أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
بيان الفقه/ ج7

بيان الفقه

مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أكمل خلق الله الحبيب المصطفى خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد بن عبد الله وعلى آله الهداة الميامين حجج الله على الخلق أجمعين.
لا تخفى المكانة العظمى لشعيرة صلاة الجمعة المباركة عند الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، فقد شكّلت هذه الشعيرة الإلهية المقدّسة أحد أركان نهضته التي قامت عليها مرجعيته المباركة في الإصلاح الديني والإجتماعي والأخلاقي.
وحيث أن إقامة صلاة الجمعة في زمن الغيبة الكبرى وبهذه الطريقة الإستثنائية وفي ظلّ ظروف زمانية ومكانية معقّدة بحاجة إلى تنظير كامل وشامل من الناحية التشريعية والفقهية خصوصاً على مستوى الفقه الشيعي الإمامي بسبب وجود آراء وأقوال مختلفة بين الفقهاء في هذه المسألة وصلت إلى حدّ التضادّ والتناقض بين وجوب واستحباب وحرمة وتعيين وتخيير وغير ذلك!
من هنا تصدّى السيد الشهيد لبحث مسألة صلاة الجمعة في بحثه الخارج في علم الفقه من خلال بحث موسّع قرآنياً وروائياً وتاريخياً استقصى فيه أهمّ حيثيات وأحكام ومدارك هذه العبادة الأسبوعية المقدّسة.
وقد قامت هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر في وقت سابق بتقرير المحاضرات الخاصّة ببحث صلاة الجمعة وطبعها في كتاب حمل عنوان (بحوث في صلاة الجمعة).. وفي وقت لاحق عثرنا في مخطوطات سيدنا الشهيد على دفتر يحتوي بحثاً بعنوان (مبحث صلاة الجمعة) بخطّه الشريف، ونظراً لوجود بعض الإختلافات والإضافات البيانية والصياغية والعلمية بين تقرير الدرس وبين البحث المخطوط فقد قرّرنا طبع الأخير بشكل كتاب مستقل يُلحق بموسوعة مؤلّفات السيد الشهيد، وهو الكتاب الماثل بين يديك عزيري القارئ الكريم، والذي يحمل عنوان (مبحث صلاة الجمعة) كما عنونه المؤلف .
ومن المؤكّد أن مجموع الكتابَين المذكورَين سيشكّلان رؤية فقهية متكاملة عن أحكام صلاة الجمعة وتشريعاتها الخاصّة ومكانتها العظيمة في أساس التشريع الإسلامي وضرورة إقامتها خصوصاً في زمن الغيبة الكبرى.

الإشراف العام
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر 

صورة من الصفحة الأولى للنسخة الخطية

صورة من النسخة الخطية للصفحة الأخيرة

[حكم صلاة الجمعة في زمن الغيبة]

