ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
ما وراء الفقه
يحتوي على مفاهيم واستدلالات
وحسابات تدور حول مسائل فقهية كثيرة.
يصلح للثقافة الفقهية العامة المعمقة.
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الثاني
القسم الأول
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
النجف الأشرف
ــــــــــــــــــــ[3]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لِما تضم من علم وافر وفكر عالٍ ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة… فإن فكر السيد الوالد يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمعٍ إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً أن كل كتاب له لا يضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنّا على أن يكون المخوّل من قِبلنا لطباعة هذه الكتب هم (هيئة تراث السيد الشهيد) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا.
مقتدى الصدر
10جمادي الثانية 1429
ــــــــــــــــــــ[5]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
كتاب الزكاة
فصل
في شكل استحقاق الزكاة
وجوب الزكاة من ضروريات الدين الإسلامي، ويجب صرفها إلى مستحقيها الذين يسودهم الفقر والحاجة.
والمهم الآن أن نتساءل: ما هو الشكل القانوني أو الفقهي لاستحقاق الزكاة في الأموال الزكوية. فلو تم النصاب ووجب الإخراج، فعلى أي وجه يملك المستحق جزءاً من هذا النصاب؟
اختلف الفقهاء في ذلك على عدة وجوه، والمسألة ليست باليسيرة فقهياً إلى حد يعتبر تخريجها الدقيق دليلاً على فقاهة المستدل. والوجوه الرئيسية المحتملة ابتداءً ستة وجوه، لا بد من ذكرها وشرح معناها وذكر بعض القائلين بها إن وجد، والاستدلال المحتمل لكل منها. ثم المصير بعد ذلك إلى الوجه الصحيح. وهذا هو منهج هذا الفصل.
الوجوه المحتملة
الوجه الأول: إنه مال متعلق بالذمة، حاله حال الدَين والقرض. غير ان القائل به مجهول وقيل: انه شاذ(1).
الوجه الثاني: انه حق متعلق بالعين على وجه الكلي في المعين، كما
ــــــــــــــــــــ[9]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) المستمسك: ج9, ص175.
اختاره صاحب (العروة)(1).
ومثاله ما لو كان للفرد كمية كبيرة من الحنطة أو السكر وباع منها كيلو غراماً أو عشر كيلوات مثلاً. ويملك المشتري في هذه الكمية هذا المقدار في هذا المجموع من المال بنحو (الكلي في المعين) فقد يكون حق المستحق للزكاة في المال الزكوي هو ذلك.
الوجه الثالث: انه على وجه الشركة المشاعة كما عليه صاحب (الجواهر) وآخرون. ونقل عن مفتاح الكرامة قوله: «انه لا يحتمل غيره»(2).
ومثاله: اشتراك شخصين في ملكية شيء واحد. كما لو دفع كل منهما نصف قيمته واشترياه, وتسمى فقهياً أيضاً: الشركة في العين.
الوجه الرابع: الشركة في المالية. كما عليه سيدنا الأستاذ(3) وتفترق عن سابقتها: بدعوى أن العين لشخص معين واحد، هو صاحب النصاب الأصلي. والفقير أو المستحق ليس مشاركاً في العين وإنما هو مشارك في المالية بمعنى انه يستحق قسطاً أو جزءاً من مالية أو قيمة النصاب.
والمثال الذي يحضرني له في الفقه: أن يقترض شخص من آخر ويشترط المقترض أن يدفع الدَين من مال معين. فقد يقال: انه بنحو الشركة في المالية، إذ العين ما لم تُدفَع تبقى ملك المقرض بلا إشكال، إلا أن هذا الشرط يجعل المقترض شريكاً في المالية من مجموع ذلك المال. والمهم مجرد إيضاح الفكرة من المثال.
الوجه الخامس: إن المستحق له حق في الزكاة كحق الرهانة.
ــــــــــــــــــــ[10]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: ص 176.
(2) نفس االمصدر: ص176.
(3) انظر منهاج الصالحين: ج1, ص328.
وحق الرهن متوفر فقهياً، إذ يقترض فرد من آخر، ويشترط المقرض وجود مال عنده من أموال المقترض، بحيث يكون وثيقة على الدين. فلو لم يتمكن المقترض من الدفع عند حلول الأجل أو أبى ذلك عصياناً، أمكن للمقرض بيع المال الذي عنده وأخذ كمية الدَين منه وإذا كان مساوياً للدين أو أقل منه أمكنه أخذها وامتلاكها بنفسها.
فكذلك قد يقال في حق الزكاة. وقد قال به بعض المتأخرين.
الوجه السادس: أن يكون الاستحقاق بنحو حق الجناية. ويراد به تنظير الزكاة بالعبد الجاني، حيث يملك المجني عليه منه بمقدار الدية. وهو المسمى بحق الجناية.
إلا أن كون حق الجناية ليس راجعاً إلى أحد الوجوه المتقدمة كالإشاعة في العين أو الكلي في المعين محل إشكال وسيأتي ما يفيد فيه. ولا أعرف له قائلاً، إلا انه احتمال فقهي على أي حال.
إلى وجوه أخرى قد تتحصل فيما يلي.
أدلة الوجه الأول:
وهو التعلق بالذمة:
ويمكن الاستدلال عليه بأحد أسلوبين:
الأسلوب الأول: التمسك بالأدلة القارنة لوجوبها بوجوب الصلاة وهو ليس على وجه من الوجوه الخمسة المتأخرة بطبيعة الحال، لأنه ليس حقاً مالياً، فيتعين الأول.
منها: صحيحة عبد الله بن سنان(1) قال: قال أبو عبد الله: “لما نزلت
ــــــــــــــــــــ[11]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الوسائل: أبواب ما تجب فيه الزكاة: باب8, حديث1.
آية الزكاة: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا، في شهر رمضان، فأمر رسول الله مناديه، فنادى الناس: إن الله تبارك وتعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة”، الحديث.
وصحيحة الفضلاء الأربعة(1) عن أبي جعفر وأبي عبد الله، قالا: “فرض الله عز وجل الزكاة مع الصلاة في الأموال”، الحديث.
إلا أن هذا بمجرده لا يتم, لأن المقصود في هذا اللسان التنظير في الوجوب وليس لها تعرّض إلى شكل ملكية الزكاة.
على أن شكل تعلّق الحكم التكليفي في الذمة، يختلف عن شكل تعلق المال أو المالية الذي هو مؤدى الزكاة. فالمقصود بهذا اللسان هو اشتغال الذمة بحكم الزكاة تكليفاً، كما اشتغلت عليه بحكم الصلاة. وأما شكل اشتغال الذمة بالزكاة بصفتها مالاً، فهذا مما لا تعرّض له في هذه الأخبار.
الأسلوب الثاني: التمسك بالأدلة التي ورد فيها حرف الاستعلاء. على اعتبار أن العرف يرى الدَين على ذمة المدين، فكذلك الزكاة تكون على ذمة المالك. إذن, فهي بمثابة الدين.
وهي أخبار عديدة يمكن تقسيمها إلى قسمين رئيسيين:
أحدهما: أن يكون مدخول الحرف هو المكلف. كخبر أبي حمزة(2) عن أبي جعفر قال: سألته عن الزكاة تجب عليّ في مواضع لا يمكنني أن أؤديها. قال: “اعزلها…” الحديث.
وموثقة سماعة(3) قال: سألته عن الرجل له الدَين على الناس. تجب فيه ــــــــــــــــــــ[12]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث4.
(2) نفس المصدر: أبواب مستحق الزكاة: حديث3.
(3) نفس المصدر: أبواب من تجب عليه الزكاة: حديث6.
الزكاة؟ قال: “ليس عليه فيه زكاة حتى يقبضه”، الحديث.
ثانيهما: أن يكون مدخول الحرف هو المال الزكوي.
كرواية الفضل بن شاذان(1) عن الرضا: قال: “والزكاة على تسعة أشياء”.
وفي صحيحة الفضلاء الأربعة(2) عن أبي جعفر وأبي عبد الله قالا: “ليس على العوامل من الإبل والبقر شيء، إنما الصدقات على السائمة الراعية”.
وينبغي أن يكون الاستدلال بالقسم الأول، لأن الثاني على خلاف المقصود أدل، لأن كون الزكاة على المال، يقتضي كونه شركة في العين ونحو ذلك وليس في الذمة. فتقريب: انه لا فرق في حرف الاستعلاء حيث ورد، فإنه يكون دالاً على اشتغال الذمة ليس بصحيح.
ولكن الاستدلال بالقسم الأول أيضاً ليس بصحيح، إذ لا يتعين قصد اشتغال الذمة بالمال من حرف الاستعلاء، وإنما قد يقصد به التكليف واشتغال الذمة بالوجوب، فإنه من استعمالاته، يقال: عليك أن تصلي وعليك أن تصوم، كما يقال: عليك، أن تدفع الجزية وعليك أن تدفع الدين. فاستعمال هذا الحرف في الأمور المالية وغيرها سيان عرفاً، الأمر الذي يدل على أن الجامع في هذا الاستعمال ليس هو الجهة المالية، بل هو مطلق المسؤولية الشاملة للتكليف أيضاً، ولا مضايقة في وجودها في الزكاة طبعاً.
هذا، ويدل على نفي هذا الوجه، كل ما يأتي مما هو دال على الوجوه الآتية. مضافاً إلى ما سمعناه من انه قول شاذ وقائله غير معروف.
ــــــــــــــــــــ[13]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( )نفس المصدر: حديث2.
(2) نفس المصدر: أبواب زكاة الأنعام: حديث5.
أدلة الوجه الثاني:
وكان هو دعوى أن استحقاق الفقير للزكاة على وجه الكلي في المعين.
وقد استدل عليه في (المستمسك) بأدلة عديدة وناقشها. ولا يبعد أن جملة منها واضح الفساد. ومن هنا يمكن الاقتصار فيما يلي على أهمها مع تمحيصه، ضمن الأقسام التالية:
القسم الأول: الأخبار التي استعملت حرف الظرفية (في).
بدعوى دلالتها على الكلي في المعين، لأن الملكية تكون ضمن المجموع ويكون المجموع ظرفاً للفريضة.
وهي أخبار عديدة، منها: صحيحة الفضلاء الأربعة(1) عن أبي جعفر وأبي عبد الله قالا: “في البقر في كل ثلاثين بقرة تبيع حوليّ وليس في أقل من ذلك شيء.. فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة”. الحديث.
وبلسان آخر: صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم(2) عن أبي عبد الله -في حديث- قال: “إن الله عز وجل فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم، ولو علم ان ذلك لا يسعهم لزادهم…” الحديث.
إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.
وأجاب على ذلك في المستمسك(3): «إن الظاهر من ملاحظة النصوص كون الظرف لغواً. وكون كلمة (في) متعلقة بفعل مقدر مثل يجب أو فرض أو نحو ذلك. فيكون مدخولها ظرفاً لذلك الفعل، لا مستقراً متعلقاً بكائن، كما
ــــــــــــــــــــ[14]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: أبواب زكاة الأنعام: باب4، حديث1.
(2) نفس المصدر: أبواب ما تجب فيه الزكاة، باب1، حديث2.
(3) ج9, ص178.
قد يتوهم في بادئ النظر، ليكون مدخول (في) ظرفاً للواجب والمفروض».
قال: «ولذلك صرح بالفعل في جملة من النصوص، ففي صحيح زرارة(1): “وجعل رسول الله الصدقة في كل شيء أنبتت الأرض…” الحديث.» إلى آخر ما قال.
إلا أن هذا لا يتم، لأن الظاهر من كل نص لم يذكر فيه الفعل المتعلق به الجار والمجرور.. الظاهر هو تقدير مستقر وكائن وليس مفروض وواجب. وأما استفادة الفرض والوجوب فهو من سياق التشريع في الرواية.
إلا أن كون المقدر هو ذلك لا يعني إرادة الكلي في المعين، لأن المجموع وإن كان ظرفاً للمملوك… إلا أن عدداً من الوجوه الأخرى تصدق عليه هذه الظرفية كالشركة في العين وحق الجناية إن لم تستوعب قيمة العبد. وغيرها، فالاستدلال بهذا اللسان على هذا القسم بالتعيين بلا وجه.
وأجاب ثانياً(2): «بمعارضته بما ورد متضمناً لحرف الاستعلاء، وقد سمعنا نموذجاً منه في أدلة الوجه الأول، واختار منها القسم الثاني الذي ذكرناه مما يدل على أن (الزكاة على كذا وكذا)».
وقال: «فإن هذه النصوص ظاهرة جداً في كون الزكاة شيئاً موضوعاً على المال خارجاً عنه كسائر الضرائب المجعولة في هذه الأزمنة على الأملاك. إذ ليس المقصود جعل جزء من الملك ملكاً للسلطان…» إلى آخر ما قال.
إلا أن هذا غريب منه، لأن الزكاة ليست شيئاً قائماً بحياله غير الحصة المدفوعة للمستحقين، فإن الزكاة في الحقيقة هي تلك لا غيرها، والوجوب متعلق بها. فكونها شيئاً موضوعاً على المال خارجاً عنه، أمر غير
ــــــــــــــــــــ[15]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: باب9، حديث6.
(2) ج9, ص180.
مفهوم عرفاً.
ومن المتسالم عليه متشرعياً وفقهياً، الاستحقاق من نفس المال فيما يمكن فيه ذلك، يعني في غير الأنصبة للخمسة الأولى للإبل. فكونه يسلّم بكون الزكاة خارجة عن المال، غريب.
إلا أننا عرفنا أن حرف الاستعلاء يفيد عرفاً المسؤولية والتحمل في الذمة أو العهدة، وليس هو للمالية كما عرفنا وإنما هو للتكليف والوجوب.
وأجاب ثالثاً(1): «فإنه لو سلّم فلا مجال له في نصب الإبل والبقر فإن قولهم: “في كل خمس من الإبل شاة” يمتنع حمله على الظرفية للمخالفة في الجنس. والحمل على إرادة مقدار من النصاب يساوي الشاة بحسب القيمة يوجب كون الشاة ليست فريضة في الخمس من الإبل ولا بنت المخاض فريضة في الست والعشرين، ودفعها دفع للبدل. وكذا الحال في بقية نصب الإبل والبقر. وهو كما ترى مخالف لما يستفاد من النصوص ضرورة». إلى آخر ما قال.
وهذا إشكال متين بغض النظر عن نقطة في كلامه ينبغي التنبيه عليها، وهي أن بنت المخاض التي هي فريضة الست والعشرين من الإبل وليست من الغنم، كما أن فريضتي البقر معاً هي من البقر وليست من الغنم. فينحصر الإشكال فقط، في الأنصبة الخمسة الأولى من الإبل والتي تكون فرائضها من الغنم.
وقد يجاب هذا الإشكال بالتفريق بين هذه الأنصبة وغيرها في المحتوى النظري الفقهي. ويقال في غيرها بالكلي في المعين، وفيها بغيره، وهو كما ترى.
ــــــــــــــــــــ[16]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: ص181.
وعلى أي حال، فهذا الدليل لهذا الوجه غير تام.
القسم الثاني: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله(1)، قال: قلت لأبي عبد الله: رجل لم يزكِ إبله أو شاته عامين فباعها على من اشتراها أن يزكيها لما مضى. قال: “نعم، تؤخذ منه زكاتها ويتبع بها البائع أو يؤدي زكاتها البائع”.
وتقريب الاستدلال: أن هذه الصحيحة دالة على عدم ملكية المشتري لمقدار الفريضة، وهو يناسب مع كونها بنحو الكلي في المعين.
إلا أن هذا الاستدلال لا يتم:
أولاً: لما قاله في (المستمسك) من أن الوجه في ذلك لا يتعين كونه الكلي في المعين، بل يمكن له وجوه أخرى كالإشاعة, أعني الشركة في العين أو حق الجناية أو الرهانة، وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
ثانياً: إنها على خلاف المطلوب أدل وذلك لقوله: “أو يؤدي زكاتها البائع”. فإن الظاهر منه انه يؤدي نفس زكاتها لا بدله، ولو كان بنحو الكلي في المعين، كان بدلاً عنه لا محالة.
القسم الثالث من أدلة هذا الوجه: خبر أبي حمزة عن أبيه(2) عن أبي جعفر قال: سألته عن الزكاة تجب عليّ في مواضع لا تمكنني أن أؤديها، قال: “اعزلها. فإن اتجرت بها، فأنت لها ضامن ولها الربح، وإن نويت في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها في تجارة، فليس عليك شيء. فإن لم تعزلها واتجرت بها في جملة مالِك، فلها تقسيطها من الربح ولا وضيعة عليها”.
ــــــــــــــــــــ[17]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الوسائل: أبواب زكاة الأنعام، باب12، حديث1. واستدل بها في المستمسك، على هذا الوجه, انظر: ج9, ص182.
(2) الوسائل: أبواب المستحقين للزكاة، باب52، حديث3.
وتقريب الاستدلال: ليس أكثر من كون الأحكام الواردة فيها تناسب الكلي في المعين.
وجوابه من وجوه:
أولاً: ضعف سند الخبر، فإنه رواية مرسلة مع عدم بناء الأصحاب على العمل به، كما قيل. لو قلنا بجبرانه.
ثانياً: انه كما يناسب الكلي في المعين يناسب غيره من الوجوه كالشركة في العين وحق الجناية غير المستوعبة.
إذن, فالكلي في المعين لا يمكن استفادته من الأدلة.
أدلة الوجه الثالث:
وهو الشركة المشاعة أو الشركة في العين.
وعن مفتاح الكرامة(1) أن: «مقتضى الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في العين، وكلام القائلين بذلك -ما عدا المصنف في التذكرة- في غاية الظهور في الشركة، بل لا يحتمل غيرها».
واستدل له بأدلة عديدة نذكر أهمها:
الدليل الأول: لسان: “فيما سقت السماء العشر”. إذ العشر ظاهر بالكسر المشاع. كصحيحة الحلبي(2) قال: قال أبو عبد الله: “في الصدقة فيما سقت السماء إذا كان سيحاً أو كان بعلاً العشر. وما سقت السواني والدوالي أو سقي بالقربة، فنصف العشر”.
وغيرها من الأخبار.
ــــــــــــــــــــ[18]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) المستمسك: ج9, ص176.
(2) الوسائل: أبواب زكاة الغلاة، باب4، حديث2.
وجواب ذلك من وجهين:
أولاً: ما ذكره في المستمسك(1): «من أن التعبير بالعشر ونصفه، لم يرد مثله في زكاة الأنعام ولا في زكاة النقدين. وإنما ورد فيها شاة وبنت لبون وبنت مخاض… وخمسة دراهم ونصف مثقال ونحو ذلك. والجميع ظاهر في غير الجزء المشاع.
والتصرف فيها بالحمل على الجزء المشاع ليس بأولى من التصرف في العشر ونصفه بالحمل على المقدار. بل الثاني هو المتعين، لأنه أقرب وأسهل. كما هو ظاهر». أقول: ولا أقل من تساوي الاحتمالين اللذين يحتاج كل منهما إلى كلفة وتصرف.
ثانياً: ان هذا لو تم في شيء من الأنصبة، فلا يمكن إتمامه في الأنصبة الخمس الأولى للإبل، حيث يجب الدفع من نوع آخر.
والتأويل بالاشتراك بالقيمة غير وارد:
1- انه خلاف الظاهر، كما هو ظاهر.
2- انه يجعل الكسر العشري قابلاً للزيادة والنقصان، حسب قيمة الإبل والشاة ولا يكون له اسم محدد عرفاً. وكل ذلك خلاف الفهم العرفي.
كما أن التفكيك بين زكاة الغلات وغيرها، فتكون هي بنحو الإشاعة وغيرها بنحو آخر، غير ممكن.
1- انه لا يلتزم به القائل نفسه.
2- على خلاف ظهور الأدلة وارتكاز المتشرعة على أن الزكاة موضوعة على نحو واحد. ولا أقل من قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ
ــــــــــــــــــــ[19]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) ج5, ص175.
بِهَا. وكذلك لسان: إن “الزكاة في تسعة أشياء” أو “على تسعة أشياء”.
3- ان النحو الآخر في غير الغلات لا يكون متعيناً. فإن كـــــــان المقصود هو الكلي في المعين فقد ناقشناه. وإن كان له وجه آخر من الوجوه، فهو تابع لمناقشته بعون الله تعالى.
الدليل الثاني: صحيحة أبي المعزا(1) عن أبي عبد الله قال: “ان الله تبارك وتعالى أشرك بين الأغنياء والفقراء في الأموال . فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم”.
وهو نص بالشركة، وجوابه من وجهين:
أولاً: يستفاد منه بوضوح كونه بصدد بيان الحكمة من تشريع الزكاة وليس بصدد بيان نحو تشريعها. وإذا تم ذلك كان لفظ الشركة قاصراً عن أداء المعنى الفقهي.
ثانياً: ان الشركة كما تكون بنحو الإشاعة تكون بنحو آخر، كالكلي في المعين، فإن المجموع أيضاً لا يجوز صرفه إلى الغير، والمهم في الشركة هو تعدد الحقوق في المال، فتأمل.
الدليل الثالث: صحيحة بريد بن معاوية(2) قال: سمعت أبا عبد الله يقول (الحديث): وفيها محلان للاستدلال:
الأول: قوله: “فإذا أتيت ماله فلا تدخله إلا بإذنه فان أكثره له”. وهو يناسب مع شركة الإشاعة.
الثاني: قوله: “فاصدع المال صدعين ثم خيّره أي الصدعين شاء فأيهما
ــــــــــــــــــــ[20]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) أبواب مستحقي الزكاة، باب4، حديث4.
(2) أبواب زكاة الأنعام: باب14، حديث1.
اختار فلا تعرض له… ولا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله. فإذا بقى ذلك فاقبض حق الله منه”.
قال في المستمسك(1) في وجهه: «فإن القسمة من لوازم الإشاعة إذ لو كان من قبيل الكلي في المعين لوجب على المصدق أن يأمر المالك بدفع ما يكون مصداقاً لكلي الفريضة، وليس له المشاحة على الخصوصيات، إذ جميعها للمالك، والفقير له الكلي لا غير».
أقول: أما عن الفقرة الأولى، فهي غير صحيحة، لأنه كما يناسب مع الإشاعة، يناسب مع غيره كالكلي في المعين، فإن المملوك فيه ليس هو مطلق الكلي بل الكلي المحدد في هذا المجموع المعين، فاستحقاق مالك الجزء يجعل مالك الباقي غير كامل التصرف في ماله. ومن هذه الجهة فليس كله له بنحو مطلق.
على ان الاستفادة من الرواية إنما تكون بمفهوم الوصف، وليس بالدلالة المطابقية، وهو غير تام، اللهم إلا أن يستفاد أن الإمام بنفسه في مقام بيان المفهوم، فتأمل.
وأما عن الفقرة الثانية فيمكن مناقشتها بعدة وجوه:
الوجه الأول: ما ذكره في (المستمسك)(2) من عدم كون القسمة من لوازم الإشاعة لا شرعاً ولا عقلاً.
أقول: إلا أن المدعى ليس هو تلك الملازمات، وإنما هو الملازمة الفقهية المتشرعية، وهي وإن كانت موجودة، لانحصار الوجه فيه فقهياً، إلا أن هذا هو اصطلاح فقهي متأخر لا يمكن فهمه من النصوص. ومعه فنفي الملازمتين
ــــــــــــــــــــ[21]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) ج9, ص176.
(2) ج9, ص178.
العقلية والعرفية كافٍ في نفيه.
الوجه الثاني: ما ذكره أيضاً من انه قال في ذيل الحديث: “حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله” قال: «وهو ظاهر في ان الحق أمر خارج عن المال متعلق به، لا انه جزء منه بنحو الإشاعة».
أقول: ان قرينته على نفي الإشاعة واضح للتعبير بالحق، والإشاعة لا تكون إلا بالملك. وإنما ظهوره في كونه خارجاً عن المال فهو محل الإشكال، لأنه يقول: «ما فيه وفاء». فالحق موجود في المال لا خارج عنه.
الوجه الثالث: إن ما ذكر في الصحيحة من التقسيم غير واجب بالضرورة الفقهية، وإنما هو أمر راجح إرفاقاً بالمالك لكي لا يفقد ما يرغب فيه من أمواله. وهذا معناه ان دفع الزكاة بغير التقسيم ممكن. وهذا ما يعترف به القائلون بهذا الوجه. ومعه يعتذر المصير إلى الإشاعة.
أدلة الوجه الرابع:
وهو الشركة في المالية:
وأفضل ما يقال في الاستدلال عليها، أنها الوجه الذي به نستطيع أن نفهم كل ألسنة الأدلة، بشكل تندفع به الإشكالات الواردة عليها، مما سبق أن سمعناه.
فمثلاً: نفهم ذلك من الروايات التي استعملت حرف الظرفية، ولا يرد عليه ما أورد هناك من كون الظاهر منها أنها متعلقة بفعل مقدّر، مثل يجب أو فرض. إذ إن الشركة في المالية نحو من الفرض والوجوب.
كما لا يرد عليه معارضته بما استعمل فيه حرف الاستعلاء. لأن الشركة في المالية تكون على ذمة المكلف أيضاً. وبه نفسر ما ورد فيه كِلا الحرفين
ــــــــــــــــــــ[22]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
مستعملين كصحيحة زرارة(1) قال: قلت لأبي عبد الله: هل في البغال شيء؟ قال: “لا -إلى أن قال- ليس على ما يعلق شيء إنما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها عامها الذي يقتنيها فيه الرجل. فأما ما سوى ذلك فليس فيه شيء”.
إذ يكون المؤدي الرئيسي لكِلا الحرفين واحداً. وهو الشركة في المالية، أما حرف الظرفية فباعتبار أن العرف يرى كون المالية شيئاً حاصلاً في المال، وليس معزولاً عنه ارتكازاً. إلى حد يمكن أن تحمل عليه بالحمل الشايع فيقال: الكتاب دينار واحد.
وأما حرف الاستعلاء فباعتبار أن المملوك ليس هو العين بل المالية، فبلحاظ المغايرة بينهما يرى العرف إن المالية أمر موضوع على المال من الخارج، يعني من المتسالم والتعارف الاجتماعي.
هذا إذا لاحظنا أن مدخول الحرف هو المال، كما هو أحد القسمين اللذين أشرنا إليهما. وإذا كان مدخول الحرف هو المكلف، وهو القسم الثاني فباعتبار: ان العرف لا يرى العين داخلة في الذمة بل المالية نفسها، فالمالية هي التي تكون محمّلة على ذمة المكلف وعهدته. ومن هنا نفهم منه الشركة في المالية.
هذا… وكذلك صحيحة (عبد الرحمن) السابقة، التي لم تكن دالة على وجه الكلي في المعين والتي يقول فيها: “تؤخذ منه زكاته ويتبع بها البائع أو يؤدي زكاتها البائع”.
وهو دال على ان الزكاة في المالية، وإلا لما انسجم مع كون نفسها مما يمكن ان تدفع على شكلين:
ــــــــــــــــــــ[23]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) أبواب ما تجب فيه الزكاة, باب16, حديث3.
أحدهما: ان “يتبع بها البائع” يعني العين نفسها.
ثانيهما: “أو يؤدي زكاتها البائع” يعني بالقيمة، وهو ظاهر بأن القيمة هي نفس الزكاة وليست بدلاً عنها. الأمر الذي يدل على أن الجزء المستحق هو المالية، وان مالية النصاب متوزعة بين المالك والمستحق. وهو معنى الشركة في المالية.
وكذلك: لسان: “فيما سقت السماء العشر”، لما قلناه من أن الفهم العرفي يرى إن المالية أمر موجود في العين وليس منفصلاً عنها.
ولا يرد عليه ما أوردناه في وجه الشركة المشاعة من انه يلزم التفريق بين زكاة الغلات وغيرها، لأننا نفهم كِلا القسمين من باب الشركة في المالية. فانه بالرغم من انه ورد في بيان الفريضة المدفوعة: (بنت مخاض وبنت لبون وخمسة دراهم ونصف مثقال ونحوها). إلا أننا لا نفهم من ذلك ملكية المستحق للعين بل للمالية هذه الأشياء.
فان قلت: أن الظاهر منها ذلك، قلنا: أن هذا يعني الشركة في العين الذي ناقشناه ودفعناه. وعندئذ تتعين الشركة في المالية.
وكذلك صحيحة أبي المعزا: “أن الله أشرك بين الأغنياء والفقراء بالأموال”. وقد سبقت.
والشركة كما تكون في العين تكون في المالية. وهو يقول: “بالأموال” وهو في المالية أظهر. إذ لو كان يريد الأعيان لعبّر بذوات الأعيان، فتأمل.
وكذلك صحيحة بريد بن معاوية وفيها يقول: “فاصدع المال صدعين… -إلى ان يقول-: حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله”. وحق الله في ماله ظاهر في المالية، إذ لو كان المراد العين لما صح التعبير عنها بالحق. وأما (المال) فهو أوضح في المالية بطبيعة الحال. الأمر الذي يعين كون المملوك للمستحق
ــــــــــــــــــــ[24]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
هو المالية، وهو معنى الشركة في المالية.
وما أورد عليه من ان تقسيم المال من لوازم الإشاعة في العين لا الشركة في المالية، غير وارد. لأن كل قسم كما ينظر إليه عرفاً بصفته عيناً كذلك ينظر إليه بصفته مالاً أو له مالية، وحيث عرفنا ان النتيجة المطلوبة بعد التقسيم هو بقاء “حق الله في ماله” والذي استفدنا منه المالية، فيكون ذلك دليلاً على ان التقسيم إنما هو تقسيم للمالية لا للعين.
وأما خبر أبي حمزة عن أبيه عن أبي جعفر السابق، والذي يقول فيه: “فان لم تعزلها واتجرت بها -يعني الزكاة- في جملة مالك، فلها تقسيطها من الربح ولا وضيعة عليها”.
فقد يقال: أنها أظهر بالشركة في العين، لأن العرف يرى ان التجارة إنما تكون بالأعيان والربح إنما يكون بها ومنها.
ولكنها على خلاف المقصود أدل لوضوح عدم انحفاظ الأعيان في التجارة، وإنما التجارة في واقعها إنما هي بالمالية دون العين، وإنما تستعمل العين مقدمة للحصول على المالية. والربح إنما هو زيادة في المالية. وكل ذلك ينتج الشركة في المالية.
ولو سُلِّم فهو غير معتبر لإرساله، كما سمعنا.
فهذا هو أقصى ما يمكن الاستدلال به على الشركة في المالية. وقد أطلنا فيه احتراماً لسيدنا الأستاذ الذي يقول به، ولم نجد منه مصدراً يحتوي على استدلاله عليه.
إلا أن هذا كله لا يتم إلا أن يقال: إن هذا الرأي إنما يتخذ للضرورة جمعاً بين مجموع الأدلة التي تبدو متنافية في مدلولاتها، ولو لزم من ذلك المصير إلى التأويل غير العرفي لبعضها أو لكثير منها.
ــــــــــــــــــــ[25]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وهذا قد يكون له وجه من المنطقية، لو كان هو الرأي المنحصر الذي يمكن فيه الجمع. وأما إذا استكشفنا وجهاً آخر جامعاً، فلن يكون هذا أولى منه بالاستفادة. على ان المطلوب هو الجمع بالفهم العرفي بين مجموع الأدلة وليس هو التأويل في البعض والإهمال في البعض الآخر بمعنى ترك التعرض للمعارِض.
ويمكن أن نذكر الإشكال في هذا الاستدلال ضمن النقاط التالية:
النقطة الأولى: أن الشركة في المالية لا تنسجم مع النصب الخمسة الأولى للإبل، حيث تكون الفريضة فيها من غيرها. إلا على تأويل أن الزكاة في الحقيقة هي ملكية الفقير لمالية قيمة الشاة المتحققة ضمن قيمة الإبل.
إلا انه خلاف الظاهر جداً، من حيث ان الظاهر ملكية المستحق للشاة نفسها أو عينها وليس للمالية المتحققة ضمن قيمة الإبل. فان تنزلنا قلنا بضمان مالية الشاة بشكل مستقل من مالية الإبل, بمعنى أنها غير ملحوظة ضمنها إلا على وجه البدلية لو حصلت.
وعلى أي حال، فهي شاة كلية وقيمتها الكلية ثابتة في ذمة المالك. لا تتعين إلا بقبض المستحق.
وهذا ينتج جواز بيع النصاب كله، كما هو غير بعيد. ولا ينفيه غير خبر (أبي حمزة) غير المعتبر، فراجع.
النقطة الثانية: بالنسبة إلى الأخبار التي استعمل فيها حرف الاستعلاء، لا يفهم منها الا الوجوب، لأنه هو الذي يكون في الذمة والعهدة، وهذا في ما كان مدخوله المالك واضح.
وكذلك ما كان مدخوله المال، لأن المال ملحوظ بما هو داخل في عهدة المالك وسيطرته، فما وجب عليه من الزكاة يكون في عهدته أيضاً. وهذا
ــــــــــــــــــــ[26]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
واضح بناءً على عدة أقوال يجمعها كون الزكاة من ضمن المال: كالشركة في العين والكلي في المعين وحتى الشركة في المالية. فلا يتعين كونه للشركة في المالية.
النقطة الثالثة: بالنسبة إلى ما استعملت فيه حرف الظرفية. فكما ان مجموع المالية ظرف لجزئها، بمعنى من المعاني, كذلك يناسب ذلك مع الأقوال الأخرى، كما هو معلوم، فلا يتعين ذلك.
بل ينفيه ظهور اللفظ في العين كشاة وبنت لبون وحقة وغير ذلك. إلا أن تؤوّل بالمالية، وهو مخالف للظهور بلا إشكال.
النقطة الرابعة: إن ما زعمناه خلال عرضنا للدليل من أن ظاهر (المال) عرفاً: المالية. غير صحيح عرفاً، بل المال عندهم هو ذات الأعيان كالغنم والبقر والحنطة والشعير. ثم استعيرت منه المالية بمفهومها الخاص.
بل المالية كمفهوم بحياله غير ملحوظ بوضوح عرفاً. وإنما الملحوظ قيمة الأشياء التي تدفع بإزاء معاوضاتها, وهي وان كانت تمثل المالية إلا إن المقصود بالمالية الاصطلاحية أمر يختلف عن ذلك بمقدار مهم.
النقطة الخامسة: بالنسبة إلى ما ورد في الغلات من العُشر ونصف العُشر. فان المفهوم عرفاً منه هو عُشر عين النصاب لا ماليته.
وما قلناه من أن العرف يرى المالية في عين المال وليس منفصلاً عنه، وان كان صحيحاً. إلا انه فرع الفهم العرفي بتعلق الزكاة في المالية دون العين، وهو خلاف الظاهر.
مضافاً إلى ما ورد في الأنعام والنقدين من تسمية الأعيان بذواتها دون الكسر العشري، فإنها أظهر في العين، إلا بتأويل المالية على وجه بعيد.
النقطة السادسة: بالنسبة لصحيحة بريد بن معاوية، فقوله فيها: “حتى ما ــــــــــــــــــــ[27]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله”. لعله أظهر في العين لأن معنى المال عرفاً هو ذلك, و(الحق) هنا هو الاستحقاق، بمعنى تنفيذ طاعة الله سبحانه وتعالى فيه بإيصاله إلى مستحقه. وليس حقاً بالمعنى الاصطلاحي لنحمله على المالية.
وقوله فيها: “فان أكثره له”، لا يناسب الشركة، لأنه قال: “فلا تدخله إلا بإذنه فان أكثره له”. فالملحوظ الدخول بين الأعيان وليس المالية، فيكون ذلك قرينة على ان المراد بأكثره العين لا المالية.
وكذلك صحيحة (أبي المعزا) بعد أن قلنا أن العرف يفهم من المال العين، فهو حين يقول: “إن الله أشرك بين الأغنياء والفقراء بالأموال”، يعني في أعيانها وليس في أقيامها، على انه حديث يتحدث عن الحكمة من جعل الزكاة، فلا يمكن فهمه على أساس فقهي، وبتعبير آخر: انه لا يكون بصدد البيان من الناحية الفقهية لنتمسك بإطلاقه.
النقطة السابعة: المشهور جداً تعلق الزكاة بالعين، بل عن المصابيح: انه يكاد يكون إجماعاً. وعن التذكرة: نسبته إلى علمائنا، وعن المنتهى: انه مذهب علمائنا أجمع(1).
وهذا المضمون كما يكون نافياً لأن تكون الزكاة في الذمة، كذلك يمكن ان يكون نافياً لكون الزكاة في المالية لوضوح تغاير العين والمالية عند هؤلاء المجمعين، فيكون صرف الزكاة من العين إلى المالية خروجاً على هذا الإجماع أو الشهرة المحققة.
اللهم إلا ان يقال: انه ليس إجماعاً تعبدياً، بل هو معتمد على الأخبار، فلا يكون حجة.
ــــــــــــــــــــ[28]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) انظر المستمسك: ج9, ص175.
ويمكن ان يجاب: ان هذا الكلام إنما يصدق فيما إذا كانت قيمة الإثبات في الإجماع أقل من قيمة الإثبات في الأخبار أو مساوية له. وأما إذا كانت قيمة الإجماع أعلى وأهم من الأخبار، فيكون معتبراً ومثاله: ضروريات للدين، فإنها واردة في مورد الأخبار أيضاً. إلا ان الإجماع والضرورة أكبر من ذلك. فقد تكون نفس الفكرة مطبّقة في مورد الكلام أيضاً بشكل وآخر، فلاحظ وتأمل.
أدلة القول الخامس:
وهو ان يكون استحقاق الزكاة كاستحقاق العين المرهونة، أو حق الرهانة.
وهذا الوجه واضح الفساد فقهياً لوضوح الفرق بين العين المرهونة والعين الزكوية. ومجرد اشتراكهما في عدم جواز التصرف، لا يكفي لفهم التشابه بينهما من جميع الجهات.
ونلخص فيما يلي أهم الفروق بينهما:
أولاً: ان العين المرهونة مملوكة لمالكها الأصلي وهو المدين الراهن. على حين ان الأدلة في باب الزكاة واضحة في ملكية الفقير للحصة الزكوية سواء بعينها أو بماليتها أو بكسرها العشري أو غيره، دون المالك.
وأوضح ما يدل على ذلك ما استعمله فيه حرف الظرفية وحرف الاستعلاء، و(لام) الملك، ولا حاجة إلى تفصيله.
ثانياً: ان العين المرهونة يجوز بيعها بإذن مالكها بخلاف العين الزكوية، فان الاستيذان من أحد الفقراء لا يكفي ما لم يقبضها. وإذا قُبِضت خرجت عن كونها عيناً زكوية.
فان قيل: انه يمكن الاستئذان من ولي المالك وهو الحاكم الشرعي. قلنا: أولاً: انه لا يعني تسلط المالك بالعنوان الأولي على الإذن، بخلاف العين المرهونة. وثانياً: ان العين المرهونة لا ينفذ فيها حكم الحاكم في عرض إذْنِ
ــــــــــــــــــــ[29]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
المالك.
ثالثاً: ان العين المرهونة ترجع إلى مالكها بالفك دون العين الزكوية وبتعبير آخر: ان العين المرهونة يمكن فكها دون الأخرى.
رابعاً: ان العين المرهونة لا تحديد لها عرفاً ولا شرعاً بخلاف العين الزكوية المحددة شرعاً.
خامساً: يجوز للمالك الراهن التصرف في العين المرهونة بإذْنِ المرتهن، بخلاف العين الزكوية، وإذْنِ الحاكم الشرعي فيها كما سبق.
سادساً: ان فكرة الرهن أساساً لأجل الاستيثاق من إرجاع الدين وإمكان قبضه من قِبَل الدائن المرتهن. وهذا منتفٍ بالمرة في العين الزكوية وهذا واضح ولعله أهم هذه الوجوه.
وعلى أي حال فلا يمكن المصير إلى كون الاستحقاق للعين الزكوية على غرار العين المرهونة. ومعه لا حاجة إلى استعراض الأدلة ومناقشتها.
أدلة القول السادس:
وهو أن يكون الاستحقاق الزكوي كاستحقاق حق الجناية. ويراد به ان المجني عليه دون القتل أو ولي الدم في القتل يملك العبد الجاني كله أو بعضه حسب قيمته وقيمة الدية على تفصيل موكول إلى كتاب القصاص.
ولا بد فيما يلي أن نحمل فكرة مختصرة مع أدلتها عن نحو فكرة ملكية العبد الجاني. لنطبقها بعد ذلك على العين الزكوية.
فمن ذلك: صحيحة زرارة(1) عن أحدهما: “في العبد إذا قَتل الحر دُفِع إلى أولياء المقتول، فان شاءوا قتلوه وان شاءوا استرقّوه”.
ــــــــــــــــــــ[30]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الوسائل: أبواب القصاص في النفس، باب41، حديث1.
وصحيحة أبي بصير(1) قال: سألت أبا جعفر عن مدبر قتل رجلاً عمداً. فقال: “يُقتَل به”. قال: قلت: فان قتله خطأ؟ قال: فقال: “يُدفع إلى أولياء المقتول فيكون لهم رقاً فان شاءوا باعوه وان شاءوا استرقّوا وليس لهم ان يقتلوه”. قال: ثم قال: “يا أبا محمد ان المدبر مملوك”.
إلى عديد من الروايات الواردة في صورة القتل وأما ما ورد في صورة الجناية التي هي أقل من النفس فنذكر عنها بعض الأمثلة أيضاً.
منها: صحيحة الفضيل بن يسار(2): انه قال في عبد جرح حراً، فقال: “ان شاء الحر اقتص منه. وان شاء أخذه إن كانت الجراحة تحيط برقبته. وان كانت لا تحيط برقبته افتداه مولاه. فان أبى مولاه ان يفتديه كان للحر المجروح (حقه) من العبد بقدر دية جراحه، والباقي للمولى يباع العبد فيأخذ المجروح حقه ويَرُد الباقي على المولى”.
وصحيحة أبي أيوب الحناط(3) قال: سألت أبا عبد الله عن مُكاتِب اشترط عليه حين كاتَبه، جنى إلى رجل جناية، فقال: “إن كان أدى من مكاتبته شيئاً غُرّم في جنايته بقدر ما أدى من مكاتبته للحر، فان عجز عن حق الجناية، اُخِذ ذلك من حق المولى الذي كاتبه”. قلت: فان كانت الجناية للعبد؟ قال: فقال: “على مثل ذلك دفع إلى مولى العبد الذي جرحه المكاتب. ولا تقاص بين المكاتب والعبد إذا كان المكاتب قد أدى من مكاتبته شيئاً. فان لم يكن قد أدى من مكاتبته شيئاً فانه يقاص العبد به. أو يغرّم المولى كلما جنى المكاتب، لأنه عبده ما لم يؤدِ من مكاتبته شيئاً”.
