّه بالنسبة إلينا إجماع منقول، وهو ليس بحجّة.
ثالثاً: أنَّه إجماع مدركي واضح المستند كما يعبّر في المستند؛ لوجود الروايات الآتية، واحتمال استناد المجمعين أو بعضهم إليها، والاحتمال مبطلٌ للاستدلال.
ثانيها: الأخبار
وهي عدّة روايات نذكرها تباعاً:
1 – رواية زيد الشحام قال: «صلّى بنا أبو عبد الله: الفجر فقرأ الضحى وألم نشرح في ركعة»(2).
2- رواية زيد الشحام قال: «صلّى بنا أبو عبد الله فقرأ بنا بالضحى وألم نشرح»(3).
ــــــ[201]ـــــــ
(1) الاستبصار: ج1: ص316، ح4 ط دار الكتب الإسلامية.
(2) الوسائل: ج6 ص54 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج6 ص54 ح2، ط مؤسسة آل البيت
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
3- رواية مجمع البيان قال الطبرسي: «روى أصحابنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة وكذا سورة ألم تر كيف ولإيلاف قريش»(1).
4- رواية المفضل بن صالح عن أبي عبد الله قال: «سمعته يقول لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة إلا الضحى وألم نشرح وألم تر كيف ولإيلاف قريش»(2).
5- رواية أبي العباس عن أحدهما: «قال ألم تر كيف فعل ربك ولإيلاف قريش سورة واحدة»(3).
6- رواية: «قال وروي أن أُبَّي بن كعب لم يفصل بينهما في مصحفه»(4).
7- رواية شرايع الإسلام، قال: «روى أصحابنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة وكذا الفيل ولإيلاف»(5).
زعم التواتر والاستفاضة، وبعضها ليس برواية مستقلّة، بل هي تعبير آخر عمّا هو موجود من الروايات مثل: الرواية الثالثة والسابعة المتقدّمتان وبعضها عن غير المعصومين مثل: الرواية السادسة.
ثالثها: وجود علاقة لفظيّة بين السورتين
ــــــ[202]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص55 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص55 ح5، ط مؤسسة آل البيت
(3) الوسائل: ج6 ص55 ح6، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج6 ص55 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
(5) الوسائل: ج6 ص56 ح9، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وذلك في الجار والمجرور في قوله: (لإيلاف قريش)، فإنَّه ليس له متعلّق ظاهر، فيتعيّن رجوعه إلى قوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ(1) في سورة الفيل السابقة عليها، وهذا الرجوع يدلّ على الاتّحاد.
وهو مطعونٌ كبرى وصغرى:
أمّا كبرى، وهي قولنا: إنَّ الرجوع إلى السورة السابقة يقتضي الاتّحاد، فهو قابل للمناقشة؛ إذ حتى مع تسليمه لا يقتضي الاتحاد؛ إذ يمكن إرجاع الضمير إلى الفعل في سورة أُخرى، وخاصّة مع فرض نزولها وحياً دفعةً واحدة، كما أنَّ نزولها دفعة واحدة لا يقتضي اتحادهما كما هو واضح.
وأمّا صغرى، فلعدم تعيّن تعلّق الجار والمجرور بفعل في سورة الفيل، وعدم مناسبة المعنى لذلك (فجعلهم كعصف مأكولاً لإيلاف) وإنَّما يؤخذ الإعراب من المعنى، فإذا لم يناسب المعنى لم يناسب الإعراب.
وإنَّ ما ذكرنا في (منّة المنّان)(2) وجوهاً أُخرى في مرجع الضمير أوضحها هو رجوعه إلى مقدّر مثل يحصل أو يتحقّق ونحوهما.
وأمّا العلاقة اللفظيّة في (الضحى) و(ألم نشرح) فهي واضحة في إنَّ السياق كلّها في خطاب النبي حيث يقول في السورة المتقدّمة وهي الضحى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى(6) وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى(7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى(3).
ــــــ[203]ـــــــ
(1) الفيل: 5.
(2) منة المنان في الدفاع عن القرآن، سورة الإيلاف، ج1 ص236.
(3) الضحى: 6-8.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ثُمَّ يقول في السورة التي بعدها وهي الانشراح: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(1) وهو يحتاج إلى كبرى تقول: إنَّ كلّ مورد له سياق واحد فهو سورة واحدة.
ومن الواضح الطعن في الكبرى:
أوّلاً: بإنكار الملازمة؛ إذ قد يكون الحديث عن شيء واحد في أكثر من سورة.
ثانياً: أنَّهما وإن اتحدا من هذه الناحية إلاّ أنَّهما اختلفا في السياق اللفظي والنسق، وهو نهايات الآيات. وهو قرينة على التعدّد بوضوح، فلم يتمّ شيء من أدلّة الاتحاد.
[أدلّة القائلين بالتعدّد]
وأمّا أدلة التعدّد فعديدة:
الدليل الأوّل: [ما ذكره صاحب المدارك]
ما ذكره في المدارك(2) -كما في المستند- من إثبات الفصل بينهما بالبسملة كسائر السور، فيكون ذلك قرينة على التعدّد.
وأُجيب هذا الوجه بأكثر من جواب:
أوّلاً: ما في المستند(3) بأنَّ هذه الكيفيّة من جمع الخلفاء، فلا يدلّ على أنَّ النزول كان كذلك.
ــــــ[204]ـــــــ
(1) الانشراح: 1-3.
(2) مدارك الأحكام: ج3 ص377، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مستند العروة الوثقى: ج14 ص330 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وجوابه من أكثر من وجه:
1- إنَّ هذا، أعني: عدم البسملة غير محتمل ثبوتاً؛ لاختلاف السياق والنسق بين السورتين أو قل: بين المجموعين من الآيات، فلو كانت البسملة غير موجودة كان التحوّل إلى السياق الثاني سمجاً وخطأ عرفاً وعقلائياً.
2- إنَّ وجودها في المصحف قرينة على نزول الوحي بها بلا شكّ، إلى حدّ يتاخم الاطمئنان، وهذا يكفي.
3- ما أجاب به في المستند(1) من أنَّ هذا راجع إلى التحريف في القرآن بالزيادة، وهي قطعية البطلان، وإنَّما الخلاف في التحريف بالنقيصة، وهو صحيح.
ثانياً: ما ذكره في المستند(2) من نفي الملازمة بين وجود البسملة وتعدّد السورة، فإنَّه لا يكشف عن التعدّد وإن كان الغالب كذلك لكنّه ليس بدائمي؛ إذ لا دليل عليه كما لا يخفى.
والظاهر أنَّ مقصوده ضعف الرواية التي تقول: كنّا نعرف بدء السورة من نزول البسملة، والضعف صحيح أكيداً إلاّ أنَّ الأمر واضح حدساً لا يحتاج إلى سند، وخاصّة بعد أن أقرّ بوجود البسملة وأنَّها ليست من وضع الشيخين، وأقرّ أيضاً بأنَّ الغالب ذلك فإلحاق الفرد النادر المشكوك بالغالب أمر اطمئناني.
مضافاً إلى ضرورة الالتفات أنَّ وجود البسملة في وسط سورة النمل ليس بنفس الأُسلوب الواقع في أوّل السور، بل هو جار ومجرور متعلّق بمحذوف خبر
ــــــ[205]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) المصدر السابق.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
أنَّ؛ لأنَّه يقول: وأنَّه بسم الله، في حين لا يوجد مثل ذلك في سائر السور، وإنَّما توجد بسملة مستقلّة، يعني: ليست مربوطة لفظياً وإعرابياً بما قبلها، وهي التي تكون علامة على سورة جديدة، والأمر في المجموعتين اللّتين نتكلّم عنهما كذلك.
وهنا ينبغي أن نلتفت أيضاً أنَّهم لم يرجعوا الجار والمجرور في البسملة في المجموعين إلى متعلّقات في السورة التي قبلها، وهذا دليل فهمهم لاستقلالية البسملة وهي التي تدلّ على تعدّد السورة.
بل الأمر أكثر من ذلك حيث قيل -كما سبق- أنَّ الجار والمجرور (لإيلاف) يعود إلى فعل في السورة السابقة عليه.
فأجابوا: بأنَّه يمنع ذلك وجود البسملة ففصل بينها. وهذا معناه أنَّهم لم يشكّكوا في وجود البسملة أوّلاً، ولم يذكروا علاقة الجار والمجرور في البسملة بما قبله مع أنَّه أقرب وأولى بالعلاقة.
إذن، فهذا الدليل صحيح وقرينة اطمئنانية عل تعدّد السور الأربع، فإن كان هناك شيء فهو الاحتياط الوجوبي بترك قرائتها في الصلاة وليس الفتوى. وإن كان هذا السير البرهاني ينتج الاحتياط الاستحبابي.
الدليل الثاني: الأخبار
منها: صحيحة زيد الشحام قال: «صلّى بنا أبو عبد الله فقرأ في الأُولى الضحى وفي الثانية ألم نشرح لك صدرك»(1).
ــــــ[206]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص54 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
قال في المستند(1): «وقد وصفها في الحدائق بالصحّة، وذكر أنّها أولى بالاستدلال لصاحبي المعتبر والمدارك لو اطّلعا عليها».
وأجاب في المستند(2): «والصحيح في الجواب: أنَّ الرواية ضعيفة السند بالإرسال، وإن كان المرسل ابن أبي عمير، وكون مراسيله كمسانيد غيره كلام مشهوري لا أساس له، كما تعرّضنا له في مطاوي هذا الشرح غير مرّة، فلا يمكن الاعتماد عليها، والانجبار بالعمل لا نقول به».
أقول: إنّا نقول بأنَّ مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده أو كمسانيد غيره، وفي الحقيقة ليست هذه هي العبارة الصحيحة، وإنَّما نقول: مراسيله معتبرة وحجّة، وإلاّ فقد يكون الحديث مسنداً إلاّ أنَّه ضعيف أو حسن وغير معتبر، فلا يتمّ أن مراسيله كمسانيد غيره.
إلاّ أنَّ نقطة الصعوبة فيها هي أنَّها خاصّة بالضحى وألم نشرح ولا تعمّ الإيلاف والفيل، ولا ملازمة بين التعدّدين كما لا ملازمة بين الوحدتين. وقد أخذه المشهور مسلماً من وجه الملازمة، فكان الاستدلال على إحدى المجموعتين استدلالاً على الأُخرى، وهو خطأ.
أما الرواية الرابعة المتقدّمة فقد: روى العيّاشي عن المفضل بن صالح عن أبي عبد الله قال: «سمعته يقول لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة إلاّ الضحى وألم نشرح وألم تر كيف ولإيلاف قريش»(3).
ــــــ[207]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص330 من الموسوعة.
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص331 من الموسوعة.
(3) الوسائل: ج6 ص55 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وتقريب الاستدلال بهذه الرواية: ما ذكره في المستند من أنَّ ظاهر الاستثناء هو الاتصال، فيدّل على أنَّهما سورتان قد استثنيا عن حكم القرآن.
قال: «وفيه: مضافاً إلى ضعف السند -كما مرّ- أنَّه يكفى في صحّة الاستثناء واتصاله كونهما متعدّدين بحسب الصورة، وما يعتقده الناس من تسميتهما بسورتين؛ لمكان الفصل بينهما بالبسملة في المصاحف»(1).
وهذا غريب عنه، فإنَّه على تقدير التنزّل عن ضعف السند، فإنَّه يثبت إقرار الإمام للتعدّد، وهو كافٍ في الحجّيّة.
فإن قلت: فإنَّه يكلّم الناس على قدر عقولهم وعلى عرفيّتهم -كما هو ظاهر المستند-.
قلنا: كلا، فإنَّ هذه القاعدة صحيحة إلاّ أنَّها لا تأتي هنا لأنَّ سائر الموارد خالية من الخطأ الشرعي على ما هو المفروض فلا يجب على الإمام تعديله وبيان الحقّ فيه، بخلاف المورد وأمثاله فإنَّ فيه خطأ شرعياً وإقراره إقرار للخطأ فيكون خلاف وظيفة الإمام أو إقرار للباطل وحاشاه.
وبتعبير آخر: إنَّ المهم في تلك الكبرى هو متابعة العرف والتكلّم بمقدار فهمه، وهنا لا نواجه العرف وإنَّما نواجه المتشرّعة. والمتشرّعة -لا بصفتهم عرفاً- لا يجب إقرارهم على فهمهم وإن كان خاطئاً؛ لأنَّ فهمهم متكوّن من آراء المعصومين أنفسهم، ويكون من مسؤوليتهم تصحيحه. فإذا اعتقدوا بالتعدّد وأقرّ ذلك من قبل المعصومين كفى، إلاّ أنَّ الإشكال في سند هذه الرواية صحيحة.
ــــــ[208]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص331 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
أمّا رواية (ثواب الأعمال)، عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن حسان، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن بن علي، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله قال: «من قرأ في فرايضه ألم تر كيف فعل ربك شهد له يوم القيامة كل سهل وجبل ومدر بأنّه كان من المصلّين، وينادي له يوم القيامة منادٍ صدقتم على عبدي قد قُبلت شهادتكم له وعليه، أدخلوه الجنّة ولا تحاسبوه فإنّه ممن أحبه وأحب عمله»(1).
وهي ضعيفة، إلاّ أنَّها واضحة الدلالة؛ لأنَّها تأمر استحباباً بقراءة سورة الفيل في الفريضة ولم تذكر لإيلاف قريش معها؛ ولذا نقل في الوسائل بعدها قول الصدوق: من قرأ سورة الفيل فليقرأ معها لإيلاف قريش فإنهما جميعاً سورة واحدة.
إلاّ أنَّ هذه الرواية خاصّة بسورة الفيل ولا تشمل الضحى، ولا ملازمة بين المجموعتين.
وكذلك رواية سعيد بن هبة الله الراوندي في (الخرائج والجرائح) عن داود الرقي، عن أبي عبد الله (في حديث) قال: «فلمّا طلع الفجر قام فأذّن وأقام وأقامني عن يمينه، وقرأ في أوّل ركعة الحمد والضحى، وفي الثانية بالحمد وقال: هو الله أحد، ثُمَّ قنت، ثُمَّ سلم، ثُمَّ جلس»(2) وهي ضعيفة السند، إلاّ أنَّها تدل على الاستقلال؛ لأنَّها لو كانت نصف سورة لم يجز قراءتها في ركعة، إلاّ أنَّها خاصّة
ــــــ[209]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص55-56 ح8، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص55-56 ح8، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
بالضحى، ولا تشمل سورة الفيل.
الدليل الثالث: [السياق والنسق والهدف]
الدليل الآخر على التعدّد: تعدّد كل من النسق والسياق اللفظي والهدف من كلتا المجموعتين.
أمّا السياق والنسق فقد أشرنا إليهما، وأمّا الهدف فإنَّ الهدف من الضحى تعزية النبي بنفسه والتنبؤ بقرب وفاته. والهدف من ألم نشرح ذكر هذه النعم على النبي وإعطائه الهمّة عن الدعوة العظمى التي أوكلت إليه؛ إذ لولا هذه الهمّة لأمكن أن يتقاعس عنها، وهي لا تكون إلاّ بشرح الصدر، بل هو عينها.
وأمّا الهدف من سورة الفيل فهو ذكر المعجزة التي تفضّل الله تعالى في دفع جيش الفيل لو صحّ التعبير، وحفظ بيت الله الحرام.
والهدف من سورة قريش ذكر النعمة السابقة على الإسلام على قريش في رحلة الشتاء والصيف، فلم يتّحد الهدف في أيٍّ من السور الأربع، ولا ربط لأي سورة منها بسورة أُخرى منها، لا سياقاً ولا نسقاً ولا هدفاً، وهو قرينة التعدّد.
فإن قلت: فإنَّ الهدف الواحد غير ضروري في القرآن الكريم، وقد تعرّضت آية واحدة أو سياق واحد إلى أهداف متعدّدة كقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ(1).
قلنا: أوّلاً: أنَّ الأهداف في السور القصار أوضح منها في الكبار أكيداً، أو
ــــــ[210]ـــــــ
(1) المائدة: 1.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
قل: إن السور القصار ممّا يحرز وجود الهدف لها وإن شككنا في وجوده في غيرها. ومحل كلامنا من السور القصار.
ثانياً: أنَّ هذا الإشكال قائم على جهل معنى الهدف، فإنَّ الاختلاف في قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إنَّما هو بالمدلول المطابقي لا الهدف، فإذا حسبنا المدلول المطابقي هدفاً فقد اختلّ الهدف. ولكن إذا كان الهدف هو المشاركة في تنظيم المجتمع تنظيماً شرعياً قانونياً، فقد كان فيها هذان التشريعان: أوفوا بالعقود وأحلت لكم بهيمة الأنعام. وهذا يكفي، إذن لهما هدف واحد.
[جواز العدول وعدمه]
لا شكّ في جواز العدول في الجملة ومنعه في الجملة، وجواز العدول هو مقتضى الأصل اللفظي والعملي معاً؛ لأنَّ الواجب بحسب الإطلاقات هو قراءة سورة كاملة لو قلنا به، وهو ما يفترض حصوله بعد العدول ولو لعدّة مرّات. فيكون جزء الصلاة المأمور به حاصلاً فتجري.
وإنَّما يحول دون ذلك أحد ثلاثة أُمور:
الأمر الأول: إمّا مانعية جزء السورة السابقة، وهو مدفوع بأصالة عدم المانعية.
الأمر الثاني: وإمّا احتمال الحكم التكليفي بالحرمة لتكون العبادة منهياً عن جزئها فتبطل، إلاّ أنَّه مجرى للبراءة.
الأمر الثالث: وإمّا احتمال قطع الجزء السابق الذي خرج عن الجزئيّة بعد
ــــــ[211]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
العدول عن الموالاة بين أجزاء القراءة أو أجزاء الصلاة فتبطل، وهذا صحيح إن حصل. وخاصّة في قراءة السور الطوال؛ حيث تكون السورة التي بعد الحمد وهي التي يختارها ثانياً بعيدة جداً عن الحمد فتبطل القراءة، فتبطل الصلاة حتى وإن قرأ أقلّ من النصف منها.
إلاّ أنَّه قد يُقال بانحفاظ الموالاة على كلّ حال بالارتكاز المتشرّعي وخاصّة مع نيّة الجزئيّة كما هو المفروض خلال قراءة الأُولى. ولكن لا أقلّ من الاحتياط الوجوبي بالترك. والمفروض في المسألة هنا عدمه يعني انحفاظ الموالاة.
وقد يُقال بالبطلان باعتبار زيادة أجزاء مقصود بها الجزئيّة، وهو القسم المتروك بقيته من السورة الأُولى، سواء اعتبرناه جزءاً واحداً أو بعض جزء أو عدّة أجزاء بعدد ما قرأ من الآيات، مع ضمّ كبرى تقول بالبطلان في هذه الحالة، وهي زيادة أجزاء مقصود بها الجزئيّة.
وهذا في نفسه صحيح لولا الأدلّة الآتية على جواز العدول، فإنَّها في الجملة صحيحة، وتكاد تكون قطعيّة، بما فيها أدلّة المنع الدالّة عليه في بعض الموارد. فتدلّ مفهوماً على جوازه في الباقي، وهو يلازم عدم إبطال الصلاة بهذا الزائد.
وبتقريب آخر: إنَّ الدليل على بطلان الصلاة بزيادة الجزء دليل لبّي يقتصر منه على القدر المتيقّن، وهذا خارج عنه، لكونه جزء الجزء، وهو نصف السورة أو أقلّ، أو لكونه مورداً لدليل الجواز وإن فرض ضعفه.