والذي يبدو أنَّ الشيخ المحقّق الحلي لم يتعرّض لأصل وجوبها؛ لأنَّه اعتبره من ضروريات الدين في الجملة، والأمر كذلك.
إلَّا أنَّ الأمر بالدقّة لا ينبغي أن يكون كذلك لاحتمال حرمتها، والظاهر أنَّ فيها قول وإن شذّ.
والحرمة مردّدة بين الذاتية والتشريعية، كما أنَّ الوجوب مردّد بين الوجوب التعيني والتخييري مطلقاً، أو في حدود بعض الشرائط؟ يعني أنَّ شرائطها المعروفة هل هي مقدّمة واجب يجب إيجادها أو مقدّمة وجوب لا يجب إيجادها، وإذا حصلت الشرائط فتجب بالوجوب التعييني أم بالوجوب التخييري وأما احتمال استحبابها بالمعنى المصطلح فهو غير وارد. وإنَّما بمعنى أنَّها أفضل فردي الواجب، فهذا ونحوه هو الذي ينبغي البدء به الآن.
والكلام أولاً عن حكمها في المرتبة السابقة عن تحقّق الشرائط، ثُمَّ عن حكمها عند تحقّق الشرائط، مع الالتفات إلى أنَّ المشهور بحثها بعنوان عصر الغيبة، وهذا لا دخل له في الموضوع جزماً كما سوف تعرف؛ إذ أنَّ عصر الأئمّة لا يختلف عن عصر الغيبة في كونه خالياً عن (السلطان العادل) الفعلي بعد صدر الإسلام.
ــــــ[11]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فالمهمّ التعبير بعصر الهدنة مقابل عصر السلطان العادل الفعلي الذي كان في صدر الإسلام، وسيكون بعد ظهور الإمام.
ومع وجود المعصوم وهو مبسوط اليد لا كلام لنا؛ لأنَّه يكون هو الأعرف بتكليفه، وإنَّما غايته أن نتكلّم عن الحاكم الشرعي غير المعصوم على التقادير من كونه يقول بالولاية العامّة أم لا؟ وعلى كلا التقديرين هل هو مبسوط اليد أم لا؟ وما معنى بسط اليد فيما يرتبط ببحثنا هنا؟ وكل هذا الكلام سيأتي عند الكلام عن الشرائط.
حكم صلاة الجمعة في المرتبة السابقة على الشرائط
والآن يقع الكلام في الاستدلال على الحكم في المرتبة السابقة على الشرائط، والاحتمالات المتصوّرة بشكل معتد به ليست أكثر من ثلاثة: الوجوب التعيني والوجوب التخييري والحرمة. والمشهور المنصور هو الوجوب التخييري. ونحن على أي حال نسير مع الأدلّة فيما تفيدنا من أمور.
الجهة الأولى: أدلة القول بالوجوب
ويمكن الاستدلال بالأدلة الثلاثة للوجوب الكتاب والسنة والأدلة اللبّية.
أما الكتاب فبعدّة آيات:
الآية الأولى: وهي الأهمّ قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(1).
ــــــ[12]ـــــــ
(1) الجمعة: 9.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وذلك بتقريب: أن (إسعوا وذروا) من صيغ الأمر الدالّة على الوجوب، وقد حقّقنا في علم الأُصول أنَّها موضوعة لخصوص الحصّة الوجوبية، فيكون السياق دالاً على الوجوب التعييني.
إلَّا أنَّ هذا بمجرّده لا يتمّ كما هو واضح؛ لأنَّه وجوب مشروط بالنداء، وكلامنا في وجوبها بغض النظر عن الشرائط.
نعم، هنا تقريبات لعدّم دلالتها على الوجوب حتى مع تحقّق النداء، لا بأس من ذكرها الآن؛ لأنَّها تكون أولى ورودها مع عدم تحقّقه.
التقريب الأوّل: أنَّ الصلاة المنادى بها في الآية الشريفة ليست هي صلاة الجمعة أو لا ظهور في الآية في ذلك؛ لأنَّها تقول: (الصلاة من يوم الجمعة) أي: في يوم الجمعة، والصلوات في يوم الجمعة عديدة، لا أقل أنَّها تشمل الظهر من يوم الجمعة.
وجوابه: الإجماع على هذا التفسير، وهو أنَّ المراد هو صلاة الجمعة بالتعيين والارتكاز المتشرّعي القطعي أيضاً. مضافاً إلى الروايات، حيث قلنا إنَّها تعالج مشكلة قائمة اجتماعياً وليست نازلة لتشريع الوجوب ابتداءً، إلَّا أنَّ الروايات لا تخلو من ضعف في أسنادها، فالعمدة هو الإجماع والارتكاز، إلَّا أن نفهم من نفس سياق الآية ذلك وهو قوله: وَذَرُوا الْبَيْعَ.
التقريب الثاني: ما أشرنا إليه قبل قليل من أنَّها نزلت لحل مشكلة اجتماعية وليست لتشريع الوجوب ابتداءً.
وجوابه: أنَّ هذا صحيح إلَّا أنَّه لا يتأتّى دلالتها على الوجوب:
ــــــ[13]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أوّلاً: لأنَّها في هذه المرتبة المتأخّرة تدلّ على الوجوب وهذا يكفي.
ثانياً: أنَّها تدلّ على جعل سابق عليها، إلَّا أنَّ هذا المقدار لا يكفي لأنَّ ذلك الوجوب مجهول على أي نحو هو، والدليل عليه مجمل أو لُبّي. لكن مع ضمّ التقريبين ينتج المطلوب، وذلك أنَّ المدلول الفعلي وإن كان متأخّر رتبة إلَّا أنَّه دال على الوجوب التعييني (عند النداء) فلا يمكن أن يكون الوجوب الأسبق رتبة عنه أقلّ منه بل هو مماثل له بالضبط.
التقريب الثالث: أنَّ صيغة الأمر لا تدلّ على الوجوب، بل على جامع المطلوبية، وهذا على خلاف ما حقّقناه في علم الأُصول.
التقريب الرابع: أنَّها تأمر بالسعي لا بالصلاة، والسعي أعمّ من الصلاة.
وجوابه في حدوده: أنَّها تأمر به مقدّمة للصلاة، فتكون دالّة بالملازمة أو بالأولويّة على وجوب ذي المقدّمة وهو الصلاة.
غايته أن يُقال: إنَّه قد يسعى ولا يتيسّر له الصلاة لحصول المانع، وهذا وإن كان محتملاً إلَّا أنَّ الآية واردة مورد الغالب الذي هو الإمكان مضافاً إلى إمكان القول: أنَّ السعي عند النداء واجب نفسي، فإن أدّاه وفعله فقد برأت ذمته من هذه الناحية سواء حصلت الصلاة أو حصل المانع عنها.
التقريب الخامس: أنَّ الآية الكريمة أمرت بالسعي إلى ذكر الله وهو أعمّ من الصلاة فضلاً عن صلاة الجمعة.
وفي هذا التقريب نشير للمعاني المحتملة لـ (ذكر الله) للدلالة على العموم الذي يتم به التقريب.
أوّلاً: صلاة الظهر فإنَّها أيضاً ذكر لله عز وجلّ، وبتعبير آخر: أنَّ صلاة الجمعة إذا كانت ذكراً، فإنَّما ذلك بصفتها صلاة فتكون صلاة الظهر أيضاً ذكراً ويسقط الاستدلال بالآية.
ثانياً: الدعاء والقرآن ونحو ذلك.
ثالثاً: النبي كما قال تعالى: (ذكراً رسولاً)(1)، وبعض الروايات تدلّ عليه.
رابعاً: أمير المؤمنين، كما في بعض الروايات أيضاً.
خامساً: ما ذكر في المستند وهو الخطبتين.
وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
مناقشة المحتملات في المراد من ذكر الله
ونحتاج في كل من هذه المحتملات إلى جواب:
أما المحتمل الأوّل: فيدفعه الإجماع والارتكاز المتشرعي القطعي بأنَّ المراد هو خصوص صلاة الجمعة.
وأمّا المحتمل الثاني: فيدفعه نفس الارتكاز أيضاً مضافاً إلى قطعيّة استحبابها وما كان مستحباً لا يحتاج إلى مثل هذا التركيز في سياق الآية والنهي عن البيع ونحو ذلك.
فيكون السياق دالاً على وجوب رفع المانع عن الواجب لا عن المستحب.
ــــــ[15]ـــــــ
(1) سورة الطلاق آية: 10-11 قوله تعالى: قَدْ أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (10) رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وهذا يكفي في جواب التقريب.
وأمّا المحتمل الثالث: فجوابه على مستويين:
المستوى الأوّل: أنَّه وإن كان القرآن في بعض آياته قد عبّر عنه بالذكر، إلَّا أنَّنا ننكر أن يكون هو الظاهر من الذكر أينما ورد، كما ننكر أن يكون القرآن بمنزلة القرينة على بعضه البعض مطلقاً. ومن الواضح أنَّه ليس للآية ظهور في خصوص الرسول، فالاحتمال ساقط.
وبتعبير آخر: أنَّ التعبير عن الرسول بالذكر مجاز فيحمل في موارده الأُخرى على المعنى الحقيقي.
المستوى الثاني: أن نسلّم بأنَّ المراد هو النبي لكنه هنا ملحوظ بصفته إماماً لصلاة الجمعة؛ لأنَّه هو الفرد المتوفّر لذلك في عصره، فالسعي إليه والقصد إليه قصد لصلاة الجمعة أو قل مقدّمة لصلاة الجمعة.
وأمّا المحتمل الرابع: فرواياته في غاية الضعف مضافاً إلى أنَّه تفسير باطني لحمل الآية على المستوى العقائدي أو أصول الدين أو من فروعه. والتفسير الباطني لا يؤخذ به في الاستدلالات الظاهرية الفقهية.
وأمّا المحتمل الخامس: وهو ما ذكره في المستند من أنَّ المراد به الخطبتان، ففيه نقطتان:
النقطة الأولى: جعل قوله تعالى: وَتَرَكُوكَ قَائِماً(1) قرينة على ذلك، وهي
ــــــ[16]ـــــــ
(1) الجمعة: 11.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ساقطة لأنَّ الصلاة فيها قيام، والخطبة فيها قيام. فلا يتعيّن في الخطبة وخاصّة إذا التفتنا أنَّ القيام في الصلاة واجب بالعنوان الأوّلي في حين إنَّ القيام في الخطبة واجب بالاحتياط الوجوبي -كما قلنا به- يعني لعلّه غير واجب أصلاً، وأنَّ النبي كان يجلس على المنبر ويخطب.
إذن فالأرجح أنَّ المراد أنَّهم تركوك قائماً في الصلاة، ولعلّ الارتكاز المتشرّعي يدعمه.
النقطة الثانية: ما ذكره في المستند من حيث إنَّ المراد بذكر الله الخطبة، فيكون السعي إليها مستحباً؛ إذ لا يحتمل وجوب السعي والإسراع إلى الخطبتين؛ لأنَّه لو أدرك الركعتين أجزأت، بل لو أدرك الإمام في الركعة الثانية أجزأت أيضاً.
وجوابه من وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّه لا يتعيّن أن يكون المراد بذكر الله الخطبتين، بل قد يراد به الصلاة، وهي ذكر لله أيضاً أكيداً، (واسعوا) ظاهر بالوجوب، ولا يمكن رفع اليد عن ذلك إلَّا بقرينة قطعيّة عرفاً. ومجرّد احتمال أن يكون المراد الخطبتين لا يصحّح ذلك، بل العكس ممكن وهو أن نفهم من سياق الوجوب: الركعتين، كما يمكن أن يُقال بوجوب السعي حتى إلى الخطبتين، وكونه مجزئاً وإن كان صحيحاً، إلَّا أنَّ هذا لا يلازم عدم الوجوب، فإن كان متعمّداً في التأخير عصى وأجزأه، وإن كان مضطراً عذر وأجزأ.
الوجه الثاني: أنَّه مبني على الغالب من أنَّ من فاتته الخطبتين فاتته الركعتين،
ــــــ[17]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وخاصّة بعد أن نلتفت إلى أنَّ صلاة الجمعة تجب الحضور إليها من مسافة بعيدة نسبياً، فلماذا نفترض الحضور من قريب بحيث يمكن للفرد إدراك الصلاة دون الخطبتين.
الوجه الثالث: أنَّه يمكن أن نجعل قوله قائماً قرينة على أنَّ المراد بالذكر الصلاة، أمّا إذا رجحنا ذلك فهو المطلوب، وأمّا إذا احتملناه فيكون من قبيل المحتف بالقرينة المتصلة المحتملة (قرينية الموجود) فلا يمكن حمله على خصوص الخطبة، ومعه يبقى الأمر في قوله: (فاسعوا) ظاهراً في الوجوب من هذه الناحية.
مناقشة احتمال استحباب صلاة الجمعة
التقريب السادس: في مناقشة دلالة الآية: أن فيها قرائن تدل على الاستحباب، وهو ما ذكره في المستند من قوله: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(1). قال: فإنَّ التعبير بالخير يناسب الإستحباب والندب، وإلا لو أريد الوجوب كان الأنسب التحذير عن الترك بالوعيد والعذاب الأليم.
قال: نعم، لا تضايق من استعمال هذه الكلمة في موارد الوجوب في القرآن الكريم، كقوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ(2) ونحو ذلك لكن الوجوب في أمثالها قد ثبت من الخارج بدليل مفقود في المقام. وإلَّا فهذه الكلمة في حدِّ نفسها
ــــــ[18]ـــــــ
(1) الجمعة: 9.
(2) البقرة: 184.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الظاهرة في المفاضلة والترجيح لا تقتضي إلَّا الندب والرجحان كما هو المتبادر منها ومن مرادفها من سائر اللغات في الاستعمالات الدارجة في عصرنا.
وجوابه: أنَّه لا شكّ في أصل اللغة فإنَّ القيام بالواجب خير من تركه كما أنَّ القيام بالمستحب خير من تركه، والرجحان والمفاضلة لا تعني الاستحباب بل الرجحان والمفاضلة ثابتة في جانب الوجوب أكثر وبشكل أوضح.
إذن فالمقصود من الخير هنا هو جامع الرجحان، بل يمكن تقريبه على الحصة الوجوبية، بدليل جعل الأمر قرينة عليه في (إسعوا) دون العكس. لأنَّ (إسعوا) أظهر في الوجوب من ظهور خير بالاستحباب وتقديم الأظهر واضح كبروياً.
نعم، لو كان قد قال: بأنَّ أفعل التفضيل دالّ على وجود الصفة في الطرف الآخر، وإذا كان واجباً كان الطرف الآخر حراماً فلا يكون فيه خير إطلاقاً. ولكنه لم يقل ذلك، ولو قال ذلك لكان جوابه أنَّه قيد خير في الجملة وهو الخير الدنيوي والربح الدنيوي، في حين إنَّ حضور الصلاة فيه ربح أُخروي. أو قل إنَّ الخير يمكن أن يحمل على معناه العرفي لا الدقي. وبالدقة فإنَّ الربح الدنيوي شر وليس خيراً إلَّا أنَّ العرف يراه خيراً حتماً وإن كان حراماً.
مضافاً إلى إمكان الطعن في الكبرى وأنَّ أفعل التفضيل ليس دائماً مساوق لوجود الصفة في المفضول مثل الله أكبر.
وأمّا تمسّكه باللغات الأُخرى فهو من الغرائب بلا شكّ لأنَّ تبادر العرب لألفاظ اللغة العربيّة هو الحجّة، وليس تبادر الآخرين في لغاتهم. فلو كانت تلك
ــــــ[19]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الكلمة تدل على الاستحباب لم يلازم أن تكون هذه الكلمة أيضاً كذلك لأنَّنا نمنع أن تكون مرادفة معها من جميع الجهات وإنَّها تشترك معها في مطلق المفاضلة أو جامع الرجحان.
ثُمَّ استشهد في المستند بوجود (من) في قوله تعالى: مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ(1) وقال ليس ما يقابل الشر بل ما يكون أحسن من غيره. فكأنَّه تعالى أشار إلى الصلاة لمكان اشتمالها على المنافع الأُخروية، فالأقدم إليها أفضل وأرجح من الاشتغال بالتجارة التي غايتها الربح الدنيوي الزائل.
وجوابه: أنَّ (من) هنا لا تقدّم ولا تؤخر شيئاً، وإنَّما هي تبع لما استفدناه من (خير) نفسها، كل ما في الأمر أنَّ خير لا تتعدّى إلَّا بمن، بل كل أفعل التفضيل لا يتعدى إلَّا بمن. يُقال: أفضل منه وأحسن منه وأعلم منه. وهكذا. وليس لها دور أكثر من ذلك، بل لو أراد الاستغناء عنها لما أمكن لأن طبيعة أفعل التفضيل على ذلك. إذن ليس للتفضيل الوجوبي عبارة أُخرى متوقّعة غير ذلك.
أو نقول – كما قلنا قبل قليل-: أنَّه كما يمكن جعل ذلك قرينة على حمل الأمر على الاستحباب كذلك يمكن العكس بحمل الخبر على الوجوب.
هذا ونلاحظ أنَّه في المستند يعبّر بالوجوب العيني ويكرّر التعبير به. وهو اصطلاح متشرّعي سائر. إلَّا أنَّه من الواضح بطلانه أو قل هو مجاز في الاصطلاح؛ لأنَّ
ــــــ[20]ـــــــ
(1) الجمعة: 11.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
العيني في مقابل الكفائي، وهذا مما لم يقع فيه الكلام في صلاة الجمعة؛ إذ من الواضح أنَّها لو كانت واجبة لكانت بنحو الوجوب العيني ولو كانت مستحبّة لكانت بنحو الاستحباب العيني ولا تعمل فيها الكفائية بأي وجه.
وإنَّما المراد الوجوب التعييني في مقابل التخييري، وله عبارة في ذلك يقول: قلنا في المقام دعويان: نفي الوجوب العيني وإثبات المشروعية وبذلك يثبت الوجوب التخييري، فهو يعقد مقابلة صريحة بين الوجوب العيني والتخييري. وهو أمر لا يعذر عليه في مجال التحقيق.
التقريب السابع: ما ذكره في المستند أيضاً من اقترانه بقوله تعالى: قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(1). بنفس التقريب السابق وهو خير يدل على الاستحباب دون الوجوب مع جوابه.
وهنا أريد الإلماع إلى جهات اتفاق الآيتين وجهات اختلافهما، أما جهة الاتفاق فإنَّ خير معنى إضافي متقوّم بطرفين فاضل ومفضول، والطرفان محفوظان بأنفسهما معنوياً في كلتا الكلمتين.
يقول: ذَلِكُمْ خَيْرٌ، يعني حضور الجمعة خير من البيع، ويقول: مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ، وهو يشير إلى نفس المضمون.
وأمّا الاختلاف فمن جهات نذكرها باختصار:
أوّلاً: أنَّ الطرف الفاضل في إحدى الآيتين لوحظ المورد الذي هو بمنزلة
ــــــ[21]ـــــــ
(1) الجمعة: 11.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
العلّة، وهو حضور صلاة الجمعة؛ لأنَّ الطاعة علّة للثواب، وفي الآية الأُخرى لوحظ المعلول أو الثواب نفسه قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ.
ثانياً: أنَّه في الطرف المفضول لاحظ في الآية الأولى البيع فقط وفي الثانية اللهوة والتجارة، ويراد باللهو إمّا اللهو عن الآخرة بإجراء المعاملات أو اللهو المطلق عن مطلق المصالح الدنيوية والأُخروية، فتكون الأولوية والمفاضلة أوضح.
ثالثاً: أنَّ إحدى الآيتين تقول: إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ وهو أسلوب قرآني متكرّر، وهو ممّا يتوجّه على ظاهره إشكال؛ لأنَّنا نقول بمفهوم الشرط، وهي قضية شرطية فيكون المفهوم أنَّه ليس كذلك إذا لم تكونوا تعلمون أو قل: مع الجهل، فيناط الواقع بجهل الإنسان وعلمه مع أنَّه ثابت على كل حال.
وجوابه:
أوّلاً: أنَّنا في أمثال هذه الموارد لابدَّ من وضع يدنا عن ثبوت المفهوم فيبقى المنطوق صادقاً على كل حال.
ثانياً: أنَّ المراد الوجود الإثباتي للشرط لا الثبوتي، والإثباتي منوط بالعلم، بل هو بعينه. وكل إثبات فهو منوط بالعلم والإلتفات.
ثالثاً: أنَّ الإشكال وارد فيما إذا كان الجزاء هو المصرّح به في ظاهر الآية وأمّا إذا بدّلنا وقمنا بتقدير جزاء آخر ارتفع الإشكال، كما لو قلنا: إن كنتم تعلمون فإنَّكم تفوزون، أو أنا أخبركم به أو أُلفتكم إليه.
فإن قلت: كيف أخبركم به مع أنَّهم يعلمون.
ــــــ[22]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
قلنا: إنَّ المراد به العلم الارتكازي، والمراد بالإخبار الإلفات والعلم التفصيلي، أو أنَّ المراد بالشرط النفي في صورة الإثبات: يعني إذا لم تكونوا تعلمون فإنا أخبركم.
رابعاً: أنَّ هذه عبارة عرفية تقال أحياناً وليس المراد منها الاقتران الشرطي، وإنَّما يُراد بها مجرّد إلفات الفرد إلى أنَّه جاهل وغير ملتفت.
فتحصّل أنَّ الإشكال الوحيد لدلالة الآية الكريمة على الوجوب التعييني هو التعليق على النداء؛ ولذا قلنا في محلّه أنَّه بالنداء تصبح واجباً تعييناً.
فإن قلت: فإنَّها تجب تعييناً فيما إذا اجتمع خمسة أو سبعة.
قلنا: نعم، فإنَّ معنى ذلك أنَّ الدليل الدالّ عليه مفيد لمفهوم الآية، فإنَّ مفهومها أنَّه مع عدم النداء لا تجب تعييناً، وذلك شامل لكل الأسباب المحتملة، يخرج منها اجتماع خمسة أو سبعة أحدهم الإمام، فتجب تعييناً بهذا السبب أيضاً. فيكون لوجوبها التعييني سببان مستقلّان:
سببان لوجوبها التعييني:
أحدهما: النداء، وهو أمر من يجب طاعته في الشريعة المقدّسة، على ما سيأتي، فتجب عندئذٍ وإن لم يجتمع خمسة أو سبعة ويكون الاجتماع عندئذٍ من قبيل مقدّمة الواجب أو مقدّمة الوجود لا مقدّمة الوجوب.
ثانيهما: أن لا يوجد نداء ولكن اجتمع خمسة أو سبعة أحدهم الإمام، فإنَّها تكون واجبة عينياً.
وواضح من الناحية الفقهية أنَّ السبب الأوّل أوضح في الوجوب من الثاني؛
ــــــ[23]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
لأنَّ ظاهر بعض الروايات أنَّه إذا اجتمع سبعة وفيهم من يخطب ونحو ذلك جاز لهم إقامة الجمعة، وهو يعني بقاء الوجوب تخييرياً حتى بعد الاجتماع، في حين لا يحتمل بقاؤه كذلك بعد النداء.
وسياق الروايات واضح إلَّا أنَّ المراد بعد الاجتماع للصلاة أو مطلق الصلاة وليس لخصوص الجمعة، فلو اجتمعوا لمطلق الصلاة أو بغير قصد الصلاة جاز لهم إقامة الجمعة تخييرياً، وأمّا لو اجتمعوا بقصد إقامة الجمعة وجب عليهم إقامتها تعييناً، إما بنحو الفتوى أو الاحتياط الوجوبي على ما سيأتي.
وما دمنا بصدد هذه الآية الكريمة، يحسن بنا أنَّ نفهم معنى النداء ومن هو الذي ينادي؟ والذي يبدو منها أنَّ النبي كان يرسل من ينادي في الأسواق والطرقات بحضور صلاة الجمعة، وواضح أنَّه من الناحية الفقهية أمر بالولاية لحضورها، وولاية النبي بالولاية التشريعية العامة قطعية على كل حال. فكانوا يعصونها ويفضلون البيع والتجارة، وهذا معناه أنَّ هذه الصلاة ليست فقط كانت مشروعة في المرتبة السابقة على الآية بل منجزة فعلاً ومنادى بها أيضاً.
من هو المنادى:
ومعنى النداء يدعم أنَّ المراد بها صلاة الجمعة؛ إذ لو أُريد بها صلاة الظهر أو جامع الصلاة التي تقع في زوال الجمعة لم تكن هناك أفضلية مدركة متشرّعياً لتلك الصلاة عن سائر الأيام مع أنَّه لم يكن ينادي سائر الأيام. فيعرف أنَّ لتلك الصلاة خصوصية مهمّة ولذا وجب الإسراع إليها، وترك البيع والتجارة وليست تلك بحسب الارتكاز المتشرّعي إلَّا صلاة الجمعة.
ــــــ[24]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فالقدر المتيقّن والمطبّق خارجاً من مصدر النداء هو النبي. وإنَّما السؤال والإشكال في غيره.
ويمكن أن نلتفت الآن إلى أنَّه باليقين لم يكن النبي بنفسه هو الذي ينادي بل يرسل أحداً أو عدّة أشخاص ينادون. إذن فقد حصل عندنا غير النبي هو الذي ينادي، وهو أحد قسمين أو كلاهما:
الأوّل: وكيله الخاص، وهو الذي يرسله للنداء عموماً أو خصوصاً.
الثاني: المعصومون، فإنَّهم أو أي واحد منهم نادى للصلاة وجبت بلا إشكال. وليس ذلك إلَّا لأجل وضوح ولايته العامّة التشريعية، وكونهم لم يحصل منهم ذلك لا يقتضي نفي ذلك نظرياً، بل من الممكن القول بأنَّه حصل النداء من بعضهم وهم الذين مارسوا صلاة الجمعة بعد النبي، كأمير المؤمنين والحسن والحسين، فإنَّه لا شك أنَّهم لهم أسوة بجدّهم فينادون كما نادى.
وهنا أيضاً نعلم ولو اطمئناناً أنَّهم بأنفسهم لم يكونوا ينادون بل يرسلون من ينادي. إذن تجب طاعة من أرسلوه للنداء، وهذه النتيجة ثابتة فقهياً سواء قلنا أنَّهم كانوا يرسلون فعلاً من ينادي أم لا، باعتبار أنَّهم لو أرسلوا لوجبت طاعته.
بقيت عندنا فكرة واحدة للوصول إلى النتيجة المطلوبة، وهو أنَّه لا فرق فيمن يوكلونه بين أن يكون منصوباً خصوصاً أو منصوباً عموماً، وهذا معنى وجوب الإجابة للنداء بالولاية العامّة.
وحصول النداء فعلاً في الأسواق لا شك أنَّه لا دخل له أصلاً من الناحية الفقهية والمتشرّعيّة؛ لأنَّه يؤخذ كطريق إلى الأمر الولائي أو المولوي، فالمهم هو
ــــــ[25]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
طاعة الأمر الذي هو ذو الطريق. وهذا واضح.
فإلى هنا يمكن القول بوضوح: أنَّه لو قال المجتهد بالولاية العامة فهو بمنزلة الكبرى وأمر بحضور الجمعة وهو بمنزلة الصغرى، فينتج نتيجة من الشكل الأوّل بوجوب الحضور، بعد شيء من التجريد عن الخصوصية لفاعل النداء المحذوف في الآية الكريمة من النبي إلى غيره.
مناقشات في الولاية العامة
وهنا ينبغي أن نناقش بعض الإشكالات التي قد تخطر في الذهن بهذا الصدد:
الإشكال الأوّل: إنَّنا قلنا أنَّ الدليل الرئيسي للولاية العامّة هو مقبولة بن حنظلة بعد توثيقه والتمسّك بقوله فيها: «فإني قد جعلته حاكماً»، بتقريب: أنَّه يكون للحاكم الشرعي عين ما يكون للحاكم العرفي، فإنَّ المراد بالحاكم فيها هو الحاكم العرفي وليس القاضي.
والمهم هنا أن يُقال: إنَّ الحاكم العرفي لا ينادي لصلاة الجمعة، فلا يكون مشمولاً لإطلاق دليل الولاية في حدود الدليل الذي اخترناه.
وجوابه: أنَّ الحاكم العرفي يطبق قانونه وقانون بلاده وتعاليم دولته، وكذلك الحاكم الشرعي يطبق قانونه وهو تعاليم الشريعة الإسلامية.
كما يمكن القول: إنَّه الحاكم العرفي يومئذ، أي: في عصر المعصومين لم يكن مقيداً بالأُمور التي فرضت في العصور المتأخّرة، كالقوانين الوضعية أو مجلس النواب ونحو ذلك. بل كان حاكماً بأمره، فإذا أصدر حكماً أو أمراً إلزامياً
ــــــ[26]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وجب تنفيذه لدى العرف وهذا هو فرق المستبدة عن المشروطة. والحاكم في تلك العصور كان مستبداً بهذا المعنى، ومعه فيكون هو المراد من قوله: «فإنّي قد جعلته حاكماً»، يعني حاكماً بأمره في غير موارد الشريعة الأصلية والتي تسمّى في لغة بعضهم بمنطقة الفراغ.
كما يمكن القول: إنَّ الحاكم العرفي بذلك المعنى يرى لنفسه الولاية العامّة، وهذا واضح من لزوم نفوذ أمره في أية جهة كانت. ومعه نفهم من جعله بمنزلة الحاكم العرفي أنَّ له الولاية العامّة كالحاكم العرفي.
بل الأمر أكثر من ذلك فإنَّ الحاكم العرفي قد حصل النهي عن ولايته العامّة بينما أثبتت هذه الولاية للحاكم الشرعي.
ومن المعلوم أنَّ كل هذه التقريبات تشمل سائر الأوامر التي تصدر من الحاكم الشرعي بما فيها الأمر بحضور صلاة الجمعة.
وإذا كان هناك شكّ أو احتياط في الشرط الآخر وهو حضور خمسة أو سبعة، فلا شك من هذه الناحية على تقدير ثبوت الصغرى.
سند مقبولة عمر بن حنظلة
الإشكال الثاني: نقوله استطراداً لأنَّني سمعت متعدّداً أنَّه كيف ثبت لدى السيّد محمد توثيق عمر بن حنظلة، فهنا نسجّل الإشكال مع جوابه وإن كان هذا ليس هو محلّه المناسب، إلَّا أنَّه سوف لن تسنح فرصة أُخرى أفضل منها.
وذلك بأن يُقال في الإشكال: كيف يمكن البناء على الولاية العامّة مع أنَّ
ــــــ[27]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
سائر الأخبار ضعيفة السند أو قابلة للمناقشة دلالة، إلَّا هذه الرواية. وهي أيضاً ضعيفة السند بعمر بن حنظلة نفسه.
وجوابه: أنَّ عمر بن حنظلة ليس ضعيفاً، بعد الإلتفات إلى قاعدة رجالية قلتها أكثر من مرّة، وهي أنَّ المهم هو التصريح بالوثاقة أو قل قيام الحجّة الشرعيّة على الوثاقة، أو أنَّه ممدوح وموصوف بصفات مهمّة مساوية للوثاقة أو ملازمة لها، وأن من يكون هكذا فإنَّه يكون ثقة غالباً وعادة وعرفاً. فنفهم بالدلالة الالتزامية وجود الوثاقة له، وإن لم يصرّح بوثاقته بالمباشرة، وعمر بن حنظلة صغرى من ذلك.
إلَّا أنَّ إثبات ذلك بالنسبة إلى عمر بن حنظلة ليس يسيراً لأنَّ المشهور أنَّه لم يرد فيه جرح ولا تعديل، وإذا لم يرد فيه مدح، فكيف يمكن إثبات وثاقته، إلَّا أنَّ هذا خطأ، فقد ورد فيه مدح والمدح مستفيض وإن طعنّا بأسناد الروايات واحدة واحدة، بل استعمالهم للظن في علم الرجال فيما يكون أقل من ذلك موجود وكثير كما نعرف. وقد بنى الشهيد الثاني على وثاقته وكذلك المامقاني في رجاله، وتوثيقه بهذا المعنى يحتاج إلى بسط بيان وإقامة قرائن دقّية. ولذا كأنَّه يبقى مكتوماً عند من يراه حتى عندي، ولذا قال الشهيد الثاني: لكن أمره عندي سهل لأنَّني حقّقت توثيقه من محل آخر وإن كانوا قد أهملوه.
وأنا الآن أفقد بعض المصادر التي اعتمدت عليها في حينه على توثيقه قبل أكثر من عشر سنين، لكنّني أقول في حدود إمكانياتي الفعلية، بعد أن نأخذ بنظر الاعتبار ما هو مسلّم وقطعي من عدم وجود قدح فيه.
ــــــ[28]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
روايات في مدح عمر بن حنظلة:
أنَّ ما ورد في وصفه بصفات الخير عدّة روايات يمكن اعتبار مجموعها مستفيضة، وجملة منها بل كلّها تدلّ على أنَّه كان من خاصّة المعصومين، لا أقل من الدرجة الثانية إن لم يكن الأُولى. فيثبت هذا المعنى بالاستفاضة وهو يكفي لفهم الدلالة الالتزامية بتوثيقه والعمل بروايته.
الرواية الأولى: فمن ذلك ما في الكافي في باب وقت الصلاة: عن علي بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى عن يونس عن يزيد بن خليفة، قال: (قلت لأبي عبد الله: أنَّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت فقال أبو عبد الله: إذن لا يكذب علينا). وفي المعجم يونس بن يزيد بن خليفة وهو خطأ.
والكلام فيها سنداً ودلالة، أمّا سنداً: فلأنَّ الإشكال فيها فقط في يزيد بن خليفة وهو إمامي واقفي إلَّا أنَّه لم يرد فيه ذم، وقد وردت فيه رواية مرفوعة عن أبي عبد الله أنَّه نجيب الحرث بن كعب، يعني هو النجيب في عشيرته.
وفي الإمكان المناقشة في معنى الرفع وأنَّه بمعنى الإرسال فلعلّه يراد به الإسناد، وإنَّما يعبّر بذلك باعتبار احترام الإمام، وأمّا دلالة النجابة على الخير والصحة فواضح عرفاً، مضافاً إلى أنَّه لم يرد في يزيد بن خليفة قدح أصلاً.
وأمّا الكلام دلالة فقوله: إذن لا يكذب علنيا ظاهر بالقاعدة العامّة أو العادة له وليس في خصوص المورد كما قد يتخيّل وإن كان هو القدر المتيقّن. إذن لا يوجد أي احتمال لأهميّة الوقت في ذهن عمر بن حنظلة، فإن كان لم يكذب في الوقت لم يكذب في غيره.
ــــــ[29]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
مناقشات المامقاني في الرواية الأولى:
وقد وردت له عدّة مناقشات في رجال المامقاني:
المناقشة الأولى: قول الشيخ محمّد سبط الشهيد الثاني: وعلى تقدير الصحّة فالتوثيق أمر آخر، يعني: أنَّ عدم الكذب لا يلازم التوثيق بل هو أمر آخر، وهو غريب أكيداً؛ لأنَّ ظاهر العبارة كون ديدنه على عدم الكذب وهو عين الوثاقة ولا أقل أن تقول أنَّه لازمها المساوي.
المناقشة الثانية: أنَّ المراد بالنسبة إلى خصوص ما رواه عمر في الوقت وذلك لأنَّ التنوين في إذاً للتعويض كما اتفق عليه النحاة مثل حينئذٍ أي لا يكذب علينا في ذلك الذي رواه لكم فلا يدل على انتفاء أصل الكذب عنه.
وجوابه ما قلناه:
أوّلاً: أنَّه لا خصوصية للوقت أو للمورد محتملة أصلاً، لكي يكون صادقاً فيها دون غيرها.
ثانياً: أنَّ إذن للتعليل كأنَّه يعطى كبرى منطبقة على المورد، وهو يعني نفي أصل الكذب.
المناقشة الثالثة: أنَّ نفي كذبه عليهم يثبت بمفهوم اللقب كذبه على غيرهم وكذبه عليهم في غير الوقت فيكون على الذم أدلّ.
وهو غريب أيضاً:
أوّلاً: لأنَّ مفهوم اللقب ليس بحجّة.
ثانياً: يمكن دعوى الظهور بنفيه هنا للقرينة، وذلك لظهوره بالقاعدة العامّة وأنَّ أسلوبه هكذا.
ــــــ[30]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ثالثاً: أنَّه ليس من مفهوم اللقب بل أردأ؛ لأنَّه يكذب فعل وليس لقباً.
فالمهمّ أنَّها تامّة دلالة، وإنَّما الإشكال في السند بيزيد بن خليفة، مع كونه لم يذكر بقدح والظن على صحته وإن لم يكن حجّة، إلَّا أنَّ هذا المقدار من الظن يشارك في حصول الاطمئنان بالاستفاضة لدى تعدّد الروايات كما سيأتي، وكونه واقفياً لا ينافي وثاقته أو الظنّ بوثاقته كما هو معروف لاجتماعهما في كثير من الرواة كآل فضّال وغيرهم.
الرواية الثانية في مدحه: ما عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن أبان عن إسماعيل الجعفي عن عمر بن حنظلة، قال: (قلت لأبي عبد الله: القنوت يوم الجمعة، فقال: «أنت رسولي إليهم في هذا، إذا صليتم». الحديث).
وليس فيه من طعن سنداً إلَّا بعمر بن حنظلة نفسه من ناحيتين:
الأوّلى: أنَّه لم يثبت توثيقه.
الثانية: أنَّه يكون سبباً في توثيق نفسه.
أمّا الأوّل: فلأنَّنا الآن لا نتوخى التوثيق، بل مجرّد حصول الظنّ بصحّة الرواية وإن لم يكن ظنّاً معيّناً؛ لأجل ضمّها إلى غيرها لتحصيل الاستفاضة.
وأمّا الثاني: فلأنَّه لو كان المراد توثيق نفسه لصحّ الإشكال، إلَّا أنَّه ليس المراد ذلك، وإنَّما السياق حول أمر آخر غيره، وهو يدلّ على تفقهه ووثاقته.
أمّا تفقّهه فلانَّه يعرف شكل القنوت في صلاة الجمعة. وهذا ما يدلّ على أنَّهم كانوا يصلّون الجمعة في زمن الإمام الصادق.
وأمّا وثاقته فباعتبار كونه رسول الإمام إليهم وهو كما يدلّ على وثاقته لدى
ــــــ[31]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الإمام يدلّ على اشتهار وثاقته بين الشيعة، لأنَّه إذا ذهب وقال أنا رسول منه يصدّقونه والإمام عندئذ غير موجود لكي يشهد بالصحّة طبعاً.
الرواية الثالثة في مدحه: ما رواه في بصائر الدرجات والكافي عن داود بن أبي يزيد عن بعض أصحابنا عن عمر بن حنظلة، قال: (قلت لأبي جعفر: أظن أنَّ لي عندك منزلة؟ قال: أجل. فقلت: فعلمني الاسم الأعظم، قال: أتطيقه؟ قلت: نعم، قال: فادخل البيت، قال: فدخلت، فوضع أبو جعفر يده على الأرض فأظلم البيت فارتعدت فرائص عمر. فقلت: لا. فرفع يده، فرجع البيت كما كان).
قال المامقاني: فهذا خبر محفوف بقرائن الصدق فيكون حجّة فإنَّ الخبر المحفوف بالقرائن فإن ضعف يكون حجّة بالاتّفاق، بل هو أقوى من الخبر الصحيح الخالي من القرائن، وقد مرّ نظير هذا الخبر في عمار الساباطي وبيّنا وجه دلالته ورددنا من تأمّل في دلالته واستشعر منه الذم فراجع.
أقول: الظاهر أنَّه يريد جعل المتن قرينة على صحّة السند كما أنَّ العكس قد يكون صحيحاً – وهو أمر طيب- لو كان الحال مجهولاً، إلَّا أنَّه معروف يعني صعوبة تحمّل الاسم الأعظم. وإلَّا فإنَّه لا توجد قرائن خارجية تدل عليه. وأمّا استشعار الذم فغايته ضعفه عن تحمّل الاسم الأعظم، وهو لا ينافي الوثاقة بل قد يحصل للأولياء وأضرابهم أيضاً ممّن لم يبلغ درجة العصمة.
أمّا كونه عن ابن حنظلة نفسه فقد سبق جوابه من حيث:
1. إنَّه ليس قصده مدح نفسه، بل السياق عن شيء آخر.
2. ويؤيّده هنا الإشعار بالنقص أو الذم أو الضعف. ومع ذلك رواه، وهذا ــــــ[32]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
يدلّ على مزيد صدقه، ولعلّ المامقاني يريد بالقرينة هذه.
وأمّا ضعف السند فصحيح إلَّا أنّنا – كما قلنا- نريد جمع الظنون لأجل حصول الاطمئنان بالاستفاضة، وهذا متحقّق أكيداً.
مع الالتفات إلى أنَّ داود بن يزيد ممّن وثقّه النجاشي، قال: مولى ثقة. وإنَّما ضعف الرواية بجهالة (بعض أصحابنا)، ويمكن تقريب الظن بصحّته وصدقه بأمرين:
أحدهما: كونه راوٍ بين هذين الراويين اللذين لهما أهمّية نسبياً فلا يحتمل أن يكون ساقطاً.
ثانيهما: كونه يروي أمراً مربوطاً بالاسم الأعظم، وهو من المعارف الباطنية الجليلة، ممّا يولّد الظنّ غير المعتبر بصدقه، وأمّا كونه لم يرد فيه قدح فواضح لأنَّه مجهول.
وقال المامقاني في (عمار الساباطي): وممّا يضحك الثكلى مناقشة صاحب التكملة بعد ذلك في الخبر الثاني الذي رواه الكشي المتضمّن لطلبه من الإمام تعليم الاسم الأعظم إياه بقوله: بل القائل أن يقول إنَّ فيه – أي: في الخبر- طعناً عليه، حيث لم يعلّمه إياه. انتهى.
فإنَّ فيه: أنَّه كلام من لا إطلاع له على حقيقة الاسم الأعظم واختصاص علمه بالنبي والإمام المعصوم وعدم قابلية غير المعصوم تحمّله، كما كشف الإمام ذلك له بالوجدان بل نفس كشفه الحال له وإراءته بالمعجزة عدم قابليته لتحمّله يكشف عن غاية جلالة الرجل ونهاية علو رتبته، حتى وجده ــــــ[33]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الإمام قابلاً لإرائته المعجزة المزبورة.
وكأنّي أقطع من هذه الرواية بأنَّ الرجل لم يكن باقياً على الفطحية وإلَّا لم يكن قابلاً لنيل هذا الشرف العظيم والموهبة الكبرى.
ثُمَّ هو أعني المامقاني يكرّر في عمر بن حنظلة نفس الكلام، إلَّا أنَّه يتوّقف:
أوّلاً: على صحّة السند.
وثانياً: على عدم شهرة هذه الفكرة. وهي مشهورة عن طريق الصوفية وأضرابهم، فيكون من المحتمل أنَّ عمر بن حنظلة يريد أن يمدح نفسه عن طريق افتعال هذه الرواية.
وكلاهما قابل للمناقشة، أمّا عن صحّة السند فلأنّنا نطلب الظن الفعلي وإن لم يكن معتبراً على أن لا يكون مشوباً بطعن أو غمز، وأمّا عن الثاني فبجوابين:
1. إنَّ صحّة السند بشكل وآخر كافية في تصحيحه.
2. ما ذكرناه من أنَّ فيه دلالة على ضعفه ومع ذلك رواها عن نفسه. ولو كان كاذباً لقال: إنَّه علّمني الاسم الأعظم فعلاً، مضافاً إلى أنَّ رواية عمار الساباطي تتضمّن نفس الطريقة للمعجزة، ممّا يبدو أنَّها كانت عليها عادة المعصومين ولو كان كاذباً لذكر معجزة أُخرى اطمئناناً.
ثُمَّ قال المامقاني: وفي هذا (الخبر) زيادة طريقه (يعني عن خبر عمار) في نباهة الرجل، وهو تصديق الإمام إياه في ثبوت منزلة له عنده.
الرواية الرابعة: ما رواه في العوالم من أعلام الدين للديلمي من كتاب الحسين بن سعيد، قال: (قال أبو عبد الله لعمر بن حنظلة: يا أبا صخر: أنتم والله على
ــــــ[34]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ديني ودين آبائي، وقال: والله لتشفعنَّ والله لتشفعنّ ثلاث مرات حتى يقول عدونا فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ، وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ).
وهي واضحة في وثاقته أو قل في الصفة الملازمة مع الوثاقة، إلَّا أنَّ الكلام في السند، وهو وإن كان ضعيفاً إلَّا أنَّه مظنون الصحّة بالظن غير المعتبر. مع الالتفات إلى أنَّه مروي عن غير عمر بن حنظلة وليس عنه كما في الخبر السابق لكي يُقال: أنَّه يمدح نفسه.
الرواية الخامسة: ما رواه في باب الإيمان والكفر من الكافي وفي آخر الروضة: عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن عمر بن حنظلة (نفسه) عن أبي عبد الله قال: (يا عمر لا تحملوا على شيعتنا وارفقوا بهم فإنَّ الناس لا يحملون ما تحملون (يعني لا يتحمّلون ما تتحمّلون)).
وهو يدلّ على جلالة قدره لأكثر من جهة:
أوّلاً: ما ذكره المامقاني من كونه مرجعاً للشيعة وواسطة بينه وبينهم.
ثانياً: أنَّه من جملة الخاصّة الذين يتحمّلون ما لا يتحمّل غيرهم.
ثالثاً: أنَّه من جملة الخاصّة الذين يحمل ما لا يحمل الآخرون من العلم، وهذا كلّه واضح.
ولا إشكال في السند إلَّا من ناحية عمر بن حنظلة نفسه؛
1. لأنَّه غير موثّق.
2. لأنَّه خبر في مدحه عنه، فهو يجرّ النار إلى قرصه، فلا يقبل منه.
وقد سبق أن رددنا الإشكالين:
ــــــ[35]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أمّا الأوّل: فلما قلنا من أنَّنا نتوخّى الظن وإن لم يكن معتبراً وهو حاصل وجداناً.
وأمّا عن الثاني: فإنَّه ليس سياقه سياق المدح، بل سياق الأمر بالمعروف للآخرين حيث يحذرهم بكلام الإمام أن لا يقولوا للناس ما لا يتحمّلون. وهو أكيد ومجرّب، وهو من بعض معاني الأسرار الإلهية كقوله: (أجسادكم في الأجساد وقبوركم في القبور) وقوله: (إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم والصادر عمّا فصل من أحكام العباد).
وقال في المعجم: إنَّ الرجل لم ينص على وثاقته، ومع ذلك ذهب جماعة منهم الشهيد الثاني إلى وثاقته.
أقول: وهم يعلمون أنَّه لم ينصّ على وثاقته فلهم في ذلك طريق آخر كالذي سلكناه.
ويُلاحظ: أنَّه في المعجم لم يذكر تفاصيل الروايات مع أنَّها تشارك في تحصيل الظن بصحّتها كما رأينا كما في رواية الاسم الأعظم وغيرها.
الرواية السادسة: ومن الروايات التي استدلّ بها على وثاقة ابن حنظلة ما روي عن الإمام الصادق: (إعرفوا منازل الرجال منا بقدر رواياتهم عنّا). والصغرى محرزة وهي أنَّ عمر بن حنظلة كثير الرواية(1).
ــــــ[36]ـــــــ
(1) وهي موجودة في الوسائل كتاب القضاء، باب 11، من صفات القاضي، رواية 3، بدون قوله: منا.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
مع ضرورة تتميم الصغرى بإحراز كونه راوياً عن الإمام مباشرة لكون ذلك دالاً على كثرة لقائه معه ورضا الإمام عنه، فإنَّهم كانوا يحجبون عنهم من لم يكونوا يرضون بحاله فكثرة الرواية المباشرة يدل على كثرة اللقاء وكثرة اللقاء يدل على الرضا والرضا يدلّ على الوثاقة.
وهذا بخلاف ما إذا كان راوياً في الجملة وليس مباشراً فإنَّ هذه الفكرة تزول بالمرّة، والظاهر أنَّ الأصحاب فهموا من الرواية ذلك وصرّحوا بكون عمر بن حنظلة كثير الرواية يعني بالمباشرة عن المعصومين.
وهذا ثابت بين يدينا بقرينتين على الأقل:
أوّلاً: أنَّ هذه الروايات السابقة كلّها كان فيها عمر بن حنظلة هو الراوي المباشر.
ثانياً: ما ذكره الأصحاب في الوجه الآتي: أنَّه روى عنه الأجلّة وعدّ منهم المامقاني أكثر من عشرة بما فيهم زرارة وصفوان وأبو أيوب الخزاز وغيرهم. وكلّهم يروون عنه عن الإمام، يعني هو الراوي المباشر في كل ذلك.
بقي الكلام في السند وقد قال في المعجم إنَّها ضعيفة، وقبل التعرّض إلى رواته ينبغي الالتفات إلى أمور:
الأمر الأوّل: أنَّ المامقاني لم يشر إلى ضعفها بل أرسلها إرسال المسلّمات قال: لقول الصادق: (إعرفوا منازل الرجال منّا بقدر رواياتهم عنّا). وهو يدلّ على حجّيته عنده أو حصول الاطمئنان الفعلي له بها. وهو وإن لم يكن حجّة لمجتهد آخر، إلَّا أنَّه يحصل الظنّ بالصحّة وأن يكن معتبراً.
ــــــ[37]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الأمر الثاني: أنَّ هذه العبارة مطابقة للقاعدة أكيداً ولا تحتاج إلى سند، بل في الإمكان البناء عليها ولو لم تكن مروية أصلاً، فإن كانت مروية كان ذلك زيادة في الاستيثاق منها.
الأمر الثالث: صيغتها الأدبية، فإنّها من جوامع الكلم التي لا تتيسر إلَّا في الحكم العليا، والنصوص الأدبية العالية.
وأمّا سندها فقد رواها الكليني عن محمد بن الحسن عن سهل بن زياد عن ابن سنان عن محمّد بن مروان العجلي عن علي بن حنظلة.
وعلّق عليها في المعجم: أنَّ الرواية ضعيفة بسهل بن زياد وبابن سنان فإنَّه محمد بن سنان بقرينة رواية سهل بن زياد عنه، ومحمد بن مروان العجلي مجهول هذا مع أنَّ كثرة الرواية إذا لم يعلم صدق الراوي لا تكشف عن عظمة الشخص بالضرورة.
وقد ناقشنا هذه العبارة الأخيرة فلا نعيد، وأما ضعف الرواية فأكيد وسهل بن زياد مطعون في روايته وعقيدته، والعجلي مجهول الحال. إلَّا أنَّنا هنا يمكن أن نضم مقدّمتين:
1. أنَّ ضعف السند لا يعني كون المتن باطلاً، كل ما في الأمر أنَّه ليس بحجّة فقط.
2. ما قلناه من أنَّ هذا المضمون لا يحتاج إلى سند لأنَّه مطابق للقاعدة فيحصل الظنّ الفعلي بصحّته وإن لم يكن بدرجة الاعتبار. ولعلّه هذا ونحوه حصل للشيخ المامقاني الوثوق بصدقها بالرغم من علمه بضعف سندها.
ــــــ[38]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
عمل المشهور بروايات عمر بن حنظلة:
ومن الأدلّة التي استُدلّ بها على وثاقة عمر بن حنظلة ما ذكره في المعجم من أنَّ المشهور عملوا برواياته. ومن هنا سمّوا روايته في الترجيح عند تعارض الخبرين بالمقبولة.
وفي المعجم طعن في الصغرى والكبرى معاً، قال: إنَّ الصغرى غير متحقّقة وتسمية رواية واحدة من رواياته بالمقبولة لا تكشف عن قبول جميع رواياته. وأمّا الكبرى فقال: إنَّ عمل المشهور لا يكشف عن وثاقة الراوي فلعلّه من جهة البناء على أصالة العدالة من جمع وتبعهم آخرون.
وقال المامقاني عن هذا الدليل: قبول الأصحاب رواياته على كثرتها فإنَّه لم يرد شيئاً من رواياته أحد من الأصحاب ولم يقدح في شيء منها أحد منهم مع أنَّها نصب أعينهم.
أقول: وهذا الوجه بهذا المقدار لا يكفي؛ لأنَّ الأصحاب يعلمون أنَّ الراوي الذي هو عمر بن حنظلة نفسه لم يرد فيه قدح. إذن فرواياته ليس فيها قدح، وهذا واضح. وإنَّما الشيء الذي يمكن ترتيبه منها ولو احتمالاً متكون من مقدّمتين:
الصغرى: أنَّ الأصحاب عملوا فعلاً بجميع رواياته واعتبروها حجّة وأفتوا على طبقها.
والكبرى: أنَّ عمل الأصحاب معتبر أي يجعل السند حجّة، والسند هنا من ناحية عمر بن حنظلة نفسه، مع علمهم بعدم ورود توثيقه بصراحة، وهذا معناه أنَّهم وجدوا قرائن تدلّ على وثاقته ربما لم تصل إلينا.
فإن قلت: فإنَّ عملهم بكلّ رواياته على كثرتها غير محتمل؛
ــــــ[39]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
1. لوجود روايات أُخرى معتبرة السند في عدد من المسائل فربما عملوا بها.
2. لسقوطها أحياناً بالتعارض مع روايات أُخرى مما يتعذّر العمل بها.
قلنا: نعم، إلَّا أنَّ عملهم، ولو برواية واحدة مع الالتفات إلى عدم التصريح بتوثيقه يكفي، وهي هذه المقبولة التي نتحدّث عنها.
وقول المستند: أنَّ قبول رواية واحدة لا تكشف عن قبول جميع رواياته، غير صحيح؛ لأنَّ قبول رواية واحدة منه يكشف حجّية روايته في نظرهم فتكون جميع رواياته حجّة.
إلَّا أنَّ الكلام في أنَّ الأصحاب هل عملوا بها فعلاً أم لا؟ وهذا يتوقّف على أنَّها الرواية الوحيدة الموجودة في كتاب القضاء بحيث تكون بمضمونها في الوضوح والتعرّض إلى التفاصيل، والظاهر أنَّ الأمر كذلك، فإنَّ فيها ثلاث مضامين واضحة.
الأول: منع التحاكم إلى الظالمين.
الثاني: جعل الحاكم العادل.
الثالث: أنَّ الرد عليه رد على الله وهو حرام. ولم ترد رواية بأي واحدة من هذه المضامين، فضلاً عن مجموعها تامَّة سنداً ودلالة غير هذه. مع العلم أنَّ مضمونها أصبح بمنزلة الضروريات وهذا معناه أنَّ الأصحاب تلقوها بالقبول.
ومن هنا يظهر الرد على المناقشة في الكبرى فإنَّ عمل المشهور لا يصحّح السند وهذا صحيح، إلَّا أنَّ الأمر هنا ليس صغرى من ذلك بل هو أكبر فإنَّ المسألة إجماعية ومن ضروريات الفقه إجمالاً.
ــــــ[40]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فإذا قلت: لعلّ الأصحاب اعتبروا مضامين المقبولة مطابقة للقاعدة بغض النظر عن السند فعملوا بها، أو قل هذا من النوع الذي يؤثر صحّة المدلول على صحّة السند، فلا يدل على وثاقة الراوي في نفسه.
قلنا: كلّا، فإنَّ كثيراً من مضامينها وخاصّة نصب القاضي والحاكم مخالف للاحتياط ويحتاج إلى دليل معتبر، وكذلك القول بحرمة الرد عليه تكليفاً أو وضعاً، فلو لم تكن معتبرة في المرتبة السابقة على دلالتها لدى الأصحاب لم يعملوا بها، وعمل الأصحاب بها أكيد في باب القضاء وكل فقراتها الثلاث.
فإن قلت: فإنَّهم لم يعملوا بها في الولاية العامّة. إذن فهي مرفوضة عندهم من هذه الناحية؛ لأنَّ القول بالولاية العامّة خلاف المشهور.
قلت: كلا، فإنَّهم عملوا بها في حدود جميع ما فهموه من النصّ ولم يفهموا الولاية العامّة، فالمهم أنَّهم لم يناقشوا في النصّ إطلاقاً لأنَّهم لم يناقشوا في السند إطلاقاً. ولكنهم لم يفهموا من النص معنى الولاية العامّة ليعملوا به من هذه الناحية ولو فهموه لعملوا به أيضاً.
إذن فهذه الرواية مقبولة فعلاً عند جميع علمائنا إجماعاً، وهذا يدل على علّته وسببه، وهو صحّة السند حتى في عمر بن حنظلة نفسه.
ومن الأدلة التي ذكروها لوثاقة عمر بن حنظلة بلفظ المامقاني: رواية جمع من الأجلّة وغيرهم عنه منهم: عبد الله بن مسكان وزرارة وصفوان بن يحيى وأبو أيوب الخزاز وعلي بن الحكم ومنصور بن حازم وحمزة بن حمران وأحمد بن عائذ وعبد الله بن بكير والحرث بن المغيرة وإسماعيل الجعفي وسيف بن عميرة وأبو
ــــــ[41]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
المغراء وأبو جميلة وهشام ابن سالم وعبد الكريم بن عمر الخثعمي وعمر بن أبان وعلي بن رئاب وموسى بن بكر وغيرهم على ما نقل في جامع الرواة. فهؤلاء عشرون من الرواة مع الالتفات إلى أنَّ الحرث بن المغيرة مكرّر في الذكر في رجال المامقاني والباقي عشرون، وفيهم الأجلاء من أصحاب الإجماع وغيرهم.
إلَّا أنَّه واضح أنَّه منقول بتسامح وسذاجة فإنَّه يحتاج إلى كبرى وصغرى لم يحاول المامقاني التعرّض لهما.
أمّا الصغرى: فصحّة السند بيننا أو قل: بين كتب الحديث وبين هؤلاء؛ لأنَّه إذا كان السند ضعيفاً لم تثبت روايته عنه، ومن الصعب التأكّد عن صحّة السند في كل هؤلاء، وليس المظنون صحّته في الجميع كما هو واضح.
وأمّا الكبرى: فبالقول: بأنَّ رواية الأجلاء عنه دلالة على توثيقه، أو أنَّ كثرة الرواة عنه في العصر الذي يمكنهم الرجوع فيه إلى المعصومين مباشرة دلالة على توثيقه، وقد اختار في المعجم الطعن في الكبرى من حيث إنَّ رواية الأجلاء عنه ليست دلالة على توثيقه ولم يتعرّض للصغرى.
وجواب كلا هذين الجانبين:
أمّا الصغرى: فهي صحيحة لو أردنا الظن المعتبر على روايتهم عنه. إلَّا أنَّنا هنا بصدد جمع الظنون مطلقاً، الأعمّ من المعتبر وغيره كما قلنا.
وأمّا الكبرى فيمكن أن يكون لها أحد صيغ ثلاث، مع الالتفات إلى أنَّه يكفينا منها مطلق الظن وإن لم يكن معتبراً ولعلّ ما ذكره في المعجم من منعها صحيح لو أردنا الظن المعتبر.
ــــــ[42]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وأمّا صيغ الكبرى فكما يلي:
أوّلاً: أنَّ رواية الأجلاء عنه دلالة على توثيقه، وهي التي تصوّرها في المعجم وطعن فيها.
ثانياً: أنَّ كثرة الرواة يدلّ على التوثيق باعتبار إمكان الرواة الذهاب إلى المعصومين أنفسهم والسؤال عنهم، ومع ذلك فهم يسألون ممّن دونهم وهو عمر بن حنظلة نفسه ويصدقونه ويكتفون بسؤاله عن سؤال الإمام.
ثالثاً: أنَّهم يأخذون برواياته ويروونها إلى من دونهم من الرواة إلى أن تصل إلى الكتب المعتمدة.
رابعاً: ما قلناه من أنَّ عمر بن حنظلة كان هو الراوي الأوّل المباشر للإمام في كل ما سبق من الروايات، وظاهر المستند أنَّ عمر بن حنظلة روى عن واحد فقط غير الإمام وهو حمران وباقي رواياته كلّها عن الإمام مباشرة وروى هؤلاء الجماعة عنه. فيكون مصداقاً لما قلناه فيما سبق من أنَّ كثرة الرواية يدلّ على كثرة الذهاب إلى الإمام والإذن له بذلك. وهذا يدلّ على رضا الإمام عنه والرضا يدلّ على الوثاقة.
فالصيغة الأُولى من الكبرى مظنونة، والصيغة الرابعة اطمئنانية لو فرض تماميّة صغراها، إلَّا أنَّ الصيغتين الثانية والثالثة قابلة للمناقشة؛ لأنَّ الضعاف شأنّهم كشأن غيرهم يروى عنهم ويروى لهم كمشايخ وكطلّاب، فلا تدل على الوثاقة.
نعم، لو ثبت أنَّ الراوي عنه يطبق عملياً فتواه الذي سمعها عنه لكان وجهاً في الوثاقة إلَّا أنَّ هذا ممّا لم يثبت حتى بالظن.
ــــــ[43]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
نتيجة البحث السندي:
بقيت عندنا النتيجة وهو أنَّنا قد جمعنا عدداً معتداً به من الظنون بالمعنى الأعمّ وإن كان أكثرها غير معتبر، إلَّا أنَّها راجحة فعلاً، وليس فيها ما يقابلها من الطعن والتجريح حتماً. فهنا تُعمل قاعدة حساب الاحتمالات بضمّ الظن إلى الظن. وباجتماع الظنون الراجحة تحصل درجة من درجات الاطمئنان بصحّة عمر بن حنظلة، أو اتصافه ببعض الأوصاف المساوقة والمساوية للوثاقة، وهذا يكفي.
إن قلت: إنَّ هذا يشبه التواتر الإجمالي، والقاعدة فيه هو الأخذ بالقدر المتيقّن من المضمون، وهذا لا يكفي لإثبات اتصاف عمر بن حنظلة بصفات مساوقة أو ملازمة للوثاقة.
قلنا: أمّا كبرى فصحيحة، وأمّا الصغرى فلأنَّه يثبت صحّة أحد هذه الأدلة للسابقة إجمالاً والتي هي ستة أو سبعة، فلو كان بعض الأدلة ضعيف الدلالة لكان الإشكال وارداً، إلَّا أنَّنا ندّعي أنَّ كل واحد على تقدير ثبوته يكفي في الدلالة على المطلوب، كما سبق أن قرّبناه، وكونه بالظن غير المعتبر وإن كان صحيحاً إلَّا أنَّه تبدّل إلى الظن المعتبر بكبرى حساب الاحتمالات، وهذا ينطبق على كل واحد من هذه الوجوه على البدل وهذا يكفي.
دلالة المقبولة:
وأودّ الآن التعرّض باختصار إلى دلالة المقبولة على الولاية العامّة؛ لأنَّ بحثنا الآن ليس عن الولاية العامّة بل عن صلاة الجمعة، وأكثر الأمور اختصاراً بالنسبة
ــــــ[44]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
إلى بحث الخارج هو ما ذكرناه في الجزء التاسع من ما وراء الفقه:
المناقشة الثانية: إحتمال أن يكون المراد هو تنصيب الفقيه في منصب القضاء لا الولاية العامة. وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
ويدعم هذا الاحتمال عدّة أمور في الرواية، يصلح كل منهما أن يكون مناقشة مستقلة لها، الا أننا نذكرها مندرجة في المناقشة الثانية تنظيماً لمنهج البحث.
الأمر الأول: ان السؤال الأساسي في الرواية إنما هو عن الخلاف في دين أو ميراث. وإذا كان السؤال خاصاً بذلك كان الجواب خاصاً به بالقرينة المتصلة.
ونحن نعرف أن الذي يحسم الخلاف في أمثال هذه الأمور إنما هو القاضي لا الولي العام.
والجواب عن ذلك من وجوه نذكر منها إثنان:
الوجه الأول: إن فضّ المنازعات كما يقوم بها القاضي قد يقوم بها الولي العام أيضاً. ولا فرق في ذلك عقلائياً ولا شرعاً. ومن هنا نصّت الرواية في السؤال عن أنهما تحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة. والسلطان هو الولي العام اجتماعياً. وان لم تصحّ ولايته شرعاً. والنهي عنه في الرواية لأجل ذلك لا لأجل استنكار الرجوع إليه بصفته سلطاناً.
الوجه الثاني: إن الجواب قد يأتي زائداً على السؤال، وهذا موجود عقلائياً ومتحقّق في كثير من الروايات. ويقال في اصطلاحهم عندئذ: إن الإمام تبرّع بذكر كذا وكذا.
ــــــ[45]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وهذه الرواية بنفسها فيها زيادات مهمة في الجواب منها: ذكر صفات الفقيه والتشديد على الردّ عليه. والاستشهاد بالقرآن الكريم على حرمة الرجوع إلى غيره.
ومن هنا فمن المحتمل ان تكون هناك زيادة أيضاً من حيث المضمون المحتاج إليه في السؤال، ونحن نعلم أن المشكلة المسؤول عنها سوف تتذلّل وتزول، سواء كان المنصوب قاضياً أو ولياً عاماً. لوضوح أن كليهما قادر على القضاء.
كل ما في الموضوع أننا ينبغي أن نستفيد من لفظ (حاكم): الولي العام لا خصوص القاضي وهذا ما سنراه في الأمر الآتي.
الأمر الثاني: إن قوله: (فإني قد جعلته حاكماً). إما أن يكون ظاهراً في خصوص القضاء أو محتملاً له. وإذا دخل الإحتمال بطل الاستدلال. وخاصة مع كون السؤال الأساسي إنما هو عن أمر قضائي.
وهذه المناقشة، وان بدت أساسية في أذهان العديد من الفقهاء المحتاطين غير القائلين بالولاية العامة. إلّا أنها ليست بشيء على الإطلاق.
لوضوح الفرق الأساسي لغة وعرفاً بين مفهوم الحاكم ومفهوم القاضي. والمأخوذ في الرواية هو الأول دون الثاني. كما أن ما هو الحجة في فهم الكتاب والسنة هو اللغة والعرف.
وغاية ما يمكن أن يجعل قرينة على أن المراد به مجرد (القاضي) أمران:
أحدهما: كون السؤال الأساسي في الرواية عن المنازعة. وهي إنما
ــــــ[46]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
تعرض على القاضي عادة.
وقد عرفنا جواب ذلك وأن الولي العام قادر على فضّ المنازعة كالقاضي بل لعلّه أقدر منه على ذلك.
وبتعبير آخر: أنه كما يمكن جعل السؤال كقرينة متصلة على الجواب، كذلك يمكن جعل الجواب قرينة متصلة على السؤال. وإن الإمام لعلّه فهم منه ما هو أشمل من مجرد المنازعة في دين أو ميراث. ولذا تصدّى إلى نصب (الحاكم) دون (القاضي) وعلى أيّ حال، فليست إحدى القرينتين أولى من الأخرى.
ثانيهما: مما يمكن جعله قرينة.
قوله: (فإذا حكم بحكمنا). والحكم خاص بالقاضي. إذن، يكون قرينة متصلة على ارادة القاضي من لفظ الحاكم.
والجواب: إن هذا أردأ من سابقه. وذلك على مستويين:
المستوى الأول: إن الحكم كما يصدر من القاضي يصدر من الحاكم أو الولي العام، ولهما نفس الأهمية الشرعية على تقدير حجيتهما. بل صدق عنوان الحكم على أوامر الولي العام أوضح لأنها أشمل اجتماعياً وليست بين اثنين فقط. كما أنها مدعومة بنظام عام. كما أن الولي العام يستطيع أن يمارس القضاء أيضاً كما قلنا.
المستوى الثاني: إن تخيل صدور الحكم من القاضي وإن كان واضحاً في أذهان الفقهاء والقانونيين. إلّا أنه مأخوذ فقهياً من هذه الرواية بالذات
ــــــ[47]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وبعض ما قاربها في المضمون، مع أن كلامنا الآن فيه فأخذه مسلّماً يكون مصادرة على الموضوع.
وأما إذا استعرضنا الروايات الكثيرة الواردة في المرافعات المعروضة على المعصومين وخاصة الإمام أمير المؤمنين، فإننا لا نجد فيها إطلاقاً معنى الحكم، بل كان الإمام ينفذ الحكم بدون تلفّظ بمضمونه، أو إلباسه أهمية خاصة، كما هو المركوز فقهياً.
مما يتبين أن حال القضاء كغيره من الأمور الشرعية، فكما أنه إذا ثبت دخول وقت الصلاة وجبت الصلاة. كذلك إذا ثبت لدى القاضي أن هذا دائن وهذا مدين، وجبت على المدين أن يدفع المال إلى الدائن، كأيّ موضوع ومحمول في الشريعة، ولا يحتاج إلى توسّط ما يسمّى بالحكم، وهذا لا يعني عدم جوازه، بل يعني عدم وجوبه، وعدم الضرورة إليه.
وأنا أتحدّى أي فقيه أو قانوني أن يأتي بأيّ رواية فيها معنى الحكم القضائي من قبل المعصومين. وهذه كتب الحديث بين أيدينا وأيديهم.
بل المراد بالحكم: الأوامر والنواهي العامة ذات المصلحة العامة التي تصدر من الولي العام. أما بصفتها (فتوى) فإنها شكل من أشكال الحكم، واما بصفتها (أمر مولوي) فإنه الشكل الآخر للحكم الذي يكون حجّة بدوره.
وهذا كما هو واضح، مما يؤيد أن قوله: (فإذا حكم بحكمنا)، يكون قرينة متصلة على نصب الولي العام دون القاضي، فهو على خلاف مقصود المستشكل أدلّ.
ــــــ[48]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
المناقشة الثالثة: للرواية أساساً:
إن قوله: (فليرضوا به حكماً).. دالٌّ على نصب القاضي لا الوالي العام. لأمرين على الأقل:
الأول: إن الولي العام لا يكون بالتراضي بل بفرض الحكم الشرعي وحجيته على الجميع.
الثاني: إن التعبير بالحكم عن الولي غير سائغ عرفاً. وإن كان التعبير بالحاكم عنه ممكناً.
ومن هنا قد نجعل لفظ (الحكم) قرينة متصلة على أن المراد من الحاكم هو خصوص القاضي. نعم إذا انتفت دلالته، كما سترى، يبقى ما سبق أن سمعناه ساري المفعول.
ويدعم ذلك أمران أيضاً:
الأول: إن لفظ الحكم بنفسه ظاهر بقاضي التراضي، وهو من يتراضى عليه المتخاصمان مهما كان عمله الأساسي، وهذا موجود في كثير من المجتمعات العقلائية. ويصطلح عليه في اللغة العربية بالحكم.
الثاني: إن قوله: (فإني قد جعلته حاكماً)، يعود الضمير فيه إلى (الحكم) هذا. إذن يكون النصب للحاكم بعد التراضي لا في المرتبة المتقدمة عليه، باعتبار أن مجرد التراضي بالفرد، قد لا يكون كافياً للحجية، فيدعمه الإمام: بأنه قد جعله حاكماً، يعني أن يكون حكمه حجّة.
إلّا أن هذه الأمور لا تتم. وسنناقشها بعد التعرّض إلى مناقشة الأمر
ــــــ[49]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الأساسي في هذه المناقشة الثالثة، وهو قوله: (فليرضوا به). الدال على أنه من قبيل التراضي. وليس من قبيل القاضي المنصوب، فضلاً عن الولي العام.
وهذا لا يتمّ تماماً لعدّة أجوبة نذكر منها:
الجواب الأول: إن الأمر بالرضاء ظاهر وواضح بالرضاء بالحكم الشرعي بنصب الحاكم. فإن الرعية إذا لم ترضَ بهذا الحكم لم تطع الحاكم المنصوب، مما ينتج منه أسوأ النتائج. إذن، فلا بد من الرضاء بالحكم الشرعي هذا على حدّ الرضاء بكلّ الأحكام الشرعية، والتسليم بصحتها وحجّيتها.
ولو أراد (قاضي التراضي) لقال: فليتراضوا ولم ويقل: فليرضوا: وما أشدّ الفرق بينهما هنا. لأن التراضي في قوله: فليتراضوا هو تبادل الرضا من الخصمين، وأما الرضا فهو باب آخر ليس فيه مبادلة أو تبادل، ومن هنا لا يكون مرتبطاً بالخصمين بل بالحكم الشرعي أساساً.
الجواب الثاني: ان الإمام لو أراد الخصمين لأشار إليهما بضمير التثنية فقال: فليرضيا به حكماً. ولم يستعمل ضمير الجمع، مع أنه استعمله. الأمر الذي يدلّ على عدم ارتباط هذا الأمر بالخصمين خاصة بل بكل المجتمع عموماً.
وهذا معناه بوضوح عدم قصد قاضي التحكيم بل ولا القاضي المنصوب، بل الولي العام.
وإسناد ضمير التثنية إلى الجمع، وإن كان ممكناً أحياناً. إلا أنه مجازي في اللغة والحمل على المجاز خلاف الظاهر ما لم تقم عليه قرينة واضحة. ونحن هنا نريد
ــــــ[50]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أن نجعله قرينة على غيره، لا أن نجعل غيره قرينة عليه.
هذا، وإذا أمكننا الدمج والتوحيد بين الجوابين الأخيرين كان الأمر أوضح، لأن المراد ان كان هو قاضي التحكيم كان لا بد من التعبير: فليتراضيا. مع أنه عدل عن الهيئة وعن الضمير معاً فقال: فليرضوا. الأمر الذي يبعد به عن قاضي التحكيم.
وأما مسألة عود الضمير في قوله: (فإني قد جعلته حاكماً) على قاضي التحكيم أو (الحكم). فهو واضح البطلان بل هو عائد على (الفقيه العارف) الموصوف بالصفات السابقة على هذه العبارة في الرواية. الأمر الذي يجعل لفظ الحاكم قرينة على لفظ الحكم دون العكس. وهذا بنفسه يبعد احتمال أو ظهور لفظ الحكم بقاضي التراضي أو التحكيم. وتعارفه ما بين المجتمعات لا يعين إرادته هنا. ولا أقل من الاحتمال الذي يبطل الاستدلال.
وأما ما قاله صاحب المناقشة من أن الولي العام لا يعبّر عنه بالحكم وإن عبروا عنه بالحاكم. فهذا منقوض على عدة مستويات:
المستوى الأول: إن الحكم والحاكم من مادة واحدة وهو من يمكن أن يصدر منه الحكم فاختصاص الحكم بمعنى معيّن هي حصّة من مطلق الحاكم، محل نظر. فتأمّل.
المستوى الثاني: إن حكم التراضي لا يختصّ بالمرافعات بل يشمل سائر الأمور المعقّدة في المجتمع، وهو لم يعبّر: بقاضي التراضي بل بالحكم فيعمّ معناه أموراً
ــــــ[51]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
كثيرة تجعله أقرب إلى الولي العام.
المستوى الثالث: جعل لفظ الحاكم قرينة على المراد من الحكم، فإنه ليس أولى من العكس كما هو واضح.
المستوى الرابع: إن قاضي التحكيم ليس لا بد عرفاً أن يكون عارفاً لكلّ الحلال والحرام بل يكفي فيه مجرد التراضي، مع شيء من الثقافة العامة لديه.
مع العلم أنه موصوف بالرواية ومشروط بأن يكون فقيهاً عارفاً. ومن الواضح فقهياً أن الفقيه يمكن أن يكون قاضياً وإن لم يتراضَ به الخصمان. إذن فقوله: فليرضوا به.. أعني عود الضمير إلى الفقيه العارف يكون قرينة على أن المراد من الرضا ومن الحكم غير ما تخيله المستشكل.
المستوى الخامس: قوله: (فإذا حكم بحكمنا). ومن المعلوم أن حكمهم ليس واحداً ولا في حقل واحد. بل يشمل الأحكام الشرعية كلها. سواء كانت قضائية أم لم تكن. وليس هناك قرينة على أن المراد من حكمهم هو خصوص الحكم القضائي. إلا بجعل الألفاظ السابقة قرينة عليه. وقد عرفنا حالها، وليست جعل القرينة من هذه الجهة بأولى من العكس.
ومن الواضح عدم اختصاص ما ذكره من التشديد على أهمية حكم الحاكم، بالقاضي أو بالحكم القضائي. بل يشمل كلّ الأحكام الشرعية التي يُفتي بها أو يعبّر عنها الفقيه العارف أو الولي العام.
ولا ينبغي الإفاضة في مناقشة هذه الرواية أكثر من ذلك. حفظاً على مستوى
ــــــ[52]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
هذا الكتاب بل هو موكول إلى محله من الفقه.
والى هنا فقد صحّت لدينا هذه الرواية سنداً ودلالة في إثبات الولاية العامة إجمالاً(1).
تنبيهات:
والآن نضيف بعض الأمور الأخرى:
أوّلاً: أنَّه يقول: (فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة)، فالسلطان غير القضاة بمقتضى ظهور العنوانية وظهور التعاطف. يعني أنَّ المعتقد عرفاً أنَّ السلطان وهو خليفة الوقت يستطيع أن يفض النزاع بينهما كما يستطيع القضاة، مع أنَّه من الناحية العملية ليس بقاضٍ، وإنَّما له صلاحية القضاء، وإنَّما القضاة يستطيعون القضاء؛ لأنَّه خوّلهم به وأجازه لهم، وذلك لا يكون عادّة إلَّا بالولاية.
وبتعبير آخر: إنَّ العرف يرى للحاكم العامّ نحواً من الولاية والتصرّف في نفوس الناس وأموالهم، فيقابله الحاكم المنصوب من قبل الإمام أيضاً يكون بهذا النحو وهو الولاية.
ثانياً: أنَّه أخذ عنوانين في جانب الباطل وعنوانين في جانب الحق، قال: السلطان والقضاة، وقال: حكماً وحاكماً، فيمكن أن يكون المقصود تطبيق أحدهما على الآخر بنحو اللف والنشر المشوّش، فيكون المقصود من الحكم القاضي
ــــــ[53]ـــــــ
(1) ما وراء الفقه: ج9، ص49-55.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ويكون المقصود من الحاكم السلطان. كأنَّه قال: فليرضوا به قاضياً فإنّي قد جعلت له الولاية العامّة التي يستطيع بها القضاء وغيره أو قل: فإنَّي قد جعلته سلطاناً.
ثالثاً: أنَّه يقول: فإذا حكم بحكمنا وظاهره أنَّ مضمون حكمه يكون هو حكمهم لا أنَّ حكمهم يكون بمنزلة الجهة التعليلية لحكمه، وفي موارد القضاء يكون النزاع على أمور جزئيّة لا على أمور كلّية، وحكم القاضي يكون في الأُمور الجزئيّة، وهذا معناه أنَّ حكمهم (بنحو القاعدة العامّة) يكون جهة تعليليّة لحكمه، وهذا على خلاف ظهور (حكمنا) الذي يعني أنَّه حكمهم بالمطابقة وذلك لا يكون إلَّا بالأُمور العامّة من فتوى أو غيرها، ولا أقلّ من أنَّه يشمل الجميع من حكم بالفتوى وحكم بالولاية وحكم بالقضاء ولا قصور فيه عن شمول الجميع.
رابعاً: أنَّ اختصاصه بالفتوى غير محتمل، وإن كان هو القاعدة العامّة، بينما تكون موارد القضاء والولاية جزئية دائماً، إلَّا أنَّه غير محتمل لإخراج مورد السؤال في الرواية عنه، وهو النزاع في دين أو ميراث أو قل: هو المرافقة القضائية، فلابد أن يكون المقصود هو الأعمّ من الفتوى ونتيجة المرافعة القضائية.
خامساً: مع ضم الحكم الولائي إليه، لأنَّه هو معنى الحاكم العرفي وليس معنى الحاكم: القاضي ولا المقلّد في الفتوى، بل يكون المراد الأعمّ من كل ذلك، وبطبيعة الحال المجتهد يكون له كل ذلك، وهو الذي يكون مستحقاً للنتيجة الأخيرة في الرواية وأنَّ الرد عليه على حد الشرك بالله.
سادساً: أنَّه يدلّ الضمير عمداً، ولا يحتمل أن يكون بنحو الصدفة لأنَّه معصوم.
ــــــ[54]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
قال: ينظران من كان منكم …. فليرضوا به حكماً. للدلالة على أنَّ الأمر المجعول من قبل الإمام أوسع من مجرّد المنازعة في دين أو ميراث.
سابعاً: أنَّ الاستدلال متوقّف على ثبوت كون الجعل الولائي للمعصوم مستمر بعد وفاته لأنَّه في المقبولة لا شكّ أنَّ الجعل ولائي وليس فتوائياً، لأنَّه قال: فإنّي جعلته حاكماً، فلو انقطع هذا الجعل بموته إذن لا أثر له الآن.
وجوابه من عدّة وجوه:
1. الاستصحاب.
2. التسالم والإجماع، على أنَّ أحد الفروق بين المعصوم وغيره في الولاية هو ذلك.
3. ظهوره أنَّها قاعدة عامّة لأنَّ النزاع في دين أو ميراث لا يحدث فقط في حياة الإمام الصادق.
ثامناً: ظهور (من كان منكم) إلى القضيّة الخارجية فنقيّد الوصف وهو المعرفة بالأحكام، فيختص بجيل الإمام الصادق، إلَّا أنَّ هذا غير محتمل بعد التجريد عن الخصوصية مضافاً إلى ظهور الرواية بنصب القاعدة العامّة.
تاسعاً: أنَّه يقول: ينظران من كان منكم، يعني من الأفراد الاعتياديين أو الرعية، وليسوا من الحكام أو المسيطرين عملياً. وهذا معناه أنَّ كل متخاصمين يستطيعان أن ينظرا إلى شخص غير الشخص الذي ينظر إليه المتخاصمان الآخران. وهذا معناه الظهور بقاضي التراضي، وإلَّا لو كان المراد الحاكم الشرعي إو الولاية العامّة، لما كان هناك مجال للنظر بل يكون هو المتعيّن.
ــــــ[55]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
جوابه:
أوّلاً: أنَّ النصب للولاية هنا نظري وليس عملياً لوضوح أنَّ الفرد غير مسيطر حقيقة.
ثانياً: أنَّ المرافعات والمشاكل إن حدثت في مجتمع فيه حاكم شرعي مسيطر وجب الذهاب إليه وأن حدثت في مجتمع ليس فيه ذلك أمكن الذهاب إلى كل من اتصف بتلك الأوصاف.
فالمهم أنَّ الرواية ليس لها إطلاق من حيث إنَّهما ينظران ما يرغبان به حتى لو كان هناك حاكم شرعي مسيطر، وإنَّما كان الإمام يتحدث في المجتمع والوضع الذي كان موجوداً في ذلك الحين وإلى هذا الحين وهو عدم السيطرة، ومن الصعب أن نفهم الإطلاق لصورة السيطرة بل يتعيّن عندئذٍ الرجوع إليه، وكذلك في صورة الأعلمية كما سيأتي.
عاشراً: أنَّ الولي العامّ الحقيقي كان هو الإمام وهو الأعلم على الإطلاق في مجتمعه، فهل يمكن أن ينصب ولياً عامّاً مع وجوده بل لا مورد له.
جوابه: نقضاً وحلاً:
أمَّا نقضاً: فبولاية أمير المؤمنين في زمن رسول الله فإنَّه حين دعا عشيرته الأقربين نصّ على ولايته العامّة – باصطلاحنا-
فكانا معاً وليين عامّين، ولا يختلفان لخضوع أحدهما للآخر أي الوصي للرسول ولا إشكال في ذلك، وكذلك الحسن والحسين كانا معصومين ووليين عامّين. ولا يختلفان لأنَّ الثاني منهما صامت إلى أن يتوفّى الأوّل. إذن فجعل وليين عامّين ممكن.
ــــــ[56]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وأمّا حلاً: فلأنَّ الرجوع إلى الإمام في المنازعات والمصالح كلّها لم يكن متيسراً لبعد المكان أو لظروف التقيّة أو لغير ذلك. فالنصب لأجل ذلك مضافاً إلى اختلاف الزمان وحيث إنَّ الإمام يعلم باستمرار جعل ولايته بعد وفاته واستمرار المصلحة في هذا الجعل. إذن فهو يخاطب الأجيال في هذا الجعل ولا إشكال فيه.
دلالة المقبولة على اشتراط الأعلمية:
حادي عشر: أنَّ مقتضى إطلاق سياق المقبولة هو عدم اشتراط الأعلمية لأنَّه يقول: (من كان منكم) وهذه النتيجة معمول بها عملياً لوضوح أنَّه لا يشترط في القاضي الأعلميّة، فلماذا نشترط في الولي العامّ أن يكون أعلم.
وجواب ذلك من أكثر من وجه:
الوجه الأوّل: أنَّه يمكن القول بمنع الإطلاق من هذه الجهة، لأنَّه ليس بصدد البيان من هذه الجهة فلا تتم مقدمات الحكمة فلا يتمّ الإطلاق. مع الالتفات إلى المصلحة لم تكن ببيانه لقصور المجتمع يومئذٍ عن إدراكه وحصر النزاعات في واحد أمر مزعج في وقت تكون وكانت دولة الانحراف هي المسيطرة فتختل المقدّمة الأُخرى لمقدّمات الحكمة وهي: أنَّه يستطيع أن يبيّن لأنَّه لا يستطيع أن يبيّن، بل الأفضل في كل ذلك أن يدع الناس على غفلاتهم.
إذن فلابدَّ من الأخذ بالقدر المتيقّن وهو الأعلم، كما هو واضح.
الوجه الثاني: لوجود الدليل على تعيّن الأعلم ولو كان لها إطلاق فيكون مخصصاً، وذلك على مستويين.
ــــــ[57]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
المستوى الأوّل: نفس الأدلّة التي تذكر عادة لاشتراط الأعلمية في التقليد سواء على مستوى الأمارات كالسيرة العقلائية أو على مستوى الأُصول كأصالة عدم الحجّية عند الشكّ فيها بالنسبة إلى غير الأعلم أو استصحاب عدمها فيه ونحو ذلك. ومن الواضح أنَّ الحكم الولائي كالفتوى من هذه الناحية.
المستوى الثاني: أدلة خاصّة في طرف الولاية ولا تشمل الفتوى.
منها: الإجماع أو الارتكاز على أنَّ الرئيس للمجتمع المؤمن واحد، لا يتعدّد، وعليه ديدن الأنبياء والأوصياء ففي كل زمان يوجد ولي واحد هو إما نبي أو وصي ولا يتعدّد حتى في زمن الحسن والحسين، وكذلك في ارتكاز المذاهب الأُخرى ابتداءً من الخلافة الأُولى وانتهاءً ببني العباس، إلى أن حدثت هناك مناصب خلافية في مصر والأندلس لم يمكن لحكومة بغداد أو لخلافة بغداد المناقشة فيها. وإنَّما كانت تعتبرها تعمل تحت ظلّها وأنَّ الدولة المركزية هي خلافة بغداد بالمقدار الذي كان ممكناً ومفهوماً في ذلك الحين.
ومنها: اقتضاء العناوين الثانوية ذلك: وهي أنَّ التعدّد يوجب الاختلاف والاختلاف خطر على المجتمع، وإنَّما لابدّ من رأي واحد وفتوى واحدة هي التي تعمّ المجتمع وإلَّا فشل الجميع لا محالة لوضوح أنَّ الاتفاق في كل القضايا متعذر، وأنَّهم مهما أرادوا الاتفاق تعذّر عليهم ذلك حتى لو كانا مخلصين أمام الله سبحانه، لأنَّهما قد لا يتّفقان على تشخيص المصلحة.
وعندئذٍ نضم قضيتين:
الأُولى: قبح تفضيل المفضول على الفاضل، يعني: يقبح على الشارع المقدّس
ــــــ[58]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أن يجعل الولاية العامّة للمفضول وغير الأعلم ويسلبها عن الأعلم.
الثانية: الترجيح بلا مرجّح بعد أن قلنا بوجوب حصول رأي واحد في المجتمع فأي هذه الآراء تكون هي المتعين. هذا ترجيح بلا مرجّح.
ومن الواضح أنَّه كلتا القضيتين الرجوع إلى الأعلم والاختصاص به، ولا يكون غيره ولياً عاماً لا بالاستقلال ولا بالاشتراك.
وأمّا التفاصيل في تشخيص الأعلم أو كان الأعلم لا يرى الولاية العامّة وكان غيره يراها، أو كان جملة من المجتهدين يرى الولاية العامّة ولا يرى اشتراطها بالأعلم ونحو ذلك. فهذه تفاصيل ليس هنا محلّها؛ لأنَّنا لا نبحث عن الولاية، بل عن صلاة الجمعة.
وهذه الأدلّة على الأعلم في الفتوى وفي الولاية جملة منها أمارات كافية لتخصيص المقبولة إذا فرض وجود الإطلاق فيها، ولكن مع ذلك احتطنا وقلنا باشتراط الأعلمية بنحو الاحتياط الوجوبي لا بنحو الفتوى لأنَّ الاحتياط غير منافٍ للواقع، وهو أوفق بالجمع بين الأدلّة لو أخذنا المناقشات التي يأخذها المشهور ضد أدلّة الأعلميّة، غير أنَّ هذه المناقشات لا تؤدي لرفض اشتراط الأعلمية، لأنَّها احتمال في مقابل احتمال على أحسن تقدير. فيبقى هناك مجال للاحتياط ولو عقلاً. ولا شكّ أنَّ الأحوط عقلاً هو التعيين عند دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الموارد التي يصعب إجراء البراءة عن التعيين لوجود أمارات معتد بها إلى جنب التعيين ودالة عليه. فإن لم تكن حجّة (لفرض ورود بعض الإشكالات عليه) فلا أقلّ أخذها بنظر الاعتبار بنحو الاحتياط وهذا أيضاً لا ــــــ[59]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
تختلف فيه الولاية عن الفتوى.
ثاني عشر: أنَّ سياق المقبولة واحد، وأمره دائر بين أن يكون المراد الأعلم أو لا يكون. وعلى كلا التقديرين لا فرق بين الولاية والقضاء فلماذا يكون الولاية مشترطة بالأعلميّة دون القضاء.
وبتعبير آخر: أنَّنا بعد أن برهنّا على اشتراط الأعلمية في جانب الولاية لابدَّ أن يثبت في القضاء لأنَّ سياق المقبولة واحد مع أنَّنا لا نقول به.
وجوابه من وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّه يمكن إنكار أن تكون المقبولة دليلاً على نصب القاضي، بالرغم من أنَّه مورد السؤال فيها، فإنَّنا قلنا أنَّ فيها تبرّعاً زائداً من الإمام في أنَّه نصب الولي العامّ ابتداءً للنظر في قضايا المتخاصمين وغيرها، ولم ينصب فيها قاضياً إطلاقاً، بل دليل القضاء أدلّة أُخرى لفظيّة أو لبيّة.
الوجه الثاني: أنَّ جملة من أدلّة الأعلمية لا تشمل القاضي، بل كلّها، أعني الأمارات لا الأصول العملية كالسيرة العقلائية على الرجوع إلى الأعلم فإنَّ السيرة على الرجوع إلى أي قاضٍ وكالتسالم على وجود ولي واحد، فإنَّه لا يشمل القاضي. فإذا كانت المقبولة قد دلّت على كلا الجانبين كما حقّقنا، كان جانب الولاية مقيداً في الخارج باشتراط الأعلمية وجانب القضاء غير مقيّد.
نعم، الأُصول العملية النافية للحجيّة تشمل جانب القضاء، ومقتضاها عدم حجيّة حكم القاضي غير الأعلم، غير أنَّ هذا مردود بالأدلة والأمارات القائمة على عموم النصب وعموم الحجيّة لكل قاضي لمجرّد أن يكون مجتهداً.
ــــــ[60]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فهذه فكرة قليلة في هذا الجانب لا حاجة إلى التوسّع فيها ونعود الآن إلى التكلّم في وجوب صلاة الجمعة.
شرط النداء من الولي العام:
وعليه فالشرط في آية الجمعة وإن كان موجوداً إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ(1) إلَّا أنَّه إذا حصل الشرط وهو النداء من قبل الولي العام الواجب الطاعة بحسب الجعل الشرعي المتمثّل في زمن المعصومين بهم وبعدهم بالنيابة العامّة المجعولة في المقبولة، عندئذٍ يحصل أمران أو محمولان:
أحدهما: وجوب الطاعة المنصوص في المقبولة.
والآخر: وجوب المبادرة إلى الصلاة المنصوص في الآية الكريمة نفسها: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ(2).
وفي الإمكان إرجاعهما إلى أمر واحد وذلك بفهم الأمر في الآية طريقاً إلى أمر الولي يعني: امتثلوا أمر الولي بالنداء واسعوا، وهذا يعني أنَّ الآية تدل على وجوب طاعة الولي العامّ، لكنّها لا إطلاق لها لغير المعصومين لأنَّها ليست في مقام البيان من هذه الجهة والقدر المتيقّن هو المعصومون.
ويؤيد الطريقية استحالة توجيه أمرين على متعلّق واحد، والمفروض أنَّ
ــــــ[61]ـــــــ
(1) الجمعة: 9.
(2) الجمعة: 9.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
النداء حاصل فيكون الأمر بالسعي لغواً؛ لأنَّه من تحصيل الحاصل إلَّا أن يحمل على الطريقية، بمعنى: دعم أمر الولي باللغة الحديثة والحثّ على طاعته.
مناقشة صاحب المستند على حمل الأمر بالسعي على الاستحباب
وأمّا ما يقوله في المستند من أنَّ الأمر بالسعي لابدَّ من حمله على الاستحباب والسعي هو الإسراع في المشي والإسراع غير واجب قطعاً، كما أنَّ حضور الخطبتين غير واجب قطعاً فلو أدرك الركعتين أجزأ.
جوابه:
أوّلاً: يمكن أن نفهم من السعي وجوب التوجه إلى الصلاة بغض النظر عن الإسراع، وإنَّما استعمل مفهوم الإسراع هنا لمزيد الحث والأهمّيّة. فنفهم من الإسراع الطريقية إلى أصل الحضور، كما هو المركوز في ذهن المتشرّعة حتماً، ولا خصوصية للإسراع جزماً لكي نفهم الاستحباب.
ثانياً: أنَّ المجتمع يجب أن يتعبّد بمقدار الأمر المولوي الذي يصدره الحاكم الشرعي، فإن كان كما يفهمه في المستند عامّاً، كان السعي مستحباً لو تنزّلنا عن الوجه الأوّل. ولكن قد يكون الأمر متعلّقاً بالإسراع نفسه وبحضور الخطبتين أيضاً، فيكون كل ذلك واجباً، فكأنّ الآية تقول إذا نودي للصلاة بنحو الإسراع فأسرعوا، وغالباً ما ينادى كذلك في ذلك الزمان؛ لأنَّه إنَّما ينادى بعد الأذان ووقتها ضيّق نسبياً فينادى بالإسراع بطبيعة الحال.
ثالثاً: إنَّ ما قاله من أنَّ حضور الركعتين مجزئ وإن كان صحيحاً، إلَّا أنَّه لا يعني عدم وجوب حضور الخطبتين أيضاً، وخاصة إذا قلنا إنَّهما بدل الركعتين،
ــــــ[62]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ولا ملازمة بين إجزاء الركعتين ووجوب حضور الخطبتين فإنَّ إجزاء الركعتين إنَّما يكون لمن حضر متأخّراً لا عن تقصير، وهو معنى وجوب الإسراع مع الإمكان، فلو حضر عن تقصير أثِم من ناحية الحكم التكليفي وأجزأ من ناحية الحكم الوضعي.
ووجوب حضور الركعتين معقول جداً لا أقلّ من الاحتياط فيه ويدلّ عليه وجوب الاستماع، وإلَّا لو كان تفويتها جائزاً لكان تفويتها بعدم الاستماع ممكناً وجائزاً أيضاً.
إذن، فتفويتهما غير جائز؛
أوّلاً: لما فيهما من ذكر ومصالح عامّة تفوت إثباتاً بدون الحضور ولم تكن أجهزة التسجيل متوفّرة.
ثانياً: أنَّنا لو قام لنا دليل معتبر على أنَّهما بدل الركعتين حقيقة فكل من فوّت خطبة فقد فوّت ركعة، وإذا فوّت خطبتين فقد فوّت ركعتين، إلَّا أنَّ دليله ضعيف ويؤدي إلى القول بعدم إجزاء حضور الركعتين وهو غير محتمل.
إشكالات على الوجوب التعييني
ومن الإشكالات التي ذكرت على استفادة الوجوب التعييني ولم يشر إليه في المستند، حتى في طول النداء: أنَّ في هذه الآيات أوامر متعدّدة:
ــــــ[63]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