ــــــــــــــــــــ[31]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: باب42، حديث1.
(2) نفس المصدر: باب3، حديث1.
(3) نفس المصدر: باب7، حديث1.
إلى غير ذلك من الروايات.
وهي واضحة في كون الحق في العبد الجاني في العين لا في الذمة ولا في المالية. وأوضح ذلك هو ما إذا كانت الدية أقل من قيمته كقوله في صحيحة الفضيل: “فان أبى مولاه أن يفتديه كان للحر المجروح (حقه) من العبد بقدر جراحه والباقي للمولى يباع العبد فيأخذ المجروح حقه ويرد الباقي على المولى”.
ولا شك أن هذا البيع غير واجب وإنما هو طريقي لتوزيع الحقوق. والمهم هو حصول الشركة في العين بين المجني عليه والمولى، فان استوعبت الدية ثمنه في الجرح أو كانت الجناية قتلاً، لم تحصل شركة، لأن العبد كله يُدفع إلى المجني عليه أو وليه، فيكون مالكاً له ملكية اعتيادية، بمعنى أن له أن يتصرف فيه تصرفاً خارجياً أو معاملياً كأي شيء آخر مملوك. وبتعبير آخر: يكون هو المولى لا المولى الأول.
وأشبه شيء لموارد الزكاة هو ما إذا لم تستوعب الجناية قيمة العبد، وهي كما عرفنا: الشركة في العين. فالقول -إذن- بأن حق الزكاة كحق الجناية تعبير آخر عن الشركة في العين. وليس غيره لُباً، وان كان عن صياغة جديدة.
وليس حق الجناية من قبيل الكلي في المعين ولا الشركة في المالية ولا هو حق فذ خارج عن الماليات، بل هو حق مالي أو تملّك للمال لا أكثر ولا أقل: يصبح أحياناً -كما عرفنا- من الشركة في العين أو الملكية المشاعة.
فالفكرة مع القائل بالشركة في العين في الزكاة واحدة. وهي التي قالوا عنها إنها هي المستفادة من الأدلة ولا يحتمل غيرها، غير أن أعيان الزكاة تختلف عن متعلق حق الجناية، الذي يكون هو العبد دون غيره، ومن هنا فقد يمكن ان نضم الفقهاء الذين يقولون بتنظير حق الزكاة بحق الجناية إلى الفقهاء الذين يقولون بأن حق الزكاة من الشركة المشاعة في العين.
ــــــــــــــــــــ[32]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
نعم, إذا كان لا يرى الفقيه في حق الجناية ذلك، ولو باعتبار ظهور الروايات في تعليقه على مشيئة المجني عليه كقوله: “ان شاء الحر اقتص منه وان شاء أخذه”. حيث يقال: «ان الظاهر ان الملكية فرع المشيئة وليست حادثة في طول الجناية».
عندئذ يختلف حق الجناية عن حق الزكاة بوضوح ولا يمكن التنظير بينهما لعدم تعليقه على المشيئة في الزكاة.
وقد يقال: ان ملك الفقير متوقف على القبض المتوقف على المشيئة، فيكون الملك متوقفاً على المشيئة.
فيقال: انه لو سلّم بهذا المقدار فمع ذلك يبقى فرق واضح. لأن المجني عليه يملكه كبدل عن الجناية أولاً وكبدل عن القصاص ثانياً، وكِلا هذين غير متوفرين في حق الزكاة.
إلا ان هذا الفهم لحق الجناية لا يخلو من مناقشة، إذ يمكن ان يقال: انه بقرينة قوله في صحيحة أبي بصير: “يدفع إلى أولياء المقتول فيكون لهم رقاً”، الدال على ان الجناية سبب تام للملكية، والمشيئة فرع الملكية، كقوله في نفس الصحيحة: “فان شاءوا باعوه وان شاءوا استرقّوه”. فكذلك قوله في صحيحة الفضيل: “ان شاء الحر اقتص منه وان شاء أخذه”. فيكون إيقاع القصاص على ملكه لا أكثر ولا أقل وخاصة بعد الالتفات إلى ان قوله: “ان كانت الجراحة تحيط برقبته”، تصلح قيداً لكِلا المشيئتين. فراجع وتأمل. وتمام الكلام في محله.
وعلى أي حال، فالقدر المتيقن من الشركة في العين، في حق الجناية هو بعد تطبيق المشيئة على الاسترقاق. وهو من هذه الناحية يشبه حق الزكاة على هذا المسلك، إلا ان خصائصه الأخرى تختلف كما أشرنا. فلا يمكن المصير إلى كونهما على وجه واحد.
ــــــــــــــــــــ[33]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الوجه المختار
بعد ان ناقشنا كل هذه الوجوه الستة، لم يبقَ منها ما هو صالح للالتزام به. غير ان الشركة في العين، هي الأظهر كما رأينا من استعراض عدة نصوص. فهل يمكن الالتزام به مع دفع إشكالاته؟
وقد رأينا أن (المستمسك) إنما نفاه باعتبار عدم دلالة النصوص عليه وقد ناقشناه. فلا يبقى من الإشكالات إلا واحداً فقط وهو النُصُب الخمسة الأولى من الإبل. حيث تكون الفريضة فيها خارج النصاب كله. على حين تكون الأنواع كلها من أنعام وغلات ونقدين فريضتها من نفس النصاب، بحيث يكون دفع شيء آخر عنها بدلاً لها وليس هي الفريضة بعينها.
وتأويل تلك النُصُب الخمسة بمالية الشاة التي هي جزء من مالية الإبل خلاف الظاهر.
وهذا يمكن ان يجاب بعدة وجوه, نذكر أهمها:
الوجه الأول: انه لا ضرورة إلى الالتزام بكون جعل الزكاة على وجه واحد، والمستفاد من بعض الألسنة كقوله: “الزكاة في تسعة أشياء” ونحوه. إنما هو تشريع أصل الزكاة وليس تفاصيلها أو نحو جعلها.
فان سلمناه جزئياً، فإنما يراد الغالب، وهو ثابت في كل الأنصبة إلا خمسة منها، الأمر الذي يمكن معه الاستثناء ولا يكون من باب تخصيص الأكثر.
ولو سلمناه اضطررنا إلى عدم التدقيق في فهم موحد للزكاة، بل المراد
ــــــــــــــــــــ[34]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
مطلق الضريبة أو الغرامة أو إنعاش حال الفقير، ما شئت فعبّر. بغض النظر عن كونه جزءاً من النصاب أم لا.
ومن هنا يمكن أن يقال -كما أشرنا قبل فترة- بإمكان بيع هذه النُصُب الخمسة وانتقالها جميعاً إلى المشتري، مع ضمان دفع الشياه من الخارج بل حتى مع العصيان. بخلاف باقي النُصُب فانه لا ينتقل بمقدار حصة الزكاة، وإذا حصل فيه الربح كان لأرباب الزكاة وليس للتاجر، كما صرح به في خبر (أبي حمزة) الذي سمعناه. وهو أمر على القاعدة. ولا يخل به ضعفه من هذه الناحية.
والتبرير النظري للحكمة من هذا الفرق هو سعة الرحمة الإلهية. إذ لو أراد الشارع المقدس ان يجعل الفريضة جزءاً من النصاب لكان اللازم ان يكلف المالك أحد الإبل بكامله أو أكثر. في حين اقتضت المصلحة التهوين عليه والرحمة به وعدم تكليفه بهذا المقدار الكبير، فلا يمكن ذلك إلا بدفع شيء من خارج النصاب. بعد التسليم أيضاً بأنه لا يجب تقسيم الحيوان الواحد ودفع بعضه ولم يؤمر به أصلاً، ولو فعله المكلف كان دافعاً لبدل الشاة، لا للفريضة نفسها، عرفاً.
الوجه الثاني: ان نلتزم بوحدة الجعل في الزكاة إلا ان ذلك يستلزم حمل هذه النُصُب الخمسة على القيمة لا محالة(1)، لكي يكون من قبيل الشركة في العين، بل وحتى الوجوه الأخرى كالكلي في المعين والشركة في المالية (الظاهر منها مالية الشاة لا مالية الإبل) وكذلك تنظيره بحق الجناية.
ــــــــــــــــــــ[35]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) ولو باعتبار قوله: “في الخمس من الإبل شاة”. الظاهر ان الفريضة من جملة النصاب وإنها فيه. ولا يعقل ان تكون الشاة في الإبل فنصير إلى التأويل بالقيمة. إلا انه غير تام لأن جعل الشاة بحدها قرينة على ان المراد غير ذلك، وهو مطلق تشريع الضريبة لا ان نجعل الظرفية قرينة على التأويل بالمالية، فان الأول أولى عرفاً.
ولذا التزم الشاذ من الفقهاء بأنه حق في الذمة، فإنها الفكرة الفقهية الوحيدة التي يمكن ان تكون جامعة بين أنحاء جعل الزكاة. إلا انه يلزم منها تأويل عدد أكبر من الروايات من ذلك الجانب -اعني في غير هذه النصب الخمسة- الظاهرة بالاشتراك في العين.
وعليه, فلا بد أما من التأويل أو من التفصيل, أعني إما ان تؤول إحدى الطائفتين من الأخبار -النصب الخمسة من ناحية وغيرها من ناحية أخرى- بما ينسجم مع الباقي أو نفصل بينهما فنقول باختلاف الجعل في الزكاة بما فيها ما يترتب على هذا الاختلاف من أحكام.
وقد أشرنا إلى انه لا ضرورة إلى الالتزام بوحدة الجعل والحكمة من تشريع الزكاة نافذة في كِلا الوجهين. ومعه, فالتفريق بين الجعلين هو المتعين لأنه هو الأوفق بظواهر كِلا الطائفتين. بأن يكون الجعل في غير هذه النُصُب الخمسة بنحو الشركة في العين ويكون في النُصُب الخمسة بنحو آخر خارجي عن النصاب أو قل في الذمة، يؤديها من أي شاة وقعت في يده شرعاً.
ولا ينبغي ان نفهم من الشركة في العين مفهوم الشركة المشاعة التي عبّروا بها. لأنه لا ينسجم مع عدد من فرائض النُصُب غير هذه الخمسة أيضاً. فنُصُب الإبل الباقية لا يجزي فيها واحد من الإبل كيف كان وكذلك نِصابا البقر لا يجزي فيها أي واحد من البقر كيف كان، بل يشترط فيه عمر معين. فلو قلنا بالشركة المشاعة على غرار الكسر العشري لكان لا بد من التأويل بالمالية أيضاً، فنقع فيما فررنا منه.
بل المراد من الشركة في العين هو ان للمستحق جزءاً من عين نصاب الزكاة. سواء كان هذا كسراً عشرياً كما في الغلات أو حيواناً موصوفاً كما في الأنعام، أو جزءاً محدداً كما في النقدين. والمهم ملكية الفقير لجزء من النصاب فعلاً، بحيث لو دفع المالك غيره كان بدلاً له.
ــــــــــــــــــــ[36]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
كما انه ليس المراد بما في الذمة في النُصُب الخمسة: اشتغال الذمة بالقيمة، وإلا رجعنا إلى ما فررنا منه، وهو تأويل الشاة بقيمتها. وإنما تشتغل الذمة بالشاة نفسها والذمة كما تشتغل بالأقيام تشتغل بالأعيان أيضاً. ومثاله الكلي في المعين عند بيعه بل مطلق بيع الكلي، حيث تشتغل الذمة بالمبيع لا بقيمته.
والقول الشاذ فقهياً والمنافي لظواهر الأدلة، هو الالتزام بالذمة مطلقاً. وأما الالتزام بالذمة جزئياً مع عدم منافاته للظواهر، بل لأجل موافقته لها، فهو المتعين.
نعم، الالتزام باختلاف الجعل، خلاف الفهم الفقهي المشهور إلا ان هذا الفهم ليس بحجة، لأنه مبني على الاستفادة من الأخبار التي ناقشناها. كما انه ليس إجماعاً. وظواهر جعل الفرائض في النُصُب بتفاصيلها حجة عليه. لأننا عرفنا ان الظهور في كل طائفة يقتضي هذا التفريق.
ــــــــــــــــــــ[37]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
فصل
في النصاب الخامس للغنم
في هذا النصاب فذلكة فقهية، يحسن التعرض لتفاصيلها:
قال المحقق الحلي في شرائع الإسلام(1): «وفي الغنم خمسة نصب: أربعون شاة. ثم مائة وإحدى وعشرون. وفيها شاتان. ثم مائتان وواحدة وفيها ثلاث شياه. ثم ثلاثمائة وواحدة. فإذا بلغت ذلك قيل: يؤخذ من كل مائة شاة. وقيل بل تجب أربع شياه حتى تبلغ أربعمائة فتؤخذ من كل مائة شاة. بالغاً ما بلغ. وهو الأشهر، وتظهر الفائدة في الوجوب وفي الضمان».
ويقع الكلام في ذلك ضمن عدة جهات:
الجهة الأولى: في الاستدلال أجمالاً على أحد الوجهين:
يدل على الوجه الأول صحيحة محمد بن قيس(2) عن أبي عبد الله قال: “ليس فيما دون الأربعين من الغنم شيء. فإذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة. فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى المائتين. فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث من الغنم إلى ثلاثمائة. فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة”.
فقد يستظهر منها أن الثلاثمائة فيها أربع شياه، وسيأتي تمحيصه.
ــــــــــــــــــــ[38]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) ج1, ص133.
(2) الوسائل: أبواب زكاة الأنعام، باب6، حديث2.
ويدل على الوجه الثاني: صحيحة الفضلاء الخمسة(1) عن أبي جعفر وأبي عبد الله (يقول فيها): “فإذا زادت على المائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه. ثم ليس فيها شيء أكثر من ذلك حتى تبلغ ثلاثمائة. فإذا بلغت ثلاثمائة ففيها مثل ذلك ثلاث شياه. فإذا زادت واحدة ففيها أربع شياه حتى تبلغ أربعمائة. فإذا تمت أربعمائة كان على كل مائة شاة. وسقط الأمر الأول، وليس على ما دون المائة بعد ذلك شيء”، الحديث.
وفي فهم هذين الحديثين عدة وجوه:
الوجه الأول: ما فهمه صاحب (الوسائل) من ان الصحيحة الأولى غير صريحة في وجوب ثلاث شياه في الثلاثمائة في حين ان الثانية صريحة في وجوب الأربعة، فيجب العمل بها. أقول: وهذا من القرينية اللفظية.
الوجه الثاني: ما ذكره صاحب (الوسائل) من احتمال المعارضة بين الصحيحتين على تقدير إرادة الثلاثة حتى مع الثلاثمائة، قال: «تعين حمله على التقية ذكره جماعة من علمائنا».
الوجه الثالث: تقييد صحيحة (محمد بن قيس) بصحيحة الفضلاء. فانه لم يصرح بما في الثلاثمائة، فان كان ظاهره الأربعة إذا استفدنا من قوله: “فإذا كثرت الغنم” انه يريد الثلاثمائة خاصة. أمكن تقييده بالواحدة. يعني “إذا بلغت ثلاثمائة وواحدة ففي كل مائة شاة”. وهو أحد الوجوه التي سمعناه من (المحقق الحلي).
ولكن يبقى التعارض بين الصحيحين في كمية الفريضة المخرجة.
الوجه الرابع: تقييد صحيحة (محمد بن قيس) بوجه آخر, وحاصله: أننا نقيد الثلاثمائة بما إذا بلغت أربعمائة. طبقاً للمفهوم في صحيحة الفضلاء حيث يقول: “فإذا بلغت الأربعمائة”، يعني ليس في ما دون ذلك أربع شياه.
ــــــــــــــــــــ[39]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: باب6، حديث1.
فينتج ان النصاب الثالث للغنم مائتين وواحدة وفيها ثلاث شياه ثم الرابع وهو: “الأربعمائة ففي كل مائة شاة”.
ولكن يبقى التعارض في الثلاثمائة أو الثلاثمائة والواحدة، حيث يستظهر من صحيحة (ابن قيس) ان عليها ثلاثاً ومن صحيحة الفضلاء ان عليها أربعاً.
الوجه الخامس: انه لا تنافي بين التقييدين، فنجري كليهما في صحيحة (ابن قيس)، فنقيد الثلاثمائة بالواحدة ونقيدها أيضاً ببلوغ الأربعمائة. ويعني التقييد الثاني إضافة رأس نصاب آخر إلى ما هو غير مذكور فيها.
فينتج منه انه في الثلاثمائة والواحدة ثلاثة وفي الأربعمائة في كل مائة شاة. إلا انه يبقى التعارض فيما هو الواجب من الفريضة في الثلاثمائة كما هو واضح.
الوجه السادس: انه كما قيدنا الموضوع في الثلاثمائة من صحيحة (ابن قيس) يمكن أن نقيد الحكم أيضاً. فيكون الموضوع هو الثلاثمائة والواحدة كما سبق، وهو موافق لصحيحة الفضلاء. ويكون مشمولاً لحكمه المذكور في صحيحة الفضلاء وهو أربع شياه ونحمل قوله: “إذا كثرت الغنم على الأربعمائة”، وهو مرجع التقييد الجديد، فيرتفع كِلا التعارضين.
والإنصاف أن صحيحة (محمد بن قيس)، غير واضحة في عدة أمور مما هو مذكور في صحيحة الفضلاء، فتكون صحيحة الفضلاء أصرح وأخص مضافاً إلى التفضيل السندي والجهتي.
أولاً: أن صحيحة (ابن قيس) غير واضحة بما يجب في الثلاثمائة.
ثانياً: أنها غير واضحة في إن المراد بكثرة الغنم هو الثلاثمائة. بل لعلها تعطي ان المراد غيرها إجمالاً، فكأنه يعطي مرحلة أخرى من النُصُب وان لم يوضح العدد.
ثالثاً: أنها غير واضحة في عدد الأربعمائة إلا ان يفسر بما في صحيحة ــــــــــــــــــــ[40]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الفضلاء كما أشرنا.
رابعاً: أنها غير واضحة في ان الثلاثمائة أصلاً هي رأس نصاب أو لا، بل لعل الأظهر فيها خلافه. لظهور دخول الغاية في المغيى فتجب في الثلاثمائة ثلاث شياه كسابقه، فإذا زادت على ذلك -إجمالاً- وجب في كل أربعمائة شاة.
خامساً: انها غير واضحة في تحديد النصاب الذي يلي المائتين وواحدة، أو قل -بغض النظر عما سبق- الذي يلي الثلاثمائة. هل هو الثلاثمائة وواحدة أو الأربعمائة؟
ومعه, تكون صحيحة الفضلاء مقدمة على الأخرى بعدة وجوه:
الوجه الأول: التقييد السادس الممكن بعد كل الذي قلناه من وجوه إجمال الصحيحة.
الوجه الثاني: التفضيل السندي الذي اختاره في (المستمسك) على تقدير التعارض من حيث تلك الصحيحة يرويها خمس من الفضلاء، دون الأخرى.
إلا ان هذا محل نظر، لأن المهم في الفتوى فقهياً هو الاعتبار السندي، وليس للتعدد دخل مهم، إلا ان تصبح الرواية مشهورة روائياً. ومن المعلوم ان الرواة الباقين في صحيحة الفضلاء آحاد وليسوا خمسة، فالرواية ليست مشهورة بهذا المعنى.
الوجه الثالث: التفضيل الجهتي وهو حمل صحيحة (ابن قيس) على التقية. إلا ان هذا فرع التعرف على فتوى العامة، ولا يتم بدونه ككثير من أمثال هذه المحامل لدى فقهائنا.
إلا ان الوجه الأول للجمع على وجاهته غير تام أيضاً لان مؤداه وجوب الشاتين عند الثلاثمائة ووجوب الثلاثة عند الثلاثمائة والواحدة ووجوب الأربعة, أي في كل مائة شاة عند الأربعمائة، فيتعارضان في الثلاثمائة. فلا بد من المصير إلى وجوه أخرى للتفضيل نذكرها بنفس التسلسل السابق.
ــــــــــــــــــــ[41]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الوجه الرابع: ان رواية الفضلاء -كما قلنا- أوضح وأصرح، فهي في مقام البيان والتوضيح في كثير من الجهات التي لا تقوم بها عبارة صحيحة (ابن قيس) والتي قلنا أنها غير واضحة من عدد من الجهات.
وهذا وان كان وجيهاً أيضاً، إلا انه على إجماله غير معتبر، بل لا بد من النظر في الروايتين فقرة فقرة. لنرى ما إذا كانت صحيحة الفضلاء أصرح أم لا، وقد رأينا ان التعارض مستحكم في كل الفروض.
الوجه الخامس: ان صحيحة الفضلاء مشهورة فتوائياً قد عمل بها الفقهاء وأعرضوا عن صحيحة (محمد بن قيس).
وبالرغم من ان هذا لم يثبت بشكل معتبر أو حجة. إلا انه مع ضيق الخناق لا بد من المصير إليه.
أو نصير إلى التعارض والتساقط والرجوع إلى الأصول. وذلك: ان المقدار المتسالم عليه بين الروايتين هو ان النصاب الثالث وهو مائتان وواحدة وعليه ثلاث شياه. وانه إذا وصل عدد الغنم إلى أربعمائة ففي كل مائة شاة. وهذا ما تصرح به صحيحة الفضلاء وتؤيده صحيحة (ابن قيس) لأنه القدر المتيقن من كثرة الغنم.
يبقى التعارض في الثلاثمائة أو الثلاثمائة والواحدة هل هي رأس نصاب مستقل أو هو في كل مائة شاة وكم عدد الفريضة من الغنم؟ فهذا ونحوه هو مورد التعارض.
ولا يبعد ان تكون كلتا الصحيحتين تسالمتا على انه في الثلاثمائة نفسها ثلاث شياه. أما في صحيحة الفضلاء، فبصراحة، وأما في صحيحة (ابن قيس) فباعتبار ظهور دخول الغاية في المغيى.
يبقى قوله في صحيحة الفضلاء: “فإذا زادت واحدة ففيها أربع شياه حتى
ــــــــــــــــــــ[42]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
تبلغ أربعمائة. فإذا تمت أربعمائة كانت على كل مائة شاة وسقط الأمر الأول” في حين ظاهر صحيحة (ابن قيس) ان الواجب فيه ثلاثة، بناءً على ما استظهرناه من ان قوله: “فإذا كثرت الغنم”، يعني زادت على الثلاثمائة بمقدار معتد به.
ومقتضى الأصل أحد وجهين:
الوجه الأول: استصحاب بقاء وجوب الثلاث بعد إحراز وجوبها في المائتين وواحدة ويبقى ذلك مستصحباً إلى الأربعمائة.
الوجه الثاني: أصالة عدم شرطية الثلاثمائة والواحدة في وجوب الزائد على الثلاثة. ونتيجة كلِا الوجهين واحدة، كما هو معلوم.
إلا ان الإنصاف عدم التعارض بين الصحيحتين. فان كلتاهما تسالمتا على وجوب الثلاث بالثلاثمائة، بناءً على الاستظهارات السابقة. ثم نقيد صحيحة (محمد بن قيس) بالأخرى بما إذا بلغت الثلاثمائة والواحدة مع حكمه. ونحمل كثرة الغنم على أربعمائة، ولو باعتبار القرينية عليه من الخارج.
بقوله في صحيحة الفضلاء: “حتى تبلغ أربعمائة” الدال بوضوح على عدم وجود النصاب قبله. وهو نصّ في المفهوم فلا يتوقف على القول بمفهوم الغاية.
أصالة عدم زيادة الواجب في الفريضة عن الثلاثة إلى الأربعمائة. أو قل: أصالة عدم شرطية أو موضوعية شيء للأربعة فيما دون الأربعمائة.
وهذا الأصل ينتج وجوب الثلاثة في الثلاثمائة والواحدة إلى الأربعمائة بخلاف صحيحة الفضلاء وهذه الصحيحة حاكمة ومتقدمة. على ان قرينية الأصل العملي على الأصل اللفظي، كما هو مقتضى الوجه الثاني، غير عرفي. فالصحيح هو الوجه الأول من هذين الوجهين.
الجهة الثانية: في نتائج الجهة الأولى:
ــــــــــــــــــــ[43]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
ان للغنم خمسة نُصُب.
أولاً: أربعون, ففيها شاة.
ثانياً: مائة وإحدى وعشرون, ففيها شاتان.
ثالثاً: مائتان وواحدة, ففيها ثلاث شياه.
رابعاً: ثلاثمائة وواحدة, ففيها أربع شياه.
خامساً: أربعمائة, ففي كل مائة شاة.
وهذا هو المتحصل بعد الجمع بين الصحيحتين السابقتين، أو قل: بعد تحكيم صحيحة الفضلاء وتقييد صحيحة (محمد بن قيس) بها.
الجهة الثالثة: في الفرق بين النصابين الأخيرين. إذ قد يقال: انه يجب في الثلاثمائة وواحدة أربع شياه, ويجب في الأربعمائة أربع شياه, ويجب في الأربعمائة وتسع وتسعون أربع شياه. فلماذا حصل فيها نصابين كما هو ظاهر صحيحة الفضلاء؟ بل قد يبدو من الأفضل ان تجعل الأربعة على كل هذا العدد الذي سمعناه دفعة واحدة.
وجواب ذلك: ما ذكره المحقق الحلي بقوله: «وتظهر الفائدة في الوجوب وفي الضمان»، وسنشير إلى شرحه.
إلا ان الإشكال -حسب ظاهر كلام المستشكل- إنما هو على التشريع لا على المسألة الفقهية. ومعه لا يتم هذا الجواب، إذ يمكن للتشريع ان يكون بنحو آخر أوضح، وكونه مختلفاً في موضوع الوجوب وفي مقدار الضمان، لا يبرر كون أصل التشريع كذلك كما هو معلوم.
ولا جواب على ذلك إلا بالتسليم بالحكمة الإلهية، الذي هو مقتضى الإيمان بالله والإسلام. فان مقتضى الحكمة والعدل في التشريع الإلهي هو
ــــــــــــــــــــ[44]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
صحته في كل ما ثبت عنه بطريق معتبر. ولا شك ان التشريع قد وصلنا بهذا الشكل بطريق معتبر وهو صحيحة الفضلاء الخمسة التي تحدثنا عنها. ومعه ينسد السؤال عن صحة التشريع.
نعم، يبقى السؤال عن الجهة الفقهية، وقد أعطانا (المحقق الحلي) رأس الخيط له.
والسؤال قائم على صحيحة الفضلاء، بغض النظر عن صحيحة (محمد بن قيس)، وعن تعارض الروايتين، لأن صحيحة الفضلاء متضمنة لكِلا الحُكمين وليس هذا استنتاجاً من مجموع نصين. فالإمام كان ملتفتاً تماماً إلى شكل التشريع الذي أخذ به الفقهاء فجعل في الثلاثمائة والواحدة أربعاً وجعل في الأربعمائة أربعاً أيضاً. ونصّها للاستذكار: “فإذا زادت واحدة (عن الثلاثمائة) ففيها أربع شياه حتى تبلغ أربعمائة. فإذا تمت أربعمائة كان على كل مائة شاة وسقط الأمر الأول”.
والنتائج أو الفوائد الممكنة في هذا التشريع عدة وجوه:
الوجه الأول: ان موضوع الحكم الشرعي -وهو النصاب- مختلف. فهناك نصابان أو موضوعان حكمهما واحد. وهذا ليس نادراً في الشريعة، بل هو كثير، كما نقول: ان الصلاة واجبة والصوم واجب.
فهنا أيضاً نصابان عليهما شكل واحد من الفريضة.
الوجه الثاني: وفيه تدقيق الوجه الأول. وهوان يقال: ان المراد في التشريع ليس فقط تعدد النصاب إلى نصابين. بل تغيير سنخ النصاب وترتيبه. إذ الملحوظ في النصاب السابق أعني الثلاثمائة والواحدة، وحدة متكاملة كسوابقه. في حين يكون الملحوظ في الأربعمائة شيء آخر وهو ان نحسب المجموع مائة مائة، وفي كل مائة شاة.
ــــــــــــــــــــ[45]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وهذا هو المشار إليه في الصحيحة بقوله: “وسقط الوجه الأول”. أي التشريع السابق في لحاظ الأنصبة كوحدة متكاملة. فلو كانت الأربعمائة ملحوظة كوحدة، لورد السؤال بغض النظر عن الوجه الأول. غير ان هذا الوجه الثاني هو الجواب.
ويبدو ان أحد هذين الوجهين هو الذي يقصده (المحقق الحلي).
الوجه الثالث: في تدقيق الوجه الثاني, وهو ان يقال:
ان ما يبدو للنظر الأولي من انه ينبغي العبور من الثلاثمائة والواحدة وفيه أربع شياه إلى الخمسمائة وفيه خمس شياه في كل مائة شاة لكي لا تتكرر الأربع شياه مرتين.
هذا غير صحيح لأن المهم هو تغيير شكل التشريع وليس موضوعه فقط. وإذا كان شكل التشريع متغيراً, أعني: “في كل مائة شاة وسقط الوجه الأول”، لم يكن مهماً بعد ذلك ان يبدأ بالأربعمائة أو بالخمسمائة. بل الصحيح ما تقتضيه الحكمة بطبيعة الحال.
ومثله ما لو قلنا ان النصاب الثالث وهو مائتان وواحدة فيها ثلاث شياه. والنصاب الرابع وهو الثلاثمائة والواحدة وفيها في كل مائة شاة. وهي ثلاثة أيضاً.
بل ما فهمناه من الروايات أوضح من هذا. لأن السؤال يبقى عن سبب إضافة الواحد إلى الثلاثمائة عندما يراد الحساب مائة مائة. على حين ما قلناه يبدأ هذا الحساب من الأربعمائة.
والسر في ذلك: ان هذا القول المشار إليه والذي عبر عنه (المحقق الحلي).. إنما هو ناتج عن تقييد صحيحة (محمد بن قيس) بصحيحة الفضلاء, أعني تقييد الثلاثمائة بالواحدة، مع الفهم بأن كثرة الغنم يراد به ذلك أيضاً وحكمه في كل مائة شاة، وقد تحصّل الجواب على مثل هذا النسج مما سبق.
ــــــــــــــــــــ[46]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
ومن الواضح ان التشريع المقرر برواية واحدة معتبرة أوضح من التشريع المستنتج من الجمع بين الأدلة… في عدد من الأحيان.
أقول: وليس مثل هذا الحساب بنادر في الشريعة المقدسة. بل فيها ما هو أقل عرفية منه. وقد ورد: (ان علمهم صعب مستصعب لا يتحمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان).
وذلك في دية أصابع المرأة حيث يجب في قطع الإصبعين عشرون من الإبل وفي قطع الثلاث ثلاثون. وفي قطع الأربعة عشرون. وقد كان بعض أساتذتنا يقول عن ذلك: «أننا لا نحتمل ان تكون كثرة الجريمة موجبة لقلة العقاب».
ففي صحيحة أبان بن تغلب(1)، قال: قلت لأبي عبد الله ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: “عشرة من الإبل” قلت: قطع اثنتين؟ قال: “عشرون”، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: “ثلاثون”، قلت: قطع أربعاً؟ قال: “عشرون”، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون! ان هذا كان يبلغنا ونحن في العراق فنبرأ ممن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان.
فقال: “مهلاً يا أبان. هذا حكم رسول الله، ان المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان انك أخذتني بالقياس والسُنّة إذا قيست مُحِق الدين”.
أقول: وقد ورد في هذا التنصيف، أخبار معتبرة وكثيرة، سواء بلغت الجناية النفس أو ما دونها، والتصور بأن ذلك كثرة في الجريمة وقلة في العقاب بعد وضوح ذلك فقهياً، حتى كاد ان يكون قطعياً متواتراً… إنما هو إشكال
ــــــــــــــــــــ[47]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الوسائل: أبواب ديات الأعضاء، باب44، حديث1.
على التشريع وليس على الفهم الفقهي.
وبحسب فهمي القاصر: ان الأصل في دية المرأة ان تكون نصف دية الرجل دائماً. لأن جريمة الاعتداء عليها أضعف من الاعتداء على الرجل. إلا ان الشريعة أظهرت هذا التنصيف في الثلثين الثاني والثالث من مقادير الدية. وأما في الثلث الأول حيث تكون الكلفة قليلة على الجاني دافع الدية. فقد أخذت الشريعة جانب المجني عليه من حيث كثرة ما يصل إليه من المال مع سهولة ما يدفعه الجاني لقلّته النسبية. فأصبح الثلث الأول مساوياً للرجل.
ولكن عندما تزداد الكلفة على الجاني. والمفروض انه خاطئ في جنايته، غير متعمد، وذلك في الثلث الثاني والثالث من مقادير الدية، تعيد الشريعة المسألة إلى أصلها، وهو النظر إلى الجناية على المرأة بمنظار ومسؤولية أخف من الجناية على الرجل إلى حد النصف.
وليس هذا احتقارا للمرأة وإنما هو باعتبار ميزانها الاجتماعي العام، من قبيل قوله: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّـهُ. ومن غير المعقول ان تكون الجريمة على القائم بالمسؤولية أو الولي بنفس أهمية الجريمة على المولّى عليه والرعية بالنسبة إليه. ومعه, لا تكون هناك كثرة في الجريمة ولا قلة في العقاب. وتمام الكلام في محله من كتاب الديات.
الوجه الرابع: من نتائج التشريع في نُصُب الغنم، التي كنا نتحدث عنها: وهو الفائدة في الضمان على بعض الوجوه.
والفائدة التي نتحدث عنها الآن إنما هي بين النصابين الذين قلناهما، مما ثبت في الشريعة وجودها، وليس بين اختلاف الفتويين، كما سيأتي في الوجوه التالية.
وتنحصر الفائدة على هذا المستوى بأنه لو تلف من (العفو) وهو العدد الفاصل بين النصابين، شيء لم يتغير التكليف الشرعي أو قل:
ــــــــــــــــــــ[48]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
لم يتغير النصاب.
فلو كان عنده أربعمائة وواحدة من الغنم وتلفت(1) الواحدة التي هي عفو بقي نصاب الأربعمائة، في كل مائة شاة، بخلاف ما لو تلف اثنان. انتقل النصاب إلى الثلاثمائة وواحدة. وبقي التسعة والتسعون الباقية عفواً.
ولو كان عنده خمسمائة وواحدة، وتلفت واحدة، بقي ضامناً لخمسة شياه ولم يتغير النصاب بخلاف ما لو تلفت اثنان، فان المكلف لا يضمن أكثر من أربعة، لانتقال النصاب إلى الأربعمائة.
الوجه الخامس: في الفرق بين الفتويين في الضمان. فان في الثلاثمائة وواحدة شكلين من الفتوى, إحداهما: ما قلناه من أنها مجموعة واحدة من النصاب الرابع وفيها أربع شياه. والأخرى: إنها إذا بلغت ذلك ففي كل مائة شاة.
فهنا ان كان التلف خلال الحول، سقط هذا النصاب. وانتقل إلى النصاب الأسبق منه. على كِلا الفتويين وان كان التالف واحداً.
وكذلك إذا تلف بعد وجوب الزكاة ومضي الحول، بِتعدٍّ وتفريط، اذ يجب عليه ان يدفع الأربع على كل حال.
أما إذا كان التلف بعد الحول وبدون تَعدٍّ وتفريط، فان قلنا بما قلناه من انه نصاب واحد بمجموعه، سقط من الفريضة جزء بمقدار التالف. فان كان التالف واحداً، سقط جزء من ثلاثمائة وواحد جزء من الفريضة. وان قلنا بأن فيها في كل مائة شاة، فيكون المدفوع بدون التلف ثلاث شياه، ومع التلف يسقط من إحدى الشياه جزء من مائة جزء. وبقي الباقي. وله ان يسترجع قيمة
ــــــــــــــــــــ[49]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) يعني خلال الحول.
ذلك من المستحق.
ونقول للإيضاح: انه لو تلف نصف النصاب، بعد الحول بدون تفريط. وجب عليه، على ما قلنا: شاتان فقط، وعلى ما قالوه: شاة ونصف.
والسؤال: ان الرقم 301 لا نصف له إلا بالكسر ولا يمكن القول بتلف النصف من دون الكل.
فجوابه: انه يمكن ذلك بموت 150 شاة مع ضعف واحدة إلى حد نصف قيمتها. وهذا على مسلكنا واضح. وأما على مسلكهم فهم يعتبرون هذا الواحد الزائد على الثلاثمائة شرطاً في الوجوب ولذا لم تجب عليه الزكاة فوق الثلاث شياه. ومعه, فتلف 150 كافٍ عندهم في صدق تلف النصف، فلا يجب عليه أكثر من نصف الفريضة. بخلافه على ما قلناه. فانه لو تلف 150 وبقيت البقية سليمة وجب على المكلف أكثر من نصف الفريضة بجزء من 301 جزء من الفريضة.
الوجه السادس: وهو تعميق للوجه الرابع ومنطلِق من موضوعه. انه لو حصل التلف بعد الحول وبدون تفريط. وكان عنده أربعمائة وواحدة وتلفت واحدة. فقد تلف من العفو فلا تقل الفريضة بشيء.
وأما لو تلف اثنان سقط من الفريضة جزء من أربعمائة جزء من الفريضة. أو قل: سقط جزء من مائة جزء من شاة. ولم يتحول النصاب إلى السابق عليه وهو الثلاثمائة وواحدة، لفرض بقاء النصاب محفوظاً طول الحول، وحصول التلف بعده.
وأما لو كان التلف بِتعدٍّ وتفريط، فان كان التلف من العفو لم يتغير النصاب، وأما إذا كان من النصاب ضمن للمستحق حقه، ولم ينقص من الفريضة شيء على كِلا الوجهين.
ــــــــــــــــــــ[50]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
فصل
نصاب زكاة الغلات
قال الفقهاء -كما هو الصحيح- وقد وردت فيه الأخبار المعتبرة: ان نصاب زكاة الغلات خمسة أوسق. والغلات هي الحنطة والشعير والتمر والزبيب.
فكم مقدار الخمسة أوسق بالأوزان الحديثة وغيرها؟ ونتحدث بشيء من التفصيل حسب ما هو الممكن.
الوسق 60 صاعاً
الصاع 4
× امداد
الوسق 240 مُداً
الوسق 60 صاعاً
الصاع 6
× رطل مدني
الوسق 360 رطل مدني
ــــــــــــــــــــ[51]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الوسق 60 صاعاً
الصاع 4.5
× رطل مكي
الوسق 270 رطل مكي
الوسق 60 صاعاً
الصاع 9
× رطل عراقي
الوسق 540 رطل عراقي
الوسق 360 رطل مدني
النصاب 5
× أوسق
النصاب 1800 رطل مدني
الوسق 270 رطل مكي
النصاب 5
× أوسق
النصاب 1350 رطل مكي
ــــــــــــــــــــ[52]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الوسق 540 رطل عراقي
النصاب 5
× أوسق
النصاب 2700 رطل بالعراقي
الوسق 60 صاعاً
الصاع 3
× كيلو
الوسق 180 كيلو
الوسق 180 كيلو
النصاب 5
× أوسق
النصاب 900 كيلو
وهذه هي النتيجة الرئيسية في هذا الفصل.
الوسق 240 مُد
النصاب 5
× أوسق
النصاب 1200 مُد
ــــــــــــــــــــ[53]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الوسق 60 صاعاً
النصاب 5
× أوسق
النصاب 300 صاع
النصاب 300 صاع
الصاع 4
× أمداد
النصاب 1200 مُد
وهذه النتيجة كسابقتها، قبل قليل. مما يدل على صحة الناتج. ونتعرض الآن، بمقدار ما للحُقة العطارية والحُقة البقالية التي كانت سائدة عندنا في العراق قبل زمن غير بعيد. ولا زال الكثيرون يفهمونها إلى الآن.
أما الحقة العطارية وهي (الصغيرة) وتسمى البقالية بالكبيرة. لأن الحقة البقالية 3 حقة عطارية فنحسب أولاً على الحقة العطارية.
الصاع 614.25 مثقال صيرفي
الحقة 280
÷ مثقال صيرفي
الصاع 2.193 حُقة
ــــــــــــــــــــ[54]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الصاع 614.25 مثقال صيرفي
الحقة 280
÷ مثقال صيرفي
الحقة 0.455 من الصاع
الصاع 2.193 حُقة
الوسق 60
× صاعاً
الوسق 131.58 حُقة
الوسق 131.58 حُقة
النصاب 5
× أوسق
النصاب 657.9 حُقة
الحُقة 280 مثقال صيرفي
النصاب 657.9
× حُقة
النصاب 184٬212 مثقال
ــــــــــــــــــــ[55]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الكيلو 1000 غرام
المثقال 4.884
÷ غرام
الكيلو 204.750 مثقال
الكيلو 204.750 مثقال
النصاب 900
× كيلو
النصاب 184٬275 مثقال
وهو قريب جداً من النتيجة السابقة يختلف عنها 63 مثقالاً وهو بالنسبة إلى مجموع النصاب أمر بسيط عرفاً.
الحُقة 280 مثقال
المثقال 4.884
× غراماً
الحُقة 1367.52 غراماً
الحُقة 1367.52 غراماً
الكيلو 1000
÷ غرام
الحُقة 1.367
ــــــــــــــــــــ[56]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
كيلو
الحُقة 280 مثقال
الكيلو 204.750
÷ مثقال
الحُقة 1.367 كيلو
وهي نفس النتيجة السابقة.
وأما بحساب الحُقة البقالية الكبيرة:
الحُقة البقالية 3.333 حُقة عطارية
الحُقة العطارية 280
× مثقال
الحُقة البقالية 933.24 مثقال
الحُقة 933.24 مثقال
المثقال 4.884
× غرام
الحُقة 4557.944 غرام
الحُقة 4557.944 غرام
الكيلو 1000
÷ غرام
الحُقة 4.557 كيلو
ــــــــــــــــــــ[57]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الحُقة البقالية 4.557 كيلو
الحُقة العطارية 1.367
÷ كيلو
الحُقة البقالية 3.333 حُقة عطارية
وهي نفس النتيجة السابقة.
