أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
ما وراء الفقه / ج1 ق1

ما وراء الفقه ، الجزء الأول القسم الأول

ما وراء الفقه
يحتوي على مفاهيم واستدلالات
وحسابات تدور حول مسائل فقهية كثيرة.
يصلح للثقافة الفقهية العامة المعمقة.

تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
بإشراف
مقتدى بن السيد محمد الصدر

الجزء الأول
القسم الأول

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
النجف الأشرف

ــــــــــــــــــــ[3]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الأول القسم الأول

بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لِما تضم من علم وافر وفكر عالٍ ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة… فإن فكر السيد الوالد يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمعٍ إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً أن كل كتاب له لا يضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنّا على أن يكون المخوّل من قِبلنا لطباعة هذه الكتب هم (هيئة تراث السيد الشهيد) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا.
مقتدى الصدر
10جمادي الثانية 1429

ــــــــــــــــــــ[5]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الأول القسم الأول
المقـَدمة

هذا الكتاب يتعرض لما وراء الفقه، لا للفقه نفسه. فان للفقه -كسائر العلوم- ارتباطات بعلوم عديدة ومعلومات كثيرة، خارجة عن صيغته الأساسية وهذه هي المادة الخام لهذا الكتاب.
وليس الفقه وحده هكذا، بل كل العلوم تقريباً بل تحديداً هكذا. تفترق في بعض الحقول وتلتقي في حقول أخرى، ويكون مورد التقائها أساسياً في أحد العلمين وثانوياً بالنسبة إلى العلم الآخر.
فعلم الفلك والفيزياء يلتقيان وكذلك الفيزياء والكيمياء وكذلك الطب والصيدلة وكذلك علم النفس وعلم الاجتماع وكذلك الرياضيات بكل تلك العلوم وكذلك الهندسة بعدد من تلك العلوم.. وهكذا.
وكذلك بالنسبة إلى العلوم الإنسانية, فان المنطق يلتقي بالفلسفة والفلسفة بالعرفان ويلتقي الفقه بالعربية ويلتقي علم الأصول بالمنطق وبالفلسفة ويلتقي علم النحو بعلم اللغة… إلى غير ذلك كثير.
وإذا بحثنا في الفلسفة كان تعرّضنا للمسائل المنطقية -مثلاً- أو النحوية جانبياً أو ثانوياً، وإذا بحثنا في الفيزياء كان تعرّضنا للفلك أو الكيمياء جانبياً نسبياً.. وهكذا. إذن, فبمقدار ما يتعرض المختصون في علم معيّن إلى حقول ومسائل العلوم الأخرى يكون تعرضهم هذا مما وراء ذلك العلم، يعني كأنه بمنزلة
ــــــــــــــــــــ[9]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الأول القسم الأول
البحث الجانبي أو الثانوي فيه. وهذا لا يقتضي التقليل من أهميته على الإطلاق. وإنما يعني ان لكل علم سيراً معيناً خاصاً به وحقولاً تقليدية تخصه. فإن التفت الباحث فيه إلى أي جانب -أعني أيُ علم أو ثقافة أخرى- كان هذا بمنزلة الخروج عن الصلب الأساسي للبحث في ذلك العلم. ومن هنا أمكن ان نصطلح عليه انه ما وراء ذلك العلم.
وهذا ليس شيئاً ذو أهمية واقعية. وإنما هو مبرر لتسمية هذا الكتاب بالشكل المجازي الملطف.
وعلم الفقه: وهو العلم الذي يتكفل بيان الأحكام في الشريعة الإسلامية، والاستدلال عليها، ويعتبر مسيره الأساس هو ذلك، أعني ذكر المسألة أو الفرض، ثم محاولة الاستدلال عليه بالكتاب والسُنّة، بما فيها القواعد الفقهية والأصولية، المستنتجة من ذينك المصدرين نفسيهما.
والكتب الاستدلالية في الفقه كثيرة، ليس كتابنا هذا منها، وان صادف ان مارسنا الاستدلال فيه في فصول عديدة، إمعاناً في إيضاح الفكرة، إلا ان الهدف الأساسي منه ليس هو ذلك.
وإنما الهدف الأساسي منه هو التعرض إلى ما سميناه ما وراء الفقه، وهي المعلوم والمعلومات التي تدخل في عدد من مسائله مما هي ليست فقهية بطبيعتها. وإنما تندرج في علوم أو حقول خارجة عن الفقه. والتي قلنا قبل قليل أنها -مجازاً- جانبية وثانوية في الفقه، لأنها تتضمن التفاتاً من داخل الفقه أو صُلب العلم إلى ما هو خارج عنه.
والفقه له ارتباط بهذا المعنى بمعلومات لا تُعَد ولا تحصى. لا يستطيع هذا الكتاب، ولا ما هو أوسع منه الإحاطة بها، بل قد لا يمكن للطاقة الفردية البشرية ذلك.
ــــــــــــــــــــ[10]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الأول القسم الأول
وبالرغم من ان فصول الكتاب واضحة في هذا الارتباط، بالفلسفة واللغة والنحو والمنطق والفلك والفيزياء والكيمياء والطب وعلم النفس وعلم الاجتماع والرياضيات وغيرها من العلوم وكثير من المعلومات العامة التي لا حصر لها.
إلا أننا مع ذلك يحسن هنا إيجاز بعض الأمثلة:
أولاً: ارتباط الفقه بالفلك من عدة زوايا, منها: ضبط الأشهر بحركات القمر وضبط أوقات الصلاة بحركات الشمس.
ثانياً: ارتباط الفقه بالجغرافيا من زاوية اتجاه القبلة، وموارد أخرى أيضاً.
ثالثاً: ارتباط الفقه باللغة من زاوية فهم المفردات اللغوية الواردة في الكتاب والسُنّة.
رابعاً: ارتباط الفقه بالاقتصاد من ناحية تعرضه للمعاملات كافة بشكل مفصل ومطول.
خامساً: ارتباط الفقه بالأمور المالية، من حيث مباحث الخمس والزكاة والصرف وتبادل العملات.
سادساً: ارتباط الفقه بالكيمياء، من زاوية تحريم الكحول كشيء رئيسي، وموارد أخرى.
سابعاً: ارتباط الفقه بالرياضيات في موارد عديدة, من أوضحها كتاب الإرث في أشكال تقسيم الثروة.
ثامناً: ارتباط الفقه بالمنطق من زاوية الالتفات إلى صحة البراهين والاستدلالات وفسادها هناك، وهو أمر مفروض ضمناً في كثير من الأحيان.
تاسعاً: ارتباط الفقه بالعرفان من زاوية فهم الطهارة المعنوية والقربة المعنوية ــــــــــــــــــــ[11]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الأول القسم الأول
المشروطة في العبادات وفهم ما ورد من ان “الصلاة معراج المؤمن”. إلى غير ذلك كثير.
عاشراً: ارتباط الفقه بالنحو من ناحية تشخيص بعض المقاصد المتوقفة على طريقة الإعراب في الكتاب أو السُنّة.
حادي عشر: ارتباط الفقه بالطب من عدة نواحي، منها: ما هو مربوط بالعادة الشهرية وتشخيص الوفاة.
ثاني عشر: ارتباط الفقه بعلم الاجتماع من عدة زوايا، منها: الاجتهاد والتقليد والقضاء وتحريم الاحتكار وغيرها مما هو مؤثر فعلاً على المجتمعات.
ثالث عشر: ارتباط الفقه بالتفسير من زاوية آيات الأحكام, وهي الآيات المتكلفة لبيان الأحكام الشرعية، وتوجد ارتباطات أخرى بالتفسير أيضاً.
رابع عشر: ارتباط الفقه بعلم دراية الحديث من حيث تشخيص المعتبر من غير المعتبر من الروايات وتقسيمها إلى صحيح وموثق وحسن وضعيف ومرسل ومرفوع وغير ذلك.
خامس عشر: ارتباط الفقه بالفلسفة يتضح عند الحديث عن السحر أو التنجيم أو الموت وغير ذلك.
وأما ارتباطه بالكتاب الكريم نفسه والسُنّة الشريفة وعلم أصول الفقه، فهو ارتباط عضوي لا ينفك إذ لا فقه من دون هذه الثلاثة على الإطلاق.
إلى غير ذلك كثير، مما يتضح كثير منها من فصول هذا الكتاب وقد لا يتضح بعضها أيضاً، كما سنقول الآن.
ــــــــــــــــــــ[12]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
فان المعلومات (الثانوية) في الفقه عديدة جداً فوق الإحصاء إلا ان الذي ينبغي التعرض له في هذا الكتاب هو ما كان له درجة من الأهمية والتوسع والتركيز، أما المعلومات المختصرة التي لا يعدو الحديث عنها عدة أسطر أو لا يزيد على صفحة، فهذا مما يصعب التعرض له. لأنه كثير وفي نفس الوقت يسير.
ومهما يكن من أمر فقد أصبحت فصول هذا الكتاب فصول اختيارية حسب ما خطر في الذهن من الاحتياج إلى التعرض له. وقد يكون في الفقه أمور أخرى ومعلومات قد تكون أهم مما تم التعرض له إلا أننا حاولنا الاستيعاب على أي حال. ولكن الغفلة والنسيان محتملة على كل حال.
وقد تعرضنا على الخصوص للقواعد الفقهية التي يمكن التحدث عنها بشيء من التفصيل. سواء في العبادات كقاعدة الإمكان في الحيض, أو في المعاملات كالفرق بين الحق والحكم وقاعدة اليد وغيرها, لأن هذه القواعد مهملة عن الاندراج في أي علم. فان الفقهاء لا يتعرضون لها لا في علم الأصول ولا في الفقه، باعتبار أنها لا تشكل جزءاً من أي منهما ولا دخلاً أساسياً في موضوعاتهما. ومن هنا كان الأنسب بكل تأكيد ان تكون مما وراء الفقه.
ولكن قد تكون القاعدة واضحة فقهياً، بحيث لا يمكن الحديث عنها كثيراً، بل يكفي في إثباتها الكلام القليل, كقاعدة الطهارة. أو تكون القاعدة أصولية كاستصحاب العدم الأزلي أو قاعدة التخيير عند دوران الأمر بين المحذورين. فقد تركنا التعرض لها في هذا الكتاب. وإلا لزم التعرض لكل تلك العلوم في هذا الكتاب وإنما نتعرض من زاوية ارتباطها بالفقه فقط.
وبالرغم من انه قد يخطر في بال البعض من انه ينبغي تغيير أبواب الفقه وكتابته بأسلوب آخر نسبياً. إلا أننا سرنا في هذا الكتاب على الطريقة التقليدية،
ــــــــــــــــــــ[13]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
وإذا كانت تلك الفكرة صحيحة فهي موكولة إلى كتاب آخر يكتبه من يشاء الله تعالى من عباده.
إذن، فهذا الكتاب مقسم كتقسيم كتاب (شرائع الإسلام) للمحقق الحلي تقريباً، ما لم توجد ضرورة تمت إلى موضوع الكتاب بصلة تدعو إلى التغيير. وكتاب الشرائع هذا يقسم الفقه إلى (كتب). فبدلاً ان يسميها فصولاً أو أبواباً يقول: كتاب الطهارة, كتاب الصلاة.. وهكذا إلى آخر الفقه, ونحن جرينا على هذا.
ونحن فحصنا في كل واحد من هذه الكتب عما يناسب موضوع هذا الكتاب مما هو وراء الفقه، وارتباطاته الخارجية. أو المفاهيم الرئيسية التي تحتاج إلى تحديد، أو القواعد الفقهية. ومن هنا صار الأمر اختيارياً، كما قلنا، إذ ليس للأمر قاعدة معينة يمكن السير عليها. والعصمة لأهلها. فان وجدنا بعد ذلك بعض الموضوعات التي يمكن ان تندرج في موضوع الكتاب أمكن جعلها في طبعة ثانية أو في مستدرك له.
وبالنسبة إلى بعض الكتب الفقهية نجدها حافلة بهذه الأمور التي تناسب هذا الكتاب، فتتعدد فصول الحديث فيه, وبعضها تقل هذه المعلومات وقد تنعدم. فلا يوجد أحياناً في الكتاب الواحد إلا فصل واحد. وقد حاولنا ان لا نجد كتاباً إلا ذكرناه ولو بشيء بسيط من العلاقة، حتى يكون كتابنا هذا مستوعباً جهد الإمكان لكل كتب الفقه.
وقد عقدنا لكل موضوع فصلاً. غير انه لا يخلو من أهمية للقارئ ان يعرف ارتباط هذا الفصل أو ذاك بأي مسألة معينة من مسائل هذا الكتاب من كتب الفقه أو ذاك. وهذا في الأعم الأغلب يتضح من عنوان الفصل نفسه وموضعه في كتاب معين فقهي. أما ما لم يتيسر فيه ذلك، فلم نجد ضرورة للإشارة إليه. لأن ذلك حديث فقهي ليس له بكتابنا هذا مزيد صلة. وفهمه
ــــــــــــــــــــ[14]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
موكول إلى من له اطلاع فقهي كافٍ سلفاً قبل ان يقرأ هذا الكتاب.
ولم تحتج الفصول في داخل أي كتاب من كتب الفقه إلى ترقيم بل اكتفينا بالعنوان: فصل – فصل لعدة اعتبارات, أهمها:
أولاً: عدم ترابط موضوعات الفصول ترابطاً جوهرياً, بمعنى كون حديثها عن شيء واحد أو يتوقف فهم بعضها على فهم بعض -كلا- بل يعتبر كل فصل بحثاً برأسه ليس له إلا الارتباط الموضوعي أو قل: العنواني بالفصل الآخر وبالكتاب الفقهي الذي هو فيه، وبالفقه على العموم، من دون زيادة على هذا المقدار إلا ما ندر.
ثانياً: ان عدداً من كتب الفقه، ليس لها سهم في هذا الكتاب أكثر من فصل واحد، وفي مثل ذلك يكون ترقيمه: الفصل الأول نشازاً, لأنه الفصل الوحيد. وعدم ترقيمه مع وجود الترقيم في غيره نشاز أيضاً. فكان ترك الترقيم على الإطلاق هو الأولى.
وأما من حيث لغة الكتاب, أعني اقترابها من المصطلحات الفقهية والأسلوب الفقهي وابتعادها عنه. فالشيء الأساسي هو ان الكتاب مسطور لأجل الثقافة الفقهية. ومعناها انه يجب عليه وعلى مؤلفه تبسيط العبارة نسبياً لتصل هذه الثقافة والمعرفة إلى اكبر عدد من القراء الكرام. وهذا ما هو ملتزم به فعلاً بشكل عام.
إلا أننا في بعض الأحيان، وهي أحيان عديدة، وجدنا من المصلحة التحدث بلغة الفقه تماماً من أجل رد بعض الاستدلالات التي وجدنا بها بعض النقائص أو الإشكالات أو غير ذلك من الأهداف وقد يستوعب هذا المنهج الفصل كله. وخاصة عند الحديث عن القواعد الفقهية، كقاعدة التجاوز أو قاعدة الفراغ أو قاعدة الإمكان في الحيض أو قاعدة اليد وغيرها، وعندئذ يحتاج القارئ إلى ثقافة فقهية مسبقة أكثر مما يحتاجه في المستوى العام
ــــــــــــــــــــ[15]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
للكتاب. بل قد يحتاج أحياناً إلى فهم كافٍ لعلم الأصول ليعرف معنى الاستصحاب والإطلاق والتقييد والترتب وغيرها كثير.
ومهما يكن من أمر فقد أشرنا خلال مطاوى هذه المقدمة، ان التصدي لمجموع الموضوعات المخططة لهذا الكتاب أكثر وأكبر من القدرة البشرية الفردية. ولكن هذا لا يعني الترك بعد إمكان كثير من تلك الموضوعات بعون الله سبحانه.
ومن هنا كان الأمر، بالإضافة إلى كونه متعباً ومطولاً، في البحث عن مصادره وغير ذلك، كان أيضاً محدوداً بالقدرة الفردية حيث لا يوجد معاون وكفيل الا الله عز وجل. وأكرم به كفيلاً ووكيلاً. ونقطة القوة في ذلك هو انه سيكون سبباً لعذر المؤلف ان وجد في الكتاب خطأ في بعض المعلومات الخارجية عن الفقه. وسابقاً قال الشاعر:
على المرء ان يسعى بمقدار جهده ولـــيس عليه ان يكون مـــوفقــــاً
وقد وجدنا ان بعض الأمور منعدمة المصادر تماماً ويحضرني له مثالاً هو الحديث عن كيفية الليل والنهار في الدائرتين القطبيتين. وبعض الأمور مما لا تتعرض له المصادر بالاستيفاء الذي نتوقعه ونحتاجه، وبعض المصادر فيها كلام كثير خارج عن الصدد.. وهكذا.
ومن هنا كان اللازم بذل الجهد من جميع الجهات، عسى الله ان يتدارك هذا الضعيف الذليل بقدرته وعزته، ويتقبل عمله بأحسن القبول انه ولي كل توفيق.
ولنا في نهاية هذه المقدمة الملاحظة باختصار بعدة أمور:
الأمر الأول: ان هذه البحوث مما تقل فيها المصادر لدى المؤلف. ومن هذه الناحية فقد يرى القارئ الكريم ان عدداً من الآيات أو الأخبار أو الأقوال
ــــــــــــــــــــ[16]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
لم يتم التحويل على مصدره في الهامش اكتفاءً بالوثاقة الشخصية، كما كان عليه ديدن المؤلفين في العصور السابقة, وهو أمر مشروع في ذاته، وقد أتبعناه أحياناً لقلة المصادر.
الأمر الثاني: اتضح مما سبق ان هذا الكتاب ليس فقهياً بالمباشرة، لأنه استهدف الأمور الأخرى التي تعتبر مما وراء الفقه, ومعه لم يكن من الضروري التعمق بالبحث الفقهي الاستدلالي, بل يكفي إعطاء صورة مبسطة عنه للقارئ. فان هذا البحث لم يكتب للاستدلال ولا للمستدلين ليخطر في ذهن القارئ قلة الاستدلال أو ضحالته أحياناً. بعد ان علمنا ان هدف الكتاب ليس هو ذلك.
الأمر الثالث: ان أسلوب الكتاب مبني على إيضاح الأفكار للقارئ ولو ضمناً، لا بالمباشرة على وجه الخصوص بل قد يكون بالمباشرة. كما لو كان الحديث تحت عنوان معين يبحثه من أهم جوانبه, فيكون حديثاً عن العنوان مباشرة. وقد يكون الحديث عن الشيء ضمنياً أو عرضياً. ومع ذلك فهو يعطي بعض الإيضاح.
وهذا يكفي في نظر المؤلف، بحيث يخرج القارئ بحصيلة كافية عن هذا المفهوم أو هذا الحكم الفقهي أو ذاك من خلال مجموع الفصل. وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على خير خلقه وأشرف أنبيائه وآله الطيبين الطاهرين.
عيد الأضحى 1409
محمد الصدر
ــــــــــــــــــــ[17]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
كتاب الاجتهاد والتقليد

فصل
في الاجتهاد

الاجتهاد هو بذل الجهد. وقد ورد الجهد في اللغة بفتح الجيم وضمها، وقد ذكروا له عدة معانٍ:
1- الطاقة.
2- ما جَهِد الإنسان من مرض أو أمر شاق، فهو مجهود.
3- الغاية.
وعن (ابن الأثير) انه بالفتح المشقة, وقيل: المبالغة والغاية, وبالضم الوسع والطاقة. وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة. فإما في المشقة والغاية فالفتح لا غير.
وقال الأزهري: “الجهد (بالفتح) بلوغك الأمر الذي لا تألوا على الجهد فيه”. وقال ابن السكيت: “الجهد الغاية”. قال الفراء: “بلغت به الجهد أي الغاية. وجهد الرجل في كذا أي جد فيه وبالغ”.
والجهد (بالضم) الشيء القليل يعيش به المقل على جهد العيش ومن التنزيل العزيز: وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ… على هذا المعنى. وقال الفراء: “الجهد في هذه الآية الطاقة”.
وقالوا أيضاً في اللغة عن الاجتهاد: “هو افتعال من الجهد والطاقة” والمراد به رد القضية التي تُعرض للحاكم من طريق القياس إلى الكتاب والسُنّة. ولم
ــــــــــــــــــــ[21]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
يرد الرأي الذي رآه من قِبَل نفسه من غير حمل على كتاب أو سُنّة.
وجاهد العدو مجاهدة وجهاداً: قاتله. والجهاد محاربة الأعداء وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل.
هذا قول اللغويين. ولا بد من الإلماع:
أولاً: انه يلزم من كثير من تعاريفهم في هذا المحل وغيره الدور، لوضوح أخذهم اللفظ المعرَّف في اللفظ المعرَّف. فيقال عندئذ: ان الفرد أما ان يكون عالماً بالمعنى قبل هذا التعريف أو لا فان كان عالماً به استغنى عن التعريف، وان لم يكن عالماً به -كما هو المفروض- لم يفد شيئاً جديداً لتكرر المفهوم نفسه في التعريف كما يقول الشاعر:
وفسر الماء بعد الجهد بالماء
وهذا الإشكال لا مناص منه من الناحية المنطقية. إلا ان الذي يهون الخطب ان اللغويين لا يتكلمون بلغة المنطق لإيجاد الحد والرسم وإنما لمجرد التفهيم وهو حاصل.
وبتعبير أدق: أنهم يحولون القارئ على مفهوم ارتكازي عقلي، موجود لديه سلفاً ناشئ من الارتكازات والاستعمالات اللغوية…. كل ما في الأمر ان اللغوي وظيفته هو الإلفات إليه وتذكير القارئ به. حتى وان كان بالطريقة الخاطئة منطقياً.
ومعه, فاللازم هو الرجوع إلى الوجدان اللغوي لنجد ان أي المعاني هي التي أشار إليها اللغويون في محل كلامنا الحالي.
لا شك ان ما أعطوه من معانٍ للجهد مختلفة اختلافاً واضحاً. لأن بين بذل الطاقة والوسع من ناحية وبين بلوغ الغاية من ناحية أخرى. عموماً وخصوصاً من وجه. لان بذل الطاقة قد يحصل حتى من دون حصول الغاية،
ــــــــــــــــــــ[22]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
كما ان الغاية قد تحصل بدون بذل أقصى الطاقة. كما ان بذل الطاقة قد يحصّل الغاية.
إلا ان الذي يبدو للنظر هو: ان المفهوم الارتكازي المشار إليه لغوياً هو مرور الفرد بشيء من الصعوبة. وهذه الصعوبة قد تكون اختيارية وقد لا تكون. كما أنها قد تكون بالغة إلى حد الغاية وقد لا تكون.
فالجهد غير الاختياري: هو الناشئ من الفقر أو المرض، والمهم وجود الصعوبة من هذه الناحية سواء كانت قد بلغت أقصى الغاية أم لا.
وهذا واضح في الارتكازات اللغوية، وان كان على خلاف نص اللغويين سابقاً لوضوح إننا نقول: جهده المرض. سواء كان إجهاداً عالياً جداً أو إجهاداً قليلاً.
والجهد الاختياري: هو بذل القول والعمل للحصول على غاية معينة مطلوبة ونريد من الغاية: الهدف أو العلة الغائية. وان كان من المحتمل من كلام اللغويين انهم يريدون بذل أقصى الجهد سواء حصل المطلوب أم لا.
وهذا الجهد الاختياري، يكون المهم في صدقه هو اهتمام الفرد وتكريسه العمل سواء حصل على غايته أم لا. وإنما سميت الغاية جهداً لأنها لا تكون عادة إلا بممارسة المجهود، لوضوح ان الحصول على الغاية قد يكون خارجاً عن قدرة الإنسان واختياره كما قال الشاعر:
على المرء ان يسعى بمقدار جهده وليس عليـــــه ان يكون موفقــــــاً
والغاية ان حصلت بمجهود، صدق عليها هذا المفهوم اللغوي: الجهد. وأما ان حصلت بدونه فمن غير الواضح صدقه بطبيعة الحال.
ومن الواضح: ان بذل الطاقة يكون في سبيل غايات عديدة غير قابلة للحصر. فالتاجر يبذل المجهود للربح, والمريض يبذل المجهود للشفاء, والعالم
ــــــــــــــــــــ[23]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
يبذل المجهود لفهم العلوم المعمقة.. وهكذا.
ومن ذلك: ان العدو يبذل جهده وطاقته في سبيل السيطرة على عدوه في القتال ومن هنا جاء مفهوم الجهاد في الإسلام وهو الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى. إلا ان الصحيح لغوياً. ان هذا المفهوم أوسع من ذلك. لان الوسع والطاقة التي يبذلها عدو الإسلام أيضاً مصداق المفهوم اللغوي بلا شك. ومن هنا جاء بالدعاء: “اللهم العن العصابة التي جاهدت الحسين”.
وينبغي الإلماع هنا أيضاً: إلى ان ما يراه البعض من ان مفهوم الاجتهاد قد يعطي بذل الرأي الشخصي خاصة دون الاعتماد على مبادئ وقواعد محددة…ليس بصحيح إطلاقاً. وقد سمعنا نص اللغويين على خلافه وقد شجبه ونفاه المشهور من علماء الإسلام.
من كل ذلك، يمكننا ان ندخل إلى تحديد مفهوم الاجتهاد كما فهمه فقهاؤنا. وقد وجد له في كلماتهم عدة تعاريف تصب في اتجاهين رئيسيين:
أحدهما: تعريفه: بأن الاجتهاد: هو بذل الوسع والطاقة في تحصيل الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية…التي هي الكتاب والسُنّة.
ثانيها: تعريفه: بأنه الملكة العقلية الحاصلة لدى الإنسان التي بها يمكنه تحصيل الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.
فالاتجاه في التعريف الأول: يتضمن العمل على استنتاج الأحكام فكل مسألة عمل الفرد على استنتاج حكمها فقد اجتهد فيها. وهذا هو الأقرب إلى المفهوم اللغوي الذي عرفناه. وهو الذي يراه سيدنا الأستاذ دام ظله(1).
ــــــــــــــــــــ[24]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) هو آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي دام ظله ..كما هو المستفاد من بعض كتبه الفقهية. (كتب النص في حياته).
والاتجاه في التعريف الثاني: يتضمن الجانب الداخلي العقلي للفرد. فان كانت الملكة حاصلة له فهو مجتهد وإلا فلا. والمراد بالملكة عادةً: تلك الصفة النفسية غير القابلة للزوال عادة والتي تكون مصدراً وسبباً لعدد من تصرفات الفرد واستنتاجاته.
فالفرد قد يحلُم عند الغضب مرة أو عدة مرات. ولكنه إذا كان معتاداً على ذلك قيل: ان لديه ملكة الحُلم نظراً إلى انه من الصعب زوال هذه الصفة عنه في مستقبل عمره … وهكذا.
ونقطة القوة الرئيسية في الاتجاه الأول هو موافقته لأقوال اللغويين. إلا أننا في الفقه لا نريد التعرف على أي فرد بذَلَ وسعه في معرفة الأحكام الشرعية، بل الفرد الذي يجوز تقليده بالنسبة إلى سائر الناس هو الذي يكون قوله حجة شرعية بين الله سبحانه وبين عباده ويمكنه ان يتخذ منصب القضاء ونحو ذلك.
فإننا ان أردنا مجرد بذل الوسع والطاقة، أمكن الإشكال من عدة نواحي:
أولاً: ان للفرد بمجرد بدئه بالحصول على العلوم الدينية التي تؤهله أخيراً للتعرف على الأحكام، هو فعلاً باذل وسعه وطاقته في سبيل هذه الغاية وان كان مبتدئاً، فهو مجتهد بهذا المعنى.
ثانياً: ان أي فرد اعتيادي متشرع يمكنه ان يستنتج بعض الأحكام في بعض المسائل الفقهية الواضحة. فهو يبذل وسعه في الكتاب والسُنّة ويستنتج الحكم. وقد يكون حكمه صحيحاً فعلاً ومطابقاً للواقع أو للحجة فهو مجتهد بهذا المعنى وان كان متجزئاً.
ثالثاً: أننا إذا أخذنا بالمفهوم اللغوي للاجتهاد -أي بذل الوسع والطاقة- لم يكن من الضروري بل لم يكن من الممكن، إضافة القيد الآخر، وهو كونه من الأدلة التفصيلية، فان مصدر هذا القيد لا يكون واضحاً،
ــــــــــــــــــــ[25]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
فانه ان كان مصدره كلام اللغويين فهو مرفوض أولاً. وليس كلامهم بحجة في مثل هذا الأمر الفقهي.
وان كان مصدره الإجماع ونحوه، فالقدر المتيقن منه هو إجزاء العمل على الحكم المستنتج عن طريق حجة. ومن المعلوم ان القطع والاطمئنان حجة عقلاً وعقلائياً. فان حصل ذلك عن غير الأدلة الاعتيادية بعد بذل الوسع، كان اجتهاداً أيضاً.
ومن المعلوم ان السيد الأستاذ لا يرى جواز تقليد أي فرد ممن يندرج في هذه الإشكالات الثلاث، ما لم يكن متعمقاً ومتبحراً في كل الفقه… الذي هو معنى الملكة، فقد رجعنا إلى الاتجاه الثاني.
وهذا الاتجاه الثاني هو المشهور جداً بين العلماء، بل أخذوه بنحو مسلّم الصحة، إلا القليل منهم. وهذه الشهرة ان حصلت الاطمئنان بمعناه كانت هي الحجة.
ويدل عليه أيضاً عدد من النصوص:
منها رواية عمر بن حنظلة(1) قال: سألت أبا عبد الله عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دَين أو ميراث فتحاكما … -إلى ان قال-: فان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا ان يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم فقال: “الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما…” الحديث.
وفي رواية أخرى لعمر بن حنظلة(2) ومنها قول أبي عبد الله: “ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا
ــــــــــــــــــــ[26]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل. ج18، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي ، باب9, حديث1.
(2) نفس المصدر: باب11, حديث 1 .
فليرضوا به حكماً فاني قد جعلته حاكماً. فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا كالراد على الله وهو على حد الشرك بالله” …الحديث.
وفي رواية أبي خديجة(1) عن أبي عبد الله يقول فيها: “اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا. فاني قد جعلته عليكم قاضياً. وإياكم ان يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر”.
وفي رواية عن محمد بن عثمان العمري(2) يقول فيها: فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان: “أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك… -إلى ان قال-: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله”.
وفي رواية عن عبد المؤمن الأنصاري(3) قال: قلت لأبي عبد الله: ان قوماً يروون ان رسول الله قال: “اختلاف أمتي رحمة”. فقال: “صدقوا”. فقلت: ان كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب, قال: “ليس حيث تذهب وذهبوا، إنما أراد قول الله عز وجل: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ فأمرهم ان ينفروا إلى رسول الله فيتعلموا ثم يرجعوا إلى قومهم فيعلموهم إنما أراد الاختلاف في البلدان لا اختلافاً في دين الله إنما الدين واحد”. إلى غير ذلك من النصوص.
حيث ورد فيها عدة عناوين: منها: رواة الحديث. ومنها: الفقيه. ومنها: الناظر في الحلال والحرام. ومنها: من عرف الأحكام. ومنها: من تعلّم عند
ــــــــــــــــــــ[27]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث 6.
(2) نفس المصدر: حديث 9.
(3) نفس المصدر: حديث 10.
الرسول.
فان حصل للفرد شيء من هذه العناوين صلح الفرد ان يكون قوله حجة بين الله عز وجل وعباده. وصلح قاضياً وحاكماً ومعلماً وكان الرد عليه حراماً لأنه مثل الرد على الله وهو على حد الشرك بالله.
ومن الممكن الفهم بوضوح: من الفقيه، والعارف بالأحكام… من حصلت له المَلكة، لأنه لا يكون الفرد كذلك إلا بذلك. ومن الواضح ان مجرد الممارسة لاستنتاج الحكم الشرعي على نطاق ضيق لا يجعل من الفرد مصداقاً للفقيه والعارف. وأما الممارسة الموسعة فهي مقارنة مع وجود المَلكة عادة.
ومن هذه النصوص نعرف ان لفظ الاجتهاد لم يرد في الكتاب والسُنّة كصفة للفرد الذي يكون قوله حجة. وإنما الوارد فيها ما عرفناه قبل قليل. فان لم يكن الاجتهاد موجوداً في النصوص الشرعية الأصلية، وإنما هو مجرد اصطلاح سار عليه الفقهاء، إذن فلا حاجة إلى الاهتمام بتعريفه ومعرفته وترتيب الأمور عليه.
نعم, هو اصطلاح فقهي جدير بالاحترام لوجوده في كلمات الفقهاء في مختلف الأجيال بل وفي مختلف المذاهب الإسلامية. الأمر الذي قد يشكل لنا إجماعاً على وجوب تقليد المجتهد والرجوع إليه وعدم جواز الرجوع إلى غيره.
إلا ان القدر المتيقن من هذا الإجماع ليس أكثر من المفاهيم الواردة في النصوص التي سمعناها قبل قليل. ولا دليل على حجيته أكثر من ذلك.
وحيث ان مفهوم المَلكة العقلية لم يؤخذ في هذه النصوص إذن فقد يبدو ان الفرد قد يصبح قوله حجة شرعية بدونها.
ــــــــــــــــــــ[28]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
كما ان بذل الوسع في الاستنباط الوارد في التعريف الأول لم يوجد في النصوص، إذن فقد يبدو انه لا حاجة إليه.
إلا ان الصحيح ليس هو ذلك لما عرفناه من ان الفرد لا يكون عادة فقيهاً ولا عارفاً بالأحكام بشكل متكامل إلا إذا حصلت له المَلكة كما ان المفهوم من قوله: “نظر في أحكامنا وعرف حلالنا وحرامنا”، انه بذل وسعه في ذلك، وليس مجرد المرور العابر.
إذن, ينتج من ذلك ان المهم اجتماع كِلا التعريفين ليكون قول الفرد حجة أمام الله عز وجل. فانه بالرغم من ان بين التعريفين نسبة العموم من وجه لأن المَلكة قد تحصل للفرد من دون ان يكون ناظراً للأحكام. كما قد يكون ناظراً فيها من دون مَلَكة. كما يمكن ان يكون ذا مَلَكة وناظراً في الأحكام في الوقت نفسه.
والقدر المتيقن في جواز التقليد وحجية القول هو الأخير. وأما من حصلت له المَلكة من دون ان يمارس النظر في الأحكام فيجوز تقليده نظرياً لأنه فقيه وعارف، ولكن ليس له قول معين ليمكن تقليده إلا بعد النظر والاستنتاج للأحكام.
وأما من نظر في الأحكام من دون مَلَكة، فان كان على نطاق ضيق وبدون خبرة مسبقة، فقوله ليس بحجة. لأنه ليس بفقيه ولا عارف. وان كان النظر على نطاق واسع، فهذا ملازم عادة مع صدق الفقيه والعارف فيترتب عليه الحكم بالحجية.
بقي من متفرعات الاجتهاد أمران رئيسيان، هما: التجزئ والأعلمية، يحسن ان نحمل فيما يلي من كل منهما فكرة مختصرة وواضحة:
ــــــــــــــــــــ[29]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
التجزئ في الاجتهاد:
وقد وقع الحديث فيه بين الفقهاء من ناحيتين:
الأولى: في إمكان التجزئ، أو وجود المجتهد المتجزئ. فقد لا يكون المجتهد إلا مجتهداً مطلقاً ويستحيل ان يكون متجزئاً.
الثانية: في جواز تقليد المتجزئ، والرجوع إليه في الأحكام على تقدير إمكانه ووجوده.
والناحية الثانية جانب فقهي خالص خارج عن موضوع هذا الكتاب، وإنما المهم هنا هو إعطاء معنى التجزئ ثم الحديث عن الناحية الأولى.
ويعنون بالتجزئ ما إذا كان الفرد المجتهد مستطيعاً لاستنتاج أو استنباط بعض الأحكام الشرعية من مداركها الأصلية دون بعض, كما لو كان يستطيع ان يستنتج أحكام الصلاة دون أحكام الصوم مثلاً.
وفي مقابله المجتهد المطلق الذي يستطيع ان ينظر ويستنتج من المدارك الأصلية كل أحكام الفقه في كل أبوابه وبكل مستوياته.
وأما الحديث عن إمكان التجزئ، فهذا مربوط إلى حدٍ ما بالتعريفين الرئيسين اللذين عرّفناهما للاجتهاد.
والقول بالاستحالة ينبع من التعريف الثاني الذي يرى الاجتهاد مَلَكة عقلية، فقد يقال: ان المَلكة يستحيل ان تتجزء، بل هي إما موجودة أو مفقودة. ولا معنى لان توجد متجزئة.
إلا ان هذا غير صحيح لعدة أمور، أهمها إشكالان:
الأول: ان مسائل الفقه تختلف في سهولة الاستنتاج وصعوبته وفي المقدمات التي نحتاج إليها من حيث كميتها وكيفيتها، وليست هذه المسائل
ــــــــــــــــــــ[30]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
سواء أو متشابهة على الإطلاق.
ومن الواضح انه من الممكن ان توجد للفرد خبرة كافية ومَلَكة في الاستنتاج السهل ولا يكون له مَلَكة في الاستنتاجات الصعبة.
فهذا ليس ان الملَكة قد وجدت متجزئة، وإنما مَلَكة الاستنباط الفقهي، كسائر مَلَكات الإنسان قابلة للوجود أولاً والنمو والتكامل ثانياً بما فيها ملكاته الجسدية والعقلية والنفسية وغيرها. ومثل هذا المجتهد الذي نتحدث عنه قد وجدت مَلَكته الفقهية في السهل من الاستنتاجات ولم تتكامل بعد لتكون شاملة لكل الفقه.
ولا حاجة لنا إلى ان ننظر إلى الفقه ككل لنقول: ان المَلكة إما ان تكون موجودة فيه أو لا تكون. بل من الناحية النظرية أو الفلسفية فان لكل مسألة في الفقه أو مجموعة من المسائل مَلَكة تخصها. اعتبر في ذلك بالملَكات الجسدية فقد يكون الفرد قادراً على وضع الأثقال وغير قادر على الركض السريع. ومثل هذا المجتهد قد وجدت له الملَكات بالنسبة إلى بعض المسائل دون بعض.
الإشكال الثاني: ان الأفراد يختلفون تماماً في الاطلاع على أمور الحياة، ومنها ما يرجع إلى مقدمات الاستنتاج الفقهي وما يتوقف عليه في علم الأصول واللغة والفلسفة والمنطق والرياضيات وغير ذلك. فقد يكون قوياً في بعض هذه العلوم ضعيفاً في بعضها.
الأمر الذي يترتب عليه ان يكون استنتاجه تحت طرفٍ ما هو ضعيف به من المقدمات، ضعيفاً نسبياً بطبيعة الحال، أو لعله غير قادر عليه على الإطلاق فيكون مجتهداً متجزئاً.
والفرق بين الإشكال الأول والثاني: ان النظر في الأول إلى السهولة النوعية في المقدمات بحيث يستطيع ان يفهمهما الفكر الاعتيادي أم لا. والنظر
ــــــــــــــــــــ[31]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
في الثاني إلى جنس المقدمات الدخيلة، فقد لا يكون الفرد مطلعاً على بعض المقدمات وان كانت سهلة في المنطق أو الرياضيات مثلاً…أو ليس له استنتاج محدد في مسائل علم الأصول.
هذا كله، بناءً على ان يكون الاجتهاد من نوع الملَكة. وقد عرفنا إمكان التجزئ فيه.
وإذا أمكن التجزئ هنا كان في الاتجاه الآخر أولى بالإمكان. ذلك الاتجاه الذي يقول: ان الاجتهاد إنما هو مجرد ممارسة للاستنتاج وليس هو بمَلَكة.
لكن يمكن تقريب الاستحالة حتى بناءً على هذا الاتجاه بأن يقال: ان معنى التجزئ هنا هو كون الفرد ناظراً في بعض المسائل دون بعض. وقد عرفنا ان مثل هذا الفرد لا يكون له الخبرة الكافية التي تجعل منه فقيهاً وعارفاً بالأحكام لكي يكون قوله حجة، وجائز التقليد.
والنظر التام من مسائل الفقه هو الذي يجعل من الفرد فقيهاً عارفاً.
إذن، فالنظر الناقص خارج عن موضوع أدلة الحجية. أو قل ان الاجتهاد عندئذ غير موجود.
إلا ان هذا الكلام غير وارد، لأننا إذا أعرضنا عن حكاية المَلكة، فلا اقل من الاعتراف بكون الإنسان خبيراً أو فقيهاً أو عارفاً وهذه الصفة لا تحصل بممارسة الاستنتاج من دون اطلاع على المقدمات، بل بالعكس فإنها تحصل بالاطلاع على المقدمات ولو من دون ممارسة الاستنتاج، كما هو المجرب في كثير من الأفراد.
فان كان خبيراً وفقيهاً، لمجرد التدقيق في المقدمات، كان مجتهداً وقوله حجة، وان لم ينظر في أي مسألة فقهية على الإطلاق، فضلاً مما إذا نظر في بعضها.
ــــــــــــــــــــ[32]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
نعم، لو أراد ان يكوّن الخبرة من ممارسة الاستنتاج، فهذه طريقة خاطئة في تكوين الخبرة، ولا يكون الفرد فقيهاً بمجرد هذه الممارسة، بل قد لا يكون كذلك حتى لو مارس المرور على كل المسائل الفقهية…لفرض عدم تدقيقه في المقدمات.
إذن، فتقسيم الاجتهاد إلى المتجزئ والمطلق من حيث مجرد الممارسة لا معنى له فقهياً، ولو تنزلنا وقبلناه، لم نقل باستحالته.

الأعلمية في الاجتهاد
ويراد بها ان يكون واحد ممن اتصف بالاجتهاد المطلق أو أكثر يتصف بدقة في النظر وسداد في الرأي وسعة في الاطلاع أكثر من غيره.
ونحن هنا لا مجال للدخول في حكم وجوب تقليد الأعلم بنحو الفتوى أو الاحتياط أو عدم وجوبه، فان هذا وتفريعاته موكول إلى الفقه نفسه. وإنما ينبغي الحديث هنا عن أمرين:
الأول: في كيفية تحقق الأعلم. بمعنى ان الفرد بأي شيء يجب ان يكون متفوقاً. ليكون هو الأعلم.
الثاني: في الحكمة المعلومة لنا من الحكم بوجوب تقليد الأعلم.
الأمر الأول: لا يخفى ان المسائل الفقهية نفسها ومقدماتها التي تتوقف عليها عديدة. لا تكاد تقع تحت الحصر. من أهمها على سبيل المثال:
1- علم الرجال الذي يتحدث عن حال الرواة.
2- علم الأصول مباحث الألفاظ.
3- علم الأصول مباحث الأصول العملية.
ــــــــــــــــــــ[33]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
4- الفهم العرفي والسيرة العقلائية.
5- تفسير بعض الآيات القرآنية، اعني آيات الأحكام.
ومن الواضح ان الأفراد يختلفون في استيعابهم ودقتهم في فهم أمثال هذه الأمور: فلربما يكون احدهم أذكى وأدق و أسلط في بعض هذه الأمور ويكون الآخر متميزاً في البعض الآخر. ومعه فكيف يتعين الأعلم؟
وجواب ذلك على احد مستويين:
المستوى الأول: ان يكون احد الفقهاء هو المتميز في كل الأمور أو الأعم الأغلب فيها، بحيث لا يساويه الآخرون بكل تأكيد. ومعه يكون من الواضح كونه مصداقاً للأعلم.
المستوى الثاني: ان ننظر إلى المقدمات التي يتوقف عليها الاستنتاج الفقهي أكثر من غيرها. وهو بشكل أساسي يتعين في علم الأصول، فانه باب عظيم للعمق والدقة. بخلاف علم الرجال وغيره فانه مهما كان عميقاً لم يبلغ ذلك المستوى بأي حال.
إذن، فمن الواضح القول ان من كان هو الأعمق والأدق في علم الأصول أو في المهم من أبوابه أو في الأغلب منها. هو الذي يتعين للأعلمية دون غيره.
وقد يستشكل: انه ينبغي ان يكون المدار في صفة الأعلم، هو الفهم العرفي، فكلما كان الفرد المجتهد، ألطف ذوقاً و أشد عرفية في فهم ألفاظ الكتاب والسُنّة من ناحية وقوانين السوق الممكن تطبيقها على الفقه، وهو المسمى بالسيرة العقلائية. من ناحية أخرى. فهذا هو الأحق بصفة الأعلمية.
وأما التعمق في المطالب العقلية من أصولية ومنطقية وغيرها، فإنها قد تورث اعوجاج السلقية العرفية وصعوبة الفهم اللطيف السلس من ألفاظ الكتاب والسُنّة. فكيف تكون هذه الصفة هي المدار في الأعلمية؟
ــــــــــــــــــــ[34]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
وجواب ذلك: ان بين صفة التعمق العقلي وصفة الفهم العرفي عموماً من وجه بحسب المصداق. إذ قد يكون الفرد المجتهد متصفاً بكِلا الصفتين، كما قد يكون متصفاً بإحداهما دون الأخرى.
ومن غير الممكن القول: بتعذر الجمع بين الصفتين لان إحداهما قد تؤثر في فساد الأخرى.
لأن هذا الفساد أمر قد يحصل. إلا انه يدل على درجة متدنية من العلم والتحقيق. وأما إذا كان الفرد محققاً متكاملاً، فأحرى به ان يفهم هذه الجهة وان يتجنب الفهم العقلي المضر بالسهولة، ومن الواضح ان الفرد ان كان متصفاً بكِلا هاتين الصفتين على معنى عدم إضرار إحداهما بالأخرى فهو المطلوب، وإلا لم يكن متصفاً بهما بالشكل المتكامل. مثل هذا الفرد هو الذي يتعين للأعلمية، بإزاء المتصف بإحدى الصفتين دون الأخرى.
وأما إذا دار الأمر بينهما، يعني بين فردين احدهما يتصف بهذه والآخر بالأخرى… فالأمر لا شك يكون لصالح من له الدقة العقلية لأنها من الأعمق والأوسع بأضعاف مضاعفة من مجرد الفهم العرفي والاعتماد على السيرة العقلائية، كما هو واضح لمن مارس هذين الحقلين من حقول المعرفة الإنسانية.
الأمر الثاني: في الحديث عن الأعلمية. في الحكمة المعلومة لنا من الحكم بوجوب تقليد الأعلم، لو أفتينا به كما هو الصحيح، ولو عن طريق الاحتياط الوجوبي.
وحاصل الفكرة: هو التثبت من الإيصال إلى معرفة الحكم الشرعي إلى اكبر مقدار ممكن. فإن الشارع(1) الإسلامي المقدس
ــــــــــــــــــــ[35]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) مأخوذ من قوله تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ. يعني من الأحكام, واسم الفاعل منه: شارع, أي: مشرع ومقنن.
بعد ان علم وجود الأجيال المتأخرة من المسلمين، والمقطوعة عن مصدر الوحي النبوي وعن مواجهة الأئمة المعصومين. سَنّ لهم الطرق والقواعد التي توصلهم إلى معرفة الحكم الشرعي، وهي التي يتكفل علم أصول الفقه ببيانها.
وهذه القواعد قد توصل الفرد إلى الحكم بشكل قطعي وقد توصله بشكل ظني وقد توصله إلى الحكم الظاهري المجعول في حال الشك. وهو في كل هذه الأحوال يعلم باليقين انه معذور بإتباع ما أوصلته إليه الطرق والقواعد من أحكام، وعمله مجزئ ومفرغ للذمة ان شاء الله تعالى.
وعمل الشارع في جعل هذه الطرق يشبه إلى حد بعيد ما عليه الأفراد في المجتمع من التعويل في تصديق الوقائع على الثقات وعلى المتواتر من الأخبار. فان لم يكن له ذلك أمكنه تجنب الورطات بعمل معين صالح على أي تقدير الذي هو معنى الاحتياط.
ومن الواضح انه كلما كان ثبوت الخبر أوكد وأوثق كان أوضح في الذهن وأقر في القلب. فكذلك فان إخبار المجتهد الأعلم عن الحكم الشرعي يكون أوضح في الذهن وأقر في القلب، وأكثر إيصالاً إلى الواقع وأكثر تجنباً لمزالق الطريق، وأوفق بالاحتياط.
فإذا دار الأمر بين خبر قيمته 85 بالمائة وخبر قيمته 95 بالمائة مثلاً… الذي هو معنى إخبار غير الأعلم مع إخبار الأعلم، كان الترجيح للخبر الأرجح طبعاً. وخاصة في المجال الذي يكون بالغ الأهمية وهو علاقة العبد بربه وفراغ ذمته من تبعات التكاليف أمامه سبحانه وتعالى.
إذن فالحكمة التي ندركها من وجوب تقليد الأعلم هي تلك.
ــــــــــــــــــــ[36]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول

فصل
في التقليد

التقليد اصطلاح آخر مقابل للاجتهاد في ألسنة الفقهاء. وهو مأخوذ من الناحية اللغوية من أحد منشأين:
المنشأ الأول: ان التقليد مأخوذ من: قلد. على معنى: شابهه في الصوت أو الفعل كتقليد القرد والببغاء للإنسان, ومحل المشابهة هو ان الفرد الاعتيادي يقلد المجتهد في أفعاله فيصلي كما يصلي، ويصوم كما يصوم، يعني في جميع الفتاوي والتفاصيل.
أو انه يقلد المجتهد في أقواله. لا بمعنى انه يكررها كالببغاء، بل بمعنى انه يطبقها على حياته، بعد ان يعرف الحكم الشرعي منها.
وهذا المعنى وان كان أبعد في المجازية إلا انه أنسب من السابق لأن التقليد في الأفعال، خاص بما أتى به المجتهد من تكاليف، دون ما لم يأتِ به لوجود الفروق العديدة عادة بين المجتهد والمقلد كأحكام المرأة والرجل مثلاً.
المنشأ الثاني: ان التقليد مأخوذ من: قلد, إذا جعل في عنقه قلادة. على معنى: ان المقلد يجعل مسؤولية عمله كالقلادة في عنق المجتهد، الذي هو بدوره يتكفل أمام الله سبحانه صحة أو بطلان ما قاله من أحكام وما أفتاه من فتاوى.
والوضع في المرتبة -بالمعنى المعنوي- معنى عرفي سائر بين الناس، وغير مستغرب. وهو يُعبّر عن الذمة أو المسؤولية فقد يكون الفرد في رقبته دين
ــــــــــــــــــــ[37]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
أو الحفاظ على مال معيّن كالأمانة، أو الإتيان بفعل معيّن كاحترام الأب أو المعلم.
ومهما يكن من المنشأين فكلاهما صحيح وقابل للانطباق ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيل مناقشتهما.
وكما عرفنا ان الاجتهاد في اصطلاح الفقهاء احتوى على منحيين في الفهم أحدهما: عملي, وهو ممارسة الاستنباط. والآخر: نفسي, وهو المَلكة التي تتضمن القدرة على تلك الممارسة.
فكذلك التقليد، يحتوي على منحيين من هذا القبيل:
أحدهما: عملي. وهو تطبيق فتاوى المجتهد، فكل ما عمل الفرد وطبّق منها، فقد قلده فيها، وأما ما لم يطبّق فلم يقلد فيه.
ثانيهما: نظري. وهو النية أو العزم على الرجوع إلى مجتهد معين، حتى وان لم يطبق شيئاً من فتاواه بعد.
وبالرغم ان المنحى النفسي أو العقلي في الاجتهاد كان هو الأرجح، إلا ان المنحى العملي في التقليد هو الأرجح، ومن هنا لم يكن الاجتهاد والتقليد معنيين متقابلين تماماً. على انه لا فائدة عملية من تسجيل تقابلهما التام.
ان المنحى العملي في التقليد، ينطبق عليه كِلا المنشأين السابقين لمعناه. أما المنشأ الأول, فواضح الانطباق لأنه عملي بدوره. وأما المنشأ الثاني، فلأن تطبيق حكم المجتهد عملياً يعني ضمناً جعل مسؤولية هذا العمل في ذمته.
وهذا بخلاف المنحى النظري للتقليد، لوضوح عدم انطباق المنشأ الأول، الذي يتضمن التطبيق العملي، مع مجرد نية التقليد فان هذه النية ليست تطبيقاً ولا لحكم واحد من فتاوي المجتهد. وإنما هو العزم على التطبيق في المستقبل لا غير.
ــــــــــــــــــــ[38]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
نعم، قد يقال: بانطباق المنشأ الثاني، لان نية التقليد تتضمن جعل مسؤولية أعمال الفرد في ذمة المجتهد. وهذا يكفي.
إلا ان هذا لا يخلو من توسع في المجازية، وكلما رجعنا إلى الأقل من العلاقات المجازية، واقتربنا إلى المعنى الحقيقي، كان أولى كما هو المتحقق في علم الأصول.
لأن جعل المسؤولية في ذمة المجتهد إنما يكون في التطبيق العملي للفتوى. وأما تسمية النية بأنها على هذا الغرار أيضاً، فلما هو باعتبار أنها عزم على ذلك التطبيق.
إذن، فبكل صورة تكون نية التقليد، عزماً على التقليد، وليست تقليداً بذاتها. وان كانت صحيحة بذاتها لأنها عزم على تطبيق الحكم الذي هو حجة أمام الله عز وجل. ولكنها -على أي حال- ليست ضرورية لان العمل ان كان مطبقاً على الحكم الذي هو حجة كفى في إجزائه وعُذِر فاعله ولو كان بدون تلك النية. كما لو كان العمل قد طابق الحكم صدفة.
ولذا قال مشهور الفقهاء: بأن العمل بدون التقليد إنما يكون باطلاً إذا كان مخالفاً للحكم الذي كانت حجيته سارية المفعول عند العمل. وأما إذا كان مطابقاً له فلا إشكال في صحته، بالرغم من عدم وجود نية التقليد، بل عدم الالتفات إليها.
نعم، تكون هذه النية أقرب للاحتياط الاستحبابي، لذهاب بعض الفقهاء أو مشهورهم إليها. كما انه انقياد(1) أمام الحكم الشرعي الإلهي… لأنها تتضمن العزم على الطاعة في المستقبل وترك العصيان. بمعنى العزم على تطبيق الحكم
ــــــــــــــــــــ[39]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الانقياد: اصطلاح للفقهاء معناه الطاعة فيما ليس مطابقاً للواقع من الأحكام التي قامت عليها الحجة في مقابل الطاعة المطابقة للواقع.
الحجة، والإعراض عما ليس بحجة.
ومن الآثار المهمة المترتبة على هذين المنحيين في فهم التقليد، ما قيل من جواز البقاء على تقليد الميت أما في مطلق الأحكام أو في خصوص ما عرفه منها أو في خصوص ما عمله منها. والدخول في تفاصيل ذلك موكول إلى الفقه.
والغرض الآن هو الإلماع إلى ارتباط ذلك إجمالاً بهذين المنحيين:
فان كان التقليد، هو مجرد النية، جاز البقاء على تقليد الميت في كل الأحكام والفتاوى، لأن نيته من الأول كانت شاملة لها جميعاً… ولو إجمالاً.
وأما إذا كان التقليد هو التطبيق العملي -كما هو الصحيح- فإنما يجوز البقاء في تقليد الميت في خصوص ما عمله المكلف وطبقه من الأحكام دون غيره، لأن مجال التقليد هو ذلك دون غيره وهذا هو الصحيح أيضاً.
وأما القول الآخر القائل بالجواز في حدود ما علم من الفتاوى فهو ناشئ من المنحى الأول… لوضوح ان المكلف لم يطبق كل الفتاوى التي علمها وإنما نوى تطبيقها فحسب.
نعم، يحتاج هذا القول ليمتاز عن القول الأول إلى ضم هذا القيد، وهو ان النية إنما تتعلق بما علم المكلف من الأحكام لا الأحكام كلها حتى لو كانت مجهولة. وبتعبير أوضح: ان المكلف إنما يتعهد وينوي العمل بهذه الرسالة العملية للمجتهد لا بغيرها من الأحكام. مع افتراض ان استلامه للرسالة العملية بمنزلة علمه بمضامينها.
إلا ان هذا باطل من وجوه, نذكر منها اثنين:
الأول: ان استلام الرسالة ليس بمنزلة عمله بمضامينها. وإنما يعلم المضمون إذا قرأه وفهمه وهذا لا يحصل لعدد من العوام بطبيعة الحال.
ــــــــــــــــــــ[40]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
الثاني: ان النية وجداناً تتعلق بالاعتماد على هذا المجتهد الذي يكون قوله حجة، في كل الفتاوى، وليست في خصوص ما هو موجود في الرسالة. فان الفرد يدرك إجمالاً انه يبتلي في حياته بحوادث لا توجد أحكامها في الرسالة أو لا يفهمها منها. فهو ينوي أيضاً ان يرجع إلى المجتهد في مثل ذلك أيضاً.
وعليه، فان كان المنحى الأول للتقليد صحيحاً، وهو مجرد النية. إذن، يكون القول الأول وهو جواز البقاء على تقليد الميت في كل فتاواه ما علم وما لم يعلم وما عمل وما لم يعمل، وهو الصحيح إلا ان نقطة الضعف إنما هي في صحة أصل هذا المنحى كما عرفنا.
هذا، وكما عرفنا من جانب الاجتهاد، انه مجرد اصطلاح سار عليه الفقهاء، والصحيح ما عرفناه من استنطاق الأدلة الشرعية الدالة على كون الفرد فقيهاً وعارفاً بالأحكام وناظراً في الحلال والحرام، فان كان كذلك كان قوله حجة، كما سبق.
فكذلك مفهوم التقليد، فانه مجرد اصطلاح سار عليه الفقهاء ولم يرد في الكتاب والسنة، إلا في رواية من تفسير العسكري(1) يقول فيها: “فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه”. وهي محل المناقشة من ناحية السند والدلالة بما لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله.
فالمهم في التقليد، ما نطقت به الأدلة التي عرفنا قسماً منها في الحديث عن الاجتهاد. حيث يقول في بعضها: “فليرضوا به حكماً فاني قد جعلته حاكماً”. أو يقول: “واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله”, إلى غير ذلك.
ــــــــــــــــــــ[41]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل: كتاب القضاء, أبواب صفات القاضي, باب10, حديث20.
ونحن لا نتكلم في أصل وجوب التقليد، لكي نناقش تفاصيل هذه الأدلة من حيث السند والدلالة. فان ذلك موكول إلى الفقه، وإنما نأخذ الآن بِلُبها أو القدر المتيقن منها، وهو كافٍ في الدلالة على وجوب الرجوع أو السؤال من المجتهدين, فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(1)، والسؤال إنما يكتسب الأهمية لأنه في طريق التطبيق، فالمهم في التقليد أخيراً هو التطبيق.
ــــــــــــــــــــ[42]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) النحل: 43 والأنبياء: 7.