منها: قوله: فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ(1) هذا أمر في مورد الحضر أو احتماله لاحتمال بقاء الحضر إلى ما بعد الانتهاء من صلاة الجمعة، فلا يفيد الاستحباب بل الإباحة فتنتفي وحدة السياق كبرى وصغرى، ولا يحتمل أن يكون الأمران اسعوا وذروا للإباحة صغروياً.
ومنها: وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً(2) وجميع هذه الأوامر ليست للوجوب بلا إشكال، فبوحدة السياق نعرف أنَّ الأوامر الأخرى وهي قوله: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ(3)، أيضاً للاستحباب.
وبعبارة أُخرى: أنَّه بناءً على أنَّ صيغة أفعل ظاهرة في الوجوب إذا قلنا أنَّها ظاهرة بسبب الوضع، فلا مجال لهذا الإشكال، ولكن إذا قلنا إنَّها من باب الانصراف أو من باب مقدّمات الحكمة أو من باب حكم العقل، وكانت هناك أوامر متعدّدة بعضها معلومة الاستحباب وبعضها مشكوكة، فكلّ هذه الوجوه لا تأتي، فلا العقل يحكم بالإلزام مع وجود شيء يحتمل أن يكون مرخصاً ولا مقدّمات الحكمة تتم لاحتمال وجود القرينة المتصلة ولا الانصراف يكون تامّاً (ولم يذكر وجهه وكأنَّه وجداني) فلا محيص إذن من أنَّ هذه الأوامر لا يُراد بها
ــــــ[64]ـــــــ
(1) الجمعة: 10.
(2) الجمعة: 10.
(3) الجمعة: 9.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الوجوب.
أقول: بل حتى إذا كان الظهور وضعياً، فإنَّه يختل بوحدة السياق إذا كانت من هذا القبيل، فإنَّ الظهور الوضعي إنَّما هو اقتضائي وليس علّيّاً. فيمكن أن يمنع عند المانع، والقرينة المتصلة مانع أكيداً.
إلَّا أنَّ مراده احتمال القرينة في سياق الآية واحتمال القرينة لا يضر بعد استحكام الظهور الوضعي، إلَّا أنَّ هذا قابل للمناقشة.
أوّلاً: أنَّه يمكن القول بالجزم بالقرينية لا احتمال القرينية، فإنَّ حمل تلك الأوامر على الاستحباب قطعي كما أنَّ وحدة السياق قطعي.
ثانياً: أنَّ القرينة المتصلة ما دامت تكون حال الجزم بها مخلة جزماً، فتكون حال احتمالها مخلة احتمالاً، ولا يبقى الظهور الوضعي مستحكماً معها؛ لأنَّه اقتضائي إثباتاً، ومع احتمال مانعية المتصل، لا يبقى هذا الظهور الإثباتي موجوداً.
عدم تمامية الإشكال
إلَّا أنَّ هذا الإشكال غير تامّ؛
أوّلاً: لأنَّنا نقول إنَّ صيغة أفعل ظاهرة بالوضع بالوجوب، وقد اعترف أنَّه مع الظهور الوضعي ينتفي الإشكال بغض النظر عن التفاصيل التي ذكرناها دفاعاً عنه.
ثانياً: أنَّه يمكن القول: أنَّ كل هذه الأوامر ظاهرة بحسب مقتضيها الأصلي بالوجوب إلَّا ما دلّ الدليل على نفيه، وقد دلّ الدليل على نفيه في البعض وهذا لا
ــــــ[65]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
يلازم شموله للكل.
وبتعبير آخر: أنَّ العلم باستحباب هذه الأوامر إن كان لحاق اللفظ فهذا الإشكال وارد وإن كان قرائن خارجية، لم تكن تلك القرائن كافيّة لسريان الحكم بالاستحباب لغير مواردها وهي الأوامر الأُخرى الموجودة في السياق. وهنا إمّا أن نقول: إنَّ هذه الأوامر الاستحبابية نعرف استحبابها لقرائن خارجية يقيناً، أو احتمالاً، وعلى كل التقديرين لا يمكن التنزّل عن الظهور الوضعي بالوجوب للأوامر الأُخرى.
ثالثاً: ما ذكرناه هناك في الهامش من منع صغرى وحدة السياق وأنَّه لا توجد وحدة سياق لأنَّها في آيات أُخرى متأخرة.
وقلنا في جوابه: أنَّه يكفي في وحدة السياق انحفاظها في المقطع القرآني الواحد، وهو مجموعة الآيات التي تتحدّث عن مطلب واحد، والأمر في المقام كذلك، كما هو واضح.
أقول: وهذا واضح إن كانت الآيات قد نزلت دفعة واحدة، كما هو المظنون. أمّا إذا نزلت متفرّقة فلا، ولا أقلّ من الاحتمال الدافع للاستدلال، ولا يوجد ظنّ معتبر على نزولها دفعة واحدة.
رابعاً: أنَّه يمكن أن يُقال: إنَّه حتى المسالك الأُخرى في فهم الوجوب من صيغة الأمر ممّا ذكر كالانصراف وحكم العقل ومقدّمات الحكمة، فإنَّها تبقى جارية ولا تختل لاحتمال القرينية؛ لأنَّ مقتضي الظهور بالوجوب موجود قطعاً على الفرض وإنَّما الاحتمال هو في وجود المانع، وهذا معناه أنَّ أصل الظهور محرز
ــــــ[66]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فتتمّ كل تلك الأدلّة ما لم يحرز المانع، ولم يحرز لفرض كونه احتمالياً فقط.
فإن قلت: فإنَّ هذا صحيح في مورد احتمال وجود المانع لا في مورد احتمال مانعية الموجود، ومورد كلامنا في الآية الكريمة هو الثاني لا الأوّل.
قلنا: كلا، فإنَّ المانع غير محرز على كلا التقديرين مع كون المقتضى محرزاً، اللهم إلَّا أن يُقال: إنَّ المقتضي غير محرز؛ لأنَّ المانع المحتمل من سنخ القرينة المتصلة وهي تضرّ بمقتضى الظهور ابتداءً، فيكون احتمال وجود المانع مانعاً عن أصل المقتضي فلا تتم الوجوه السابقة.
ويمكن جوابه: أنَّه هذا وإن كان صحيحاً من الناحية الفعلية، وهي التي بنى عليها المستشكل إلَّا أنَّه غير صحيح من الناحية الرتبية، فإنَّه بها يكون مقتضى الظهور منعقداً تامّاً، ولا تضرّ به حتى القرائن المتصلة القطعيّة فكيف بالمحتملة، إلَّا أنَّ الكلام أنَّ تلك الوجوه هل تجري حسب الظهور الفعلي أو حسب الظهور الرتبي.
إشكال أن المراد بالذكر الخطبة دون الصلاة
ومن الإشكالات التي ذكرت أيضاً (وقد أصبح في كلامي مكرراً لأجل زيادة الأمور): أنَّ ظاهر الآية هو أنَّ ذكر الله يراد به الخطبة دون الصلاة التي يكون فيها الركوع والسجود، كما أنَّ ظاهره أنَّ الحضور يكون مباشرة بعد النداء ولا يكون بعد النداء إلَّا الخطبتان دون الصلاة، ولا يصحّ أن يُراد بذكر الله الصلاة لأنَّه يكون من التعليق على أمر مفارق، وهو أمر لا معنى له. إذن فالآية ظاهرة بالأمر بالسعي إلى الخطبتين دون الصلاة وهو غير واجب إجماعاً.
ــــــ[67]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وقد أجنبا على ذلك بعدّة وجوه:
أوّلاً: أنَّ ما هو محل إجماع إجزاء حضور الركعتين لا عدم وجود حضور الخطبتين، ولا ملازمة بينهما، فلو فوّتها عمداً أثِمَ وأجزأت صلاته.
ثانياً: قوله: ولا يصحّ أن يراد بذكر الله الصلاة، لأنَّه من التعليق على أمر مفارق وهو أمر لا معنى له، لا يتم نقضاً وحلاً.
أمّا النقض: فبالاستطاعة قبل أشهر الحجّ وهو أمر مفارق، وكذلك الفتوى المشهورية بأنَّ الزكاة تجب في نهاية الشهر الحادي عشر لكن لا يجب الدفع إلى نهاية الشهر الثاني عشر.
وأمّا حلاً: فلأنَّ كل أمر فمتعلقه استقبالي، ولا يمكن أن يكون حالياً لأنَّه خلف الامتثال وهو أعم عن الفورية والتراخي غايته هنا الظهور بالفورية فمع غضّ النظر عن الوجوه الأُخرى سيقع تعارض بين ظهور الأمر بالفورية وظهور ذكر الله بالصلاة دون الخطبتين فلا يكون أحدهما أولى بالأخذ من الآخر.
ثالثاً: ما قلناه من أنَّ هذا إنَّما هو لمن كان قريباً لا لمن كان بعيداً، ومن الواضح إنَّ من كان بعيداً عليه بالاستعجال والسعي لإدراك أصل الصلاة، بل قد يكون السعي واجباً قبل النداء بنحو المقدّمات المفوّتة للعلم بوجوبه مستقبلاً عند دخول الوقت. فلو لم يحضّر نفسه أَثِمَ. وخاصّة أنَّ الأمر بالحضور في الماضي كان على وسائل نقل بطيئة، مع العلم أنَّه لا ينادى للصلاة إلَّا عند الزوال. اللهم إلَّا أن يُقال: إنَّ النداء موجود أساساً ولباً حتى قبل الزوال.
رابعاً: أنَّ عنوان ذكر الله ليس ظاهراً بالخطبتين قطعاً، بل من الممكن اختصاصه
ــــــ[68]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
بالصلاة، ومن الممكن شموله للمجموع، وحضور المجموع واجب لأنَّ به أداء الواجب.
وما يمكن أن يكون تقريباً احتمالياً للظهور بالخطبتين أحد أمرين:
إمّا لكونهما سابقتين على الركعتين فهي أوّل ما يلقاه المصلي من صلاة الجمعة فتكون أولى بأن تكون مقصودة في الآية. وإمّا لكون الخطبتين تحتوي على ذكر الله بل كلّها ذكر الله بخلاف الصلاة فإنَّ فيها أموراً كثيرة ليست منه.
وكلا الأمرين باطلين؛
أوّلاً: لإشكال مشترك وهو أنَّ مثل هذه التقريبات لا تضر بالظهور بعد فرض تماميّته لأنّها ظنون خارجية والعمدة إنّما هو الفهم العرفي للظهور، وهذه الوجوه تجعل احتمال اختلاف المقصود لباً والمقصود إنَّما يفهم من هذا الظهور لا من ظنون خارجية.
ثانياً: أنَّ الأمر الأوّل وإن كان صحيحاً إلَّا أنَّه يمكن القول: إنَّه لو كان المقصود هو المجموع لكان هذا المجموع هو أوّل ما يلقاه المصلّي لدى دخوله إلى المسجد وإن لم تكن الصلاة بحيالها كذلك.
ثالثاً: أنَّ الأمر الثاني غير صحيح، بل لعلّ الأمر بالعكس لولا خطأ نسبة ذكر الله في الصلاة وفي الخطبة، فإنَّ كل النطق في الصلاة هو ذكر الله حتى التسليم، لو اعتبرنا لفظ السلام من الأسماء الحسنى مع اعتبار القرآن كلّه من سنخ ذكر الله سبحانه ولو كان الكلام عن أعداء الله. وأمّا الخطبة فقد يكون الكلام فيها واسعاً إلى أمور كثيرة اجتماعية ومواعظ ونحو ذلك. ويكفي أن نلتفت إلى أنَّ الموعظة أحد الأجزاء الواجبة منها، وهي لا يحتوي على الذكر، وهي بحسب المصداق الجزء الأغلب من الخطبة.
ــــــ[69]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فإن قلت: إذا كان المقصود من ذكر الله الصلاة يحصل التكرار؛ لأنَّ الصلاة مذكورة في الآية.
قلنا: أوّلاً: أنَّه لا يحصل تكرار لو كان المراد المجموع.
ثانياً: ليس كل تكرار قبيحاً، فلو صرّح بذلك لكان مناسباً كما لو قال: إذا نودي للصلاة فاسعوا إلى الصلاة يعني الصلاة التي نودي لها.
فإن قلت: فإنَّ الأنسب عندئذٍ إعادة الضمير إليها بأن يقول: إذا نودي للصلاة فاسعوا إليها.
قلنا: نعم، إلَّا أنَّه صيغ بهذا الأُسلوب لأجل الترغيب والإعلام، وأنَّ الصلاة هي ذكر لله وطلب للآخرة، بينما التجارة هي ذكر للشيطان وطلب للدنيا، وفي ذلك نحو من الحث على الحضور.
النداء لصلاة الجمعة
بقي السؤال عن أنَّ النداء هل هو بالعنوان الأوّلي أو العنوان الثانوي، أو الأعمّ منها؟ أو قل هل هو بالولاية أم بالفتوى أم بالأعمّ منهما.
فإن كان بالولاية فله عدّة آثار:
منها: أنَّه يمكن أن يكون قبل الوقت بخلاف ما إذا كان بالفتوى، فإنَّ الوقت الأصلي هو الزوال ولا يمكن أن يتقدّم الوجوب عليه.
ومنها: أنَّه إذا كان بالولاية أمكن تحوّل الوجوب من التخييري إلى التعييني. وأمّا إذا كان بالفتوى بقي على أصله بالتخيير إلَّا أن نقول بظهور الآية بالتعيين رأساً.
ــــــ[70]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أمّا الأثر الأوّل فهو غير تامٍّ لما قلناه من إمكان الأمر الشرعي الأصلي قبل الوقت بنحو المقدّمات المفوّتة، بل هو موجود قطعاً بالنسبة إلى من كان مكانه بعيداً وإلَّا كان أمره بالصلاة لغواً حتى لو كان تخييرياً فضلاً عن التعيين. فعلى كلا التقديرين يمكن أن يكون الأمر متقدّماً على الوقت ويكون السعي واجباً قبل الوقت.
وأمّا بالنسبة إلى الأثر الثاني، فبعد التسليم أنَّ صلاة الجمعة بالأصل وجوبها تخييري وليس تعيينياً كما سيأتي استفادته من السنة الشريفة، إلَّا أنَّ الآية تدلّ على وجوبها التعييني بالنداء؛ لأنَّه هو مقتضى ظهور الأمر بالسعي وتقييده بالتخييري أو بوجود عدل له بلا موجب.
المعاني المحتملة للنداء
إلَّا أنَّ النداء له ثلاث احتمالات:
الأوّل: الحكم الولوي.
الثاني: الحكم الشرعي الأصلي بمعنى تذكير الناس بوجوب الصلاة كما في الأذان.
الثالث: اجتماع خمسة أو سبعة أحدهم الإمام. بمعنى أن ندّعي أنَّ المراد من النداء ذلك، فيكون أحدهما عين الآخر.
أمّا هذا الأخير فهو مخالف للظهور قطعاً، وهو ظهور العنوانين بالتباين والاستقلالية بعد ورودهما معاً في الشريعة. مضافاً إلى أنَّ حمل معنى النداء على
ــــــ[71]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
مجرّد الاجتماع شيء غير عرفي جزماً.
وأمّا الاحتمال الثاني وهو تذكير الناس بالحكم الشرعي فلازمه حمل الأمر بالسعي على الاستحباب؛ لأنَّ الأمر الشرعي الأصلي هو التخيير، فالنداء به لا يمكن أن يحوّله إلى التعيين بعد فرض كونه مجرّد طريق إليه وتذكير الناس به. فتبقى صلاة الجمعة أفضل الفردين، فتكون الآية نصيحة لاختيار أفضل الفردين وهو معنى الاستحباب.
وهذا بنفسه يخالف ظهور الآية من عدّة جهات:
أوّلاً: ظهور الأمر بالسعي في نفسه بالوجوب وضعاً، كما قلنا في علم الأُصول.
ثانياً: أنَّه يلازم استحباب ترك البيع أو قل: يلازم حمل (ذروا) على الاستحباب أيضاً وليس نهياً إلزامياً، وهو مضافاً إلى كونه خلاف الظاهر فهو أيضاً خلاف المشهور مضافاً إلى أنَّ استحباب الصلاة لا يحتاج إلى هذا الحثّ والتركيز الموجود في الآية مع العلم أنَّهم لو اشتغلوا بالتجارة لجاز؛ لأنَّها مستحبة وليست واجبة عيناً.
مضافاً إلى أنَّه يمكن أن نفهم من (ذروا) الزجر الكامل والمركّز، وهو معنى تعيّن حمله على الوجوب، فيكون قرينة على حمل الأمر بالسعي على الوجوب لعدم احتمال وجوب ترك الجميع من أجل المستحب.
فإذا حملناه أو حملناهما على الوجوب فلا يحتمل أن يكونا إشارة إلى الوجوب الشرعي الأصلي؛ لأنَّنا أخذنا مسلّماً كونها واجباً تخييرياً، اللهم إلَّا أن نقول: إنَّ
ــــــ[73]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الآية ظاهرة بالوجوب التعييني الأصلي إلَّا أنَّنا سنعرف من القرائن الخارجية عدم إمكان ذلك.
حمل النداء على الأمر المولوي:
إذن يتعيّن حمل النداء على الولوي أو المولوي أي الولاية، وهو يمكن فيه أمران:
أحدهما: التقدّم على الوقت، ولا يسمّى عندئذٍ بالمقدّمات المفوّتة وإن كان من سنخها لاختلاف الجاعل.
ثانيهما: الوجوب التعييني في طول النداء، وهذا إما أن يكون مستفاداً من النداء نفسه أو مستفاداً من الآية أعني ظهور فاسعوا؛ لأنَّا قرّبنا قبل قليل ظهورها بالوجوب التعييني. وهو وإن كان مشكلاً بأصل الشريعة إلَّا أنَّه غير مشكل في طول الامر الولوي، فيكون الشارع المقدّس بنفسه يأمر بالوجوب التعييني في طول النداء.
وبهذا يندفع ما قد يُقال: بأنَّه ليس للولي أن يغيّر حكم الشريعة، فحينما تكون الصلاة محكومة بالاستحباب أو التخيير تكون في طول النداء الولوي محكومة بالوجوب. فإنَّ هذا تغيير للشريعة، وهو ممّا لا ولاية فيه أو قل: إنَّ دليل الولاية لا يشمله لأنَّ الولي يجب عليه أن يطبّق قانون الشريعة لا أن يغيّره.
وجوابه: أنَّ هذا صادق بنحو القاعدة العامّة إلَّا أنَّ المورد ليس مصداقاً له؛ لأنَّ الشريعة بنفسها تأمر بالوجوب التعييني في طول النداء، كما هو المستفاد من
ــــــ[73]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الآية الكريمة.
فإن قلت: فإنَّ الولي العام قد يأمر بالصلاة التخييرية فيكون النداء الولوي تخييرياً لا تعيينياً.
قلنا: إن حصل ذلك بقيت تخييرية ولم تتحوّل إلى التعيين، ولكن ظاهر النداء في الآية هو الحكم الولوي بالتعيين، وهذا مضافاً إلى الانصراف هو مقتضى الأوامر المتأخّرة فيها وهو وجوب السعي الظاهر بالتعيين وحرمة البيع. فإنَّها لو بقيت على التخيير لامتنع كل ذلك. فيكون ذلك قرينة عليه يعني على أنَّ النداء يكون بالوجوب التعييني.
هذا، وينبغي الالتفات إلى أنَّنا هنا برهنّا على ظهور الآية على الوجوب التعييني على تقدير النداء، وأمّا حكمها بغض النظر عن النداء فهو غير موجود في الآية ولم تتعرّض له أصلاً.
نعم، يستفاد من دلالتها الالتزامية السياقيّة أنَّها لم تنزل لتشريع وجوب الجمعة ابتداءً، بل لحلّ مشكلة اجتماعية هي إعراض الناس عن حضور الجمعة، فتدلّ على أنَّ الوجوب كان موجوداً قبل نزولها وكان النبي يصلّي الجمعة في الزمان المتقدّم عليها.
غير أنَّها لا تدلّ على سنخ ذلك الوجوب، فهي بالنسبة إليه بمنزلة الدليل اللبي أو مجملة، هل هو وجوب أصلي تعييني أو تخييري أو وجوب ولوي، بأمر بالنبي؟ غير أنَّه من الواضح أنَّه ليس أمراً تخييرياً وإلَّا لم يحصل النهي عن البيع، فهو إما تعييني أصلي أو تعييني ولوي مع كونه تخييرياً أصلاً، وكلاهما
ــــــ[74]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ممكن، ولا ظهور للآية بأحدهما.
الآية الثانية الدالة على الوجوب التعييني:
ومن الآيات التي استدلّ بها على وجوب صلاة الجمعة قوله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلهِ قَانِتِينَ(1).
قال في اللمعة: والاستدلال بها مبني على أنَّ المراد بالصلاة الوسطى هو الجمعة، وأنَّ المراد بالمحافظة عليها إقامتها والسعي إليها.
قال: ويمكن أن يستدلّ على ذلك بحديثين.
أحدهما: ما يرويه الطبرسي في مجمع البيان عن بعض أئمّة الزيدية: أنَّها الجمعة يوم الجمعة والظهر سائر الأيام. قلت في الهامش: قال: ورواه عن علي.
ولا يخفى أنَّها رواية مرسلة، ولا يمكن الاعتماد على المراسيل والفتوى على طبقها، بل إنَّها من أضعف المراسيل لمجهولية السند بالكلّية.
ثانيهما: صحيحة زرارة عن أبي جعفر في حديث أنَّه قال: في قوله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وهي صلاة الظهر قال: نزلت هذه الآيات (الآية) يوم الجمعة ورسول الله في سفر فقنت فيها وتركها على حالها في السفر والحضر، وإنَّما وضعت الركعتان اللتان أضافهما النبي يوم الجمعة
ــــــ[75]ـــــــ
(11) البقرة: 238.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
للمقيم لمكان الخطبتين مع الإمام.
فمن صلّى يوم الجمعة في غير جماعة، فليصلّها أربع ركعات كصلاة الظهر في سائر الأيام.
قال: وهذه الرواية صحيحة في صلاة ظهر يوم الجمعة، ولكن المناقشة أيضاً واضحة، وهي: أنَّ المراد من الصلاة الوسطى هي الصلاة التي تقام في زوال يوم الجمعة، والتي قد تكون ظهراً وقد تكون جمعة.
أقول: يعني أنَّ قوله وإنَّما وضعت الركعتان الخ. لم يثبت أنَّه تفسير للآية وإنَّما هو بيان زائد من قِبَلِ الإمام.
لكن قد يُقال: إنَّه يمكن التمسّك بقوله فيها: وتركها على حالها في السفر والحضر. فإنَّ الضمير يرجع إلى الصلاة التي تصلّى في زوال يوم الجمعة، وأنَّه تركها على حالها ركعتين في السفر والحضر، أمّا في السفر فلأنَّها (قصر) وأمّا في الحضر فلأنَّها مع الخطبتين، يعني صلاة الجمعة وإلَّا فلا محصّل لهذه العبارة غير ذلك.
وهذه الاستفادة قريبة إلَّا أنَّ استفادة كونها تفسيراً للآية ليس بذلك الوضوح ولو سلّمناه لكان معناه أنَّ الآية هي التي شرّعت الصلاة في زوال يوم الجمعة ولم يكن هناك صلاة فيها قبل ذلك. وهو بعيد لعدم اختلاف يوم الجمعة عن غيره. فلوكانت صلاة الظهر موجودة في سائر الأيام كانت موجودة في ظهر الجمعة أيضاً ولو مع شيء من الاختلاف.
مضافاً إلى إمكان استفادة الطريقية من الآية لا التشريع الابتدائي، فإنَّها
ــــــ[76]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أمرت بالمحافظة على ما تم تشريعه وأمر به رسول الله، فلو كانت الرواية تفسيراً للآية لما زادت على ظهور الآية نفسه.
نعم، إذا تم ذلك، دلّت الآية على وجود التشريع في المرتبة السابقة لصلاة الجمعة، مع ضمّ تفسير الرواية إليها، وإلَّا فمن الواضح أنَّها غير ظاهرة بنفسها. نعم، كون الرواية مفسِّرة لها أيضاً غير واضح، كما سبق.
هذا مضافاً إلى وجود روايات تفسّر الصلاة الوسطى بصلاة الظهر، وروايات تفسّرها بصلاة العصر وبعضه أيضاً صحيح السند فيعارض هذا التفسير على تقدير استفادته من صحيحة زرارة.
قال في اللمعة: والغريب ما ناقشه بعضهم في دلالة الآية على وجوب صلاة الجمعة: بأنَّ الحفاظ عليها ليس هو بمعنى الإتيان بها، وإنَّما هو حفظ وجوبها وصيانته عن الضياع والنسيان، ولا يخفى ما فيه.
أقول: لا أقلّ أن نلتفت إلى أنَّه لو كان المراد ذلك لكان التقدير ضرورياً يعني حافظوا على وجوب الصلوات. في حين إنَّه خلاف الظاهر، وإنَّما أُضيف الحفاظ إلى الصلوات نفسها، والحفاظ على العمل هو إتيانه والمداومة عليه.
هذا، وقد ذكر في المستند احتمال الاستدلال على وجوب صلاة الجمعة بهذه الآية، وناقشها ببعض الوجوه. إلَّا أنَّه قال: وأمّا الجمعة فلم يفسّرها بها أحد ولا قائل بذلك ولا وردت به رواية. نعم، أرسل الطبرسي عن علي أنَّ المراد بها الظهر في سائر الأيام والجمعة في يومها، وهي رواية مرسلة لا يعتمد عليها.
أقول: وهذا إشارة إلى الرواية الأُولى التي ذكرناها، وأضفنا إليها الاستشهاد بصحيحة زرارة السابقة وقد غفل عنها في المستند.
ــــــ[77]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
توهم الاستدلال بآية ثالثة:
هذا ولم يستدلّ في المستند بآية أُخرى مع أنَّه استدل في اللمعة بآية ثالثة، ولعله تركها في المستند؛ لوضوح المناقشة فيها.
وهي قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الخَاسِرُونَ(1).
قال: وقد توهّم المستدل بها: أنَّ المراد من ذكر الله في سورة الجمعة هو صلاة الجمعة، فتوهم أنَّه هنا أيضاً مستعمل بنفس المعنى.
قال: وهذا غريب جداً؛
أوّلاً: لما ذكرناه هناك من أنَّ المراد من ذكر الله ليس هو صلاة الجمعة.
وثانياً: لو كان ذلك هناك مراداً فلا إشكال أنَّ إرادته خلاف الظاهر، وإنَّما أُريد باعتبار قيام قرينة قامت عليه. إذن فلا يمكن أن يستفاد منه في هذه الآية نفس المعنى وهو صلاة الجمعة؛ إذ لا ملازمة بين الاستعمالين.
أقول: والجواب الرئيسي هنا هو أنَّه لا ملازمة بين الاستعمالين وهذا صحيح، غير أنَّنا قلنا في تلك الآية أنَّ المراد من ذكر الله صلاة الجمعة أو المجموع منها ومن الخطبتين. وأي منهما كان كانت الاستفادة تامّة من الآية، بل قلنا: إنَّه حتى لو استفدنا من الخطبتين فقط لكفى؛ لأنَّها عندئذٍ تدل على وجوب الحضور لديهما، وهو أمر معقول ولا ينافي الإجزاء مع تركهما لما سبق. مضافاً إلى أنَّ
ــــــ[78]ـــــــ
(1) المنافقون: 9.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وجوب الحضور عند الخطبتين يعني الحضور للمجموع لعدم إمكان القول بجواز ترك الركعتين بعد الخطبتين.
وقد قال بعض الإخوان: إنَّ قوله: وَتَرَكُوكَ قَائِماً(1) يعيّن في الخطبة لا في الصلاة؛ لعدم جواز قطع الصلاة، فيتعيّن أن يكون المراد الخطبة.
وجوابه:
أوّلاً: ما عرفناه من إمكان استفادة الوجوب حتّى على هذا التقدير.
ثانياً: مناسبة القيام مع حال الخطبة والصلاة معاً، فلا يتعيّن أحدهما.
ثالثاً: ربما أنَّهم تركوا الصلاة وأبطلوها تفضيلاً للدنيا على الآخرة. أمّا عمداً أو جهلاً أو لم يكن تشريع حرمة بطلان الفريضة موجوداً. كما وردت روايات بأنَّ تشريع حرمة الكلام لم يكن موجوداً، فكانوا يدخلون إلى المسجد فيسألون المصلّين فيقولون: نحن في الركعة الثانية أو الثالثة.
إذن فلا يوجد في القرآن الكريم ما يدلّ على أصل وجوب صلاة الجمعة لولا النداء أو بغض النظر عنه.
الاستدلال بالسنة الشريفة على وجوب الجمعة
وأمّا الاستدلال بالسنّة الشريفة، فقد قسّم في اللمعة الأخبار إلى عدّة طوائف:
ــــــ[79]ـــــــ
(1) الجمعة: 11.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الطائفة الأُولى: وهي أخبار صحيحة في بيان مشروعية إقامة الجمعة.
الرواية الأولى:
ما رواه المشايخ الثلاثة بطرق معتبرة جميعاً، بعضها صحيح وبعضها كالصحيح (لإبراهيم بن هاشم) عن زرارة عن أبي جعفر: قال فرض الله على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمساً وثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها الله عزّ وجل في جماعة وهي الجمعة، ووضعها عن تسعة عن الصّغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والأعمى ومن كان على رأس فرسخين.
وتقريب الاستدلال بها واضح لأنَّه يقول: فرض الله على الناس، وهو ظاهر بالوجوب التعييني على حد سائر الصلوات اليوميّة المنظورة في الرواية. بحيث إذا اقتصرنا على هذا المقدار كانت الجماعة مقدّمة واجب لا مقدّمة وجوب، كما هو المشهور؛ لأنَّه يقول: منها صلاة واحدة فرضها الله عزّ وجلّ في جماعة وهي الجمعة، فيجب الاجتماع لها، لا أنَّها تجب على تقدير الاجتماع.
مضافاً إلى قوله: ووقتها الدالّ على تسجيلها في الذمّة لولا الوضع.
ما أورد على الرواية الأولى:
وما أورد أو يمكن أن يورد على الإستدلال بها أمرين:
الأمر الأوّل: ما ذكره في اللمعة بقوله: ولكن أين صلاة الظهر. على حين لسان الرواية غير قابل للتقييد بأن يُقال: إنَّ الله فرض خمساً وثلاثين صلاة وصلاة.
ــــــ[80]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أقول: لوضوح أنَّ المشروع في زوال الجمعة صلاتان لا صلاة واحدة فإذا حسبناهما معاً كان العدد ست وثلاثين وليس خمساً وثلاثين.
وجواب ذلك ينبغي أن يكون واضحاً، وهو أنَّ المستفاد من لسان الروايات: أنَّ الصلاة المفروضة في زوال يوم الجمعة واحدة وليست اثنين، فإن صلّيت بالشرائط صليت على شكل صلاة الجمعة، وإلَّا صلّيت على شكل صلاة الظهر، فإذا كانت واحدة لم يكن العدد ست وثلاثين.
ويدلّ على ذلك من الصحيحة نفسها قوله: ووضعها عن تسعة؛ لوضوح أنَّ معنى ذلك أنَّهم لا يصلّون شيئاً في زوال يوم الجمعة، وتبقى في ذمتهم أربع وثلاثين صلاة في الأسبوع. وهو غير محتمل.
إذن يكون ذلك إشارة واضحة إلى وجوب صلاة الظهر عليهم بدل صلاة الجمعة، وإنَّما المراد أنَّه وضع الصورة التفصيلية لصلاة الجمعة عن هؤلاء لا الجامع بين صلاة الجمعة وصلاة الظهر.
الأمر الثاني: ما ذكره في اللمعة أيضاً، وهو أنَّ هناك طائفة أُخرى قد تكون متواترة ولا إشكال في كونها مستفيضة، وهي أنَّ عدد الركعات في اليوم الواحد إحدى وخمسين، فأين صلاة الجمعة، فإنَّه مع صلاة الجمعة يكون العدد تسع وأربعون، وإذا فرضنا صلاة الجمعة صلاة أُخرى بالإضافة إلى صلاة الظهر، فلابدَّ أن تكون الركعات ثلاثاً وخمسون. على حين إنَّ هذه الروايات آبية عن التقييد بأن يُقال: إنَّ عدد الركعات في سائر الأيام واحد وخمسون وفي يوم الجمعة تسع وأربعون.
ــــــ[81]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ويمكن أن يجاب ذلك بعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّها واردة مورد الغالب، ولا شكّ أنَّ الأعم الأغلب من أيام الأسبوع كذلك، يعني بدون صلاة الجمعة، وكونها غير قابلة للتقييد من هذه الناحية ممنوع.
الوجه الثاني: أنَّها ناظرة إلى أصل التشريع الأولي في الإسلام، من حيث إنَّ التشريع الأولي على ذلك، ويعتبر تشريع صلاة الجمعة بمنزلة التقييد للتشريع الأولي. فإذا غضضنا النظر عن هذا التقييد صحّ العدد في كلّ الأيام حتى يوم الجمعة لأنَّ المفروض عندئذٍ اعتبار الرباعية في الزوال لا الثنائية.
الوجه الثالث: أنَّ الصلاة التي تصلّى في زوال يوم الجمعة رباعية على أية حال: أمّا الظهر فواضح، وأمّا الجمعة فباعتبار الخطبتين بدل الركعتين، فينتفي النقصان.
إلَّا أنَّ ثبوت ذلك يحتاج إلى دليل مفقود، ومن الواضح أنَّها بدونه لا تكون بدل الركعتين لاختلاف شرائطها، وأوضح ذلك أنَّها بدل الركعتين الأخيرتين مع أنَّهما متقدّمتان على الصلاة الثنائية.
الوجه الرابع: ما ذكره في اللمعة من وحدة الصلاتين في زوال يوم الجمعة، كما ذكرنا. وعبارته: أنَّ الجمعة عين الظهر والظهر عين الجمعة، وهذا فعلاً ما يستفاد من عدد من الأخبار المعتبرة التي سوف تأتي.
إلَّا أنَّ هذا الوجه إنَّما يدفع الزائد، فلا تكون الركعات ثلاثاً وخمسين بإضافة الركعتين أو خمساً وخمسين بإضافة الخطبتين. ولكن لا يدفع النقيصة باعتبار أنَّ
ــــــ[82]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
صلاة الجمعة ركعتين فيتحوّل العدد إلى تسع وأربعين بدل إحدى وخمسين.
فلو غضضنا النظر عن الوجوه السابقة لم يتمّ هذا الوجه وحده، فيحتاج إلى ضمّ بعض الوجوه السابقة إليه ليكون هو نافٍ للزيادة والأُخرى نافية للنقيصة.
الوجه الخامس: ما ذكره في المستند قال: ونوقش في دلالتها بعدم كونها في مقام البيان إلَّا من ناحية العدد (يعني الخمس والثلاثين) ولا نظر فيها إلى كيفيتها والقيود المعتبرة فيها.
وجواب ذلك يكون على مستويين:
المستوى الأوّل: أنّنا نسلّم أنَّها ليست في مقام البيان من حيث التفاصيل، ونحن لا نريد ذلك في المقام، وإنّما نريد إثبات أصل الوجوب وهذا يكفي. وإن سقط الاستدلال بهذه الرواية على التفاصيل مثل اشتراط الخمسة أو السبعة أو اشتراط الحضور (يعني الإمام المعصوم) أو غيره.
أقول: إلَّا أنَّ هذا بمجرّده لا يكفينا بطبيعة الحال؛ لأنَّها عندئذٍ تكون مجملة من كل هذه الجهات، فتكون حجّة في القدر المتيقّن فقط، وهو زمان الحضور، ونحن نريد الاستدلال بها على الوجوب في عصر الغيبة.
المستوى الثاني: أن لا نسلّم أنَّها ليست في مقام البيان، بل هي في مقام البيان من الجهة المنظورة.
كما قال في المستند: ويندفع: بأنَّ الشكّ على نحوين: فتارة يشك فيما هو الواجب والكيفية المعتبرة فيه من حيث الأجزاء والشرائط، وفي هذه المرحلة لا يصحّ التمسّك بها لنفي المشكوك؛ إذ لا نظر فيها إلى متعلّق التكليف كي ينعقد
ــــــ[83]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الإطلاق، وهذا واضح جداً.
أقول: وهذا الأمر شامل إلى كلّ الصلوات الخمس والثلاثين، وليست خاصّة بصلاة الجمعة.
قال: وأُخرى يشك في أصل الوجوب من حيث السعة والضيق وأنَّه هل يختصّ بطائفة خاصّة أو يعمّ جميع المكلّفين في كلّ جيل وجد كما في المقام (يعني من حيث اشتراط الحضور أو أمر الإمام المعصوم وعدمه) قال: ولا ينبغي الشك في صحّة التمسّك بالصحيحة لدفع هذا النوع من الشك، بداهة أنَّ دلالتها على الشمول والسريان لجميع الأفراد إنَّما هو بالعموم الوضعي وهو الجمع المحلّى باللام في قوله (على الناس) دون الإطلاق المتوقّف على جريان مقدّمات الحكمة، كما يتطرق احتمال عدم كونه في مقام البيان من هذه الجهة.
أقول: ويؤيّد ذلك عدّة أمور:
الأمر الأوّل: جعلها بإزاء سائر صلوات الأسبوع لا تختلف عنها بشيء، فكما أنَّ سائر الصلوات غير خاصّة بعصر الحضور ولا بأمر المعصوم فكذلك صلاة الجمعة، وهذا واضح في الرواية ولم يلتفت إليه في المستند.
الثاني: ما ذكره في المستند: من الاقتصار في الاستثناء على الطوائف التسع المذكورين فيها، فلو كان هناك شرط آخر للوجوب زائداً على ذلك وهو الكون في زمن الحضور والإقامة بأمر الإمام لزم التنبيه عليه والتعرّض له، وكان المستثنى عن هذا الحكم حينئذٍ عشر طوائف لا تسعاً.
أقول: يعني أنَّ العدد (التسع) يكون ظاهراً بالحضر، وآبياً عن التخصيص
ــــــ[84]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
بشرط آخر يضاف إليه.
إلَّا أنَّه يمكن المناقشة في ذلك كبرى وصغرى:
أمّا كبرى؛ فلأنَّ الحصر وإن كان مستفاداً إلَّا أنَّ الحصر عموماً يمكن تقييده لا أنَّه يكون آبياً عن التخصيص كما يستفاد من رسالة اللمعة. نعم لو كان له مفهوم مخالفة لكان كذلك. إلَّا أنَّ العدد لا مفهوم له.
وأمّا صغرى؛ فلإمكان القول باختلاف السنخيّة بين ما ذكرته الرواية من الاستثناءات وما هو محتمل وهو كونه في عصر المعصوم أو بأمره، فإنَّ المذكور إنَّما هو صفات للشخص، وهذه صفة للمجتمع. فلا يكون بصدد البيان من هذه الناحية.
إلَّا أنَّ هذه الجهة قابلة للدفع كبرى وصغرى:
أمّا كبرى؛ فلأنَّ صفة المجتمع تعود إلى صفة الفرد في الحقيقة.
وأمّا صغرى؛ فلأنَّه ذكر المسافة، والمسافة أيضاً صفة للمجتمع أو للمجموع.
إذن فهو بصدد ذكر هذه الصفات أو هذا السنخ منها، ومع ذلك لم يذكر القيد بزمان المعصوم، وإنَّما قيّده من حيث المكان فقط.
مضافاً إلى ما سمعناه من المستند من أنَّه بالعموم لا بالإطلاق لكي يمنع كونه في مقام البيان.
الرواية الثانية:
ومن الروايات الدالّة على وجوب صلاة الجمعة ما رواه الكليني والطوسي بسند صحيح والمحقّق في المعتبر مرسلاً عن أبي بصير ومحمّد بن مسلم جميعاً عن
ــــــ[85]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أبي عبد الله قال: (إنَّ الله عزّ وجلّ فرض في كلّ سبعة أيام خمساً وثلاثين صلاة، منها صلاة واجبة، على كلّ مسلم أن يشهدها إلَّا خمسة؛ المريض والمملوك والمسافر والمرأة والصبي). 1/14، وفي المعتبر كلّ أسبوع.
قال في المستند: وهي كسابقتها تدلّ بالعموم الوضعي (على كلّ مسلم) على شمول الوجوب لجميع الأفراد، والسند أيضاً صحيح، فإنَّ أحمد بن محمد الواقع في الطريق المراد به أحمد بن محمّد بن عيسى، وهو موثّق على الأقوى كما مرّ سابقاً.
تقريب الاستدلال:
أقول: يمكن الاستدلال على وجوب صلاة الجمعة بأمرين:
الأوّل: قوله فرض.
والثاني: قوله: (منها صلاة واجبة على كلّ مسلّم). إلَّا أنَّ كلا الأمرين قد يُقال: إنَّها مناسبة مع الوجوب التعييني والتخييري معاً، قد انتفع من هذه الجهة في تعيين أحدهما.
وجوابه الأهمّ هي أنَّها من قبيل صحيحة زرارة السابقة قرنت بين وجوب صلاة الجمعة ووجوب الفرائض اليوميّة، ولا شكّ أنَّ وجوب الفرائض اليوميّة هو تعييني إذن فوجوب الجمعة تعييني سواء بُيّن بلسان الفرض أو الوجوب أو غيرهما.
فإن قلت: فإنَّ النتيجة ستكون هي القول بالوجوب التخييري وهو قول غير مناسب مع هاتين الصحيحتين الدالّتين على الوجوب التعييني؛ لأنَّهما آبيتان عن التخصيص، فيتعارضان مع ما دلّ على التخييرية.
ــــــ[86]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
قلنا: كلّا، بل ما هو الواجب تعييناً في الواقع هو الجامع بين الصلاتين الظهر والجمعة، أو قل هي الصلاة التي اعتبرها الأئمّة صلاة واحدة والتي قد تصلّى أربعاً وقد تصلّى اثنين وهو معنى التخيير. طبعاً بغض النظر عن الأمر الولوي أو حصول الاجتماع. وهذا الجامع الذي قُرن وجوبه بالصلاة اليوميّة في الحقيقة بعد قرينية الأخبار الأُخرى عليها.
وقوله: (واجبة على كل مسلم أن يشهدها)، واضح أنَّ المراد بها صلاة الجماعة؛ لعدم صدق ذلك على صلاة الفرادى كما هو واضح، فالمهم أنَّها تدل سياقياً على اشتراط الجماعة، وتدلّ على كون السيرة بإقامتها جماعة، وإن لم يكن فيها الشرط مطابقياً.
هذا والمستثنى هنا خمسة وفي صحيحة زرارة السابقة تسعة، والفرق أنَّه هنا أسقط أربعاً هي: الكبير والمجنون والأعمى ومن كان على رأس فرسخين. ومقتضاها وجوبها عليهم مع فرض دخولهم في شرائط التكليف العامّة (يعني غير المجنون) إلَّا أنَّها قابلة للتقييد بالصحيحة السابقة.
وأمّا ما سمعناه من المستند من أنَّها دالة بالعموم الوضعي، فهو وإن كان صحيحاً والمراد به شمول الحكم لغير عصر المعصومين أو توجّه الأمر بها من قبلهم، وكذلك لو اقتصرنا عليها أمكن دفع كون الاجتماع شرطاً للوجوب بل هي واجبة سواء حصل الاجتماع أم لا. وبذلك تكون كالصحيحة السابقة دالّة على أنَّ الاجتماع مقدّمة واجب لا مقدّمة وجوب، إلَّا أنَّها قابلة للتقييد بالروايات الآتية الدالّة على سقوط الجمعة مع عدم الاجتماع.
ــــــ[87]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الرواية الثالثة:
ومنها ما رواه الصدوق في المجالس والبرقي في المحاسن بسند صحيح عن زرارة بن أعين (1/8) عن أبي جعفر الباقر قال: (صلاة الجمعة فريضة والاجتماع إليها فريضة مع الإمام، فإن ترك رجل من غير علّة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض، ولا يدع ثلاث فرائض من غير علّة إلَّا منافق).
تقريب الاستدلال:
وهي تدلّ على الوجوب من ثلاث جهات:
الأُولى: قوله: صلاة الجمعة فريضة.
والثانية: قوله: والاجتماع إليها فريضة مع الإمام، يعني إقامتها في جماعة.
والثالثة: قوله: إلَّا منافق، وهو مبطن الكفر والعناد. فيدلّ تركها على وجود النفاق.
ملاحظات في الرواية:
إلَّا أنَّ فيها بعض الملاحظات:
أوّلاً: أنَّها تدلّ على كون الاجتماع واجباً وليس شرط الوجوب؛ لأنَّه قال: والاجتماع إليها فريضة. فلابدَّ من تقييدها بالروايات الآتية بما زاد على خمسة يعني: إن حصل الاجتماع الذي هو شرط الوجوب. وجب حضور الباقين، وإن كان ظاهرها الأولي أعمّ.
ثانياً: أنَّها من الروايات التي أخذ فيه عنوان الإمام، وقد تمسّك بها جملة من الفقهاء باعتبار أنَّ المراد به الإمام المعصوم، مع أنَّه لا ظهور لها به. ويكفي احتمال
ــــــ[88]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
قرينية المتصل وهو لفظ الاجتماع؛ لأنَّ المراد الإجتماع للصلاة وصلاة الجماعة تحتاج إلى إمام جماعة، فإن لم نقل بأنَّها كالنصّ في أنَّ المقصود إمام الجماعة فلا أقلّ من سقوط ظهورها بالمعصوم. وسيأتي الكلام عن ذلك.
ثالثاً: أنَّها تدلّ على حصول النفاق في المرتبة السابقة على تركها ثلاث مرّات كما هو مقتضى ضمّ الصغرى إلى الكبرى التي بينها الإمام في الرواية، ومن هنا قد يُقال: إنَّ هذا السياق فيها لا يدلّ على الوجوب. فإنَّه إنَّما يدلّ عليه إذا كان المراد حصول النفاق بتركها، وهي ليست كذلك، فيمكن الاكتفاء بالجهتين السابقتين للظهور.
الطائفة الثانية: وهي الأخبار التي تدلّ على وجوب الجمعة، ولم يصرّح فيها بوجوب الإقامة أو وجوب السعي.
الرواية الأولى:
ما في الوسائل نقلاً عن الشهيد الثاني في رسالة له في الجمعة، قال: وقال النبي في خطبة طويلة نقلها المخالف والمؤالف: إنَّ الله فرض عليكم الجمعة، فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي، استخفافاً بها أو جحوداً لها، فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا برّ له حتى يتوب(1).
ــــــ[89]ـــــــ
(1) 19/28.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
إشكالات واردة على الرواية:
وهي دالّة على الوجوب في الجملة، بل الوجوب التعييني الأصلي (فرض الله) لا التخييري ولكنه قابل للتقييد، إلَّا أنَّ فيها إشكالات عديدة، ولذا تركها في المستند ولكن نقلها في اللمعة.
منها: عدم صحّة السند، فإنَّها مرسلة ما لم تكن شهادة الثقة بالاستفاضة.
ومنها: أنَّ هذا التركيز الشديد إنَّما هو لمن تركها استخفافاً بها، وجحوداً لها، يعني عن علم وعمد وليس عن قصور في بعض المقدّمات، بل الاستخفاف والجحود أكثر من العلم والعمد. فلا تشمل حتى هذه الصورة إذا فهمنا من الاستخفاف مجرّد التسامح.
ومنها: أنَّه قال: إنَّ الله فرض عليكم الجمعة ولم يقل صلاة الجمعة أو أي عمل في يوم الجمعة، إلَّا أنَّ هذا الإشكال جوابه وضوح التقدير أو كون لفظ الجمعة قد استعمله النبي اصطلاحاً في الصلاة، وعلى أي تقدير فالأمر واضح.
ومنها: ما في اللمعة: من أنَّها لا تدلّ على الوجوب التعييني أو التخييري بل على جامع الوجوب وهذا ليس بصحيح أيضاً، فإنَّ مقتضى إطلاقها هو التعيين ما لم يعيّن البديل في التخيير.
ومن الطريف أنَّه لا يتعرّض في اللمعة إلى ضعف السند، بل يأخذ المتن مسلّم الصحة، ولعلّه لأجل كونه مؤيّداً بروايات صحيحة أُخرى، أو لأجل شهادة الشهيد الثاني بالاستفاضة.
ــــــ[90]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ويقول عنها أيضاً: أنَّه لم يجعل هذه الأمور مترتّبة عل مطلق الترك، بل على الاستخفاف والجحود، وهو أمر ثابت لسائر الواجبات والمستحبّات فإن من ترك زيارة الحسين استخفافاً بها فهو كافر. وهو إشكال وارد على هذه الرواية. ما لم نفهم من الاستحقاق مجرّد التسامح كما لا يبعد.
الرواية الثانية:
صحيحة محمّد بن مسلم وزرارة عن أبي جعفر قال: (تجب الجمعة على كل من كان منها على فرسخين)(1). قال في المستند: ودلالتها ظاهرها كسندها.
أقول: إلَّا أنَّها ليست بهذا الشكل من الوضوح لاحتمال ورود بعض الإشكالات عليها ولم يتعرّض لها في المستند:
أوّلاً: أنَّ الوجوب أعمّ من التعييني والتخييري.
وجوابه: أنَّ ظاهره التعييني، وهو مقتضى الإطلاق ما لم يرد المقيّد. مضافاً إلى أصل ظهور الوجوب بالمعنى الاصطلاحي إلَّا أنَّ أصل ظهوره مسلّم.
ثانياً: إطلاقها في ثبوت الوجوب للتسعة الخارجين بالتخصيص.
ثالثاً: أنَّها ليست في مقام البيان إلَّا من ناحية المسافة لا من حيث أصل الوجوب ولا من حيث من تجب عليه.
وجوابه: أنَّ هذا صحيح في دلالتها المطابقية، إلَّا أنَّها دالّة على وجوب ثابت
ــــــ[91]ـــــــ
(1) 1/5.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
في المرتبة السابقة عليها، وهي بصدد بيان بعض شرائطه.
فإن قلت: إنَّ ذلك الوجوب غير معلوم أنَّه تعييني أو تخييري؛ لأنَّ دليله مجمل أو لبي.
قلنا: نعم، لولا دلالة اللفظ المصرّح به عليه، واللفظ هنا دالّ بإطلاقه على الوجوب التعييني، فيكون دالاً على أنَّ الوجوب إنَّما ثبت في المرتبة السابقة تعييني أيضاً.
قال في اللمعة: أنَّ ظاهر ترتّب هذه الآثار هو الوجوب التعييني.
قلنا: أنَّ هذه الآثار مترتّبة على جحودها وهو يتحقّق مع الوجوب التخييري أيضاً.
وجوابه: أنَّ العنوان المأخوذ الاستحقاق أيضاً، فإذا فهمنا منه مجرّد التسامح والترك كما لا يبعد لم يكن منافياً للتخيير، بل اختياراً لأحد فردي التخيير، فيتعيّن أن يكون ترتب الآثار على ترك الواجب التعييني.
إن قلت: أنَّ نفي هذه الأُمور كالصلاة والزكاة ينفي القبول لا الإجزاء، فلا يدلّ على العقوبة.
قلنا: إنَّ مقتضى إطلاقها هو نفي الإجزاء لأنَّه نفي للماهية كما في قوله تعالى: فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ(1).
الرواية الثالثة:
ومن الروايات: خطبة لأمير المؤمنين رواها الصدوق وفيها: (الجمعة واجبة على كلّ مؤمن إلَّا على الصبي والمريض والمجنون الخ…).
ــــــ[92]ـــــــ
(1) المائدة: 67.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ويحتاج تقريبها إلى فهم الصغرى والكبرى فنفهم من الجمعة صلاة الجمعة ونفهم من (واجبة) الوجوب التعييني كما لا يبعد الانصراف إليه وإلَّا لم تكن واجبة عملياً.
ينبغي أن نفهم من قوله (على كل مؤمن) نحواً من التجريد عن الخصوصية وأنَّ شرط الإيمان مقدّمة واجب لا مقدّمة وجوب، وإنَّما ذكر المؤمن لأنَّه المجتمع المخاطب أو لأنَّه هو المطيع غالباً.
قال في اللمعة: وربما تكون هذه الرواية أظهر من السابقة في كونها في مقام بيان حكم السعي مما ذكرناه من أنَّه لا يتوهّم وجوب إقامتها على من استثناهم فإنَّه إنَّما يتوهّم وجوب حضورهم لا وجوب إقامتهم لها.
لاسيّما في أيامه فإنَّه كان يعقد صلاة الجمعة في الكوفة ويقيمها ولاته في غيرها، فلم يكن أمرها موكولاً إلى المسلمين ليبيّن من يجب عليه إقامتها أو لا يجب. وهو لم يكن في مقام بيان حكم نفسه وحكم ولاته، بل كان في مقام بيان حكم سائر المسلمين.
وأقول في الهامش: ومن أوضح القرائن على ذلك استثناء المرأة والصبي والآخرين من الحكم الذي ذكره؛ إذ لو كان في مقام بيان حكم نفسه وولاته لما صحّ كما هو واضح.
إذن فهذه الخطبة لا تدلّ على وجوب الحضور، ولا ريب أنَّه كان حين يقيم الجمعة يأمر الناس بالسعي إليها. ومن المعلوم أنَّه لا ريب في مثل ذلك في وجوب الحضور.
ــــــ[93]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
إذن فالجمعة التي عناها أمير المؤمنين واجبة الحضور، وهي الجمعة التي يقيمها السلطان العادل ويأمر بالحضور إليها، وليس للرواية إطلاق يشمل غير هذا المورد، وهو ما لو أقامها غير السلطان العادل أو أقامها هو ولم يأمر بالحضور إليها.
أقول: يكفي في رد ذلك ظهورها بأنَّ الوجوب ظاهر في أصل التشريع لا بالولاية. وقرينة ذلك هي المستثنيات فإنَّها خارجة بأصل الشرع لا بالولاية. فإذا كان الوجوب ظاهراً بالتعييني – كما هو ظاهر سياق اللمعة ولذا حمله على معنى الولاية- كفى في الاستدلال.
مضافاً إلى أنَّه لا وضوح أنَّه كان يأمر أمراً ولايتياً بوجوب الحضور تعييناً إلى الجمعة التي كان يقيمها إلَّا أن نحمل نفس هذا الوجوب على الوجوب بالولاية وهو باطل، كما أشرنا.
أقول: وهي من مرسلات الصدوق، ولا يشفع لها إيمانه بصحّتها كما هو مبيّن في محلّه.
إنجبار السند بعمل الأصحاب:
ثُمَّ قال في اللمعة: ولقائل أن يقول: كيف لا يمكن الاعتماد عليهما (يعني الخطبتين، يعني خطبة النبي وخطبة أمير المؤمنين) مع أنَّهما منجبرتان بعمل الأصحاب، والرواية المنجبرة تكون بحكم الصحيحة، بل أقوى منها. فإنَّ عمل الأصحاب جابر للرواية على ما هو المشهور بين الأصحاب.
أقول: إلَّا أنَّ هذا ممنوع كبرى وصغرى: أمّا كبرى فلأنَّ العمل غير جابرٍ كما
ــــــ[94]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
هو محقّق في علم الأُصول، وأشار هنا في اللمعة إلى استثناء مورد واحد وهو ما إذا حصل من العمل الاطمئنان – العلم أو العلمي- بصحّة الرواية، وهذا صحيح لأنَّ الاطمئنان حجّة، إلَّا أنَّ حصوله ليس مفروضاً بل هو منفي غالباً.
وأمّا صغرى: فلما أشار إليه في اللمعة من أنَّ عمل الأصحاب الذي هو سبب الانجبار ليس رواية الأصحاب للرواية وإنَّما عملهم بمضمونها فإذا علمنا اعتماد الأصحاب على هاتين الخطبتين بنحو بحيث لو لم يكن سواهما لأفتوا على طبقهما لتمّ المطلب. وهذا لم يثبت بطبيعة الحال.
الطائفة الثالثة: – حسب تقسيم اللمعة- وهي التي تشتمل على ذكر من تجب عليه الجمعة ومن تسقط عنه.
الرواية الأولى:
كصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله قال: (يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زاد، فإن كانوا أقلّ من خمسة فلا جمعة لهم، والجمعة واجبة على كل أحد لا يعذر الناس فيها إلَّا خمسة: المرأة والمملوك والمسافر والمريض والصبي).
تقريب الاستدلال:
وقد يستدلّ على الوجوب تارةً بصدرها وأخرى بذيلها: أمّا الاستدلال بصدرها فلقوله: (يجمع القوم يوم الجمعة)، وظاهرها وجوب هذه الصلاة وتعينها. وأمّا الاستدلال بذيلها فلقوله: والجمعة واجبة على كلّ أحد، لا
ــــــ[95]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
يعذر الناس فيها. وظاهره تعينها وعدم إمكان تركها.
والإنصاف أنَّها ظاهرة بالوجوب التعييني على تقدير الشرط، فإنَّ قوله: يجمع من صيغ الأمر كما هو معروف، ولكنها ساكتة عن الحكم لولا الشرط وهو الاجتماع، اللهم إلَّا أن يُقال – كما في اللمعة- أنَّه هنا إنّما هو بصدد بيان الشرط لا بصدد بيان سنخ الوجوب.
أقول: وكونه بصدد بيان الشرط واضح، إلَّا أنَّه لا ينافي أن يكون بصدد بيان الوجوب أيضاً.
اللّهم إلَّا أن يُقال: إنَّ كونه بصدد بيان اجتماع العدد يجعل للحكم ظهور بالطريقية إلى حكم آخر أسبق منه رتبة. وذاك مجهول أنَّه بنحو الوجوب التعييني أو التخييري. ويمكن أن يجاب بما أجبنا به على أمثاله. بأنَّه ليس مجهولاً، بل نفهم من الطريق ذا الطريق، فإذا كان الطريق ظاهراً بالوجوب التعييني، كان الحكم الأصلي هو الوجوب التعييني أيضاً.
وأمّا ذيلها وهو قوله: (والجمعة واجبة على كل أحد)، فالنقاش الرئيسي هو كون الوجوب الإلزامي اصطلاح متأخّر وإنّما يفيد أصل الثبوت في اللغة أو قلّ الجامع وليس خصوص الحصّة الإلزامية، اللهم إلَّا أن يفهم منه الإلزام بنحو من أنحاء الإطلاق. وأمّا قوله: غسل الجمعة واجب، فقد دلّت القرائن على حمله على الاستحباب أو على الجامع.
فإذا تمَّ ذلك قلنا إنَّه ظاهر بالوجوب التعييني؛ لأنَّ الوجوب التخييري عملياً كعدم الوجوب بعد إجزاء غيرها عنها، فلا تكون واجبة على أي أحد، في
ــــــ[96]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
حين هو يقول بأنَّها واجبة على كلّ أحد.
جواب ما أورد على الرواية في اللمعة:
ولا يرد عليها ما أورد عليها في اللمعة: من أنَّها ظاهرة بوجوب السعي إليها (يعني على تقدير إقامتها) لا وجوبها أصلاً.
أقول: يمكن جوابه بأكثر من وجه:
أوّلاً: أنَّ وجوبها ووجوب إقامتها بمعنى واحد، فإذا أقرّ بأحدهما كأنَّه أقرّ بالآخر. كما تقول: استحباب صلاة الجماعة واستحباب إقامة صلاة الجماعة.
ثانياً: أنَّنا لو فرّقنا بين المعنيين لم يضرّ الاستدلال بها. غاية الأمر أنَّها عندئذٍ تكون مشروطة بالاجتماع، أو قل: إنَّها تدلّ على الوجوب التعييني بشرط الاجتماع، وهي أيضاً نتيجة مطلوبة في الجملة.
ثالثاً: أنَّها لا تعرض إلى الاجتماع فيها، لأنَّه قال: وهي واجبة على كلّ أحد، وهذا أعمّ من الاجتماع، وكأنَّه فهم أنَّ الواجب هو الذهاب إليها، مع أنَّ المسند هو الضمير الراجع إلى نفس الصلاة، وتقدير الذهاب خلاف الظاهر.
وأسوأ من هذا الإشكال الإشكال الآخر المذكور في اللمعة حيث قال: ولما كان المتعارف في صدر الإسلام أن يقيمها السلطان العادل ويأمر بالاجتماع إليها، فشمول إطلاقها بغير هذا المورد محلّ تأمّل وإشكال.
فكأنّه يريد أن يجعل العادة الجارية يومئذٍ بمنزلة القرينة المتّصلة – ولو احتمالاً- على أنَّ الجمعة إنَّما تجب بالأمر بالولاية.
ــــــ[97]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وجوابه:
أوّلاً: أنَّ الظاهر من السياق الوجوب بأصل الشرع، كما أنَّ ظاهر بيان الإمام ذلك دائماً.
ثانياً: أنَّه يقول على كلّ أحد، يعني: في كلّ جيل، حتى من لم يؤمر بالولاية بالحضور بالعموم الأفرادي والأزماني، وإلَّا لقال عليكم ونحوه.
ثالثاً: ظهور الاستثناءات منها أنَّها استثناءات من أصل الشرع لا من الولاية، لاستبعاد الاستثناء من حكم الولاية إلَّا أن يكون أمر الولاية مطابقاً لأمر الشرع فنفهم منه الطريقية لأمر الشرع أيضاً. إذن فأمر الشرع هو الوجوب التعييني أيضاً.
وبالرغم من أنَّه في اللمعة ذكر طوائف وروايات أُخرى لاحتمال الاستدلال بها على وجوب الجمعة، إلَّا أنَّنا يمكن أن نكتفي بما ذكرناه لأنَّ عدداً منها سبق صحيح سنداً، وأمّا الباقي فأكثره بل كلّه ضعيف السند.
وفي اللمعة كما رأينا حاول نفي مقتضى الوجوب التعييني، يعني عدم دلالة الروايات عليه وإقامة القرائن على نفيه. وأمّا في المستند فأقرّ بظهور جميع الروايات بالوجوب التعييني (والذي يسميه العيني) فالمقتضي للظهور به موجود، إلَّا أنَّه حاول إبراز المانع عن الأخذ به بوجوه آتية، وعباراته في مختلف نقاط كلامه متهافتة من هذه الناحية، بحيث تؤدي إلى القول بالوجوب التخييري في أصل الشرع، وهو اتجاه سليم من هذه الناحية لما رأيناه فعلاً من دلالة الروايات المعتبرة على الوجوب التعييني، فإن صحّ لنا المانع بدليل معتبر رفعنا اليد عن المقتضي وإلَّا
ــــــ[98]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
لزم القول بالوجوب التعييني لصلاة الجمعة بحيث يكون الاجتماع لها مقدّمة وجوب لا مقدّمة واجب وسيأتي.
الجهة الثانية: أدلة القول بالوجوب التخييري
وما يمكن أن يكون دليلاً على الوجوب التخييري بحيث يكون صالحاً لتقييد الإطلاقات المعتبرة السابقة، بل هي أكثر من مجرّد الإطلاق كما عرفنا، لكنّها مع ذلك قابلة للحمل والتأويل بالوجوب التخييري، مع العلم أنَّه لم يذكر الوجوب التخييري ولا في رواية واحدة بعنوانه التفصيلي.
الوجه الأوّل: ما ذكره في المستند من أنَّ الوجوب العيني لو كان ثابتاً في مثل هذه المسألة الكثيرة الدوران لشاع وذاع كسائر الفرائض الخمس اليوميّة في حين إنَّه لم يحدث ذلك.
وجوابه: ببيان وجه آخر من الاختلاف بين وجوب الجمعة ووجوب اليوميّة يكفي أطروحة محتملة لدفع هذا الوجه، وهو أنَّ وجوب اليوميّة غير قابل للارتفاع بالحقيقة وأنَّ الصلاة لا تسقط بحال. بخلاف صلاة الجمعة فإنَّ وجوبها ساقط بالتقيّة وتستبدل إلى الظهر.
ومن الواضح خارجاً وجود التقيّة في زمن أكثر الأئمّة يعني كل التسعة سلام الله عليهم لوجود جمعة أُخرى لا يمكن معارضتها مقامة من قبل الدولة؛ ولذا لم يحصل أنَّ أمرها أصبح شائعاً وذائعاً؛ لوضوح أنَّ اشتراطها في جماعة وخطبة ينافي أنَّها لا تسقط بحال أو أنَّها لا تصلّى بالإيماء ونحو ذلك.
ــــــ[99]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الوجه الثاني: ما ذكره في المستند في ضمن الوجه الأوّل من فتوى جماعة من القدماء كابن إدريس وسلّار على عدم المشروعية، فلو كانت واجبة عيناً لما ذهب هؤلاء إلى الحرمة.
وجوابه: أنَّ هذا غريب حقّاً؛ لأنَّهم إنَّما ذهبوا إلى الحرمة في عصر الغيبة لا مطلقاً، وكلامنا الآن في الأعمّ. وسيأتي الكلام عن مثل ذلك. ولا يحتمل ذهابهم إلى الحرمة حتى في زمن الإمام المعصوم أو بأمره مع وضوح ووجود الروايات السابقة وغيرها إلَّا إذا كانوا يقولون بغير ما أنزل الله وحاشاهم.
الوجه الثالث: ما ذكره في المستند في ضمن الوجه الأوّل من الإجماع على نفي الوجوب العيني من قدماء الأصحاب. وإنَّما حدث الخلاف من زمن الشهيد الثاني ومن تأخّر عنه، فلو كان الوجوب ثابتاً عيناً فكيف أنكره الأصحاب وهذه الأخبار بمرأى منهم ومسمع.
وجوابه:
أوّلاً: أنَّ هذا الإجماع بالنسبة إلينا إجماع منقول لا يقوم حجّة في نفسه، فضلاً عن أن نعارض به الظهور المعتبر الدالّ على الوجوب التعييني.
ثانياً: من المحتمل وجود بعض الروايات عندهم ممّا لم تصل إلينا خلال تلف الكتب كانت معتبرة عندهم، وهي مشكوكة الاعتبار عندنا.
ثالثاً: من المحتمل أنَّهم لم يستفيدوا الوجوب العيني من نفس هذه الأخبار التي مردنا عليها، فإنَّها ليست بتلك الصراحة وإن استظهرنا منها ذلك. ومعه يجري الأصل العملي في نفي الوجوب العيني.
ــــــ[100]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الوجه الرابع: ما ذكره في المستند من استقرار سيرة أصحاب الأئمّة لا سيّما الصادق على كثرتهم على عدم إقامة هذه الصلاة مع أنَّهم هم الرواة لهذه الأحاديث ونقلة تلك الأخبار، فلو كانت واجباً تعييناً كيف أهملوها ولم يعتنوا بشأنها مع علو مرتبتهم وارتفاع منزلتهم.
جوابه: إنَّ هذا الوجه بهذا المقدار من البيان لا يكفي؛ لأنَّه يجاب:
أوّلاً: أنَّه لا دليل على عدم إقامتهم لصلاة الجمعة، وإنَّما هو حدس خاص بالمؤلّف، ولا دليل عليه، بل مقتضى معرفتهم بالحكم لأنَّهم هم نقلة هذه الأخبار ومقتضى علو مقامهم هو قيامهم بهذه الصلاة وليس تركها وإهمالها، ولا دليل على أنَّهم أهملوها.
ثانياً: أنَّهم إذا كانوا قد أهملوها، فإنَّما ذلك لعذر أو التقيّة، وقلنا إنَّها مورد تقيّة أكيداً وتختلف عن سائر الصلوات اليوميّة من هذه الناحية. والترك للتقيّة لا يدل على الوجوب التخييري ولا ينفي الوجوب التعييني.
وليس من المستطاع القول بأنَّها تصبح في طول التقيّة واجباً تخييرياً، بل تصبح حراماً كما ورد (التقيّة ديني ودين آبائي).
ومن هنا يتّضح المناقشة فيما حاول أن يدعم به هذا الوجه ويهوّله به من القرائن كقوله: فلو كان واجباً حتمياً لكانوا هم أحقّ بفهمه منها فكيف أهملوها ولم يهتموا بها.
أقول: يعني فيدلّ على عدم فهمهم الوجوب التعييني، مع أنَّه ظهر أنَّهم قد يكونون قد فهموا منها ذلك، ولكن تركوه للتقيّة.
ــــــ[101]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وكقوله: وهل هناك فسق أعظم من التجاهر بترك فريضة مثل الصلاة التي هي عماد الدين.
أقول: بل يسري هذا الفسق المفروض إلى الأئمّة أنفسهم؛ لأنَّهم لم يكونوا يقيمونها أيضاً. وقد ظهر جوابه؛ لأنَّهم كانوا معذورين عن ذلك.
وكقوله: أنَّهم لو كانوا أقاموها لظهر وبان ونقل إلينا بطبيعة الحال ولما ينقل عن أحدهم قط.
جوابه من وجوه:
أوّلاً: بالاعتراف أنَّهم تركوها لكن ليس عمداً بل تقية فيكون النقل سالبة بانتفاء الموضوع، إلَّا أنَّ عدم الإقامة لا تدلّ على عدم الوجوب التعييني أولاً للتقية كما هو واضح.
ثانياً: أنَّهم لعلّهم أقاموها وكانوا مستمرّين عليها، ولكنها كانت بسيطة في نظرهم كالصلاة اليوميّة، ولا حاجة إلى نقلها، فهل نقل عنهم أنَّهم صلّوا الصلاة اليوميّة لكي ينقل عنهم أنَّهم صلّوا الجمعة أو صلاة الآيات مثلاً.
ثالثاً: أنَّهم لعلّهم أقاموها بالسرّ وخلال ظرف التقيّة، وكان نقلها والحديث عنها متعذراً ومكتوماً، فلم يصل إلينا أي خبر منه.
ومن العجيب أنَّه في المستند يتحدّث عن عصر الأئمّة وكأنَّه خالٍ من ظرف التقيّة، وكأنَّه لا يوجد ضغط عليهم ولا صلاة جمعة رسميّة تقيمها الدولة يجب عليهم لتقيّة حضورها، وهكذا.
ــــــ[102]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الوجه الخامس: ما ذكره في المستند: قال: الأخبار المتظافرة الدالّة على سقوط الصلاة عمن زاد على رأس فرسخين، فإنَّه لو كان واجباً عينياً على كل أحد ولم يكن مشروطاً بإمام خاص لم يكن وجه لسقوط الصلاة عن البعيدين عن محلّ الانعقاد، بل كان عليهم الاجتماع والانعقاد في أماكنهم.
وحملها على عدم تحقّق شرط الانعقاد لعدم؛ استكمال العدد أو عدم وجود من يخطب، كما ترى فإنَّه فرض نادر.
وجوابه: أنَّه تقريب ظني غالبي، ولكن لا يصحّ بالدقّة؛ لأنَّه لم يدع أحدٌ إطلاق وجوبها على كلّ أحدٍ، وفي كلّ حال عيناً. بل المطلقات مقيدة ببعض القيود لا محالة كاجتماع الخمسة ووجود من يخطب أو عدم التقيّة أو وجود النداء الذي هو الأمر بالولاية العامّة، ونحو ذلك، فعدم هذه الأُمور ممكن مضافاً إلى احتمال العصيان أو الغفلة ونحو ذلك.
الوجه السادس: ما ذكره أيضاً من الأخبار النافية لوجوبها على أهل القرى إذا لم يكن لهم من يخطب ويورد عدّة روايات بعضها صحيح سنداً ودلالة.
تفسير القدرة على الخطابة
ثُمَّ يفسّر القدرة على الخطابة بالقدرة الفعلية لا الشأنية، فيكون حاصل المعنى في نظره: إن كان هناك من يقوم لإقامة الخطبة فعلاً وجبت الجمعة، وإن لم يقوم بالفعل – مع قدرته عليها- سقطت وصلّى الظهر جماعة، وهذا كما نرى لا يلائم الوجوب العيني؛ إذ عليه يجب الإقدام والتصدي للخطبة عيناً، وتركها موجب
ــــــ[103]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
للفسق، فكيف يصحّ الائتمام به كما هو صريح الأخبار.
وجوابه واضح:
أوّلاً: أنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ ظاهرها الشأنية والقابلية وليس الفعلية. (من يخطب) يعني من يستطيع الخطابة.
ثانياً: لو حملناها على الفعلية فليس بمعنى التصدي الفعلي، بل القابلية التامّة والاستعداد النفسي، فإذا كان شخص من هذا القبيل وجب عليه التصدّي.
ثالثاً: لو حملناها على الفعلية حتّى من جهة التصدّي – على الرغم من بعده- كان ذلك شرطاً للوجوب فيقيّد المطلقات، فإذا لم يتصدَّ لم تجب الجمعة ولم يوجب ذلك فسقه، فيمكن أن يكون إماماً لصلاة الظهر.
ثُمَّ قال في المستند: بل يصحّ الاستدلال بها للمطلوب حتّى لو أُريد بها الشأنية دون الفعلية، ضرورة أنَّها لو كانت واجبة عيناً لزم التصدي لتعلّم الخطبة – ولو كفاية- كي لا يؤدي إلى ترك هذه الفريضة العينية، وإهمال ذلك المستوجب لترك الواجب فسق وعصيان وبه يسقط صاحبه عن صلاحية الاقتداء به.
وجوابه واضح أيضاً:
أوّلاً: أنَّ صريح هذه الطائفة من الروايات أن وجود هذه الشأنية في المجتمعين هي شرط وجوب لا مقدّمة واجب، كقوله: فإن كان لهم من يخطب لهم جمعوا، ومقدّمة الوجوب لا يجب تحصيلها ولا يوجب إهمالها الفسق.
ثانياً: أنَّنا لو تنزّلنا وقلنا أنَّها من قبيل مقدّمة الواجب إلَّا أنَّ صريح الروايات إمكان التصدّي لصلاة الظهر. إذن فإهمالها لا يوجب الفسق وبعضها صحيح
ــــــ[104]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
السند فعلاً، فإن كانت القابلية من قبيل مقدّمة الواجب، فقد أخذها الشارع مفروضة الوجود. أي: أنَّ وجودها الاتفاقي شرط ولا يجب تحصيلها، يكون حالها كحال الاستطاعة بناءً على مسلك الشيخ الأنصاري في رجوع القيد إلى المادة لا إلى الهيئة، حيث قيل في الأُصول بأنَّ وجودها الاتفاقي شرط.
ترك أصحاب الأئمة لصلاة الجمعة
الوجه السابع: وهو العمدة: ما دلّ من الروايات على أنَّ بعض أصحاب الأئمّة كانوا تاركين لصلاة الجمعة تماماً أو في أغلب الأحيان، فلو كانت واجبة عيناً بغض النظر عن اجتماع الخمسة، بحيث كان الاجتماع مقدّمة واجب لا مقدّمة وجوب كانوا مقصّرين، في حين لا يحتمل فيهم ذلك.
منها(1): صحيحة زرارة قال: (حثنا أبو عبد الله على صلاة الجمعة حتى ظننت أنَّه يريد أن نأتيه فقلت نغدو عليك، فقال: «لا إنَّما عنيت عندكم»).
وهي واضحة في أنَّهم لم يكونوا ملتزمين بإقامتها. كما أنَّها واضحة في أنَّ الحث من قبل الإمام ليس على وجه الوجوب لا الأصلي ولا الولايتي، وإنَّما هو مجرّد نصيحة أو ترغيب. وهي صحيحة السند، فلو كانت واجبة على كلّ حال لما حصل ذلك أو قل: لكانوا ملتزمين بالإقامة، فيكون حثّهم سالبة بانتفاء الموضوع.
ــــــ[105]ـــــــ
(1) 5/1.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ومنها(1): موثقة عبد الملك عن أبي جعفر قال: (قال: مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله. وقال: قلت: كيف أصنع. قال: صلّوا جماعة. ويعني صلاة الجمعة).
وهي واضحة أنَّ عبد الملك وغيره غير ملتزمين بإقامة الجمعة، وليس عبد الملك وحده كما هو ظاهر المستند؛ لأنَّه يقول: مثلك. ويقول: صلّوا بضمير الجماعة.
وأمّا ظهورها بكون ذلك طول حياته -كما فهم في المستند- فهو وإن كان أقرب إلى الظهور، إلَّا أنَّ المظنون أنَّ فيه نحواً من المبالغة كأنَّه نزّل المقدار الذي فعله منها منزلة العدم، قليلاً كان أو كثيراً.
ثُمَّ قال في المستند: ودعوى أنَّ من الجائز أنَّهم كانوا يقيمونها مع المخالفين تقيّة فيكون الحثّ في تلك الرواية والتوبيخ على الإتيان بالوظيفة الواقعية عارية عن التقية.
ويدفعها بأنَّها وإن حضروها إلَّا أنَّها ليست جمعة لعدم صحّة الجماعة معهم.
أقول: وهذا الجواب يؤيد الإشكال لا أنَّه يدفعه، لأنَّه يكون المراد من الفريضة التي فرضها الله: الجمعة الواقعية بدون تقيّة؛ لأنَّ ما حضره منها جمعة باطلة حقيقة، فهو لم يصلِّ الجمعة وإن حضرها عندهم.
إلَّا أنَّ هذا الإشكال لا يضرّ المطلوب بالاستدلال هنا؛ لأنَّ كلامنا عن
ــــــ[106]ـــــــ
(1) 5/2.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الجمعة الواقعية، وكلتا الروايتين تدّلان على عدم الالتزام بها، ولو كانت واجبة عيناً مطلقاً لوجب.
إلَّا أنَّ الإشكال في أنَّنا كيف نستطيع أن نقيّد بها المطلقات مع أنَّها إنَّما تدلّ على السيرة، والسيرة لا لسان لها.
وجواب ذلك: أنَّنا نستكشف من هذه السيرة وجود قرينة حالية مسلمة الصحّة في عصر المعصومين في عدم فهم الوجوب العيني المطلق منها، كما هو مقتضى إطلاق المطلقات، وإنَّما المراد الوجوب التخييري المطلق يعني الثابت في أصل الشرع بغض النظر عن حصول بعض الشرائط، وإلَّا لكان حالها حال اليومية، ولما أمكن تركها إطلاقاً.
فإن قلت: نعم، ولكنها متروكة للتقية في حين لا تقيّة في بقية الصلوات اليومية من هذه الناحية، والتقيّة مستمرّة قروناً، فمن الجائز أنَّ الفرد يحيا ويموت وهو لم يصلِّ هذه الفريضة التي فرضها الله تعالى. وإنَّما حثّهم أبو عبد الله على اختيار البديل الأفضل من ناحية، والقيام بها في الأماكن الخالية والبعيدة عن التقيّة، ومعه فلعلها واجب عيني متروك للتقيّة كالحدود والتعزيرات.
وجوابه: أنَّه كلاهما محتمل؛ لأنَّ الترك أعمّ من كونها تخييرية أو متروكة تقية، إلَّا أنَّه – مع ذلك- يمكن إسقاط دلالة المطلقات بأحد وجهين:
الوجه الأوّل: (أن يترك) تعتبر قرينة حالية متّصلة، وهو محتمل القرينية؛ لأنَّه على تقدير كون الترك لكونها تخييرية، يكون قرينة على عدم إرادة العينية من المطلقات. فيكون ذلك من الاتصال بما هو محتمل القرينية، ومعه لا يمكن العمل
ــــــ[107]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
بالعام، ويكون الوجوب العيني مجرى للبراءة كل ما في الأمر أنَّ محتمل القرينية تارة يكون لفظياً وأُخرى يكون حالياً وهو لا يفرق من هذه الناحية.
الوجه الثاني: أنَّه لو كان المطابق للواقع هو الوجوب التعييني، ولكنّه متروك للتقيّة، لكان اللازم ترك الدلالة عليه في الأخبار الكثيرة التي سمعناها؛ لأنَّه أيضاً مخالف للتقية، فنعرف من ذلك أنَّ المقصود المعصومين من تلك الروايات ليس شيئاً مخالف للتقية، وليس ذلك إلَّا الوجوب التخييري.
فإن قلت: فإنَّهم لعلّهم سكتوا عن حكم الجمعة التعييني مع ثبوته لظرف التقيّة.
قلنا: هذا محتمل، إلَّا أنَّنا علينا الأخذ بالظاهر من كلامهم ولم يثبت أكثر من الوجوب التخييري في ظرف التقية بحيث يكون التعييني مجرى للأصل المؤمن.
فإن قلت: فإنَّ في صلاة الجمعة موردان للتقية متعارض. فإنَّ بيان الوجوب التعييني موافق التقيّة؛ لأنَّهم أيضاً يذهبون إلى ذلك. ولكنه مخالف للتقيّة من ناحية العمل والتطبيق، فبحسب النتيجة لم يكن بيان الوجوب التعييني مخالفاً للتقيّة لكي لا نفهمه من الروايات.
قلنا: يجاب:
أوّلاً: أنَّه لا دليل على ذهابهم إلى الوجوب التعييني، بل غاية ما ثبت من التزامهم بإقامتها هي كونها مشروعة عندهم وأمّا نحو المشروعية فغير معروف.
ثانياً: أنَّ تقية التطبيق أهم وأوكد من تقيّة البيان فلو صرّح المعصومون بالوجوب العيني، لزم على الشيعة تطبيقها فيكون خلاف التقية أكثر.
ــــــ[108]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الروايات الدالة على جواز ترك الجمعة
الوجه الثامن: ما دلّ على جواز ترك الجمعة، وظاهره الجواز في أصل الشرع، بحيث ينافي ثبوت الوجوب التعييني المطلق، بل بعض الروايات تثبت الجواز حتى على تقدير الاجتماع.
الرواية الأولى: ما رواه الكشي في كتاب الرجال (2/11) بسند غير معتبر عن النبي في الجمعة قال: (إذا اجتمع خمسة أحدهم الإمام فلهم أن يجمعوا)، ولم يقل عليهم.
وجوابه من عدّة وجوه:
أوّلاً: ضعف السند بأكثر من راوٍ منهم علي بن محمد بن قتيبة، ومنهم: محمّد بن علي عن أبيه عن جده.
ثانياً: أنَّها لا دليل على أنَّها تتحدّث عن الجمعة إلَّا بقرينة الخمسة. وإلَّا فقوله: (يجمعوا) من المحتمل أنَّه يريد صلاة الجماعة، وليس فيها تحديد اليوم، وأمّا تحديد الخمسة فلعلّه لأجل بيان صورة صلاة الجماعة وأمّا إذا كان المأمومون واحداً أو اثنين فهي ملحقة بالعدم وغير ملفتة للنظر وليس معناه عدم الجواز بالأقلّ.
الرواية الثانية: ما رواه الشيخ بسند غير معتبر عن علي قال: (لا جمعة إلَّا في مصر تقام فيه الحدود).
وفيها تقريبان:
أوّلاً: أن يُقال: إنَّه مقيّد لإطلاقات وجوب الجمعة التعييني، ونحن مصداق
ــــــ[109]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
لما خرج بالاستثناء؛ لأنَّنا في بلد لا تقام فيه الحدود، فلا تجب الجمعة والمراد بها بسط اليد باصطلاح الفقهاء.
ثانياً: أن نجرّد عن الخصوصية حتى للبلد الذي تقام فيه الحدود؛ لأنَّ المنفي هو ماهية الجمعة في البلد المستثنى، فيكون المحصّل ثبوت ماهيتها في البلد الباقي تحت العموم، وأمّا أنَّ ثبوتها هل هو بنحو الوجوب التعييني أو التخييري، فهذا ممّا لا تدلّ عليه الرواية. فيكون ثبوت الوجوب التعييني مشكوكاً مجرى للأصل.
وجوابه:
أوّلاً: ضعف السند بطلحة بن زيد، فإنَّه عامّي لم يوثّق وقال عنه الشيخ وهو عامّي المذهب، إلَّا أنَّ كتابه معتمد. ومن الواضح أنَّ اعتماده مجازي؛ لأنَّه لا يعني حجيّة كل رواياته وليس دالاً بالالتزام على توثيقه، والشيخ إليه طريقان كلاهما ضعيف أحدهما بابن أبي جيد ومحمد بن سنان والثاني كلّه ضعيف.
ثانياً: أنَّه يمكن القول: أنَّها رواية واحدة لا يمكن أن تكفي لتقييد السبيل الجارف من الروايات الدالّة على الوجوب بقول مطلق.
ثالثاً: يمكن المناقشة في معنى الحدود، فإنَّها في القرآن بمعنى تِلْكَ حُدُودُ اللهِ(1) وفي السنة بمعنى آخر، والاحتمال دافع للاستدلال. وليس السياق سياق القضاء أو الجريمة ليحمل الحد عليها أو على ما يناسبها.
الرواية الثالثة: ما رواه الشيخ عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن أبي جعفر عن
ــــــ[110]ـــــــ
(1) البقرة: 187.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أبيه عن حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه، قال: (ليس على أهل القرى جمعة ولا خروج في العيدين).
فإمّا أن نفهم من القرى الاصطلاح القرآني أو الفهم المتأخّر وعلى كل حال تصلح مقيداً للمطلقات، وكذلك في العيدين؛ لأنَّه نفي للخروج إليها لا الخروج عنها.
وجوابه:
أوّلاً: الطعن في السند بأكثر من داود.
ثانياً: أنَّها غير مروية عن المعصوم؛ ولهذا لم يجعل عليه السلام بعد اسم الراوي.
ثالثاً: أنَّنا يمكن أن نسلّم معناها ولا يخلّ بمحلّ الكلام؛ لأنَّنا نتكلّم عن غير القربة، وحملها على مطلق البلد المسكون بعيد.
رابعاً: ما قلناه في الرواية السابقة من أنَّها رواية واحدة لا يمكن أن تعارض أو تخصّص المتواتر في سنده، المطلق في دلالته.
دلالة جملة من الأخبار على نفي الوجوب التعييني
وهناك عدّة وجوه أُخرى ترجع إلى تقييد المطلقات التي سبقت، وهي بمختلف الألسنة، وستأتي في محلّها إن شاء الله تعالى، كقوله: «إذا اجتمع خمسة أحدهم الإمام» فتدلّ بمفهومها أنَّه لا تجب دون ذلك. وهي واضحة النفي للوجوب التعييني، فيختصّ بخصوص مورد الاجتماع، ويكون الاجتماع عندئذٍ
ــــــ[111]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
مقدّمة وجوب لا مقدّمة واجب.
وفي هذه الأخبار ما هو صحيح السند، وهي متعدّدة تكاد أن تكون مستفيضة على ما سيأتي.
وهي تنفي الوجوب التعييني لا التخييري؛ لوجهين:
أوّلاً: أنَّنا استفدنا من المطلقات الوجوب التعييني، فهو الذي يقيَّد هنا وإذا كنّا استفدنا التخييري لأمكن تقييده. ولكن تقييده يكون من جهتين: بالمفهوم ليدلّ على عدم الوجوب التخييري أصلاً بالشريعة لولا اجتماع خمسة.
ثانياً: بالمنطوق ليدلّ على حصول الوجوب التعييني عند الاجتماع. وهي أُطروحة محتملة على أي حال وإن كانت نادرة إلَّا أنَّه مجرّد فرض؛ لأنَّ المطلقات تدلّ على الوجوب التعييني لا التخييري.
وكذلك تقييد المطلقات بما إذا كان لهم من يخطب، فيكون ذلك مقدّمة وجوب، وتقيّد بمفهومها الدالّ على عدم الوجوب تلك المطلقات، وبعضها معتبر السند، وجملتها مستفيضة أكيداً.
وكذلك تقييد المطلقات بلسان اشتراط وجود الإمام، وهو الذي فهم منه المشهور معنى السلطان العادل أو المعصوم وسيأتي الكلام فيه. والصحيح هو وجود شخص صالح لإمامة الجماعة، وفيها ما هو معتبر السند، وهي عدّة روايات. وتدلّ بمفهومها على عدم الوجوب عند عدم الإمام. فيكون بمنزلة شرط الوجوب وينتفي الوجوب بانتفائه لتعذّر إقامة الجمعة والجماعة عندئذٍ.
ــــــ[112]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وأمّا إيقاع النسبة بين هذه التقييدات المنصوصة، وهي اجتماع خمسة ومن يخطب والإمام، وهل أنَّها جمعياً قيود بنحو المجموع أو أحدها ونحو ذلك، فهو ممّا يأتي، والظاهر بدوياً أنَّها جميعاً قيود فلو انتفى أحدها كان مقتضى مفهوم طائفته انتفاء الوجوب وهكذا.
وكذلك التقييد بما زاد على فرسخين، فإنّه مقدّمة وجوب لا مقدّمة واجب، إلَّا أنَّ هذا السنخ من الشرط كان بنحو القرينة المتصلة للمطلقات نفسها كما سمعنا. وأمّا الآن فنحن نبحث عن القرائن المنفصلة، وكذلك كان التقييد بالقرينة المتّصلة بالخمسة أو السبعة أو التسعة الخارجين عن الوجوب كالعمى والمرأة والعبد والمريض وأضرابهما، وكل ذلك لابدَّ من فحصه تدريجاً وتفصيلاً، كما سيأتي.
بقي أن ننظر إلى المطلقات بعد تقييدها، فإن مقتضى القاعدة الأوّليّة هو عدم دلالتها على الوجوب مطلقاً فيما خرج بالتقييد، وهذا معناه أنَّها في مورد القيد واجبة تعييناً، وخارج القيد غير واجبة لا تعييناً ولا تخييراً؛ لأنَّه تقييد لأصل الوجوب.
إلَّا أنَّ الصحيح أنَّنا بعد أن فهمنا من المطلقات أمرين:
أحدهما: الوجوب التعييني.
ثانيهما: أنَّها بصدد أصل التعرض للوجوب في الإسلام، والتقييد يمكن أن يحصل للجانب الأوّل لا للجانب الثاني لأنَّه غير قابل للتقييد كما هو واضح.
ــــــ[113]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فبالتقييد يرتفع فهم الوجوب التعييني. ويبقى أصل الوجوب مدلولاً بالصيغة، ولا يحتمل أن يكون إلَّا الوجوب التخييري.
وبتعبير آخر: أنَّه يكفي للتقييد نفي الوجوب التعييني، وأمّا الدلالة على أصل الوجوب فلا موجب لنفيها، فيصار في المطلقات إلى فهم الوجوب التخييري.
وبتعبير ثالث: أنَّه يمكن القول: أنَّ دلالة المطلقات على الوجوب إجمالاً مما لا يمكن تقييده، فإنَّها كالنصّ فيه، فلو دلّ دليل على عدم الوجوب مطلقاً لكان معارضاً. نعم دلالتها على الوجوب التعييني خاصّة بالإطلاق، فيرتفع بالتقييد وتبقى الدلالة على أصل الوجوب سارية المفعول.
وبتعبير رابع: أنَّ الدلالة على أصل الوجوب بالوضع وعلى الوجوب التعييني بالإطلاق، فيتقيّد الإطلاق ويبقى دليل الوضع على حاله.
ومن نتائج ذلك صحّة الصلاة من المرأة والمسافر والعبد وأضرابهم ممن لم يخرج عن التكليف، فإنَّها واجبة عليهم بالوجوب التخييري الأصلي في الدين، فإذا صلّوها أجزأت منهم كأحد طرفي التخيير.
نعم، يبقى الكلام في مورد واحد وهو ما زاد على فرسخين، فإنَّ ظاهر التقييد أنَّها لا تجب عليهم إطلاقاً بأي نحوٍ من أنحاء الوجوب، وكذلك ظاهر كلام الفقهاء، وهذا يعني الاستثناء والتقييد من المطلقات في الموضع التي هي نصّ فيه كما قلنا والتي لا تقبل الاستثناء والتقييد.
ــــــ[115]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وجوابه: أنَّ غاية ما ثبت في هذا المورد عدم الوجوب، يعني عدم الوجوب التعييني، بمعنى عدم وجوب قصدها من تلك المسافة، وأمّا نفي الوجوب التخييري لهم فهذا ممّا لم يثبت بحيث يكون قصدهم من تلك المسافة باطلاً، فإنَّه غير محتمل وخاصّة بعد أن نلتفت إلى أنَّهم متمّون وغير مسافرين وليس ممّن يجب عليهم القصر.
إذن يكونون مشمولين للوجوب التخييري، ويكون التقييد فقط للوجوب التعييني القابل للتقييد في طرف المطلقات كما عرفنا.
فإن قلت: كيف يمكن حمل المطلقات على الوجوب التخييري وقد سبق أن قلنا أنَّه لا يناسب ذلك مثل قوله: واجب أو فرض ونحو ذلك، فإنَّها مع الوجوب التخييري لا تكن واجبة ولا فرضاً.
وجوابه لأكثر من وجه:
أوّلاً: أنَّنا بعد التخصيص لا نسقط الدلالة على الوجوب التعييني بالمرة، بل يبقى في الحصة الداخلة في المستثنى منه، وبذلك يستوفي اللفظ حاجته الدلالية. وأمَّا أنَّ هذه الدلالة هل هي على الجميع أم على المجموع، فهي بالإطلاق فيكون في الإمكان تقييدها.
ثانياً: أنَّنا إذا قلنا أنَّ المشروع في أصل الإسلام هو الوجوب التعييني ينتج أمر غير محتمل ولعلّه خلاف ضرورة الدين. وهو أنَّ التقيدات هي بمنزلة مقدّمة واجب لا مقدّمة وجوب كالنداء أو الاجتماع أو البعد فرسخين ونحو ذلك، وقد أشرنا إلى ذلك خلال الحديث عن المطلقات. إذن يتعيّن حمل المطلقات بشكل
ــــــ[115]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
يناسب ما ثبت بضرورة الدين وهو أنَّ أصل التشريع إنَّما هو الوجوب التخييري، ولو بنحو من التأويل لتلك المطلقات.
الجهة الثالثة: أدلة القول بحرمة صلاة الجمعة
ثُمَّ إنَّه التفت في المستند إلى القول بالحرمة وحاول مناقشته، ونحن الآن نتابعه على ذلك. وأدلّة الحرمة على سنخين:
أحدهما: ما يرتبط باشتراط الإمام المعصوم أو السلطان العادل ونحو ذلك، بحيث تكون بدونه غير مشروعة. وهذا ما يأتي الكلام عنه عند الحديث عن هذا الشرط والصحيح عدم اشتراطه كما يأتي، فتبقى من هذه الناحية مشروعة.
ثانيهما: أدلّة مبتنية على استبعادات من نواحي أُخرى هي التي نذكرها الآن، مع الالتفات إلى أنَّ مقتضى الأصل العملي هو البراءة من الحرمة من ناحية وعدم المشروعية وعدم الصحة مع الشك فيها من ناحية أُخرى، وكلاهما يندفع بالإقامة برجاء المطلوبية مع الجمع احتياطاً بينها وبين الظهر؛ إذ لا يحتمل حرمتها الذاتية كشرب الخمر ولا أقل أنَّه ممّا لا دليل عليه فتكون مجرى للأصل المؤمّن.
وما أقيم دليلاً على الحرمة التشريعية التي ذهب إليها ابن إدريس وسلّار عدة وجوه:
الوجه الأوّل: الإجماع على عدم المشروعيّة ما لم يقمها إمام الأصل أو المنصوب من قبله.
وجوابه من وجوهٍ:
1. إنَّه بالنسبة إلينا إجماع منقول وهو ليس بحجّة.
ــــــ[116]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
2. إنَّنا نحرز عدم وجوب مثل هذا الإجماع، كما قال في المستند: إنَّه ليس معقداً للإجماع، بل ولا مردّداً للشهرة فإنَّ الأشهر بل المشهور إنَّما هو الوجوب التخييري والمنكرون للمشروعية جماعة قليلون.
أقول: ولا أقلّ من احتمال ذلك الدافع للاستدلال فإنَّ على مدّعي الإجماع إثباته وهو غير قادر على ذلك.
الوجه الثاني: [الإذن الخاص لأشخاص معينين]
دعوى استقرار سيرة النبي والأئمّة من بعده على نصب أشخاص معينين لإقامة الجمعات، ولا يقيمها غيرهم، فيكشف ذلك عن اشتراط العقد بالإذن الخاص فلا تشرع بدونه.
وجوابه من وجوه:
1. إنَّ هذا لو ثبت فإنَّما هو سيرة عملية، والعمل ليس له لسان ولا مفهوم لنفي الحصّة الأُخرى.
2. إنَّنا يمكننا إثبات الحصّة الأُخرى بالمطلقات، وعدد منها تامّ سنداً ودلالة كما سبق.
3. إنَّ هذه السيرة أساساً لم تثبت بل هي منتفية كما هو مبيّن في المستند.
4. إنَّ هذه السيرة لا تقيّد ما لم توجد سيرة على عدم عقدها من قبل غيرهم، وهي غير معلومة، ولو وجدت فهي سيرة عدمية لا نعلم سببها هل هو لعدم المشروعية أو للتقية أو لأي سبب آخر كعدم تحقّق شروط الوجوب ونحو ذلك.
5. أنَّه يمكن أن يستفاد من بعض الروايات المعتبرة مشروعية ذلك. أي
ــــــ[117]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
بدون المعصوم أو من نصبه كقوله في صحيحة زرارة: لا، إنَّما عينت عندكم. بعد حثّه على أصل الإقامة، مع وضوح أنَّه ليس نصاً خاصّاً إذ لم يسم لهم أحداً للإقامة.
الوجه الثالث: [لزوم الهرج والمرج وإثارة الفتنة]
