ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ما وراء الفقه
يحتوي على مفاهيم واستدلالات
وحسابات تدور حول مسائل فقهية كثيرة.
يصلح للثقافة الفقهية العامة المعمقة.
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الرابع
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
النجف الأشرف
ــــــــــــــــــــ[3]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لِما تضم من علم وافر وفكر عالٍ ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة… فإن فكر السيد الوالد يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمعٍ إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً أن كل كتاب له لا يضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنّا على أن يكون المخوّل من قِبلنا لطباعة هذه الكتب هم (هيئة تراث السيد الشهيد) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا.
مقتدى الصدر
10جمادي الثانية 1429
ــــــــــــــــــــ[5]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
مصاعب البحث الفقهي مصرفياً
بالرغم من انه ثبت في الدين الإسلامي، بأنه: (ما من واقعة إلا ولها حكم)، الأمر الذي ينتج ان كل القضايا المعروضة والمشكلات الموجودة، على الصعيد البشري بمختلف حقوله اختصاصات مشمولة لأحكام الشريعة الإسلامية لا محالة.
حتى المصارف بكل أقسامها وكل أشكال الاقتصاد في العالم، له أحكام موجودة ومفهومة في الشريعة.
إلا انه مع ذلك توجد بعض العقبات تحول دون توفر وتيسر التطبيق الفقهي على الفعاليات المصرفية من عدة جهات:
الجهة الأولى: انفصال البحث الفقهي عن البحث المصرفي، وابتناؤه على الطريقة القديمة في البيان، والتي كانت نافعة بكل تأكيد في القرون السابقة إلا انها أصبحت غير مواكبة للفهم المعاصر، الأمر الذي أوجب صعوبة فهمها للجيل المعاصر لها.
وليس هذا ذنب الفكرة، وإنما هو ذنب الأسلوب والبيان والاصطلاحات. مما يُعقِّد نسبياً على كل منهما تفهّم الآخر كما هو أهله. مضافاً إلى شيء آخر ينبغي الالتفات له: وهو عدم إمكان الطاقة البشرية على استيعاب كل الحقول البشرية، من حيث الأفكار والعلوم والاختصاصات. وهذا ينتج ضرورة تخصيص الأفراد بنوع معين من الحقول والاختصاصات. وهذا ينتج بدوره ان
ــــــــــــــــــــ[7]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المختص بأي حقل، لا بد وان يكون بعيداً نسبياً في التعمق في الحقول الأخرى، ومن المستطاع القول: بأنه لا يفهمها كما يقصدها ذووها المتخصصون بها.
وهذه ظاهرة شاملة لكل الحقول، فمن تخصص بالرياضيات لم يمكنه فهم الفلسفة وبالعكس. ومن تخصص في الطب لم يمكنه فهم الفيزياء, وهكذا. ما عدا ما يعود إلى اختصاصه من العلوم الأخرى لأن العلوم -كما أشرنا في فصل سابق- في تداخل كبير والاختصاصي يفهم مقدار الارتباط دون سائر التفاصيل الخارجة عن اختصاصه. وليس الفقيه بمستثنى عن هذه القاعدة. فبسبب اختصاصه الفقهي، يصعب عليه الاستيعاب الواسع للعلوم الأخرى لا محالة. إلا ما ارتبط في حدود اختصاصه من العلوم.
إلا ان هذا لا يشكل عذراً معقولاً للفقيه في عدد من الحالات، لأننا بعد ان نعرف انه (ما من واقعة إلا ولها حكم)، تكون سائر العلوم مربوطة بالفقه بشكل وآخر، لأن العلوم عبارة عن مجموعة من الوقائع والحالات والأفكار المشمولة لأحكام الشريعة لا محالة. إذن, فعلى الفقيه الالتفات إليها، والأخذ بما هو مرتبط باختصاصه منها على الأقل. ولا يجوز الإعراض عنها تماماً.
يضاف إلى ذلك, ان الدراسة الفقهية كانت ولا زالت بعيدة عن العلوم الحديثة، بحيث تختص التربية العلمية بما يختص بالدين من علوم ولا تعم العلوم الأخرى. فلا يكون للعلوم الأخرى أي تعرّض من قريب أو بعيد، أو قليل أو كثير في التربية العلمية الدينية، إلا ما استطاع الفرد تحصيله من الكتب والمصادر المتوفرة، كاهتمام شخصي لا أقل ولا أكثر.
وهذا أيضاً ليس مورداً قابلاً للعذر، لأن الزعم بأن هذه العلوم أجنبية عن العلوم الدينية غير صحيح لا محالة. بعد ان عرفنا وعرف كل فقيه بأنه (ما من واقعة إلا ولها حكم). إذن, فكل العلوم على الإطلاق فهي مجال فقهي في
ــــــــــــــــــــ[8]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
حقيقة الأمر. غير ان بعض تفاصيلها لا ينبغي التعمق فيها، لاتضاح أمرها من البحث في تفاصيل أخرى أحياناً. والمهم، بعد كل هذا الكلام، انه أصبح من الصعب على الفقيه المتخصص النظر في العلوم الأخرى بشكل معمق وموسع. كالاقتصاد وعلم الاجتماع والقانون والفلك وغيرها.
ومن هنا, لم يكن عمل بعض أساتذتنا حين أراد ان يتصور بنكاً لا يتعامل بالربا المحرم شرعاً، ويطبّق تفاصيل أعمال البنوك على القواعد الفقهية، لم يكن ذلك عملاً سهلاً ولا قريباً من المتناول في حدود الفهم الذي يعيشه الفقهاء عادة. ويكفي انه أول من تعرض لهذا الشكل من أشكال الفقه تماماً. وسيأتي في الفصول الآتية التعرض لبعض تفاصيله بعونه تعالى.
الجهة الثانية: من مصاعب البحث الفقهي عن المصارف.
انه بالرغم من اننا حين ننظر إلى المصارف من (الخارج) سنجدها متشابهة تماماً، إلا انها ليست كذلك. نعم، هناك بعض التعليمات المتفق عليها في أغلب المصارف أو جميعها. وهي عديدة، إلا ان هذا لا يعني ان جميع المصارف تسير على طِبق نظام واحد بكل التفاصيل. فان المصارف تختلف -حسب فهمي- بأنواعها وبأماكنها وبأزمانها لو صح التعبير كما سيتضح. فهنا حقول ثلاثة من الظروف على الأقل:
الحقل الأول: الفرق في الأنواع وخاصة إذا لاحظنا المؤسسات المالية بشكل عام. فهناك المصارف المركزية والخزينة العامة والمصارف التجارية والمصارف المتخصصة كالزراعية والصناعية، وهناك البورصة وغيرها من المؤسسات مما قد يكون مرتبطاً بحكومة أو مرتبطاً بشركة أو فرد. وليست هذه الأنواع ذات نظام واحد لا محالة، بل لكل نوع نظامه وشكل معاملته الاقتصادية وأهدافه وغير ذلك.
الحقل الثاني: الفرق في مكان المصارف والمؤسسات، فان لكل شعب
ــــــــــــــــــــ[9]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ثقافته وفلسفته في الحياة، مضافاً إلى حاجاته ومتطلباته، الأمر الذي يقتضي التكيف للبنوك في كل مكان حسب المجتمع الذي تعيش فيه، من حيث قناعات أفراده أولاً، وسد احتياجاته ثانياً، والانسجام مع فلسفته الحياتية كأن يكون اشتراكياً أو رأسمالياً أو غيره.
إذن، فالمكان مؤثر في اختلاف أنظمة البنوك لا محالة. ومع الاختلاف يصعب الاستيعاب بطبيعة الحالة.
الحقل الثالث: الفرق في الزمان، فإن ما يكون صحيحاً ومتبعاً يوماً ما، لا يكون صحيحاً ولا متبعاً في يوم آخر بعده.
وذلك لاختلاف قناعات الأفراد المشرفين على أي بنك في تذليل مشاكله وشكل تفاصيله وتطور ذلك واختلافه خلال السنين زيادة ونقيصة وخاصة مع اختراع الأجهزة الحديثة التي تساعد على إزجاء المعاملات في البنوك. إذن, فما يكون نظاماً مسجلاً للمصرف في يوم ما، لا يكون كذلك في الزمان الذي بعده ولا يمكن للفرد ان يدرك ما يأتي به المستقبل من آراء وأنظمة وتطبيقات.
ومع وجود هذه الحقول من الفروق، لا يكون البحث الفقهي بالشكل المتوقع والموسع ممكناً بطبيعة الحال. إلا اننا سننال ما هو الممكن على أي حال بالشكل الذي يناسب مع هذا الكتاب.
الجهة الثالثة: من مصاعب البحث الفقهي بهذا الصدد.
انه لا بد من أجل تركيز البحث وإنتاجه الصحيح، ان يكون هناك فهم محدد ومتناسق للنظرية العامة التي يسير عليها النظام، والذي في محل حديثنا نظام المصارف. وبدون ذلك سيكون الحديث مشوشاً وغير محدد. وقائم على مجرد الاحتمال. كأن يقال: ان كان المراد كذا، فالحكم كذا. ولا يكون هناك تركيز بالمقدار المتوقع علمياً. والملاحظ اننا إذا تابعنا أنظمة المصارف،
ــــــــــــــــــــ[10]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وجدناها تسير كواقع مسلّم به اجتماعياً، بغض النظر عن إعطاء صيغ محددة لواقع المعاملات الجارية فيها، من حيث التكييفات القانونية المحتملة لها. فان المهم عند الناس هو النتيجة، وهي استفادة الأرباح، مهما كان التكييف القانوني أو الفقهي. سواء في ذلك مؤسس المصرف أو العاملين فيه أو المتعاملين معه.
وسيأتي في الفصول الآتية أمثلة عديدة للتكييفات الفقهية.. التي لو كان الأمر محدداً من زاوية المتعاملين في المصرف، لكُنّا في غنى عن الكثير منها.
ونذكر هنا بعض الأمثلة للتوضيح:
المثال الأول: الحساب الجاري. فهل يفهمون منه انه الإيداع لدى المصرف. والوديعة لها أحكامها فقهياً. أو هو إقراض للمصرف. والقرض له أحكامه الأخرى. أو هو نوع من الحوالة بين شخصين يكون المحوّل عليه هو المصرف. والحوالة لها أحكامها أيضاً.
المثال الثاني: ودائع التوفير. هل هي بنحو الإقراض أو الإيداع أو الأمانة أو العارية؟ ومع إجمال التكييف القانوني يصعب التكييف الفقهي لا محالة.
ومن الطريف ان المصادر المصرفية تُعبّر تارة بالوديعة، كما هو الاسم العام لها. وأخرى بالدَين، حتى قالوا: «الودائع الدائنة» مع العلم ان الوديعة شيء والدَين شيء آخر فكيف نستطيع ان نمزج بينهما؟
المثال الثالث: التحويل الخارجي. الاستيراد إلى بنك يسمى بالبنك (المراسل). وهناك البنك (الوسيط) الذي قد يقوم بالمهمة بدل المراسل من دون ان يكون له دَين مع المصرف الذي فتح المعاملة. واحتمال التكييف القانوني في التعامل بين الشخص المستورد ومصرفه والمصرف الوسيط والمصرف المراسل والمستفيد وهو بائع البضائع، ان احتمالات التكييف
ــــــــــــــــــــ[11]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
القانوني، فضلاً عن الفقهي عديدة، كما سيأتي. وخاصة وهي ليست علاقة بين اثنين وإنما بين متعددين، بعضهم شخصيات حقيقية وبعضها معنوية.
والمهم, ان التكييف لو كان محدداً في نظر المصرفيين، لكان هو المحك، في التقييم الفقهي. وسيكون تقييماً واضحاً ومحدداً. وأما لو كان مجملاً وغير واضح من أساسه، ولم ينطق به أهله، كما هو المطلوب. فماذا سيكون عمل الفقيه غير عرض الاحتمالات والأطروحات الممكنة؟
والسر في ذلك: ما قلناه من انهم اكتفوا بالواقع على واقعه، وليس في التفلسف والتكييف أي أثر في هذا الواقع، وفي نتائجه المتوخاة لهم.
الجهة الرابعة: من مصاعب البحث في هذا الصدد:
قلة المصادر لمن يريد ان ينظر إلى المصارف من (الخارج). فإن مهام المصارف مختلفة وآثارها في المجتمع متعدد، كما سنحمل عن ذلك فكرة فيما بعد.
وكل مهمة من مهامها هي باب عملي ونظري متكامل نسبياً لو صح التعبير، ويحتاج إلى مصدر متكامل نسبياً، والا بقيت الفكرة عنه غائمة نسبياً أيضاً، مهما كان الوضوح النسبي متحققاً. بل حتى أكثر العاملين بالمصرف، قد لا يعرف الواحد منهم غير عمله أو عمل من يتصل بهم من الموظفين، ولا يتسنى له الاستيعاب في الاطلاع على فعاليات المصرف ككل. فلو سألته عن التفاصيل لم يعطك إلا المعلومات التي يعمل في ضمنها.
وأما بلحاظ ما قلناه من تعدد أنظمة المصارف التي عرفناها فيما سبق من أنواعها واختلاف أمكنتها وأزمانها، فالفرد منهم يبقى بكل وضوح جاهلاً، بسائر الأنظمة المطبّقة في غير مصرفه من المصارف. ولو كان محيطاً بكل ما يجري في مصرفه من المعاملات.
ــــــــــــــــــــ[12]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ومع قلة المصادر، كيف يمكن الاطلاع، على التفاصيل المطلوبة، والتعميقات المرادة من أعمال المصارف ومعاملاتها. إلا بزيادة من الجهد المقرون بعون الله سبحانه وتعالى. وهذا العون هو الذي يذلل كل العقبات المنظورة والمشاكل الموجودة، ان شاء الله تعالى.
والمهم, ان يبذل الفرد كل إمكانه، ولم يكلف الله سبحانه نفساً إلا بمقدار وسعها. فان وجِد هناك نقص، فيبقى تصحيحه أو إكماله إلى فرصة قادمة ان توفرت لي أو لغيري بإرادته سبحانه.
فهذه أهم جهات الصعوبة في البحث الفقهي مصرفياً، وهناك جهات أخرى أقل منها تأثيراً لا حاجة إلى استعراضها.
ــــــــــــــــــــ[13]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
تقييم المصارف ككل
ومن ناحية موضوعية، فان التقييم ينبغي ان يشمل كلاً من نقاط القوة ونقاط الضعف. وليس في البشرية ما هو كامل من جميع الوجوه. وكل شيء على وجه البسيطة فيه نقاط قوة ونقاط ضعف.
وأملي ان يكون النقد بناءً لطلب الإصلاح ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، والأمر على أي حال يبقى بيد المصرفيين أينما كانوا لعلهم يرون في هذه الآراء ما كانوا قد غفلوا عنه حيناً من الدهر. غير اننا سننحو بنقاط القوة منحى اجتماعياً وبنقاط الضعف منحى فقهياً، كما هو المناسب مع هذا الكتاب.
وعلى أي حال، فلو كان نظام المصارف كاملاً تماماً، لما احتاج إلى تغيير وتطوير، ولما واجه شيئاً من المشاكل مع ان مصادرهم طافحة وواضحة بالحاجة إلى التطوير وبمواجهة المشاكل. غير ان التطوير عندهم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاتجاه الاقتصادي للدولة من ناحية، وبأنظمة المصارف الخارجية والعالمية، من ناحية أخرى.
نقاط القوة:
ونقاط القوة من المصارف اجتماعياً واقتصادياً، بمستوى فهم الرأي العام المعاصر، أوضح من الشمس وأبين من الأمس إذ لا يبعد القول ان كل إشكال الفعاليات الاقتصادية مبتنية عليها في العالم كله سواء في داخل أي دولة أو فيما
ــــــــــــــــــــ[14]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
بين الدول. لا يستثنى من ذلك حتى التعاليم الحكومية الاقتصادية أو السياسية الاقتصادية، فإنها إنما تمر وترى النور والتطبيق عن طريق المصارف نفسها.
وتبدأ الفائدة الأولى أو البدائية -لو صح التعبير- من المصارف، من عدم إمكان حفظ الأموال في المنازل والمؤسسات عادةً لاحتمال سرقتها أو احتراقها أو إصابتها بأي حادث آخر. فتقوم المصارف بحفظها عن أصحابها مهما زادت كميتها واتسع نطاقها. مضافاً إلى جانب آخر لا يقل أهمية، وكان يأخذه الأقدمون بنظر الاعتبار كثيراً، وهو ان السفر بالأموال يجعلها عرضة للتلف أكثر بكثير من حالة حفظها في مضانها الأصلية. وهذا المعنى وان تضاءل إلى حد كبير في العصور المتأخرة، إلا ان هذا لا يعني انعدام الاحتمال بالمرة، إذ لا شك ان المال قد خرج من محل حفظه, والطامعين بالمال كثيرون لو علموا به، وهم على استعداد في سبيل الحصول عليه ان يعملوا كل شيء.
وهنا تأتي فائدة المصارف، حيث استطاعت ان تقضي على هذه الظاهرة تماماً إلا في الأموال البسيطة نسبياً. وأما الأموال المهمة فيتم تحويلها مصرفياً دائماً. ولا يتم السفر بها بأي حال من الأحوال.
والفائدة الثانية التي تندرج في هذا الصدد: هي صعوبة عد الأموال مع كثرتها، كالمليون والأكثر والأقل من العملات. فإن هذا خارج عن نطاق البشرية أحياناً ويحتاج إلى زمان طويل، بينما توفر المصارف دفع الثمن بدون كل هذا التكلف. لأنها إنما تتصرف غالباً بالأرقام المكتوبة في الأوراق وليس بالعملات نفسها إلا قليلاً.
والفائدة الثالثة: التي يراها الرأي العام للمصارف، هي الفائدة الربوية. وهي مضمونة لكل من المصرف نفسه وللمودِعين فيه. بل ان الاستثمار الأكبر للمصرف إنما هو عن هذا الطريق. عن طريق التسليف، والمشاركة في المشاريع الزراعية والصناعية والتجارية وغيرها. ومهما كانت الفوائد قليلة
ــــــــــــــــــــ[15]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
نسبياً، لو قورنت بأرباح المرابين القدماء وفوائدهم. فإن الربا قابل للتضاعف لأن الفوائد إذا لم تُدفع كانت عليها فوائد أيضاً.
ومن نقاط القوة في هذا الصدد، ان المصارف تعطي من الفوائد أكثر مما تأخذ. ففي الوقت الذي تكون الأرباح فيه للمودِعين قد تصل إلى 6% أو 7% أحياناً لا تأخذ من المستلفين أكثر من 1.5% إلى 2.5% على أقصى تقدير.
وهذا شكل من أشكال الترغيب الاقتصادي للتعاون مع المصارف، مهما جرّ من الخسارة على المصرف. إلا ان كثرة الاستلاف بالنسبة إلى الإيداع، هو الذي يحفظ للمصرف أرباحه، مضافاً إلى طرق أخرى من الاسترباح على ما سوف يأتي.
والفائدة الرابعة: التسهيل لكثير من الأعمال التجارية وغيرها حتى لمن ليس لديه رأس مال فعلي، إذ يمكن الاستلاف على المكشوف، وهو ما يعطى من المال لمن لا يكون لديه رصيد في المصرف. لأن الرصيد يكون كالغطاء لدَينه، فإذا لم يوجد كان مكشوفاً من الغطاء.
الفائدة السادسة: إزجاء الحاجات الحكومية، كدفع الرواتب والتمويلات الداخلية والخارجية، ورصيد الخزينة العامة، والتعاون مع الوزارات عامة. وخاصة المالية والاقتصاد في جميع الأعمال.
الفائدة السابعة: التسهيلات الممنوحة بالاتصال الاقتصادي -لو صح التعبير- مع من يكون خارج القطر، سواء على مستوى التجارة والاستيراد، أو على مستوى وفاء الديون المستحقة أو غيرها. بدون حاجة أن يغادر الفرد بلده.
الفائدة الثامنة: تبديل العملات ببعضها البعض. للمسافرين إلى الخارج بقصد الدراسة أو الاستشفاء أو غيرها. وهذا التبديل هو العمل الذي تقوم به (البورصة) أيضاً، ان اعتبرناها شكلاً من أشكال المصارف على أي حال.
ــــــــــــــــــــ[16]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إلى غير ذلك من الفوائد، التي يرجع مجموعها إلى الاعتماد الكلي من الاقتصاد الداخلي والخارجي والعالمي على المصارف. مما يطول شرحه، وقد يكون فيما يأتي من الحديث ما يلقي مزيداً من الضوء على ذلك.
نقاط الضعف:
وبالرغم من هذه الأهمية الكبرى للمصارف في عالم اليوم، كان وضعها العام يحتوي على عدد من نقاط الضعف من الناحية الفقهية، وقد سبق ان ألمحنا إلى بعضها خلال أحاديثنا السابقة، وهناك نقاط أخرى، لا بد من سردها. وأرجو – كما سبق – ان يكون من النقد البنّاء الذي يتوخى صفة التكامل في كل جهات المجتمع بما فيها هذه الجهة المهمة فيه، وهي المصارف. ونحن نذكر مجموع النقاط، حتى التي عرفناها فيما سبق، لكي يمكن ضبطها في قائمة واحدة:
النقطة الأولى -وهي الأهم-: تعاملها بالفائدة الربوية. وهي محرمة بضرورة الدين وإجماع علماء المسلمين ونص الكتاب الكريم والسُنّة الشريفة على ذلك.
وسنتعرض في بعض الفصول القادمة لما إذا كان يمكن إلغاء الفائدة أو تكييفها بشكل لا تكون معه حراماً من الناحية الفقهية.
النقطة الثانية: ذكرنا في الفصل الذي تحدثنا فيه عن الشخصية المعنوية. ان مثل هذه الشخصية لا بد وان ترجع إلى الشخصية الحقيقية، وأما ما كان منها لا يرجع إلى ذلك في الخط الطويل على الإطلاق، فهذا مما لا يمكن ان يكون له صلاحية التعامل في المجتمع من الناحية الفقهية. والمصارف لا يتعين فيها ذلك، فقد تكون ذات شخصية حقيقية وقد لا تكون. والمهم -على العموم- انها إنما تكون صالحة للتعامل فقهياً إذا اعتمدت على الشخصية الحقيقية. وإنما تسجل هذه النقطة من زاوية عدم وجودها في عدد من
ــــــــــــــــــــ[17]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المصارف. وبحسب فهمي، فان هذا هو السبب الرئيسي ليصبح المال المتداول في المصرف من قبيل ما يسمى (مجهول المالك)، وان كان قد يكون هناك أسباب أخرى إلى جنبه. مما لا حاجة إلى التوسع فيها الآن.
النقطة الثالثة: عدم اهتمام كثير من المتعاملين، بما فيها المصارف، بماهية أو نوعية الأموال الواصلة إليها نقداً أو ذهباً أو غيره مع ان هذا مهم فقهياً. إذ قد يكون المال مسروقا أو مغصوباً أو لم تُدفَع ضرائبه الدينية أو غير ذلك.
وعدم ثبوت ذلك قانونياً أو فقهياً، مما يسبب جريان أصالة اليد ظاهراً، وهي المثبِّتة للملكية. فهذا وان كان كافياً في كثير من الأحيان. إلا انه مع التوسع في التعامل مع الناس، وتحصيل العلاقة الاقتصادية مع آلاف أو ملايين الناس. نعلم إجمالاً ان بعض هذه الأموال محرمة شرعاً عند أصحابها، والعلم الإجمالي منجز كما هو ثابت في علم أصول الفقه.
النقطة الرابعة: عدم اهتمام كثير من المتعاملين -بما فيها المصارف- بالوجوه المتوقع صرف الأموال فيها، مما هو مسحوب منها بشكل أو آخر. ومن الصحيح، ان كثيراً من هذه الأموال تُصرف في صالح المجتمع، والاستثمار وزيادة الدخل الفردي والعام. إلا ان عدداً من الأموال تُصرف بلا شك في أهداف غير مشروعة أو أساليب غير صحيحة، قانونياً أو فقهياً. فقد يكون أحياناً من قبيل الإعانة على ذلك من حيث لا يعلم الفرد.
ولعل من الصحيح اننا لا يجب ان نفحص نوايا الأفراد وأهدافهم عندما يتصرفون في أموالهم، ما لم يثبت وجود الجريمة. إلا اننا نكرر نفس المعنى الذي سبق في النقطة السابقة. وهو اننا إذا تعاملنا مع ملايين الأفراد فإننا نعلم إجمالاً بأن بعضهم سيئ النية في التصرف بأمواله. إلا إذا أحسنّا الظن بالناس أكثر من اللازم جداً. هذا مضافاً إلى تحديدات معينة لوجود الصرف في الباطل، مما لا يمكن سرده الآن.
