ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ما وراء الفقه
يحتوي على مفاهيم واستدلالات
وحسابات تدور حول مسائل فقهية كثيرة.
يصلح للثقافة الفقهية العامة المعمقة.
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الثالث
القسم الثاني
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
النجف الأشرف
ــــــــــــــــــــ[3]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لِما تضم من علم وافر وفكر عالٍ ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة… فإن فكر السيد الوالد يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمعٍ إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً أن كل كتاب له لا يضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنّا على أن يكون المخوّل من قِبلنا لطباعة هذه الكتب هم (هيئة تراث السيد الشهيد) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا.
مقتدى الصدر
10جمادي الثانية 1429
ــــــــــــــــــــ[5]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
كتاب البيع
فصل
في الحق والحكم
يعتبر الفرق بين الحق والحكم فقهياً من المشكلات التي يندر وجود حل متكامل لها، وقد وقع الاختلاف فيها بين الفقهاء اختلافاً كبيراً. حتى أنهم لم يتفقوا على ما ذكروه من الفرق الرئيسي وهو قابلية الحق للإسقاط دون الحكم. حيث قال بعضهم بعدم قابلية بعض الحقوق للإسقاط.
ولعل من الفقهاء من يشرع بالكتابة عن مثل هذا الموضوع، ولا زالت الفكرة في ذهنه مجملة، وإنما تظهر الفكرة من تطور مطاوي الكلام تدريجياً. مع العلم انه ليس من حق المؤلف ان يكتب شيئاً قبل إيضاح الفكرة في ذهنه قبل ان يحاول ان ينقلها إلى القارئ بأي حرف أو كلمة.
ولعل الحق مع أمثال هؤلاء تقريباً، إذ ان هذا البحث من جملة مباحث عديدة في الفقه، يبدأ فيها الإنسان فحصه فيها وهو واضح الفكرة مستريح النفس، وحين يراجع كلمات الفقهاء والمصادر المتوفرة ويجد الاختلافات العظيمة في ذلك تتحول الفكرة الواضحة إلى مجملة والراحة النفسية إلى تعب، وينعكس -لا محالة- ذلك على كتاباته حول الموضوع بطبيعة الحال.
وإنما تتذلل هذه الصعوبة، بحسب فهمي، في إيجاد تكوين ذهني متكامل عن الموضوع سابق رتبة على كل الاختلافات. فإذا صادف ان وقعنا في بحر الاختلافات بعد ذلك، أخرجناها جهد الإمكان على ضوء هذا التكوين الفكري المتكامل. وهذا ما سنطبقه الآن كما طبقناه في بعض الفصول السابقة، بعونه
ــــــــــــــــــــ[9]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وحسن توفيقه تعالى.
الخلاصة المختارة:
من هنا ينبغي لنا ان نبدأ بتحديد ما نختاره من معنى الحق والحكم والفرق بينهما، ثم إذا وجدنا حاجة للتعرض إلى بعض التفاصيل والاختلافات أشرنا إليها بعد ذلك.
وبالطبع فان هذين اللفظين، إنما هما بالأصل لفظان لغويان أولاً، واصطلاحان فقهيان وقانونيان من ناحية أخرى. وإذا كان الاختلاف واقعاً في تحديد مفهومهما وتفاصيلهما. إذن، فاللفظان بالأساس مجملان، لا يدلاننا على شيء محدد. وإنما اللازم الفحص في الأسس التي ينشأ منها هذان الاصطلاحان.
وأول خطوة يمكن ان نسيرها في هذا الصدد، هو أننا نلاحظ ان الحق والحكم يمكن ان ينطبقا بالحمل الشايع على بعضهما البعض انطباقاً تاماً. يعني انه من الناحية العملية فان كل حق هو حكم وكل حكم هو حق. ولعل هذا من أهم الأسباب التي أصبحت منشأ لإجمال الفكرة في أذهان الباحثين.
فهنا عندنا قضيتان:
أولاً: كل حق هو حكم.
ثانياً: كل حكم هو حق.
ونحن بعد ان نلتفت إلى ان الشيء الأساسي الذي يجعل الحكم حكماً، هو كونه تشريعاً مجعولاً من قِبَل الشارع أو المقنن. وان الشيء الأساسي الذي يجعل الحق حقاً، هو كونه مجعولاً في مصلحة المكلف وإرفاقاً به. إذن, تصح منا كلتا القضيتين:
ــــــــــــــــــــ[10]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
أما: «ان كل حق هو حكم»، فهذا صحيح تماماً، لأن الحقوق كالأحكام مجعولة من المشرّع أو المقنن. ولا يمكن ان نتصور حقاً ليس له مشرّع على الإطلاق. إذن، لا يمكن للإنسان المطالبة به. كل ما في الأمر ان المشرع يختلف, فقد يكون هو العقل وقد يكون هو الدين وقد يكون هو التقليد الاجتماعي وقد يكون هو القانون أو غير ذلك.
ومن الواضح ان الحق الذي ليس له جاعل ومشرّع ليس بحق أساساً، ولا معنى لتطبيقه.
إذن، فالحق هو حكم. وبعبارة مختصرة: انه لا بد ان يحكم المشرّع: ان الحق ثابت وان من حق فلان كذا وكذا. وإلا لم يكن الحق متحققاً.
إذن، فالحق والحكم كلاهما تشريعان مجعولان، وهذا معناه أنها كلها أحكام تشريعية بمعنى عام.
وأما القضية الثانية: «ان كل حكم هو حق». فينبغي ان نلتفت إلى ما قلناه من ان الحق أنما كان حقاً لكونه في مصلحة المكلف وإرفاقاً به. وهذا بنفسه ثابت ووارد في الحكم أيضاً، فانه أيضاً موجود ومشرّع في مصلحة المكلف وإرفاقاً به.
فإذا أضفنا إلى ذلك انه ليست كل الحقوق قابلة للإسقاط، لم يكن هناك فرق عملي بين الحق والحكم.
فهذا هو معنى ما قلناه من انطباق الحكم والحق على بعضهما أو بالحمل الشايع الصناعي باصطلاح المنطق. وأما بحسب المفهوم أو الحمل الأولي فهما مختلفان بطبيعة الحال.
والأساس الأهم لفهم الاختلاف بينهما هو الالتفات إلى هذين المفهومين: «له ان يفعل» و«عليه ان يفعل».
ــــــــــــــــــــ[11]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فبينما يفيد المفهوم الثاني جهة القيد والتحميل والاضطرار التشريعي أو الإلزام بالعمل… يفيد المفهوم الأول التوسعة والإرفاق وإطلاق السراح. والأول هو الحكم والثاني هو الحق.
ومفهوم «له ان يفعل» وان كان مطاطاً نسبياً، لأنه شامل للمباحات وبعض الأحكام الوضعية، لأنه يحتوي جواز الفعل مع جواز الترك لا محالة. وهذه صفة لكل ما أشرنا إليه.
ولكن هناك فرق بين ان يكون مفهوم (له) متعلقاً بالجعل أو يكون متعلقاً بالمجعول.
ومعنى كونه متعلقاً بالجعل ان المصلحة التي لاحظها المشرع تقتضي ان يكون المكلف مطلق السراح من جهة كذا كالسير في الشارع مثلاً. وان لا يكون الجعل مقيداً له -بالكسر- وملزماً له في شيء. وهذا معنى الإباحة، والمباحات.
ومعنى كونه متعلقاً بالمجعول: ان الحكم المجعول نفسه ذو مصلحة متعلقة بالمكلف، من ناحية إنقاذه من بعض الورطات التي قد تعرض له في المجتمع. وهذا معنى الإرفاق لان فيه جهة رحمة ولطف ورفق. وهذا هو معنى الحق.
وليس الجعل هنا (له) أي اختيارياً وإرفاقياً. لان الحق مجعول للمكلف رغماً عليه، ولا يمكن من هذه الناحية رفعه وإسقاطه. وإنما الحكم المجعول هو الذي يتصف بهذه الصفات.
وأما ما أشرنا إليه من اندراج الأحكام الوضعية. فهذا ليس مهماً، لما سوف نعرف من ان أغلب الأحكام الوضعية، إنما هي من سنخ الحقوق.
خذ إليك مثلاً مما في محل الكلام حق الشفعة، ففي مرتبة جعله، هو
ــــــــــــــــــــ[12]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
حكم اعتباري وضعي، ومن الناحية التكليفية هو إباحة لا رجحان فيها تشريعاً، إذ يجوز له ان يأخذ بالشفعة وان لا يأخذ بها. وفي مرتبة المجعول، هو حق الشفعة نفسه، لأنه هو الحق المجعول، وهو مجعول إرفاقي في مصلحة المكلف والى جانبه. (له) ان يأخذ به متى ما أراد مصلحة نفسه.
فتحصل ان الفرق المفهومي بين الحكم والحق، هو ان الحكم يتضمن التحميل والضيق -حتى لو كان غير إلزامي-. وان الحق يتضمن كون المجعول إرفاقياً بالمكلف. في حين ان الحكم بالإباحة هو كون الجعل كذلك سواء كانت اقتضائياً أو لا اقتضائياً، ما دام هناك جعل.
وقد يقال: ان هذا الفرق ليس فارقاً بين الحكم والحق. لما قالوه في محله من علم الأصول بناءً على ما هو الصحيح عند العدلية من وجود المصالح والمفاسد في الأحكام. فان المجعول عندئذ هو الذي يكون مركزاً للمصلحة ومتعلقاً لها، وليس الجعل. فأصبح المجعول في الحكم والحق معاً مركزاً للمصلحة.
إلا ان في هذا جهلاً بما هو متعلق المصلحة في الحكم فان متعلقها -كما قالوا- هو المتعلق. ويراد به ما يكون تحت الطلب من الأمور, يعني المأمور به والمنهي عنه. مضافاً إلى ان بعض الأمور قد تكون المصلحة متعلقة بنفس الجعل. كما هو الصحيح من اختلاف الأحكام في ذلك.
والمهم ان متعلق المصلحة هو المتعلق وليس المجعول، ليكون الفرق بين الحكم والحق منعدماً.
فان قيل: أننا لو لاحظنا الأحكام التكليفية، لكان ما قيل صحيحاً، ولكن لو لاحظنا الأحكام الوضعية، كالملكية والزوجية، كان متعلق المصلحة هو المجعول، وهو الملكية نفسها، فلا يبقى فرق بينها وبين الحق.
ــــــــــــــــــــ[13]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وهذا أيضاً ناشئ من الجهل في الأحكام الوضعية، وعدم التفريق بين المجعول والمتعلق، فان المجعول هو ذلك كما قيل. وبهذا أصبحت هذه الأحكام حقوقاً كما أشرنا فيما سبق. وأما متعلقها فهو انتقال المال أو تبادل الملكية. أو قل -كما هو الصحيح-: هو حكم تكليفي بإيصال كل عوض إلى صاحبه الجديد. وهو فرع ذلك المجعول ومترتب عليه لا محالة.
بقي ان نشير إلى عدة أمور:
الأمر الأول: ان مصلحة المجعول في الحق مصلحة اقتضائية غالبية، كما هو الأمر في المصالح عموماً، وليست علّية. وهذا معنى ما قلناه من ان الحق مجعول في مصلحة المكلف وإرفاقاً به، بأن يكون إلى جانبه غالباً واقتضاءً. وهذا يعني انه مع عدم وجود المانع يرتفع المقتضى إلى درجة العلية, أو قل: الفعلية. فيكون في مصلحته فعلاً، وأما مع وجود المانع، فقد لا يكون العمل بالحق من مصلحة المكلف فعلاً. ومن هنا كان له ان يُعرِض عنه ولا يأخذ به. وهذا هو الجانب الآخر للإرفاق والرحمة في جعل الحق وتشريعه، بخلاف الحكم فان الإعراض عنه غير جائز.
الأمر الثاني: ان من جملة الفروق التي تنشأ مما قلناه بين الحكم والحق هو ان تشخيص المصلحة في الحكم بيد الشارع، بينما يكون تشخيصها في الحق بيد المكلف.
أما ان تشخيص المصلحة في الحكم بيد الشارع، فهذا واضح ومن هنا لا يكون للفرد ان يناقش، بل عليه الطاعة التعبدية، لكل حكم بحسبه إلزامياً كان أو غير إلزامي.
وأما ان تشخيص المصلحة في الحق بيد المكلف ذي الحق. فان جعل الحق وتشريعه مصلحته بيد الشارع، بصفته حكماً من أحكام الشريعة، فان الحق يحتاج في ثبوته إلى جعل وتشريع كما قلنا. ولكن في مرتبة المجعول،
ــــــــــــــــــــ[14]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
أوكل أمر تشخيص المصلحة إلى المكلف. فان كان الآخذ بالحق إلى جنبه وفي مصلحته اخذ به، وان منعت دون ذلك الموانع اعرض عنه.
الأمر الثالث: قالوا: «ان الحكم الوضعي هو الحكم الشرعي الذي لا محركية فيه، في حين ان الحكم التكليفي هو الحكم الذي يحتوي على المحركية وهو الدفع والباعثية على العمل».
والحق من الأحكام التي لا محركية لها بالنسبة إلى ذي الحق بالذات أو بالدلالة المطابقية، وان استلزم في نتائجه بعض المحركيات، التي إنما تنشأ من الأحكام التكليفية الملازمة له كما سنذكر. فالحق من هذه الناحية شبيه بالحكم الوضعي، ومخالف للحكم التكليفي.
فان كان الحق قابلاً للإسقاط -كما هو الصحيح- أمكن تعريفه: انه الحكم الوضعي القابل للإسقاط. وان كان بعض الحقوق غير قابلة لذلك، كان الفرق بينها وبين الحكم الوضعي غير واضح، لاستلزام أكثر الأحكام الوضعية بل كلها لحقوق مقترنة معها. فلا يبقى فرق إلا بحسب مؤدياتها العرفية التفصيلية ليس غير، وهذا ما سنشير إليه في الأمر الآتي.
الأمر الرابع: لا شك ان الصفة الغالبة للحقوق هي القابلية للإسقاط. بمعنى إمكان التغاضي عنها وعدم تطبيقها من قِبَل ذي الحق أو أكثر من ذلك بمعنى التصريح لفظياً أو عملياً بالإسقاط. وإذا سقط لم يكن قابلاً للرجوع في مورده.
على حين لا تكون الأحكام التكليفية قابلة للإسقاط، كما هو واضح. وأما الأحكام الوضعية، فالأمر فيها يتوقف على ان المجعول فيها بالمطابقة هل هو مصداق من الحق أو لا. فان كان مصداقاً من الحق أمكن إسقاطه أيضاً وان كان من سنخ آخر. وان استلزم الحق بدلالته الالتزامية، لم يكن قابلاً للإسقاط.
ــــــــــــــــــــ[15]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
أما قابلية الحق للإسقاط فهو واضح على القاعدة، لان الحق مجعول إرفاقي في مصلحة المكلف، وقد أوكلت تشخيص المصلحة والالتزام بها إلى ذي الحق. ومن هنا كان له التنازل عنه، وغض النظر عنه. لإمكان ان يتنازل أي فرد عن مصلحته أحياناً ولو عبثاً.
أما غض النظر عنه فلا إشكال فيه. وأما الإسقاط، فلا إشكال في ثبوته إجمالاً في أكثر الحقوق، ويتميز بأمرين:
الأمر الأول: إيجابه من قِبَل ذي الحق.
الأمر الثاني: عدم قابليته للرجوع بعد ذلك في مورده.
وكِلا الأمرين لا شك بثبوتهما عرفاً وقانوناً وشرعاً بنحو القضية الجزئية، وعليه السيرة، بل وبعض الأخبار كما سنسمع بعونه تعالى. وإنما الكلام بثبوت ذلك بنحو القضية الكلية.
ونحن إذا لاحظنا أمرين أمكننا ان نجزم ان كل الحقوق قابلة للإسقاط:
الأمر الأول: ان عدم إمكان الرجوع بعد ذلك، أمر يختلف باختلاف كل مورد. فان كان الحق واحداً بسيطاً كان كذلك. ان كان الحق انحلالياً على الأفراد أو الزمان أو نحو ذلك، كان إسقاط كل فرد انحلالي لا يعني إسقاط الآخر. ومن هنا قد يبدو للناظر العرفي إمكان الرجوع أحياناً إلى الحق من قِبَل ذي الحق.
الأمر الثاني: ان إسقاط الحق، قد يقتضي إسقاط ما في ذمة الطرف الأخر من مؤونة أو تكليف وقد لا يقتضي ذلك. فلو أسقط حقه في الغيبة فستبقى الغيبة حراماً على الغير. إلا ان هذا لا يعني عدم تحقق الإسقاط عرفاً. كل ما في الأمر ان الشارع حال دون النتيجة المتوقعة، وهي حلّية الغيبة.
وبتعبير آخر: ان الغيبة بصفتها ممنوعة من قِبَل ذي الحق تكون حلالاً، إلا
ــــــــــــــــــــ[16]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
أنها بصفتها ممنوعة من قِبَل الشارع تبقى حراماً.
والمهم, أننا لا ينبغي ان نتوقع من الإسقاط وجود أثره في الشخص الأخر. إذ قد يوجد وقد لا يوجد عملياً.
وهنا ينبغي ان نستعرض ما ذكروه من الحقوق غير القابلة للإسقاط ونتكلم عنها, قال بعضهم(1): «كحق الأبوة وولاية الحاكم وحق الاستمتاع بالزوجة للزوج وحق الجار على جاره والمؤمن على أخيه».
والواقع ان هذه حقوق منع المانع عن إسقاطها، وبتعبير آخر: ان هذه الموارد وأمثالها ليست حقوقاً بالدلالة المطابقية بل هي أحكام تكليفية متعلقة بالآخرين، فمثلاً يجب إطاعة الأب والحاكم والتمكين للزوجة ونحو ذلك. نعم، هي تستلزم حقوقاً بالالتزام لموضوعاتها كأشخاص. وحيث ان الحكم التكليفي غير قابل للإسقاط، يبقى انتزاع مفهوم الحق دائماً ما دام الحكم الشرعي.
وإسقاط الحق هنا، لا يقتضي الحكم الشرعي، بطبيعة الحال. ولا يمكن لذي الحق ذلك. بل يحرم عليه بسبب أكثر من جهة أحياناً. إلا انه لا يبعد ان يكون قصد الإسقاط للحق وحده، في مورد جزئي ونحوه ممكناً في كل هذه الموارد. وإنما لا يمكن إسقاطه بنحو كلي لاقترانه بالحكم التكليفي كما قلنا.
إذن، فجميع الحقوق تكون قابلة للإسقاط.
الأمر الخامس: تحصل مما ذكرناه:
ان الحق هو المجعول الوضعي الارفاقي القابل للإسقاط وله طرف آخر.
في حين يكون الحكم التكليفي هو المجعول الذي فيه تحميل وليس إرفاقياً
ــــــــــــــــــــ[17]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) بلغة الفقيه: ص17: ج1.
ولا قابلاً للإسقاط وقد لا يكون له طرف آخر.
ومن زاوية انه ليس إرفاقياً، فقد أوكلت مصلحته إلى الشارع لا إلى المكلف، بخلاف الحق فان مصلحته أوكلت إلى المكلف.
والحكم الوضعي، هو المجعول الخالي من المحركية وغير إرفاقي، يعني أوكلت تشخيص مصلحته إلى الشارع. ولا يكون قابلاً للإسقاط وله طرف آخر. وان كان كل الأحكام الوضعية تستلزم حقوقاً لأصحابها بالالتزام إلى حد قد تسمى بأنفسها حقوقاً. وقد يؤثر هذا الفرق في بعض الموارد على أي حال.
فالملكية -مثلاً- حكم وضعي، وإذا لاحظنا انتسابه إلى الشارع فهو تحميلي وقد أوكلت مصلحته إلى الشارع، وليس للمكلف ان يتنصل عنه بعد حصول سببه كالإرث.
إلا أننا إذا لاحظنا جانب المكلف. وجدناه إرفاقياً. فان التحميل ليس إلا بجعل القضية الكلية. وأما الأفراد ففي إمكانهم التنازل عن الملكية، لا بنفي حدوثها, فان في هذا رفضاً للحكم الشرعي الوضعي، وإنما بالإعراض ونحوه من أسباب الخروج عن الملكية بالمجان.
ومن هنا قد نقول: بأن الملكية حق مؤكد جعله الله سبحانه بين الفرد وماله. وقد أوكلت مصلحته في المرتبة المتأخرة إلى المكلف ذي الحق أو المالك نفسه، ومن هنا كان له الخروج عنه.
في حين ان الاختصاص نحوٌ ضعيف من الملكية وهو أيضاً نحوٌ ضعيف من الحق. ولكن يأتي فيه نفس ما قلناه في الملكية، بلحاظ كل من مرتبة الجاعل ومرتبة المكلف. ومن هنا نلاحظ ان ضعفه لا يعني إمكان التنازل عن الجعل الشرعي الثابت فيه. وإنما يعني التنازل عن مصداقه في المرتبة المتأخرة. وليس هذا التنازل أسهل من التنازل عن الملكية التامة.
ــــــــــــــــــــ[18]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
كل ما في الموضوع ان الفقهاء، حيث لم يستطيعوا ان يقولوا بالملكية في بعض الأمور كالخمر والخنزير أسموها اختصاصاً. وإلا فالفكرة المنطقية واحدة فيهما على كل حال. أو قل: إنهما من سنخ واحد، مع الاختلاف في الدرجة.
الأمر السادس: كل حق لذي حق يقابله واجب النسبة إلى الآخرين واحداً كان أو متعدداً, يعني فرداً أو أفراداً.
والواجب هنا حكم تكليفي يقضي باحترام حقوق الآخرين من قِبَل الطرف الآخر. وأما كونه إلزامياً أو استحبابياً، فهو راجع إلى مقدار رسوخ الحق وأهميته في نظر الشارع. فقد يكون الحق راسخاً, أو قل: إلزامياً، فيكون الوفاء به واحترامه من قِبَل الآخرين إلزامياً، وإلا كان استحبابياً.
من هنا كان اصطلاح الواجب المقابل للحق، ليس هو الواجب التكليفي الإلزامي. بل قد يكون كذلك، وقد يكون استحبابياً. وينبغي ان نلتفت إلى انه قد يتعلق بالفعل؛ كتمكين الزوجة وفاء لحق زوجها. وقد يكون بالترك؛ كترك الاحتقار والاهانة لمن له حق الاحترام كالأب والولي وغيرهما.
وينبغي ان نلتفت أيضاً، إلى ما هو المجعول بالمطابقة منهما وما هو مجعول بالالتزام. فبعضه واضح كحق الزوج من تمكين زوجته فانه مجعول بالمطابقة، ويستلزمه وجوب التمكين من قِبَل الزوجة. ومن هنا كان قابلاً للإسقاط, لأن الحكم الشرعي فرع جعل الحق وليس بالعكس.
ومثال العكس: وجوب طاعة الوالي العادل بالمطابقة، ويستلزمه ثبوت حق له بالطاعة. ومن هنا لم يمكن إسقاطه، لأنه يعني إسقاط الحكم الشرعي. نعم, قلنا انه لا يبعد إمكان إسقاطه جزئياً في بعض المصاديق إذا لم يمس القصد الحكم الشرعي.
إلا ان عدداً من الموارد لم تكن واضحة في أذهان العديد من الفقهاء. هل
ــــــــــــــــــــ[19]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
هي حقوق أم واجبات أم تكاليف أم أحكام وضعية إلى غير ذلك من الشخصيات. ولعل السر في ذلك كون كل مورد يحتوي على أكثر من مصداق من هذه الأمور ومن غيرها التي أشرنا إليها فيما سبق. وسيتضح ذلك، عند التعرض لتفاصيل أهم الحقوق فيما بعد.
الأمر السابع: لا شك انه يجب ان يكون في الحق طرف ثاني يكون عليه الحق. يعني ان الحق من طرف ذي الحق (له) أي في مصلحته والحق من حيث الطرف الآخر (عليه)، وهو ما عرفناه من الواجب فيما سبق.
وذلك بخلاف الأحكام التكليفية، فإنها ليست دائماً ذات طرف آخر كوجوب الصلاة والصوم. بل من الممكن القول: إنما تكون ذات طرف آخر، إذا كان حكماً تكليفياً متعلقاً بحق لشخص آخر. يعني انه من سنخ الواجب المقابل للحق. كوجوب احترام الأب أو الوالي العادل. وتكون سائر موارد التكاليف الخارجة عن ذلك خالية من الطرف الآخر.
فتحصل ان الحق لا بد ان يكون له طرف آخر، والتكاليف -نظرياً- لا بد ان لا يكون فيها طرف آخر إلا إذا اقترنت بالحق. نعم, اقترانها بالحق كثير، ومن هنا كان وجود الطرف الآخر كثيراً أيضاً.
وأما الأحكام الوضعية، فكلها ذات طرف آخر، لأنها من سنخ المعاملات، وهي لا تصدق قطعاً من دون طرفين فأكثر. ومن هنا كان ما تستلزمه من حقوق ذو طرفين أيضاً. أو قل: انه من هنا أمكن ان تستلزم حقوقاً إذ لو كانت ذات طرف واحد، لم يمكن ذلك كما هو واضح.
إلا أننا يجب ان نشخص من هو الطرف الآخر, ويمكن تعريفه بأنه: من يجب عليه القيام بهذا الحق تجاه ذي الحق. وهذا قد يكون فرداً وقد يكون جماعة وقد يكون مجتمعاً وقد يكون هو البشر أجمعين غير ذي الحق.
ــــــــــــــــــــ[20]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فمثال الفرد: حق التمكين للزوج. ومثال المتعدد: الملكية والاختصاص ونحوها. فإنها حقوق أو تستتبع حقوقاً على المجتمع أو على كل البشر, أو قل: تستتبع واجبات عليهم في ان لا يغصبوها وان يتصرفوا في المال بإذن مالكه. وبالجملة ان يرتبوا آثار الملكية عليه للمالك. وكل منا له حقوق وعليه واجبات بالملايين من هذه الناحية.
ومن هنا يتضح خطل القول بأن الحق قد لا يكون له طرف آخر ومثّل له بعضهم بـ«حق التحجير»(1) وهذا منه, على اعتبار ان من عليه الحق لا بد ان يكون مشخّصاً أو محدداً. إلا ان هذا وهم واضح كما هو واضح. فان من عليه الحق مشخص على أي حال، سواء كان في فرد أو في جماعة أو في البشرية كلها كما أوضحنا.
الأمر الثامن: هل يعتبر في ذي الحق ان يكون واحداً، أو يمكن ان يكون متعدداً؟
وقد يمثل لذي الحق المتعدد، بالورثة الذين لهم حق واحد في مال ميّتهم. أو في الأئمة المعصومين الذين لهم حق واحد في طاعة الخلق لهم.
إلا ان هذا لا يخلو من تسامح عرفي لانحلال الحق على الأفراد لا محالة. فالتعبير بأن الجماعة لهم حق واحد غير صحيح. بل لهم حقوق متشابهة في المضمون متعلقة بكل فرد منهم. فالواحد من الورثة له حق في ان يرث حصته من المال وكذلك الآخر.. وهكذا، والنظر إلى مجموع حقوق الورثة كحق واحد نظر مجازي. وإنما الصحيح هو الانحلال.
وكذلك الأمر في الأئمة، فان لكل واحد منهم حق الطاعة على
ــــــــــــــــــــ[21]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) بلغة الفقيه, ج1, ص14.
الآخرين.
وأما من عليه الحق، فقد يكون واحداً وقد يكون متعدداً إلى حد قد يشمل كل البشر. وهو انحلالي أيضاً بطبيعة الحال. والنتيجة ان تكون في ذمم الكثيرين (واجبات) على عددهم تجاه هذا (الحق) أو ذاك.
الأمر التاسع: لا يشترط في من له (الحق) أو من عليه (الواجب) ان يكون بشراً, أو قل: بشرياً. بل يمكن ان يكون من سنخ آخر. وأعلى من يُذكر في هذا الصدد هو الله سبحانه وتعالى.
فان لله عز وجل على كل خلقه حقاً في ان يطاع وان يُعبد وان يوحّد وان يُشكر.. إلى غير ذلك. وعلى الخلق (واجبات) في مقابل ذلك ان يعملوا له هذه الأعمال لكي ينالوا رضاه والزلفى لديه.
والحق هنا ثابت في المرتبة السابقة، والواجب جاء باعتبار ثبوت الحق. وليس العكس صحيحاً. لأن معناه: ان الله تعالى أوجب علينا عبادته. فانتزعنا من ذلك مفهوم الحق له. وهو كما ترى.
وكذلك من حق الخلق المؤمنين والمقربين صيانتهم من العداء والنُصب، كالملائكة ومؤمني الجن. قال الله تعالى: مَن كَانَ عَدُوّاً للَّـهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّـهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ. وكذلك من حق كل مؤمن صيانة عرضه عن الشتم والغيبة والأذى ونحوها، ويقابلها واجبات على الآخرين بهذه الأمور. وهكذا.
الأمر العاشر: في إمكان انتقال الحق مجاناً أو بإزاء معاوضة بمال أو مالي إلى الآخرين.
لا شك ان الحقوق تختلف في ذلك اختلافاً شديداً.
فمثلاً: منها ما لا يكون قابلاً للنقل أصلاً، كحق الطاعة للأب أو الوالي
ــــــــــــــــــــ[22]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
العادل. ومنها: ما يكون قابلاً للانتقال إلى فرد محدد كحق القسم للزوجة فان لها ان تنقله إلى الزوجة الأخرى خاصة. ومنها: ما يكون قابلاً للانتقال مطلقاً كحق الاختصاص ونحوه. والخلاف فقهياً فيما هو قابل للانتقال منها كبير جداً.
والمهم ان نعرف القاعدة العامة التي نميز بها قابلية الحق للنقل والانتقال.
وما يمكن ان يقال حول ذلك أمران رئيسيان:
الأمر الأول: إننا ننظر إلى العرف، فما ميزه العرف بأنه حق قابل للانتقال جاز نقله فقيهاً، لان ذلك من نوع السيرة العرفية الممضاة شرعاً، إلا ان يرد فيه نهي. وما ميزه العرف بأنه حق غير قابل للانتقال لم يجز نقله لان عليه السيرة أيضاً، إلا ان يرد فيه أمر.
وهذا صحيح على القاعدة، ما لم نصل إلى الأمر الثاني.
الأمر الثاني: إننا ينبغي ان ننظر إلى من يريد أو يراد انتقال الحق إليه. هل هو مشمول لنفس الحق بمعنى انه هو مصداق له أو لا. فان كان مصداقاً له في المرتبة السابقة على الانتقال لم يكن معنى لنقل الحق إليه. لأنه يكون لاغياً أو لا أثر له. فبذل المال في سبيله بذل للمال بالباطل.
وان لم يكن مصداقاً له، جاز نقله. لأنه يصبح بذلك متصفاً بصفة جديدة لم تكن له قبل ذلك. وهي ذات نفع له ويبذل العقلاء بإزائها مالاً، فيكون الحصول عليه بالمال أو مجاناً جائزاً.
أو مثال الأول: حق الطاعة للأب والأم فأن الأولاد جميعاً عليهم واجبات بإزائه، فلا يؤثر نقل الحق من أحد الأبوين إلى الآخر.
ومثال الثاني: حق القسم فانه في ليلة معينة لزوجة معينة دون غيرها فيمكن ان تنقل حقها إلى غيرها من الزوجات.
ــــــــــــــــــــ[23]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ومن الممكن ان نركّب بين هذين الأمرين معنى جامعاً لهما معاً. إننا نشترط كِلا الشرطين المذكورين من الأمرين السابقين فالحق الذي يمكن نقله يشترط فيه:
أولاً: ان يكون منقولاً إلى شخص لا حق له.
ثانياً: ان يكون حقاً قابلاً للنقل عرفاً. فان كان النقل لا مجاناً، اشترطنا فيه ان يكون حقاً مالياً أيضاً عرفاً.
ولكن من الضروري ملاحظة شرط ثالث، لأن من ينتقل إليه الحق، قد لا يكون قابلاً للتحمل شرعاً أو عرفاً. كحق القسم للزوجة إذا نقلناه إلى أجنبية مثلاً. ومعه يكون:
ثالثاً: ان يكون المنقول إليه الحق قابلاً لتحمله شرعاً وعرفاً.
وبهذا يمكن الشمول لكل الحقول، والبت فيما هو مختلف فيه منها بين الفقهاء. وتفاصيل ذلك موكول إلى الفقه، إلا ما قد نتعرض إلى المهم منها فيما بعد.
وينبغي ان نلتفت أيضاً، إلى ان نقل الحق بشروطه، معاملة اعتيادية عرفية، تلحق بما يناسبها من العناوين، فان كانت مجاناً كانت هبة، وان كانت بمال أو مالي، كانت بيعاً أو صلحاً يجري مجراه.
ومن هنا كان العلم والاختيار دخيلاً فيه، بمعنى انه تشمله شروط المتعاملين، ولكل معاملة شرائطها في الطرفين وفي العوضين وغيرهما.
نعم, إذا أمكن الإلزام في المعاملة أحياناً من قِبَل الحاكم الشرعي أو غيره، أمكن الإلزام هنا، إذا كانت القاعدة شاملة له.
الأمر الحادي عشر: في مصاديق الحقوق وتطبيقاتها، أعني سرد عدد من
ــــــــــــــــــــ[24]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
مواردها وأمثلتها.
فمنها: الحقوق المتعلقة بالأحكام الوضعية كلها أياً كانت. كحق الملكية الناتجة عن أي معاملة صحيحة لِعَينٍ أو منفعة. فإنها أما بنفسها حق وأما إنها تستتبع حقاً في صيانتها من قِبَل الآخرين كما قلنا.
وكحق الرهانة للمرتهن وطرفه واحد وهو الراهن، إلا ان للراهن حق ملكية العين وطرفه متعدد بما فيهم المرتهن نفسه.
ومنها: الحقوق التي هي من سنخ الملكية إلا أنها أضعف منها, كحق الاختصاص فيما لا يُملك وحق الحيازة وحق التحجير. فإنها جميعاً من سنخ الملكية، إلا ان فيها موانع من رسوخها مثلها. ولها نفس أحكامها. إلا ان نريد من حق الحيازة وحق التحجير انه الحق في انجاز العمل في المستقبل، وهذا يعني حق حرية العمل لأي عامل. وهو مما لا يُنقل لأنه متساوٍ عند الجميع.
وأما الحق فيما قد تم تحجيره وحيازته، فالصحيح انه ملكية تامة، لا قصور فيها.
ومنها: الحقوق المتعلقة بالحياة الزوجية، كحق النفقة للزوجة والقاصرين، وحق الزوج في الطاعة في التمكين والخروج من المنزل. وحق الأب في الاحترام وحق الأولاد في حسن التربية ونحو ذلك. إلا ان هذه الحقوق تختلف في جعلها الأولى ولزوم الأحكام التكليفية لها، أو بالعكس. كما هو معلوم لمن يفكر ويطبق.
ومنها: حق الخيار، بكل أقسامه وليس في البيع فقط. بل حتى في العقود الجائزة. غير ان الفرق بينهما ان الحق ناشئ في الخيار الاصطلاحي من الجعل رغم اقتضاء العقد للدوام. بخلاف الحق في العقود الجائزة فانه ناشئ من لا اقتضاء تلك العقود للدوام. فتأمل.
ــــــــــــــــــــ[25]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وطرف الحق في الخيار واحد عادةً وهو من ينفسخ العقد عليه برغمه. أو قل: هو الطرف الآخر في المعاملة. ولكن يوجد طرف آخر من نوع آخر هو البشر أجمعين في ان يرتبوا آثار الملكية كما حصلت بعد الفسخ، بالنسبة إلى الغصب من المالك أو الشراء منه مثلاً.
ومنها: حق السبق إلى الأماكن العامة كالمساجد وغيرها, وهي من سنخ حق الحيازة. إلا انه حيازة للمكان بشكل لا يعتبر مالياً عرفاً، فلا يكون قابلاً للنقل. إلا ان طرفه هو الآخرون عموماً. لا يجوز لهم دفعه. وهنا لا يفرق عملياً بين ان يكون الحكم التكليفي ناتجاً من الحق أو بالعكس.
ومنها: الحقوق المتعلقة بالدعاوي، فمنها ما يكون ثابتاً في المرتبة السابقة على الحكم. كحق المدعي في إقامة الدعوى والمطالبة بحقه. ومنها ما هو ثابت في المرتبة اللاحقة للحكم القضائي كالمطالبة بحقه بصفته ثابتاً بهذا الحكم ظاهراً.
ومن الحقوق المتعلقة بالدعاوي حق العقاب على من يستحقه ظاهراً. وهذا الحق قد يكون خاصاً بطرف معين، وهو المدّعي، وقد يكون عاماً وهو المجتمع ومن هنا جاءت فكرة الادعاء العام. لأن الجريمة كما تضر الفرد تضر غيره من الناس. والمجتمع لا يطالب بحقه من نفسه وإنما عن طريق الادعاء العام.
وحق العقاب غير قائم بالمعاقب بل بالطرف الآخر، وهو المدّعي أو المجتمع. وأما المعاقَب فهو من عليه الحق. وهي حقوق ليست مالية عرفاً، وغير قابلة للانتقال. لأنها ان كانت عامة، كانت مشتركة بين الناس، فلا يحدث لنقلها أثر جديد. وان كانت خاصة فلا يكون للنقل أثر في جعل المنقول إليه هو المجني عليه بطبيعة الحال. وتمام الكلام موكول إلى الفقه.
ومن الحقوق: حقوق ناتجة من الأحكام التكليفية، كما لا يبعد. فان
ــــــــــــــــــــ[26]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وجوب الصلاة والصوم وان كان حكماً فردياً. إلا انه مستتبع للحقوق. كحق الفرد في عدم إبطال صلاته أو صومه أو مطلق عباداته حتى لو كانت مستحبة. وهو ذو الحق ومن عليه الحق هو الآخرون مطلقاً. بغض النظر عن كون الحق ناتجاً عن الحكم التكليفي أو العكس وان كان الأخير أرجح.
وهو حق غير مالي، ويختص بالفرد بشكل لا يُعقل نقله إلى غيره لا مجاناً ولا بالعوض. لأنه لا معنى لأن يكون من حق فرد الحفاظ على عبادة غيره. نعم، من واجبه ذلك.
ومن الحقوق: ما يتعلق بالوفاة سواء حق الميت بالوصية بثلثه أو الوصاية على القاصرين. أو حق الورثة في تملّك أموال مورِّثهم، أو حق الوصي في التصرف في أموال القاصرين الذين هو ولي عليهم. إلى غير ذلك. وهذه بعضها منتزع ومسبب عن الحكم الشرعي وبعضها بالعكس. وهو موكول إلى فطنة القارئ.
إلا ان هذه الحقوق غير قابلة للنقل، إلا ان نريد بها إجراء الصيغة فيما يحتاج إليها، كالوصية والوصاية وأما حق الإرث بالنسبة لغير الورثة، فلا معنى له لأنه لا يجعل الآخر وارثاً. نعم، يمكن شراء الحصة من الوارث بعد حصولها في ملكه. وللتفصيل موضع آخر، فهذا عدد من مهم الحقوق الشرعية والعقلائية.
حقوق أخرى:
يجري على الألسنة خلال عصرنا الحاضر، التحدث عن حقوق أخرى عامة وخاصة, منها: حق الحرية السياسية وحق حرية العمل وحق حرية الملكية وحق تقرير المصير وحق الطبع وحق الاختراع وحق الرقم القياسي.. إلى غير ذلك.
ــــــــــــــــــــ[27]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فهل هذه الحقوق ثابتة شرعياً وفقهياً أم لا؟ والمحك في ذلك هو ان نبحث عن الأحكام الشرعية الثابتة بخصوص هذه الموارد من إلزامية أو غيرها، سواء كانت ناتجة عن هذه الحقوق أو بالعكس. فان كان شيء من ذلك موجوداً صح الحق شرعاً وإلا، فهو ليس بصحيح.
ومجرد كون الحق متسالماً عليه بين العقلاء، لا يجعله شرعياً، لأن هذه السيرة لا تصل إلى عصر المعصومين لتكون ممضاة من قِبَلهم، فان المناداة بهذه الأمور أو الحقوق، لم يكن فيما سبق إنما هو حاصل في العصور المتأخرة. ومعه, ينحصر المنهج بما سبق قبل قليل.
هذا, ولا ينبغي ان نفيض فيها مفصلاً، فان موطنها الأصلي في الفقه، وإنما نشير هنا إلى رؤوس أقلام، بحسب ما هو الممكن من سائر الجهات، عسى ان ينفتح للقارئ منها ثمرات عديدة.
أما حق الحرية السياسية من الاستعمار الكافر، فهو ثابت، باعتبار انه يحرم على الكفار السيطرة على بلاد المسلمين، على ما هو الصحيح من تكليف الكفار بالفروع كما يحرم على المسلمين تقبّل الغزو الكافر، ويجب دفعه بحسب الإمكان. ولا أقل من جواز ذلك فقهياً، إلا إذا خيف الدمار الشامل فيحرم. واختلاف هذه الأحكام ناتج من اختلاف إمكانيات المجتمع في أي زمان ومكان، فكلما زادت إمكانياته زادت ضرورة دفعه للاستعمار لا محالة.
وأما حرية الرأي والعمل، وهما من باب متشابه فقهياً، لأنه يتضمن ان الإنسان يجوز له أو يحق له ان يقول ما يشاء أو يفعل ما يشاء، والقول من جملة أعمال الإنسان إلا ان العمل الاقتصادي يختص بأهمية زائدة بطبيعة الحال.
والحكم التكليفي المتعلق به انه لا يجوز الحَجر على فرد أو مجتمع ظلماً وبدون مبرر شرعي من أي من النواحي السابقة. وأما متى يصدق الظلم فهذا
ــــــــــــــــــــ[28]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فعلاً خارج عن الموضوع.
إلا انه في نفس الوقت لا يجوز على الفرد ان يستغل حريته في قوله أو فعله الاجتماعي أو الاقتصادي في ظلم الآخرين. إذ كما ان من حقه ان يعيش براحة وحرية، فمن حق الآخرين نفس الشيء. ما عدا أمور لم يقل الفقهاء بمنعها, منها التنافس في التجارة وان لزم التأثير على بعض التجار.
وأما حق التملك أو حرية التملك، فلا يجوز الحَجر على تملّك ما يشاء ظلماً. إلا انه في نفس الوقت لا يجوز استغلال هذه الحرية لظلم الآخرين أو القيام بمعاملات باطلة شرعاً أو تملّك أشياء غير قابلة للملكية. أو إجبار أي شخص آخر على نقل ما عنده من باب حرية التملك للطرف الآخر. كل ذلك لا يجوز وللقارئ التوسع في ذلك إلى حيث يريد.
وأما حق تقرير المصير، فان كان بمعنى ان المصير للمجتمع المسلم يُخطط من قِبَل الكافرين أفراداً أو دولاً أو مجتمعات، فهذا مرفوض تماماً وحرام كما أسلفنا. وأما بمعنى ان يختار المجتمع نفسه ما يشاء من الأنظمة، فهذا ليس حقاً دائماً، إذ لا يجوز له فرداً وجماعات، ان يختار لنفسه الشريعة الإسلامية. من وجهة نظر إسلامية بطبيعة الحال.
وأما الحقوق الشخصية التي أشرنا إلى بعضها فيما سبق كحق الطبع وحق التأليف وحق الاختراع وحق الرقم القياسي إذا سجّله أحدهم، وغيرها مما هو سائر في أيامنا هذه.
فالاعتراف بها شرعاً، ناتج من الاعتراف بأن لها أو لموضوعاتها نحواً من الاختصاص بالأفراد، وانه لا يجوز للآخرين مزاحمتهم عليها. وهذا مما لا دليل عليه شرعاً. لأن السيرة عليه متأخرة وليس من جنس المعاملات العرفية لكي تشمله الإطلاقات في نحو قوله تعالى: إلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ. وصحة التعامل عليها فرع ثبوتها وليس معاملة مستقلة ليكون مشمولاً
ــــــــــــــــــــ[29]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
للإطلاق.
نعم، الاعتراف بها كحقائق جارية في المجتمع لا ضير فيه، يعني لا يكون الفرد كاذباً إذا قالها وقصد ذلك.
كما ان نقلها إلى الآخرين -غير حق الطبع مجاناً أو بالعوض- غير معقول وغير جائز. لأنه يستلزم الكذب. إذ قد ينتج جواز ان يقول المشتري: أنا المؤلف وأنا المخترع، فيكون كذباً حراماً. وأما استحقاقه للجائزة بدل المؤلف والمخترع، فهذا مما لا معنى له ابتداءً. نعم, إذا صحت ملكية المؤلف والمخترع لها جاز شراؤها منه.
وأما حق الطبع، فهو تابع لها لما قلناه من وجود حكم تكليفي بعدم جواز المزاحمة. وهو غير ثابت. ان كان بنسخة أخرى مملوكة للطابع أو الناشر، غير نسخة المؤلف.
والتوسع في ذلك له مجال آخر بعونه وحسن توفيقه تبارك وتعالى.
إسقاط الحق:
إسقاط الحق هو التنازل عنه بدلالة مفهومة. فان كان المجعول ابتداءً هو الحق، وكان الحكم الشرعي التكليفي تابعاً له، زال بزواله. كالإعراض الذي يسقط حق الملكية، فتسقط الأحكام التكليفية التي حولها، من وجوب احترام الآخرين لها، وغير ذلك.
نعم، هذا ثابت فيما عدا ما أستثني [من] حق الاحترام بترك الغيبة، فانه مع سقوطه لم تَجُز الغيبة للآخرين على الشخص الذي أسقط حقه.
وان كان الحكم التكليفي هو المجعول أولاً وكان الحق تابعاً له، لم يمكن إسقاط الحكم التكليفي بطبيعة الحال. إنما يمكن إسقاط الحق في ما لا يمس
ــــــــــــــــــــ[30]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
الحكم التكليفي لو أمكن ولو باعتبار الغفلة عن التلازم بينهما أو بزعم تقدم الحق رتبة ونحو ذلك.
والإسقاط شأنه شأن سائر المعاملات يحتاج إلى مُظهر لفظي أو فعلي, أعني عملي أو معاطاتي، يعرف به الآخرون وقوعه، فمجرد العزم عليه في داخل النفس لا يكفي لسقوطه. ولذي الحق السكوت والالتزام به لحصول ذلك.
نعم، إذا أبرز ذي الحق إسقاط حقه بقول أو فعل سقط. والأحوط ان لا يكون من باب الكذب والمكابرة، كما لو قال: لا حق لي ونحوه. بل يقول: أسقطت حقي أو ألغيته أو حقي ساقط أو ملغى ونحوها.
ويمكن إسقاط الحق المحتمل ثبوته من دون يقين، سواء كان مالياً أو أخلاقياً أو غيره، فيقول: ان كان لي حق فقد أسقطته. أو أسقطت حقي المحتمل أو أسقطت حقي بقصد الواقع، ونحو ذلك. ولا يكون ذلك من التعليق الفاسد حتى لو كان بعبارته، لأنه ان لم يكن الحق ثابتاً فلا أثر له. وان كان ثابتاً كان من الشرط على الأمر الثابت فيلحقه حكمه، وان لم يكن معلوماً عند الإسقاط. والأحوط اختيار غير الألفاظ المحتوية على التعليق. وان كان الكل ذا مؤدى واحد عرفاً.
يبقى ان نسأل عما إذا كان الإسقاط دائماً أو مؤقتاً. فإذا أسقط الفرد حقه لم يكن من حقه ان يعود له تارة أخرى. أو له الحق في ذلك؟
والأمر في ذلك تابع لوحدة الحق وانحلاله، فان كان واحداً عرفاً، سقط بالإسقاط، ولا يمكن العودة إليه كخيار المجلس، ولا يشفع له انحلاله الزماني، بعد ان كان واحداً عرفاً.
وبتعبير آخر: ان ثبوت الحق في الـ(آن) الثاني فرع ثبوته في الـ(آن) الأول، وقد فرض سقوطه في الـ(آن) الأول. فيسقط في ما بعده من الآنات.
ــــــــــــــــــــ[31]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وكذلك لا يكون الحق قابلاً للرجوع في الحقوق الطولية المترتبة، كحق الطاعة المترتب على حق الاحترام المترتب على حق الأبوة. لو صح إسقاطه. فلو أسقط الحق الأخير لم يسقط الحق السابق، ولكن إذا أسقط السابق سقط ما بعده.
نعم، إذا كانت هناك حقوق متماثلة، وغير طولية ذاتاً، ولكنها طولية زماناً أو مختلفة مكاناً أو متعلقاً. لم يكن إسقاط بعضها ملازماً لإسقاط الآخر. فله الالتزام بالباقي مع إسقاط غيره.
مثاله: حقوق الطبع المتعلقة بكتب متعددة. فلو قال إجمالاً: تنازلت عن حق الطبع انصرف إلى الكتاب الذي يقصده، ولم يشمل الباقي، وان ظهر من العبارة إجمالاً شمولها لها. هذا بغض النظر عن صحة حق الطبع أساساً، وقد سبق ان بحثناه.
والمحصل: ان الحق ان كان واحداً لم يرجع، وان كان متعدداً عرفاً، ولو من سنخ واحد، أمكن التمسك بالباقي. وهذا لا يعني رجوع ما هو ساقط كما هو معلوم.
وقد يبدو: ان هناك في مقابل الإسقاط، تثبيت الحق. فإذا أثبته لم يكن قابلاً للإسقاط بعد ذلك.
إلا ان هذا ليس بصحيح لأنه ليس بعرفي أولاً. ويكفي الشك في تأثيره لجريان استصحاب عدمه ثانياً. ويكفي في التثبيت للحق التمسك به وعدم إسقاطه.
ومعه, لا يكون التثبيت مانعاً للإسقاط المتأخر. فلو أثبته أمكن له إسقاطه. كما لا يكون سبباً للرجوع في الإسقاط المتقدم عليه، لو كان له حق ذلك، فضلاً عما إذا لم يكن، كما هو الصحيح على ما عرفنا. فلو أثبته بقصد رفع الإسقاط ونفي أثره لم يثبت وكان الإسقاط جارياً، ومع الشك مستصحباً.
ــــــــــــــــــــ[32]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فصل
قاعدة اليد
وهي من القواعد الفقهية المسلّمة فقهياً وعقلائياً ومتشرعياً، وعليها إجماع علماء المسلمين في الجملة, أعني بغض النظر عن التفاصيل.
دلالة الأخبار:
ويمكن -مع ذلك- الاستدلال بعدد من الأخبار على مضمون هذه القاعدة، كما يلي:
منها: معتبرة مسعدة بن صدقة(1) عن أبي عبد الله قال: سمعته يقول: “كل شيء هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قِبَل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة. والمملوك عندك لعله حُر قد باع نفسه، أو خُدع فبيع قهراً. أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك، والأشياء كلها على هذا، حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة”.
وصحيحة جميل بن صالح(2) قال: قلت لأبي عبد الله: رجل وجد في منزله ديناراً. قال: “يدخل منزله غيره؟” قلت: نعم, كثير. قال: “هذا لقطة”. قلت: فرجل وجد في صندوقه ديناراً. قال: “يدخل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شيئاً؟” قلت: لا، قال: “فهو له”.
