أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
ما وراء الفقه / ج1 ق2

ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني

ما وراء الفقه
يحتوي على مفاهيم واستدلالات
وحسابات تدور حول مسائل فقهية كثيرة.
يصلح للثقافة الفقهية العامة المعمقة.

تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر

بإشراف
مقتدى بن السيد محمد الصدر

الجزء الأول
القسم الثاني

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
النجف الأشرف

ــــــــــــــــــــ[3]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني

بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لِما تضم من علم وافر وفكر عالٍ ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة… فإن فكر السيد الوالد يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمعٍ إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً أن كل كتاب له لا يضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنّا على أن يكون المخوّل من قِبلنا لطباعة هذه الكتب هم (هيئة تراث السيد الشهيد) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا.
مقتدى الصدر
10جمادي الثانية 1429

ــــــــــــــــــــ[5]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني

كتاب الصلاة

ــــــــــــــــــــ[7]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
فصل
في أوقات الصلاة

أوقات الصلاة اليومية، أما ان يراد منها أوقات الوجوب، أو يراد بها أوقات الفضيلة، التي هي أوقات للوجوب أيضاً عند العامة، وعند بعض قدماء الخاصة ولو من باب الاحتياط. كما انها تحديد لأوقات النوافل، بحيث تصبح بعد انقضائها من باب القضاء.
ونحن ذاكرون فيما يلي أوقات الوجوب، وفي ضمنها أوقات الفضيلة. مع الالتفات إلى أننا لا ينبغي ان نكرر هنا نصوص المسائل الفقهية إلا بمقدار الضرورة، وان هدف الكتاب هو بحث ما وراء تلك المسائل، فيختص الجانب الأهم من هذا الفصل في الحديث عن كيفية التعرف على الأوقات مع شيء من التفاصيل الفقهية لكي لا يكون البحث مبتوراً.
ويقسم الكلام في الأوقات في جهات ثلاث، لأننا نتحدث حسب أوقات النهار، فنبدأ بصلاة الصبح، ثم وقت الظهرين ثم وقت العشائين:
الجهة الأولى: وقت صلاة الفجر أو الصبح أو الغداة وهذه هي اسماؤها.
يبدأ وقت صلاة الصبح عند أول الفجر الصادق.
حيث قالوا: ان الفجر فجران, أولهما في الزمان الفجر الكاذب, ثم بعده يأتي الفجر الصادق وهو أول وقت الصلاة.
والروايات ناطقة بذلك، ننقل بعضها:
ــــــــــــــــــــ[9]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
كخبر علي بن مهزيار(1): كتب أبو الحسن بن الحصين إلى أبي جعفر الثاني: جعلت فداك قد اختلف موالوك في صلاة الفجر، فمنهم من يصلي إذا طلع الفجر الأول المستطيل في السماء، ومنهم من يصلي إذا اعترض في أسفل الأفق واستبان. ولست أعرف أفضل الوقتين فاصلي فيه. فان رأيت ان تعلمني أفضل الوقتين، وتحده لي، وكيف أصنع مع القمر، والفجر لا يتبين حتى يحمر ويصبح، وكيف أصنع مع الغيم، وما حد ذلك في السفر والحضر. فعلت ان شاء الله.
فكتب بخطه وقرأته: “الفجر يرحمك الله تعالى هو الخيط الأبيض المعترض وليس هو الخيط الأبيض صعداً. فلا تُصلِّ في سفر ولا حضر حتى تتبينه. فان الله تبارك وتعالى لم يجعل خلقه في شبهة من هذا. فقال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. فالخيط الأبيض هو المعترض الذي يحرم به الأكل والشرب في الصوم، وكذلك هو الذي يوجب الصلاة”.
وروي (2): “ان وقت الغداة: إذا اعترض الفجر فأضاء حسناً. واما الفجر الذي يشبه ذنب السرحان فذاك الفجر الكاذب. والفجر الصادق هو المعترض كالقباطي”.
وعن أبي بصير(3) ليث المرادي: سألت أبا عبد الله فقلت: متى يحرم الطعام والشراب على الصائم وتحل الصلاة صلاة الفجر. فقال: “إذا اعترض الفجر فكان كالقبطية البيضاء…” الحديث.
ــــــــــــــــــــ[10]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل, ج3, أبواب المواقيت, باب27, حديث4.
(2) نفس المصدر: حديث3.
(3) نفس المصدر: حديث1.
وعن علي بن عطية(1) عن أبي عبد الله انه قال: “الصبح (الفجر) هو الذي إذا رأيته كان معترضاً كأنه بياض نهر سوراء”.
ويمكن ان يفرق بين الفجرين الكاذب والصادق ببعض الأمور:
الأول: ان الأفق الشرقي في نهاية الليل يظهر فيه نور خفيف، ولكنه طويل كذنب السرحان، وهو الذئب، فيكون متعامداً مع الأفق(2) وهو الفجر الكاذب.
ثم ان هذا الضوء ينطفئ ويسود الظلام فترة من الزمن، قد تكون حوالي نصف ساعة، ثم ينبثق في نفس الأفق نور خفيف موازي للأفق(3) يشبه جريان النهر الأبيض.
وإنما سُمّي صادقاً لأنه هو الذي يدوم ويستمر بالاتساع. على حين يخبو الأول ويزول. وإذا اتسع الفجر قليلاً شمل منطقة معتد بها من جهة السماء الشرقية، فصار كالقبطية البيضاء، والقباطي نوع من القماش كان يجلب من بلد
ــــــــــــــــــــ[11]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( )نفس المصدر: حديث2.
(2) يوضحه التخطيط التالي.

(3) يوضحه التخطيط التالي.

القبط, وهي مصر. فهو يشبه قطعه من القماش الأبيض مفتوحة في الأفق.
وهذا التشبيه لطيف ومحترم. إلا أنّ فيه نقطتان ينبغي الالتفات إليهما:
أولاً: ان بياض الفجر في الأفق وان شُبِّه بالبياض الحقيقي، ولكنه على أي حال، من الناحية الواقعية، هو قلة في الظلام وليس نوراً متكاملاً. فهو أشبه بزرقة السماء إلى أي شيء آخر. ولكنه في وسط سواد السماء بجميع أطرافها يراه الفرد وكأنه أبيض حقيقي.
ثانياً: ان الفجر إنما يصبح كالقطعة من القماش إذا انتشر في الأفق قليلاً، وذلك بعد بزوغه الحقيقي بحوالي عشر دقائق إلى ربع ساعة. ومن ثم نعرف ان تحديده ببياض النهر أقرب لوقت بزوغه حين يكون في أوله موازياً للأفق ومجاوراً له.
فهذا الفرق الأول بين الفجرين يحتوي على فارقين:
أحدهما: ان الفجر الكاذب طولي والفجر الصادق عرضي.
ثانيهما: ان الفجر الكاذب ينطفئ والفجر الصادق يتسع(1).
الأمر الثاني: ان الفجر الكاذب لا ينطفئ، بل يبقى موجوداً إلى حين ظهور الفجر الصادق. إذن, فالضوء يبقى في الأفق مستمراً. إلا ان الفجر الكاذب غير قابل للاتساع، فيبقى على حاله إلى ان يبزغ الفجر الصادق تحته، ويبدأ بالاتساع أو بالارتفاع. والله سبحانه العالم بحقائق الأمور. وبناءً على هذا الفرق لا يكون هناك أي مدة بين الفجرين.
ــــــــــــــــــــ[12]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) وقد يستشعر لترجيح هذا الوجه من الآية الكريمة: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. على ان نفهم حصول الأمور الثلاثة كما ذكرت في الآية الكريمة بالترتيب. فالخيط الأبيض يأتي أولاً وهو الفجر الكاذب. ثم ينطفئ ويسود الظلام، وهو الخيط الأسود. ثم يبزغ الفجر، يعني الصادق.
إلا ان التعرف على ضوء الفجر تحول دونه عدة حوائل بعضها مستمر من العهد السابق، وبعضها حديث في العصر المتأخر:
أولاً: يمنع رؤيته السحاب إذا حصل في جهة الشرق، كما أشير له في إحدى الروايات التي سمعناها.
ثانياً: يمنع رؤيته ضوء القمر في العشر الوسطى من كل شهر. بل حتى في قسم من العشر الأواخر، حين يبزغ القمر في آخر الليل وقد سمعناه من بعض الروايات أيضاً.
ثالثاً: يمنع رؤيته البرد، بمعنى ان الناس في الشتاء يضطرون إلى الكمون تحت السقوف ولا يمكنهم التطلع إلى الأفق تحت السماء.
رابعاً: يمنع رؤيته الضباب الذي يكون متراكماً أحياناً، بل دائماً في كثير من البلدان في نصف الكرة الشمالي. فمثلاً (لندن) مشهورة بأنها بلد الضباب. وغيرها.
هذا من دون التحدث عن العوائق الفردية كالعمى والإقعاد وغيره. وكل هذه الأمور من الموانع الدائمة في الدهر.
خامساً: ضوء الكهرباء, وهو مانع حديث جاء مع الحضارة الأوربية الحديثة. وجعل من المتعذر الإطلاع على الفجر إلا نادراً.
ولو تحدثنا عن الموانع على سطح الأرض لتزايد العدد، كالجبل الذي يكون إلى جهة الشرق في بعض البلدان. فان الفجر الذي هو (حجة) شرعية لو صح التعبير، إنما يقاس في الأفق المستقيم لا في الأفق الجبلي لو صح التعبير أيضاً. ومع وجود الجبال، يكون التعرف على الأفق متعذراً.
وكذلك قد تكون هناك أشجار أو بيوت أو أي شيء آخر يمنع عن الإطلاع على الأفق، فيمنع عن التعرف على الفجر في أول حصوله، مما يستوجب
ــــــــــــــــــــ[13]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الانتظار حتى يظهر فوق هذا المستوى، وهو خلاف المفروض عند التحقيق.
نعم، بالنسبة إلى الموانع المؤقتة التي قد تحدث في بعض الليالي وتزول، كالسحاب، وضوء القمر, فانه يمكن ان يقاس الفجر على الليالي السابقة بالساعة، فيزداد وينقص بدقيقة أو دقيقة ونصف لكل ليلة حسب أي وقت في السنة.
إذن، فالطريقة الاعتيادية المضمونة لمعرفة الفجر، هو رؤية ضوئه. ما لم تحصل بعض الموانع.
ولكن يقول عدد من المؤذنين الثقات وبعض العلماء، انه تَهُب عند الفجر ريح خفيفة ذات رائحة طيبة يعرفون بها بزوغه. وهو أمر لا تمنعه شيء من تلك الموانع على الإطلاق.
ويستدلون على قولهم هذا بقوله تعالى: وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ. فان الضوء بمجرده لا يحسن وصفه بالنَفَس. وإنما النَفَس من قسم الريح المتحركة الضعيفة نسبياً. فكذلك الحال في الفجر. وكذلك بالنسبة إلى الرائحة الزكية. لأن النَفَس ينقل ما في الفم من الروائح إلى الخارج، وهي أحياناً قد تكون جيدة، كمن يَعلِك علكاً ونحوه فكذلك الحال في الفجر. فالآية الكريمة كالنص في ذلك. وان ناقش بها مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا.
وإليه يشير الشاعر، وهو بن (أحمد الكندي السري) في وصفه للفجر حين يقول(1):
وركائب يخرجن من غلس الدجى
مثل السـهام مرقن منه مروقا

والفــــــجر مصقول الـــــرداء كأنه
جلباب خـود اشـربته خــــــلوقا

ــــــــــــــــــــ[14]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) انظر جواهر الأدب. للسيد احمد الهاشمي, ج2, ص373.
والخود: المرأة الحسنة الخلق الشابة. والخلوق: ضرب من الطيب المائع.
فهو يمثل بياض الفجر بالجلباب، كما سمعنا تمثيله في الروايات بالقباطي البيضاء. ويمثل ريحه الطيبة بالخلوق.
ولـ(أبي بكر الخالدي) في وصف الجو وإدبار الليل وإقبال الفجر يقول(1):
والجـو يسحب مــــــــن عليل هوائه
ثوباً يجــــود بظـلـــــه المـــترقرق
حتى رأيـنا الليـل قــــوس ظهره
هــــربــــاً واثـــر فيـــــــه شيــــب المفــــرق
وكأن ضوء الفجر في باقي الدجى
ســــيف حـــلاه مـــــن اللـــــجين المــحرق

فهو يمثل ضوء الفجر بالشيب وريحه الطيبة بالهواء العليل وحمرته التي تحدث بعد ذلك بالذهب: اللجين.
ومحل الشاهد من هذه الأشعار هو الاستشعار بأن نسمة الفجر أمر سائر بين عدد من الناس. وان أنكره الآخرون.
وقد يخطر في الذهن، ان هذا لو كان أمراً واقعياً، لذكر في الروايات، وحيث لم يذكر، إذن يدل على عدم واقعيته.
وجوابه: ان الأئمة المعصومين، حوّلونا على الجهة الواقعية للفجر، أعني الفجر بالمعنى التكويني في خلقة الله سبحانه، وليس ذلك إلا الضوء. وكذلك فعل القرآن الكريم حين قال: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ.
وهذه الجهة الواقعية كافية تماماً لحسم الأمر، كل ما في الموضوع قد يكون لبعض الأشياء علامات عند وقوعها، فمن عرف علامة وقوع الفجر أمكنه العمل عليها. والحجة الفقهية في ذلك هو الوثوق أو الاطمئنان بحصول الفجر
ــــــــــــــــــــ[15]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: ص374.
عند حصول علامته. وهو ما يحصل فعلاً عند من يتبيّنها.
والآن بقى علينا ان نعرف استمرار ونهاية وقت الصلاة، بعد ان عرفنا أول وقتها. فان هذا الوقت يسمى ما بين الطلوعين، يعني طلوع الفجر وطلوع الشمس. وفي بعض الروايات انها ساعة ليست من الليل ولا من النهار. إلا انها من الناحية الفقهية المستفادة من السُنّة الشريفة انها من النهار وليست من الليل، لأن وجوب الصوم يبدأ من الفجر، والصوم إنما يكون في النهار، ولا يجوز إلحاق أي جزء من الليل به. وفي القرآن الكريم سمعنا وصفه بالصبح في قوله تعالى: وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ. ولا يترتب أي أثر فقهي على انها من الناحية العرفية هل هي ليل أو نهار.
والمعروف بين الناس ان مدتها ساعة ونصف تماماً على طول أيام السنة إلا ان المطمأن به كذب هذه الشهرة. وان هذه الفترة تطول بطول الليل وتقصر بقصره. وتتراوح بحوالي ساعة وعشرين دقيقة إلى ساعة وخمس وأربعين دقيقة. وضبط مدتها طيلة أيام السنة لم يتيسر إلى الآن مع الأسف. كما ان نسبتها إلى الليل والنهار لم يتيسر وان كانت بحسب الظن انها عُشر مدة الليل(1). والله العالم بحقائق الأمور.
وبالطبع فان هذا الحديث، حتى لو كان مضبوطاً، فانه إنما يصدق في خطوط العرض بحوالي المدارين إلى مسافة من جانبيهما. أما في خط الاستواء وقريباً من القطبين، فيحتاج ذلك إلى إعادة نظر. ولا يتيسر لكاتب هذه الحروف ذلك مع شديد الأسف, والمهم الآن هو الانتباه إلى هذه المسألة، ثم يكون التحديد بيد الأجيال الآتية.
وبعد مضي ساعة أو أكثر، يتزايد الضوء في السماء، وتبدأ الحمرة
ــــــــــــــــــــ[16]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نُقل عن سيدنا الأستاذ في بعض فتاواه: انه قال انها سبع الليل.
المشرقية في الوجود. فان نفس المنطقة التي ظهر فيها الفجر تكون الآن مكسوة بحمرة في الأفق بحوالي ذراعين أو ثلاث، بحسب النظر. ولا تزول إلا عندما يقرب بزوغ الشمس، إذ تبدأ طلائع الضوء القوي الصادر من قرص الشمس تصعد فوق الأفق، فتتضاءل الحمرة المشرقية حتى تزول.
حتى يأتي وقت يحصل فيه الشروق. وهو من الناحية الفقهية: ظهور أول جزء من قرص الشمس فوق الأفق، وان لم يظهر القرص كله، وان لم ينتشر ضوؤها.
ومن المعروف الأكيد، ان الشمس تشرق خافتة نسبياً(1). لأنهم قالوا: ان وصول نورها إلى الأرض يستدعي ثمان دقائق. وبعد مضي هذه الدقائق يبدأ القرص باللمعان. من دون ان يكون نوره قد انتشر كثيراً. ويحتاج هذا الانتشار إلى حوالي ربع ساعة أو أكثر، تكون الشمس خلالها قد صعدت فوق الأفق بمقدار ذراع، في النظر، أو أكثر.
وأول وقت ظهور الحمرة المشرقية التي سمعنا عنها، هو -فقهياً- آخر وقت فضيلة صلاة الصبح، وآخر وقت نافلته بمعنى انه لو صلى الفرد الفريضة عندئذ كانت ضئيلة الثواب ولو صلى النافلة كان اللازم ان ينويها قضاء، ولا أقل من نية الرجاء احتياطاً.
فهذا هو الحديث عن وقت صلاة الصبح.
الجهة الثانية: في وقت صلاة الظهر وصلاة العصر.
قال الفقهاء: انه إذا زالت الشمس، فقد دخل وقت كلتا هاتين الصلاتين ولكن تختص الظهر من أول الوقت بمقدار أدائها، وهو أربع ركعات مع
ــــــــــــــــــــ[17]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) إلى حد تكون قابلة للنظر الاعتيادي المباشر.
مقدماتها الواجبة، أو بدونها. كما تختص العصر من آخر الوقت بمقدار أدائها. وسيأتي تحديد آخره.
ومعنى الزوال: عبور الشمس عن دائرة نصف النهار. وهي دائرة وهمية تقطع الأرض نصفين من الشمال إلى الجنوب. فإذا عبرت الشمس هذه الدائرة تكون قد زالت, أي زالت عن نصف النهار بالضبط وتوجهت لتوها نحو الغرب.
والمفروض ان عبور الشمس عن تلك الدائرة يتم في النصف من الوقت بين بزوغ الشمس وغروبها، يعني في نصف النهار تماماً وبتعبير آخر أدق: ان الزوال يتم بعد نصف النهار بعدة ثوان.
فان الشمس حين تكون في الوسط تماماً(1) فهي إذن تكون في نصف النهار تماماً. وحين تتجه نحو الغرب قليلاً(2) يكون الزوال قد حصل.
إلا انه تبقى هناك بعض الأسئلة:
أولاً: ان الفقهاء وغيرهم، قالوا: ان دائرة نصف النهار تقطع الأرض نصفين من الشمال إلى الجنوب. ولكن يبقى السؤال عن محل رأس الخط الوهمي بالضبط في الشمال وكذلك في الجنوب. هل هو الشمال الجغرافي, أي
ــــــــــــــــــــ[18]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) يوضح المخطط التالي : (2) يوضح المخطط التالي:

القطب الشمالي الاعتيادي. أو هو الشمال المغناطيسي. أو هو نقطة أخرى في الشمال غيرهما؟
ثانياً: هل ان الزوال يتحقق قبل خروج القرص كله من دائرة نصف النهار. يعني بمجرد ان يتزحزح مركزه نحو الغرب ولو قليلاً. أو ان الزوال لا يتحقق إلا بخروج القرص كله عن دائرة نصف النهار؟
ثالثاً: ان المفروض بدوياً ان خط دائرة نصف النهار، يقاطع خط مسير الشمس من الشرق إلى الغرب بزاوية قائمة متكاملة. فهل هذا صحيح، أو ان هناك اختلافاً بمقدار ما؟
رابعاً: ان المفروض ان الزوال يحصل في نصف النهار أو بعده بثوانٍ تحديداً. فهل هذا صحيح، وهل هناك من الموانع ما يحول دون ذلك؟
ونجيب عن كل سؤال في ناحية من الكلام:
الناحية الأولى: في الكلام عن رأس الخط الوهمي لدائرة نصف النهار وقد أعطى الفقهاء رأيهم الإجمالي ولم يحددوا شيئاً معيناً. فقد أوكلوا الأمر إلى الفهم العرفي الاعتيادي. فإن كل فرد يحمل فكرة عن الشمال والجنوب. وهذا يكفي. ويكون تحديد دائرة نصف النهار على هذا الفهم الإجمالي.
وهذا الاتجاه في الفهم له نقطة ضعف ونقطة قوة:
نقطة الضعف: انه من الواضح ان استقامة واتجاه دائرة نصف النهار سوف يختلف باختلاف رأسيها الشمالي والجنوبي، إلى عدة درجات، الأمر الذي يفتقر إلى الدقة الرياضية ويترتب على ذلك عدم إمكان التعرف على لحظة الزوال بالمعنى الحقيقي.
نعم، في بعض مناطق العالم تتحد الدائرة من كِلا القطبين الجغرافي والمغناطيسي. كالخط الطولي المرقم 100 والذي يوجد عليه القطب
ــــــــــــــــــــ[19]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
المغناطيسي. فان الدائرة ستمر على كِلا القطبين في نفس الوقت.
وكذلك في بعض مناطق خط الاستواء, حيث تتقاطع الدائرتان. فيكون هذا التقاطع هو دائرة نصف النهار لتلك المنطقة(1) غير ان الإشكال والصعوبة تبقى في أغلب مناطق العالم.
نقطة القوة : اننا لا نحتاج إلى دقة بهذا المقدار المفروض، لأكثر من سبب:
السبب الأول: ان نقطة القطب الجغرافي، وكذلك نقطة القطب المغناطيسي، غير محددة بالضبط، بل هي عامة, أو قل: مستهلكة في مساحة كبيرة قد تصل إلى عدة كيلو مترات مربعة. وإذا استطعنا ان نحصرها في كيلو متر مربع واحد، فقد عملنا عملاً عظيماً.
وعلى كل تقدير فرأس الخط الوهمي، لا يمكن ان يكون له مبدأ محدد بالمعنى الرياضي المتكامل. وهذا واقع كأنه لا فكاك منه.
السبب الثاني: ان الفقه -كما لا يخفى على ممارسيه- مبني على الفهم
ــــــــــــــــــــ[20]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) كما يتضح من المخطط التالي:

أ-دائرة نصف النهار من القطب الجغرافي
ب- دائرة نصف النهار من القطب المغناطيسي
ج- تقاطع الدائرتين عند خط الاستواء
العرفي، والعرف يتجه عادة إلى شيء من التسامح وعدم الدقة في النظر. ومعنى ذلك ان هذا المقدار من النظر العرفي يكفي فقهياً لتحديد دائرة نصف النهار.
وهذا هو السبب الذي حدا بالفقهاء ان يُجمِلوا في كلماتهم ولم يحددوا تحديداً كاملاً.
وسنرى فيما يأتي، فيما ورد من الروايات التي تعطي طريقة التعرف على الوقت، وبخاصة الزوال: انها تعطي تحديداً أو علامات تقريبية أقرب إلى الفهم العرفي من أي شيء آخر، الأمر الذي يجعل موقف الفقهاء مُبّرراً بحجة شرعية متكاملة.
ولكنهم -على أي حال- سوف يخسرون الدقة في تحديد وقت الزوال. ومن زاوية الشارع المقدس، فانه يتوقع من المكلفين ان يحتاطوا بالانتظار قليلاً، حتى يتأكدوا من دخول الوقت. فإن مضي الزمان كفيل بذلك كما هو واضح.
ونحن هنا، وان كنا نؤمن بأن الحجة الشرعية، قائمة على هذا المقدار من التسامح، إلا اننا نحاول جهد الامكان زيادة التحديد. بمعونة الله سبحانه، إلى حد لا يحول دونه إلا عدم العصمة، كما يعبرون. فنحن الآن نجمع بين مسلكي التسامح والدقة.
فان لم نستطع الحصول على الدقة أحياناً، فلا نكون مقصرين, لأننا -أولاً- قد أوفينا ما في ضميرنا من الحاجة وان لم ننجح. ولأننا -ثانياً- نعتقد بكفاية التسامح العرفي.
إذن، فمن زاوية الدقة يعود السؤال: هل ان دائرة نصف النهار، تبدأ من القطب الجغرافي أو المغناطيسي أو غيرهما؟ بعد أخذ ما قلناه في السبب الأول
ــــــــــــــــــــ[21]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
من نقطة القوة السابقة، بنظر الاعتبار والتي لا يمكن تلافيه بأي حال.
وكل ما نستطيع ان نعرضه من الجواب الآن، في ضيق الإمكانيات الفردية التي نملكها: اننا جربنا في منطقتنا من جنوب العراق. فوجدنا ان دائرة نصف النهار أقرب تماماً إلى الشمال المغناطيسي منها إلى الشمال الجغرافي، بل هي من الجانب الآخر عن الشمال الجغرافي، بشكل تكون أبعد عن الشمال الجغرافي.
توضيحه: انه بعد تحديد خطي الشمالين الجغرافي والمغناطيسي يكون الشمال الجغرافي إلى اليمين والشمال الآخر إلى اليسار ويكون الفرق بينهما عشر درجات بالضبط. هذا مع اتجاه الفرد بوجهه إلى الشمال.
وأما دائرة نصف النهار فهي إلى يسار الخط المغناطيسي. بدرجة أو نصف درجة، في حين اننا عرفنا ان الخط الجغرافي على يمين المغناطيسي بعشرة درجات(1).
وهذا يعود بعد تحديد الشمالين، إلى علامات الزوال التي سوف نأتي على ذكرها فانها تتحقق في هذه المنطقة، فمثلاً: ان الظل يبلغ نهاية قصره وبدأ ارتفاعه عند هذه النقطة ويكون عند وصوله إلى الخط الجغرافي قد طال بشكل ملحوظ. الأمر الذي يعين ان دائرة نصف النهار تحدد بالخط المغناطيسي تقريباً
ــــــــــــــــــــ[22]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) كما في المخطط التالي:
1-القطب الجغرافي.
2-القطب المغناطيسي.
3-دائرة نصف النهار.
4-الدائرة القطبية.
وليس الجغرافي. فإذا وصل ظل الشاخص الدقيق على الخط المغناطيسي فقد عبرت الشمس دائرة نصف النهار بحوالي درجة، وهذا يكفي تماماً لحصول الزوال، وسيأتي في علامات الزوال إيضاحات أخرى حول ذلك.
إلا ان هذا بالطبع لعله خاص بالمنطقة التي تم فيها القياس، وليس في الامكان القياس في كل بلدان العالم. كما اننا لا يمكن ان نتوصل إليه بالحساب الرياضي التجريدي، لانعدام المصادر المتكفلة لهذا الحساب. والله سبحانه ولي التوفيق.
الناحية الثانية: في الجواب على السؤال الثاني: متى يحصل الزوال، هل بزحزحة مركز الشمس عن دائرة نصف النهار أو بخروج القرص كله(1)؟
الظاهر هو الأول. لأنه يكفي ان تتجه الشمس نحو الغرب، ولو قليلاً جداً. فان هذا القليل الذي نتحدث عنه ليس قليلاً في السماء بل يساوي عدة كيلو مترات فوق قرص الشمس. وليس من الضروري ان يخرج القرص كله من دائرة نصف النهار.
إلا ان هذا الفرق لا يكاد يظهر له أثر عملي. فإننا عرفنا اننا نبحث عن نصف الدرجة هنا على سطح الأرض ونكتفي به في حصول الزوال. ومن الواضح، ان نصف الدرجة هذه لا تعني فقط زحزحة مركز الشمس عن دائرة
ــــــــــــــــــــ[23]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) كما يتضح من المخططين التاليين:

نصف النهار، بل ابتعاد القرص كاملاً من هذه الدائرة مسافة كبيرة نسبياً في السماء.
نعم، لو استطاع أحد ان يضبط هذا الفرق، اكتفينا معه نظرياً، بالوجه الأول، وهو زحزحة المركز.
الناحية الثالثة: حول السؤال الثالث:
هل ان دائرة نصف النهار تُقاطِع خط مسير الشمس من الشرق إلى الغرب، إلى الشرق تماماً أو لا؟
جواب ذلك يتوقف على الالتفات إلى عدة أمور:
الأمر الأول: لو كانت دائرة نصف النهار تبدأ من الشمال الجغرافي، وكانت الشمس تسير بشكل موازي لخطوط العرض. لرسمت زاوية قائمة معها. لأن دائرة نصف النهار عندئذ كأنها أحد خطوط الطول أو هي خط طول ذلك البلد الذي نتحدث عنه، أي بلد كان. ولو حسبنا انقساماته إلى دقائق وثوانِ.
ومعه, فتكون الزاوية بين مسير الشمس والدائرة، هي نفسها الزاوية من خط طول وخط عرض البلد…أياً كانت.
الأمر الثاني: ان الأمر ليس كما قلنا في الأمر الأول وخاصة بعد ان رجحنا ان دائرة نصف النهار تبدأ من الشمال المغناطيسي بل أبعد منه بقليل عن الشمال الجغرافي.
الأمر الثالث: ان الشمس لا تسير موازية لخطوط العرض على الإطلاق, وان كان يبدو لبدو النظر ذلك, بل هي تسير بخط حلزوني تصعد مرة إلى المدار الشمالي (مدار السرطان) ثم تنزل بخط حلزوني إلى المدار الجنوبي (مدار الجدي).
ــــــــــــــــــــ[24]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وهذا الخط الحلزوني غير موازٍ لخطوط العرض ولا لخط الاستواء -وهو أحد خطوط العرض المتوازية- وإنما يرسم معها تقاطعاً ذا زاويتين حادتين جداً عند الشرق والغرب، ومنفرجتين جداً عند الشمال والجنوب.
والمداران الشمالي والجنوبي، ليسا من خطوط العرض، بل هما خط مسير الشمس عند بلوغها إلى غاية الارتفاع والانخفاض، نتيجة لوجودها تجاه الشمس بشكل معين ناتج من انحراف قطرها.
إذن، فالمداران -يعني أياً منهما كان- ليس دائرة متكاملة بالدقة, يعني لا يلتقي طرفاه، بل تبدأ الشمس في نهاية طوافها بالدوران حوله بالخروج عنه. فيلتقي طرفا الخطين عند دخول الشمس فيه وخروجها عنه. ويشكّل أيضاً زاويتين حادتين عند الشرق والغرب ومنفرجتين عند الشمال والجنوب.
وبعد ملاحظة ذلك كله نستطيع ان نلتفت إلى ان خط مسير الشمس لا يقاطع دائرة نصف النهار بالدقة، وان كان مقاطعاً لها بالتسامح العرفي.
بل لا يكون -بالدقة- في زاوية موحّدة ومضبوطة في كل البلدان على خط عرض واحد، بل ولا في بلد واحد على طول السنة كما هو معلوم.
وهذا أمر نظري، ليس له أثر فقهي عملي.
ــــــــــــــــــــ[25]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وهذا مخطط لإيضاح الفكرة

1- مركز الكرة الأرضية المائل، والقطب الشمالي الجغرافي.
2- الدائرة القطبية.
3- المدار الشمالي (مدار السرطان) ومنه يظهر التقاء طرفي المدار عند مسير الشمس.
4- 5 – خطان يمثلان مع كثير من الخطوط مسير الشمس الحلزوني.
6- خط الاستواء ومنه تظهر الزاويتين الحادتين له مع مسير الشمس.
7 – 8- خطان من خطوط مسير الشمس الحلزوني.
9- المدار الجنوبي (مدار الجدي) ومنه يظهر التقاء طرفيه أيضاً.
10-11-12- خطوط من مسير الشمس.
13- الدائرة القطبية الجنوبية.
14- القطب الجنوبي الجغرافي.
ــــــــــــــــــــ[26]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ملحوظة: اننا لو لاحظنا دوران الأرض حول الشمس فقط في مدة سنة. فان مسير الشمس سيشكل خطاً حلزونياً واحداً بين المدارين.
ويظهر في المخطط التالي:

ولكننا إذا لاحظنا الأرض حال دورانها حول نفسها وجدنا الشمس ترسم خطوط حلزونية كثيرة على عدد أيام السنة أو عدد دورانات الأرض حول نفسها.
وبتعبير آخر: ان نفس ذاك الخط الحلزوني الواحد ينتشر على وجه الأرض بحساب دقيق لا مجال الآن إلى تحديده واستيعابه.
ولعل المخطط التالي يوضح ذلك، على ان نفهم كل خط من خطوط ضوء الشمس قد سقط على الأرض في يوم غير اليوم الذي سقط فيه الآخر. لتتسع الصورة ذهنياً أكثر.
ــــــــــــــــــــ[27]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني

الناحية الرابعة: في الجواب عن السؤال الرابع: هل ان الزوال يحصل في نصف النهار، أو بعده بثوانٍ. أو انه يختلف عنه؟ وبتعبير آخر، ان التحديدين: الزماني والمكاني للزوال يختلفان. فبالرغم من ان التحديد المكاني هو في النصف لأن دائرة نصف النهار هي في النصف تماماً من حيث المكان، إلا ان الزمان قد يختلف عن ذلك.
وأثر ذلك فقهياً، موجود. وهو اننا إذا أثبتنا ان الزوال يقع في نصف النهار تقريباً، ما عدا عدة ثواني, أمكن ان نحسب وقت الشروق ووقت الغروب بالساعات والدقائق ونقسمها نصفين, فيكون النصف هو وقت الزوال.
وجواب السؤال يقتضي ملاحظة عدة أمور:
الأمر الأول: ملاحظة ما قلناه في جواب السؤال الثاني: من ان الزوال يحصل بزحزحة مركز الشمس عن دائرة نصف النهار، لا بخروج القرص كله.
ومن الواضح ان الوقت يختلف بين هذين الافتراضين. ولكننا عرفنا فيما سبق ان هذه الدقة لا تكاد تكون عملية أو ممكنة.
الأمر الثاني: ملاحظة معنى الشروق والغروب.
ــــــــــــــــــــ[28]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
فإننا لو اعتبرنا رياضياً ان الشروق يكون عند حصول مركز الشمس مع الأفق المستقيم الشرقي.. والغروب يكون عند حصول مركزها عند الأفق المستقيم الغربي(1). إذن, فمن المنطقي ان نقول ان الوقت هو النصف تماماً.
ولكننا عرفنا ان الشروق يعني خروج أول جزء من القرص فوق الأفق(2). والغروب هو نزول آخر جزء منه تحت الأفق(3). إذن، فالمدة تمتد أكثر بمقدار ما من جانبي الشروق والغروب.
ولكن، بغض النظر عما سوف نسمعه في الأمر الثالث، فانه من المفروض
ــــــــــــــــــــ[29]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) مخطط لأجل إيضاح الفكرة:

(2) مخطط لإيضاح الشروق:

(3) مخطط لإيضاح الغروب:

ان زمان ظهور نصف القرص الأعلى على الأفق شرقاً يساويه مقدار اختفاء نصف القرص الأسفل تحت الأفق غرباً. ومن الملاحظ ان نفس النصف الذي يبدأ بالشروق هو نفسه الذي يبدأ بالغروب.
الأمر الثالث: ان المفروض مؤكداً في العلم الحديث ان سرعة دوران الأرض حول نفسها هي نفسها باستمرار والى الأبد, كما ان سرعة دورانها حول الشمس هي نفسها والى الأبد.
فلو كان الأمر كذلك، لتم المطلوب. فيكون الزمان الأوسط. هو زمان الزوال. وهو أمر مظنون إلى درجة يمكن الوثوق بها فقهياً، إلا ان في النفس منها شيء، مما لا حاجة إلى تفصيله. ويكفي الآن ان نسمع قوله تعالى: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا.
فلو كانت السرعة مختلفة دائماً أو أحياناً بإسلوب محدد أو بإسلوب لا نستطيع تحديده. إذن, لا يكون نصف الوقت هو وقت الزوال. غير اننا قلنا انه بالرغم من ذلك، فان الحجة الشرعية بخلافه.
فالمحصل انه يمكن فقهياً القول بأن نصف الوقت وهو وقت الزوال.

أساليب تحديد الزوال:
يمكن تحديد حصول الزوال بعدة أساليب، نذكر أهمها:
الأسلوب الأول: تنصيف الوقت بالساعات والدقائق بين وقت الطلوع ووقت الغروب. كما أشرنا إليه قبل قليل وقلنا ان الحجة الشرعية الفقهية قائمة عليه.
لا يفرق في ذلك بين التوقيتات المختلفة للوقت, أعني الساعة الزوالية والساعة الغروبية والصيفية وغيرها ان وجدت.
ــــــــــــــــــــ[30]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الأسلوب الثاني: جعل الشمس على الحاجب الأيمن.
وطريقته: ان يستقبل الفرد الجنوب، وينتبه إلى الشمس التي هي فوق رأسه بالتقريب. فان حصلت في نصف النهار كانت فوق أنفه، وهو الوسط. فان تحركت قليلاً إلى جانب الغرب، وهو جانب يمينه فقد أصبحت فوق حاجبه الأيمن، فذلك هو الزوال.
ومعه, يكون من المفهوم انه لا حاجة إلى ان تتوسط حاجبه الأيمن بل يكفي ان تكون عليه في الجملة فلو دخلت في أول جزء منه الذي يلي الأنف كان ذلك كافياً في تحقق الزوال.
ولا حاجة إلى البقاء تحت الشمس وترقّب حركتها، بل يكفي التأكد من وجودها فوق الحاجب إجمالاً ولو لأول مرة، كما لو كان هذا الفحص، قد حصل
عند الزوال أو بعده بقليل.
وقد وردت في ذلك رواية(1) عن رسول الله قال: “أتاني جبرئيل فأراني وقت الظهر حين زالت الشمس، فكانت على حاجبه الأيمن”.
وينبغي في هذه العلامة ملاحظة أمرين:
الأمر الأول: انها ليس دقيقة رياضياً، بل هي عرفية مجعولة لسائر الناس، ولعل الشمس لا تكون على طرف الحاجب الأيمن إلا بعد زوالها بخمس دقائق أو نحوه.
الأمر الثاني: انها علامة غير عامة للعالم كله. بل خاصة ببعض الأماكن.
وقد قال عدد من الفقهاء: انها علامة مخصوصة بمن كانت قِبلتُه نقطة
ــــــــــــــــــــ[31]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل, ج4, أبواب المواقيت. باب11, حديث2.
الجنوب أو قريبة منها. وقيّده بعضهم بمن يستقبل القبلة وآخر بقبلة العراق. وكله ليس بشيء.
وإنما ذلك تبع لمحل وجود الشمس والمنطقة التي يكون الفرد فيها. فمثلاً إذا كانت الشمس في المدار الشمالي، كانت هذه العلامة صادقة لمن كان على هذا المدار وشماله إلى القطب الجغرافي. وغير صادقة بالنسبة إلى من يكون في جنوبه.
بل أولئك عليهم ان يقلبوا الاتجاه فيتجهون بوجوههم إلى الشمال ليواجهوا قرص الشمس فيكون الغرب على يسارهم لا على يمينهم فإذا مالت الشمس إلى جهة يسارهم فكانت على حاجبهم الأيسر، كان الزوال قد تحقق.
واما إذا كانت الشمس على المدار الجنوبي، صدقت العلامة، لمن كان في هذا المدار ومن كان في جنوبه إلى القطب الجغرافي الجنوبي ولم تصدق في شماله واحتاج من يكون في الشمال إلى التوجه إلى الجنوب. على عكس ما قلنا في المدار الشمالي.
وهذا يُنتِج: ان من يكون على المدار الشمالي أو في شماله تصدق عليه هذه العلامة دائماً. ومن يكون على المدار الجنوبي أو جنوبه يحتاج إلى عكسها المشار إليه دائماً. ومن يكون بين المدارين يحتاج إلى تعيين موقع الشمس منه. هل هي في شمال بلاده أو في جنوبها. وعلى أي حال يتم بالاتجاه إلى قرص الشمس أينما كان. فان كان الوجه إلى الجنوب كانت العلامة صادقة وان كان الوجه إلى الشمال كان عكسها صادقاً.
الأسلوب الثالث: لمعرفة الزوال:
زيادة الظل بعد نقصه أو ظهوره بعد انعدامه.
وقد وردت في ذلك بعض الأخبار:
ــــــــــــــــــــ[32]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
منها: ما عن سماعة(1) قال: قلت: لأبي عبد الله جعلت فداك متى وقت الصلاة.. إلى ان قال: فأخذ العود فنصبه حيال الشمس، ثم قال: “ان الشمس إذا طلعت كان الفيء طويلاً، ثم لا يزال ينقص حتى تزول. فإذا زالت زادت، فإذا استبنت فيه الزيادة فصَلِّ الظهر”، الحديث.
وما عن علي بن أبي حمزة (2) قال: ذكر عند أبي عبد الله، زوال الشمس. فقال: “تأخذون عوداً طوله ثلاثة أشبار وان زاد فهو أبين، فيقام: فما دام ترى الظل ينقص فلم تزُل. فإذا زاد الظل بعد النقصان فقد زالت”.
أقول: إذا نُصب أي شيء في أرض مسطحة أو صحراوية ونحوها، كالعود أو جسم إنسان أو ما يشابهه في نسبة العوض إلى الارتفاع(3) على ان يكون النصب مستقيماً تماماً.
فإذا بدأ ضوء الشمس بالانتشار عند الشروق أصبح لهذا الجسم، ويسمى فقهياً: الشاخص، مأخوذاً من لفظ شخص الإنسان. كان له ظل طويل إلى جهة الغرب(4). وقد نعرف نظرياً انه لا متناهي أو انه يتجاوز منطقة الأفق الغربي على الأقل.
وكلما تصاعدت الشمس تقلص الظل فإذا حصلت الشمس عند نصف النهار انقطع التقاصر والنقص، فإذا بدأت الشمس بالمسير نحو الغرب، مهما
ــــــــــــــــــــ[33]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل, ج4, أبواب المواقيت. باب11, حديث1.
(2) نفس المصدر, حديث 2.
(3) إنما قيدنا بذلك ليكون مجرى الظل أوضح. والا كل الأجسام في النهار ذات ظل متحرك. الا انها غير واضحة في كثير من الأحيان.
(4) ليس إلى نقطة الغرب تماماً. فان هذا يختلف باختلاف أيام السنة واختلاف موقع البلد. نعم في يوم انعدام الظل في المدارين أو ما بينهما يكون هذا الظل متجهاً إلى نقطة الغرب تماماً كما انه عند الغروب يكون متجهاً إلى منطقة الشرق تماماً.
كان قليلاً، الذي هو معنى الزوال.. بدأ الظل بالاستطالة إلى الجهة المعاكسة, أعني إلى الشرق, ثم لا يزال يطول كلما مشت الشمس نحو الغرب إلى ان يحصل له ظل طويل يتجاوز الأفق، ثم يحصل الغروب.
وهذه العلامة بهذا المقدار من الفهم، قابلة للتطبيق، شمال المدار الشمالي وجنوب المدار الجنوبي. بدون فرق فقهي. وان كان من الناحية العملية: ان الظل القصير الذي يحصل عند منتصف النهار يكون في الشمال متجهاً إلى الشمال وفي الجنوب متجهاً إلى الجنوب. إلا ان هذا لا يضر بالعلامة فقهياً.
وأما من يكون بلده على المدارين أو بينهما، فتحتاج هذه العلامة إلى شيء من التدقيق. لأنه في منطقة المدارين بالذات تكون الشمس مسامته للرأس تماماً في السنة مرة واحدة. وفي المناطق التي بينهما تكون الشمس مسامته للرأس مرتين في العام. مرة عند صعودها إلى المدار الشمالي وأخرى عند نزولها إلى المدار الجنوبي.
فإذا أصبحت الشمس مسامته للرأس تماماً انعدم الظل وقت نصف النهار.
فتكون هذه العلامة هكذا: ان الظل من جهة الغرب يستمر في النقصان حتى ينعدم. ثم حين تتجه الشمس نحو الغرب يوجد ظل قليل متجهاً نحو الشرق. فأول أوقات وجود الظل هو الزوال. ثم يستمر الظل في الاستطالة.
ولكن هذا يكون في تلك البلدان في اليوم أو اليومين اللذين ينعدم فيهما الظل. أو إذا توسعنا بالتسامح العرفي، استطعنا ان نقول ان الأمر كذلك بيومين قبله ويومين بعده. وأما في غير تلك الأيام فالظل لا ينعدم. فنعود إلى كون العلامة هي زيادة الظل بعد نقصه. لا انها وجوده بعد انعدامه.
والفكرة على أي حال واحدة، وهي: أولاً: وصول الظل إلى أقصى قلّته وتقلصه، سواء بقي منه شيء أو انعدم، وثانياً: انه يبدأ الاستطالة من جديد.
ــــــــــــــــــــ[34]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ولا يخفى انه في الوقت الذي يبقى من الظل شيء، نستطيع به ان نعرف منطقة وجود دائرة نصف النهار(1)، لو صح التعبير، لأنه ان بلغ الظل أقصى تقلصه كان ذلك هو المطلوب، يعني قبل ان يبدأ بالزيادة ولو ثانية واحدة.
وهذا -أعني عدم انعدام الظل- يمكن ان يتحقق في كل مناطق العالم. أما خارج المدارين ففي كل أيام السنة، وأما في داخلهما ففي الأيام التي لا تتعامد الشمس فيها أو تكون مسامته للرأس. وهي أغلب أيام السنة.
وهذا هو الذي طبقناه في الناحية الأولى من أول هذا الفصل حيث قلنا ان دائرة نصف النهار تقع إلى يسار الخط المتجه إلى الشمال المغناطيسي، فراجع.
الأسلوب الرابع: لمعرفة الزوال: الدائرة الهندية.
قال في المستمسك(2): «وكيفيتها: ان تساوي موضعاً من الأرض بحيث لا يكون فيه انخفاض وارتفاع وتدير عليه دائرة بأي بُعد وتنصب على مركزها مخروطاً محدد الرأس يكون طوله قدر ربع قطر الدائرة تقريباً نصباً مستقيماً.
بحيث يحدث من جوانبه أربع زوايا قوائم متساوية.
وعلامة استقامته ان يقدّر ما بين رأس المقياس ومحيط الدائرة من ثلاثة مواضع. فان تساوت الأبعاد فهو عمود.
فإذا طلعت الشمس وحدث لذلك المقياس ظل إلى جهة المغرب، تنتظر حتى ينقص الظل ويصل طرفه إلى محيط الدائرة، للدخول فيه, فتعلّم عليه علامة ثم تنتظر خروجه بعد الزوال، فإذا وصل إلى محيط الدائرة من جهة
ــــــــــــــــــــ[35]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) فإنَّ خط الظل يكون نفسه خط دائرة نصف النهار.
(2) انظر: ج2, ص68.
المشرق تعلّم عليه علامة أخرى، ثم نصل ما بين العلامتين بخط مستقيم. ثم تتضمن ذلك الخط.
ثم تصل ما بين مركز الدائرة ومنتصف ذلك الخط بخط آخر، فهو خط نصف النهار.
فإذا أردت معرفة الزوال في غير يوم العمل. تنظر إلى ظل المقياس فمتى وصل إلى هذا الخط كانت الشمس في وسط السماء. فإذا مال رأس الخط إلى جهة الشرق. فقد زالت.
وهذا مخطط توضيحي للدائرة الهندية:

1- نقطة انطباق الظل الشرقي على محيط الدائرة.
2- الظل الشرقي.
3- مركز الدائرة وهو محل المخروط.
4- الظل الغربي.
5- نقطة انطباق الظل الغربي على محيط الدائرة.
6- نقطة الوسط في الخط.
7- الخط الواصل بين النقطتين.
8- الخط بين منتصف الخط الواصل ومركز الدائرة وهو الذي يعرف به الزوال».
ــــــــــــــــــــ[36]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ولنا على هذه الطريقة بعض الملاحظات:
أولاً: لا يجب ان يكون الشاخص مخروطياً، بل يمكن ان يكون عمودياً يعني اسطوانياً رفيعاً، بل هو أفضل من ناحية ضبط ظله على طوله في حين يكون ظل قاعدة المخروط عريضاً.
ثانياً: ان هذه العلامة إنما تصدق في أوقات وأماكن عدم انعدام الظل. وأما مع انعدامه فلا معنى لاستعمالها. إلا ان الذي يهون الخطب ان انعدام الظل لا يكون إلا في أيام يسيرة جداً في العام.
ثالثاً: ان جاعل هذه الدائرة يفترض ان منتصف الخط لا يمر بمركز الدائرة كما لاحظنا المخطط في السابق. وهذا إنما يحدث في غير صورة انعدام الظل.
رابعاً: ان الخط المتجه إلى الشمال الذي ينبغي رسمه ما بين المركز ومنتصف الخط، ينبغي أيضاً إطالته إلى محيط الدائرة ليكون أوضح بالتعيين والتحديد، بشكل أكيد(1).
خامساً: ان جاعل هذه الدائرة يفترض مرور الظل على هذا الخط المتجه إلى الشمال. وهذا إنما يحصل مع وجوده لا في صورة انعدامه. ولذا قلنا بأنها علامة عاطلة مع انعدام الظل.
سادساً: ان جاعل هذه الدائرة، يفترض جعلها في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. غير انها بنفسها يمكن جعلها في النصف الجنوبي. غير ان
ــــــــــــــــــــ[37]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) مخطط يوضح إطالة الخط الأوسط من الدائرة، قارن بالمخطط السابق.

الخط الذي يُرسم بين نقطتي الشرق والغرب لن يكون ماراً بشمال المركز، بل يكون ماراً بجنوبه وهذا لا يفرق في دلالة هذه العلامة.
سابعاً: بعد رسم الخط ما بين نقطتي الشرق والغرب يمكن استعمال أداة الهندسة البسيطة (المنقلة) لرسم خط متعامد على هذا الخط، يكون هو خط دائرة نصف النهار.
ويستغني به عن الخط الذي اقترحه الجاعل بين نصف هذا الخط ومركز الدائرة(1), وفي هذا الذي قلناه عدة نقاط من القوة:
النقطة الأولى: ان هذا الخط المتعامد لا يجب ان يكون في وسط ذلك الخط, بل يمكن ان يكون في أي أجزائه حتى لو كان في طرفه, وإنما المهم ان يرسم معه زاوية قائمة. كما لا يجب ان يكون متجهاً من الخط الأول إلى الشمال، بل يمكن ان يكون متجهاً منه إلى الجنوب.
النقطة الثانية: انه إذا فرض مرور الخط المرسوم بين الشرق والغرب على مركز الدائرة نفسه(2)، كما لو كان عمل هذه الدائرة في يوم انعدام الظل،
ــــــــــــــــــــ[38]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) مخطط توضيحي, فالخط الأعلى هو الخط المقترح:

(2) مخطط توضيحي, فالخط الأعلى هو المرشد للزوال وهو الذي يمثل دائرة نصف النهار وهذا يكون عند انعدام الظل. ويلاحظ عدم وجود المثلث تحته.

 

عندئذ لا مجال للخط الذي اقترحه الجاعل ويتعين العمل بالخط الذي اقترحناه. فالخط الأعلى هو المرشد للزوال وهو الذي يمثل دائرة نصف النهار وهذا في يوم انعدام الظل، عندئذ لا مجال للخط الذي اقترحه الجاعل ويتعين العمل بالخط الذي اقترحناه.
فالخط الأعلى هو المرشد للزوال وهو الذي يمثل دائرة نصف النهار وهذا يكون عند انعدام الظل. ويلاحظ عدم وجود المثلث تحته.
النقطة الثالثة: ان الخط الذي اقترحه الجاعل، لا يكون الا قصيراً غالباً، وأما الخط الذي اقترحناه، فيمكن ان يكون طويلاً بالمقدار الذي يريده الفرد المستفيد من الدائرة.
ثامناً: ان المهم في معرفة الزوال هو هذا الخط الأخير الممتد بين الشمال والجنوب. أما بالشكل الذي اقترحه الجاعل أو بالشكل الذي اقترحناه. فإذا حصل ان انمحت الدائرة وانمحى الخط المتجه بين الشرق والغرب، كان بقاء الخط المشار إليه كافياً.
تاسعاً: انه من الضروري ان تكون هذه الدائرة، وبالتالي هذا الخط المهم المشار إليه، مرسوماً على مكان ثابت، وليس على مثل الورقة القابلة للنقل. إذ لو تحركت بعد ان تم عملها ولو قليلاً، فشل العمل بالمرة ولا يمكن إرجاعه إلا بعمل جديد.
عاشراً: ان هذا العمل إنما هو تطبيق الخط المتجه إلى الشمال الجغرافي أو إلى الشمال المغناطيسي. ولكن إذا أردنا ان نعرف الفرق بين أحدهما ودائرة نصف النهار، كان من الضروري رسمهما من مركز واحد. مع رسم خط دائرة نصف النهار، وقياس الفرق بينهما بالدرجات.
ثم قال في المستمسك بعد البيان الذي سمعناه قبل قليل، مباشرة، قال:
ــــــــــــــــــــ[39]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
(وأسهل من هذا الطريق طريق آخر: وهو ان ينصب مقياساً في الأرض بعد تسويتها. فإذا طلعت الشمس وحدث له الظل، رسم خط على ذلك الظل إلى جهة المغرب مبدؤه من قاعدة المقياس. ثم ينتظر إلى حين الغروب فيرسم خطاً على ظله إلى جهة الشرق مبدؤه من قاعدته أيضاً.
فان كان الخطان خطا واحداً مستقيماً -كما في يومي الاعتدالين- نصّفت ذلك الخط بخط مستقيم على نحو تحدث من تنصيفه زوايا(1).
وان كان الخطان خطين متقاطعين -كما في غير اليومين المذكورين- فلا بد ان يحدث من تقاطعهما زاوية، فلينصفها بخط آخر نصفين متساويين(2). وهذا الخط المنتصف في الصورتين هو خط نصف النهار. فإذا مال ظل الشاخص عنه إلى المشرق فقد زالت الشمس.
ولا يعتبر في صحته ان يكون رسم الخط المنطبق على الظل عند الطلوع والغروب. بل يكفي ان يكون الرسم في زمانين متساويي النسبة إلى الطلوع والغروب في القرب والبعد).
ولنا على هذه الطريقة عدة ملاحظات:
أولاً: ان الشمس عندما تشرق لا ترسم ظلاً للأشياء، إلا بعد فترة مهمة من طلوعها. على حين انه من جهة الغرب يبقى الظل إلى دخول بعض القرص تحت الأفق. إذن, فالزمانان لملاحظة الظلين غير متساويين. وهذه تعتبر نقطة
ــــــــــــــــــــ[40]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
(1) مخططه: (2) مخططه:

ضعف رئيسية في هذا العمل، وكذلك تجاه العمل السابق. لوضوح ان الظل لا يصل إلى محيط الدائرة هناك في أي الاتجاهين الشرقي أو الغربي، إلا والظل في أوضح أشكاله.
نعم، يمكن تلافي ذلك بما قاله أخيراً بقوله: «بل يكفي ان يكون الرسم في زمانين متساويي النسبة إلى الطلوع والغروب». أقول: مثلاً بعد الشروق بساعتين وقبل الغروب بساعتين. مع ملاحظة ما قلناه في الأمر الثاني من الناحية الرابعة التي سبقت في أول هذا الفصل.
ثانياً: يمكن ان نضيف ما يلي: وهو انه بعد ان يرسم الخطين للظلين، ويكونان على غير استقامة واحدة. فيحسب مسافة معينة من المركز على كِلا الخطين، كأن يأخذ عشر سانتيمترات مثلاً. فيضع نقطتين على الخطين. ثم يخط ما بين النقطتين خطاً يتجه ما بين الشرق والغرب(1) ثم يرسم خطاً متعامداً على هذا الخط يكون هو خط دائرة نصف النهار(2).
كما يستطيع ان ينصّف هذا الخط المتجه بين الشرق والغرب بنقطة ثم يرسم خطاً بين المركز وبين هذه النقطة. ولو أراد ان يمتد أكثر أمكنه ذلك(3) فهذا الخط
ــــــــــــــــــــ[41]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) مخططه:

(2) المخطط أعلاه.
(3) مخططه:

قارن بالمخططات السابقة
الأخير يتجه ما بين الشمال والجنوب يكون هو خط دائرة نصف النهار.
ثالثاً: ان بعض ما قلناه في التعليق على العمل السابق، ينطبق على هذا العمل أيضاً. كالذي قلناه [في] أولاً وثانياً وتاسعاً وعاشراً. بل ربما كل النقاط فراجع.
الأسلوب الخامس: لمعرفة الزوال: تركيز الضوء المثلث. فان الفرد بعد ان يحدد خط دائرة نصف النهار بأحد الأساليب السابقة يمكنه ان يستغني عن الشاخص بالضوء المثلث.
وذلك ان العدسة المكبرة إذا وضِعت تحت الشمس بميل معين رسمت مثلثاً على الأرض حاد الزاوية، يمكن تركيز حدة زاويته بتحريك الزجاجة، كما يمكن ان تكون الزاوية الحادة إلى الشمال تارة والى الجنوب أخرى حسب وضع العدسة والمهم هو تركيز الزاوية، دون اتجاهها.
فإذا وضعنا العدسة فوق خط دائرة نصف النهار بحيث يمر الخط من مركزها، بأدق مقدار ممكن. مع ميلان العدسة بحيث تكون إحدى حافتيها أقرب إلى الأرض، ويمكنها ان تُحدِث مثلثاً.
فإذا كان الوقت قبل الزوال بفترة لم يظهر المثلث، حتى تصعد الشمس ويقرب الزوال. وعندئذ يبدأ المثلث بالظهور، إلا ان زاويته الحادة ليست على خط نصف النهار، بل إلى الغرب منه. ثم يستمر بالاقتراب حتى تصبح الزاوية الحادة فوق الخط تماماً.
فذاك هو نصف النهار(1) فإذا تزحزح قليلاً جداً فذاك هو الزوال.
ــــــــــــــــــــ[42]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) مخططه:

وبحسب فهمي فان هذه العلامة عامة بكل الكرة الأرضية، كما في عدد من العلامات السابقة وغير خاصة بمنطقة معينة.
الأسلوب السادس: لتعيين الزوال: صياح الديكة نثبتها هنا لما ورد فيها من أخبار، وإلا فمشهور الفقهاء قد أعرض عنها، بعنوان ان الديك حيوان لا يحصل لنا أي احتمال لمطابقة عمله للواقع. والحق معهم بحسب الظاهر، لكننا ينبغي ان نعترف بجهلنا بالقضايا الواقعية التي يعلمها الله وأولياؤه.
ففي موثقة سماعة(1)، قال: سألته عن الصلاة بالليل والنهار إذا لم نرَ الشمس والقمر. فقال: “تعرف هذه الطيور التي عندكم بالعراق والتي يقال لها الديكة؟” قال: نعم. قال: “إذا ارتفعت أصواتها وتجاوبت فقد زالت الشمس”. أو قال: “فصلِّ”.
ورواية الحسين بن المختار(2) قال: قلت للصادق: اني مؤذّن فإذا كان يوم غيم لم أعرف الوقت. فقال: “إذا صاح الديك ثلاث أصوات ولاء فقد زالت الشمس ودخل وقت الصلاة”.
ومثلهما بعض الروايات الأخرى.
ويمكن تبرير هذه الخصيصة للديك بأحد الأسلوبين:
الأسلوب الأول: ما ورد في مدحه من الأخبار.
ففي حديث المناهي(3) قال: نهى رسول الله عن سب الديك، وقال: “انه يوقظ للصلاة”.
ــــــــــــــــــــ[43]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل, ج2, أبواب المواقيت, باب4. حديث1.
(2) نفس المصدر: حديث2.
(3) نفس المصدر: حديث3.
قال الصدوق: وقال الصادق: “تعلموا من الديك خمس خصال: محافظته على أوقات الصلاة، والغيرة, والسخاء، والشجاعة، وكثرة الطروقة (1)”.
وبعض الأخبار الأخرى مما يدل على ان للديك صفات خصه الله تعالى بها، قد لا نعرفها عملياً، ولا يبعد اننا إذا عاشرناه يمكننا الإطلاع على كثير منها.
الأسلوب الثاني: ما ورد في العلم الحديث من ان للديك إحساساً مجهولاً لنا بالوقت. فقد حبسوا الديك في غرفة مظلمة دائمة الظلام ومع ذلك كان الديك يصيح صيحته المعروفة في الأوقات المعتادة له فكيف كان يتعرف على الوقت؟
ولا ينبغي ان يفوتنا ان الروايات لو تمت حجيتها، لم تعطِ لصوت الديك حجية مطلقة في تحديد الوقت، وإنما هو خاص بما إذا تعذرت المعرفة من النواحي الأخرى، لبعض الموانع، كالسحاب المتراكم أو العجاج الكثيف.
ومن المحتمل ان للديوك عادة الصياح في كل وقت صلاة. وهذا أكيد في الفجر وراجح في غيره. كما انه من المحتمل ان يكون لهم عادة الصياح في خصوص ما إذا كان الزوال مغيماً, يعني فيه غيم.
إلا ان الذي يهون الخطب: ان هذه الروايات وان كان فيها الموثق، وهو حجة معتبرة، إلا ان الأصحاب أعرضوا عنه، الأمر الذي يسقطه عن الحجية. فلا يمكن ان نقول بدلالة صياح الديك على الزوال من الناحية الفقهية الظاهرية.
ــــــــــــــــــــ[44]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث4. وفي بعض الأخبار تحديد الصفات الخمسة بما يلي: “معرفته بأوقات الصلاة. والغيرة والشجاعة وكثرة الطروقة ومعرفة الرب”. وورد في تفسير صياحه انه يقول خلاله: سبوح قدوس ربنا ورب الملائكة والروح.
فهذه ستة أساليب لتعيين الزوال أكثرها أساسي ومهم. وهناك أساليب أخرى لا بد من الإعراض عنها كراهة التطويل. يعرفها من يعرفها من الناس مع حسن التوفيق.