ــــــــــــــــــــ[18]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
النقطة الخامسة: ان المصارف في الأعم الأغلب تتعامل بالأرقام وليس بالأموال. وسيأتي لذلك في بعض الفصول الآتية أمثلة عديدة، ونمثل له الآن:
فمن أمثلته: ان الحوالة المصرفية مع أي بائع إلى أي مشتري يكون لهما معاً رصيد في المصرف، هو حذف جزء من رصيد المشتري ونقله وترحيله إلى رصيد البائع. وذلك بالأرقام المكتوبة في سجلاتهم. وليس في ذلك دفع مالي على الإطلاق. فهنا حتى لو اعتبرنا الشيكات والكمبيالات من قبيل الأوراق المالية ذات الاعتبار فقهياً، وهذا ما سوف نبحثه فيما بعد، فانه في مثل الصورة المشار إليها، لا يكون هناك أية أوراق مالية لا من قبيل النقد ولا غيره. سوى رقم مسجل في سجل الحسابات. وسيأتي فيما إذا كان لهذه النقطة الخامسة أثر سيئ من الناحية الشرعية أو الفقهية. أو انه يمكن تكييفها بالشكل الموافق مع الشريعة. إلا ان هذه النقطة ليست دائمة الثبوت، إذ أحياناً يكون التعامل بالنقد وأحياناً بالأوراق المالية. ولكلٌ حكمه في الشريعة، وسنعرض له فيما بعد.
إلا ان كون هذه النقطة محل إشكال شرعاً بجعل المعاملات المختصة بها محل بإشكال أيضاً، مما يجعل الأموال الناتجة عنها حتى عند الأفراد أحياناً محل إشكال أيضاً.
النقطة السادسة: ما أشرنا إليه فيما سبق، من عدم التكييف الفقهي والقانوني المحدد للمعاملات في عدد من الموارد. مع اننا فقهياً نحتاج إليه للبت بصحة المعاملة أو عدمها، وقد سبق ان تحدثنا عن ذلك فلا نعيد.
النقطة السابعة: قيام أغلب بل كل معاملات المصرف كمصرف، على شكل جديد لم يكن فيما سبق، أي في العصور المتقدمة كصدر الإسلام وما بعده، الأمر الذي يجعل إقرار هذه المعاملات وصحتها شرعاً ليس بذلك الوضوح.
فهل نستطيع ان نقول: ان كل معاملة مستحدثة مهما كان مضمونها
ــــــــــــــــــــ[19]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
صحيحة شرعاً ما دامت غير مخالفة لما هو ثابت فقهياً وشرعاً؟ أو اننا نحتاج في صحة المعاملة إلى انها كانت موجودة فعلاً فيما سبق؟ أو اننا نحتاج في التصحيح إلى إرجاع المعاملات الجديدة إلى بعض المعاملات القديمة، بشكل من أشكال التكييف الفقهي، كما حاول بعض أساتذتنا ان يفعل، وهو الأسلوب المشهور بين الفقهاء المتأخرين حين يريدون ان ينظروا في صحة المعاملات المصرفية. فان صح لهم طريق ما في تكييف المعاملة أفتوا بصحتها والا أفتوا ببطلانها.
إلا انه تقف دون ذلك عقبة مهمة، وهو ان التكييف يلزم ان يكون موافقاً أو غير مخالف على الأقل مع مقاصد المتعاملين فعلاً في أمثال هذه المعاملات. واما إذا كان هذا التكييف تحميلاً عليهم بما لا يفهمون ولا يقصدون، كان في نفسه صحيحاً، إلا انه غير منطبق على الواقع بحال. وهذا إشكالٍ سارٍ في الأعم الأغلب مما قاله الفقهاء في هذا الصدد بما فيهم سيدنا الأستاذ وبعض أساتذتنا.
وقد التفت بعض أساتذتنا إلى ذلك في بعض الموارد فاشترط في صحة المعاملة ان يقصد المتعامل هذا الشكل الذي يراه الفقيه في التكييف الفقهي، وليس القصد الاقتصادي العام في المصرف لتصح المعاملة. وبهذا المنحى الفقهي تكون هذه النقطة السابقة من نقاط الضعف مندرجة في النقطة التي قبلها، لأن المعاملات الجديدة تكون متوقفة على التكييف الفقهي. والمهم هو هذا التكييف الفقهي المذكور في النقطة السابقة. وأما على منحى فقهي آخر وهو قبول المعاملات الجديدة بحد ذاتها وعدم رفضها لمجرد انها لم تكن معروفة فيما سبق، بلا حاجة إلى تكييف فقهي، فتكون هذه النقطة مستقلة عن النقطة التي قبلها، كما هو واضح لمن يفكر.
وأما ما هو الصحيح من هذين المنحيين الفقهيين، فهو ما يأتي في الفصل
ــــــــــــــــــــ[20]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
القادم ان شاء الله تعالى. وسنرى ان تصحيح المعاملات المصرفية قد يتوقف على كِلا المنحيين، على اختلاف الحالات. وان كان المنحى المشهور هو الأغلب. وخاصة بعد وجود النقطة السابقة من نقاط الضعف كواقع لا مناص منه.
وعلى أي حال، فهذا عدد من نقاط القوة ونقاط الضعف في المصارف. ومهما تكن نقاط القوة بالغة الأهمية، أعني مهما كان للمصارف التأثير الكبير على المجتمع. فان تصحيح تصرفاتها المالية والمعاملية شرعاً وفقهاً، متوقف على تذليل هذه العقبات, أعني نقاط الضعف السابقة إلى أقصى حد ممكن، مضافاً إلى بعض الإشكالات الخاصة ببعض الموارد دون بعض، غير ان ما ذكرناه في هذه النقاط يعتبر كأنه أعم التساؤلات وأوسعها.
ــــــــــــــــــــ[21]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
في التكييف الفقهي العام للمصارف
ونقصد به تقديم فهم فقهي متكامل، إلى أكبر حد ممكن ومتيسر عن المصارف كمجموع، بغض النظر عن أشكال المعاملات الجارية فيها. أو قل: عند النظر إلى المصرف كمؤسسة مستقلة اجتماعياً واقتصادياً. وأما من حيث تعدد الاختصاص فيها، فهذا مما يمكن ان ندرجه في هذا الفصل أيضاً. كل ما في الأمر ان بعض الاختصاصات تحتاج إلى تكييف فقهي مستقل أو إلى تفريع على تكييف معين.
ويقع الكلام في هذا الفصل ضمن جهات:
الجهة الأولى: في الحاجة إلى التكييف.
إذ قد يقال: انه لا حاجة إلى التكييف بعد ان نعرف انه يمكن ان يقال فقهياً بصحة المعاملات التجارية في المصرف على العموم، فيصبح المصرف مؤسسة لا تجري فيه إلا المعاملات الصحيحة. لأن المعاملة اما ان تكون من جنس المعاملات القديمة والمجازة إسلامياً، فهو المطلوب، وأما ان تكون من المعاملات الجديدة، والمعاملات الجديدة التي لا دليل على مخالفتها للقواعد الفقهية صحيحة شرعاً. فتكون كل المعاملات صحيحة شرعاً. ومعه, فيمكن إمضاء حال المصرف على واقعه وبكل تفاصيله.
وينبغي هنا الالتفات إلى ان النظر في هذه الجهة إلى النقطتين الأخيرتين
ــــــــــــــــــــ[22]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
من نقاط الضعف التي ذكرناها في الفصل السابق. بغض النظر عن النقاط التي تسبقها. فكأننا نفترض انها غير موجودة تسهيلاً للبحث النظري. ومعه, ينحصر الآن النظر في ان المعاملات الحديثة، والتي لم يكن لها وجود فيما سبق هل هي صحيحة فقهياً وشرعياً أم لا؟
والبحث هنا سيكون مشابهاً إلى حد ما للبحث الذي ذكرناه في فصل سابق، عن تبرير قيام المؤسسة التي لا ترجع إلى شخصية حقيقية. وان كان له منحاه الخاص هنا بطبيعة الحال.
والمدّعي هنا ينبغي ان يعرض بهذا الشكل: ان كل معاملة جديدة لم يقم الدليل على بطلانها فهي صحيحة شرعاً. ومعه, يقع الكلام هنا في مستويين:
أولاً: فيما يمكن ان يكون دليلاً على البطلان.
وثانياً: فيما يمكن ان يكون دليلاً على الصحة.
ونبحثه الآن بشيء من التركيز محيلين الإطالة إلى موضعها من الفقه نفسه:
المستوى الأول: فيما يمكن ان يكون دليلاً على البطلان: وهي أدلة عديدة نذكر أهمها، بحيث لو لم تتم لكان غيرها أولى بالبطلان:
الدليل الأول: قوله تعالى: وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ والأموال التي يأكلها المتعاملون بينهم عن طريق المعاملات الجديدة، إنما هو أكل بالباطل، فيكون منهياً عنه بنص الآية الكريمة. إلا ان هذا الدليل غير تام لأنه متوقف على إثبات صغراه، وهو كون الأموال المأخوذة بهذه المعاملات باطلة، وهو إنما يكون مع إثبات بطلان هذه المعاملات في المرتبة السابقة على الآية. فان الآية الكريمة، تنهى عما كان باطلاً في نفسه، وكون هذه المعاملات كذلك أول الكلام. فإنه متوقف على عدم وجود دليل على الصحة. لوضوح انه لو كان موجوداً لما كانت باطلة، ولما كان أكل المال على أساسها أكلاً بالباطل يندرج
ــــــــــــــــــــ[23]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
في إطلاق الآية الكريمة. وهذا ما يأتي في المستوى الثاني بعونه تعالى.
الدليل الثاني: الارتكاز المتشرعي. إذ لا شك ان المتشرعة كمتشرعة، ينفرون من المعاملات غير المتعارفة بينهم وغير واضحة الإمضاء شرعاً. وهو دليل على بطلانها.
وهذا النفور صحيح في الجملة، إلا انه لا يكون دليلاً على البطلان لعدة جهات:
أولاً: انه إنما يكون حجة، لو استطعنا ان نضمن وجوده في زمن المعصومين، لكي نضمن إمضاؤه من قِبَلهم. وهذا متعذر، لعدم توفر هذه المعاملات يومئذ إطلاقاً ولم تكن تخطر على بال أحد في المجتمع مهما كانت صفته.
ثانياً: انه ربما كان مبنياً على نحو الاحتياط، لا على نحو الجزم بالبطلان.
ثالثاً: انه ربما كان مبنياً على فتاوى بعض العلماء الناتجة من دليل قابل للمناقشة كالدليل الأول السابق والثالث الآتي. وحيث يثبت عدم صحتها، تكون هذه الفتوى مما لا دليل عليها، فيكون الارتكاز الناتج منهما مما لا دليل على صحته.
الدليل الثالث: ان المعاملات عموماً. بل الحقائق أياً كانت تحتاج في إثبات صحتها وصدقها إلى الدليل، وأما ما لا دليل عليه فهو غير صحيح. وهذه المعاملات الجديدة مما لا دليل على صحتها فتكون باطلة. إلا ان هذا فرع ما سنقوله في المستوى الثاني. إذ لو استطعنا هناك ان نقيم دليلاً على الصحة، فهو المطلوب. والا كان هذا الدليل صحيحاً. لأن مجرد عدم الدليل على البطلان لا يكفي دليلاً على الصحة، ما لم تثبت الصحة بدليل مستقل.
المستوى الثاني: فيما يمكن ان يكون دليلاً على صحة المعاملات
ــــــــــــــــــــ[24]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الجديدة. وهي عدة أدلة نذكر أهمها:
الدليل الأول: قوله تعالى: إلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ والمعاملة أياً كانت حاصلة بالتراضي وقناعة الطرفين على أي حال. وهذا وحده كافٍ في الصحة. ويمكن ان يجاب ذلك بعدة أجوبة منها:
أولاً: ان هذا متوقف على ان نفهم من الآية ان العلة المنحصرة والوحيدة شرعاً في الصحة هو التراضي. فكل ما تراضى عليه الطرفان كان صحيحاً، ما لم يدل دليل على البطلان. والمعاملات التي نتحدث عنها من هذا القبيل.
إلا انه لا شك ان هناك قيداً فقهياً ارتكازياً حاصلاً على إطلاق الآية، وهو ان تكون المعاملة التي تراضى عنها الطرفان صحيحة شرعاً، ومفهومة الصحة في المرتبة السابقة، ولا يكفي التراضي وحده في الصحة.
وبتعبير آخر: ان الآية الكريمة اُخِذ في منطوقها عنوانان: (الباطل) و (التراضي) فإذا شككنا في معاملة، في اندراجها في أي من الطرفين، كان من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، فتأمل.
وبتعبير آخر: ان في الآية الكريمة قرينة متصلة لفظية على عدم كفاية التراضي في الصحة، لأن (الباطل) قد يكون مما تراضى عنه الطرفان، وهو مع ذلك باطل وفاسد. وليس الباطل منحصراً في صورة الإكراه وعدم الرضا، وان كان هو الغالب. وإذا تم ذلك، كان التمسك بالصحة في صورة مطلق التراضي تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية، لأنه يتوقف على إثبات الصحة في المرتبة السابقة.
ثانياً: ان عدداً من معاملات المصرف ليست تجارة، عرفاً أو فقهياً. كالسحب والإيداع والحوالة. بل هناك من المعاملات الحديثة خارج المصرف ليست تجارة أيضاً, كالتأمين. وإنما تكون مشمولة للآية الكريمة، إذا كانت
ــــــــــــــــــــ[25]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
تجارة، لأنها تقول: إلا أَن تَكُونَ تِجَارَةً. ومعه, لا يمكن الاستدلال بهذه الآية على صحة مثل هذه المعاملات.
وقد يخطر في الذهن: ان الإيداع والسحب، شكل من أشكال التجارة، لوجود الفائدة الربوية فيه.
وجوابه: ان هذا في الحقيقة يزيد في الطين بلة، لأن الفائدة الربوية والمعاملة الربوية باطلة شرعاً. وقلنا قبل قليل اننا نتحدث في هذه الأدلة بغض النظر عن بعض نقاط الضعف التي منها وجود هذه الفائدة.
نعم، لا يشمل هذا الوجه ما كان تجارة عرفاً، كالتسليفات المكرسة للتجارة والصناعة ونحوها، بغض النظر عن فوائدها.
الدليل الثاني: ما ورد في السُنّة المعتبرة والمجمع على العمل بها بين الفقهاء، وهي قوله: “المؤمنون عند شروطهم”. وهذه المعاملات الحديثة شكل من أشكال الشروط عرفاً فيجب الوفاء بها كما لو انها معاملات صحيحة ولازمة، حسب الفهم من الظرف (عند) المأخوذ في الحديث، والذي لا مجال للتوسع في فهمه الآن. وهذا بهذا المقدار صحيح. إلا ان للخبر المعتبر عبارة أخرى تابعة، تكون قرينة متصلة على فهمه. وهو انه يقول: “إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً”.
وبغض النظر عن الفائدة الربوية التي تندرج في هذا الاستثناء. فان المعاملة في نفسها تحتاج إلى دليل على الصحة لنحرز انها لم تحلل حراماً ولم تحرم حلالاً بنفسها أو بلوازمها وهو التصرف في المال، الذي كانت المعاملة سبباً له. ومعه, يكون التمسك بالحديث تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية، ما لم يكن دليل مسبق على صحتها. وإذا تم لدينا ذلك الدليل استغنينا به عن هذا الدليل.
الدليل الثالث: السيرة على التعامل بهذه المعاملات التي نتكلم عنها، والسيرة حجة. فتكون هذه المعاملات صحيحة.
ــــــــــــــــــــ[26]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إلا انها سواء أردنا بها السيرة العقلائية أو سيرة المتشرعة، لا ترقى إلى زمان المعصومين لنستطيع ان نقول بحجيتها، لأنها معاملات حديثة لم تكن يومئذ إطلاقاً. وتزيد سيرة المتشرعة على صاحبتها، بما سمعناه من ان الارتكاز المتشرعي هو على التنفر والانزجار من أمثال هذه المعاملات. ونحن قد سبق ان ناقشنا ذلك كدليل على البطلان، إلا انه لا يمكن ان يكون دليلاً على الصحة على أي حال أيضاً.
فهذه هي أهم الأدلة على الصحة بعد ذكر الأدلة على البطلان، ولم يتم شيء منها على الإطلاق. والمهم الآن هو عدم إتمام الدليل على الصحة، لأننا نحتاج في صحة المعاملة إلى الدليل والا لم يمكن القول بصحتها وان لم يكن الدليل على فسادها موجوداً. وهذا بنفسه هو مضمون الدليل الثالث من أدلة الفساد وهو بهذا المعنى تام وصحيح على أي حال.
فهذا هو الكلام في الجهة الأولى من هذا الفصل. ونتيجتها اننا نحتاج في تصحيح المعاملات المصرفية غالباً إلى تكييف فقهي. بشكل نفهم به المعاملات الجديدة بصفتها منطبقة على المعاملات القديمة ومصداقاً لها، لكي تكون صحيحة. والا فبصفتها معاملة مستحدثة وجديدة مما لا دليل على صحتها. وهذا يشمل كثيراً من معاملات المصرف، كالإيداع بكل أشكاله، والسحب واستعمال الأوراق المالية كالشيكات والكمبيالات إلى غير ذلك. فكلها تحتاج إلى تكييف فقهي، وهذا ما سنناقشه في الجهات التالية.
نعم، ما صدق عليه عنوان بعض المعاملات الفقهية، كالتجارة والحوالة والإجارة والضمان ونحوها، أمكن تصحيحه، بعد التنزل عن نقاط الضعف التي تحدثنا عنها كما أسلفنا.
الجهة الثانية: في تكييف فائدة المصارف بحيث لا تكون لها فائدة ربوية. وإذا تم ذلك أصبح لدينا فسحة مجال كبيرة ومهمة فقهيا، في جواز التعامل مع
ــــــــــــــــــــ[27]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المصارف، لأنها عندئذ لا تكون متعاملة بالربا، فبطلان معاملاتها من هذه الناحية غير موجود. ولهذا التكييف عدة أساليب نذكر أهمها:
الأسلوب الأول: وهو المتداول عادة بين الفقهاء المتأخرين والمعاصرين بما فيهم سيدنا الأستاذ وغيره. وهو ان الأموال المتداولة في المصارف اليوم عادة هي من الأموال المسماة فقهياً بـ«مجهول المالك»، فلا يكون أخذ الفائدة من الربا حقيقة. فيكون أخذها حلالاً من هذه الناحية. وأما سبب كون الأموال من مجهول المالك، فان النقطة المهمة فيه، هو الاعتقاد بتوفر نقطة الضعف الثانية التي ذكرناها في الفصل السابق. ونوكل التفاصيل إلى محلها. وعلى أي حال فالأمر من الناحية الفقهية صحيح، وهو شامل للمصارف التي تتكون من رأس مال حكومي من دولة واحدة أو عدة دول. ويتبعها في الحكم بالجواز المصارف التي يملكها غير المسلمين سواء في بلاد إسلامية أو غيرها.
فان الإيداع فيها والسحب منها والتعامل معها بالمعاملات السائرة فيها لا مانع منه فقهياً. مع بعض الإشكالات الجانبية التي لا حاجة إلى سردها. وليس معنى ذلك صحة المعاملات فيها ليكون ذلك سبباً للسؤال: بأنه كيف أصبحت المعاملات الجارية في مصارف الأجانب صحيحة والمعاملات الجارية في مصارف المسلمين باطلة؟ وإنما الأمر منحصر فقهياً على جواز الحصول على ما تدفعه تلك المصارف من أموال. حتى المصارف التابعة للحكومات المسلمة كما قلنا.
نعم، لو كان في التعامل مع بعض المصارف محذور شرعي ثانوي، كالتأييد للباطل أو جلب الربح له، الأمر الذي يسبب صرفه للباطل أو لأجل منفعة الكافرين، كان التعامل حراماً. ولكن هذا شيء آخر غير أصل المسألة الفقهية بشكلها المعاملي التجريدي. وهذا التحليل الفقهي لا يشمل ما إذا كان رأس مال المصرف مملوكاً لفرد أو عدة أفراد من الأشخاص (الحقيقيين) فانه
ــــــــــــــــــــ[28]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
عندئذ يكون تعاملاً بالربا حقيقة وهو حرام. ما لم نضع له بعض التكييفات التي نسمعها في الأساليب الآتية.
الأسلوب الثاني: ان الدفع إلى المصرف ان كان من قبيل الإقراض، كانت الفائدة عليه محرمة. ولكنهم يسمونه إيداعاً والإيداع لا يندرج ضمن حكم الربا. فمن الممكن القول عندئذ: ان المودِع بصفته قد أفاد المصرف بإيداعه هذا فانه يجعل له بإزائه مالاً. وكلما استمر الإيداع مع انه يستطيع سحبه إن كان مستحقاً لمال آخر. وهذا المال يمكن ان نعتبره تبرعاً من المصرف للمودِعين، أو نتيجة (جعالة) يعني ان يقول المصرف بلسان حاله: من أودع عندي مالاً فله كذا من العطاء.
وعندئذ لا يفرق بين ان يكون العطاء بنسبة مئوية أو عطاءً محدداً، لا يفرق ذلك من الناحية الفقهية. وهذا يشمل كل أنواع الإيداع في المصرف مع وجود الفائدة، وهي الودائع الثابتة والتوفير. وأما الحساب الجاري، فهي ودائع ليس عليها فوائد فهي جائزة بالأصل من هذه الناحية فقهياً، ولا نحتاج إلى هذا التخريج. إلا ان هذا غير تام لعدة وجوه:
أولاً: ان الإيداع وان سموه إيداعاً، إلا ان النية الأساسية فيه هي الإدانة للمصرف فيصبح المودِع دائناً والمصرف مديناً. إلا ان نريد من الدَين مطلق شغل الذمة. وهذا من نتائج ما قلناه من إجمال أو ضعف التكييف الفقهي عندهم.
وإذا كان دَيناً أو قرضاً، كانت الفائدة عليه محرمة.
ثانياً: انه ليس إيداعاً بالمعنى الفقهي فان من أحكام الوديعة المحافظة على ذات المال، والمفروض انه يكون للمصرف جواز التصرف في المال وتبديل عينه مع ضمان بدله. وقد يقال: انه من قبيل ما يسمى فقهياً بالعارية ويسمى عرفاً بالاستعارة. وهي مما يجوز التصرف فيه بالعين في الزمان المحدد لها.
ــــــــــــــــــــ[29]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إلا ان هذا غير صحيح. لأن التصرف بالعين لا يعني جواز بيعها وتبديلها، بل التصرف بها حال وجودها. وأما أمثال هذه التصرفات فهي غير مندرجة في العارية. ولذا لا تصح العارية فيما يكون استهلاكه بإتلافه كالطعام، إذ معه لا يمكن إرجاع العين. كما هو معلوم.
وبتعبير آخر: تشترك الوديعة والعارية بوجوب حفظ العين إجمالاً وإرجاعها، أو قل: حرمة إتلافها وليس هذا مفروضاً في المال المودِع في المصرف. كما يشتركان بحفظ ملكية صاحبها فلا يكون المصرف مالكاً للودائع وهذا على خلاف المقصود حتماً في المعاملات المصرفية. كل ما في الأمر، انه يملكها مع ضمان بدلها كالدَين تاماً. فلا تكون وديعة ولا عارية.
ثالثاً: الجعالة التي فرضناها، والتي اعتمد عليها بعض أساتذتنا في عدة تكييفات فقهية، ليس لها أثر أصلاً. لأن المعاملة -أية معاملة- إنما تصح مع قصدها وبيانها باللفظ الذي هو العقد، أو الفعل الذي هو المعاطاة. ومن الواضح انهم لم يقصدوا الجعالة بأي شكل من الإشكال.
رابعاً: ان هذا الأسلوب لو تم، وغضضنا النظر عما سبق. فانه يصحح الفائدة التي يدفعها المصرف إلى المودِعين، وأما تلك التي يأخذها من المستلفين، فتبقى خارجة عن هذا الأسلوب. إلا ان نقول في هذه الفوائد أيضاً بنفس الأسلوب: ان الإسلاف والاستلاف ليس بمعنى القرض لتكون الفائدة عليه ربوية محرمة. غير انه يرد عليه مثل الإيراد الأول السابق، وهو ان الاسم وان كان استلافاً إلا انه إدانة للمصرف يكون فيها المصرف دائناً هذه المرة والمستلفين مدينين.
كما يرد عليه مثل الإيراد الثاني وهو ان السلف في الفقه، هو البيع مع دفع الثمن وتأجيل المثمن. وهو مما لا ينطبق على المورد ليكون له حكمه.
الأسلوب الثالث: ما ذكره بعض أساتذتنا من ان الفائدة ان كانت على
ــــــــــــــــــــ[30]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المال المقترض كانت حراماً، إلا أننا نعتبرها في هذا الأسلوب من التكييف على الإقراض كعملية اختيارية يقوم بها المالك.
أقول: وهنا المعنى يشمل كِلا شكلي التعامل، أعني سواء كان المصرف مديناً في صورة الودائع، أو دائنا في صورة السلف. واعترض عليه باعتراضين بتقريب منا:
الأول: يشبه ما قلناه (أولاً) عن الأسلوب الثاني، وهو أننا يجب ان نكون تابعين لقصد المتعاملين، ولا نحمل عليهم ما لا يقصدون. ومن الأكيد عقلائياً ومصرفياً ان الفوائد: مال مدفوع بإزاء المال المفترض لا بإزاء عملية الاقتراض.