ــــــــــــــــــــ[33]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) كتاب التجارة: أبواب ما يكتسب به: باب4: حديث4.
(2) نفس المصدر: أبواب اللقطة: باب3: حديث1.
وصحيحة محمد بن مسلم(1) عن أبي جعفر قال: سألته عن الدار يوجد فيها الورق. فقال: “ان كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم. وان كانت خربة قد جلا عنها أهلها، فالذي وجد المال أحق به”. ونحوها صحيحة أخرى له.
وصحيحة إسحاق بن عمار(2) قال: سألت أبا إبراهيم عن رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد فيها نحواً من سبعين درهماً مدفونة. فلم تزل معه. ولم يذكرها حتى قدم الكوفة كيف يصنع. قال: “يسأل عنها أهل المنزل لعلهم يعرفوها” قلت: فان لم يعرفوها؟ قال: “يتصدق بها”.
وصحيحة العيص بن القاسم(3) عن أبي عبد الله قال: سألته عن مملوك ادّعى انه حر ولم يأتِ ببينة على ذلك. أشتريه؟ قال: “نعم”.
وموثقة يونس بن يعقوب(4) عن أبي عبد الله: في امرأة تموت قبل الرجل أو رجل قبل المرأة؟ قال: “ما كان من متاع النساء فهو للمرأة وما كان من متاع الرجل والنساء فهو بينهما ومن استولى على شيء منه فهو له”.
ورواية حمزة بن حمران(5) قال: قلت لأبي عبد الله: أدخل السوق وأريد ان اشتري جارية، فتقول: إني حرة. فقال: “اشترها إلا ان يكون لها بينة”.
وإنما ذكرنا هذا العدد من الروايات، لكي نستخرج منها بعض التفاصيل لهذه القاعدة، غير ثبوت أصل وجودها. فكن على ذكر منها لنستفيد منها بعد الآن.
ــــــــــــــــــــ[34]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) نفس المصدر: باب5: حديث1.
(2) نفس المصدر: حديث2.
(3) كتاب التجارة: أبواب بيع الحيوان: باب5: حديث1.
(4) كتاب الفرائض: أبواب مواريث الأزواج: باب8: حديث3.
(5) كتاب التجارة: أبواب بيع الحيوان: باب5: حديث2.
مؤدى القاعدة:
لا شك ان العرف والعقلاء يفهمون من اليد المستعملة في لفظ القاعدة، حين نقول: «قاعدة اليد». يفهمون منه مفهوماً محدداً، ويستعملونه في كثير من الموارد. أوضحها دلالة اليد على الملكية، ويرتبون الأثر على ذلك بلا شك.
ولا شك انه بالأصل معنى مجازي لأن الحقيقة الأولية لليد هو اليد الجارحة التي تبدأ بالكف وتنتهي بالكتف. إلا ان تداولها بكثرة في المعنى المأخوذ من القاعدة أوجب صيرورته استعمالاً حقيقياً بلا إشكال.
وأمثال هذه الاستعمالات، أعني استعمال اليد في غير الجارحة، كان منذ الزمن القديم. وله تطبيقات في القرآن الكريم. فعن ابن الإعرابي: «اليد النعمة واليد القوة واليد القدرة واليد الملك واليد السلطان واليد الطاعة واليد الجماعة واليد الأكل». وقول اللغوي يدل على الاستعمال، ولا يدل على الحقيقة إلا بنحو من جريان الأصل، ان أمكن.
واليد في اصطلاح الفقه والقانون، ليس إلا السلطان. بمعنى التسلط على الشيء والقدرة تكويناً على التصرف فيه إجمالاً.
وبذلك يفترق عن الملك بالكسر. لأن المالك قد لا يكون متسلطاً على ماله كما لو كان بيد الوكيل أو الغاصب. كما ان المتسلط على المال ليس بالضرورة ان يكون مالكاً، وان كان يدل ظاهراً عليه. كما لو كان المال بيد غاصب يعترف بالغصب.
بل من الممكن القول بصدق اليد لمجرد حيازته، وان لم يكن له القدرة تكويناً على التصرف فيه لعجز أو إكراه ونحوه.
والحيازة هو الدخول في الحوزة يعني في سلطة الفرد، ويعني تحت اليد، فالحيازة سبب للدخول تحت اليد. وليس معناهما مترادفان. اللهم إلا ان يلحظ
ــــــــــــــــــــ[35]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
استمرار الحيازة، فتكون يداً.
والمراد بالسلطنة هنا، السلطنة التكوينية، لا التشريعية، ويراد بالسلطنة التكوينية كون الشيء قريباً منه عرفاً وفي حيازته، وفي مثل ذلك يصدق ان له يداً عليه. ويراد بالسلطنة التشريعية قدرته على إجراء المعاملات الصحيحة على المال، ومجرد ذلك لا يبرر صدق اليد، لوضوح انه قد يكون قادراً على ذلك، مع انه خارج عن يده، بأن كان تحت يد وكيل أو غاصب.
كما انه قد يكون المال تحت يده تكويناً، ولا يستطيع التصرف به تشريعياً، كما لو كان مكرهاً على الترك، أو كان مفلساً أو محجوراً، ونحوه.
ولا يشترط في صدق اليد صدق المال أو المالية. فلو كان الشيء في حوزته وسلطنته، كان تحت يده، وان لم يكن مالاً لقلّته كالقشة أو لحرمته كالخمر والخنزير أو لكونه حراً كالأطفال.
وينبغي الالتفات إلى ان السلطنة هنا ليس بمعنى الملك -بالضم- والحكم. فان السلطان أو الحاكم وان كان مسيطراً على البلاد ومسلطاً عليها، إلا انه لا يصدق عرفاً إنها تحت يده بالمعنى الذي نتحدث عنه، وليس تحت يده إلا ما كان تحت سلطنته العرفية, أو قل: الشخصية. ولعل هذا الضيق ناشئ من ضيق النظر العرفي إلى اليد، وعدم تصور يد بهذه السعة.
ومن هنا لو كان لشخص من الأملاك ما تساوي دولة مترامية الأطراف، لم يعتبر كله تحت يده، لوضوح عدم السيطرة شخصياً وتكويناً على جميعها دفعة واحدة، وإنما يوكل الأماكن البعيدة إلى أشخاص متعددين لا محالة. كالمزارعين والصناع وغيرهم. فتكون تلك الأماكن تحت يدهم بالوكالة.
وبالجملة فالسلطنة بالملك -بالضم- والحكم. لا تنتج بمجردها يداً، حتى لو كانت المنطقة صغيرة، فمدير المعمل قد لا يكون له يد على جميع
ــــــــــــــــــــ[36]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
المعمل، لمجرد انه يشتغل فيه عدة ساعات كل يوم ويؤدي عمله الروتيني فيه، بالرغم من انه يعتبر الحاكم أو المسؤول الأعلى فيه. وكذلك مدير المدرسة ونحوها.
ويمكن القول عرفاً في أمثالها ان اليد هنا نسبية الصدق. فلو جاء شخص من خارج المعمل إلى مديره صدق ان المدير ذا يد وهذا الغريب ليس ذو يد. على حين لو قسنا المدير بكل عامل على حدة، في حدود ما تحت حيازته، لكان هذا العامل ذا يد وليس المدير ذو يد.
خذ إليك مثلاً: لو مات شخص له أسرة وعشيرة. فالمعزّى مباشرة هو أولاده. حتى أخوه ينبغي له ان يعزي الأولاد. إلا ان الأخ يتلقى التعزية به من قِبَل الأبعد والغريب. وذلك يعني ان الانتساب الأسري نسبي واليد نسبية.
لكن العمل على اليد النسبية، بعد صدق السلب عرفاً: انه لا يد له عليه حقيقة ومباشرة، مشكل. إلا ان يحرز موافقة العرف على ذلك.
أحكام اليد ونتائجها:
تحصّل مما سبق ان اليد المصطلحة عرفاً وفقهياً وقانونياً هي السلطنة التكوينية الشخصية على الشيء.
وهي في الفقه أمارة من الأمارات، ويراد بالأمارة: ما كان دليلاً عند الشك. وهو معنى الحكم الظاهري ببعض إطلاقاته(1). وبذلك تفترق عن صورة اليقين، ولو بشكله العرفي. فلو كان لنا يقين بشيء موضوعاً أو حكماً لم نحتج إلى الأمارة بما فيها قاعدة اليد وغيرها. بل يكون اليقين هو الحجة والمعتبر،
ــــــــــــــــــــ[37]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) لان الحكم الظاهري قد يطلق ويراد به السبب للحكم إثباتاً كاليد والبينة والخبر الواحد، فحجيتها أحكام ظاهرية. وقد يراد به المسبب, أي الأحكام الناتجة عن ذلك كالحكم بالملكية عند الشك أو بالزوجية أو بوجوب السورة بعد الفاتحة مثلاً.
سواء كان موافقاً لهذه القاعدة أو مخالفاً لها.
وتختلف أيضاً عن الأصل العملي سواء كان تنزيلياً أم لم يكن، في اصطلاح الأصوليين. لأنهم أخذوا في الأصل العملي: وجوب الجري العملي من دون الدلالة على الواقع دلالة نوعية، كما في الأمارة. مع اختلاف التنزيلي عن غيره، ببعض الأمور التي هي مسطورة في علم الأصول.
فاليد أو قاعدة اليد: هي أمارة لها دلالة نوعية وعرفية على الواقع، وبذلك تكون حاكمة على الأصل العملي ومقدمة عليه، لو تعارضت معه، بل حتى مع الموافقة، لا يكون للأصل أي اثر. كما هو مسجل في علم الأصول.
ومن هنا نعرف: ان اليد موضوع وحكم. فموضوعها، وجود اليد تكويناً وتحققها خارجاً. يعني كون الفرد ذا يد وسلطة على شيء. وحكمها هو الحجية، بصفتها أمارة دالة دلالة نوعية على مؤداها، الذي هو غالباً الملكية بالكسر.
وهذا هو أثرها أو نتيجتها الأهم، وهو إننا لو شككنا بملكية شيء مما هو تحت يد أي فرد، حكمنا انه ملكه لدلالة اليد عليه. وهذا هو الأثر الأول.
والأثر الثاني: هو قبول قول ذي اليد على ما تحت يده، فلو قال: هو ملكي أو هو طاهر أو نجس أو أية صفة أخرى مما يقبلها العرف عادةً، فإنها تكون مقبولة منه أساساً ولا نكلفه إثباتاً آخر كشاهد أو يمين أو بينة إلا إذا وجد له مزاحم يكذبه، بحيث تصبح المسألة دعوى قضائية.
والأثر الثالث: ان ذا اليد هو المنكر في الدعوى القضائية. لأن المدّعي من خالف قوله الأصل, والمنكِر من وافق قوله الأصل، على ما هو المشهور والصحيح من تعريف المدّعي والمنكِر.
والأصل في هذا التعريف هو كل قاعدة شرعية حجة، غير اليقين، إذ مع
ــــــــــــــــــــ[38]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
اليقين لا مجال للدعوى القضائية إطلاقاً. وقد عرفنا ان اليد من جملة القواعد الشرعية، فتكون هي الجارية فيما صدقت عنده، يعني كان الشيء الذي يتداعون عليه تحت يده. فيكون هو المنكِر، لأنه وافق قوله الأصل ويكون صاحبه المدّعي.
وأوضح الأمثلة على ذلك، ما لو كانت دار يسكنها شخص فرافعه شخص آخر عند القاضي العادل مدعياً ان الدار داره. فالشخص الأخر يكون مدعياً، لأنه يخالف قوله الأصل وهو اليد، لأن اليد تدل على ان الدار لمن هي تحت يده وهو الساكن. فقوله إنها له على خلاف ذلك. ويكون ساكن الدار منكِراً لأنه يوافق قوله الأصل وهو اليد.
وقد ثبت في كتاب القضاء بالسُنّة والإجماع: ان على المدّعي البينة وعلى المنكِر اليمين. فإذا استطاع المدّعي وهو الذي لا يسكن الدار ويدّعي ملكيتها ان يقيم بينة -شاهدين عادلين- يشهدان على صدقه, أعني ملكيته للدار، كانت الدار له في ظاهر الشريعة. وإلا كان اليمين متوجهاً إلى ساكن الدار بأنها له فيحلف على ذلك، ويكون الحكم له في ظاهر الشرع أيضاً. وتفصيل الكلام عن ذلك في كتاب القضاء.
وقد يقال: ان من آثارها ونتائجها اثرين آخرين:
الأول: الغيبة. وهو ما إذا رأيت مسلماً قد تصرف في ملكه تصرفاً يدل على الطهارة كما لو صلى في ثوب أو أكل طعاماً بعد غياب سابق لم تره فيه. وكان الثوب نجساً وتحتمل أنت انه قد طهّره حال غيابه عنك. فيدل تصرفه ذاك على الطهارة.
فقد يقال: ان هذا ناشئ من قاعدة اليد، لأنه كما تكون هذه القاعدة سبباً لقبول القول كذلك تكون سبباً لقبول الفعل. لو صح التعبير.
ــــــــــــــــــــ[39]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
إلا ان الصحيح ان ذلك وان كان صحيحاً إلا ان سببه ليس هو قاعدة اليد، بل حمل المسلم على الصحة في أفعاله، وهي قاعدة أخرى مسجلة في الفقه. ومن هنا قد تفترق عن اليد، فيما لو لم يكن الشيء الذي تصرّف فيه يد عليه بل كانت اليد لغيره، فانه ينتج القول بالطهارة مع ذلك.
الثاني: سوق المسلمين. الدال حسب ما نطقت به الروايات المعتبرة، على صحة ما يباع فيه، وجواز شرائه واستهلاكه. على تفصيل ليس هنا محله، ولعلنا نعقد له فصلاً مستقلاً.
والمهم الإشارة إلى ان هذا أيضاً ليس بقاعدة اليد، بل ان قاعدة سوق المسلمين قاعدة منصوص عليها بحيالها، وان كانت ملازمة اليد غالباً، إلا ان الحكمة في ذلك هو -حسب فهمنا- حمل فعل المسلم على الصحة كما في الأثر الأول وليس لوجود اليد أثر يذكر.
إذن، فالمهم في اليد هو الآثار الثلاثة السابقة. مع بعض الفروق بينها مما قد يتضح فيما يلي من البحث، كما قد تتضح بعض التفاصيل، فيما كان ذكرها مجملاً فيما سبق، أو لم نُشِر إليه إطلاقاً.
أدلة الحكم الأول:
وهو دلالة اليد على الملكية. فبالرغم من انه أوضح أحكامها. إلا أننا ينبغي ان نشير إليه إجمالاً.
فانه مما يوافق عليه عرف العقلاء وسيرة المتشرعة، وعليه الإجماع فقهياً. مضافاً إلى دلالة الروايات السابقة عليه وأكثرها مما هو معتبر سنداً.
وأوضحها في العموم قوله في موثقة يونس بن يعقوب: “ومن استولى على شيء منه فهو له”. بعد التجريد عرفاً عن خصوصية المورد. والاستيلاء عبارة
ــــــــــــــــــــ[40]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
عن السلطنة واليد، وحكمها هو الملكية المدلول عليها بقوله: “فهو له”.
ولا يضر ذلك: ان الرواية تتحدث عن الموتى، والموتى لا يد لهم على أموالهم. فان جوابه: إنها تتحدث عنهم حال حياتهم وحال وجود يدهم بطبيعة الحال. فقوله -مثلاً-: “ما كان من متاع النساء فهو للمرأة”. يعني ما كان تحت يد المرأة في حياتها من متاع النساء فهو محكوم شرعاً انه (للمرأة) أو ملك لها، فيكون لورثتها بعد موتها. وكذلك الحال في الرجل.
والحكم بالملكية نتيجة لتحقق اليد مطبّق في عدد من هذه الروايات. كقوله في معتبرة مسعدة بن صدقة: “وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة”. فهذا من جريان هذه القاعدة أما على نفسه أو على بائع الثوب له.
وقوله في صحيحة جميل بن صالح: “فهو له” عن الدينار الذي يجده الرجل في صندوقه بدون ان يكون تحت تصرف أحد غيره.
وقوله في صحيحة محمد بن مسلم قال: سألته عن الدار يوجد فيه الورق. فقال: “ان كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم”.
إلى غير ذلك من التعابير.
أدلة الحكم الثاني:
وهو قبول قول ذي اليد كأمارة نوعية معتبرة أو حجة شرعاً. وهذا متسالم عليه فقهياً ومتشرعياً إلى حد يحرز وجود الإجماع فيه، ولا نعرف ان فيه مخالفاً. بل لعله إجماع علماء المسلمين. وعليه العرف والسيرة العقلائية أيضاً.
مضافاً إلى قوله في صحيحة إسحاق بن عمار: “يسأل عنها أهل المنزل لعلهم يعرفونها”. وهو في المال الذي وجده الفرد في منزل غيره فانه كانت
ــــــــــــــــــــ[41]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
تحت يدهم قبل ان يأخذه.
إلا ان الاستدلال بهذه الصحيحة لا يخلو من مناقشة:
أولاً: ان المال كان مذخوراً في الأرض أو بعض نواحي الدار بدون علم ساكنيها على الظاهر. ومع عدم علمهم يشك في صدق اليد عليه عرفاً. والشك في علمهم شك في ذلك أيضاً. فالأمر مشكوك كبرى وصغرى. وما لم يحرز حصول اليد لم تترتب آثارها. بل يكون مقتضى الأصل عدمها.
ثانياً: ما ذكره بعضهم من انه لو كان ذلك إعمالاً لقاعدة اليد لكان اللازم دفعه إليه بدون ان يسألهم. لان حكم اليد هو الحكم بالملكية، ومقتضاه وجوب التسليم لا السؤال.
ثالثاً: معارضتها بصحيحة العيص بن القاسم السابقة، قال: سألته عن مملوك ادعى انه حر ولم يأتِ ببينة. أشتريه؟ قال: “نعم”.
فان مقتضى يده على نفسه قبول قوله فيها بدون ان يحتاج الأمر إلى بينة، الأمر الذي يدل على عدم قبول قول ذي اليد أحياناً. فتأمل.
ومن هنا أمكن القول بأن سؤال أهل الدار عن المال الذي في دارهم ليس من باب كونهم ذوي يد عليه، بل من باب الفحص عما هو ضائع. وهم أولى الناس بالسؤال ولو لاحتمال كونهم قد ذخروا المال عن علم وعمد.
وقد يقال: بأن صحيحة (العيص) ومثلها رواية (حمزة بن حمران) السابقة، ستكون دليلاً على عدم قبول قول ذي اليد فيما كان تحت يده.
إلا ان هذا ليس بصحيح لوجوه, منها:
أولاً: ان العبد الذي ادعى الحرية يُتصَور له شكلان من اليد, أحدهما: يده على نفسه. والأخرى: يد البائع عليه.
ــــــــــــــــــــ[42]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ومن الممكن القول عرفاً ان يد الإنسان على نفسه ليست يداً عرفية، بل ان حصل قبول قوله في نفسه فلقواعد أخرى فقهية غير قاعدة اليد، كالإخبار في ما لا يمكن ان يعرفه غيره. وإلا فيد الفرد على نفسه غير متحققة. وهذا ثابت عقلاً أيضاً لاستحالة اتحاد ذي اليد مع ما له يد عليه. فتأمل.
وإذا انتفت يد العبد على نفسه، بقيت اليد الأخرى لمولاه، أو بائعه وهو يدّعي انه عبد مملوك له. فتُقبَل دعواه بقاعدة اليد أو بسوق المسلمين.
ثانياً: انه مع التنزل عن الإشكال الأول، تصبح المسألة مسألة تعارض بين دعوى العبد ودعوى مولاه. وان لم تُعرض على القاضي.
فإذا أخذنا بقاعدة اليد في الجانبين، كانت المسألة من التداعي لأن دعوى كلاً منهما موافق لقاعدة اليد فيتحالفان ان لم يكن لأحدهما بينة.
وان أخذنا بقاعدة اليد من جانب المولى فقط، كان قوله خلاف الأصل، فعليه البينة لا على العبد. إلا ان يقال: انه لم يدّعِ شيئاً في الفرض. بل الكلام كان من قِبَل العبد فقط، وكل شيء يدّعى فالأصل عدمه، فيصبح العبد مدعياً، وعليه البينة.
وعلى أي حال، فالرواية أقرب لإجراء قاعدة اليد من جانب المولى فقط، دون عبده، فلا تكون معارضة لما سبق.
فهذا هو حاصل الدليل على الحكم الثاني. مضافاً إلى أدلة دالة على قبول قول ذي اليد في مختلف الموارد، كالطهارة والنجاسة ودفع الزكاة والكيل والوزن ونحوها كثير مما لا مجال للتوسع فيه.
وأما الحكم الثالث، وهو المتعلق بالمدّعي والمنكِر، فمجاله كتاب القضاء، وليس الآن.
ــــــــــــــــــــ[43]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فهم الروايات:
يحسن بنا ان نعرض بعض الأسئلة حول بعض الروايات السابقة ونحاول الجواب عليها، ضمن أمور:
الأمر الأول: ان معتبرة (مسعدة بن صدقة) تؤسس قاعدة غير قاعدة اليد فلماذا استدللنا بها عليها؟
وتلك القاعدة هي قاعدة الحِلّية أو أصالة الحِل، وقد فهم منها الفقهاء إنها بدرجة الأصل وليست بدرجة الأمارة. وليس هنا محل بحثه.
وإنما المهم الآن هو إننا لو سرنا في الأمثلة الثلاثة التي ذكرها الإمام لقاعدة الحِل، لم تكن منها منطبقة على اليد إلا المثال الأول ولم يذهب إلى الجواز نتيجة لها بل نتيجة لأصالة الحِل. ومعه, لا يثبت إجراؤه لقاعدة اليد في المثال.
وجوابه: إننا إما ان نقول ان للفرد يد على نفسه بحيث يقبل قوله في نفسه بصفته ذو اليد. أو لا نقول بذلك.
فان قلنا بذلك كانت جميع الأمثلة منطبقة على قاعدة اليد، لان الحر ان ادعى انه عبد أو المرأة ان ادعت إنها أجنبية وليست أختاً ولا بنتاً مثلاً. كان قولهما مقبولاً.
وإما الاحتمالات الأخرى في الرواية، كاحتمال سرقة الثوب وقهر العبد، فهي مجرى لقاعدة اليد نفسها.
وإذا تم ذلك، لم يبقَ دليل على تحقق قاعدة الحل خارج قاعدة اليد… إلا إطلاق (كل شيء حلال) الذي يمكن تقييده أو إجماله نتيجة للقرينة المتصلة بهذه الأمثلة.
ــــــــــــــــــــ[44]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وإذا لم نَقُل بثبوت يد الفرد على نفسه، كانت بعض الأمثلة خارجة عن قاعدة اليد. ولكن يمكن الاستدلال بالصحيحة على هذه القاعدة بأحد تقريبين:
التقريب الأول: ان الأمثلة المحتوية على قاعدة اليد، ممضاة من قِبَل الإمام. لأنها مذكورة كأمثلة للحِل ونحن نعلم ان السبب الرئيسي للحِل فيها هو اليد. لما ثبت في محله من تقدم الأمارة على الأصل حتى في مورد التصادق. فلا يبقى لأصالة الحِل من الأمثلة إلا الموارد الأخرى.
التقريب الثاني: ان القاعدة العامة للحِل ليست قاعدة محددة، إنما المهم هو وجود الحِل إجمالاً ما لم يثبت التحريم. ولذا يقول: “والأشياء كلها على هذا”. ومن المعلوم ان عدداً من الأشياء يكون السبب في الحكم بالحِلّية لها قواعد فقهية عديدة منها أمارات ومنها أصول عملية.
نعم، إذا لم توجد أية قاعدة، كانت قاعدة الحِل وحدها محكمة. ومعه, فالحديث عن حِلّية عامة قد تندرج فيها قاعدة اليد وغيرها. إذن، فقاعدة اليد مذكورة في الجملة كدليل على الحِلّية، وهو المطلوب. هذا، ولكن كِلا التقريبين، لا يخلوان من إشكال. الأمر الذي قد يُسقط هذه الصحيحة عن الدلالة على حجية قاعدة اليد.
الأمر الثاني: يقول في رواية مسعدة: “والمملوك عندك لعله حر باع نفسه”. فكيف يبيع الفرد نفسه؟
قد يُسلّم الفرد نفسه إلى بائع الرقيق ليبيعه مع الرقيق، لقاء مال يستلمه منه، ويكون الثمن للبائع، والفرق بين المالين له. فيكون قد باع نفسه، ويكون المال الذي يأخذه له حسب زعمه عادة، أو لأبيه بصفته ولياً له حسب زعمه. أو يُصرف المال في هدف كان قد أخذه هذا الفرد بنظر الاعتبار حين حاول بيع نفسه.
ــــــــــــــــــــ[45]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
إلا ان الحر لا ثمن له ويحرم اخذ المال بإزائه، سواء له أو لغيره إلا ان يكون كافراً قد أسره الجيش المجاهد، وحكم الولي باسترقاقه وهو السبب الوحيد للاسترقاق في الإسلام، كما سبق في غضون هذا الكتاب.
ومعه, تكون عملية بيع النفس باطلة. وهو محل الشاهد في الرواية الآن.
الأمر الثالث: قال في صحيحة جميل بن صالح: رجل وجد في منزله ديناراً. قال: “يدخل منزله غيره؟” قلت: نعم كثير. قال: “هذا لقطة”.
وهذا قد يعين اشتراط ان لا يكون معه غيره لجريان قاعدة اليد. إذ لو كان هذا الشرط غير متحقق أمكن جريانها رأساً والحكم بأن الدينار له على كل حال. ولما كان هذا الشرط غير متحقق، حَكَم الإمام بكونه لقطة، ومثل السؤال عن الصندوق الذي يضع فيه المال، إلا ان الراوي السائل افترض حصول الشرط فيه، وهو انه لا يشاركه فيه أحد. فحكم الإمام بكون الدينار له.
ويزيد في الطين بلة، ظهور الرواية بان الكثرة والقلة، ليس لها دخل في الشرط وإنما المهم وجود الغير إجمالاً. فان وجد ولو واحد معه، لم يمكن جريان قاعدة اليد. وهذا هو المستظهر من قوله: “يدخل منزله غيره؟”. وقوله: “يدخل أحد يده في صندوقه غيره؟”. فالمهم وجود الغير ولو كان واحداً. وهذا يعني إلغاء قاعدة اليد مع الكثرة وانحصار أثرها مع الوحدة. إذ مع عدمها أصلاً، لا يكون الدينار له حتى مع الوحدة.
وهذا مبني على حجية القاعدة من باب الظن النوعي، أو حساب الاحتمالات، الكاشف عنه وجود الغير. وحين يضعف احتمال تأثير اليد، يكون حكمها ملغياً. ومن الواضح انه لو شارك واحد فقط، يعود الاحتمال إلى 50% وهو خالٍ من الظن فضلاً عن العلم. هذا فضلاً عما إذا شاركه المتعددون.
ــــــــــــــــــــ[46]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
والرواية معتبرة السند، وقابلة للتجريد عن الخصوصية، إلا انه يكون فقط من زاوية اختلاف الأزمنة والأمكنة. وأما تجريدها من صورة التعدد إلى كل صور ضعف الاحتمال، فهذا مما لا يمكن. لجريان العرف على جريانها حتى في مثل ذلك. لا نخرج به إلا في مورد الرواية. وهو أمثال تلك الحادثة.
فان قيل: ان هذا التجريد ان كان مستظهراً من الرواية كان مخصصاً للفهم العرفي والسيرة.
قلنا: ان هذا المقدار من المخصص لا يكفي للنهي عن السيرة. فان النهي عنها يحتاج إلى دليل واضح ومعتبر بحيث يستطيع ان يقاوم السيرة ويردع عنها. فلو بقينا نحن وهذه القاعدة، أمكننا ألا نعمل بالرواية إطلاقاً، إلا ان مقتضى حجيتها هو ذلك، وأما تعميمها إلى غير موردها، فمما لا سبيل إليه.
ويهون الخطب أيضاً، ما قد يقال من معارضتها بصحيحة محمد بن مسلم السابقة: سألته عن الدار يوجد فيها الورق. فقال: “ان كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم”. من دون ان يفصّل أو يقيد بصورة دخول الغير. جرياً مع قاعدة اليد. فيمكن ان تحمل صحيحة (جميل) على ضرب من الاستحباب أو الاحتياط الاستحبابي.
إلا ان الصحيح، هو ان صحيحة (جميل) قابلة لتقييد صحيحة (محمد بن مسلم). فتختص الأخيرة بما إذا لم يدخل أحد غير أهل الدار.
وقد يقال: ان صحيحة (جميل) خاصة بما إذا كان واجد الدينار صاحب اليد، وهذه عامة فتتقيد بها. ومعه, يختص شرط الانفراد بهذه الصورة، وهو ما إذا كان الواجد صاحب اليد نفسه.
وهذا كلام وجيه، إلا ان العرف لا يكاد يجد فرقاً بين الموردين إلا ان يناقش بجريان قاعدة اليد عرفاً على نفس الواجد. فتكون صحيحة (جميل) ذات
ــــــــــــــــــــ[47]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
حكم تعبدي خارج العرف حتى في صورة كونه له، وفي مثله لا تكون مقيدة لقاعدة اليد العرفية، ولا متعرضة لها. إلا ان هذا أيضاً على خلاف الفهم العرفي. فالصحيح هو اشتراط عدم الكثرة في مورد الرواية.
الأمر الرابع: قال في صحيحة محمد بن مسلم: “وان كانت خربة قد جلا عنها أهلها، فالذي وجد المال أحق به”.
فقد يقال: ان مقتضى قاعدة اليد هو دفعه إلى الأهل السابقين، لأنهم كان لهم يد على ذلك المال. أو سؤالهم عنه على الأقل. وكِلا الأمرين غير مذكورين في الرواية، الأمر الذي قد يدلنا على إلغاء قاعدة اليد أساساً أو في بعض الصور.
إلا ان الصحيح خلاف ذلك، إذ لا حكم لقاعدة اليد إلا مع إحرازها. وهي غير محرزة في المورد كما هو واضح لاحتمال تقدم وجود المال على تلك السكنى السابقة واحتمال تأخره عنها. واحتمال عدم علمهم به أصلاً، الأمر الذي استشكلنا معه بصدق اليد. وإذا لم تكن اليد محرزة فلا حكم لها، وكان الواجد أحق بالمال.
تفاصيل أخرى:
ينبغي ان لا ننسى بعض التفاصيل الأخرى لقاعدة اليد، ونحن بصدد البحث عنها. ويخطر لي فعلاً ان اذكر هذه التفاصيل ضمن أمور متسلسلة حسب الترقيم السابق. وقد سبق قبل هذا العنوان أمور أربعة:
الأمر الخامس: ان اليد قد تكون سبباً للملك أحياناً. إلا ان هذا الحكم غير قاعدة اليد المبحوث عنها كما سنوضح وان اشتركت معها في عنوان اليد.
فان اليد تكون سبباً للملك، في حيازة غير المملوك وإدخاله تحت اليد.
ــــــــــــــــــــ[48]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
في عدة موارد:
المورد الأول: في المباحات الأصلية المنقولة، كالأخشاب والأحجار وغيرها. فان حيازتها مع قصد الملك ولو ارتكازاً، كافٍ في حصول التملك. نعم, لو لم يوجد له هذا القصد أصلاً، أشكل الحكم بحصول الملك، ومقتضى الاستصحاب عدمه. إلا انه لو ادعى القصد وجب القبول منه لأنه مما لا يُعرف إلا منه.
المورد الثاني: في الأراضي الموات. فإنها تكون ملكاً لمن أحياها. وأما مجرد الحيازة فلا تكفي في الملكية عند مشهور الفقهاء وإنما تفيد حق الاختصاص. واستفادته من قوله: “من أحيا أرضا فهي له” متوقف على استفادة الشرطية ذات المفهوم، أو القول بمفهوم الوصف، وهو كما ترى.
وعلى أي حال، فاليد أنتجت حق الاختصاص، الذي قلنا في فصل سابق انه من نوع الملكية إلا انه فاقد لرسوخها وكمالها. حتى يمكن المعاوضة عليه، ولكن يكون للمشتري ما للبائع من الحق دون زيادة.
المورد الثالث: ما أعرض عنه المالك، فخرج بذلك عن الملكية، وأخذه غيره فدخل في ملك الثاني.
وهذا يدلنا على أمرين:
أحدهما: ان انتفاء اليد عن علم وعمد، يكون سبباً لانتفاء الملك بناءً على ما هو الصحيح من ان الإعراض سبب لذلك. فللإنسان ان يفك يده عن ملكه وإذا حصل ذلك خرج المملوك عن ملكه.
ثانيهما: ان حصول اليد سبب لحصول الملكية. وهذا محل الشاهد الآن، لأنه يشبه المباحات العامة، إذ المال بالإعراض أصبح من المباحات العامة وبالحيازة يدخل في الملكية.
ــــــــــــــــــــ[49]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ولو كان المجاز هنا مما أسقط الشارع المقدس ملكيته ثبت للحائز حق الاختصاص.
المورد الرابع: المال المجهول المالك. وهو المال الذي له مالك إلا انه لا يتعين في فرد معين، بل هو ملك مجموعة ضخمة من الناس لا على التعيين، بحيث لا يعقل إرجاعه إليهم أو سؤالهم عنه.
وسبب حصوله وان كان هو الغصب بالأصل، إلا ان عدم تعيين المالك تحت أي عنوان محدد يمكن الفحص عنه من دون حرج، جعله يختلف حكماً عن الغصب الفردي لكون مالكه محدداً يمكن الفحص عنه بدون حرج. بخلاف مجهول المالك.
إلا ان حيازة مجهول المالك وحدها لا تكفي للتملك ولو مع نية التملك. لأن الحائز يعلم ان هذا المال مملوك لغيره وان كان المالك مجهولاً، فكيف يصح منه نية التملك عليه.
وبهذا يختلف عن الصور السابقة، إذ في هذه الصورة يحتاج حصول التملك بالقصد إلى شرط معين وهو إذن الولي العام بالحيازة وقصد التملك. لان هذا المال بعد ان انفك عن مالكيه غصباً، لم يكن له ولي إلا الولي العام، وهو ولي الغائب. والمالك هنا غائب أو بحكمه. فتكون له الولاية فيه. فله ان ينوي هو التملك عليه، كما يمكن ان يأذن بنية التملك لغيره. وهذا هو المتّبع الآن في العصور الحاضرة مع كثرة هذا النوع من الأموال فيها.
الأمر السادس: في عموم قاعدة اليد وشمولها، لغير الأعيان المملوكة، مما يكون تحت اليد. كالمنافع من ناحية ومن يكون تحت يده من البشر كالزوجة والأولاد والعمال وغير ذلك. وهذا ينتج ترتب آثار قاعدة اليد الثلاثة السابقة كل بحسبه.
ــــــــــــــــــــ[50]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فلو كان الشيء قابلاً للملك كالمنافع المحللة أمكن الحكم بملك ذي اليد وان لم تكن محللة كان له فيها حق الاختصاص، إلا إذا كان الانتقال إليه بمعاملة فاسدة.
ومن ناحية البشر يمكن قبول قوله فيهم من ناحية عدالتهم وبلوغهم وانتسابهم إليه وغير ذلك. كما يكون تعيين المدّعي من المنكِر طبقاً لقاعدة اليد، كما لو تداعى اثنان صبياً ساكناً مع أحدهما، كان ذو اليد منكِراً والآخر مدّعياً.
والظاهر ان على كل ذلك حكم العرف وسيرة المتشرعة والعقلاء.
أما بالنسبة إلى المنافع فواضح، لأنها من جملة الماليات التي يمكن دخولها تحت اليد عرفاً، ودخولها تحتها بدخول العين.
وأما بالنسبة إلى البشر، فلا ينبغي ان يشك في قبول قول ذي اليد فيهم لا من باب الوثاقة، بل من باب التعبد بقوله بهذه الصفة الأمر الذي يدلنا على انه صاحب يد عقلائياً، فيكون تشخيص المدّعي والمنكِر فقهياً مترتباً على ذلك، سواء رتّبه العقلاء فعلاً في محافلهم أم لا.
الأمر السابع: في اليد العادية.
فلو كان شخص غاصب جعل تحت يده أموالاً مسروقة، وهو معنى اليد العادية، يعني بسبب العدوان فهل يكون قوله مقبولاً فيها أم لا؟
المشهور والصحيح هو ذلك فيما يصح منه ذلك. وإنما يصح في غير الملكية بعد العلم بكونه غاصباً، فلو قال: هو ملكي أو تحت إجارتي أو أجرته لغيري لم يقبل حتماً. وأما لو قال: هذا طاهر أو نجس أو هو ملك فلان أو عُمر الولد أو البنات -مثلاً- كذا وكذا، مما له أثر شرعي ويمكن تعرّفه عليه، كان حجة.
ــــــــــــــــــــ[51]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
والدليل على الحجية، هو السيرة العقلائية غير المنهي عنها شرعاً، بل يمكن ان يقال بوجود سيرة المتشرعة عليه.
وإذا تم ذلك، أمكن ان تطبّق قاعدة المدّعي والمنكِر عليه، ولا على المالك لفرض ان المالك ليس ذا يد في ذلك الحين.
إذن, فأثران من الآثار الثلاثة، لقاعدة اليد يمكن ان تترتب، دون الأول، وهو الحكم بالملكية، لأن المفروض العلم بعدمها أو قيام الحجة على العدم بإمارة سابقة رتبة على قاعدة اليد.
هذا، ولا شك إننا إلى هنا لم نستوعب جميع تفاصيل قاعدة اليد، إلا ان تعريفها والمهم من شرائطها وتفاصيلها، قد تم المرور عليه، والحمد لله. وهذا يكفي فيما يناسب موضوع هذا الكتاب.
ــــــــــــــــــــ[52]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فصل
سوق المسلمين
سوق المسلمين من القواعد الفقهية الظاهرية، بمعنى إنها حجة في حال الشك كحال أي حكم ظاهري آخر.
ومؤداها: جواز الشراء من المسلم أو من سوق المسلمين وان كان المشتري يحتمل ضمناً ان المبيع فيه جانب من جوانب الحرمة، كما لو كان مغصوباً أو كان اللحم ميتة أو كان الطعام متنجساً بحيث يتعذر تطهيره ونحو ذلك من الإشكالات.
ومقتضاها أو حكمها: ان يُحمَل المسلم البائع على الصحة وانه لا يعرض المتاع للبيع إلا محللاً من جميع الجهات.
والشك في ذلك يتصور على أقسام:
القسم الأول: الشك في كون المتاع مسروقاً أو مغصوباً أو مجهول المالك أو فيه خمس أو زكاة غير مدفوعة، أو من المال المختلط بالحرام ونحوه.
وهذا كله مدفوع بقاعدة اليد التي بحثناها في الفصل السابق. وهي جارية وأثرها تحليل المتاع وصحة المعاملة، سواء كانت بيعاً أو أي شيء آخر. ما لم يعلم المشتري بوجود الحرام فيه، كله أو بعضه، فيشمله حكمه.
والحكم إجمالاً في الحرام هنا، هو وجوب إيصاله إلى مستحقه فان كان مغصوباً وجب إرجاعه إلى صاحبه أو الفحص عن صاحبه ولا يجوز إرجاعه
ــــــــــــــــــــ[53]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
إلى البائع.
وان كان فيه خمس أو زكاة، وجب على المشتري دفعها، وله ان يرجع بها على البائع.
وان كان المال مجهول المالك، فمن الناحية العملية يجب دفعه إلى الحاكم الشرعي أو قبضه بإذنه.
وان كان من المال الحلال المختلط بالحرام. فان كانت النسبة هي الخمس فأقل يعني 20%… حلّ بدفع خمسه. وان كانت أكبر وجب الدفع حتى نعلم بالحلية, أعني حلية الباقي. ويجزي هنا دفع الأقل لو تردد الأمر بين نسبتين مثل 40% أو 45%، فيجزي دفع 40% من المال إلى المستحق وهو أما الحاكم الشرعي أو الفقراء أو المصلحة الإسلامية العامة للمجتمع.
وأما مع الشك بوجود الحرام وعدم وجوده أساساً، فيجوز الشراء ولا يجب السؤال عن البائع للتحقق من وجوده. وذلك لحجية قاعدة اليد، الدالة على الملكية الصحيحة لما يبيعه وليس هذا من قاعدة (سوق المسلمين) كما سنشير، وان ارتبطت بالسوق عملياً.
القسم الثاني: الشك في الحيوان الذي نشتريه بقصد أكل لحمه، هل هو مأكول اللحم أم لا؟ كبروياً أم صغروياً.
والمراد من الشك كبروياً، هو ان نعرف نوع الحيوان إلا أننا نشك انه مما يؤكل لحمه أم لا كالزرافة والكنغر مثلاً.
والمراد من الشك صغروياً، هو ان لا نعرف نوع الحيوان فان كان جَملاً جاز أكل لحمه وان كان زرافة أو حيوان اللاما -مثلاً- لم يَجُز.. وهكذا.
إلا ان هذا الشك في حلية الأكل لا دخل له في صحة المعاملة. بل المعاملة صحيحة على أي حال، وليس لقصد المشتري ان يأكل من لحمه دخلاً
ــــــــــــــــــــ[54]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
في ذلك، بعد أخذ أمرين بنظر الاعتبار:
الأمر الأول: لو كان الحيوان حرام اللحم يقيناً وكان المشتري قاصداً أكله يقيناً أو اشترط ذلك ضمن العقد، كانت المعاملة باطلة.
والمراد باليقين: اليقين العرفي أو قيام الحجة الشرعية عليه. فان حصل اليقين الكامل، كان ذلك اشد ثبوتاً.
الأمر الثاني: إننا لو شككنا في نوع الحيوان المباع، بالنحو الثاني، كان من بيع المجهول الذي لا يصح، فلا بد من التأكد من نوعيته قبل بيعه ليصح البيع.
القسم الثالث: من إشكال الشك في المبيع: الشك في حصول الحرمة العرضية على المبيع قبل البيع، كالنجاسة غير القابلة للتطهير أو كون الطعام مضراً بحيث يحرم أكله أو شربه كبروياً أو صغروياً.
ونريد بالكبرى: إننا قد نجهل ان هذا النوع من النبات أو ذلك مضر أو غير مضر. وبالصغرى: ان نعرف نوع المبيع وانه سليم بطبعه، إلا انه لعله تعفن بشدة أو أضيفت إليه مادة مضرة أو نحو ذلك، فأصبح حرام التناول.
وعلى العموم، فان هذه الشكوك لا تؤثر على صحة المعاملة إذا أخذنا بعض الأمور بنظر الاعتبار:
الأمر الأول: انه إذا كان الطعام حراماً، ولكن المشتري أخذه بعنوان ان يأكله أو اشترط ذلك في العقد، بطلت المعاملة.
الأمر الثاني: ان الطعام إذا كان مضراً سقط عن القيمة، فإذا لم يكن له قيمة، كان دفع الثمن بإزائه أكلاً للمال بالباطل.
الأمر الثالث: إذا علم البائع أو شك في عروض أي نقصان خفي على
ــــــــــــــــــــ[55]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
المشتري وخاصة ما كان من المحتمل ان يؤدي إلى الحرام كأكل النجس أو أكل المضر, وجب عليه ان يبين ذلك للمشتري. فان بيّنها له، صحت المعاملة بعد أخذ الأمرين السابقين بنظر الاعتبار. وسقط تكليف البائع أمام الله تعالى أيضاً ببيانه. وانتقل تكليف الحرمة إلى المشتري إذا أراد ان يورط نفسه بها.
وكِلا هذين القسمين الأخيرين، كالأول، ليس من قاعدة سوق المسلمين. فإذا عرض المسلم المادة لا يدل ذلك على جواز استعمالها أو أكلها. بأي سبب من الأسباب السابقة أو غيرها.
القسم الرابع: الشك في التذكية، بعد اليقين بقابلية الحيوان للتذكية وحلية أكل لحمه.
ويشمل ذلك: حلية اللحم والشحم والعظم والجلد وكل ما يتنجس على فرض كونه ميتة.
وهذا من موارد قاعدة سوق المسلمين. فلو شك المشتري بصحة تذكية القصاب كان له البناء على الصحة ولا يجب عليه السؤال والفحص عن كيفية الذبح مثلاً.
وتعتبر هذه القاعدة من الأمارات المتقدمة أو الحاكمة على الأصول العملية، كأصالة عدم التذكية لأننا لو بقينا والأصول العملية كان اللازم الاجتناب عن اللحم لأصالة عدم التذكية الناشئة من استصحاب عدمها من حال الحياة أو من العدم الأزلي، كما هو مبحوث في علم الأصول على إشكال سنذكره.
إلا ان هذا الأصل محكوم لقاعدة سوق المسلمين، التي هي أمارة حاكمة عليه.
إلا ان أصالة عدم التذكية في نفسها محل إشكال، وان تسالموا على
ــــــــــــــــــــ[56]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
صحتها وكان الأحوط تطبيقها، إلا ان أساسها النظري لا يخلو من نقاش. إذ قد يقال: ان جريان الاستصحاب من حين الحياة غير تام لتغير الموضوع، كما ان استصحاب العدم الأزلي غير جارٍ كما هو محقق في علم الأصول، وحتى لو جرى استصحاب عدم التذكية, فان غاية ما يثبته هو عدم حصول التذكية وهو لا يثبت عنوان الميتة المحرمة إلا بالأصل المثبت. أي اللازم العقلي، وهو ليس بحجة.
يضاف إلى ذلك استصحاب الحِلّية في حال الحياة، إذ لم يثبت حرمة أكل الحي، والأصل الجواز. وهو أصل لفظي مضافاً إلى الأصل العملي، فنستصحب أثره إلى ما بعد الموت والمفروض إننا لا نعلم بموضوع الحرمة وهو عدم التذكية، فتأمل.
القسم الخامس: من الشك في المبيع, انه من نوع الحيوان غير المأكول اللحم. أما بالنسبة إلى ما يؤكل من الحيوان، أو مما يُلبس يعني الوبر والجلد ونحوه. بعد إحراز التذكية أو بدونه.
فلو شككنا ان اللحم من مأكول اللحم كالبقر أو غيره كالفقمة، كان مقتضى قاعدة سوق المسلمين هو البناء على الحِلّية، بالرغم من جريان أصالة عدم الحِلّية كما قيل.
وكذلك لو شككنا في قماش أو حزام أو أي شيء آخر انه من جلد أو شعر أو وبر أو ريش مما يؤكل لحمه أو من غيره، بنحو الشك صغروياً. يعني -مثلاً- لا تعلم انه ريش الحمام أو ريش الصقر. كان مقتضى قاعدة سوق المسلمين هو البناء على الحِلّية، بالرغم من جريان أصالة عدم الحِل، كما قيل، وجريان استصحاب اشتغال الذمة مع الصلاة فيها. إلا ان الصلاة فيها تكون مجزية لقاعدة سوق المسلمين.
وأما لو كان هذا الشك كبروياً. كما لو علمنا ان الريش ريش الهدهد مثلاً،
ــــــــــــــــــــ[57]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وشككنا انه مما يؤكل أو لا، لم يكن لهذه القاعدة أثر. وإنما يجب السؤال من المجتهد عن هذه الجهة.
ولو صح حمل البائع فيمثل ذلك على الصحة، وانه لم يأتِ بهذا الريش -مثلاً- إلا بعد ان تأكد من ان الهدهد مما يؤكل لحمه. إلا ان هذا تابع لما يعرفه اجتهاداً أو تقليداً، فالبناء على ما يعتقده غير صحيح. ما لم يعلم المشتري باشتراكهما في الاجتهاد أو التقليد.
ويشمل هذا القسم من الشك والقسم السابق ما يُعمَل من أجزاء الحيوان من المأكولات في المطاعم أو الأطعمة المستحضرة إذا كانت من صناعة المسلمين. ومثاله: ما إذا احتملنا ان المنفحة الموضوعة في الجبن غير مذكّاة، وهو ملحقة بالقسم الرابع من الشك. أو إنها مأخوذة من حيوان غير مأكول اللحم، وهو القسم الخامس. وعلى أي حال، يمكن البناء على حِلّيته وأكله بدون وجوب السؤال. وقد عرفنا ان هذين القسمين الأخيرين من الشك هما مورد القاعدة التي نتحدث عنها.
دلالة الأخبار:
ولا ينبغي ان يفوتنا ان نستشهد ببعض الأخبار الدالة على ذلك:
منها: صحيحة محمد بن أبي نصر(1)، قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جُبّة فراء لا يدري أذكية هي أم غير ذكية. يصلي فيها؟ فقال: “نعم. ليس عليكم المسألة. ان أبا جعفر كان يقول: ان الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم. ان الدين أوسع من ذلك”.
وعن ابن أبي حمزة(2): ان رجلاً سأل أبا عبد الله وأنا عنده عن
ــــــــــــــــــــ[58]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) أبواب النجاسات: باب50: حديث1.
(2) نفس المصدر: حديث3.
الرجل يتقلد السيف ويصلي فيه؟ قال: “نعم”. فقال الرجل: ان فيه الكيمخت. قال: “وما الكيمخت؟”. قال: جلود دواب منه ما يكون ذكياً ومنه ما يكون ميتاً. فقال: “ما عَلِمتَ انه ميتة فلا تُصلِّ فيه”. أقول: معناه: انه مع الشك تجوز الصلاة فيه كما سنوضح.
وصحيحة إسحاق بن عمار(1) عن العبد الصالح انه قال: “لا بأس بالصلاة في الفراء اليماني وفيما صنع في ارض الإسلام”. قلت: فان كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال: “إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس”.
وصحيحة ابن أحمد بن محمد بن أبي نصر(2) عن الرضا قال: سألته عن الخفّاف يأتي السوق فيشتري الخف. لا يدري أذكّي هو أم لا. ما تقول في الصلاة فيه، وهو لا يدري؟ أيصلي فيه؟ قال: “نعم. أنا اشتري الخف من السوق ويُصنع لي وأصلي فيه وليس عليكم المسألة”.
وعن إسماعيل بن عيسى(3) قال: سألت أبا الحسن عن جلد الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل. أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارف. قال: “عليكم أنتم ان تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك. وإذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه”.
إلى غير ذلك من الأخبار وهي عديدة.
وينبغي التعليق على ذلك بعدة أمور:
الأمر الأول: فيما يدل على عموم القاعدة من هذه الروايات. والدلالة على ذلك بعدة وجوه, نذكر أهمها:
ــــــــــــــــــــ[59]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث5.
(2) نفس المصدر: حديث6.
(3) نفس المصدر: حديث7.
الوجه الأول: قوله: “ما علمت انه ميتة فلا تُصلِّ فيه”. وهو واضح بعد ضم السؤال إلى الجواب، بالقول بأنه إذا لم يحصل العلم لا يحصل الحكم وهو النهي عن الصلاة. سواء كان معلوم التذكية أو مشكوكاً. بل مورد السؤال هو الشك فيكون هو أيضاً مورد الجواب. فكأنه قال: إذا كان مشكوك التذكية فلا بأس بالصلاة فيه.
الوجه الثاني: النص على عدم وجوب السؤال في عدة روايات مما سبق. ومعناه جواز ترتيب الأثر على الجواز والصحة بدون السؤال، إذ لا معنى عرفاً لإلغاء السؤال إلا ذلك.