الحُقة 933.24 مثقال
الصاع 614.25
÷ مثقال
الحُقة 1.519 صاع
الوسق 60 صاعاً
الحُقة 1.519
÷ صاع
الوسق 39.499 حُقة
الوسق 39.499 حقة
النصاب 5
× أوسق
النصاب 197.495 حُقة بقالية
ــــــــــــــــــــ[58]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
النصاب 197.495 حُقة بقالية
الحقة البقالية 3.333
× حُقة عطارية
النصاب 658.250 حُقة عطارية
وقد عرفنا فيما سبق ان النصاب 657.9 حُقة عطارية. واختلاف الحساب دائماً في أمثال ذلك ناتج من إهمال الكسور العشرية الضعيفة في الحسابات الالكترونية الصغيرة.
تطبيق
قال سيدنا الأستاذ في منهاج الصالحين(1) عن وزن النصاب:
«ثمان وزنات وخمس حقق ونصف إلا ثمانية وخمسين مثقالاً وثلث مثقال(2). والوزنة أربع وعشرون حقة. والحقة ثلاث حُقق اسلامبول (عطارية) وثلث.
وبوزن الاسلامبول (العطارية) سبع وعشرون وزنة وعشر حُقق وخمسة وثلاثون مثقالاً صيرفياً.
ــــــــــــــــــــ[59]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) ج1، ص 325.
(2) تحليل كلام السيد الأستاذ رقمياً: ان وزن النصاب= 8× 24 + 5.5 = 197.5 حُقة. يطرح منه 58.3 مثقال. أي: 58.3 ÷ 933.24 = 0.06 حُقة.
فالنصاب 197.5 – 0.06 = 197.494 حُقة. وهو بالضبط ما ذكرناه في وزن النصاب بالحقة البقالية.
يبقى الاعتراض على ما ذكره سيدنا الأستاذ عن معادلته بالكيلو، فما ذكره هو نفسه يساوي 900 كيلو لا 847.
وبوزن الكيلو يكون النصاب ثمانمائة وسبعة وأربعين كيلو تقريباً». انتهى.
وقد عرفنا ان النصاب يساوي 900 كيلوغرام. ويساوي 657.9 حُقة عطارية (إسلامبول) ويساوي 197.495 حُقة بقالية كبيرة.
وفي هذا الحساب فان ستة حُقق يسمى (مَنْ) وأربعة أمنان يسمى (وزنة) فتكون الوزنة أربع وعشرون حُقة. وهذا لا يختلف فيه الحُقق العطارية والبقالية، غير ان المَنْ من العطاري والوزنة منه، أقل أو أصغر من البقالي بمقدار 3 كحال الحُقة نفسها.
كما ان ربع الحُقة من كِلا الحسابين يسمى (أوقية) وربع الأوقية منهما أيضاً يسمى (ربع). ونحن نوكل هذه الحسابات إلى القارئ إذا شاء ان يستخرج نسبها ومقاديرها، فان فيما ذكرنا الكفاية في السير في هذا الطريق.
وإنما نذكر الآن ما يرجع من الحساب إلى كلام السيد الأستاذ:
النصاب 197.495 حُقة بقالية
الوزنة 24
÷ حُقة
النصاب 8.228 وزنة
وإذا أخرجنا مقدار ثمان وزنات وهو:
8 × 24= 192 حُقة. بقي من النصاب:
197.495 – 192= 5.495 حقة.
وإذا أخرجنا الخَمس حُقق بقي 0.495 من الحُقة, أي حوالي النصف. وقد عرفنا ان الحُقة 933.24 مثقالاً. يكون نصفها 933.24 ÷ 2= 466.62 مثقالاً فإذا طرحنا (62%) الأخير وهو جزء من المثقال بصفته مقارباً لـ 0.005
ــــــــــــــــــــ[60]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
من الحُقة التي تنقص عن النصف، كان النصف ثمان وزنات وخمس حُقق و 466 مثقالاً. أو قل: نصف حُقة تقريباً.
وكذلك:
النصاب 657.9 حُقة عطارية
الوزنة 24
÷ حُقة
النصاب 27.412 وزنة
وإذا أخرجنا مقدار (27) وزنة من النصاب:
هكذا: 27 × 24= 648
657.9 – 648= 9.9 حُقة باقية.
وهذا حوالي عشر حُقق. واما إضافة (35) مثقالاً وهو يساوي الحُقة، لأن:
الحُقة 280 مثقالاً
الباقي 35
÷ مثقالاً
الباقي 8 من الحقة وهو ثُمُنها
وهذا ما لم نعلم له وجهاً، بعد ضبط الحسابات السابقة.
وكذلك ما قاله السيد الأستاذ عن الكيلو من ان النصاب يساوي 847 كيلو تقريباً. فانه مضافاً إلى ان هذا (التقريب) منه غير صحيح فقهياً. إذ ان الاحتياط في الدقة في أمثال المقام إذ لو قَلّ النصاب حبتان لم تجب الزكاة.
ــــــــــــــــــــ[61]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وقلنا بأن النصاب يساوي 900 كيلو تماماً. وطبقناه على ما ذكرنا من الصاع والحُقة بنوعيها. مما ذكرناه واضح لا غبار عليه.
تطبيق آخر
عرفنا في فصل سابق ان نظام الكيلوغرام نظام فرنسي. فيحسن ان نطبق الحساب على النظام الإنكليزي القائم على الباوند.
وعندهم ان (16) أونس يساوي باوند واحد وهو (0.453) من الكيلو. والطن الإنكليزي يساوي (2240) باوند. وهو أكبر من الطن الاعتيادي الذي يساوي (1000) كيلو. لأن الطن الإنكليزي = 1.016 طن. يعني يساوي (1016) كيلوغرام بالضبط.
هكذا: 0.453 × 2240= 1014.75
وهو حوالي ألف وخمسة عشر كيلوغراماً. ويبقى الكيلو الواحد المتبقي على خطأ الحاسبات الالكترونية. على انه لا يفرق عرفاً في الطن الذي يكون بهذا الحجم.
إذا عرفنا ذلك، أمكننا استخراج النصاب كما يلي:
النصاب 900 كيلو
الباوند 0.453
÷ كيلو
النصاب 1986.754 باوند
ــــــــــــــــــــ[62]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
النصاب 1986.754 باوند
الباوند 16
× أونس
النصاب 31788.064 أونس
وأما قياسه بالطن الإنكليزي فهو كما يلي:
الطن 2240 باوند
النصاب 1986.754
– باوند
ينقص 253.246 باوند
أي ان النصاب ينقص عن الطن بمقدار هذا الناتج، وإذا أردنا ان نعرف نسبته إليه قسمناه عليه:
الطن 2240 باوند
النصاب 1986.754
÷ باوند
الطن 1.127 من النصاب
وبحساب الكيلو يمكن ان نقول:
الطن 1016 كيلو
النصاب 900
÷ كيلو
الطن 1.128 من النصاب
ــــــــــــــــــــ[63]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
مع فارق (0.001) على خطأ الحاسبات.
ويحسن ان نمر مروراً سريعاً على حساب الحُقق العطارية والبقالية وغيرها مع الباوند مع إيكال التوسع بالحساب إلى القارئ الكريم.
الحُقة العطارية 1.367 كيلو
الباوند 0.453
÷ كيلو
الحقة العطارية 3.017 باوند
الحقة البقالية 4.557 كيلو
الباوند 0.453
÷ كيلو
الحقة البقالية 10.059 باوند
الصاع 3 كيلو
الباوند 0.453
÷ كيلو
الصاع 6.622 باوند
ــــــــــــــــــــ[64]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الوسق 180 كيلو
الباوند 0.453
÷ كيلو
الوسق 397.350 باوند
وكذلك:
الوسق 397.350 باوند
النصاب 5
× اوسق
النصاب 1986.75 باوند
وهي نفس النتيجة السابقة، وهو دليل على صحة الحساب.
وكذلك:
الكيلو 204.750 مثقال
الباوند 0.453
× كيلو
الباوند 92.751 مثقال
الكيلو 1000 غرام
الباوند 0.453
× كيلو
الباوند 453 غرام
ــــــــــــــــــــ[65]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الباوند 92.751 مثقال
الباوند 453
÷ غرام
الغرام 0.204 مثقال
وهو يساوي بعض النتائج السابقة فراجع.
وكذلك:
الصاع 3000 غرام
المثقال 4.884
÷ غرام
الصاع 614.250 مثقال
الصاع 614.250 مثقال
الصاع 3000
÷ غرام
الغرام 0.204 مثقال
وهي نفس النتيجة السابقة.
ــــــــــــــــــــ[66]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
فصل
أنصبة الذهب والفضة
قال الفقهاء، كما دلت عليه الأدلة المعتبرة، ان للذهب نصابين:
النصاب الأول: عشرون ديناراً. وفيه نصف دينار.
النصاب الثاني: أربعة دنانير وفيها عُشر دينار. وليس هناك نصاب آخر إذ يتكرر النصاب الثاني، فكلما زاد الذهب أربعة كان نصاباً.
وللفضة نصابان أيضاً:
النصاب الأول: مائتا درهم، وفيها خمسة دراهم.
النصاب الثاني: أربعون درهماً, وفيها درهم واحد.
ويشترط ان يكون الذهب والفضة مسكوكين بسكة المعاملة، يعني ان يكونا على هيئة نقد متداول سوقياً، كما كان في العصور الإسلامية الأولى. ولا يشمل الحكم ما إذا كان الذهب حُليّاً أو سبائك أو أي شيء آخر.
كما يشترط ان يحول عليها الحول، يعني يمر على ذوات الدنانير أو الدراهم عند الفرد عام كامل.
ونلاحظ من ذلك عدة أمور:
أولاً: ان زكاة كل من الذهب والفضة (النقدين)، بكِلا نصابيهما… هي مقدار جزء واحد من أربعين جزءاً كما سنرى، فلو أخرج الفرد هذه النسبة مما عنده إجمالاً كان مجزياً، مع زيادة احتمالية للفرق بين النصابين… بعد ان
ــــــــــــــــــــ[67]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
يعلم وجود النصاب الأول عنده بشرائطه.
ثانياً: ان هذه الزكاة غير موجودة الآن على وجه الأرض أصلاً، لأنه لا يوجد أي دولة تتداول أسواقها دنانير الذهب أو دراهم الفضة، وما هو الموجود منها في المتاحف قليل نسبياً.
وإنما التعرض لهذه الزكاة في الفقه لفوائد منها:
1- حفظ الفقه الإسلامي بكل تفاصيله جيلاً بعد جيل.
2- تسجيل المسألة، حتى ما إذا حصل تداول الدنانير أو الدراهم في المستقبل في أي مكان من الأرض، شمله الحكم ووجب عليهم دفع هذه الزكاة.
ثالثاً: ان اشتراط مرور الحول عليها يجعلها أكثر ندرة. لأن النقد عادة يتداوله الناس في المعاملات التجارية والاستهلاكية، ولا يوجد إلا النادر ممن يحفظ الدنانير والدراهم بذواتها. نعم، لو حصل ذلك وجبت هذه الزكاة.
وعلى أي حال، فهذه مسألة فقهية اعتنى بها الفقهاء باستحقاق، فلا بد ان نوليها العناية الممكنة المناسبة في هذا الكتاب.
وتقديماً لذلك يحسن الإطلاع على ما يلي:
الدينار= مثقال شرعي واحد.
المثقال الشرعي = 18 قيراط.
المثقال الصيرفي = 24 قيراط.
الدينار = المثقال الصيرفي.
المثقال الصيرفي = 4.880 أو 4.884 غرام، والرقم الثاني ادق، وهو الذي استعملناه في الفصل السابق.
ــــــــــــــــــــ[68]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
حساب النصاب الأول للذهب:
الدينار 1 مثقال شرعي
النصاب 20
× دينار
النصاب 20 مثقال شرعي
المثقال الشرعي 18 قيراط
النصاب 20
× مثقال شرعي
النصاب 360 قيراط
المثقال الصيرفي 4.884 غراماً
المثقال الشرعي
× المثقال الصيرفي
المثقال الشرعي 3.660 غراماً
الدينار 1 مثقال شرعي
المثقال الشرع 3.660
× غرام
الدينار 3.660 غرام
ــــــــــــــــــــ[69]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وكذلك:
المثقال الصيرفي 24 قيراط
الدرهم 16
÷ قيراط
المثقال الصيرفي 1.5 درهم
المثقال الشرعي 18 قيراط
الدرهم 16
÷
قيراط
المثقال الشرعي 1
قيراط
وبالكسر العشري 1.125 قيراطاً
المثقال الصيرفي 1.5 درهم
المثقال الصيرفي 4.884
÷ غرام
الغرام 0.307 درهم
المثقال الصيرفي 4.884 غرام
المثقال الصيرفي 1.5
÷ درهم
الدرهم 3.256 غرام
ــــــــــــــــــــ[70]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
المثقال الصيرفي 4.884 غرام
الحبة 0.064
÷ غرام
المثقال الصيرفي 76.312 حبة
الحبة 0.064 غرام
الغرام 0.307
÷ درهم
الحبة 0.208 من الدرهم
أو 0.2 منه
الغرام 0.307 درهم
الحبة 0.064
÷ غرام
الدرهم 4.796 حبة
الغرام 0.37 درهم
الدرهم 4.796
÷ حبة
الحبة 0.064 غرام
وهي تساوي الرقم السابق.
ــــــــــــــــــــ[71]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
والحبة من نظام الوزن الإنكليزي، على حين عرفنا ان الغرام والكيلوغرام إنما هو من نظام الوزن الفرنسي.
وكما طبقنا الآن المثقال الصيرفي على الدرهم والحبة نطبق المثقال الشرعي أيضاً:
المثقال الشرعي 3.660 غرام
الحبة 0.064
÷ غرام
المثقال الشرعي 57.187 حبة
المثقال الشرعي 57.187 حبة
الدرهم 4.796
÷ حبة
المثقال الشرعي 11.923 درهم
المثقال الصيرفي 76.312 حبة
المثقال الشرعي 57.187
÷ حبة
المثقال الصيرفي 1.334 من المثقال الشرعي
أي ان المثقال الصيرفي واحد وثلث من المثقال الشرعي، وهو نفس الرقم ــــــــــــــــــــ[72]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الذي عرفناه.
وبالعكس:
المثقال الشرعي 57.187 حبة
المثقال الصيرفي 76.312
÷ حبة
المثقال الشرعي 0.749 مثقال صيرفي
ونعود إلى النصاب الأول للذهب الذي عرفنا ان مقداره 20 مثقال شرعي و 360 قيراط.
النصاب 20 مثقال شرعي
المثقال الشرعي 3.66
× غرام
النصاب 73.2 غراماً
النصاب 20 مثقال شرعي
المثقال الشرعي 11.923
× درهم
النصاب 238.46 درهم
ــــــــــــــــــــ[73]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
النصاب 20 مثقال شرعي
المثقال الشرعي 57.187
× حبة
النصاب 1143.74 حبة
وإذا أردنا ان نختبر بعض النتائج السابقة قلنا:
النصاب 238.46 درهم
النصاب 73.2
÷ غرام
الدرهم 3.257 غرام
وهو نفس النتيجة السابقة مع زيادة واحد بالألف.
النصاب 238.46 درهم
النصاب 1143.74
÷ حبة
الحبة 0.208 من الدرهم
وهو حوالي 0.02 كما سبق
النصاب 73.2 غرام
النصاب 1143.74
÷ حبة
الحبة 0.064 غرام
ــــــــــــــــــــ[74]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وهي نفس النتائج السابقة. مما يدل على صحة الحساب.
فهذا هو مقدار النصاب. وقد سبق ان عرفنا انه يجب ان يدفع عنه نصف دينار. ونسبة النصف إلى العشرين ديناراً نسبة الواحد إلى الأربعين. وبحساب القراريط:
النصاب 360 قيراط
الفريضة
× درهم
الفريضة 9 قيراط
وليس كما قال (المحقق الحلي) في الشرائع(1) بأنه عشرة قراريط. وكذلك؛ فان الفريضة هي نصف مثقال شرعي الذي هو 18 قيراط. لأننا عرفنا ان الدينار مثقال شرعي واحد:
وكذلك:
النصاب 238.64 درهم
الفريضة
× من النصاب
الفريضة 5.966 درهم
ــــــــــــــــــــ[75]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
النصاب 73.2 غرام
الفريضة
× من النصاب
الفريضة 1.83 غرام
النصاب 1143.74 حبة
الفريضة
× من النصاب
الفريضة 28.593 حبة
حساب النصاب الثاني:
وهو أربعة دنانير، ومقدارها من النصاب الأول. فكل النتائج التي سبقت للنصاب يمكن تقسيمها على خمسة. نستعرض بعضها:
النصاب الأول 360 قيراط
النصاب الثاني
× من الأول
النصاب الثاني 72 قيراط
ــــــــــــــــــــ[76]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
النصاب الأول 73.2 غرام
النصاب الثاني
× من الأول
النصاب الثاني 14.64 غرام
وفريضته عُشر دينار. وهو عُشر مثقال شرعي. وأيضاً هو واحد من أربعين من النصاب.
النصاب الثاني 72 قيراط
الفريضة
× من النصاب
الفريضة 1.8 قيراط
النصاب الثاني 14.64 غرام
الفريضة 40
÷ من النصاب
الفريضة 0.366 غرام
وهو أكثر من ثلث غرام بقليل.
وأما قول (المحقق الحلي)(1) بأن عليه قيراطان، فليس بصحيح. فانه يزيد على الفريضة بمقدار 0.025 يكون دفعها بلا دليل.
ــــــــــــــــــــ[77]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الشرائع, ج1, ص140.
وقد ورد في رواية عن عدة من أصحابنا(1) عن أبي جعفر وأبي عبد الله قالا: “ليس فيما دون العشرين مثقالاً من الذهب شيء. فإذا كملت عشرين مثقالاً ففيها نصف مثقال إلى أربعة وعشرين. فإذا أكملت أربعة وعشرون ففيها ثلاث أخماس دينار إلى ثمانية وعشرين، فعلى هذا الحساب كلما زادت أربعة”.
وقوله: “نصف مثقال”. يعني المثقال الشرعي. وقوله: “إلى أربعة وعشرين”. يعني لا يجب شيء فيما بعد العشرين ديناراً حتى يبلغ أربعاً وعشرين. وقوله: “ففيها ثلاث أخماس الدينار”. يعني انه ضم فريضة النصاب الأول إلى فريضة النصاب الثاني. فيكون المجموع هكذا. لأن نصف الدينار خُمسان ونصف، وهو فريضة النصاب الأول. والباقي وهو نصف الخُمس من الدينار، فريضة النصاب الثاني.
وتصح الفريضة من ثلاثين بضرب 3 × 5 = 15 ثم تضرب 15 × 2 = 30 لتحصيل نصف الخُمس، فتكون الفريضة الأولى نصف دينار وهو خمسان ونصف. لأن خُمسه (6) فنضربها في (2) ثم نضيف إليها نصفها وهو (3) فيكون المجموع (15).
والفريضة الثانية نصف الخُمس، وهو وهو عُشر دينار أيضاً.
فيكون المجموع = وباختصاره = . يعني ثلاثة أخماس التي صرحت به الرواية.
وقوله بعد ذلك: “إلى ثمانية وعشرين”. يعني ليس فيما زاد على الأربعة وعشرين شيء إلى ان يبلغ ثمانية وعشرين، فنضيف للفريضة عُشر دينار أو نصف خُمسه. وهو = فيكون المجموع وهو أو
ــــــــــــــــــــ[78]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الوسائل: أبواب زكاة الذهب والفضة، باب1، حديث5.
لأننا دفعنا سابقاً والآن أضفنا النصف عليه.
وقوله: “وعلى هذا الحساب كلما زاد أربعة”، يعني يدفع فريضة مقدارها العُشر أو نصف الخُمس من دينار وهو جزء من أربعين جزءاً من النصاب الثاني.
النصاب الأول للفضة:
وهو مائتي درهم، وهذا الدرهم فيه عدة ملاحظات:
الملاحظة الأولى: انه لوحظ هذا الدرهم كاسم للعملة، وليس كأحد الأوزان، والذي سبق ان عرفنا انه 3.256 غرام.
ومن هنا يأتي فيه احتمالان رئيسيان:
الأول: ان وزنه كوزن الدينار: مثقال شرعي وهو (18) قيراط كما عرفنا. غير انه أرخص منه لرداءة مادته.
الثاني: ان وزنه كوزن الدرهم الذي يشبهه في الاسم، يعني 3.256 غرام. على حين يكون وزنه على الاحتمال الأول 3.66 غرام. لأن:
الفريضة من النصاب الأول 1.83 غرام وهي نصف دينار.
1.83
2 ×
3.66 غرام
وهو يزيد على الأول بمقدار 0.404 هكذا:
0.660
0.256 –
0.404
ــــــــــــــــــــ[79]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وهذا قد نقول عنه انه ليس بمهم: أما للتسامح العرفي العام. أو للتسامح العرفي بالسَكّة في زمن استعمالها أو للاختلاف بين ضرب الدراهم وموازينها في ذلك الحين.
ولكن الإنصاف انه مقدار معتد به عرفاً لأنه يساوي حوالي نصف غرام. وهو حوالي من مجموع الدرهم. ولا يوجد هناك دليل معتبر في المصادر على تحديد وزن الدرهم. إلا انه على الأرجح راجع إلى الاختلاف في ضرب الدراهم يومئذ.
وعلى أي حال فان أخذنا بما سبق من وزن الدرهم كان وزن هذا النصاب: 3.256 × 200= 651.2 غرام.
والفريضة التي يجب إخراجها منه خمسة دراهم. ومن المعلوم ان يساوي . وهي نسبة كنسبة الدنانير بكِلا نصابيها. ونحسب وزن ذلك على كِلا الاحتمالين:
3.256 × 5 = 16.28 غرام.
3.66 × 5 = 18.3 غرام.
غير ان هذا الوزن لا أثر له عملياً من الناحية الفقهية، أو يكفي ان يدفع الفرد من المجموع كائناً ما كان. وإذا كانت الدراهم متساوية في الوزن، مهما كان وزنها، كفى ان يدفع خمسة دراهم مهما أصبح وزنها.
الملاحظة الثانية: انه ثبت انه في فترة من الفترات في القرن الإسلامي الأول والثاني، كان الدينار يصرف بعشرة دراهم. وعلى هذا وردت عدة روايات:
ــــــــــــــــــــ[80]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
منها: صحيحة الحلبي(1) قال: سئل أبو عبد الله عن الذهب والفضة ما أقل ما تكون فيه الزكاة؟ قال: “مائتا درهم وعدلها من الذهب”. الحديث.
وصحيحة محمد بن مسلم(2) قال: سألت أبا عبد الله عن الذهب كم فيه من الزكاة؟ قال: “إذا بلغ قيمته مائتي درهم فعليه الزكاة”.
قال صاحب الوسائل في شرحها: «المراد بهذا وما قبله: ان اقل ما يجب فيه الزكاة من الذهب عشرون مثقالاً. فان قيمتها في ذلك الوقت كانت مائتي درهم، كل دينار بعشرة دراهم». ذكره الشيخ وغيره.
ولم يستمر هذا في كل زمان ولا في كل مكان ولا في كل ضروب وأحجام الدراهم والدنانير، ولم يختلف حكم الزكاة برغم ذلك. لأن المهم هو دفع هذا المقدار عن هذا المقدار، بغض النظر عن مقدار قيمة الذهب أو قيمة الفضة، فهذه الأقيام السوقية لا دخل لها في حكم الزكاة. غير ان قيمة العشرين ديناراً مائتي درهم بهذا الصرف.
الملاحظة الثالثة: وردت في وزن الدرهم، وبعض خصائصه رواية غير معتبرة. لا بأس ان نرويها ونجد مداليلها:
وهي رواية حبيب الخثعمي(3) أن أبا عبد الله جعفر بن محمد سئل عن الخمسة في الزكاة من المائتين كيف صارت وزن سبعة. ولم يكن هذا على عهد رسول الله؟
فقال: “ان رسول الله جعل في كل أربعين أوقية أوقية. فإذا حسبت ذلك كان على وزن سبعة. وقد كانت وزن ستة كانت الدراهم خمسة دوانيق”. فقال
ــــــــــــــــــــ[81]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) أبواب زكاة الذهب والفضة، باب1، حديث1.
(2) نفس المصدر: حديث2.
(3) نفس المصدر: باب4, حديث1.
له عبد الله بن الحسن: من أين أخذت هذا؟ قال: “قرأت في كتاب أمك فاطمة”.
أما ما هو مقدار الدانق فقد كان يصرف الدرهم بستة دوانيق. وقد ورد ذلك في رواية غير معتبرة(1). وهي رواية سليمان بن حفص المروزي. قال: قال أبو الحسن موسى بن جعفر: “الغسل بصاع من ماء والوضوء بمُد من ماء. وصاع النبي خمسة امداد. والمد وزن مائتين وثمانين درهماً. والدرهم وزن ستة دوانيق. والدانق وزن ستة حبات والحبة وزن حبتي الشعير من أوسط الحب لا من صغائره ولا من كبائره”.
وقد عرفنا ان الحبة تساوي 0.064 من الغرام فالدانق ستة حبات يساوي 0.386 من الغرام.
فإذا كان الدرهم ستة دوانيق فهو يساوي 2.316 غرام. وقد عرفنا فيما سبق انه 3.256 غرام فهو يزيد عليه حوالي غرام.
وإذا كان المد بوزن 280 درهماً كان مقداره 911.68 غرام. وهو حوالي كيلو. وهو أمر غير محتمل. لأننا نعلم ان الصاع يساوي ثلاث كيلوات والمد ربع الصاع إذن فهو يساوي 750 غرام. فإذا قسمناه عليه حصل هكذا: 750÷280= 2.678 وهو رقم جديد لوزن الدرهم يجعل الأمر ملتبساً أكثر. والمهم هو ضعف هذه الرواية. ومحل الشاهد هو ان الدرهم كان يصرف ستة دوانيق.
فقوله في رواية الخثعمي: “على وزن ستة”. وعلى “وزن سبعة” يعني الدرهم الذي يزن كل عشرة منه ستة مثاقيل أو سبعة مثاقيل. وكِلا هذين الاصطلاحين كان يسمى به العملة ويسمى به الوزن في نفس الوقت.
ــــــــــــــــــــ[82]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الوسائل: ج1، ص338.
فقوله: «سئل عن الخمسة في الزكاة من المائتين». يعني خمسة دراهم يجب دفعها فريضة من مائتي درهم. وهي نسبة .
وقوله: «كيف صارت وزن سبعة». يعني الدرهم الذي يزن كل عشرة منه سبعة مثاقيل. فهو يسأل عن ذلك مع ان المتوقع ان يكون أقل، أي الذي يزن ستة مثاقيل. كما هو المتعارف، ولعل السائل يرى انه كان على عهد رسول الله كذلك.
فقال -ان صحت الرواية-: “ان رسول الله جعل في كل أربعين أوقية أوقية”. أقول: وهي زكاة بمقدار نسبة كما عرفنا دائماً.
قال: “فإذا حسبت ذلك كان على وزن سبعة”.
وبحسابنا: فان الدرهم 3.256 غرام فيكون وزن العشرة منه 32.56 غرام. والمثقال الشرعي 3.660 غرام فإذا ضربناه في سبعة يساوي 25.62 غرام. وهو أقل من تلك الكمية. وإذا أخذنا المثقال الصيرفي الذي هو 4.884 غرام وضربناه في سبعة كان 34.188 غرام. وهي كمية مشابهة تقريباً لوزن العشرة دراهم. فينبغي ان يكون المقصود من المثقال الصيرفي لا الشرعي، بغض النظر عن التسامح العرفي الذي فيها.
وأما ارتباط ذلك بالأوقيات، فهو أمر مجهول لدينا لأننا لا نعلم مقدار الأوقيات في ذلك الزمن(1).
وعلى أي حال فالرواية أيضاً ضعيفة، ولكنها تعطي وزناً للدرهم مشابهاً لما قلناه. ولعل في ذلك ما يُقرّب صحتها، مضافاً إلى صحة ما قلناه. وهذا كان محل الشاهد من إيرادها.
وهي تعطي في نفس الوقت إيضاحاً باختلاف الدرهم، فهذه الدراهم التي
ــــــــــــــــــــ[83]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) ملحوظة: في أبواب المهور من كتاب النكاح من الوسائل ان الأوقية أربعون درهماً. وسيأتي.
وافقت الحساب هي الدراهم التي تكون على وزن سبعة. وهي أكثر من الدراهم التي تكون على وزن ستة فضلاً عن خمسة لأن سبعة مثاقيل صيرفية وهو 34.188 غرام:
34.188 ÷ 10 = 3.418 غراماً
في حين ستة مثاقيل تساوي:
4.884 × 6 = 29.304 .
29.304 ÷ 10 = 2.930 غرام، وهو وزن الدرهم ذي وزن ستة. وإذا ضربنا وزن المثقال في خمسة ينتج:
4.884 × 5 = 24.420.
24.420 ÷ 10 = 2.442 غرام. وهو وزن الدرهم ذي وزن خمسة.
الملاحظة الرابعة: وردت روايات تحرر وتسجل الحكمة الإلهية في جعل الزكاة من النصاب.
كصحيحة(1) الوشاء عن أبي الحسن الرضا قال: [قيل] لأبي عبد الله: لأي شيء جعل الله الزكاة خمسة وعشرين في كل ألف ولم يجعلها ثلاثين؟ فقال: “ان الله عز وجل جعلها خمسة وعشرين. اخرج من أموال الأغنياء بقدر ما يكتفي به الفقراء ولو اخرج الناس زكاة أموالهم ما احتاج احد”.
وفي حديث آخر(2) عن أبي جعفر الأحول انه سئل أبا عبد الله: كيف صارت الزكاة من كل ألف خمسة وعشرين درهماً فقال: “الله عز وجل حسب الأموال والمساكين فوجد ما يكفيهم من كل ألف خمسة وعشرون ولو لم
ــــــــــــــــــــ[84]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الوسائل: أبواب زكاة الذهب والفضة, باب3, حديث1.
(2) نفس المصدر: حديث2.
يكفِهِم لزادهم”.
وفي حديث أخر(1) عن قثم عن أبي عبد الله: قال: قلت له: جعلت فداك أخبرني عن الزكاة كيف صارت من كل ألف خمسة وعشرين ولم تكن أقل أو أكثر، ما وجهها؟
فقال: “ان الله عز وجل خلق الخلق كلهم. فعَلِم صغيرهم وكبيرهم وغنيهم وفقيرهم. فجعل من كل ألف إنسان خمسة وعشرين فقيراً. ولو علم ان ذلك لم يسعهم لزادهم. لأنه خالقهم وهو اعلم بهم”.
وقولهم: “في كل ألف خمسة وعشرون”، هو نسبة الواحد إلى الأربعين، كما هو معلوم.
وهذه الروايات تشير إلى عدة مصالح:
منها: التسليم بحكمة الله عز وجل. لأنه العليم الحكيم، فهو يُقدّر الرزق بقدر ما يعلم في حكمته. ويعطي الفقراء ما يحتاجون “ولو علم ان ذلك لا يسعهم لزادهم”.
ومنها: تطبيق نفس نسبة الزكاة على الفقراء، حيث علم الله عز وجل ان نسبتهم في المجتمع فجعل الزكاة مثلها.
وهذه النسبة وان كانت تختلف أحياناً، إلا ان القدر المتيقن انه كلما زاد الفقراء وجِد لدى الأغنياء من الحقوق الواجبة ما يغنيهم ويكفيهم إذ ليست الحقوق المالية منحصرة في الزكاة. بل تشمل غيرها كثيراً أيضاً. وأما إذا شمل المستحب كان ذلك كثيراً جداً. ولا حاجة إلى إيضاحه الآن ونوكله إلى فطنة القارئ.
ــــــــــــــــــــ[85]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث3.
والمهم, ان التشريع وحده لا يكفي لاغناء الفقراء، بل لا بد من التطبيق، وبه يعيش الفقراء مرفهين. ولذا قال في الرواية: “ولو أخرج الناس زكاة أموالهم ما احتاج احد”.
فهذا الكلام كله حول النصاب الأول للفضة. وبقي علينا الحديث عن نصابها الثاني.
النصاب الثاني للفضة:
وهو أربعون درهماً. وهو يساوي أربعة دنانير، مع صرف الدينار بعشرة دراهم. وهو مثل النصاب الثاني للذهب يتكرر ولا يحتاج إلى تسمية نصاب ثالث. فكلما زاد أربعين حصل النصاب.
والفريضة التي يجب إخراجها للمستحق درهم واحد. على العادة من كون الزكاة من النصاب.
وإذا عرفنا ان الدرهم -كما سبق- يساوي 3.256 غراماً كان هذا النصاب يساوي 3.256 × 40 = 130.24 غرام. وفريضته درهم بما عرفنا له من الوزن.
ونكرر أيضاً ما قلناه من ان المهم ان يُخرِج الفرد نسبة مما عنده من الدراهم مهما كان وزنها. بعد ان يعرف أنها ذات شرائط وجوب الزكاة بما فيها بلوغها عدد النصاب أو ما بعده.
هذا وقد طبقنا أنصبة الفضة على وزن الغرام فقط لأنه بعد كل الذي ذكرناه تفصيلاً في أنصبة الذهب ما يكفي التطبيق على كثير من الموازين بما ذكرناه أو لم نذكره. فنحيله إلى فطنة القارئ الكريم.
ــــــــــــــــــــ[86]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
فصل
زكاة الفطرة
إذا اجتمعت شرائط الوجوب لها، وجب ان يدفع الفرد في عيد الفطر صاعاً من طعام عن نفسه وعن أفراد أسرته.
والصاع كما عرفنا في الفصول السابقة يساوي ثلاثة كيلوات. ولا يقل عنها سوى كسور ضئيلة بالألف. فان دفع الفرد ثلاث كيلوات كان مجزياً تماماً.
قال سيدنا الأستاذ في منهاج الصالحين(1): «المقدار الواجب صاع. وهو ستمائة وأربعة عشر مثقالاً صيرفياً وربع مثقال. وبحسب حُقة النجف يكون نصف حُقة ونصف وقية وواحد وثلاثين مثقالاً إلا مقدار حمصتين. وان دفع ثلثي حُقة زاد مقدار مثاقيل.
وبحسب حُقة الاسلامبول حُقتان وثلاث أرباع الوقية، ومثقالان إلا ربع مثقال». إلى آخر ما قال.
فهذه ثلاث تطبيقات قام بها مد ظله:
التطبيق الأول:
التطبيق على المثاقيل. وهو قوله: «614.25 مثقال». وقد عرفنا في الفصل الذي تحدثنا فيه عن زكاة الغلات ان الكيلو 204.750 مثقال. فيكون الصاع:
ــــــــــــــــــــ[87]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) ص141.
الكيلو 204.750 مثقال صيرفي
الصاع 3
× كيلو
الصاع 614.25 مثقال صيرفي
وهو مطابق ما قاله.
التطبيق الثاني:
التطبيق على حُقة النجف -حسب اصطلاحه- وهي التي تسمى هناك بالحُقة البقالية أو الكبيرة.
وقد عرفنا هناك ان هذه الحُقة [تساوي] 4557.944 غرام فنصف الحُقة يساوي 4557.944 ÷ 2= 2278.972 غراماً.
ونصف الوقية يساوي ثمن الحُقة، لأن الوقية ربع الحقة، فنصفها يساوي:
4557.944 ÷ 8= 569.743 غراماً.
والواحد وثلاثين مثقالاً الذي ذكره يساوي:
4.884 × 31= 151.404 غرام.
فإذا حسبنا مجموع هذه الغرامات كانت النتيجة هكذا:
2278.972 + 569.743 + 151.404 = 3000.119 غرام.
وهي كمية مقاربة لما ذكره، غير انه قال: «إلا مقدار حمصتين»، وهذا الرقم الجديد يزيد على الصاع مقدار 119 بالألف. وهذه الزيادة ناتجة من الكسور الضئيلة في الحاسبة. وأما طرح الحمصتين، فلعله يمثل فرق الصاع عن الكيلوات الثلاثة. الا ان الصحيح -كما عرفنا في فصل الكر-: ان الصاع
ــــــــــــــــــــ[88]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
يساوي 2999.997 غراماً. يعني يقل بثلاثة أجزاء من عشرة ألاف جزء عن الكيلو غرامات الثلاث.
وعلى أي حال فحسابه جيد، لأن الاختلافات بسيطة جداً. ودفع الكيلوات الثلاث أحوط بكثير.
التطبيق الثالث:
التطبيق على وزن الاسلامبول -باصطلاحه-, وهو ما يسمى في المنطقة: الوزن العطاري أو الصغير.
وقد عرفنا ان الحُقة العطارية هي: 1.367 كيلوغرام. فتكون الحقتان:
1.367 × 2= 2.734 كيلوغرام.
ويكون ثلاثة أرباع الوقية كما يلي: لأن الوقية ربع الحقة فتكون:
1.367 ÷ 4 = 0.341 كيلوغرام أو قل 341 غراماً وهو الوقية.
ثم نقول:
341 ÷ 4= 85.25 غرام وهو ربع الوقية. 85.25 × 3= 255.75 غرام وهو ثلاثة أرباع الوقية.
والمثقالان الا ربع مما ذكره يساوي 4.884 ÷ 4= 1.221 غرام ربع المثقال.
1.221 × 3= 3.663 غرام ثلاثة أرباع المثقال.
أو:
4.884 × 0.75 = 3.663 غرام.
4.884 + 3.663 = 8.547 غرام. وهو المثقالان إلا ربع.
ــــــــــــــــــــ[89]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
فإذا جمعنا هذه الكميات:
2734 + 255.75 + 8.547 = 2998.297 غرام.
وهو ينقص عن الثلاث كيلوات واحداً بالمائة تقريباً.
ويحسن ان نحسب هذا التقدير بالمثاقيل، لأننا عرفنا في التطبيق الأول ان الصاع 614.25 مثقالاً.
والحقة العطارية 28 مثقالاً. فنأخذ منها حقتين تساوي 280× 2= 560 مثقالاً. ويبقى عندنا 614.25 – 560= 54.25 مثقالاً.
فإذا علمنا -كما سبق- ان الحقة أربع أقق الواحدة وقية. والوقية أربع أقسام كل منها يسمى (ربع) والربع يقسم عرفاً إلى قسمين ويسمى (نصف ربع) والى أربع أقسام ويسمى (ستة دراهم).
وهذا الناتج الأخير أقل من وقية. لأن 280 ÷4= 70 مثقالاً مقدار الوقية. فإذا أخرجنا منه نصف وقية: 35 مثقالاً، بقي 54.25 – 35= 19.25.
فإذا أخرجنا نصفه وهو مقدار الربع من المثاقيل:
35 ÷ 2= 17.5 مثقال.
بقي منه:
19.25-17.5=1.75 مثقال.
ومعه, تكون فريضة زكاة الفطرة بالحقة العطارية: حقتان ونصف وقية وربع مثقال واحد وثلاثة أرباع المثقال.
وهو كما قال سيدنا الأستاذ.
ــــــــــــــــــــ[90]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
كتاب الخمس
فصل
ملكية الإمام للأنفال وغيرها
قال الله تعالى في كتابه الكريم: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ.
وأود فيما يلي ان انقل فقرة من شرح (تفسير الميزان) لهذه الآية الكريمة. لأنه مختصر ومفيد(1):
قال: «الأنفال جمع نفل بالفتح وهو الزيادة على الشيء. ولذا يطلق النفل والنافلة على التطوع لزيادته على الفريضة. وتطلق الأنفال على ما يسمى فيئاً أيضاً. وهي الأشياء من الأموال التي لا مالك لها من الناس كرؤوس الجبال وبطون الأودية والديار الخربة، والقرى التي باد أهلها وتَرِكة من لا وارث لها، وغير ذلك. كأنها زيادة على ما ملكه الناس. فلم يملكها أحد فهي لله ولرسوله.
وتطلق على غنائم الحرب، كأنها زيادة على ما قصد منها فان المقصود بالحرب والغزوة الظفر على الأعداء واستئصالهم فإذا غلبوا وظفر بهم فقد حصل المقصود. والأموال التي غنمها المقاتلون والقوم الذين أسروهم زيادة على أصل الغرض».
أقول: الاصطلاح الفقهي للأنفال هو كل ما كان ملكاً للإمام من ــــــــــــــــــــ[93]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) ج9, ص5.
الأموال، بالشكل الذي سنشرحه بعد ذلك من شكل الملكية. وهي كل ما عدّده في العبارة السابقة بعد ذكره لنافلة التطوع. وهو لم يستوعب المضمون المتكامل إلا انه ذكر أهم الأمثلة.
غير انه عَدّ (الديار الخربة) معها، وهو سهو منه. ولكنه يريد الديار التي خربت بإعراض أهلها عنها. وعندئذ تندرج القرى التي باد أهلها في ضمنها لأن سبب الإعراض قد يكون هو هلاك المالك وورثته. على توضيح يأتي.
وعلى أي حال فينبغي ان يقع الكلام في عدة جهات:
الجهة الأولى: في بعض ما ورد في الأنفال، وفي سائر مملوكات الإمام من الروايات:
عن حفص بن البختري(1) عن أبي عبد الله قال: “الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب. أو قوم صالحوا بأيديهم وكل ارض خربة وبطون الأودية، فهو لرسول الله وهو للإمام من بعده يضعه حيث شاء”.
وعن حماد بن عيسى(2) عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح (في حديث) قال: “وللإمام صفو المال ان يأخذ من هذه الأموال صفوها: الجارية الفارهة والدابة الفارهة والثوب والمتاع مما يحب أو يشتهي فذلك له قبل القسمة وقبل إخراج الخمس. وله ان يسد بذلك المال جميع ما ينوبه من مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم وغير ذلك مما ينوبه. فان بقي بعد ذلك شيء اخرج الخمس منه فقسمه في أهله. وقسم الباقي على من ولي ذلك. وان لم يبقَ بعد سد النوائب شيء فلا شيء لهم”.
ــــــــــــــــــــ[94]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الوسائل: أبواب الأنفال، باب1, حديث1.
(2) نفس المصدر: حديث4.
-إلى ان قال-: “وله بعد الخمس الأنفال والأنفال كل ارض خربة باد أهلها، وكل ارض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ولكن صالحوا صلحاً وأعطوا بأيديهم على غير قتال. وله رؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام وكل ارض ميتة لا رب لها. وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب, لأن الغصب كله مردود. وهو وارث من لا وارث له يعول من لا حيلة له”.
وقال: “ان الله لم يترك شيئاً من صنوف الأموال إلا وقد قسمه فأعطى كل ذي حق حقه. -إلى ان قال-: والأنفال إلى الوالي. كل ارض فتحت أيام رسول الله إلى آخر الأبد. وما كان افتتاحاً بدعوة أهل الجور وأهل العدل، لأن ذمة رسول الله في الأولين والآخرين ذمة واحدة. لأن رسول الله قال: المسلمون أخوة تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم”.