الثاني: ان المال المدفوع كأجرة أو كجعالة على عملية القرض، غير صحيح فقهياً. لأن ما يكون قابلاً لذلك إنما هو العمل الذي له مالية عقلائية. والإقراض ليس له مالية زائدة عقلائياً على المال المفترض نفسه.
وهذا الاعتراض لا يخلو من مناقشة على أي حال، لأن الإقراض من قبيل قضاء الحاجة والسعي في مصلحة الفرد، فان لم يقصد بها المجانية استحق عليها الأجرة كائنة ما كانت. فالصحيح في الجواب هو الوجه الأول من حيث أنهم لم يقصدوا الجعالة ولا جعل الفائدة على عملية الإقراض.
الأسلوب الرابع: ما ذكره أيضاً من إمكان تحويل معاملة القرض إلى بيع بإيضاح منا:
فبدلاً من ان نعتبر الإيداع والتسليف قرضاً، يمكن ان نعتبره بيعاً للنقد بعضه ببعض. بعد ان نعرف ان النقد المتداول ليس من الذهب والفضة وليس من المكيل والموزون ليصدق عليه حكم الربا. ومعه, فمن الممكن القول: بأنه بيع مائة دينار حاضرة أو مدفوعة، بمائة وعشرين دينار مؤجلة إلى شهر مثلاً.
ــــــــــــــــــــ[31]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وهذا يصدق على كل من الإيداع والتسليف، وان لم يذكره، غير ان الإيداع يكون فيه المصرف مشترياً والتسليف يكون فيه المصرف بائعاً. إلا انه يرد على هذا عدة وجوه نذكر أهمها:
أولاً: انه خلاف مقصود المتعاملين. لأن مقصودهم ليس هو البيع بكل تأكيد. والمعاملة -كما قلنا- تحتاج في إيجادها إلى القصد مع البيان أو الإبراز بقول أو فعل، وكلاهما غير متحقق، لا القصد ولا البيان من قِبَل المتعاملين.
ثانياً: ان هذا يتوقف على ان لا تكون النقود الحالية من قبيل السندات للذهب والفضة المذخورة في المصرف. فإنها ان كانت هكذا كان تبادلها تبادلاً للذهب والفضة في الواقع.
إلا أننا عرفنا هذا المعنى في الفصل الذي تحدثنا فيه عن المال، وقلنا في النتيجة: ان النقود الحالية معزولة عن غطاء الذهب والفضة تماماً. فهذا الاعتراض غير وارد.
ثالثاً: ما ذكره بإيضاح منا: «من ان هذا الأسلوب لا يبرر زيادة الفائدة على المقدار المشترط. إذ المفروض عملياً في المصارف أنها تزيد بمدة الزمن. وأما في مثل هذا العقد أو البيع الذي ذكرناه، فلا يستحق البائع أكثر من الفائدة المحددة فيه». وأجاب عليه: بأنه يمكن ان يشترط البائع على المشتري ضمن عقد البيع مضافاً إلى زيادة السعر، انه إذا أجّل المجيء به عن المدة المشترطة، فانه يدفع كذا وكذا من المال. سواء كان بنحو التحديد أو بنحو الكسر العشري. وبهذا نضمن وجود الفائدة وحليتها. والشرط الواقع في عقد البيع يكون ملزماً، وليس هو شرطاً في القرض ليكون ربوياً. وقد نفى ان يكون هذا من قبيل أخذ العوض على الأجل. ولم يوضح وجهه الفقهي. والكلام فيه موكول إلى الفقه. والعمدة في الجواب هو الأول.
ــــــــــــــــــــ[32]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الأسلوب الخامس: تحويل القرض الربوي إلى عملية بيع بأسلوب آخر غير ما سبق. وهو المشهور بين الفقهاء والمتأخرين. ومن العجيب غفلة أساتذتنا عنه، مع انه كان بصدد الاستيعاب. ومنعه سيدنا الأستاذ(1). وحاصل الفكرة: أننا نعتبر القرض غير ربوي، يعني خالٍ من الفائدة. وتكون الفائدة مدفوعة كثمن لشيء ما غالباً ما يكون بسيطاً، كعلبة ثقاب أو مسبحة رخيصة ونحوها(2). وقد كان بعض التجار المتشرعة عندما يطمعون بالفائدة الربوية يعملون بهذا الأسلوب، ويفتيهم مشهور الفقهاء بالجواز. وفي الأغلب انه كان الدائن حين يدفع علبة الثقاب يقبضها المدين ويدفع ثمنها، ثم يرجعها إلى الدائن كشيء رخيص يمكن التنازل عنه. وخاصة بعد حصول النتيجة، وأخذ الفائدة. والفكرة النظرية هنا شاملة للإيداع والتسليف في المصرف معاً كما هو واضح.
ويمكن ان يتكرر بيع العلبة في كل شهر أو في كل سنة، أو في أي موعد يراد به استحصال الفائدة الربوية.
كما يمكن ان نعتبر المعاملة باطلة أساساً لأنها ربوية، غير ان المدين يتصرف بما وصل إليه بالإباحة. والدائن يحصل على رأس المال مع فوائده ببيع علبة الثقاب بكل المال دفعة واحدة، ولو بلغ آلاف الدنانير.
غير ان اعتبار المعاملة باطلة أساساً، بلا موجب بعد عدم اشتراط الفائدة فيها. إلا ان الطريقة تفيد في الربا في البيع, يعني: مقايضة الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والمكيل والموزون بأمثالها، فإننا نجعل الزيادة عندئذ بإزاء الشيء الآخر كعلبة الكبريت. وهو مما يفتي المشهور بجوازه. وهو الصحيح
ــــــــــــــــــــ[33]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) مستحدثات المسائل, ص4.
(2) وكذلك قيمة الورق المسجل عليه المعاملة أو أجرة التسجيل ونحو ذلك.
مع قصد المعاملة بعنوانها وكونها جدية لا لمجرد الحصول على الربح الحرام. إلا أننا على أي حال نكون قد خرجنا عن الحديث عن معاملات المصارف.
فالمهم الآن هو الوجه الأول والرئيسي في هذا الأسلوب. وهو غير منطبق على معاملات المصارف أيضاً لوضوح عدم قصدهم للبيع، كما هو واضح أولاً. وعدم استعمالهم أي شيء يقوم مقام علبة الكبريت ثانياً. إلا ان انطباقه على من يقصده ويستعمله أمر ممكن على أي حال.
فهذا هو الكلام في الجهة الثانية في هذا الفصل، وقد أنتجت عدم إمكان تبرير الفائدة الربوية بالأساليب التي ذكرناها. وقد ذكر بعض أساتذتنا وجوهاً أو أساليب أخرى تعتبر أبعد فقهياً مما سبق ان ذكرناه، ولذا أعرضنا عن عرضها هنا.
الجهة الثالثة: في تكييف العمل الرئيسي للمصرف ككل. وهو الإيداعات والتسليفات من الناحية الفقهية.
وينبغي قبل ان ندخل في تفاصيل التكييف ان نلتفت إلى عدة نقاط:
النقطة الأولى: أننا حين ندخل في التكييفات، ينبغي ان نغض النظر عن نقاط الضعف التي سطرناها في الفصل الذي تحدثنا فيه عن تقييم المصارف ككل. فان صادف بعض هذه التكييفات ان أزالت نقطة أو أكثر من نقاط الضعف فهو المطلوب. وإلا كانت النقاط الأخرى غير منظورة، وان كانت موجودة حقيقة. وهذا ينتج ان هذه التكييفات إنما تصدق أو تصح، فيما إذا كان الحال خالياً عن نقاط الضعف تلك. وكانت هذه التكييفات مجرد مرحلة فكرية معينة أو نظرية غير منطبقة على واقع المصارف.
النقطة الثانية: سبق ان ذكرنا إجمالاً ونكرر الآن ليتضح في ذهن القارئ، ان التكييفات عموماً إذا كانت مخالفة لمقاصد المتعاملين عملياً، فإنها لا يمكن
ــــــــــــــــــــ[34]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ان تصدق، وإنما تصدق فقط في صورة العلم بها وتنفيذها وقصدها.
النقطة الثالثة: ان التكييف يعرض كأطروحة وليس كشيء ناجز إلا بعد توفر القرائن والأدلة الكافية على ما هو حجة منها. ومعنى الأطروحة: هو إيجاد فكرة متكاملة عن حقل ما من حقول المعرفة، يتصف هذا الحقل بأنه من الصعب الحصول على أمر جزمي بصدده. فنقول: انه لعله كذا وكذا، وهذه هي الأطروحة. ثم نحاول جمع القرائن والدلائل على صحتها مهما أمكن. وقد يكون للمفكر ان يطرح عدة أطروحات محتملة يحاول ان يقيم عليها الدلائل. وأي من هذه الأطروحات صحت فقهياً وقامت عليها الدلائل التي تكون حجة ومعتبرة شرعاً، كانت هي الصحيحة، وان لم يتم شيء من الأطروحات، كان معنى ذلك بطلان التكييف الفقهي للواقع الحاضر، وان الواقع يخالف الفقه بقليل أو بكثير.
النقطة الرابعة: ان اختلاف الفتوى الفقهية بين الفقهاء لها الأثر الكبير في تغيير الأطروحة أو اختلاف تفاصيلها طبقاً لما يراه أي فقيه من الحكم الذي تم الدليل عنده فيها. ولا يستطيع ان يدمج بها حكماً ليس بحجة، وان كان أقرب إلى تذليل المشكلة، لأنه عندئذ يفسد حجية جميع الأطروحة. ولكن الفقيه الذي يرى صحة ذلك الحكم وقيام الحجة عليه، يرى الأطروحة تامة من تلك الزاوية.
وعلى أي حال, فالاختلافات بين الفقهاء في الفقه كثيرة جداً، نتيجة لاختلافهم في فهم الكتاب الكريم والسُنّة الشريفة وفي تطبيق القواعد العامة على الفروع الفقهية. مما يجعل لذلك انعكاساً مهماً، على مجال حديثنا لا محالة.
النقطة الخامسة: ان أي مصرف معين.. أو ان المصارف ككل إنما هي تكوين نظري لو صح التعبير تفتق عنه ذهن البشر في العصور المتأخرة ليكون
ــــــــــــــــــــ[35]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
أسلوباً من أساليب النفع لجماعة من الناس المرتبطين بالمصرف بشكل وآخر.
وهذا الأسلوب النظري، إذا لاحظناه تجريدياً أو نظرياً، لم نجده متعيناً لا يمكن غيره، بل يمكن بطبيعة الحال لمن أوتي فكراً واختصاصاً ان يطرح عدة أشكال أو أطروحات لأعمال البنوك، قد تكون مغايرة بقليل أو كثير لما هو عليه الآن. وقد تكون في نفس الوقت أقل صعوبة من الناحية الفقهية. ومن هنا يمكن ان نفهم من أي أطروحة مستويين من التفكير:
المستوى الأول: بصفتها صالحة لتبرير الواقع على واقعه. وهو الحال الجاري في المصارف حالياً، فقد تصلح الأطروحة أو التكييف الفقهي لذلك وقد لا تصلح.
المستوى الثاني: أننا ننظر إلى الأطروحة بصفتها اقتراحاً فقهياً إلى تغيير الواقع طبقاً للأطروحة، ليكون التصرف المالي أقل صعوبة من الناحية الشرعية وأضمن للحلية والجواز.
وقد يكون بعض الأطروحات عاجزة عن تنفيذ المستوى الأول، ولكنها قادرة على تنفيذ المستوى الثاني. وان كان الأمل منعقداً على إزجاء المستوى الأول مهما أمكن. لأنه هو الأقرب والأنسب من الناحية العملية.
النقطة السادسة: يختلف الحال في الأطروحات أو التكييفات في إمكان الصدق والتطبيق وعدمه. في أمور عديدة نشير إلى المهم منها:
أولاً: في كون المصرف الذي نتحدث عن تكييفه هل هو وحده في المجتمع أو توجد مصارف أخرى مستقلة.
ثانياً: ان النفوس في المجتمع هل هي طامعة بأقصى مقدار من الربح وبأي وجه كان. أو ان لديها شيء من القناعة أو أخذ الآخرين بنظر الاعتبار أو أخذ الشريعة بنظر الاعتبار.
ــــــــــــــــــــ[36]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
لأن التكييف وحده، أمر نظري لا يكون قابلاً للعمل إلا من خلال النفوس التي تقوم بتنفيذه، الأمر الذي يجعل الأمر مختلفاً تماماً ما بين الاتجاهات والقناعات الموجودة لدى الناس.
ثالثاً: ان المصرف الذي نتحدث عن تكييفه هل هو قائم بأمر الولي العادل أو ان المجتمع كله كذلك، أو لا. فان له دخلاً في شكل التطبيق وقابليته أساساً.
رابعاً: هل ان هذا المصرف قائم بآراء المشرفين عليه أو مالكيه وليس للسلطة سيطرة عليه. كما في بعض دول العالم. أو ان للسلطة سيطرة عليه فعلاً. فان ذلك له الدخل العظيم في قابلية التكييف للتطبيق بطبيعة الحال. ولا حاجة إلى الدخول في صور ذلك واحتمالاته.
النقطة السابعة: أشرنا في العنوان ان التكييف إنما هو خاص بالعمل الرئيسي للمصارف المتعارفة وهو الإيداع بمختلف أقسامه والسحب بمختلف أغراضه. وهذا يعني انه تبقى عدة أمور من فعاليات المصرف لا نكون قد استوفيناها في هذه التكييفات. وهذا مما يأتي الكلام عنها في فصل آتٍ.
ويعني هذا أيضاً اختصاص هذه التكييفات بالمصارف التي تحتوي على الإيداع والسحب. فان المصارف أو المؤسسات المالية من هذه الناحية على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: المصارف التي فيها إيداع وسحب. وهي المصارف التجارية فقط.
النوع الثاني: المصارف التي فيها سحب وليس فيها إيداع. وإنما يعتمد رأس مالها على القيمة الأساسية الأولية له، من دون ان يكون هناك إيداعات تضاف إليه. كالمصرف العقاري والصناعي والزراعي والرهون.
ــــــــــــــــــــ[37]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
النوع الثالث: المؤسسات المالية الخالية من الإيداع والتسليف معا، كسوق البورصة والخزينة العامة.
والتكييفات الآتية تشمل بشكل رئيسي النوع الأول بطبيعة الحال. وقد تشمل النوع الثاني من زاوية تكييف السحب خاصة. وأما الحديث عن النوع الثالث فهو خارج عن هذا الفصل ولعلنا نتعرض لبعض أنواعه، في فصل آتٍ.
فهذه هي الملاحظات التي ينبغي ان نأخذها بنظر الاعتبار قبل الدخول في التكييفات. والآن حان الوقت في الدخول فيها. ونجعل كل تكييف بعنوان أطروحة لأنها أسهل فهماً وخاصة بعد ان ألمحنا إلى معناها قبلاً.
الأطروحة الأولى: ما ذكره بعض أساتذتنا من ان المصرف يكون وسيطاً في عملية مضاربة بالمعنى الفقهي بين المودِعين والمستثمرين.
وفكرة المضاربة فقهياً تقوم على أساس ان شخصاً ما يعطي لشخص آخر مقداراً من المال ليعمل به ويكون له قسط من الربح. فهي عمل تجاري يكون رأس المال فيه من شخص والعمل من شخص آخر. والربح بينهما بحسب ما يتفقان عليه من نسبة. ولا يفرق فقهياً بين عدة صور:
الصورة الأولى: ان يكون صاحب المال واحداً والعامل واحد أيضاً.
الصورة الثانية: ان يكون صاحب المال متعدداً والعامل واحداً. كما لو دفع جماعة أموالهم لواحد ليعمل به، ويكون الربح بينهم، فيما يخص صاحب المال، بنسبة ما دفعوا من أموالهم.
الصورة الثالثة: ان يكون صاحب المال واحداً والعامل متعدداً. وهذه تكون مضاربات متعددة ما لم نعتبر للمال وحدة عرفية، كعمل المتعددين في محل واحد أو تجارة واحدة.
ويكون الربح العائد إلى عامل المضاربة مقسماً بين هؤلاء المتعددين ــــــــــــــــــــ[38]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
بالتساوي، إلا ان يتفقوا في عقد المضاربة على خلافه.
الصورة الرابعة: ان يكون كلاً من صاحب المال والعامل متعدداً. وهذه الصورة أيضاً تكون مضاربات متعددة كلها من الصورة الأولى أو الثانية.
إلا ان نفرض شكلاً من أشكال الوحدة في المال. كما لو اتفق جماعة على ان يخلطوا أموالهم ويدفعوها إلى جماعة ليتاجروا بها. فيكون لكل من أصحاب الأموال سهماً في تلك التجارة أو التجارات، كما يكون لكل من العاملين سهماً يخصه مع حصوله الربح، كما هو العادة الغالبة.
والمهم الالماع إلى ان المضاربة في المصرف إنما تكون من الصورة الرابعة، لوضوح كثرة المودِعين والمستثمرين معاً.
وحيث يريد المؤلف ان تكون أطروحته مطابقة لما عليه المصارف اليوم، فقد أجرى لكل من الودائع الثلاثة، وهي: (الودائع الثابتة والتوفير والحساب الجاري) صيغته الاعتيادية، على أنها يمكن ان تستعمل جميعاً في المضاربة المقترحة، مضافاً إلى الرأس المال الأصلي للمصرف.
غير انه فضّل الودائع الثابتة كنموذج لمال المضاربة، حيث يمكنه ان يبقى غير مسحوب لمدة ستة أشهر أو سنة حسب الاتفاق، ريثما يحصل ربح مضاربات المستثمرين.
وأما ودائع التوفير فاقترح عزل قسم منها لأجل جعلها تحت الطلب توفيراً للسحب الموجود باستمرار واستثمار الجزء الباقي في المضاربة, غير انه قرر ان هذا القسم لا يعدو ان يكون بمقدار عشرة بالمائة من مجموع إيداع التوفير.
وأما الودائع المتحركة باستمرار أو الحساب الجاري. فهو لا يمكن ان يدخل هذه المضاربة. وإنما اقترح ان يستعمل جزء منها في مضاربة مستقلة يكون المصرف فيها هو صاحب المال. ويبقى الباقي موفراً لسرعة السحب
ــــــــــــــــــــ[39]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
تحت الطلب.
فهذا حاصل الأطروحة بغض النظر عن التفاصيل.
ويمكن مناقشة هذه الأطروحة بعدة وجوه:
الوجه الأول: ان هذه الأطروحة خاصة بالبنوك التجارية ولا تعم أنواع البنوك الأخرى، بل لم يرد أي ذكر لأنواع البنوك في كلامه.
وذلك: لوضوح ان المصرف الذي يكون بطبيعته تجارياً يكون فيه إيداع وسحب، بخلاف البنوك الأخرى فإنها ليس فيها إيداع. وبدونه لا تصح الأطروحة، لأن المودِعين فيها يمثلون أصحاب رأس المال. ولا يمكن للمضاربة ان تتم بدون وجودهم كما هو معلوم.
الوجه الثاني: ان هناك من الإيداعات في المصارف ما ليس لها فائدة ربوية إطلاقاً. وهي قسمان: الحساب الجاري والودائع الحقيقية، وهي الودائع العينية التي تتقبلها بعض المصارف لأجل حفظها لقاء أجور معينة.
وكِلا النوعين يمكن إبقاؤه على حاله أو فهمه النظري في المصرف الاعتيادي لكونه مما لا يناله الحرام. فإدخاله في ضمن الأطروحة الإصلاحية، بلا موجب.
الوجه الثالث: ان الإيداع والاستلاف في المصرف موجودان باستمرار. وهو العمل اليومي له مضافاً إلى السحب، فكيف يمكن انطباق هذه التجارة على مفهوم المضاربة الفقهي وشرائطه التي منها: حفظ نسبة معينة من الربح للعامل. وعدم جواز تحميل الخسارة عليه. وتأجيل تقسيم الربح إلى نهاية الموعد.
والفائدة في المصرف لا تمثل نسبة الربح على الإطلاق. وإنما تمثل نسبة معينة من رأس المال الذي هو الوديعة. وان اعتبرناها من الربح لم تكن بمقدار
ــــــــــــــــــــ[40]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
مشاركة المودِع في الأموال المستثمرة. ولا يذكر في المصرف أية نسبة معينة من الربح، مع ان ذلك في المضاربة ضروري في الفقه، إذ لو لم نذكرها لم تكن مضاربة. فان اعتبر له أجرة محددة تسمى (بضاعة) ولم تكن مضاربة. وان لم يحدد له أية أجرة كانت المعاملة باطلة.
وإذا زاد الربح في المضاربة وجب إيصاله إلى المودِع، الذي هو صاحب رأس المال ولم يكن للمصرف إلا أجور الوساطة. مع العلم ان المؤلف يجعل الفائض كله ربحاً للمصرف بعنوان رضا المودِعين بذلك.
وإذا حصلت الخسارة فالحكم الفقهي للمضاربة وجوب ان يتحملها صاحب المال. وهذا يعني عدم دفع أية فائدة إلى المودِعين. بل أكثر من ذلك، بمعنى ان ودائعهم قد تضيع كلها أو بعضها بعنوان ان المستثمرين قد خسروا في أعمالهم. في حين ان المؤلف قد اقترح ان يضمن المصرف نفسه مقدار الخسارة لو وجدت. حفاظاً على ما يجري في المصارف الاعتيادية من ضمان الودائع وأرباحها لأصحابها.
مع العلم, انه مع حصول الخسارة، فقد يكون المصرف، ضامناً لرأس المال؟ ولكن لماذا يضمن الفوائد؟ على ان ضمانه لأصل المال بلا موجب فقهياً.
هذا، وتكرر السحب والإيداع يقتضي ان لا يكون هناك تعيين عرفي لأصحاب الأموال عن المستثمرين. لاختلاف أشخاصهم باستمرار. فإذا سحب المودِع وديعته خلال شهر واحد، فلا يمكن إعطاؤه أية فائدة، لأن أرباح المضاربة لدى المستثمرين لم تظهر أو لم تصل إلى حد الآن. وان كان المودِع قد أودع ماله في التوفير، هذا من الناحية الفقهية.
إذن، فهناك اختلافات أساسية مع حكم المضاربة فقهياً.
ــــــــــــــــــــ[41]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الوجه الرابع: ان وساطة المصرف في المضاربة إنما تصدق في الأموال المودعة، لا في رأس ماله الأصلي. إذ في هذا المال الأصلي يكون المصرف هو صاحب المال والمستثمرين عمال مضاربة.
وهذا يعني ان الأطروحة تضمنت للمصرف ثلاثة أحوال لا حالة واحدة:
الأولى: هي الوساطة بين المودِعين والمستثمرين كوكيل في مضاربة. وهو الوضع (الرسمي) المسجل في الأطروحة.
الثانية: ان المصرف يكون عامل مضاربة. وذلك في الودائع المتحركة كما ذكره وأشرنا إليه.
الثالث: ان يكون المصرف صاحب المال وذلك في استعمال رأس ماله الأصلي في المضاربة.
وهذه الأحوال الثلاثة تجعل الأطروحة مجملة غير ذات تركيز خاص أو وجه محدد. كما هو المفروض والمدعى للمؤلف. كما سيكون الحساب في قصد المعاملة وتوفير شروط المضاربة لكل منها وتقسيم الأرباح أمراً مشكلاً جداً فقهياً.
الوجه الخامس: ان الاستلاف من المصرف، حتى وان كان المصرف تجارياً، لا ينحصر ان يكون للتجارة بل قد يكون للزراعة أو الصناعة أو البناء وللاستهلاك الشخصي. كما قد يكون المستلف يعطي ماله مضاربة لشخص آخر. فلا يكون هو عاملاً. بل صاحب رأس المال في المضاربة.
وكل هذه الأشكال من الاستلاف لا يمكن ان تكون من المضاربة فقهياً. واختص بعضها باسم معين في الفقه كالمزارعة إذا كان المال مصروفاً في المزارعة، والمساقاة إذا كان المال مصروفاً في السقي والعناية بالزرع.
ومن المعلوم ان كون المصرف تجارياً لا ينحصر بأسلوب التجارة
ــــــــــــــــــــ[42]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
التقليدي، بل يعم كل موارد الاستثمار. ولم يتعرض لها المؤلف إطلاقاً.
الوجه السادس: ان هذه الأطروحة، طبقاً لغالب التكليفات الفقهية، تحتاج إلى قصد لعنوان المضاربة من قِبَل المودِع والمستثمر والمصرف نفسه على السواء. وأما من دون أي قصد لعنوان المعاملة فانه لا تكون المعاملة متحققة. ومن المعلوم ان المصارف الحالية بكل أنواعها لا تقصد ذلك. وإذا تأسست بعض المصارف على غرارها جرى الناس فيها على نفس الاعتبار، من دون قصد إلى تكييف معين. فهل يجب فقهياً إعلان ذلك لكل مودِع ومستثمر: ان المصرف لا يتعامل إلا بمضاربة؟
الوجه السابع: يمكن ان يقال من الناحية الشكلية، ان هذه الأطروحة لا تخلق مصرفاً، وإنما تخلق شركة مساهمة للمضاربة، فالمودِعون هم المساهمون برأس المال والمستثمرون هم العمال المضاربون.