لأن المتشرع إذا كان شاكاً بحصول شيء من الحرام كعدم التذكية فانه يميل نفسياً إلى السؤال. فقد يحصل في نفسه تخيل وجوب هذا السؤال، والروايات تنهى عنه، وهو نهي في مورد تخيل الوجوب فيدل على الإباحة أو جواز الترك. ومعناه عدم وجوب ترتيب الأثر على ما يحصل من الشك في النفس.
الوجه الثالث: التحويل على صفة الإسلام، وانه إذا كان الغالب المسلمون، يعني الأكثرية بشكل واضح. فلا بأس.
وهذا ينتج عدة نتائج:
الأولى: انه يشترط في جريان هذه القاعدة إسلام البائع. فلو اشترينا ممن نعلم انه غير مسلم فإنها لا تجري ولذا يقول في رواية سابقة: “عليكم انتم ان تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك”.
الثانية: ان هذه القاعدة جارية ما جرت صفة الإسلام. على إشكال سوف يأتي تحقيقه بعون الله.
الثالثة: انه إذا كان الغالب المسلمون جاز الشراء ممن تشك بإسلامه، إذ انه ملحق بالأعم الأغلب، يعني انه من المسلمين بحساب الاحتمالات، سواء
ــــــــــــــــــــ[60]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
طابق الواقع أم لا.
بل الصحيحة ظاهرة بجواز الشراء من الكافر إذا كان الغالب المسلمون، ممن نعلم بكفره من الباعة. وعليه المشهور لصدق سوق المسلمين عندئذ. ولولا نص الصحيحة لكانت المسألة مُشكِلة إلا انه لا بد من الفتوى على طبقها وهي الحجة.
وما قاله بعضهم(1) من جواز الشراء من الكافر دون المشكوك غريب تماماً. لأن المشكوك يجوز الشراء منه على التقديرين يعني سواء كان مسلماً أو كافراً. على ان صورة الشك من موارد سؤال السائل، كما هو واضح لمن يتأمل سؤاله. فيكون مشمولاً للجواب أيضاً.
وتمام الكلام موكول إلى الفقه.
الأمر الثاني: ان الأخبار السابقة دالة على جواز شراء الفراء والجلود. إلا ان قاعدتها العامة شاملة لكل ما يُشَك فيه. وخاصة الشك في التذكية أو في القابلية لها. ولعلها شاملة لبعض الشكوك الأخرى التي ذكرناها فيما سبق، فيما لم تكن هناك قاعدة شاملة فقهية أخرى جارية فيها، غير هذه القاعدة.
والمهم الآن ان القاعدة كما تشمل الجلود تشمل اللحوم بعد التمسك بعموم القاعدة أو التجريد عن الخصوصية. إلا ان اللحوم اختصت برواية صحيحة. وهي ما عن الفضلاء الثلاثة: الفضيل وزرارة ومحمد بن مسلم إنهم سألوا أبا جعفر عن شراء اللحوم من الأسواق ولا يُدرى ما صنع القصابون. وقال: “كُلْ. إذا كان في سوق المسلمين ولا تسأل عنه”.
وقوله: “كُلْ” وهو أمر في مورد احتمال الحظر، فيدل على الجواز… واضح في ترتيب جميع آثار التذكية إذ لا يحتمل فقهياً جواز الصلاة فيه. إلا ان مورد
ــــــــــــــــــــ[61]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) المستمسك: ج1: ص328.
هذه الصحيحة هو الشك في التذكية لا الشك في قابليتها.
الأمر الثالث: ان الروايات السابقة تدل على الجواز حتى مع الشك في القابلية على التذكية وغيره، لوضوح انه يسأل عن الجلود وعن الفراء ونحوها، ولم يعلم انه مأخوذ من أي حيوان هل هو قابل للتذكية أم لا، وهل هي مأكول اللحم أو لا. وهل هو من الحشرات عرفاً أم لا. إلى غير ذلك من الاحتمالات. ولكنها يمكن البناء فيها على الصحة والجواز. بالرغم من الأصول النافية الجارية في موردها، كما قلنا فيما سبق.
شرط الإسلام:
يترتب على اشتراط الإسلام في السوق عدة نتائج، سبق ان أشرنا إلى بعضها. ونريد هنا أن نتعرض إلى تفريعين:
التفريع الأول: ان المسلم إذا كان على غير حق أو كان متهاوناً في دينه، وعرفناه بشخصه كذلك. فهل يجوز جريان القاعدة فيه أم لا؟
التفريع الثاني: ان المسلم إذا كان قد اشترى اللحم أو الجلد أو نحوه من الكافر ونعلم انه قد عمله الكافر وباعه أيضاً، فهل تجري في مثل ذلك هذه القاعدة أم لا، عندما نشتريه من المسلم الذي أصبح مجرد واسطة بيننا وبين الكافر، بدون أي احتمال في تغيير المادة أو التصرف فيها.
أما التفريع الأول، فلا إشكال من جريان الحكم في كل مسلم بمختلف المذاهب الإسلامية، وفي جريانه في من حُكِم بكفره ممن يدّعي الإسلام إشكال.
فان قَبِلنا في جريان القاعدة في الكافر مع صدق سوق المسلمين، كما قرّبنا فيما سبق, ففي من يدّعي الإسلام أولى بالصحة، وان لم نقبله للطعن في
ــــــــــــــــــــ[62]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
الدلالة أو لإعراض الأصحاب عاد الإشكال إلى محله. وكان جريان هذه القاعدة مخالفاً للاحتياط.
وبالأخص إذا استشكلنا -كما يأتي بعد قليل- في المتهاون بالدين فمثل هذا الذي حُكِم بكفره، يكون أولى بالمنع.
وأما الحديث عن المتهاون في الدين، فقد وردت فيه بعض الروايات التي قد يُستَدل فيها على المنع.
فعن عبد الرحمن بن الحجاج(1) قال: قلت لأبي عبد الله: إني أدخل سوق المسلمين أعني هذا الخلق الذين يدّعون الإسلام. فاشتري منهم الفراء للتجارة. فأقول لصاحبي: أليس هي ذكية؟ فيقول: بلى. فهل يصلح لي ان أبيعها على إنها ذكية؟ فقال: “لا بأس ان تبيعها وتقول: قد شرط لي الذي اشتريتها منه إنها ذكية”. قلت: وما أفسد ذلك؟ قال: “استحلال أهل العراق للميتة وزعموا ان دباغ جلد الميتة ذكاته. ثم لم يرضوا ان يكذبوا في ذلك إلا على رسول الله”.
وعن أبي بصير(2) قال: سألت أبا عبد الله: عن الصلاة في الفراء. فقال: “كان علي بن الحسين رجلاً صرداً لا يدفئه فراء الحجاز، لأن دباغها بالقرظ. فكان يبعث إلى العراق فيؤتي مما قبلكم بالفرو فيلبسه. فإذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي يليه. فكان يُسأل عن ذلك: فقال: ان أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة، ويزعمون ان دباغه ذكاته”.
إلا أن هاتين الروايتين لا تخلوان من المناقشة سنداً ودلالة، فإنها من حيث الدلالة مختصة بصورة الاختلاف بالاجتهاد، وان النهي إنما ورد لأن أهل
ــــــــــــــــــــ[63]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) أبواب النجاسات: باب61: حديث4.
(2) أبواب لباس المصلي: باب61: حديث2.
العراق كانوا يزعمون ان الجلد المدبوغ بحكم المذكّى وان (دباغه ذكاته) وان كان ميتة بالأصل. وبالتجريد عن الخصوصية تشمل كل اختلاف في الاجتهاد وان كانوا على مذهب واحد، ان كان على هذا المستوى بحيث يرى أحدهم النجاسة والآخر الطهارة، أو يرى أحدهم الحِلّية والآخر الحرمة.
ولا يمكن شمول مثل هذه النصوص لمطلق التسامح في الدين. فتبقى صورة التسامح مشمولة لقاعدة سوق المسلمين كما أسسناها. إلا مع حصول العلم العرفي, أي الوثوق والاطمئنان بعدم تطبيق القاعدة الشرعية على الإطلاق من قِبَل البائع. فيكون الناتج ملحقاً بالحرمة لا محالة.
هذا مضافاً إلى بعض المناقشات الأخرى في الدلالة، لا حاجة إلى ذكرها. غير المناقشة في السند التي تسقطها عن الحجية، ويبقى ما قلناه على القاعدة صحيحاً.
وأما التفريع الثاني: وهو احتمال حجية سوق المسلمين حتى لو كان مسبوقاً بيد الكافر قطعاً.
وقد بني في (المستمسك)(1) على الجواز والحجية، وقال: «فالظاهر كونها أمارة أيضاً. كما يقتضيه إطلاق كلماتهم، وصرح به غير واحد. وحاول ان يستدل عليه».
وينبغي ان نلتفت أولاً إلى ان حجية السوق إنما تكون مع احتمال التذكية، وأما مع الاطمئنان بعدمها فلا حجية لها كما عرفنا. ومن المعلوم ان ما يؤخذ من أيدي الكفار، نعلم باليقين إنهم لم يطبقوا أحكام الإسلام عليه أصلاً، فكيف نحتمل التذكية في اللحوم والجلود المستوردة منهم؟
بل حتى مع احتمال التذكية، لفرض عدم تأثير يد المسلم على الإطلاق فيه قطعاً. ففي الواقع، فان النزاع خارج عن سوق الكفار رأساً، وما كان كذلك لا
ــــــــــــــــــــ[64]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) ج1, ص330.
يمكن القول فيه بالحِلّية.
وبعبارة آخرى: ان سوق المسلمين أخذت حجيته بصفته حكماً طريقياً إلى التذكية المشكوكة أو المحتملة كما هو المستفاد من الروايات السابقة وغيرها. ومن غير الممكن ان يستفاد منها كونها حكماً نفسياً تعبدياً قائماً بذاته، بغض النظر عن الأيدي السابقة عليه.
وما قاله(1): «من انه لا مجال لاحتمال المذكور للعلم بوجود الكفار في بلاد المسلمين وتداول ذبحهم الحيوانات وأكلهم لها، وبيع جلودها».
فهو غريب منه، لأنه يؤدي إلى دعوى السيرة بجواز ذبح الكفار. مضافاً إلى ظهور الروايات بعدم هذه السيرة وان القصابين من المسلمين كانوا محل استشكال المتشرعة فضلاً عن الكفار. وكثرة الأسئلة تدل على ذلك قطعاً.
وإذا سرنا على طريقه لم يبقَ لسوق المسلمين دخل أصلاً، فأما ان نقول بحجية كل سوق أو نقول بجواز ذبح الكفار ونحو ذلك. وكلها مما لا يمكن المصير إليه.
إذن، فسوق المسلمين ليس بحجة فيما جُلِب من الكفار، مما لا أثر ليد المسلم عليه.
نعم، لو كان ليد المسلم أثر عليه في الحِلّية، كانت القاعدة جارية، كما لو أخذ المسلم خمراً فخلله وباعه أو اشترى جلداً ودبغه لو قلنا انه كافٍ في الطهارة.
وأما مجرد القول: بأن جلب المواد الخام وصناعتها لدى المسلمين كافٍ في حليتها فغير صحيح, لأن صناعتها بعد البناء على حرمتها أو العلم بحرمتها بصفتها مجلوبة من الكفار، لا تؤثر في الحِلّية، بل يكون الشيء المصنوع كله حراماً.
ــــــــــــــــــــ[65]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) ص231.
عنوان السوق:
والاسم المتداول لهذه القاعدة هي (سوق المسلمين). وقد ورد هذا العنوان في صحيحة الفضلاء الثلاثة قال: “كُلْ. إذا كان ذلك في سوق المسلمين، ولا تسأل عنه”.
فقد يخطر في البال ضرورة وجود سوق متكاملة لتكون حجة. إلا ان ذلك غير محتمل، بل المهم الشراء من المسلم في أي مكان وفي أي زمان.
بل المراد بالسوق هو ذلك، فان اصطلاح السوق عند الصناع غيره عند غيرهم. فان السوق عندهم هو ما كان من تداول بضاعة معينة بحيث قد توجب ربحاً متزايداً وقد لا توجب. ومن هنا نقول: انه راجت سوقه. وان باعوه في منازلهم.
فالسوق عبارة عن مطلق التجارة، وان كان الأغلب اجتماع التجار في سوق واحد إلا ان هذا غير محتمل الاشتراط فقهياً. ومن هنا عبّر عدد من الفقهاء عن هذه القاعدة بيد المسلم لأن المهم هو كونه البائع.
وان كان هذا التعبير لا يخلو من تسامح، لأن المهم هو ان يكون المسلم بائعاً لا ان يكون صاحب يد. وبهذا تختلف هذه القاعدة عن قاعدة اليد. فلو كانت المادة تحت يد الكافر، وهي ملك المسلم وباعها المسلم كانت قاعدة سوق المسلمين جارية.
وأما لو باعها المسلم بالوكالة عن الكافر أو بالفضول عنه، وكانت المادة ملكاً للكافر وتحت يده لم تكن حجة. لأن البائع حقيقة في المثل هو المالك لا مجري الصيغة.
نعم، لو كانت تحت يد المسلم، كانت يده حجة في الصحة دون قاعدة سوق المسلمين.
ــــــــــــــــــــ[66]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فصل
قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده
هذه القاعدة من القواعد الفقهية المشهورة جداً بين الفقهاء المتوسطين والمتأخرين من علمائنا ولا يكاد يكون لها أثر في ما هو قبل العلامة الحلي على ما ذكره الشيخ الأنصاري في (المكاسب)(1) مروراً بـ(الشيخ الطوسي وابن إدريس والمحقق الحلي) وغيرهم من العلماء السابقين.
ولعل السر في عدم تعرّض السابقين لها -بل هو السبب بالتأكيد- عدم ورودها في النصوص الأصلية في الكتاب والسُنّة على الإطلاق, وإنما هي عبارة متصيدة من مجموعة من القواعد الفقهية الصحيحة في نفسها. ومن هنا لم يكن ذهن المتقدمين متفتقاً عن مثل هذا النص حتى استطاع بعض علمائنا المتوسطين. كـ(العلامة الحلي) أو غيره التوصل إليه.
وينتج عدم ورود هذه القاعدة في الأدلة عدم حجيتها بكل صورة حتى لو صحت بكل تطبيقاتها ومواردها. لان معنى صحتها عندئذ هو صحة القواعد الأخرى التي يمكن انطباق هذه الموارد عليها وليس معناه صحة نص هذه القاعدة وان مال بعض الفقهاء إلى الدفاع عنها والأخذ بسعة مدلولها.
كما ينتج من عدم حجيتها سقوط قيمة الإطلاق وحصول الإجمال فيها. فلا يمكن التمسك بإطلاقها أو عمومها فان مورد التمسك إنما يصح إذا انطبق
ــــــــــــــــــــ[67]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) ص101.
على قاعدة أخرى غيرها. كما لا يمكن تقييد الأدلة المعتبرة بها أو تقييدها بالأدلة المعتبرة. فان التقييد إنما يكون من شؤون تلك الأدلة ولا يشمل النصوص غير المستخرجة منها كما في هذه القاعدة.
ولا يتوهم ان مدرك هذه القاعدة ودليلها هو الإجماع لأننا عرفنا ان المتقدمين لم يتعرضوا لها على الإطلاق، وإجماع المتوسطين والمتأخرين غير محرز وان كان محرزاً فهو ليس بحجة إلا على بعض المباني الأصولية غير التامة. ومن هنا لم أجد من ادعى الإجماع أو الشهرة على هذه القاعدة أو تمسك بأحدهما كدليل عليها.
نعم، وجد في كلام المتقدمين(1) ما يمكن ان يكون تطبيقاً من تطبيقاتها كما في كلام (الشيخ الطوسي) حيث علل الضمان في غير واحد من العقود الفاسدة بأنه دخل على ان يكون المال مضموناً عليه. أقول: إلا انه ينبغي ان يتوهم أخذ (الشيخ) بهذه القاعدة وإنما هو في حكم استفادة من قاعدة أخرى، وان أصبح في نظر المتأخرين مندرجاً ضمن هذه القاعدة.
ومعه, فإنما يصح التعرض لهذه القاعدة احتراماً لمن ذكرها من الفقهاء وتثبيتاً للفقه الموروث بين يدينا عنهم وان لم يكن لها أثر عملي كما قلنا.
معنى القاعدة:
ينبغي الالتفات أولاً إلى أنهم ذكروا ان هذا النص يصدق إيجاباً وسلباً وعبروا بالقاعدة وعكسها. فالقاعدة الموجبة تقول: ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده. وعكسها يقول: ما لا يُضمَن بصحيحه لا يضمن بفاسده. ومن المنطقي ان يكون شرح المعنى للطرد والعكس متشابهاً ما لم تحصل عوائق خلال التحقيق.
ــــــــــــــــــــ[68]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) المكاسب, ص101.
والقاعدة تحتوي على (ما) الموصولة وعلى مادة الضمان وعلى التعبير بالصحيح والفاسد وعلى الضمير الغائب المضاف إلى الصحيح والفاسد. فلا بد من تحليل هذه التعابير حسب ما هو الممكن في هذا الكتاب.
أما (ما) الموصولة فأوضح ما يراد بها المعاملات من عقود وإيقاعات. ولا يخفى لدى القارئ معنى العقود والإيقاعات, فان المعاملة ان أمكن صحتها شرعاً من فرد واحد فهو إيقاع كالعتق والطلاق, وان احتاجت صحتها إلى طرفين فأكثر فهي عقد, و(ما) الموصولة تشمل لفظياً كِلا النوعين من المعاملات.
ولكننا ينبغي ان نأخذ أمرين بنظر الاعتبار:
الأمر الأول: إننا إذا أدخلنا العقود والإيقاعات تحت القاعدة خرج من تحتها ما لا يكون عقداً ولا إيقاعاً كإحياء الموات واللقطة.
الأمر الثاني: ان القاعدة بعد ان أخذت مفهوم الضمان في مضمونها وهو معنى يحتاج إلى طرفين، أمكن ان يقال إنها تختص بالمعاملات ذات الطرفين وهي العقود ولا تشمل الإيقاعات بصفتها ذات طرف واحد.
إلا انه لا ملازمة بين الأمرين إذ يمكن ان يكون طرفي الضمان غير طرفي المعاملة. فطرف الإيقاع وان كان واحداً إلا انه يكون أحد طرفي الضمان على بعض التقادير.
ومثاله: ما إذا اعتبرنا مكاتبة الرق من الإيقاع أو يمكن ان تكون إيقاعاً, بمعنى ان للمولى ان يجبر عبده على الالتزام بالمكاتبة فقد تكون المكاتبة عندئذ مشمولة لهذه القاعدة لأنها إيقاع معاوضي، فإذا فسدت وجب رد العوض إلى المولى. وبتعبير آخر: ان المولى لو أعطى لعبده مالاً يشتغل به ليتمكن من دفع مال الكتابة كان مضموناً على العبد على تقدير بطلانها.
نعم، قد يقال انه في الإيقاعات الخالية من العوض، لا يكون مدلول
ــــــــــــــــــــ[69]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
القاعدة سارياً كالطلاق والعتق، إلا ان ذلك موقوف على ان يكون معنى الضمان ما كان مذكوراً في نص المعاملة. إلا ان ذلك مما لا دليل عليه, فيمكن ان تشمل القاعدة ما تستلزمه المعاملة من أموال وضمانات وان لم يكن مذكوراً بنصها, كاستلزام الطلاق لضمان المهر أو نصفه بالرغم من كونه في نفسه إيقاعاً مجانياً.
فهذا هو الحديث عن معنى (ما) الموصولة في القاعدة.
وأما الحديث عن معنى الضمان المأخوذ بمادته في القاعدة, فالصحيح في معناه هو تحمّل العهدة والمسؤولية لشيء (ما) الذي قد يكون مالاً كالدين أو ثمن المبيع وقد يكون غيره كالكفالة للشخص الحر فانه بالكفالة يصبح مضموناً على الكافل. ومفهومه العام هو التحمل في العهدة والمسؤولية.
وأما تفسير الضمان بدفع الدرك أو البدل على تقدير التلف. فهو وان كان صحيحاً عملياً إلا انه من الناحية النظرية يكون متفرعاً على تحمّل العهدة المشار إليه. فان المال المضمون الذي في العهدة لا بد من دفعه إلى مستحقه, فان فرض تالفاً رجعنا إلى بدله بطبيعة الحال, وان كان موجوداً وجب دفعه بنفسه.
ولا يستغرب فقهياً من ضمان المال الموجود قبل تلفه, فان له في الفقه أمثلة كالمال الموهوب مع فسخ الهبة, والمال المعار عند انتهاء العارية, وكذلك لو قبض البائع الثمن وكان البيع فاسداً أو مفسوخاً أو مُقالاً وكان الثمن موجوداً بنفسه فانه يكون في عهدة البائع إرجاعه إلى صاحبه. وليست العهدة خاصة بالتلف.
وأولى من ذلك مفهوم الكفالة, إذ لو كان الكفيل حاصلاً على الفرد المكفول وجب دفعه إلى المكفول له, فهو في عهدته من هذه الناحية وان لم يكن تالفاً بطبيعة الحال.
وكذلك حصص المستحقين في الخمس والزكاة فإنها في العهدة بإيصالها
ــــــــــــــــــــ[70]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
إلى مستحقيها سواء كانت موجودة أو تالفة.
إلا أنهم اصطلحوا على ضمان الموجود بالعهدة وعلى ضمان التالف بالذمة. وهذا مجرد اصطلاح توضيحي لا حجية فيه، مضافاً إلى ان القاعدة لم يؤخذ فيها عنوان الذمة ولا العهدة وإنما اخذ فيها عنوان الضمان, وهو يشمل كلتا الجهتين بلا إشكال.
فتفسير الضمان في القاعدة بخصوص مورد الذمة -وهو التلف- بلا موجِب. على انه حتى في مورد التلف، لا يكون متعلق الذمة هو الدرك أو البدل، بل العقلاء يرون ان المال ما دام موجوداً فهو في العهدة، وإذا تلف انتقل إلى الذمة. ومعناه ان المال بنفسه أو قل بماليته الكلية انتقل إلى الذمة، وهي عقلائياً نفس المالية التي كانت متجسدة فيه حال وجوده.
إذن، فالموجود في الذمة من التالف هو نفس المال, أو قل: مالية المال. وليس بدله، إلا انه حيث لا يمكن دفع المالية بشكلها الكلي أو غير المحدد، لزم إيصالها بحد خارجي إضافي غير داخل في الذمة بطبعه، وهو معنى الانتقال إلى البدل.
وأما ما قد يقال: من أنهم خصّوا القاعدة بالذمة دون العهدة، لعدم صدقها بالنسبة إلى العهدة، ومثاله: ان الكفالة الصحيحة موجِبة للضمان دون الفاسدة. إذن، فهي مختصة بخصوص التالف. أعني موارد الذمة.
إلا ان هذا لمجرد حسن الظن بالقاعدة التي قلنا إنها لا حجية لها في نفسها، وموارد النقض -كما سنسمع- عليها عديدة، حتى في مورد الذمة. فإذا أردنا ان نخصها بما هو الصحيح فقهياً، لزم تقييدها أكثر من قابليتها. ومن الواضح إننا إذا لاحظنا النص المشهور للقاعدة وحاولنا فهمه لم نكن مقصرين. كل ما في الأمر ان نُقُوضَها ستكون أكثر، وهو أمر غير مستغرب على أي حال.
والحديث عن الضمان يَجرّنا إلى الحديث عن الضامن، فمن هو الضامن
ــــــــــــــــــــ[71]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
في طرد القاعدة. وماذا يضمن؟
لا شك ان الضامن هو طرف المعاملة، أيٌ من الطرفين كان، وأحياناً كليهما. سواء قصدنا الذمة أو العهدة.
ففي معاملة البيع مع صحته، يكون البائع ضامناً للمشتري دفع المبيع مع وجوده وبدله مع تلفه. وهو ما قالوه من القاعدة: تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه. ويكون المشتري ضامناً للبائع الثمن مع وجوده وبدله مع تلفه.
وفي حال بطلان البيع، فان لم يكونا قد تقابضا، فلا ضمان. وكذلك من لم يقبض منهما, وأما القابض فيضمن عين المقبوض مع وجوده وبدله مع تلفه. والبدل هنا هو البدل السوقي لا المسمى، لفرض بطلان العقد. وهو مورد القاعدة التي تحدثوا عنها: ضمان المقبوض بالعقد الفاسد.
فاتضح انه مع صحة المعاملة، ان كان التقابض قد حصل قبلها، فلا ضمان، ومع فسادها ان لم يكن التقابض قد حصل قبلها أو بعدها فلا ضمان. لان المال على أي حال موجود لدى مستحقه عندئذ, وإنما ينتج الضمان حين وجود المال لدى غير مستحقه.
وأما سبب الضمان شرعاً، فليس هو هذه القاعدة، لما قلناه من انه لا حجية لها بحيال ذاتها. وإنما سببه في العقد الصحيح هو صحة العقد، أو قل: إمضاء الشارع لما اتفق عليه المتعاملان، كما عبروا. ويكون المضمون هو (المسمى) يعني الثمن المذكور في المعاملة أو المثمن كذلك، ان كان موجوداً. وان كان كلياً كان عليه دفع مصداقه وهو ما عليه حديث الفقهاء عادة في هذه القاعدة.
وان كان تالفاً كان عليه دفع بدله سواء كان بائعاً أو مشترياً. لأن العين المباعة كما هي مضمونة مع تلفها من قِبَل البائع، كذلك الثمن إذا كان عينياً يكون مضموناً على المشتري.
ــــــــــــــــــــ[72]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فقاعدة: تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه. شاملة للمشتري لفظاً أو ملاكاً. وإنما خصّوها بالبائع، لأن الغالب في المبيع كونه عيناً والغالب في الثمن ان يكون كلياً. ومن الواضح انه ليس بفرق مهم فقهياً، من هذه الناحية.
وأما سبب الضمان في العقد الفاسد. فليس هو هذه القاعدة، كما قلنا، وليس هو فساد المعاملة، وان كان جزء العلة. إلا ان الجهة الفقهية المهمة هو عدم انتقال المال عن مالكه الأول, فحصوله عند الآخر، بلا موجِب ولا بد من إرجاعه إلى مالكه.
وليس هذا خاصاً بالعقد الفاسد، بل يشمل ما إذا حصل الفسخ على العقد أو الإقالة. إذ يكون ذلك سبباً لرجوع كل بدل إلى صاحبه الأول، على الخلاف بين الكشف والنقل. والمهم الآن هو حصوله بيد غير مالكه فيجب إرجاعه إليه.
ومن الواضح ان هذا المورد غير داخل في مضمون القاعدة، فكأنهم لم يستطيعوا ان يصوغوا لها اللفظ الشامل له، اللهم إلا إذا قلنا بشمول (ما) الموصولة فيها للفسخ والإقالة، إلا ان في هذا ما فيه، ومن هنا لم يحتمله أحد من الفقهاء.
هذا، وينبغي ان نلتفت انه ليس كل عقد فاسد موجب للضمان، وان أوجب الضمان صحيحه. كما لو كان طرف المعاملة عالِماً بالفساد ومُقدِماً على دفع المال، لم يجب إرجاعه إليه، لأن رضاه بدفعه عندئذ مطلق وغير مشروط بالعوض ولا بصحة المعاملة.
وأما إذا لم يكن عالماً بالفساد، فالمال ملك لصاحبه بلا إشكال. إلا ان ضمانه فقهياً موقوف على كونه من قبيل الغصب عند ذي اليد، بحيث يكون مضموناً حتى مع عدم التعدي والتفريط. وهذا ليس بصحيح على أي حال. بل هو أمانة شرعية لا تُضمَن إلا مع التعدي والتفريط. فان تسامح مالكها بالمطالبة
ــــــــــــــــــــ[73]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
بها أو عرف من لفظه أو فحواه هذا التسامح انقلبت إلى أمانة مالكية.
نعم، لا يبعد ان التسامح في الأمانة الشرعية من قِبَل ذي اليد، نوع من التفريط، لوجوب دفعها فوراً، إلا أننا نفترض قيام ذي اليد بهذا الواجب، فلا يكون ضامناً إلا بتفريط آخر.
ومعه, لا تبقى القاعدة على إطلاقها كما هو واضح، بل لا بد من تقييدها بالتعدي والتفريط.
وأما المال المضمون، فقد أشرنا إلى انه يكون على أشكال:
أولاً: الثمن المسمى والعروض المسمى مع صحة العقد وشخصية العوضين.
ثانياً: الثمن والعروض الكليين أو يكون أحدهما كلياً، فيكون مصداقة في العهدة مع صحة العقد.
ثالثاً: مع تلف أحد العوضين وكونه شخصياً، ينتقل به إلى القيمة السوقية، والتي قد تكون مثله تماماً عرفاً، كما في تلف الثمن.
رابعاً: إذا فسدت المعاملة وكانا قد تقابضا أو أحدهما ضمنه بنفسه مع وجوده وبدله مع عدمه.
وهنا يحسن الإشارة إلى أمرين:
الأمر الأول: ان هذه القاعدة تكون قاعدة لوحدة المال المضمون على تقديري الصحة والفساد وعلى تقديري البقاء والتلف. إذ يكن المضمون أشكالاً متعددة. وهذا يعني عدم التركيز في صياغتها. فان المفروض فيها لو تمت ان يكون المضمون فيها على نحو واحد على كِلا التقديرين. ولا يمكن ان يكون كذلك فقهياً.
ــــــــــــــــــــ[74]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
الأمر الثاني: قال الفقهاء: «انه لا بد بعد التلف من ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة». وعرّفوا المثل بما تتساوى أجزاؤه كالحنطة والشعير، والقيمي ما لا تتساوى أجزاؤه كالحيوان والأراضي.
وهذا هو ظاهر الأخبار أيضاً، ولا إشكال في إجزائه عند دفع المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة. إلا ان ظهور هذه الأخبار في تعيّن المثلي بالمثل محل إشكال، بل يمكن فقهياً غرامة المثلي بالقيمة، إذا كان السوق متبايناً على ذلك، كما في أيامنا الحاضرة. وهو ناتج عن النظر إلى كل شيء مما يقع تحت التجارة بماليته مثلياً كان أو قيمياً، في حين ان مفهوم المثلي مستبطن للنظر إلى النوع أيضاً. وهذا وان كان هو السائد في العصور السابقة، غير ان تغيّر السوق يحقق لنا موضوعاً جديداً للتبادل. وهو ممضى شرعاً لأن النظر إلى المالية أمر مفروض دائماً عند العقل والعقلاء.
ولعل الحال قد وصل في عصورنا إلى ان ضمان المثلي بالمثل محل سخرية أو تعجب، بعد ان كان الميزان هو المالية في كل شيء. وعندهم ان هذا أسلوب أقرب إلى مفهوم المقايضة منه إلى شيء آخر. وهو أسلوب قديم قد ألغاه السوق من زمان بعيد.
وعلى أي حال، فضمان المثلي بالقيمة لا إشكال فيه فقهياً أما لِما قلناه من إمضاء السيرة المعاصرة. وأما للتراضي بين الطرفين بذلك، بأن يدفع بدل المضمون في الذمة نقداً. فان المضمون في الذمة وان كان هو المثل إلا انه يدفع إلى صاحبه ثمنه بالتراضي.
وأما ضمان القيمي بالمثل، فهذا غير ممكن، لفرض انه لا مثل له أولاً. وكذلك؛ فان السيرة منذ القديم والى الآن قائمة على ضمانه بالقيمة، فيكون ضمانه بالمثل، بعد إحراز المثلية فرضاً، تشريعاً محرماً. وان كان التراضي بعنوان التعويض، لا أرى فيه بأساً. والكلام في المثلي والقيمي مفصلاً ليس هذا محله.
ــــــــــــــــــــ[75]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
أدلة القاعدة:
ذكروا لهذه القاعدة طرداً وعكساً بعض الأدلة، وخاصة أولئك المتحمسون لإتمامها وتصحيحها. وفي الواقع ان تلك الأدلة أحكام شرعية أو قواعد فقهية أخرى لها مواردها، وهي تنطبق على بعض موارد هذه القاعدة بالحمل الشايع. وقد ألمعنا في ما سبق أنها حتى لو تمت بجميع مواردها، فلا يمكن التمسك بإطلاقها، وإنما هو تمسّك بإطلاق تلك القواعد أو أدلة الأحكام التي كانت كدليل عليها.
وبعض تلك الأدلة عامة لكثير من موارد القاعدة، وبعضها خاص ببعضها أو بعكس القاعدة. ولا ينبغي ان نستوعب تلك الأدلة الآن وإنما نشير إلى أهمها:
وأهم تلك الأدلة وأعمها بالنسبة إلى القاعدة هو قاعدة احترام مال المسلم. قال بعضهم(1): «فان المسلم محترم في نفسه وعرضه وماله وحرمة ماله كحرمة دمه، وعمله محترم أيضاً. وهو من ضروريات الدين ومدلول عليه بالكتاب والسُنّة وإجماع المسلمين. ومعنى احترام ماله حرمة مزاحمته والأخذ منه بالقهر عليه».
وهذا الذي قاله صحيح، إلا ان الأدلة التي ساقها على حرمة مال المسلم وعمله، لا يعني كونها أدلة على القاعدة. نعم, هي أدلة على الضمان، بكل تأكيد. للتلازم بين الاحترام والضمان. ولكن القاعدة ليست مقتصرة على مفهوم الضمان بل الأهم فيها هو الملازمة بين صدرها وذيلها إذ نقول: ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده. وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.
وإذا ثبت ضمان مال المسلم، لا يكون ذلك سبباً لمعرفة أسباب الضمان.
ــــــــــــــــــــ[76]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) بلغة الفقهية: ج1: ص71.
بل تحتاج الأسباب إلى أدلة أخرى. وأما هذا وحده فغير كافٍ، كما هو غير خافٍ.
نعم، لو كانت تشمل الأسباب لصحت في كثير من موارد هذه القاعدة كما أشرنا، لأن العقد قد يوجب الضمان بصحيحه وبفاسده، وقد لا يوجب الضمان، كالعقود المجانية. هذا في غير موارد النقوض على القاعدة التي يرجع جملة منها إلى الضمان في صورة فساد العقود المجانية. وسنتعرض إلى المهم منها.
ومن هنا غيروا الدليل على هذه القاعدة، من مجرد احترام مال المسلم إلى ما هو أخص منه، وهو ما يسمى بقاعدة الإقدام. وهي من متفرعات ذلك الاحترام عرفاً. وان كان بينهما عموم من وجه منطقياً. لان قاعدة الإقدام معناها تحكيم رأي المالك في ماله عدا ما استثني. وهذا كما يعني حقه في منع غيره من التصرف الذي هو معنى الاحترام, يعني أيضاً الإذن لغيره به وهو لا يدخل في معنى الاحترام بالمطابقة، وان كان شاملاً له عرفاً. لأن الاحترام ليس هو احترام المال بمجرده بل احترام المالك، وهو يستلزم عرفاً قبول رأيه في ماله مهما كان.
ومعه, فان أقدم المالك على نقل ماله مجاناً لم يضمنه الأخر، وان أقدم على نقله بعوض لزم الضمان.
وهذا المعنى هو السبب للضمان وجوداً بلا إشكال, إلا ان ما أشرنا إليه هناك يبقى هنا، وهو الملازمة بين صدر القاعدة وذيلها طرداً وعكساً. إذ معناه: ان ما كان من العقود أو المعاملات سبباً للضمان بصحيحه يكون سبباً للضمان بفاسده أيضاً. وما لا يكن سبباً للضمان بصحيحه لا يكون سبباً له بفاسده.
وهذه الملازمة لا تثبت بمجرد حصول الإقدام. أما في عكس القاعدة فواضح، لان الإقدام على المجانية بالعقد الصحيح لا يلزم الإقدام على
ــــــــــــــــــــ[77]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
المجانية في الفاسد. بل ان المالك عرفاً وعادةً يريد ماله ان عرف بطلان المعاملة. وليس رضاه بالمجانية شاملاً حتى لصورة الفساد.
وأما في طرد القاعدة، فالإقدام على التعويض واللامجانية، يلزم الضمان عند صحة العقد المعاوضي، دون صورة الفساد. وإلا لزم ضمان أقل الأمرين من القيمة السوقية والمسمى. ولم يقل به أحد.
وإنما -في صورة الفساد- يكون المال الذي عند المشتري ملكاً للبائع بالعكس، الأمر الذي يكون موضوعاً لوجوب إيصال المال إلى مالكه، بغض النظر عن وجود أي معاملة عليه. فلو كان البيع فاسداً أو مفسوخاً، كان وجوده كعدمه، ولا دخل لعنوان الفساد في الإرجاع، الإبقاء المال على ملك مالكه الأول وخاصة بعد كون الفقهاء لم يتحدثوا عن الفسخ والإقالة هنا، كما أسلفنا(1).
بقي ان نشير فيما يلي إلى عدة أمور:
الأمر الأول: تساءل الفقهاء عن معنى الباء في قولهم: «بصحيحه وبفاسده». فكأنهم يتعاملون مع النص بصفته مما قام عليه دليل معتبر فقهياً.
والمهم إننا يحسن ان نتابعهم في هذا التساؤل, وأجابوا بأحد احتمالين:
الاحتمال الأول: ان يكون الباء بمعنى السببية. وهذا يصح في جانبي الصحة من القاعدة وعكسها، لان العقد الصحيح المعاوضي يوجب الضمان وغير المعاوضي يُسقطه. إلا انه لا يصح في جانبي البطلان من القاعدة وعكسها، لما أشرنا إليه من ان المعاملة الباطلة لا توجب الضمان بصفتها
ــــــــــــــــــــ[78]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) فان الفسخ يؤثر في إعادة المالكية أو نقل الملكية من جديد بناءً على (النقل) الذي هو الصحيح. وأما بطلان العقد أساساً فليس له أي أثر. فاعتبار المعاملة الفاسدة شيئاً يمكن التحدث عنه فقهياً أو عن أثره، أمر غير معقول.
معاملة، بل هي ملحقة بالعدم تماماً. إلى مناقشات أخرى.
الاحتمال الثاني: ان يكون الباء بمعنى (مع)، ويراد بها الظرفية دون السببية. وبهذا اندفع الإشكال السابق. لأن العقد الباطل يكون ظرفاً للضمان في المعاملة المعاوضية.
إلا أننا ينبغي ان نعتبر الظرفية أعم من السببية ليشمل صورة وجوده طرف صحة المعاملة التي تكون سبباً للضمان أو عدمه. وأما لو اعتبرناها مغايرة لها، كان اللازم اعتبار الباء سببية في طرف الصحة، وظرفية في طرف البطلان. وهو كما ترى.
وقد يُعبّر عن الظرفية التي قلناها في الاحتمال الثاني: بأن الباء في القاعدة بمعنى (في) كما نص الشيخ الأنصاري في (المكاسب). ومحصلهما الفقهي -أعني: في ومع- واحد في هذا المقام. لأن الاقتران المفهوم من لفظ (مع) لا يزيد أثره على الظرفية المستفادة من لفظ (في) بهذا الصدد، ومن هنا كان الاحتمالان واحداً لباً وان كانا اثنين لفظاً.
الأمر الثاني: لا شك ان الضمير الغائب في قولهم: «بصحيحه وبفاسده»، يعود إلى (ما) الموصولة. فماذا يراد بهما معاً وما هو مرجعهما الحقيقي؟
والمحتملات في ذلك بالنظر الأولي عديدة: جنس العقد، ونوع العقد وصفته وشخصه.
أما جنس العقد، يعني مفهومه، فهو غير محتمل، لأن العقود تختلف في الضمان وعدمه, أو قل: بالمجانية وعدمها. فمن غير المستطاع القول: ان العقد بصفته عقداً يضمن بصحيحه أو لا يضمن. فلا تنطبق القاعدة ولا عكسها.
وأما نوع العقد، وهو النظر إلى تفاصيل العقود الفقهية، كعقد البيع وعقد الإجارة وعقد الرهن وغيرها.
ــــــــــــــــــــ[79]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فهذا هو الذي يبدو للنظر، وقد يستظهر من لفظ القاعدة، لان بعض هذه الأنواع معاوضي وبعضه مجاني، ومنه ما يكون صحيحاً ومنه ما يكون فاسداً.
إلا ان المدافعين عن القاعدة استشكلوا في ذلك من ناحية ان الصلح من أنواع العقود. وهو يختلف في نتائجه فقد يكون معاوضياً وقد يكون مجانياً، تبعاً لما يماثله من المعاملات ويقوم هو مقامها. ومعه, فيكون انطباق القاعدة وعكسها، على نوع (الصلح) متعذراً.
ولذا قالوا: انه لا بد من الانتقال إلى (الصنف). وهو التقسيم الذي يكون دون النوع، فكما ان نوع الإنسانية تنقسم إلى إنسان أبيض وإنسان أسود، كذلك عقد الصلح ينقسم إلى مجاني ومعاوضي. فإذا لاحظنا الصنف انطبقت القاعدة. وهذا هو مرادهم لباً، بتعبير منا.
وقد يفيد ذلك فائدة أخرى، فان من العقود ما يتوقف الضمان فيه على القبض كالصرف والسلم، وهي أصناف من عقد البيع، فيندرج كل واحد بحياله في القاعدة. ويكون المراد من (ما) الموصولة حصول العقد والقبض أحياناً.
إلا ان هذا غير تام، لوجوه منها:
أولاً: ان أكثر العقود ليس لها أصناف، فتكون النتيجة إننا نقصد الأصناف من بعض العقود والأنواع من العقود الأخرى. وهو وإن أمكن في التصور، إلا انه خلاف التعبيرات البليغة.
ثانياً: ان مرجع الموصول عندئذ يكون على أشكال عديدة، لا تكاد تندرج تحت مفهوم (جامع) معين:
الإيجاب والقبول.
الإيجاب والقبول والقبض.
ــــــــــــــــــــ[80]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
العقود ذات الأطراف الثلاثة كرضا الورثة في تصرف المريض بثلثه، وكرضا العمة في الزواج من بنت أخيها ونحو ذلك. وبيع العين المرهونة الموقوفة على رضا الراهن والمرتهن والمشتري، وغير ذلك كثير.
الإيقاعات المعاوضية. كالمكاتبة لو اعتبرناها إيقاعاً، كما سبق ان أشرنا.
فإذا عممنا المعنى للقاعدة وعكسها، بحيث أردنا ان يكون مرجع الموصول واحداً في الجميع كانت الاحتمالات أكثر كما هو معلوم فتحتاج القاعدة عندئذ إلى قيود إضافية، ولا تصح بمجردها.
الأمر الثالث: في أهم النقوض التي أوردها (الشيخ الأنصاري) وغيره على القاعدة.
وقد كان التركيز من هذه الناحية على عكسها أكثر. لأنهم اعتبروا الضمان هو انشغال الذمة، ولم يتعرضوا إلى اشتغال العهدة بما هو موجود قبل التلف، ولكننا سبق ان قلنا ان معنى الضمان شامل لكِلا المعنيين.
والمراد من النقض، كون المورد مندرجاً في موضوع القاعدة من دون ان يكون مندرجاً في حكمها، كما سيتضح من الأمثلة. والنقض تارة على القاعدة وأخرى على عكسها.
أما النقوض على طرد القاعدة:
أولاً: ما قلناه في الكفالة: فإنها سبب للضمان بصحيحها. دون فاسدها. سواء كان متعلقها إنساناً أو غيره.
ثانياً: النكاح، فانه سبب لضمان المهر بصحيحه، وليس كذلك الفاسد ما لم تقبضه الزوجة. فيكون القبض هو السبب دون العقد.
ــــــــــــــــــــ[81]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ثالثاً: الجعالة الشخصية، أعني التي يكون طرفها محدداً أو شخصياً. فإنها سبب الضمان بصحيحها للضال والأجرة. ولا تكون كذلك الفاسدة، وخاصة بالنسبة إلى الضال. وأما الأجرة فالقبض يكون سبباً لإرجاعها دون العقد.
وأما النقوض على عكس القاعدة:
أولاً: الصيد الذي استعاره المُحرِم من المحل، بناءً على فساد العارية. فإنهم حكموا بضمان المحرم له بالقيمة مع ان صحيح العارية لا يضمن به.
ثانياً: نماء المبيع غير المستوفي، حيث لا يكون مضموناً في الصحيح، ولكنه مضمون في الفاسد.
ثالثاً: ما ذكره الشيخ الأنصاري(1): «الشركة الفاسدة بناءً على انه لا يجوز التصرف بها، فأخذ المال المشترك حينئذ موجب للضمان». ومعناه: ان الشركة الصحيحة غير موجبة للضمان بخلاف الفاسدة. ويمكن ان يراد: ان الإذن الصحيح بالتصرف غير موجب للضمان دون الإذن الفاسد، فانه موجِب له، وهو أمر صحيح في الشركة وغيرها.
أما النقوض الثلاثة الأولى، فهي مما لم نُسبَق إليه، لنجد من يدافع عنها. وأما الثلاثة المتأخرة، فقد دافع عنها بعضهم، وأصبحت في مجال النقض والإبرام، مما هو خارج عن مجال الكلام في هذا الكتاب.
ــــــــــــــــــــ[82]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) المكاسب, ص103.
فصل
الصحة واللزوم في المعاملات
هناك ما يسمى فقهياً بـ«أصالة الصحة»، بمعنى ان الأصل في العقد أو الإيقاع إذا حصل، هو الصحة، ما لم يثبت البطلان. وهناك ما يسمى فقهياً بـ«أصالة اللزوم»، بمعنى ان الأصل في العقد أو الإيقاع إذا حصل ان يكون لازماً ما لم يثبت الخلاف، وخلاف اللازم هو (الجائز) في اصطلاحهم.
وهاتان القاعدتان، متشابهتان نسبياً في المضمون وفي الدليل، ولذا أدرجناهما في فصل واحد, وإنما اللزوم عرفاً شكل مؤكد ومركّز من أشكال الصحة.
وقاعدة الصحة: أصل ظاهري يثبت حال الشك في الصحة والبطلان بما وقع من المعاملات. فنقول: ان اللازم هو البناء على صحتها، ما لم يثبت البطلان بدليل معتبر.
وأما قاعدة اللزوم: فقد تكون أصلاً ظاهرياً، يرجع إليه حال الشك، فيما إذا شككنا في نوع بعض العقود انه لازم أو جائز. فينبغي ان نبني على اللزوم، بمعنى عدم تمكن أحد الطرفين أو الأطراف من نقض المعاملة وفسخها. أو إلحاقه بمجموعة العقود اللازمة دون العقود الجائزة كما سنوضح.
وقد تكون قاعدة اللزوم حكماً واقعياً، أو صفة ثابتة لبعض العقود شرعاً، ولذا قسموا المعاملات أو العقود إلى لازمة وجائزة. وقالوا: ان البيع والإجارة
ــــــــــــــــــــ[83]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
والوقف والنكاح عقود لازمة، وان العارية والهبة والوديعة عقود جائزة, كما سنوضح.
كما قد تكون الصحة صفة واقعية أيضاً، وهي حكم واقعي ثابت للعبادات والمعاملات الجامعة للشرائط والفاقدة للموانع شرعياً وفقهياً. إلا ان هذا خارج عن محل الكلام فعلاً. وإنما محل كلام الفقهاء هو أصالة الصحة الظاهرية وصفة اللزوم الواقعية، فيما عَدّوه من العقود اللازمة. ولم يتعرضوا إلى أصالة اللزوم كما تعرضوا بها إلى ذينك الأمرين.
ونحن فيما يلي نتعرض للأمور الثلاثة جميعاً:
1- أصالة الصحة.
2- أصالة اللزوم.
3- صفة اللزوم الواقعية. ونحاول إيضاح مواردها وأهم أدلتها.
أصالة الصحة:
إذا شككنا في أي عقد أو إيقاع بعد وقوعه في انه جامع لشرائط الصحة وفاقد لموانعها، أم انه باطل لوجود خلل في شروطه. لزم البناء على الصحة طبقاً لأصالة الصحة التي نتحدث عنها.
ومثاله: إذا اشترط الفقيه لزوم تقدم الإيجاب على القبول أو اللفظ العربي في العقد. وشككنا بحصول أحد هذين الشرطين أو كليهما، واحتملنا تقدم القبول على الإيجاب أو العقد بغير اللغة العربية لزمنا القول بالصحة، مع التسليم انه لو لم يكن جامعاً للشرائط كان باطلاً لا محالة.
وهذا من قبيل الشك الصغروي بطبيعة الحال بعد إحراز الكبرى, يعني الشك في التطبيق بعد إحراز الحكم الكلي. وأما لو كان الشك في أصل الحكم
ــــــــــــــــــــ[84]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فلا مورد لأصالة الصحة، بل يكون مورداً لقواعد أخرى كأصالة عدم الشرطية المنتجة للصحة، أو استصحاب بقاء الملك على مالكه المنتج للبطلان.
ويمكن ان يستدل لها بعدة أدلة, نذكر أهمها:
الدليل الأول: بعض آيات القرآن الكريم، كقوله تعالى: أَوْفُواْ بِالْعُقُود. وقوله تعالى: إلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ.
وتقريب الاستدلال بها: أنها أخذت في موضوعها عنوان التجارة وعنوان العقود. وهي عناوين عرفية يجب ان نأخذها من السوق. إذن, فموضوع الآيات الكريمة هي هذه العناوين العرفية. فمتى صدق عرفاً كون المعاملة عقداً أو تجارة وجب الوفاء بها وصحت.
نعم، إذا كانت المعاملة من الفساد بحيث لا يصدق عليها ذلك عرفاً، لم تدخل في موضوع الآية ولم تصح.
ينتج من ذلك كله: إننا إذا أحرزنا وقوع العقد أو الإيقاع بالشك العرفي، وشككنا في صحته الشرعية، كفى ذلك في صحته. وهو معنى أصالة الصحة.
ويمكن ان يناقش: بأن المفروض هو الشك في تخلف بعض الشرائط، ومعه, يكون الشك في الصدق الشرعي للعقد قائماً، فكيف يكون مشمولا للآية الكريمة؟ وبتعبير آخر: ان الصدق العرفي مما ألغاه الشارع في المقام، بعد التقييد المفروض ثبوته. فيكون الشك في تخلف القيد شكاً في صدق العقد.
إلا ان هذا لا يتم, لأن التقييد الشرعي لا يتضمن إلغاء ما سواه عرفاً. بل ليس من حق الشارع التصرف في الأمور العرفية. إذن، فالمعاملة عقد عرفي. فيدخل في موضوع الآية وجداناً وان شككنا في تحقق شرطه الشرعي. فيمكن ترتيب آثار الصحة عليه.
الدليل الثاني: الإجماع بين الفقهاء على صحة أصالة الصحة وحجيتها ولا
ــــــــــــــــــــ[85]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
شك إنها مشهورة جداً بين الفقهاء حتى المتقدمين منهم. إلا ان الإجماع بشكله المعتبر لم يحرز على أي حال.
الدليل الثالث: السيرة العقلائية، إذ لا شك ان العقلاء يرتبون الأثر على العقود التي يعملونها حتى وان كانت فاقدة للشرط الشرعي، فضلاً عن الشك في ذلك. وهم يبنون على الصحة في مورد وقوع العقد، بلا إشكال، حتى لو كان الشرط المشكوك تخلفه، عقلائياً لا شرعياً.