وموثقة زرارة(1) عن أبي عبد الله قال: قلت له: ما يقول الله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ؟ [قال]: “وهي كل ارض جلا أهلها من غير ان يحمل عليها بخيل ولا رجال ولا ركاب فهي نفل لله وللرسول”.
وموثقة محمد بن مسلم(2) عن أبي عبد الله: انه سمعه يقول: “ان الأنفال: ما كان من ارض لم يكن فيها هراقة دم أو قوم صولحوا وأعطوا بأيديهم وما كان من ارض خربة أو بطون أودية فهذا كله من الفيء والأنفال لله وللرسول. فما كان لله فهو للرسول يضعه حيث يحب”.
وعن محمد بن مسلم(3) أيضاً عن أبي جعفر قال: سمعته يقول: “الفيء والأنفال ما كان من ارض لم يكن فيها هراقة الدماء وقوم صولحوا
ــــــــــــــــــــ[95]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث9.
(2) نفس المصدر: حديث10.
(3) نفس المصدر: حديث12.
وأعطوا بأيديهم. وما كان من ارض خربة أو بطون أودية فهذا كله من الفيء. فهذا لله ولرسوله، فما كان لله فهو لرسوله يضعه حيث شاء وهو للإمام بعد الرسول. وأما قوله: وَمَا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ. -قال-: ألا ترى هو هذا. وأما قوله: مَا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى. فهذا بمنزلة المغنم. كان أبي يقول ذلك وليس لنا فيه غير سهمين: سهم الرسول وسهم القربى. نحن شركاء الناس فيما بقي”.
ومرسلة العباس الوراق(1) عن رجل سمّاه عن أبي عبد الله قال: “إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلها للإمام. وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس”.
ووردت عن أهمية أموال الأئمة روايات مؤكدة كثيرة. نذكر طرفاً منها:
رواية أبي بصير(2) قال: قلت: ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال: “من أكل من مال يتيم درهماً. ونحن اليتيم”.
وعن إبراهيم عن أبيه قال: كنت عند أبي جعفر الثاني إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل، وكان يتولى له الوقف بقم.. -إلى ان يقول-: “والله ليسألنهم الله يوم القيامة عن ذلك سؤالاً حثيثاً”.
وعن أبي الحسين الأسدي(3) قال: ورد عليّ توقيع عن محمد ابن عثمان العمري ابتداءً لم يتقدمه سؤال. -إلى ان يقول-: “لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من أكل من مالنا درهماً حراماً”.
ــــــــــــــــــــ[96]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث16.
(2) نفس المصدر: باب2، حديث5.
(3) نفس المصدر: باب3، حديث7.
وفي رواية عن أبي حمزة الثمالي(1) عن أبي جعفر قال سمعته يقول: “من أحللنا له شيئاً أصابه من أعمال الظالمين فهو له حلال وما حرمناه من ذلك فهو حرام”.
وعن أبي خالد الكابلي(2) عن أبي جعفر قال: “وجدنا في كتاب علي: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الأرض ونحن المتقون والأرض كلها لنا. فمن أحيى أرضاً من المسلمين فليعمرها وليؤدِّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي وله ما أكل منها، -إلى ان قال-: حتى يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها كما حواها رسول الله ومنعها. إلا ما كان في أيدي شيعتنا، فانه يقاطعهم على ما في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم”.
الجهة الثانية: في محاولة فهم هذه الروايات، وتعداد ما تذكره مما هو عائد إلى الإمام.
وذلك بغض النظر عن أسنادها، فان الفتوى على طبقها مشهور. مضافاً إلى إسناد بعضها لبعض. فان احتجنا فقهياً إلى الإشارة إلى ضعف بعض الأسناد أشرنا إليه.
وتندرج مملوكات الإمام في عدة أبواب:
الباب الأول: متعلق بما يحوزه الجيش الإسلامي بعد جهاد مشروع. أو ما يكون تحت سلطته من أشياء:
أولاً: صفايا الملوك. وهو ما كان مَلِك البلاد المفتوحة قد اختاره لنفسه من ثياب ودور ومماليك وأراضي ووسائط نقل وغيرها مما ليس بغصب، “فان
ــــــــــــــــــــ[97]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث4.
(2) نفس المصدر: ج17: أبواب إحياء الموات، باب3، حديث2.
الغصب كله مردود” كما هو مقتضى القاعدة، وتنص عليه الرواية.
ثانياً: له ان يختار ما يشاء من الأموال: “الجارية الفارهة والدابة الفارهة والثوب والمتاع مما يحب ويشتهي”. كما سمعناه من الرواية. يصرف ذلك في الحاجات العامة “يسد بذلك جميع ما ينوبه مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم وغير ذلك”.
وهذا يكون قبل القسمة وقبل إخراج الخمس، كما تنص الرواية.
ثالثاً: الخمس، فانه يجب إخراج الخمس، من الغنيمة بنص القرآن الكريم: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.
يعين إخراج 20% من مجموع ما وصل تحت اليد في الجهاد، وإعطائه للإمام. يتصرف فيه كيف شاء. وهذا بغض النظر عن (حق السادة) كما سوف نشير إليه بعد ذلك.
رابعاً: له حصة حين يقسم المال المغنوم بين المقاتلين فان له حصة كأحدهم أيضاً.
خامساً: إذا كانت الحرب غير مشروعة في الدين، فتكون الغنيمة كلها للإمام، لا يجوز تقسيمها بين المقاتلين، ولا يختص هو بخمسها، بل له جميع المال مهما كثر.
الباب الثاني: ما يتعلق بالأراضي. يكون للإمام منها ما يلي:
أولاً: الأراضي المَوات، يعني البراري والقفار التي لم يمر عليها مُلك أحد.
ثانياً: الآجام، وهي الغابات والأحراش.
ــــــــــــــــــــ[98]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
ثالثاً: كل أرض باد أهلها، بعد ان كانت مسكونة. لأي سبب كان هلاكهم.
رابعاً: كل أرض أعرض عنها أهلها وخرجوا عنها. كما لو خرج سكان إحدى المدن من مدينتهم إلى غير رجعة لسبب قاهر كالوباء أو احتمال الدمار ببركان أو غير ذلك. فتكون الأراضي والبيوت المهجورة للإمام.
خامساً: رؤوس الجبال, وهي أعاليها وقممها.
سادساً: بطون الأودية. وهي الأراضي المنخفضة التي تكون بين الجبال.
وإذا سمعنا الرواية تقول: “رؤوس الجبال وبطون الأودية” فهمنا عرفاً ان كل الجبل وكل الوادي له وليس لرأس الجبل وبطن الوادي أية خصوصية.
ويدعم ذلك ان الأراضي المَوات له من البراري والصحارى، فان الفكرة مشتركة بينها جميعاً، وهي كونها مما لا يجري على يد مالك، وإنما يوكل أمرها إلى الحاكم.
سابعاً: سيف البحار، وهي شواطيها، وهذا موجود في كلام الفقهاء، ولم تُشِر إليه هذه الروايات.
ثامناً: كل أرض دخلها الجيش المسلم دخولاً مشروعاً في الدين، بدون قتال. فلا هُم أسلموا ولا قاتلوا ولا صالحوا، ولكن خافوا وسلّموا. فتكون الأراضي كلها للإمام.
وهذا هو المشار إليه بأنه “لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ولا رجال، ولا يكون فيه هراقة دم”. يعني إهراق دم نتيجة للقتال.
تاسعاً: كل أرض صالح أهلها عليها، خوفاً من الجيش المجاهد أو طمعاً أو لأي سبب، وكان في شرط الصلح ان تكون الأراضي للإمام، فتكون له.
ــــــــــــــــــــ[99]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الباب الثالث: ما يتعلق بالأموال في الظروف العادية، وهي على قسمين كلاهما للإمام:
القسم الأول: ان الإمام وارث من لا وارث له.
فمن لا يكون له وارث معروف من الطبقات المشروعة له كتاب الإرث، يكون وارثه الإمام.
القسم الثاني: له نصف الخمس المجعول أو المشروع في الآية الكريمة: أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.
حيث قسمت الآية الكريمة الخمس ستة أقسام. إلا ان الفقهاء طبقاً لما دلت عليه الأدلة المعتبرة قالوا بوجوب قسمته نصفين: نصف للإمام وهو ما كان (لله وللرسول ولذي القربى) وهو ما يسمى بحق الإمام, ونصف للفقراء العلويين وهو ما يسمى بحق السادة. وهو ما كان في الآية الكريمة (لليتامى والمساكين وابن السبيل). على تفصيل ليس هنا محله.
ولنا بعد ذلك عدة ملاحظات في محاولة فهم بعض ما ورد في هذه الروايات من عبائر:
الملاحظة الأولى: ورد في رواية حماد بن عيسى: “وللإمام صفو المال ان يأخذ من هذه الأموال صفوها.. مما يحب ويشتهي”.
وهذا الحب والاشتهاء مما يجلّ عنه الإمام المعصوم عن العمد والخطأ وعن كل شهوة دنيوية. ولعل العبارة نقل بالمعنى أو ان الإمام قالها تواضعاً.
وأما واقع الأمر فان الإمام إنما يريد هذه الأموال ليصرفها في المصلحة العامة، وخاصة الأمور الاجتماعية والاقتصادية والنفسية الناتجة عن الحرب.
ــــــــــــــــــــ[100]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
والمفروض في منطوق الرواية وقوعها وفوز الجيش المجاهد فيها.
ولذا قال: “وله ان يسد بذلك جميع ما ينوبه” مما سبق ان سمعناه. وما ينوبه لا بصفته الشخصية بل بصفته الحاكم الأعلى في المجتمع. ولذا قال: “مثل إعطاء المؤلّفة قلوبهم وغير ذلك”.
الملاحظة الثانية: قوله في نفس الرواية: “قبل القسمة وإخراج الخمس”. يعني ان الإمام يأخذ الأمور المشار إليها من مجموع المال ما دام مجموعاً. قبل ان يقسم بين أفراد المقاتلين، كما ورد في الأدلة وكلمات الفقهاء، انه يُعطى للراجل سهماً وللفارس سهمان.
وأما إخراج الخمس فهو قبل القسمة أيضاً. إلا ان الإمام في هذه الرواية لم يكن بصدد الترتيب من هذه الناحية. وإنما لاحظ القسمة والخمس إجمالاً.
الملاحظة الثالثة: ورد في أكثر من رواية قوله: “صالحوا صلحاً وأعطوا بأيديهم”. يعني تنازلوا اختياراً وأعطوا من أنفسهم التنازل والخضوع للجيش المجاهد. والأيدي هنا لا يراد منها اليد، بل هو استعمال مجازي يراد به الاختيار. لأن ما يدفع باليد يكون مدفوعاً بالاختيار عادة.
الملاحظة الرابعة: ورد في رواية حماد بن عيسى أيضاً: “والأنفال إلى الوالي”. يعني الوالي الحق. الذي له الولاية الحقيقية في الشرع الإسلامي على المجتمع.
ثم قال: “كل أرض فتحت أيام رسول الله إلى آخر الأبد. وما كان افتتاحاً بدعوة أهل الجور وأهل العدل”.
يراد بأهل الجور من كان دينهم في الأصل الدين الإسلامي. ولكن حكموا على غير كتاب الله وسُنّة رسوله. وقد عرفنا ان جميع ما يقع بأيديهم وسلطتهم من منقول وغير منقول فهو للإمام.
ــــــــــــــــــــ[101]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وأما ما فتحه رسول الله وما فتحه أهل العدل، فليس الأمر على إطلاقه في ان كله للإمام والرواية مقيدة بروايات أخرى معتبرة. فمثلاً لا يكون للإمام تلك الأموال التي يجب ان تقسم بين المقاتلين ولا يكون له الأراضي التي صولح أهلها على ان تكون الأراضي لهم. ولا يكون له النفوس التي لم تقاتل ولم تؤسر. وهم الناس الاعتياديون في المجتمع.
الملاحظة الخامسة: بالرغم من ان الله جل جلاله نسب إلى نفسه ملكية الأموال: أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ فهو مالك كملكية البشر… إلا ان ذلك لمصلحة معينة تعود إلى العباد وليس لذاته المقدسة، فانه غني عن العالمين لَنْ يَنَالَ اللَّـهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ.
فما كان ملكاً لله سبحانه فأمر تدبيره والبت في التصرف فيه، عائد إلى الرسول وما كان أمره عائداً إليه سواء ملكية الله أو ملكية رسوله فهو بعد النبي عائد إلى الإمام وسنرى ما يكون إذا كان الإمام مفقوداً.
الملاحظة السادسة: بالرغم من ان الأنفال من ظاهر هذه الروايات وغيرها والمصطلح الفقهي الأوكد والأوضح، يراد بها ملكية الإمام أو قل: مملوكات الإمام. أو قل: كل ما كان لله ولرسوله وللإمام من منقولات وغير منقولات وإنسان وحيوان وجماد.
إلا انه غلب على استعمال هذا اللفظ: (الأنفال)، على غير المنقول, أعني الأراضي وما إليها. بل خص بغير المأخوذ بالجهاد كالأراضي المَوات ورؤوس الجبال وبطون الأودية وسيف البحار. فان هذه مُلك الإمام مطلقاً بشكل لا علاقة له بالجهاد. وهي الأنفال بالمصطلح السائد. إلا انه لا شك ان فيه تجوّزاً. أو قل: ضيقاً في النظر. فإن الأنفال كما سمعنا تعمّ ما اُخِذ بالحرب وغيره من منقول وغير منقول.
وهذا بعينه يسمى الفيء, والفيء هو الوصول ومن هنا سمي الظل العائد
ــــــــــــــــــــ[102]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
عصراً بعد ان كان تحت الشمس، فيئاً. وظاهر القرآن الكريم والسُنّة الشريفة استعماله في المعنى العام للأنفال المشار إليه, قال الله تعالى: مَا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى. يعني: وما أرجعه الله على رسوله.
والفكرة النظرية التي انطلق منها هذا الاستعمال هو ان الأصل في الأشياء ان تكون لأهل الحق. أو قل لله ولرسوله. ولكن تمّت خلال التاريخ سيطرة الكافرين والفاسقين والمشركين على الأشياء. فكأنها خرجت عن ملكية الله ورسوله إلى ملكية هؤلاء. فإذا تم الجهاد الإسلامي وغنم الجيش المجاهد بقيادة الرسول أو غيره أي شيء منقول أو غير منقول فهو (فـيء) يعني راجع إلى الله ورسوله بعد ان كان خرج عنهم، فالآن عاد إليهم بعد غياب.
الملاحظة السابعة: ورد في رواية أبي بصير ما مضمونه: (ان أيسر ما يدخل به الفرد النار في الآخرة هو ان يأكل مال اليتيم). لماذا؟ لأن اليتيم ليس له دفاع إلى جانبه فإذا أكل المشرف عليه أمواله، فانه لا يعلم ولا يستطيع ان يفعل أي شيء. بل قد لا يعلم ذلك أحد من الخلق، فلا فائدة يومئذ حتى في تطبيق القوانين، ولكن عِلمُ الله عز وجل شامل له وبصير به، فيدخله النار إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا.
ثم قال في الرواية: “ونحن اليتيم”. يعني لا يجوز أيضاً أكل أموالنا بدون إذننا ولا رعايتنا وتدبيرنا.
والتعبير باليتيم هنا له عدة وجوه أوضحها ما أشرنا إليه من ان اليتيم لا دفاع له إلى مصلحة نفسه وفي الإشراف على أمواله. فكذلك الأئمة ومواليهم حين لا يكون الأمر بأيديهم وليس لهم سلطة عامة. عندئذ يمكن لكثير من الناس المنحرفين والفاسقين ان يأكلوا أموالهم. وهذا قائم إلى حد الآن فيما يخص الإمام من أموال، وخاصة ما يسمى بحق الإمام من الخمس.
ولا يوجد مبرر شرعي محدد لاهتمام الفقهاء بحق الإمام من الخمس، ــــــــــــــــــــ[103]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وإهمالهم لسائر أموال الإمام إلى حد لا يوجد الآن في أذهان المتشرعة لها أي تحديد. بمعنى أنهم لا يعلمون ما هي ممتلكات الإمام من غير حق الإمام. وهذا أمر مؤسف حقاً. مع ان الفقهاء يعلمون ذلك ويستطيعون تدبير بعضه لا أقل.
وقد عرفنا ملكيات الإمام فيما سبق. وقد يخطر في البال: انها مربوطة بالجهاد الإسلامي، ولا يوجد الآن هذا الجهاد. وجوابه: ان عدم وجوده لا يعني عدم وجود ملكيات الإمام:
أولاً: لأن بعض تلك الملكيات لا ربط لها بالجهاد كما عرفنا. كالأراضي المَوات والغابات وغيرها مما سبق.
ثانياً: لأن الجهاد بعد الإسلام قد حصل فعلاً. ولا زال أثر ذلك موجوداً إلى حد الآن، كما يعلم الفقهاء، وغض النظر عن أثره، أمر ليس بصحيح ولا شرعي.
إلا ان الذي يهوّن الخطب في موقف الفقهاء، قصورهم غالباً عن التصدي للأمور العامة، وتدبير ما ليس بأيديهم من أراضي ومجتمعات. فهم في حال تقية دائمة . وهذا هو عذرهم أمام الله سبحانه، وليس هو من باب عدم ملكية الإمام للأشياء. وسيأتي الكلام عن مقدار سلطة الفقهاء على ذلك.
الملاحظة الثامنة: ورد في رواية أبي خالد الكابلي: “إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّـهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الأرض، ونحن المتقون والأرض كلها لنا”.
وأقرب إيضاح لهذه الفكرة من ناحية القواعد المتداولة. ان ملكية أهل البيت (سلام الله عليهم) ذات مستويين:
المستوى الأول: الملكية الواقعية للأشياء بصفتهم أولياء الله عز وجل في
ــــــــــــــــــــ[104]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
خلقه. فلهم الإشراف على الخلق والتدبير لهم بأمر من الله عز وجل وحكمه. وهذا أمر متواتر في أخبارنا.
المستوى الثاني: ملكيتهم للأنفال أو الفيء. بالمعاني أو بالتفاصيل السابقة التي استعرضناها.
وأما ملكيتهم للأشياء التي يملكها الناس الآخرون بمختلف مستوياتهم وأديانهم ومذاهبهم وأجيالهم. فهذا لم يثبت فقهياً، كل ما في الأمر ان أمرهم نافذ فيه لمن يكون له استعداد إلى طاعتهم، وتنفيذ أوامرهم. فلو أمر الإمام شخصاً ان يطلّق زوجته أو يتصدق بأمواله وجب عليه ذلك. وهذا شكل من أشكال الملكية، ولو مجازاً، لأن الملكية في واقعها، هو سيطرة الشخص على الشيء، بحيث يستطيع التصرف فيه بجميع أنحاء التصرف والإشراف عليه تماماً. وهذا كما يكون للمالك الشخصي، يكون للإمام بهذا المعنى.
ولا ينبغي ان يخطر في البال: ان هذا من اجتماع ملكيتين على مملوك واحد، لأن جوابه: ان هاتين الملكيتين ليستا على شكل نظري واحد وان كانت عملياً على نفس الشكل. لأنه من الناحية النظرية، فان للمالك الخاص أو رب المال ملكيته عرفية أو قل سوقية أو عقلائية. وهي الشكل الاعتيادي من الملكية، واما ملكية الإمام لنفس الأشياء فهي ملكية ولاية وإشراف وتدبير، وليست ملكية مباشرة من الناحية الفقهية.
الجهة الثالثة: في إيضاح ملكية الإمام من الناحية الفقهية.
تتحقق هذه الملكية على عدة مستويات:
المستوى الأول: مستوى ملكياته الشخصية كبيته الذي يسكنه والثياب التي يلبسها أو الأرض التي يصل إليه منها وارد.. وهكذا.
وهذه ملكياته الخاصة على غرار سائر الناس. والتي يصرف منها على نفسه
ــــــــــــــــــــ[105]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وعائلته ونحو ذلك، والتي يجب عليه فيها الحج.. وهكذا.
هذه المملوكات، إنما يملكها بصفته الشخصية، بصفته (فلان ابن فلان) -كما يقولون-. ويرثها منه وَرَثته بعد وفاته.
المستوى الثاني: المرافق العامة التي لا تستوعب المجتمع كله. كالأوقاف وكل ما يمت إلى الدولة بصلة لو كان له حكم وسيطرة. فان لم يكن له سيطرة كان هو المستحق لها وان كان مغلوباً على أمره. كالمساجد والمستشفيات والجسور والمعامل وغيرها… مما تم إنشاؤه بالأموال العامة طبعاً.
وسوف نشير قريباً إلى ان هذه الملكية وما بعدها لا يملكها الإمام بصفته الشخصية، وغير قابلة للميراث بعد وفاته، وإنما هي مملوكة للمجتمع ككل وإنما له منها وعليها الإشراف والتدبير، فيكون له منها التعب ولغيره المهنأ.
نعم، له حصة كباقي الناس، بصفته واحداً من الشعب أو بصفته من الموقوف عليهم في بعض الأوقاف أو بصفته مريضاً في بعض المستشفيات.. وهكذا.
ولا ينبغي ان ننسى هنا الإشارة إلى مرافق عامة أخرى مربوطة بالدولة كالجيش والشرطة والبريد وغير ذلك كثير مما هو مربوط بالدولة. وهذا هو الذي تم تطبيقه في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حين تمت له السيطرة الفعلية على المجتمع.
المستوى الثالث: ملكيته للأنفال أو الفيء وقد علمنا منها الشيء الكثير. وهو أيضاً يملكها بصفته العامة لا بصفته الخاصة، ولا تذهب ميراثاً لورثته.
نعم، ظاهر الروايات التي سمعناها وغيرها انه -أعني الإمام- يستطيع ان يصرف منها على حوائجه الشخصية. كقوله: “يضعه حيث شاء”, الشامل حتى للحوائج الشخصية. وكقوله: “وله ان يسد بذلك المال جميع ما ينوبه”, الشامل
ــــــــــــــــــــ[106]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
أيضاً لها. وغير ذلك.
كما له ان ينوي أو يقصد التملك الشخصي لبعض الأموال إذا رغب في ذلك فتدخل في ملكيته الشخصية ويرثها الورثة.
بقي انه ينبغي الإشارة إلى أمرين:
الأمر الأول: ان الإمام يكون بذلك مفوّضاً على أموال لا حصر لها. الا انه لا ينبغي ان يأتي في ذهن أحد احتمال خيانته -وحاشاه- أو التصرف القليل فضلاً عن الكثير بشكل غير عادل أو غير كامل. فان ذلك على خلاف الدليل القطعي على عصمته، وان الأئمة عِدلُ الكتاب الكريم بعد رسول الله, وقول النبي: “من كنت مولاه فهذا علي مولاه”. وغير ذلك من الأدلة.
وكذلك هذا هو حال كل من ينصبه الإمام. في حياته أو بعد وفاته من أشخاص للتصرف في هذه الأموال العامة، من المستويين الثاني والثالث، سواء كان بالتفويض الخاص، أعني الوكالة الشخصية ونحوها، أو كان بالتفويض العام. يعني إيكال الأمر إلى بعض الأشخاص المحتوين على شرائط معينة، ليكون لهم الإشراف على هذه الأموال مدى الأجيال وسيأتي بحثه.
فانه، سوف لن يختار، على أي حال، إلا من كان ثقة عدلاً، يصل احتمال خيانته إلى درجة الصفر. وهذا تماماً بصفته معصوماً من العمد والخطأ في مخالفة العدل الواقعي.
الأمر الثاني: انه قد يقال فقهياً: ان ظاهر الروايات التي سمعناها وغيرها: الملكية الخاصة للإمام في كل هذه المستويات التي سمعناها. يكفينا من ذلك ظواهر الآيات الكريمة كقوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ(1). وقوله سبحانه : أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ
ــــــــــــــــــــ[107]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الأنفال: 1.
وَلِذِي الْقُرْبَى(1). الآية.
وهذه اللام في هذه الآيات وما يوازيها من الروايات، ظاهرة بالملكية الخاصة عرفاً وشرعاً. فلماذا قلنا بأن ملكيته لها ليست خاصة بل هي ملكية (عامة) بمعنى الإشراف والتدبير ليس إلا؟
إلا ان هذا الأمر غير محتمل فقهياً، وان احتمله البعض، فان الدليل الفقهي على خلافه. ويكفينا للاستدلال على ذلك أمران:
الأمر الأول: نسبة الملكية إلى الله عز وجل، فانه لا يصدق بحقه سبحانه ان يصرف منها على نفسه وعياله أو يذهب ميراثاً، جل جلاله عن كل نقص. إذن، فالملكية المنسوبة إليه سبحانه إنما هي نحو من أنحاء الملكية العامة، بولاية أوليائه وإشرافهم.
الأمر الثاني: سيرة الرسول والأولياء بعده. فإنهم كانوا يصرفون هذه الأموال العامة على المجتمع والمصالح العامة. ولم يكن يأخذ أحدهم أكثر مما يناله شخصياً بصفته فرداً من المجتمع.
فالقول بملكيتهم الشخصية لكل تلك الأموال، خلاف هذه السيرة حتماً. على انه توجد هناك أدلة أخرى على ذلك لا حاجة إلى التوسع بها.
فهذا كله الحديث عن المستوى الثالث للملكية، وهي ملكية الإمام الأنفال أو الفيء بما فيه حق الإمام.
المستوى الرابع: ملكية الإمام، للأرض كلها. بالمعنى الذي سبق أن قلناه من أن له الأمر النافذ في كل شيء, أو قل: في ممتلكات الآخرين. فأربابها يملكونها ملكية شخصية أو خاصة، والإمام يملكها ملكية عامة بالولاية والإشراف. وقد سبق أن عرفنا إن هذا لا يكون من اجتماع الملكيتين على
ــــــــــــــــــــ[108]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الأنفال: 41.
مملوك واحد.
ولا حاجة إلى الإشارة بأن هذا المستوى للواقع بعد المستويات الثلاثة الأولى يجعل للإمام السيطرة والإشراف على جميع ما في الأرض. لا يحول دون ذلك إلا عصيان العاصين وفسق الفاسقين وإعراض المعرضين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الجهة الرابعة: فيمن يكون بعد غياب الإمام وفقدانه وفي حدود ملكيته أو سيطرته أو ولايته.
لا شك ان من عينه الإمام بوكالة معينة، بنص خاص، ليتصرف بدله عند عدم وجوده، فهذا الشخص له ان يتصرف بمقدار الإذن، وليس له ان يتصرف خارج حدود إذنه ومسؤوليته. كائنة ما كانت. فقد تقتصر على الأمر القليل وقد تستوعب الأمر الكثير حسب رأي الإمام نفسه.
وأما إذا لم يوجد الإمام ولا وكيله الخاص فقد أشرنا في فصل الاجتهاد من كتاب الاجتهاد والتقليد، بأن الشارع المقدس علم انه ستكون أجيال بعيدة عن الصدر الإسلامي الأول وستكون منقطعة عن تلقّي التشريع من مصدره الأساسي، وهو أخذه من الإمام مباشرة ومشافهة. ولكن الإسلام باقٍ ما بقي الدهر و”حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة”.
إذن فماذا تفعل الأجيال الآتية. ولا يمكن إهمالها أو الإعراض عنها؟ ومن هنا جعلوا للناس طرقاً إلى فهم الحرام والحلال والتشريع والتطبيق مهمة وموسعة، أشرنا إلى جانب منها هناك. وقد وردت في ذلك روايات عديدة روينا بعضها هناك.
ــــــــــــــــــــ[109]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
منها على سبيل المثال: رواية لعمر بن حنظلة(1) وفيها يقول الإمام أبي عبد الله: “ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فاني قد جعلته حاكماً. فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله”.
ومنها رواية العمري(2) ومنها: “وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله”.
إلى غير ذلك، وتمحيص هذه الروايات عن طريق الاستدلال الفقهي موكول إلى فصل الاجتهاد السابق وكتاب القضاء اللاحق. والبقية موكولة إلى الفقه وليس هذا محل تفصيلها.
والمهم في الأمر: ان علماء الإسلام اتفقوا على إعطاء بعض الصلاحيات لمن اتصف بكونه فقهياً عارفاً، وان اختلفوا في مقدار هذه الصلاحيات وسعتها ومهما كانت فهي:
أولاً: تعني النيابة عن الإمام، في ذلك الحقل الذي يكون للفقيه التصرف فيه.
ثانياً: تعني إزجاء الحاجات الدينية للأفراد على النطاق الممكن في أي زمان ومكان. لكن قد يكون الإمكان واسعاً وقد يكون ضعيفاً، حسب ظروف التقية التي يعيشها الفقيه. والقدر المتيقن من الصلاحيات التي أعطيت دينياً للفقيه، مما أخذ به المشهور بل تسالم عليه الفقهاء:
أولاً: الفتوى بما توصل إليه من حكم الإسلام.
ــــــــــــــــــــ[110]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الوسائل: ج18، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي باب11, حديث1.
(2) نفس المصدر: حديث9.
ثانياً: جواز تقليده ورجوع العامة إليه في أحكامهم، مع اتصافه بالأعلمية عن غيره.
ثالثاً: جواز توليه القضاء الشرعي بين المتخاصمين. أياً كانت قضاياهم وتطبيق حكمه عليهم.
رابعاً: الولاية على بعض الأشياء. كالصغير الذي لا ولي له. والغائب الذي لا وكيل له، والممتنع الذي يؤدي امتناعه إلى الضرر. والوقف الذي ليس له ولي معروف.
خامساً: الولاية فيما يعود إلى الأئمة المعصومين من أموال. وقد ركّز الفقهاء على جانبين منها، وأهملوا أكثر الجوانب التي عرفناها فيما سبق. ركزوا على حق الإمام من الخمس، وكذلك -وفي بعض الحدود-.
الولاية على الأوقاف والمراقد العائدة لهم.
هذا، وأما ما قد يخطر في الذهن من ان للفقيه ان يؤم الناس في صلاة الجماعة. وان يعقد بين الزوجين وان يوقع التصالح بين متخاصمين. ونحو ذلك من الأعمال، فهذا وان كان صحيحاً، بل هو مستحب فعلاً، والفقيه أولى به من كل الناس. إلا انه -مع ذلك- ليست هذه الأمور خاصة به بل تشمل العديدين من غير الفقهاء.
ولكل مورد منها شرائطه الخاصة به. فصلاة الجماعة لا يجب فيها غير عدالة الإمام. وأما عقد القِران فلا يجب فيه شيء سوى ان يكون الفرد محسناً له فقهياً. وكذلك إيقاع التصالح بين فردين أو فئتين.
أما ما عددناه قبل قليل، فهو الصلاحيات الخاصة به، أعني الفقيه الجامع ــــــــــــــــــــ[111]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
للشرائط, فمثلاً يحرم على أي إنسان ان يتولى الفتوى أو القضاء غيره. وكلها هكذا.
وينبغي ان نلتفت إلى بعض الأمور السلبية للفقيه. فإننا ذكرنا في هذا الفصل أربع مستويات لسيطرة الإمام المعصوم وصلاحياته, ومن المعلوم ان اثنين منها ليس للفقيه فيها نصيب, وهي المستوى الأول: وهي ملكيته الشخصية, إذ ليس لأي فقيه ان يتصرف بالملكية الشخصية للإمام المعصوم. وإنما تعود لورثته ان وجدوا.
وكذلك من المعلوم فقدان الفقيه للمستوى الرابع من سيطرة الإمام. وهو نفوذ أمره في كل شيء حتى لو قال طلِّق زوجتك أو اعتق عبدك أو تصدّق بمالك أو أقتل نفسك. فان كل ذلك واجب الطاعة للمعصوم. ولكن لا يجب فيها طاعة الفقيه. إلا بأحد طريقين:
أحدهما: ان يأمر الفقيه الفرد أو الأفراد، بصفته مفتياً بالحكم الشرعي فيكون طاعة الفرد له طاعة للحكم الشرعي، وليس له شخصياً.
ثانيهما: ان يأمر الفقيه بالولاية فيما فيه مصلحة عامة مما لا حاجة إلى التمثيل له الآن. فانه يكون متبعاً وواجب الطاعة. وإذا كان مبسوط اليد وجبت طاعته حتى على من لم يقلده أيضاً. أما في الحدود الشخصية للأفراد، مما لا يرتبط بأحد هذين النحوين، فالفقيه غير واجب الطاعة جزماً.
نعم، قد يكون واجب الطاعة بالعنوان الثانوي، كما لو كان عصيانه أذية له وأذية المؤمن حرام. أو كان عصيانه مما يترتب عليه مفسدة شخصية لبعض المؤمنين أو عامة في المجتمع(1)، إلا ان هذا كله غير المفروض من عدم
ــــــــــــــــــــ[112]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) وعندئذ تقع المزاحمة بين هذه الأمور والمأمور به ان كان في نفسه مرجوحاً أو حراماً شرعاً، ويجب على المكلف تقديم أفضلهما شرعاً.
ترتب أي أثر سلبي على عصيانه.
إذن، فالمستوى الأول والرابع، اللذين كانا للإمام المعصوم غير موجودين، للفقيه العارف.
بقي الكلام في المستويين الثاني والثالث وفيما ذكرناه من الصلاحيات قبل قليل.. كفاية في اندراجه في المستوى الثاني. لأنها جميعاً تمثل جانباً مهماً من ذلك المستوى. نعم, إذا كان مبسوط اليد، جاز له تولي جميع حدود المستوى الثاني من صلاحيات، ولم يجز له التخلي عنها أو إيكالها إلى غيره، الذي قد لا يكون صالحاً لها شرعياً أو واقعياً.
وأما ولايته على المستوى الثالث الذي ذكرت الروايات ملكية الإمام له. كالمفاوز والغابات والأودية وقمم الجبال وغيرها.
فمشهور الفقهاء، بل لعله المتسالم بينهم أنهم يحفظون للإمام ملكيته في هذه الأمور. ولا يعني عندهم بصفتهم نواب الإمام ان تنتقل الملكية إليهم. إلا أنهم قد يمارسون صلاحيات الولاية بالنيابة عنه في هذه الأمور.
وهذا من الفقهاء اتجاه محترم ومعقول(1) ولكننا عرفنا ان معنى ملكية الإمام لهذه الأمور هو ولايته عليها في حدود المصلحة العامة، فإذا رأى الفقيه ولايته هو أيضاً بصفته نائباً عن الإمام. فالملكية التي لا تعني أكثر مما قلناه تثبت للفقيه أيضاً. بصفته متصرفاً في المصالح العامة(2).
ومن هنا يمكن ان نعدد الأمور التالية كشيء مندرج تحت الولاية: الخُمس بقسميه مهما كان مصدره, والبراري ورؤوس الجبال وبطون الأودية، والآجام
ــــــــــــــــــــ[113]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) لأن فيه حفظاً في الفتوى لاستحقاق الإمام في عامة الأمور وتواضعاً من قِبَل الفقهاء تجاه أنفسهم.
(2) تماماً كما تنتقل هذه الملكية إلى الإمام الذي بعده لا إلى ورثته كما قلنا، فكذلك تنتقل إلى الولي الذي بعده.
وكل أرض باد أهلها، وكل أرض أعرض عنها أهلها وسيف البحار وميراث من لا وارث له.
بقي الحديث عن الأموال الناتجة عن الجهاد الإسلامي.. مثل: صفايا الملوك والأرض المصالح عليها وغير ذلك، فالأرجح صرف النظر في الحديث عنها الآن لعدم وجود الجهاد الإسلامي.
ومن ناحية أخرى فليس للفقيه البدء بحرب جهادية ضد أي أحد، إلا في مورد واحد تسالم عليه الفقهاء، وهو الدفاع إذا خيف على بيضة الإسلام. ويقصدون به احتمال هلاك المسلمين ككل وانطماس الدين الإسلامي في منطقة معينة. عندئذ يجوز للفقيه التصدي للحرب بل يجب عليه أحياناً, إلا ان هذا غير خاص به بل واجب على كل الأفراد كل بحسبه. بل يجب على الأفراد من خارج المجتمع ان يدافعوا عن مثل هذا المجتمع البائس.
إلا ان هذا كله الآن مما لا تطبيق له في عالم الحياة. ولا دليل على جواز شيء أوسع من ذلك قد يتسبب به إلى قتل النفوس وإهراق الدماء فان ذلك موكول إلى القيادة الإسلامية المعصومة كرسول الله وأمير المؤمنين، والمهدي بعد ظهوره.
ويؤيد عدم جوازه الآن تضاعف القوى المعادية للدين الإسلامي أضعافاً مضاعفة ومن كل الجهات، وقد أجازنا القرآن الكريم بالفرار إذا كان العدو أكثر من ضعف الجيش المجاهد الْآَنَ خَفَّفَ اللَّـهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ(1).
وأما إذا كان العدد أكثر فلا إشكال في جواز الفرار والمسالمة ووجوب التقية بل حرمة تعريض النفوس للتلف بلا مقابل. ولله في خلقه شؤون.
ــــــــــــــــــــ[114]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الأنفال: 66.
ولا ينبغي ان ننسى ان أكثر أئمتنا المعصومين، عانوا من ظروف التقية والمسالمة والهدنة مع الآخرين الشيء الكثير بصبر عظيم وصدر رحب كريم. لا يستثنى من ذلك -بعد ولاية أمير المؤمنين- إلا ثورة الحسين التي كانت لها مصالحها الخاصة التي لا يمكن القياس عليها أو استنتاج القاعدة العامة منها. والتي لا يصدق فيها وفي أمثالها إلا المعصوم.
والمهم ان الجهاد الإسلامي، إذا لم يكن موجوداً، فلا حاجة إلى التعرض إلى أحكامه أو ولايته.
الجهة الخامسة: في أدلة التحليل.
بعد ان عرفنا في الجهة الثالثة من هذا الفصل مقدار ملكيات الإمام وسعة ولايته، نريد ان نعرف ما هو المأذون لنا ان نتصرف فيه كمسلمين موالين للائمة (سلام الله عليهم).
فقد ثبت فقهياً جواز التصرف في بعض تلك الملكيات العامة، كما يلي:
أولاً: “من أحيا أرضاً فهي له”، كما ورد في الروايات المعتبرة، وقد سمعنا في رواية (أبي خالد الكابلي) ما يشبه ذلك. إلا انه أمر بدفع خراج الأرض إلى الإمام. وهو خاص بأهل الكتاب وغير شامل للمسلمين، وشموله لهم غير محتمل فقهياً وقد أعرض عن مضمونه الفقهاء. إلا ان يحمل معنى الخراج على أمور مالية أخرى، كالزكاة والخمس.
والإحياء يكون بالتصرف، بالأرض بشكل معتد به عرفاً كالبناء فيها أو الزراعة عليها أو حفر بئر خلالها.. وهكذا. وهذا لا يختلف فيه البراري ورؤوس الجبال وبطون الأودية والغابات وغيرها. فان الغابات وان كانت محياة طبيعياً إلا ان تطويرها واستغلالها بالعمل البشري ممكن فتكون راجعة إلى العامل.
ــــــــــــــــــــ[115]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وكذلك سيف البحار والأنهار وهي شواطيها فان استغلالها وإحياءها ممكن وبه تكون راجعة إلى المحيي.
ثانياً: ما يرجع إلى الإمام من أموال كحق الإمام، وصوافي الملوك لو وجدت، وكذلك ميراث من لا وارث له والأموال المغنومة بالحرب غير المشروعة فهذه كلها على غرار حق الإمام.
وحكمه: أننا يجب ان نصرفه في كل مورد نحرز فيه رضاه. شأنه في ذلك شأن كل مال مملوك لأي إنسان يجب ان يصرف في الموارد التي نعلم فيها برضاه وإذنه. والإمام وان كان مفقوداً الآن إلا ان هناك من القواعد الشرعية والفقهية ما تدلنا على جواز بعض التصرفات والإذن فيها. وخاصة ونحن نعلم انه لا يريد شيئاً من هذه الأموال على الإطلاق للصرف منها على دنياه ونفسه وعائلته ونحو ذلك. وإنما يريدها محضاً للصرف على ما فيه المصلحة الدينية العامة أو الخاصة.
ولا يخفى ان هذه الفتوى من الفقهاء احتياطية، بناءً على ان حق الإمام ونحوه ملك شخصي للإمام. وهو أمر ضعيف في الوجوه الفقهية. والشيء الأصح هو اختصاص الإمام بها اختصاص ولاية وإشراف ولذا من غير المحتمل انتقالها إلى ورثته بعد وفاته. وإنما تنتقل الولاية عليها إلى الولي الذي بعده، وهو الإمام الذي يليه.
ثالثاً: بعد دفع حق الإمام إلى وليه أو الاستئذان منه أو التصرف فيه برضاه شأنه في ذلك شأن سائر الحقوق الشرعية كالخمس والزكاة، يبقى الباقي حلالاً للمالك. كالمال المخمس وهو الباقي بعد التخميس والمال المزكى وهو الباقي بعد دفع زكاته.
وكذلك الأرض المستغلة بالإحياء أياً كان شكله. وكذلك الموقوفات على الإمام إذا كان التصرف فيها في الحدود الشرعية. فكل ذلك، حلال لمن يصل
ــــــــــــــــــــ[116]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
إليه المال.
رابعاً: كانت الغنيمة في صدر الإسلام حينما تصل إلى المدن الإسلامية من الغزوات والحروب، بما فيها النساء الجواري. كان الناس يتقاسمونها ويستغلونها بدون دفع الخمس برغم نص الآية الكريمة على وجوب دفع الخمس. الأمر الذي يوجب حرمة الاستغلال والتصرف في الأموال بما فيها الجواري.
ومن هنا وردت أخبار التحليل، والتحليل على عدة مستويات:
المستوى الأول: تحليل مطلق لكل الأموال.
كما ورد في موثقة أبي سيار مسمع بن عبد الملك(1) عن أبي عبد الله وفيها يقول: “وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون ومحلل لهم ذلك إلى ان يقوم قائمنا فيجيبهم طسق ما كان في أيدي سواهم. فان كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم منها صَغرَة”.
وهذه هي الحرمة الناتجة من عدم دفع الخمس، وعدم إذن الولي في المال المولى عليه.
المستوى الثاني: تحليل النساء.
كصحيحة الفضلاء الثلاثة(2) عن أبي جعفر قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: “هلك الناس في بطونهم وفروجهم لأنهم لم يؤدوا إلينا حقنا. ألا وان شيعتنا من ذلك وآبائهم في حل”.