وعلى أيّ حالٍ فأصل جواز العدول ينبغي أن يكون مسلّماً في الجملة، ما لم يدلّ الدليل على المنع، فإن لم يوجد مثل هذا الدليل جاز العدول مطلقاً، لا أقلّ
ــــــ[212]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
بغير سورة التوحيد والجحد، يعني يسقط التحديد بالنصف ونحوه ممّا يأتي، وسنجد أنَّ أغلب الروايات الواردة في هذا الباب ضعيفة السند.
وعلى أيِّ حالٍ فالتحديدات المحتملة للمنع ثلاثة:
التحديد الأوّل: الأقلّ من النصف، ونتيجته أنَّه إذا وصل إلى النصف منع فضلاً من الأكثر.
التحديد الثاني: النصف.
التحديد الثالث: الثلثان، وهذا ناتجٌ عن اختلاف الأدلّة بطبيعة الحال على ما سنرى.
ومع وجود الدليل -كما سمعنا- على جواز العدول مطلقاً، كفى عن الاستدلال بالنصوص للجواز، كما في المستمسك(1) وإنَّما نجعلها مؤيداً كما نجعلها دليلاً على عدم مانعية الجزء الزائد كما أشرنا، وعدم قطعية الموالاة. وهي:
[الأدلة على عدم المانعية]
[أولاً: الأخبار]
وهي كالآتي:
1- رواية أبي نصر قال: «قلت لأبي عبد الله الرجل يقوم في الصلاة فيريد أن يقرأ سورة فيقرأ قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون فقال: يرجع من كل سورة إلا من (قل هو الله أحد) و(قل يا أيها الكافرون)»(2).
ــــــ[213]ـــــــ
(1) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 187، ط إحياء التراث العربي.
(2) الوسائل: ج6 ص99 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
2- رواية الحلبي قال: «قلت لأبي عبد الله رجل قرأ في الغداة سورة قل هو الله أحد قال لا بأس، ومن افتتح سورة ثم بدا له أن يرجع في سورة غيرها فلا بأس إلا قل هو الله أحد ولا يرجع منها إلى غيرها وكذلك قل يا أيها الكافرون»(1).
3- رواية علي بن جعفر عن أخيه قال: «سألته عن الرجل أراد سورة فقرأ غيرها، هل يصلح له أن يقرأ نصفها ثُمَّ يرجع إلى السورة التي أراد؟ قال: نعم ما لم تكن قل هو الله أحد أو قل يا أيها الكافرون»(2).
التحديدات المحتملة للمنع
وكلّها لها إطلاق للجواز في كلّ الصور.
التحديد الأول: بالأقلّ من النصف
فيقول عنه في المستند(3): «أنَّه ليس له مستند ظاهر، ولم ينقل عليه الإجماع. نعم، يوافقه الفقه الرضوي، لكن الإشكال في اعتباره معلوم».
ونصّه كما في المستمسك(4): «فان ذكرتها من قبل أن تقرأ نصف سورة فارجع إلى سورة الجمعة، وإن لم تذكرها إلاّ بعدما قرأت نصف سورة فامض في صلاتك».
ــــــ[214]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص99 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص99 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مستند العروة الوثقى: ج14 ص348 من الموسوعة.
(4) مستمسك العروة الوثقى: ج6 ص 187، ط إحياء التراث العربي.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
مضافاً إلى المناقشة الدلالية:
1- إنَّها خاصّة بصلاة الجمعة، والتجريد غير ممكن.
2- إنَّ النصف هنا تقريبي وعرفي وليس دقّيّاً، فيكون المراد منه أكثر من النصف إلى إحراز الوصول إلى النصف من باب المقدّمة العلميّة، ولم نجدها في باب 53.
3- إنَّ المراد النصف وإنَّما ذكره قبله طريقياً لا ذاتياً.
4- وقال في المستند(1): على أنَّه معارض ببعض النصوص المصرّح فيها بجواز العدول مع بلوغ النصف، كصحيحة علي بن جعفر عن أخيه، وهي (35/3) [الرواية الثالثة المتقدّمة]: «سألته عن الرجل أراد سورة فقرأ غيرها، هل يصلح له أن يقرأ نصفها ثُمَّ يرجع إلى السورة التي أراد؟ قال: نعم ما لم تكن قل هو الله أحد أو قل يا أيها الكافرون»(2)، ولا يضرّه أنَّه ذكره النصف في السؤال، فإنَّه يكون إقراراً من قبل الإمام.
وفي المستند(3) صحّح السند بتبديل السند قال: «فإنَّها وإن رويت بطريق ضعيف؛ لمكان عبد الله بن الحسن، لكنَّ صاحب الوسائل رواها أيضاً عن كتاب علي بن جعفر، وطريقه إلى الكتاب المنتهي إلى طريق الشيخ إليه صحيح».
ــــــ[215]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص348 من الموسوعة.
(2) الوسائل: ج6 ص100 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مستند العروة الوثقى: ج14 ص348، 349 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
إلاّ أنَّه بالدقّة ليس من التبديل، فلا نحتاج إلى تطبيق قواعده وكبرياته. وعلى أي حالٍ فهذا الوجه لا وجه له.
التحديد الثاني: بالنصف
وأمّا التحديد الثاني الذي قال عنه في المستند(1) «أنَّه مشهور بين الأصحاب قديماً وحديثاً، بل ادُعي عليه الإجماع في كثير من الكلمات من تحديده بعدم تجاوز النصف فيجوز مع بلوغ النصف».
ثُمَّ قال في المستند في صدد الاستدلال عليه: «فإن كان هناك إجماعٌ تعبّديٌّ يطمأن أو يُوثق معه بقول المعصوم فهو، وإلاّ فإثباته بحسب الروايات مشكل؛ لعدم تماميتها؛ إذ ليس له مستند عدا مرسلة الدعائم، ورواية الشهيد في الذكرى.
قال في دعائم الإسلام: وروينا عن جعفر بن محمد أنَّه قال: من بدأ بالقراءة في الصلاة بسورة ثُمَّ رأى أن يتركها ويأخذ في غيرها، فله ذلك ما لم يأخذ في نصف السورة الأخرى.. الخ.
وفيه: مضافاً إلى ضعف روايات الدعائم بالإرسال (وهذه الرواية بالخصوص) بل وجهالة مؤلّفه، وإن بالغ النوري في اعتباره فإنَّها قاصرة الدلالة، وإنَّها ظاهرة في العدول عن نصف سورة إلى النصف الآخر من السورة الأُخرى، بحيث يكون المجموع سورة ملفّقة من سورتين، كما يشهد له تأنيث كلمة (الأُخرى) التي هي صفة للسورة لا للنصف.
ــــــ[216]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص348 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وعليه فتكون أجنبيّة عمّا نحن فيه من العدول إلى سورة أُخرى تامة»(1).
أقول: وهذا غريب؛ لأنَّه يقول: من بدأ بالقراءة في الصلاة بسورة ثُمَّ رأى أن يتركها ويأخذ في غيرها، فله ذلك: (يعني: من أي موقع منها كان ولم يحدّد النصف هنا يقيناً) ما لم يأخذ في نصف السورة الأخرى.
يعني إذا لم يأخذ في نصف السورة الأُخرى، فتدلّ بالمفهوم أنَّه إذا أخذ في نصف السورة الأُخرى فليس له ذلك، يعني: ليس له العدول من السورة الأُولى. وهذا تهافت في التعدّد كما هو واضح وهو مستحيل عملياً؛ إذ كيف يكون شرط جواز العدول تحقّق العدول، فضلاً عن أن يكون المعدول إليه هو النصف الثاني من السورة الثانية.
وهذا إن دلّ على شيء فإنَّما يدلّ على عدم صياغة اللفظ في الرواية بنصّ الإمام، بل هو نقل بالمعنى من حيث لم يفهم الأصل.
فإن قلت: إنَّه يريد بالأُخرى السورة الأُولى فلا تهافت.
قلنا: كلا فإنَّ الظاهر هو الرجوع إلى غيرها وهي الثانية وليس الأُولى.
قلنا: إنَّ هذا يرفع التهافت فيتعيّن.
قلنا: يمكن رفعه بتذكير الآخر، وبدونه يبقى الظهور متهافتاً والتأويل خلاف الأصل.
هذا إذا كانت شرطيّة وذات مفهوم، وأمّا إذا كانت ظرفية (ما لم يأخذ في
ــــــ[217]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص349 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
نصف السورة الأُخرى) فستكون الرواية دالٌ على الجواز مطلقاً؛ لأنَّه لم يحدّد بالنصف في صدر الرواية.
ومن الواضح أنَّه ما دام في السورة الأُولى فإنَّه لم يأخذ في نصف السورة الأُخرى، فيكون شرط جواز العدول متحقّق باستمرار.
ثُمَّ قال في المستند: «نعم: حكى المحقّق الهمداني عن المستند أنَّ النسخة التي عنده كانت هكذا(1) بتذكير الآخر، كي يكون صفة للنصف، وحينئذٍ للاستدلال بها وجه(2) وإن كانت العبارة حينئذٍ لا تخلو عن الركاكة كما لا يخفى، وكان الأَولى لو أُريد ذلك أن يعبّر هكذا، في النصف الثاني، أو في النصف الآخر»(3).
أقول: ما الفرق أن يقول في النصف الآخر أو في نصف السورة الآخر، بحيث إنَّ إضافة لفظ السورة موجباً للركاكة، بل هو موجب للتوضيح ولا ركاكة فيه.
بقي الكلام في أمرين أهملهما في المستند، وهما: مناقشة الإجماع المحتمل هنا، والآخر: مناقشة رواية الشهيد في الذكرى.
– أما الرواية فمرسلة أكيداً، وأمّا ألفاظها فلم تنقل لكي تناقش.
– وأمّا الإجماع فهو بالنسبة إلينا من الإجماع المنقول، مضافاً إلى احتمال مدركيته برواية الدعائم أو غيرها.
ــــــ[218]ـــــــ
(1) في نصف السورة الآخر، (منه).
(2) بغض النظر عن السند، (منه).
(3) مستند العروة الوثقى: ج14 ص349 – 350 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
إذن، فالتحديد بالنصف لا دليل عليه، ومقتضى المطلقات السابقة الجواز وإن تجاوز النصف.
قال: «وأمّا رواية الشهيد فقد حُكِيَ في الوسائل، وكذا المجلسي في البحار عن الذكرى، نقلاً من كتاب نوادر البزنطي، عن أبي العباس عن أبي عبد الله في الرجل يريد أن يقرأ السورة فيقرأ في أُخرى، قال: يرجع إلى التي يريد وإن بلغ النصف.
بتقريب أنَّها ظاهرة في أن بلوغ النصف هو غاية الحدّ؛ ولذا عبّر عنها بكلمة (أنَّ) الوصلية لإدراج الفرد الخفي، وإلاّ لقال (وإن جاوز النصف)»(1).
واعترض عليه في المستند بإشكال في السند وإشكال في الدلالة.
أمّا السند «فلعدم وضوح طريق الذكرى إلى كتاب البزنطي. قال: والمراد بأبي العباس هو الفضل بن عبد الملك البقباق؛ لأنَّ الواقع في هذه الطبقة ليس غيره، فلا إشكال من أجله.
هذا مع أنَّ صاحب الحدائق ذكر أنَّ النسخ التي وقف عليها من الذكرى عارية عن إسناد الرواية إلى أبي عبد الله، بل مروية عن أبي العبّاس نفسه، ولم يعلم أنَّها فتواه أم رواية عن الإمام. وعليه فتكون الرواية مضافاً إلى الإرسال مقطوعة أيضاً»(2) بل هي فتوى أبي العبّاس نفسه ولو احتمالاً.
وأمّا إشكاله في الدلالة قال: «فإنَّ ما ذُكر لا يتجاوز الإشعار، ولا يبلغ حد
ــــــ[219]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص350 من الموسوعة.
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص350 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الاستدلال؛ لإمكان أن يكون التعبير بقوله: (وإن بلغ النصف) إشارة إلى الفرد النادر؛ إذ قلّما يعدل المصلّي عن السورة بعد بلوغ نصفها، والغالب في العدول قبل البلوغ إلى هذا الحدّ كما لا يخفى. فلا يدلّ على أنَّ هذا نهاية الحدّ الشرعي لجواز العدول.
على أنَّ هاتين الروايتين -رواية الدعائم والذكرى- تعارضهما موثقة عبيد بن زرارة المتقدّمة المصرّحة بجواز العدول ما بينه وبين أن يقرأ ثلثي السورة»(1).
[التعليق على ما أفاده صاحب المستند]
ولنا على ذلك عدّة تعليقات:
التعليق الأوّل: في الاستفادة من الرواية نفسها: فإنَّ ظاهر الأمر فيها هو الوجوب، بل ظاهره الوجوب الشرطي، وهذا يعني أنَّ إرادة قراءة سورة موجب لتعيّنها، ولا يجوز تجاوزها ويجب الرجوع إليها، وهو مضمون غير محتمل، وهذا هو ظاهرها فتسقط عن الحجّيّة؛ إذ لا يحتمل حتّى الاستحباب في ذلك.
فإن قلت: هو أمرٌ في مورد احتمال الحضر، فلا يدلّ إلاّ على الجواز.
قلنا: ذلك محتمل إلّا أنَّ السياق في السؤال دالٌ على الاستفهام عن اللزوم واحتمال فساد السورة الثانية، باعتبار كونها مسبوقة بإرادة غيرها، فلا يكون مورد احتمال الحضر، بل احتمال اللزوم، فيكون ظاهراً بالوجوب.
التعليق الثاني: أنَّنا لو سلّمنا ظهوره بالجواز دون الوجوب فتحديده بالنصف عرفي وليس دقّياً.
ــــــ[220]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص351 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وبتعبيرٍ آخر: يمكن تجريد النصف عن الخصوصيّة، وإنَّما ذكره كمثال غالب أو كونه مورداً لاحتمال المنع متشرّعياً وهو الفرد الخفي، فيكون دالاً على الجواز مطلقاً وإن تجاوز النصف.
التعليق الثالث: أنَّه قال في مورد المناقشة: إنَّه إشارة إلى الفرد النادر؛ إذ قلّما يعدل المصلّي عن السورة عند بلوغ نصفها(1).
وهذا صحيح عملياً إلاّ أنَّه تحويل على أمر اختياري؛ لوضوح أنَّ العدول وعدمه أمر اختياري للمصلّي، والأمر الاختياري لا تصحّ منه السيرة أو الكثرة أو الندرة.
فإن قلت: فإنَّ السير المتشرّعيّة كلّها اختيارية، وهي معتبرة فقهيّاً كالسيرة على الفتوى مثلاً.
قلنا: ذاك نظر إلى المعلول وهو أصل الفعل، وأمّا هنا فالنظر إلى العلّة وهي إرادة العدول، وهذه الإرادة يمكن تحقّقها وعدمها سواء زاد عدد العادلين أم قلّ.
التعليق الرابع: وممّا ذكرناه في التعليق الثاني يظهر عدم تعارضها مع رواية عبيد بن زرارة التي تجيز العدول وإن بلغ الثلثين؛ لأنَّ التعارض فرع الاستفادة منها المنع إذا تجاوز النصف وإن لم يبلغ الثلثين، وهذا ما نفيناه في التعليق الثاني. فراجع.
التحديد الثالث: بالثلثين
وقد اختاره -كما في المستند(2)- في كشف الغطاء، فإنَّه استند إلى موثقة عبيد بن زرارة، وهي معتبرة سنداً وتامّة دلالة، حسب اعتقاد المستند.
ــــــ[221]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) المصدر السابق.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
قال: «صريحة الدلالة، ولا إشكال عليها إلاّ من حيث إعراض الأصحاب عنها؛ لأنَّ المشهور هو القول الثاني(1) وهو النصف». فإن بنينا على قادحية الإعراض سقطت عن الحجّيّة، وإلاّ -كما هو المختار- فلا مانع من الاعتماد عليها. ومن ذلك تعرف قوّة هذا القول. وقد مال إليه في المستند فعلاً.
والرواية كما في الوسائل: وعنه، عن محمد بن أبي عمير، عن عبد الله بن بكير، عن عبيد بن زرارة -والظاهر أنَّها صحيحة وليست موثّقة؛ لأنَّه ليس أحدهم من أبناء العامّة، كل ما في الأمر أنَّ عبيد بن زرارة لم يوثّق بصراحة، وإنَّما ورد المدح فيه المساوق للوثاقة، وهذا يكفي في الحجّيّة- عن أبي عبد الله: «في الرجل يريد أن يقرأ السورة فيقرأ غيرها، قال: له أن يرجع ما بينه وبين أن يقرأ ثلثيها»(2).
وقد سمعنا في المستند أنَّه يقول: إنَّها صريحة. وهي إنَّما تكون كذلك لأنَّ عنوان الثلثين مأخوذ فيها بالمطابقة، إلاّ أنَّه من الواضح أنَّه لا تلازم بين الجواز قبل الثلثين والمنع بعد الثلثين، إلاّ أن نفهم من ظهورها مثل هذا المنع.
وتقريب هذا الفهم متوقّف على فهم المفهوم من النصّ، وهو ليس إلاّ مفهوم العدد أو مفهوم الوصف، وهما غير معتبرين في محالّهما فأين الصراحة في الرواية.
نعم، يبقى أحد وجهين يمكن أن يُقال أحدهما في تتميم المفهوم:
الوجه الأوّل: أنَّ العبارة قد لا تكون دالاً على المفهوم بنحو القضيّة الكليّة، وإنَّما تكون دالاً عليه بنحو القضيّة الجزئيّة، وهذا يكفي هنا للتحديد.
ــــــ[222]ـــــــ
(1) وهو النصف (منه).
(2) الوسائل: ج6 ص101 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
قلنا: كلا؛ لما يلي:
1- إنَّ هذا إنَّما يكون حجّة في مورد اقتضائه للقضيّة الكلّيّة إلاّ أنَّه منع مانع عن ذلك فيبقى بنحو القضيّة الجزئيّة، وأمّا هنا فلا اقتضاء للدلالة على المفهوم أصلاً.
2- إنَّ القضيّة الجزئيّة تكون بمنزلة المهملة والمجملة، لا يصحّ الاستدلال بها خارج القدر المتيقّن.
الوجه الثاني: إنَّ كل قيد فله مفهوم من الجملة كما لو قال: (أعتق رقبة مؤمنة)، فلو أعتق مطلق الرقبة لم يجزئ. وبتعبير آخر: إنَّ وجود القيد لابدَّ له من حكمة وإلاّ كان وجوده لغواً، والحكمة ليست إلاّ التقيّد به، وهو نحو من الدلالة المفهوميّة.
أقول: أثر المفهوم هنا هو دلالته على النفي من الحصّة الخارجة عن القيد ولو بنحو القضيّة الجزئيّة، مع أنَّه لا توجد هذه الدلالة، بل تكون تلك الحصّة مجرى للأُصول العمليّة باعتبار خلوّ موردها من الأمارات. فقد يكون مقتضى الأُصول هو عدم الإجزاء، فنفهم المفهوم عن طريق الأُصول العمليّة -لو صحّ التعبير- الذي هو نتيجة المفهوم وليس مفهوماً ظهورياً؛ لوضوح أنَّ العدد والوصف لا مفهوم له.
فإن قلت: فإنَّ العدد له مفهوم بنحو القضيّة الجزئيّة، وإنَّما يكون هذا ساقطاً فيما إذا لم يكن له أثر، وأمّا إذا كان له أثر فيكون معتبراً. والأثر هنا موجود وهو تقييد المطلقات الدالّة على جواز العدول مطلقاً.