وهذا وان كان ناتجاً من التسامح العرفي، إلا انه عمل قائم فعلاً بلا إشكال.
نعم، لو شكوا في سقوط المعاملة تماماً عن الاعتبار لم يبنوا على الصحة. وعلى أي حال، فالشروط في أنظارهم مختلفة، إلا أننا نفترض الشك في الشرط الشرعي مع إحراز الشرط العقلائي. وعندئذ فأصالة الصحة العقلائية جارية بلا إشكال.
بل حتى لو كان الشك في الشرط العقلائي، مع انحفاظ صورة المعاملة عقلائياً، كانت أصالة الصحة جارية.
تقديم أصالة الصحة:
بقي ان نلتفت إلى ان العقد لو كان فاسداً لم يترتب أثره. فالشك في فساده شك في ترتب الأثر، فيشمله استصحاب عدم ترتب الأثر وأصالة البطلان. فينبغي ان نتصور أصالة الصحة فقهياً بحيث تكون واردة على هذا الأصل.
وذلك بأحد وجهين:
الوجه الأول: ان أصالة الصحة أمارة وليست أصلاً عملياً، والأمارة متقدمة على الأصل العملي كما حُقِّق في علم الأصول. وما يجري لإثبات البطلان هو
ــــــــــــــــــــ[86]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
أصل عملي محكوم لهذه الأمارة. والأمارة عندهم هي الدليل الذي يقام عند الشك، ويكون له قابلية إثبات الواقع تعبداً. فإذا قامت الأمارة فكأننا عَلِمنا بالواقع، وان بقينا وجداناً شاكين. والأصل العملي عندهم لا يستلزم أكثر من ترتيب المدلول كالصحة مثلاً، والبناء عليها عملياً، في السلوك الخارجي، من دون ان يكون له قابلية الإثبات للواقع.
فهنا تحتاج إلى الدليل، بأن أصالة الصحة لها قابلية إثبات الواقع، لتكون أمارة متقدمة على الأصول النافية لصحة العقد، كما أسلفنا. وهو غير بعيد بعد ان استطعنا ان نثبت بالآية كون المعاملة عقداً وتجارة. وتمام الكلام في محله.
الوجه الثاني: ان الأصول النافية للصحة، وان كانت بمجردها متقدمة رتبة على أصالة الصحة وحاكمة عليها، لكونها جارية في موضوعها، لأنها تثبت كون العقد ناقصاً، والناقص لا يكون صحيحاً.
إلا ان هذه الأصول لا تثبت كونه ليس عقداً عرفياً. وقد عرفنا انه بعد إحراز عرفيته يكون مشمولاً للآية الكريمة، وان كان محتمل النقصان. وهذه الأصول النافية ليست أمارة ليكون لها قابلية إحراز الواقع. بل يبقى الشك بالرغم من جريانها ثابتاً وإحراز العرفية متحقق، فلا يكون لها اثر في تغيير موضوع الآية. فتأمل. وتمام الكلام في محله، والوجه الأول هو المعتمد.
موارد أصالة الصحة:
تشمل أصالة الصحة كل العقود بلا إشكال لقوله تعالى أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ. كما سبق ان استفدنا منها. وتشمل الإيقاعات التي لها مضمون تجاري لقوله تعالى: إلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ.
ويمكن القول أيضاً: ان الإيقاعات مندرجة في مفهوم الآية الأولى، لأن تقسيم المعاملات إلى عقود وإيقاعات أنما هو اصطلاح متأخر في الفقه، ولم
ــــــــــــــــــــ[87]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
يكن في صدر الإسلام حتى تُحمَل الآية الكريمة عليه. فالعقود هي مطلق المعاملة، حتى وان كانت إيقاعاً، فتكون الإيقاعات مندرجة ضمنها لا محالة.
وأما ما ليس من العقود والإيقاعات كإحياء الموات وغيره، فلا يكون مشمولاً لأصالة الصحة، لأنه غير مشمول لدليلها. فإذا شككنا في حصول الإحياء ببعض الأعمال البسيطة في الأرض مثلاً، كان استصحاب عدم حصول الملكية جارياً إلى ان يصدق حصول الإحياء عرفاً.
يبقى الالتفات إلى الإيقاعات التي ليست من قبيل التجارة، كالوقف والعتق. وقد عرفنا اندراجه في مفهوم العقود. ولو تنزلنا عن ذلك لم يكن مندرجاً في آية التجارة، لفرض انه ليس تجارة. بل يكون مندرجاً في الحديث المشهور(1): “المسلمون عند شروطهم”. والمعاملات كلها شكل من أشكال الشروط لغة وعرفاً، فيندرج الوقف والعتق وما كان من قبيلها في ضمنها.
صفة اللزوم:
ينبغي لنا فيما يلي ان نتحدث عن صحة اللزوم الواقعية، للعقود اللازمة أولاً. لكي يكون الحديث عنها كمقدمة للحديث عن أصالة اللزوم الظاهرية بعد ذلك.
فقد قسموا العقود بل مطلق المعاملات إلى جائزة ولازمة. فمن العقود اللازمة كما سمعنا: البيع والإجارة والنكاح. ومن الإيقاعات اللازمة: العتق والطلاق والوقف. ومن العقود الجائزة: الوديعة والعارية والهبة، ومن الإيقاعات الجائزة: الإباحة والإذن.
وقد قالوا في معنى اللزوم: إنها صفة للمعاملة تجعلها غير قابلة للفسخ أو
ــــــــــــــــــــ[88]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) الوسائل, ج12: كتاب التجارة: أبواب الخيار: باب6: حديث1 و5.
النقض، ما لم يدل دليل خارجي على وجود خيار الفسخ أو الاتفاق على الفسخ وهو الإقالة. وأما الجواز في المعاملة: فهو القابلية الذاتية لها للفسخ بإرادة فاعلها، من دون ان تحتاج إلى دليل خارجي على خيار الفسخ.
وقد اختار الشيخ(1) في معنى اللزوم للبيع: «ان وضع البيع وبنائه عرفاً وشرعاً على اللزوم وصيرورة المالك الأول كالأجنبي. وإنما جعل الخيار فيه حقاً خارجياً لأحدهما يسقط بالإسقاط وبغيره. وليس البيع كالهبة التي حكم الشارع فيها بجواز رجوع الواهب بمعنى كونه حكماً شرعياً له أصلاً وبالذات بحيث لا يقبل الإسقاط».
قال: «ومن هنا ظهر ان ثبوت خيار المجلس في أول أزمنة انعقاد البيع لا ينافي كونه في حد ذاته مبنياً على اللزوم، لأن الخيار حق خارجي قابل للانفكاك. -إلى ان قال-: فالأصل هنا كما قيل نظير قولهم: ان الأصل في الجسم الاستدارة، فانه لا ينافي كون أكثر الأجسام على غير الاستدارة لأجل القاسر الخارجي».
ولنا ان نعلق على هذا الكلام بعدة أمور تتعمق بها تدريجاً فكرتنا عن اللزوم والجواز:
الأمر الأول: يتحصل من كلام الشيخ الأنصاري. ان البيع والعقود اللازمة على العموم صفتان, إحداهما: حكمية وهي اللزوم. وأخرى: حقية وهي (الجواز) بالخيار. والأولى: ذاتية, والأخرى: خارجية أو عرضية. والصفة العرضية لا تنافي الصفة الذاتية. والأولى بصفتها حكماً غير قابلة للإسقاط, والثانية بصفتها حقاً قابلة للإسقاط.
وهذا التكوين الفكري هو الذي أصبح تقليدياً موروثاً منذ قاله الشيخ وإلى
ــــــــــــــــــــ[89]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) المكاسب: ص214.
الآن. هو أمر مرتب إلى حد كبير ومتكامل. إلا ان الأمر المهم هو إمكان استفادته من الأدلة:
أولاً: انه من الناحية العرفية العملية، لا فرق بين الجواز الحكمي والجواز الحقي، لأن العرف ليس لديه نظريات وإنما يعيش سيرة عملية دائماً، ومن حيث هذه السيرة، فهو يعلم بأن العقد أو المعاملة قابلة للفسخ، ولا يتساءل عندئذ هل هي قابلية حكمية أو حقية. فيكون الاستدلال بالسيرة على لزوم العقود اللازمة مع كونها قابلة للفسخ عملياً -ولو بالخيار- لا يخلو من تسامح.
ثانياً: إننا يمكن ان نعرف اللزوم من نظائره في الفقه، فالمثال الأمثل للّزوم هو العتق. إذ لا يمكن فقهياً فسخ العتق لا حَقّاً ولا حكماً لإعادة الحر في الرقيّة. فهل البيع والإجارة كذلك؟ ان الوجدان الفقهي والمتشرعي يحكم بالاختلاف.
وليس هذا لمجرد عدم وجود الخيار فيه، بل ان الوجدان حاكم بلزوم بعض العقود بشكل استثنائي كالوقف والعتق والنكاح، وهذا الوجدان مدرك أنها تختلف عن غيرها من العقود والإيقاعات، وان البيع والإجارة ليست مثلها لا ذاتاً ولا عرضاً.
ثالثاً: ان الأدلة التي استدلوا بها على خيار المجلس، صالحة للدلالة على تزلزل البيع وجوازه من حين وقوعه، وهو أمر يعترفون به عملياً، إلا أنهم يحملونه على الجواز الحقي دون الحكمي فمن أين وكيف يمكن استفادة ذلك من هذه الأدلة؟
خذ مثالاً إليك: صحيحة زرارة(1): “البيعان بالخيار حتى يفترقا”. الحديث. والخيار لغة وعرفاً ليس خاصاً بالخيار الحقي، لأنه اصطلاح متأخر، لا يمكن
ــــــــــــــــــــ[90]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) أبواب الخيار: باب1: حديث2.
حمل النصوص السابقة عليه، فالصحيحة دالة على انعقاد البيع في حالة جواز وتزلزل. أعني ممكن الفسخ. ولا يمكن استفادة أحد السببين بالتعيين منها.
وأوضح من ذلك صحيحة الحلبي(1) عن أبي عبد الله انه قال: “ان أبي اشترى أرضاً يقال لها العريض…. فلما استوجبها قام فمضى. فقلت له: يا أبه عجلت القيام. فقال: يا بني أردت ان يجب البيع”.
والوجوب لغة هو اللزوم والضرورة، فلا لزوم قبله. فمن أين لنا الحديث عن اللزوم الذاتي إذا لم تساعد عليه الأدلة؟ وتمام الكلام في محله.
رابعاً: كيف يمكن لهم البرهنة على ما قالوه من ان الجواز في العقود الجائزة غير قابل للإسقاط؟ فلعله قابل للإسقاط باشتراط اللزوم في العقد، وخاصة في مثل الوديعة، إذ يكون على المالك التأخر إلى حين انتهاء الأمد.
وليس التصرف هنا في الحكم الشرعي، كما ليس الفسخ بالخيار الحقي تصرفاً بالحكم أيضاً. فان الحكم غير قابل للإسقاط، ومحاولة ذلك تشريع محرم. وقد قلنا في الفصل الخاص بالحق، ان الحق يحتاج إلى حكم بجعل الحق ولولاه لا يكون الحق ثابتاً. والإسقاط ليس لهذا الحكم بل لصغراه وتطبيقه وهو الحق الثابت في مورد معين. فكذلك الحال في العقود إذا كانت جائزة حكمياً، فان تحويلها إلى اللزوم بالحق لا بالحكم ليكون تصرفاً بالحكم الشرعي.
خامساً: ان الأمر قد يقال انه أكثر من ذلك, لأن البيع يحتوي على تزلزل من حين وجوده، في حين ان هذا التزلزل غير موجود في الهبة والوديعة ونحوها. إذ ليس فيها خيار مجلس وخيار حيوان ونحوها. فاللازم اعتبارها أشد ثبوتاً ولزوماً من البيع. وخاصة بعد ان عرفنا ان الفهم العرفي لا يفرق بين
ــــــــــــــــــــ[91]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) نفس المصدر: حديث3.
التزلزل الحقي والحكمي.
ودعوى التفريق بين الصنفين من المعاملات: بأن العقود الجائزة لا يمر عليها أي وقت لا تكون فيه قابلة للفسخ على حين يكون البيع بعد سقوط الخيارات كذلك.
هذه الدعوى ليست صحيحة، لأمرين:
أحدهما: انه يمكن دعوى اللزوم في كل العقود، غير ان بعضها جُعل لها خيار مؤقت وبعضها جعل لها خيار دائم. ولعل هذا الخيار قابل للإسقاط أيضاً صغروياً، كما عرفنا في العقود الجائزة.
ثانيهما: ان العقود اللازمة عندهم دائمة القابلية للفسخ أيضاً، كل ما في الأمر ان الخيارات إذا سقطت كانت المقابلة كافية في فسخها, في حين انه في العتق والوقف ونحوها، لا يكون للمقابلة أي اثر، كما هو معلوم.
ومهما أمكن هنا ان نناقش في هذه التقريبات بالدقة المنطقية، فإنها بلا إشكال تدعم الفهم العرفي (العملي) من ناحية و(الساذج) من ناحية أخرى، والخالي من تعقيدات الفقهاء. فإذا كان هذا العرف هو الذي نفهم به الكتاب والسُنّة فمن أين لنا ان نستفيد اللزوم فيما يعدّونه من العقود اللازمة كالبيع والإجارة؟
الأمر الثاني: سمعنا ان الشيخ الأنصاري نظّر لزوم البيع بأمر تكويني خارج عن باب المعاملات. وقال: «نظير قولهم ان الأصل في الجسم الاستدارة، فانه لا ينافي كون أكثر الأجسام على غير الاستدارة لأجل القاسر الخارجي».
وهو يعلم ان قياس التشريع بالتكوين وبالعكس، أمر شطط. لأن لكل واحد منهما اتجاهه وقوانينه التي لا يشبه بها الآخر.
ومن هنا لا يمكن ان نفهم من ذلك إلا مجرد تقريب الفكرة إلى الذهن أو
ــــــــــــــــــــ[92]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
انه مجرد مثال. وهذا أيضاً غير صحيح لعدة أمور, نذكر أهمها:
أولاً: انه ذكر ذلك بعد التأكد من فكرته حول لزوم البيع، وهذا ما جعلناه الآن محل مناقشة. ولا يراد إثبات ذلك بالمثال.
ثانياً: ان اللزوم -حسب فهمه للبيع- صفة ذاتية والاستدارة للجسم صفة عرضية، يقتضيها وجوده النوعي التكويني حسب زعمهم فليس هذا مثالاً لذلك. وإنما كان الأنسب له ذكر لوازم الماهية مثالاً كالزوجية للأربعة، لأنه اعتبر اللزوم ذاتياً، يعني من لوازم الماهية. ولكنه ان كان قال ذلك لم يكن للخيار مجال لاستحالة انفكاك لازم الماهية عنها كما هو مبرهن في محله.
ثالثاً: فساد المثال في نفسه لأنهم قالوا: «ان العناصر تتجسم على شكل كرات بطبعها الأولي». ولذا عبّروا بكرة الماء وكرة النار وتخيلوا ان الكواكب والنجوم إنما أصبحت كرات لأنها تبعت طبعها الأصلي، فهي: كرة التراب. والهواء كرة أيضاً حول الأرض. فهذه هي كرات العناصر الأربعة. وهذا كله وهم خالٍ من الدليل بل الدليل على خلافه، كما هو جلي لكل مفكر في هذه العصور.
رابعاً: لو تم الوجه فلسفياً، فقد صرّح الشيخ نفسه بأنه لا ينافي وجود أكثر أفراد الجسم غير دائري. إلا أننا لا نجد فرداً للبيع أصلاً، خالياً عن الخيار، إلا مع الاشتراط خلال العقد. إذن، فيمكن القول: ان القاسر الخارجي هو الذي يجعله لازماً، لا انه هو الذي يجعله جائزاً.
الأمر الثالث: قوله: «ان الخيار حق خارجي قابل للانفكاك». ليس بصحيح:
أولاً: ان كونه خارجياً ان أريد به ثبوته بالحكم الشرعي، فاللزوم أيضاً يجب ان يثبت بالحكم الشرعي أو الدليل المعتبر وإلا كان قولاً بلا علم.
ــــــــــــــــــــ[93]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وان أريد به كونه من العوارض الخارجة عن الماهية. فهذا مما لا دليل عليه كما أسلفنا، بعد ان نجد ان كل أفراد البيع لا توجد عادةً لازمة. ولعل الأمر بالعكس. باعتبار ان اللزوم هو الطارئ بعد ارتفاع الخيار.
ثانياً: ان كونه قابلاً للانفكاك، لا يكون بإسقاط الحكم الشرعي بثبوت الخيار، بل بإسقاط الخيار نفسه، فلو أسقط كل الخيارات خلال العقد، انفك البيع عن الخيار ولعل إلى هذا كان نظره.
إلا ان هذا الإسقاط هو الحالة الطارئة والاستثنائية عرفاً، بعد انعقاد طَبيعيّ الأفراد مع الخيار.
وبتعبير آخر: ان الإسقاط لا يفرق فيه بين ان يكون بعد العقد أو خلاله، إذ يكون الإسقاط حالة ثانوية عرفاً وفي المرتبة المتأخرة عن ثبوت الحق عقلاً. فلا ينافي بناء البيع أصلاً على انعقاده خيارياً. وسنسمع أدلة اللزوم ونناقشها ونجد مقدار صدقها. فإذا سقطت سقط القول باللزوم تماماً.
الأمر الرابع: قال (الشيخ الأنصاري) بالنسبة إلى العقد (الجائز) ان جوازه بمعنى كونه حكماً شرعياً له أصلاً وبالذات. بحيث لا يقبل الإسقاط.
وقد عرفنا بعض ما فيه:
أولاً: اننا لا ندّعي إسقاط الحكم بل إسقاط الحق المترتب عليه. وكونه غير قابل للإسقاط ولو بالاشتراط بالعقد نفسه أو في عقد لازم آخر، أول الكلام.
ثانياً: ان هذه القابلية للإسقاط هي حق وليست حكماً. وإنما الحكم هو سبب جعل الحق. لما عرفنا من ان الحكم فيه صفة التحميل والإلزام, والحق فيه صفة الإرفاق والاختيار. ولا شك ان العقود الجائزة من ناحية حق فسخها كذلك. وقد حققنا ان كل حق قابل للإسقاط. فيكون
ــــــــــــــــــــ[94]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
هذا قابلاً للإسقاط، بصفته حقاً لا حكماً.
ثالثاً: سنرى ان بعض أدلة لزوم البيع وغيره شاملة للعقود الجائزة أيضاً. كالاستصحاب وغيره. فإذا فهمنا من أدلة جواز الفسخ في الهبة ونحوها شكلاً من أشكال حق الخيار. فمن أين يمكن استفادة الجواز الذاتي؟
أدلة اللزوم:
استدل الشيخ الأنصاري(1) وغيره اللزوم للبيع بعدة أدلة:
الدليل الأول: الغلبة. يزعم ان أغلب أفراد البيع ينعقد لازماً. وهذا مطعون كبرى وصغرى.
أما كبرى، فلأن الغلبة لا تصلح دليلاً، ما لم تكن موجبة لليقين، ولو بالمستوى العرفي، من باب إلحاق الفرد النادر بالأعم الأغلب. أو يقوم عليها دليل شرعي تعبدي وكِلا الأمرين غير متحقق في المقام.
وأما صغرى وهو الأهم: فلِما ذكره الشيخ نفسه من ان أغلب أفراد البيع ينعقد جائزاً لأجل خيار المجلس والحيوان والشرط.
وقال: «وان أراد غلبة الأزمان، فهي لا تنفع في الأفراد المشكوكة». ومراده: ان إلحاق الفرد المشكوك بالزمن الذي يكون فيه البيع لازماً، من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية أو إلحاق بلا دليل. مضافاً إلى كونه خلاف استصحاب الجواز الثابت كلياً حال العقد.
الدليل الثاني: القواعد المستفادة من العمومات التي يجب الرجوع إليها عند الشك في بعض الأفراد أو بعض الأحوال.
ــــــــــــــــــــ[95]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) المكاسب: ص214.
وعلق عليه الشيخ: «وهذا حَسِن لكن لا يناسب ما ذكره في التذكرة من الوجه».
ويريد بالمعلومات الآيات والروايات الدالة على صحة المعاملات كقوله تعالى: أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ وقوله: “المؤمنون عند شروطهم”. والقواعد المستفادة منها ليست إلا أصالة الصحة السابقة وأصالة اللزوم الآتية.
اللهم إلا ان يريد من العمومات ما يشمل دليل الاستصحاب وقاعدة اليد ونحوها، مما يستفاد منها في بعض الفروع الفقهية من المعاملات.
وأوضح ما يرد على هذا الاستدلال كونه يحوّل اللزوم في البيع وغيره من الحكم الواقعي الذي كنا نتحدث عنه إلى الحكم الظاهري، الثابت حال الشك، كما سمعنا من الشيخ نفسه.
وسننظر فيما بعد انه هل يمكن الاستدلال بهذه العمومات على اللزوم كصفة واقعية بغض النظر عن الشك أم لا.
الدليل الثالث: الاستصحاب ومرجعه إلى أصالة عدم ارتفاع أثر العقد بمجرد فسخ أحدهما. قال الشيخ: «وهذا أحسن».
وتكون المناقشة فيه من وجهين أو أكثر:
الوجه الأول: انه لو تم.. تحوّل الصفة الواقعية للّزوم -كما يراد إثباتها- إلى صفة ظاهرية ثابتة عند الشك.
الوجه الثاني: ان هذا الاستصحاب ليس له حالة سابقة بالمعنى المبحوث عنه, لاعترافهم بأن العقد من حين وجوده كان متزلزلاً. فكيف نستصحب؟
الوجه الثالث: ان الأمر أصبح بالعكس، إذ الحالة السابقة هي التزلزل وليس اللزوم.
ــــــــــــــــــــ[96]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
الوجه الرابع: انه لا يخلو الأمر من احتمالين: أما ان يقوم دليل معتبر على ثبوت حق الخيار, أو لا. وعلى التقديرين لا يجري الاستصحاب إذ مع ثبوته يكون تأثير الفسخ قطعياً، ومع عدمه يكون عدمه قطعياً. ومع الشك في أصل الخيار يكون الأصل عدمه.
غير ان ما يُشَك فيه من الخيارات ما كان من قبيل خيار الشرط أو الاشتراط، لا ما كان من قبيل خيار المجلس والحيوان التي توجد مع ولادة البيع نفسه.
وقد أشرنا قبل قليل: إلى ان الثابت في خيار المجلس مثلاً، هو الخصوصية، إلا ان كلي التزلزل ثابت فيها أيضاً، ومع ارتفاع خيار المجلس، ترتفع الخصوصية، ونحتمل بقاء التزلزل فنستصحبه ويكفي سبباً لهذا الاحتمال عدم الدليل على اللزوم، كما سمعنا ونسمع. إذ نحتمل عندئذ ان يكون التزلزل صفة ذاتية. كما قال الشيخ في اللزوم.
الوجه الخامس: شمول الاستصحاب للعقود الجائزة، بعد عدم وجود الدليل على الجواز كما سنعرف. إذ يقال: ان العقد منذ وجد لم يكن فيه خيار حقي والآن كما كان. وأما التزلزل الحكمي فهو مما لا دليل عليه على ما سنسمع.
ويمكن جريان الاستصحاب في طول ما سنقوله في الدليل الرابع من شمول أدلة اللزوم للعقد، فيستصحب مع حصول الفسخ المشكوك أثره.
الدليل الرابع: العمومات التي أشرنا إليها في الدليل الثاني، كدليل على الصفة الواقعية للزوم العقد.
والمستفاد منها عموماً في نظر الشيخ الأنصاري(1): «انه لا يجوز التصرف
ــــــــــــــــــــ[97]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) المكاسب, ص215.
بأموال أحد إلا بإذنه، ولا يجوز فسخ المعاملة إلا تحت إرادته، ولا يجوز الفسخ قهرا عنه. ونحو ذلك مما يستلزم القول باللزوم الذاتي للعقد».
إلا ان هذا الدليل قابل للمناقشة من عدة وجوه, منها:
أولاً: انه يكون من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، إذ بعد تقييد العقد بالدليل المعتبر، بحصول الخيار فيه، في المرتبة السابقة على وجوب الوفاء به. لا يبقى من وجوب الوفاء، إلا وجوبه بمقدار ما هو ثابت شرعاً. وكون الثابت في المرتبة السابقة هو اللزوم منفي بأدلة الخيار وخلاف الاستدلال بالعمومات في هذه المرتبة.
وبتعبير آخر: انه بعد الفسخ، ان شككنا في تأثيره كما هو المفروض في الاستدلال، نشك ان هذا المال من أموال المشتري مثلاً، فيكون التمسك بأمثال قولهم: “الناس مسلّطون على أموالهم” تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية.
ثانياً: ان هذه العمومات موضوعها شامل لا محالة حتى للعقود التي اعتبروها جائزة. بل هي أولى بالشمول، لتصريحهم بعدم وجود الخيار الحقي زائداً على التزلزل الحكمي فيها، فيكون هذا التزلزل منفياً بالعمومات، والخيار الحقي غير موجود باعترافهم أو بالاستدلال بالعمومات نفسها. على ان الخيار الحقي متحقق جزماً في البيع. وأما إذا أخذ الشيخ مسلّماً كون هذه العقود متزلزلة ذاتاً، فهو غير مسلّم.
الدليل الخامس: الإجماع أو الشهرة على لزوم العقود اللازمة، بالمعنى الذي تحدث عنه الشيخ وجواز العقود الجائزة. إلا ان الشهرة ليست بحجة كبروياً، أو أساساً، إلا تحت شروط معينة لم نحرز تحققها في هذا المجال. وأما الإجماع فالمحرز منه غير محرز، والمنقول ليس بحجة، مضافاً إلى ان الشهرة والإجماع في مثل المقام، مدركيان، لأنهما قائمان على الأدلة الواردة والتي سبق ان سمعناها فلا يكون لها قيمة زائدة عليها.
ــــــــــــــــــــ[98]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
أدلة الجواز:
أعني ما يرونه من صفة الجواز الواقعية للعقود والإيقاعات الجائزة وهم لم يتعرضوا إلى ذلك بالمرة، وقد عرفنا ان شمول عمومات اللزوم لها ممكن بل شمول الاستصحاب الدال على اللزوم أيضاً لها ممكن، ونتيجته، كما سمعنا من (الشيخ الأنصاري)، عدم ترتب الأثر على الفسخ مع الشك في تأثيره.
فان قيل: إننا لا نشك في تأثيره بل نعلم به. نقول: هناك أيضاً نعلم بتأثيره، على تقدير وجود الحق، كما سبق ان أشرنا فراجع. فما يقال في جواب ذلك هناك -لو وجد- يقال هنا أيضاً.
إلا ان ما يمكن ان يكون دليلاً على الجواز ما يلي, بعد الالتفات إلى أنها إذا لم تتم، كانت أدلة اللزوم المشار إليها أولى بالجريان، أو جارية على أقل تقدير. ونكون عندئذ بانتظار ما سنسمعه من معنى اللزوم والجواز بعدئذ:
الدليل الأول: ارتكاز المتشرعية على الجواز في العقود الجائزة. إلا ان مرجع ذلك إلى وجود حق الفسخ الدائم في المعاملة بشكل غير قابل للإسقاط. وهذا المعنى وان كنا نشعر به الآن، إلا ان صعوده إلى عصر الأئمة غير ثابت. ولو كان ثابتاً في البعض، فهذا مما ينبغي النظر فيه فرداً فرداً من حالات العقود والإيقاعات ولا يمكن إعطاء نظرة عامة. مضافاً إلى ما سبق من احتمال إمكان إسقاط هذا الحق نظرياً على الأقل.
الدليل الثاني: الإجماع من قِبَل الفقهاء، وهو تعبدي وليس مدركياً، لعدم وجود الأدلة الواضحة بالجواز. فيكون حجة.
إلا انه من المحتمل استنادهم على بعض الأدلة التي نذكرها بهذا الصدد وان لم تكن من قبيل الأخبار، كالسيرة والاستصحاب. وهذا يكفي في سقوط حجية الإجماع، وان كان محرزاً.
ــــــــــــــــــــ[99]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
الدليل الثالث: السيرة العقلائية على الجواز في العقود والإيقاعات الجائزة.
وقلنا فيما سبق ان هذه السيرة ليس فيها جانب نظري، بل هي عملية خالصة، ومن الناحية العملية لا نرى إلا التزامهم بالفسخ في أي وقت حصل. وأما اعتبارهم العقد (جائزاً) فهذا جانب نظري لا يتحصل من السيرة. على ان قيام السيرة نفسها لا يخلو من إشكال لقلة ممارسة أمثال هذه المعاملات في السوق.
الدليل الرابع: الاستصحاب. يعني استصحاب الجواز ولو بنحو العدم الأزلي للزوم. فيثبت انه عقد أو إيقاع غير لازم، وان لم تثبت صفة الجواز بعنوانها, لأنها لازم عقلي.
وليس للاستصحاب تقريب آخر لعدم حالة سابقة للعقد منذ أول وجوده، إلا ان هذا:
أولاً: معارَض باستصحاب العدم الأزلي للجواز، وكلاهما ذو أثر شرعي، فيتساقطان ونرجع إلى العمومات الفوقانية.
ثانياً: ان استصحاب العدم الأزلي أساساً لا يخلو من خدشة في علم الأصول، والصحيح عدم جريانه على أي حال.
النتيجة:
ينتج من كل هذه الجولة انه لم يتم لدينا شيء من أدلة اللزوم في العقود اللازمة، ولا شيء من أدلة الجواز في العقود الجائزة. وهذا إنما ينطلق من الفهم التقليدي الفقهي الذي قدّمه الشيخ الأنصاري للّزوم والجواز. وأما لو قدّمنا فهماً آخر للّزوم والجواز فلعلنا نستطيع ان نحصّل له أدلة كافية.
ــــــــــــــــــــ[100]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
اللزوم والجواز:
وإذا أردنا ان نقدم فهماً جديداً ومتكاملاً للّزوم والجواز، لزمنا ان نأخذ الأمور التالية بنظر الاعتبار:
الأمر الأول: ان هناك من المعاملات ما هو لازم جزماً في كل حالاته، لليقين بعدم موافقة الشارع المقدس بالعود إلى الحالة السابقة وهي منحصرة ظاهراً بالعتق والوقف.
فان العتق منتج للحرية، ولا سبيل إلى رجوع العبد إلى الرق، بعد الحرية. والوقف منتج لانفكاك ملكية المالك الواقف عن نفسه ولا سبيل إلى رجوعها بعد ذلك. وهذا ثابت بالإجماع وضرورة الفقه.
وعلى هذا النحو تكون المرأة المطلقة تسعاً، وسنشير إليها في الأمر الثاني.
الأمر الثاني: ان من المعاملات ما هو لازم بطبعه وفي اغلب حالاته، بحيث لولا شروط معينة لا يكون العود إلى الحالة السابقة ممكناً.
ومن أمثلته: النكاح والرهن والإعراض. فالنكاح لا يمكن فسخه بطبعه إجماعاً واحتياطاً للفروج. إلا إذا حصلت ما يسمى بعيوب السُنّة، وهي أمراض معينة توجد في أحد الزوجين توجب الفسخ لا حاجة إلى ذكرها الآن. وإذا حصل جواز الفسخ بها خرج النكاح من كونه لازماً إلى كونه جائزاً، على ما سنعرف من معنى الجواز.
وأما الطلاق فهو معاملة جديدة وليست فسخاً للنكاح.
وأما الرهن، فهو يتضمن الاستيثاق على الدَين بالعين المرهونة، وما دام الدَين موجوداً، فمن حق الدائن المرتهِن استدامة العين المرهونة تحت الرهن، وليس من حق الراهن المالك -وهو المديون- ان يسحب عينه المرهونة، فالرهن
ــــــــــــــــــــ[101]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
إذن لازم من جانب الراهن جزماً، وهو محل الشاهد فعلاً. وان كان من جانب المرتهن متزلزلاً لأنه حق ارتفاق له يمكن له إسقاطه وليس تحميلاً عليه.
وأما الإعراض فهو -على الصحيح- مخرج عن الملكية، وهو غير قابل للفسخ، ولا يؤثر فيه أصلاً. وأما الحيازة للعين من جديد فهو سبب جديد للملكية، وليس عوداً للملكية السابقة وان كانت مثلها عرفاً.
ومثله الإبراء، فانه نظرياً يشبهه، غير ان الإعراض يكون عن العين الخارجية، والإبراء يكون عن المالية الثابتة في الذمة. وكلاهما يتضمن إعراض المالك عن ماله وإسقاطه له.
وليس في الإبراء حيازة جديدة كالإعراض. فإذا حصل الإبراء، لم يمكن العود أصلاً. ومن هنا يمكن إلحاق الإبراء بما ذكرناه في الوجه الأول، غير ان مناسبته للإعراض اقتضى ذكره هنا.
ومن أشكال براءة الذمة أيضاً ما يسمى بالتهاتر، سواء حصل قهراً بحكم الشارع أو باتفاق الطرفين، وهو يحصل عندما تكون كمية متساوية في ذمة اثنين لأحدهما على الآخر، ونتيجته ان لا يدفع أي منهما إلى الآخر شيئاً، بل يسقط ما في ذمة أحدهما بإزاء سقوط ما في ذمة الآخر.
فالمهم هنا، هو انه بعد هذا السقوط لا سبيل إلى رجوع ما في الذمة أصلاً.
ومن أمثلة هذا النحو من اللزوم في المعاملات: الطلاق البائن. فانه غير قابل للإسقاط أو الفسخ. لو فهمنا من حق الرجوع في العدة شكلاً من أشكال الفسخ للطلاق، فانه لا يمكن الرجوع إلى المطلقة إلا بعقد جديد. ولا يصح فيه حتى المقابلة, وهي اتفاق الطرفين على الإسقاط.
وقد يكون الطلاق أشد من ذلك, كالمطلقة ثلاثاً التي لا تحل إلا بأن تنكح
ــــــــــــــــــــ[102]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
زوجاً غيره، والمطلقة تسعاً لا تحل أبداً.
وهنا لنا ان ننبه الشيخ الأنصاري والفكر الموافق له، هل ان البيع الذي لا ينعقد إلا خيارياً، يمكن ان نقول بثبوت صفة اللزوم له بهذا الشكل أو الشكل السابق الذين عرفناهما في هذين الأمرين؟ كلا ثم كلا.
إذن، فهذه هي العقود التي تستحق ان تكون لازمة، والدليل عليها تام بالسيرة والإجماع والسُنّة.
الأمر الثالث: بعد التسليم عرفاً وعقلائياً بعدم التفريق بين الجواز الحقي والجواز الحكمي. لأن السيرة -كما قلنا- عملية وليس فيها جانب نظري، ومن الناحية العملية، يرى العقلاء تسلط الطرف على الفسخ في كِلا الموردين.
وما قد يقال: ان النقض يسمى في الجواز الحقي فسخاً، وفي الجواز الحكمي إبطالاً أو تنازلاً. وهو دليل الفرق بينهما.
فجوابه: انه وهم غريب وضحل. لأن تحديد هذه الألفاظ بهذه النتائج انما هي من اصطلاح الفقهاء وليس لها عند العقلاء أي أثر. بل حتى الفقهاء لا يستشكلون من استعمال أحد الألفاظ السابقة في الفسخ، لوضوح كونها واحدة عرفاً وعقلائياً.
إذن، ينتج من عدم التفريق بين الجوازين المشار إليهما عدة نتائج:
النتيجة الأولى: ان المعاملة التي فيها جواز حقي -وهو خيار الفسخ- هي معاملة جائزة وليست لازمة، واللزوم الحكمي مع ثبوت الجواز الحقي، وهم فقهي لا دليل عليه. وقد سبق ان ناقشنا جميع الأدلة التي سردها (الشيخ الأنصاري) وغيره، وأوضح موارد انتقاضها هو هذا المورد بالذات، فراجع.
النتيجة الثانية: ان الجواز الحكمي إنما هو من قبيل الخيار الثابت للفرد بحكم الشارع، فان الخيار ليس إلا فرصة اختيار الفسخ. وهو كما قد يكون
ــــــــــــــــــــ[103]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
بحكم الشارع -كما في خيار المجلس والحيوان- قد يكون بحكم المتعاقدين.
ومن مصاديق حكم الشارع حق الفسخ المجعول في العقود الجائزة، كالهبة والوديعة والعارية.
فإن قيل: ان الفسخ في هذه العقود يعود إلى تسلط المالك سحب ملكه من المعاملة, أو قل: من طرفها الآخر.
قلنا: ان هذا لا يزيد على الاستدلال, بدليل: “ان الناس مسلطون على أموالهم”. وهو جارِ في الخيار الحقي أيضاً، كما هو معلوم، ولولا الجعل الشرعي لما استطاع المالك لهذا التصرف. فالمهم هو الجعل الشرعي لإمكان الفسخ أو حقه، في كِلا الموردين الحقي والحكمي، بعد عدم التفريق بينهما عرفاً كما قلنا.
وقد يقال: ان جواز الفسخ في هذه العقود لا يمكن إسقاطه فقهياً. فكيف يكون حقاً، مع العلم إننا علمنا ان الحق قابل للإسقاط؟ قلنا: ان هذا يلازم أحد أمرين لا بد من أحدهما:
أولاً: أما ان نقول -كما سبق- انه قابل للإسقاط، وليس كما قالوا بعدم إمكانه. وقد أشرنا إلى ان القابل له هو الحق الجزئي وليس الحكم الكلي، وهو كذلك دائماً في أي حق.
ثانياً: انه قد يمكن القول بأنه حق غير قابل للإسقاط. فان قابلية الإسقاط أيضاً بيد الشارع فيمكن للشارع المنع عنه. فيكون الأمر هنا كذلك، لو تم الدليل عليه بإجماع ونحوه.
أما القول بأنه ليس بحق وإنما هو حكم، فهذا شطط من القول لأن الحكم بجواز الفسخ أنتج حقاً ارتفاقياً في مصلحة الطرف. فينطبق عليه تعريف الحق الذي سمعناه من دون الحاجة إلى إمكان الإسقاط.
ــــــــــــــــــــ[104]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
لأننا ذكرنا هناك ان الحكم فيه جنبة تحميلية والحق فيه جنبة إرفاقية، والحكم قد يكون متعلقاً بشخص واحد والحق لا يكون إلا متعلقاً بطرفين. وهو ينطبق على المورد تماماً.
فإذا تم كونه حقاً، رجعنا إلى الصفة الذاتية للعقد أو الإيقاع، كما يريد (الشيخ الأنصاري) ان يفهمه، بعد ان قال: «ان الحق صفة خارجية للعقد».
فان بنينا على ما ذكرناه من وحدة المعنى العرفي بين التزلزل الحكمي والحقي, كان هذا العقد جائزاً. لأن حق الفسخ فيه دائمي على الفرض. وان لم نبنِ عليه، لم نستطع ان نتعرف على حقيقة العقد إلا بمجرد الاحتمال. وقد سبق ان عرضنا احتمالاً يقول: ان العقود كلها لازمة ذاتاً، كما هو مقتضى العمومات، كما يفهمها المشهور. ولكنها قد تُشاب بطروِّ حق الفسخ دائمية أحياناً ومؤقتة أخرى.
النتيجة الثالثة: ان المعاملة قد لا تكون دائمية التزلزل، بل تكون لازمة أحياناً ومتزلزلة أحياناً. فقد تكون متزلزلة في أول انعقادها، فإذا لم تنفسخ رجعت إلى اللزوم بإسقاط الحق أو انتهاء مدته، وأوضح أمثلته هو البيع.
وقد تكون لازمة من أولها متزلزلة بعد ذلك, أو قل: متزلزلة في آخرها. كما لو لم يكن لها خيار مجلس لإسقاطه، وانكشف في المبيع عيب أو غبن. أو حصل اشتراط الخيار. فان فسخ كان الخيار في آخرها. بناءً على النقل دون الكشف كما هو الحق. وان لم يفسخ وارتفع الخيار كان التزلزل في الوسط.
وأكثر ما يسميه الفقهاء بالعقود اللازمة من هذا القبيل. وليس البيع أقواها وأثبتها بل هو أردؤها وأكثرها تزلزلاً لو صح التعبير, لوضوح انه ينعقد من أوله خيارياً، وقد يستمر الخيار فيه إلى نهايته إذا فسخ أو إلى مدة طويلة. على حين ليست الإجارة من هذا القبيل.
ــــــــــــــــــــ[105]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
النتيجة الرابعة: انه يمكن بالاشتراط تحويل المعاملة اللازمة في نظر الفقهاء إلى جائزة، بعد ان قلنا انه لا فرق عرفياً وعملياً بين الجواز الحكمي والخيار الحقي.
فلو اشترطنا في البيع أو في الإجارة أو نحوها، بقاء الخيار لهما أو لأحدهما باستمرار بحيث لا يسقط بالتصرف غير الناقل ولا بإحداث عيب أو حَدثٍ فيها، جاز ذلك، وتحولت المعاملة إلى جائزة.
فان قيل: ان هذه من مسقطات الخيار شرعاً، كما دلت عليه الأدلة الصحيحة الصريحة، فكيف نشترط بخلافها، فلا يكون الشرط نافذاً لأنه خلاف الكتاب والسُنّة.
قلنا: ان التصرف ونحوه ليس مسقطاً لكل خيار، بل خصوص الخيارات الثابتة بحكم الشارع، كالمجلس والحيوان والعيب والغبن وتخلف الشرط. وأما الخيار الثابت بالاشتراط، لمدة قصيرة أو طويلة فلا دليل على شمول تلك الأدلة (الصحيحة الصريحة) له. فإنها صريحة في موردها، ولا تشمل مثل هذه الصورة.
ومعه, يمكن جعل الخيار المستمر، من دون التصرف الناقل. بل حتى معه، مع غرامة بدله. نعم، لا يمكن القول بجواز اشتراط عدم قابلية هذا الحق للإسقاط. لأنه على خلاف طبع الحقوق وما دلت الأدلة عليه من خصائصها. ما لم يحكم الشارع بعدم إمكان الإسقاط كما في العقود الجائزة، لو تم فيها ذلك.
وأما عدم قابلية الإسقاط في العقود الجائزة، فهل يمكن تبديله بالاشتراط على خلافه في المعاملة، أو لا يمكن؟ مبني على تمامية الدليل على كون الحكم بالجواز وحق الفسخ غير قابل للتبديل. وبالرغم من عدم العثور على مستند غير الإجماع غير المحرز. إلا ان الخروج عنه فقهياً في غاية الصعوبة.
ــــــــــــــــــــ[106]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وان كان قوله: “المؤمنون عند شروطهم” مما يصحح هذا الاشتراط، بالعنوان الأولي.
نعم، إذ ثبت الإجماع، دخل المورد في المستثنى وهو قوله: “إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً”.
أصالة اللزوم:
بعد ان تم الكلام عن صفة اللزوم الواقعية، لا بد ان نتكلم عن صفة اللزوم الظاهرية التي تثبت عند الشك.
والشك هنا أما كبروي وأما صغروي. فالكبروي نحو ان نشك ان عقداً أو إيقاعاً معيناً كالمضاربة مثلاً، هل هو لازم أو جائز. والصغروي ان نتحدث عن التطبيق الخارجي، بأحد أشكال:
الشكل الأول: ان نشك ان السبب هل هو سبب للخيار أو لا؟ فإذا حدث الفسخ بموجبه نشك بارتفاع المعاملة.
الشكل الثاني: ان نشك في مدة الاشتراط مثلاً، ويقع الفسخ في المدة المشكوكة.
الشكل الثالث: ان هذه المعاملة كانت لازمة، فهل حدث سبب لتحويلها إلى التزلزل أم لا؟ وفرقه عن الأول، حدوث السبب بعد العقد كظهور العيب.
الشكل الرابع: ان سبباً موجوداً لا نعلم انه سبب كافٍ للخيار أو لا. وقد حصل الفسخ بموجبه أو لم يحصل.
الشكل الخامس: ان يشترط الفاسخ كون فسخه عمل بالحق دون الحكم، يعني كونه إعمالاً للخيار في معاملة لازمة بالأصل في نظر الفقهاء لا في معاملة جائزة. وشككنا في نوع المعاملة شكاً كبروياً.
ــــــــــــــــــــ[107]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ونحو ذلك من الأشكال.
أما الشك الكبروي: فبناءً على المسلك التقليدي للفقهاء لا شك ان المعاملة ستكون مشمولة للعمومات الدالة على اللزوم. وهي نفسها التي ذكرنا كونها دالة على الصحة، بفهم معين يقرّ بها إلى الدلالة على اللزوم.
ومن هنا ذكر الشيخ الأنصاري في (المكاسب) ان من معاني ان الأصل في المعاملة للّزوم: كونها مشمولة لهذه العمومات.
وإذا أصبحت مشمولة لهذه العمومات، كانت صفة اللزوم فيها واقعية لا ظاهرية. وأصبحت من المعاملات اللازمة عندهم.
وأما بناءً على ما اخترناه من عدم التفريق بين الخيار الحكمي والحقي, أو قل: التزلزل الحكمي والحقي. فيبتني لزوم المعاملة على عدم وجود خيار فيها للفسخ, أو قل: على عدم إمكان فسخها شرعاً، إلا بالتقايل. ووجود الخيار وعدمه تابع لدليله وحدوده معروفة من شروطه وليس هنا محل تفصيلها.
وأما الشك الصغروي: فكثير من هذه الأشكال أو الشكوك مجرى استصحاب أثر المعاملة حتى بعد الفسخ. كما لو حصل الفسخ فعلاً، في أي واحد من هذه الأشكال الخمسة وشككنا في تأثيره للأسباب المدرجة هناك، كان مقتضى الاستصحاب عدم تأثيره وبقاء المعاملة على حالها. وهو معنى ثبوت اللزوم بالاستصحاب أو أصالة اللزوم الظاهرية.
وأما كبريات هذه الأشكال، فلها أدلتها خارجاً عن مفهوم أصالة اللزوم. إلا أننا يحسن ان نعددها للقارئ واحدا واحداً:
ففي الشكل الأول: إذا شككنا ان سبباً ما هل هو سبب للخيار أم لا. فان دل دليل عليه من نص أو سيرة فهو المطلوب، وإلا لزم الحكم بكونه ليس بسبب للفسخ. وان الفسخ معه غير مؤثر. وفي هذا ونحوه قالوا: «ان عدم
ــــــــــــــــــــ[108]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
الدليل دليل على العدم».
وفي الشكل الثاني: ان وجدنا دليلاً كالبيّنة، أو الاطمئنان في تحديد مدة الاشتراط، فهو، وإلا كان الأصل عدم الزيادة. فنأخذ بأقل الزمنين المحتملين، وندع الباقي. فان وقع الفسخ فيه لم يكن مؤثراً.
وأما الشكل الثالث: فهو مجرى الاستصحاب، لفرض علمنا السابق بعدم حق الخيار، أو باللزوم، فهل حصل حق الخيار وارتفع اللزوم لظهور سبب ما أو منشأ ما للشك كبعض العيوب البسيطة؟ ومقتضى الاستصحاب استمرار اللزوم وعدم تأثير الفسخ.
وأما الشكل الرابع: فيكون منشأ للشك في تسلط الطرف على الخيار وعدمه، والأصل عدمه. أما لأصالة البراءة من هذا الشرط الذي كان منشأ للخيار، أو لاستصحاب عدم منشأ السبب الموجِب للخيار، أو استصحاب عدم تسلّط الطرف على الخيار، للعدم الموجود قبل المعاملة أو بعدها ان وجد، أو للعدم الأزلي، ان قيل به.
وأما الشكل الخامس: يمكن إثبات كون المعاملة لازمة، كما تحدثنا في الكبرى، فان ثبت ذلك، كان الفسخ نافذاً لكونه مشروطاً به على الفرض. وإذا كان مشروطاً بالعكس، كان الفسخ لاغياً وغير مؤثر.
ومن المعلوم ان الأدلة الجارية في كبريات هذه الأشكال، بما فيها الاستصحابات الجارية في الوجهين الثالث والرابع، متقدمة وحاكمة على الاستصحاب الجاري في الصغرى والمفيد للّزوم كما قلنا. سواء كان موافقاً له أم مخالفاً.
وعلى أي حال، فأصالة اللزوم الظاهرية الثابتة بالاستصحاب، لها عدد من أشكال الشكوك التي تكون فيها صحيحة وثابتة. ومؤداها عدم تأثير الفسخ في إبطال المعاملة.
ــــــــــــــــــــ[109]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فصل
الوحدات السوقية
تمهيد الوحدات:
هناك وحدات لكثير من المعارف البشرية، بعضها القديم وبعضها الحديث، ومنها البسيط ومنها الدقيق. ومنها المشهور والخاص، ومنها السائد والمنقرض.
وعلى سبيل المثال: نذكر للوحدات المجالات الآتية:
أولاً: وحدات الزمان.
وهي قد تكون خِلقية تكوينية، كالأيام والليالي وأجزائها الطبيعية كالصبح والمساء، وقد تكون مجعولة اجتماعياً أو اصطلاحاً عرفياً، كتسمية المائة سنة قَرناً, والعشر سنوات عقداً والثلاثين سنة جيلاً. وكذلك انقسام اليوم الكامل إلى أربع وعشرين ساعة والساعة إلى ستين دقيقة والدقيقة إلى ستين ثانية والثانية إلى أجزائها. فأن كل هذا مجعول اجتماعي، وليس موجوداً في أصل الطبيعة، ألا ترى ان الساعة السادسة مثلاً يتغير وقت وجودها في الليل والنهار.
والسنة قد تكون طبيعية كالسنة القمرية، وقد تكون جعلية اصطلاحية، كالسنة الشمسية. كما ان عدد أيام الشهر الواحد قد يكون طبيعياً، كالشهر القمري، وقد يكون جعلياً كالشهر الشمسي وغيره من أنواع التواريخ.
وأما التاريخ، فكله جعلي وليس فيه طبيعي. إذ يأخذ الناس أحد الحوادث
ــــــــــــــــــــ[110]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
المهمة في التاريخ فيعتبرونها أول تاريخهم كالهجرة النبوية عند المسلمين، وميلاد المسيح عند المسيحيين أو سلطنة (كورش) عند الفرس، وهكذا.
ثانياً: وحدات المكان، وهي المساحة. وكلها جعلية غير طبيعية، كالفرسخ والميل والكيلومتر. وغيرها.
نعم، قد يكون بعضها مأخوذاً من مقادير طبيعية، كالشبر والذراع، وقد يكون بعضها مبتنياً على أسس من هذا النوع. كما سنشير بعد ذلك. إلا ان هذا لا ينافي كونه جعلياً. إذ ليس هناك تقدير تلقائي وتكويني في المكان سوى تشبيهه ببعض المسافات المحددة من جسم الإنسان والحيوان مثلاً. فالالتزام بهذا التشبيه أمر جعلي وان كان الأمر المشبّه به طبيعياً.
ثالثاً: وحدات الثقل. وهي الأوزان كالحُقة والكيلو والصاع والرطل، ونحو ذلك، مما هو مختلف فيه بين البلدان كثيراً على ما سوف نشير، وان كان الاتجاه الأغلب الآن إلى اعتبار الكيلو كوحدة متفق عليها.