أوقات الفضيلة بعد الزوال:
بعد ان عرفنا أول وقت صلاة الظهر محدداً بالزوال، علينا ان نعرف نهايته. وهذه النهاية لها معنيان:
المعنى الأول: نهاية الوقت الذي تصبح به الصلاة قضاء، ويخرج وقتها بالمرة. فذلك هو الغروب الذي نتحدث عنه في جهة قادمة.
المعنى الثاني: نهاية الوقت الذي تصبح به الصلاة ضعيفة الثواب يعني نهاية وقت الفضيلة، حيث تكون مجزية ولكنها ليست مقبولة. فمثلاً: من الزوال إلى قدمين من الظل، على ما سوف نفسره هو وقت فضيلة الظهر. ومن القدمين إلى أربعة أقدام هو وقت فضيلة العصر.
وهذا التحديد له عدة آثار فقهية:
الأثر الأول: انتهاء وقت الفضيلة للفريضة.
الأثر الثاني: انتهاء وقت النافلة بالمرة، بحيث لو صُلّيت بعد ذلك، لكان اللازم فيها نية القضاء وان قُرِنت بالفريضة على الطريقة المشروعة.
الأثر الثالث: ابتداء وقت الفريضة على ما هو ظاهر بعض الأخبار، وسوف نناقشه بعون الله سبحانه.
الأثر الرابع: انتهاء وقت الفريضة، بحيث تصبح بعدها قضاء، كما بنى عليه كل العامة، واعتبرها بعض علمائنا ولو من باب الاحتياط فلو صلى
ــــــــــــــــــــ[45]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الفريضة عندئذ متأخرة، كان اللازم عليه في رأيهم ان ينويها رجاء مرددة بين الأداء والقضاء احتياطاً.
وعلى أي حال، فالصحيح هو وجود الأثرين الأولين دون الأخيرين، على ما سوف نقول.
ونحن فيما يلي لا يمكننا ان نسرد الأخبار الواردة بهذا الصدد وهي كثيرة، وإنما نعطي من كل مجموعة نموذجاً كافياً، والمجموعة تسمى باصطلاحهم (طائفة) فنحن نسير على ذلك، ونقول: انه يمكن تقسيم الروايات الواردة في المقام إلى عدة طوائف:
الطائفة الأولى: روايات القدمين والأربعة أقدام.
منها: صحيحة عن أربعة من أصحاب الإمام الباقر (1) زرارة بن أعين وبكير بن أعين ومحمد بن مسلم ويزيد بن معاوية العجلي عن أبي جعفر وأبي عبد الله انهما قالا: “وقت الظهر بعد الزوال قدمان. ووقت العصر بعد ذلك قدمان”.
ورواية محمد بن فرج(2) قال: كتبت اسأله عن أوقات الصلاة، فأجاب: “إذا زالت الشمس فصَلِّ سبحتك واحب ان يكون فراغك من الفريضة والشمس على قدمين، ثم صَلِّ سبحتك وأحبُ ان يكون فراغك من العصر والشمس على أربعة أقدام”. الحديث.
ولا بد قبل الوصول إلى الطائفة الثانية من الإشارة إلى أمرين:
الأمر الأول: في معنى القدم: قالوا: ان الشاخص المتيّسر الذي يقاس به الزوال. هو شخص الإنسان أو جسمه. وحيث ان طول الجسم عادةً سبعة
ــــــــــــــــــــ[46]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
(1) الوسائل, ج3. أبواب المواقيت. باب8، حديث1.
(2) نفس المصدر. حديث31.
أقدام. فيكون سُبع هذا المقدار (قدماً) لا محالة. فإذا كان الظل قصيراً بمقدار سُبع القامة، كان قدماً. وإذا كان ضعف ذلك كان قدمين، وإذا كان أربعة أضعافه كان أربعة أقدام.. وهكذا.
ثم قيست عليها كل الشواخص التي تستخدم في معرفة الزوال، مهما قصرت أو طالت. فيكون سُبعَها قدم وضعف ذلك قدمان.. وهكذا.
وبهذا الاصطلاح قد يكون القدم سنتيمتراً واحداً أو أكثر أو أقل.
ومن المطمأن به ان هذا الاصطلاح كان موجوداً في عصر الأئمة، وهو فعلاً مستفاد من بعض الروايات، الأمر الذي يمكننا معه ان نحمل القدم على هذا المعنى في الروايات.
الأمر الثاني: ان ظاهر صحيحة الفضلاء الأربعة (الرواية الأولى مما سبق) ان وقت الظهر يبدأ بالقدمين. ووقت العصر يبدأ بالأربعة. ومعه لا يجوز ان يقدمهما الفرد على ذلك الوقت.
ويؤيده ما عن إسماعيل الجعفي(1) عن أبي جعفر قال: “أتدري لم جُعِل الذراع والذراعان؟”, قال: قلت: لم؟ قال: “لمكان الفريضة، لئلا يؤخذ من وقت هذه ويدخل في وقت هذه”.
مما يدل على ان لكل من الفريضتين وقتها المستقل. بعد ان نعرف ان مقدار معنى الذراع: قدمين, على ما سيأتي.
وجواب ذلك من عدة وجوه نذكر أهمها:
الوجه الأول: انه من المعروف ضرورة في الإسلام ان وقت فريضة الظهر يبدأ بالزوال. إذن, فصحيحة الفضلاء مبتنية على ذلك أساساً. وعليه
ــــــــــــــــــــ[47]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) المصدر: حديث21.
فالإمام حين يحدد القدمين والأربعة أقدام لا يمكن ان يحدد أول الوقت مُلغياً بذلك وقت الزوال. وإنما يحدد بذلك نهاية الوقت على أقصى تقدير.
الوجه الثاني: ان المشهور جداً من فقهائنا فهموا هذه التحديدات إنما هو للاستحباب والفضيلة، لا للوجوب.
الوجه الثالث: ما دل من الروايات على كونه للاستحباب يكون قرينة على حمل صحيحة الفضلاء عليه. كالرواية التي رويناها بعدها. فأنه يقول فيها: “وأحب ان يكون فراغك من الفريضة والشمس على قدمين”. وهذه المحبة إنما هي ترجيح استحبابي بوضوح.
الوجه الرابع: ما دل على ان هذا التحديد إنما هو وقت للنوافل منها: ما عن زرارة(1) عن أبي جعفر قال: “أتدري لم جُعِل الذراع والذراعان”. قلت: لم؟ قال: “لمكان الفريضة. لك ان تنتقل من زوال الشمس إلى ان تبلغ ذراعاً، فإذا بلغت ذراعاً بدأت الفريضة وتُرِكت النافلة”.
وهي نص، في ان هذا الوقت للنافلة، وإنها تصبح بعده قضاء. وهي نص، بجواز الإتيان بالفريضة بعده لأنه قال: “بدأت بالفريضة”. بعد ان نتذكر ما قلناه من ان معنى الذراع قدمان.
الطائفة الثانية: روايات الذراع والذراعين.
وقد سمعنا بعضها ونروي بعضاً آخر منها:
منها: صحيحة زرارة (2) عن أبي جعفر قال: سألته عن وقت الظهر. فقال: “ذراع من زوال الشمس، ووقت العصر ذراعان من وقت الظهر. فذلك
ــــــــــــــــــــ[48]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث20.
(2) نفس المصدر: حديث3 و 4.
أربعة أقدام من زوال الشمس…” الحديث.
وعن إسماعيل الجعفي(1) عن أبي جعفر: قال: “كان رسول الله إذا كان فيئ الجدار ذراعاً صلى الظهر وان كان ذراعين صلى العصر”. قال: قلت: ان الجدار يختلف. بعضها قصير وبعضها طويل, فقال: “كان جدار مسجد رسول الله يومئذ قامة”.
وهنا ينبغي ان نلتفت إلى أمرين:
الأمر الأول: في معنى الذراع.
ومهما يكن المعنى اللغوي للذراع، فان الأخبار الصحيحة الصريحة هنا، تدل على ان المراد به قدمان. ولا يهمنا المعنى اللغوي لأننا عرفنا قبل قليل ان القدم معنى اصطلاحي بمعنى سُبع ظل الشاخص مهما كان طوله. فيكون الذراع بمعنى السُبعَين من هذا الظل.
ومن تلك الروايات صحيحة زرارة وهي الأولى من الطائفة الثانية. وقوله فيها: “ووقت العصر ذراعان من وقت الظهر”، يعني: أربعة أقدام محسوبة من أول الظهر وهو الزوال. وليس المراد بالظهر صلاة الظهر، كما هو واضح.
الأمر الثاني: في مبدأ الحساب.
نبدأ بالحساب، كما فهمنا في صحيحة زرارة السابقة من الظهر أو الزوال. إلا ان هذا فيه معنيان:
المعنى الأول: ان نبدأ بالحساب من حين بدأ الظل بالارتفاع والاستطالة إلى جهة الشرق بعد ان مشت الشمس إلى جهة الغرب، فكأننا نعتبر بقية الظل التي كانت حين الزوال غير موجودة ونحسب بعدها مقدار سُبع الشاخص أو أكثر.
ــــــــــــــــــــ[49]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث10.
المعنى الثاني: ان نبدأ بالحساب من مركز الشاخص أو أسفله تماماً. بما فيه الظل الباقي عند الزوال.
وهذا هو الأظهر، لان الروايات تنص على القدم والقدمين والذراع والذراعين ونحوها، يعني طول الظل بالنسبة إلى طول الشاخص. وهذا واضح اننا نحسب طول الظل كله. ولا يكون ذلك إلا من الحساب من المركز.
وأما قوله في صحيحة زرارة: “ذراع من زوال الشمس”, فوقت الزوال مبدأ للحساب بحسب الزمان لا بحسب المكان, أعني طول الشاخص، بل ظاهر الذراع والذارعين حسابهما من المركز فهذه الصحيحة لا تنافي الروايات الأخرى.
الطائفة الثالثة: روايات القامة والقامتين.
منها: رواية محمد بن حكيم(1)، قال سمعت العبد الصالح وهو يقول: “ان أول وقت الصلاة الظهر زوال الشمس، وآخر وقتها قامة من الزوال، وأول وقت العصر قامة. وآخر وقتها قامتان”. قلت: في الشتاء والصيف سواء؟ قال: “نعم”.
وعن أحمد بن عمر(2) عن أبي الحسن: قال: سألته عن وقت الظهر والعصر. فقال: “وقت الظهر إذا زاغت الشمس إلى ان يذهب الظل قامة. ووقت العصر: قامة ونصف إلى قامتين”.
وهنا ينبغي ان نلتفت إلى أمرين:
الأمر الأول: في معنى القامة.
ــــــــــــــــــــ[50]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث29.
(2) نفس المصدر: حديث9.
وقد أكدت الروايات، على ان معنى القامة ذراع واحد وليس معناه قامة كاملة، يعني سبعة أقدام التي تساوي ثلاثة أذرع ونصف بالاصطلاح السابق… والذي يساوي طول الشاخص كاملاً.
ففي رواية عن أبي حنظلة(1)، قال: قال لي أبو عبد الله: “القامة والقامتان الذراع والذراعان في كتاب علي”.
ولئن كانت هذه الروايات المفسرة غير معتبرة، فان الرواية التي نصت على القامة بهذا المعنى، غير معتبرة أيضاً.
الأمر الثاني: في عدم الاختلاف في الشتاء والصيف.
فإن مبدأ الحساب وان كان هو مركز الشاخص، إلا ان الظل يطول في الشتاء أسرع منه في الصيف لأن الشمس تكون منحرفة نحو الجنوب كثيراً في نصف الكرة الشمالي أو نحو الشمال في نصفها الجنوبي.
وقد نصت الروايات على عدم الفرق بين الفصلين، يعني ان هذا الحساب ينبغي السير عليه طيلة السنة.. وان اختلف في حساب الساعات.
كما دلت على ذلك رواية محمد بن حكيم السابقة. ومنها رواية لعبيد بن زرارة(2) قال: سألت أبا عبد الله عن أفضل وقت الظهر، قال: “ذراع بعد الزوال”، قال: قلت في الشتاء والصيف سواء؟ قال: “نعم”.
فان قيل: ان هذه الروايات قد لا تكون معتبرة، قلنا: يكفي ظهور القدم والذراع في حسابها من مركز الشاخص وإطلاقه لكل أيام السنة، في جميع الروايات الدالة على ذلك.
ــــــــــــــــــــ[51]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث14, وانظر الأخبار رقم 15 و 16 و 26.
(2) نفس المصدر: حديث25.
الطائفة الرابعة: في روايات السبحة.
فان هنا إيراداً عملياً عاماً بين الناس، وهو ان تكليف الناس، ولو استحباباً، بأن ينظروا إلى الشواخص ويحسبوا أطوالها وأقدامها أمر غير عملي، وقد تحول دونه الحوائل. كالسحاب والضباب اللذان يمنعان الشمس، فيتسببان إلى منع وجود الظل. وكالبرد المانع من الخروج تحت السماء مضافاً إلى اشتغال الناس بمهامهم أحياناً. وان كانت فترة الظهر وما بعده أقل أوقات النهار انشغالاً عادةً.
ومن هنا وردت الأخبار تعطي معنى (السبحة):
منها: ما عن عبد الله بن محمد(1) قال: كتبت إليه: جُعِلت فداك روى أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبد الله: انهما قالا: “إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين الا ان بين يديها سبحة ان شئت طولت وان شئت قصرت”, وروى بعض مواليك عنهما: “ان وقت الظهر على قدمين من الزوال ووقت العصر على أربعة أقدام من الزوال. فان صليت قبل ذلك لم يجزك”. وبعضهم يقول: يجزي (يجوز) ولكن الفضل في انتظار القدمين والأربعة أقدام. وقد أحببت جعلت فداك ان عرفت موضع الفضل في الوقت. فكتب: “القدمان والأربعة أقدام صواب جميعاً”.
ورواية محمد بن الفرج(2) قال: كتبت أسأله عن أوقات الصلاة فأجاب: “إذا زالت الشمس فصَلِّ سبحتك، وأحب ان يكون فراغك من الفريضة والشمس على قدمين. ثم صَلِّ سبحتك وأحب ان يكون فراغك من العصر والشمس على أربعة أقدام..” الحديث.
ــــــــــــــــــــ[52]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث30.
(2) نفس المصدر: حديث31.
وصحيحة محمد بن أحمد بن يحيى(1) قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسن: روي عن آبائك القدم والقدمين والأربع والقامة والقامتين وظل مثلك والذراع والذارعين فكتب: “لا القدم ولا القدمين، إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين وبين يديها سبحة وهي ثماني ركعات فان شئت طولت وان شئت قصرت ثم صَلِّ الظهر. فإذا فرغت كان بين الظهر والعصر سبحة وهي ثمان ركعات ان شئت طولت وان شئت قصرت، ثم صَلِّ العصر”.
وعن الحارث بن مغيرة وعمر بن حنظلة ومنصور بن حازم جميعاً(2) قالوا: كنا نقيس الشمس بالمدينة بالذراع. فقال أبو عبد الله: “ألا أنبؤكم بأبين من هذا. إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر. ألا ان بين يديها سبحة وذلك إليك ان شئت طولت وان شئت قصرت”.
وهي روايات عديدة بمضمون متقارب، رواها في الوسائل في الباب الخامس من أبواب المواقيت.
فقوله: “ألا أنبؤكم بأبين من هذا”. وقوله: “لا القدم ولا القدمين”, يعتبر إلغاءً عملياً لتلك المقادير والتحويل على أسلوب آخر جديد. وهذا الإلغاء العملي لا يعني الإلغاء النظري يعني سقوط تلك التقديرات عن الحجية، بل هي خطوة نحو أسلوب أوضح و(أبين).
ولكن يمكن للفرد -على أي حال- ان يُعرِض عن ذلك الأسلوب المطول إلى هذا الأسلوب الجديد. أما لتعذر أو لصعوبة ملاحظته، أو لأن ملاحظته يوجب اللهو بهذه الأمور عن ذكر الله والصلاة أحياناً, على حين ان هذا الأسلوب لا يعدو أكثر من إنجاز النوافل نفسها، كما سنوضح.
ــــــــــــــــــــ[53]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: باب5, حديث13.
(2) نفس المصدر: حديث1.
وليس معنى ذلك ان تلك الروايات تأمر بالبعد عن ذكر الله سبحانه بل هي منهج لمن يستطيع ذلك بسهولة، أو من يعتبر العمل على ذلك قربة زائدة، أكثر من أعماله الدنيوية الاعتيادية, أو يكون مستوى الفرد بحيث لا يعيقه شيء عن ذكر الله وطاعته.
وهنا لا بد ان نعرف معنى السبحة لنعرف الأسلوب الجديد:
وهي مأخوذة من السباحة أو من التسبيح. والسباحة على معنى السباحة في الزمان. فالسبحة تعني برهة من الزمن قد تعني نصف ساعة إلى ساعة، بشكل غير محدد حسب ما يشاء الفرد أو حسب توفر وقته أو حسب إطالته في نوافله.
وأما إذا أخذناها من التسبيح فتكون بمعنى ذكر الله عز وجل والروايات على أي حال تنص على ان المراد منها النافلة كقوله: “فصَلِّ سبحتك” وقوله: “وبين يديها سبحة وهي ثمان ركعات”.
ومعه, يتلخص الأسلوب الجديد. بعد الإعراض عن ملاحظة الأقدام والقامات، انه إذا زالت الشمس فإن المتشرع يشتغل بالنافلة التي هي قبل فريضة الظهر. “ان شئت طولت وان شئت قصرت” ثم يصلي الظهر. وفي مثل ذلك يكون (القدمان) تقريباً قد حصلا بعد الأدعية التي قد يقرؤها الفرد بعد الفريضة. فيشتغل بنافلة العصر ثمان ركعات أيضاً ثم يصلي فريضة العصر. وبعد الأدعية والأذكار، يكون الأربعة أقدام قد حصلا تقريباً. من دون ان تكون العناية بها قد ألهت المكلف عن ذكر الله سبحانه أو أتعبته على الإطلاق.
هذا, ولا ينبغي أن نطيل في هذه الجهة أكثر، سوى الإشارة لأمر واحد، وهو ان عامة الفقهاء قد فهموا نوعاً من التعارض بين هذه الروايات. إلا اننا قد عرفنا تنسيقها تماماً. بعد ان كانت تفسر بعضها بعضاً.
فالأصل هو القدم الذي هو سُبع الشاخص، والذراع قدمان. والقامة ذراع:
ــــــــــــــــــــ[54]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
أي قدمان. فيرجع مدلول الروايات كلها إلى ان وقت الظهر قدمان ووقت العصر بعده بقدمين، والتفصيل أكثر من هذا المقدار موكول إلى الفقه.
الجهة الثالثة: في وقت صلاة المغرب أو: معنى الغروب والمغرب.
يتضاءل في الأفق الغربي ضوء قرص الشمس وتعلوه حمرة، وهو على شفير الأفق. ثم يبدأ بالدخول تحت الأفق حتى يختفي تماماً. وعندئذ يكون الغروب قد حصل، وهو دخول آخر جزء من قرص الشمس تحت أول جزء من الأفق, أو قل: تحت الأفق.
وخلال نزول القرص في الأفق يبدأ من جهة الأفق الشرقي حدوث حمرة خفيفة تشتد بالتدريج كلما تزايدت زرقة السماء نتيجة الظلام. وبعد ان يتم الغروب تكون (الحمرة المشرقية) قد اكتملت.
ثم تبدأ هذه الحمرة بالتصاعد إلى وسط السماء، حتى تسامت الرؤوس، وبحسب فهمي: انه كلما نزل قرص الشمس تحت الأفق تصاعدت الحمرة من هذه الجهة، فكأنه يجرها ورائه مع انحفاظ مسافة معينة بينهما.
وبعد فترة تمشي الحمرة من فوق الرؤوس إلى جانب الغرب، ويسود وسط السماء زرقة المغرب. وتتركز الحمرة إلى جانب الغرب تماماً. وتكون حمرة قاتمة نسبياً لمدى الظلام النسبي الذي يكون عندئذ، وكلما اشتد الظلام تزايد قتامها حتى تزول بحوالي ساعة بعد الغروب وتصبح ظلاماً كاملاً.
ووقت المغرب هو أول وقت وجوب فريضة المغرب. فمتى يتحقق هذا الوقت؟ هنا، من الناحية النظرية عدة احتمالات:
الاحتمال الأول: ان الغروب أو ما يسمى (سقوط القرص) يعني دخوله تحت الأفق.. كافٍ في وجوب الصلاة.
وهذا الاحتمال عليه العامة كلهم، وقليل من فقهائنا.
ــــــــــــــــــــ[55]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الاحتمال الثاني: ان الصلاة تجب لذهاب الحمرة المشرقية من جهة الشرق، ويكتفي الفقيه عندئذ بصعودها فوق الرأس، لأنها تكون قد ذهبت من جهة المشرق.
وكذلك من يُعبِّر من الفقهاء بزوال الحمرة المشرقية، ويعني به زوالها: أي انعدامها من جهة المشرق.
الاحتمال الثالث: زوال الحمرة المشرقية، (بتفسير آخر).
وهو ان نحسب حساب دائرة نصف النهار. ونعتبر لها وجوداً دائمياً في الليل والنهار. فإذا عبرتها الشمس كان الزوال. وإذا عبرتها الحمرة المشرقية كان المغرب وإذا عبرتها النجوم التي توجد في الأفق الشرقي عند الغروب، كان نصف الليل.. وهكذا.
فالمهم هنا ان تَعبُر الحمرة المشرقية التي أصبحت في وسط السماء. ان تعبر وسط السماء أو دائرة نصف النهار، إلى جهة الغرب، ليصبح وقت الصلاة ناجزاً. وهو وقت (المغرب).
ولكن هنا فرق بين قرص الشمس الذي يعبر دائرة نصف النهار وهذه الحمرة. فان قرص الشمس محدد ونراه صغيراً نسبياً. على حين تكون هذه الحمرة منتشرة في منطقة كبيرة من السماء. إلا أن الذي يهون الخطب انها سريعة الانتقال إلى جهة المغرب. فبينما تحتاج الشمس إلى عدة ساعات لتصل إلى الأفق الغربي بعد زوال, لا تحتاج هذه الحمرة إلى أكثر من عدة دقائق لتنحسر كلها إلى جهة الغرب.
هذا ما يحدث في السماء. ولكن ما خبر الساعة خلال ذلك؟ أو قل: في كم دقيقة يتم كل ذلك ابتداءً من سقوط القرص إلى انحسار الحمرة إلى جهة المغرب؟ أو قل: ما هو الزمن بين الغروب والمغرب؟
ــــــــــــــــــــ[56]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
المشهور على الألسن ان الفرق عشرة دقائق تماماً. إلى حد كانوا يوقّتون الساعة الغروبية على ان تكون في الثانية عشر تماماً من سقوط القرص.
ويقولون انه: في الثانية عشر وعشر دقائق تجب الصلاة.
غير ان وجوبها مبني على الاحتمالات السابقة. فمن قال بوجوبها عند سقوط القرص، فمعناه وجوبها عند تمام الساعة الثانية عشرة, ومعناه ان وقت الغروب والمغرب واحد لأن معنى المغرب عندهم هو وقت وجوب الصلاة.
ومن قال بوجوب الصلاة عند ذهاب الحمرة من جانب الشرق فقط. فانه يكفيه سبع أو ثمان دقائق على أقصى تقدير بعد الغروب.
ومن قال بتأخر المغرب إلى زوال الحمرة عن دائرة نصف النهار وهو أقصى الاحتمالات وأحوطها، لم يكفهِ عشر دقائق بطبيعة الحال بل احتاج إلى اثنى عشر إلى ثلاثة عشر دقيقة والأمر (مطاط) نسبياً ويحتاج إلى التأكد من زوال الحمرة من فوق الرؤوس، ولكني أعتقد انها -على أي حال- لا تبلغ إلى الثانية عشرة والربع غروبية.
أما بزوغ (نجم المغرب) فيتم قبل ذلك، ولعله لا يتأخر عن سقوط القرص إلا دقيقتين أو ثلاث.
والروايات عن الأئمة المعصومين (سلام الله عليهم) دالة على الاحتمالات الثلاثة كلها، فلا بد من الناحية الفقهية من معالجة التعارض الظاهري بينها:
أولاً: ما يدل على ان وقت وجوب الصلاة هو الغروب أو سقوط القرص.
وهي روايات عديدة:
منها: رواية داود بن فرقد(1) قال: سمعت أبي يسأل أبا عبد الله: متى
ــــــــــــــــــــ[57]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل: ج2. أبواب المواقيت. باب16.حديث25.
يدخل وقت المغرب؟ فقال: “إذا غاب كرسيها”, قلت: وما كرسيها؟ قال: “قرصها”. فقلت: متى يغيب قرصها؟ قال: “إذا نظرت إليه فلم تره”.
وفي معتبرة عبيد بن زرارة(1) عن أبي عبد الله:
“إذا غربت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلى نصف الليل الا ان هذه قبل هذه وإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين الا ان هذه قبل هذه”.
ثانياً: ما يدل على ان وقت وجوب الصلاة ذهاب الحمرة من طرف المشرق.
منها: رواية محمد بن علي(2) قال: صحبت الرضا في السفر فرأيته يصلي المغرب إذا أقبلت الفحمة من المشرق -يعني السواد-. أقول: يكون ذلك بذهاب الحمرة من هناك.
ورواية محمد بن شريح(3) عن أبي عبد الله: قال سألته عن وقت المغرب فقال: “إذا تغيرت الحمرة في الأفق وذهبت الصفرة، وقبل ان تشتبك النجوم”.
على ان نفهم من الأفق، الأفق الشرقي. إذ لا يحتمل إرادة الأفق الغربي, لأن ذهاب الحمرة منه متأخر جداً.
ثالثاً: ما يدل على ان وقت وجوب الصلاة زوال الحمرة من فوق الرأس.
منها: صحيحة ابن أبي عمير عمن ذكره(4) عن أبي عبد الله، قال:
ــــــــــــــــــــ[58]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث24.
(2) نفس المصدر: حديث8.
(3) نفس المصدر: حديث12.
(4) نفس المصدر: حديث4.
“وقت سقوط القرص ووجوب الإفطار من الصيام ان تقوم بحَذاء القبلة، وتتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق فإذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الإفطار وسقط القرص”.
أقول: يعني نتأكد من سقوط القرص إذا كنا شاكين به إلى ذلك الحين.
ومعتبرة عبد الله بن وضاح(1) قال: كتبت إلى العبد الصالح: يتوارى القرص ويُقبِل الليل، ثم يزداد الليل ارتفاعاً وتستتر عنا الشمس وترتفع فوق الجبل حمرة، ويؤذِّن عندنا المؤذنون أفأصلي حينئذ وأفطر ان كنت صائماً. أو أنتظر حتى تذهب الحمرة التي فوق الجبل؟ فكتب إلي: “أرى لك ان تنتظر حتى تذهب الحمرة وتأخذ الحائطة لدينك”.
وفي بعض الروايات: “مسّوا بالمغرب قليلاً” يعني اجّلوها قليلاً إلى جهة المساء.
فهذه هي طوائف الروايات الثلاث. ونحن لا نريد ان ندخل ببحث استدلالي متكامل. فان ذلك موكول إلى محله في الفقه. وإنما نذكر للجمع بين هذه الروايات بعض الوجوه مختصراً:
الوجه الأول: الأخذ بالمطلق وحمل المقيد على استحباب.
والمطلق: هو ما أمر بالصلاة عند الغروب. والمقيد: هو الطوائف التي تأمر بالتأجيل. فنحمل الأمر بالتأجيل على الاستحباب وكلما كانت الصلاة مؤجلة أكثر، يعني عن زوال الحمرة عن المشرق أو زوالها عن وسط السماء “فوق الرؤوس”.. كان ذلك أفضل وأحوط.
الوجه الثاني: الأخذ بظاهر القرآن الكريم، وترجيح الروايات التي
ــــــــــــــــــــ[59]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث14.
تساوي مدلوله.
قال الله سبحانه: غَسَقِ اللَّيْلِ وهو وقت صلاة المغرب, ومن الواضح ان غسق الليل لا يمكن ان يتم بمجرد سقوط القرص لأنه يحتوي على ظلام أكثر من ذلك بكثير. فلا بد من تأخير الصلاة عن السقوط أو الغروب.
وقد يقال: انه على ذلك لا بد من تأخيرها عن زوال الحمرة عن الرأس. لأن غسق الليل أكثر من ذلك.
قلنا: ان هذا غير محتمل.. فإن جميع الروايات واضحة ومجمعة على حصول وقت وجوب الصلاة عندئذ، إما في وقته أو قبل ذلك فتكون حجة في نفي التأخير أكثر من ذلك.
فالمهم, ان القرآن الكريم يدعم الاحتمال الثالث، وهو زوال الحمرة عن فوق الرأس.
الوجه الثالث: ان ظاهر عدد من الروايات الآمرة بالتأخير -أعني الاحتمال الثالث- هو ان التأكد من سقوط القرص لا يتم إلا عندئذ. فالوقت الحقيقي وان كان هو سقوط القرص، إلا اننا يجب ان نتأكد من سقوطه، وهذا لا يكون إلا عند زوال الحمرة عن جانب المشرق.
منها: صحيحة يزيد بن معاوية(1) عن أبي جعفر قال: “إذا غابت الحمرة من هذا الجانب -يعني من المشرق- فقد غابت الشمس من شرق الأرض وغربها”.
وحيث نعرف ان هذا بنصّه غير محتمل، فيمكن ان نحمله على أقرب احتمال، وهو التأكد من سقوط القرص.
ــــــــــــــــــــ[60]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث1.
ومنها: رواية أحمد بن أشيم(1) عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله قال: سمعته يقول: “وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق. وتدري كيف ذلك؟”، قلت: لا. قال: “لأن المشرق مطل على المغرب هكذا -ورفع يمينه فوق يساره- فإذا غابت ههنا ذهبت الحمرة من ههنا”.
إلا ان هذا الشكل من البيان غير تام، لأن الصحيحة مجملة المضمون، وكذلك ما شاكلها من الروايات. ورواية (ابن أشيم) مرسلة. وهما -على أي حال- تأمران بذهاب الحمرة من المشرق، وهو الاحتمال الثاني، ولا يبقى للاحتمال الثالث إلا الاحتياط.
فالمهم في تعين الاحتمال الثالث هو دعم القرآن الكريم له وكونه أوفق بالاحتياط، من عدة زوايا, منها: التجنب عن مخالفة من أفتى بذلك من العلماء(2). وبقية الاستدلالات موكولة إلى محلها.
وأما التأخير أكثر من ذلك فهو من وساوس الشيطان. فانه مما يتسبب إلى الزوال وقت الفضيلة للفريضة، وزوال وقت النافلة. بعنوان الزيادة في الاحتياط، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
يبقى هنا أمران:
الأمر الأول: ان وقت وجوب صلاة المغرب، هو وقت وجوب الإفطار، فلا يجوز قبله. فان أخرناها احتياطاً أخرنا الإفطار احتياطاً أيضاً. ولا يحتمل تقدم موعد الإفطار عن موعد الصلاة، بإجماع علماء الإسلام، كل ما في الأمر: ان كل من اتخذ أحد الاحتمالات الثلاثة السابقة قال بوجوب الصلاة والإفطار فيها.
ــــــــــــــــــــ[61]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث3.
(2) ومنها: حصول الإجماع على دخول الوقت به, ومنها: موافقة معتبرة عبد الله بن وضاح السابقة.
الأمر الثاني: هل ان وقت وجوب صلاة المغرب هو نهاية وقت وجوب صلاة الظهر. أو ان هناك وقتاً لا تجب فيها أي صلاة؟
الصحيح، هو الثاني ولو احتياطاً. لأنه بالتأكيد ينتهي وقت الظهرين عند سقوط القرص. وقد أخذنا بالاحتمال الثالث لوجوب المغرب.
إذن، فهذه الاثنى عشر دقيقة أو نحوها الفاصلة بين الغروب والمغرب لا تجوز فيها صلاة الظهرين ولا صلاة العشائين.
نعم، لو أخذنا بالاحتمال الأول، كان سقوط القرص نفسه نهاية وقت الظهرين وبدأ وقت العشائين.

وقت فضيلة صلاة المغرب ونافلتها:
قال الفقهاء: ان الوقت من المغرب إلى نصف الليل وقت مشترك بين صلاتي المغرب والعشاء. غير انه تختص المغرب من أولها بمقدار أدائها: ثلاث ركعات، وتختص العشاء من آخره بمقدار أدائها: أربع ركعات.
ووقت فضيلة المغرب، وكذلك وقت نافلة المغرب التي تصبح بعده قضاء، هو ذهاب (الحمرة المغربية). وهو ان يسود الظلام جانب الأفق الغربي بعد ان كانت تسوده الحمرة.
يدل على وقت فضيلة المغرب صحيحة زرارة وفضيل(1) قالا: قال أبو جعفر: “ان لكل صلاة وقتين غير المغرب، فان وقتها واحد، ووقتها وجوبها. ووقت فوتها سقوط الشفق”.
على ان نفهم من “وقت فوتها” فوت الفضيلة، كما هو المشهور جداً بين فقهائنا إلا النادر من القدماء. ونفهم من “سقوط الشفق” ذهاب الحمرة
ــــــــــــــــــــ[62]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: باب18, حديث2.
المغربية. فإن الشفق: بمعنى الحمرة, وسقوطه: ذهابه، إلا انه لا يعين الأفق الشرقي من الغربي، غير ان تعيينه في الغربي واضح لأن ذهاب الحمرة من الأفق الشرقي هو أول وقت صلاة المغرب لا آخره.
ومنها: معتبرة إسماعيل بن مهران(1) قال: كتبت إلى الرضا -إلى ان قال- فكتب: “كذلك الوقت غير ان وقت المغرب ضيق. وآخر وقتها ذهاب الحمرة ومصيرها إلى البياض في أفق المغرب”.
وهي واضحة في ذهاب الحمرة المغربية. غير انها تصرح، كعدد من الروايات الأخرى: انه عندما تزول هذه الحمرة يبقى في الأفق الغربي (بياض) أي ضوء خفيف يبقى فترة من الزمن(2)، وفي بعض الروايات: “إلى ثلث الليل”. أقول: هذا الشيء لم أتبينه. ولعل السنين تختلف في ذلك.
أما وقت النافلة، فالحجة فيه ولو احتياطاً، هي الشهرة بين الفقهاء. غير ان نية القضاء إذا أداها الفرد بعد زوال الحمرة المغربية يحتاج إلى دليل.
ويمكن ان يستشعر من الأدلة: ان وقت فضيلة كل فريضة هي وقت أداء نافلتها. وقد دلت الروايات على وقت فضيلة صلاة المغرب، فتكون دليلاً على وقت نافلتها. غير ان الشأن في صحة الكبرى. فإنها وان صحت في الظهرين -مثلاً- إلا ان صحتها مطلقاً مما لا دليل عليه.

وقت صلاة العشاء ونافلتها:
لا بد ان نعني من ذلك نهاية الوقت، بعد ان عرفنا ان أول وقتها يكون بعد مقدار أداء ثلاث ركعات من المغرب. يبقى ان نَمُر على عدة أمور:
ــــــــــــــــــــ[63]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث4.
(2) انظر باب23 من أبواب المواقيت من الوسائل.
الأمر الأول: في وقت فضيلة العشاء.
وفيه عدة احتمالات:
الاحتمال الأول: ان وقت الفضيلة يبدأ من حيث ينتهي وقت فضيلة فريضة المغرب. وهو ذهاب الحمرة المغربية.
والحجة في ذلك، ولو احتياطاً، هو الشهرة. نعم, قد يستدل له بما دل من الروايات على جواز الإتيان بفريضة العشاء قبل زوال الحمرة. مما يدل ان وقتها الأصلي الأفضل بعدها، إلا ان للفرد ان يأتي بها قبله من باب العفو.
منها: صحيحة عبيد الله الحلبي(1) عن أبي عبد الله قال: “لا بأس ان تؤخر المغرب حتى يغيب الشفق، ولا بأس بان تعجل العتمة في السفر قبل ان يغيب الشفق”.
وكِلا الأمرين في هذه الرواية من باب العفو والرحمة الإلهية على خلاف وقت الفضيلة. والعتمة: يعني صلاة العتمة وهي صلاة العشاء.
كما يمكن ان يستدل عليه بما دل -كما يأتي- على ثلث الليل، بعد وضوح ان ذهاب الحمرة لا يكون قبل ذلك. إلا ان هذا الوضوح غير واضح, إلا ان يراد التقريب في ثلث الليل لا الدقة.
الاحتمال الثاني: ان وقت الفضيلة يبدأ بثلث الليل.
دلت على ذلك صحيحة أبي بصير(2) عن أبي جعفر قال: قال رسول الله: “لولا ان اشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل”. ومثلها عدة روايات أخرى.
ــــــــــــــــــــ[64]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: باب22, حديث1.
(2) نفس المصدر: باب17, حديث12.
إلا ان هذه الرواية وأمثالها على خلاف المطلوب أدل لقوله: “لولا ان أشق على أمتي لأخرت العشاء”. الدال على ان الأمر الفعلي بالتأخير لم يصدر لوجود المشقة على الأمة.
الاحتمال الثالث: ان وقت فضيلتها نصف الليل.
روي عن أبي بصير(1) عن أبي جعفر قال: قال رسول الله: “لولا ان اشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل”.
وهو مضافاً إلى الإيراد على الاحتمال الثاني نفسه، فإنها غير تامة سنداً، فلا تكون حجة. فالصحيح، ولو احتياطاً هو الاحتمال الأول.
وأما نافلة صلاة العشاء، فهي ركعتان من جلوس بعدها. وليس لوقتها تحديد. بل يبقى وقتها ما دام وقت الفريضة.
ونهاية وقت صلاة العشاء هو نصف الليل على المشهور فيحسن ان نعقد له عنواناً مستقلاً.

نصف الليل:
ما هو نصف الليل وما هي آثاره الشرعية وأحكامه؟
لنصف الليل معنيان محتملان:
أحدهما: نصف الليل ما بين الغروب والطلوع.
ثانيهما: نصفه ما بين الغروب وطلوع الفجر الصادق(2).
وقد استدل للأول بعدة أدلة، أهمها ما أشرنا إليه قبل فترة، من ان دائرة
ــــــــــــــــــــ[65]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: باب21, حديث5.
(2) وأما احتمال أخذ الفجر الكاذب حدّاً لذلك فهو غير وارد مطلقاً، عندنا.
نصف النهار كما هي مستعملة نهاراً فهي مستعملة ليلاً أيضاً. فإذا وصلت إليها النجوم الطالعة مع الغروب فقد انتصف الليل.
ويدل عليه ما رواه عمر بن حنظلة(1) انه سأل أبا عبد الله فقال له: زوال الشمس نعرفه في النهار فكيف لنا بالليل؟ فقال: “لليل زوال كزوال الشمس”. قال: فبأي شيء نعرفه؟ قال: “بالنجوم إذا انحدرت”.
وخبر أبي بصير(2) عن أبي جعفر قال: “دلوك الشمس زوالها وغسق الليل بمنزلة الزوال من النهار”.
وقد يجاب بناءً على القول الآخر، بما في المستمسك(3): من ان الدائرة الموهومة لا بد ان تكون مفروضة بنحو يتحقق منتصف الليل ما بين الغروب والفجر.
إلا ان هذا من الغرائب, لأن الدائرة وان كانت موهومة الا ان وضعها الجغرافي ثابت، ولا يمكن ان نقول: ان دائرة نصف الليل غير دائرة نصف النهار. وقد سمعنا من هذه الروايات ما يدل على ذلك.
وعليه، ولبعض الأدلة الأخرى، ينبغي التسليم، بأن نصف الليل هو نصفه ما بين الغروب والطلوع.
إلا ان هذا المعنى ألغاه الشارع المقدس بعد أن اعتبر ما بين الطلوعين نهاراً في عدد من أحكامه أوضحها بدء الصوم من الفجر، بنص القرآن الكريم وضرورة الدين، فقد اعتبر الليل منتهياً ببزوغ الفجر الصادق.
والليل بهذا المقدار، هو ليل (شرعي) وليس ليلاً (رسمياً) أو لغوياً. إلا انه
ــــــــــــــــــــ[66]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) المصدر السابق: باب55, حديث1.
(2) المصدر السابق: حديث 2.
(3) انظر: ج5, ص85.
لا يبعد وجود أحد أمرين:
الأمر الأول: ان الشارع المقدس بإلغائه ما بين الطلوعين من الليل، اعتبر الباقي هو الليل، واصطلح عليه اصطلاحاً بحيث لا بد من حمل كلامه عليه في السُنّة الشريفة.
الأمر الثاني: ان المتشرعة في الصدر الأول أصبحوا يفهمون من الليل هذا المعنى -أعني ما بين الغروب وطلوع الفجر- بحيث أصبح هذا المعنى حقيقة عندهم، ولا بد ان يحمل عليه كلامهم وكلام الأئمة معهم.
وما دام الليل بهذا المقدار، فنصفه نصف هذا المقدار وان لم يحصل فيه ما يشبه الزوال. والأمر الأول وان كان قابلاً للمناقشة إلا أن الأمر الثاني موثوق بحصوله.
وقد يخطر في الذهن: انه إذا استعمل الليل في لسان الشارع المقدس لزم ان نحمله على هذا المعنى. أما إذا استعمل لفظ نصف الليل، فلا بد ان نحمله على المعنى اللغوي.
إلا ان هذا غريب، لوضوح ان لفظ نصف الليل يتضمن لفظ الليل الذي قَبِلَ السائل حمله على المعنى المتشرعي.
وأما الروايتان المشار إليهما، اللتان تعيّنان نصف الليل بدائرة نصف النهار فجوابهما:
أولاً: ضعف السند.
ثانياً: انهما أخبار عن واقع الليل بالمعنى اللغوي أو الجغرافي، بغض النظر عن المعنى المتشرعي، ولا أقل من احتمال ذلك لأنها تتضمن حكماً شرعياً بهذا الخصوص.
ــــــــــــــــــــ[67]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ثالثاً: ان المعنى المتشرعي مؤكد ومركّز إلى حد لا يفيد في الردع عنه هذا المقدار من الروايات القليلة. فإن السيرة القوية المشهورة تحتاج إلى أدلة قوية ومشهورة أيضاً. وهي غير متحققة فعلاً.
فالصحيح: ان نصف الليل المتشرعي هو النصف ما بين الغروب والفجر الصادق وعليه يُحمَل ما ورد في السُنّة الشريفة.
وقد يخطر في الذهن: اننا كما حذفنا من آخر الليل ما بين الطلوعين ينبغي ان تحذف من أول الليل الوقت ما بين الغروب والمغرب، فلا نحسب أول الليل من سقوط القرص بل من ذهاب الحمرة المشرقية.
إلا ان هذا غير تام لأن الدليل الشرعي قائم على اعتبار ما بين الطلوعين نهاراً. وغير قائم على ان الفترة المشار إليها نهار. كل ما في الأمر اننا أُمرِنا ان نصلي فريضة المغرب بعد ذهاب الحمرة، وهذا لا يدل على ان وقتها في أول الليل بالضبط.
فما دام أول الليل عرفاً هو سقوط القرص ولا دليل في الشرع على خلافه, فلا بد من البناء عليه. فيكون الليل من سقوط القرص إلى بزوغ الفجر الصادق. وأما الفجر الكاذب فلم يعتبره الشارع المقدس نهاراً، بل صرح بإلغائه، فلا يمكننا اعتباره نهاية الليل أو الحساب على أساسه.
وبعد ان عرفنا نصف الليل، يبقى عندنا النظر إلى أحكامه الشرعية. وهي على ما في كلمات بعض الفقهاء كما يلي:
أولاً: نهاية وقت صلاة العشاء.
ثانياً: نهاية وقت نافلة العشاء.
ثالثاً: أول وقت صلاة الليل.
ــــــــــــــــــــ[68]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
فهل هذه الأحكام ثابتة؟
أما الحكم الأول, فقد دل عليه مرسل داود بن فرقد(1) عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله قال: “إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي ثلاث ركعات فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة، حتى يبقى من انتصاف الليل مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات. فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت المغرب وبقي وقت العشاء إلى انتصاف الليل”.
وهذه الرواية:
أولاً: غير معتبرة لإرسالها.
ثانياً: في مضمونها ما أعرض عنه المشهور، وهو انهم بنوا على ان ما بين المغرب ونصف الليل وقت الصلاتين. لا ان كل صلاة لا تشارك الأخرى بالوقت المختص بها، كما تنص عليه هذه الرواية. ومن آثار ذلك ما لو صلى شريكتها نسياناً فإنها تصح.
فالدليل من الروايات المعتبرة على ان نهاية وقت صلاة العشاء هو نصف الليل مفقودة. ولكن بنى عليه المشهور الأمر الذي ينبغي الالتزام به ولو احتياطاً.
ولكن يبقى: ان الفرد لو صلاها بعد نصف الليل فيجب ان ينوي فيها القضاء.. هذا يحتاج إلى دليل أيضاً، ومعه تكون نية الرجاء أو نية (الواقع) هي المتعينة.
وأما صلاة المغرب، فقد يقال انها كذلك، لوضوح: اشتراك الصلاة في
ــــــــــــــــــــ[69]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل, ج3, أبواب المواقيت, باب17, الحديث4.
جميع الوقت بغض النظر عن الاختصاص. فإذا احتملنا استمرار وقت صلاة العشاء إلى الفجر احتملنا استمرار وقت صلاة المغرب إلى الفجر أيضاً، ما لم يبقَ منه مقدار أربع ركعات.
إلا ان هذا الكلام مرجوح جداً من الناحية الفقهية. وانتهاء وقت صلاة المغرب بنصف الليل كالأكيد. ونية القضاء عنده كذلك إلى حد قد يستدل على وقت العشاء بوقت المغرب من باب انهما متلازمان شرعاً. وهذا غير بعيد، ولكن يبقى الاحتياط بنية العشاء مجال، ولو لاحتمال عدم التلازم.
وإذا كان الأمر غير واضح في الجملة في صلاة العشاء فهو مثله في نافلتها. ولا دليل هنا، إلا تصريح المشهور بامتداد وقت النافلة بمقدار وقت الفريضة. فيكون احتمال امتداد الوقت إلى الفجر شاملة لهما معاً. ونية الرجاء والاحتياط بعد نصف الليل الشرعي شاملة لهما معاً حتى لو صلى العشاء أول وقتها وأجّل النافلة إلى ذلك الحين.
وأما الحكم الثالث: وهو ان نصف الليل هو أول وقت استحباب صلاة الليل.
فهذا ما قال به قسم من الفقهاء ووردت به بعض الروايات غير المعتبرة، إلا ان الظاهر انه من باب العفو أو العذر، وهذا لا ينافي ان وقتها الرسمي المحدد هو السَحَر, كما سوف نقول.

وقت صلاة الليل:
فيه عدة احتمالات:
الاحتمال الأول: انه هو ثلث الليل الأخير.
روى إسماعيل بن سعد الأشعري قال: سألت أبا الحسن الرضا عن
ــــــــــــــــــــ[70]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ساعات الوتر. قال: “أحبها إلى الفجر الأول”. وسألته عن أفضل ساعات الليل. قال: “الثلث الباقي”.
إلا انه واضح المناقشة دلالةً. لان أفضل ساعات الليل لا يعني انها وقت لصلاته. وكونه يسأل عن الوتر في سؤاله الأول لا يعني انه مربوط بالسؤال الثاني.
الاحتمال الثاني: ان وقتها آخر الليل.
كما عن مرازم(1) عن أبي عبد الله قال: قلت له: متى أصلي صلاة الليل؟ قال: “صَلِّها آخر الليل”.
الاحتمال الثالث: ان وقتها السحر.
كرواية الاعمش(2) عن جعفر بن محمد (في حديث شرائع الدين) يقول فيه: “وثمان ركعات من السحر وهي صلاة الليل”.
ونحوها غيرها. والسَحَر معنى عرفي معيّن من وقت ما قبل الفجر يجعله الصائمون وقتاً لطعامهم المسمى بالسَحَر. والأرجح انه أصغر من ثلث الليل.
والمهم فقهياً، ان أكثر الروايات الواردة في توقيت صلاة الليل إما غير تامة سنداً أو غير تامة دلالة. ومنها احتمالات أخرى ككونها وقتها من أول الليل أو من انتصافه أو في سدس الليل الأخير(3) أو بعد الفجر.
وعلى أي حال، فالأحوط والأفضل تضييق الوقت صوب الفجر وان كان
ــــــــــــــــــــ[71]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( )نفس المصدر: باب54, حديث4.
(2) نفس المصدر: أبواب أعداد الفرائض والنوافل, باب13, حديث35.
(3) وبه قال سيدنا الأستاذ وبعض أساتذتنا. الا انه غريب. لان الرواية عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عن أول ركعتي الفجر. فقال: “سدس الليل الباقي” (نفس المصدر, باب50, حديث5) خاصة بركعتي الفجر, الا ان تفهم إليها ما دل على ان ركعتي الفجر من صلاة الليل. وهو كما ترى.
هناك عفو أكيد في الإتيان بها قبل ذلك. وخاصة مع الأعذار. وتمام الكلام في ذلك موكول إلى الفقه.
كما ان الأخبار ناطقة بجواز تقديم نافلة الفجر قبل الفجر اختياراً، وجواز إدخالها مع صلاة الليل، حتى قيل فيها ان صلاة الليل ثلاثة عشر ركعة، يعني مع نافلة الفجر. إلا انه يستحب إعادتها بعد الفجر. والموضوع الآن لا يستدعي أكثر من التفاصيل.
ــــــــــــــــــــ[72]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني

فصل
في القبلة

يعتبر وجوب التوجه إلى القبلة في الصلاة مع الامكان، من ضروريات الدين، حتى سُمّي المسلمون: أهل القبلة. وكانت القبلة إحدى الأمور الرئيسية التي تجمع بين المسلمين. وهي: الإيمان بالله ورسوله وبالقرآن والصلاة والزكاة والحج والصوم والقبلة ونحوها.

فما معنى القبلة:
ليست القبلة هي الكعبة المشرفة تماماً، بل هي: جهة الكعبة مأخوذاً من الاستقبال، يقال: وقف قبالته وقبلته يعني أمامه وباتجاهه, فالقبلة هي الكعبة الشريفة من هذه الزاوية فقط، وهو الاتجاه إليها في الصلاة وبعض الأمور الأخرى.
على انهم توسعوا في معنى القبلة، فقالوا: انها الكعبة لمن كان داخل المسجد الحرام، والمسجد الحرام لمن كان داخل مكة أو داخل الحرم المكي، والحرم المكي لمن كان خارجه، وهو كل الأرض.
وقالوا: ان القبلة هي جهة الكعبة وان لم يستقبلها المصلي تماماً. وهذا صحيح كما سيأتي.
ومع هذه التوسعات، يبتعد معنى القبلة عن الكعبة أكثر، وان كانت هي أخص مصاديقه.
ــــــــــــــــــــ[73]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وعلى أي حال فالاحتمالات في القبلة كما يلي:
الاحتمال الأول: ان القبلة هي الكعبة الشريفة وهذا ضروري في الدين، لا يحتاج إلى استدلال، وان كانت السُنّة الشريفة ناطقة به. وأما الكتاب الكريم فهو غير واضح به. ولكن يمكن ان يستشعر من بعض آياته. كقوله تعالى(1): جَعَلَ اللَّـهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ. على ان نفهم من القيام: القيام للصلاة أو ما يعمه، ونفهم من البيت الحرام الكعبة كما هو الصحيح. وكقوله تعالى(2): وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً على أن نفهم على ان هؤلاء المنافقين المشار إليهم في الآية إنما يتبعون السيرة الإسلامية المعتادة بالتوجه إلى البيت وهو الكعبة، في الصلاة.
الاحتمال الثاني: القبلة هي المسجد الحرام.
وبه نطق الكتاب الكريم. قال تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ(3). وقال سبحانه: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ(4).
وبه نطقت بعض السُنّة كرواية بشر بن جعفر الجعفي(5), عن جعفر بن محمد قال: سمعته يقول: “البيت قبلة لأهل المسجد, والمسجد قبلة لأهل الحرم, والحرم قبلة للناس جميعاً”.
ومثلها بعض الأخبار الأخرى، وكله غير نقيه سنداً، على اننا يمكن ان
ــــــــــــــــــــ[74]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) المائدة: 97.
(2) الأنفال: 35.
(3) البقرة: 144.
(4) البقرة: 149 و 150.
(5) الوسائل: ج3. أبواب القبلة, باب3, حديث2.
نفهم من المسجد الحرام في الآية الشريفة: الكعبة. ولكنه لا يخلو من بُعد.
فقد يقال: ان الكعبة قبلة بالضرورة والمسجد الحرام قبلة بنص القرآن الكريم. وأما الحرم فالدليل على كونه قبلة ضعيف. وسيأتي معنى الحرم في كتاب الحج ان شاء الله تعالى.
الاحتمال الثالث: ان القبلة هي الجهة التي تكون بها الكعبة.
روى محمد بن الحسين بسنده عن زرارة(1) عن أبي جعفر انه قال: “لا صلاة الا إلى القبلة”. قال: قلت: وأين حد القبلة؟ قال: “ما بين المشرق والمغرب قبلة كله”.
وحسنة أبي هاشم الجعفري(2)، قال: سألت الرضا عن المصلوب -إلى ان قال-: “وان كان قفاه إلى القبلة فقم على منكبه الأيسر. فان بين المشرق والمغرب قبلة. وان كان منكبه الأيمن إلى القبلة فقم على منكبه الأيمن”.
إلا ان في هذه الأخيرة بعض النقاش، لأنه يقول: “وان كان قفاه إلى القبلة… وان كان منكبه الأيمن إلى القبلة”. إذن, فهو يسلّم بالقبلة التي يراها المتشرعة، فيبقى قوله: “فان بين المشرق والمغرب قبلة” محمولاً على حال الضرورة.
وأما الرواية الأولى، فلا يبعد ان تكون تامة سنداً ودلالة. ولكن يبقى النظر في نسبتها إلى الأدلة الأخرى.
الاحتمال الرابع: ان كل الجهات قبلة. أخذاً بقوله تعالى: فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ، وهذا صحيح.
ــــــــــــــــــــ[75]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: باب2, حديث9. وانظر: باب9, حديث2.
(2) نفس المصدر: أبواب صلاة الجنازة, باب35, حديث10.
إلا انه من المؤكد فقهياً، انه ليس مع العلم والاختيار. وإنما هي قبلة المتحير الذي لا سبيل له إلى معرفة القبلة. ودلت عليه بعض الأخبار الصحيحة.
منها صحيحة زرارة(1) ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر انه قال: “يجزي المتحير أبداً أينما توجه. إذا لم يعلم أين وجه القبلة”.
وقوله: “أينما” بمنزلة الفاعل لـ”يجزي”، وكل الجملة جواب الشرط متقدم لقوله: “إذا لم يعلم”.
وصحيحة زرارة(2) قال: سألت أبا جعفر عن قبلة المتحير، قال: “يصلي حيث يشاء”.
وتمحيص المهم من هذه الاحتمالات يتم خلال العناوين الآتية:

القبلة هي الحيّز:
فالقبلة هي حيز الكعبة، وليس بناؤها القائم. فلو انهدم البناء لا سمح الله تعالى، لم تنعدم القبلة. وهذا واضح بضرورة الفقه.

ارتفاع القبلة:
للكعبة المشرفة طول وعرض وعمق, أما طولها وعرضها الموازيين للأرض، فلا يجوز الزيادة عليهما من كل جهة مع الصلاة قريباً من الكعبة نسبياً.
وأما عمقها أو ارتفاعها، فلا حد له. ومن هنا نقلوا الإجماع و التسالم على ان الكعبة قبلة من تخوم الأرض إلى عنان السماء وان ناقش به السيد الأستاذ.
ــــــــــــــــــــ[76]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: أبواب القبلة. باب8, حديث2.
(2) نفس المصدر: حديث3.
ولا بد ان يقصد من تخوم الأرض: الطبقة الأرضية القابلة للسكنى من وجه الأرض… إلى نهاية هذه الطبقة. أما الطبقة: الحارة الداخلية، فلا معنى لسكناها، ومن ثم لا معنى لجعل القبلة فيها. ولكن لا يبعد صحة الصلاة هناك مع إمكان النزول إليها بجهاز مثلاً. وعندئذ تكون الكعبة قد وصلت إلى هناك.
ولا بد ان يقصد من عنان السماء مقدار الجو الطبيعي حول الأرض بمقدار ما يمكن ان تصعد إليه البيوت والطائرات أيضاً، وكذلك الصلاة فوق الجبال العالية أو في المناطيد أو غيرها.
واما إذا خرجنا من الجو، كالصلاة في القمر الصناعي الدائر حول الأرض، فمن الصعب ان نقول بارتفاع الكعبة إلى ذلك الحد لأن العرف لا يهضمه ولا يفهمه. بل لا بد له من التوجه إلى بناء الكعبة مع الامكان. وسنفصل الحديث عنه وعن الصلاة في القمر وغيره فيما بعد.
والدليل على هذا الذي قلناه، هو الإجماع و التسالم بين الفقهاء والمتشرعة أيضاً وعليه السيرة القطعية من زمان الأئمة بدون نكير.
وأما إذا تجاوزنا ذلك، لم نجد في السُنّة ما يسعفنا فقد وردت روايتان ضعيفتان خاصتان بجانب الارتفاع دون الإشارة إلى جانب الانخفاض -أعني تخوم الأرض-… الأمر الذي يجعل كِلا الجانبين بلا دليل.
أحداهما ما عن عبد الله بن سنان(1) عن أبي عبد الله قال: سأله رجل قال: صليت فوق أبي قبيس العصر فهل يجزي ذلك والكعبة تحتي؟ قال: “نعم انها قبلة من موضعها إلى السماء”.
نعم، يمكن التمسك بالأدلة الدالة على اعتبار الجهة دون شخص الكعبة، وسنذكر مختصراً لها فيما بعد… على اعتبار انه كما يمكن التوسع في الجهة
ــــــــــــــــــــ[77]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل: ج2. أبواب القبلة, باب18, حديث1.
عرضاً كذلك يمكن التوسع في الجهة طولاً. إلا ان هذا لا يخلو من نقاش.
وأما سيدنا الأستاذ فهو يرى ان الاستقبال يتم بخط مائل(1). وأوضح ما يَرِد عليه من الإشكالات بعد كونه خلاف الإجماع والسيرة: ان الخط المائل قد لا يسعف في صدق الاستقبال، كما لو كان المكان قريباً من الكعبة نسبياً وعالياً جداً، بحيث يكون الخط المائل الوهمي شديد الانحدار. فعندئذ لا تكون المقابلة العرفية صادقة قطعاً. حتى لو قلنا بصدق التوسع في الجهة من جانب الارتفاع مع العلم بصحة الصلاة قطعاً.
وأما لو اعتبرنا ارتفاع الكعبة نفسها، كانت المقابلة متحققة، يعني للجزء المعنوي المرتفع من الكعبة(2).
ــــــــــــــــــــ[78]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) مخططه التوضيحي:

( )مخططه التوضيحي:

القبلة هي الجهة:
وهذا الحكم في الجهة، أعني عدم وجوب مقابلة شخص القبلة، بل مقابلة الجهة التي تكون فيها…هذا الحكم يكاد ان يكون من القطعيات فقهياً ومتشرعياً، وان خالف فيه بعض الفقهاء ولو من باب الاحتياط.
ويمكن الاستدلال على ذلك بوجوه:
الوجه الأول: السيرة القطعية الخالية من النكير، بل ما يسندها موجود، كما يأتي في الوجوه الآتية, وخاصة الوجه الأخير منها.
وتتلخص السيرة بعدم التدقيق بالتوجه إلى القبلة في البلدان المختلفة التي كانت تحت حكم الإسلام في عصر الأئمة المعصومين.
ولم نجد منهم أمراً بالتدقيق، كما لم نجد أمراً بالنهي عن التسامح، ولا في دليل ضعيف واحد. بل وجدنا أدلة تدعم التسامح كما سوف يأتي في الوجه الخامس من جعل الشمس على الحاجب الأيمن والجدي بين المنكبين وغيرها.
وقد كان الأئمة يناقشون أصحابهم في شكل صلاتهم من حيث السرعة وقلة الخشوع ونحوها. ويوجهونهم نحو صلاة متكاملة ولكنهم لم يناقشوا ولا مرة واحدة عن شكل التوجه إلى القبلة. إذ لو كانوا قد ناقشوا لوردنا من ذلك، ولو خبر ضعيف ولكنه لم يَرِد.
الوجه الثاني: الفهم العرفي الواضح في صدق التوجه إلى الشيء من بُعد، وان لم يحصل التوجه الحقيقي نحوه، فلو أخرجنا خطاً مستقيماً من الفرد إلى الشيء الآخر لم يلتصق به، ولكنه يصدق عرفاً التوجه إليه.
ــــــــــــــــــــ[79]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
والتوجه إلى القطب الشمالي عرفاً ليس إلا التوجه إلى جهة الشمال، والتوجه إلى قبرص من العراق ليس إلا التوجه إلى الغرب.. وهكذا.
وهذا يعني، ان التوجه صادق حتى لو كان الخط الموهوم المشار إليه بعيداً عن الشيء الأخر. نعم، للعرف ان يدقق أكثر من ذلك، فيختار من جهة الشمال وسطها التقريبي، فيعتقد انه متوجه إلى القطب بدقة. فهذه الدقة هي أقصى ما يستطيعه العرف وهو أمر صحيح في أي توجه بعيد.
وكلما قلّت المسافة قَلّ التسامح العرفي، أو قل: اقتضى التسامح العرفي انحرافاً أقل، وهكذا.
الوجه الثالث: ان اتساع الدائرة الهندسية تقتضي ذلك.
فلو جعلنا الشيء -كالكعبة- في مركز دائرة كبيرة، تشمل الأرض كلها، كان الوجه إلى مركزها أوسع كلما ابتعدنا، يكفي ان نفهم هندسياً بوضوح ان الدرجة الهندسية تتسع بسعة محيط الدائرة، أو بطول قطرها. وهما تعبيران عن شيء متشابه بهذا الصدد.
فلو كان قطر الدائرة متراً كانت الدرجة سنتيمتراً مثلاً، وأما لو كان قطرها كيلومتراً لكانت الدرجة متراً كاملاً. فكيف لو كانت الدائرة أوسع من ذلك بكثير(1).
فلو كان مصليين متباعدين مائة كيلومتر مثلاً، لشكّل توجههما نحو الكعبة
ــــــــــــــــــــ[80]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) مخططه التوضيحي:

مثلثاً حاد الزاوية، لو كان توجههما دقيقاً نسبياً.
وقد يستشكل: ان هذا الاستدلال ينتج ضد المطلوب، لأنه ينتج وجوب الدقة في الاستقبال إلى مركز الدائرة، وليس التسامح.
وجواب ذلك: ان هذا الإشكال بالدقة وان كان صحيحاً إلا اننا يمكن ان نفهم من الأدلة الشرعية ان المركز واسع إلى حد الكفاية(1). وليس المركز كنقطة هندسية صغيرة. ومع اتساع المركز يتسع التوجه بطبيعة الحال.
على انه يمكن ان يقال أيضاً: ان اتساع الدرجة بالبُعد يعطي فكرة عن اتساع جهة التوجه بالفهم العرفي.
غير ان هذا الجواب يرجع بنا إلى الحاجة إلى ضم الوجه الثاني، كما ان الفكرة الأسبق منه، ترجع بنا إلى الحاجة إلى الوجه الخامس الآتي. فلا يكون وجهاً مستقلاً.
الوجه الرابع: الروايات الدالة على ما بين المشرق والمغرب كله قبلة، وقد سمعنا نموذجاً منه. الا انه يتوقف على تماميتها سنداً ودلالة. وهو غير بعيد.
وهي تعيّن القبلة في وجه واسع جداً، قلّما يفتي به الفقهاء، فتكون المقادير الكبيرة من الانحراف عن القبلة، مما يكون محلاً لإعراض الفقهاء عن هذا الدليل، فلا يكون حجة, بهذا المقدار.
ولو تمت أمكن الفهم الموسع منها. فمن كانت قبلته إلى الجنوب التقريبي
ــــــــــــــــــــ[81]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) مخططه التوضيحي:

كفى توجهه إلى ما بين المشرق والمغرب. ومن كانت قبلته إلى الشرق كفى توجهه إلى ما بين الشمال والجنوب.. وهكذا.
الوجه الخامس: التمسك بالأدلة الآتية المروية عن المعصومين (سلام الله عليهم) في تعيين سمت القبلة للجاهل بها كالاعتماد على الجدي أو على الشمس أو نحو ذلك. مما يعطي دلالة واضحة على التسامح بالمقدار العرفي في التوجه إلى القبلة, غير ان بعض أسانيد تلك الأدلة قابلة للمناقشة كما سيأتي.
وبعد ان عرفنا الاكتفاء من القبلة بالتوجه إلى الجهة لا إلى شخص الكعبة.
كما عرفنا انه لا يمكن ان يكون ما بين المشرق والمغرب كله قبلة، فماذا يبقى في اليد من ذلك, أو قل ما تكون نتيجة هذه الأدلة الخمسة؟
وينبغي الالتفات أولاً اننا ينبغي ان نحسب حساب الاتجاه الدقيق نسبياً للكعبة، ثم ننظر ان الوجوه السابقة كم تقتضي من التسامح فيها.
والوجوه التي قيلت في ذلك متعددة:
الوجه الأول: وهو المشهور على ألسِنة الفقهاء وخاصة المتأخرين منهم. ان الفرد يستطيع ان يتيامن أو يتياسر بمقدار شبر عن القبلة الدقيقة في محل سجوده.
وهذا لا شك داخل تحت الأدلة السابقة ومشمول لحجية استقبال القبلة، وإنما يبقى السؤال عما هو الأكثر منه.
الوجه الثاني: انه لا يضر الانحراف بمقدار ثلاثين درجة.
قال عنه في المستمسك(1): «وقد ذكر بعض مشايخنا. ان قوس الاستقبال من دائرة الأفق نسبته إليها نسبة قوس الجبهة إلى مجموع دائرة الرأس. ولما
ــــــــــــــــــــ[82]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) ج5, ص181.
كان الغالب ان قوس الجبهة خُمس من دائرة الرأس تقريباً، فقوس الاستقبال من دائرة الأفق خُمس تقريباً الذي يبلغ اثنين وسبعين درجة. وعليه, فلا يضر الانحراف ثلاثين درجة تقريباً».
وعلق عليه في المستمسك: «ما ذكره مما لا يشهد به عرف ولا لغة، ولا تساعده كلماتهم. فاستظهاره من الأدلة غير ظاهر الوجه».
أقول: وهذه مناقشة للأصل الموضوعي، وهو ان نسبة دائرة الأفق كنسبة دائرة الرأس. وهناك أمور أخرى قابلة للمناقشة. فلو حصلنا على خُمس دائرة الأفق (72) درجة، فكيف حصلنا على الثلاثين درجة، وهي ليست خُمس ذلك الرقم ولا نصفه، وليس له إليه نسبة ذات نتيجة محددة فقهياً.
على انه لو أراد إمكان الانحراف عن القبلة من كِلا الجهتين ثلاثين درجة، فيكون مجموع القبلة ستين درجة، فهذا كثير جداً ومخالف للاحتياط جداً. نعم, لو كان مراده هو ان مجموع التسامح من كِلا الجهتين ثلاثين لكان قريباً من الفهم العرفي، ومن الممكن الموافقة عليه. إلا ان ظاهر كلامه هو الأول.
الوجه الثالث: ما نقل عن المقداد السيوري(1) انه قال عن القبلة: «انها خط مستقيم يخرج من المشرق والمغرب الاعتداليين ويمر بسطح الكعبة. فالمصلي يفرض من نظره خطاً يخرج إلى ذلك الخط. فان وقع على زاوية قائمة فذلك هو الاستقبال. وان كان على زاوية حادة أو منفرجة فهو إلى ما بين المشرق والمغرب».
وهذا الكلام قائم على افتراض ان نقطة المشرق والمغرب الاعتداليين محددة في الواقع تماماً ودقيقة. وهذا قد يكون له نوع من الصحة لأنه هو الوسط ما بين المدارين. إلا انه عندئذ يمر الخط المقترح بخط الاستواء لا
ــــــــــــــــــــ[83]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) المصدر: ص178.
بسطح الكعبة المشرفة، لأن وسط المدارين هو خط الاستواء نفسه.
وعلى أي حال، فالافتراض الآخر، وهو تعامد خط القبلة على الخط الأول بزاوية قائمة. إنما يصح فيمن كانت قبلته إلى الشمال أو الجنوب تماماً ولا يصح في غير بلاد الله على الإطلاق، كما هو واضح.
الوجه الرابع: ان نفترض ان المصلي في مركز دائرة، وهو متجه إلى الكعبة تماماً. وكلما اتسعت الدرجة في البعد كان ذلك استقبالاً معتبراً مشروعاً.
قال في المستمسك(1) في شرحه، والظاهر انه مختاره: «ومعيار الاستقبال على النحو المذكور ان ينظر المصلي إلى قوس من دائرة الأفق يكون بحسب نظره -بعد التأمل والتدقيق- مستقبلاً لجميع أجزائه. ثم يفرض خطين يخرجان من جانبيه إلى طرفي القوس. فكل ما يكون في هذا الانفراج فهو مستقبل -بالفتح- ولما كان هذا الانفراج يضيق من جانب المصلي ويتسع من جانب القوس فكلما يكون المستقبل -بالفتح- من جانب المصلي أقرب تكون المحاذات أضيق، وكلما كان أبعد كانت المحاذات أوسع».
وهذا الوجه وان كان ينتج اتساع الجهة باتساع الدائرة… إلى انه لا ينتج اتساع جهة الاستقبال. فلو فرضنا ان المصلي انحرف في صلاته ولو قليلاً من جهة «التأمل والتدقيق» على حد تعبيره لضاع هذا الوجه كله، وأصبحت جهة محاذاته شيئاً آخر غير الكعبة مع انه لا تأمل في صحة صلاته عندئذ.
الوجه الخامس: انه كما انه لا تحديد لجهة القبلة بالضبط، بل هو موكول إلى العرف وسيرة المتشرعة كما عرفنا مما سبق. كذلك لا تحديد لمقدار الانحراف. بل ان مقدار الانحراف عن الكعبة الدقيقة لو صح التعبير، إنما هو
ــــــــــــــــــــ[84]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) المصدر: ص180.
بمقدار ما يوافق عليه العرف والمتشرعة، وهو أمر تقريبي وليس دقيّاً طبعاً.
والمهم ان يوافق العرف والمتشرعة، ان هذا الفرد متوجه إلى القبلة إجمالاً، وهذا يكفي. وهذا لا يحتاج إلى سؤال أحد، بل يكفي ان يجده الإنسان في وجدانه بصفته أحد أفراد العرف وأحد أفراد المتشرعة.
ولعل التحديد بالانحراف بمقدار شبر من كِلا الجانبين تعبير آخر عن ذلك. وان كان احتمال إمكان الزيادة قائم فعلاً، إلا انها كلما زادت كانت أكبر في مخالفة الاحتياط. مع التعمد طبعاً لا مع الجهل والنسيان. فإن ذلك له حكمه. وهذا الوجه الخامس هو الصحيح. وهذا الوجه ينتج أيضاً اتساع جهة المحاذات بالبعد، لكن بمقدار ما يوافق العرف والمتشرعة على صدق الاستقبال.
كما ان هذا الوجه صادق على كل مناطق العالم، كما هو واضح لمن يفكر. لا يستثنى منه إلا المنطقة المقابلة للكعبة تماماً أو عرفاً من الجانب الآخر للكرة الأرضية، والتي نتحدث عنها في عنوان مستقل.

القبلة في الجهة المقابلة:
قالوا: «ان المصلي لو كان في الجهة المقابلة في الكرة الأرضية للكعبة المشرفة تقريباً. فان كان يعلم ان أحد الخطين أو الخطوط أقصر، وجب عليه التوجه به والصلاة على طِبقه.
وأما إذا علم انه بالجهة المقابلة تماماً، بحيث تكون الخطوط من حوله والتي تصل إلى الكعبة بطول واحد، كان مخيراً في ان يصلي إلى أي جهة شاء، فانه يكون على أي حال مستقبلاً للقبلة».
وهذا الكلام كله صحيح تماماً، مع مراعاة الفهم العرفي. يعني -مثلاً-,
ــــــــــــــــــــ[85]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
لو كان المصلي في الجهة المقابلة للكعبة بالفهم العرفي، وكانت الخطوط كلها بطول واحد بالفهم العرفي لا بقياس الأمتار. أمكن له ان يتوجه إلى أي جهة شاء.