ــــــ[223]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وكذلك الحكومة على الأُصول العمليّة المقتضية لجواز العدول مطلقاً، كما لو ورد: (أعتق رقبة) وورد بدليل منفصل: (أعتق رقبة مؤمنة) فإنَّه يقيّد العامّ أو المطلق بمفهومه لا بمنطوقه، كما هو واضح؛ إذ لا ملازمة بين جواز عتق المؤمنة وعدم جواز عتق غيرها، إلاّ بالظهور المفهومي، وإذا منعنا ذلك انسدّ باب التقييد والتخصيص مطلقاً.
قلنا: هذا ممّا لابدَّ منه، وسرّه وجود المفهوم بنحو القضيّة الجزئيّة، بحيث لولاه لكان التقييد لاغياً. والظاهر أنَّ هذا هو الوجه الذي كان يراه في المستند حين قال بصراحة العبارة وإلاّ فهي ليست كذلك كما رأينا.
إلاّ أنَّ هذا كلّه يتوقّف على أن يراد من الثلثين المعنى الدقّي لهما، كما يريد المشهور فهمه. وقد ناقشناه وظهر زيفه، وإنَّما المراد به المعنى العرفي الذي يفهمه الشخص العرفي.
ومن الواضح أنَّه عندئذٍ لا يبقى له أثر معتدٍّ به إطلاقاً بالنسبة لأغلب سور القرآن الكريم؛ لأنَّ تجاوز الثلثين بالدقّة ليس بتجاوز في العرف، فإذا كانت السورة صغيرة أو متوسّطة لم يفرق العرف بين ثلثيها والقرب من نهايتها، ويمكن القول: إنَّ التحديد بالثلثين بمنزلة المتعذّر عرفاً وليس هذا كالتحديد بالنصف، فإنَّ له فهم عرفي تقريبي يمكن البناء عليه.
وأمّا الثلثان فمن ناحية القلّة يرجع إلى النصف ومن ناحية الكثرة يكاد أن يصل إلى النهاية، والتحديد بالكثرة جائز لأنَّه لا يصدق عرفاً أنَّه وصل إلى الثلثين أو تجاوزهما.
ــــــ[224]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
مضافاً إلى مرحلة الإثبات، وهو أنَّ المصلّي العرفي كيف له أن يعرف خلال صلاته أنَّه وصل إلى الثلثين أو تجاوزهما؟ إلاّ أن يؤمر بالاحتياط وأخذ المقدّمة العلميّة من هذه الناحية، فلا يجوز له العدول حتى قبل الثلثين.
إلاّ أنَّ هذا ممنوع ومحكوم لإطلاق الرواية التي تجيز الثلثين العرفيين، وهو معنى جواز الزيادة على الثلثين الدقّيين، فيرجع إلى ما قلناه.
نعم، قد يظهر أثره في السور الطوال كالأنعام، والأنفال ونحوهما، إلاّ أنَّنا قلنا: إنَّ هذه السور لعلّها خارجة عن عنوان الباب أساساً؛ لأنَّ طولها يقتضي الخروج عن صورة الصلاة.
ومعه فلا أثر للتحديد بالثلثين، وإن كان هو الأحوط وجوباً، مع الالتفات إليه، والأحوط استحباباً الالتزام بالمقدّمة العلميّة التي ذكرناها، أي: عدم العدول مع احتمال الوصول إلى الثلثين.
[عدم جواز العدول عن سورتي التوحيد والجحد]
يبقى الكلام في التوحيد والجحد، والمشهور يقول بعدم جواز العدول عنهما مطلقاً إلاّ إلى الجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة أو ظهر الجمعة، لو كان الشروع بهما سهواً من هذه الناحية لا عمداً.
قال في العروة(1): «إلاّ من الجحد والتوحيد، فلا يجوز العدول منهما إلى غيرهما، بل (لا يجوز العدول) من إحداهما إلى الأُخرى بمجرّد الشروع فيهما ولو بالبسملة»(2).
ــــــ[225]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج6 ص189 ط جماعة مدرسين.
(2) بعد البناء أنَّ البسملة من السورة كما هو الصحيح.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
قال في المستند(1): «بلا خلاف ولا إشكال، وهذا صحيح، إلاّ أنَّ الإجماع هنا وإن كان محرزاً ومحصّلاً، إلاّ أنَّه مدركي لوجود الروايات المعتبرة في مورده على ما سنسمع، وليس وجوده أهمّ من الروايات ليكون تعبّدياً.
فلا يجوز العدول عنهما بعد الشروع بالمعنى الذي قدّمناه، أعني: تبديل الامتثال بالامتثال».
أقول: ليس هذا من تبديل الامتثال بالامتثال، وإنَّما يصدق ذلك مع الانتهاء من جميع الفردين كما لو كرّر الصلاة الأفرادية جماعة، وأمّا في مورد المسألة فهو يقرأ بعض السورة فلم يسقط تكليفه بها ما لم يتمّها. وإذا أتمّها فلا إشكال في عدم جواز قراءة سورة أُخرى ليكون من تبديل الامتثال بالامتثال، وإنَّما يكون مصداقاً للقرآن الممنوع شرعاً.
بل حتى لو كان القرآن مائزاً كما يبدو من بعض عبارات المستند، فإنَّ معناه الجمع في الامتثال بين السورتين لا تبديل الامتثال بالامتثال.
إذن، سواء أتمّ السورة الأُولى أو أنقصها لا يكون من تبديل الامتثال بالامتثال.
قال: «فتسقط(2) ساير السور عن صلاحية الجزئيّة»(3). لأنَّها تكون ممنوعاً عنها في ذلك الظرف. وهذه نكتة لطيفة، إلاّ أنَّ الصحيح تعيّن ما بدأ به من السورتين
ــــــ[226]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص353 من الموسوعة.
(2) في طول اختيار إحدى السورتين، (منه).
(3) مستند العروة الوثقى: ج14 ص354 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
فتسقط جزئية كل السورة حتى السورة الأُخرى كالجحد إذا بدأ بالتوحيد، وليس سائر السور فقط. إلاّ أنّنا نريد بسائر السور ما يعمّ الثانية منهما.
ثم قال: «فإن بنينا على المنع عن التبعيض(1) وجب الإتمام، وإلاّ(2) جاز الاقتصار على ما قرأ»(3) لأنَّ الممنوع في هذه المسألة هذا الانتقال إلى سورة أُخرى لا الاقتصار على بعض السورة الأُولى، أو قل: إنَّ الممنوع هو الاقتصار على بعض السورة الأُولى بقيد الانتقال إلى الثانية، فإذا لم يحصل الثانية وقلنا بكفاية قراءة بعض السورة بعد الفاتحة كفى أن يقطع السورة التي بيده.
وهذا هو الذي يظهر من عبائر المستند، وهو مشكل جدّاً وخلاف المشهور، ولا يمكن القول به. ولا أقل من الاحتياط الوجوبي بسورة كاملة.
وظاهر المستند جواز القران بين سورتين وعدم وجوب إكمال سورة، وبالأَولى جواز القران بين سورة ونصف سورة، سواء كان النصف بعدها أم قبلها.
[الروايات الدالة على المطلوب]
والروايات المعتبرة سنداً والصريحة دلالة دالّة على المطلوب باب 35، منها:
1- رواية عمرو بن أبي نصر قال: «قلت لأبي عبد الله الرجل يقوم في الصلاة فيريد أن يقرأ سورة فيقرأ قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون فقال: يرجع من كل سورة إلا من قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون»(4).
ــــــ[227]ـــــــ
(1) يعني قراءة بعض السورة فقط، (منه).
(2) يعني إن أجزنا التبعيض، (منه).
(3) مستند العروة الوثقى: ج14 ص353 من الموسوعة.
(4) الوسائل: ج6 ص99 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
2- رواية الحلبي قال: «قلت لأبي عبد الله رجل قرأ في الغداة سورة قل هو الله أحد قال لا بأس، ومن افتتح سورة ثم بدا له أن يرجع في سورة غيرها فلا بأس إلا قل هو الله أحد ولا يرجع منها إلى غيرها وكذلك قل يا أيها الكافرون»(1).
3- رواية علي بن جعفر عن أخيه قال: «سألته عن الرجل أراد سورة فقرأ غيرها، هل يصلح له أن يقرأ نصفها ثُمَّ يرجع إلى السورة التي أراد؟ قال: نعم ما لم تكن قل هو الله أحد أو قل يا أيها الكافرون»(2). وفيها تقييد متّصل ومنفصل لِما دلّ على الجواز مطلقاً أو بقيد النصف ونحو ذلك.
[في العدول من إحداهما للأخرى]
إلاّ أنَّ الكلام فيما استفاده السيد اليزدي من عدم جواز العدول من إحداهما للأُخرى، وقال في المستند: «إنَّ هذا هو مقتضى الإطلاق»(3) كما أنَّ مقتضى الإطلاق أيضاً عدم جواز العدول من كل منهما حتى إلى الأُخرى، فإن كان هو مقتضى الإطلاق فقد تمّ المطلوب.
وتقريب الجواز أنَّه يقول: ولا يرجع منها إلى غيرها، والضمير المؤنّث راجع إلى كلتا السورتين من حيث المجموع، فلا يكون شاملاً لجزء هذا المجموع، وهو الرجوع من إحدى السورتين إلى الأُخرى.
إلاّ أنَّ الصحيح هو رجوع الضمير إلى سورة بعينها لا المجموع كما في
ــــــ[228]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص99 – 100 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص100 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مستند العروة الوثقى: ج14 ص354 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
صحيحة الحلبي، وتكون قرينة على الروايات الأُخرى؛ لأنَّه يقول: إلى غيرها، ومن جملة ذلك الغير السورة الأُخرى؛ ولذا لا وجه للاحتياط الوجوبي لذلك بل تتعيّن الفتوى به، حتى بالبسملة إذا قصد إحداها، فإنَّها إنَّما تتعيّن جزئيّتها بالقصد جزماً وهي جزء من كل سورة وهذا يكفي.
[جواز العدول إلى الجمعة والمنافقين]
ثُمَّ قال السيّد اليزدي في العروة: «نعم يجوز العدول منهما إلى الجمعة والمنافقين في خصوص يوم الجمعة، حيث إنَّه يستحب في الظهر أو الجمعة منه أن يقرأ في الركعة الأُولى الجمعة، وفي الثانية المنافقين. فإذا نسيّ وقرأ غيرها حتى الجحد والتوحيد يجوز العدول إليهما ما لم يبلغ النصف. وأمّا إذا شرع في الجحد أو التوحيد عمداً فلا يجوز العدول إليهما أيضاً على الأحوط»(1).
[استدلال بالأخبار]
وعليه روايات أربع في باب 69 من أبواب القراءة دالّة في الجملة على المقصود، وبعضه معتبر السند نذكرها كما يلي:
1- رواية محمد بن مسلم عن أحدهما في الرجل يريد أن يقرأ سورة الجمعة في الجمعة، فيقرأ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ قال: «يرجع إلى سورة الجمعة»(2).
2- رواية الحلبي عن أبي عبد الله: قال: «إذا افتتحت صلاتك بقل هو
ــــــ[229]ـــــــ
(1) العروة الوثقى: ج2 ص506، ط جماعة مدرسين.
(2) الوسائل: ج6 ص152-153ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الله أحد وأنت تريد أن تقرأ بغيرها فامض فيها ولا ترجع، إلاّ أن تكون في يوم الجمعة، فإنَّك ترجع إلى الجمعة والمنافقين منها»(1).
3- رواية عبيد بن زرارة، قال سألت: «أبا عبد الله عن رجل أراد أن يقرأ في سورة فأخذ في أخرى، قال: فليرجع إلى السورة الأُولى، إلاّ أن يقرأ بقل هو الله أحد. قلت: رجل صلّى الجمعة فأراد أن يقرأ سورة الجمعة فقرأ قل هو الله أحد قال: يعود إلى سورة الجمعة»(2).
4- رواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، قال: «سألته عن القراءة في الجمعة بما يقرأ؟ قال: سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون، وإن أخذت في غيرها وإن كان قل هو الله أحد فاقطعها من أوّلها وارجع إليها»(3).
والنسبة بينها وبين الأخبار المانعة هي كون هذه الأخبار أخصّ فتتقدّم، أي لا يجوز العدول عن (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ إلاّ هنا.
إلاّ أنَّ الإشكال فيه هو أنَّها جميعاً واردة بـقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ولا يوجد للجحد ذكر فيها، فلذا قال في المستند: «وأمّا الجحد فإلحاقه بالتوحيد مبني على القول بعدم الفصل -كما قيل- وأنَّه لا فرق بينهما في العدول جوازاً ومنعاً، لكن الجزم به مشكل»(4).
ــــــ[230]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص152-153ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص152-153ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مستند العروة الوثقى: ج14 ص355 من الموسوعة.
(4) مستند العروة الوثقى: ج14 ص354 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
أقول: ومثله المصير إلى الأولوية باعتبار أهمّيّة سورة التوحيد شرعاً ومتشرّعياً، فإذا جاز العدول فيها جاز في الكافرين بطريق أولى.
وجوابه: أنَّنا نعلم أهمّيّة مضمون سورة التوحيد؛ لأهمّيّة التوحيد نفسه، أمّا أهمّيّتها كسورة من القرآن فلا. ولا أقلّ من الشك المبطل للاستدلال، على أنَّها حتى لو سلّمنا أهمّيتها فإنَّ ذلك لا يقتضي المشاركة في الحكم؛ إذ لعلّ عند الشارع إدراك للواقعيات لا نعلمها.
إلاّ أنَّه يستدلّ في المستند على ذلك، يعني الشمول لسورة (الكافرين)، برواية علي بن جعفر من حيث إن (غيرها) شامل للـ(كافرين)(1).
أقول: وخاصّة مع قوله: وإن كان قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ بنحو الواو الوصلية، وهو مشعر بأهمّيّة سورة التوحيد وأولويّة الجحد بالترك كما قلنا في الوجه السابق.
إن قلت: إنَّ باب 69 (في رجل) فيعم المفرد مع اشتراط الجمعة بالجماعة، فكيف نفهم صلاة الجمعة منه؟
قلنا: جوابه:
1- إنَّه يراد المحلّ المختصّ به وهو الإمام.
2- أن يراد محلّ جواز قراءة المأموم، كما إذا لم يسمع ولا همهمة.
3- أن يراد محلّ تمكّن قراءة المأموم، كما لو كان الإمام عامّياً. والظاهر: أنَّ هذا هو الغالب فكانوا يحضرون ويقرأون.
ــــــ[231]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص354 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[اشكال سندي]
إلاّ أنَّ الإشكال فيها سنداً؛ لأنَّ فيها عبد الله بن الحسن وهو ضعيف، إلاّ أنَّه في المستند(1) يحاول تصحيحه للاتحاد بين هذا وبين الرواية الثالثة في الباب الخامس والثلاثين من أبواب القراءة وهي الرواية التي سبق أن قرأناها، وقد رواها عن عبد الله بن الحسن ثُمَّ قال: ورواها علي بن جعفر في كتابه. فيلزم مع اتحاد الروايتين أن تكون هذه الرواية هنا أيضاً مروية عن كتاب علي بن جعفر الذي هو معتبر، فيقول صاحب المستند(2): إلاّ أنَّ صاحب الحدائق رواها عن كتاب علي بن جعفر وطريقه إليه المنتهي إلى طريق الشيخ صحيح كما اشرنا إليه غير مرة.
ثُمَّ أمر بالملاحظة، من حيث إنَّ اتحاد الروايتين ممّا لا دليل عليه، وإن اتحدا في الموضوع أو المتعلّق. كما أنَّ طريق صاحب الحدائق غير محرز الصحّة عندنا. وكما نسب السهو إلى صاحب الوسائل في تركه للتعرّض للطريق الصحيح، كذلك يمكن نسبة السهو لصاحب الحدائق في نسبته الخبر إلى كتاب علي بن جعفر.
مضافاً إلى الهامش المذكور في المستند والظاهر أنَّه للمقرّر وفيه: ولو صحّ هذا مناطاً للاتحاد لأصبحت جميع مسائل علي بن جعفر رواية واحدة. ومراده الاتحاد من حيث السائل والمجيب، فإنَّهما محفوظين في كلّ مسائل علي بن جعفر عن أخيه موسى.
ــــــ[232]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص356 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[مناقشة دلالية]
وللمستند هنا مناقشة دلاليّة معيّنة وهي أنَّه يقول: وحينئذٍ تكون النسبة بينها(1) وبين ما دلّ على عدم جواز العدول عن الجحد إلى غيرها -كما سبق – نسبة العموم من وجه؛ إذ الأُولى مطلقة من حيث الجحد وغيرها وخاصّة بيوم الجمعة(2).
ثُمَّ يقول بالتساقط في مورد الاجتماع، ويرجع إلى الأصل المؤمّن عن المنع عن العدول في سورة (الكافرون) وإلى الإطلاقات الدالّة على جواز العدول مطلقاً، كموثّقة عبيد بن زرارة وغيرها فليتأمّل.
إلاّ أنَّ الكلام في تصوّر كون النسبة هي العموم من وجه، مع العلم أنَّه من الواضح أنَّها هي العموم المطلق، والعموم في طرف الدليل القائل بالمنع عن العدول في سورتي التوحيد والجحد، والشامل ليوم الجمعة، وهذا الدليل -وهو رواية علي بن جعفر- خاصّ فيهما بيوم الجمعة، فيتقدّم بالتخصيص، ولا تصل النوبة إلى التعارض.
ومن الواضح أنَّ هذا كما مرّ مقيّد بقيدين: أحدهما: في الجمعة، وثانيهما: أنَّه العدول سورتي الجمعة والمنافقين دون غيرهما، فكيف تكون النسبة بينه وبين دليل المنع هي العموم من وجه.
وظاهر المستند أخذ النسبة كما يلي: إنَّ ما دلّ على جواز العدول يوم الجمعة
ــــــ[233]ـــــــ
(1) يعني: رواية علي بن جعفر، (منه).
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص356 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
شامل الجحد وغيره، ولكنّه خاصّ بيوم الجمعة، وما دلّ على منع العدول في الحجّة والتوحيد شامل ليوم الجمعة وغيره. فيجتمعان في الجحد في يوم الجمعة(1).
أقول: إلاّ أنَّ هذا مجرّد افتراض؛ لأنَّ ما دلّ على جواز العدول يوم الجمعة خاصّ بالجحد والتوحيد، ولا يعمّ غيره إلاّ بالالتزام، ويمكن الرجوع في غيرهما إلى ما دلّ على جواز العدول في كلّ سورة إلاّ الجحد والتوحيد، مع ضمّ دليل استحباب الجمعة والمنافقين، فيكون العدول مستحباً إليهما.
[هل جواز العدول يوم الجمعة يخصّ صلاة الجمعة؟]
ثُمَّ قال في المستند: «هل المراد بالصلاة المستثناة عن هذا الحكم يوم الجمعة هي صلاة الجمعة خاصّة(2) كما اختاره صاحب الحدائق أو بإضافة الظهر إليها كما عليه المشهور أو بزيادة العصر أيضاً كما عن جامع المقاصد أو الجميع مع صلاة الغداة كما احتمله في الجواهر وإن لم يظهر له قائل، أو يُضاف على الكلّ بعد إخراج العصر صلاة العشاء من ليلة الجمعة كما عن الجعفي؟ وجوه، بل أقوال. والأقوى ما عليه المشهور كما ستعرف»(3).
ولم يقل ما هو المشهور، والظاهر أنَّه في الجمعة والظهر من يوم الجمعة.
وهذا له أثرٌ؛ لأنَّ هذا التعميم يحتاج إلى دليل، وإلاّ كان العدول عن الجحد والتوحيد ممنوعاً ومبطلاً للصلاة، اللهم إلاّ أن يُقال: إنَّه ليس في دليل المنع إطلاق
ــــــ[234]ـــــــ
(1) لاحظ: مستند العروة الوثقى: ج14 ص355 من الموسوعة.