غير إنها شركة مفتوحة قابلة لزيادة الأسهم ونقصانها باستمرار. وهذا أمر ممكن في الشركات المساهمة في عالم اليوم. وبيع الأسهم أمر جارٍ دائماً وسنتكلم عنه في حينه.
غير ان هذا الوجه، يتضمن تغييراً لعنوان الأطروحة، وليس مناقشة لأحكامها فان المفروض فيها ان تكون أطروحة لمصرف على الشكل المفهوم اعتيادياً، لا أطروحة لشركة مساهمة.
وقد يخطر في البال -دفاعاً عن الأطروحة-: ان الشركات المساهمة تستثمر المال بنفسها لا انها تقسمه بين المستثمرين. إذن, فالمؤسسة التي تعطي المال للآخرين لكي يستثمرونه، هي مصرف وليست شركة مساهمة.
وجوابه: ان المهم في نظر الشركة هو الاستثمار والاسترباح مهما اقتضت المصلحة وفي حدود اختصاص معين بطبيعة الحال. فإذا اقتضت المصلحة
ــــــــــــــــــــ[43]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إعطاء المال للآخرين بفوائد لم تألُ عن ذلك جهداً. مضافاً إلى ان الأطروحة نفسها اعتبرت المصرف بنفسه عاملاً في المضاربة في ودائع الحساب الجاري. شأنه شأن ما قلناه عن الشركة المساهمة قبل قليل.
فهذه أهم الوجوه التي يمكن ان تناقش فيها الأطروحة ككل. والفصل الآن معقود كله للنظر إلى المصرف ككل، ونوكل التفاصيل إلى فصل آخر آتٍ.
الأطروحة الثانية: اننا بدلاً ان نتصور المصرف وسيطاً في عقد مضاربة، ونكيف تصرفاته على هذا الأساس. يمكن ان نتصوره صاحب المال في عقد مضاربة والمستثمرون عماله في هذا العقد. وهو بالطبع يستعمل رأس ماله الأصلي، مع الأموال المودَعة لديه بأي شكل من أشكال الإيداع. كرأس مال مضاربة. وليس من وظيفة المودِعين ان يكونوا أرباب أموال فيها وإنما الإيداع موكول إلى بعض التكييفات الفقهية:
أولاً: انه بنحو القرض. والفائدة ان تكون لقاء ما فعله المودِع من حيث يعلم أو لا يعلم مع إفادة المصرف في توسيع أمواله التي يستثمرها. فهي تعتبر أجراً.
والقرض يملكه المقترض ويتصرف فيه تصرف المالك، فإذا ملكه المصرف استطاع ان يستثمره بالمضاربة.
ثانياً: انه بنحو الإيداع أو الاستعارة، مع اشتراط أمرين: أحدهما: عدم انحفاظ المال وإنما تنحفظ المالية فقط، لأنها هي المهمة عرفاً واقتصادياً. ثانيهما: ان يأذن المودِع للمصرف ان يتصرف -في مالية هذه الوديعة قبل سحبها- تَصرّف المالك في ملكه، أي بحسب ما يرى المصرف من المصلحة.
وأما الفائدة، فتكون كما أشرنا إليه في الفقرة أولاً.
ثالثاً: ان يكون بنحو الهبة المعوضة أو المضمونة. فبالهبة يملك المصرف ــــــــــــــــــــ[44]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ما وصل إليه من المال ويستعمله كما يشاء، والمفروض انه يستعمله في المضاربة. وبالضمان يكون للمودِع حق السحب متى أراد أو تحت شروط معينة. فان لم توجد للإيداع فائدة، فهو المطلوب فقهياً، كما في الحساب الجاري. واما إذا كان له فائدة كيّفناها فقهياً بالشكل السابق أو نحوه، مع العلم ان الإرجاع بزيادة ليس حراماً في غير القرض، فتكون الفقرة ثانياً وثالثاً خالية من الإشكال أساساً.
وهذه الأطروحة تحتوي على بعض نقاط القوة، بالنسبة إلى الأطروحة الأولى وذلك في عدة وجوه:
الوجه الأول: اننا هنا، لا نحتاج إلى أي تكييف للودائع الخالية من الفائدة، ضمن الأطروحة. بخلاف الأولى، فان الأموال حين تستثمر في المضاربة، يستحق المودِعين ان يحصلوا على نسبتهم منها.
الوجه الثاني: ان هذه الأطروحة تبرر الفوائد التي يأخذها المصرف من المستلفين على أساس كونها جزءاً من الأرباح التي تخصه في عملية المضاربة، بصفته صاحب المال، وان كانت كسراً ضئيلاً من الأرباح أحياناً.
في حين اعتبرتها الأطروحة السابقة أجوراً على وساطة المصرف بين أرباب المال والمستثمرين.
الوجه الثالث: ان الأطروحة الأولى وزعت عمل المصرف كما عرفنا، تارة وسيطاً وتارة عامل مضاربة وثالثة صاحب رأس المال. وهو مما يلقى جواً من التشويش كما ذكرنا. وأما هنا فقد أصبح المصرف صاحب رأس المال فقط.
الوجه الرابع: إذا حصلت الخسارة لدى المستثمرين، استطاع المصرف ان يضمن للمودِعين ودائعهم. لأن تلك الخسارة غير مربوطة بهم على الإطلاق في هذه الأطروحة. في حين كان اللازم على الأطروحة السابقة عدم ضمانها
ــــــــــــــــــــ[45]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
لهم فقهياً بصفتهم أصحاب رأس المال.
نعم، إذا حصلت الخسارة، فطبقا لهذه الأطروحة لا يستحق المصرف فوائده من المستلفين. إلا ان احتمال الخسارة ضئيل جداً في مجموع الأعمال على أي حال.
الوجه الخامس: ان المصرف لا يكون شركة مساهمة لأنه إنما يكون كذلك إذا ساهم المودِعون بالمضاربة، وليس الآن كذلك.
الوجه السادس: ان هذه الأطروحة تعم سائر المصارف التي يكون فيها تسليف، سواء كان فيها إيداع أو لم يكن. بخلاف السابقة، فإنها تختص بالمصارف التي تقبل الإيداع، غير ان المال المستلف هنا ينبغي ان يصرف في التجارة.
هذا، وربما تكون هذه الأطروحة أقوى من سابقتها في بعض التفاصيل من أعمال المصرف التي تأتي في الفصل الآتي.
ولكن على الرغم من ذلك فان عدداً من الوجوه التي وردت إشكالاً على الأطروحة الأولى تَرِد في هذه الأطروحة أيضاً. وهي مشروحة فيما سبق، فنشير إليها الآن فقط:
أولاً: ان معاملة المضاربة تحتاج إلى قصد وهو غير متحقق.
ثانياً: انه لا يشمل صرف المال المستلف بالزراعة والصناعة والبناء ونحوها. من غير أشكال التجارة التقليدية.
ثالثاً: إذا زادت الأرباح لدى المستثمرين لم يكن للمصرف إلا فوائده التقليدية عادة، مع انه من الناحية الفقهية يستحق كسراً أكبر.
وبتعبير آخر: انه يستحق كسراً عشرياً من الربح لا كسراً من رأس المال. وهو على خلاف ما هو المتعارف في المصارف. ويمكن تلافي أكثر هذه
ــــــــــــــــــــ[46]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الإشكالات باشتراط خلافها في تأسيس مصرف قائم على الأطروحة الثانية، بخلاف الأولى، فان أكثر الإشكالات لا يمكن تلافيها بهذا الشكل، كما هو واضح لدى استعراضها.
الأطروحة الثالثة: ان المصرف هو صاحب رأس المال. فان كان الاستثمار تجارياً كان مضاربة، وكان لا بد فقهياً من تطبيق أحكامها أيضاً. وان كان زراعياً قلنا انه مزارعة أو مساقاة، مع تطبيق أحكامها أيضاً.
هذا, وتكون الصناعة أو المؤسسات الإنتاجية أو الاستثمار عن طريق البناء أو مطلق المال غير المنقول، هذا كله يكون مندرجاً في المضاربة، لأنه لا فرق من الناحية الفقهية بين التجارة التقليدية وبينها.
وكذلك لو كان الاستلاف لجعل مضاربة جديدة أو تأسيس مصرف جديد فان المستلف يكون بمنزلة العامل في المضاربة، غير انه لا يقوم بالعمل بالمباشرة. ويكون صاحب المال الرئيسي هو المصرف الذي نتحدث عن تكييف حكمه.
وبهذا نكون قد دفعنا إشكالاً رئيسياً كان وارداً على الأطروحتين السابقتين. وتبقى الإشكالات الواردة على الأطروحة الثانية مشروطة باشتراط خلافها كما أشرنا تماماً هناك. وبهذا لا تكون أي الإشكالات واردة على هذه الأطروحة.
غير انها تحتاج في بعض تفاصيلها إلى إيضاح:
أولاً: ان كان الاستلاف للاستهلاك الشخصي لم يندرج في الاسترباح ولم يجز عليه أخذ الفائدة شرعاً. نعم، للمصرف أخذ الأجور لقاء تسجيله ونحو ذلك. وان كان ذلك بمقدار الفوائد التي تأخذها المصارف عادة.
ثانياً: ان الإيداعات لها نفس التكييف الفقهي الذي سبق في الأطروحة الثانية.
ــــــــــــــــــــ[47]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ثالثاً: للمصرف في كل هذه الأطروحات ان يأخذ أكثر من حصة الفائدة الاعتيادية من المستلفين، لأنه يشاركهم فقهياً في نسبة معينة من الأرباح قد لا تكون قليلة. إلا ان هذا الأسلوب يكون مانعاً من تحول الناس على المصرف ورغبتهم فيه، الأمر الذي يجعله مجبوراً ان يكون سواسية مع الغير.
رابعاً: كل نقاط القوة التي للأطروحة الثانية بإزاء الأولى، توجد لهذه الأطروحة الثالثة بإزاء الأولى أيضاً. وأما قوتها على الثانية فباندفاع الإشكال الرئيسي الذي قلناه، من عدم انحصار الاستثمار بالمضاربة.
وقد بقيت هناك للمصارف أعمال وشرائط كثيرة، تأتي في فصل قادم ان شاء الله.
الأطروحة الرابعة: اننا هنا نغض النظر عن عنوان معاملة المضاربة وغيرها، مما قلناه في السابق. ونريد الآن تكييف أعمال المصارف فقهياً على ما هي عليه الآن من ترتيب ونشاط بدون ان نجعل لها قوالب جديدة فهل في الامكان ذلك أم لا؟
اشرنا فيما سبق ان هناك بعض الأساليب الفقهية المحتملة لأجل إنتاج هذه النتيجة نذكرها هنا باختصار:
الأسلوب الأول: الاستدلال بالسيرة على صحة المعاملات الجديدة المستحدثة في العصور المتأخرة. بمقدار ما يفهمها أصحابها والعاملون عليها.
وقد سبق؛ ان هذا الأسلوب ليس بصحيح، لأن السيرة إنما تكون حجة فيما إذا كانت متصلة بزمن المعصومين. دون ما إذا كانت متأخرة كهذه السيرة.
الأسلوب الثاني: تبرير الفائدة الربوية ببعض الأساليب السابقة التي بحثناها
ــــــــــــــــــــ[48]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
في الجهة الثانية من هذا الفصل. فان تمت أمكن تكييف أعمال المصارف كما هي، ولكننا أسلفنا انها غير تامة.
نعم, سبق هناك بعنوان الأسلوب الخامس، ما يمكن فيه التحايل على حرمة الفائدة الربوية، لكنه أسلوب منوط بالتطبيق والقصد. فان تم قصده وتطبيقه فالظاهر الجواز. إلا انه غير مطبق في المصارف من الناحية العملية.
وقد ذكر الفقهاء أساليب أخرى للتخلص من الربا، ولكنها تحتاج إلى قصد بطبيعة الحال، وان يكون القصد جدياً، إلى المعاملة التي سنذكرها لا لمجرد التخلص من الربا، والا فمجرد اللفظ لا يكون سبباً للتحليل. ويعتبر كل واحد منها أسلوباً من هذه الأساليب في هذه الأطروحة.
أولاً: ان يهب الدائن المال الذي يريد إقراضه، ويقبل الموهوب له أو المدين. لكن بشرط التعويض إجمالاً. وعند الوفاء يهب المدين المال من جديد زائداً على ما سبق.
ثانياً: ان يقرض الدائن المال للمدين اعتيادياً. ثم عند الوفاء يهب المدين المال مع فائدته للدائن. ثم يبرؤه الدائن من دينه السابق.
ثالثاً: ان يتم القرض أولاً كما سبق، ثم عند الوفاء، يقرض المدين المال للدائن مع الفائدة، ثم يبرئ أحدهما ما في ذمة الآخر من الدين.
رابعاً: ان يتم القرض والوفاء اعتيادياً وتكون الفائدة هبة جديدة, أي بعد القرض الذي يعتبر لا فائدة عليه.
خامساً: ان يكون كِلا المالين لهما معاملة بيع، فيبيع المدين على الدائن علبة كبريت بألف دينار -مثلاً- بيعاً جدياً، وله ان يشترط الدائن فيه ان يبيع بعد شهر مثلاً على المدين علبة كبريت بألف ومائة دينار مثلاً. وعند انتهاء المدة يطبقان ما اشترطاه. كما يمكن ان تكون المعاملة الثانية بدون شرط. ولهم ان
ــــــــــــــــــــ[49]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
يفكروا -مع حسن الذوق الفقهي- بأساليب أخرى للتخلص من الربا. وإذا كان القصد هو ذلك كان القصد إلى المعاملة جدياً، لأنه ينتج في الدنيا حِلّية المال وفي الآخرة عدم العقوبة على الحرام.
ومع قصد هذه الأمور قصداً جدياً، يمكن تطبيق نفس الفكرة في الإيداع والتسليف معاً، فترتفع الحرمة من هذه الناحية. بغض النظر عن بعض النقاط التي سبق ان سمعناها في الفصل السابق.
هذا, ولا ينبغي ان ننسى الإشارة إلى ما ألمع إليه بعض أساتذتنا من ان من أسباب زيادة دخل المصرف هو ان يوزع جملتها على المستثمرين. لكن ينبغي ان تكون هذه المصارف مما يمكن أخذ الفائدة منه فقهياً وشرعياً، وهي المصارف الحكومية والمصارف التي يملكها الكفار والمشركون، كما سبق ان ذكرنا.
وعندئذ سيكون الفرق بين ما يأخذه من أرباح منها ومن المستثمرين وبين ما يدفعه إلى المودِعين، ربحاً للمصرف لا محالة.
ــــــــــــــــــــ[50]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
في تفاصيل أعمال المصارف
وينبغي التقديم في هذا الفصل بعدة أمور:
الأمر الأول: انه كما بدأنا في الفصل السابق، بغض النظر عن نقاط الضعف التي عرفناها في الفصل الأسبق، كذلك، ينبغي ان نفعل الآن إلا في حدود ما نستطيع في هذا الفصل، من تلافي بعض تلك النقاط. والمهم ان النقاط التي لم يتم تلافيها ينبغي غض النظر عنها مؤقتاً.
الأمر الثاني: في تذليل عقبة معينة، أو الجواب على سؤال معين، ينبغي الجواب عليه جهد الامكان قبل الدخول في تفاصيل هذا الفصل.
وذلك: اننا ذكرنا فيما سبق ان التعامل يكون أحياناً في المصارف بالأرقام لا بالأموال لا العينية ولا النقدية. وقد يكون ذلك من طرف واحد، وقد يكون ذلك من كِلا الطرفين، كما في سوق البورصة. وقد مثّلنا له: ان شخصين لهم حساب جاري أو غيره من أشكال الودائع في المصرف، فيكون لأحدهما دَين على الآخر أو خصم كمبيالة ونحوها، فيتم نقل رقم من حساب أحدهما إلى حساب الآخر. ويعتبر الدَين مؤدى قد برأت الذمة منه.
وفي سوق البورصة يتم التبادل بين العملات، لا نقداً وإنما بالأوراق التي سجلت عليها أرقام الحسابات لا أكثر.
فهل هذا صحيح ومجزئ فقهياً أو لا؟ فان لم يكن مجزياً تعيّن الدفع الفعلي. ولو بسحب المبلغ من البنك وإعطائه للآخر، ثم يودعه الآخر في
ــــــــــــــــــــ[51]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
البنك بدوره، فتكون العملية المصرفية أطول نسبياً. على انه من الصعب تنفيذها بالنسبة إلى الأعداد الضخمة من الأموال كمئات الآلاف أو الملايين، لو تحدثنا عن الشركات الكبيرة أو الدول. فهذه عقبة لا بد من تذليلها.
وحاصل الكلام في ذلك: اننا لو تجاوزنا الذهب والفضة التي هي الأساس في مالية الأموال كما سبق في فصل سابق بقي لدينا من الدوال على المالية, أو قل: من الأوراق المالية ثلاث مستويات:
المستوى الأول: النقود بما فيها من أوراق ومعدن.
المستوى الثاني: الأوراق المالية المتداولة في المصارف كالشيكات والسندات والكمبيالات.
المستوى الثالث: القوائم أو البطاقات التي تحتوي على حسابات قد تكون ذات حقل أو اختصاص معين، وقد لا تكون.
ويتميز المستوى الأول عن المستويين الآخرين بالنظر إليه عرفاً بأنه يمثل المالية نفسها بغض النظر عن شخصيته الخاصة كما في الذهب تماماً، حيث عرفنا ان النظر إليه عرفاً هو ذلك أيضاً. وحيث انسحب الذهب من الساحة الاقتصادية، انتقلت النظرة العرفية إلى هذا المستوى الأول وهو النقود.
ويختلف المستوى الثاني عن الثالث باستقلال أوراقه بالدلالة على حساب محدد ومالية معينة. فمثلاً لا يمكن ان يكتب في الشيك أكثر من رقم واحد في حين ان البطاقة تحتوي على أرقام متعددة.
وقد يقال: ان المستوى الثاني له خصيصة المستوى الأول بالنظر العرفي باعتبار انه يمثل المالية الخالصة فكما يمكن التداول سوقياً بالمستوى الأول يمكن التداول بالمستوى الثاني. أو بتعبير آخر: كما ان المستوى الأول صحيح ومجزئ فقهياً. فكذلك يكون المستوى الثاني لتماثل النظرة العرفية إليهما.
ــــــــــــــــــــ[52]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ولكن قد يقال: بأن هذا لا يتم, لوضوح ان الأوراق المالية المصرفية لا يمكن تداولها سوقياً وإنما يتم تداولها في حدود معينة وفي المصارف، خاصة الأمر الذي يجعلها أقل دلالة على المالية الخالصة من النقود. وجواب ذلك من وجوه, منها:
1- ان المهم هو الدلالة على المالية لكي تكون الورقة المالية مجزية فقهياً مهما كانت حقيقتها.
2- اننا ينبغي ان نسير مع الشروط العرفية للأوراق المالية, والشرط العرفي للأوراق المصرفية هو تداولها في خصوص المصارف على حين لا يوجد ذلك كشرط للمستوى الأول في النقود.
3- ان المصارف عرفاً سوق من الأسواق. لأن السوق لا تختص لمن يعرض بضاعة، وإنما تعم كل من له مصلحة في تبادل اقتصادي معين، ويدعم ذلك ان السوق للمشتريات الضخمة لا يمكن ان يكون كالسوق البسيطة، الأمر الذي يجعلها محتاجة إلى حساب المصارف، وهو ينتج: كون المصارف جزء من السوق لا محالة.
ومعه، فإذا اشترطنا في الأوراق المالية ان تكون متداولة في السوق، كفى تداولها في المصارف لأنها جزء من السوق، كما عرفنا.
بقي علينا النظر إلى المستوى الثالث وهو القوائم أو البطاقات التي تحتوي على أرقام عديدة. وهي ليست أوراق مالية عرفاً ولا يمكن تداولها بطبيعة الحال. وبهذا نفترق عن المستويين السابقين: فتكون أصعب تكييفاً من الناحية الفقهية.
وما يمكن ان يقال في تكييف أجزائها الفقهي وصحتها: هو ان نلتفت إلى ان الأوراق المالية من القسم الثاني -على الأقل- إنما تكون صحيحة ومجزية في
ــــــــــــــــــــ[53]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المعاملات عرفاً لأنها مربوطة بالنقد على المستوى الأول بحسب أسبابها ومسبباتها:
أما بحسب الأسباب: فلأن الفرد قد لا يستطيع ان يسحب شيكاً إلا إذا كان هناك حساب مودَع في المصرف، فلولا وجود هذا الحساب لم يمكن سحب الشيك.
وأما من ناحية المسببات: فلأن الشيك يؤول أمره في المصرف إلى إمكان سحب النقد من المصرف. فانه ان أعطي الساحب نقداً فهو المطلوب فقهياً، وان سُجِّل في حسابه كذلك، فالتسجيل يمكن تحويله إلى نقد في الوقت الذي يرغب فيه صاحبه.
وهذه النكتة الموجودة في الشيكات، متحققة في القوائم المالية لأنها تعود إلى النقد بحسب أسبابها ومسبباتها فينبغي ان تكون صحيحة ومجزية فقهياً كما هي صحيحة عرفاً.
وقد يقال: بالفرق بين الشيكات والقوائم المالية، من حيث ان الشيكات مربوطة بالنقد في أسبابها ومسبباتها دون القوائم المالية. لأن تلك القوائم قد تكون ثمناً لقرض مدفوع وليس للنقد. فهي غير مربوطة بالنقد من أحد الطرفين، اما في أسبابها واما في مسبباتها. وجواب ذلك من وجهين:
1- ان المهم عرفاً هو وجود الغطاء المالي أو الاقتصادي وهذا صادق بالنسبة إلى المستويات السابقة كلها، إذ لولا هذا الغطاء لم يكن حتى للمستوى الأول أية قيمة اقتصادية.
ومن المعلوم ان الغطاء لا ينبغي ان يكون مقتصراً عرفاً على النقد وإنما يشمل العروض أيضاً.
ومعه, فما دام للأوراق المالية غطاء، اما من النقد أو العروض بحسب ــــــــــــــــــــ[54]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
أسبابها أو مسبباتها فهو كافٍ للاعتبار المالي عرفاً وفقهياً.
2- ان المهم عرفاً هو النظر إلى مالية المال وليس إلى شخصه فكل ما يمثل المالية يكون مقبولاً اقتصادياً وسوقياً. ومن المعلوم ان العروض تمثل المالية نحواً من الأنحاء، إذ لو لم يكن لها مالية لما أمكن تداولها عرفاً ولم تطبق عليها مختلف المعاملات. وهذه المالية هي التي تصحح دفع الأوراق المالية بإزائها. ولا حاجة لنا الآن إلى ان نتصور المالية تصوراً خالصاً تذوب فيه الشخصية تماماً. لوضوح ان العروض ليس كذلك. وإنما يتداوله الناس لأجل خصائصها الشخصية لا المالية.
والقوائم المالية ما دامت ذات غطاء من المالية، ولو بالمعنى المتحقق في العروض، يكون كافياً، لصحتها عرفاً. وخاصة إذا التفتنا إلى انها في مرحلتها الأولى أو في حين تسجيلها مربوطة بالعروض، إلا انها تؤول إلى النقد في المراحل المتأخرة. إذن, يمكن للمالك ان يسحب قيمتها من المصرف نقداً متى شاء كالشيكات تماماً. فلا ينبغي ان يختلف حسابها عن الشيكات فقهياً.
وقد يخطر في البال: ان المعاملات الضخمة عموماً إنما هي بالأرقام مهما تعددت وكثر أشخاصها، يعني لو بيعت العروض عشر مرات لكان كل ذلك بالأرقام في خصوص المستوى الثالث، ويقل استعمال المستوى الثاني. اما المستوى الأول -وهو النقد- فلا يفكر فيه أحد.
الأمر الذي ينتج ان تحوّل القوائم المالية إلى نقد، أمر غير متحقق. فكيف يمكن ان يقال بصحتها وإجزائها فقهياً؟
وجواب ذلك من وجهين:
أولاً: ان المهم عرفاً هو إمكان التحول إلى نقد، متى أراد الطرف. وهذا متحقق باستمرار. كل ما في الأمر ان الأفراد لا يفكرون في ذلك من
ــــــــــــــــــــ[55]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
أجل سهولة التعامل لا غير.
ثانياً: ان المهم عرفاً هو تحقق المالية بالمعنى التجريدي أو العام، وهو متحقق في كل المستويات الثلاثة السابقة، حتى الأرقام المكتوبة في القوائم أو البطاقات المالية، لدلالتها على مقادير من المال لا محالة.