القبلة في الكعبة المشرفة:
ونعني به الصلاة داخل الكعبة أو فوق سطحها. والفكرة نظرياً فيهما واحدة. وهي ان يضع المصلي قسماً من حيز الكعبة أمامه ويصلي. أما إذا خالف ذلك بمعنى انه سجد في نهاية حيز الكعبة، فسوف يستقبل الفضاء الخارجي ولن يكون مستقبلاً للكعبة، أو لأي جزء من أجزائها.
وكِلا هذين مشتركان أيضاً في فكرة أخرى، وهي الاكتفاء بقسم من حيز الكعبة، ولا ضرورة إلى التوجه إلى جميعها. ولو التفتنا فان المصلين جميعاً كأفراد، يستحيل ان يتوجهوا إلى كل الكعبة بل إلى جزء من حيزها طبعاً. فكفاية ذلك ينبغي ان يكون مسلّماً فقهياً، مع التسليم واليقين بصحة الصلاة في الكعبة المشرفة.
ولكن بقي هناك فرقان بين الصلاة في الداخل والصلاة على السطح:
الفرق الأول: ان الصلاة في الداخل تكون لا محالة متوجهة إلى جدار من جداران الكعبة، وهي تمثل بعض حيزها طبعاً. في حين ان سطحها بلا جدران، فقد يفكر المصلي ان يسجد في نهاية السطح بحيث يستقبل الفضاء كما قلنا، فتفسد الصلاة. ولكن هذا الاحتمال غير وارد في داخل الكعبة إلا من جهة الباب.
الفرق الثاني: انه من المسلّم فقهياً ان المصلي يصلي قائماً في داخل الكعبة. وأما من يصلي على السطح، فالصحيح انه يصلي قائماً كذلك. ولكن هناك قول بأنه يصلي مستلقياً ووجهه إلى السماء، بالإيماء للركوع والسجود.
ــــــــــــــــــــ[86]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وقد وردت في ذلك رواية عن عبد السلام بن صالح(1) عن الرضا في الذي تدركه الصلاة، وهو فوق الكعبة, قال: “ان قام لم يكن له قبلة. ولكن يستلقي على قفاه ويفتح عينيه إلى السماء ويعقد بقلبه القبلة التي في السماء البيت المعمور ويقرأ. فإذا أراد ان يركع غمض عينيه، وإذا أراد ان يرفع رأسه من الركوع فتح عينيه، والسجود على نحو ذلك”.
ولو كانت معتبرة سنداً لوجب الأخذ بها، بغض النظر عن المناقشات في مضمونها، فإنها تكون أخص من أدلة الاجزاء والشرائط وأما مواجهة البيت المعمور، فنوكل علمه إلى أهله. ولكنها غير معتبرة سنداً.
وقوله: “ان قام لم يكن له قبلة”، مبني على انه يسجد مواجهاً للفضاء أو عدم الاكتفاء بجزء من حيز الكعبة(2). غير اننا قلنا ان الاكتفاء بجزء من الحيز قطعي وشامل لكل المصلين.

علامات القبلة:
والمهم فيها فقهياً تحصيل الاطمئنان بالتوجه إلى الجهة العرفية للقبلة. وإلا فان الأدلة الدالة على ذلك في السُنّة الشريفة غير معتبرة إلا ان الاطمئنان حجة معتبرة.
والعلامات عديدة:
العلامة الأولى: الجَدي.
الجَدي هو النجم الثابت فوق القطب الشمالي الجغرافي، وقد وردت في
ــــــــــــــــــــ[87]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل: ج2, أبواب القبلة, باب19, حديث3.
(2) قد يستثنى من ذلك جانب الشاذروان من الكعبة المشرفة. فانه لا يبعد ان يكون قبلة أيضاً فتصح صلاته. نعم، لا يبعد الاحتياط الاستحبابي بتركه.
استعماله كعلامة على القبلة عدة روايات:
منها: ما عن إسماعيل بن أبي زياد(1) عن جعفر بن محمد عن إبائه قال: قال رسول الله: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ. قال: “الجدي؛ لأنه نجم لا يزول وعليه بناء القبلة، وبه يهتدي أهل البر والبحر”.
وعن محمد بن مسلم(2) عن أحدهما: قال سألته عن القبلة، فقال: “ضع الجدي في قفاك وصَلِّ”.
وروى محمد بن علي بن الحسين(3) قال: قال رجل للصادق: اني أكون في السفر ولا أهتدي إلى القبلة في الليل. فقال: “أتعرف الكوكب الذي يقال له جدي”. قلت: نعم، قال: “اجعله على يمينك. وإذا كنت في طريق الحج، فاجعله بين كتفيك”. ولو تمت هذه الأخبار سنداً لأعطتنا سعة في الفهم:
أولاً: انه لا خصوصية للجدي، وإنما يستعمل “لأنه نجم لا يزول” إذن، فكل شيء ثابت من نجم أو غيره يمكن استعماله في التوجه إلى القبلة.
ثانياً: ان استعمال الجدي -أو غيره- ليس على شكل واحد بل بالمقدار الذي نعلم بوجود القبلة إجمالاً. فيكون استعماله تحديداً أكثر نسبياً, فمرة في القفا ومرة يميناً.. وهكذا.
ثالثاً: ان هذه العلامة وكذلك ما يأتي من غيرها تدل -كما قلنا فيما سبق- على الاكتفاء بالجهة وجواز ترك الدقة في التوجه إلى القبلة.
رابعاً: انه في المورد الذي لا نعلم جهة القبلة أصلاً لا يمكن استعمال هذه ــــــــــــــــــــ[88]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: باب5. حديث3.
(2) نفس المصدر: حديث1.
(3) نفس المصدر: حديث2.
العلامات. كما لو كان الفرد لا يعلم انه في أي منطقة من مناطق الأرض هو الأن، وان كان هو الفرض بعيداً جداً.
وقد يخطر في البال: ان الجدي يعيّن الشمال، كما ان الشرق والغرب يعيّنان جهتيهما. فقد يمكن استعمال الجهات لمعرفة القبلة.
وجوابه: ان هذا متوقف على المعرفة الإجمالية للقبلة، وإنها إلى جهة الجنوب مثلاً. فلو كانت القبلة ضائعة على الفرد تماماً… لم تُفِد حتى معرفة الجهات.
ولكن حيث ان هذه الأخبار غير تامة سنداً، فالمهم هو تحصيل الاطمئنان بالتوجه العرفي والمتشرعي للقبلة. وان كان يمكن ان يقال: انها -أعني الأخبار- أقرب إلى الاعتبار لأنها متعددة أولاً، ومعمول عليها من قِبَل المشهور ثانياً. إلا ان هذا ليس له أثر عملي، لأن استعمال هذه العلامات ستكون حجة في القبلة للاطمئنان، ولو بدون هذه الأخبار. وافتراض حجيتها بما دون الاطمئنان ليس عملياً. لأن هذه العلامات منتجة للاطمئنان لا محالة.
وهنا ينبغي ان نلتفت إلى ان العلم بجهة القبلة إجمالاً ضروري في استعمال هذه العلامات. فالفرد قد يعلم ان القبلة في الجنوب أو في الشمال أو في الشرق أو في الغرب. ولا حاجة إلى أوضح من هذا العلم، كالعلم بأنها في الجنوب الغربي مثلاً. وان كان لو علم الفرد ذلك، لكانت الدقة في الاستقبال اكثر، مع استعماله للعلامة.
فهنا -على أي حال- أربع صور:
الصورة الأولى: ان يعلم ان القبلة في الجنوب إجمالاً، فيضع الجدي وراء ظهره أو بين كتفيه كما جاء في الخبر.
الصورة الثانية: ان يعلم انها في الشمال إجمالاً، فيضع هذا النجم أمامه.
ــــــــــــــــــــ[89]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الصورة الثالثة: ان يعلم انها في الشرق، فيجعله على يساره.
الصورة الرابعة: ان يعلم انها في الغرب، فيجعله على يمينه.
وأما التدقيق أكثر من ذلك، فكما يلي:
أولاً: ان هذه الأخبار كالصريحة بعدم الحاجة إليه. إذ لو كان التدقيق لازماً لقيل بوجوب جعل الجدي من الجهة اليمنى من ظهره مثلاً.. وهكذا.
ثانياً: انه لا دليل أساساً، كما عرفنا على وجوب التوجه أكثر من هذا المقدار.
ثالثاً: ان هذا الذي يستعمل هذه العلامات، له درجة من الجهل بالقبلة، فإذا استعملها بقي جاهلاً بالتدقيق طبعاً. فيكون معذوراً. وسيأتي ان قبلة الجاهل ما بين الشرق والغرب. فتصح صلاته على أي حال.
العلامة الثانية: استعمال الشرق والغرب أو أحدهما نهاراً, كما كان استعمال الجدي ليلاً.
ومع رؤية الشمس لا يحتاج الالتفات إلى تعيين الشرق والغرب إلى تفكير زائد. إلا إذا كانت في وسط النهار، فيحتاج إلى شيء من الانتظار ليعرف انها تتجه إلى أي جهة لتكون هي جهة الغرب.
ومع معرفة الشرق أو الغرب. يمكن فرض تعيين القبلة، كما في الصور الأربعة السابقة:
الصورة الأولى: ان يعلم ان القبلة في الجنوب إجمالاً، فيضع الشرق على يساره والغرب على يمينه.
الصورة الثانية: ان يعلم انها في الشمال إجمالاً، فيضع الشرق على يمينه والغرب على يساره.
ــــــــــــــــــــ[90]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الصورة الثالثة: ان يعلم انها في الشرق فيتوجه إليه، أو بتعبير آخر يجعل الغرب خلفه.
الصورة الرابعة: انها في الغرب إجمالاً، فيتوجه إليه ويجعل الشرق خلفه.
العلامة الثالثة: استعمال الشمس، وهي في وسط السماء. والمهم ان تكون عند الزوال، ولا يهم ان يكون قبل ذلك أو بعده بربع ساعة أو نحوها. فانه مما لا يضر بالتعيين عرفاً.
وهذه العلامة فيها نقطة قوة ونقطة ضعف عن سوابقها:
نقطة القوة: انها أدق تعييناً، كما سنرى، إذ لم يصدق في تلك العلامات انها عينت القبلة في مثل الجنوب الغربي مثلاً. ولكن هذه العلامة قادرة على ذلك، كما سنرى.
ونقطة الضعف: انها لا تشمل كل العالم، ولا تشمل كل الجهات, بل تختص بما إذا علم الفرد ان القبلة في الشمال أو علم انها في الجنوب, وأما لو احتمل وجودها في الشرق أو في الغرب فلا تصلح دلالتها على ذلك.
وعلى أي حال فهذه العلامة لها ست صور:
الصورة الأولى: إذا علم الفرد نفسه في الشمال الشرقي من مكة المكرمة، بمعنى واسع، كـ(العراق) مثلاً، فانه يجعل الشمس فوق حاجبه الأيمن.
الصورة الثانية: إذا علم انه في الشمال الغربي من مكة المكرمة كقبرص، فانه يجعل الشمس فوق حاجبه الأيسر.
الصورة الثالثة: إذا علم انه في شمال مكة المكرمة تماماً. أعني بالفهم العرفي، فانه يجعل الشمس فوق أنفه بين حاجبيه.
فهذه ثلاث صور مذكورة في كلمات بعض الفقهاء.
ــــــــــــــــــــ[91]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
والصور الثلاث الأخرى عكسها:
الصورة الرابعة: ما إذا علم الفرد نفسه في الجنوب الغربي من مكة المكرمة كالسودان، فانه يجعل الشمس من الجهة اليسرى من ظهره.
الصورة الخامسة: إذا علم انه في الجنوب الشرقي كحضرموت. فانه يجعل الشمس من الجهة اليمنى من ظهره.
الصورة السادسة: إذا علم انها في الشمال تماماً، وانه في جنوب مكة تماماً كصنعاء، فانه يجعل الشمس وسط ظهره.
إلا ان هذا يتوقف على محل وجود الشمس على مدار السنة. فان كانت صاعدة إلى مدار السرطان، كانت الصور الثلاثة الأخيرة لاغية ولا معنى لها لأن الشمس عندئذ تكون قرب مكة نسبياً، فلا بد في كل المناطق السابقة من استقبالها, أعني الشمس بالوجه بأحد الصور الثلاثة الأولى.
وان كانت الشمس نازلة إلى مدار الجدي، كانت الصور كلها صادقة. إلا الذين هم على جنوب هذا المدار، فتكون الصورة الأولى فقط صحيحة عليهم.
نعم، في البلدان التي بين المدارين، في الأيام التي تتعامد عليهم الشمس، في أي يوم من أيام السنة، فمن الصعب تطبيق هذه العلامة بصورها الستة. ولكن [الذي] يهون الخطب انه يمكن تطبيقها، بعد خروج هذا اليوم بحوالي أسبوع, ثم العمل على نتيجة ذلك.
ولكن ينتج من ذلك ان الفرد لو علم نفسه في تلك المناطق، وشك في تعامد الشمس، لم تكن هذه الحجة علامة فيه، لأنه يكون من قبيل الشبهة المصداقية لهذا الشرط.
العلامة الرابعة للقبلة:
ــــــــــــــــــــ[92]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الاعتماد على وجود الشمس فوق مكة المكرمة عندما ينعدم الظل فيها. فانها تقع جنوب مدار السرطان بعدة كيلو مترات، فتمر الشمس عليها في طريقها إلى المدار وعند نزولها عنه. فينعدم الظل فيها مرتين في السنة، لكن المرتين متقاربتان نسبياً.
فإذا علم المكلف من بعض المصادر الموثوقة ذلك اليوم المعين -أياً من اليومين كان- أمكن له ان يتوجه إلى قرص الشمس نفسه ويصلي فانه متوجه إلى القبلة.
وهنا ينبغي ان نلاحظ ان مكة المكرمة يجب ان تكون عند نصف النهار. وأما المناطق الأخرى فيمكن ان تكون في أوقات مختلفة وان لم تكن في أوقات الصلاة بالتعيين، ولو كانت الشمس عندهم في الأفق أو تحته بقليل شرقاً أو غرباً. نعم, في المناطق التي يسودها الليل لا يمكن تطبيق هذه العلامة.
ويمكن ان نتلفت إنّا إذا أردنا الدقة لزمنا ان نتوخى الزوال من يوم التعامد.
وأما إذا أردنا التوجه العرفي أمكنت نفس العلامة قبل ذلك بيوم أو يومين وكذلك بعده.
فهذه العلامات الأربعة، تستعمل فيها الظواهر الطبيعية للاستدلال على القبلة.
وإذا مشينا على غرارها أمكن استغلال بعض الظواهر الأخرى كالفجر الذي لا يكون الا في الشرق، وهلال أول الشهر وكذلك نجمة المغرب اللذين لا يكونان إلا في الغرب. ونجم سهيل والعيوق والثريا وغيرها ان عرفناها.
وهناك علامات ليست من الظواهر الطبيعية، منها ما يعود إلى اقتناع الناس في بلد معين بالقبلة كتوجيه القبور أو المساجد أو جماعة المصلين ونحوها.
وهناك دلالات ترجع إلى الحجية الشرعية، كاخبار ذي اليد والبينة والواحد
ــــــــــــــــــــ[93]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الثقة. وكل ذلك موكول بحثه إلى الفقه نفسه.
يبقى هناك دلالتان تعيّنان الجهة ولا يمكن ان تعيّنا الاتجاه الحقيقي للكعبة. لكن الجهة -كما عرفنا- كافية على أي حال.
أحدهما: استعمال البوصلة الاعتيادية والتوجه باتجاه المؤشر الشمالي أو الجنوبي، حسب القناعة بوجود القبلة شمالاً أو جنوباً.
وكذلك فيما إذا كانت شرقاً أو غرباً. فانه يمكن ان يتجه بخط متعامد مع مؤشر البوصلة بزاوية قائمة تقريباً.
ثانيهما: استعمال الخريطة في الأطلس الاعتيادي. فان صدقها مطمأن به، كل ما في الأمر انه يحتاج الفرد إلى بوصلة لكي يعين بها الجنوب الصحيح، فيجعل جنوب الخريطة إلى جنوب البلد. ثم يمد خيطاً وهمياً أو حقيقياً أو مسطرة أو نحوها من البلد المرسوم على الخريطة باتجاه مكة المكرمة المرسومة أيضاً فذلك يكون القبلة.
والإشكال فيه انه ليس دقيقاً بل تقريبياً، لأن خطوط الطول المنحنية لا تشكل زاوية مشابهة للخطوط المستقيمة. إلا أن هذا التقريب وعدم الدقة مسموح بها في معرفة القبلة كما عرفنا.

القبلة في الفضاء:
الفضاء متدرج في البعد عن الأرض:
أما في الجو القريب من الأرض، فيكون التوجه إلى الكعبة نفسها بعنوان وجودها المعنوي أو الوهمي الممتد إلى عنان السماء وقد قلنا بصحة ذلك فيما سبق.
وأما خارج الجو بقليل، كالأقمار الصناعية الدائرة حول الأرض فإن أمكن
ــــــــــــــــــــ[94]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
تعيين القبلة بالشكل الاعتيادي فيتعين وجوبه. وأما السؤال عن حركة الأقمار الصناعية فكيف يتم التركيز على القبلة؟ فهذا تابع لمسألة عامة ترجع إلى الصلاة في أي واسطة نقل كالسفينة والسيارة والطائرة وغيرها. وهو أمر مبحوث في الفقه وليس هنا محله. غير انهم قالوا: انه يدور إلى القبلة مهما دارت راحلته أو واسطة نقله.
فان لم يمكن التوجه إلى الكعبة، وكذلك في أي منطقة بعيدة لا يمكن فيها ذلك. فالقبلة هي الكرة الأرضية نفسها. لوجود الكعبة فيها بوجودها المادي أو امتدادها المعنوي. والتوجه إلى الأرض توجه إلى الكعبة في الجملة بلا إشكال. وخاصة مع اتساع الجهة مع هذا المقدار من البعد(1).
وكذلك لو كان الفرد يبعد بحيث يرى الأرض نجمة في السماء كما لو كان يصلي على القمر أو أحد الكواكب الشمسية. فانه يتوجه إلى الأرض بلا إشكال.
وإنما الإشكال فيما إذا غابت الأرض، كما يغيب القمر أحياناً هنا، أو كان الفرد في بُعد سحيق بحيث لا يرى الأرض أصلاً.
فعندئذ يكون مشمولاً لقوله تعالى: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّـهِ وأينما توجه كان ذلك مجزياً.
نعم, في الصورة الأخيرة، وهو ما إذا لم يكن يرى الأرض ولكنه كان يرى الشمس. فالأحوط التوجه إلى الشمس. لأنه -من الناحية الفقهية-: ان التوجه إليها توجه إلى الأرض والتوجه إليها توجه إلى الكعبة. وبتعبير آخر: يتعرف
ــــــــــــــــــــ[95]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) وقد يقال: انه يمكن التوجه إلى الوجود الوهمي للكعبة الممتد في الفضاء. ويكون ذلك مجزياً. إلا انه ليس بصحيح. أولاً: لأن الجعل الشرعي لهذا الامتداد، لم يثبت انه بهذا المقدار غير العرفي. ثانياً: ان التعرف على ذلك من هناك بغض النظر عن التوجه إلى الأرض، في عداد المستحيل.
الفرد على محل وجود الكعبة، بتعرفه على محل وجود الشمس. وهذا غاية ما يستطيعه هناك. ويَصدُق التوجه بلا إشكال مع اتساع الجهة.
ولو كان في مجرة أخرى أمكن القول بأن الأحوط ان يتوجه في صلاته إلى مجرتنا بصفتها تحتوي على الكعبة المشرفة. فيكون التوجه إليها توجهاً بالاتساع.
نعم، لو تعذر كل ذلك، كان مشمولاً للآية الكريمة التي سمعناها، والتي فهموا منها إمكان التوجه إلى أي جهة مع تعذر القبلة.
والحديث لا يستدعي أكثر من ذلك في هذا الكتاب. وإنما يحتاج إلى كتاب مستقل يتحدث فيه المؤلف عن فقه الفضاء, على ان كثيراً من هذه الافتراضات لم يصل إليها الإنسان بعد، فالأمر فيه وفي حكمه موكول إلى الأجيال التالية.

قبلة المتحير
إذا لم يعرف الفرد القبلة ولم يكن له ظن بجهة معينة، ولو جهة واسعة. فهنا وجهان لتكليفه:
الوجه الأول: وهو المشهور انه يصلي إلى أربع جهات، يكرر صلاته أربع مرات، مع سعة الوقت. فان لم يسع اكتفى بصلاة واحدة حيث شاء.
وجوابه من عدة جهات:
الجهة الأولى: ان القاعدة الأولية تقتضي الاكتفاء بثلاث صلوات لا أربع، لتسالمهم بأن صلاة الجاهل مجزية إذا كانت بين اليسار واليمين عن القبلة الواقعية بل ذهب بعضهم انها مجزية ما لم يستدبر.
ومن الواضح انه إذا صلى إلى ثلاث جهات متساوية، فقد صلى بعضها
ــــــــــــــــــــ[96]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
إلى القبلة أو ما لا يبتعد عنها إلى اليمين أو الشمال قطعاً. إذ من اليمين إلى الشمال 180 درجة، في حين تكون الصلاة إلى ثلاث جهات. تقع واحدة منها في بُعد 120 درجة أو أقل. بل بالتأكيد أقل، لأن غاية البُعد المتصور، هو ان تقع الكعبة في الواقع ما بين جهتين من صلاته. ومعناه ان إحداها تبتعد عن القبلة 60 درجة فقط. فلماذا -بعد كل ذلك- يجب ان يصلي إلى أربع جهات؟ ما لم يدل دليل تعبدي على ذلك، وهو غير متوفر على ما سنسمع. بل الدليل بخلافه على ما سنرى.
الجهة الثانية: ان الإجماع على ذلك غير متوفر، وإنما هي مجرد شهرة. ولو كان متحققاً فهو ليس إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن رأي المعصوم لأن اعتماد الفقهاء كلياً على الروايات. ولا أقل من احتماله. فيسقط الإجماع عن الحجية.
الجهة الثالثة: ان الروايات الواردة في ذلك غير تامة سنداً. منها: مرسلة محمد بن علي بن الحسين(1) قال: روي فيمن لا يهتدي إلى القبلة في مفازة انه يصلي إلى أربعة جوانب. وعن محمد بن يعقوب(2) قال: وروي أيضاً انه يصلي أربع جهات.
فهذه روايات مراسيل وبإزائها الروايات الصحيحة التي سنسمعها في الوجه الثاني.
الوجه الثاني: انه يصلي حيث يشاء. ورد في ذلك خبران صحيحان أحدهما: عن محمد بن مسلم(3) عن أبي جعفر انه قال:
ــــــــــــــــــــ[97]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل: ج3. أبواب القبلة. باب8, حديث1.
(2) نفس المصدر: حديث4.
(3) نفس المصدر: حديث2.
“يجزي المتحير أبداً أينما توجه، إذا لم يعلم أين وجه القبلة”.
ثانيهما: عن زرارة(1) قال: سألت أبا جعفر عن قبلة المتحير فقال: “يصلي حيث شاء”.
وقوله: “حيث شاء” يعني في الاتجاه لا مجرد المكان كما هو واضح, لأنه هو الوجه العرفي في تطبيق الجواب على السؤال الذي كان عن اتجاه المصلي إلى القبلة.
وعليه, فالصحيح هو هذا الوجه الثاني. وان كان الوجه الأول أوفق بالاحتياط، ولكنه -على أي حال- احتياط استحبابي.
هذا ولكن ينبغي ان يصدق على الفرد انه متحير في القبلة حقيقةً، وليس له ظن أو طريق إلى تحصيل الظن بأي جهة كانت، وإلا لزم العمل بالظن.
ــــــــــــــــــــ[98]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث3.

فصل
حول قراءة القرآن الكريم

بمناسبة وجوب قراءة فاتحة الكتاب وسورة بعدها في الصلاة، يحسن ان نتعرض لبعض التفاصيل الرئيسية لقراءة القرآن الكريم وقد يكون لبعضها أثر فعلاً في قراءة الصلاة وخاصة إذا اختار المصلي سورة مما قد يقع الكلام عنها في هذا الفصل.

حجية القراءات:
لا شك في عدم جواز قراءة القرآن بطريقة ليست حجة، لا في الصلاة ولا في غيرها. وإنما يجب ان نختار القراءة التي تتصف بالحجية دائماً، وان تعددت القراءات، وكانت كلها تتصف بالحجية فلا إشكال في جواز قرائتها كلها، أو قل: أي منها. وان سقط بعضها عن الحجية سقط عن جواز قرائتها أيضاً.
فالمهم هو الفحص عن ان أي قراءة حجة. ومن هنا كان النظر في حجية القراءات ضرورية شرعاً وفقهاً.
وتقريب الاستدلال على حجية القراءات يكون بأحد أساليب:
الأسلوب الأول: القول بتواتر القراءات السبع أو العشر، وإذا كانت متواترة كانت قطعية الصدور عن النبي فتكون حجة لا محالة.
إلا ان هذا ليس بصحيح جزماً، فان القرآن الكريم، وان كان متواتراً، إلا
ــــــــــــــــــــ[99]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ان الكلام في تواتر هذه القراءات، وهي ليست كذلك، لأننا يمكن ان ننظر في أسناد هذه القراءات إلى مرحلتين على الأقل:
المرحلة الأولى: في نسبة القراءة إلى صاحبها. وهي مظنونة الصحة، ولعلها مظنونة التواتر، بغض النظر عما سوف نقوله في المرحلة الآتية.
ولكن هذا وحده لا يجعلها متواترة بالشكل الذي تكون حجة. لان حجيتها متوقفة على تواترها عن النبي، لا عن أصحابها فقط. وهذا التواتر إنما يتم بعد تسليم التواتر في المرحلة الآتية.
المرحلة الثانية: في النظر إلى نفس القارئ الذي تنسب إليه القراءة وطلابه الأقربين.
ومن الواضح ان الرواية، مهما كانت متواترة فهي تنتهي إلى شخص القارئ وهو واحد. فتكون من قبيل الخبر الواحد، وسيأتي فحصه.
وكذلك لو نظرنا إلى طلابهم الذين سمعوا هذه القراءات منهم فان السامعين لأي واحد من القراء ليس عدداً ضخماً يشكّل تواتراً، بل هو عدد محدود من الطلاب، قد لا يعدو الواحد والاثنين ونحوها. فالتواتر في مرحلة الطلاب منقطع أيضاً.
وهذا معناه انقطاع التواتر بين القراء أنفسهم إلينا.. بالطلاب أنفسهم, فمن باب المثل: ان (عاصم الكوفي) له راويان فقط بغير واسطة هما (حفص وأبو بكر)(1). ولـ(حمزة الكوفي) راويان: (خلف بن هشام وخلاد بن خالد)(1).
ولـ(نافع) راويان هما: (قالون وورش)(1). و(للكسائي) راويان هما: (الليث بن
ــــــــــــــــــــ[100]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) البيان للخوئي, ص145.
(2) نفس المصدر, ص151.
(3) نفس المصدر, ص154.
خالد وحفص بن عمر)(1)… وهكذا. فكيف يتم التواتر براويين؟ بل لا يتم في كل جيل بأقل من عشرة فأكثر.
مضافاً إلى المناقشة في حال بعض هؤلاء الرواة من حيث الضبط والوثاقة، بالشكل الذي نتوقعه للقرآن الكريم. إلا ان الدخول في هذه التفاصيل يخرج بنا عن بناء هذه الكتاب.
الأسلوب الثاني: دعوى الإجماع على هذه القراءات من السلف إلى الخلف.
إلا ان هذا الإجماع مخدوش الصحة، بل هو قطعي العدم فانه «لم تكن(2) القراءات السبع متميزة عن غيرها حتى قام الإمام أبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد -فكان على رأس الثلاثمائة ببغداد- فجمع قراءات سبعة من مشهوري أئمة الحرمين والعراقين والشام وهم: نافع وعبد الله بن كثير وأبو عمرو بن العلاء وعبد الله بن عامر وعاصم وحمزة وعلي الكسائي. وقد توهم بعض الناس ان القراءات السبعة هي الأحرف السبعة وليس الأمر كذلك.. وقد لام كثير من العلماء ابن مجاهد على اختياره عدد السبعة لما فيه من الايهام».
وقال(3) إسماعيل بن إبراهيم القراب: «التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سُنّة. وإنما هو من جمع بعض المتأخرين، لم يكن جمع أكثر من السبع. فصنف كتابه وسماه كتاب السبعة، فانتشر ذلك في العامة».
ــــــــــــــــــــ[101]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: ص156.
(2) نفس المصدر: ص176.
(3) نفس المصدر والصفحة.
وقال الإمام أبو محمد مكي(1): «قد ذكر الناس عن الأئمة في كتبهم أكثر من سبعين ممن هو أعلى رتبة وأجلّ قدراً منهم, فكيف يجوز ان يظن ظان ان هؤلاء السبعة المتأخرين، قراءة كل واحد منهم أحد الحروف السبعة المنصوص عليها. هذا تخلف عظيم».
وقال ابن الجزري(2): «وأنت ترى ما في هذا القول. فان القراءات المشهورة اليوم السبعة والعشرة والثلاثة عشر، بالنسبة إلى ما كان مشهوراً في الأخبار، قُل من كُثر ونزر من بحر، فان من له إطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين.
وذلك, ان القراء الذين أخذوا عن أولئك الأئمة المتقدمين من السبعة وغيرهم كانوا مما لا يحصى وطوائف لا تستقصى. والذين أخذوا عنهم أيضاً كثر وهلم جرا. فلما كانت المائة الثالثة واتسع الخرق وقل الضبط. وكان علم الكتاب والسُنّة أوفر ما كان في ذلك العصر، تصدى بعض الأئمة لضبط ما رواه من القراءات».
إذن، فأقصاه وجود الشهرة لو سلمناها، وليس الإجماع.
ولو كان هناك شهرة أو إجماع، فانه لا يكون حجة إلا في مورد اتفاق القراءات، وهذا لا يزيد على فكرة تواتر القرآن الكريم نفسه، أما لو اختلف القراء. إذن سيحصل التكاذب بينهم. ومع التكاذب كيف تكون الحجية؟ لأنه مع التكاذب يحصل التعارض بين الدليلين ويسقطان عن الحجية، كما هو ثابت في علم الأصول.
ولو احتملنا، ان النبي قرأ على كل هذه الأشكال المروية بحيث تكون
ــــــــــــــــــــ[102]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: ص177.
(2) نفس المصدر: ص177.
كل رواية محتملة الصدق فهنا لا مجال لتطبيق فكرة الإجماع, لأن الإجماع ليس على صحة القراءة, يعني ليس على ان النبي قرأ كذا… بل الإجماع -ان كان- فهو على وثاقة القارئ واحترامه لا أكثر. فيعود الأمر إلى خبر الواحد الثقة الذي سنناقشه عما قليل.
ولا يفوتنا ان نذكر ان الإجماع عند طائفة من المسلمين، لا يكون حجة عند طائفة أخرى مخالفة لهم في المذهب. ما لم يكن الاتفاق قائماً بين علماء المسلمين جميعاً، وهو غير متحقق في هذا المجال.
الأسلوب الثالث: دعوى كون هذه القراءات من قبيل خبر الواحد الثقة، ومثل هذا الخبر حجة، كما ثبت في علم الأصول.
ولو نظرنا إلى القراء العشر وطلابهم لوجدنا المصادر العامة قد وثّقت أغلبهم، وان طعنت في قسم من صفات بعضهم. فيكون – لو تركنا الدقة- من خبر الواحد الثقة بهذا المقدار.
ولكن يَرد عليه:
أولاً: اننا نحتاج في حجية القراءة، إلى اسناد صحيح كامل من جيلنا إلى الصدر الإسلامي الأول: النبي وأصحابه بحيث يروونها ثقة عن ثقة. فإذا كان أحد الرواة في أيّة قراءة ضعيفاً. أو غير معتمد عليه، لا تكون القراءة معتمدة أو حجة. سواء نظرنا إلى القارئ نفسه أو طلابه أو إلى سنده إلى الصدر الأول، أو سندنا إليه.
ولكن من الصعب ان يتحقق ذلك في كل الطبقات وفي كل القراءات, بل يوجد في كل قراءة من يوجد فيه النقص وقد صرحت المصادر به. ومعه كيف تكون الرواية حجة، أو قل. كيف تكون القراءات حجة؟
ثانياً: اننا نحتاج في التوثيق أو إلى العمل بخبر الثقة إلى الاشتراك في
ــــــــــــــــــــ[103]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
المذهب في الإسلام. إما إذا اختلف المذهب فلا يمكن ان تبقى الحجية، كما هو ظاهر، عند علماء كِلا الفريقين.
ثالثاً: ما قاله السيد الأستاذ(1): من ان القراءات لم يتضح كونها رواية لتشملها هذه الأدلة. فلعلها اجتهادات من القراء. قال: ويؤيد هذا الاحتمال ما تقدم من تصريح بعض الأعلام بذلك.
أقول: ولكن القراءات عندهم مروية. فلو اقتصرنا على هذا الوجه لم يكن بإطلاقه تاماً. نعم، لا يبعد انهم اجتهدوا في بعض الأساليب، ومعه يحصل الشك في ان هذا المورد -أي مورد قرآني- هل هو مما رووه أو مما اجتهدوا به. فيكون القول بحجيته من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، فلا تشمله أدلة حجية خبر الواحد.
الأسلوب الرابع: ان هذه القراءات ممضاة من قِبَل أئمتنا المعصومين.
وقد بنى على ذلك المشهور بين علمائنا منهم بعض أساتذتنا والسيد الأستاذ وغيرهما.
وتقريبه: ان هذه القراءات أصبحت بالتدريج مشهورة متداولة بين المسلمين من مختلف المذاهب، الأمر الذي يقتضي النهي عنها من قِبَل الأئمة لو كانت غير مرضية. فالسكوت عنها كافٍ في الحكم بحجيتها، شأن كل سيرة عقلائية ممضاة، كما هو مؤسَس في علم الأصول.
ولو كان قد صدر النهي عنها لوردنا، على حين لم يردنا ذلك ولو بخبر ضعيف، بل قد ورد ما يدعم هذه القراءات وبسندها. وهو قولهم: “اقرأوا كما يقرأ الناس”.
ــــــــــــــــــــ[104]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: ص80.
وهذا قابل للمناقشة من عدة وجوه:
أولاً: ان هذا الإمضاء إنما يكون حجة فيما لو كانت هذه القراءات قد سرت إلى أصحاب الأئمة, أعني مواليهم والمؤمنين بهم. وأما لو كانت قاصرة على العامة فلا نتوقع النهي عنها، مرضية كانت أو لا. وهذا ما لم يثبت.
فان الموالين، كانوا يأخذون قراءة القرآن عن الأئمة وأصحابهم لا عن القراء الآخرين. وعلى أي حال يكفي الشك في سريان تلك القراءات إلى هذا الطرف، ليبطل الاستدلال.
ثانياً: ان عدم النهي، لا تجري فيه أصالة الجهة، بل يوثق بكونه ناشئاً من التقية. بل ان قوله: “اقرأوا كما يقرأ الناس” ناشئ منها أيضاً.
ثالثاً: بعد التنزل عن الوجهين الآخرين، لا بد من إحراز شهرة القراءة، لكي يكون عدم النهي عنها سبباً لحجيتها. واما إذا لم نحرز شهرتها يومئذ، سقط هذا الاستدلال، ومع احتمال ذلك يسقط الاستدلال أيضاً, لأنه يكون تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية.
نعم، لا يبعد -في حدود هذا الوجه- ان تكون بعض القراءات ذات شهرة بمقدار ما، كقراءة (عاصم ونافع)، ومن الصعب ان نثبت ان تكون القراءات السبعة مشهورة يومئذ فضلاً عن العشرة فضلاً عن غيرها.
ومن الطريف ان يناقش سيدنا الأستاذ في تواتر القراءات وحجيتها ثم يعتبرها مشهورة بحيث تكون قابلة للإمضاء كما أسلفنا(1), فانها لو كانت متواترة كانت مشهورة، وحيث لا تكون متواترة ففي الأرجح انها ليست مشهورة إلا صدفة، بحيث يبقى الإشكال بالشبهة المصداقية قائماً في أغلبها.
ــــــــــــــــــــ[105]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) المصدر السابق: ص182 وما بعدها.
رابعاً: يمكن ان يقال بصدور النهي عن بعض القراءات على الإجمال، ولم تكن ظروف التقية في ذلك الحين، قابلة لأكثر من ذلك. مما يجعل الأمر مشكوكاً وداخلاً تحت التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
منها: رواية عن عمرو بن جميع(1) عن جعفر بن محمد بن أبيه عن آبائه. قال: قال رسول الله: “تعلموا القرآن بعربيته وإياكم والنبز فيه, يعني الهمز”. قال الصادق: “الهمز زيادة في القرآن إلا الهمز الأصلي. مثل قوله: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ. وقوله: لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ. وقوله: فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا.
أقول: ومن الذي يعطي الهمز المنهي عنه إلا هؤلاء القراء، إلا ان الرواية غير تامة السند.
وعن أبي عبد الله(2): “اقرأوا القرآن بألحان العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر. فانه سيجيء من بعدي أقوام يرجعّون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية، لا يجوز تراقيهم قلوبهم مقلوبة، وقلوب من يعجبه شأنهم”.
وقد حملها الناس على ان هذه الرواية تنهى عن الغناء بالقرآن. ولكننا لو التفتنا إلى ان هذا الأمر لم يكن مشكلة قائمة يومئذ بل والى العصر الحاضر لا يوجد من يحاول ان يغني بالقرآن الكريم.
وتصدي الإمام للنقاش يرجّح ان يكون ضد مشكلة قائمة لا يريد الإمام وجودها. وليس ذلك إلا كثرة القراءات واللعب بألفاظ القرآن.
إذا تم ذلك، فينبغي ان نلتفت إلى عدة أمور:
ــــــــــــــــــــ[106]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل: ج4. أبواب قراءة القرآن. باب30، حديث1.
(2) نفس المصدر: باب24، حديث1.
الأمر الأول: ان رواياتنا متظافرة وكثيرة، في ان للائمة أسلوبهم في قراءة القرآن، وهو لا شك يغني عن أخذ القرآن من غيرهم، كما يغني أصحابهم أيضاً.
ولا نروي هنا ما ورد في الحث على حفظ القرآن، وتلاوته وترتيله, وتعلمه وتعليمه وغير ذلك مما هو أكثر من ان يحصى. وإنما نقتصر على بعض الروايات الواردة في قراءة الأئمة أنفسهم للقرآن الكريم.
فمن ذلك، ما عن علي بن محمد النوفلي(1) عن أبي الحسن قال: ذكرت الصوت عنده. فقال: “ان علي بن الحسين كان يقرأ فربما مر به المار فصعق من حسن صوته”.
وعن معاوية بن عمار(2) قال: قلت لأبي عبد الله: الرجل لا يرى انه صنع شيئاً في الدعاء وفي القراءة حتى يرفع صوته. فقال: “لا بأس, ان علي بن الحسين كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن وكان يرفع صوته حتى يسمعه أهل الدار. وان أبا جعفر. كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن. وكان إذا قام من الليل وقرأ رفع صوته، فيمرّ به مار الطريق من الساقين وغيرهم، فيقومون فيستمعون إلى قراءته”.
وعن حفص(3) قال: «ما رأيت أحداً أشد خوفاً على نفسه من موسى بن جعفر ولا أرجى للناس منه وكانت قرائته حزناً. فإذا قرأه فكأنه يخاطب إنساناً».
وعن داود بن فرقد والمعلى بن خنيس جميعاً(4) قالا: كنا عند أبي عبد
ــــــــــــــــــــ[107]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث2.
(2) نفس المصدر: باب23، حديث2.
(3) نفس المصدر: باب22، حديث3.
(4) نفس المصدر: باب74، حديث4.
الله فقال: “ان كان ابن مسعود لا يقرأ على قرائتنا فهو ضال -ثم قال-: أما نحن فنقرؤه على قراءة أبي”.
إلى غير ذلك من الروايات، وهي ظاهرة بوضوح في نقطتين مهمتين:
النقطة الأولى: وجود قراءة محددة لهم بحيث يُستغنى بها عن الأخذ عن غيرهم. وأما احتمال: ان يأخذوا هم من أحد القرّاء السبعة أو غيرهم فهذا قطعي العدم.
النقطة الثانية: ان هذه القراءات التي كانوا (سلام الله عليهم) عليها، مسموعة معروفة، لا تفوت على أي شخص وفقه الله سبحانه إلى سماعها.
الأمر الثاني: ان هناك من العامة من انتقد القراءات بما فيها السبع انتقاداً شديداً، ووصف القراءة بالقبح أو الخطأ أو الضعف أو اللحن أو الشذوذ(1) وسنذكر بعض النماذج لذلك.
وهذا يدل على انهم لا يقيّمون القراءة بمقام القرآن الكريم نفسه ولا يعدلونها به. وهذا يدل على عدة أمور:
1- ان القراءات ليست متواترة، إذ لو كانت كذلك، لمثلت القرآن الكريم نفسه. ولما جاز الاعتراض عليها.
2- انها ليست اجماعية، بنفس التقريب.
3- انها ليست مشمولة لحجية الخبر الواحد الثقة. إذ لو كانت كذلك لكانت حجة، فلا يجوز أيضاً الاعتراض عليها.
4- لعلها أو بعضها، من وضع القرّاء أنفسهم واجتهادهم، كما احتمل السيد الأستاذ على ما سمعنا. وهذا يزيد في الطين بلة، من حيث إمكان
ــــــــــــــــــــ[108]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) القراءات القرآنية للدكتور حازم سليمان الحلي. ص40.
انتقادها، وافتراقها عن مستوى القرآن الكريم افتراقاً شاسعاً(1).
ومن أمثلة ذلك: ان جماعة من القراء بما فيهم ابن مسعود وابن عباس وحمزة الزيات والحسن البصري وقتادة وآخرون قرأوا: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ بجر الأرحام، فَردَّ البصريون هذه القراءة، لأنها تتعارض مع القاعدة البصرية التي لا تجيز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة حرف الجر. فقال المبرد: «هذا مما لا يجوز عندنا» ونُسِب إليه انه قال: «لا تحل القراءة بها».
وقال الزجاج(2): «واما الجر في الأرحام فخطأ في العربية لا يجوز الا في اضطرار الشعر وخطأ أيضاً في أمر الدين عظيم».
ومن أمثلة ذلك: انه قرأ الجمهور: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ بالياء. وقرأ (نافع وابن عامر) -وهما من السبعة- معائش.
قال الزجاج: (ولا ينبغي التعويل على هذه القراءة). وقال المازني: (أصل هذه القراءة عن (نافع) ولم يكن يدري ما العربية).
وقال النحاس: (الهمزة لحن لا يجوز). وقال ابن الانباري: (وهي قراءة ضعيفة في القياس)(3).
ومن أمثلته(4): ان ابن عامر قرأ: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ بنصب الأولاد، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول, وهو أمر منعه البصريون.
ــــــــــــــــــــ[109]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: ص44- 45.
(2) نفس المصدر: ص 46.
(3) نفس المصدر: ص50- 51.
(4) نفس المصدر: ص52- 53.
قال ابن خالويه: «هو قبيح في القرآن». وقال أبو علي الفارسي: «هذا قبيح الاستعمال ولو عدل عنها كان أولى», وقال أبو عبيد: «لا أحب قراءة ابن عامر لما فيها من الاستكراه»، وقال الزمخشري: «واما قراءة ابن عامر فشيء لو كان في مكان الضرورة لكان سمجاً مردوداً… فكيف به في الكلام المنثور».
و(الفراء) رد قراءة (حمزة الزيات) -وهو أحد السبعة- ورمى بعض القراء بالوهم، في خفض الياء من قوله: بِمُصْرِخِيَّ. وقال : (ومما أوهموا فيه قوله: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ. وهي قراءة الحسن البصري)(1).
إلى غير ذلك من الأمثلة. وهي دالة بوضوح على النتائج التي قلناها.
الأمر الثالث: بعد كل هذه النتائج فكيف لفقهائنا ان يفتوا بجواز القراءة طبقاً لإحدى هذه القراءات، كما سبق ان ذكرنا.
وجوابه: ان أغلب ألفاظ القرآن الكريم محفوظة ومجمع على قرائتها على شكل واحد، أعني بالحروف والحركات الأساسية. بغض النظر عن قواعد التجويد كالغنة والمد والقلقلة وما إليها. هذه الأمور التي لا تغّير الكلمة عرفاً، وليس لها أهمية فقهية من الناحية العملية. فمهما اختلف القراء في هذه التفاصيل فهم مجمعون على شكل الكلمة الأصلي.
ولكن يبقى هناك بعض الأمور التي وقعت محل الاختلاف فان كان الاختلاف بين موثوق وضعيف أو مشهور وشاذ وجب الأخذ بالموثوق والمشهور، ولا يكون ما يقابله حجة وان كان كِلا الشكلين مشهوراً بمعنى انقسام القراء إلى قسمين متساويين تقريباً في طريقة القراءة.كما في قوله تعالى: يَطْهُرْنَ بالتشديد وبدونه, أو قوله تعالى: أَرْجُلَكُمْ بالفتح والكسر. فهذا مما لا يستطيع فقهاؤنا تعيينه.
ــــــــــــــــــــ[110]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: ص67.
فهم يفتون بجواز القراءة على كِلا الشكلين، ولكنهم عند الاستدلال بالآيات الكريمة على الأحكام الدالة عليها، يتكلمون على كِلا الوجهين، كاحتمالين، ولا يستطيعون تعيين أحدهما. لأنه ليس لأحدهم طريق مسند وحجة إلى إحدى القراءتين.

القواعد العربية:
يوجد في بعض آيات الكتاب المجيد ما ظاهره مخالفة القواعد العربية، الأمر الذي يحسن ان نعرضه ونحاول الجواب عليه.
فمن ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى… الآية(1). من حيث ان (الصَّابِئُونَ) معطوف على اسم (إِنَّ) المنصوب فينبغي ان يكون منصوباً, كما أصبح منصوباً في الآية الأخرى المماثلة الواردة في سورة البقرة(2).
ومن ذلك قوله تعالى: لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ(3).
فان الظاهر ان (الْمُقِيمِينَ) معطوف على (الرَّاسِخُونَ) فينبغي ان يكون مرفوعاً، كما رفع ما بعده: (الْمُؤْتُونَ) و(الْمُؤْمِنُونَ).
وكذلك قوله تعالى: قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ(4). فان ظاهره ان (هَذَانِ)
ــــــــــــــــــــ[111]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) المائدة: 69.
(2) آية : 62.
(3) النساء: 162.
(4) طه: 63.
اسم (إِنْ) فينبغي ان يكون على النصب.
وقوله تعالى: وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ(1) … الآية. فان المشهور قراءة الهاء في (عَلَيْهُ) بالضم، فما الوجه في ذلك؟
ولكل من هذه الآيات الكريمة وجوه من المحامل المطابقة للقواعد العربية, على ما سوف نقول. ولكن لو فرضنا ان فيها مخالفة للقواعد العربية، انفتحت أمامنا أوجه جديدة للجواب:
الوجه الأول: ان كل ذلك من خطأ الكتّاب الأوائل للقرآن الكريم. ثم أصبح الخطأ مشهوراً بين الناس كأنه صحيح.
ويدعم هذا الاحتمال رواية عن عروة عن عائشة(2) قال: سألتها عن قوله: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وعن قوله: وَالصَّابِئُونَ وعن قوله: إِنْ هَذَانِ، فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكتّاب اخطأوا في الكتاب (يعني الكتابة). وما روي عن بعضهم: ان في كتاب الله أشياء ستصلحها العرب بألسنتها.
الوجه الثاني: انه اختلاف في القراءات. وقد عرفنا انه في القراءات أوجه كثيرة من الوهم والاجتهادات.
لكن الرواية التي سمعناها في الوجه الأول، تدل على وجود هذا الشكل من القراءة من الصدر الأول في الإسلام. فليس ناتجاً من اختلاف القرّاء المتأخرين بما فيهم السبعة. إلا انه اختلاف بين القرّاء المتقدمين كـ(ابن مسعود) وغيره, ويؤيد ذلك انهم قالوا: (وفي مصحف ابن مسعود: والمقيمون الصلاة).
الوجه الثالث: ان هذا الأسلوب القرآني من البيان إنما هو لبيان الإعجاز، بشكل لا يشبهه أي أسلوب آخر.
ــــــــــــــــــــ[112]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الفتح: 10.
(2) تفسير الميزان: ج6, ص139.
إذ يقال: انه بالرغم من وجود مخالفة القواعد العربية -على افتراض وجوده كما نحن عليه موقتاً- فان إعجاز القرآن وتحدّيه للأجيال ثابت وصحيح و حجة. إذن, فهو من الإعجاز بحيث لا يخل به ذلك، ولا يمكن ان ينسب إلى الغلط.
وأدل دليل على ذلك، هو ان فصحاء الجاهلية خضعوا لإعجاز القرآن وعظمته، مع انهم لو استطاعوا ان يطعنوا فيه من أي جهة لطعنوا، وكان ذلك أوضح في مضادة الإسلام وأهله.
الوجه الرابع: ان القرآن الكريم، يحتوي على كل شيء مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، بما فيه مخالفة القواعد العربية. فلو كانت هذه المخالفة غير موجودة لكان الكتاب غير مستوعب لكل شيء.
الوجه الخامس: ان المولى المطاع هو الله سبحانه وتعالى ورسوله، وليس هو النُحّاة، مهما شعروا بوجوب طاعتهم، وهددوا وتوعدوا ووضعوا كرسيهم عالياً، كما يقولون.
وعليه، فإذا أمر النحاة بشيء فليس من اللازم إطاعتهم. بل إذا اقتضت المصلحة عصيانهم كان تطبيق تلك المصلحة أولى من طاعتهم، وأما الوجه في هذه المصلحة فيُعرف من الوجوه الأخرى التي ذكرناها أو غيرها.
ويؤيد ذلك، ان قواعد النحو لم تكن موجودة على الإطلاق في زمن نزول القرآن الكريم، فضلاً عن ان يشعر الناس بأهميتها واحترامها، كما أصبحت عليه الأجيال المتأخرة، جراء التركيز الشديد على القواعد العربية. وإنما كان العرب إلى ذلك الحين يتكلمون على السجية، بما ورد على لسانهم من حديث. ومن هنا تشعبت اللغات. ورويت هناك كثيراً من مخالفة القواعد النحوية على ألسنتهم، حاول النحاة بعد ذلك توجيهها مهما أمكن أو جعلها استثناء من القاعدة، وزعموا ان النص العربي لا يخطئ.
ــــــــــــــــــــ[113]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الوجه السادس: انه من المتسالم عليه ان كلام القرآن الكريم حجة أكثر من أي شيء مما ورد من النصوص العربية، والنحاة لا بد يذعنون بأن القرآن الكريم أقوى وأعلى من آرائهم وقواعدهم، بل أقوى وأعلى من كلام العرب أنفسهم. فلو خالف القواعد القطعية كان هو المتقدم والمفصح وكان غيره هو المخطئ، فضلاً عما إذا كان كلامه قابلاً للتوجيه.
وهذا قد ينتج ان لنا ان نخالف القواعد العربية ونتّبع قواعد القرآن الكريم، لو صح التعبير. في حدود ما دلنا عليه من أسلوب في الكلام العربي.
الوجه السابع: ان جميع الآيات السابقة، قابلة للحمل على ما يطابق القواعد العربية المسلمة، وليس فيها ما هو قطعي المخالفة, وهذا ما حاوله المفكرون من النحاة والمفسرون على مدى الأجيال.
وهذا التوجيه منهم ينشأ من عدة أسباب أهمها:
أولاً: تركيز قواعدهم التي قالوها. إذ لو كان القرآن الكريم مخالفاً لتلك القاعدة، لكان ذلك دليلاً واضحاً على عدم شموليتها وهو ما لا يريدونه لأنفسهم.
ثانياً: احترام القرآن الكريم، ورفعه عن أي شيء يتصورونه من النقص. حيث ان المفهوم عندهم ان مخالفة القواعد نقص واضح وهو مما يربأ عنه القرآن الكريم.
إلا أننا عرفنا، وخاصة في الوجه الثالث والرابع السابق. ان هذا الأسلوب، ليس نقصاً بل هو كمال، بل هو من أدلة الكمال نفسه.
بقي علينا ان نعرف وجوه المحامل لتلك الآيات الكريمة على القواعد العربية.
أولا: (الصَّابِئُونَ) معطوف على اسم (إِنَّ) محلاً، وان كان مرفوعاً لفظاً
ــــــــــــــــــــ[114]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
للتأكيد.
ثانياً: (الْمُقِيمِينَ) معطوف على محل (الرَّاسِخُونَ) محلاً ولكنه منصوب لفظاً على المدح.
ثالثاً: (إِنْ هَذَانِ) سقطت عن العمل بالسكون فلو أرجعناها إلى أصلها اعملناها (ان هذين لساحران) كما عليه بعض القراءات.
رابعاً: ان الضم في قوله: عَلَيْهُ اللَّـهَ لأجل تضخيم لفظ الجلالة، إذ لو جاء مكسوراً كان لفظ الجلالة مخففاً.
والتضخيم هنا ذو مصلحة لأجل إبراز أهمية المعنى الذي تتحدث الآية الكريمة عنه.

قواعد التجويد:
لا إشكال من الناحية الفقهية، من كفاية قراءة القرآن الكريم في الصلاة أو غيرها، بشكل مطابق للفصاحة في الجملة، وللقواعد النحوية، من ناحية أخرى.
بل أفتى المشهور ان الخطأ النحوي إذا لم يغيّر المعنى كان مجزياً، ولا يجب إعادته، وان كان أحوط استحباباً. ولكن ينبغي ان يكون الفرد غير متعمد، كما هو معنى الخطأ.
واما ان يتوخى الفرد أعلى أشكال الفصاحة في قرائته، فلم يُفتِ أحد بوجوبه. ونقصد بهذا الشكل تطبيق قواعد التجويد التي تجعل القراءة أفصح وألطف.
ولكن الإنصاف ان تطبيقات قواعد التجويد، قابلة للمبالغة أحياناً، فيتورط الإنسان في السماجة في قرائته بدلاً ان ينال الجمال والكمال.
ــــــــــــــــــــ[115]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
بل وجِدَ من الفقهاء، من يستشكل في أساليب القلب والإبدال ونحوها المقترحة في علم التجويد، بل يجب ان تبقى الحروف على طبعها في النطق لتكون فصيحة.
ويؤيد ذلك، اننا نستطيع التأكيد ان القرآن لم ينزل على طريقة التجويد، بل نزل على اللفظ الاعتيادي، فان أراد الفرد ان يقرأ القرآن على ما أنزل، فيجب ان يقرأه بلفظه الاعتيادي.
فالقلب والإبدال المقترح في علم الصرف والحركات المفترضة في علم النحو ضرورية للفصاحة ونعلم بنزول القرآن بها. وأما القلب والإبدال المقترح في علم التجويد فالأمر فيه مختلف تماماً.
بل الأمر عند فقهائنا أكثر من ذلك كما سنرى, حيث يعتبر من واضحات وأوليات علم التجويد المنع من الوقف مع الحركة ومن الدرج بالسكون. فان سَكّن الفرد الحرف الأخير وجب عليه الوقف وان حرّكه وجب عليه الدرج.
ولا أعهد أحداً من الفقهاء من أفتى بوجوب ذلك بصراحة لوضوح عدم الدليل من الكتاب والسُنّة عليه، فهُم بين محتاط وجوباً ومحتاط استحباباً، كما عليه -أعني الاستحباب- بعض أساتذتنا والسيد الأستاذ.
ولا يخفى ان الدليل معهم، فان السرعة في قراءة القرآن الكريم مفروضة ومنتشرة، كما ان سائر الطبقات ومختلف الثقافات بل حتى مختلف اللغات من يقرأ القرآن الكريم. وهذا أمر يشكّل سيرة قطعية قائمة منذ زمان المعصومين إلى العصر الحاضر. الأمر الذي يبرهن على ان كل التسامحات التي تحدث مع سرعة القراءة أو عدم إتقانها النسبي، مما لا يخل بالمعنى أو بأقل درجات الفصاحة، أو لم يكن عمدياً، فهو مسموح به شرعاً.
وبدلاً من ان نتوقع النهي عن هذه السيرة فإننا نرى العشرات من الروايات
ــــــــــــــــــــ[116]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الدالة على الإكثار من قراءة القرآن وتكراره، الأمر الذي يشكل إمضاء لتلك السيرة لا نهياً عنها.
ومن الواضح، ان أكثر قواعد التجويد عدداً بل أكثرها وضوحاً مما لا يلتزم به الناس في القراءة البطيئة فضلاً عن السريعة الأمر الذي يجعل الاحتياط الوجوبي بالنسبة إليها أمراً متعذراً. فضلاً عن الفتوى بالوجوب.
أما الوجه في الاحتياط الاستحبابي، فليس إلا توخي عدم مضادة قول من يرى الاحتياط الوجوبي.
وقد يقال: ان هناك من الأدلة ما يكفي للفتوى بالاستحباب بإتباع قواعد التجويد، وليس الاحتياط الاستحبابي فقط.
منها: قوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً.
ورواية عبد الله بن سليمان(1) قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله عز وجل: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً. قال: قال أمير المؤمنين: “بيّنه تبييناً ولا تهذّه هذّ الشعر ولا تنثره نثر الرمل. ولكن اقرعوا به قلوبكم القاسية ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة”.
وعن أبي بصير(2) عن أبي عبد الله في قوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً. قال: “هو ان تتمكّث فيه وتحسّن به صوتك”.
وعن علي بن محمد النوفلي(3) عن أبي الحسن قال: ذكرت الصوت عنده. فقال: “ان علي بن الحسين كان يقرأ فربما مر به المار فصعق من حسن صوته”. الحديث.
ــــــــــــــــــــ[117]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل: أبواب قراءة القرآن. باب21، حديث1.
(2) نفس المصدر: حديث4.
(3) نفس المصدر: باب24، حديث2.
إلا ان غاية ما تدل عليه هذه الروايات هو استحباب البطء في القراءة وتحسين الصوت فيه. وهذا لا يقتضي إتباع قواعد علم التجويد، بل يتم مع إتباع القواعد النحوية والصرفية فقط. فلعل قراءة التجويد تبقى من دون دليل حتى على الاستحباب.
نعم، لو قلنا بأن التجويد عرفاً مندرج في معنى تحسين الصوت وتحسين طريقة القراءة، كما لا يبعد، في كثير من قواعده، أمكن القول باستحبابه.
إلا اننا قلنا ان المبالغة فيه قد تؤدي إلى السماجة أحياناً. كما سنسمع.
قال بعضهم(1): «وقد يبالغ بعض القراء في التفخيم والترقيق بحيث يفقد الحرف وجوده عند الترقيق، أو يتحول إلى حالة الحصرمة عند التفخيم وإنما يراعى دائماً التوسط دون التكلف أو التعسف».
وقال في مورد آخر(2): «وهناك من يكسر الحرف الساكن سكون بناء كي يتمكن من النطق بالحرف الأخير، وهو ساكن في حالة الإظهار مثل: بكِرْ. بَعِضْ. علِمْ. ولا يجوز وقوعه في القرآن».
وقال في مورد آخر(3): «ولا تفخّم اللام الا في كلمة واحدة هي لفظ الجلالة… وهذا عند حفص وبقية القرّاء عدا ورش فانه يفخّم اللام في لفظ الجلالة وفي غير لفظ الجلالة عندما يأتي قبلها حرف إطباق…نحو (ظلوا… من أظلم… الصلاة… مصلى… الطلاق… طلقتم)». أقول: ولا شك في سماجة تضخيم اللام في هذه الموارد وعدم عرفيتها.
ــــــــــــــــــــ[118]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نظرات في علم التجويد. إدريس الكلاك, ص 109.
(2) نفس المصدر: ص111.
(3) نفس المصدر: ص104.
وقال في مورد آخر(1): «ومن الاقلابات الشائعة على ألسِنة العامة اقلابهم الدال على جيم في قراءة: لَقَدْ جَاءَكُمْ… واقلاب الدال إلى ذال في قوله: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا… والدال إلى شين مثل: قَدْ شَغَفَهَا.
وقال في مورد آخر(2): «والأولى النطق بالحرف على غير هيئة التشديد الذي أسموه بالانفجار الصوتي أو النبرة القوية الذي يؤدي إلى خلخلة في الصوت وبشاعة في النطق، مما تنزه عنه اللغة العربية ذات الجرس اللفظي المتزن».
قال(3): «ومن الخطأ كذلك ما يقع فيه بعض القراء المصريين من كسر حروف القلقلة بدل تسكينها. مثل قولهم: (سُبِحان) بدل سُبْحان. و(قدِ كان) بدل قدْ كان».
أقول: إلى غير ذلك من موارد السماجة التي تأتي بها المبالغة في تطبيق قواعد التجويد. فلعل الفتوى بكراهتها أولى. ولكن في الحدود الاعتيادية من هذه القواعد، مع المطابقة للذوق السليم، يمكن ان يقال: بأنه تحسين مندرج في كبرى الاستحباب ولكن الفتوى بوجوبه، مما لا وجه له.
وهذا يكفي في مناقشة علم التجويد فقهياً، بدون حاجة إلى الدخول في تفاصيل قواعده.

تجزئة القرآن الكريم:
للقرآن الكريم أسلوبان من التجزئة كل منهما ينقسم إلى أجزاء أصغر:
الأسلوب الأول: تجزئته إلى السور، وتجزئة السورة إلى الآيات. وهذه
ــــــــــــــــــــ[119]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: ص101.
(2) نفس المصدر: ص92.
(3) نفس المصدر الصفحة.
التجزئة منصوص عليها في القرآن الكريم نفسه. أما تسمية السورة؛ سورة. ففي أكثر من موضع قال تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا. وقال سبحانه: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ. وأما الآيات فمكررة في القرآن الكريم كثيراً، إلا ان بعضها يكون الأظهر منها إرادة الآيات اللفظية القرآنية لا الآيات الكونية وهي محل الشاهد الآن كقوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا.
إذن، فهذا المقدار من التجزئة ثابت وصحيح، إلا أن الخلاف في بعض مصاديقه. فمثلاً: اختلفوا في ان (سورة الفيل) وسورة (ألم نشرح) سورة واحدة أو اثنان, وقال الذين يدعون الوحدة: ان وجود البسملة بينهما لا يضر بوحدتهما لأنها قد تقع في وسط السورة كما ورد في (سورة النمل).
وجواب ذلك إجمالاً: ان ما وقع في (سورة النمل) مندرج في ضمن الكلام وليس آية مستقلة إذ قال تعالى: وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. واما حين ترد البسملة آية مستقلة، فهي دليل تعدد السورة. فان الوارد مؤكداً على ان الصحابة لم يكونوا يعرفون نهاية سورة وابتداء أخرى الا بنزول البسملة.
وهذا كما يدل على ان هاتين السورتين متعددة، فانه يدل على ان البسملة جزء من السورة التي تأتي هي في افتتاحها. وان البسملة جزء من كل سور القرآن الكريم وتمام الكلام في محله.
وكذلك اختلافهم في سورتي (الفيل وقريش). وهناك من الأدلة الفقهية ما يساق على وحدة هاتين السورتين وتلك السورتين غير ما سبق وليس هنا محله. غير انه من المؤكد ان قرائتهما في ركعة واحدة خلاف الاحتياط لاحتمال الجمع بين السورتين المنهي عنه. كما ان قراءة واحدة منها مخالف للاحتياط لاحتمال الاقتصار على بعض السورة. فترك هذه السور الأربعة في الصلاة واجب احتياطاً.
ــــــــــــــــــــ[120]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وأما بالنسبة إلى أسماء السور فلا نعلم من الذي وضعها وكيف تم الاتفاق عليها. وبعضه وان كان جيداً في المعنى كسورة (الحمد والتوحيد)، إلا ان بعضه ليس كذلك كذكر الحيوانات: البقرة والفيل أو ذكر الكافرين والمنافقين، أو باسم غير موجود لفظه في السورة كالأنبياء والممتحنة وغيرهما. إلا انه لا سبيل اليوم إلى إحداث بعض التغيير.
والأولى الجري على ما فعله (السيد الشريف الرضي) في كتابه: مجازات القرآن حيث يعنون هكذا: السورة التي تذكر فيها البقرة والسورة التي تذكر فيها النساء والسورة التي تذكر فيها الأنعام وهكذا في كل السور. وهي التفاتة بارعة.
وما يمكن ان يستدل به على حجية أسماء السور بعض الأدلة نذكر أهمها:
الدليل الأول: السيرة الصاعدة إلى زمان المعصومين بل لعلها صاعدة إلى زمان النبي. من التسالم على تسمية السور بهذه الأسماء.
وهذا صحيح في الجملة، الا انه يجب ان نحرز شمول السيرة لكل السور بهذه الأسماء نفسها. مع العلم ان هذا العموم مشكوك التحقق في زمن المعصومين فضلاً عن النبي، ولا أدل على ذلك من الاختلاف في أسماء بعض السور كالمؤمن وغافر، وكالإسراء وبني إسرائيل.
على ان المظنون جداً ان سكوت الأئمة عن هذه التسميات أو عن كثير منها على الأقل، لا تجري فيها أصالة الجهة كما يعبرون في علم الأصول، باعتبار اشتهارها بين طبقات كثيرة من المذاهب الإسلامية المتعددة.
الدليل الثاني: وجود الروايات عن الأئمة المعصومين في تسمية هذه السور. وهي كثيرة مروية في عدة موارد منها: ثواب من قرأ هذه السورة أو تلك وهو حقل من حقول المعرفة على أي حال.
ــــــــــــــــــــ[121]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وجواب ذلك من وجوه:
أولاً: عدم جريان أصالة الجهة كما أشرنا.
ثانياً: مجاراة الناس والحديث معهم بألسنتهم وعلى قدر عقولهم.
ثالثاً: ان بعض الأسماء تختلف في الروايات عما هي موجودة عليه الآن. مما لا مجال للدخول في تفاصيله.
رابعاً: ان كثيراً من هذه الروايات بل الأعم الأغلب منها غير تام سنداً، فلو كان ناطقاً ببعض الأحكام لم يحكم الفقهاء على طبقه.
وإذا لم يتم هذان الدليلان، لا يبقى لدينا غير جواز تسمية السور بمعنى الإشارة إلى واقعها، طبقاً لما يعرفه المجتمع لا أكثر.
الإسلوب الثاني: من تجزئة القرآن الكريم، تجزئته إلى ثلاثين جزء وكل جزء إلى أربعة أحزاب. فيكون المجموع مائة وعشرون حزباً.
والتجزئة إلى الاجزاء الثلاثين متسالمة فعلاً، إلا ان هناك بعض المصاحف من يقسّم الجزء إلى حزبين والحزب إلى النصف والربع. فلا تكون هذه التجزئة الأخرى متسالمة.
وعلى أي حال، فالأسلوب الثاني، يفقد كِلا الدليلين السابقين لأننا لا نعلم تاريخ هذه التجزئة ولا من الذي عملها، ولم يرد عنها ذكر في الروايات.
ومن المؤكد ان التابعين ومن بعدهم كانوا يتحرجون من ان يضيفوا لنص القرآن الكريم أي شيء زائد أو غريب، وهذا شامل لأمثال هذه التجزئات، فمن المؤكد انها جاءت متأخرة. ولا نعلم تاريخها وعدم ورود ذكرها في الروايات يؤكد تأخرها الكثير وإنها لم تكن موجودة في عصر المعصومين، أو لم تكن مشهورة أو مهمة في نظر الناس، بحيث لا بد من التركيز عليها.
ــــــــــــــــــــ[122]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ولو ورد أحياناً ذكر لأجزاء القرآن في الروايات(1)، فيجب ان يحمل على المعنى اللغوي، وليس على هذه الطريقة المتبعة. ولئن قلنا في أسماء السور بعدم جريان أصالة الجهة فهنا أولى، كما هو واضح لمن يفكر.