(2) وهي القدر المتيقّن، ويتحصّل من جميع الأقوال التسالم فيها، (منه).
(3) مستند العروة الوثقى: ج14 ص357 – 358 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
فيقتصر منه على القدر المتيقّن، فتكون هذه الموارد خارجة عنه فتجوز كلّها لمجرّد احتمال الخروج.
إلاّ أنَّ الصحيح هو كون الإطلاقات الدالّة على المنع تامّة سنداً ودلالة، فما لم نحرز المقيّد التامّ سنداً ودلالة ليس لنا أن نفتي بجواز العدول.
قال: «أمّا مقالة الحدائق(1) فقد استدلّ عليها: بأنَّ لفظ الجمعة في هذه الأخبار كصحيحة محمّد بن مسلم، وموثقة عبيد، وصحيحة (رواية) علي ابن جعفر منصرف إلى صلاة الجمعة.
نعم، في صحيحة الحلبي: يوم الجمعة، لكنَّ الإطلاق منزّل على صلاة الجمعة بقرينة تلك الأخبار، فيحمل المطلق على المقيّد، ويقتصر في جواز العدول على المتيقّن، ويرجع في غيره إلى إطلاق دليل المنع.
لكنه كما ترى؛ إذ فيه:
أوّلاً: أنَّه لا موجب لرفع اليد عن إطلاق صحيح الحلبي المخصّص لعموم المنع؛ إذ ليس المقام من موارد حمل المطلق على المقيّد لاختصاصه بالمتنافيين»(2).
جوابه: إنَّ هذا ليس من باب التقييد بل من باب القرينيّة، ولذا بيّنا القرينية المنفصلة، فالقرينة المتّصلة الارتكازية موجودة، وهي الالتفات إلى أنَّ أهمّ صلاة رئيسية في يوم الجمعة هي صلاة الجمعة، بحيث لا يلتفت المتشرّعة إلاّ إليها. وقد كان هذا هو المتسالم على صحتّه بين المتكلّم والسامع وهذا يكفي.
ــــــ[235]ـــــــ
(1) وهو أنَّ المراد بها صلاة الجمعة خاصّة، (منه).
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص357 – 358 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
قال: «ثانياً: إنَّ تلك الأخبار في أنفسها غير صالحة للتقييد (يعني: غير صالحة بالظهور بخصوص صلاة الجمعة)؛ فإنَّ السائل كعلي بن جعفر متى سنح له الزمان في عصر موسى بن جعفر وغيره أن يصلّي صلاة الجمعة إماماً حتى يكون هو القاري؛ كي يسأل عن حكم العدول، ولو كان مأموماً فوظيفته الظهر في نفسه خلف الإمام المخالف»(1).
أقول: هذا يحتاج إلى ضمّ كبرى تقول: إنَّ الراوي لا يسأل إلاّ عن تكليف نفسه أو عن مشكلة معاشة له فعلاً، وهذا من الغرائب، بل من قطعيات العدم؛ فإنَّ أكثر الرواة بما فيهم علي بن جعفر نفسه، كما يظهر من عشرات الأسئلة في مختلف الروايات أنَّه يسأل أسئلة افتراضية وليست فعلية، وليس للسؤال ظهور بالفعلية أصلاً.
قال: «إذ لم تكن صلاة الجمعة معهودة، ولا محلاً للابتلاء بالإضافة إلى أصحاب الأئمّة حتى يتعرّض لحكمها من حيث العدول في القراءة وعدمه فليتأمّل»(2).
أقول: والحقّ في هذا التأمّل بطبيعة الحال.
[مناقشة صاحب المستند في منع الانصراف]
قال: «وثالثاً: أنَّ دعوى انصراف لفظ الجمعة إلى صلاتها كما ذكره ممنوع، بل الظاهر أنَّه موضوع للأعمّ منها ومن الظهر يوم الجمعة، كما أطلق على
ــــــ[236]ـــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص358 – 359 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ذلك في غير واحد من الأخبار؛ لأنَّهما حقيقة واحدة قد أُبدلت الركعتان الأخيرتان بالخطبتين»(1).
أقول: وفيه عدّة مناقشات:
أوّلاً: أنَّ لفظ الجمعة موضوع لمعنى واحد وهو يوم الجمعة، وأمّا استعماله بغيره فيحتاج إلى تقدير مضاف. ويتغيّر المعنى بحسب هذا التقدير، كصلاة الجمعة أو سورة الجمعة، فهو ليس موضوعاً لصلاة الجمعة ولا للأعم من الظهر والجمعة كما زعم.
نعم، لصاحب الحدائق أن يقول: إنَّه لا يحتمل الاستعمال في الزمان نفسه. إذن فلابدَّ من التقدير، ولا يحتمل تقدير (سورة الجمعة)؛ لأنَّه يتحدّث عن القراءة في الصلاة والعدول فيها فيتعيّن تقدير (صلاة الجمعة) بالقرينة العامّة الارتكازية. ومع تقديره صلاة الجمعة لا يحتمل أنَّها تعمّ صلاة الظهر بعنوان أنَّها عينها أو بديل عنها كما زعم.
ثانياً: أنَّه قال: كما أطلق على ذلك في غير واحد من الأخبار، فأين تلك الأخبار. وإنَّما يكون ذلك في طول فهمه لها، فإن منعنا هذا الفهم انتفى المطلب أساساً.
ثالثاً: ما زعمه من أنَّ الجمعة والظهر حقيقة واحدة غير صحيح متشرّعياً، وإنَّما هما بديلان، والفرق بينهما واضح أكيداً. ويكفي الفرق في العنوان وفي الأُسلوب وفي الشروط.
ــــــ[237]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص 359 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
رابعاً: أنَّ ما قاله من أنَّ الخطبتين بديل الركعتين، وإن كان معنىً مشهورياً، إلاّ أنَّه لم يثبت بدليل كافٍ لكي يكون مقدّمة في برهان منتجٍ؛ إذ لو كان الأمر كذلك لكانت الخطبتان بعد الركعتين؛ لأنَّهما بديل الثالثة والرابعة، أو لتعيّن في الركعتين التسبيح دون الحمد والقنوت، ولبطلت الصلاة مع الكلام فيهما أو بعدهما أو استدبار القبلة ونحوه، وكلّه غير محتملٍ.
إذن فالمتعيّن كلام الشيخ صاحب الحدائق من أنَّ المراد بمورد جواز العدول هو صلاة الجمعة خاصّة، وخاصة بعد أن نلتفت أنَّ سورة الجمعة وسورة المنافقين إنَّما هما مستحبّان فيها لا في الظهر البديلة عنها، ولا أقلّ أنَّ هذا هو المرتكز متشرّعياً بحيث يكون كالقرينة المتّصلة على فهم الكلام.
ومن نتائج ذلك عدم جواز العدول في الركعة الأُولى إلى المنافقين وفي الثانية إلى سورة الجمعة. وإنَّما جواز العدول بمقدار هذا الاستحباب لأهمّيّته. ويبقى العكس داخلاً تحت إطلاق المنع، كما أنَّ جواز العدول في الظهر يبقى داخلاً تحت إطلاق المنع أيضاً.
وعلى أيّ حالٍ فلو تنزّلنا عن فهم خصوص صلاة الجمعة، فلا أقلّ من إجمال العبارة من حيث الشمول لصلاة الظهر.
وكان الأَولى به أن يستدلّ بأنَّ ظهور لفظ الجمعة وضعاً إنَّما هو في يوم الجمعة، وكذلك قد وقع التصريح به في صحيحة الحلبي، وحيث لا يراد الزمان. إذن يراد الصلوات الواقعة فيه فتكون أعمّ من الظهر والجمعة.
إلاّ أنَّ هذا مردود بما قلناه من الانصراف المتشرّعي لصلاة الجمعة حتى عند
ــــــ[238]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
التصريح بيوم الجمعة فضلاً عن غيره. ولو تنزّلنا لم يكن موجباً للاختصاص بالظهر، بل يشمل كل الصلوات التي تصلّى في ذلك الزمان، وهي الجمعة والظهر والعصر، وهي نتيجة لا يقبل بها على أي حال.
[مناقشة في وجوه أخرى لجواز العدول]
وحيث أثبتنا الاختصاص بصلاة الجمعة، وعدم الشمول لصلاة الظهر البديلة لها، فلا يحتمل أن يكون شاملاً للعصر فضلاً عن صلاة الغداة، فضلاً عن غيرهما، وهذا واضح. ولكن لا بأس من ذكر الوجوه الأُخرى ولو مختصراً:
قال في المستند: «وأمّا إلحاق العصر، فوجهه إطلاق اليوم في صحيحة الحلبي(1) ولا يقدح اشتمال بقية الأخبار على الجمعة الظاهر في صلاة الجمعة وظهرها (أو هي خاصّة) لعدم التنافي حتّى يلزم حمل المطلق على المقيّد»(2) بل نعمل بالمطلق على حاله.
ويؤيّده أنَّ (اليوم) لغة: هو النهار من طلوع الشمس الى غروبها، فذكرنا هذه الثلاث صلوات فيها الواقعة فيه دون غيرها، فيشمل الإطلاق صلاة العصر لا محالة.
وجوابه من وجوه:
أوّلاً: أنَّنا فهمنا من يوم الجمعة في صحيحة الحلبي صلاة الجمعة، فلا يمكن أن تعمّ غيرها.
ــــــ[239]ـــــــ
(1) كان له إطلاق لكل الصلوات الواقعة فيه، (منه).
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص 359 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ثانياً: أنَّ هذا ليس من قبيل الإطلاق، فإنَّ اللفظ المطلق من قبيل الكلّي أو اسم الجنس ينحل إلى الجزئي. وأمَّا اليوم فهو ليس كلّياً بل (كُلّ) ينحل إلى الجزء لا إلى الجزئي، فإن كان يشمل الصلوات فبالانحلال إلى الجزء وليس بالإطلاق. كشمول لفظ (السكنجبين) للخلّ الذي فيه وللسكر الذي فيه.
ثالثاً: ما ذكره في المستند نقضاً وأنَّه لو كان جواز العدول لاستحباب القراءة لزم التعدّي إلى ساير الصلوات لاستحباب قراءة سورة خاصّة فيها كسورة الفجر في صلاة الغداة أو الدهر في صلاة العشاء.
أقول: مضافاً إلى أنَّنا عندئذٍ نحتاج إلى إثبات الصغرى في المرتبة السابقة، أعني: استحباب قراءة الجمعة والمنافقين في صلاة العصر لكي تكون صغرى للمورد.
إلاّ أنَّ هذا الوجه غير وارد على المستشكل؛ لأنَّ الوجه الذي ذكره ونقلناه عن المستند لا يبتني على الاستحباب أصلاً، بل على إطلاق لفظ يوم الجمعة لسائر الصلوات لو تمّ.
ومن الوجوه ما ذكره في المستند(1): من أنَّ الوجه في جواز العدول هو شدّة الاهتمام من قبل المولى بقراءتهما في صلاة الجمعة بالمعنى الأعمّ الشامل للظهر، بحيث يكاد أن يكون واجباً، كما يفصح عنه التعبير بكلمة (لا ينبغي) في صحيحة زرارة.
ــــــ[240]ـــــــ
(1) لاحظ: المصدر السابق.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وجوابه:
1- مقتضى قوله أنَّ الجواز ثابت في كل مورد حصل فيه هذا الاهتمام الكبير شرعاً حتّى في غير يوم الجمعة، أو متى ورد مثل قوله: لا ينبغي، ولا ينبغي أن نعتبر هذا المورد الوحيد في ذلك.
2- لا ملازمة بين استحباب قراءة الجمعة والمنافقين في صلاة الظهر من يوم الجمعة، وبين جواز العدول إليهما من التوحيد والجحد. كما هو واضح. كما لا ملازمة بين هذا الاستحباب وكونها مقصودة من صحيحة الحلبي، ما لم يحصل استظهار فعلي لصلاة الظهر من الصحيحة ولم يحصل.
3- لا يوجد شيء اسمه صلاة الجمعة بالمعنى الأعمّ، بحيث يكون من قبيل الكلّي الذي له فردان، بل هما بديلان تعبّداً مع الإقرار بكونهما متباينين بالأجزاء والشرائط إلاّ من حيث أصل صدق الصلاة عليهما الشامل لغيرهما أيضاً.
بل بناءً على قوله: من أنَّ الركعتين بدل الخطبتين يشكل ذلك أيضاً، أعني: صدق الصلاة على صلاة الجمعة، كما اعترف المشهور بعدم صدق الصلاة على صلاة الميت، وكما قال الشيخ الهمداني في بعض تحقيقاته من عدم إمكان تركّب الصلاة الرباعية من ركعتين مع التصدق بدرهمين، فإنَّ هذا مرفوض بالارتكاز المتشرّعي، وكذلك تركّب الرباعية من الركعتين وخطبتين.
فإمّا أن نقول: إنَّ الخطبتين ليست بدل الركعتين حقيقة، وإمّا أن نقول: إنَّ هذا المجموع ليس صلاة أصلاً.
ــــــ[241]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[وظيفة المكلّف الأساسية في الركعتين الأخيرتين]
قال المحقّق: «والمصلّي في كل ثالثة ورابعة بالخيار، إن شاء قرأ الحمد وإن شاء سبّح، والأفضل للإمام القراءة»(1).
والكلام فيها يقع في جهات:
الجهة الأُولى: في أنَّ الوظيفة الأساسية في الركعتين الأخيرتين هي التسبيح
وواضح من عبارة المحقّق، كما هو واضح من عبارة العروة(2): أنّهم يبدأون رأساً بيان التخيير بين الحمد والتسبيح، حتى أنَّه في المستند لم يذكر فصلاً أو جهة على ثبوت أصل التسبيح، بل يبدأ بالاستدلال على التخيير.
وهذا منهم (قدّس سرّهم) على اعتبار الارتكاز بأنَّ الواجب الأصلي في كل الركعات هو الحمد، لكنّها في الأولتين ليس لها عدل وبديل وفي الأخيرتين لها عدل وبديل.
إلاّ أنَّني في ارتكازي لا أجد ذلك صحيحاً، بل الارتكاز المتشرّعي على أنَّ الواجب الأولي في الأخيرتين هو التسبيح، بل يحتمل تعيّنه حتى قالوا: إنَّ التسبيح أحوط والفاتحة أفضل. وإنَّما وجدت الفاتحة فيهما كبديل عن الوظيفة الأصليّة في التسبيح وليس كاستمرار لوجودها في الصلاة، أو في الركعتين الأولتين؛ إذ من
ــــــ[242]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص97 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص449 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الواضح أنَّه لا ملازمة بين ثبوت الحمد في الأوليين وثبوتها في الأخيرتين (إلاّ أنَّ هذا ليس له أثرٌ فقهي أو عملي).
ومن هنا يكون من الضروري أن نبدأ حيث قلنا بإثبات وجوب التسبيح أصلاً في الأخيرتين، قبل أن نستدلّ على بدلية الحمد منها.
أدلة وجوب أصل التسبيح في الأخيرتين
والكلام في ذلك ينبغي أن يقع أوّلاً عن أصل ثبوته بنحو القضيّة الإجماليّة ثُمَّ عن مقداره، وأنَّ المطلوب من التسبيح ما هو، أو هو مطلق ذكره.
فالكلام الآن بنحو القضيّة الإجماليّة، وأهم ما يستدل [به] في ذلك هو الأخبار.
الاستدلال بالأخبار
منها:
1- رواية زرارة، قال: «قلت لأبي جعفر ما يجزئ من القول في الركعتين الأخيرتين؟ قال: أن تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتكبّر وتركع»(1). وهي معتبرة السند.
2- رواية زرارة، عن أبي جعفر، أنَّه قال: «لا تقرأن في الركعتين الأخيرتين من الأربع الركعات المفروضات شيئاً إماماً كنت أو غير إمام. قال: قلت: فما أقول فيهما؟ قال: إذا كنت إماماً أو وحدك فقل: سبحان الله والحمد لله
ــــــ[243]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص109 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ولا إله إلّا الله ثلاث مرات تكمله تسع تسبيحات ثُمَّ تكبّر وتركع»(1).
3- رواية (السرائر) أيضاً نقلاً من كتاب حريز مثله، إلاّ أنَّه قال: «فقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر ثلاث مرات ثُمَّ تكبّر وتركع»(2).
4- رواية محمد بن عمران في حديثٍ أنَّه سأل أبا عبد الله فقال: لأيّ علّة صار التسبيح في الركعتين الأخيرتين أفضل من القراءة؟ قال: إنَّما صار التسبيح أفضل من القراءة في الأخيرتين لأنَّ النبي صلّى الله عليه وآله لمّا كان في الأخيرتين ذكر ما رأى من عظمة الله عزّ وجلّ فدهش، فقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر، فلذلك صار التسبيح أفضل من القراءة»(3).
5- قول الرضا: «إنّما جعل القراءة في الركعتين الأولتين والتسبيح في الأخيرتين للفرق بين ما فرضه الله تعالى من عنده وبين ما فرضه الله من عند رسوله صلى الله عليه وآله»(4).
6- رواية جعفر بن الحسن المحقق في (المعتبر)، عن علي، أنَّه قال: «اقرأ في الأولتين وسبّح في الأخيرتين»(5).
7- رواية عبيد الله بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله قال: «إذا قمت في
ــــــ[244]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص122 – 123 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص123 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج6 ص123 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج6 ص124 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(5) الوسائل: ج6 ص124 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الركعتين الأخيرتين لا تقرأ فيهما فقل: الحمد لله وسبحان الله والله أكبر»(1).
8- رواية محمد بن قيس عن أبي جعفر قال: «كان أمير المؤمنين إذا صلّى يقرأ في الأولتين من صلاته الظهر سراً ويسبّح في الأخيرتين من صلاته الظهر على نحو من صلاته العشاء، وكان يقرأ في الأولتين من صلاته العصر سراً ويسبّح في الأخيرتين على نحو من صلاته العشاء»(2). الحديث.
9- رواية سالم بن أبي خديجة، عن أبي عبد الله قال: «إذا كنت إمام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأولتين، وعلى الذين خلفك أن يقولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر وهم قيام، فإذا كان في الركعتين الأخيرتين فعلى الذين خلفك أن يقرؤا فاتحة الكتاب وعلى الإمام أن يسبّح مثل ما يسبّح القوم في الركعتين الأخيرتين»(3).
إذن فالروايات مستفيضة وفيها معتبر، والأدلّة اللبّية عليه كالإجماع والسيرة المتشرّعية والارتكاز المتشرّعي إلى حدٍّ يعتبر من ضروريات الفقه، ويكاد أن يكون من ضروريات الدين -لا أقلّ في داخل المذهب- أعني: أصل ثبوت التسبيحات.
ويدعمها روايات التخيير الآتية، فإنَّها تدلّ على ثبوتها في الجملة، فتكون الروايات على ذلك متواترة أو تكاد. ولا حاجة إلى كثرة الكلام فيها.
ــــــ[245]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص124 – 125 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص125 ح9، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج6 ص127 ح14، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[المعارضة برواية الاحتجاج]
إلاّ أنَّه قد يُقال: إنَّه يعارضها رواية واحدة تدلّ على تعيّن الحمد وعدم مشروعيّة التسبيح، وهي رواية (الاحتجاج) عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن صاحب الزمان: «أنه كتب إليه يسأله عن الركعتين الأخيرتين قد كثرت فيهما الروايات، فبعض يرى أن قراءة الحمد وحدها أفضل، وبعض يرى أن التسبيح فيهما أفضل، فالفضل لأيهما لنستعمله؟ فأجاب: قد نسخت قراءة أم الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح، والذي نسخ التسبيح قول العالم: كل صلاة لا قراءة فيها فهي خداج، إلاّ للعليل أو من يكثر عليه السهو فيتخوّف بطلان الصلاة عليه»(1).