فصل
في الاحتياط

وهو في الاصطلاح إيجاد العمل أو التطبيق الذي ينتج اليقين بفراغ الذمة والخروج عن العهدة. مأخوذ من التشبيه بالحائط الذي يدور حول بستان أو مخزن ليقي ما فيه من التلف والسرقة. ومن هنا ورد: “خذ الحائطة لدينك” وورد: “أخوك دينك فاحتط لدينك”.
وهو بهذا المعنى، مفهوم جليل وضروري في بعض الأحيان. ومنه قالوا ببطلان العمل لتارك الطرق الثلاث: «الاجتهاد والتقليد والاحتياط»، فإذا لم يلتزم الفرد بأحد هذه الطرق كان عمله باطلاً شرعاً.
إلا ان هذا المعنى غير صحيح، على ما سنقول. بل الصحيح، هو بطلان تارك الطريقين. الاجتهاد والتقليد، مع حذف الاحتياط, يعني: عمله باطل وان كان محتاطاً.
وتوضيح ذلك بشكل تظهر منه بعض التفاصيل أيضاً:
ان الاحتياط أما ان يكون كلياً أو جزئياً، وعلى كِلا التقديرين فأما ان يكون في كل الأحكام أو في بعضها، وهذه الأحكام أما ان نريد بها الأحكام الواقعية عند الله عز وجل, وأما ان نريد بها تلك الأحكام التي تثبت عليه الحجة الشرعية. وعلى كل تقدير أيضاً فأما ان يكون الاحتياط موجباً للتكرار أو لا، فالحاصل ستة عشر احتمالاً. ناشئاً من 2 أس 4, يعني مضروبة في نفسها أربع مرات.
ــــــــــــــــــــ[43]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
والمراد من الاحتياط الكلي هو الاحتياط المستوعب لكل الاحتمالات الواردة في محل الابتلاء قلّت أو كثرت. وهو موجِب، مع انجازه لليقين بفراغ الذمة سواء كان في كل الأحكام أو بعضها.
والمراد من الاحتياط الجزئي، هو الاحتياط المقتصر على بعض الاحتمالات دون بعض، كما لو كانت هي الأهم أو هي التي قامت عليها الحجة أو نحو ذلك، وهذا الشكل لا ينتج اليقين بالفراغ، بل الظن به، وان كان هذا الظن قد يكون حجة إذا كانت أطراف الاحتياط حجة، فيكون مفرغاً للذمة. وان كان جزئياً.
والمراد بالاحتياط الموجِب للتكرار، ما كان فراغ الذمة متوقفاً على تعدد العمل، كالصلاة المتعددة إلى الجهات المحتمل وجود القبلة فيها. والجمع بين القصر والتمام. وأما الاحتياط غير الموجِب للتكرار فهو الأكثر مصداقاً، كما لو احتمل وجوب شيء فأتى به أو احتمل حرمة شيء فتركه.
والاحتياط قد يكون من عمل الفقيه في فتواه وهو المسمى الاحتياط في الفتوى، كما إذا احتمل الفقيه وجوب السورة فأفتى بوجوبها احتياطاً. كما قد يكون الاحتياط من عمل المقلد. كالأمثلة السابقة وهذا قد يكون وجوبياً وقد يكون استحبابياً. وهذا ما سنذكره أخيراً بعد الحديث عن التفاصيل السابقة.
وأوسع أنواع الاحتياط هو الاحتياط التام في كل الأحكام الواقعية، فكلما عنّ للفرد تكليف أخذ بأحوط الاحتمالات فيه. وهذا هو الذي جعله الفقهاء بديلاً عن الاجتهاد والتقليد. وقالوا بصحته كطريق ثالث. بصفته موجِباً لليقين بفراغ الذمة.
إلا ان هذا غير صحيح، لأنه يواجه عدة إشكالات, نذكر أهمها:
أولاً: قد يكون الاحتياط مستحيلاً أو متعذراً، كما في الشك في ركعات
ــــــــــــــــــــ[44]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
الصلاة، فان الصلاة المشكوكة يكون قطعها مخالفاً للاحتياط كما ان الاستمرار بها بأي شكل كان مخالف له أيضاً، والفرد لا يخلو من أحد الأمرين: إما القطع أو الاستمرار. وارتفاع النقيضين مستحيل.
ثانياً: قد يكون الاحتياط فيه عسر وحرج أو ضرر أو مشقة، ونحو ذلك من الأمور المسقطة للتكليف شرعاً. لقوله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. وقوله: “لا ضرر ولا ضرار”. ونحوها مما لا مجال الآن لاستعراضها.
كما لو كان الاحتياط موجِباً للتكرار بحيث يكون موجِباً للمشقة والحرج. ومنه أيضاً الاحتياط في الاجتناب من النجاسات والمتنجسات, فان الاحتياط المطلق فيها يقتضي مقاطعة الدنيا بما فيها حتى الطعام والشراب واللباس والعائلة. وخاصة في أغلب المجتمعات التي رأيناها على مدى التاريخ. وفي هذا من الحرج ما لا يوصف.
وقد يقال بإزاء ذلك: ان الاحتياط إذا كان حرجياً، أمكن الاقتصار منه على ما دون ذلك.
إلا ان هذا غير صحيح، أولاً: لأننا نتحدث عن الاحتياط التام ومع الاقتصار لا يكون موجِباً لليقين بفراغ الذمة.
ثانياً: ان بعض أقسام الحرج يكون الأحوط تحملها، وهو أمر غير محدد في نفس الأمر.
ثالثاً: قد يكون الحرج واقعاً، في ما يكون الظن فيه راجحاً أو المظنون فيه مهمّاً نسبياً، فيكون الأحوط فعله وهكذا.
رابعاً: من الإشكالات على الاحتياط التام:
ان الاحتياط قد يكون في كِلا احتمالي المسألة. مما يجعل الاختيار
ــــــــــــــــــــ[45]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
متعذراً(1). كما لو عقد أحد زوجته بغير اللغة العربية، فان وجود الزوجية بهذا العقد مخالف للاحتياط كما ان عدمها مخالف له أيضاً.
وكذلك البيع بالمعاطاة، فان نية المشتري التملك على المبيع مخالف للاحتياط، كما ان إرجاعه إلى البائع لبطلان المعاطاة مخالف له أيضاً.
والأمر قد يدور بين النقيضين، وبين الضدين أو بين الضررين وهكذا.
الأمر الذي ينتهي بنا إلى تعذر الحكم بوجوب الاحتياط المطلق في كل الأحكام الواقعية، أو اعتباره بديلاً عن الاجتهاد والتقليد.
ومن هنا فقد يصير الفرد إلى احتياط أضيق من ذلك، وهو الاحتياط التام في كل الأحكام التي قامت الحجة عليها أو من المحتمل قيام الحجة عليها.
فهذا الاحتياط ان التزمه الفرد غير الخبير، لم يعُد شكل الاحتياط السابق لفرض عدم الخبرة فيما قامت عليه الحجة أو ما يحتمل قيامها عليه. فترِد عليه سائر الإشكالات السابقة.
وان التزمه الفرد الخبير بمواقع النظر والعمل، فان كانت أطرافه ما كان محتمل الحجية، لم ينقص عن الاحتياط الأول إلا قليلاً، وتكون نفس الإشكالات واردة عليه.
وان كانت أطرافه ما قامت الحجة عليه، كان الأمر منطقياً وصحيحاً في كثير من الأحيان. فان الحجة تقوم عادة على حكم واحد، ولا تقوم على حكمين في مسألة واحدة إلا نادراً, كما في صورة وجود اثنين متساويين في العلم ومتّصفين معاً بالأعلمية عن الآخرين، فيكون قولهما حجة، فان اختلفا كانت كلتا الفتويين حجة على القاعدة، فاللازم في مثل ذلك اختيار أقربهما إلى الاحتياط، مع وجود الخبرة الكافية في ذلك.
ــــــــــــــــــــ[46]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الفرق بين هذا الإشكال والأول إنما هو في اتجاه النظر فقط.
وإذا تعدينا عن هذه الاحتياطات الموسعة نسبياً، لم يبقَ عندنا إلا الاحتياطات الواقعة في حوادث بعينها، كما لو شك المكلف في القبلة أو شك في الركعات ولم يعرف الحكم فوراً، سواء كان موجِباً للتكرار أو لم يكن. ومن هذه الاحتياطات ما يكون واجباً ومنها ما يكون مستحباً والأمر فيها موكول إلى الفقه.
بقي الإلماع في النهاية إلى الانقسام الأخير الذي ذكرناه. فان الاحتياط كما يقوم به المكلف -كما هو الأغلب- قد يقوم به المجتهد الفقيه أيضاً. وذلك فيما إذا قام لديه طريقان كلاهما حجة على القاعدة، ولكنهما يتعارضان في الدلالة على الحكم، فاللازم أحياناً ان يختار في فتواه أقربهما, إلا الاحتياط فيفتى به فتكون الفتوى ناشئة من العمل بالاحتياط. وهو المسمى، بالاحتياط في الفتوى.
يقابله: الفتوى بالاحتياط. وهو أمر الفقيه للمكلف بالاحتياط الذي يكون عادة وجوبياً. وهو كثير في الرسائل العملية(1).
وقد يكون الاحتياط استحبابياً، وذلك فيما إذا قامت الحجة على خلافه، ولكن يبقى المجال مفتوحاً للاحتياط. كما لو ذهب الفرد في الاجتهاد أو التقليد إلى عدم وجوب السورة أو جلسة الاستراحة إلا ان الإتيان بها على أي حال أوفق بالاحتياط وأوكد للانقياد. ولكنه لا يمكن ان يكون وجوبياً لفرض قيام الحجة بخلافه بحيث لو لم يُرِد المكلف ان يحتاط، لكان معذوراً طبقاً لتلك الحجة. كما لو ترك قراءة السورة أو جلسة الاستراحة.
ــــــــــــــــــــ[47]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) وهذا يكون في موارد عديدة: منها: ما إذا قام دليل غير معتبر على وفق الاحتياط كالشهرة والإجماع المنقول أو الخبر الحسن، بحيث يكون المصير إلى الأصل النافي وهو البراءة صعباً من الناحية الفقهية. ومنها: موارد الاشتغال العقلي لدى الدوران بين المحذورين مع إمكان الاحتياط باعتبار زيادة الاحتمال في احد الطرفين أو أهمية المحتمل في احدهما أيضاً. .الى غير ذلك من الموارد.

فصل
في العدالة

عُرِّف العدل في اللغة انه ما يأتي في النفس انه مستقيم. وانه هو الحكم بالحق… ويوصف الرجل بأنه عدل على معنى ذو عدل. وهو صفة للمذكر والمؤنث و المفرد والجمع يقال :امرأة عدل وجماعة عدل.
وما يأتي في النفس انه مستقيم، هو التصرف الصالح، الذي يوافق الضمير الخالص غير المنحرف.
وعُرِّف العدل في الفلسفة: بأنه وضع الشيء في موضعه المناسب له وهو معنى شامل لله عز وجل وغيره. فالعدل الإلهي هو وضع الشيء في موضعه، وكذلك هو العدل الصادر من المخلوقين، كالحاكم والقاضي، وكذلك تصرف الرجل العادل في سلوكه، لأنه تتوفر هذه الصفة في تصرفاته.
وهذا هو الذي يفسر قول اللغويين منه انه الحكم بالحق. فان الحق لا يكون إلا بوضع الشيء في الموضع المناسب. كما ان هذه الصفة أيضاً هي التي تأتي في النفس أنها مستقيمة. بالنسبة لمن يعلم استقامتها وصحة اتجاهها.
وقد اشتُرِطَت العدالة أو العدل فقهياً في عدة أمور: في مرجع التقليد الذي نتحدث الآن عنه، وفي الشاهد أيّاً كانت شهادته ، وفي الحاكم في مجتمع، وفي القاضِ في الخصومات، سواء كان منصوباً أو قاضي تحكيم، وفي إمام الجماعة. لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة فيما جاز عمل المرأة فيه من
ــــــــــــــــــــ[48]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
ذلك. وقد ورد وصف العدالة في الروايات عن المعصومين نورد المهم منها:
ففي رواية عن عبد الله بن أبي يعفور(1)، قال: قلت: لأبي عبد الله:
بم تُعرَف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تُقبَل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: “ان تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان. ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك. والدلالة على ذلك كله ان يكون ساتراً لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه وتفتيش ما وراء ذلك… -إلى ان يقول-: فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلته قالوا: ما رأينا منه إلا خيراً. مواظباً على الصلوات متعاهداً لأوقاتها في مصلاه فان ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين…” الحديث.
وعن العلا بن سيابة(2) قال: سألت أبا عبد الله عن شهادة من يلعب بالحمام. قال: “لا بأس إذا كان لا يُعرَف بفسق…” الحديث.
وعن علقمة(3) قال: قال الصادق، وقد قلت له: يا ابن رسول الله، اخبرني عمن تُقبَل شهادته ومن لا تُقبَل؟ فقال: “يا علقمة، كل من كان على فطرة الإسلام جازت شهادته”. قال: فقلت له : تُقبَل شهادة مقترف الذنوب؟ فقال: “يا علقمة لو لم تُقبَل شهادة المقترفين للذنوب لما قُبِلت إلا شهادة الأنبياء والأوصياء لأنهم المعصومون دون سائر الخلق فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة والستر وشهادته مقبولة، وان كان في نفسه مذنباً. ومن اغتابه فهو خارج من ولاية الله داخل في ولاية الشيطان .
ــــــــــــــــــــ[49]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل ج18, أبواب الشهادات, باب41, الحديث1.
(2) نفس المصدر, حديث6.
(3) نفس المصدر, حديث13.
وعن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي(1) عن أبيه عن الرضا عن آبائه عن علي قال: قال رسول الله: “من عامل الناس فلم يظلمهم وحدّثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مودته وظهرت عدالته ووجبت أخوّته وحرمت غيبته”.
وفي رواية عن عبد الكريم بن أبي يعفور(2) عن أبي جعفر قال: “تُقبَل شهادة المرأة والنسوة إذا كُنَّ مستورات من أهل البيوتات معروفات بالستر والعفاف مطيعات للأزواج، تاركات للبذا والتبرّج إلى الرجال في أنديتهم”.
وفي رواية عن أبي علي بن راشد(3) قال: قلت لأبي جعفر: ان مواليك قد اختلفوا فأصلي خلفهم جميعاً؟ فقال: “لا تصلِّ إلا خلف من تثق بدينه وأمانته”.
وقد سبق ان سمعنا في الحديث عن تفسير العسكري يقول فيه: “فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه”.
وللمنطق رأي آخر في العدل، حيث قسموا العقل بحسب مدركاته إلى قسمين: عقل نظري وعقل عملي. وعرّفوا العقل النظري بأنه إدراك ما ينبغي ان يُعلَم. كادراك ان السماء فوقنا والأرض تحتنا.. إلى ملايين الحقائق الكونية وغيرها. وعرّفوا العقل العملي بأنه إدراك ما ينبغي ان يُعمَل … يعني من التصرفات والسلوك.
وقالوا: ان العقل العملي له الحكم -بناءً على تعريفه- في سلوك
ــــــــــــــــــــ[50]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث15.
(2) نفس المصدر: حديث20.
(3) نفس المصدر: أبواب صلاة الجماعة, باب1, حديث 2.
الأفراد، فيحكم بالتحسين لما هو حسن وبالتقبيح فيما هو قبيح, مثاله: حكمه بالحسن على الصدق وبالقبح على الكذب.
وهل يعم حكمه للعدل الإلهي أو لا؟ فهذا أمر موكول إلى علم الكلام وخارج عن الفقه. وهو الذي اختلف فيه العدلية والأشاعرة وليس هنا محله.
وقالوا: ان هناك من العناوين ما يكون ذاتي الحسن والقبح، وهو العدل والظلم. إذ يستحيل ان يحصل له عنوان ثانوي أو طارئ يزيل عنه هذا الحكم.
بخلاف العناوين الأخرى، فإنها اقتضائية في حكمها وليست ذاتية، فالصدق حسن في الحكم الاقتضائي، ولكنه قد يحصل له عنوان ثانوي طارئ يزيل عنه التحسين كما لو كان الصدق سبباً للقتل أو السرقة. كما ان الكذب قبيح ما لم يحصل عنوان ثانوي له كإصلاح ذات البين.
وقالوا: ان أمثال هذه العناوين إنما تكتسب هذه القيمة العقلية الأخلاقية، بمقدار اندراجهما في ذينك العنوانين. فمتى كان الصدق عدلاً كان حسناً وإذا أصبح ظلماً كان قبيحاً. والكذب قبيح ما دام ظلماً فإذا أصبح عدلاً كان حسناً… وهكذا.
ونقطة الضعف الرئيسية في ذلك هو ان عدداً محدوداً من العناوين هي التي يدرك العقل حكمها، بخلاف أكثر عناوين السلوك فانه لا يدرك حكمها كعامة العلاقات الفردية والاجتماعية. مضافاً إلى ان العقل، حتى في العناوين التي يدرك حكمها، قد تحصل عليها العناوين التي تغير الحكم، كما عرفنا، أو تجعل العقل يشك في صدق الحكم عندئذ. فإذا علمنا ان هذه العناوين الثانوية في الحياة كثيرة عرفنا مدى ضيق الحكم العقلي بالتحسين والتقبيح.
وهذا الضيق هو الذي يجعل العقل الإنساني قاصراً عن ان يقود نفسه بنفسه، ويجعل الفرد محتاجاً ذاتياً إلى شريعة الله عز وجل.
ــــــــــــــــــــ[51]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
ومع وجود هذا الضيق لا يمكن ان يكون العقل محكّاً لتمييز العدالة في الفرد لأنه -كما عرفنا- لا يميز كثيراً من أنحاء التصرفات وهذا هو الإشكال الأصلي على ما عرفناه في التعريف اللغوي للعدل: انه ما يأتي في النفس انه مستقيم. لأن هذا الفهم ان قصد منه الفهم العقلي الذي تحدثنا عنه، كان ناقصاً وغير قابل للاستيعاب.
ومن هنا كان لا بد لنا في تمييز العدالة إلى الالتفات إلى أحد أمرين:
الأمر الأول: ما عرفناه من ان العدل هو وضع الشيء في موضعه، مع التحويل في ذلك على الواقع الموضوعي الذي يعلمه الله عز وجل. فان كان الفرد قد وضع سلوكه أو أي أمر آخر في موضعه الواقعي كان عادلاً وإلا فلا.
الأمر الثاني: الشريعة. فان كان سلوك الفرد مطابقاً لما كان عادلاً وإلا فلا.
إما الأمر الأول فهو متعذر الإدراك وحده، لوضوح تعذّر الاطلاع على الواقع الموضوعي مباشرة أو عن طريق علم الله عز وعلا وإنما هناك طريقان لإدراك هذا الواقع: أحدهما: العقل الذي عرفنا قصوره. والآخر: هو الشريعة.
ومن هنا نعرف انه لا تنافي بين تعريف العدل: «بأنه وضع الشيء في موضعه المناسب له». وبين تعريفه: «بأنه موافقة العقل العملي أو انه موافقة الشريعة». لأن هذين الأمرين الآخريين -أعني العقل والشريعة- إنما يدلان على ان الفرد قد وضع الشيء في موضعه المناسب له.
غير ان العقل لما كان ضيقاً، كان المرجع الرئيسي في تمييز ذلك هو الشريعة.
كما لا تنافي بين حكم العقل والشريعة، لأننا ان بنينا على القاعدة القائلة: «ما حكم به العقل حكم به الشرع». فالأمر يكون واضحاً، لأن الشرع بنفسه
ــــــــــــــــــــ[52]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
يكون محتوياً على كل أحكام العقل وزيادة. وهذه الزيادات تخص الموارد التي عجز العقل عن إدراكها.
وإذا لم نبنِ على تلك القاعدة أمكننا الالتفات إلى قاعدة أخرى متسالم على صحتها بين علماء المسلمين بمختلف مذاهبهم، وهي قولهم: «ما من واقعة إلا ولها حكم». إذ ينتج منها: ان حكم الشرع شامل لكل موارد حكم العقل سواء وافقه فيها أو خالفه. غير ان الوجدان الضروري قاضٍ: بأننا لم نجد أي اختلاف بين حكمي العقل والشرع.
وحتى لو فرضت المخالفة، فان مولانا الذي يجب علينا إطاعته هو الشريعة أو قل: صاحب الشريعة، وليس مولانا هو العقل…إذن، فالمهم في تمييز العدل إنما هي الشريعة بالذات.
وهذا هو الذي يفسر قول اللغويين في تعريف العدل: «بأنه الحكم بالحق». يعني بالشريعة.
وحيث أننا متأخرون عن صدر الإسلام وغير معاصرين لصاحب الشريعة، فإنما تكون الشريعة بالنسبة إلينا ما قامت عليه الحجة من التكاليف والأحكام. كل ما في الأمر ان الطرق المثبتة لهذه الحجة ذات إشكال ومستويات مختلفة لا حاجة الآن إلى تعدادها.
فالمهم في العدل، هو تطبيق الحكم الشرعي الذي قامت الحجة على صحته. وهذا هو الفهم الذي حامت الروايات حوله.
وإذا وصلنا إلى هذا الفهم، بقي لدينا سؤال أخير وهو: ان أي مستويات الحكم الشرعي يكون هو المحقق للعدالة مع تطبيقه؟
فان الحكم الشرعي ينقسم إلى وضعي وتكليفي: فالحكم التكليفي هو المفهوم من مدلول الأمر والنهي : (إفعل – ولا تفعل) وفيه انبعاث نحو السلوك
ــــــــــــــــــــ[53]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
أو زجر عنه بذاته. كوجوب الصلاة وحرمة السرقة .
والحكم الوضعي، ما لم يكن فيه هذا الانبعاث والانزجار. وإنما هو مجرد المسؤولية أو الذمة كالضمانات والديون. وان استلزمت سلوكاً ثانوياً لأدائها مثلاً.
والحكم التكليفي ينقسم إلى الأقسام الخمسة المشهورة: الوجوب والاستحباب والإباحة والكراهة والحرمة.
فالوجوب: هو الأمر بالشيء مع المنع عن الترك.
والاستحباب: هو الأمر بالشيء مع الترخيص بالترك.
والحرمة: هو النهي عن الشيء مع المنع عن الفعل.
والكراهة: هو النهي عن الشيء مع الترخيص بالفعل.
ونستطيع ان نقول: ان للأمر والنهي درجتين في الأهمية، فالدرجة العليا إلزامية، وهي الوجوب والحرمة، والدرجة الدنيا غير إلزامية وهي الاستحباب الكراهة.
وأما الإباحة: فليس فيها أمر ونهي على الإطلاق. وان قسموها إلى إباحة اقتضائية وإباحة لا اقتضائية. فالأخيرة هي الشيء بطبعه من دون ان تتعلق به رغبة الشارع المقدس في سلوك معين. والأولى -أعني الاقتضائية- هي التي رغب الشارع المقدس على الإباحة والإطلاق كقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ . وقوله عز وجل: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا.
كما قسموا الحرام إلى كبائر وصغائر. واختلفوا في تفسير الكبائر ومهما يكن من شيء فالصغائر هي غيرها من المحرمات مع التسالم على ان كِلا القسمين حرام ويستحق الفرد عليه العقاب أمام الله سبحانه وتعالى.
ــــــــــــــــــــ[54]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
فقد قيل: ان الكبائر هي المحرمات المنصوص عليها في القرآن الكريم. وقيل: انها هي التي توعّد الله عز وجل في كتابه عليها بالنار. وقيل: هي التي توعّد الشارع المقدس عليها بالنار ولو في غير القرآن الكريم. أو هي المحرمات ذات الأهمية الكبيرة كالذي قالوه في الاحتياط في الفروج والدماء.
أو ان النواهي تختلف أهميتها، فكل محرم بالنسبة إلى ما دونه في الأهمية هو كبيرة. وبالنسبة إلى ما هو أهم منه صغيرة. وعلى أي حال فانه لا يترتب على اختيار أحد هذه الوجوه والبرهنة عليه أية أهمية أو أثر شرعي، بعد التسالم على أنها جميعاً من المحرمات حتى لو كانت صغائر.
نعم، لو فسرنا الكبائر بالمحرمات والصغائر بالمكروهات، لكان ذلك اختلافاً… إلا انه وجه مخالف للمشهور.
إذا عرفنا كل ذلك، رجعنا إلى السؤال بأنه بأي مستويات الحكم الشرعي هذه تتحقق العدالة؟ وما هو المحتمل نظرياً حول ذلك وان كان متعدداً إلا أننا نذكر ما هو الأهم:
الاحتمال الأول: ان الكبائر هي التي تكون محكّاً في ذلك فالعادل هو مجتنب الكبائر. يعني حتى وان تورط بالصغائر.
الاحتمال الثاني: ان المحرمات على العموم هي المحك. ونعني من المحرمات ما يشمل ترك الواجبات، فإنها حرام أيضاً. فمن لم يعمل الحرام، ولم يترك الواجب هو العادل.
الاحتمال الثالث: ان المحك في العدالة أوسع من ذلك بحيث يشمل قسماً من المكروهات والمستحبات.
ولكل من هذه المحتملات الثلاثة دلالة في بعض عبارات الروايات السابقة، فراجع.
ــــــــــــــــــــ[55]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
إلا ان الصحيح هو الاحتمال الثاني. وإسقاط الأول، بعد اعتبار الصغائر من المحرمات أيضاً. فان ارتكابها أيضاً خروج عن القانون الشرعي الإلهي ومحاربة له.
وكذلك مع إسقاط الاحتمال الثالث، لوضوح ان الشارع المقدس بعد ان أعطى الترخيص في مخالفة المستحبات والمكروهات، لم يكن في ذلك إخلالاً بالصلاح والورع المطلوبين في العدالة وان كان الالتزام بها أو بالمهم منها درجة أعلى وأهم من العدالة.
بقي عندنا السؤال: ان الإتيان بمنافيات العدالة -وهي المحرمات أحياناً قليلة- هل تُخرِج من العدالة أم لا؟ لأن في ذلك وجهين رئيسين:
الوجه الأول: ان العدالة هي الاستقامة التامة في إطاعة الشريعة فمتى حصل الذنب مهما كان قليلاً، انثلمت هذه الاستقامة وبطلت العدالة. إلا أنها يمكن ان تعود فوراً أو بعد حين، عند حصول التوبة والرجوع إلى الاستقامة.
الوجه الثاني: ان العدالة هي الاستقامة في إطاعة الشريعة، على وجه العموم بحيث لا ينافي وجود نقاط الضعف أحياناً، يعني الإتيان بمنافيات العدالة.
خذ مثلاً: مفهوم الماء فانه يبقى ماء وإن اختلط بالتراب القليل. أو مفهوم اللبن فانه يبقى لبناً وان اختلط بالماء القليل، فكذلك العدالة قابلة للبقاء حتى مع حصول المحرم القليل.
نعم، لو حصل الإصرار على الذنب، والعياذ بالله، كان ذلك مخلاً بالعدالة لأنه استمرار بالذنب وذنب على ذنب.
ولعل الآية الكريمة: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ، دالة
ــــــــــــــــــــ[56]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
على ذلك. لأن (اللمم) يفسر عادة بما يلم به الفرد من ذنب أحياناً طبقاً لنقاط الضعف في نفسه. وقد حصل استثناؤه في الآية الكريمة ولم يخرج فاعله -بظاهرها- من المدح إلى القدح.
ولكل من هذين الوجهين من يقول به من الفقهاء، لكن الصحيح هو الوجه الثاني. لأن العدالة مفهوم عرفي كسائر المفاهيم العرفية التي يكون الفقيه مسؤولاً على الأخذ بها في الفقه، كما هو مبرهن في علم الأصول عليه. وقد مثّلنا ان هذه المفاهيم لا تختل أو تختلف عرفاً بوجود القليل مما ينافيها.
على ان الاستقامة التامة لو توخّيناها، لم توجد إلا في المعصومين أو أشباههم. نعم, هي درجة عالية من العدالة بلا شك. الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ… الآية، والمهم ما عرفناه من انه يصدق عرفاً على الفرد انه عادل ومستقيم وهذا الصدق محفوظ بلا إشكال مع وجود اللمم.

الفسـق:
لا بد لنا ونحن نتحدث عن العدالة، ان نلم بالحديث عن الفسق الذي جُعِل مقابلاً لها. فما هو الفسق وهل هو مقابل للعدالة تماماً؟!
الفسق في اللغة(1): هو الخروج, والعرب تقول إذا خرجت الرطبة من قشرها: قد فسقت الرطبة من قشرها. وكأنَ الفأرة إنما سميت فويسقة لخروجها من جحرها على الناس. والفسق هو الخروج عن الأمر. (وفسق عن أمر ربه) أي خرج.
ــــــــــــــــــــ[57]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
(1) انظر لسان العرب وغيره، مادة: فسق.
وقال ابن الإعرابي: «لم يسمع في كلام الجاهلية وفي شعرهم فاسق». قال: «وهذا عجب وهو كلام عربي».. ويقال: (انه لَفِسْق) أي خروج عن الحق. قال أبو الهيثم: «وقد يكون الفسوق شركاً ويكون إثماً».
وهذا هو بعينه اصطلاح المتشرعة والفقهاء، وليس لهم اصطلاح وراء هذا المعنى.
كل ما في الأمر ان الذي يظهر من اصطلاحهم هو ان الفاسق خصوص من كان على ظاهر الإسلام ولكنه يعمل المآثم والمحرمات وأما الكفار والمشركون فلا يصدق على حالهم الفسق.
إلا ان هذا كما هو على خلاف عبارة (أبي الهيثم) السابقة من الناحية اللغوية، هو أيضاً مخالف للاعتبار لان الفسق هو الخروج وأما مقدار هذا الخروج عن الشريعة فليس بمحدد، فيكون كله فسقاً، وان صدق معه عنوان آخر أو أكثر كالكفر أو الشرك. نعم، قد يكون عنوان الفسق وحده صادقاً، كما في من كان على ظاهر الإسلام.
والقرآن الكريم ناطق بكلا المعنيين. فمن كان فاسقاً على ظاهر الإسلام. مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا .
وقوله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّـهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ .
ومن كان فاسقاً خارجاً عن الإسلام تماماً فيه آيات عديدة. منها: قوله تعالى: فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. وقوله: فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ. وقوله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. وغيرها.
بقي الكلام عن تقابل الفسق والعدالة.
فهل هما متقابلان تماماً؟ لأن العدالة هي طاعة الواجبات والمحرمات
ــــــــــــــــــــ[58]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
والفسق هو عصيانها. والفرد لا يخلو من أحد الحالين(1).
ولكن الصحيح ان الفرد قد يخلو من أحد الحالين أحياناً. وذلك في عدة موارد:
أحدها: البالغ لتوِّه أو الداخل في الإسلام لتوِّه بحيث لم يمض زمان كافٍ للامتثال أو حتى الالتفات الفعلي إليه.
ثانيهما: الأطفال المميزين.
ثالثهما: من بلغ مجنوناً ساقطاً عنه التكليف.
فمثل هذا ونحوه يمكن ان لا يكون عادلاً ولا فاسقاً. إذن، فهما صفتان يمكن أن يرتفعا، ولكن لا يمكن ان يجتمعا بأن يكون فرد عادلاً وفاسقاً في نفس الوقت كما هو أوضح من ان نبرهن عليه.
وأما الحديث عن ان هذا الفرد الذي ارتفعت عنه الصفتان، هل يترتب عليه حكم العادل، يعني يجوز له تولي القضاء والفتوى والشهادة، أم لا؟
فهذا تابع إلى مقدار الاشتراط في الشريعة، فان اشترطنا في هذه الأمور خصوص صفة العدالة، فهي منتفية بالفرض، فلا يجوز له ذلك. وان اشترطنا مجرد عدم الفسق. فهو ليس بفاسق فيجوز له ذلك والصحيح هو الأول. والبحث موكول إلى الفقه ليس هنا محله.
هذا, وهناك بعض التفاصيل عن العدالة، قد تأتي في محلها من هذا الكتاب ككتاب الشهادات والقضاء. مثل الجواب عن السؤال: هل ان العدالة المعتبرة في الشهادة هي المعتبرة أيضاً في الفتوى والقضاء أو أنها تختلف عنها؟
ــــــــــــــــــــ[59]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) والفسق هو الخروج عن الطاعة والذنب منه أيضاً فيكون القليل منه فسقا أيضاً. إلا ان هذا ليس بصحيح لان القليل من الذنب هو اللمم المسموح به في القرآن الكريم ومع السماح به لا يكون خروجاً فلا يكون فسقاً.