– وهو الرابع في المستند-: أنَّ إيجاب مثل هذا الحكم في زمن الغيبة – يعني عند عدم تحقّق الإمام المعصوم أو من نصبه- مثار للفتنة وموجب للهرج والمرج. فلا يظن بالشارع الحكيم تشريعه … لتشاح النفوس في طلب الرئاسة والتصدّي لمقام الإمامة. فربما يؤدي إلى التشاجر والنزاع بين المسلمين لانتصار أهل كل محلة لأتباعها وقد ينجرّ إلى القتل كما اتفق في عصرنا الحاضر في بعض البلاد فلابدَّ وأن يكون التعيين بنظر الشارع وإذنه الخاصّ كي تنحسم به مادة النزاع.
وجوابه من وجوه:
1. ما قاله في المستند من أنَّ هذا التقرير على تقدير تسليمه فإنَّما يجدي لنفي العينية لا أصل المشروعية ولو تخييراً. فإنَّ الوجوب التخييري حيث لا إلزام فيه على سبيل الحكم والبت لوجود المندوحة فلا يتضمن الفتنة.
وجوابه: أنَّ هذا وحده لا يكفي لأنَّه إنَّما يثير الفتنة إقامتها الفعلية سواء أكان على سبيل التعيين أو التخيير، فمثلاً لو اتفقوا على أصل الإقامة ولو مع ذهابهم إلى الوجوب التخييري، فمن الممكن أن يختلفوا في الشخص الذي يقيمها، فتحدث الفتنة.
2. ما ذكره في المستند أيضاً حين قال: إنَّ الفتنة ممنوعة من أصلها حتى على
ــــــ[118]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
القول بالوجوب العيني فإنَّ من قدم للإمامة أمّا أن يرى غيره أهليته لها لاستجماعه الشرائط أم لا.
فعلى الأوّل يجب الائتمام به ولا حزازة فيه، وإن كانا دونه في المقام، فقد حثّ الشارع على التواضع ومجاهدة النفس وحذّر عن الأنانية والكِبر.
وعلى الثاني فالجماعة باطلة بنظره فلم تنعقد جمعة صحيحة كي يجب السعي إليها والحضور فيها.
وجوابه: أنَّه لا يتم على كلا التقديرين أمّا على التقدير الأوّل فلأنَّ باعث الفتنة هي الأنانية والتكبّر وهي موجودة في النفوس وغير منتفية منها.
وأمّا على التقدير الثاني: فإنَّ عدالة الشخص قد تكون محلّ خلاف، فتكون صحّة الجمعة في في نفسها محل خلاف، فتحدث الفتنة.
والجواب الصحيح لذلك بتطبيق قاعدة تقول: إنَّ الحكمة من الدين أنَّه نزل لكي تطبّق أحكامه جملة واحدة ودفعة واحدة. وتكون متعاضدة تطبيقاً وأثراً. وهذا وإن لم يكن علّة إلَّا أنَّه حكمة، وهذا يكفي من حيث ارتباطه بالشارع الحكيم في تشريع صلاة الجمعة.
وإذا طبّقت الشريعة كلها دفعة واحدة أو مرّ على المجتمع شيء من هذا القبيل فسوف تحدث عدّة أمور نافية للفتنة التي يذكرها الإشكال.
منها: أنَّه لا يكون شخص مشكوك العدالة بل كلهم محرز لها. ونتيجته أنَّ الصلاة إذا حصلت وطرأ أي واحد فلا بأس.
ومنها: انتفاء الأنانية وحب الدنيا الذي هو رأس الفتنة.
ــــــ[119]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ومنها: أن الأفراد عموماً والأشخاص المؤهّلين للإمامة، يلاحظون المصلحة العامّة بدقّة، ولا شكّ أنَّ الفتنة منافية لها.
هذا ويمكن القول بأنَّ المسألة في الغالب ليست محلّ اختيار وترديد بين الأشخاص لتحدث الفتنة، كما يتصوّر المستشكل. وإنَّما تتعيّن في الغالب بقضاء الله وقدره لشخص معين لا يمكن تبديله، ولنا في عصرنا الحاضر عدّة أمثلة: كالدولة في إيران والتيجاني(1) وصلاة الجمعة في العراق. وهكذا شاء الله سبحانه أن يجعلها في أعناق أو ذمم أشخاص معينين لا مجال لمناقشتهم أو تبديلهم.
الوجه الرابع للحرمة:
ما ذكره في المستند يقول: ما رواه الصدوق في العيون والعلل بسنده عن الفضل بن شاذان عن الرضا. في وجه صيرورة صلاة الجمعة ركعتين والاستشهاد بفقرتين من الحديث.
الفقرة الأُولى: أنَّه قال: (لأنَّ الصلاة مع الإمام أتم وأكمل لعلمه وفقهه وفضله وعدله)، قال في المستند: ولا شكّ في عدم اعتبار شيء من هذه الصفات في أئمة الجماعات ما عدا الأخير، فيعلم عدم صلاحية كلُ أحد لإقامة الجمعة إلَّا من كان حاوياً لهذه الخصال، ولا يكون إلَّا الإمام أو المنصوب الخاصّ.
أقول: جواب ذلك من عدّة وجوه:
ــــــ[120]ـــــــ
(1) هكذا ورد في النسخة الخطية.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أوّلاً: بضعف سند الرواية على ما سيذكره في المستند ونشير إليه بعد ذلك.
ثانياً: أنَّ انحصار هذه الصفات لو سلّمناها بالإمام أو من نصبه تسامح ظاهر وإن كان هو القدر المتيقّن.
ثالثاً: أنَّه لا يحتمل في إمام الجمعة وجود هذه الصفات، بل تكفي العدالة والتفقّه بأحكام صلاة الجمعة والقدرة على الخطابة. أما مطلق التفقّه والعلم والفضل، فما ذكرته الرواية فغير محتمل.
رابعاً: أنَّ مقصود الرواية غريب في أذهان المتشرّعة من حيث أنَّ ظاهر السياق يقول: إنَّ السبب في سقوط الركعتين في صلاة الجمعة هو كون الإمام أفضل وأعلم وأفقه، وهذا غير محتمل أو هو مجرّد حكمة ضعيفة. وإلَّا لو كان الأمر كذلك، فإذا صلينا الظهر في أي يوم وراء إمام كان هو الأفضل في هذه الصفات إذن يجزي من الظهر ركعتين لفقهه وفضله. هذا قطعي العدم.
وإنَّما ما هو المحتمل أمران: إما مقدار الثواب في الصلاة خلفه، وإمَّا تعويض الخطبتين عن الركعتين وليس غير ذلك.
الفقرة الثانية: قوله – لو تمّ السند-: (إنَّما جعلت الخطبة يوم الجمعة لأنَّ الجمعة مشهد عامّ فأراد أن يكون للأمير (كما في العلل) للإمام (كما عن العيون) سبب إلى موعظتهم وترغيبهم في الطاعة وترهيبهم عن المعصية وتوقيفهم -مثل توصيف (وقف عليه أي عرفة)- على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم ويخيّرهم بما ورد عليهم من الآفاق ومن الأهوال التي لهم فيها مضرّة ومنفعة، ولا يكون الصائر في الصلاة منفصلاً، وليس بفاعل غيره ممّن يؤم الناس في غير الجمعة).
ــــــ[121]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
قال في المستند: والجملة الأخيرة أعني قوله: وليس بفاعل الخ غير مذكورة في العيون كما نبّه عليه في «الوسائل».
وتقريب الاستدلال يكون بعدّة أُمور:
الأمر الأوّل: ما ذكره في المستند من أنَّ هذه الأمور منحصرة بالإمام أو من نصّبه ولا تكون لغيره، فليس كل أحد مؤهّل لها.
الأمر الثاني: التمسّك بعنوان الأمير أو الإمام الوارد في الرواية، فإنَّه إنَّما يصدق على الإمام أو من نصّبه أو الحاكم الشرعي المبسوط اليد وليس كل مجتهد أمير أو إمام كما هو واضح.
الأمر الثالث: التمسّك بالجملة الأخيرة وهي قوله وليس بفاعل غيره ممّن يؤم الناس في غير الجمعة، وظاهره نفي قابلية إقامة الجمعة لغير هذا النموذج الصالح من الناس.
فإن قلت: إنَّه أشار في الوسائل: أنَّ هذه العبارة واردة في العلل وغير واردة في العيون فلا تكون حجّة.
قلنا: كلّا فإنَّنا لو تنزّلنا عن ضعف السند كانت حجّة من هذه الناحية باعتبار سند الصدوق في العلل وهذا يكفي، كل ما في الأمر أنَّ الحذف حصل باعتبار تقطيع الأحاديث أو قلْ: إنَّه لم يجد الصدوق مصلحة لذكره في العيون، وهذا لا يدلّ على انتفائها ثبوتاً لتسقط عن الحجّية أو لتعارض الخبر الدالّ على حجّيتها أو وجودها.
وبتعبير آخر: ليس لرواية العيون مفهوم مخالفة دالٌ على نفي هذه الجملة ــــــ[122]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فتثبت بسند العلل بدون معارض.
وجواب الاستدلال بهذه الفقرة الثانية:
أوّلاً: أنَّ الرواية أصلاً ضعيفة السند. قال في المستند: لضعف طريق الصدوق إلى الفضل بن شاذان قال: فإنَّ في الطريق علي بن محمد بن قتيبة ولم يوثّق وعبد الواحد بن عبدوس النيشابوري العطّار الذي هو شيخ الصدوق ولم يوثّق أيضاً. نعم قد ترضّى عليه الصدوق عند ذكره لكنه غير كافٍ في التوثيق كما لا يخفى.
ثانياً: ما أجاب به في المستند من أنَّ هذا شرط عرفي وليس شرطاً شرعياً؛ لأنَّ صلاة الجمعة محفل عظيم فلا محالة يتقدّم من هو أهل لها وعارف بخصائص المجتمع وأخباره ومصالحه ليكون النفع للناس في خطبته.
إلَّا أنَّ هذا وحده لا يتم لوضوح أنَّ الاشتراط لو كان ظاهراً من السياق. إذن فظاهره الاشتراط الشرعي لا العرفي.
نعم، لو كان المتكلّم به شخص من أهل العرف لكان ذلك صحيحاً، إلَّا أنَّ المتكلّم به الإمام وظاهره بيان الحكم الشرعي.
ثالثاً: أنَّه ليس بصدد بيان الشرط أصلاً، وإنَّما بصدد بيان الحكمة والسبب من تشريع صلاة الجمعة أو من كونها ركعتين ونحو ذلك، وإذا لم يكن بصدد البيان كان ذكر الإمام ظاهراً بالقدر المتيقّن من وجه حكمة لا أكثر.
رابعاً: أنَّ نسخة العيون والعلل مختلفة في الأمير والإمام. والمعنى المشترك بينهما هو الحاكم الشرعي المبسوط اليد، وليس فيها ظهور بالإمام المعصوم كما
ــــــ[123]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
يريد المستدل. بل يكفي في صدقها مجرّد التصدّي لرئاسة المجتمع من الناحية الدينية بغض النظر عن كونه مبسوط اليد حتّى على الحدود والتعزيرات مثلاً.
خامساً: أنَّها ليس فيها مفهوم مخالفة أو حصر أو نحوه بالأمير والإمام لنفهم النفي عن غيره، إلَّا ما قد قيل: من فهمه من العبارة الأخيرة وهي قوله: (وليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس في غير الجمعة).
وهذا إخبار اعتباري عن عدم قابلية الآخرين من أئمة الجماعة بالقيام بهذه المهمة، وهو صحيح. وأمّا شرطية الانحصار فيه فلا وجود له في الرواية، وإنَّما الشرطية هنا لو سلّمناها للأعم من الوجوب والاستحباب. أو قل: التعين والفضيلة، أو لجامع الطلب ولا ظهور لها بالحصّة اللزومية.
الوجه الخامس:
ما ذكره في المستند، الأخبار الواردة فيما إذا اجتمع عيد وجمعة، المتضمّنة لإذن الإمام في خطبة العيد للنائين بالرجوع إلى أماكنهم إن شاؤوا، وعدم حضور الجمعة الكاشفة عن كون الإقامة حقاً مختصاً به. وإلَّا فكيف يسوغ له الترخيص في ترك فريضة عينية إلهية، وهل ذلك إلَّا كترخيصه في ترك صلاة الغداة مثلاً، ويذكر روايات على ذلك منها صحيحة الحلبي، وسيأتي الحديث عنها في الفرع المناسب لها.
وجوابه واضح: وهو أنَّ هذا استثناء من وجوب صلاة الجمعة في أصل الشرع وليس ترخيصاً من قبل الإمام.
وهو على الوجوب التعييني أدلّ؛ لأنَّ مضمون هذا الترخيص هو الوجوب
ــــــ[124]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
التخييري وليس الاستحباب كما يتوهّم المشهور؛ لأنَّ الفرد إذا صلّى العيد والجمعة أجزأت الجمعة عن الظهر قطعاً، ولو كانت مستحبة فقط لما كان لهذا الإجزاء وجه، فيتعيّن أن تكون بنحو الواجب التخييري فمعناه أنَّه عند الاجتماع بين العيد والجمعة يتحوّل وجوب الجمعة من الوجوب التعييني إلى الوجوب التخييري؛ إذ لو كان بالأصل تخييرياً لما كان لهذا الإذن مورد؛ لأنَّه يجوز لهم الذهاب على كل حال، بل يجوز حتى لأهل المدينة فضلاً عن الأطراف، وخاصة الخروج قبل الظهر. وهو واضح فيما لو قلنا ببقاء الوجوب التخييري حتى لو اجتمع خمسة أحدهم الإمام، لكن هل يتغيّر هذا الحكم وهو التعيين عند الاجتماع فإذا لم يتغيّر لم يجز الخروج بعد الزوال وجاز الخروج قبله فقط وهو جائز دائماً، فيكون الإذن إذناً صورياً فقط. وهل يجب على الخطيب التنبيه الظاهر الاستحباب، ومعه لا يوجد أي اختلاف في الأحكام الإلزامية بين هذا المورد وسائر الموارد.
والتنبيه على ذلك يكون من قبل خطيب العيدين أياً كان ولا يقول في الروايات باشتراط كونه هو الإمام، وخاصّة وأنَّ جميع الروايات تدلّ على مضمون مشترك وهو أنَّه اجتمع عيد وجمعة في زمن أمير المؤمنين فنبه هو على ذلك في خطبة العيد وهذا من سنخ الفعل، ولا يدلّ على اشتراط كونه معصوماً، وإلَّا لدلّ على اشتراط كونه وصياً لرسول الله أيضاً، ومعلوم أنَّ الفعل لا لسان له. فلعلّه على سبيل الصدفة أنَّه كان في زمانه إماماً للجمعة والعيدين لا أنَّه لا يجوز غيره.
ــــــ[125]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الجهة الرابعة: مقتضى الأصول العملية
ثُمَّ إنَّه في المستند تعرض إلى مقتضى الأصول العملية، ونحن ذاكرون ذلك لمجرّد الالتفات، وإلَّا فلا مورد لها حقيقة لأنَّ الدليل الأماري على وجوب الجمعة موجود كما سمعنا، ولا موجب للتنزّل عنه، ولكن نقول الآن أنَّنا لو تنزّلنا عنه، ووصلت النوبة إلى مرتبة الأُصول العملية، فما هو مقتضى ذلك. وبطبيعة الحال ينبغي التنزّل عن كل أنواع الأمارات المفترضة على الوجوب التعييني وعلى الوجوب التخييري، وعلى الحرمة؛ لوضوح أنَّه لو كانت الأمارة على أيها موجودة لم يكن المورد مجرى لأي أصل لا في مورد الدليل ولا في مورد الدليل المعارض.
أما الآن فلابدَّ من ضبط موضوع المسألة، وذلك يكون بحصر احتمالات مجرى الأُصول العملية، كما يلي؛ لأنَّ الشك المفروض يكون على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الشك في كل حكم على حدة كالشك في الوجوب للتعييني أو الشك في الحرمة.
القسم الثاني: الشك في كل هذه الأقسام مع عدم قيام الدليل على واحد منها.
القسم الثالث: دوران الأمر بين بعضها البعض كدوران الأمر بين الوجوب التعييني والحرمة مثلاً أو دوران الأمر بين الأحكام الثلاثة كلّها أعني الوجوب التعييني والتخييري والحرمة.
فيقع الكلام في كلِّ من هذه الأقسام:
أمّا القسم الأوّل: وهو الشك في كلّ حكم على حدة فلا شكّ أنَّ مقتضاه
ــــــ[126]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
جريان الأصل المؤمّن الذي هو إمّا البراءة الشرعية وإما البراءة العقلية وإما استصحاب العدم الأزلي للجعل الشرعي لهذا الحكم أو ذاك فيثبت به عدم الجعل.
فإن قلت: فإنَّ عندنا علم إجمالي بثبوت أحد هذه الأحكام الثلاثة فتتعارض الأصول المؤمّنة في أطرافه وتتساقط أما لعدم المقتضي أو لوجود المانع.
قلنا: يمكن فرض عدم وجود العلم الإجمالي وإن فعل صلاة الجمعة من المباحات أو من المستحبات (بدون وجوب تخييري) وأمّا إذا فرض وجود هذا العلم الإجمالي فيخرج الكلام عن هذا القسم ويدخل في القسم الثالث الآتي الذي قلنا بدوران الأمر فيه إجمالاً بين حكمين أو ثلاثة.
وأمّا القسم الثاني: وهو الشك في كلّ هذه الأقسام مع عدم قيام الدليل على واحد منها وعدم وجود العلم الإجمالي فيها.
فالمرجع المحتمل أحد أمرين:
الأمر الأوّل: أن يكون الحال مساوياً مع القسم الأوّل؛ لأنَّ الشكّ في المجموع ينفيه مجموع الأصول المؤمنة الجارية في الأحكام الثلاثة وهذا يكفي.
الأمر الثاني: ما ذكره المستند من الرجوع إلى أصل لفظي فوقاني وهو الاطلاقات الدالّة على وجوب سبع عشرة ركعة في كلّ يوم على كل مكلّف ونتيجة ذلك تعيّن الظهر يوم الجمعة كسائر الأيّام لأنَّه مع أداء صلاة الجمعة تكون خمس عشرة ركعة ومع الجمع تكون تسع عشرة ركعة وكلاهما غير محتمل.
إلّا أنَّ هذا قابل للمناقشة:
أوّلاً: – وهو العمدة- أنَّ الرجوع إلى هذه الإطلاقات إنما يكون بعد جريان
ــــــ[127]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الأُصول العملية الثانية في الجميع وإلا لو لم تجر هذه الأُصول كفى الاحتمال في وجوب الاحتياط والاشتغال العقلي في الشبهة البدوية ومعه لا يتعيّن المصير إلى هذه الإطلاقات وإنما يجب الجمع برجاء المطلوبية.
ثانياً: يمكن إنكار وجود مثل هذه الإطلاقات والفكرة وإن كانت واضحة متشرعياً إلّا أنَّ وضوحها ليس أكثر من الإجماع والإجماع دليل لبّي يقتصر منه على القدر المتيقن وهو ما لا يكون محتمل الاختلاف أو مورداً لمثل هذا التشكيك فإذا دخل الشك خرج عن القدر المتيقن فلم يثبت فيه الإجماع على سبع عشرة ركعة.
ثالثاً: يمكن القول بأنَّ إلحاق صلاة الجمعة في الخمس اليومية لا يقلل من عدد الركعات وذلك فيما إذا قلنا بأنَّ الخطبتين عوض الركعتين فتكونان ركعتين تنزيلاً وإن لم تكون كذلك حقيقة فتكمل بها رقم السبع عشرة ومعه لا تكون الاطلاقات معينة لصلاة الظهر كما زعم بل يكون لها مصداقان مرددان هما الظهر والجمعة فلا تصلح مرجعاً طولياً.
القسم الثالث: في صور الدوران بين هذه الأحكام وهي عديدة وقد قال عنها في المستند أنها أربعة ولا يبعد ذلك بعد إسقاط المكرر.
الصورة الأولى: أن يتردد الأمر بين وجوب الجمعة تعييناً أو وجوبها تخييراً بعد الجزم بأصل المشروعية، يعني نفي الحرمة باليقين أو بأصل لفظي أو عملي أو عملي آخر. فتدخل المسألة بوضوح في مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير. قال في المستند: والمرجع حينئذ أصالة البراءة عن تعين الجمعة لأن المختار في تلك المسألة هو الرجوع إلى البراءة العقلية والنقلية للعلم بجامع الوجوب والشك في ــــــ[128]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
خصوصية زائدة مدفوعة بالأصل. كما ورد في الأصول.
ويمكن أن يجاب على ذلك بأكثر من وجه:
الوجه الأول: ما ذكره بعض الإخوان: من أننا إذا تنزّلنا عن الأدلة اللفظية كلّها فمعناه عدم دوران الأمر بين التعيين والتخيير إذ لا دليل على التعيين ولا التخيير فمن أين يأتي العلم الإجمالي بالدوران هنا، بل يمكن جريان الأصل المؤمن في كلا الطرفين ولا تعارض بينهما؛ إذ لا علم إجمالي في البين.
وجوابه: أنَّ الكلام ليس في الدليل الإثباتي بحيث يدور الأمر بين دليلين أحدهما صادق لا محالة فإذا تنزّلنا عنهما معاً انتفت مرحلة الإثبات لأنه ليس الكلام في مرحلة الإثبات بل في مرحلة الثبوت إذ لا يحتمل أن صلاة الجمعة من المباحات أو المستحبات وإنما يدور أمرها ثبوتاً بين الحرمة والوجوبين والمفروض هنا قيام الدليل على نفي الحرمة، فيبقى الأمر دائراً بين الوجوبين ويحصل علم إجمالي فيهما.
الوجه الثاني: أن ننظر إلى عالم الجعل لا عالم المجعول وفي عالم المجعول يدور الأمر بين الأقل والأكثر أو التعيين والتخيير وأما في عالم الجعل فيدور الأمر بين المتباينين لأنَّ جعل أحد الوجوبين مباين لجعل الآخر ويكون هذا العلم الإجمالي منجزاً لوجوب الاحتياط باختيار الطرف الذي فيه احتمال التعيين وهو صلاة الجمعة.
وأما انتقالنا إلى عالم الجعل فليس عشوائياً وإنما هو لأجل أن الشك في الوجوب يرجع إلى الشك في الجعل في المرتبة السابقة على الشك في عالم المجعول
ــــــ[129]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
واشتغال الذمة فلابدَّ من تقديم النظر إلى ما هو متقدم رتبة أو قل إن الأصول الجارية فيما هو متقدّم رتبة متقدمة رتبة على الأخرى فيتعيّن فيما هو متأخّر رتبة يعني عالم المجعول على الاحتياط بالإتيان بطرف التعيين.
الوجه الثالث: أن نقول في أصل المسألة كبروياً في علم الأصول بوجوب الاحتياط بالتعيين وليس بجريان البراءة عنه أما بالتقريب السابق أو بأي تقريب آخر مذكور في محله ومن نتائج ذلك أنه من أدلّة وجوب تقليد الأعلم حين يدور الأمر بينه وبين غيره من المجتهدين.
فإن قلت: على هذا يقتضي الاحتياط في كلّ القيود والشرائط المحتملة في الواجبات والمعاملات ولا يمكن جريان البراءة عند الشك في الزائد مع العلم أنَّ المسألة مسلّمة مشهورياً في جريان البراءة.
قلنا: يمكن الجواب على ذلك بعدّة وجوه نذكر منها واحداً وهو إبراز الفرق بين دوران الأمر بين التعيين والتخيير من ناحية ودوران الأمر بين الأقل والأكثر ومسألتنا في صلاة الجمعة ومسألة الأعلم من الدوران الأوّل وسائر الشكوك في الأجزاء والشرائط من الدوران الثاني والمشهور يقول في الثاني بجريان البراءة أمّا الأوّل فليس مشهورياً بل لعلّ الشهرة على وجوب التعيين والاحتياط.
ويمكن إبراز الفرق بأكثر من وجه واحد نذكر منها واحداً ونوكل الباقي إلى علم الأصول. وهو الانحلالية في طرف الأقل والأكثر، وعدم الانحلالية في طرف التعيين والتخيير. فإنَّ التكليف بعشرة أجزاء مثلاً منحل إلى التكليف بكل منها فإذا احتملنا شمول الوجوب للجزء العاشر الذي هو وجوب السورة مثلاً ــــــ[130]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أو الإباحة للجاهل بالغصبية جرى عنه الأصل المؤمن.
في حين أنَّ طرف التخيير ليس بابه باب الانحلال لكي يجري الأصل في الزائد لأنه ليس فيهما زائد بل كلاهما طرف للتخيير على قدم المساواة مع الآخر نعم هو زائد بالنسبة إلى طرف التعيين إلّا أنَّ هذه الزيادة معنى انتزاعي لا دخل لها في أصل التشريع فلا تكون مجرى للأصل فإذا تكلّمنا بلغة الانحلال ودوران الأمر بين الأقل والأكثر كان الأمر هنا دائراً بين المتباينين موضوعاً وحكماً.
فإن قلت: فإننا إذا نظرنا إلى طرف اشتغال الذمّة كان الأمر دائراً بين الأقل والأكثر.
قلنا: في مورد الكلام ليس كذلك لأن اشتغال الذمة بالجمعة التعيينية غير اشتغالها بالجمعة التخييرية يعني بسبب جعل آخر من ناحية ومجعول آخر أيضاً فلا يكون دوراناً بين الأقل والأكثر بل بين المتباينين أو قل: أنَّ طرف التخيير ليس كطرف الأكثر بل هو مباين لطرف التعيين فإذا قلنا بالبراءة في الأقل والأكثر لا يلازمه القول بها في التعيين والتخيير مضافاً إلى وجوه أخرى لا حاجة إلى الإطالة فيها.
الوجه الرابع: كونه من الأصل المثبت فإن جريان البراءة عن التعيين لا يثبت التخيير إلا بالملازمة وهو في الاستصحاب الذي هو أكثر إثباتا من البراءة باطل فكيف في البراءة ولا يتم بضم الأصل إلى الوجدان إذ لا وجدان تثبت به التخيير بعد التنزّل عن الأدلة من الأمارات.
الصورة الثانية: أن تتردد صلاة الجمعة بين الحرمة والوجوب التعييني بعد
ــــــ[131]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
القطع بالعلم أو العلم بعدم الوجوب التخييري.
قال في المستند: والمرجع حينئذ قاعدة الاشتغال للعلم الإجمالي بالتكليف والشك في المكلف به فيجب الجمع بين الظهر والجمعة تحصيلاً للقطع بالفراغ عن التكليف المعلوم.
أقول: كأنه نسي عنوان مسألته فلو دار الأمر بين احتمالين لواجبين لوجوب الصدقة ووجوب الصوم وجب الجمع بينهما للعلم بالتكليف والشك في المكلف به كما قال في الكبرى.
إلّا أنَّ الطرف هنا للعلم الإجمالي هو الحرمة لا وجوب شيء آخر فإذا جئنا بالجمعة فقد جئنا بالحرام المنجر حرمته بالعلم الإجمالي فكيف يجب الجمع بين الظهر والجمعة.
فإن قلت: فإنَّ هذا الاحتمال راجع إلى دوران الأمر بين وجوبين بوجوب الظهر وحدها أو وجوب الجمعة وحدها فيجب الجمع بينهما توصلاً إلى إفراغ الذمة فإن معنى حرمة الجمعة ليس إلا معنى وجوب الظهر وحدها وهذا يكفي.
قلنا: هذا يختلف باختلاف الحرمة المفروضة فإن فرضت هي الحرمة التشريعية فالأمر صحيح لأنَّ معناه وجوب الظهر وحدها.
وأما إذا فرض احتمال الحرمة الذاتية كما هو ظاهر لفظ الحرمة أو دوران الأمر بين الوجوب التعييني والحرمة التشريعية والحرمة الذاتية فإذا صلّينا الجمعة فقد أتينا بعمل محرم بالعلم الإجمالي كما أشرنا.
وعندئذ يدخل الأمر في كبرى التخيير عند دوران الأمر بين المتباينين
ــــــ[132]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
موضوعاً وحكماً يعني: إما الظهر واجبة تعييناً مع حرمة الجمعة وإما الجمعة واجبة تعييناً مع حرمة الظهر ومقتضى القاعدة التخيير غير أنَّه يهون الخطب أن حرمة الظهر غير محتملة كما أن حرمة الجمعة ذاتاً غير محتملة.
الصورة الثالثة: أن يدور الأمر بين الحرمة والوجوب التخييري مع إحراز عدم العينية (التعيينية) بالعلم أو العلمي على الفرض.
قال في المستند: والحال فيه كما مرّ؛ إذ احتمال الحرمة مساوق لاحتمال تعيّن الظهر، فيدور الأمر بين وجوبه التعييني والتخييري، والمرجع هي البراءة عن التعييني كما عرفت.
ومن الواضح أنَّ عدداً من الوجوه السابقة من المناقشة تأتي هنا أيضاً فلا نعيد، ويختصّ هذا الوجه بالالتفات إلى أنَّ التردد في هذه الصورة يوجب القيام بصلاة الظهر بصفته الشقّ الثاني للتخيير المحتمل؛ لأن القيام بصلاة الجمعة يمكن أن يكون حراماً وحرمته منجزة بالعلم الإجمالي، فتركه واجب من جهة احتمال الحرمة وفعله ليس بمتعيّن من ناحية الوجوب، فإذا فعل الظهر فقد برأت ذمّته على كل حال، سواء كانت الجمعة حراماً أم واجباً تخييرياً.
الصورة الرابعة: دورن الأمر بين كل الأحكام التكليفيّة الثلاثة، وهي الحرمة والوجوب التعييني والوجوب التخييري.
قال في المستند: وهذه الصورة أيضاً كسابقتها في الاندراج تحت كبرى دوران الأمر بين التعيين لكلٍّ من الظهر والجمعة والتخيير بينهما، فيرجع إلى البراءة عن التعييني، غايته من الطرفين. ونتيجة ذلك هو الوجوب التخييري أيضاً.
ــــــ[133]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وأوضح ما يرد عليه ما أوردنا على الصورتين السابقتين:
أوّلاً: أنَّ الوجوب التخييري لا يتعيّن بجريان البراءة عن الوجوب التعييني إلا بالأصل المثبت.
ثانياً: أنَّ المراد من الحرمة هو الحرمة الذاتية إن كانت منجزة بالعلم الإجمالي فيكون الحال في صلاة الجمعة من دوران الأمر بين المحذورين وحكم العقل فيه هو التخيير مضافاً إلى طرفية الوجوب التخييري نفسه للعلم الإجمالي وتكون النتيجة جواز ترك الجمعة عقلاً وشرعاً مع كون الظهر مجزية في الجملة إما باعتبارها واجبة تعييناً وإما باعتبارها واجبة تخييراً.
وإن كان المراد من الحرمة الحرمة التشريعية فيكون مرجعه إلى احتمال تعيّن الظهر، فيدور الأمر بين تعيين الجمعة أو تعيّن الظهر أو التخيير بينهما. ولا تجري البراءة عن التعيينين كما عرفنا وإنما يكون موردهما أيضاً من قبيل دوران الأمر بين المحذورين لكن بالدلالة الالتزامية؛ لأنَّ الواجب التعييني يحرم تركه فيكون الإتيان بكل منهما محتمل الوجوب ومحتمل الحرمة باعتباره ملازماً لترك الواجب وفي مثله أيضاً يحكم العقل بالتخيير مضافاً إلى طرفية احتمال الوجوب التخييري الشرعي. ومعه لا تتعيّن الظهر بعد أن تكون محتملة الحرمة بالعلم الإجمالي بل يبقى التخيير بينهما عقلاً وشرعاً.
ولا يجوز الجمع بينهما احتياطاً؛ لأنَّنا نكون قد علمنا بإيقاع المحرم المعلوم بالإجمال. فتأمّل.
وبحسب ترتيب الصور الأربعة يذكر في المستند هذه الصورة قبل صورة
ــــــ[134]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
دوران الأمر بين الحرمة والوجوب التعييني مع أنَّ الطريقة المنهجية أن تذكر الحرمة مع أحد الوجوبين بكلا صورتيها، ثُمَّ الحرمة مع كلا الوجوبين لا أننا نكتب ما خطر على البال وقتياً.
حكم صلاة الجمعة مع تحقق الشرائط
الآن نتكلّم عن شرائط وجوب صلاة الجمعة بعد أن أثبتنا الوجوب التخييري في أصل التشريع، أي: بغض النظر عن الشرائط فما هي الشرائط المحتملة؟ وما هو أثرها؟ وفي الحقيقة أنَّها إنَّما تكون شرائط إذا كان لها أثر، وأهمّ ما هو محتمل هو تحوّل الوجوب من التخيير إلى التعيين بها وأما إذا لم يكن لهما هذا الأثر أو غيره فهي ليست بشرائط بالحقيقة ويكفي نفي الشرطية لأي منها بكونه ليس له أثر لأنَّ وجوده سيكون كعدمه لا محالة كما يقال أحياناً أنه لو اجتمع خمسة أحدهم الإمام بقيت الجمعة على الوجوب التخييري فهذا يرجع إلى نفي شرطية الاجتماع وهو يحتوي على إسقاط لألسنة الروايات الدالّة على ذلك بالرغم من أنها مستفيضة وبعضها معتبرة.
وينبغي الالتفات هنا إلى أنَّ صلاة الجمعة كغيرها من الواجبات مشروطة بشرائط الوجوب العامّة بطبيعة الحال فلا تجب على الصبي وعلى المجنون الذي لا يدرك أوقات الصلاة كما لا تجب حال العجز ويراد بالعجز هنا العجز الاجتماعي يعني يتعذّر على المجموع ايجادها لعارض تكويني كحرّ أو برد أو وباء أو لعارض اجتماعي كالخوف والتقيّة بحيث يكون السيف حاداً أحياناً.
ــــــ[135]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وعندئذ فإن قلنا بالوجوب التخييري كما هو الصحيح تتعين الظهر بعد تعذّر الفرد الآخر وإن قلنا بالوجوب التعييني في أصل الشرع سقط الوجوب ومقتضى القاعدة الأولية وإن كان هو عدم وجوب الظهر، إلَّا أنَّنا نعلم من الخارج ببطلان ذلك؛ لأنَّ الصلاة لا تسقط بحال، ولأنَّ صلاة العصر تتوقّف صحّتها على صحّة الصلاة التي قبلها، ولا يمكن صحّتها مستقلاً، فحيث تعذرت الجمعة وجبت الظهر.
شرائط وجوب صلاة الجمعة
كما ينبغي الالتفات إلى أنَّ شرائط الوجوب لصلاة الجمعة – بعد التجاوز عمّا قلناه- تبقى على سنخين:
أحدهما: شرائط عامّة للمجتمع كلّه.
والأخرى: شرائط خاصّة أعني بها: سقوطها عن المرأة والعبد والمسافر وأضرابهم. ونحن هنا ينبغي أن نتكلّم على كلا المستويين. وتقدّم الكلام بطبيعة الحال عن الشرائط العامّة وهي أهم ما وقع محل الخلاف والإشكال في صلاة الجمعة بين أجيال علمائنا.
والمحتملات في ذلك كثيرة: لكننا هنا نذكر أهمها واكثرها تداولاً ويظهر الحال منها بالنسبة إلى باقي الشروط وهي كما يلي:
1. وجود الإمام المعصوم.
2. نسميه رأي الإمام المعصوم وهو أعم من كونه هو إمام الجمعة أو يأمر بها عموماً أو يأمر بها خصوصاً يعني المنصوب لها.
ــــــ[136]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
3. وجود السلطان العادل يعني الحاكم الشرعي المبسوط اليد والمهم هو عنوان السلطان العادل فلربما فُسّر بعدّة تفسيرات.
4. الأمر بالولاية أو وجود المجتهد كما يعبّر باللمعة.
5. العدد بمعنى اجتماع خمسة أو سبعة أحدهم الإمام أو ليس أحدهم الإمام.
وعندئذ ينبغي أن يقع البحث أنَّ مجموعها هي شرط الوجوب بحيث لو تخلّف واحد منها أو واحد مما ثبتت صحّته لم تجب أو هو الجميع بحيث لو حصل أي واحد وجبت.
6. وجود من يخطب كما في ألسنة بعض الروايات.
الشرط الأول: شرطية وجود المعصوم  ومناقشتها
أنَّ الاحتمال الأوّل: وهو وجود الإمام المعصوم ومرادهم من ذلك مشهورياً أمران:
أحدهما: أنّها بدون وجود الإمام لا تكون مشروعة؛ لأنَّها لا تكون واجبة، وإذا لم تكن واجبة لم تكن مشروعة.
وثانيهما: أنَّ مرادهم وجود الإمام بشكلٍ معروف؛ لوضوح أنَّ وجود الإمام إجمالاً متحقّق حتى في عصر الغيبة، فلابدَّ أن يشترط مع وجوده معرفته وظهوره وبدون ذلك لا تكون مشروعة فهل نفهم ذلك من الروايات.
والتقريب الوحيد لذلك هو ورود لفظ الإمام في ألسنة الروايات كثيراً
ــــــ[137]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فيقال: أنَّ المراد به الإمام المعصوم إطلاقا أو انصرافاً وحيث يستفاد كون وجوده شرطاً للوجوب إذن ثبت المطلوب.
من تلك الأخبار موثقة سماعة 5/3 وفيها: أما مع الإمام فركعتان. وكذلك صحيحة زرارة 5/4 وصحيحة محمّد بن مسلم 5/5 وصحيحة زرارة 6/1 وموثقة سماعة 6/ 2، 3، 4، 6، 7، 8 وغيرها.
ومناقشتها على عدّة مستويات:
المستوى الأوّل: منع الإطلاق والانصراف إلى الإمام المعصوم من هذه الألفاظ، فإنَّ الفهم العرفي أعمّ من ذلك أكيداً.
فإن قلت: فإنه فهم متشرعي وهو حجّة أيضاً.
قلنا: كلا، بل للإمام عدّة تطبيقات، منها: المعصوم وإمام الجماعة والمقلّد والسلطان العادل وغيرها ولا توجد قرينة على المعصوم لتختص به.
فإن قلت: فإن مقتضى إطلاقها ذلك ولا نحتاج إلى قرينة على فهمه بل عدم القرينة الصارفة عنه كافية.
قلنا: هذا إنما هو بعد إحراز المقتضي بحيث تكون القرينة مانعة عنه وهي غير موجودة إلا أننا نمنع وجود المقتضي للظهور بالإمام المعصوم خاصّة فإنه بلا موجب لا عرفاً ولا متشرعياً.
فإن قلت: فإن اللفظ ينصرف إلى أكمل الأفراد ولا شك أنَّ أكمل حصص الإمام هو المعصوم وقد قيل في علم الأصول أن ظاهر الصيغة في الأمر ينصرف إلى أكمل الأفراد وهو الوجوب.
ــــــ[138]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
قلنا: هذا الانصراف مدفوع عرفاً بعد كون ظهور اللفظ وضعاً في جميع الحصص على أنهم قالوا: أنَّ الانصراف إنما يوجب التقييد إذا كان بسبب داخلي في اللفظ لا بسبب خارجي وهو هنا خارجي لا داخلي على أنَّ وجود الانصراف يحتاج إلى دليل أو قرينة والمفروض عدمها والوجدان وحده غير كاف فيه كما هو واضح لأنَّ الآخرين قد لا يكون لهم نفس الوجدان.
وأسوأ منه: أن يقال: أنَّ الإمام وإن كان في اللغة موضوعاً للمعنى الأعم إلّا أنَّه مستعمل لدى المتشرعة كاصطلاح في خصوص الإمام المعصوم ولذا تقول: الأئمة الاثنى عشر أو الإمام الصادق ومن المعلوم أنَّ الروايات ينبغي أن نفهمها بهذا الأسلوب؛ لأنَّ قائليها وهم المعصومون هم قادة المتشرعة وزعمائها فهم يقصدون نفس هذا المعنى المتشرعي الاصطلاحي.
فإنه يُقال بالمنع كبرى وصغرى. أما صغرى فلانكار هذا الاصطلاح والاستعمالات هنا لأجل القرينة وأما كبرى فلأنَّ الاستعمال في خصوص المعنى الاصطلاحي – لو سلّمناه- يحتاج إلى قرينة مع كون الظهور العرفي بخلافه.
المستوى الثاني: وجود قرائن في نفس الروايات مبعدة عن فهم الإمام المعصوم بل هي ظاهرة بالأعم بل هي ظاهرة بخصوص امام الجماعة التي هي شرط صحة صلاة الجمعة (أو مقدّمة واجب لها) ولذا أنكر في الوسائل ظهورها بالإمام المعصوم، ص13 قال:….
ففي موثقة سماعة 5/3 (وأما من يصلي وحده) ولدى المقابلة يكون ظهور الإمام كالنصّ بإمام الجماعة.
ــــــ[139]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وكذلك رواية محمّد بن مسلم 5/5 لأنَّه يراد من الإمام السلطان المبسوط اليد؛ لوضوح أنَّ المعصومين لم يكونوا مبسوطي اليد ولم يكونوا ينصبون القضاة.
وكذلك صحيحة زرارة 6/1 لأنَّه يقول: فمن صلّى يوم الجمعة في غير جماعة ففي المقابل يريد من الإمام إمام الجماعة.
ونحوه معتبرة (موثقة) سماعة 6/6؛ لأنه يقول: فمن صلّى من غير إمام وحده. وكذلك موثقة سماعة الأخرى 6/8؛ لأنه يقول: وأمّا من صلّى وحده.
المستوى الثالث: للجواب: أنَّ شرطية وجود الإمام تعني أمرين:
أحدهما: عدم مشروعية صلاة الجمعة مع عدمه، وهذا هو المطلوب للمستدل.
والآخر: مشروعيتها عند وجوده فما هو سنخ المشروعية عندئذ أو قل: أن وجود الإمام هل هو شرط للوجوب التعييني أو التخييري مع انحصار وجه المشروعية فيهما كما لا يخفى.
أمّا الوجوب التعييني فغير محتمل؛ للسيرة القطعية بعدم الالتزام باستمرار بإيجاد صلاة الجمعة من قبل أصحاب الأئمة والدليل على ذلك موجود في صحيحة زرارة: (حثّنا أبو عبد الله) إذ لو كانوا ملتزمين بها لكان هذا الحث سالبة بانتفاء الموضوع ولو كانت واجبة عينا عليهم يومئذٍ لأمَرَهم وليس الحث فقط فالمسألة مسلّمة بعدم الوجوب العيني يومئذ.
وأمّا كونه شرطاً للوجوب التخييري فهو منافٍ لأمرين: أحدهما: ما فهمناه
ــــــ[140]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فيما سبق من أنَّ المشروع في أصل الإسلام هو الوجوب التخييري وليس مشروطاً بشيء وهو مستمر إلى يوم القيامة.
وثانيهما: أنه يؤول إلى القول بالحرمة التشريعية لدى عدم وجود الإمام وهو قول شاذ تنفيه الشهرة العظيمة القائمة ضدّه.
فإن قلت: فإنّنا فهمنا الوجوب التخييري من المطلقات وهذه الأخبار قابلة لتقييدها بوجود الإمام.
قلنا: يمكن أن يجاب بأحد جوابين:
أولاً: أنّها غير قابلة للتقييد؛ لأنّها كالنصِّ بالإطلاق بحيث يكون المقيد معارضاً لها.
ثانياً: أننا سنفهم في الوجوه الأخرى عدم قابليتها للتقييد.
المستوى الرابع: أن المتبادر والمفهوم من هذه الروايات هو كون الإمام حاضراً في صلاة الجمعة، فإذا فسّرناه بالمعصوم لم يكن محتملاً ولا أقل أنه وجه آخر غير المطلوب؛ إذ لا يحتمل أن يختص إقامة هذه الصلاة بمكان وزمان المعصوم دون غيره من بلاد الله تعالى.
المستوى الخامس: ما قلناه من أنَّ المطلوب للمستدل ليس هو مجرد وجود الإمام؛ لوضوح أنه في عصر الغيبة موجود أيضاً فيتعذّر استنتاج عدم مشروعيتها الآن كما لعلّه هو المطلوب للمستدل.
بل مراد المستدل من دليله وجود الإمام بشكل ظاهر ومعروف فهل هذا مفهوم من الروايات؟
ــــــ[141]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
قد يُقال: نعم؛ لأنه لو لم يكن معروفاً تعذّر كونه إماماً للجماعة. قلنا: نعم بهذا المقدار لكن اشتراط كون المعصوم إماماً للجمعة بنفسه غير محتمل أصلاً.
فإن فهمنا المعروفية رجع المعنى إلى معروفية شخص صالح لإمامة الجمعة لا أكثر.
وبتعبير آخر: أنه يتعذّر الجمع بين فهم المعصوم من لفظ الإمام وفهم كونه ظاهراً معروفاً. فإن فهم المعروفية ينافي فهم العصمة كما أنَّ فهم العصمة ينافي فهم المعروفية، ومعه يتعيّن أن نفهم المعروفية دون العصمة كما هو الأظهر من نصوص الروايات.
الشرط الثاني: إقامتها برأي المعصوم وإمضاءه
أن تكون مقامة برأي الإمام وإمضاءه، ولا تكون مشروعة بدون ذلك.
وما يمكن الاستدلال به على ذلك عدّة أمور:
الأمر الأوّل: صحيحة زرارة التي فيها: جئنا أبا عبد الله على صلاة الجمعة. من حيث إنَّهم إذا امتثلوا وأقاموها كانت مقامة برأي الإمام ولا دليل على مشروعية إقامتها في غير هذه الصورة.
الأمر الثاني: ما ذكره في المستند من الإجماع على عدم المشروعية ما لم يقمها إمام الأصل أو المنصوص من قبله بالخصوص.
الأمر الثالث: ما ذكره في المستند أيضاً من دعوى استقرارية سيرة النبي والأئمة المعصومين من بعده على نصب أشخاص معيّنين لإقامة الجهات،
ــــــ[142]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فكان لا يقيمها إلّا من هو منصوص من قبلهم بالخصوص، فيكشف ذلك عن اشتراط العقد (يعني الانعقاد) بالإذن الخاصّ، فلا تشرع بدونه.
الأمر الرابع: ما ذكره في المستند أيضاً: من أن إيجاب مثل هذا الحكم في زمن الغيبة مثار للفتنة وموجب للهرج والمرج، الذي قد يؤدّي إلى القتل فلا يظن في الشارع الحكيم تشريعه.
فلابدَّ وأن تكون إقامتها بنظر الشارع المقدّس وإذنه الخاص كي تنحسم به مادة ا لنزاع ومراده من الشارع هنا الإمام المعصوم.
عدم تمامية أدلة اشتراط الإذن الخاص
إلّا أن كلّ هذه الأمور الأربعة لا تتم:
[رد دعوى أنها تقام في زمن الإمام المعصوم وبإذنه الخاص فقط]
أما الأمر الأول: فلأنه من الواضح؛ لأن هذا الحث لا يستلزم بطلان الجمعة بدونه؛ لعدم وجود مفهوم المخالفة فيه، بل ليس هو بصدد البيان من هذه الناحية أصلاً، بل الأمر بالعكس لأنَّ الحثّ إنّما كان إشارة إلى الحكم الشرعي الثابت في المرتبة السابقة عليه أو قل هو ملحوظ طريقاً إليه وهو أصل المطلوبية مهما كانت.
إذن تدلّ الرواية بالالتزام بأنَّ هناك مطلوبية شرعية لصلاة الجمعة ولو لم يحصل الحث من الإمام ومعه ففي الإمكان إطاعة تلك المطلوبية الشرعية فتكون الرواية على ضدّ المقصود أدلّ، يعني: لا دخل لحث الإمام ورأيه في المشروعية.
ــــــ[143]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
رد دعوى الإجماع
وأما الأمر الثاني: وهو الإجماع فبوجوه:
أولاً: ما ذكره في المستند من أنَّ الإجماع إنما قال على عدم الوجوب التعيّني وأما على نفي المشروعية رأساً فليس معقداً للاجماع بل ولا مورداً للشهرة فإن الأشهر بل المشهور إنّما هو الوجوب التخييري والمنكرون للمشروعية جماعة قليلون كما نبّهنا عليه فيما تقدّم فدعوى الإجماع في المقام لا تخلو من مجازفة.
ثانياً: أننا لو تنزّلنا عن الوجه الأول ولم نكن عالمين بكذب الدعوى فلا أقلّ أنّه بالنسبة إلينا هو إجماع منقول وهو ليس بحجّة.
ثالثاً: يمكن أن يُقال: أنَّ الإجماع دليل لبّي يُقتصر منه على القدر المتيقن، والقدر المتيقن ما كان خارجاً عن شرائط الوجوب كاجتماع خمسة أو غير ذلك، وأمّا مع حصولها فهو خارج عن المتيقن فلا يكون الإجماع فيه حجّة.
رابعاً: أنَّ هذا الإجماع – لو صحّ- كان منافياً لإطلاقات كثير من الروايات بمختلف الالسنة الشاملة لعصر الغيبة ومقتضى القاعدة الأولية هو التعارض بين الاجماع والأخبار باعتبارهما امارتان. ومعه يسقط الدليل على مشروعية الجمعة وهي الأخبار.
غير أنَّ مجموع الألسنة والبيانات الموجودة في الروايات بشكل مستفيض يحصل معه العلم العرفي بصحّة المضمون، وهو يلازم العلم العرفي بكذب الإجماع حتى على تقدير وجوده، يعني: عدم كونه مطابقاً لرأي المعصوم، ولا أقلّ من الاحتمال المبطل للاستدلال.
ــــــ[144]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
رد دعوى انعقاد السيرة
وأمّا الأمر الثالث – السابق- فجوابه بعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: ما ذكره في المستند بكلام مبسوط من الطعن بوجود هذه السيرة المذكورة، وإن المعصومين بما فيهم النبي وأمير المؤمنين لم يكونوا يعينون أشخاصاً لإقامة صلاة الجمعة؛ إما لعدم تعيين أشخاص رأساً كما في سائر المعصومين أو لأنَّ التعيين عام كوالي على منطقة وليس خاصّاً بصلاة الجمعة كما كان يفعل أمير المؤمنين حال خلافته فالتعيين لخصوص صلاة الجمعة لم يحصل ولا مرّة.
إلَّا أنَّ هذا الجواب قابل للمناقشة بعد ضمّ مقدّمتين:
الأولى: أنّ الخصم يكتفي بالتنصيب العام لأمور عديدة تعم الجمعة وليس بالضرورة أن تكون لخصوصها وإنّما المهم هو الإذن له خصوصاً أو عموماً وهذا حاصل بإقرار المستند لنستدل به على عدم المشروعية عند عدم كلا النحوين من الإذن.
المقدمة الثانية: أنَّ الأئمّة عموماً إنَّما لم يكونوا يفعلون ذلك لعدم كونهم مبسوطي اليد وكونهم في تقية ولو كانوا مبسوطي اليد لفعلوا بدليل فعل أمير المؤمنين بالإذن لما يعم إقامة الجمعة وهم نور واحد فلو حكموا لفعلوا فعله وهذا قطعي ولا أقلّ أنَّه اطمئناني.
الوجه الثاني – في الجواب-: هو كون ذلك لو سلّمناه من قبيل الفعل أو السيرة وهي دليل لبّي، ليس له إطلاق، ولا يمكن أن يكون له مفهوم مخالفة ليدل
ــــــ[145]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
على عدم المشروعية عند عدم التنصيب.
الوجه الثالث: أنَّ هذه السيرة لو تثبت فهي معارضة بالأخبار(1) المفيدة للاطمئنان والتي تدلّ بالإطلاق شمولها لغير مورد الشرط.
وبتعبير آخر: أنّها تكون قرينة على عدم وجود مفهوم المخالفة لهذه السيرة حتى لو تنزّلنا عن الوجه السابق، وقلنا بأنَّ مقتضي المفهوم فيها موجود كما هو مقتضى الإشكال الأصلي.
رد شبهة كون الجمعة مثاراً للفتنة
وأمّا الأمر الرابع: للاستدلال به على هذا الشرط الثاني كما سبق. فيمكن الجواب عنه بعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: ما أجاب به في المستند من أنَّ هذا التقرير على تسليمه فإنّما يجري لنفي العينية لا أصل المشروعية ولو تخييراً وأنَّ الوجوب التخييري حيث لا إلزام فيه على سبيل الحتم والبتّ لوجود المندوحة فيه فلا يتضمّن الفتنة لإمكان التخلص منها باختيار العدل الآخر وهو صلاة الظهر.
الوجه الثاني: ما ذكره أيضاً من أنَّ الفتنة لا تحصل حتى على القول بالوجوب
ــــــ[146]ـــــــ
(1) فإن قلت: إنَّ هذه الأخبار تدلّ على النهي عن السيرة وعدم إمضائها وهذا يكفي ولا تصل النوبة إلى المعارضة معها.
قلنا: هذا في السير الاعتيادية المتشرعية وأما هنا فالاستدلال بسيرة المعصومين أنفسهم فلا تكون الأخبار ناهية عنها بل معارضة لها.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
العيني (التعييني) لأنَّ إمام الجمعة إن كان أفضل وجب الإئتمام به ولا حزازة فيه وإن كان مفضولاً فقد حثّ الشارع على التواضع ومجاهدة النفس وحذّر عن الأنانية والكبر.
الوجه الثالث: ما ذكرناه من أنَّ الدين وارد إلى البشر ليطبق بكل أحكامه لا ببعضها فإذا طبق بكلها فمن غير المحتمل حصول فتنة إطلاقاً.
مناقشة رواية الصدوق
الأمر الخامس – للاستدلال على شرطية رأي الإمام-: ما ذكره في المستند وهو رواية الصدوق عن الفضل بن شاذان، ويستدلّ بها في فقرتين منها نذكر الآن الفقرة الثانية فقط وهي قوله: (إنما جعلت الخطبة يوم الجمعة لأنَّ الجمعة مشهد عامّ فأراد أن يكون للأمير (كما عن العلل) للإمام (كما عن العيون) سبب إلى موعظتهم وترغيبهم في الطاعة وترهيبهم عن المعصية وتوقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم إلى آخره).
فيستفاد من لفظ الإمام أو الأمير والإمام أمير بالحقّ ما هو المطلوب من كون الجمعة مشترطة برأيه وخاصّة وأنّه هو الخطيب والواعظ فيها.
وجوابه من عدّة وجوه:
أولاً: ما ذكره في المستند من ضعف سند الرواية؛ لضعف طريق الصدوق إلى الفضل بن شاذان، فإنّه في الطريق علي بن محمّد بن قتيبة ولم يوثق، وعبد الواحد بن عبدوس النيشابوري العطار الذي هو شيخ الصدوق، ولم يوثّق أيضاً. نعم، ترضى عليه الصدوق عند ذكره، لكنّه غير كافٍ في التوثيق كما لا يخفى.
ــــــ[147]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ثانياً: أنّها ليست في مقام البيان من هذه الناحية، وإنّما هو في مقام بيان الحكمة من بعض تفاصيل أحكام صلاة الجمعة، فيمكن الاستغناء بما هو غالبي أو أفضل من كون إمام الجماعة فيها هو الإمام أو الأمير.
ثالثاً: أنّها ليس فيها مفهوم مخالفة دالّ على المنع عند عدم وجود الإمام أو الأمير؛ لأنّها لا تندرج عن أقسام المفهوم المعتبر في علم الأصول، بل غايته مفهوم الوصف وهو ليس بحجّة.
رابعاً: أنّنا سبق أن ناقشنا بشكل مستقص استظهار الإمام المعصوم من لفظ الإمام، بل هو دالّ بطبعه عرفاً ومتشرعياً على ما هو الأعمّ، وهذا يشمل هذه الرواية ويشمل كل الروايات التي فيها لفظ الإمام لو أردنا أن نستدلّ بها لهذا الشرط الثاني المحتمل، وهو أن تكون الإقامة عن رأي الإمام المعصوم، فإنّه لا دلالة لها على خصوص المعصوم، ومنه صدر الرواية السابقة (عن الفضل بن شاذان) وهي الفقرة الأولى منها المذكورة في المستند.
إذن فهذا الشرط الثاني المحتمل أيضاً ليس بصحيح، ولم يدلّ عليه دليل ويكون مقتضى الأصل نفي الشرطية.
لا يُقال: أنَّ مقتضى الأصل المؤمّن نفي الوجوب بدون هذا الشرط.
قلنا: يجاب بأكثر من وجه: أولاً: أنَّ أصل الوجوب معلوم أو مفروض المعلومية الآن؛ لندرة من يقول بالحرمة، ونقصد بالوجوب الأعمّ من التعييني والتخييري وما دام معلوماً لم يجر عنه الأصل المؤمن.
ثانياً: أنَّ كل شرط أسبق رتبة من المشروط لا يختلف الحال في ذلك في العلل
ــــــ[148]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
التكوينية والتشريعية فيكون الأصل الجاري فيه أسبق رتبة فيتقدّم على الأصل الجاري في المشروط فيجري الأصل هنا عن شرطية رأي الإمام في المرتبة السابقة على جريانه عن أصل الوجوب.
فإن قلت: فإنهما يجريان معاً لعدم التعارض.
قلنا: يجاب باكثر من وجه:
أولاً: أن الوجوب مفروض الصحة بالأدلة السابقة ولا أقل من ندرة القول بالحرمة إلى حد يمكن نفيها بالاطمئنان ولا دليل عليها إطلاقاً أما الحرمة الذاتية فواضح وأما الحرمة التشريعية فلما قلناه من إمكان الإقامة برجاء المطلوبية مع الجمع مع الظهر.
ثانياً: أنهما لا يجريان سوية لأن الوجوب إذا انتفى بالأصل زال مورد الشرط فلا يجري عنه الأصل بخلاف العكس وهذا مما يؤكّد أن الأصل الجاري في الشرط اسبق رتبة فيتعين.
الشرط الثالث وجود السلطان العادل
كما صرّح به المحقق في الشرائع والحر في الوسائل ولعلّه مشهوري.
الصفات المعتبرة في السلطان العادل
والأمور المحتملة الأخذ فيه أربعة:
أولاً: أن يكون سلطاناً أي: رئيساً فعلياً للمجتمع أو أكبر مسؤول عن ادارة مصالحه فيه.
ــــــ[149]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ثانياً: أن يكون عادلاً، يعني: حاكماً بالحق لا بالظلم والباطل أو قل أنَّ حكمه وفتواه حجة شرعاً.
ثالثاً: أن يكون مبسوط اليد ويراد بها مشهورياً بسط اليد من جميع الجهات؛ لندرة من هو غير مبسوط اليد في كل الجهات بل في بعضها فإنَّ هذا لا يكفي في شرطية الجمعة ومنها ما لو كان مبسوط اليد عن خصوص إقامة الجمعة دون غيرها، فإنه لا يكفي في تحقّق شرط الوجوب.
فإن قلت: إن كونه مبسوط اليد هو فرض كونه سلطاناً فلا حاجة إلى تكرار الشرط قلنا: كلّا، فإن قصدنا بالسلطان التسلط الفعلي فنعم وأما إذا قصدنا كونه المسؤول الأعلى في المجتمع فلا؛ لوجود من هو كذلك بدون أن يكون مبسوط اليد كما في العديد من الخلفاء العباسيين المتأخرين وكذلك في بعض أشكال الحكم الحديث كملك أو ملكة بريطانيا فإنها غير مبسوطة اليد فقد يفرض أن السلطان العادل يكون من هذا القبيل كما قد يكون مبسوط اليد وليس بسلطان كما في بعض علمائنا الذين أقاموا الحدود ولم تكن لهم الرئاسة الكاملة في المجتمع كما يمكن أن يكون سلطانا نظرياً لا عملياً كالمعصومين غالباً وكمن يقول بالولاية العامة فهو ليس سلطاناً عرفاً ولا مبسوط اليد مع أنه شرعاً يفترض به كلا الأمرين فلا يكفي لتحقق شرط الجمعة. ومن هنا يقول المشهور بأنه لا يكفي لتحقّق شرط وجوب صلاة الجمعة.
رابعاً: أن تكون صلاة الجمعة مقامة بأمره أو بإذنه.
أقول: أنَّ هذا بهذا المقدار سوف نعزل له عنواناً مستقلاً، هو الأمر بالولاية
ــــــ[150]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الآتي. نعم، ينبغي أن لا تكون الصلاة مقامة مع نهيه ومنعه فإنَّها عندئذ تكون فاسدة لأنّها عبادة منهي عنها، لكن نفترض هنا عدم تحقق النهي، وهذا يكفي.
سؤالان حول الولاية العامة ومنطقة الفراغ
أحدهما: أنه لا يمكن الأمر بالولاية في مورد يوجد فيه حكم أصلي في الدين سواء كان واقعياً أو ظاهرياً تكليفياً أم وضعياً ومن المعلوم أنَّ صلاة الجمعة فيها حكم أصلي في الدين وهو الوجوب. فكيف يستطيع أن ينهى عنها وكيف يكون نهيه حجّة.
جوابه: أنَّ الكبرى صحيحة ولكن مع ذلك يمكن استعمال الولاية هنا مع وجود المصلحة العامّة بأحد أساليب:
1. أن ينهى عن تحقيق شرطها وهو اجتماع خمسة أو سبعة فإذا عصوا واجتمعوا لم نقل بالوجوب في هذا المورد؛ لأنّه خارج مورد المطلقات.
2. أن ينهى عن أحد فردي التخيير، فيتعيّن الآخر بالولاية وإن كان في أصل الشرع تخييرياً.
3. أن ينهى عن استعمال المكان للصلاة أو يأمر بتأخير الصلاة لبعض المصالح الطارئة إلى أن يفوت وقت الجمعة.
مع الالتفات إلى أنَّ أحد هذه الوجوه ليست بعد التنزّل عن مسلمات الوجوه الأخرى.
السؤال الثاني: أنَّ العبادة المنهي عنها باطلة إذا كانت منهياً عنها في أصل الشرع وأما إذا أصبحت منهياً عنها بالولاية فلا تبطل.
ــــــ[151]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
جوابه: أنَّ الأمر بالولاية إن قلنا به فهو أمر عليه دليل من الشريعة فيكون بمنزلة الحال الثانوي كالعسر والحرج والضرر ونحو ذلك. لكن الحال الثانوي على قسمين:
أحدهما: رافع للتكليف فقط كالعسر والحرج والجهل.
وثانيهما: مبدّل للتكليف إلى الحرمة كالضرر والتقيّة، فإذا صلّى مع الحرج صحّت، وإن صلّى مع الضرر أو التقيّة بطلت. والأمر بالولاية من القسم الثاني؛ لأنّ المفروض أن يكون الأمر والنهي إلزامياً من قبل الولي العام، فيكون الرد عليه رداً على الله وهو على حدَّ الشرك بالله.
مع وجود فرق معيّن وهو أن هذا النوع من العناوين الثانوية له تصرف في أصل الشريعة، فيجعل الواجب في أصل الشريعة حراماً، وأمّا الأمر بالولاية فهو في الغالب ليس كذلك، بل للولي أن يتصرّف فقط في منطقة الفراغ التي لا حكم فيها، كما ليس له أن يتصرّف إلّا في حدود ثبوت موارد المصلحة أو المفسدة.
نعم، لو كانت المصلحة الثانوية قوية إلزامية، بحيث يزول معها الحكم الشرعي الأصلي كالتقيّة أو الخوف على بيضة الإسلام، كما يعبرون. وكان الأمر بالولاية على طبقها، كان نافذاً، إلاّ أنّ نفوذه باعتبار نفوذ تلك المصلحة لا بغض النظر عنها، فهذه هي الحدود للنهي بالولاية عن الواجب.
تحقيق المقال في شرائط السلطان العادل
الآن نلتفت إلى الشرائط التي ذكرناها للسلطان العادل، ومن المعلوم أنّ الشيء كلما كثرت قيوده قلّ وجوده، فلو قبلنا هذه الأمور كلّها لم يبقَ لها مصداق
ــــــ[152]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
إلاّ فترة حكم النبي في المدينة وفترة حكم أمير المؤمنين في الكوفة؛ لأنّ أيّ شخص آخر لاحظناه مهما كان صالحاً في نفسه فإنّه لا يكون جامعاً لتلك الشرائط بمجموعها.
وهذا معناه أنّ صلاة الجمعة لا تجب إلاّ في ذلك الزمان وزمان المهدير وأضرابها، وليست واجبة حتّى في عصر الأئمة، بل في عصر النبي وأمير المؤمنين في غير فترة حكمهما، وهذا في نفسه غير محتمل فقهياً.
فإن قلت: نعم، لو كان المراد انتفاء الوجوب عنها بالمرّة في غير مورد تحققّ الشرط، ولكن المراد أنّها واجبة بالوجوب التخييري في أصل الشرع وتتحوّل إلى الوجوب التعييني في مورد الشرط.
قلنا: الكلام في أنّ الشرط هو أصل وجود السلطان العادل بغض النظر عن أمره بالولاية بها. وهذا التغيّر لا يكاد يكون محتملاً لمجرّد وجوده، مع أنّه مجرى للأصل المؤمن، أعني: هذه الشرطية. وسيأتي بعونه سبحانه أنّه مّما لا تقتضيه ظواهر الأخبار.
مضافاً إلى النقض بالأئمّة المعصومين غير مبسوطي اليد، وهم الغالب منهم. فهل ينطبق على أحدهم عنوان السلطان العادل أم لا؟
فإن قلت: نعم – كما هم أهل له- إذن فينبغي التنزّل عن بعض تلك الشروط، بل كلّها؛ لأنَّها لم تكن موجودة لديهم من الناحية العملية.
وإن قلت: لا. فهل تريد بالسلطان العادل من هم أعلى وأعظم من المعصومين، مع العلم أنَّه لا يتصوّر في البشريّة كلّها ذلك.
ــــــ[153]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فإن قلت: فإنّنا نريد بالسلطان العادل ما يحصل من الشأن الدنيوي المجاز دينياً، وأمّا المعصومين فلهم شأن أخروي، وإن كانوا من الناحية الدنيوية مظلومين ومضيّق عليهم.
قلنا: لا يحتمل أن يكون السلطان العادل غير المعصوم مهما كانت أهميته أفضل من المعصوم مهما كان حاله الدنيوي؛ ولذا وجدنا في الارتكاز الفقهي أنَّ أهم شرط محتمل لوجوب صلاة الجمعة هو وجود المعصوم أو أمره، ولا يحتمل أن يكون وجود السلطان العادل أو أمره أهمّ من ذلك مهما كان مهماً فإذا نفينا دخالة وجود المعصوم وأمره المباشر في الوجوب – كما سبق- كان النفي هنا أولى.
نعم، يمكن أن ننتقل إلى الجانب النظري لصفات السلطان العادل بغض النظر عن التطبيق أو الجانب العملي، بمعنى الاستحقاق الإلهي أو الشرعي لاحتلال هذه المناصب والاتّصاف بها وإن لم يكونوا كذلك عملياً. إذن يصبح كل المعصومين مصاديق للسلطان العادل بلا شكّ.
بل يصبح كلٌّ من له تلك الصفات شرعاً من الناحية النظرية سلطاناً عادلاً، كما لو قلنا بالولاية العامة ونحو ذلك.
ولا نعلم أنَّ المحقق الحلّي وغيره ممّن عبّر بالسلطان العادل هل يريد الجانب العملي منه – أي العدالة المطبقة فعلاً، والتي هي حجّة شرعاً- أو الجانب النظري منه؟ وظاهر العبارة وإن كان هو الجانب العملي إلا أنه يستبعد بمثل المحقّق الحلّي أن لا يعتبر أشخاص المعصومين من السلطان العادل بالرغم من أنّهم من الناحية العملية ليسوا كذلك.
هذا وقد استشكل بعض الإخوة بأنَّنا يجب أن نفهم السلطان العادل فهماً
ــــــ[154]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
عرفياً لغوياً ليكون هو الموضوع للفهم الفقهي كما نفعل عادة في سائر الموضوعات والمتعلقات الفقهية.
العدالة بالمعنى العرفي والمعنى الشرعي
وجوابه أولاً: أنه ليس هناك اختلاف مهم بين الاصطلاح الفقهي في ذلك والمعنى اللغوي بل هو عينه وأننا إذا تكلّمنا من الناحية الفقهية لم نكن قد تركنا المعنى اللغوي أو تعديّناه.
ثانياً: أنّه من الممكن القول: أن العرف لم يعهد مصداقاً واضحاً عرفاً للسلطان العادل لكي يضع له لفظاً لغويا أو قل ليكون في الارتكاز العرفي بعض الشرائط له كشرائط المعاملات العرفية مثلاً.
ثالثاً: أنَّ العدل المطلوب من السلطان عرفاً غير العدل المطلوب منه شرعاً؛ إذ من الواضح أنَّ العدل الشرعي أوضح وأدقّ من العدل العرفي، فمثلاً العبارة المنسوبة إلى السيد ابن طاووس: أنَّ الكافر العادل خير من المسلم الفاسق. لابدَّ أن يراد به العادل العرفي لا الشرعي؛ لعدم احتمال أن يكون الكافر مطبقاً لقانون الشرع الإسلامي، لا أقلّ من أن يكون هو كافراً غير جامع للشرائط.
وعلى أي حال: فالسلطان العادل العرفي غير السلطان العادل الشرعي اللهم إلا أن نأخذ جامع العدالة أو نقول: أنَّ النسبة بين العدالتين هي العموم المطلق والخصوص في طرف الشرع فكل عادل شرعي عادل عرفي ولا عكس.
وجوابه: إمكان منع ذلك، فإنَّ في الشريعة أحياناً أحكام تعتبر ظلماً عرفاً أكيداً كقتل المشركين مهما كثروا، فليست كلّ الأحكام الشرعية عادلة عرفاً كما
ــــــ[155]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ليست كل الاحكام العرفية عادلة شرعاً. إذن، فبين العدالتين عموماً من وجه. ومعه يمكن القول: أنَّ السلطان العادل الديني أحياناً لا يصدق عليه أنّه سلطان عادل عرفاً.
فإذا فهمنا اللفظ من زاوية عرفية وجب أن نفهمه من جهة العدل العرفي وإن لم يكن شرعياً أو أن نفهمه مع إلغاء الأحكام الشرعية التي تعتبر ظلماً عرفاً وهذا غير محتمل شرعاً ولا فقهياً بطبيعة الحال. ومعه، يتعيّن المصير إلى الفهم الشرعي الفقهي.
وأنَّه إذا كان قد ورد في لسان الكتاب والسنة فإنَّنا نفهمه من الشارع كشارع لا كعرفي، وأما إذا ورد في لسان الفقهاء فأولى من هذه الجهة، ولكنه على أي حال لم يرد في منطوق كتاب ولا سنة بعنوانه التفصيلي.
وإنما الطريق الوحيد لإثباته هو فهمه من لفظ الإمام الوارد في الأخبار، وقد استشهدنا بهذه الروايات في الاحتمال الأول، وهو إرادة الإمام المعصوم، وقد رأينا أن أكثرها دالة على إمام الجماعة بقرائن متصلة فيها وإذا كانت هناك بعض الروايات ليست كذلك فيمكن جعل تلك الروايات قرائن منفصلة عليها، ويتم المطلب، إلّا رواية واحدة سوف تأتي.
ومنه يُعلم أن اشتراط بسط اليد الفعلي لا يحتمل دخله في وجوب صلاة الجمعة، سواء كان مع صفة السلطنة الفعلية أم لم يكن؛ لأنه ممّا لا أثر له في الكتاب والسنة ومقتضى الأصل المؤمن عدمه وقد عرفنا أنه متقدم رتبة على جريان الأصل المؤمن في أصل الوجوب مع عدم الشرط.
ــــــ[156]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ولا يحتمل أنه يمكن أن يستدل له إلّا بلفظ الإمام الوارد كما عرفنا وعرفنا جوابه. وتقريبه أن نفهم من الإمام: السلطان العادل، ونفهم من السلطان العادل الفعلية وليس هذا من الفهم الطولي، بل نفهم من الإمام من كان إماماً فعلياً على المجتمع ومتسلطاً بالعدل فيه، وهذا يكفي لفهم بسط اليد إلّا أننا عرفنا أننا لا نفهم الموصوف فضلاً عن الصفة يعني لا نفهم السلطان العادل فضلاً عن كونه مبسوط اليد.
نعم، لو فهمناه لكان له وجه وجيه وهو فهم فعلية السلطنة الذي هو معنى كونه مبسوط اليد.
الاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم على شرطية السلطان العادل
نعم تبقى رواية واحدة معتبرة السند ومحتملة الدلالة على المطلوب وهي (2/9 وكرّرها في 5/5) الصدوق باسناده عن محمّد بن احمد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن الحكم بن مسكين عن العلاء عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر قال: تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين (المؤمنين) ولا تجب على أقلّ. منهم: الإمام وقاضيه والمدعي حقاً والمدعى عليه والشاهدان والذي يضرب الحدود بين يدي الإمام.
تقريب الاستدلال:
وتقريبه إلى المطلوب يكون بالالتفات إلى بعض الأمور:
الأمر الأول: أنَّ المراد من الإمام هنا لا يحتمل أنه يراد به امام الجماعة كما فهمنا في سائر الموارد.
ــــــ[157]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الأمر الثاني: أنه لا تكون هذه العناوين السبعة موجودة ومتحققة إلا مع السلطان العادل؛ لأنَّ معناه أنه يقيم الحدود فعلاً وهذا معناه أنه سلطان عادل مبسوط اليد.
الأمر الثالث: أننا لا نستطيع أن نفهم الأمر من الناحية النظرية فقط وإنما المراد الناحية العملية والتطبيق الفعلي فمثلاً أنَّ الذي هو إمام نظرياً قد يسمّى سلطاناً عادلاً ولكن لا يحتمل ذلك في المدّعي والشاهد والذي يضرب الحدود، فبعد جعل بعض العبارات قرينة على بعض يتعيّن فهم الفعلية من قبل الجميع.
فبعد ضمّ هذه الأمور بعضها إلى بعض ينتج على أنَّ شرط وجوب صلاة الجمعة، هو ذلك أي وجود السلطان العادل المبسوط اليد أي: الفعلي في سلطنته وعدله.
وجواب ذلك يكون بأمور:
الأمر الأوّل: أننا إذا أخذنا بالمنطوق الكامل للرواية يصبح أنَّ كل هذه العناوين دخيلة في وجوب صلاة الجمعة وهذا غير محتمل فقهياً بل لعله خلاف ضرورة الدين ويكفينا من ذلك أنَّ النبي وأمير المؤمنين كانوا يقيمونها ويعترف المشهور أنهما كانا يقيماها بالوجوب التعييني ولم يكن لديهم قاضي بل هم القاضي وقد لا توجد مرافعة قضائية أصلاً ولم يثبت أنه كان للنبي شخص معيّن يقيم له الحدود.
الأمر الثاني: أنها ليس لها مفهوم مخالفة من هذه الناحية أعني من حيث العناوين المأخوذة بحيث تدل على عدم الوجوب عند عدمها. نعم، هي تدلّ على
ــــــ[158]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
عدم الوجوب عند عدم العدد وهو السبعة لقوله: لا تجب على الأقل منهم يعني السبعة.
فإن قلت: فإنه فسّر السبعة بهذه العناوين فلا تجب عند عدم وجودهم بما فيهم الإمام قلنا: هذا غير محتمل فقهياً كما قلنا: نعم لو اقتصرنا على اشتراط العدد كان وجهاً محتملاً وسيأتي البحث عنه.
الأمر الثالث: أنه ينحصر بعد عدم احتمال اخذ هذه العناوين تفصيلاً أن يكون المراد مجرد التمثيل بوجود هؤلاء هذه لأنه الغالب أو أنه يراد القول: إنَّ اجتماع السبعة لا يتعذّر ولو بهؤلاء الذين هم موجودون غالباً وهم بالرغم من كونهم مشغولين بالمرافعة إلى أذان الظهر إلا أنهم يستطيعون أن يقيموا صلاة الجمعة في يوم الجمعة.
الأمر الرابع: أنه يصبح سائر العناوين المأخوذة في الرواية حيث أنها غير محتملة تصبح قرينة متصلة على الإمام أيضاً فكما أنَّ تلك العناوين غير مأخوذة شرطاً في الوجوب يقيناً فهو أيضا كذلك ومن الواضح أنَّ سياقها جميعاً واحد.
الأمر الخامس: قد يقال إن المضمون لا يحتمل فقهياً من جهة أخرى وهو وجود المدّعي حقاً فلو كان مدعياً للباطل لم تجب وهذا غير محتمل الشرطية بل إن كان شرطاً فهو لمجرد كونه مدعياً سواء كان حقاً أو باطلاً.
إلّا أنَّ هذا لا يتم لوضوح أنَّ حقاً مفعول به وليس مفعولاً مطلق أو مفعولاً لأجله ويكون المعنى أنَّ المدّعي يدّعي حقاً محتملاً لنفسه أو قل: هو حق بدعواه لا في عالم الثبوت وفي علم الله سبحانه وبغض النظر عن إمكان ثبوته بالمرافعة وعدمه.
ــــــ[159]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الأمر السادس: أن يقال: أنَّ هناك نحواً من التنافي بين عنوانين من هذه العناوين وهي المدعى حقاً والذي يقيم الحدود وحيث وقع التنافي لم يكن مضمون الرواية محتملاً فتسقط عن الحجية دلالة.
وتقريب التنافي: أنَّ المراد بالحق الدين أو المبيع أو الثمن ونحوه مما تشتغل به الذمّة وأما مورد إقامة الحدود فليس حقاً بهذا المعنى أو قل: أن مورد ادعاء أي حق لا يكون مورداً لإقامة الحدود.
وجوابه: بأكثر من وجه: أولاً: أن كل الموارد فيها حق وليس المراد خصوص الحق الذي تشتغل به الذمة المالية بل الحق القانوني والاخلاقي والحق العام وكلّها حقوق صحيحة.
ثانياً: أننا لو سلمّناه فالمراد بالذي يقيم الحدود من له قابلية ذلك أو المنصوب لأجل ذلك توخياً لاحتمال كون بعض المرافعات كذلك ولا ينحصر أن يكون عمله في كل مرافعة على الإطلاق كما لا ينحصر أن يكون هؤلاء الستة (غير الإمام) كلّهم موجودون فقد لا يكون هناك شاهدان أو لا نحتاج إلى شاهدين كما قد يكون الشهود أكثر كما في القسامة فإنما هذا تقريب غالبي للمرافعات الشرعية ليس أكثر.
الأدلة اللبية على شرطية السلطان العادل
هذا ويمكن الاستدلال على شرطية وجود السلطان العادل المبسوط اليد ببعض الأدلة اللبيّة كالإجماع والشهرة وارتكاز المتشرعة إلا أنه كله قابل للمناقشة أما الإجماع فالمحصل منه غير محصّل والمنقول منه ليس بحجة. وأما الشهرة فليست حجة إن سلّم وجودها ولا نستطيع أن نقول ذلك فإنَّ ما هو المعتبر على
ــــــ[160]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
تقديره هو أمر السلطان العادل الذي يعود إلى الأمر بالولاية وليس مجرّد وجوده.
وأما الارتكاز المتشرعي فلا نجده في نفوسنا حتماً وكيف يوجد والمجتمع منذ صدور الإسلام والى الآن لم تمر عليه مدة معتد بها يوجد فيها السلطان العادل لكي يدخل في ارتكازه موضوعاً أو حكماً.
هذا وإن اطلاقات عدد من السنة روايات الجمعة تنفيه أكيداً وفي جميعها روايات معتبرة السند على ما سوف يأتي مثل قوله: (إذا اجتمع خمسة أحدهم الإمام فلهم أن يجمعوا) وقوله: (تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين ولا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين)، وقوله: (تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين) وقوله: (فإن كان لهم من يخطب لهم جمعوا) وغير ذلك.
والمحمول فيها إجمالا هو مشروعية الجُمَع أي إقامة الجمعة وظاهره فعلية المشروعية بغض النظر عن شرط آخر محتمل، وهو وجود السلطان العادل.
فإن قلت: فإنها ليست في مقام البيان من هذه الناحية فلا إطلاق لها.
قلنا: إن سلّمنا ذلك احتجنا إلى الدليل على إثبات هذه الشرطية ومن المعلوم خلو كل الأخبار عمّا يؤدّي إلى معنى هذا العنوان ومن غير المحتمل أنَّ السلطان العادل يكون مشترط ولا يبينه المعصومون مطلقاً بحيث لا تكون كل الأخبار في مقام البيان من هذه الجهة.
الشرط الرابع: الأمر بالولاية
الشرط الآخر: المحتمل الاعتبار في وجوب صلاة الجمعة أمر من يكون واجب الطاعة شرعاً: غير المعصوم الذي سبق أن تكلمنا عنه وأوضح أمثلته
ــــــ[161]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
السلطان العادل وكذلك من يقول بالولاية العامّة من المجتهدين وكذلك في موارد وجوب الطاعة الخاصّة كالمولى بالنسبة إلى العبد أو الأب بالنسبة إلى الابن إذا أمروا بحضور صلاة الجمعة وهكذا.
والمدّعى هنا أحد أمرين:
الأمر الأول: أنَّ أصل وجوب صلاة الجمعة في الشريعة هو الوجوب التخييري فإذا حصل الأمر الواجب الطاعة شرعاً تحوّل الوجوب بالعنوان الثانوي إلى الوجوب التعييني كما لو أمر واجب الطاعة بإقامة صلاة الجماعة في سائر الايام فإنَّها تنقلب من الاستحباب إلى الوجوب بالعنوان الثانوي.
كما لو أمر بالصدقة أيضاً أو كانت صلاة الجمعة أو الجماعة متعلّق نذر أو يمين والأمر في هذه الناحية لا إشكال فيه.
وهذا التحوّل ضروري لا يحتاج إلّا إلى إثبات وجوب الطاعة الذي سنتعرض إلى بعض الأمور حوله باختصار.
الأمر الثاني: أن يقال هنا أنَّ أمر من تجب طاعته هو شرط الوجوب مطلقا يعني كل من الوجوب التخييري والتعييني بحيث لولاه لا وجوب أصلاً.
ومن هنا يقال بأنها لا تكون مشروعة فتكون عبادة منهياً عنها فتبطل.
ونتحدّث عن هذين الأمرين على التوالي:
وجوب طاعة الولي
أما الأمر الأوّل: فالمقدمة الوحيدة – كما عرفنا- التي فيها شيء من الإشكال والحاجة إلى الاستدلال هي وجوب الطاعة وقد عرفنا أنَّ وجوب الطاعة حصتين:
ــــــ[162]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
إحداهما: ما نستطيع أن نسميه الطاعة العامة أي يجب على المجتمع كلّه الطاعة وهي خاصة في غير المعصوم بعنوانين: السلطان العادل والولاية العامّة.
ثانيهما: ما سمّيناه بالطاعة الخاصة التي ترتبط باشخاص معنيين كالمولى بالنسبة لعبده والاب لابنه والزوج لزوجته إن قلنا في هذه الموارد بها.
ونحن لا حاجة إلى ندخل في الموارد الخاصة (إنما هي موكولة إلى محالها في الفقه) وإنما ندخل في الطاعة العامّة وأدلّة وجوبها باختصار.
فأولاً: ينبغي أن نلتفت إلى النسبة بين السلطان العادل والولي العام من الناحية النظرية أولاً ومن الناحية العملية والتطبيقية.
ثانياً: مع الالتفات إلى أنَّ السلطان العادل لا يكون إلا مجتهداً جامعاً للشرائط أو من يوكله في ذلك بحيث يرجع الأمر إليه في النتيجة.
الجهة النظرية:
فهنا في الجهة النظرية قد يقال: أنَّ النسبة بينهما هي التساوي فكل سلطان عادل هو ولي عالم نظرياً وتشريعاً وكل ولي عام هو سلطان عادل كذلك أي له الاستحقاق لأن يكون كذلك.
وهذا أمر وجيه إلا من جهة واحدة: وهو أنَّ السلطان العادل المفترض وجوده قد يكون قائلاً بالولاية العامّة للفقيه وقد لا يكون.
فإن كان قائلاً بها فلا إشكال في صحة نسبة التساوي وإنما الإشكال فيما إذا لم يكن قائلاً بها لأنه عندئذ لا يكون هو ولياً فقيها بذلك المعنى فتكون النسبة بينهما
ــــــ[163]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
هي العموم المطلق من حيث أنَّ كل ولي فقيه هو سلطان نظرياً دون العكس يعني ليس كل سلطان هو ولي فقيه إلا إذا قال فعلاً بولاية الفقيه.
لكن هذا قابل للجواب عليه فإنَّ السلطان العادل الفعلي لا يحتمل جواز عصيانه شرعاً في الحدود الذي يكون أمره معتبراً وستأتي الإشارة إلى الوجه في ذلك وإن لم يقل بولاية الفقيه ومعه تبقى النسبة نظرياً بينهما هي التساوي في وجوب الطاعة وإن اختلف الدليل الشرعي عليها على ما سوف نذكر.
فهذا هو الكلام في النسبة من الجهة النظرية وهي العمدة شرعاً.
الجهة العملية:
وأما من الناحية العملية فالنسبة بينهما هي العموم من وجه من حيث أنَّ الفقيه الذي يقول بالولاية العامة قد يكون سلطاناً عادلاً وقد لا يكون يعني مبسوط اليد ونحو ذلك. كما أنَّ السلطان العادل قد يكون ولياً فقيها وقد لا يكون.
فإن قلت: بل لابدَّ أن يكون ولياً فقيها فتكون النسبة بينهما العموم المطلق لأن كلّ سلطان عادل فهو ولي فقيه دون العكس.
قلنا: يمكن أن نتصور السلطان العادل الفعلي بدون أن يكون ولياً فقهياً في عدة موارد:
1. فيما إذا كان السلطان العادل – وهو مجتهد طبعاً- لا يقول بالولاية العامة بل يستمد وجوب طاعته من ناحية المصلحة العامة على ما سيأتي.
2. فيما إذا كان السلطان العادل ليس هو شخص المجتهد بل وكيله وطبعاً
ــــــ[164]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فإن الصدق العرفي والمتشرعي سيكون على الوكيل لا على الأصيل.
3. طبقاً لما قيل خلال السنوات المتأخرة من أنه يمكن الفصل بين التقليد وولاية الفقيه فيكون الولي الفقيه شخصاً والمقلد شخصاً آخر.
وهذا ليس له وجه في الفقه إلا التمسك بالاطلاقات بحيث ينتج أنَّ مجرّد الاجتهاد كافٍ للتقليد وللولاية فيكون كل المجتهدين حجة في كلا الجانبين، إلا أنَّ هذا يضرهم من جهة أخرى لأنَّ وجوب الطاعة يكون عاماً لكل المجتهدين لا لواحد بعينه إلا إذا قلنا بحجية الانتخاب وهو غير محتمل.
على أنَّ انتخاب شخص كيف يكون دليلاً على سلب وجوب الطاعة عن غيره.
وأما من زاويتنا فالأحوط وجوباً هو اشتراط الأعلمية في كل من التقليد والولاية فينحصر الحال عادة بواحد ثبوتاً الذي هو الأعلم في علم الله. وغالباً ما لا يكون الأعلم إلا واحد وأما فرض تساوي اثنين أو ثلاثة في الاعلمية فهو فرض نادر ثبوتاً وإنما يراد به فقهيا جانب الإثبات أما جانب الثبوت فلا يكاد أن يكون محتملاً لعدم تساوي العقول والنفوس والأفكار قطعاً.
ومعه يكون الفصل بين التقليد والولاية غير تام وإنما كلتا الصفتين شرعاً موكولة إلى واحد وهو الأعلم وهو لا يتعيّن بالانتخاب بل في علم الله سبحانه.
أدلة وجوب طاعة الولي العام
ثم أنّه يحسن أن نتعرض الآن إلى أدلّة وجوب الطاعة لكلا العنوانين السلطان العادل والولي العام ونبدأ أولاً بالأدلة الشاملة لكلا العنوانين وخاصة
ــــــ[165]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فيما إذا فرض أن النسبة بينهما هي التساوي أو كانا منطبقين على مورد واحد يعني محل الالتقاء من نسبة العموم من وجه. ثم نتعرض إلى ما قد يتحصل من الفوارق ما بينهما.
ويمكن الاستدلال على وجوب الطاعة بالأدلة الأربعة:
الاستدلال بالكتاب
أما الكتاب الكريم فبعدة آيات:
الآية الأولى: لعل أهمها قوله تعالى: أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ(1).
وذلك بعد الالتفات إلى عدّة مقدمات:
المقدمة الأولى: أنَّ التقدير في الآية اطيعوا الله والرسول إذا أمركم إذ لا مورد للطاعة بدون أمر أو نقول أنه بتقدير مضاف يعني أطيعوا أمر الله وأطيعوا أمر الرسول وأطيعوا أمر أولي الأمر منكم.
المقدمة الثانية: أنَّ هذا الأمر يشمل حصتين: حصة التبليغ أي الأحكام الشرعية الأصلية وحصة الولاية أو منطقة الفراغ وكلاهما يصدق قطعاً أنها أوامر لهذا الشخص بل لعلها بالأوامر المولوية أخص وأقرب لأنَّ التبليغ إنما هو أمر الله وحده وليس أمر الرسول وأولي الأمر وإنما ينتسب إليه إذا كان من عنده بغض النظر عن الشريعة.
ــــــ[166]ـــــــ
(1) النساء: 59.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فالانصراف إلى خصوص التبليغ كما هو لعلّه الفهم المشهوري ممنوع بل الآية على خلاف المطلوب أدلّ.
المقدمة الثالثة: إن كِلا النحوين من الأمر – بالمعنى الواسع- يشمل كلّاً من العناوين الثلاثة: الله والرسول وأولي الأمر فإنَّ أياً منهم يمكن أن يأمر بالحكم الشرعي ويمكن أن يأمر بالولاية حتى الله تعالى يمكن أن يأمر بالولاية لا بالحكم الشرعي وإن لم يحدث هذا إلى الآن.
المقدمة الرابعة: أن (أطيعوا) صيغة أمر وهي دالة على الوجوب وضعاً كما هو محقق في علم الأصول.
فإن قلت: فإنها هنا إرشادية قطعاً لحكم العقل ولا تدل على الوجوب.
قلنا: يجاب ذلك على عدة مستويات:
المستوى الأول: أنه يكفينا هنا حكم العقل الذي ترشد إليه الآية ومقتضى القاعدة أن يكون ذي الطريق مطابقاً للطريق وحيث تدل الآية على الوجوب إذن يكون حكم العقل بالوجوب.
وحكم العقل ليس قاصراً في الشريعة فإنَّ الفقهاء والأصوليون قد استعملوه كثيراً وأوجبوا طاعته حقيقة كموارد القطع التفصيلي والعلم الإجمالي والتخيير بين المحذورين والبراءة العقلية وغيرها.
المستوى الثاني: أنهم إنما اعتبروا الآية طريقاً لحكم العقل بالنسبة إلى غير المسلمين إذ لا معنى للأمر بالطاعة مع عدم ثبوت أصل العقيدة وأما في طول ثبوت صدق الإسلام وإن الله موجود بكل صفاته الجمالية والجلالية والرسول
ــــــ[167]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
حق والقيامة حق فلا حاجة إلى حملها على الإرشاد أو الطريقية بل يمكن حملها على المولوية والمراد أن الله تعالى الذي ثبت وجوده وفضله وعظمته يأمرنا بإطاعة نفسه وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر من خلقه إذ بدون ذلك يكون من الممكن العصيان أو قل: لا يكون على العصيان مسؤولية اخلاقية واستحقاق للعقاب إلا بذلك.
ويؤيد المولوية: ظهورها الأولي فيه وقوله: (منكم) أي من المسلمين فلو كانت خطاباً للكفار جاز أن يكون ولي الأمر كافراً وهو غير محتمل.
المستوى الثالث: إن تنزّلنا وقبلنا الإرشاد في البعض أمكن منعه في الكل فإن الضرورات تقدّر بقدرها والضرورة قاضية في الإرشاد بخصوص الله سبحانه وأما أنَّ الله يأمرنا بإطاعة الرسول وغيره فلا مانع منه.
وهذا التقريب أفضل من أن نقول: إنَّ طاعة الله ورسوله معاً طريقية لأننا عندئذ نبتلي بوحدة السياق مع أولي الأمر لعدم تكرر لفظ أطيعوا ثلاث مرات إلّا أن نحمل الموجود منها على الطريقية والمقدّر منها على الموضوعية لليقين بأنَّ أولي الأمر لا مجال للإرشاد فيهم.
المقدّمة الخامسة: في فهم أولي الأمر فإنها تنطبق على المعصومين وهذا صحيح لأنَّهم ثبت من الخارج كونهم كذلك، إلَّا أنَّ الكلام في اختصاصها بهم، وهذا بلا موجب بعد كون ظهور اللفظ يعمّ غيرهم.
بل أنَّ أبناء العامّة فهموا منه كلّ حاكم دنيوي وهو أقرب إلى الظهور إلّا من ناحية واحدة لأنَّ المراد بالأمر هنا هو الأمر المعتبر شرعاً الذي ثبت من الخارج
ــــــ[168]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
حجيّته لا كلّ أمر وإن كان ظالماً أو ساقطاً.
إذن يتحصّل: أنَّ كل شخص يكون أمره حجة فإنه تجب طاعته كأنه قال: أطيعوا أمر أولي الأمر منكم. وهذا لا يختلف فيه بين الأوامر التبليغية والأوامر الولوية كما لا يختلف فيه بسط اليد وعدمه، بل لعلّ الآية إلى عدم بسط اليد أقرب؛ لأنَّها وردت بالأمر بطاعته من قبل العموم، ليكون ذلك طريقاً إلى كونه مبسوط اليدّ.
إلّا أنَّه يبقى إشكال واحد: وهو أنَّه قد افترض ولي الأمر واجب الطاعة وأمره حجّة في المرتبة السابقة على هذه الآية فينبغي النظر إلى ذلك الدليل أو قل: إننا يجب أن نشخص أنَّه من أولي الأمر لكي يكون مشمولاً للآية وهذا ما يعرف بدليل مستقل فلا تكون الآية دليلاً على المطلوب.
ويمكن الذب عن ذلك: أننا إذا قلنا إنَّ الأمر في أولي الأمر هو الأمر النافذ شرعاً كان الإشكال وارداً إذ لابدَّ من تشخيص حجيّته ونفوذه في المرتبة السابقة على الآية. وأمّا بتقريب آخر فالأمر مختلف وذلك: بأن يقال: أننا نفهم العنوان فهماً عرفياً – كما فهم العامّة وكما نفهم أي لفظ آخر بالظهور العرفي- فيكون المحصل الابتدائي: أنَّ أولي الأمر العرفي واجبي الطاعة شرعاً.
ولكن حيث إننا نعلم من الخارج يقيناً عدم الشمول لكل الحصص سواء كانت ظالمة أو عادلة وإنَّما هي تختص بالعادلة منها إذن يخرج من إطلاق الآية أولياء الأمر العرفيين غير العادلين باليقين المخصص ويبقى تحتها أولي الأمر العادلين.
ــــــ[169]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فإن قلت: فإنَّ تشخيصه يحتاج إلى دليل في المرتبة السابقة.
قلنا: هذا متوفّر تماماً بالعقل والعقلاء والمتشرعة.
إلّا أنَّه يبقى إشكال آخر: وهو أنَّ عنوان أولي الأمر العرفي مع القيد المذكور لا ينطبق إلّا على السلطان العادل وعلى الولي الفقيه غير مبسوط اليد فإنَّه ليس ولياً للأمر عرفاً.
أو قل: أنَّه تحصّل من الآية لزوم أن يصدق عليه ذلك عرفاً مضافاً إلى الجهة الشرعية فإذا لم يصدق عليه عرفاً يخرج موضوعاً من الآية الكريمة فتختص بالسلطان العادل لأنه بسلطنته يكون من أولي الأمر العرفي وليس كذلك الولي غير مبسوط اليد.