الأمر الذي ينتج ان المالية متداولة في المعاملات باستمرار، مهما طالت. ولو إلى عشر مرات أو مائة مرة.
هذا، ويمكن ان يستدل بالسيرة على صحة الأوراق المالية -أعني المستوى الثاني والثالث- وذلك من وجهين:
الوجه الأول: لا شك ان السيرة قائمة في السوق على تداول هذه الأوراق المالية. والسيرة حجة فقهياً كما سبق ان قلنا. وهي تنتج اعتبار هذه الأوراق المالية وصحة التداول بها.
وجواب ذلك: اننا قلنا أيضاً ان السيرة إنما تكون حجة إذا كانت متحققة في زمن المعصومين (سلام الله عليهم) ليكون عملهم بها أو سكوتهم عنها هو الحجة. ولا شك ان هذه السيرة التي نتحدث عنها لم تكن متحققة يومئذ فلا تكون حجة بهذا المقدار من البيان، إلا ان ترجع إلى الوجه الآتي.
الوجه الثاني: ان نلتفت إلى شكل من أشكال الأوراق المالية غير النقد الذي كان متداولاً في العصور السابقة. ويمكن ان يقال أنها أكثر من شكل واحد:
الشكل الأول: الأوراق الدالة على الاعتراف بالدَين من قِبَل المدين سواء كان الدَين لقرض أو بيع أو غيره. فإنها كانت حجة عرفاً في اقتضاء الدَين من المدين مع حلول أجله.
الشكل الثاني: الوصولات التي كانت تكتب عند الدفع، وهي أيضاً شكل
ــــــــــــــــــــ[56]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
من أشكال الورق المالي إذ لولاها يمكن إنكار القبض، مع القبض مجدداً ولو بالمرافعة القضائية.
إذن ينتج من ذلك، ان الأوراق المالية كانت موجودة في صدر الإسلام. وعليها السيرة العرفية والعقلائية وهو يصحح فقهياً بعد التجريد عن الخصوصية كل المستويات الثلاثة السابقة للأوراق المالية. ولا يبقى إلا إشكال فقهي واحد عن ذلك. وهو انه قد ثبت في بعض النصوص والفتاوى النهي عن الاعتماد عن الكتابة وإسقاط حجيتها شرعاً، الأمر الذي يعود بنا إلى الإشكال الفقهي السابق وتفصيل الاستدلال على ذلك ليس هذا محله.
وجوابه مختصراً من عدة وجوه، نذكر منها:
أولاً: ان المراد بذلك، الكتابات المحتملة التزوير أو غير المحرزة الصحة دون الكتابات المعلومة الصدق. ولا أقل من احتمال ذلك فقهياً. الأمر الذي يجعل الإجماع على عدم حجية الكتابة -لو كان- مختصاً بغير هذه الصورة. وأما السُنّة الدالة على ذلك فهي قابلة للمناقشة، أما سنداً وأما دلالة مما لا حاجة إلى تفصيله.
ثانياً: يمكن الاستدلال بما دلّ من السُنّة المتواترة في مختلف المجالات، باعتماد الأئمة وأصحابهم على الكتابات في الوقفيات والوصايا والإقرارات والوصولات وغيرها. الأمر الذي يجعل احتمال عدم حجية الكتابة بشكل مطلق مما لا دليل عليه فقهياً.
فهذا هو الكلام في الأمر الثاني في حجية الأوراق المالية من مستوياتها الثلاثة. وقد نتج صحة حجيتها فقهياً في حدود المستوى الفكري المعروض في هذا الفصل.
الأمر الثالث: قد يرد على التعامل بالأرقام المصرفية إشكال آخر فقهياً: وهو
ــــــــــــــــــــ[57]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
عدم تحقق المعاطاة الأمر الذي ينتج عدم صحة المعاملة أساساً.
فان المعاملة إنما تصح كما عرفنا في بعض الفصول السابقة بأحد سببين:
اما العقد اللفظي المحتوي على الإيجاب والقبول، وأما المعاطاة, يعني بدون عقد. وقد اشترطنا في المعاطاة ان يكون هناك تعاطٍ أو قبض من أحد الطرفين على الأقل، فلو حصل ذلك حصلت المعاطاة وصحت المعاملة، واما لو لم يحصل فالمعاطاة غير حاصلة والعقد اللفظي غير حاصل، كما هو الموجود سوقياً في عصورنا الحاضرة. فتكون المعاملة باطلة. ومن المعلوم في كثير من الأحيان ان التعاطي لا يكون متحققاً من كِلا الطرفين، اما العروض فلأنه يشترى ويباع وهو في مخزنه لا يتحرك ولا يقبض. واما الثمن فلأنه لا يقبض أيضاً وانما يسجله موظفو المصارف في حساب البائع، فكيف تتحقق المعاطاة؟
وجواب ذلك يكون على مستويات، منها:
المستوى الأول: ان المتعاملين، كالبائع والمشتري مثلاً، يتحدثان ويتفقان على إيجاد المعاملة بلا شك، وهو المسمى بـ«المقاولة» في لغة الفقهاء. فنقول هنا فقهياً: ان هذا الحديث كافٍ في صدق العقد. ولا دليل على أكثر من ذلك.
إذ يصدق عليه انه: تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وغير ذلك من العمومات.
واما الدليل على لزوم العقد الذي تعبّد الفقهاء بلزومه، فالأمر المهم منه هو الإجماع والخبر المعتبر القائل: “إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام”.
اما الإجماع، فهو: أولاً: لم يثبت وجوده أساساً، وان ثبتت الشهرة بالتأكيد. وثانياً: ان القدر المتيقن منه هو حصول اللفظ أياً كان (فتأمل)، دون العقد (الرسمي) الذي اشترطوه. ومن المعلوم في القواعد ان الإجماع لا يكون
ــــــــــــــــــــ[58]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
حجة أكثر من القدر المتيقن.
واما الخبر المعتبر، فمن الواضح ان (المقاولة) أيضاً هي من نوع الكلام، وهو يصدق عليها بلا حاجة إلى ما هو أكثر من ذلك.
المستوى الثاني: انه يمكن ان يقال ان التعاطي من طرف واحد متحقق فعلاً. فإنه كما يحدث في دفع الثمن نقداً، كذلك يحدث في دفع الورق المالي كالشيك.
وكذلك يحدث في صورة أخرى هي المهم في هذا المستوى وهو ان موظفو المصرف يسجلون الرقم الجديد في حساب البائع. فهنا يمكن ان يعتبر هذا التسجيل من قبيل التعاطي من أحد الطرفين وان الموظفين يعملون ذلك بالوكالة أو الإذن من قِبَل البائع. فإذا تم ذلك تم التعاطي لا محالة. وهو كافٍ في حصول المعاطاة.
المستوى الثالث: اننا لو تنزلنا عن المستويين السابقين لم يحصل البيع، بل يكفي حصول (الإباحة). وذلك ان يحصل من البائع دلالة حالية أو مقالية تدل على الاذن للمشتري بالتصرف بما وصل إليه من العروض بكل أنحاء التصرف، كتصرف المالك في ملكه، وكذلك إيجاد نية التملك عليه, وهو اعتباره ملكاً له بالقصد إلى ذلك مع بيانه بقول أو فعل. وهو ما يحصل عملياً وان لم يتم القبض. كما لو اعتبره ملكاً له ثم أراد بيعه. فيكون التصدي للبيع بياناً لهذا القصد. وهذا يكفي في حصول الملكية الحاصلة في طول الإباحة المشار إليها.
الأمر الرابع: تنقسم الأموال المتداولة في المصارف من ناحية حكمها الفقهي إلى عدة أقسام ولكل قسم نتائجه أيضاً:
القسم الأول: المال المحكوم فقهياً بالملكية الشخصية للفرد أو الشركة
ــــــــــــــــــــ[59]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
التي تمتلك المصرف, أو قل: التي تمتلك رأس المال.
وهذا يحدث فيما إذا لم يكن في تصرفاتها المعاملية أية مخالفات شرعية. ويكون حكم التعامل معه اعتيادياً كأي تاجر آخر. والمال المقبوض منه بالمعاملات الصحيحة يعود بالملكية لمالكه الجديد.
القسم الثاني: مال حرام كله شرعاً أو كثير منه بنسبة مجهولة, وهذا يحدث فيما إذا كان المصرف ملكاً لفرد أو شركة متكونة من أفراد يتعاملون بالربا.
والمال الحاصل بذلك حرام شرعاً، والتعامل مع مثل هذه الشركة حرام أيضاً.
القسم الثالث: مال مجهول المالك باصطلاح الفقهاء. وهذا يحدث فيما لو كان مالك رأس المال عملياً هو حكومة من الحكومات المسلمة، وليس للأفراد شركة فيه.
والتعامل مع مثل هذا المصرف جائز عملياً، والمال المقبوض منه حلال بشرط ان يقبض قبضاً شرعياً، بمعنى ان يقصد الفرد قبض المال عن الولي العادل، الذي يكون ولياً شرعياً عن المالك المجهول. وعبارته ان يقول: أقبضه عن الحاكم الشرعي. ثم يقول: أتملكه لنفسي.
وهذا القبض هو الذي ذهب إليه بعض أساتذتنا وكاتب هذه الحروف، ولم يذهب إليه سيدنا الأستاذ.
وهذا شامل للنقد والعروض بكل أشكاله بشرط دخوله تحت يده وسلطته ليتم القبض ويصح القصد. كما يشمل الشيكات والأسهم ونحوها من الأوراق المالية.
واما مجرد نقل رقم معين من حساب أحد إلى آخر، فهذا لا يحتاج إلى هذا القصد. وإنما يحتاج إليه فيما يتم قبضه من المصرف من الماليات.
ــــــــــــــــــــ[60]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
القسم الرابع: الأموال المتداولة في مصارف يملكها الكفار والمشركون. وهذا يحدث فيما إذا كان المصرف في بلد كل ساكنيه أو أكثرهم من هذا النوع. أو إذا علمنا ان رأس المال ملك لأفراد أو حكومات من هذا القبيل.
وحكمه، كما اشرنا في مناسبة سابقة، جواز التعامل معه، ما لم يحصل عنوان ثانوي محرم كتأييد الكفر ونحوه. والمال المأخوذ منه يكون ملكاً للقابض بقصد التملك المدلول عليه بقول أو فعل سواء كان نقداً أو عروضاً أو أوراقاً مالية. وسواء كان من رأس المال أو الفائدة الربوية.
ويبقى نفس الحكم فيما لو كان المتعاملون مع مثل هذا المصرف من الكفار. واما لو كان منهم مسلمون، فستكون نسبة غير معينة من المال من قبيل (مجهول المالك)، فلا بد من تطبيق القصد الفقهي السابق الخاص به على ذلك المال, باعتبار تلك النسبة المجهولة على واقعها.
الأمر الخامس: في منهجة هذا الفصل الذي عقدناه للحديث عن تفاصيل أعمال المصارف. كما يتضح من عنوانه، وكانت هذه الأمور الخمسة من قبيل المقدمات له.
وبالرغم من ان أعمال المصرف كثيرة ومتعددة بحيث يصعب برمجتها تحت عناوين عامة على الأغلب. والمهم فيما يلي هو الحديث عن كل عمل بعنوان مستقل. إلا ان محاولة إعطاء منهجية ولو تقريبية شيء حسن، ولو لمجرد الاطلاع.
هذا وينبغي الالماع هنا، إلى ان هذا الكتاب لا ينبغي ان يستوعب كل التفاصيل، فان ذلك من وظيفة كتاب خاص بها وليس من وظيفة فصل في كتاب، كما هو الحال الآن. كل ما في الأمر اننا ينبغي ان نتعرض لعدد مهم من أعمال المصرف حسب أهميتها، مما يلقي بعض الضوء تجاه الأمور الأخرى التي قد نحذفها.
ــــــــــــــــــــ[61]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وينبغي بطبيعة الحال ان نأخذ ما قلناه عن المصارف قبل ذلك بنظر الاعتبار، من نقاط الضعف السابقة في فصل سابق. فإننا هنا كما سبق أيضاً نتكلم بغض النظر عنها، إلا ما أمكن تلافيه من هذه النقاط.
كما ينبغي الالماع إلى ان أي عمل من أعمال المصارف، له جهة نظرية وجهة عملية. تتكفل الجهة النظرية قضية سبب تأسيسه وفائدة المصرف وغيره منه. وتتكفل الجهة العملية أسلوب تنفيذ العمل من مراجعة الموظفين وأخذ تواقيعهم على الاستمارات ونحو ذلك.
وبالتأكيد، فان هذا الكتاب يتجه إلى البحث عن الجهة النظرية دون العملية. لوضوح ان الجهة العملية إنما خططت لأجل إنجاح الجهة النظرية فقط وإنجازها بأسهل وأدق شكل ممكن.
أما الجهة النظرية: فهي التي تلتقي مع الفقه حيناً ومع القانون حيناً. وهي التي يهم التعرض إليها هنا، إلا ما كان من بعض الأساليب العملية التي تدلنا على بعض الأفكار النظرية، فقد نحتاج إلى التعرض إليها. ويمكن تلخيص أهداف المصرف النظرية، بعد التجاوز عن معنى التجارة والاسترباح الذي هو بالتأكيد الهدف الأساسي له. يمكن تلخيصها بما يلي:
أولاً: خدمة الأهداف الاقتصادية لأفراد المجتمع، وتقديم التسهيلات لهم من جميع الجهات الممكنة، وفي مختلف مشاريعهم وأعمالهم.
ثانياً: خدمة الدولة في أعمالها الاقتصادية، مهما كان هدفها.
ثالثاً: خدمة من يكون في داخل حدود الدولة من أفراد ذوي جنسيات مختلفة، وتقديم ما يمكن من التسهيلات لهم.
رابعاً: أخذ المصارف التي في خارج الدولة بنظر الاعتبار والتعاون معها، وأداء ما ينفعها أحياناً، مهما أمكن.
ــــــــــــــــــــ[62]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
خامساً: التقليل من الخسائر إلى أقصى درجة ممكنة في معاملاتها. فان احتمالات الخسائر موجودة وأسبابها عديدة، ولها طرق من التلافي والاطمئنان، ولو بجعل قسم من الأموال المصروفة على ذمة العميل. إلى غير ذلك. ولعلنا نحمل فكرة عن بعض ذلك فيما يلي من البحث.
ويراد من الخسائر قلة الربح وليس ضمور رأس المال بطبيعة الحال، فان ذلك يبدو أمراً غير محتمل.
سادساً: التوسع في أساليب الاسترباح إلى أكبر حد ممكن، مما هو مناسب مع وضع المصرف من وجهة نظر الذين يفكرون في قواعده وأساليبه. وتتخذ لذلك عادةً عدة أساليب خارج أعمالها التقليدية من الإيداع والتسليف. كخصم الكمبيالات وشراء الأسهم ومصادرة بعض أشكال الأموال كالمال المجمد لمدة طويلة كستة عشر سنة حسب قانون المصارف في العراق. وغير ذلك مما قد نحمل فكرة عن بعضه في المستقبل.
سابعاً: التوثق من المستلفين، بحيث يضمن إعادتهم لما استلفوه مع فوائده سواء كان لهم رصيد، أم كان استلافهم مكشوفاً لا رصيد له. وذلك عن طريق خطابات الضمان (الكفالات) ونحو ذلك.
ثامناً: الترغيب للمجتمع بالتعامل مع المصرف، لوضوح انه كلما زاد المتعاملون معه زادت أرباحه. ولهذا الترغيب عدة أساليب, أهمها وأوضحها: جعل يانصيبات لمن يشارك في الإيداع أو غيره. ومنها: جعل وثائق تأمين لكل مشارك حتى من الجهات غير المتعلقة بالمصرف، كالغرق والحريق.
هذا, ويمكن إدراج أعمال المصارف ضمن العناوين العامة التالية، لكي نتحدث عن منهج الفصل الذي قلناه قبل قليل وهو منهج تقريبي كما قلنا:
ــــــــــــــــــــ[63]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
أولاً: الإيداعات بأقسامها الثلاثة: الودائع الثابتة والتوفير والحساب الجاري.
ثانياً: التسليف للأفراد، سواء عن رصيد سابق أو على المكشوف.
ثالثاً: الاعتمادات المستندية التي تخص الاستيراد الخارجي.
رابعاً: شراء الأسهم والسندات للمصارف الأخرى والشركات، وبيعها.
خامساً: خطابات الضمان التي يصدرها المصرف للأفراد.
سادساً: مصادرة بعض أشكال المال، كما سبق مثاله وله أمثلة أخرى، على ما يأتي.
هذا, ونتكلم عن أهم أعمال المصرف ضمن عناوين مستقلة، نعتمد في كل منها الحديث أولاً عن العمل المصرفي في ذلك الفرع لو صح التعبير، مأخوذاً من مصادر مصرفية موثوقة، ثم نعلق عليه ما ينبغي من التعليق الفقهي المناسب.
الودائع النقدية:
وهي عبارة(1) عن مبالغ نقدية يودعها أحد الأشخاص الحقيقيين أو المعنويين لدى المصرف، وواجبة الدفع عند الطلب أو بعد إنذار أو في تاريخ استحقاق. يعني لقاء فائدة معينة أو بدونها حسب الاتفاق.
وهي على نوعين:
1- الودائع الوقتية: وهي المبالغ التي تودع لدى المصرف لمدة غير محدودة. للمودع الحق بسحبها حين الطلب، دون ان تمنح له أية فائدة عليها.
ــــــــــــــــــــ[64]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) دليل المعاملات المصرفية, ص35, ج2.
2-الودائع الثابتة: وهي المبالغ التي تودع لدى المصرف لمدة ثابتة ولقاء فائدة بنسبة معينة تمنح حسب شروط الاتفاق مع المودع.
وإذا لم يتم سحب الوديعة الثابتة عند استحقاقها، فلا تحتسب أية فائدة على المبلغ للمدة التي تلي تاريخ الاستحقاق لغاية تاريخ السحب. ولكن يستمر المصرف باحتساب الفوائد على الودائع الثابتة عند استحقاق أجلها دون مراجعة المودع، عندما يكون المودع قد سبق ان خوّل المصرف تمديد أجل الوديعة تلقائياً لنفس فترة الإيداع.
رهن الوديعة:
يجوز للمصرف قبول رهن الوديعة توثيقاً للتسهيلات المصرفية أو السلف التي تمنح للعملاء(1). على ان يكون مخولاً من قِبَل الراهن باستقطاع دين المصرف وفوائده من مبلغها عند استحقاق السلفة أو التسهيلات، وعدم دفعها.
ومن الواضح ان هذا الحكم شامل لكِلا شكلي الوديعة. الوقتية منها والثابتة. ويبدو انه لا يختلف الحال بين أن يرهن الوديعة الثابتة خلال مدتها أو بعد انتهائها ما دامت الوديعة ملكه. ما لم تذهب وارداً للدولة إذا لم يراجعها إلى مدة ستة عشر سنة.
كيفية الإيداع:
ويمكن الإيداع نقداً أو بموجب شيك أو حوالة أو بنقل من حساب آخر لدى المصرف بتخويل تحريري من المودع لقاء تنظيم مستند تسوية للإيراد لقيد المبلغ في حساب الوديعة المختص.
ــــــــــــــــــــ[65]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) نفس المصدر السابق, ص45.
ومن جملة الودائع التي يقبلها المصرف:
ودائع التوفير:
ولم أجد له في مصادرهم تعريفاً معيناً. فقد أخذوه على سجيته. واشترطوا(1) في المودع ان يكون شخصاً حقيقياً لا معنوياً باستثناء بعض اللجان ذات الأغراض الاجتماعية.
ويتم(2) إيداع المبالغ بحساب التوفير نقداً أو بموجب شيكات أو حوالات وما شابهها وذلك من قِبَل صاحب الحساب أو من قِبَل الغير. ويجوز ان يتم الإيداع عن طريق نقل المبالغ من حسابات أخرى لدى نفس المصرف أو من المصارف الأخرى سواء كانت تلك الحسابات تعود لنفس صاحب الحساب أو لغيره.
والسحب يمكن ان يكون نقداً، كما يمكن ان يكون عن طريق نقل مبالغ من حساب التوفير. إلى حساب آخر، كما يكون قابلاً للرهن أيضاً.
والمعروف ان فرق التوفير عن غيره من الودائع انه مما يمكن سحبه متى شاء المودع، مع وجود فوائد عليه. على حين تكون الودائع الثابتة مشروطة بانقضاء مدة معينة مع الفوائد، وتكون ودائع الحساب الجاري بدون فوائد. وسنناقش هذه الفروق بعد قليل.
وقالوا(3) عن الفوائد المدفوعة عن التوفير: ان الفائدة تحتسب على أساس الرصيد الأقل في الحساب خلال كل شهر. وإذا سحب الرصيد المتبقي في أي
ــــــــــــــــــــ[66]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
(1) نفس المصدر, ص9.
(2) نفس المصدر, ص15.
(3) نفس المصدر, ص21.
يوم فتدفع الفائدة عليه لغاية الشهر الذي يسبق الشهر الذي تم فيه.
ودائع الحساب الجاري:
عُرِّفت(1) المادة (401) من قانون التجارة رقم (149) لسنة 1970 المعدل الحساب الجاري بأنه: عقد يتفق بمقتضاه شخصان(2) على أن يقيدوا في حساب عن طريق مدفوعات متبادلة ومتداخلة، الديون الناشئة عن العمليات التي تتم بينهما من تسليم نقود أو أموال أو أوراق تجارية قابلة للتمليك وغيرها. وان يستعيضا عن تسوية هذه الديون عن كل دفعة على حدة بتسوية نهائية ينتج عنها رصيد الحساب عند غلقه. وتنقسم الحسابات الجارية إلى ثلاثة أنواع:
أولاً: الحسابات الجارية الدائنة. وهي الاعتيادية التي يقوم أصحابها بالإيداع فيها والسحب منها، بحدود الرصيد الدائن ولا يسمح بتجاوزه.
ثانياً: الحسابات الجارية المدينة (الحسابات المكشوفة). وهي الحسابات الجارية التي يمكن لأصحابها السحب منها بمبلغ أكثر من المبالغ المودعة فيها. ويقتصر استعمال هذا الحسابات على الأشخاص الذين يقرر المصرف منحهم الاعتمادات (التخصيصات) المكشوفة ممن يعتمد على كفائتهم المالية.
ثالثاً: الحسابات الجارية غير المقيمة، يعني التي لا يقيم المودع لها في البلاد باستمرار، بإزاء القسمين السابقين اللذين يعطيان للمقيم.
ولبعض هذه الأنواع انقسامات أخرى فرعية وأحكام متعددة كأخذ الرهن
ــــــــــــــــــــ[67]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) دليل المعاملات المصرفية, ج1, ص3, ط1.
(2) وهما: المودع والمصرف.
على الحساب المكشوف وغيره. مما سوف نتعرض إلى المهم منها بعد ذلك.
ولكننا الآن استطعنا ان نحصي الأنواع الأساسية من الإيداعات في المصارف. ولا ينبغي ان نتعداها قبل ان نحسب حسابها الفقهي أولاً، لندخل بعد ذلك إلى تفاصيل أخرى.
وفي الفصل السابق الذي عقدناه لفهم التكييف العام للمصارف، ما يفي بكثير مما نريد ان نقوله الآن، نذكره فيما يلي مختصراً مع بعض الإضافات، ثم نحاول ان نستنتج النتائج الفقهية المطلوبة. ضمن الأمور التالية:
الأمر الأول: سبق ان قلنا ان التكوين المصرفي لو صح التعبير، إنما هو تكوين تشريعي اعتباري، يمكن قبوله كواقع حاضر فعلاً، فلو أمكن تغيير بعض التشريعات أو كلها، وهي لا شك متغيرة ومتطورة بتغير الأزمان وبتغير الأيديولوجيات لدى الناس، أنتج الأمر صفات أخرى من أوصاف المصارف.
وهذا ينتج في مقامنا هذا، ان الفرق بين الإيداعات إنما هو فرق تشريعي وليس فرقاً منطقياً أو عقلياً. رأى مشرعوه أو مؤسسوه ان من الأصلح هو ذلك دون غيره. فلو تغيرت بعض التشريعات لما بقي هذا الفرق قائماً، فأما ان تتشاكل أو تكون هناك فروقات أخرى. أو ان تتعدد أشكال الودائع أكثر من ثلاثة. كل ذلك ممكن منطقياً على أي حال.
ولكننا هنا ينبغي أن ننظره كواقع مطبق في المجتمع، ونحاول فهمه من الناحية الفقهية.
الأمر الثاني: سبق ان حللنا معنى الوديعة المصرفية فقهياً، من عدد من الجهات. نذكر ما سبق باختصار، وما يستجد، نذكره بمقدار الحاجة إلى الإيضاح:
فما يمكن ان يكون تكييفاً فقهياً للودائع على العموم ما يلي:
ــــــــــــــــــــ[68]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
أولاً: إنفاذ الواقع على واقعه، يعني قبول وجهة النظر المصرفية في فهم الودائع، قبولاً فقهياً.