كتاب الطهارة

فصل
في معنى الطهارة

قالوا في اللغة(1): الطهر نقيض الحيض. والطهر نقيض النجاسة والمرأة طاهر من الحيض وطاهرة من النجاسة والعيوب. ورجل طاهر ورجال طاهرون ونساء طاهرات.
وطهرت المرأة وهي طاهر، انقطع عنها الدم ورأت الطُهر فاذا اغتسلت قيل: تطهرت واطّهرت. قال الله عز وجل: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا. وروى الأزهري عن أبي العباس انه قال في قوله عز وجل: وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ. وقرئ : حتى يطّهّرن بتشديدين.
قالوا: وأما قوله تعالى: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا. فان معناه الاستنجاء بالماء، نزلت في الأنصار، وكانوا إذا أحدثوا اتبعوا الحجارة بالماء، فأثنى الله عليهم بذلك.
وقوله تعالى: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ. أي: أحل لكم. وقوله تعالى: وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ. يعني: من الحيض والبول والغائط. قال أبو إسحاق: «معناه أنهنّ لا يحتجنَ إلى ما يحتاج إليه نساء أهل الدنيا بعد الأكل والشرب. ولا يحِضنَ ولا يحتجنَ إلى ما يُتطهّر به. وهُنّ مع ذلك طاهرات طهارة
ــــــــــــــــــــ[63]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
(1) راجع لسان العرب وغيره. مادة طهر.
الأخلاق والعفة».
وقوله عز وجل: أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ. قال أبو إسحاق: «معناه طهراه من تعليق الأصنام عليه». وقال الأزهري: «يعني من المعاصي والأفعال المحرمة».
وقوله تعالى: يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً، يعني: من الأدناس والباطل. واسم الماء الطهور. وكل ماء نظيف طهور, وماء طهور: أي يتطهر به. وكل طهور طاهر وليس كل طاهر طهور. قال الأزهري: «وكل ما قيل في قوله عز وجل: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا. فان الطهور في اللغة هو الطاهر المطهر، لأنه لا يكون طهوراً إلا وهو يتطهر به. كالوضوء (بالفتح) هو الماء الذي يتوضأ به, والنشوق (بالفتح) ما يستنشق به, والفطور (بالفتح) ما يفطر عليه من الطعام والشراب.
قال ابن الأثير: «الطهور (بالضم) التطهر و(بالفتح) الماء الذي يتطهر به، كالوَضوء والوُضوء والسَحور والسُحور».
والماء الطهور (بالفتح) هو الذي يرفع الحدث ويزيل النجس لأن (فعولاً) من أبنية المبالغة، فكأنه تناهى في الطهارة. والماء الطاهر غير الطهور وهو الذي لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس كالمستعمل في الوضوء والغسل.
والتطهر: التنزه والكف عن الإثم وما لا يجمل, ورجل طاهر الثياب: أي منزه، ومنه قوله تعالى: إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ. أي: يتنزهون عن إتيان الذكور.
والتطهر: التنزه عما لا يحل. وهم قوم يتطهرون, أي: يتنزهون من الأدناس. ورجل طهر الخلُق وطاهره والأنثى طاهرة. انه الطاهر الثياب, أي: ليس بذي دنس في الأخلاق.
ــــــــــــــــــــ[64]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
قوله: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ. معناه وقلبك فطهر. وعليه قول عنترة:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه
أي قلبه. وقيل معنى الآية: أي نفسك فطهر. وقيل معناه: لا تكن غادراً فتدنس ثيابك فان الغادر دنس الثياب, قال ابن سيده: «ويقال للغادر: دنس الثياب».
وقيل معناه: وثيابك فقصر، لأن تقصير الثياب طهر، لأن الثوب إذا انجر على الأرض لم يؤمَن ان تصيبه نجاسة. وقُصرُه يبعده عن النجاسة.
والتوبة التي تكون بإقامة الحد كالرجم وغيره: طهور للمذنب.
وقيل معنى قوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ. يقول: عملك فأصلِح. وعن ابن عباس فيه: «يقول: لا تلبس ثيابك على معصية ولا على فجور وكفر».
وقوله عز وجل: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ… عنى به الملائكة.
وقوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ. أي: يهديهم, وطهّر فلان ولده إذا أقام سُنّة خِتانه.
هذا كله كلام اللغويين في فهم هذه المادة من كلام العرب وكلام الله عز وجل أوجزناه عن (لسان العرب).
والذي يتحصل من هذا التطويل ان للطهارة أو التطهير عدة معان:
1- انقطاع دم الحيض.
2- الاغتسال من الحيض أو الجنابة.
3- الاستنجاء من البول والغائط.
4- التنزه عن الدنس والباطل.
5- التنزه عن الإثم وما لا يجمل.
ــــــــــــــــــــ[65]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
6- طهارة الأخلاق.
7- طهارة القلب وهداه.
8- الطهارة التي تحصل بإقامة الحد.
9- الطهارة التي تحصل بالعلو عن الماديات، كالملائكة.
10- الختان.
فهذه عشرة معاني، استُعمِلت في لغة العرب بالاستعمال الحقيقي لأن الأصل هو الحقيقة مع الشك في المجاز. وحتى لو كان فيها ما هو مجاز بالأصل، اعني في أول استعمالاته، إلا ان الوجدان قاضٍ باشتهاره إلى حد يتحول إلى الحقيقة خلال العصور الطويلة من الاستعمال. فالتبادر قائم على الحقيقة بلا إشكال.
كل ما في الأمر ان هذه المعاني المتكثرة لا بد من إرجاعها إلى معنى جامع واحد يكون هو الأساس في الفهم. وتكون هذه الكثرة من قبيل المصاديق له. وليس هذا المعنى الواحد إلا النزاهة وانعدام الدنس. غير ان الدنس يكون على أشكال ومستويات مختلفة. كما هو واضح مع النظر لتلك المعاني العشرة وسيأتي التعرض له.
ومن الطريف: ان ما قاله الفقهاء: «ان الأصل في وضع الطهارة لغةً هو النظافة من الأوساخ المادية، كالتراب أو الدهن الذي يكون في اليد مثلاً. فيكون غسله والنزاهة عنه طهارة».
فمن الطريف ان لا يكون هذا مذكوراً في اللغة على الاطلاق كما هو واضح لمن راجع المعاني العشرة. وان كان من المطمأن به اندراجه ضمن مصاديق التنزه، وان نسيه اللغويون، الا ان الإشكال في كونه هو الأصل، بل ان كل تلك المعاني هي مصاديق متساوية بالنسبة إلى المعنى الحقيقي.
ــــــــــــــــــــ[66]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
وقد أراد الفقهاء من ذلك ان الأصل في الطهارة هو الطهارة المادية، وقد تسرب استعمالها إلى أشكال الطهارة المعنوية بالمجاز، ثم حصل التوسع إلى ان انتقل الأمر إلى الحقيقة، ولعلهم يشككون في هذا الانتقال أيضاً. إذن, سيكون استعمال الطهارة في المعنوية منها مجازاً أو أقرب للمجاز.
فمن الطريف أن نفهم إن أغلب تلك المعاني العشرة انما هي من الطهارة المعنوية -بل كلها على ما سوف نقول- وقد برهنا بالأصل والتبادر على أنها كلها استعمالات حقيقية. والمورد الوحيد الذي من قبيل الطهارة المادية هو ما استدركناه على اللغويين قبل قليل. وقد عرفنا انه غير موجود في كلامهم.
وإذا حصل لدينا ان الطهارة هي النزاهة من الدنس، أمكننا ان نجد لها مصاديق أخرى، غير ما قاله الفقهاء واللغويون معاً، وتشترك كلها بنحو الاشتراك المعنوي تحت ذاك المعنى الجامع.
وتنقسم الطهارة إلى أصناف متعددة، بانقسام الدنس الذي ترفعه وتقوم بالتنزيه عنه. وهذه الأصناف للأدناس وان اختلفت في الحقيقة، الا أنها ذات فهم معنوي واحد، ما دام الشعور بالدنس مشترك بينها جميعاً.
على ان اختلاف الدنس في الحقائق، لا يعني اختلاف الطهارة في الحقيقة، لأنها تعني معنى واحداً، وهو ارتفاع الدنس مهما كان جنسه. سواء فهمنا منها معنى عدمياً وهو ارتفاع الدنس وانعدامه، أو معنى وجودياً حاصلاً بعد ذلك الانعدام. وهو الصحيح الموافق للارتكاز العرفي والعقلي معاً. فان النزاهة والنظافة ذات معنى مفهوم قائم بذاته، غير انه حاصل بسبب زوال الدنس وانعدامه.
ومعه, فالأصناف المتعددة للطهارة -كما عبّرنا- لا تعني اختلاف هذه الأصناف في الجنس والحقيقة، وإنما هي تقسيمات جانبية مندرجة تحت حقيقة ومفهوم وجودي واحد، وهو النظافة والنزاهة. ولعلنا نستطيع ان نقسم الطهارة
ــــــــــــــــــــ[67]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
إلى ثلاث تقسيمات رئيسية: سنجد ان بعضها ينقسم إلى انقسامات أخرى:
أولاً: الطهارة المادية, وهي التي تكون بعد زوال الدنس المادي كالتراب والدهن.
ثانياً: الطهارة الحكمية، وهي المقابلة للدنس الحكمي، الذي هو الحدث والخبث في المفهوم الفقهي. وسيأتي مثاله.
ثالثاً: الطهارة المعنوية, وهي المقابلة للدنس في النفس والقلب والروح.
وهنا ينبغي ان نلتفت إلى ان الدال على وجود هذه الطهارات والأدناس المقابلة لها، يختلف: فالدال على وجود الدنس المادي هو الحس. والدال على وجود الدنس الحكمي هو الشريعة، بعد ان قامت الحجة الشرعية الفقهية على صحته. والدال على وجود الدنس القلبي والنفسي هو العقل والوجدان، الأمر الذي يدعمه البرهان في علمي الفلسفة والعرفان.
والدنس المادي يختلف باختلاف موارده، والمهم فقهياً، ان يكون دم الحيض والمني و البول والغائط منه. وزوالها شكل من أشكال الطهارة.
والدنس الحكمي إنما سمي حكمياً لأنه إنما كان دنساً بحكم الشارع المقدس، ولولاه لم يدرك العقل ولا الحس وجوده.
وهو ينقسم إلى الخبث والحدث. فالخبث: هو النجاسات العشر التي تَطهُر بصب الماء عليها عادة، والمدرجة في الفقه، ولا حاجة إلى استيعابها هنا كالبول والميتة والدم.
والحدث: هو ما سبّب الوضوء والغسل، يعني يجعل الفرد بحالة حكمية معينة من الدنس بحيث لا يجوز له الدخول في الصلاة ونحوها إلا بعد الوضوء والغسل.
ــــــــــــــــــــ[68]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
وينقسم الحدث إلى: حدث أصغر وحدث أكبر. فموجِب الوضوء هو الأصغر كالبول والغائط, وموجِب الغسل هو الأكبر كالجنابة والحيض.
بقي الإلماع هنا إلى أمرين:
الأمر الأول: انه لا يراد بالدنس الحاصل في الحدثين الأكبر والأصغر، الدنس المادي، يعني تلوث الجسم بالبول أو المني مثلاً.
وهذا واضح بضرورة الفقه، لوضوح ان إزالة هذه الأدناس لا تعني إزالة الحدث الناتج منها. إذن, فالحدث دنس حكمي والطهارة الحاصلة مع ارتفاعه بالوضوء والغسل نزاهة حكمية.
وكذلك الأمر في الدنس الحاصل بالخبث. فانه وان كان سببه هو الدنس المادي، يعني تلوث الجسم بأحد النجاسات العشرة، الذي هو معنى ملاقاة النجاسة باصطلاح الفقهاء.
إلا ان الحكم مع ذلك لا يعود إليها بالمرة لعدة شواهد:
أولاً: اشتراط الرطوبة في الملاقي. فلا يكون تلوث الجسم بعين النجاسة جافاً موجِباً للحكم بالنجاسة ولا وجوب التطهير. مع العلم ان الدنس المادي متحقق بهذا التلوث.
ثانياً: بقاء الحكم بالنجاسة حتى بعد زوال عينها، قبل التطهير، مع العلم ان
الدنس المادي يكون قد زال بزوال العين.
ثالثاً: اشتراط التعدد في غسل بعض النجاسات، مع العلم ان الغسلة الواحدة المستوعبة، قد تكفي تماماً في إزالة العين، أو الدنس المادي. بل يميل الفقهاء عادة إلى عدم احتساب الغسلة المزيلة بالمرة. ينتج من ذلك انه مع وجود عين النجاسة، فان الدنس المادي موجود، إلا ان الخبث الحكمي ليس هو ذلك بالتعيين، بل هنا شكلان من أشكال الدنس: مادي وحكمي. ولا
ــــــــــــــــــــ[69]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
يمكن إزالة الدنس الحكمي إلا بعد زوال الدنس المادي.
الأمر الثاني: الحدث دنس حكمي فقهياً إلا انه في نفس الوقت له جنبة معنوية، لأنه يعود إلى دنس النفس وزواله يعود إلى طهارتها.
ووجود مثل هذه الأحوال النفسية غير مربوط بالمباشرة بالخلاف الفقهي القائل: بأن المطلوب في الطهارة كمقدمة للصلاة هو أفعال الوضوء والغسل. أو الحالة المعنوية الناتجة منها.
فان الصحيح فقهياً هو الأول إلا انه لا ينفي وجود الحالة المعنوية وإنما أمر به باقتضاء وجودها. والذي يقال عادة في هذا الصدد: ان الوضوء والغسل ان كانا بالغين إلى درجة القبول أنتجا تلك الحالة. وأما إذا كان لهما درجة الإجزاء فقط لم ينتجا تلك الحالة وان صحت الصلاة بهما. إذن, تصبح الطهارة في مثل ذلك حكمية وليست معنوية. وأما مع القبول فهي حكمية ومعنوية معاً.
والإشارة إلى هذه الحالة المعنوية موجودة في الروايات عن المعصومين، نذكر بعضها:
فمنها ما عن النوفلي عن السكوني(1) عن أبي عبد الله قال:
“الوضوء شطر الإيمان”.
وعن سماعة(2) قال: كنت عند أبي الحسن فصلى الظهر والعصر بين يدي وجلست عنده حتى حضرت المغرب فدعا بوضوء فتوضأ للصلاة. ثم قال لي: “توضّ”. فقلت: جعلت فداك أنا على وضوء. فقال: “وان كنتَ على وضوء. ان من توضأ للمغرب كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في
ــــــــــــــــــــ[70]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل, ج1, أبواب الوضوء, باب1, حديث5.
(2) نفس المصدر : باب8, حديث2 .
يومه إلا الكبائر. ومن توضأ للصبح كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا الكبائر”.
وعن سعدان عن بعض أصحابه(1) عن أبي عبد الله قال: “الطهر على الطهر عشر حسنات”.
وعن المفضل بن عمر(2) عن أبي عبد الله: “من جدد وضوءه لغير حدث جدد الله توبته من غير استغفار”.
وفي حديث آخر(3) : “الوضوء على الوضوء نور على نور”.
وفي لسان آخر وكيفية أخرى من بيان ذلك في الروايات:
ما رواه محمد بن كردوس(4) عن أبي عبد الله قال: “من تطهّر ثم أوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجده”.
وعن الصادق(5) نحوه إلا انه قال بعده: “فان ذكر انه ليس على وضوء فتيمم من دثاره كائناً ما كان، لم يزل في صلاة ما ذكر الله”.
وفي حديث(6) عن رسول الله: “من بات على طهور فكأنما أحيى الليل”.
وعن أبي بصير(7) عن أبي عبد الله عن آبائه عن أمير المؤمنين قال: “لا ينام المسلم وهو جُنب ولا ينام إلا على طهور فان لم يجد الماء فليتيمم
ــــــــــــــــــــ[71]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث3.
(2) نفس المصدر: حديث7.
(3) نفس المصدر: حديث8.
(4) نفس المصدر: باب9. حديث1.
(5) نفس المصدر: حديث2.
(6) نفس المصدر: حديث3.
(7) نفس المصدر: حديث4.
بالصعيد فان روح المؤمن تروح إلى الله عز وجل فيلقاها ويبارك عليها. فان كان أجَلها قد حضر جعلها في مكنون رحمته، وان لم يكن أجَلها قد حضر بعث بها مع أمنائه من الملائكة فيردها إلى جسده”.
وفي لسان آخر من ألسِنة الأحاديث:
ما عن أنس(1) عن رسول الله: قال: “يا أنس أكثِر من الطهور يزيد الله في عمرك وان استطعت ان تكون بالليل والنهار على طهارة فافعل فإنكَ تكون إذا مُتْ على طهارة مُتَّ شهيداً”.
وفي لسان آخر:
ما عن مرازم(2) بن حكيم عن الصادق جعفر بن محمد انه قال: “عليكم بإتيان المساجد فإنها بيوت الله في الأرض. من أتاها متطهراً طهّره الله من ذنوبه وكُتِب من زوّاره”.
وعن كليب الصيداوي(3) عن أبي عبد الله قال: “مكتوب في التوراة: ان بيوتي في الأرض المساجد، فطوبى لعبد تطهّر في بيته ثم زارني في بيتي. ألا أن على المزور كرامة الزائر”.
إلى غير ذلك من الألسِنة والأساليب، إذ لولا الحالة المعنوية للطهارة لما كان للنتائج المذكورة فيها دخل مفهوم.
وهذه الأخبار عموماً خاصة بالوضوء، لكنها تشمل الغسل بصفته طهارة والمغتسل متطهر. وقد نص بعضها على الغسل.
ــــــــــــــــــــ[72]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: باب11, حديث3.
(2) نفس المصدر: باب10, حديث2.
(3) نفس المصدر: حديث4.
ويخص الغسل عدة ألسنة وأساليب, منها ما أفتى به الفقهاء وجاءت به السُنّة من منع الجنب والحائض من المساجد وقراءة القرآن ولمس الأسماء المقدسة لله عز وجل وأوليائه، ولو على وجه الكراهة ولولا الحالة المعنوية لكان تعبداً غير مفهوم.
وكذلك الأخبار الدالة على إجزاء الغسل عن الوضوء:
منها: ما عن محمد بن مسلم(1) عن أبي جعفر قال: “الغسل يجزي عن الوضوء وأيُ وضوء أطهر من الغسل”.
وكذلك الأخبار الدالة على استحباب الدعاء عند الغسل:
منها(2): “تقول في غسل الجنابة: اللهم طهر قلبي. وزكِّ عملي وتقبّل سعيي واجعل ما عندك خيراً لي”.
وعن عمار الساباطي(3) قال: قال أبو عبد الله: “إذا اغتسلت من جنابة فقل: اللهم طهر قلبي وتقبّل سعيي واجعل ما عندك خيراً لي. اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. وإذا اغتسلت للجمعة فقل: اللهم طهر قلبي من كل آفة تمحق ديني وتبطل به عملي. اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين”.
والمفهوم من استحباب هذا الدعاء كون الغسل دخيلاً في إيجاد هذه الحسنات المعنوية المنصوص عليها فيه. إلى غير ذلك من الألسنة التي لا حاجة إلى استقصائها ولئن كان بعضها محل المناقشة سنداً، فانه ليس فيها ما هو محل المناقشة دلالة والسند، مضافاً إلى المعتبر منها، يدعمه الاستفاضة
ــــــــــــــــــــ[73]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: أبواب الجنابة, باب33, حديث1.
(2) نفس المصدر: باب37, حديث1.
(3) نفس المصدر: حديث3.
أو التواتر المعنوي المفهوم من مجموع هذه الروايات، والدالة على وجود فهم مؤكد ومركّز لدى المعصومين وأصحابهم عن وجود حالة الطهارة المعنوية.
يبقى سؤال واحد لا بد من ذكره والجواب عليه:
وهو أننا قلنا قبل قليل انه من تحقق الإجزاء في الوضوء والغسل يتحقق الأثر الشرعي كجواز الدخول في الصلاة، وان لم تحصل الحالة المعنوية. ومعه فقد يقال: انه مع حصول الإجزاء تترتب الآثار الموجودة في هذه الأخبار السابقة، وان لم تحصل الحالة المعنوية. إذن، فلا حاجة إلى افتراض وجودها، كما كنا بصدده.
والجواب عن ذلك من عدة وجوه، نذكر منها:
الأول: ان بعض ألسنة هذه الروايات كالنص في الطهارة المعنوية وغير قابلة عرفاً للحمل على الطهارة الحكمية وحدها. كقوله: “الوضوء شطر الإيمان”. وقوله: “لم يزل في صلاة ما ذكر الله”. وقوله: “الوضوء على الوضوء نور على نور”. وقوله: “اللهم طهر قلبي…” يعني بنفس الغسل كما فهمناه.
هذا مضافاً إلى نص هذه الأخبار وغيرها واعتراف الفقهاء من استحباب تجديد الطهارة، وان الوضوء الثاني له أثر زائد على أثر الوضوء الأول. وهذا لا يصدق بالضرورة على الطهارة الحكمية. فان تلك الطهارة إنما هي زوال الحدث وقد حصل في الوضوء الأول، ولا معنى لوجوده مرة ثانية لأنه من تحصيل الحاصل المستحيل. فيتعين ان يكون الوضوء الثاني مؤثراً في الطهارة المعنوية ليس إلا. وهو المشار إليه بقولهم: “الوضوء على وضوء نور على نور”. و”الطهر على الطهر عشر حسنات”.
وإذا أمكن حصول الحالة المعنوية أحياناً أمكن وجودها دائماً. أعني في
ــــــــــــــــــــ[74]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
موارد استحقاق الطهارة للقبول.
وإذا اقتصرنا على هذا الجواب، كان معناه ان من ينال الإجزاء ويحرم عن القبول، يحرم بطبيعة الحال من النتائج المعنوية المذكورة في الأخبار.
الثاني: أننا يمكن ان نتنازل جزئياً عن هذا الذي يقال عادة: من ان الحالة المعنوية لا تحصل مع الحرمان عن القبول.
ونقول الآن: انه يمكن ان يكون للطهارة المعنوية درجات متعددة، تحصل بعضها في مراحل الإجزاء وتحصل المرحلة الأهم في درجة القبول. والمراحل التي نعرفها فقهياً وان كانت اثنتان: الإجزاء والقبول، الا أنها (لعلها) عند الله عز وجل أكثر بكثير.
ومن الواضح ان النتائج المذكورة في الأخبار، يتناسب وجودها ومقدارها مع درجة القبول والإجزاء، فهي تحصل مع الإجزاء بشكل ضعيف، ومع القبول بشكل أكيد، وكلما ازدادت أهمية العبادة ازداد عدد تلك النتائج أو ازداد تركيزها.
وأعتقد انه قد حان الوقت للعودة إلى المعاني اللغوية العشرة لنفهمها من جديد, وذلك في مستويين:
المستوى الأول: الاستدلال بأن جميعها إنما هو من الطهارة المعنوية، أعني ليست المادية، ولكنها أما حكمية أو معنوية. كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
ولا حاجة -في هذا الصدد- لاستقصائها جميعاً. لأن أكثرها نص واضح في هذه الطهارة المعنوية فما على القارئ إلا مراجعتها.
وإنما نذكر هنا الموارد القابلة للمناقشة فقط, وهي ثلاثة:
ــــــــــــــــــــ[75]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
1- انقطاع دم الحيض.
2- الاستنجاء من البول والغائط.
3- الختان.
فقد يقال فيها: إنها من باب الطهارة المادية لأنها تعني نظافة الجسد من دم الحيض أولاً ومن البول والغائط ثانياً، ومن لحمة الأغلف ثالثاً. فكيف تكون هذه طهارة معنوية؟
وهذا وان كان محتملاً فعلاً، إلا انه في الحقيقة بالنسبة إلى الأولين من الطهارة الحكمية. أما انقطاع الدم فهو يسبب الطهارة باعتبار ان زوال النجاسة عن بواطن الإنسان كافية في طهارتها, كما يمكن ان يكون باعتبار انتهاء حدث الحيض وان لم تغتسل, وأما الاستنجاء فهو ما يحدث حكماً بالغسل بالماء. وهذا واضح مع النظر الفقهي المعمق بلا إشكال.
وأما الختان، فهو تابع للفهم الارتكازي لدى المتشرعة من ان الأغلف يحتوي على شكل من أشكال الدنس، والدال على ذلك بطلان بعض عباداته شرعاً كالصلاة والطواف. مضافاً إلى وجوب إزالة الغلفة وجوباً استقلالياً.
وإذا كانت الغلفة دنساً، كان الختان طهارة، وبه تصح تلك العبادات.
المستوى الثاني: في محاولة إعطاء فهم أوسع ومحدد ، لتلك المعاني اللغوية العشرة.
وهنا لا بد من استعراضها واحداً واحداً:
أولاً: انقطاع دم الحيض.
ومثله انقطاع دم النفاس والاستحاضة، ويمكن التعميم إلى انقطاع كل الأوساخ التي تخرج من الجسم مما يسبب الحدث كالبول والغائط.
ــــــــــــــــــــ[76]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
ثانياً: الاغتسال من الحيض أو الجنابة.
ويعمم لكل الأغسال الواجبة بل والمستحبة.
ثالثاً: الاستنجاء من البول والغائط.
ويعمم إلى غسل أي النجاسات الخبثية، الأمر الذي يحدث الطهارة الحكمية، في الجسم الإنساني أو غيره.
رابعاً: التنزه عن الدنس والباطل.
وهو الدنس الناتج من كل كفر وشرك وضلال فإنها كلها من الباطل.
خامساً: التنزه عن الإثم وما لا يجمل.
أما الإثم فهو يعني كل ذنب. وما لا يجمل فهو أوسع من ذلك مما يرجع إلى حكم العقل أو حكم العرف والمجتمع أو حكم المستحبات والمكروهات الشرعية. فتكون طاعتها طهارة وعصيانها دنساً.
سادساً: طهارة الأخلاق.
والأخلاق بالمعنى المتعارف تندرج كلها في العنوان السابق، فلا تكون عنواناً مستقلاً. فان عصيانها يحصل منه: الإثم وما لا يجمل. الذي سمعناه. وهذا المعنى يشكّل إشكالاً على كلمات اللغويين، وهم غير معصومين عن الخطأ بطبيعة الحال.
غير أننا إذا أردنا الاتساع في الفهم، أمكننا ان نفهم من الأخلاق مستوى أعمق من ذلك، الأمر الذي لا يجعله مندرجاً في العنوان السابق. مستوى تكون فيه تصفية النفس والقلب حجر الزاوية، كما هو مسطور في علمي الأخلاق والعرفان. ولا حاجة الآن إلى الإطالة فيه.
سابعاً: طهارة القلب وهداه.
ــــــــــــــــــــ[77]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
ونحن إذا فهمنا من الأخلاق -العنوان السابق- معناه المتعارف كانت طهارة القلب معنى معمقاً أكثر منه. وأما إذا فهمنا منها ما حاولناه من المعنى المعمق، كان مشابهاً لمعنى طهارة القلب ولا يكون معنى مستقلاً.
ومعه، فقد يبدو للنظر انه: أما ان يكون المعنى السادس مندرجاً في الخامس وأما ان يكون المعنى السابع مندرجاً في السادس.
اللهم إلا أن نفهم من طهارة القلب وهداه شيئاً أعمق مما فهمناه من الأخلاق المعمقة. وهو الوصول إلى الهدف الحقيقي من ذلك المعنى من الأخلاق. طبقاً لعدد من الآيات الكريمة ومنها قوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ(1).
ثامناً: الطهارة التي تحصل بإقامة الحد.
وفكرته الأساسية في حصول التوبة مع تسليم المذنب التائب نفسه للعقاب تركيزاً لمفهوم التوبة. وهذا أمر لا بد من افتراضه لوضوح ان من أقيم عليه الحد بغير رضاه لم تحصل له الطهارة المعنوية على الإطلاق.
ويمكن تعميم ذلك إلى كل توبة اقترنت بالتسليم أو الرضا بشيء من الصعوبة، كما لو تاب الفرد ومارس البكاء أو حجب نفسه عن الطعام يوماً أو نحو ذلك.
ومع التوسع أكثر يشمل الأمر كل توبة. ولعمري ان التوبة طهارة. و”التائب من الذنب كمن لا ذنب له”. والذي لا ذنب له طاهر بهذا المعنى بطبيعة الحال.
غير ان التوبة لا تكون حقيقية إلا مع العزم على الترك باستمرار لكي تكون توبة نصوحاً, تُوبُوا إِلَى اللَّـهِ تَوْبَةً نَصُوحًا(2)يعني توبة ينصح فيها العبد ربه ويَعِدهُ
ــــــــــــــــــــ[78]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الأنعام: 90.
(2) التحريم: 8.
بعدم العودة إلى الذنب.
وأما التوبة مع إهمال هذه الجهة، فهي وان كانت حَسِنة. إلا انه ورد في بعض الروايات أنها أشبه بالاستهزاء. لأنك تذنب ثم تتوب ثم تذنب ثم تتوب ثم تذنب وهكذا. وليس لها ذلك الأثر الحقيقي.
تاسعاً: الطهارة التي تحصل بالعلو عن الماديات، كالملائكة.
ولعمري ان الأجواء الدانية والمادية للكون إنما هي ظلام ودنس وتسمى بلغة الفلسفة بحُجُب الظلمة. فيكون الخروج عنها والارتفاع عليها طهارة ونوراً. وتسمى بلغة الفلسفة بحُجُب النور. وكلما كان المخلوق أعلى كان أشد طهارة وزكاة، وأعظم نوراً وأوكد وجوداً. لا يفرق في ذلك بين الملائكة والنفس الإنسانية وغيرها.
عاشراً: الختان.
وقد فهمنا الوجه في كونه دنساً، فلو كان في الجسم شيء كالغلفة يعتبر وجوده دنساً وزواله طهارة أمكن التعميم له. الا انه غير موجود على أي حال. فيكون التعميم في هذا العنوان بلا وجه.
فهذا هو الفهم الموسع لهذه العناوين اللغوية العشرة. التي برهنا على أنها جميعاً على نحو الاستعمال الحقيقي، كما قد رأينا أنها جميعاً ولا أقل الأعم الأغلب منها، يتكفل الطهارة المقابلة للمعنى المادي, يعني: أما الحكمية وأما المعنوية الصرفة.
هذا مضافاً إلى ما فهمناه من المعنى الجامع الشامل للجميع، وهو معنى وجودي ناشئ من زوال الدنس المعبر عنه بالطهارة أو النظافة أو النزاهة أو نحوها.
وإذا استعرضنا الآيات الكريمة التي وردت فيها مادة الطهارة، لم نجد فيها
ــــــــــــــــــــ[79]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
ما يتعين حمله على الطهارة المادية. نعم, يمكن حمل بعضها عليها. غير ان الاحتمال الآخر يكون وارد أيضاً بل أولى أحياناً. وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
واذا تجاوزنا ذلك يمكن تقسيم الآيات القرآنية من هذه الناحية إلى عدة أقسام:
أولاً: ما يراد به الطهارة الخبثية.
ثانياً: ما يراد به الطهارة الحدثية.
ثالثاً: ما يراد به كلتا الطهارتين: الخبثية والحدثية.
رابعاً: ما يراد به خصوص الطهارة المعنوية.
ولا يمكن الآن ان نستوعب الآيات القرآنية الكريمة. وإنما نذكر لكل واحد من هذه الأقسام بعض الأمثلة:
فما يراد به الطهارة الخبثية، ولو باعتبار قيام بعض القرائن على ذلك: قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ(1). وقوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(2).
وما يراد به الطهارة الحدثية, قوله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ(3). وقوله تعالى:  وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا(4). وقوله تعالى: وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ(5). يعني بالتيمم المذكور
ــــــــــــــــــــ[80]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الأنفال: 11.
(2) المدثر: 4.
(3) البقرة: 222.
(4) المائدة: 6.
(5) نفس السورة والآية.
سابقاً في الآية الكريمة.
وأما ما يراد به كلتا الطهارتين الحدثية والخبثية.. فمثل قوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا(1).. يعني يمكن استعماله في إزالة كِلا النحوين من الدنس.
وأما الطهارة المعنوية…فمنها: ما يكون في الأموال, كقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا(2). ومنها: ما يكون في الفروج, كقوله تعالى: قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ(3).
ومنها: ما يكون في القلوب, كقوله تعالى: ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ(4) وقوله عز من قائل: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّـهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ(5).
ومنها: ما يكون طهارة للنفوس -يعني للإنسان ككل-. مثل قوله عز من قائل: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(6). وقوله تعالى: إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (7). وقوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا(8).
ــــــــــــــــــــ[81]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الفرقان: 48.
(2) التوبة: 103.
(3) هود: 78.
(4) الأحزاب: 53.
(5) المائدة: 41.
(6) الأحزاب: 33.
(7) آل عمران: 42.
(8) آل عمران: 55.
وقد تكون الطهارة المعنوية لغير الإنسان مما هو متعلق له، في مصلحته, كقوله تعالى: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ(1) أو قوله سبحانه: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً(2). وكذلك قوله تعالى: وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا(3). وكذلك تطهير البيت في أرجح التفاسير في قوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(4) أو قوله سبحانه: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(5). صدق الله العلي العظيم.
ــــــــــــــــــــ[82]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) عبس: 13-14.
(2) البينة: 2.
(3) الدهر: 21.
(4) الحج: 26.
(5) البقرة:125.
فصل
في تحديد الكر

الكر في الفقه: هو مقدار الماء المعتصم(1) الذي لا يتنجس بمجرد ملاقاة عين النجس. ما لم تتغير أحد أوصافه الثلاث: اللون أو الطعم أو الرائحة.
وقد أعطى الفقهاء له، تبعاً للروايات الواردة عن المعصومين. أسلوبين من التحديد: تحديد بالوزن وتحديد بالمساحة(2) وان اختلفوا في كمية كِلا التحديدين اختلافاً غير قليل.
والواقع ان الكر مكيال قديم كان يستعمله أهل العراق, وفرق الكيل عن الوزن هو: ان الكيل عبارة عن ملء ظرف متفق عليه اجتماعياً بمقدار معين من المال. وقد يسمى باسم معين. في حين ان الوزن عبارة عن عيار معين يوضع في إحدى كفتي الميزان وتوضع البضاعة في الطرف الآخر، وله اسم وقيمة أيضاً.
وإنما حوّلنا الأئمة المعصومون على الكر في تقدير الماء المعتصم، لأنه كان في صدر الإسلام معروفاً بين الناس. إلا ان الأجيال المتأخرة في ذلك الحين أصبحت تشك بمقداره وكانت فكرتها عنه مشوشة، فرجعوا إلى الأئمة يسألونهم عن مقداره. فأعطوهم أسلوبين من التحديد: الوزن تارة
ــــــــــــــــــــ[83]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) في مقابل الجاري الذي هو معتصم أيضاً إلا انه لم يحدد بمقدار.
(2) وهو الحجم بالاصطلاح الهندسي إلا أن لغة الفقهاء جرت على ذلك.
والمساحة أخرى.
ونحن نحتاج الآن إلى الحديث في ثلاث جهات رئيسية: إحداهما عن وزن الكر والأخرى عن مساحته والثالثة عن تطبيق الوزن على المساحة. فهل يتفقان أم يختلفان ام يكون اتفاقهما على بعض الوجوه دون بعض؟

وزن الكر:
أما وزن الكر، فهو على المشهور بين الفقهاء ألف ومائتا رطل بالرطل العراقي.
فإن الرطل في ذلك الحين، كان ثلاثة أشكال: رطل عراقي ورطل مكي ورطل مدني. فالصاع عندهم تسعة أرطال عراقية وستة أرطال مدنية وأربعة أرطال ونصف مكية.
ومعه يكون الكر حوالي 600 رطل مكي و1800 رطل مدني.
وبناءً على القول الآخر الضعيف فقهياً وهو ان الكر يساوي ألف ومائتا رطل بالمدني يكون عنده الكر 1800 رطل بالعراقي و900 رطل بالمكي, وأما كون الكر 1200 رطل مكي فهو غير محتمل فقهياً. والمهم الآن هو تطبيق هذا الوزن على الكيلو غرام المعروف في عالم اليوم.
فاذا علمنا ان الصاع حوالي ثلاث كيلو غرامات وهو أقل منها بقليل جداً(2).
ــــــــــــــــــــ[84]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) لأن : الصاع 614٬25 مثقال صيرفي
× والمثقال 4٬884 غرام
_____________
إذن, فالصاع 2999٬997 غراماً
يعني انه أقل من الثلاث كيلو غرامات بـ 0٬003.
كما قامت لدينا به الحجة الشرعية… فكما يلي:

الصاع 3 كيلو
الصاع 9 أرطال عراقية
÷
الكيلو 3 أرطال عراقية

الكيلو 3 أرطال
الكيلو 1000 غرام
÷
الرطل 333٬3 غرام
وكذلك:
الصاع 3 كيلو
الصاع 6 أرطال مدنية
÷
الكيلو 2 رطلين مدنيين
أو ان الرطل المدني نصف كيلو أو 500غرام .
ــــــــــــــــــــ[85]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
وكذلك:
الصاع 3 كيلو
الصاع 4٬5 رطل مكي
÷
الرطل المكي 0٬666 من الكيلو
ويساوي 666 غراماً .

الرطل 333٬3 غراماً
المكي 1200 رطل عراقي
×
الكر 399960 غراماً
يعني يساوي 399 كيلو أو أقل من الأربعمائة بـ 0٬040 بالدقة وبحساب الرطل المدني.
الكر 800 رطل مدني
الكيلو 2 رطل
÷
الكر 400 كيلو
ــــــــــــــــــــ[86]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
وكذلك :
الكر 600 رطل مكي
الرطل 666 غراماً
×
الكر 399600 غراماً

وهو يقرب من 400 كيلو بعد إلغاء الكسور الصغيرة.
وإذا استخدمنا وزن المثقال الصيرفي يكون الأمر كما يأتي :

الصاع 3000 غرام
الصاع 614٬25 مثقال
÷
المثقال 4٬884 غرام

وكذلك :
الصاع 614٬25 غرام
الصاع 9 رطل عراقي
÷
الرطل 68٬25 مثقال

ــــــــــــــــــــ[87]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
وكذلك :
الصاع 614٬25 مثقال
الصاع 7 رطل مدني
÷
الرطل 102٬375 مثقال

وكذلك :
الصاع 614٬25 مثقال
الصاع 4٬5 رطل مكي
÷
الصاع 136٬500 رطل مكي

وكذلك :
الكر 1200 رطل عراقي
الرطل 68٬25 مثقال صيرفي
×
الكر 81900 مثقال
ــــــــــــــــــــ[88]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
وكذلك :
الكر 800 رطل مدني
الرطل 102٬375 مثقال
×
الرطل المكي 81900 مثقال

وكذلك :
الكر 600 رطل مكي
الرطل 136٬5 مثقال
×
الكر 81900 مثقال

فإذا علمنا ان الكيلو غرام عبارة عن 204٬750 مثقال. كما يلي :
الكيلو 1000 غرام
المثقال 4٬884 غرام
÷
الكيلو 204٬750 مثقال

ــــــــــــــــــــ[89]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
فيكون :
الكر 81900 مثقال
الكيلو 204٬750 مثقال
÷
الكر 400 كيلو غرام
ومن المعلوم ان اتحاد النتيجة، من مختلف طرق الاستخراج يكون دليلاً أكيداً على صحتها.

مساحة الكر:
أخذ الفقهاء، كما في الروايات عن المعصومين، مساحة الكر بالأشبار، الذي هو المقياس المتوفر في جسم الإنسان دائماً.
إلا أنهم اختلفوا في مقداره على عدة احتمالات, نذكر أهمها في ما يلي:
الأول: ان الكر ثلاثة أشبار ونصف مكعبة. وهو يساوي 42٬875 شبراً مكعباً من الماء.
الثاني: ان الكر ثلاثة أشبار مكعبة مع حذف نصف الشبر من كل الأضلاع وهو يساوي 27 شبراً مكعباً.
الثالث: انه أربعة أشبار في أربعة في ثلاثة. وهو ينتج 48 شبراً مكعباً.
الرابع: انه ثلاثة أشبار ونصف في مثلها في ثلاثة أشبار فقط. وهو يساوي 36٬75 شبراً مكعباً.
الخامس: انه ثلاثة أشبار في مثلها في ثلاثة ونصف وهو
ــــــــــــــــــــ[90]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
يساوي 31٬5 شبراً مكعباً.
ولا نريد ان ندخل في الأدلة الفقهية على هذه الوجوه، لأنه ليس من غرض هذا الكتاب. وان كان من المعلوم ان الأحوط هو أكثر هذه الوجوه، كما ان المختار لنا منها هو الأول.
وأما قياس هذه الوجوه بالسنتمترات. فهذا يتوقف على ان نعرف مقدار الشبر من السنتيمات. والناس يختلفون في صغر أو كبر أكفّهم، ومن ثم يختلفون في مقدار أشبارهم، ولا يبعد انه مردد بين 21 سم إلى 25 سم فيكون المعدل مردداً بين 23 و23٬5 والرقم الثاني أكثر وثوقاً في النفس فيكون بناؤنا عليه.
الوجه الأول: يكون طول ضلعه: 23٬5 × 3٬5 = 82٬25 سم.
فيكون مكعبه: 556426٬390 سم3.
الوجه الثاني: يكون طول ضلعه: 23٬5 × 3 = 70٬5 سم.
فيكون مكعبه: 350402٬625 سم3.
الوجه الثالث: يكون طول ضلعه 94، 94، 70٬5 ويكون مكعبه
622938 سم3 .
الوجه الرابع: يكون طول ضلعيه 23٬5 × 3٬5 = 82٬25 وطول الثالث:
23٬5 × 3 = 70٬5 فيكون مكعبه: 476936٬906 سم3 .
الوجه الخامس: يكون طول ضلعيه 23٬5 × 3 = 70٬5 والآخر
23٬5 × 3٬5 = 82٬25 . فيكون مكعبه: 408803٬062 سم3 .
ــــــــــــــــــــ[91]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
تطبيق الوزن على المساحة:
وهو من الأفكار التي اعتاص تطبيقها على الكثيرين. إلا أننا بعد ان نعرف ان السانتيم المكعب الواحد يساوي غراماً واحداً من الماء المقطر، بل ان تعريف الغرام عند أهل الاختصاص هو ذلك: بل ان أحدهما يُعرّف بالآخر عندهم .
ويكون الكيلو غرام الواحد عبارة عن مكعب ضلعه عشرة سانتيمات= 10سم3 ، أي: 1000 سم3 وهو ما يعرف بـ«اللتر».
ومعه تكون الأرقام السابقة للتكعيب عبارة عن مقدار الغرامات التي يتكون منها الكر طبقاً لمختلف الحجوم التي سمعناها.
فكل عدد منها بالسانتيم المكعب إنما هو العدد نفسه بالغرامات فإذا أردنا ان نحولها إلى الكيلو، فليس علينا إلا تقسيمها على ألف بإرجاع الفارزة العشرية إلى اليسار ثلاث مراحل، مع إسقاط الكسور الضئيلة.
فتكون النتيجة كما يلي:
الوجه الأول: 556 كيلو غرام.
الوجه الثاني: 350 كيلو غرام.
الوجه الثالث: 622 كيلو غرام.
الوجه الرابع: 476 كيلو غرام.
الوجه الخامس: 408 كيلو غرام.
وحيث قلنا في الوزن ان الصحيح هو ان وزن الكر هو أربعمائة كيلو, فيكون الأقرب إلى هذا الوزن هو الوجه الأخير (408). ولا يكون لهذه الثمان الزائدة أهمية في العرف السوقي والفقهي.
ــــــــــــــــــــ[92]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
ولكن حيث أننا اخترنا في المساحة الوجه الأول من هذه الوجوه الخمسة، لقيام الحجة عليه فقهياً، فيصبح الفرق من الوزنين 156 كيلو غرام وهي كمية معتدٍّ بها عرفاً ولا يمكن التسامح فيها.
ومن الناحية الفقهية إذا أردنا ان نجعل أحد الدليلين قرينة على صحة الآخر. فيمكن ذلك بأحد وجوه:
أولاً: ان يتعارض الوجهان ويتساقطان. ونرجع إلى أصالة عدم الزيادة. فتكون النتيجة في صالح الأقل. وهو الوزن دون المساحة.
ثانياً: ان نقول: أنهما ليسا متساويين في النسبة ليتساقطا بل بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق. لأن الزائد -أعني المساحة- هو الأقل نفسه مع قيد الزائد وبعد تقييد أحدهما بالآخر يرجع المطلق وهو الوزن (الأقل) إلى المقيد وهو المساحة (الأكثر) فتكون النتيجة في مصلحة المساحة.
ثالثاً: ان نأخذ بما هو أوثقهما دليلاً.
ولا شك ان دليل الوزن أوثق لعدة قرائن:
1- اتفاق الروايات على كون الكر ألف ومائتا رطل مع اختلافها في المساحة.
2- الإجماع على هذا الوزن وعدم الإجماع في المساحة.
3- ان الفقهاء الذين حددوا الوزن إنما حددوه بما هو مساوٍ للأربعمائة أو أقل. ومن المسلّم لديهم انه ليس بأزيد.
إذن، فأي من هذه الوجوه تعبّر عن زيادة معتد بها ولا يمكن إسقاطها عرفاً على هذا المقدار من الوزن، فهو ليس بحجة. ولو أردنا ان نأخذ بالمساحة
ــــــــــــــــــــ[93]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
التي تكون مساوية تقريباً للوزن، فإنما هي الوجه الخامس. يعني ثلاثة أشبار في مثلها في ثلاثة ونصف.
إلا ان هذا لا ينافي ان الوجه الأول الذي اخترناه فقهياً أوفق بالاحتياط. باعتبار الحجة القائمة عليه هناك. ولا أقل -بعد التخصيص الذي ذكرناه- ان نصير إلى الاحتياط الاستحبابي.
وهنا ينبغي ان نلاحظ: ان ما دل في عدد من المصادر من حساباتهم حول وزن الكر، بأنه أقل من أربعمائة ككونه 376 كيلو غراماً. إنما هو أمر لا تسوّغه كل هذه الوجوه فقهياً. مع العلم أنهم إنما يختارون بعضها لا محالة في مساحة الكر. ولكن قّل منهم من يطبق نتيجة دليل الوزن على دليل المساحة… أو لا يوجد منهم أحد على الإطلاق!!..
هذا، ولا ينبغي ان نغفل هنا ان نذكر ان بعض أساتذتنا أخذ بنظر الاعتبار الفرق في ثقل الماء الاعتيادي عن الماء المقطر. فان السنتيمتر الواحد المكعب إنما هو غرام من الماء المقطر. وأما الاعتيادي فسيكون أثقل قليلاً، لما يختلط به من الأملاح والغبار وقدّره بنسبة 1/20 فيكون:

إلا انه من الواضح ان الحسابات التي جرت قبل قليل في وزن الماء ذي المساحة المحددة … ستكون أقل، وسيكون من اللازم زيادتها بمقدار ما . إلا ان هذا:
أولاً: ليس في مصلحتهم لأن أقل وزن حاصل في المساحة هو أكثر من أكثر وزن محتمل في طرف الاستدلال على وزن الكر. وكل الوجوه الباقية أكثر من ذلك. فكيف إذا حصلت هذه الزيادة المتوقعة من ثقل الماء الاعتيادي؟
ومن هنا يزداد الإشكال عليهم كما قلنا من حيث بعد فتواهم بالوزن عن
ــــــــــــــــــــ[94]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
فتواهم بالمساحة. لأن الشِقة ستزداد بعداً.
إلا ان الذي يهون الخطب سيكون فيما يلي:
ثانياً: ان هذه النسبة الضئيلة نسبياً 1/20 نسبة يمكن التنازل عنها عرفاً، وغير مؤثرة في الوزن تأثيراً مهمّاً من الناحية الفقهية. وخاصة في الرقم الأخير الأقل الذي عرفناه وهو 408، الأمر الذي لا تكون معه بحاجة إلى معاودة النظر في الحساب أو سلب الثقة عن النتائج التي قلناها.
ثالثاً: ان هذه النسبة تقديرية لا دليل على صدقها بالدقة. بل هي غير موافقة للاعتبار، لأن المياه الاعتيادية، وان كانت أثقل جزئياً من الماء المقطر، إلا ان نسبته قد لا تزيد على 1٪ إلى 5٪ .
وبتعبير آخر: ان المياه تختلف من حيث كمية المواد المختلطة فيها، وليس هناك تحديد دقيق للمقدار الذي تتراوح فيه أو المعدل الذي يمكن قبوله. وحسب الظاهر، فإنّ المياه التي نشربها عادة نظيفة وليس فيها إلا نسب ضئيلة جداً من المواد المختلطة.
إلا انه لا يخفى ان الرقم المستنتج سابقاً من أي من الوجوه الخمسة كلما كان أكبر كلما اضطررنا إلى زيادته برقم أكبر طبقاً لنسبة 1/20. الأمر الذي يكون أوضح في الإشكال على من يقول بتلك الوجوه ممن يقول بالوجه الأخير.
تعقيب: يمكن تطبيق الوزن على المساحة كما يلي: باعتبار ملاحظة الشبر 21سم مع ما هو المختار من كون الكر 3٬5 × 3٬5 × 3٬5 شبراً لأن: 3٬5 × 21 = 73٬5 سم و 73٬5 3= 397065٬375 سم3 وبعد تقسيمه على 1000 يحصل (397) كيلو غرام وهو مقارب جداً للمختار من ان الكر يساوي 400 كغم. غير ان الإشكال فيه من حيث تقدير الشبر كمعدل في 21 سم. فان المعدل أكثر منه جزماً كما سبق.
ــــــــــــــــــــ[95]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول

فصل
الماء

بدأ الفقهاء في الماء فقسموه إلى: المطلق والمضاف، وقسموا كِلا منهما إلى أقسامه، وأكدوا بالخصوص على أقسام المطلق من حيث أنها تختلف في الحكم الشرعي.
كما أكدوا على ان استعمال الماء كلفظ مفرد حقيقة في المطلق ومجاز في المضاف. فهل هذا صحيح، وماذا تقول اللغة؟
قالوا(1): «الماء والماء. والماء: معروف. وهمزة ماء منقلبة عن هاء بدلالة ضروب تصاريفه وتصغيره.
وماهت الركّية ظهر ماؤها وكثر. وموّه الموضع صار فيه الماء.
ويقال تموّه ثمر النخل والعنب إذا امتلأ ماء وتهيأ للنضج. ورجل ماهُ الفؤاد وماهي الفؤاد: جبان كأن قلبه في ماء. وانشد:
انك يا جهضم ماهي القلب
والأصل مائه القلب لأنه من مُهت.
وأماهت الأرض: كثر ماؤها وظهر فيها النز. وأماهت السفينة دخل فيها الماء. وأماه الرجل سقاه الماء واَمَهْتُ الدواة صببت فيها الماء. وأماه الفحل إذا
ــــــــــــــــــــ[96]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) راجع لسان العرب وغيره.
ألقى ماءه في رحم الأنثى.
وموه الشيء طلاه بذهب أو فضة. ومنه التمويه وهو التلبيس ومنه قيل للمخادع مموه. وقد موّه فلان باطله إذا زينه وأراه في صورة الحق.
وقال الليث: الموهة لون الماء يقال: ما أحسن موهة وجهه. قال ابن بحري: وجه مموّه أي مزين بماء الشباب قال رؤية:
لما أرتني خلق المموه
والموهة ترقرق الماء في وجه الشابة. وموهة الشباب حسنه وصفاؤه.
وكلام عليه موهة: أي حسن وحلاوة. وماه الشيء بالشيء خلطه وموّه عليه الخبر إذا اخبره بخلاف ما سأله عنه.
وحكي اللحياني عن الاسدي: آهة وماهة. قال: الآهة الحصبة والماهة الجُدري.
وقال في فقه اللغة(1): في تقسيم خروج الماء وسيلانه من السحاب سح من الينبوع نبع… -إلى ان قال-: من العين انسكب من الجرح ثعَّ».
وينبغي ان نلتفت بادئ ذي بدء إلى التفريق بين السائل وغيره, فقد قالوا: انك إذا أدخلت فيه إصبعك وأخرجته فلم يبقَ فيه أثر بمعنى امتلاء المكان فوراً، فهو سائل وان كان فيه أثر مهما كان قليلاً، أو كان امتلاؤه بطيئاً فهو جامد.
ومعه فالسوائل بهذا المعنى يمكن تقسيمها إلى عدة أقسام:
أولاً: الماء الطبيعي القابل للشرب.
ــــــــــــــــــــ[97]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) ص 285.
ثانياً: الماء غير القابل للشرب، كماء البحر أو المياه المعدنية.
ثالثاً: السوائل التي تكون كثافتها وقوامها مشابهة للماء، بحيث لا يفرق بالنظر العرفي بينهما كماء العنب بعد تنقيته من كل الجزئيات المرئية فيه… وكذلك الدمع.
رابعاً: السوائل التي تكون أكثف قواماً من الماء بطبعها، كبعض الأدوية والدبس.
يبقى بعد هذا أنواع أخرى مما يطلق عليها الماء ليست من السوائل. كما يلي، إلا أننا نذكر بالتسلسل السابق:
خامساً: الثلج, وهو الماء المتجمد بالبرد.
سادساً: السوائل الخالية من الرطوبة. التي لا يدخل فيها عنصر الماء بالمرة. كالزئبق والمعادن الذائبة بالحرارة.
سابعاً: الرطوبة. وخاصة إذا أصبحت بحيث تكون قابلة للتقاطر.
ثامناً: ماء الوجه. الذي هو تعبير عرفي عن أمرين غير مترابطين بالمباشرة:
أحدهما: غضارة الشباب وحسنه. وهو الذي سمعناه من كلمات اللغويين.
ثانيهما: شرف الفرد وعِرضه فان إراقة ماء الوجه في العرف إنما هو ما يوجب الذلة عندهم وأهم أمثلته عندهم الـﮕـدية. ومنه قيل: السؤال ذل ولو أين الطريق.
فأي من هذه الأقسام تسمى ماء على وجه الحقيقة وأي منها يسمى ماء على وجه المجاز.
وينبغي ان نلتفت أولاً إلى ان الماء كأي ماهية وحقيقة عرفية أخرى،
ــــــــــــــــــــ[98]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
يحتاج إلى حجم أو كمية معينة مدركة بالحس عرفاً ليكون مصداقاً للحقيقة، يعني لكي يسمى ماء.
فلو كانت الحقيقة غير مدركة بالحس عرفاً، وكانت من الصغر بحيث لا تحس، لم تندرج في المصاديق، وان كانت كذلك بالدقة العقلية أو العلمية. فالجزيء الواحد -مثلاً- للماء (HO) الذي يتحدث عنه الكيمياويون والفيزيائيون هو ماء بالدقة إلا انه ليس ماء عرفاً. لأنه من الضآلة بحيث لا وجود عرفي له.
نعم، لو اجتمعت جزيئات عديدة منه، بحيث أحس بها العرف، دخلت في مصطلحه عندئذ تحت مفهوم الماء.
خذ إليك مثلاً، جزيء الهواء فانه ليس بهواء، بل هو أحد الغازات المختلطة فيه، كما ان جزيء الدم ليس بدم لأنه أصغر بكثير من الكريات الحمر فضلاً عن البيض.
والمهم ان كل ماهية عرفية تحتاج إلى حجم معين لكي تندرج تحت صدقها. وهذا الحجم تابع للفهم العرفي، فقد يكون كالجزيء الذي ذكرناه. وقد يكون أكبر من ذلك. كما لو وجدت بنيّة صغيرة لا تعدو ان تكون متراً أو مترين مكعبين فإنها لصغرها لا يسميها العرف (داراً)… وهكذا.
نعود الآن للمعاني الثمانية لندقق في حقيقة تسميتها.
وينبغي بهذا الصدد ان نخرج عن حيز الشك عن عدة هذه المعاني فبعضها هي (ماء) باليقين وهو القسم الأول منها.
وكذلك القسم الثاني كماء البحر والمياه المعدنية، ويندرج فيه ما يسمى بالماء الثقيل (HO) الذي يكون فيه ثلاثة أجزاء من الهيدروجين بدل الجزئين في الماء العادي. إلا انه لا يفرق في لونه وكثافته وان فرُق عنه في أثره لأنه
ــــــــــــــــــــ[99]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
يصبح مادة سامة عندئذ.
والمهم من الناحية العرفية والفقهية ان هذه المواد العالقة لا تخلُ في تسميته بالماء. لقِلّتها النسبية أولاً وانحفاظ شكله الخارجي من لونه وريحه وكثافته عرفاً.
نعم، لو زادت المواد العالقة، بشكل ملفت للنظر، كان ذلك سبباً للشك في صدق الماهية، كما لو ألقيت في الماء ملحاً أو تراباً أو طحيناً بالتدريج. حتى ما إذا بدأت تتزايد كميته يبدأ الشك في بقاء كونه ماء. وان كان في بعض مراحله يمكن استصحابه ان كان له حالة سابقة.
هذا، وينبغي ان نخرج عن حيز الشك سلفاً من حيث ان القسم الرابع والخامس والسادس، ليس ماء بالمرة.
والقسم الوحيد منها الذي يكون قابلاً للمناقشة، هو الثلج بصفته مصنوعاً من الماء وآيلاً إليه. إذن فهو ماء.
إلا ان هذا الفهم ليس عرفياً، فإن الوجدان العرفي حاكم بأن حقيقة الجليد غير حقيقة الماء. وان التجمد من قبيل تبدل الحقيقة كما يحدث عند تبدل الخشب إلى الفحم أو الماء إلى البخار أو اللحم إلى التراب والمادة الأصلية وان كانت موجودة، إلا ان المهم فقهياً هو الصدق العرفي لا الدقة العقلية.
ونفس الشيء نقوله في البخار -بلا شك- فهو ليس ماء وان كان كالثلج من هذا الناحية، ناشئاً من الماء وعائداً إليه في الأغلب إلا انه حقيقة مستقلة عن الماء عرفاً.
كما ينبغي ان نلحق بهذه الأقسام: القسم السابع، وهو الرطوبة فإنها ليست ماء عرفاً، حتى وان كانت متوفرة وكثيرة، ما دام صدق الرطوبة عليها باقياً.
والسر في ذلك عرفاً: ان الرطوبة المائية، تعتبر عَرَضاً أو صفة للجسم
ــــــــــــــــــــ[100]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
الذي تكون عليه وليس لها حجم مستقل أو وجود منظور، كاللون. وان كانت بالدقة ناشئة من الماء أو هي ماء فعلاً.
ويلحق بالرطوبة، مياه الفواكه الناضجة قبل عصرها، يعني حال وجودها الطبيعي في الفاكهة. فإنها ليست ماء. وإنما هي مواد معينة مناسبة مع وضع الفاكهة، قابلة للتحول بسرعة نسبية إلى ماء بمجرد الضغط. وهذا واضح علمياً فضلاً عن العُرف.
وإنما المهم في المناقشة بين الفقهاء هو صدق الماء على القسم الثالث، الذي يسمونه عادة بالماء المضاف فهل هو ماء بالمعنى الكامل أم لا؟
والمشهور جداً هو انتفاء كونه ماء. وأهم شواهدهم على ذلك صدق النفي وكذب الحمل. فلو قلت لماء الرمان: هذا ماء. لم يصدق عرفاً ولو قلت: انه ليس بماء وافقك العُرف.
إلا ان هذا حق بلا شك لو قصدنا من الماء، وجوده الطبيعي الخالص. لأن هذا القسم الثالث ليس بخالص. فيكون قصده منه مخالفاً للواقع.
إلا ان الذي يمكن ان يدّعى هنا أحد أمرين:
الأمر الأول: ان الماء موضوع للجامع بين الأمرين، يعني للمفهوم العام المنطبق على الماء المطلق والماء المضاف. لا بشرط من حيث الصفتين يعني غير مقيد بكونه صافياً أو خليطاً.
الأمر الثاني: ان الماء موضوع بوضعين لغويين، أحدهما للفرد والآخر للجامع. يعني مع اشتراط أحد الوضعين بالصفاء والإطلاق وعدم اشتراط الآخر. والأثر العملي للوضع الثاني هو الصدق الحقيقي اللغوي والعرفي للفظ الماء على الماء المضاف.
وبهذا الوضع الثاني يجاب، بكل بساطة، عن صدق النفي وكذب الحمل.
ــــــــــــــــــــ[101]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
فإننا ان قلنا لماء الرمان انه ماء وقصدنا الوضع الأول المقيد بالصفاء، فانه كاذب لا محالة. أما إذا قصدنا الوضع الثاني، فهو صادق بالضرورة، فانه مصداق من تلك الحقيقة بلا إشكال.
هذا, ولكن ذلك متوقف على وجود أحد الوضعين اللذين أشرنا إليهما. فلا بد من تمحيصهما عرفاً.
أما الأمر الأول: الذي ندّعي فيه ان الماء موضوع للجامع من دون ان يكون موضوعاً للخالص. فهو محل للمناقشة لأن الوجدان العرفي قاضٍ بصدق الماء بحده على الخالص بقرينة التفاته أحياناً إلى كذب الحمل إذا قصدنا الماء المضاف. الأمر الذي يدل على وجود وضع للماء الخالص بحده.
أما نفي الوضع الآخر الذي قلناه في الأمر الثاني.. فهو مجازفة. وقابل للمناقشة، لوجود الوضوح العرفي بصدق الماء -بالمعنى الجامع أو العام- على عصير الفواكه وأشباهه, وضابطه ما قلنا, من ان السائل مشابه في الكثافة عرفاً مع الماء, وان لم يكن كذلك بالدقة.
والتقريب الملفت إلى ذلك عرفاً: هو ان العرف يرى هذه السوائل كالماء الطبيعي. من حيث أسلوب امتصاصها وبلعها، وكذلك إروائها النسبي عن العطش، وخاصة مع بردها النسبي وهو -أعني العرف- يلتفت إلى الفرق بين ماء الرمان -مثلاً- والدبس من حيث الازدراد.
نعم, تبقى هنا مناقشتان لا بد من عرضهما:
المناقشة الأولى: ان المياه المضافة كلها ذات لون ورائحة وطعم متميز. في حين ان الماء الاعتيادي خالٍ من هذه الأوصاف كلها.
وجوابها: ان هذه الأوصاف غير مضرة بصدق الحقيقة، وأوضح تقريب لذلك: هو انك لو ألقيت على الماء الصافي شيئاً. يكسبه اللون أو الطعم أو
ــــــــــــــــــــ[102]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
الرائحة لم يخرج عن كونه ماء حقيقة باعتراف الفقهاء أنفسهم. فكذلك الحال ما كان الوصف موجود فيه منذ أول تكونه.
مضافاً إلى ان العرف حين يسمى هذه السوائل ماء، ملتفت بالضرورة إلى صفاتها ومع ذلك لم يكن له مانع من التسمية.
المناقشة الثانية: ما قاله في المستمسك من ان المياه المضافة حقائق متعددة وليست حقيقية واحدة كالماء المطلق.
فقد يقال: انه كيف يمكن ان يوضع اللفظ لحقائق متعددة في الماهية. بل هذا إما ان نقول باستحالته عرفاً أو ان نعترف بتعدد الوضع فيه بعدد الماهيات. وهو خلاف الضرورة.
ونحن لا نضايق من ناحية تعدد الماهيات، إلا ان وضع لفظ واحد لماهيات متعددة غير قليل لغة وعرفاً. فإذا تعدينا لفظ الشيء أو لفظ الموجود الذي ينطبق على أجناس متعددة، بدون ان يكون هو جنساً بدوره. فان هناك ما هو أوضح من ذلك. كالوحش والسبع المنطبق على أنواع متعددة والأنعام والحشرات المنطبقة على أنواع، وليست هي من قبيل الجنس المنطقي أو الماهية، وإنما هي عناوين انتزاعية لأصناف مندرجة تحت ماهية الحيوان. مع ان صدقها الحقيقي الدال على الوضع وجداني.
إذن، فهاتان المناقشتان غير واردتين.
والدليل على الموضع الأعم الذي ندّعيه، من كلمات اللغويين: ما نقلناه عن (الثعالبي) حين يتحدث عن الماء: «من العين انسكب، من الجرح ثعَّ»، إذ من الواضح ان ما يخرج من العين والجرح ليس هو الماء الصافي بل مواد أخرى. في حين انه لم يفرق في سياق كلامه بينهما وبين الماء النازل من السحاب أو النابع من الأرض.
ــــــــــــــــــــ[103]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
وكذلك التعبير بماء العمى: الماء الأبيض والماء الأسود. فإنها مواد سائلة ليست من الماء الصافي طبعاً. وهذا التعبير سارٍ عرفاً بوضوح ولا يحتاج إلى قرينة.
وكذلك تعبير اللغويين عن المني انه ماء الرجل(1).
ولو استعرضنا ما في الآيات الكريمة من استعمالات الماء في غير الصافي لم نجدها قليلة. مع أننا لا نجد فيها كلفة أو قرينة:
منها: ما كان بمعنى المني. كقوله تعالى: وَاللَّـهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ(2). وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا(3). وقوله: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ(4) وغيرها.
ومنها: ما كان على غرار ذلك، وهو قوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ(5).
ومنها: صديد جهنم. كقوله جل وعلا: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ(6). وقوله تعالى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا(7). وقوله تعالى: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ(8). ومن الواضح ان الماء الاعتيادي مهما كان حاراً لا ينتج تقطع
ــــــــــــــــــــ[104]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) انظر : لسان العرب: مادة (مني).
(2) النور: 45.
(3) الفرقان: 54.
(4) المرسلات: 20.
(5) الانبياء: 21.
(6) ابراهيم: 16.
(7) الكهف: 29.
(8) محمد : 15.
الأمعاء.
بل ورد الماء في القرآن الكريم مستعملاً بالمعنى المعنوي…الذي لا يدركه إلا الراسخون في العلم. وهو قوله تعالى: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا(1).
وورد التعبير عن البول بالماء في بعض الأخبار، يقول فيه: «وإنما هو ماء»(2).
وقد يستشكل في المني، بأنه ليس من القسم الثالث الذي نتحدث عنه بل من الرابع، لأن كثافته أكثر من الماء بشكل واضح. وعليه فيتعين ان يكون استعمال الماء فيه مجازاً.
وجوابه من عدة وجوه، نذكر منها:
أولاً: لا نسلم بأن كثافته حال حرارته وتدفقه أكثر من الماء بشكل ملفت للنظر عرفاً. وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
ثانياً: انه حتى مع تسليمه، فإننا لا نسلم بوجود القرينة عليه في الاستعمال، واستعمال المجاز بدون قرينة خطأ. فيتعين كون استعماله حقيقياً.
وعندئذ نقول: انه إذا كان المني الذي هو كثيف نسبياً يصدق عليه الماء فكيف بما هو أخف منه من السوائل المضافة.
ثالثاً: لو تنزلنا عن المناقشتين السابقتين، فإن غاية ما يحدث عزل الاستشهاد بالمني. ويبقى الاستشهاد بالسوائل الأخرى الخفيفة القوام قائماً. كالدمع والقيح والبول وصديد جهنم.
ــــــــــــــــــــ[105]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) هود: 7.
(2) الوسائل, ج1, ابواب النجاسات باب: 1, الحديث: 7.
يبقى الحديث، بعد كل هذا، عن ماء الوجه، وهو القسم الثامن. وقد ادعى بعض أساتذتنا فيه الاستعمال الحقيقي، وإننا لا نجد وجداناً قرينة أو حاجة إلى القرينة في استعماله. وإذا تم ذلك للفقيه، فانه سوف يتورط في استكناه المفهوم الجامع أو الماهية المشتركة بين الماء الصافي وماء الوجه.
والذي يمكن ان يقال في هذا الصدد: ان الأصل في هذا الاستعمال انه مجازي بلا إشكال, ناشئ من ان الوجه قد يكون أبيض بخلقته أو قد يكون رطباً فتعكس ذرات الماء الذي عليه نوراً في النهار، فيجده الناظر لطيفاً. أو ان مجرد رطوبة الوجه تجعله ألطف. أو ان ليونة لحم الوجه ورطوبته، بمعنى من المعاني المجازية دعى إلى هذا الاستعمال.
ومن هنا تم استعمال ماء الوجه في غضارة الشباب وحسنه.
ومنه انتقل الاستعمال إلى المعنى الثاني. لأنهم وجدوا من خلال المعنى الأول ان الوجه المحتوي على (الماء) يكون أفضل حالاً من الوجه الذي لا ماء فيه. فاشتقوا ذلك إلى العزة والذلة الاجتماعية فقالوا في العزيز اجتماعياً: ان ماء وجهه محفوظ, وفي الذليل ان ماء وجهه ساقط. والعياذ بالله.
لأن العزة والذلة أول ما تبدو على الوجه، كما هو معلوم. والعزة هو الجانب الأفضل والأقوى، فمثلوها بالجانب الأفضل من المعنى الأول، فاستعملوا ماء الوجه فيه.
ونلاحظ ان استعمال ماء الوجه في هذا الوجه أوسع من الوجه الأول. فان انعدام ماء الوجه في الوجه الأول، مسكوت عنه لغة، على حين ان انعدامه بالمعنى الثاني يلتفتون إليه ويعبرون عنه بالسقوط والإراقة: أراق ماء وجهه، وهو ساقط. ونحو ذلك.
ــــــــــــــــــــ[106]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
ومن نقاط قوته أيضاً: أننا لا نحتاج فيه إلى السؤال عن استعمال الوجه بالخصوص. لأن ظهور العزة والذلة إنما تبدو في الوجه. بخلاف المعنى الأول. فان غضارة الشباب موجودة في كل البدن. فلماذا اختير الوجه بالتعيين. مع وضوح عدم صحة إضافته لأي جزء آخر غير الوجه، وتأمّل تَعرِف.
كما نلاحظ ان الاستعمال المجازي بدأ بالمعنى الأول ثم انتقل إلى الثاني. من باب سبك المجاز بالمجاز. يعني الانتقال من معنى مجازي إلى آخر بقرينة أو فذلكة مجازية ثانية.
هذا، ولا يبعد ان يكون هذا الاستعمال واسعاً في اللغة، إلى حد لا يحتاج إلى قرينة. فالتسليم بكونه حقيقة غير بعيد. وهو الموافق مع ظاهر كلام اللغويين.
إلا ان نقطة الضعف الرئيسية في ذلك هو انعدام الماهية المشتركة بين ماء الوجه والماء المطلق. ولا يمكن ان نستعمل ما ذكرناه من العلاقات المجازية كوسيط في ذلك. لغرض الاستغناء عنها عند الاستعمال الحقيقي.
ومعه فلا بد من اتخاذ إحدى خطوتين:
الخطوة الأولى: ان ننفي كونه استعمالاً حقيقياً باستمرار. ونقول: ان استغناء استعماله عن القرينة باعتبار كونه مجازاً مشهوراً. وهو لا يحتاج إلى القرينة، كما اتفق عليه علماء البلاغة والعربية.
وكونه مستعملاً في اللغة ومشروحاً في القواميس اللغوية لا يعني كونه حقيقة. لأن الاستعمال اعم من الحقيقة.
إلا انه يرد ذلك، كون الأصل في الاستعمال هو الحقيقة مع الشك، ما لم
ــــــــــــــــــــ[107]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
يثبت الخلاف. كما هو مقرر في علم الأصول.
الخطوة الثانية: ان نقول في هذا الاستعمال بوضع مستقل بعد ارتقائه إلى الحقيقة واستغنائه عن القرينة. فقد أصبح استعمالاً حقيقياً بوضع جديد. ومعه لا نحتاج إلى ان نتجشم تصور ماهية مشتركة منه ومن الماء الصافي، لأن ذاك موضوع بوضع آخر.
إلا ان هذا ينتج بعد كل هذا الذي قلناه. ان للماء ثلاثة أوضاع لغوية مستقلة:
الأول: وضعه للماء الصافي وحده.
الثاني: وضعه للسوائل المماثلة في الكثافة للماء.
الثالث: وضعه لماء الوجه.
وتعدد الوضع ليس محذوراً على أي حال، فإن دل عليه الدليل فلا بأس من الالتزام به.
إلا انه مع ذلك يبقى فرق مهم في الاستعمال بين الوضعين الأولين والثالث. فان الأولين لا يحتاجان إلى قرينة. إلا من حيث القرينة المعينة للمعنى الثاني عن الأول.
بخلاف المعنى الثالث، فإننا إذا أطلقنا الماء -يعني قلنا ماء وسكتنا- فإننا لا يمكن ان نفهم منه ماء الوجه بحال. ومن هنا يمكن القول بأن لفظ الماء المضاف إلى لفظ الوجه(1) هو الموضوع بهذا الوضع الثالث.
بقي من الضروري في نهاية المطاف الالماع إلى نقطة ضرورية: وهي ان الوضع الثاني وان كان ثابتاً ظاهراً إلا انه -كما اشرنا قبل قليل- يحتاج إلى
ــــــــــــــــــــ[108]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) أو إلى الشباب كما سمعناه من اللغويين.
القرينة الممِيزة له عن الموضوع له الأول، أي الماء الصافي. غير ان الوضع الأول للماء الصافي لا يحتاج إلى أي قرينة. وهذه هي نقطة قوته على البواقي.
ومعه، فإذا سمعنا أو وجدنا لفظ الماء مستعملاً وحده، فهو لا يراد به إلا الماء الصافي. وهو معنى الماء المطلق فقهياً، يعني غير المقيد بشيء والمستعمل وحده.
والمياه المضافة، ماء بالوضع الثاني. ولا يكون استعماله وحده بها مجازاً ولا غلطاً. إلا انه ينبغي الإفهام بإرادته، يعني بعزله عن المعنى الأول.
وعليه، فما قاله سيدنا الأستاذ(1)من ان تقسيم الماء إلى مطلق ومضاف تقسيم مجازي ليس بصحيح…بل هو تقسيم حقيقي طبقاً للوضع الثاني. وإنما نشأ رأيه باعتبار إسقاط الوضع الثاني عن نظر الاعتبار متابعة للمشهور.
وإذا اتسعنا قليلاً في كلمات اللغويين أمكننا ان نقول: ان العرب بعد ان وجدوا ان التشبيه بالماء يعطي معنى الحسن والنضارة، انتقل استعمالهم بهذه القرينة إلى أمرين:
الأمر الأول: وصفوا حسن الكلام بالماء. فقالوا: كلام عليه موهة, أي حسن وحلاوة.
الأمر الثاني: وصفوا الجسم المصبوغ بالذهب أو الفضة بالماء، لما فيه من الجمال واللميع. فقالوا: مموه بالذهب أو الفضة.
ومن هنا حصل انتقال آخر, وهو ان الصبغ بالذهب أو الفضة إنما هو صبغ بطبقة معدنية تمنع الرؤية عما تحتها. ومن هنا كان التمويه هو الخداع والتلبيس
ــــــــــــــــــــ[109]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) التنقيح, ج1, ص12.
لأنه يحجب الرؤية عن الفكرة الصحيحة أو التصرف الصحيح. ومنه تمويه الباطل وإظهاره بصورة الحق ومنه موّه عليه الخبر إذا أخبره بخلاف ما سأله عنه. كما سمعنا فيما سبق.
إلا ان هذه الانتقالات، وان كانت في أصلها من باب سبك المجاز بالمجاز، إلا أنها لكثرة الاستعمال والاستغناء عن القرائن أصبحت حقائق، كما يحكم الوجدان بعدد منها، إن لم يكن بالجميع.
ــــــــــــــــــــ[110]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول

فصل
في النية

في النية جانبان أساسيان غير متنافيين، بمعنى إمكان اجتماعهما في كثير من الأحيان. وهما: الجانب الأخلاقي والجانب الفقهي. فالجانب الأخلاقي يتكفل ضرورة سلامة النية عن نوايا العدوان والشك والشرك والعجب والرياء. وبالنتيجة: ان يصبح القلب سليماً من كل سوء.
والجانب الأخلاقي الفقهي يحتوي بعد الفتوى بوجوب النية في أي عبادة، وتفاصيل هذه النية وأوصافها.. يحتوي على تفاصيل أدق، من حيث إمكان التعليق أو التردد أو الرجاء في النية.
وأول مرحلة في الحديث عن النية إنما هو في تحديد حقيقتها، بحيث تكون مصداقاً متكاملاً للجانب الفقهي أولاً والأخلاقي ثانياً.
وينبغي البدء بالتعريف الفقهي:
والمعروف بين الفقهاء والمتأخرين بل المشهور بينهم أجمعين. ان النية: «هي الإخطار الذهني لمعنى العمل الذي يقوم به». فحين يصلي الفرد يذكر في ذهنه أو يتذكر الأوصاف الرئيسية لصلاته من الوجوب والقربة والأداء والعنوان كصلاة الصبح.
إلا ان جماعة من المتقدمين أوجبوا ولو احتياطاً ان يذكر الفرد هذه
ــــــــــــــــــــ[111]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
التفاصيل لفظياً. كما ان جماعة من المتأخرين بما فيهم سيدنا الأستاذ حذفوا حتى الإخطار الذهني، باعتبار ان العبادات الشرعية كغيرها من الأفعال الاختيارية يكفي فيها القصد الارتكازي الذي يندفع الفرد على أساسه للعمل. ومن المعلوم ان الناس حين يعملون لا ينوون لا بنحو اللفظ ولا بنحو الإخطار، وإنما فقط بنحو الارتكاز، الذي هو النية الضرورية الموافقة لكل عمل.
ولا دليل شرعاً على ما هو أكثر من ذلك, وهو الصحيح. فان الأدلة الناطقة بوجوب العبادات، وتفاصيلها، ليس فيها ولا مجرد إشارة إلى النية التي تَعبّدنا بها الفقهاء أجيالاً متطاولة.
والمورد الوحيد الذي وردت الإشارة فيه إلى ذلك، هو الحج كما هو معلوم للمتتبع، ولا حاجة إلى تفصيله. وستأتي الإشارة بعونه تعالى إلى ما هو الحكمة المحتملة من الفرق بين الحج وغيره في ذلك.
وإذا أخذنا الجانب الأخلاقي من زاوية التصور الفقهي، نجد ان الفقهاء يقولون بوجوب الإخلاص في العبادة، وأنها إذا جاء بها الفرد رياءً كانت باطلة، على حين إذا حصل للفرد العُجب بعبادته والرضا عنها لم تبطل ولكنها تكون معدومة الثواب.
أما التفاصيل الأخرى من إخلاص النية، فهي مهملة فقهياً، لأنها غير داخلة في نظرهم في صحة العبادات.
وقصد الرياء والعُجب عندهم يحتمل تفسيرين:
التفسير الأول: ان يكون قصد ذلك، كقصد تفاصيل النية الواجبة. ان كانت باللفظ أو الإخطار أو الارتكاز.
ــــــــــــــــــــ[112]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
وحيث اشترط المشهور الإخطار، كان اللازم إخطار الرياء في الذهن عن قناعة، لتكون العبادة باطلة. وأما إذا كان موجوداً ارتكازاً فقط، فهو غير كافٍ في البطلان، لأنه ليس مصداقاً حقيقياً للنية.
التفسير الثاني: ان الجانب الأخلاقي يؤخذ فقهياً بشكل أعمق من الجانب الآخر. فبالرغم من ان الفقيه قد يفتي ولو احتياطاً بوجوب الإخطار الذهني، إلا انه يفتي بالبطلان حتى مع وجود الرياء الارتكازي أو العجب وهذا هو المشهور. وهو -كما هو واضح- تهافت في فهم النية، إلا ان يكون مبنياً على الاحتياط أيضاً.
إلا ان القائل بالاكتفاء بالنية الارتكازية حتى في تفاصيل أوصاف العبادة، يكون في فسحة من هذه الناحية، لأن الرياء الارتكازي يكون منوياً بطبيعة الحال. وان لم يخطر في الذهن بوضوح.
وإذا أخذنا الجانب الأخلاقي الخالص، لم نجد هذه الظواهر الذهنية ونحوها، التي اهتم بها الفقه، إلا مجرد ظواهر لأسباب أعمق منها، مرتكزة في القلب أو النفس، وهي التي تكون منشأ لعدد لا يحصى من الأفكار والتصرفات في الفرد، بل قد تكون هي المسيّرة له والحاكمة عليه طول عمره.
ومن هنا، جاء مفهوم سلامة القلب ومفهوم مرضه، الذين نطق بهما القرآن الكريم.
قال الله سبحانه: إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(1). ولئن كانت هذه الآية الكريمة خاصة بالنبي إبراهيم الخليل، فإن هناك آية عامة وهي قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(2).
ــــــــــــــــــــ[113]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الصافات: 84.
(2) الشعراء: 89.
وكذلك طهارة القلب وهدايته, قال سبحانه: ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ(1) وقال: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّـهِ يَهْدِ قَلْبَهُ(2).
وفي مقابل ذلك مرض القلب، قال سبحانه: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا(3) وقال: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ(4)وكذلك الزيغ, قال سبحانه: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ(5). والنفاق, قال سبحانه: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ(6)، والريب, قال تعالى: وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ(7). إلى غير ذلك من أمراض القلب وأسوائه.
وللجانب الأخلاقي مستويات متعددة، تتصاعد مع الإنسان بتصاعد معنويات إيمانه. بل ذكرنا في بعض كتاباتنا ان الكمال غير متناهي الدرجات، فكلما وصل الفرد إلى درجة استحق بعمله ان يدخل الدرجة الأخرى. فإن عمل له العمل اللائق به، فإنه يصل إليه لا محالة. لأن الله تعالى كريم لا بخل في ساحته، فلا يحجب الأمر المستحق عن مستحقه.
ويمكننا الآن ان نذكر ثلاث درجات من هذا الجانب:
الدرجة الأولى: ترك الحقد على الغير ومحاولة الإيقاع به وإضراره وزيادة على ذلك فان الأفضل ان يريد الخير للآخرين ويعمل على ذلك.
ــــــــــــــــــــ[114]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الأحزاب: 53.
(2) التغابن: 11.
(3) البقرة: 10.
(4) المائدة: 52.
(5) آل عمران: 7.
(6) التوبة: 77.
(7) التوبة: 45.
وهذه الدرجة هي أقصى ما وصل أو يمكن ان يصل إليه أهل الدنيا، الغالب عليهم التكالب على المتاع الرخيص، وحب المال والشهوة والنساء، الأمر الذي يحدو بالفرد ان يؤذي الآخرين بما أوتي من قوة ومكر في سبيل جلب الخير لنفسه ودفع الشر عنه، في حدود فهمه.
فإذا بلغ كمال الفرد الدنيوي إلى درجة ترك فيها هذه التصرفات ولم يضمر الشر للآخرين، بل وعمل أيضاً لخيرهم كان هو الكامل الأفضل في نظرهم.
وهذه الدرجة بالرغم من أنها العليا في نظرهم، إلا أنها تعتبر أخلاقياً من أدنى الدرجات في التكامل الإنساني. إذ بدونها من غير المحتمل ان ينال شيئاً من الكمال الحقيقي. وسيكون من الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(1).
الدرجة الثانية: الصبر والتسليم ونتيجة ذلك عدة أمور: منها: القناعة بما جاءه من الدنيا والصبر عما لم يحصل عليه، ومنها: الصبر على البلاء الوارد عليه كالفقر والمرض وغيرها، وعدم الاعتراض على القدر الإلهي فيه، ومنها: كتم الغيظ والحُلُم على تجاوزات الآخرين، في حدود ما هو الممكن والمناسب فانه من الصبر والتحمل الضروري من هذه الدرجة.
الدرجة الثالثة: التقوى والرضا ونتيجة ذلك عدة أمور: منها: ان تصبح الفقرات التي قلناها في الدرجة الثانية واضحة في الذهن وبسيطة في النفس، بل ضرورية بوضوح وطيّبة على الفرد لما يرى الإنسان لها من نتائج الكمال.
ومنها: الورع عن الشبهات، حيث يكون الفرد في درجة من التفكير، بحيث لا يُقدِم على قول أو فعل إلا مع إحراز صحته في نظره، دون الموارد المشكوكة والمشبوهة، بطبيعة الحال.
ــــــــــــــــــــ[115]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) المائدة: 41.
ومنها: الاهتمام بالعدل، مهما أمكن في علاقة الفرد بأي شيء حوله: في علاقته بربه أو علاقته بأسرته أو بأصدقائه أو بمجتمعاته أو بأمواله أو بنفسه نفسها.
ومنها: درجة من درجات الضغط على النفس التي تصعب عليها أمثال هذه الخطوات التي سمعناها… وحملها على التكيف للأفكار الصحيحة التي يؤمن بها الفرد ويحاول ان يطبقها جهد الإمكان.
هذا بطبيعة الحال، مع الالتزام بواجبات الشريعة ومحرماتها إذ بدونها لا يمكن ان يصل الفرد إلى مثل هذه الدرجة.
وهنا لم نذكر الزهد بالطعام واللباس ونحوه. لأن هذا حال قد يمر به الفرد قبل ذلك أو بعده… وقد لا يمر به أصلاً. وإنما ينبغي ان نذكر الزهد هنا بالمعنى الذي ورد تفسيره في أحاديث أهل البيت:
ففي الحديث(1) عن أمير المؤمنين قال فيه: “الزهد في الدنيا قصر الأمل”.
وفي الحديث(2) عن أبي عبد الله: “أورع الناس من وقف عند الشبهة. أعبد الناس من أقام الفرائض. أزهد الناس من ترك الحرام. أشد الناس اجتهاداً من ترك الذنوب”.
أقول: كل فرد حسب فهمه للذنوب، بعد ان نعرف ما ورد عنهم من ان “حسنات الأبرار سيئات المقربين”.
وعن أبي الحسن الرضا: “لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون فيه
ــــــــــــــــــــ[116]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الخصال, ص14.
(2) نفس المصدر, ص16.
ثلاث خصال: سُنّة من ربه وسُنّة من نبيه وسُنّة من وليه، فالسُنّة من ربه كتمان سره؛ قال الله عز وجل: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ(1).
وأما السُنّة من نبيه فمداراة الناس، فان الله عز وجل أمر نبيه بمداراة الناس. فقال: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ(2). وأما السُنّة من وليه فالصبر في البأساء والضراء. فان الله عز وجل يقول: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ(3)”.
وعن أبي عبد الله عن أبيه قال: “لا يؤمن رجل فيه الشح والحسد والجبن. ولا يكون المؤمن جباناً ولا مريضاً ولا شحيحاً”(4).
وعن الصادق جعفر بن محمد: “مطلوبات الناس في الدنيا الفانية أربعة: الغنى والدعة وقلة الاهتمام والعز.
فأما الغنى فموجود في القناعة، فمن طلبه في كثرة المال لم يجده. وأما الدعة فموجودة في خفة المحمل. فمن طلبها في ثقله لم يجده. وأما قلة الاهتمام فموجودة في قلة الشغل، فمن طلبها في كثرته لم يجدها. وأما العز فموجود في خدمة الخالق، فمن طلبه في خدمة المخلوق لم يجده”(5).
وإذا انتهى عندنا التعريف الفقهي والأخلاقي للنية يحسن ان نستنطق اللغة لنجد رأيها في معناها:
ــــــــــــــــــــ[117]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الجن: 26-27
(2) الأعراف: 199
(3) البقرة: 177
(4) نفس المصدر, ص83.
(5) نفس المصدر, ص198.
قالوا(1): «نوى الشيء نيّة ونية بالتخفيف وانتواه كلاهما: قصده واعتقده، ونوى المنزل وانتواه كذلك. والنية: الوجه يذهب فيه. الجوهري: والنية والنّوَى الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بُعد. وهي مؤنثة لا غير.
وانتوى القوم إذا انتقلوا من بلد إلى بلد. الجوهري: وانتوى القوم منزلاً بموضع كذا وكذا واستقرت نواهم أقاموا.
والنوى الدار. والنوى التحول من مكان إلى مكان آخر أو من دار إلى دار غيرها، كما تنوي الأعراب في باديتها.
الناوي: الذي أزمع على التحول والنوى النية وهي النية مخففة. ومعناها القصد لبلد غير البلد الذي أنت فيه مقيم. وفلان ينوي وجه كذا: أي يقصده من سفر أو عمل، والنوى للوجه الذي نقصده.
وقوله في حديث ابن مسعود: من ينوِ الدنيا تعجزه: أي من يسع لها يخب. يقال: نويت الشيء إذا جددت في طلبه. وفي الحديث: “نية المرء خير من عمله”.
ويقال: لي في بني فلان نواة ونية: أي حاجة. ورجل منوي ونية منوية إذا كان يصيب النجعة المحمودة وأنوى الرجل إذ كثرت أسفاره».
ويتحصل من كلام اللغويين هذا عدة معانٍ للنية:
أولاً: القصد.
ثانياً: الاعتقاد.
ثالثاً: الوجه أو الاتجاه الذي يذهب إليه.
ــــــــــــــــــــ[118]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) انظر لسان العرب وغيره.
رابعاً: الإزماع على التحول.
خامساً: الجد في الطلب.
سادساً: الحاجة.
سابعاً: كثرة السفر.
وإذا أرجعنا هذه المعاني إلى معنى بسيط أو مادي، كان الثالث هو الأصل، وهو اتجاه السفر أو الذهاب. وحيث يكون لهذا الاتجاه عدة عناصر، تكون النية شاملة لها جميعاً.
الأول: الإزماع إلى الذهاب قبل المباشرة به. وهذا هو المعنى الرابع.
الثاني: المباشرة بالذهاب وتطبيقه.
الثالث: الجهة التي يذهب فيها شمالاً أو جنوباً أو غيره.
الرابع: المكان الذي يقصده، أياً كان.
وهذا الذهاب -على أي حال- قد يكون بالاهتمام والجد وإتعاب النفس، فهذا هو المعنى الخامس. كما قد يكون مع وجود الحاجة في المكان المقصود كما هو الغالب وفي الذهاب نفسه وهذا هو المعنى السادس. كما قد يكون مع تكرر القصد وتكرار السفر وهو المعنى السابع.
ومن المعلوم ان القصد والإزماع لهما معنى أقرب إلى التشابه فمن زاوية هذا التشابه اندرج المعنى الأول في هذه الخريطة العامة كما ان القصد لا يكون عادة إلا مع الاعتقاد بصحة العمل الذي يزمع الفرد القيام به. ومن هنا جاء المعنى الثاني، وبه انتهت هذه المعاني.
وظاهر كلام اللغويين ان الاستعمال في كل هذه المعاني حقيقة لا مجازاً. ولا بد لنا ان نقبل. بحيث تكون مدينة الكوفة مثلاً بصفتها. مقصودة للمسافر:
ــــــــــــــــــــ[119]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
نية، لأنها هي الوجه الذي يذهب فيه -كما عليه تعبير اللغويين- كما ان المسافة من بلده إلى الكوفة بصفتها. اتجاهاً شمالياً مقصوداً هي نية أيضاً، كما ان مباشرة السير أو السفر في هذه المسافة هي نية أيضاً.. وهكذا.
إلا ان هذا، كما هو وجداني وواضح، من سقط المتاع بالرغم من تصريح اللغويين. لوضوح عدم صحة الحمل وصحة السلب، لأن لنا ان نقول: الكوفة ليست نية والمسافة ليست نية: والسفر إليها ليس نية. ونحن صادقون.
فان يكن الأمر كذلك فيما سبق، فلا شك ان الأجيال المتأخرة عن صدر الإسلام أصبحت تُفهَم النية فهماً آخر، بحيث أصبحت تلك الاستعمالات استعمالات مجازية في ذوقها ونظرها.
كل ما في الأمر أننا لا بد ان نحفظ هذه المعاني باعتبار أمرين:
الأول: من أجل ان نحمل عليها النصوص التي صدرت في عصرها الأول، قبل هذا التحول. بما في عصر صدر الإسلام، الذي لم نحرز حدوث النقل في المعنى فيه.
الثاني: للشك في ان من حق الأجيال المتأخرة ان تضع لفظاً أو ان تنقل معناه أو ان تعيّن الحقيقة من المجاز، وخاصة بعد ان ثبت كونه حقيقة في ما سبق… أم لا!
والأمر الأول صحيح بغض النظر عما قد يأتي من الإيضاحات. وأما الأمر الثاني، فهو قابل للمناقشة، لأن الوضع كما ثبت في علم الأصول، إنما هو اجتماعي المنشأ، واللغة في تحرك مستمر، عربية كانت أو غيرها، وان لم يحس به جيل معين بذاته. فمن حق مجتمع ان يغيّر أو ينقل أو يضع كما يشاء. وليست اللغة توقيفية بهذا المعنى فنحن بشر كما ان السابقين بشر.
واختلاط العرب بالآخرين وفساد أذواقهم، وان كان صحيحاً إلى حد ما،
ــــــــــــــــــــ[120]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
ولكن هذا لا يعني سقوط حقهم اللغوي. بما يعيشونه من ارتكاز وتفكير معاصر في أي جيل.
ولكن هذا لا يعني ان نحمل النصوص القديمة على المعاني الجديدة بطبيعة الحال.
والمهم في القصد، هو أننا بعد ان نلغي، ولو مؤقتاً تلك المعاني الأقرب للحياة المادية، لم يبقَ لنا إلا الأمر النفسي أو الداخلي أو الباطني. وهو ما يسمى في عرف المنطق بـ«العلة الغائية»، والذي يكون في أوله وجوداً ذهنياً ويكون في آخره تحقق الهدف.
إلا ان تحقق الهدف فعلاً، حيث لم يكن محرزاً دائماً لم يمكن إدراجه في المعنى اللغوي فلا يبقى إلا المعنى الذهني أو النفسي. وهو الضروري لإيجاد كل أمر اختياري. حيث قالوا: ان الفعل الاختياري يحتاج إلى عدة أمور ذهنية: تصوره وتصور المصالح التي تترتب عليه، والتصديق أو الاعتقاد بصحة إيجاده. وحدوث الإرادة والعزم على إيجاده ثم تصاعد هذه الإرادة إلى حد تكون محركة للعضلات نحو أي عمل، ليوجد ذلك العمل.
ولنا ان نسقط من هذه المقدمات، ما كان منها قصوراً محضاً، فلم يبقَ لنا إلا العزم والإرادة النفسية الموجودة للعمل. فهي النية بالمعنى الحقيقي والمنطقي.
ولا يزيد المعنى الفقهي عن هذا شيئاً وان اختلفوا في الإخطار والتلفظ وعدمه. فان هذا التلفظ والإخطار ان أوجبناه فقهياً ولو احتياطاً، إنما هو لإيجاد الوضوح في التصور الذي ألمعنا إليه. وقلنا قبل قليل أننا ينبغي ان نلغيه. وعليه, فإن سمّينا التصور أو التلفظ نية، فإنما هو استعمال مجازي بالأصل اكتسب الاصطلاح الفقهي، وفهم المتشرعة، حتى أصبح كالحقيقي في نظرهم. وإنما هو في
ــــــــــــــــــــ[121]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
الحقيقة مقدمة للعزم أو الإرادة التي هي النية في الحقيقة. والتي يفهم الفقهاء كونها نية بدورهم.
وقد سمعنا من سيدنا الأستاذ قوله: «ان العبادات لا تحتاج من النية أكثر من أي فعل اختياري آخر». وقد عرفنا ان النية: «هي العزم والقصد والإرادة». التي هي هنا بمعنى متشابه أو متقارب جداً. ولا أقل من عدم الاهتمام بتفصيل الفروق بينهما في هذه المرحلة من البحث.
وإذا تم لنا ذلك، أمكننا ان نفهم ان الأمر الأساس في عمل أي فرد هو هذا العزم والقصد، دون الانجاز الفعلي. فان الموانع قد تَحول دون الانجاز. وعلى أي حال، فالقصد لا يختلف سواء نجز العمل، أو لم ينجز. كما قال الشاعر:

أهم بفعل الخير لو أستطيعه
وقد حيل بين العير والنزوان

وإذا تعمقنا قليلاً، وجدنا ان هذا العزم هو عمل للفرد، لا بمعنى انه عمل خارجي بل هو عمل نفسي، والعمل سواء كان خارجياً أو نفسياً، فانه ينسب إلى الفرد ويتحمل الفرد مسؤوليته ان خيراً فخير أو شراً فشر.
ومن هنا نستطيع ان نفسر النصوص الواردة بهذا الصدد:
كالذي ورد عن السكوني(1)عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله: “نية المؤمن خير من عمله ونية الكافر شر من عمله. وكل عامل يعمل على نيته”.
وعن أبي هاشم(2)، قال: قال أبو عبد الله: “إنما خلّد الله أهل النار في النار لأن نياتهم كانت في الدنيا ان لو خَلدوا فيها ان يعصوا الله أبداً. وإنما
ــــــــــــــــــــ[122]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل, ج1: أبواب مقدمة العبادات, باب6, حديث3.
(2) نفس المصدر: حديث 4.
خلد أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا ان لو بقوا فيها ان يطيعوا الله أبداً”.
وعن سفيان بن عينية(1)عن أبي عبد الله -في حديث- قال: “والنية أفضل من العمل. ألا وان النية هي العمل” ثم تلا قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى(2) يعني على نيته.
وعن زرارة(3) عن أحدهما قال: “ان الله تعالى جعل لآدم في ذريته ان من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ومن همَّ بحسنة وعملها كتبت له عشراً. ومن همَّ بسيئة لم تكتب عليه. ومن همَّ بها وعملها كتبت عليه سيئة”.
وعن علي بن أبي حمزة(4) عن أبي الحسن موسى في حديث انه قال: “رحم الله فلاناً، يا علي لم تشهد جنازته”. قلت: لا. قد كنت أحب ان اشهد جنازة مثله. فقال: “قد كتب لك ثواب ذلك بما نويت”.
وعن زيد الشحام(5)، قال: قلت لأبي عبد الله: أني سمعتك تقول: “نية المؤمن خير من عمله” فكيف تكون النية خيراً من العمل؟ قال: “لأن العمل ربما كان رياء للمخلوقين. والنية خالصة لرب العالمين، فيعطي عز وجل على النية ما لا يعطي على العمل”.
قال(6): وقال أبو عبد الله: “ان العبد لينوي من نهاره ان يصلي
ــــــــــــــــــــ[123]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث5.
(2) الإسراء: 17: 84
(3) نفس المصدر: حديث6.
(4) نفس المصدر: حديث9.
(5) نفس المصدر: حديث15.
(6) نفس المصدر: حديث16.
بالليل فتغلبه عينه فينام، فيثبت الله له صلاته ويكتب نَفَسه تسبيحاً ويجعل نومه عليه صدقة”.
إلا أننا نلاحظ هنا ان المراد من النية في هذه الأخبار هو مجرد الرضا بالعمل وترجيحه. وان لم يوجد العزم الفعلي على انجازه لحصول الموانع. فان المهم بالطاعة والمعصية عند الله هو ذلك وان لم يوجد العزم لوضوح ان العزم الفعلي لا يكون إلا بالرضا والمهم الرضا.
ولا يفرق أيضاً بين الرضا بفعل النفس أو بفعل الغير فان (الراضي بفعل شخص كفاعله). (ومن رضَ بفعل قوم كان منهم).
وكذلك من رضي بنيات فرد معين أو قوم معينين، واعتقادهم بغض النظر عن العمل، كان منهم عند الله وعند الناس. يعني لا يفرق في العمل المرضي به بين ان يكون داخلياً أو خارجياً: نيةً أم انجازاً، وهذا له في المجتمع تطبيقات عديدة ومهمة لا حاجة إلى تفصيلها. وإنما يعيها ذو البصيرة الثاقبة.
وليس في التنزيل الحكيم تعرّض للنية بعنوانها، ولكنه تَعرّضَ للعزم والهَمّ. إلا انه استعمل العزم على ما هو صالح واستعمل الهَمّ فيما هو سيئ، وأما القصد فقد استعمل في القرآن الكريم بمعنى القلة والاقتصاد لا بمعنى النية بأي شكل من أشكالها.
أما العزم ففي مثل قوله تعالى: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّـَهِ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(1).
غير ان العزم ورد في القرآن الكريم بمعنى يوافق القصد والهمة إلى الأمور العظيمة والصعبة في سبيل الله عز وجل والتضحية من أجل طاعته. ومن هنا
ــــــــــــــــــــ[124]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) آل عمران: 159.
قال تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ(1) وقال جل جلاله: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(2).
ووجد ان في عدم هذا النوع من العزم نوعاً من الخلة والضعف، قال سبحانه: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا(3).
أما الهَمّ وهو قصد الأمر السيئ كما نفهم من سياق الآيات فمثل قوله تعالى: إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ(4). وقوله سبحانه: وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ(5) أو قوله: وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ(6).
وإذا أعرضنا عن التدقيق في التفاصيل الفقهية لأنها خارجة عن موضوع الكتاب, وأعرضنا عن التفاصيل الأخلاقية أكثر مما ذكرناه لأنه قد يكلّف القارئ كثيراً من التفكير مما هو في غنى عنه. وقد ورد: (دعوا الناس على غفلاتهم)، إذن ليس لنا ان نستمر في مبحث النية أكثر من ذلك.
ــــــــــــــــــــ[125]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الاحقاف: 35.
(2) لقمان: 17.
(3) طه: 115.
(4) المائدة: 11.
(5) غافر: 5.
(6) التوبة: 74.
فصل
التقية

قال اللغويون(1): وقاه الله وَقْياً ووقاية وواقية: صانه. وقيت الشيء: فيه إذا صُنته وسترته من الأذى. وتوقى واتقى بمعنى. والوِقاء والوَقا والوِقاية والوَقاية والوُقاية والواقية: كل ما وقيت به شيئاً. وقال اللحياني: كل ذلك مصدر وقيته الشيء.
قالوا: وتوقى اتقى بمعنى. وقد توقّيت اتقيت الشيء وتقيَتْه اتَّقيه واتقْيه تُقى وتقيّة وتقاء: حذرته. الأخيرة عن اللحياني. والاسم التقوى. التاء بدل من الواو والواو بدل من الياء.
وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً. يجوز ان يكون مصدراً وان يكون جمعاً والمصدر أجود لأن في القراءة الأخرى: (إلا ان تتقوا منهم تقية). التعليل للفارسي (التهذيب), وقرأ حميد: «وهو وجه إلا ان الأولى أشهر في العربية».
والتَقى يكتب بالياء. والتقي: المتقي, وقالوا: ما اتقاه لله ورجل تقي من قوم أتقياء وتُقواء. والأخيرة نادرة. ونظيرها: سُخواء وسُرواء.
هذا ما قالوه، وهو ينتج بكل وضوح: ان التقية هي التوقي والحذر. سواء كان من الخالق أو المخلوقين. والتُقى يأتي فيهما معاً، غير ان التقوى أقرب
ــــــــــــــــــــ[126]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) انظر لسان العرب وغيره .
للحذر من الخالق والتقية أقرب للحذر من المخلوقين. إلا ان هذه الفكرة قائمة على مجرد الاعتياد في الاستعمال. ولا حجية فيه.
بل قد سمعنا قبل قليل مصادر هذا الفعل، تقى وتقية وتقاء والاسم التقوى، واسم الفاعل المتقي. لا يفرق في ذلك بين الحذر من الخالق والحذر من المخلوقين.
ومن الواضح من خلال هذا السرد ان هذه المادة تشمل الحذر من كل ضرر أو سوء أو شر أو نقص، يعني كل ما يخافه الفرد قليلاً كان أو كثيراً.
فالموقف تجاه الخالق باختصار: انه جل جلاله لديه عدد من الأمور المحذورة:
1. الذنوب والمعاصي. وقد ورد: “ولا يخافنّ إلا ذنبه” لأن الذنب هو سبب العقوبة، ولا تأتي العقوبة عشوائية قال الله سبحانه: مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ. وإنما تأتي بالعدل والحكمة.
2. العقوبات الدنيوية، التي قد تَرِد كتقليل الرزق أو تقصير العمر أو غير ذلك، مما ورد لقطيعة الرحم وغيره.
3. العقوبات المعنوية في الدنيا. وهي كثيرة في القرآن الكريم كقوله تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّـهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ. وقوله تعالى: إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. وقوله تعالى: فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ. وغير ذلك كثير.
4. العقوبات الأخروية، وهي من ضروريات الدين. ونص القرآن الكريم. حتى انه يعتبر مُنكِرُه خارجاً عن الإسلام.
5. حجب الأنوار العليا، والتي تتقاصر عنها همم الأدنين. والتي تسبب الرهبة والهيبة في قلوب العارفين. فقد ورد ان الخوف على أربعة أقسام:
ــــــــــــــــــــ[127]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
الخوف وهو للعاصين والخشية وهي للعلماء. قال الله تعالى: إِنَّ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّـهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. والرهبة. قال الله تعالى: لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ. والهيبة. وقد أشار الله سبحانه وتعالى إليها بقوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّـهُ نَفْسَهُ.
6. العدل الإلهي. قال في الدعاء: “وعدلك مهلكي ومن كل عدلك مهربي”. وقال: “اللهم عاملني بلطفك ولا تعاملني بعدلك”. لأن العدل إذا شمل المذنبين اجتاحهم, قال تعالى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ.
وكل هذه المحاذير قد تتعلق بها التقية أو التقوى. وكلما كان المعنى الإلهي أكثر ارتفاعاً وأهمية كانت التقوى أكثر ارتفاعاً وأهمية.
والموقف تجاه المخلوقين باختصار أيضاً، ان الشرور قد تحصل من البشر وقد تحصل من غير البشر.
فحصولها من غير البشر، أما من الملائكة باعتبار كونهم مأمورين بإنزال البلاء على الفرد أو المجتمع أحياناً. قال في الدعاء: “ورسلك من الملائكة إلى أهل الأرض، بمكروه ما ينزل من البلاء ومحبوب الرخاء”.
ومنها: ما يحصل من فسقة الجن والمردة. وهو كثير في الأدعية والنصوص، ومنها قوله في الدعاء: “وحميتني من طوارق الجان”.
وما يحصل من وسوسة إبليس والشياطين وهو من واضحات الدين ونص القرآن الكريم، قال تعالى: أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا. وقال سبحانه: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا.
ومنها: ما يحصل من الحيوانات والهوام والجراثيم.
وإذا تعدينا من غير البشر إلى البشر -وهو المهم الآن في الحديث- وجدنا
ــــــــــــــــــــ[128]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
عندهم أنواعاً من الشرور التي ينبغي الحذر منها واتقاؤها:
فمنها: ما يأتي على الفرد من قِبَل نفسه وهو على عدة أنواع:
1. ما يكون موازياً موافقاً لوساوس الشيطان. فإن النفس والشيطان يتعاونان على توريط الفرد في العصيان والطغيان.
2. ما يكون ناتجاً من حوادث الدنيا، كالحزن الشديد أو الخوف الشديد أو الجوع أو العطش أو نحوها.
3. ما يكون ناتجاً من الجزع من بعض بلاء الدنيا وقلة الصبر على المكاره. وأهم ذلك دينياً هو الاعتراض على القضاء الإلهي.
4. ما كان ناتجاً من قلة الصبر على الطاعات أو ضروب الإنسانية، فإنها تحتاج إلى درجة أو درجات من الضغط على النفس، الأمر الذي قد يُحدِث شيئاً من الجزع أو ردّ الفعل أحياناً.
5. ما كان ناتجاً من ضعف النفس عن التكامل المعنوي. فان هذا التكامل يحتاج إلى قوة معنوية عالية: خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ أو قل: إلى قوة مناسبة لدرجته، وهو ما لا يتوفر إلا للقليل. غير انه: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ولا يعطى فرداً من الكمال إلا بمقدار طاقته وتحمله. ومن هنا كان قلة العطاء من الرحمة في كثير من الموارد.
فهذا مجمل ما يحصل من النفس من الشرور، وكلها تحتاج إلى حذر وتقية، ولكل منها طرقها الخاصة بها.
وأما الأضرار الحاصلة إلى الفرد من الغير، فهي ان نظرناها بمعنى عام، نجد ان كل فرد فهو يضر أي فرد آخر يحتك به أو يعايشه من قريب أو بعيد، بل أحياناً أو كثيراً ما يصل الضرر إلى فرد أو أفراد لا يعلم الفاعل بوجودهم أصلاً، وإنما يعلم بهم إجمالاً ضمن بلدة أو مجتمع.
ــــــــــــــــــــ[129]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
إذن، فكل فرد فهو ضار وهو مضرور عموماً إلا من عصمه الله سبحانه. بل حتى من الأفراد الذين عاشوا في الأجيال السابقة، قد تأتي اليوم إلى فرد أو أفراد أو مجتمعات منهم أضرار قليلة أو كثيرة أحياناً. مما لا حاجة إلى التمثيل له.
ولكن على وجه العموم نحتاج في هذا البحث إلى شيء من التقسيم لبعض مصادر الأضرار، لنكون على بصيرة من أمرنا في مستقبل البحث، إذن فهي على أقسام:
1. ما يأتي من الضرر من داخل الأسرة كالزوجة والأولاد.
2. ما يأتي من العشيرة كأولاد العم، وحتى أولاد الخال وأضرابهم.
3. ما يأتي من الأصدقاء. وورد عن الاسكندر قوله: «اللهم أكفني أصدقائي فإني أعلم بأعدائي».
4. ما يأتي من المغاير في الدين أو العقيدة.
5. ما يأتي من المغاير في المذهب الاجتماعي دينياً كان أو دنيوياً. وهذان الأخيران قد يحصلان في داخل مجتمع واحد أو قد يحصل بين مجتمعين أو أكثر.
6. ما يأتي من الضرر من المتسلطين كشيوخ العشائر أو مدراء المعامل أو المزارع ونحوها. وقد يكون بحق أو بباطل.
7. ما يرد من الحكومات المستبدة الظالمة على شعوبها، أو غير شعوبها أحياناً.
8. ما يأتي من الدس والضرر من الاستعمار. والصهيونية العالمية، ضد الشعوب الآمنة والضعيفة، والعُزّل عن السلاح.
ــــــــــــــــــــ[130]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
فهذا أيضاً مجمل ما يصل من الضرر على الأفراد من بعضهم البعض. وقد كانت ولا زالت الدنيا مسرحاً للتكالب بين أفرادها وسيطرة القوي على الضعيف…إلا من عصم الله سبحانه.
وكل هذه الأنواع من الأضرار تقابلها أنواع من ردود الفعل تختلف في معتقدات الأفراد والمجتمعات. وقد جعل الله سبحانه في شريعته الإسلامية رد فعل معين ضد عدد من هذه الأنواع، وهو التقية. وهو رد الفعل السلبي المأمور به في الشريعة، على حين ان رد الفعل الايجابي هو الجهاد بمختلف مستوياته.
إلا ان الشيء النافذ المفعول فعلاً علينا، والمأمور به من قِبَل قادتنا المعصومين، هو العمل بالتقية… إلى أمد لا يعلمه إلا علّام الغيوب جل جلاله.
وإذا عممنا مفهوم التقية لبعض أو لكثير مما يأتي من النفس من أضرار ولكثير مما يأتي من الآخرين من أضرار استطعنا، وبكل وضوح وعمق ان نعرف مدى الحكمة والدقة المعمولة في تشريعها. ولأجل الإيضاح وتفصيل بعض ما هو مجمل في ذهن القارئ الكريم، يمكن ان نشير إلى الفوائد الرئيسية من التقية:
أولاً: دفع ضرر النفس الناتج من وساوس الشيطان. وذلك بالاعتقاد بفساده ومحاولة عصيانه جهد الإمكان.
ثانياً: دفع ضررها الناتج من الجزع من البلاء، وذلك بترويحها أحياناً في شيء من النزهات الطبيعية ونحوها.
ثالثاً: دفع الضرر الناتج من قلة الصبر على الطاعات. وذلك بتقليلها بمقدار ما. إذا لم يكن متعلقاً بالواجبات والمحرمات.
ــــــــــــــــــــ[131]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
ولذا ورد ان الإمام الكاظم، كان يترك النوافل عند ورود الهموم والمصاعب(1).
وأما الواجبات والمحرمات، فلا سبيل إلى اختلافها أو عصيانها، لأنها واردة بمقدار يتحملها الجميع عادة. ولذا ورد في وصف الشريعة بأنها سمحة. وانه لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا. إذن, فما دامت هذه تكاليف عامة يكون تحمّلها عام بدوره أيضاً.
رابعاً: رفع الضعف المعنوي في النفس، بقلة التسبيب إلى التحميل عليها ما لا تطيق. ما دام للفرد في ذلك اختيار. فانه وان كان لا بد من السير في طريق الكمال، إلا انه لا يكون عادة إلا في حدود الطاقة والإمكان.
فهذا ما يرجع إلى النفس. والتقية فيه تسمى: التقية من النفس.
خامساً: دفع الضرر الناتج من الأقربين، بأنواعهم الثلاثة الأولى السابقة. وذلك بالحُلُم عنهم أو كتم ما يثير أحقادهم ومكرهم(2).
سادساً: هناك من الأعمال الفردية أو العامة، ما يكون كتمانه سبباً في نجاحه وإعلانه سبباً في خسرانه. ومن هنا كانت التقية والحذر فيه سبباً رئيسياً في التقدم والنجاح.
سابعاً: دفع ما يأتي من الأضرار والحروب بين المتعددين في المذاهب الإسلامية، فان ما أريق بينهم من الدماء في التاريخ أكثر من ان يحصى.
ــــــــــــــــــــ[132]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) انظر الوسائل, ج3, أبواب أعداد الفرائض ونوافلها, باب16 الحديث: 4 و 5. وبهذا المضمون قال أمير المؤمنين: “ان للقلوب إقبالاً وإدباراً فإذا أقبَلت فاحملوها على النوافل وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض”. نهج البلاغة, ج4, ص74, ط بغداد.
(2) قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وهذا النحو من التقية فيه نقطتان:
النقطة الأولى: ان الحكمة منه هو توحيد الكلمة بين المسلمين ورص صفوفهم ضد أعدائهم الكائدين بهم باستمرار.
مضافاً إلى المحافظة على نفوس وأموال هؤلاء المعتصمين بالأئمة المعصومين من غدر الغادرين ونصب الناصبين.
النقطة الثانية: ان هذه التقية هي المصطلح المشهور بين فقهائنا على العموم. فهم لا يعنون منها غير هذا المعنى بالذات.
ولكننا بعد ان نعرف ان التقية إنما تعني مجرد الحذر من أي ضرر، كان الاقتصار على هذا القسم منها، اقتصاراً على القليل من الكثير. ولكنه صحيح في نفسه إلا ان إضافة الأقسام الأخرى إليه أكثر من ضروري.
ثامناً: دفع الضرر الوارد من المغايرين في الدين.
تاسعاً: دفع الضرر الوارد من المغايرين في المذهب الاجتماعي دينياً كان أو دنيوياً.
عاشراً: دفع الضرر الوارد من المتسلطين بأقسامهم الأخيرة السابقة فراجع.
وفي كلها تكون التقية فيها ضرورية دنيوياً وواجبة دينياً.
حادي عشر: دفع الضرر العالمي الناتج من الاستعمار والصهيونية.
ثاني عشر: كتم الأسرار الإلهية التي تكون فوق تحمّل العامة من البشر.
وقد نص سيدنا الأستاذ على وجوبه.
ومما ينسب إلى الإمام زين العابدين:
“يا رب جوهر علم لو أبوح به
لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

ولا ستحل رجال مسلمون دمي
يـرون أقبح ما يأتونه حسنا”

ــــــــــــــــــــ[133]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
وفي ذلك ورد عن المعلى بن خنيس(1) قال: قال أبو عبد الله: “يا معلى اكتم أمرنا ولا تذعه. فانه من كتم أمرنا ولا يذيعه اعزه الله في الدنيا، وجعله نوراً بين عينيه يقوده إلى الجنة. يا معلى ان التقية ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له. يا معلى ان الله يحب ان يُعبد في السر كما يحب ان يعبد في العلانية. والمذيع لأمرنا كالجاحد له”.
وعن هذه النتائج ودفع الأضرار وردت عدة نصوص:
عن جميل بن صالح(2) عن أبي عبد الله قال: “ان أبي كان يقول: أي شيء اقر للعين من التقية. ان التقية جُنة المؤمن”.
وعن محمد بن مروان (3) عن أبي عبد الله: قال: “كان أبي يقول: يا بني ما خلق الله شيئاً اقر لعين أبيك من التقية”.
وعن عبد الله بن يعفور(4)، قال سمعت أبا عبد الله يقول: “التقية ترس المؤمن والتقية حرز المؤمن. ولا إيمان لمن لا تقية له”.
وعن أبي بصير(5)، قال: سمعت أبا جعفر يقول: “لا خير فيمن لا تقية له”، إلى غير ذلك من الأخبار.
ولأهميتها بالنسبة للموالين للائمة، قَرَنها الأئمة, بالدين والإيمان نفسه، في نصوص صحيحة وصريحة متعددة، نذكر منها غير ما سبق:
ــــــــــــــــــــ[134]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل: أبواب الأمر والنهي, باب24, الحديث23.
(2) نفس المصدر: حديث24.
(3) نفس المصدر: الحديث20.
(4) نفس المصدر: الحديث6.
(5) نفس المصدر: الحديث17.
روي عن أبي عمر الأعجمي(1) قال: قال لي أبو عبد الله: “يا أبا عمر ان تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له”.
وعن معمر بن خلاد(2) عن أبي الحسن قال: قال أبو جعفر: “التقية ديني ودين آبائي ولا إيمان لمن لا تقية له”.
وعن هشام بن سالم(3) قال: سمعت أبا عبد الله يقول: “ما عُبِد الله بشيء أحب من الخباء”. قلت: وما الخباء؟ قال: “التقية”.
وعن أبان بن عثمان(4) عن الصادق انه قال: “لا دين لمن لا تقية له. ولا إيمان لمن لا ورع له”.
وعن الحسين بن خالد(5) عن الرضا قال: “لا دين لمن لا ورع له ولا إيمان لمن لا تقية له. وان أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية”. قيل: يا ابن رسول الله إلى متى؟ قال: “إلى قيام القائم. فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا”. الحديث.
وعن عموم التقية لكل ضرر ونقص وردت عدة نصوص، منها: ما عن زرارة(6) عن أبي جعفر قال: “التقية في كل ضرورة. وصاحبها اعلم بها حين تنزل به”.
وعن زرارة ومحمد بن مسلم(7) قالوا: سمعنا أبا جعفر يقول: “التقية
ــــــــــــــــــــ[135]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث2.
(2) نفس المصدر: حديث3.
(3) نفس المصدر: حديث14.
(4) نفس المصدر: حديث22.
(5) نفس المصدر: حديث 25.
(6) نفس المصدر: باب25, الحديث1.
(7) نفس المصدر: باب25, الحديث 2.
في كل شيء يضطر إليه ابن آدم… فقد أحله الله له”.
وهذا ينتج عدة أمور, أهمها:
الأمر الأول: ان التقية لا تختص بالتقية القائمة بين أهل المذاهب الإسلامية. كما عليه اصطلاح فقهائنا، بل تعم كل المعاني السابقة، ما دامت في نفسها منشأ للضرر والضرورة.
الأمر الثاني: ان التقية ما دامت هي مجرد الحذر من أي ضرر فان الناس كلهم يعملون بها بمختلف أديانهم ومجتمعاتهم وأجيالهم. وليس من حق أحد ان يعترض على من يعمل بهذا الشكل، فانه أمر عقلي وعقلائي واضح.
الأمر الثالث: ان التقية وان كانت بحدها ناشئة من الخوف. إلا أنها بمعناها العام تشمل كل ضرورة كانت ناشئة من الخوف أو من غيره من عوارض الزمن كالفقر والمرض.
ومن الواضح فقهياً، ان الضرورة مسقطة للتكليف التي تقع في موردها، حتى ان سيدنا الأستاذ استشهد بهذا الصدد بحديث الرفع وهو ما روي بسند صحيح عن رسول الله قال: “رُفِع عن أمتي تسع: ما لا يعلمون، -إلى ان قال-: وما اُكرِهوا عليه وما اضطروا إليه”. وسيأتي الحديث عنها في الجملة.
الأمر الرابع: ان التقية لما شملت كل ضرورة، كان بالإمكان بوضوح ان نتفهم معنى التقية من النفس الذي قلناه.
فان المنشأ الأساسي للضرورات، إنما هو الضغط النفسي الذي يشكّل رد الفعل ضد عدد كثير من حوادث الدهر. وقلة الصبر وقلة التحمل. لوضوح ان الفرد لو كان له التحمل الكافي لاستطاع ان يتجاوز عدداً مهماً من الضرورات… لعلها حتى إذا أدت إلى الهلاك.
إذن، فالأصل في الضرورات هو ذلك، وإنما تنسب الضرورات إلى غيرها
ــــــــــــــــــــ[136]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
من الأسباب بالملابسة والعلاقة. لا أقول بالمجاز, للتسالم على استعمالها الحقيقي.
إذن, فهو أولى باسم الضرورة والتقية من غيره.