قلنا: يجاب بأنَّنا بعد أن فهمنا شمول الآية الكريمة للسلطان العادل أمكن تعميمها لصورة عدم بسط اليد بعدّة أدلّة:
السلطان العادل مع عدم بسط اليد:
أولاً: النقض بالمعصومين فإنَّ أغلبهم ليسوا بمبسوطي اليد مع أنَّهم القدر المتيقن من الولاية، فلو كان بسط اليد معتبراً لم تشملهم، وحيث شملتهم لم يكن بسط اليد معتبراً.
ثانياً: التجريد عن الخصوصية، فإنَّ المهمّ هو الحجّيّة الشرعيّة لأمره، سواء استطاع تنفيذها في المجتمع أو لا. أو قل: إننا نفهم من أولي الأمر الجهة النظرية، يعني: استحقاق ذلك، وليس فعليته، فيشمل كلتا الحصّتين.
أو قل إنّها الجهة الأهمّ شرعاً وهي متحققة في الولي الفقيه بدليل خارجي،
ــــــ[170]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فتدلّ الآية على وجوب طاعته.
ثالثاً: التمسّك بالأصل، فلو كان شخص سلطاناً عادلاً ووجبت إطاعة أمره ثُمَّ عُزِل بطريقة ظالمة مع حفظ الشرائط الشرعية له، فيصبح ولياً غير مبسوط اليد فنستصحب وجوب طاعته مع التجريد عن الخصوصية بين مثل ذلك وبين من لم يكن مبسوط اليد من الأوّل فتأمّل.
الآية الثانية: قوله تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ(1).
وتقريب الاستدلال أنَّ الآية أمرت بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر، والرد إليهم لا يقتضي فقط سماع أقوالهم بل تنفيذها واطاعتها ولولا ذلك لم يكن رداً إليهم حقيقة وإن كان رداً صورياً وإنما هو خداع فيستلزم الأخذ بما يقوله الرسول وأولوا الأمر من إخبارات بالتصديق ومن إنشاءات بالامتثال.
وخاصّة بعد أن نلتفت إلى بعض الأمور:
الأمر الأول: أنَّه قرنت طاعة أولي الأمر بطاعة الرسول، والرسول قرنت طاعته بطاعة الله في عدد آخر من الآيات. فكما تكون طاعة الرسول واجبة تكون طاعة أولي الأمر واجبة.
الأمر الثاني: أنَّ هذه الآية لا يأتي فيها احتمال الإرشاد إلى حكم العقل مسلّماً.
الأمر الثالث: أنَّه لم يكن في زمن رسول الله أولي الأمر، فإن كان موجوداً
ــــــ[171]ـــــــ
(1) النساء: 83.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فهو علي بن أبي طالب الذي هو وصي لرسول الله في حياته وبعد مماته. وهو مفرد ولا يصدق عليه الجمع مع أنّه في الآية جمع، وهو لا يصدق على أقلّ من ثلاثة، ولم يكن ثلاثة في زمن النبي وأما الحسن والحسين فاطمة فقد كانوا صغاراً صامتين ولا يصلح المجتمع للرد إليهم. ومعه يتعيّن أن يكون المقصود أولي الأمر على مدى الأجيال.
الأمر الرابع: ما قلناه في الآية السابقة من فهم ما يعمّ المعصومين وغيرهم؛ تمسّكاً بالظهور اللغوي.
الأمر الخامس: أنَّ المراد به أولي الأمر الحجة والمعتبر شرعاً لا كلّ من يصدق عليه عرفاً ذلك بتقريبات سبقت.
مناقشة الاستدلال بالآية الثانية
إلّا أنَّ في الاستدلال بهذه الآية إشكالين رئيسيين أحدهما في صدرها والآخر في ذيلها.
الإشكال الأول: في قوله: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ، فإنَّ ظاهر الأمر هنا أنَّه مفرد أوامر فمن أين جاء هذا الأمر وما هو مدى حجيّته ولماذا يحتاج إلى الرد إلى الرسول وأولي الأمر؟
وجوابه من وجوه:
الوجه الأوّل: ما ذكره الطباطبائي بالمضمون من أنَّه ليس مفرد أوامر بل مفرد أمور بمعنى الشيء إشارة إلى الإرجاف الذي قد يحصل في المجتمع من إشاعات وشبهات بعضها توجب الأمن وبعضها توجب الخوف فلا يكون من ــــــ[172]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
هذه الناحية مضراً بالاستدلال المقصود.
فإن قلت: فإنَّه يضر؛ لأنَّه شبهة موضوعية لا حكمية ونحن نريد فهم الشبهة الحكمية أو الأوامر التشريعية وأما فهم الشبهة الموضوعية فهو ممكن بالنسبة إلى الكثير من الناس.
قلنا: أولاً: أنه لا ينحصر الإرجاف بالشبهة الموضوعيّة بل لعلّه يشاع فيهم أنَّ الرسول أمر بكذا أو نهى عن كذا.
ثانياً: أنَّ الشبهة الموضوعية لا تكون سهلة دائماً، وإنّما تكون شبهة موضوعية بصفتها موضوعاً لحكم فلابدَّ من إدراك حدوده وقيوده.
الوجه الثاني: ظهر ممّا قلناه أنّه حتى لو كان الأمر هنا مفرد أوامر فإنه لا يضرّ بصحة الاستدلال سواء أريد به المجيء كذباً أو صدقاً وسواء كان المفروض صدوره من مصدر حقّ أو باطل. فإنّه على أي حال يعلمه الذين يستنبطونه منهم ويعرفون حقيقته.
الوجه الثالث: أنَّ قوله: (من الأمن أو الخوف) قرينة احتمالية – لا أقلّ- على إرادة مفرد أمور يعني شيء من الخوف أو شيء من الأمن لأن كون مفرد أوامر من الأمن أو الخوف لا يخلو من مسامحة ترتفع مع قصد مفرد أمور.
الإشكال الثاني: في ذيل الآية وهو قوله: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ من حيث أنَّ الضمير في (منهم) يعود إلى من؟ وصحة الاستدلال تتوقف على أن يعود الضمير إلى أولي الأمر في حين قد يكون عائداً لغيرهم وهم الذين جاءهم أمر والمأمورون بالرد بل مقتضى وحدة السياق ذلك.
ــــــ[173]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
جوابه: هذا لا ينافي صحة الاستدلال غاية الأمر أنَّ الاستنباط لا يكون منسوباً إلى أولي الأمر بل إلى المأمورين بالرجوع إليهم يعني يعرفون حكمهم ومسؤوليتهم بعد الرجوع إليهم ولا إشكال في ذلك.
مضافاً إلى إشكال آخر: على هذا التقدير: وهو رجوع الضمير إلى أولي الأمر فإنَّ الآية تكون ظاهرة بتقسيم أولي الأمر إلى قسمين قسم مستنبطين وقسم غير مستنبطين يعني مجتهدين وغير مجتهدين مع أنه لا يحتمل أن يكون غير المجتهد من أولي الأمر.
فإن قلت: فإن الاستنباط هنا ليس بالمعنى الاصطلاحي الحوزوي جزماً لأنه اصطلاح متأخّر لا يُحمَل عليه النص المتقدم وإنما يراد به فهم الشبهة الموضوعية أو فهم الجواب الصادر من الرسول.
قلنا: هذا وحده لا يكفي لدفع الاستدلال بل يكون الأمر أوضح لأنه عندئذ تكون الآية دالة على تقسيم أولي الأمر إلى فاهمين الشبهة الموضوعية وغير فاهمين لها وبطبيعة الحال أنَّ غير الفاهم لها لا يحتمل في حقّه الاجتهاد.
إلّا أنَّ الجواب الرئيسي هو أنَّ ظاهر الآية هو عدم رجوع الضمير إلى أولي الأمر.
مضافاً إلى إشكال آخر: وهو أنَّ أولي الأمر وارد في الآية بصيغة الجمع وهذا معناه إمكان أن يكون هناك أولياء أمر متعددين يعني متصفين بالولاية العامّة في حين أنَّ هذا غير صحيح أما بالعنوان الأوّلي أو بالعنوان الثانوي.
وجوابه: أننا لو سرنا بهذا الاتجاه كان علينا أن نتصوّر أنَّ هناك أولياء أمر
ــــــ[174]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
عديدون في زمن رسول الله مع أنَّ الأمر ليس كذلك إلا إذا فهمنا أهل الحل والعقد أو فهمنا جماعة المخلصين وكانوا متحققين يومئذ إلّا أن هذا خلاف ظاهر أولي الأمر يعني من يكون أمرهم نافذاً شرعاً.
إذن فلا بدَّ من رفع اليد عن صورة الاجتماع في ذهن الرسول أو قل عن صورة الاجتماع في زمن واحد إطلاقا ومعه فيناسب أن يكون الجمع بلحاظ تعدد الزمان ويكون لكل زمان ولي أمر واحد.
والإشكال الآخر على الاستفادة من هذه الآية هو أنها لا تدل على الوجوب يعني وجوب الرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر؛ لأنها خالية ممّا يدل وضعاً أو إطلاقا على الوجوب كصيغة الأمر أو غيرها.
ويمكن الذب عن ذلك بعدّة اساليب بعد تسليم دعوى الإشكال:
الأسلوب الأوّل: أن نقول: أنَّ الردّ إلى الرسول واجب وهذا ما نعلمه قطعاً بصفتنا مسلمين وقد اقترن ذكر ولي الأمر إلى ذكر الرسول، فيكون مقتضى وحدة السياق وجوب طاعتهما معاً.
الأسلوب الثاني: أن نقول: أنَّ حصّة من عنوان أولي الأمر واجب الطاعة أيضاً وهم المعصومون وهم الفرد الأوضح والأشهر والمتيقّن من العنوان.
إذن لابدَّ أن نعتبر العنوان نفسه ممّا نعلم أنه يجب طاعته.
ومعه فكما تشمل وجوب الطاعة حصة المعصومين تشمل غيرها أيضاً.
الأسلوب الثالث: أن نقول: أنَّ الآية حينما لم تأمر بذلك بوضوح لم تربط الحال فيها بأمر أخروي وإنما ربطته بأمر دنيوي ومصلحة عامّة اجتماعية ونحو
ــــــ[175]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ذلك. يعني أنّهم إن ردّوه إلى الرسول والى أولي الأمر حصلت مصلحة عامّة وإلَّا حصلت مفسدة عامّة.
إذن فبمقدار ما نستطيع أن نقول من وجوب حفظ المصلحة العامّة ووجوب دفع المفسدة العامّة نستطيع أن نشخّص وجوب الردّ لأنه مقدّمة لوجود المصلحة ودفع المفسدة ومقدمة الواجب واجبة.
الآية الثالثة: قوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(1).
والمحمول فيها هو وجوب السؤال والمراد السؤال عن الأُمور والمشاكل الدينية والاجتماعية ونحوها والموضوع فيها هم أهل الذكر وهو عنوان عام يشمل سائر أهل الاختصاص الديني بحيث يصدق أنّه من أهل الذكر وأنّه يحمل الذكر بين جنبيه وفي صدره وقلبه وهو المجتهد لأنَّ غيره وإن حمل شيئاً من الذكر إلّا أنه ليس من أهله لأنَّ كونه أهلاً أنَّه يتصرّف فيه تصرف المالك في ملكه وهذا إنما يحصل للمجتهد خاصّة.
وواضح أنَّ مقتضى وجوب السؤال وجوب الأخذ بالجواب وتطبيقه بالدلالة الالتزامية فإن كان خبراً وجب تصديقه وإن كان إنشاءً أو أمراً وجب امتثاله وهو المطلوب.
مناقشة الاستدلال بالآية الثالثة:
وما يمكن أن يورد على هذا الاستدلال عدّة أمور:
ــــــ[176]ـــــــ
(1) النحل: 43.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الإشكال الأوّل: أنَّ المراد به السؤال عن أصول الدين لا عن فروعه ونحن نريد كونهم مرجعاً في فروع الدين خاصّة لأنه مورد الاستدلال ولكن الآية مختصّة بأصول الدين بقرينة متصلة لأنه قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(1).
فهي تتحدّث بما يسمّى بالنبوة العامّة ولا ربط لها بفروع الدين.
وجوابه: أنَّ مورد الآية صحيح إلَّا أنَّه من الواضح أنَّ التحويل على أهل الذكر من باب أنهم أهل الاختصاص في كل شيء مما يرتبط بالدين أصولاً وفروعاً. وخاصّة أنَّ الذكر لا يختصّ بشيء دون شيء.
الإشكال الثاني: ما يقال من أنَّ المراد بأهل الذكر علماء اليهود والنصارى، فتخرج الآية عن محلِّ الاستدلال؛ لأنَّ المراد أنهم يعلمون ويؤمنون بصحّة نبوة أنبيائهم.
وجوابه:
1. أنَّ هذا منفي برواية وهي وإن كانت ضعيفة السند إلّا أنّها مناسبة مع الصحيح حدساً، وهي تنفي ما يقال في ذلك، وتقول: أنهم لو أمروكم بالدخول في دينهم فهل تجب طاعتهم؟
2. أننا لو سلّمنا شمول الآية لهم فإنّها أيضاً شاملة لعلماء المسلمين كما هي شاملة للمعصومين؛ لأنهم كلّهم أهل الذكر.
ــــــ[177]ـــــــ
(1) النحل: 43.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فإن قلت: فإنَّ في هذه السعة مفسدة أكيدة.
قلنا: نعم، ولكنّه يقيّد بما خرج بالدليل فيختص وجوب السؤال بالمورد المناسب مع كلّ واحد. والمورد في الآية هو كلّ ما هو مجهول (إن كنتم لا تعلمون) إلّا ما خرج بدليل فيكون من هذه الناحية عامّا لكلّ موارد الولاية العامّة.
الإشكال الثالث: أنَّ أوامر الولاية العامّة قد تصوّر بدون سؤال والآية تختص بوجوب الامتثال مع حصول السؤال.
جوابه:
1. التجريد عن الخصوصية، فإنَّ المهمّ صدور الخبر والإنشاء من أهل الذكر، سواء كان قبله سؤال أم لم يكن.
2.أنَّه يمكن أن نعتبر المشكلة التي صدر فيها الأمر نحواً من السؤال المقدّر ولو بلسان الحال غاية الأمر أنَّ الفرد العرفي لم يكن ملتفتاً إلى ذلك ولو التفت لسأله.
الإشكال الرابع: أنها تدل على وجوب الطاعة مع الجهل لا مع حصول العلم وخاصة مع الالتفات إلى مفهوم الشرط في قوله: إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وهذا معناه اختصاص وجوب الطاعة بالعوام أو بالمقلدين ونحو ذلك ولا تشمل المجتهدين، فإنَّهم لهم علم فلا يجب عليهم السؤال، ومن ثَمَّ لا تجب عليهم الطاعة.
جوابه من وجوه:
أوّلاً: أنَّ المراد بعدم العلم حينما يصدر من الله سبحانه في القرآن الكريم يراد
ــــــ[178]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
به عدم العلم بالواقعيات، وهذه الصفة حاصلة للمجتهد والعامّي معاً وقد عبّر بعض المجتهدين المعاصرين: أنَّ المجتهد يحشر جاهلاً قاصراً لأنَّ كلَّ ما في الأمر هو العلم بفراغ الذمّة والمعذورية أمام الله سبحانه لا العلم بالواقعيات كما هو واضح.
فإن قلت: فإنَّ المجتهد الذي يقول بالولاية العامّة وغيره سواء في ذلك.
قلنا: هما سواء في ذلك بالنسبة إلى الشبهات الحكمية وهي ليست مورد الولاية، وإنَّما أغلب موارد الولاية والقضاء هو الشبهات الموضوعية وهنا أمر يختلف بين المدارك فالشخص يمكن أن يكون مدركاً أكثر من غيره لبعض الملابسات والمصالح وغيره لا يعلم ذلك لأنَّه إما غافل عنها وإما محتمل لها وغير متيقن بها فيكون العالم بها أولى بالطاعة؛ لأنّه يكون مورداً لقوله تعالى: إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُوْن.
ثانياً: أننا حينما نقول بشرط الأعلمية للتقليد والولاية يكون الأمر أوضح بالنسبة إلى الشبهات الحكمية والموضوعية معاً فإنَّ المفروض أنَّ الأعلم تكون نسبة توصّله إلى الواقع أكثر من غيره، وبهذا يكون ذو علم أكثر من غيره ويكون غيره بالنسبة إليه ممّن لا يعلم ولو بشكل إجمالي، لا يختصّ بكل مورد بعينه لكن تكون كل الموارد مشمولة له مادام يصدق عليه الأفضلية في العلم ولو إجمالاً.
وبذلك يظهر أنّه يمكن الاستدلال بهذه الآية أيضاً لوجود اشتراط الأعلمية في التقليد والولاية لأنها تشمل كلا الموردين بإطلاقها كما هو واضح؛ لأنَّ الجهل كما يشمل الأحكام الشرعيّة يشمل منطقة الفراغ أيضاً.
ــــــ[179]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وعلى كلِّ حال إذا استطعنا أن نجد دليلاً على وجوب الطاعة في الكتاب الكريم كفى ولم يحتج إلى الاستدلال بالأدلّة الثلاثة الأخرى، ولكنننا نستدلّ بها لمجرّد التأييد.
فإن قلت: فإنَّ الآيات الكريمة لم تتعرّض إلى الولاية العامّة ليكون الولي العام واجب الطاعة حسب ظهورها بل القدر المتيقن منها هو المعصومون أو السلطان العادل المبسوط اليد الذي يعتبر عرفاً من أولي الأمر النافذ.
قلنا: إننا أثبتنا الولاية العامّة بمقبولة عمر بن حنظلة ونثبت وجوب طاعته بالآيات الكريمات وواضح من المقبولة أن بسط اليد لم يؤخذ شرطاً فيها وإنما يقول: جعلته حاكماً يعني من الناحية النظرية أو الاستحقاق سواء وفقه الله إلى بسط اليد أم لا.
كما أنه من الممكن أن نفهم ذلك من عنوان أولي الأمر يعني من له الأمر، ويجوز أمره وأمره حجّة بغض النظر عن بسط اليد وإلا نقض المورد بالمعصومين أنفسهم أو بأكثرهم وهو غير محتمل.
الاستدلال بالسنة
وأمّا من السنّة الشريفة فمقبولة عمر بن حنظلة نفسها كافية في ذلك وهي معتبرة سنداً كما سبق؛ لأنه يقول فيها: (فإنّي قد جعلته حاكماً فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنَّما استخفّ بحكم الله وعلينا رد والراد علينا راد على الله وهو على حد الشرك بالله).
ــــــ[180]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وتقريب الاستدلال بها على وجوب الطاعة هو وجود النهي عن الرد عليه وتشديد ذلك والرد عليه إنما يكون بعصيانه أو عدم الاكتراث به كما أنَّ الأخذ به طاعته.
مناقشة الاستدلال بالمقبولة على المطلوب:
والإشكالات التي يمكن أن تعرض بهذا الصدد عديدة:
الإشكال الأوّل: أنه يقول فإذا (حكم بحكمنا) ولذا يقول بعد ذلك: (وعلينا رد) يعني على حكمنا. وهذا يعني الحكم الواقعي في الشبهات الحكمية ولا يشمل الحكم الظاهري فضلاً عن الشبهات الموضوعية ومنطقة الفراغ.
وجوابه: أنَّ هذا الإشكال في حدود النقض بالحكم الظاهري في الشبهات الحكمية غريب جداً من وجوه:
الوجه الأول: أنه يجعل كل الفقه تقريباً خارج عن علم أهل البيت، لأنه كلّه مبني على الظاهر وهذا غير محتمل.
الوجه الثاني: أنَّ الأحكام الظاهرية أيضاً مروية عن أهل البيت ومن علومهم، كل ما في الأمر أنهم جعلوها في مرتبة معيّنة وحالة خاصّة هي الجهل بالأحكام الواقعية.
وممّا يؤيّد ذلك: أنَّ الأحكام الواقعية التفصيلية لم تكن موجودة بين الناس حتى في عصر الأئمة وإنما كان يقتصر الأئمة بالجواب عن الأسئلة الحكمية لا أكثر فقوله: شخص نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا لا يكون عارفاً للأحكام الواقعية بذلك المعنى لأنَّهم لم يتسبّبوا إلى ذلك حتى في عصرهم فضلاً عن العصور المتأخّرة.
ــــــ[181]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الوجه الثالث: أنَّه نسب الأحكام إليهم ولم ينسبها إلى الله سبحانه فلو نسبت إلى الله أمكن فهم الأحكام الواقعية منها وأما إذا نسبت إليهم كان المراد ما صدر عنهم من أحكام وهو ليس إلَّا السنّة الشريفة بما فيها من موضوعات واقعية وظاهرية، ويكون الرد على السنّة الشريفة والحكم الظاهر منها أو المعلول لها رداً عليهم.
وأما الإشكال على منطقة الفراغ فمردود أيضاً بأكثر من وجه:
الوجه الأول: أننا لا ننظر إلى ذلك كشبهات موضوعية بوجودها التكويني وإنما لها أحكام في الشريعة فتكون تلك الأحكام هي المقصودة بحرمة الرد.
الوجه الثاني: أنَّ المعصومين من أحكامهم تطبيق ما هو الأفضل شرعاً وأقرب إلى المصلحة وأبعد عن المفسدة من الناحيتين الدينية والدنيوية ولا يقبلون بضد ذلك قطعاً. إذن فتشخيص المصلحة والحكم فيه أيضاً من أحكامهم وأما الطعن في الصغرى أو المورد فهذا أمر آخر يأتي الكلام فيه وحسب الفقيه أن يحكم عقله المجرد في ذلك وقد ورد: أنَّ العقل نبي من الداخل كما أنهم قد أسّسوا في علم الأصول بأنَّ القطع حجة، فإذا قطع الفقيه بالمصلحة كفى في الحجية.
الإشكال الثاني: في قوله: (فلم يقبل منه) ومن الأكيد أنَّ المجتهدين لا يقبل بعضهم من بعض ويناقش بعضهم بعضاً وهذا جائز قطعاً وعليه أجيال العلماء فلابدَّ من حمل الأمر في المقبولة على نحو من التنزيه.
وجوابه:
الوجه الأول: أن عدم القبول على مستويين:
المستوى الأوّل: أن نقول للفقيه إن حكمك هذا ليس من حكم أهل البيت
ــــــ[182]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وإنما أنت متوهم فيه وإنما الحكم هو كذا وكذا والى ذلك يرجع نقاش الفقهاء لأنه نقاش في الدليل يعني أنَّ أهل البيت لم يقولوا ذلك في ظاهر كلامهم وقواعدهم وبذلك يخرج موضوعاً عن قولهم: فإذا حكم بحكمنا. ويكون النقاش في الدليل جائزاً (فيكون ذلك ردّاً إلى الله لا رداً على الله).
المستوى الثاني: أن نقول للفقيه إن حكمك باطل حتى لو كان مطابقاً للكتاب والسنة. فهذا في واقعه اعتراض على الكتاب والسنة وهو على حدِّ الشرك بالله.
وهذا أمرٌ لا يختلف فيه جانب الفتوى عن جانب الحكم بالولاية فإذا كان الفقيه حجّة، ولم يقلّده الفرد أو أعلم ونحوه كان راداً عليه وعمله محرّم ويكون الفقيه مظلوماً من هذه الناحية وكذلك في الحكم بالولاية.
فإن قلت: فإنَّ الفتوى قابلة للنقاش؛ وذلك للطعن بالدليل وكذلك تشخيص المصلحة في منطقة الفراغ أيضاً قابل للنقاش وإنَّ المصلحة ليس كما شخّصها الفقيه بل تختلف قليلاً أو كثيراً كما يفعل الناس الآن.
قلنا: يجاب بعدّة أجوبة:
أوّلاً: أنَّه باجماع القائلين بالولاية العامّة من الفقهاء: أنَّ أوامر الولاية لا يجوز نقضها وعصيانها، ومعنى ذلك أنَّه لا يجوز النقاش فيها وفي مصالحها وحتى لو ناقش الفرد فعلية الطاعة.
ثانياً: أنَّ المصالح العامّة تحتاج إلى قناعة واحدة قياديّة أو رئيسية؛ وذلك لاختلاف العقول والأفهام جدّاً، وذلك لا يكون إلَّا بقناعة الفقيه نفسه وإلّا
ــــــ[183]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
حصلت مفسدة عامّة أكيدة، وهو ما لا يريده الشارع المقدّس.
ثالثاً: أنَّه مهما كانت قناعته في تشخيص المصلحة قابلة للمناقشة فإنما ذلك قبل صدور الحكم وأما بعد صدور الحكم فلا؛ وذلك لأنه يصبح من حكم المعصومين ما لم يتضح باليقين وجود مفسدة أكيدة فيه، وهو ممّا لا يحدث عادة.
رابعاً: يمكن القول: إنَّ الفقيه على هذا المستوى تكون حدوسه وقناعاته حجّة بدليل أنها حجّة في استنباط الأحكام الشرعية وهذا أكيد، فكذلك تكون حجّة في فهم الشبهات الموضوعية والمصالح العامّة، وهذا وإن لم يكن في مورده نصّ خاص إلا أنه يمكن فهمه من السياقات العامّة للكتاب والسنة يكفي أن نفهم ذلك: أنَّه حكم يحكمنا مع أنَّ حكمه ناتج من قناعته ومع ذلك يكون هو حكم أهل البيت وذلك لأنَّ علّة هذا الحكم حجة وهي قناعة الفقيه نفسها.
الإشكال الثالث: أنَّ ظاهر العبارة في المقبولة هو أنَّ المدار في الحرمة هو الاستخاف، ونحن نسلم بعدم الجواز فيها وإنما الكلام في مجرّد العصيان الذي لا يكون معه استخفاف فلا تكون دليلاً على حرمته.
وجوابه: واضح وهو أنَّ ظاهره أنه يعتبر مطلق العصيان استخفافاً لأنه قال: (فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه) فإنَّما استخف بحكم الله وعلينا رد. فقد نزل عدم القبول الذي هو العصيان منزلة الاستخفاف وهو محرّم.
مضافاً إلى الأمر الآخر وهو قوله: (وعلينا ردّ). فلو تنزّلنا عن الاستخفاف كفى ذلك أيضاً بالحرمة.
ــــــ[184]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الإشكال الرابع: أنَّ ظاهر العبارة هو كون الممنوع هو العصيان العام له من قبل الناس كلّهم؛ لأنَّه قال: (فلم يُقبل منه) وهذا لا ينافي أن يكون العصيان الفردي جائزاً.
وجوابه: أوّلاً: أنَّ هذا فرع أن يكون الفعل المضارع (يقبل) بصيغة المبني للمجهول، فلو كان مبنياً للمعلوم كان شاملاً لأي فرد والقرائن المتصلة دالّة على أنه مبني للمعلوم؛ لأنه قال: فإنما استخف بحكم الله وعلينا ردّ.
فإن قلت: لعلّها كلّها مبنية للمجهول.
قلنا: مضافاً إلى بُعده في نفسه.
فإنَّه يقول بعدها: (والراد علينا راد على الله) بصيغة المفرد، وهو قرينة على أنَّ المراد بالأفعال السابقة كلّها المفرد أو المبني للمعلوم.
فإن قلت: بأنه على تقدير البناء المعلوم لا يكون مرجع الضمير موجوداً في العبارة وهو خلاف الظاهر، بخلاف ما لو كان مبنياً للمجهول.
قلنا: هذا ليس محذوراً في نفسه؛ لأنَّه لا يقصد من الضمير أي فرد معيّن وإنما يراد به كل الأفراد على نحو البدل إذن كأنه يكون راجعاً إلى كل الأفراد فلا يحتاج إلى مرجع معيّن في العبارة.
كما لو قلنا: (إذا زالت الشمس فصلِّ) أو إذا شك بين الاثنين والثلاث عمل كذا.
ثانياً: أنَّه حتى لو قبلنا أنه مبني للمجهول فإنه يدل على نفس المضمون وهو شموله لكل فرد بل هو أولى بالدلالة على ذلك، كما هو واضح وهذا الذي قيل في الإشكال من شموله لكلّ المجتمع وإن كان صحيحاً إلّا أنه لا يدلّ على ذلك ــــــ[185]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
بشدّة الانضمام بل يشمل كل فرد فرد منهم.
روايات أخرى دالة على وجوب الطاعة:
ومن الروايات الدالّة على وجوب الطاعة من الروايات التي يستشهد بها على ولاية الفقيه ما عن اسحق بن يعقوب قال: (سألت محمّد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان: «أما ما سألت عنه أرشدك وثبتك…» إلى أن قال: «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله»). الحديث.
وذلك بأن يقال: أنَّ الأمر بالرجوع إنَّما هو أمر بالطاعة بعد التنزّل عن الإشكالات الأخرى سنداً ودلالة.
ومن جملة تلك الروايات ما روي في الاحتجاج للطبرسي عن أبي محمّد العسكري في قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ(1).
وقد ورد من جملة كلامه: (فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم). الحديث.
وتقريبه بعد غض النظر عن المناقشات بما فيها ضعف السند: أن المحمول
ــــــ[186]ـــــــ
(1) البقرة: 79.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فيها هو التقليد وهو لا يراد به المصطلح المتأخّر وإنما التقليد هو تطبيق العمل على قول الآخر كأنه يجعل عمله في مسؤولية الآخر كالقلادة أو أنه يقلّده أي: يعمل مثله كالببغاء أو القرد كما هو الأرجح وهذا لا يكون إلا بالطاعة فتدل على وجوبها.
فإن قلت: فإنه يقول: فللعوام لا (على العوام) فيكون دالّاً على الجواز لا على الوجوب.
قلنا: نعم بهذا المقدار، أو تكون اللام بمعنى (على) فتأمّل. أو تكون لجامع الجواز يعني نفي الحرمة أو منع المنع إلى دليل خارجي. أو يكون على غرار قوله تعالى: فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا(1) يراد به الوجوب إلّا أنه لا ملازمة بينهما وإمكانه لا يقتضي تعيّنه.
ولكنّه إذا ترك التقليد فماذا يفعل إذا لم يتمكن من الاجتهاد والاحتياط ـ إن قلنا به ـ فإنَّه عندئذ سيعلم إجمالاً بالحكم الشرعي ويتعذّر عليه تطبيقه فلأجل حلّ هذا العلم الإجمالي يجب عليه التقليد فيكون وجوبه عقلياً إن لم يكن شرعياً.
الآية الرابعة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ(2).
ــــــ[187]ـــــــ
(1) البقرة: 158.
(2) الجمعة: 9.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ولا ينبغي أن يفوتنا الاستدلال بهذا الصدد من وجوب الطاعة في خصوص صلاة الجمعة وهي نفس الآية الكريمة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ.
حيث كان الموضوع هو النداء والمحمول هو وجوب السعي أو قل: ذاك فعل الشرط وهذا الجزاء فإذا فسّرنا النداء بالوجوب الصادر بالولاية كان الوجوب في الآية مدعوماً بأمر الله سبحانه في وجوب السعي وهذا يكفي للاستدلال في محل الكلام إلا أننا نستطيع أن نجرده عن الخصوصية لكلّ مورد إذ المهم في الموضوع هو كون الأمر صادراً بالولاية لأية خصوصية أخرى محتملة.
إلّا أنَّه من الواضح أنَّ الاستدلال يتوقّف على أنَّ المراد بالنداء هو الأمر بالولاية لحضور صلاة الجمعة وهذا ممّا ينبغي التدقيق فيه.
وما يحتمل أن يكون مدلولاً للنداء عدّة أمور بعد أن نأخذ بنظر الاعتبار بأنَّ أصل الوجوب للجمعة تخييري وإن هذا النداء يحوّلها إلى الوجوب التعييني.
والانقسام الرئيسي لمعناه أنه إما إنشاء أو إخبار وعلى كلا التقديرين فهو إما صادر من معصوم أو من سلطان عادل أو من ولي عام أو من أي فرد مؤمن.
وعلى كل تقدير فمضمون النداء هو إما إقامة صلاة الجمعة بالمطابقة أو بالالتزام أو بشيء أجنبي عنها فيكون (3 3 2=18) احتمالاً ونتحدّث عن أهمها:
أما انقسامها إلى الإنشاء والإخبار فالمراد بالإخبار: الإخبار عن تحقّق موضوعها كالإخبار باجتماع خمسة أو سبعة أو وجوب من يخطب ونحو ذلك لتنقّح لدى الآخرين الوجوب التعييني بالحضور وهذا في نفسه لا إشكال فيه إلا ــــــ[188]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
من حيث إمكان فهمه من النداء على ما سيأتي.
وأمّا الإنشاء فأحد أمرين: أمّا الأمر بحضور صلاة الجمعة بالولاية فيكون ذلك موضوعاً للوجوب في جزاء الجملة الشرطية في الآية وأما النداء بمعنى مناداة الناس؛ لأنَّ (ناداه) يعني طلب منه الاقبال عليه والحضور إليه وهذا هو الظاهر والمنادى فيها هو الذين آمنوا؛ لأنه يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ يعني إذا نوديتم.
فإن قلت: فإنَّها عندئذ لا يُستفاد منها إلا النداء دون الحكم بالولاية.
قلنا: بل يستفاد كلا الأمرين لأنَّ النداء بمجرده لا معنى له إلّا أن يكون بقصد معيّن والمفروض أننا فهمنا من الآية أنَّ (ذكر الله) في يوم الجمعة ليس إلّا صلاة الجمعة فلذا يقول: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ. ولم يقل أجيبوا النداء فقط، بل أطيعوه أيضاً وهذا يكفي.
إذن فقد حصل أننا نفهم كلا الأمرين:
النداء بمعنى: يا أيها الناس مع النداء وهو الأمر بالولاية لأنه ملازم له إذن فكل من الإنشاء والإخبار. في هذا التقسيم هو في صالح الاستدلال بالآية وظهورها السياقي بالإنشاء لا الإخبار أكيداً: يعني الأمر بالولاية في دعوة الناس إلى الحضور.
وأما الكلام في الانقسام الثاني وهو الآمر فمن الواضح أنه محذوف في الآية والمحذوف ظاهر بالإطلاق ومحصّله: صدور النداء ممّن تجب طاعته شرعاً إذ لا يحتمل شمولها لغيره أكيداً.
ــــــ[189]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الإشكال على دلالة الآية على لزوم الطاعة:
غير أنَّ الإشكال الرئيسي فيها: هو كون المنادي هو النبي في عصر نزول الآية فتكون الآية فيها تلويح إلى خصوص نداءه أو قل: يكون نداؤه هو القدر المتيقّن منها ولا يمكن التجريد عن الخصوصية إلى غيره لاحتمال الخصوصية أو اليقين بها.
ويجاب ذلك بعدّة وجوه:
الوجه الأول: أنّه لو أراد النبي لذكره وهذا معناه أنه بالرغم من وجود النبي في المجتمع فقد اختار الإطلاق والتعميمم مع أنّه ذكره في آيات أخرى وهذا دليل العموم والظهور فيه.
الوجه الثاني: أننا لو تنزلنا عن ذلك احتجنا إلى ضمّ أدلّة أخرى ارتكازية أو لفظية تنتج التعميم ولو بنحو من التنزيل يعني تنزيل غير النبي منزلة النبي كالمعصومين والسلطان العادل وغير ذلك.
وذلك بالتمسك ارتكازاً أو ظهوراً بأدلة ولاية المعصومين (وولاية من بعدهم).
الوجه الثالث: أن يقال: إنّنا نتبع العنوان المأخوذ في الآية ولو كان المراد أكثر من ذلك أو قيد زائد لبيّنه وهو عنوان النداء إلى حضور صلاة الجمعة فيجب طاعته ما لم يخرج بدليل ولا شكّ أنَّ العناوين الملحوظة لنا لم تخرج بدليل.
الوجه الرابع: أنَّ الانصراف إلى خصوص نداء النبي ليس انصرافاً ظهورياً لفظياً بل هو انصراف ناشئ من العمل الخارجي الذي كان متحققاً في
ــــــ[190]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ذلك الحين وهذا يكون من جنس العمل ليس له لسان لكي يتمّ به التقييد، وكونه هو القدر المتيقن – وإن كان صحيحاً- إلّا أنه لا ينافي الأخذ بالإطلاق.
الوجه الخامس: أنَّه ينقض بنداء المعصومين بعد النبي أمّا حقيقة فيمن صلّى الجمعة وأما تقديراً فيمن لم يصلها إذ لا يحتمل عدم شمول الآية لهم وهذا بخلاف ما لو كانت خاصّة بالنبي.
الوجه السادس: أننا نتمسك باخبار الجري مجرى الشمس والقمر وإن القرآن إذا كان خاصّاً بقوم وماتوا لمات القرآن فكذلك لو كان خاصاً برسول الله.
والإشكال الآخر الذي يمكن توجيهه إلى الاستفادة من الآية: هو فهم بسط اليد فلو لم يكن الفقيه مبسوط اليد لم تشمله الآية، وذلك بعد الالتفات إلى مقدّمتين:
المقدّمة الأولى: أنَّ القدر المتيقن منها هو مورد نزولها وهو أمر النبي وهو كان مبسوط اليد فإن ألغينا خصوصية النبوة كما سبق وأمكن التجريد عن الخصوصية فهذا لمن كان مبسوط اليد وليس غيره.
المقدّمة الثانية: أنَّ الحاكم العادل المبسوط اليد يكون في عصيانه مفسدة واختلال النظام ولذا وجبت طاعته حفظاً للنظام مع كون النظام العام واجب الحفظ في الشريعة أكيداً وهذا غير متحقق في غير مبسوط اليد.
ويمكن جوابه بعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: النقض بالمعصومين غير مبسوطي اليد فإنه لا شكّ أنَّ أمرهم
ــــــ[191]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
نافذ بالولاية مضافاً إلى التشريع ولو كان بسط اليد مشترطاً لاختص وجوب طاعتهم بالتشريع، مع أنَّه غير محتمل.
فإن قلت: فإنَّهم خارجون بدليل خاص مقيّد.
قلنا: هذا في التشريع صحيح إلّا أنَّه في الولاية غير موجود بل يأتي فيهم نفس التقريب السابق وهو أنَّ القدر المتيقن من (آية الغدير) هو المعصوم المبسوط اليد لأنَّ النبي كان عندئذ مبسوط اليد فلا يشمل المعصومين غير المبسوطي اليد وكلّ ذلك من تسويلات الشيطان وأوضح إشكال عليه النقض بأمير المؤمنين عندما لم يكن مبسوط اليد.
الوجه الثاني: منع المقدمة الأولى: فإنَّ النبي وإن كان مبسوط اليد وهو القدر المتيقن من الآية إلّا أنَّ القدر المتيقن لا ينبغي أن يكون مقيداً للاطلاق ومضراً بمقدمات الحكمة ما لم يبلغ الظهور بالخلاف وهو غير متحقق وجداناً وقد قالوا -كما هو الصحيح-: أنَّ الحجج الشرعية نافذة وإن كان الظن بخلافها.
الوجه الثالث: منع المقدمة الثانية: وذلك أنَّ السلطان العادل وإن كان في عصيانه مفسدة إلّا أنَّ هذا يصلح كدليل مستقل وأما أن يصلح قرينة بضمّه إلى الآية الكريمة فلا إذ غاية ما يحصل عندئذ هو أنَّ الحكمة من الأمر في الآية هو ذلك وهذا لا ينافي إطلاق الآية مضافاً إلى أنها واردة في خصوص الجمعة ولا تكون هناك مفسدة كبيرة في العصيان الجزئي لهذا الأمر نعم تفوت به بعض المصالح وفوت المصلحة غير حصول المفسدة عرفاً إذن فلا دخل لبسط اليد في إطلاق الآية الكريمة.
فهذا ما يمكن الاستدلال به من الكتاب والسنّة.
ــــــ[192]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الأدلة اللبية على لزوم طاعة ولي الأمر:
دليل الإجماع:
وأمّا الأدلة اللبّية بما فيها الإجماع فما يمكن بيانه منها عدّة أمور:
الأمر الأول: الإجماع على وجوب إطاعة الولي العام غير المعصوم وهذا بهذه الصيغة لا يمكن تخريجه لا المحصّل منه ولا المنقول لأنه يعني الإجماع على القول بالولاية وهو غير متحقق جزماً وإذا كان متحقق فالقدر المتيقن منه هو مبسوط اليد على نقاش يأتي.
الأمر الثاني: الإجماع من قبل من يقول بالولاية من الفقهاء على إطاعة الولي سواء كان مبسوط اليد أم لم يكن. وهذا لا يبعد الاطمئنان به لأنه هو مقتضٍ ولازم القول بالولاية إلّا أنَّه لا يشكل إجماعاً كاملاً بل حصّة من الإجماع إلّا أن نضم الحصة الأخرى بعنوان أنَّ الآخرين لو قالوا بالولاية لقالوا بوجوب الطاعة وهو كما ترى.
الأمر الثالث: الإجماع على إطاعة عنوان الولي العادل أياً كان مورده لأن مقتضى الولاية هو ذلك ولذا تجب الطاعة في الولايات الخاصّة كالأب والمولى ومتولي الوقف وغيرهم وأما صغرى الإجماع فننفيها بدليل آخر أعني ثبوت الولاية العامّة: كمقبولة عمر بن حنظلة.
ولا شك أنهم لا يشترطون بسط اليد في وجوب الطاعة للولي ولذا لو أصبح الولي الخاص غير متمكن من تنفيذ أمره فيما يتولّى عليه لم يسقط عن الولاية كالأب ومتولي الوقف بل تكون تصرّفات ومعاملات غيره باطلة شرعاً ونفس
ــــــ[193]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
هذا الكلام يسري إلى الولاية العامّة بعد إحراز صغراها بدليل خارجي.
وهذا يعني أنَّه حتى لو كان القدر المتيقن منه هو المبسوط اليد إلا أنَّ الإجماع موجود في كلتا الحصّتين وهذا أيضاً يصلح تفسيراً لما قلناه من الإجماع التعليقي يعني: لو كانوا قالوا بالولاية لقالوا بوجوب الطاعة وذلك لأنّهم قالوا بالكبرى بوجوب طاعة الولي فعلاً. وإنّما النقاش في الصغرى فلو تمّت عندهم الصغرى لانطبقت الكبرى عليها فإذا لم تكن تامّة عند العديدين فهي تامّة عندنا على أي حال.
الاستدلال بالعقل:
وأمّا العقل فينبغي أن يكون بدرجة اليقين لا بتقريبات خطابية: وذلك من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أنَّ ما يقال عادة من ضرورة ولاية المعصومين بعد النبي وأنه لا يجوز له عقلاً أن يدع الأمّة الإسلامية مهملة من حيث القيادة والتوجيه بل تجب عليه الوصية عقلاً من هذه الناحية كما يجب على محمد أمره بالوصية وقد فعل ذلك فعلاً.
فيأتي نفس هذا التقريب في المعصومين من حيث أنهم يعلمون أن مدّتهم محدودة وعددهم محدود وأنَّ البشرية ستعيش بعدهم الآفاً من السنين بدون موجه أو قل: أنهم يعلمون بحصول الغيبة الكبرى فيجب عليهم عقلاً أن يوصوا – كما قلنا في وصية النبي- إلى غيرهم بالقيام بالأمر ولا يدعوا الأمر بعدهم مهملاً وسائباً وقد فعلوا سلام الله عليهم.
ــــــ[194]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
بل لعلّ الأمر أكثر من ذلك فلو لم يكن قد ورد عنهم شيء من ذلك أمكن القول بأنَّ المسألة يمكن تنفيذها برضاهم إذ أنَّ الوصية ولو ارتكازاً موجودة قطعاً فلعل الموانع هي التي منعت عن التصريح بها فيبقى المستوى الارتكازي ساري المفعول إلّا أنَّ هذا فرض غير متحقق لأنَّ ما وصل منهم كافٍ في متحقق المطلوب: من كلا جهتي الأمر الفتوائي بالتقليد والأمر الولائي بالولاية العامة.
نعم لو أخذت المسألة ارتكازية لم يكن فيها إطلاق فكان اللازم الاقتصار على القدر المتيقن وهو من جهة: الأعلم ومن جهة أخرى: المبسوط اليد إلّا أنَّ هذا الأخير قابل للمناقشة لأنّ بسط اليد وإن كان مشترطاً إلّا أنه لا يزيد على معنى التمكن من التصرف وكلّما تمكّن الفقيه من التصرف في مورد كان مبسوط اليد فيه فيكون مورداً للولاية وهكذا.
أمّا اشتراط بسط اليد بقول مطلق بحيث لا ولاية بدونه فهو مضافاً إلى أنَّه مخالف لهذا الارتكاز فإنه موجبٌ لحدوث المفاسد وفوت المصالح كثيراً بشكل نعلم بعدم رضا المعصومين عنه وعلى أي حال فهذا فرض غير متحقق جزماً لأنَّ المطلقات عندنا موجودة وواصلة بفضل الله تعالى.
الوجه الثاني: لتقريب حكم العقل: أن يقال: إنَّه لو لم تكن هناك ولاية عامّة لحصلت مفاسد كثيرة عامّة وخاصّة وفاتت مصالح كثيرة عامّة وخاصّة. كما جرّبنا فعلاً على مدى الأجيال منذ زمان المعصومين حين أصبحوا غير مبسوطي اليد منذ زمان معاوية والى الآن ولو كانت هناك ولاية عامّة مستمرة معترف بها من قبل الفقهاء جيلاً بعد جيل لم يصل الأمر إلى ما آل إليه من الحال.
ــــــ[195]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وهذه المفاسد: إمّا أن نقول: لا يرضاها العقل لأنها كلّها من المظالم لا من العدل عقلاً والظلم قبيح عقلاً فهذه المفاسد قبيحة عقلاً وإما أن نقول: إنها لا برضا الشرع وهذا أيضاً أكيداً لأنَّ الشارع لا يريد للناس إلَّا الخير والصلاح ولا يجب الظلم والظالمين كائناً ما كانوا.
وعندئذ تكون النتيجة هي أحد أمور:
الأمر الأول: أن نقول: أن العقل يحكم بالولاية العامّة دفعاً للمظالم ومقدمة لاستتباب العدل الذي يحكم بحسنه.
الأمر الثاني: أن نقول بقاعدة: أن ما يحكم به العقل يحكم به الشرع وبما أنَّ العقل يحكم بوجوب العدل عن طريق الولاية العامّة فكذلك الشرع.
الأمر الثالث: أنَّ الأمر لا يتوقف على هذه الكبرى بل يحصل الحدس والعلم ابتداء بأنَّ الشارع يدرك هذه المظالم وقد تلافاها نظرياً بجعل الولاية العامّة.
مناقشة في تقريب الدليل العقلي:
أمّا الأول: فإنه وإن كان صحيحاً إلّا أنَّ دليل العقل دليل لبّي يقتصر منه على القدر المتيقن وهو: الأعلم وبسط اليد وحين الضرورة وهو خلاف المطلوب.
وأما الثاني: فلمنع كبراه وهو تبعية حكم الشرع لحكم العقل.
وأمَّا الثالث: لا من محصله النظر إلى حكم العقل كطريق إلى حكم الشرع يعني أنَّ العقل يدرك أن الشارع يحكم بالولاية وهذا وإن كان أيضاً دليلاً لبيّاً إلّا أنَّه يمكن توسيعه وتضييقه بالمقدار المعروف من ذوق الشارع أما اشتراط الأعلم فلا نتنزّل عنه. وأما بسط اليد فيمكن أخذه نسبياً لا مطلقاً وأمّا الضرورة فهذا
ــــــ[196]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
يرجع إلى ضرورة رفع المفاسد المعتد بها في حين أنَّ الشارع يريد دفع كل المفاسد وجلب كل المصالح.
الوجه الثالث: أنَّ القليل من الأفراد ممّن ينصب نفسه كثيراً في تحصيل المقدمات إلى أن يصل إلى الاجتهاد أو الأعلمية ويكون في نفسه مؤهّلاً لتبوء المنصب وهو السلطان العادل أو الولي العادل فنقول: إنه يقبح على الله سبحانه أو على الشارع المقدّس الحكيم أن يحرمه من المرتبة التي وصل إلى استحقاقها.
فإنَّه مضافاً إلى أنه مخالف للكرم الإلهي فإنه ظلم لهذا الفرد وللمجتمع الذي يمكن أن يستفيد من ولايته ومن أوامر ونواهيه والمفروض أنه أهل لتنفيذ المصالح ودفع المفاسد فيتعين العلم بجعل الولاية العامّة له.
لا يقال: أنَّه عندئذ يتعيّن إعطاء كلا الجانبين العملي والنظري له لأن المفروض أنه أهل لهما معاً فيكون حرمانه من أي منهما ظلماً فيتعيّن مع أنه من الواضح أنَّ هذا لم يحصل لعدد معتد به من علمائنا ممّن بلغ هذه الدرجة لأننا نعلم اجمالاً بوجود واحد أو أكثر في كل جيل ممّن هو مؤهّل لهذه المرتبة.
فإنه يقال: أنَّ كلامنا الآن في جعل الولاية من الجانب النظري والتشريعي فقط لأنه بدونها تكون كلتا الصفتين قد حُرم منهما وهو الظلم المقصود.
فيتعيّن إحداهما فإذا علمنا أنَّ صفة السلطنة الفعلية إنما هي موكولة إلى الأسباب وأن لله سبحانه في المجتمع أهداف بعيدة مانعة عن حصول ذلك.
فتتعيّن الحال في الجانب النظري للحكم الشرعي فإنه لا يتوقّف على شيء، إلّا بسط اليد النسبي فيتصرف بمقدار إمكانه ونتيجة هذا الوجه في كون دليل
ــــــ[197]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
العقل لبياً هو نفس نتيجة الدليل السابق من حيث أننا قلنا إنه يمكنها تحديد المجعول بمقدار معرفة ذوق الشارع المقدّس.
فهذا هو الاستدلال على وجوب الطاعة بالأمر بالولاية وقد ثبت بالدليل صحّته. فإذا حكم الولي العام أو السلطان العادل بوجوب إقامة صلاة الجمعة وجب الحضور وتبدّل المحمول من الوجوب التخييري إلى التعييني.
حتى لو لم يكن هناك اجتماع خمسة أحدهم الإمام بل يكون الاجتماع بمنزلة مقدمة الواجب يجب إيجاده كالطهارات الثلاث.
وهذا هو المعنى الارجح بل هو المعنى الظاهر للنداء في الآية الكريمة فإنَّ المنادي هو الولي والمنادى هو المجتمع إلى الناس والافراد فيه والنداء وحده لا معنى له إلّا بهدف معيّن وهو مذكور في الآية وهو إقامة صلاة الجمعة وحتى لو لم تكن الآية موجودة لتم المطلب بالأدلة الأخرى.
إشكال وجواب حول منطقة الفراغ:
في الاستدلال على وجود منطقة الفراغ فإنه قد يستشكل في ذلك وأنَّ هذا الأمر لا وجود له بل يمكن تغطية كل ذلك بالفتوى لأنَّ الفتوى شاملة لكل شيء نظرياً وعملياً أما نظرياً فللإجماع على أنَّ لكلِّ واقعة حكم وما يسمّى بمنطقة الفراغ حصّة منها إذن فلها حكم وأمّا عملياً؛ فلأنه يمكن استنتاجه واستنباطه من القواعد العامّة كما هو معلوم.
إذن فالفتوى كافية ولا نحتاج إلى الأوامر بالولاية.
ــــــ[198]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وجواب ذلك: أنّنا نحتاج إلى منطقة الفراغ أو قل إلى حكم الولاية فيها لتغيير صيغة الحكم الشرعي الأصلي أو الفتاوائي بعد أن عجزت الفتوى عن الإصلاح.
وأما قوله: (ما من واقعة إلّا ولها حكم) فمن الواضح أنَّه لم يقل: إلّا ولها فتوى، أو إلّا ولها حكم أصلي في الشريعة فمن الممكن أن يشمل معنى الحكم حكم الولاية، ويكون بنفسه شرعياً، وخاصة وأنَّ هذا النصّ إنّما هو مضمون إجماع والإجماع لا إطلاق له ولا مفهوم له.
مضافاً إلى أننا لو سلمنا به فإن كثيراً من الأمور كما سيأتي مثاله يعتبر بالفتوى من المباحات أو المستحبات أو المكروهات يعني ليس فيه إلزام فلا يكون في نفس المكلف أن يفعله فيقع في شيء من المفسدة فيكون حكم الولاية هو الذي يلزمه به ويوجبه عليه.
فإن قلت: فإنّ معنى ذلك وجود عنوان ثانوي هو المفسدة الشديدة، وهو منتج للفتوى أيضاً على طبقها، فلا نحتاج إلى الحكم بالولاية.
قلنا: يجاب بعدّة أجوبة:
أوّلاً: أنَّ المفسدة قد لا تكون شديدة إلى درجة منتجة للفتوى ولكن الحاجة الفعليّة متوقّفة، ولا تكون إلاّ بإلزام المكلفين بها بالولاية.
ثانياً: أنّنا لو سلّمنا هذا فهو أمر لا يلتفت إليه العامّة، فيكون حكم الولاية ملفتاً لهم من هذه الناحية.
ــــــ[199]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ثالثاً: قد توجد مفسدة في العمل على طبق الفتوى كالتصرف بأموال الآخرين، ولكن لا تحله إلاّ الحكم بالولاية.
وهنا أمّا أن ننفي وجود الولاية العامّة أصلاً، وأمّا أن نقول بها جزئياً يعني في بعض الموارد، وأمّا أن نقول بها عموماً.
والأمر المعلّق مشهورياً هو الأوّل، والأمر المطبق مشهورياً هو الثاني، يعني أنّهم ينفون الولاية بالمرة ويستشكلون منها، ولكنهم يطبقونها في بعض الأمور حتماً.
وأوضحها الحقوق الشرعية، فلو نفينا الولاية واقتصرنا على الفتوى لم يجز التصرّف بحقّ الإمام إطلاقاً حتّى لو قلنا أنّه ملك منصب، كما هو الصحيح؛ إذ ليس لأحد منصب التصرّف فيه، فإنّه لا يكون إلّا بالولاية. وإلّا فالتصرّف بأموال الغير بدون إذنه محرم، وكذلك التصرف بحق السادة فإنّه منوط بإذنهم والمخوّل الوحيد شرعاً هو المالك في إعطائه لفقراء السادة، وأمّا أن يقبض غيره حقّه عنه ويدفعه بإذنه أو بدون إذنه فهو محتاج إلى الولاية، ونحوه الزكاة التي هي حقّ الفقراء.
وكذلك قبض مجهول المالك أو الإذن فيه، فإنّه يحتاج إلى الولاية عن المالك المجهول أو عليه، وإلّا فليس من حقّك ذلك بالفتوى جزماً، وكذلك إرث من لا وارث له، فإنّه من قبيل حقّ الإمام لا يجوز التصرّف فيه لأحد بدون إذنه.
وهذا فيه آثار كثيرة من أهمّها الصلاة في مجهول المالك والحجّ فيه والإفطار عليه ونحو ذلك، وصلاة الجماعة خلف من يفعل ذلك، والآن كل رجال الدين ــــــ[200]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
يفعلون ذلك وغير ذلك.
ومنها: طلاق الغائب أو المفقود الذي مارسه المحقّق الخوئي وغيره. بالرغم من أنّ موضوعه في الرواية هو الحاكم أو الولي، والمفروض عدمه مع عدم القول بالولاية العامّة، وليس مجرّد كونه مجتهداً يكفي فيه ذلك.
والرواية خاصّة بالمفقود ولا تعمّ الغائب الذي نعلم بحياته ولو اطمئناناً حتّى لو لم نستطع الاتصال به، كما لا تعمّ المسجون، كما لا تعمّ المعاند والظالم لزوجته وقاطع النفقة ونحو ذلك، مع أنّهم طلقوا في أكثر هذه الصور، ولا تكون هذه الأمور إلاّ بالولاية، ومقتضى الاحتياط في الفروج بطلانها، كما أنّ مقتضى الأصول العمليّة هو ذلك؛ لأنّ الأصل عدم الولاية كما أنّ الأصل عدم تأثير الطلاق وبقاء الزوجيّة.
مناقشة القول بالولاية الجزئية:
فإن قلت: أننا يمكن أن نقول بالولاية الجزئية أو التبعيض بالولاية من حيث أنَّ الدليل دلّ على وجود الولاية في بعض الموارد دون بعض ونحن تبع الدليل فما حصل فيه اتبعناه وما انتفى فيه وقفنا فنقول أنَّ هذه الموارد وأمثالها ممّا دلّ الدليل على صحّتها فجرى عليها الفقهاء والباقي لم يتم فيها الدليل وهذا هو الذي يفسّر سيرة الفقهاء المتأخرين على أحسن وجه.
قلنا: إنَّ أحسن جواب على ذلك هو مطالبتهم بالدليل على هذه الأمور.
وأنا أقول: أنه لا دليل عليها بغض النظر عن الولاية فإنَّ المشهور على الألسن أنَّ للفقيه قبض حق الإمام ومطلق الحقوق الشرعية وأنه هو ولي الغائب
ــــــ[201]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
والممتنع والوقف الذي ليس عليه متولّي والقاصر الذي فقد وليه أبوه وحده: والقاصر عقلياً وهذا معناه التبعيض في الولاية مع وجود الدليل على هذا المقدار لكنني أتحدى كلّ فقيه على إقامة الدليل على هذا المقدار بعد وضوح أنَّ مقتضى الأصل خلافه ادفع الشك في الحجية يجري الأصل في عدمها.
أمّا الدليل اللفظي فهو واضح عدم وجوده ولكن ما يمكن أن يكون دليلاً على ذلك بعض الأدلّة اللبيّة: كالاجماع والسيرة والضرورة بمعنى حصول المفسدة لولا هذا التصرّف والشارع لا يرضى بالمفسدة فيتعيّن.
وجواب ذلك إجمالاً من ناحيتين:
أولاً: أنَّ هذه أدلّة لبيّة يقتصر فيها على القدر المتيقن وهو مورد الضرورة القصوى دون غيرها.
ثانياً: أنَّ حجيّة التصرف بالولاية وكذلك نفوذ المعاملات التي تعمل بالولاية إنما هو من سنخ الحكم الوضعي. ونحن نعلم أنَّ الضرورة والمصلحة ونحو ذلك لا تغيّر الحكم الوضعي وإنما إذا كان لها تأثير فبالحكم التكليفي فقط. فمن اضطر إلى اكل طعام الغير جاز له وضمنه.
مضافاً إلى أننا لو سلّمنا إجماعا وسيرة فإنما هو في خصوص الجواز بالتصرّف في حق الإمام والزكاة ولا تعم الطلاق والوقف والولاية على الصبي والغائب واضرابها ولا أقل من الشك وهي أدلّة لبيّة يقتصر فيها على القدر المتيقن. وحتى التصرّف بحق الإمام فإنما هو بالجواز وليس بالولاية. مضافاً إلى أنَّ السيرة متأخّرة
ــــــ[202]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
عن عصر المعصومين فلا تكون حجة.
إذن فالتبعيض بالولاية باطل، وكلّه أو الأعم الأغلب منه مما لا حجيّة فيه ويكون تصرّف المجتهدين فيه حراماً ما لم يقولوا بالولاية العامّة، ولعلهم من باب الحمل على الصحة كانوا يقولون بها من دون تصريح لتقية ونحوها.
ولكن إذا كانوا يقولون بالولاية العامة إذن بقيت في المجتمع حاجات كثيرة ومظالم كان يمكنهم رفعها عن هذا الطريق ولكنّهم لم يفعلوا فلماذا؟!!
الفرق بين القضاء والولاية:
نعم، القضاء لا يحتاج إلى الولاية العامّة بل هو ولاية باستقلاله في أُمور المرافعات وموضوعها المجتهد بدون شرط الأعلمية كما هو المشهور والصحيح فهو أوضح في الدليل من التبعيض بالولاية بذلك المعنى مع أنهم عملوا بها دون القضاء.
ومن هنا يتضح أنَّ إقامة الحدود لا تحتاج إلى القول بالولاية العامة كما لا تحتاج إلى الأعلمية إذ من الواضح شرعاً أنَّ كلّ من له حق القضاء وهو كل مجتهد عادل رجل (بشروط التقليد غير الأعلمية) له أن ينفذ رأيه وحكمه في المدّعي أو المدّعى عليه وإلا كان القضاء لاغياً ولا أقل أن يأذن بتنفيذه أو يوكل فيه ومن جملة موارد القضاء الحدود والتعزيرات حتى لو أدّى إلى القتل فهو غير متوقّف على القول بالولاية العامّة.
نعم، القتل أو الضرب ونحوه عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ــــــ[203]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
موقوف على ذلك ونحن لا نعلم من مسلك مشهور المتأخّرين هل يجعله من ضمن التبعيض بالولاية التي يقول بها أم لا؟ وإن كان ظاهر عبارات الرسائل العملية ذلك. وهو أيضاً مشمول لما سبق أن قلناه من عدم الدليل في مورده وكونه خارجاً عن القدر المتيقن من الأدلّة اللبيّة فيحتاج في صحّته فقط إلى القول بالولاية العامّة.
حول دائرة الولاية وسعتها:
إذن نعود إلى الاحتمالات الثلاثة الأساسية وهو عدم القول بالولاية مطلقاً أو القول بها مطلقاً أو التبعيض بها أما القول بها مطلقاً فقد نفوه بصراحة وأما القول بعدمها مطلقاً فهو يؤدّي إلى بطلان كثير من الأعمال التي فعلها المجتهدون وأما التبعيض في الولاية فلا دليل عليه كما عرفنا.
إذن يتعيّن القول بالولاية مطلقاً والتبعيض في العمل وكلاهما ليس بصحيح منهم. أما القول بالولاية فقد نفوه وأما التبعيض في العمل فهو تقصير لا يعذرون عليه شرعاً.
إذن فمنطقة الفراغ موجودة وهي كل مورد لا تكفي فيها الفتوى لتطبيق المصلحة المحرزة أو دفع المفسدة المحرزة لكن ينبغي الاعتراف أنه ليس كلّما يقدّم به الولي العام هو من هذا القبيل فقد تكون فتاوى ولكنّها بعنوان الولاية العامّة أو شبهات موضوعية بعنوان الولاية العامّة كالهلال أو حكم قضائي بعنوان الولاية كإقامة الحدود. إلّا أنَّ هذا لا يعني عدم وجود منطقة الفراغ التي تعجز عنها الفتوى بحسب القواعد الواصلة إلينا.
ــــــ[204]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ولكن لا يبعد القول بأنَّ منطقة الفراغ كلّها من سنخ الشبهات الموضوعية التي ليس لها محمول في الشريعة يعني حكم أصلي فيكون محمولها مولوياً بالولاية.
وليس للولي العام أن يتعرّض إلى الشبهات الحكمية سواء كانت تكليفية أو وضعية فمثلاً يكون حكم مشكوك ولا دليل معتبر عليه فهو يتمم حجيّته بالولاية ويأمر به كوجوب السورة بعد الفاتحة أو يشرع سنخ معاملة جديدة غير معروفة شرعاً ولا عرفاً.
وذلك لقصور المقتضي باعتبارين:
أولاً: أننا فهمنا الولاية من قوله (جعلته حاكماً) فله أن يعمل ما يعمله الحاكم العرفي وهذا ليس منها جزماً.
ثانياً: أنه ليس في مقام البيان من هذه الجهات ولا إطلاق له ولا اقل من الشكّ المبطل للاستدلال.
الأوامر الولائية بعد موت الولي:
كما أنها لا تشمل الموارد التي فيها موارد فتوى قطعية معتبرة وإلا كانت محللة للحرام ومحرمة للحلال وهذا غير جائز لأحد إطلاقاً.
كما أنّها محصورة في ضمن وجود المصلحة أو دفع المفسدة لنفس التقريبين السابقين من حيث أن نصرف الحاكم العرفي عليه. ولا إطلاق في الدليل لغيره وهذا ينتج فرق تصرف الولي العام عن المعصوم فلو قال اقتل نفسك أو طلّق زوجتك أو الق مالك في البحر بدون ضمان ونحو ذلك من دون وجود مصلحة عامّة فيه لم تجب طاعته حتى ولو قلنا للمعصوم بمثل هذه الطاعة فما نقل عن
ــــــ[205]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
بعضهم من أنَّ ولاية الفقيه كولاية النبي أو كولاية الله تعالى مبالغة شديدة لا تستساغ.
كما أنها محصورة ضمن الحياة فلو مات الفقيه لم يجب الاستمرار في إطاعة أوامره إذا كان لها إطلاق ازماني فينقطع إطلاقها بالرغم من أنَّ مقتضى الاستصحاب بقاء وجوب الطاعة إلّا أنَّه لا يجري لقصور المقتضى لا لوجود المانع لنفس التقريبين السابقين وهما أن الحاكم العرفي يختص أمره بحياته مضافاً إلى أنه لا إطلاق له لغيره.
إلّا أنَّ هذا قابل للمناقشة من جهتين:
إحداهما: تخص الإشكال الأوّل وهو أنَّ الحاكم العرفي قد يؤسّس ما يسمّى بالقانون أو الدستور فيكون نافذاً بعد موته والإشكال الثاني: راجع إلى التقريب الثاني وهو عدم الإطلاق فإن الإطلاق وإن كان منتفياً إلّا أنَّه يحتمل ثبوتاً استمرار حجية أمره فيستصحب ما لم يصبح مخالفاً للمصلحة أو ينقضه ولي عام آخر بعده.
وكلاهما قابل للمناقشة: أما مسألة جعل القانون فهو وإن كان موجوداً في كثير من الدول بل كلّها وباقٍ بعد موت الحاكم أو عزله إلّا أنَّه فيه نقطتين:
الأولى: أننا ينبغي أن نتكلم في الدول المعروفة عند صدور النص أو الحاكم كما يفهمه العرف يومئذ وهو لم يكن كذلك.
فإنَّ هذا الوضع في الدول متأخّر أكيداً.
الثانية: أنَّ المفروض في القانون أو الدستور وجود التصويت عليه أي صدوره برضا جماعة وليس شخص الحاكم وهو إمّا بالتصويت في مجلس النواب أو بالتصويت العام.
ــــــ[206]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ومعه يكون قابلاً للبقاء وأما برأي الحاكم وحده فلا يكون باقياً في نظرهم لا في الدول القديمة ولا الحديثة ولا أقل من الاحتمال المبطل للاستدلال.
وأمّا آراؤه الشخصية مهما كان عالي المقام كالدكتاتور أو الامبراطور والملك وأضرابهم فإنها تزول بزواله ولا أحد يطيعها بعد موته في العرف.
وأمّا مسألة استصحاب حكم الولاية بعد موت الولي فهو وإن كان جارياً في نفسه إلّا أنَّ فيه نقطتين:
الأولى: معارضته باصالة عدم وجوب الطاعة أو عدم الحجية بعد موته مع قصور المقتضي كما عرفنا. فتأمّل (وجهه تقدّم الاستصحاب رتبة لأنه ينقح موضوع الوجوب).
الثانية: أنَّه قد يتغيّر الحال فتصبح في أمره مفسدة فمن الذي يشخّص هذه المفسدة فيما لم يكن من له أهليّة الولاية العامّة بعده فإذا قلنا بجريان الاستصحاب جر إلى وقوع المفسدة أحياناً بخلاف ما لو وضعناه مطلقاً بعد موته. فإن وجد ولي عام بعده فهو المطلوب وإلا كفت الفتاوى في العمل بعده ولو بشكل ناقص وعلى أي حال فالأمر باستمرارها وعدمه منوط إلى اجتهاد المجتهدين الباقين بعده سواء من ناحية الفتوى أو الولاية.
إلّا أنَّ الذي يهوّن الخطب إلى أنَّ مقتضى الأصول العملية هو حجيّته بعد سوقه موضوعاً وحكماً كاستصحاب عدم حصول المفسدة أو عدم ارتفاع المصلحة لو شك فيها فضلاً عما إذا أحرز استمرارها واستصحاب حجية حكمه. ما لم يكن هو قد حدد حكمه بزمان معيّن أو يرتفع موضوعاً أو ينقضه الولي العام بعده. كما لا يبعد وجود الإطلاق في المقبولة يشمل ما بعد موته (فإن جعلته حاكماً) وإن ارتفع بموته إلّا أنَّ قوله: (فمن ردّ عليه) وهذا شامل لحياته وبعد
ــــــ[207]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
موته لصدق الرد وإن لم يكن حياً فإذا عرفنا من الرد العصيان ومن حرمته وجوب الطاعة كفى التمسّك بإطلاقها الأزماني من هذه الناحية.
وهذا هو الأصلح اجتماعيّاً؛ إذ لو قلنا بارتفاع حجيته بقي المجتمع سائباً إلى حين تعيّن غيره وأما إذا قلنا باستمرار حجّيّة قوله بقي المجتمع على ذلك إلى حين تعيّن غيره.
شرط الأعلمية في الولي
وبهذه المناسبة لا بأس من الإشارة إلى شرط الاعلمية باختصار فإن مقتضى الظهور في المقبولة وغيرها هو عدم الاشتراط للاطلاق؛ لأنّه كان في مقام البيان ولم يبيّن جزماً. كما أن مقتضى القاعدة هو جريان البراءة عند دوران الأمر بين التعيين والتخيير في احتمال أي قيد من القيود أو جزء أو شرط وهذا يقتضي عدم الاشتراط وإذا قلنا بالاحتياط فإنما هو احتياط استحبابي وليس كما قلنا بالاحتياط الوجوبي.
وجواب ذلك على عدّة مستويات:
المستوى الأوّل: من حيث المقبولة فإنه يمكن القول بأنه ليس في مقام البيان من حيث شرط الأعلمية ولم يكن في المصلحة بيانه يومئذٍ، باعتبار تباعد الأماكن وصعوبة الأسفار.
مضافاً إلى أنَّ اشتراط الأعلم يخص الأمر بالإمام نفسه وقد كان في تقية ولا يريد اجتماع الناس عليه، وكان مقتضى المصلحة هو السكوت عن هذا الشرط.
المستوى الثاني: أنه باليقين إذا أعطينا أو أعطى الشارع المقدّس الولاية العامّة بيد الكثيرين فسوف يحصل التضارب والاختلاف ونحصل مفاسد كثيرة لا
ــــــ[208]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
يمكن حلّها ولا يريدها الشارع قطعاً وهذا يمكن تلافيه إمّا باشتراط الأعلمية أو بالتصويت العام أو في مجلس معيّن مثلاً كمجلس الخبراء أو غير ذلك إلّا أنَّ التصويت أساساً ممّا لا حجيّة فيه فيتعيّن اشتراط الاعلمية.
إلّا أننا لو اقتصرنا على هذا المقدار كانت النتيجة بمقدار المقدمة لا أكثر فلو لم تحصل مفسدة من ولاية غير الأعلم كما لو كان الأعلم غير متصدٍّ ونحو ذلك أو مريض مثلاً سقط هذا الوجه.
المستوى الثالث: بالنسبة إلى إجراء البراءة عن الشرطية فلا شك أنَّ مقتضى الاحتياط العقلي هو الالتزام بالشرطية وخاصّة بعد نفي البراءة العقلية وأنَّ مقتضى حكم العقل في نفسه هو الاحتياط ما لم يحكم الشارع بالجواز.
ولكن أصالة البراءة الشرعية جارية في نفسها وحاكمة على الاحتياط العقلي إلّا أنها معارضة بعدّة أُصول جارية في المرتبة السابقة عليها كأصالة عدم الحجيّة مع الشك في الحجيّة أو استصحاب عدم وجوب الطاعة واستصحاب عدم حصول الولاية مع فرض قصور الدليل اللفظي وأنَّ أصالة البراءة عن الشرطية لا تنقّح موضوع الولاية لأنه من قبيل اللازم العقلي فيكون مقتضى الاحتياط الوجوبي هو اشتراط الأعلمية.
الشرط الخامس: اجتماع خمسة أحدهم الإمام
يقع الكلام الآن في الشرط الآخر للوجوب وهو اجتماع خمسة أحدهم الإمام يعني شخص صالح لإمامة الجماعة فيهم بعد أن ناقشنا بالتفصيل أنه ليس المقصود الإمام المعصوم.
ــــــ[209]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
والكلام في ذلك ينبغي أن يقع على مرحلتين:
الأولى: في أصل الاشتراط إجمالاً والثانية في التفاصيل والرئيسي منها ثلاثة:
1. أنَّ نتيجة هذا الشرط هل هو الوجوب التعييني أم التخييري.
2. أنَّ العدد هل هو خمسة أو سبعة.
3. أنَّ هؤلاء هل يجب أن يتصفوا بالصفات الأخرى ككونه حراً رجلاً حاضراً غير مريض ونحو ذلك. أم يكفي أن يكون ممّن تجزي منه الجمعة والكلام في ذلك تارة عن المأمومين وأخرى عن الإمام.
4. الحديث عن النسبة بين الشروط.
في أصل الإشتراط إجمالاً
أمّا الكلام في المرحلة الأولى: وهو أصل الاشتراط إجمالاً بمعنى اشتراط خمسة أو سبعة أحدهم الإمام فهذا ممّا ينبغي أن يؤخذ من الروايات مضافاً إلى التسالم عليه اجمالاً إلّا أنَّ مثل هذا الإجماع مدركي جزماً. وهو مضمون الباب الثاني من أبواب الجمعة في الوسائل.
و5/4 وهي 2/4 نفسها و5/5 وهي 2/9 نفسها ونحمل ما دلّ على الوجوب على اطروحات أخرى وهو أما الحكم الوضعي بصحة الصلاة، لأنه أمر في مورد الحضر فلا يدل على الوجوب التكليفي وكل ما له صحّة وفساد يحيل الأمر به على حكمه الوضعي أو الشرطية يعني أنه لا يجوز الأقل وتكون بعض الروايات قرينة منفصلة على بعض.
ومعه لا يبقى دليل على شرطية العدد في أصل الوجوب كما يدّعي المشهور،
ــــــ[210]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ومعه يتعيّن أن يكون العدد مقدّمة واجب لا مقدّمة وجوب، سواء كانت مقدّمة واجب للوجوب التعيني أو التخييري، يعني شرط الصحّة.
وأما الكلام في المرحلة الثانية: وهي التفاصيل فالكلام يقع في جهات:
تعارض مفاد الأدلة
الجهة الأولى: فيما يمكن أن يكون مستفاداً من هذه الألسنة في أنَّ اشتراط العدد هل هو شرط للوجوب التعييني أم للوجوب التخييري أو غيرهما.
مع الالتفات إلى أننا لو قلنا هنا بالوجوب التخييري إذن فليس العدد شرطاً إطلاقا؛ لأنّها كانت على التخييري ولازالت عليه.
وإنما كان شرط الإجزاء فقط يعني لا تصح في أقل من هذا العدد بغض النظر عن سنخ الوجوب.
ومن الواضح أنَّ مقتضى الأصل العملي مع قصور لسان الدليل هو استصحاب نفس الحكم السابق على الاجتماع.
وأما القول بأنَّ نتيجته الإباحة فهو فرع القول بالحرمة في أصل التشريع أو في زمن الغيبة فيكون الاجتماع رافعاً للحرمة وأما مع القول بالوجوب التخييري أصلاً فيقلبها الاجتماع إلى الجواز فلا معنى إلّا إذا أُريد به أحد طرفي التخيير أو الحكم الوضعي بالصحة وهذا معناه أنها استمرت على نفس الحكم بعد الاجتماع وهو الوجوب التخييري.
وكذلك إذا قلنا بأنَّ صلاة الجمعة واجب تعييني أما في أصل الشريعة أو في طول أمر السلطان العادل أو الولي العادل بها فلا معنى لأن نقول: أنه يتحوّل
ــــــ[211]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
بالاجتماع إلى الوجوب التخييري أو الإباحة ولكن عندئذ لا يكون للاجتماع أثر في تغيير صيغة الوجوب بل يتحوّل الاجتماع من مقدمة وجوب إلى مقدمة واجب.
فإن فهمنا الشرطية والحكم الوضعي خرج السياق عن كل ذلك كما هو واضح. ولكن إن قلنا باستفادة الوجوب التكليفي إذن يتعيّن التعييني إذ لا دليل على التخييري مثل 2/3، 4، 6، 7، 10 ويعارضه أمران أحدهما: 2/11 الدال على الجواز لا الوجوب.
وجوابه أما بالحمل على الوجوب التخييري ومعناه أنَّ العدد لم يؤثر في تغيير الوجوب.
وأمّا حمله على الحكم الوضعي وأما صرفه عن صلاة الجمعة وأما الطعن في سنده لأنه لم يثبت أن (محمّد بن علي) هو الإمام فيكون مجهولاً ضعيفاً والظاهر أنه هو الإمام.
إلّا أنَّ الظاهر هو الحكم الوضعي وبذلك تكون قرينة على سائر الروايات كما في غيرها.
والمعارض الآخر: هو وجوب صلاة الظهر تعييناً حسب إطلاق دليلها فيعارض الوجوب للجمعة سواء كان تعييناً أو تخييراً.
وجوابه: أنَّ ذلك الدليل لبّي وهذا لفظي فيتقدّم.
كان الكلام عن اشتراط العدد وقد قرأنا الروايات وعرفنا أنَّ لسانها لسان الحكم الوضعي يعني فساد الصلاة بالأقلّ من هذا العدد.
ــــــ[212]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
نعم، يبقى احتياط وجوبي بالقول بالوجوب التعييني عند اجتماع العدد لاحتمال أن يكون هذا هو المقصود من ناحية وخاصّة وأنَّ فيها روايات معتبرة السند وذات دلالة في الجملة ـ وإن ناقشناها ـ على ذلك مضافاً إلى أنَّ تسالم كثير من الفقهاء على ذلك إلى حد قد يشكل شهرة في غير القائلين بالحرمة وهي شهرة فعلية.
إذن لا بدَّ من التفصّي عن مخالفتهم وحيث لا تكون الشهرة حجّة ولكن لابدَّ من الاحتياط الوجوبي على طبقها.
وعلى ما قلناه يكون العدد مقدمة واجب لا مقدمة وجوب وعلى الوجه الآخر تكون مقدمة وجوب وعلى ما قلناه فإنَّ الوجوب بالأصل تخييري فلهم أن يجتمعوا ويصلّوا الجمعة ولكن إذا حصل ذلك فالأحوط وجوباً الحضور من قبل الآخر وتجزئ منهم لأن الوجوب عليهم أمّا تخييري أو تعييني في علم الله فأصل المطلوبية محرزة فتقع صلاة الجمعة مصداقاً من المطلوب فتصح وتجزئ ويسقط بها الظهر.
وكان المطلب الأخير هو وجود احتمال التعارض مع أمرين:
أحدهما: قوله في إحدى الروايات: (لهم أن يجمعوا) وقد أجبنا عليه بالحمل على الحكم الوضعي وبه يرتفع التعارض بحمل الجميع على الحكم الوضعي.
ثانيهما: تعارضه مع الوجوب التعييني لصلاة الظهر الثابت بالإطلاق حتى لزوال يوم الجمعة وهو على تقدير ثبوته ينفي وجوباً آخر أياً كان بما فيه وجوب صلاة الجمعة لا تعييناً ولا تخييراً.
ــــــ[213]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وجواب ذلك: بنفي المقتضى لهذا الإطلاق ووجود المانع: ولعلّه لوضوح ذلك ترك علماؤنا التعرض لهذا الوجه وإلا فهو واضح في نفسه.
أما عدم المقتضي فلأنه لا إطلاق في دليل صلاة الظهر يشمل بالظهور زوال يوم الجمعة فإنه إنما هو دليل لبّي كالاجماع والسيرة والارتكاز وأما ما دلّ على أنَّ الصلوات اليومية في كل يوم هي كذا فهو أيضاً دليل لبّي وليس هناك لفظ دالّ عليه والدليل اللبّي يقتصر منه على القدر المتيقن وهو غير هذه الصورة.
نعم، لو لم تكن هناك أدلّة صلاة الجمعة لتعيّنت صلاة الظهر ولم يمكن إجراء الأصل المؤمن عنها لا في يوم الجمعة ولا في غيرها إلّا أنَّ أدلّة صلاة الجمعة تجعل هناك إمكان لإجراء الأصل عن الوجوب التعييني لصلاة الظهر في موردها.
وأمّا وجود المانع فلأننا لو سلّمنا المقتضي بكل صورة فهو قابل للتقييد والتقييد بأدلّة صلاة الجمعة لا محالة. ودليل صلاة الظهر وإن كان مهمّا، ومن هنا لا يكون قابلاً للتقييد إلّا بدليل مهم.
إلّا أنَّ أدلّة صلاة الجمعة كافية في ذلك اجمالاً؛ لأنَّها لفظية وارتكازية في نفس الوقت وعليها التسالم والإجماع بعد إسقاط القول بالحرمة الذي هو شاذ وهي حرمة تشريعية وإلا فأساس القول بها إجماعي كامل يقيناً.
مقدار العدد المطلوب
الآن نتعرّض إلى مقدار العدد المطلوب وهو مردد ثبوتاً بين الخمسة والسبعة وكلاهما وارد في ألسنة الروايات فأيّ منهما هو المطلوب واقعاً وما هي النسبة بين الرقمين في حدود ظهور والروايات؟ ونحن هنا لابدَّ أن نقتصر على الروايات
ــــــ[214]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
المعتبرة سنداً لنستنتج نتيجة معتبرة شرعاً.
والروايات على ثلاثة طوائف: فمنها ما يذكر الخمسة فقط وهو الأغلب ومنها ما يذكر السبعة فقط ومنها ما يذكر كلا الرقمين وفيها ما هو معتبر السند وينبغي أن نتذكّر أنَّ العدد أما أن يكون مقدّمة وجوب كما عليه المشهور وقلنا أنه أحوط وجوباً وأما أن يكون مقدّمة واجب لأجزاء صلاة الجمعة ونحن نتكلّم على كلا التقريرين.
أمّا الطوائف الثلاث فهذه نماذج منها فما دلّ على الخمسة 2/2- 4- 5- 6 وغيرها وما دلّ على السبعة 2/ 9- 10 وما دلّ على كلا الرقمين مثل: 2/ 1-3 وهما معتبرتان.
أولاً: نتكلّم على تقدير أنَّ العدد شرط الإجزاء أو قل مقدّمة واجب فإنه الأوفق بمسلكنا من ناحية والأوضح في الاستنتاج من الأدلّة من ناحية ثانية:
وهنا يمكن القول ولو كاطروحة: أنَّ العدد المعتبر حقيقة هو الخمسة وإنما ذكر السبعة لأنه غالبي لا أكثر وإنَّ ما ثبت بالأقل ثبت بالأكثر بطريق أولى. ويدلّ عليه طائفتان:
الأولى: ما دلّ على الخمسة وهذا واضح وفيها ما هو معتبر مثل 2/2- 4- 5 والثانية ما دلّ على كلا العددين أمّا 2/1 فواضحة جداً ويمكن أن تكون قرينة على سائر الروايات وكذلك 2/4 فإنَّ مؤدّاه أنَّ الشارع المقدس جعل الخمسة شرطاً للإجزاء ولو لم تكن كذلك لم يكن ذكرها معقولاً ولاقتصر على ذكر السبعة.
ــــــ[215]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
نعم يبقى الكلام في الطائفة الثالثة المقتصرة على ذكر السبعة وهي روايتان أمّا 2/10 وهي معتبرة فلا إشكال فيها فإنها إنما تدل على نفي الزائد بمفهوم العدد وهو ليس بحجّة وإنما الإشكال في 2/9 حيث هي معتبرة سنداً ونقول: ولا تجب على أقل منهم فقد صرّحت بالمفهوم وتعلم في نفسها أن تكون قرينة منفصلة على الروايات الأخرى.
صحيحة محمد بن مسلم: (تجب الجمعة على سبعةٍ من المسلمين ولا تجب على أقل منهم).
وجوه الجمع بين الأخبار
والجواب على ذلك من عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: أن يؤخذ العدد غالبياً لا دقياً إذ يبعد أن يجتمع خمسة أو أقل كما تؤخذ الأوصاف المذكورة في ذيل الرواية كأمر غالبي أيضاً. إلّا أنَّ هذا الوجه لا يتم إذا أريد إثبات الوجوب بالخمسة لتصريحه بخلافه.
الوجه الثاني: أن يؤخذ الرقم تقريبياً لا دقياً ولو بقرينة الروايات الأخرى الدالّة على إجزاء الخمسة فيكون عنوان السبعة التقريبي منطبقاً على الخمسة أيضاً. ويكون نقص الاثنين غير مضر بصدق العدد ويكون المراد بالأقل منهم يعني من هذا العدد التقريبي الذي يصدق على الأقل من خمسة وهذا الوجه ممكن إلّا أنَّه خلاف ظهور الرقم بالتحديد لا بالتقريب.
الثالث: أن نقبل الرقم ونجعل قرينة على الروايات الأخرى فتكون صلاة الجمعة مشروطة بالسبعة لا بالخمسة.
ــــــ[216]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وجوابه:
1. أنَّه خلاف رقم الخمسة المنصوص.
2. أنه خلاف الروايات التي تجمع بين الرقمين كقوله: وخمسة أدناه لوضوح أنَّ المجزئ عندئذ هو الخمسة لا السبعة.
الوجه الرابع: أنَّ نقيّد صحيحة محمّد بن مسلم التي بيدنا بالروايات الدالّة على الرقمين يعني (سبعة أو خمسة) وتكون النتيجة إلى جانب القرينة.
جوابه: أنَّ التفسير إنما يكون بالمناسب وليس من المناسب تفسير الرقم بغيره وخاصّة مع النصّ على عدمه.
الوجه الخامس: أن نقول أنَّ المراد بها الوجوب لا الإجزاء وإنَّ المراد بالروايات الأخرى الإجزاء لا الوجوب وهذا ينتج أنَّ الخمسة مجزية ولكنّها ليست بواجبة.
وجوابه: أنَّ قوله: لا تجب على الأقل منهم نفي للوجوب التعييني والتخييري معاً وهو غير محتمل على تقدير نفي الحرمة.
الوجه السادس: أن نعتبرها مجملة ومشوشة فلا تكون حجّة في نفسها لأنها أخذت عدّة أمور لا يحتمل أن تكون مأخوذة شرعاً.
وجوابه:
1. ما قلناه بأنَّ هذه العناوين محمولة على الغالب.
2. أنَّ العدد غير مجمل فإن كان هناك مجمل اقتصرنا عليه ولم يسقط الباقي عن الحجيّة.
ــــــ[217]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الوجه السابع: أننا نقدّم الروايات الأكثر والأشهر وخاصّة بعد أن نلاحظ أنها معارضة لكلتا الطائفتين الأخريين وهي الوحيدة الدالّة على خصوص السبعة.
وبتعبير آخر: أنها تتعارض وتسقط وحدها لعدم إمكان إسقاط الروايات الأخرى على كثرتها ولا أقل من الاحتياط الوجوبي في رقم الخمسة وإن كان مخالفاً للأصل العملي وهو أصالة عدم الإجزاء مضافاً إلى إمكان حملها على التقية مع مناقشته وهو أننا لا نعلم بالفتوى العاميّة.
فهذا هو الكلام في الجمع بين الروايات على تقدير ان المراد بها الأجزاء كما فهمنا.
هل العدد مقدمة للوجوب
وأما إذا كان المراد بها الوجوب فأرجح الاحتمالات في فهمها هو تحول الوجوب من التخييري إلى التعييني بالعنوان الثانوي المجعول شرعاً وإنما يبقى الكلام فيه في تعيين العدد. وهنا يأتي أكثر ما قلناه على التقدير الأول وهو أنَّ العدد المشروط هو خمسة وتدل عليه روايات الخمسة والروايات التي تجمع بين الرقمين وخاصّة بمثل قوله: وخمسة أدناه إذ لو لم يكن الخمسة موضوعاً للحكم الشرعي لما ذكره.
يبقى الكلام الوحيد في صحيحة محمّد بن مسلم التي رأيناها معارضة مع الروايات الأخرى وهي هنا أوضح وأصرح بالمعارضة لأنها تقول: تجب لا أنها تجزئ ويأتي فيها كثير من الأجوبة السابقة إلّا أن جوابين منها يكون هنا هو الأهم ــــــ[218]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وذلك بتقديم الخمسة لوجهين:
الوجه الأول: ما قلناه أخيراً هناك من تقديم الروايات الأكثر عدداً وإسقاط هذه الرواية عن الحجية يعني قوله: ولا تجب على الأقل منهم.
الوجه الثاني: أنَّ هذه العبارة (ولا تجب على أقل منهم) فيها إطلاق شامل لكل الأعداد الأقل من السبعة فتقيّدها بما كان دون الخمسة ويبقى الزائد داخلاً في الوجوب طبقاً لقرينة الروايات الأخرى.
إلّا أنَّ هذا لا يتم:
1. أنه خلاف ظهور الرقم غير القابل للتقييد.
2. أنَّه خلاف قوله: (ولا تجب على أقل). لأنه ليس إطلاقا بل نصاً ومعه يتعيّن إسقاطها عن الحجية لمعارضتها الأكثر عدداً وهو الذي اخترناه على كلا التقديرين: تقدير الأجزاء وتقدير الوجوب.
أوصاف العدد
يبقى الكلام في بعض أوصاف العدد: والأمر الرئيسي الذي ينبغي النظر فيه أمرين:
الأول: أنَّه هل يشترط أن يكون أحدهم الإمام أم لا ونتكلّم على كلا التقديرين أيضاً: الأجزاء والوجوب.
الثاني: أنه هل يشترط أن يكونوا جامعين لشرائط الجمعة من النواحي الأخرى أو يكفي أنهم ممّن تجزئ منهم الجمعة ونتكلّم على كلا التقريرين أيضاً.
ــــــ[219]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
هل الإمام من ضمن العدد
أمّا الأمر الأوّل: وهو أنه هل يشترط أن يكون الإمام من ضمن العدد وقد سبق أن فهمنا من الإمام إمام الجماعة الصالح لإقامة صلاة الجمعة جماعة وليس الإمام المعصوم وقد سبق أن ناقشناه مفصلاً.
فهنا يدّعي المشهور أنَّ هذا شرط في شرط يعني أن لوجود الإمام تقييد لشرطية العدد وأثره أنه إذا لم يكن فيهم الإمام فلا أثر للعدد وإنما يؤثّر في موضوعيته للوجوب التعييني فيما إذا كان أحدهم الإمام.
وقلنا إننا نتكلّم تارةً بناءً على الحكم الوضعي الذي فهمناه وهو أنَّ العدد شرط للصحّة والاجزاء وتارةً بناءً على الحكم التكليفي المشهوري الذي احتطنا له احتياطاً وجوبياً.
أمّا على الحكم الوضعي فيمكن تقسيم الروايات إلى طائفتين طائفة تذكر العدد من دون الإمام وهي من هذه الناحية مطلقة يعني أنها مجزية من حيث العدد سواء كان الإمام منه أم لم يكن وهي الأغلب من الروايات مثل: 2/1-3- 5- 7- 8- 10.
والطائفة الثانية: التي تذكر الإمام وهي 2/2- 4- 6-9- 11. وكذلك 5/2- 4- 5.
الجمع بين الطائفتين بناء على الحكم الوضعي
وطريق الجمع بين الطائفتين أحد وجوه:
الوجه الأول: تقييد الطائفة الأولى بالثانية وفي كلّ منهما ما هو معتبر السند قطعاً ومقتضى القاعدة التقييد.
ــــــ[220]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الوجه الثاني: أننا بعد أن نعلم أنَّ الجمعة لا تصح إلا بجماعة وليس المراد من العدد صلاتهم فرادى كما نعلم أنَّ الجماعة لا تصح إلا بإمام للجماعة إذن لا تصح الجمعة إلا بإمام للجماعة فبناء على الحكم الوضعي يكون الأمر ضرورياً إذ لا معنى للجمعة بدون إمام وهذا هو معنى التقييد الذي قلناه في الوجه الأوّل.
إذ أنَّ مطلق الخمسة لا يمكن لهم إقامتها إلا بإمام وإنما كان لسانها مطلقاً من حيث أن المقصود فيها مجرد العدد وأنها لا تصح بالأقل حتى لو وجد فيهم إمام.
الوجه الثالث: حمل لفظ الإمام على الطريقية إلى أصل العدد أو أنه مذكور لأنه الغالب ونحو ذلك ومعه لا يصار إلى التقييد.
إلّا أنَّ هذا بمجرده لا يكفي لأنَّ الجماعة والجمعة لا تصح بدون إمام والكلام الآن في الحكم الوضعي لا التكليفي.
الجمع بين الطائفتين بناءً على الحكم التكليفي
وأمّا بناء على الحكم التكليفي، فوجوه:
الوجه الأول: التقييد وهو المشهوري فينتج أن العدد لا يكون موضوعاً للحكم الشرعي بالوجوب التعييني إلا إذا كان أحدهم الإمام.
وهذا ليس فيه إشكال إلّا ما سبق أن قلناه من أنَّ الصحيح هو الحكم الوضعي لا الحكم التكليفي.
الوجه الثاني: نفي التقييد لاشتراط التقييد بالتنافي بين المطلق والمقيّد بالنفي والاثبات وهنا كلاهما مثبتين فلا تقييد ومعه فيمكن الأخذ بالمطلق على إطلاقه
ــــــ[221]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ويكون الخمسة موضوعاً للوجوب سواء وجد فيهم إمام أو لا ويكون إيجاد الإمام مقدّمة واجب لا مقدمة وجوب.
مع ملاحظة أننا لا نستطيع فهم النفي إلا بمفهوم الوصف يعني إذا لم يكن فيهم إمام فلا تجب الجمعة وهو باطل نعم لو قلنا بالتقييد في المثبتين لزم.
الوجه الثالث: التجريد عن خصوصية الإمام أو الحمل على الغالبية من وجوده أو الطريقية إلى أصل العدد فيكون اشتراطه منتفياً.
إلّا أنَّ هذا وجه لا يكفي لأنه إلغاء للعنوان المأخوذ في الروايات المعتبرة ويكون أخذه بدون حكمة لكن تبقى الحكمة هي الغالبية إلا أنها أيضاً ممنوعة في كثير من البلدان ونفس الكلام في كلا المستويين كقوله في شرطية من يخطب وهي 2/6 صحيحة الفضل بن عبد الملك.
هل العدد ممن تجب عليه الصلاة أو ممن تصح منه
الأمر الثاني: أنه هل يشترط أن يكونوا ممن اجتمعت شرائط الجمعة فيهم أو يجزي أن يكون كلّهم أو بعضهم ممّن تصح منه الجمعة وإن لم تجب عليه فإن صلّوها هكذا أجزأت منهم.
ومن الواضح أنّ روايات العدد كلّها مطلقة من هذه الناحية ليس فيها تقييد أي وصف من هذا القبيل مثل أن لا يكون عبداً أو امرأة أو مريضاً أو مسافراً ونحوه.
وبعض النصوص أوضح في لسانها بالإطلاق مثل 2/3- 4- 6- 10 ومقتضى القاعدة عدم الاشتراط من هذه الناحية سواء بنينا على الحكم الوضعي
ــــــ[222]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وهو الصحة أو الحكم التكليفي وهو الوجوب.
ولكن ما يمكن أن يكون مقيّداً أحد أمور:
الأمر الأول: الانصراف وخاصّة إلى الرجل الحاضر بل يدّعى الانصراف إلى الكلّي يعني الحر السليم ونحو ذلك ممّا هو موجود غالباً.
ونحوه أن نقول أنَّ هذا هو القدر المتيقن مع ضمّ كبرى تقول: إن القدر المتيقن كاف في تقييد الإطلاق ولا أقل من الاحتمال المبطل للاستدلال.
إلّا أنَّ هذا واضح الفساد لما حقق في علم الأصول من عدم إخلال القدر المتيقن بالإطلاق بل خصوصية الإطلاق هو الشمول لغيره وأما الانصراف فإنما يضر إذا كان بمنزلة القرينة المتصلة بحيث يعتمد عليه المتكلم في التفهّم وهنا يمكن أن ننكر ذلك ولا أقل من الاحتمال المبطل للاستدلال.