ويجاب على ذلك بوجوه:
أوّلاً: ضعف السند، فإنَّ الطبرسي يرويها مرسلة، وكل رواياته مرسلة.
ثانياً: أنَّها من تعارض الواحد مع المتواتر القطعي فيقدّم.
ثالثاً: الحمل على التقية، كما في الوسائل(2) وقلنا في مثله: إنَّه فرع التحقّق من موضوعه.
قال في المصباح: «لما حكى عن الشافعي والأوزاعي وأحمد القول بتعيّن الفاتحة في كل ركعتين من الأوائل والأواخر»(3).
ــــــ[246]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص126 – 127ح13، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص127 في ذيل الحديث 14، ط مؤسسة آل البيت.
(3) مصباح الفقيه: ج12 ص158، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وهو كما ترى قابل للمنع صغرى وكبرى.
رابعاً: ما قاله الحرّ(1) أيضاً من أن النسخ مجازي لأنَّه لا نسخ بعد النبي.
أقول: إنَّه يريد حصول النسخ في أصل الشريعة وفي حياته.
خامساً: قال في المستند: «إنَّ متنها غير قابل للتصديق، فإنَّ قول العالم كل صلاة لا قراءة (فهي خداج) لا يدلّ إلّا على اعتبار القراءة في المحلّ المقرّر لها أعني: الركعتين الأُولتين. ومثل هذا كيف يكون ناسخاً للتسبيح المقرّر في محل آخر؟! وإلاّ فليكن ناسخاً للتشهد أيضاً»(2).
أقول: وهذا من الغرائب لأنَّنا بعد التنزّل عن الوجوه الأُخرى بما فيها ضعف السند، ينبغي أن نعتبر الإمام ملتفتاً إلى هذه النكتة، وخاصّة بعد وضوح أنَّ السؤال إنَّما هو عن الحمد أو التسبيح في الركعتين الأخيرتين، فصاحب الزمان فهم من كلام العالم كونه يريد الركعتين الأخيرتين، وإلاّ لما صحّ الاستدلال.
نعم لو وردت العبارة عن العالم وحدها، لكانت خاصّة بالركعتين الأولتين، إلاّ أنَّها هنا أصبحت حسب فهم إمام آخر، وفهم الإمام للإمام حجّة بطبيعة الحال. فالعمدة على الأجوبة الأُخرى.
ومنه يتّضح الحال في عدم إمكان التمسّك بمطلقات قراءة الفاتحة، نحو قوله: (لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب) من حيث الشمول للركعات الأربع كلّها، إذ
ــــــ[247]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص127 في ذيل الحديث 14، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص450 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
لا شمول لها قطعاً بعد الارتكاز المتشرّعي المقيّد لها في الأوليين، أو قل: إنَّها مجملة من هذه الناحية، وليست مطلقة وإنَّما يُراد بها المحلّ المشروع للفاتحة على إجماله، فلابَّد أن نفهم من دليل خارجي ما هو المحل المشروع لها.
ويكفينا هنا أن نلتفت إلى أنَّ الفرد لو عكس فسبّح في الأُوليين وقرأ في الأخيرتين، فقد أصبحت صلاته بفاتحة الكتاب فتصحّ حسب إطلاق الرواية إلاّ أنَّه غير محتمل.
كما أنَّه يمكن القول: إنَّ مقتضى إطلاقها الشمول للركعات كلّها، لكنّها مقيّدة في الأخيرين بالأدلّة المعتبرة بوجود العِدل فيها وهو التسبيح. وهذا يدعم الارتكاز المشهوري بأنَّ الأصل في كل الركعات هو الفاتحة.
إلاّ أنَّه مردود ممّا قلناه من أنَّها مقيّدة أو مجملة بعد قرينية الارتكاز عليها، أو قل: إنَّه يتأدى المطلوب فيها بقراءة واحدة، فإن قيّدناها باثنين لم تشمل الأخيرتين.
[أدلّة التخيير بين التسبيح والقراءة في الأخيرتين]
وأمّا الأخبار فالباب 42، وفيها طائفة دالّة على التخيير وطائفة دالّة على تعيّن التسبيح.
الطائفة الأُولى: الدالّة على التخيير
هي كما يلي:
1- رواية عبيد بن زرارة قال: «سألت أبا عبد الله عن الركعتين الأخيرتين من الظهر، قال: تسبّح وتحمد الله وتستغفر لذنبك وإن شئت فاتحة
ــــــ[248]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الكتاب فإنَّها تحميد ودعاء»(1).
2- رواية معاوية بن عمار قال: «سألت أبا عبد الله عن القراءة خلف الإمام في الركعتين الأخيرتين، فقال: الإمام يقرأ بفاتحة الكتاب ومن خلفه يسبّح، فإذا كنت وحدك فاقرأ فيهما وإن شئت فسبّح»(2).
3- رواية علي بن حنظلة، عن أبي عبد الله قال: «سألته عن الركعتين الأخيرتين ما أصنع فيهما؟ فقال: إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب، وإن شئت فاذكر الله، فهو سواء. قال: قلت: فأيّ ذلك أفضل؟ فقال: هما والله سواء، إن شئت سبّحت وإن شئت قرأت»(3).
الطائفة الثانية: الدالّة على تعيّن التسبيح
فهي كالآتي:
1- رواية زرارة قال: «قلت لأبي جعفر ما يجزئ من القول في الركعتين الأخيرتين؟ قال: أن تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر وتكبّر وتركع»(4).
2- رواية زرارة، عن أبي جعفر قال: «عشر ركعات: ركعتان من الظهر، وركعتان من العصر، وركعتا الصبح، وركعتا المغرب، وركعتا العشاء
ــــــ[249]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص107 – 108 – ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص108 – ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج6 ص 108 – ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج6 ص109 – ح5، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الآخرة لا يجوز فيهن الوهم -إلى أن قال- وهي الصلاة التي فرضها الله عزّ وجلّ على المؤمنين في القرآن، وفوضّ إلى محمّد فزاد النبي في الصلاة سبع ركعات، هي سنّة ليس فيهن قراءة إنَّما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء، فالوهم إنَّما هو فيهن»(1).
3- رواية أبي بصير عن أبي عبد الله قال: «أدنى ما يجزي من القول في الركعتين الأخيرتين ثلاث تسبيحات أن تقول: سبحان الله سبحان الله سبحان الله»(2).
4- رواية رجاء بن أبي الضحاك: «أنَّه صحب الرضا من المدينة إلى مرو، فكان يسبّح في الأُخراوين يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ثلاث مرّات ثُمَّ يركع»(3).
والمهمّ من هذه الطائفة هو الرواية الثانية وهي السادسة من الباب الثاني والأربعون في الوسائل.
الطائفة الثالثة: الدالّة على تعيين الفاتحة
فهي عبارة عن رواية جميل بن درّاج قال: «سألت أبا عبد الله عمّا يقرأ الإمام في الركعتين في آخر الصلاة فقال: بفاتحة الكتاب ولا يقرأ الذين خلفه ويقرأ
الرجل فيهما إذا صلّى وحده بفاتحة الكتاب»(4).
ــــــ[250]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص109ح6، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص109ح7، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج6 ص110ح8، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج6 ص108ح4، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وهي شاذّة وضعيفة، ومنه التوقيع الذي سبق وفيه: أنَّه قد نسخت قراءة أم الكتاب التسبيح.
[كلام حول الطوائف الثلاث]
وفي الرواية الثالثة من الطائفة الأُولى: عن أبي عبد الله(1) حاول في المستند(2) تصحيح سندها بعد ضعف علي بن حنظلة بأحد طريقين:
الطريق الأوّل: ما ورد في حقّ بني فضّال: بالأخذ بما رووا… كما ادعاه شيخنا الأنصاري  ويرد عليه:
1- ضعف سند هذا الحديث، إلاّ أنَّه فيه رواية ولم يختص بالشيخ الأنصاري.
2- أنَّه توثيق مبني من حيث عدم المانع في عقيدتهم عن الأخذ بروايتهم وليس حجّيّة كل ما يروونه.
3- إن سلّمناه شمل الشيخ المباشر، وهنا ليس مباشراً، اللهم إلاّ أن ندّعي العموم وهو كما ترى.
الطريق الثاني: أن يدّعى أنَّ في السند عبد الله بن بكير وهو من أصحاب الإجماع، وهذا أيضاً غير ملازم مع وثاقة من يروي عنه.
نبّه بعض الأعزة على أنَّ محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري وثّقه النجاشي وهذا صحيح إلاّ أنَّ طريق الاحتجاج إليه مجهول لم أستطع الحصول عليه مضافاً
ــــــ[251]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص108ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص451 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
إلى أنَّ المتن بنفسه مضعّف للسند، وكذلك علي بن حنظلة في الرواية الثالثة من الطائفة الأولى وثّقه النجاشي.
وفي الرواية الأولى من الطائفة الأولى: عن يحيى الحلبي، عن عبيد بن زرارة قال: «سألت أبا عبد الله عن الركعتين الأخيرتين من الظهر، قال: تسبّح وتحمد الله وتستغفر لذنبك وإن شئت فاتحة الكتاب فإنَّها تحميد ودعاء»(1).
قال: إنَّها خاصّة بالظهر فيتعدّى إلى غيرها بعدم القول بالفصل غير صحيح، بل بالتجريد عن الخصوصيّة بحيث تكتسب ظهوراً عامّاً، وإلاّ فهو قابل للمناقشة؛ لأنَّه نحوٌ من الإجماع المدركي.
وفي الرواية الثانية من الطائفة الثانية: عن عمر ابن أُذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر قال: «عشر ركعات: ركعتان من الظهر، وركعتان من العصر، وركعتا الصبح، وركعتا المغرب، وركعتا العشاء الآخرة لا يجوز فيهن الوهم – إلى أن قال- وهي الصلاة التي فرضها الله عزّ وجلّ على المؤمنين في القرآن، وفوضّ إلى محمّد فزاد النبي في الصلاة سبع ركعات، هي سنّة ليس فيهن قراءة إنَّما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء، فالوهم إنَّما هو فيهن»(2).
يوجد مفهوم الحصر، وهو نافٍ للمباين وهو القراءة، اللهم إلاّ أن نجعل الحمد مصداقاً من ذلك، إلاّ أنَّها تصبح قراءة وهو يقول ليس فيها قراءة، إلاّ أن
ــــــ[252]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص106 – 107 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص109 ح6، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
يتعيّن ذلك حسب القصد ويكون المراد من نفي القراءة يعني الوجوب الأولي الأصلي التعييني. وهو تأويل لا يعاد إليه غالباً.
اللهم إلاّ أن نطعن بسندها بعمر بن أُذينة، إلاّ أنَّه وثّقه الشيخ وهذا يكفي، والظاهر أنَّهم لهذا قالوا: إنَّ التسبيح أحوط، إلاّ أنَّها على أية حالٍ ساقطة بالمعارضة مع الطائفة الأُولى المعتبرة الدالّة على التخيير على ما سيأتي في النسبة بين هذه الأخبار فيكون التسبيح أحوط استحباباً لا وجوباً. ولابدَّ من تأويلها بنحو ما قلناه من كون التشريع الأصلي هو التسبيح لا القراءة.
وأمّا الرواية الثالثة من الطائفة الثانية: وهي عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال: «أدنى ما يجزي من القول في الركعتين الأخيرتين ثلاث تسبيحات أن تقول: سبحان الله سبحان الله سبحان الله»(1) يمكن حملها على الرباعية، وتكون نصّاً بوجوب الثلاث؛ لأنَّه يقول: «أدنى ما يجزي»، إلاّ أنَّه لا يخلو من بُعدٍ، وحمله على الضرورة كما قال الحرّ أبعد، بل هو غير مشروع بالارتكاز المتشرّعي، فتكون من الروايات الشاذّة، وإن كانت معتبرة سنداً إلاّ أنَّها غير محتملة دلالة، وهو من الموارد التي يسري فيها ضعف الدلالة إلى ضعف السند.
وأمّا الاستدلال بها على انحصار الوظيفة بالتسبيح فهو خطأ لعدم وجوب المفهوم أو المنطوق الدالّ على نفي القراءة، وكذلك التي بعدها.
ــــــ[253]ـــــــ
(1) وسائل الشيعة (للحرّ العاملي) 6: 109، الباب 42، باب تخيير المصلى في الثالثة والرابعة بين قراءة الحمد وحدها وبين التسبيحات الأربع واستحباب تكرارها ثلاثاً والاستغفار بعدها، الحديث 7.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وأمّا الطائفة الثالثة: فهي خبران من قبيل خبر جميل بن درّاج قال: «سألت أبا عبد الله عمّا يقرأ الإمام في الركعتين في آخر الصلاة فقال: بفاتحة الكتاب ولا يقرأ الذين خلفه ويقرأ الرجل فيهما إذا صلّى وحده بفاتحة الكتاب»(1) وهي نصّ بالمطلوب، إلاّ أنَّها لا مفهوم لها.
نعم، لو كانت وحدها لدلّت على الوجوب إلاّ أنَّها مقيّدة بالنصّ والارتكاز، فتحمل على أفضل الفردين. ولكن يبقى قوله: ولا يقرأ الذين خلفه وظاهره أنَّهم يسكتون كما في الأوليين إلاّ أن يحمل على أنَّهم يسبّحون وهو ممكن.
وقد تناقش بسندها أيضاً بعلي بن السندي، وهو بعنوانه لم يوثّق. قال الكشي(2): نصر بن الصباح، قال: علي بن إسماعيل ثقة، وهو علي بن السندي، لقب إسماعيل بالسندي، إلاّ أنَّ نضر بن الصباح ليس بثقة واعتماد الكشي عليه اجتهاد بالحدس لا بالحس؛ ولذا يقول في المعجم(3): أنَّه لا اعتماد على قول نضر بن الصباح، فلابدَّ من البحث في هذا الموضوع.
ثُمَّ يحاول تقريب اتحادهما باتحاد الراوي والمروي عنه في عدد من الروايات، قال: «وبذلك استظهر الأردبيلي في جامعه صحّة ما ذكره نصر بن الصباح من أنَّ السندي لقب إسماعيل والد علي. وتقدّم عن الوحيد في التعليقة اتحاد علي بن السندي مع علي بن إسماعيل بن عيسى من جهة اتحاد الراوي والمروي عنه»(4).
ــــــ[254]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص108ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(2) لاحظ: معجم رجال الحديث: ج13 ص50 ط الخامسة.
(3) المصدر السابق.
(4) معجم رجال الحديث: ج13 ص51، ط الخامسة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ثُمَّ قال: «ولكنَّه مع ذلك لا يمكن الجزم بالاتحاد؛ وذلك لاحتمال تعددهما واشتراكهما في بعض الرواة والمروي عنهم لوحدة الطبقة، بل الذي يظهر من الروايات أن علي بن إسماعيل متأخّر عن علي بن السندي، فإنَّ علي بن إسماعيل قد روى عنه سعد بن عبد الله المتوفّى في حدود الثلاثمئة»(1) ولم يذكر صحّة السند.
وعلى أيّة حال، فلابد من حصول الاطمئنان بالوحدة وإلاّ تبقى الرواية بالسندي ضعيفة السند، مضافاً إلى أنَّ كلام النجاشي في توثيق علي بن إسماعيل إنَّما هو أيضاً نقل عن نصر بن الصباح وليس شهادة مباشرة منه. فلا يكون ثقة.
وممّا يدخل في هذه الطائفة رواية الاحتجاج السابقة عن صاحب الزمان: «أنّه كتب إليه يسأله عن الركعتين الأخيرتين قد كثرت فيهما الروايات، فبعض يرى أن قراءة الحمد وحدها أفضل، وبعض يرى أن التسبيح فيهما أفضل، فالفضل لأيهما لنستعمله؟ فأجاب: قد نسخت قراءة أم الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح، والذي نسخ التسبيح قول العالم: كل صلاة لا قراءة فيها فهي خداج، إلاّ للعليل أو من يكثر عليه السهو فيتخوّف بطلان الصلاة عليه»(2) التي يقول فيها: قد نسخت قراءة أم الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح، وقد عرفنا أنَّها ضعيفة سنداً ودلالة.
يبقى الكلام عن النسبة بين هذه الطوائف، ونحن إمّا أن نتبع الواقع فنعمل فقط على ما هو صحيح السند أو نتنزّل ونفرض صحّة سند الجميع ونحاول ــــــ[255]ـــــــ
(1) لاحظ: معجم رجال الحديث: ج13 ص51- 52، ط الخامسة.
(2) الوسائل: ج6 ص126 -127 ح13، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ملاحظة النسبة بينهما.
فإن لاحظنا صحّة السند مع الأخذ بنظر الاعتبار أنَّ المتن يسقط السند أحياناً لشذوذه الفقهي وعدم احتمال صحّته.
[كلام حول روايات التخيير]
تبقى لدينا روايات التخيير، ورواية واحدة معارضة وهي صحيحة زرارة التي تقول: «سبع ركعات، هي سنّة ليس فيهن قراءة إنَّما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء، فالوهم إنَّما هو فيهن»(1).
ومعه يتعيّن حملها على الاستحباب بالرغم من ظهورها في الوجوب لقرينيّة أخبار التخيير عليها، أو حملها على الأصل الشرعي الأوّلي وهو التسبيح وهو لا ينافي التخيير المجعول في المرتبة المتأخّرة، وخاصّة مع وجود القسم في إحداهنّ بقول: هما والله سواء.
لكن مع ذلك يبقى الإشكال في التساوي الحقيقي الذي أقسم عليه الإمام من حيث جهتين:
1- الارتكاز المتشرّعي.
2- صحيحة زرارة المتقدّمة قبل قليل التي دلّت على أنَّ الأصل هو التسبيح في الركعتين الأخيرتين.
إذن فليسوا سواء حقيقة، ومعه لابدَّ أن يحمل محل التساوي بحسب الحكم
ــــــ[256]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص109ح6، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الفعلي. فإنَّ تقدّم التسبيح رتبي ونظري واقتضائي ما شئت فعبّر، وأمّا من الناحية العملية في التشريع ومن الناحية الفعلية فهما سواء جوازاً، أو أنَّهما سواء في الأهمّيّة عند الله، يعني: متساويين ملاكاً.
[تعارضات في مفاد الروايات]
وأمّا إذا تنزّلنا عن ضعف السند فيما هو ضعيف من هذه الروايات المتعارضة فتحصّل عندنا عدّة تعارضات يمكن أن نمرّ عليها باختصار لتنمية الملكة.
أولاً: التعارض الذي ذكرناه بين التخيير وتعيّن التسبيح، وقد حلّلناه قبل قليل فلا نعيد.
ثانياً: التعارض بين التخيير وتعيّن الحمد.
ثالثاً: التعارض بين تعيّن الحمد وتعيّن التسبيح.
رابعاً: التعارض فيما يُقال من التسبيح هل هو التسبيحة الكبرى أم مطلق التسبيح والدعاء، وهذه مسألة ينبغي أن تأتي مستقلّة لأهمّيتها وليس هنا محلّ بحثها باختصار.
فيبقى الكلام عن التعارضين الثاني والثالث.