أغراض السور:
هناك غرض عام لنزول القرآن الكريم جملةً وتفصيلاً وقد نطق القرآن في عدد من آياته.
كقوله تعالى:  نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(2). وقوله جل وعلا: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا(3)وقوله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً(4).
وقوله سبحانه: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(5) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.
وهي تبين عدة أغراض عامة وأهداف شاملة وليس غرضاً واحداً: كالرحمة والهداية والتثبيت والبشرى وتبيان كل شيء والإنذار. ولا حاجة الآن إلى شرح معانيها أكثر مما هي واضحة.
وإنما محل الشاهد الآن هو التساؤل عما إذا كان لكل سورة غرضها
ــــــــــــــــــــ[123]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) ورد في صفة المتقين انهم: “تالين لأجزاء القرآن” انظر نهج البلاغة, ج1, ص161, وانظر أيضاً الوسائل, ج4. أبواب قراءة القرآن: باب3, حديث6.
(2) الشعراء: 193– 195.
(3) الفرقان: 1.
(4) النحل: 89.
(5) النحل: 102.
الخاص بها. كجزء من الغرض العام للقرآن أو كتطبيق من تطبيقاته كما هي جزء منه أم لا؟
وهذا الغرض واضح في بعض السور بلا شك. فيحسن ان نذكر بعضاً منها، والله أعلم بما ينزل:
سورة التوحيد: نفهم منها ان الغرض ذكر الصفات الرئيسية لرب العالمين جل جلاله، وأهمها التوحيد.
سورة الحمد: نفهم منها اجلال الله سبحانه والخضوع له. فانها تبدأ بتمجيده ثم تعرّج على الدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم.
سورة الكافرون: نفهم منها المباينة بين عقيدة الحق وعقيدة الباطل.
سورة الواقعة: نفهم منها تقسيم الناس إلى ثلاث أقسام، بشكل لا يمكن فيه الزيادة والنقصان، مهما اختلف أصحاب الأقسام في درجاتهم أو دركاتهم. وهم: المقربون وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال وهم أصحاب المشئمة أيضاً.
سورة يوسف: نفهم منها التعرض إلى جملة من الحوادث التي وقعت لهذا النبي الجليل، لغرض الاعتبار بها والاستلهام منها.
سورة القصص: نفهم منها التعرض إلى نبوة النبي موسى بن عمران، لغرض الاعتبار بها أيضاً، مع زيادات على حوادثها ترتبط باشكال أخذ الاعتبار منها، وليست أجنبية بالمرة عنها، ولذا ذكر (قارون) في آخرها الذي كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ.
ونفهم من المعوذتين الاستعاذة من الشرور، بالطريقة المذكورة فيها. وهكذا: سورة الفيل وسورة الإيلاف وسورة القارعة وسورة المنافقين وبعض السور الأخرى.
ــــــــــــــــــــ[124]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ويغلب إمكان فهم الغرض العام من السورة على السور القصار. فانه أسهل من السور الطوال.
وتبقى كثيراً من السور الطوال وغيرها لا نفهم منها غرضاً محدداً. وهذا محمول على أحد وجهين:
الوجه الأول: انه لا ضرورة للقول بأن كل سورة تتكفل غرضاً محدداً أو غرضين مثلاً، ولا دليل على ذلك. وإنما السورة تعتبر حديثاً عاماً يطرق أغراضاً متعددة جداً، تدخل تحت الغرض العام للهداية القرآنية.
والدليل على ذلك متعدد:
1- ان بعض الآيات -وليس السور- تطرق معاني مختلفة غير متفقة. كقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ. فإذا كان ذلك في الآية الواحدة، فوجوده في السورة من باب الأولى.
2- انه ورد: ان النبي حين كانت تنزل بعض الآيات كان يقول ما مضمونه: ألحقوها بمكان كذا في القرآن. فلم يكن هو يضمن لها الترتيب بحسب النزول. وإنما كان هو مخولاً ان ينظم السور برأيه.
وإذا كان النزول ذا غرض معين، فقد نفهم ان الترتيب الجديد يخرجها عن ذلك الغرض. أو قل: انه يدل على عدم وجوده, فتأمل.
وعلى أي حال يكفي عدم الدليل على وجود الغرض للسور بمفردها.
الوجه الثاني: انه بالرغم من الوجه الأول، فإننا نحتمل(1) وجود الغرض للسور، ولو بترتيب النبي لها، لكننا لا نستطيع ان نفهمه لأنه ليس بمستوى عقلنا وتفكيرنا، بل هو من معاني القرآن المعمقة التي لا يلتفت إليها إلا
ــــــــــــــــــــ[125]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) لأننا قلنا انه لا دليل عليه، ولم نقل ان الدليل قائم على خلافه.
الراسخون في العلم. ومعه, فمحاولة ذلك لا بد ان تبوء بالفشل.
ومن المؤسف انه لا توجد روايات واردة عن المعصومين تحدد ذلك، لكي نأخذ بها أو نستعين بها على كشف هذا المعنى الغامض.
وعدم وجود الروايات، وان كان يرجح عدم وجود الغرض المشترك، إذ لو كان موجوداً لصرح به ولو في بعض السور(1). لكن يمكن ان يكون عدم وروده من باب دقته فوق أذهان العامة، مما اقتضت المصلحة كتمانه.

السجود في القرآن الكريم:
من المعروف بل من ضروريات الدين وإجماع المسلمين، ان في القرآن الكريم مواضع يكون السجود فيها عند القراءة أو الاستماع مطلوباً وراجحاً. بعضه على نحو الوجوب وبعضه على وجه الاستحباب.
والمتسالم عليه بين فقهائنا، هو وجوبه في أربعة مواضع: في (حم فصلت) و(حم السجدة) والنجم واقرأ… والباقي سجودات مستحبة في أحد عشر موضعاً:
1- الأعراف، عند قوله: وَلَهُ يَسْجُدُونَ(2).
2- الرعد، عند قوله: وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ(3).
3- النحل، عند قوله: وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(4).
ــــــــــــــــــــ[126]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نعم، ورد ذلك عن سورتي التوحيد والواقعة فقط، حسب علمي.
(2) آية: 206.
(3) آية: 15.
(4) آية: 50.

4- الاسراء، عند قوله: وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا(1).
5- مريم، عند قوله: خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا(2).
6- الحج، عند قوله: يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ(3).
7- الحج أيضاً، عند قوله: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ(4).
8- الفرقان، عند قوله: وَزَادَهُمْ نُفُورًا(5).
9- النمل، عند قوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(6).
10- ص، عند قوله: وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ(7).
11- الانشقاق، عند قوله: لَا يَسْجُدُونَ(8).
وقولنا (عند قوله) تقريبي، وإلا فلقارئ القرآن الكريم ان يُتِم الآية فقط. وله ان يُتِم المقطع القرآني المتصل بمعنى واحد. وله -في المستحبات- ان يؤجل سجدته إلى انتهائه من التلاوة ولكن هذا التأجيل في السجدات الواجبة مخالف للاحتياط جداً.
بقيت الإشارة إلى بعض الأمور:
الأمر الأول: أفتى قسم من الفقهاء منهم -متقدمون ومتأخرون- باستحباب
ــــــــــــــــــــ[127]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) آية: 109.
(2) آية: 58.
(3) آية: 18.
(4) آية: 77.
(5) آية: 60.
(6) آية: 26.
(7) آية: 24.
(8) آية: 21.
السجود عند كل لفظ للسجود في القرآن وقد وردت في ذلك بعض الروايات.
منها: صحيح محمد بن مسلم(1): “كان علي بن الحسين يعجبه ان يسجد في كل سورة فيها سجدة”.
ولا بد ان يراد في هذه الرواية ونحوها من السجود، السجود لله عز وجل. فان ما ورد في القرآن من مادة السجود أو لفظه مختلف من هذه الناحية. فان أكثره وان كان مرتبطاً به سبحانه. إلا ان بعضها مرتبط بغيره. كقوله: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ(2).
وقوله: فإذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ(3).وقوله تعالى: وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّـهِ(4).
وقوله تعالى: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً(5).
وعلى أي حال، فمضمون هذه الفتوى صحيح فقهياً، اما بنحو الفتوى واما بنحو الاحتياط الاستحبابي على الأقل.
الأمر الثاني: ظاهر عدد غير قليل من آيات القرآن الكريم، ان السجود راجع لسماع أي آية من آيات القرآن بل مع وجود العتب والتعنيف الشديدين على تركه.
كقوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا
ــــــــــــــــــــ[128]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل: ج4. أبواب قراءة القرآن, باب44, حديث2.
(2) يوسف: 4.
(3) ص: 72.
(4) النحل: 24.
(5) يوسف: 100.
يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(1).
وقوله تعالى: يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ(2)… إذا فهمنا ان السجود للآيات نفسها.
وكذلك قوله: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا(3). وقوله: وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(4). وغيرهما.
وعلى أي حال، فالأمر لا يعدو الاستحباب للإجماع على عدم وجوبه. ولكن الفتوى بالاستحباب طبقاً لظاهر هذه الآيات أمر غير بعيد.
الأمر الثالث: العمدة فقهياً في مشروعية السجود وجوباً أو استحباباً، إنما هو المرور على مادة السجود أو لفظه، بغض النظر عما قلناه في الأمر الثاني.
فلو قرأ قِسماً من الآية المحتوية على السجود، من أولها أو من آخرها، ولم يمر على مادة السجود، فليس هناك سجود فقهياً، وان كانت اللفظة مجاورة له كقوله تعالى: كَلَّا لَا تُطِعْهُ، وغيره.
وقد أفتى بعض أساتذتنا بعدم وجوب الذكر في سجود التلاوة أخذاً بالأصل الخالي من الحاكم أو الوارد لأن الروايات الآمرة بالذكر فيه غير تامة سنداً في رأيه. فيبقى الأمر على الاستحباب من باب التسامح في أدلة السنن. إلا ان الظاهر ان بعضها معتبر، فالأحوط وجوب الذكر، ودليله موكول
ــــــــــــــــــــ[129]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الانشقاق: 21 وما بعدها.
(2) آل عمران: 113.
(3) الاسراء: 107.
(4) مريم: 58 و 59.
إلى الفقه.
بقي ان نعرف ان ما هو الضروري في هذا السجود هو حصول مسمى السجود، بالشكل المرتكز في الذهن متشرعياً, يعني ان يكون له جهة تشابه مع سجود الصلاة في الجملة، ولا يفرق عنه تفريقاً نوعياً.
والمهم في السجود هو وضع الجبهة على الأرض مع الامكان وأما الأجزاء والشرائط الأخرى لسجود الصلاة، فلا يلحقها شيء منه إلا بمقدار ما أشرنا إليه من المشابهة بينهما، أو ان يصدق على المكلف انه ساجد من هذه الزاوية أيضاً. مضافاً إلى عدم لزوم الحرام فيه، كما لو كان محل السجود مغصوباً.
ولذا أفتى المشهور بسقوط غالب شرائط وأجزاء سجود الصلاة عن سجود التلاوة، كالطهارة من الحدث والخبث من الحيض والجنابة وغيرهما. وكذلك الاستقبال وطهارة موضع السجود واستكمال الأعضاء السبعة في السجود وان اختلفوا في بعض الأمور. والظاهر رجوعها إلى عدم كونها دخيلة في صدق السجود. فلاحظ.
فالمهم فيها النية وصدق السجود متشرعياً، والذكر على الأحوط وليس قبلها ولا بعدها تكبير واجب بل ولا مستحب، ولا بعدها تشهد ولا تسليم.

قصد الدعاء بالقرآن:
هل يجوز قصد الدعاء بالقرآن الكريم؟
اما في غير الصلاة، فهو واضح الجواز والصحة، كقوله تعالى: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. وغيرها كثير.
كما يمكن التكلم بالقرآن الكريم. لا أقصد بكل الكلام، كما نُقِل عن امرأة انها كانت تفعل ذلك خلال العصر الأول للإسلام. كما لا أقصد الاستشهاد
ــــــــــــــــــــ[130]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
بآيات القرآن الكريم على كثير من المقاصد والغايات. فإن هذا أيضاً واضح وصحيح.
وإنما أقصد إجراء المثل على الأشياء الكثيرة وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ. وإذا حالفك التوفيق وجدت القرآن ناطقاً بشكل عجيب بمختلف الأشياء. لا بمداليله اللفظية المباشرة بل بمعنى آخر ينطبق تلقائياً على المورد ونفهمه بوضوح. وهذا يختلف في الموارد اختلافاً كثيراً. كتطبيق أسماء الكفار أو أسماء الأنبياء أو أسماء الأماكن على أشخاص أو أماكن أو غيرها مما يمر بحياة الفرد، فتكتسب الآية معنى جديداً واضحاً بهذا الصدد.
وهذا هو الأسلوب الرئيسي لفهم القرآن الكريم مع الاستخارة به. إذ ليس هناك آية تنطبق على المورد انطباقا كاملاً بكل ظاهرها وإنما تنطبق بنوع من الاختلاف في التطبيق.
والمهم في هذا العنوان الذي ذكرناه هو الدعاء خلال الصلاة بالقرآن الكريم.
فان كان في غير الجزء الواجب، فلا إشكال فيه، ولا يكون من (كلام الآدميين) المنهي عنه والمبطل للصلاة، لوضوح ان قصد الدعاء لا يخرجه عن كونه قرآناً. والفرد ملتفت إلى أنّه يقرأ القرآن فعلاً. وقراءة القرآن غير مبطلة للصلاة. لكن بشرط ان لا يقصد الجزئية من الصلاة لا الواجبة ولا المستحبة، لأنه لا يوجد شيء من هذا القبيل في أجزاء الصلاة. فان قصد عامداً بطلت صلاته لأنه تشريع محرم.
واما قصد الدعاء من القرآن في الجزء الواجب، ومثاله قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. حيث يحتمل ان يقصد المصلي الدعاء بهذه الآية الكريمة، وهي جزء واجب من الصلاة، واما السور القصار فليس فيها دعاء.
ــــــــــــــــــــ[131]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
نعم, لو قرأ السور الطوال كالبقرة وآل عمران، فانها تحتوي في بعض آياتها على دعاء. فيكون هذا مثالاً آخر. إلا انه نادر الوجود عادة لصعوبة قراءة مثل هذه السور في الصلاة.
وقد قيل بعدم جواز قصد الدعاء ولو من باب الاحتياط الوجوبي لاحتمال التنافي بين قصد القرآنية وقصد الدعاء. فان قصد أحدهما بطل الآخر والمهم في الصلاة وجود القرآن وقصده.
إلا ان هذا القصد ينبغي ان يلاحظ على أكثر من مستوى:
المستوى الأول: ان يقصد الفرد الدعاء محضاً، مع تغافله أو اهماله لجهة القرآن الكريم. ويقتصر على الآية بهذا المقدار. فهذا واضح البطلان ومبطل للصلاة مع الاقتصار عليه.
المستوى الثاني: ان يقصد الفرد القرآن والدعاء معاً، بحيث يكون الداعي إلى قراءة الآية الكريمة كِلا الأمرين بمقدارٍ متساوٍ. وهذا أيضاً مبطل لأن المهم هو قصد الجزئية بالقرآن كشيء أساسي ولم يحصل.
المستوى الثالث: ان يقصد القرآن كشيء أساسي والدعاء كشيء ثانوي. يعني، عملياً: انه يستغل قراءة القرآن في الدعاء ضمناً. ولكن قصد الدعاء يُخرِج الآية الكريمة من الجزئية في نظره ولو ارتكازاً. فهذا أيضاً باطل ما لم يكرر الآية بالشكل المشروع. إذ لا بد من قصد الجزئية ولو ارتكازاً.
المستوى الرابع: ان يقصد القرآن كشيء أساسي وكجزء من الصلاة ولو ارتكازاً. وإنما يقصد الدعاء ضمناً. فهذا أمر جائز لأن ما هو المطلوب وهو الإتيان بالآية الكريمة كجزء من الصلاة قد حصل.
فان كان هناك احتياط استحبابي بالترك، فإنما هو للخروج عن مخالفة من قال بالمنع، ولاحتمال منافات الدعاء من القرآن مطلقاً، وان كان احتمالاً
ــــــــــــــــــــ[132]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
مرجوحاً على أي حال.

الاعتبار بالقرآن الكريم:
وهو أمر ضروري في قراءة القرآن، سواء كان في الصلاة أو غيرها. وان كانت القراءة مجزية بدونه على أي حال فقهياً، الا انها لا تحصّل للفرد أي ثواب أو أي درجة عند الله تعالى ما لم يحصل الاعتبار والتفكر. وبمقدار ما يحصل ذلك يحصل القبول.
وهو أمر لا ينافي الصلاة بطبيعة الحال، بل هو يدعمها ويرفع من شأنها، كما هو واضح.
ولكن لمجرد الالتفات أقول: انه ينبغي التفريق بين معاني القرآن الكريم. فانها كلها جليلة ومقدسة، ولكن بعضها يناسب محل التوجه والخشوع إلى الله سبحانه وبعضها لا يناسب ذلك، لأنها معاني عقلية أو اجتماعية أو فقهية أو نحوها، مما يكون التأمل فيها علمي ولا يناسب وضع الصلاة والتوجه. بل يكون مبعداً أكثر مما يكون مقرباً كآيات الاحكام وغيرها.
نعم، هو في غير أوقات الصلاة والتوجه، ضروري بل واجب بالوجوب الكفائي ولا شك باستحبابه النفسي، لأجل معرفة ما في القرآن من أسرار وعلوم وقانون لكي يطبقه الفرد على نفسه وغيره فيحظى بسعادة الدارين.
وان الأدلة الآمرة بالتفكر بالقرآن الكريم شاملة لكل أشكاله وحقوله.. غير ان الفرد ينبغي ان يضع لكل حقل موضعه ويورد كل منها مورده. فكما ان الاستشهاد بآية في الميراث لا معنى له في بحث فلسفي. كذلك إيرادها في وقت الاعتبار والخضوع.
ولذا عبّرنا في عنوان الفصل بالاعتبار، لأننا نتحدث الآن عن قراءة القرآن
ــــــــــــــــــــ[133]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
في الصلاة وأوقات الخشوع، والأدلة من الكتاب الكريم والسُنّة الشريفة طافحة بذلك, نورد عدداً منها:
قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(1).
وقال سبحانه: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(2).
وقال جل جلاله: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ(3).
وقال جلت عظمته: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(4). وغيرها من الآيات.
وعن أبي حمزة الثمالي(5) عن أبي جعفر قال: قال أمير المؤمنين: “ألا أخبركم بالفقيه حقاً، من لم يُقنِط الناس من رحمة الله ولم يؤمِنهم من عذاب الله و لم يؤيسهم من روح الله. ولم يرخص في معاصي الله ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره. ألا لا خير في علم ليس فيه تفهّم. ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر. الا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه”.
وعن طلحة بن زيد(6) عن أبي عبد الله قال: “ان هذا القرآن فيه منار الهدى ومصابيح الدجى، فليَجلُ جَالٍ بصره ويفتح للضياء نظره. فان التفكر
ــــــــــــــــــــ[134]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) النحل: 44.
(2) الحشر: 21.
(3) ص: 29.
(4) النساء: 82.
(5) الوسائل: ج4، أبواب قراءة القرآن. باب3، حديث7.
(6) نفس المصدر: حديث1.
حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور”.
وعن سماعة (1)، قال: قال أبو عبد الله: “ينبغي لمن قرأ القرآن إذا مر بآية من القرآن فيها مسألة أو تخويف ان يسأل عند ذلك خير ما يرجو، ويسأله العافية من النار ومن العذاب”.
وعن السكوني(2) عن أبي عبد الله عن آبائه قال: قال رسول الله -حديث-: “إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فانه شافع مشفع وقائل مصدق ومن جعله امامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار. وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم وباطنه علم. ظاهره أنيق وباطنه عميق. له نجوم وعلى نجومه نجوم لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه. مصابيح الهدى ومنار الحكمة ودليل على المعرفة. لمن عرف الصفة، فليَجلُ جَالٍ بصره وليبلغ الصفة نظره. يُنجِ من عطب ويتخلص من نشب. فان التفكير حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور. فعليكم بحسن التلخص وقلة التربص”.
وعن عبد الله بن سليمان(3) قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله عز وجل: وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا. قال: قال أمير المؤمنين: “بيّنه تبييناً ولا تهذّه هذّ الشعر ولا تنثره نثر الرمل. ولكن اقرعوا به قلوبكم القاسية ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة”.
والأخبار في ذلك أكثر من ان تحصى وخطبة الإمام أمير المؤمنين في
ــــــــــــــــــــ[135]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث2.
(2) نفس المصدر: حديث3.
(3) نفس المصدر: باب21, حديث1.
نهج البلاغة في وصف القرآن الكريم أشهَر من أن تُذكَر، فراجعها ان شئت.
وكما يمكن تحصيل المعاني أو الاعتبار بالقرآن الكريم عند قرائته كذلك يمكن عند سماعه أو استماعه ومن هنا جاء الحث على الاستماع في القرآن والسُنّة.
قال الله سبحانه: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(1) وهذه الرحمة المتوقعة عند استماع القرآن الكريم على أشكال، منها: للثواب الأخروي، وهو الفهم المشهور. ومنها: التفات الإنسان إلى معاني القرآن وخطورها بالتدريج على ذهنه، الأمر الذي يورثه اعتباراً وخشوعاً وكمالاً.
وفي السُنّة عن عبد الله بن أبي يعفور(2) عن أبي عبد الله قال: قلت له: الرجل يقرأ القرآن أيجب على من سمعه الإنصات له والاستماع. قال: “نعم. إذا قرأ عندك القرآن وجب عليك الإنصات والاستماع”.
وعن زرارة(3) قال: سمعت أبا عبد الله يقول: “يجب الإنصات للقرآن في الصلاة وغيرها. وإذا قرئ عندك القرآن وجب عليك الإنصات والاستماع”.
إلى غيرها من الروايات.
وينبغي ان نلتفت هنا إلى عدة أمور:
الأمر الأول: ان الإنصات والاستماع ضروريان للفهم. لوضوح ان مجرد السماع بدون تركيز وانتباه لا تحصل منه أي فائدة، الا ان يشاء ربي شيئاً.
الأمر الثاني: ان قوله: “وجب عليك الإنصات” لا يراد به الوجوب
ــــــــــــــــــــ[136]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الأعراف: 204.
(2) الوسائل: (المصدر السابق) باب26، حديث4.
(3) نفس المصدر: حديث6.
الفقهي، بل مطلق المطلوبية، لأنه لم يكن يومئذ للوجوب معناه الاصطلاحي الفقهي الإلزامي، لكي نحمل النص عليه. وإنما هو بمعنى الرجحان الشديد والاستحباب الأكيد. وهو المطلوب.
الأمر الثالث: قوله: “في الصلاة وغيرها”، يعني في صلاة الجماعة, إذ وردت هذه الرواية -وغيرها مما لم نذكره- دليلاً على استحباب إصغاء المأمومين لقراءة الإمام في صلاة الجماعة. ووردت روايات في استحباب رفع الإمام صوته في القراءة ليسمع المأمومين، وهذا شكل من أشكال التفاعل بين الإمام والمأمومين، للالتفات إلى فوائد القرآن الكريم. غير ان هذه الرواية المشار إليها في أول هذه الملاحظة تدفع احتمال ان يكون رجحان الاستماع خاصاً بالصلاة بل هو شامل للصلاة وغيرها، كما هو الواقع.
ــــــــــــــــــــ[137]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني

فصل
قاعدة الفراغ

وفكرتها الإجمالية، ان الفرد إذا فرغ من عمل عبادي معين كالوضوء أو الصلاة مثلاً. ثم شك انه أتى بجزء معين خلال تلك العبادة أم لا، فان له ان يبني على الصحة، وانه أتى بالجزء المشكوك ان شاء الله تعالى.
ونبدأ بسرد ما ورد فيها من روايات لنكون على بصيرة من أمرنا حين نتحدث عن القاعدة:
صحيحة زرارة(1) عن أبي جعفر قال: “إذا كنت قاعداً على وضوئك فلم تدرِ أغسلت ذراعيك أم لا. فأعِد عليهما وعلى جميع ما شككت فيه انك لم تغسله أو تمسحه مما سمّى الله ما دمت في حال الوضوء. فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أخرى في الصلاة أو غيرها فشككت في بعض ما سمّى الله مما أوجب الله عليك فيه وضوؤه لا شيء عليك فيه فان شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللاً فامسح بها عليه وعلى ظهر قدميك. فان لم تصب بللاً، فلا تنقض الوضوء بالشك وامضِ في صلاتك. وان تيقنت انك لم تتم وضوئك فأعد على ما تركت يقيناً حتى تأتي على الوضوء..” الحديث.
وموثقة عبد الله بن أبي يعفور(2) عن أبي عبد الله قال: “إذا شككت
ــــــــــــــــــــ[138]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل: ج1, أبواب الوضوء: باب42، حديث1.
(2) نفس المصدر: حديث2.
في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشيء إنما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه”.
وصحيحة محمد بن مسلم(1): قال: قلت لأبي عبد الله: رجل شك في الوضوء بعدما فرغ من الصلاة. قال: “يمضي على صلاته ولا يعيد”.
ورواية محمد بن مسلم(2) قال: سمعت أبا عبد الله يقول: “كل ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكراً، فأمضه ولا إعادة عليك فيه”.
وصحيحة بكير بن أعين(3) قال: قلت له: الرجل يشك بعدما يتوضأ, قال: “هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك”.
والقدر المتيقن من هذه الروايات -وهو مورد النص والإجماع- ان المكلف إذا انتهى من الوضوء واشتغل بشيء آخر كالصلاة أو القراءة أو أي شيء آخر.. ثم شك، في بعض أفعال الوضوء، كما لو شك انه غسل يده اليمنى أم لا أو شك انه مسح رأسه أم لا، فان وظيفته الشرعية هو البناء على صحة الوضوء وعدم الاعتناء بالشك.
سواء كان في الصلاة الأولى أو ما بعدها، ولا يجب عليه الوضوء ما لم يحدث.
الا ان هنا تفريعات كثيرة زائدة على هذا القدر المتيقن هل تشمله هذه القاعدة المسماة فقهياً بقاعدة الفراغ أم لا؟ ونعرض الأهم من هذه التفريعات من خلال الأسئلة التالية:
1- يشترط بعض الفقهاء في القاعدة ان يكون المكلف محرزاً حين الشك
ــــــــــــــــــــ[139]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث5.
(2) نفس المصدر: حديث6.
(3) نفس المصدر: حديث7.
انه كان ملتفتاً عند الوضوء. فلو لم يحرز ذلك لم تَجرِ القاعدة. فهل الأمر حقاً كذلك؟
2- إذا شك في الفراغ وعدمه، كما لو كان الشك في الجزء الأخير من الوضوء ولم يكن مضى زمان معتد به. فهل تجري القاعدة أم لا؟
3- هل يجب ان يكون المكلف داخلاً في عمل مستقل عرفاً. أو يكفي مضي زمان معتد به، وكم هو هذا الزمان؟
4- إذا شعر الفرد بالانتهاء من العبادة هل يكون ذلك كافياً، وان لم يمضِ زمان معتد به أو لا؟
5- قاعدة الفراغ خاصة بالوضوء في الروايات، فهل تشمل بإطلاقها سائر العبادات كالصلاة والحج؟
6- هل تشمل هذه القاعدة بإطلاقها جانب المعاملات في الفقه أم لا؟
ونبدأ بالجواب على هذه الأسئلة ضمن جهات:
الجهة الأولى: في شرط قاعدة الفراغ.
وهو ان يحرز الفرد الشاك نفسه انه كان متذكراً وملتفتاً عند الوضوء، فان لم يحرز ذلك لم تجرِ القاعدة.
والدليل على ذلك هو قوله في صحيحة بكير: “هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك”.
فهل يستفاد من هذه الجملة ذلك، كما فهم الفقهاء أم لا؟ مع العلم انه يحتمل في فهمها عدة أمور:
الأمر الأول: انها كالتعليل لقاعدة الفراغ، فتصلح ان تكون مقيدة لها. فتنتفي القاعدة بدونها. وهذا هو الوجه الذي يبني عليه الفقهاء
ــــــــــــــــــــ[140]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
المشترطون لذلك.
إلا ان للمناقشة فيه مجال واسع:
أولاً: ان قاعدة الفراغ غير مذكورة في صحيحة (بكير) إطلاقاً, وإنما ذكر في السؤال موضوعها فقط: «الرجل يشك بعدما يتوضأ» والإمام لم يُجِبْ بقاعدة الفراغ حتى يكون قد قيدها بهذه الجملة المبحوث عنها، وإنما وقعت هذه الجملة في الجواب رأساً.
وقد يخطر في البال: اننا نفهم القاعدة من الروايات الأخرى، ونجعل هذه الجملة قيداً لها.
إلا ان هذا المقدار يجاب بدوياً: بأنه لا دليل على ان هذه الجملة مربوطة بقاعدة الفراغ أساساً بعدما خلت روايتها عن التعرض لها. إلا ان هذا يجاب: بأننا نعرف ذلك من انحفاظ الموضوع وهو موضوع واحد للقاعدة المستفاد من الروايات الأخرى والقيد المستفاد من هذه الرواية.
الا ان هذا بمجرده غير كافٍ، بغض النظر عما سوف نقوله في الأجوبة الآتية. لأن ظاهر صحيحة (بكير) ان الجواب فيها كافٍ للمكلف، بغض النظر عن قاعدة الفراغ. وذلك: ان الالتفات عند العمل أمارة كافية للحكم بصحة الوضوء، ومع وجود الأمارة لا حاجة إلى جريان القاعدة.
ثانياً: انه يمكن ان ننفي استفادة التعليل منها لأنها جملة مثبتة بسيطة خالية من الشرطية والتعليل اللفظي، كما هو واضح.
ومع انعدام الشرطية، لا تعارض بين المنطوقين، فلا يتم التقييد ومع انعدام التعليل اللفظي، لا مجال للتمسك بالإطلاق.
ثالثاً: يمكن ان نفهم من هذه الجملة مجرد إضفاء جهة نفسية على الشاك لدفع الشك. لكي يرتفع شكه تكويناً في الموارد الأخرى، لا كقاعدة ظاهرية
ــــــــــــــــــــ[141]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
منصوبة حال الشك.
فكأنه قال: لا موجب للشك لان الفرد غالباً يكون خلال الوضوء ذاكراً وملتفتاً إلى أفعاله، وإنما يبدأ بالنسيان بعد ذلك. ومعه فالأفضل الإعراض عن الشك والنسيان بالمرة.
ويتلخص من ذلك: اننا ان استفدنا من هذه الجملة الأمارية، كانت حاكمة على قاعدة الفراغ ومعه لا مجال لتقييد القاعدة بها. وإنما يحصل موضوع القاعدة مع انتفاء موضوعها على القاعدة في كل الأدلة الحاكمة والواردة.
الأمر الثاني: ان نستفيد منها الحكم الظاهري على مستوى الأصل العملي، فهو تعبير آخر عن قاعدة الفراغ الجارية في هذه الحصة وهو حال وجود الالتفات, وغير شامل للحصة الأخرى. ولكنه لا يمكن ان يكون نافياً لها لعدم وجود المفهوم له وعدم استفادة التعليل. حيث لم يقل: لأنه حين يتوضأ اذكر منه حين يشك.
الأمر الثالث: ان نستفيد منها مجرد الإقناع الرافع للشك تكويناً من النفس، فهذا لا يندرج في الحكم الشرعي ليكون مقيداً.
ومعه، فعلى كل تقدير لا مجال لتقييد إطلاق القاعدة المستفادة من الروايات الأخرى، بهذه الجملة.
والإجماع غير متحقق لا وجداناً ولا نقلاً سوى الشهرة، وان كان فهو غير تعبدي، وإنما هو راجع إلى التمسك بهذه الصحيحة الذي عرفنا ما فيه.
والصحيح هو الاحتمال الأوسط وهو الحكم الظاهري العملي، لأننا ننفي كونه لمجرد الإقناع، لأن الظاهر من الجواب هو بيان الحكم الشرعي إذا كان السؤال عنه، كما هو محرر في علم الأصول.
كما ننفي الاحتمال الأول، وهو الأمارية، لأنها تحتاج إلى استفادة التنزيل
ــــــــــــــــــــ[142]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
منها، وهو متعذر. فتبقى أصلاً عملياً غير تنزيلي خاصاً بمورده، وغير مقيد للموارد الأخرى لقاعدة الفراغ إذ لا تنافي بين المثبتين ولا مفهوم له.
فإن قيل: انه يمكن استفادة المفهوم من تركيز الإمام على هذه الحصة، إذ لولا ذلك لكان ذكرها لغواً، وخاصة وان الحصة لم ترد في السؤال، ليكون سبباً لاختصاص الجواب بها.
قلنا: انه يكفي الاحتمال في إبداء بعض (المصالح) اللفظية أو النوعية في بيان الحصة لينتفي المفهوم. وبها ينتفي مطلق مفهوم الوصف على ما هو محقق في علم الأصول.
والنكتة المحتملة هنا، هي الغلبة، فان الأعم الأغلب للفرد انه ملتفت إلى أفعاله خلال العمل. وإنما يشك أو ينسى بعد الانتهاء. أو قل: ان الغالب بمن يشك بعد العمل انه لا وجود للشك خلاله. فتخصيص الإمام كلامه بالحصة الغالبة خالٍ من الاستهجان، فلا يكون المفهوم مستفاداً.
الجهة الثانية: في جريان القاعدة مع الشك في الفراغ وعدمه. فان المكلف يجب ان يحرز موضوع القاعدة الوارد في النصوص وهو ان يكون (بعد الوضوء) أو (في حال أخرى) أو (ما مضى من صلاتك وطهورك) ونحوه. والمفروض في هذه الجهة ان هذا لم يحرز، للشك في انه انتهى من الوضوء أم لا؟ ومثاله، كما ذكرنا: الشك في الإتيان بالجزء الأخير منه، كمسح الرجلين أو الرجل اليسرى، مع عدم الشعور بالانتهاء أيضاً بطبيعة الحال.
ولا شك ان شيئاً من هذه العناوين لا يصدق، فانه يقول في صحيحة زرارة: “فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت منه في حال أخرى”.
ومع تحقق موضوع الرواية، لا شك في جريان القاعدة، وهو الدخول في حال أخرى عرفا، حتى ولو كان الشك في الجزء الأخير. الا ان المفروض
ــــــــــــــــــــ[143]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
عدم مضي زمان معتد به، وبقاء زمان إمكان التدارك.
وفي موثقة ابن أبي يعفور: “وقد دخلت في غيره”. إذا كان المراد بالضمير هو الوضوء. فيكون حالها الحال السابق.
واما إذا كان الضمير راجعاً إلى أفعال الوضوء. لأنه يقول: “إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره”، فان كان المراد به (في شيء من أفراد الوضوء) فما قلناه ثابت.
وعلى هذا التقدير يعود الضمير إلى الوضوء نفسه، وهو الأقرب لفظياً إليه، وان كان المراد به: (في شيء من أجزاء الوضوء) فيكون الضمير راجعاً إلى (الشيء) المعبر عن أحد أفعال الوضوء ويكون الجار والمجرور من توابعه. ومعه تكون الرواية دالة على قاعدة التجاوز، وليس على قاعدة الفراغ، وتكون أجنبية عن المقام.
واما احتمال ان يكون الضمير -مع ذلك- عائداً إلى الوضوء، فتكون دالة على قاعدة الفراغ، فغير ظاهر، لأن الظاهر رجوعه إلى الموضوع الرئيسي للكلام في الجملة السابقة وهو الشيء. ويكون الجار والمجرور إيضاحاً لا بد منه لإبراز المراد.
وفي صحيحة بكير: «الرجل يشك بعدما يتوضأ». وظاهره الشك في الأفعال لا في أصل الوضوء, إذ لا معنى لكونه بعد الوضوء عندئذ. والشك مقيّد بكونه بعد الوضوء، فيجب ان يحرز هذا الأمر تكويناً، والمفروض عدم إحرازه في المقام.
وأولى من ذلك قوله في صحيحة محمد بن مسلم: «رجل شك في الوضوء بعدما فرغ من الصلاة». فانه يخرج بنا عن فرض المسألة. إذ في مورد الرواية تجري القاعدة كما قلنا.
ــــــــــــــــــــ[144]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وكذلك قوله في رواية محمد بن مسلم: “كل ما مضى من صلاتك وطهورك، فذكرته تذكراً”. لأن ظاهره التذكر بعد مضي زمان معتد به. فلا تكون الرواية منطبقة على المقام.
نعم، يمكن تقريب كون المكلف (بعد الوضوء) بتقديم أساليب أخرى في فهم هذا العنوان:
الأسلوب الأول: لا شك ان الفرد تيقن آناً ما بفراغه من الوضوء ثم حصل له الشك في الآن الثاني. فيقال: ان اليقين بانتهاء الوضوء حجة بحدوثه، وان ارتفع بعد ذلك بالشك، على طريقة قاعدة اليقين التي يزول يقينها بنحو الشك الساري.
غير ان الصحيح هو عدم صحة قاعدة اليقين وعدم إمكان استفادتها من أدلة الاستصحاب.
الأسلوب الثاني: ان نجعل يقينه بالفراغ آناً ما أمارة نوعية على حصول الفراغ فعلاً. وهو الظن النوعي بمطابقة يقين المتيقن للواقع.
ولا يجاب هذا الأسلوب، كما أجاب السيد الأستاذ(1) بأنه لا دليل على اعتبار وحجية هذا الظن النوعي، لأنه يقال: ان الظنون النوعية حجة بالسيرة العقلائية، فإنهم يبنون على ظنونهم النوعية بلا إشكال، الا ان الإشكال يأتي من جهتين:
1- في مقدار الظن النوعي الذي يعمل به العقلاء. فهذا اليقين بعدما تعقبه الشك أصبح الظن بصدقه ضئيلاً. مما قد يخرجه عن السيرة، ولا أقل من كونه من قبيل الشبهة المصداقية له.
ــــــــــــــــــــ[145]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) التنقيح: ج5، ص 155.
2- ان العقلاء إنما يبنون على ظنونهم النوعية القائمة فعلاً دون ما هي في طريقها إلى الزوال. ومثل هذا الظن المتضائل بالشك في الآن الثاني، قد يخرجه عن حيز السيرة ولا أقل من كونه أيضاً من قبيل الشبهة المصداقية له.
الأسلوب الثالث: ان المراد بالفراغ: الفراغ الاعتقادي البنائي لا الفراغ الحقيقي, لعدم إمكان الشك في فساد العمل مع تحقق الفراغ الحقيقي عن العمل.
ويجاب ذلك ببعض الوجوه:
1- انه مخالف لظاهر الروايات الدالة على واقع الفراغ بلا إشكال، لا مجرد الاعتقاد.
2- ان هذا الاعتقاد قد زال بالشك في الآن الثاني فما هو الدليل على حجيته، بعد انتفاء الوجوه السابقة.
3- انه يمكن الشك في صحة العمل وفساده حتى مع الفراغ الحقيقي لأن الواقع لا ربط له بالتصور الذهني ربطاً كاملاً، فقد لا يصل الواقع إلى الذهن وصولاً كاملاً بل وصولاً ناقصاً فيحصل الشك فيه، وهذا وجداني في كثير من الأمور الواقعية، التي نشك في حصولها.
الأسلوب الرابع: ان المراد بالفراغ: الفراغ الادعائي. وهو يتحقق بالإتيان بمعظم الأجزاء. وهو حاصل بالفرض.
وجوابه: انه يفتقر إلى الدليل على الحجية.
وقد يجاب بما أجاب السيد الأستاذ(1) بأن صحيحة زرارة المتقدمة دالة على نفيه لدلالتها على لزوم الاعتناء بالشك ما لم يقم عن وضوئه.
ــــــــــــــــــــ[146]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) التنقيح: ج5، ص 154.
وجوابه: ان الشك بالجزء الأخير قد يأتي متأخراً بعد ان يقوم عن وضوئه. مضافاً إلى إمكان فهم الطريقية من هذا العنوان، وليس الموضوعية، يعني الإشارة لواقع الانتهاء من الوضوء، وليس التحول إلى حال أخرى، فتأمل ولاحظ.
الأسلوب الخامس: الفراغ العرفي، كما فهمه السيد الأستاذ(1)وقال: «ولكن متعلّقه ليس هو العمل الصحيح بل ذات العمل الأعم من الصحيح والفاسد. إذ لا معنى للشك في الصحة مع الفراغ عن العمل الصحيح».
وقد عرفنا بعض ما فيه:
1- عرفنا انه يمكن الشك بالفراغ مع العمل الصحيح لأن الواقع قد لا يصل إلى الذهن بتمامه فيشك. وهذا وجداني. نعم، لو قيل: انه لا يمكن الشك في الصحة مع إحراز الفراغ عن العمل الصحيح، فهذا معناه اليقين بالفراغ واليقين بالصحة، فيخرج الأمر عن موضوع المسألة.
2- انه كيف يكون ذات العمل محفوظاً مع فرض نقصان جزئه الا ان نفهم الوجود العرفي له أيضاً. وهو مما لم يُشِر له السيد الأستاذ. وحمل الأدلة الشرعية في حدود الماهيات الشرعية عليه، لا يخلو من مناقشة موكولة إلى الأصول.
إذن، فالفراغ مع الشك في الجزء الأخير غير محرز فلا يكون المورد مصداقاً للقاعدة، بل يكون شبهة مصداقية له، فلا تشمله القاعدة ويجب الاعتناء بالشك بالاحتياط بالمسح مجدداً مع الامكان وبدونه إعادة الوضوء بنية الرجاء أو نية المطلوبية النفسية.
الجهة الثالثة: هل يجب ان يكون المكلف داخلاً في عمل مستقل عرفاً.
ــــــــــــــــــــ[147]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: ص 155.
أو يكفي مضي زمان معتد به أو لا يحتاج هذا أيضاً.
ظاهر عدد من الروايات لزوم الدخول في عمل مستقل عرفاً غير الوضوء. ففي صحيحة زرارة: “إذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أخرى في الصلاة أو غيرها فشككت…”.
وفي موثقة ابن أبي يعفور: “وقد دخلت في غيره”. إذا رجع الضمير إلى الوضوء، وفهمنا من الغير ما هو مغاير له عرفاً من الأعمال.
ورواية محمد بن مسلم: “كل ما مضى من صلاتك وطهورك فذكرته تذكراً”. الأمر الدال على مضي زمان معتد به وهو ملازم عادة للدخول في عمل آخر مهما كان تافهاً.
ومن باب الأولى: ما في صحيحة محمد بن مسلم: «رجل شك في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة». لأنه يكون قد انتهى من عدة أعمال بعد الوضوء، أو لا أقل من عمل كامل عرفاً وهو الصلاة.
وهذه النصوص تكون عرفاً قرينة على ما في صحيحة (بكير) من كونه
(بعد الوضوء) فنفهم منه انه بعد الوضوء بمقدار معتد به، أو مع الدخول في عمل آخر.
هذا غاية ما يمكن تقريب الاستدلال على هذا المطلوب. وهذا معناه تخصيص صحيحة (بكير) بمفهوم صحيحة (زرارة) الدال على انه إذا لم يُصِرْ الفرد في حال أخرى لم تَجرِ القاعدة.
الا انه يمكن المناقشة في ذلك بعدة وجوه:
الوجه الأول: تجريد المورد عن الخصوصية عرفاً. وان المهم هو الانتهاء من الوضوء، دون ما يتعقبه من أعمال.
ــــــــــــــــــــ[148]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وقد يجاب: بأن الأمر ان كان كذلك كان قوله في صحيحة زرارة: “إذا قمت من الوضوء وفرغت منه” كافياً ويكون قوله: “وقد صرت في حال أخرى لاغياً”.
إلا انه يجاب: بأنه ليس لغواً باعتبار افادته الإيضاح العرفي والتركيز التام على الانتهاء من الوضوء. إذ قد يكون الانتهاء قبل عدة ثواني، يعتبر انتهاءً مجازياً عرفاً أو محل شك، على حين يكون الانتهاء بعد الدخول بأعمال أخرى انتهاءً مركزاً ومفروغاً عنه.
وقد يجاب: بإيقاع المعارضة بين قوله في صحيحة زرارة: “إذا قمت من الوضوء”، الدال بإطلاقه على جريان القاعدة وان لم يدخل في عمل آخر. وبين مفهوم قوله في الصحيحة نفسها: “وقد صرت في حال أخرى”، الدال بإطلاقه على عدم جريان القاعدة عندئذ.
إلا ان هذا ليس بشيء لأكثر من وجه:
أولاً: لأنه من تعارض القرائن المتصلة. ومن المعلوم ان حجية الكلام لا تتم بدونها، بخلاف القرائن المنفصلة. ومعه فالتعارض بين القرائن المتصلة غير وارد.
ثانياً: هذا فرع عدم التجريد عن الخصوصية بالفهم العرفي، إذ مع هذا التجريد لا يبقى للمنطوق مجال فضلاً عن المفهوم.
ثالثاً: ان أداة الشرط واحدة، وغير متكررة في الجملة الثانية فيكون المورد من قبيل وجود أفعال شرط متعددة في جملة شرطية واحدة, فيكون بعضها مقيداً لبعض، ويكون القدر المتيقن أو المتحصل من المجموع هو الشرط الحقيقي.
غير ان هذا يقتضي وجوب الدخول في حال أخرى، كشرط للقاعدة، لولا
ــــــــــــــــــــ[149]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
التجريد عن الخصوصية.
الوجه الثاني: ان يؤخذ الدخول في الحال الأخرى، بنحو الطريقية لا بنحو الموضوعية.
فانها لو أخذت بنحو الموضوعية لزم ان تكون شرطاً للقاعدة. واما لو أخذت كطريق عقلاً وعقلائياً للانتهاء من الوضوء، كان النظر إلى ذي الطريق دونه. فيكون الشرط هو الانتهاء.
ولا مجال هنا لاشكال اللغوية، لأنه طريق غالب بلا إشكال.
وقد يجاب: بأن الظاهر من العنوان حمله على الموضوعية دون الطريقية، فتحتاج الطريقية إلى قرينة، وبدونها لا مجال لها. وهي مفقودة في الصحيحة.
وجوابه: انه يمكن جعل قوله: “بعد الوضوء”، من صحيحة (بكير) قرينة على فهم الطريقية. وان المهم هو كونه “بعد الوضوء” دون ما بعده من الأفعال، الا بمقدار دلالتها العرفية على الانتهاء.
وخاصة بعد قوله في صحيحة بكير: “هو حين يتوضأ اذكر”. إذ جعل المقابلة بين “حين الوضوء” و”بعد الوضوء”. وهما حالان ضدان لا يجتمعان. فلو كان المفروض الدخول في عمل آخر لكان لهذين الضدين ضد ثالث مهمل وهو العمل الأخر.
الوجه الثالث: تقييد صحيحة (زرارة) بصحيحة (بكير) وحيث دلت على ان يكون الشك بعد الوضوء مباشرة، فيكون منطوقها أخص من منطوق صحيحة (زرارة).
وبتعبير آخر: نقيد منطوق صحيحة (زرارة) بمفهوم صحيحة (بكير) الذي يقول: إذا لم يكن مباشرة لم تجر القاعدة. ويكون المتعدي إلى ما
ــــــــــــــــــــ[150]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
بعده من الأزمنة بالإجماع ونحوه.
الا ان هذا الوجه غير تام لعدة وجوه. أهمها: عدم دلالة صحيحة (بكير) على اشتراط المباشرة «بشرط لا» بعد الوضوء، كل ما في الأمر كونها مطلقة، من حيث كون الفرد قد دخل في حال أخرى أو لا. ومعه تكون صحيحة (زرارة) أخص. ولا أقل من معارضة، ويكون جريان القاعدة قبل الدخول بعمل آخر، مما لا دليل عليه.
فالعمدة هو الوجهان الأولان.
الجهة الرابعة: في حجية الشعور بالانتهاء والفراغ من الوضوء، وان لم يمضِ زمان معتد به، فضلاً عن الدخول في عمل آخر.
وهذا الشعور يشبه اليقين الذي تعرضنا له بأساليبه الخمسة في الجهة الثانية. بل هو يحمل نفس فكرته من حيث ان الفرد يشعر آناً ما بأنه انتهى من الوضوء ثم يشك. وهذا الشعور يكون على مستوى القناعة واليقين عادة.
ويأتي في هذا الشعور ما قلناه من حجية الظن النوعي في الأسلوب الثاني والفراغ الأعتقادي في الأسلوب الثالث. والفراغ العرفي في الأسلوب الخامس، بشرط ان نفهم من الشعور بالانتهاء أمارة عرفية على حصوله. وهو غير ما قاله السيد الأستاذ هناك.
وفي هذا الشعور مزية ونقطة قوة على ذلك اليقين، وهي: ان اليقين لا محالة يزول بالشك الحاصل بعده بنحو الشك الساري.
ولكن الشعور بالانتهاء له جهة نفسية أكثر من كونه جهة عقلية، فهو قابل للبقاء حتى بعد حصول الشك، ولو باعتبار احتمال الانتهاء واحتمال صدق اليقين السابق.
وبهذه القابلية للبقاء يصلح ان يكون هذا الشعور امارة عرفية أو نوعية على
ــــــــــــــــــــ[151]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الانتهاء نفسه، فيكون موضوع القاعدة متحققاً تعبداً بهذه الإمارة.
وهذا أمر قريب للنفس، وان كان الاحتياط الاستحبابي بعدمه قائم تفصياً من خلاف من يقول بخلافه.
الجهة الخامسة: في تعميم قاعدة الفراغ من الوضوء إلى غيره من العبادات كالصلاة والحج.
وهذا أمر مفروغ عنه عند كثيرين إلا انه لا ينبغي إهماله بدون استدلال.
فقد يقال: بأن القاعدة خاصة بالوضوء ولا تعم غيره. أخذاً بالروايات الصحاح نفسها, إذ يقول في صحيحة زرارة: “مما أوجب الله عليك وضوؤه”. وفي موثقة ابن أبي يعفور: “إذا شككت في شيء من الوضوء”. وفي صحيحة محمد بن مسلم: “رجل شك في الوضوء” وفي صحيحة بكير: “الرجل يشك بعدما يتوضأ”.
وهي نص بالوضوء، ولا إطلاق فيها لغيره. وخاصة إذا لاحظنا التعبير في صحيحة زرارة حيث يقول: “وضوؤه” يعني غسله. والواجبات الأخرى كالصلاة لا تحتوي على الغسل إطلاقاً فيكون التعميم متعذراً.
وجوابه: ان النص على الوضوء وان كان مسلّماً، إلا انه لا ضير فيه لما سوف يأتي من استفادة التعميم. وإنما الإشكال الوحيد هو في صحيحة زرارة. وجوابه من وجوه:
1- إذا أمكن التعميم من مفهوم الوضوء كما سوف يأتي يمكن التعميم من مفهوم الغسل أيضاً. إذ نفهم منه مجرد المثالية عرفاً, وهذا يكفي, وإنما نص عليه باعتبار كونه حاصلاً في الوضوء.
2- اننا لو تعبدنا بمفهوم الغسل، لم تَجرِ قاعدة الفراغ في شرائط الوضوء التي ليست من قبيل الغسل كالترتيب والموالاة والنية ونحوها, مع انه لا إشكال
ــــــــــــــــــــ[152]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
فقهياً في جريانها، إذن، فمفهوم الغسل بعنوانه غير وارد.
3- انه لا دليل على ان “وضوؤه” بمعنى غسله. بل الإمام يسمي جزء الوضوء وضوءاً. والوضوء لم يرد في اللغة بمعنى الغسل وإنما هو بمعنى النزاهة والنظافة. فالمراد هنا جزء الوضوء، فرجع الأمر إلى مفهوم جزء الواجب. فإذا أمكن التعميم -كما سيأتي- لم يختص ذلك بكل الواجب بل كان بجزء الواجب ألصق. بل هو مورد قاعدة الفراغ نفسها ويكون مثل قوله في موثقة ابن أبي يعفور: “إذا شككت في شيء من الوضوء”.
إذن، فالدليل على اختصاص القاعدة بالوضوء غير موجود. ولكن لا بد من الدليل على التعميم لتتم الحجة في غير الوضوء من العبادات.
والتعميم تارة إلى الصلاة خاصة وأخرى إليها والى غيرها من العبادات.
أما التعميم إلى الصلاة، فبغض النظر عما سنقوله في التعميم الأتي، الذي يشمل الصلاة بحد ذاته. فان التعميم إلى الصلاة يستقل به وجهان آخران:
الوجه الأول: النظر إلى الوضوء والصلاة كعمل واحد، أو مجموعة مترابطة عرفاً ومتشرعياً من الأعمال. وهو واضح في سيرة المتشرعة لأنهم ملتزمون بالإتيان بالوضوء والصلاة بالتتابع العرفي والنسبي إلا ما ندر. ولا أقل من شعورهم ان الوضوء إنما هو لأجل الصلاة، وان الصلاة لا تصح إلا بالوضوء. الأمر الذي يجعل بينهما ترابطاً مهماً إلى حد يبرر الارتكاز بأنهما يُنظرَان كعمل واحد.
خذ إليك مثلاً: أجزاء الصلاة وشرائطها. فغن المكون للصلاة إنما هي الأجزاء الداخلة قيداً وتقيداً. وأما الشرائط فهي مغايرة للصلاة من وجه من الناحية الفقهية، ولكن العرف والمتشرعة مطبقون على اندراجها في الصلاة، بلا إشكال كالاستقبال والموالاة والطهارة من الخبث.
ــــــــــــــــــــ[153]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
فإذا تم ذلك، أمكن الالتزام ان الحكم الذي يثبت للوضوء يثبت للصلاة، فكما ان الصلاة في العرف المتشرعي كأنها استمرار للواجب المترابط البادئ بالوضوء فكذلك حكم الوضوء بقاعدة الفراغ يستمر إلى حين إنجاز الصلاة والانتهاء منها.
الا ان هذا التقريب فيه مواقع للنظر. لأن قياس الوضوء على شرائط الصلاة الداخلية قياس مع الفارق في الفهم المتشرعي. باعتبار ان للوضوء ماهية مستقلة عندهم بخلاف الشرائط الداخلية، فانها تعتبر كأجزاء للصلاة متشرعياً وان لم تكن كذلك فقهياً.
على انه على خلاف المطلوب أدل، لأنه ينتج ان الواجب أصبح واجباً واحداً من أول الوضوء إلى آخر الصلاة، فقاعدة الفراغ لا تجري في الوضوء إلا بعد الفراغ من الصلاة. وهو خلاف ضرورة الفقه ونص هذه الروايات.
الا ان هذا الإشكال الأخير، دال على عدم فهم أصل التقريب. لأن المطلوب لم يكن إيجاد واجب ترابطي واحد من الوضوء والصلاة, وإنما إيجاد الفهم التنزيلي المتشرعي بالنظر إلى الوضوء والصلاة كمجموعة مترابطة، وهو وان كان (مجازاً) من الناحية الفقهية، إلا انه أقرب إلى الصحة في الذوق المتشرعي بلا إشكال.
غير ان المهم هو قيام الحجة على تعميم الاحكام من الوضوء إلى الصلاة، بعد ضرورة: ان المتشرعة كما يفهمون جهة الوحدة بينهما، يفهمون أيضاً جهة الفرق.
الوجه الثاني: التمسك برواية محمد بن مسلم: “كل ما مضى من صلاتك وطهورك تذكرته تذكراً فأمضه”.
وهي نص في الصلاة، وشاملة بلفظ الطهور للغسل أيضاً، الا ان الكلام
ــــــــــــــــــــ[154]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
في صحتها سنداً، لأن فيها (الحسن بن الحسين اللؤلؤي)، وهو غير واضح الاعتبار.
إذن, فالوجهان الخاصان بالصلاة غير تامين.
وأما التعميم إلى العبادات ككل، وإلى الأجزاء والشرائط معاً. فكما يلي:
فان القدر المتيقن من قاعدة الفراغ هو الأجزاء كما هو واضح. وقد يستشكل من ناحية الشمول للشرائط من ناحية قوله في صحيحة زرارة: “مما أوجب الله عليك فيه وضوؤه”، على اعتبار ان الوضوء هو الغسل وهو خاص بالأجزاء ولا يشمل الشرائط.
إلا اننا ناقشناه مفصلاً. وتبين ان المراد هو الأجزاء بغض النظر عن كونها محتوية على الغسل، لأن الغسل ليس من معاني الوضوء أصلاً.
ومعه, تكون قاعدة الفراغ شاملة للشرائط، بعناوين أخرى كقوله في موثقة بن أبي يعفور: “إذا شككت في شيء من الوضوء” والشيء شامل للأجزاء والشرائط. وانصرافه إلى الأجزاء وان كان محتملاً، الا انه ليس بمقدار يكون حجة.
وقرينة ذلك، ان الوضوء أخذ في التعبير كواجب مترابط، فيكون الشيء يراد به كل ما له دخل في صحته، وهو يعم الأجزاء والشرائط معاً.
بقي علينا التعميم إلى سائر العبادات. وذلك يكون بإلغاء خصوصية الوضوء عرفاً، واستفادة المثالية، أو كونه مورد الكلام، مع كون الموضوع الأساسي هو الفراغ نفسه. وهو أمر غير بعيد عن الذوق العرفي والمتشرعي.
ولذا تسالم عليه مشهور المتأخرين، بل مشهور الفقهاء. وان لم تكن هذه الشهرة بحد ذاتها دليلاً مستقلاً، الا انه -على أي حال- يدعم الفهم العرفي بالتعميم وإلغاء الخصوصية.
ــــــــــــــــــــ[155]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وهنا لا بد من الإشارة إلى ان التعميم يختص بالواجبات المترابطة وهي بالفهم المتشرعي، ما يجب فيه الترتيب والموالاة، كالغسل والصلاة والطواف والسعي ونحوها.
واما ما ليس كذلك، كالصوم وكالحج -إذا نظرناه ككل مترابط- والجهاد والأمر بالمعروف ونحوه. فالأمر لا يخلو من إشكال، ولا حاكم على استصحاب عدم الشرط أو الجزء المشكوك. لكن جريانها في الحج ككل غير بعيد، لأن المهم هو الفهم المتشرعي للترابط، وهو متحقق فيه.
الجهة السادسة: في شمول القاعدة للمعاملات ولا معنى لشمولها لنتائج المعاملات، كالملكية والحرية والوقفية وغيرها. وإنما نتوقع ان تشمل الأسباب، كالإيجاب والقبول والقبض و نحوها.
وهذا يحتاج إلى تجريد عن الخصوصية أوسع مما سبق، لأنه يفقد كل المعاني السابقة، حتى الأخير الذي هو أعمها، وهو مجرد الترابط بالفهم الشرعي. إذ لا يوجد ترابط بمعنى الجزئية أو اشتراط الموالاة بين العقد والقبض مثلاً. فشمولها لمثل هذه الحالات مشكل.
نعم، لو قلنا بالترابط العرفي والمتشرعي بين الإيجاب والقبول، وحصل الشك بعد انجازهما في صحتهما من ناحية النقص في بعض الأجزاء والشرائط، فقد يقال بشمول قاعدة الفراغ لها.
وقد يبرر ذلك بقاعدة الصحة في المعاملات، التي جرى عليها الفقهاء، من دون ان يدل عليها دليل في الكتاب والسُنّة. فلعلهم قالوا بها بعنوان الفراغ وتطبيقاً لقاعدته.
والترابط الوحيد المحتمل في العقود، هو الترابط بين ألفاظ الإيجاب نفسه وألفاظ القبول نفسه، وبينهما باعتبار لزوم الموالاة لو قلنا به. ففي مثل ذلك
ــــــــــــــــــــ[156]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
يكون للقاعدة وجه.
واما في مثل العقد بغير العربية أو تقديم القبول على الإيجاب أو ذكر بعض الشروط التي كان أحدهما أو كلاهما عازمان على ذكرها فجريان القاعدة فيها دونه خرط القتاد.
واما قاعدة الصحة في المعاملات، فسيأتي التعرض لها بعنوانها في كتاب البيع بعونه وحسن توفيقه تعالى.
الجهة السابعة: التي لا بد من التعرض لها في نهاية البحث عن القاعدة.
انه قد يقال: ان الأخبار التي سمعناها لا دلالة لها على قاعدة الفراغ أصلاً. فالقاعدة أساساً غير ثابتة.
ففي صحيحة زرارة يقول بعد قوله: “لا شيء عليك فيه” الذي يفهم منه قاعدة الفراغ. يقول: “فان شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللاً فامسح بها عليه”. وهذا بنفسه على خلاف تلك القاعدة فتكون هذه بمثابة القرينة المتصلة على عدم إرادتها.
وفي موثقة (ابن أبي يعفور) يحتمل انه يتعرض لقاعدة التجاوز لا الفراغ. إذا أرجعنا الضمير إلى “شيء” لا إلى “الوضوء”. وكان المراد من شيء جزء الوضوء لا مصاديقه. فكيف يستدل بها مع هذا الاحتمال.
واما في صحيحة محمد بن مسلم فيقول: «رجل شك في الوضوء بعدما فرغ من الصلاة». وهو ظاهر بأن الشك في أصل الوضوء لا في أجزائه.
أقول: لو تمت كل هذه المناقشات، فانها تجعل هذه الروايات غير دالة على قاعدة الفراغ، الا انه تبقى صحيحة (بكير) دالة عليها، وهذا يكفي. لأنه قال: «الرجل يشك بعدما يتوضأ» فالوضوء مفروض الوجود، وليس الشك في أصله. وإنما الشك في أجزائه وشرائطه. وكذلك رواية (محمد بن مسلم)، تبقى
ــــــــــــــــــــ[157]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
دالة على القاعدة.
إلا ان الصحيح عدم ورود شيء من هذه الإشكالات. بحسب ما هو الأظهر من هذه الروايات.
أما الأخيرة وهي صحيحة (محمد بن مسلم)، فلا يحتمل ان يراد به الشك في أصل الوضوء، لأن مقتضاه بطلان الصلاة باستصحاب الحدث. وهذا المعنى من الوضوح في ذهن المتشرعة بحيث يعرف جواب الإمام بالصحة وعدم وجوب الإعادة إليه.
وكذلك موثقة (ابن أبي يعفور), لأن الظاهر من قوله: “في شيء من الوضوء” أجزاؤه وشرائطه لا مصاديقه. فانه بعيد في نفسه مضافاً إلى ما قلناه في صحيحة (ابن مسلم).
إلا ان الأمر هنا في عود الضمير في “غيره” فان كان عائداً إلى (الشيء) كانت دالة على قاعدة التجاوز، وان عاد إلى الوضوء كانت دالة على قاعدة الفراغ.
ورجوعه إلى (الشيء)، وان كان أقوى لو بقينا بدون العبارة الآتية لما سبق ان قلناه من ان الجار والمجرور “من الوضوء” يكون بمنزلة التوضيح (للشيء). و(الشيء) هو الأساسي في الجملة وإرجاع الضمير للفظ الأساسي أظهر وأولى.
الا انه يقول بعد ذلك: “إنما الشك في شيء لم تجزه”. فان استظهرنا من الشيء (الوضوء) كانت قرينة متصلة على تأسيس قاعدة الفراغ. وكانت حاكمة على القرينة السابقة، لأن السابقة قرينة سياقية وهذه قرينة لفظية.
وإذا فهمنا من (الشيء) الأجزاء والشرائط أيضاً، كانت الرواية دالة على قاعدة التجاوز. والظاهر، ان وحدة السياق بين الجملتين تقتضي ان يكون المراد من (الشيء) في صدر الرواية وذيلها، شيء واحد. وحيث استفدنا من الصدر الأجزاء والشرائط، تعين ان يكون المراد بالذيل ذلك. فتكون الرواية
ــــــــــــــــــــ[158]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
دالة على قاعدة التجاوز لا الفراغ.
وأما صحيحة (زرارة) فهي واضحة بالاحتياط الاستحبابي للمسح الثابت في طول الشك، بالرغم من كون الحجة على خلافه.
لأنه يقول قبل الأمر بالمسح: “لا شيء عليك فيه” الدال على ان الأمر بالمسح مشمول له في نفسه وإنما هو على وجه الاستحباب. ويقول بعده: “فان لم تصب بللاً فلا تنقض الوضوء بالشك وامض في صلاتك”. وهو أمر يمكن ان يستفاد منه التعليل الشامل حتى لصورة وجود البلل. فتأمل.
وبتعبير آخر يدور الأمر بين أمرين:
أحدهما: ان نأخذ بظاهر الأمر بالمسح بالوجوب، ونجعله قرينة على إلغاء قاعدة الفراغ، أو عدم دلالة الرواية عليها.
ثانيهما: ان نأخذ بظاهر “لا شيء عليه” ونحمل الأمر بالمسح على الاستحباب.
ولا شك ان الوجه الثاني أولى. لأن قوله: “لا شيء عليه” كالنص من زاوية كونه نفياً للجنس، وغير قابل للتقييد ببعض الأفراد عرفاً. كما هو غير قابل للحمل على الاستحباب، أو التبعيض الأزماني، أو أي شيء آخر. بخلاف الأمر فان حمله على الاستحباب بمكان من الامكان.
ومعه يكون قوله: “لا شيء عليه” قرينة متصلة على فهم الرواية حتى نهايتها. إذ يكون مفهوم الشرط في ذيلها: “وإذا وجدت بللاً فامسح واعتد بالشك”، مسوقاً مساق الاستحباب، وان كان من الواضح انه استحباب مؤكد.
وتمام الكلام موكول إلى الفقه.
ــــــــــــــــــــ[159]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني

فصل: قاعدة التجاوز

وتعني إجمالاً، ما يفتي به الفقهاء من ان المصلي إذا شك في جزء الصلاة بعد ان تجاوز محله، لم يعتنِ بشكه، واعتبر الجزء المشكوك كأنه موجود، وصحت صلاته وعبادته. وكما فعلنا في قاعدة الفراغ من سرد الروايات أولاً، يحسن ان نفعل الشيء نفسه في هذا الفصل أيضاً.
موثقة عبد الله بن أبي يعفور(1) التي سمعناها في قاعدة الفراغ، عن أبي عبد الله قال: “إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره، فليس شكك بشيء. إنما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه”.
صحيحة زرارة(2) قلت لأبي عبد الله: رجل شك في الأذان ودخل في الإقامة، قال: “يمضي”. قلت: رجل شك في الأذان والإقامة وقد كبّر، قال: “يمضي”. قلت: رجل شك في التكبير وقد قرأ. قال: “يمضي”. قلت: شك في القراءة وقد ركع, قال: “يمضي”. قلت: شك في الركوع وقد سجد. قال: “يمضي على صلاته”. ثم قال: “يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء”.
وصحيحة محمد بن مسلم(3) عن أبي جعفر قال: “كل ما شككت فيه
ــــــــــــــــــــ[160]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل, ج1, أبواب الوضوء. باب42. حديث2.
(2) نفس المصدر, ج5, أبواب الخلل الواقع في الصلاة: باب23، حديث1.
(3) نفس المصدر: حديث3.
مما مضى فأمضه كما هو”.
وموثقة سماعة(1) قال: “من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو”. وفي رواية عن الفضيل بن يسار(2) ورواية أخرى عن سماعة(3) مثلها وبعده يقول: “إنما السهو على من لم يدرِ أزاد أم نقص منها”.
وحسنة علي بن جعفر(4) عن أخيه موسى بن جعفر، قال: سألته عن رجل ركع وسجد ولم يدرِ هل كبّر وقال شيئاً في ركوعه وسجوده هل يعتد بتلك الركعة والسجدة؟ قال: “إذا شك فليمض في صلاته”.
وصحيحة إسماعيل بن جابر(5) عن أبي عبد الله -في حديث- قال: “ان شك في الركوع بعدما سجد فليمض. وان شك في السجود بعدما قام فليمض. كل شيء شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه”.
وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله(6) قال: قلت لأبي عبد الله: رجل رفع رأسه عن السجود فشك قبل ان يستوي جالساً فلم يدرِ أسجد أم لم يسجد؟ قال، “يسجد”. قلت: فرجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوي قائماً فلم يدرِ أسجد أم لم يسجد؟ قال: “يسجد”.
والكلام فيها يكون ضمن عدة جهات:
1- في أصل ثبوتها واستفادتها من الأدلة كقاعدة عامة مع بيان مضمونها.
ــــــــــــــــــــ[161]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث4.
(2) نفس المصدر: حديث6.
(3) نفس المصدر: حديث5.
(4) نفس المصدر: حديث9.
(5) نفس المصدر: ج3. أبواب الركوع. باب13, حديث4. وانظر أبواب السجود : باب15, حديث4.
(6) نفس المصدر: أبواب السجود: باب15, حديث6.
2- في شرطها وهو تجاوز المحل.
3- في فرقها عن قاعدة الفراغ السابقة.
4- في اختصاصها بالصلاة أو عمومها للوضوء.
5- في عمومها للعبادات والمعاملات الأخرى.
الجهة الأولى: في ثبوت أصل القاعدة وبيان مضمونها بالمقدار الذي دلت عليه الأدلة.
ولا شك ان الروايات الصحيحة الصريحة دالة عليها إجمالاً، يعني بغض النظر عن بعض التفاصيل الآتية.
لأنه يقول في صحيحة زرارة: “يا زرارة إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء”.
وفي صحيحة مسلم: “كلما شككت فيه مما مضى فأمضه كما هو”. وفي صحيحة إسماعيل بن جابر: “كل شيء شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه”.
وفي حسنة علي بن جعفر: “إذا شك فليمض في صلاته”.
ونفهم من ذلك: ضرب القاعدة العامة في الصلاة، في انه إذا حصل الشك في شيء بعد الدخول في شيء آخر. والمراد بـ(الشيء) هنا الجزء أو ما هو الأعم منه، على ما سيأتي في الجهة الثانية. فإذا خرج من جزء ودخل في جزء آخر ثم شك بالجزء السابق، فشكه ليس بشيء، يعني ملحق بالعدم، وكذلك قوله: “فليمض في صلاته”، وكلاهما ظاهر في عدم الاعتناء بالشك والبناء على الإتيان بالجزء المشكوك ظاهراً، والبقاء عل صحة صلاته كما لو كان قد جاء به.
وينبغي ان نلتفت إلى ان الجزء السابق، حيث انه مشكوك الوقوع، فقوله:
ــــــــــــــــــــ[162]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
“إذا خرجت من شيء” أو قوله: “مما قد جاوزه”. مبني على افتراض وجوده مجازاً. لأنه ان كان موجوداً فلا إشكال، لأنه قد أتى به وتجاوزه. وان لم يكن موجوداً كان للمجاز محل واسع. ولكن يمكن بيان بعض التبريرات الأخرى:
الأول: التنزيل المعدوم منزلة الموجود. ولا يراد به التنزيل الشرعي، لوضوح ان التنزيل الشرعي لا يكون إلا في متعلق الحكم، والكلام هنا عن الموضوع. وإنما يراد به التنزيل اللحاظي. بمعنى انه يلاحظ موجوداً، وان لم يكن موجوداً واقعاً.
وهذا متوفر في عدد من الأمور، مثلاً: من شك في الوقت انه صلى أم لا.. أعاد الصلاة. فان هذا التعبير يتضمن لحاظ وجود الفرد السابق وإلا لم تصدق الإعادة كما واضح.
الثاني: تجاوز المحل سواء جاء به واقعاً أم لا. وتجاوز المحل تجاوز للشيء، لأنه الآن أصبح الفرد في محل لو أراد ان يتداركه لم يستطع.
وتجاوز المحل وجداني وحقيقي وليس لحاظياً أو مجازياً، فمعنى “خرجت من شيء” يعني من محله أو منطقته لو صح التعبير.
الا اننا الآن لا حاجة لنا إلى تعيين هذا الاحتمال للبرهنة على اشتراط تجاوز المحل في القاعدة. إذ الروايات واضحة في ذلك بقرائن عديدة. وان كان الأرجح هو الوجه الثاني للزوم المجاز من الأول وعدمه في الثاني، والحمل على الحقيقة أولى.
اللهم إلا أن يقال: ان التعبير عن المحل بالشيء نفسه، مجاز أيضاً. إلا انه يجاب: ان التجاوز عن المحل تجاوز عن الشيء. فيكون استعمال الشيء حقيقياً، لا بمعنى المحل لفظياً ليكون الاستعمال مجازياً.
الجهة الثانية: في شرط القاعدة، وهو تجاوز المحل.
ــــــــــــــــــــ[163]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
والروايات واضحة به إجمالاً لأنه يقول في صحيحة زرارة: “إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره”، وفي صحيحة إسماعيل بن جابر: “مما قد جاوزه ودخل في غيره”.
فقد أخذت هذه الرواية في جانب فعل الشرط أمرين:
أحدهما: الانتهاء من الشيء نفسه، وهو المشكوك بأي معنى سبق، ولو باعتبار التنزيل اللحاظي.
ثانيهما: الدخول في غيره من الأفعال.
والثاني أخص من الأول, لأن الأول قد يصدق وحده واما الثاني فلا يصار إليه الا بعد صدق الأول. فالعمدة في الشرط هو الثاني وهو معنى التجاوز وهو لفظ موجود في صحيحة (إسماعيل). ومنه سميت القاعدة.
والمهم ليس هو مفهوم التجاوز، لنقول انه هل يصدق مع الأمر الأول أو يتوقف على الأمر الثاني. فإن الأمر الثاني دخيل في شرط القاعدة سواء كان دخيلاً في مفهوم المعنى أم لا. فانه قال: “مما قد جاوزه ودخل في غيره”.
فالمهم تحقيق الأمر الثاني وفهمه، وانه كيف يتم الدخول في غير الشك المشكوك من الأفعال. مع العلم ان الفرد بعد ان انتهى من ذلك الشيء يكون قد دخل في فعل آخر مهما كان ضئيلاً وغير ملفت للنظر. فهل المراد ذلك أو ما هو أخص منه؟
وما قيل أو يمكن ان يقال فيه، عدة أمور:
الأمر الأول: ما عن المسالك(1) من ان المفهوم من الموضع محل يصلح لإيقاع الفعل المشكوك فيه كالقيام بالنسبة إلى الشك في القراءة وابعاضها
ــــــــــــــــــــ[164]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) المستمسك: ج7, ص436.
وصفاتها، والشك في الركوع. وكالجلوس بالنسبة إلى الشك في السجود والتشهد.
أقول: فيكون معنى ذلك ان الدخول في الغير يتم حين لا يمكن شرعاً الإتيان بالجزء المشكوك. كما لو شك بالقراءة بعد الركوع.
ويرد عليه ما أورد في المستمسك(1): «انه خلاف صحيح زرارة فان من شك في الأذان وهو في الإقامة قد حصل له الشك المذكور في موضع يمكن فيه فعل الأذان، وكذلك فيمن شك في التكبير وقد قرأ. مع ان لفظ الموضع لم يذكر في النصوص ليتكلف في تعيين المراد منه».
الأمر الثاني: ما ذكره جماعة(2) -تبعاً لما يظهر من الروضة- من كون المراد من (الشيء) و(الغير) الأفعال المفردة بالتبويب، كالتكبير والقراءة والركوع والسجود والتشهد. فلو شك في الفاتحة وهو في السورة التفت لعدم كون أحدهما غيراً بالإضافة إلى الأخرى.
والوجه فيه: انصراف (الشيء) و(الغير) إلى ذلك. ولا سيما في صحيح (إسماعيل) المشتمل على التمثيل بالشك في الركوع بعدما سجد والشك في السجود بعدما قام، الظاهر في كون ذلك توطئة وتمهيداً للقاعدة المذكورة في ذيله. فيكون تحديداً للغير بذلك.
ولو كان المراد منه مطلق الغير كان المناسب التمثيل بالشك في الركوع بعدما هوى للسجود والشك في السجود بعدما نهض. بل في صحيحة (زرارة) أيضاً لاشتماله على العطف (ثم) الظاهرة في التراخي وعدم الاكتفاء بمجرد الفصل القصير.
ــــــــــــــــــــ[165]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر والصفحة.
(2) نفس المصدر والصفحة.
وقد رد التوطئة في المستمسك(1) بأنه: «لو صحت أمكن التشكيك في عمومه (يعني صحيح إسماعيل) لغير الأركان أيضا. ولا يلتزم به القائل المذكور».
أقول: وهو غير غريب، لأنه وان اقتصر على الأركان، لكن يحتاج إلى القرينة بأنه ذكرها بتلك الصفة لا بصفة أخرى. بل ان اصطلاح الأركان متجدد فلا يمكن حمل النصوص عليه، وفهم التمثيل له. وإذا ذكر شيء من الأركان أمكن التعميم إلى غيرها بإلغاء الخصوصية. لأن كونه مبطلاً للصلاة بتركه سهواً أمر غير ملحوظ يقيناً.
الأمر الثالث: مختار المستمسك(2) حيث قال: «فالمتحصل ان الظاهر من المشكوك هو (المشكوك الوجود) الملحوظ في مقابل (معلوم الوجود). المنطبق تارة على جزء الجزء, وأخرى على تمام الجزء, وثالثةً على مجموع الجزئين.
ويشير إليه ما في صدر الصحيحة من تطبيقه في الأذان الملحوظ في قبال الإقامة، وأخرى في الأذان والإقامة في قبال التكبير، فلاحظ». انتهى.
ويرد عليه: ان التقابل وان كان ملحوظاً في الجملة، الا انه إنما يكون بين جزئين لهما استقلال عرفاً. كما في الأذان والإقامة أو الحمد والسورة. واما مقابلة الجزء مع جزء الجزء في الآخر فغير عرفي ولا تدل عليه الصحيحة، ولعله لذا أمر بالملاحظة.
كما ان مقابلة الجزء بالجزئين بلا موجِب، لأننا إنما نأخذ الجزء الأقرب ولا حاجة إلى أخذ الجزء الأبعد, على ان لحاظ مجموع الجزئين يحتاج إلى كلفة عرفية غير متوفرة.
ــــــــــــــــــــ[166]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: ص137.
(2) نفس المصدر: ص438.
هذا, وينبغي الالتفات إلى ان الموضوع أخذ في صحيحة (زرارة) في السؤال لا في الجواب. ومعه, لا يمكن تحديد الجواب بمقدار السؤال. فان السؤال وان صلح قرينة أحياناً الا ان تقييده للجواب بلا موجِب. وخاصة في مثل المورد الذي وردت فيه روايات أخرى كان المثال في كلام الإمام نفسه. كصحيحة (إسماعيل بن جابر).
الأمر الرابع: ما عن بعض من اختصاص الغير بالأركان. وهو على خلاف صراحة الأخبار المعتبرة. كقوله في صحيحة إسماعيل: “وان شك في السجود بعدما قام”.
مضافاً إلى ما قلناه من عدم كون الركن جزءاً أهم من غيره عرفاً ولا شرعاً، ولم يكن مصطلحاً فيما سبق. نعم, اختص الركن بحكم شرعي يخصه، وهذا لا يعطيه آية أهمية إضافية، مع وقوعه في ضمن تعداد الأفعال الأخرى للصلاة، كما قد وقع فعلاً في هذه الروايات.
الأمر الخامس: ان أفعال الصلاة ملحوظة في هذه الأخبار، كشيء ذي استقلال عرفي بحياله. فيكون (الشيء) المشكوك و(الغير) الذي يدخل الفرد فيه بعد التجاوز عن الأول، إنما هو بهذا اللحاظ والمقابلة إنما تكون بين شيئين عرفيين من أفعال الصلاة ملحوظين بحيالهما واستقلالهما.
وكل ما ذكر في الروايات ينطبق على ذلك: كالآذان والإقامة والتكبير والقراءة والركوع والسجود.
وهنا لا بد ان نلحظ أمرين:
أحدهما: إسقاط أهمية الركن، بصفته مختصاً ببعض الأحكام، بل هو ملحوظ مستقلاً كفعل من أفعال الصلاة في مقابل غيره الملحوظ بنفس اللحاظ لا أكثر.
ــــــــــــــــــــ[167]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ثانيهما: إسقاط أهمية مقدمات الأفعال، كالهوي ورفع الرأس ونحوها. فأنها مما لم يلحظ لها استقلال بإزاء الأفعال الأخرى. فمن الصعب التعميم لها بالارتكاز العرفي والمتشرعي، لوضوح الفرق في الأهمية والتركيز بين الفعل ومقدمته، فما يثبت للفعل قد لا يثبت للمقدمة.
وإذا تم الأمر بهذا الشكل أمكن التعميم لأمور لم تذكر في الروايات، بعد إحراز لحاظها لحاظاً مستقلاً بالارتكاز المتشرعي كالشك في الحمد حال الاشتغال بالسورة والشك بالتشهد أو الصلاة على النبي وآله حال الاشتغال بالتسليم.
واما عنوان (القراءة) الملحوظ استقلالاً عند الفقهاء، فهو أمر انتزاعي يعود إلى ان الفرد قد يشك في الحمد والسورة معاً، -وكل منهما ملحوظ مستقلاً- وهو مشتغل بالركوع.
واما إذا كان الاشتغال بمقدمات الأفعال، فلا يكون مشمولاً للقاعدة، ويجب الإعادة والاعتناء بالشك، باعتبار ما قلناه من عدم لحاظ المقدمات لحاظاً استقلالياً.
فالمتحصل: ان شرط القاعدة هو الدخول في شيء آخر ملحوظ لحاظاً استقلالياً، مع الشك في الشيء الأول الملحوظ لحاظاً استقلالياً أيضاً.
ومن هنا نعرف دليلاً آخر على إسقاط مقدمات الأفعال. إذ لو كانت ملحوظة لما اشترط الدخول في (الفعل) نفسه. فهذا الاشتراط دليل على عدم الاكتفاء بالمقدمات(1).
وهنا لا بد من ملاحظة جزء الجزء، من حيث كونه مشمولاً للقاعدة أو لا. فهنا صورتان:
ــــــــــــــــــــ[168]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) كما ان صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله السابقة، دالة على ذلك بصراحة.
الصورة الأولى: ان يشك في جزء الجزء مع دخوله في مثله، كما لو شك في آية من الحمد أو السورة مع اشتغاله في آية أخرى.
وهنا وان كان يمكن اللحاظ الاستقلالي لجزء الجزء في مقابل مثله ولا يبعد شمول النصوص له. إلا ان الأمثلة كلها على خلافه، فيبقى الاحتياط استحبابياً بالتكرار.
الصورة الثانية: ان يشك في جزء الجزء مع دخوله في جزء آخر مستقل، كالشك في آية من الحمد بعد الدخول في السورة، أو الشك في الصلاة من التشهد بعد الاشتغال بالتسليم.
والشك في مثل ذلك يكون في نقص الجزء الأول بكامله وملحوظاً بحياله. ولا حاجة إلى لحاظ جزء الجزء لحاظاً مستقلاً. ويكون المورد مشمولاً للقاعدة من هذه الجهة.
فإن قيل: ان مورد الروايات هو انعدام الجزء الأول أصلاً ومورد كلامنا هو نقصانه، فيكون خارجاً عن نصوص الروايات.
وجوابه من وجهين:
أولاً: ان النقص مشمول للنصوص بالأولوية. لأن العذر إذا كان شاملاً للجزء كله فكيف لا يكون شاملاً للنقص فيه.
ثانياً: ان النقص مشمول للنصوص بالمطابقة. فان قوله: «رجل شك في الآذان..» يعني في اجزاء الأذان وسقوط مطلوبيته بالإتيان به كاملاً. فيكون الشك فيه أعم من الشك بعدم الإتيان به جميعاً أو بعضاً.
أما إذا كان النقص المحتمل متفاحشاً، بحيث لا يكون في العرف المتشرعي مصداقاً، فهو بمنزلة المعدوم بلا إشكال. ومعه فشمول القاعدة له واضح.
ــــــــــــــــــــ[169]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
هذا, وتبقى بعض المناقشات البسيطة التي لا حاجة إلى سردها ومحاولة الجواب عليها.
الجهة الثالثة: في فرق قاعدة التجاوز عن قاعدة الفراغ السابقة. إذ قد يقال: انهما معاً متشابهان. كل ما في الأمر ان الفراغ في قاعدة الفراغ من العمل المطلوب النفسي كله، وهنا يكون الفراغ من جزئه.
إلا ان هذا منطلق من عدم فهم قاعدة التجاوز. لأن الفرد الشاك يستحيل ان يحرز الفراغ من الجزء المشكوك. وإلا لما كان مشكوكاً. بخلاف السابقة، فانه يحرز الفراغ من العمل على صورة الصحة أو على القناعة به إلى حين انتهائه.
فالمهم, الفرق بينهما موضوعاً: وهو ان هذه القاعدة خاصة بالإجزاء وتلك خاصة بالأعمال المطلوبة بالأمر النفسي.
وقال في المستمسك(1): «وقد عرفت الاختلاف بين القاعدتين مفهوماً وشرطاً وأثراً ودليلاً ورتبة».
ويقصد بالاختلاف مفهوماً: الفرق المفهومي بين التجاوز والفراغ أو بين الانتهاء من المطلوب الضمني والانتهاء من المطلوب النفسي. فتأمل.
ويقصد بالاختلاف شرطاً: ان قاعدة الفراغ مشترطة بالاذكرية عند العمل وقاعدة التجاوز مشترطة بتجاوز المحل.
ويقصد بالاختلاف أثراً: يعني بحسب النتيجة. فان تلك القاعدة حكم بالصحة على مجموع العمل وهذه حكم بالصحة على جزئه.
وهذه الاختلافات، وان كان بعضها قابلاً للمناقشة الا انها -على أي حال-
ــــــــــــــــــــ[170]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) ج5, ص 475.
اختلاف بين ذاتي القاعدتين، لأن كُلاً منهما مجعول شرعي مستقل بلا إشكال, وله شرطه وتفاصيله وأمثلته, فهذا كأنه قال: ان البيع يفرق عن الإجارة أو عن الوقف مفهوماً وشرطاً وأثراً!!
ويقصد بالاختلاف دليلاً ان الروايات الواردة في أحداهما غير الروايات الواردة في الأخرى. وهذا أغرب من سوابقه. لأنه من توضيح الواضحات.
بقي الاختلاف في الرتبة. وهو ما أوضحه بقوله في موضع آخر(1): «كما افترقنا بأن مفاد قاعدة التجاوز إثبات الوجود بنحو مفاد (كان) التامة. ومفاد قاعدة الفراغ إثبات تمامية الموجود بنحو مفاد (كان) الناقصة. فلا مجال لإرجاع أحداهما إلى الأخرى.
وقد عرفت ما فيه لان مفاد قاعدة التجاوز كما هو مفاد كان التامة يعني اعتبار الجزء المعدوم موجوداً تعبداً. كذلك هو مفاد (كان) الناقصة يعني اعتبار الجزء الناقص تاماً كما مثّلنا. إلا ان قاعدة الفراغ خاصة بمفاد (كان) الناقصة.
ولو أراد من الرتبة شيئاً آخر لكان أفضل وهو ان قاعدة الفراغ تغني عن قاعدة التجاوز دون العكس. فلو شك بعد الفراغ من العمل في الجزء شملته قاعدة الفراغ ولا حاجة إلى قاعدة التجاوز».
الا ان هذا ليس بصحيح, لأن كِلا القاعدتين تلحظان نقص الاجزاء، لوضوح عدم جريان قاعدة الفراغ مع الشك في أصل الواجب النفسي بل تجري مع الشك في نقصانه بنقصان جزئه أو شرطه.
غير ان قاعدة التجاوز تلحظ الجزء مستقلاً، وقاعدة الفراغ تلحظ نقصانه بصفته سبباً لفساد المجموع. كما ان قاعدة الفراغ شاملة للشك بالشروط دون قاعدة التجاوز. وهذا ما قلناه أولاً من ان المهم هو الفرق بين
ــــــــــــــــــــ[171]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: ص432.
موضوعي القاعدتين.
الجهة الرابعة: في إمكان شمول قاعدة التجاوز للوضوء.
والدليل الرئيسي الذي يمكن إقامته على الشمول هو موثقة ابن أبي يعفور إذ يقول فيها -كما سمعناه-: “إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره، فليس شككت بشيء”.
إذا فهمنا من قوله: “في شيء من الوضوء” يعني في جزئه. وأرجعنا الضمير في “غيره” إلى الجزء أيضاً فيكون المراد: التجاوز عن الجزء والدخول في جزء آخر، وهو مضمون قاعدة التجاوز.
يضاف إلى ذلك إمكان التجريد عن الخصوصية في إخبار قاعدة التجاوز عن خصوصية الصلاة وتعميمها لكل واجب -كما سيأتي بحثه-, بما فيه الوضوء.
إلا أن كِلا الأمرين لا يتمان لوجود النصوص الصحيحة الصريحة في الوضوء بلزوم الاعتناء بالشك والإتيان بالجزء المشكوك وما بعده مما لا حاجة إلى سرده, فتجريد الخصوصية إن تم فإنما هو في كل واجب لم ينص فيه على الخلاف أو على الاستثناء، والوضوء قد نص فيه على ذلك.
واما صحيحة (ابن أبي يعفور), فقد يكون وضوح الحكم في الوضوء، فقهياً دليلاً على عدم صحة الفهم المشار إليه. وقرينة على إرجاع الضمير في “غيره” إلى الوضوء، أو حمل (الشيء) فيها على مصاديق الوضوء لا على إجزائه.
وإرجاع الضمير إلى الوضوء ليس بهذا البُعد. وان كانت مجملة فلا بد من إيكال علمها إلى أهلها، لمعارضتها بما هو أكثر عدداً وأصرح دلالة على وجوب الاعتناء بالشك.
الجهة الخامسة: في عموم قاعدة التجاوز لسائر العبادات.
ــــــــــــــــــــ[172]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وهو بالتجريد عن الخصوصية والحمل على المثالية، وهو وان كان ممكناً، إلا ان أحداً لم يفتِ به في الحج -مثلاً- وغيره، بل هناك ان لم يدل دليل على شكل من أشكال العفو والتسامح الخاص بالمورد. فمقتضى الأصل عدم الإتيان به وعدم سقوط الأمر المتعلق به، ولا مجال لجريان قاعدة التجاوز.
وهذا فرق بينها وبين قاعدة الفراغ التي قلنا بشمولها بمقدار ما.
نعم، إذا انطبق موضوعها في بعض العبادات ولو المستحبة منها، كما لو كان الفرد يقرأ القرآن أو الدعاء وشَكَّ في صحة لفظ سابق أو قرائته أصلاً، فله إجراء القاعدة. ولو من باب القرينة العقلائية عليها، فيما لو احتمل انه كان عند الجزء المشكوك ملتفتاً.
وأما شمولها لمعاملات، فهو أمر غير محتمل فقهياً. والتجريد عن خصوصية المورد من أدلتها بحيث تشمل المعاملات غير ميسور عرفاً، كما هو واضح.
ــــــــــــــــــــ[173]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني

فصل
الستر والحجاب

ماذا يجب ستره من جسم الإنسان خلال الصلاة مع الامكان؟ وماذا يجب ستره منه في غير الصلاة؟ والحديث عن الرجل والمرأة معاً.
والحديث هنا عن الموضوع لا عن الحكم، لأن الحديث عن الحكم ودليله موكول إلى الفقه، إلا ما حصل هنا عَرضَاً. وإنما الحديث عن موضوع الحكم وهو العورة بالمعنى الشامل لكل ما يحرم النظر إليه.

ما هي العورة؟
قالوا في اللغة(1): «العَوْرة: الخلل في الثغر وغيره، وقد يوصف به منكوراً، فيكون للواحد والجمع بلفظ واحد. وفي التنزيل العزيز: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ. فأفرد الوصف والموصوف جمع…
قال الأزهري: العورة في الثغور وفي الحروب خلل يُستُخوف منه القتل. وقال الجوهري: العورة كل خلل يتخوف منه من ثغر أو حرب. والعورة كل مكْمَن للستر وعورة الرجل والمرأة: سوأتهما. والجمع عورات بالتسكين، والنساء عورة.
والعورة: الساعة التي هي قمن من ظهور العورة فيها. وهي ثلاث
ــــــــــــــــــــ[174]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) انظر لسان العرب وغيره.
ساعات: ساعة قبل صلاة الفجر وساعة عند نصف النهار وساعة بعد العشاء الآخرة. وفي التنزيل: ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ أمر الله تعالى الولدان والخدم ان لا يدخلوا في هذه الساعات الا بتسليم منهم واستئذان.
وكل أمر يُستحيا منه عورة… والعورات: جمع عورة وهو كل ما يستحيا منه إذا ظهر، والعورة من الرجل ما بين السرة والركبة ومن المرأة الحرة جميع جسدها الا الوجه واليدين…الخ».
والظاهر ان الذوق العربي الأول، أخذ الصورة لهذا الاستعمال مما وجده فيها من نقص وقبح. ولذا كانت الدار المعورة هي الآيلة للانهدام والكلمة العوراء هي القبيحة، والعين العوراء هي العمياء في إحداهن ونحو ذلك من جهات النقص.
وكذلك من جهة ان العورة ما يستحى منه، فان كشف ما فيه نقص يحتوي على الاستحياء. واما كشف نقاط القوة فليس فيها ذلك. والظاهر ان الأمر بالعكس. لأن هنا احتمالين:
أحدهما: ان يكون التكليف الشرعي والعرفي بستر العورة إنما هو من أجل كونها نقصاً وخللاً وقبحاً.
ثانيهما: ان يكون المجتمع قد استفاد نسبة النقص إلى العورة بعد ان تشّبع بلزوم سترها. وإذا كان كذلك، فالمهم هو لزوم الستر، واما هذا الفهم المترتب عليه فهو محل المناقشة.
والوجه في مناقشته: ان العورة في الجسم بأي معنى كانت، هي خلق من خلق الله سبحانه وتعالى وجد لأجل مصلحة متعلقة في وجوده، لا عبثاً ولا إهمالاً. وقد قال الفلاسفة: «ان جانب الوجود خير»، إذن فوجود العورة خير بالأساس.
ــــــــــــــــــــ[175]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وهي تؤدي وظيفتها التكوينية المطلوبة، كما يؤدي سائر أجزاء البدن كاليد والرأس والرجل وظائفهما المطلوبة منها. فاستشعار النقص والقبح فيها تكويناً منظوراً إليها بحيالها -كما هو مقتضى الاحتمال الأول- استشعار غير صحيح.
ويدعم ذلك: الاصطلاح على ان جسم المرأة عورة، مع ان الغالب في المرأة في ردح كبير من سنوات عمرها هو الجمال والرِقّة والحُسن. فكيف نسمي ما هو جميل وحسن عورة؟ بمعنى انه قبيح ذاتاً. هذا غير ممكن.
نعم، لما كان هناك تركيز وتشبّع بلزوم الستر جاء لفظ العورة باعتبار لزوم الستر. فكل ما يلزم ستره ويحرم كشفه والنظر إليه فهو عورة. إذن، فهذا اصطلاح حكمي أو (قانوني) ثابت بعد الالتفات إلى لزوم الستر، وليس بغض النظر عنه.
وإذا كان ناشئاً منه لم يمكن ان يكون أوسع من دائرته, يعني لا بد ان يكتسب اصطلاح العورة اقتصاراً على هذا المقدار الحكمي. ويكون الاستشعار الناشئ منه بكون العورة نقصاً وخللاً وقبحاً، بلا موجِب.
إذ الحكم بوجوب الستر، لم ينشأ من القبح الذاتي للعورة، إذ لا يوجد قبح ذاتي كما قلنا. وإنما وجد الحكم ونشأ من مصالح فردية واجتماعية تَمُت إلى حياة الإنسان وتكامله وتعامله بصلة.
وقد يستشعر ذلك من سيرة الكفار والمنافقين في كشف بعض ما يجب ستره في الإسلام، وان ما لا يجب ستره في نظرهم ليس بعورة. إذن، فالاصطلاح ناشئ من هذا الحكم، لا ان هذا الحكم ناشئ من هذا الاصطلاح, أعني كونه عورة ذاتية.
وقد يقال: انه لا إشكال بوجوب ستر العورة عقلاً وعقلائياً بل في كل
ــــــــــــــــــــ[176]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الأديان السماوية، بل في كل الأديان على الإطلاق. وهذا إنما يدل على كون العورة نقص ذاتي في المرتبة السابقة عن الحكم وبغض النظر عنه، ولذا كان التركيز شديداً على وجوب سترها.
وجوابه: ان شدة التركيز على الستر أمر حق. إلا أننا أشرنا إلى ان وجوبه ليس ناشئاً من القبح الذاتي في العورة. بل لمصالح متعلقة بالحكم تَمُت إلى حياة الفرد الاجتماعية وتعامله مع الناس من جهة والى تكامله المعنوي وصعوده في مقامات الكمال أو الثواب الأخروي من جهة أخرى.
ويدعم ذلك ما ورد من إطلاق لفظ العورة على (السر) لأنه يجب ستره وكتمه. ففي الحديث انه قال: “عورة المؤمن على المؤمن حرام”. قلت: تعني سفليته. قال: “ليس حيث تذهب إنما ذاك كشف سره”.
وكذلك قولهم: «بيت معور إذا كان آيلاً للانهدام». فان هذه الجهة مما تتعلق المصلحة بعدم كشفه للناس وتعرفهم عليه. وكذلك الكلمة العوراء وهي القبيحة، باعتبار لزوم سترها وعدم التّفوّه بها.
بل مطلق النقص إنما سمي عورة، للزوم ستره وعدم إمكان كشفه لوجود المفسدة في ذلك وتورط الفرد بما ليس في مصلحته. ولذا قيل في الدعاء: “أنت الساتر عورتي والمؤمن روعتي. والمقيل عثرتي”. يعني انها عورة من زاوية كونها لازمة الستر.
بل الأمر أكثر من ذلك، إذ لو تصورنا ان العورة تحتوي على خلل ذاتي ونقص أساسي، لكان في ذلك اعتراضاً على خلق الله سبحانه الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ وسوء ظن بحسن الصنعة وتمام الخلقة. مع ان القرآن الكريم نص على حسنها والعقل دال على ذلك، حتى قال الفلاسفة: (ليس في الامكان خير مما كان). والعدل الإلهي اللامتناهي شامل لكل الخلق ومُدبِّر له أحسن تدبير وهذا المعنى لا يختلف فيه ما تسميه عورة عن غيره.
ــــــــــــــــــــ[177]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
إذن، فالعورة ليس لأجل ان فيها نقصان ذاتي بل ان اصطلاحها ناشئ من وجوب سترها لا أكثر. بل النقص كما قلنا إنما يسمى عورة من أجل وجوب ستره.
إذن، فكل ما يجب ستره عرفاً أو عقلاً أو شرعاً، فهو عورة من زاوية ذلك القانون الذي أمر بالستر.
بقي ان نلتفت إلى ان وجوب الستر على الفرد ملازم قانوناً مع حرمة النظر من الغير إليه أو قل: إلى عورته, لأن المفروض عرفاً وعقلاً وشرعاً، تعاون الأفراد في الأسرة والمجتمع فيما بينهم على مهام الحياة. وقد ورد: “ان المسلمون… يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم”.
فما يجب على هذا ستره يحرم على ذاك فضحه أو النظر إليه والحقوق المتقابلة في المجتمع كثيرة. أوضحها الحقوق المالية: فما يكون ملكاً للإنسان يحرم على الأخرى غصبه أو استعماله بدون إذنه، وهكذا.
ومعه, لا نقول مجازاً إذا قلنا ان العورة هي ما يجب ستره ويحرم النظر إليه. لأن هذين الحكمين متلازمان عادة.
ويترتب على ذلك بل يدل عليه أيضاً، انتفاء اصطلاح العورة عما لا يجب ستره, أو قل: عند عدم وجوب الستر فجسم الرجل عورة بالنسبة إلى الجنس الآخر، وليس عورة بالنسبة إلى جنسه، لعدم وجوب الستر. وكذلك الوجه والكفين للمرأة، إذا قلنا بجواز كشفهما، كما هو الصحيح، ليسا بعورة. وكذلك جسم المرأة لزوجها ليس بعورة.
نعم، لا نستطيع لغوياً التنازل عن اصطلاح العورة عن الأعضاء التناسلية حتى حين جواز كشفها. لأن التلقين الاجتماعي اللغوي قوي بالنسبة إليها جداً. فتكون عورة في كل حال.
ــــــــــــــــــــ[178]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
نتج من ذلك: ان اصطلاح العورة، كما قلنا قبلاً ناتج من وجوب الستر، وليس العكس.
كما نتج من ذلك: ان المهم فقهياً ليس هو عنوان العورة، بل ما يجب ستره من جسم الإنسان بعناوينه التفصيلية الخاصة. كجسم المرأة وشعرها من الأجنبي وجسم الرجل عن المرأة الأجنبية.. وهكذا, ولنا الحرية بعد ذلك ان نسمي هذا الذي ثبت وجوب ستره فقهياً عورة أم لا. وان كان المصطلح اللغوي على ذلك فعلاً. الا ان المسألة تبقى لغوية أكثر منها فقهية.
وينتج من ذلك أيضاً: انه متى ورد في دليل فقهي كالسُنّة الشريفة لفظ العورة، كقولهم: (يحرم نظر المسلم إلى عورة أخيه المسلم) فإننا لا نفهم منها كل ما وجب ستره. لأن هذا معنى مترتب على الحكم، وليس موضوعاً له. وما هو قدر متيقن كونه عورة عرفاً هو الأعضاء التناسلية لا غير. أو بتعبير آخر: انه لا يوجد ما هو عورة بغض النظر عن الحكم سواها.
وينتج مما قلناه أيضاً: أمور أخرى للفهم المعنوي، وقد يثبت عرفاً، وقد يثبت عقلاً أو بأي وجهة نظر أخرى.
إذ قد يشعر الفرد ان النقائص التي في جسمه كالتشويه مثلاً مما يجب ستره. فهو بهذا الاعتبار عورة. كما قد يشعر ان النقائص التي في نفسه كقلة الذكاء أو سرعة الغضب أو غيرها عورة. كما قد يشعر انه على العموم (عورة) لأن محتواه الداخلي أقل بكثير مما ينظر إليه الناس ويفهمونه. وان الأصلح له هو الستر من جميع الجهات لو أمكن!!..
كما قد يشعر ان المزابل والخرائب عورة. لاستهجان النظر إليها، أو قل: لأنه يرى رجحان سترها، وان لم يمكن.
ومن هذا الاتجاه ورد قوله تعالى: فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي. حيث عَبّر عن
ــــــــــــــــــــ[179]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الجثة بالسوأة أو العورة. لأن الأفضل سترها بكل صورة. ولأن الفرد في جثته يكون من النقص بحيث قد يستشعر منه النقص الذاتي له وانه حقير أساساً. الأمر الذي لا يراد لأحد ولا يريده الفرد لنفسه. فمن هنا جاء لزوم ستر الجثة قبل دفنها, وبنفس دفنها أيضاً.

ما يجب ستره للرجل:
وهذا ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما يجب على الرجل ستره عن الرجال والمحارم من النساء.
القسم الثاني: ما يجب ستره عن الأجنبيات من النساء.
أما القسم الأول: فهو عضو الرجل التناسلي والبيضتين وحلقة الدبر وقيل بإلحاق العجان بها ولو بنحو الاحتياط الوجوبي. وهو اللحم الفاصل بين الدبر والبيضتين.
وهذا المقدار إجماعي، وأما سائر بدن الرجل، فلا يجب ستره عن الرجال ولا من المحارم من النساء، والدليل فيه أصالة البراءة الخالية عن المعارض. إذ لا دليل على وجوب الستر فيه. وما ورد أما ضعيف سنداً أو محمول على الاستحباب.
والمحارم من النساء هُنَّ النساء اللاتي يحرم على الفرد الزواج منهن أبداً, ويترتب على ذلك شرعاً جواز النظر بغير شهوة إلى جسم بعضهم البعض.
وهُنَّ الواردات في الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ
ــــــــــــــــــــ[180]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ… الخ الآية(1).
وبحسب التفسير الفقهي المتسالم عليه لهذه الآية الكريمة. فقد استثنى الله سبحانه وتعالى من جواز النكاح للنساء ومن ثم من حرمة النظر إليهن عدة عناوين:
أولاً: (أُمَّهَاتُكُمْ): والأم من ولدت الفرد مهما تصاعد الانتساب من طرف أي من الأبوين.
ثانياً: (بَنَاتُكُمْ): والبنت من ولدها الفرد مهما تنازل الانتساب من طرف كِلا الجنسين.
ثالثاً: (الأخوات): وهُنَّ بنات الأب أو الأم أو هما معاً بالمباشرة ولا يشمل أخوات الأب والأم لأنهن عمات وخالات, مذكورات في الآية الكريمة.
رابعاً: (عَمَّاتُكُمْ): والعمة هي أخت الأب بمعناه الواسع الشامل للأجداد مهما ارتفعوا من كِلا طرفي الوالدين.
خامساً: (خَالَاتُكُمْ): والخالة هي أخت الأم بنفس المضمون.
سادساً: (بَنَاتُ الْأَخِ): والبنت هنا يراد به النسل مهما تنازل. إلا ان الأخ لا يراد به الا الصلبي أو المباشر، وإلا لزم حرمة بنات العم لأنهن بنات أخ الأب. وهو مسلّم العدم فقهياً.
نعم, نسل الأخ على العموم -أعني من أولاده وبناته- مشمول للحكم.
سابعاً: (بَنَاتُ الْأُخْتِ): والبنات منظور إليها كالسابق. واما الأخت فهي المباشرة، وإلا لزم حرمة بنت العمة لأنها أخت الأب وهو خلاف الضرورة الفقهية.
ــــــــــــــــــــ[181]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) النساء: 23.
ثامناً: (أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ): والأم مأخوذة هنا على سعتها, فأم الزوجة وجَدّتَها مهما تصاعدت مشمولة للحكم. الا ان (نِسَائِكُمْ) لا يشمل زوجات الأولاد طبعاً. ولذا جاز للرجل الزواج من أم زوجة ولده. والحكم في الآية لأم الزوجة شامل لما بعد طلاق الزوجة أيضاً إجماعاً واستصحاباً، سواء في الحكم بحرمة النكاح أو الحكم بجواز النظر.
تاسعاً: (رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ): والربيبة هي بنت الزوجة. وتشمل حفيداتها أيضاً من أولادها وبناتها على الأظهر. بعد إلغاء عنوان (الحجور) المأخوذ في الآية من قِبَل الفقهاء إجماعاً. وإنما أخذ فيها بسبب النظر إلى الغالب.
الا انها لا تشمل ربيبة الابن. كما لا تشمل العكس. أعني ابن الزوج لأنه داخل تحت قوله: أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ.
عاشراً: (حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ): والحليلة أشمل من الزوجة الاعتيادية، فان المراد بها ما حل بالنكاح الدائم والنكاح المنقطع وبملك اليمين. كما ان الأبناء يشمل النسل مهما تسافل ذكوراً وإناثاً.
وهذا يشمل ما بعد الطلاق أيضاً، فلو طلّق الولد زوجته المدخول بها، بقيت حراماً على والده نكاحاً ويجوز النظر إليها. ولا يجوز للولد النظر إليها بعد العدة الرجعية.
أحد عشراً: (الرضاع): فانه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب كما قام عليه الإجماع والسُنّة الشريفة. لا يفرق في ذلك كل الأنساب المحرمة والجائزة الا الإرث.
والآية الكريمة تعطي مثالين للرضاع هما: الأم من الرضاعة والأخت منها. وهما أقرب مثالين بطبيعة الحال إلى حياة الفرد. لكنه لا يعني الانحصار. فمثلاً
ــــــــــــــــــــ[182]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
زوجة الأب من الرضاعة وزوجة الابن من الرضاعة وغيرهن من العناوين النَسَبية إذا أصبحت صادقة بالرضاع كانت مشمولة للحكم في الآية الكريمة.
ومحل الشاهد من هذا كله انه حسب القاعدة الفقهية، انه يجوز للنساء المحرمات في هذه الآية ان ينظرن إلى جسم الرجل المحرم عليهن ولا يجب على الرجال الستر منهن. ما عدا ما ذكرنا من الأعضاء التناسلية.
لكن ينبغي الالتفات إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: انه يجب ان يكون النظر بغير شهوة. وفي اللغة الفقهية: ان الجواز مشترط بعدم الريبة. فلو حصلت الشهوة حَرُم النظر ووجب الستر.
الأمر الثاني: ان جواز الكشف بهذا المقدار -أعني لأغلب الجسم- هو بحسب مرتبة الحرام والواجب. ولا يبعد ان يقال بالاستحباب أو بالاحتياط الاستحبابي بالنسبة إلى بعض الجسم الذي جاز كشفه. كما بين السرة والركبة كله. وكالتحرك مع العري حركات تكون مظنّة الإثارة، فإذا حصلت الإثارة حصلت الحرمة. وتورط الفرد. فالأولى له حسن التصرف عندئذ.
الأمر الثالث: ان جواز النظر خاص بمن ذُكِر في الآية الكريمة، بخلاف الحرمة المؤبدة للنكاح. فانها شاملة للمطلقة تسعاً. ومن هنا لا ملازمة بين الحرمة والجواز فيها. وإنما المناط في الحرمة والجواز كونهن مذكورات في الآية. واما المطلقة تسعاً، فهي حرام مؤبد الا انه لا يجوز النظر إليها بعد طلاقها التاسع والى الأبد. وان جاز لأب المطلِّق وابنه النظر, لشمول الآية لهما. كما هو واضح مع أدنى تفكير.
هذا كله في الحديث عن القسم الأول.
واما القسم الثاني: وهو ما يجب على الرجال ستره عن النساء الأجنبيات.
فهذا غير متفق عليه على عمومه. لأننا لا يمكن ان نقول بالتلازم من
ــــــــــــــــــــ[183]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الطرفين بين حرمة النظر ووجوب الستر. والا وجب ان نقول بوجوب الحجاب الكامل للرجل كالمرأة. وهو أمر خلاف السيرة القطعية وخلاف الضرورة الفقهية.
ومن هنا اختلف الفقهاء على شكلين:
الشكل الأول: ان نقول اننا وان نفينا التلازم بين الحكمين من الطرفين. بمعنى انه إذا حرم النظر لم يجب الستر، ولكن إذا جاز الكشف جاز النظر. والكشف جائز للرجل. إذن, فنظر المرأة إليه جائز.
الشكل الثاني: ان نقول: ان أدلة غض النظر عن المرأة لا يراد بها المرأة بالتعيين بل يراد بها أي جنس بالنسبة إلى الجنس الآخر. فكل شيء يحرم للرجل ان ينظره من المرأة، وهو كل الجسم الا الوجه والكفين، يحرم كذلك على المرأة ان تنظره من الرجل.
وهذا الشكل من أشكال التجريد عن الخصوصية، راجح وعرفي. ولا دليل على ما قيل في الشكل الأول من انه إذا جاز الكشف جاز النظر. الا بحسب تقريبات ذوقية استبعادية لم تقم عليها حجة معتبرة. فالصحيح هو حرمة النظر إلى غير الوجه والكفين من الرجل.
بل قيل بحرمتهما أيضاً على المرأة، لأن الاستثناء وارد في المرأة ولم يرد في الرجل، فدليل الحرمة عام لكل جسمه.
إلا أن هذا ليس بصحيح، لأننا كما جردنا دليل الحرمة عن الخصوصية عرفاً، يمكن ان نجرد دليل الاستثناء عن الخصوصية عرفاً، فيكون الرجل مشمولاً للاستثناء من الحرمة، فيجوز نظر المرأة إلى وجهه وكفيه بدون ريبة.
أما ما يجب على الرجل ستره من جسمه فأمران متيقنان:
أحدهما: الأعضاء التناسلية ونحوها التي قلناها في القسم الأول فانها يجب
ــــــــــــــــــــ[184]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
سترها عن الرجال فضلاً عن النساء. وعن المحارم فضلاً عن الأجنبيات.
ثانيهما: ما يلزم من كشفه الفتنة ويكون سبباً لإثارة الشهوة. فان كشفه حرام سواء لزم من ذلك فعلاً أو لا، فانه سبب غالبي وطبيعي لذلك.
الا ان هذا يتحدد بمقدار سببه فلو علم عدم إثارته للشهوة، كما لو كان الناظر أجنبية هرمة مثلاً، ارتفعت الحرمة.
واما ما كان خارجاً عن هذين الأمرين، فأصالة البراءة دليل على جوازه ولا إجماع على الحرمة في البين. ولذا تكون الفتوى بالحرمة أقرب إلى المجازفة. نعم، لا بد من القول بالاحتياط الاستحبابي فيه، ولو خروجاً عن مخالفة القائلين بالحرمة أو لاحتمال إثارة الشهوة، مهما كان احتمالاً ضعيفاً.
الا ان جواز الكشف بهذا المعنى للرجال لا يعني جواز النظر إليهم من قِبَل النساء. بل يجب على المرأة ان تغض النظر عن الرجل الأجنبي في غير وجهه وكفيه بما فيه رقبته وذراعه وساقه وغير ذلك. نعم، إذا قلنا بجواز كشف ظاهر القدم للمرأة وجواز النظر إليه، كما سيأتي، قلنا ذلك هنا أيضاً.

ما يجب ستره على المرأة:
وهو كل الجسم ما عدا الوجه والكفين، وظاهر القدمين -وسيأتي الكلام فيه-.
وليس دليله هو الملازمة بين حرمة النظر ووجوب الستر. لأننا قلنا ان هذا غير موجود. وإنما دليله الإجماع وظاهر بعض الآيات الكريمة قوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ… الآية(1).
والخمار: ما تلف به المرأة رأسها. والآية تأمر ان يكون الخمار واسعاً،
ــــــــــــــــــــ[185]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) النور: 30.
بحيث يشمل (الجيوب) وهو ظاهر الصدر. فتكون هذه المنطقة من الجسم مستورة به. يعني ان ما يخرج من الجسم بعد لبس (الثوب) يجب ستره بالخمار أو القناع.
والثوب لا يستر الوجه واليدين عادةً وعرفاً، ولا الخمار يسترهما كذلك. فالآية غير دالة على وجوب سترهما. والأخبار هنا دالة على الجواز، مضافاً إلى أصالة البراءة(1) بعد عدم اعتبار الدليل على الحرمة.
وجواز كشفه وان لم يكن ملازماً لجواز النظر إليه عقلاً. إلا انه أولاً: مورد البراءة، بعد كونه خارجاً عن القدر المتيقن من الإجماع. وثانياً: اننا نفهم من الأخبار المجوزة للكشف جواز النظر إذ الملازمة منعدمة عقلاً الا انها غير منعدمة استظهاراً وعرفاً. وتمام الكلام في محله.
فهذا ما يجب على المرأة ستره عن الرجل الأجنبي. واما الرجل المحرم، فيمكن ان نفهمه من آيتين:
الآية الأولى: الخاصة بالنساء والتي يقول فيها: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ(2).
فقد استثني من وجوب الستر والحجاب عدة عناوين:
أولاً: (آبَائِهِنَّ) الشامل للأجداد مهما تصاعدوا.
ــــــــــــــــــــ[186]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) وهي العمدة في الحجية بعد سقوط الاخبار عن الحجية لبعض المناقشات في السند.
(2) النور: 31.
ثانياً: (آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ) يعني أب الزوج أو آبائه مهما صعدوا في طرف الآباء أو الأمهات.
ثالثاً: (أَبْنَائِهِنَّ) الشامل للأبناء والأحفاد مهما تنازلوا من الجنسين, أي من نسل البنات أو الأبناء.
رابعاً: (أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ) يعني ابن الزوج وأحفاده مهما تنازلوا من الجنسين أيضا.
خامساً: (إِخْوَانِهِنَّ) ويراد به عادة الأخ القريب. واما البعيد فيكون عماً أو خالاً. غير ان الصحيح عدم وجوب التستر من العم والخال أيضاً لكونهم مشمولين للآية الأخرى السابقة في قوله: وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ.
سادساً: (أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ) مهما تنازلوا أيضاً من الجنسين.
سابعاً: (أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ) مهما تنازلوا أيضاً من الجنسين.
ثامناً: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) فان نظر المرأة إلى المرأة إجمالاً جائز.
وكون المرأة منسوبة إلى صاحبتها ليصدق قوله (أَوْ نِسَائِهِنَّ) غير محتمل فقهياً، بل الحكم عام، والقيد غالبي.
تاسعاً: (غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ) يعني الرجال الفاقدين للشهوة الجنسية اما للمرض أو للشيخوخة وهذا وان لم يُفتِ به الفقهاء بصراحة الا انه ثابت بنص القرآن.
وكونهم من (التَّابِعِينَ) أيضاً غير محتمل ان يكون مقيداً للحكم فقهياً، بل الحكم عام والقيد غالبي.
عاشراً: (مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) وإطلاقه يشمل المملوكين من الرجال والنساء. بل اختصاصه بالنساء بعيد وغير ظاهر. لأنهن يكن مشمولات لقوله
ــــــــــــــــــــ[187]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
قبل قليل: أَوْ نِسَائِهِنَّ.
فالحكم خاص هنا بالعبيد المملوكين، والفقهاء وان احتاطوا في مورده الا ان الآية الكريمة ظاهرة في الجواز. والأخبار تدعمه في الشعر والساقين. وهو أيضاً مقتضى أصالة البراءة.
وإذا ألحقنا بالساقين الذراعين، بالتجريد عن الخصوصية، بقي سائر البدن غير الرأس والساقين والذراعين، مشمولاً للحرمة، لان الآية مقيدة بصحيحة (يونس بن عمار ويونس بن يعقوب)(1).
أحد عشر: الأطفال (الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) فان الطفل غير مكلف فلا يجب الحجاب منه.
وأما القيد: (الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ). فهو غالبي وليس مقيداً من الناحية الفقهية. على انه من المحتمل كون المراد من العورة أمراً معنوياً لا جسدياً, يعني ان يكون الطفل غير مطّلع على حال المرأة من الناحية النفسية والعقلية ونحوهما. وهو أيضاً قيد غالبي. والمهم, مجرد ان يكون طفلاً لم يبلغ حد التكليف.
الآية الثانية: هي الآية التي سمعناها في محرمات النساء على الرجال إذا فهمنا منها العكس، وان ما يجوز أو لا يجوز للمرأة تجاه الرجل -أعني من النكاح والنظر- يثبت للرجل تجاه المرأة أيضاً.
وقد سبق نص الآية الكريمة ولكن نحاول الآن ان نفهمها من جديد في حدود العناوين الواردة فيه:
أولاً: (أُمَّهَاتُكُمْ) وبإزائه الأب والأجداد للمرأة.
ــــــــــــــــــــ[188]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل: ج14. كتاب النكاح, أبواب مقدماته وآدابه, باب124, حديث1.
ثانياً: (بَنَاتُكُمْ) وبإزائه الأولاد والأحفاد لها.
ثالثاً: (عَمَّاتُكُمْ) وبإزائه أعمام المرأة وأعمام آبائها وأمهاتها, أعني أجدادها وجداتها.
رابعاً: (خَالَاتُكُمْ) وبإزائه أخوال المرأة وأخوال آبائها وأجدادها وأمها وجداتها.
خامساً: (بَنَاتُ الْأَخِ) وبإزائه أبناء الأخ.
سادساً: (بَنَاتُ الْأُخْتِ) وبإزائه أبناء الأخت.
سابعاً: (أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) وبإزائه أباء الأزواج.
وأكثر هذه العناوين موجودة في الآية الأولى أيضاً. الا ان الفهم العكسي الذي نفهمه الآن قلّما يمكن الالتفات إليه، فاحتاج الأمر إلى النص عليه ضمن آية أخرى.
ثامناً: (حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ) وبإزائه للمرأة زوج البنت والحكم فيه مسلّم. وان لم يذكر في الآية الأولى.
تاسعاً: (رَبَائِبُكُمُ) يعني بنت الزوجة كما قلنا، وبإزائه ابن الزوج وهو مشمول أيضاً لقوله تعالى: وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ، لأنها زوجة أبيه. كما هو مشمول لقوله سبحانه: أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ من الآية الأولى.
عاشراً: الرضاع، وقد سبق فيه بعض الكلام ويأتي مفصلاً في كتاب النكاح. والحكم فيه إجمالا مسلّم.
بقي علينا ان نعكس الفهم من الآية الأولى أيضاً. لنرى موقف الرجال من النساء. ولا حاجة لنا -بعد كل هذا الحديث- الا للإشارة إلى أربعة موارد:
ــــــــــــــــــــ[189]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
أولاً: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) وبإزائه نظر الرجل إلى الرجل.
ثانياً: (مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) وبإزائه نظر الرجل إلى جاريته وهو أوسع من نظر المملوك إلى سيدته بكثير، كما ثبت فقهياً.
ثالثاً: (الطِّفْلِ) وبإزائه الطفلة، فيجوز النظر إليها ونظرها للرجال ما لم تصل حد التكليف… غير العورتين. وان كان الأدب الشرعي يقتضي أكثر من ذلك بكثير. واما إذا أثار الشهوة أو كان النظر بشهوة، كان حراماً.
رابعاً: (غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ) وبإزائه غير اُولات الأربة من النساء. وهذا منصوص عليه في آية أخرى بالدلالة المطابقة لا العكسية. في قوله تعالى: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ.
وهي كالنص باستحباب الحجاب لهن دون وجوبه وقد أيدته الروايات. وبعد هذه الجولة يحسن ان نمر على عدة أمور:
الأمر الأول: النساء الكافرات، يجب عليهن الحجاب الإسلامي ويستحققن العقاب على تركه بناءً على تكليف الكفار بالفروع، كما هو الصحيح. الا ان الكافر عاصٍ بعقيدته وبسلوكه معاً للدين الحق.
ولكن يجوز النظر إليهّن بدون شهوة. فتكون حرمة النظر خاصة بالمسلمات.
ففي معتبرة السكوني(1) عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله: “لا حرمة لنساء أهل الذمة ان يُنظَر إلى شعورهن وأيديهن”.
ولا أقل من جريان أصالة البراءة مع عدم الدليل المعتبر الحاكم عليه.
ــــــــــــــــــــ[190]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل: كتاب النكاح. أبواب مقدمات النكاح, باب112. حديث1.
الأمر الثاني: في موثقة(1) عباد بن صهيب. قال: سمعت أبا عبد الله يقول: “لا بأس بالنظر إلى رؤوس أهل تهامة والأعراب وأهل السواد والعلوج، لأنهم إذا نهوا لا ينتهون” الحديث.
والإشكال في هذه الرواية من عدة جهات, نذكر أهمها:
أولاً: الطعن في السند بـ(عباد بن صهيب) راويها الأخير، فانه غير سليم الاعتقاد.
وجوابه ان فساد الاعتقاد لا يقتضي رد الرواية مع وجود الوثاقة كما ثبت في محله. وقد ثبت توثيقه.
ثانياً: انه قال: “إلى رؤوس أهل تهامة”، ولم يقل إلى نسائهم أو رؤوس نسائهم حتى يكون السؤال عن الحجاب فتكون الرواية أجنبية عن ذلك بالمرة.
الا انه يمكن تقريب ذلك: بأن السؤال إنما حصل عن الرؤوس، فلماذا خصّ الرؤوس. ولم يقل: النظر إلى أهل تهامة أنفسهم؟ والسبب في ذلك هو ارتكاز أو وضوح حرمة النظر إلى رؤوس النساء وشعورهن، فيكون هذا استثناء من ذلك. ويؤيده أخذ عنوان: النظر, ولم يقل اللمس لهم أو التعامل معهم أو غير ذلك. وبهذا تكون الرواية أقرب إلى الظهور بالمطلوب بلا إشكال.
ثالثاً: تذكير الضمير في قوله: “إذا نهيتهم لا ينتهون” الأمر الذي يجعل الحكم كأنه غير مرتبط بالنساء ولا أقل من احتمال ذلك.
وجوابه من وجوه، نذكر منها اثنان:
أولاً: احتمال جواز إرجاع الضمير المذكّر إلى المؤنث في صورة الجمع، بل هو أكيد الصحة وارد في قوله تعالى: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ
ــــــــــــــــــــ[191]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: باب113، حديث1.
نِكَاحاً. ومحاولة تأويلها (1) يخرجها عن ظاهرها بلا شك. وظاهر القرآن حجة على القواعد العربية. كما هو حجة على الحكم الشرعي.
ثانياً: ان المراد ليس النساء وحدهن بل مجموع المجتمع الذي يتحدث عنه الإمام. ولا شك بجواز رجوع الضمير إلى مجموع الإناث والذكور مذكراً. فنفهم من ذلك ضمناً ان النساء أيضاً لا ينتهين. وهذا هو المطلوب.
والرواية واضحة في التعليل بقوله: “لأنهم إذا نهيتهم لا ينتهون”.
فتكون شاملة لكل امرأة يكون حالها انها إذا أمرتها بالحجاب أو نهيتها من الانكشاف لم تعطك أذناً صاغية واستمرت على سلوكها.
وبهذا ندفع احتمال ان يكون للعلوج وأهل السواد والأعراب أية خصوصية، وإنما هو مورد الحكم. والحكم أعم منه بقرينة التعليل ويشمل من كان كذلك من النساء على الإطلاق.
وينبغي ان نلاحظ ان جواز النظر لا يعني جوازه بشهوة. كما لا يعني جواز انكشاف المرأة لما قلناه من عدم التلازم بين الجوازين.
نعم، هناك تلازم بين تكليف المرأة تجاه الرجل وتكليف الرجل تجاه المرأة. فهنا كما يجوز النظر إلى المرأة العاصية في الحجاب، كذلك يجوز النظر إلى الرجل العاصي في الحجاب.
فإن قيل: ان الرجل لا يكون عاصياً في الحجاب لعدم وجوب الحجاب عليه. نقول: هذا صحيح بالنسبة إلى وضعه الاعتيادي. اما حين (يتبرج) ويظهر من جسمه أجزاء عديدة أمام النساء. وهو على غير استعداد لإطاعة الأمر
ــــــــــــــــــــ[192]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) بالقول بزيادة الواو في (يرجون) أو بإرجاع الضمير إلى الرجال المفهومين من السياق.
الاستحبابي بالستر ولا بإطاعة الأمر الوجوبي بالستر مع الإثارة. فهذا من الذين “إذا نهيتم لا ينتهون” فيكون مشمولاً للرواية. وان كان الاحتياط الاستحبابي بالترك أيضاً وارد.
غير ان هذا المضمون، أعني دلالة الرواية غير شاملة للعورتين، فلو عصى الفرد وأبرزهما لم يجز للآخرين النظر إليهما. من أي الجنسين كان. بل الأحوط الاختصاص بالجواز. في حدود ما يرضي أولئك العصاة لأنفسهم كشفه، فلو تبرجت المرأة أكثر من ذلك، بحيث أصبحت ممقوتة عندهم ولو ضمناً، لم يجز النظر إليها. أعني إلى الاجزاء الخارجة عن المعتاد.
الأمر الثالث: مما يحسن التعرض له:
ان الأمر بالستر والنهي عن النظر خاص بشخص الإنسان، وغير شامل لصورته، إذا كان النظر بدون شهوة. بما فيها الصورة في التلفزيون. من دون ان يخدع الفرد نفسه.
الأمر الرابع: اننا كنا نتحدث عن ستر العورة في الصلاة، فانجر الحديث إلى مطلق الحجاب.
وما يجب ستره في الصلاة بحسب الدليل بالنسبة إلى الرجال بمقدار ما يحرم كشفه للرجال الآخرين وهو العورتان. وبالنسبة إلى المرأة بمقدار ما يحرم كشفه إلى الرجال الأجانب، يعني غير المحارم. وهو كل الجسم ما عدا الوجه والكفين للحرة البالغة.
الأمر الخامس: بالنسبة إلى الخنثى المشكل، يجب عليه الاحتياط في تكليف الرجل والمرأة معاً. فيوجد ما يجب عليهما معاً وينتهي عما لا يجوز لهما معاً، سواء في الصلاة أو غيرها، وكذلك تكليف الغير بالنسبة إليه فلا يجوز نظر الرجال ولا النساء إلى غير وجهه وكفيه ما لم يكن من “الذين إذا
ــــــــــــــــــــ[193]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
نهيتهم لا ينتهون” وإلا جاز نظر الجنسين إليه وكانت الحرمة عليه.
ولكن ما هو الخنثى المشكل فهذا يأتي في كتاب الإرث ان شاء الله تعالى.
الأمر السادس: ان المهم شرعاً للمرأة في حجابها ستر ما يجب ستره من جسمها. واما شكل الثياب الساترة فغير مأخوذة بنظر الاعتبار على الإطلاق. ما لم تكن مثيرة للفتنة فتكون محرمة.
فالعباءة والملائة وغيرها كلها مجزية شرعاً. بل القرآن الكريم واضح في عدم ضرورة لف الجسم بالعباءة أو نحوها. لأنه سبحانه يقول: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ. وهذا واضح بجواز الخروج شرعاً إلى الشارع بالثوب والخمار إذا ستر الرأس والصدر. بدون زيادة على هذا المقدار من الثياب.
نعم، هو واضح أيضاً بأن الثوب، كان على الطريقة القديمة التي لم يكن في الوسط حزام… الأمر الذي يستر وركي المرأة تماماً حتى حجمه الخارجي. وهو الأولى جداً، بل لعله يكون واجباً على بعض المسالك الفقهية. وهذه هي المزية الرئيسية للعباءة ونحوها مما يستر الوركين فتكون راجحة بلا إشكال.
الأمر السابع : ما يجب على المرأة ستره عن النساء، بل وحتى المحارم من الرجال -بدون شهوة- ليس الا عورتها: القُبُل والدُبر والأحوط شمول الحكم بالحرمة للّحمتين المكتنفتين للقُبُل وللعجان ولا تشمل الرُكَب، وهو بمنزلة العانة للرجل. ومن هنا أمكن ان تقف عارية مضمومة الرجلين، لتطبّق هذا الحكم. كما ذكرنا في بعض كتاباتنا الفقهية.
وبالرغم من اننا أطلنا فلم نتكلم الا عن المسائل الأساسية في الحجاب وبعض الفروع. ويبقى الباقي موكولاً إلى الفقه. وهم عادة يذكرونها في كتاب النكاح. وإنما ذكرناها في كتاب الصلاة باعتبار الحكم بوجوب الستر فيها.
ــــــــــــــــــــ[194]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني

فصل
أهم تفاصيل النية

تكلمنا في فصل من كتاب الطهارة عن حقيقة النية. والآن نتكلم عن تفاصيلها، وخاصة في الصلاة.
فقد اعتبر الفقهاء وجوب قصد القربة في الصلاة. وذكروا انه لا ينبغي قصد الرياء ولا العجب فيها. وقالوا: «انه يجب القصد إلى أمور أربعة: القربة واسم الصلاة من الصبح أو الظهر أو غيرها، والحكم من الوجوب والاستحباب، والقصد من الأداء والقضاء».
ومعه, فينبغي ان نتكلم حول ذلك في عدة جهات:
الجهة الأولى: في معنى القربة فقهياً.
قال في العروة الوثقى(1): «فحال الصلاة وسائر العبادات حال سائر الأعمال والأفعال الاختيارية كالأكل والشرب والقيام والقعود ونحوها من حيث النية. نعم, تزيد عليها باعتبار القربة فيها بأن يكون الداعي والمحرك هو الامتثال والقربة ولغايات الامتثال درجات.
أحدها وهو أعلاها: ان يقصد امتثال أمر الله لأنه تعالى أهل للعبادة والطاعة. وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين بقوله: “إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك”.
ــــــــــــــــــــ[195]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) المستمسك: ج6، ص7.
الثاني: ان يقصد شكر نعمه التي لا تحصى.
الثالث: ان يقصد به تحصيل رضاه والفرار من سخطه.
الرابع: ان يقصد به حصول القربة إليه.
الخامس: ان يقصد به الثواب ورفع العقاب. بأن يكون الداعي إلى امتثال أمره رجاء ثوابه وتخليصه من النار.
واما إذا كان على وجه المعاوضة، من دون ان يكون برجاء إثابته تعالى فيشكل صحته. وما ورد من صلاة الاستسقاء وصلاة الحاجة، إنما يصح على الوجه الأول». انتهى.
وإنما نقلنا هذه العبارة بصفتها تمثل الاتجاه المشهور بين المتأخرين. ولنا عليها عدة تعليقات ضمن عدة أمور:
الأمر الأول: ما قاله من ان حال الصلاة حال غيرها من الأفعال من حيث النية.
وهذا على الإجمال صحيح، ولا حاجة إلى ان نأخذ الأمر الفقهي أو العرفي أخذاً عقلياً أو فلسفياً، فنتحدث عن مبادئ الاختيار ونحو ذلك. ولا شك ان الفرد في أي عمل كان إذا سئل عن هوية عمله، فانه يجيب بلا تلكؤ. أو لا أقل ان يخطر في باله الجواب إذا كان هناك مانع من التلفظ به. وان كان قد بدأه تلقائياً من دون مزيد من التفكير.
ولا يراد في العبادات من الصلاة أو غيرها -بصفتها من أعمال البشر- أكثر من ذلك. ولذا قال الفقهاء: ان الفرد لو سئل عن هوية عمله لأجاب به. أو لا أقل من انه يخطر في باله. وهذا يكفي، سواء حصل التلفظ به أم لا، وسواء حصل الإخطار الذهني التفصيلي أو الواضح أم لا.
ــــــــــــــــــــ[196]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ولذا لا نجد في السُنّة الشريفة أية إشارة إلى النية بالمعنى التي يشير إليها الفقهاء ويؤكدون عليها. وإنما المهم ان يتوضأ الفرد وان يصلي. ويمكن ان نستفيد من قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ… ان نستفيد أمرين:
1- انه لم يقل: فانووا واغسلوا وجوهكم وأيديكم. الأمر الذي يكون كالنص في إهمال هذه الجهة.
2- انه قال:  إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، بمعنى حصول الهمة والإرادة فيها. سواء قلنا انها بعد النوم أو بدونه. إذن, فالمكلف يعلم بوضوح ماذا يعمل. وهذا ضروري. وأما أكثر من ذلك، كما لو قال: فانووا واغسلوا وجوهكم…فلا.
الأمر الثاني: انه تزيد العبادة على غيرها بقصد القربة. ولا نريد به الا مجرد توجه الإرادة والهمة إلى العمل-كما أشرنا- من أجل الله سبحانه أو امتثالاً لأمره، وهذا يكفي, والزائد لعله من تسويل الشيطان.
وفي عبارة (العروة) شيء من التسامح لأنه فسر القربة بأنه قصد الامتثال والقربة. فقد أخذ القربة في تعريفها. وهذا هو «الدور» في اصطلاحهم. فإننا إذا لم نكن نفهمها قبل ذلك -كما هو المفروض- لا نزيد فهماً لها من هذه العبارة.
الأمر الثالث: قال ما مؤداه: ان أعلى مقاصد العبادة هو ان يمتثل أمر الله سبحانه لأنه أهل للعبادة.
وهذه العبارة فيها تسامح لمن يفهم. لأن معنى الحديث الشريف الذي رواه هو رجحان العبادة لله لأنه أهل لها. وليس معناه امتثال أمره لأنه أهل للعبادة وكم بين العبارتين من فرق. بالرغم من ان كِلا القصدين مجزيين.
ــــــــــــــــــــ[197]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ويمكن تحليل هذا الحديث الشريف ببعض التحليلات المقربة:
أولاً: أعبد الله اعترافاً بعظمته.
ثانياً: أعبده اعترافاً بالضعف تجاه مجده.
ثالثاً: أعبده طمعاً برحمته (الخاصة).
رابعاً: أعبده انطلاقاً من حبه.
خامساً: أعبده امتثالاً لأمره.
وهذا الأخير هو أدنى هذه المستويات حسب فهم هذا الكاتب القاصر المقصر. بالرغم من انه من أعلى وأحوط المستويات الفقهية.
الأمر الرابع: كان المقصد الثاني هو قصد الشكر للنعم الإلهية التي لا تحصى.
ويقصد الفقهاء من ذلك: قصد الشكر الإجمالي عن مجموع النِعم إجمالاً. لوضوح: ان الصلاة أو أية عبادة إذا كانت شكراً على شيء محدد من النعم، لكانت مصداقاً للشكر ولم تكن مصداقاً للامتثال. فتَشكُل صحتها. وبعبارة أوضح: انها تكون صلاة شكر لا صلاة ظهر. فكيف تصح؟
ولعل قصد شُكر النِعم إجمالاً، أيضاً كذلك. ولذا قلنا في بعض كتاباتنا الفقهية: ان قصد الشكر في العبادات المطلوبة وجوباً أو استحباباً مشكل ومخالف للاحتياط.
نعم، له وجه واحد، ربما قصده بعض المتعمقين من الفقهاء, وهو: ان الفرد يمتثل أمر الله سبحانه غير قاصد شكره. لكنه يرى الله سبحانه أهلاً للامتثال والعبادة، باعتبار كثرة النعم الواردة عليه منه سبحانه بحيث لا تحصى.
وبتعبير أوضح: قد أعطاني الله ما أريد فيجب ان أعطيه ما يريد. أعطاني
ــــــــــــــــــــ[198]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
النعم وأعطيه العبادة. وكلها عائدة بمصالحها إلى العبد والله غني عن العالمين.
وبهذا لا تقع العبادة مصداقاً للشكر، بل مصداقاً للامتثال. ويكون الشكر مأخوذاً ملاكاً في الاتجاه العام لعبادة العبد. وأقصد بالاتجاه العام: أصل اقتناع الفرد بأهلّية الله سبحانه للعبادة أياً كانت. لا هذه الصلاة بعينها أو تلك.
ومثل هذا الاقتناع وان كان معقولاً ومجزياً، الا انه ليس هو الغاية في الفهم. لان أهلّية الله سبحانه للعبادة بكل تفاصيله التي عرفناها، أعلى منه.
الأمر الخامس: كان المقصد الثالث للعبادة في العبارة التي نقلناها تحصيل رضاه والفرار من سخطه.
وهذا مقام كريم، إلا أنه دون قصد أهلّية الله سبحانه للعبادة التي يُعبِّر عنها الحديث الشريف, لأن مقصد الحديث الشريف هو الذات, مع ان الرضا والسخط وصفان زائدان على الذات. الا ان يراد تحصيل الرضا والفرار من السخط من أجل انه أهل للعبادة بمعنى يعرفه أهله.
وينبغي الالتفات إلى ان هذا المقصد الثالث ينحل إلى مقصدين مترتبين:
أحدهما: وهو الأعلى تحصيل الرضا.
وثانيهما: وهو الأدنى الفرار من السخط.
والوجه في كونه أدنى، بالرغم من جلالته، كونه لا يحتوي على أكثر من دفع الشر عن الفرد. كل ما في الموضوع: انه يرى الشر من زاوية سخطه سبحانه، ولا يعتني العبد بالشرور التي هي أدنى من ذلك.
الأمر السادس: كان المقصد الرابع للعبادة: حصول القربة إليه. وقد اختلف الفقهاء في معنى القربة، بعد البرهنة على استحالة حصول القرب المكاني منه سبحانه ووضوح ان قصده كقربه سبحانه.
ــــــــــــــــــــ[199]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ويحسن ان نعطي صورة لاختلافهم فقد ذكروا أقوالاً:
أولاً: تحصيل الثواب في درجات الجنان.
وهذا قد يكون معقولاً، الا ان مؤلف (العروة) يدرك الفرق بينهما. لأنه يرى ان قصد الثواب هو من أدنى مقاصد العبادة. في حين اعتبر قصد القربة من مقاصدها الجليلة.
هذا التفسير -على أي حال- ناشئ من الجهل بمعنى القربة، وسنعطي فيما يأتي فكرة موجزة عنها.
ثانياً: ان المراد من القربة: القرب الروحاني الناشئ من مزيد التناسب في الكمالات.
وقد ذكره في (المستمسك)(1) وأشكل عليه بأنه خلاف الظاهر منه وان قيل انه المراد.
ولم يذكر الوجه في كونه خلاف الظاهر. فان كان مرادهم القرب المعنوي منه سبحانه فهو المطلوب. وهذا يعني تكامل العبد في الدرجات العلى وهو سبحانه رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ. وهو تكامل روحي بطبيعة الحال أو عقلي لو صح التعبير. وليس تكاملا جسدياً بأي حال، كالسمن والصلابة ونحوها!!!.
وبهذا التفسير يتعين ان يكون هو المراد، ولكنه في عين الوقت ذو اختلافات هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وكشاهد أيضاً قال سبحانه: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ.
ثالثاً: القرب المكاني الادعائي. وهو الذي اختاره في (المستمسك). وهو ناشئ من ذوق فقهي يقول: «ان الله سبحانه خاطبنا بصفته إنساناً (تنزيلاً وادعاءً
ــــــــــــــــــــ[200]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) ج6, ص9.
وافتراضاً) لأننا لا نطيق الخطاب أكثر من ذلك. فكان هذا لمصلحة فهمنا. ومن هنا نص القرآن الكريم على ان لله سبحانه حب وبغض وغضب وكراهة وقرب وأمر ونهي ونحو ذلك كثير مما تم البرهان في الفلسفة المتعالية على استحالة أكثره على ذات الله سبحانه».
وإذا تم هذا الوجود التنزيلي، أمكن ان نقول فقهياً: اننا نقترب فعلاً من هذا الوجود التنزيلي اقتراباً حقيقياً.
الا انه من المؤسف ان تلك المقدمة لا تنتج هذه النتيجة. لأن الوجود التنزيلي لله سبحانه وتعالى عما يشركون، ليس هو الله بطبيعة الحال، بل هو وهم من الأوهام الفقهية، والاقتراب من هذا الوهم لا يجدي أي شيء أمامه تعالى.
على ان هذا الاقتراب هل هو حقيقي أو تنزيلي أو روحي. كل ذلك غير ممكن. فالاقتراب المادي أو الحقيقي من الوجود التنزيلي لا معنى له، بل حصوله قطعي العدم ومخالف للوجدان. وكذلك القرب الروحي لأن الروح إنما تقترب إلى ما يناسبها من المقامات الروحية، لا إلى الوجود التنزيلي المفترض.
وأقرب تلك الاحتمالات نسبياً، هو الاقتراب التنزيلي إلى ذلك الوجود التنزيلي. وهذا من الغرائب لأننا احتجنا إلى افتراض ذلك الوجود لله سبحانه للحاجة إليه -كما أشرنا- فما الحاجة إلى افتراض القرب التنزيلي؟
مضافاً إلى ان التنزيل والافتراض مجرد عملية ذهنية ليس لها واقع خارجي، إذن، فليس عندنا الا افتراض القرب من دون واقع فهل يقبل بذلك صاحب (المستمسك)؟
يبقى سؤال واحد: وهو اننا بعد ان ناقشنا الوجود التنزيلي (الفقهي) لله
ــــــــــــــــــــ[201]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
سبحانه، فكيف نفهم الصفات الواردة به جل جلاله في كتابه الكريم. وهذا يحتاج إلى بحث مستقل ليس هنا محله، لإيضاح ان الصفات التي نطق بها القرآن الكريم ليست من الصفات المستحيل ثبوتها له عز وجل.
فالصحيح هو ان قصد القربة هو قصد التكامل باتجاه الكمال المطلق. وهو كمال روحي أو عقلي أو نفسي. على ان لا نفهم من الكمال الروحي: التكامل فيما يسمى بالعلوم الغريبة؛ كتسخير الجن أو استعمال الطلسمات. ولا ان نفهم من التكامل العقلي: النمو في الفهم العلمي والاجتماعي. ولا ان نفهم من التكامل النفسي تركيز الذات والأهمية في الرضا والغضب والحزن والسمعة، وغير ذلك.
بل الأمر فوق ذلك، لا يدركه الا أهله. فـ”الصلاة معراج المؤمن” إلى الدرجات العلى التي يستحقها من ربه العظيم.
ومن طرائف الفهم الفقهي للقربة ما حاوله بعض أساتذتنا من فهمها فهماً اجتماعياً، حيث قال: «وسبيل الله هو التعبير التجريدي عن السبيل لخدمة الإنسان لأن كل من عمل من أجل الله فإنما هو من أجل عباد الله، لأن الله هو الغني عن عباده… فالعمل في سبيل الله ومن أجل الله هو العمل من أجل الناس ولخير الناس جميعاً. وتدريب نفسي وروحي مستمر على ذلك». واستشهد بقوله تعالى: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ.
ومختصر الجواب على ذلك:
أولاً: ان الله سبحانه وتعالى قصد من الشريعة مصلحة الناس أو سبيل الناس والمجتمع. وليس ان العبد ينبغي ان يقصد ذلك. كما سنوضح.
ثانياً: ان الفرد سواء عمل لله سبحانه أو للناس فسوف لن يفيد تعالى شيئاً،
ــــــــــــــــــــ[202]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
لأن الله تعالى غني عن العالمين. إنما يفيد ذاته فقط، سواء قصد النفع الدنيوي أو الأخروي أو التكامل الروحي. كل ذلك مما يعود إلى العبد نفسه.
ثالثاً: انه من الناحية الفقهية، لو قصد الفرد من سبيل الله سبحانه: سبيل الناس. وكأنه يتعبد في سبيل الناس فتكون عباداته باطلة لا محالة. ولا أرى ان السيد المؤلف يرضى بهذه النتيجة.
رابعاً: ان قوله تعالى: فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ… الخ. لو كان المراد به تعدد المقصود لكان من الشرك الخفي، بل هو من درجات الشرك الصريح وإنما ذكر (المستضعفون) في الآية الكريمة لأمرين يمكن إدراكهما:
1- ان الله سبحانه وتعالى أخذهم بنظر الاعتبار، واعتنى بمصالحهم. كما هو الحال في سائر الشريعة.
2- انه سبحانه يريد ان يعطي باليد -لو صح التعبير- المصلحة الدنيوية لهذا التشريع. فالعمل إنما يكون في سبيل الله سبحانه، الا ان مصالحه الدنيوية تعود على المستضعفين. الأمر الذي قد يجعل الفرد الاعتيادي يهتم أكثر بمصالحهم، لأنها في النتيجة قد تعود إلى مصلحته.
خامساً: انه قد يراد من الآية تربية المستضعفين تربية دينية وتكاملية، وليس إعطاؤهم مزيداً من المال أو تمكينهم من مزيد من فرص العمل.
ويؤيد ذلك: تفسير المستضعفين بأنهم الناس الذين اقتضت تربيتهم وظروفهم الاجتماعية. الجهل الديني والابتعاد عن الشريعة، فيكون من الراجح العمل على تربيتهم لا محالة، من الناحية الدينية.
وإذا تم هذا الفهم، كانت تربيتهم في سبيل الله تماماً. لأنه نفع كمالي للفرد نفسه ونفع كمالي لهم أيضاً، الأمر الذي يقتضي توجههم كلهم إلى الله سبحانه بالمقام المعنوي، كل على مستواه.
ــــــــــــــــــــ[203]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ولا أقل من احتمال هذا الفهم، الأمر الذي يدفع فهم السيد المؤلف، لأنه إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
وقد يخطر في الذهن: ان الآية تقول: وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ. فالأمر إنما هو بالقتال وهذا يبعد الفهم الذي قلناه قبل قليل.
وجوابه من عدة وجوه, أهمها:
أولاً: ان القتال في الإسلام ليس للسيطرة والشهرة ونحوها، وإنما هو للهداية نفسها. إذن, فلم يتعد الأمر هذا الفهم المهم.
ثانياً: قد يكون المراد من القتال: قتال الموبقات والفساد في المجتمع. أو هو: جهاد النفس… ونفوس الآخرين الذين لم يتم تربيتها.
وقد يخطر في الذهن: ان السيد المؤلف تعرّض إلى عنوان (سَبِيلِ اللَّـهِ) ولم يتعرض لعنوان (القربة). ونحن نتكلم عن الثاني لا عن الأول.
وجوابه:
أولاً: انهما شيء واحد عملياً، لأن سبيل الله لا يعني الوصول إلى ذاته تبارك وتعالى. وإنما يعني القرب المعنوي منه. وهو بعينه قصد القربة. فان فسرناه بما فسره بأنه: «في سبيل الناس»، اختلف عنه. وهذا ما ناقشناه ونفيناه.
ثانياً: انه إذا كان هناك فرق بين العنوانين، فان عنوان (فِي سَبِيلِ اللَّـهِ) أخص من عنوان (القربة) وأهم. فإذا كان الأهم بمعنى العمل للناس، فكيف بما دونه. فيكون الفهم شاملاً للعنوانين والمناقشة شاملة لهما أيضاً.
هذا وبعد كل ذلك، لا يجب على الفرد ان يقصد من عباداته أعلى المقاصد، بل يجب عليه قصد أحد المقاصد المجزية لا محالة، ويقصد الفرد عادة أقصى ما يراه هو مناسباً، بحسب مستواه العقلي والكمالي. وعلى العموم
ــــــــــــــــــــ[204]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
فإن أكثر المقاصد التي عرفناها إلى حد الآن مجزية وصحيحة.
الأمر السابع: كان المقصد الخامس للعبادة في عبارة العروة الوثقى السابقة: «قصد الثواب ورفع العقاب». ولا بد ان يراد بهما: الأخرويين لا الدنيويين.
وينبغي ان نستذكر في هذا الصدد ما ورد من: “ان قوماً عبدوا الله طمعاً في ثوابه فتلك عبادة التجار, وان قوماً عبدوا الله خوفاً من عقابه فتلك عبادة العبيد. وان قوماً عبدوا الله حباً له -أو (شكراً له) أو (لأنه أهل لذلك)- فتلك عبادة الأحرار”.
إذن، فالطمع بالثواب ودفع العقاب بمجرده من المقاصد الدانية في العبادة، وان كان مجزياً، لا محالة لتطابق سيرة المتشرعة وأمثال هذه الأخبار على ذلك.
نعم، يمكن رفع هذا المقصد بعدة أشكال، إلى مستوى جيد أكثر مما عليه العامة:
أولاً: ان الثواب إنما يكون جليلاً وجيداً، كعلامة على رضا الله سبحانه وعلى قربه المعنوي. لا هو بمجرده: وبصفته لذة للبطن والفرج والنفس. وكذلك العقاب إنما يكون مخوفاً بصفته علامة على غضب الله سبحانه وانتقامه وبُعده. لا بصفته ألماً وخسراناً بمجرده.
ثانياً: ان نفهم من الثواب والعقاب، مصاديقهما المعنوية، وهي الكمالات الروحية والقرب المعنوي وأضدادها، فيعود الأمر إلى القصود العليا الصحيحة للقربة.
الأمر الثامن: قال ما سمعنا في العروة: «وأما إذا كان على وجه المعاوضة، من دون ان يكون برجاء إثابته تعالى، فيشكل صحته».
ــــــــــــــــــــ[205]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وتعليقنا على ذلك: بعد التسليم بأن المراد من الثواب والعقاب مصاديقهما الأخروية: انه لا إشكال في صحة القصد. كل ما في الأمر ان هذا القصد ناشئ من أمور موجودة لدى عامة المتدينين. وهو ان يشعر الفرد ان العمل منه، بغض النظر عن التوفيق الإلهي وانه يستحق الثواب على العمل لا محالة بغض النظر عن سعة رحمة الله سبحانه. إذن, سوف يجد ان الثواب أو دفع العقاب إنما هو على سبيل المعاوضة.
وأدل دليل على صحة هذا القصد -لو ناسب مستوى الفرد مثل هذا الفهم- قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. والتجارة تعني المعاوضة بالفهم العرفي العام، بغض النظر عن تفسيرات أخرى للآية الكريمة.
الأمر التاسع: لو كان المطلوب من العبادة الثواب الدنيوي وهو على قسمين:
القسم الأول: أمور معنوية نسبياً: كمن يصلي صلاة الليل لتحصيل نور الوجه. كما قد ورد في ذلك.
القسم الثاني: أمور مادية نسبياً، كمن يصلي صلاة الليل لسعة الرزق أو طول العمر، كما وردت به الأخبار أيضاً.
ولا إشكال في البطلان لو جعل الفرد هذه الأمور هدفاً أو داعياً ومحركاً بحيالها واستقلالها. ومع البطلان فتحقق هذه الأمور لديه غير وارد. لأنها إنما تترتب على العبادة الصحيحة.
نعم, يمكن تبريرها بعدة تبريرات تنحفظ معها عبادية العبادة، وتكون هذه الأمور من جنس الثواب الذي يعطى للعبد. كم لو صلى امتثالاً لأمره سبحانه، ولكنه رضى من الثواب بهذا المقدار، أو طلب من ربه ان يكون ثوابه هو
ــــــــــــــــــــ[206]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ذلك، فتصح العبادة لأنها بقصد الامتثال، ويترتب عليها الأثر لأنها صحيحة، ولا يستحق الفرد أكثر من هذا الثواب الذي طلبه.
وهناك أمور عبادية قد يأتي الفرد بها لمجرد ترتب آثارها الوضعية، كالدعاء للمريض بقصد الشفاء أو الصدقة بقصد دفع البلاء ونحو ذلك.
ولا شك ان الدعاء والصدقة مطلوبان استحباباً. وان قصد الامتثال فيها أفضل وعليه الثواب الأخروي. وبدونه لا يستحق الثواب. الا أنَّ قصد الامتثال في مثل هذه الصورة يتضاءل بالأهمية تجاه الأثر المطلوب. فقد يقال: انها لا تقع عبادة، فلا يترتب عليها الأثر المطلوب.
وعدم وقوعها عبادة ينبغي ان يكون مسلّماً. ولو كان الأثر المطلوب مرهوناً بعباديتها لما حصل طبعاً كما قلنا في صلاة الليل قبل قليل, إلا ان الدليل أعم من ذلك. حيث يمكن ان نفهم منه ترتيب الأثر ولو بدون قصد الامتثال. ولكن لا إشكال بانحصار ثوابه -لو استحقه- بهذا الأثر المطلوب. فلو طالب الفرد ربه يوم القيامة بالثواب على هذا العمل، لقال له: انك أردت به الشفاء -مثلاً- وقد حصل! وليس لك ثواب آخر.
فهذا كله هو الكلام في الجهة الأولى.
الجهة الثانية: في معنى الرياء.
الرياء هو الإتيان بالعبادة من أجل اراءة الناس كلاً أو بعضاً. يعني سواء كان الداعي الكامل للعبادة هو رؤية الناس أو الداعي الناقص، فانه كله من الرياء.
والرياء من الشرك، كما نطقت به الروايات ونقلنا في فصل النية من كتاب الطهارة بعضها. لأنه إشراك للمخلوق مع الخالق سبحانه في إنجاز العمل. ويقال له يوم القيامة: خذ ثوابك ممن عملت له. ولن ينال الفرد منه شيئاً.
ــــــــــــــــــــ[207]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وليس له من الله أي ثواب.
بل عليه العقاب، ويشمله كل الأدلة التي دلت على عقوبات المشركين من الكتاب والسُنّة، وقد نقلنا منها في الفصل المشار إليه. إذ يقال بالقياس من الشكل الأول: ان المرائي مشرك كما دلت عليه الروايات, والمشرك عليه هذه العقوبات أو تلك كما دل عليه الكتاب والسُنّة، إذن فالمرائي عليه هذه العقوبات.
كل ما في الأمر انه كلما تزايد قصد الرياء كان الشرك أكبر. فلو كان العمل للمخلوق خالصاً، أو كان هو الجزء الأكبر من القصد كان شركاً صريحاً. والا كان شركاً خفياً.
فان للرياء مراتب عديدة بعضها فقهي نَصّ عليه الفقهاء وبعضه أخلاقي. نذكر أهمها:
أولاً: ان يكون المقصود كله هو الناس, أو قل: الآخرون.
ثانياً: ان يكون المقصود الأهم هو ذلك.
ثالثاً: ان يكون المقصود الإلهي والقصد الآخر متساويان.
رابعاً: ان يكون المقصود الإلهي أهم. لكن انضمام القصد الآخر له دخل في الإتيان بالعمل.
خامساً: ان يكون المقصود الإلهي أهم، ولا يكون القصد الآخر دخيلاً في العمل. غير انه متحقق على أي حال.
سادساً: ان يكون قصد الرياء موجوداً في جزء العبادة بأحد الأشكال السابقة، على ان يكون الجزء واجباً.
سابعاً: ان يقصد ذلك في الجزء المستحب بأحد الأشكال الخمسة،
ــــــــــــــــــــ[208]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الأولى أيضاً.
ثامناً: ان يكون القصد الإلهي تاماً، ولكن يدخل الفرد السرور لرؤية الآخرين لعبادته.
تاسعاً: ان يكون الرياء في حالة الفرد. بمعنى إظهار الخشوع والتوجه أكثر مما في نفسه.
عاشراً: ان يكون الرياء بعد العمل، بأن يرويه للناس بعد الإتيان به، وكان قد جاء به بالقصد الإلهي المجزئ.
حادي عشر: ان يقصد بالعبادة مقاصد أخرى كالتعليم أو الرياضة أو نحوها. بأحد الأشكال الخمسة الأولى.
ثاني عشر: ان يكون الرياء لا للبشر بل لخلق آخر من خلق الله سبحانه كالملائكة والجن. بأحد الأشكال الخمسة السابقة.
وهذا كله يشمل العبادة الواجبة والمستحبة. ولكنه لا يشمل المكروه والحرام. فلو ترك المكروه والحرام بقصد الرياء بأحد أشكاله كان مجزياً من زاوية ترك الحرام والمكروه وان كان مستحقاً للعقاب على الشرك لا محالة.
واما مراتب التقية والإكراه، فليس من الرياء في شيء، وان كان يحمل نفس الفكرة وهو اراءة الآخرين، الا انه معفو عنه شرعاً وله أحكامه الخاصة التي لا مجال الآن لذكرها.
والفرق الأساسي نظرياً بين الموردين، هو وجود القناعة وعدمه فلو وجدت القناعة بإراءة الآخرين كان رياءً مبطلاً للعبادة. واما إذا لم توجد القناعة بالعمل الأصلي، وان وِجدت باعتبار ظرف التقية والإكراه… كان الفرد معذوراً.
ــــــــــــــــــــ[209]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وإذا عدنا إلى الأقسام السابقة فلا بد ان نلتفت إلى ان المهم في صحة العبادة هو ان يكون الدافع الأساسي لها مخلصاً من الناحية الإلهية. فإذا لم يوجد في العبادة ذلك بطلت لا محالة.
وهذا يعني بطلان الصور الأربعة الأولى لأنها جميعاً تحتوي على ارتفاع أهمية الجانب الباطل الريائي على الجانب الآخر وكذلك كل الصور التي بعدها التي تتضمن نفس المعنى. كالصورة السادسة، وهو ما إذا أتى بالجزء الواجب للعبادة بأحد المقاصد الأربعة السابقة.
وكذلك الصورة الحادية عشر لو كان قصد التعليم أو الرياضة أهم بأحد الأشكال الأربعة. والصورة الثانية عشر أيضاً، بنفس المقدار.
يبقى الكلام في الصور الأخرى فلا بد ان نتعرض له مختصراً نسبياً.
الصورة الخامسة: ان يكون العمل بالمقصود الإلهي ولا يكون للقصد الآخر أثر في الإيجاد، غير انه موجود في شعور الفرد.
وشرط الصحة في هذه الصورة تتحقق وهو العمل بالقصد الإلهي، فيكون العمل صحيحاً يعني مجزياً، الا ان قبوله واستحقاق الثواب عليه يزيد بازدياد الإخلاص. ولما كان الإخلاص قليلاً هنا، كان الثواب قليلاً، بل لعله منعدم.
الصورة السابعة: قصد الرياء في الجزء المستحب للعبادة. ولكن هل الجزء المستحب جزء من العبادة حقيقة أو لا. فان قيل بجزئيته للماهية أو للفرد، فلا بد من القول ببطلان العمل، وان لم نقل بالجزئية، وإنما هي -يعني الأعمال المستحبة- إنما تكون سبباً لكون الفرد أفضل. فالعمل صحيح.
وقد يقال: ان الصحة لا تتوقف على القول بعدم الجزئية. فحتى لو قلنا بالجزئية، الا ان المكلف جاء بالواجب بأجزائه الواجبة بإخلاص. فهو مجزئ من هذه الناحية. وتكون المستحبات الريائية ملحقة بالعدم، وهو غير بعيد،
ــــــــــــــــــــ[210]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وان كان للاحتياط فيه مجال راجح وتمام الكلام في محله.
الصورة الثامنة: تحتوي هذه الصورة بوضوح على شرط صحة العمل. فالحكم بالصحة في محله، مضافاً إلى الروايات الواردة في هذا المجال، والتي تنص على الصحة.
منها: صحيحة زرارة(1) عن أبي جعفر قال: سألته عن الرجل يعمل الشيء من الخير فيراه إنسان فيَسُره ذلك. قال: “لا بأس. ما من احد الا وهو يحب ان يظهر له في الناس الخير، إذا لم يكن صنع ذلك لذاك”.
الصورة التاسعة: تحتوي أيضاً على شرط صحة العمل, كل ما في الأمر انها تحتوي على عمل خارجي بالنسبة إلى الصلاة، لا يعتبر من واجباتها ولا مستحباتها. وهو إظهار الخشوع والتذلل وقد حصل الرياء في هذا الوصف بالخصوص. فلا تبطل.
الا انه عمل مرجوح بلا إشكال. وقد ورد فيه النص وان: من زاد ظاهره على باطنه، فهو عندنا من الرياء.
الصورة العاشرة: تحتوي على شرط الصحة أيضاً لأن العمل قد جاء به مخلصاً. نعم, يسقط الثواب بهذا الرياء المتأخر. وقد وردت في ذلك أخبار.
منها: صحيحة جميل بن دراج(2) قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله عز وجل: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى. قال: “قول الإنسان: صليت البارحة وصمت أمس ونحو هذا”. ثم قال: “ان قوماً كانوا يصبحون فيقولون: صلينا البارحة وصمنا أمس. فقال علي: ولكني أنام الليل والنهار ولو أجد بينهما شيئاً لنمته”.
ــــــــــــــــــــ[211]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل: ج1. أبواب مقدمة العبادات، باب15. حديث1.
(2) المصدر: باب14, الحديث1.
أقول: قوله: “أنام الليل والنهار…” يعني في الليل والنهار ولا يعني الاستيعاب. وقال الحر العاملي في الوسائل في فهم الحديث: «أو على احتقار نفسه بالنسبة إلى ما يستحقه الله من العبادة، فجعل عبادته بمنزلة النوم».
ورواية علي بن أسباط(1) عن بعض أصحابه عن أبي جعفر انه قال: “الإبقاء على العمل أشد من العمل”. قال: وما الإبقاء على العمل قال: “يصل الرجل بصلة وينفق نفقة لله وحده لا شريك له. فتكتب له سراً. ثم يذكرها فتمحى فتكتب له علانية. ثم يذكرها فتمحى وتكتب له رياء”.
أقول: إلا ان هذا لا يعني البطلان. بمعنى سقوط الإجزاء، بالضرورة الفقهية. كل ما في الأمر انه إسقاط للثواب بل واثبات العقاب أحيانا على الرياء لا على العبادة المجزية.
الصورة الحادية عشر: قد عرفنا ان المقصد الأهم ان كان هو غير القصد الإلهي بأحد الصور الأربعة الأولى بطلت العبادة. ولكن لو لم يكن كذلك أمكن الحكم بالصحة. بل أحياناً يكون الأمر راجحاً.
فعن ابن أبي يعفور(2) قال: قال أبو عبد الله:
“كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير. فان ذلك داعية”.
وعن عبيد(3) قال: قلت لأبي عبد الله: الرجل يدخل في الصلاة ويجّود صلاته ويحسنها رجاء ان يستجرَّ بعض من يراه إلى هواه. قال: “ليس هذا من الرياء”.
ــــــــــــــــــــ[212]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث2.
(2) نفس المصدر: باب16, حديث2.
(3) نفس المصدر: حديث4.
الجهة الثالثة: في العُجب.
وهو ناشئ من شعور الفرد بأهمية العبادة التي جاء بها، مع ان الله سبحانه وتعالى يقول: قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ.
وقد وردت في الأخبار منها رواية أبي عبيدة(1) عن أبي جعفر، قال: قال رسول الله: قال الله تعالى: “ان من عبادي لمن يجتهد في عبادتي. -إلى ان يقول-: ولو اخلّي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك. فيصير العجب إلى الفتنة بأعماله فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله..” الحديث.
وعن ابن سويد(2): عن أبي الحسن، قال: سألته عن العُجب الذي يفسد العمل. فقال: “العجب درجات منها: ان يزين للعبد سوء عمله فيراه حسناً فيعجبه. ويحسب انه يحسن صنعاً. ومنها ان يؤمن العبد بربه فيَمُنَّ على الله عز وجل، ولله عليه فيه المَنّ”.
ولم يفتِ الفقهاء المتأخرون بكونه مبطلاً للعبادة، وان كان مقارناً لها، لأن الأخبار الواردة فيه بين ما هو ضعيف سنداً، أو محل المناقشة في الدلالة على البطلان. والشيء المتيقن هو مرجوحيته تماماً بحيث يؤدي إلى الهلاك.
وإنما يؤدي إلى الهلاك فيما إذا أُعجِبَ المرء بنفسه، ويحصل ذلك إذا أُعجِبَ بأعماله على العموم وبحسن سريرته أيضاً. غاضاً النظر عن التوفيق الإلهي. في حين ان حديث الفقهاء إنما هو في إعجاب الفرد بعبادة معينة. فإذا كانت عباداته كلها هكذا، كانت مجزية ولم تكن مقبولة ولا ثواب عليها. ويعاقب على الشعور بالعجب لا على العبادة المجزية.
ــــــــــــــــــــ[213]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: باب23، حديث1.
(2) نفس المصدر: حديث5.
والأمر أكثر من ذلك أخلاقياً أمام الله سبحانه ويمكن ان تقوم الأخبار الآتية بتوضيحه.
منها: رواية بن أبي خلف(1) عن أبي الحسن موسى قال لبعض ولده: “يا بُنيَ عليك بالجد ولا تَخرُجنَّ نفسك عن حد التقصير في عبادة الله عز وجل وطاعته. فان الله لا يُعبد حق عبادته”.
وعن سماعة(2)، قال سمعت أبا الحسن يقول: “لا تستكثروا كثير الخير، ولا تستقلوا قليل الذنوب”.
وعن عبد الرحمن بن الحجاج(3) عن أبي عبد الله قال: “قال إبليس إذا استمكنت من ابن آدم من ثلاث لم أبالِ ما عمل. فانه غير مقبول منه: إذا استكثر عمله ونسى ذنبه ودخله العجب”.
فالله سبحانه لا يمكن ان يُعبَد حق عبادته ومهما أدى العبد فانه دون استحقاق مولاه. مضافاً إلى ان كل العبادات إنما هي بتوفيق منه تبارك وتعالى. وبتنفيذ عن طريق الجسم والأعضاء الموهوبة منه سبحانه. وقد كان المعصومون من الأنبياء والأوصياء بل والملائكة المقربون يشعرون بضآلة ما يؤدونه لله عز وجل من العبادة، بالرغم من أهميتها وطول زمانها وخلوص نيتها. وفي الرواية عن الملائكة: “سبحانك ما عبدناك حق عبادتك”. والأدعية طافحة بهذا المضمون، فراجع.
إذن, فمن الواجب أمام الله سبحانه الشعور بهذا الشكل، وتجنب العجب الذي يكون في نظر العارفين سفاهة مهلكة، ومزحة بغيضة وكذبة سمجة، ولله
ــــــــــــــــــــ[214]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: باب22, حديث1.
(2) نفس المصدر: حديث3.
(3) نفس المصدر: حديث7.
في خلقه شؤون.
الجهة الرابعة: في تفاصيل النية.
فقد قال الفقهاء: «انه يجب على المصلي ان ينوي أربعة أمور:
أولاً: هدف العبادة من القربة أو الامتثال أو الثواب ونحو ذلك وأي من ذلك نواه يجزي عن القربة بعنوانها -وقد سبق ان عرفنا تفاصيل ذلك-.
ثانياً: التكليف الذي يمتثله من الوجوب أو الاستحباب.
ثالثاً: عنوان الصلاة أو العبادة التي يؤديها، كصلاة الصبح أو الظهر. وحج الأفراد أو القران.
رابعاً: نوع العبادة من الأداء (إذا كان عمله في وقته) أو القضاء (إذا كان عمله بعد الوقت) لمن فاته».
وقالوا: -كما عرفنا- «انه لا يجب التلفظ في النية ولا الإخطار الذهني، وإنما يجب ان يعرف ما يعمل من هذه الصفات الأربعة بحيث لو سئل عنها لأجاب».
وقالوا: «انه لا يتعين نية غير الأمر الأول، بأي معنى للنية إذا كان الواجب متعيناً. وإنما يجب عليه التفصيل فيها عندما يكون عليه واجبان متشابهان نسبياً لا بد من التفريق بينهما بالنية».
وقالوا: «انه لا يجب نية القصر والتمام. يعني صلاة المسافر وصلاة الحاضر. فلو أجمل المصلي من هذه الناحية أو لم يكن يعلم ما هو تكليفه منها وأعلمه غيره خلال صلاته كفى».
وقالوا: «انه يكفي من تلك النوايا الواجبة -لو تم وجوبها- القصد الإجمالي بأن يقصد: فريضة الوقت. أو ما يعلمه الله سبحانه من عنوان العبادة
ــــــــــــــــــــ[215]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
أو هدفها ونحو ذلك». وسيأتي في الجهة الآتية بعونه تعالى فكرة عن ذلك.
وأكثر هذه الأقوال أو الفتاوى صحيحة وعليها حجة شرعية. وليس هذا محله. وإنما هو موكول إلى الفقه.
الجهة الخامسة: في النوايا المرددة أو المجملة.
ولا نريد بها الالتفات الإجمالي، مع العلم بالتفاصيل بعد ان عرفنا صحته. بل نريد به الالتفات الإجمالي مع عدم العلم بالتفاصيل.
وأمثلة هذا النوع من النوايا عديدة، فان منها ما ينتج من العلم الإجمالي، ومنها ما يحدث بدونه.
والعلم الإجمالي هو العلم بصحة بعض المجموعة، كفرد من أفراد. كالعلم بطهارة أحد المائين أو القبلة في إحدى الجهتين أو الجهات. وتحدث من ذلك فروع كثيرة, نذكر بعضها:
1- ما إذا علم إجمالاً بنجاسة أحد المائين فتوضأ أو اغتسل بأحدهما أو بكليهما.
2- ما إذا علم بنجاسة أحد الثوبين فصلى بأحدهما أو بكليهما.
3- ما إذا علم بغصبية أحد الثوبين فصلى بأحدهما أو بكليهما.
4- ما إذا علم ان القبلة في أحد جهتين فصلى إلى أحداهما أو كلاهما.
5- ما إذا لم يعلم اتجاه القبلة على الإطلاق فصلى إلى جهة واحدة أو جهتين لا على اليقين. أو انه صلى إلى ثلاث جهات أو أربعة.
وفي أبواب المعاملات كثير من ذلك. كما لو علم ان أحد المالين له وأراد بيعه. أو ان أحد المالين ملك البائع والآخر ليس له، فأراد شرائه وغير ذلك.
واما ما لا ينتج من العلم الإجمالي في العبادات:
ــــــــــــــــــــ[216]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
1- ما إذا شك ان وظيفته الوضوء أو التيمم ففعل أحدهما أو كلاهما.
2- ما إذا شك بخروج الوقت فصلى لاحتمال بقائه.
3- ما إذا احتمل فوات صلاة في ذمته فصلى لاحتمال فواتها.
4- ما إذا علم بفوات عدة صلوات لا يعلم هويتها فصلى مقداراً قليلاً أو مقداراً مناسباً.
5- ما إذا احتمل ان النجاسة في الثوب أو المكان مع السِراية فصلى لاحتمال عدمها. وهذا قد يكون مع القدرة على الفحص وقد يكون مع عدمها.
6- إذا شك في يوم الصوم أو يوم العيد. فصام رجاءً.
7- إذا تردد أمر عيد الأضحى للحاج ففعل وظائفه رجاءً. إلى غير ذلك كثير.
وفي المعاملات أمثلته كثيرة لا حاجة إلى سردها وتأتي في محلها. ومجمل الحكم في أمثال هذه الصور انها تنقسم إلى تقسيمات متعددة:
التقسيم الأول: ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: ما إذا كان يمكن للفرد رفع الإجمال وإقامة الصلاة بنية قطعية، ولكنه لم يفعل وبادر مع النية الإجمالية.
ثانيهما: ما إذا لم يكن له ذلك. وكانت النية الإجمالية متعينة وضرورية.
التقسيم الثاني: ينقسم إلى قسمين آخرين:
الأول: ما إذا كان هناك حجة شرعية نافية لوجوب الاحتياط المنتج لوجوب النية الإجمالية. كالفرع الثالث الذي ذكرناه لما لا ينتج من العلم الإجمالي. فان الاحتياط فيه استحبابي جزماً.
ــــــــــــــــــــ[217]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الثاني: ما إذا لم تكن هناك حجة شرعية، كما سبق. وكان الحكم في البين إلزامياً، فيكون الاحتياط واجباً.
التقسيم الثالث: ينقسم إلى قسمين آخرين:
الأول: ما يستلزم التكرار كالشك في القبلة.
الثاني: ما لا يستلزمه كالشك في بقاء الوقت. وعلى العموم، فان ما يكون سببه العلم الإجمالي يكون موجباً للتكرار عادة.
التقسيم الرابع: وهو ينقسم إلى قسمين أيضاً:
أولاً: ان يكون الفرد عازماً على الإتيان بكل أطراف الاحتياط، أو بتطبيق الحكم الشرعي بكل صورة لو كان موجِباً للتكرار.
الثاني: ان لا يكون الفرد عازماً على ذلك أو كان عازماً على عدمه. كما لو كان عازماً على الصلاة إلى جهة واحدة مع تردد القبلة.
التقسيم الخامس وهو تطبيقي كما يلي:
أولاً: ان ينوي الفرد أمراً معيناً يحسبه واقعياً، وقد لا يكون واقعياً في نفسه. كما لو كان عازماً على الصلاة إلى جهة واحدة وجزم بالنية الواقعية.
ثانياً: ان ينوي الاحتياط فعلاً. كما لو نوى الرجاء أو الواقع أو الاحتياط أو نحو ذلك مما هو موكول أمر واقعه إلى الله عز وجل.
وإذا ضربنا بعض هذه الاحتمالات ببعض ارتفعت الاحتمالات إلى اثنين وثلاثين احتمالاً أو فرعاً فقهياً. فتندرج الفروع السابقة فيها بطريقة منطقية لا تخفى على الخبير.
ويكفينا في هذا الكتاب الذي هو على هامش الفقه ان نلتفت إلى عدة نقاط لكي نطبق الاحتمالات الأخرى عليها مع تغيير بسيط في طريقة الاستدلال:
ــــــــــــــــــــ[218]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الملاحظة الأولى: هناك مستوى من الثقافة العقلية لدى بعض الناس، بحيث تكون عقيدة الحق عنده احتمالية لا جزمية: كما لو كان بصدد الفحص عن الحق ولم يتوصل إليه بعد. أو كان يحتمل وجه الحق في الإسلام وكان عاجزاً عن الفحص. إلى غير ذلك. ففي مثل ذلك هل يمكنه ان يصلي بنية احتمالية (رجاء المطلوبية) أو تكون صلاته باطلة.
ولا شك ان مثل هذه العقيدة تكون مجزية أحياناً، كما نطق به التنزيل المجيد حين قال تعالى: وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ(1).
ومن الأشعار المنسوبة إلى أمير المؤمنين:
قال المنجم والطبيب كلاهما
ان لا بقـــــــــــاء فقلت ذاك إليكما

ان كان قولكما فلست بخاسر
أو كان قولي فالوبال عليكما

كما لا شك في ان مثل هذه العقيدة غير مجزية في أكثر الأحيان بل مسببة للشك بالاعتقاد الحق، الأمر الموجب للنفاق بل الكفر.
وأفضل ما يستشهد به في هذا الصدد سورة الجحد: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ.
إذن، فالمقارنة والمباينة بين الكفر والإيمان ضرورية، الا في بعض الحالات النادرة التي أشرنا إلى بعض أمثلتها.
ولا شك ان هذه العقيدة ان كانت مجزية من الفرد، في الحالات النادرة، فصلاته أو نيته الاحتمالية مجزية أيضاً. وأما حين لا تكون تلك العقيدة مجزية
ــــــــــــــــــــ[219]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) المؤمن: 28.
فتلك النية أيضاً غير مجزية.
الملاحظة الثانية: إذا كان هناك في بعض الفروع حجة شرعية نافية لوجوب الاحتياط، جاز للمكلف إتباعها وترك الاحتياط وبقي الاحتياط استحبابياً. بل تكون النية جزمية طبقاً لتلك الحجة ولا حاجة إلى ان تكون احتمالية. نذكر لذلك مثالين:
الأول: ما إذا احتمل وجوب القضاء عليه فلا يجب عليه القضاء عندئذ.
الثاني: إذا احتمل بقاء الوقت وخروجه فصلى لاحتمال بقائه. فان النية الجزمية ممكنة لاستصحاب بقاء الوقت، فإذا ثبت بالحجة بقاؤه كانت نيته ممكنة.
الملاحظة الثالثة: انه لا يجوز الاقتصار على بعض أطراف الاحتياط وترك الباقي مع الامكان، كما لو ترددت القبلة أو تردد الماء بين النجس والطاهر أو الثوب بين المغصوب والمباح وصلى صلاة واحدة عازماً على عدم تكرارها. فان الإتيان بالصلاة الثانية واجب لقاعدة الاشتغال(1).
وبطلان النية الجزمية في الصلاة الواحدة واضح فقهياً. بل هو تشريع محرم. واما النية الاحتمالية أو الإجمالية، فهي ممكنة وتحتوي على بعض الانقياد. الا انها لا تحتسب للفرد طاعة كاملة ما لم يأتِ بالفرد الآخر. نعم, لو دل دليل معتبر بعد ذلك على مصادفة الواقع كفى.
الملاحظة الرابعة: لو أمكن للفرد الفحص وتحصيل النية الجزمية التفصيلية، ولكنه أهمل واقتصر على النية الاحتمالية فهل يكون هذا مجزياً؟
ومثاله: ما إذا تردد أمر القبلة إلى جهتين أو اكثر, وكان يمكن الفحص وإذا
ــــــــــــــــــــ[220]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) وهي مبحوثة في علم الأصول ونصها: ان اشتغال الذمة اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني.
فحص تعينت القبلة وصحت النية الجزمية. ولكن المكلف أهمل الفحص وصلى إلى عدة جهات بنية احتمالية, فهل يكون هذا مجزياً؟
من الفقهاء من يقول بوجوب الفحص وعدم إجزاء النية الاحتمالية لبعض التقريبات الفقهية التي منها: كون النية الاحتمالية عندئذ لعباً بواجبات المولى فتكون باطلة.
والحق انه لو قصد الفرد ذلك ونحوه، كان باطلاً ولكنه إذا لم يقصده وكان مخلصاً في نيته، ولو للظن بالجواز، ولو بدليل غير معتبر. فان المهم ان تتوفر لديه النية المخلصة ولو كانت احتمالية فان صلاته ستكون صحيحة.
الملاحظة الخامسة : قال الفقهاء: ان نية الترديد غير مجزية، لأنها نية للفرد المردد، وهو غير موجود في الخارج كما تم البرهان عليه في الفلسفة.
وتكون هذه النية بـ(أما) أو بـ(أو) ونحوهما. كما لو قال: هذه الصلاة اما أداء واما قضاء. أو قال: انها واجبة أو مستحبة.
فاللازم وجود نوايا لا تحتوي على هذا الإشكال، كالرجاء أو الواقع أو الانقياد أو الاحتياط ونحوها.
غير ان هذا الإشكال وان كان مسجلاً فلسفياً، الا انه غير مسجل عرفياً، لأن القصد العرفي من أمثال تلك النوايا هو الرجاء وأمثاله لوضوح ان الفرد العرفي لا ينوي الفرد المردد بعنوانه. وما قيل من الألفاظ الدالة عليه ليست صحيحة به بل هي عرفاً بخلافه.
بل ان مفهوم الفرد المردد غير متصور عقلياً، فضلاً عن العرف، فهو لا يخطر في ذهن العرف لكي يفهمه من الكلام. فهو إنما يفهم من أمثال هذه النوايا ما هو الصحيح أو المعنى الذي يفتون بصحته.
هذا، ولكن مجال الاحتياط فيه موجود.
ــــــــــــــــــــ[221]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الملاحظة السادسة: ما كان مستلزماً للتكرار وكان يخرج به الوقت كالصلاة إلى أربع جهات في ضيق الوقت. يصلي الفرد بمقدار الوقت ويسقط الباقي. وتكون النية رجائية ومجزية، فان لم يسع الوقت الا واحداً فالأحوط القضاء إذا ثبت انه مستدبر القبلة.
وقد قلنا في بعض الفصول السابقة: ان الصلاة إلى ثلاث جهات متفرقة يكفي، ففي ضيق الوقت يتعين ذلك إذا علم الفرد إمكان الثلاثة وعدم إمكان الأربعة في الوقت.
الملاحظة السابعة: انه عند وجوب نية الرجاء والاحتياط إذا نوى بنية جزمية. فالأقوى بطلان النية سواء صادف الواقع أم لا، اما إذا لم يصادفه فواضح لكذب النية عندئذ. واما إذا صادفت الواقع فلأنه لعب بأوامر المولى. أو قل: انه كذب في عالم الإثبات، يعني في علم المكلف، وان لم يكن كذلك في الواقع.
فإن قيل: انه يجزم بالنية رجاء مصادفة الواقع. قلنا:
أولاً: هذا يعني إدخال مفهوم الرجاء وليست نية جزمية.
ثانياً: ان هذا يرفع الإشكال بالكذب الاثباتي. ولا يرفع الإشكال بكونه لعباً بأوامر المولى. وتمام الكلام في الفقه.
الملاحظة الثامنة: كل احتياط إذا لم تقم الحجة ضده فهو واجب وإذا قامت الحجة على نفيه كان مستحباً. ولا يكون تشريعاً محرماً الا إذا نوى الوجوب في مورد الاستحباب أو نوى الجزم في مورد الاحتمال.
وقد يكون الاحتياط حراماً لسبب آخر كما لو قامت الحجة على تحقق عيد الفطر، فصام الفرد بعنوان احتمال بقاء شهر رمضان. فانه يكون من صوم يوم العيد المحرم بعد قيام الحجة على كونه عيداً.
ــــــــــــــــــــ[222]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وكذلك في عيد الأضحى لو صام لاحتمال عدمه. أو أخّرَ الحاج وظائفه إلى غد لاحتمال تأخره… ونحو ذلك.
ولا يبعد ان يكون الاقتصار على بعض الاحتياطات وترك الباقي عمداً حراماً حتى وان كان مطابقاً للواقع في علم الله تعالى. فهو جزماً همة نحو الحرام وجرأة عليه سبحانه. ولكن قد يقال: ان جزم الفقيه بحرمته مع كونه مطابقاً للواقع، محل المناقشة لأن الاحتياط حكم طريقي وليس حكماً نفسياً. وعلى أي حال فهو جرأة على الحرام بغض النظر عن كونه حراماً واقعياً.
ــــــــــــــــــــ[223]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني

فصل
المسافة الشرعية

تُذكَر المسافة في كتاب الصلاة مرتين:
أحدهما: في صلاة الجمعة, حيث قالوا: انه يشترط في وجوبها ان لا يكون الفرد بعيداً عن البلد بثلاثة أميال.
ثانيها: في صلاة المسافر التي تكون قصراً، حيث قالوا: انه يجب القصر مع قصد السفر ثمانية فراسخ فان أراد الرجوع ليومه فأربعة فراسخ.
فالكلام هنا يقع في ثلاث جهات رئيسية:
الجهة الأولى: في المسافة الشرعية للقصر، مقدمة على المسافة الشرعية للجمعة، لأن الكلام فيها أوسع، ومنها نعرف ما ينبغي معرفته في مسافة الجمعة.
الجهة الثانية: في المسافة الشرعية لصلاة الجمعة.
الجهة الثالثة: التفاتة نحو كتاب الطهارة في تحديد مسافة «غلوة سهمين» اللتين يجب الفحص فيها عن الماء لكي تنتقل الوظيفة الشرعية إلى التيمم.
ونذكرها الآن بالتفصيل بدون تطويل:
الجهة الأولى: في المسافة الشرعية للقصر.
ذكرت المصادر الموثوقة: ان كل فرسخ ثلاثة أميال وكل ميل أربعة ألاف ذراع من ذراع اليد، من رؤوس الأصابع إلى المرفق. وكل ذراع يساوي أربعة
ــــــــــــــــــــ[224]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وعشرين إصبعاً وكل إصبع يساوي سبع شعيرات (أي الشعير المقابل للحنطة). وكل شعيرة تساوي سبع شعرات من شعر البرذون (وهو نوع من الخيل). فيرجع الحساب كله إلى مقدار طبيعي محدد نسبياً.
وبعد إسقاط الشعرة والشعيرة من الحساب، لتعذر الإطلاع الدقيق على حجمها، وإنما نستخرجها إذا احتجنا، من حجم ما هو أكبر منها. وان أقلَّ ما يمكن الإطلاع عليه عرفاً وعملياً هو الإصبع فينبغي البدء بالحساب منه.
ولا يخفى ان الإصبع فيه (مناطق) عريضة ومناطق أقل نسبياً في العرض. كما ان الناس يختلفون في عرض أصابعهم.. الا ان الشيء المؤكد هنا، هو انه لا يراد هنا طول الإصبع يعني من مساحة الكف إلى أعلاه. كما لا يراد هنا (ثخن) الإصبع إذ لا تبقى أية أهمية للإصبع لأنه يساوي ثخن كثير من مناطق الكف، لو أخذناه بنظرة عرفية تقريبية.
وإنما المهم النظر إلى عرض الإصبع بحيث لو ضمننا إصبعين لمسافة معينة لقلنا انها بمقدار إصبعين. ولو ضمننا أربعة أصابع لقلنا انها بمقدارها.. وهكذا.
وهذا الحساب لا يدخل فيه الإبهام كما هو مفهوم عرفاً تماماً. ولكن يدخل فيه الإصبع الصغير (الخنصر).
ولكن هذا لو قلنا: أربعة أصابع. اما لو حسبنا إصبعاً أو اثنين أو ثلاثة لم يدخل الخنصر بالضرورة. وهنا نتحدث عن عرض الإصبع الواحد ليكون هو وحدة القياس، إذن فهو ليس الخنصر، بطبيعة الحال. واما الأصابع الثلاثة الأخرى فهي متقاربة العرض إلى حد كبير.
ولكن كم هو عرض الإصبع؟ هنا ينبغي ان نأخذ له معدلاً عرفياً مناسباً لاختلاف الأصابع في الحجم كما هو معلوم. وهذا المعدل -في فهمي- مردد
ــــــــــــــــــــ[225]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
بين أحد أمرين: هما سنتمترين – 20 مليمتر أو 19 مليمتر.
فلو أخذنا لعرض الإصبع سنتيمين فسيكون الذراع 48 سنتيم لأن:
2 ×24 = 48 سم. فإذا ضربناه بأربعة آلاف التي هي عدد أذرع الميل: 48×4000 =1920 متراً لأنه يساوي 192٬000 سنتيماً. فإذا قسمناه على مائة (وهو مقدار السنتيمات في المتر الواحد). كان الناتج 1920 متراً. وهو أقل من كيلومترين بثمانين متراً.
فإذا ضربناه في ثلاثة (لأن كل فرسخ ثلاثة أميال كما عرفنا)
1920× 3= 5760 وهو خمسة كيلومترات وحوالي ثلاثة أرباع والمهم التركيز على الرقم نفسه. فهذا هو مقدار الفرسخ.
فإذا علمنا ان المسافة الشرعية ثمانية فراسخ, فلا بد من ضرب الناتج في ثمانية:
5760 × 8= 46٬080 متراً. وهو ستة وأربعون كيلومتراً وثمانون متراً.
فإذا أردنا نصف هذه المسافة، لأجل معرفة المسافة الشرعية للقصر لمريد الرجوع ليومه. أمكن ان نعمل شكلين:
الأول: 5760 × 4 = 23٬040.
الثاني: 46٬080 ÷ 2 = 23٬040.
وهو ثلاثة وعشرون كيلومتراً وأربعون متراً.
فهذا كله، إذا افترضنا عرض الإصبع سنتيمترين.
وأما إذا أخذنا عرض الإصبع 19 ملم. فلا بد من ضربه بـ 24 لاستخراج مقدار الذراع.
ــــــــــــــــــــ[226]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
19 × 24 = 45.6 سنتيماً. ويكون الميل مضروباً في أربعة آلاف.
45.6 × 4000 = 1824 متراً.
لأن 45.6 × 2000 = 182٬400 سنتيماً. فإذا قسمناه على مائة كان الميل 1824 متراً.
فإذا أردنا معرفة مقدار الفرسخ وهو ثلاثة أميال، ضربناه في ثلاثة:
1824 × 3 = 5472.
وهو خمسة كيلو مترات وحوالي النصف. يقل عن النصف بـ 28 متراً.
وتكون المسافة الشرعية لغير مريد الرجوع ليومه مضروباً في ثمانية 5472 × 8 = 43776 متراً. وهو ثلاث وأربعين كيلومتر وحوالي ثلاثة أرباع.
وتكون المسافة لمريد الرجوع ليومه مقسوماً على اثنين:
43٬776 ÷ 2 = 21٬888.
أو 5472 × 4 = 21٬888.
وهو واحد وعشرون كيلومتراً وأكثر من ثلاثة أرباع.
فأتضح اننا لو أخذنا عرض الإصبع سنتيمين كانت المسافة 46٬080 متراً ولو أخذنا (19) مليماً كانت المسافة 43٬776 متراً. ويكون الفرق بينهما:
46٬080 – 43٬776 = 2304 متراً.
أي حوالي كيلومترين وثلث. والمهم نفس الرقم.
هذا. وإذا أخذنا الإصبع على انه 18 مليماً كان الذراع.
18 × 24 = 432 سنتيماً.
ــــــــــــــــــــ[227]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ويكون الميل الذي هو أربعة آلاف ذراع:
432 × 4000 = 1728 متراً.
ويكون الفرسخ الذي هو ثلاثة أميال:
1728 × 3 = 5184 متراً.
وتكون المسافة الشرعية الكاملة، مضروبة في ثمانية:
5184 × 8 = 41٬472.
وهو واحد وأربعون كيلومتراً وحوالي النصف.
وتكون المسافة لمريد الرجوع ليومه:
41٬472 ÷ 2 = 20٬736.
أو 5184 × 4 = 20٬736.
وهو عشرون كيلومتراً وحوالي الثلاثة أرباع. والمهم الرقم نفسه، كما قلنا أكثر من مرة.
وتنقص المسافة الشرعية الكاملة عن سابقتها.
43٬776 – 41٬472 = 2304 متراً.
وهو نفس المقدار الذي نقصت فيه المسافة الثانية عن المسافة الأولى. وهذا دليل صحة الحساب.
وحيث أخذنا احتمالات عرض الإصبع ثلاثة هي: 20 مليماً و19 مليمتراً
و18 مليماً. فيكون المعدل هو الأوسط، وهو الأنسب بمعدل الإصبع للرجل الطبيعي، فتكون المسافة الناتجة منه هي الصحيحة وهي: 43٬776 متراً كما عرفنا.
ــــــــــــــــــــ[228]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
تطبيق:
قال السيد الأستاذ(1): «ان المسافة تكون حوالي أربع وأربعين كيلو مترا تقريباً».
وهذا التقريب بقوله: «حوالي» إنما يغتفر فقهياً إذا كان ينقص عن 44 بِعدّة أمتار كخمس أو عشر مثلاً. لأنها مسافات عرفاً متشابهة.
ولكننا عرفنا انها تنقص عن 44 كيلومتراً.
44٬000 – 43٬776 = 224 متراً وهو حوالي ربع كيلومتر. وهي مسافة غير مغتفرة عرفاً وفقهياً.
وبعد ان نسمع من الفقهاء جميعاً انه لو قَلّ السفر عن المسافة متراً واحداً لم يجز القصر. إذن, فالتقريب ليس فيه نفع بل فيه ضرر فقهي لا محالة.
وقد يقال: لعل السيد الأستاذ بنى على ان الإصبع 20 مليماً، في حين بنينا على انه 19 مليماً. فتكون المسافة أكثر الأمر الذي يمكن معه ان يسد هذا النقص.
إلا أن هذا مجرد رجم بالغيب لأن المسافة سوف تزيد كثيراً. لأنها 46٬080 متراً كما عرفنا. وهي تزيد بكيلومترين وثمانين متراً. فيكون الفرق أكبر والاعتبار العرفي بها أكثر.
هذا, وقد رأى بعض أساتذتنا ان المسافة تساوي 43 كيلومتراً وخُمساً، يعني 43٬200 كيلو متراً.
وهذا لا يستقيم الا إذا اعتبرنا الذراع 45 سنتيماً. وهو ما لم نعرف له وجهاً الا مجرد القياس المستقل للذراع بدون قياس الأصابع مما يجعله أقل دقة
ــــــــــــــــــــ[229]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) انظر: منهاج الصالحين, ج1, ص249.
من الحسابات السابقة، كما هو معلوم.
ولو أردنا ان نعرف عرض الإصبع في نظره، فلا بد من قسمته على 24.
45 ÷ 24 = 1.875 وهو سنتيم وثمان ميلمات وثلاثة أرباع المليم. وهو رقم غير عرفي، ويبعد بناء العرف والفقهاء عليه. كما يبعد كونه هو المعدل للإصبع الطبيعي. والحجة هنا، هو الوثوق بعدم صحته بعد كل التحديدات التي قلناها.
نعم، لو سلمنا كون الذراع 45 سم تم ما قاله لأن:
45 × 4000 = 1800 متر. وهو الميل.
ويكون 1800 × 3 = 5400 متر. وهو الفرسخ.
ويكون 5400 × 8 = 43٬200 وهو المسافة الشرعية التي قالها. الا انه ناتج من التشويش في حساب الإصبع كما عرفنا.

تطبيق آخر:
إذا حاولنا تطبيق ما هو مختارنا في المسافة الشرعية التي طبقناها على حساب الكيلومترات، وهو النظام الفرنسي.. إذا حاولنا تطبيقه على النظام الإنكليزي الذي يبتني على حساب الانج والقدم والياردة.
فإن: 12 انج عندهم = قدم أو فوت.
و 3 أقدام عندهم = 1 ياردة.
و 1760 ياردة = 1 ميل.
والمتر = 1.093 من الياردة. يعني يكون أطول من الياردة بـ 0.093 من
ــــــــــــــــــــ[230]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الياردة.
فإذا كان الفرسخ 3 أميال، كان بحساب الياردة:
1760 ياردة × 3 = 5280 ياردة: الفرسخ. وتكون المسافة الشرعية التي هي 8 فراسخ.
5280 × 8 = 42٬240 ياردة: المسافة الشرعية ويكون نصفها:
42٬240 ÷ 2 = 21٬120 ياردة المسافة الشرعية لمريد الرجوع ليومه. ويحسن الآن ان نستخرج مقدار الفرسخ بالانجات والأقدام محيلين الباقي إلى فطنة القارئ.
الفرسخ 5280 ياردة
× الياردة 3 أقدام
___________________
الفرسخ 15٬840 قدماً

وكذلك:

القدم 12 انج
× الياردة 3 أقدام
____________________
الياردة 36 انج
ــــــــــــــــــــ[231]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
فيكون:
الفرسخ 5280 ياردة
× الياردة 36 انج
_________________
الفرسخ 190٬080 انج
أو يكون:
الفرسخ 15٬840 قدماً
القدم 12 × انجاً
_________________
الفرسخ 190٬080 انجاً
وهو نفس المقدار السابق وهو دليل صحة الاستنتاج. ولا حاجة بعدها لمعرفة مقدار المسافة الشرعية من الانجات والأقدام فانه من ترف الفكر، ونوكله إلى القارئ مع سهولة استنتاجه.
الجهة الثانية: في تحديد المسافة لصلاة الجمعة وهي فرسخان من البعد عن موقع إقامة الصلاة.
قد عرفنا ان الفرسخ ثلاثة أميال، وان مقداره 5472 متراً، أي خمسة كيلومترات، وأقل من النصف. فيكون الفرسخان المشترطان للمسافة 10٬944 وهو حوالي أحد عشر كيلومتراً. والمهم الرقم نفسه. وهو يشكل نصف قطر دائرة حول مركز أو مكان صلاة الجمعة.
وان كان الأحوط ان يكون البلد بمجموعه مركز تلك الدائرة.
واما بالمقادير الإنكليزية، فقد عرفنا، ان الفرسخ 5280 ياردة فيكون الفرسخان 10٬560 ياردة وهذا لا يفرق في طول المسافة أو قصرها.
ــــــــــــــــــــ[232]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ولعل من نافلة القول: ان نحاول استخراج مسافة هذه الدائرة بهذين النظامين، ومحيطها، فليس له أثر فقهي، فنوكله إلى القارئ الكريم.
وهذا المقدار المختصر يكفي بعد كل الذي عرفناه في الجهة الأولى.
الجهة الثالثة: في محاولة معرفة «غلوة السهم» المذكورة في كتاب الطهارة. غلوة السهم تعني مقدار انطلاقه أو قدر المسافة بين موقف راميه ومحل سقوط النبلة. وهذا بالطبع يختلف اختلافاً غير قليل تبعاً لأسباب عديدة منها: طول السيّة ومقدار تمدد الحبل المطاطي وقوة ذراع الرامي والريح فيما إذا كانت راكدة أو متحركة، إلى جهة انطلاقه أو ضدها إلى غير ذلك. والتكليف متوجه إلى معدل السهام أو إلى السهم الشائع والمتعارف أو إلى أي شخص مع السهم الذي يستعمله. وليس هذا محل تعيين هذه الاحتمالات، وان كان الثاني منها هو الأرجح.
ومن البعيد جداً ان يسير السهم في الفضاء أكثر من خمسين متراً. والمظنون انه يتراوح بين 30 إلى 50 متراً.
فإذا أخذنا رقم 30 كانت الدائرة التي يجب فيها الفحص عن الماء عند إرادة التيمم، وهي غلوة سهمين في الأرض السهلة من جميع الجهات. وغلوة سهم في الأرض الحزنة. فيكون قطر الدائرة غلوة أربعة سهام في الأرض السهلة وغلوة سهمين في الأرض الحزنة.
فإذا اعتبرنا الغلوة 30 متراً. كان كما يلي:
30×4=120 متراً قطر الدائرة.
وتكون مساحتها:
120 ÷ 2 = 60.
ــــــــــــــــــــ[233]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
60 × 3.14(1)= 304 متراً.
وأما في الأرض الحزنة:
30 × 30 × 3.14 = 2826 متر.
واما إذا اعتبرنا ان غلوة السهم 50 متراً فتكون في الأرض السهلة التي قطرها:
50 × 4 = 200 متر.
100 × 100 × 3.14 = 31٬400 متراً.
وفي الأرض الحزنة قطرها:
50 × 2 = 100 متر.
50 × 50 × 3.14 = 7850 متر.
ولئن كانت السهام معروفة ومستعملة بكثرة في العهد السابق، الا انها الآن مجهولة إلى حد كبير، ومن الصعب جداً الجزم بمقدار مسار النبلة.
ومعه, فالأحوط مع سعة الوقت الفحص على افتراض ان الغلوة 50 متراً. واما مع ضيق الوقت أمكن ان يكتفي بالقدر المتيقن وهو ان تكون الغلوة 30 متراً، طبقاً للحسابات السابقة.
ــــــــــــــــــــ[234]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) وهذا هو رقم النسبة الثابتة بالكسر العشري وهو : 7 / 22 بالكسر الاعتيادي.