وقد سبق ان ناقشناه بوجهين:
1- عدم إمكان التمسك بالسيرة في هذا الصدد.
2- إجمال العبارة المصرفية وعدم تحديدها الفقهي. من حيث كونها وديعة أو دَيناً. وقد سبق إيضاحه.
ثانياً: ان المال مدفوع لكي يدفعه المصرف لآخرين ليكونوا عمالاً في مضاربة، بصفته وسيطاً بين الطرفين. كما هو مقتضى الأطروحة الأولى السابقة.
ثالثاً: ان المال مدفوع ليكون ملكاً للبنك، ويكون هو صاحب رأس المال في مضاربة يؤسسها مع المستلفين والمستفيدين. كما مقتضى الأطروحة الثانية السابقة.
رابعاً: ان المال مدفوع ليكون ملكاً للبنك، ويكون هو صاحب رأس المال في معاملات مختلفة أهمها من حيث العناوين الفقهية: المضاربة والمزارعة والمساقاة والإجارة مضافاً إلى الاسترباح التجاري المباشر. الذي يمكن إدراجه في هذا المجال أيضاً. وهذا هو مقتضى الأطروحة الثالثة السابقة.
وقد سبق ان عرفنا نقاط القوة والضعف في جميع هذه الأطروحات الثلاثة.
خامساً: ان المال المودع مدفوع بنحو الوديعة بالاصطلاح الفقهي. إلا ان هذا المعنى ينافي ملكية المصرف له، لأن الوديعة لا يملكها الودعي.
سادساً: ان المال المودع مدفوع بنحو الاستعارة بالاصطلاح الفقهي. ويرد
ــــــــــــــــــــ[69]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
عليه نفس الإشكال. وجوابه هنا: إمكان الإذن للمصرف بالتصرف كما سبق.
سابعاً: المال مدفوع قرضاً للمصرف، وبذلك يملكه المصرف ويستطيع التصرف فيه. وهذا هو المفهوم تقليدياً لدى المصرفيين والمجتمع. ونقطة ضعفه الرئيسية فقهياً هو الفائدة الربوية، التي سنتكلم عنها بعد قليل.
وبهذا يتضح ان الفهمين المتداولين اجتماعياً للإيداع، وهي (الوديعة) و(القرض) لا يخلوان من صعوبة فقهياً. بخلاف بعض التكييفات الأخرى، وهي إنما تصح إذا قصدها المتعاملون، كما عرفنا فيما سبق، دون ما إذا لم تكن مقصودة.
الأمر الثالث: في تفسير الفائدة المصرفية.
وقد عرفنا لها في الفصل السابق بعض التكييفات، فنسردها هنا مختصراً مع بعض الإضافات:
أولاً: انها فائدة ربوية فعلاً على المال المقترض. فتكون محرمة شرعاً.
إلا ان هذا يتوقف على عدة أمور:
1- ان يكون القصد بالمعاملة المصرفية هو القرض دون غيره، مما سمعناه قبل قليل. إذ الوديعة مثلاً لا معنى للفائدة فيها ولا تكون محرمة. لو كان الإيداع المصرفي وديعة فقهية فعلاً.
2- ان لا يكون المقصود بالفائدة بعض الأمور التالية.
3- ان يكون المال ملكاً لشخص أو أشخاص من المسلمين معينين، يتعاملون بالربا. واما إذا كان المال مجهول المالك أو ملكاً للكافرين، فلا حرمة فيه.
ثانياً: ان المال المدفوع كفائدة إنما هو تشجيع من المصرف إلى
ــــــــــــــــــــ[70]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المودعين(1) لأجل حثهم على الإيداع وتكثير أعدادهم ما أمكن. فهو هبة لأجل هذا التشجيع. فلا تكون حراماً شرعاً.
وهذا ان صح في الفائدة المدفوعة إلى المودعين، لا يمكن صحته في الفائدة المأخوذة من المستلفين، لوضوح عدم قصد المستلفين تشجيع المصرف على الدفع. نعم، لو قصدوا ذلك بصراحة وبشكل جدي لا لمجرد التحايل، كان ذلك جائزاً.
ثالثاً: ان الفائدة مال مدفوع كأجور على عملية الإقراض، بصفتها قد أدت نفعاً للمقترض. وقد عرفنا عدم صحتها.
رابعاً: ان هذه الفائدة نكيّفها بصفتها ربحاً في بيع، كما وصفناه في الفصل السابق بأكثر من أسلوب. وقد عرفنا انها جميعاً قابلة للمناقشة.
خامساً: ان الفائدة أصبحت حلالاً بأحد أساليب التخلص من الربا التي سبقت أيضاً مع مناقشاتها. وقد عرفنا -على أي حال- انها صحيحة في أنفسها، ولكنها تحتاج إلى قصد جدي.
الأمر الرابع: ان هناك أكثر من شكل للتعامل المصرفي، يعتبر خالياً من الفائدة، فهو من هذه الناحية لا إشكال فيه فقهياً.
أولاً: الحساب الجاري. فان القصد منه -كما عرفنا في هذا الفصل- إنما هو تمشية مجموعة معاملات تتم بين المودع والمصرف، لأجل إدامة الدفع والأخذ المتكرر فيها. كما هو واضح من تعريفه. وليس المقصود منه هو أخذ الفائدة. ولذا لا تدفع المصارف عنها أية فائدة وان كان هو الشكل الأهم من أشكال الإيداع تجارياً.
ــــــــــــــــــــ[71]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) كما صرحت به بعض المصادر المصرفية. انظر ص9 من (كراس بعنوان: مصرف الرافدين).
ثانياً: الودائع النقدية الثابتة للأشخاص الحكميين(1) والتي تقل مدتها عن الشهر الواحد.
ثالثاً: يوقف سريان الفائدة(2) عند نقل الرصيد من حساب التوفير. وذلك عند الوفاة أو غلق الحساب أو وقوع الحجز التنفيذي على صاحبه أو عند دفعه إلى الجهة الحاجزة مباشرة.
رابعاً: سمعنا في حساب التوفير أيضاً ان الفائدة تدفع على أساس الرصيد الأقل في الحساب. وهذا يعني ان الجزء الآخر، أو قل: المسحوب ليس عليه فائدة. فلو كان حسابه ألفاً وسحب نصفه كانت الفائدة على الخمسمائة المتبقية لا على الخمسمائة المسحوبة.
وقد توجد موارد أخرى أحياناً.
الأمر الخامس: في حقيقة الحساب المكشوف.
وانما يسمى مكشوفاً لأنه بدون رصيد، ويعتبر الرصيد (غطاء) للمعاملات، وكل ما لم يكن له غطاء فهو مكشوف. فالحساب المكشوف هو الذي لا غطاء له ولا رصيد له.
وإنما هو مجرد تخويل أو اعتماد أو إذِن من المصرف للعميل بأن يتصرف بهذا المقدار من المال الذي لم يكن قد أودعه فيما سبق، ولم يسبق له ملكه.
ومن هنا كان هذا النحو من الحساب يعتبر مخاطرة قد تذهب على البنك بجزء منه أو به كله. ولذا لا يعطيه البنك إلا عند الثقة العالية التي تثبت بالتجربة أو بخطابات الضمان (الكفالات). أو يعطيها لقاء رهون معينة كأملاك منقولة،
ــــــــــــــــــــ[72]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) نفس المصدر السابق, ص11.
(2) دليل المعاملات المصرفية, ج2, ص21.
وحساب جاري دائن أو حساب توفير أو نحو ذلك.
ويسمى الحساب المكشوف حساباً مديناً. لأن العميل يكون مديناً فيه للبنك بخلاف الحساب الاعتيادي.
فمتى -من الناحية الفقهية- يصبح الفرد بالحساب المكشوف مديناً للمصرف؟ فيه احتمالان:
الاحتمال الأول: انه يصبح مديناً عند فتح هذا الحساب، وأخذ الاعتماد أو الإذن بالتصرف بهذا المقدار من المال أياً كان.
الاحتمال الثاني: انه لا يصبح مديناً إلا بالسحب والقبض. ومن المعلوم ان القبض شرط في صحة القرض شرعاً. فلو لم يحصل ذلك لم يصبح العميل مديناً.
ولكل من الاحتمالين بعض الوجوه الفقهية نذكر بعضها:
فمن الوجوه المثبتة للاحتمال الأول:
الوجه الأول: ان المصرف بشخصيته المعنوية خول عميله بمقدار مجموع حسابه المكشوف وأعطاه عليه سنداً قانونياً، هي ورقة الاعتماد. فهو وان لم يقبض المال إلا انه قبض هذه الورقة المالية الدالة عليه. وهذا يكفي في اعتبار قبض المال كله عرفاً.
إلا ان هذا الوجه غير تام لإمكان المناقشة بالشخصية المعنوية، كما سبق ان شرحنا في الفصل الخاص بها، والمناقشة في كون ورقة الاعتماد ورقة مالية كالشيك مثلاً. وإنما هي ورقة إثبات قانوني للحساب المكشوف لا أكثر.
الوجه الثاني: ان السيرة العقلائية والسوقية قائمة على اشتغال ذمة العميل بالحساب المكشوف. والسيرة حجة فقهياً.
ــــــــــــــــــــ[73]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وجوابه: أولاً: انها سيرة متأخرة عن صدر الإسلام فلا تكون حجة، كما كررنا في أمثالها مراراً.
وثانياً: ان السيرة لا تقتضي ذلك بل تقتضي اشتغال الذمة بعد السحب، وهو الاحتمال الثاني. بدليل على ان العميل إذا لم يستخدم حسابه المكشوف وألغاه قبل استخدامه لم يكن مطلوباً ان يدفع للمصرف أية مبالغ. في حين لو كان قد سحب منه شيئاً وألغاه كان مسؤولاً عن المبالغ التي سحبها لا محالة.
وأما في الاحتمال الثاني: فلو تم السحب والقبض، فلا إشكال فقهي من هذه الناحية، وإنما الإشكال يبدأ إذا لم يكن هناك قبض بل اكتفى المصرف بالترحيل(1) من حساب لآخر. واعتبره على ذمة الحساب المكشوف فهل يعتبر هذا كافياً في القبض فقهياً أم لا؟
وقد سبق في الأمر الثاني من هذا الفصل ان بحثنا ما يشبه هذه الحالة. وعرفنا انه مع استعمال الشيك ونحوه من الأوراق المالية، يكون القبض لا إشكال فيه. وإنما الأشد إشكالاً من الناحية الفقهية هو الاكتفاء بالترحيل لو تم من قِبَل موظفي المصرف بدون قبض العميل.
وقد قلنا هناك ان المهم هو مالية المال، والقوائم والبطاقات المالية، تمثل هذه المالية لا محالة، أو قل: تمثلها الأرقام نفسها. والموظف في المصرف عند الترحيل إنما يعمل ذلك برضا وإذِن، أو قل: بوكالة عن العميل. فيقبض المالية بالمعنى العام بالوكالة عنه. وبهذا يتم القبض. وهذا يكفي، فتأمل.
الأمر السادس: في نقل حساب إلى حساب آخر.
وهذا يتصور على أشكال عديدة لأن الودائع كما عرفنا عدة أنواع. كما ان
ــــــــــــــــــــ[74]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الترحيل: اصطلاح مصرفي يقصد به نقل الحساب من شخص لآخر، أو من شكل لآخر من حسابات شخص واحد كنقل المال من التوفير إلى الحساب الجاري له وبالعكس.
النقل يمكن ان يكون من حساب الشخص إلى حساب آخر له أيضاً كالنقل من حساب جارِ إلى التوفير أو بالعكس. أو من الحساب الجاري المكشوف إلى الاعتيادي منه. وقد نصت المصادر على إمكان ان يكون للفرد الواحد نوعين من الحساب الجاري، فضلاً عن نوعين من الودائع كالتوفير والجاري.
كما يمكن ان يكون النقل من حساب شخص إلى حساب شخص آخر، نتيجة لوجود معاملة بينهما أو كونه وارثاً أو غير ذلك.
كما يمكن ان يكون النقل من مصرف إلى مصرف، وهذا إنما يتم في الحوالات الداخلية والخارجية، وسيأتي الكلام عنها.
والنقل الذي نتحدث عنه يمكن ان يتم بعدة طرق:
الأول: ان يتم السحب نقداً والقبض من الحساب الأول ثم الإيداع بالحساب الثاني وهذا لا إشكال فيه فقهياً، من هذه الناحية. يعني انه أوضح في صحته من الطريقين الآتيين.
الثاني: ان يتم السحب والإيداع عن طريق الشيكات، أو أية ورقة مالية مُعدّة للدلالة على المال بحيالها. وقد قلنا في الأمر الثاني من هذا الفصل كونه جائزاً.
الثالث: ان يتم النقل من حساب إلى الآخر عن طريق الترحيل من قائمة إلى قائمة بدون شيك(1). وصحته الفقهية تتوقف على مثل التقريب الذي قلناه قبل قليل في آخر الأمر الخامس فراجع.
فإذا لم يتم. وكان الحساب بين شخصين. لم تبرأ ذمة المدين إلا بعد
ــــــــــــــــــــ[75]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
(1) كما يحدث في النقل من التوفير أو الودائع الثابتة إلى الجاري لنفس الشخص وكما يحدث في الحوالات الهاتفية والبرقية، وغير ذلك من الأساليب ولا ينحصر مصرفياً بالشيك.
حصول الترحيل. إلا ان تعتبر قناعة الدائن عرفاً بسقوط دَينه عن الآخر، أو قل: ببراءة ذمة المدين. كافية في برائتها شرعاً، كما لا يبعد.
الأمر السابع: في تعلق الحقوق الشرعية بالودائع المصرفية. وإمكان دفعها بها. وهذه قضية تعم بها البلوى بين المتشرعة في عصورنا الحاضرة، يعني انها تحدث كثيراً بينهم.
والكلام الآن إنما هو بالإيداع والسحب من المصرف الحكومي الموجود في مجتمعنا كمصرف الرافدين. وليس بالتعامل مع مصرف شخصي أو شركة مساهمة ربوية. والذي قلنا ان التعامل معها محرم شرعاً.
ويقع الكلام تارة عن استحقاق الحقوق الشرعية وتعلقها، وأخرى عن إمكان أدائها في مرحلتين:
المرحلة الأولى: استحقاق الحقوق الشرعية من الودائع المصرفية.
والودائع، إما ان تكون حقيقية أو ان تكون مالية. فان كانت حقيقية وهو ما يودع في المصرف لأجل حفظه لقاء أجر معين، فقد يستحق الزكاة إذا كان من أنصبتها وهو: الأنعام الثلاثة والذهب والفضة.
وهنا لا إشكال في وجود الزكاة عند اجتماع شرائطها لأن الوديعة لا تخرج عن ملك المالك حال كونها تحت يد المصرف، فإذا حال الحول عليها وجبت الزكاة.
وإذا كانت الودائع مالية كالودائع التي تحدثنا عنها قبل قليل فيقع السؤال عما إذا كانت تستحق الخمس أم لا؟ ويمكن ان نتصور استحقاق الخمس في هذا المورد في عدة أشكال:
الشكل الأول: الخمس الواجب في الخامات الطبيعية ونحوها كالغوص والمعدن والكنز.
ــــــــــــــــــــ[76]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الشكل الثاني: الأموال التجارية بعد انتهاء عام من العمل التجاري.
الشكل الثالث: فاضل المؤونة عن قوتِه وقوت عياله عن سنة كاملة.
والإيداع المصرفي بالنسبة للشكلين الأخيرين واضح. واما بالنسبة للشكل الأول, فالإيداع إنما يتم بعد تحويل الخامات إلى نقود أو بيعها بتعبير أصح. وبيعها ممنوع شرعاً قبل دفع خمسها إلا انه لو باعها وأودع قيمتها في المصارف بقي في ذمته الخمس الذي فوّته على مستحقيه.
والمهم في هذه الإشكالات كلها هو السؤال عما إذا كان المال المودع في المصرف مما يستحق الخمس أو لا؟
وقد يكون من نتائج ذلك اننا إذا نفينا وجوب الخمس أمكن تهرب الفرد من دفعه إلى الأبد وذلك بإيداع أمواله في المصرف فلا تستحق الخمس.
ومن نتائجه أيضاً، انه لو دفع الخمس بشيك مصرفي أو بترحيل من حساب إلى آخر، فان هذا الدفع لا يكون مجزياً. وهذا ما نقوله في المرحلة الثانية.
ويمكن ان يكون من نتائجه، اننا إذا قلنا بعدم استحقاق الخمس لا يجوز إيداع المال في المصرف، لأن فيه تفويتاً لاستحقاق الخمس كما لا يجوز إيداع مقدار الخمس المعزول في المصرف لا في حساب الدافع ولا في حساب المستحق لأنه ليس قبضاً شرعياً. فهل الأمر كذلك أو لا؟
وما يمكن ان يقال في الاستدلال على صحة كل هذه الوجوه مصرفياً، عدة وجوه نذكر أهمها:
الوجه الأول: ان الفرد وان أودع ماله في المصرف إلا انه لم يضيع. وذلك لاشتغال ذمة المصرف به بأحد أشكال التكييف السابقة، وخاصة على ما هو المشهور من كونه قرضاً.
ــــــــــــــــــــ[77]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ويترتب على ذلك السؤال عن وجوب الخمس في المال الموجود في ذمة المدين. فان قلنا بوجوبه وجب هنا أيضاً، إلا ان الصحيح هو التفصيل بينما إذا كان الدين حالّاً أو غير حالّ، فيجب الخمس في الأول دون الثاني.
إلا ان هذا الوجه لا يخلو من مناقشة، لأنه يتوقف على ان يكون للمصرف ذمة يتعامل بها مع الناس، وهذا يتوقف على وجود الشخصية المعنوية للمصرف، وقد سبق ان بحثنا وذلك في الفصل السابق.
الوجه الثاني: ان الفرد وان أودع أمواله في المصرف، إلا ان العرف يرى أنه ما زال مالكاً لها ولم تنقص ماليته في شيء. والدليل على ذلك عرفاً انه يستطيع أن يسحب منها متى شاء وإذا كان مالكاً لتلك الأموال واجتمع فيها شرائط الخمس وجب دفعه.
إلا ان هذا الوجه قابل للمناقشة أيضاً. لأن العرف وان كان يرى ملكية الفرد لودائعه المصرفية، إلا ان حجية هذا الرأي العرفي متفرع على حجة السيرة التي قلنا في مثلها قبل ذلك: ان كل سيرة متأخرة عن صدر الإسلام لا تكون حجة.
الوجه الثالث: ان أموال الفرد المودع وان اختلطت بسائر أموال المصرف إلا ان عليها الدليل المحدد لها والدال على صحتها. وذلك عن طريق الأوراق المالية والقوائم (البطاقات) الموجودة في المصرف. وقلنا في ما سبق: ان هذه القوائم تدل على ملكية المالية بمعناها العام وانتسابها إلى فرد معين بصفته مالكاً، إذن, فالأموال المودعة لم تضِع، وإنما بقي لها وجود عرفي أولاً, ودليل مادي ثانياً. وهذا يكفي في الملكية.
وإذا بقيت الملكية أمكن ان تجتمع شرائط الخُمس فيكون دفعه واجباً.
وبذلك يمكن ان يجاب على الحالات السابقة فلو أودع أمواله التجارية أو
ــــــــــــــــــــ[78]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
أمواله الشخصية، وجب الخمس عند شرائط وجوبه اعتيادياً، ولم يكن الإيداع شكلاً من أشكال التهرب عن دفع هذه الفريضة الدينية ومن هنا لم يكن الإيداع حراماً لأنه ليس مقدمة للحرام. وإنما الحرام عدم دفع الخمس مع استحقاقه لشرائطه، سواء كان من الأموال المودعة في المصارف أو غيرها.
ولا يختلف في ذلك الودائع الثابتة والتوفير والحساب الجاري الدائن، من حيث انها جميعاً تشترك في حصول الإيداع الفعلي للأموال المملوكة(1) بخلاف الحساب الجاري المكشوف حيث عرفنا انه لا يصبح مملوكاً قبل قبضه. الأمر الذي ينتج ان القرار المصرفي باعتماد الحساب إذا كان صادراً ولم يكن مسحوباً لم يجب فيه الخمس، لعدم تحقق الملكية الشرعية له أساساً.
ومما يترتب على ما قلناه، ان الإيداع المصرفي لا يغير العناوين الشرعية للأموال وان كان يترتب عليه زوال ذاتها وشخصيتها. إلا أن العنوان كما هو متعلق بالشخص كذلك هو متعلق بالمالية. وقد عرفنا ان المالية في المصرف محفوظة. فبعد زوال شخصيتها بالإيداع، تبقى هناك مالية كلية معنونة بالعناوين الشرعية الاعتيادية، كحق السادة وحق الإمام ورَدّ المظالم والكفارات وأجور العبادات، وغير ذلك.
نعم, لا يتعين بالقبض عند السحب واحد منها، إلا إذا كان هو المودع دون غيره بحساب مستقل. واما إذا أودع الفرد عدة وجوه شرعية بحساب واحد، فيحتاج في تعيينه بعد السحب والقبض إلى القصد. يعني ان يقبضه الفرد بصفته حق الإمام أو حق السادة مثلاً.
وينتج مما قلناه أيضاً ان دفع أجور العبادات مثلاً عن طريق الشيكات أو
ــــــــــــــــــــ[79]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) لا يفرق في ذلك بين ان تكون مودعة طيلة العام أو بعضاً منه، بشرط ان تكون مسحوبة مع القصد. اما الإيداع فلا يحتاج إلى قصد، بل تبقى المالية الكلية معنونة بعنوانها السابق.
ترحيل الحساب، يكون مبرئاً لذمة الدافع وشاغلاً لذمة المدفوع إليه، بصفته أجيراً على إيجاده لبعض العبادات وان لم يقبض النقد فعلاً. وسنزيده إيضاحاً عند الحديث عن المرحلة الثانية بعد قليل.
وينتج من ذلك ان الفرد إذا قبض المال المسحوب ولم ينوِ عليه شيئاً من الوجوه الشرعية لم ينطبق عليه شيء منها. وبقي مجهولاً للمالك وبقيت الحقوق الشرعية بكاملها غير مسحوبة من المصرف.
والقصد إلى تطبيق العناوين الشرعية على المال المصرفي، كما يمكن أن يكون على النقد المقبوض، كذلك يمكن ان يكون على الأوراق المالية كالشيكات والسندات. وكذلك على الترحيل من حساب إلى آخر مع تحقق القصد الجدي من قِبَل الموظف الكاتب أو صاحب الحساب الذي يعتبر كالموكل له.
المرحلة الثانية: من الحديث عن الحقوق الشرعية في الودائع المصرفية هو الحديث عن مرحلة الدفع إلى المستحقين فان الفرد تارة يسحب من المصرف نقداً ويقبضه قبضاً شرعياً يخرج به عن كونه مجهولاً للمالك، ويعطيه إلى المستحق، فيرتفع الإشكال من هذه الناحية. وأخرى يدفع بأشكال أخرى كما يلي:
أولاً: الدفع بالأوراق المالية كالشيكات. ثانياً: الدفع بالترحيل من حساب الدافع إلى حساب المستحق، بنية كونه معنوناً بأحد العناوين الشرعية السابقة.
ثانياً: قد يوجب الدفع إلى المستحق فتح حساب جديد له، كما لو كان المستحق من الفقراء أو ما يصرف في سبيل الله أو غير ذلك.
وقد نتج مما قلناه في المرحلة الأولى ان كل هذه الأساليب تكون مجزية
ــــــــــــــــــــ[80]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
شرعاً مع قصد العنوان إلى جانب قصد القربة. فان مثل هذا الدفع يعتبر عبادة يجب قصد القربة فيها. ويترتب على ما قلناه ان المال المودع بصفته حساباً جارياً مثلاً، لو كان كله معنوناً بأحد العناوين الشرعية كحق السادة أو حق الإمام، واستعمله الفرد في الاسترباح التجاري، كان كله لمستحق المال الأصلي وليس للفرد العامل فيه شيء سوى أجور العمل أحياناً.
نعم, بالنسبة إلى الفائدة الربوية التي يدفعها المصرف، لا يمكن أن يدخل تحت شيء من الحقوق الشرعية مهما فسرناها بأحد التفسيرات السابقة، ويبقى الحق الشرعي متعلقاً بمقدار رأس المال المودع فقط. ومعه, فقد يقال: انه يجوز للفرد قصد التملك على الفوائد المقبوضة عن الحقوق الشرعية المودعة بصفتها مجهولة المالك، والتصرف فيها تصرفاً شخصياً أو ملكياً. ولا يبعد انه لا يمكن ان يقصد بها العنوان الشرعي إذا كانت زائدة عن رأس المال. فلو كان الحق الشرعي مائة والفائدة عشرون، وأراد سحبها وقبضها جميعاً، لم يمكن له أن ينوي العنوان الشرعي على كل الكمية لأن العشرين الزائدة في المثال لا ينطبق عليها العنوان الشرعي.