فإن قلت: إنَّ هذا الاحتمال مبطل للاطلاق أيضاً.
قلنا: كلّا لأنَّ الإطلاق مفهوم من الظهور نفسه فيكون حجة ما لم تقم قرينة على التقييد.
الأمر الثاني: التقييد بالروايات الدالّة على سقوط الجمعة في تلك العناوين كالعبد والمريض والمسافر حيث أنَّ مقتضى سقوطها عندهم عدم انعقادها بهم لأنها عبادة لا تصح إلا بالأمر والأمر ساقط على ما هو المفروض.
وجواب ذلك نقضاً وحلاً:
أما نقضاً: فإنَّ مقتضى ذلك عدم صحّتها منهم لو حضروا مع أنَّ المشهور على ذلك وهوالصحة.
ــــــ[223]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وأمّا حلاً: فلأنَّ نفس الروايات المستدل بها على عدم الوجوب تنصّ على الإجزاء فيدلّ: أنَّ السقوط هو سقوط الوجوب التعييني وليس للتخييري بل حتى لو قلنا بسقوط التخييري فإنَّ هناك إذن من الشارع تعبّداً بإجزاء الصلاة منهم وهذا يكفي وسيأتي التفصيل عند الحديث عن هذه الشرائط.
مثل 18/ 1- 2 و19/2.
فإن قلت: إنها لعلّها غير معتبرة سنداً فيكون المورد مشمولاً لاطلاق دليل وجوب صلاة الظهر فلا تصح الجمعة.
قلنا: لو سلّمنا عدم اعتبارها كفى إطلاق دليل وجوب صلاة الجمعة ويكون مقيداً لدليل صلاة الظهر بل من الممكن القول بأنَّ دليل وجوب الصلاة اليومية لبّي وليس لفظياً فكل خصوصية زائدة تطرأ عليه تخرجه عن القدر المتيقن ومنه مورد صلاة الجمعة فيكون دليل وجوب الجمعة محكماً دون دليل الظهر.
ومن الواضح في صحّة صلاة الجمعة فهم بين أن يكون غيرهم موجوداً ممن تجب عليه الصلاة عيناً أم لا؟ فينتج أنهم لو اجتمعوا وحدهم كفى في الإجزاء.
بل الأمر أكثر من ذلك حين يقول في 18/1 سقطت الرخصة أو يقول في 19/1 أجر مائة جمعة للمقيم.
الأمر الثالث – لاحتمال عدم الإجزاء-: الأصول العملية فإننا إذا شككنا في إجزاء صلاة الجمعة في هذه الصورة فالأصل عدم الإجزاء والصحّة.
وجوابه:
أولاً: أنَّ الوظيفة لا تصل إلى الأصول العملية بعد معرفة الإجزاء بحسب الإطلاقات السابقة.
ــــــ[224]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ثانياً: أنَّ هناك أصول عملية أسبق منه رتبة وهو أنَّ هذا قبل سفره أو مرضه أو حرجه كان ممّن تصح منه الجمعة فالآن كذلك وهو ينقّح موضوع الإجزاء والصحّة نعم هذا لا يأتي في العبد لأنه من أوّل عمره كذلك ما لم نتصوّر طروّ العبودية عليه في الجهاد مع القول بشمول الكفّار بالفروع.
فإن قلت: فإنَّ صحّتها في الصورة التي تتكلم عنها (وهي ما إذا صلّوا وحدهم) هو لازم الأصل فلا تثبت إلّا بالأصل المثبت وهو باطل.
قلنا: يمكن تصحيحها بطريقتين:
الطريقة الأولى: أن يقال: أنَّ هؤلاء الناس أنفسهم لو اجتمعوا قبل سفرهم أو حصول موانعهم وصلّوا جمعة لصحّت منهم وأجزأت فالآن كذلك وهذا يكون من الاستصحاب التعليقي وهو ليس بحجة أو أنَّ الوجه موقوف على القول بصحّته.
الطريقة الثانية: أنَّ المورد الذي نتكلم عنه داخل بالدلالة المطابقية للأصل العملي لا الدلالة الالتزامية وذلك: أننا لا نثبت به إلا وجوب صلاة الجمعة ونعرف من الخارج بدليل من الأمارات أنَّ كلّ من وجب عليه عمل صحّ منه وهذا من القطعيات فبضم الأصل إلى الوجدان يتم المطلب.
فإن قلت: فإنَّ هذه القاعدة وإن كانت صحيحة إلّا أنَّ دليلها لبّي فيقتصر فيه على القدر المتيقن وهو غير المورد.
قلنا: كلا بل المورد داخل في القدر المتيقن منه لأنه يكفي في صدقه وجوب صلاة الجمعة عليهم فيشملهم المحمول وهو الصحّة والمفروض أنه أمارة
ــــــ[225]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
والأمارة لها إطلاق بهذا المقدار.
الأمر الرابع – لاحتمال عدم الإجزاء-: قوله في رواية حفص بن غياث (فإن حضر واحد منهم الجمعة) يعني أنها كانت مقامة من غيرهم ولا إطلاق لها إلى صورة ما إذا أقاموها وحدهم. وخاصّة مع كون الإمام منهم وهذا يحتاج إلى ضمّ مقدمة عدم انعقادها بواحد أو اثنين إلا أنها مقدمة واضحة متشرعية على الظاهر.
وجوابه أولاً: أنَّ الواحد معنى كلّي يشمل أي واحد منظور باستقلال ومعه يكون شاملاً للكثيرين.
ثانياً: أنها واضحة في إمكان قلّة العدد عن خمسة وهو خلاف الضرورة لأنه يقول: (فإن حضر واحد منهم الجمعة مع الإمام فصلاها) والسياق يقتضي حضوره وحده.
وجوابه: أنَّ مراده مع الإمام يعني مع الانعقاد وخاصّة بعد ضم التسالم على شرطية العدد في الصحة.
ثالثاً: أن لفظ الواحد واقع في السؤال أما في الجواب فيفصل ويقول: (فلما حضروا سقطت الرخصة عنهم ولزمهم الفرض الأول) بضمير الجمع وهو قرينة قطعية على أنه فهم الواحد المأخوذ بالسؤال كلياً لا بشرط عدم الزيادة.
غير أنَّ في الرواية تشويشاً ناتجاً عن عدم إمكان الإمام للإفصاح بكل الجهات الفقهية لأنها ممّا لا يتحمّلها الناس.
كيف يجزي المستحب عن الواجب
فإنّ السؤال فيها مبني على القول بأنها مستحبة وكيف يجزي المستحب عن
ــــــ[226]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الواجب والمراد أنها مستحبة على المرأة والمسافر وأضرابهم وجواب ذلك كما سبق:
1. بالقول بالإجزاء تعبداً وإن كان خلاف القاعدة.
2. أنها ليست مستحبة عليهم بل واجب تخييرياً كغيرهم، غاية الأمر أنها بالنسبة إليهم يبقى واجباً تخييرياً حتى بعد الاجتماع للعدد وإجزاء الواجب التخييري لا إشكال فيه.
3. ما هو الظاهر الأولي للرواية من أنهم إذا حضروا وجبت عليهم عيناً وأجزأت.
أقول: هذا غير محتمل لوضوح أنهم يجوز لهم تركها حتى بعد الحضور مضافاً إلى أن ظاهر سياقها هو أن الله تعالى فرض الجمعة على الجميع بنحو الوجوب التعييني فإذا حضروا لزمهم الوجوب التعييني الذي لزم الجميع وهو وجه ضعيف كما سبق وهذا منشأ التشويش الذي أشرنا إليه.
فإن قلت: مراده أن الله فرض على الجميع الوجوب التخييري فإذا حضروا لزمهم الوجوب التخييري وأجزأت قلنا: هذا على خلاف قوله: سقطت الرخصة عنهم فإنه ظاهر بالتعييني.
مضافاً إلى أنَّ هذا السقوط هل يكون قبل العمل (أعني الصلاة) أم بعدها؟ أما قبلها فلا يحتمل لجواز تركها من قبلهم قطعاً وأما بعدها فيكون الأمر المتعلق بها ـ أيّا كانت صفته ساقطاً ولا معنى لتبدله ـ وكذلك لو قلنا خلالها أو بعد التكبير لأنَّ التكبير يكون محلّا لنفس الإشكال والسؤال وهو جزء الصلاة فيسري الإشكال إلى الجميع.
ــــــ[227]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
العناوين المستثناة من وجوب صلاة الجمعة
وأمّا الكلام في العناوين المستثناة فقد ذكر الفقهاء أنها على قسمين:
– قسم لا تنعقد بهم الجمعة ولو حضروا.
– وقسم تنعقد بهم الجمعة لو حضروا.
[القسم الأول: الذين لا تنعقد بهم الجمعة ولو حضروا]
وهؤلاء الذين لا تنعقد بهم الجمعة لو حضروا ليس إلّا الخارجين عن التكليف وهو الصبي والمجنون حتى لو كان الصبي مميزاً وكان جزء العدد على ما سيأتي إذن فعدم الانعقاد لسقوط التكليف وهذا أمر ليس خاصاً بالجمعة بل هو شامل لكل التكاليف. وخاصّة العبارات المتوقّفة على ضرب من التقرّب وهو متوقف على وجود الأمر. وهو معدوم بالنسبة إليهم لأنه مرفوع عنهم القلم، فلو صلّى النائم صلاة الجمعة خلال نومه لم تنعقد أيضاً. أو نقول إن قصد التقرّب منهم بكل مراتبه متعذّر، ولا تبقى إلا مسألة الصبي المميز الذي ينبغي بحثها بعد ذلك.
[القسم الثاني: الذين تنعقد بهم الجمعة لو حضروا]
والقسم الآخر داخل في التكليف إلا أنه مستثنى من وجوب صلاة الجمعة ومن الممكن الالتفات إلى أنَّ مقتضى الأصل هو المعذرية عن الوجوب في كل عنوان شك في شمول وجوب صلاة الجمعة له إلا أنَّ الوظيفة لا تصل إلى الأصول العملية لوجود الأمارات. ومنها الإجماع والارتكاز المتشرعي إلّا أنها
ــــــ[228]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أدلّة لبيّة ومدركية وقد ذكرنا أنَّ الذي يثبت وجوبها في حقّهم في الروايات روايات العدد فإنها مطلقة من حيث هذه الصفات مضافاً إلى مثل 1/8- 9- 10- 11- 17- 28 فالعمدة هو الروايات: 1/ 1- 6- 14- 16- 24 (ومن الواضح أنه لم يقل على الأقل من خمسة) ولو صدق الكلام المشهوري بكونه شرطاً للوجوب للزم ذكره أو كان استثناء آخر، وإنّما هذا مؤيّد لكونه شرطاً للصحّة ويكون مقدّمة واجب لا مقدّمة وجوب.
وهناك روايات خاصّة ببعض هذه العناوين مثل: 1/ 4- 5- 29 و18/1 وينبغي الكلام تفصيلاً في كل هذه العناوين موضوعاً ومحمولاً.
فإن قلت: فإنَّ هذه الروايات لا تدلّ على الوجوب التخييري بل على عدم الوجوب أصلاً لأنه يقول: ليس على النساء جمعة وهو ظاهر بذلك.
قلنا: أنَّ الوجوب التخييري أيضاً ليس عليه لوجود المندوحة مضافاً إلى احتمال أن تكون مستحبة ومجزية.
فإن قلت: فإنَّ الروايات الدالّة على الإجزاء هنا خاصّة بالمرأة والمسافر ولا تشمل سائر العناوين. مثل 18/2 و19/3 فكيف نتعدّى إلى غيرهم ومقتضى الاستثناء من الوجوب عدم صحّة الصلاة أصلاً لعدم وجود أمر أو التمسّك بإطلاق ما دلّ على تعيّن صلاة الظهر لهم كالعبد والمريض والكبير.
قلنا: أولاً: أنه سبق أنَّ دليل وجوب صلاة الظهر لبّي ودليل وجوب صلاة الجمعة لفظي فيتقدّم في الجميع.
ثانياً: أنَّ العبد مذكور في رواية حفص بن غياث 18/1 وإن كانت لا تخلو من مناقشة سنداً.
ــــــ[229]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ثالثاً: أننا يمكن أن نجرّد عن الخصوصية من عنوان المرأة والمسافر لكل تلك الخصائص. لوضوح أنها إنما ذكرت لا بعنوانها التفصيلي بل بصفتها مستثناة عن الوجوب الأصلي على الرجل. مضافاً إلى أنَّ الإسقاط إنما هو إرفاق بالضعيف وهي عناوين يشملها الضعف كلّها ومقتضى الإرفاق ثبوتها لهم متى أرادوا؛ لأنها إرادة تكون في سبيل الله تعالى ومن هنا لم يشك مشهور الفقهاء بإلحاق العبد والمريض والكبير في المرأة والعبد.
سؤالان في المقام
بقي سؤالان لا بدَّ من عرضهما بإزاء هذه الأخبار:
السؤال الأول: [لماذا حذفت بعض الأعداد التي تنعقد بها الصلاة]
أننا بعد أن عرفنا أنَّ العناوين الخارجة عن الوجوب التعييني تسعة عناوين كما صرّح به في صحيحة زرارة 1/1 ووجدنا أنَّ بعض الروايات يتعرّض إلى عدد أقل كثلاثة أو خمسة أو واحد فلماذا حذف الباقي؟
جوابه أحد وجوه غير متعارضة بل يمكن أن يجتمع كلّها أو بعضها:
أولاً: أنَّ الإمام يريد أن يذكر ما هو داخل في التكليف دون غيره.
ثانياً: أنه يريد أن يذكر ما هو غالبي الوجود كالمرأة والمسافر دون غيره.
ثالثاً: أنه حصلت مناسبة الكلام في المجلس أو السؤال عن بعض العناوين فلا مناسبة للزيادة عليها.
رابعاً: أنَّ الإمام وجد من الحكمة ذلك، وما ندركه من وجه الحكمة أحياناً
ــــــ[230]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
هو الحكمة القائلة: كلّم الناس على قدر عقولهم فإذا دخل عليك مئة تقول دخل علي عشرة وأنت صادق ولا يقصد نفي الزائد إلّا أنَّه من غير المناسب أو لا يحتمل السامع أن تقول له عدداً أكثر أو قد تحصل في نظرك مضاعفات معيّنة لم يلتفت إليها الآخرون.
خامساً: أنّهم معصومون ولا يتكلّمون إلّا طبقاً للمصلحة الواقعية فلابدَّ من حملهم على الصحة اجمالاً.
سادساً: أنّه يحتمل أن يكون الإمام قد عدد التسعة كلّهم ولكن الراوي حذف بعضهم أو حصل الحذف من قبل أكثر من راو بحيث وصل العدد إلى ثلاثة أو نحو ذلك إلّا أنَّ هذا الوجه لا ينطبق على مثل رواية حفص بن غياث 18/1.
السؤال الثاني: عن النسبة بين الروايات التي ذكرت عدداً أكثر أو الروايات التي ذكرت عدداً أقل
وهذا يمكن عرضه على عدّة أشكال:
الشكل الأوّل: النسبة بين مثل صحيحة زرارة التي ذكرت تسعة وجميع الروايات الأخرى التي ذكرت عدداً أقل مهما كان عنوانه.
الشكل الثاني: النسبة بين رواية ذكرت خمسة مثلاً ورواية ذكرت ثلاثة أو واحد كالنساء.
الشكل الثالث: النسبة بين طائفتين ذكرت عنوانين متباينين كرواية خاصة بالمسافر ورواية خاصّة بالنساء.
ــــــ[231]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ووجه الإشكال في كل ذلك هو أنَّ مقتضى الإطلاق لأي رواية حذفت أي عنوان أنه ليس شرطاً للوجوب وأنَّ الوجوب ثابت في حقّه في حين أنَّ مقتضى الرواية التي ذكرته خلاف ذلك كما هو واضح فيقع التعارض بين المدلولين.
وجواب ذلك عدّة وجوه:
أوّلاً: أنّنا لا نستطيع أن نستفيد الإطلاق من حذف العنوان لأنَّه ليس في مقام البيان من هذه الجهة ولا أقل من الشك في ذلك وكيف يكون في مقام البيان مع أنَّ الارتكاز المتشرعي والوضوح الفقهي على خلافه كما لو ذكر المرأة دون المسافر أو العكس أو حذف من دون التكليف بل كلّ العناوين واضحة ومسلّمة ولا يمكن أن يكون في مقام البيان عند حذفها. ومعه يكون العمل على الروايات المثبتة للعنوان فقط.
ثانياً: أنَّ هذا يعتمد على استفادة المفهوم وليس للعدد مفهوم كما ليس للوصف مفهوم إلّا أنَّ هذا لا يعم ما إذا كان في الرواية أداة شرط أو سياق حصر لصحة المفهوم فيها إلّا أنَّ وجوده في رواية تامّة سنداً مما يمكن منعه.
ثالثاً: أننا لو تنزّلنا عن الوجهين السابقين وقلنا بدلالة حذف العنوان على إثبات الوجوب فإنما هو بنحو الإطلاق الذي يشمله ويشمل غيره فتكون الروايات المثبتة للعنوان مقيّدة لهذا الإطلاق ويكون العمل عليها.
بيان المراد من العناوين بصورة تفصيلية
الآن ندخل في العناوين التفصيليّة للاستثناء موضوعاً ومحمولاً إن كان لبعضهم حكم تفصيلي إضافي غير ما ذكرناه ونذكرها طبقاً للترتيب الموجود في
ــــــ[232]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
صحيحة زرارة الأولى 1/1 مع حذف ما لا يدخل في محل كلامنا الآن وهو من كان خارجاً عن التكليف ومن كان خارجاً عن المسافة وهي ستة:
الكبير:
أولاً: الكبير والكبر برواية الكبر بالسن وهذا واضح والكبر مهما كان معناه فهو نسبي فإن الصبيان بعضهم أكبر من بعض والشبان بعضهم أكبر من بعض إلا أننا ينبغي أن نفهم اللفظ من جهة عرفية مع الالتفات إلى كونه عنواناً مبايناً للمريض المذكور أيضاً في الرواية وبينهما عموم من وجه ومعه قد لا يكون الكبير مريضاً أو لا أقل أنه غير مقيد بالمرض كما أنَّ المريض قد لا يكون كبيراً أو غير مقيّد بالكبر.
ومعه يكون فهمه له عدّة أُطروحات تختلف باختلاف الصدق إجمالاً:
الأولى: مطلق الكبير بحيث ينطبق حتى من كان في عمر الخمسين ونحوه.
الثانية: الكبير المطلق فلا يصدق إلّا على الثمانين أو فوقه.
الثالثة: سن الشيخوخة وهي مرحلة من العمر ذات ظواهر طبيّة ونفسية معينة فيراد بالكبر الشيخوخة.
الرابعة: أن يكون ممّا أثّر عليه الزمان بالانحطاط الصحّي والهزال ونحوه.
أما فهم الكبير المطلق فهو بلا موجب بعد صدقه عليه وعلى غيره ولا وجه له إلّا الانصراف إلى أكمل الأفراد وهو محل منع في محلّه.
وأما الشيخوخة فهي بمعنى من المعاني وإن كانت هي القدر المتيقن إلا أنها يأتي عليها بعض الإشكالات:
ــــــ[233]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
1. أنها اصطلاح حديث لم يكن مفهوماً أو محدداً فيما سبق.
2. أن الاختصاصين قالوا إنها تصيب الأعمار كلّها وهناك صبيان مصابون بالشيخوخة ولا يحتمل أن يكونوا مشمولين لعنوان الكبير.
3. أنَّه يمكن القول بأنه بين الشيخوخة المصطلحة والكبر عموماً من وجه فقد يكون كبيراً إلا أنه لا تظهر عليه الشيخوخة لنشاطه وهو المأخوذ في الرواية هو الكبير وليس الشيخ.
وأما الفهم الرابع: فهو خلف ما قلناه من مباينتها لمعنى المرض في حين أخذنا في هذا الفهم نوعاً من المرض قد لا يكون متحققاً في الكبير أو قل: إنه يصدق بدونه.
فقد بقي الفهم الأوّل وهو مطلق الكبير قال الشيخ الهمداني – نقلاً عن بعضهم- أن المناسبة بين الحكم وموضوعه توجب انصراف إطلاق النصّ إلى المريض والشيخ الكبير الذي بلغ ضعفهما إلى أن شق عليهما السعي، والحضور مشقة عرفية وهي التي كنا نلتزم بسقوط التكليف معها لولا النصوص الخاصّة أيضاً بعمومات نفي الحرج.
وهذا واضح الفساد للتباين بحسب المفهوم أو بالحمل الأولي بين الشيخ وبين المريض وبين العاجز وبين كل منها عموم من وجه وليس الفهم العرفي لأحدهما منطبق على الآخر تماماً وإن كان غالبياً إلى حد ما تطبيقاً فكوننا نفهم من الشيخ والمريض نفس مفهوم العاجز خلاف الظاهر.
ــــــ[234]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
والعنوان المأخوذ في صحيحة زرارة هو عنوان الكبير ويمكن النظر إليه في مراحل ثلاثة باختصار:
المرحلة الأولى: فهمه فهماً عرفياً أو قل من يقول عنه الناس أجمعين أو الأعم الأغلب منهم أنه كبير وهو يبدأ بحوالي السبعين عاماً.
المرحلة الثانية: متابعة هذا العنوان في أخبار الجمعة ففي 1/ 6 قال الصدوق وخطب أمير المؤمنين في الجمعة وفيها: (والمجنون والشيخ الكبير) وفي 1/30 الحسن بن علي بن شعبة في (تحف العقول) عن الصادق قال: (إذا زاد الرجل على ثلاثين فهو كهل وإذا زاد على اربعين فهو شيخ).
والروايتان ضعيفتان، والتنزيل في رواية تحف العقول غير مقبول ولعل هذا كان في عصره عرفاً وأما بدون ذلك فلكل عصر عرفه الخاص به فمتى يصدق عرفاً أنّه شيخ أخذنا به وفي عرفنا الحاضر لا يصدق على الاربعين حتماً.
نعم لا يبعد التساوي بين معنى الكبير ومعنى الشيخ إن قصدنا بهم العمر ولكن مع ورودهما معا (الشيخ الكبير) لابدَّ أن يفيدا فائدة جديدة وهي التأكيد والتأكيد ليس عبثاً إلّا أن يدل على عمر أكثر ممّا يدل عليه أحدهما فلو تمّت مرسلة الصدوق سنداً كانت أخص من صحيحة زرارة فتقيدها.
وإنَّ من سقطت عنه الجمعة ليس مطلق الكبير بل الشيخ الكبير فننتقل عرفاً من عمر السبعين إلى عمر الثمانين ونحوه.
وفي المنجد الشيخ من تقدّمت فيه السن وظهر عليه الشيب وظاهر الشيب بياض الشعر وليس العمر وإلا كان مساوياً لمعنى الشيخ وفي مجمع البحرين يفسّره بما
ــــــ[235]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فسّره في رواية (تحف العقل) ويرسله إرسال المسلمات بدون رواية وهو غريب عرفاً.
وأحسن من فسّره – حسب وجداني اللغوي- الراغب في المفردات قال: شيخ: يقال لمن طعن في السن الشيخ… قال: وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً(1) وأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ(2). وقوله: طعن في السن واضح في كونه متقدّم جداً فيه كحوالي السبعين.
والشيخوخة وإن كانت في العلم الحديث مرض من الأمراض تصيب مختلف الأعمار إلّا أنها عرفاً ولغة خاصّة بالتقدّم بالعمر. ولكن لا نقول كما قال العلم الحديث إنه متى حصلت الشيخوخة كان شيخاً يقصدون المرض المعيّن، بل متى صدق عرفاً أنه شيخ ويكون النقض عليهم بالأطفال المصابين فهو في اصطلاحهم شيخ وليس بشيخ عرفاً وكذلك من كان في الأربعين والخمسين.
المرحلة الثالثة: أن نقول: إنَّ صدق أغلب المفاهيم صدق مقول بالتشكيك وتدريجي بما فيها الكبر والشيخوخة وهذا يختلف باختلاف الأشخاص فمتى صدق عليه ذلك عرفاً كان موضوعاً للحكم الشرعي بغض النظر عن عمره مع اشتراط كونه متقدماً في العمر في الجملة ولا أعتقد أنه يكون دون الستين بدليل أننا قد نسميه شيخاً مجازاً لبياض الشعر أو للأول والمشارفة أما صدقه الواضح فليس كذلك ولا أقل أنه يكون مستصحب العدم بالاتصاف بالشيخوخة ما لم يحرز عرفاً ومن هنا نقول أن تحديده بالأربعين مرفوض تماماً.
ــــــ[236]ـــــــ
(1) هود: 72.
(2) القصص: 23.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
المسافر:
العنوان الآخر -الوارد في الصحيحة-: المسافر والإشكال الوحيد فيه -بعد وضوح فهمه العرفي- هو أننا هل نفهمه فهماً شرعياً أم فهما عرفياً وما النسبة بين القسمين.
النسبة بين المسافر عرفاً وشرعاً:
والنسبة بينهما يمكن أن تكون على ثلاثة أشكال:
الشكل الأول: التساوي ولا أقل أن تقول: أنَّه لا يقصد شرعاً منه معنى معيناً إلّا المعنى العرفي إلّا أنَّ هذا واضح الفساد لأنَّ المسافر من وجب عليه القصر شرعاً، مضافاً إلى ما سنقوله في الشكلين التاليين.
الشكل الثاني: أن يكون المسافر العرفي أخصّ من الشرعي يعني: أبعد سفراً، وأما المسافر الذي يجب عليه القصر فليس بمسافر عرفاً وخاصة بالوسائل الحديثة للسفر وهذا جزاف من القول وخاصة أننا يجب أن نفهم ذلك بالحال القديم الذي حصلت فيه اللغة وليس الحديث.
مضافاً إلى أنَّ عنوان من وجب عليه القصر أعم من الكثير والقليل فحمله على أقل مسافة بلا موجب.
الشكل الثالث: أن يكون المسافر العرفي أعم من المسافر الشرعي يعني يصدق بأقل من مسافة القصر غاية الأمر أن الشارع المقدّس اشترط السفر بهذه المسافة كموضوع لوجوب القصر وهذا هو الأرجح عرفاً.
ــــــ[237]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فيبقى السؤال عن أننا نفهم من المسافر في الرواية الفهم العرفي أو الشرعي أما منشأ الفهم العرفي فواضح لأننا نعامله كأي لفظ عرفي آخر وأما منشأ الفهم الشرعي فباعتبار صدور الاستعمال من الشارع وهو له اصطلاح خاص بهذا الصدد فيجب حمله عليه.
وهذا يتوقّف على وجود هذا الاصطلاح في الارتكاز المتشرعي في عصر المعصومين الصادقين بحيث يبني عليه المتكلم والسامع فإن كان لزم الحمل عليه وإلّا فالأمر دائر بين حالين: أمّا الحمل على المعنى اللغوي الذي هو دون المسافة أو الإجمال والظاهر في هذه المرحلة هو الإجمال لرجحان احتمال الفهم الشرعي أو المتشرعي وإن لم يكن اطمئنانياً في هذه المرحلة من التفكير ومقتضى الإجمال هو سقوط الظهور هنا والرجوع إلى عموم فوقاني فتجب عليه صلاة الجمعة ما لم يحرز عدمها بقطع المسافة وهو كونه مسافراً شرعياً فكذلك حسب الأصل فإنه كان فيه مقتضى وجوب الجمعة من هذه الناحية فنستصحبه إلى أن يستمر في سفره أكثر ويصل إلى المسافة الشرعية هذا فضلاً عمّا إذا بنينا على وجود الاصطلاح الشرعي في الارتكاز للمسافر فإنه يتعيّن فيه ولا يصدق على ما دونه.
قال في المصباح: والمراد بالحضر على ما صرّح به في المدارك وغيره ما قابل السفر الشرعي فيدخل فيه المقيم وكثير السفر والعاصي بسفره وناوي إقامة العشرة والمتردد ثلاثين يوماً (وهذه العبارة منه مشوشة) بل ربّما يظهر من بعض عدم الخلاف فيه فإن تمَّ الإجماع فهو.
أقول: مضافاً إلى ما قلناه من حمل المسافر على المسافر الشرعي لا العرفي مع
ــــــ[238]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الالتفات إلى أنَّ العنوان المأخوذ في الصحيحة هو المسافر وليس الحاضر فكل من لم يكن مسافراً شرعاً أو شككنا في صدقه عليه وجبت عليه الجمعة بالإطلاق والاستصحاب كما سبق.
إلّا أنَّ الشيخ الهمداني يتوخّى الصدق العرفي ومن الواضح أنَّ بين العنوانين عموماً من وجه فالعاصي في سفره مسافر عرفاً وحاضر شرعاً فإذا فهمنا من المسافر الفهم العرفي لم تجب عليه الجمعة قال: وكون سفره في طاعة الله أو في معصيته لا مدخلية له في صدق هذا الاسم وعدم ترخيص الشارع له في التقصير في صلاته تخصيص في حكم المسافر لا تصرف في موضوعه (يعني يعتبره باصطلاحه حاضراً) قال: وأما كثرة السفر وكذا نية الإقامة بل نفسها أيضاً وإن لم تخرجه عرفاً عن مصداق هذا الاسم ولكن يظهر بالتدبّر في الأدلة الواردة في كثير السفر وناوي الإقامة ونحوه أنه منزل شرعاً منزلة الحاضر فهي حاكمة على إطلاق الأدلة المثبتة لاحكام شرعية للمسافر.
أقول: ومعه تكون النتيجة هو نفس ما قلناه من وجوب صلاة الجمعة بالنسبة إليه إلّا أنَّ التنزيل المزعوم من الصعب فهمه فإنه يحتاج إلى مؤونة مفقودة ولا أقل من الشك فيها فلا يتم الأمر إلّا على ما قلناه من استعمال لفظ المسافر بالمصطلح الشرعي في لسان الشارع فمن ثبت فيه وجوب التمام خرج عن كونه مسافراً في نظر الشارع ولا أقل من الاحتياط الوجوبي بصلاة الجمعة عليه أو الجمع بينها وبين صلاة الظهر.
ثم قال: ودعوى الملازمة بين وجوب الجمعة والإتمام لقيام الخطبتين يوم
ــــــ[239]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الجمعة مقام الأخيرتين تتعيّن في حق كل من وجب عليه التمام عارية عن الدليل.
أقول: بل الملازمة بين السفر الشرعي وبين ارتفاع وجوب الجمعة وأما لو لم يصدق السفر الشرعي فهو مشمول لإطلاقات الوجوب وهذا معناه أنَّ الملازمة من هذه الناحية أيضاً ثابتة ولا ربط لها بقيام الخطبتين مكان الركعتين.
مواضع التخيير الأربعة:
ثُمَّ يشير الشيخ الهمداني إلى مواضع التخيير الأربعة وينقل عن التذكرة وجوب الجمعة فيها. وقال: ولعلّه أراد وجوبها على تقدير اختيار التمام وإلّا فلا مقتضى لتعيّنها بعد أن كان مخيراً في التقصير كما لا يخفى.
أقول: ظهر بطلانه من عدّة نواحي:
أولاً: أنّ من تجب عليه الجمعة هو من يتعيّن عليه التمام وليس هذا منها.
ثانياً: أن هذا يصدق عليه عرفاً وشرعاً أنّه مسافر والمفهوم من لسان الأدلة ذلك ولذا أخذ موضوعاً للتخيير.
ثالثاً: أنَّ المسافر الشرعي ما فيه مقتضي التقصير بغضّ النظر عن المانع ولا شكّ أنَّ هذا كذلك.
رابعاً: أن غايته هو كون صلاة الجمعة له تخييرية لأنَّ التمام له تخييري لا أنَّ عزمه على التمام يجعله عليه واجباً تعييناً. فإن هذا غير محتمل ومما لا دليل عليه.
وإن كان هو ظاهر عبارة الهمداني فإذا علمنا أن كل مسافر صلاة الجمعة عليه تخييرية إذن لم يختلف حكم المسافر في المواطن الأربعة وغيرها.
ــــــ[240]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
العبد:
العنوان الثالث: العبد والقدر المتيقن منه القِن أو الرِّق من كان مملوكاً كلّه لواحد أو متعدد وغير متشبّث بالحرية كالمدبَّر وأم الولد وإنما يقع الكلام فيما لم يكن كذلك.
أوّلا: لأنّه متشبث بالحرية بعد الوفاة كالمدبّر وأم الولد.
ثانياً: لأنه مبعّض أي قسم منه حرّ وقسم عبد وهذا قد يحصل ومثاله الموقوف بعضه والحر بعضه فإنه لا تسري الحرمة في الباقي وكذلك المكاتَب المطلق الذي أدّى بعض أموال كتابته.
ثالثاً: أنه متشبّث بالحرية بغير وفاة مالكه كالمكاتَب المشروط وكذلك المطلق الذي لم يؤدّ شيئاً أو المنذور العتق ونحوه.
(في العبد) والقاعدة في ذلك أحد أمرين:
الأمر الأول: أن نقول: إنَّ ظاهر العبد المملوكية لبيعه بغضّ النظر عن شيء آخر وهذا ما يحصل في القن وفي المدبر وأمّ الولد والمكاتب المشروط والمكاتب المطلق الذي لم يؤدّ شيئاً من كتابته وأمّا من أعتق بعضه فغير داخل في عنوان العبد فتشمله اطلاقات وجوب الجمعة سواء سرت الحرية في أجزاءه الباقية أم لا.
الأمر الثاني: أن ننكر وجود الإطلاق لمثل هذه التفاصيل وأنَّ الانصراف إلى غيرها وهو الحر الكامل الغالب في المجتمع فيدخل المبعض فيمن لا تجب عليه الجمعة لأنَّ ذلك هو مقتضى الأصول كأصالة البراءة وأصالة عدم المشروعية واستصحاب العدم الأزلي للوجوب ونحو ذلك هذا فيمن لا تسري الحرية إلى
ــــــ[241]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
سائر أجزاءه وأمّا إذا سرت كان حراً كسائر الأحرار وإن وجب عليه السعي في إبقاء ثمن نفسه.
والانصاف أننا لا نستطيع أن ننكر الإطلاق، والانصراف من هذه الناحية ليس بحجة فمن شككنا بخروجه عن الاستثناء كان داخلاً في الوجوب كالمبعض وقد يقال: أنَّه أخذ في العبد أمران عرفاً: الملكية والخدمة فإن انتفت الخدمة لم يكن عبداً فإن قلت: فإنَّ هذا غير محتمل في القن.
قلنا: نعم وإنما يظهر أثره في المبعض فإن كان خادماً كان عبداً وإلا لم يكن.
والظاهر أنه لا فرق من هذه الناحية في شمول الأصول المنافية له من ناحية وشمول الإطلاقات له من ناحية أخرى والخدمة لا دخل لها في صدق العبودية لأنَّ كثيراً من الاحرار يخدمون كأجزاء أيضاً.
قال الشيخ الهمداني: وكذا مقتضى جعل الحرية شرطاً كما في المتن وغيره عدم وجوبه على المبّعض فإنه لا يطلق عليه اسم الحر على الإطلاق مع أنَّ الموجود في النص هو استثناء العبد الذي قد يقال بعدم صدقه عليه أيضاً على الإطلاق فينصرف عنه إطلاق النص أقول: وقد عرفنا ما فيه من منع هذا الانصراف.
قال: وحكي عن الشيخ القول بوجوبه على المبعض إذا هاياه مولاه فاتفقت الجمعة في يومه وهو لا يخلو من وجه فليتأمّل.
أقول: إن توخّينا عنوان الحر فهذا ليس بحر حتى في يومه وكذا إن قلنا بانصراف الإطلاق إلى الغالب من الأفراد الأحرار فيكون الانصراف شاملاً له ولا دخل للمهاياة فيه (كذا) وإن قلنا بجريان الأصول العملية المؤمنة عن
ــــــ[242]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الوجوب في حقّه نعم لو قلنا بوجود الإطلاق لكل أحد ما عدا ما خرج بدليل فيكون مشمولاً لوجوب الجمعة بصفته مبعضاً حتى في اليوم الذي يعمل لموالاه ولا دخل للمهاياة في ذلك.
مضافاً إلى أننا لا نقول بتعنون العام ظهوراً بضد الخاص كما ثبت في علم الأصول والمأخوذ هنا عنوان الاستثناء هو العبد فلا يتقيّد عنوان العام بالحر.
المرأة:
العنوان الآخر: المأخوذ في صحيحة زرارة الرئيسية: المرأة وهو أمر مفهوم موضوعاً وقد عرفنا معنى الاستثناء محمولاً فلا نعيد.
لكن يقع الإشكال في حصّتين: الصبية المميزة والخنثى.
الصبية المميزة:
أمّا الصبية المميزة فحكمها من هذه الناحية حكم الصبي المميز ولا يحتمل الوجوب في حقّه إلى حين البلوغ.
1. لرفع القلم عنه.
2. لكونه معدوداً صغيراً عرفاً وشرعاً حتّى يبلغ وخاصّة المرأة بل لعلّ الصغير العرفي أعمّ من الشرعي يعني أنَّ البالغ الشرعي صغير عرفاً وليس العكس فلا يقال: بأنَّ الصبي المميز لا يدخل ضمن عنوان الصغير المستثنى.
وعلى كلّ حال فهو مستثنى برفع القلم عنه حتى لو لم يعد صغيراً وإذا لم يكن هناك أمر لم تصح العبادة حتى بناء على تصحيحها بالملاك إذ لا ملاك أيضاً فإذا
ــــــ[243]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
حضرها لم تصح منه وإن قلنا بصحّة عباداته.
فإن قلت: فإنها تكون مستحبة له كالفرائض اليومية وتصح منه.
قلنا: أنَّ هذه القاعدة على خلاف القاعدة أعني أن الواجب يصبح مستحباً في حق الصبي المميز إذ مع سقوط الأمر الوجوبي لا يبقى دليل على الاستحباب لأنَّ الأمر بسيط وليس بمركب.
غير أننا في طرف الواجبات الاعتيادية استطعنا تحصيل بعض الاطلاقات ونحوها لتصحيحها من الصبي كالصلاة والصوم والحج باعتباره مؤمناً وأخاً في الإسلام إلّا أنَّ أي واجب شككنا في شموله له فإنَّ الأصل عدم الشمول وهنا نقول أنه لا توجد مطلقات تشمل الصبي المميز في أدلّة صلاة الجمعة بحيث نثبت استحبابها له كما ليس هناك دليل خاص به في حين توجد أدلّة خاصّة به في الصلاة والصوم في هذا الخصوص كما هو معلوم.
غير أنَّه يمكن أن يقال بوجود تلك الاطلاقات كما في صحيحة زرارة نفسها قال: (إنّما فرض الله عز وجل على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمساً وثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها الله في جماعة وهي الجمعة) والصبي المميز من الناس وفي رواية أخرى: قال: (والجمعة واجبة على كل مؤمن) والصبي المميز مؤمن.
فإن قلت: فهو يقول: فرض وواجبة وليست على الصبي كذلك.
قلنا: هذا ينقض بالصلاة اليومية فبالطريق الذي صحّحنا منه ذلك نصحح الجمعة اللهم إلا أن يقال أنَّ الدليل خاص بها لا يشمل صلاة الجمعة.
ــــــ[244]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
مضافاً إلى أن كلتا الروايتين المذكورتين فيها ذكر للمستثنيات من الوجوب وفي إحداها يقول: الصغير وفي الأخرى يقول الصبي والمفروض أنه مبتلى بالإجمال من هذه الناحية وهو بنحو القرينة المتصلّة كما هو معلوم فيسري الإجمال إلى العام. لكن هذا لا ينافي أن يأتي الصبي المميّز بصلاة الجمعة. بنحو رجاء المطلوبية ويعيدها ظهراً أيضاً برجاء المطلوبية وكلّه على مستوى الاستحباب قطعاً.
الخنثى البالغة:
وأمّا بالنسبة إلى الخنثى البالغة فإن تعيّنت بإحدى العلامات فلا إشكال أنّها تتبع الصنف الذي أدرجت ضمنه في كلّ تكاليفها بما فيها صلاة الجمعة فإن كانت رجلاً شملها حكم الرجال وإن كانت امرأة شملها حكم النساء.
وإنّما الكلام في الخنثى المشكل ويقع الكلام فيه باختصار موضوعاً وحكماً أما الكلام موضوعاً فإنّه بحسب ما أسسناه من القواعد لا توجد خنثى مشكل أصلاً لأنّني صحّحت سند الرواية الدالّة على عدد الاضلاع والمروية عن أمير المؤمنين وعدها أمر ثابت بالنسبة إلى الجميع وهي لا يخلوا عددها أما أن يكون مختلفاً فهو رجل وإلا فهي امرأة.
فإن قلت: فإنما ذلك لم يثبت في العلم الحديث وكل البشر اضلاعه متساوية العدد.
قلنا: أولاً: أنَّ كثيراً مما لم يثبت بالعلم الحديث هو صحيح في قدرة الله تعالى كابن الحيض واجتماع الحيض مع الحمل وغير ذلك.
ــــــ[245]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ثانياً: أننا لو سلّمنا ذلك ينتج أن العدد إنّما يتساوى للخناثى وهذا معناه أننا نحكم بمقتضى الرواية أنها أنثى دائماً وليس في ذلك محذور إذن فلا يوجد خنثى مشكل لترتب عليه حكماً معيّناً في أي مورد من موارد الفقه.
مضافاً إلى احتمال إمكان القرعة. فإنَّ رواياتها وإن كانت ضعيفة إلّا أنَّ عمومات القرعة كافية.
وأما الكلام حكماً بعد التنزّل عمّا قلناه في الكبرى وأن الخنثى المشكل موجود أما من حيث الأصل العملي فتجري أصالة البراءة عن الوجوب بكلا قسميه إلّا أنَّ الوظيفة لا تصل إلى الأصل العملي فإنَّ الإطلاق شامل لكل الناس كما في سائر العبادات والمعاملات الشاملة للخنثى إلا ما خرج بدليل والخارج بالدليل المخصص هو عنوان المرأة وهو شبهة مصداقية من المرأة لا نعلم بانطباقها عليه فدخوله في المخصص مشكوك ودخوله في العام معلوم لأنه من الناس ولأنه مؤمن فتجب عليه الجمعة وتصح منه.
المريض:
العنوان الآخر: المأخوذ في صحيحة زرارة مستثنى من وجوب صلاة الجمعة: المريض وينبغي أن نفهم اللفظ فهماً لغوياً وعرفياً معاً كما هو القاعدة في أي ظهور آخر.
قال الراغب: المرض الخروج عن الاعتدال الخاصّ بالإنسان وذلك ضربان:
ــــــ[246]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الأوّل: مرض جسمي، وهو المذكور في قوله: وَلَا عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ(1)، وَلاَ عَلَى المَرْضَى (2).
والثاني: عبارة عن الرذائل كالجهل والجبن والبخل والنفاق وغيرها من الرذائل الخلقيّة، نحو قوله: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللهُ مَرَضاً(3) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا(4) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ(5) إلى أن قال: ويقال شمس مريضة إذا لم تكن مضيئة لعارض عرض لها، وأمرض فلان في قوله إذا عرّض، والتمريض القيام على المريض وتحقيقه إزالة المرض عن المريض كالتقذية في إزالة القذى عن العين.
وقال في مجمع البحرين: قوله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شكّ ونفاق، ويقال: المرض في القلب الفتور عن الحقّ وفي الأبدان فتور في الأعضاء، وفي العيون فتور في النظر (وقد يكون صفة جمالية مجازاً).
والمرض السقم: وعن ابن فارس: المرض كلّ ما خرج به الإنسان عن الصحّة من علّة أو نفاق أو تقصير في أمر.
أقول: من اليقين أنّ المريض هنا لا يُراد به هنا العلّة المعنوية أو الأخلاقيّة أو
ــــــ[247]ـــــــ
(1) النور: 61.
(2) التوبة: 91.
(3) البقرة: 10.
(4) النور: 50.
(5) التوبة: 125.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
التقصير، بل علّة الجسد؛ لوضوح أنّهم كغيرهم في الواجبات، وإنّما الكلام في مبلغ علّة الجسد، فإذا فسّرنا المرض بكلّ ما يخرج به الإنسان عن الصحّة والاعتدال والطبع السليم شمل مفهومه كثيراً من الأمور التي لا تعدّ مرضاً عرفاً كالصداع الخفيف أو ضعف قليل في النظر أو نخر بسيط في السن أو إمساك قليل في المعدة (والهزال والسمن) وهكذا، بل يكون كثير من الأسباب منتجة للمرض ولو لحالة مؤقتة كالبرد والحر والجوع والتخمة والتعب والسهر وغيرها؛ لأنّ الإنسان يخرج بها عن حال الاعتدال، مع أنّ كلّ ذلك ليس بمرض عرفاً.
الفرق بين السقم والمرض:
ومقتضى القاعدة أن نأخذ بظهور اللفظ وليس بالتفسير القاموسي فقط، بل بضمّ الفهم العرفي إليه، وأفضل ما سمعناه من هذه المصادر اللغويّة هو أنّ المرض: السقم، إلاّ أنّ الراغب فسّر السقم بالمرض، فانتفت الفائدة. وقد قيل بحقّ: أنّه يلزم من تفسيرات اللغويين الدور.
إلاّ أنّني أجد أنّ السقم أخصّ من المرض بالمعنى الواسع، فإنّ السقيم هو الذي فيه مبلغ من المرض معتدّ به بحيث يضطر غالباً إلى ملازمة الفراش، وإذا مشى مشى بصعوبة، وبالدقّة فإنّ هذه جهة نفسية أو انهيار نفسي ناتج من المرض أو السقم، فكلّ مرض يوجب مثل هذا الانهيار النفسي فهو سقم، وهو كذلك: المرض عرفاً. فقد لا يوجد هذا الانهيار لمن لديه أمراض خطيرة كالسرطان أو الايدز، بل نراه نشيطاً يمشي ويتكلّم ويضحك. إذن فهو ليس بمريض عرفاً، وقد يكون ألم بسيط أو ضرر قليل أوجب انهياره كوجع السن أو وجع العين أو الاذن
ــــــ[248]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أو المعدة وهكذا، فهو مريض عرفاً، وبهذا نستطيع أن نشخّص الفهم العرفي للمريض من الصحيحة.
غير أنّ الشيخ الهمداني فهم من بعض هذه العناوين وجود العجز النسبي عن حضور الصلاة، كالكبير والمريض والأعمى وغيرها، ومراده أحد أمرين:
الأمر الأوّل: أنّنا في طول أخذه هذه العناوين يمكن التجريد عن الخصوصية إلى كلّ عاجز على هذا المقدار التقريبي أو العرفي من العجز، فيكون ذلك أيضاً من المستثنيات من وجوب الجمعة. وإن لم يكن منصوصاً بعنوانه.
أقول: وهذا أمر محتمل وقريب من الظهور، وإن لم يوجد فيها لفظ العاجز بعنوانه.
الأمر الثاني: أنّه من أول الأمر ليس المراد حصول هذه العناوين والصفات وإنّما المراد هو مجرّد العجز، وهذا لا يمكن أن يكون تامّاً؛ لأنّه خلف أخذه هذه الأوصاف التفصيليّة وفيه إلغاء لهذه العناوين، وهو متعذّر، ولو أراد الجامع بينها لعبر عنه بتعبير آخر.
فإن قلت: فإنّنا نجرّد الخصوصيّة عن كثير من العناوين ونحملها على المثاليّة ويلزم من ذلك دائماً إلغاء العنوان المأخوذ في الدليل.
قلنا: نعم، لكن ذلك معنى يلزم الاطمئنان بعدم اختصاص الحكم بهذا العنوان، بل يسري إلى ما هو أوسع، وهو معنى التجريد عن الخصوصية والحمل على المثاليّة.
إذن، فهذا العنوان ليس مقصوداً من أوّل الأمر، بل هو مأخوذ بعنوان الغالب أو لأنّه وارد في كلام السائل، والظهور الاطمئناني يدعم عدم وجوده
ــــــ[249]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
التفصيلي في الحكم، بل التوسّع منه إلى غيره بالتجريد.
والمقام ليس من هذا القبيل؛ لأنّه لا يوجد اطمئناناً هنا، والعنوان الواحد ممكن التجريد، أمّا الثلاثة فلا؛ إذ يلزم من الإمام أن يذكر العناوين التفصيلية لكلّ عاجز وهو غير محتمل، فتبقى هذه العناوين ثابتة بنفسها.
نعم، في الإمكان القول بأنّ مقتضى الحكمة ذلك، أعني عجز هؤلاء عن الحضور، إلّا أنّ الحكمة لا تقتضي توسعة الحكم والتجريد عن الخصوصية، ما لم تصل في الظهور إلى أنّ العلّة هو العجز فقط، وهو بعيد.
ومن ملحقات الحديث عن المرض الحديث عن التعويق كنقص بعض الأعضاء خلقياً أم عارضاً، وهو مرض إن فسّرناه بعدم الاعتدال إلاّ أنّه ليس مرضاً جزماً بالفهم العرفي، فتجب عليه الجمعة، ولذا فهي تجب على الأعرج والأصم، والآية إنّما تدلّ على سقوط التكليف مع الحرج خاصّة لا مطلقاً.
الأعمى:
العنوان الآخر والأخير في الصحيحة هو الأعمى، وهو من لا يرى بالمرّة، ولا يقصد منه هنا الأعمى معنوياً كعمى القلب جزماً، وهو لا يفرق فيه بين العمى الولادي وغيره، كما لا يفرق فيه بين العمى المؤقت القابل للشفاء وغيره؛ لأنّه على كلّ حال يصدق عنوان العمى.
مع الالتفات إلى أنّه لا أثر هنا للبحث أنّ النسبة بين العمى والبصر هل هي التضاد أو العدم والملكة؛ لوضوح أنّ البحث ليس عن المفهوم ككلّ، بل عن عمى
ــــــ[250]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الإنسان، أي: في المورد القابل، وفي المورد القابل تكون النسبة هي التضادّ أو التناقض.
غاية الأمر أنّهما ضدّان أو نقيضان في المورد القابل لا في غيره.
كما أنّه من اليقين عدم صدق الأعمى على عمى العين الواحدة وإن ضعفت العين الأخرى؛ لأنّه أعور وليس بأعمى، فيصدق السلب عرفاً جزماً، فلا يكون الأعور من المستثنيات.
كما لا يفرق في العمى بين سلامة نظر العين وخرابها أو انعدامها أحياناً؛ لصدق العمى على كلّ حال؛ لأنّ المهم فيه هو عدم البصر مع وجوده نوعاً.
وإنّما يقع الكلام في من يرى قليلاً جدّاً بحيث يميز بين الضوء والظلمة فقط بدون أن يرى التفاصيل، فهل هو أعمى أم لا؟ وهذا ما يجب أن نرجع فيه إلى العرف لنستظهره من اللفظ، وفي حدود فهمي أنّ السلب صادق فالعرف يقول: أنّه ليس بأعمى وأنّه إلى الآن لم يحصل العمى؛ لأنّ العمى في نظره هو انقطاع الرؤية بالمرّة ولم تحصل.
كلمة عن المجنون:
تبقى كلمة عن المجنون وإن كنّا حذفناه عن منهجنا الحالي؛ لسقوط التكليف عنه، إلاّ أنّه بعد الالتفات إلى أنّ معنى الجنون مقولاً بالتشكيك من ناحية والملكات التي يحتمل أو يمكن اختلالها من العقل متعددة وليست هي هي دائماً، فيكون احتمالات النقص العقلي عديدة، مضافاً إلى النقص النفسي الذي يسمّى الآن بالكآبة الذي يرجع إلى حبّ السكوت والانعزال عن الناس، وهو أيضاً مقول بالتشكيك.
ــــــ[251]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وخلاصة القول في كلّ ذلك هو أنَّ العنوان المستثنى هو المجنون فما صدق عليه ذلك بالحمل الشايع العرفي فهو المطلوب وما شككنا فيه كان شبهة مصداقية من المخصص ولكنّه محرز الدخول تحت العام فتجب عليه صلاة الجمعة فضلاً عمّا إذا أحرزنا أنه ليس بمجنون وصدق عليه السلب عرفاً كالكآبة والنسيان وما يسمّى بالمنغولي وهو النقص الخلقي في العقل إلّا أنه لا يبلغ إلى درجة الجنون.
ونحن هنا لم نتعدّ موضوع الحكم الشرعي في أصل التكليف فإن ما صدق عليه المجنون بالحمل الشايع العرفي فهو مستثنى من كل تكليف حتى صلاة الجمعة ومرفوع عنه القلم وإن لم يصدق عليه فهو مكلّف وغير مرفوع عنه القلم وذلك بمقدار إمكانه لا أكثر.
والمجنون عادة يفسّر بمن لا يدرك أوقات الصلاة ولا يعلم الفجرمن الظهر مثلاً فإنه في مثل ذلك لا يحتمل أن يكون مكلفاً لأنه غير مدرك للتكليف الشرعي طبعاً بل عدم إدراكه التكليف الشرعي أولى وأما إذا لم يبلغ نقصه إلى هذا الحد وكان يدرك أوقات الصلاة فنشك ـ كما قلنا ـ في دخوله في الاستثناء للشك في صدق المجنون عليه في حين أنَّ العام يصدق عليه جزماً فيكون مكلفاً وهم من أشرنا إليهم من المنغولي والكآبة وشديد النسيان وأضرابهم والمهم أنَّ صلاة الجمعة لا تختلف ثبوتاً وسقوطاً هنا عن أي تكليف آخر.
تلخيص البحث ضمن أطروحات
هذا هو الكلام في الموضوع في جانب المستثنيات.
وأما الحديث في المحمول فقد أنهينا الكلام فيما سبق عن معنى الاستثناء
ــــــ[252]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
حكماً هنا ولكننا الآن نلخصه ضمن الأطروحة الآتية للإيضاح والاستذكار.
الأطروحة الأولى: أن تكون صلاة الجمعة على الناس واجباً تعييناً وعلى المستثنيات واجباً تخييرياً وإشكاله عدم استفادة الوجوب التعييني عموماً، ولو بقرينة إهمال القيام بها بالتزام من قبل أصحاب المعصومين.
الأطروحة الثانية: أن تكون صلاة الجمعة على الناس واجباً تخييرياً وعلى المستثنيات مستحبة وإشكاله ما ذكر في الرواية من تعذّر إجزاء المستحب عن الواجب بعد وضوح اجزائها منهم إلّا أن نقول بعفو خاص من قبل الشارع فيهم وهذا صحيح مع الانحصار في هذه الأطروحة وهي غير منحصرة كما هو واضح.
الأطروحة الثالثة: أن تكون صلاة الجمعة واجباً تخييرياً على الجميع لا يختلف الحال فيمن خرج الاستثناء وغيرهم وهذا خلف الاستثناء كما هو واضح وأوضح إشكالاً منه ما لو قلنا إنها واجب تعييني على الجميع إلى حد يكون في طرف الاستثناء خلاف ضرورة الفقه.
الأطروحة الرابعة: من أنها واجب تخييري على الجميع وتجب تعييناً عند اجتماع العدد ولا تجب تعييناً على المستثنيات وهذا لطيف لمن يقول به أو يفهمه من الأدلة وأما نحن فرفضناه لأننا فهمنا من اشتراط العدد الحكم الوضعي لا الحكم التكليفي إذن يبقى الحكم تخييرياً حتى بعد اجتماع العدد.
لكنّنا قلنا أنَّ هذا مخالف للاحتياط الوجوبي وخاصة بعد الالتفات إلى أنَّه من الواضح حرمة التفرق بعد الاجتماع وعندئذ فهذا المعنى لا يثبت لهم ويجوز لهم التفرق حتى أثناء الخطبة أو أثناء الصلاة ما لم يحصل عنوان ثانوي آخر كالمفسدة
ــــــ[253]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
العامّة أو الأمر بالولاية.
الأطروحة الخامسة: أن تكون الجمعة واجباً تخييرياً أو تعيينياً على الناس، إلّا أنها محرمة على المستثنيات وإشكاله أنها خلف ما ورد من إجزائها عنهم إذا قاموا بها بل لعلّ هذا الإجزاء من الضروريات في ارتكاز العامّة والخاصّة كما هو ظاهر تلك الرواية ولا يتحتمل إجزاء الحرام عن الواجب.
الأطروحة السادسة: أن تكون صلاة الجمعة بالنسبة إلى الجميع واجباً تخييرياً وتصبح مع اجتماع العدد واجباً تعيينياً للجميع أيضاً وهو ظاهر نفس الرواية حين يقول: فلزمهم الحكم الأوّل يعني الوجوب التعييني لكي تصح منهم وتجزي.
وإشكاله: أنَّ هذا اللفظ لا يعيّن هذه الأطروحة إذ يمكن أن تكون مستحبة لهم أصلاً وتصبح واجباً تخييرياً عند اجتماع العدد بحيث يجوز لها الترك كما سبق.
مضافاً إلى أنَّ أصل هذه الأطروحة خلاف أو خلف الاستثناء الذي يعني وجود فرق بين المستثنى والمستثنى منه وأما بناء عليها فلا يوجد فرق.
والإنصاف أنَّه لولا الدليل على الوجوب التخييري وهو ترك أصحاب الأئمة لها ولو غالباً لكان الأرجح هو الأطروحة الأولى، بل هي المتعيّنة وقد سمعنا من المستند أنَّ أكثر الروايات وهي معتبرة دالّة على الوجوب التعييني ولكن بعد القول بالوجوب التخييري تتعيّن الأطروحة الرابعة باعتبارها لا تواجه نفس الإشكالات التي تواجهها الأطروحات الأُخرى.
فإن قلت: فإن ترك أصحاب الأئمة لها كان على وجه التقية وهو لا يعيّن الوجوب التخييري في أصل التشريع بل تكون واجباً تعيينياً متروكاً أو
ــــــ[254]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
يصبح تخييرياً في طول التقية.
قلنا: أولاً: إن سلّمناه فإننا الآن أيضاً في تقية فمن الممكن القول بتحوّل الوجوب التعييني إلى التخييري في ظرف التقية وإذا اشتدت التقية تحوّل إلى الحرمة في حين صلاة الظهر ليست مورداً للتقيّة كما هو واضح وهذا معناه أنه لدى بسط اليد الكامل تصبح واجباً تعيينياً كما لا يبعد.
ثانياً: أننا نستبعد تركها لمجرد التقية مع أنها واجب تعييني إذ لو كان الأمر كذلك فإنَّ الضرورات تقدّر بقدرها ولوجب إقامتها في كلّ مكان وزمان خالٍ من التقية اللهم إلّا أن يقال: بأن مقتضى التقية ذلك أيضاً وليس هو مجرّد عدم معارضة صلاة الجمعة المقامة من قبل الدولة.
أقول: وهذا يؤيّد الذهاب إلى الوجوب التعييني مع بسط اليد الكامل.
الإشكالات الواردة على بعض العناوين المستثناة ودفعها
الآن ينبغي أن نلتفت إلى أنَّ بعض العناوين المستثنات تختص بالدقة ببعض الإشكالات نعرض أهمها فيما يلي:
الإشكال الأول: [وجوب الجمعة على النساء]
منها: ما ورد في النساء 18/2 عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الإسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: (سألته عن النساء هل عليهن من صلاة العيدين والجمعة ما على الرجال؟ قال: نعم).
ــــــ[255]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
إلّا أنها أولاً: غير تامّة سنداً بعبد الله بن الحسن.
وثانياً: معارضة بما هو أصحّ منها وأكثر عدداً إلى حد مستفيض من نفي وجوب الجمعة على النساء منها صحيحة زرارة الأولى الرئيسية قال فيها: ووضعها عن تسعة وعد منها المرأة والمراد منها النوع وهو معنى النساء ومعه لا يكون مضمون هذه الرواية محتملاً فيسري فساد مدلولها إلى افساد سندها لو سلّمنا باعتباره.
ثالثاً: ما ذكره في الوسائل من التقييد بحضورهن يعني إذا حضرن وجبت الجمعة عليهن كما تجب على الرجال وهذا قيد مأخوذ من رواية حفص بن غياث التي ذكر فيها ابن أبي ليلى والتي يقول فيها: فلما حضروا سقطت الرخصة ولزمهم الأمر الأوّل وهي غير معتبرة سنداً ولا صريحة مضموناً بالوجوب التعييني لكن نحمل رواية الحميري عليه.
رابعاً: ما ذكره أيضاً في الوسائل من معنى الاستحباب وهو:
أولاً: يقتضي أنَّه مستحب على الرجال أيضاً وهو غير محتمل.
ثانياً: يواجه إشكال إجزاء المستحب عن الواجب.
ثالثاً: منفي برواية حفص بن غياث حين يقول: لزمهم الأمر الأول.
خامساً: أنَّ الرواية تدل على مجرّد المشابهة بين الرجال والنساء في الحكم وأما سنخ ذلك الحكم فغير معلوم فلماذا نحمله على الوجوب التعييني في الرجال؟ لكي لا يكون صادقاً في النساء بل يجوز له أطروحات أخرى كالوجوب التخييري لهما معاً يعني المستثنى والمستثنى منه كما سبق في أحد الاطروحات أو الحكم
ــــــ[256]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الوضعي يعني الإجزاء والصحة وهذا صحيح وأكيد إلّا أنَّ هذا يخالف ظاهر قوله عليهن؛ لأنَّ الحكم الوضعي لهن وليس عليهن.
الإشكال الثاني: [عدم الإجزاء من المستثنى إذا تكلّف الحضور]
ومنها: أنَّ الفقهاء قالوا: إنَّ البالغ حد التكليف من المستثنيات إذا تكلّفوا الحضور أجزأ مع العلم أنَّ الرواية خاصّة بثلاثة عناوين فقط وهي رواية حفص بن غياث وهي المرأة والعبد والمسافر فيجزي منهم وأما المستثنيات الأخرى كالمريض والكبير والأعمى فلا دليل على الإجزاء بعد إخراجه بالاستثناء.
تحقيق القول بالإجزاء:
وجواب ذلك: أنَّ الاعتماد في القول بالاجزاء ليس على هذه المرويات فإنها ضعيفة السند ولو اقتصرنا عليها لزمنا القول بعدم الإجزاء جزماً كما هو المطابق للأصل وإنما هناك نحو اجماع وتسالم وارتكاز على الصحّة وبنتيجة الإطلاق يمكن تعميم الحكم إلى جميع المستثنيات وهنا ينبغي أن نلتفت مثلاً إلى أن تعميمه إلى الصبي المميز غير ممكن لأنه خارج القدر المتيقن ولا يوجد في مورده ارتكاز بخلاف المستثنيات الأخرى ولا يحتمل احتمالاً معتداً به بالفرق بينهما.
وكذلك في الامكان جعل الارتكاز قرينة على ظهور الروايات بعد التنزّل عن ضعف سندها فنحمل هذه الثلاثة: المرأة والعبد والمسافر على المثالية، وخاصّة وأنَّه موجود في السؤال والجواب، فهو مقدار ما تذكره السائل من المستثنيات أو هو العنوان الغالب في حين يكون الباقي قليلاً.
ــــــ[257]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وعلى أي حال فقد عرضنا الأطروحات المحتملة لمعنى الاستثناء واخترنا لهم الوجوب التخييري حتى بعد اجتماع العدد وهو يلازم القول بالإجزاء. فتأمّل. إشارة إلى أنه كانت من مقدمات ذلك هو القول بالاجزاء لهم فمن نشك فيه يكون خارجاً عن الوجوب التخييري بعد التنزّل عمّا سبق.
وعلى أيّ حال فإما أن ننظر المستثنيات ككل أو كل واحد بالتفصيل فإن نظرناها ككلِّ كانت طرق الإثبات متعددة مع الالتفات إلى أنَّ مقتضى الأصل عدم الإجزاء:
أولاً: اطلاقات وجوب صلاة الجمعة وهي باطلة هنا لأنَّ مقتضى الاستثناء هو سقوط الأمر فيه كلّه وليس بقاء أصل المطلوبية.
ثانياً: الروايات الخاصّة كرواية حفص بن غياث ورواية علي بن جعفر وغيرها وفيها أنها غير نقية السند مضافاً إلى أنها خاصّة ببعض العناوين فيحتاج الباقي إلى نحو من التجريد عن الخصوصية والعرف -كما هو واضح- ليس له حدٌّ من هذا التجريد بل لابدَّ من ضمّ الارتكاز المتشرعي إليه، وكون المستثنيات مرتكزة في ذهن المتشرعة بشكل محدد.
ثالثاً: التسالم الفقهي أو الإجماع على الصحة والحق أننا لو أردنا وجود الشهرة العظيمة فهي حاصلة إلا أنَّ الإجماع المحصل غير حاصل والمنقول منه غير معتبر فإن كانت الشهرة حجة فهو المطلوب وإلَّا سقط هذا الدليل.
رابعاً: الارتكاز المتشرعي في صحّة الصلاة منهم وهو موجود فعلاً ويمكن بنتيجة الإطلاق تعميمه على الجميع إلّا أنه:
ــــــ[258]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
1. أنه يمكن أن يقال إنه ناتج من فتاوى الفقهاء وقد عرفنا حالها في الإجماع.
2. لأنّها أمورٌ غير مطبقة علمياً، وفي مثلها لا يحصل ارتكاز عادة.
ولكن يجاب على الأمر الأوّل: بأنه يكفي أن نشعر الآن بالارتكاز ونستصحبه إلى عصر المعصومين بنحو الامارية فيثبت لقراره ومن جملة ذلك قول كل من قال بالصحة من الفقهاء والمؤلفين.
ويجاب الأمر الثاني: أنه يكفي الوضوح في الارتكاز والتطبيق إجمالاً موجود وإن لم يكن كثيراً ولا ملازمة بين التطبيق الكثير والارتكاز نعم لو لم يكن مطبقاً أصلاً كالحدود أمكن صحة القول.
دفع توهم المعارضة بين الأخبار:
نعم، قد تتوهم المعارضة بأمرين:
أحدهما: روايات الاستثناء وبعضها عامّ لكل العناوين كصحيحة زرارة الأولى وبعضها خاص بالمرأة وبعضها خاص بالمسافر وبعضها فيه أكثر من عنوان فيستفاد منها بطلان الجمعة من هذه العناوين كما هو ظاهر بعض استدلالات الهمداني.
إلا أنَّ الإنصاف أنه ليس فيها ما هو دالّ على البطلان غايته الدلالة على الاستثناء وقد عرفنا له الأطروحات المحتملة وبعد ضم ما دل على الصحة يكون الدليل الدال على الإخراج مناسباً معهاً أيضا.
ثانيهما: فتاوى بعض الفقهاء من أنَّ بعض الاستثناءات عزيمة لا رخصة كما في النساء والعبد إلا أنها أقوال نادرة تخالفها الشهرة العظيمة والارتكاز المتشرعي
ــــــ[259]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
والروايات الدالّة على الصحّة، وهنا نعتبرها قرائن ظنيّة تجتمع كلّها لحصول الاطمئنان بالصحّة.
قال الهمداني: وأمّا استكمال العدد بهم أو جواز عقد جمعة لهم استقلالاً، فلا تأمّل في عدمه بالنسبة إلى المرأة وغير المكلف؛ إذ النصوص المتكفلة لبيان اشتراط العدد غير متناولة لهما أو منصرفة عنهما كما لا يخفى على المتأمّل. وكذا بالنسبة إلى المسافر؛ لظهور المستفيضة المتقدمة (يقصد رواية حفص بن غياث وهي ليست مستفيضة) في عدم مشروعية عقدها للمسافرين (يعني أنّه قال: فإذا حضروا لزمهم الفرض الأوّل، يعني مع العدد المعتبر وليس وحدهم).
قال: وانصراف ما دلّ على اشتراط العدد كقوله في صحيحة زرارة التي وقع فيها السؤال عمن يجب عليه: (فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أَمَّهم بعضهم وخطبهم). وفي صحيحة عمر بن يزيد: (إذا كانوا سبعة فليصلوا في جماعة).
وفي خبر محمّد بن مسلم: (إذا اجتمع خمسة أحدهم الإمام فلهم أن يجمعوا)؛ كون العدد الذي يعتبر اجتماعهم ممن يشرع لهم أن يعقدوها، كما لا يخفى على المتأمّل.
أقول: كلّ ذلك قابل للمناقشة؛ إذ يكفينا إطلاق العدد واحتمال الإنصراف غير كافٍ، ولا اطمئنان بحصوله كما هو واضح. وليس هناك ارتكاز أكيد بعدمه.
نعم، قلنا إنّهم لو حضروا لم تجب عليهم عيناً، وكذلك لو التحقوا بالعدد المعتبر فلهم أن يتفرّقوا، فصحّتها واضحة شرعاً، إلّا أنّ الوجوب العيني غير محتمل، ولا أقلّ الاحتياط الاستحبابي؛ لأنّ النتيجة تتبع أخس المقدمات، كما لو
ــــــ[260]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
عقدوها وحدهم أيضاً.
وبذلك تحصّل أنّه لا فرق بين المستثنيات جميعاً في هذه الأحكام، وإن اختلفت أنظار الفقهاء إلى بعضها، لا في روايات العدد ولا في المستثنيات، ولا في الأطروحات ولا في قرينيّة بعض هذه الأدلّة على بعض. نعم، الظاهر أن المفصلين استشكلوا ارتكازاً في التجريد عن الخصوصية، واقتصروا على العناوين الواردة، فدخل في ضمن استدلالهم صحّة السند والدلالة، وقد عرفنا عدم الحاجة إلى ذلك؛ لوجود العمومات من ناحية والارتكاز من ناحية أخرى.
الشرط السادس: المسافة الشرعية لوجوب صلاة الجمعة
الآن ندخل في الشرط الآخر الذي أجّلناه وهو اشتراط المسافة في الوجوب، قال في صحيحة زرارة الأولى: (ومن كان على رأس فرسخين). ونحوه في الرواية السادسة من الباب الأول نفسه، إلاّ أنّها ضعيفة السند (1/1-6، 4/1-2-4-5-6) وهذا كافٍ في إثبات المحمول، إلاّ أنّ التعارض الرئيسي واقع بين صحيحة زرارة وسائر الروايات في أنّه في رأس فرسخين هل تجب عليه أو تسقط عنه، فصحيحة زرارة تقول أنّه ساقط عنه وسائر الروايات تقول أنّه تجب عليه.
والجواب على ذلك عدّة وجوه:
الوجه الأوّل: إنّ الإشكال مبني على نحو من الدقّة في تحديد رأس الفرسخين، وهي غير موجودة عرفاً، فنحمل صحيحة زرارة على ما هو أكثر قليلاً، وهذا يكفي أو نقول: من كان على رأس فرسخين تقريباً.
ــــــ[261]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وجوابه: المنع كبرى وصغرى:
أمّا كبرى؛ فلأنّ التحديدات العرفية دقّية، ويهتم العرف بدقّتها، وهذا يكفي وإن لم تكن بالدقّة العقليّة.
وأمّا صغرى؛ فلأنّ صحيحة زرارة يمكن حملها على ذلك، كذلك الطائفة المعارضة؛ لأنّها بنفس العنوان.
الوجه الثاني: أن نقول بالتخيير فيمن كان على رأس فرسخين، وتخريجه أنّ الطائفة الثانية دالّة على الوجوب عليه، وصحيحة زرارة تنفي ذلك، فنفهم نفي التعيين خاصّة جمعاً بين المتعارضين.
إلاّ أنّه غير تامٍّ كبرى وصغرى:
أمّا صغرى؛ فلأننا أصلاً لم نفهم الوجوب التعييني من الروايات لكي يصحّ هذا التقييد.
وأمّا كبرى؛ فلأن ظاهر صحيحة زرارة هو السقوط والأمر بسيط يسقط كلّه، وأمّا سقوط بعض مدلوله فهو على خلاف القاعدة.
فإن قلت: فإنّه وجه للجمع في طول التعارض.
قلنا: نعم، ولكنه لا يتعيّن بهذه الصيغة، بل يمكن بصيغ أخرى كما سيأتي. نعم، مع الانحصار فلا بأس.
الوجه الثالث: أن نفهم مطلوبية القصد على الاستحباب وصحيحة زرارة على نفي الوجوب وهو أيضاً ممنوع كبرى وصغرى: أمّا كبرى فلبساطة الأمر كما قلنا تكرراً وأما صغرى فلأنه يفتقر عندئذ إلى الدليل على كيفية أجزاء المستحب
ــــــ[262]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
عن الواجب.
فإن قلت: فإنَّ هذا الإجراء مؤكّداً كما سبق.
قلنا: كلا، بل دليله نسبي فيكون حجة في القدر المتيقن خاصة وهذا ليس منه مضافاً إلى أنه محل خلاف على ما سيأتي.
الوجه الرابع: الأخذ بالروايات الأكثر عدداً وهي الطائفة الثانية الدالّة على الوجوب في رأس فرسخين، إلّا أنَّ هذا إنما يتم فيما كان العدد موجباً للاطمئنان بصحّته بحيث يعود إلى الاطمئنان بكذب المعارض وعدم مطابقته للواقع وهذا غير حاصل هنا مع الالتفات إلى حجيّة سند كلتا الطائفتين.
الوجه الخامس: ضم الشهرة الروائية وهي إلى جانب العدد الأكثر الدال على الوجوب وهذا متوقّف على أنَّ المراد من اسم الموصول في قوله: (خذ ما اشتهر بين أصحابك) هو المضمون وليس أحد الأخبار بعينه إذ مع الثاني لا يكون مراده منها هكذا. بل لعل العكس هو الصحيح وهو وجود الشهرة لصحيحة زرارة الدالّة على عدم الوجوب ولا أقل من الشك في حصول الشهرة في كلا الطرفين فتسقط الكبرى هنا يعني لا مصداق لها.
الوجه السادس: ضم الشهرة الفتوائية أعني عمل الأصحاب ولا شك أنهم عملوا بالطائفة الثانية وأفتوا بالوجوب في رأس الفرسخين وجوابه المنع كبرى وصغرى:
أمّا صغرى فلعدم إحراز هذه الفتوى فلعل الأمر مختلف فيه بينهم مضافاً إلى إمكان أنَّ عدداً منهم أفتى بالاحتياط لا الفتوى القطعية فلا يكون له الأثر في مثل المقام.
ــــــ[263]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وأما كبرى فلأن عمل الأصحاب غير مرجّح ولا دليل عليها كبروياً فإن المراد بالشهرة في روايات الترجيح هو الشهرة الروائية لا الفتوائية لأنه قال: يرد عنكم الخبران قال خذ ما اشتهر الخ.
الوجه السابع: التعارض والرجوع إلى الأصول العملية وهو أصالة البراءة عن وجوب القصد في رأس الفرسخين بعد سقوط الطائفة الدالة على الوجوب وهذا إنما يصار إليه بعد تعذر وجوه الجمع الأخرى.
الوجه الثامن: أن تطبق قاعدة: أنَّ الغاية غير داخلة في المغيى عرفاً لأن المراد من الغاية عرفاً ليس نهايته بل ما بعده، كقوله تعالى: أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ(1)وهذا يعني الأخذ بصحيحة زرارة الدالة على عدم الوجوب في الغاية.
إلّا أنَّ هذا يمكن فيه الطعن كبرى وصغرى:
أما كبرى فلأنَّ غاية كل شيء هو نهايته وليس ما بعده فيكون مقتضى القاعدة هو أنَّ الغاية داخلة في المغيى ما لم يدلّ دليل على العدم كما في الآية فلو اقتصرنا على هذا المقدار كان الأخذ بالطائفة الثانية أولى.
وأما صغرى فلأن اللسان إن كان لبيان الغاية فهو صغرى منها وأما إذا كان بشكل آخر فلا، والمقام من هذا القبيل فإنه لم يقل إلى فرسخين أو حتى فرسخين بل الفكرة هي وجوب الجمع على كل أحد إلّا ما خرج بدليل وهو ما كان على رأس فرسخين إذن فهذه المنطقة هي بداية العفو والاستثناء ولازمها أنها نهاية منطقة الوجوب.
ــــــ[264]ـــــــ
(1) البقرة: 187.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فاعتبارها بداية أرجح ولا اقل من الشك في ذلك والبداية داخلة في الشك لأنها تؤخذ عرفاً منه لا خارجه فإن أحرزنا ذلك كان الترجيح بصحيحة زرارة وإن شككنا كان هذا الوجه مجملاً وساقطاً.
الوجه التاسع: أننا هل نحسب الفرسخين من المحراب أو من حائط المسجد وبمعنى أدق هل نحسبها من موقف إمام الجمعة أم من نهاية المصلّين؟ وهذه مسألة سوف نأتي إن شاء الله إلّا أننا هنا نعرضها كحل للتعارض فنحمل إحدى الطائفتين على أحد التحديدين والطائفة الأخرى على الأخرى.
إلّا أنَّ هذا أيضاً مطعون كبرى وصغرى:
أما كبرى فلأنه تقييد تبرّعي أو عشوائي بدون قرينة عليه وهو ساقط حتى لو كان في مقام الجمع كما ثبت في محلّه.
وأما صغرى فلأكثر من وجه:
أولاً: إنَّ هذا لا أثر له غالباً إلّا في الجماعات الكبيرة.
ثانياً: أن حمل إحدى الطائفتين على أحد الوجهين مردّد لا يتعيّن.
ثالثاً: أنّه يبقى الفرق بين التحديدين مورداً للتعارض إن حملنا روايات الوجوب على الأوسع وروايات عدم الوجوب على الأضيق، فيعود الحال إلى الأصل العملي وإن عكسنا كان الفرق بينهما مسكوتاً عنه من كلتا الطائفتين فيكون أيضاً مرجعاً للأصل العملي.
الوجه العاشر: ما قاله بعض الإخوان من الالتفات إلى جانب من لسان الروايات فإنَّ صحيحة زرارة قالت: (من كان على رأس فرسخين). والطائفة
ــــــ[265]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الأخرى قالت: (من كان منها على فرسخين). فيمكن أن نحمل رأس الفرسخين على دخول الغاية ومع عدمه على خروجها وتكون النتيجة هي عدم الوجوب كما قالت صحيحة زرارة.
إلّا أنَّ هذا أيضاً مطعون كبرى وصغرى:
أما كبرى فلأن هذا مجرد بيان عرفي لنفس المعنى بالضبط ولا ينبغي عرفاً أن تكون كلمة رأس مؤثّرة في الاختلاف من هذه الناحية. نعم لعلّها مؤثّرة في استظهار الذمّة مع وجودها وعدمها مع عدمها فيعود إلى الوجه الأوّل من هذه الوجوه وقد منعناه لأنّ معنى الفرسخين أيضاً هو الدقّة العرفية.
وأمّا صغرى: فلأنَّ الطائفة الثانية مختلفة من هذه الناحية وفي بعضها يعبّر بـ (رأس فرسخين) أيضاً وهي معتبرة سنداً (صحيحة محمّد بن مسلم 4/6) وهذا كما يدلنا على أنَّ المفهوم من كلتا الصيغتين واحد يدلّنا أيضاً على أنَّ الطائفتين فيها هذا التعبير نفسه فيعود التعارض.
الوجه الحادي عشر: أنه يقول في ذيل صحيحة محمّد بن مسلم المذكورة: (فإذا زاد على ذلك فليس عليه شيء) ومفهومه أنه إذا لم يزد فهو شيء أي واجب فيدخل من كان على رأس فرسخين بالضبط فتخصص بها صحيحة زرارة؛ لأنها مطلقة بالنسبة إلى وجوب كل المناطق خارج الفرسخين وتدل على عدم الوجوب فيها حتى رأس الفرسخين نفسه فنخرجه بالتخصيص من مفهوم صحيحة محمّد بن مسلم.
إلّا أنَّ الانصاف أنَّ صحيحة زرارة غير قابلة للتخصص لأنه يقول:
ــــــ[266]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ووضعها عن تسعة وعدّ منها: من كان على رأس فرسخين فتكون كالنص في هذه الحصّة بالذات وليست معارضتها مع المفهوم بأكثر من معارضتها مع المنطوق السابق عليها في صحيحة محمّد بن مسلم لأنه يقول فيها: (تجب على كل من كان منها على رأس فرسخين فإن زاد على ذلك فليس عليه شيء) واحدى الجملتين تعتبر تصريحاً بمفهوم الأخرى وليس فيها زيادة دلالة.
الوجه الثاني عشر: ما ذكره الشيخ الهمداني وحاصله: أنه ذكر أنه لا اختلاف بين الأخبار ولا ثمرة له أما أنه لا اختلاف بينها لأنَّ رأس الفرسخين اسم حقيقة لمبدئه وهو حقيقة لا مسافة له فإذا قيل: إنَّ الجمعة ساقطة عمّن كان منها على رأس فرسخين يراد منه طرفه الخارج، وإذا قيل واجبة يراد به طرفه الداخل.
أقول: هذا مبنيٌ على الدقّة بحيث نقول إنه لا مسافة له، وقد نفيناها لأن العرف لا يعمل بالدقة العقلية.
قال: وأما أنه لا ثمرة لتحقيقه فلامتناع حصول العلم بالفرسخين عادة لا بعد الزيادة فلا قاعدة من الالتزام بعدم اعتبار الزيادة في السقوط.
أقول: أولاً: إنه ليس ممتنع عادة أكيداً بل ممتنع غالباً وهذا المقدار الغالبي لا يكفي للجمع بين الطائفتين وخاصة بعد الالتفات إلى الوجه الآتي.
ثانياً: إنَّ ما ذكره من امتناع تحقيقه إلّا بعد الزيادة صادق في صورة التحرّك والسفر والمورد ليس مصداقاً منها بل ينبغي أن نتصوّر مكانين ثابتين نقيس المسافة بينهما كالمسافة بين المدينتين مثلاً. فيمكن أن يُقاس بالدقة العرفية فكذلك بين مسكن الفرد الذي هو في رأس فرسخين ومحل إقامة صلاة الجمعة نعم يشمل
ــــــ[267]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الحكم ما إذا كان الفرد مسافراً وخارجاً فيصعب عليه تحديد الفرسخين إلّا أنَّ الحصة الأولى هي الغالبة بل هي المقصودة.
وعلى أي حال فإذا تعذّرت كل أساليب الجمع كان مقتضى القاعدة هي الرجوع بعد التساقط إلى الأصول العملية ومقتضاها – كما قلنا في أحد الوجوه- هو عدم الوجوب بعد سقوط ما دلّ على الوجوب إلّا أنه ينتج نتيجة مخالفة للمشهور والعدد الأكثر من الروايات. ومن هنا يكون الاحوط وجوباً على من كان على رأس فرسخين بالضبط هو وجوب حضور صلاة الجمعة.
كما يمكن الرجوع إلى المطلقات الدالّة على أصل وجوب صلاة الجمعة مع شرائط ثلاثة فيها:
1. أن تكون تامّة سنداً.
2. أن تكون تامّة دلالة.
3. أن لا تكون حاوية على المستثنيات كقرينة متّصلة مثل 1/8. وعنه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد الله، عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر الباقر قال: (صلاة الجمعة فريضة والاجتماع إليها فريضة مع الإمام) ونفس النص مروي بسند آخر في 1/12 قال: وعنه عن الصفّار عن يعقوب بن يزيد عن حمّاد بن عيسى عن حريز وفضيل عن زرارة عن أبي جعفر.
وكذلك 2/6 صحيحة الفضل بن عبد الملك يقول فيها: (فإن كان لهم من يخطب لهم جمعوا إذا كانوا خمس نفر). وصحيحة منصور ابن حازم عن أبي عبد الله قال: (يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زادوا).
ــــــ[268]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وإذا كانت ذكرت الرواية شرطاً معيّناً غير ما هو محل الكلام فهي ذات إطلاق بالنسبة إلى الشرط الذي نتحدّث عنه يعني سواء كانوا على رأس فرسخين أم أقلّ. وعندئذ لابدَّ من الفتوى بالوجوب في ذلك وليس الاحتياط نعم لو ناقشنا في ذلك ولو باعتبار قوله في صحيحة زرارة (فمن ترك الجمعة ثلاث جمعات متتابعات طبع الله على قلبه بطابع النفاق) التي لعلّها دالّة على جامع المطلوبية فتأمّل. واقتصرنا على الفحوى الإجمالية للأخبار كان اللازم الاقتصاد على القدر المتيقن وهو غير هذه الصورة فيعود الاحتياط الوجوبي.
تحديد المسافة بفرسخين
الآن نتكلّم عن الفرسخين موضوعاً وهو ربع مسافة القصر التي هي ثمانية فراسخ والحديث في تحديد مسافة الفرسخ جار في كل أمثال هذه الموارد:
فأولاً: اقرأ لكم ما كتبته في كتابي (ما وراء الفقه) من ذلك ثُمَّ نأتي إلى ذكر بعض الإشكالات وبذلك أيضا نؤسس قاعدة يمكن السير عليها في تحديد المسافة الفاصلة بين الجمعتين.
المسافة الشرعية(1)
تذكر المسافة في كتاب الصلاة مرتين:
أحدهما: في صلاة الجمعة حيث قالوا: إنه يشترط في وجوبها أن لا يكون الفرد بعيداً عن البلد بثلاثة أميال.
ــــــ[269]ـــــــ
(1) ما وراء الفقه: ج1 ق2، ص224-234.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ثانيها: في صلاة المسافر التي تكون قصراً، حيث قالوا: إنه يجب القصر مع قصد السفر ثمانية فراسخ فإن أراد الرجوع ليومه فأربعة فراسخ.
فالكلام هنا يقع في ثلاث جهات رئيسية:
الجهة الأولى: في المسافة الشرعية للقصر، مقدمة على المسافة الشرعية للجمعة، لأن الكلام فيها أوسع، ومنها نعرف ما ينبغي معرفته في مسافة الجمعة.
الجهة الثانية: في المسافة الشرعية لصلاة الجمعة.
الجهة الثالثة: إلتفاتة نحو كتاب الطهارة في تحديد مسافة (غلوة سهمين) اللتين يجب الفحص فيها عن الماء لكي تنتقل الوظيفة الشرعية إلى التيمم.
ونذكرها الآن بالتفصيل بدون تطويل.
الجهة الأولى: في المسافة الشرعية للقصر:
ذكرت المصادر الموثوقة: أن كل فرسخ ثلاثة أميال وكل ميل أربعة آلاف ذراع من ذراع اليد، من رؤوس الأصابع إلى المرفق. وكل ذراع يساوي أربعة وعشرين إصبعاً وكل إصبع يساوي سبع شعيرات (أي الشعير المقابل للحنطة). وكل شعيرة تساوي سبع شعرات من شعر البرذون (وهو نوع من الخيل). فيرجع الحساب كلّه إلى مقدار طبيعي محدّد نسبياً.
وبعد إسقاط الشعرة والشعيرة من الحساب، لتعذّر الإطلاع الدقيق على حجمها، وإنما نستخرجها إذا احتجنا، من حجم ما هو أكبر منها. وإن أقل ما يمكن الإطلاع عليه عرفاً وعملياً هو الإصبع فينبغي البدء بالحساب منه.
ــــــ[270]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ولا يخفى أن الإصبع فيه (مناطق) عريضة ومناطق أقل نسبياً في العرض. كما أن الناس يختلفون في عرض أصابعهم.. إلا أن الشيء المؤكّد هنا، هو أنه لا يراد هنا طول الإصبع يعني من مساحة الكف إلى أعلاه. كما لا يراد هنا (ثخن) الإصبع إذ لا تبقى أية أهمية للإصبع لأنه يساوي ثخن كثير من مناطق الكف، لو أخذناه بنظرة عرفية تقريبية.
وإنما المهم النظر إلى عرض الإصبع بحيث لو ضمننا إصبعين لمسافة معينة لقلناك إنها بمقدار إصبعين. ولو ضمننا أربعة أصابع لقلنا: إنها بمقدارها وهكذا.
وهذا الحساب لا يدخل فيه الإبهام كما هو مفهوم عرفاً تماماً. ولكن يدخل فيه الإصبع الصغير (الخنصر). ولكن هذا لو قلنا:
أربعة أصابع. أما لو حسبنا إصبعاً أو إثنين أو ثلاثة لم يدخل الخنصر بالضرورة. وهنا نتحدّث عن عرض الإصبع الواحد ليكون هو وحدة القياس، إذن فهو ليس الخنصر، بطبيعة الحال. واما الأصابع الثلاثة الأخرى فهي متقاربة العرض إلى حدٍّ كبير.
ولكن كم هو عرض الإصبع؟ هنا ينبغي ان نأخذ له معدلاً عرفياً مناسباً لاختلاف الأصابع في الحجم كما هو معلوم. وهذا المعدل -في فهمي- مردّد بين أحد أمرين: هما سنتمترين – 20 مليمتر أو 19 مليمتر.
فلو أخذنا لعرض الإصبع سنتيمين فسيكون الذراع 48 سنتيم لأن:
2 × 24 = 48 سم. فإذا ضربناه بأربعة آلاف التي هي عدد أذرع الميل: 48×4000 =1920 متراً لأنه يساوي 192000 سنتيماً. فإذا قسمناه على مائة
ــــــ[271]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
(وهو مقدار السنتيمات في المتر الواحد). كان الناتج 1920 متراً. وهو اقل من كيلومترين بثمانين متراً.
فإذا ضربناه في ثلاثة (لأن كل فرسخ ثلاثة أميال كما عرفنا)
1920 × 3= 5760 وهو خمسة كيلو مترات وحوالي ثلاثة أرباع، والمهم التركيز على الرقم نفسه. فهذا هو مقدار الفرسخ.
فإذا علمنا ان المسافة الشرعية ثمانية فراسخ، فلابد من ضرب الناتج في ثمانية.
5760 × 8= 46080 مترا. وهو ستة وأربعون كيلو مترا وثمانون مترا.
فإذا أردنا نصف هذه المسافة، لأجل معرفة المسافة الشرعية للقصر لمريد الرجوع ليومه. أمكن ان نعمل شكلين:
الأول: 5760 × 4 = 23040.
الثاني: 46080 ÷ 2 = 23040.
وهو ثلاثة وعشرون كيلو متراً وأربعون متراً.
فهذا كله، إذا افترضنا عرض الإصبع سنتيمترين.
وأما: إذا أخذنا عرض الإصبع 19 ملم. فلابد من ضربه بـ 24 لاستخراج مقدار الذراع.
19 × 24 = 45.6 سنتيماً. ويكون الميل مضروباً في أربعة آلاف.
45.6 × 4000 = 1824 مترا.
لأن 45.6 × 2000 = 182400 سنتيماً. فإذا قسمناه على مائة كان الميل 1824 متراً.
ــــــ[272]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فإذا أردنا معرفة مقدار الفرسخ وهو ثلاثة أميال، ضربناه في ثلاثة:
1824 × 3 = 5472.
وهو خمسة كيلو مترات وحوالي النصف. يقل عن النصف بـ 28 متراً.
وتكون المسافة الشرعية لغير مريد الرجوع ليومه مضروباً في ثمانية
5472 × 8 = 43776 متراً. وهو ثلاثة وأربعين كيلو متراً وحوالي ثلاثة أرباع.
وتكون المسافة لمريد الرجوع ليومه مقسوماً على اثنين:
43776 ÷ 2 = 21888.
أو 5472 × 4 = 21888.
وهو واحد وعشرون كيلو مترا وأكثر من ثلاثة أرباع.
فأتضح أننا لو أخذنا عرض الإصبع سنتيمين كانت المسافة 46080 متراً ولو أخذنا (19) مليما كانت المسافة 43776 متراً. ويكون الفرق بينهما:
46080 – 43776 = 2304 متراً.
أي حوالي كيلو مترين وثلث. والمهم نفس الرقم.
هذا. وإذا أخذنا الإصبع على انه 18 مليماً كان الذراع.
18 × 24 = 432 سنتيماً.
ويكون الميل الذي هو أربعة آلاف ذراع.
432 × 4000 = 1728 متراً.
ويكون الفرسخ الذي هو ثلاثة أميال:
1728 × 3 = 5184 متراً.
ــــــ[273]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وتكون المسافة الشرعية الكاملة، مضروبة في ثمانية.
5184 × 8 = 41472.
وهو واحد وأربعون كيلو مترا وحوالي النصف.
وتكون المسافة لمريد الرجوع ليومه:
41472 ÷ 2 = 20736.
أو 5184 × 4 = 20736.
وهو عشرون كيلو مترا وحوالي الثلاثة أرباع. والمهم الرقم نفسه، كما قلنا أكثر من مرة.
وتنقص المسافة الشرعية الكاملة عن سابقتها.
43776 – 41472 = 2304 متراً.
وهو نفس المقدار الذي نقصت فيه المسافة الثانية عن المسافة الأولى. وهذا دليل صحة الحساب.
وحيث أخذنا احتمالات عرض الإصبع ثلاثة هي: 20 مليماً و19 مليماً و18 مليماً. فيكون المعدل هو الأوسط، وهو الأنسب بمعدل الإصبع للرجل الطبيعي، فتكون المسافة الناتجة منه هي الصحيحة وهي 43.776 متراً كما عرفنا.
تطبيق:
قال السيد الأستاذ(1): إن المسافة تكون حوالي أربع وأربعين كيلو متراً تقريباً.
ــــــ[274]ـــــــ
(1) أنظر: منهاج الصالحين، ج1 ص249.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وهذا التقريب بقوله: حوالي، إنما يغتفر فقهياً إذا كان ينقص عن 44 بعدّة أمتار كخمس أو عشر مثلا. لأنها مسافات عرفاً متشابهة.
ولكننا عرفنا انها تنقص عن 44 كيلو متراً.
44000 – 43776 = 224 متراً وهو حوالي ربع كيلو متر. وهي مسافة غير مغتفرة عرفاً وفقهياً.
وبعد أن نسمع من الفقهاء جميعاً أنه لو قلّ السفر عن المسافة متراً واحداً لم يجز القصر. إذن فالتقريب ليس فيه نفع بل فيه ضرر فقهي لا محالة.
وقد يقال: لعل السيد الأستاذ بنى على ان الإصبع 20 مليماً، في حين بنينا على انه 19 مليما. فتكون المسافة أكثر، الأمر الذي يمكن معه ان يسد هذا النقص.
إلا أن هذا مجرد رجم بالغيب لأن المسافة سوف تزيد كثيرا. لأنها 46080 متراً كما عرفنا. وهي تزيد بكيلو مترين وثمانين متراً. فيكون الفرق أكبر والاعتبار العرفي بها اكثر.
هذا: وقد رأى بعض أساتذتنا ان المسافة تساوي 43 كيلو متراً وخُمساً، يعني 43.200 كيلو متراً.
وهذا لا يستقيم إلا إذا اعتبرنا الذراع 45 سنتيماً. وهو ما لم نعرف له وجهاً إلا مجرد القياس المستقل للذراع بدون قياس الأصابع مما يجعله اقل دقة من الحسابات السابقة، كما هو معلوم.
ولو أردنا ان نعرف عرض الإصبع في نظره، فلا بد من قسمته على 24.
45 ÷ 24 = 1.875 وهو سنتيم وثمان ميلمات وثلاثة أرباع المليم. وهو
ــــــ[275]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
رقم غير عرفي، ويبعد بناء العرف والفقهاء عليه. كما يبعد كونه هو المعدل للإصبع الطبيعي. والحجة هنا، هو الوثوق بعدم صحته بعد كل التحديدات التي قلناها.
نعم، لو سلمنا كون الذراع 45 سم تم ما قاله لأن:
45 × 4000 = 1800 متر. وهو الميل.
ويكون 1800 × 3 = 5400 متر. وهو الفرسخ.
ويكون 5400 × 8 = 43200 وهو المسافة الشرعية التي قالها. إلا أنه ناتج من التشويش في حساب الإصبع كما عرفنا.
تطبيق آخر:
إذا حاولنا تطبيق ما هو مختارنا في المسافة الشرعية التي طبقناها على حساب الكيلو مترات، وهو النظام الفرنسي.. إذا حاولنا تطبيقه على النظام الإنكليزي الذي يبتني على حساب الإنج والقدم والياردة.
فإن 12 انج عندهم = قدم أو فوت.
و3 أقدام عندهم = 1 ياردة.
و 1760 ياردة = 1 ميل.
والمتر = 1.093 من الياردة. يعني يكون أطول من الياردة بـ 0.093 من الياردة.
فإذا كان الفرسخ 3 أميال، كان بحساب الياردة.
1760 ياردة × 3 = 5280 ياردة: الفرسخ. وتكون المسافة الشرعية التي هي 8 فراسخ.
ــــــ[276]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
5280 × 8 = 42240 ياردة: المسافة الشرعية ويكون نصفها:
42240 ÷ 2 = 21120 ياردة المسافة الشرعية لمريد الرجوع ليومه. ويحسن الآن ان نستخرج مقدار الفرسخ بالإنجات والأقدام محيلين الباقي إلى فطنة القارئ.