ــــــــــــــــــــ[117]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الوسائل: ج6، كتاب الخمس. أبواب الأنفال. باب4, حديث12.
(2) نفس المصدر: حديث1.
وعن ضريس الكناسي(1) قال: قال أبو عبد الله: “أتدري من أين دخل الناس الزنا؟” فقلت: لا أدري. فقال: “من قِبَل خمسنا أهل البيت، إلا لشيعتنا الاطيبين فانه محلل لهم ولميلادهم”.
وفي رواية أبي خديجة(2) عن ذلك: “هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم والغائب والميت منهم والحي وما يولد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلال. أما والله لا يحل إلا لمن أحللنا له”. الحديث.
المستوى الثالث: تحليل الخمس.
فعن يونس بن يعقوب(3) قال: كنت عند أبي عبد الله فدخل عليه رجل من القماطين. فقال: جعلت فداك تقع في أيدينا الأموال والأرباح وتجارات نعلم ان حقك فيها ثابت. وإنا عن ذلك مقصرون. فقال أبو عبد الله: “ما أنصفناكم ان كلفناكم ذلك اليوم”.
وظاهر السؤال وصول الأموال من أناس ليس من مذهبهم فهل يجب دفع الخمس من قِبَل أناس يرون وجوبه في ذمتهم.
وهذا يعني ان هذا غير شامل لحالات أخرى كما لو وصل المال من أناس لا يدفعون الخمس عصياناً بعد إلزامهم به تشريعياً.
والجواب نص في التحليل وعدم تكليفهم بدفع هذا الخمس، وهي عبارة تحتاج إلى شرح يكون الأفضل تأجيله إلى محله من الفقه.
وأما ما ورد في صحيحة زرارة(4) عن أبي جعفر انه قال: “ان أمير
ــــــــــــــــــــ[118]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث3.
(2) نفس المصدر: حديث4.
(3) نفس المصدر: حديث6.
(4) نفس المصدر: حديث16.
المؤمنين حللهم من الخمس -يعني الشيعة- ليطيب مولدهم”.
فعبارة الخمس وان كانت عامة إلا ان التحليل وهو طيب المولد يجعل الأمر خاصاً بالنساء ولا يشمل المواد الأخرى.
المستوى الرابع: تحليل الفيء وهي الأنفال كلها.
فعن أبي حمزة(1) عن أبي جعفر في حديث قال: “ان الله جعل لنا أهل البيت سهاماً ثلاثة في جميع الفيء فقال تبارك وتعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ… فنحن أصحاب الخمس والفيء. وقد حرّمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا. والله يا أبا حمزة ما من ارض تفتح ولا خمس يخمس فيضرب على شيء منه إلا كان حراماً على من يصيبه فَرْجَاً كان أو مالاً”. الحديث.
وهذا يعني أولاً تحليل استغلال الأرض كما سمعنا في المستوى الأول. ويعني -ثانياً- تحليل الخراج الذي كان يرد من الأرض، واستعماله بدون إخراج خمسه.
وتمام الكلام موكول إلى محله من الفقه.
ــــــــــــــــــــ[119]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث19.
كتاب الصوم
فصل
الهلال
قال الاختصاصيون في علم الفلك: ان القمر قطره 2160 ميلاً ويدور في مدار اهليلجي حول الأرض ككل المدارات الفلكية. ولهذا يتراوح بُعده عنا بين 222 ألف ميل و253 ألف ميل.
وسرعة القمر في مداره 32 ألف ميل في الساعة. أي ستة أعشار الميل في الثانية (0.63).
إلا ان كل ذلك لا يكون له أثر مهم في الفقه. وإنما المهم فقهياً، هو ان شهر رمضان أو شهر الصيام يبدأ بالهلال وينتهي بالهلال. فلا بد ان نحمل عن ذلك فكرة واضحة ونقول كلمة متكاملة.
ويقع الكلام في ذلك ضمن عدة جهات:
الجهة الأولى: من الأكيد فلكياً: ان للقمر وجهاً واحداً متوجهاً إلى الأرض. ولذا قال الفلكيون انه يدور حول نفسه وحول الأرض في نفس الوقت حيث تبدأ كلتا هاتين الدورتين معاً وتنتهيان معاً ومدتهما شهر كامل من شهور الأرض.
ومن القرائن على ان للقمر وجهاً واحداً إلى الأرض هو اننا نرى في كل شهر الوجه نفسه الذي يشبه الوجه البشري نسبياً. ويبقى ذلك واضحاً من حين
ــــــــــــــــــــ[123]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
يتزايد النور في القمر كاليوم الخامس أو السادس إلى ان يتناقص فيه خلال العشرة الثالثة من الشهر.
وقال الفلكيون القدماء(1) وتسالم عدد من الفقهاء، طبقاً للمصادر التي كانت متوفرة لديهم، بما فيهم بعض أساتذتنا, تسالموا ان للقمر وجهاً مظلماً باستمرار.
وهذا وان كان بظاهره أكيداً واضحاً لأن القمر لا محالة دائماً نصفه مضاء بالشمس ونصفه مظلم. إلا انهم لا يريدون ان النور والظلام يدوران حول القمر بدورانه حول نفسه. وإنما يريدون ان للقمر وجهاً مظلماً ثابتاً باستمرار لا يرى الشمس أبداً.
ومن هنا حصلنا على فكرتين تكادان ان تكونا متناقضتين:
أحدهما: ان القمر له وجه ثابت للأرض دائماً.
ثانيهما: ان القمر له وجه مظلم دائماً، يعني ان الوجه الآخر مضيء دائماً، يعني انه ثابت أمام الشمس باستمرار(2) .
فهل يمكن ان يكون للقمر وجه ثابت للأرض ووجه ثابت للشمس باستمرار، مع ان القمر والأرض في حركة دائمة، والقمر في تغير مستمر واضح؟
وأقل ما يلزم من الجمع بين الفكرتين هو ان الوجه المظلم هو المتوجه إلى ــــــــــــــــــــ[124]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) أعني ما قبل خمس سنوات أو عشرة. لا القدماء كثيراً. وإنما تبدل الرأي عندهم في وقت متأخر جداً.
(2) ومما يؤيد بطلان هذا الاحتمال أمران: احدهما: ثبات الوجه القمري الذي يشبه الوجه البشري تجاه الأرض وهو الذي يتزايد عليه النور ويتناقص. ثانيهما: تصوير الوجه الآخر مضاءً عن طريق المركبات الفضائية.
الأرض دائماً. فيكون القمر في محاق دائم, أو قل في خسوف كلي دائم. وهذا طبعاً خلاف الوجدان فأي الفكرتين صحيحة يمكن الاعتماد عليها؟
ولا يخفى اننا إذا أخذنا بإحدى الفكرتين ونبذنا الأخرى، أياً كانت أمكننا ان نفسر منازل القمر وتغير نوره. إذ يكون الوجه الثابت تجاه الأرض متحركاً تجاه الشمس، أو يكون الوجه الثابت تجاه الشمس متحركاً تجاه الأرض مما يلزم من كلتا النظريتين ان نرى بعض نوره أحياناً وكله أحياناً وكل ظلامه أحياناً.
ولو كان القمر يدور حول الأرض في سنة قمرية كاملة، لأمكن القول بكلا الفكرتين. غير ان تفسير تغير نور القمر يبقى متعذراً طبيعياً، لأنه يلزم عندئذ، استمرار الوجه المظلم تجاه الأرض أو استمرار الوجه المضيء تجاهها. وكلاهما غير محتمل.
نعم، إذا أمكننا نسبة تغير النور إلى أسباب فوق الطبيعة، ارتفع الإشكال تماماً. فيمكن الالتزام بكلتا الفكرتين مع صحة تغير النور، وان دورته شهرية حول نفسه وحول الأرض. إلا ان كِلا من الفلكيين والفقهاء يحاولون إبعاد هذا الاحتمال من أذهانهم إبعاداً كاملاً.
وقد علمنا من الفصل الذي عقدناه للخسوف والكسوف ان العلم التجريبي لا يقدم للإنسانية إلا الاحتمالات، وان النظرية مهما أصبحت واضحة وارتقت إلى درجة القانون، فانها ثابتة بالاحتمال وليس باليقين القاطع، كالعلوم الرياضية حتى ما كان مثل جاذبية الأرض وحركاتها.
وقد حصلنا في ذلك الفصل على عدة موارد مجملة ومهملة من قِبَل المصادر الحديثة، وأصبحت مورداً للإشكال، الأمر الذي يجعل ظلال الشك منبسطة على كثير مما يقولون.
ــــــــــــــــــــ[125]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الجهة الثانية: يبدأ الشهر القمري بوجود الهلال لأول مرة بعد المحاق عند غروب الشمس.
ومعنى ذلك ان له شرطين أساسيين:
الشرط الأول: وجود الهلال عند الغروب.
الشرط الثاني: ان يولد الهلال بعد المحاق. وهذه الولادة حادث كوني أو تكويني يحصل في نسبة القمر إلى الأرض. بغض النظر عن أوقات الليل والنهار على وجه الأرض، فقد يكون بعض المناطق في الليل وبعضها في نهار، بل الأمر كذلك بكل تأكيد وبعضها في فجر وبعضها في غروب.
وليس هناك تحديد للمنطقة التي يولد فيها الهلال من الأرض. بل يختلف ذلك بين الأشهر بكل تأكيد.
وهذا الميلاد لا يعني بدء الشهر القمري لمانعين مهمين:
المانع الأول: ان وجه الأرض يختلف -كما علمنا- بين الليل والنهار. فان بدأ الشهر بالولادة، كان الشهر الجديد بادئاً خلال النهار أو خلال الليل. وهذا لا معنى له عرفاً ومتشرعياً.
ولكنه ممكن عقلاً وعلمياً، يعني بعلم الفلك الطبيعي، بل هو متعين عندهم بغض النظر عن وقت الليل والنهار، مع إمكان جعل أول الشهر اليوم التالي من الناحية الظاهرية أو (الرسمية). إلا ان سيرة العرف والمتشرعة على خلاف ذلك قطعاً.
المانع الثاني: ان القمر في أول ميلاده يكون دقيقاً جداً بحيث لا يمكن رؤيته بالعين المجردة بالمرة، والشرط الأساسي لبدء الشهر القمري هو تطوره وازدياد نوره إلى درجة يمكن فيها الرؤية بالعين المجردة، على ان تكون هذه الرؤية متحققة عند غروب الشمس. فيجعل أول الشهر في اليوم التالي.
ــــــــــــــــــــ[126]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وهذا يترتب عليه أمران:
الأمر الأول: ان الرؤية بالمناظير الفلكية، عندما لا يكون حجم الهلال مناسباً للرؤية البصرية، غير كافية في بدء الشهر القمري. وهذا لا يعني انه ليس للمناظير أية فائدة في رؤية الهلال. بل سنشير إلى ان لها فوائد عديدة، ولكنها يمكن اعتبارها ثانوية بالنسبة إلى الرؤية البصرية الأساسية.
الأمر الثاني: ان المهم شرعاً في بدء الشهر القمري، إمكان الرؤية، يعني وصول نور الهلال بعد ولادته إلى درجة بحيث يمكن رؤيته بالعين المجردة وليس مُهماً ان يُرى فعلاً. لوجود بعض الموانع كالسحاب وغيره.
فإذا ثبت بأي دليل حجة ومعتبر شرعاً وجود الهلال بهذه الكيفية، كفى في ثبوت الشهر القمري. واما الاستدلال الفقهي على ذلك فليس هذا محله، ولعلنا نعطي عنه بعض الأفكار في المستقبل.
الجهة الثالثة: يمكن الاستفادة من المراصد الحديثة من الناحية الفقهية في عدة موارد:
أولاً: يمكن ان يثبت بها ان الهلال لا وجود له أصلاً. الأمر الذي يوفر الجهد للناظرين بمحاولة رؤيته.
ثانياً: ان يثبت بها ان الهلال صغير جداً بحيث لا يكون قابلاً للرؤية. الأمر الذي يوفر الجهد أولاً، ويثبت عدم إمكان بدء الشهر القمري ثانياً.
ثالثاً: ان يثبت ان الهلال كبير بحيث يكون قابلاً للرؤية، الأمر الذي يمكن به إثبات أول الشهر وان لم يره بالعين المجردة أحد.
رابعاً: ان يثبت بالمرصد جهة وجود الهلال وإحداثياته، حتى ينظر نحوها الناظرون ويركزون بها، دون ان يبذلوا جهداً ضائعاً في الأطراف الأخرى.
ــــــــــــــــــــ[127]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وهنا لا ينبغي ان يفوتنا أمران:
الأمر الأول: انه يجب من الناحية الفقهية ان يكون المخبر عن نتيجة الرصد الفلكي بيّنة عادلة. ولا يكفي فيه الواحد الثقة أو الخبير على الأحوط. فضلاً عن الفاسق فضلاً عن الكافر. بل يجب ان يكون خبيراً وعادلاً، فضلاً عن كونه رجلاً مسلماً ومؤمناً. ليس هذا فقط بل رجلان من هذا القبيل.
نعم، إذا حصل العلم أو الاطمئنان أو الوثوق التام من قول أي إنسان, أمكن التعويل عليه كحجة شرعية، لأن هذه العناوين أو قل: هذه الدرجات من العلم هي حجة عرفاً وشرعاً.
الأمر الثاني: إذا حصلت نتيجة الرصد وعرفناها بالطريق المعتبر الذي أشرنا إليه أمكن ان نحصل على النتائج التالية:
أولاً: إذا أخبر المرصد بعدم وجود الهلال فهذا معناه عدم بدء الشهر القمري.
ثانياً: إذا أخبر المرصد عن ضعف الهلال، وكونه دون الرؤية البصرية المجردة، كان معناه عدم بدء الشهر أيضاً.
ثالثاً: إذا اخبر المرصد بذلك، وكان هناك ادعاء رؤية غير كافية للإثبات المعتبر شرعاً. كفى ذلك في عدم الشهر. واعتبرنا ان هؤلاء المدعين للرؤية متوهمين أو كاذبين.
رابعاً: إذا أخبر المرصد أو الراصد بأن الهلال كبير قابل للرؤية فهذا وحده كافٍ في إثبات الشهر وان تعذرت رؤيته بالعين المجردة تماماً، لوجود بعض الموانع كالسحاب.
خامساً: إذا أخبر الراصد ان الهلال كبير، في وقت الصحو ولم يره أحد لم يثبت الشهر والسر في ذلك ما سنشير إليه بعدئذ، مما ورد في الروايات من
ــــــــــــــــــــ[128]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
انه “إذا رأته عين رأته ألف عين”.
سادساً: إذا أخبر الراصد ان الهلال كبير وكان هناك ادعاء للرؤية غير معتبر كفى في إثبات وجوده وبدأ الشهر.
سابعاً: إذا أخبر المرصد بعدم وجود الهلال أو ضعفه ووجدت -مع ذلك- حجة معتبرة على الرؤية. فهذا من باب تعارض الحجتين ومقتضى القاعدة تساقطهما والرجوع إلى قاعدة غيرهما وهي إكمال العدة ثلاثون يوماً كما سوف نشير.
ثامناً: إذا أخبر الراصد بوجود الهلال في جهة، وثبت بطريق آخر حجة، انه موجود في محل آخر يختلف عنه قليلاً أو كثيراً. كان من تعارض الحجتين كما سبق.
فهذه ثمان نقاط تعطي فكرة كافية في أمثالها مما فاتنا ذكره (وعلى هذه فَقِسْ ما سواها).
الجهة الرابعة: في معنى التطويق وحكمه وسببه.
أفتى سيدنا الأستاذ(1) بأنه: «إذا لم يثبت الشهر في ليلة الشك ولكن وجد الهلال في الليلة الأخرى مطوقاً، فهذا معناه شرعاً ان تلك الليلة التي حصل فيها التطويق هي الليلة الثانية من الشهر، وليس الأولى، كما هو مقتضى القاعدة الأولية لإكمال العدة من الشهر السابق».
وهذا مطابق لرواية معتبرة سنداً: عن محمد بن مرازم(2) عن أبيه عن أبي عبد الله قال: “إذا تطوق الهلال، فهو لليلتين. وإذا رأيت ظل رأسك
ــــــــــــــــــــ[129]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) منهاج الصالحين, ج1, ص294.
(2) الوسائل: ج4. أبواب أحكام شهر رمضان، باب 9. حديث 2.
فيه فهو لثلاث”.
ونتكلم فيما يلي ضمن عدة مستويات:
المستوى الأول: في الإشارة باختصار لمناقشة دلالة هذه الرواية على مراد السيد الأستاذ. لأننا فقهياً لم نوافقه على فتواه، ولم نعتبر التطويق دليلاً على كون الليلة هي الثانية. وذلك للاعتبارات التالية:
أولاً: إعراض المشهور عن الفتوى على طبق الرواية. وهو وان كان بدرجاته الضعيفة غير مخل بالحجية، إلا ان الإعراض الكثير، بحيث يصبح الفقيه الآخذ بها شاذاً أو قريباً من الشذوذ، فالصحيح انه مخل بالحجية، والأمر هنا كذلك، لأن الشاذ من الفقهاء هو الذي أفتى بمضمونها.
ثانياً: ان ظاهر كلام الإمام في الرواية كونه يدل السامع على قاعدة تكوينية وليست قاعدة تشريعية، تكون كالمساعدة في استكشاف عدد أيام الشهر. ولا شك في كونها مساعدة في ذلك، إذ لو حصل الوثوق بالعدد نتيجة للتطويق، كان ذلك حجة.
واما ما قيل في علم الأصول من ان ظاهر كلمات الأئمة بأنها بيان لحكم شرعي لا لحقيقة تكوينية. فهذا صحيح في الأمور المربوطة بالتشريع كالطهارة والصلاة والصوم وغيرها. واما مجرد الاعتراف بذلك تعبداً، فهو ناشئ من الغفلة عن العدد الضخم الوارد من الروايات والتي تتحدث عن أمور غير فقهية أو غير تشريعية فلا يكون بحسب المضمون العام ( أو بحساب الاحتمالات) التحاق الرواية ببيان المضمون التشريعي إلا إذا كانت أكثر الروايات ذات مضمون تشريعي، وهذا غير محتمل عملياً.
فان قيل: ان هذه الرواية مربوطة بالصوم، فلا بد ان نحملها على الحكم الشرعي التعبدي.
ــــــــــــــــــــ[130]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
قلنا: كلا. إذ ليس هناك إلا ان (صاحب الوسائل) رواها في كتاب الصوم. واما لو راجعنا نصها لما وجدنا فيها ذكراً للصوم ولا للعيد ولا لأي عبادة. وإنما وجدنا قاعدة تكوينية تكون منطبقة على أي شهر. فيكون القائل بأنها للتشريع محتاجاً إلى إقامة القرينة.
ثالثاً: انه مع التنزل عما سبق، فان الظاهر من منطوقها الحكم الواقعي لا الظاهري لعدم أي قرينة على أخذ الشك في موضوعها والانصراف الابتدائي منها، ليس بحجة.
ومع دلالتها على الحكم الواقعي، تقع طرفاً للمعارضة مع ما دل على ان تلك الليلة هي الليلة الأولى.
كما لو دل المرصد الفلكي، مع شرائط حجيته، على عدم وجود الهلال بالمرة في الليلة السابقة، الأمر الذي يدل على ان هذه الليلة هي الأولى. ومع ذلك فهو مطوّق.
وكما لو كانت ليلة التطويق هي ليلة الثلاثين من الشهر السابق، بحيث لو اعتبرناها ليلة ثانية كان اللازم اعتبار الشهر السابق ثمانية وعشرين يوماً.
وكما لو كان الجو في الليلة السابقة صحواً والمراقبة شديدة، ولم يحصل أي ادعاء للرؤية، الأمر الذي يدل بالاطمئنان على ان الهلال غير موجود تلك الليلة، ومع ذلك خرج الهلال مطوقاً في الليلة التالية.
إلى غير ذلك. ومقتضى القاعدة فيها هو التعارض والتساقط. ولكنه غير محتمل فقهياً، بل الاعتماد سيكون كلياً على معارض نتيجة التطويق لا محالة ، يعني المصير إلى ان الهلال ابن ليلة واحدة، وان كان مطوقاً. وتمام الكلام في الفقه.
المستوى الثاني: في معنى تطويق الهلال.
ــــــــــــــــــــ[131]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
حين يكون الهلال موجوداً ولم يقترب نحو التربيع، كما في الليلتين الثانية والثالثة. فان له شكلين من النور:
الشكل الأول: النور الأساسي وهو الذي يشكل الهلال نفسه، ويكون عادةً منحرفاً إلى الشمال من الأسفل وزاويته إلى الأعلى. ويكون الجرم الأسود للهلال ممكن الرؤية أيضاً.
الشكل الثاني: ان هذا الجرم الأسود محاط من الجانب الآخر لنور الهلال بخيط رفيع من النور وخفيف إلى حد يبدو ثم يختفي ثم يبدو يختفي. وقلّما يوجد بشكل واضح مستمر.
فهذان الشكلان من النور لو جمعنا بينهما في الفكرة، كان الحاصل: ان الجرم الأسود واقع في وسط دائرة من النور تشبه الطوق حوله، ومن هنا سمي القمر مطوقاً وسميت الظاهرة بالتطويق.
مع ملاحظة بعض الفروق بين الشكلين:
الفرق الأول: ان نور الهلال عريض نسبياً، بينما نور التطويق من فوق ضئيل جداً.
الفرق الثاني: ان نور الهلال ثابت، ونور التطويق يختفي ثم يظهر باستمرار غالباً.
الفرق الثالث: ان نور الهلال ينمو ويزداد، بينما نور التطويق لا ينمو. ولكنك تراه في الليالي المتقدمة كالخامسة والسابعة زائلاً تماماً.
الفرق الرابع: ان نور الهلال ذو زاويتين حادتين في جانبيه مرتفعتين عن الوسط قليلاً. بينما نور التطويق خط مستقيم ليس فيه زيادة ولا نقصان. يعني
ــــــــــــــــــــ[132]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
ليس بعض جوانبه اكثر سمكاً من بعض(1).
ومن الطريف والعجيب ان هذا التطويق غير موجود في الليلة الأولى، ولكنه يبدأ وجوده من الليلة الثانية عامة. ومن هنا صح للرواية ان تقول: “إذا تطوق الهلال فهو لليلتين”. ويستمر موجوداً ليلتين أو ثلاث بعد حدوثه. كما ان التطويق لا يُرى في النهار، لا من اجل سيطرة نور الشمس عليه. بل لأن القمر أساساً لا يبدو في النهار إلا في أواسط الشهر حين يكون التطويق زائلاً.
كما ان من الطريف ان هذا التطويق لا وجود له في آخر الشهر حين يعود القمر هلالاً مرة ثانية. فهذه ظواهر وصِفات التطويق، سندرسها وندققها بعد قليل.
المستوى الثالث: في سبب تطويق الهلال.
لا يبدو في الفكر كسبب فعلي طبيعي للتطويق إلا القول: بأن الجانب المضيء من القمر أوسع بقليل من الجانب المظلم. أو قل: ان رقعة الضوء في القمر أوسع من رقعة الظلام.
أو قل: يمكن ان يكون حول رقعة الضوء في القمر الذي هو بمنزلة النهار فيه… مسافة نصف مضيئة، هي بمنزلة الشفق عند الغروب أو عند الشروق
ــــــــــــــــــــ[133]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) تخطيط التطويق:
1-نور الهلال .
2-الجرم الأسود في الوسط .
3-النقط كرمز للتطويق .
في الأرض. وهي محيطة بنهار القمر. وهي اكثر ضوءاً من الجرم الأسود له, أو قل: من ليل القمر. فإذا ألحقنا هذا (الشفق) بالضوء، استطعنا القول بأن نهار القمر أوسع في رقعته من ليله.
فإذا تم ذلك أمكن تفسير التطويق بوضوح. لأن الهلال الضعيف نسبياً الموجود في احد الجانبين من حلقة القمر المرئية في الأرض.. لا يعني اختفاء النور من الجانب الآخر للحلقة ما دام النور أوسع من الظلام هناك. كل ما في الأمر اننا على الأرض نرى النور واضحاً من احد الجانبين وهو الهلال. ونراه قليلاً من الجانب الآخر، وهو نور التطويق(1).
فهذا أقصى التحليل الذي يمكن التوصل إليه للتطويق. ولم يوجد في كتب
ــــــــــــــــــــ[134]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) تخطيطه التوضيحي:
1- الخط الفاصل بين ليل القمر المواجه للأرض ونهاره. ويتضح من الصورة ان نهار القمر أوسع من ليله.
2- نور التطويق، وهو جزء ضئيل من نهار القمر أو من نهاية نور النهار، يبدو في الأرض.
3- الخط الوهمي بالمقدار الذي نرى القمر من الأرض. ويبدو فيه، جانبين من نهار القمر ظاهرين للأرض. من فوق وهو التطويق ومن تحت وهو الهلال.
4- نور الهلال وهو أوسع من نور التطويق.
5- الوجه المظلم للقمر أو الجرم الأسود له أو ليل القمر.
6- نهار القمر وأكثره غير مرئي عندئذ، لأنه يكون من الجانب الآخر للقمر.
الفلكيين حسب معرفتي أي تعرض له ولا لسببه إلا ان فيما ذكرناه درجة كافية جداً من المنطقية.
ولكن مع ذلك: فانه يرد عليه عدة إشكالات:
الإشكال الأول: ان التصور بأن نهار القمر أوسع من ليله، إنما يمكن فيما إذا كان للقمر جو كجو الأرض ينتشر فيه النور، ويمكن ان يتكون الشفق.
إلا ان هذا منعدم في القمر تماماً. فليس له جو على الإطلاق. الأمر الذي يجعل انتشار النور ولو سنتيماً واحداً مستحيلاً عادةً. وتكوّن الشفق أيضا متعذراً. كما انه يسبب ان يكون ظلام القمر حالكاً حتى ولو إلى جنب النور بقليل.
فالفاصل بين الظلام والنور هناك حد (حاد). وليس خطاً تدريجياً أو مطموساً، لأن هذا الطمس إنما يكون في الجو، وليس هناك جو.
إذن، فالقمر بصفته كروي الشكل سيكون نصفه مضيئاً ونصفه مظلماً، ولا يمكن عادة افتراض زحف النور على الظلام، أو اتساعه على حسابه.
الإشكال الثاني: انه بغض النظر عن الإشكال الأول. كما لو لم يكن الإشكال الأول موجوداً. فهذا يستلزم وضوح التطويق اكثر كلما كان الهلال اصغر وكلما كبر الهلال دخل نور التطويق بالتدريج في الوجه المخالف للأرض حتى يختفي.
في حين اننا نرى بالوجدان ان التطويق في الليلة الأولى معدوماً تماماً، سواء كان الهلال كبيراً أو صغيراً نسبياً. بل قد يكون التطويق معدوماً في الليلة الثانية أيضاً أو ضعيفاً جداً بحيث يزداد في الليالي التالية.
وهذا مما لا يمكن تفسيره بالنظرية التي عرضناها مهما كانت منطقية.
ــــــــــــــــــــ[135]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الإشكال الثالث: انه لو تمت تلك النظرية لكان اللازم ظهور التطويق في آخر الشهر مع الهلال كما هو واضح. إلا ان هذا مخالف للوجدان، إذ من الواضح عدم وجود التطويق فيه.
الإشكال الرابع: انه ينبغي لو تمت النظرية، ان يبدو نور التطويق كالهلال اعني عريضاً في وسطه. كما بدا نور الهلال من الجانب الآخر، فان هذا هو الأنسب مع كروية القمر، فلماذا وجد نور التطويق مستقيماً بهذا المعنى؟
الإشكال الخامس: بقاء التطويق لليلة الثالثة والرابعة أحياناً أو غالباً. وهذا يعني لو تمت النظرية ان نهار القمر أوسع من ليله بكثير. لأن نور الهلال من احد الجانبين أصبح عريضاً نسبياً، ومع ذلك فلم يختفِ عنّا نور (النهار) من الجانب الآخر. فهل يكون النهار مستوعباً لثلثي كرة القمر؟
ومن الواضح ان هذا مستحيل، لأن استضاءة الكرة اكثر من نصفها بهذا المقدار، أمر متعذر، فمن أين يأتي النور للكمية الزائدة من سطح القمر على النصف؟
وما قلناه في النظرية ليس بهذا المقدار من السعة، وإنما هو كخط ضئيل من الضوء الخافت حول نهار القمر، بغض النظر عن ان جو القمر لا يساعد على ذلك. فإذا لم يكن مساعداً، كان القليل متعذراً، فضلاً عن الكثير.
كما ينبغي ان نلتفت إلى ظاهرة معينة يمكن ان تشكّل لنا إشكالاً سادساً، وهي ان الهلال الصغير يكون اقل من نصف دائرة حول جرم القمر. فلماذا حصل ذلك ولو كان نور الهلال من نهار القمر لكان المناسب لوضعه الكروي ان نرى نور الهلال نصف دائرة تماماً.
واما التطويق فنراه اكثر من نصف دائرة لأنه يبدأ من إحدى زاويتي الهلال وينتهي بالأخرى دائراً حول الجرم الأسود الأوسط. ولو كان يشكّل بدوره
ــــــــــــــــــــ[136]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
هلال ضعيفاً بشعاعه، لهان الأمر ولكنه يشكل خيطاً متساوي الاجزاء. إذن, يبقى التطويق بدون تفسير طبيعي، بقدرة الله سبحانه وتعالى الذي بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير.
الجهة الخامسة: في التساؤل عن بعض أحوال القمر. وهل ان العلم الحديث استطاع تفسيرها أم لا؟
تعود مجموعة من هذه التساؤلات عن لون الوجه المظلم وانه لماذا نستطيع رؤيته أحياناً، ولا نستطيع ذلك أحياناً أخرى؟
والجواب الاعتيادي والسائر علمياً عن ذلك ما سمعناه بالضبط في جانب الخسوف حيث قالوا: ان الضوء الذي يجعل القمر ممكن الرؤية في الخسوف إنما هو من انعكاس نور الأرض على القمر، وعوده من القمر إلى الأرض لكي نراه.
فكذلك الأمر في الجانب المظلم من القمر، فان ضوء نهار الأرض ان انعكس عليه رأيناه وان لم ينعكس لم نره. وهذا هو الذي يفسر رؤيتنا له خلال النهار في عدد من الأحيان.
وهذا صحيح في كثير من الأحيان إلا ان على العلم الحديث الجواب عن أمثال الأسئلة التالية التي نذكرها بعنوان:
المستوى الأول: وهو الذي يعود إلى إضاءة الوجه المظلم.
السؤال الأول: إذا كان الوجه المظلم مرئياً بسبب نور الأرض، فهذا يفسر رؤيته في النهار، ولا يمكن ان يفسر رؤيته في الليل. لأن معنى رؤيته ليلاً ان القمر يمر على منطقة ليلية مظلمة من الأرض، فليس للأرض نور لتدفعه إلى القمر، فمن أين يأتي الشعاع الضئيل الذي نرى به الوجه المظلم؟
السؤال الثاني: ان القمر خلال منازله في الشهر الواحد يبدأ بالظهور في
ــــــــــــــــــــ[137]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
أول الليل من جهة المغرب. ثم يكثر وجوده ليلاً، ففي أواسط الشهر يصبح مشرقاً من الشرق في أول الليل ويغرب آخر الليل.
وكلما مشى الشهر وجاءت الأيام الأخيرة منه، أصبح وجود القمر في الليل متقلصاً، حيث يشرق آخر الليل وتطلع الشمس بعد طلوعه بزمان غير طويل. حتى ما إذا كان اليوم السابع والعشرون ونحوه، أصبح مشرق القمر مع مشرق الشمس.
وهذا معناه تماماً ان القمر عند المحاق يشرق بعد مشرق الشمس واما انقطاع إشراقه كل يوم فهذا أمر غير محتمل، ما دامت الكرة الأرضية مستمرة في الدوران حول نفسها.
إذن, فالقمر حال المحاق موجود خلال النهار. ومقتضى الكلام (الفلكي) الذي سمعناه قبل قليل من ان الوجه المظلم من القمر يكتسب ضوءه من نور الأرض، يعني النهار. فالآن، في المحاق يوجد وجه مظلم كامل للقمر باتجاه الأرض، ويوجد نهار في الأرض. فلماذا لا نرى القمر، ولماذا لا تعكس الأرض ضوءها عليه؟ مع ان اختفاء القمر تماماً خلال المحاق يعتبر من الضروريات والواضحات على مدى الأجيال.
السؤال الثالث: من الواضحات أيضا اننا لا نرى جرم القمر في الليلة الأولى. بل يبدو الهلال وحده قائماً في السماء. وهذا ما يلقي عليه جمالاً وهيبة أكثر مما لو رأينا جرمه المظلم.
نعم, في الليلتين التاليتين، حينما يبدو مطوقاً… يكون الوجه المظلم بادياً للعيان.
فلماذا يحصل ذلك، وإننا لا نرى القسم المظلم في أول ليلة. مع العلم انه يمكن ان يكون مواجهاً لقسم من النهار الأرضي.
ــــــــــــــــــــ[138]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
فان الهلال إذا وجد في أول ليلة عند الغروب في بعض البلاد فان المنطقة التي تليها غرباً مباشرةً تكون عندئذ في نهار, أو قل: في آخر النهار بقليل أو بكثير. وهذا النهار يمكن ان يعكس على وجه القمر المظلم نوره. وخاصة والقمر يعتبر فوق تلك المنطقة أو قريباً منها، أو قل: مواجهاً لها فلماذا لا يكتسب نوره منها؟
المستوى الثاني: فيما يعود إلى وجه القمر، كما سنوضحه. ونذكر الأسئلة بنفس التسلسل السابق:
السؤال الرابع: لماذا يبدو ما يشبه الوجه البشري على صفحة القمر. وقد اختلف الفلكيون المحدثون في ذلك، فمنهم من نفاه نفياً قاطعاً، وقال ان تصور هذا الوجه إنما هو وهم نفسي لا اكثر ولا اقل. وهذا النفي ناشئ من العجز عن تفسيره، كما هو معلوم. والا فالأجيال الطويلة منذ مئات بل آلاف السنين ترى الوجه في القمر بوضوح. واما إذا عجز العلم عن الجواب فأسهل جواب هو ان يقول: ان هذه الظاهرة غير موجودة!!
ومن الفلكيين المحدثين، وهم الأغلب، من فسرها بظلال الجبال التي على القمر. ومن هنا يختلف نور الشمس المنعكس عليه، فتارة يكون خافتاً، وأخرى قوياً. الأمر الذي ينتج ما يشبه البقع المكونة لما نراه وجهاً بشرياً في القمر. وهذا التفسير هو السائر والواضح في أذهانهم.
إلا انه واضح الفساد في عين الوقت:
أولاً: لأنه ليس في وجه القمر جبال عالية. بحيث تعكس ظلالها على كيلومترات مطّولة وكثيرة من أرض القمر. وإنما يحتوي على وديان منبسطة وحفر واسعة كفوهات البراكين الخامدة. كما ثبت علماً. نعم, في القمر مرتفعات تسمى جبال، ولكنها ليست كجبال الأرض وإنما هي بمنزلة الحدود لوديان القمر وفوهاته. وعلى أي حال، فلا يمكن ان تكون ظلالها بهذا المقدار
ــــــــــــــــــــ[139]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
من السعة.
ثانياً: اننا عرفنا فيما سبق ان القمر بدون جو، الأمر الذي يسبب ان يكون الظلام فيه داكناً وان كان قريباً من محل النور. ولا يمكن ان يكون النور منتشراً فيه كانتشاره في الأرض بحيث يكون بعضه مضيئاً جداً وبعضه مضيئاً قليلاً وبعضه مظلماً.
ومن هنا، كان اللازم ان تكون ظلال الجبال -لو وجدت- قاتمة تماماً، وليس فيها نور بالمقدار الذي نراه. ولأصبحت البقع سوداء تماماً. فما الذي جعلها مضيئة إلى الدرجة القابلة للرؤية؟
ثالثاً: مع التنزل عن الإشكالين السابقين فلماذا ترتبت هذه الجبال المعترضة، بحيث أصبحت ظلالها تشبه وجه إنسان ولم تكن على شكل آخر؟
رابعاً: ان القمر يسير خلال الليل والأرض تسير في الدوران حول نفسها وحول الشمس. ومع ذلك لا يتغير ذلك الظل. مع العلم اننا نرى الظلال على وجه الأرض تتحرك بسرعة نسبية من حين شروق الشمس إلى حين غروبها.
فان كان القمر قد اكتسب ضوءه من الشمس، وكانت هذه البقع ناتجة منه. لتحركت كأي ظل آخر عندما تتغيّر نسبة القمر إلى الشمس بحركة القمر وحركة الأرض. ولشاهدنا ذلك في ليلة واحدة فضلاً عن الأكثر، ولا اقل من اختلافها بين شهر وشهر أو بين صيف وشتاء. مع ان هذه الصورة محفوظة وموجودة دائماً. ولله في خلقه شؤون.
خامساً: ان الشمس تكون حال البدر مواجهة للقمر تماماً الأمر الذي يجعلها فوق الجبال المفروضة وفوق الوديان مما يجعل الظل منعدماً لكل جسم قائم. فمن أين تكون ظلال الجبال خلال البدر؟
سادساً: ان الجبال منبسطة نسبياً على منطقة كبيرة وليست قائمة مثل
ــــــــــــــــــــ[140]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الجدار ليكون لها ظل ممتد على الأرض. فان وجد لها ظل فهو قليل وعلى بعض أجزائها. وبتعبير آخر: ان الجبال على الأرض ليس لها ظل غالباً جداً، على الأرض المجاورة لها. كذلك في القمر.
السؤال الخامس: لا شك اننا نرى الهلال في أول وجوده ولعدة ليال، قد تبلغ أسبوعاً أو خمسة أيام، نراه صافياً خالياً من البقع وإنما تبدو لنا البقع بالتدريج حين يتسع النور في الأيام التالية. حتى ما إذا بلغ القمر التربيع الأول، كانت البقع واضحة.
فالسؤال هنا: لماذا اختفت البقع في أول الأمر، مع العلم ان المنطقة التي وقع فيها نور الهلال هي منطقة من مناطق البقع وهذا يتضح حين تظهر البقع بعد ذلك إذ نجد ان المكان الذي كان الهلال فيه موجوداً، ذو بقع فعلاً ولكنها لم تكن ظاهرة.
ولو كان القمر يدور بوجهه عن الأرض، لقلنا ان منطقة الهلال ربما كانت خالية عن البقع بالمرة، وهذه المنطقة التي نراها في محله ليست منطقته وإنما حصلت هنا لدوران القمر.
إلا ان المفروض ان القمر لا يدور حول نفسه بالنسبة إلى الأرض، بل يواجهها باستمرار بوجه واحد، فالمنطقة التي كان فيها الهلال هي التي نراها الآن لا غيرها، وهي منطقة نجدها مبقعة لا شك في ذلك.
وقد يخطر في البال: ان السر في ذلك هو اننا نرى نور الهلال لا من السطح المقابل للأرض تماماً، بل من القسم المائل الموجود في محيط الدائرة -لو صح التعبير- ، وهذا ينشأ منه أمران:
الأمر الأول: تركيز الضوء بالهلال اكثر مما هو في التربيع والبدر.
الأمر الثاني: اختفاء البقع، حتى ما إذا اتسع النور وواجه الأرض بأرض
ــــــــــــــــــــ[141]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
مسطحة، أصبح وجود البقع مرئياً.
وجوابه: ان هذا صحيح في حدود الليلة الأولى والثانية، إلا ان النور يتسع في الليلتين والليالي التالية، فيواجه الأرض بأرض مسطحة. ومع ذلك لا يبدو للبقع وجود.
والذي يبدو نظرياً: ان الحكمة من ذلك إظهار الهلال بأجمل صورة ممكنة، حيث يكون النور مركّزاً نسبيا والبقع مختفية تماماً. واما ظهور البقع بعد ذلك فلها وجوه أخرى من الحكمة، لا محل لذكرها الآن.
المستوى الثالث: في بعض الأسئلة حول الخسوف. مع ذكر الأسئلة بنفس التسلسل السابق.
السؤال السادس: فسروا السؤال الرئيسي وأجابوا عنه بانحراف مسار القمر.
وذلك: انه لماذا لا يتكرر الخسوف والكسوف كل شهر؟ فأجابوا: بأن القمر ليس مساره معتدلاً بالنسبة إلى مسار الأرض بل فيه انحراف بسيط، الأمر الذي يسبب عدم المواجهة بين القمر والشمس في كل شهر. أو قل: انها لا تكون أمام الأرض بخط مستقيم ليتحقق الخسوف أو الكسوف.
فهل يكفي ذلك في الجواب عن ذلك السؤال؟ وما يبدو للنظر، هو: ان هذا المدار المنحرف، كما لا يسبب في شهر بعينه سبب الخسوف والكسوف، كذلك يحدث في كل شهر. الأمر الذي يسبب انعدام الخسوف والكسوف بالمرة. فما الذي يفسر حدوثهما أحياناً وعدم حدوثهما غالباً.
وهذا لا يمكن تفسيره إلا بانحراف مسار القمر عن مساره الأصلي أحياناً ورجوعه إليه أحياناً. وهذا انحراف آخر غير الانحراف الذي قالوه.
وكذلك قد يكون منسوباً إلى انحراف مسار الأرض أحياناً حول الشمس،
ــــــــــــــــــــ[142]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
بنفس المعنى. وهو ان هذا الكوكب قد لا يسير في مسار واحد بعينه أبد الآبدين، كما يبدو لأول وهلة. وكما يفترض في علم الفلك.
بل يسير في مسارات مختلفة قد لا تكون ممكنة الضبط في كثير من الأحيان.
إذن، فهذه الانحرافات في مسار الأرض ومسار القمر، هو الذي يسبب الخسوف والكسوف. واما ما قالوه من الانحراف في مسار القمر، إذا كان انحرافاً ثابتاً لا محيد عنه، فمن غير الممكن ان يحصل الخسوف والكسوف بهذا الشكل. بل يحصل ما قلناه من انعدام هاتين الظاهرتين بالمرة.
السؤال السابع: يكون الخسوف عادة عند البدر، في وسط الشهر. والقمر وان كان في الليلة الخامسة عشر يشرق في أول الليل ويغيب في نهايته. إلا انه في الليلتين أو الثلاث السابقة وكذلك في بعض الليالي اللاحقة، يكون للنهار حصة من القمر، اما في أوله أو في آخره.