الأمر الثامن: يترتب على ما قلناه في الأمر السابق، من أن المالية الكلية تبقى ثابتة ومملوكة لمالكها أو معنونة بالعنوان الشرعي الذي كانت له وكان لها قبل الإيداع.
يترتب على ذلك جميع الأمور التي تترتب على الملكية. ما دامت ثابتة ومستمرة بعد الإيداع. نذكر منها:
أولاً: حصول القبض في ما يشترط فيه القبض من المعاملات كالسلف والقرض. بمجرد الترحيل من حساب أحدهما إلى الآخر غير ان الترحيل يجب أن يكون فورياً فيما يجب ان يكون فورياً فيما يجب فيه التقابض في المجلس.
ــــــــــــــــــــ[81]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ثانياً: وجوب الحج لو كان له مال مملوك مودع في المصرف بعنوان كونه استطاعة فعلية إذا كانت الشرائط الأخرى للاستطاعة متحققة.
ثالثاً: إجزاء دفع زكاة الفطرة بالدفع بالطرق المصرفية.
رابعاً: اشتغال الذمة بالقرض بل مطلق الدَين بين شخصين في أية معاملة تقع عن هذا الطريق وإمكان الوفاء به أيضاً.
خامساً: دفع مهر الزوجة وبدل الخلع ونحوه منه.
سادساً: ان المال الكلي المودع في المصرف ينقسم ميراثاً بين الورثة ولا يجوز لأحدهم أو لغيرهم السيطرة عليه بصفة (مجهول المالك). إلى غير ذلك من النتائج الفقهية، وقد سبق جملة منها قبل قليل أيضاً. والمهم, انه طبقاً لهذه النظرية يكون المال المودع كالمال الموجود فعلاً، من الناحية الفقهية، في التعامل بين الأفراد غير المصرف نفسه.
الأمر التاسع: في تقييم وتكييف الحساب الجاري فقهياً.
والمزيّة الرئيسية لهذا الحساب، والذي أسس من أجله كونه غطاء لعدة عمليات تجارية بين المصرف وصاحب الحساب أو بينه وبين شخص آخر أو أشخاص. وبعد تنفيذ كل العمليات التجارية مهما طالت، يصفو الباقي من الحساب لصاحبه ان بقي منه شيء.
وقد لا تنتهي العمليات بل يبقى الحساب جارياً، باستمرار سنين متعددة، وربما إلى أمد غير محدود. ولا يختلف في ذلك الحساب الجاري عن الرصيد أو المكشوف من تلك الناحية. كل ما في الأمر ان الحساب المكشوف يحتاج إلى تغطية من قِبَل صاحبه واستيفاء بعد انتهاء العمليات ان بقي منه شيء أو خلالها تدريجياً.
وليس على الحساب الجاري الدائن فائدة. وهذه هي نقطة القوة فقهياً أو
ــــــــــــــــــــ[82]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
شرعياً في هذا النوع من الإيداع عن باقي الإيداعات التي يكون عليها فوائد ربوية.
إلا ان النقطة القابلة للمناقشة هي صفة الجريان فيه. فالفكر التقليدي المصرفي هو اعتبار مجموع المعاملات تابعة لهذا الحساب، وان هذه المعاملات بمنزلة المعاملة الواحدة. ما دام حسابها واحداً. مع العلم ان هذا المسلك لا يكاد يصح فقهياً. بل المعاملات ذات استقلال ذاتي لا محالة، سواء كانت بيعاً أو قرضاً أو إجارة، ولا مجال لتصور وحدة بين المعاملات، ولا بين أثمانها. فلكل معاملة عوضها المالي لا محالة، وقد يكون هو جزءاً من الحساب الجاري أو غيره. والمهم ان الأطراف يجب ان تأخذ ذلك بنظر الاعتبار، فتكون لكل معاملة استقلالها، والعوضين فيها. ولا يمكن ان يكون هناك أي تداخل أو وحدة بين الأعواض والأثمان أو بين مجموعة من المعاملات بدون تمييز، أو في نفس الوقت.
نعم، لو أخذنا ذلك بنظر الاعتبار أمكن التحويل على الحساب الجاري، كثمن لكل معاملة تحصل لديه فإذا بقي منه باقٍ كان لصاحبه. وفي ذلك -أعني هذا الإيداع- شكل من أشكال الاحتياط للمعاملات التجارية ككل. لأنها ستكون برصيد مضمون على أية حال.
هذا إذا كان الحساب الجاري دائناً وله رصيد. أما إذا كان مكشوفاً، ففيه عدة ملاحظات:
الملاحظة الأولى: ان اعتماد مثل هذا الحساب من قِبَل المصرف، لا يجعل الفرد مالكاً للحساب الذي ينسب إليه، من الناحية الفقهية. ما لم يكن يصدر الأمر به من الولي العادل أو من يخوله. وقد يقال: اننا كما قلنا بملكية الإيداعات بصفتها مالية كلية مدلولاً عليها، من قِبَل الفرد. كذلك يمكن القول بملكية الحساب المكشوف بعد ان خوّله المصرف ذلك بنفس الصفة المالية
ــــــــــــــــــــ[83]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الكلية، فقهياً، وان لم يرتبط بالولي العادل. وجوابه: انه ان لم يرتبط بالولي العادل، فسوف يدخل المطلب الفقهي فيما ناقشناه من وجوه الشخصية المعنوية، في فصل سابق.
الملاحظة الثانية: انه يترتب على ذلك ان الحساب إنما يتم ملكيته مع القبض. الأمر الذي ينتج عدم إمكان المعاملة عليه بين الناس. لأن المشتري مثلاً لا يملكه قبل قبضه ليجعله ثمناً لأي شيء.
نعم، لو قبض هو المال قبضاً شرعياً ودفعه إلى البائع فلا إشكال. واما لو أعطي البائع شيكاً على المصرف ليقبض. فإذا تم القبض لم يكن هذا المال المقبوض ثمناً للعروض، بل من قبيل المال المجهول المالك المستقل عن تلك المعاملة. نعم، له -أي البائع- ان يقبض هذا قبضاً شرعياً، ثم يبرئ ذمة المشتري بصفته قد قبض مقدار دَينه.
كما ان للمشتري ان يشترط عليه في المعاملة الإبراء عند حصول القبض. ولو كان هذا الأمر متعارفاً ومفروضاً. كان بمنزلة الشرط. فلا يجب على المشتري تكرار الدفع.
الملاحظة الثالثة: ان الحساب الجاري المكشوف بصفته غير مملوك لا يترتب عليه حكم الإيداع، مما فيه الحساب الجاري الدائن الذي عرفنا تفاصيله قبل قليل.
فالدفع من الحساب المكشوف لا يبرئ الذمة من الدَين ولا من الحقوق الشرعية، ولا يوجب الاستطاعة للحج، ولا ينتقل إلى الورثة. ولا غير ذلك من الآثار. وإذا تم قبضه قبضاً شرعياً فهو يصبح ملكاً. وتترتب عليه الأحكام الملكية، إلا انه يخرج عن كونه حساباً جارياً مكشوفاً. كما هو واضح.
ويمكن التلخيص بأن ما يترتب عليه الأثر من حساب المصرف هو
ــــــــــــــــــــ[84]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الإيداع، والحساب المكشوف ليس إيداعاً، كما هو معلوم أيضاً. وإنما هو اعتماد بمبادرة من المصرف نفسه.
الملاحظة الرابعة: قيل في بعض المصادر(1) انه إنما يتم اعتماد الحساب الجاري: بعد استحصال توقيع العميل على استمارة عقد الحساب الجاري المكشوف بمبلغ يعادل مبلغ الاعتماد المخصص مضافاً إليه 20٪ بالنسبة لجميع أنواع الاعتمادات المكشوفة.
وهذا يعني ان المصرف يأخذ توقيع العميل على انه مديون للمصرف بألف ومائتين مثلاً. ولكن الاعتماد هو ألف دينار فقط. وتكون المائتان ربحاً خالصاً للمصرف.
ويمكن القول في حدود نوع المصارف التي نتكلم عنها، والتي تتصف موجوداتها في الغالب، بكونها أموالاً مجهولة المالك من الناحية الفقهية. بأن هذه النسبة من الربح ليست من الفائدة الربوية فقهياً. بدليل فقهي قد يفهمه الفقيه من مجموع ما قلناه.
الملاحظة الخامسة: لا يفرق من الناحية الفقهية، في الحساب المكشوف بين كون جميعه مكشوفاً أو بعضه. أو ان يكون للفرد حسابان جاريان في مصرف واحد أحدهما دائن والآخر مكشوف.
إذ -على أي حال- يكون لكل منها حكمه الفقهي الذي عرفناه فبمقدار ما هو مودع في المصرف قبلاً. يشمله حكم الملكية، وبمقدار ما هو مكشوف يشمله حكمه.
نعم، لو أدى الفرد إلى المصرف بعض أو كل حسابه المكشوف، وكان لا
ــــــــــــــــــــ[85]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) دليل المعاملات المصرفية, ج1, ص42.
زال التعامل عليه قائماً، أو مدته غير منتهية، كان ما يوجده الفرد من المعاملات على ما أداه بعد أدائه صحيحاً وتترتب عليه الملكية. إلا ان هذا فيه نقطة ضعف مصرفية، وهو ان ما يؤديه يعتبر ملكاً للمصرف، وليس للمدين ليكون متداولاً في المعاملات. والمصرف لا يزال يعتبر ما يملكه الفرد هو حسابه المكشوف دون غيره، ان بقي منه شيء.
نعم، لو كان قد دفع أكثر مما استوفى من حسابه المكشوف، فلا إشكال مصرفياً ولا فقهياً، على ما قلناه، بأنه يعامله معاملة المال المملوك.
الملاحظة السادسة: سمعنا تقسيم الحساب الجاري إلى مقيم وغير مقيم، نسبة إلى من فُتِح الاعتماد له. فإنه قد يكون مقيماً في البلد وقد لا يكون. وهذا بمجرده لا يشكل فرقاً من الناحية الفقهية.
واما تحويل ذلك على مصرف خارجي مراسل، فسيأتي هذا عند الحديث عن الاعتماد المستندي.
الملاحظة السابعة: لو كان المصرف شخصياً أو شركة مساهمة من عدة أفراد، فقد يقال: ان الفائدة المستوفاة على الاعتماد المكشوف ليس ربوياً، لعدة أسباب مجتمعة:
أولاً: ان التوقيع على الفائدة قبل القبض. وقلنا: ان الفرد لا يملك هذا المال إلا بالقبض.
ثانياً: ان القرض مشروط فقهياً بالقبض في المجلس، ولم يحصل ذلك، إذن, فعقد القرض غير موجود على الإطلاق لتكون الفائدة ربوية.
ثالثاً: انه لو سحب من الحساب المكشوف وتصرّف فيه كان مديوناً للمصرف، بضمان الغرامة لا بالقرض. وفي مثل ذلك، وان لم تكن
ــــــــــــــــــــ[86]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
هذه الزيادة مشروعة للمصرف، إلا أنها ليست ربوية على أي حال.
ويمكن أن يجاب ذلك: بأن ما قلناه من عدم ملكية الحساب للفرد الذي أصدر له الاعتماد، إنما هو في المصارف التي تكون أموالها مجهولة المالك. واما المصارف الشخصية التي حررنا الحديث عنها في هذه الملاحظة فيمكن ان يكون قرضاً مملوكاً بغض النظر عن فائدته. لأنه مشمول للفكرة الفقهية السابقة، وهو انه يمثل مالية كلية مدلول عليها بدال معين وهو ورقة الاعتماد، وصادرة بإذن مالك المال، وهو صاحب المصرف أو من يخوّله فعلاً.
ومن هنا يكون قرضاً ويكون تسجيل ورقة الاعتماد فوريا بمنزلة القبض في المجلس. ولكنه إذا كان ربوياً كان باطلاً والفائدة عليه محرّمة.
ويترتب على بطلان المعاملة:
أولاً: عدم استحقاق الفائدة.
ثانياً: انه إذا تم السحب والتصرف ببعضه كان ذلك من ضمان الغرامة، كما قلنا قبل قليل.
وهذا التسلسل الفكري ينتج، ان الحساب المكشوف لو كان من قِبَل مصرف شخصي ولم يكن عليه فائدة أو استطاعوا أن يكيفوا فائدته بأحد الطرق التي عرفناها في فصل سابق. كان حساباً شرعياً صحيحاً.
الأمر العاشر: ذكرنا عدداً من أحكام الودائع مصرفياً، بالرغم من ان لها أحكاماً عديدة سيأتي المهم منها ان شاء الله تعالى. لكننا تعرضنا في ما سبق لحكم مهم واحد وهو رهن الوديعة. ومن المعلوم ان المال المرهون له أقسام متعددة, منها: الودائع بأقسامها، غير الحساب المكشوف لأنه ليس بوديعة. ومنها: الشيكات والسندات، والمملوكات المنقولة وغير المنقولة. كما ان أسباب الرهن عديدة يعمها كون الفرد مديوناً للمصرف بمال.
ــــــــــــــــــــ[87]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وهذا يقتضي ان نتحدث عنه في عنوان مستقل في فرصة قادمة، لندخل في تفاصيله المهمة على مهل وعلى بصيرة من أمرنا.
المودِع:
تعتبر المهم من الشروط المتعلقة للإيداعات على اختلافها مشتركة بينها. نذكر منها ما هو الأقرب للمفهوم الفقهي. واما الشرائط الأخرى، فهي تهم الجانب المصرفي ولا تهم الفقيه.
قالوا في التوفير(1): «ان يكون فاتح الحساب قد أكمل الثامنة عشر من عمره وكامل الأهلّية، ولا يوجد مانع قانوني يتعلق بشخصه يمنعه من فتح الحساب وان يعرّف نفسه لدى المصرف. اما بواسطة شخص معروف أو بموجب هوية تعريف مقبولة لدى المصرف».
ثم قالوا(2): «يجوز فتح الحساب باسم القاصر ناقص الأهلّية أو عديمها من قِبَل الولي الجبري من دون حاجة لتقديم أي مستند يثبت ولايته. كما يجوز ذلك للوصي المختار والمنصوب والقيّم بعد تقديمهم المستندات الشرعية المتعلقة بحجة الوصاية أو القيمومة حسب مقتضى الحال. ويحق للقاصر تدوير حسابه وتشغيله عند بلوغه سن الثامنة عشر من عمره».
ومثله تقريباً قالوا في الحساب الجاري غير انهم ذكروا أن التوفير لا يعطى للشخص المعنوي، بخلاف الجاري.
كما قالوا(3) في الجاري المكشوف بأنه يجب أن يكون ممن يثق المصرف
ــــــــــــــــــــ[88]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) دليل المعاملات المصرفية, ج2, ص11.
(2) نفس المصدر, ص12.
(3) نفس المصدر, ج1, ص42.
بكفاءته المالية.
وبهذا تتلخص الشرائط الآتية:
1- ان يكون قد أكمل الثامنة عشر.
2- ان يكون كامل الأهلّية.
3- ان لا يوجد مانع قانوني يتعلق بشخصه يمنعه من فتح الحساب.
4- ان يعرّف نفسه لدى المصرف بهوية مقبولة أو بشخص معروف.
5- ان يكون شخصاً حقيقياً لا معنوياً بالنسبة إلى حساب التوفير.
6- ان يكون ممن يثق المصرف بكفاءته المالية بالنسبة إلى الحساب الجاري المكشوف.
ولنا كلمة حول كل واحد من هذه الشروط:
أولاً: حول مقدار عمر المودِع. والمهم بلوغه سن الرجال أو النساء وخروجه من حد الطفولة، لكي يتصدى بنفسه لإنجاز المعاملة وتكون ولاية الولي ساقطة عنه.
والقانون الوضعي يعتبر هذا السن هي سن الثامنة عشر. أما الفقه الإسلامي وبإجماع علماء الإسلام بمذاهبه الرئيسية، فيعتبرها دون ذلك. وقد تحدثنا عن ذلك في فصل خاص بسن التكليف من كتاب الصوم فراجع. وإذا بلغ الفرد سن التكليف الشرعي وكان رشيداً جازت له المعاملات جميعاً وارتفع عنه القصور وسقطت عنه الولاية، ما لم يكن قاصراً من جهة أخرى كما لو كان سفيهاً أو مجنوناً.
ثانياً: قالوا: «ان يكون المودع كامل الأهلّية». ويراد به طبعاً الأهلّية الاعتيادية وليس المستوى العالي في التسلط على فهم السوق والمعاملات.
ــــــــــــــــــــ[89]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وهذا ضروري فقهياً أيضاً، لأن انعدام الأهلّية الاعتيادية، معناه كون الفرد سفيهاً. والسفيه محجور عليه شرعاً، يعني لا تجوز معاملاته على أمواله إلا بإذن وليه.
إلا ان السفه قد يحدث بسبب الخلقة، وهو القصور المتعارف. وقد يحدث نتيجة للبعد عن المجتمع بشكل مكثف بسبب المرض أو الانطوائية في الطبع أو ظلم الوالدين أو غير ذلك، بحيث ينشأ الطفل غير قادر على التعامل بين الناس، وان كانت قواه العقلية كاملة. فهو سفيه من الناحية العملية، ولا ترتفع الولاية عنه، في حدود ما هو قاصر عنه، إلا بعد ارتفاع القصور الناشئ من التدرب التدريجي على المعاملات.
ثالثاً: عدم المانع القانوني. وهذا المانع يحدث في القانون في حالات عديدة، كما لو كان الفرد مسجوناً أو محكوماً بالإعدام أو معارضاً للدولة أو محجوراً على أمواله بسبب ما.
وهذا مما يتوخاه الفقيه أيضاً من الناحية الشرعية، في الحدود التي تعتبر مانعاً شرعياً عن ذلك كالمفلّس والعبد.
رابعاً: في التعرف على شخص المودِع. والمهم اقتصادياً ليس مجرد التعرف على اسمه أو نسبه، وإنما المهم التوثق منه، من النواحي النفسية والاجتماعية. فلو كان شخصاً مشهوراً بالإسفاف أو التحايل أو السرقة، فالمفروض ان المصارف لا تقبل منه إيداعاً. ويتضح ذلك عملياً بعجزه عن التعريف والتوثيق من قِبَل الآخرين.
وهذا الشرط وان لم يكن فقهياً، لوضوح جواز المعاملات بالنسبة إلى جميع الناس الأسوياء، إلا انه شرط ضروري للمصارف. إلا انه لا ينفذ شرعاً إلا باشتراط الولي العادل أو من يخوله في هذا المجال خصوصاً أو عموماً.
ــــــــــــــــــــ[90]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
خامساً: في اشتراط كونه شخصاً حقيقياً لا معنوياً. اما الشخص الحقيقي فلا إشكال في قبول إيداعه، بعد اجتماع شرائطه الأخرى. واما نفي كونه شخصاً معنوياً، فهو ليس شرطاً فقهياً، إلا ان يعود إلى فهم معين قلناه في فصل سابق من الحديث عن المصارف، من ان الشخص المعنوي غير موجود فقهياً، إلا إذا رجع الأمر إلى الولي العادل. وبدونه لا يمكن تصور الشخص المعنوي شرعاً. وليس كل جماعة اتفقت على شيء فقد أوجدت شخصاً معنوياً.
اما إذا حصل الشخص المعنوي بشكله الشرعي، فلا بأس من قبول ودائعه، بأي نوع كان، من الناحية الفقهية.
سادساً: بالنسبة إلى الوثوق بكفاءته المالية، فهذا مما يشترطه المصرف دفعاً لاحتمالات الخسارة والعجز عن الأداء. وهو ضروري أيضاً اقتصادياً، وان لم يكن شرطاً فقهياً، إلا ان للمصرف ان يرفض هذا التعامل مع من لا يثق به، لأنه بصفته طرفاً للمعاملة يكون باختياره أن ينجز المعاملة وان لا ينجزها وليس مكرهاً عليها والا بطلت المعاملة.
فللمصرف حرية الرفض في التعامل مع من لا يثق بكفاءته المالية. أو ان يصدر هذا الاشتراط من الولي العادل. فهذا هو حاصل الكلام عن المودِع.
الشيكات:
وهي ورقة مالية مصرفية يتم التداول والتبادل بها عادة بدل العملات، بصفتها دالة على العملات، وقابلة للتبديل بها في أي وقت.
وقد عرّفوه(1): «بأنه أمر مكتوب صادر من الساحب (العميل) إلى
ــــــــــــــــــــ[91]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) انظر النشرة الفصلية لمصرف الرافدين العدد الأول السنة السادسة. عن دليل المصطلحات المصرفية الموحدة الصادر عن اتحاد المصارف العربية.
المسحوب عليه (المصرف) بدفع مبلغ محدد إلى طرف ثالث (المستفيد) من حساب الساحب. ويجب أن يشتمل الشيك على عناصر وبيانات محددة بالقانون».
وهي ورقة خاصة مصرفياً بالحساب الجاري ولا تشمل باقي الودائع، وهي تشمل الجاري المكشوف أيضاً.
ويراد بالعميل الوارد عنوانه في التعريف، من يكون له في المصرف حساب جاري. واما المستفيد فقد عرّفوه(1): «بأنه حامل الورقة التجارية تظهيراً أو تحريراً والذي له تَسلّم المبلغ المذكور فيها».
وعرّفوا التظهير: «بأنه التوقيع على ظهر الورقة التجارية للتوكيل أو الضمان أو نقل الحق».
وقد قسموا الشيكات إلى عدة أقسام أهمها:
الشيك المصدق أو المعتمد. وقد عرّفوه(2): «بأنه الشيك الذي يؤشر عليه المصرف ملتزماً بدفعه»، ويقوم المصرف عادة في هذه الحالة بحجز وقيد الشك من حساب الساحب.
الشيك المسطر(3). والتسطير عبارة عن وضع خطين متوازيين على وجه الشيك، والغرض من التسطير هو التحقق من دفع قيمة الشيك إلى مالكه الحقيقي خصوصاً في حالة سرقته أو ضياعه. والشيك المسطر لا يجوز لحامله ان يقبض قيمته نقداً من المصرف المسحوب عليه. وإنما يقيّد في الحساب الجاري للمستفيد.
ــــــــــــــــــــ[92]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه. العدد الثالث السنة 1984.
(3) المصدر نفسه.
الشيك المصرفي(1): شيك مسحوب من مصرف على مصرف آخر. يعني ليس صادراً من فرد، بل من مصرف ذو حساب عند مصرف آخر.
الشيكات المتقاطعة(2): وهي الوسيلة التي يلجأ إليها بعض العملاء في إظهار أرصدة رمزية في مقابل السحب على حسابين للعميل في مصرفين مختلفين.
إلى غير ذلك من الأنواع التي لا تهم فقهياً.
والشيك وان كان من جانب أسبابه خاصاً بالحساب الجاري، بمعنى أن المصرف لا يزوّد بالشيكات إلا صاحب الجاري، دون غيره من المودعين. إلا انه من ناحية نتائجه يعتبر ورقة مالية، لا تقصر عن النقد الاعتيادي. فمثلاً:
1- يمكن الإيداع في المصرف عن طريقه سواء في [حساب] جارٍ آخر أو توفير أو أية ودائع أخرى.
2- التعامل بين المصارف أنفسها.
3- التعامل بين الدولة والمصرف.
4- التعامل بين الأفراد كثمن في معاملة بيع أو قضاء دين أو غير ذلك.
5- التعامل بين الفرد العميل والمصرف نفسه كدفع الفوائد وإلى غير ذلك.
والشروط أو الحدود المعتبرة للشيك مما ذكرناه أو لم نذكره، يمكن -نظرياً من الناحية الاقتصادية- تغييرها بدون ضرر اقتصادي غالباً.
فمثلاً: كما يمكن نظرياً السحب من الحساب الجاري بالشيك كذلك يمكن السحب به من أية وديعة أخرى. وكما يمكن أن يسحب العميل من
ــــــــــــــــــــ[93]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.
المصرف بالشيك، كذلك يمكن ان يسحب المصرف به من عميله. وخاصة إذا كان شركة أو دائرة حكومية. وان كنت أعلم انها ستكون فكرة نشازاً في السوق الحاضرة. إلا انه من الناحية النظرية لا مانع منها.
وكما يمكن أن نحصل على نتيجة التظهير وهي إقامة الدليل على رضا صاحب الحساب وتنفيذه للمعاملة، بالتظهير نفسه، كذلك يمكن أن نحصل عليها بطرق أخرى كالتوقيع في وجه الشيك أو غير ذلك. ويكفي أن نلتفت بهذا الصدد إلى ان المصرف لا يسلّم مبلغ الشيك ولو أخذ الإذن أو الطلب من صاحب الحساب شفاهاً إلا أن يتم تظهير الشيك. مع العلم ان الكلام منه لا يقصر في الدلالة عن توقيعه نفسه في إنجاز المطلوب.
والظاهر انه لا يمكن السحب من الحساب الجاري إلا بشيك حتى من قِبَل الفرد نفسه صاحب الحساب، بأن يكون هو العميل و(المستفيد) نفسه.