أمّا التعارض بين التخيير وتعيّن الحمد فيأتي فيه نفس ما قلناه في التعارض بين التخيير وتعيّن التسبيح، وكان أوجهها هو تعيّن التسبيح في أصل التشريع. فهنا يُقال بالعكس، يعني: تعيّن الحمد في أصل التشريع، وهو موافق للمشهور كما أشرنا، إلاّ أنَّنا منعناه لضعف رواياته.
وأمّا التعارض بين تعيّن الحمد وتعيّن التسبيح، فبالحكم بالتخيير مع رفع
ــــــ[257]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
اليد عن ظهور كل منهما بالتعيين، وفهم أصل الثبوت الشرعي، وخاصّة بعد قرينيّة الروايات الدالّة على التخيير بالمباشرة.
ونصر بن الصباح على المذهب كما نصّ عليه النجاشي نفسه، ويشكّ أنَّه يذكره موافقة عليه بعد أن يعرف حقيقته، ولا نسلم أنَّه ذكره كثيراً إلاّ أنَّه يسقط كله.
قال المحقّق: «والأفضل للإمام القراءة»(1).
يعني في: الركعتين الأخيرتين، وهو ما عقد له في المستند جهة من الكلام(2) وذلك لأنَّ الروايات نصّت على الفرق بين الإمام وغيره، فلابدَّ من ضبط هذه الجهة فقهياً.
لا شكّ أنَّ الإمام مشمول لمطلقات التسبيح أو التخيير بصفته من المكلّفين أو المصلّين. ولا شكّ أنَّه لو قرأ أجزأه؛ لأنَّها أحد طرفي التخيير، وإنَّما المهم البحث فيه هو تعيّن القراءة على الإمام كما هو ظاهر بعض الأخبار المتقدّمة الدالّة على التخيير من الطائفة الأولى، الرواية الثانية والطائفة الثالثة التي هي عبارة عن رواية واحدة(3) فتكون مقيّدة لتلك المطلقات؛ لأنَّ نسبتها إليها نسبة العدم المطلق.
وكذلك خبر منصور ابن حازم، عن أبي عبد الله قال: «إذا كنت إماما فاقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب وإن كنت وحدك فيسعك فعلت أو لم
ــــــ[258]ـــــــ
(1) شرائع الإسلام: ج1 ص97 ط، دار الأضواء، الطبعة الثالثة.
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص449 من الموسوعة.
(3) الوسائل: ج6 ص108ح2، 4 ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
تفعل»(1) وكلّها معتبرة السند.
وتعارضها رواية أيضاً معتبرة السند هما رواية(2) محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر ورواية(3) أبي خديجة عن أبي عبد الله.
وأجاب في المستند على الطائفة الأُولى بجوابين:
أحدهما: الحمل على التقية لموافقتها العامّة، حيث ينسب إليهم تعيّنها في الركعات مطلقاً(4).
ثانيهما: إنَّ الأمر المزبور وإن كان ظاهراً في الوجوب لكنّه يحمل على الاستحباب أو الجواز(5) (6) بقرينة صحيحة سالم بن أبي خديجة وهي الرواية المتقدّمة(7) يقول فيها: وعلى الإمام أن يسبّح مثل ما يسبّح القوم في الركعتين الأخيرتين.
وقد اعتبرها صحيحة لتصلح للقرينية المنفصلة، ولكن المناقشة بسالم بن أبي خديجة فقد ذكره في رجاله(8) ولم يشر فيه إلى أي وصف من مدح أو قدح. فهو رجل مجهول لم تثبت وثاقته، وهذا من غرائب المستند.
ــــــ[259]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص126ح11 ط مؤسسة آل البيت.
(2) المصدر السابق، ح1.
(3) المصدر السابق، ح13.
(4) مستند العروة الوثقى: ج14 ص451 من الموسوعة.
(5) مستند العروة الوثقى: ج14 ص452 من الموسوعة.
(6) على الخلاف كما سيجيئ، (منه).
(7) الوسائل: ج6 ص127 ح14، ط مؤسسة آل البيت.
(8) معجم رجال الحديث: ج9 ص11 ط الخامسة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ويمكن تقديم أجوبة أُخرى وذلك بضم الارتكاز المتشرّعي كقرينة متّصلة موجودة في عصر (النص): إمّا بعنوان عدم احتمال الوجوب على الإمام بعنوانه، وإمّا بعنوان القطع بأنَّ صلاة الإمام من هذه الجهات كصلاة المنفرد ولا يحتمل أن يكون المفرد ممّن تتعيّن عليه الفاتحة.
إن قلت: إنَّه في الإمكان ضمّ مطلقات تعيّن الفاتحة فيتمّ المطلب.
قلنا: أولاً: إنَّها ضعيفة السند كما سبق.
ثانياً: أنَّها غير محتملة أيضاً بالارتكاز المتشرعي.
ثالثاً: إنَّ النسبة بين المنطوقين وإن كانت هي العموم المطلق إلاّ أنَّ مفهوم الطائفة الخاصّة بالتعيّن على الإمام، يجعل النسبة بين منطوق تلك المطلقات وهذا المفهوم هي العموم المطلق مع كون التخصيص في هذه الطائفة ذات المفهوم يعني: أنَّ كل مصلّي يتعيّن عليه الحمد ما لم يكن إماماً فلا يتعيّن عليه الحمد. وإن اختلفت النسبة بهذا الشكل لم تصلح هذه الطائفة للتأييد.
مضافاً إلى وجه التعارض حيث تنصّ رواية زرارة عن أبي جعفر، أنَّه قال: «لا تقرأن في الركعتين الأخيرتين من الأربع الركعات المفروضات شيئا إماماً كنت أو غير إمام. قال: قلت: فما أقول فيهما؟ قال: إذا كنت إماماً أو وحدك فقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله ثلاث مرات تكمله تسع تسبيحات ثُمَّ تكبّر وتركع»(1). على تعين التسبيح على الإمام. ومقتضى الجمع بين ظهوري التعينين هو الحمل على التخيير أيضاً.
ــــــ[260]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص122 -123 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وقال في المصباح: «وفيه: إنَّ المقصود بالرواية بحسب الظاهر بيان عدم تحمّل الإمام القراءة عن المأموم المسبوق، وأنَّه يجب على المأموم المسبوق القراءة، وعلى الإمام الإتيان بما هو وظيفة الأخيرتين من التسبيح دون القراءة، كما أنَّ عن المأموم أيضاً الإتيان بالأخيرتين بما هو وظيفتهما»(1).
ثُمَّ قال: «ولو سُلّم ظهورها فيما ذكر المتعيّن صرفها إلى ذلك جمعاً بينها وبين الأخبار الآتية»(2).
أقول: هذا الذي ذكره غير محتمل في سياق الرواية الواردة عن أبي خديجة عن أبي عبد الله(3) كما أنَّ المعارض ليست هذه فقط، بل صحيحة زرارة المتقدّمة(4).
وهناك في الروايات إشارة إلى المأموم من حيث احتمال اختلاف وظيفته عن المنفرد. وقد عقد له في المستند جهة من الكلام(5) إلاّ أنَّنا نحذفه بعد وضوح المطلب أساساً.
[الجهة الثانية: ما ينبغي أن يقال في التسبيحات الثلاث أو الأربع]
وتبقّى أن يقع الكلام في الجهة الأهمّ وهو: ما ينبغي أن يُقال في التسبيحات الثلاث أو الأربع، والاحتمالات فيهنّ عديدة.
ــــــ[261]ـــــــ
(1) مصباح الفقيه: ج12 ص171، ط مؤسسة آل البيت.
(1) المصدر السابق.
(3) الوسائل: ج6 ص127ح14، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج6 ص122 – 123 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(5) تقدم تخريجه.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
والمحتملات في ذلك عديدة والظاهر أنَّها أقوال لعدد من العلماء:
منها: التسبيحات الأربع، يعني: الكبيرة الواحدة.
ومنها: الإثنتا عشرة: يعني تكرار الكبيرة ثلاث مرات(1).
ومنها: التسع وهي تكرار ثلاث منها ثلاث مرّات.
ومنها: مطلق الذكر.
ومنها: مطلق الذكر والدعاء.
ومنها: ذلك يعني: مطلق الذكر والدعاء بشرط أن يكرّر ثلاث مرات.
ومنها: العشر تسبيحات كما في المستند(2).
فلابدَّ أن نمرّ على أهمّ ذلك.
المحتمل الأول: التسبيحات الإثنتا عشرة
فقد قلنا بوجوبها على نحو الاحتياط الوجوبي، والاحتياط جيد بعد سقوط الاستدلال على الاحتمالات الأُخرى، فيكون هذا هو القدر المتيقّن في إفراغ الذمة. إلاّ أنَّ الاستدلال يراد به الجزم بالفتوى بوجوبه، وهو متوقّف على اعتبار أدلته.
[الاستدلال بالروايات]
الرواية الأولى: عن الفقه الرضوي
قال في المستند(3): «وقد استدل له بأُمور:
ــــــ[262]ـــــــ
(1) نسب ذلك إلى الشيخ في النهاية والاقتصاد، أُنظر المصدر المتقدم 3: 488.
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص462 من الموسوعة.
(3) مستند العروة الوثقى: ج14 ص460 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
منها: الفقه الرضوي، حيث صرّح فيه بذلك. وفيه: ما تقدّم مراراً من أنَّه لم يثبت كونه رواية، فضلاً عن أن يكون معتبراً».
أقول: قد ذكر بعض أساتذتي أنَّه من تقريرات طلاب المعصومين ومعه يكون رواية بالنقل بالمعنى بحسب فهمه، بل ربما ظاهره النقل باللفظ. نعم، هو غير معتبر.
الرواية الثانية: رواية رجاء بن أبي الضحاك:
«أنَّه صحب الرضا من المدينة إلى مرو فكان يسبح في الأُخراوين يقول: “سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر” ثلاث مرات ثُمَّ يركع»(1).
وقد أجاب عليه بعدّة أجوبةً:
1- ضعف السند، وهذا صحيح.
2- إنَّها حكاية فعل فلا يدلّ على الوجوب، بل على مجرّد الرجحان أو جامعه.
3- إنَّها لم تثبت بهذا المتن، فقد ذكر المجلسي على ما حَكَى عنه صاحب الحدائق(2): (أنَّ النسخ المصحّحة القديمة من العيون (عيون أخبار الرضا) غير مشتملة على التكبير). وعندئذٍ لا يحصل الوثوق بما هو الصادر من الإمام والاحتمال مسقط للاستدلال.
الرواية الثالثة: ما رواه ابن إدريس في أول (السرائر)
نقلاً من كتاب حريز عن زرارة عن أبي جعفر أنَّه قال: «لا تقرأن في
ــــــ[263]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص110 ح8، ط مؤسسة آل البيت.
(2) لاحظ: الحدائق الناضرة: ج8 ص414 ط، جماعة مدرسين.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الركعتين الأخيرتين من الأربع ركعات المفروضات شيئاً إماماً كنت أو غير إمام، قال: قلت فما أقول فيها؟ قال: إذا كنت إماماً أو وحدك فقل: “سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ” ثلاث مرات ثُمَّ تكبّر وتركع»(1). إلاّ أنَّه طعن فيها سنداً ودلالة، أمّا سنداً فلأن طريق ابن إدريس إلى كتاب حريز غير معلوم.
أقول: والظاهر أنَّ كلّ ما روى ابن إدريس في الوسائل هو مرسل من هذه الناحية. وإنَّما هو بنحو الوجادة لا بنحو الرواية لا أقل من احتماله.
وأمّا المتن فلأنَّه (يعني: ابن إدريس) رواها في آخر السرائر من كتاب حريز بعين السند والمتن، غير أنَّه لم يذكر التكبير، بل قد ذكر المجلسي في البحار على ما حكاه عنه في الحدائق(2): إنَّ النسخ القديمة التي رأيناها متّفقة على ذلك.
قال: «ومن هنا احتمل بعض ومنهم المجلسي: أن تكونا روايتين قد رواهما زرارة على الوجهين، وكذا حريز عنه في كتابه، فأثبتهما ابن إدريس في الموضعين (من السرائر) وإن كان بعيداً غايته كما لا يخفى»(3).
ثُمَّ يقول: «إذ الصادر ليس إلاّ أحدهما، وبما أنَّه غير معلوم لاشتباهه بالآخر، فلا يمكن الحكم بصحّة المشتمل على التكبير؛ لعدم الوثوق بصدوره فيسقط الاستدلال»(4).
ــــــ[264]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص122 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الحدائق الناضرة: ج8 ص414 ط، جماعة مدرسين.
(3) مستند العروة الوثقى: ج14 ص461 من الموسوعة.
(4) المصدر السابق.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
إلاّ أنَّ هذا قابل للمناقشة؛ إذ من المحتمل صدورهما معاً؛ لأنَّهما ليسا نصّين في الحكم الإلزامي ليتكاذبا، وإلاّ أنَّه مع ذلك يسقط الاستدلال على ثبوت التكبير؛ إذ بعد فرض صحّة سندهما وقرينية إحداهما على الأُخرى يحكم بجواز حذف التكبير وكونه استحبابياً، فيسقط الاستدلال بها في هذه الطائفة.
ثُمَّ قال في المستند: «وممّا يؤيّد زيادة كلمة التكبير في الرواية وأنَّها سهو من قلم النسّاخ من جهة أُنس الذهن الناشئ من المعهوديّة الخارجية: أن الصدوق رواها بعينها بطريق صحيح عن زرارة، عن أبي جعفر من دون ذكر التكبير مصرحاً بالتسع، بحيث لا يحتمل معه النقص، حيث قال: «فقل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله ثلاث مرات، تكمله تسع تسبيحات، ثُمَّ تكبّر وتركع(1) »(2).
أقول: إلاّ أنَّه قال في الوسائل بعد هذه الرواية: ورواه ابن إدريس في آخر السرائر، نقلاً من كتاب حريز بن عبد الله عن زرارة مثله، إلاّ أنَّه أسقط قوله: تكمله تسع تسبيحات وقوله وحدك. ومعه تزول القرينة التي استند إليها في المستند. ولا أقلّ من الاحتمال بأنَّها ثبوتاً غير موجودة. وأمّا أُنس الذهن فأصالة المطابقة العقلائيّة متقدّمة عليه.
اللّهم إلاّ أن يقال: إنَّ طريق ابن إدريس غير معتبر وطريق الصدوق معتبر، فتسقط هذه الرواية عن الاستدلال في هذه الطائفة، ولا نحتاج في سقوطها إلى القرينة التي ذكرها في المستند، بل مجرّد عدم ذكر التكبير فيها يكفي، ولم يستدلّ في
ــــــ[265]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص122ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص462 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
المستند بالروايات الأُخرى.
الرواية الرابعة: رواية محمد بن عمران
في حديث: أنَّه سأل أبا عبد الله فقال: «لأي علّة صار التسبيح في الركعتين الأخيرتين أفضل من القراءة؟ قال: إنَّما صار التسبيح أفضل من القراءة في الأخيرتين لأنَّ النبي لمّا كان في الأخيرتين ذكر ما رأى من عظمة الله عزّ وجلّ فدهش، فقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر. فلذلك صار التسبيح أفضل من القراءة»(1).
وهي ضعيفة السند ودالّة على الفعل وهو أعمّ من الوجوب أو الندب.
الرواية الخامسة: رواية سالم بن أبي خديجة
عن أبي عبد الله قال: «إذا كنت إمام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأولتين، وعلى الذين خلفك أن يقولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر، وهم قيام فإذا كان في الركعتين الأخيرتين، فعلى الذين خلفك أن يقرؤا فاتحة الكتاب وعلى الإمام أن يسبّح مثل ما يسبّح القوم في الركعتين الأخيرتين»(2).
وهي ضعيفة بسالم بن أبي خديجة، وخاصّة بالمأمومين في الركعتين الأولتين. إلاّ أن يجاب بالتجريد عن الخصوصيّة، وأنَّ مراده هو الإتيان بوظيفة الثالثة والرابعة للمأموم في الأّولى والثانية. بمعنى التعاكس في الأولتين والأخيرتين بين
ــــــ[266]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص122 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص126 – 127 ح13، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وظيفة الإمام ووظيفة المأموم، وهذا أمر لطيف.
إذن تدلّ على أنَّ التسبيحة الكبرى في الأخيرتين مشروعة.
إلاّ أنَّه يبقى أمران:
1- إنَّها لا تدل على تكرارها ثلاث مرات.
2- إنَّ وجوبها في الأوليين للمأموم غير واجب جزماً. فيثبت جامع المطلوبية مع أنَّ المطلوب هنا هو الإلزام بالثلاث.
ومن طرق إثبات ذلك أنَّنا نحمل رواية الصدوق التي يقول فيها: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله تكرّرها ثلاث مرات» نحملها على التسبيحة الرباعية، أو نقيّدها بوجود التكبير بالروايات الأُخرى. ولو باعتبار وجودها في رواية السرائر، إمّا بأن نقول: إنَّها سقطت من رواية الصدوق سهواً وأثبتته رواية السرائر. وإمّا أن نقول: إنَّهما روايتان فتكون الزيادة مقيّدة.
إلاّ أنَّ هذا كلّه مرفوض بالقرينة المتّصلة في رواية الصدوق نفسها التي تقول: تكملة تسع تسبيحات، إلاّ أن نحمل التسع على السهو أيضاً وهو بعيد. للفرق الكبير بين التسع والاثنى عشر بالتلفظ بحيث لا يحتمل سبق اللسان من واحدة إلى الأُخرى.
الاستدلال بالسيرة والارتكاز
ومنها: السيرة والارتكاز، فإنَّهما موجودان بالظن الأرجح في الاثنتي عشرة. صحيح أنَّ طبقة من المتشرّعة تكتفي بالأربع في كل جيل، إلاّ أنَّ هذه مسألة اجتهادية أو تقليدية، وأمّا الاثنتا عشر فهي مسألة مركوزة إلى حدّ قد نجد أنَّ
ــــــ[267]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الذي لا يفعل ذلك فصلاته ناقصة، ومن هنا منعنا عن جريان الأصل المؤمّن في الزائد لأجل الاقتصار على الأربع.
فإن قلت: فإنَّ الظن بهذه السيرة إمّا أن يكون حجّة أو لا، فإن لم يكن حجّة لم يمنع عن جريان الأصل وإن كان حجّة كان سبباً للفتوى فما هو السبب للاحتياط الوجوبي.
قلنا: ذلك لأجل كونه متاخماً للحجّية وإن لم يبلغها. بحيث إنَّ الفرد إذا لم يقل به أو لم يطبّقه يشعر بالتقصير أمام الله سبحانه.
وينبغي أن نلتفت إلى أنَّ هذه السيرة بعنوانها نافية للأقوال الأُخرى أيضاً كالتسع ومطلق الذكر كما سيأتي.
فإن قلت: فإنَّ هذه السيرة موجودة على القنوت وأنَّ من لم يقنت فصلاته ناقصة.
قلنا: نعم، لو اقتصرنا على ذلك للزم الحكم بالاحتياط الوجوبي في القنوت، إلاّ أنَّ وضوح استحبابه منع عن ذلك. والارتكاز على استحبابه، وإن كان الارتكاز أيضاً على لزوم الإتيان به، وليس هنا ارتكاز على استحباب التسبيحات الاثنتي عشرة.
نعم، يقول بالاستحباب عليها من يقول بغيرها كالأربع، فإنَّها تكون أحوط استحباباً عندئذٍ؛ لأنَّها مبرأة للذمة باليقين، إلاّ أنَّ هذا نتيجة لجريان الأصل الذي منعناه.
وبتعبير آخر: إنَّ الشعور بالاستحباب ليس ارتكازاً، بل الشعور بالوجوب هو الارتكاز.
ــــــ[268]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
وإذا دار الأمر بينهما لم يتعارضا ويتساقطا، وإنَّما لابد من العمل بأحوطهما وهو الوجوب. ولا أقلّ من العمل بنحو الاحتياط إن لم يكن بنحو الفتوى.