فصل
إمام الجمعة

ولا ينبغي ان نريد به الشخص الذي يصلي وراءه الناس صلاة الجمعة، فانه قد يكون شخصاً اعتيادياً, أعني لا يحتاج فيه الا صفات أي إمام جماعة اعتيادي.
وإنما نعني به: ذلك الشخص الذي إذا أمر بالصلاة أصبحت واجبة طبقاً لقوله تعالى: إذا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّـهِ. وبدون ندائه وأمره لا تكون واجبة بل أفضل الفردين بينها وبين الظهر، على ما هو الصحيح والمشهور. وفي الأغلب ان هذا الشخص هو الذي يكون إماماً لجماعة صلاة الجمعة، ومن هنا عبّرنا عنه بإمام الجمعة في العنوان.
وقد عَبّر الفقهاء ان هذه الصلاة لا تصح الا مع وجود السلطان العادل. فالمهم هنا هو تفسير معنى السلطان العادل، وبيان علاقة السلطان العادل، مهما كان معناه بالصلاة.
والمحتملات فقهياً في معنى السلطان العادل عديدة:
أولاً: الإمام المعصوم. يعني أحد الأئمة المعصومين الاثنى عشر، إذا كان ظاهراً قادراً.
ثانياً: انه الإمام المعصوم أو من ينصبه بوكالة خاصة لهذه المهمة أو بما يشملها.
ــــــــــــــــــــ[235]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ثالثاً: السلطان العادل بتمام المعنى، بمعنى الحاكم العادل للدولة، وهو الذي يطبق الأحكام الإسلامية العادلة ان وجد.
رابعاً: كل هؤلاء مع إضافة: من ينصبه الإمام المعصوم بنيابة عامة، وهو (النائب العام) الفقيه الجامع للشرائط.
خامساً: هؤلاء مع من ينصبه الفقيه نيابة خاصة لأجل الصلاة أو لما يعمها ويشملها من المهام.
والأقوال الرئيسية ثلاثة: المعصوم والسلطان العادل والفقيه. وكل منهم قد ينيب عنه إنابة خاصة للصلاة أو بما يشملها و غيرها. وكل من يقول بالأدنى يقول بالأسبق دون العكس.
فالمهم الفحص عن علاقة هؤلاء الثلاثة بصلاة الجمعة.
وينبغي ان نعلم مسلّماً ان أياً من هؤلاء أمر بصلاة الجمعة فانها ستكون واجبة، وان لم يجتمع لها العدد المعتبر، لدليل وجوب طاعة هؤلاء. والتي لا مجال للاستدلال عليها هنا.
وكذلك لو أمر بها أحد ممن نصبه أحد هؤلاء بحيث يكون أمره واجب الطاعة بهذا الصدد. فان درجة التخويل والمسؤولية تختلف، فان كان هذا التخويل كان أمره نافذاً أمر بصلاة الجمعة وجبت.
وما هو المحتمل فقهياً، وينبغي فحصه فيما يلي: هو ان شرط وجود هؤلاء الثلاثة، ليس بمعنى أمرهم بها بل لمجرد وجودهم في المجتمع، لكن بحيث لم يحصل نهيهم عنها بطبيعة الحال. واجتمع العدد المطلوب فيها، فتكون واجبة.
وهذا هو ظاهر من عبّر بقوله: «انها لا تجب الا مع وجود السلطان العادل». كأنه يريد مجرد وجوده وان لم يأمر بالصلاة.
ــــــــــــــــــــ[236]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ويقع الحديث تارة عن المعصوم وأخرى عن السلطان العادل وأخرى عن الفقيه في جهات ثلاث:
الجهة الأولى: في الحديث عن المعصوم من حيث أثر وجوده في صلاة الجمعة.
وهي جهة نظرية لا أثر لها عملياً في عصر الغيبة، لأن الامامية وان لم يقولوا بوفاة الإمام بل هو موجود في هذه الحياة. الا انه ليس وجوداً كافياً ليكون موضوعاً للأحكام بأحد تقريبات:
منها: ان وجوده ليس عرفياً، فهو من الناحية العرفية كأنه غير موجود لمدى ابتعاده التام والأكيد عن المجتمع.
ومنها: انه -بمعنى من المعاني- اختار البُعد عن المجتمع والإعراض عنه، فألقى حبله على غاربه وفوض إليه أمره وانسحب عن قيادته ظاهراً، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. ومن نتائج ذلك فقهياً: اننا نعتبره كأنه غير موجود لاختياره ذلك.
فالجهة النظرية الآن هي انه: كيف كان حال أصحاب الأئمة السابقين من حيث إقامة صلاة الجمعة, مع ان شرطها وهو وجود المعصوم [وعدم] نهيه عنها, بل ورغبته فيها متحققة.
اما الالتفات إلى عصر الظهور الآتي، وان الإمام (سلام الله عليه) إذا ظهر هل يقيم الجمعة أو يأمر بها أم لا. ومتى يكون ذلك؟
فهذا خارج عن صدد هذا الكتاب، كما هو خارج عن المسائل الفقهية، وقد أعطينا عنه فكرة في (تاريخ ما بعد الظهور) فانه المحل المناسب له.
وقد وردت بصدد ما نحن فيه روايات تقول ما مضمونه: (ان الجمعة لا تجب على أقل من خمسة أحدهم الإمام). والمهم أخذها عنوان الإمام الذي
ــــــــــــــــــــ[237]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
فهم منه الفقهاء: الإمام المعصوم. والصحيح غير ذلك، وسنناقشها في العناوين الآتية: السلطان العادل والفقيه.
واما بالنسبة إلى الأئمة المعصومين فخير ما نستدل به هنا هو صحيحة زرارة (1) قال: حثنا أبو عبد الله على صلاة الجمعة حتى ظننت انه يريد ان نأتيه. فقلت: نغدو عليك؟ فقال: “لا, إنما عنيت عندكم”.
وموثقة عبد الملك(2) عن أبي جعفر: قال: “مثلك يهلك ولم يُصلِّ فريضة فرضها الله”. قال: قلت: كيف أصنع؟ قال: “صلوا جماعة”. يعني صلاة الجمعة.
ومن الواضح ان الرواية الأولى على خلاف المقصود أدل. فانها تدل بوضوح على عدم اشتراط وجود المعصوم في وجوبها، لعدة وجوه نذكر أهمها:
أولاً: قوله: «حثنا أبو عبد الله على صلاة الجمعة». الأمر الذي نفهم منه أي أصحاب الأئمة لم يكونوا يصلّونها بينهم.
فان صلوها، فإنما يلتحقون بها فيمن يصليها من المذاهب الإسلامية الأخرى. فلو كانت هذه الصلاة واجبة مع وجود الإمام المعصوم لكان اللازم عليهم إقامتها، ولكان اللازم -في حدود فهمنا- تنبيه الإمام لهم على ذلك، وأما مجرد الحث والترغيب فهو لا يدل على أكثر من مجرد الأفضلية، لا الوجوب.
ثانياً: قوله: “إنما عنيت عندكم”. وهو واضح في جواز إقامة الصلاة مع عدم وجود الإمام فيما بينهم أو كونه إماماً لجماعتهم. فلو كان شرط
ــــــــــــــــــــ[238]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل, ج4. أبواب صلاة الجمعة. باب5, حديث1.
(2) نفس المصدر: حديث2.
وجوبها ذلك ما أمر بها بدونه.
واما احتمال ان يكون وجود الإمام في المجتمع شرطاً لأصل مطلوبيتها، ولو استحباباً. بحيث لو لم يكن موجوداً كعصر الغيبة كانت غير مشروعة، وربما قيل: ان إقامتها حرام ومن التشريع المحرم.
فهذا وان قال به بعض الفقهاء الا انه ضعيف للغاية.
ويدل عليه من هاتين الروايتين عدة كلمات:
منها: قوله: “إنما عنيت عندكم”. فانه بعد التجريد عن خصوصية الزمان والمكان يشمل عصر الغيبة لا محالة. ومجرد كون الإمام موجوداً تكويناً عندئذ لا يمكن اعتباره قيداً في الحكم.
ومنها: قوله: “مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله”. وهو دال على رجحان هذه الصلاة لأي مسلم وخاصة إذا كان فقيهاً عارفاً. وليس في لسان الرواية أي تعرض لاشتراط وجود الإمام.
نعم، قد يقال: ان قوله: “مثلك”. يحتمل فيه عدة أمور:
الأول: كونه مسلماً.
الثاني: كونه مسلماً موالياً للائمة.
الثالث: فقيهاً عارفاً.
الرابع: كونه معاصراً للإمام.
فعلى الاحتمالات غير الأخير، يمكن فهم التجريد عن الخصوصية ولكن على الاحتمال الأخير، يكون النص واضحاً في اشتراط المعاصرة.
وجوابه: ان الاحتمال الرابع متوقف على استفادته من لفظ “مثلك”. فان استفدناه كانت المعاصرة متعينة والا فلا.
ــــــــــــــــــــ[239]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
والأنصاف انه على خلاف المقصود أدل. إذ لا يحتمل فيه عرفاً ذلك. وإنما يقال هذا التعبير للإشارة إلى مستوى معين من الثقافة أو من التقدم في العمر ونحو ذلك. ولم يرد عرفاً بمعنى المعاصرة لبعض القادة أو الملوك مثلاً. لنحمله هنا على المعاصرة للإمام.
وكذلك قوله: “صلوا جماعة”. الواضح في عدم اشتراط وجوده بينهم. فيكون كقوله: “عنيت عندكم” مع مناقشته وجوابها.
إذن، فالحكم ينبغي ان يكون مسلّماً وواضحاً الا ان الرواية الثانية تقل عن الأولى بكونها ليست نصاً في صلاة الجمعة. لأن ما يحتمل دلالته على ذلك ثلاثة أمور:
الأول: قوله: (يعني صلاة الجمعة). الا ان هذا التفسير لم يثبت كونه من كلام الإمام، بل السياق كالنص في انه ليس منه بل تفسير من الراوي. وقد يكون ليس هو الراوي الأول السامع لكلام الإمام مباشرة. وحتى لو كان هو فلا دليل على حجية فهمه إلى حد يجعل النص السابق عليه حجة في ظهوره به.
الثاني: قوله: “صلوا جماعة”. بغض النظر عن تفسير الراوي لها. ومن الواضح انها بمجردها لا يكون لها أي إشمام بصلاة الجمعة. بل أعم منها بكثير.
نعم، يمكن ان نجعل ما بعدها أو ما قبلها قرينة عليها. وهذا صحيح، الا اننا عرفنا حال ما بعدها وسنعرف حال ما قبلها.
الثالث: قوله: “فريضة فرضها الله”.
الا ان هذا ليس واضحاً بصلاة الجمعة بالتعيين، بل تشمل صلوات أخرى كصلاة العيدين وصلاة الميت وصلاة الخسوف وربما غيرها، فبغض النظر عن تفسير الراوي في نهاية الرواية ليس لها ظهور.
ــــــــــــــــــــ[240]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وقد يقرب ذلك بوجوه منها:
أولاً: ان الصلاة موصوفة بأنها “فريضة فرضها الله”. وذلك لا يكون الا صفة لصلاة الجمعة. اما صلاة العيدين فهي مستحبة غالباً.
الا ان هذا الوجه ليس بشيء لأن صلاة الجمعة لا تختلف في شرائطها عن صلاة العيد, أعني من ناحية وجود الإمام والنداء لها وعدمه كما هو معلوم. ففي الحال الذي تكون فيه صلاة الجمعة فرضاً تكون صلاة العيدين فرضاً أيضاً.
ثانياً: ان قوله: “فريضة فرضها الله” شامل لصلاة الجمعة. وان لم يكن خاصاً بها وهذا يكفي.
الا ان هذا غريب: لأن الفرض ان أريد به الوجوب فلماذا كان هذا الرجل قد تركها طول حياته، من صلاة الجمعة أو غيرها. وان أريد الأعم من الوجوب والاستحباب كان على خلاف المقصود أدل كما هو واضح.
فالمهم انه لولا تفسير الراوي في آخر الرواية لما كانت واضحة في صلاة الجمعة، كما لا تدل على الوجوب، على حين ان صحيحة (زرارة) واضحة في التعرض إلى صلاة الجمعة.
الجهة الثانية: في اشتراط وجود السلطان العادل بعنوانه، ويراد به الرئيس الفعلي العادل لمنطقة ما.
ويوجد هذا التعبير في كلمات الفقهاء ولكنه لا يوجد في الروايات. بل الموجود فيها عنوان الإمام، فلا بد ان نذكر المهم منها أولاً. ثم نذكر وجوه الاستفادة منها.
منها: موثقة سماعة(1) قال: سألت أبا عبد الله عن الصلاة يوم
ــــــــــــــــــــ[241]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل: ج4. أبواب صلاة الجمعة. باب5, حديث3.
الجمعة. فقال: “أما مع الإمام فركعتان. وأما من يصلي وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر. يعني إذا كان إمام يخطب فان لم يكن إمام يخطب فهي أربع ركعات وان صلوا جماعة”.
وفيها صحيحة زرارة(1) عن أبي جعفر قال: “تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين ولا جمعة اقل من خمسة من المسلمين احدهم الإمام، فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمّهم بعضهم وخطبهم”.
وحديث محمد بن مسلم(2) عن أبي جعفر قال: “تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين ولا تجب على اقل منهم: الإمام وقاضيه والمدّعي حقاً والمدّعى عليه والشاهدان والذي يضرب الحدود بين يدي الإمام”.
وموثقة سماعة(3) عن أبي عبد الله: قال: “صلاة الجمعة مع الإمام ركعتان…” الحديث.
والمحتملات البدوية من الإمام عديدة:
الأول: الإمام المعصوم.
الثاني: السلطان العادل.
الثالث: النائب العام أو الفقيه.
الرابع: إمام الجماعة.
فقد يقّرب المعنى الأول بدعوى: ظهور لفظ الإمام به أولاً. وظهور حديث (محمد بن مسلم) به ثانياً.
ــــــــــــــــــــ[242]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث4.
(2) نفس المصدر: حديث5.
(3) نفس المصدر: باب6. حديث2.
الا ان لفظ الإمام غير ظاهر بذلك بعد احتمال كون المراد به إمام الجماعة ووضوح احتياج صلاة الجمعة إلى إمام الجماعة.
بل في الروايات ما يبعد احتمال كونه الإمام المعصوم، ومنها روايات معتبرة، يمكن ان تصبح قرينة على المراد من غيرها من الروايات. منها قوله في موثقة سماعة: “يعني إذا كان إمام يخطب، فان لم يكن إمام يخطب”. ومن الواضح ان المعصوم لا يمكن ان يوصف بذلك عرفاً. بل المراد بها الشخص الذي له قابلية الإمامة إذا كانت له قابلية الخطبة. وظهور “إمام” بالفعلية يدفعه ظهور “يخطب” بالقابلية.
واما ظهور حديث (محمد بن مسلم) فمسلّم، وهي معتبرة السند، غير انها مشتملة على أمور غير محتملة الاشتراط فقهياً وهي: (وجود القاضي والمدعي والمدعى عليه والشاهدان الخ). فيكون ذلك قرينة على ان عنوان الإمام غير مشترط اما لأنه ليس المراد به الإمام المعصوم، بل إمام الجماعة، أو المراد به ذلك لكن من دون اشتراط وجوبي وإنما هو لمجرد الرجحان.
وقد يقرب المعنى الثاني بنفس الطريقتين:
الأولى: ظهور الإمام بالسلطان العادل. لأنه بعد التنازل عن ظهور العنوان بالمعصوم، يتعين ان يراد به هذا المعنى «السلطان العادل» هو الإمام الفعلي للمجتمع المسلم.
الثانية: ظهور حديث (محمد بن مسلم) في ذلك، بعد التنازل أيضاً عن ظهوره بالمعصوم. فان السلطان العادل هو الذي ينصب قاضياً ويكون له شاهدان وشخص يضرب له الحدود. اما من سواه من الناس فليس له ذلك بأي حال حتى الفقيه الجامع للشرائط إذا لم يصبح سلطاناً عادلاً.
ويجاب عليه بنفس الجوابين:
أولاً: وجود القرائن على خلافه. فالسلطان العادل لا يوصف بأنه “إمام يخطب”. فان المفروض فيه اجتماعياً انه مستطيع للخطبة. ولا نكاد نتصور
ــــــــــــــــــــ[243]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
عرفاً وجود سلطان عادل عاجز عن الخطبة، الأمر الذي جعل هذه الصفة ظاهرة في غيره. وهو ما يجعله قرينة على سائر موارد التعبير بالإمام.
ثانياً: ان حديث (محمد بن مسلم) يحتوي -كما عرفنا- على عناوين لا يحتمل اشتراطها، الأمر الذي يجعل للعنوان -أعني الإمام- غير ظاهر بالشرطية اللزومية. وان كان لا بد من استظهاره من اللفظ بعد التنازل عن ظهور المعصوم. إلا ان ظهور السياق بالشرطية ممنوع.
واما المعنى الثالث فقد يقرب بنفس التقريبين:
الأول: ظهور لفظ الإمام بالفقيه، بعد التنازل عن المعنيين السابقين. والوجه في ذلك: كونه مرجعاً في الفتوى، وهي شكل من أشكال الإمامة في المجتمع.
الثاني: ظهور حديث (محمد بن مسلم) به، بعد التنازل عن ظهوره في المعنيين السابقين.
وجواب ذلك: اننا تارة نفترض ان الفقيه الجامع للشرائط مبسوط اليد -كما يعبرون- يعني له قدرة على إقامة وتنفيذ سائر الأحكام الشرعية. وأخرى نفترضه قاصراً عن ذلك.
فان كان مبسوط اليد، فهو السلطان العادل, لا يختلف عنه بشيء. فإننا لا نريد بالسلطان العادل عنواناً معيناً كالملك مثلاً. فحتى لو كان للمجتمع حاكم دنيوي آخر، فسيكون الفقيه سلطاناً عادلاً بصفته قادراً على تنفيذ الأحكام. فيأتي فيه ما قلناه في السلطان العادل قبل قليل.
وان افترضنا الفقيه قاصراً عن ذلك. فهو ليس سلطاناً فعلياً على الإطلاق وإنما له القدرة على الفتوى فقط. ومعه يكون خروجه عن موضوع حديث (محمد بن مسلم) واضحاً. لأنه يقول الإمام: “وقاضيه والمدعي بالحق.. الخ”. ومثل
ــــــــــــــــــــ[244]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
هذا الفقيه لا يكون له قاضي ولا مدّعي ولا من يضرب الحدود بين يديه. فالتقريب الثاني لا يتم.
وأما التقريب الأول وهو شمول مفهوم الإمام له، أكثر من مجرد إمام الجماعة الذي هو العنوان الرابع الآتي… فهو محل مناقشة. لأن الإمامة بأقل مراتبها أو بالمعنى اللغوي الظاهر منها تقتضي القدرة والأسوة بالإمام من الناحية العملية، ومن المعلوم ان هذا المعنى يتم لو كان الفقيه مطبقاً للأحكام على نفسه ليقتدي به الناس.
وهو يطبق الأحكام التي تخصه. الا انه يبقى كثير من الأحكام لا تخصه كأحكام النساء والكسبة وهو ليس بكاسب كذلك والحدود وما إليها، وهو ليس بقاضي ولا جاني وغير ذلك كثير. فكل ما في الأمر ان الناس يطيعون ويطبقون فتواه. وهذا ليس معنى الأسوة والقدوة، فلا ينطبق عليه معنى الإمام.
وقد يخطر في البال في المعصومين أيضاً كذلك، حيث انهم لا يكونون مشمولين لأحكام كثيرة كأحكام النساء وغيرها ومع ذلك انطبق عليهم عنوان الإمام. فما تقولون في المعصوم من الجواب يمكن إيراده بالنسبة إلى الفقيه.
الا ان هذا غريب في التصور لعدة جهات نذكر بعضها:
أولاً: ان انطباق مفهوم الإمام على المعصومين انطباق تعبّدي بدليل قطعي. لا انه ثابت من ناحية الظهور اللغوي، كما في الفقيه ليكون قابلاً للإشكال.
ثانياً: ان انطباق مفهوم الإمام على المعصومين ليس لمجرد القدوة والأسوة التي أشرنا إليها. بل الإمامة عندهم مفهوم واقعي أعلى من ذلك بكثير، حتى قالوا: ان الإمامة أعلى من النبوة، وقد منحت لإبراهيم الخليل (سلام الله عليه)، بعد جعله نبياً. وهذا المعنى لا يشترك فيه سائر الناس مع
ــــــــــــــــــــ[245]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
المعصومين بالضرورة ليكون شاملاً للفقيه.
فقد نتج من كلامنا هذا, المراد ليس هو المعصوم ولا السلطان العادل ولا الفقيه الجامع للشرائط وهذا معناه انهم ليسوا مرادين فقط(1). وليس معناه انهم غير مرادين على الإطلاق ومن هنا كان باستطاعتهم جميعاً إقامة الجمعة مع اجتماع الشرائط التي أهمها العدد.
وبتعبير آخر: إذا تعين المعنى الرابع الآتي لمفهوم الإمام، فيكون شموله للثلاثة المشار إليهم أولى. غير ان انحصار المفهوم بهم هو الذي ناقشناه. وقد يأتي بعض الإيضاح لذلك.
والمعنى الرابع هو ان يكون المراد بالإمام: إمام الجماعة. وهو معنى يتسالم المتشرعون المسلمون من مختلف المذاهب على صحته منذ صدر الإسلام والى العصر الحاضر.
وهو غير معنى الإمام السابق، بل ليس بينهما قدر جامع أو مفهوم مشترك، فيكون انطباق اللفظ عليهما من باب المشترك اللفظي.
واشتراكهما في الصفات كالعدالة، لا يعني الاشتراك المعنوي، لعدم صلاحية العدالة لأن تكون سبباً لصدق مفهوم الإمام بأي من معنييه بل لا بد من الزيادة عليها من كِلا الجهتين، الأمر الذي يحددنا ان نفحص عن جامع آخر، فان لم يكن رجعنا إلى الاشتراك اللفظي.
ومن المعلوم ان صلاة الجماعة تحتاج إلى وجود الإمام بهذا المعنى. ووجوده بهذا المعنى لا يكون الا بصفته مشاركاً بالصلاة، لا مجرد كونه موجوداً في المجتمع. لظهور الإمام في الفعلية.
نعم، يبقى حديث (محمد بن مسلم) الذي قلنا انه تام سنداً ودلالة، وقد
ــــــــــــــــــــ[246]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) المقصود بهم ما هو الأعم والأوسع من ذلك.
تمسك به البعض لنفي كون المراد من الإمام إمام الجماعة. الا ان الذي يهوّن الخطب ما أشرنا إليه، من انه يحتوي على نقاط نعلم بعدم اشتراطها فقهياً، كوجود القاضي والمدعي وغيرهما. إذن, فالإمام بالمعنى الذي أشير إليه في هذا الحديث غير مشترط والأمر أعم منه. وإنما الشرط هو وجود إمام الجماعة لا محالة، لوضوح ان صلاة الجمعة لا تصح فرادى إجماعاً من المتشرعة وكل علماء الإسلام.
وإذا تم ذلك أتضح القول: بأن للمعاني السابقة للإمام إقامة الجمعة بصفتهم إمام جماعة لو “اجتمع خمسة أحدهم الإمام” كما سمعنا في الأخبار المعتبرة. نعم، أشرنا ان من يكون مصداقاً لتلك المعاني له ان يأمر الناس بإقامة الجمعة ويكون واجب الإطاعة شرعاً وهو معنى النداء في الآية الكريمة، فيجب عليهم إقامتها ولو لم يجتمع خمسة، بل عليهم ان يجمعوا الخمسة والأكثر.
ولكن هذه الخصوصية غير ثابتة لمطلق إمام الجماعة، إذا لم يكن مصداقاً من تلك العناوين. فينحصر وجوب الصلاة بحصول العدد. وإذا حصل العدد وجبت على الموجودين وغيرهم ممن هو مكلف بالحضور كما هو مشروع في الفقه.
إذن، فالسبب لوجوب هذه الصلاة أمران:
أحدهما: الأمر الذي يصدره الإمام بأحد المعاني الثلاثة الأولى.
ثانيهما: اجتماع العدد المعتبر.
ولو لم يحصل السببان لم تجب, ولكنها تصح لو عُقِدت اختياراً وحصل العدد. إذن, فصحتها غير موقوفة على السببين السابقين.
ويؤيد ما فهمناه وفهمه صاحب (الوسائل) وآخرون من ان المراد بالإمام في
ــــــــــــــــــــ[247]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
هذه الأخبار: إمام الجماعة، عدة أمور نذكر أهمها:
منها: قوله في موثقة سماعة: “إذا كان إمام يخطب. فان لم يكن إمام يخطب…الخ”. وقد قلنا ان المراد بالخطابة القابلية لها بكل وضوح. فيكون ذلك قرينة على ان المراد بالإمام القابلية أيضاً. يعني كون أحدهم جامعاً لشرائط إقامة الجماعة. فيكون هذا مقرباً جداً لكون المراد بالإمام ذلك دون ما هو أخص منه.
ومنها: قوله في صحيحة زرارة: “فإذا اجتمع سبعة ولم يخافوا”. والاجتماع هنا ظاهر بالاجتماع للصلاة لا لغرض آخر. والا فما أكثر اجتماع الإفراد لمختلف الأغراض ولم يقل أحد بوجوب صلاة الجمعة عليهم. والمهم هو ذلك الظهور، الذي يكون قرينة على ان المراد بالإمام: إمام الجماعة، إذ لا معنى للاجتماع للصلاة بدونه لكونه العنصر الرئيسي والضروري فيها.
ومنها: قوله في موثقة سماعة: “أما مع الإمام فركعتان، واما من يصلي وحده فهي أربع ركعات.. الخ”.
فقد جعل مقابلة بين حالة وجود الإمام وحالة من يصلي وحده وهو واضح في كون المراد بالإمام: إمام الجماعة. لأن المقابلة الحقيقية هي بين وجود صلاة الجماعة وعدمها. فان انعدمت صلى المكلف وحده. وان وجدت الصلاة، فذلك لا يكون الا مع وجود الإمام، ولا يحتاج إلى معنى آخر أو أخص، لأن ما هو الضروري لوجود صلاة الجماعة ليس الا إمامها.
ومنها: قوله في صحيحة زرارة: “أمّهُم بعضهم وخطبهم”. وهي نص في كفاية الإمامة بهذا المعنى ولا حاجة إلى وجود شرائط أخرى. وهي وان كانت ظاهرة في كفاية إمامة بعض الناس مهما كانوا. الا ان هذا غير محتمل فقهياً، بل المتعين حمله على أقل المعاني لصلاحية صلاة الجماعة. وإذا تم ذلك لم يبقَ على ما هو أكثر منه دليل.
ــــــــــــــــــــ[248]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني

فصل
الكسوف والخسوف والزلزلة

وهي الأسباب الرئيسية للصلاة المسماة باسمها، وقد تسمى باسم أشمل فيقال: صلاة الآيات.
وليس الغرض الآن هو شرح شكل هذه الصلاة فقهياً، بعد ان كان مسطوراً في كل الرسائل العملية، وإنما الغرض التعرض بشيء معقول من كيفية حدوث الخسوف والكسوف والزلزلة. ليس لغرض فقهي، وإنما لمجرد الإطلاع أولاً. ولمقارنته بالروايات الواردة عن الأئمة المعصومين بهذا الصدد ثانياً.
وان أجمع وأشمل كلام بالرغم من إيجازه النسبي في شرح سبب الكسوف والخسوف ومن قِبَل الاختصاصيين الفلكيين هو ما رأيناه في كتاب بدائع السماء(1) حيث يقول:
«وبما ان مدار القمر مائل قليلاً -يعني عن مدار الأرض- فانه يمر عادة فوق الشمس أو تحتها(2) فلو كان مستوى المدارين واحداً بالضبط لوجدنا ان هناك خسوفاً قمرياً كل شهر كلما كان القمر بدراً. وكسوفاً شمسياً كل شهر عندما يكون في المحاق. ولكن مداره ينحرف شيئاً قليلاً عن مستوى مدار الأرض. ويتأرجح هذا الانحراف بحيث يمر القمر في معظم الأحيان فوق الشمس أو
ــــــــــــــــــــ[249]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) تأليف: جيرالد هوكنز. ترجمة: الدكتور عبد الرحيم بدر. ص13 وما بعدها.
(2) هذه العبارة إلى رأس السطر منقولة عن دليل السماء والنجوم تأليف الدكتور عبد الرحيم بدر. ص47.
تحتها.
وإذا كان القمر في اللحظة التي يكتمل فيها ويصير بدراً على دائرة البروج تماماً، فان الأرض تحجب الشمس عنه. فالأرض ترمي وراءها ظلاً يبلغ عرضيه على البعد الذي يمر فيه القمر 5700 ميل. وإذا كان القمر سيقطعه كله. فانه يستغرق ثلاث ساعات وأربعين دقيقة كحد أعلى.
والخسوفات القمرية تحدث عادةً مرتين في السنة بينهما خمسة أشهر أو ستة. ويتم الخسوف الكلي إذا دخل القمر كله شيئاً فشيئاً في ظل الأرض ذي الطرف المنحني -يعني ذي السطح المنحني- فيحتجب ضوء الشمس كله عنه. ويبدو ان الظلام قد ابتلعه. ولكنه لا يختفي كلياً. فلا يزال سطحه يشع في أثناء الخسوف الكلي إشعاعاً باهتاً بلون نحاسي أو بمسحة من اللون الأحمر الدموي… وهذا الإشعاع الضئيل في الواقع هو من أشعة الشمس التي اخترقت غلاف الجو الأرضي فانكسرت فيه وتحولت إلى جهة الظل أي إلى القمر المخسوف.
والغبار الموجود في جو الأرض يبعثر اللون الأزرق، ولا يسمح بالمرور لغير اللون الأحمر. وبسبب هذا الغبار نرى الشمس حمراء عند المغيب، ونرى القمر أحمر في أثناء الخسوف الكلي.
وليس هناك خسوفان متماثلان إطلاقاً. فلون القمر المخسوف خسوفاً كلياً وقدر لمعانه يعتمدان اعتماداً كبيراً على الأحوال السائدة في جو الأرض. فإذا كانت في الجو مقادير كبيرة من الغبار فإننا نجد القمر المخسوف ذا لون أحمر قانٍ. وإذا كان الجو عاصفاً فان الغيوم العاصفة تملأ منطقة الشفق فتحجب ضوء الشمس، فلا تصل إلى القمر منه الا كمية ضئيلة عن طريق انتشارها في جو الأرض فيكون معتماً لا يكاد يبين. اما اختفاؤه بالمرة في أثناء الخسوف الكلي، فهو أمر نادر الوقوع.
ــــــــــــــــــــ[250]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
كلية الخسوف(1) تتراوح بين مائة دقيقة و220دقيقة. وهو ليس ككسوف الشمس الذي يستغرق بضع دقائق فقط. وخسوفات القمر على العكس من كسوفات الشمس، تُرى في كل نصف الكرة الأرضية التي يكون القمر فيها مشرقاً.
وعندما يسير القمر في مداره إلى العقدة المقابلة للشمس إذ يمتد خلفها ظل مخروطي الشكل. ملقياً بقعة سوداء على سطح الكرة الأرضية. ولا يرى الكسوف الكلي للشمس من سكان الأرض الا من كان ضمن هذه البقعة السوداء…
وأقل معدل لوقوع الخسوفات في بقعة معينة من بقاع الأرض هو خسوف واحد كل سنة، ولكن معدل كسوف الشمس الكلي هو مرة كل ثلاثمائة سنة. وإذا شاء امرؤ مشاهدة كسوف كلي للشمس بأم عينيه فعليه ان يسافر إلى الموضع الذي سيقع عليه ظل الكسوف -يقصد: ظل القمر-.
والبقعة السوداء تبلغ حوالي مائة ميل عرضاً. والفلكيون يُجرُون الحسابات المسبقة لموضع الكسوف وحجمه قبل وقوعه…
و الكسوفات تختلف اختلافاً كبيراً فيما بينها. ففي بعض الأحيان يمر مخروط الظل مسرعاً على القطب. وفي أحيان أخرى سيراً وئيداً عبر المناطق الحارة. والبقعة السوداء تمر حيث يكون الكسوف كلياً. وهي تقطع المسافة من حيث تشرق الشمس إلى حيث تغيب في مدى أربع ساعات.
وفي بعض الأحيان لا تصل نهاية مخروط الظل إلى الأرض لأن القمر يكون بعيداً عنها، فلا يحدث كسوف كلي في هذه الحالة. ولكن أهل الأرض الموجودين مباشرة تحت الظل يرون كسوفاً حلقياً. إذ ان قرص القمر في هذه
ــــــــــــــــــــ[251]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) هذه الفقرة منقولة من المصدر الثاني السابق, ص46.
الحالة يكون أصغر من ان يغطي قرص الشمس تغطية كاملة، فتظهر منها حلقة من الأشعة المضيئة حول قرص القمر المظلم.
ان سرعة سير القمر في مداره 2100 ميل في الساعة. وظله يسير شرقاً على سطح الأرض بالسرعة نفسها. غير ان الأرض تدور حول محورها في الاتجاه نفسه الذي يسير في الظل, والمدينة الموجودة على خط الاستواء تسير إلى الشرق بسرعة 1060 ميلاً في الساعة.
والمدينة الواقعة على خط عرض 40 تسير بسرعة 812 ميلاً في الساعة. اما في القطب فسرعة الدوران صفر.
وعلى ذلك تؤثر درجة العرض في مدة الكسوف الكلي. وأطرف كسوف كلي هو ذلك الذي يحدث عندما تكون الشمس في سمت الرأس ظهراً، وحين يكون القمر قريباً من الأرض. ويندر ان يزيد الكسوف الكلي على سبع دقائق ونصف دقيقة حتى في تلك الحالة.
ومع ان الكهان الأوائل لم يعرفوا أسباب الخسوف والكسوف، الا انهم كانوا يتنبؤون بأوقاتها بقدر كبير من الدقة. باستعمالهم جداولهم الدالة على حركة القمر. ويجب ان يكونوا قد عرفوا المنوال الذي تحدث عليه الخسوفات بعد زمن طويل من الملاحظة.
فخسوفات القمر تعيد نفسها كل 223 شهراً قمرياً أي كل 18 سنة و11 يوماً. وتسمى هذه الدورة في الفلك: «ساروس». وبعد هذه الفترة تنتقل العقدتان من دائرة البروج إلى مواضع أخرى من منطقة البروج حيث بدأت أول الأمر.
والمسافات ما بين الأجرام الثلاثة -الشمس والقمر والأرض- لا تزال على ما كانت عليه منذ ان عرفها الأوائل. فإذا حدث خسوف بتاريخ معين عند
ــــــــــــــــــــ[252]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
غياب الشمس، فسوف يتكرر هذا الخسوف في البرج نفسه من منطقة البروج بعد فترة «ساروس» واحدة. وسوف يستغرق المدة نفسها من الزمن.
وظل الأرض(1) يتكون من جزء مركزي مخروطي الشكل شديد السواد يسمى بـ«الظل المظلم» وما حول تلك المنطقة أقل سواداً تسمى «شبه الظل». فإذا دخل القمر منطقة شبه الظل فان لونه يأخذ بالاحمرار، وما ان يدخل منطقة الظل حتى يسوّد لونه، فيحصل الخسوف الكلي.
وفي الأحوال التي يقع فيها القمر خارج خط الخسوف، شماله أم جنوبه فلا يحجب من القمر الا جزءاً منه فقط في ظل الأرض، ويسمى هذا بالخسوف الجزئي».
ولنا على هذا الشرح عدة ملاحظات:
الملاحظة الأولى: يقسم الفلكيون المنطقة التي يمر بها القمر حوالي خسوفه إلى منطقتين:
1- منطقة شبه الظل.
2- منطقة الظل المظلم.
وشبه الظل يعني ان المكان مضاء ببعض قرص الشمس ومحجوب من القسم الآخر. فهو بالرغم من احتجابه عن قسم من القرص، الا انه مضاء بالقسم الآخر الأمر الذي يجعله ظلاً ضعيفاً جداً. ومن هنا سمي «شبه الظل».
واما الظل الكامل أو المظلم، فهو تلك المنطقة التي لا يصلها ضوء الشمس أصلاً… بكل أجزاء القرص.
وقد يفسر شبه الظل بما يوجد من الانطماس في الظل حول الأجسام،
ــــــــــــــــــــ[253]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) هذه الفقرة منقولة عن كتاب مدرسي للأول المتوسط.
حيث لا تكون نهاية الظل منتهية بحد معين أو محدد، بل اننا بينما نرى وسط الظل مظلماً نسبياً نراه يقل تدريجياً حتى ينعدم ويبدأ الضوء الاعتيادي. فهذا المقدار من الظل التدريجي الخفيف هو «شبه الظل».
وكما ان لكل الأجسام ظلاً من هذا القبيل، فالقمر والأرض أيضاً لها مثل ذلك. وهو ما يتحدث عنه الفلكيون.
الا ان هذا ليس بصحيح، لأن شبه الظل بهذا المعنى وان كان ثابتاً فعلاً. وهو من نوع شبه الظل لأنه محجوب من ناحية ومضاء من ناحية، ولذا ترى الظل فيه أقل سواداً. ولكن هذا ليس هو شبه الظل الذي يتحدث عنه الفلكيون.
فان شبه الظل بالمعنى الثاني يكون عادة أقل من الظل القاتم. في حين نرى شبه الظل للأرض أوسع كثيراً من الظل الكامل أو المظلم وخاصة في المنطقة التي يسير فيها القمر(1).
الا انه يمكن ان يقال: ان شبه الظل إنما نراه قليلاً وضعيفاً لعدم البعد المتزايد للجسم عن الجسم الآخر الذي ينعكس فيه الظل, أما لو جعلناه في
ــــــــــــــــــــ[254]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) انظر المخطط التالي:

فضاء انطبقت نفس الفكرة التي قالوها للقمر والأرض. وهذا غير بعيد. فالفكرتان واحدة في حقيقتهما.
الملاحظة الثانية: ان منطقة شبه الظل ليست منطقة الخسوف بل هي مضيئة نسبياً فلو قُدِّر ان مر القمر بها، لم ينخسف ولم تجب الصلاة. وأدل دليل على ذلك هو ان القمر المخسوف خسوفاً جزئياً يكون القسم المضيء منه كله في شبه الظل، ومع ذلك فإننا نراه مضيئاً كما في حالته الاعتيادية تقريباً.
وهذا يدل على عدم صحة ما سمعناه من المصادر من ان القمر إذا دخل في شبه الظل بدأ بالاحمرار. فانه مخالف لهذا الوجدان تماماً.
الملاحظة الثالثة: للقمر أيضاً ظل قاتم وشبه الظل قد يقعان على الأرض ويسببان الخسوف, وبعبارة أفضل: ان الظل القاتم هو السبب الحقيقي(1).
فإذا كانت المنطقة كلها في الظل القاتم كان الخسوف كلياً. وإذا كان بعضها فيه، أصبح قسم من الشمس محجوباً، فيكون الخسوف جزئياً.
وبالرغم من ان الأرض عندئذ تكون كلها أو بعضها في شبه ظل القمر، الا اننا لا نشعر بذلك، بل نرى النهار كاملاً تقريباً أو تحديداً. وخاصة مع قلة
ــــــــــــــــــــ[255]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) انظر المخطط التالي:

فالظل القاتم في الوسط وعلى جانبيه شبه الظل.
القسم المحترق من الشمس. وهذا أيضاً دليل وجداني على عدم تأثير شبه الظل في حجب الضوء بحيث يستطيع ان يغير معالم الطبيعة.
الملاحظة الرابعة: مرت فيما مضى عبارات نقلناها من المصادر أقرب إلى المطاطية وعدم التحديد. فما السر فيه؟
أولاً: قوله: «وبما ان مدار القمر مائل قليلاً فانه يمر عادة فوق الشمس أو تحتها».
ثانياً: قوله: «فانه يستغرق ثلاث ساعات وأربعين دقيقة كحد أعلى».
ثالثاً: قوله عن الخسوفات: «انها تحدث عادة مرتين في السنة بينهما خمسة أشهر أو ستة».
رابعاً: قوله: «اما اختفاؤه بالمرة في أثناء الخسوف الكلي فهو أمر نادر الوقوع».
خامساً: قوله: «كلية الخسوف تتراوح بين مائة دقيقة و 220 دقيقة».
سادساً: قوله: «وأقل معدل لوقوع الخسوفات في بقعة معينة».
ثم يتحدث عن المعدل في الكسوف.
سابعاً: قوله: «والبقعة السوداء تبلغ حوالي مائة ميل عرضاً».
ثامناً: قوله: «وندر ان يزيد الكسوف الكلي على سبع دقائق ونصف الدقيقة حتى في تلك الحالة».
ونحوها من التعبيرات التي تدل على ان الأمور المذكورة غالبية وليست مستمرة، وممكنة الخلاف، يعني ان يحصل شيء بخلافها، وليست قطعية الحدوث. فما السر في ذلك؟ يحتمل فيه أمران لا ثالث لهما:
الأمر الأول: ان في هذه التقديرات غير المحددة أسباب أوجدتها أو دعت ــــــــــــــــــــ[256]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
إليها، لعل العلم يعرف قسماً منها ويجهل القسم الآخر، ولعله يأتي زمان ينكشف له السر. وهكذا!
وهذا هو التعبير الذي يكرره العلماء الطبيعيون باستمرار فيما يجهلونه.
الأمر الثاني: ان هذه التقديرات غير المحددة، لها أسباب خارجة عن الطبيعة. وليست كما تخيل العلماء والطبيعيون من انها أسباب محددة في المادة (عُرِفت أم لم تُعرَف).
وهذه الأسباب ممكنة في عدة أمور غير متنافية، بمعنى إمكان اجتماع أكثر من واحد منها بل جميعها:
الأول: إرادة الخالق العظيم الحكيم. حيث يجعل هناك أشكالاً من القصور والتخلف في ما يسمى بالقوانين المادية، لكي يتم البرهان على انها ليست قوانين حقيقية لأنها لو كانت كذلك لما تخلفت وإنما الأمر موكول إلى أمور أعلى منها تقودها إرادته تبارك وتعالى بشكل أساسي.
الثاني: ان السبب في هذه الاختلافات أو التخلفات، هو الملائكة الموكّلون بالظواهر الطبيعية، بما فيها الشمس والقمر والكواكب وحركاتها.
والأدلة على وجود هؤلاء الملائكة عديدة، منها: ما نقرؤه في الصحيفة السجادية من قوله في وصف الملائكة: “وخزان المطر وزواجر السحاب. والذي بصوت زجره يسمع زجل الرعود وإذا سبحت به حفيفة السحاب التمعت صواعق البروق. ومشيعي الثلج والبرد والهابطين مع قطر المطر إذا نزل والقوام على خزائن الرياح والموكلين بالجبال فلا تزول. والذين عرّفتهم مثاقيل المياه، وكيل ما تحويه لواعج الأمطار وعوالجها. ورسلك من الملائكة إلى أهل الأرض بمكروه ما ينزل من البلاء ومحبوب الرخاء”. إلى آخر ما يقول (سلام الله عليه).
ــــــــــــــــــــ[257]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الثالث: ان السبب في ذلك هو إرادة الكواكب نفسها، طبقاً لما قاله أكثر الفلاسفة المسلمون بأن للكواكب والنجوم والأفلاك نفوساً كنفوس البشر، قابلة للعلم والإرادة. الأمر الذي ينتج الاختلاف حين يريد الشمس أو القمر الاختلاف والضبط إذا أرادا الضبط.
ونحن هنا نعرض الأمر كاحتمال، ونوكل البت فيه إلى فكر المفكرين، بما فيهم القارئ الكريم.
وكمجرد مثال لذلك، فقد يريد بعض هذه الأسباب الخارجة عن الطبيعة، تغيير سرعة الأرض في دورانها حول نفسها أو في دورانها حول الشمس أو في سرعة دواران القمر حول الأرض ذلك، أحياناً أو دائماً.
وقد سمعنا من المصادر قولها: «والمسافة التي بين الأجرام الثلاثة لا تزال على ما كانت عليه منذ ان عرفها الأوائل». الأمر الذي يعطي بوضوح احتمال تغيرها في مستقبل الزمان. واحتمال تغيرها عن الماضي الغابر غير المنظور. وهو احتمال قائم، لا يمكن تفسيره الا بالارادات الخارجة عن الطبيعة. إذ لو كان القانون، كما يتصوره الطبيعيون لكان أزلياً.
وعلى أي حال، فهذه عبارة ذكية بعيدة النظر. تدل على عمق كاتبها مع تحاشيه الاصطدام بالرأي العام مباشرة.
الملاحظة الخامسة: قال المصدر: «والغبار الموجود في جو الأرض يبعثر اللون الأزرق ولا يسمح بالمرور لغير اللون الأحمر. وبسبب هذا الغبار نرى الشمس حمراء عند المغيب، ونرى القمر احمر في أثناء الخسوف الكلي».
ولنا على هذا الكلام عدة تعليقات:
الأول: لو سلمنا هذه الفكرة وهي ان الجو يبعثر اللون الأزرق ولا يسمح بالمرور لغير اللون الأحمر. وان كان لا دليل عليها وقتياً على الأقل، فهل هذا
ــــــــــــــــــــ[258]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
يكفي لرؤية القمر أحمر؟
ان ألوان الطيف السبعة أين ذهبت؟! فإذا احتجب الأزرق وتبعثر فأحرى بالباقي ان يبقى. على ان في العبارة تهافتاً واضحاً فانه نص على خصوص اللون الأزرق. ثم عم الموضوع لكل الألوان غير الأحمر.
ان هذا الشيء لا يتبرهن الا إذا أخذت صورة الكسوف خارج الجو من الأقمار الصناعية، وهذا الكتاب قاصر عنه، بالرغم من صدوره في عصر الأقمار الصناعية.
الثاني: ان كان هذا هو السبب، فلماذا لا نرى الخسوف الجزئي أحمر اللون. مع العلم اننا نراه أسود أو لا نراه إطلاقاً. مع ان نفس السبب وهو غبار الجو موجود.
ثالثاً: اننا سمعنا من المصادر انه لا يمكن ان يتماثل كسوفان في اللون، إذن، فهو ليس أحمر دائماً، فان لم يكن أحمر. فما هو سبب ذلك. مع ان الجو هو هو؟
كما انه لا دليل على انه مع زيادة الغبار في جو الأرض يكون لون القمر قاتماً. إذ ان أغلب الكسوفات تكون في جوٍ صافٍ نسبياً، ومع ذلك فهي تكون مختلفة الألوان.
رابعاً: إذا كانت زيادة الغبار مؤثرة في زيادة الحمرة، فهي أيضاً تزيد من حمرة الشمس في المغيب. مع العلم انها تغيب بلون واحد باستمرار. الا إذا كان هناك غبار كثيف جداً يمنع رؤيتها.
خامساً: ان الشمس تشرق بلون برتقالي أو أصفر وتغيب بلون أحمر أو أرجواني. فلماذا هذا الاختلاف إذا كان الجو واحداً لم يتغير؟ ونكتفي في هذه الملاحظة بهذا المقدار من التعليق.
ــــــــــــــــــــ[259]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الملاحظة السادسة: حول قوله: «وهذا الإشعاع الضئيل -للقمر المنخسف- في الواقع من أشعة الشمس التي اخترقت غلاف الجو الأرضي فانكسرت فيه وتحولت إلى جهة الظل إلى القمر المخسوف».
وهذا يعني ان ضوء الشمس الوارد إلى الأرض ينعكس على وجه القمر المنخسف. وظاهر عبارته انه ينعكس من الجو قبل ملامسة سطح الأرض. وهذا أمر غريب لأن الجو شفاف وهو لا يعكس ضوءاً. وان حصل الانعكاس من الغبار فهو انعكاس خفيف جداً لا يقوم بمقدار لون القمر الأحمر بالرغم من بُعده وتبعثر الضوء بالجو. هذا مضافاً إلى الإشكال الرئيسي وهو: ان الخسوف لا يوجد أو لا يُرى الا في الليل وليس في النهار. وإذا وجد في النهار تعذرت رؤيته بالمرة لسيطرة نور الشمس عليه. وإذا حصلت الرؤية الضعيفة، فهي ليست بلون أحمر، بل يسيطر عليه بياض النهار.
والمهم انه إذا حصل الخسوف ليلاً، كما هو الأغلب بل دائماً، فمن أين يسقط نور الشمس على الأرض لينعكس على القمر؟ ان ضوء الشمس يسقط على الأرض نهاراً لا ليلاً.
الملاحظة السابعة: قوله: «والبقعة السوداء -للقمر- تبلغ حوالي مائة ميل عرضاً».
يعني ان قطرها مائة ميل. ولا ينبغي ان نكذب هذا الخبر.
ولكننا ينبغي ان نكون من إطلاقه أو شموله على حذر. لأننا سمعنا من نفس المصدر كيف يبتعد القمر عن الأرض وكيف يقترب منها طبقاً لمحله في مداره الاهليجي. ومن الواضح انه إذا ابتعد كانت البقعة أصغر بكثير مما إذا اقترب. فان الفرق بين أوجّه وحضيضه حوالي ضعف المسافة.
إذن, فتحديد مقدار البقعة بمائة ميل، إنما يكون أحياناً ولا يكون دائماً.
ــــــــــــــــــــ[260]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الملاحظة الثامنة: قد عرف عدد من الناس القدماء دورات الخسوف والكسوف، حتى «المايا» في أمريكا الجنوبية وعدد من بلاد الشرق. مع انه يعترف انهم لا يعرفون أسبابها. فكيف حصل ذلك؟
والجواب الأوفق على ذلك: هو انهم اطّلعوا على قوانين معينة لهذه الظواهر، مضبوطة ومحددة، بحيث أنتجت هذه النتيجة. وليست هي الأسباب التي يعترف بها العلم الحديث. واما ما هي تلك الأسباب أو القوانين، وهل هي داخلة في (الحدود المادية) أو من جنس ما وراء الطبيعة، أو أي شيء آخر، فهذا لا سبيل إلى التعرف عليه، بعد فناء تلك الأجيال.
يكفي ان نعرف ان الأسبان المحتلين لأمريكا الجنوبية، عندما قتلوا أفراد قبائل المايا، احرقوا لهم مئات الكتب، فانقطعت ثقافتهم وعلومهم عن الأجيال الآتية من الناس وكذلك فَعل الرومان في اليونان ومصر، وفعل المغول في تركيا والعراق. ولله في خلقه شؤون.
هذا, والملاحظات الآتية ستكون على فكرة الكسوف والخسوف وليس على ما نقلناه فيما سبق من المصادر.
الملاحظة التاسعة: من الواضح ان رؤية هذين الحادثين لا يعم وجه الأرض كله. بل يشمل البعض دون البعض. فأينما حصل فيه أحدهما شمله الحكم فقهياً كوجوب الصلاة ووجوب القضاء إذا كان الاحتراق كاملاً، على ما يعبرون.
وإذا كانت البلاد لا ترى الكسوف أو الخسوف الذي حصل في بلاد أخرى لم يجب عليها شيء. كما انه لو كان تاماً في بلد وناقصاً في بلد آخر لم يشمله حكم التام.
الملاحظة العاشرة: ان دورة ساروس خاصة بخسوف القمر وغير شاملة
ــــــــــــــــــــ[261]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
لكسوف الشمس. وهذا يعني عجز العلم الحديث عن التنبؤ بوقوع الكسوف في مدى طويل, أعني تحديد وقوعه بعد مائة سنة أو ألف سنة مثلاً.
غير ان الذي يبدو بوضوح ان القدماء كانوا يتنبؤون بكِلا الحادثين معاً، وليس بأحدهما، بدقة متناهية لا أقل في خلال سنة من تاريخ حدوثه، وهو أمر يستدعي الانتباه لأكثر من جهة، في حدود ما سبق ان ذكرناه وغيره.
الملاحظة الحادية عشر: اننا ما دمنا نؤمن بالحكمة الإلهية من الرب القادر على كل شيء، إذن فكما للحوادث أسبابها، كذلك لها نوع الحكمة التي تناسبها، يعني العلة الغائية أو الهدف الذي وجد من أجله الحادث وهذه العلة ضرورية الصحة وان لم نعرفها، بمعنى انها ضرورية التحقق وضرورية الحق أيضاً. فهي موجودة وصحيحة في عين الوقت، والا كان ذلك مستلزماً لنفي الحكمة الإلهية. تعالى عما يشركون.
وإذا تم ذلك بإيجاز، فالكسوف والخسوف، مهما كان سببهما, لهما علتهما الغائية أيضاً، والهدف من وجودهما.
وهذا هو سبب خوف الناس منهما بعد ان كانوا على إيمان بالحكمة الإلهية، مهما كان منحاهم الديني. إذ من المحتمل ان يكون دليلاً على الغضب أو نذيراً بالبلاء. غير ان فصل الدين عن الدولة في أوربا أوجب إلغاء كثير من هذه الأفكار وتبديل الإيمان بالإنكار. فسقط ذلك الاستغراب.
واما رواياتنا عن الأئمة المعصومين، فهي ناطقة بذلك:
منها: رواية الفضل بن شاذان(1) عن الرضا، قال: “إنما جُعِلت للكسوف صلاة، لأنه من آيات الله لا يدري ألِرحمة ظهرت أم لعذاب، فأحب النبي ان تفزع أمته إلى خالقها وراحمها عند ذلك ليصرف عنهم شرها
ــــــــــــــــــــ[262]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل: ج4. أبواب صلاة الكسوف والآيات. باب1, حديث3.
ويقيهم مكروهها، كما صرف عن قوم يونس حين تضرعوا إلى الله عز وجل”. الحديث.
ومن المعلوم عند المؤمنين انه لا راد لغضبه الا رحمته، ولا دافع لقضائه وبلائه الا قدرته. فيجب التضرع إلى الله عز وجل ليكون المجتمع كما ورد: “ادفعوا البلاء بالاستغفار”. وعلى هذا المعنى عدة روايات.
واما ما ورد من ان الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته. فقد وردت فيه بعض النصوص:
منها: رواية علي بن عبد الله(1) قال: سمعت أبا الحسن موسى يقول: “انه لما قُبِض إبراهيم ابن رسول الله جرت فيه ثلاث سنن. اما واحدة فانه لما مات انكسفت الشمس. فقال الناس: انكسفت لفقد ابن رسول الله.
فصعد رسول الله المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله يجريان بأمره مطيعان له. لا ينكسفان لموت احد ولا لحياته. فإذا انكسفتا أو واحدة منها فصَلّوا. ثم نزل فصلى بالناس صلاة الكسوف”.
فهذا معناه ان العلة الغائية ليست عن تأبين الموتى, وهذا صحيح ان صحت الرواية. ولكنه لا ينفي ان يكون شيئا آخر. كالذي أشارت إليه الرواية السابقة.
ونفهم من هذه الرواية الأخيرة أمرين لا يخلوان من أهمية:
الأمر الأول: “ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله يجريان بأمره مطيعان له”. فجميع ما يتصل بهما من حركات وصفات بما فيه الكسوف مربوط بإرادته
ــــــــــــــــــــ[263]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث10.
سبحانه قبل كل شيء. مهما كان سببه.
الأمر الثاني: قوله: “فإذا انكسفتا أو واحدة منهما” وهو واضح بإمكان ان يحصل الخسوف والكسوف معاً، في يوم واحد بل يمكن ان يُريا دفعة واحدة، كما لو كانا في آخر النهار أو في أوله.
وإذا صحت الرواية فالنبي معصوم عن الخطأ ولا يمكن ان نحمل كلامه على المسامحة أو خلاف الواقع بأي شكل من الأشكال. ومن المعلوم ان السبب المعروض (رسمياً) في العلم الحديث يجعل هذا الاجتماع محالاً. لأنه اما ان تكون الأرض بين الشمس والقمر أو يكون القمر بين الشمس والأرض، فلا يمكن ان يتصفا معاً بهذه الصفة.
فيكون هذا النص دليلاً على سقوط حساب الفلك الحديث، في هذه الجهة على الأقل، أو في بعض حوادث الخسوف والكسوف على الأقل.
وإذا كانت هذه الرواية غير معتبرة سنداً، فلا أقل من أنها تعطينا الاحتمال، وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال. على انها مدعومة بأسلوب آخر موجود في الروايات سنذكره في الملاحظة الآتية.
الملاحظة الثانية عشر: هناك عدد من الروايات وارد في عدد من مصادر الحديث الخاصة والعامة. منها: (الإرشاد) للشيخ المفيد و(الغيبة) للشيخ الطوسي و(الغيبة) للشيخ النعماني و(العرف الوردي) للسيوطي وغيرها.
منها: ما عن الشيخ الطوسي في الغيبة بإسناده عن بدر الازدي(2) قال: قال أبو جعفر الإمام الباقر: “آيتان تكونان قبل قيام القائم لم تكونا منذ آدم إلى الأرض تكسف الشمس في النصف من شهر رمضان والقمر في آخره”.
ــــــــــــــــــــ[264]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) تاريخ ما بعد الظهور، للمؤلف، ص160.
فقال رجل: يا بن رسول الله، تنكسف الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف؟ فقال أبو جعفر: “اني أعلم بما تقول. ولكنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم”.
واخرج السيوطي في العرف الوردي(1) عن الدار قطني في سننه عن محمد بن علي الباقر قال: “ان لمهدينا آيتين لم يكونا منذ خلق الله السماوات والأرض. ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان وتنكسف الشمس في النصف منه. ولم يكونا منذ خلق الله السماوات والأرض”(2).
إلى غير ذلك من النصوص المشابهة.
وقلنا في التعليق على ذلك في (تاريخ الغيبة الكبرى)(3):
«ولا شك بإمكان ذلك عقلاً، وليس بمستحيل. فالكسوف الشمسي يقع بسبب توسط القمر بين الشمس والأرض. ومن الواضح انه لا فرق في النتيجة، وهي اختفاء الشمس بين ان يكون القمر مظلماً في آخر الشهر أو يكون مضيئاً في وسطه.
كما ان خسوف القمر يحدث لتوسط الأرض بينه وبين الشمس ولا فرق في ذلك أيضاً بين ان يكون هلالاً في أول الشهر أو آخره، وبين ان يكون بدراً في وسطه. غير ان الظل الأرضي إذا صار على القسم المظلم من القمر لم يؤثر فيه شيئاً ولم يمكن رؤيته. واما إذا صار هذا الظل على القسم المضيء من القمر -أي الهلال- أثّر فيه وذهب ببعضه أو بجميعه».
ــــــــــــــــــــ[265]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) انظر المصدر السابق.
(2) وهذا لا ينافي قوله في الرواية السابقة: “منذ هبط آدم”، لإمكان صدقهما معاً، على معنى: انها لم تحدث منذ هبط آدم ولا قبله منذ خلق الله السماوات والأرض.
(3) تاريخ الغيبة الكبرى. للمؤلف, ص575.
هذا، وبعد صفحة(1) من الكتاب زرعنا احتمال ان هذه الظاهرة ليست اعجازية: بل كانت نادرة الوقوع جداً في الكون بحيث لم توجد في عمر البشرية الطويل. وان كانت لعلها قد وجدت قبلها، كما قد يُستَشعر من الرواية..
وقلنا: «الا ان هذا الفهم بعيد جداً بعد فرض حدوث الخسوف والكسوف النادرين في شهر واحد، فتبقى الظاهرة اعجازية».
أقول: الا ان الشأن كل الشأن في سببه (العلمي) فهل يمكن ان يحصل ذلك بحيث يتوسط القمر بين الأرض والشمس في وسط الشهر وتتوسط الأرض بين القمر والشمس في آخر الشهر أو أوله؟
لا يبدو ان هذا ممكن (علمياً). وبحسب الاستقراء فانه لم يحصل أصلاً في التاريخ المنظور.
فيبقى بعد ذلك احتمالان لا ثالث لهما:
أولاً: ان يكون ذلك من الظواهر الطبيعية النادرة للوجود يعني انها تحدث كل ردح طويل من الزمن كعشرة ملايين سنة أو ربما كل مائة مليون سنة وان كان بعيداً كما قلنا.
ثانياً: ان يسقط السبب العلمي بالمرة، ونوكل التسبيب في هذه الظواهر إلى الأسباب الخارجة عن الطبيعة، والتي أشرنا إليها فيما سبق.
أقول: وهذا لا ينافي صحة الحساب لأن التسبيب الطبيعي غالبي بلا إشكال وان لم يكن مستوعباً للتاريخ مائة بالمائة. ومع تحقق الغالب يمكن الحساب عليه، ومن المعلوم ان (الغرب) يعترف ان العلوم التجريبية جميعاً إنما
ــــــــــــــــــــ[266]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: ص576.
نتائجها احتمالية وليست قطعية كالعلوم العقلية الصرفة مثل الرياضيات والفلسفة ونحوهما. وهذا يشمل حتى ما يعتبر بمنزلة القطعيات كوجود الجاذبية وسبب المد والجزر وسبب الكسوف والخسوف وغيرها. ولله في خلقه شؤون.
والملاحظة الثالثة عشر: ان فكرة الكسوف كما تتحقق على الأرض للشمس والقمر، كذلك يمكن ان تتحقق على غير الأرض لهذين الكوكبين أو غيرهما.
ومن أمثلة ذلك: رؤية القمر مخسوفاً من مركبة فضائية. أو الشمس مكسوفة منها.
أو رؤية الكسوف ممن يكون على سطح القمر. أو انكساف بعض النجوم ببعضها كالمريخ بالزهرة، فيما إذا حجبت الزهرة المريخ عن رؤيتها في الأرض.
وكذلك يمكن ان يتحقق للأرض نفسها في مركبة فضائية، لو حال القمر أو الشمس بين المركبة والأرض، فتنكسف الأرض نفسها في نظره. وكذلك يمكن ان يحدث ذلك لا من المركبة فقط، بل في أي التوابع الشمسية. وإذا استطعنا قلنا: بل في الشمس نفسها إذا حال القمر بينها وبين الأرض أو العكس. الا ان حصول الإنسان في الشمس بعيد في المستقبل المنظور.
والمهم فقهياً: انه إذا رؤي كسوف الشمس أو خسوف القمر، على وجه الأرض أو في أي مكان آخر، وجبت الصلاة. وإذا كان تاماً وجب القضاء مع الفوت.
واما حصول الانكساف لغير هذين الجرمين السماويين, كالأرض أو المريخ أو غيرهما، فهما ليسا سبباً لصلاة الآيات، الا ان للقيام بهما رجاء المطلوبية من باب الاحتياط الاستحبابي وجه وجيه. لأن التجريد عن خصوصية
ــــــــــــــــــــ[267]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الشمس أمر محتمل على أي حال.
فهذا هو الحديث عن الخسوف والكسوف الذي لا ينبغي ان يستمر أكثر من ذلك.