رابعاً: وحدات الحجم: وهي الكيل, كالكر والصاع، على بعض تفاسيره والقفيز والإردب. أو تقول: ملأ شاحنة (لوري) من الرمل أو الحصى مثلاً.
وهناك وحدات التيار الكهربائي والسحب المغناطيسي والوزن الذري والفضاء الخارجي، وغير ذلك، مما هو خارج عن غرضنا فعلاً.
كما ان وحدات الزمان خارجة عن غرضنا في هذا الفصل، وإنما ذكرناها لأجل تنسيق الوحدات وتوضيحها، وهي تحتاج إلى بحث مستقل.
الاستناد إلى الطبيعة:
هناك إشكال عام على كل المقادير السوقية السارية في المجتمع، وهو ما يسمى في علم المنطق بـ«لزوم الدور». فإنك قد تسأل: كم هو الكيلو؟ فيجيبك:
ــــــــــــــــــــ[111]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
هو ألف غرام. ثم تسأل: كم هو الغرام؟ فيجيبك: هو جزء من ألف من الكيلو. فتكون القضية تكرارية، ويتوقف فهم أحدهما على فهم الآخر. فلا نعود بنتيجة حقيقية واضحة. فإننا إذ نفسر الكيلو بالغرام والغرام بالكيلو فإنما نفسر الكيلو بالكيلو والغرام بالغرام. وهذا معنى الدور منطقياً. فإذا جهلنا أحدهما جهلنا الآخر بالضرورة.
وقد أجاب عقلاء الناس عن هذه الأشكال بأحد طريقين:
الطريق الأول: إيجاد شيء معين كحديد أو نحاس يشبه تماماً ثقل الكيلو أو طول المتر المتعارف عليه في المجتمع. وتكون هذه الحديدة هي المرجع الأساسي والمثالي عند الشك أو الترافع القضائي، أو لأجل مقايسة بعض الأوزان ببعض، أو صناعة قطع جديدة مثلها للتداول في المجتمع. إلى غير ذلك من الأغراض.
غير ان هذا الطريق يواجه مشكلة مستعصية، وهو التآكل القهري الذي يحدث خلال السنين للمقادير (المثالية) المحفوظة في المتاحف للمتر والكيلو والباوند وغيرها. وهذا لا بد من حدوثه, وإذا حدث فلا بد من صناعة مقدار مثالي آخر، وعندئذ فأي ميزان عقلي أو عرفي يشهد لنا على ان هذا الجديد إنما هو بمقدار القديم في حالته قبل التآكل؟
هذا مضافاً إلى تمدد المادة بالحرارة، والتقلص بالبرودة، والتأكسد بالرطوبة، مضافاً إلى ان مناطق الكرة الأرضية لا تتفق في الوزن ذاته، فهو عند القطبين غيره عند خط الاستواء.
الطريق الثاني: الرجوع إلى الانتسابات الطبيعية:
وذلك بإتباع أحد أسلوبين:
الأسلوب الأول: الأسلوب التسامحي. وهو أنهم أرجعوا المقادير الكبيرة
ــــــــــــــــــــ[112]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
للمساحة إلى الشبر والذراع والقدم، عند الإنسان.
إلا ان هذا -كما أشرنا- لا يخلو من تسامح، إذ انه يواجه بعض المصاعب:
أولاً: ان الأشبار تختلف بين الناس، إلى حد قد لا يتفق اثنان في الخِلقة. كما لا يتفق اثنان في مقدار انفتاح اليد وانبساطها عند محاولة أخذ المقدار، وهكذا.
ثانياً: ان لحم اليد بصفته قابلاً للضغط والارتخاء، لا يكون قابلاً للضبط التام.
ثالثاً: ان هذا خاص -لو تم- بالمساحة، ولا يشمل الوزن، كما هو واضح، فماذا نقول في مقادير الأوزان؟ ويبقى الإشكال الأساسي السابق فيها ساري المفعول.
الأسلوب الثاني: الرجوع إلى شيء أكثر ضبطاً في الطبيعة.
وأحسن ما وجدت في ذلك هو الرجوع إلى حبات الشعير فإنها متشابهة إلى حد بعيد من ناحيتين: أولاً: الوزن. وثانياً: المساحة, يعني مسافة المقدار العريض من وسطها. فإذا تم التحويل على حبة الشعير انضبط الأمر إلى حد كبير.
وأعتقد ان المراد بحبة الشعير، هي مع قشرها الذهبي وهو الشكل المتعارف الذي يتم به تسويق الشعير، بخلاف الحنطة فإنها تُسوّق مقشرة عادةً. كما ان لها أنواع عديدة، تختلف في أحجامها وأوزانها. وليس الشعير كذلك.
وفي هذا الأسلوب نقطة قوة، وهو الشمول للوزن والمساحة معاً. بخلاف الأسلوب الأول. كما ان صلابة حبة الشعير وعدم إمكان ضغطها عادةً، نقطة قوة أخرى.
ــــــــــــــــــــ[113]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وهناك تحويل آخر على الطبيعة في المساحات وهو التحويل على شعر البرذون، يعني عُرض الشعرة, ويراد به الفرس الرشيد -أي المتقدم في العمر نسبياً- وقياسه أضبط من التحويل على شعر الإنسان أو وبر الإبل مثلاً.
ومن هذا المنطلق، قيل: ان عرض الشعيرة (حبة الشعير) يساوي سبع شعرات برذون.
أقول: وإذا بقي بعد ذلك تسامح، وهو لا شك باقٍ. فهو يشكّل فروقاً دقّيّة جداً، بحيث لا يعتني بها السوق عرفاً وعادةً.
ومن الواضح أيضاً ان أشكال التآكل لا يأتي على مثل هذا الأسلوب، لوضوح ان أي شعيرة أو شعرة برذون تآكلت أو تلفت نأخذ بدلها غيرها لنتمم بها القياس.
مقدار الضبط:
ومقدار الضبط في المقادير أياً كانت، يمكن ان يكون على عدة مستويات أو أشكال:
المستوى الأول: الضبط العقلي أو الفلسفي الذي يقدم البرهان الدقّي الحقيقي على صدقه. وهذا ما ينبغي الاعتراف سلفاً على كونه متعذراً بل مستحيلاً تماماً.
إلا ان استحالته لا تضر بالتعامل السوقي بالمرة، بل ان التسامحات السوقية والعرفية، قد تعود على المستوى الآتي أيضاً.
المستوى الثاني: الضبط بالشكل الدقيق الكامل. كالجزء بالألف والمائة ألف، بحيث لا يفوت شيء من العروض أصلاً، وان فات شيء منها، فهو مما لا يدخل تحت الحس البشري لضآلته.
ــــــــــــــــــــ[114]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وهذا هو المتوقع فعلاً من كل المقادير المضبوطة بالأسلوبين المشار إليها سابقاً. وهذا هو الموجود فعلاً، إذا تمكنا من السيطرة جهد الإمكان على الإشكالات الواردة على ذينك الأسلوبين.
المستوى الثالث: الضبط بمقدار الحاجة.
فان كان المطلوب الضبط العالي والدقيق، كما في علوم الفيزياء والكيمياء والطب والفضاء ونحوها من العلوم التجريدية، كانت الحاجة ماسة إلى الضبط الكامل.
والسر فيه، هو ان التخلف القليل، مهما تضاءل يُحدث أو قد يُحدث فساداً في النتيجة المطلوبة. فدرءاً لاحتمالات التخلف والفساد لا بد من الضبط المتزايد.
وان كان المطلوب الضبط بالمقدار السوقي، كان الضبط بالمقدار الاعتيادي كافياً. لان النتيجة الكافية والصحيحة عرفاً واجتماعياً متوفرة ومتيسرة فيه، ولا يحتاج الناس إلى ضبط أكثر من ذلك اجتماعياً.
ويكفي مثالاً للضبط السوقي، ما كان يذكره أحد أساتذتنا في مجلس درسه: من أنك إذا اشتريت (ماسكة) شباك، فانك ستتوخى ان تكون متينة وكاملة. وأما إذا اشتريت شباكاً كاملاً، وكان في ماسكته شيء من النقصان، فهو اقل أهمية من الصورة السابقة، وان كان بدوره عيباً عرفياً قابلاً لحق الفسخ.
فان اشتريت عشرة شبابيك مثلاً مرة واحدة. وكان في أحدها ماسكة ضعيفة أو فاسدة، لم يكن ذلك في المجموع عيباً عرفياً. وأما إذا اشتريت داراً كاملة يوجد في شباك واحد من شبابيكها عطل في ماسكته، فسيكون من المضحك ان تشكو من وجود هذا العطل للبائع.
ــــــــــــــــــــ[115]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وكذلك من الواضح: ان الفرق بمقدار غرام ونحوه لا يعتنى به سوقياً في الطن ونصف الطن والوزنة ونحوها. في حين قد يعتنى به في الكيلوغرام الواحد، فضلاً عمّا هو أقل منه.
والمقدار غير المعتنى به سوقياً، يسمى فقهياً بالمقدار الذي (يتغابن به الناس) عادة، يعني لا يعتبرونه غبناً وضرراً يوقعه بعضهم على بعض، بل يعتبرونه شيئاً عادياً ومفروضاً. بخلاف الأكثر، فانه غبن عرفي.
ولا يبعد ان النسبة ان كانت اقل من واحد بالألف كان ذلك جائزاً عرفاً. وإذا كان جائزاً عرفاً كان جائزاً شرعاً. بخلاف ما هو أكثر من ذلك من التسامح. على ان المواد قد تختلف والأسواق تختلف، وكذلك أغراض الحصول على المواد، وكذلك المستوى الحضاري والثقافي للمتعاملين.
وهذا المقدار من التسامح السوقي الذي يتغابن فيه الناس، هو الذي يشفع في دفع الإشكالات السابقة على المقادير، سواء في الطريق الأول أو الثاني السابقين، إذ مهما كان الفرق كبيراً (تقريباً) فانه لن يزيد على المقدار المتسامح به سوقياً.
اختلاف المقادير:
شَعَر الإنسان منذ العهود القديمة إلى ضرر الجزاف في البيع والمبادلات، وانه يؤدي إلى خسارة حتمية في أكثر الأحيان. ومن ثم تنبثق الحاجة إلى تقدير مقادير المبادلات في الأجسام كالطعام, أو المساحات كالأراضي والقماش.
والانتباه إلى ذلك في البشرية غير محدد تاريخياً، وان كان يُظن رجوعه إلى عدة آلاف من السنين. فهو موجود في عصر الفراعنة بل فيما قبله. ولا حاجة لنا إلى استعراض تطور هذا التحديد.
ــــــــــــــــــــ[116]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وإنما المهم الآن هو الإلماع إلى ان البلاد القديمة حيث كانت متباعدة جداً، وكانت وسائط النقل صعبة وبطيئة، ووسائل الإعلام العامة منعدمة، والحاجة إلى التبادل السوقي كثيرة وسريعة. فمن هنا استقلت كل منطقة في العالم بشكل من أشكال التقدير والتحديد في الوزن والمساحة. وهذا ما له أثره إلى يومنا هذا.
وبعض التحديدات القديمة معروفة لحد الآن، وبعضه مندثر. بل ان جملة من الأوزان والمقادير المعاصرة، في عدد من المجتمعات غير معروف، وعلى الأقل لا توجد في المصادر العربية، ما يشير إليه.
وعلى أي حال، فقد تفتق الفكر البشري عن إمكان التحديد في غير المساحة بثلاثة أشكال:
الشكل الأول: الوزن بإزاء ثقل معين (عيار) متسالم عليه في المجتمع. وكذلك أجزاؤه ومضاعفاته ان وجدت.
الشكل الثاني: الكيل بإزاء (ظرف) معين يُملأ بقيمة معينة، وكذلك أجزاؤه ومضاعفاته ان وجدت.
الشكل الثالث: العد مما هو قابل للعد. كالبرتقال والبيض، فيباع الفرد منه بكذا من المال. ومن الواضح ان هذا لا زال ساري المفعول كثيراً في العصر الحاضر، كما في الأجهزة الكهربائية والسيارات والأسلحة وغيرها كثير. فإنها تباع عدداً لا وزناً طبعاً!!
هذا وقد كانوا سابقاً، وربما إلى الآن، قد يجعلون الكيل طريقة لمعرفة العدد، فإذا كان البرتقال كثيراً جداً بحيث يتعذر عدّه، أخذوا ظرفاً وَعدّوا به مائة برتقالة -مثلاً- بحيث أصبح مملوءاً. فيصبح ملؤه كل مرة معدوداً بمائة برتقالة. وإذا حصل فيه تسامح بفرد أو أكثر، فهو مغتفر عرفاً، ومما يتغابن به الناس عادةً.
ــــــــــــــــــــ[117]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وبالرغم من ان المعروف عادةً هو عدم استعمال الكيل في السوق المعاصرة، إلا أننا نستعمله كثيراً كبيع السوائل في زجاجات ذات حجم معين. وبيع التراب والرمل والحصى والجص ونحوها في شاحنات (لوري) وغير ذلك.
ولكن بالرغم من هذه الحاجة إلى الكيل فان الفكر البشري قد تفتق تدريجاً عن ضرر الإكثار منه في المواد ورجحان استبداله بالوزن لأنه أكثر ضبطاً ومن ثم فهو أكثر ربحاً.
وقد تفتق الفكر البشري إلى ضرورة توحيد الوزن في العالم كله وهو أمر راجح فعلاً وقد حددوه بوزن الكيلو وأجزائه ومضاعفاته, كما حددوا المساحة بالمتر وأجزائه ومضاعفاته وسنذكر جانب القوة والضعف في هذه التقديرات بعد ذلك.
وجه الحاجة إلى هذه المعرفة:
نحتاج إلى هذه المعرفة وصولاً إلى عدة أغراض:
الغرض الأول: مجرد الثقافة. فان العلم بالشيء خير من الجهل به كما قال المثل العربي القديم, وهي ثقافة لا تخلو من دقة ووجاهة.
الغرض الثاني: ضبط مقايسة الأوزان والمساحات ببعضها البعض حينما نحتاج سوقياً إلى تبديل بعضها ببعض أو نظرياً إلى إرجاع بعضها إلى بعض.
الغرض الثالث: غرض في الفقه الإسلامي، فان كثيراً من أبواب الفقه وردت فيها الحاجة إلى ضبط الوزن والمساحة كالزكاة والخمس والبيع والرهن والوقف والإجارة وغيرها. وقد ورد في النصوص الفقهية ذكر الأوزان والمقادير على الطريقة القديمة التي كانت سارية المفعول في صدر الإسلام,
ــــــــــــــــــــ[118]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وتعنِ الحاجة لدينا إلى معرفة مقاديرها من الأوزان وخاصة الأوزان الحديثة. لكي يكون موضوع الحكم الشرعي الفقهي واضحاً في الذهن.
الغرض الرابع: ان هناك تشابهاً في أسماء كثير من المقادير. فبالرغم من اختلاف المقدارين أو المقادير في الوزن أو المسافة أو الكيل فإنها مسماة باسم واحد. ويرجع ذلك إلى اختلاف المجتمعات في بُعدها الزماني والمكاني كما سبق ان قلنا, ومن المعلوم ان الضبط من هذه الناحية ضروري جداً.
فمثلاً نرى ان للمثقال والدرهم والأوقية والمن والصاع والرطل والطن والميل والذراع -وغيرها من المقادير- معاني مختلفة ومصاديق متباينة، الأمر الذي يحدونا سوقياً إلى إرجاع بعضها إلى بعض وتحديدها إلى أكبر قدر ممكن.
أشكال ضبط المقادير:
تنقسم المقادير في طريقة ضبطها إلى ثلاثة أشكال:
الشكل الأول: شكل الانقسام الرباعي, أي ان الجزء هو جزء المقدار الأكبر منه. كالحُقة المتكونة من أربع أوقيات, والوقية المتكونة من أربعة أصواع, والصاع المتكون من أربعة أمداد.
الشكل الثاني: شكل الانقسام العشري.
ومثاله الأفضل هو الكيلو ومضاعفاته وأجزاؤه مع الغرام وأجزاؤه حتى أوصلوه إلى جزء من مائة مليون جزء من الغرام وجعلوا له اسماً.
وهذا كما هو صادق على الكيلو في الوزن صادق على المتر في المساحة. كما يمكن ان يكون صادقاً على كل أشكال الوزن إلا ان الذهن البشري لم يتفتق عن ذلك في غيرها. ومن ثم كانت انقساماتها بهذا الشكل غير عملية وغير معروفة وإنما ينبغي ان نتعامل مع كل قياس كما تعامل معه أهله.
ــــــــــــــــــــ[119]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ومن ثم كان الكيلو والمتر من هذه الناحية هي أدق التقديرات السوقية المعروفة لحد الآن. ولكنها على أي حال تحتوي على الإشكالين اللذين ألمعنا إليهما في عنوان سابق.
ولا يوجد لدينا تقدير عشري ذو أساس طبيعي متعارف عليه في السوق. بعد ان عرفنا ان الكيلو والمتر ليس لها أساس طبيعي. نعم, في بعض تقادير المساحة قد يقرّب الأمر من ذلك أحياناً كما سنشير إلى ذلك.
الشكل الثالث: المقدار الذي ليس له ضبط معين غير مجرد التسالم عليه والركون إليه اجتماعياً. فإذا أردنا معرفة كمياتها بالتقديرات الأخرى فلا بد ان نأخذ المقدار ونَزِنه ثم نقدّره بالتقدير الآخر.
إلا ان هذا ليس نقطة ضعف على مستوى السوق بعد ان تم التسالم على صحتها اجتماعياً. وكل ما لم يندرج في الشكلين الأولين فهو مندرج في هذا الشكل الثالث, كالطن الانكليزي والمن الفارسي والفدان وغيرها.
طريقة التعارف على المقادير:
من أجل ان لا يكون النقل كاذباً في الموازين والمقادير وان لا يكون تطبيق بعضها على بعض خاطئاً فلا بد من إتباع أحد الخطوات التالية:
أولاً: الأخذ بأخبار الثقات بالمعنى المتعارف عليه في الفقه. وهذا ينفع في كثير من المقادير وخاصة في المقادير التي كانت معروفة في صدر الإسلام لأنها نُقِلت إلينا عن طريق الروايات الموثوقة عن المعصومين.
وهذا الطريق لا زال ساري المفعول فيها, يعني من النقل الموثوق لأي مقدار معاصر.
ثانياً: الأخذ بأخبار أهل السوق أنفسهم بمعنى إننا نعتمد في كل وزن
ــــــــــــــــــــ[120]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وتقدير على المصادر الصادرة من ذلك البلد المستعمِل للوزن. لأنهم إنما ينشرون تلك المصادر من أجل أنفسهم ولنفع مجتمعهم, فإذا وقع في أيدينا شيء من ذلك كان موثوق الصحة وان كان المخبر به غير موثوق, بمعنى انه لو أخبرنا عن شيء آخر لما أخذنا بقوله.
وهذا ينفع في الموازين عموماً، وخاصة تلك الموازين والتقادير المأخوذة من الأجانب كالفرنسية والانكليزية وعموم المقادير التي تؤخذ من مصادر غير إسلامية.
ثالثاً: الأخذ بنتائج الحسابات الالكترونية فإنها توصِل إلى التعرف على مقدار كثير من الأوزان والمقادير المجهولة بعد مقايستها بمقادير أخرى معروفة كما سوف نشير في العنوان التالي.
ويمكن التقليل من احتمال خطأ الحاسبات وتأييد صحة الاستنتاج بعدة أمور:
أولاً: استخدام حاسبة قوية التيار الكهربائي. لأنها مع ضعف التيار قد تخطئ أحياناً, وكذلك استخدام حاسبات متطورة مضمونة النتيجة.
ثانياً: استخدام حاسبتين أو أكثر في مسألة واحدة, فان خرجت النتائج نفسها كانت محرزة الصحة.
ثالثاً: استخدام طريقة اختبار معينة, كمحاولة استنتاج المقدار من طريقتين حسابيتين لا من طريقة واحدة, فان كانت النتائج نفسها كانت محرزة الصحة.
بعض نقاط الضعف:
يحتاج الاستخراج بشكل رئيسي إلى وجود مواد خام أو قضايا مسلّمة تكون مقدِمة لاستنتاج المجهول. إذ لولاها لم يمكن أي استنتاج كما هو
ــــــــــــــــــــ[121]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
واضح. وهذه القضايا المسلّمة تكون مأخوذة من أحد الأساليب التي ذكرناها في المقدمة السابقة.
فإذا تمت لدينا قضايا مسلّمة سابقة بما فيها الأمور التي استخرجناها في عملية سابقة في حاسبة الكترونية، أمكن مباشرة الاستنتاج من جديد.
ولعل هناك بعض نقاط الضعف في الحاسبات الالكترونية المتوفرة سوقياً:
النقطة الأولى: عدم وجود الاستنتاج من الكسر الاعتيادي في كثير من الحاسبات واقتصارها على الكسور العشرية، الأمر الذي يلزم منه وجود ما يسمى رياضياً بالخطأ الدائم في كثير من الأحيان. وخاصة في تلك القضايا التي تكون (مسلّماتها) قائمة على الكسر الاعتيادي.
ومثاله: ان الحُقة البقالية تساوي حُقة وثلث من الحُقة العطارية، والثلث لا وجود له في الكسر العشري وكذلك التُسع. وتحويلها إلى الكسر العشري يستلزم وجود الخطأ الدائم بالضرورة. مضافاً إلى كثرة الأرقام وعدم إمكان التحويل عكسياً مع وجود هذا الخطأ لأنه لا يرجع إلى حالته الأولى أبداً.
النقطة الثانية: انه قد يصادف وجود الاختلاف في بعض الكسور في نفس النتيجة عند استعمال حاسبتين أو طريقتين في الاستنتاج. وهذه نقطة ضعف قائمة، ولكن قد يكون سببها راجعاً إلى إحدى النقطتين السابقة والآتية.
النقطة الثالثة: احتمال الخطأ في (تطعيم) الحاسبة عند صناعتها. فان ملايين المسائل الرياضية المطعمة فيها قد تحتوي على الخطأ القليل أحياناً. وهذا الاحتمال قائم ولا واقع له بدليل حقيقي, غير انه يقلل من أهميته أمران:
الأمر الأول: ما أشرنا إليه في العنوان السابق عن وجود طرق لتصحيح الاستنتاج.
الأمر الثاني: ما أسلفناه من كفاية الضبط السوقي المتعارف بين الناس, وهذا
ــــــــــــــــــــ[122]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
يتوفر تماماً لو تم لنا استنتاج الجزء من الألف بشكل صحيح من أية حاسبة.
ولكن مع ذلك يرد على ذلك إشكالان:
الإشكال الأول: انه ما العمل إذا احتجنا إلى الضبط المتزايد والدقيق وقد يحصل هذا في السوق أحياناً، فضلاً عن الحاجة الماسة إليه في العلوم الصرفة.
الإشكال الثاني: ان الحسابات قد تُخطئ في الكسر من الألف والمائة أيضاً بالشكل الذي لا يغتفر سوقياً.
والحق انه لا دافع لهذين الإشكالين إلا باستعمال طرق الضبط السابقة بحيث يحصل الوثوق بالنتيجة. والوثوق هو الحجة فقهياً وشرعاً في هذا المجال.
الأوزان الإسلامية القديمة:
وهي التي كانت متعارفة وسائدة في صدر الإسلام وهي عديدة, منها: الرطل والصاع والوسق والمد والكر(1).
( ) هناك إشكال لا يخلو من أهمية يحسن ذكره مع محاولة الجواب عليه:
وهو انه قد يقال: ان هذه الأسماء أو العناوين هي من قبيل (الكيل) وليست من قبيل (الوزن). كما صرح به في كثير منها أكثر الفقهاء وأكثر اللغويين. فكيف يمكن إدراجها ضمن الأوزان؟
وجواب ذلك ممكن بعدة وجوه:
الوجه الأول: ان هذه العناوين السوقية، كما أنها قد استُعمِلت بصفتها كيلاً، كذلك قد استُعمِلت في زمان متأخر عن ذلك نسبياً بصفتها وزناً. ويكفينا من الحجة الشرعية فقهياً الاطمئنان بأنها كانت في بعض عصور أئمتنا المعصومين (سلام الله عليهم) مستعملة بوصفها وزناً لأنها تكون عندئذ مُقرّة من قِبَلهم وإقرار المعصوم حجة. والاطمئنان بذلك حاصل فعلاً.
يبقى السؤال عن ان المجتمع العربي كيف طبق الكيل على الوزن؟ ثم هل ان لهذا السؤال أهمية
ــــــــــــــــــــ[123]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فقهية أم لا؟ فهذا ما سنذكره بعد الانتهاء من الوجوه التي بأيدينا.
الوجه الثاني: خبر محمد بن عبد الجبار عن أبي القاسم الكوفي انه جاء بمُد وذكر ان ابن أبي عمير أعطاه ذلك المد وقال: أعطانيه فلان رجل من أصحاب أبي عبد الله. وقال: أعطانيه أبو عبد الله وقال: “هذا مُد النبي” فعيّرناه فوجدناه أربعة أمداد وقفيز وربع بقفيزنا هذا. (الوسائل, ج6, كتاب الزكاة. أبواب زكاة الفطر: باب7, حديث6).
ومحل الشاهد قوله: «فعيرناه». وهو دال على استعمال الوزن لا الكيل. قال ابن منظور: «قال الجوهري: فرّق الليث بين عايرت وعيرت فجعل عايرت في المكيال وعيرت في الميزان». أقول: فيكون واضحاً في المطلوب، لأنه لم يقل: (عايرناه) ليكون مستعمِلاً للكيل.
وإذا صح استعمالهم للوزن، دل ذلك على ان مُد النبي من الوزن لا الكيل وكذلك العناوين الأخرى الموجودة في الرواية نفسها كالقفيز. وكذلك إذا ثبت ان المد هو وزن وليس كيلاً ثبت ان الصاع كذلك, لأنهم صرحوا بوضوح ان المد ربع الصاع. فهو مثله في النوعية لصعوبة تحويل الكيل إلى وزن ووضوح عدم كون هذا جزءاً من هذا.
إلا ان هذا الوجه لا يتم لمناقشتين:
الأولى: ضعف سند هذه الرواية.
الثانية: انه لم يثبت لغوياً ان (عيّر) خاص بالميزان بل هو يشمل المكيال أيضاً. كما صرح به أيضاً (ابن منظور) وغيره. فلا دليل من استعمال هذه الكلمة في الرواية على كونه وزناً.
إذن، فهذا الوجه الثاني لا يتم.
الوجه الثالث: إننا نسمع من اللغويين والفقهاء تطبيق العناوين الكبيرة (من الأوزان والمكاييل) على الصغيرة. ومن الواضح: انه إذا كانت الكبيرة إنما هي من المكاييل أو مشتركة الانطباق عليها وعلى الأوزان، فأن العناوين الصغيرة هي من الأوزان قطعاً كالدرهم والمثقال والحبة والدانق وغيرها. ولا يحتمل إطلاقاً ان تكون من نوع المكاييل.
إذن، فتطبيق هؤلاء لهذه العناوين على العناوين الكبيرة يدل على أحد أمرين: فأما ان تكون العناوين الكبيرة أيضاً أوزاناً وليست مكاييل. وهذا هو المطلوب والذي جرينا عليه في المتن. ويقرّ به صعوبة تطبيق الكيل على الوزن بل يكاد ان يكون ممتنعاً عرفاً، كما سنذكر. إذن، فيتعين ان تكون كل العناوين صغيرها وكبيرها أوزاناً. وهو المطلوب كما قلنا.
وأما ان يكون هؤلاء المفكرون قد تجشموا صعوبة تطبيق الكيل على الوزن. بما فيها من نوع من التعذر العرفي والمسامحة العرفية أيضاً كما سنذكر.
وقبل ان ندخل في هذا التطبيق أود ان أورد بعض عبارات ابن منظور في (لسان العرب) بما يدل على تطبيق العناوين الصغيرة على الكبيرة. قال: «المكوك: مكيال معروف لأهل العراق والجمع مكاكيك ومكاكيب… وهو صاع ونصف وهو ثلاثة كيلجات والكيلجة مَنّ وسبعة أثمان المَنّ. والمَنّ
ــــــــــــــــــــ[124]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
رطلان, والرطل اثنا عشر أوقية, والأوقية إستار وثلثا إستار (بكسر الهمزة) والإستار أربعة مثاقيل ونصف. والمثقال درهم وثلاثة أسباع الدرهم, والدرهم ستة دوانيق, والدانق قيراطان. والقيراط طسّوجان, والطسوج حبتان, والحبة سدس ثُمن الدرهم. وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءاً من درهم. زاد ابن بري. الكر ستون قفيزاً, والقفيز ثمانية مكاكيك, والمكوك صاع ونصف وهو ثلاثة كيلجات». إلى آخر ما قال ابن منظور.
ولا يحتمل ان تكون كل هذه العناوين من المكاييل, لوجهين:
الوجه الأول: ما قلناه: من ان العناوين الصغيرة كالقيراط والحبة والدرهم لا يحتمل ان تكون مكاييل. بل هي أوزان قطعاً.
الوجه الثاني: ما قاله ابن منظور نفسه عن بعض الأوزان الصغيرة قال: «الدانق: والدانَق من الأوزان». وقال: «المثقال وزن معلوم قدره». وقال: «القرّاط والقيراط من الوزن معروف وهو نصف دانق». (راجع كلاً منها في مادة: من, لسان العرب).
إذن، فقد طبق (ابن منظور) ما هو (الوزن) يقيناً على ما هو (كيل) يقيناً وهو المكوك الذي قال عنه انه مكيال معروف لأهل العراق.
وموقفنا من ذلك أحد أمرين:
الأمر الأول: ان نحمل (ابن منظور) وأشباهه على الاشتباه لليقين بكون العناوين الصغيرة أوزاناً والشك ان الكبيرة هل هي أوزان أو مكاييل. فيكون تطبيق الصغيرة عليها دليلاً على إنها أوزان وليست مكاييل. أو إنها قد استُعمِلت فعلاً لحقبة طويلة بصفتها أوزاناً. وهذا يكفي.
الأمر الثاني: ان (ابن منظور) واشباهه قد طبقوا الموازين على المكاييل بالرغم من صعوبتها وكونه ذات مسامحة عرفية كما سنرى.
وهنا لا بد من الإشارة باختصار إلى معنى هذا التطبيق وكيفيته.
إذ من المعلوم ان الكيل أو المكيال يستعمل في كثير من المواد, والمواد تختلف في وزنها النوعي، فلا يمكن ان يكون لمادتين ذات كيل واحد ان يكون لهما وزن واحد. كما ان العكس صحيح بمعنى انه لا يمكن لمادتين ذات وزن واحد: كيل واحد. وهذا واضح. ومن هنا تنطلق صعوبة تطبيق الكيل على الوزن وعكسه.
غير ان هذا التطبيق أما ان يقوم به المجتمع نفسه فيحوّل عنواناً أو عدة عنوانين من الكيل إلى أوزان أو يسمي عدة أوزان بأسماء مكاييل سابقة. وأما ان يقوم به المفكر بينه وبين نفسه بغض النظر عن المجتمع.
فأن قام به المجتمع نفسه، كما أشرنا إليه انه من المطمأن به انه قد حصل فعلاً في بعض عصور أئمتنا (سلام الله عليهم). أقول: فان قام به المجتمع فلا إشكال فيه من الناحية الفقهية:
أولاً: لأنه يكون ممضى من قِبَل المعصومين (سلام الله عليهم).
ــــــــــــــــــــ[125]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ثانياً: لأنه يصبح سيرة عرفية سوقية يمكن القياس عليها لأي فرد. ولا علينا بعد ذلك في الأسلوب الذي اتّبعه المجتمع في هذا التحويل. فقد يكون هو مجرد تسمية الأوزان بأسماء المكاييل، وقد يكون باستعماله للمادة الغالبة في المجتمع كالحنطة أو التمر يومئذ واعتبارها هي الأساس في الوزن ضمن مكيال معين. وبعد التوصل إلى وزن معين يكون انقسامه إلى أوزان أخرى ممكناً بطبيعة الحال.
هذا، وأما إذا قام به المفكر من تلقاء نفسه، فلا حق له في ذلك وسيكون فاشلاً قطعاً، لاستحالة انطباق المواد في الكيل والوزن على بعضها البعض كما أسلفنا.
فأن طبق المفكر بعض المواد الغالبة -كما أشرنا- وأخذ بوزنها فهذا يكون خطأ لأكثر من مناقشة:
المناقشة الأولى: ان هذا التطبيق يكون شخصياً وليس اجتماعياً فلا يكون له حجية فقهية.
المناقشة الثانية: ان عدداً من الموازين لا ينطبق على المادة التي استعملها. فمثلاً: ان الحنطة توزن بالصاع ولكنها لا توزن بالمثقال والدرهم. فإذا صدق الصاع عليها لا يلزم منه صدق الموازين الصغيرة فيكون التطبيق خاطئاً.
وعلى أي حال، فإننا في وضوح فقهي في منهجنا وهو كون كل هذه العناوين أوزاناً للوجه الأول السابق، وبعض ما ذكرناه في الوجه الثالث، كما هو واضح لمن يفكر.
وقد كان الرطل منقسماً إلى ثلاثة أقسام:
أ- الرطل العراقي وهو أصغرها.
ب- الرطل المكي ويساوي ضعف العراقي.
ج- الرطل المدني ويساوي ثلثي الرطل المكي.
وأما الصاع فهو أربعة أمداد, والمد ربع صاع يساوي تسعة أرطال بالعراقي وستة أرطال المدني.
والوسق يساوي 60 صاعاً.
وأما الكر فهو يساوي 1200 رطل بالرطل العراقي على الأصح فيكون بالرطل المكي 600 وبالرطل المدني 900.
ــــــــــــــــــــ[126]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ومعه, تصح هذه القائمة الرقمية:
الوسق = 60 صاعاً
الصاع = 4 امداد
الصاع = 9 أرطال عراقية
الصاع = 6 أرطال مدنية
الصاع = 4 أرطال مكية
الرطل العراقي = رطل مكي
الرطل المكي = 2 رطل عراقي
الرطل المدني = رطل مكي
الكر = 1200 رطل عراقي
الكر = 600 رطل مكي
الكر = 900 رطل مدني
هذا مضافاً إلى أوزان أخرى تُعرف من الهامش الطويل الذي ذكرناه، فلا حاجة إلى التكرار.
ولأجل فتح الطريق إلى تطبيق هذه الأوزان على الأوزان الحديثة نشير إلى ما عرفناه في فصل من كتاب الطهارة من ان الصاع يساوي ثلاث كيلو غرامات إلا كسراً ضئيلاً جداً. وبعد إمكان تطبيق الكيلو على أي نوع آخر من الوزن يمكن تطبيق هذه الأوزان القديمة على أي نوع آخر أيضاً.
ــــــــــــــــــــ[127]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
الأوزان العراقية:
وهي الأوزان التي كانت سائدة في العراق قبل فترة غير طويلة وقبل ان يسود استعمال الكيلو، وله شكلان من الوزن متشابهان في التسمية ومختلفان في المقدار. ويسمى القسم الكبير بـ«البقالي» لأنه كان يستعمل عند البقالين وهم بائعو البقل والخضار. ويسمى القسم الأصغر بـ«العطاري» لأنه كان مستعملاً لدى العطارين وهم بائعو الحبوب ونحوها.
والظاهر ان الوزن العطاري واصل إلينا من الأتراك من لدن الحكم العثماني وكان سائداً في تركيا خلال تلك الفترة. ولذا يسمى في بعض المصادر بـ«وزن اسطنبول» وهي عاصمة الحكم العثماني يومئذ.
والوزن البقالي يحتوي على المقادير التالية. نذكرها بدءاً بالأكبر:
الوزنة والمن والحقة والأوقية والربع، كما يلي:
الوزنة = 4 أمنان
الوزنة = 24 حُقة
المن = 6 حُقق
الحُقة = 4 أوقيات
الوقية = 4 أرباع
وينقسم الربع إلى (نصف ربع) والى نصف هذا المقدار ويسمى (ستة دراهم) أي ان ربع الربع يساوي ستة دراهم فيكون الأمر كما يلي:
الربع = 24 درهم
نصف الربع = 12 درهم
ــــــــــــــــــــ[128]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
الوقية = 96 درهم
وهذا هو (الدرهم البقالي) وهو غير اصطلاح الدرهم المستعمل في وزن الذهب.
وأما الوزن العطاري فيحتوي على الحُقة والأوقية والربع أحياناً يستعمل لفظ المن وانقسامه بنفس الطريقة كما يلي:
المن = 6 حُقق
الحُقة = 4 أوقية
الوقية = 4 أرباع
ولأجل تطبيق أحد هذين الشكلين من الوزن على الآخر قالت المصادر الموثوقة ان:
الحُقة البقالي = 3 حُقة عطاري الوزنة البقالي = 80 حُقة عطاري
وقد عرفنا ان الوزنة البقالي = 24 حُقة بقالي و80 حُقة عطاري, كما ان الحُقة العطاري = 280 مثقالاً صيرفياً. فإذ عرفنا ان المثقال يساوي ( ) غرام أمكننا استنتاج نسب هذه الأوزان من الكيلو غرامات وغيرها من أنواع الأوزان.
الأوزان المصرية:
قيل في بعض المصادر(1) ان وحدة الموازين هناك هي الدرهم وهو ثقل جزء من ألف ينقسم إليها مكعب من الماء ضلعه ربع الذراع البلدي. وله جزءان, فجزءاه هو القيراط وهو من الدرهم والقمحة وهي من القيراط أو من الدرهم.
ــــــــــــــــــــ[129]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) الدرر البهية في الأصول الحسابية: محمد ادريس بك, ج2: ص85.
ومضاعفات الدرهم هي:
المثقال: وهو 1.5 درهم.
والأوقية: وهي 12 درهماً.
والرطل: وهو 12 أوقية أو 144 درهماً
والأوقية: وهي 2 رطلاً و 33 أوقية أو 400 درهماً.
وقد(1) كانت المكاييل متعارفة جداً في السوق المصرية وقد قالوا ان وحدة المكاييل هي «الأردب» وهو عبارة عن مكعب ضلعه ذراع بلدي, وينقسم الأردب إلى ست ويبات, والويبة إلى كيلتين, والكيلة إلى ربعين, والربع إلى ملوتين, والملوة إلى قدحين, والقدح له نصف وربع (يعبّر عنه بالربُعة), وثُمن (يعبر عنه بالثُمنة), ونصف ثُمن يعبّر عنه (بالخروبة), وربع ثُمن ويعبّر عنه (بنصف خروبة).
الأوزان الانكليزية:
الحبّة كرين Grain المَنّ ستون Stone
الدرهم درام Dram الربع كوارتر Quarter
الرطل باوند Pound القنطار هندردوايت Hanareaweihit
الأوقية أونس Ounce الطن تُن Ton
وتعدادها كما يلي:
ــــــــــــــــــــ[130]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) نفس المصدر: ص84.
وتطبيقها كما يلي:
1 كرين = 0.0648 غرام
1 درام = 1.772 غرام
16 درام = 1 اونس = 28.350 غرام
16 اونس = 1 باوند = 0.453592 كيلو غرام
14 باوند = 1 ستون = 6.350 كيلو غرام
28 باوند = 1 كوارتر = 12.70 كيلو غرام
100 باوند = 1 سنتل = 45.359243 كيلو غرام
4 كوارتر (112 باوند) = 1 هندردوايت = 50.8022 كيلو غرام
20 هندردوايت = 1 طن = 1016.044 كيلو غرام
1 هندردوايت = 8 ستون = 50.8022 كيلو غرام
1 طن = 200 هندردوايت = 1016044 كيلو غرام
يبقى لدينا تطبيق كرين على درام ونعرفه عن طريق تقسيم الغرامات فيكون درام = 27.345 كرين.
ولأجل الدقة في تطبيق الأوزان الانكليزية على الفرنسية ينبغي ان نعرف ان الطن الفرنسي يساوي 1000 كيلو غرام وهو فرنسي أيضاً، وان الطن الانكليزي يساوي 1.01605 طن فرنسي وهي نفس النسبة السابقة من الكيلو غرامات التي عرفناها للطن الانكليزي.
ــــــــــــــــــــ[131]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
الأوزان الفرنسية:
وهي الكيلو غرام ومضاعفاته وأجزاءه, والوحدة الرئيسية فيه هو الغرام, غير أنهم جعلوا أسماء معينة للمضاعفات والأجزاء بحيث يكون المضاعف ألف مرة يسمى كيلو, ومن هنا يسمى كيلو غرام؛ أي ألف غرام, وكيلو متر؛ أي ألف متر.
وينبغي ان نحمل أولاً فكرة من أسماء المضاعفات والأجزاء وهي كما يلي:
1000000000000 (مليون مليون) تيرا Tera
1000000000 (ألف مليون) كيكا Giga
1000000 (مليون) ميكا Miga
1000 (ألف) كيلو Kila
100 (مائة) هكتو Hicta
10 (عشرة) ديكا Deca
1 (واحد) الوحدة Unit
0.1 (واحد بالعشرة) ديسي Deci
0.01 (واحد بالمائة) سنتي Centi
0.001 (واحد بالألف) ملي Milli
0.000001 (واحد بالمليون) مكرو Micro
0.000000001 (واحد بالألف مليون) نانو Nano
0.0000000000001 (واحد بالمليون مليون) ديكر Dica
0.00000000000001 (واحد بالألف مليون مليون) فيمتو Femto
والمفروض ان هذه القائمة تنطبق على كل الوحدات، مهما كان نوعها.
ــــــــــــــــــــ[132]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ولا يخلو ذلك من دقة ومن منطقية. وقد تعن له الحاجة وقد نستطيع ان نطبقها بعد ذلك على بعض المقادير وان كانت شرقية. إلا إنها ستصبح غريبة سوقياً، فإنهم لم يطبقوه إلا على الغرام والمتر واللتر، حتى أنهم لم يطبقوه على الكيلو نفسه، لان المفروض ان الكيلو بنفسه هو مضاعف الغرام فلا يمكن ان يكون له مضاعفات خاصة به.
وعلى أي حال فمشياً مع هذا القرار، وبعد ان اعتبروا الوحدة الرئيسية للوزن هي الغرام، يكون الأمر كذلك.
10 غرام = ديكا غرام
100 غرام = هكتو غرام
1000 غرام = كيلو غرام
1000000 غرام = ميكا غرام
1000000000 غرام = كيكا غرام
1000000000000 غرام = تيرا غرام
هذا في المضاعفات, وأما في الأجزاء فكما يلي:
0.1 = ديسي غرام
0.01 = سنتي غرام
0.001 = ملي غرام
0.000001 = مكرو غرام
0.0000000001 = نانو غرام
0.000000000001 = ديكر غرام
0.000000000000001 = فيمتو غرام
ــــــــــــــــــــ[133]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وأما تطبيقها على الأوزان الأخرى كالشرقية والبريطانية، فهو معروف كما سبق، ولا يحتاج إلا إلى عمليات حسابية بسيطة.
المكاييل:
وهي على أقسام:
القسم الأول: الكيل القديم الذي كان متعارفاً في صدر الإسلام وهي: الكر والرطل والصاع، باعتبارها أكيالاً. والظاهر ان هذه الألفاظ استعملت للوزن تارة وللكيل أخرى. وفيما سبق في فصل الكر من كتاب الطهارة وكتاب الزكاة وهذا الفصل ما يكفي لاستخراج كمياتها فلا نعيد.
القسم الثاني: المكاييل المصرية، وقد سبق ان ألحقنا ذكرها مع الأوزان المصرية فيما سبق.
القسم الثالث: وهو ما لا يكون له ضابط معين، غير انه مفهوم عرفاً ومتعارف سوقياً. فان كل الصناعات التي تباع بالأمتار أو السنتيمترات المكعبة كالأدوية والسوائل والعطور والأتربة وغيرها، كلها من أشكال الكيل.
كما ان ما يباع بالقنينة المتعارفة أو في صفائح معينة هو من الكيل أيضاً، ما لم يصرّح به بوزنه. كما ان ما يباع بالسيارات -الشاحنة الصغيرة أو الضخمة- كله من قبيل الكيل، ما لم ينضبط وزنه. فإذا انضبط وزنه كان وزناً لا كيلاً.
كما ان ما يباع بالقطرات، كبعض الأدوية والعطور والسوائل النادرة، من الكيل أيضاً. فان لكل سائل قطرته المعينة التي تكون ذات مقدار كافٍ للانضباط سوقياً، وان كانت قابلة للفرق بالدقة العقلية.
ــــــــــــــــــــ[134]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
القسم الرابع: الكيل الانكليزي:
وهي كما يلي:
Gill (جِلّ) = 0.142 لتر فرنسي
Pint (بِنت) = 0.568 لتر
Quart (كوارت) = 1.137 لتر
Gallon (كالون) = 4.54596 لتر
Pack (باك) = 9.092 لتر
Bushel (باشل) = 36.3687 ديسيمتر مكعب
Quarter (كوارتر) = 0.29095 متر مكعب
وأما نسبها فيما بينها:
1 كوارتر = 8 باشل
1 باشل = 4 باك
1 باك = 2 كالون
1 كالون = 4 كوارت
1 كوارت = 2 بِنت
1 بِنت = 4 جِلّ
القسم الخامس: الكيل الفرنسي:
ووحدته الرئيسية هي المتر وله مضاعفات وأجزاء كالغرام والمتر. فإذا طبقناه على قائمة الوحدات السابقة كان الأمر كما يلي: فالمضاعفات هي:
ــــــــــــــــــــ[135]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
10 = ديكا لتر
100 = هكتو لتر
1000 = كيلو لتر
1000000 = ميكا لتر
1000000000 = كيكا لتر
1000000000000 = تيرا لتر
وأما أجزاؤه فكما يلي:
0.1 = ديسي لتر
0.01 = سنتي لتر
0.001 = ملي لتر
0.000001 = مكرو لتر
0.0000000001 = نانو لتر
0.000000000001 = ديكر لتر
0.000000000000001 = فيمتو لتر
ولا بد ان نحمل فكرة عن تطبيقه على نوع آخر من الكيل ليسهل تطبيقه على الأنواع الأخرى. فتأخذ الكيل الانكليزي كما يلي:
1 سنتي لتر = 0.704 جِلّ
1 ديسي لتر = 0.17598 بِنت
1 لتر = 0.219975 كالون
1 ديكا لتر = 2.19975 كالون
1 هكتو لتر = 21.9975 كالون
1 كيلو لتر = 219.975 كالون
ــــــــــــــــــــ[136]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وتقول المصادر الموثوقة: ان السنتيمتر المكعب الواحد من الماء المقطر، يساوي غرام واحد وزناً.
التقدير بالمسافة:
أو التقدير بالمساحة، وهي على أقسام:
القسم الأول: التقدير بالأشياء الطبيعية وأغلبها من أجزاء جسم الإنسان. ويمكن حصر المعروف منها مما يلي: شعر البرذون. حبة الشعير. الإصبع. الفتر. الشبر. القدم. الذراع. الخطوة.
وقد حملنا فيما سبق فكرة عن الشعرة وحبة الشعير. ويراد بها القياس من مسافة عرضها الأكبر من وسطها.
ويراد بالإصبع: عرضه عند بسط الكف على الأرض ونحو ذلك. وهو ليس مضبوطاً بالدقة لاختلاف الإصبعين الطرفين من الكف في الحجم عن الباقي. ولكن لا شك ان ضم الأصابع الثلاثة الوسطى تشكل مسافة مضبوطة بدرجة كافية.
ويراد بالفتر: ما كان من المسافة بين رأس الإصبع (الإبهام) ورأس الإصبع (السبابة) عند فتحهما.
ويراد بالشبر: المسافة بين رأس الإبهام ورأس الخنصر، أي الإصبعين الطرفين في الكف عند فتحها تماماً.
والمراد من القدم: طوله من رأس الإبهام إلى أقصى الكعب من الخلف.
والمراد من الذراع: المسافة ما بين الكوع وهو خلف الذراع الأوسط إلى رؤوس الأصابع وخاصة الإصبع الوسطي.
ويراد بالخطوة معنيين:
ــــــــــــــــــــ[137]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
المعنى الأول: الخطوة الصغيرة. وهي ما يخطوه الإنسان في مشيه العادي. وهي مع استمرار المشي وتكرر الخطوات تشكل قدماً واحداً فارغاً بين القدمين الماشيين.
المعنى الثاني: الخطوة الكبيرة. وهي أقصى ما يمكن ان يخطوه الإنسان عند فتح رجليه واقفاً. وهي وسابقتها أيضاً، تعني قدماً واحداً مع ما بين القدمين، ولا تُحسب القدم الأخرى، لأنها عندئذ سوف تحسب مع كلتا الخطوتين.
وقد سبق الإشكال على القياس بهذه الأمور، وبيان التسامح فيه. والقياس بالخطوات أكثر تسامحاً، ومن ثم كاد ان يكون مهملاً سوقياً. بخلاف التقديرات الأخرى.
ونطبقها فيما يلي على السنتيمترات وأجزائها ومضاعفاتها، لكي يتسنى لمن يريد ان يطبقها على المقاييس الأخرى.
وإنما نتحدث هنا عن المعدل العام للحجم الاعتيادي لجسم الرجل البالغ. فيكون كما يلي:
الشعرة = 0.387714 مليمتر
الحبة = 2174 مليمتر =7 شعيرات
الإصبع = .19
مليمتر =7 حبات
الفتر = 21.5 سنتيم
الشبر = 23.5 سنتيم
القدم وهو الفوت = 30.48 سنتيم
هكذا حددت المصادر مقدار القدم. وان كنت اعتقد انه لا يخلو من
ــــــــــــــــــــ[138]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
مبالغة، لأنه أكبر من الخِلقة الاعتيادية، إلا انه متسالم عليه عالمياً فلا يمكن تغييره.
الذراع = 24 إصبع = 456 مليماً = 45.6 سنتيماً
الخطوة الصغيرة = قدمين = 60.96 سنتيماً
الخطوة الكبيرة = 4 أقدام = 2خطوة صغيرة = 121.92سنتيماً.
وتقدير الخطوة الكبيرة قائم على ان ما بين القدمين ثلاث أقدام فارغة. فتكون مع إحدى القدمين الموجودين أربعة. في حين ان الخطوة الصغيرة يتخللها قدم واحد فارغ كما قلنا. فتكون مع إحدى القدمين الموجودين قدمان. وقد حسبناها بحساب القدم السائدة، أعني الفوت، والذي قلنا انه مبالغ فيه.
القسم الثاني: التقديرات القديمة التي كانت سائدة منذ صدر الإسلام إلى عهد قريب في بلاد الشرق الأوسط، وهي الفرسخ والميل والبريد والذراع وغيرها.
وحسب التقديرات في المصادر فان:
ذراع معماري = 75 سنتيمتراً
ذراع عادي = 70 سنتيمتراً
الميل = 4000 ذراع يد = 1824 متراً
الفرسخ = 3 أميال = 5.472 متراً
البريد = 4 فراسخ = 12 ميل
وبالنسبة إلى المقادير المربعة في المساحة والتي لا زالت مستعملة إلى الآن:
ــــــــــــــــــــ[139]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ذراع معماري = 0.75 متر مربع
ذراع عادي = 0.70 متر مربع
قصبة = 23.81 متر مربع
آر = 100 متر مربع
فدان خطاط = 5713 متر مربع
هكتار = 10.000 متر مربع
فدان روماني = 137170 متر مربع
القسم الثالث من المسافة:
التقديرات الانكليزية، وهي كما يلي مع تطبيقها على التقدير الفرنسي بالمتر وأجزائه ومضاعفاته.