والسؤال هنا، لماذا لا يحدث الخسوف حينما يكون القمر ظاهراً في النهار. فان ما هو الموجود تاريخياً وجوده فقط خلال الليل. ولم نسمع بوجوبه في النهار بالمرة. مع ان نسبة السبب الموجب له إلى الليل والنهار سيان، ما دام القمر بدراً.
السؤال الثامن: سمعنا في الفصل الخاص بالخسوف والكسوف: ان ألوان القمر المنخسف خسوفاً تاماً تختلف تماماً بحيث لا يمكن ان يكون بلون واحد في خسوفين. وقد سبق ان سمعنا السبب الذي قدمه الفلكيون مع مناقشته. وقد عزوه إلى النور المنعكس عليه من وجه الأرض.
وقد سمعنا انه قد يختفي القمر المنخسف تماماً بحيث لا يكون قابلاً للرؤية بالمرة. وهذه الظاهرة وان كانت قليلة جداً. إلا انها تحتاج إلى التساؤل
ــــــــــــــــــــ[143]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
عن السبب.
فان كان هو عدم وجود الانعكاس عليه من الأرض، بسبب وجود الليل أو العواصف ونحوها فان هذا مما يحدث على وجه الأرض كثيراً وليس بنسبة ضئيلة جداً. فلماذا لا يختفي القمر المنخسف كثيراً؟
أرجو مراجعة الفصل السابق عن الخسوف المقارنة بين الفكرة المعروضة هناك والفكرة المعروضة هنا.
المستوى الرابع: في عرض أسئلة أخرى في هذا المجال.
السؤال التاسع: قد يكون القمر والشمس مرئيان معاً. اما في آخر النهار عند الهلال أو خلاله خلال الشهر.
والفرد إذا التفت ودقّق في نسبة القمر إلى الشمس، فكثيراً ما يلتفت إلى انه ليس من المناسب ان يكون نور القمر مستفاداً من نور الشمس بهذا الشكل الموجود فيه فعلاً. بل هو منحرف عن جانب الشمس بكل تأكيد.
ومثاله، وليس هو الشكل المنحصر لهذه الظاهرة كما في الهامش(1).
الأمر الذي يبدو في نور القمر زيادة عن نسبة موقعه إلى الشمس فما السر
ــــــــــــــــــــ[144]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( )
في ذلك؟
السؤال العاشر: وليكن هو الأخير، وان لم تكن العجائب منحصرة في هذه الأسئلة.
ونركز هذا السؤال عن وضع القمر في القطب الجغرافي، يعني القطبين الشمالي والجنوبي. مع العلم ان مثل هذا السؤال لا وجود له ولا لجوابه في أي مصدر متوفر. وإنما ينبغي ان نفهمه من مجموع المعلومات التي لدينا.
فان الذي يؤثر في رؤية القمر هناك عدة أمور:
الأمر الأول: دوران القمر حول الأرض.
الأمر الثاني: دوران الأرض حول نفسها.
الأمر الثالث: انحراف مركز الأرض بمقدار 23.5 ْ. الأمر الذي يسبب الليل والنهار الطويلين كما شرحناهما في الفصل الخاص لذلك من كتاب الصلاة.
الأمر الرابع: الجو الثلجي المضبّب الذي لا يمكن فيه الرؤية إلا عدة أمتار فقط، وخاصة في القطب الشمالي الذي هو أسوأ من هذه الناحية من الجنوبي.
الأمر الذي يسبب عدم رؤية القمر بالمرة أو بمقدار متقطع ومتباعد في الزمان. والمهم من هذه الجهة اننا نطّلع على محل وجوده نظرياً وان لم يكن مرئياً عملياً. أو نطّلع من أجل محاولة رؤيته أحياناً. وسنسمع انه له دخلاً في تحديد أوقات الصلاة.
والكلام ليس في الأيام المعتدلة نسبياً في القطبين بل وحتى في الأيام القصيرة جداً أو الليالي القصيرة جداً. وإنما المهم الحديث عن حال القمر في الليل والنهار الطويل. وان كان ستتضح كثير من هذه الأمور، إلا ان ارتباطه
ــــــــــــــــــــ[145]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
بأوقات الصلاة يكون أوضح عند هذين الزمانيين الطويلين.
ومما لا شك فيه ان ميل الأرض أو قل: ميل القطب تارة يكون إلى جهة القمر وأخرى إلى الجهة المقابلة، وأخرى إلى الجهة الوسطى، حيث لا يكون له بالنسبة إلى القمر أي ميل.
وهذا الاختلاف يحصل في كل شهر قمري، إذ يكون القمر في كل شهر إلى جهة الميل مرة وفي الجهة المقابلة مرة، وفي الجهة الوسطى مرتين، مرة من هذا الجانب وأخرى من الجانب الآخر، كل ذلك نتيجة لدورانه حول الأرض.
واما دوران الأرض حول نفسها، فيسبب إشراق القمر -مهما كان حال نوره- تارة وغيابه أخرى. أو قل: إشراقه وغيابه في كل يوم.
واما دوران الأرض حول الشمس، فيسبب عدم إمكان ضبط اليوم المعين من الشهر القمري الذي يكون فيه القمر إلى جهة ميل الأرض أو إلى جهة أخرى. بل ان هذا أمر يختلف و(يتحرك) بالتدريج كما تتحرك الأشهر الشمسية في الأشهر القمرية، كما هو واضح لمن لاحظهما.
ولو كان القمر يكمل اثني عشر دورة بالضبط حول الأرض في دورة واحدة كاملة للأرض حول الشمس… لقلّت الصعوبة بل انعدمت. وأمكن تعيين زمن اقتراب القمر من ميل الأرض وابتعاده عنه خلال العام. إلا ان القمر يكمل اثني عشر دورة في حوالي 356 يوماً، على حين تكمل الأرض دورتها في حوالي 365 يوماً. فالفرق تسعة أيام حيث يكون الشهر القمري قد مشى خطوات خلال السنة الشمسية الجديدة.
والمهم الآن هو ان نلتفت إلى ان ميل الأرض إذا كان باتجاه القمر، فانه يبقى مشرقاً في سماء القطب أكبر مدة ممكنة، وتكون نقطتا إشراقه وغروبه
ــــــــــــــــــــ[146]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
مشاهدة، إلى حد قد يرسم الخط المتعامد عليهما زاوية قائمة(1).
اما إذا كان ميل الأرض متجهاً إلى الجهة المقابلة فوجود القمر فوق القطب سيكون قليلاً في الزمان وستكون نقطتا إشراقه وغروبه متقاربتان نسبياً تماماً كالشمس في الأيام القصيرة جداً هناك.
وهذا أمر ثابت, أعني غير مختلف ولا متغير صيفاً وشتاءً، أعني لا يتأثر باتجاه ميل الأرض إلى الشمس وابتعاده عنها. كل ما في الأمر انه في الأشهر الصيفية قد يصبح ميل الأرض باتجاه القمر والشمس معاً وفي وقت آخر من الشهر القمري يكون موافقاً أو متجهاً نحو الشمس ومضاداً للقمر. وفي الأشهر الشتوية قد يكون ميل الأرض بعيداً عن كل من الشمس والقمر، وفي وقت آخر من الشهر يقترب القمر من ميل الأرض وتبقى الشمس بعيدة عنه.. وهكذا.
وهنا أيضاً ينبغي ان نلتفت ان الأشهر القمرية أو سير القمر في سماء القطب مما يحدث في الليل الطويل وفي النهار الطويل، كما يحدث في الليل والنهار المتناوبين.
ويمكن -إذا تيسّر- مراقبة القمر لمعرفة أول الشهر القمري وآخره. كما يمكن معرفة الليل والنهار بالتقريب عن طريق سير القمر. فإشراقه قرينة على وجود الليل في باقي مناطق الأرض وغيابه دليل وجود النهار في تلك المناطق.
إلا ان هذا ليس دائماً، لوضوح ان القمر قد يوجد في السماء نهاراً في المناطق الاعتيادية.
ولكننا إذا عرفنا انه متى يوجد نهاراً في تلك المناطق، استطعنا تذليل هذه الصعوبة في القطب. ان القمر في أول الشهر إلى حوالي عشرة أيام وأكثر يشرق
ــــــــــــــــــــ[147]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) هذا إنما يحدث في الأيام المتساوية أما في النهار الطويل فيبقى القمر طويلاً بحيث يقطع مساحة ثلاثة أرباع دائرة الأفق أو نحوها. مما يعود بنا إلى القول بأن نقطة شروقه وغروبه متقاربتان.
نهاراً ويغيب ليلاً. كل ما في الأمر ان إشراقه يقترب من الليل تدريجاً كلما مشى الشهر. فإذا توسطت أيام الشهر أصبح يشرق مع الغروب بدراً ويغيب مع الشروق.
ثم يبدأ القمر بالإشراق بعد الغروب، ويتأخر بالتدريج في النصف الثاني، حتى يأتي عليه النهار وهو موجود في كبد السماء إلى ان يصبح إشراقه في آخر الشهر قريباً من طلوع الشمس. أو قل: ان الشمس والقمر يشرقان سوية.
فإذا عرفنا ذلك، استطعنا تخمين أيام الشهر من حجم القمر. فان كان بدراً، كان إشراقه دليلاً قطعياً على بدء الليل وغيابه دليل انتهاء الليل وبدء النهار لا يختلف ذلك في الليل الطويل أو النهار الطويل.
واما في أيام الشهر الأولى، فغيابه دليل وجود الليل. لكننا إذا تحدثنا عن المنطقة الخارجة عن الدائرة القطبية مباشرة، يكون غيابه دليل وجود الليل منذ عدة ساعات وخاصة إذا استثنينا الأيام الأولى الأربعة أو الخمسة.
واما في أيام الشهر الأخيرة، فإشراقه دليل قطعي على وجود الليل. وسيبقى ردحاً طويلاً في الليل، إذا تحدثنا عن المناطق المشار إليها. ما لم يقارب الشهر أيامه الأخيرة.
وعلى أي حال، فيمكن للفرد ان يحسب حساب إشراق القمر وغيابه، سواء في الليل الطويل أو النهار الطويل، ويراقبه بدقة لمعرفة أوقات الصلاة. وخاصة إذا لاحظ نفس الأمر عند الأيام المعتدلة أو القصيرة أو الليالي القصيرة. مما يجعله قادراً عليه بشكل اقرب إلى الضبط. وأوقات الصلاة، تحتاج إلى الاستيثاق من حصولها لا اكثر ولا اقل.
ولا ينبغي ان يخطر في البال: اننا قلنا في كتاب الصلاة، في الفصل الخاص بالقطب قلنا: ان المكلف يجب ان يطبق صلاته وصيامه على سير
ــــــــــــــــــــ[148]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الشمس ما دام يراها أو يرى لها نوراً مهما كان ضعيفاً. والآن نقول: انه يطبق صلاته على القمر. فقد يحصل تهافت وتناقض من السيرين.
وجواب ذلك واضح بكل بساطة: ان نظام الشمس والقمر السماويين لا يختلف في القطب عن غيره. فكما نحن نشعر بسيرهما ولا نجد تهافتاً في ضبط أوقاتنا بهما. فكذلك في القطب تماماً. وإنما الاختلاف الرئيسي من هذه الناحية في القطب هو النهار الطويل والليل الطويل الناشئ من ميل الأرض وعدم استقامة مركزها.
هذا مضافاً إلى انه يستطيع ان يعتمد القمر، كأداة للتوقيت في الليل حين لا يرى للشمس وجوداً ولا ضوءاً لمدة قد تقرب من شهرين.
لكن هذا كله، فيما إذا أمكن رؤية القمر بأي أشكاله، بالرغم من الضباب الكثيف في جو القطب. لا يبعد ان يكون الساكن في محيط الدائرة القطبية تقريباً، ممن يمكنه ذلك. واما في وسط القطب فلا يوجد ساكن.
الجهة السادسة: في تحليل بعض ما قاله بعض أساتذتنا حيث اعتبر ان ولادة الهلال تشكّل بداية الشهر الطبيعي أو الفلكي ولكنها لا تشكّل بداية الشهر القمري الشرعي ما لم يحصل الهلال المقابل للرؤية عند الغروب. ولذا يتأخر(1) الشهر الشرعي عن الشهر الطبيعي باستمرار لاستحالة ان يولد الهلال من أول أمره عريضاً قابلاً للرؤية.
قال عندئذ ما لفظه(2): وقد تقول: ان الشهر القمري الشرعي قد يتأخر ليلة عن الشهر القمري الطبيعي، -كما تقدم- وان الشهر الطبيعي، قد يكون تسعة وعشرين يوماً كما مر. وهذان الافتراضان إذا جمعناهما في حالة واحدة، أمكننا
ــــــــــــــــــــ[149]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) هذا وما بعده من كاتب هذه الحروف إلى نهاية الفقرة. وليس من المصدر.
(2) ص503.
ان نفترض شهراً قمرياً طبيعياً ناقصاً بدأ ليلة السبت وتأخر عنه الشهر القمري الشرعي يوماً فبدأ ليلة الأحد، نظراً إلى ان الهلال في ليلة السبت لم يكن بالإمكان رؤيته.
وفي هذه الحالة، نلاحظ ان الشهر القمري الطبيعي بحكم افتراضه ناقصاً سينتهي في تسعة وعشرين يوماً. ويهل خلال الشهر التالي في ليلة الأحد بعد مضي تسعة وعشرين يوماً. وقد يكون الهلال في ليلة الأحد ممكن الرؤية. فيبدأ الشهر القمري التالي طبيعياً وشرعياً في هذه الليلة. ونتيجة ذلك ان يكون الشهر القمري الشرعي الأول مكوناً من ثمانية وعشرين يوماً، لأنه تأخر عن الشهر القمري الطبيعي الناقص، وانتهى بنهايته.
قال: والجواب: ان في حالة من هذا القبيل تعتبر بداية الشهر القمري الشرعي الأول من ليلة السبت على الرغم من عدم رؤية الهلال لكي لا ينقص الشهر الشرعي عن تسعة وعشرين يوماً.
وبهذا أمكن القول: ان الشهر القمري الشرعي يبدأ في الليلة التي يمكن ان يرى في غروبها الهلال لأول مرة بعد خروجه من المحاق أو في الليلة التي لم يُرَ فيها الهلال كذلك. ولكن رؤي هلال الشهر اللاحق في ليلة الثلاثين من تلك الليلة.
أقول: قال الاختصاصيون في الفلك: ان حركة القمر حول الأرض معقدة جداً بسبب جذب الشمس والقمر على الأرض. وان الفترة الزمنية بين اقترانين ليست على شكل واحد، بل هي تختلف من شهر إلى شهر. وهي تتراوح من 29 يوم و 19 ساعة إلى 29 يوم و 5 ساعات. وهي مدة غير قليلة من الاختلاف. غير أنهم حددوه بيوم أو يومين من أيام المحاق.
أقول: وهذا يعني ان دورة القمر حول الأرض، لا يمكن ان تقل عن تسعة وعشرين يوماً، بل هي مع فترة المحاق أكثر من ذلك لا محالة. وقد اجمع
ــــــــــــــــــــ[150]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الفقهاء أيضاً على ذلك. ومن ثم لا ترى أياً منهم يوصل الشهر القمري إلى ثمانية وعشرين يوماً.
وحديث الفلكيين وان كان عن الشهر الطبيعي أو الدورة التكوينية للقمر. إلا ان الحديث نفسه يتكرر في الشهر الشرعي لأنه لا يختلف الأمر كثيراً بين ان نحسب الفترة من الولادة إلى الولادة أو من إمكان الرؤية إلى إمكان الرؤية. فان الزمن واحد تقريباً وان اختلف فلعدة ساعات على الأكثر. فان الفترة التي يكبر فيها الهلال ليصبح ممكن الرؤية هي نفسها بشكل متقارب جداً في كل شهر.
واما إذا حسبنا من إمكان الرؤية إلى الولادة، فسيكون أقل حتماً, مما يسبب حصول المشكلة التي أشار إليها بعض أساتذتنا فيما نقلناه. وهي ان نعتبر بعض الشهور من حين إمكان الرؤية، وتكون دورة القمر الاقترانية في ذلك الشهر سريعة وتنتهي بأقل مدة ممكنة.
فلو كانت المدة الأقل بين الولادتين هي 29 يوماً وخمس ساعات كما سمعنا. فستكون المدة بين إمكان الرؤية -سابقاً- والولادة لاحقاً اقل. لاحتياج القمر إلى حوالي ثمان ساعات إلى عشر، ليكون ممكن الرؤية. فإذا طرحنا العشر ساعات من المدة المشار إليها بقي ما يقل عن تسعة وعشرين يوماً. فإذا توخينا -كما هو الثابت فقهياً- ان يكون أول الشهر عند الغروب. فقد تزيد الساعات على العشر، الأمر الذي يسبب ان يكون الشهر السابق ثمانية وعشرين يوماً.
إلا ان هذه الفكرة أساساً بلا موجب، بل الحجة قائمة بخلافها فقهياً، وهي ان نحسب في بعض الشهور من إمكان الرؤية ونحسب في شهور أخرى من الولادة، فان الحساب من الولادة خطأ من الناحية الفقهية على أي حال.
واما إذا حسبنا من إمكان الرؤية، أو قل: الولادة الشرعية إلى الولادة الشرعية، لم يمكن ان يقل الشهر عن تسعة وعشرين يوماً.
ــــــــــــــــــــ[151]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
فان حصل ذلك في حسابنا ورأينا الهلال في الليلة التاسعة والعشرين، فليس معنى ذلك اننا اعتمدنا على الولادة الطبيعية، كما قد يبدو مما قاله بعض أساتذتنا. بل لأن الولادة الشرعية أيضاً اقتضت ذلك. ومن هنا لزم ان نضيف يوماً إلى هذا الشهر الناقص من أوله، ونقول: ان حسابنا في أوله كان خاطئاً.
وقد يخطر في الذهن: ان هذا ليس ممكناً دائماً. إذ قد يكون الشهر السابق عليه ناقصاً أيضاً -يعني 29 يوماً- فإذا أخذنا منه يوماً وألحقناه بما بعده، كان ذلك الشهر 28 يوماً، فلا بد ان نتورط في أحد الشهرين بهذه الورطة.
وجوابه: اننا أيضاً يمكن ان نأخذ يوماً لهذا الشهر السابق من سابقه، فان كان ناقصاً أخذنا مما قبله. ثم تقف السلسلة. لأنه لا يمكن ان تكون أربعة أشهر متتابعة ناقصة كلها.
وبتعبير آخر: ان شيئاً من هذا القبيل لا يمكن ان يحدث. ما دام النظام في الخلقة التكوينية للقمر، ان لا تقل دورته عن 29 يوماً. بل تزيد.
فإذا أخذنا من حين الولادة الشرعية إلى الولادة الشرعية اللاحقة كان الشهر 29 يوماً على الأقل.
نعم، قد يختلف الأمر في بعض الأشهر لعدم توفر الرؤية لبعض الموانع كالسحاب، وهذا قصور منا وليس قصوراً من الخلقة. جل الخالق العظيم.
ولا يفوتنا في ختام هذه الجهة إلى ان نشير: ان بعض أساتذتنا المشار إليه قبل قليل قال: «وعلى هذا الأساس قد يتأخر الشهر القمري الشرعي عن الشهر القمري الطبيعي… وذلك في كل حالة خرج فيها القمر من المحاق ولكن الهلال كان على نحو لا يمكن ان يُرى».
أقول: دائماً يتأخر الشهر الشرعي عن الشهر الطبيعي أو قل تتأخر الولادة
ــــــــــــــــــــ[152]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الشرعية عن الولادة الطبيعية، لاستحالة ان يولد الهلال من أول أمره عريضاً قابلاً للرؤية.
نعم، قد يحتاج ذلك إلى تأخر ليلة كاملة وقد لا يحتاج، على اختلاف البلاد، وبُعدها عن منطقة ولادة القمر الطبيعية.
الجهة السابعة: في اتحاد الآفاق واختلافها.
اختار بعض أساتذتنا و(سيدنا الأستاذ) اتحاد الآفاق، وذهب آخرون إلى اختلافها. والثاني -إجمالاً- هو الصحيح، وسيأتي إيضاحه بعد قليل.
ومعنى اتحاد الآفاق في الاصطلاح الفقهي هو: ان الهلال إذا ثبت وجوده الشرعي في أي بلد في الكرة الأرضية كفى ذلك في ثبوته في كل الكرة الأرضية.
ومن ينفي هذا المعنى ينقسم قسمين:
الأول: ان نقول: ان لكل منطقة أفقها وثبوتها, أعني ثبوت الشهر شرعاً فيها، بغض النظر عن المناطق الأخرى.
ولا نقصد بالمنطقة البلد الواحد، بل منطقة كبيرة بحجم العراق أو مصر.
الثاني: ان نقول: انه إذا ثبت وجود الهلال شرعاً في مكان، كان ذلك حجة في البلدان التي إلى غربه، ولكنه لا يكون حجة على البلدان التي تكون إلى شرقه. وهذا هو الصحيح، مع تدقيق وتفصيل سيأتي بعد قليل.
وقد استدل سيدنا الأستاذ(1) على اتحاد الآفاق الذي اختاره بدليلين:
الدليل الأول: ان خروج القمر من حالة المحاق وحصول الولادة الشرعية، وهي إمكان الرؤية، حادث تكويني يحصل فوق الأرض بالنسبة إليها جميعاً.
ــــــــــــــــــــ[153]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) انظر منهاج الصالحين, ج1, ص296.
ولا يمكن ان يحصل ذلك في الشهر مكرراً، فيكون لكل منطقة ولادة جديدة.
فهذا الوضع الجديد للقمر هو بداية الشهر القمري لجميع بقاع الأرض، وان كان القمر مرئياً في بعضها دون الأخرى وذلك لمانع خارجي كشعاع الشمس أو غيره. ولا ربط للمانع بالمحاق أو بخروج القمر منه.
وذكر أيضاً ما مؤداه: انه قد يقاس بزوغ القمر ببزوغ الشمس فكما ان لكل منطقة بزوغ وغروب للشمس مستقل عن الأخرى، كذلك القمر.
إلا انه قال: «ان هذا قياس مع الفارق، وذلك: لأن الأرض بمقتضى كرويتها تكون لكل بقعة منها مشرق خاص ومغرب خاص. ولا يمكن ان يكون للأرض كلها مشرق واحد ولا مغرب واحد. وهذا بخلاف هذه الظاهرة الكونية, أي خروج القمر من المحاق واتخاذه حال الرؤية الشرعية، فان ذلك غير مربوط ببقاع الأرض ولا يمكن ان يتعدد بتعددها».
قال: «ومن هنا يظهر: ان ذهاب المشهور إلى اعتبار اتحاد البلدان في الأفق مبني على تخيل ارتباط خروج القمر عن ( تحت الشعاع)، كارتباط طلوع الشمس وغروبها. إلا انه لا صلة -كما عرفت- لخروج القمر عنه ببقعة دون أخرى. فان حاله مع وجود الكرة الأرضية وعدمها سواء».
أقول: مهما كان الاستدلال على تعدد الآفاق الذي ذهب إليه المشهور. بقياس بزوغ القمر على بزوغ الشمس، ساذجاً وضحلاً. ويكفي ما ذكره السيد الأستاذ في الجواب عليه. إلا انه مع ذلك، فان ما ذكره لإثبات اتحاد الآفاق، لا يكفي. لأنه لم يأتِ بجديد أكثر من التركيز على ان ولادة الهلال حادث تكويني يحدث بالنسبة إلى جميع الأرض مرة واحدة في الشهر ولا يمكن ان تتعدد.
وهذه الحقيقة صحيحة إلا انها لا تكفي لإثبات الشهر. وذلك لنقطة واحدة
ــــــــــــــــــــ[154]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
بسيطة، وهي ضرورة وجود الهلال مولوداً ولادة شرعية عند الغروب فقولنا (عند الغروب) أمر ضروري أهمله (السيد الأستاذ).
فان أول بلد يتحقق فيه ذلك، يتحقق فيه الشهر أو بداية الشهر وهذا لا يعني بأي شكل ان يكون الشهر متحققاً في المنطقة السابقة عليه شرقاً، لأن الكرة الأرضية تسير من الغرب إلى الشرق حول نفسها والقمر يسير من الشرق إلى الغرب.
ومن المفروض انه كان قبل قليل ضئيل الحجم غير قابل للرؤية، يعني ان الولادة الشرعية لم تحصل. فكيف يبدأ الشهر في ذلك. ولا أقل من احتمال ذلك.
نعم، في البلدان التي على غرب البلد الذي حصلت فيه الولادة يكون ثبوت الشهر فيها صحيحاً، لأن سير القمر يكون باتجاهها، وإذا وصل إليها يكون النور فيه قد ازداد.
وإذا عرضنا الإشكال بصيغة أخرى. قلنا: انه لو اكتفينا بولادة الهلال في ولادة الشهر، فمن الواضح ان اللحظة التي يكون فيها الهلال مولوداً لأول مرة، تكون الأوقات خلالها على الأرض مختلفة، فبعضها في ليل وبعضها في نهار وبعضها في غروب وبعضها في فجر. فلو ثبت الشهر في تلك اللحظة لثبت في الظهر أو في الصبح أو في الليل حسب اختلاف البلدان. وهذا، وان كان ممكن عقلاً وعلمياً، وهو الذي سماه بعض أساتذتنا بالشهر الطبيعي أو الولادة الطبيعية.
إلا انه خلاف الضرورة الفقهية، إذ لا بد من الولادة الشرعية عند الغروب، أو ان يكون الهلال في ذلك الحين مولوداً. ولا يمكن ان يثبت الشهر بخلاف ذلك.
ــــــــــــــــــــ[155]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
هذا وقد تصدى بعض أساتذتنا للجواب على هذا الرأي الذي اتخذه سيدنا الأستاذ، بما مؤداه: اننا إذا افترضنا ان الشهر القمري يبدأ بالولادة الطبيعية للهلال، كان الأمر كما يقوله سيدنا الأستاذ إلا ان هذا ليس بصحيح بل يتوقف بدأ الشهر القمري على أمرين:
أحدهما: الولادة الطبيعية.
ثانيهما: ان يكون الهلال بحجم يمكن رؤيته بالعين المجردة. قال: «وإمكان الرؤية يمكن ان نأخذه كأمر نسبي يتأثر باختلاف المواقع في الأرض ويمكن ان نأخذه كأمر مطلق محدد لا يتأثر بذلك».
وذلك: لأننا إذا قصدنا بإمكان الرؤية إمكان رؤية الإنسان في هذا الجزء من الأرض وفي ذاك، كان أمراً نسبياً، وترتب على ذلك ان الشهر القمري الشرعي يبدأ بالنسبة إلى كل جزء من الأرض إذا كانت رؤية هلاله ممكنة في ذلك الجزء من الأرض. فقد يبدأ بالنسبة إلى جزء دون جزء. وإذا قصدنا بإمكان الرؤية إمكان الرؤية ولو في نقطة واحدة من العالم فمهما رؤي في نقطة بدأ الشهر الشرعي بالنسبة إلى كل النقاط. كان أمراً مطلقاً لا يختلف باختلاف المواقع على الأرض.
ثم قال: «فالمنهج الصحيح للتعرف على ان بداية الشهر القمري هل هي نسبية أو لا هو الرجوع إلى الشريعة نفسها…» أقول: يقصد بذلك. الرجوع إلى ظواهر الأخبار المعتبرة التي سنذكرها بعد ذلك وقد اختار هو البداية المطلقة، قال: «وعليه فإذا رؤي الهلال في بلد ثبت الشهر في سائر البلاد».
أقول: والصحيح: اننا يمكن ان نختار كِلا الوجهين اللذين ذكرهما، ولكن لا تكون النتيجة كما ذكرها.
اما إذا اخترنا ان ثبوت الشهر نسبي، فهذا لا يعني التشويش في الثبوت بين
ــــــــــــــــــــ[156]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
المناطق. وإنما المسألة ذات نظام معين. وأهم نقاطه هو انه إذا ثبت الهلال في مكان ما ثبت أيضاً في المناطق الغربية بالنسبة إليه، مهما ابتعدت عنه، ولم يثبت في المناطق التي تكون في شرقه. وهناك بعض الأمور الأخرى التي تمت إلى خطوط الطول والعرض تأتي بعونه سبحانه.
واما إذا اخترنا ان ثبوت الشهر مطلق، فهذا غير ممكن: لأننا إما ان نحرز ان هذه الرؤية هنا -مثلاً- هي في أول الولادة الشرعية -اعني إمكان الرؤية- وإما ان لا نحرز ذلك. فان أحرزنا ذلك. كان معناه باليقين ان الهلال كان دون هذا الحجم في المناطق السابقة شرقاً. إذن, فالشهر غير ثابت باليقين.
وان احتملنا كونه بالحجم أو انه دونه. فهذا يجعله مورداً لاستصحاب عدم الولادة الشرعية أو عدم حصول الشهر الجديد، الذي يكون موضوعاً لإكمال العدة لثلاثين يوماً.
ومثله أو أولى منه بالبطلان، ما سمعناه من اننا إذا اعتبرنا الولادة الطبيعية هي أول الشهر كان ما قاله السيد الأستاذ صحيحاً، وهو ثبوت الشهر في كل العالم.
إلا ان هذا أيضاً غير صحيح. لأننا إذا أحرزنا ان هذا هو أول الولادة، إذن نعلم باليقين ان البلد الواقع على الشرق لم يكن الهلال فيها مولوداً أصلاً، بل كان في المحاق. فهل يبدأ الشهر والقمر في المحاق؟
وقد يخطر في البال: انه الآن قد خرج من المحاق فلا بأس يبدأ الشهر في كل العالم.
قلنا: ان في هذا القول غفلة عما قلناه من انه لا بد ان نرى الهلال عند الغروب. فمعنى كلامنا السابق قبل لحظات: ان البلد الشرقي قد مر القمر في غروبه وهو في المحاق. وحين جاء إلى هذا البلد صار في الغروب مولوداً.
ــــــــــــــــــــ[157]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
فان التزمنا ببدء الشهر حتى في البلد الشرقي فمعناه اننا نلتزم ببدء الشهر فيه من ثلث الليل أو نصف الليل ونحو ذلك. وهو أمر غير محتمل فقهياً.
على اننا عرفنا وتسالمنا على ان الولادة الطبيعية غير معتبرة بل الولادة الشرعية.
النظرية كما نتبناها:
ينبغي ان نلتفت أولاً: ان الموانع عن رؤية الهلال على ثلاث أشكال رئيسية:
الشكل الأول: المانع الموضعي أو المؤقت كالسحاب والأشجار والجبال التي تكون في المنطقة.
وهذا النحو من الموانع ينبغي إسقاطه من الحساب، إذا ثبت -بشكل وآخر- وجود الهلال بالولادة الشرعية في أفق البلد عند الغروب.
الشكل الثاني: المانع الحجمي في الهلال، حيث يجب ان يبلغ نور الهلال حجماً معيناً ليكون ممكن الرؤية أساساً. وهذا هو الذي نسميه بالولادة الشرعية للهلال.
الشكل الثالث: ان البلاد الواقعة على خط طول واحد قد تختلف جداً في خطوط العرض.
والمفروض بدوياً ان البلاد المتفقة في خطوط الطول متفقة في أول الشهر، لأن غروبها مشترك، فإذا وجد الهلال في بعضها وجد أيضاً فيها جميعاً من الشمال إلى الجنوب. بل الموثوق به ان نِصفَيْ الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي، لا يختلفان في ذلك. فإذا ثبت الهلال في احدهما ثبت في الآخر، في نفس خط الطول وما كان على غربه من خطوط الطول.
ــــــــــــــــــــ[158]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وهذا صحيح تماماً(1). إلا في المناطق القريبة من الدائرتين القطبيتين، فضلاً عن نفس الدائرتين، حيث يكون الليل طويلاً والنهار طويلاً. وقد يبلغ في بعض المناطق القريبة من الدائرة القطبية عشرين ساعة أو أكثر.
فبالرغم من ان المنطقة المعينة -مثلاً- هي على نفس خط الطول الذي ثبت فيه الهلال. إلا انه ثبت في المحل الذي ثبت فيه، حال كون الغروب موجوداً ومتحققاً.
واما في المناطق الشمالية جداً أو الجنوبية جداً، فقد تكون في نهار في تلك اللحظة أو في ليل على اختلاف فصول السنة. فلا يمكن ان يثبت الشهر بالنسبة إليها، ولو كانت على خط الطول نفسه.
فهذا المانع الثالث، يعني كون المنطقة في مكان لا يناسب ثبوت الهلال فيها، ولو كان ثابتاً على نفس خط الطول، وسيأتي الحديث عن حكم أمثال هذه المناطق.
والآن يجب ان نفترض عدم وجود هذه الموانع الثلاثة جميعاً لتسهيل عرض النظرية، ثم ننظر، في صور حصول الموانع. والمهم هو عدم وجود المانع الثاني، يعني كون القمر في الولادة الشرعية لا الولادة الطبيعية.
فإذا حصلت الولادة الشرعية فوق بلاد معينة يكون فيها الغروب متحققاً أو قريباً جداً. فتلك هي أول بلد أو منطقة يثبت فيها الشهر. وكذلك في خط طولها شمالاً وجنوباً إلى ما يقرب من الدائرتين القطبيتين بشرط عدم حصول المانع الثالث السابق، يعني بشرط ان يكون الغروب عندئذ متحققاً فيها.
وتستمر الأرض بالدوران وينتقل الغروب إلى البلاد التي تلي ذلك غرباً. فقد كانت ساعة ثبوت الشهر هناك في نهار، والآن جاء غروبها. ويستمر نور
ــــــــــــــــــــ[159]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) بغض النظر عما سيأتي بعض المناقشات فيه.
القمر بالاتساع التدريجي البطيء، فتراه تلك المناطق أيضاً.. وهكذا.
اما المناطق الواقعة شرق منطقة الولادة الشرعية للهلال، فيجب ان تنتظر عدة ساعات، وربما حوالي أربع وعشرين ساعة، حتى يصل إليها هذا الغروب الدائر حول الأرض، ومن ثم يصل إليها الهلال المولود.
فإذا مشى الغروب على كل وجه الأرض ومشى الهلال عليها أيضاً في دورة كاملة للأرض حول نفسها، ثبت الشهر فيها جميعاً.
وهذا معناه أمور:
احدها: انه إذا ثبت الهلال وابتدأ الشهر في بلد أو منطقة، فانه يثبت في البلد الذي في غربه بطريق أولى، ولكن لا في نفس اللحظة بل عند وصول الغروب إليها. وهذا ممكن في خلال ساعة أو ساعات.
والشيء العرفي السائد هو ان نقول: ان الشهر بدأ ليلة الثلاثاء -مثلاً- وهذا صادق بالنسبة إلى الجميع. غير ان هذه الليلة بطبيعتها تدور حول الأرض فأينما وصلت بدأ الشهر.
ثانيها: اننا لو قلنا انه يبدأ الشهر في نفس اللحظة لكان غير صحيح حتى في المناطق الغربية، لأن معناه ثبوته فيها خلال النهار وهو غير محتمل فقهياً.
ثالثها: انه إذا ثبت في منطقة لم يثبت في المناطق التي تقع في الشرق. بل عليها الانتظار إلى ان يأتيها الغروب. أو قل: إلى ان تحصل فيها ليلة الثلاثاء. وهو لا يمكن ان يعدو اليوم الواحد أو يزيد عليه.
رابعها: انه يمكن القول: ان الهلال يثبت في الكرة الأرضية كلها في يوم واحد. لكن لا بمعنى نفس اللحظة. بل بمعنى ملاحظة هذا اليوم وهو يدور بدوران الأرض حول نفسها ويتم ثبوت الهلال فيها جميعاً خلال أربع وعشرين ساعة. وعليه يمكن ان نفهم الروايات الآتية.
ــــــــــــــــــــ[160]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
ملحوظة مهمة
اننا قلنا انه إذا ثبت الهلال في الشرق ثبت في الغرب دون العكس. ونضيف ما قلناه أيضاً من ضرورة بدء الشهر عند الغروب وليس قبله ولا بعده.
وذلك لنتلافى ما قد يخطر في البال من ان لسير الليل والنهار شرقاً وغرباً خطاً غير خطوط الطول. وذلك لمكان ميلان مركز الأرض. الذي يجعل خطوط الطول كلها مائلة معها على حين يكون دوران الليل والنهار مستقيماً.
كما يتضح من المخطط التالي(1).
وهذا ينتج ان الهلال إذا ثبت في خط الاستواء مثلاً، فلا يمكن ان يثبت على كل خط الطول المشابه له، بل لا يثبت إلا في منطقة صغيرة نسبياً.
اما من كان في الشمال من خط الطول، فلا زالوا في النهار. واما من كان في الجنوب فقد دخلوا في الليل وانقضى الغروب عندهم. فكيف يمكن ان نقول انه يثبت في خط الطول نفسه؟
ــــــــــــــــــــ[161]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( )
1. مركز ميلان الأرض مع ميلان خطوط الطول.
2. خط سير الليل والنهار المستقيم غير المائل.
3. خط الاستواء.
4. وجود الهلال على نفس الخط المستقيم.
كما لا يمكن ان نقول: ان ثبوته يكون في خط دوران الليل والنهار، فهذا أمر صحيح، إلا ان هذا خط متحرك وغير مضبوط، وبالأخص فقهياً: انه غير عرفي، لا يمكن ان يتعرف عليه الفرد العادي.
فتكون أحسن طريقة هي ان نقول: انه يثبت الهلال في شمال الخط وجنوبه بشرط ان يكون البدء عند الغروب. والغروب أمر عرفي يراه الفرد الاعتيادي. وهو أمر صحيح ومتعين فقهياً. وهو ما بدأنا به هذه الملحوظة المهمة.
مداليل الروايات:
استدل (سيدنا الأستاذ) بعدة روايات صحيحة معتبرة على فتواه, وهو انه إذا ثبت الهلال في مكان ثبت في أي مكان آخر.
منها: صحيحة إسحاق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عن هلال رمضان يتم في تسع وعشرين من شعبان؟ فقال: “لا تصمه إلا ان تراه فان شَهِد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه”.
وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان؟ فقال: “لا تصم إلا ان تراه، فان شهد أهل بلد آخر فاقضه”.
واستنتج(1): ان هاتين الصحيحتين ظاهرة الدلالة بإطلاقها على ان رؤية الهلال في بلد تكفي لثبوته في سائر البلدان بدون فرق بين كونها متحدة في الأفق أو مختلفة، قال: «وإلا فلا بد من التقييد بمقتضى ورودها في مقام البيان».
إلا اننا يمكن ان نفهم مما سبق ان هذا غير صحيح لعدة وجوه:
ــــــــــــــــــــ[162]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) ج1، ص298.
الوجه الأول: ان الصحيحتين ليستا في مقام البيان للشمول لما إذا كان البلد الآخر بعيداً جداً.
وأول قرينة على ذلك الوضع العام الذي كان يعيشه الناس في زمن صدور الروايات، حيث كانت وسائط النقل بطيئة ووسائل الإعلام ضيقة جداً، بل منعدمة إذا فهمنا منها المعنى الحديث. فإذا أريد منه بلد بعيد فهو حوالي الخمسمائة كيلومتر مثلاً أو نحوها. وهي منطقة واحدة في ثبوت الهلال على وجه الأرض. وليست منطقتان ليتم الاستدلال بها إلى ما يريد السيد الأستاذ. فضلاً عمّا هو أقل من هذه المسافة.
الوجه الثاني: اننا عرفنا انه يمكن القول: ان الشهر، يثبت في يوم واحد، لكن تدريجاً كما شرحناه. وهذا لا يختلف فيه سطح الكرة الأرضية كلها فيصدق. إذن, إذا كان قد ثبت في بلد آخر -مهما كان بعيداً- انه ثبت في بلد المكلف أيضاً. لكن مع ملاحظة كونه إلى الجهة الغربية أيضاً كما قلنا.
الوجه الثالث: عرفنا انه من غير المحتمل القول بثبوت الهلال في شرق البلد الذي ثبت فيه لمجرد ثبوته فيه. لأنه إما أن لا يكون مولوداً ولادة شرعية أصلاً، أو يحتمل فيه ذلك. وليس من قبيل قياس المساواة ولا الأولوية ان يكون الهلال بازغاً هناك. نعم, هو في جهة الغرب كذلك.
فكل وراية أعطتنا هذا المعنى بإطلاق أو عموم لا بد من تخصيصها، فنقول مثلاً ان المراد من “أهل بلد آخر” يعني واقعاً إلى شرق بلاده ليكون الثبوت عندهم ثبوتاً عنده بصفته واقعاً في غربهم.
ومنها: صحيحة هشام بن الحكم(1) عن أبي عبد الله انه قال فيمن صام تسع وعشرين قال: “ان كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا
ــــــــــــــــــــ[163]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) المصدر: ص297.
ثلاثين على رؤيته. قضى يوماً”.
واستنتج السيد الأستاذ منها نفس التقريب. ويَرِد عليها نفس الأجوبة السابقة، ولا نعيد.
ومنها: صحيحة أبي بصير(1) عن أبي عبد الله انه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان. فقال: “لا تقضه إلا ان يثبت شاهدان عادلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر”، وقال: “لا تصم ذلك اليوم إلا ان يقضي الأمصار فان فعلوا فصمه”.
واستنتج من العبارة الأولى ان الشهر القمري واحد بالإضافة إلى جميع أهل الصلاة على اختلاف بلدانهم باختلاف آفاقهم ولا يتعدد بتعددها.
واستنتج من العبارة الثانية: ان الشهر لا يختلف باختلاف الأمصار في آفاقها، فيكون واحداً بالإضافة إلى جميع أهل البقاع والأمصار. ثم قال: «فيكون مرده إلى ان الحكم المترتب على ثبوت الهلال -أي خروج القمر عن المحاق- حكم لتمام أهل الأرض لا لبقعة خاصة».
أقول: وهنا تأتي كل المناقشات الثلاثة فلا نعيد. ولكن يختص هذا الاستدلال بهذه الرواية بمناقشات أخرى:
أولاً: ان ما قاله من ان «ثبوت الهلال أي خروج القمر من المحاق حكم لتمام أهل الأرض». لعله سهو من القلم. لما قلناه وهو أيضاً يعلم به ويفتي على طبقه. فان خروج القمر من المحاق لا يكفي إلا ان يتخذ الحجم المناسب مع الرؤية. وهو ما سميناه بالولادة الشرعية.