التقية كقاعدة فقهية:
بعد ان علمنا بمعنى التقية، يلزمنا ان نمر مرور الكرام على هذه الجهة من حيث أنها قاعدة فقهية مع تجنب الفروع والتفاصيل إلا لمجرد المثال.
والتقية يمكن ان تتصف بالأحكام الخمسة المعروفة، مع شيء من تفاصيلها. أما الوجوب فهو حالها العام عدا ما استثني ان وجد. وبذلك نطقت الأخبار السابقة وغيرها.
وأما الحرمة، فكما لو أجبره الجائر على قتل النفس المحترمة، فانه لا يجوز له ان يقتله تقية. لما دل على ان التقية إنما شُرِّعت لحقن الدماء فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية.
هكذا ذكر سيدنا الأستاذ هنا. ويمكن ان نستدل له بدليل آخر، وهو ان محط الضرر ومتعلّقه إنما هو هذا المكلف، فلا يجوز له ان ينقل هذا الضرر إلى غيره وهو الذي أمره بقتله. بل يجب عليه ان يقدّم نفسه دونه. لا بصفته فداء له بل إطاعة لله عز وجل.
كما ان هذه الحرمة يجب ان تقيد بما إذا كان النفسان في أهمية واحدة عند الشارع المقدس. وأما إذا كان المكلف المأمور أهم عند الشارع من الآخر، فلا يمكن ان نقول بالحرمة، بل لا بد من المصير إلى الإباحة أو حتى الوجوب أحياناً.
ــــــــــــــــــــ[137]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
قال(1): «وقد تتصف التقية بالحرمة التشريعية وهذا كما إذا أجبره الجائر على الصلاة خلف من نصبه إماماً للجماعة أو خلف رجل آخر علمنا فسقه. فانه إذا صلى خلفه ناوياً بها التقرب والامتثال فقد فعل محرماً تشريعياً لا محالة لأن التقية تتأدى بصورة الصلاة معه. وحيث انه يعلم ببطلانها وعدم كونها مأموراً بها حقيقة، فلو أتى بها بقصد القربة كان ذلك محرماً تشريعياً لا محالة».
إلا ان هذا -في الحقيقة- لا يصلح مثالاً، لأن قصد الامتثال ليس تحت التقية بأي حال. كل ما في الأمر ان التقية أصبحت من أجزاء العلة لهذا القصد, وقصد الامتثال اختياري محض, وإنما الكلام فيما إذا أصبح مورد التقية ومتعلقها بنفسه متعلقاً للحرمة التشريعية.
وهذا لا مورد له لوضوح رجحان تطبيق التقية وجوباً أو استحباباً. فلا يكون متعلقها منهياً عنه أو ساقط التكليف ليكون قصده تشريعاً. فلئن فرض سقوط العنوان الأولي. فلا أقل من إمكان قصد الأمر الثانوي الناشئ من التقية.
قال(2): «ونظيره ما إذا أتى بالعبادة تقية، وقلنا أنها غير مجزءة عن المأمور بها… ومن ذلك ما إذا وقف بعرفات في يوم الثامن من ذي الحجة تقية، وقلنا بعدم إجزائه… فانه لا يجوز له ان ينوي به التقرب والامتثال، وإلا لارتكب عملاً محرماً تشريعياً لا محالة».
أقول: إلا ان الصحيح هو الإجزاء، وهو الذي يبني عليه السيد الأستاذ ومن هنا لا يكون نقضاً على ما قلناه من انه لا مورد له.
وأما إنصافها بالاستحباب فقد مثّل له (الشيخ الأنصاري)(3) بالمداراة مع أهل
ــــــــــــــــــــ[138]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) التنقيح, ج4, ص256.
(2) نفس المصدر والصفحة.
(3) انظر: رسالة في التقية من ملحقات المكاسب.
السُنّة ومعاشرتهم في بلادهم وحضور مجالسهم وعيادة مرضاهم وغير ذلك مما لا يترتب أي ضرر على تركه. إلا انه قد يترتب بالتدريج.
قال سيدنا الأستاذ: «وفيه ما تقدم من ان التقية متقومة بخوف الضرر الذي يترتب على تركها ومع العلم بعدم ترتب الضرر… لا يتحقق موضوع التقية، كما مر».
أقول: إلا انه يمكن ان يورد على ذلك، كما يلي:
أولاً: ان (الشيخ الأنصاري) افترض ترتب الضرر بالتدريج. ومعه يكون كل عمل جزء العلة، مهما كان جزءاً تافهاً منها، في الضرر. وليس مما لا يترتب عليها أي ضرر على الإطلاق، كما فهم سيدنا الأستاذ.
ثانياً: ان هناك -كما يأتي- فعاليات مطلوبة ومنصوص عليها في روايات المعصومين في العلاقة مع أهل السُنّة، حتى بدون أي ضرر وهذا وان لم يكن من التقية بالمعنى اللفظي، أو المؤدى المنطقي ولكنه من التقية في حيّزها العام. بأحد تقريبين:
التقريب الأول: انه سُمّيَ تقيةً أولاً مجازاً, ثم انتقل إلى الحقيقة لكثرة الاستعمال. وكان منشأ الملابسة هو شبهة بما يخاف منه الضرر في العلاقة مع أهل السُنّة يومئذ.
التقريب الثاني: ان كل المطلوبات في العلاقة مع أهل السُنّة من نوع التقية، لا بمعنى أننا نحسب لكل مورد حسابه، بل بمعنى أننا نقيّم الجو العام المأمور به في العلاقة معهم ككل، وذلك من أجل الحكمة التي قلناها في ما سبق، وهي وحدة المجتمع المسلم أولاً. والمحافظة على موالي الأئمة المعصومين ثانياً.
إذن، فلا يكون المورد خارجاً من التقية، وان لم يخف منه الضرر.
ــــــــــــــــــــ[139]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
إلا ان هناك استشكالاً وارداً على (الشيخ الأنصاري) نفسه. وهو ما إذا افترضنا كما افترض، ترتب الضرر التدريجي وعندها سوف لن تكون التقية مستحبة بل واجبة ويخرج المورد عن مثال الاستحباب. قد ذكر السيد الأستاذ موارد أخرى كمثال لاستحباب التقية يطول بنا المقام في استعراضها.
وأما اتصافها بالكراهة، فقد مثّل له(1) بما إذا أكره الفرد على إظهار البراءة من أمير المؤمنين. وقلنا ان ترك التقية حينئذ وتعريض النفس للقتل أرجح من فعلها وإظهار البراءة كما احتمله بعضهم.
أقول: والأخبار ناطقة برجحان ترك التقية عندئذ، بل ظاهر بعضها الوجوب.
منها: ما عن محمد بن ميمون(2)عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال أمير المؤمنين: “ستُدعَونَ إلى سَبّي فسبّوني. وتُدعَون إلى البراءة مني، فمدوا الرقاب فاني على الفطرة”.
وما عن دعبل بن علي الخزاعي(3)عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن آبائه عن علي بن أبي طالب انه قال: “ستعرضون على سَبّي فان خفتم على أنفسكم فسبّوني ألا وإنكم ستعرضون على البراءة مني فلا تفعلوا، فاني على الفطرة”.
ومن المسلّم ان ظاهر الأمر في الرواية الأولى والنهي في الثانية، هو الوجوب وحرمة التقية. فان اقتصرنا على ذلك لم يكن هذا مثالاً للكراهة.
إلا ان الصحيح هو عدم الحرمة لوجود الروايات المرخصة، التي بها يمكن
ــــــــــــــــــــ[140]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( )نفس المصدر, ص258.
(2) الوسائل, ج11. أبواب الأمر والنهي, باب1, حديث8.
(3) نفس المصدر, حديث9.
ان نحمل هذه الروايات السابقة على مجرد الرجحان.
منها: ما عن أبي بكر الحضرمي(1) عن أبي عبد الله في حديث: انه قيل له: مد الرقاب أحب إليك أم البراءة من علي؟ فقال: “الرخصة أحب إلي. أما سمعت قول الله عز وجل في عمار: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ”.
وعن عبد الله بن عجلان(2) عن أبي عبد الله قال: سألته فقلت له: ان الضحاك قد ظهر بالكوفة ويوشك ان ندعى إلى البراءة من علي فكيف نصنع؟ قال: “فابرأ منه”. قلت: أيهما أحب إليك؟ قال: “ان تمضوا على ما مضى عليه عمار بن ياسر…” الحديث.
وهنا ملاحظتان:
الأولى: ان قوله: “فابرأ منه”. وان كان أمراً، إلا انه في مورد احتمال الخطر، فلا يفيد أكثر من الجواز.
الثانية: ان قوله: “الرخصة أحب إلي”، يفيد رجحانها على تحمّل القتل…وهذا أمر قد يختلف في كل واقعة عن أخرى. فقد يكون الأرجح ذلك وقد يكون الأرجح القتل. مع العلم ان كلاهما جائز.
روي عن عبد الله بن عطاء(3) قال: قلت لأبي جعفر: رجلان من أهل الكوفة أخذا فقيل لهما: إبرءا عن أمير المؤمنين. فبرئ واحد منهما وأبى الآخر فخُلّي سبيل الذي برئ وقُتِل الآخر. فقال: “أما الذي برئ فرجل فقيه في
ــــــــــــــــــــ[141]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث12.
(2) نفس المصدر: حديث13.
(3) نفس المصدر: باب29, حديث 4.
دينه. وأما الذي لم يبرء فرجل تعجل الجنة”.
وظاهرها رجحان تحمّل القتل، خلافاً للسيد الأستاذ الذي استفاد منها(1) التساوي، لأنها: إنما دلت على ان من ترك التقية فقُتِل فقد تعجل الجنة. ولا دلالة لذلك على ان ترك التقية باختيار القتل أرجح من فعلها. وذلك لأن العامل بالتقية أيضاً من أهل الجنة. وإنما لم يتعجل، بل تأجل. فلا يستفاد منها، إلا تساويهما. أقول: وهذا من الغريب. لأنها واضحة في أمرين:
الأول: ان من يختار التقية لا عقاب عليه. بل هو مستعمل للفقه الصحيح في دينه.
الثاني: ان من يختار القتل فقد تعجل الجنة. وأما الآخر، فليس له هذه الجنة بأي حال. بل هو غير معاقب فقط. فان كان من أهل الجنة -كما قال السيد الأستاذ- فبسبب آخر غير البراءة.
ومن تلك الروايات ما عن مسعدة بن صدقة(2)، قال:
قلت لأبي عبد الله: ان الناس يروون ان علياً قال على منبر الكوفة: “أيها الناس، إنكم ستُدعَون إلى سَبّي فسبوني ثم تُدعَون إلى البراءة مني فلا تبرؤا مني”.
فقال: “ما أكثر ما يكذب الناس على عليّ. -ثم قال-: إنما قال: “إنكم ستُدعَون إلى سَبّي فسبوني. ثم تُدعَون إلى البراءة مني واني لعلى دين محمد, ولم يقل: ولا تبرؤا مني”.
فقال له السائل: أرأيت ان أختار القتل دون البراءة؟ فقال: “والله ما ذلك عليه. وما له إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث اكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن
ــــــــــــــــــــ[142]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) التنقيح, ج4, ص263.
(2) الوسائل, (المصدر السابق) باب29, حديث 2.
بالإيمان…” الحديث.
وقد استفاد منها سيدنا الأستاذ التساوي في هذه المهمة أيضاً. قال: «لقصور دلالتها على حرمة القتل ووجوب التبري عند الإكراه لأنه إنما نفى كون القتل على ضرره وبيّن ان ما ينفعه ليس إلا ما مضى عليه عمار… الخ».
أقول: إلا ان التدقيق فيها يدلنا على ذلك الذي نفاه. لأنه قال: “والله ما ذلك عليه”. يعني ان ذلك غير واجب عليه. ثم قال: “وما له إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر…” الخ.
وحيث انه ليس للفرد إلا ذلك، فهو نكرة في سياق النفي، فكأنه قال: وما له شيء من التصرف إلا ما مضى عليه (عمار). فهو يفيد نفي ان يكون التعرض للقتل مما يجوز للفرد.
غير انه قد يناقش في دلالتها على الحرمة، من حيث انه قال: “والله ما ذلك عليه وما له”. بحيث تكون الجملة هنا كاملة. فيكون المعنى احد أمرين: فأما ان نستفيد منها: ان التعرض للقتل ليس عليه ولا له، يعني ليس ضد مصلحته ولا في مصلحته. فلا تكون دالة على الحرمة. وأما ان نستفيد منها: ان حكم ذلك ليس عليه ولا له. بل إنما هو موكول إلى الله عز وجل والشريعة الإسلامية. فلا تكون أيضاً دالة على الحرمة.
إلا ان الإشكال في صحة وقف الكلام عند هذه الجملة. والذي يهون الخطب وجود روايات أخرى دالة على الترخيص.
ومن تلك الروايات ما رواه محمد بن مروان(1) قال: قال لي أبو عبد الله: “ما منع ميثم من التقية، فوالله لقد علم ان هذه الآية نزلت في عمار
ــــــــــــــــــــ[143]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث 3.
وأصحابه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان”.
وقد فهم منها السيد الأستاذ(1)التساوي أيضاً. قال: «لأنها إنما تدل على أرجحية التقية بإظهار التبري منه فيما إذا كانت كلمة (ميثم ) غير منصرفة. فيصح وقتئذ ان نقرأ كلمة (منع) مبنية للفاعل. والمفروض ان كلمة ميثم لا تكتب منصوبة: (ميثماً) لعدم انصرافها فتدلنا الرواية على توبيخ ميثم لتركه التقية وتعرضه للقتل والهلاك».
ثم رجح ان كلمة (ميثم) منصرفة، ومعه لا بد من قراءة الفعل مبنياً للمجهول. فيكون المعنى: ان التقية لم تكن ممنوعة عن (ميثم) بل كانت مرخصة له وكان عالماً بجوازها. ومع ذلك اختار القتل باختياره.
إذن, فلا يستفاد منها توبيخ (ميثم) على عمله بل معناها أحد أمرين:
أحدهما: ان (ميثم) اختار القتل لتساويه مع التقية. قال: «وحينئذ لا يستفاد منها مدح ميثم ولا قدحه».
ثانيهما: ان (ميثم) اختار القتل بالرغم من علمه بالتساوي، لعدم طيب نفسه بالتبري من سيده ومولاه ولو بظاهر اللسان. لقوة إيمانه وشدة حبه لمولاه. فتكون الرواية دالة على مدحه رضوان الله عليه. وعلى كل حال لا يستفاد منها أرجحية التقية على القتل.
إلا ان في ما قاله السيد الأستاذ مواقع للنظر:
أولاً: ان الإمام أبا عبد الله الصادق، ما بدأ بالحديث عن (ميثم)، إلا بقصد بيان الحكم الشرعي للآخرين وانه يمكن الأخذ بالتقية دون تحمل القتل. لا على ان يكون (ميثم) خاطئاً أو معاتباً كما سنقول ان شاء الله تعالى.
ــــــــــــــــــــ[144]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) التنقيح: ج4, ص 264.
ثانياً: لأن كلمة (ميثم) وردت في الرواية غير منصوبة. فلماذا تقرؤها مرفوعة إذ يحتمل ان تكون ساكنة -على تقدير الرفع-للوقف. أو أنها -فعلاً- مما لا ينصرف للعلمية والعجمة. أو غير ذلك من الدواعي. ومن الظاهر ان قراءة (منع) بصيغة المبني للمجهول خلاف الظاهر جداً، كما هو خلاف الهدف الذي يستهدفه الإمام من الكلام، وخلاف سياقه. لأنه عندئذ يكون عطف قوله: “فوالله لقد علم… الخ” غريباً نسبياً عن صدر الرواية.
لا أقل من القول: ان المراد -على تقدير البناء للمجهول- انه رُخِّص له بالتقية ترخيصاً خاصاً. في حين ان ذيل الرواية يقتصر على بيان الترخيص العام، كتطبيق له. وفي ذلك من التهافت ما لا يخفى. إذن، فالبناء للمجهول في الفعل (منع) غير وارد. والرواية واردة في مقام بيان جواز التقية أو رجحانها.
ومع ذلك، فلا يمكن ان يستفاد منها توبيخ ميثم رضوان الله عليه. وكيف يوبَخ من قِبَل الإمام الصادق، وهو الصاحب المفضل لأمير المؤمنين إلى حد قد اختار القتل في سبيله.
والإمام الصادق حين يقول: “ما منع ميثم من التقية”. يعلم (سلام الله عليه) ما الذي منعه من ذلك. ألا وهو حبه ومزيد إخلاصه لمولاه الأعظم أمير المؤمنين.
وقد ورد هذا مفسَّراً في رواية أخرى عنه رضوان الله عليه(1)يقول: دعاني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وقال: “كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعيّ بني أمية عبيد الله بن زياد إلى البراءة مني”. فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا والله لا ابرأ منك. قال: إذن والله يقتلك ويصلبك”. قال: أصبر فذاك في الله قليل.
ــــــــــــــــــــ[145]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل, (المصدر السابق) حديث7.
فقال: “يا ميثم إذن تكون في درجتي”. الحديث.
إذن, فتكليفه الشرعي واضح في ذهنه وهو انه أخذ الرخصة بالشهادة بل رجحانها من الإمام أمير المؤمنين نفسه. وهدفه أيضاً واضح في ذهنه وهو ان يكون بالشهادة في درجة الإمام كما وعده (سلام الله عليه).
وعلى أي حال، فهذا تكليف خاص بميثم (رضوان الله عليه). وتدلنا الرواية التي تقول: “وما منع ميثم من التقية”. على عدم رجحان ذلك لأي أحد غيره.
وعلى أي حال، فالجواز في هذا المورد لكلا العملين: التقية والقتل، يكاد يكون من الضروريات فقهياً. ولا أقل ان نصير إليه بالأصل بعد تعارض الروايات.
ومن الواضح، عموماً من منطوق الروايات، ان التقية فيها فائدة دنيوية، مهما كانت فيها جنبة دينية، وهي المحافظة على النفس أمام الآخرين الذين قد يريدون الكيد بأهل الحق. كما ان تحمّل القتل فيه فائدة أخروية وهو درجة الشهادة. ومن المعلوم ان رجحان التقية من ذلك الجانب لا يعني مرجوحية الشهادة بهذا المعنى وانعدام الثواب أو كونها مكروهة. كالذي كنا في صدده.
وعلى أي حال، فيبقى هذا المورد مثالاً للتقية المستحبة ان قلنا بها وأخذنا بالروايات الدالة على رجحانها. ومثالاً للتقية المكروهة -ان قلنا بها- وبأن الروايات دالة على رجحان الشهادة. ومثالاً للتقية المباحة، ان قلنا بتساوي الأمرين. كما هو مقتضى الأصل وقول السيد الأستاذ.

خصائص أخرى لقاعدة التقية:
لا إشكال ان التقية تكون سبباً لارتفاع كثير من الآثار المترتبة على الأحكام التكليفية النفسية. ومن أوضحها ترتب استحقاق العقوبة على العصيان. إذ لو
ــــــــــــــــــــ[146]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
ترك الواجب أو جاء بالحرام تقية لم يلحقه أي عقاب بلا إشكال.
لكن الكلام في الجهات الأخرى التي:
إحداها: وجوب قضاء الفائت بالتقية.
ثانيها: الكفارة المترتبة على الترك لو كانت، كترك صوم شهر رمضان، في عيدهم تقية، أو الإتيان بمنافيات الإحرام في الحج تقية.
ثالثها: الضمان المترتب على إتلاف مال الغير تقية.
وقد أدرج السيد الأستاذ الجهتين الثانية والثالثة في جهة واحدة مع انه ينبغي التفريق بينهما، من حيث ان الأخيرة تحتوي على حق المخلوق. في حين تختص سابقتها بحق الخالق سبحانه.
رابعها: ان الفرد لو اضطر في التقية إلى ترك جزء أو شرط في واجب فهل يرتفع أصل وجوب الواجب أو يبقى غير مقيد بذلك الجزء أو الشرط أو عدم المانع؟
ونتكلم في هذه الجهات تباعاً:
الجهة الأولى: في وجوب قضاء الفائت بالتقية. فقد يقال: بعدم وجوب القضاء بأحد تقريبين:
التقريب الأول: انه يستفاد من أدلة التقية ارتفاع جميع الآثار المترتبة على التكليف الساقط بالتقية بما فيها القضاء.
التقريب الثاني: انه يستفاد من أدلتها كون التارك كالفاعل. إذن, فالمفطر كالصائم. وحيث انه قد صام يومه، بالتنزيل الشرعي، إذن فلا يجب قضاؤه.
إلا ان كِلا التقريبين غير تامين:
أما التقريب الأول: فالتقية، وان كانت رافعة لكل الآثار، ولكنها إنما
ــــــــــــــــــــ[147]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
تؤثر ذلك مع تحققها لا مع عدمها. والمفروض انه في وقت القضاء لم يكن الفرد في تقية، إذن فما الذي يوجب ارتفاع القضاء بعد فوت الصوم وجداناً، بغض النظر عن التقريب الثاني. إذن، فيكون مشمولا لأدلة وجوب قضاء الفائت.
وأما التقريب الثاني: فلأنه لا يستفاد من أدلة التقية أن التارك كالفاعل. كل ما في الأمر انه معذور، وانه قد قام بتكليفه الفعلي الصحيح. وأما ان الصوم الذي تركه وجداناً يكون بمنزلة الموجود تعبداً، فهذا مما لا سبيل إلى فهمه في الأدلة.
إذن، فالصوم متروك فائت، فيجب قضاؤه(1). نعم, لو كان القضاء أيضاً تحت التقية، بحيث لم يستطيع الصوم ولو متكتماً إلى الشهر الآخر من رمضان، أمكن القول بسقوط القضاء باعتبار الدليل على ان من كان معذوراً عن القضاء عاماً كاملاً لا يلحقه وجوب القضاء بعد ذلك.
والدليل عليه: أما قياسه على حال المريض، الذي تم الدليل فيه بهذا الخصوص فيما إذا استمر به المرض عاماً كاملاً وتعذّر عليه الصوم. وهذا القياس غير بعيد بعد التجريد عن خصوصية المرض إلى كل عذر، كما هو المفهوم عرفاً.
وأما لجريان أصالة البراءة عن وجوب القضاء بعد الشهر الآخر بعد احتمال سقوط القضاء. وعدم وجود إطلاق كافٍ في أدلة وجوبه بعد تقييدها إجمالاً ببعض الموارد كالمرض، واحتمال شمولها للموارد الأخرى، كما قلنا.
ــــــــــــــــــــ[148]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) ويؤيد ما رواه رفاعة عن رجل عن أبي عبد الله يقول فيه: “فكان إفطاري يوما وقضاؤه أيسر علي من ان يضرب عنقي ولا يُعبد الله”. الوسائل, كتاب الصوم, أبواب ما يمسك عنه الصائم, باب57, حديث5.
الجهة الثانية: في الحديث عن الكفارة المترتبة على الترك لو كانت. ومقتضى القاعدة سقوط الكفارة وأشباهها، بأحد تقريبين:
التقريب الأول: انه يستفاد من أدلة التقية كون تطبيقها من الدين. وهذا صريح لعدد من الأخبار التي سمعنا بعضها. وما كان من الدين لا كفارة على انجازه.
وبتعبير آخر: ان الكفارة إنما تأتي، بحسب الفهم العام من أدلتها إذا كان الترك ذنباً وعصياناً. وأما إذا خرج عن هذه الصفة فتخرج موضوعاً عن أدلة الكفارة.
التقريب الثاني: ان أدلة التقية مسوقة مساق الامتنان وكلما كان مخالفاً للامتنان، كان قابلاً للرفع بأدلتها. ومن ذلك تحميل الكفارة ونحوها على ذمة المكلف.
ويؤيد ذلك ما رواه الأعمش(1) عن أبي جعفر في حديث شرائع الدين، يقول فيه: “واستعمال التقية في دار التقية واجب. ولا حنث ولا كفارة على من حلف تقية، يدفع بذلك ظلماً عن نفسه”.
وبعد التمسك بعموم العلة من هذا الحديث، وهي دفع الظلم، يمكن التعميم لكل كفارة. ويمكن جعل هذه الرواية تقريباً ثالثاً لولا المناقشة في السند.
الجهة الثالثة: في ضمان الأموال التالفة بسبب التقية.
فقد يقال: بعدم الضمان, بأحد تقريبين:
التقريب الأول: ما استفدناه من أدلة التقية من أنها من الدين. إذن فهذا
ــــــــــــــــــــ[149]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل: أبواب الأمر والنهي, باب 24, حديث 21.
الإتلاف من الدين، وما كان من الدين لا تبعة فيه.
التقريب الثاني: ما استفدناه من أدلتها أنها في صدد الامتنان، وليس من الامتنان ثبوت الضمان.
إلا ان كان التقريبين غير تامين لوجود قرينة ضمنية كالمستعملة في الأدلة، وهو كونها في صدد الامتنان. وهي ليست بصدد الامتنان على فرد معين بل على عموم المؤمنين. ومن المعلوم انه ليس من الامتنان على المالك سلب الضمان عن المتلف.
وألحق السيد الأستاذ بهذا التقريب ما إذا باع داره اضطراراً للحاجة الماسة إليه، إذ ليس من الامتنان القول ببطلان البيع.
إلا ان إدراج هذه المسألة في مبحث التقية غريب، لوضوح انه لا مورد ولا معنى لأن يبيع داره للاضطرار والتقية معاً. فان باعها لأجل كِلا السببين، كان من الامتنان صحة البيع. إلا ان هذا لا مورد له.
وأما ان باعه لأجل التقية فقط، فمن الواضح ان مقتضى الامتنان بطلان البيع، كالإكراه تماماً.
الجهة الرابعة: في سقوط الجزئية والشرطية والمانعية عند تعلق التقية بها.
ويجب ان يخص الكلام، بما إذا كان لدليل الجزئية ونحوها إطلاق يشمل المورد، وأما إذا لم يكن له إطلاق، كالثابت بالسيرة والإجماع، ونحوها من الأدلة اللُبيّة، فلا إشكال في سقوط الجزئية ووجوب الواجب غير مقيد بها، وأجزائه.
إذا عرفنا ذلك، فقد يستدل لسقوط الجزئية وأخويها، بما عن (الشيخ
ــــــــــــــــــــ[150]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
الأنصاري)، من التمسك بعموم أدلة التقية: كصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم(1) قالوا: سمعنا أبا جعفر يقول: “التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له”.
ورواية أبي عمر الأعجمي(2)عن أبي عبد الله في حديث انه قال: “لا دين لمن لا تقية له. والتقية في كل شيء إلا في النبيذ والمسح على الخفين”.
وهي شاملة لمحل الكلام لأنه مندرج في المستثنى منه.
وقال سيدنا الأستاذ في تقريبه(3):
ومن الظاهر ان حِلّية كل حرام بحسبه، فإذا كان العمل محرماً نفسياً في نفسه مع قطع النظر عن التقية، فهي تجعله مباحاً نفسياً… كما انه إذا كان محرماً غيرياً فالتقية تجعله مباحاً غيرياً. ومعناه عدم كون العمل مشروطاً بذلك الشيء.
مثلاً، إذا اضطر المكلف إلى التكفير في صلاة أو إلى ترك البسملة أو إلى استعمال التراب للتيمم في صلاته وهي من المحرمات الغيرية لاشتراط الصلاة بعدم التكفير وعدم ترك البسملة، فالتقية تجعلها مباحة غيرية، بمعنى عدم اشتراط الصلاة بعدم التكفير أو بعدم ترك البسملة، وهكذا.
وأجاب السيد الأستاذ بما حاصله: بأن الصحيحة وان أحلت كل محرم أصبح مورداً للتقية، إلا انه ليس معناه: ان التكتف يخرج عن كونه مبطلاً للصلاة بسبب التقية حتى تصح معه الصلاة بل التكتف المعنون بالمبطلية في الصلاة يحكم عليه بالحلية لأجلها، فيصير إبطال الصلاة جائزاً بالتقية. وأما ان
ــــــــــــــــــــ[151]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر, باب25, حديث2.
(2) نفس المصدر, حديث3.
(3) التنقيح: ج4, ص274.
التكتف لأجل الحكم بحليته وارتفاع حرمته يخرج عن كونه مبطلاً للصلاة فلا يكاد يستفاد من الروايات بوجه.
إلا ان هذا لا يخلو من مواقع النظر:
أولاً: لا إشكال ان أدلة التقية تجعل التكفير جائزاً، يعني يتصف بالجواز النفسي. إذن, فالمصلي قد أتى بشيء جائز في صلاته فلا تكون باطلة.
ثانياً: يمكن ان يستفاد ان هذه الأدلة تلحق الوجود بالعدم والعدم بالوجود تعبداً وتنزيلاً. فان تكتّف الفرد فكأنه لم يفعل, وإذا ترك البسملة فكأنه فعلها، لأنه إنما فعل ذلك بالأمر الشرعي للجواز ان لم يكن للوجوب. ومعه فلا وجه للحكم ببطلان صلاته.
ثالثاً: لو تنزلنا وسلمنا مع السيد الأستاذ ان إبطال الصلاة يصبح جائزاً. إلا ان هذا إنما يتم في الواجبات التي تكون قابلة للإسقاط في نفسها. وأما الصلاة، فهي لا تسقط بحال، كما ثبت ذلك بالإجماع وبأدلة أخرى.
ومعه, فالحكم الأولي للصلاة وان كان ساقطاً، وهو المقيد بالشرطية أو المانعية، إلا ان حكماً آخر بوجوبها يكون ثابتاً، في طول التقية، بدليل عدم سقوطها التام. وهذا الوجوب لا يمكن ان يكون مقيداً بالشرط الساقط بالتقية، لأن الدليل الذي أسقط الوجوب الأول أسقط الشرطية.
وبتعبير آخر، ان الوجوب الجديد يأتي في طول التقية المسقطة للشرطية ولو بنحو السقوط النفسي. فلا يحتمل عوده إلى الشرطية فيكون الوجوب الجديد خالياً منه.
ومعه, يكون الإتيان بالصلاة بدونه مجزياً لا محالة.
غير ان هذا مقيد بظرف التقية لا محالة، إذ مع ارتفاعه يعود الدليل الأول إلى الفعلية، فيكون مقتضى القاعدة وجوب الإعادة والقضاء.
ــــــــــــــــــــ[152]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
إلا ان هذا غير صحيح. أما في القضاء، فواضح لأنه بأمر جديد. ولم يثبت الفوت ليجب. وأما في الأداء، فلأن الصلاة عند انجازها كانت جامعة لكل الشرائط المطلوبة منه وقتئذ، ولم تكن البسملة أو ترك التكفير شرطاً. وإذا جاء بالصلاة جامعة للشرائط لم يجب عليه الإعادة فضلاً عن القضاء. نعم، يكون اثر ارتفاع التقية بالنسبة إلى أفراد الصلاة الأخرى.
رابعاً: يمكن ان يُستَدل بهذا الصدد بالسيرة الموثوق حصولها، وهي عدم إعادة الصلاة من قِبَل الأئمة، وأصحابهم عند أداء الصلاة بنحو التقية.
وما هو المتيقن انه لم يرد الأمر بالأداء أو القضاء، ولا في دليل ضعيف. فان كان هناك احتياط فليس منشؤه إلا احتياطات بعض الفقهاء بهذا الصدد.
وقد يُتَوهَم: أننا توصلنا قبل فترة إلى وجوب قضاء الصوم، ولم نتوصل هنا إلى وجوب قضاء الصلاة. فكيف يكون ذلك، وهل هما إلا عبادتان متشابهتان من هذه الناحية؟
ويندفع هذا التوهم بالوجدان الذي أشرنا إليه بأن الصوم متروك وفائت في وقته. فقد سببت التقية انعدامه فيجب قضاؤه. على حين ان الصلاة قد أتى بها وجداناً. وهي أيضاً جامعة للشرائط المطلوبة في ظرف التقية، فلماذا يجب القضاء؟
اللهم إلا أن يقال، أننا أشرنا انه يمكن ان يستفاد من أدلة التقية أنها تُنزِل الموجود منزلة المعدوم وبالعكس. إذن, يكون هذا الذي ترك الصوم بمنزلة الصائم فلا يجب عليه القضاء.
لكن الصحيح خلاف ذلك. فان من الصعب ان يكون المستفاد من أدلة التقية هو ذلك. وإنما تدل على مجرد الأمر بالمتابعة للتقية وجوباً أو جوازاً، لا أكثر.
ــــــــــــــــــــ[153]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
نعم، بالنسبة إلى الصلاة بالخصوص قد تُرجِّح مثل هذه الاستفادة، بأحد تقريبين:
التقريب الأول: ان الصلاة حيث كان لها كيان مستقل بحيث ان تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، فكل مما وقع فيها مما هو جائز لا يضرها، بما فيه ما أصبح جائزاً بالتقية، وعدم الإضرار بها يعني إلحاقه بالعدم. لأنه لولا التقية لَحُكِم بوجوده ومانعيته.
التقريب الثاني: حيث حُكِم بصحتها على أي حال، فلو كانت هذه الأمور موجودة في نظر الشارع لأفسدتها، لأن المتبادر والمفهوم متشرعياً منها الإبطال. وحيث صحت الصلاة، إذن فهذه الأمور ملحقة بالعدم، فتأمّل.

لـو ترك العـمل بالتـقيـة:
أما لو وجبت عليه التقية ولم يعمل بها، فلا إشكال في الحرمة التكليفية، واستحقاق العقاب.
وأما بالنسبة إلى الحرمة الوضعية -يعني بطلان العمل المأتي به مخالفاً للتقية- فهذا له عدة صور:
الصورة الأولى: ان لا يأتي بالشرط المتحقق عندهم ولا بالشرط الواقعي.
الصورة الثانية: ان يأتي بالشرط على خلاف مذهب صاحبه وان كان عليه بعض مذاهب العامة.
الصورة الثالثة: ان يأتي بالشرط الواقعي للعبادة، حسب الحجة القائمة لديه لولا التقية.
والحديث عن كل صورة من هذه الصور، في جهة من الجهات:
ــــــــــــــــــــ[154]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
أما الجهة الأولى:
فالوجه المصيّر إلى القول ببطلان العمل. لأنه غير مشمول لأدلة التقية لأنه لم يطبقها ولا للأدلة الواقعية لأنه ترك تطبيقها أيضاً. فالعمل ناقص من كِلا الجهتين فيكون باطلاً.
لا فرق في ذلك بين الصلاة والحج وغيره، خلافاً للسيد الأستاذ الذي قال في مورد الحج ما مؤداه: إننا لا نستفيد من أدلة التقية انقلاب الوظيفة الواقعية إلى العمل المطابق للعامة. وإنما نستفيد فقط سقوط الجزئية أو الشرطية الواقعية. فإذا ترك الوقوف بعرفات في اليومين الثامن والتاسع لم يخالف شرطاً لفرض سقوط شرطية التاسع وعدم شرطية الثامن. فالوجه المصيّر إلى الصحة.
والوجه في مناقشته: هو ان الشارع المقدس، إنما رفع اليد عن الشرطية الواقعية في حدود العمل على طِبق التقية. ولم يدل دليل على ما هو أوسع من ذلك. فان لم يعمل على طِبق التقية كان دليل الشرط الواقعي محكماً في الإفساد.
وبتقريب آخر: إن هذا العمل الناقص مُجمَع على بطلانه من قِبَل كل المذاهب الإسلامية، لأنه فاقد شرطاً أو جزءاً على كل الفتاوى. فكيف يمكن المصير إلى صحته.
وعدم القول بانقلاب الوظيفة في هذا المورد بل كل مورد، هو الصحيح، لأن أدلة التقية لا تدل على أكثر من وجوب موافقة العامة في أعمالهم. ولا تدل على جزئية أو شرطية ما اعتبروه شرطاً أو جزءاً.
إلا ان هذه الأدلة دلت على الإجزاء مع الإتيان بما يوافق العامة. ومع عدمه يكون الإجزاء غير متحقق.
وبتقريب آخر: ان السيد الأستاذ اعترف بحرمة مخالفة التقية، وإذا ترك
ــــــــــــــــــــ[155]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
المكلف الشرط العامي، كان مخالفاً لها، فيكون قد فعل حراماً. فتكون العبادة منهياً عنها، فتقع باطلة.
الجهة الثانية: ان يأتي بشرط أو جزء موافق مع مذاهب أخرى وهذا يختلف باختلاف الاستفادة من أدلة التقية. فان هذا يمكن ان يكون على وجهين:
الوجه الأول: دلالة هذه الأدلة على مطابقة العمل المأتي به لمورد التقية، والمفروض ان مورد التقية هو هذا دون ذاك. فالإتيان بغيره لا يكون عملاً مطابقاً للمورد ومن ثم للتقية. والمفروض انه أيضاً فاقد للشرط الواقعي. فيكون فاسداً.
الوجه الثاني: ما اختاره السيد الأستاذ(1)من ان المستفاد من الأخبار الواردة في التقية أنها إنما شُرِّعت لأجل أن تختفي الشيعة من المخالفين وان لا يشتهروا بالتشيع والرفض ولأجل المداراة والمجاملة معهم. وهذا يحصل لو أظهر مذهب الحنابلة أمام الحنفي أو العكس.
ولم يرد في شيء من أدلة التقية وجوب اتّباع أصنافهم المختلفة. ولا دليل على وجوب اتّباع من يتقي منه في مذهبه.
وحين يدور الأمر بين هذين الوجهين، فان تمت القرينة العامة المذكورة في الوجه الثاني، فهو المطلوب. وإلا فالمصير لا محالة يكون إلى الوجه الأول. ولا يبعد ان تكون تلك القرينة العامة صحيحة.
الجهة الثالثة: ان يأتي المكلف بما هو الشرط أو الجزء الواقعي لولا التقية، ويخالف مقتضى التقية، في العبادة.
ــــــــــــــــــــ[156]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) التنقيح: ج4, ص 332.
وهنا لا بد ان نفترض ان الجزء العامي المتروك أو الشرط ليس مستحباً في نظرهم بل هو واجب. كما ان الجزء الواقعي المأتي به ليس مستحباً بل هو واجب.
فأما إن كان الجزء المتروك في نظرهم مستحباً، فلا إشكال من صحة عبادته وان فعل الحرام بترك التقية. والظاهر ان قول (آمين) بعد الحمد والتكتف، من هذا القبيل في نظرهم ومعه فتركهما لا يوجب البطلان.
كما انه قد يظهر من ذلك، انه ليس هناك فعل واجب عندهم يكون مقتضى التقية فعله. فان هذا يبقى بلا مثال بعد التسليم باستحباب التأمين والتكتف.
ولكن مع فرضه فالصحيح بطلان العبادة لأنها تكون مصداقاً للحرام، وان طابقت المطلوب الواقعي لولا التقية. فتكون باطلة.
وما ذكره السيد الأستاذ من ان ذلك مربوط بأن نفهم من أدلة التقية اشتراط ما يشترطون في الواجب, غير صحيح. لأن ظاهر تلك الأدلة، وان لم يكن ذلك. إلا ان مخالفة التقية تكفي لجعل الواجب مصداقاً للحرام.
ولا فرق في ذلك أيضاً بين فعل ما يجب تركه أو ترك ما يجب فعله. فان مصداقية الواجب للحرام محفوظة.
نعم، هذا مربوط بعدم وجود المندوحة. يعني مع عدم إمكان التخلص أو الإخفاء. وأما مع إمكانه فيخرج المورد عن التقية، ويعود الحكم الواقعي منجزاً. فإذا خالفه باختياره عندئذ كانت صلاته باطلة.
هذا، وهناك تفاصيل فقهية عديدة للتقية أعرضنا عنها لأنها خارجة عن موضوع الكتاب.
ولكن قبل الانتهاء من هذا البحث لا بد من الإشارة إلى أمرين:
ــــــــــــــــــــ[157]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
الأمر الأول: ما أشرنا إليه قبل أسطر من اشتراط عدم المندوحة من حيث ان السيد الأستاذ لم يختر ذلك في العبادات.
ولكن الصحيح هو اشتراط عدم المندوحة مطلقاً، وذلك لوجهين:
الوجه الأول: ان التقية، إنما هي خروج العمل عن عهدة الفرد وقناعته ودخوله في عهدة وقناعة العامة . وهذا إنما يكون عند عدم المندوحة. وأما مع وجودها وإمكان التخلص بالإخفاء مثلاً أو تأجيل العمل أو نحو ذلك, فلا يكون هناك تقية، موضوعاً.
وإذا خرج المورد موضوعاً عن تحت التقية لم يشمله الحكم، وكان مشمولاً للأدلة الواقعية.
الوجه الثاني: ما ذكره السيد الأستاذ(1)من التمسك بالروايات القائلة: “التقية في كل ضرورة”.
قال: «وهذا لا لأجل القول بمفهوم اللقب، كما ربما يتراءى من الروايتين، بل من جهة ان تقديم ما حقه التأخير يفيد حصر المسند في المسند إليه. فان حق العبارة لولا الحصر ان يقال: كل ضرورة فيها التقية، فتقديمه التقية على كل ضرورة إنما هو لأجل حصر التقية في موارد الضرورة، بحسب ظاهر الكلام. وبما ان معنى “التقية في كل ضرورة” ان التقية مشروعة في كل ضرورة، لعدم كونها ناظرة إلى نفس التقية، فيستفاد من هاتين الصحيحتين عدم مشروعية التقية في غير موارد الضرورة».
إلا أن هذا قابل للمناقشة تماماً: لأننا نتساءل عما هو المسند والمسند إليه أو المبتدأ والخبر. فان كان المبتدأ هو قوله: «كل ضرورة أو في كل ضرورة»،
ــــــــــــــــــــ[158]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) التنقيح: ج4, ص305.
كان ما قاله لا يخلو من وجه، لأن حق لفظ التقية التأخير بصفته خبراً، ولكنه قدّمه فيفيد الحصر.
إلا أن ذلك، على انه خلاف الظاهر، فهو مما لا يحتمل في القواعد العربية، فان قوله: «في كل ضرورة جار ومجرور ومضاف إليه»، فكيف أصبح بمنزلة المسند أو المبتدأ؟
وإنما الظاهر ان التقية هي المسند أو المبتدأ، بصفتها واقعة في أول الكلام. وتقديرها النحوي: التقية كائنة أو متحققة في كل ضرورة. فانتقض الحصر.
لكن يبقى التساؤل عن المغزى أو الهدف من بيان هذه الجملة. وما هو الأظهر من ذلك هو ان يكون المراد تعميم حكم التقية لكل ضرورة.
لأن المشهور عند المتشرعة كما هو المشهور عند الفقهاء، هو ان التقية خاصة بعلاقة أهل المذاهب الإسلامية. ومعه تكون التقية أخص من الضرورة. ولكن يراد هنا تعميم مفهوم التقية لكل ضرورة سواء حصلت بسبب الاختلاف في المذهب أو أي اختلاف آخر.
كما يمكن ان يراد من ذلك إعطاء الضرورة حكم التقية، فإنهما قد يختلفان في مقتضاهما كما هو واضح. إلا انه مع ذلك، فان مقتضى الضرورة هو العمل بحكم التقية، أي تطبيق هذا المقتضى كما يجب تطبيق مقتضى التقية.
ومن آثار ذلك ان المكلف لو تحمّل الضرورة وصبر عليها وجاء بالشرط الواقعي، تقع العبادة منه باطلة.
هذا, ولكن قد يتمسك كما تمسك السيد الأستاذ، بالروايات الواردة عن المعصومين في الحث والترغيب في الصلاة معهم وفي عشائرهم وفي
ــــــــــــــــــــ[159]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
مساجدهم. بل في بعضها ان الصلاة معهم في الصف الأول كالصلاة خلف رسول الله.
قال(1): «فان مقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين صورة التمكن من الإتيان بالوظيفة الواقعية إلى آخر الوقت وصورة عدم التمكن… بل ظاهر أمرهم.. ان تكون الصلاة معهم وفي صفوفهم بالقدرة والاختيار لا خصوص ما إذا كانت لأجل الضرورة والاضطرار».
إلا ان هذا ليس بصحيح على إطلاقه. فان متعلق التقية هنا أمران مختلفان:
الأمر الأول: حضور جوامعهم ومجامعهم. وهذا غير مربوط بعدم المندوحة، بل يجوز بالقدرة والاختيار، بل هو مرغوب فيه ومستحب.
الأمر الثاني: ان الفرد الذي امتثل هذا الاستحباب، سيحصل موضوع التقية، في الصلاة بصلاتهم. فهذا هو الذي نؤكد عليه، من حيث ان موضوعها إنما يتحقق فيما إذا حصل الالتفات والتركيز من قِبَلهم. وأما إذا استطاع الفرد ان يطبق الحكم الواقعي، بدون ان يناله ظن أو تهمة، فهذا خارج عن موضوع التقية، فإذا لم يفعل كان مقصراً، وعبادته غير مجزية.
إذن، فالمبادرة في أول الوقت إلى جوامعهم جائزة والدخول في موضوع التقية جائز. وبهذا المقدار لا يعتبر عدم المندوحة بل حتى الكون في الصف الأول من صفوفهم جائز أيضاً، بل مستحب. إلا ان هذا لا يعني إهمال التفاصيل وتطبيقات الشروط والأجزاء التي يمكن للفرد ان يأتي بها وهو في تلك الحال، مطابقة للوظيفة الواقعية. ولكن السيد الأستاذ لم يُفصِّل!
ــــــــــــــــــــ[160]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: ص308.
الأمر الثاني: الذي نريد ذكره في الختام:
انه قد يقال: ان أدلة التقية تختص بزمان معين كعصر الأئمة، كان أهل السُنّة فيه مقتدرين ومهتمين بتطبيق فقههم على القريب والبعيد. وأما في هذه الأيام فلم يبقَ في ذلك أثر، إلى حد ذهب موضوع الخوف تماماً ومعه لا يبقى أي موضوع لأدلة التقية.
وعن (المحقق الهمداني)(1)، انه اختار هذا الاختصاص.
إلا ان الصحيح خلافه في حدود ما هو مأمور به من مجالستهم ومجاملتهم وحضور جوامعهم. وذلك لأجل تطبيق وتنفيذ الحكمة من وراء تشريع التقية. وهي توحيد كلمة المسلمين، وجعلهم يداً على من سِواهم من الأعداء المتربصين بهم الدوائر.
نعم, يبقى ما أشرنا إليه في الأمر السابق، وهو ان المكلف الآن أصبح أكثر اقتداراً على تطبيق الشرائط الواقعية للصلاة والأجزاء والموانع. وإذا كان هذا ممكناً ارتفع موضوع التقية -كما قلنا- ووجب الإتيان بالواقع كما قلنا هناك.
ومن الطريف ما احتمله السيد الأستاذ من شمول حكم التقية لبعض التصرفات الدنيوية بل المحرمة. وهو وان كان قد نفاه، إلا أننا نقول: ان مجرد إثارة الاحتمال حوله غير وارد.
قال(2): «وإما إذا لم يترتب على ترك التقية ضرر على نفسه ولا على غيره بل كانت التقية لمحض جلب النفع من الموادة والتحابب والمعاملة معهم في الحياة فلا تكون مسوغة لارتكاب العمل المحرم ولا ترك الواجب. فليس له الحضور في مجالسهم المحرمة كمجلس الرقص وشرب الخمر ونحوهما».
ــــــــــــــــــــ[161]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر, ص319.
( ) نفس المصدر, ص315.
لأجل المجاملة لعدم تحقق مفهوم التقية حينئذ، حيث لا ضرر يترتب على تركها.
ومصدر الغرابة في هذا الكلام: ان مفهوم التقية إنما هو مكرس في الإطار الديني لنا ولهم. فإذا خرج الأمر عن هذا الإطار خرج عن موضوع التقية.
وبتعبير آخر: إنهم يقومون بالتكتف والوضوء المنكوس بصفتهم متدينين في مذهبهم، لكنهم لا يقومون بمجلس الرقص والشرب بهذه الصفة. فموافقتهم على ذلك موافقة غير مشروعة. بل ان موافقة الشيعي للشيعي على مثل ذلك غير مشروعة فضلاً عن غيره.
نعم، مقتضى إطلاق الروايات جواز بل استحباب التحابب إليهم في المباحات وليس فقط في العبادات. فلو استلزم ذلك قيد من قيود التقية لم يكن ذلك محذوراً، وخرج عن قاعدة: (ان ما بالاختيار لا ينافي الاختيار)… لأنه إنما فعل ذلك باعتبار الجواز الشرعي والاستحباب. فيكون تطبيق حكم التقية بالمقدار الضروري صحيحاً.
ــــــــــــــــــــ[162]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول

فصل
الكافر

هناك في الشريعة، عدد من البشر يُحكَم عليهم بالنجاسة فمن هم وما هي صفتهم الأساسية، وما هو حكمهم بالتحديد؟
وينبغي ان نعرف بادئ ذي بدء، ان هناك عدداً من العقائد خارجة عن الإسلام بالمرة: وهي أربعة:
الأول: إنكار الإلوهية إنكاراً تاماً، سواء كانوا ماديين -بمعنى أنهم أوكلوا مسير الحوادث إلى القوانين الكونية المرئية- أو غيرهم, بمعنى أنهم أوكلوها إلى قوانين فوق الطبيعة، كالذي يعتقده بعض السحرة والمنجمين.
الثاني: إنكار التوحيد. وهو الشرك. وهو وان كان على قسمين رئيسيين: الشرك الجلي والشرك الخفي. إلا ان ما هو خارج عن الإسلام هو الجلي دون الخفي، كما سيأتي توضيحه.
الثالث: إنكار نبوة نبي الإسلام. أو تكذيب ما عَلِمنا بصدوره عنه من أحكام وأقوال وعقائد، بحيث يكون تكذيبها تكذيباً له. وهذا الأخير يسمى بمنكِر الضروري في الدين وسيأتي توضيحه.
الرابع: مُنكِر المعاد. وهذا وان كان واضحاً في الكتاب والسُنّة إلى حد الضرورة .إلا ان الجهة الفقهية الأهم فيه هو ان مُنكِر المعاد مُنكِر لضروري من ضروريات الدين . لأن المعاد من أوضح ضروريات الدين.
ــــــــــــــــــــ[163]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
الشـرك:
وينبغي لنا ان نفحص مفهوم الشرك جيداً، من زاوية مفهومه الإسلامي، بجميع مراتبه المتصورة نظرياً، لكي نكون على بصيرة من أمرنا فيما يُحكَم عليه بالنجاسة وما لا يُحكَم.
وذلك لوضوح ان السبب الثالث ليس بمجرده يوجب حكماً بالنجاسة، على القول بطهارة أهل الكتاب كما يأتي. كما ان السبب الرابع راجع إلى السبب الثالث كما عرفنا. نعم, لو قيّدنا السبب الثالث بغير الكتابيين أمكن القول بنجاسة الباقي، يعني من لم يكن من المسلمين ولا الكتابيين.
وكذلك يمكن ان ندرج السبب الأول في مفهوم الشرك على ما سيأتي بعد قليل. لنجد ما الذي يبقى سبباً رئيسياً أو موضوعاً فقهياً للحكم بالنجاسة.
والشرك يمكن تقسيمه أولاً إلى قسمين: لأنه إما أن يكون الله سبحانه الذي يؤمن به المؤمنون أحد الشريكين أو لا يكون. بل يكون هناك في معتقد الفرد آلهة من نوع آخر.
ولا يبعد ان يكون هؤلاء -أعني من يؤمن بغير الله سبحانه تماماً- مندرج تحت مفهوم الشرك كما يستفاد من بعض آيات القرآن الكريم كقوله سبحانه: أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّـهِ سُبْحَانَ اللَّـهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ(1) وقوله تعالى: وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ(2) قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ(3).
وهو المعنيّ بقوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا(4), يعني
ــــــــــــــــــــ[164]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الطور: 43.
(2) النحل: 86.
(3) نفس السورة والآية.
(4) الأنبياء: 22.
حين يكون المدّعى وجود الآلهة المغايرة لله عز وجل: إِلَّا اللَّـهُ سواء كان واحداً أو متعدداً غيره. وأما قوله: لَفَسَدَتَا  فضمير التثنية راجع إلى السماء والأرض لا إلى الآلهة.
وكذلك، فان الجمع في لفظ الآلهة لا يدل على أكثر من معنى الجنس. وهو ينطبق على الواحد والاثنين والأكثر. كل ما في الأمر ان أغلب هذه المعتقدات يقوم على التعدد ومن هنا جاء لفظ الجمع.
وان أوسع المفاهيم التي تمسّك بها المعتقدون بهذا المسلك، هو التمسك بالأسباب الطبيعية. وهم الماديون قديماً وحديثاً. ونقل عنهم قولهم في القرآن الكريم: وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ(1). حيث نفى وجود فاعل آخر غير الدهر. يعنون بذلك الأسباب الظاهرية.
وكذلك الشيطان، حيث ان المنقول عن اليزيديين أنهم يؤمنون به ربّاً. وهو المشار إليه في القرآن الكريم بقوله تعالى على لسان الشيطان: إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ(2).
وتقديسهم للشيطان مؤكد، إلا ان نفيهم لما هو أعلى منه، بحيث يكون هو المسيطر الحقيقي على الكون كله، غير مؤكد.
وكذلك الجن، في معتقدات السحرة والكهنة، الذين يعتبرونهم الأسباب النهائية للحوادث وان لم يكونوا بدورهم أسباباً طبيعية. وهو المشار إليه بقوله: بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ(3).
كذلك الفلك والقوانين الفلكية، التي كان يؤمن بها بعض المنجمين
ــــــــــــــــــــ[165]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الجاثية: 24.
(2) إبراهيم: 22.
(3) سبأ: 41.
الملحدين القدماء، على أساس أنها القوانين النهائية للعالم. ولم نجد لها بخصوصها إشارة واضحة في القرآن الكريم، ولكنها تندرج تحت آيات أخرى.
منها ما سبق كقوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا, أو قوله: أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ. أو قوله تعالى: وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ.
وأما عبدة الأصنام، فليس فيهم على ما يبدو من يقدّس الصنم كشيء نهائي. وإنما يقدسه مع الاعتراف بوجود الخالق للعالم وهو قوله تعالى: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّـهِ زُلْفَى(1). وكانت عبادتهم للأصنام تنشأ من مناشئ مختلفة، متسببة عن الجهل والتخلف في الثقافة والذكاء إلى درجة عجيبة.
منها: أنهم يعتقدون ان من الضروري وجود صورة للإله المجرد على شكل محدد، لكي يكون هو الرمز بينهم وبينه.
ومنها: أنهم يُخلِّدون أولئك الذين أحبّوهم وأخلصوا إليهم في حياتهم من مصلحين وزعماء كـ(بوذا) و(كونفشيوس) وغيرهما. يُخلِّدونهم على شكل مجسمة أو تمثال، ثم تصبح المجسمة معبودة بالتدريج لأن الأجيال المتأخرة منهم ترى التقديس المهم في دينهم مشخصاً في هذا التمثال.
ومنها: أنهم يعتقدون بوجود الفاعلية والوعي لدى هذه الأصنام، حيث أنها تقربهم إلى الله زلفى.
وعلى أي حال، فعبادة الأصنام تعتبر من أنواع الشرك التي تكون مقترنة بالاعتقاد بوجود الله سبحانه.
وإذا دخلنا في الحديث عن هذا القسم، وبدأناه بالحديث عن عبادة
ــــــــــــــــــــ[166]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الزمر: 3.
الأصنام، كما أشرنا قبل قليل. بقي علينا ان نُعِّد الأقسام الأخرى.
وأهم ما تصوره الفلاسفة والمتكلمون شركاً بهذا الصدد، واعتبروه المثال الأمثل والأفضل للشرك الصريح هو: الإيمان بوجود إله آخر مع الله سبحانه يتصف بنفس صفاته وخصائصه لو صح التعبير. وعقدوا في عِلمَيْ الفلسفة وعلم الكلام فصولاً مطولة للبرهان على التوحيد وان (شريك الباري) بهذا المعنى غير متحقق وانه مستحيل بالذات.
وهذا صحيح تماماً والدليل كامل الصحة، كما ان الاعتقاد به هو الشرك الصريح بالمعنى الكامل. كما ان مناقشة هذا الاحتمال كمجرد احتمال نظري يعتبر خدمة للعقائد الدينية بلا إشكال.
إلا أن الذي يهون الخطب، انه لا يوجد بين البشر مُعتقِد بهذا الاعتقاد على الإطلاق. بل هي مشكلة غير معروضة اجتماعياً وعقائدياً على الإطلاق. وسنذكر فيما يلي ما وصلنا من معتقدات الثنوية وغيرها، وليس فيها الاعتقاد بمثل هذا المعتقد.
ولعل هذا هو المراد من قوله تعالى: أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّـهِ آَلِهَةً أُخْرَى(1). أو قوله تعالى: وَقَالَ اللَّـهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ(2).
أو ان المراد بها مطلق التثنية والتثليث، يعني بشكل يندرج فيه هذا المسلك وغيره. بل لعلها أقرب إلى غيره من العقائد. أما الآية الأولى فبقرينة الجمع في قوله: آَلِهَةً أُخْرَى والمفروض في هذا المسلك وجود اثنين فقط. وأما الآية الثانية فباعتبار قوله تعالى:  أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ ــــــــــــــــــــ[167]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الأنعام: 19.
(2) النحل: 51.
دُونِ اللَّـهِ(1). حيث يكون المراد نفي التثنية بهذا المعنى أو نفيها بأي معنى آتٍ مما هو موجود ومعروض في المجتمع، لا ما هو غير موجود على الإطلاق، وان كان مندرجاً فيه نظرياً بطبيعة الحال.
ويأتي بعد ذلك دور الثنوية الذين يقولون بوجود إلهين حاكمين للعالم. أحدهما إله الخير والآخر إله الشر.
وهذا هو معتقد المجوس وهو ليس من جنس الشرك المشار إليه فيما سبق. لأنهم يعتقدون ان إله الخير هو الأكبر والأهم في الكون ولكنهم يقدسون إله الشر بالرغم من هَوانِه لأجل ان يكفوا شرّه فهم يجاملونه لدفع كيده ويتحببون إليه، ومن هنا كان من الطريف اختيارهم للإله الأهون والأسوأ مما يعتقدون له الربوبية.
وليس من الواضح ان إله الشر هذا هو الشيطان أو غيره، إلا ان المظنون هو ذلك، إذ لا يوجد من الأطروحات المتصورة للآلهة اجتماعياً غيره ليكون صالحاً لتمثيل دور إله الشر.
وإذا تم لدينا الاطلاع على ما عرفناه. أمكننا ان نؤكد ان مصطلح الشرك الصريح عند المتشرعة شامل لعبّاد الأصنام. وهؤلاء الثنوية، ولمن يؤمن بإلهين متكاملين، ان كان له وجود على وجه الأرض.
ولا يبقى بعد ذلك من يقول بالتعدد إلا الثالوث المسيحي. وهو خارج عن اصطلاح الشرك الصريح بالرغم من انه يحمل فكرته تماماً لأنهم من ناحية: كعبّاد الأصنام, يعتبرون المسيح تجسيداً للذات الإلهية، ويعتبرونه ممن يقربهم إلى الله زلفى. وكذلك هم كالثنوية من حيث يعتبرون المسيح وأمه إلهين أنزل درجة من الله سبحانه الذي هو المسيطر الحقيقي على الكون كله.
ــــــــــــــــــــ[168]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) المائدة: 116.
فالأب عندهم هو الإله الحقيقي, وأما الابن وهو عيسى, وروح القدس وهو مريم العذراء أمه, فهم من أتباعه وظلاله. إلا أنهما مع ذلك يحملون جنبة من الذات الإلهية باعتقادهم.
وهذا هو المشار إليه بقوله تعالى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّـهِ. وقوله: (مِنْ دُونِ اللَّـهِ) أي أنزل وأهون من المرتبة الإلهية الحقيقية.
وليس لنا ان نفسرها بمعنى أنهما إلهين مع إنكار الله عز وجل. فان هذا ما لا يعتقده المسيحيون بحال.
والمهم في سياق كلامنا هذا أنهم يحملون في معتقدهم هذا فكرة الشرك الصريح نفسه، إلا ان كونهم من أتباع النبي عيسى بن مريم جعل لهم تشريفاً رفعهم عن هذا المستوى. فهم في مصطلح المتشرعة من (أهل الكتاب). وهناك من يقول بطهارة أهل الكتاب وهو الصحيح، بالرغم من إجماعهم على نجاسة المشركين(1).
وبهذا الإجماع تكون جميع أقسام المعتقدات السابقة، داخلة تحت حكم النجاسة. وربما يستدل له بقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا(2).
إلا ان الصحيح اختصاص المراد بالآية بالنجاسة المعنوية، دون النجاسة الحكمية المبحوث عنها فقهياً، وليس الآن محل بحث ذلك ولعل فيما يأتي ما يلقي بعض الضوء عليه.
ــــــــــــــــــــ[169]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) ومن الطريف ان الفقهاء بالرغم من أنهم يعتبرونهم مندرجين في الشرك، إلا أنهم لا يعطونهم صفة الشرك الصريح أو الخفي. مع انه لا بد من احد القسمين. والظاهر اندراجهم في الصريح، إلا ان تشريفهم ذاك، رفعهم عن مستوى التصريح ضدهم.
(2) التوبة: 28.
وإذا تجاوزنا الشرك الصريح، وصلنا إلى الشرك الخفي، المشار إليه بقوله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(1). وما ورد من أن الشرك: (أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء)، ونحو ذلك من النصوص.
وهناك ما يسمى بشرك الطاعة، وهو بذل الطاعة لغير الله سبحانه وقد ورد فيه خبر. وهو أمر صحيح إذ انه لولا الاعتقاد بالمطاع لما حصلت الإطاعة. إذن, فالشرك الخفي يتضمن لا محالة، شكلاً من أشكال الاعتقاد والاهتمام. وان لم يكن مشابهاً تماماً للعبادة التي يؤديها المؤمنون لرب العالمين.
ولا يمكننا بهذا الصدد ان نذكر جميع أقسام الشرك الخفي. لأن بعضه لا يدركه إلا الخاصة الأقلون من البشر، والراسخون في العلم. كما انه ليس له نتيجة من الناحية الفقهية لوضوح طهارة كل هؤلاء المشركين بالشرك الخفي، فيكون الإتيان على أقسامهم لمجرد الاطلاع مع التسبيب إلى شيء من الموعظة.
ونحن ذاكرون فيما يلي الأقسام الواضحة للشرك الخفي، مع الإعراض عن الأقسام الأخرى:
أولاً: الشرك بطاعة الشيطان، كما قال عز وجل: إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ(2)يعني حصل لهم الشرك بسببه أو بسبب طاعته.
وقال جل جلاله: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ ــــــــــــــــــــ[170]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) يوسف: 106
(2) النحل: 100.
أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ(1). والمراد بالضمير في )أَطَعْتُمُوهُمْ( إما أن يعود إلى الشياطين أو إلى أوليائهم وعلى أي حال فالأمر أيضاً يعود إلى الشياطين، لأن أوليائهم إنما أخذوا أفكارهم منهم، كما تنص الآية.
ومعه, فكل العصاة والمذنبين على مختلف اتجاهاتهم يندرجون في هذا القسم، لأن العصيان دائماً ناتج عن إيحاءات ووساوس الشياطين.
ثانياً: الشرك بطاعة الهوى والنفس الأمارة بالسوء قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّـهُ عَلَى عِلْمٍ(2).
يعني جعل هواه إلهاً بدل أن يجعل الله له إلهاً، وذلك لأنه أبدل طاعة الله بطاعة الهوى. فعصى ربه وأطاع نفسه إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي(3).
ثالثاً: الشرك بطاعة الجن مع الاعتقاد بوجود الله سبحانه.
فيكون هذا قسماً آخر غير الاعتقاد بالجن بالاستقلال فان ذاك من الشرك الجلي وهذا من الشرك الخفي.
قال الله سبحانه: وَجَعَلُوا لِلَّـهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ (4). والآية يمكن ان تنطبق على كِلا هذين الاعتقادين بالجن. ولعلهما إلى الاعتقاد بشكل الشرك الجلي أوضح، بدلالة قوله تعالى: وَخَلَقَهُمْ باعتبار ان المعتقدين بهم يعتقدون أنهم غير مخلوقين. ولكن يحتمل ان يكون ذلك أخذاً منهم الاعتراف بكونهم مخلوقين، وكيف يكون المخلوق مطاعاً من دون الله سبحانه؟
ــــــــــــــــــــ[171]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الأنعام: 121.
(2) الجاثية: 23, وانظر الفرقان: 43.
(3) يوسف: 53.
(4) الانعام: 100.
وقال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ(1). وقال سبحانه: رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ(2).
ويحتمل في طاعة الجن عدة احتمالات:
منها: ان يراد من الجن: الشياطين، لأنهم من جنسهم. وطاعة الشيطان موجودة بين البشر وان كانت طاعة الجن غريبة.
ومنها: ان يكون عدداً من الجن مساعدين فعلاً للشياطين. ويعملون عملهم.
ومنها: ان يكون عدد من الناس يرون فعلاً الجن ويطيعونهم في تصرفاتهم. لا أقل من حصول ذلك في بعض الأجيال أو بعض الأماكن.
رابعاً: الشرك الخفي بطاعة رجال الدين المنحرفين الذين يأمرون الناس بالعصيان ويوجهون الجهلاء في الطريق الخطأ.
قال تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّـهِ(3). وجاء في الخبر حول الآية عن أبي بصير(4) عن أبي عبد الله: “أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم. ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم. ولكن احلوا لهم حراماً وحرّموا عليهم حلالاً فعبدوهم من حيث لا يشعرون”.
خامساً: اتخاذ بعض المخلوقات الصالحة أرباباً من دون الله سبحانه وتعالى كما قال سبحانه: وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ
ــــــــــــــــــــ[172]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الانعام: 128.
(2) فصلت: 29.
(3) التوبة: 31.
(4) تفسير الميزان, ج9, ص254.
بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(1).
وقوله: مِنْ دُونِ اللَّـهِ لا يراد به الاعتقاد بالتعطيل والإلحاد في الله عز وجل. لندرة من يقول بذلك بل لا يوجد من ذلك أحد منهم وإنما يعتقدون بذلك مع اعتقادهم بالله عز وجل. كل ما في الأمر أنهم يعتقدون ان الخلق والرزق والموت والحياة بيد الملائكة أو بيد الأنبياء أو بيد الأولياء. ويطيعونهم بغض النظر عن طاعة الله فيكون هذا من الشرك الخفي.
والظاهر ان القدماء الذين كانوا يؤمنون بتعدد الآلهة، إنما يعنون بهم الملائكة ويرون ان هناك إلهاً مسيطراً على كل أولئك الآلهة، نعم، نراهم يعطون لآلهتهم أوصاف البشر كالغضب والجنس والطمع. بل الزواج والتوالد أيضاً.
غير ان هذا القول يعتبر من الشرك الصريح أو الجلي وليس من الشرك الخفي. والقول بنجاستهم هو الصحيح. وإنما يندرج هذا القسم بالشرك الخفي، إذا كان على أشكال أخرى من إطاعة هذه المخلوقات الصالحة، مع الاعتقاد بوجود الله سبحانه وسيطرته. غير ان الشرك قائم بالاعتقاد بالاستقلال لهم عن الله عز وجل. مع العلم أنها إنما هي مخلوقات مندرجة في طاعة الله عز وجل. لأنهم لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(2).
وبهذا الشعور الاستقلالي للملائكة والأنبياء والأولياء، أصبح الأمر شركاً خفياً أو جلياً أحياناً. بالرغم من ان المطيعين لهم إنما يتلقون الأوامر والنواهي المرضية لله عز وجل في الواقع. غير أنهم يشعرون بطاعة المخلوق لا بطاعة الخالق.
ــــــــــــــــــــ[173]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) آل عمران: 80.
(2) التحريم: 6.
ولعل من ذلك الاعتقاد بإلوهية الإمام أمير المؤمنين علي. ولكننا لا نعلم ان اعتقاد العلويين بذلك، هل هو مع الاعتقاد بالله عز وجل أو عدمه. والنقل عنهم متهافت ومختلف فهناك من يقول عنهم أنهم مسلمون وآخرون يقولون عنهم بخلاف ذلك. فان كانوا مسلمين فهم أطهار، وإلا فهم أنجاس. والله أعلم بحقيقة عقيدتهم.
سادساً: من أشكال الشرك الخفي، النظر إلى الأسباب، كمؤثرات فاعلة بغض النظر عن القدرة الإلهية والمشيئة وهذا له عدة مستويات نذكر منها ما يناسب المقام:
فمثلاً بالرغم من ان نسبة الرزق إلى الله سبحانه وتعالى من الضروريات والواضحات في الدين. قال تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ(1). وقال سبحانه: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ(2) والآيات الدالة على ذلك غزيرة جداً.
ومع ذلك فنحن ننسبه إلى أنفسنا، وان الرزق قد حصل بعملنا وبكد أيدينا. قال سبحانه: قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (3). والقائل هو (قارون) الذي كان مِنْ قَوْمِ مُوسَى(4). ولئن كانت هذه الآية خاصة به، فهناك آية عامة لكل أحد.
قال جل جلاله: ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ(5).
ــــــــــــــــــــ[174]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) سبأ: 24.
(2) الشعراء: 79.
(3) القصص: 78.
(4) القصص: 76.
(5) الزمر: 49.
وكذلك، فان الهداية منسوبة إلى الله سبحانه قال تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّـهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ(1) . والآيات الناطقة بذلك عديدة. إلا أننا ننسبها إلى أنفسنا. وفي الكتاب الكريم ما يدل على ذلك, قال تعالى: لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا(2).
وكذلك الشفاء من المرض منسوب إلى الله سبحانه. قال تعالى: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ(3). وإخراج الزرع منسوب إليه سبحانه. قال تعالى: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ(4). وكذلك قيادة السفن -الشراعية منها على الأقل- منسوب إليه سبحانه. قال سبحانه: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ(5). وغير هذه من الآيات.
وكذلك فان الأنعام، تعتبر من نِعم الله المنسوبة إليه مباشرة، قال تعالى: اللَّـهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ(6). وغير هذه الآيات.
ومع ذلك، فان هذه الأشياء كلها، مما ننسبها إلى أسبابها بكل وضوح، وبدون أي تأمّل فالشفاء من الدواء. والزرع من الزارع وهو الفلاح. والسفن نحن نصنعها ونسير بها. والأنعام نحن نولّدها ونربّيها ونستفيد منها. ولا حاجة في هذا الوجدان الواضح إلى الاستشهاد بآية أو رواية. وهو في واقعه من أشكال الشرك الخفي.
ــــــــــــــــــــ[175]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) القصص: 56.
(2) الإنعام: 71.
(3) الشعراء: 80.
(4) الواقعة: 64.
(5) الإسراء: 66.
(6) غافر: 79.
سابعاً: من أشكال الشرك الخفي. (الرياء).
وفيه وردت السُنّة. منها: ما روي عن زرارة وحمران(1) عن أبي جعفر قال: “لو ان عبداً عمل عملاً يطلب به وجه الله والدار الآخر وادخل فيه رضا احد من الناس، كان مشركاً”.
وقال(2) أبو عبد الله: “من عمل للناس، كان ثوابه على الناس. يا زرارة: كل رياء شرك”.
ومنها: ما روي عن أبي الجارود (3)عن أبي جعفر: قال سئل رسول الله عن تفسير قول الله عز وجل: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً(4). فقال: “من صلى مراءاة للناس فهو مشرك -إلى أن قال-: ومن عمل عملاً مما أمر الله به مراءاة للناس فهو مشرك. لا يقبل الله عمل مراء”.
وعن مسعدة بن زياد(5)عن جعفر بن محمد عن آبائه: ان رسول الله سئل فيما النجاة غداً -إلى ان قال-: “فاتقوا الله في الرياء فانه الشرك بالله. ان المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر حبط عملك وبطل أجرك. فلا خلاص لك اليوم فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له”.
وفي حديث آخر(6) عن علي بن أسباط عن بعض أصحابه عن أبي
ــــــــــــــــــــ[176]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل: ج1, أبواب مقدمة العبادات, باب11, حديث11.
(2) نفس المصدر: نفس الحديث.
(3) نفس المصدر: حديث13.
(4) الكهف: 110.
(5) نفس المصدر: حديث16.
(6) نفس المصدر: باب14, حديث2.
جعفر انه قال: “الإبقاء على العمل اشد من العمل”. قال: وما الإبقاء على العمل؟ قال: “يصل الرجل بصلة وينفق نفقة لله وحده لا شريك له فتكتب له سراً. ثم يذكرها فتمحى فتكتب له علانية. ثم يذكرها فتمحى وتكتب له رياء”.
ويتصف الشرك عموماً بصفات معينة غير محمودة، وكلما كان الشرك في القلب أكثر تطرفاً كانت هذه الصفات أشد تركيزاً. حتى أنها قد تسيطر على حياة الفرد كلها.
نعم، توجد أنواع من الشرك الخفي لا يدركها إلا أهلها، ومثل هذا الشرك من الصعب ان نقول انه يتصف بالصفات الذميمة الآتية، وان كانت الطهارة منه والتنزه عنه أولى رجحاناً وأعلى مكاناً, وهذه الصفات كما يلي:
1- النجاسة المعنوية. قال تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ(1).
وأوضح دليل على انه يراد بهذه النجاسة جانبها المعنوي، ان النجاسة بالمصطلح الفقهي، إنما هو معنى متأخر عن عصر صدور الآية، فلا يمكن حمل منطوق الآية عليه. وهذا هو الوجه الذي اختاره السيد الأستاذ. وهناك تقريبات أخرى لا حاجة إلى تفصيلها.
2- الرجس. وهو مذكور في القرآن الكريم مقروناً بالشرك الصريح, قال تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ(2). إلا ان نفهم من الأوثان أيّ متعلق من متعلقات الشرك مطلقاً. وعندئذ يمكننا ان نسمع قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(3).
3- البراءة الصادرة عن الله ورسوله ضد المشركين قال تعالى: أَنَّ اللَّـهَ
ــــــــــــــــــــ[177]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) التوبة: 28.
(2) الحج: 30.
(3) الأحزاب: 33.
بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ (1).
4- الكفر: فإن المشرك كافر. والكفر ليس فقط هو الخروج عن الإسلام، بل هو أوسع من ذلك حتى انه ليسمى ترك شكر النعمة كفراً بها. قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّـهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ(2).
وقوله: أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّـهِ، يدل على أنهم كانوا يتصفون بالشرك، ببعض درجاته لا محالة.
ولا ينبغي ان يفوتنا في هذا الصدد سماع الآيات التالية:
قال تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا(3). وقال سبحانه: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا(4) وقال تعالى: إِنّ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ(5). وقال جل جلاله: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ(6).
وقال عز من قائل: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّـهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(7).
ــــــــــــــــــــ[178]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) التوبة: 3.
(2) الأعراف: 37.
(3) النساء: 48.
(4) النساء: 116.
(5) المائدة: 72.
(6) الحج: 31.
(7) البقرة: 221.
غير انه ينبغي التسليم ان ظاهر عدد من هذه الآيات، هو اختصاصها بالشرك الجلي ولا تعم الشـرك الخفي. والله العـالم بحقائق الأمور.
فهذا هو الكلام عن الشرك بأقسامه. وقد عرفنا انه أعم الأسواء في البشرية وأهمها. كما عرفنا ان الشرك الصريح أو الجلي موجب للنجاسة، كما هو الصحيح فقهياً، إلا في المسيحيين. وأما الخفي منه فليس موجباً للنجاسة، وان أوجب البُعد عن الله سبحانه وعدم الإخلاص له، بمقداره.
ومن الممكن القول، بأن كل الأديان والمذاهب الخارجة عن الإسلام، ما عدا الكتابيين، فمعتقدهم من الشرك الجلي. وأما الكتابيين فالأصح فيهم الطهارة الذاتية، والاحتياط فيهم استحبابي.
يبقى الكلام في تعداد أهم الفرق الضالة ممن هو محسوب على الإسلام.
فقد ذهب الفقهاء إلى إلحاق عدد من المعتقدات في داخل المسلمين بالكفر، حتى أنهم أفتوا بنجاسة معتقديها. وخلاصة فكرة الدليل على ذلك فكرتان:
الفكرة الأولى: التحاق الفرد بمعتقده بمنكر ضروري من ضروريات الدين. فان لزم من المعتقد ذلك، فهو كفر، لأنه تكذيب لنبي الإسلام كما قلنا. وأما إذا لم يلزم منه ذلك فهو مسلم ما دام يشهد الشهادتين ويؤمن باليوم الآخر، فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم وحسابه على رب العالمين.
الفكرة الثانية: ما دل دليل تعبدي من السُنّة الشريفة على نجاسته، سواء تحققت فيه الفكرة الأولى أو لم تتحقق. أما الفكرة الأولى، فما هو المحتمل انطباقها عليه عدة معتقدات أهمها: المجسمة والمجبرة والمفوضة والحلولية.
ومن المسالك الحديثة التي كانت أصلاً من الإسلام ثم انسلخت عنه
ــــــــــــــــــــ[179]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
بالمرة: البابية والبهائية(1). ومعه لا بد من القول بنجاستهم.
وأما الفكرة الثانية، فهو عنوان الناصب الذي يراد به من ينصب العداوة لأهل البيت.
فينبغي فيما يلي ان نعطي عن أهم هذه العناوين فكرة مختصرة:

الـمجسـمة:
وهو من يعتقد لله سبحانه وتعالى جسماً في الجملة. غير ان المعاني المتصورة لذلك عديدة.. نذكر أهمها:
المعنى الأول: ان يكون معتقداً بأن الله سبحانه وتعالى عما يشركون، جسم رجل أو إنسان له يدان ورجلان ورأس وعينان وأذنان ولسان ونحوهما. إلا انه خالق ورازق. قال سيدنا الأستاذ (2) حول ذلك: «ان هذا القائل ان التزم بلازمه من الحدوث والحاجة إلى الحيّز ونفى القِدَمَة فلا إشكال في الحكم بكفره ونجاسته لأنه إنكار لوجوده سبحانه حقيقة.
وأما إذا لم يلتزم بذلك بل اعتقد بقدمه تعالى وأنكر الحاجة، فلا دليل على كفره ونجاسته وان كان معتقده باطلاً».
والفرع الأول لسيدنا الأستاذ صحيح، إلا ان الفرع الثاني قابل للمناقشة، لأن هذا الفرد المفروض وان قال بالقِدَم وأنكر الحاجة إلا انه قائل بخلاف ضرورة الدين وهذا يكفي في كفره ونجاسته. إلا ان يقدّم لقوله تأويلاً.
المعنى الثاني: ان يعتقد المجسّم، بأن لله عز وجل جسماً كسائر الأجسام
ــــــــــــــــــــ[180]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) يكفي في ذلك: انك إذا سألت البهائي عن دينه فسيقول لك: بهائي ولا يقول: مسلم. بل يقول: انا بهائي ولست بمسلم.
( ) التنقيح: ج2, ص86.
إلا انه مجهول الشكل والهوية. والكلام فيه نفس الكلام السابق. وعلى ما اخترناه يكون نجساً.
المعنى الثالث: ان يقول: انه جسم لا كالأجسام، كما ورد عنه سبحانه. انه شيء لا كالأشياء. مع كونه قديماً وغير محتاج إلى الغير.
وقال سيدنا الأستاذ عنه(1): «ومثل هذا القول لا يستتبع الكفر والنجاسة. وأما استلزامه الكفر من أجل انه إنكار للضروري حيث ان عدم تجسمه من الضروري. فهو يبتني على الخلاف المتقدم من ان إنكار الضروري هل يستلزم الكفر مطلقاً أو انه يوجب الكفر فيما إذا كان المنكِر عالماً بالحال بحيث يكون إنكاره مستلزماً لتكذيب النبي».
أقول: وكأنه اعتراف بالنجاسة على هذا التقدير. في حين لم يذكر ذلك على الإطلاق في القسم السابق. وأما [ما] هو الصحيح من الخلاف المشار إليه، فالرأي الثاني. إلا ان المفروض ان المسلمين يُنبّهون هذا الفرد عن فساد معتقده فان بقي على الفساد كان ملتفتاً طبعاً وكان كافراً نجساً.

المـجبـِّرة:
وهم من يقول بأن الله سبحانه وتعالى يجبر العباد على أفعالهم حتى أنهم بالنسبة إليه كالقلم بيد الكاتب والعصا في يد الضارب.
ورأى سيدنا الأستاذ(2) أنهم ان التزموا بتوالي ولوازم عقيدتهم من إبطال الثواب والعقاب والتكاليف بل وإسناد الظلم إليه سبحانه وتعالى. فلا تأمل في
ــــــــــــــــــــ[181]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: ص89.
(2) نفس المصدر: ص90.
كفرهم ونجاستهم لأنه إبطال للنبوات والتكاليف.
وأما إذا لم¬ يلتزموا -كما لا يلتزمون- حيث اعترفوا بالتكاليف والعقاب والثواب. فهم غير محكومين بالنجاسة.
أقول: ويمكن الاستدلال بالسيرة على طهارتهم أيضاً، من أجل ان عدداً منهم كان معاصراً للمعصومين، وكانوا معاشرين معهم ومع أصحابهم. ولم يرد مع ذلك احتمال نجاستهم أو كفرهم ولو في خبر ضعيف على الإطلاق.

الـمفـوّضة:
وهم من يقول بأن الله سبحانه خلق الخلق واعتزل عنه. وأوكل الأمر إلى الخلق أنفسهم، فالكون الآن يسير طبقاً للقوانين الطبيعية المستقلة عن إرادة الله سبحانه. واستنتجوا ان اختيار الفاعل المختار كالإنسان، يكون محفوظاً تماماً، خلافاً للمجبرة. فيكون هو الخالق أو الموجد لأعماله.
وقال سيدنا الأستاذ حول ذلك(1): «أنهم ان التزموا بما يلزم مذهبهم من إعطاء السلطان للعبد قبال سلطانه تعالى. فلا مناص من الحكم بكفرهم ونجاستهم، لأنه شرك لا محالة»، أقول: يعني من الشرك الصريح.
إلا انه قال: «أنهم لا يلتزمون بذلك، ومعه فالحكم بنجاستهم غير وارد». أقول: كما ان الاستدلال على طهارتهم بالسيرة في محله، كما قلنا في المجبِّرة تماماً.
ــــــــــــــــــــ[182]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( )نفس المصدر: ص91.

الـحلـوليـة:
وهم الذين يقولون بأن الله سبحانه وتعالى يحل في خلقه. وهذا القسم لم يتعرض له السيد الأستاذ. إلا ان نفس التقسيم وارد في حقهم فإنهم ان قالوا: بأن الله تعالى حالٌّ في الخلق حلول الحاجة إليه. فلا مناص من الحكم بكفرهم ونجاستهم لوضوح ان الله سبحانه وتعالى غني عن خلقه، فهو إنكار لضروري في الدين.
وان لم يلتزموا بذلك لم يحكم بنجاستهم. والقول في السيرة نفسها في السوابق, غير ان المظنون ان الحلولية يختلفون عن سوابقهم. لأن المجتمع في عصر المعصومين، كان ذو حساسية معينة ضدهم، وكانوا يقاطعونهم ويبكتّونهم إلا ان بناءهم على نجاستهم يومئذ غير ثابت.
ــــــــــــــــــــ[183]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول

فصل
في الأغسال المجزية عن الوضوء

كل غسل قامت الحجة على مشروعيته واجباً كان أو مستحباً وقامت الحجة أيضاً على صغراه -يعني موضوعه أو متعلّقه- فهو يجزي عن الوضوء مع انجازه. كما هو الصحيح وعليه مشهور المتأخرين وقد ورد ان “الوضوء بعد الغسل بدعة”.
والمقصود من الموضوع أو المتعلق، ان الفرد قد يعلم ان هذا اليوم هو أول شعبان مثلاً وكانت الحجة قامت لديه -اجتهاداً أو تقليداً- على مشروعية الغسل في هذا اليوم، فيغتسل فيغنيه عن الوضوء لأجل الصلاة أو أي عمل مشروط بالطهارة وجوباً أو استحباباً. والمهم في تحقيق الموضوع كونه يعلم انه أول شعبان.
لأن الأغسال من ناحية متعلقها وموضوعها على أقسام:
الأول: الغسل لأجل المكان, كالغسل لدخول الحرم ووقته قبل الدخول.
الثاني: الغسل لأجل دخول الزمان، كغسل أول الشهر ووقته بعد دخوله.
الثالث: الغسل لأجل الفعل كغسل الزيارة ويُعمل قبلها.
وكل هذه الأنواع مستحبة ولا يوجد منها واجب بذاته ما لم يجب بالنذر أو بالأجر.
وأما الواجب فمن الضروري ان يكون الموضوع قد حصل قبله ويعمل
ــــــــــــــــــــ[184]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
الغسل بعد انتهائه كالجنابة والحيض. ولا يوجد موضوع من هذا القبيل للغسل المستحب.
هذا كله مع إحراز المشروعية والموضوع.
وأما مع الشك في ذلك -كما سوف نشير- فالأمر يختلف جزئياً. لأنه لو لم يعلم بمشروعية الغسل، لم يكن له الجزم بالنية، كالغسل في عصر يوم الجمعة أو يوم الخميس قضاء مقدماً. بل اللازم انجاز الغسل بنية رجاء المطلوبية. ومعه فإذا انتهى الفرد من الغسل لا يعلم انه قد أجزأه عن الوضوء أو لا. لأنه لو لم يكن في علم الله سبحانه مشروعاً، لم يكن مجزياً. فاللازم في مثل ذلك ان يذهب ويتوضأ إن أراد الصلاة، وكانت حالته السابقة هي الحدث الأصغر. وتكون نية الوضوء في مثل هذا الحال على أشكال كلها صحيحة.
1- بنية رجاء المطلوبية.
2- بنية الواقع.
3- بنية مطلق المطلوبية, أي الأعم من الوجوب والاستحباب ( ويكون بعد دخول الوقت).
4- بنية الاستحباب النفسي المتعلق به. فان الوضوء على أي حال مطلوب ذاتي.
فإن قيل: ان حالته السابقة ان كانت هي الحدث وكان داخل الوقت كان عليه نية الوجوب، بناءً على وجوب مقدمة الواجب، كما هو الصحيح والمشهور. فكيف ينوي الاستحباب؟
وجوابه: ان الوضوء المبيح للصلاة ليس من الضروري ان يؤتى به من أجل الصلاة ليكون بنية الوجوب. بل يمكن ان يكون هدفه شيئاً آخر، ولو
ــــــــــــــــــــ[185]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
مجرد الكون على طهارة فضلاً عن غيره من الأهداف كقراءة القرآن وغيره.
نعم، في فرض السؤال لو نوى كونه مقدمة للصلاة، فاللازم نية الوجوب في الوضوء المسبوق بالحدث. أما الوضوء المسبوق بالحدث والغسل معاً، كالذي نتحدث عنه، وكان ينوي به التقديم للصلاة لم يجز ان ينوي به الاستحباب النفسي. بل ينويه بإحدى النوايا الثلاث الأولى.
هذا من ناحية مشروعية الغسل، وكذلك من ناحية الشك في الموضوع، كما لو شك في ان اليوم هو أول الشهر أو لا. واغتسل غسل أول الشهر. فمن الضروري ان ينوي الرجاء في الغسل. كما انه من الضروري ان ينوي إحدى النوايا الأربعة السابقة في الوضوء بعده. وعلى أي حال فالحديث عنه هو الحديث السابق.
بقي ان نعرف كيف يكون الغسل مشكوك المشروعية.
أما الأغسال الواجبة، فغير مندرجة في هذا الكلام، لأنها جميعاً واضحة المشروعية.
إلا ان الأغسال المستحبة، قد تَرِدنا بطريق حجة، فتكون مشروعة باليقين وتكون مجزية عن الوضوء وقد تكون واردة بطريق غير حجة. كالرواية الضعيفة -مثلاً- كما هو الأغلب. إلا ان الفقهاء مع ذلك أفتوا باستحبابه وجواز انجازه ولو رجاءً. ولكنهم أفتوا بعدم إجزائه عن الوضوء ولو احتياطاً، الأمر الذي يحتاج معه إلى النوايا السابقة.
والسر في فتواهم بالاستحباب، بالرغم من ضعف الطريق وهو ما يسمى بـ«قاعدة التسامح بأدلة السنن». طبقاً لروايات وردت فهموا منها ذلك.
منها ما في الصحيح عن صفوان (1) عن أبي عبد الله قال: “من بلغه
ــــــــــــــــــــ[186]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل, ج1, أبواب مقدمة العبادات, باب18, الحديث1.
شيء من الثواب على شيء من الخير فعمل به (فعمله) كان له اجر ذلك وان كان رسول الله لم يقله. (وان لم يكن على ما بلغه)”.
وفي الموثق عن هشام بن سالم(1) عن أبي عبد الله قال: “من سمع شيئاً من الثواب على شيء فصنعه كان له وان لم يكن على ما بلغه”.
إلى عدة روايات أخرى، إلى حدٍ قد يقال كونها مستفيضة يوثق بصدور بعضها إجمالاً.
وتقريب الاستدلال لمحل الكلام بأحد تقريبين:
التقريب الأول: التمسك بالفقرة الأولى من الروايات، والتي تقول بما مضمونه: (من بلغه شيء من الثواب على شيء من الخير فعمله كان له ذلك).
فان هذا البلوغ قد يكون بطريق حجة، وقد يكون بطريق ليس بحجة، فمن زاوية شموله لما ليس بحجة، يمكن الفتوى بالاستحباب، ولو رجاءً.
التقريب الثاني: التمسك بالفقرة الأخيرة، وهو قوله: “وان لم يكن على ما بلغه”. الذي يعيّن الشق الثاني من الإطلاق الذي عرفناه في الفقرة الأولى، فلو كان الطريق مكذوباً والرواية لا أصل لها، ولكن المكلف لا يعلم، كان ثواب العمل له.
وقد يقال: انه يمكن ان يستفاد من هذه الروايات الاستحباب الكامل للأعمال الواردة بالطرق غير المعتبرة. فلا حاجة إلى نيتها رجاءً. كما تكون الأغسال المندرجة تحتها مجزية عن الوضوء ولا حاجة إلى نيتها رجاءً أيضاً.
وقد ذهب إلى ذلك جمع من الفقهاء.
وجواب ذلك: أننا ان فهمنا من الثواب معنى الإجزاء بحيث كانت هذه
ــــــــــــــــــــ[187]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: الحديث3.
الروايات، وهي حجة، تجعل روايات المستحبات كلها حجة ثانوية، وان لم تكن كذلك بالعنوان الأولي…فإن فهمنا الإجزاء أو الحجية، كان ذلك الاحتمال وجيهاً بل صحيحاً.
إلا ان معنى الثواب لغةً وعرفاً ليس ذلك، بل هو الطمع بالثواب الأخروي، بغض النظر عن الإجزاء والحجيّة، ومعه فالمكلف يعطى الثواب لا الإجزاء ولا الحجية. إذن, فتبقى أدلة المستحبات خالية عن الحجية. فلا بد فيها من نية الرجاء كما لا بد من حاجة الأغسال المندرجة تحت هذه القاعدة إلى الوضوء المنوي به الرجاء أيضاً.
وقد يقال: أننا يمكن ان نتمسك بقوله في الصحيحة: “على شيء من الخير” حيث افترض الإمام ذلك العمل الوارد خيراً محرزاً من هذه الناحية. في حين انه قال: “وان لم يكن على ما بلغه”. ومعنى ذلك ان الإمام بمثل هذا اللسان والبيان يريد ان يجعل الحجية لما لا حجية له والإجزاء لما لا إجزاء له.
وجواب ذلك: احتمال ان يكون المراد بالخير، ما كان خيراً بنظر العقل أو ذوق المتشرعة، أو فرد مما كان أكثر أفراده مستحباً ونحو ذلك. وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
ولسان الرواية بعيد عن التنزيل، لنفهم منه ما قال السائل. ودعوى أنها تشير إلى تنزيل سابق يكون به العمل خيراً في المرتبة السابقة. فهو أشكل من الاستفادة السابقة، كما هو غير خفي. إذن، فلم يبقَ لنا إلا نية الرجاء في الأغسال، وكذلك حاجتها إلى الوضوء المقصود به الرجاء.
وأما تعيين هذه الأغسال، أو بتعبير آخر: تمييز انه أي الأغسال واردة بطريق حجة لتجزي عن الوضوء تماماً. وأيّها ليست كذلك فهذا راجع إلى الاجتهاد أو التقليد. فالمجتهد يرجع إلى رأي نفسه والمقلد يرجع إلى رأي مجتهده.
ــــــــــــــــــــ[188]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
ونحن ذاكرون فيما يلي قائمة بعناوين الأغسال الواردة بطريق حجة، في رأينا، والتي تكون مجزية عن الوضوء، ونقسمها حسب التقسيم السابق: المكان والزمان والفعل:
الأغسال المكانية: الغسل لدخول الحرم المكي. والغسل لدخول مكة والغسل لدخول الكعبة والغسل لدخول المدينة والغسل لدخول حرم رسول الله، والغسل لدخول حرم أي واحد من المعصومين, أعني مدافنهم.
الأغسال الزمانية: غسل يوم عيد الفطر، وغسل يوم عيد الأضحى وكلاهما يوم واحد وان اعتبره الناس عدة أيام. فعيد الفطر: هو يوم الأول من شوال مع إحراز الهلال شرعاً وقيام الحجة على ثبوته. وكذلك الأيام الأخرى من الأشهر التي سنشير لها. وعيد الأضحى: هو اليوم العاشر من ذي الحجة الحرام مع قيام الحجة على الهلال أيضاً.
والأحوط انتهاء وقتها عند الزوال. فالوقت محصور من طلوع الشمس إلى زوالها من الفطر والأضحى.
وغسل يوم عرفة وهو التاسع من ذي الحجة الحرام, وغسل يوم التروية وهو اليوم الثامن منه. وغسل يوم الغدير وهو اليوم الثامن عشر منه. وغسل يوم المباهلة وهو الرابع والعشرون منه. وغسل الليلة الأولى والليلة السابعة عشر والليلة الحادية والعشرين والليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان المبارك.
والغسل عند احتراق قرص الشمس أو القمر عند الكسوف أو الخسوف. وغسل يوم المبعث النبوي، وهو اليوم السابع والعشرون من رجب.
الأغسال الفعلية: غسل الإحرام في الحج المستحب وإنما قيدناه بالمستحب لأن الكلام الآن في الأغسال المستحبة وإلا فغسل الإحرام لأي حج واجباً كان أو مستحباً ثابت بطريق حجة ومجزئ عن الوضوء.
ــــــــــــــــــــ[189]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
والغسل للاستخارة والغسل للاستسقاء والغسل لانجاز صلاة الكسوف أو الخسوف أداءً وقضاء.
وعلى أي حال، فيجب ان يحرز المكلف ثبوت غسله شرعاً بطريق حجة ليعمل عليه. وإلا فالأحوط له مع الشك ان يطبق نية الرجاء، ومعه فالأحوط في كل ما يسمعه الفرد من الأغسال غير ما سبق ان يكون كذلك.
نذكر بعض المشهور منها، مما تكون فيه نية الرجاء ضرورية:
فمنها: تقديم غسل الجمعة يوم الخميس. غسل أو يوم من كل شهر، عدا ما سبق. غسل ليلة الفطر، الغسل للذبح والنحر والحلق في الحج. الغسل لمس الميت بعد تغسيله. الغسل في الليالي الفرد من شهر رمضان عدا ليالي القدر. الغسل في جميع ليالي العشر الأواخر منه عدا ليالي القدر. غسل يوم النيروز. غسل أول رجب ووسطه وآخره. غسل ليلة النصف من شعبان والغسل في يوم النصف منه. الغسل في اليوم التاسع من ربيع الأول واليوم السابع عشر منه. والغسل في اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة. الغسل لزيارة المعصوم من بعيد. الغسل لقتل الوزغ. والغسل لمن قصد مصلوباً ليراه بعد ثلاثة أيام.
ــــــــــــــــــــ[190]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول

فصل
في قاعدة الإمكان في الحيض

وهي قولهم: «ما يمكن ان يكون حيضاً فهو حيض». ولم نجد من خاض غمار الاستدلال عليها مفصلاً، إلا السيد الأستاذ. أما الآخرون فقد اقتصروا على ادعاء الإجماع عليها، والاستفادة البسيطة من بعض الأخبار.
وحيث أنها قاعدة خارجة نسبياً عن تفاصيل المسائل الفقهية ناسب بحثها في كتابنا هذا. وحيث ان المنهجة والاستفادات التي سار عليها بحث السيد الأستاذ لا تخلو من نظر كان اللازم هنا إعطاء منهجه واستفادات جديدة حسب توفيقه عز وجل.
ومقتضى الترتيب في المنهج ان نحاول ان نفهمها أولاً. ثم ان نستدل عليها ثانياً.