الانج Inch = 2504 مليمتر
الفوت أو القدم Foot = 12 انج =0.304 متر
الياردة Yard = 3 فوت = 0.9144 متر
بول Pole = 5.5 ياردة = 5.0292 متر
فورلونج Furlong = 40 بول = 0.201168 متر
الميل Mile = 8 فورلونج = 1.609344 كيلومتر
والميل أيضاً = 5280 فوت
وهذا الميل الانجليزي غير الميل الذي سبق الكلام فيه في القسم الأول من التقدير بالمسافة، والذي كان مستعملاً في القديم فان القديم كان = 1824متراً وهذا الميل = 1609متراً. أي انه يصغر عن الآخر بمقدار = 215متراً. فلا ينبغي الخلط بينهما سوقياً وفقهياً وفكرياً. وهذا من مصاديق
ــــــــــــــــــــ[140]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وتطبيقات ما سبق ان قلناه من انه قد يكون لتقديرين مختلفين نفس الاسم والعنوان. وقد أشرنا إلى منشأ مثل هذا الخلط هناك.
القسم الرابع: التقديرات الفرنسية للمسافة. ووحدتها الرئيسية المتر. وله مضاعفات وأجزاء كالتي رأيناها في الغرام واللتر.
وقد زعم بعض الكتّاب(1): ان المتر هو جزء من عشرة ملايين جزء منقسم اليها ربع محيط دائرة نصف النهار الأرضية.
وهو قائم على زعم ان دائرة نصف النهار طولها أربعون مليوناً من الأمتار. وهو يريد بذلك ان يُرجع المتر إلى تقدير أو أساس طبيعي. إلا انه دجل واضح، لأننا لا نعلم مقدار قطر دائرة نصف النهار وان محيطها هل يمر على الرؤوس لإنسان قائم. أو على رؤوس الأشجار أو بمقدار ارتفاع السحاب أو غير ذلك، وليس لها تقدير حقيقي على الإطلاق. لأنها إنما يستفاد من محل وجودها بين الشرق والغرب، لا من ارتفاعها.
وإذا لم نعرف ارتفاعها لم نعرف قطرها ولا محيطها. فيكون هذا التقدير جزافاً محضاً. ولذا قلنا قبل فترة من هذا الفصل: ان هذه التقديرات لا تعود إلى أمور طبيعية إطلاقاً.
وطبقاً للقوائم السابقة فان مضاعفات المتر كما يلي:
10 = ديكا متر
100 = هكتو متر
1000 = كيلو متر
1000000 = ميكا متر
1000000000 = كيكا متر
1000000000000 = تيرا متر
ــــــــــــــــــــ[141]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) الدرر البهية في الأصول الحسابية: ج2: ص84.
وأما أجزاء المتر فكما يلي:
0.1 = ديسي متر
0.01 = سنتي متر
0.001 = ملي متر
0.000001 = مكرو متر
0.0000000001 = نانو متر
0.000000000001 = بيكو متر
0.000000000000001 = فيمتو متر
ونحتاج الآن إلى تطبيقها على بعض الأطوال الانجليزية:
1 مليم = 0.03937 انج
1سنتيم = 0.393701 انج
1 ديسيم = 3.937011 انج
1 متر = 1.093614 ياردة
أي ان المتر أطول من الياردة بمقدار حوالي تسعة بالمائة من الياردة. ويساوي ياردة وتسعة بالمائة منها.
1ديكا متر = 10.936143 ياردة
1هكتو متر = 109.36143 ياردة
أي ان المائة متر يساوي 109 ياردات وثلث تقريباً.
ــــــــــــــــــــ[142]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
1كيلو متر = 0.621371 ميل
1كيلو متر أيضاً = 1093.6143 ياردة
ويكون الميل = 1760 ياردة
لأن الميل = 5280 فوت (كما سبق).
والياردة = 3 فوتات
فيكون الميل = 5280÷3 =1760ياردة
وبذلك يتسنى الحساب لمن يريد تطبيق هذه المسافات على المسافات الانكليزية الأخرى. والمسافات في التقديرات الأخرى. ولا حاجة بنا الآن إلى التطويل.
بقي إمكان التعرض إلى المساحات المربعة والحجوم. غير أني أجد انه لا ضرورة إليه. وخاصة بعد ان تعرضنا لمختصر عن المساحات. والى حجم السوائل الرئيسي وهو اللتر.
ــــــــــــــــــــ[143]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فصل
مصطلحات في كتاب البيع
توجد مجموعة من المصطلحات الفقهية التي تخص كتاب البيع وقد تشمله وغيره. والمفروض ان نعقد لكل واحد منها فصلاً مستقلاً، إلا أنها لاختصار الحديث نسبياً عنها، فيما يناسب مستوى هذا الكتاب، لا تصلح ان تشكل كلاً منها فصلاً، وان كان الحديث عنها في الكتب الفقهية المفصلة مفصلاً. فمن هنا صار الأرجح لأجل ان لا يبقى الحديث عنها متروكاً هنا، ولكي نحيط القارئ بها في الثقافة الفقهية المعمقة التي نتوخاها في هذا الكتاب، صار الأرجح ان نعقد لها جميعاً فصلاً واحداً.
وكان المفروض إنها تكون مرتّبة على الحروف على شكل (قاموس) إلا ان المُلاحظ ان المصطلحات تكون على شكل مجموعات، وبعضها منفرد. فكان الأرجح ضم المجموعات إلى بعضها والاستغناء عن الترتيب القاموسي. وسيكون الحديث عن كل منها له شيء من التفصيل في هذا الكتاب.
البيع:
عرّفوه بعدة تعاريف منها: «مبادلة مال بمال». أو «مبادلة مال بعوض». أو «مبادلة عين بعوض».
والمفروض ان تعريف البيع لا يشمل المنفعة لكي لا يشمل الإجارة، لأنها دفع المال بإزاء المنفعة، ولا الحقوق، لأنها وان كانت قابلة للمبادلة بالمال،
ــــــــــــــــــــ[144]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
إلا أنها لا يصدق عليها البيع. ولا عمل الحر، لأن العمل عرفاً إنما هو من الإجارة وليس من البيع.
ومن هنا اشترطوا ان يكون أحد الطرفين عيناً، ليصدق البيع، على ان تعم العين، كل ما يكون قابلاً للبيع عرفاً. حتى مثل الغاز والكهرباء ونحوها.
كما ان العوضين معاً يجب ان يكونا ماليين فلو لم يكن لها مالية لم يصدق البيع. لأنهم قالوا: ان الملكية في أمثالها لا تصدق كالخمر والخنزير وما كان قليلاً جداً كحبة القمح. وما لم يكن مالكاً لا يصدق البيع. وإنما له فيه حق الاختصاص. وهو لا يصدق فيه البيع وان كان يصح فيه التعامل شرعاً وعرفاً.
ومن هنا كان لا بد -للإيضاح- ان تكون المالية المشترطة منصوصة في التعريف. فنقول: البيع مبادلة عين مالية بعوض مالي. ونحو ذلك.
وهنا لا بد من الالتفات إلى ان صور استعمال النقد والعروض في العوضين يكون على أشكال، كلها يصدق عليه البيع. وان خالف في بعضها سيدنا الأستاذ. والصحيح هو الشمول لصدق لفظ البيع عليها عرفاً وشموله للتعريف.
أولاً: بيع عروض بثمن, يعني الثمن النقدي. وهو الشيء المتعارف عادة في عصورنا الحالية.
ثانياً: بيع عروض بعروض. وهو المقايضة. وهو شكل البيع الذي كان سائداً في العصور السابقة قبل ان تسود العملة في الأسواق.
ثالثاً: بيع عملة بعملة. وهو الذي أنشئت له أسواق البورصة في العالم اليوم. وإذا كانت العملة من الذهب أو الفضة كان لبيعها بعض الشرائط الشرعية وسميت (صرفاً).
رابعاً: بيع العوض بالمنفعة. وليس هذا من الإيجار إذا اعتبرنا المنفعة
ــــــــــــــــــــ[145]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ثمناً. وكان الشيء الرئيسي في المعاملة هو العروض. نعم، لو كان الشيء الرئيسي مالياً كالذهب والفضة. تصبح إيجاراً لا محالة.
ولو كان أحد العوضين هو التنازل عن الحق إذا كان قابلاً للتعويض لم يكن بيعاً سواء كان طرفه للآخر مالاً أو عروضاً.
العقد والمعاطاة:
المفروض فقهياً والمشهور جداً بين الفقهاء جريان عقد لفظي في البيع، وكل المعاملات من عقود وايقاعات. يكون أحد الطرفين وهو الرئيسي عرفاً (موجباً) بمعنى ان المبادرة إلى المعاملة تكون منه، والآخر (قابلاً) ليس له إلا القبول وهو الرضا بما قاله الأول بإيجابه.
ففي البيع يكون الموجب هو البائع وفي الإيجار صاحب الملك أو مالك العين وفي الرهن الراهن وفي النكاح الزوجة.. إلى غير ذلك.
وقد اشترط المشهور في عقد البيع الصراحة في الإنشاء, يعني ان لا يكون من قبيل الأخبار، والماضوية يعني ان يكون بصيغة الفعل الماضي. والتنجير، يعني ان لا يكون معلقاً على شرط مجهول. وتَقدُّم الإيجاب على القبول، واللفظ بالعربية.. وغير ذلك.
إلا ان الصحيح والمشهور بين المتأخرين صحة المعاطاة، وهو ما إذا حصل التعاطي عملياً بين الاثنين، يعني دفع أحدهما إلى الآخر بدون عقد، ولكن بنية البيع. وذهب المتقدمون من الفقهاء إلى عصر قريب بأن المعاطاة ليست بيعاً وإنها إنما تفيد الإباحة أو البيع المتزلزل أو نحوه.
إلا ان المتأخرين بما فيهم بعض أساتذتنا وسيدنا الأستاذ -وهو الصحيح- ان المعاطاة بيع لازم اعتيادي، لا ينقص عن اللفظي في شأنه العرفي أصلاً،
ــــــــــــــــــــ[146]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ويشترط فيه ما يشترط في العوضين والمتبايعين من الشروط.
وليس معنى المعاطاة ان يتقايض الطرفان سكوتاً، وإنما بمعنى أنهما يتشاوران ويتفقان على البيع والشراء ثم يتبادلان القبض بالمعاطاة مبنياً على ذلك الاتفاق. وهذا يكفي عرفاً.
حتى الوقف أجازه بعض أساتذتنا بالمعاطاة، وهو الصحيح. لا يبقى إلا المعاملات المرتبطة بالزواج، فان الأحوط فيها وجوباً هو اللفظ ولا يقول أحد من الفقهاء بجواز المعاطاة فيه كالتزويج نفسه والطلاق والخلع والمباراة ونحوها. ولعله يجب ان نعطف على ذلك بيع الرقيق عندما يجوز بيعها فقهياً. لأنها من الفروج أيضاً.
ولعله لذلك استشكلوا أيضاً في إيقاع العتق، فانه يعود إلى الفروج في نتائجه كما هو واضح. فالعتق بالمعاطاة غير نافذ على الأحوط وجوباً.
ولكن يشترط في المعاطاة، حصول هذا المعنى: أعني المعاطاة نفسها عرفاً. فلو لم يتبادل المتبايعان شيئاً على الإطلاق لم تحصل المعاطاة ومن ثم لم يحصل البيع المطلوب.
وقد يكفي ان نريد بالتبادل تبادل الأشياء البسيطة، فمثلاً يكفي في قبض الدار -كما يأتي- قبض مفتاحها أو دخولها بنية التملك. وأما لو كان العروض بعيداً مكاناً والثمن مؤجلاً زماناً لم تحصل المعاطاة.
ففي مثل ذلك: أما ان يحصل العقد اللفظي أو إننا لا نقول بحصول البيع إلا عند قبض أحد العوضين عرفاً. والمهم فقهياً حصول العطاء ولو من أحد الطرفين بشكل منجز وسريع عرفاً.
بقيت لنا كلمة عن تقدم الإيجاب على القبول في العقد اللفظي. فان اشتراطه مما نفاه المتأخرون. إلا ان تقدّم القبول، ليس بمعنى ان يبدأ المشتري
ــــــــــــــــــــ[147]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
بقوله: قبلت أو رضيت. وإنما ان يذكر صفة المعاملة مفصلة. وللبائع عندئذ ان يقول: اشتريت أو رضيت, بنية الإيجاب. حتى لو قال: قبلت, جاز له ذلك.
ويمكن القبول المعاطاتي، يعني من دون لفظ، بل بأن يكون الدال عملاً، كالقبض، أو حتى الابتسامة.
كما لا بد ان نعرف ان المعاطاة بالرغم من أنها غير لفظية، إلا أنها فيها إيجاب وقبول. لأننا قلنا: ان الموجب طرف معين عرفاً لا يمكن تغييره كالبائع في البيع، سواء باع لفظياً أو معاطات وسواء تقدم كلامه على صاحبه أم تأخر.
الفضولي والإجازة:
يتفرع اصطلاح البيع الفضولي من شرط المالكية في البيع, بمعنى ان يكون الطرفان مالكين للثمن والمثمن, فان كانا كذلك كان الشرط متحققاً, وان كان أحدهما أو كلاهما غير مالك ولا مربوطاً به بوكالة أو ولاية أو وصاية أو إذن، فيكون البيع فضولياً على ان نأخذ بنظر الاعتبار ان البائع ليس منهياً عن البيع قبل ذلك من قِبَل المالك أيضاً.
فالبيع الفضولي: هو بيع غير المالك أو شراؤه. وبطبيعة الحال لا يكون البيع نافذاً إلا بإجازة المالك, حيث قال المشهور من الفقهاء: «انه لا فرق في إجازة المالك بين ان تكون متقدمة على البيع أو متأخرة عنه فان حصلت الإجازة صح البيع وانتسب البيع إلى المالك وليس إلى البائع الفضولي فكأن المالك هو البائع حقيقة». وشذ من الفقهاء من قال ببطلان البيع الفضولي على الإطلاق وان تعقبته الإجازة.
والفضولي ليس خاصاً بالبيع بطبيعة الحال فان غير المالك قد يتصرف في مال غيره بغير البيع كالإجارة والرهن والوقف والعتق وكلها صحيحة بإذن المالك. حتى النكاح الفضولي ان أجازه من بيده عقد النكاح الذي هو الزوج
ــــــــــــــــــــ[148]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
أو الزوجة أو وليهما.
والبيع الفضولي لا يعني التصرف الحقيقي بمال المالك, بمعنى ان البائع يأخذ العروض ويبيعه في السوق فان هذا التصرف حرام شرعاً. وإنما الفضولي بمعنى إجراء عقد البيع على مال الغير وهو المسمى بالتصرف الاعتباري وليس حراماً ولكنه موقوف على الإجازة.
والذي أراه ان معنى الفضولي شامل لكِلا الوجهين, يعني سواء كان فيه تصرف حقيقي أو لم يكن، فان حرمة النقل لمال الغير غير مانعة عن صحة بيع الفضولي على انه قد يكون النقل جائزاً إذا كان مجازاً من قِبَل المالك.
وصحة الفضولي فقهياً تنطلق من أحد منشأين:
المنشأ الأول: صحته عرفاً. فان هذا النوع من البيع وان كان قليلاً عادة إلا انه مما لا ينكره العرف ويجد صحته مع التعقيب بالإجازة. وهذا لا ينافي ان أكثر المالكين لا يقنعون أو لا يجيزون بيع أملاكهم فضولة إذ مع الإجازة ينتسب البيع إلى المالك عرفاً فلا يبقى هناك مانع من صحته.
المنشأ الثاني: بعض الروايات الدالة على صحة البيع الفضولي:
كرواية عروة البارقي(1) الذي دفع إليه النبي ديناراً وقال له: “اشتري لنا به شاةً للأضحية”. فاشترى به شاتين ثم باع أحدهما بالطريق بدينار فأتى النبي بشاة والدينار فقال له رسول الله: “بارك الله لك في صفقة يمينك”.
وهي واضحة في صحة بيع الفضولي بغض النظر عن سندها وعن بعض المناقشات التي قيلت في وجه الاستدلال بها، وذلك: ان شراء الشاتين فضولي بالنسبة إلى الشاة الثانية وبيع الشاة بعد ذلك فضولي كما ان القبض فضولي أيضاً
ــــــــــــــــــــ[149]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) المكاسب: ص125.
وإنما أصبح هذا كله نافذاً بإجازة المالك وهو النبي.
ودلالتها واضحة في صحة الفضولي سواء كان بائعاً أو مشترياً. فانه أولاً كان مشترياً وفي المعاملة الثانية كان بائعاً وكلتا المعاملتين وقعتا تحت إجازة المالك بعد ذلك.
بقي الكلام ان هناك خلافاً وقع بين الفقهاء في ان الإجازة هل هي كاشفة أو ناقلة؟ والقول بالكشف يعني ان الإجازة تؤثر من حين البيع, والقول بالنقل يعني أنها تؤثر من حين حصولها. وأثر ذلك فقهياً ما إذا كان المبيع شاة حامل مثلاً وولدت ما بين البيع والإجازة فان الولد يكون ملكاً للبائع على النقل لأنه لم يكن موجوداً حين الإجازة وهي ناقلة من حين حصولها. ولكنه على الكشف يكون ملكاً للمشتري، لأن العقد يكون قد وقع على الجنين قبل ميلاده والمفروض صحة العقد من حينه بناءً على الكشف.
وهنا ينبغي التنبيه على أمرين:
الأمر الأول: ان فكرة الإجازة غير منحصرة بالبيع بل تشمل كثيراً من المعاملات، بل غير مختصة بالمالك إذ قد تكون بعض المعاملات موقوفة على إذن الآخرين شرعاً، وإجازتهم. كالزواج من الزوجة الثانية بإذن خالتها أو عمتها إذا كانت هي زوجة أولى ومثل إذن المولى في معاملات عبده إذا قلنا بملكية العبد كما هو الصحيح.
الأمر الثاني: ان فكرة الكشف والنقل غير خاصة بالإجازة بل تشمل موارد أخرى أوضحها الفسخ, فإنهم اختلفوا أيضاً في كونه كاشفاً أو ناقلاً. فلو باع الشاة الحامل وولدت عند المشتري ثم حصل الفسخ, فبناءً على الكشف يكون المولود للبائع, لأن معنى الكشف في الفسخ هو انه يكشف عن إزالة الملكية من الأصل أو من حين وقوعها. إذن, فلم ينتقل الولد إلى المشتري.
ــــــــــــــــــــ[150]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وأما بناءً على النقل فيكون الولد للمشتري لأن معنى النقل هو تأثير الفسخ من حين وقوعه وهو خاص بما وقع عليه البيع وهو الأم فترجع إلى مالكها، وأما الولد فهو زيادة منفصلة فكأنه لم يكن موجوداً حين العقد فيبقى ملكاً للمشتري. أو لم يكن موجوداً حقيقة كما لو كانت مدة خيار الفسخ طويلة وفسخ بعد سنة مثلاً.
فإذا جمعنا بين هذين الأمرين كانت صور الكشف والنقل في الإجازة، وغيرها عديدة. وباختصار: فان الصحيح هو النقل في الإجازة وفي الفسخ. وأما في مثل إجازة المالك لعبده والعمة لبنت أخيها، فالصحيح هو الكشف، لكون الإذن فيها شرطاً في صحة المعاملة أساساً وليس في فعليتها كالفضولي.
وقد اختلف القائلون بالكشف في معناه, قال الشيخ الأنصاري(1): «انه على وجوه ثلاثة قال بكل منها قائل:
أحدها: وهو المشهور: الكشف الحقيقي والتزام كون الإجازة فيها شرطاً متأخراً».
قال: «والثاني: الكشف الحقيقي والتزام كون الشرط هو تعقب العقد بالإجازة لا نفس الإجازة. فراراً عن لزوم تأخر الشرط عن المشروط. والتزم بعضهم بجواز التصرف قبل الإجازة لو علم تحققها فيما بعد.
الثالث: الكشف الحكمي. وهو إجراء أحكام لكشف بقدر الإمكان مع عدم تحقق الملك في الواقع إلا بعد الإجازة». انتهى.
الخيار والفسخ والإقالة:
الخيار مأخوذ من الاختيار، وقد حملنا عنه في الفصول السابقة فكرة
ــــــــــــــــــــ[151]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) المكاسب: ص133.
كافية، غير إننا تحت هذا العنوان نعطي بعض التفصيلات.
فالخيار عبارة عن حق الفسخ، المعطى بيد أحد المتعاملين أو بيد من له حق الإجازة كالعمة في نكاح بنت أخيها على الأحوط.
فالخيار لا يختص بالبيع ولا بالمعاملات السوقية بل يشمل النكاح أيضاً وهو لا يقترن مع حق الإجازة دائماً بل قد يجتمعان وقد يفترقان, ومورد افتراقهما هو مورد عدم الحاجة إلى الآخر. فلو لم يفسخ صاحب الحيوان بخيار الحيوان كان البيع نافذ بأصل العقد ولا يحتاج إلى إجازة. كما ان المالك في بيع الفضولي إذا لم يُجِز كان البيع باطلاً ولا يحتاج إلى فسخ.
ويجتمعان في صورة الاحتياج إليهما معاً ولو احتياطاً، كالعمة في نكاح بنت أخيها فان أجازت صح النكاح وان فسخت بطل. وأما إذا سكتت فمقتضى القاعدة البطلان، وان كان الأحوط هو انتظارها أو إجبارها أو تولي الحاكم الشرعي عنها ذلك.
والفسخ هو أعمال حق الخيار وتنفيذه بإبطال البيع، وهو مثل سائر المعاملات العرفية، ليس له لفظ معين وإنما يكفي فيه اللفظ الدال على المعنى مثل الفسخ والنقض والإبطال وغيرها.
ويختلف الفسخ عن الإقالة، بأن الفسخ يكون من صاحب حق الفسخ نافذاً وان لم يرضَ صاحبه. فيقوم بإبطال المعاملة رغماً عنه، لحقه الشرعي في ذلك. وأما الإقالة، فهي اتفاق الطرفين في فسخ المعاملة. وهي إنما تأتي في مورد لا يكون للمستقيل حق الخيار سواء كان لصاحبه ذلك أو لا، لوضوح انه لو كان له ذلك الحق، لم يحتج إلى استقالة.
وهي ليست خاصة بالبيع أيضاً، بل تشمل سائر العقود المالية، وأما الإيقاعات، فلا معنى للإقالة فيها، لأنها لا تحتاج إلى طرفين كما سنسمع،
ــــــــــــــــــــ[152]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
والإيقاع ذو طرف واحد.
كما أنها لا تأتي في المعاملات الحاصلة في الزواج والفروج عموماً، وان كانت عقوداً كالنكاح والخلع.
والطرف المستقيل هو الطرف المحتاج إلى نقض المعاملة. فيطلب الإقالة من صاحبه قائلاً: اقلني، فيقول الآخر: أقلتك. ولا تحتاج عادة إلى قبول. أو ان قبولها مسبق كما هو واضح.
والإقالة لا تحتاج إلى سبب، فمتى اتفق الطرفان على النقض ارتفعت المعاملة. وهي على النقل أيضاً كالفسخ، يعني تبطل المعاملة من حين الإقالة لا من أصلها. وحتى لو اتفقا عليه بدون أي سبب صحت فقهياً وشرعاً، ولا دليل على بطلانها.
وأما حق الخيار فيحتاج إلى سبب, والسبب أما شرعي أو جعلي. والشرعي: هو المجعول من قِبَل الشارع المقدس, والجعلي: هو الذي اتفق عليه الطرفان في العقد، ونذكر الآن المهم من أقسام الخيار:
القسم الأول: خيار المجلس. المجعول بحكم الشارع. كما ورد: “البيعان بالخيار حتى يفترقا”. وهو خاص بالبيع وان كان معاطاتياً، دون غيره. والافتراق يحصل بالابتعاد عن بعضهما ولو لعدة أقدام، والتفاصيل موكولة إلى الفقه.
القسم الثاني: خيار الحيوان، المجعول بحكم الشارع. فمن اشترى حيواناً كشاة أو بقرة أو أي حيوان كان له الخيار إلى ثلاثة أيام. واليوم لغةً: هو بياض النهار من طلوع الشمس إلى غروبها. فان وقع البيع في الليل حسبنا ثلاثة أيام كاملة بعد تلك الليلة. وان وقع في النهار أخذنا من النهار الرابع بقدر ما فات من النهار الأول.
وهو يشمل الإنسان في بيع الرقيق، بصفته مندرجاً، في العائلة الحيوانية.
ــــــــــــــــــــ[153]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
والقدر المتيقن والواضح هو شراء الحيوان. يعني فيما لو كان صاحب الحيوان هو المشتري. وأما لو كان صاحب الحيوان أو من يصل إليه الحيوان نتيجة للمعاملة هو البائع. بأن كان الحيوان (ثمناً) لا مثمناً. كما لو بادلهُ داراً بعدة حيوانات. وكان المبيع هو الدار والثمن هو الحيوان.. فالصحيح في مثل ذلك هو ان الخيار ثابت للبائع بصفته ممن وصل له الحيوان، وكذلك لو كانت المبادلة بين حيوانين أو نوعين من الحيوان، فيكون الخيار للطرفين.
نعم، لو كان الحيوان أجرة في إجارة كسكنى دار أو بستان أو عمل عامل أو غيرها، أشكل القول بالخيار هنا، لأن الأرجح اختصاصه بالبيع دون غيره. فضلاً عما إذا كان الحيوان بإزاء الخلع أو إسقاط الحق ونحوه.
القسم الثالث: خيار العيب. وهو ما إذا وجد أحد الطرفين ما وصل إليه معيباً أما الثمن وأما المثمن، فيكون له حق الفسخ. وقد يكون لهما أيضاً. لأن العيب ليس إلا النقص عن الخلقة الطبيعية ان كان طبيعياً كالحيوان والنبات، أو النقص عن المعتاد المتعارف ان كان غيره. فقد يكون لكِلا الطرفين خيار، لأن النقص موجود عندهما معاً. ولا معنى في مثله للتهاتر. كما لا معنى لإنتاجه عدم وجود الخيار.
القسم الرابع: خيار الغبن. وهو ما إذا وجد أحد الطرفين نفسه مغبوناً بشكل لا يغتفر سوقياً، كان له حق الفسخ. فان كان مشترياً فقد دفع أكثر من القيمة السوقية. وان كان بائعاً فقد أخذ أقل منها.
وهذا لا يتصور في الطرفين، لأن القلة فيهما تعود إلى تساويهما تارة أخرى. إلا ان يعود الأمر إلى خيار آخر، كخيار تخلّف الشرط ونحوه.
القسم الخامس: خيار التأخير. وهو ما إذا تأخر وصول أحد العوضين إلى صاحبه تأخُّر غير مشروع.
ــــــــــــــــــــ[154]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فان المفروض مع عدم التعرض لأي أمر من هذا القبيل خلال البيع ان التقابض يكون فورياً نسبياً أو عرفاً. فان تأخر عن ذلك كان الطرف الذي تأخر عنه مخيراً بالفسخ. وان اشترطا التأخير لأحدهما أو لكليهما، لم يثبت الخيار خلال المدة. نعم, لو تأخر القبض بعد تمامها، كان الخيار متحققاً.
وهذا الخيار كما قد يثبت لأحد المتبايعين يثبت لهما معاً، إذا حصل سببه.
القسم السادس: خيار تخلف الشرط.
وهو ما إذا كان قد اشترط أحدهما على الآخر أو كلاهما في ضمن عقد البيع، شرطاً في المبيع ولم يكن هذا الشرط متحققاً.
وهذا له عدة صور:
الصورة الأولى: ان يكون المبيع كلياً ككيلو من الحنطة الموصوفة فأعطاه غيرها، فما عليه إلا ان يبدل ما أعطاه. ولو أبى كان الخيار ثابتاً.
الصورة الثانية: ان يكون المبيع عينياً، وأصبح الاطلاع على كل أوصافه صعباً، فذكر له شرطاً ولم يكن متحققاً، كان هذا الخيار ثابتاً. وهذا في صورة المشتري الأعمى والأصم يكون أوضح.
الصورة الثالثة: ان يكن المبيع عينياً ولكنه بيع بالوصف. لأنه بعيد مكاناً أو لغير ذلك من الأسباب. فكان الوصف على خلاف ما شرطه. كان له الخيار. ولكن هذا قد تسمى بخيار تخلّف الوصف، وفكرتهما واحدة على أي حال فقهياً.
الصورة الرابعة: ان يشترط ضم شيء إلى المبيع أو الثمن، من عروض أو عمل. ولا يكون ذلك متحققاً فلو كان عملاً وأبى فعله، تسلط الآخر على الخيار.
ــــــــــــــــــــ[155]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وقد يكون هذا الخيار بكل صوره ثابتاً لهما معاً.
القسم السابع: خيار الاشتراط.
وهو ما إذا اشترط أحدهما أو كلاهما الخيار مدة مضبوطة أو لشخص آخر، كان الشرط نافذاً والخيار متحققاً.
القسم الثامن: خيار تبعّض الصفقة. ويكون فيما لو ظهر بعض المبيع مما لا ينتقل إلى المشتري، أو ان بعض الثمن لا ينتقل إلى البائع كما لو لم يكن ملكه أو كان مما لا يُملّك كالحر والخمر والخنزير، فيكون له حق الفسخ في الباقي.
القسم التاسع: خيار تعذّر التسليم. ويكون فيما لو باع شيئاً لاحتمال إمكان تسليمه، فتعذّر تسليمه. أو باعه مع اليقين بالتسليم. فأصبح متعذراً. فيكون الطرف متسلطاً على الفسخ.
القسم العاشر: خيار ما يفسد ليومه، كما لو اشترى شخص من بائع خضراً أو نحوها ولم يأتِ لاستلامها، وهي سريعة الفساد. فان كان البيع في النهار انتظر البائع إلى أول الليل. وان كان البيع في الليل انتظر إلى أول النهار. وكان له عندئذ فسخ البيع والتصرف فيما باعه.
وهناك أقسام أخرى من الخيار يذكرها الفقهاء بعضها يعود إلى ما ذكرناه وبعضها لا يعود؛ كخيار تخلّف الرؤية وخيار التدليس وخيار التصرية وخيار التفليس وغيرها، فمن أرادها فليراجع المصادر الفقهية.
بقي ان نشير إلى ان كل هذه الخيارات -ابتداءً من القسم الثالث- لا اختصاص لها بالبيع بل قد تشمل غيره، على تفصيل وتدقيق ليس هنا محله.
ــــــــــــــــــــ[156]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
المواضعة والمرابحة والتولية:
إذا حصل البيع بين اثنين. فأما ان يتفقا على ثمن معين، بدون تعرض لرأس المال. فهو بيع (المساومة). وهو المتعارف الأغلب بين الناس.
وأما ان يذكر البائع ما تكلّف عليه هذه العروض. أما رأس المال فقط وهو الثمن الذي اشتراه به أو مجموع ما خسره عليه، كأجرة النقل وغيرها، كما هو المفروض. فيذكره للمشتري صادقاً فيما يقول. فان ثبت انه كان كاذباً أو واهماً أو ناسياً ثبت للمشتري حق الفسخ.
وصورة الإعلام بالكلفة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ان يريد على مقدار الكلفة ربحاً. كما هو المتعارف والمفروض. فيقول: تكلّف عليّ بكذا وأزيد عليه كذا من الربح ويتم البيع على ذلك. فهذا هو بيع (المرابحة).
القسم الثاني: ان يخبر بالكلفة. ولكنه لا يريد ربحاً بل يبيع العروض بمقدار كلفته. فهو بيع (التولية). وله ان يقول: وليتك هذا المبيع. بمعنى بعتك برأس ماله. بعد الإخبار بمقدار الكلفة على ما هو المفروض.
القسم الثالث: ان يخبر البائع مشتريه بالكلفة ويريد ان يخسر عليه، أما اختياراً كما لو كان المشتري صديقه، أو اضطراراً كما لو كان محتاجاً إلى المال للمرض أو غيره، وكما لو نزلت القيمة السوقية عن يوم اشتراه بحيث لا يسوى مع ربحه بمقدار رأس المال. وأما لأنه كان مغبوناً بشرائه ولم يفسخ. إلى غير ذلك من الأسباب.
فيقول: تكلف عليّ بمائة وأبيعه لك بتسعين. فهذا هو بيع (المواضعة).
والظاهر ان هذه الألفاظ ليست اصطلاحات فقهية فقط، وان كانت الآن كذلك لعدم اعتياد هذه الأمور في السوق، فقد اختصت بالفقه. إلا أنها كانت
ــــــــــــــــــــ[157]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فيما سبق في صدر الإسلام وما قبله. ووردت في السُنّة الشريفة، فلو لم تكن قائمة سوقياً يومئذ لما حصل التعرض لها في الأخبار عادة.
هذا ومن الواضح ان جميع هذه الأقسام من شغل البائع، وهو يبيع عيناً خارجية أو نحوها كالكلي في المعين، فمن هنا نعرف:
أولاً: ان المشتري ان دفع ثمناً نقداً كلياً أو عينياً، لا يكون له ربط بهذه المصطلحات وإنما هي من شغل البائع فقط. نعم, ان دفع المشتري عروضاً عينياً، أمكن فيه ذلك على أشكال.
ثانياً: ان المبيع إذا كان كلياً موصوفاً، يتعين فيه المساومة ولا معنى للأقسام الأخرى فيه. لأن حصول الكلفة إنما يكون في عين خارجية دون العين الكلية.
نعم، لو كان كلياً في المعين، كواحد من هذه الأكياس المتساويةِ الصفة والوزن من السكر أو الطحين، أو كيلو من هذا الكيس من الشاي مثلاً. أمكن تصور الأقسام فيه. ويذكر الكلفة للمبيع فقط بعد عملية تقسيم بسيطة لكلفة المجموع ونسبته إلى المبيع.
السلف والنسيئة:
يمكن في إعطاء الثمن أو المثمن أو تأخيرأحدهما أو كلاهما أربعة أقسام ممكنة في التصور:
القسم الأول: ان يكون كلاهما نقداً، أي مدفوعاً، فوراً بالشكل المناسب مع وضعه عرفاً. فيتم التقابض بين المتعاملين وتنتهي المعاملة.
القسم الثاني: ان تكون العروض مدفوعة فوراً والثمن مؤجلاً. وهذا هو بيع (النسيئة) من الانساء وهو التأخير.
ــــــــــــــــــــ[158]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
القسم الثالث: ان يكون الثمن مدفوعاً فوراً والعروض أو المبيع مؤجلاً، وهو بيع (السلف) أو (السلم).
والمبيع هنا كلي موصوف مؤجل، فيجب ان يكون معلوم الصفة ومعلوم الأجل بتفاصيل ليس هنا محلها.
وهو ينفع في المبيعات التي لا تكون عادة تحت اليد فوراً كثمار الأشجار واستخراج المعادن وغير ذلك.
القسم الرابع: ان يكون كل من الثمن والمثمن مؤجلاً. ويسمى بيع دين بدين أو بيع الكالي بالكالي, من (كلأ) إذا انتظر. فيكون على هذا كِلا الطرفين منتظراً لحلول وقت القبض.
وهو بيع باطل شرعاً إجماعاً. ولذا اشترطوا في القسمين وبخاصة السلف ان يكون التقابض في المجلس حاصلاً، لئلا يكون من بيع دين بدين، فيكون باطلاً.
المثلي والقيمي:
تحدثنا في بعض الفصول السابقة عن هذين المصطلحين، باختصار. وهنا نريد التعرض لهما بشيء من التفصيل:
هذان المصطلحان مستعملان في مجال الضمان، فيما إذا اتلف شخص على آخر شيئاً وضَمِنه في معاملة أو في غير معاملة. فان الفقهاء قالوا: «ان المثلي يضمن بالمثل والقيمي بالقيمة».
والصور المتصورة أربعة، كما هو معلوم:
أولاً: ضمان المثلي بالمثل مع تيسره وتوفره. وهي جائزة شرعاً بلا إشكال. بل متعينة على المشهور، وسيأتي بعض الكلام فيه.
ــــــــــــــــــــ[159]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ثانياً: ضمان المثلي بالقيمة. وهو إنما يكون عند المشهور مع تعذر المثل، فيُنتقَل إلى القيمة. وأما لو ناقشنا تعيّن ضمان المثلي بالمثل، أمكن ان نقول بصحة هذه الصورة مطلقاً. يعني سواء تعذر المثل أو لم يتعذر.
ثالثاً: ضمان القيمي بالقيمة. وهو المتعين إجماعاً ونصاً، ومعه لا ننتقل إلى الصورة الرابعة.
رابعاً: ضمان القيمي بالمثل. وهو غير جائز إلا إذا تصورنا معنى لتعذر قيمة القيمي، مع توفر المثل فيجوز اللجوء إليه.
من ناحية الصورة الثانية يحسن ان نعطيها بعض الكلام. قال الشيخ الأنصاري(1): «إذا تلف المبيع فان كان مثلياً وجب مثله بلا خلاف إلا ما حكي من ظاهر الاسكافي». أقول: وهذا يعني ان الشهرة حاصلة بشكل يعتبر خلافها شذوذاً.
والنص في ظاهر الكتاب والسُنّة على ذلك معدوم. إلا ما قد تخيّلوه من الاستدلال بقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ. والصحيح ان الآية أجنبية عن محل الشاهد تماماً. ولا حاجة إلى تفصيله الآن.
ومع وجود الشهرة بهذا المقدار وانعدام النص، تكون هذه الشهرة حجة، على الأصح. إلا أننا مع ذلك يمكن ان نقول بإمكان ضمان المثلي بالقيمة بالتقريب الآتي.
وذلك بعد الالتفات إلى أمرين:
الأمر الأول: ان الأسواق في الأزمان المتفرقة والأماكن المختلفة تختلف في أساليبها في الضمان من هذه الناحية. فقد يتعين لدى السوقيين ضمان
ــــــــــــــــــــ[160]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) المكاسب: ص105.
المثلي بالمثل. وخاصة أولئك الذين كانوا يمارسون بيع العروض بالعروض ولم يكن عندهم النقد شائعاً أو لم يكن معروفاً.
وقد يكون المتعارف سوقياً، إمكان كِلا الوجهين وإجزائهما عرفاً. فلو اتلف المثلي يصح ان يقدّم بدله لمالكه مثله أو قيمته.
وقد يكون المتعارف سوقياً: انه يتعين ضمان كل شيء بالقيمة ولا معنى للالتفات إلى المثلي أصلاً. كما هو الحال في الأسواق في عصورنا الحاضرة في كل العالم، إلى حد يمكن ان يقال: ان توقّع ضمان المثل دون القيمة مثير للاستغراب أو السخرية.
ففي حدود التجارة، لا يكون النظر إلا إلى المالية، دون الخصوصية أو النوعية، بأي حال من الأحوال، نعم في جانب الاستهلاك، يكون النظر إلى النوعية، لان مجرد المالية لا تكون نافعة في إزجاء الحوائج وإشباعها كالطعام والشراب واللباس والزينة وغيرها. والضمان إنما يُفهم سوقياً فهماً تجارياً لا فهماً استهلاكياً، كما هو معلوم. باعتبار ان هذا هو شأن الذمة دائماً.
الأمر الثاني: ان الشهرة من الأدلة اللبية التي لا لسان لها ولا إطلاق لها. فإذا شككنا في شيء منها لم تكن دليلاً إلا في القدر المتيقن منها دون صورة الشك. وكان مورد الشك مشمولاً لأي قاعدة أخرى.
فينتج من هذين الأمرين: ان القدر المتيقن من هذا المشهور -وهو ضمان المثلي بالمثل- إنما هو في السوق التي توافق على ذلك ولا تستنكره, وأما في السوق التي لا تراه صحيحاً، فهو خارج عن القدر المتيقن، فلا تكون الشهرة فيها حجة، ونرجع إلى دليل آخر، والدليل هو السيرة السوقية نفسها.
والسيرة نفسها صغروياً، وان لم تكن متحققة في زمن المعصومين. إلا ان حجية السوق كبروياً، مما هو محرز الحجية بلا جدال، وصغراها في
ــــــــــــــــــــ[161]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
أسواقنا هو ضمان المثلي بالقيمة. فيكون الأمر متعيناً.
وقد يؤدي ما قالوه من ضمان المثلي بالمثل، إلى بعض المضاعفات بل الكوارث الاقتصادية، كما لو أصبح المثل بإضعاف قيمته يوم التلف فهل يجب ان يشتريه ويدفعه إلى غريمه؟ نعم، هم أفتوا بذلك، إلا أنهم قالوه تحت طائلة أدلتهم التي لم نوافق عليها.
وكذلك لو أصبح المثل أقل قيمة بكثير مما سبق، أو قد تنعدم قيمته، كما لو اقترض ثلجاً في الصيف وأراد الوفاء في الشتاء، فهل يجب عليه تأجيله إلى الصيف أو يدفع من الثلج أضعاف كميته ليساوي قيمة الدين السابق. أو يدفعه بغض النظر عن قيمته؟ وهو ما أفتوا به، إلا انه قد تحدث بإزائه مضاعفات اقتصادية غير قليلة. والمهم هو الدليل كما قلنا.
هذا مضافاً إلى بعض المناقشات التي ستأتي عند الحديث على تعريف المثل والقيمي.
وهذا هو الذي ينبغي ان ندخل به الآن، بعد ان نعرف ان المهم هو تعريف المثلي. وأما القيمي: فهو كل ما لا يكون مثلياً فإذا استطعنا ضبط مفهوم المثلي تعيّن معنى القيمي تلقائياً.
وقد اختلفوا كثيراً في تعريف المثلي. وحصلت هناك مناقشات وإشكالات، إلى حد يمكن ان يقال إنهم لم يعيّنوا معنى المثلي بأي حال.
قال الشيخ الأنصاري -ونحن ننقل عبارته بشي من التوضيح-: «قال الشيخ الطوسي وابن زهرة وابن إدريس والمحقق الحلي وتلميذه والعلامة الحلي وغيرهم (قدس الله أرواحهم)، بل هو التعريف المشهور: ان المثلي ما يتساوى أجزاؤه من حيث القيمة».
والمراد بأجزائه ما يصدق عليه اسم الحقيقة وهي الجنس. والمراد
ــــــــــــــــــــ[162]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
بتساويها من حيث القيمة تساويها بالنسبة. بمعنى كون قيمة كل بعض هي نفسها بالنسبة إلى قيمة البعض الآخر. قال: «ولذا قيل في توضيحه: ان المقدار منه إذا كان يستوي قيمة فنصفه يستوي نصف تلك القيمة».
ثم بدأ الشيخ الأنصاري(1) بالإشكال على هذا التعريف، ونذكر عبارته موضحة: «قلت: وهذا يوجب ان لا يكون الدرهم الواحد مثلياً إذ لو انكسر نصفين نقصت قيمة نصفه عن نصف قيمة المجموع». قال: «ومن هنا يظهر ان كل نوع من أنواع الجنس الواحد بل كل صنف من أصناف نوع واحد مثلي بالنسبة إلى أفراد ذلك النوع والصنف. بالرغم من أنهم أخذوا في التعريف الحقيقة الجنسية».
قال: «وإطلاق لفظ المثل يُعنى الجنس باعتبار أنواعه وأصنافه وان لم يكن بعيداً. إلا ان انطباق التعريف على الجنس بهذا الاعتبار بعيد جداً إلا ان يهملوا خصوصيات الأصناف الموجبة لزيادة القيمة ونقصانها».
وقال: «مضافاً إلى انه يشكل اطراد التعريف بناءً على هذا بأنه ان أريد تساوي الأجزاء من صنف واحد من حيث القيمة تساوياً حقيقياً فقلّما يتفق ذلك في الصنف الواحد من النوع لأن أشخاص ذلك الصنف لا يكاد يتساوى في القيمة لتفاوتها واختلافها بالخصوصيات الموجِبة لزيادة الرغبة ونقصانها، التي هي المدار في زيادة القيمة ونقصانها.
وان أريد تقارب أجزاء ذلك الصنف من حيث القيمة وان لم يتساوَ حقيقة، تحقق ذلك في أكثر القيميات، فان لنوع الجارية -وهي قيمية عندهم جزماً- أصنافاً متقاربة في الصفات الموجِبة لتساوي القيمة، وبهذا يصح السلم فيها. فتكون مثلية بهذا المعنى». قال: «وقد عَدّ الشيخ الطوسي في المبسوط: الرطب
ــــــــــــــــــــ[163]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) المكاسب: ص105.
والفواكه من القيميات مع ان كل نوع منها مشتمل على أصناف متقاربة في القيمة».
فهذا هو إشكال الشيخ الأنصاري على تعريف المشهور المثلي، وهو إشكال صحيح.
ثم ذكر (1) تعاريف أخرى للمثلي منها:
انه المتساوي الأجزاء والمنفعة المتقارب الصفات.
انه ما قُدِّر بالكيل أو الوزن.
نفس التعريف السابق مع زيادة جواز بيعه سَلَماً.
نفس التعريف السابق مع زيادة جواز بيع بعضه ببعض.
ثم قال الشيخ الأنصاري(2): «ثم انه لا يخفى انه ليس للفظ المثلي حقيقة شرعية ولا متشرعية، وليس المراد معناه اللغوي. إذ المراد بالمثل في اللغة: المماثل، فان أريد به من جميع الجهات فغير منعكس وان أريد من بعضها فغير مطّرد. وليس في النصوص حكم يتعلق بهذا العنوان حتى يبحث عنه.
نعم, وقع هذا العنوان في معقد إجماعهم على ان المثلي يضمن بالمثل وغيره بالقيمة. ومن المعلوم انه لا يجوز الاتكال في تعيين معقد الإجماع على قول بعض المجمعين مع مخالفة الباقين».
ويريد بكونه غير منعكس انه لا يوجد مثلي أصلاً إذا أرادوه من جميع الجهات. وان أرادوه من بعض الجهات، كانت أكثر القيميات في نظرهم مثلية.
ــــــــــــــــــــ[164]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) نفس المصدر: ص106.
(2) ص106.
ومن الواضح من حديثه انه لا يوجد نص بهذا الخصوص أصلاً، وإنما هو الإجماع وهذا أيضاً غير صحيح، وإنما هي الشهرة لوجود الخلاف الذي سمعناه. وإنما قال فيما سبق: «على ظاهر الاسكافي» لاستبعادهم انه يفتي بخلاف فتواهم!
ولم يناقش (الشيخ الأنصاري) التعاريف التي سردها أخيراً، لوضوح فسادها، وورود نفس الجواب على التعريف الأول عليها.
وإذا لم نحصل مفهوماً محدوداً للمثلي، كان موضوع الحكم الذي أفتوا به مجملاً، فيكون من غير الممكن تطبيقه والمهم هو ما ذكرناه أولاً من الدليل.
القبض:
وهو لغةً: الأخذ أو الأخذ باليد أو الأخذ بجميع الكف. وقد أصبح في الشريعة موضوعاً لأحكام عديدة. منها: قبض البائع الثمن وقبض المشتري المثمن، وكذلك كل من ملك شيئاً بأي معاملة وكان ذلك الشيء عند صاحبه أو عند غيره فله قبضه وعلى الآخر اقباضه.
وكذلك قبض الزوجة مهرها، وقبض الغاصب للمال ليتحقق الغصب وقبض المالك للمال عند إرجاع الغاصب وغير ذلك كثير. فما هو القبض في اصطلاحهم؟
والمتحصل في مجموع كلمات الفقهاء، بعد اختلافهم في تعريفه إنهم يرجعونه إلى عدة معاني:
أولاً: القبض باليد.
ثانياً: التخلية.
ثالثاً: النقل من مكان إلى مكان.
ــــــــــــــــــــ[165]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
رابعاً: إيجاد الكيل والوزن فيما يصح فيه.
خامساً: سلطنة القابض وجعل يده عليه.
وهنا ينبغي الالتفات إلى أمور:
الأمر الأول: لا يخفى ان القبض حق من له حق الاستيلاء على العين ان كانت العين عند غيره بدون إذنه. وهو غالباً المالك أو صاحب الاختصاص في الأعيان غير القابلة للملكية. وقد يكون هو غير المالك كما في المرتهن في العين المرهونة أو الموقوف عليه الخاص ان قلنا انه غير مالك.
فان أصبحت العين بمعاملةٍ ما موصوفة بهذه الصفات: مِلكاً أو رهناً أو وقفاً ونحوها، ولم تكن عند أصحابها ومن لهم الحق فيها، وجب إيصالها إليهم. سواء كان وجودها عند غيرهم بالحق أو الباطل ومثال الباطل هو الغصب. ومثال الحق إنها كانت موجودة عند مالكها إلى ان باعها وأصبحت ملكاً للمشتري يجب دفعها. أو كانت العين عند شخص بإذن مالكها ثم طالبه بها. أو كانت ملك شخص فمات، فيجب دفعها من الورثة، وهكذا.
والمهم هو ان الأمثلة كثيرة يجمعها وجود حق شرعي في السلطنة على العين وجعلها تحت اليد. وهو حق يشمله تعريف الحق كما عرفنا في فصل سابق. ويمكن إسقاطه والتنازل عنه من قِبَل صاحبه وعندئذ يسقط حقه في القبض.
الأمر الثاني: ان القبض فعل شخصين لا شخص واحد. أحدهما فاعل وهو الدافع, والآخر منفعل وهو الآخذ أو القابض.
فإذا وجب الدفع على الدافع، لم يكن فعل الشخص الآخر باختياره طبعاً، لان كل شخص يختار فعل نفسه وغير مسلط على فعل غيره. فهو لا يستطيع ان يجعل الآخر يقبض باختياره.
ــــــــــــــــــــ[166]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ومعه, فان مكّن الآخر من نفسه وقبض المال، فهو المطلوب. وان لم يقبض المال، كان أقصى ما يستطيعه الدافع هو التخلية بين المال وبين صاحبه. ومن هنا انبثقت الحاجة إلى تعريف القبض بالتخلية. ولم يقل أحد بوجوب إكراه القابض على الأخذ، لأن القبض حق له، وله إسقاطه، فان كره القبض كان من قبيل إسقاط حقه فيه. ومن الممكن عندئذ ان يبقى المال أمانة شرعية عند الآخر وهو وان كان لا يخلو من إحراج أحياناً، إلا انه لا يجب الدفع إليه عندئذ.
الأمر الثالث: ان الأعيان المقبوضة أو التي يجب قبضها على أشكال, منها المنقول الخفيف كعلبة الكبريت, ومنها المنقول الثقيل كأطنان من الحديد، ومنها ما يتمكن من السير كالحيوانات والسيارات. ومنها غير منقول وهو على قسمين: غير المنقول بأصل الخلقة، وهو العقارات والنباتات حال ثباتها وقبل قطعها. وغير المنقول بالعارض كالمسمار المدقوق في الحائط، والرحى المبنية في الأرض.