المحتمل الثاني: التسبيحات العشرة
أما المحتمل الثاني من محتملات المسألة وهو: القول الآخر: بإنّها عشر تسبيحات، وهو قول ساقط كما سيظهر ولكنّنا نذكره متابعة للمستند، وذلك بأن يذكر التسبيحات ثلاثاً مرتين وبعدها التسبيحات الأربع، فيكون المجموع عشر.
قال: «نُسب ذلك إلى السيد المرتضى والشيخ في الجمل والمبسوط وابن إدريس وسلّار وابن البراج، ومال إليه في الحدائق معترفاً كغيره من جملة من الأصحاب بعدم الوقوف على رواية تدلّ عليه. غير أنَّه تصدّى لإثباته بضمّ بعض الأخبار إلى بعض»(1).
أقول: هو قول مشروع من بعض الجهات كما لو أجاز الفقيه التسبيحات الأربع أو التسع، كانت العشر أولى بالصحّة، إلاّ أنَّ الكلام في تعيّنها بحيث لا يجوز الأقلّ منها، فإن كان لا يجوز الأقلّ منها فليس لهذا العنوان بل لا يجوز بصفته أقلّ من الإثني عشر الذي قلنا به: فالعشر بحدّه ليس له وجه معتبر.
[الاستدلال على المحتمل الثاني]
ويمكن أن يستدلّ له بأحد وجهين:
الوجه الأوّل: ما استدل به -احتمالاً- في المستند في قوله: «ثم تكبّر وتركع
ــــــ[269]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص462 – 463 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
على ما هو من قسم التسبيح الواجب في الركعتين الأخيرتين لا على تكبير الركوع»(1).
وجوابه:
1- ما ذكره في المستند من العطف بثُمَّ الظاهر في الانفصال، وإلاّ كان الأُولى العطف بالواو(2).
2- إنَّها في الحقيقة نصّ في التسع، لا يحتمل غيرها، ومعناه أنَّه بالتسع تكمل الوظيفة، ولا يمكن أن يكون التكبير جزء من الوظيفة.
ولذا كان صاحب الحدائق أفقه وأوعى من أن يستدلّ بها لأجل هذه النتيجة، وإنَّما استدل بالوجه الآخر(3).
الوجه الثاني: أن نقيّد نفس هذه الرواية بما دلّ على وجود التسبيحات الأربع الكاملة من قبيل رواية سالم أبي خديجة عن أبي عبد الله قال: «إذا كنت إمام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأوّلتين، وعلى الذين خلفك أن يقولوا: سبحان الله والحمد لله ولا اله إلّا الله والله أكبر وهم قيام، فاذا كان في الركعتين الأخيرتين فعلى الذين خلفك أن يقرؤا فاتحة الكتاب، وعلى الامام أن يسبّح مثل ما يسبّح القوم في الركعتين الأخيرتين»(4).
ــــــ[270]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص463 من الموسوعة.
(2) المصدر السابق.
(3) الحدائق الناضرة: ج8 ص412 ط، جماعة مدرسين.
(4) الوسائل: ج6 ص126 ح13، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
فيثبت وجوب زيادة التكبير فتمّ عشراً.
إلاّ أنَّه وجه ضعيف أيضاً:
1- لأنَّ هذه الروايات ضعيفة السند.
2- إنَّها إذا أوجبت التقييد فهي تقيّد الثلاث كلّها، فيصبح العدد إثني عشر لا عشراً.
3- إنَّ لسان هذه الرواية آبٍ عن التخصيص والتقييد؛ لأنَّها تنصّ على التسع، وظاهره أنَّه بعنوانه مطلوب. والتقييد يستلزم الزيادة عليه كما هو واضح فيزول عنوان التسع بالمرّة وهو خلاف ظاهرها بل نصّها.
المحتمل الثالث: التسبيحات التسعة
القول الثالث: أنَّها تسع تسبيحات (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله) يكرّرها ثلاث مرّات. نسب إلى الصدوق ووالده وأبي الصلاح، ونسب أيضاً إلى حريز الراوي للتسع، فيظهر أنَّ فتواه أيضاً كذلك مضافاً إلى روايته.
[الدليل على المحتمل الثالث: صحيحة حريز]
والدليل عليه هو صحيح حريز عن زرارة المتقدّم آنفاً الذي نقله الصدوق وقد مرّ أنَّ ابن إدريس أيضاً رواه كذلك في آخر السرائر نقلاً عن كتاب حريز عن زرارة.
قال في المستند: «وهذا القول لا بأس به، فإنَّ الرواية صحيحة صريحة، فإن
ــــــ[271]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ثبت جواز الاكتفاء بها دونه، وإلاّ فلا بدَّ من الالتزام به»(1).
أقول ومن العجيب أنَّه يقول: (إنَّها صريحة) مع أنَّه رواها ابن إدريس في السرائر مرتين: مرّة في آخر السرائر أسقط قوله: (تكمله تسع تسبيحات)، وإذا كان هذا ساقطاً كانت صراحتها ساقطة.
ورواه في أوّل السرائر بالتسبيحة الرباعية ثلاث مرات، ثم تكبّر وتركع. فأين الصراحة بعد ذلك. فلا تبقى إلاّ رواية الصدوق. فإذا تعارضت الألفاظ تساقطت أو قلنا بوجود الزائد وهو أيضاً مخلّ بالاستدلال، على أنَّ القول بوجود كلتا الزيادتين غير محتملة، فلابدَّ من التعارض والتساقط.
فإن قلت: فإنَّنا لم نصحّح طريق ابن إدريس إلى كتاب حريز، ومن المعلوم أنَّ كلا الموضعين من السرائر عن كتاب حريز.
قلنا: نعم، إلاّ أنَّه في المستند لم يشر إلى ضعفه، بل اعتبرها معتبرة؛ إذ قال: «وكيف كان فلا يخلو: إمّا أنَّهما روايتان أو هما رواية واحدة دائرة بين الزيادة والنقصان؟
فعلى الثاني يدور الأمر بين الحجّة واللاحجّة؛ إذ الصادر ليس إلاّ أحدهما، وبما أنَّه غير معلوم لاشتباهه بالآخر فلا يمكن الحكم بصحّة المشتمل على التكبير»(2). إلى آخره قوله، وكله فرع صحّة رواية السرائر، كما هو واضح، وإلاّ لم تسقط رواية الصدوق بإزائها.
ــــــ[272]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص464 من الموسوعة.
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص461 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[مناقشة الاستدلال]
ولكن يمكن الجواب على الاستدلال بهذه الصحيحة من عدّة وجوه أخرى:
أوّلاً: أنَّ رواية ابن إدريس وإن كانت ضعيفة، ولا تصلح للقرينية، إلاّ أنَّها تجعل هناك ظناً بأنَّ النقل كان بالمعنى لا باللفظ فإنَّ ما ينقله الراوي بمقدار ما يتذّكر وبمقدار ما يفهم فلا يمكن التمسّك بإطلاقه وحرفيته.
ثانياً: إنَّها مخالفة للارتكاز المتشرّعي الذي يبني على الأثنتى عشرة.
وبتعبير آخر: إنَّ الارتكاز ينقسم بين الأربعة والإثنتي عشرة، على نسبة ليس هنا محل بيانها. وكلاهما نافٍ للتسعة ومنافٍ لها لمكان حذف التكبيرة، أو قلّ: إنَّ الارتكاز يُثبت التكبيرة وهي تنفيها.
فإن قلت: فإنَّها قابلة لتقييد الارتكاز باعتبارها حجّة.
قلنا: هذا ممنوع كبرى وصغرى:
أمّا كبرى، فلإمكان منع تقييد الارتكازات:
1- إنَّها لا إطلاق لها لكي تقيّد.
2- للشعور الارتكازي بأنَّها صحيحة بحدّها بحيث لا تكون قابلة للتقييد.
وأمّا صغرى، فلوجود التنافي والتعارض بين وجود التكبير وعدمه، فلا يكون قابلاً للتقييد.
وبتعبير آخر: إنَّ الارتكاز انحلالي وما هو مورد التعارض هو وجود التكبير، فلا يكون قابلاً للتقييد.
ثالثاً: إعراض المشهور لو أخذنا به كبروياً، فإنَّه مطابق للارتكاز المشار إليه، ــــــ[273]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ومن عمل بهذه الرواية قليل فتسقط عن الحجّيّة.
المحتمل الرابع: التسبيحات الأربعة
القول الرابع: الاجتزاء بالتسبيحات الأربعة مرّة واحدة.
اختاره جمع كثير، بل نسب إلى المشهور، ويمكن الاستدلال عليه بعدّة أدلة:
[الدليل الأوّل:]
صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر : «ما يجزئ من القول في الركعتين الأخيرتين؟ قال: أن تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر وتكبّر وتركع»(1).
قال في المستند: «وهي واضحة الدلالة للتصريح بالإجزاء، فالزائد عليه من الأذكار فضل وندب، وبذلك نرفع اليد عن القول السابق، أعني: التسع ويحكم باستحبابها»(2).
ولنا على ذلك عدّة تعليقات:
أوّلاً: أنَّ التسع ليست هي الأربع مع زيادة إلى كمال التسع، بل مباينة لها؛ لفقدها التكبير فلا يمكن القول باستحبابها. نعم يقال: عندئذٍ باستحباب الاثنتي عشر.
ثانياً: أنَّها ليست صحيحة بالمعنى الذي يفهمه؛ لأنَّنا يمكن أن نفهم من
ــــــ[274]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص109 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص464 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
التسبيحة معناها الكلي بغض النظر عن عددها؛ لوضوح أنَّه لم يقل مرّة واحدة، فلا تكون نصّاً بالمطلوب.
فإن قلت: فإنَّه لم يقل ثلاث مرات.
قلنا: نعم، لكن لربما ترك هذا التقييد لمصلحة ثانوية من باب دعوا الناس على غفلاتهم أو من باب احتمال علم السائل بوجوب التكرار.
ثالثاً: أنَّها ليس لها مفهوم؛ لأنَّه لم يقل أقلّ ما يجزي، وإنَّما: ما يجزي، فإن كان هناك مفهوم فهو مفهوم اللقب الفاسد.
فإن قلت: نعم، هو فاسد إلاّ أنَّ مادة الإجزاء تدلّ عليه لقرينة في المورد، وهذا هو مراد المستند.
قلنا: أنَّه جزماً غير نافٍ للأقلّ؛ إذ مع إجزاء الأقلّ يجزئ الأكثر جزماً، وأمّا كونه نافياً للأكثر، فهذا فرع أن لا نفهم المعنى الكلّي للتسبيحة،كما سبق. إلاّ أنَّ هذا الوجه سيحتاج إلى ضمّ الوجه السابق ولا يكون وجهاً مستقلاً.
رابعاً: أنَّنا قلنا: إنَّ الارتكاز المتشرّعي منقسم إلى قسمين:
أحدهما: الاقتصار عل الأربع.
وثانيهما: الإثنتا عشرة. وحسب الوجدان أنَّ الارتكاز على الإثنتي عشرة أوسع، فلابدَّ من الأخذ به ولو احتياطاً.
وهذا لا يعني أنَّها مخالفة للمشهور لكي تسقط عن الحجّيّة لو سلّمناه كبروياً؛ لأنَّ المشهور منقسم من هذه الناحية، ولا نستطيع أن نجزم بوجود الشهرة العظيمة إلى جانب الإثنتي عشرة، إلاّ أنَّنا نستطيع أن نجزم بوجود الارتكاز
ــــــ[275]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الأوسع إلى جانبه فتكون مخالفة للارتكاز، فلابدَّ من إسقاطها الاحتياطي.
[الدليل الثاني:]
رواية محمد بن عمران وقد جعلها في المستند مؤيداً لصحيحة زرارة باعتبار ضعف سندها، ويرد عليها جملة ممّا ورد على الاستدلال بالصحيحة.
[الدليل الثالث:]
رواية سالم بن أبي خديجة عن أبي عبد الله قال: «إذا كنت إمام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأوّلتين، وعلى الذين خلفك أن يقولوا: سبحان الله والحمد لله ولا اله إلّا الله والله أكبر وهم قيام، فاذا كان في الركعتين الأخيرتين فعلى الذين خلفك أن يقرؤا فاتحة الكتاب، وعلى الإمام أن يسبّح مثل ما يسبّح القوم في الركعتين الأخيرتين»(1).
وقد صحّحها في المستند(2) بعنوان أنَّ سالم هذا هو: سالم بن مكرم وقد وثّقه النجاشي، فيكون توثيقاً لهذا الرجل أيضاً. إلاّ أنَّه لم يقم أية قرينة على وحدة العنوانين غير مجرّد الاحتمال مع وجود الاحتمال والإجمال أنَّ أبا خديجة هل هو لقب الابن أو الأب. ومع وجود هذا التردّد كيف يمكن حصول الاطمئنان بالوحدة.
قال في المستند: «ولكنّها قاصرة الدلالة على الاجتزاء بالمرّة وإن ادّعاها
ــــــ[276]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص126 ح13، ط مؤسسة آل البيت.
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص465 من الموسوعة.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
صاحب الحدائق ولعلّه باعتبار ذكر التسبيح مرّة واحدة في الركعتين الأولتين وهو كما ترى»(1).
أقول: هذا صحيح لعدّة تقريبات:
التقريب الأوّل: أن نفهم من التسبيحات الأربع معناها الكلي من غير لحاظ للعدد. يعني: تقول ذلك في الجملة، مع الالتفات أنَّه لا يجب على المأموم عنوان معيّن كالتسع أو الإثنتي عشرة في الأولتين.
التقريب الثاني: أنَّه نفهم من السياق تكرّر التسبيح ما دام الإمام قارئاً للحمد والسورة، وهذا واضح.
التقريب الثالث: ما ذكره في المستند من أنَّها «مقصور على بيان الفرق بين الركعتين الأولتين والأخيرتين، وأنَّ الإمام في الأوليين يقرأ والمأموم يسبّح، وأمّا في الأخيرتين فهما سواء، وأمّا أنَّ كيفية التسبيح أي شيء، يعني: من حيث العدد)، فهي ساكتة عنه بالكلّية»(2).
ويرد عليه:
1. إنَّ قوله: «وأمّا في الأخيرتين فهما سواء»(3) مخالف لنصّ الرواية؛ فإنَّها تنصّ على أنَّ الإمام يسبّح والمأموم يقرأ، فهما متعاكسان في كلّ الركعات وليسا سواء في الأخيرتين. وإنَّما هذه الجملة منه مبنية على الارتكاز المشهوري.
ــــــ[277]ـــــــ
(1) مستند العروة الوثقى: ج14 ص465 من الموسوعة.
(2) مستند العروة الوثقى: ج14 ص466 من الموسوعة.
(3) المصدر السابق.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
2. إنَّنا لو تنزّلنا عن الوجهين اللذين ذكرناهما لعدم الاقتصار على الواحدة، أمكن تقريب الواحدة انتصاراً لصاحب الحدائق، بأنَّه مقتضى الإطلاق، فلو وجب الزائد على الأربع لبيّنه، ولم يبيّنه. إذن لا يجب الزائد.
[الدليل الرابع:]
من الأدلّة على جواز الاقتصار على الأربع: الأصل العملي المؤمّن عن الزائد، وهو ممّا لم يذكره في المستند وهو غريب.
وهو في نفسه جارٍ لو دار الأمر بين الأربع والإثنتي عشرة. إلاّ أنَّه يحول دونه أمور:
أحدها: قيام الدليل الارتكازي ولو اطمئناناً بالإثنتي عشر وهو حاكم على الأصل العملي.
ثانيها: أنَّ الأقلّ مردّد بين عدّة احتمالات، وليس هو الأربع فقط، بل يوجد غيرها كما سيأتي، لمطلق الذكر ونحو ذلك، فإن جرى الأصل، أمكن جريانه عن تمام الأربع أيضاً.
نعم، يكون نافياً لتعيّن الاثنى عشر ومثبت للأقلّ، بمعنى: كلّي وليس لحصّة معينة منه.
ثالثها: وجود الروايات على الكثير، ومنها ما هو معتبر كالذي ورد في الاثنتي عشرة وفي التسع، كما سبق. ومعه لا مورد للأصل. إلاّ أنَّ هذا يعني وجود المانع عنه لا نفي المقتضي له.
ــــــ[278]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[المحتمل الخامس: التسبيحات الثلاثة]
القول الخامس: ما نسب إلى ابن الجنيد من كفاية ثلاث تسبيحات بأن يقول: الحمد لله وسبحان الله والله أكبر.
وتدلّ عليه صحيحة عُبيد الله بن علي الحلبي عن أبي عبد الله قال: إذا قمت في الركعتين [الأخيرتين] لا تقرأ فيهما، فقل: الحمدُ لله وسبحان الله والله أكبر»(1).
وقوله: «لا تقرأ فيهما» ليس نهياً عن القراءة، بل نعتاً، يعني: التي لا تقرأ فيهما فقل. ويؤيّد ذلك ما ذكره في المستند، من أنَّه في التهذيب أسقط وصف الأخيرتين، فيكون المقصود: في الركعتين اللتين لا تقرأ فيهما، يعني: تكون جهة النعتية أوضح.
والمهمّ لا يختلف من الناحية الفقهية، وإنَّما الكلام في محمولها، فهل نأخذ به كما قال في المستند(2) لكون السند معتبراً أم لا؟
يدفعه عدّة أُمور:
أوّلاً: أنَّه يحتمل أن يكون نقلاً بالمعنى؛ إذ لا يوجد نصّ موروث بهذا النحو، وإنَّما الموروث هو التسبيحة الرباعية.
ثانياً: أنَّه ننظر إليه طريقاً إلى تفهيم التسبيحة الرباعية.
ثالثاً: أنَّه لا يحتمل الوجوب في هذا الترتيب جزماً، وإنَّما تكون الرواية من
ــــــ[279]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص125 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
(2) المصدر السابق.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
جملة ما دلّ على كفاية مطلق الذكر وسيأتي، ويكون ما ذكر مصداقاً له، وإلاّ لو أراده بشخصه لقدّم التسبيح على الحمد لكي يكون أشبه بالتسبيحة الرباعية مع حذف التهليل.
رابعاً: الارتكاز الذي قلناه على الإثنتي عشرة، والذي قلناه على الأربع، فإنَّهما يجتمعان على نفي هذه الصورة، فتكون هذه الرواية شاذّة لا يمكن العمل عليها بالرغم من صحّة سندها وإنَّما نوكّل علمها إلى أهلها.
[المحتمل السادس: إن الواجب مطلق الذكر بالنصّ الوارد]
القول السادس: أنَّ الواجب مطلق الذكر لكن بالنصّ الوارد وليس من عند الإنسان وبلفظه.
[الاستدلال على المحتمل السادس]
ويمكن أن يستدلّ لذلك بطائفتين: مطلقة وخاصّة:
الطائفة الأُولى: المطلقة من قبيل:
1- رواية عن الإمام الرضا قوله: إنّما جعل القراءة في الركعتين الأوّلتين والتسبيح في الأخيرتين للفرق بين ما فرضه الله تعالى من عنده وبين ما فرضه الله مِن عند رسوله»(1).
2- رواية جعفر بن الحسن المحقّق في المعتبر عن علي أنّه قال: اقرأ في الأوّلتين، وسبّح في الأخيرتين»(2).
ــــــ[280]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص124 ح4، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص124 ح5، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
3- رواية محمّد بن قيس عن أبي جعفر  قال: »كان أمير المؤمنين إذا صلّى يقرأ في الأوّلتين من صلاته الظهر سرّاً، ويسبّح في الأخيرتين من صلاته الظهر على نحو من صلاته العشاء، وكان يقرأ في الأوّلتين من صلاته العصر سرّاً، يسبّح في الأخيرتين على نحو من صلاته العشاء»(1).