فـهم القاعـدة:
وأول ما يواجهنا فيها لفظ الإمكان المأخوذ فيها. فما المراد به؟
والاحتمالات في ذلك عديدة:
الأول: الإمكان الاحتمالي. والمراد به مجرد الاحتمال. يعني: ما يحتمل ان يكون حيضاً فهو حيض.
الثاني: الإمكان الذاتي. والمراد به عدم الاستحالة. يعني: كل ما لا يستحيل ان يكون حيضاً فهو حيض.
ــــــــــــــــــــ[191]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
الثالث: الإمكان الوقوعي. والمراد به عدم وجود محذور عقلي في الحكم بكونه حيضاً. فما لم يكن كذلك فهو حيض.
الرابع: الإمكان القياسي. وهو الذي اصطلحه السيد الأستاذ(1) في هذا المقام وأراد به القياس إلى أدلة الشروط والأخبار الواردة في الحيض. فكل دم يمكن ان يكون حيضاً بالقياس إليها فهو حيض.
الخامس: الإمكان الشرعي. وهو الذي نصطلح به في هذا الصدد. ومعناه: ان كل دم لا محذور ان يكون حيضاً من الناحية الشريعة فهو حيض.
وهذا يقرب إلى حد ما من الاحتمال الرابع، ولكننا سنتبين فيما بعد الفروق بينهما. وأما تمحيص هذه الاحتمالات:
فالاحتمالين الثاني والثالث غير واردين بالمرة، لأن القائل بهما أخذ المسألة من الناحية العقلية والفلسفية مع ان الأمر شرعي ولا دخل له في الفلسفة. لوضوح ان الدم الأقل من ثلاثة أيام مثلاً ليس محالاً عقلاً ان يكون حيضاً ولا يلزم منه محذور عقلي. ولكن الشارع لم يحكم بحيضيته.
قد يفسّر ذلك: بأن الإمكانين راجعان إلى التشريع, يعني الإمكان الذاتي شرعاً والإمكان الوقوعي شرعاً, فهذا:
أولاً: خلاف المصطلح لهذين الاصطلاحين المختصين بالعلوم العقلية.
ثانياً: يكون المراد منها راجعاً إلى أحد الاحتمالين الأخيرين، ولا يكونان احتمالين مستقلين.
وأما الاحتمال الأول: ففيه وجهان:
ــــــــــــــــــــ[192]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) التنقيح: ج6, ص248.
الوجه الأول: مجرد الاحتمال الصِرف. وهو ساقط في نفسه، ما لم يؤوّل بإرادة شيء آخر يعود إلى الوجه الثاني أو غيره فلا يكون وجهاً في نفسه.
والوجه في سقوطه، ان هذا الاحتمال ان كان الدليل المعتبر قد قام على خلافه، فلا إشكال في عدم حجيته. وان لم يقم الدليل على خلافه من ناحية سائر الشرائط الشرعية، إذن فهو ليس مجرد الاحتمال، وإنما يعود إلى الوجه الثاني أو إلى الاحتمالين الأخيرين من الخمسة المتقدمة.
الوجه الثاني: ان يراد به الاحتمال القائم فقهياً وشرعاً ولا نافي له بدليل معتبر. فهذا بعينه أحد الوجهين الأخيرين.
والذي يقرب من الوجدان أن الأصحاب إنما أرادوا بالاحتمال هذا الوجه الأخير، بعد ان كان فساد ما تقدم من المحتملات واضحاً. إذن, فالأمر راجع إلى أحد الاحتمالين الرابع والخامس، وليس لنا خلاف حقيقي معهم. وإنما لا بد من الوقوف على تمحيص ذين الاحتمالين نفسيهما.
وتمحيصهما متوقف على ما ذكره السيد الأستاذ من شروط جريان قاعدة الإمكان هذه.
ومن الطريف انه ذكر(1): أنها لا تـجري في الشـك بنحو الشبهة الحكمية ولا بنحو الشبهة الموضوعية، وذكر له بعض الأمثلة التي سنسمع قسماً عنها.
مع العلم ان الشك في المسائل الفقهية كلها، ويراد به الشك السابق على الدليل، لا يعدو أحد هذين الشكلين. أو -على الأقل- هما الشكلان الأعم والأكثر منطقية في الفقه كله. فماذا يبقى إذا استثنينا هذين الشكين؟
وكأن السيد الأستاذ أيضاً أراد بالشبهة الموضوعية: الشبهة المصداقية(2)،
ــــــــــــــــــــ[193]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: ص237 و ص238.
(2) نفس المصدر: ص248.
أو أراد اندراجها فيها على الأقل، والمهم الآن ان قاعدة الإمكان لا تشمل الشبهة المصداقية أيضاً.
فماذا يبقى من الشكوك المحتملة فقهيا أساساً إلا الشك في المتعلق وهو أمر لا ربط له في المقام، فانه من الشك في الامتثال. فان المتعلق هو المأمور به فإذا شك انه امتثله أم لا كان ذلك من الشك في المتعلق.
إذن، فعلى ما قاله السيد الأستاذ لا يبقى مورد لهذه القاعدة على الإطلاق.
ومن الطريف ان الفرع الذي وافق(1)على كونه مصداقاً محتملاً للقاعدة وهو ما إذا كان الدم ثلاثة أيام مستمرة وغير متجاوز العشرة والمتخلل بينه وبين الدم السابق أقل الطهر. والمردد بين الحيض والاستحاضة لأجل الشك في تحقق الشرائط محكوم بالحيضية بمقتضى النصوص. أقول: هذا أيضاً شك بنحو الشبهة الحكمية. ولم يتحصل بين هذا الفرع والفرع الذي ذكره مثالاً للشبهة الحكمية أي فرق.
وذاك الفرع(2) هو ما إذا رأت المرأة الدم ثلاثة أيام، وشككنا في انه حيض من جهة الشك في انه هل يعتبر التوالي في الثلاثة أم لا. فكِلا الفرعين شبهة حكمية راجعة إلى الشك في تحقق الشرائط المعتبرة، ولم يتحصل فرق بينهما. كل ما في الأمر ان الشرط يختلف، فالشرط المشكوك في الفرع السابق هو احتمال ان يكون الحيض في وقت العادة ان كانت ذات عادة. أو كونه بلون الحيض ان كانت مضطربة ونحوه. والشرط المشكوك في الفرع الأخير هو احتمال توالي الدم في الثلاثة.
وعن مثال الشبهة الحكمية المزبور رأى السيد الأستاذ(3) ان المرجع فيه هو
ــــــــــــــــــــ[194]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: ص247.
(2) نفس المصدر: ص237.
(3) نفس المصدر والصفحة
إطلاقات وجوب الصلاة وجواز الوطي. ولم نجد من تمسك فيه بقاعدة الإمكان.
وجواب ذلك من عدة وجوه، منها:
الوجه الأول: إن الدليل على توالي الثلاثة هو ظهور الثلاثة في التوالي عرفاً وليست تلك الإطلاقات.
الوجه الثاني: ان تلك الإطلاقات لا يمكن شمولها للمورد لكونها من الشبهة المصداقية لأنها مقيدة بغير الحائض، والمفروض الشك في كونها حائضاً أم لا. فلا بد من قاعدة مسبقة رتبة من أصل أو ظهور يعيّن كونه حيضاً أو لا.
وللشبهة الموضوعية ذكر عدة أمثلة(1) تشترك في الفكرة الأساسية وهي إحراز الشبهة الحكمية، يعني التأكد من الحكم, أو قل: من الشرط أو الشروط المعتبرة في الحيض.
فمنها: الشك في بلوغ الصبية الذي ينتج الشك في ان ما رأته من الدم هل هو حيض أم لا. لاشتراط البلوغ في الحكم بالحيض.
وفي مثله لا يصار إلى قاعدة الإمكان. قال(2): «ومن هنا أوردوا على من قال بحيضية الدم حينئذ من جهة استكشاف بلوغها برؤية الدم واجداً للصفات بأن من جملة شرائط الحيض البلوغ ومع الشك كيف يمكن الحكم بكون الدم حيضاً».
والصحيح ان هذا ليس مورداً لقاعدة الإمكان من أجل وجود قواعد مسبقة
ــــــــــــــــــــ[195]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: ص238.
(2) نفس المصدر والصفحة.
في الشريعة تدلنا على الحكم. وهو عدم كونه حيضاً. ولا يمكن -شرعاً- ان يكون حيضاً.
وذاك الدليل: أما ما دل من الروايات على ان الحيض من علامات البلوغ. وأما استصحاب عدم البلوغ الذي يكون موضوعاً للحكم بعدم الحيضية.
ومن أمثلة الشبهة الموضوعية(1): ما إذا كانت المرأة عمياء ولم يكن عندها من تستخبره الحال، فلم تدرِ ان الدم واجد للصفات أو غير واجد، في مورد يكون تكليفها الرجوع إلى الصفات كبروياً.
قال: «ولا يحكم بالحيضية إذا لم يكن واجداً للصفات لأن الصفرة في غير أيام العادة ليست بحيض فلا يحكم في شيء من ذلك بالحيضية، بمجرد كون الدم حيضاً».
أقول: وكأن المفروض أنها ذات عادة، وأنها رأت الدم في غير أيامها. وإلا لم يستقم الجواب لأن التعليل الذي ذكره لا يشمل المبتدئة والمضطربة كما هو واضح.
وإذا أخذنا هذا المفروض مسلّماً، لم يمكن الحكم بالحيضية، لا لأن الصفرة في غير أيام العادة ليست بحيض، كما قال. بل لأن أي دم تراه المرأة خارج العادة فهو ليس بحيض وان كان دماً عبيطاً. للوضوح الفقهي ان ذات العادة ترجع إلى عادتها في مثل هذه الموارد.
وإذا اطّلعنا على هذه الأمثلة أمكننا ان نميز بين التعريفين الرابع والخامس لقاعدة الإمكان، أي ما اختاره السيد الأستاذ وما اخترناه.
أما ما اختاره، فهو ان ننسب المسألة من مسائل الحيض، إلى الأخبار
ــــــــــــــــــــ[196]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: ص239.
والأدلة الواردة. فان أمكن بالقياس إليها ذلك فهو حيض وإلا فلا.
وهذا الوجه فيه عدة مناقشات نذكر بعضها:
أولاً: ان الإمكان بالقياس إليها، ما معناه؟ هل معناه دلالتها على كونه حيضاً أو لا. فان كان معناه ذلك كان تمسكاً بهذه الأدلة لا بقاعدة الإمكان. وان لم يكن معناه ذلك فمن أين يمكن ان نستفيد الحيضية؟
ثانياً: ان الاعتقاد بالإمكان أو قيام الحجة عليه، يحتاج إلى مقتضي وشرط وعدم المانع. فإن كان السيد الأستاذ قد قصد ذلك كله، بحسب الفهم من الأدلة، فهو المطلوب، ويكون هذا هو عين ما قصدناه في الوجه الخامس، كما سنوضحه. إلا ان هذا خلاف ظاهر عبارته. بل ظاهرها الاقتصار على النظر إلى المقتضي، فان وجدناه إلى جانب الإمكان كفى ذلك في القاعدة.
ومن الواضح ان هذا وحده غير كافٍ لاحتمال وجود المانع, ومن هنا قلنا في الوجه الخامس: ان لا يكون هناك محذور. أي مانع عن التمسك بالقاعدة واعتبار الدم حيضاً. وهذا هو الفرق بين الوجهين. وهو أقرب أيضاً إلى معنى الإمكان لأن الممكن ما لا استحالة أو لا محذور فيه، وليس هو الذي يتوفر فيه المقتضي فقط.

أدلة القاعـدة:
ما استُدِلَ به أو يمكن ان يُستَدلْ به على قاعدة الإمكان في الحيض عدة أمور:
الدليل الأول: الإجماع المدعى.
إلا ان الأمر كما قال السيد الأستاذ(1) في جوابه من انه ليس إجماعاً تعبدياً
ــــــــــــــــــــ[197]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
(1) نفس المصدر: ص240.
كاشفاً عن رأي الإمام. بل استند القائلون بالقاعدة إلى الأخبار، فتكون هي المدار في الاستدلال. ولا أقل من احتمال استنادهم إليها.
الدليل الثاني: الغَلَبة.
يعني غلبة الحيض على الاستحاضة، وانه أكثر بين النساء منها.
إلا ان هذه الغلبة:
أولاً: غير مسلّمة لأن دم الاستحاضة كثير جداً. فان كان هناك غلبة للحيض فهي بنسبة ضئيلة نسبياً. لا تفيد غير الاحتمال.
ثانياً: ما قاله السيد الأستاذ(1) من عدم الدليل على الظن الناتج من هذه الغلبة -لو سلم-.
الدليل الثالث: أصالة عدم الاستحاضة.
وجوابه من وجوه:
الوجه الأول: ما قاله السيد الأستاذ(2) من معارضته بأصالة عدم الحيض.
إلا ان هذا وحده لا يكفي، إذ لا بد ان نرجع بعد التعارض إلى الأدلة والأصول المتوفرة التي منها قاعدة الإمكان لو كان قد تم الدليل عليها مسبقاً. وسيأتي بعض التوضيح حوله.
الوجه الثاني: ما قاله(3) أيضاً من كونه من أوضح الأصول المثبتة لأن دم الاستحاضة والحيض دمان متغايران، فأصالة عدم أحدهما لا يثبت وجود الآخر، إلا باللازم العقلي.
ــــــــــــــــــــ[197]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر والصفحة.
(2) نفس المصدر: ص241.
(3) نفس المصدر والصفحة.
إلا ان هذا الوجه أيضاً لا يكفي، لأنه ليس مرادنا من هذا الأصل تعيين كونه حيضاً، بل مراد المستدل ان يعين إمكان كونه حيضاً. لأنه إنما هو استدلال على قاعدة الإمكان.
ومن هنا توجه الإشكال، وهو: ان أصالة عدم الاستحاضة لا يعيّن الإمكان، كما لا يعين الفعلية. فإن كان هناك استصحاب مدّعى فهو استصحاب عدم إمكان الحكم بالاستحاضة حال طهرها، فالأمر كما كان، استصحاباً. إلا ان هذا غير تام، لأنه مثبت أيضاً، لأنه لا يعين إمكان الحيض إلا باللازم العقلي. على انه غير جارٍ لتعدد الموضوع, فإن الموضوع قبله هو المرأة الطاهرة والموضوع بعده هي المرأة التي رأت دماً. وهو موضوع آخر عرفاً. فتأمل.
الدليل الرابع: أصالة السلامة.
بتقريب: ان الاستحاضة نحو من الأمراض أو العيوب، فتجري أصالة السلامة في المرأة أو في الدم لنفي كونه عيباً فيتعين انه ليس باستحاضة بل حيض.
ويؤيده ما دل من الأخبار، على ان دم الاستحاضة إنما عرق عابر(1). وانه فاسد(2).
إلا ان هذا الاستدلال ليس بتام:
أولاً: لعدم الدليل على هذا الأصل في مثل هذا المورد لأن الدليل أما ان يكون هو السيرة أو الأخبار، وكلاهما غير تام.
أما السيرة: فباعتبار قياس أصالة السلامة هنا على أصالة الصحة في
ــــــــــــــــــــ[199]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل, ج2, أبواب الحيض, باب5, حديث1.
(2) نفس المصدر: باب3, حديث3.
المعاملات. إلا انه ليس بصحيح، لأنه لو سُلِّم وجود السيرة هناك فلا نسلّم هنا. لوضوح ان العقلاء لا يدركون الفرق بين الدمين.
وأما الأخبار: فمنها ما عن غير واحد(1) في حديث طويل عن أبي عبد الله يقول فيه: وسئل عن الاستحاضة فقال: “إنما ذلك عرق عابر (عايذخ) أو ركضة من الشيطان”. وفي آخر عن يونس عن بعض رجاله(2)عن أبي عبد الله، قال في حديث: “فذلك الذي رأته لم يكن من الحيض إنما كان من علة: أما قرحة في جوفها وأما من الجوف”.
وفي خبر آخر عن إسحاق بن جرير(3) عن أبي عبد الله في حديث يقول فيه: “ودم الاستحاضة فاسد بارد”.
إلا ان هذا الاستدلال لا يتم لعدم تمامية الخبرين الأخيرين سنداً، وعدم تمامية الأول دلالة. لأن الصفات التي سمعناها منه لا تدل على أصالة السلامة المطلوب إثباتها. كما هو معلوم. وغاية الأمر دلالته على قلة نسبة الاستحاضة للحيض. وهذا وجه آخر غير أصالة السلامة.
الدليل الخامس: على قاعدة الإمكان: الأخبار.
ولا بد هنا من عرض الأخبار التي يدّعى دلالتها عليها.
منها: الأخبار الواردة في ان الدم الذي تراه الحبلى حيض. يعني بعد كونه جامعاً للشرائط إلا من هذه الناحية.
كصحيحة عبد الله بن سنان(4) عن أبي عبد الله: انه سئل عن الحبلى
ــــــــــــــــــــ[200]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: باب5, حديث1.
(2) نفس المصدر: باب12, حديث2.
(3) نفس المصدر: باب3, حديث3.
(4) نفس المصدر: باب30, حديث1.
ترى الدم أتترك الصلاة. قال: “نعم، إن الحبلى ربما قذفت الدم”.
وصحيحة أبي بصير(1) عن أبي عبد الله قال: سألته عن الحبلى ترى الدم. قال: “نعم، انه ربما قذفت المرأة الدم وهي حبلى”.
ومرسلة حريز عمّن أخبره(2) عن أبي جعفر وأبي عبد الله في الحبلى ترى الدم قال: “تدع الصلاة فانه ربما بقي في الرحم الدم ولم يخرج. وتلك الهراقة”.
وتقريب الاستدلال بها ما ذكره السيد الأستاذ(3): من ان كلمة (ربما) لا تفيد غير الاحتمال. فالسائل إنما سأله عن حكم الدم لاحتمال عدم كونه حيضاً. ولو من جهة احتمال ان الحامل لا تحيض فدلت الصحيحة بتعليلها على ان كل دم يحتمل لأن يكون حيضاً فهو حيض.
إلا ان هذا التقريب غير تام. لعدة وجوه:
الوجه الأول: انه مبني على ان قاعدة الإمكان معناها الاحتمال لا ما اختاره السيد الأستاذ نفسه من معناها. إذ لا يستقيم على ما اختاره لوضوح ان الإمام لم يُرِد القياس إلى الأدلة المتوفرة.
الوجه الثاني: ان كلمة (ربما) لا تفيد الاحتمال في هذا السياق على الإطلاق. وإنما تفيد معنى (قد) أو (أحياناً) يعني: أنها قد تقذف الدم أو أنها تقذفه أحياناً. وهو أمر واقعي لا ربط له بالاحتمال الذهني.
ويؤيده في المرسلة من “انه ربما بقي في الرحم الدم ولم يخرج” فانه تعبير عن معنى واقعي لا عن أمر ذهني.
ــــــــــــــــــــ[201]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( )نفس المصدر: حديث10.
(2) نفس المصدر: حديث9.
(3) التنقيح, ج6, ص243.
الوجه الثالث: ان (ربما) لو دلت على الاحتمال، فغايته ان الإمام نفسه تمسّك به لأجل الحكم بالحيضية. إذ من الواضح انه لم يعطِ للسائل حكماً ظاهرياً أساسه احتمال الحيض. فان قوله: “نعم” وقوله: “تدع الصلاة” واضح بالحكم الواقعي.
ومن الأخبار المستدل بها:
موثقة يونس بن يعقوب(1) قال: قلت لأبي عبد الله: المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة. قال: “تدع الصلاة”. قلت: فإنها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة، قال: “تصلي”. قلت: فإنها ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة، قال: “تدع الصلاة”. قلت: فإنها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة، قال: “تصلي”. قلت: فإنها ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة، قال: “تدع الصلاة. تصنع ما بينها وبين شهر فان انقطع الدم. وإلا فهي بمنزلة المستحاضة”.
وتقريب الاستدلال ما ذكره السيد الأستاذ(2): «من ان، قوله: “تدع الصلاة” يدل على ان الدم المحتمل كونه حيضاً أو استحاضة حيض. وذلك لضرورة ان الدم ثلاثة أيام أو أربعة يحتمل ان يكون استحاضة ولا تعين له في الحيضية.
بل الحال كذلك في جميع النساء لعدم علمهن بالغيب وان الدم حيض، لأن مجرد رؤية الدم بهذا المقدار لا يدل على انه حيض. ومع ذلك فقد حكم الإمام بكونه حيضاً».
غير ان هذا الوجه غير تام، لابتنائه كسابقه على معنى الاحتمال أما إذا قسنا المسألة بالقواعد الواردة، فان الأمر متعين بالحيضية في الرؤية الأولى للدم، التي سبقتها أيام طويلة من الطهر, أو قل: ان الأمر يختلف بين ذات العادة
ــــــــــــــــــــ[202]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل (نفس المصدر السابق ), باب6, الحديث2.
(2) انظر التنقيح: ج5, ص244.
والمضطربة، كما يختلف في لون الدم. ولكل صورة حكمها خارجاً عن قاعدة الإمكان، وإنما نصير إلى هذه القاعدة مع تعذّر كل القواعد السابقة رتبة عليها.
ولا يحتاج الأمر إلى علم الغيب إذا استمر بها الدم ثلاثة أيام متتابعة فما فوقها. بل لا يحتاج إليه أيضاً فيما دونها في الأغلب، إلا في المبتدأة التي لا تعلم استمرار الدم بها حتى بهذا المقدار. وإلا فالأعم الأغلب من النساء يعلَمنَ استمراره سواء كُنَّ من ذوات العادات أم لا.
مضافاً إلى ان هذه الرواية من المجملات المحتاجة إلى التأويل، في كثير من فقراتها، الأمر الذي يجعل الإجمال محتملاً حتى في الفقرة الأولى أيضاً. فتأمل.
ومن الأخبار المستدل بها:
صحيحة عبد الله بن المغيرة (1) عن أبي الحسن الأول في امرأة نفست فتركت الصلاة ثلاثين يوماً ثم طهرت. ثم رأت الدم بعد ذلك. قال: “تدع الصلاة لأن أيامها أيام الطهر قد جازت مع أيام النفاس”.
وتقريب الاستدلال: ما ذكره السيد الأستاذ(2) من ان التعليل دال ان المدار في الحكم الحيضية عدم اشتماله على المانع. لأنه يبين ان الدم في مورد السؤال لا مانع من كونه حيضاً لتحقق شرائطه التي منها تخلل أقل الطهر بينه وبين الحيضية السابقة لمضي أيام الطهر مع أيام النفاس.
والجواب من وجهين:
الأول: ان الحكم فيها وارد مورد الغالب، لأن الأعم الأغلب من النساء
ــــــــــــــــــــ[203]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل, ج2: ابواب النفاس, باب5, حديث1.
(2) التنقيح, ج6, ص246 .
يرين الدم كل شهر تماماً أو تقريباً فكذلك نسبة النفاس إلى الحيض أيضاً فينبغي ان يقع الحيض بعد شهر من ابتداء النفاس.
وأما توهم المرأة أنها كانت في حالة نفاس طيلة الشهر فهو توهم باطل، بل ان أيام الطهر قد جازت خلال الشهر كما جازت أيام النفاس. فمثلاً: ان أيام النفاس كانت هي العشرة الأولى، وبقيت المرأة طاهرة عشرين يوماً، يعني مستحاضة وهي لا تعلم. فمن الضروري ان تكون الآن في أول حيضها.
هذا هو المضمون المفهوم من الرواية وليس له أي ربط باحتمال كون الدم حيضاً من ناحية الحكم الظاهري.
الثاني: ان احتمال كون الدم حيضاً. ان أريد به ما كان في ذهن السائل، فهذا صحيح، ولكن لا ربط له بالحكم. لأنه لولا الاحتمال لما جاء السؤال. وكل سؤال ففيه احتمال كائناً ما كان. وان أريد به موضوع القاعدة الظاهرية التي ينصبها الإمام فهذا بعيد عن سياق الرواية، لوضوح ان الإمام يأمر بالحكم الواقعي بالحيضية لا الظاهري.
ومن الأخبار المستدل بها:
الأخبار الدالة على ان المرأة إذا رأت الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الأولى. وان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة.
كصحيحة محمد بن مسلم(1) عن أبي جعفر قال: “إذا رأت المرأة الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الأولى وان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة”.
وهناك نصوص أخرى بمضمونها.
ــــــــــــــــــــ[204]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل (نفس المصدر السابق), باب11, الحديث3.
وتقريب الاستدلال ما ذكره السيد الأستاذ أيضاً، من التمسك بالفقرة الثانية من الرواية وهي قوله: «وان كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة. بعد تقييد العشرة بعشرة الطهر. وضرورة تخلل أقل الطهر عشرة أيام فيدلنا على ان الدم المردد بين الحيض والاستحاضة -كما في المقام- حيض لا محالة».
وجواب ذلك: ان موضوعها واقعي وليس بظاهري، تماماً كالروايات السابقة. في حين ان مضمون القاعدة حكم ظاهري بالحيضة مترتب على تقدير الشك فيه وليس واقعياً.
على ان الرواية لو أردنا ان نقيسها إلى الأدلة الأخرى، كما هو الوجه الذي اختاره (السيد الأستاذ) للقاعدة، فلا بد لها من عدة تقييدات. لأننا لا نعلم كم كانت مدة الدم الأول ولا بمقدار الطهر الذي هو أقل من عشرة. فلا بد من تقييدها بما إذا لم يزد المجموع على العشرة. وهو موضوع واقعي للحكم بالحيض لم يؤخذ فيه الشك.
وأما الفقرة الثانية، وهو (ما إذا رأت الدم بعد العشرة)، فلا بد من تقييدها بما إذا لم تكن معلومة العادة زماناً، وإلا كان اللازم العمل على موعد عادتها إلا ان تعلم ان عادتها تقدمت, وعلى أي حال فهو أيضاً موضوع واقعي للحكم بالحيضية.
وإذا قَبِلنا وجود الشك مأخوذاً فيها، فإنما هو شك السائل، الذي أخذه الإمام بنظر الاعتبار في الجواب، في حين لم يؤخذ في موضوع الجواب -أي الشك-.
وإذا تمت جولتنا هذه في الأخبار المدعى دلالتها على قاعدة الإمكان عرفنا انه ليس هناك أي خبر دال على تلك القاعدة. إذن, فهي قاصرة من حيث المقتضي، لأن كل الأدلة السابقة عليها بما فيها الإجماع والأخبار لم تنهض للدلالة عليها. ومن الواضح ان من عدم المقتضي لم يبحث عن وجود المانع.
ــــــــــــــــــــ[205]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
وقد ذكر السيد الأستاذ عدة ألسنة للروايات التي تصلح ان تكون معارضة لتلك الدالة على القاعدة.
الا ان الصحيح: ان الروايات الواردة في باب الحيض أخذت كل الاحتمالات بنظر الاعتبار. بما فيها اختلاف لون الدم، والتي رواها السيد الأستاذ في الطائفة المعارضة… مما لم يُبقِ مجالاً لجريان قاعدة الإمكان لأننا ليس لنا مورد مهمل من حيث القواعد العامة ونشك في كونه حيضاً لنجري قاعدة الإمكان.
ومنه نعرف ان كل تلك الروايات الواردة تصلح للمعارضة مع هذه القاعدة. بأحد شكلين:
الشكل الأول: كونها نافية لها، باعتبار كونها محددة لتكليف آخر، قد لا يكون هو الحكم بالحيضية. وحتى لو كان ذلك، فانه من أجل موضوع آخر غير مجرد إمكان التحيض.
الشكل الثاني: ان تلك الأخبار ترفع القاعدة موضوعاً، حتى على تقدير ثبوتها، فإنها بتحديدها للتكاليف بطريق حجة، لا يبقى المكلف شاكاً فقهياً ليكون مشمولاً للقاعدة.
وبتعبير آخر: لا يوجد مورد ينطبق عليه تعريف القاعدة الذي سمعناه وهو ان لا يكون هناك محذور من جهة الأدلة لكي يكون الدم حيضاً، لأن الحكم بالحيضية ان كان من جهة تلك الأدلة، فهو استغناء عن تلك القاعدة، وان كان من جهة مخالفة تلك الأدلة وعصيانها، إذن ففيه محذور لتطبيق القاعدة فلا ينطبق التعريف.
ولنطبق مختصراً هذه الفكرة على الفرع الذي رآه السيد الأستاذ مصداقاً محتملاً لقاعدة الإمكان. وهو ما إذا استمر الدم ما بين الثلاثة والعشرة، وفصل
ــــــــــــــــــــ[206]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
بينه وبين الدم السابق أقل الطهر.
فإنها مورد لقاعدة الإمكان، مع ثبوتها أولا وعدم وجود دليل أسبق منها رتبة يشمل المقام.
مع العلم، أننا نجد تلك الأدلة، وذلك: ان هذه المرأة إما ان تكون مبتدأة أو ذات عادة أو مضطربة.
أما المبتدأة فيجب ان تعتبر الدم الثاني استحاضة، خلافاً لقاعدة الإمكان. وذلك لأنها يجب ان تتحيض بالشهر مرة واحدة، كما نطقت به الروايات. وهي ان تحيضت بالدم الثاني، كان الفاصل أقل من ذلك. فان الفاصل عند التحيض الشهري إنما هو حوالي العشرين يوماً.
منها: حسنة عبد الله بن بكير(1). قال: “في الجارية أول ما تحيض يدفع عليها الدم فتكون مستحاضة. إنها تنتظر بالصلاة فلا تصلي حتى تمضي أكثر من الحيض. فإذا مضى ذلك وهو عشرة أيام، فعلت ما تفعله المستحاضة ثم صلّت، مكثت بقية شهرها، ثم تترك الصلاة في المرة الثانية…” الحديث.
وفي حسنة أخرى لعبد الله بن بكير(2), عن أبي عبد الله: قال: “المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها فاستمر بها الدم تركت الدم عشرة أيام ثم تصلي عشرين يوماً”. الحديث.
ومورد الروايتين وان كان هو استمرار الدم إلا ان حكمهما بلزوم البناء على الطهارة “بقية شهرها” أو “عشرين يوماً” يشمل المورد.
وأما إذا كانت ذات عادة، فمن الواضح أنها تعمل على عادتها وهو واضح فقهياً ولا حاجة إلى سرد الروايات عليه، الأمر الذي يسبب البناء على كون الدم
ــــــــــــــــــــ[207]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل, ج2. أبواب الحيض, باب8, حديث5.
(2) نفس المصدر: حديث6.
الثاني استحاضة، وليس حيضاً، كما تقتضيه قاعدة الإمكان.
وإذا كانت مضطربة رجعت إلى عدة مراجع محددة لها. أما التمييز باللون أو إلى عادة نسائها أو إلى العدد. وعلى كل تقدير يكون لها حكمها. ومن الواضح أنها ان عملت بالمرجعين الأخيرين كان الدم الثاني استحاضة, وأما إذا عملت على التمييز فقد نحكم بأنه حيض إذا كان بلونه، لا لقاعدة الإمكان، بل لما دل على ذلك من الروايات.
إذن، فالصحيح، ان قاعدة الإمكان لا أساس لها في الفقه.
ــــــــــــــــــــ[208]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول

فصل
في آيات الوضوء والتيمم

قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم من سورة المائدة(1): يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
وقال تبارك وتعالى في سورة النساء(2): يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا.
وفي هاتين الآيتين الكريمتين جهات من الكلام بعضه عن الوضوء وبعضه عن التيمم وبعضه عن الصلاة وبعضه عن الغسل، ومنه ما يتكفل أغراضاً أخرى كنفي الحرج وغير ذلك.
ونقتصر فيما يلي على ما يرتبط بالطهارات الثلاث: الوضوء والغسل
ــــــــــــــــــــ[209]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الآية: 6.
(2) الآية: 43.
والتيمم، لأن هذا الفصل مربوط بكتاب الطهارة. ولا نذكر جميع النقاط، لأن بعضها فقهية خالصة خارجة عن كفالة هذا الكتاب كطريقة الوضوء والتيمم. وإنما نتعرض فيما يلي إلى جهات معينة مختارة، من هاتين الآيتين الكريمتين.
الجهة الأولى: قوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ.
دلت هذه الآية الكريمة على مسح بعض الرأس دون جميعه. باعتبار وجود الباء الجارّة فيها.
وقد ورد ذلك في السُنّة بشكل واضح حيث روى زرارة(1) في الصحيح قال: قلت لأبي جعفر: ألا تخبرني من أين علمت وقلت: ان المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين. فضحك فقال: “يا زرارة قاله رسول الله ونزل به الكتاب من الله عز وجل لأن الله عز وجل قال: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. فعرفنا ان الوجه كله ينبغي ان يغسل. ثم قال: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ. فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه. فعرفنا انه ينبغي لهما ان يغسلا إلى المرفقين. ثم فصل بين الكلام، فقال: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ. فعرفنا حين قال: بِرُءُوسِكُمْ ان المسح ببعض الرأس لمكان الباء. ثم وصل الرجلين بالرأس، كما وصل اليدين بالوجه فقال: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. فعرفنا حين وصلهما بالرأس ان المسح على بعضهما. ثم فسر ذلك رسول الله للناس فضّيعوه”.
وهي واضحة في فهم الآية الكريمة، غير ان السيد الأستاذ يشير إلى أنها خالية عن تعيين المحل الممسوح من الرأس. فلا بد في تعيينه من الرجوع إلى أدلة أخرى. أقول: كما أنها لا تعيّن العضو الماسح أيضاً، فلا بد من الرجوع فيه إلى أدلة أخرى. غير ان الجهة الأدبية أو البلاغية فيها وهو فهم التبعيض لطيف جداً، والأمور المشار إليها فقهية لا مجال لها هنا.
ــــــــــــــــــــ[210]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل, ج1, ابواب الوضوء, باب23, حديث1.
والمهم الآن ان نتلمس طريقة فهم التبعيض من الآية الكريمة، فان فيها عدة محتملات أو وجوه:
الوجه الأول: ان الباء مستعملة في التبعيض: أما لذاتها وأما لتضمينها معنى (مِنْ). وقد يمثل لها بقولنا: أخذت بفلان أو أمسكت به, يعني ببعضه وهو يده. وقوله تعالى: لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي. يعني ببعضها، لا جميعها بطبيعة الحال وقوله سبحانه:  ِرُءُوسِكُمْ  جارِ في هذا الطريق.
غيران المنحى (الرسمي) للغويين ينفي ورود الباء للتبعيض. قال ابن جني(1): «أما ما يحكيه أصحاب الشافعي من ان الباء للتبعيض فشيء لا يعرفه أصحابنا ولا ورد فيه بيت». ونقل عن (سيبويه) انه أنكر مجيء الباء بمعنى التبعيض. وعليه استند(2) العلامة (الحلي) في إنكاره ذلك، كما حكي(3).
الوجه الثاني: ان تكون الباء زائدة، ويكون التبعيض مستفاداً من السياق وذلك بأحد تقريبين:
التقريب الأول: ان المفهوم لغةً وعرفاً من مفهوم مسح الرأس هو مسح بعضه لا مسحه كله. إذ لو كان قد أمر بالغسل، لأمكن فيه ذلك عرفاً، أعني الاستيعاب. وأما المسح فيبعد عرفاً وعملياً استيعابه لكل الرأس. فتكون الآية بنفسها دالة على مسح البعض .
التقريب الثاني : ان الباء وان كانت زائدة، إلا ان لإزادتها مصلحة وليس
ــــــــــــــــــــ[211]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) انظر لسان العرب: مادة (با).
(2) التنقيح: ج4, ص141.
(3) غير انه يمكن أن يقال: إن مجيء الباء بمعنى (مِنْ) مسلّم لغةً. و(مِنْ) تكون للتبعيض بلا شك. فلتكن الباء في الاية الكريمة تبعيضية بهذا المعنى.
ذلك عبثاً في القرآن الكريم. وليس ذلك إلا لإفادة التبعيض. إذ لا نتصور غير ذلك إذا فهمنا ان الرأس هو الممسوح -كما هو المفروض- لا انه هو الماسح، كما سيأتي.
الوجه الثالث: ان يكون التبعيض مستفاداً من تغيير السياق. مهما كان معنى الباء في ذاتها فاستعمالها هنا وان فُرِض مجازياً، إلا ان استفادة التبعيض واضحة من أجل تغيير السياق.
وأعني بتغيير السياق، ما أشير إليه في صحيحة زرارة السابقة ومضمونه: (ان الله سبحانه وتعالى استعمل الباء هنا ولم يستعملها في الوجه واليدين، فدل ذلك -يعني السياق- على التبعيض هنا والاستيعاب هناك).
وهذا أحد وجوه فهم الرواية، وهي قابلة للحمل على وجوه أخرى مما سبق أو يأتي، وهي صادقة وواضحة بكل صورة.
الوجه الرابع: ان تكون الباء للإلصاق. وهي من معانيها لغةً كقولنا: مررت بزيد، فالمراد ان المسح يلتصق بالرأس. وأما التبعيض فيستفاد مما ذكرناه في الوجهين الثاني والثالث.
الوجه الخامس: ما احتمله السيد الأستاذ(1)، من ان الماسح حقيقة وان كان هو اليد والممسوح هو الرأس غير ان وجود الباء يدلنا على العكس. لأن الرأس أصبح آلة وسبباً لمسح اليد، يعني ما فيها من رطوبة. نظير المسح بالحائط. فان معناه ان الحائط قد صار سبباً لمسح اليد يعني لما فيها من أوساخ أو غيرها.
وأضاف: انه إذا صار الماسح هو الرأس يتعين ان يكون المسح ببعضه لا
ــــــــــــــــــــ[212]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) التنقيح, ج4, ص 142.
بتمامه. كما هو الحال في المثال المتقدم. فان المسح لا يكون بكل الحائط، ولا تتوقف صحة التعبير على ذلك. فكذلك الحال في الرأس.
إلا ان هذه الاستفادة وان كانت طريفة إلا أنها لا تخلو من بعض المناقشات:
أولاً: ان الجزء الماسح عرفاً هو المتحرك، والجزء الممسوح هو الثابت، فالحائط ثابت واليد متحركة، والرأس ثابت واليد متحركة فتكون اليد ماسحة والرأس والحائط ممسوحان.
ولا يتعين في هذا المثال ان يكون الحائط ماسحاً، وإنما قد تستعمل الباء هنا للتبعيض أو الإلصاق أو نحوها ويصح به التعبير.
ثانياً: ان الآية لم تُشِر -كما أشرنا- إلى الجزء الماسح ما هو، هل هو اليد أو غيره. وإذا كان شيئاً آخر غير اليد فقد لا يصدق عرفاً ان الرأس هو الماسح. كمسح الرأس بالحائط. فإننا لو تابعنا هذه الفكرة لوجدنا الحائط ماسحاً والرأس ممسوحاً. وكذلك في مثل مسحه بالثوب أو بالقماش.
ثالثاً: ان هذا المعنى خلاف سياق الآية الكريمة. إذا قارنّا هذه الفقرة بالفقرات المتقدمة، في جانب الغسل، فكما ان الوجه واليدين مغسولان، فكذلك الرأس والرجلين ممسوحان وهذا واضح من السياق. وإذا لم يتم هذا الوجه تبقى لنا الوجوه السابقة، ويبقى وضوح الآية الكريمة والرواية الشريفة قائماً.
الجهة الثانية: قوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ.
حيث قُرِأت بالخفض والنصب معاً(1) وكلاهما قراءة جائزة فقهياً. فان
ــــــــــــــــــــ[213]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر وحمزة: وَأَرْجُلكُمْ بالخفض. والأعشى عن أبي بكر بالنصب مثل حفص. وقرأ يعقوب والكسائي ونافع وابن عامر: وَأَرْجُلَكُمْ نصباً. وهي قراءة ابن عباس. (لسان العرب: مادة كعب).
قرأناها بالخفض، فهي معطوفة لا محالة على (رؤوسكم) فيكون حكمها نحوياً هو الجر وفقهياً هو المسح.
ونقل في (الميزان)(1): القول بأن الجر للإتباع. قال: «هو خطأ. فان الإتباع على ما ذكروه لغة رديئة لا يحمل عليها كلام الله تعالى. على ان الإتباع -كما قيل- إنما ثبت فيما ثبت في صورة اتصال التابع والمتبوع، كما قيل في قولهم: جحر ضب خربٍ، بجر الخرب إتّباعاً لا في مثل المورد مما يفصل العاطف بين الكلمتين». أقول: وهذا القول صحيح منه تماماً.
وأما إذا قرأناها بالنصب، ففيها احتمالان:
الاحتمال الأول: أنها معطوفة على قوله: وُجُوهَكُمْ. بالرغم من البعد بين الكلمتين بمقدار حوالي سطر.
الاحتمال الثاني: أنها معطوفة على قوله: بِرُءُوسِكُمْ. ومحلها الجر إلا ان النصب قد جاء باعتبار العطف على محل (رءوسكم) لأن المسح يأتي متعدّياً بدون الحرف، فيقال: امسحوا رؤوسكم. فتكون الكلمة منصوبة، وإذا دخلت الباء كانت زائدة، فجَرّت اللفظ وبقي المحل منصوباً، فتكون الكلمة اللاحقة للحرف العاطف معطوفة على المحل وهو النصب.
وينبغي التسليم ، بأن كِلا الاحتمالين، لا يخلو من صعوبة لغوية، هما: العطف على البعيد لفظياً أو العطف على المحل، وكلاهما لا يصار إليه بسهولة، الأمر الذي يعيّن ترجيح القراءة بالجر دون النصب لأن عندئذ يكون معطوفاً على اللفظ الملاصق له عطفاً اعتيادياً.
وعلى تقدير النصب ، فالإنصاف ان الاحتمال الثاني، وهو العطف على
ــــــــــــــــــــ[214]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) ج5, ص 222.
المحل أرجح من الاحتمال الأول. وذلك: لتخلل ألفاظ كثيرة بين المعطوف والمعطوف عليه وخاصة وجود الفعل. والفاعل: امْسَحُوا الذي يمثل نحوياً جملة متكاملة، يصح السكوت عليها. فهذا العطف يجعلنا نعطف لفظاً من جملة على لفظ من جملة أخرى. أو قل: نعطف لفظاً في نهاية إحدى الجملتين على لفظ في بداية الجملة المتقدمة. وهو معنى رديء وإذا لم يكن رديئاً فهو خلاف الظاهر جداً. ومعه, فإذا أخذنا بالاحتمال الثاني، نكون قد أخذنا بأظهر الاحتمالين طبقاً لحجية الظهور المعتبرة شرعاً.
ومعه يكون على كِلا التقديرين: أعني قرائتي الجر والنصب، يكون العطف على قوله: بِرُؤُوسِكُمْ غاية الأمر انه لو كان مجروراً فهو معطوف على اللفظ ولو كان منصوباً فهو معطوف على المحل. فيكون مشمولاً لحكمه وهو وجوب المسح.
الجهة الثالثة: قوله سبحانه: إلى الْكَعْبَينِ.
قالوا في اللغة(1): «واختلف الناس في الكعبين بالنصب, والكعب العظم لكل ذي أربع. والكعب: كل مفصل للعظام. وكعب الإنسان ما أشرف فوق رسغه عند قدمه. وقيل: هو العظم الناشز فوق قدمه. وقيل: هو العظم الناشز عند ملتقى الساق والقدم».
وأنكر (الأصمعي) قول الناس انه في ظهر القدم. وذهب قوم إلى أنهما العظمان اللذان في ظهر القدم.
وقيل: الكعبان من الإنسان العظمان الناشزان من جانبي القدم، قال ابن الأثير: الكعبان العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم من الجنبين.
ــــــــــــــــــــ[215]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) انظر لسان العرب, مادة: كعب.
والمتحصل من هذا الاختلاف بوضوح نسبي: ان الكعب فوق ظهر القدم وليس إلى جانبيه. بدليل اتفاق عدد من هؤلاء القائلين على ذلك، وان اختلفوا في بعض الخصائص. مع نسبة القول الآخر إلى القيل «وقيل: الكعبان الخ». وهو تضعيف له.
والظاهر ان مرادهم مما فوق القدم واحد وان اختلفت العبارات «ما أشرف فوق رسغه عند قدمه» والإشراف هو الارتفاع أو «العظم الناشز فوق قدمه» والنشوز الارتفاع أيضاً أو «العظم الناشز عند ملتقى الساق والقدم» أو «أنهما العظمان اللذان في ظهر القدم» وإنما عُبِّر بالتثنية لتعدد القدمين أنفسهما، كما في نفس الآية الكريمة على ما سنذكر.
والمهم ان كل هذه الأقوال مرجعها إلى شيء واحد وهو العظم المرتفع قرب مفصل الساق على ظهر القدم. وتكون نهايته عند المفصل.
وروايتنا ناطقة بذلك نفسه، وهي الحجة في المعنى، حتى وان اختلفت عن اللغة في بعض التفاصيل. لأن من حق الشارع المقدس ان يحدد المعنى الذي يريده في موضوع حكمه، وان المراد في موضوع وجوب مسح الرجلين هو ذلك، كما سنذكر قريباً، بدلالة هذه الروايات.
ففي الصحيحة عن زرارة وبكير(1) أنهما سألا أبا جعفر عن وضوء رسول الله, فدعا بطست… -إلى ان قال-: “ثم قال تعالى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه”. قال: فقلنا: أين الكعبان؟ قال: “ههنا” يعني: المفصل دون عظم الساق. فقلنا: هذا ما هو؟ فقال: “هذه من عظم الساق والكعب أسفل من ذلك”. الحديث.
ــــــــــــــــــــ[216]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) الوسائل: ج1, أبواب الوضوء, باب 15: حديث 3.
فقوله: “ههنا”. يعني المفصل دون عظم الساق. أي نهاية عظم الساق ومبدأ القدم. وهو المفصل, يعني محل تحرك القدم عند اتصاله بالساق. قوله: «هذا ما هو», إشارة إلى شيء أعلى من ذلك. لأن مفصل الساق ذو تسريح وتعوّج نسبي ولا يكون مستقيماً في عظم الساق إلا بعد مسافة. فهما -أعني الراويين- أشارا إلى نقطة معينة من هذا التعرج وقالا: «هذا ما هو». يريدان التأكد من ان هذا غير داخل في الكعب أو في محل وجوب المسح.
وجاء الجواب: “هذا من عظم الساق”. يعني: فلا يجب مسحه, “والكعب أسفل من ذلك” نازلاً إلى جهة القدم قليلاً.
وعن ميسر(1) عن أبي جعفر قال: “ألا أحكي لكم عن وضوء رسول الله. -إلى أن يقول-: ثم وضع يده على ظهر القدم ثم قال: هذا هو الكعب”. وقال: وأومأ بيده إلى أسفل العرقوب. ثم قال: “ان هذا هو الضنبوب”.
فقوله: “هذا هو الكعب”، ليس كل ظهر القدم طبعاً، لأنه لا يحتمل ذلك، وإنما هو الجزء المرتفع منه إلى جهة الساق لا محالة, وقوله: “ان هذا هو الضنبوب” لدفع ما عليه بعض العامة من المسح إلى العظمين الناتئين في طرفي أسفل الساق بعنوان كونهما هما الكعبان. كما سمعنا من بعض اللغويين فيقول الإمام عنه انه ليس كعباً بل يسمى: الضنبوب، فلا يجب مسحهما.
وكذلك يمكن الاستدلال على ذلك بما دل من الروايات على وجوب مسح ظهر القدم. مما لا حاجة إلى نقله لأنه يستوجب الإطالة.
هذا, وأما وجوب مسح كل هذه المنطقة، أعني ظهر القدم طولاً, وهل الغاية داخلة في المعنى ونحو ذلك من الأبحاث، فهو موكول إلى الفقه.
ــــــــــــــــــــ[217]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر, حديث9.
ولكن قد يقال: ان التثنية في الكعبين دالة على أنهما العظمان الناتئان في طرفي الساق لتعددهما في كل قدم وأما ما كان في ظهر القدم فواحد.
وجوابه: ان التثنية إنما هي باعتبار تعدد (القدمين) فلو أخذنا بفكرة السؤال لكان اللازم الجمع: (بكعوبهم) لأنها أربعة لدى الإنسان. فالتثنية دالة على خلاف المعنى الذي أراده السائل.
الجهة الرابعة: قوله سبحانه: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا, وقال في الآية الأخرى: وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا. صدق الله العلي العظيم.
وبعد التجاوز عن المسائل الفقهية نتساءل عن قوله تعالى: إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ.
ما معناه بعد التسالم على ان قوله: فَاطَّهَّرُوا وقوله: تَغْتَسِلُوا بمعنى واحد عملياً. كل ما في الأمر ان الغسل هو العمل الظاهري بتفاصيله. والطهارة هو الأثر الناتج منه، كما قلنا في فصل الطهارة. وعلى كل تقدير تدل الآية الكريمة على حرمة الدخول في الصلاة على المجنب ما لم يرفع جنابته بالغسل، وهو معنى مانعية الجنابة وشرطية الطهارة.
فلماذا استثني عبور السبيل من وجوب غسل الجنابة، وكيف؟
عبور السبيل هو المشي فيه، على معنى انه يعبر من محل خروجه إلى محل وصوله بواسطة الطريق الذي يقطعه أو يمشي فيه.
وصُوَر السبيل، يكون على نحوين، مختلفين باختلاف السبيل أو الطرق التي يحتاج إليها الفرد:
النحو الأول: الطرق القصيرة، كالتي تكون داخل مدينة واحدة والمهم فيها شرعاً أنها لا تنافي أوقات الصلاة. بل من الممكن ان يصل المكلف إلى هدفه ويصلي فيه وان كان جنباً فانه يغتسل ويصلي. فلا حاجة إلى استثنائه لأنه ليس
ــــــــــــــــــــ[218]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
فيه أي كلفة أو صعوبة.
وحتى لو كان مقصوداً من الآية، فانه سيعني انه لا يجب إيجاد غسل الجنابة في الطريق بل في محل الاستقرار لا محالة. وهذا معنى عرفي مفهوم شرعاً.
لا يستثني من ذلك إلا حال ضيق الوقت، وهو في الطريق وتمكن من استعمال الماء فيجب عليه المباشرة بالغسل. والاستثناء في الآية وارد مورد الغالب.
النحو الثاني: الطرق الطويلة التي يكون قطعها سفراً، وخاصة في الأسفار القديمة التي كان التعب فيها شديداً والماء فيها شحيحاً. وفي مثل ذلك لا يجب الغسل، أعني إذا فقد الماء في السفر أو كان محل ضرورة استعماله، وتقود الوظيفة الشرعية إلى التيمم المنصوص عليه بعد سطر في نفس الآية الكريمة.
إذ من الواضح ان قوله: إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ يعني استثناء وجوب الغسل. ولكن هذا لا يعني جواز الدخول في الصلاة مع الجنابة. بل الشريعة هيأت له وظيفته في التيمم.
وبتعبير آخر: فان الغسل بالماء ساقط. وأما التيمم فيرجع إلى وظيفة المكلف. فان كان واجداً للتراب، وجب عليه، وان لم يكن واجداً له كان فاقداً للطهورين.
الجهة الخامسة: قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا.
وبالرغم من وجود عدة أسئلة حول هذه الآية الكريمة إلا أننا نوكل عدداً، منها إلى مواضعها من التفسير والفقه.. إلا ما جاء منها عرضاً في الكلام.
ونحاول الجواب بعونه سبحانه على السؤال الرئيسي في الآية الكريمة.
ــــــــــــــــــــ[219]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
وتوضيحه:
أنها عدّدت بظاهرها أربعة أسباب للتيمم: المرض والسفر والمجيء من الغائط، وملامسة النساء. وهو الجماع على الصحيح.
مع العلم انه من الواضح فقهياً ان المرض والسفر بمجرده لا يوجبان التيمم، ما لم يقترنا بأحد السببين اللذين بعدهما, وهما: المجيء من الغائط الذي هو الحدث الأصغر بصفته أحد مصاديقه, والجماع وهو الحدث الأكبر بصفته أحد مصاديقه. فما لم يحدث أحد الحدثين لا حاجة إلى التيمم حتى في المرض والسفر. فلماذا وردا في الآية كسببين مستقلين للتيمم؟
حتى قالوا: «ان ذكر المرض والسفر مستدرك»(1), وقالوا(2): «ان الآية من معضلات القرآن الكريم»، كما في (كشف الكشاف).
وقد ذكر الإشكالات من وجوه:
1- ترك ذكر الحدث في أولها.
2- وذكر الجنابة فقط بعده.
3- والإجمال الذي لم يفهم ان الغسل بعد الإقامة -يقصد القيام- إلى الصلاة أم لا.
4- وترك: كنتم حاضرين صحاحاً قادرين على استعمال الماء.
5- ثم عطف إِن كُنتُم عليه وترك تقييد المرض.
6- وتأخير فَلَمْ تَجِدُواْ عن قوله: أَوْ جَاء.
ــــــــــــــــــــ[220]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) يعني زائد . انظر الميزان, ج5, ص228.
(2) المستمسك, ج4, ص290 .
7- وذكر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ مع عدم الحاجة إليها. إذ يمكن الفهم مما سبق.
8- والعطف بـ(أو) والمناسب الواو.
9- والاقتصار في بيان الحدث الأصغر على الغائط.
10- والتعبير عن الحدث الأصغر بـأَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ.
11- والاقتصار في بيان الحدث الأكبر على الجنابة.
12- والتعبير عن الجنابة بـ(لاَمَسْتُمُ).
وكل هذه الأسئلة من تسويلات الشيطان، ضد واضحات الشريعة والقرآن، وإنما ذكرناها، لنكون على بصيرة وشجاعة في ردها، ولا يقول القائل: ان ترك السؤال يغني عن الجواب.
وقد أشرنا إلى أننا سنتجاوز بعض الأسئلة, أما هذه الأسئلة الاثنى عشر منها، فسنذكرها. ولكن ما تركه السائل مثل: مفهوم عدم وجدان الماء ومعنى التيمم فسنعرض عنه لأنه جانب فقهي خالص.
ومن الطريف ان هذه الأسئلة لا تشمل السؤال الذي حررناه، وهو الوجه في ذكر المرض والسفر كسببين للتيمم. ومن اللازم ان نذكر الجواب عليه أولاً ثم نحاول ان نجيب على الباقي.
والجواب يكون بأحد عدة وجوه:
الوجه الأول: ان نلتزم ان المرض والسفر هي من الأحداث الموجبة للوضوء أو التيمم إلى جانب الأحداث الأخرى وكل من كان على وضوء أو تيمم ثم حصل له مرض أو سفر، وجب عليه تجديد ما يتمكن منهما.
وهذا هو ظاهر القرآن الكريم وظاهره حجة، كما ثبت في محله. والسؤال
ــــــــــــــــــــ[221]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
إنما طُرِح لأجل الاعتقاد بعدم سببية المرض والسفر للوضوء والتيمم.
اللهم إلا ان يقال في جوابه: ان ظاهر القرآن الكريم حجة، إلا فيما علمنا يقيناً بخلافه. وهذا الظاهر من هذا القبيل، فلا يكون حجة، للوضوح الفقهي في كل المذاهب الإسلامية عليه فلا بد ان نحاول ان نفهم من الآية الكريمة غير ما يتبادر من هذا الظاهر كما يأتي في الوجوه الآتية.
الوجه الثاني: ان تكون أو بمعنى الواو. كما احتمله الكثيرون من عدد من المذاهب الإسلامية. أقول: ولعلها نزلت بالواو فعلاً وزيدت الهمزة سهواً. وان كان هذا الاحتمال غير وارد ظاهراً، لأن الصحيح هو الضبط وعدم التحريف في ألفاظ القرآن الكريم.
إلا ان كون الحرف بمعنى الواو، وان لم يكن بلفظه احتمال وجيه. وإنما وردت على هذا الشكل لتوحيد الشكل بلاغياً في عطف الجمل الأربعة، لتكون على سياق واحد. وإلا فالواقع -بناءً على هذا الوجه- ان العطف قد تم بين احتمالين على اليمين، وهما: المرض والسفر، واحتمالين على اليسار وهما: الغائط والملامسة. فقد عطف هذا المجموع على هذا المجموع. ومقصوده: وجوب التيمم مع انضمام بعضها إلى بعض إجمالاً.
وعطف المجموعات في اللغة العربية ليس سهلاً، إذا اقترن إلى عطف الأفراد أيضاً.
وقد احتاج القرآن الكريم إلى مثل ذلك عدة مرات نذكر بعضها. فمنها قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ. إلى آخر الآية.
فقد عطف مجموعات متعددة على بعضها البعض بنفس الحرف الذي عطف الأفراد به، فالمسلمين والمسلمات مجموعة كما ان المؤمنين والمؤمنات
ــــــــــــــــــــ[222]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
مجموعة، والقانتين والقانتات مجموعة وهكذا. وقد عطفها بحرف واحد هو الواو لعدم توفر حرف آخر في اللغة، يمكن استعماله بين المجموعات أو يميز بين المجموعات والأفراد وإنما يبقى هذا التمييز ذهنياً خالصاً لمن يلتفت إليه.
ويشبهها من بعض الجهات قوله تعالى: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا.
حيث عطف مجموعتين على بعضهما, وإحدى المجموعتين هي كل الأوصاف إلا الأخيرتين, والمجموعة الأخرى قوله: ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا فقد عطف أفراد المجموعة الأولى بنفس الطريقة التي عطف بها المجموعة الأولى على الثانية. وهي بحذف حرف العطف . نعم, عطف أفراد المجموعة الثانية بالواو. ولو كان قد عطفها كلها بالواو أو بأي حرف آخر لكان الكلام ممسوخاً، وحاشاه.
فكذلك الحال في آية التيمم التي نتكلم عنها، عطف المجموعتين بنفس حرف العطف في الأفراد لضيق اللغة عن غير ذلك.
فانه لو كان قد استعمل الواو. فأما ان يستعمله في العبارة التالية: أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء. أو تبقى معطوفة بـ(أو) فان أبدلها إلى الواو تغير الحكم عما هو المقصود، وكان التيمم واجباً مع اجتماع الحدثين الأصغر والأكبر دون أحدهما. وهذا ليس مقصوداً بالتأكيد.
وان بقيت العبارة الأخيرة معطوفة بـ(أو) مع وجود العطف بالواو قبلها، كان ذلك خلاف البلاغة في السياق بلا إشكال، على أفضل طرق اللغة العربية في البيان. ويبقى التمييز بين المجموعتين، والفهم الفقهي للآية، موكولاً إلى فكر المفكرين وتفسير المعصومين.
فان لم تكن (أو) بمعنى الواو، فلا أقل أنها هي المقصود الضمني أو اللُبّي
ــــــــــــــــــــ[223]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
منه لكي يصح عطف المجموعات على بعضها.
الوجه الثالث: ان ذكر المرض والسفر، جاء وارداً مورد الغالب. لوضوح ان المرض والسفر، هما السببان الرئيسيان لفقد الماء وخاصة في العهود السابقة, حيث كان الطب ضعيفاً تجاه المرض وكان السفر على الحيوانات التي لا توصل الناس إلا في ردح طويل من الزمن. ولا يوجد بإزائهما سبب رئيسي وغالب لذلك.
ومن هنا أصبح قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً في محله جداً ومنطقي تماماً. بخلاف ما لو ذكر الغائط والملامسة فقط ثم قال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً، لكان ذلك غريباً، لأن أغلب أوقات الإنسان انه يستطيع الحصول على الماء فلماذا يفترض عدمه؟ ومن هنا كان ذكر السفر والمرض ضرورياً لأجل قلب الأغلبية بالعكس لأن الأغلب في هاتين الحالتين صعوبة الحصول على الماء.
الوجه الرابع: ان هذه الأمور الأربعة كلها أسباب على وجه الإجمال للتيمم، كلٌ بحياله واستقلاله.
لوضوح انه ليس أي منها علة تامة للتيمم، حتى الغائط والملامسة فان رفع الحدث قبل دخول الوقت بل في سعة الوقت غير واجب، كما انه من المحتمل ان يجد الماء فلا يجوز له التيمم, كما انه من المحتمل ان يرتفع التكليف عن الفرد قبل ان يؤمر بالصلاة، بالموت أو الجنون أو غيرهما، فلا يكون للحدث أي أثر في وجوب التيمم على الإطلاق لأنه إنما يجب لأجل الصلاة.
كما ان السفر والمرض أيضاً ليسا علة تامة للتيمم، لاحتمال ان يجد الماء خلالهما متوفراً. أو يحصل بهما أحد موانع التكليف أيضاً، كالموت أو الإغماء أو الجنون.
فالمهم ان يكون لكل من هذه الأمور الأربعة سببية ناقصة وتأثير بمقدارٍ ما
ــــــــــــــــــــ[224]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
في وجوب التيمم.
كما لا يفوتنا ان نلتفت إلى ان السبب الآخر، وهو عدم وجدان الماء، مهما كان رئيسياً، ليس إلا سبباً ناقصاً لوجوب التيمم، لما عرفناه قبل قليل من عدم وجوبه قبل الوقت وخلاله ما لم يتضيق مع احتمال ارتفاع التكليف.
إذن، فالسببية الناقصة محفوظة تماماً، في كل هذه الأسباب، ومن حقنا ان ندرجها مدرجاً واحداً لإفهام هذا المعنى. وان كان نحو السببية وشكلها يختلف من مجموعة إلى مجموعة، أعني السفر والمرض أولاً ثم الغائط والملامسة ثانياً وعدم وجدان الماء ثالثاً. وبيان شكل سببيتها للتيمم موكول إلى الفقه.
وبعد ان انحلّت المعضلة الرئيسية نعود إلى تلك الأسئلة السابقة فنحاول الجواب عليها، وقد عرفنا ان أكثرها بل كلها من وساوس الشيطان، وواضحة الجواب بعد كل الذي تقدم.
أولاً: ترك ذكر الحدث في أول الآية.
فان عنى قبل تشريع الوضوء, أعني قبل قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا…الخ.
فجوابه من وجهين على الأقل:
الوجه الأول: تفسير القيام إلى الصلاة انه قيام من النوم. والنوم حدث. فالقيام إليها منه قيام بعد حدث. فقد ذكر الحدث ببعض أمثلته وهذا يكفي جداً.
وأما اصطلاح الحدث، فهو اصطلاح متأخر لا نتوقع وجوده في القرآن الكريم بحسب فهمنا.
الوجه الثاني: ان الفرد وان لم يكن محدثاً يستحب له حين إرادة الصلاة ان
ــــــــــــــــــــ[225]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
يتوضأ، كما ثبت في الفقه ووردت به الروايات. فالوضوء مطلوب قبل الصلاة أما وجوباً أو استحباباً والأمر بالوضوء في محله جداً على أي حال.
وإذا عنى السائل عدم ذكر الحدث قبل تشريع التيمم, يعني قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا الخ. فهذا أسخف من سابقه لأن الحدث مذكور بمثالين هما الغائط والملامسة لا بمثال واحد مع أننا لا نتوقع ذكر الحدث بعنوانه كما أسلفنا.
ثانياً: قال: «وذكر الجنابة فقط بعده. يعني قد اقتصر من الحدث الأكبر على ذكر الجنابة دون الحيض وغيره».
وهذا الكلام من الغرائب بعد ما فهمناه من مثال الغائط، وجود الحدث الأصغر ومن مثال الملامسة وجود الحدث الأكبر. وليست الآية قاموساً فقهياً لتعدد الأحداث الموجبة للوضوء والغسل كلها.
ثالثاً: قال: «والإجمال الذي لم يفهم ان الغسل قبل الإقامة -يعني إقامة الصلاة أو القيام إليها- أم لا».
وهذا كلام مؤسف. لأن الآية الكريمة كلها مبتنية على قوله تعالى في أولها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ. يعني فتوضأوا أو تيمموا مع تعيين وظيفة المكلف لأحدهما.
فإذا فهمنا من قوله: إذا قُمْتُمْ. يعني أردتم أو توجهتم بشكل وآخر إلى الصلاة. لا بمعنى دخلتم فيها ولا بمعنى انتهيتم منها، كما هو واضح.
أما الوضوء والغسل بعد الدخول في الصلاة، فهو قطعي العدم إلا ما خرج بدليل في بعض الأحيان النادرة، كالذي ورد في وضوء المسلوس. فلا يُحمَل عليه معنى القرآن الكريم.
وأما الوضوء والغسل بعد الصلاة. فهو خلاف الظاهر جداً. لأنه لو أراده لقال: (إذا أقمتم الصلاة). ولم يقل: إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ. فأين الإجمال
ــــــــــــــــــــ[226]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
المدعى في الآية الكريمة؟
رابعاً: قال: «وترك: كنتم حاضرين صحاحاً قادرين على استعمال الماء».
وهذا يكاد ان يكون مضحكاً، وَجلّ الرب عن الإشكال فلننظر إلى مدى عظمة القرآن وخسة الإشكال.
أولاً: كون الفرد حاضراً غير مسافر، لا أثر له على الإطلاق في وجوب الغسل والوضوء والتيمم.
ثانياً: أما الصحة فمشار إلى ضدها، وهو قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى. بشرط ان نفهم انه قيد للوضوء والتيمم معاً. بمعنى ان الوضوء مقيد بعدم المرض. أو قل: بالصحة والتيمم مقيد بوجود المرض أو بعدم الصحة.
وهذا صحيح لا محالة لأننا يمكن ان نفكر على مستويين:
المستوى الأول: ان الآية ذات سياق واحد. وكل لفظ فيها فهو قرينة متصلة على ما قبله وما بعده وللمتكلم ان يلحق بكلامه ما شاء من القرائن، كما ثبت في علم الأصول. ومعنى ذلك ان قيد المرض هو قيد للوضوء المذكور قبله وللتيمم المذكور بعده.
المستوى الثاني: لو فرضنا ان تشريع الوضوء غير مقيد بالمرض في لفظ الآية إلا ان التيمم مقيد به لا محالة، ومن الواضح في سياق الآية، كما هو واضح فقهياً، ان التيمم بديل عن الوضوء ويجب عند تعذره, ومن هنا يكون التيمم بكل أسبابه كالقيد للوضوء. يعني إنما يجب الوضوء إذا لم يجب التيمم. أو قل: إذا لم تحصل أسبابه بما فيها المرض.
ثالثاً: في جواب هذا السؤال حول قول السائل: «قادرين على استعمال الماء». يعني لم يذكر في الآية الكريمة ذلك.
ــــــــــــــــــــ[227]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
بل قد ذكره جل جلاله: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ أكثر من مرة, فان عدم القدرة على الماء ناتج من المرض المذكور في الآية ومن السفر المذكور أيضاً. ومنصوص عليه بقوله: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً.
ولا حاجة لنا بعد كل هذا إلى ان نقول مكرراً ان السائل كأنه يتوقع كون القرآن الكريم قاموساً فقهياً مفصلاً، أقول: ومع ذلك فهو قاموس مفصل لكل شيء. لم نجد شيئاً مما ذكره السائل إلا وقد ذكره.
خامساً: قال: «ثم عطف (وإِن كُنتُم) عليه وترك تقييد المرض» يعني عطف قوله: وإِن كُنتُم مَّرْضَى على تشريع الوضوء، وترك تقييد المرض. لكن بأي شيء؟ لم يصرح السائل. وأوضح ما يرد إلى الذهن انه ينبغي تقييد المرض بأن يكون مرضاً يضر معه استعمال الماء لا كل مرض.
أما عطف المرض على الوضوء، فلا إشكال فيه، لأنه بدأ بتشريع التيمم.
وأما ترك تقييد المرض، فجوابه من وجهين:
الوجه الأول: إننا نفهم من المريض هو الذي يكون مرضه شديداً نسبياً، بحيث يراه الفرد الاعتيادي فيقول: هذا مريض.
تماماً كما فهموا من قوله: الزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ. فهموا من الزانية؛ الباغية المعلنة لا التي تزني مرة أو مرتين، يعني فهموا منها أنها: شديدة الزنا. كما فهمنا من المريض انه شديد المرض. وبتعبير آخر: ينبغي ان يشار عرفاً إلى المرأة بأنها زانية ولا يكون ذلك إلا للباغية، كما ينبغي ان يشار للفرد بأنه مريض ولا يكون ذلك إلا للشديد.
والمرض الشديد في الأعم الأغلب يضر معه الماء إلى حد لا يكون احتمال عدم الضرر معتنى به عرفاً. كما هو واضح.
ومعه لا حاجة إلى تقييد المرض لفظياً بذلك كما شاء السائل.
ــــــــــــــــــــ[228]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
الوجه الثاني: لو تنزلنا عن الوجه الأول، لقلنا ان المرض مقيد بالقرينة المتصلة بقوله: فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء. لأنه واقع في سياقه وبنفس الآية. إذن، فيجب ان يكون المريض ممن لا يجد الماء. وهذا معناه بكل وضوح ان المريض الذي يضره الماء هو الذي يجب ان يتيمم. لأن الذي لا يضره الماء واجد للماء لا انه فاقد له.
سادساً: من الإشكالات. «قوله: وتأخير فَلَمْ تَجِدُوا عن قوله: أَوْ جَاءَ».
فكأن السائل يرى ان الآية ينبغي ان تنص على فقدان الماء أولاً بقوله:
فَلَمْ تَجِدُوا ثم على الحدثين الأكبر والأصغر: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ الخ. وهذا غريب، لأكثر من وجه في جوابه:
الوجه الأول: ان القرينة المتصلة لا يفرق عرفاً وقاعدةً، في تأثيرها في المعنى ودلالتها على المطلوب بين تقديمها وتأخيرها. وما دام المتكلم عازماً على ذكرها، أو عالماً بوجودها، كفى ذلك في اعتماده عليها في القرينية.
الوجه الثاني: إننا لو لاحظنا من الناحية العملية والحياتية للمتشرعة -على
الاقل- ان الفرد إنما يحس بأنه (لم يجد ماء) إذا كان محدثاً بالأصغر أو الأكبر – يعني الغائط والملامسة مثلاً-. فالإحساس به متأخر رتبة عن الإحساس بالحدث ولا معنى للإحساس بعدم الماء مع كون الفرد على وضوء وغسل لعدم الحاجة إليه. عندئذ, فتأخير النص على عدم الماء باعتبار هذه النكتة الحياتية الواضحة.
سابعاً: من الإشكالات: انه ذكر: «أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ. مع عدم الحاجة إليهما إذ يمكن الفهم مما سبق. يعني يمكن ان يفهم الحدث الأصغر من قوله: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ بعد تفسيره بأنه قيام من النوم.
ــــــــــــــــــــ[229]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
كما يمكن ان يفهم الحدث الأكبر من قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا. فلماذا كرر ذكر الحدثين؟».
وجوابه: أما الحدث الأصغر، فمن الواضح انه غير واضح من سياق القرآن الكريم نفسه، لأننا نحتاج إلى تفسيره بالقيام من النوم ليصح السؤال، ومن المعلوم ان هذا التفسير وارد في السُنّة وغير واضح في القرآن، والمتبادر عرفاً من القيام هو إرادة الصلاة وحصول الهمة إليها والرغبة فيها لا القيام من النوم بالخصوص.
فحتى لو كان المقصود الواقعي، هو القيام من النوم، إلا ان إجمال العبارة في هذا المعنى، يكفي مبرراً لأجل تكرار نفس المضمون للإيضاح من جديد.
هذا في الحدث الأصغر. ويأتي فيه أيضاً ما سنقوله في الحدث الأكبر.
وأما الحدث الأكبر، فمن الممكن ملاحظة عدة فوارق بين مجيئه في الآية أولا وذكره ثانياً, نذكر بعضها:
أولاً: وهو الفرق الأساسي، بأن الذكر أولاً لأجل تشريع غسل الجنابة أساساً عند الرغبة في الصلاة مع صفة الجنابة. أو عند القيام من النوم وحصول الجنابة فيه أو بعده.
على حين يكون ذكر الجنابة أو ملامسة النساء، أمر مربوط بالتيمم، يعني إذا اتصفتم بتلك الصفة فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا.
ثانياً: يمكن ان نفهم من قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا. أنها جملة بإزاء أو في مقابل قوله: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ.. الخ. فالجملة السابقة تشريع للوضوء. والثانية تشريع للغسل بشكل مستقل.
وهو ينتج استحباب الغسل سواء رغب الفرد في الصلاة أو لم يرغب وهو غير بعيد، وان لم ُيفتِ مشهور الفقهاء على طِبقه. على حين تكون الجملة التي
ــــــــــــــــــــ[230]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
بعدها: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى… إلخ. تشريعاً للتيمم، مع بيان أسبابه التي منها الجنابة.
فإذا عدنا إلى السؤال قلنا: ان ما زعمه السائل تكراراً بلا موجب، هو الصحيح الذي لا محيص عنه، بل في الواقع لم يحصل أي تكرار في المحصل العام للآية الكريمة.
ثامناً: من الإشكالات: قال: «والعطف بـ(أو) والمناسب بالواو».
وهذا ما سبق مفصلاً ان بحثناه. وحاصل ما أردناه: ان هذا الذي ورد في القرآن هو الأجود، لعدة أسباب سبقت، ومن أوضحها: ان مقتضى عطف المجموعات على بعضها هو ذلك، مع قصور [اللغة] العربية عن أسلوب آخر فراجع.
تاسعاً: من الإشكالات: «والاقتصار في بيان الحدث الأصغر على الغائط».
وهذا عجيب، ناشئ من توقع السائل، كما ذكرنا ان يكون القرآن الكريم قاموساً فقهياً أو (رسالة عملية).
ومن المؤسف للسائل ان تقول له: ان القرآن الكريم ذَكر الأحداث كلها ولم يقتصر على الغائط. لأن الأحداث الموجبة للوضوء فقهياً هي ما ورد في الأخبار الصحيحة الصريحة: “لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من احد سبيليك أو النوم”.
أما النوم فمذكور في أول الآية الكريمة إجمالا: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ يعني من النوم. وعلى أي حال فالمجيء من الغائط لا ربط له بالنوم، فهو يثير مشكلة أخرى غيره. لا نتوقع ان نفهمه منه.
كما انه من الممكن القول ان النوم مذكور ضمناً كسبب للتيمم أيضاً في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ، لوضوح ان المرض والسفر في العهود السابقة كان يطول عدة أيام، مما يضطر الفرد خلالها إلى النوم بطبيعة الحال.
ــــــــــــــــــــ[231]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
وأما الأحداث الأخرى فمذكورة جميعها ضمن قوله: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ. فانه لم يقل: (أو تغوطتم). بل قال ما مضمونه: (أو ذهبتم إلى بيت الخلاء). لأن الذهاب إلى الغائط سابقاً كان بمنزلته. وإذا دخل الفرد إلى بيت الخلاء جاءت منه الأحداث كلها كما هو معلوم، ولم يقتصر على حدث واحد في الأعم الأغلب.
ومن الطريف ان السائل تخيل لفظ الغائط بمعنى معين، فجاء منه هذا السؤال المؤسف. مع العلم انه بمعنى (المنخَفَض) وقد كانوا سابقاً يخرجون إلى المنخفضات من البرية ليقضوا حوائجهم ثم استعمل هذا اللفظ في معناه الجديد جديداً متأخراً.
عاشراً: من الإشكالات: انه قال: «والتعبير عن الحدث الأصغر بقوله: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ».
وقد عرفنا قبل قليل ان هذا هو أحسن لفظ كِنائي للتعبير عن الأحداث التي تحدث عند التخلي كلها وعدم الاقتصار على البعض. ولعل السائل تخيّل ان الفرد يذهب إلى الغائط ليتنّزه أو يأكل أو يزور أقاربه‍!!! فاستغرب من العبارة. مع العلم ان الهدف منه عرفاً بكل وضوح واحد وهو قضاء الحاجة.
حادي عشر: من الإشكالات: «الاقتصار في بيان الحدث الأكبر على الجنابة. يعني انه لم يذكر الحيض والاستحاضة مثلاً».
ويمكن جوابه على مستويين:
المستوى الأول: ان الآية تخاطب الرجال مباشرة ولا تعني النساء بلفظها. نعم, يمكن التعميم إليهن باعتبار اليقين بالاشتراك بالحكم.
وإذا تم ذلك، فالحدث الأكبر الواضح الوحيد الذي يحدث للرجال هو الجنابة. وأما الحيض والاستحاضة والنفاس، فهي أحداث نسائية، كما ان
ــــــــــــــــــــ[232]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
لمس الميت بعد برده وقبل غسله حدث نادر، ولعله ليس بحدث فقهياً وان أوجب الغسل تعبداً, والكلام في ذلك موكول إلى محله.
المستوى الثاني: انه بعد الإعراض عن مس الميت النادر.
يبقى الحدث المشترك بين الجنسين هو الجنابة، دون غيرها. ومن الواضح ان قوله: أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ متضمن لجنابة المرأة أيضاً… يعني: ولامستكم النِساء أيضاً… كلٌ من زاويته.
على أننا بعد ان عرفنا ان القرآن الكريم ليس قاموساً فقهياً، يكون الاقتصار في التمثيل للحدث الأكبر بالجنابة، كافياً جداً وخاصة وهي أعم الأحداث والمشتركة بين الجنسين.
ثاني عشر: من الإشكالات: «والتعبير عن الجنابة بـ(لَامَسْتُمُ)».
وهذا من الغرائب. لأننا إما ان نفهم ان مطلق الملامسة موجبة لغسل الجنابة أو التيمم بدله. كما فهم بعض العامة، فينسدّ السؤال كما هو واضح، لأن اللمس بنفسه يكون مقصوداً.
إلا ان الصحيح ان المقصود هو الجنابة، وإنما عبر بهذا التعبير لما ورد في الأخبار: (ان الله ستير يحب الستر). ومن الواضح انه ليس من المصلحة الأدبية ولا الدينية ولا البلاغية ان يصرح بالجماع ونحوه من الألفاظ الصريحة. فمن المبكي أو المضحك حقاً ان نجد أفكاراً كأفكار هذا السائل المعترض على وضوح القرآن وعظمته إلى حد يرى ان الآية أصبحت في نظره من معضلات القرآن التي لا حل لها.
هذا، وهو لا يفهم انه سوف يقرأ كتابه البسطاء والجهلاء الذين من المحتمل ان تبقى بعض هذه الشبهات في أذهانهم، فيكون هو المتورط والمسؤول أمام الله سبحانه في إثارة الشبهات ولو كان أقل ديناً وأكثر جرأة
ــــــــــــــــــــ[233]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
لنسب الغلط إلى الآية الكريمة لولا انه يخاف على نفسه وسمعته من المجتمع المسلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فهذا هو الكلام في هذه الجهة الخامسة من الحديث عن هاتين الآيتين الكريمتين.
الجهة السادسة: قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا.
فما هو معنى التيمم ومعنى الصعيد ومعنى الطيب؟ ومن هنا يقع الكلام في نواحٍ ثلاث:
الناحية الأولى: في معنى التيمم .
قالوا في اللغة(1): تيممه قصده. وتيممه تقصده. وتيمم الصعيد للصلاة.
وأصله التعمد والتوخي من قولهم تيممه وتأممه. قال ابن السكيت: قوله تعالى: فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً. أي: اقصدوا لصعيد طيب. ثم كثر استعمالهم لهذه الكلمة حتى صار التيمم مسح الوجه واليدين بالتراب, ويمم المريض فتيمم للصلاة.
وليس لنا ما نضيفه على اللغة سوى أمرين:
احدهما: ان التيمم وان كان حقيقة في القصد إلا انه أصبح حقيقة في هذه الوظيفة الشرعية بعد اشتهار استعماله واستغنائه عن القرينة.
ثانيهما: ان (يمم) المريض، استعمال بعد ثبوت الحقيقة الشرعية هذه كأنه اشتقاق منه بمعنى جعل غيره يتيمم أو ساعده على التيمم.
الناحية الثانية: في معنى الصعيد.
قال اللغويون(2): «الصعيد التراب. وقال ثعلب: هو وجه الأرض لقوله ــــــــــــــــــــ[234]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) انظر، لسان العرب.
(2) المصدر نفسه.
تعالى: فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا.
وقالوا: الصعيد المرتفع من الأرض. وقيل: الأرض المرتفعة من الأرض المنخفضة. وقيل: ما لم يخالطه رمل ولا سبخة. وقيل: وجه الأرض لقوله تعالى: فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا. وقيل: الصعيد الأرض. وقيل: الأرض الطيبة. وقيل: هو كل تراب طيب. وفي التنزيل: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا.
وقال الفراء في قوله: صعيداً جرزاً. الصعيد التراب. وقال غيره: هي الأرض المستوية.
وقال أبو إسحاق: الصعيد وجه الأرض… إلى ان قال: قال تعالى: فَتُصْبِحَ صَعِيدًا، لأنه نهاية ما يصعد إليه من باطن الأرض. لا أعلم بين أهل اللغة خلافاً فيه ان الصعيد وجه الأرض.
قال الليث: يقال للحديقة إذا خرجت وذهب شجراؤها: قد صارت صعيداً أي أرضاً مستوية لا شجر فيها. ابن الإعرابي: الصعيد الأرض بعينها. والصعيد الطريق سمي بالصعيد من التراب. والجمع من كل ذلك صعدان».
فنجد ان الاحتمالات المعروضة في هذه الأقوال عديدة, منها ما هو محتمل ومنها ما هو غير محتمل ومنها ما هو المتعين والصحيح, ولا بد لنا ان ننظر ما هو الأوفق بالوظيفة الشرعية:
الأول: الصعيد الأرض بعينها. بحيث نفهم منه معنى الكرة الأرضية. وهذا غير محتمل. لأنه إنما يريد الأرض المنبسطة المحسوسة. فيعود إلى معنى: وجه الأرض.
الثاني: الصعيد المرتفع من الأرض. وهذا محتمل إلا انه لا دخل له في الوظيفة الشرعية. لليقين فقهياً بأنه إذا جازت وظيفة التيمم في المرتفع جازت في المنخفض.
ــــــــــــــــــــ[235]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
الثالث: الأرض الطيبة.
الرابع: كل تراب طيب.
والقائل بأحد هذين الوجهين أخذ معنى الطيب من الآية الكريمة كأنه غافل عن ان الطيب فهمناه من كلمة مستقلة وليس من لفظ الصعيد نفسه. ولو كان معنى الطيب مستبطناً في الصعيد لما احتاج إلى وصفه بالطيب مكرراً. إذن, فهذان الوجهان ساقطان.
الخامس: الصعيد هو الأرض المستوية. وهذا محتمل، إلا انه لا دخل له في الوظيفة الشرعية لعدم الفرق فقهياً بين المستوية وغيرها، كما أنهم لم ينصوا هنا على نوع التراب الذي فيها من طين، أو تراب أو صخر أو غيره.
السادس: الصعيد الطريق وهذا وضع جديد. جاءه من كونه ترابياً، على طريقة الطرق الصحراوية كما سمعنا من اللغويين. وهو بعيد عن الوضعية الشرعية. لأننا نعلم انه ليس مراداً بآية التيمم.
السابع: الصعيد التراب, ومعناه: انه ما لم يخالطه رمل ولا سبخة وهو أحد الوجهين المحتملين في الآية الكريمة مع الوجه الآتي.
الثامن: الصعيد وجه الأرض، لأنه نهاية ما يصعد إليه من باطن الأرض، كما سمعنا، وسمعنا من أبي إسحاق قوله: «لا أعلم بين أهل اللغة خلافاً فيه». أقول: والخلاف موجود، إلا انه لوضوح هذا الاستعمال كان المخالف كأنه غير موجود.
ويؤيده ما سمعناه من انه يقال للحديقة الخربة: صعيد، فإنها بعد الخراب لا تصبح تراباً خالصاً، كما هو واضح. ويؤيده من نَصّ على ان صعيد الأرض، يعني وجهها.
كما يؤيده استعمالات القرآن الكريم الأخرى للصعيد في غير هذه الآية
ــــــــــــــــــــ[236]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
الكريمة. إذ لا يحتمل انه يريد التراب الخالص. والقرآن الكريم، يمكن جعل بعضه قرينة على بعض. وهو قوله تعالى: فَتُصْبِحَ صَعِيدًا. وقوله تعالى: صَعِيدًا جُرُزًا. إذ من الواضح انه يريد وجه الأرض لا التراب الخالص. وهو أقرب إلى مفهوم (الأرض المستوية) منه إلى أي شيء آخر. إلا أننا عرفنا ان الاستواء لا دخل له في الوظيفة الشرعية.
ومن هنا كان الأرجح والموثوق به لغوياً، هو هذا المعنى الأخير وهو ما يعبر عنه الفقهاء بمطلق وجه الأرض, يعني سواء كان تراباً أو صخراً أو رملاً ونحوه ما لم يكن من المعادن أو من النباتات, فانه خارج عن هذا المفهوم ولا أقل من الاحتياط فيه، أعني ترك التيمم عليه.
الناحية الثالثة: في معنى الطيب.
قالوا في اللغة(1): «الطيب على بناء فِعْل. والطيب نعت. وفي الصحاح: الطّيب خلاف الخبيث، قال ابن بري: الأمر كما ذكر إلا انه قد تتسع معانيه. فيقال: أرض طيبة للتي تصلح للنبات وريح طيبة، إذا كانت لينة ليست بشديدة، وطعمة طيبة إذا كانت حلالاً، وامرأة طيبة إذا كانت حَصَاناً عفيفة، ومنه قوله تعالى: الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ. وكلمة طيبة إذا لم يكن فيها مكروه. وبلدة طيبة أي آمنة كثيرة الخير. ومنه قوله تعالى: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. ونكهة طيبة إذا لم يكن فيها نتن، وان لم يكن فيها ريح طيبة كرائحة العود والند وغيرها، ونفس طيبة بما قدّر لها أي راضية، وحنطة طيبة أي متوسطة الجودة، وتربة طيبة أي طاهرة. ومنه قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا. وزبون طيب أي سهل في مبايعته. وسبي طيب إذا لم يكن فيه غدر ولا نقض عهد وطعام
ــــــــــــــــــــ[237]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) انظر: لسان العرب.
طيب للذي يستلذ الآكل طعمه.
ابن سيده: طاب الشيء طيباً وطابا: لذّ وزكا… والكلمة الطيبة: شهادة ان لا اله الله وان محمد رسول الله. وقد يَرِد الطيب بمعنى الطاهر ومنه الحديث انه قال لعمار: “مرحباً بالطبيب المطِب”، أي الطاهر المطهر». إلى آخر ما قالوه.
والمستفاد من هذا كله ان الطيب صفة كمال، تدرك نفسياً أو عقلياً لكل شيء أو لكثير من الأشياء كل بحسب ما يناسبه. وبالنسبة إلى الصعيد يصبح عندنا عدة احتمالات:
أولاً: الصعيد الطيب: الطاهر، يعني من النجاسات الخبيثة الحكمية. وهو فعلاً مشروط فقهياً بذلك.
ثانياً: الحلال، يعني ان لا يكون مغصوباً، وقد سمعنا قبل قليل: طعمة طيبة إذا كانت حلالاً. وهو فعلاً مشروط فقهياً بذلك.
ثالثاً: ذو الرائحة الزكية، فان التراب ونحوه مما هو طبيعي وخالص، ذو رائحة مستحسنة. غير ان هذا غير دخيل فقهياً في الحكم.
رابعاً: الخالص الذي لا يكون مشوباً بغيره. وهو الذي اختاره صاحب (الميزان)(1) لأن الوضع الطبيعي للتراب ان يكون باقياً على حاله الأصلي غير مختلط بغيره.
أقول: فان اخترنا ان الصعيد هو التراب الخالص كان معنى الطيب عدم اختلاطه بالجص والرمل فضلاً عن غيرهما، وان قلنا انه وجه الأرض، كان الطيب بمعنى عدم اختلاطه بالمعادن وكل ما هو خارج عن اسم الأرض. وهذا
ــــــــــــــــــــ[238]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) انظر: ج6, ص229.
ضروري فقهياً إذا كان الاختلاط بنسبة ملحوظة أو كبيرة.
خامساً: ان لا يكون الصعيد متحولاً إلى غيره، كالتراب المطبوخ المتحول إلى الجص أو النورة أو الطابوق أو غيرها.
وأضاف على ذلك في (الميزان)(1): «ومن ذلك يستفاد الشروط التي أخذت في السُنّة في الصعيد الذي يتيمم به».
أقول: ومعه حق. فان القرآن الكريم نبع ثرّ للمعاني، لا يمكن نفاده:
مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ.
والمتحصل من كل ذلك اشتراط كون التراب طاهراً، حلالاً غير مغصوب، غير مشوب بغيره بكمية كبيرة، ولا متحولاً إلى غيره من المواد كالجص والنورة. ولا يشترط في الفقه أكثر من ذلك في حكم التيمم.
الجهة السابعة: قوله تعالى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ. نعرض هنا إلى ناحيتين إحداهما: حول وجود الباء والثانية: حول وجود منه.
الناحية الأولى: حول وجود الباء.
وهي تماماً كالباء التي مرت في نفس الآية قبل قليل في قوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وكما استفدنا هناك ان الباء للتبعيض بأي شكل من أشكال الفهم السابقة. فإنها كلها تأتي هنا أيضاً لأن العامل وهو (وَامْسَحُواْ) نفسه أيضاً. فما قيل هناك عن معنى الماسح والممسوح يأتي هنا.
وبذلك وردت الروايات:
منها صحيحة زرارة التي نقلنا قسماً منها في الحديث عن مسح الرأس،
ــــــــــــــــــــ[239]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر والصفحة.
والتي سمعنا منها انه قال: “ان المسح ببعض الرأس لمكان الباء”. ولكنه يستمر في شرح الآية فيقول:
ثم قال: “فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا، فلما ان وضع الوضوء عمن لم يجد الماء اثبت بعض الغسل مسحاً. لأنه قال: بِوُجُوهِكُمْ. ثم وصل بها وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ أي من ذلك التيمم. لأنه علم ان ذلك اجمع لم يجر على الوجه لأنه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف ولا يعلق ببعضها. ثم قال: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ. والحرج: الضيق”.
وقوله: “وضع” يعني أسقط الله سبحانه الوضوء عمن لم يجد الماء وقوله: “اثبت بعض الغسل مسحاً” يعني أثبت الله تعالى في محل بعض الغسل أو في بعض محل الغسل مسحاً. لأن المغسول هو كل الوجه في حين ان الممسوح هو بعضه، كما هو مستفاد من محل الباء. فقد أسقط وجوب المسح عن بعض محل وجوب الغسل، في الوجه وفي اليدين أيضاً. لأن الواجب غسلهما من المرفقين والمسح مختص بالكفين. ومن المعلوم نحوياً ان العطف بتقدير تكرار العامل، فكأنه قال: (فامسحوا بوجوهكم وبأيديكم). وكما ان الباء في الوجوه تفيد التبعيض فكذلك هنا.
وهذا يقرّب في القسم الأول من الآية التي تتحدث عن الوضوء أمرين:
الأمر الأول: ان قوله: أَرْجُلَكُمْ معطوف على (بِرُؤُوسِكُمْ) كما ان (أَيْدِيكُم) معطوف على قوله: بِوُجُوهِكُمْ. وهذا واضح من وحدة السياق.
الأمر الثاني: انه كما فهمنا هنا -يعني في التيمم- تكرار العامل وهو الباء، كذلك نفهم ذلك في جانب الوضوء كأنه قال: )وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم(. بحيث يستفاد التبعيض في الأرجل كما يستفاد في الرؤوس.
ــــــــــــــــــــ[240]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
وكِلا هذين الأمرين يرجّحان قراءة الجر، ويبعدان قراءة النصب. كما هو معلوم. فراجع وتأمل.
الناحية الثانية: حول قوله تعالى: مِنْهُ. فانه موجود في الآية في سورة المائدة وغير موجود في سورة النساء. وقد سمعنا من صحيحة زرارة تفسيره: “أي من ذلك التيمم. لأنه علم ان ذلك أجمع لم يجرِ على الوجه لأنه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف ولا يعلق ببعضها”.
يعني أننا نستفيد من حرف (من) ان الواجب هو المسح ببعض الغبار العالق باليد لا بجميعه. لأنها هنا تبعيضية.
وقد أفتى جماعة من الفقهاء بوجوب (العلوق) بفتح العين, أي ان الغبار يجب ان يعلق بالكف بحيث ينتقل من الكف إلى الوجه واليدين وإلا بطل التيمم.
وهذا فهم مبني على تفسير الصعيد بالتراب الخالص, وأما إذا فسرناه بمطلق وجه الأرض، حتى لو كان صخراً أو رملاً، فلا يعلق بالكف منه أي شيء.
إلا ان المراد من الضمير في (مِنْهُ) لا يتعين ان يكون هو الصعيد… وان كان هو الظاهر الأولى بالطبع. إلا انه يمكن ان يرجع إلى (التيمم) المستفاد من قوله: فَتَيَمَّمُوا كما قال الإمام في الصحيحة: “أي من ذلك التيمم”.
وهذا مبني على ان مادة التيمم معناها قرآنياً وظيفة التيمم التي يفهمها المتشرعة، إلا ان هذا معنى متأخر عن عصر نزول القرآن الكريم، فلا يمكن حمل ألفاظه عليه، إلا ان تفسيره في الصحيحة بذلك كافٍ لأنها حجة في تفسير القرآن الكريم.
إلا ان الإشكال في ان الصحيحة دالة على ذلك، لأنه قال بعد هذه العبارة:
ــــــــــــــــــــ[241]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
“لأنه يعلق من ذلك الصعيد” الأمر الذي يجعله قرينة متصلة على ان المراد من التيمم: الغبار العالق وليس وظيفة التيمم.
فنبقى إلى الآن على وجوب (العلوق) لولا أمرين:
الأمر الأول: ان الصعيد مطلق وجه الأرض. وهو مما لا يعلق في الكف منه شيء. فيكون لفظ الصعيد قرينة متصلة على التنازل من ظهور الآية الكريمة بالوجوب. فأما ان نحملها على الاستحباب وأما ان نحملها بإرجاع الضمير إلى التيمم لا الصعيد. وأما ان نحملها على تقدير وجود العلوق، يعني: إذا اختار المكلف التيمم على التراب دون الصخر، ونحو ذلك.
الأمر الثاني: خلو الآية الثانية، في سورة النساء من قوله: مِّنْهُ. فتكون الآية الثانية مطلقة باصطلاح علم الأصول والآية الأولى مقيدة, وعند تعارض المطلق والمقيد يوجد اختياران:
الأول: حمل المطلق على المقيد، وهو مقتضى القاعدة العامة، ومعناه: ان هناك لفظ مِّنْهُ ضمنية في الآية الثانية أيضاً. ويفسر بكل ما قلناه في الأمر الأول.
الثاني: ان نحمل المقيد على الاستحباب، ونقتصر في الوجوب على المطلق. فإذا دل دليل خارجي على ذلك أخذنا به، كما هو ثابت في الفقه إلى حد يميل الفقهاء المتأخرون إلى ان (العلوق) لا اعتبار به أصلاً لا وجوباً ولا استحباباً ولا دخل له في صحة التيمم على الإطلاق.
إلا ان في ذلك إهمالاً لقوله تعالى: مِّنْهُ، والدال -على أقل تقدير- على استحباب العلوق بل على استحباب اختيار التراب على سائر أشكال الصعيد ليحصل العلوق. وتفصيل الكلام أكثر من ذلك موكول إلى الفقه.
ــــــــــــــــــــ[242]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول

فصل
الشهيد

قال الفقهاء: ان الشهيد مستثنى من وجوب تغسيل الميت وتكفينه بل لا يغسَّل ولا يكفن بل يصلى عليه ويدفن بثيابه. فهنا نسأل عن معنى الشهيد وعن أحكامه الرئيسية.
وللشهيد عدة معاني في اللغة, نذكر أهمها:
فالشهيد: اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى. والشهيد: الشاهد في حق ونحوه. والشاهد والشهيد الحاضر. والمهم الآن هو المعنى الآتي.
حيث قالوا(1): الشهيد المقتول في سبيل الله. والجمع شهداء. والاسم الشهادة. واستشهد: قتل شهيداً. وتشهد: طلب الشهادة. والشهيد الحي: أي هو عند ربه حي. عن النضر بن شميل، قال أبو منصور: أراه تأول قول الله عز وجل: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
وقالوا في سبب تسميته بالشهيد:
1. كأن أرواحهم أحضرت دار السلام أحياء. وأرواح غيرهم أخرت إلى البعث.
2. سمي الشهيد شهيداً لأن الله وملائكته شهود له بالجنة.
ــــــــــــــــــــ[243]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) لسان العرب. مادة (شهد) بتصرف.
3. وقيل: سموا شهداء لأنهم ممن يستشهد يوم القيامة مع النبي على الأمم الخالية. قال الله عز وجل: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.
قال أبو منصور: «والشهادة تكون للأفضل فالأفضل من الأمة. فأفضلهم من قُتِل في سبيل الله».
4. وقيل: لأنه حي لم يمت، كأنه شاهد: أي حاضر.
5. وقيل: لأن ملائكة الرحمة تشهده: أي تحضره.
6. وقيل: لقيامه بشهادة الحق في أمر الله حتى قُتِل.
7. وقيل: لأنه يشهد ما أعد الله له من الكرامة بالقتل. وقيل غير ذلك، فهو فعيل بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول، على اختلاف التأويل.
قال أبو منصور: «ثم يتلوهم في الفضل من عده رسول الله شهيداً. فانه قال: المبطون شهيد، والمطعون شهيد قال: ومنهم ان تموت المرأة بجُمْع».
ودل خبر عمر بن الخطاب: “ان من أنكر منكراً وأقام حقاً ولم يخف في الله لومة لائم انه من جملة الشهداء”.
الكسائي: «الشهيد في الأصل من قُتِل مجاهداً في سبيل الله. ثم اتسع فيه فأطلق على من سماه النبي شهيداً، من المبطون والغرِق والحرِق وصاحب الهدم وذات الجنب وغيرهم».
أقول: يستفاد من السُنّة الشريفة بهذا الصدد ان هذه الشهادة تحدث لأحد أمرين:
الأمر الأول: القيام بوظيفة شرعية ضرورية، واجبة أو مستحبة وحصول الموت بسببها. كالذي قُتِل في سبيل ماله وعرضه، ومن قُتِل لأنه قال كلمة
ــــــــــــــــــــ[244]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
الحق تجاه سلطان جائر.
الأمر الثاني: الموت مع حصول قدر داهم، لا يد للفرد في رده. كالغرق والحرق والهدم، وبعض أنواع المرض المؤدي إلى الوفاة، بل جميعها، ما لم يكن من الفرد تسامح في إيجادها أو استمرارها.
وأعظم أنواع الشهادة عند العارفين، هو ان يصبح الفرد شاهداً أو مشاهداً لدرجات الرحمات الخاصة العليا المُعدّة عند الله سبحانه لأوليائه والخاصة من خلقه. ولعل المقتول في سبيل الله تعالى، إنما سُمّي بذلك لأجل بلوغه شيئاً من هذه الدرجات من أجل همته في طاعة الله عز وجل، حتى حصول الوفاة له.
وفي التاريخ الإسلامي(1) ان رسول الله قال للإمام الحسين -في كلام في المنام-: “حبيبي يا حسين: ان أباك وأمك وأخاك قدموا عليّ وهم مشتاقون إليك وان لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلا بالشهادة”.
فجعل الحسين في منامه ينظر إلى جده، ويتضرع إليه ويقول: “يا جداه لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك”.
فقال له رسول الله: “يا بني لا بد لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة. وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم. فانك وأباك وأخاك وأمك وعم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتى تدخلوا الجنة”.
أقول: عمه هو جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه وعم أبيه هو حمزة بن عبد المطلب (رضوان الله عليه). ومن سعادتهما بلا شك ان يحشرا مع الأئمة المعصومين كأمير المؤمنين والحسن والحسين (سلام الله عليهم
ــــــــــــــــــــ[245]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) انظر: مقتل الحسين للسيد محمد تقي بحر العلوم, ص164.
أجمعين).
وسيد الشهداء، لقب تشريف عظيم يطلق على ثلاثة، كلهم عظماء نالوا الشهادة في صدر الإسلام.
فأولهم في نيل الشهادة: حمزة سيد الشهداء وأسد الله ورسوله. الذي قُتِل في جيش رسول الله في غزوة أُحُد.
وثانيهم: في الترتيب التاريخي أمير المؤمنين وسيد الوصيين الإمام علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه). وقد ورد في الدعاء(1): “السلام عليك يا سيد الشهداء”.
وأحرى به ان يكون كذلك، لعظمة ذاته, بل هو أولى من الاثنين الأخيرين الملقبين بهذا اللقب الجليل لأنه خير منهما، وأعظم منزلة وأعلى درجة عند الله بلا إشكال، بل هو إمامهما وقائدهما ووليهما المفترض الطاعة أمام الله سبحانه لهما. فهو أولى ان يكون سيد الشهداء منهما، بالرغم من جلالة قدرهما.
وثالثهم في الترتيب التاريخي: الإمام السبط سيد شباب أهل الجنة وسيد الشهداء الإمام الحسين بن علي. وتسميته بهذا اللقب أوضح من الشمس فلا نحتاج إلى نقل وفي الحديث: “لا تطلب أثراً بعد عين”.
إذا عرفنا معنى الشهادة وسبب التسمية يحسن بنا ان نَمُر باختصار، وبمقدار ما يناسب الكتاب على شيء من أحكام الشهيد.
قال في العروة الوثقى(2): «يستثنى من ذلك -يعني من وجوب تغسيل الميت- طائفتان:
ــــــــــــــــــــ[246]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) انظر: مفاتيح الجنان, ص375.
(2) المستمسك: ج4, ص98.
إحداهما: الشهيد المقتول في المعركة عند الجهاد مع الإمام أو نائبه الخاص. ويلحق به كل من قُتِل في حفظ بيضة الإسلام في حال الغيبة.
فقد اخذ شرطاً في هذا الحكم ان يكون الجهاد مشروعاً. وهو الذي عليه مشهور الفقهاء بل إجماعهم».
وإنما يكون الجهاد مشروعاً في ثلاث أحوال:
إحداها: ان يكون بأمر الإمام المعصوم.
ثانيها: ان يكون بأمر نائبه الخاص الذي نصبه للجهاد أو لأمر يشمل الجهاد.
ثالثها: ان يكون كِلا الأمرين غير متحقق، إلا ان الجهاد لأجل دفع الأعداء الذين يخاف منهم على (بيضة الإسلام). وهذا اصطلاح من الفقهاء عن المجتمع الإسلامي ككل، بحيث يخاف على وجود الإسلام أساساً أو وجود المسلمين.
ولا يكون الجهاد في غير هذه الصور الثلاثة مشروعاً. فلا يكون القتيل فيه أو بسببه شهيداً ولا يشمله الحكم بعدم التغسيل والتكفين.
قال في العروة(1): «من غير فرق بين الحر والعبد والمقتول بالحديد أو غيره عمداً أو خطأ. رجلاً كان أو امرأة أو صبياً أو مجنوناً ان كان الجهاد واجباً عليهم». أقول: بل تكفي المشروعية واجباً كان أو مستحباً بدون ان يخدع الفرد نفسه فيتخيل الباطل في صورة الحق.
والمهم ان يكون مقتولاً لنفس الهدف، وليس من قبيل من مر هناك صدفة فقُتِل. بل الأحوط ان يكون حاملاً للسلاح فلو كان موجوداً لجلب الطعام
ــــــــــــــــــــ[247]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: ص99.
مثلاً، لم يكن بهذا الحكم ونقصد من حمل السلاح كونه من وظيفته، وان لم يكن حاملاً له فعلاً. كما لا يفرق بين ان يكون حاملاً له، كما في السلاح الخفيف، أو منفّذاً له، كما في السلاح الثقيل.
وقال(1) أيضاً: «ويشترط فيه ان يكون خروج روحه قبل إخراجه من المعركة، أو بعد إخراجه مع بقاء الحرب، وخروج روحه بعد الإخراج بلا فصل، وأما إذا خرجت بعد انقضاء الحرب فيجب تغسيله وتكفينه».
أقول: وقد اشترط بعضهم إدراك المسلمين له بعد موته، فان كان به رمق لم يكن مشمولاً للحكم.
فعن زرارة(2) عن أبي جعفر قال: قلت: كيف رأيت الشهيد يدفن بدمائه قال: “نعم في ثيابه بدمائه ولا يحنط ولا يغسل ويدفن كما هو”. ثم قال: “دَفَنَ رسول الله عمه حمزة في ثيابه بدمائه التي أصيب فيها”. الحديث.
وعن أبان بن تغلب(3) قال: سمعت أبا عبد الله يقول: “الذي يقتل في سبيل الله يدفن في ثيابه ولا يغسّل إلا ان يدركه المسلمون وبه رمق ثم يموت بعد فانه يغسّل ويكفّن ويحنّط. ان رسول الله كفّن حمزة في ثيابه ولم يغسّله ولكنه صلى عليه”.
وعن أبي خالد(4) قال: (اغسل كل الموتى: الغريق وأكيل السبع وكل شيء إلا ما قُتِل بين الصفين. فان كان به رمق غُسِّل وإلا فلا).
ــــــــــــــــــــ[248]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: ص101.
(2) الوسائل: ج1. ابو اب غسل الميت، باب 14، حديث 8.
(3) نفس المصدر: حديث9.
(4) نفس المصدر: حديث3.
وعن عمر بن خالد(1) عن زيد بن علي عن آبائه قال: قال أمير المؤمنين: “يُنزَع عن الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل، إلا ان يكون أصابه دم. فان أصابه دم تُرِك. ولا يترك عليه شيء معقود إلا حُل”.
وعن أبي البختري(2) وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه: (ان علياً لم يُغسل عمار بن ياسر ولا عتبة يوم صفين ودفنهما في ثيابهما وصلى عليهما).
وينبغي لنا الآن ان نَمُر باختصار، على المصالح والحِكم التي ندركها لهذا الحُكم، بغض النظر عن أننا ندرك بوضوح وجوه الحكمة إجمالاً في كل الأحكام الشرعية الإسلامية أم لا!!!
وهي عديدة، نذكر منها:
أولاً: ان تغسيل الميت إنما هو لأجل إيجاد طهارته المعنوية ودفع ما وقع عليه من خبث معنوي بموته.
ندرك ذلك: إذا قسنا غسل الميت بباقي الأغسال فالجنابة قذارة معنوية موجبة للغسل وكذلك الأحداث النسائية. وإذا لاحظنا النوم الذي هو قرين الموت بنص القرآن الكريم نجد ان الشريعة اعتبرته حدثاً يوجب الوضوء.
ومعه, يتعين ان يكون الموت شكلاً من أشكال الحدث، يوجب الغسل لأجل رفعه بحيث يذهب الميت إلى قبره طاهراً غير ملوث بذلك الحدث.
هذا في الميت الاعتيادي. أما في الشهيد فموته شرف عظيم ومنزلة كبيرة، وغير مقترن بأي حدث، ليكون موجباً للغسل.
ــــــــــــــــــــ[249]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث10.
(2) نفس المصدر :حديث12.
ومن المستطاع القول: ان المفهوم مما سبق، ان الموت بكل أشكاله من أنواع الحدث. إلاّ الشهادة نفسها فإنّها مطهرة للفرد، بحيث يرتفع معها الحاجة إلى الغسل. بل هي بكل تأكيد أكثر تطهيراً من الغسل.
ثانياً: ان الشهادة في سبيل الله سبحانه وتعالى، تجعل لجسم الفرد احتراماً وتقديساً، عاليين، مما يترتب عليه عدة نتائج:
1- عدم تعريضه لعمليات الغسل والتكفين.
2- احترام ثيابه أيضاً ودفنها معه.
3- احترام كل ما سقط منه حتى الدم، فيدفن معه.
4- عدم حاجته إلى الحنوط. وهو المحتوي على الرائحة الطيبة لأن رائحة الشهيد عند الله أعلى من ذلك.
ثالثاً: سهولة الدفن.
فان الحرب لا محالة يحصل فيها قتلى كثيرون، فاذا كان الحكم الشرعي بوجوب التغسيل والتكفين نافذاً، كان ذلك صعباً على المسلمين، بل لعله يخل بوضعهم العسكري أحياناً.
فكان إسقاط هذه العمليات عنهم، أمر أساسي في التسهيل على الجيش المحارب، والاهتمام بوقائع الجهاد دونها.
أما الدفن فهو أمر لا مناص منه، لأن الجثث لا بد من سترها احتراماً لها أولاً. و تخليصاً للأحياء من مضاعفات بقائها على وجه الأرض . نعم، لو كانت المهمات العسكرية أحياناً أهم من الدفن أمكن تأجيله ردحاً من الزمن.
ــــــــــــــــــــ[250]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الأول

الفهرس
المقدمة 9
كتاب الاجتهاد والتقليد
فصل: في الاجتهاد 21
التجزي في الاجتهاد 30
الأعلمية في الاجتهاد 33
فصل: في التقليد 37
فصل: في الاحتياط 43
فصل: في العدالة 48
الفسق 57
كتاب الطهارة
فصل: في معنى الطهارة 63
فصل: في تحديد الكر 83
وزن الكر 84
مساحة الكر 90
تطبيق الوزن على المساحة 92
فصل: الماء 96
فصل: في النية 111
فصل: التقية 126
التقية كقاعدة فقهية 137
خصائص أخرى لقاعدة التقية 146
لو ترك العمل بالتقية 154
فصل: الكافر 163
الشرك 164
المجسمة 180
المجبرة 181
المفوضة 182
الحلولية 183
فصل: في الأغسال المجزية عن الوضوء 184
فصل: في قاعدة الإمكان في الحيض 191
فهم القاعدة 191
أدلة القاعدة 197
فصل: في آيات الوضوء والتيمم 209
فصل: الشهيد 243
الفهرس 251