والمنقول إما ان يحتاج إلى وزن ونحوه كالكيل والعد، وإما ان لا يحتاج. ولا شك ان هذه الأمور تختلف عرفاً في أساليب القبض. والمهم هو إيجاد القبض بالفهم العرفي.
فمثلاً؛ يكون القبض في المنقول الخفيف أو القليل، هو القبض باليد، وفي ما يكون قابلاً للسير هو الإيصال إلى يد الآخر. والقبض مع رفض صاحبه يكفي فيه مجرد التخلية, وهكذا.
ولا يراد بالتخلية هنا مجرد تفريغ المكان مما كان يشغله قبل البيع وان كان ضرورياً، بل يراد بها ان يخلي بين المبيع والمشتري. بمعنى رفع اليد عنه. وأما ان يأخذه الآخر فعلاً، فهذا خارج عن اختيار الدافع، وداخل في اختيار الآخذ، وما ليس بالاختيار لا يشمله أي تكليف.
ــــــــــــــــــــ[167]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وسيأتي في الأمر الذي نعقده لمناقشة التعاريف، ما يوضح بعض ما نحتاجه في هذا الأمر أيضاً.
الأمر الرابع: هل القبض واجب أم لا؟
وهذه العبارة معناها: هل الاقباض ممن عنده العين إلى الآخر واجب أم لا، ومعناها ان يعمل أقصى ما استطاع في ذلك.
وموارد الاستحقاق تختلف في هذا الجواب. فالغاصب عليه إرجاع المغصوب إلى مالكه. والاقباض واجب عليه بذلك المعنى. وكذلك الأمانة الشرعية حيث قالوا: «انه يجب ردها فوراً ففوراً». وكذلك الأمانة المالكية والوديعة والعارية مع المطالبة بها باستحقاق.
وأما في مورد البيع والإيجار والرهن والوقف ونحوه. فالتخلية بمعنى رفع اليد أو بمعنى رفع المانع عن استيلاء الآخر واجب، والا كان الفرد مانعاً عن سلطنة المالك وهو حرام.
وأما الاقباض بمعنى الإيصال إلى الآخر والدفع إليه، فلا دليل على وجوبه، والأخبار غير دالة بالذات، وإنما تحدّث بعضها عن عدم جواز البيع قبل القبض. وهذا من تكليف المشتري في المعاملة الأولى لا من تكليف البائع فيها.
وسيكون للمشتري أو المؤجر أو الوقوف عليه ونحوهم هِمّة في أخذ العين. فيكون القبض الفعلي موكولاً إليهم، ولا يجب على الدافع إلا رفع المانع عن ذلك. فان لم تحصل هذه الهمة، فمعنى ذلك هو التنازل عن هذا الحق أو تأجّل الأخذ به. وكلاهما ممكن شرعاً له، ولا يجب التحميل عليه وإكراهه.
نعم، لو كان لحفظ العين عند غير المالك، مصروف كطعام الحيوان أو
ــــــــــــــــــــ[168]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
غير ذلك، وجب على المالك دفعه، أو دفع غرامته بعد ذلك.
ينتج مما قلناه: انه لو كان القبض متوقفاً على النقل بأجور. فان كان واجباً كما في إرجاع المغصوب وغيره، كان الأجر على الدافع، وان لم يكن واجباً كما في المبيع، كان الأجر على الآخذ.
الأمر الخامس: في شيء من مناقشة التعاريف التي أوردناها في أول هذا العنوان:
أما المعنى الأول: وهو القبض باليد, فهو من أوضح مصاديق القبض بلا إشكال. إلا ان كثيراً من أساليب القبض العرفي غير متوقف عليه بلا إشكال أيضاً، حتى في المبيع القليل فضلاً عن الكثير فلو أدخل المبيع إلى دار المشتري كان المشتري قابضاً له بلا إشكال، وان لم يضع يده عليه.
وأما المعنى الثاني: وهو التخلية, فهي بالوجدان ليست قبضاً ولا اقباضاً، وإنما قلنا إنها غاية ما يستطيعه الدافع من عمل، حين لا يكون عمل الآخر باختياره، كما هو كذلك دائماً.
وهي أحياناً تكفي في صدق الاقباض عرفاً -كما عرفنا- كما لو رفض الآخر القبض.
وأما المعنى الثالث: وهو النقل من مكان إلى مكان. وقد اختاره عدد من الفقهاء فيما هو قابل للسير كالحيوان، فمن الواضح ن هذا المعنى بمجرده ليس اقباضاً، إلا ان نقيد العبارة بأن المراد نقله إلى سلطة المالك أو المشتري، أو محل وجوده. وعندئذ فالنقل لا يكون قبضاً وإنما هو مقدمة القبض، وإنما يتحقق القبض عند الدخول في سلطنة المشتري وتحت يده. فيجب ذلك ان كان واجباً ولا يجب أحياناً كما سبق ان فصّلنا.
وأما المعنى الرابع: وهو إيجاد الكيل والوزن، فمن الواضح انه بمجرده
ــــــــــــــــــــ[169]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ليس قبضاً ولا مقدمة للقبض. لوضوح إمكان إيجاد ذلك من دون دفعه إلى أحد.
وإنما أخذ هؤلاء السيرة الغالبية السوقية، بأن يزن البائع ويعطي إلى المشتري ما طلبه. وحتى في مثل ذلك لا يكون الوزن دخيلاً في القبض أصلاً. نعم، هو مقدمة لتحديد الكمية المطلوبة والمشتراة. وإنما دفعه بعد الوزن هو الاقباض. فيشمله الأحكام السابقة التي عرفناها.
وأما المعنى الخامس: وهو سلطنة البائع وجعل يده عليه، وهو الذي اختاره الشيخ الأنصاري. فلا شك انه مصداق للقبض. ولعله من أوضح مصاديقه مع القبض باليد. بل أوضح منه. إذ لعل القبض باليد، لا يكون مع السلطنة التامة أحياناً إذا كان القابض مقهوراً على أمره.
ومن هنا يكون هو أحسن التعاريف، لو أردنا تحديد المعنى بلفظ معين، ولم نوكل الأمر إلى العرف، كما أسلفنا. غير انه -مع ذلك- يبقى ما قلناه من عدم تمكن الدافع دائماً من إيجاد سلطنة القابض على العين المدفوعة. بل عدم وجوبه أحياناً. وفي مثل ذلك لا بد من المصير إلى التخلية لا بمعنى إنها هي مصداق للقبض يعني الاقباض فإنها ليست كذلك بالضرورة، بل لأنها أقصى ما يجب على الدافع أو أقصى ما يمكن له.
الأمر السادس: انه لا يبعد وجوب قبض المالك لعينه عند استحقاقها، لأن في رفضها إضراراً بالآخر أو الآخرين واعتداء عليه أو عليهم، وهو محرم.
وهذا لا ينافي ما قلناه، من إننا لو لاحظنا تكليف الدافع فقط، لم يجب عليه الإيصال إلى المالك مع رفضه. إلا أننا لو لاحظنا تكليف المالك، كان من الواجب عليه قبضها مع صدق الاعتداء على الآخر بإبقائها عنده. نعم، في المورد الذي لا يصدق ذلك. كما لو لم يكن للدافع مانع من استمرارها تحت يده، يكون هذا الوجوب ساقطاً. ولكن يجب عليه دفع غرامة ما يصرف
ــــــــــــــــــــ[170]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
عليها، كما قلنا إلا ان يُبرئ الآخر ذمته أيضاً.
وما تمسك به الشيخ الأنصاري(1) كدليل للوجوب من دليل الضرر فهو بمجرده غير كافٍ، لوضوح عدم حرمة كل إضرار ولا دليل على ان هذا الإضرار من الإضرار المحرم صغروياً. ولذا أبدلناه بصدق الاعتداء، فان الاعتداء على المؤمن بل على المسلم قليله وكثيره حرام.
الارش:
وهو من المصطلحات الذائعة في الفقه، بالنسبة إلى الضمانات الناتجة من البيع أو غيره، ويعني عندهم إجمالاً: «دفع الفرق بين الصحيح والفاسد».
فلو نقصت العين المغصوبة عند الغاصب وجب ردها ودفع ارش النقصان. ولو نقصت العين المشتراة عند البائع وجب دفعها مع ارشها.
ولو نقصت العين المستأجرة أو المودعة أو المستعارة بِتعدٍّ وتفريط، كان النقص مضموناً بالارش, وهكذا.
ولعلنا نحمل فكرة عن التعدي والتفريط، فان غير المالك يجب عليه العناية بمال غيره كالعناية بماله، بما يناسبه من أساليب الحفظ، فان لم يفعل كان متعدياً أو مفرطاً. والتعدي: هو فعل ما يجب تركه في الحفظ، والتفريط: هو ترك ما يجب فعله للغاية نفسها. وسيأتي تفصيله في كتاب الضمان بعونه تعالى.
وعلى أي حال، فينبغي التعرض إلى عدة أمور:
ــــــــــــــــــــ[171]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) المكاسب: ص306.
الأمر الأول: عرّف الشيخ الأنصاري(1) الارش: «بأنه يطلق في كلام الفقهاء على مال يؤخذ بدلاً عن نقص مضمون في مال أو بدن ولم يقدر عليه في الشرع مقدر».
ولنا على ذلك ملاحظات:
الملاحظة الأولى: ظهر من هذا التعريف ان الارش لا يختص بالنقص في الجمادات بل يشمل الحيوان والإنسان أيضاً. كما لو جنى شخص على عبد غيره، فانه يضمن ارش الجناية.
وهذا أمر صحيح، غير ان الإنسان هنا ملحوظ بصفته مالاً، فهو يندرج في مفهوم المال المنصوص عليه في التعريف. نعم، لو كان ارش الجناية منصوصاً شرعاً -كما سنشير في الملاحظة الآتية- كان من باب ملاحظة المجني عليه إنساناً لا مجرد كونه مالاً وإلا كفى ضمان الفرق بين الصحيح والفاسد.
إلا ان هذا إلى مفهوم الدية أقرب، وان سمّاه الفقهاء ارشاً مجازاً فالصحيح هو اختصاص الارش بغير ذلك، إلا ان نعتبره نحواً من الارش التعبدي المنصوص عليه شرعاً. فتأمل.
الملاحظة الثانية: اشترط الشيخ في التعريف، ان لا يكون النقص مقدر شرعي معين يكون عوضاً عنه. وقد عرفنا السبب في هذا التقييد، لأنه مع تعيين المقدر يكن أقرب إلى مفهوم الدية كما قلنا.
ولا ينبغي ان نفهم من التقدير الشرعي هنا مطلق التقدير. إذ لا شك انه يجب شرعاً الغرامة بنسبة النقص كما سنعرف، فان كان هذا تقديراً شرعياً، اندرج في معنى الارش، وان شمله التقييد القاضي بإخراجه عنه.
ــــــــــــــــــــ[172]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) نفس المصدر: ص271.
إلا انه ليس هذا مراداً للشيخ، لأن هذا مما يكون تطبيقه وصغراه بيد السوق أحياناً وبيد المتعاملين أحياناً، كما سنرى، يعني في تعيين كمية المال المدفوع. في حين يكون الأمر في الموارد المنصوصة بيد الشارع تعيين كميته، كما في الدية تماماً.
ولكن بالرغم من وجود هذه الدية، لا حاجة إلى هذا القيد. إلا لدفع التوهم الفقهي باندراجها في الارش، إلا انه واضح الدفع، حيث انه دية حقيقةً وفقهياً. فيبقى الباقي في التعريف ارشاً وخاصةً بعد ان أخذنا النقص في البدن في تعريفه، فيكون الصحيح في تعريف الارش: انه البدل المالي عن نقص مضمون في مال أو بدن.
وقد غيرناه عن قوله: «يؤخذ» لكون الأخذ غير دخيل في مفهوم الارش، لوضوح ان الضمان بنفسه في الذمة كافٍ في صدق الارش فيقال: انه ضَمِنَ الارش. سواء دفعه وأخذه الآخر أم لا. اللهم إلا ان يريد الشيخ قابليته للأخذ أو الدفع. وهو يرجع إلى ما قلناه.
الأمر الثاني: ان الارش إنما يثبت فيما إذا كان التلف مالاً. وأما إذا لم يكن مالاً لقلّته أو لحرمته, لم يكن مضموناً فلا يكون له ارش. وان حَرُم إتلافه أحياناً لوجود حق الاختصاص.
كما ان الارش إنما يكون، تجاه المالك، فلو لم يكن للمال مالك لم يثبت الارش بإتلافه. كأشجار البراري والغابات وان حَرُم إتلافها بلا مبرر.
هذا، ولم ينص الفقهاء على المال المضمون بالارش، هل هو المثل أو القيمة، وكأنه من المسلّم عندهم ان المضمون هو المالية، أو القيمة وليس المثل. إلا انه بناءً على ما قالوه من ضمان المثلي بالمثل، لا بد من ضمان الارش بالمثل، إذ لا يفرق بين ضمان الكل وضمان البعض في ذلك. نعم، هذا لو كان التلف في البعض تاماً, وأما لو كان النقص متحققاً لكنه مع حفظ
ــــــــــــــــــــ[173]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ذواتها، كان المضمون هو القيمة لا محالة.
وعلى ما قلناه في الفصل السابق، من ضمان المثلي بالقيمة يكون المضمون هو القيمة أو المالية دائماً.
والمضمون في الارش يكون على شكلين, وهما: القيمة السوقية أحياناً، والثمن المتفق عليه في معاملة صحيحة أحياناً أخرى. وهذا تابع للضمان في تلف الجميع أو العين كلها. فان كانت مضمونة بالقيمة السوقية كان الارش كذلك, وان كانت مضمونة بالثمن كان الارش مثله.
والقاعدة في ذلك: انه إذا لم تكن هناك معاملة بين الطرفين، كان التلف للكل أو البعض مضموناً بالقيمة السوقية. كالمغصوب والمقبوض بالبيع الفاسد، والمقبوض بالسوم, يعني عند التعامل وقبل استيجاب البيع. ويسمى (ضمان اليد) فيكون البعض التالف مضموناً بما يخصه من القيمة على ما سوف نسمع.
وان كانت هناك معاملة بين الطرفين، كان الضمان بالثمن المسمى (بالعقد) أو بعضه لأنهما تراضيا على ذلك في المعاملة فلا استحقاق أكثر منه لأي منهما. ويسمى (ضمان المعاوضة) كالعين التالفة بعد البيع عند البائع. طبقاً للقاعدة الفقهية التي دلت عليها الأخبار المعتبرة: “كل مال تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه”. وهي تشمل كل المبيع وبعضه وصفاته أيضاً.
ويكون المضمون في الضمان المعاوضي عين المال على الأصح، لأنه المتفق عليه في المعاملة، إذا كان عينياً، سواء كان نقداً أو مقايضة، فان كان كلياً كان الارش مصداقاً من ذلك الكلي.
الأمر الثالث: كثيراً ما يفتي الفقهاء بدوران الأمر بين دفع الارش وفسخ البيع، كما لو كان المبيع معيباً قبل العقد أو أصبح معيباً بعده عند البائع.
ــــــــــــــــــــ[174]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
والمهم هو ان الارش قد يكون عدلاً لغيره ولا يكون هو المتعين وحده. والتعرض إلى تفاصيل ضمان المعاملة في محله.
الأمر الرابع: اختلفوا في ان الارش هل يمكن ان يستوعب العين كلها، أم يختص ببعضها؟
ويبدو من بعض كلمات العلّامة الحلي إمكان استيعابها للعين كلها، كما في العبد المجني عليه بعد بيعه وقبل قبضه.
إلا ان المشهور خلافه، يعني اختصاص الارش بالنقص في بعض العين وليس في جميعها، وهو المفهوم أيضاً من التعريف الذي أخذ مفهوم النقص فيه كما سلف. فالنقص لا يصدق إلا مع حفظ سائر العين أو باقيها. فان تلفت كلها لم يكن نقصاً عرفاً.
إلا ان هذا غير مهم، لأنه مجرد اصطلاح لا يترتب عليه أثر شرعي، لأن المهم شرعاً هو دفع الغرامة. سواء كان على كل العين أو على بعضها.
الأمر الخامس: ان كان الارش في ضمان اليد، كان المضمون هو القيمة السوقية للمقدار التالف. وهذا واضح.
وان كان الارش في ضمان المعاوضة, أي في الثمن المسمى في المعاملة، فالأمر يحتاج إلى اخذ النسبة بين القيمة السوقية والثمن والمقدار التالف. ويكون ما يجب دفعه هو نسبة التالف أو الناقص من الثمن المسمى بمقدار نسبته إلى القيمة السوقية.
وطريقته: ان نسأل عن قيمة العين سوقياً. وعن مقدار النقص سوقياً أيضاً، فننسب النقص إلى القيمة: النقص/القيمة. ونطبق هذه النسبة على الثمن المسمى في العقد. فيكون الواجب دفعه هو ما يقابل النقص.
وهذا ثابت سواء كان النقص في عين واحدة مبيعة، أو كان عبارة عن تلف
ــــــــــــــــــــ[175]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
بعض الأعيان المبيعة، لو قلنا بصدق الارش في مثل ذلك، كما هو الأصح، باعتبار ملاحظة المبيع كلاً مترابطاً. أو كان النقص في صفات بعض الأعيان المبيعة لو كانت متعددة. ونحو ذلك.
وعند ملاحظة النسبة لا يختلف الحال، بين ما إذا كان المثمن المسمى بمقدار القيمة السوقية، كما هو الغالب، أو أكثر، بقليل أو بكثير أحياناً.
هذا في الضمان المعاوضي، ولا يأتي في ضمان اليد. إذ هناك تكون القيمة السوقية وحدها هي الواجب. من دون الحاجة إلى السؤال عن النسبة أحياناً، بل تسأل عن قيمة النقص فقط. غير أننا يجب ان نلاحظ العين قبل حصول النقص مباشرة لا حال كونها جديدة مثلاً ولو قبل سنة.
هذا، ويدخل في الضمان المعاوضي، للارش كما في ضمان العين نفسها ان المضمون هل هو قيمة التلف أو قيمة يوم الأداء أو أعلى القيم. ونحو ذلك مما اختلفوا فيه. فأي شيء نقوله هناك يكون الارش عليه. والصحيح هو ضمان قيمة يوم التعدي والتفريط في غير الغاصب وأعلى القيم في الغاصب ما بين يوم النقص ويوم الأداء.
ــــــــــــــــــــ[176]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
كتاب الربا
تمهيد
قال الله سبحانه وتعالى: قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ويمكن ان نستنتج من ذلك بعض النتائج حسب مقصودنا في هذا الكتاب:
النتيجة الأولى: ان الربا محرم بنص الكتاب الكريم فيكون محرماً بالأدلة الأربعة: (الكتاب والسُنّة والإجماع والعقل) مما لا حاجة إلى شرح تفاصيلها, إذ يكفينا الآن نص الآية وقيام ضرورة الدين على ذلك.
النتيجة الثانية: ان البيع غير الربا في نظر القرآن الكريم ولذا عزله في التعبير فقال: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فبالرغم من ان شكل المعاملة الاعتيادي قد يكون متشابهاً إلا ان المضمون التشريعي والأخلاقي مختلف تماماً, ولا يمكن ان يكون ذو النتيجة السيئة مشابهاً لذي النتيجة الحسنة في النوعية.
ومن هنا, عزلنا الحديث عن الربا عن الحديث عن البيع كما ورد في نص الآية نفسها, خلافاً للفقهاء الذين تحدثوا عن الربا في كتاب البيع نفسه, وجعلنا للربا كتاباً مستقلاً نتحدث فيه عن جميع أقسامه ونتعرض فيه بشيء من التفصيل لأحكام المصارف التي تتعامل بالربا, فان الحديث عنها بصفتها موضوعاً مندرجاً في هذا الكتاب يعتبر هذا المكان الفقهي هو انسب الأماكن إليه، مع بعض الفصول التي نسجلها قبل ذلك تكون بمنزلة المقدمة لفهم واستيعاب ما سوف نتحدث به عن المصارف.
ــــــــــــــــــــ[179]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فصل
تعريف الربا
يذكر الربا في محلين في الفقه:
أولاً: في كتاب البيع. حيث قالوا: كما دلت عليه الأدلة المعتبرة انه لا يجوز بيع المكيل والموزون بالتفاضل كبيع كيلو من الحنطة بكيلو ونصف منها وان كان أردأ نوعاً.
ثانياً: في كتاب القرض، وهو المال الذي يقترضه أو يستدينه شخص من آخر فيشترط عليه الدائن ان يرجعه إليه مع زيادة فتكون هذه الزيادة ربا وتؤدي إلى بطلان المعاملة, وذلك: ان المدين بمعاملة الاقتراض الصحيحة يملك المال المقترض ويتصرف فيه كما يشاء في حدود المشروع طبعاً وتشتغل ذمته بمثله على ان يؤديه في رأس المدة المتفق عليها. وأما إذا كانت المعاملة ربوية كانت باطلة ولم يملك المقترض المال الواصل إليه ويكون تصرفه فيه حراماً ولا يستحق الدائن الفائدة التي اشترطها عليه.
وكذلك الحال في المعاملة الربوية التي تشبه البيع فانه تكون باطلة ولا يملك أي من الطرفين: البائع والمشتري ما يصل إليه فيها ويكون تصرفه بها حراماً.
ويمكن ان نستنتج من ذلك عدة نتائج:
ــــــــــــــــــــ[181]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
النتيجة الأولى: ان الربا الأساسي في السوق في عصورنا الحاضرة هو القسم الثاني دون الأول, لأن القسم الأول مبني على نوع من المقايضة, لأنه من تبديل المكيل بالمكيل والموزون بالموزون وذلك لا يكون إلا إذا كان كِلا العوضين عروضاً.
وأما في مثل الاقتراض فهو مما يتوفر سوقياً في كل العصور عند من لا يطبق هذا الحكم الإسلامي.
النتيجة الثانية: ان من جملة أنواع المكيل والموزون: الذهب والفضة فيشملها حكم الربا, وهذا له نتيجة في أسواقنا الحاضرة أيضاً، لأن الذهب هو الأساس في قيمة الأثمان والنقود. وقد يقال: أننا إذا بدلنا ديناراً ورقياً بدينارين أصبح رباً وان لم يكن من الذهب. لأن غطاءه المصرفي من الذهب لأننا بدلنا ذهباً بذهب فيكون حراماً. إلا ان الواقع خلاف ذلك كما سيأتي في فصل آتٍ.
والشيء المهم الآن هو ان نلتفت إلى هذين الحكمين الخاصين بالذهب والفضة وهو ما يسمى فقهياً ببيع الصرف.
الحكم الأول: شمولها لحكم الربا كما سمعنا, يعني عدم جواز المفاضلة بين العوضين.
غير ان مشهور الفقهاء قالوا: «انه لا يجوز المفاضلة في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والذهب بالفضة». إلا ان بعض أساتذتنا كان يجيز الشكل الأخير -أعني بيع الذهب بالفضة أو العكس- إذ يعتبرهما من نوعين متباينين لا من نوع واحد لتكون المفاضلة بينهما محرمة, وهذا ما يسهل عدداً من المعاملات التي قد تكون جارية في السوق.
الحكم الثاني: التقابض في المجلس, فلو لم يحصل التقابض في المجلس عند بيع الأثمان كانت المعاملة باطلة كما دلت عليه الأدلة المعتبرة, وسيأتي
ــــــــــــــــــــ[181]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
الحديث عما إذا كان هذا الحكم مما يعقد تنفيذ معاملات المصارف أو لا يكون له أثر مهم فيها.
ولا ينبغي ان ننسى في هذا الصدد قوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ.
ويمكن ان نفهم من ذلك عدة أمور:
الأمر الأول: ان الربا الأساسي هو الربا القرضي لا البيعي, لوضوح ان هذه الآية إنما تعرضت له بالخصوص من دون تقييد لفظي واضح به, وسيتضح الأمر أكثر مع ما سنقوله في الأمر الثاني.
الأمر الثاني: ان الربا إنما يتضاعف أضعافاً كثيرة في الربا القرضي دون البيعي, لأن الربا الذي يحدث في البيع يتم بمعاملة واحدة لا أثر لها في مستقبل الزمان ولا يوجد في السوق العقلائية من يقبل البيع أو الشراء بإضعاف كثيرة.
إلا ان الربا في القرض يتضاعف عادةً لأن الدائن وان جعل على الدين فائدة بسيطة نسبياً كخمسة بالمائة, إلا انه مع تطاول الزمن سوف تتضاعف الفائدة حتى تستوعب المال كله أو تزيد عليه لو لم يدفع المدين دينه. وفي الأغلب انه لا يدفعه لعدم التمكن منه وفي مثل ذلك ستكون الفائدة الربوية قاصمة. ويقل من المتعاملين بالربا من يقبل بعدم تضاعف الفائدة. بل ان هذا غير منطقي من زاويتهم أصلاً لأن الفائدة بعد استحقاقها تعتبر من أصل المال فتستحق عليها فائدة أخرى مضافاً إلى الفوائد المستحقة على رأس المال.
مضافاً إلى ان المرابين فيما سبق كانوا يأخذون نسباً عالية من الفوائد نسبياً كعشرة بالمائة أو خمسة عشر بالمائة من أول مرة، فضلاً عن مضاعفاتها التي تحدثنا عنها. غير ان المصارف الحديثة قللت سعر الفائدة الأمر الذي يكون في مصلحة المقترضين، إلا ان القاعدة العامة للربا وهو التضاعف بطول المدة تبقى
ــــــــــــــــــــ[182]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
هي نفسها.
الأمر الثالث: عبّرت الآية الكريمة بأكل الربا لا بأخذه ولا بملكيته ونحو ذلك. لأن الملكية مما لا يحدث في الشريعة الإسلامية في المعاملة الربوية, كما ان الأخذ بمجرده قد يستتبع الإرجاع إذا حصلت إعادة النظر والتوبة. في حين ان الأكل معناه ان يأخذه المرابي كشيء نهائي ولا يفكر بإرجاعه.
الأمر الرابع: قد يخطر في البال: ان ما هو المحرم شرعاً هو الفائدة الربوية دون المعاملة كلها التي يقع فيها الربا, لأن الربا قد يكون اسماً لنفس الفائدة لا للمعاملة فتختص هي بالحرمة.
وأثر ذلك: انه مع عدم استلام الفائدة يكون رأس المال حلالاً وهو مما يسهل عدداً من المعاملات الربوية الجارية في السوق.
إلا ان هذه الفكرة ليست بصحيحة:
أولاً: ان الربا اسم للمعاملة كلها وليس لخصوص الفائدة, ولذا جعله الله سبحانه وتعالى مقابلاً للبيع, فكما ان البيع اسم المعاملة كلها كذلك الربا اسم لها أيضاً.
ثانياً: إننا حتى لو سلمنا ان الربا اسم لخصوص الفائدة فان غاية ما ينتج هو ان الآية الكريمة لا تدل على حرمة رأس المال. إلا ان الأدلة الباقية من الأدلة الأربعة وخاصة السُنّة الشريفة والإجماع قائم على حرمة رأس المال أيضاً, لأنه مأخوذ في معاملة باطلة فيكون غير مملوك والتصرف فيه حرام.
ثالثاً: ان الآية الكريمة شبهت متعاطي الربا بمن تخبطه الشيطان من المس وهذا يعني عدة أمور يمكن ان نفهمها:
الفهم الأول: وهو الفهم التقليدي عند مفسري الآية الكريمة: وهو ان آكل
ــــــــــــــــــــ[183]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
الربا سوف يكون ثرياً وسوف يأكل أنواع من الطعام عديدة وشهية, فإذا امتلأ كرشه من الطعام أصبح ذلك سبباً لصعوبة قيامه ومشيه لثقل جسمه ودوار رأسه وارتفاع ضغط دمه ومضاعفات أخرى قد تحدث له كالسكر والجلطة القلبية.
الفهم الثاني: ان الشيطان قد يتخبط الإنسان بمسه. بمعنى ان إغواءه له سوف يكثر حتى يستوعب كل أفعاله وأقواله فتترتب على ذلك نتائج عديدة غير محمودة. منها: ما ركزت عليه الآية بحسب هذا الفهم: وهو كون أعماله وأقواله مشوشة وغير مرتبة ولا تدخل في منهج حياتي معين, وقد تكن متناقضة وخالية من التركيز أو خالية من الهدف, وهذا هو معنى التخبط تخبطاً عشوائياً.
فمن يأكل الربا يكون ماله أيضاً كذلك عرضة لإغواء الشيطان. فهو (لا يقوم) يعني لا يتصرف أو لا يقوم لإعماله إلا مثل هذا الشخص الذي أشرنا إليه، وفي الحقيقة انه يكون مندرجاً في نفس القائمة ومصداقاً من مصاديق هؤلاء الناس.
الفهم الثالث: ان الأمر المهم الذي يحدد ويرتب أفعال الإنسان وأقواله ويجعلها منطقية وهادفة هو الشعور بالمسؤولية الإنسانية, فان انعدم هذا الشعور أو تضاءل ولم يكن للفرد ضمير منبه من هذه الناحية أصبح ذلك سبباً لأن يكون تصرفه مشوشاً وغير هادف كما يُفهم من الآية الكريمة.
ومن الواضح ان أكل الربا يندرج في هذه القائمة أيضاً، وخاصة إذا لم يأخذ المدين بنظر الاعتبار من ناحيته الاقتصادية أو الصحيحة ونحوها وألزمه بأضعاف مضاعفة من الفائدة، فان ذلك يعني انه لا يشعر بأية مسؤولية أخلاقية تجاه الآخرين وليس له ضمير إنساني, الأمر الذي يجعله مندرجاً في نفس القائمة المشار إليها.
الأمر الخامس: إننا بمراجعة النص القرآني نعرف ان الآية بنفسها تتحدث عن الربا طويلاً. لأنه سبحانه وتعالى يقول: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إلا
ــــــــــــــــــــ[184]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا.
وهذا ينتج منه نتيجة مهمة في حديثنا لأننا قلنا ان أكل الربا أضعافاً مضاعفة لا يكون إلا في القرض دون البيع، فيقع السؤال عن الوجه الصحيح في تبرير ذلك بأن قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا.
ويمكن ان نقدم لذلك عدة حلول, نذكر أهمها:
الحل الأول: ان قوله تعالى: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا يعني في الحلية والجواز، ويكون المراد: ان البيع مثل الربا الذي في القرض كلاهما جائز. وتجيب الآية عليه: (ان الله تعالى أحل البيع وحرم الربا).
الحل الثاني: ان المقصود بالربا في الآية هو مطلق الربا, سواء كان في البيع أو في القرض وهو المعنى الذي يفهمه الفقهاء عادة, وهذا أنسب من المعنى الأول من ناحية تشبيه الربا بالبيع, لأن قسماً منه يشبه البيع على أي حال.
الحل الثالث: أننا يمكن ان ندّعي ان المفهوم عرفاً وسوقياً من الربا هو الربا القرضي دون الربا البيعي. وإنما الربا في البيع اصطلاح سائر بين المتشرعة باعتبار شيء من المشابهة بين النوعين وهو أخذ الزيادة. وإلا فمن الناحية المنطقية فان المعاملة البيعية ليست ربا وإنما تكون هذه الزيادة مشابهة للربح الاعتيادي في أي بيع. غير ان الشارع الإسلامي حرمها تعبداً وحرمتها غير مربوطة بالربا, يعني إنها باطلة سواء كان اسمها ربا أو لم يكن.
وأما قولهم: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا فلا يراد بناءً على هذا الأساس إلا الربا القرضي لأنه كما قلنا هو الربا حقيقة وعرفاً, والظاهر دائماً محمول على الحقيقة دون المجاز. كل ما في الأمر ان وجه التشابه بين الربا والبيع من ناحية الجواز في نظرهم مَجاز لا حقيقة.
ــــــــــــــــــــ[185]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ويمكن ان نفهم التشبيه العكسي من الآية وهو ان المقصود ان الربا مثل البيع, وذلك لأنه ينتج نفس نتيجته في نظرهم وهو ربح صاحب المال. وقد أجابت الآية بالتفريق بينهما في الحكم.
وبهذا الفهم سيختلف هذا الوجه على الوجه الأول المبني على تشبيه البيع بالربا وليس العكس. والله سبحانه أعلم بما ينزّل.
وهذا الفهم هو المتعين ظاهراً من الآية الكريمة، وان كان النص بالعكس. إذ ليس المراد بقولهم: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا تشبيه البيع بالربا لأنه ينتج تحميل البيع مساوئ الربا، فإنما يصح ذلك. إذا أرادوا القول: ان البيع حرام أو مرجوح أو معيوب مثل الربا، وإنما المراد العكس وهو ان الربا صالح كالبيع، لا نفرق بينهما في كونهما منشأ للربح.
فان قيل: إنهم لا يعتقدون ان الربا مرجوح، قلنا: هذا باعتبار ما هو مرتكز في الأذهان من مرجوحية الربا. وإلا لما احتاجوا إلى هذا الكلام أصلاً، وهذا إنما يتم منطقياً مع تشبيه الربا بالبيع دون العكس.
فان قيل: انه لماذا ورد في الآية معكوساً!
قلنا: ان لهذا عدة تبريرات محتملة:
أولاً: إنهم يريدون زيادة التهوين من مرجوحية الربا وسوئه، فلو مثّلوه بالبيع، لكانت العبارة اعتيادية. وأما لو شبهوا البيع به، لكان هذا مبنياً على الزعم بأن الربا من الصلاح والرجحان بحيث يمكن تمثيل البيع به على ما هو عليه -أي البيع- من الوضوح السوقي والعقلائي.
ثانياً: ان المراد بيان تساويهما تماماً، بحيث في نظرهم لا فرق بين تقديم البيع أو الربا، لأنهما متشابهان تماماً.
ثالثاً: لو تنزلنا عن الوجهين السابقين، جدلاً، كان من التمثيل المعكوس.
ــــــــــــــــــــ[186]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وهذا لا ضير منه، وقد ورد في القرآن الكريم واللغة عموماً، ذلك. أما وروده في اللغة كقولنا: أدخلت الخاتم في إصبعي, وإنما ندخل إصبعنا في الخاتم.
وأما وروده في القرآن الكريم فكقوله: لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ. حيث قال المفسرون: «ان المراد ان العصبة أولي القوة تنوء بالمفاتيح وليس العكس». إلى غير ذلك من أمثلة الانعكاس.
الأمر السادس: في الإلماع إلى ما قلناه في الحل الثالث السابق، من ان الربا في البيع ليس بربا. فان لنا عليه بعض الملاحظات:
الملاحظة الأولى: أننا لو قلنا بكونه ربا، فقد يلزم الربا في الآية بمعنيين مختلفين، وهو خلاف وحدة السياق الظاهرة من كل بيان عرفي. إذ يكون المراد من الربا في الأول القرضي وفي الثاني البيعي.
إذن، فلا بد من حمله على معنى واحد. ومن غير المحتمل ان يكون المراد من التعبير الأول هو الربا البيعي لأنه لا يتضاعف أضعافاً مضاعفة. إذن، يتعين ان يكون المقصود بهما معاً هو الربا القرضي، وهو المطلوب.
الملاحظة الثانية: انه ورد في السُنّة الشريفة، تسمية الربا البيعي بالربا. ومن الممكن القول: انه اصطلاح متأخر أو انه مجارات لتسمية السوق والمتشرعة. وهذا لا يعني ان ما ورد في القرآن الكريم هو ذلك.
كما أننا لم نستفد من الآية الكريمة نفي تسميته بالربا، ليكون مناقضاً لما ورد في السُنّة الشريفة. كل ما في الأمر ان الربا في الآية مستعمل بما يحصل في القرض فقط.
الملاحظة الثالثة: ورد في القرآن الكريم وجه الحكمة في تحريم الربا القرضي وهو انه يؤدي إلى الاستغلال، واكل الربح أضعافاً مضاعفة. وهو إجحاف بعامة الناس بكل وضوح. حتى من كان غنياً منهم فضلاً عن غيره وهم
ــــــــــــــــــــ[187]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
الأكثر.
وأما وجه الحكمة في تحريم الربا البيعي، فقد ورد في السُنّة الشريفة:
فعن محمد بن سنان(1) ان علي بن موسى الرضا، كُتِبَ إليه فيما كُتِبْ من جواب مسائله: “وعلة تحريم الربا لما نهى الله عز وجل عنه، ولما فيه من فساد الأموال. لان الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين، كان ثمن الدرهم درهماً، وثمن الآخر باطلاً. فبيع الربا وشراؤه وَكسٌ على كل حال على المشتري والبائع. فحرم الله عز وجل على العباد الربا لعلة فساد الأموال. كما حظر على السفيه ان يُدفع إليه ماله لما يتخوف عليه من فساده حتى يؤنَس منه رشد”. إلى آخر الحديث.
والوكس: هو التنقيص على الطرف الآخر والاستيلاء على المقدار الزائد بلا مقابل.
هذا, وينبغي الغض عن تفاصيل أحكام الربا من كِلا القسمين إلا ما قد نحتاجه أحياناً، في الفصول الآتية.
ــــــــــــــــــــ[188]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) الوسائل, ج12, أبواب الربا: باب1: حديث11.
فصل
الـمال
لا شك ان فكرة المال ليست عقلية أو منطقية، وإنما هي اجتماعية وعقلائية تبانى عليها المجتمع لأجل إزجاء حاجاته وتسهيل تبادلاته، ولأجل ان يقل الإجحاف بين المتعاملين إلى أكبر قدر ممكن.
ولا نقصد بالمال: النقد، بأي قسم من أقسامه، وان كان هذا منه. إلا ان فكرته في الحقيقة أوسع من ذلك. إذ ان كل عروض منقول أو غيره، مما له دخل في قضاء حاجة من الحاجات مهما كانت تافهة، يشعر العقلاء عندئذ ان له مالية بنحو أو بآخر.
فالمالية مفهوم كلي، قد يتحقق في النقد بأي قسم من أقسامه، وقد يتحقق في العروض، وقد يتحقق في الذمة، مع الدين مثلاً. وقد يتحقق في موجودات الطبيعة، كالنبات أو الحيوان الذي لم تمسه يد لامس. على إشكال في هذا الأخير سوف نناقشه بعونه تعالى.
ولا نستطيع ان نرجع القهقري، لنرى موعد أو تاريخ شعور البشرية بالمال أو المالية. ولعل الحاجة إلى مثل هذا البحث ليس له فائدة عملية غير مجرد الاطلاع.
فقد يأتي إلى الذهن: ان الشعور بالمالية لا ينسجم مع بيع المقايضة الذي كان ساري المفعول آلافاً من السنين. إذ لو كانوا يشعرون بها لجعلوا شيئاً يمثلها كالنقد الذي جعله المجتمع في العصور الأخيرة.
ــــــــــــــــــــ[189]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
إذن, فالشعور بالمالية مواكِب نسبياً مع جعل النقد وليس قبله.
إلا انه يمكن النقاش في ذلك ببعض الوجوه:
أولاً: اننا سنعرف ان الشعور بالمالية ناتج عن الشعور بالحاجة، ولا شك ان هذا الشعور كان موجوداً يومئذ. إذن, فالشعور بالمالية كان موجوداً، مهما كان غامضاً.
ثانياً: لو كان الشعور الاجتماعي بالمالية منعدماً لما تحدد مقدار التبادل في المقايضة، مع العلم انه لا شك ان التسالم عندهم على بيع مقادير محددة، ولو نسبياً، وهذا يعني الشعور بالمالية ولو نسبياً.
نعم، لا شك ان الوضوح التام، للمالية، وسد الباب أمام التلاعب المحتمل لم يوجد إلا بعد صدور -أو قل: عند صدور- النقد. بمعنى ان من عرض فكرة النقد، لا شك انه كان شاعراً بالمالية.
غير ان صدور النقد وتداوله في المجتمع ليس بالعهد القريب، بل لعله سابق جداً، إلى عدة آلاف من السنين. حيث وجد النقد في بعض صوره عند الفراعنة -كما قلنا في فصل سابق- وفي الصين والهند. وكان في صدر الإسلام موجوداً بكل تأكيد، بل قبل ولادة المسيح بكل تأكيد أيضاً.
والمهم ان هذا كله لمجرد الاطلاع وليس له أثر فقهي أو قانوني أو اجتماعي عادة.
وإنما الأهم هو ان نتعرض إلى ما ينفعنا في المقام ضمن عدة جهات:
الجهة الأولى: في سبب حصول المالية للأشياء.
وما قيل أو يمكن ان يقال من الوجوه في ذلك عدة وجوه:
الوجه الأول: الندرة النسبية، وهو الوجه الأشهر بين الاقتصاديين على
ــــــــــــــــــــ[190]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
المستوى الرأسمالي.
فكلما كان العروض أكثر توفراً، كان اقل ثمناً. وكلما أصبح اقل زاد ثمنه. فالقلة والغلاء، وكذلك الكثرة والرخص يتناسبان تناسباً طردياً.
وهذا صحيح نسبياً في السوق الحرة عن التدخل الحكومي، أو قل: السوق الرأسمالية. غير أننا إذا نسبناه على بعض الوجوه الآتية، لم نجده هو الأساسي.
فمثلاً: إذا نسبناه للرغبة أو للطلب، وهما وجهان آتيان، وجدنا ان قلة التوفر قد تقترن بقلة الرغبة أو بقلة الطلب فلا توجب فرقاً في الزيادة، كما ان الكثرة في العرض قد تقترن بالكثرة -بالرغبة أو الطلب-، فلا توجب فرقاً في نقيصة الثمن.
كما ان الشيء قد ينقص توفره قليلاً. إلا ان ثمنه يصعد كثيراً نتيجة لزيادة الرغبة أو الطلب، بشكل غير معهود, وهكذا.
إذن، فالندرة النسبية، ليست هي السبب الأساسي في زيادة الثمن وقلّته، ولكنها تكون جزء السبب في كثير من الأحيان وسيأتي ما يزيد هذه الجهة وضوحاً.
الوجه الثاني: العمل البشري، وهو ما قرره الماركسيون في اقتصادهم.
من زاوية: ان خامات الطبيعة، حال وجودها الطبيعي تبدو تافهة وغير ذات قيمة، وإنما تبدأ القيمة أو المالية، من حين حصول العمل البشري عليها وتجسده فيها كقطع الأشجار واستخراج المعادن وغير ذلك كثير. عندئذ يكون للمادة الخام شكل من أشكال المالية. ورتبوا في ذلك نتائج معينة في فلسفتهم (المادية التاريخية) لا حاجة الآن إلى الدخول في تفاصيلها. بعد ان ناقشناها بكل تفاصيل في كتابنا (اليوم الموعود بين الفكر المادي والديني).
ــــــــــــــــــــ[191]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
إلا ان هذا وحده -أعني العمل البشري- غير كافٍ، في تفسير وجود المالية لعدة مناقشات:
المناقشة الأولى: إننا لو اقتصرنا على هذا المقدار لصعب علينا تعيين مقدار المالية التي حصلت له. فان مجرد كونه مالاً لا يعني أننا نعرف مقدارها. أو قل: ان العمل لا يمكنه ان يعين مقدارها.
والماركسية تجيب عن ذلك عادة: «ان عمل اليوم للعامل الواحد، يأخذ منه من القوة البدنية ما يعوضه بوجبات اليوم الواحد. فيكون لما يخرجه خلال اليوم الواحد، ذو قيمة كقيمة ما يأكله في اليوم الواحد».
وهذا واضح الفساد جداً، لوضوح ان الناس يختلفون في مقادير ونوعيات طعامهم من ناحية وفي مقادير ساعات عملهم ومقدار نشاطهم وخبراتهم من ناحية أخرى. وقد بحثنا ذلك مفصلاً في الكتاب المشار إليه فراجع.
المناقشة الثانية: أننا لو نسبنا هذا الوجه إلى بعض الوجوه الآتية كالرغبة أو الطلب، وجدنا ان الرغبة قد تكون موجودة فيما لم يحصل عليه عمل كالسمك في النهر أو الحيوانات في الصحراء. وهذا يعني ان تلك الأمور ذات مالية خلافاً لما قالوه.
فان ضممنا الحاجة إليه، وهو وجه آخر من أسباب المالية، كان الأمر واضحاً. إذ لا شك ان البشرية تحتاج إلى هذه الخامات حاجة شديدة، ويكفي إيضاحاً لذلك أننا نفترضها قد زالت من الوجود، فلا تستطيع البشرية ان تحيا بعدها إلا أياماً معدودات.
إذن، فقول الماركسيين: «ان خامات الطبيعة ذات وجود تافه وغير ملفت للنظر»، كلام تافه وغير ملفت للنظر.
المناقشة الثالثة: أننا لو نسبنا هذا الوجه إلى الوجه الأول وهو الندرة
ــــــــــــــــــــ[192]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
النسبية، لوجدنا ان الشيء مع حصول ندرته النسبية ترتفع قيمته بدون ان يكون عمل جديد قد أضيف إليه.
وكذلك لو نسبناه للرغبة، من زاوية زيادتها فيما هو متوفر في السوق نسبياً، فإنها تقضي زيادة القيمة من دون حصول أي زيادة في العمل.
المناقشة الرابعة: ما ذكره بعض أساتذتنا بإيضاح منا:
انه لو كان العمل هو الأساس، كانت بعض الأمور رخيصة جداً، مع أننا نجدها غالية والحرص عليها شديداً، وكان يمثل برسالة كتبها جد الإنسان مثلاً. فإنها غالية في نظره ومحترمة جداً. بالرغم من ان العمل فيها ضئيل جداً لا تعدو ان تكون كتابة صفحة واحدة أو عدة أسطر.
وهذا يشمل الكتب المخطوطة واللوحات القديمة. فان أقيامها أضعاف ما بذل فيها من عمل. يكفي في ذلك ان نرى بوضوح ان قيمتها يوم كُتِبت كانت أرخص بكثير من قيمتها اليوم. بدون حصول أي عمل جديد عليها.
أقول: وهذا شكل من أشكال نسبة الرغبة كسبب في زيادة القيمة إلى العمل كسبب لها. فان الرغبة هنا مؤثرة دون العمل.
الوجه الثالث: من أسباب حصول المالية أو القيمة: (الطلب). وهو الوجه التقليدي في علم الاقتصاد حيث قيل: «إذا زاد الطلب زاد الثمن». يعني ان زيادة الطلب تتناسب تناسباً طردياً مع زيادة الثمن، وبالعكس.
والمقصود بالطلب كثرة الذين يبحثون عن المادة في السوق ويطلبونها.
وهذا الوجه، ان أرجعناه إلى الحاجة أو إلى الرغبة التي هي من بعض الوجوه الآتية، فهو ليس وجهاً مستقلاً عنها. وإنما يكون مندرجاً فيها. ولا يمكن ان تكون مندرجة فيه، لأن الحاجة والرغبة هي السبب في الطلب، لوضوح ان الإنسان قلّما يطلب ما لا يحتاجه. والنظر إلى السبب -وهو الرغبة
ــــــــــــــــــــ[193]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
أو الحاجة- أولى من النظر إلى المسبب وهو الطلب. لأنها سبب أعمق على أي حال.
وان نظرنا إلى الطلب كسبب مستقل، وهو غير مستقل على أي حال، فينبغي ان ننسبه إلى الندرة النسبية، كما نسبنا الندرة إليه. لوضوح ان زيادة الطلب مع زيادة التوفر لا ينتج ارتفاعاً في القيمة، ولا ان قلة الطلب مع قلة التوفر منتج لانخفاضها.
ومن هنا اعترف جملة من الاقتصاديين: «بأن كلاً من الندرة النسبية والطلب معاً مؤثران في زيادة القيمة، وليس أحدهما بحياله».
وجوابه: عندئذ ينحصر في ان الطلب ناتج لا محالة من الحاجة أو الرغبة، فلا بد من النظر إلى سببه ولا يكون هو الأساسي.
ولا يوجد شخص يتصرف تصرفاً معقولاً يشتري ما لا يحتاجه أصلاً. إلا إذا كان سفيهاً تماماً.
وأما الندرة النسبية فلو عزلنا الحاجة والرغبة عنها، لم يكن لها اثر في القيمة أو زيادتها أو نقصها، لان معناه: ان ما لا يحتاجه الناس إطلاقاً هل له قيمة أو لا. ومن الواضح الجواب بالنفي، سواء كان ذلك نادراً أو متوفراً.
الوجه الرابع: من أسباب القيمة: الحاجة.
فكلما ازدادت الحاجة إلى الشيء ازدادت قيمته، وكلما قلّت الحاجة قلّت القيمة.
وهذا لا يفرق فيه بين حاجة المجتمع وحاجة الفرد. فكما ان الحاجة لدى الناس الكثيرين ترفع من قيمة الشيء. كذلك الحاجة لدى الفرد. بمعنى ان يكون لديه استعداد نفسي لبذل المال أكثر تجاه ما يحتاجه.
ــــــــــــــــــــ[194]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وفي الواقع ان هذا سارٍ أيضاً في الحاجة لدى الكثيرين. لأن الكثيرين يكونون على استعداد لبذل المال الأكثر، مما يسبب زيادة القيمة.
ومن الطريف إننا نلاحظ هنا: ان المقصود من الحاجة، هو الحاجة إلى الحصول على الشيء، وأما الثمن فتكون الحاجة متوجهة إلى زيادة بذله. ومن هنا نجد انه بينما تزداد قيمة العروض تقل قيمة النقد. أو قل: تختلف القيمة النسبية بين النقد والعروض أو بين العروضين في بيع المقايضة.
والحاجة تكون سبباً للطلب، وزيادتها تكون سبباً لزيادته, ونقصها سبب لنقصه. وهذا هو الذي يفضلها عليه كسبب للتأثير في المالية.
أما نسبتها إلى الندرة النسبية وغيرها مما سبق، فهو نفسه الحديث عن الطلب، لأن الطلب يزداد عادة كلما زادت الحاجة.
إلا ان هذا السبب مع ذلك، لا يخلو من مناقشة:
أولاً: ان هذا الوجه يفترض فيه ما هو المعتاد من زيادة الطلب مع زيادة الحاجة. إلا ان هذا ليس دائمياً إذ كثيراً ما يطوي الفرد حاجته في داخله ويسكت ولا يبحث عن السلعة أصلاً، أو يبحث عنها قليلاً وبشكل متثاقل لا يمثل مقدار حاجته.
وذلك لأسباب عديدة: كعدم التعرف على طرقات البلد. أو المانع الصحي أو القصور العقلي أو التقدم في العمر. أو بعض درجات الزهد. إلى غير ذلك. وفي مثل ذلك -أعني حين يطوي الفرد حاجته في داخل نفسه ويتحمل صعوبتها- لا يكون لها عندئذ أي مردود اقتصادي بالمرة.
وإذا كان سبب من هذه الأسباب المشار إليها، قليلاً، فان مجموعها ليس بالقليل.
غير ان هذا لا ينافي أننا حين نتحدث عن الطبيعة العامة للبشر نجد ان
ــــــــــــــــــــ[195]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
الطلب يزداد بزيادة الحاجة بلا إشكال. ومعه, لا تكون هذه المناقشة قوية ضد هذا السبب.
ثانياً: ان الإنسان كثيراً ما يطلب أشياء ليست في حاجته. لا بمعنى ان الحاجة منعدمة بالمرة. بل بمعنى ضآلتها وتفاهتها عقلائياً واجتماعياً، إلى حد قد تثير الدهشة أو السخرية. وأستطيع القول: ان أمثال ذلك في عصورنا الحاضرة بين الناس كثير جداً.