الطائفة الثانية: ما دلّ على كفاية بعض التسبيح بعينه غير الأربع المعروفة، من قبيل:
1- رواية عُبيد الله بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله قال: »إذا قمت في الركعتين [الأخيرتين] لا تقرأ فيهما، فقل: الحمدُ لله وسبحان الله والله أكبر»(2).
2- رواية الحسن بن زياد الصيقل قال: قلت لأبي عبد الله: »ما تقول في الرجل يصلّي وهو ينظر في المصحف يقرأ فيه يضع السراج قريباً منه؟ فقال: لا بأس بذلك»(3).
3- رواية علي بن حنظلة، عن أبي عبد الله  قال: »سألته عن الركعتين الأخيرتين، ما أصنع فيهما؟ فقال: إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب وإن شئت فاذكر الله فهو سواء، قال: قلت: فأيّ ذلك أفضل؟ فقال: هما والله سواء إن شئت سبّحت، وإن شئت قرأت»(4).
ــــــ[281]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص125 ح9، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص125 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج6 ص107 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
(4) الوسائل: ج6 ص108 ح3، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[مناقشة الاستدلال]
أمّا الطائفة الأُولى: فمن الواضح أنَّ المراد بالتسبيح هو قول الرباعية مرّة أو أكثر، وليس المراد مطلق التسبيح، بل هو إشارة إلى ما هو المعهود والمركوز بين المتشرّعة ولذا يقول: القراءة ولا يقول قراءة فاتحة الكتاب تحويلاً على المركوز أيضاً. وذلك بعد جعل الارتكاز المتشرّعي قرينة متّصلة على فهمه.
فإن قلت: فإنَّه يقول: تسبيح الرباعية ليست تسبيحاً فقط، فيكون المراد مجرّد التسبيح أو مطلق الذكر بعد تجريده عن الخصوصيّة.
قلنا: كلا:
1. إنَّ التسبيحة الرباعية تسمّى تسبيحة عرفاً ومتشرّعيّاً بالرغم من اشتمالها على أُمور أُخرى.
2. إنَّها تبدأ بقولنا: سبحان الله، فتسمّى باللفظ الأوّل منها.
وأمّا عن الطائفة الثانية: فنحن إن أخذناها بمعناها الواسع، وجرّدناها عن الخصوصيّة لم تكن النتيجة محتملة أصلاً. بل لعلّ ضروريات الفقه إن لم يكن من ضروريات الدين نفيه، كالاقتصار على سبحان الله واحدة ودعاء واحد أو استغفار واحد.
ومن هنا كان لابدَّ من التقييد أو التأويل بأحد وجوه:
الأوّل: التقييد بالتكرار ثلاث مرات من سنخ واحد. كما في إحدى الروايات: (سبحان الله… ثلاث مرات).
الثاني: التقييد بالذكر الأعم من السنخ الواحد والمتعدّد، كما في الرواية التي
ــــــ[282]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
تأمر بالتسع، إلاّ أنَّ استفادة الكبرى من أمثال هذه الروايات مشكل، يعني: يجب تكرار كل ذكر ثلاث مرات، ومقتضى إطلاق روايات الطائفة الثانية عدمه.
الثالث: التأويل بأن يراد من مطلق التسبيح خصوص التسبيحات الأربع، وبعضها قابل لهذا الحمل، بل هو الأَولى من قبيل:
1- رواية عُبيد الله بن علي الحلبي عن أبي عبد الله قال: »إذا قمت في الركعتين [الأخيرتين] لا تقرأ فيهما، فقل: الحمدُ لله وسبحان الله والله أكبر»(1).
2- رواية معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد الله عن القراءة خلف الإِمام في الركعتين الأخيرتين؟ فقال: »الإمام يقرأ بفاتحة الكتاب ومن خلفه يسبّح، فإذا كنت وحدك فاقرأ فيهما وإن شئت فسبّح»(2).
ويبقى مثل:
3- رواية الحسن بن زياد الصيقل قال: قلت لأبي عبد الله: »ما تقول في الرجل يصلّي وهو ينظر في المصحف يقرأ فيه يضع السراج قريباً منه؟ فقال: لا بأس بذلك»(3).
4- رواية زرارة، عن أبي جعفر قال: »عشر ركعات ركعتان من الظهر وركعتان من العصر وركعتا الصبح وركعتا المغرب وركعتا العشاء الآخرة لا يجوز فيهنّ الوهم -إلى أن قال- وهي الصلاة التي فرضها الله [عزّ وجلّ على
ــــــ[283]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص124 ح7، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص108 ح2، ط مؤسسة آل البيت.
(3) الوسائل: ج6 ص107 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
المؤمنين في القرآن] وفوّض إلى محمّد  فزاد النبيّ في الصلاة سبع ركعات هي سنّة ليس فيهنّ قراءة إنّما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء فالوهم إنّما هو فيهنّ»(1).
على خلاف ظاهرها إلاّ أنَّه تأويل لابدَّ منه.
وخاصّة بعد الالتفات إلى الارتكاز السابق بقسمَيه. فيتعيّن عدم العمل بها وإن كانت أسنادها معتبرة؛ لأنَّ جواز العمل فرع احتمال صحّة المعدود وهو في نفسه بعيد. ونفس هذا الذي أوردناه يرد بشكل أوضح على القول الآخر
[المحتمل السابع: مطلق الذكر حتى من غير الوارد]
وهو إجزاء مطلق الذكر، حتى من غير الوارد، يعني: مما ينشؤه الفرد المصلي من نفسه؛ وذلك تمسّكاً بإطلاق بعض الروايات، من قبيل:
1- رواية الحسن بن زياد الصيقل قال: «قلت لأبي عبد الله: ما تقول في الرجل يصلّي وهو ينظر في المصحف يقرأ فيه يضع السراج قريباً منه؟ فقال: لا بأس بذلك»(2) فإنَّ الاستغفار يعمّ ذلك بلا إشكال.
2- وكذلك رواية زرارة، عن أبي جعفر  «قال: عشر ركعات ركعتان من الظهر وركعتان من العصر وركعتا الصبح وركعتا المغرب وركعتا العشاء الآخرة لا يجوز فيهنّ الوهم -إلى أن قال- وهي الصلاة التي فرضها الله [عزّ وجلّ على المؤمنين في القرآن] وفوّض إلى محمّد فزاد النبيّ في الصلاة سبع
ــــــ[284]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص109 ح6، ط مؤسسة آل البيت.
(2) الوسائل: ج6 ص107 ح1، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
ركعات هي سنّة ليس فيهنّ قراءة إنّما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء فالوهم إنّما هو فيهنّ»(1).
التي يقول فيها: »إنَّما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء« والدعاء يعمّ ذلك.
ويأتي فيها نفس الوجوه السابقة مع وجه آخر وهو: أن تحمل على فتوى المشهور من استحباب الاستغفار بعد التسبيح ويحمل معنى الدعاء عليه كما لو قال المصلّي: اللهم اغفر لي بدل استغفر الله.
لكن هذا يحتاج إلى ضمّ مقدّمتين أُخريين:
الأُولى: أنَّ العناوين الأُخرى غير الاستغفار والدعاء محمول على التسبيحة الرباعية، أو مأخوذ طريقاً إليها، وهو أمر يبقى معقولاً.
الثاني: أنَّ المطلوب من الأُمور المتعاطفة هو المجموع لا الجميع، والاستدلال بهذه الطائفة مبني على أنَّ المراد الجميع لا المجموع. وهو غير محتمل كالقول بإجزاء استغفار واحد أو دعاء واحد، ومقتضى العطف طلب الجميع، فيكون إشارة إلى التسبيحات الأربعة.

ــــــ[285]ـــــــ
(1) الوسائل: ج6 ص109 ح6، ط مؤسسة آل البيت.
بيان الفقه ج6، محمد الصدر

ــــــ[286]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الفهرس

مبحث القراءة 11
[وجوب القراءة] 11
[دليل الاجماع] 11
[دليل الكتاب] 11
[كلام في وجوب قراءة القرآن في ركعتي الفجر] 12
[في قوله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ] 13
[دليل السّنّة] 14
[الاخبار المعارضة للوجوب] 16
[أوجه الجمع بين الأخبار] 17
[الكلام في محلّ القراءة] 18
[وجوب قراءة الحمد على وجهها الصحيح] 23
ــــــ[287]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[كلام في اثبات القراءة المشهورة] 25
[دليل حجّيّة القراءة المتعارفة أو غيرها] 26
[مناقشة إحراز إقرار الأئمة للقراءات] 26
[مناقشة تطبيق (حجّيّة الظن الانسدادي)] 29
[كلام في تطبيق (أخبار المنع)] 31
[الكلام في قراءة الفاتحة في صلاة الاحتياط] 33
[تتمة في وجوب قراءة الحمد أجمع] 34
[كلام في وجوب الفصاحة في قراءة القرآن الكريم] 36
[معنى قوله تعالى: مَا فَرَّطْنَا] 40
[مناقشة الوجوه السابقة على عدم وجوب الفصاحة] 43
[في وضع المشتقّ للأعمّ] 43
[في أنّنا لا نعلم أنّ الوحي نزل فصيحاً إلى هذه الدرجة] 45
[في إجراء أصالة عدم وجود هذه الدرجة من الفصاحة في الوحي] 46
[في أن الوحي نزل معنىً لا لفظاً] 46
ــــــ[288]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[في أنّ الدليل المتّيسّر على الوحي هو القراءات] 49
[في أن قراءة القرآن بصور عديدة مخالفة للفصاحة] 51
[كلام في اللغة وعالمية الإسلام] 54
[بحث حول اللهجة العربية واللكنة غير العربية] 55
[الكلام في فصاحة (الإمالة)] 57
[في معرفة ما هو فصيح وما هو غير فصيح] 58
[كلام في الضاد والظاء] 60
[لو أخلّ بحركة بناء أو إعراب] 62
وحركة البناء على شكلين: 63
[كلام في المدّ والتشديد والسكون] 64
[كلام في أن السكون حركة لأنه أحد أوصاف الحرف الأربعة] 65
[مناقشة في اخراج الحرف من غير مخرجه] 69
[التغيير الحاصل بلهجات غير العرب] 70
[في همزتي الوصل والقطع] 71
ــــــ[289]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[مناقشة الوقف بالحركة والوصل بالسكون] 73
[في العلم بحركة الآخر إذا أراد الوصل] 76
[في صورتي التحريك مع الدرج] 78
[صور السكون في الدرج] 78
[مخارج الحروف] 80
[المدار على الصدق العرفي في التلفظ] 82
[تتمة حول النطق بالضاد والظاء] 84
[الكلام في العرف العربي] 85
[هل السيرة تتحقق بالوجود النادر؟] 86
[كلام في حجّيّة كلّ سيرة وإن لم تكن مُمضاة] 88
[ما يمكن أن يكون دليلاً] 88
[مناقشة مع الأدلة] 89
[عودة إلى مورد التطبيق (العرف العربي)] 92
[المدّ الواجب] 93
ــــــ[290]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[أدلة وجوب المد] 94
[اجتماع حرف المدّ مع الهمزة] 94
[مناقشة في حديث ابن مسعود] 95
[اجتماع حرف المدّ مع سكون لازم] 96
[مقدار المدّ] 98
[زيادة المد عن المتعارف] 99
[حكم الفصل بين حروف الكلمة الواحدة] 100
[حكم الوقوف على متحرك بقصد الوصل] 100
[الفصل بالنفس بين كلمتين مع الحركة في مثل (الصراط المستقيم)] 102
[الإعادة إذا صار مدخول الألف واللام غلطاً] 105
[في اعادة المضاف إذا جاء المضاف إليه غلطاً] 105
[حكم الادغام] 108
في النون الساكنة والتنوين مع أحرف يرملون 108
[الكلام في الإدغام مع الغنّة] 109
ــــــ[291]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[بعض الأفكار في القراءات السبع] 109
[اللام الشمسية والقمرية] 113
[اجتماع المثلين في كلمتين] 115
[مُحسِّنات علم التجويد] 116
[الكلام في إدغامات أخرى] 116
[حكم الاظهار والإخفاء والقلب] 118
[التعرض إلى بعض الأمور في القراءة] 121
الأمر الأوّل: إدغامات في غير حروف (يرملون) 121
الأمر الثاني: الوقف والدرج في الكلمات المقصورة 122
الأمر الثالث: في الكلمات المنتهية بالياء 124
المستوى الأوّل: مقتضى القاعدة 124
المستوى الثاني: الياء الطارئة كياء المتكلم 126
الدليل على حذف الياء 126
الأمر الرابع: [حذف الياء من نهاية الكلمة] 127
ــــــ[292]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الأمر الخامس: [حذف ياء الاسم المنقوص] 128
[من قواعد إثبات الياء] 129
[في جواز حذف ياء المتكلم عند الوقف] 131
[الوقف والوصل في كلمة (أحد)] 132
الفرع الأول في الكبرى 133
تعليق على ما ذكره صاحب المستمسك 134
الفرع الثاني: في الصغرى 135
[وصل كلمة (أحد) مع حذف التنوين] 136
[قراءة (مالك) و(ملك)، و(الصراط) بالسين والصاد] 138
[وأدلته على حذف الألف أُمور] 139
[الكلام في قراءة السين والصاد] 142
[تعليق على جواز الوجهين] 143
[وجوه أربعة في قراءة (كُفُؤاً)] 145
[تصحيح الوجوه الأربعة] 145
ــــــ[293]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[الجانب اللغوي] 146
[جانب القراءات] 147
[لزوم التعلم مع التردد بين وجهين] 149
[من قرأ بوجه معتقداً صحته ثم انكشف خطؤه] 150
[الكلام في جواز الوقف مطلقاً وعدمه] 151
[عدم صحّة الصلاة مع الإخلال بالقراءة] 154
[في جزئية البسملة للسورة] 155
[في دعوى الإجماع] 155
[الاستدلال بالسبع المثاني على جزئية البسملة] 155
[تمامية الدليل بانضمام الروايات] 157
[وجه الدلالة في الرواية الخامسة] 159
[الكلام حول مادة (ثُنِيَ) في الرواية الثانية] 159
[مناسبة تسميتها بالسبع المثاني] 161
[إلفات نظر] 162
ــــــ[294]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[الروايات الدالة على عدم جزئية البسملة من الحمد] 163
[كلام في جزئية البسملة من كل سورة] 165
[ما دل على الجزئية من الروايات] 165
[ما دل على عدم الجزئية من الروايات] 166
[وجوب قراءة البسملة مع الحمد] 167
[الكلام في ترجمة الفاتحة] 168
[مع تعذر الفاتحة يقرأ من سائر القرآن بقدرها] 170
[في ملازمة السورة للحمد ثبوتاً وسقوطاً] 171
[وجوب الترتيب بين الكلمات] 173
[في استئناف القراءة الخاطئة قبل الركوع] 173
[في وجوب التعلم قبل دخول الوقت] 175
[نفي الوجوب] 176
[هل الواجب تعييني أو تخيري؟] 178
[إشكال وجواب] 179
ــــــ[295]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[حكم القراءة في المصحف] 182
الاستدلال على القول بالمنع 183
[قراءة ما تيسّر من الفاتحة مع ضيق الوقت عن التعلم] 186
[في عدم التعلم عن تقصير] 187
[في من لا يقدر إلا على الملحون أو بعض الفاتحة] 189
[هل يجتزئ ببعض الفاتحة أم يجب عليه التعويض؟] 191
[مع التعذر يقرأ ما تيسر من القرآن أو التسبيحات بقدرها] 193
[وجوه اختلاف السورة عن الفاتحة] 195
[حكم لأخرس] 197
[اتحاد بعض السور وجواز العدول منها إلى الأُخرى] 200
[أدلة القائلين بالاتحاد] 200
أوّلها وأهمّها: الإجماع 200
ثانيها: الأخبار 201
ثالثها: وجود علاقة لفظيّة بين السورتين 202
ــــــ[296]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[أدلّة القائلين بالتعدّد] 204
الدليل الأوّل: [ما ذكره صاحب المدارك] 204
الدليل الثاني: الأخبار 206
الدليل الثالث: [السياق والنسق والهدف] 210
[جواز العدول وعدمه] 211
[الأدلة على عدم المانعية] 213
[أولاً: الأخبار] 213
التحديدات المحتملة للمنع 214
التحديد الأول: بالأقلّ من النصف 214
التحديد الثاني: بالنصف 216
[التعليق على ما أفاده صاحب المستند] 220
التحديد الثالث: بالثلثين 221
[عدم جواز العدول عن سورتي التوحيد والجحد] 225
[الروايات الدالة على المطلوب] 227
ــــــ[297]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[في العدول من إحداهما للأخرى] 228
[جواز العدول إلى الجمعة والمنافقين] 229
[استدلال بالأخبار] 229
[اشكال سندي] 232
[مناقشة دلالية] 233
[هل جواز العدول يوم الجمعة يخصّ صلاة الجمعة؟] 234
[مناقشة صاحب المستند في منع الانصراف] 236
[مناقشة في وجوه أخرى لجواز العدول] 239
[وظيفة المكلّف الأساسية في الركعتين الأخيرتين] 242
الجهة الأُولى: في أنَّ الوظيفة الأساسية في الركعتين الأخيرتين هي التسبيح 242
أدلة وجوب أصل التسبيح في الأخيرتين 243
الاستدلال بالأخبار 243
[المعارضة برواية الاحتجاج] 246
[أدلّة التخيير بين التسبيح والقراءة في الأخيرتين] 248
ــــــ[298]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الطائفة الأُولى: الدالّة على التخيير 248
الطائفة الثانية: الدالّة على تعيّن التسبيح 249
الطائفة الثالثة: الدالّة على تعيين الفاتحة 250
[كلام حول الطوائف الثلاث] 251
[كلام حول روايات التخيير] 256
[تعارضات في مفاد الروايات] 257
قال المحقّق: «والأفضل للإمام القراءة». 258
[الجهة الثانية: ما ينبغي أن يقال في التسبيحات الثلاث أو الأربع] 261
المحتمل الأول: التسبيحات الإثنتا عشرة 262
[الاستدلال بالروايات] 262
الرواية الأولى: عن الفقه الرضوي 262
الرواية الثانية: رواية رجاء بن أبي الضحاك: 263
الرواية الثالثة: ما رواه ابن إدريس في أول (السرائر) 263
الرواية الرابعة: رواية محمد بن عمران 266
ــــــ[299]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
الرواية الخامسة: رواية سالم بن أبي خديجة 266
الاستدلال بالسيرة والارتكاز 267
المحتمل الثاني: التسبيحات العشرة 269
[الاستدلال على المحتمل الثاني] 269
المحتمل الثالث: التسبيحات التسعة 271
[الدليل على المحتمل الثالث: صحيحة حريز] 271
[مناقشة الاستدلال] 273
المحتمل الرابع: التسبيحات الأربعة 274
[الدليل الأوّل:] 274
[الدليل الثاني:] 276
[الدليل الثالث:] 276
[الدليل الرابع:] 278
[المحتمل الخامس: التسبيحات الثلاثة] 279
[المحتمل السادس: إن الواجب مطلق الذكر بالنصّ الوارد] 280
ــــــ[300]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر
[الاستدلال على المحتمل السادس] 280
[مناقشة الاستدلال] 282
[المحتمل السابع: مطلق الذكر حتى من غير الوارد] 284
الفهرس 287
ــــــ[301]ـــــــ
بيان الفقه ج6، محمد الصدر