الفرسخ 5280 ياردة
الياردة 3 × أقدام
___________________
الفرسخ 15840 قدماً

وكذلك:
القدم 12 انج
الياردة 3 × أقدام
____________________
الياردة 36 انج

فيكون:
الفرسخ 5280 ياردة
الياردة 36 × انج
_________________
الفرسخ 190080 انج
ــــــ[277]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أو يكون:
الفرسخ 15840 قدما
القدم 12 × انجاً
_________________
الفرسخ 190080 انجاً
وهو نفس المقدار السابق وهو دليل صحة الإستنتاج. ولا حاجة بعدها لمعرفة مقدار المسافة الشرعية من الانجات والأقدام فإنه من ترف الفكر، ونوكله إلى القارئ مع سهولة استنتاجه.
الجهة الثانية: في تحديد المسافة لصلاة الجمعة
وهي فرسخان من البعد عن موقع إقامة الصلاة.
قد عرفنا ان الفرسخ ثلاثة أميال، وان مقداره 5472 متراً، أي خمسة كيلو مترات، واقل من النصف. فيكون الفرسخان المشترطان للمسافة 10944 وهو حوالي أحد عشر كيلو متراً. والمهم الرقم نفسه. وهو يشكل نصف قطر دائرة حول مركز أو مكان صلاة الجمعة.
وان كان الاحوط ان يكون البلد بمجموعه مركز تلك الدائرة.
واما بالمقادير الإنكليزية، فقد عرفنا، ان الفرسخ 5280 ياردة فيكون الفرسخان 10560 ياردة وهذا لا يفرق في طول المسافة أو قصرها.
ولعل من نافلة القول: ان نحاول استخراج مسافة هذه الدائرة بهذين النظامين، ومحيطها، فليس له أثر فقهي، فنوكله إلى القارئ الكريم.
ــــــ[278]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وهذا المقدار المختصر يكفي بعد كل الذي عرفناه في الجهة الأولى.
الجهة الثالثة: في محاولة معرفة غلوة السهم المذكورة في كتاب الطهارة
غلوة السهم تعني مقدار انطلاقه أو قدر المسافة بين موقف راميه ومحل سقوط النبلة. وهذا بالطبع يختلف اختلافا غير قليل تبعاً لأسباب عديدة منها: طول السيّة ومقدار تمدد الحبل المطاطي وقوة ذراع الرامي والريح فيما إذا كانت راكدة أو متحركة، إلى جهة انطلاقه أو ضدها إلى غير ذلك. والتكليف متوجّه إلى معدل السهام أو إلى السهم الشائع والمتعارف أو إلى أي شخص مع السهم الذي يستعمله. وليس هذا محل تعيين هذه الاحتمالات، وان كان الثاني منها هو الأرجح.
ومن البعيد جداً ان يسير السهم في الفضاء أكثر من خمسين متراً. والمظنون انه يتراوح بين 30 إلى 50 متراً.
فإذا أخذنا رقم 30 كانت الدائرة التي يجب فيها الفحص عن الماء عند إرادة التيمم، وهي غلوة سهمين في الأرض السهلة من جميع الجهات. وغلوة سهم في الأرض الحزنة. فيكون قطر الدائرة غلوة أربعة سهام في الأرض السهلة وغلوة سهمين في الأرض الحزنة.
فإذا اعتبرنا الغلوة 30 متراً. كان كما يلي:
30 × 4=120 متراً قطر الدائرة.
وتكون مساحتها:
120 ÷ 2 = 60
ــــــ[279]ـــــــ
(1) وهذا هو رقم النسبة الثابتة بالكسر العشري وهو: 7/22 بالكسر الاعتيادي.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
60 × 60 × 3.14(1)= 11304 متراً.
وأما في الأرض الحزنة:
30 × 30 × 3.14 = 2826 متراً.
وأما إذا اعتبرنا أن غلوة السهم 50 متراً فتكون في الأرض السهلة التي قطرها.
50 × 4 = 200 متراً.
100 × 100 × 3.14 = 31400 متراً.
وفي الأرض الحزنة قطرها.
50 × 2 = 100 متراً.
50 × 50 × 3.14 = 7850 متراً.
ولئن كانت السهام معروفة ومستعملة بكثرة في العهد السابق، إلا أنها الآن مجهولة إلى حدٍّ كبير، ومن الصعب جداً الجزم بمقدار مسار النبلة.
ومعه فالاحوط مع سعة الوقت الفحص على افتراض ان الغلوة 50 متراً. واما مع ضيق الوقت أمكن ان يكتفي بالقدر المتيقن وهو ان تكون الغلوة 30 متراً، طبقا للحسابات السابقة.
إشكالات واردة في المقام ودفعها:
تبقى بعض الإشكالات من هذه الناحية ممّا لم يكن مناسب ذكره في الكتاب:
ــــــ[280]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الإشكال الأوّل: ما هو المصدر لهذه المسلّمات السابقة وهي أن كل فرسخ ثلاثة أميال وكل ميل أربعة آلاف ذراع وهكذا لأنها إذا كانت مشكوكة أو لا حجيّة عليها شرعاً لم يجز البناء عليها فقهياً.
وجوابه: أنَّ هذا صحيح إلا أنني أجد أنَّ هذا هو مورد قول أهل الخبرة الاطمئناني وموجود في المصادر السابقة حتى أنه مشار إليه في منهاج الصالحين لآية الله الخوئي وغيره ولم نأخذ هذا فقط مسلّماً بل أمور أخرى أيضاً كالكيلو متر ألف متر، والمتر مئة سانتيمتر والسانتيمتر عشرة مليمترات غير أنَّ هذه الأمور أصبحت معروفة فلم نحتج إلى التصريح بها بينما الحساب القديم غير معروف فصرّحنا به.
الإشكال الثاني: أننا أن سلّمنا بهذه الأمور التي ذكرناها في الإشكال الأوّل فلا نسلّم بأمور أخرى مشكوكة كطول الياردة أو القدم ونحوها.
فإن مصادرها من المؤلفات الاجنبية وهذا يعني شموله لقوله تعالى: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا(1) فكيف إذا كان كافراً فضلاً عمّا إذا كان عدواً يريد تغليط المسلمين وايقاعهم بالخطأ وهذا ما لا نستبعده عنهم.
وجوابه: أنَّ هذا له حصّتان:
الحصّة الأولى: ما يصنعونه للمسلمين وهذا مشكوك ولا يمكن العمل به لأنه قائم على احتمال التغليط كاتجاه القبلة أو اوقات الصلاة في ما يسمّى بساعة
ــــــ[281]ـــــــ
(1) الحجرات: 6.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
بلال وغيرها فإنها مصنوعة للمسلمين خصيصاً لولا أن يقال: أنَّ اليابانيين ليس لهم الحقد الموجود عند الأوروبيين ضد المسلمين وهذه صناعة يابانية فتكون حجّة أقول وهذا يدفع أحد شقي الإشكال وهو العداوة ولا يدفع الشق الثاني وهو كونهم كفرة بل من أردأ العقائد عقائدهم.
الحصّة الثانية: ما يصنعونه لأنفسهم كاستعداداتهم في السفن وفي الجيش وفي المعامل وكتبهم الاختصاصية والدراسية لشعوبهم أنفسهم وهم إذا غلّطوا المسلمين لا يغلطون أنفسهم أكيداً فيحصل الاطمئنان بالنتيجة إذا استطعنا الحصول على مثل هذه الأمور بغض النظر عن كتاب ما وراء الفقه طبعاً.
وقد يقال: إننا لو غضضنا النظر عن ذلك أمكن إثبات حجية كلامهم بصفتهم من أهل الخبرة وكلام أهل الخبرة حجة وعليه السيرة العقلائية الممضاة من قبل المعصومين ولم يرد النهي عنها أكيداً بل الاعتماد عليها أحيانا موجود في الروايات الخرص وغيره والصغرى هنا محرزة وهو كونهم من أهل الخبرة وإخبارهم لنا يكون بلسان الكومبيوتر أو ساعة بلال أو غيرها.
وجواب ذلك: أنَّ هذا بمجرده لا يكفي لأن قول أهل الخبرة وإن كان حجّة إلّا أنَّه مشروط بشرط ضمني لا محالة قلما يلتفت إليه وهو عدم الشك في الخبير بأنه متعمدّ الضرر فلو شككت في الطبيب مثل هذا الشك أو في المعمار مثلاً لم استخدمه قطعاً والمفروض أنَّ هذا الشك موجود في الكفار وأمّا الوثوق الساذج الذي كان فيهم كما كان قبل اربعين سنة فقد زال تماماً بالوعي الجديد.
وهذا معناه أيضاً تصحيح ما قلناه في الجهة الثانية من الأخذ بما يعملونه
ــــــ[282]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
لأنفسهم وتكذيب ما يعملونه لنا.
فإن قلت: فإنه لا يشترط الإسلام في قول أهل الخبرة بل يجوز أن يكون كافراً والسيرة المرضاة عليه وكان المعصومون يستخدمون الخبراء النصارى كالأطباء وغيرهم. وهذا يكفي.
قلنا: هذا مطعون كبرى وصغرى: أما كبرى فلاشتراط الوثاقة في الخبير إن لم تشترط العدالة وكلاهما غير موجود في هؤلاء جزماً وكيف نستوثق من لم نعرفه إطلاقاً ولم يخبرنا أحد عن وثاقته ولم نعاشره جزماً وإنما كل ما نعلم عنه اجمالاً أنه خبير مسيحي أو كافر.
وأمّا صغرى فلعدم ثبوت كونه خبيراً أصلاً لأن المروي الأهم ليس للخبراء وإنّما لأصحاب الأموال أو السياسيين ومن المعلوم أن الخبراء في العالم يبيعون أنفسهم وضمائرهم لهم فيصنعون لهم ما يشاؤون من الآلات ويقومون بتضليل المسلمين والمؤمنين وابطال عباداتهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم.
نعم الإشكال أخف بلا إشكال في اليابانيين لو لم نشترط الوثاقة في أهل الخبرة فإن احتمال التضليل ضعيف عندهم إلى حد يحصل الاطمئنان العرفي بعدمه إلّا أنَّ احتمال التدخل الأمريكي والبريطاني في الشركات والرأسمال الياباني ممكن ولا ثاني له فيدسون عن طريق اليابان ما يشاؤون ومعه فتحصيل الاطمئنان العرفي بلا موجب وكيف نعرف أنَّ هذا الشيء أو ذاك صنعته أيدي يابانيّة محضة أو لا.
الإشكال الثالث: يؤجّل ما قاله بعض الاخوان من اختلاف عرض الاصبع ومعه يكون للإشكال حصّتان الأولى: اختلاف عرض الأصبع بين الناس
ــــــ[283]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وخاصة بين النساء والرجال وفي العمر وفي السمن والضعف وغير ذلك ممّا يتعذّر ضبطه.
الثانية: اختلاف عرض أصابع اليد نفسها لكلّ إنسان فإن الإصبعين الأخيرين أقل عرضاً من الإصبعين الأولين.
وجوابه: أولاً: في كلا الحصّتين بأخذ المعدّل فإن هذا هو المقيد وليس غيره غاية الأمر أنه حيث لا يمكن استيعاب التجربة على كثيرين فنعمل معدّلاً اطمئنانياً. وهذا يكفي.
وثانياً: بالنسبة إلى الحصّة الثانية من الإشكال: إمّا أن نقول إننا نبني على عرض الإصبعين الأولين خاصّة كما هو الميل العرفي إليه وإما أن نقول:
أنَّ القياس بهما في الحقيقة فإنك لا تبدأ في القياس من آخر اليد بل من أولها عرفاً. ومتابعة العرف في ذاك ضرورية.
ومن هنا قال في كتاب الرياضيات والفقيه: فعرض الأصبع مختلف عند أفراد الناس بل إنَّ اصابع الفرد الواحد مختلفة عرضاً ولا يشفع له أن يأخذ المعدّل بين أرقام مفروضة كما فعل السيّد الأستاذ بل لابدَّ من أخذه عيّنات عشوائية لافراد من الناس (يعني وأخذ المعدّل منها ولم يقل ذلك).
تعليقات على أخذ الإصبع مقياساً:
ولنا على ذلك تعليقات:
الأوّل: أنَّ هذه الارقام ليست مفروضة بل هي تجريبية وهي 20- 19- 18 مليم وما أسهل أن يجرب ذلك على نفسه أو على أي واحد من أسرته أو من
ــــــ[284]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أصدقاءه مثلاً لأنها ثلاثة أرقام لا تشكل أية مشكلة والمهم فيها هو المعدل النوعي لأعرض أصبع طبيعي معتدل ولأدقّ أصبع طبيعي معتدل.
وتلاحظ أنَّ الإنسان غالباً يتخيّل أنَّ أصبع نفسه هو المعدّل الطبيعي أو شبر نفسه كذلك لأنَّه المعتاد لديه مع أنَّ هذا خطأ كما هو واضح وربماً يكون من الجهة النفسية محدثاً للقناعة.
الثاني: أنَّ أخذ المعدّل هو مقتضى قاعدة العدل والإنصاف ومؤدّاها أخذ الوسط من كل محتملين متطرفين وهو معنى المعدّل لا تختلف في ذلك الأمور القضائية عن غيرها مضافاً إلى أنه أكثر اطمئناناً وقناعة من أحد الرقمين المتطرفين لا محالة.
الثالث: أنَّ أخذ المعدل من عيّنات مختلفة من الناس متعذّر من عدّة جهات:
1. أنه غير متعارف في بلداتنا كما هو واضح.
2. أنه لابدَّ أن يكون معدلاً لكل البشر لا لمنطقة معيّنة وهذا متعذّر أكيداً.
3. أنه ينبغي أخذ العرض الدقيق جداً لعشرات الآلاف من الأصابع والعرض الدقيق بهذا المعنى متعذّر كما أنَّ أخذ المعدّل عندئذ يكون متعذّراً.
4. أننا لو بنينا على الدقّة إلى هذه الدرجة لزمنا أن نأخذ عرض حبات الشعير بالدقة وعرض شعرات البرذون بالدقة ونخرج لها معدّلاً لأنَّها من الأكيد أنها ليست متساوية بالدقة وإنما هي متساوية بالتقريب وللتسامح العرفي قطعاً وعندئذ فبالتأكيد سوف لن يكون ما قالوه صحيحاً من أنّ كلّ أصبع عرض سبع شعيرات (مقابل الحنطة) وكل شعيرة عرض سبع شعرات من شعر البرذون بل إن أخذنا المعدّل فسوف تكون هناك كسور مزعجة وأرقام مطوّلة نحن في غنى عنها لأنَّ
ــــــ[285]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الكلام كلّه عرفاً وشرعاً إنما هو في التسامح العرفي لا الدقّة العقلية والرياضية.
قال: وعندئذ (يعني عند عدم التوصّل إلى معرفة عرض الإصبع) يحسن البدء بالتخمين لوحدة أكبر كالذراع لأنَّ تأثير التفاوت سيكون أقل في النتائج لقلّة عمليات الضرب التي سيدخلها ولأنَّ تأثير التفاوت بين أفراده خارجاً ليس كثيراً.
ولنا على ذلك عدّة تعليقات:
1. أنَّ التفاوت والاختلاف في طول الذراع بين الناس كثير أيضاً وأخذ المعدّل بالدقة يتعرض إلى نفس المشاكل السابقة.
2. أنَّ كل ذراع قابل في قياسه بالدقّة للزيادة والنقيصة من الطرفين كما هو واضح فإذا أدخلنا احتمال دخول الكف وخروجه زاد الأمر سوءاً.
3. أنه يقول: يحسن البدء وهذا الحسن أو الرجحان ليس لغة دقيقة كما هو واضح.
4. أنه يقول بحسن البدء بالتخمين ومن المعلوم أنَّ الأمر ليس على نحو التخمين بل على نحو الضبط غاية الأمر هو اختلاف الضبط بالدقة العرفية أو بالدقة العقلية.
5. أننا بعد أن نفشل في قياس الشعرة والشعيرة والإصبع. كما هو مفروضه. فقد فشلنا في القياس الذي هو أكبر منها كالذراع أيضاً لأنه مترتّب عليها. إلّا أن يحصل لنا اطمئناناً بكذبها وضرورة اهمالها تماماً ومن أين وكيف يحصل ذلك.
6. أن الاختلاف في ذراع الناس كثير جداً وخاصة إذا لاحظنا البشرية كلّها
ــــــ[286]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
والاعمار والجنس من الرجل والمرأة وغير ذلك مما يتعذّر قياسه أكيداً ويكون الفرق أكثر من شعرة ومن شعيرة بكثير.
ثُمَّ قال: ويؤيد هذا المسلك (يعني رجحان البدء بالذراع): أنَّ الوحدة الملحوظة والتي تم التركيز عليها في كلام القدماء والاخبار إنما هي الذراع أما الوحدات الأصغر فإنها تقريبات ومقادير لضبط الذراع لا أنها ملحوظة في نفسها.
وهذا الزعم منه غريب لأننا تلقينا كل التقديرات منهم على نفس الأهمية وقدم المساواة من غيرها وليس أنَّ المقادير الصغيرة تقريبات ظنيّة وإلا فهل يقول ذلك في الأوزان الصغيرة أيضاً.
وقلنا: بأننا لو توخّينا الدقّة لفشلت كلّ هذه التقديرات ولو توخّينا التسامح العرفي أو الفهم العرفي فإنها تنجح كلّها ولا حاجة إلى الدقة في التعامل العرفي والشرعي أكثر من ذلك كل ما في الأمر أنّ تطبيق هذه الأمور على الاصطلاحات الحديثة أصبح صعباً نسبياً وإلا ففي الإمكان القول بإلغاء الاصطلاحات الحديثة والاقتصار إلى القياسات القديمة بصفتها قياسات دينية ممضاة من قبل الشارع وليس هذا أولى من العكس وهو إلغاء القديم والعمل على الجديد إلّا مجرد اعتماد الناس حالياً عليه.
ثُمَّ قال: ومنه يعلم أيضاً أن اعتراضه على تقريب السيد الخوئي ليس وجيهاً أو مراده حين قال عن تقدير المسافة الشرعية تقريباً) بل لابدَّ من التقريب لعدم ضبط الأصل وأيّ تفاوت يسير في الأصبع يؤدّي إلى هذا الفرق الكبير في المسافة الشرعية.
ــــــ[287]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أقول: وهذا واضح الغرابة؛ لأنّ فرق المتر والمترين غير مفتقر في المسافة الشرعية، فضلاً عن الأكثر، وإذا شك المكلف بالوصول إليها استصحب عدمها، فلا يكون التقريب مفيداً أكيداً من الناحية الفقهية ولا العملية.
وإنّما نعلم إن هذا ناشئ من عدم تأكّد المؤلف من الاستدلال على مقدار المسافة للشك في كبراه أو صغراه ولم يحصل له الاطمئنان، وهذا وجه وجيه، إلا أنه لا يبرر ذلك، بل يمكن له البيان بأساليب أخرى: منها:
أن يقول: أن الشبهة موضوعية وهي ليست من مسؤولية الفقيه، وإنما هي على المكلف.
وإما أن يقول: أنه إذا شك المكلف في اختيار المسافة استصحب عدمها.
وإما أن يقول: أن مقتضى القواعد الرياضية الموروثة في المسافة هو ذلك. مع التنبيه على أن تحصيل الاطمئنان به يرجع إلى المكلف، وهكذا ولهجة التقريب هي أدنى بياناً من كل ذلك.
ونتيجة ذلك: أنّه ليس (لابد من التقريب) حتّى مع الشكّ والجهل؛ لإمكان البيان على أساليب مختلفة.
المسافة الشرعية بين جمعتين:
الآن بمناسبة الحديث عن المسافة، يحسن أن نتعرّض إلى المسافة الشرعية التي يكون بين جمعتين كبرى وصغرى، ثُمَّ نتعرّض لمبدأ هذه المسافة هل هي إمام الجمعة أو صلاة الجمعة أو حائط المسجد أو أي شيء.
أمّا المسألة الأولى: وهي المسافة بين الجمعتين، فقد عقد لها الحرّ في الوسائل
ــــــ[288]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الباب السابع، وفيها روايتان معتبرتان بسند يكاد أن يكون واحداً إلى حدّ يحصل ظن راجح على وحدة الواقعة التي نتحدث عنها، وكلاهما عن جميل عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام).
الرواية الأولى: (7/1) ففيها احتمالان: وهو أن يكون التفسير من الإمام أو من الراوي، مع الالتفات إلى أن محمّد بن مسلم كان على مستوى الفقاهة بحيث يفسّر كلام الإمام.
أمّا إذا كان النصّ كلّه من الإمام فذيل الرواية يحتوي على مفهوم الشرط، (فإذا كان بين الجماعتين في الجمعة ثلاثة أميال فلا بأس أن يجمع هؤلاء ويجمع هؤلاء). ومفهوم الشرط صحيح كما حقّق في محله في علم الأصول، وهو يعني: أنه إذا كان أقل من ثلاثة ففيه بأس. وهو دليل بطلان الصلاة، لأن الثلاثة تحديد لأقل مسافة. وليس تحديداً للطرفين كما هو واضح. يعني ثلاثة أميال فأكثر. فإذا كان أقل بطلت. أما ماذا يحدث إذا بطلت هل تبطل إحداها أو كلاهما؟ فهذا ما سوف يأتي.
وإذا كان صدر الرواية لفظاً صادراً من الإمام فيقع الإشكال في عدم صدور المفهوم من الإمام وعدم وجود المفهوم لصدر الرواية، لكي يدل على البطلان. إلا أن الانصاف أن لها مفهوم بالرغم من أنها ليست شرطية، وهو مفهوم القيد أو العدد، لأن إلغاء المفهوم يقتضي إلغاء العنوان وهو باطل، لأن التقييد لابد له من حكمة على أي حال. وهذا يعني وجود المفهوم بنحو القضية الجزئية، وحيث لا يراد بها قضية جزئية حقيقية إذن فهي كلية. ولذا فهم منها الراوي في تفسيره
ــــــ[289]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
للعبارة المفهوم بذوقه العرفي، أو قل أن فهم الراوي له يدعم فهمنا للمفهوم. إلّا أنه يكون بمنزلة الدليل اللبي يقتصر فيه على القدر المتيقن، وليس له إطلاق؛ لأنه بنحو القضية المهملة كما يقولون، فقد يؤثر ذلك في الاستدلال على بعض التفاصيل كما سيأتي.
والإنصاف أن احتمال كون التفسير من الراوي موجود، بحيث يسقط عن الحجية، ويبقى صدر الرواية فقط معتبراً.
الرواية الثانية: (7/2) ومحل الاستدلال هو القسم الثاني من الرواية وكله صادر عن الإمام حسب الظهور، وفيه جملتان:
الأولى: تدل على المطلوب بالمفهوم.
والثانية: تصريح بالمفهوم، ونتيجته البطلان إذا كانت المسافة أقل من ثلاثة أميال.
وأما مقدار هذه المسافة بالأمتار، فقد سمعنا من العبارة الموروثة من أهل الخبرة بالاطمئنان: أنّ كلّ فرسخ ثلاثة أميال وكل ميل أربعة آلاف ذراع من ذراع اليد، وكل ذراع يساوي أربعة وعشرين إصبعاً الخ. والمسافة هنا ثلاثة أميال أي فرسخ واحد، وقد عرفنا أن المختار أن عرض الإصبع 19 مليماً فنضربه في 24 لأن الذراع 24 إصبعاً فيكون 19× 24 = 45.6 سنتيماً.
ويكون الميل مضروباً في أربعة آلاف لأن الميل أربعة آلاف ذراع 45.6×4000= 1824 متراً، الميل الواحد؛ لأن 45.6 × 4000 = 182400، فإذا قسمناه على مئة كان الميل 1824 متراً.
ــــــ[290]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فإذا أردنا معرفة مقدار الفرسخ وهو ثلاثة أميال كما هو محل الحديث الآن، ضربنا الرقم الناتج في ثلاثة: 1824 × 3= 5472. وهو خمسة كيلو مترات وحوالي النصف، يقل عن النصف بحوالي 28 متراً.
وأمّا على النظام الانكليزي، فقد عرفنا فيما سبق أن الميل 1760 ياردة، فإذا كان الفرسخ 3 أميال كان بحساب الياردة: 1760 ياردة × 3 ميل= 5280 يارده الفرسخ الواحد، بينما هو في المتر أكبر من هذا الرقم، كما أن هذا ظاهر في تحديد المسافة الشرعية التي سمعناها من (ما وراء الفقه) فإنها بالمتر 43776، وبالياردة 42240، وهذا يعني أن الياردة أكبر من المتر، في حين أننا قلنا هناك: والمتر= 1.093 من الياردة، يعني يكون أطول من الياردة، ب0.093 من الياردة، وهذا اشتباه بل الياردة هي الأطول بهذا المقدار، الأمر الذي حصل منه هذا الفرق.
وأما المسألة الثانية: وهو رأس الحساب بين الجمعتين هل هو إمام الجماعة ونهاية المأمومين أو حائط المسجد أو غيره.
وفي كلتا الروايتين المعتبرتين يعبّر (بين الجماعتين) يقول: إذا كان بين الجماعتين ثلاثة أميال -ولا يكون بين الجماعتين أقل من ثلاثة أميال- فإذا كان بين الجماعتين في الجمعة ثلاثة أميال فلا بأس أن يجمع هؤلاء وهؤلاء.
وظاهر الجماعتين هو نهاية المأمومين، فيجب أن تكون نهاية إحدى الصلاتين ومبدأ الصلاة الأخرى هذا المقدار، ولا يحسب من إمام الجماعة إلا من حائط المسجد.
إلا أنّه يستشكل فيه بإشكالين:
الإشكال الأول: أن هذا تحويل على شيء خارج عن الاختيار في زيادة
ــــــ[291]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
المأمومين وقلتهم، فلربما زوادوا بحيث قلت المسافة عن ذلك. وخاصة إذا زادوا في كلتا الجماعتين. ونتيجته أنه إذا دخل واحد منهم في داخل الثلاثة أميال بطلت صلاة الجميع، مع كونهم خارجين عن الثلاثة بالفرض، ولا يمكن القول بصحة ما خرج، وبطلان ما دخل، لأن ظاهر الروايتين إبطال أصل الصلاة (ولا يكون بين الجماعتين أقل من ثلاثة أميال).
والإنصاف أن هذا الحكم في الروايات ناشئ مما كان غالباً من كون صلاة الجماعة والجمعة عنها قليلة نسبياً أو هي متباعدة فعلاً بمسافة كافية بحيث لا يحتمل تداخلها في المأمومين مع الكثرة، إلا أن هذا ينافي إلى حد ما وجوب حضور الكثير من المكلفين إليها بحسب شرائطهم، مع الالتفات إلى قوله: (إذا كان بين الجماعتين ثلاثة أميال فلا بأس أن يجمع هؤلاء ويجمع هؤلاء) فلربما تكاثروا هنا وهنا، وقوله: (فلا بأس أن يجمعوا) له إطلاق إلى صورة التكاثر، يعني يصح سواء كانوا قليلين أم كثيرين.
وهذا يعني أنّه لم تحسب الجماعة من نهاية المأمومين، بل هذا حد آخر، فإذا علمنا أنه ليس في الجماعة إلا الإمام والمأموم، والغي التحديد بالمأموم، إذن فالتحديد بالإمام، وهو مقدار واضح الضبط بالمقدار العرفي بلا إشكال، ويؤيد ذلك ما نقوله في الإشكال الثاني.
الإشكال الثاني: أنّه يقول في الرواية الأولى منها: (يعني لا تكون جمعة إلا فيما بينه وبين ثلاثة أميال)، بعد قوله: (يكون بين الجماعتين ثلاثة أميال)، فالضمير في قوله: (بينه) إلى أين يرجع ليس له مرجع في العبارة، ولا يمكن إرجاعه إلا إلى
ــــــ[292]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الإمام وهو المطلوب. وتكون هذه العبارة قرينة متصلة على الأخرى.
فإن قلت: فإن العكس في القرينة أيضاً صحيح وهو جعل العبارة الأولى قرينة على الثانية، فينتج العكس.
قلنا: كلا، لأن فيها قوله: (يعني)، إذن فالثانية مفسرة للأولى دون العكس.
فإن قلت: فإنها تفسير محمّد بن مسلم وقد قلنا إنه ليس بحجة.
قلنا: نعم، هو ليس بحجة في التشريع، ولكننا نأخذه كفهم عرفي، أو متشرعي لكلام الإمام، وهو أعلم منّا بما يقصده.
فإن قلت: فإنه يمكن إرجاع الضمير إلى المأموم الأخير في الجماعة، بقرينة الجماعتين الظاهرة في نهايتهما.
قلنا:
1. أن هذا معناه جعل العبارة الأولى قرينة على الثانية دون العكس، وهو خلاف نص الرواية التي تقول: (يعني).
2. أن الرجوع إلى المأموم رجوع مشكك وغير منضبط، وهو معنى غير عرفي، لأننا لا نتكلم عن مأموم معين. بخلاف الإمام فإنه يكون منضبطاً.
فيبقى الفصل بين كلا الجماعتين احتياطاً استحبابياً، وأما حائط المسجد فغير محتمل لأنه لم يؤخذ في الروايات إطلاقاً.
هذا، وقد راجعت المصباح فلم أجد هذه المسألة فيه إطلاقاً، وإنما الجديد فيه هنا هو اللاخلاف في هذه المسألة على الظاهر، بيننا قال: بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه.
ــــــ[293]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أقول: وكلاهما ليس بحجة لأنه مدركي بالروايتين المعتبرتين.
ثُمَّ قال: وحكي عن ابن فهد في (الموجز) تجويز تعددهما فيما دون فرسخ من المندوبة حال الغيبة.
قال: وهو محجوج بمخالفة الإجماع، وإطلاق الخبرين المتقدّمين.
أقول: يضاف إلى ذلك عدّة مناقشات أخرى:
أولاً: أنّه ليس هناك جمعة مندوبة بالمعنى الأخص، ولا يحتمل فيها فقهيّاً ذلك، نعم هذا ثابت في صلاة العيدين، إلا أن التلازم بين أحكامهما عموماً غير ثابت.
ثانياً: أن العنوان المأخوذ هو الجمعة و (الجماعتين) ونحوه وهو يشمل المندوبة لو سلمنا بوجودها فتبطل وإن كانت مستحبة.
مضافاً إلى الإطلاق الازماني الذي أشار إليه الهمداني.
ثالثاً: أنه غير محجوج بالإجماع لأنه لبّي لا يعمل فيه خارج القدر المتيقن فلو تنزّلنا عن الوجهين السابقين أمكن القول بالصحة في المستحبة لأنها خارج القدر المتيقن إلّا أنَّ غاية ما يحدث هو رقع المانع وإنما الكلام في مقتضى الصحة إلا أن الإشكال فيه هو الإشكال في أصل الاستحباب والمفروض أننا تنزّلنا عنه في هذا الوجه.
فإذا استطاع ابن فهد أن يفهم من الخبرين ذلك أيضاً بعنوان أنه من الواضح لدى المتشرعة المعاصرين للمعصومين كونها مشروطة بوجود المعصومين.
فيحصل انصراف من الجمعة إلى هذه الحصّة بالخصوص فلا تشمل
ــــــ[294]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الحصص الأخرى مع انحصار الدليل بالإجماع وهذين الخبرين.
إلّا أنَّ هذا الارتكاز ممّا لا دليل عليه فقرينته على إطلاق الرواية غير ممكن وهو أيضاً مخالف لاطلاقات وجوب الجمعة كما فرضنا.
صورة تقارن الجمعتين
والخطوة الأخرى: هو الكلام عن صورة انتفاء هذا الشرط وكون المسافة أقل من فرسخ أو ثلاثة أميال فقد قال الفقهاء بما فيهم المحقق الحلي في الشرائع أنهما إذا افترقتا بطلتا وإن تقدّمت إحداهما ولو بتكبيرة الإحرام صحّت الأولى بطلت الثانية فيقع الكلام في ثلاثة مراحل: في مرحلة الثبوت وفي مرحلة الإثبات وفي مقدار التقدّم هل هو بالتكبير خاصّة أو بكل الصلاة.
أمّا في مرحلة الثبوت فإن مقتضى إطلاق قوله: (لا تكون جمعة) هو نفي الصحّة، وحصول البطلان ومقتضى إطلاقه هو بطلان كلتا الجماعتين مطلقاً يعني ما دامت في الصلاة سواء في التكبير أو في غيره سواء أسبقت أم لا بل لعلّه يشمل الخطبتين أيضاً كما أنه ظاهره أنه شرط واقعي وليس بعلمي فلو ثبت بعد ذلك وجود جمعة قريبة بطلت جمعته على كل حال وخاصّة إذا أسقطنا التقدّم والتأخّر والظهور الأصلي بالواقعية لأي دليل في نفسه لا ينبغي أن يكون محلاً للمناقشة.
فهنا جهتان: أما الجهة الأولى وهي اشتراط البدء بالصلاة فسوف يأتي وأما الجهة الثانية وهو كونه شرطاً واقعياً أم علمياً. فظهور الواقعية وإن كان صحيحاً والتقييد بالعلمية يحتاج إلى دليل إلا أنه من الممكن القول بإقامة هذا الدليل عموماً تارة وخصوصاً أُخرى.
ــــــ[295]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أما عموماً فلوضوح أن الإنسان إنما يعتمد على علمه وقناعاته لا أنه يتصل بالخارج مباشرة ومعه تكون كل الإخبارات والإنشاءات علّتها العلم ومعلولها العلم. وليس وراء الجانب الباطني أو النفسي أمر زائد لأنَّ هذا المزائد ممّا لا يمكن إحرازه، وإنما يحوّل الغرر دائماً على وجدانه، فمن هنا يكون ظاهر كلّ الأدلّة هو قيد العلميّة ما لم يخرج بدليل. وهذا واضح ومطبق فقهياً في كثير من الموارد كأوقات الصلاة وأجزائها وشرائطها وتعمّد البقاء على الجنابة حال الفجر وغير ذلك كثير.
وأمّا خصوصاً؛ فلأنَّ الشبهات الموضوعية علمية بلا إشكال لأن واقعها ممّا لا يمكن الحصول عليه ثبوتاً ومن ذلك قضية الثلاثة أميال أو وجود جمعة أخرى ونحو ذلك فضلاً عمّا إذا قلنا كما سوف يأتي بجريان أصالة الصحة ما لم يثبت تقدّم الصلاة الأخرى فيبقى هذا على صحة صلاته بل كلاهما يبني على صحّة صلاته لأنَّ العلم الإجمالي هنا غير منجّز.
ومن هنا يظهر الكلام في مرحلة الإثبات لأننا فهمنا شرط العلمية من الأدلّة فما دام الإنسان المصلي لا يعلم بوجود المانع كفى في صحّة الصلاة تمسكاً بمطلقاتها وخاصّة إذا أتى بها برجاء عدم المانع وانضم عدمه ثبوتاً فتصحّ بلا إشكال.
وكذلك إذا انتهى منها ثم احتمل وجود المانع خلالها فإنه وإن لم يكن المورد لقاعدة الفراغ لأنها خاصّة بالموانع الحاصلة من المصلي نفسه ولا تشمل غيره ولا أقل من متصوّر إطلاق ذيلها لذلك إلّا أنَّ أصالة الصحة جارية وهي قاعدة مسلّمة
ــــــ[296]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فقهياً فإنَّ كلّ عمل عبادي أو معاملي تم انجازه ثم شككنا بصحّته فيبقى على صحّته.
ومعه لا يجري الاستصحاب المعاكس لها لا باعتبار كونها أمارة فتكون حاكمة على الأصل لأنها أيضاً أصل إلّا أن نقول: إنَّ القواعد الفقهية تكون حاكمة على القواعد الأصولية لأنَّ جنبة أماريتها أكثر إلّا أنَّ المورد يزيد على ذلك: لأنَّ أصالة الصحة في كلّ موارد وجودها معارضة ثبوتاً باستصحاب عدم ترتب الأثر ومع ذلك فقد تسالموا على صحّتها ومعه يكون هذا التسالم قاطعاً لذلك الاستصحاب نعم لو كان هذا الاستصحاب جارياً في بعض مواردها لكانت الحصّة الأخرى هي القدر المتيقن من هذا الإجماع إلّا أنه صار في كل مواردها على الإطلاق.
مناقشة الشيخ الهمداني:
وذهب الشيخ الهمداني – ارتكازاً- إلى أنَّه شرط واقعي وليس بعلمي وقال فيما قال: أنَّه لا فرق في صحّة السابقة بين علم المصلّين عند عقدها بأنَّ اللاحقة ستوقع لما عرفت من أنَّها لا أثر لها فلا يقدح العلم بحصولها في صحّة الشروع في السابقة كما أنَّه لا فرق في بطلان اللاحقة بين علم المصلّي بأنَّ جمعة سبقتها وجهله بذلك حسب ما عرفت من عدم اختصاص شرطية الاتحاد (يعني صلاة واحدة) بحال العلم.
أقول: وقد عرفت أنَّ الشرط شرط علمي فإذا جهل ذلك صحّت صلاته على كل حال. نعم يبقى موردها محلاً للاحتياط ألاستحبابي بالاعادة ظهراً.
ــــــ[297]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ثم قال: وهل يجب عليه حال تلبّسه بالجمعة أن يحرز أنه لا جمعة هناك لها أو منعقدة قبلها بالعلم أو بالظن حيث تعذّر العلم أو يجوز الاعتماد على الأصل (النافي) لدى الجهل به وجهان.
أقول: هذا إنما يصح على تقدير القول بكونه شرطاً واقعياً وأما مع كونه شرطاً علمياً فالمكلّف يحرز وجود الشرط وجداناً لكونه جاهلاً وجداناً في المفروض بوجود جمعة أخرى ولا يجب عليه الفحص لرفع هذا الجهل لأنه بمنزلة الموضوع ولا يجب تغيير الموضوع.
ولكنّه بناء على كونه شرطاً واقعياً يأتي السؤال ولكن مع ذلك ينبغي القول أيضاً بعدم وجوب الفحص لأصالة البراءة في مثل هذا الوجوب وللتسالم على عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية إلّا ما خرج بدليل وليس هذا منه فيستطيع أن يصلّي ولو برجاء المطلوبية فإن انكشفت الصحّة فهو وإلّا أعاد ظهراً لأنَّ المفروض كون الشرط واقعياً.
إلّا أنَّ الشيخ الهمداني أفتى بوجوب الإحراز إلى الملازم مع وجوب الفحص ثم ذكر إمكان جريان استصحاب عدمها (يعني الصلاة الأخرى) إلا أنه ذكر أننا لو فهمنا شرطية عدم تلك الصلاة بالصحّة كان الأصل مثبتاً لأننا لابدَّ أن نحرز كون هذه الصلاة واجدة للشرط يعني وجدت وليس معها أو قبلها جمعة أخرى ومثل هذا العنوان ليس له حالة سابقة واستصحاب عدم الأخرى لا يثبت كونه صفة لهذه الصلاة إلّا بالملازمة فيبطل.
بخلاف ما لو قلنا بكون الصلاة الثانية مانع – وليست شرطا- فإنَّ
ــــــ[298]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
استصحاب عدم المانع كان في صحّة الصلاة وقال أنَّ هذا هو الأظهر من الأدلة.
أقول: يرد عليه عدّة أمور:
أولاً: أنه بالنتيجة وافق على جريان الاستصحاب ومعه لا يكون الفحص واجباً بل يكفي الاستصحاب حجة لإثبات عدمها فكيف افتى بوجوب الفحص اللهم إلّا أن يقال إنه أفتى بوجوب الإحراز وهو كما قد يكون في الفحص قد يكون بجريان الاستصحاب إلّا أنَّ معناه أنه يجب الالتفات إلى موضوع الاستصحاب وجريانه ليصدق الإحراز وهو كما ترى ويكاد أن يكون متعذراً للعوام.
ثانياً: أن لفظ الروايات مناسب مع استفادة الشرطية أو المانعية معا لأنه يقول: لا تكون جمعة في اقل من ثلاثة أميال ومع الإجمال فالشرطية أقرب إلى ذوق العرف أو قل هي الأصل مع دوران الأمر بينها أو قل: إنَّ لحاظ الوجود أوضح عرفاً من لحاظ العدم والمانعية يرجع إلى لحاظ الترك والعدم.
وبتعبير آخر: أنَّ ما هو شرط أو مانع ليس هو وجود الجمعة وعدمها بل المسافة والمسافة بوجودها شرط وعدمها مانع بلا إشكال نعم لو لوحظت الصلاة لكان وجودها مانعاً فلحاظ الوجود يؤيّد جانب استفادة المانعية إلّا أنَّ المهم في ظاهر الروايات هو المسافة أو قل الصلاة المعتبرة بالمسافة فتكون أقرب إلى معنى الشرط.
وقد سمعنا في الروايات التصريح بالمفهوم والمنطوق معاً والمفهوم يقتضي المانعية والمنطوق يقتضي الشرطية وقلنا قبل قليل إنه لو دار الأمر بينهما فالعرف
ــــــ[299]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
يفهم الشرطية ويعود معنى المانعية إلى سببية سقوط الشرط في سقوط المشروط.
وقد قال الشيخ الهمداني أنه مع استفادة الشرطية يكون الاستصحاب مثبتاً.
ثالثاً: أنه يمكن القول: بأنَّ الاستصحاب إما أن لا يكون مثبتاً على كلا التقديرين يعني الشرطية والمانعية وإما أن يكون مثبتاً على كلا التقديرين فإننا إن لاحظنا ذات الشرط والمانع أمكن استصحابهما بدون ملاحظة اللازم فيكون جريانه صحيحاً وإن لاحظنا النسبة بين الصلاة الأخرى المستصحبة العدم وهذه الصلاة كان على كلا التقديرين مثبتاً من حيث أننا لا بدَّ أن نثبت خلو هذه الصلاة من وجود تلك سواء كانت عدمها شرط أو وجودها مانعاً وبالاستصحاب لا يثبت هذا القيد.
ثُمَّ قال: (بناء على المانعية التي يمكن بلحاظها جريان الاستصحاب في نظره):
بل يجوز الاعتماد عليه يعني الاستصحاب حينئذ حتى مع علمه بأنها تنعقد إذا احتمل تأخّرها فإنَّ هذا العلم غير مانع عن إجراء أصالة عدم جمعة أخرى إلى حين تلبسه بالصلاة.
وقد تقرّر في محلّه أنَّ العبرة باحراز عدم المانع بهذا الأصل الذي لا مانع من جريانه لا بأصالة عدم مانعية الأخرى أو أصالة تأخّرها أو أصالة عدم سبقها أو مقارنتها ونحو ذلك من الأصول التي يتمسّكون بها في نظائر المقام مما لا أصل لها كما لا يخفى على المتأمّل.
أقول: أمّا أصالة عدم تأخّرها أو عدم سبقها أو مقارنتها فهو مورد التعارض
ــــــ[300]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
والتساقط لأنه جار في كلتا الصلاتين إلّا إذا قلنا بجريانه في مجهول التاريخ مع العلم بتاريخ أحدهما كما في المقام لأننا نعلم بتاريخ الصلاة التي بيدنا ونشك بالأخرى فيجري الأصل فيما هو مشكوك دون ما هو معلوم اللهم إلا أن يقال: أننا وإن كنّا نعلم تاريخ هذه الصلاة ذاتاً إلا أننا نشك بالسبق واللحوق فيكون مجرى للأصل إلا أنَّ هذا في الحقيقة يرجع إلى الشك في الأخرى ومن لوازمه.
وأمّا أصالة عدم مانعية الأخرى فلا مانع من جريانه لأنه بمنزلة الصغرى للأصل الذي أجراه الهمداني وهو استصحاب عدم المانع يعني أنَّ هذه الصلاة ليست بمانع ولا يعارض بأصالة عدم مانعية هذه الصلاة التي بيدنا عن تلك وتتساقط لعدم منجزية العلم الإجمالي هنا إذ لا أثر لهذا الأصل بالنسبة إلينا.
وقد ظهر أننا بعد أن قلنا: إنَّ انعقاد جمعتين متقاربتين شرط علمي وأننا في غنى عن الاستصحابات بأصالة الصحّة الحاكمة عليها لكنّها إنما تجري بعد العمل لا خلاله ولا قبله ومن هنا يجب على الملتفت إلى هذا الاحتمال وهو وجود جمعة أخرى كبرى وصغرى أن يصلّي هذه الجمعة برجاء المطلوبية ولو بدون فحص فإذا أثبتت جرت أصالة الصحة وصحّت الصلاة.
وليس الاحتمال هنا منجزاً لوجوب الاحتياط والفحص لما سبق من أنه بنحو الشبهة الموضوعية وهي مجرى البراءة عن وجوب الفحص فيها مضافاً إلى التسالم على ذلك.
ومن هنا يظهر المناقشة في ما قاله المحقق الحلّي في الشرائع من قوله: ولو لم يتحقق السابقة أعاد ظهراً. قال الهمداني: لاحتمال كل من الجماعتين بطلان
ــــــ[301]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
صلاتهم وكونها مسبوقة بالأخرى فلا يحصل لهم القطع بفراغ ذمّتهم إلّا بإعادتها ظهراً… أو بإعادة خصوص الجمعة مع التباعد.
قال: ولكن الأقوى عدم وجوب الإعادة عليهما لا ظهراً ولا جمعة لأنَّ كلاً من الطائفتين يحتمل صحّة صلاته فيبقى على قاعدة الصحّة، والعلم الإجمالي ببطلان إحدى الجمعتين أو كلتيهما على تقدير المقارنة غير مانع عن رجوع كل منهما إلى الأصل الجاري في حقّه لخروج بعض أطرافه من مورد ابتلاء كل منهم. نظير علم واجدَي المَنِي ببطلان صلاة أحدهما وجنابته.
أقول: وهذا صحيح على هذا المستوى من التفكير فيكون ما أمر به المحقق الحلّي من الإعادة مبنياً على الاحتياط الاستحبابي. إلّا أننا أشرنا إلى أنَّ هذا الأصل جارٍ بعد العمل لا خلاله ولا قبله. كما أنَّ حديث الهمداني والحلّي مبنيان على واقعية الشرط لا على علميته.
هل الحد الفاصل بين الجمعتين التكبير أو الخطبة
والمسألة الأخرى هنا: أيضاً هو ما قالوه من كون التكبير هو الحدّ الفاصل في ضمن إحدى الصلاتين وبناء على مسلكهم يكون راء التكبير هو الحد الحقيقي لأنه لا يدخل في الصلاة (لأنها وعلى ما قلناه من أنَّ التكبير كلّه يقع في الصلاة) فهو مصلٍ من أول همزة لفظ الجلالة) إذن تكون هذه الهمزة هي المحك والحدّ لأنَّ المهم كبروياً اشتراكهما في الصلاة فإن كان ذلك يتحقّق بالهمزة فهو وإلا بقي متأخراً إلى الراء.
وهذا ما لم يذكره الهمداني وإنما قال: ثم إنَّ العبرة باقتران الصلاتين الموجب
ــــــ[302]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
لبطلانهما عند علمائنا على ما نسبه إليهم غير واحد بل وكذا عند أكثر العامّة على ما في المدارك وغيره بالتكبير… وحكي عن بعض العامّة القول بأن العبرة بالشروع في الخطبة وهو ضعيف إذ المتبادر من الأدلّة إنما هو اعتبار الفصل بين الصلاتين لا بين خطبتيها ولا اقل من قصور الأدلّة عن إثبات اعتبار هذا الشرط بالنسبة إلى الخطبة.
أقول: وما يمكن الاستدلال به للمشهور مما يتحصّل من هذه العبارة وغيرها عدّة أمور: الأول: اعتبار أن الخطبتين ليست من الصلاة مع كون المستفاد من الأدلّة هو الاقتران بين الصلاتين كما هو المستفاد من قوله: لا تكون جماعتين أي صلاتين مضافاً إلى إمكان القول: بأن مثال الخطبة ليس فيه جماعة بالمعنى المتشرعي. وإنما تبدأ الصلاة والجماعة بالتكبير والصغرى صحيحة وهي أن الخطبتين ليست من الصلاة والظاهر أن من يقول بها يبني على أنَّها من الصلاة والظاهر أنَّ مراده كون الحد الشروع فيها لا الانتهاء منها.
الثاني: الإجماع، فإنَّه نسب إلى علمائنا كما سمعنا وهو مشعر بحصول الإجماع، وهذا مضافاً إلى النقاش الكبروي، لابدَّ من إرجاعه إلى نفي الزائد ليصحّ دليلاً، والظاهر أنَّ هذا هو مقصودهم.
الثالث: ما أشار إليه الشيخ الهمداني من الاستفادة من الأدلّة كما ذكرنا من أنَّ المراد من الجماعتين الصلاتين، إلَّا أنَّ هذا وحده لا يكفي إلَّا باقتران المقدّمة السابقة وهي كون الخطبتين خارج الصلاة، وقد أخذ الهمداني ذلك مسلّماً بدون أن يشير إليه. وإلَّا فمع صدق الجماعة على الخطبة يتعيّن ذلك.
ــــــ[303]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الرابع: ما أشار إليه أيضاً من أنَّه يكفينا قصور الأدلّة لو كان. ولم يذكر الهمداني النتيجة، وهي: أنَّ المورد يكون مجرى لأصالة عدم مانعية الخطبة. أو قل: إنَّ أصالة عدم المانعيّة جارية في كل شيء إلَّا ما خرج بدليل. وقد خرج بالدليل حال الصلاة؛ لأنَّها القدر المتيقّن، ويبقى الباقي على عدم المانعيّة كحال الخطبة والأذان والإقامة ونحوها وكذلك الصلاة المتأخّرة.
إلَّا أنَّ هذا وحده أيضاً لا يكفي ما لم نضم له مقدّمة كون الخطبتين ليستا من الصلاة، وإلَّا أمكن شمول الدليل لهما. نعم، لو كان الدليل هو الإجماع وأنَّ الأخذ بالقدر المتيقّن صحيحاً. نعم، مع قصور الأدلّة تصبح مجملة، فيؤخذ منها بالقدر المتيقّن أيضاً، وليس هناك قدر متيقّن إلَّا أوّل حال الدخول في الصلاة.
المدار على تكبير الإمام أو تكبير المأموم:
وأنَّ السؤال الذي قاله بعض الإخوان من أنَّ المدار على تكبير الإمام أو تكبير المأموم، واستدلّ على الثاني بأنَّ المهم في الجمعة العدد ولا يكون العدد في جماعة إلَّا بتكبير العدد كله فتحسب من آخر تكبيرة، ونحو ذلك.
أقول: بل المدار تكبيرة الإمام وإن سبقت التكبيرات، والفقهاء وإن لم يذكروا هذا الفرع، إلَّا أنَّه من الواضح من سياق كلامهم أنَّ النظر شرعاً إلى تكبيرة معيّنة، ولا يحتمل ذلك في أحد إلَّا إمام الجماعة وليس في كلامهم النظر إلى مجموع عدّة تكبيرات قطعاً. مضافاً إلى ما قلناه من أنَّ المهم أول التكبير وليس آخره، فهنا أيضاً نقول: إنَّ المهم أول المجموع وليس آخره، وأوّل المجموع هو تكبيرة الإمام كما هو واضح أو لا أقلّ أوّل تكبيرة الإمام.
ــــــ[304]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فإن قلت: كما هو ظاهر السؤال أيضاً: أنَّه لا تكون جمعة إلَّا بالعدد المعتبر، وهو لا يكون إلَّا بعد تكبيرهم.
قلنا:
أوّلاً: هو عبّر في الروايات المعتبرة بالجماعة وليس بالجمعة. وهي من هذه الحيثية تنعقد بمأموم واحد، فإذا لوحظت صلاة الجمعة من حيث كونها جماعة لزم غضّ النظر عن العدد أيضاً. فليس العمدة تكبير العدد، بل يكفي تكبير واحد.
ثانياً: أنَّ الانعقاد هنا يُراد به الصدق العرفي وقدره المتيقّن عند التهيؤ للتكبير، ومن الضروري أنَّ الإمام حين يكبّر فإنَّ الباقون متهيئون للتكبير. وتصدق الجماعة والجمعة معاً.
ثالثاً: أنَّنا لو اعتبرنا تكبير العدد يكون مشكّكاً وغير منضبط في الجمعات التي تنعقد بأكثر من العدد المعتبر كما هو الغالب؛ لأنَّ المدار ليس هو تكبير الجميع قطعاً، فيكون كل العدد داخل على تقدير وخارج على تقدير، ومجهول إثباتاً قطعاً، ومثل هذه الحالة لا يحتمل أن يجعلها الشارع محكماً.
إشكالية في صحة الصلاة المتقدمة
بقي أمر واحد خلال هذه المسألة لابدَّ من الالتفات إليه، وهو الإشكال من ناحية صحّة المتقدّمة مع أنَّ الإطلاق يشملهما معاً، فلو كبّرت المتأخّرة بطلتا معاً فيكون المدار هو مجموع الصلاة، كما نقل عن بعض العامّة كما سمعنا.
وهذا وإن كان هو مقتضى القاعدة الأوليّة في الإطلاق، وهو حاكم على أصالة الصحّة أو استصحاب الصحّة الجاري في الأُولى، إلَّا أن نقول بأحد
ــــــ[205]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وجهين: الانصراف عن هذه الصورة الخارجة عن الاختيار غالباً، أو التقييد بالإجماع ونحوه.
ويمكن قياس ذلك بأُمور أُخرى يمنع فيها الاجتماع شرعاً لو قلنا به، كصلاة الرجل والمرأة أو الجمع بين الأختين، فإنَّه من الواضح بطلان خصوص المتأخّرة ولا يحتمل تأثير المتأخّر في إبطال المتقدّم، بضرورة الفقه، فليكن هذا منها.
وقد يربط الموضوع بمسألة صدق المشتق على الأعمّ، فإن قلنا به، صدق اجتماع الصلاتين الجماعتين بعد تكبير الثانية فتبطل الأولى، وإلَّا فلا لأنَّ الثانية عندئذٍ لا تكون صلاة بالحمل الشايع.
وجوابه:
أوّلاً: أنَّ الصحيح هو وضع المشتق لخصوص المتلبس.
ثانياً: أنَّنا لو قلنا بالوضع للأعمّ فلا يحتمل أن يكون ذلك سارياً في الأوامر الشرعيّة؛ لعدم احتمال شمولها للأعم فلابدَّ من فهم الصحيح من متعلقات الأوامر الشرعيّة.
ثالثاً: أنَّ هذا الوجه أخذ مسلّماً بطلان الجماعة الثانية. ومع القول ببطلانها لا يحتمل إبطالها للجماعة الأولى. نعم، لو قلنا بصحتها ولومن باب احتمال أنَّ الممنوع هو الاقتران ما بين كل الصلاتين لا بين بعضها، كما قد يستشعر من لفظ الجماعتين في الأخبار المعتبرة، أمكن ذلك.
إلَّا أنَّه أوّلاً: غير محتمل.
وثانياً: أنَّه مع هذا الاحتمال لا موجب للبطلان، بل تصحّ الصلاتين معاً.