ثانياً: ان قوله في الصحيحة: “من جميع أهل الصلاة” ظاهر الرجوع إلى الشاهدين العادلين, يعني: من أي فئة من فئات المسلمين كانوا باختلاف بلدانهم
ــــــــــــــــــــ[164]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر والصفحة.
ومذاهبهم ومستوياتهم.
واما ان محل الشهادة أو مؤداها هي البلدان المتباعدة فهذا غير واضح بالمرة من الصحيحة.
وقد يقال: انه كيف يذكر الإمام المذاهب الإسلامية الأخرى كأفراد ممن تُقبَل شهادته؟ وجوابه من عدة وجوه أوضحها: اشتراط العدالة في لفظ الرواية. وإذا توفرت العدالة جازت الشهادة. فان تنزلنا عن ذلك، أمكنت المناقشة في أصالة الجهة.
ثالثاً: بالنسبة إلى الفقرة الثانية في الرواية وهي قوله: “إلا ان يقضي أهل الأمصار”. يأتي فيها ما قلناه هناك في الوجه الأول من انه لا يراد بها المدن البعيدة جداً. لأن هذا غير محتمل في وضع المجتمع يومئذ. وإنما يراد بها الأمصار التي تقع في منطقة مشتركة أو في أفق واحد باصطلاح الفقهاء.
وهنا يحسن ان نتعرض لعدة أمور بعضها مربوط باتحاد الآفاق وبعضها يختلف عنها. ونجعل ما يرتبط بها أولاً:
الأمر الأول: ما الذي يقصده الفقهاء من اتحاد الآفاق؟ لا شك ان لكل منطقة صغيرة نسبياً أفقها الخاص بها. فان الأفق ليس إلا المحل الذي نرى فيها السماء كأنها منطبقة على الأرض في نهاية مد البصر, وهي مسافة قد لا تزيد في الأرض المنبسطة على كيلو مترين ونصف أو ثلاثة، إذن، فالأفق كدائرة حول الناظر لا يزيد قطرها على ستة كيلو مترات. وهي منطقة صغيرة نسبياً بحيث يمكن تقسيم الكرة الأرضية إلى آلاف مثلها.
إذن، فالآفاق متعددة. فكيف تكون واحدة؟
وفي الحقيقة لا تكون واحدة إلا مجازاً. باعتبار وحدتها في الحكم الشرعي. فان كان للمناطق المتعددة ذات الآفاق المتعددة حكم شرعي واحد.
ــــــــــــــــــــ[165]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وهي ثبوت الهلال وبدء الشهر، اعتبرها الفقهاء كأنها ذات أفق واحد.
ومن هنا اصطلحوا على الفقهاء الذين يرون ان ثبوت الهلال مختلف بين المناطق أنهم يبنون على تعدد الآفاق. يعني لكل أفق حكمه المستقل. والفقهاء الذين يرون ان ثبوت الهلال واحد في العالم. انهم يبنون على وحدة الآفاق، ولكنهم لا يعبرون ان الأفق واحد في العالم كله لأن العبارة ستكون سمجة عندئذ في حين ان المؤدى الواقعي للحكم هو ذلك.
اما ما اخترناه من النظرية، فهي تعترف باختلاف الآفاق، لأننا أوضحنا ان الليل والنهار يدوران حول الأرض باستمرار. وان الهلال يبدو بالتدريج في أي أفق كان فيه الغروب ثم في الأفق الذي يليه غرباً وهكذا.
نعم، من المستطاع القول: انه إذا ثبت الهلال في بلد أو منطقة ثبت في البلاد التي تقع في غربه. وهو ما قلناه فعلاً. فهذا يعني بذلك الاستعمال المجازي ان الأفق واحد بالنسبة إلى أول بلد يشرق فيه الهلال مع البلدان التي تقع في غرب.
فإذا توسعنا أكثر وجدنا ان الهلال يستمر في السير حول الأرض حتى يتم دورة كاملة في أربع وعشرين ساعة. مما يستوجب شمول الشهر لكل الأرض في يوم واحد. فحتى البلاد التي تقع في شرق ذلك البلد المقرر، قد وصلها الهلال لكن من الجهة الأخرى (من شرقها) وبعد عدة ساعات فقط.
ومن هنا يمكن القول: بأن الأفق متحد في العالم كله. إلا ان هذا مجرد اصطلاح فضفاض ليس له أي أثر فقهياً. والمهم الاعتماد على فحوى النظرية.
الأمر الثاني: اننا قلنا في أول هذه الجهة في الحديث عن وحدة الآفاق اننا نفترض آفاق الأرض بدون موانع لرؤية الهلال، لمجرد التوضيح.
والآن جاء وقت الإيضاح لصورة ما إذا كان المانع موجوداً:
ــــــــــــــــــــ[166]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
المانع الأول: المانع الموضعي كالسحاب والجبال والأشجار، أو الحمرة الشديدة في الأفق أو الضباب أو غير ذلك.
وفي مثله لا يمكن ان يُرى الهلال فلا يثبت الشهر في البلد لأجل الرؤية.
ولكن إذا ثبت الهلال في المنطقة التي تقع في شرقه وهو يقع في غربها، شمله حكم الهلال بخلاف ما إذا ثبت في المنطقة التي تقع في غربه.
وبالأَوَلى يثبت الهلال فيه إذا ثبت في احد المناطق التي تقع في شماله أو جنوبه، يعني على نفس خط طوله أو مقارباً له جداً. مع ملاحظة بعض الفروق التي قلناها في نقطة بعنوان: ملاحظة مهمة، فيما سبق.
واما المانع الثاني: وهو حجم الهلال، بحيث ثبت بالمراصد أو من طريق آخر، انه صغير غير قابل للرؤية بالعين المجردة.
ففي مثل ذلك لا يثبت الشهر طبعاً لفقدانه الشرط الأساسي، وهو حجم الهلال أو الولادة الشرعية.
واما المانع الثالث: وهو كون المنطقة شمالية في الأرض جداً أو جنوبية جداً، بحيث يختلف ليلها ونهارها عن خط الطول المشترك معها. فضلاً عن الدائرتين القطبيتين نفسيهما.
فهذه المناطق ينبغي تقسيمها إلى نحوين:
النحو الأول: ما لم يكن الليل والنهار فيها مستمراً مهما كان طويلاً أو قصيراً وليس كالدائرتين القطبيتين.
فالحديث هنا يسير فقهياً. بعدما عرفنا في تلك (الملاحظة المهمة) ان خط الليل والنهار لا يسير مطابقاً لخط الطول بل يختلف عنه بشكل ملحوظ. فالقول: بأن خط الطول الواحد له طلوع واحد وغروب واحد ليس بصحيح.
ــــــــــــــــــــ[167]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وهذا يشمل تماماً ما بين الدائرتين القطبيتين كله. وما قلناه في تلك الملاحظة المهمة ينطبق هنا تماماً كل ما في الأمر: ان الغروب قد يتأخر في المناطق الشمالية والجنوبية أكثر من غيرها.
فالمحصل الفقهي: ان هذه المناطق إذا كانت على نفس هذا الطول أو في خط غربي بالنسبة إلى المنطقة الذي ثبت فيها الهلال. فينبغي أن ننتظر إلى ان يحصل فيها الغروب، ويجوز لها عندئذ البناء على حصول الهلال وبدء الشهر.
ويلحق بذلك تماماً الدائرتان القطبيتان عند حصول الليل والنهار فيها بشكل اعتيادي أو مقارب له. مهما كان أحدهما طويلاً والآخر قصيراً.
النحو الثاني: الدائرتان القطبيتان عند وجود النهار المستمر أو الليل المستمر.
فهنا ان ثبت الشهر في العالم كله شملهما طبعاً. كما ان الساكنين هناك ان استطاعوا ان يفهموا من حركات القمر شيئاً من هذا القبيل، يعني: ان يروا الهلال في أول حجمه القابل للرؤية، فهذا هو بدء الشهر عندهم.
ولا بأس ان يثبت عندهم خلال الليل أو النهار. لأن هذا بحسب واقعه وبالتحليل ليس نهاراً واحداً ولا ليلاً واحداً بل متعدداً بعدد دوران الأرض حول نفسها، ونعرفه هناك من سير الشمس في النهار والنجوم والقمر في الليل. كما يتضح من الفصل الذي عقدناه عن شرح هذا المعنى في كتاب الصلاة.
واما إذا لم يحصل الأمران السابقان، فلم يروا الهلال ولا سمعوا ما حصل في العالم. أو ان بلدان العالم اختلفت فيه. فعندئذ لا يثبت الشهر عندهم. ويكون حكمهم حكم إكمال العدة وهو ان يعتبروا الشهر السابق كاملاً متكوناً من ثلاثين يوماً ويبدأ الشهر الجديد من اليوم الحادي والثلاثين.
الأمر الثالث: عرفنا في بعض الفصول السابقة: ان للقطب الجغرافي ــــــــــــــــــــ[168]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الأرضي حركة دائرية متذبذبة ، يرسم القطب خلالها دائرة لها مثل أسنان المنشار . وليس هذا القطب مستقراً كما هو ظاهره(1).
وهذه الحركة عرفنا انها تؤثر على كثير من صفات الكرة الأرضية بما فيها اتجاهات خطوط الطول والعرض ومواعيد الشروق والغروب وعلى تحديد الدائرة القطبية نفسها إلى غير ذلك.
فهنا نشير إلى انها تؤثر على شروق الهلال أيضاً. وحساب ذلك أمر دقيق لا يتكفله مستوى هذا الكتاب كل ما في الأمر اننا يمكن ان نشير إلى اننا عرفنا ان خط الطول الواحد ليس له شروق واحد وغروب واحد بل الأمر فيه متعدد. فكيف ما إذا أضفنا إلى ذلك هذه الحركة.
غير ان الذي يهون الخطب أمران:
الأمر الأول: انها حركة بسيطة وبطيئة تحصل في عدة سنين. ولا يبدو كون قطر هذه الدائرة طويلاً. فيبقى ميل الأرض ثابتاً عرفاً. وهذا كافٍ من الناحية الفقهية.
وقد قلنا فيما سبق انها من الضآلة ، بحيث لم يلتفت إليها الاختصاصيون إلا متأخراً.
ــــــــــــــــــــ[169]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) رسم توضيحي:
الأمر الثاني: ما قلناه مكرراً من اشتراط وجود الغروب عند بزوغ الهلال، ومن المعلوم انه مهما كان حال ميلان الأرض، فان الغروب يحصل. والهلال يكون ممكن الرؤية بعد الولادة الشرعية.
فيكون الميزان عرفاً وفقهياً هو ذلك. مع إمكان عدم الاعتناء أصلاً بهذه الحركة المشار إليها.
الجهة الثامنة: في صفات متعلقة برؤية الهلال.
ونعرض ذلك ضمن الأمور التالية:
الأمر الأول: ذهب بعض أساتذتنا(1) إلى ان المقياس في ثبوت الهلال وبدء الشهر هو إمكان الرؤية لا الرؤية نفسها. وهذا هو الصحيح الموافق مع الأدلة المعتبرة.
وهذا يتحقق في عدة صور:
الصورة الأولى: ما إذا ثبت الهلال في شرق البلاد، وكانت هي الغرب، فإنها يثبت فيها الهلال -كما عرفنا- وان لم تحصل الرؤية.
ومن زاويتنا هذه، اننا نعلم ان الهلال هو بحجم قابل للرؤية.
الصورة الثانية: إذا ثبت عن طريق المراصد، وعن حجة شرعية شرحناها في محلها، ان الهلال بحجم قابل للرؤية، عند الغروب في هذا البلد. فهذا كافٍ للإثبات وبدأ الشهر وان لم تقم الرؤية الفعلية.
الصورة الثالثة: ما إذا لم يُرَ الهلال ليلة الثلاثين لتكون هي أول الشهر الجديد، وتأجل الأمر إلى الليلة التالية بمقتضى إكمال العدة ثلاثين يوماً.
ففي هذه الليلة التالية: نعلم ان الهلال بالحجم القابل للرؤية، وان لم تتم ــــــــــــــــــــ[170]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) انظر, ص504.
الرؤية، بل لا حاجة للاستهلال أصلاً.
الصورة الرابعة: ما إذا بزغ الهلال في الليلة التاسعة والعشرين من أحد الشهور، فهذا يعني -كما قلنا- ان يوماً من أول الشهر قد غفلنا عنه. ومن هنا نعلم ان الهلال في تلك الليلة السابقة من أوله، كان الهلال بالحجم القابل للرؤية، مع ان المفروض ان الرؤية لم تحصل وإلا لبنينا على بدء الشهر فيها منذ ذلك الحين. إلى غير هذه الصور.
الأمر الثاني: ذهب بعض أساتذتنا(1) إلى ان [ولادة] الهلال ومن ثم بدء الشهر يتم بحكم الحاكم الشرعي مع عدم العلم بالخطأ في مستند الحكم. كما لو اعتمد على شهود حسبهم عدولاً وهم فساق.
فإذا حكم الحاكم الشرعي ببدء الشهر، كان ذلك كافياً لإثبات وجوده في المجتمع، حسب الفتوى في اتحاد الآفاق أو اختلافها.
وذهب (سيدنا الأستاذ) إلى نفي الحجية عن حكم الحاكم بهذا الخصوص وهذا هو الصحيح. لأن وجود الهلال وعدمه من الشبهات الموضوعية لا من الشبهات الحكمية. والفقيه عمله وحجية كلامه إنما هو في الفتوى في الشبهات الحكمية دون الموضوعية.
وإيضاحه مختصراً: ان الفقيه ان أفتى في حكم معين كان نافذاً. كوجوب السورة بعد الفاتحة. أو وجوب التطهير من نجاسة البول ثلاثاً. واما إذا أفتانا الفقيه، بأن هذا المائع خمر أو انه خل. أو قال: ان هذا الثوب نجس أو طاهر أو ان هذه الدار فيها أربع غرف أو خمس. فهذا ونحوه إنما هو من (الموضوعات) في اصطلاح الفقهاء. ولا حجية لقول الفقيه في الموضوعات.
ومن المعلوم ان وجود الهلال أو ولادته، أمر تكويني وخلقي، شأنه شأن ــــــــــــــــــــ[171]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) انظر, ص511.
عدد غرف الدار فيكون من الموضوعات التي تخرج عن صلاحية حكم الفقيه.
نعم، في القضاء والفصل بين الخصومات له ذلك. بأن يحكم ان هذا الفرد مدين وهذا بريء الذمة وهذا زوج هذه.. وهكذا. ولم تثبت حجيته في خارج هذا النطاق. وتمام الكلام في الفقه.
الأمر الثالث: إذا شهد الشهود الثقات بالهلال. بحيث لو بقينا نحن وهذا المقدار من الإثبات لقبلنا شهادتهم.
ولكن قد يحصل هنا معارض لحجية أقوالهم، الأمر الذي يستدعي رفضها أو انتظار شهود آخرين ثقات أو حصول الشياع بوجود الهلال.
ويمكن ان تتم هذه المعارضة في عدة صور:
الصورة الأولى: ما إذا كان الجو صحواً واستهل الكثيرون. ولم يره أحد إلا اثنان فقط أو نحو ذلك. فان ذلك يجعل احتمال صدقهم ضئيلاً جداً. لا بمعنى الكذب الصريح لأن المفروض عدالتهم. بل لاحتمال التوهم تماماً.
وهذا ما ورد فيه عدة روايات أود ان أورد بعضها:
منها: ما عن عثمان بن الخزاز(1) عن أبي عبد الله: قال, قلت له: كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال: “ان شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظني. وليس رؤية الهلال ان يقوم عدة فيقول واحد: قد رأيته. ويقول الآخرون: لم نره. إذا رآه واحد رآه مائة وإذا رآه مائة رآه ألف. ولا يجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علة: اقل من شهادة خمسين. وإذا كان في السماء علة قُبِلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر”.
وعن حبيب الخزاعي(2) قال: أبو عبد الله: “لا تجوز الشهادة في رؤية ــــــــــــــــــــ[172]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الوسائل: كتاب الصوم: أبواب أحكام شهر رمضان: باب11, حديث10.
(2) نفس المصدر: حديث13.
الهلال دون خمسين رجلاً عدد القسامة. وإنما تجوز شهادة رجلين إذا كان من خارج المصر وكان بالمصر علة فاخبرا إنهما رأياه. واخبرا عن قوم صاموا للرؤية وافطروا للرؤية”.
غير ان أمثال هذه الأخبار منافية لما دل على حجية البينة مطلقاً وما دل على حجيتها في خصوص الهلال. ومن المعلوم فقهياً ان الحجية لا تفرق حتى مع الظن بعدمها.
فينبغي حمل هذه الأخبار على ما إذا حصل الاطمئنان بعدم صدق الشاهدين. أو كان الشهود الخمسون كلهم غير ثقات. أو ان نطرح هذه الأخبار لأنها غير نقية سنداً على أي حال، وللاحتياط محله على أي حال.
الصورة الثانية: ما إذا تهافت الشهود في شهادتهم بأوصاف الهلال فذكر كل واحد منهم صفة غير ما قال الآخر. فعندئذ تسقط شهاداتهم عن الحجية. ما لم يحصل الشياع في وجوده.
الصورة الثالثة: اما إذا أكد الاختصاصيون عدم وجود الهلال بالمرة، وشهد الشهود على رؤيته.
الصورة الرابعة: ما إذا أكد الاختصاصيون كون الهلال غير قابل للرؤية. وشهد الشهود على الرؤية.
الصورة الخامسة: ما إذا أكد الاختصاصيون على وجود للهلال في جهة أو بصفة غير ما قاله الشهود.
إلى غير ذلك من الصور.
الأمر الرابع: ورد في الروايات النهي عن العمل على رأي المنجمين في الهلال. فماذا ينبغي ان يكون موقفنا تجاه الاختصاصيين في علم الفلك. فهل نرفضهم بصفتهم منجمين؟
ــــــــــــــــــــ[173]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
منها: موثقة محمد بن عيسى(1) قال: كتب إليه أبو عمر: أخبرني يا مولاي انه بما أشكل علينا هلال شهر رمضان ولا نراه ونرى السماء ليست فيها علة ويفطر الناس ونفطر معهم. ويقول قوم من الحساب قبلنا: انه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وافريقية والأندلس. هل يجوز يا مولاي ما قال الحساب في هذا الباب حتى يختلف العرض على أهل الأمصار فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا؟ فوقع: “لا صوم من الشك. افطر لرؤيته وصم لرؤيته”.
وهذه الرواية فيها عدة نقاط ملفتة للنظر.
النقطة الأولى: ان الراوي يعدد بلدان كثيرة ويشير إلى خطوط العرض على وجه الأرض. وهي ثقافة مهمة ورشيدة قبل ما يزيد على ألف سنة.
النقطة الثانية: ان البلدان التي ذكرها: مصر وافريقية والأندلس كلها إلى الغرب من منطقته التي هي الجزيرة العربية أو العراق. ومن المعلوم كما عرفنا، انه إذا ثبت الهلال في بلاد لم يثبت في البلاد التي في شرقها.
النقطة الثالثة: انه يشير إلى صحو الجو، الأمر الذي يجعل احتمال الخطأ راجحاً جداً في حساب المنجمين، لو كان شاملاً لنفس البلد أيضاً. إذ لو كان مولوداً ولادة شرعية لتمت رؤيته.
النقطة الرابعة: انه إنما ذكر الحساب في الرواية، ولم يذكر المراصد. فإذا سقطت حجية الحساب لم تسقط حجية المراصد.
النقطة الخامسة: ان المنجمين كانوا في ذلك الحين كفرة أو فسقة أو مترصدين شراً بالمجتمع الإسلامي، ونحو ذلك، الأمر الذي يجعل كلامهم ساقطاً أساساً.
ــــــــــــــــــــ[174]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: باب15، حديث1.
وإنما الكلام فيما إذا كان الاختصاصي في الفلك ثقة عدلاً وأخبر عن وضع الهلال وصفاته إخباراً قطعياً، وكان عدد المخبرين اثنين على الأقل من الاختصاصين وليس واحداً، على الاحوط، وليس اعتماده على الحساب بل على المراصد.
فان لم يكن بهذه الصفة في نفسه أو كان اعتماده على الحساب، إذن لا يكون حجة إلا إذا حصل من كلامه العلم, أعني العلم العرفي وهو الاطمئنان.
النقطة السادسة: اننا نحتمل بل نعلم، والاحتمال هنا كافٍ. بأن الفلكيين السابقين في ذلك الحين كانوا أردأ بكثير من الفلكيين في هذا العصر فقد يفوتهم فهم كثير مما يمكن للفلكيين المتأخرين فهمه والسيطرة على حسابه.
إذن، فالنهي عن الأخذ بكلمات المنجمين السابقين، لا يعني بأي حال النهي عن الأخذ بكلمات المتأخرين. وليست الرواية في مقام البيان، بحيث تشمل المتأخرين ألف سنة أو أكثر.
على ان استفادة النهي منها، محل نقاش كما هو واضح للمتأمل.
النقطة السابعة: المهم في نظر الإمام هو عدم الاعتماد على الشك. فما دام الشك متحققاً في حسابات الفلكيين لم يكن للناس إتباعهم بطبيعة الحال.
وإنما يجب الاعتماد على الرؤية. فإذا فهمنا من الرؤية، بعد التجريد عن الخصوصية: العلم بوجود الهلال بالحجم المرئي كان هذا العلم حجة مهما كان مصدره، ولا معنى للنهي عن العلم كما ثبت في علم الأصول.
الأمر الخامس: هناك بعض العلامات التي ورد بعضها في النصوص، وبعضها يمشي عليها الناس. في حين انها جميعاً ليست بحجة نشير إلى المهم منها هنا:
ــــــــــــــــــــ[175]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
أولاً: رؤية الهلال في النهار، اما قبل الزوال أو بعده ومنهم من يقول: ان رؤيته قبله علامة الشهر المنتهي، ورؤيته بعد الزوال علامة الشهر الجديد.
إلا ان إعراض الفقهاء تماماً عن الأخذ بالنصوص الواردة بهذا الخصوص تسقطها عن الحجية.
مضافاً إلى ان هذا الأمر غير محتمل عادة، فان الهلال الضئيل الذي يكون في أول الشهر أو في آخره، لا يمكن ان يرى في النهار لضعف ضوئه تجاه ضوء الشمس أولاً، ولعدم ملائمة موقعه لذلك أصلاً.
واسوأ من ذلك اعتباره للشهر السابق. فان في ذلك إسقاطاً لفترة المحاق التي لا بد منها.
ثانياً: اعتبار شهر رمضان تاماً دائماً ليس فيه نقصان.
وهذا أيضاً ليس بحجة، لأن عدداً من الروايات تؤكد على ان شهر رمضان كباقي الأشهر قابل للزيادة والنقصان. مضافاً إلى إجماع الفقهاء على ذلك.
ثالثاً: التطويق في الهلال، حيث اعتبره السيد الأستاذ دليلاً للّيلة الثانية. وقد سبق ان ناقشناه.
رابعاً: ان يكون له ظل بحيث يرى الإنسان ظل رأسه فيه. فيكون دليلاً على الليلة الثانية وهذا وارد في نفس الصحيحة التي دلت على التطويق إلا ان السيد الأستاذ لم يفتِ به.
والصحيح عدم الحجية أيضاً لعدم تمييز الظل الخفيف بهذا المقدار، ان كان له وجود. ولعمري ان الهلال في الليلتين الثالثة والرابعة لا يكون له إلا ظل خفيف جداً فكيف بالليلة الثانية! إذن, فهذه علامة غالبية وليست دائمة.
خامساً: تأخر الهلال في الأفق مدة طويلة. وقد وردت رواية صحيحة في نفي حجيته.
ــــــــــــــــــــ[176]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
والاعتبار أيضاً يدلنا على ذلك لأن الهلال المولود قبل فترة طويلة لا محالة يبقى في الأفق طويلاً. ولا يتعين انه مولود قبل أربع وعشرين ساعة ليكون هو ابن الليلة السابقة.
نعم، لو حصل لنا العلم أو الاطمئنان من ذلك، كان ذلك حجة لا محالة.
سادساً: زيادة النور في الهلال والمناقشة فيه هو نفس ما قلناه في الصورة السابقة إلا ان يحصل العلم أو الاطمئنان.
سابعاً: إذا انقطعت رؤية الهلال من المشرق في نهاية الشهر عند شروق الشمس أو قريباً منه، فهو علامة على وجوده مغرباً -أي في مغرب ذلك اليوم نفسه- فيكون دليلاً على أول الشهر الجديد.
وقد وردت في ذلك رواية غير معتبرة، وهو بحسب الاعتبار غير صحيح، لأنه لم يأخذ فترة المحاق التي لا تبقى فقط لعدة ساعات، بل تبقى أكثر من أربع وعشرين ساعة.
نعم، إذا فقدناه ليومين متتالين في المشرق، فهو لا بد ان يظهر في المغرب، لأن المحاق لا يزيد على يومين على أي حال.
إلا ان هذا الأمر ان حصل فيه العلم أو الاطمئنان فهو الحجة. وإلا فالاعتبار قد لا يساعد عليه. لأن وجود الهلال في الأفق، مهما كان أكيداً، إلا انه قد لا يكون بالحجم القابل للرؤية. ومن هنا لا يكفي ذلك لإثبات أول الشهر.
ثامناً: مما يحتمل الاعتماد عليه: حساب المنجمين أو الفلكيين وقد عرفنا حاله.
تاسعاً: ان نَعُدّ خمسة أيام من السنة الماضية. فلو كان أول الشهر في السنة ــــــــــــــــــــ[177]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
السابقة هو يوم السبت مثلاً. كان أول الشهر هذه السنة هو يوم الأربعاء.
وقد وردت في ذلك بعض الروايات:
منها: ما عن عمران الزعفراني(1): قال: قلت لأبي عبد الله: ان السماء تطبق علينا بالعراق، اليومين والثلاثة، فأي يوم نصوم؟ قال: “انظروا اليوم الذي صُمت من السنة الماضية فعُدّ منه خمسة أيام وصم اليوم الخامس”.
وهو دال على ان العدد يبدأ من نفس اليوم، وهو السبت في المثال. ويصوم اليوم الخامس وهو الأربعاء.
وفي رواية أخرى: (ان العد يكون في سائر السنين خمسة خمسة. وفي السنة الكبيسة ستة أيام).
ولكن إسناد هذه الروايات غير معتبرة، مضافاً إلى إجماع الفقهاء في الإعراض عنها فلا يمكن العمل بمضمونها فقهياً.
عاشراً: في بعض الروايات غير المعتبرة(2): قال الصادق: “إذا صح هلال رجب فعُدّ تسعة وخمسين يوماً وصم يوم الستين”.
وهو قائم على افتراض ان الشهرين رجب وشعبان احدهما ناقص والآخر تام ليكون العدد 59 يوماً وهو أمر غير أكيد كما هو واضح. والمهم هو عدم اعتبار السند.
فهذه عشرة علامات غير معتبرة لا حاجة إلى الزيادة عليها. وينبغي هنا أن نختم حديثنا عن الهلال. والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــ[178]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الوسائل كتاب الصوم، أبواب أحكام شهر رمضان: باب10، حديث3.
(2) نفس المصدر: حديث5.
فصل
سن التكليف
يمكن بحث هذا الموضوع وهو العمر الذي يوضع فيه قلم التكليف والمسؤولية على الفتى والفتاة، في عدد من مواضع الفقه، بل في أي موضع منه، لأنه معنى عام ينطبق على كل فصوله. وقد ذكر له صاحب (الوسائل) في مقدمة العبادات باباً وفي كتاب النكاح باباً آخر، وعقد المحقق الحلي في (شرائع الإسلام) مسألة عن ذلك في كتاب الصوم. ومن هنا، فضّلنا الحديث عن ذلك في كتاب الصوم. والحديث هنا يقع في ثلاثة أقسام:
القسم الأول: في حديث رفع القلم عن الصبي. ومعناه وحدود حكمه.
القسم الثاني: في العمر الذي يدخل فيه الصبي الذكر في التكليف وعلامات ذلك.
القسم الثالث: في العمر الذي تدخل فيه الفتاة في التكليف وعلامات ذلك.
القسم الأول:
لا إشكال في عدم وجود المسؤولية الشرعية على الطفل عموماً. بمعنى انه لا يجب عليه شيء من الواجبات ولا يحرم عليه شيء من المحرمات ولا تقام عليه الحدود والتعزيرات. ولكن سيأتي ان عليه بعض المسؤوليات الأخرى التي يجب على وليه ان يتحملها، كالضمان والخمس والزكاة على بعض الوجوه.
ــــــــــــــــــــ[179]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وينبغي ان يقع الكلام في ذلك، ضمن عدة جهات:
الجهة الأولى: في سقوط التكليف عن الطفل.
وهو محل إجماع العلماء وتسالمهم. وقد وردت في ذلك عدة أخبار نذكر بعضها:
منها: ما عن علي بسند غير معتبر وفيها يقول(1): “أما علمت ان القلم يرفع عن ثلاثة، عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ”.
ورواية طلحة بن زيد(2)عن أبي عبد الله: قال: “ان أولاد المسلمين موسومون عند الله شافع ومشفع اما فإذا بلغوا اثني عشر سنة كتبت لهم الحسنات. فإذا بلغوا الحلم كتبت عليهم السيئات”.
ومنها: صحيحة عمار الساباطي(3)عن أبي عبد الله: قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال: “إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة. فإذا احتلم قبل ذلك، وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم” الحديث.
والأمر إجمالاً لا يحتاج إلى استدلال لأنه من الضروريات وإنما يقع بعض الكلام في فهمه أولاً ثم في تفاصيله ثانياً.
وفي هذه الجهة الأولى نحاول فهم هذه الأخبار. فالحديث الأول غير تام السند إلا انه مشهور إلى درجة يمكن القول بالإجماع بالأخذ به، بحيث حتى لو لم نقل ان الشهرة جابرة فلا أقل من ان الإجماع يكون جابراً.
ــــــــــــــــــــ[180]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الوسائل: أبواب مقدمة العبادات، باب 4، حديث10.
(2) نفس المصدر: حديث1.
(3) نفس المصدر: حديث 12.
ورفع القلم مفهوم إجمالاً إلا إن بعض اختلاف تفسيراته تنعكس على التفاصيل الآتية فيما بعد. فيحسن بنا ان نفهم من الآن هذه التفسيرات:
التفسير الأول: اننا نحتاج إلى تقدير مضاف، فنقول: رَفعُ قلم التكليف، فلا تكليف على الصبي والمجنون والنائم.
التفسير الثاني: اننا نحتاج إلى تقرير مضاف، وهو العقوبة، فنقول: رَفعُ قلم العقوبة عن هؤلاء.
التفسير الثالث: اننا نقدّر المسؤولية. فقد رُفِع قلم المسؤولية عن هؤلاء.
التفسير الرابع: اننا نقدّر المؤاخذة. فقد رُفِع قلم المؤاخذة عن هؤلاء.
التفسير الخامس: اننا نقدّر استحقاق العقاب، فلا استحقاق للعقاب عليهم.
وهذه الوجوه كلها تشترك في الحاجة إلى تقدير مضاف. ومهما كان المرفوع فانه يكون موضوعاً مع ارتفاع المانع حين يجري عليه القلم، كما هو مضمون صحيحة (عمار الساباطي).
ولكننا ينبغي ان نلتفت إلى نكتتين:
النكتة الأولى: ان العقل الإنساني له استحقاق ذاتي لتحمل المسؤولية والضلوع بالتكليف بصفته قابلاً للإدراك والاستنتاج، وقد وردت في ذلك عدة أخبار:
منها: صحيحة محمد بن مسلم(1) عن أبي جعفر قال: “لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبِل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك ولا أكملتك إلا فيمن أُحِب. أما
ــــــــــــــــــــ[181]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: باب3, الحديث1.
إني إياك آمر وإياك انهي وإياك أعاقب وإياك أثيب”.
والعقل متوفر في كل إنسان بحسب خلقته النوعية. ولذا يبدو لأول وهلة انه يجب ان يكون كل إنسان مضطلعاً بالمسؤولية، ومتحملاً للتكليف.
وهذا صحيح تماماً لولا وجود بعض الموانع التي لا بد منها. وهي الظروف التي يكون فيها العقل مغلقاً غير منفتح, أو قل: حين يتعذر استعماله والاستفادة منه، وهي الحالات التي عددها في الرواية: حالة الصبي وحالة المجنون وحالة النائم.
فهؤلاء بحسب أصل خلقتهم ينبغي ان يكونوا مكلفين كسائر الناس، إلا إن الله تعالى كما ابتلاهم بالمانع، رفع عنهم ما لم يطيقوه. لأن العقل هو الذي يطيق التكليف والمسؤولية فإذا ارتفع العقل لم يصبح ذلك ممكناً للفرد. ومن هنا جاء معنى الرفع ويعني ان شيئاً ما كان يجب ان يوضع ولكنه رُفِع. ولا معنى للرفع قبل الوضع.
وإنما كان يجب ان يوضع بحسب الخلقة الأصلية. وإنما رُفِع باعتبار المانع. فهذه هي النكتة الأولى.
النكتة الثانية: ان القلم هو أداة الكتابة. وطالما عرّفتنا الشريعة وأعلمنا القرآن الكريم ان هناك في العالم الأعلى كتباً مكتوبة كاللوح المحفوظ وقوله تعالى: كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ. وقوله تعالى: يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ.
والقلم على شكلين، على مقتضى القاعدة: قلم التكوين وقلم التشريع. فقلم التكوين هو القلم الذي يتم به تدبير خلقة العالم. أو قل: قلم التدبير والتقدير ولا ربط له بالشريعة بشكل مباشر.
وقلم التشريع هو الأحكام التشريعية المسجلة على كل عاقل مختار من الواجبات والمحرمات والمستحبات وغيرها وهي مسجلة لمصلحتنا والله تعالى
ــــــــــــــــــــ[182]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
غني عن العالمين.
والمراد بالقلم في الحديث الشريف قلم التشريع وليس قلم التكوين كما هو واضح. فإذا قلنا في تفسيره: رفع قلم التشريع عن الصبي والمجنون.. الخ. لم نحتج إلى تقدير لا محالة. ولفظ التشريع ليس مقدراً لفظياً كما يريد أصحاب الوجوه السابقة بل هو مستتر في معنى القلم.
وإذا جرى القلم على أي فرد جرت عليه كل الوجوه الخمسة السابقة بالملازمة لا بالتقدير. فهو:
يتحمل أعباء التكليف من الوجوب والحرمة.
عليه عقوبة العصيان.
عليه مسؤولية الطاعة والتنفيذ.
عليه المؤاخذة مع التقصير والإهمال.
عليه استحقاق العقاب مع العصيان.
فكلها صحيحة، ولكن كلها بلا موجب في الفهم المباشر للحديث من دلالته المطابقية.
بقي علينا ان نشير إلى الفروق بين هذه الوجوه:
الأول: الفرق بين العقوبة واستحقاق العقاب.
وذلك: ان الفرد إذا عصى. لا تناله العقوبة فوراً كما هو واضح بل يشمله حلم الله عز وجل عنه إلى حين، كما ان عقوبته في الآخرة لا تكون قطعية لاحتمال شمول الرحمة أو الشفاعة له يومئذ. إذن, فاعتبار العقوبة فعلية بشكل وآخر بمجرد العصيان لا وجه له. وإنما هو استحقاق العقاب. فإذا عصى الفرد فإنما استحق العقاب، وهذا صحيح لا محالة. إلا ان تشمله رحمة الله سبحانه.
ــــــــــــــــــــ[183]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الثاني: الفرق بين استحقاق العقاب والمؤاخذة .
وهذا من الأمور التي اعتبرها الفقهاء تحت ضغط الفرق بين الحكمين التكليفي والوضعي. فبينما الحكم التكليفي يتضمن عصيانه استحقاق العقاب، فانه ليس كذلك، الحكم الوضعي كالملكية والزوجية والحرية وغير ذلك.
فإذا أردنا شمول الخبر للحكم الوضعي قلنا: المؤاخذة لأن الحكم الوضعي يتضمن بالملازمة نوعاً من المؤاخذة وان لم يتضمن استحقاق العقاب.
الثالث: الفرق بين التكليف والمسؤولية.
هو نفس الفرق السابق فان المسؤولية تشمل الحكم التكليفي والوضعي دون مفهوم التكليف نفسه.
والصحيح عدم شمول الرفع للحكم الوضعي إجماعاً، وبضرورة الفقه. ومن هنا كان الأنسب ان نفهم ما فهمناه وهو: قلم التشريع أو قل التكليف أو قل استحقاق العقاب لأنه من نتائج التكليف.
اما قلم التشريع الوضعي، فهو جارٍ على الصبي غير مرفوع عنه فمن هنا نحكم بملكيته وزوجيته وحريته وضمان ما أتلفه من أموال الآخرين.. وغير ذلك.
فان كان لمعنى القلم شمول أو إطلاق للحكم الوضعي، فلا بد من تقييده بهذه للضرورة الفقهية.
الجهة الثانية: في الطفل المميز وغير المميز.
قسّم الفقهاء الطفل إلى هذين القسمين على اعتبار ان الطفل من حين مولده إلى عدة سنوات لا تقل عن سبع يبقى غير مميز، بمعنى انه لا يدرك بوضوح معنى التشريع أو الوجوب أو التحريم. لا بمعنى مفاهيم هذه الألفاظ
ــــــــــــــــــــ[184]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
بل بمعنى واقعها وما هو وجوب وتحريم بالحمل الشايع.
ثم ينفتح ذهنه بالتدريج وبواسطة التعليم والتلقين أيضاً، يصبح مدركاً لهذه الأمور ويصبح مميزاً. وهو في نفس الوقت يصبح مدركاً بدرجة كافية الواجبات والمحرمات الاجتماعية، لو صح التعبير. ويُفرِّق بين ما هو اجتماعي وبين ما هو شرعي. أو يدرك الفرق بين المذاهب الإسلامية. وهكذا ولو بفكرة كافية مختصرة.
وقال الفقهاء: ان الطفل غير المميز لا تكليف ولا مسؤولية عليه بالضرورة، لأنه ليس محلاً لها، وهذا صحيح.
وإنما اختلفوا في المميز، فمنهم -ولعله المشهور- منع شمول التكاليف له إطلاقاً. ومنهم -ولعله مشهور المتأخرين- جعل هذا الصبي مشمولاً للمستحبات والمكروهات. وقال أيضاً: بأن الواجبات شاملة له على شكل مستحبات. والمحرمات شاملة له على شكل مكروهات.
ولكل من هذين الفريقين دليله:
دليل الفريق الثاني:
هو إطلاق (الصبي): فان الطفل المميز صبي على أي حال، وحكمه في الحديث هو رفع القلم, وبتعبير أوضح: ان القلم مرفوع عن الصبي سواء كان مميز أو غير مميز.
مضافاً إلى شهرة العلماء المتقدمين.
ودليل من جعل الصبي مشمولاً لبعض الأحكام:
إن هذا الإطلاق لا يكفي لعدة نقاط:
النقطة الأولى: انه مقيد بقوله في رواية طلحة بن زيد: “فإذا بلغوا
ــــــــــــــــــــ[185]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
اثني عشر سنة كتبت لهم الحسنات”. وهنالك بعض الروايات الأخرى على غرارها، مما يجبر ضعف سندها.
وهذا العمر المذكور لا دخل له عرفاً إلا باعتبار ان الصبي يصبح فيه مميزاً. فمتى أصبح مميزاً شمله الحكم، يعني المستحبات.
النقطة الثانية: اننا نفهم عرفاً من رفع القلم عدم القابلية على ذلك بدليل أو بقرينة ذكر المجنون والنائم في سياقه. وهما غير قابلين للتكليف كما هو معلوم. إذن، نفهم إن الصبي غير القابل للتكليف هو الذي رُفِع عنه القلم.
ومن المعلوم: ان الصبي غير المميز هو الذي لا يكون قابلاً للتكليف. واما المميز فهو قابل له. كل ما في الأمر إن الرحمة شملته، فرُفِعت عنه العقوبة أو قل: المسؤولية الإلزامية، التي يستوجب عصيانها العقاب. والا فعقله وذهنه قابل لذلك.
إذن، يتحدد نص الحديث بالصبي غير المميز. ويبقى المميز مشمولاً لإطلاقات التكاليف المستحبة والواجبة، في حدود رفع العقوبة الذي هو ثابت له بالضرورة.
النقطة الثالثة: ان حديث رفع القلم. مثل عدد من الأخبار -كحديث الرفع وغيره- وارد مورد الامتنان والإرفاق بالمكلف. وهذا سياق عرفي قطعي له. ومن المعلوم ان الإرفاق يتحدد بقدره.
فبينما يكون الإرفاق بالصبي غير المميز رفع كل أشكال الأحكام التشريعية عنه، فان الصبي المميز لا إرفاق ولا امتنان عليه في ذلك. اذ لو كان ذلك لحُرِم من ثواب الدار الآخرة ومن التكامل المعنوي الذي يريده الله سبحانه لخلقه.
ــــــــــــــــــــ[186]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
فبقرينة السياق يختص الحكم بالمسؤولية الإلزامية، التي يكون من الإرفاق رفعها. واما الأحكام التي لا إلزام فيها، فمقتضى الإرفاق والامتنان وضعها لا رفعها.
النقطة الرابعة: شمول الصبي المميز لعدة أحكام منصوصة في محلها منها: صحة صلاته. ومنها: وجوب ستر العورة عنه. ومنها: نفوذ معاملاته في الأشياء القليلة أو الخسيسة. ومنها: نفوذ وصية الصبي إذا بلغ عشراً. ومنها: نفوذ شهادته أمام القاضي الشرعي في بعض الصور. وغير ذلك. مما يطول بنا شرحه وإيراد نصوصه.
الأمر الذي نفهم منه: ان الشارع الإسلامي المقدس قد أخذه بنظر الاعتبار بصفته شخصاً عاقلاً. قابلاً لتحمل بعض المسؤولية. ومن هنا يمكن ان نقيد هذا الفهم المستفاد من مجموع هذه الروايات حديث رفع القلم، فيختص عندئذ بغير المميز.
إذن، فمن الصحيح ان الصبي المميز مشمول للمستحبات والمكروهات. بل وللواجبات والمحرمات بدون العقوبة على تركها. يعني يشمله الحكم والخطاب فيها بصفته مسلماً. ولكن لا يعاقب على تركها. وهو معنى ما قلناه انها بمنزلة المستحبات له.