ومعه, فمن المستطاع القول بعد إخراج أمثال هذه الحاجات عن كونها حاجات واقعية، كما هو الواقع، فمعنى ذلك ان الطلب قد يكون بدون حاجة. ومثل هذا الطلب يؤثر في زيادة القيمة بدون ان يكون وراءه شيء من الحاجة. وسيأتي في الوجه الآتي زيادة إيضاح عن ذلك.
الوجه الخامس: من أسباب القيمة: (الرغبة).
فكلما ازدادت الرغبة ازدادت القيمة وبالعكس. ويأتي فيها ما قلناه في (الحاجة) من الحاجة الاجتماعية والحاجة الفردية. فان الرغبة كذلك. وكذلك ما قلناه من ان الحاجة إلى الحصول على العروض: هي حاجة للتنازل عن المال. وكذلك الرغبة.
إلا ان الرغبة تحتوي على نقطة قوة عن الحاجة بالنسبة إلى الطلب. فإنها واقعة وسطاً بين الحاجة والطلب. بمعنى ان علتها الحاجة ومعلولها الطلب.
فإذا نسبناها إلى الحاجة، وجدنا ان كل رغبة ناشئة من حاجة بالدقة، إلا انه ليس ضرورياً ان تكون كل حاجة منتجة للرغبة كما سبق.
فإذا ازدنا على ذلك ما قلناه من كون بعض الحاجة باعثة على السخرية، فتكون ملحقة بالعدم عقلائياً. استطعنا القول عندئذ: انه ليس كل رغبة مع حاجة وليست كل حاجة مع رغبة. ولكن المهم سوقياً، هو وجود الرغبة لأنها
ــــــــــــــــــــ[196]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
سبب الطلب دون الحاجة التي لا ترافقها رغبة.
وأما إذا نسبنا الرغبة إلى الطلب، وجدناهما متساويان أو متوازيان دائماً أو عادةً، فكل رغبة تنتج طلباً، لأن الرغبة إنما هي في الحصول على الشيء ومن ثم الرغبة في الطلب نفسه. فإذا لم يطلب الفرد فمعناه انه قد اعرض عن رغبته.
فكل رغبة تنتج طلباً، وكذلك كل طلب، فهو ناتج من رغبة. وفي ذلك نقطة القوة في هذا الوجه وهو الرغبة عن الوجه السابق وهو الحاجة.
وقد يخطر في الذهن: انه بعد ان عرفنا ان الرغبة والطلب متساوقان، فلماذا نتحدث عن الرغبة لا عن الطلب. وقد اعتبر المشهور بين الاقتصاديين ان السبب للقيمة هو الطلب؟
وجوابه: ينحصر في ان الرغبة هي الأسبق والطلب هو المتأخر في الرتبة، بمعنى أنها سبب له، والحديث عن السبب حديث عن المسبب.
على إنهما مهما كانا متساويين، فان الرغبة تعبّر عن جانب نفسي والطلب يعبّر عن جانب خارجي أو عن تصرّف واقعي. وعن المعلوم ان الجانب النفسي مضافاً إلى كونه هو المنشأ للفعل الخارجي، فانه هو الذي يجعل الفرد على استعداد ان يبذل المال الأكثر في الحصول على المرغوب. فكلما ازدادت الرغبة ازداد هذا الاستعداد، وكلما قلّت قلّ الاستعداد. وهذا المعنى لو لاحظناه بشكل اجتماعي عام هو الذي يكون مؤثراً حقيقياً في القيمة.
غير ان الجهة النفسية وحدها لا معنى لتأثيرها إلا بالمقدار الذي تعبّر به عن نفسها في الفعل الخارجي وهو الطلب, وقلنا ان الطلب متساوق مع الرغبة, بمعنى ان هذه الجهة النفسية ملازمة عادة مع الطلب.
نعم, تبقى فكرة نسبتها إلى الندرة النسبية. وحيث أنها مساوقة مع الطلب،
ــــــــــــــــــــ[197]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فيكون الحديث عليه -كما سبق- حديثاً عنه بعينه.
وما ذكرناه من الإشكال هناك يمكن ان يناقش بوجهين:
الوجه الأول: ان المهم ان نلحظ الرغبة المساوقة للطلب، كسبب للقيمة، بغض النظر عن الندرة النسبية.
الوجه الثاني: أننا ينبغي ان لا نلحظ الرغبة والندرة كسببين مستقلين بل السبب هو المحصلة في النسبة بينهما.
فلو زاد العرض والرغبة معاً، بقيت النسبة محفوظة، فلم يحصل السبب لنقص القيمة. وإذا قلّ العرض والرغبة بقيت النسبة هي هي، ولم يحصل السبب لزيادة القيمة.
وإنما السبب في اختلاف القيمة هي الاختلاف في هذه النسبة.
وذلك يحدث حين يبقى أحدهما ثابتاً والآخر متغيراً. أو ان يتحرك أحدهما بأسرع مما يتحرك الآخر، فيكون سبباً في تغير النسبة، فيكون سبباً في اختلاف القيمة. وإذا كان مراد من يقول بان السبب في اختلاف القيمة هو الرغبة والندرة أو الطلب والندرة معاً هو ذلك، فهو لا يعدو الصواب.
غير أننا توصلنا إلى ان للجانب النفسي تأثيراً عميقاً في تغير القيمة أو المالية. وهذا الجانب النفسي مما يؤثر عليه العلم ببعض الأمور لا محالة على ما سوف نوضح.
فانه في حدود ما ذكرناه، فان الجانب النفسي للمشتري مع زيادة الرغبة هو ان يبذل مقداراً أقل من المال ويقبض مقداراً أكثر من البضاعة. والجانب النفسي للبائع عندما يلاحظ رغبة المشتري هو ان يستغل هذه الرغبة فلا يعطي له المتاع إلا ببذل مقدار أكبر من المال.
ــــــــــــــــــــ[198]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وهذا هو السوق الاعتيادية الموجودة في الأغلب. إلا ان لهذه الحالة استثناءات:
منها: ما إذا كان البائع راغباً بالبيع أكثر من رغبة المشتري بالشراء، فان الأمر يكون بالعكس مع علم المشتري بهذه الرغبة لدى البائع، الأمر الذي يدعو البائع لبيع عروضه بأقل مقدار من الثمن.
ومنها: صورة الجهل بقوة الرغبة عند الآخر. فيأخذ الأمر اعتيادياً. ولا يخطر في باله زيادة القيمة.
وهذا الجانب النفسي هو الباعث على ما قيل: من ان من مصلحة البائع هو [أن] يبيع أقل مقدار ممكن بأكبر ثمن ممكن, ومن مصلحة المشتري هو أخذ أكثر مقدار ممكن بأقل ثمن ممكن.
وهذا الجانب هو الذي يبعث الناس على الاحتيال في المعاملات بمختلف الأساليب, فانه من جنس الشهوات النفسية. والشهوة لا عقل لها، بل تريد الإعراب عن نفسها بكل صورة. فقد تبرز في صورة الغش أو في صورة الغبن أو الربا أو التدليس أو غيرها من صور الاسترباح غير النظيف.
فلو لم يكن هذا الجانب موجوداً أو كان خفيف التأثير كان الأمر أهون بكثير، نذكر منه جانبين:
الجانب الأول: ان البائع إذا كان مشفقاً على المشتري، بحيث لا يريد ان يستغل رغبته في زيادة الثمن بكل حال. كما لو كان صديقه أو أخوه في الدين أو نحو ذلك. فان الموقف وان اقتضى الزيادة في الثمن سوقياً، إلا ان الجانب النفسي لا يساعد على ذلك. فيبقى الثمن محفوظاً على مستواه.
الجانب الآخر: أدرك الإنسان انه لو استغل كل جهوده في استغلال الإنسان الآخر، لأصبح هو المتحمل للضرر أيضاً، لأنه قد يستغله الآخرون
ــــــــــــــــــــ[199]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
كما هو يستغلهم. ومن هنا كان اللازم تنازل كل طرف عن بعض مصلحته وتطرف شهواته، للالتقاء في منتصف الطريق، بحيث لا يكون أياً منها قد ألقى اجحافاً كبيراً على الشخص الآخر. ومن هنا جاء التعامل والتراضي على المعاملة. قال تعالى: لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ.
وأما إذا أدرك الإنسان انه إذا استغل الآخرين، فانه سيكون في مأمن من استغلالهم له وإيذائهم إياه. فانه من الناحية النفسية سوف يزداد سوءاً في الاستغلال. ما لم يكن متصفاً بنفس طاهرة وقلب نظيف.
وهذا هو الشأن الذي سار عليه الاستعمار، بل كل أشكال الاستغلال الرأسمالي، وهو النقطة الرئيسية للضعف في هذه الفلسفة الاقتصادية.
ملحوظة: إننا بعد ان عرفنا السبب في زيادة القيمة وقلّتها سوقياً، وهو النسبة بين الندرة النسبية والرغبة النفسية المنتجة للطلب.
ينبغي ان نعرف السبب في أصل حصول المالية أساساً، بغض النظر عن ارتفاعها وانخفاضها.
ونحن ان غضضنا النظر عن هذا الارتفاع والانخفاض، فمعناه إننا غضضنا عن الندرة النسبية، وقصرناه على الرغبة المنتجة للطلب وهي في الواقع السبب لحصول أصل المالية، كما كانت هي السبب في تحركها زيادة ونقيصة.
فالرغبة الناتجة عن الحاجة أو عن غيرها بخامات الطبيعة، هي التي تجعلها ذات أهمية في نظر البشر، ومن ثم ذات قيمة. وليست تافهة كما قالت الماركسية، كما ان العمل ليس له دخل في إيجاد المالية، وإنما له دخل في امكان الاستفادة من المال، إذ مع وجوده في موطنه الطبيعي قد يتعذر غالباً الاستفادة منه. وليس ذلك دائمياً أيضاً كما سنشير.
ــــــــــــــــــــ[200]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وهذه الرغبة هي التي تنتج الطلب, والطلب هنا هو العمل على حيازة هذه الحاجات ونقلها من مواطنها الطبيعية. فان الطلب هو البحث عن المواد، فان كانت المواد في السوق طلبناها من السوق وان كانت في الطبيعة طلبناها من الطبيعة.
وكما قلنا هناك: فان الرغبة هي السبب والطلب هو المسبب، ولا يوجد الطلب بدون رغبة، والنظر إلى السبب أولى، وان كان كلاهما متساوقان عادة.
وفي الموارد التي يمكن أو يراد فيها استغلال الطبيعة بدون حيازة أو قطع أو فصل كما في التنزه في الصحارى أو الغابات أو الأنهار أو التدفئ بالطاقة الشمسية أو أكل الثمرة وهي على شجرتها، فان الطلب يعني قصد هذه الأماكن للاستفادة منها.
وقد يخطر في البال: أنها مجانية وليس لها قيمة. إذن، فالمهم هو العمل البشري على الحيازة لتتخذ قيمتها.
وجوابه: أنها وان كانت مجانية عملياً، إلا أنها ذات قيمة. فلو أدفأنا شخص بمقدار دفئ الشمس لاستحق علينا المال طبعاً وهذا معناه تحقق المالية في أصل الطبيعة. نعم، لا يمكن ان يستفاد منها في غير مواطنها الطبيعية ولا يمكن تسويقها إلا بالعمل وهذا شيء آخر غير معنى الحصول على المالية.
فهذا هو الكلام في الجهة الأولى من هذا الفصل في تبرير حصول المالية للأشياء وانخفاضها وارتفاعها.
الجهة الثانية: فيما يمثل المالية سوقياً وعقلائياً.
فأننا عرفنا في هذا الفصل ان المالية معنى مفهومي أو كلي قد ينطبق على ما في الخارج، وقد ينطبق على ما في الذمة. وإذا بقي هذا المعنى على كليته، لا يمكن الاستفادة منه سوقياً.
ــــــــــــــــــــ[201]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
إذن، فلا بد من إيجاد شيء يكون هو الممثل الرئيسي للمالية، لكي يكون هو المحك والمعيار في مالية سائر الأشياء.
وقد اتفق العقلاء في العالم كله، على حصر هذا المعنى وتعيينه في الذهب. ولا يهمنا البحث عن السبب في هذا التعيين لأنه لا دخل له اقتصادياً على الإطلاق. وان كان المظنون ان أهميته الجمالية في نظرهم وندرته النسبية في أسواقهم وعدم قابليته للصدأ على ما قيل، هي التي حدت بهم إلى هذا التعيين. مع الإعراض عن أمور نادرة جداً إلى حد قد يصعب قياس الأشياء بها كبعض الأحجار الكريمة.
وليست الفضة محكاً للمالية، وان صاغوها على شكل عملة تاريخياً وخلال قرون طويلة. بل بقيت على أي حال منوطة بالذهب في تقييمها كسائر الأشياء.
والذهب هو المحك بصفته ذهباً بعد تصفيته على شكل سبائك، سواء حصل على شكل نقود أم لا. ولا نعلم ما إذا كانت قيمة النقود الذهبية أغلى من قيمة وزنها ذهباً، بمقدار يزيد على أجور عملها كنقد. بل المظنون عدم كونها كذلك.
هذا مضافاً إلى أننا يجب ان نلاحظ ان الذهب الذي كان منظوراً لأفراد المجتمع ومتداولاً بينهم هو النقد والحُلي، ولم يكن للسبائك وجود منظور بشكل عام. وحيث كانت النقود هي الممثل الأصلي للمالية، إذن، فالمحك عندهم هو الدنانير الذهبية، لا الذهب بذاته. وان كان هذا لا يخلو من تسامح من قِبَلهم على أي حال.
والصحيح هو اعتبار الذهب بذاته، والدنانير إنما يكتسب قيمتها بصفتها مصداقاً له. وإذا انعدم تداول الدنانير الذهبية، كان الذهب هو المحك أيضاً. وليس للدنانير دخل في ذلك أصلاً. وهذا هو الشعور العقلائي العام في
ــــــــــــــــــــ[202]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
المجتمع الأوسع من تلك التي تستعمل الدنانير الذهبية، بحيث تشملها وغيرها. ويكون لها الحكم الأصلي والرأي الأساسي. بل أنهم لم يختاروا الذهب كمادة لصنع الدنانير إلا من أجل ذلك.
ومالية الذهب، كما هو في مالية النقد لدينا، يعني النظر إليه واليها كَمالٍ خالص أو تجريدي، ليمثل مفهوم المالية الكلي تمثيلاً تاماً. ومعنى ذلك: غض النظر في هذه المرحلة عن خصوصيته وأوصافه من حجمه ولونه ونحوها.
ويتضح ذلك في النقود المتداولة حالياً، فإننا نتداولها بصفتها مالاً تجريدياً، لا بصفتها الخاصة من معدنها وكتاباتها وحجمها. بدليل على إنها لو كانت بحجم آخر أو أي صفة أخرى لكانت تمثل نفس المقدار من المالية، على الفرض.
وقد تفتّق الذهن البشري أولاً عن صناعة النقد من الذهب نفسه ليكون هو المحك المباشر لقيمة الأشياء.
إلا انه بالتدريج ثبت وجود بعض نقاط الضعف فيها:
أولاً: ثقل وزنه بصفته معدناً وخاصة إذا تزايد العدد.
ثانياً: صعوبة عدّه مع الحاجة إلى الكثرة.
ثالثاً: عدم إمكان إصدار نقود ضخمة تمثل قيمة مالية عالية، لأنها سوف تكون سمجة جداً بالذوق العام كما هو واضح.
رابعاً: ان اغلب أشكال الدنانير الذهبية التي كانت متداولة مغشوشة ومخلوطة بغيرها من المعادن، بشكل قد يكون مضبوطاً وقد لا يكون. ونحن بالتالي لا نكون قد تداولنا الذهب بذاته أو بكامله ثمناً للأشياء.
وصناعة الدنانير الخالصة لم يكن ممكنا عملياً، لصعوبة السيطرة على
ــــــــــــــــــــ[203]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
الصانعين يومئذ، مضافاً إلى ان الذهب بنفسه مادة قليل الصلابة بالنسبة إلى غيره من المعادن، فقد يكون ذلك سبباً لاعوجاج النقود أو انمحاء كتاباتها، الأمر الذي يسقطها عن التداول، مما يحتاج إلى إضافة معادن أخرى وخلطها معها.
فلهذه الأسباب ونحوها تفتّق الذهن البشري عن صناعة نقود من مواد أخف ثقلاً كالورق والقصدير، ونحوه. ليمكن بها تلافي جميع نقاط الضعف السابقة بما فيها إمكان إصدار عملات ذات قيمة عالية، وان كانت خفيفة وصغيرة نسبياً في حجمها الظاهري.
إلا ان هذا الأسلوب اصطدم بإشكال جديد، وهو ان هذه المواد إنما ترجع ماليتها إلى الذهب، كسائر الأشياء، فهل يحدد قيمتها بقيمة مادتها أو بشكل آخر. وكيف تختلف قيمتها عن قيمة مادتها؟ وهذا ما حصل!
فقد سكّت الحكومات النقود الورقية والمعدنية، واختلفت قيمتها عن أقيام موادها، وهي دائماً أكثر منها، ولا يمكن ان تكون اقل بأي حال.
وأما الوجه التحليلي أو الفني في هذه الخطوة، فهو ان الحكومات عند إصدار هذه العملات تتعهد بإبدالها ذهباً إذا أراد أي فرد مالك لها الإبدال. وبهذا اكتسبت النقود قيمة مالية تملك فكرة مالية الذهب تماماً.
ولكن عدداً من الحكومات وجدت ان هذا الاستمرار بهذا التعهد يعني سحب كثير من الذهب من المصارف الأمر الذي يضر باقتصادياتها العامة. فأصدرت القوانين المانعة من هذا التبديل.
ومن هنا بقيت قيمتها نفسها، ولكنها ممنوعة من التبديل بالذهب. وبالرغم من وجود بعض الإشكالات على هذا الأسلوب، إلا انه أصبح واقعاً في كل دول العالم لا بد من التسليم بوجوده.
ــــــــــــــــــــ[204]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فمن هذه الإشكالات:
أولاً: ان هذا التعهد لا يعني إعطاء قيمة حقيقية للمادة، بعد ان كانت قيمتها (الجعلية) أكثر من قيمتها الواقعية، التي هي قيمة مادتها. فلو لم يكن للفرد (غطاء) من ممتلكاته ما يساوي نقوده، وبالتالي ما يساوي الذهب الذي ينبغي ان يقبضه من المصرف، لم يكن بإزاء النقد أي مقابل.
ثانياً: السؤال عن المقدار الذي يقوم التعهد بإعطائه من الذهب. فانه ليس مقداراً محدداً وإنما هو تابع لقيمة الذهب بالأسواق العالمية, وهذا يعني ان قيمة العملة مجهولة عملياً وغير محددة في الواقع.
ثالثاً: ان هذا الأسلوب يعني من ناحية: تحديد سعر الدينار بالذهب. لأنه إنما اكتسب المالية به. ولكنه من ناحية أخرى: فان سعر الذهب محدد بسعر الدينار. وإذا اعتمد أحدهما على الآخر كان معناه عدم التحديد كما قلنا في الإيراد السابق. ولكن بشكل أكثر وضوحاً.
والسر فيه: هو حصول ما يشبه الدور في المنطق, والدور مستحيل. فلو فسرنا العين بحاسة البصر وفسرنا حاسة البصر بالعين، لم نرجع إلى محصل عند من يجهلها تماماً.
والنسبة إلى الدينار، لو لم يكن معتمداً على قيمته في الأسواق العالمية ومنسوباً إليها، لكان اعتماد أحد القيمتين: الذهب والدينار على بعضهما منتجاً: إننا لا نرجع إلى نتيجة وتحديد لأي منهما.
رابعاً: انه بعد إلغاء هذا التعهد بالتبديل، ماذا يبقى من القيمة الجعلية أو الاعتباري للنقود؟ سوف لن يكون لها أي أثر حقيقي سوى حفظ الظاهر في السوق. يعني القدرة على تقييم نسبة بعض البضائع إلى بعض.
وهو تقييم مجازي لا محالة، لأن النقد لا يقوم بقيمة مادته، ولا تعهد فيه
ــــــــــــــــــــ[205]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
على التبديل بالذهب. إذن، فهو لدى التدقيق لا قيمة له.
خذ إليك مثلاً: لو أصدرت إحدى الحكومات أو المصارف النقد ذهبياً ولكن بأكثر من قيمة مادته مرتين مثلاً. فما الذي يبرر ان ندفع بإزائه كيلوين من الحنطة بعد ان كانت مادته لا تساعد إلا على كيلو واحد مثلاً، انه سوف يكون بلا مقابل تماماً.
ومن المعلوم ان القيمة الاعتيادية للدينار أضعاف قيمة مادته بألف مرة أو أكثر. فما الذي سوف يقابل هذا الفرق؟
وبالرغم من هذه الإشكالات، فمن الناحية التطبيقية استطاعت النقود ان تحفظ أسعار المواد وتسهل التبادل في السوق وتمنع الإجحاف الموجود في المقايضة، تماماً كما كان الدينار الذهبي يفعله. والمجتمع لا يريد أكثر من ذلك، ولتذهب هذه الإشكالات إلى الجحيم!!
هذا مضافاً إلى إشكال آخر، منطلق من ناحية فقهية، يتضمن المناقشة في حجية التداول بهذا النقود.
وذلك: ان الأصل في المالية هو الموجودات الطبيعية، بما فيها الذهب، وهذا يكون بالمقايضة بين العروض بما فيها الذهب أيضاً الذي هو الأساس في مالياتها.
ومعه, فالانتقال إلى أسلوب استعمال النقد يحتاج في حجيته الفقهية إلى أحد أمرين:
الأمر الأول: ان يكون النقد بنفس قيمة مادته، كما هو الحال في الدينار الذهبي. وهذا يرجع بفكرته المنطقية إلى المقايضة بالذهب لا أكثر ولا اقل.
الأمر الثاني: انه ان لم يتوفر الأمر الأول، وكان النقد أعلى قيمة من مادته، فتداوله يشكل سيرة عقلائية، وهذه السيرة تحتاج إلى إقرارها من قِبَل
ــــــــــــــــــــ[207]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
المعصومين لتكون حجة. وهذا متوقف على ارتقاء هذه السيرة إلى عصر المعصومين, لتكون تحت نظرهم وإقرارهم. وأما إذا كانت سيرة متأخرة فلا تكون حجة. كسائر أشكال السيرة، كما هو مبرهن عليه في علم الأصول.
ونحن وجداناً لا نعلم بوجود هذه السيرة في عصر المعصومين لنعلم بإقرارها. لأننا لا نعلم ما إذا كانت النقود في عصرهم ذات قيمة أكثر من مادتها أو بمقدارها. وإذا لم تتم السيرة عليه لم يكن في التداول بها حجية.
ولا يمكن ان يكون ذلك مشمولاً للعمومات، لفرض ان القيمة الجعلية أكثر من الحقيقة بكثير. فتكون إجحافاً وأكلاً للمال بالباطل بدلاً ان تكون تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ، فتأمل.
وتجريد السيرة التي كانت متحققة يومئذ عن الخصوصية، لتشمل كل أشكال النقد، حتى ما كانت قيمته أكثر من مادته، غير ممكن لأن السيرة دليل لُبّي يقتصر فيه على القدر المتيقن.
غير إننا يمكن من ان نرجع إلى عمومات أوسع مما أشرنا إليه، مثل قوله: “ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم”. أو قوله: “دعوا الناس على غفلاتهم”. أو قوله: “كلموا الناس على قدر عقولهم”. الشامل للأفعال أيضاً والتعامل بنحو من أنحاء التوسع والتجريد. وتمام الكلام في الفقه.
الجهة الثالثة: في شمول حكم الصرف فقهياً للدنانير.
الصرف هو بيع الأثمان بالأثمان، ويراد بها الذهب والفضة. وفيه شرطان أساسيان:
أحدهما: تساوي الكميتين إذا كان ذهباً بذهب أو فضة بفضة. خروجاً عن حصول الربا البيعي فيها عند التفاضل.
ثانيها: التقابض في المجلس. بمعنى ان يحضر كل من المتعاملين ما لديه
ــــــــــــــــــــ[207]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ويدفعه فوراً قبل التفرق.
فهل يشمل هذان الحكمان نقودنا المتداولة، مما تحدثنا عنه من ذوي القيمة الجعلية في أي دولة من الدول أم لا؟
قسّم بعض أساتذتنا(1) ذلك إلى عدة أقسام:
القسم الأول: سمّاه بالأوراق النائبة عن الذهب. وهي التي تمثل جزءاً من رصيد ذهبي موجود فعلاً في خزائن الجهة التي تُصدِر تلك الأوراق النائبة.
القسم الثاني: النقود الورقية التي تمثل تعهداً من الجهة المصدِّرة لتلك الأوراق بصرف قيمتها ذهباً عند الطلب.
القسم الثالث: نفس القسم السابق مع تفسيره بمعنى اشتغال ذمة تلك الجهة بقيمة الورقة من الذهب.
القسم الرابع: نفس القسم الثاني بعد إسقاط التعهد والمنع من التبديل بالذهب.
أما القسم الأول(2): فقد شرط فيه التساوي في الكمية كالذهب نفسه. دون الحكم الآخر وهو التقابض لأن هذا الحكم في رأيه خاص ببيع الذهب بالفضة، على حين تمثل الأوراق بيع الذهب بالذهب فلا يكون مشمولاً لهذا الحكم.
وأما القسم الثاني بمقدار ما عرفناه، فهو غير مشمول لحكم الذهب على الإطلاق.
ولكن القسم الثالث مشمول للحكم الأول. دون الحكم الثاني وهو
ــــــــــــــــــــ[208]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) البنك اللاربوي في الإسلام: ص147.
(2) ص149.
التقابض أيضاً. واستنتج من ذلك قائلاً(1): «وهذا لا يعني انه لا يجوز مواكبة أسعار الصرف لهذه الأوراق التي تتغير صعوداً أو هبوطاً نتيجة لعوامل عديدة».
وأما القسم الرابع(2) فقد قال عنه: «فان كان الإعفاء يعني إلغاء الديون التي كانت الأوراق النقدية سندات عليها. وتحويلها إلى أوراق نقدية إلزامية، فهذا يؤدي إلى خروج التعامل عن نطاق الذهب.
وأما إذا كان قانون الإعفاء يعني السماح للجهة المصدّرة بعدم وفاء الدين الذي تمثله الورقة النقدية في نطاق التعامل الداخلي، مع الاعتراف قانونياً ببقاء الديون التي تمثلها تلك الأوراق. فلا تخرج بذلك عن حكمها قبل الإعفاء». أقول: وهذا يعني شمولها لحكم القسم الثالث.
هذا ولم يعين أحد هذه المحتملات كرأي يتبناه ويختاره بل اقتصر على تعدادها وتعداد نتائجها.
والسبب الرئيسي فقهياً الذي دفعه إلى شمول حكم الذهب في بعض الأحيان للنقود الاعتيادية، هو كون النقود على بعض المحتملات تشكل سنداً لما في ذمة الجهة المصدرة من الذهب. فالتبادل في الحقيقة وان كان بالنقود ظاهراً، إلا انه بذلك الذهب الموجود في الذمة واقعاً. ومن هنا كان مشمولاً لحكم الذهب.
ولنا على ذلك عدة تعليقات:
أولاً: ان هذا تابع لوجود الذمة للجهة المصدرة، وهذا تابع لما سوف يأتي في الفصل الآتي من تحقيق ما هي الشخصية المعنوية التي تكون حجة شرعياً وفقهياً. وسنرى هناك: ان أكثر الجهات المعاصرة، بما فيها المصارف ليست
ــــــــــــــــــــ[209]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
( ) ص151.
(2) ص152.
جهات معنوية، فلا يكون لها ذمة.
ثانياً: الجهة المصدِّرة ان كان هو المصرف، فهذا الكلام منه قد يكون وجيهاً. ولكنه خلاف المفروض، فان الدولة -وليس المصرف- هي المصدِّر للعملة دائماً. حتى وان كانت باسم المصرف نفسه.
والغطاء الموجود لدى المصرف هو الذهب، وأما الغطاء الموجود لدى الدولة فهو الذهب وغيره، بل الأكثر هو غير الذهب: كالمعادن والحيوان والنبات وكل ما تستطيع الدولة استغلاله في إيفاء ديونها وإزجاء حاجاتها. إذن، لا يكون التبادل بين النقود تبادلاً بين الذهب ولا الفضة.
ثالثاً: ان المفهوم عرفاً من هذا التعهد، لدى وجوده، هو الوعد بإيجاد معاملة جديدة لشراء الذهب من قِبَل مالك الدينار. يعني تمكينه من ذلك وعدم حجب الذهب عنه لو أراده.
وليس معناه كون النقود غطاء لما في ذمة الجهة المصدرة للنقود فان هذا لا يخطر في البال عرفاً وسوقياً. ومعه, لا يكون التعامل بالنقود تعاملاً بالذهب على الإطلاق، مع وجود التعهد فضلاً عن صورة إلغائه.
رابعاً: إننا لو تنازلنا جدلاً عن الإشكالات السابقة، فيكون معنى التبادل في النقود تبادل بين كميتين من الذهب المضمون في الذمة وليس بين كميتين فعليتين من الذهب.
فهل الذهب الذمي مشمول لحكم الذهب الحقيقي في الحكم. مع وضوح اختصاص الأدلة بخصوص الذهب الخارجي. ولا أقل عدم شمول حكم التقابض في المجلس لو قلنا به؟
وعلى أي حال، فالناتج من البحث في هذه الجهة: ان التبادل بين العملات غير الذهبية ولا الفضية في أية دولة، غير مشمول بحكم الذهب بكِلا حكميه.
ــــــــــــــــــــ[210]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
فصل
الشخصية المعنوية اقتصادياً
يمثل كل فرد قابل للتعامل معه اقتصادياً واجتماعياً، (شخصية) محددة. فالبائع شخصية والمشتري شخصية والمستأجر شخصية.. وهكذا، بصفتهم أشخاصاً قابلين لأن يكونوا طرفاً في المعاملة. والقاصر كالطفل والمجنون ليس له شخصية. لأنه غير قابل لأن يكون طرفاً في أي معاملة.
وهذا أمر مفهوم ومتفق عليه فقهياً وقانونياً، غير ان القانونيين يقسمون الشخصية إلى قسمين رئيسيين, هما: الشخصية الحقيقية والشخصية المعنوية.
ويَعنون بالشخصية الحقيقية للفرد الاعتيادي من الإنسان حين يصبح له أية علاقة بأي معاملة. ويعنون بالشخصية المعنوية ما لا يكون من قبيل الفرد الإنساني كالمؤسسات والوزارات والمصارف والشركات والجمعيات وغير ذلك كثير.
والخصيصة الرئيسية للشخصية المعنوية هو عدم قيامها بشخص معين، لأن المشرفين عليها في تبدل مستمر بين آونة وأخرى، وإنما هي كيان عرفي واجتماعي مستقل عن الأفراد، وبهذا الكيان يمكن ان تكون طرفاً للمعاملات. ومن هنا سميت بالشخصية المعنوية. وتكون تدبيرها الفعلي بيد المشرفين عليها.
وهم بذلك لا يقومون بالمعاملة عن أنفسهم بل عن المؤسسة نفسها ولا
ــــــــــــــــــــ[211]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
يشعرون بأن ملكية المؤسسة ملكية لهم. وان كانت في مصلحتهم بحسب النتيجة.
والشخصية الحقيقية لا إشكال في صحتها في الشرع الإسلامي، فان الفرد يقع طرفاً للمعاملات ويتحمل في ذمته الديون وفي عهدته المسؤوليات، وتحصل عليه التوقعات وغير ذلك. فهل الشخصية المعنوية هكذا؟ ومتى يصح ان تتكون في نظر الفقه الإسلامي؟
ويمكن تقسيم الشخصية المعنوية إلى قسمين:
القسم الأول: الشخصية المعنوية التي ترجع إلى الشخصية الحقيقية كالشركة المالية التي يساهم فيها عدد من الأشخاص الحقيقيين اثنين فأكثر.
فهنا بالرغم من ان الشركة لها عنوان معنوي مستقل، إلا أنها ترجع في الحقيقة إلى الشخصيات الحقيقية الموجودين ورائها لو صح التعبير، والدَين القائم مع الشركة إنما هو دَين معهم.
وكذلك الفرد الواحد، إذا أسس مؤسسة تجارية أو معملاً أو مصرفاً أو نحو ذلك. وأصبحت لها عناوين تجارية وشخصية معنوية إلا ان (غطائها) لو صح التعبير، هو الشخصية الحقيقية الواقف ورائها، مالك رأس المال.
القسم الثاني: الشخصية المعنوية التي لا ترجع إلى شخصية حقيقية، ولذلك أمثلة عديدة:
منها: المصرف الذي لا يكون رأس ماله مملوكاً للمشرفين عليه. وإنما هم مجرد موظفين يتقاضون الراتب، وغير مربوطين بملكية المصرف على الاطلاق. وقد لا يكون لرأس المال مالك أصلاً، كما لو كان من الأموال العامة، كما في المصارف الحكومية.
ومنها: الجمعيات والوزارات والمؤسسات التي لا يشعر أفرادها بملكية
ــــــــــــــــــــ[212]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
رأس مالها، بما فيها المدير والوزير وغيره. وإنما هم مجرد منفّذين للأعمال، ويشعرون ببقاء المؤسسة أو الوزارة حتى مع تغيير الأشخاص كلهم، وهو معنى وجود الشخصية المعنوية بدون الشخصية الحقيقية الفعلية.
فان كانت الشخصية المعنوية من القسم الأول، فلا إشكال في صحتها في الشرع الإسلامي، ما دام الفرد أو الأفراد المشرفين عليها أو المالكين لرأس المال لم يخالفوا سائر الأحكام الشرعية. فان التعامل في الحقيقة معهم، وليس للشخصية المعنوية إلا دخل إعلامي لمجرد الدعاية. أو هي الوجه المستعار للحقيقة التي تحتها. والمهم هو وجود تلك الحقيقة، وهم الأفراد الحقيقيون.
وأما ان كانت الشخصية المعنوية من القسم الثاني. فقد يقع السؤال: انه من هو الذي يكون طرف للمعاملات أياً كانت صفتها؟ ومن هو صاحب الذمة: الدائن والمدين وغير ذلك؟
ليس هم الأفراد طبعاً، لأنهم مجرد موظفين أو منفذين، ولا يشعرون بملكية أموال المؤسسة أياً كانت، ولا أنها قائمة بهم، بمعنى صحة زوالها بزوالهم، بل إنهم قائمون بها وراكنون إليها. إذ لولا عنوانها الاجتماعي، لما كان لديهم بدورهم عنوان اجتماعي.
وليس هو المؤسسة أيضاً، لأنها مهما كان لها وجود اجتماعي واضح وواسع، إلا أنها من الناحية المنطقية والعقلية، ذات عنوان وهمي، أو هي اسم بلا مسمى، إذا غضضنا النظر عن أفرادها العاملين، كما هو المفروض.
وكيانها طبعاً من الناحية القانونية والفقهية، ليس قائماً بالبناية التي تشغلها ولا بالأثاث التي تستعمله ولا بالأفراد الذين يعملون فيها، ولا حتى المسؤول الأعلى فيها، أو المجلس المشرف عليها، لأنهم كلهم قابلون للتغيير في أي وقت. نتيجة للتعيين الحكومي أو الانتخاب الداخلي أو غير ذلك. إذن, فماذا تكون هذه المؤسسة لو غضضنا النظر عن كل ذلك؟
ــــــــــــــــــــ[213]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
وما يمكن ان يكون دليلاً فقهياً على صحة ذلك عدة أمور:
الأمر الأول: لا شك ان السيرة العقلائية والعرف، يستند على الاعتراف بمثل هذه المؤسسات والتعامل معها كشخص معنوي قائم بذاته، بكل أشكال التعامل، ويعترفون بوجود الذمة لها والاعتماد عليها من جميع الجهات.
والسيرة العقلائية حجة شرعياً وفقهياً، وهذا يكفي في ثبوت الصحة والحجية لمثل هذه المؤسسات.
إلا ان السيرة إنما تكون حجة -كما هو معلوم في علم الفقه وعلم الأصول- فيما إذا كانت صاعدة إلى عصر المعصومين ومعاصرة معهم بحيث يكون سكوتهم عنها شكلاً من الإقرار لها. ولا شك ان هذه السيرة التي نتحدث عنها، وان كانت موجودة، إلا أنها غير واصلة إلى ذلك العصر، بلا شك، فإنها أنما وجدت متأخرة في العصور المتأخرة، فلا تكون حجة.
الأمر الثاني: ان هذه السيرة واصلة إلى عصر المعصومين، إذ لا شك ان مؤسسات من هذا القبيل كانت موجودة أو كان المجتمع ينظرها بشكل أوسع من أفرادها العاملين فيها، كالخلافة الأموية والخلافة العباسية، وغيرها من أشكال الحكم الإسلامي الذي كان قائماً يومئذ.
هذا مضافاً إلى وجود الأحزاب الهادفة التي كانت تعتبر أهدافها أعلى من أشخاصها وكيانها أوسع من وجودها. مهما كان الأمر الذي تدافع عنه وتهدف إليه.
وما دامت السيرة موجودة في ذلك العصر، فستكون حجة، لأنها تكون معترف بها من قِبَل المعصومين.
إلا ان الجواب على ذلك من عدة وجوه, منها:
أولاً: ان المؤسسات العامة لو صح التعبير كانت يومئذ تختلف اختلافاً ــــــــــــــــــــ[214]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
جوهرياً عما هو عليه الآن. وبالرغم من ان الكيان المعنوي ثابت لها إلا ان العمل عمل فردي أو شخصي على كل المستويات. فمثلاً: لم يكن يقترض الخليفة على ان يكون الدَين بذمة الخلافة الأموية أو العباسية وإنما على ان يكون الدَين في ذمته شخصياً ونحو ذلك, وكذلك الأحزاب والجمعيات ان وجدت.
ثانياً: ان هناك شرطاً في الاعتراف بالسيرة لكي تكون حجة، وهو إمكان النهي عنها. فلو كان النهي عنها ممكناً ومع ذلك لم يصدر، كان ذلك دليلاً على حجيتها. في حين لو كان النهي متعذراً اجتماعياً، لبعض الأسباب كالتقية، كان السكوت عن السيرة مسبباً عن التقية أو نحوها، ولم يكن مسبباً عن الاعتراف بصحة السيرة نفسها. وفي مثله لا تكون أصالة الجهة تامة كما يعبرون في علم الأصول.
ولا شك ان أصالة الجهة لم تكن تامة في تلك الأشكال من السيرة كما هو محرز تاريخياً، ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيله.
الأمر الثالث: انه لا شك ان تعامل المعصومين مع الخلافة المعاصرة لهم كان قائماً في الجملة. وهذا يكفي اعترافاً به. وأصالة الجهة إنما اشترطناها في السكوت عن النهي عن السيرة، أما لو سرت السيرة إلى أعمال المعصومين وأقوالهم بأنفسهم فلا شك في حجيتها.
إلا ان هذا ليس بصحيح كدليل لما نريده لعدة وجوه, منها:
أولاً: ان أصالة الجهة لا بد من إتمامها حتى في هذه الجهة، ولا شك أنها غير تامة، كما هو معلوم تاريخياً. على تفصيل وتحقيق ليس هنا محله.
ثانياً: ان الوضع السابق في الدولة والمجتمع الإسلاميين، كان مبتنياً على ادعاء الخلافة وتطبيق الإسلام تطبيقاً تاماً. وهذا معناه -بغض النظر عن
ــــــــــــــــــــ[215]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
المناقشات السابقة-: إمكان التجريد عن الخصوصية في هذه الحدود، وأما في الزائد عنها، كما هو الحال في عصورنا الحاضرة، فلا يكون مشمولاً للسيرة. لأنها من الأدلة اللبية ولا تشمل إلا ما هو القدر المتيقن.
الأمر الرابع: لحجية هذه المؤسسات: التمسك ببعض العمومات كقوله في الخبر: “المؤمنون عند شروطهم”. والمفروض ان جماعة قد شرطوا وتعاهدوا على تأسيس المؤسسة. وإذا كانت مؤسسة تجارية شملها أو شمل معاملاتها مثل قوله تعالى: وأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وقوله سبحانه: إلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ. ونحوها. من العمومات التي لها إطلاق أزماني وأفرادي كافي.
إلا ان هذا الوجه أيضاً لا يخلو من مناقشة, لأن الكبرى التي تعرب عنها العمومات، وان كانت صحيحة، إلا ان الصغرى ليست كذلك لوضوح ان مثل هذا التباني لا يسمى شرطاً عرفاً، مضافاً إلى إجماع الفقهاء على عدم نفوذ أي شرط ما لم يكن مشروطاً في معاملة لازمة وعدم لزوم الشروط الابتدائية.
إذن، فاللازم في صحة المؤسسة ان تكون منتسبة إلى الأفراد انتساباً حقيقياً وكاملاً، من دون ان يكون لها سعة أكثر من ذلك. لكي يقوم أولئك الأفراد بالمعاملات ويتحملوا الذمم والعهدة والمسؤوليات. بصفتهم أشخاص حقيقيين، وتجاه أنفسهم لا تجاه العنوان التجاري أو غيره مما يعملون ضمنه، مما لا يصح ان يكون له ذمة أو عهدة.
وذلك يصح فقهياً على عدة أشكال، نذكر منها:
أولاً: الشركة المالية على ان يكون المشاركون أو أصحاب الأموال بأنفسهم عاملين في الشركة.
ثانياً: الشركة المالية التي تعطي الأموال بأيدي آخرين لاستثمارها تجارياً أو بأي نحو آخر. وهو شكل من أشكال المضاربة.
ــــــــــــــــــــ[216]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
ثالثاً: ان يكون المال لواحد، تجارياً أو في مؤسسة ونحو ذلك وهو من أشكال المضاربة أيضاً.
غير ان الفقهاء اشترطوا في صحة المضاربة بهذه الصفة، ان تكون تجارية وان يكون جزءاً من الربح للعامل. فلو أعطاه راتباً أو مقداراً معيناً من المال أو كان العمل ليس بالاسترباح التجاري بل في معمل أو زراعة مثلاً، ويعتبر الفرد مجرد عامل هناك، لم يكن مضاربة. إلا أننا لسنا وراء العناوين الفقهية، بعد الاعتراف شرعاً بصحة كل هذه الأشكال من المعاملات. وهذا الوجه يأتي في ما ذكرناه (ثانياً) أيضاً.
رابعاً: ان يأذن الولي العام العادل لشخص أو جماعة بالتصرف ببعض الأموال العامة واستثمارها على شكل تجاري اعتيادي أو معمل أو مستشفى أو أي شكل آخر.
وعندئذ سوف يصبح ذلك أشبه بالمؤسسة التي لا ترتبط بأفرادها ارتباطاً مباشراً. إذ قد لا يكون لهم أكثر من مجرد الراتب. إلا أنها مع ذلك تعتبر مؤسسة قائمة بأشخاص حقيقيين. فان كان العاملون فيها لهم رواتبهم فقط، كان الشخص الحقيقي فيها هو الولي العادل أو من يخوله شخصياً بالإشراف.
وان كان للعاملين ربح من ربح هذا المعمل، فكلهم إذن مشاركون كأشخاص حقيقيين في إنجاح العمل والاسترباح منه، على اختلاف وظائفهم وأعمالهم.
وقد يرد إلى الذهن: ان المؤسسة قد تبقى حتى وان تبدل العاملون بل حتى لو تبدل الولي العادل: وهذا معناه ما قلناه من كون المؤسسة ذات كيان مستقل عن الأفراد. مع العلم إننا افترضناها شرعية فقهياً.
وجواب ذلك: ان استمرار أو بقاء العنوان العام للمؤسسة لا يعني شيئاً
ــــــــــــــــــــ[217]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
على الإطلاق من الناحية الفقهية. بل الأمر منوط بالأفراد لا محالة. فلو تبدل الولي العادل، احتاجت المؤسسة إلى إذِن جديد من الولي الجديد. ولو تبدل العمال أو بعضهم احتاج أي واحد إلى تعاقد جديد, وهكذا.
وقد يخطر في الذهن: ان المؤسسات من القسم الثاني الذي تحدثنا عنها فيما سبق كلها على هذا الغرار فلو كان هذا الأسلوب شرعياً وصحيحاً، كان ذلك نافذاً في كل المؤسسات.
وجواب ذلك من عدة وجوه: أوضحها: ان المؤسسات التي أشرنا إليها في القسم الثاني لا تعتبر ان طرف المعاملة أو صاحب الذمة أو العهدة، هو أي فرد من أفراد المؤسسة وإنما المؤسسة نفسها، ولا يكون للأفراد إلا مجرد العمل في ضمنها.
في حين ان المؤسسة بالشكل الذي قلناه أخيراً، يكون طرف المعاملة فيها هو الأفراد أنفسهم. فان كان العاملون مشمولين للإذِن كانوا هم الطرف. وإلا كان المشرف العام المأذون طرفاً لها. وإلا كان الولي العادل نفسه هو الطرف في المعاملات ويكون هو صاحب الذمة والعهدة في كل التصرفات والتقلبات.
إذن، فلا بد فقهياً من وجود الشخصية الحقيقية، في المعاملات عموماً، سواء كانت وحدها أو في ضمن مؤسسة، أياً كانت صفتها أو حجمها. وأما إذا انتفى ذلك فمن الصعب القول فقهياً بتنفيذ وصحة المعاملات.
وهذا ما ينبغي حسابه فرداً فرداً في المؤسسات العامة التي ذكرناها من القسم الثاني، من حيث ان التباني العرفي وشعور العاملين، هل هو على وجود الشخصية الحقيقية فيها أو من له حق الإذِن الشرعي بالتصرف بالأموال العامة أو لا؟ ولا يبعد ان تكون بعض تلك المؤسسات متصفة ببعض هذه الصفات أو الشرائط على أي حال.
ــــــــــــــــــــ[218]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
تفضّل جناب الأخ المفضال العلامة الجليل الشيخ عبد الأمير الحسيناوي (دام عزه) إلى المؤلف بالرسالة الآتية مشكوراً
سماحة حجة الإسلام آية الله العظمى السيد محمد الصدر (دامت بركاته).
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد.
تسلمتُ هديتكم الكريمة وهو سِفركم الخالد والموسوم بـ(ما وراء الفقه) وقرأت بعض فصوله فأعجبت به كثيراً. ولا يسعني إلا ان أقدم لكم شكري وامتناني على تلك الهدية الغالية. حفظكم الله تعالى ورعاكم وجعلكم ذخراً للإسلام والمسلمين كما أقدم لمقامكم السامي الأبيات التالية المتواضعة مقرضاً ومؤرخاً فيها عام طبع سِفركم العظيم راجياً منكم التفضل بالقبول سيدي.
مخلصكم
عبد الأمير الحسيناوي
الأبيات
لله سِفر خالد قد حوى
أنشأته فينا أبا مصطفى
فأنت صدر الدين علامة
ــــــــــــــــــــ[219]ــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الثالث القسم الثاني
علماً لشرع المصطفى المنتجب
فكنت أسمى من به قد كتب
ورثت من جدٍ عظيمٍ وأب
فـ(ما وراء الفقه) حققته
خمسة أسفار مضت قبل ذا
محمد أنت وقرآنكم
فامض أبا مصطفى قدماً فقد
سفرك هذا خالد أرخوا
لنا بما جاء وما قد وجب
وسفرك السادس ذا يحتسب
هذا به أبديت كل العجب
بك اهتدى الجبل وكنت السبب
(يكتبُ في حقٍ بماء الذهب)
13/11/1994 1411هـ
الفهرس
كتاب البيع
فصل: في الحق والحكم 9
الخلاصة المختارة 10
الأمر الأول: في مصلحة المجعول في الحق 14
الأمر الثاني: في ان تشخيص المصلحة في الحق بيد المكلف 14
الأمر الثالث: في الفرق بين الحكم الوضعي والحق 15
الأمر الرابع: في قابلية الحق للإسقاط 15
الأمر الخامس: في محصل مما سبق 17
الأمر السادس: في الواجب المقابل للحق 19
الأمر السابع: في وجود الطرف الثاني للحق 20
الأمر الثامن: في ان ذي الحق يمكن ان يكون واحداً أو متعدداً 21
الأمر التاسع: في ان ذي الحق قد لا يكون بشرياً 22
الأمر العاشر: في انتقال الحق 22
الأمر الحادي عشر: عدد من تطبيقات الحقوق 24
حقوق أخرى 27
إسقاط الحق 30
فصل: قاعدة اليد 33
دلالة الأخبار 33
مؤدى القاعدة 35
أحكام اليد ونتائجها 37
أدلة الحكم الأول: وهو دلالة اليد على الملكية 40
أدلة الحكم الثاني: وهو قبول قول ذي اليد 41
فهم الروايات 44
تفاصيل أخرى 48
في اليد العادية 51
فصل: سوق المسلمين 53
دلالة الأخبار 58
شرط الإسلام 62
عنوان السوق 66
فصل: قاعدة: ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده 67
معنى القاعدة 68
أدلة القاعدة 76
أهم النقوض على القاعدة 81
فصل: الصحة واللزوم في المعاملات 83
أصالة الصحة 84
تقديم أصالة الصحة 86
موارد أصالة الصحة 87
صفة اللزوم 88
أدلة اللزوم 95
أدلة الجواز 99
النتيجة 100
اللزوم والجواز 101
نتائج ما هو المختار 104
أصالة اللزوم 107
فصل: الوحدات السوقية 110
تمهيد: الوحدات 110
الاستناد إلى الطبيعة 111
مقدار الضبط 114
اختلاف المقادير 116
وجه الحاجة إلى هذه المعرفة 118
أشكال ضبط المقادير 119
طريقة التعرف على المقادير 120
بعض نقاط الضعف 121
الأوزان الإسلامية القديمة 123
الأوزان العراقية 128
الأوزان المصرية 129
الأوزان الانكليزية 130
الأوزان الفرنسية 132
المكاييل 134
الكيل الانكليزي 134
الكيل الفرنسي 134
التقدير بالمسافة 137
التقديرات القديمة 139
التقديرات الانكليزية 140
التقديرات الفرنسية 141
فصل: مصطلحات في كتاب البيع 144
البيع 144
العقد والمعاطاة 146
الفضولي والاجازة 148
الخيار والفسخ والإقالة 151
المواضعة والمرابحة والتولية 157
السلف والنسيئة 158
المثلي والقيمي 159
القبض 165
الارش 171
كتاب الربا
تمهيد 179
فصل: تعريف الربا 180
فصل: المال 189
الجهة الأولى: في سبب حصول المالية للأشياء 190
الوجه الأول: الندرة النسبية 190
الوجه الثاني: العمل البشري 191
الوجه الثالث: الطلب 193
الوجه الرابع: الحاجة 194
الوجه الخامس: الرغبة 196
الجهة الثانية: في ما يمثل المالية سوقياً وعقلائياً 201
الجهة الثالثة: في شمول حكم الصرف فقهياً للدنانير 207
فصل: الشخصية المعنوية اقتصادياً 211
الدلالة الفقهية المحتملة على ذلك 214
تاريخ صدور الكتاب 219
الفهرس 221