ــــــ[306]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
خاتمة

الآن كأنَّنا انتهينا من الشرائط الأساسيّة لوجوب صلاة الجمعة، نتحول الآن إلى الفروع التفصيلية، وحيث لا ينضبط ذلك باحتمالات معيّنة، يكون الأحجى جعل المتن لذلك هو كتاب الشرائع نفسه الذي سرنا عليه في بحث الفقه كلّه، فنذكر منه الأُمور التي ترتبط بصلاة الجمعة ممّا لم تكن قد ذكرناه فيما سبق.
المسألة الأولى: خروج وقت صلاة الجمعة
وأوّل شيء يواجهنا في ذلك قوله في أوائل فصل الجمعة: ويخرج وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله، يعني: بعد التسالم والوضوح بأنَّ دخول وقتها يكون بزوال يوم الجمعة. وقال الهمداني بعده: لدى الأكثر على ما نسب إليهم، بل عن غير واحد دعوى الشهرة عليه، بل عن المنتهى دعوى الإجماع عليه. وعن الشهيد في الدروس والبيان القول بامتداد وقت الجمعة بامتداد وقت الظهر وربما يظهر من بعض عبائر الحلّي موافقته (يعني ابن إدريس) وحكي عن السيّد ابن زهرة وأبي الصلاح القول بأنَّ وقتها من الزوال بمقدار ما يتّسع للأذان والخطبتين وصلاة الجمعة، بل عن الغنية الإجماع عليه، فقال على ما حكي عنه: وإذا فاتت الجمعة بأن يمضي عن الزوال مقدار الأذان والخطبة وصلاة الجمعة لم يجز قضاؤها ووجب أن تؤدى ظهراً. كل ذلك بدليل الإجماع الماضي ذكره في الإشارة ولا
ــــــ[307]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
قضاء لها إذا فات وقتها بمضي مقدار أدائها بعد خطبتها بل يصلي حينئذٍ ظهراً. وحكي عن الجعفي أن وقتها ساعة من النهار فكأنَّه أراد ساعة من الزوال. وعن المجلسيين وقتها من الزوال إلى أن يبلغ الظلّ الحادث قدمين.
ومقتضى الأصل العملي الأولي، يعني بغض النظر عن المقيّد، هو استمرار وقت صلاة الجمعة واستصحابه حتى لو لزم من ذلك القول باستمراره إلى الغروب ولا محذور في ذلك إن لم نجد في الروايات ما ينفيه.
دلالة الأخبار على وقت صلاة الجمعة
والإنصاف أنَّ الأخبار في ذلك في غاية الإجمال، وبعض مداليلها ممّا لا يعمل به المشهور كاختلاف وقت صلاة الظهر والعصر بين السفر والحضر. وعلى أي حال لابدَّ من استقرائها أوّلاً. ثُمَّ محاولة الاستفادة منها ثانياً، ويمكن تقسيمها إلى طوائف:
الطائفة الأولى: ما دلّ على أوّل وقت صلاة الجمعة فقط وهو الزوال (8/2-4-5-8-11-12 (صدرها فقط)- 14-17-18-20).
وهذه الطائفة لا تدخل في محل الشاهد أصلاً، وإذا كان هناك تعارض فهي ليست طرفاً له؛ لأنَّ التعارض المحتمل هو على نهاية وقت صلاة الجمعة لا على بدايته، وهذه الروايات تدلّ على بدايته لا على نهايته، فتسقط هذه الطائفة عن محلّ الشاهد.
الطائفة الثانية: ما دلّ على أنَّ وقت صلاة الجمعة من المضيق (8/1 بدون ذيلها) والإشكال من حيث نسبية التضييق يعني أضيق من أي شيء، فإنَّه من المفاهيم الإضافيّة التي لا تقوم إلَّا بطرفين، لم يذكر طرفه الآخر، ويأتي تتمة الكلام فيه.
ــــــ[308]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
(8/3) (لا معنى لكونها لها وقت واحد يعني بداية فقط بدون نهاية؛ لأنَّها تحتاج إلى زمان والبداية آنية الحدوث لا تكفي لصلاة الجمعة، فهذا المعنى ساقط قطعاً). (8/12-16-21).
الطائفة الثالثة: ما دلّ على التوقيت بساعة: (8/1 ذيلها).
الطائفة الرابعة: التحديد بالقدم والشراك (8/4-7) وظاهرهما تحديد أوّل الوقت وليس آخره، فتسقط من هذه الناحية أيضاً، ومراده: من الظل الأوّل يعني قبل رجوع الظلّ يعني قبل الزوال، وفيها تنزيل الخطبة منزلة الصلاة وسندها معتبر، إلَّا أنَّها لم يأخذ بها أحد أكيداً لاقتضائها عندئذٍ بأمور كثيرة لا يحتمل القول بها، كالكلام بين الخطبتين ولا يجوز بين الركعتين، وافتتاحها التكبير وختامها للتسليم وغير ذلك كثير.
وأوّل خطوة للجمع بين ألسنتها هو وضوح عدم التنافي والتعارض بين هذه التحديدات، فإنَّ عنوان الساعة والقدم والشراك من الممكن عرفاً أن ينطبق على مدّة تقريبة واحدة (إذا سلّمنا دلالتها على ذلك وقد سبق أن ناقشنا فيه) مضافاً إلى أنَّ رواية الساعة (8/4) ظاهرة بنفس الصلاة دون الخطبة، فتكون المدة من الزوال إلى ساعة هي مدة الخطبة وليس منه التحديد بالمثل.
أطروحات في معنى ضيق الوقت
فلم يبق إلَّا لسان: إنّ وقت الجمعة مضيّق وبعض أسنادها معتبرة جزماً. فما المراد من ذلك، فيه عدّة أُطروحات:
أوّلاً: إيجاد الخطبة والصلاة عند الزوال بالدقّة العرفيّة أو بالتسامح العرفي،
ــــــ[309]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
بحيث لو تأخّرت قليلاً لخرج وقتها. وهذا غير محتمل لكونه ضيّق جدّاً ولم يقل أحد بوجوب تقصير الخطبة أو الصلاة كما لو أراد أن يقرأ فيها سوراً طوالاً.
ثانياً: أنَّه ينتهي وقتها خلال ساعة عرفيّة، وذلك بجعل ما دلّ على الساعة أو الشراك قرينة منفصلة على فهم ما دلّ على التضييق، كما قد حصل قول بذلك. إلَّا أنَّنا ناقشنا لسان الساعة والشراك.
ثالثاً: أنَّه ينتهي وقتها بمقدار إيقاعها مع الخطبة، إلَّا أنَّ هذا يكون مقولاً بالتشكيك ثبوتاً وهو غير محتمل.
رابعاً: أنَّه ينتهي وقتها حين يصير ظلّ كل شيء مثله، كما عليه بعض الأقوال وقد وجدنا بوضوح أنَّه ليس في الأخبار أي دلالة على ذلك. إلَّا أن نجعل ما ورد في صلاة الظهر قرينة على صلاة الجمعة. وهو كما ترى بعيد في نفسه.
فإن قلت: فإنَّ الأمر بالجامع التخييري يوم الجمعة يقتضي ذلك.
قلنا: نعم، إلَّا أنَّ ظاهر السياق هو كون وقت صلاة الجمعة أضيق من وقت صلاة الظهر. مضافاً إلى وقوع التعارض في محلّه في أمثال هذه التحديدات بين القدم والقدمين والذراع والمثل والسبحة وغيرها. مضافاً إلى إلغائها كوقت إلزامي إلى استحبابي.
خامساً: أنَّه ينتهي وقتها حين يصير الظلّ الحادث قدمين كما قيل. ودليله أحد أمرين:
1. ما ورد في صلاة الظهر من ذلك.
2. حمل القدم والشراك الوارد هنا على ذلك. وكلاهما متعذّر كما سبق توضيحه.
ــــــ[310]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
سادساً: أن وقتها له بداية، وليس له نهاية إلَّا نهاية وقت صلاة الظهر. إلَّا أنَّنا هنا نقول: إنَّها مثل صلاة الظهر لها وقت فضيلة ووقت أداء. ودليله وجوب الجامع التخييري في يوم الجمعة، وهو محتمل ثبوتاً، إلَّا أنَّه بعيد ولم يقل به أحد. مضافاً إلى أشعار السياقات إلى وجود الاختلاف بين الوقتين.
سابعاً: أنَّ وقتها وقت صلاة الظهر نفسه إلى الغروب، وليس هناك فرق بينهما أصلاً. وهذا وإن كان مقتضى الوجوب التخييري، إلَّا أنَّه يرد عليه:
1. أنَّ من الممكن أن يكون كل طرف في التخيير مقيّد بقيود غير الآخر كما هو حاصل فعلاً.
2. ما استفدناه من اختلاف وقت الجمعة عن الظهر في الجملة.
ثامناً: أنّ وقتها مثل وقت صلاة الظهر مع فارق وجوب المبادرة إليها سريعاً بمجرّد الزوال. وهذا حكم غير موجود في صلاة الظهر وإنَّما هو استحبابي إلَّا أنَّه في صلاة الجمعة وجوبي، وهو أحسن أُطروحة لفهم الاختلاف بين الصلاتين في تحديد الوقت وهو الأكثر عرفيّة في فهم هذه الظهورات.
هل حكم تأخير الجمعة وضعي أو تكليفي
إلَّا أنَّ الكلام في أنَّه حكم وضعي أو تكليفي فلو أخر الشروع في الجمعة أثم وصحّت صلاته على تقدير كونه تكليفياً بخلاف ما إذا كان وضعياً. كما أنَّه هل هو وقت لخصوص الركعتين أو لمجموع الخطبتين معهما. أو بالعكس يعني وجوب المبادرة للخطبتين دون الركعتين، وهل تجب الموالاة بين الخطبتين والركعتين أم لا؟
ــــــ[311]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
يمكن القول بثبوت كلا نحوي الحكم؛ لأنَّ كل حكم وضعي يستتبع حكماً تكليفياً لا محالة وإلَّا كان لاغياً، فلو أخّر عن علم وعمد أثم وبطلت منه الجمعة ولا يمكن إعادتها جمعة. ولكن الدليل لا إطلاق له لصور أُخرى كصورة الجهل أو حال الضرورة أو الغفلة ونحو ذلك، لأنَّه مجمل فيؤخذ منه بالقدر المتيقّن وهو العلم والعمد.
فإن قلت: فإنَّه يقول: إنَّ وقتها مضيّق فهو شامل لصورة الجهل والضرورة بالإطلاق.
قلنا: العمدة أنَّنا هنا لا نعلم مقدار الضيق، وهو من هذه الناحية مجمل وبحسب الأصل الظاهري يمكن استصحاب استمرار الوقت ما بقي وقت صلاة الظهر، غاية الأمر أنَّ ذلك لا يكون مع العلم والعمد، فإنَّه القدر المتيقّن من البطلان، وإنَّما يجري هذا الأصل في خارج القدر المتيقّن.
فإن قلت: فإنَّ هذا الأصل لا يمكن استمراره إلى آخر الوقت؛ لأنَّه محكوم بظهور قوله (مضيّق) أي لا يستمرّ إلى نهاية الوقت.
قلنا: نعم، بهذا المقدار، لكن في الإمكان أخذ الوقت أوسع ما يحتمل إمكانه على أن يبقى دون وقت صلاة الظهر ولو بقليل نسبياً، وخاصّة مع الالتفات إلى أنَّه لا تجب تقصير الخطبة أو الصلاة قطعاً.
وهذا كلّه ينتج أنَّه مع العلم والعمد تجب المبادرة العرفيّة الفورية إلى صلاة الجمعة، ويستمر ذلك فوراً ففوراً. ويظهر أثره فيما إذا كانت واجباً تعيينياً عند اجتماع العدد ونحو ذلك.
ــــــ[312]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
إلَّا أنَّ المهمّ هنا أنَّها إلى أي مقدار هي قابلة للتأجيل (وضعاً)، وفي الحقيقة أنَّه مع العمد يجب الاحتياط. وذلك بعدة أُطروحات:
1. أن لا ينافي الفورية العرفيّة، فلو نافاها سقطت الجمعة.
2. جواز الانتظار بمقدار إيقاع الخطبتين والركعتين بشكل عرفي غالبي كنصف ساعة أو ثلاثة أرباع الساعة. وإذا خرج مثل هذا الوقت سقطت الجمعة. وهذا مراد من يقول إنَّه بمقدار أدائها، وهذا ما يمكن فهمه من معنى المضيّق وأنَّه بمقدار عملها فقط.
3. جواز الانتظار بمقدار ركعتين فقط دون الخطبتين لجواز إيقاع الخطبتين قبل الوقت، إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ لأنَّه يكفينا هنا جواز إيقاعها بعد الوقت، بل هو وقتها الأساسي، كنافلة الفجر التي وقتها الأساسي بعد الفجر ولكن يجوز إيقاعها قبله تعبّداً أو استثناء.
4. أن نعمل بالأقوال الأُخرى كساعة أو قدمين أو مثل الظلّ ونحو ذلك. وهذا كلّه ممّا لا دليل عليه، وخلاف فهم معنى التضييق.
نعم، لو دار الأمر بين محتملين، كلاهما تنطبق عليه العبارة كالاحتمالين الأولين، أمكن استصحاب الوقت إلى الوقت الأطول منهما.
المراد من عنوان الساعة في الأخبار
نعم، ورد في المصباح خبران يدلّان على الساعة بعنوانها إلَّا أنَّ الظاهر أنَّهما غير تامّين سنداً. وهما ما رواه الصدوق مرسلاً، قال: وقال أبو جعفر (أول وقت الجمعة ساعة نزول الشمس إلى أن تمضي ساعة، فحافظ عليها، فإنَّ رسول
ــــــ[313]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الله قال: لا يسأل الله عبد فيها خيراً إلَّا أعطاه). وعن الشيخ في المصباح عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر قال: (أول وقت الجمعة ساعة نزول الشمس… الخ) بنفس النصّ.
فإن فهمنا من هذه الساعة ساعة إيقاع الصلاة كما فهمه الشيخ الهمداني كانت هذه الروايات راجعة إلى نفس المضمون السابق؛ لأنَّ الساعة تكون وقتاً لنهاية الصلاة لا لأولها.
وإذا فهمنا من الساعة جواز التأخير، أو قل: فهمنا وقت الأوّل لا وقت الأخير، وقع بينهما وبين المضيّق نحو من التنافي؛ لأنَّ المضيّق يدلّ على الفوريّة والساعة تدلّ على جواز التأخير بهذا المقدار، إلَّا أن نفهم التضييق النسبي يعني أنَّها أضيق من صلاة الظهر.
وإنَّما الكلام في صحّة خبر الساعة، فإن ثبت اعتباره كفى بجواز التأخير بهذا المقدار ولو عمداً، وإلَّا لم يجز التأخير أكثر من إيقاعها العرفي، بل إنَّ هذا أيضاً مشكل عندئذٍ، بل لابدَّ من المبادرة إليها فوراً ففوراً. ويأثم بالتأخير ما لم تحمل على الحكم الوضعي فقط.
إلَّا أنَّ الظاهر صحّة سند الأخيرة فيجوز تأخيرها لمدّة ساعة عرفيّة، ويكون ذلك مقيّداً لما دلّ على التضييق أو نفهم منه التضييق النسبي عن صلاة الظهر.
مضافاً إلى أنَّ الساعة العرفيّة هي وقت إيقاع صلاة الجمعة، والخطبتين غالباً، فيجوز له أن يؤخّرها بمقدار إيقاعها التقديري. وأمّا القول بأنَّ وقت الجمعة والظهر متساويان، فهو وإن كان مقتضى البدلية والتخيير بينهما، إلَّا أنَّنا قلنا إنَّه لا
ــــــ[314]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ملازمة بين الأمرين، فيكون هذا القول مخالفاً للروايات المعتبرة الدالة على التضييق.
وأمّا ما حاول الشيخ الهمداني الاستدلال به على ذلك من أنَّ المستفاد من بعض الأخبار عينية ووحدة صلاة الجمعة مع صلاة الظهر، وأنَّهم صلّوها أربعاً إذا لم يكن لديهم من يخطب، وهو يدلّ على وحدة الوقت. فهذا ليس أكثر من معنى الملازمة بين طرفي التخيير في الواجب التخييري؛ لأنَّ الظاهر أنَّها إنَّما نزلت بهذا المعنى، مع أنَّنا سمعنا أنَّهما ليس بينهما أية ملازمة؛ ولذا نفاه الشيخ الهمداني لبعض المناقشات.
نعم، هذا في العلم والعمد، وأمّا في صورة الضرورة فقد قلنا بإمكان بقاء الوقت ما دامت الضرورة إلَّا أن يخرج وقت صلاة الظهر، ويكون الاحتياط بالإتيان بصلاة الظهر استحبابياً. وأمّا في صورة (التأخير) الجهل فإن انكشف الحال في الوقت وجب التكرار ظهراً، وإن انكشف بعد الوقت فإن قلنا أنَّ التقييد احتياطي من باب الاحتياط الوجوبي كان القضاء من باب الاحتياط الاستحبابي، وإن فهمنا الإطلاق لصورة الجهل أيضاً واقعاً، كان القضاء ظهراً واجباً بنحو الفتوى.
المسألة الثانية: لو خرج الوقت أثناء الصلاة
قال المحقّق الحلّي: (ولو خرج الوقت وهو فيها أتمّها جمعة).
والمهمّ هنا أنَّنا إذا لم نستفد لنهاية الوقت تحديداً أمكن استصحاب الوقت
ــــــ[315]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
على أية حال ولو حكماً للشك في شموله لهذه الصورة. وخاصّة إذا التفتنا أنَّه لا يحب اختصار الخطبتين والصلاة جزماً، وأنَّ الساعة إنَّما هي وقت للابتداء لا للانتهاء.
ولكن إذا قلنا بوجود التحديد كما عليه عدد من الأقوال، وهو ما تبتني عليه عبارة الشرائع، فهنا ثلاث احتمالات رئيسية:
أوّلاً: أن يُراد بأنَّه فيها، أي ما يعمّ الخطبتين.
ثانياً: أن يُراد به دخوله في الصلاة ولو بتكبيرة الإحرام.
ثالثاً: أن يُراد أنَّ ركعة كاملة دخلت في الوقت.
والثالث واضح لوجود أدلّة على أنَّ من أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت كلّه تنزيلاً. فتصحّ صلاته جزماً.
وأمّا الوجه الأوّل: فلعلّ وجهه الوحيد هو تنزيل الخطبتين منزلة الركعتين لتكون صغرى لتلك القاعدة، فلو دخلت خطبة واحدة في الوقت كفى في الصحّة؛ لأنَّها بمنزلة الركعة، إلَّا أنَّ الكلام في التنزيل كما سبق.
وأمَّا الوجه الثاني: فقد ادّعي عليه الإجماع إلَّا أنَّه إجماع منقول واستدلّ عليه أيضاً بحرمة قطع الفريضة، وجوابه:
1. ما ذكره الهمداني من أنَّها بعد خروج وقتها لا يكون مكلّفاً بها كما يحرم قطعها.
2. إنَّه ليس المقصود قطعها، بل إتمامها جمعة أو ظهراً، فلو خرج الوقت أتمّها أربع ركعات.
ــــــ[316]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ويدعم ذلك بما دلّ على وحدة صلاة الجمعة، مع الظهر، فإذا بدأ بإحدى النيّتين كفى الإتمام في الأخرى. إلَّا أنَّه قابل للمناقشة لعدم الإطلاق، وإنَّما لابدَّ أن يعين تكليفه قبل الصلاة. ولذا يقول: إذا لم يكن من يخطب صلّو أربعاً يعني نووا الظهر.
وقد يستدلّ له بجواز نقل النيّة، لجوازه في موارد كثيرة، وهو متوقّف على إثبات صحّة الكبرى، إلَّا أنَّها باطلة؛ لأنَّ وجود صلاة بنيّتين باطلة ما لم يدلّ دليل على الصحّة، وليس هذا منها. اللهم إلَّا أن يُقال إنَّهما ليستا صلاتين، بل صلاة واحدة، فنرجع إلى الوجه السابق مع جوابه.
إلَّا أنَّ الراجح هو مجموع العمل الذي يعم الخطبتين، لا باعتبار كونها بدل الركعتين حقيقة، بل بعد ضمّ مقدّمتين:
1. إنَّ الوقت وقت الشروع لا وقت الانتهاء كما سبق.
2. إنِّ الشروع حقيقة بالعمل وصلاة الجمعة عرفاً بالخطبة. فيجري استصحاب وجوبها التعييني أو التخييري أو إجزائها، ونحو ذلك؛ لعدم شمول الإطلاق لهذه الصورة، بل لا يوجد إطلاق بناءً على أنَّه وقت الشروع لا وقت الانتهاء. فالتحديد بتكبير الإحرام إنَّما هو تحديد للصلاة وأمّا صلاة الجمعة، فالشروع فيها بالخطبة في الحقيقة. فإذا شرع في الخطبة ولو قليلاً داخل الوقت كفى بجواز الاستمرار. ويبقى قطعها أو التبديل إلى الظهر مبنياً على الاحتياط الاستحبابي.
قال المحقّق الحلّي: ولو خرج الوقت وهو فيها أتمّها جمعة إماماً كان أو
ــــــ[317]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
مأموماً، كالمسبوق بركعة، بل المسبوق فيه كلام يأتي من حيث كون جمعته بدون جماعة، والمهم أنَّ هذا يعني جواز والمراد بالإمام يعني مجموع الإمام والمأمومين أو الإمام وحده، فإنَّه لو بدأ بالجمعة وتفرّق المأمومون عنه لعذر ودونه أتمّها جمعة وأجزأت عنه كما سيأتي ولا أقلّ أنَّه هو مقتضى الأصول الظاهرية. فهنا يفرض خروج الوقت خلال صلاته الانفرادية أيضاً وتصحّ.
المسألة الثالثة: الجمعة تقضى ظهراً
قال: وتفوت الجمعة بفوات الوقت (إن كان المختار فيه) ثُمَّ لا تقضى جمعة بل ظهراً، لا أداء ولا قضاء.
أمّا القضاء فمسلّم، بل لعلّه من ضروريات الفقه، قال الهمداني: بلا خلاف بل إجماعاً. كما صرحّ به غير واحد. وفي المدارك أنَّه إجماع أهل العلم. ثُمَّ قال: ويدلّ عليه قوله في حسنة الحلبي: (فإن فاتته الصلاة فلم يدركها فليصلّ أربعاً).
ويدلّ على عدم القضاء ما دلّ على عدم الأداء مادام وقت الظهر موجوداً، فإنَّه إذا انتفى الأداء كان انتفاء القضاء أولى. ويستدلّ لذلك بأدلّة التوقيت السابقة كلسان أنَّ وقتها واحد ولسان أنَّ وقتها مضيّق ولسان أنَّ وقتها ساعة ونحو ذلك. فيكون بمنزلة التوقيت للفريضة اليوميّة. فإذا خرج وقتها سقطت. مع ضمّ قضيّة أُخرى واضحة فقهياً في الارتكاز المتشرّعي وهي أنَّ صلاة الجمعة غير قابلة للقضاء، لا في وقت أداء صلاة الظهر ولا في وقت قضائها، فإذا سقطت سقطت أداءً وقضاءً، والباب 26 من الوسائل كفيل بذلك فهو يحلّ مشكلتين:
ــــــ[318]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الأولى: إجزاء الركعة الأخيرة من الإمام للمأموم.
الثانية: أنَّه إذا فاته ذلك صلّى أربعاً يعني في وقت أداء صلاة الظهر فضلاً عن القضاء.
المسألة الرابعة: إدراك المأموم للإمام في الركعة الثانية
نعم، يبقى مورد واحد وهو صورة بقاء وقت صلاة الجمعة، فلو تمّت صلاة واحدة جمعة بسرعة أمكن تكرارها جمعة يعني انعقاد صلاة جمعة ثانية. ولا إشكال في ذلك إلَّا من ناحية إطلاق هذه الروايات في باب (26) من حيث إنَّه إذا أدركه في التشهّد صلّى أربعاً وهو يشمل أول صلاة جمعة في الوقت ويدلّ على عدم جواز التكرار.
إلَّا أنَّ جوابه واضح أيضاً وهو أنَّ المأموم الذي يأتي في تشهّد الجمعة لن يستطيع تحصيل جمعة ثانية فيصلّي أربعاً. وهذا هو الأعمّ الأغلب، بل دائماً إذا نظرنا إلى المجتمعات الخارجية والفعلية. فإذا استطاع المأموم تحصيل جمعة ثانية في وقتها وجب الالتحاق بها وأجزأت.
نعم، لو كانت الجمعة قد انتهت والوقت قد خرج صلّاها ظهراً بلا إشكال.
وقوله في (26/1): بمنزلة الظهر، مبني على وحدة الجمعة والظهر يوم الجمعة، فكأنَّها جمعة لكنّها بأربع ركعات، وهذا يعطي عدّة نتائج:
منها: جواز نيتها جمعة.
ومنها: جواز إتمام الجمعة ظهراً مع خروج وقتها خلالها. كما قيل بالرغم من وجود الخطبتين، وتكون النيّة واحدة، وهي عنوان الجمعة؛ لأنَّ الرباعية أيضاً
ــــــ[319]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
جمعة في نظر الشارع. والرواية معتبرة.
وفي (26/3) صحيحة الحلبي: وقال: (إذا أدركت الإمام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة، وإن أدركته بعدما ركع فهي الظهر أربع)، ونحوه (26/1) وهي صحيحة الحلبي أيضاً.
قال بعض الإخوان: إنَّه يدل على عدم صحّة الإلتحاق بالجمعة خلال الركوع، وخاصّة مع ذيل العبارة الذي هو تصريح بالمفهوم.
وجوابه:
أوّلاً: أنَّه قال: الركعة ولم يقل الركوع، وهذا معناه أنَّه يشترط بدء المأموم مع أوّل الركعة الثانية للإمام وإلَّا بطلت جمعته، وهو غير محتمل.
فإن قلت: فإنَّه قال: ركع بعد ذلك.
قلنا: يمكن جعل الفقرة الأولى قرينة عليه، يعني ركع الركعة لا ركع الركوع. وهذا أولى من العكس لتقدّمه أوّلاً، ولزيادة القرينة فيه وهو وجود لفظ الركعة.
ثانياً: أن نفهم كما فهم الحرّ العاملي من ذيل العبارة أنَّه انتهى من الركوع ورفع رأسه منه، أما ابتداء أو بقرينة روايات صلاة الجماعة لليقين بأنَّ صلاة الجمعة تطابق صلاة الجماعة من حيث كونها جماعة. في حين هذا الحكم يجعلها مختلفة عنها، وهذا غير محتمل.
ثالثاً: أنَّ عبارة الذيل غير محتملة بظاهرها الأوّلي يعني التحق به عند الركوع وأكمل أربعاً. فإنَّه على خلاف الارتكاز المتشرّعي أن يلتحق شخص بجماعة صلاة الجمعة بقصود أُخرى. إلَّا أنَّنا نفهم أنَّه صلّى مفرداً أربعاً، أو نفهم عينية صلاة الظهر مع صلاة الجمعة.
ــــــ[320]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
لو خرج الوقت يصليها أربعاً
بقي تطبيق نفس الباب على المقصود الآخر وهو أنَّه إذا خرج الوقت يصليها أربعاً.
وإشكاله: أنَّ الشرط للأربع فيه عدم إدراكه لا خروج الوقت، وهذا مبني على ما هو الغالب جداً من عدم إمكان تحصيل جمعة أُخرى للمأموم بحيث يخرج الوقت مع الفحص عنها. وعلى أيِّ حال، فإذا كانت قد انتهت خلال الوقت صلّاها أربعاً فكيف بما إذا كان الوقت قد انتهى فيكون أولى بالأربع.
نعم، مقتضى إطلاق الصلاة أربعاً مع الفوت هو تعيّن الأربع سواء صليت فرادى أو جماعة، وهذا معناه عدم جواز تكرار الجمعة.
وجوابه:
أوّلاً: أن نقبل هذه النتيجة، ولعلّها هي المشهورية. وخاصّة مع لسان أن وقتها مضيّق، وأنَّ وقتها واحد، وأنَّ وقتها بمقدار إيقاعها.
ثانياً: أن يحمل على الغالب في تضييق الوقت الباقي.
ثالثاً: أن يحمل على الغالب من عدم وجود التفات أو هِمّة إلى تكرار الجمعة، فهم لو صلّوا جماعة صلّوا ظهراً (ما لم نقل بوجوب الجمعة عليهم).
رابعاً: أن يحمل على الغالب من عدم وجود جماعة أصلا بعد الجمعة، فيصلّي أربعاً مفرداً.
حالة إنفراد الإمام
هذا، وأمّا حالة انفراد الإمام فلم تتعرّض له الروايات، فإنَّها حالة نادرة فينحصر تصحيحها بالأصل، وهو استصحاب الصحّة الاقتضائية لما كان قد جاء
ــــــ[321]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
به من الأجزاء والشرائط.
قال المحقّق الحليّ: ولو وجبت الجمعة (عيناً) فصلّى الظهر وجب السعي، فإن أدركها وإلَّا أعاد الظهر ولم يجتز بالأُولى.
قال الهمداني: كانت صلاته باطلة لمخالفتها للمأمور به، بلا خلاف فيه على الظاهر بيننا، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه، وحكي عن أبي حنيفة وصاحبيه القول بالسقوط وليس بشيء.
أقول: والقدر المتيقّن من ذلك صورة العلم والعمد، ومن الواضح معه وجود إشكالين في صلاة الظهر:
1. إنَّه لا أمر بها فتقع تشريعاً محرّماً.
2. إنَّه منهي عنها إن قلنا بالنهي عن الضد الخاصّ، ولا شكّ أنَّها مع العمد تقع تمرّداً على المولى وليس انقياداً، فتبطل.
أمّا مع النسيان والجهل فينحصر الإشكال بأنَّه لا أمر بها فتبطل أيضاً. نعم، لو انضم إلى ذلك أنَّه ظهر أنَّه لم يكن مكلّفاً بالجمعة لعجزه عن الحضور حينها أو بعده بالمسافة وكان يتخيّلها أقرب صحّت؛ لأنَّ تكليفه الواقعي هو الظهر وقد امتثله. وهذا لا يشمل ما إذا كان متخيّلاً القرب ومعانداً في صلاة الظهر، فإنَّ قصد القربة لا يكون متوفّراً عندئذٍ، فتبطل.
نعم، لو لم تجتمع شرائط الجمعة في أوّل الوقت تماماً، وكان من المحتمل اجتماعها بعد هنيئة، جاز له أن يصلّي الظهر، لحصول موضوع وجوبها وهو الزوال وعدم الجمعة، وفي مثل هذه الحالة لو اجتمعت شرائط الجمعة أمكن
ــــــ[322]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
القول بعدم وجوبها عليه؛ لأنَّه خارج القدر المتيقّن، إلَّا أنَّ هذا متوقّف على أن يكون دليلها لبّياً مع أنَّه لفظي فلا أقلّ من الاحتياط بالإتيان بالجمعة.
وأمّا لو حصل الانعقاد خلال صلاة ظهره لم يجز إكمالها، بل وجب الالتحاق بالجمعة؛ لسقوط الباقي عن كونه فرضاً، وعدم حرمة قطعه فإذا لم يحرم وجب.
فإن قلت: فإنَّنا قلنا فيما سبق إنَّ الوجوب التعييني مع انعقاد العدد مبني على الاحتياط الوجوبي لا الفتوى فلا يشمل صورة الاشتغال بالصلاة.
قلنا: بل يشملها؛ لأنَّ حرمة قطع الفريضة دليلها لبّي فلا يشمل صورة المزاحمة، فيكون الاحتياط في ذلك الجانب أقوى فيتقدّم.
وعلى أي حال فقد تحصّل أنَّ الحق هنا مع المحقّق الحلّي، فإنَّه إن صلّى الظهر خلال الوجوب التعييني لصلاة الجمعة عمداً أو جهلاً بطلت، وإذا بطلت وجبت إعادتها، يعني: إذا التحق بصلاة الجمعة كفى وإلَّا وجبت إعادتها ظهراً ولم يجتز بالفرد الأوّل الباطل كما هو واضح.
بقي شيء محل ابتلاء لا يحسن الإعراض عنه، وهو أنَّ الوجوب التعييني لصلاة الجمعة إن كان فتوائياً على القواعد، فهو الذي سمعناه، وهو الذي قصده المحقّق الحلي والهمداني، وأمّا إذا كان بالولاية فالأمر يختلف؛ إذ يُقال: أنَّ وجوب صلاة الظهر أمر أوّلي والحكم بالولاية أمر ثانوي، والحكم الثانوي لا يزاحم الأوّلي. فتصح الظهر وإذا صحّت سقطت الجمعة. وهذا هو الذي عليه مسلك العديدين الآن.
ــــــ[323]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
قلنا: هذا يتمّ فقط فيما إذا نفينا دليل الحكم بالولاية كمقبولة عمر بن حنظلة، وأمّا إذا أثبتناه لم يختلف الحال عن الحكم الشرعي الاعتيادي، فلو أُمِرَ المكلف بالولاية بأمر سريع بحيث يجب عليه التيمّم أو الصلاة جلوساً للسرعة الشديدة أو الصلاة ماشياً جاز له ذلك قطعاً، مع أنَّه يأتي فيه ما قيل من أنَّ أمر الصلاة أوّلي وأمر الولاية ثانوي، وكذلك يكون أمر الولاية سبباً لجواز التصرّف بأموال الغير وهكذا، بل هو أولى من الأمر القضائي في ذلك لأنَّه أهمّ قطعاً.
المسألة الخامسة: وجوب المبادرة مع ضيق الوقت
ومعه لا فرق أصلاً بين الحكم بالوجوب التعييني بأصل الشريعة للجمعة أو بالولاية في ترتيب أي آخر بما فيها بطلان صلاة الظهر التي تصلّى معها.
ثُمَّ قال المحقّق: ولو تيقّن أنَّ الوقت يتّسع الخطبتين وركعتين خفيفتين وجبت الجمعة.
أقول: وهذا منه مبني على التوقيت أوّلاً ولا يصدق مع الإجمال. ومبني على عدم وجوب المبادرة أوّل الوقت إلى الجمعة بل يجوز إيقاعها بين الحين متى شاء.
لكن بقي أمران:
أحدهما: ما أشار إليه الهمداني من إمكان الاستصحاب فلو شكّ ببقاء الوقت واستمراره استقبالاً جاز استصحابه على إشكال ذكره في الأُمور غير القارّة، وأجاب عنه. والصحيح جريانه حتى لو كان استقبالياً.
ثانيهما: أنَّه تجب المبادرة إلى الجمعة حتى لو تيقّن أنَّه تخرج من الوقت ركعة،
ــــــ[324]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
بل على ما قلناه تجب المبادرة إليها ولو خرج الوقت خلال الخطبتين؛ لأنَّنا قلنا أنَّه وقت للشروع وليس وقتاً للانتهاء. نعم يبقى الإعادة ظهراً مبنياً على الاحتياط الاستحبابي.
ومن تقريبات الهمداني هنا قوله: ولو علم بمقدار الوقت وأنَّه خمس دقائق مثلاً وشكّ في أنَّ هذا المقدار هل يسع الصلاة مع الخطبتين (بأقل المجزئ أم لا) وجب عليه التلبّس بالفعل حتى ينكشف الحال إما بحصول الامتثال أو بقصوره عن الفعل فينتقل إلى الظهر، ولا يتفاوت الحال في ذلك بين كونه مسبوقاً بالتكليف أو كان ذلك في ابتداء التكليف لصغر أو جنون ونحوهما؛ إذ ليس المدار في ذلك على استصحاب بقاء الوجوب كي يفرق بينهما، بل على عدم جواز رفع اليد عن التكاليف المتوجّه إلى المكلّف بمقتضى إطلاق أدلّته بمحض احتمال العجز عن الخروج عن عهدتها الذي هو مانع عقلي عن تنجّزها.
أقول: مقتضى الأصل هو البراءة عند الشكّ في القدرة؛ لأنَّه يلازم الشك في التكليف ما لم يجر الاستصحاب المذكور، فإذا دخل في التكليف شاكّاً في القدرة لم يجر الاستصحاب لأنَّه غير متيقّن السابق.
وعلى أيّ حالٍ فقد اتّضح الإشكال في قول المحقّق الحلي، وإن تيقّن أو غلب على ظنّه أنَّ الوقت لا يتّسع لذلك فقد فاتت الجمعة ويصلّي ظهراً؛ لأنَّنا قلنا: إنَّ هذا هو وقت الشروع لا وقت الانتهاء، مضافاً إلى أنَّه منقوض بالفريضة، فإذا بقي من الغروب ركعة وجب الابتداء بالصلاة لا أنَّه يحكم بفوتها بعنوان العجز عن إدخال تمامها في الوقت.
ــــــ[325]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
المسألة السادسة: لو مات الإمام أثناء الصلاة
قال المحقّق الحلي: ولو مات في أثناء الصلاة لم تبطل وجاز أن يتقدّم الجماعة من يتمّ بهم الصلاة. وكذا لو عرض للمنصوب ما يبطل الصلاة من إغماء أو حدث.
وادّعى الشيخ الهمداني الإجماع وعدم الخلاف على ذلك. وقال: ولا إشكال بناء على ما قويّناه من عدم كون الإذن شرطاً في صحتها.
أقول: وكونها بحكم صلاة الجماعة في الجملة مسلّم، ومن المعلوم أنَّ صلاة الجماعة تصحّ بتقديم غيره أو أنَّ يقدّم هو غيره. فتكون الجمعة كذلك من حيث كونها مصداقاً بالحمل الشايع لصلاة الجماعة، وإنَّما قد يفرق بينها من ناحيتين:
الناحية الأُولى: كونها مشروطة بإذن السلطان العادل أو أمره، فإذا مات هو انقطع ذلك فتبطل.
وجوابه من عدّة جهات:
الجهة الأُولى: أنَّ إمام الجماعة قد لا يكون هو السلطان العادل، بل من نصبه، وقد يكون نصّب شخصاً بديلاً عنه أيضاً، أو أَذِن بالإذن العامّ بتلك.
الجهة الثانية: أنَّها لو كانت متوقّفة على الإذن أو الأمر جاز قطعها من هذه الناحية، لا من ناحية العدد. فلو كان الإمام ممّن يتمّ به العدد جاز قطعها من كلتا الناحيتين.
الجهة الثالثة: أنَّنا سبق أن قلنا إنَّ صحّتها غير متوقّفة على الأمر من قبل السلطان العادل ولا على إذنه. فتصحّ لو تمّت من ناحية كونها صلاة جماعة.
ــــــ[326]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الجهة الرابعة: ما أشار إليه الهمداني من كونها منوطة بالإذن أو بالأمر ابتداءً لا استدامةً. وقال: إنَّها غير خالية من التأمّل.
أقول: وفي هذا إسقاط لشرطيّة العدد أو افتراض عدمه كما أشرنا، وإلَّا فلا موجب للقول بالبطلان مع حفظ هذا الشرط.
نعم، لو لم ينحفظ العدد بطلت؛ لأنَّ المفروض أنَّ المجموع بما فيها من يتقدّم هو أقلّ من العدد المعتبر، وأمّا بغض النظر عن ذلك فيمكن استصحاب الصحّة الاقتضائية للصلاة أو استصحاب بقاء الإذن أو الاعتماد على إذن الفحوى في ذلك، وهو حجّة شرعاً.
الناحية الثانية: أنَّها أصبحت آناً ما فرادى ولو مع تقديم الثاني، مع أنَّها مشروطة بالجماعة بلا إشكال، وهذا هو مقتضى القاعدة في صلاة الجماعة أيضاً لولا وجود الدليل عليه. في حين إنَّ هذا الدليل لا يشمل الجمعة لتعذّر التجريد عن الخصوصيّة باعتبار استحباب الجماعة ووجوب الجمعة.
وجوابه: عدم الفرق من هذه الناحية، فإنَّ صلاة الجمعة هي جماعة بالحمل الشايع العرفي والمتشرعي فيشملها حكم الجماعة حسب إطلاقات أدلّتها وانصرافها إلى خصوص المستحبّة ممنوع. فيكون التجريد عن الخصوصيّة صحيحاً، بل لا تحتاج إليه؛ لأنَّ شمول كلتا الحصّتين لهذا الدليل على القاعدة فتكون لحظة الانفراد منزّلة منزلة العدم شرعاً.
وهنا قال الشيخ الهمداني: وهل يجوز لهم أن يتمّوا صلاتهم فرادى بحيث تصحّ منهم جمعه أو يجب عليهم الايتمام بأحدهم وجهان مبنيان على أنَّ الجماعة
ــــــ[327]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
شرطٌ في الابتداء أو في مجموعها، وقد جزم في المدارك بالأوّل، تمسّكاً بالأصل. وهو جزم في غير محلّه، بل ظاهر ما دلّ على وجوبها جماعة إنَّما هو وجوب فعل الجمعة التي هي عبارة عن جميع أجزائها جماعة لا مجرّد الشروع فيها كذلك. فما حكي عن غير واحد من وجوب التقديم والتقدّم هو الأظهر (وهذا صحيح ولا أقلّ من الاحتياط الوجوبي فيه حسب الحكم الوضعي والتكليفي معاً).
قال: وعلى هذا فلو لم يوجد من يصلح للإمامة إما لفقدان الإذن، إن اعتبرناه، أو غير ذلك من الشرائط المعتبرة في الإمام فهل تبطل الصلاة أم يجب إتمامها جمعة أم ظهراً، أو التفصيل بين إدراك ركعة مع الإمام وعدمه؟ فيتمّ مع الإدراك (جمعة) وتبطل بدونه أو بتمها ظهراً.
ثُمَّ قال: وقد نسب إلى المعروف بين أصحابنا (يعني: صحّتها)، بل في المدارك لا نعلم فيه مخالفاً وجوب إتمامها جمعة مطلقاً، بل مقتضى التعميم الذي ذكره هناك حيث قالوا: لو انفضّ العدد بعد التلبّس بالتكبير وجب إتمامها جمعة ولو لم يبق إلَّا واحد، وتصريح بعضهم كصاحب المدارك بأنَّ مرادهم أعمّ من أن يكون ذلك إماماً أو مأموماً شمولها لما نحن فيه.
أقول: وهذا نحو من دعوى الإجماع كان الحدس على صحّته، ولكنّه مشكل فيبقى الاحتياط الوجوبي على الإتمام والإعادة ظهراً.
وبغضّ النظر عن ذلك فمقتضى القاعدة الأوّليّة أنَّه مع الانفراد تبطل الجمعة، وإذا بطلت الجمعة بطلت الصلاة؛ لأنَّها لا تكون مشروعة ما لم يجز إتمامها ظهراً، وهو متوقّف على وحدة الصلاتين أو جواز نقل النيّة وليس هذا من موارده، وهو مشكل أيضاً. فإنَّ الوجوه المستفادة من الأدلّة إنَّما هي وحدة
ــــــ[328]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
تشريفية ولا يمكن أن يكون لها أثر فقهي.
وأمّا إدراك ركعة مع الإمام فهو غير كافٍ لكون إدراك الركعة محدّد في الوقت وليس في غيره، فشمولها لغيره يحتاج إلى نحوٍ من التجريد عن الخصوصيّة متعذّر لاحتمال الفرق شرعاً أكيداً.
قال الهمداني: وفي المدارك أيضاً عند قول المصنّف: وإن دخلوا الصلاة ولو بالتكبير وجب الإتمام ولو لم يبق إلَّا واحد، على أنَّ المراد واحد مع الإمام ليتحقّق شرط الجماعة. وهو قول لبعض العامّة، واعتبر بعضهم بقاء اثنين؛ لأنَّ الثلاثة أقل الجمع، واشترط آخرون انفضاضهم بعد صلاة ركعة كاملة لقوله: (من أدرك ركعة من الجماعة فليضف إليها أُخرى) (وهو نقل بالمعنى) ونفى عن هذا القول البأس في التذكرة.
أقول: لا يخلو إمّا أن نعمل على القواعد أو نأخذ بالإجماع، فإن عملنا بالقواعد كانت كل هذه الصور باطلة لوضوح أنَّ مقتضى الإطلاق اشتراط الجمعة كلها بالعدد، ولا تكون الجمعة أقلّ من خمسة، وهذا منها، إلَّا إذا ورد المقيّد، إلَّا أنَّ المقيّد هنا لبّي وهو الإجماع، فينبغي الاقتصار منه على القدر المتيقّن، وهو الانفضاض من الركعة الثانية وبقاء الجماعة ولو بواحد، أو تقديم إمام ثانٍ لو بطلت صلاة الإمام ونحو ذلك. غير أنَّنا أشرنا إلى أنَّ الحدس يساعد على إجزاء الجمعة حتى مع الانفراد إذا كان باختيار غيره، يعني إنَّ الإجماع حاصل حتى على هذه الصورة. ومعه فتصحّ كلّ الصور سواء بقي الواحد هو المأموم أو الإمام، وذلك بنتيجة الإطلاق، إلَّا أنَّه يبقى احتياط استحبابي أكيد على وجوب
ــــــ[329]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الإتمام والإعادة ظهراً.
فإن قلت: كيف يكون إجماع وهذه هي أقوال من يخالف؟
قلنا: نعم، إلَّا أنَّ المخالف هنا إمّا من المخالفين، وإمّا من الشاذين بحيث لا ينافي قوله الإجماع، وإمّا من يريد تطبيق القواعد بحيث نطمئن أنَّ قوله ليس موروثاً تعبّداً من قبل الأئمّة، فيكون القول الآخر (وهو الصحّة مع الانفراد) موروثاً تعبداً.
ومن فروع ذلك: أنَّ الانفضاض كما قد يكون خلال الصلاة يكون قبل الصلاة أيضاً، كما قال المحقّق الحلي: ولو انفضوا في أثناء الخطبة أو بعدها قبل التلبّس بالصلاة سقط الوجوب، يعني عن الباقين الذين هم أقلّ من العدد.
قال الهمداني: إن لم يعودوا (في الوقت) أو لم يحضر غيرهم لفوات الشرط يعني العدد.
ولكن يمكن أن يستدلّ ضدّ ذلك بأُمور:
الأمر الأوّل: أنَّ الخطبتين بدل الركعتين، فكما قلنا إنَّهم لو تفرّقوا في الركعتين صحّت الصلاة، فكذلك لو تفرّقوا في الخطبتين. وهو مردود بتبع الكبرى، وهي أنَّ الخطبتين كالركعتين من جميع الجهات، بل هما ليسا كذلك.
الأمر الثاني: أنَّ اشتراط العدد ابتدائي، يعني من أول الخطبتين أو من أوّل مجموع هذا العمل، وليس أن يبقى محفوظاً إلى الأخير، تماماً كما سمعنا ذلك في الركعتين، مع قيد واحد لابدَّ من زيادته هنا، وهو أنَّ الخطبة بلا مستمع إطلاقاً غير صادقة عرفاً، في حين إنَّ الصلاة صادقة، فيشترط بقاء واحد مستمع.
ــــــ[330]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وهذا صحيح شكلياً لولا ما سنقوله:
أوّلاً: من وضوح عدم الانعقاد فقهياً.
وثانياً: من عدم إمكان انعقاد الصلاة ابتداءً بأقلّ من العدد.
الأمر الثالث: استصحاب الوجوب؛ لأنَّهم كان واجباً عليهم قبل التفرّق، فهل هو كذلك بعده على الباقين؟ مقتضى الاستصحاب ذلك، وهذا أيضاً صحيح، لولا ما نقوله الآن من الأمرين السابقين، وأهمّهما أنَّ مقتضى ظهور الروايات أنَّ الصلاة لا تنعقد بأقلّ من خمسة فإذا بطلت الصلاة بطلت الخطبة. نعم، لهم أن يخطبوا برجاء تزايد العدد وتمامه في الصلاة، وهذا خاصّ بمن تفرّق عنهم الناس وليس شاملاً لمن كان أقلّ عن العدد ابتداءً؛ لأنَّهم بذلك يحرزون الوجهين السابقين.
المسألة السابعة: حول الخطبتين
والآن نتكلّم عن الخطبتين، وقد أثار الهمداني احتمال الاجتزاء بواحدة أو بدون خطبة وردّه، إلَّا أنَّنا لا حاجة لنا إلى الدخول فيه بعد وضوح فساده، ولعلّه خلاف ضرورة الفقه إن لم يكن خلاف ضرورة الدين.
قال المحقّق الحلّي: ويجب في كل واحدة الحمد لله والصلاة على النبي والوعظ وقراءة سورة خفيفة، فلابدَّ من الكلام في إثبات هذه الأجزاء من ناحية وما قيل من اختلاف مضمون الخطبتين من ناحية أُخرى.
والعمدة لدى المشهور في ذلك موثقة سماعة عن أبي عبد الله قال:
ــــــ[331]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
(ينبغي للإمام الذي يخطب بالناس يوم الجمعة أن يلبس عمامه في الشتاء والصيف ويتردّى ببرد يمنية أو عدنيّ، ويخطب وهو قائم يحمد الله ويثني عليه، ثمَّ يوصي بتقوى الله، ثُمَّ يقرأ سورة من القرآن قصيرة، ثُمَّ يجلس، ثُمَّ يقوم فيحمد الله ويثني عليه، ويصلَّي على النبي وآله، وعلى أئمّة المسلمين، ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإذا فرغ من هذا أقام المؤذّن، فصلَّى بالنّاس ركعتين يقرأ في الأُولى سورة الجمعة، وفي الثّانية سورة المنافقين).
قال الهمداني: وهذه الموثقّة أوثق ما يستدلّ به لإثبات ما يعتبر في الخطبتين من التحميد وغيره.
أقول: وهي معتبرة سنداً، ولولاها مع بعض الإجماعات، لكان الاكتفاء بالصدق العرفي للخطبة كافياً مع شرائط عامّة شرعيّةٍ كعدم احتوائها على المحرّمات مثل الكذب والغيبة ونصرة الظالم ومخالفة المصلحة العامّة ونحو ذلك، وإلَّا فكل خطبة هي مجزية بغضّ النظر عن المضمون كما هو مقتضى الأصل والعمومات.
وأمّا هذه الموثّقة فهي محتوية على الكثير من المستحبّات لا يحتمل الفتوى بوجوبها كلبس العمامة صيفاً وشتاء والبرد اليمني أو العدني والإقامة، والجلوس بين الخطبتين وغير ذلك. فيكون مقتضى الظهور هو أنَّ هذه الأوامر إنَّما هي لجامع المطلوبيّة أو الوجه الأحسن لا الحصة الإلزامية.
فإن قلت: فإنَّ مقتضى القاعدة هو الحمل على الوجوب إلَّا ما خرج بدليل.
قلنا: إنَّ ما هو محرز الاستحباب يكون قرينة على غيره. مضافاً إلى أمر قلما
ــــــ[332]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
يلتفت إليه أحد وهو الترتيب في هذه المضامين، فإنَّه مستحبّ قطعاً.
مضافاً إلى قوله: ويصلّي على النبي وآله وعلى أئمة المسلمين، فجعل هنا عنوانان ممّا هو المراد بهما، ولعلّه نقل بالمعنى.
ولكن إذا تمّت فهي دليل على اختلاف مضمون الخطبتين؛ لأنَّ الأُولى فيها الوعظ دون الثانية والثانية فيها الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات دون الأُولى.
قال المحقّق الحلّي: الشرط الثالث: الخطبتان، قال الهمداني: وعدّهما من شرائط الوجوب مسامحة، بل هما كنفس الصلاة يجب إيجادهما عند تحقّق شرائط وجوب الجمعة. ولا تصحّ الجمعة بلا خلاف فيه على الظاهر عندنا، بل ادّعى عليه غير واحد الإجماع.
هل الخطبتان بدل الركعتين
نعم، حُكي الخلاف فيه عن بعض أهل الخلاف فاجتزئ بخطبة واحدة أو بلا خطبة، وهو محجوج بالنص والإجماع، وقد روى الصدوق مرسلاً قال: قال أمير المؤمنين: (لا كلام والإمام يخطب ولا التفات؛ إلَّا كما يحلّ في الصلاة، وإنَّما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين، جعلتا مكان الركعتين الأخيرتين منهما صلاة حتى ينزل الإمام).
وروى الشيخ بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله، في حديث قال: (إنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين، فهي صلاة حتى ينزل الإمام).
وفي خبر أبي العباس المروي عن جامع البزنطي عن أبي عبد الله قال: (لا جمعة إلَّا بخطبة، وإنَّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين)، إلى غير ذلك من الروايات
ــــــ[333]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
المستفيضة بهذا المضمون.
أقول: مقتضى الأصل الأولي البراءة من الحكم التكليفي والوضعي من الخطبتين أو من تعدّدهما، إلَّا أنَّ ذلك غير مستطاع فقهياً لوضوح وجود الخطبتين. ودعوى الإجماع وإن كانت من قبيل الإجماع المنقول، إلَّا أنَّ الحدس الفقهي أنَّه لم يخالف في ذلك أحد من علمائنا كما أنَّه هو المتحقّق في الارتكاز المتشرّعي قطعاً، كما أنَّه هو المضمون المستفيض إجمالاً من عدد من الأخبار التي من جملتها أخبار معتبرة (من يخطب) بحيث تأخذ وجود الخطبتين مسلّماً. ولا شكّ أنَّ السيرة عليها، والعدد من الأخبار ليس منحصراً بهذه الثلاثة التي ذكرها الهمداني كما هو واضح.
والتي هي قابلة للمناقشة من عدّة جهات:
أوّلاً: سنداً في الغالب.
ثانياً: أنَّ الخطبتين بدل الركعتين، فإن قصد الحكمة فهو، وإلَّا فهو مرفوض كما قدّمناه.
ثالثاً: أنَّهما بدل الركعتين الأخيرتين. وهذا له معنى؛ لأنَّ الركعتين من صلاة الجمعة تصلّى على صورة الركعتين الأوليين، فيكون المحذوف هو الأخيرتين، فتكون الخطبتان عوضاً عنهما، ولو كانت عوضاً عن الأوليين لكان اللازم أداء الركعتين على صورة الركعتين الأخيرتين، وهو غير محتمل فقهياً.
إلَّا أنَّ الإشكال فيه أنَّها لو كانت عوض الأخيرتين لكان اللازم وجودهما بعدهما لا قبلهما.
ــــــ[334]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فإن قلت: فإنَّه قد تعبّدنا الشارع بذلك وهذا يكفي.
قلنا: نعم، إلَّا أنَّه يقابل ذلك أن نفهم أن تقدُّم الخطبتين قرينة على عدم كونهما بدلاً عن الركعتين الأخيرتين.
ولو قارناهما بالعيد التي فيهما الخطبتان بعد الركعتين، لوجدنا أنَّ صلاة العيد لا يصدق فيها ذلك، يعني أنَّ الخطبتين بدل الركعتين أو الركعتين الأخيرتين؛ لأنَّ صلاة العيد بالأصل ركعتين لا أكثر. فكان مقتضى القاعدة لهذا التفكير أن تكون الخطبتان لصلاة العيد قبل الصلاة والخطبتان لصلاة الجمعة بعدها، مع أنَّ الأمر بالعكس وهذا يدل كقرينة على أنَّهما ليسا بدل الركعتين حقيقة.
ثُمَّ قال الشيخ الهمداني بعد نقله لهذه الأخبار: ويفهم من تنزيلهما منزلة الأخيرتين وإطلاق اسم الصلاة عليهما كونهما عبادة متوقّفة على قصد التقرّب والامتثال لا واجباً توصّلياً يسقط التكليف به بمجرّد حصوله كيفما اتّفق.
وهذا معنى قلما يلتفت إليه، ومقتضى الأصل عدمه بالنحوين التكليفي والوضعي، فما هو المثبت للتعبّدية؟ ومقتضى القاعدة الأوّليّة: كون صحّة صلاة الجمعة أعني الركعتين مشروط بوجود الخطبتين قبلهما، وهذا يكفي، يعني سواء قصد بهما القربة أم لا. مع العلم أنَّ قصد القربة حاصل جزماً دائماً؛ لأنَّ القصد إقامة صلاة الجمعة الشرعيّة، ويكفي في النيّة مجرّد الارتكاز، فإذا قصد من الخطبة أو الخطبتين أمر دنيوي محض لا ربط له بصلاة الجمعة لم يكفِ وإن قصد الارتباط والمقرّبيّة للركعتين كفى، وحصلت نيّة القربة قهراً. إذن فالعنوان غير وارد.
ولو تنزّلنا عن هذا الإشكال كان مقتضى الأصل توصليتهما، ولا تكفي فيها
ــــــ[335]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
هذه الأخبار؛ لأنَّها ما بين ضعيفة السند إلَّا رواية عبد الله بن سنان، مضافاً إلى أنَّ مؤداها هو التنزيل وهو غير محتمل فقهياً كما سبق. كما أنَّ التنزيل لا يتعيّن أن يكون أحدهما بصفة الآخر كالقبلة وغيرها من الموانع والقواطع، بل الخطبة على واقعها منزّلة منزلة الركعتين وهذا يكفي. مضافاً إلى إمكان دعوى الإجمال أو عدم الإطلاق بحيث يستوعب كل الشرائط والموانع، إلَّا أنَّ هذا يجاب أنَّ الإجمال يؤخذ منه بالقدر المتيقّن ومنه التقرّب بلا شكّ.
نسبة الخطبتين إلى الركعتين فقهياً
بقي التساؤل عن نسبة الخطبتين إلى الركعتين فقهياً. والاحتمالات الثبوتيّة هنا عديدة:
1. الحكم التكليفي بدون حكم وضعي ولعلّه هو المشهور.
2. الجزئية.
3. الشرطيّة.
4. المقدّميّة.
وثمرته قصد القربة في الخطبة.
أمّا الحكم التكليفي، فله نقطة قوّة ونقطة ضعف أما نقطة قوّته فلأنَّه لا يبتلي بالإشكالات التي قد ترد على تصوّر الحكم الوضعي. وأمّا نقطة ضعفه فهو وإن كان مشهورياً إلَّا أنَّه غير محتمل؛ لأنَّه لو صلّى ركعتين بدون خطبتين لم تجز عن الجمعة. إذن فهناك نحو من الاشتراط والتركيب بينهما ولا نعني بالحكم الوضعي إلَّا ذلك. فالحكم الوضعي موجود على أيّةِ حال، فيدور أمره بين الثلاثة الأخيرة،
ــــــ[336]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وهي الجزئية والشرطيّة والمقدّميّة.
أمّا الجزئيّة فهي بظاهرها غير محتملة؛
أوّلاً: لاختلاف السنخ بين الركعتين والخطبتين، ومع اختلاف السنخ تتعذر الجزئية عرفاً، كما في التعويض عن الركعتين بصدقة بدرهمين.
ثانياً: أنَّهما لو كانا جزءاً لما جاز الكلام بينهما ونحوه، مع أنَّه يجوز، ولعلّه يجوز الحدث أيضاً مع تجديد الوضوء وحفظ نحو من الموالاة، والجزء المنفصل لا معنى له. إذن لا يكون جزءاً.
فإن قلت: فإنَّ ما دلّ على تنزيل الخطبتين منزلة الركعتين دالٌّ على الجزئية؛ لأنَّ الركعتين الأخيرتين جزء.
قلنا: إنَّه يكفي الطعن بأصل التنزيل كما سبق، وإنَّما هو تنزيل تنزيهي لا إلزامي.
فإن قلت: فإنَّ الخطبتين جزء للمجموع الذي هو معنى صلاة الجمعة متشرعيّاً وعرفاً.
قلنا: هذا عنوان انتزاعي من الممكن تحصيله من أيٍّ من هذه العناوين حتى الشرطيّة والمقدّميّة، أعني: عنوان المجموع. فلا يتعيّن فيه الجزئيّة، مضافاً إلى أنَّه لم يؤمر به بعنوانه في لسان الأدلّة لكي نقول إنَّها جزء منه.
وأمّا الشرطيّة فيمكن تقسيمها إلى الداخليّة كالاستقبال والخارجيّة كالوضوء. أمّا كون الخطبتين شرط داخلي فهو غير محتمل، وأمّا كونهما شرطاً خارجياً فهو معنى المقدّميّة نفسه فيتعيّن كونهما مقدّمة لصحّة الركتعين وإجزائهما
ــــــ[337]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
بعنوان كونهما صلاة جمعة.
فإن قلت: فإنَّ الخطبتين واجبتين في أنفسهما بالحكم التكليفي فلا تجب بالحكم الوضعي لعدم إحكام اجتماعهما، أعني: الحكم الاستقلالي والحكم المقدّمي الغيري لتعذّر أن يكون الشيء مأموراً به بأمرين.
قلنا: يجاب:
أولاً: أنَّه لا دليل على تعلّق حكم تكليفي استقلالي بهما، وإنَّما تجبان فقط بصفتهما من خصائص صلاة الجمعة، أي بالحكم الوضعي أياً كان تفسيره، أما أن تجب بالحكم التكليفي وحده فهو غير محتمل، وإلَّا وجب أن يخطب سواء صلّى أم لم يصلِّ.
ثانياً: أنَّه لا مانع من اجتماع حكمين من حيثيتين نقضاً وحلاً: كالوضوء مستحب استقلالي وواجب مقدّمي أو الصدقة مستحبّة في الأصل وواجبة بالنذر أو الفريضة واجبة بالأصل وبالنذر والطواف مستحب في نفسه وجزء من الحج الواجب وهكذا.
وحلاً: بأنَّ تعدّد الحيثية يرفع الإشكال عن توجّه الأمرين، وإنَّما المحال هو توجهه من حيثية واحدة وهذا واضح. فإن سلّمنا وجود الحكم التكليفي للخطبتين أمكن اجتماعه مع الوضعي.
فإن قلت: فإنَّ هذا يكون من حيثية واحدة، وهو كونهما من خصائص صلاة الجمعة.
قلنا: هذا راجع إلى إنكار الحكم التكليفي، وإلَّا لزم إيجاد خطبتين مستقلّتين
ــــــ[338]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
غير خطبتي الجمعة وهو غير محتمل. مضافاً إلى إمكان القول لو سلّمنا بالحكم التكليفي أنَّهما واجبان لذكر الله والوعظ، ومقدّمتان لصلاة الجمعة فاختلفت الحيثيّة.
والنتيجة من كل ذلك وجوب قصد القربة في الخطبة لو تصوّرنا انفكاكها عنها وعدم إمكان إجراء الأصل المؤمن عن وجوب ذلك. أمّا على الجزئيّة فواضحة؛ لأنَّها يشملها الحكم التعبّدي بالوجوب، وأمّا بناء على الحكم التكليفي والشرطيّة والمقدّميّة، فيمكن فيهما ذلك أعني قصد القربة.
أقول: إلَّا أنَّ الإمكان غير الوجوب مع وضوح أنَّه لا محذور في القول بإجزاء الأصل المؤمّن عن وجوب التعبّد. إلَّا أنَّ الكلام في الصغرى وهو عدم إمكان ترك هذا القصد عملياً مادام يورد الخطبتين بصفتها من خصائص صلاة الجمعة سواء قصد الحكم التكليفي أم الوضعي.
المسألة الثامنة: (محتويات الخطبتين)
وأهمّ ما استدلّ به على ذلك موثّقة سماعة، مع العلم أنَّه لولا الأخبار لكان في الإمكان إجراء الأصل المؤمّن في الحكم التكليفي والوضعي معاً عن كل الأجزاء والتفاصيل المذكورة للخطبتين، وإنَّما لابدَّ من كون المضمون دينياً مرضيا لله عزّ وجلّ وهو معنى عام ينطبق على موارد وحصص عديدة جداً ولا يتعيّن في شيء معيّن. فمثلاً: التقديم والتأخير في هذه المضامين المروية لا يكون به بأس وهكذا فإنَّ الترتيب فيها غير مشروط جزماً أو بالأصل المؤمّن.
نعم، انقسامها إلى خطبتين واضح جداً في الارتكاز ومتواتر في النصوص ولا
ــــــ[339]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
يمكن إجراء الأصل المؤمّن عنه، أمّا كيف يمكن انقسامهما فهذا ما يأتي الحديث عنه.
موثقة سماعة 25/2: والإشكال فيها تارة سنداً وأُخرى دلالة، أمّا السند فهو باعتبار عدم الأخذ بالموثق لعدم صحة عقيدته، إلَّا أنَّ هذا ينبغي أن نأخذه مسلّم الصحّة وليس هنا محلّ مناقشته.
وأمّا دلالة فمن عدّة نواحي:
أحدها: قوله: ينبغي (24/1) وهو صدر الرواية، وهو كالنص بالاستحباب والرجحان أو لا أقلّ أنَّه لجامع المطلوبية ولا يمكن فهم الحصة الإلزامية منه.
ثانيها: اشتمالها على مستحبّات قطعية أو اطمئنانية لم يفت الأصحاب إجماعاً بوجوبها كاللباس وقراءة الجمعة والمنافقين والسورة القصيرة. فيكون بوحدة السياق أنَّها كلها كذلك.
ثالثاً: الحمل على المثالية من المضمون الديني والتجريد عن الخصوصيّة منها.
رابعاً: أنَّ العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، بل له أن يقدّم ويؤخّر وخاصّة مع مراجعة بعض الروايات الأُخرى المشتملة على مثل ذلك. وهي إشكالات واردة لا مناصّ عنها، ومعه يبقى الفتوى بمضمون الموثّقة مبني على الاحتياط إما وجوباً أو استحباباً ولا يمكن الفتوى.
ويمكن الدفاع عن ذلك بأنَّها معتضدة بأُمور: منها السيرة. ومنها: عمل الأصحاب. ومنها: الأخبار الأُخرى.
وجوابه: أمّا السيرة فللشك في الصغرى والخطب المروية عن
ــــــ[340]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
المعصومين ضعيفة السند جداً. وأمّا عمل الأصحاب فللطعن في الصغرى والكبرى معاً. وأمّا الأخبار الأُخرى فإنَّها وإن اتّفقت معها في أُمور إلَّا أنَّها اختلفت معها في أمور فلا يكون المحصّل الإجمالي كافياً في تصحيح مضمون الموثّقة كما سيأتي، ويكفي بمقارنتها بصحيحة محمد بن مسلم (25/1) التي هي لعلّها الصحيحة الوحيدة من النصوص المشتملة على مضامين الخطب.
أمّا مضمون صحيحة محمد بن مسلم:
أوّلاً: اختلافها مع موثّقة سماعة جدّاً. ومقتضى القاعدة تقديمها؛ لأنَّها أقوى سنداً أو التساقط.
ثانياً: الحمل على المثالية أيضاً.
ثالثاً: اشتمالها على المستحبّ وهو الدعاء. مضافاً إلى كل ما بعد قراءة السورة في الأُولى. وتسمية المعصومين في الثانية والدعاء بتعجيل الفرج وقراءة آية بدل السورة، وهو خلاف الاحتياط وسيأتي الكلام عن التفاصيل محمولاً وموضوعاً. ويلاحظ أنَّ كلتا المعتبرتين خاليتان من السورة الكاملة في آخر الخطبة الثانية.
صحيحة أُخرى لمحمّد بن مسلم (25/3) مطلقة من حيث مضمون الخطبة؛ لأنَّه يقول في الأُولى (فيخطب) وفي الثانية: (فيفتتح خطبة ثُمَّ ينزل). ولكن نسبتها إلى الروايات الأُخرى أنَّها مقيّدة (بالفتح) بها، ولكن بعد حمل تلك الروايات على المثالية تكون كلها بمنزلة المطلقة.
(25/6) والظاهر أنَّها معتبرة أيضاً، والشاهد فيها الزيادة على المضامين السابقة، اللهم إلَّا أن يدخل في عنوان الوعظ. وهي واضحة في أنَّ هذه الزيادات
ــــــ[342]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
تدخل في الخطبة الثانية لا الأُولى. فما عليه العادة والأولوية ارتكازاً من أنَّ الأُولى أطول من الثانية بلا موجب، بل على هذا تكون الثانية أطول. ولا أقلَّ هو التخيير وحسب التيسير.
قال المحقّق الحلّي: ويجب في كلّ واحدة الحمد لله، والظاهر أنَّه ممّن يرى تساوي الخطبتين في المضمون: الحمد والصلاة والموعظة والسورة القصيرة. ولم يأمر في الثانية بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، كما هو مضمون موثّقة سماعة. ومعه فلا يكون قد عمل بأي رواية محدّدة ولا إجماع محدّد. فإن بنى كما بنينا على التجريد عن الخصوصيّة لكل مضمون ديني لم يجب حتى ذلك وإنَّما كان مستحباً أو أحوط استحباباً وإن لم يجرّد عن الخصوصيّة لحرمة الجمع بين مضامين الروايات فيتحصّل أكثر ممّا ذكره. مثلاً الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات في كلتا الخطبتين؛ لأنَّ صحيحة محمّد بن مسلم ذكرته في الأُولى وموثّقة سماعة ذكرته في الثانية. وهكذا. وهو أحوط استحباباً أكيداً.
الكلام عن الحمد حكماً وموضوعاً
يقع الكلام في الحمد حكماً وموضوعاً بناءً على عدم التجريد عن الخصوصيّة طبعاً. أمّا حكماً من حيث أمرين:
أحدهما: أصل وجوده في الخطبة أو الخطبتين.
والثاني: من حيث البدء به.
وأمّا موضوعاً فمن حيث معناه وفرقه عن الثناء.
أمّا حكم أصل وجوده فقد قال عنه الهمداني: بلا خلاف فيه على الظاهر، بل
ــــــ[342]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
عن الخلاف والغنية وظاهر كشف الحقّ وغيره الإجماع عليه. وقد اتّفقت عليه النصوص القولية والفعليّة، يعني: منصوص في الروايات وفي خطب العيد المرويّة.
أقول: أمّا الإجماع فهو منقول ومدركي بكل وضوح، وأمّا خطب العيد فهي ضعيفة السند ولا تدلّ على الوجوب؛ لأنَّها من سنخ الفعل وهو أعم. وأمّا الروايات فقد عرفنا حالها. نعم، يبقى مقتضى الاحتياط ذلك إمّا وجوباً أو استحباباً.
وأمّا البدء به فاشتراطه بالمطلقية أو بالالتزام نصّاً وفتوى فهو غير منصوص. نعم، ذكر أولاً في الروايات وفي خطب العيد. وقيل: من طرف آخر في خطب الجمعة تبدأ بالتحميد وخطب العيدين تبدأ بالتهليل، ولعلّ مراد المجمعين والنصوص هو تعيّن البدء. يعني: لو وجب الحمد أو استحب لتعيّن في الأوّل من باب وحدة المطلوب أو تعدّده.
وهذا أمر معقول، إلَّا أنَّنا ناقشنا بالدليل على أصل وجوده وليس البدء به أهمّ من هذه الناحية.
وأمّا بدء كلتا الخطبتين به فهو أضعف دليلاً، يعني بدء الخطبة الثانية به مضافاً إلى الأوّل، بل في رواية الفضل بن شاذان (وهي الأخيرة في الباب 25) ما ينافيه؛ لأنَّه يقول فيها: (وإنَّما جعلت خطبتين ليكون واحدة للثناء على الله والتحميد والتقديس لله عزّ وجلّ، والأُخرى للمصالح والإعذار والإنذار والدعاء ولما يريد أن يعلّمهم من أمره ونهيه ما فيه الصلاح والفساد). ومن الواضح أنَّ المعاني المذكورة للخطبة الثانية بعيدة مضموناً عن الحمد.
ــــــ[343]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ولكنّه في صحيحة محمد بن مسلم (25/1) يقول: (وذكر الخطبة الثانية وهي مشتملة على حمد الله والثناء عليه … الخ)، إلَّا أنَّها فعل والفعل أعم من الوجوب. وفي موثّقة سماعة ثُمَّ يقوم فيحمد الله ويثني عليه. وقد عرفنا أنَّها فيها سياقات استحباب.
وأمّا أنَّ الحمد لله يجب بلفظه أو بمعناه، قرب الشيخ الهمداني الأوّل قائلاً: بل الأحوط إن لم يكن أقوى كونه بلفظ الحمد لله لوروده بخصوص هذه الصيغة في صحيحة محمّد بن مسلم وما حكي في فعل أمير المؤمنين، مع إمكان دعوى أنَّه هو الذي ينصرف إليه لفظ التحميد، فما عن نهاية الأحكام من أنَّ الأقرب كفاية الحمد للرحمن فهو لا يخلو من إشكال.
أقول: لا شكّ أنَّ اللفظ هو القدر المتيقّن من الصحّة، إلَّا أنَّه فرع أن يرد في الروايات: يقول: الحمد لله ولا يوجد ذلك. ففي صحيحة محمّد بن مسلم يقول: خطبة مشتملة على حمد الله والثناء عليه … الخ. ثُمَّ يقول: وذكر الخطبة الثانية وهي مشتملة على حمد الله والثناء عليه … الخ. وهذا مضافاً إلى إمكان قصد المعنى أيضاً هو فعل كما سبق وهو أعمّ من الوجوب.
فإن قلت: فإنَّ معنى الحمد هو لفظ الحمد.
قلنا: كلّا، إثباتاً وثبوتاً. أمَّا إثباتاً؛ فلأنَّ معنى الحمد واقعي وليس لفظياً، وأمّا ثبوتاً فلتعذّر أن تدلّ الألفاظ على الألفاظ من الناحية اللغوية إلَّا بقرينة أكيدة وهي غير موجودة.
وفي موثقة سماعة يقول: يخطب وهو قائم يحمد الله ويثني عليه. والكلام فيه
ــــــ[344]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
نفس الكلام من حيث قصد المعنى مضافاً إلى ما سبق من سياق المستحبّات. ولا يوجد في أية رواية الأمر بأن يقول: الحمد لله لفظياً.
وأُولى منه لفظ الجلالة في قوله: (الحمد لله) فإنَّه لو قصد نفسه، لكان من دلالة اللفظ على اللفظ وقد ناقشناه بل يُراد معناه. فيكون في الإمكان تبديله إلى كلّ ما دلّ على الذات المقدّسة جلّ جلاله، وإنَّما تشعر أنَّ الحمد للرحمن غير صحيح؛ لأنَّه غير متعارف. ولكن إذا أبدلنا كلاً من الحمد ولفظ الجلالة إلى ألفاظ مرادفة ومشابهة كما في كثير من الأدعية، لم يكن غريباً.
فإن قلت: على هذا يكون الحمد لله والثناء عليه واحداً، مع أنَّه منصوص في كلتا الروايتين الصحيحة والموثّقة بالتعدّد فيجب بهذا النحو ويدلّ على المغايرة.
قلنا: أوّلاً: أنَّه سيأتي الفرق بينهما عند ذكر معانيها.
ثانياً: أنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ هذا بمنزلة الفقير المسكين إذا افترقا اءتلفا، وإذا اجتمعا اختلفا. وقد اجتمعا في الروايات فيُراد جانب الاختلاف بينهما وهو لا ينافي ما قلناه من إمكان رجوع أحدهما إلى الآخر معنى لو افترقا.
ثالثاً: أنَّنا لا نستبعد أن يكونا بمعنى واحد وأن يكون العطف تفسيرياً لا للمباينة بينهما. وخاصة بعد أن نرجع إلى الارتكاز المتشرّعي ونعرف أنَّ الثناء من مصاديق الحمد، وأنَّ الحمد من مصاديق الثناء. فهما بالحمل الشايع بينهما نسبة التساوي، وعلى أفضل تقدير فإنَّ بينهما نسبة العموم من وجه، إذا تصوّرنا أحياناً حمداً لا ثناء فيه وثناء لا حمد فيه. فالمهم أنَّنا على كل تقدير لا نستطيع أن نقول إنَّهما متباينان كما هو ظاهر التعاطف أو نقول: إنَّه يجب أن يأتي بهما مستقلّين.
ــــــ[345]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
معنى الحمد
وأمّا عن معنى الحمد، فالمشهور أنَّه الشكر وهو إظهار الامتنان من العطية أو التفضّل بقضاء الحاجة ونحوه. وهذا ما تشهد عليه جملة من المصادر، لكن درجة من درجات الفهم الباطني تقتضي مباينة الحمد مع الشكر بالحمل الأوّلي، فالشكر هو الامتنان أو إظهار الامتنان والحمد جانب من جوانب العظمة الإلهية. ومن هنا نعرف أنَّ الشكر إثباتي والحمد ثبوتي، كما أنَّ الشكر ناتج من حالة مسألة نفسيّة تلائمه ولا ربط للحمد بذلك بل هو أمر واقعي، فيكون المراد من قوله: الحمد لله العظمة لله.
نعم، يمكن أن يُقال: إنَّ بينهما بالحمل الشايع نسبة العموم المطلق بمعنى أنَّ الحمد يعني إثباتاً أو إظهار الحمد قد يكون مصداقاً من مصاديق الشكر أو شكراً بالحمل الشايع. بخلاف الشكر فإنَّه لا يكون مصداقاً من مصاديق الحمد غالباً، وإلَّا كانت النسبة هي العموم من وجه. ومن جهة أُخرى يمكن القول أنَّها من قبيل اللفظين اللذين إذا اقترنا اختلفا وإذا افترقا اتحدا، على الفهم المشهوري.
وعلى أي حال فحسب ما اخترناه فإنَّ كلّ ما يدلّ على العظمة الإلهية يكون من قبيل الحمد الإثباتي المقصود في هذه الفقرة من الخطبة.
الفرق بين الحمد والثناء
وأمّا الفرق بين الحمد والثناء، فالنسبة بينها مفهوماً التباين؛ لأنَّ الحمد ما عرفناه: إمّا الشكر وإما العظمة. وأمّا الثناء فهو المدح والإطّراء، ومن الناحية
ــــــ[346]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
العملية فإنَّ بينهما نسبة العموم المطلق؛ لأنَّ كل تعظيم وحمد هو ثناء وليس كل ثناء هو حمد، مع أنَّه يمكن أن يُقال ذلك أيضاً إذا كان من قصد قائل الثناء إظهار العظمة. فتكون النسبة بينهما العموم من جهة.
وكذلك لو قلنا: إنَّ الحمد هو الشكر، فإنَّ النسبة بينهما بالحمل الأولي هي التباين، ولكن بالحمل الشايع هي العموم من وجه، لأنَّك قد تثني بقصد الشكر وقد تشكر بقصد الثناء.
وعلى أي حال فإن قلنا: إنَّ النسبة بين هذه الأُمور من الناحية العملية هي التساوي فقد استرحنا وأجزء أحدهما عن الآخر. وإن قلنا: بأنَّ النسبة هي العموم من وجه، فإذا جاء الخطيب بالمقدار المشترك فقد أجزأ عن كلا العنوانين. ولكن يبقى إشكالات:
أحدهما: استبعاد التداخل.
والثاني: أنَّ المأمور به في الروايات هو المفهوم أو قل بالحمل الأولي وقد عرفنا التباين.
والثالث: أنَّه يتوقف تطبيقاً على القصد، وقد لا يكون الخطيب قاصداً، فيجب عليه الإتيان بالآخر وهو الثناء.
وهذه الإشكالات منتجة لوجوب الجمع بين الحمد والثناء بغضّ النظر عن المباني التي قلناها.
وكلّها صحيحة لو قلنا بأنَّ ظاهر العبارة هو تباين الطرفين في العطف. مع أنَّه يحتمل أن يكون عطف تفسير، فإنَّهما من سنخ واحد عرفاً ومتشرّعياً، ولا أقلّ
ــــــ[347]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أنَّه لا يبقى له ظهور في الجانب المشهوري أعني التباين في طرفي العطف.
نعم، تبقى الزيادة أو الجمع بين العنوانين هو مقتضى الاحتياط الاستحبابي أو الوجوبي، كما أنَّه مستحب؛ لأنَّه يتضمّن جزماً زيادة في ذكر الله سبحانه.
ولئن كان الحمد من المحتمل أن يكون بلفظه، فمن غير المحتمل عرفاً ومتشرّعياً أن يكون الثناء بلفظه، بل يراد به معناه جزماً وهو كل ما يؤدّي إلى مدح الله سبحانه وتعظيم شأنه سواء في ذاته أو في أفعاله أو في أقواله. وكل شيء يرتبط به وإن كان الضمير المتّصل يعود إلى ذاته يعني إلى لفظ الجلالة الدالّ على ذاته.
وينبغي الالتفات هنا إلى إمكان التجريد عن الخصوصيّة إلى أي أسلوب يقع فيه الحمد والثناء. ولا يختصّ بأُسلوب معيّن كالنداء: يا ذا الجلال والإكرام يا من خصّ أولياءه بالرفعة. والجملة الخبرية: أنت الذي أنعمت أنت الذي أكرمت. والضمير الغائب: هو الذي فلق البحر أو هو الذي يصلّي عليكم وملائكته. أو التعاطف نحو: يا ذا الجلال والإكرام، ويا ذا المنّ والإنعام الذي بعد فلا يرى وقرب فشهد النجوى تبارك وتعالى.
ويندرج في ذلك ما يرجع إلى تواضع العبد أمام ربه، فإنَّ فيه دلالة التزامية واضحة في الإقرار والإخبار بعظمة الله وقهره وسيطرته، سواء كان من قبيل اعتراف العبد بالذات أو بالحاجة أو بالذنب أو غير ذلك. وهذا كلّه غير الدعاء الذي مضمونه المتشرّعي أفعل أو لا تفعل. وإن كان الوجدان قاضٍ أنَّ الدعاء أيضاً دالّ بالالتزام على ذلك.
ــــــ[348]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الوصية بتقوى الله
وأمّا الوصيّة بتقوى الله، فلا نريد الآن أن نعرف التقوى وأن نبرز الفرق بينها وبين الورع؛ لأنَّه ليس لذلك دخل فقهياً وقد بيّناه في محلّ آخر. ولا يبعد أن يكونا من الكلمات التي إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت.
وهنا قد افترقت فيمكن أن يكون المراد بالتقوى معنى الورع، مضافاً إلى الجزم بأنَّ الأمر بالمستحبات مستحبّ وليس بواجب، ومن الواضح أنَّ الزائد عن الورع غير واجب، فلا يكون الأمر به والنهي عن أضداده واجباً، فلا يحتمل أن يؤمر به وجوباً في الخطبة. فيتعيّن أن نفهم من التقوى معنى الورع، يعني الأمر بالواجبات والنهي عن المحرّمات.
ونرجع هنا أيضاً إلى نحو ما قلناه في العناوين السابقة من أنَّ المراد هل هو لفظها أو معناها، وأنَّ القدر المتيقّن منها لفظها إلَّا أنَّه لا يحتمل أن يُراد به بخصوصه، وإلَّا كان من دلالة الألفاظ على الألفاظ أو على ذاته وهو خلاف الظاهر، وإذا رجعنا إلى المعنى أمكن أن يكون اللفظ مختلفاً.
ومن القرائن أنَّه لا يراد بالتقوى ما يزيد على الورع عطف الوعظ عليه إذا وجب الترتيب كما هو المشهور؛ لأنَّ الوعظ لا يحتمل أن يكون بأُمور عالية جداً وخاصّة الوعظ العامّ أمام أُناس فيهم فسقة وفيهم متدنّين من مختلف الأقسام لو صحّ التعبير. فيكون الأمر بالتقوى أعلى من الوعظ، فيكون الواجب الأمر بالأعلى ثُمَّ الأمر بالأدنى. وهو على خلاف الترتيب المعقول، بل مقتضى القاعدة
ــــــ[349]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
هو البدء بالأدنى ثُمَّ التصاعد إلى أعلى. فيكون ذلك أنَّه لا يُراد بالتقوى الجانب العالي؛ لكي ينافي معنى الوعظ من هذه الناحية.
نعم، على ذلك يكون الأمر بالتقوى والوعظ بمعنى واحد وكأنَّه غير محتمل. وجوابه:
أوّلاً: عدم استبعاد ذلك بعد أن يكون العطف تفسيرياً ولا يتعيّن أن يكون للتباين.
ثانياً: أنَّنا نحرز الفرق لو كان باللفظ لو بنينا عليه.
ثالثاً: أنَّنا نحرز الفرق لو كان بالمرتبة لو بنينا عليه.
رابعاً: أنَّه يمكن القول باختلاف المضمون من حيث إنَّ التقوى تعود إلى الأمور الشخصيّة فإنَّه لا يوجد في الارتكاز المتشرّعي تقوى اجتماعية أو ورع اجتماعي بخلاف الوعظ فإنَّه عام واجتماعي يدخل فيه تعريفهم بما يرد عليهم من مشاكل وما يحتمل فيها من حلول ونحو ذلك.
خامساً: أنَّه يمكن الالتفات إلى فرق آخر، وهو أنَّ التقوى يراد به الطاعات أو الواجبات والوعظ يُراد به ترك المحرّمات.
قال الراغب: الوعظ زجر مقترن بتخويف، ولا يكون التخويف عرفاً ومتشرّعياً إلَّا من جهنم التي هي عقاب فاعل المحرّمات.
نعم، لو فهمنا من الوعظ ما هو أعم كان مثل التقوى وسقط هذا الوجه الأخير.
وفي المفردات أيضاً: قال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرقّ له القلب، والعظة والموعظة الاسم. وهذا يعمّ الطاعات والخشوع أمام الله سبحانه، إلَّا أن نقول إنَّ القلب لا يرقّ إلَّا بالتخويف.
ــــــ[350]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الصلاة على النبي وآله
قال المحقّق الحلي: والصلاة على النبي، ولم يذكر آله، والظاهر أنَّ محلها قبل الوصية بتقوى الله والوعظ إذا لم نجرّد عن الخصوصيّة وأوجبنا الترتيب. وهو ممّا لا دليل عليه إلَّا الترتيب اللفظي في الروايات المعتبرة، وظهورها باعتبار التعاطف فقط؛ لوضوح أنَّه لم يؤمر به بدلالة مطابقية ولا التزامية وليس العطف بـ (ثُمَّ) لنفهم الترتيب.
ومن الواضح أنَّ العطف بالواو أعم من ذلك. نعم لو اتّفقت الروايات المعتبرة على نفس الترتيب لكان القول برجحانه واضحاً، إلَّا أنَّها غير متّفقة كما رأينا.
قال الهمداني: بل عن الخلاف والغنية والتذكرة وغيرها دعوى الإجماع عليه، خلافاً لما حكي عن السيّد وموضع من السرائر والمصنّف في المعتبر والنافع من عدم وجوبها في الأُولى لموثّقة سماعة المتقدّمة.
أقول: قد ظهرت المناقشة في كل ذلك. بقيت علينا نقطتان:
النقطة الأولى: أنَّ المحقّق خصّ النبي بالذكر ولم يذكر الآل. فقد يكون مراده: أنَّ الواجب خصوص الصلاة على النبي وأمّا إلحاق الآل فهو مستحب. واستحباب ذلك أكيد. والقول بوجوبه تكليفاً ووضعاً مجازفة. إلَّا أنَّنا عرفنا أنَّ أصل وجوب الصلوات في الخطبة أو الخطبتين ينبغي المصير إلى استحبابه أو كونه أحوط استحباباً. ولا شكّ أنَّه أحوط استحباباً في كلتا الخطبتين؛ لأنَّ موثّقة سماعة ذكرته في الثانية وصحيحة محمّد بن مسلم ذكرته في الأولى. وقلنا أنَّ مقتضى
ــــــ[351]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
القاعدة هو الجمع بين مضامين الروايتين؛ لأنَّ كل منهما تقيّد الآخر فيما تركته.
النقطة الثانية: في معنى الصلاة على النبي، وهل أنَّ المطلوب هو اللفظ أو المعنى، أمّا الحديث عن اللفظ فهو ما سبق ولا نعيد.
وأمّا عن معناها: فقد قال الراغب: والصلاة قال كثير من أهل اللغة: هي الدعاء والتبرّك والتمجيد. يُقال: صلّيت عليه أي دعوت له وزكّيت. وقال (النبي): (إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب، وإن كان صائماً فليصلِّ)، أي: ليدع أهله وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّـهُمْ(1)، إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً(2). وأضاف: وصلوات الرسول وصلاة الله للمسلمين هو في التحقيق تزكيته إياهم.
وقال: أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ(3). ومن الملائكة هي الدعاء والاستغفار كما هي من الناس. قال: إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ.
أقول: ومن هنا نعرف أنَّ الصلاة معنى جامع يمكن أن يصدر من متعدّدين لمتعدّدين بدلالة القرآن:
1. من الله للنبي.
2. من الملائكة للنبي.
ــــــ[352]ـــــــ
(1) التوبة: 103.
(2) الأحزاب: 56.
(3) البقرة: 75.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
3. من المؤمن للنبي.
4. من النبي للمؤمنين (وصلّ عليهم).
5. من الله للمؤمنين (صلوات من ربهم). وغير ذلك.
كما نعرف أنَّ الصلاة غير الرحمة لظهور التعاطف بالتباين في قوله: صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ. كما أنَّها غير التسليم صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. كما أنَّ الظاهر أنَّها غير الدعاء والاستغفار؛ لأنَّ كلا المعنيين منسوب إلى الملائكة، وأنَّهم يصلّون على النبي ويدعون ويستغفرون للمؤمنين. مضافاً إلى أنَّه منافٍ لنسبته إلى الله سبحانه كما هو واضح.
واعتقد أنَّ واقعها من الأسرار التي لا يمكن التجاوز عليها، ولكن أحسن طريقة ظاهرية يمكن التمسّك بها هنا هو ما قاله الراغب من أنَّ معناها التزكية وهي التطهير أو الزيادة؛ لأنَّهما معنى الزكاة لغة. وكلاهما له عالم ثبوت وعالم إثبات. فعالم الثبوت لها يراد به إعطاء هذه الأمور واقعاً، أي جعل الفرد طاهراً أو زيادة طهارته كما في قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1) وقوله: لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ(2)، أو جعل الفرد في زيادة واقعية في الثواب وفي الكمال كما في قوله تعالى: وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ(3).
ــــــ[353]ـــــــ
(1) الأحزاب: 33.
(2) الأنفال: 11.
(3) ق: 35.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
فالتزكية الثبوتية تصدر من الله سبحانه، والتزكية الإثباتية هي إما بمعنى الشهادة بالتزكية بأحد المعنيين السابقين أو طلب التزكية أيضاً، ويكون مصداقها هنا هو الدعاء من الله بالتزكية من قبل الملائكة والمؤمنين.
قراءة سورة بين الخطبتين
قال المحقّق الحلّي: وقراءة سورة خفيفة فيهما أيضاً على المشهور على ما نسب إليهم وعن ظاهر الاقتصار إيجاب سورة خفيفة بين الخطبتين (يعني: بعد الأولى فقط) وقيل: يجزي ولو آية واحدة ممّا يتمّ بها فائدتها.
عبارة الشرائع طبعة البقّال: ويجب في كل واحدة منهما: الحمد لله والصلاة على النبي وآله، والوعظ وقراءة سورة خفيفة. وقيل يجزي ولو آية واحدة ممّا يتمّ بها فائدتها. وفي رواية سماعة: (يحمد الله ويثني عليه، ثُمَّ يوصي بتقوى الله ويقرأ سورة خفيفة من القرآن. ثُمَّ يجلس، ثُمَّ يقوم فيحمد الله ويثني عليه ويصلّي على النبي وآله وعلى أئمّة المسلمين ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات).
قال الهمداني: وقد أشرنا آنفاً إلى أن إثبات اعتياد شيء زائداً عمّا في رواية سماعة المتقدّمة لا يخلو من إشكال وكذا الاقتصار على ما نعرفه. ممّا لم يلتزم به المشهور.
أقول: وفي موثّق سماعة يأمر بسورة من القرآن قصيرة أو صغيرة بعد الأُولى دون الثانية. وفي صحيحة محمّد بن مسلم لا يوجد في نهاية كلتا الخطبتين ذلك. وإنَّما يأمر بقراءة سورة من القرآن (غير مقيّدة بأنَّها صغيرة أو كبيرة) خلال الخطبة
ــــــ[354]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الأُولى وبعدها يقول: وادع ربك وصلّ على النبي وادع للمؤمنين والمؤمنات ثُمَّ تجلس الخ.
أما بناءً على التجريد عن الخصوصيّة التي سرنا عليها فنحن في فسحة من هذه الناحية؛ إذ لا موجب للقول بالوجوب، فإنَّما هو مستحبّ أو أحوط استحباباً.
وأمّا لو تنزّلنا عن ذلك فهنا موقفان: إمّا أن نطبّق القاعدة التي ذكرناها من تقييد الساكتة بالناطقة، ومعنى ذلك أنَّه تجب السورة في موضعين: في خلال الأُولى ونهايتها، ولا يحتمل أن تكون في نهاية الخطبة الثانية لأنَّ كل الروايات خالية من ذلك. ولكن لو طبّقنا قاعدة أُخرى وهي أن سكوت الرواية دالّة على العدم؛ لأنَّها بصدد الاستيعاب ولم تذكره فلها مفهوم حصر يدلّ على النفي وأنَّ الأجزاء هي هذه وليس غيرها.
إذن تتعارض الروايتان وتتساقطان ونرجع إلى أصالة البراءة من السورة خلال الخطبة الأُولى وبعدها.
وقد يخطر في البال: أنَّه يمكن نحو من التجريد عن الخصوصيّة من إحدى الخطبتين إلى الأُخرى، وإنَّ ما ثبت في إحداهما ثابتة في الأخرى لتشابههما في الارتكاز المتشرّعي. ومعه كما تجب السورة في نهاية الأُولى بنصّ رواية سماعة كذلك تجب في نهاية الثانية.
إلَّا أنَّ هذا غير محتمل كبرى وصغرى: أمّا كبرى فلأنَّ كلتا الروايتين، بل كلّ الروايات دالّة على اختلاف الخطبتين فمن أين يأتي الارتكاز والتشابه؟! وأمّا
ــــــ[355]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
صغرى؛ فلأنَّنا إن فهمنا الحصر في الروايات فهو يكفي دليلاً على عدم الوجوب لخلو كل الروايات منها، وإن لم نفهم الحصر كفى الأصل المؤمّن بعد عدم الدليل على الوجوب.
فإن قلت: فإنَّنا إن عملنا بمسلك التقييد وجبت السورة بعد الخطبة الثانية.
قلنا: هذا يجاب نقضاً وحلاً.
أمّا نقضاً فلأنَّه يوجب السورة خلال الخطبة الأُولى وهو غير محتمل.
وأمّا حلاً فلخلوّ كلتا الروايتين منه، بل كل الروايات فمن أين يأتي التقييد؟!
بقيت الإشارة إلى نقطتين:
إحداهما: أنَّ المحقّق الحلي يقول – على إشكال سوف يأتي-: خفيفة والظاهر أنَّه يريد قصيرة؛ لأنَّ طول القراءة فيه نحو من الثقل ولو كان قد عبّر بلسان رواية سماعة لكان أفضل وأحوط.
ثانيهما: في اشتراط القصر في السورة بنحو الإلزام، بحيث لو قرأ سورة طويلة لم يجزئ، مع العلم أنَّ هذا ممّا أعرض عنه المشهور جزماً، بل هو غير محتمل فقهياً، ولكن لو تنزّلنا عن تلك أمكن الالتفات إلى أمرين:
الأوّل: أنَّه يمكن القول: إن المراد بالقصيرة إنَّما هو حكم إرفاقي بالمكلف الخطيب. وهذا معناه أنَّه يستطيع تجاوزه إلى غيره لو أراد رفع الإرفاق عن نفسه والتعب في سبيل الله فإنَّ الأصل في الأحكام الإرفاقية هو ذلك. ما لم يدلّ دليل على الإلزام دون الرخصة كالقصر في السفر.
الثاني: أنَّه يمكن التجريد عن الخصوصيّة لكل سورة، كما لعلّه المشهور، إذ لا
ــــــ[356]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
دخل للقصر فيها فقهياً، وإنَّما القصيرة هي المثال الغالبي.
إلَّا أنَّنا لو تنزّلنا عن كل ذلك ورد إشكال في تحديد القصير، فإنَّه نسبي في القرآن كما هو معلوم؛ لاختلاف الحجوم فيها، اللهم إلَّا أن نفهم القصير المطلق وهو غير محتمل. كما لو فهمنا من الطويل الطويل المطلق ويبقى الباقي داخلاً في القصير، وهو أيضاً غير محتمل؛ لأنَّ كثيراً من الباقي يصدق عليه الطويل عرفاً ومتشرّعياً.
هل تكفي الآية المتكاملة المعنى عن السورة
بقي الإلتفات إلى ما قيل من كفاية الآية المتكاملة المعنى: ولعلّ الاستدلال الوحيد على ذلك هو قوله في صحيحة محمد بن مسلم: ويكون آخر كلامه: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ الآية(1).
وهي: أوّلاً: أمرت بهذه الآية بعنوانها التفصيلي وهو غير محتمل. وظاهره عدم إمكان التجريد.
ثانياً: أنَّها أمرت بها في نهاية الخطبة الثانية دون الأُولى، وليس في نهاية الأُولى في الصحيحة لا سورة ولا آية متكاملة. فإذا سلكنا مسلك الحصر تساقطت مع موثّقة سماعة الخالية من ذلك. وإن سلكنا مسلك التقييد مع تجريد هذه الآية عن الخصوصيّة لزمنا القول بوجوب السورة بعد الأُولى ووجوب الآية بعد الثانية.
ــــــ[357]ـــــــ
(1) قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ النحل: 90.
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ثالثاً: ما قاله بعض الإخوان أنَّ الحمل على التقيّة؛ لأنَّه مسلك العامّة، ويؤيده ما قلنا من عدم إمكان التجريد. إلَّا أنَّ الذي يهوّن الخطب اشتمال صحيحة محمّد بن مسلم التي تحتوي على الأمر بالآية في نهاية الثانية على عدّة أُمور مستحبّة جزماً كالسورة خلال الأُولى والدعاء والجلوس بين الخطبتين بعنوانه والأمر بتسمية الأئمّة إلى آخرهم، وكله لا يحتمل فقهياً وجوبه، وكذلك المحذوف من عبارات الرواية ولو احتمالاً. فيكون للباقي معه وحدة السياق بالاستحباب بمعنى أنَّه يسقط ظهوره في الوجوب. ولكن إذا جاز ترك القرآن في نهاية الثانية كما هو مؤدّى الموثّقة جاز ترك الآية بطريق أُولى.
وقد يُقال: إنَّ السورة كافية جزماً عن الآية أعني في نهاية الخطبة الثانية وبالنتيجة يكون الفرد مخيّراً بينها.
قلنا: لو أُريد من الآية مطلقها، فتعمّ، إلَّا أنَّ هذا غير مقصود بل يراد الآية التامّة المعنى جزماً وليس في السور القصار ما هو تامّ المعنى إلَّا مجموع السورة. والآية المذكورة تامّة المعنى، فمقتضى التجريد عن الخصوصيّة هو ذلك ولا يمكن التجريد إلى الآيات غير التامّة المعنى ومن العلوم أنَّ كثيراً من السور القصار، بل كلّها ليست آياتها تامّة المعنى، فإن قرأ السورة فلا يكون قد قرأ آية تامّة المعنى في ضمن السورة. وأمّا السورة نفسها فليست آية لكي يُقال بإجزائها. إلَّا أن يُقال: إنَّ المراد من الآية التامّة المقطع القرآني التامّ، سواء كان آية أم عدّة آيات أم سورة. ومن المعلوم أنَّ كل سورة هي تامّة المعنى فتجزي عن الآية. وهذا وجه وجيه إن قلنا وجوباً أو احتياطاً بشيء من هذا القبيل.
ومن المعلوم أنَّ العكس غير صحيح يعني أنَّه إذا حصل الأمر بالآية أمكن
ــــــ[358]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
التجريد إلى السورة كما في نهاية الخطبة الثانية، وأمّا إذا حصل الأمر بالسورة كما في نهاية الخطبة الأُولى لم يمكن التجريد إلى الآية كما هو معلوم. فهنا لو سلكنا المسلك المشهوري أفتينا بتعيّن السورة بعد الأُولى والتخيير بين الآية والسورة بعد الثانية. وهو ليس تخييراً شرعياً وإنَّما تلحظ السورة كمصداق من الآية التامّة المعنى أو من المقطع القرآني التامّ المعنى بعد التجريد عن الخصوصيّة.
لا بدّية الفاصل العرفي بين الخطبتين
ثُمَّ إنَّه لابدَّ من فاصل عرفي ولو بسيط بين الخطبتين ليصدق التعدّد من تخلّل التعدّد فيما بينهما، كما في الصبّتين في التطهير بالماء. فلو استمرّ بالصبّ أو بالكلام لم يصدق التعدّد. وفي الروايات العديدة أنَّه يجلس، وهو مبني على وجوب القيام وهذا ما سنبحثه. وأمّا من خطب جالساً لقوله بالجواز أو لنسيان أو لعذر ونحوه سقط هذا الفصل. ولا يكون الفصل الرئيسي إلَّا السكوت هنيئة. كما لو جلس وهو يتكلّم بالخطبة لم يكن ذلك فصلاً كما هو واضح عرفاً. وإنَّما مرادهم أنَّه يجلس ساكتاً. وفي الإمكان التجريد عن الخصوصيّة للجلوس إلى أي فصل والمهم هو الفصل وإنَّما الجلوس هو أوضح أنحائه. ومعه فلو لم يجلس بل سكت على حاله أو خطا خطوتين مثلاً، أو تكلّم بصوت منخفض في أمور خارجة عن الخطبة كان فصلاً أو قرأ سورة من القرآن بقصد الفصل وهكذا.
وأمّا وجوب القيام فسيأتي في محلّه في عبارة الشرائع وهناك نستطيع أن نمرّ
ــــــ[359]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ببعض الفروع كصدق قواطع الصلاة وشرائطها فيها أو فيما بينهما أو بعدهما.
وعلى أي حال، فلو ترك الجلوس عصياناً أو نسياناً، ولكن حصل الفصل بين الخطبتين بشيء آخر كالسكوت الذي هو أوضح أنحاء الفصل؛ لأنَّ الخطبة من جنس الكلام، فتخلّل العدم فيما بينهما إنما يكون بالسكوت وترك الكلام أجزأ.
الجلوس بين الخطبتين
بقيت فروع في الجلوس يحسن أن ننتهي منها قال الهمداني: وهل يجب أن تكون الجلسة خفيفة كما هو ظاهر المتن وغيره فيه تردّد من وقوع التقييد به في الأخبار (فيجب) ومن إمكان جري الأخبار، بل وكذا كلمات الأصحاب مجرى العادة من عدم المقتضي لأطالتها وأنَّه لبيان المجزئ لا أنَّ الزيادة مخلّة (فلا تجب). ولا يبعد أن يكون تقييدها بالخفّة للإشارة إلى اعتبار التوالي بنيهما.
أقول: وهذه موالاة واجبة عرفاً ومتشرّعياً لأكثر من وجه:
أوّلاً: أنَّه مع طول الجلوس قد يفوت وقت صلاة الجمعة.
ثانياً: أنَّ الخطبتين لهما ارتكاز هيئة اتصالية ووحدة تربطهما وهي ترتفع بارتفاع الموالاة.
ثالثاً: أنَّه بناءً على أنَّهما بدل الركعتين فمن الواضح وجوب التوالي بينهما كالركعتين.
إلَّا أنَّ هذا الوجه الأخير فاسد، كما سبق، فيبقى الوجهان الآخران مضافاً إلى التصريح به في صحيحة محمّد بن مسلم قال: (ثُمَّ تجلس قدر ما يمكن هنيئة ثُمَّ
ــــــ[360]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
تقوم). إلَّا أنَّ هذا الزمان غير محدّد بالضبط فيكون مقولاً بالتشكيك لصدق الهنيئة على الأقل والأكثر. فمن ناحية الطول يجب أن لا تفوت الموالاة بين الخطبتين ولو بنحو الاحتياط الوجوبي. ومن ناحية القلّة هل يجب أن يبقى هنيئة أم يكفي بضع ثواني لمجرّد الفصل الظاهر الثاني بعد التجريد عن الخصوصيّة، وأنَّ المهم هو الفصل، وأمّا الخبر فقد وجدنا فيه سياق الاستحباب فلا تجب بالعنوان التفصيلي.
بقيت الإشارة إلى أنَّ الجلوس أو الفصل هل هو بنحو الإلزام والعزيمة أو بنحو الرخصة. مقتضى الأصل المؤمّن هو الثاني ومقتضى حفظ التعدّد بين الخطبتين هو الأوّل. وإنَّما يمكن الجمع بينها بالقصد للتعدّد. فهل يكفي ذلك أم لا.
الظاهر أنَّ الأمر يختلف بين طبيعتين من الكلام:
الأُولى: ما كان محدّداً مقداره من الارتكاز العرفي والمتشرّعي كسور القرآن التي تبدأ بالبسملة ونحو ذلك فعدم السكوت بينهما لا يضرّ بالفصل بالقصد أو بالبسملة. ونحو ذلك تغيّر وزن الشعر أو قافيته فإنَّه مشعر عرفاً بالتعدّد.
والثانية: ما لم يكن له تحديد واقعي، فاستمراره بالكلام مع قصد كونه كلامين أو ثلاثة لها اعتبارية عرفاً كما هو واضح. ولكن هل الخطبتين من قبيل الأوّل أو الثاني؟ فإن قلنا بتحديد مضامينها كانت من الأوّل فمثلاً حين يبدأ بحمد الله مجدّداً فهو في الخطبة الثانية. لا يختلف في ذلك أنَّها كذلك وجوباً أو استحباباً مع الالتزام به.
وأمّا إذا قلنا بأنَّها مضامين دينيّة عامّة، كانت من قبيل الثاني ووجب الفصل
ــــــ[361]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
لإحراز التعدّد بتخلّل العدم، وإلَّا لم يصدق الخطبتين كما هو واضح. نعم، لا يمكن القول حتى في الصورة الأُولى يجب الفصل ولا يكفي القصد، وإن كان مقتضى الأصل المؤمن ذلك؛ لأنَّ استفاضة الأخبار والسيرة عليه، فيجب لا أقلّ بنحو الاحتياط الوجوبي.
ومن فروع ذلك ما أشار إليه الشيخ الهمداني، قال: والكلام في اشتراط الطمأنينة في الجلوس نحو ماعرفته في القيام وقد عرفت أن الأشبه عدم اعتبارها.
أقول: هما يختلفان أكيداً لأنَّه حال القيام هو حال الخطبة، فيكون اعتبار الطمأنينة أرجح فقهياً. أمّا في الجلوس فهو في فراغ من هذه الناحية، فاحتمال الطمأنينة يكاد أن يكون ساقطاً. إلَّا بناءً على إلحاق الخطبتين بالركعتين وهو ضعيف. كما أنَّ شرائط الخطبتين كلها تسقط كاستقبال المصلّين خلال الجلوس ونحو ذلك، بل يمكن القول إنَّه لو حصل الحدث والوضوء لم يضرّ مع حفظ أصل الموالاة.
كما أنَّ اعتبار الطمأنينة خلال الخطبة بلا موجب ويجري عنها الأصل المؤمّن، فإنَّ الخطباء يختلفون في الثبات أو الحركة، ومتى ما صدقت الخطبة عرفاً كفى بحسب الإطلاق. نعم، الحركة التي يخرج بها عن كونه خطيباً عرفاً مخلّ لا محالة. إلَّا أنَّه فرض بعيد بعد فرض كونه قائماً ومستقبلاً للناس بوجهه ومتكلماً أيضاً بالخطبة، فأي حركة جاء بها مهما كانت عنيفة، فإنَّها لا تنافي حاله غالباً.
ثُمَّ يتعرّض المحقّق الحلي إلى وقت الخطبة، وأنَّه يجوز إيقاعها قبل الزوال وهذا ما أريد تأخيره؛ لأنَّنا الآن بصدد ضبط الصفات الخاصّة بالخطبة بغضّ النظر عن وقتها، فإذا انتهينا من الحديث عن صفاتها تعرّضنا إلى ذلك.
ــــــ[362]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
المسألة التاسعة: تقدم الخطبة على الصلاة
ثُمَّ قال المحقّق الحلي: ويجب أن تكون الخطبة مقدّمة على الصلاة، فلو بدأ بالصلاة لم تصحّ.
قال الشيخ الهمداني: كما هو المعروف من مذهب الأصحاب على ما صرّح به في المدارك وغيره، ويدلّ عليه النصوص المستفيضة المشتملة على بيان الكيفيّة كموثّقة سماعة وحسنة ابن مسلم المتقدّمتين وغيرهما. ثُمَّ يذكر أنَّ رواية الفضل بن شاذان دالّة عليه أيضاً.
وهذا كلّه لا يكفي للحكم على الأصل المؤمّن عن الحكم الوضعي والتكليفي؛ لأنَّ الفعل دالّ على أصل المشروعيّة لا خصوص الوجوب، وأمّا الأوامر الموجود فيها فهي ذات سياقات استحبابية كما سبق. اللهم إلَّا أن يُقال: إنَّ أصل المشروعيّة كان في مقابل القول بوجوب تأخيرهما على ما سيأتي. مضافاً إلى إمكان الاستدلال بالشهرة الفتوائية القطعية والارتكاز المتشرّعي القطعي بالوجوب.
ثُمَّ قال الهمداني: خلافاً لما حكي عن ظاهر الصدوق في العيون والعلل والهداية والفقيه من القول بوجوب تأخّرهما عن الصلاة يوم الجمعة لكونهما بدل الركعتين، ولما رواه مرسلا عن الصادق أنَّه قال: (أوّل من قدّم الخطبة على الصلاة يوم الجمعة عثمان).
وقال: وفيه ما لا يخفى بعد شذوذ القول به وضعف سنده ومعارضته بالمعتبرة المستفيضة إن تكن (إن لم تكن) متواترة المعتضدة بالسيرة القطعية. فلعلّه
ــــــ[363]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
وقع في هذه الرواية يوم الجمعة سهواً من الراوي بدل العيد، فإنَّه روى في صلاة العيد أنَّه لما رأى نفار الناس بعد الصلاة وعدم صبرهم على استماع الخطبة قدّمها على الصلاة.
أقول: يكفينا شذوذ القول، فإنَّه للصدوق فقط. مع ضعف سند الرواية، وكون الارتكاز القطعي بخلافه وأنَّ الفرق الأساسي مع العيد هو ذلك.
ثُمَّ قال الهمداني: وكيف كان فلا مجال للارتياب في عدم وجوب التأخير، بل مقتضى الأصل وظواهر كثير من النصوص المزبورة عدم مشروعيّة الإتيان بالجمعة على خلاف الترتيب المعهودة في الشريعة المتلقى من صاحبها.
أقول: قد سبق أن ناقشنا في دلالة الروايات. نعم، مقتضى الأصل استصحاب اشتغال الذمة مع الإتيان بالعكس، إلَّا أنَّ أصالة عدم الشرطية للتقدّم تتقدّم عليه، لأنَّها أسبق رتبة.
ثُمَّ إنَّه هل هو يعني تقدّم الخطبتين شرطاً واقعي أو شرط ذكري، يتوقّف على سنخ الدليل الدالّ على ذلك. فإن كان دليلاً له إطلاق كما في الروايات كان واقعياً. يعني أنَّه يجب التقدّم على كل حال حتى في حال النسيان، فلو عكس نسياناً بطل. وإن كان الدليل لبيّاً. فالقدر المتيقّن والغالب هو صورة الذكر فتبقى صورة النسيان غير مشمولة له، فتبقى أصالة عدم الشرطيّة بلا حاكم فتصحّ نسياناً. وحيث إنَّنا بنينا على الدليل اللبي. إذن ينتج أنَّها شرط ذكري. وإن كان أحوط استحبابا الإعادة. ونفس الشيء نقوله إلى تفاصيل الخطبتين لو فهمنا التعيين، إلَّا أنَّ الدليل هنا أقرب إلى اللفظي؛ لأنَّنا فهمنا ذلك من الروايات.
ــــــ[364]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
ولو بنينا على البطلان، بمعنى أنَّه صلى الركعتين ثُمَّ خطب نسياناً للحكم، فهل يجب إعادة الخطبتين أو الصلاة فقط مع بقاء وقتها.
قال الهمداني: وجهان أوجههما ذلك (يعني: الاجتزاء بإعادة الصلاة) إلَّا أن يكون قصده حين الإتيان بالخطبتين امتثال الأمر الخاصّ المقيّد بكونه كذلك الذي لا واقعية له. فيتجه حينئذٍ البطلان بخلاف ما لو قصد الخروج من عهدة تكليفه الواقعي، وإن زعم أنَّه في الواقع ليس إلَّا كذلك فإنَّ هذا من غلطه في اعتقاده وهو غير قادح في حصول الإطاعة ما لم يكن مرجعه إلى التقييد كما لا يخفى.
منافاة الكلام للموالاة خلال الخطبتين
يبقى الكلام في قاطعية الكلام في أثنائهما أو بينهما أو بعدهما، وهو فرع لم يتعرّض له المحقّق وشرّاح الشرائع، ومقتضى الأصل الأولي المؤمّن هو الجواز تكليفاً ووضعاً. ولا يحول دون ذلك إلَّا إلحاق الخطبتين بالركعتين، وهو مرفوض.
نعم، لو كان الكلام المتخلّل منافٍ للموالاة في داخل الخطبة أو فيما بينهما -كل حسب اعتماده- بطل فيما بطلت فيه الموالاة. والظاهر أنَّ عدم التعرّض له ناتج من وضوح جوازه إلى حد لا تكون حاجة إلى ذكره.
وأمّا 16/1، فهي دالة على الوجوب ما لم تحمل على أنَّه لا يتكلّم بالخطبة نفسها أو تسقط بإعراض الأصحاب أو باعتبار أنَّ الجملة وصفية فلا تدلّ على الوجوب. مضافاً إلى أنَّه لا يحتمل أنَّه يؤدّي إلى بطلان الصلاة وخاصّة مع الجهل أو الاضطرار ولو كان واجباً لتعرّض له في الروايات الأخرى وهو غير موجود.
ــــــ[365]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
في وجوب القيام أثناء الخطبة
قال المحقّق الحلي: ويجب أن يكون الخطيب قائماً وقت إيراده مع القدرة.
وقال الهمداني: إجماعاً كما عن غير واحد نقله، ويدلّ عليه النصوص المستفيضة الواردة في كيفية الخطبتين وأنَّه يجلس بينهما جلسة خفيفة (أو) قدر ما يقرأ قل هو الله أحد ونحوه. ثُمَّ يقوم فيأتي بالثانية، فإنَّها تدلّ على أنَّ وظيفتهما الإتيان بهما قائماً. وأظهر منها دلالة عليه قول الصادق في موثقة سماعة (25/2) (ويخطب وهو قائم) إلى أن قال: (ثُمَّ يجلس فيحمد الله)، بناءً على كون ويخطب بالرفع كلاماً مستأنفاً كما يعطيه سوق الخبر لا معطوفاً على سابقه وإلَّا لكان ظاهر الاستحباب.
أقول: وحدة السياق غير منحصرة في صورة العطف، بل ثابتة مع الاستئناف أيضاً فتكون دالاً على الاستحباب أو محتملاً للاستحباب على كل حال.
قال: وخبر أبي بصير (16/3) أنَّه سئل عن الجمعة كيف يخطب الإمام؟ قال: (يخطب قائماً، إنَّ الله يقول: وتركوك قائماً). وصحيحة معاوية بن وهب (16/1) قال: قال أبو عبد الله: (إنَّ أوّل من خطب وهو جالس معاوية واستأذن الناس في ذلك من وجع كان بركبتيه. وكان يخطب خطبة وهو جالس وخطبة وهو قائم ثُمَّ يجلس بينهما).
أقول: أمّا خبر أبي بصير فضعيف السند، وأمّا معتبرة معاوية بن وهب فليس فيها إلى هنا أمر لكي تستظهر الوجوب. مضافاً إلى تهافت المتن؛ لأنَّه إذا خطب
ــــــ[366]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
إحدى الخطبتين وهو جالس، فكيف يصحّ تجدّد الجلوس بينهما، كما هو ظاهر العبارة، وخاصّة إذا كانت الأُولى كما هو ظاهرها أيضاً.
قال الهمداني: ثُمَّ قال – يعني في صحيحة معاوية بن وهب-: الخطبة وهو قائم خطبتان يجلس بينهما جلسة لا يتكلّم فيها قدر ما يكون فصل بين الخطبتين. ودلالة مثل هذه الرواية على الشرطية أوضح من صيغة الأمر (فهي تامّة عنده سنداً ودلالة)، فالمناقشة فيها بعدم اشتمالها على صيغة الأمر حتى يظهر منها الوجوب في غير محلّه.
ويرد عليه:
أوّلاً: أنَّ الأمر لا يتعيّن بصيغة الأمر بل يمكن أن يكون بالجملة الخبرية، وهنا موجود وهو قوله: وهو قائم ثُمَّ قال: يجلس.
وجوابه: أنَّ هذا إنَّما يتمّ فيما إذا كانت جملة مستقلّة، وهنا وقعت وصفيّة فليس لها هذه الخصوصية والاحتمال دافع للاستدلال.
ثانياً: أنَّه يمكن المناقشة في ظهورها بالشرطية، لأنَّه لم يقل: يخطب وهو قائم، وإنَّما قال: الخطبة وهو قائم خطبتان، وهو دال على جامع الرجحان لا أكثر. مضافاً إلى اشتماله على أُمور محتملة الاستحباب كالجلوس بعنوانه التفصيلي وترك التكلّم خلاله. فإنَّه لا يكاد يكون محتملاً، إلَّا أن يحمل على أنَّه لا يتكلّم بالخطبة يعني مستمراً بالخطبة الأُولى. إلَّا أنَّه خلاف إطلاقه بل ظهوره وحمل النهي على الإلزام بعيد لم يقل به أحد إطلاقاً. فيحمل على التنزيه.
يبقى الكلام في أمرين:
ــــــ[367]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أحدهما: ترك القيام نسياناً والآخر تركه عجزاً.
أمّا تركه عجزاً فلا إشكال في سقوطه؛ لأنَّ الخطاب مع القدرة إلَّا أنَّه مع وجود الإطلاق يتحدّد بحدود العجز كالصلاة تماماً فلو قدر قام ولو عجز جلس وهكذا. أمّا إذا زاد حاله واضطراره عن الجلوس بحيث يضطر إلى الاضطجاع قطع الخطبة لأنَّه يتبين أنَّه عاجز عنها عرفاً، إذ لا معنى عرفاً لخطيب مضطجع أو مستلقي مضافاً إلى أنَّ الغالب أنَّ الفرد عندئذٍ لا يستطيع أن يستمر بالخطبة حقيقة لشرود ذهنه.
وأمّا تركه نسياناً، فهو يتبع وجود الإطلاق في الدليل، فإن كان له إطلاق بطل وعليه الإعادة والقضاء، وإلَّا صحّ. ما لم نفهم الرفع الواقعي والمطلق لحديث الرفع لصورة الجهل والنسيان بحيث يكون حاكماً على الأدلّة الأوّليّة كما لا يبعد فلا يكون في حال النسيان مكلّفاً بالقيام أصلاً فتصحّ الخطبة والصلاة، ونحوه لو نسي الجلوس أو تكلّم نسياناً خلاله ونحو ذلك إن أوجبناه.

ــــــ[368]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر

 

 


الفهرس

مقدمة هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر 7
[حكم صلاة الجمعة في زمن الغيبة] 11
حكم صلاة الجمعة في المرتبة السابقة على الشرائط 12
الجهة الأولى: أدلة القول بالوجوب 12
مناقشة المحتملات في المراد من ذكر الله 15
مناقشة احتمال استحباب صلاة الجمعة 18
سببان لوجوبها التعييني 23
من هو المنادى 24
مناقشات في الولاية العامة 26
سند مقبولة عمر بن حنظلة 27
روايات في مدح عمر بن حنظلة 29
مناقشات المامقاني في الرواية الأولى 30
عمل المشهور بروايات عمر بن حنظلة 39
ــــــ[369]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
نتيجة البحث السندي 44
دلالة المقبولة 44
تنبيهات 53
دلالة المقبولة على اشتراط الأعلمية 57
شرط النداء من الولي العام 61
مناقشة صاحب المستند على حمل الأمر بالسعي على الاستحباب 62
إشكالات على الوجوب التعييني 63
عدم تمامية الإشكال 65
إشكال أن المراد بالذكر الخطبة دون الصلاة 67
النداء لصلاة الجمعة 70
المعاني المحتملة للنداء 71
حمل النداء على الأمر المولوي 73
الآية الثانية الدالة على الوجوب التعييني 75
توهم الاستدلال بآية ثالثة 78
الاستدلال بالسنة الشريفة على وجوب الجمعة 79
الطائفة الأُولى: وهي أخبار صحيحة في بيان مشروعية إقامة الجمعة. 80
الطائفة الثانية: وهي الأخبار التي تدلّ على وجوب الجمعة، ولم يصرّح فيها بوجوب الإقامة أو وجوب السعي. 89
ــــــ[370]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الطائفة الثالثة: – حسب تقسيم اللمعة- وهي التي تشتمل على ذكر من تجب عليه الجمعة ومن تسقط عنه. 95
الجهة الثانية: أدلة القول بالوجوب التخييري 99
تفسير القدرة على الخطابة 103
ترك أصحاب الأئمة لصلاة الجمعة 105
الروايات الدالة على جواز ترك الجمعة 109
دلالة جملة من الأخبار على نفي الوجوب التعييني 111
الجهة الثالثة: أدلة القول بحرمة صلاة الجمعة 116
الوجه الأوّل: الإجماع على عدم المشروعيّة ما لم يقمها إمام الأصل أو المنصوب من قبله. 116
الوجه الثاني: [الإذن الخاص لأشخاص معينين] 117
الوجه الثالث: [لزوم الهرج والمرج وإثارة الفتنة] 118
الوجه الرابع للحرمة 120
الوجه الخامس 124
الجهة الرابعة: مقتضى الأصول العملية 126
حكم صلاة الجمعة مع تحقق الشرائط 135
شرائط وجوب صلاة الجمعة 136
الشرط الأول: شرطية وجود المعصوم  ومناقشتها 137
ــــــ[371]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الشرط الثاني: إقامتها برأي المعصوم وإمضاءه 142
عدم تمامية أدلة اشتراط الإذن الخاص 143
[رد دعوى أنها تقام في زمن الإمام المعصوم وبإذنه الخاص فقط] 143
رد دعوى الإجماع 144
رد دعوى انعقاد السيرة 145
رد شبهة كون الجمعة مثاراً للفتنة 146
مناقشة رواية الصدوق 147
الشرط الثالث وجود السلطان العادل 149
الصفات المعتبرة في السلطان العادل 149
سؤالان حول الولاية العامة ومنطقة الفراغ 151
تحقيق المقال في شرائط السلطان العادل 152
العدالة بالمعنى العرفي والمعنى الشرعي 155
الاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم على شرطية السلطان العادل 157
الأدلة اللبية على شرطية السلطان العادل 160
الشرط الرابع: الأمر بالولاية 161
وجوب طاعة الولي 162
الجهة النظرية 163
الجهة العملية 164
ــــــ[372]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
أدلة وجوب طاعة الولي العام 165
الاستدلال بالكتاب 166
الآية الأولى: لعل أهمها قوله تعالى: أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ. 166
السلطان العادل مع عدم بسط اليد: 170
الآية الثانية: قوله تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ. 171
مناقشة الاستدلال بالآية الثانية 172
الآية الثالثة: قوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ. 176
مناقشة الاستدلال بالآية الثالثة 176
الاستدلال بالسنة 180
مناقشة الاستدلال بالمقبولة على المطلوب 181
روايات أخرى دالة على وجوب الطاعة 186
الآية الرابعة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ 187
الإشكال على دلالة الآية على لزوم الطاعة 190
ــــــ[372]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الأدلة اللبية على لزوم طاعة ولي الأمر 193
دليل الإجماع 193
الاستدلال بالعقل 194
مناقشة في تقريب الدليل العقلي 196
إشكال وجواب حول منطقة الفراغ 198
مناقشة القول بالولاية الجزئية 201
الفرق بين القضاء والولاية 203
حول دائرة الولاية وسعتها 204
الأوامر الولائية بعد موت الولي 205
شرط الأعلمية في الولي 208
الشرط الخامس: اجتماع خمسة أحدهم الإمام 209
في أصل الإشتراط إجمالاً 210
تعارض مفاد الأدلة 211
مقدار العدد المطلوب 214
وجوه الجمع بين الأخبار 216
هل العدد مقدمة للوجوب 218
أوصاف العدد 219
هل الإمام من ضمن العدد 220
ــــــ[374]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الجمع بين الطائفتين بناء على الحكم الوضعي 220
الجمع بين الطائفتين بناءً على الحكم التكليفي 221
هل العدد ممن تجب عليه الصلاة أو ممن تصح منه 222
كيف يجزي المستحب عن الواجب 226
العناوين المستثناة من وجوب صلاة الجمعة 228
[القسم الأول: الذين لا تنعقد بهم الجمعة ولو حضروا] 228
[القسم الثاني: الذين تنعقد بهم الجمعة لو حضروا] 228
سؤالان في المقام 230
السؤال الأول: [لماذا حذفت بعض الأعداد التي تنعقد بها الصلاة] 230
السؤال الثاني: عن النسبة بين الروايات التي ذكرت عدداً أكثر أو الروايات التي ذكرت عدداً أقل 231
بيان المراد من العناوين بصورة تفصيلية 232
الكبير 233
المسافر 237
النسبة بين المسافر عرفاً وشرعاً 237
مواضع التخيير الأربعة 240
العبد 241
المرأة 243
ــــــ[375]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الصبية المميزة 243
الخنثى البالغة 245
المريض 246
الفرق بين السقم والمرض 248
الأعمى 250
كلمة عن المجنون 251
تلخيص البحث ضمن أطروحات 252
الإشكالات الواردة على بعض العناوين المستثناة ودفعها 255
الإشكال الأول: [وجوب الجمعة على النساء] 255
الإشكال الثاني: [عدم الإجزاء من المستثنى إذا تكلّف الحضور] 257
تحقيق القول بالإجزاء 257
دفع توهم المعارضة بين الأخبار 259
الشرط السادس: المسافة الشرعية لوجوب صلاة الجمعة 261
تحديد المسافة بفرسخين 269
المسافة الشرعية 269
الجهة الأولى: في المسافة الشرعية للقصر 270
تطبيق 274
تطبيق آخر 276
ــــــ[376]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الجهة الثانية: في تحديد المسافة لصلاة الجمعة 278
الجهة الثالثة: في محاولة معرفة غلوة السهم المذكورة في كتاب الطهارة 279
إشكالات واردة في المقام ودفعها 280
تعليقات على أخذ الإصبع مقياساً 284
المسافة الشرعية بين جمعتين 288
صورة تقارن الجمعتين 295
مناقشة الشيخ الهمداني 297
هل الحد الفاصل بين الجمعتين التكبير أو الخطبة 302
المدار على تكبير الإمام أو تكبير المأموم 304
إشكالية في صحة الصلاة المتقدمة 305
خاتمة 307
المسألة الأولى: خروج وقت صلاة الجمعة 307
دلالة الأخبار على وقت صلاة الجمعة 308
أطروحات في معنى ضيق الوقت 309
هل حكم تأخير الجمعة وضعي أو تكليفي 311
المراد من عنوان الساعة في الأخبار 313
المسألة الثانية: لو خرج الوقت أثناء الصلاة 315
ــــــ[277]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
المسألة الثالثة: الجمعة تقضى ظهراً 318
المسألة الرابعة: إدراك المأموم للإمام في الركعة الثانية 319
لو خرج الوقت يصليها أربعاً 321
حالة إنفراد الإمام 321
المسألة الخامسة: وجوب المبادرة مع ضيق الوقت 324
المسألة السادسة: لو مات الإمام أثناء الصلاة 326
المسألة السابعة: حول الخطبتين 331
هل الخطبتان بدل الركعتين 333
نسبة الخطبتين إلى الركعتين فقهياً 336
المسألة الثامنة: (محتويات الخطبتين) 339
الكلام عن الحمد حكماً وموضوعاً 342
معنى الحمد 346
الفرق بين الحمد والثناء 346
الوصية بتقوى الله 349
الصلاة على النبي وآله 351
قراءة سورة بين الخطبتين 354
هل تكفي الآية المتكاملة المعنى عن السورة 357
لا بدّية الفاصل العرفي بين الخطبتين 359
ــــــ[378]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر
الجلوس بين الخطبتين 360
المسألة التاسعة: تقدم الخطبة على الصلاة 363
منافاة الكلام للموالاة خلال الخطبتين 365
في وجوب القيام أثناء الخطبة 366
الفهرس 369
ــــــ[379]ـــــــ
بيان الفقه ج7، محمد الصدر