الزلزلة:
بقي علينا الحديث عن الزلزلة، التي هي سبب أيضاً لصلاة الآيات، كما ذكرناها في عنوان الفصل. ويتم الحديث عنها في عدة جهات:
الجهة الأولى: في السبب (العلمي) الطبيعي للزلزلة.
ويوعز سبب الزلزلة إلى الحرارة الباطنية في جوف الأرض. فانها هي التي تسبب البراكين من ناحية والزلازل من ناحية. ولها نتائج أخرى منها تبخيرها لمياه البحار، فان مياهها تغور في الأرض إلى ان تصل إلى الأرض الحارة والصخور المشتعلة. فتنعكس مرة أخرى عائدة إلى الأعلى نتيجة لهذه الحرارة.
والمهم الآن هو الحديث عن الزلازل دون سواها. وهي على عدة مستويات في حركاتها، حتى انها قُسِّمت في مقياس (رختر) إلى تسع أقسام, وقُسِّم كل منها عشر أقسام، فهذه تسعون قسماً للزلزلة وقد يكون القسم الضعيف جداً منها لا يكاد يكون محسوساً.
وأخطر ما في الزلزلة هو حصولها في المدن، حيث تنهدم البيوت عليهم ويفيض النهر إذا كان مجاوراً. فيؤدي إلى الموت والخراب. واما إذا حصلت الزلزلة في صحراء أو وسط المحيط مثلاً، فقد لا يحس بها أحد، ولا يذهب فيها أي تلف.
والعلم إلى حد الآن عاجز عن التنبؤ بوقوع الزلزلة، مما يؤدي إلى فجأة المدن بها، وعدم إمكان تلافي شرها ومضاعفاتها قبل وقوعها.
ــــــــــــــــــــ[268]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ومن الواضح على وجه الأرض ان بعض المناطق منه أكثر تعرضاً للزلزلة من غيره. إلى حد أصبح اليابانيون وهم من أكثر المناطق تعرضاً لها فيما نعرف، يبنون بيوتهم من الورق والخشب الخفيف ونحو ذلك, لأنهم يعلمون بوقوع الزلزلة يومياً وبتكررها أيضاً، فان حدث ان انهدم البيت أو تصدع، فانه لا يتلف تماماً، كما انه لا يكون سبباً لقتل الحيوان والإنسان.
هذا, ولكن (العلم) لم يحدد لماذا تحصل الزلزلة في مكان دون مكان وفي زمان دون زمان. مع العلم ان الحرارة الباطنية مشتركة الحصول على وجه الكرة الأرضية كله.
وقد يجاب: بأن القشرة الخارجية الباردة لوجه الأرض. تكون في بعض المناطق أخف سمكاً أو أقل تماسكاً من بعض. الأمر الذي يؤدي إلى كثرة الزلازل هناك.
وهذا يجاب بأمرين:
الأول: ان ضعف القشرة الأرضية أمر ثابت للمنطقة باستمرار وهذا يعني حصول زلزلة مستمرة مدى الدهر!! فلماذا تحصل الزلزلة وتتوقف؟ ولعل أطول زلزلة في التاريخ المعروف لم تستمر أكثر من بعض دقائق كاثنين أو ثلاثة.
الثاني: ان حصول الزلزلة ليس فقط لضعف القشرة بل لضعفها تجاه الحرارة التي تحتها، فحفظ النسبة بين الأمرين ضروري، فكلما كانت نسبة القشرة إلى الحرارة أقل مما ينبغي، حصلت الزلزلة.
وهذا يعني عادة حصول الزلزلة في كل مناطق العالم بحيث لا يوجد في المدى المنظور من التاريخ منطقة لم تضربها الزلزلة على الإطلاق، لكن هذا بعيد بل موثوق العدم بالنسبة إلى العديد من مناطق العالم وبلدانه.
ــــــــــــــــــــ[269]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
هذا ونعود إلى بعض التساؤلات عن فكرة التسبيب إلى الزلزلة أصلاً:
أولاً: ما الذي يحدث للحرارة ان تهيج ثم تخمد. فتحدث من هياجها البراكين والزلازل، ومن خمودُها خمودَها؟
وتوقف البراكين بعد النفث واضح, لأن الحرارة الباطنة تخف نوعاً ما فيتوقف البركان، بخلاف الزلزلة فانها لا تسبب هدوء الحرارة أو قلّتها فلماذا تهدأ؟
وعلى أي حال لم يدل العلم بدلوه بهذا الصدد. ولعله جاهل بل عاجز عن المعرفة!
ثانياً: ما الذي يحدو بالحرارة ان تتحرك أو تتوهج قليلاً فتحصل زلزلة ضعيفة، أو كثيراً فتحصل زلزلة قوية؟
ثالثاً: ان مقتضى التصور الواضح ذهنياً ان تتصاعد الحرارة تدريجاً وان تخمد تدريجاً. وأثر ذلك واضح في الزلزلة. فينبغي ان تبدأ ضعيفة ثم تشتد ثم تضعف إلى ان تزول. مع ان هذا لم يسجل تاريخياً.
رابعاً: ان حركة القشرة الأرضية في الزلزلة هل هو عمودي أو أفقي؟
سيجيب (العلم) بأنه عمودي, أي ان الأرض ترتفع ثم تنخفض مرة أو مرات نتيجة لارتجافها من الضغط الحراري الباطني.
الا ان هذا خلاف الوجدان، فان الناس لا يحسون بالارتفاع والانخفاض إطلاقاً، بل يحسون بالحركة الأفقية أو العرضية وجداناً. وهو السبب في تسميتها بالزلزلة، لأنهم يجدونها تتزلزل, يعني تذهب يميناً وشمالاً نسبياً.
وإذا تم ذلك، يتوجه هنا سؤالان رئيسيان:
أولاً: ما الذي يكون سبباً لهذه الحركة؟ ليس هو الحرارة, لأن الحرارة
ــــــــــــــــــــ[270]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
تدفع إلى الأعلى وليس إلى أحد الجانبين.
ثانياً: انه ليس حول الأرض المتزلزلة فراغ تتحرك فيه، فكيف تتحرك مع انضغاطها بالأرض المجاورة من جميع الجهات؟
وعلى أي حال، فالعلم الطبيعي الحديث لم يُجِب على مثل هذه الأسئلة، وليس من المتوقع ان يجيب في المدى المنظور من تاريخ المستقبل. فانها جميعاً أو غالباً خارجة عن اختصاصه ويجدها محالاً من وجهة نظره.
الجهة الثانية: فيما ورد في سبب الزلزلة من الروايات وهي عديدة نذكر بعضها:
رواية الصدوق(1) بإسناده عن سليمان الديلمي قال: سألت أبا عبد الله عن الزلزلة ما هي؟ قال: “آية” قلت: وما سببها؟ قال: “ان الله تبارك وتعالى وكّل بعروق الأرض ملكاً. فإذا أراد ان يزلزل أرضاً أوحى إلى ذلك الملك ان حرك عروق كذا وكذا، قال: فيحرك ذلك الملك عروق تلك الأرض التي أمر الله فتتحرك بأهلها”.
قال: قلت: فإذا كان ذلك فما أصنع؟ قال: “صَلِّ صلاة الكسوف فإذا فرغت خررت ساجداً وتقول في سجودك: يا من يمسك السماوات والأرض ان تزولا ولئن زالتا ان امسكهما من احد من بعده انه كان حليما غفوراً امسك عنا السوء انك على كل شيء قدير”.
وبإسناده عن علي بن مهزيار(2) قال: كتبت إلى أبي جعفر وشكوت إليه كثرة الزلازل في الأهواز، ترى لنا التحول عنها؟ فكتب: “لا تتحولوا عنها وصوموا الأربعاء والخميس والجمعة واغتسلوا وطهروا ثيابكم وابرزوا يوم
ــــــــــــــــــــ[271]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) علل الشرائع: ص556، ط النجف.
(2) نفس المصدر: ص555.
الجمعة وادعوا الله فانه يرفع عنكم”.
قال: ففعلنا فسكنت الزلازل, وقال: “ومن كان منكم مذنب فليتب إلى الله سبحانه وتعالى”.
وبإسناده عن هارون بن خارجة(1) عن فاطمة قالت: “أصاب الناس زلزلة على عهد أبي بكر ففزع الناس إلى أبي بكر وعمر فوجدوهما قد خرجا فزعين إلى علي، فتبعهما الناس إلى ان انتهوا إلى باب علي فخرج إليهم علي غير مكترث لما هم فيه. فمضى وتبعه الناس، حتى انتهوا إلى قلعة، فقعد عليها وقعدوا حواليه، وهم ينظرون إلى حيطان المدينة ترتجّ جائية وذاهبة. فقال لهم علي: كأنكم قد هالكم ما ترون. قالوا: وكيف لا يهولنا ولم نرَ مثلها قط.
قالت -يعني فاطمة-: فحرّك شفتيه، ثم ضرب الأرض بيده. ثم قال: ما لكِ، اسكني، فسكنت, فعجبوا من ذلك أكثر من تعجبهم أولاً حيث خرج إليهم.
قال لهم: فإنكم قد عجبتم من صنيعي. قالوا: نعم. قال: أنا الرجل الذي قال الله: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا. فأنا الإنسان الذي يقول لها ما لكِ. يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا إياي تُحدِّث”.
ويجد القارئ الكريم ان هذه الروايات دالة على عدة أمور:
الأمر الأول: ان حصول الزلزلة يكون بأمر الله عز وجل، وتسبيب المَلَك الموكّل بالأرض وعروقها. فإذا أمره جل جلاله زلزل الأرض بالمقدار الذي حصل به الأمر.
ــــــــــــــــــــ[272]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) نفس المصدر: ص556.
وفكرة عروق الأرض مأخوذة من فكرة: ان الأرض لو كانت تراباً أو رملاً محضاً لما تماسكت واستوت. وإنما تتماسك بالصخور الضخمة التي تتخلل ظاهرها وباطنها. ومن هنا جاء قوله تعالى: وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وكذلك قوله: وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا فالجبال هي الحافظة لانهيار الأرض من الخارج، وما يوازيها من الصخور الباطنة هي الحافظة من الداخل، وهي عروق الأرض، ويمكن ان يكون لها تفاسير أخرى لا مجال لها الآن.
الأمر الثاني: اننا عرفنا ان لكل شيء غايةً وهدفاً. بما فيها الخسوف والكسوف، وكذلك الزلزلة.
وإذا كان الخسوف والكسوف “لا يعلم ألِرحمةٍ ظهرت أم لعذاب” كما ورد مما سمعناه. فان الزلزلة أمر لا يأتي بخير من الناحية الظاهرية أو الدنيوية، بل يحصل من أغلبها مضاعفات وخسائر. فان لم يحصل منها ذلك أو قلّت مضاعفاتها كان ذلك من الرحمة. فالمهم انها حادث يدل على درجة من الغضب الإلهي, أو حاجة العباد إلى التنبه والاستغفار والدعاء لذا يدعو ويقول كما ورد: “أمسك عنا السوء انك على كل شيء قدير”.
الأمر الثالث: في محاولة بعض إفادات الآية الكريمة: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا.
وفيها عدة ظهورات واضحة:
1- ان إمساك الأرض والسماوات عن التزلزل إنما هو بأمر الله وقدرته.
2- انها لو تزلزلت لم يقدر أي مخلوق على إعادتها إلى حالها الأول من الاطمئنان الا بأمر الله عز وجل.
3- ان قوله: تَزُولَا لا يراد به الزوال والانعدام بدليل قوله تعالى: وَلَئِنْ
ــــــــــــــــــــ[273]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا والمعدوم لا يمكن إمساكه. فيتعين ان يكون المراد الحركة غير المطمئنة المنافية لطبعه.
4- انه كما ان للأرض تزلزل وحركة غير مطلوبة ولا مرغوبة كذلك للسماوات ذلك أيضاً.
واما ما هي السماء، وكيف تتزلزل؟ فتفصيل ذلك ليس هذا محله. وأدنى مراتب فهمه هو حصول الزلزلة في الأجرام السماوية من النجوم والكواكب. وهذا من الآيات التي لم يكن أحد قد التفت إليه أو فكّر فيه على الإطلاق في ذلك الحين، بل والى العصر الحاضر.
5- قوله: إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا. الدالة على ان الزلزلة تأتي للغضب. ولو استمر الغضب -كما هو مورد استحقاق البشر- لاستمرت الزلزلة حتى أكلت الأخضر واليابس وأتت على الزرع والضرع. ولكن الله كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا فبحلمه وغفرانه تزول الزلزلة.
واستحقاق البشر للغضب لولا الحلم والغفران. أمر أكيد كما نطقت به الآية الكريمة: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
الأمر الرابع: ان الزلزلة المشار إليها في الرواية. بقيت طويلاً، نصف ساعة أو أكثر. وهذا من نوادر الزلازل في التاريخ. ومن الظاهر انها استمرت بمعجزة، ولم يحصل منها التلف المتوقع بمعجزة، وسكنت أيضاً بمعجزة، كل ذلك لإثبات إحدى فضائل سيد المتقين وأمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام).
الأمر الخامس: ان أمير المؤمنين في الرواية، طبّق قوله تعالى: وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا على نفسه. لأنه هو الإنسان الحقيقي البالغ إلى ذروة الإنسانية وأوج وجودها. وإذا بلغ الفرد مثل هذا المستوى الرفيع، بحيث أصبح
ــــــــــــــــــــ[274]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
إنساناً كاملاً، كان قادراً على إيقاف الزلزلة بقدرة الله وأمره، كما فعل هو (صلوات الله عليه).
الأمر السادس: ان كلام أمير المؤمنين في الرواية يدل على ان للأرض درجة من درجات العلم والإرادة -كما قال الفلاسفة بذلك أيضاً- للأرض ولغيرها من الأجرام السماوية. بل ان الآية الكريمة في قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا دالة على ذلك أيضاً.
فالأرض حين يقول لها: “ما لكِ”، تسمع. وحين تُحدِّث أخبارها: تتكلم، وأمير المؤمنين يسمع: “إياي تُحدِّث”.
الجهة الثالثة: في بعض تفاصيل الزلزلة فقهياً:
أولاً: لا شك ان غالب الزلازل لا تنافي مع الصلاة ولا تبطلها. لأنها وان أوجبت الحركة للمصلي الا ان هذا المقدار من الحركة غير مبطل لقلّته.
بل قد يقال: ان مطلق حركة الزلزلة غير مبطل ولذا أمر في الأخبار بالصلاة خلال حصول الزلزلة. وهي بإطلاقها شاملة لكل أشكال الزلازل حتى القوي منها.
ثانياً: ان اغلب الزلازل لا يدوم أكثر من بضع ثوانٍ أو بضع دقائق الأمر الذي يوجب ضيق الوقت عن الصلاة.
ولذا لزم القول فقهياً بأنه لا يجب إيجاد الصلاة كلها خلال حصول الزلزلة. والا لزم التكليف بما يعجز عنه الفرد.
ثالثاً: انه لا دليل على وجوب البدء بالصلاة خلال حركة الأرض بالزلزلة. بل للمكلف تأجيلها إلى نهايتها وبعد انقضائها. نعم، لا يبعد استحباب المبادرة مع الامكان.
ــــــــــــــــــــ[275]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
والرواية الأخيرة التي سبقت دالة أيضاً على عدم الوجوب، لأن المسلمين بما فيهم أمير المؤمنين لم يبادروا إلى الصلاة الا بعد سكون الزلزلة.
رابعاً: لا يبعد صحة القول فقهياً انه متى جاء الفرد بهذه الصلاة كانت أداء، ويجب نية الأداء فيها. إلا ان الأحوط وجوباً، هو المبادرة إليها في أول أزمنة الامكان، فوراً ففوراً، كما يعبرون.
خامساً: مع وجود المانع عن الصلاة الحاصل من الزلزلة نفسها، كالجرح أو العوق أو نحو ذلك، فالظاهر ان مطلوبيتها وجوباً أو استحباباً بمعنى المبادرة إليها تنتفي حتى يأتي زمن الامكان.
الا ان زمن الامكان في مثل ذلك له أحد معنيين:
أحدهما: انه يمكن للفرد ان يصلي صلاة عذرية مع توقع زوال العذر ولو بعد ردح من الزمن.
ثانيهما: انه يمكن للفرد ان يصلي صلاة تامة الشرائط والأجزاء، بعد زوال أثر الحادث تماماً.
فهل يجب المبادرة إلى الصلاة ولو كانت عذرية أو يجوز التأجيل أو يجب إلى حين حصول زوال أثر الحادث تماماً؟ والظاهر وجوبها ولو على وجه الاحتياط. ولو صلّاها بالصلاة العذرية. فان كان قد بدأها حين وجود الزلزلة لم تجب الإعادة، وان بدأها بعدها فالأحوط الإعادة بعد زوال العذر تماماً.
ــــــــــــــــــــ[276]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني

فصل الوطن

الوطن فقهياً هو المكان الذي يجب فيه إتمام الصلاة، وينقطع فيه القصر. فان هذه النتيجة تحدث فقهياً بأحد سببين:
أحدهما: نية الإقامة عشرة أيام.
ثانيهما: ان يمر الفرد في وطنه.
وبهذا السبب الثاني يجب الإتمام وان صلى الفرد صلاة واحدة وكان عازماً على السفر بعدها، فضلاً عما إذا كان عازماً على البقاء.
والفتوى بهذا المقدار متسالم عليها من الفقهاء، الا ان تفاصيل الوطن مختلف فيه بينهم بعض الشيء. إذ يوجد هناك قدر متيقن للوطن وهو ما إذا اتصف البلد بما يلي:
1- ان يكون الفرد قد ولد فيه.
2- ان يكون الفرد منسوباً إليه كبغدادي أو نجفي.
3- ان يكون الفرد ساكناً فيه أعواماً بلا حساب.
4- ان يكون غير عازم على الانتقال عنه، في سكناه إلى بلد آخر.
ففي مثل ذلك يكون من الواضح فقهياً ان الفرد حين يكون في بلده أو وطنه يجب عليه إتمام الصلاة ولا يجوز له قصرها.
ــــــــــــــــــــ[277]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الا اننا إذا تجاوزنا ذلك، يعني ان بعض هذه الأوصاف لم تكن موجودة، أو كانت هناك تفاصيل أخرى، كما لو كان الفرد متخذاً بلدين للسكنى لا بلداً واحد، أو كانت سكناه فيه محدودة كالطالب في الجامعة في غير بلده الأصلي، فهل يعتبر هذا وطنه أو لا؟ فمن هنا صح الدخول في التفاصيل.

تعريف الوطن:
قال اللغويون(1): الوَطن: المنزل تقيم فيه، فهو موطن الإنسان وعمله. وَطَن المكان وأوطن أقام. وأوطنه: اتخذه وطناً. يقال: وطن فلان أرض كذا وكذا أي اتخذها محلاً ومسكناً يقيم فيه. والموطن مَفِعل منه، ويسمى به المشهد من مشاهد الحرب، وجمعه مَواطن. وفي التنزيل العزيز: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ.
وأوطنت الأرض ووطّنتها توطيناً واستوطنتها أي اتخذتها وَطَناً. وكذلك الاتّطان. وهو افتعال منه.
أما الموَاطن: فكل مقام قام به الإنسان لأمر فهو موطن له كقولك:
إذا أتيت فوقفت في تلك المواطن فادْعُ الله لي ولإخواني.
وواطنه على الأمر: اضمر فعله معه. فان أراد معنى وافقه قال: واطأه… وتوطين النفس على الشيء كالتمهيد. ابن سيده: وطّن نفسه على الشيء وله فتوطنت, حملها عليه فتحملت وذلت له. قال كثير:
فقلت لها: يا عز كل مصيبة
إذا وُطنت يوماً لها النفس ذلت

أقول: المنزل والمكان الذي يقيم فيه الإنسان يشمل البيت والمحلة والمنطقة، بل وما هو أوسع منها. لأنه يصدق انه مقيم فيه وساكن.
ــــــــــــــــــــ[278]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) انظر: لسان العرب، وغيره.
الا اننا ينبغي ان نلتفت إلى فكرة معينة هي صدق السلب أحياناً. فالفرد إذا كان ساكناً في بلد من منطقة، صدق انه ساكن في البلد وساكن في المنطقة، ولكن لم يصدق انه ساكن في البلد الآخر من المنطقة نفسها. ومعناه: انه لا يصدق في غير البلد الذي هو فيه، انه ساكن فيه. ويحتاج الإطلاق على المنطقة وما هو أوسع منها إلى تجوّز غير عرفي.
والمهم هو صدق السكنى والإقامة في البلد. وهذا يحصل بالسكنى إلى أجل غير محدود أو إلى عدة سنوات معتد بها عرفاً كسنتين أو ثلاث على الأقل. والمهم الصدق العرفي.
وإذا حصل ذلك، لم يكن مهماً الوجود المستمر في البلد. فإذا خرج الفرد أياماً أو أشهراً بل أكثر لم ينافِ التوطن، نعم، لو كان توطنه إلى أجل محدود، وخروجه متعدد وطويل الزمن أخلّ ذلك بالتوطن عرفاً.
بقي علينا بعض الأمور لا بد من النظر فيها:
الأمر الأول: قد يصدق بالنسبة إلى بعض الأشخاص انه لا وطن له. وهو ما إذا كان لا يستقر في مكان مدة معتد بها. كالبدو إذا كانوا كثيرو الانتقال. واما إذا انتقلوا كما يعتاد عامة البدو في السنة مرة أو مرتين، فيصدق على محل وجودهم انه وطنهم. لأنه هو المقدار المناسب لهم عرفاً واجتماعياً.
الأمر الثاني: انه قد ينتفي صدق الوطن أحياناً. وذلك بالانتقال من البلد إلى بلد آخر مع العزم على السكنى في البلد الثاني ردحاً طويلاً من الزمن ويُعرِض عن البلد الأول. فلا يكون البلد الأول وطنه بل الثاني.
الأمر الثالث: ان مسقط الرأس قد ينسب إليه الفرد، أو ينسب إلى البلد الذي عاش فيه أجداده. الا ان هذا غير مهم عرفاً في صدق الوطن. بل المهم
ــــــــــــــــــــ[279]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
استمرار السكن فيه. فان كان مستمراً في السكن فهو وطنه. وان أعرض عنه خرج عن كونه وطناً له.
الأمر الرابع: لا حاجة إلى نية الاعراض، فان الوطن مفهوم عرفي يحصل تكويناً. فلو لم يلتفت إلى نية الاعراض، أو التفت ولم يعرض لتعلقه نفسياً بالبلد الأول، لم يصدق على البلد الأول انه وطنه بعد ان خرج منه واستوطن بلداً آخر.
والمهم العزم على إطالة زمن السكنى في البلد، وهو صادق على البلد الثاني. سواء كان مختاراً أو مضطراً. بل حتى لو كان مكرهاً، بحيث يتعذر عليه الرجوع إلى أمد طويل، لأن الصدق العرفي التكويني صادق.
نعم, لو وصل مكرهاً ثم اختار البقاء بنفسه، فلا إشكال. وسيأتي الكلام بعد هذا عن نسبة ذلك إلى حديث الرفع.
الأمر الخامس: هل يصدق عرفاً على الفرد ان له وطنين؟
لا يبدو ان هذا مستساغ عرفاً فان الناس عادة يتوطنون بلداً واحداً، وهذه العادة تنتج فهماً عرفياً في طولها يقول: ان الوطن لا يكون الا واحداً.
وبغض النظر عن احتياطات الفقهاء، وعن الوطن الشرعي التعبدي الذي سوف نتكلم عنه، فان الفهم العرفي المجرد لا يسمح بصدق وطنين لفرد واحد.
الا ان هذه السيرة العرفية تكون حجة ما لم يحصل النهي عنها. فان ثبتت مسألة الوطن الشرعي كان ذلك استثناء من هذه القاعدة فقد يكون للفرد وطن عرفي ووطن شرعي. وسنبحثه بعونه تعالى.
ومثاله: اتخاذ الوطنين في موردين رئيسيين:
ــــــــــــــــــــ[280]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الأول: ان يتخذ الفرد بلدين يقطنهما زمناً متساوياً تقريباً، كستة أشهر من كل عام. كما لو كان له زوجتان في البلدين.
الثاني: ان يسكن الفرد بطبعه في بلد ثم يذهب للدراسة أو التجارة إلى بلد آخر زمناً محدداً كعدة سنوات.
فالفقيه الذي يرى إمكان وجود الوطنين للفرد لا بد ان يفتي بالإتمام للصلاة في كِلا البلدين في كِلا الموردين. واما على ما قلناه من عدم إمكان الوطنين عرفاً، فالفرد إنما يجب عليه الإتمام في البلد الذي هو فيه. ففي المورد الأول: أي بلد سكنه أتم فيه، وفي المورد الثاني: إذا خرج الفرد للدراسة أو التجارة واستوطن بلداً أتم. ويبقى على ذلك ما دام كذلك وقصر في البلد الآخر، ما لم يَعُد إليه.
الأمر السادس: في تمحيص الصفات التي قلناها في أول هذا الفصل:
1- ان يكون الفرد قد ولد في البلد.
2- ان يكون منسوباً إليه.
3- ان يكون عازماً على البقاء فيه مدة طويلة أو غير محدودة.
4- ان يكون غير عازم على الانتقال عنه.
والمهم هو صدق السكنى والإقامة في البلد. وهو يتحقق بالصفة الثالثة من هذه الصفات غالباً. واما الأمر الرابع فهو إنما يضر إذا كان عازماً على الانتقال معجلاً، واما مع العزم على الانتقال أو احتماله بعد أمد طويل، فهو لا ينافي مع التوطن كما هو واضح.
واما الصفتان الأولى والثانية، فهي وان كانت ملحوظة عرفاً، الا انها ليست ملحوظة بعنوان الوطن أو الإقامة والسكنى. بل باعتبار أسباب أخرى
ــــــــــــــــــــ[281]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ارتكازية لا تفيدنا فقهياً، إذن فإعراض الفقيه عن مثل هذه الصفات هو الأحجى.
نعم، يستثنى من الصفة الثالثة الأساسية، كل فرد ناسب وضعه الاجتماعي أو العائلي أو نحوه، صدق التوطن في مدى زماني أقل كالبدو الذين ينتقلون بالسنة مرة أو مرتين، وكالذي يسكن في بلدين في سنة واحدة. فان هؤلاء وطنهم المكان الذي ذهبوا إليه. نعم، لو كانت السكنى قليلة عرفاً كشهر أو شهرين لم يمكن صدق التوطن عرفاً، الا ان حصول ذلك من أي فرد بعيد جداً. ولو حصل لم يكن له وطن.
الأمر السابع: هناك شيء يسمى بالوطن الشرعي. وهو المكان الذي لا يكون وطناً عرفياً ولا اتخاذياً، وإنما هو مكان له فيه مُلك ولو نخلة وكان قد سكن فيه ستة أشهر فصاعداً. الأمر الذي يوجب ان يتم فيه صلاته بحكم الشارع تعبداً، وهو معنى الوطن الشرعي. وقد وردت في ذلك رواية معتبرة سنداً، وعمل بها عدد من الفقهاء.
وبهذا الشكل من الوطن يصدق، وجود وطنين للفرد الواحد كما قلنا.
ولا ينتفي هذا الشكل من الوطن الا ببيع الأرض التي كانت له هناك.
إلا ان عدداً من الفقهاء المتأخرين لم يفتوا بهذا المضمون. وهذا هو الصحيح. وكان في ودّي الإشارة ولو مختصراً إلى الدليل. الا ان الايكال إلى الفقه هو الأولى.
ومع انتفاء ذلك ينتفي الوطن الشرعي كما ينتفي إمكان وجود وطنين للفرد الواحد.
الأمر الثامن: انه كما استفدنا عرفاً شرطية الإقامة الطويلة أو غير المحدودة في صدق الوطن كذلك نطقت الأخبار.
ــــــــــــــــــــ[282]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
منها: صحيح الحلبي(1) عن أبي عبد الله: في الرجل يسافر فيمر بالمنزل له في الطريق، يتم أو يقصر. قال: “يقصر. إنما هو المنزل الذي توطنه”.
وصحيح علي بن يقطين(2): قلت لأبي الحسن: ان لي ضياعاً ومنازل بين القرية والقرية، الفرسخ والفرسخان والثلاثة. فقال: “كل منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير”.
وصحيحة الآخر(3): “كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل. وليس لك ان تتم فيه”.
وصحيح سعد بن أبي خلف(4): سأل علي بن يقطين أبا الحسن عن الدار تكون للرجل بمصر أو الضيعة فيمر بها، قال: “ان كان مما قد سكنه أتم فيه الصلاة وان كان مما لم يسكنه فليقصر”.
وكلها روايات معتبرة السند وواضحة الدلالة غير ان المراد من الأخير -كما يفهم عرفاً- هو انه قد سكنه ولا زال فيه ولم يُعرِض عنه. وفي الأخبار الأولى السابقة عليه ما يصلح قرينة عليه. مضافاً إلى الوضوح الفقهي بأنه مع الاعراض يسقط الوطن عن الاعتبار.
فمثلاً مفهوم الحصر في صحيح الحلبي: “إنما هو المنزل الذي توطنه”. بعد ظهوره بفعلية التوطن، نافٍ لإطلاق صحيح (سعد). وكذلك قوله في صحيح علي بن يقطين: “كل من منازلك لا تستوطنه”، يعني وان كنت قد استوطنته قبل
ــــــــــــــــــــ[283]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) الوسائل: أبواب صلاة المسافر. باب14, حديث 8.
(2) نفس المصدر: حديث10.
(3) نفس المصدر: حديث6.
(4) نفس المصدر: حديث9.
ذلك. فيتعين القول بفعلية التوطن.
الأمر التاسع: انه ان قلنا بإمكان وجود وطنين، فأحدهما لا محالة شرعي تعبدي. والأخر قد يكون هو الوطن الأصلي كمسقط الرأس الذي لم يخرج منه أو الوطن الاتخاذي وهو البلد الذي انتقل إليه بنية الاستيطان ونحوه.
وقلنا انه لولا ذلك لم يجتمع وطنان للفرد. ولكن ذلك ليس بمحال على الأقوال الفقهية الأخرى. فمن أمثلة الوطنين بناءً على تلك الأقوال:
1- من استوطن مدينتين يسكنهما معاً في مدد متساوية تقريباً.
2- ان يكون أحد البلدين مسقط رأسه والآخر الوطن الاتخاذي.
3- ان يكون أحدهما مسكن عشيرته ويكنى به، والآخر هو الوطن الاتخاذي.
4- ان يكون أحدهما مسكن عشيرته والآخر مسقط رأسه.
إلى غير ذلك, غير اننا قلنا ان مسقط الرأس ومسكن العشيرة والكنية ليس له دخل أصلاً وان المهم التوطن الفعلي، ليكون عرفاً وطنه.
الأمر العاشر: في بعض التطبيقات الفقهية على ما قلناه, وهو كنتيجة فقهية لها، وخاتمة لهذا الفصل:
أولاً: ان من لا وطن له، لا يشمله حكم الوطن طبعاً. ولكنه لا يشمله حكم التقصير أيضاً، لأنه يكون كثير السفر، فيجب عليه الإتمام في السفر، وكأن العالم كله وطنه. على تفصيل وتدقيق ليس هنا محله.
ثانياً: من كان له وطنان ويذهب اجتهاداً أو تقليداً إلى صحة ذلك، وان لم نقل به. يشمله حكم الوطن في كليهما، وهو الإتمام والصيام وانقطاع السفر به.
ــــــــــــــــــــ[284]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ثالثاً: ان من يذهب للسكنى مدة معتد بها للدراسة أو التجارة في بلد. تصبح وطناً له، وينتفي بلده الأول عن كونه وطناً له. وان لم يَرِد ذلك. ويكون لهذين البلدين حكمه الخاص به.
وهذا النوع من الاستيطان لا ينافي نية الانتقال بعد مدة طويلة. فان رجع إلى بلده الأول، بعد انتهاء مهمته فهي وطنه، وينقطع استيطانه عن ذلك البلد. وان انتقل إلى بلد آخر غيرهما، فهو وطنه.
وهذا كله يشمل الطلاب الذين يعودون خلال العطلة الصيفية إلى أهاليهم، لأننا قلنا: ان العرف قد يرى صدق الوطن في الاستيطان القليل زماناً، إذا كان مقتضى النظام الاجتماعي هو ذلك. والطالب أمره هكذا، لأن مقتضى دراسته هو ذلك، فبقاؤه أقل من سنة في محل دراسته يعني كونه وطناً له.
وإذا عاد إلى بلده الأول خلال العطلة لا يصبح وطناً له(1). ما لم يحصل الرجوع إليه بعد انتهاء فترة دراسته كلها أو الإعراض عنه أحياناً.
رابعاً: إذا كان مقتضى نظام حياة الفرد ان يعيش في هذه المدينة الجديدة مدة متطاولة. الا انه لم ينوِ الإعراض عن المدينة السابقة. فوطنه هو الثاني لا الأول وان أبى.
خامساً: من كان له مدينتان يسكن فيهما زماناً متساوياً تقريباً. إذا ورد إلى إحداهما بنية الزمان الطويل نسبياً، كانت وطنه وخرجت السابقة عن وطنيته. فان عاد إلى الأخرى انعكس الأمر وهكذا.
واما إذا جاء إلى أحدهما بقصد البقاء القصير كأسبوع أو شهر، بقيت المدينة الأخرى وطنه. دون هذه.
وان كان يعيش في كلتا المدينتين مدداً قصيرة، فهو ممن لا وطن له. فقد
ــــــــــــــــــــ[285]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) يعني فيقصر فيه. والأحوط له الجمع بين القصر والتمام.
يعتبر في بعض الصور كثير السفر ولا يجوز له التقصير.
وان كان يعيش في إحداهما قليلاً وفي الأخرى كثيراً، كانت الثانية وطنه دون الأولى. فان عُكِس انعَكَس حكمه. وينعكس اما بالقصد، واما بغيره، كاقتضاء نظامه الحياتي ذلك.
سادساً: التبعية ثابتة في الاستيطان والسفر لمن له الولاية وتجب طاعته كالأب للطفل والمولى للعبد. واما من دون ذلك فلا تثبت التبعية، كالزوج مع الزوجة والأب مع الابن الكبير، ورب العمل والخادم أو الأجير أو العامل.
وإذا انتفت التبعية، كانت نية الاستيطان لكل من هؤلاء مستقلة. فان لم يكن للزوجة أو للابن أو للأجير نية الاستيطان فله حكمه. الا ان الزوجة تجب عليها حقوق زوجها، ولا يجوز لها العزم على تركه ولو بعد حين ما دام الزواج موجوداً. الا ان هذا حكم تكليفي مستقل. فلو عصت هذا الحكم ولم تنوِ الاستيطان بالرغم من نية زوجها، لم يكن لها حكم الاستيطان.
واستكمال الكلام عن التبعية في الفقه.
سابعاً: هناك بعض الشروط للسفر غير موجودة للتوطن, فمثلاً: يشترط في السفر المؤثر في وجوب القصر ان لا يكون بقصد المعصية. لكن لا يشترط في التوطن ذلك. فلو توطن بنية ظالمة شمله الحكم لأن المهم الآن هو وجود التوطن.
ويشترط في السفر المؤثر في القصر ان لا يكون السفر عملاً له أو عمله في السفر، أو كثير السفر، على اختلاف عباراتهم. والصحيح كون كل ذلك شرطاً.
والمهم ان كل ذلك غير مشروط في التوطن. فلو كان عمله في التوطن أو كان كثير التوطن، بمعنى انه ينتقل كل عدة سنوات إلى بلد، لم ينافِ شموله
ــــــــــــــــــــ[286]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
لحكم الاستيطان.
ثامناً: الصحيح فقهياً ثبوت حد الترخص في الخروج دون الدخول، كما عليه بعض أساتذتنا وسيدنا الأستاذ وآخرين.
فمن خرج من وطنه بقصد السفر لم يجز له التقصير قبل حد الترخص، واما مع الرجوع، فيبقى على حكم السفر حتى يصل إلى المدينة. نعم, لا يتوقف على الوصول إلى بيته.
والصحيح في حد الترخص هو وصول الفرد إلى حد يختفي هو عن الناظر الواقف عند نهاية البيوت. واما ما اشتهر على الألسن من كون حد الترخص هو اختفاء الأذان واختفاء الجدران، فهو محل المناقشة. وليس هذا محلها.
ومن المعلوم ان اختفاء الشخص كفرد، عن الناظر السليم النظر غير المستعمل لآلة مقربة، مهما كانت ضعيفة… هذا حد محدود ومتشابه في كل وجه الأرض إلى حد كبير، ما دام الوقت مضيئاً والجو صافياً. وفي غير ذلك يُقدّر بقدرِه. ولا يبعد ان يكون حده حد الأفق وهو مقدار ميلين ونصف إلى ثلاثة.
وعلامته للمسافر اختفاء الشخص الموجود على البلد فانه كما يختفي المسافر عمن في البلد، يختفي ذاك عن المسافر أيضاً. فإذا نظر المسافر في الأرض المنبسطة وعرف تعذر هذه الرؤية، إذن فقد وصل إلى حد الترخص.
والظاهر انه في الأرض الجبلية ونحوها، يُقدِّر نفس المسافة في البعد الذي يكون في الأرض المنبسطة، مهما تطاول السفر أحياناً.
ــــــــــــــــــــ[287]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني

فصل
أوقات القطبين

ماذا يحدث في القطبين من ليل ونهار؟ لا شك انهما يختلفان بمقدار كبير عما يحدث في غيرهما من بلاد الله سبحانه. فكيف يمكن تطبيق الصلاة والصوم ومعرفة الأشهر القمرية فيهما؟
والمشهور على الألسن لدى الفقهاء وغيرهم ان اليوم الكامل هناك سنة كاملة. يعني ان السنة الواحدة هي ليل واحد ونهار واحد فقط وهناك من يعبر: ان القطب يحتوي على ستة أشهر ليل وستة أشهر نهار. ومن هنا احتار الفقهاء واختلفوا في تطبيق حكم الصلاة والصوم هناك.
الا ان الصحيح ليس هو ذلك بالمرة. نأتي عليه ضمن الحديث في عدة جهات:
الجهة الأولى: في تحديد ما يحدث في القطبين من ليل ونهار. وما نتحدث به عن أحد القطبين ينطبق على الآخر تماماً. غير التعاكس في الفصلين: الصيف والشتاء، المستلزم أيضاً للاختلاف في الاعتدالين الربيع والخريف.
ونحن نتحدث أولاً عن القطب الشمالي، ثم إذا بقيت في التطبيق على القطب الجنوبي، بقية من غموض، طبقناه بعد ذلك ان شاء الله تعالى.
ونبدأ بالحديث عن ذلك من أواسط شتاء النصف الشمالي للكرة الأرضية. حيث يكون الليل مسيطراً وباستمرار على القطب الشمالي مع البرودة الشديدة
ــــــــــــــــــــ[288]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
المضاعفة عما هو موجود في غيره من المناطق.
ويحدث هذا الليل نتيجة لميلان مركز دوران الأرض حول نفسها مقدار
23.5 درجة. الأمر الذي يسبب احتجاب الشمس عن الدائرة القطبية مدة تزيد عن شهر يقع فيها الشهر الأوسط أو الثاني من أشهر الشتاء وهو كانون الثاني(1).
واما في وسط الربيع حين يكون خط ميلان الأرض موازياً للشمس(2).
ــــــــــــــــــــ[289]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) وهذا تخطيطه:

1- مركز الأرض.
2- الدائرة القطبية الشمالية، وهي التي تحدد باعتبار عدم وصول الشمس إليها شتاء.
3- خط الاستواء. وهو الصفر بخط العرض.
4- الدائرة القطبية الجنوبية والتي تكون صيفاً عندئذ.
5- ضوء الشمس الساقط على غير الدائرة القطبية الشمالية.
6- قرص الشمس الذي هو مصدر الشعاع.
( ) وهذا تخطيطه:

فالأمر يختلف تماماً. فان الليل والنهار يكونان منتظمين نسبياً، نتيجة لدوران الأرض حول نفسها. لأن ضوء الشمس يكون منوراً لنصف المنطقة القطبية نهاراً ويذهب عنها ليلاً كما في البلاد الأخرى.
وإنما قلنا نسبياً. لأن الأمر ليس بتلك البساطة. فان الليل الشتوي الطويل حين يكون في أواخره يبدأ الأفق الشرقي بالتنور قليلاً ثم ينطفئ في كل دورة للأرض حول نفسها. ويكون هذا التنور القليل بمنزلة النهار هناك.
ويزداد التنور تدريجاً إلى حد تصبح الشمس تظهر فوق الأفق الشرقي قليلاً، ثم تغيب في نقطة لا تبعد عن محل شروقها كثيراً. ويستمر النهار أولاً دقائق ثم نصف ساعة ثم ساعة.
ويستمر النهار بالطول تدريجاً. إلى ان يتساوى الليل والنهار هناك. وذلك بابتعاد نقطة الغروب عن نقطة الشروق تدريجاً إلى ان تغرب الشمس في الجهة المقابلة، وهو الغرب الحقيقي في غير الدائرة القطبية.
ويتم ذلك كما أشرنا باعتبار موازاة خط ميلان الأرض مع الشمس، أو قل: انه يرسم مع الأشعة الساقطة زاوية قائمة. وذلك في وسط الربيع من شهر نيسان.
ثم تستمر الدورة الأرضية حول الشمس الأمر الذي يوجب اقتراب الرأس الشمالي للمحور الأرضي من الشمس، أي اقترابه من الصيف والنهار الدائم.
ومن الناحية العملية المنظورة: ان الليل يبدأ بالتقاصر، حتى يصبح غياب الشمس ساعة ثم نصف ساعة ثم بضع دقائق. ثم يدخل نصف القرص تحت الأفق، ثم يبدو له ان يصعد من جديد. وهكذا ينعدم الليل بالمرة.
وتبقى الشمس تدور في سماء القطب من جهة الشرق إلى جهة الغرب، بدون ان تغرب أو تشرق بل هي مرئية دائماً. ويحدث هذا الدوران نتيجة
ــــــــــــــــــــ[290]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
لدوران الأرض حول نفسها. ويكون ذلك في أقصى اقتراب رأس ميلان الأرض -أو الدائرة القطبية- للشمس.
الا ان اقترابها للأفق الغربي أو لا يكون أكثر، ثم تتوسط السماء باستمرار. وذلك في مدة أكثر من شهر بما فيه الشهر الأوسط من الصيف وهو تموز.
وحين يبدأ الرأس الشمالي للميلان بالابتعاد عن الشمس قليلاً ليصبح في النتيجة موازياً للشمس خريفاً, ففي أول الأمر تبدأ الشمس بالغروب قليلاً، عدة دقائق ثم ربع ساعة فنصف ساعة ثم ساعة، وعلى أي حال فانها تشرق من نقطة قريبة نسبياً من نقطة غروبها.
ثم يتسع الفرق أو المسافة بين نقطتي الشرق والغرب. ويطول الليل تدريجا إلى ان يتساوى الليل والنهار مرة أخرى. في وسط الخريف، وهو شهر تشرين الأول.
ثم يبدأ النهار بالتناقص التدريجي، حتى يصبح شروق الشمس قليلاً، كساعة ثم نصف ساعة ثم ربع ساعة ثم دقائق، ثم لا يبقى من الشروق الا بعض القرص. ثم لا يبقى من الشروق الا الضوء. ثم يتضاءل الضوء ولا يبقى منه الا بمقدار ضوء الفجر في أول بزوغه. ثم بالتدريج ينعدم بالمرة ويبدأ الليل الطويل الذي يستمر أكثر من شهر -كما قلنا- في الشتاء.
وينبغي التعقيب على ذلك بالإشارة إلى عدة أمور:
الأمر الأول: ان البرد والعواصف والضباب يجعل الرؤية لأكثر من بضعة أمتار متعذرة تماماً. فهناك مع سكون الجو نسبياً لا تزيد الرؤية على ستة أمتار إلى ثمانية. في حين يكون النظر مع هبوب العواصف الثلجية. منحصراً في مترين أو ثلاث كأقصى حد حسب قوة العاصفة.
وهذا الضباب يجعل رؤية قرص الشمس متعذراً نسبياً ولا يُرى الا النهار
ــــــــــــــــــــ[291]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
والليل. أما الضوء القليل في الأفق، الذي يحصل آخر ليل الشتاء. وكذلك الغروب القليل الذي يحصل آخر نهار الصيف، فلا يمكن تمييزه تقريباً بل تحقيقاً.
نعم، في الحدود النهائية للدائرة القطبية، أو قل: على محيطها، حيث يكثر الصحو النسبي وتقل العواصف، ويزداد مدى النظر نسبياً، يكون تمييز ذلك أسهل بطبيعة الحال.
الأمر الثاني: ان ما سمعناه عن القطب الشمالي ينطبق بنفسه على الجنوبي، كما أشرنا. وعند تساوي الليل والنهار في الاعتدالين يدخلان معاً في الليل ويخرجان منه معاً لأن الليل والنهار، يكونان منتشرين من نقطة القطب الشمالي إلى نقطة القطب الجنوبي. وليس بين ليلهما ونهارهما تعاكس، لأن وجه الأرض المظلم بالليل واحد على أي حال.
وكذلك، فان أسماء الأشهر الشمسية واحدة في النصف الشمالي والجنوبي للكرة الأرضية. بحسب اتفاق عام بين البشر بلسان الحال -لو صح التعبير- غير ان الشماليين، في الكرة الأرضية، وهم أكثر سكان الأرض. يعتبرون كانون الأول وكانون الثاني وشباط من أشهُر الشتاء، في حين يعتبرها الجنوبيون من أشهُر الصيف. ويعتبر الشماليون آذار ونيسان وأيار من أشهُر الربيع، والجنوبيون من أشهُر الخريف.
ويعتبر الشماليون حزيران وتموز وآب من أشهُر الصيف، على حين يعتبرها الجنوبيون أشهراً شتائية باردة، وكذلك التعاكس في أيلول وتشرين الأول والثاني. فالشماليون عندهم خريف والجنوبيون عندهم ربيع.
والتعاكس بين القطبين موجود في الاتجاه إلى الشمس، فبينما يقترب أحدهما يبتعد الآخر، لا محالة. مما ينتج انه بعد تساوي الليل والنهار في أي من الاعتدالين، يبدأ الليل في أحدهما بالطول بينما يبدأ في الآخر بالتقاصر،
ــــــــــــــــــــ[292]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وكذلك بالنسبة إلى النهار.
وحينما يسود الليل في أحدهما يكون النهار في الآخر سائداً, وحينما يبدأ ضوء الفجر بالبزوغ عند نهاية الليل في أحدهما، تبدأ الشمس بالغروب عند نهاية النهار في الآخر.. وهكذا.
الأمر الثالث: ثبت (علمياً) ان مركز الأرض غير ثابت الميلان، بل هو يتحرك صاعداً وهابطاً. يعني يقل ميلانه ويكثر, في دائرة مقدارها حوالي عشر درجات.
وهذه الدائرة ليست مستقيمة المحيط -لو صح التعبير- بل محيطها مسنن كأسنان المنشار.
فلو أخذنا خطاً من مركز الكرة الأرضية إلى إحدى نقطتي القطب اللتين ينتهي بهما مركز الأرض. لوجدنا ان هذه الحركة ترسم قمعاً دائرياً مسنن السطح. وهذا الرسم ثابت بالتجريد الرياضي طبعاً(1).
وهذه الحركة تؤثر على مرافق الكرة الأرضية جزئياً: على القطبين الجغرافيين، وهما القطبان الاعتياديان. وعلى المدارين: السرطان والجدي, وعلى خط الاستواء. وعلى تاريخ تعامد الشمس على البلد الواقع بين
ــــــــــــــــــــ[293]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) مخطط تقريبي:

وانظر المعرفة. ج1 ص117، ص132.
المدارين.
بل تؤثر حتى على مقادير الليل والنهار في مختلف أنحاء العالم. وفي طول العام. ولكن حساب هذه الأمور بالدقة أمر غير هين، وخارج عن مستوى هذا الكتاب.
ولكن هذه الحركة لا تؤثر على رسم خطوط الطول. نعم، تؤثر في مقدار انحرافها الموازي لانحراف خط مركز الأرض نسبياً.
وكذلك لا تؤثر على رسم خطوط العرض، وإنما تؤثر على اتجاه حلقاتها -لو صح التعبير- بما فيه حلقة خط الاستواء.
وهذه الحركة، لا تؤثر على مكان وجود القطب المغناطيسي، ولا في بُعده بالأميال عن القطب الجغرافي، أو عن أي نقطة من نقاط الأرض، ولكنها توجب حركته بطبيعة الحال. مما يجعله مختلفاً في النسبة، لمن هو خارج الكرة الأرضية كالأقمار الصناعية والكواكب.
وهذا الحركة -على أي حال- ليست سريعة، فلعلها لا تتم دائرتها بأقل من ثمان سنوات أو عشراً. وان كان تحديدها تماماً مجهول إلى الآن.
ومحل الشاهد من ذكر هذه الحركة، هو تأثيرها على الليل والنهار في القطبين، الأمر الذي نتحدث عنه في هذا الفصل.
وتأثيرها الرئيسي هو تغيير اتجاه (حلقة) الدائرة القطبية باستمرار. الأمر الذي يؤثر في مواعيد بزوغ الشمس وغروبها وطول الليل والنهار وقصرهما. ولكن هذا التأثير ليس كلياً أو معمقاً طبعاً، وقد لا يعدو بضع ساعات. الأمر الذي يبقى معه الحساب العام للسنة ممكناً ما دام مركز الأرض باقياً على ميلانه على أي حال.
ولا ينبغي ان يفوتنا في نهاية الحديث عن هذه الحركة، ان تأثيرها الذي
ــــــــــــــــــــ[294]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
ذكرناه وان كان صحيحاً، الا انه من البساطة بحيث لم يلتفت إليه المدققون والمفكرون في علم الفلك وغيره إلى زمن قريب ولم يحس بهذه الحركة ولم يلتفت إليها أحد طول التاريخ القديم والحديث. وكان المعتقد إلى عهد قريب ان ميلان خط مركز الأرض ثابت باستمرار. فَجْلَّ الله مُقدّر كل قدر وخالق الشمس والقمر والسمع والبصر، وهو على كل شيء قدير.

الاستنتاج الفقهي:
لو كان الليل والنهار في القطبين على ما يفكر الفقهاء وغيرهم ممن هو غير مدقق في علم الفلك والجغرافيا الأرضية. من كون السنة هناك يوم واحد أو اليوم سنة كاملة أو ان النهار ستة أشهر والليل ستة أشهر.
لو كان ذلك كذلك، لاحتاج الأمر إلى الحيرة، وانقسمت الآراء الفقهية. حتى نهى البعض عن الذهاب إلى تلك المنطقة بالمرة لأن فيها تفويتاً للواجب الديني.
وان ذهب الفرد هناك فكيف يصلي أو يصوم، على وجوه:
1- انه يأخذ بتوقيت بلاده.
2- انه يأخذ بتوقيت أقرب البلدان إليه. يعني المجاورة للدائرة القطبية.
3- انه يحسب الليل اثنا عشر ساعة والنهار اثنا عشر ساعة. إلى غير ذلك من الوجوه.
الا ان كل ذلك مما لا حاجة له في أكثر أيام السنة هناك.
أعني في غير الليل الدامس الذي لا يطول أكثر من شهر ونصف. إذ بعد كل الذي عرفناه يمكن ان نقسم حالات الفرد إلى عدة أقسام:
القسم الأول: ان يوجد الليل والنهار في القطب على شكل متميز، سواء
ــــــــــــــــــــ[295]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
كانا متساويين أو غير متساويين. والمهم هو حصول الشروق والغروب فعلاً.
عندئذ تكون الصلاة والصوم في القطبين كسائر بلاد الله اعتيادية. كل ما في الأمر ان الصلاة في النهار القصير تكون متتابعة نسبياً ويكون الصوم قصير المدة طبعاً وهذا لا إشكال فيه.
القسم الثاني: عند وجود النهار الدائم أو الطويل في الصيف فحركة الشمس خلال كل يوم من الشرق إلى الغرب (وان لم تدخل تحت الأفق)، تجعلها تعبر دائماً دائرة نصف النهار من الشرق إلى الغرب. فيحصل الزوال بوضوح وتجب صلاتي الظهر والعصر.
ويكون أقصى وصولها إلى جهة الغرب بمنزلة أول الليل، فتجب صلاتي المغرب والعشاء.
وبعدها بقليل تبدأ الشمس بالاتجاه المعاكس من الغرب إلى الشرق، وهو بمنزلة الليل في البلدان الأخرى إذ يكون النصف الشمالي للكرة الأرضية عندئذ في الليل.
ويبقى وقت صلاة المغرب وصلاة العشاء، نافذ المفعول لبعض الوقت خلال هذا (الليل). بل إلى (نصف الليل) وهو الزوال المعاكس، عندما تعبر الشمس دائرة نصف النهار متجهة من الغرب إلى الشرق.
وتجب صلاة الصبح بعدما تنتهي الشمس من هذه الحركة، أعني من الغرب إلى الشرق وتبدأ بالرجوع من الشرق إلى الغرب. فان هذا بمنزلة الفجر في البلدان الأخرى من نصف الكرة المماثل(1) وينبغي المبادرة للصلاة عندئذ لعدم انضباط ما يوازي وقت (طلوع الشمس) في البلدان الأخرى، وهو وقت انتهاء وقت الصلاة عادة.
ــــــــــــــــــــ[296]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) من حيث كونه في النصف الشمالي للأرض، أو الجنوبي منها.
وهذا الذي قلناه، وان كان لا يخلو من الجدل الفقهي، فانه مخالف لظاهر الأدلة: إذا غربت الشمس فصَلِّ وإذا طلع الفجر فصَلِّ. الا ان جوابه: ان تنزيل حركة الشمس كما شرحناه منزلة الفجر والغروب مما لا بد منه. وهو أقصى ما يستطيعه الناس هناك. وهو أيضاً موازي مع حصول هذه الأوقات في النصف المماثل للكرة الأرضية، على خط الطول نفسه الذي يكون عليه الفرد.
وإذا تم توقيت الصلوات بأحد الوجوه الأخرى الفقهية، فهذا يعني حصول التشويش وعدم الضبط أكثر فيها, فمثلاً سوف يصلي الفرد الصبح عند زوال الشمس ويصلي المغرب بعد الزوال المعاكس(1)، فيقع في الإشكال أكثر، من حيث يعلم أو لا يعلم.
القسم الثالث: عند تضاؤل النهار بحيث لا يكفي لأداء الصلوات. يجب على الفرد الإتيان بالصلوات ذات الوقت متتابعة.. نسبياً، فقبل ان تشرق الشمس يصلي الصبح، وعند زوالها يصلي الظهرين، وبعد غروبها يصلي العشائين. وان تم ذلك خلال نصف ساعة أو ربع ساعة.
القسم الرابع: عندما لا يبقى من النهار الا ضوء كضوء الفجر، من دون شروق. يصلي الفرد الصبح في أول هذا الضوء ويصلي الظهرين في وسطه، ويصلي العشائين بعد اختفائه.
القسم الخامس: ان نفس الشيء يطبقه في آخر الليل الطويل، حين يبزغ ضوء الشمس من دون طلوعها.
القسم السادس: ان ما قلناه في القسم الثالث، مع تضاؤل النهار في نهايته يطبقه الفرد عند قصر النهار في بدايته عندما تشرق الشمس قليلاً وتغيب.
القسم السابع: قد تبدو الشمس خلال وسط النهار الطويل، ردحاً من
ــــــــــــــــــــ[297]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) وهو ما يكون بمنزلة زوال نصف الليل في البلدان الأخرى الواقعة على خط الطول نفسه.
الزمن، وكأنها واقفة وسط السماء غير واضحة الاتجاه من الشرق إلى الغرب وبالعكس.
فان استطاع المكلف ان يضبط حركتها القليلة ويصلي على طبقها -كما قلناه في القسم الأول- فهذا هو المطلوب. وان لم يستطع أمكنه ان يجمع الصلوات الخمس كلها دفعة واحدة متتابعة كل أربع وعشرين ساعة.
ويطبق الفواصل بين مجموعات صلواته، أو قل: يبدأ بتطبيق هذه الأربع وعشرين ساعة وتكرارها أياماً من أيامنا (خارج الدائرة القطبية): يطبقها ابتداءً من زمان وضوح حركة الشمس إلى زمان خفاء حركتها، أعني كونها تبدو واقفة وسط السماء، ثم إلى زمان وضوح حركتها من جديد. حينما يكون أكثر من نصف هذا النهار الطويل قد انصرم.
القسم الثامن: عندما يسيطر الليل شتاء، ولا يبدو في الأفق أي ضوء. يطبق المكلف ما قلناه في الصورة السابقة تماماً، بادئاً بالتوقيت أو التبويب لصلواته من حين وجود الضوء في أول الليل الطويل إلى حين اختفائه، والى حين ظهوره من جديد.
فهذا هو الكلام في أوقات الصلاة هناك.
وينبغي ان نعلّق على ذلك في التعرض لعدة أمور:
الأمر الأول: بالنسبة إلى الصوم فانه يحدث طبقاً للأقسام السابقة التي ذكرناها لوقت الصلاة.
اما الصوم في القسم الأول، فهو اعتيادي كسائر مناطق الأرض، مهما كان حجم النهار، وان قَلّ فأصبح بمقدار ربع ساعة مثلاً ويكفي فيه النية مع الارتداع عن المفطرات ولا حاجة إلى الأكل قبله أو بعده. وهذا معناه اننا تحدثنا عن القسمين الثالث والسادس أيضاً.
ــــــــــــــــــــ[298]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
وإذا طال النهار، مع كون الطلوع والغروب موجوداً. فلا بد من استيعاب الصوم لكل النهار. ولا يمكن القول بجواز الإفطار قبل غروب الشمس.
وعند حصول الوقت مطابقاً لما في القسمين الرابع والخامس. حين يبقى من النهار في نهايته أو في نهاية الليل الطويل، ويبقى من النهار ضوء قليل كضوء الفجر من دون الطلوع. فيكون هذا وحده هو وقت الصوم أو يمكن الإفطار عند اختفاء هذا الضوء مهما قصرت مدته. ويبقى الباقي وقتاً للإفطار الليلي.
واما في القسم الثاني عند وجود النهار المستمر، فالصوم يجب من أول اتجاه الشمس من الشرق إلى الغرب إلى آخر هذا الطريق، فان بدأت الشمس بالاتجاه المعاكس من الغرب إلى الشرق وجب الإفطار.
ويلحق بذلك القسم السابع، حين تبدو الشمس وكأنها واقفة في وسط السماء. وهذا في حقيقته وَهْم غير صحيح. الا ان الفرد الاعتيادي قد لا يستطيع متابعة سير الشمس.
فان استطاع الفرد التدقيق والنظر إلى الشمس، فهو المطلوب، وعندئذ يطبّق ما قلناه من الصوم في القسم الثاني. ولعل هذه المراقبة واجبة شرعاً، كما سوف نشير بعد ذلك.
وأما ان كان الفرد قاصراً عن المراقبة، أمكنه ان يقرن بين صومه وصلاته. فكما قلنا انه يصلي كل أربع وعشرين ساعة كذلك يمكنه ان يصوم بهذا الشكل.
غير ان الصوم يحتاج إلى فترة نسبية ويجعل أول وقت صلاة الظهر وسط وقته، وأحسن فترة يتخذها الفرد عندئذ هو ان يحسب حساب أوقات أقرب البلاد إليه. يعني خارج الدائرة القطبية مباشرة.
ــــــــــــــــــــ[299]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
غير ان النهار في تلك البلاد يكون عندئذ طويلاً جداً. ومن غير الممكن القول فقهياً جواز الإفطار قبل غروب تلك البلاد.
وكل هذا يعني ان مراقبة حركة الشمس في محله أهون في مدة الصوم على الفرد من مراقبة أوقات البلاد الخارجة عن الدائرة القطبية.
بقي لدينا القسم الثامن وهو الليل الطويل، وأوضح أشكال الصوم عندئذ هو ان يحسب حساب الوقت في خارج الدائرة القطبية مباشرة. ويكون النهار عندهم وقتئذ قصيراً جداً.
ويحتمل ان يطبق الفرد صومه على أوقات صلاته، كما قلنا في النهار. كما يحتمل ان يطبق الفرد صومه على حركة النجوم، فحين تتجه النجوم من الشرق إلى الغرب، فهو الليل في سائر البلاد، وحين تتجه النجوم من الغرب إلى الشرق (كالشمس في النهار الطويل) يكون هو وقت النهار في سائر البلاد، يعني من النصف المائل للقطب من الكرة الأرضية.
والاحتمال الأول أرجح وأحوط. واما الاحتمال الثاني فغير صحيح لعدم انضباطه على ميزان شرعي محدد الا مجازاً.
واما الاحتمال الثالث، فلصعوبة ضبط النجوم أولاً. وعدم كونها في شكل واحد من الحركة ثانياً. ولكن لا يبعد ان تكون الزهرة والمريخ، على الشكل الذي أشرنا إليه قبل قليل, على ان تطبيق الصوم على مسير النجوم خلاف الفهم الفقهي جداً. فالأرجح هو القول أو الاحتمال الأول.
الأمر الثاني: انه كما يجب في سائر البلاد مراقبة أوقات الصلاة والصوم، كذلك يجب هناك، مهما أمكن. فان لم يمكن تماماً في بعض الأحيان أعمل الفرد ظنه. فان لم يمكن حتى ذلك أمكن تطبيق القواعد الفقهية والأصولية، كاستصحاب عدم دخول الوقت أو الصلاة رجاء المطلوبية، وقد يجب الاحتياط
ــــــــــــــــــــ[300]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
بتكرار الصلاة إلى حد يطمئن الفرد بحصولها في الوقت ولو لركعة واحدة في أول الصلاة أو آخرها.
الأمر الثالث: لا يبعد ان مقتضى القاعدة حرمة الذهاب إلى داخل الدائرة القطبية عند تعذر الوضوح في أوقات الصلاة. اما تعذراً نوعياً يعني لكل احد، كما في الليل الطويل. أو تعذراً شخصياً كالقصور الثقافي والفكري للفرد. أو العوق الحاصل له كالعمى والعرج ونحوها التي تمنع عن التدقيق في ذلك.
واما عند إمكان الإطلاع على الأوقات، كما في الأقسام الثلاثة، بل الستة الأولى أيضاً، فالذهاب هناك جائز.
ولكن عدم الجواز المشار إليه قد يتبدل بالجواز، أعني يجوز الذهاب للضرورة الشخصية ان حصلت. أو للمصلحة الدينية الاجتماعية ان حصلت. أو حصول أمر أحد أولياء الأمور الذين تجب طاعتهم اما بالعنوان الأولي كالفقيه المبسوط اليد، أو العنوان الثانوي، كالتقية أو الإكراه.
الأمر الرابع: في تحديد دائرة نصف النهار.
قال الفقهاء عن البلدان الاعتيادية: ان دائرة نصف النهار فيها هي خط وهمي يمر فوق الرأس ينصّف ما بين الشرق والغرب نصفين متساويين, وأحد رأسي الخط الوهمي عند الشمال تماماً، ورأسه الآخر عند الجنوب تماماً. وقد تكلمنا عن ذلك في فصل سابق.
والمهم الآن هو تطبيق نفس الفكرة على القطبين. من حيث انها تحتوي على فروق مهمة عن البلدان غيرهما.
الفرق الأول: ان خط دائرة نصف النهار في البلدان الاعتيادية يبدأ من الشمال وينتهي بالجنوب. فماذا نقول في القطب حين نكون نحن في أقصى الشمال أو أقصى الجنوب؟
ــــــــــــــــــــ[301]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الفرق الثاني: ان حركة الشمس في النهار الطويل لا تصل بها إلى الأفق الشرقي ولا الغربي. فيبقى تعيين الجهات صعباً.
الفرق الثالث: ان حركة الشمس في النهار القصير جداً لا تمر في وسط السماء، لكي تعبر الشمس عن خط دائرة نصف النهار. فماذا نفعل؟
الفرق الرابع: بالنسبة إلى القطب الشمالي، لا يمكن استعمال البوصلات الاعتيادية فيه لتعيين نقطة الشمال. لأن مؤشراتها تنسحب نحو القطب المغناطيسي. وهذا القطب يقع في غرب القطب الشمالي الجغرافي، لا إلى شماله!!
وإذا نظرنا إلى القطب الجنوبي، كان استعمال البوصلات لا يخلو من مشكلة أيضاً لأن مؤشرها ان اتجه إلى الشمال المغناطيسي لم يتجه المؤشر الآخر إلى الجنوب الجغرافي طبعاً، بل إلى الجنوب المغناطيسي. وعلى غرار المقابلة بين القطبين، فهو يقع إلى شرق القطب الجنوبي الجغرافي لا إلى جنوبه!!
والمهم الآن اننا كيف نعين خط نصف النهار ونحن في القطبين. ونحن في حاجة إليه في كثير من الأحيان؟
ان هذا يمكن ان يتم بأحد أشكال:
الشكل الأول: ان القطبين لهما شرق وغرب، بلا شك، و يتضح ذلك في كثير من أيام السنة وخاصة عند اعتدال الأيام فيهما.
ومعه, ففي الامكان افتراض خط وهمي معاكس لما بين الشرق والغرب. بحيث يكوّن معهما زاوية قائمة. وقد نسمي اتجاهه بالشمال والجنوب مجازاً.
الشكل الثاني: ان نعتمد على سمت الرأس، فنجعل الخط الوهمي ماراً فوقه، بشكل يكوّن أيضاً خطاً معامداً للشرق والغرب بزاوية قائمة.
ــــــــــــــــــــ[302]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
الشكل الثالث: ان نأخذ بنظر الاعتبار الدائرة الاعتيادية لسائر البلدان. فتكون نهايتها في القطبين وهو يشكّل نقطة هندسية عند مركز الأرض في القطب تماماً. ونكتفي بهذه النقطة كحد للزوال.
الشكل الرابع: ان نأخذ الدائرة الاعتيادية بنظر الاعتبار، ولكننا لا نكتفي بالنقطة بل نمددها بخط وهمي مستمر إلى الجانب الآخر من القطب. فتصبح عندنا دائرة نصف نهار متكاملة.
وبتعبير آخر: اننا يمكن ان نفترض دائرة نصف النهار، حلقة حول الأرض كلها، كتابع أرضي يسير من الشمال إلى الجنوب. ومعه يكون القطبان الجغرافيان مشمولين لها.
وهذا هو أحسن الأشكال الأربعة، الذي يمكن ان نتلافى به بعض الإشكالات الواردة على غيره، مما لا حاجة الآن إلى ذكرها.
وإذا تمت لدينا الدائرة هكذا أمكن عبور الشمس عليها. في النهار الطويل وفي النهار المعتدل وفي النهار القصير.
كما هو واضح مع التأمل(1).
الأمر الخامس: في علامات الزوال.
ــــــــــــــــــــ[303]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) وتدل عليه التخطيطات التالية:

إذا كان النهار موجوداً في القطب، وصادف بزوغ الشمس هناك، بمعنى عدم وجود الضباب والسحاب عليها، ولو في منطقة محدودة. وان كان هذا نادراً نسبياً الا انه ضروري الافتراض للاستفادة من علامة الزوال، إذ بدونه يتعذر ذلك تماماً.
والمهم ان افتراض ذلك غير متعذر في محيط الدائرة القطبية، التي هي الجزء المسكون من القطب. ومن هنا أمكن الاستفادة من علامة الزوال.
واما من الناحية النظرية فالدائرة القطبية كلها، حتى المركز الأوسط منها، يمكن تعيين الزوال بعلامته فيه، مع وجود ضوء الشمس -أعني النهار- والظل. سواء كان النهار طويلاً أم قصيراً حتى يبلغ الطلوع إلى درجة من القلة بحيث لا يظهر فيها ظل معتد به. وكذلك في الليل بطريق أولى.
وما قاله الفقهاء من ان علامة الزوال هو ازدياد الظل بعد نقصانه، ينطبق تماماً هنا. كل ما في الأمر اننا كلما صعدنا عن أحد المدارين إلى الشمال أو الجنوب ازداد الظل طولاً وقَلّ قصره عند الزوال، لكون سقوط الشمس يزداد انحرافاً بهذا الصعود.
نعم, قد يخطر في الذهن انه في المناطق القطبية الوسطى يكون الظل من الطول بحيث لا يمكن التعرف على نهايته، لو حصلت الشمس هناك. الأمر الذي يجعل الإطلاع على طوله وقصره متعذراً. الا ان الذي يهوّن الخطب تعذر ظهور الشمس في تلك المناطق. واما في محيط الدائرة القطبية حيث يكون ظهور الشمس ممكناً، فالظل لا يكون بهذا المقدار الذي يتعذر الإطلاع على نهايته.
وضوء الشمس وان كان أحياناً يكون في محيط الدائرة القطبية أكثر من المركز خلال النهار. الا ان هذا إنما يكون في أول النهار
ــــــــــــــــــــ[304]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
أو عند وجود الشمس من جهة الشرق. وحين تدور هذه الدائرة بدوران الكرة الأرضية فتصل الشمس إلى نقطة الغروب، فان النور يكون انحرافه فيها أقل من وسط القطب.
واما حين الزوال، فمحيط الدائرة يكون موازياً للوسط بالنسبة إلى نور الشمس. والانحراف فيه واحد(1).
وهذا واضح في أثناء النهار الطويل. واما في النهار المعتدل، فتكون نقطة الزوال موازية بالنسبة لضوء الشمس مع الوسط أيضاً. مع هذا الفرق: وهو ان نقاط الشرق والغرب أيضا تكون موازية تقريبا لنقطة الوسط أيضا بالنسبة لنور الشمس، كما يتضح من التخطيط التالي(2).
ــــــــــــــــــــ[305]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني
( ) كما يتضح من المخطط التالي:

( )

1- نقطة الغرب. 3- نقطة الشرق.
2- نقطة الزوال. 4- اتجاه الأرض.
على ان هذا أمر يختلف باختلاف دوران الأرض حول نفسها، ودورانها حول الشمس، وليس له أهمية فقهية، لأن المهم هو زيادة الظل بعد نقصه، مهما كان طول الظل. وإنما تحدثنا عنه، لأن له دخلاً من الناحية العملية، وهو أيضاً من الثقافة الجغرافية العامة المربوطة بالفقه نسبياً.
وكما تنطبق هذه العلامة على القطب. كذلك تنطبق الأساليب الأخرى، مما ذكرناه في الفصل الخاص بذلك.
كتنصيف الوقت بين الطلوع والغروب، أو ظهور نور الفجر وزواله. وكجعل الشمس فوق الحاجب الأيمن عند اليوم المتساوي مع الليل تقريباً. وغيرها, مما لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله.
ــــــــــــــــــــ[306]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الأول القسم الثاني

الفهرس

كتاب الصلاة
فصل: في أوقات الصلاة ‏9‏
وقت صلاة الفجر ‏9‏
وقت صلاة الظهر وصلاة ‏العصر 17‏
أساليب تحديد الزوال ‏30
أوقات الفضيلة بعد الزوال ‏45 ‏
وقت صلاة المغرب ‏55‏
وقت فضيلة صلاة المغرب ونافلتها ‏62‏
وقت صلاة العشاء ونافلتها ‏63‏
نصف الليل ‏65‏
الأحكام الشرعية لنصف الليل ‏68‏
وقت صلاة الليل ‏70‏
فصل: في القبلة 73‏
‏ معنى القبلة ‏73 ‏
القبلة هي الحيز ‏76‏
ارتفاع القبلة ‏76‏
القبلة هي الجهة ‏79‏
القبلة في الجهة المقابلة ‏85‏
القبلة في الكعبة المشرفة ‏86‏
علامات القبلة ‏87‏
القبلة في الفضاء 94‏
قبلة المتحير ‏96‏
فصل: حول قراءة القرآن الكريم ‏99‏
حجية القراءات ‏99‏
القواعد العربية ‏‏111‏
قواعد التجويد ‏115‏
تجزئة القرآن ‏119‏
اغراض السور ‏123‏
السجود في القرآن الكريم ‏126‏
قصد الدعاء بالقرآن ‏130‏
الاعتبار بالقرآن الكريم ‏133‏
فصل: قاعدة الفراغ ‏138‏
في شرط القاعدة ‏140‏
في الشعور بالفراغ من العمل ‏145‏
في تعميم القاعدة لسائر العبادات ‏152‏
في مناقشة أصل ثبوت القاعدة ‏157‏
فصل: قاعدة التجاوز ‏160‏
في ثبوتها كقاعدة عامة ‏162‏
في شرط القاعدة وهو التجاوز ‏163‏
في الفرق بين ‏القاعدتين ‏170‏
في عموم القاعدة لسائر العبادات ‏172‏
‏ فصل: الستر والحجاب ‏174‏
ما هي العورة ‏174‏
ما يجب ستره للرجل 179
ما يجب ستره على المرأة ‏185‏
النساء الكافرات ‏190‏
فصل: أهم تفاصيل النية ‏195‏
في معنى القربة شرعا ‏195‏
في معنى الرياء ‏207‏
في العجب ‏213‏
‏ تفاصيل النية ‏215‏
في الترديد في النية ‏221‏
فصل: المسافة الشرعية ‏224‏
تطبيق ‏229‏
‏ تطبيق آخر ‏230‏
‏ تحديد المسافة لصلاة الجمعة ‏232‏
فصل: إمام الجمعة ‏235‏
في اشتراط وجود السلطان العادل ‏235‏
فصل: الكسوف والخسوف والزلزلة ‏249‏
في الحكمة من لكسوف والخسوف ‏262‏
الزلزلة ‏268‏
في السبب الطبيعي للزلزلة ‏268‏
في سبب الزلزلة من الروايات ‏271‏
فصل: الوطن ‏277‏
تعريف الوطن ‏278‏
تطبيقات فقهية على الوطن ‏284‏
حد الترخيص ‏287‏
‏ فصل: أوقات القطبين ‏288‏
الاستنتاج الفقهي ‏295‏
في أوقات الصوم ‏300‏
في تحديد دائرة نصف النهار ‏303‏
في علامات الزوال هناك ‏305‏
الفهرس ‏307‏