بل اثبت كثير من الفقهاء صحة اعتقاده إذا شهد بالإسلام والاعتقاد الحق. وانفكاك تبعيته لأبويه ان كانا غير مسلمين. وبالعكس إذا اعتقد الباطل بأي أنواعه والعياذ بالله كما اثبتوا عدالته فيما إذا أصبحت له الصفة التي يكون بها المكلف البالغ عادلاً.
فإذا قلنا بصحة صلاته، وإنها لا على وجه التدريب والتمرين، وكان عادلاً
ــــــــــــــــــــ[187]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
أمكن ان يصبح إماماً للجماعة حتى للبالغين. ولا يمنع وجوده في الصف الأول من صلاة الجماعة من انعقادها، كما كان يقول عدد من الفقهاء السابقين. بل تكون شهادته في النكاح والطلاق مقبولة، إلى غير ذلك. وتمام الكلام في محله.
الجهة الثالثة: في الحكم الوضعي.
وقد قلنا انه غير مشمول لرفع القلم. كما فهمنا انه خاص بالتشريع أو التكليف.
بل حتى لو قلنا بأنه بلفظه شامل للوضع إلا ان هناك قرينة عامة تمنع عن ذلك. وهو سياق الامتنان والإرفاق.
وذلك: ان الإرفاق غير خاص بواحد بل يشمل الأمة المسلمة كلها. فإذا قلنا بإسقاط الحكم الوضعي فقد ينال الضرر الآخرين. كالضمان فيما إذا كسر شيئاً للغير أو الدين إذا اشتغلت ذمته للغير أو وجوب إرجاع المغصوب أو رد العارية والأمانة وغير ذلك. فإننا لو قلنا بخلافها لتضرر كل هؤلاء الناس. فمقتضى الإرفاق بهم والامتنان عليهم جعل الحكم الوضعي وعدم رفعه.
إلا ان هذا الدليل قد لا يشمل أمثال الملكية والزوجية ونحوها أو انه لا يشملها دائماً. فليس من الضرورة أو الضرر ان لا نزوج الطفل مثلاً. فكيف نثبته بالامتنان.
وهذا إنما يثبت فقهياً بالإجماع المركب، لأن كل من قال بثبوت الحكم الوضعي مع الضرر قال بثبوته مطلقاً. بل لعله محل الإجماع الفعلي أيضاً إذ لا يُعرَف من يقول بعدم نفوذ هذه الأمور للصبي، بل لعله من ضروريات الفقه.
واما بالتقريب السابق الذي فهمنا فيه اختصاص الحديث الشريف بالحكم ــــــــــــــــــــ[188]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
التكليفي أساساً. فإننا لا نحتاج إلى هذه الإضافات في جعل الحكم الوضعي على الصبي.
بقي ان نعرف انه لا فرق في جعل الحكم الوضعي بين الصبي المميز وغيره. وكِلا التقريبين شامل له.
اما ما قلناه من اختصاص الرفع بالحكم التكليفي فهو يعني ثبوت الحكم الوضعي مطلقاً مميزاً كان الصبي أو غير مميز.
واما على طريقة إثباته بسياق الامتنان فهو أيضاً كذلك, إذ الامتنان على الآخرين يتم بحفظ أموالهم العينية والذمية من عدوان الآخرين بما فيهم الصبي المميز وغير المميز.
الجهة الرابعة: ان هناك من المحرمات في الإسلام قد نقول بتحريمها الفعلي حتى على الصبي المميز.
وبهذا قد أخذنا شرطين:
الشرط الأول: ان يكون الحرام مهماً شرعاً كقتل المؤمن وشرب الخمر والزنا. وليس في الواجبات ما يقابلها في الأهمية، فمسؤولية أو عقوبة عصيان الواجبات كلها ساقطة عن الصبي المميز. ولكن يحتمل ثبوت العقوبة لهذه المحرمات.
الشرط الثاني: ان يكون الصبي مميزاً. فلا نتوقع من غير المميز أي شيء.
وحديث رفع القلم وأشباهه، وان كان شاملاً لكل أشكال المسؤولية، إلا ان هناك استدلالات تدلنا على ما قلناه:
الدليل الأول: سياق الامتنان عليه، أعني على نفس الصبي المميز. فانه
ــــــــــــــــــــ[189]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
ليس من الامتنان عليه ان يسرف في المحرمات هذا الإسراف، حتى ما إذا كان يوم بلوغه وجب عليه الارتداع التام ولعله كان معتاداً أو مدمناً على بعض المحرمات بعنوان انها حلال له. فيعود عند بلوغه غير قادر على الارتداع.
فمن سياق الامتنان والإرفاق نعلم شمول هذه المحرمات له. ومعنى ذلك تحمله لعقوباتها إجمالاً كما سنشير.
الدليل الثاني: سياق الامتنان والإرفاق بالآخرين. كالمؤمن الذي يقتله والمرأة التي يزني بها والمالك الذي يسرق منه المال، إلى غير ذلك.
إلا ان القول بأن الصبي المميز له عقوبة أخروية على ذلك، فهو وان كان راجحاً ومظنوناً. إلا انه مما لا دليل عليه، فتبقى العقوبة دنيوية.
وليست العقوبة هي الحدود الكاملة لضرورة رفعها عنه أيضاً. نعم, يبقى التعزير الذي يكون بيد القاضي إقامته. وهو أمر صحيح، ولعله واضح الثبوت فقهياً.
الجهة الخامسة: في التمييز بين التمييز والرشد.
فان التمييز غير الرشد. فالتمييز هو ان يكون الفرد بشكل من الوضوح الذهني بحيث يفهم التكاليف الشرعية أو بعض خصائصها، مما أشرنا إليه فيما سبق.
في حين ان الرشد شيء آخر، وهو عرفاً، القدرة على المماكسة في المعاملات، كل واحد حسب وضعه الاجتماعي والثقافي وعمله وعمل أسرته وأبيه. والمهم والقدر الجامع بين كل ذلك هو ان يفهم الفرد معنى المعاملات كالبيع والشراء على الأقل مع استطاعته ان لا يكون مغبوناً غبناً معتداً به بدون ان يلتفت.
ــــــــــــــــــــ[190]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
وقولنا ( بدون ان يلتفت) ضروري في الموضوع، لأن الفرد قد يلتفت إلى كونه مغبوناً قليلاً أو كثيراً. ومع ذلك يرضى بذلك. وهذا أمر لا ينافي الرشد بل قد يؤكده إذا كانت جهات الرضا بالغبن واضحة وصحيحة اجتماعياً.
كما ان قولنا (غبناً معتداً به) ضروري أيضاً. فلو كان الغبن قليلاً جداً، وخاصة مما يتعارف بين الناس. فهذا أيضاً لا ينافي الرشد.
وليس من الضروري في الرشيد ان يزيد على ذلك، بحيث يصبح ماكراً يستطيع ان يخدع الآخرين ويتهرب من مسؤولياتهم. فان المكر مرتبة غير الرشد مع العلم ان المكر قد يورط الفرد بالحرام بخلاف الرشد.
والصبي، كما قد يتصف بالتمييز، قد يتصف أيضاً بالرشد. والمهم في ثبوت المستحبات عليه هو التمييز لا الرشد. فلو كان مميزاً غير رشيد شمله الحكم أيضاً. فان الأدلة السابقة كلها تشمل الصبي المميز سواء كان رشيداً أو غير رشيد.
القسم الثاني:
فيما يخرج به الصبي الذكر من الصبا.
وهي علامات البلوغ، يعني ان يبلغ الصبي مبلغ الرجال ويتصف بصفاتهم وحدودهم, أو قل: يصبح رجلاً، ويكون -وهذا هو المهم فقهياً- مشمولاً للواجبات والمحرمات الإلزامية، وتكتب عليه مسؤولية العصيان والعقوبات. وتقام عليه الحدود والتعزيرات.
والمشهور من هذه العلامات ثلاثة: الإنزال والإنبات وبلوغ خمس عشر سنة.
ــــــــــــــــــــ[191]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الإنزال:
ويُعبّر عنه بالاحتلام، لأن الأعم الأغلب هو حصول الإنزال خلال المنام. والواقع ان المهم فقهياً هو حصول الإنزال يعني إنزال المني، في يقظة كان أو منام, في الحلال كان أو الحرام.
وعليه روايات عديدة مضافاً إلى الإجماع المحقق:
منها: رواية طلحة بن زيد(1) السابقة والتي يقول فيها: “فإذا بلغوا الحلم كتبت عليهم السيئات”.
ومنها: صحيحة عمار الساباطي(2) السابقة وفيها يقول: “فان احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم”.
ومنها: حسنة علي بن جعفر(3) عن أخيه موسى بن جعفر قال: سألته عن اليتيم متى ينقطع يتمه؟ قال: “إذا احتلم. وعرف الأخذ والعطاء” إلى غير ذلك.
وقوله: “وعرف الأخذ والعطاء” عبارة أخرى عن الرشد الذي تحدثنا عنه. وهو شرط في خروج الفرد من اليتم يعني دفع أمواله إليه، وليس شرطاً في التكليف، ولعلنا نعقد له جهة مستقلة من هذا الفصل.
الإنبات :
وفسره الفقهاء بإنبات الشعر الخشن على العانة. ويراد بالشعر الخشن ما ــــــــــــــــــــ[192]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) الوسائل: أبواب مقدمات العبادات: باب4, حديث1.
(2) نفس المصدر: حديث12.
(3) نفس المصدر: حديث6.
كان على غرار شعر الرجال، وليس من النوع الناعم الذي يسمى (زغباً) والذي ينبت لدى الصبي في عمر متقدم.
وعلى أي حال، فمن حصل له الإنبات ولم يحصل له الإنزال دخل في التكليف أيضاً… على المشهور بل الإجماع. ويدل عليه عدد من الروايات أيضاً:
منها: ما عن أبي البختري(1) عن جعفر بن محمد عن أبيه انه قال: “عرضهم رسول الله يومئذ -يعني بني قريضة- على العانات فمن وجده انبت قتله، ومن لم يجده انبت ألحقه بالذراري”.
ومنها: صحيحة بريد الكناسي(2) قال: قلت لأبي جعفر: متى يجوز للأب ان يزوج ابنته ولا يستأمرها؟ وفيها يقول: “إذا أدرك وبلغ خمس عشرة سنة أو يشعر في وجهه أو ينبت في عانته قبل ذلك”.
وهذه الصحيحة قد ذكرت إنبات اللحية أيضاً. وسيأتي الكلام فيه. وسنعرف كونه ليس علامة بمجرده. فلو بقينا وهذه الرواية لكان سياقها دالاً على الاستحباب والرواية السابقة غير تامة سنداً. الأمر الذي يجعل دليل الإنبات في الروايات ضعيفاً، إلا ان في الإجماع الكفاية.
بلوغ خمس عشرة سنة:
ويدل عليه مضافاً إلى الإجماع. صحيحة حمران(3) قال سألت أبا جعفر قلت له: متى يجب على الغلام ان يؤخذ بالحدود التامة وتقام عليه
ــــــــــــــــــــ[193]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث8.
(2) نفس المصدر: أبواب أولياء العقد: باب16, حديث9.
(3) نفس المصدر: أبواب مقدمة العبادات. باب4, حديث2.
ويؤخذ بها؟ قال: “إذا خرج عنه اليتم وأدرك”.
قلت: فلذلك حد يعرف به؟ قال: “إذا احتلم أو بلغ خمس عشرة سنة. أو اشعر أو انبت قبل ذلك، أقيمت عليه الحدود التامة واخذ بها وأخذت له”، الحديث.
والبلوغ لهذا العمر يعتبر حدّاً أعلى. فإذا تأخرت عن الفرد العلامات السابقة للبلوغ، لم يكن عندئذ من بلوغه بد، إذا بلغ خمسة عشر سنة. ولا ننظر بعد ذلك إلى علامات أخرى.
ومعنى بلوغ السنة هو انتهاؤه منها وليس شروعه بها. إذ يومئذ يصدق انه مضى عليه خمس عشرة سنة كاملة مولوداً على وجه الأرض أو في دار الدنيا.
كما ان المهم في العمر هو التوقيت الهجري القمري لأنه الذي كان متعارفاً عليه ذلك الحين. والمهم هو الأشهر أو السنين القمرية، والتي لا تنطبق عرفاً إلا مع التاريخ الهجري.
فهذه ثلاث علامات مؤكدة وواضحة فقهياً في بلوغ الصبي. بقيت هناك علامات أخرى محتملة، لا بد من ذكرها ومناقشتها.
إنبات اللحية:
والرواية الوحيدة، حسب علمي، الدالة عليه صحيحة بريد الكناسي، قال: قلت لأبي جعفر -وفيها يقول-: “أو يشعر في وجهه” وقد سبقت.
ويمكن المناقشة لعدة جهات:
أولاً: إعراض المشهور عنها الذي قد يكون مسقطاً لسندها عن الحجية.
ــــــــــــــــــــ[194]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
ثانياً: ان الغالب جداً تأخر إنبات اللحية عن تلك العلامات. وخاصة إنبات العانة. فالتعويل عليه تعويل على علامة متأخرة.
وبتعبير آخر: أنها علامة غالبية، تدلنا على حصول علامة قبلها. وليست مذكورة بعنوان كونها علامة لذاتها ومن المعلوم ان علامة العلامة علامة في الجملة.
ثالثا: المناقشة في سند هذه الرواية. فإننا اعتبرناها صحيحة باعتبار ان راويها هو (بريد بن معاوية). ولكن هذا غير واضح فانها مروية عن (بريد الكناسي) وفي نسخة بدل: (يزيد الكناسي). و(بريد الكناسي) لم يوثق و(يزيد الكناسي) مجهول الحال. ولم يثبت ان من صفات (بريد بن معاوية) انه كناسي، فلعل هذا غير ذاك. فتسقط الرواية عن الحجية بهذا الاعتبار.
بقي انه ينبغي ان نشير إلى أمرين:
الأمر الأول: ان المراد بإنبات اللحية: إنبات الشعر الخشن في الوجه دون الزغب الناعم الذي يوجد في الطفل زمناً طويلاً. ولا فرق في ذلك بين الشارب والعارضين والذقن، لأنه جميعاً من شعر الوجه على أي حال.
الأمر الثاني: ان إنبات اللحية مذكور في هذه الرواية، ضمن العلامات المؤكدة الصحيحة وهي إنبات العانة وبلوغ خمسة عشر سنة. فسياقها دال على هذه العلامة أيضاً.
وهذا صحيح، بغض النظر عن المناقشات السابقة، إلا ان المناقشات السابقة صحيحة على أي حال.
ــــــــــــــــــــ[195]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
بلوغ ثلاث عشرة سنة:
وقد دلت على ذلك رواية:
وهي: صحيحة عمار الساباطي التي سمعناها وفيها يقول: “إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فأن احتلم قبل ذلك، فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم”.
وبالرغم من صحة سندها فان هذا المضمون غير محتمل فقهياً، وقد أعرض عنها المشهور بل الإجماع من العلماء إلا الشاذ. ومن هنا لا يمكن العمل عليها.
وقال صاحب الوسائل(1) عنها: «هذا محمول على حصول الاحتلام أو الإنبات للغلام في الثلاث عشرة سنة». أقول: وهذا وان كان تقييداً لا قرينة عليه، إلا انه على أي حال خير من الفتوى على طبقها في حكم شاذ فقهياً.
القسم الثالث:
فيما تخرج به الصبية الأنثى عن الصبا.
والعلامة الوحيدة على ذلك هو بلوغ تسع سنين على المشهور. وقد وردت في ذلك عدة روايات:
منها: رواية يزيد الكناسي(2) عن أبي جعفر قال: “الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليتم وزوجت وأقيمت عليها الحدود التامة لها وعليها”. الحديث.
ــــــــــــــــــــ[196]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) ج1, ص32.
(2) نفس المصدر: أبواب مقدمة العبادات: باب4, حديث3.
ومنها: صحيحة حمران(1) قال: سألت أبا جعفر: قلت له: متى يجب على الغلام ان يؤخذ بالحدود التامة؟ وفيها يقول: “ان الجارية إذا تزوجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم ودفع إليها مالها وجاز أمرها في الشراء والبيع وأقيمت عليها الحدود التامة واخذ لها وبها”.
إلا ان الصحيح خلاف ذلك. لأن الدليل على حصول بلوغها في التاسعة عدة أمور كلها محل المناقشة:
الدليل الأول: الشهرة: وهي في المورد ليست بحجة وان قلنا بحجيتها تعبداً، لأن المشهور معتمد هنا على هذه الروايات.
الدليل الثاني: الإجماع المنقول. وهو ليس بحجة أساساً، بل لو كان إجماعاً محرزاً، لما كان بحجة لأنه مدركي معتمد على الروايات.
الدليل الثالث: رواية (يزيد الكناسي) السابقة ، وهي:
أولاً: غير تامة سنداً بـ(يزيد الكناسي) نفسه، الذي قلنا عنه فيما سبق انه مجهول الحال.
ثانياً: مقيدة بصحيحة (حمران) التي تقيد التسع بالزواج والدخول كما سنشير.
الدليل الرابع: صحيحة حمران التي يقول فيها: “ولها تسع سنين”. وهي صحيحة سنداً، فيجب الأخذ بها.
إلا ان الصحيح عدم دلالتها على ذلك. لأن الإمام يقول: “ان الجارية إذا تزوجت ودخل بها ولها تسع سنين”. فقد أخذ في ظاهرها في جانب (فعل
ــــــــــــــــــــ[197]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث2.
الشرط) ثلاثة أمور: الزواج والدخول وبلوغ التسع. فتكون هذه الأمور قيوداً للحكم بالبلوغ لا محالة.
ونحن نقول بالبلوغ فعلاً مع حصول هذه الأمور الثلاثة. ولكن الكلام إنما هو عند بلوغ التسع مع عدم حصول الزواج والدخول. وهذا مما لا يمكن استفادته من هذه الصحيحة.
وقد يقال: ان سياق التسع سنين مختلف عما قبله. فلا يدخل في فعل الشرط فيكون شرطاً مستقلاً للبلوغ.
فان فعل الشرط لو كان هو الثلاثة جميعاً لكان الأنسب ان يقول: إذا تزوجت ودخل بها وبلغت تسع سنين, أو: وكان لها تسع سنين، في حين هو يقول: “ولها تسع سنين”. فقد أخذ هذا العمر ظرفاً لسابقيه الأمر الذي يدل على استقلاله في الشرطية.
إلا ان هذا محل مناقشة لعدة وجوه, نذكر أهمها:
أولاً: ان ذكر العمر، مندرج عرفاً وظاهراً في فعل الشرط.
ولذا يقول بعده مباشرة : “ذهب عنها اليتم” الخ. وهو شروع في جواب الشرط، الأمر الذي يدلنا ان الذي قبله كله من فعل الشرط.
ثانياً: انه لا أقل من إجمالها من هذه الناحية، أعني من حيث استقلال شرطية التسع. فيكون المرجع أصالة البراءة كما سيأتي.
وقد يقال: ان قوله: “ولها تسع سنين” قيد لما قبله، لا ان ما قبله قيد له فالمحصل منه يكون ان الزواج والدخول إذا حصل في هذا العمر ترتب عليه الحكم بخلاف ما إذا حصل قبله.
ــــــــــــــــــــ[198]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
إلا ان هذا غير مفيد للاستدلال على وجهة نظر القوم.
أولاً: لأن الرواية عندئذ تكون دليلاً على جواز الدخول في الجارية في سن التاسعة. وهذا أكيد فقهياً. فلا يكون لها تعرض للبلوغ.
كل ما في الأمر أنها قد تصبح دالة على انه إذا جاز الوطئ حصل البلوغ إلا ان الكلام في دلالتها على اختصاص الجواز بهذا القيد. وإنما ظاهرها الظرفية له لا أكثر.
ثانياً: انها تدل على عدم البلوغ قبله. وهذا لا إشكال فيه. واما دلالتها على استقلاله بالشرطية فممنوع.
فكل ما في الأمر انها تدل على ظرفية العمر، فكأنه قال: إذا تزوجت ودخل بها عندما يكون عمرها تسع سنين. وهو ان لم يكن قيداً ثالثاً لفعل الشرط كما هو الظاهر، فلا أقل من عدم استقلاليته في الشرطية، هذا مضافاً إلى رواية (يزيد الكناسي) نفسها. فانها دالة بقرينة متصلة على تقييد التسع بالدخول. حيث يقول: قال: “نعم إذا دخلت على زوجها ولها تسع سنين، ذهب عنها اليتم ودفع إليها مالها وأقيمت عليها الحدود التامة عليها ولها”.
إذن، فلا يبقى عندنا دليل على بلوغ الفتاة عند التاسعة أو بانتهاء التاسعة. ومعه لا بد من التعرض لأمور:
الأول: ان هذه الصحيحة تكون أخص من أية رواية أخرى قد توجد لتحديد سن التاسعة فتُقيّد بها. ويكون الحكم على طِبق المقيد لا المطلق.
الثاني: ان المرجع في صورة استقلال التسع، يعني مع عدم الزواج والدخول، يكون هو اما استصحاب عدم التكليف أو أصالة البراءة عن الشرطية. وهو معذر في الفتوى بأن الفتاة لا تتكلف عند التاسعة.
ــــــــــــــــــــ[199]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الثالث: إذا لم تتكلف الفتاة عند التاسعة، فمتى تتكلف؟ فهذا مما لم ينص عليه(1) والقدر المتيقن هو بلوغها عشراً, أو قل: في أول عقدها الثاني الذي يبدأ في أول الحادية عشر. فانه لا يحتمل بقاؤها على الطفولة بعدئذ.
فالذي يجب عمله هو الفتوى بالبلوغ عندئذ وأما ما قبله -أعني بانتهاء التاسعة أو خلال السنة العاشرة- فهو مجرى الأصل الذي سمعناه.
إذن، فالذي صنعناه هو إضافة سنة على العمر الذي أفتى به المشهور.
الرابع: لا بد من القول ان مقتضى الاحتياط الاستحبابي المؤكد هو بلوغها في التاسعة، ولا أقل من ان تتعبد: تصلي وتصوم رجاء المطلوبية الوجوبية. وذلك خروجاً عن فتوى المشهور من ناحية. واحتمال كون القيد في الصحيحة استقلالياً، وان كان خلاف الظاهر.
الخامس: تحصّل من مجموع ما قلناه: ان الفتاة تبلغ سن التكليف الإلزامي عند الانتهاء من السنة العاشرة، نعم إذا تزوجت ودخل بها زوجها عند التاسعة أو قل: بانتهائها فانها أيضاً تدخل في سن التكليف. إلا ان الاحتياط الاستحبابي، على دخولها في سن التكليف عند التاسعة مطلقاً.
السادس: ينبغي ان نشير هنا إلى ان صحة عبادات الصبي المميز لا يختلف فيها الفتى من الفتاة. على التفاصيل التي قلناها فيما سبق.
السابع: نعرف من الشريعة المقدسة انها جعلت عمر بلوغ الفتاة سابقاً على عمر بلوغ الفتى، وهذا مطابق لما ثبت في العلم التجريبي الحديث، من نمو الفتاة قبل الفتى بكثير أول الأمر وحين يكونان في العشرين أو نحو ذلك يسبق الفتى الفتاة في القوة البدنية والنمو الجسدي.
ــــــــــــــــــــ[200]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نعم، في صحيحة عمار الساباطي انها تبلغ عند بلوغ الثالثة عشر وسيأتي الحديث عنه.
فهذه هي العلامة الوحيدة الأكيدة لبلوغ الفتاة. بقي علينا ان نتعرض للعلامات الأخرى المحتملة.
العادة الشهرية :
ففي صحيحة عمار الساباطي(1) عن أبي عبد الله يقول -فيما يقول-: “والجارية مثل ذلك، ان أتى لها ثلاث عشر سنة أو حاضت قبل ذلك، فقد وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم”.
وفي خبر آخر(2) غير معتبر: “على الصبي إذا احتلم الصيام وعلى المرأة إذا حاضت الصيام”.
وفي خبر آخر غير معتبر(3) عن أبي عبد الله يقول فيه: “وعلى الجارية إذا حاضت الصيام والخمار…” الحديث.
اما الخبر فهو مرسل لم يُسمَّ به أحد من الرواة ولا الإمام. وكذلك الذي بعده فانه غير معتبر بـ(علي بن أبي حمزة البطائني).
واما الصحيحة، فالعمدة في مناقشتها إعراض المشهور عنها، حتى كاد ان يكون إجماعاً. وقد احتوت على علامتين كلاهما حصل فيهما هذه الأعراض. وهما الثلاثة عشر والحيض وإذا كان بعض الشواذ من القدماء من يفتي بكون الحيض علامة لبلوغ الفتاة. فان العلامة الأخرى أشد شذوذاً، ومعه لا مجال للأخذ بكلا هاتين العلامتين.
ــــــــــــــــــــ[201]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) أبواب مقدمة العبادات: باب4، حديث12.
(2) نفس المصدر : حديث10.
(3) نفس المصدر: كتاب الصوم: أبواب من يصح منه الصوم: باب29, حديث7.
ولا بد من حمل الحيض على ما حمله الفقهاء من كونه مذكوراً بصفته علامة كاشفة عن تحقق البلوغ قبله. وهذا أمر صحيح غالباً لأن الغالب هو تأخر الحيض عن عمر التاسعة والعاشرة.
واما إذا جاءها مبكراً. فان كان قبل التاسعة، فلا يحتمل كونه علامة على البلوغ. وان كان مشمولاً للإطلاق في المقام إلا انه غير محتمل فقهياً، وان جاء عند سنة البلوغ كان العمدة هو البلوغ بعدد السنين.
وان جاءها مع الشك في عمرها، فمقتضى القاعدة هو جريان استصحاب عدم التكليف. كما تجري أصالة البراءة عن شرطية الحيض للبلوغ.
هذا مضافاً إلى معارضتها برواية بريد الكناسي عن أبي جعفر يقول فيها: “وإذا بلغت تسع سنين جاز لها القول في نفسها بالرضا والتأبي وجاز عليها بعد ذلك وان لم تكن أدركت مدرك النساء”. وهي واضحة في نفي كون الحيض علامة للبلوغ.
واما إذا تنزلنا وقبلنا السند، فيقع التعارض بينها وبين ما دل على التحديد بالعمر. بين مفهومها ومنطوق الأخرى. ويجتمعان في من بلغت عمر البلوغ ولم تحض، وبعد التعارض والتساقط يكون الأصل هو الرجوع إلى أبعدهما أمداً وهو الحيض.
بلوغ ثلاث عشر سنة :
وقد سمعناه قبل قليل من صحيحة (عمار الساباطي). والكلام فيه هو الكلام السابق. بما فيه جريان الأصل بعد التساقط. قد عرفنا ان هذه العلامة أكثر شذوذاً في فتوى الفقهاء من الحيض، فهو أولى منه بعدم الاعتبار.
ــــــــــــــــــــ[202]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
اليـتيم:
حيث تكرر في الأخبار التي سمعناها انه إذا بلغ الفتى أو بلغت الفتاة ذهب عنها اليتم. فينبغي ان نحمل فكرة مختصرة عن ذلك محيلين تفاصيل أحكامه إلى كتاب القضاء.
قال أهل اللغة(1): «اليُتْم الانفراد، واليتيم الفرد. واليُتْم واليَتَم فقدان الأب. وقال ابن السكيت: اليتم في الناس من الأب وفي البهائم من قِبَل الأم. ولا يقال لمن فقد أمه يتيم…
واللطيم الذي فقد أبواه، وهو يتيم حتى يبلغ الحلم فإذا بلغ زال عنه اسم اليتيم.
واصل اليتم بالضم والفتح الانفراد، وقيل الغفلة، لأن اليتيم يتغافل عن بره. والأنثى يتيمة. وإذا بلغنا زال عنهما اسم اليتم حقيقة. وقد يطلق عليهما مجازاً بعد البلوغ. كما كانوا يسمون النبي وهو كبير يتيم أبي طالب لأنه رباه بعد موت أبيه». وذكروا أمثلة أخرى لذلك.
والمهم فقهياً: ان ولاية الولي الذي كان يتولى أمر اليتيم في صغره، سوف ترتفع عند البلوغ. ويصبح الفرد مالكاً لأمر نفسه مضافاً إلى ما عرفناه من لزوم الواجبات والمحرمات والحدود وغيرها. ويجب على الولي ان يدفع لليتيم أمواله التي كانت لديه طبقاً لعدة نصوص منها أكثر من آية. حيث يقول تبارك وتعالى: فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ. وغيرها.
وإنما اُخِذ الرشد هنا كصفة متأخرة عن البلوغ غالباً. للوضوح التشريعي، بأن الرشد إن حصل قبل البلوغ استمرت الولاية ولم يجب، بل لم يجز
ــــــــــــــــــــ[203]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) انظر: لسان العرب.
دفع المال.
وبنحو الاختصار، فان ولي اليتيم بعد وفاة الأب هو الجد للأب إذا كان موجوداً. بل له الولاية حتى مع وجود الأب. فإذا فُقِد استمر الجد بالولاية واستقل بها.
فأن فقدا معاً. فللوصي، وهو الذي يوكل الأب أو الجد للأب أمر أيتامه إليه قبل وفاته. فيكون له التصرف في حدود المصلحة إلى حين بلوغ الفرد منهم والصحيح فقهياً إنَّ تصرّف الأب والجد نافذان في أموال الصغير ما لم تحصل مفسدة. واما الوصي فتصرفه خاص بصورة وجود المصلحة.
وليس للأم ولا للأخ الأكبر ولا للعم أو الخال أو أي إنسان آخر أية ولاية على الصغار لا وقت وجود أبيهم ولا بعد وفاته. إلا إذا جعله وصياً كأي إنسان آخر. وأوضح من ذلك عرفاً، وان كان في الفقه له نفس الوضوح، هو عدم ولاية هؤلاء المشار إليهم مع وجود الجد للأب. فان هذا الجد له الولاية بالأصل منذ ولادة الولد أو البنت، مع ان كل أولئك من الأم والأخ وغيرهم ليس لهم أية ولاية.
فان فُقِد الوصي، بمعنى اننا نتصور صغيراً ليس له أب ولا جد ولم يوصِ أحدهما إلى أحد. فهذا لا تعود ولايته إلى أمه ولا إلى أخيه ولا غيرهما. وإنما تعود ولايته إلى الحاكم الشرعي. لأنه ولي من لا ولي له.
إلا ان الحاكم الشرعي يجعل عليه قيماً بطبيعة الحال، يعمل بالوكالة عنه في التصرف بأموال الصبي، والإشراف عليه. وهذا القيّم حسب ما يختار الحاكم الشرعي، فقد يكون هو الأم أو الأخ أو أي إنسان آخر. وان كان اختيار الأم أولى من بعض الجهات مع صلاحيتها للقيمومة.
ــــــــــــــــــــ[204]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
نعم، للأم حق الأمومة في الطفل، يعني ان يبقى عندها ردحاً من السنين. وهي مدة مختلف فيها بين الفقهاء ومختلفة بين الذكور والإناث. فالولد إلى عامين أو إلى سبعة أعوام والأنثى إلى سبعة أو تسعة أو إلى ان تتزوج.
ومحل الشاهد ان هذا الحق هو غير الولاية. وإنما هو مجرد أن يكون الصبي قريباً منها وتحت إشرافها المباشر حياتياً. واما التصرف في أمواله، فلا يجوز للأم بأي حال إلا بالوكالة أو الوصاية عن أحد الأولياء، كالأب والجد للأب والحاكم الشرعي.
التمرين:
ورد في عدد مهم من الروايات رجحان ان يبدأ الصبي بالعبادة قبل بلوغه لكي لا تثقل عليه بعده.
ففي صحيحة الحلبي(1) عن أبي عبد الله -في حديث-: “إنا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين: بما أطاقوا من صيام اليوم. فان كان إلى نصف النهار أو أكثر من ذلك أو اقل، فإذا غلبهم العطش والغرث افطروا. حتى يتعودوا الصوم ويطيقوه. فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم ما أطاقوا من صيام فإذا غلبهم العطش افطروا”.
وفي حديث عامي عن الزهري(2) عن علي بن الحسين -في حديث- قال: “واما صوم التأديب فان يؤخذ الصبي إذا راهق بالصوم تأديباً وليس بفرض”.
ــــــــــــــــــــ[205]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) كتاب الصوم: أبواب من يصح الصوم: باب29, حديث1.
(2) نفس المصدر: حديث4.
وصحيحة محمد بن مسلم(1) عن أبي جعفر انه سئل عن الصبي متى يصوم. قال: “إذا أطاقه”.
وهذا واضح فقهياً لا يحتاج إلى استدلال، إلا انه ينبغي الإشارة إلى ان قوله: “مروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين”. واضح في الذكور. ولا حاجة إلى تجريده عن الخصوصية ليشمل الإناث. إلا إذا فهمنا من الأمر ما هو أعم من الوجوب والاستحباب.
وإذا اختص بالذكور، بقيت الإناث مشمولات للأدلة الأخرى بعد التجريد عن الخصوصية كصحيحة (محمد بن مسلم) التي تخص التمرين مع الطاقة.
والمهم الآن ذكر الدليل باختصار على شرعية عبادات الصبي المميز. ويبقى تفصيل الكلام موكولاً إلى الفقه.
ويمكن الاستدلال عليه بعدة أدلة:
الدليل الأول: ان الصبي المميز يصدق عليه انه من المسلمين وانه من المؤمنين وانه أخ في الإسلام، لوضوح هذه الأفكار في ذهنه بشكلٍ كافٍ. وليس اعتقاده تبعياً صرفاً بل عن قناعة واعتقاد، وهذا يكفي في صدق تلك العناوين، لأن كثيراً من الكبار بل أكثرهم ليس اعتقادهم أكثر من ذلك.
وإذا صدقت عليه هذه العناوين شملته اطلاقات الأدلة كلها. كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ وقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ. وغير ذلك كثير.
يبقى في المقام إشكالان:
الإشكال الأول: ان هذه الأوامر والنواهي واردة للإلزام:
ــــــــــــــــــــ[206]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر: حديث9.
الوجوب والتحريم ولا شك ان الإلزام ساقط عن الصبي. فإذا سقط الوجوب لا يبقى دليل على الاستحباب.
وقد يجاب: بأن الإلزام يحتوي على جنس وفصل، فجنسه جامع الطلب وفصله الإلزام. فإذا زال الفصل أمكن ان يبقى الجنس بفصل آخر وهو الاستحباب.
إلا ان هذا وحده غير تام إذ لا دليل على حصول الفصل الجديد.
إلا ان الصحيح ان جامع الطلب هو المستفاد من مطلق الأدلة. كل ما في الأمر ان الإلزام يستفاد من الخارج، لا بمعنى حاجة الأدلة إلى متمم، بل يحسب عمر البلوغ وعدمه. فالبالغ ثبت بالدليل وجود العقوبة عليه مع العصيان، فتكون الأوامر دالة على الوجوب بحسب مستواه في العمر، ما لم يدل دليل على الاستحباب.
فإذا ثبت عدم استحقاق الفرد للعقوبة، كالصبي المميز. بقي الطلب شاملاً له بدون استحقاق العقوبة. وهو معنى المشروعية أولاً والاستحباب ثانياً.
فما قاله السيد الأستاذ(1) من ان الوضع في الشريعة في نفسه غير شامل للصبيان. غير تام.
الإشكال الثاني: شمول حديث رفع القلم عن الصبي، الذي يقتضي رفع كل تكليف.
وجوابه: ما ذكره السيد الأستاذ(2) من ان الحديث في مقام الامتنان. وهو لا يرفع إلا الوجوب فيبقى الاستحباب على حاله. وقد ذكرنا ذلك بتفصيل أكثر
ــــــــــــــــــــ[207]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) المستند: ج1: ص471.
(2) نفس المصدر والصفحة.
عند الحديث عن رفع القلم.
الدليل الثاني: ما ذكره السيد الأستاذ(1): من ان الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء. وقد أمر الأولياء بأمر الصبيان بقوله: “مروا صبيانكم بالصلاة والصيام”. وفي صحيح الحلبي: “اننا نأمر صبياننا لخمس سنين وانتم مروهم لسبع سنين”. وهذا محمول على اختلاف الطاقة حسب اختلاف الصبيان.
وبعد التجاوز عما نقله عن الصحيحة، حيث سمعنا انها قالت: “فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم”، وليس لسبع كما قال سيدنا الأستاذ.
إلا ان المفهوم عرفاً هو التجريد عن الخصوصية، وان المهم هو حصول التمييز للطفل مهما كان عمره.
إلا إن بعض الإشكالات ترد كما وردت على الدليل الأول:
الأول: المناقشة في الكبرى التي قالها السيد الأستاذ. وهو ان الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء وهي أحد فصول علم الأصول ومحل بحثها هناك.
ومختصر القول فيها: ان الأمر بالأمر ان استفيد منه رغبة ذلك الآمر بالمأمور به، وان رغبته بالأمر إنما هي طريقه إلى وجود المأمور به. كان الأمر بالأمر بالشيء أمراً به كما ذكر السيد الأستاذ وان استفدنا منه الرغبة بمجرد الأمر، لم تصح النتيجة كما هو معلوم.
ولا يبعد ان يكون المستفاد عرفاً هو الأول، ما لم يضم دليل أو قرينة في بعض النصوص على الخلاف. ومعه يكون هذا الإشكال غير وارد.
الإشكال الثاني: قوله: “فإذا غلبهم العطش افطروا”. فهذا يدل على
ــــــــــــــــــــ[208]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
( ) نفس المصدر والصفحة.
مجرد التمرين إذ لو كان صوماً صحيحاً للزم بقاؤه إلى الغروب.
إلا ان هذا غير تام، لأن المهم هو ان نستفيد من الأدلة ان صوم الطفل المميز لو استمر إلى الغروب لكان صحيحاً. وهذا كافٍ وهو مستفاد أيضاً من صحيحة (محمد بن مسلم) وغيرها.
وأما الإفطار خلال النهار، فهو محتمل [على] بعض الوجوه:
الوجه الأول: ان الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها. والمفروض عدم العقوبة على ترك الصوم. فإذا صعب الاستمرار بالصوم على الصبي جاز الإفطار بلا إشكال بل لعله واجب على الولي لئلا يتضرر الصبي ضرراً بالغاً.
وهذا لا يعني انه إذا استمر الصوم إلى الغروب لم يكن صحيحاً.
الوجه الثاني: انه لو فرض استفادة معنى التمرين من الروايات, فالتمرين بنفسه مطلوب شرعاً ومستحب. وقد وقع من أهله في محله لقابلية الصبي المميز لذلك. ومعه لا ينافي المشروعية.
الوجه الثالث: نعرضه كاحتمال. وهو ان هذا الصوم الناقص مستحب ومطلوب من الصبي أيضاً. ورغبة الإمام به واضحة من الرواية. فإذا أفطر الصبي خلال النهار، لا يعني ذلك انه لم يصم أو لم يعمل مستحباً. فأن الصوم إنما هو: «ترك المفطرات مع النية» وهذا ما حصل.
اما قيد بقائه إلى الغروب فهو ساقط عن الصبي مع عدم الطاقة، فما حصل منه مصداق للمستحب في نفسه وليس لمجرد التمرين الذي يعني عدم المشروعية.
بقي علينا الالماع إلى إن الروايات، في حدود هذا الدليل الثاني خاصة بالصوم، ولكن من الواضح إمكان التعميم إلى سائر العبادات بعد التجريد عن الخصوصية.
ــــــــــــــــــــ[209]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه ، الجزء الثاني القسم الأول
الفهرس
كتاب الزكاة
فصل: في شكل استحقاق الزكاة … 9
الوجوه المحتملة 9
أدلة الوجه الأول: وهو التعلق بالذمة 11
أدلة الوجه الثاني: وهو الكلي في المعين 14
أدلة الوجه الثالث: وهو الشركة في العين 18
أدلة الوجه الرابع: وهو الشركة في المالية 22
أدلة القول الخامس :وهو حق الرهانة 29
أدلة الوجه السادس: وهو حق الجناية 30
الوجه المختار 34
فصل: في النصاب الخامس للغنم 38
في الاستدلال إجمالا على أحد الوجهين … 38
في الفرق بين النصابين الأخيرين 44
فصل: نصاب الزكاة الغلات 51
تطبيق 59
تطبيق آخر 62
فصل: أنصبة الذهب والفضة 67
حساب النصاب الأول للذهب … 69
حساب النصاب الثاني للذهب … 76
النصاب الأول للفضة … 79
النصاب الثاني للفضة … 86
فصل: زكاة الفطر 87
التطبيق الأول: التطبيق على المثاقيل 87
التطبيق الثاني: التطبيق على حقة النجف 88
التطبيق الثالث: التطبيق على وزن الاسلامبول 89
كتاب الخمس
فصل: ملكية الإمام للأنفال وغيرها 93
الجهة الأولى: في سرد الروايات 94
الجهة الثانية: في فهم الروايات 97
الجهة الثالثة: في ملكية الإمام فقهياً 103
الجهة الرابعة: فيمن يكون مع فقدان الإمام 109
الجهة الخامسة: في أدلة التحليل … 115
كتاب الصوم
فصل: الهلال … 123
الجهة الأولى: في الوجه المظلم للقمر 123
الجهة الثانية: في ميلاد الهلال 124
الجهة الثالثة: في الاستفادة من المراصد الحديثة 127
الجهة الرابعة: في معنى التطويق وحكمه … 129
في سبب تطويق الهلال … 133
الجهة الخامسة: في التساؤل عن بعض أحوال القمر 137
لماذا يبدو ما يشبه الوجه البشري في القمر؟ 139
القمر في القطبين 145
الجهة السادسة: في إمكان ان يكون الشهر القمري 28 يوما 149
الجهة السابعة: في اتحاد الآفاق واختلافها … 153
النظرية كما نتبناها 158
ملحوظة مهمة 161
مداليل الروايات 162
الجهة الثامنة: في صفات متعلقة برؤية الهلال 170
علامات للهلال غير معتبرة 175
فصل: سن التكليف 179
القسم الأول: في رفع القلم عن الصبي 179
دليل الفريق الثاني 185
في الطفل المميز وغير المميز 184
في شمول الحكم الوضعي للطفل 188
في الفرق بين التمييز والرشد 190
القسم الثاني: في علامات بلوغ الصبي 191
الإنزال 192
الإنبات 192
بلوغ خمس عشرة سنة … 193
إنبات اللحية … 194
بلوغ ثلاث عشرة سنة … 196
القسم الثالث: علامات بلوغ الصبية 196
العادة الشهرية 201
بلوغ ثلاث عشرة سنة … 202
اليتيم 203
التمرين 205
الفهرس 211