وكذلك, فان شكل الشيك وحكم تسطيره وغير ذلك، من الأحكام المتفق عليها كواقع معاش، يمكن تغييره نظرياً. ولا يبعد أن تكون بعض التغييرات أشد ضماناً من الحال الموجودة لو دقق الإنسان في تفكيره. كما أن بعض الشرائط التي اعتبروها في الشيكات، لا دخل لها أصلاً من الناحية الاقتصادية، ولا من الناحية الشكلية، أو الاستيثاق من الأمر. كاشتراط نظافة الورقة من الحبر وغيره، من الأوساخ وكونه غير ممزق إطلاقاً أو انه يجب إسقاطه بعد تاريخ معين. إلا ان يكون المراد انتهاء الحساب الجاري نفسه. والشيك كأي شيء آخر يمكن بيعه وشراؤه، اما بقيمته أو أقل، فيما إذا كان للمشتري مصلحة في ذلك. وقد يمكن بيعه لأكثر مع بعض المصالح للبائع أو المشتري. وان لم يحدث عملياً ذلك على الظاهر.
والشيك الذي يمكن بيعه ليس هو الورقة الخام وإنما هو الورقة الموقّعة لأمر شخص معين لشخص آخر هو المستفيد، فبدلاً من ان يكون المستفيد هو
ــــــــــــــــــــ[94]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
البائع سيكون هو المشتري. ولا حاجة إلى شطبه وتغييره بعد كونه جامعاً للشروط، فيمكن السحب به ودفعه إلى الآخر.
نعم، لو كان الشيك لأجل التسجيل في الحساب، كالمسطر، ولم يمكن سحبه نقداً، احتاج بيعه إلى عمل إضافي لكي يُسجّل في حساب المشتري بدلاً من حساب البائع.
فهذه هي أهم أحكام الشيك مما هو المهم فقهياً.
وتبقى سائر التفاصيل على كثرتها أمور غير مربوطة بغير المصرف نفسه، وليس لها أي أثر فقهي.
وتعليقنا على ذلك بعدة أمور:
الأمر الأول: سبق أن تكلمنا عن الجهة الأهم فقهياً من الشيكات، وهي حجيتها الشرعية بصفتها أوراقاً مالية شأنها في ذلك شأن الأوراق النقدية في حدود استعمالاتها.
كل ما في الأمر، اننا -هناك- تكلمنا حول ذلك بغض النظر عن بعض نقاط الضعف التي ذكرناها في فصل سابق. وهذا ما يجب أن نأخذه بنظر الاعتبار الآن أيضاً.
وإذا تمت حجيته بصفته ورقة مالية، أمكن تنفيذ أي معاملة به مما تنفذه المصارف عادة به. وخاصة بعد ان عرفنا أيضاً أن الإيداعات لا تعني زوال ملكية المالك، بل تبقى المالية الكلية المدلولة عليها بالقوائم والشيكات والسندات وغيرها، مملوكة للفرد يمكنه استعمالها بأي شكل.
واما تنفيذ المعاملات بها بمقدار أوسع مما تقبله المصارف، فهو من الناحية النظرية ممكن، ما دام الشيك جامعاً للشرائط لديهم، وخاصة الشرائط الرئيسية (وهي التي تؤثر في الضرر الاقتصادي عند زوالها) إلا أن ذلك متعذر
ــــــــــــــــــــ[95]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
عملياً، لأن التعامل بها محدود في حدود المصارف، ولا مجال لها بغض النظر عنها.
نعم، يمكن إصدار قانون يوسع مفهوم الشيكات من هذه الناحية أو من أي ناحية أخرى، قد تكون منظورة. فقد تصبح عندئذ نافذة فقهياً أيضاً. إلا ان هذا غير موجود من الناحية العملية.
الأمر الثاني: إذا كان الشيك مسحوباً على فرع آخر للمصرف أو فروع ومصارف أخرى. قالوا: «فيرسل إلى شعبة المقاصة». اما إذا كان مسحوباً على فرع المصرف في مدينة غير مدينة المصرف الذي قُدِّم إليه، فيرسل إلى الشعبة المختصة في المصرف لإرساله برسم التحصيل أو لابتياعه حسب الأحوال.
وهذا يعني من زاوية فهمهم عدة أمور:
أولاً: إذا كان المسحوب عليه.. أو بالأصح المسحوب منه مصرف آخر غير المصرف الذي يحتوي على الحساب الجاري للساحب. فيعتبرونه من المقاصة، وهي الدَين المتقابل الذي يسقط من الذمتين معاً. وهو الذي يسمى فقهياً بـ«التهاتر».
والمقاصة هنا، باعتبار انه حين يسحب الشيك يصبح الساحب مديناً للمصرف الذي سحب منه. وهو في نفس الوقت دائن بحسابه الجاري لمصرفه الأول. وقد يكون المصرف المسحوب عليه دائناً ببعض الحسابات من ذلك المصرف، فيعتبر ما يدفعه بالشيك قضاء لذلك الدين. وهو الذي يسميه المصرفيون بـ«المقاصة».
فإن لم يكن للمصرف المسحوب عليه على الآخر دين، اعتبر نفسه دائناً له بهذا المبلغ المدفوع بالشيك، حتى يتيسر إسقاطه ووفاؤه بشكل وآخر.
ثانياً: إذا كان المسحوب عليه فرعاً من فروع المصرف، لا مصرفاً آخر،
ــــــــــــــــــــ[96]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فيقومون اعتيادياً بدفعه، برسم التحصيل: وهي العمولة التي يأخذها الفرع المسحوب عليه على الدفع.
ثالثاً: قد يعتبر الفرع المسحوب عليه أداؤه بقيمة الشيك شكلاً من أشكال الشراء للشيك. فإذا تم شراؤه بهذا النحو أمكن تقديمه إلى الفرع الآخر الذي يضم الحساب الجاري والسحب منه بقيمته وهو ما يسمى بـ«إعادة الخصم» بلغة المصرفيين.
وسنتابع الحديث الفقهي عن نفس المسألة في الأمر الآتي، من وجهة نظر أخرى.
الأمر الثالث: قال بعض أساتذتنا: «والشيك قد يكون مسحوباً على نفس المركز أو الفرع الذي يقوم بتحصيله لحساب المستفيد، وقد يكون مسحوباً على فرع آخر من فروع البنك. وقد يكون مسحوباً على بنك آخر.
ففي الحالة الأولى، نواجه في عملية تحصيل الشيك حوالة واحدة من محرر الشيك لدائنه، أي المستفيد من الشيك على البنك المدين للمحرر. يعني محرر الشيك، وهو الساحب صاحب الحساب الجاري.
وفي الحالة الثانية: لا توجد إلا حوالة واحدة أيضاً. لأن مركز البنك وكل فروعه لها ذمة واحدة قانوناً لوحدة المالك والمدين.
واما في الحالة الثالثة,… فان معنى ذلك: ان البنك الأول (الذي يحتوي على الحساب الجاري للساحب) الذي قد أصبح لتحرير الشيك عليه مديناً للمستفيد من الشيك بقيمته قد أحال المستفيد من الشيك (ضمناً أو إجازة) على البنك الآخر -مديناً كان البنك الآخر للأول أو بريئاً- وهذه حوالة ثانية. فعملية التحصيل حينئذ تتم خلال حوالتين.
ويمكن تكييف العملية نفسها على أساس: حوالة وبيع. أما الحوالة: فهي
ــــــــــــــــــــ[97]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
حوالة صاحب الشيك للمستفيد على الشيك المسحوب عليه. وبموجب هذه الحوالة يصبح المستفيد مالكاً لقيمتها في ذمة البنك المحول عليه.
واما البيع: فيمارسه المستفيد نفسه بعد ان أصبح مالكاً لقيمة الشيك في ذمة البنك المسحوب عليه. إذ يبيع ما يملكه في ذمة ذلك البنك بإزاء مبلغ نقدي يتسلمه من البنك الذي دفع إليه الشيك لتحصيله. ويكون هذا من بيع الدين.
وسواء كيّفنا العملية فقهياً على أساس انها حوالتان أو حوالة بدين ثم بيع الدين، فان كل ذلك صحيح وجائز شرعاً».
ولنا على ذلك بعض التعليقات:
أولاً: ان ما قاله يتوقف على وجود شخصية معنوية للمصرف بحاله الذي يتحدث عنها. وقد سبق الكلام فيه في فصل سابق.
ثانياً: ان ما قاله يتوقف على صحة التعامل بالشيكات دون النقود. وهو ما وافقنا عليه فقهياً، إلا انه لم يبحث في كتابه عن ذلك إطلاقاً، وانما أخذ الأمر على سذاجته.
ثالثاً: ان الحوالة بكل أشكالها الثلاثة التي ذكرها، إنما تصح فيما إذا كان الرصيد عبارة عن الحساب الجاري الدائن، وهو الاعتيادي. ولا يصح فقهياً مع الحساب المكشوف. وهو مما لم يشير إليه إطلاقاً.
واما احتمال أن يكون الإيداع الذي كون الرصيد هو من نوع آخر غير الحساب الجاري، فهو غير محتمل، لما عرفناه من ان المصارف لا تحول بالشيكات على غير الحساب الجاري.
رابعاً: ان كل ما ذكره يتوقف على أن يكون الإيداع مع دفعه للمصرف، يصبح ملكاً للمصرف بصفته ديناً عليه. وهذا يمثل أحد الفهمين للإيداع الذي يمكن تصيّدها من المصادر المصرفية. والفهم الآخر هو كونه إيداعاً يبقى على
ــــــــــــــــــــ[98]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ملك صاحبه. وهذا هو الذي يُفهم من عبارة الإيداع المستعملة في مصادرهم, وهو الفهم الفقهي الذي دعمناه وأيدناه في حدود المصارف التي تستعمل الأموال المجهولة المالك عادة(1). فإن خروجه عن ملكية المالك إلى ملكية المصرف يتوقف على بعض الوجوه غير الصحيحة فقهياً، وقد حملنا عن ذلك فكرة فيما سبق.
خامساً: ان هذه المعاملة هي حوالة أو بيع أو حوالتان أو حوالة وبيع بمختلف الأصناف، يتوقف على قصدها، لأن المعاملة فقهياً -كما عرفنا أكثر من مرة- تتوقف على وجود قصدها مع بيانها بقول أو بفعل. ومن الواضح انه من الناحية العملية لا يقصدها المتعاملون عادة في المصارف.
إلى مناقشات أخرى لا حاجة إلى الإفاضة بها.
وبناءً على ما قلناه، فان الفرد الساحب يملك الرصيد المودَع في الحساب الجاري. وعند السحب لأمره للمستفيد فانه يدفع للمستفيد قسماً من أمواله في الحقيقة.
فان كان المسحوب عليه هو المصرف الحاوي على الحساب فهو المطلوب. وان كان فرعاً عليه، فقد يكون لهما ذمة واحدة، كما عبّر بعض أساتذتنا مما سمعناه، فالأمر كذلك تماماً يعني كأنهما مصرف واحد فقهياً. وهذا يحدث في عدة حالات, منها: كون المصرفين مملوكان لشخص واحد حقيقي. ومنها: انهما مملوكان لشركة مساهمة بعينها. ومنها: انهما حكوميان تعتبرهما الدولة مصرفاً واحداً. بغض النظر عن بعض المناقشات السابقة.
ــــــــــــــــــــ[99]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) نعم، إذا كان المصرف مؤسساً بأمر الولي العادل، ولم يكن يتعامل بالربا وقصد القرض، صح وترتب عليه حكمه وهو ملكية المصرف للمال، مع وجوب أدائه في أجَله أو عند المطالبة مع إهمال الأجل.
وقد يحدث ان يكون المصرف فرعاً إلا ان له ذمة ثانية، كما لو كانا مملوكين لشخصين، ولكن أحدهما اختار أن يعمل تحت رعاية الآخر وسيطرته مختاراً أو مضطراً، لا بمعنى كونه مكرهاً أو مجبوراً. فتكون لهما ذمتان. وهما من الناحية الفقهية مصرفان لا مصرف واحد. وهو مما لم يأخذه بعض أساتذتنا بنظر الاعتبار.
واما إذا كان السحب من بنك آخر، في البلدة أو في خارجها، فان هذا مما لا دخل له فقهياً أصلاً، فان قلنا بوجود الشخصية المعنوية للمصرف أساساً. أصبح المصرف المسحوب عليه دائناً للمصرف الآخر بمقدار قيمة الشيك. فان كان فارغ الذمة تجاهه أمكنه سحبه منه بالشيك نفسه، كما قلنا من إعادة الخصم.
وان كان مديوناً له أمكن له اعتبار ما يدفعه وفاءً لما عليه من المال. وان كان دائناً له ازداد مال الدائن بذلك، ولهما ان يتفقا بالوفاء بشكل من الأشكال.
وليس في هذا المقام مقاصة بالمعنى الفقهي. وإنما إذا كان مديوناً فهو وفاءً لما في ذمته.
واما إذا لم نَقُل بوجود الشخصية المعنوية للمصارف، كان للمستفيد قبض المال مجهولاً للمالك. ولا يوجد نظر فقهي حينئذ إلى الحساب بين المصرفين.
لا يختلف في ما قلناه في مختلف أنحاء المعاملة بين الساحب والمستفيد، من بيع أو إجارة أو أداء دين أو تبرع أو أي وجه آخر. وسيكون هذا أحد المنطلقات في فهم التحويل الخارجي بين المصرف والبنك المراسل، فان الفكرة الفقهية تكاد ان تكون واحدة فيهما.
ــــــــــــــــــــ[100]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الرهون:
يمكن لأي مصرف يعطي التسليفات، ان يأخذ الرهون، ويؤخذ الرهن عادة على الأموال المدفوعة من قِبَل المصرف، للأشخاص الحقيقيين، كسلف أو قروض، وخاصة مع الشك في أمانة المستلف أو في كفاءته المالية.
وكذلك يؤخذ الرهن مصرفياً على الحساب الجاري المكشوف بمجرد اعتماده، وان لم يسحب منه العميل أي شيء تحسباً من السحب الذي سيحدث بطبيعة الحال.
ويقبل المصرف رهناً أي شيء يكون له مالية كافية في نظره. ومن هنا أمكن أن تكون الأشياء التالية رهناً عنده:
أولاً: الأموال غير المنقولة كالدور والبساتين.
ثانياً: الأموال المنقولة كالبضائع التجارية والصناعية.
ثالثاً: الحلي الذهبية والأحجار الكريمة.
رابعاً: الأسهم والسندات المملوكة للمدين.
خامساً: الودائع المالية المسبقة بمختلف أشكالها من الحساب الجاري الدائن والتوفير والإيداعات الثابتة والوقتية.
سادساً: الودائع المالية. يطلبها المصرف لتكون رهناً، بعد حصول الدين. (وليست مسبقة) وتسجل على أحد أشكال الودائع السابقة.
سابعاً: الضمان من قِبَل مؤسسات مالية، كمصارف أو مؤسسات أو شركات للمدين. بمعنى انه لو لم يدفع دينه تقوم هي بدفع الدين. وسيأتي للضمان عنوان مستقل. والآن نتكلم عن الرهون.
ثامناً: مما لم أجده في المصادر المصرفية، مما يمكن أن يكون رهناً هو
ــــــــــــــــــــ[101]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الشيكات الموقعة والتامة الشروط غير المسحوبة(1)، إذا كان المدين هو (المستفيد).
ونحن هنا ننظر في الأمر فقهياً، بغض النظر عن نقاط ضعف سابقة، ونقصر النظر على فكرة الرهن وأحكامها.
والرهن ليس به بأس فقهياً، بل هو من حق الدائن لا محالة. وكل ما فيه مالية شرعاً أمكن رهنه. ويكون مقدار الرهن بالمقدار المقنع للمرتهن (الدائن) وهو عادةً أكثر قيمة أو مالية من القرض، تحسباً لاختلاف قيمته السوقية خلال الزمان على الأغلب(2). بقيت الإشارة إلى أمور:
الأمر الأول: لو قلنا بأن الودائع في المصرف ضائعة وخارجة عن ملك أصحابها وقد تحولت إلى مجهول المالك ونحو ذلك من التخريجات الفقهية، لم يمكن جعلها رهناً.
وكذلك لو قلنا بالفهم التقليدي المصرفي والذي سمعنا ان بعض أساتذتنا وافق عليه، وهو كون الودائع قرضاً للمصرف. إذ حينئذ لا معنى لجعلها رهناً لأنها ملك للمصرف. والرهن إنما يكون من أملاك الراهن لا من أملاك غيره.
ــــــــــــــــــــ[102]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) ما دامت باقية على قوتها. فإنها تسقط بموت الساحب.
(2) وبالطبع فما لا مالية له لا يمكن ولا يجوز شرعاً، جعله رهناً. وهو عدة أنواع:
أولاً: ما لا مالية له لكونه قليلاً جداً كعود ثقاب أو حبة حنطة.
ثانياً: ما لا مالية له لكونه خالياً من المنفعة العقلائية. كالوحل وأجناس من الحشرات.
ثالثاً: ما لا مالية له لكونه ساقطاً شرعاً عن المالية، كالخمر والخنزير وبعض الكلاب. وكذلك الفرد الحر من البشر.
رابعاً: ما لا يجوز مقابلته بالمال، وان كان له مالية بالأصل. وهو ما قصد به الحرام، كشراء العنب لجعله خمراً وشراء السلاح لقتل المؤمن أو الخشب لجعله صنماً وغير ذلك.
واما باقي ما على وجه الأرض فهو له مالية من المملوكات والمباحات، كما سبق في فصل سابق، يدخل في ذلك مما سبق: الأموال المنقولة بما فيها الحلي وغير المنقولة.
وخاصة إذا كانت من أملاك المرتهن (الدائن) نفسه.
إلا أن يراد في مثل ذلك حجز هذه الديون من أجل جعلها مقاصة عند عدم الدفع. وهذا أمر ممكن، إلا انه لا يكون رهناً اصطلاحياً.
ولكننا في حدود الفكرة التي مشينا عليها سابقاً، وقلنا: بأن الودائع تبقى ملكاً للمالك، وهي موجودة بماليتها الكلية، وغير ضائعة في حسابات المصرف. إذن, يمكن جعلها رهناً بدون إشكال فقهي معتد به من هذه الناحية.
الأمر الثاني: بالفهم الذي قلناه عن الودائع، فإنها يمكن أن تكون رهناً حتى عند شخص آخر حقيقي أو معنوي أو مصرف آخر، حين يصبح أي منهم دائناً لصاحب الوديعة. إلا ان هذا المعنى غير مسطور في المصادر المصرفية. وان كان ممكناً من الناحية الفقهية، ويمكن تسجيله بورقة رسمية.
الأمر الثالث: بالنسبة إلى الرهن على الحساب الجاري المكشوف قبل سحبه. لا يخلو من إشكال فقهي، حيث قلنا بأنه ليس قرضاً حقيقياً قبل سحبه وجعل الرهن قبل حصول القرض لا معنى له.
واما بعد سحبه، فهو ليس قرضاً أيضاً لعدم قصد معاملة قرض جديدة في كل سحب. وان كان الساحب مديناً للمصرف من باب ضمان الغرامة. وهذا الضمان لا رهن عليه فقهياً.
الأمر الرابع: يوجد إشكال فقهي معين في رهن الودائع المصرفية، لا بد من عرضه ومحاولة الجواب عليه.
من حيث ان المصرف الواحد له ذمة واحدة والفرد المدين له ذمة واحدة. فلا يجوز التفريق بين أنواع الحساب بمجرد الاعتبار. فلو أودع شخص في التوفير مثلاً. ثم أخذ سلفة من المصرف بمعاملة أخرى، أو سجّل له المصرف اعتماد حساب مكشوف. فان كل ما يسحبه إنما يكون من نفس الأموال التي
ــــــــــــــــــــ[103]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
كان قد أودعها، وليس ان إيداعه مستقل عن استلافه، لأن الذمة واحدة كما قلنا، لكل من المصرف الدائن والعميل المدين.
ومن نتائج ذلك أيضاً فقهياً، عدم إمكان ان يكون للفرد الواحد في المصرف الواحد، حسابان جاريان، أحدهما دائن والآخر مدين. وقد نصت المصادر المصرفية على إمكانه، في نظرهم. وهو انطلاق من حجية التعدد الاعتباري بهذا المقدار. فهل لهذه الحجية واقعية فقهية أم لا؟
ومن نتائج ذلك أيضاً، عدم إمكان وجود حسابين من نوع واحد لشخص معين في مصرف معين، كحسابين جاريين دائنين أو توفيريين، بل مطلق الودائع، وان اختلفت أسماؤها وأساليبها ومعاملاتها لأنها جميعاً ترجع إلى وديعة واحدة، من شخص واحد في مصرف واحد.
وما يمكن أن يقال في تبريره: ان المالية إنما هي من الأمور الاعتبارية العقلائية. فكل اعتبار عقلائي يمكن أن يعتبر من سنخ المالية بطبعه. الأمر الذي ينتج، إمكان تأثيره عليه، وفاعليته فيه.
والقرار المتخذ بفرز حسابين مستقلين لمالك واحد، أيضاً قرار عقلائي. فيمكن أن يكون حجة في تأثيره في فرز المالية التي هي بدورها عقلائية. وهو المطلوب.
وجوابه: ان هذا وحده لا يكفي لعدة وجوه نذكر بعضها:
أولاً: انه لم يثبت وجود قرار عقلائي عام يقول بإمكان تقسيم المالية الواحدة تقسيماً اعتبارياً صرفاً.
نعم، قد تميل المؤسسات والمصارف إلى تحقيقه، إلا انه ليس كل ما أثبتته المصارف هو سيرة عقلائية ليكون حجة فقهية.
ثانياً: اننا لو سلمنا كون ذلك سيرة، بغض النظر عن الوجه الأول، إلا انه
ــــــــــــــــــــ[104]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ثابت في الوقت الذي يكون للأموال تمييز واضح كما لو كان كل مال في بلد كبستانين أو دارين أو قطيعين من الأغنام أو الأبقار متباعدين بطبعهما. فقد يعتبر العقلاء لكل منهما نحواً من الاستقلالية عن الآخر، وان كان المالك واحدًا. واما المال المودع في مصرف واحد. فليس له هذا التمييز الواضح ليكون مشمولاً بالسيرة.
ثالثاً: اننا ينبغي ان نلتزم من السيرة بمقدار ما يوافق عليه العقلاء، اما ان نأخذ بعض القضايا من السيرة ثم نحاول ان نطبقها تطبيقاً منطقياً، فهذا من شأنه على الأغلب أن يُخرِج المورد عن موافقة السيرة. ومن هنا يكون مما لا سيرة عليه.
وفي أصل التقريب، قلنا: ان الفصل بين المالين مما عليه السيرة وهو من سنخ المالية فيكون حاكماً عليها. وحكومته عليها لا ينبغي أن نأخذها من العقل، بل من العقلاء. وأسلوب الاستدلال يقتضي أخذه من العقل خاصة. وهو لا يكفي في إنتاج الدليل.
ومعه، فهذا الإشكال وارد فقهياً، ومن المتعذر تجشم رده. وان كان المظنون صحة السيرة. إلا ان هذا المقدار من الظن ليس بحجة.
الضمان:
وهو متحقق في المصارف على مختلف الأشكال. وهو بمجرده لا إشكال فيه فقهياً. وفكرته العامة ان شخصاً ما، يتعهد بدفع الدين على تقدير عدم دفع المدين. ويسمى بالكفالة أيضاً.
وهو موجود على مختلف المستويات، نذكر أهمها:
المستوى الأول: ما عرفناه من ان المصرف قد يأخذ ضمانات وتعهدات
ــــــــــــــــــــ[105]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
على الحساب الجاري المكشوف، من قِبَل مصارف أخرى وطنية أو أجنبية أو مؤسسات أو شركات.
المستوى الثاني: الشيك المعتمد أو المصدق، الذي سمعنا عنه أيضاً، وهو ما يتعهد المصرف بدفعه، وهو نحو من الضمان أو الكفالة، بهذا المعنى. وإذا تم الدفع أمكن للمصرف استيفاء قيمته من حساب الساحب.
المستوى الثالث: خطابات الضمان. وهو التعهد الذي قد يصدره المصرف لصالح جهة معينة، بدفع مبلغ معين لدى الطلب نيابة عن طالب الضمان، عند عدم قيام الطالب بالتزامات معينة في صالح المستفيد. وهذا يكون عادة تجاه المقاولات التي يكون فيها غرامات جزائية على التأخير أو الغش أو نحوها. فيتعهد المصرف بدفعها بطلب من المقاول نفسه. ثم يستردها من حسابه.
المستوى الرابع: الاعتماد المستندي. وهو(1) عقد يتعهد المصرف بمقتضاه بفتح اعتماد لصالح المستفيد بناءً على طلب الآمر بفتح الاعتماد. بضمان مستندات تمثل بضاعة منقولة أو معدة للنقل.
وهو نوع من الكفالة للمصدر الخارجي. وسنعقد لهذا النوع من المعاملة عنواناً مستقلاً بعونه تعالى.
وكل أنواع الضمان لا تمر على المصرف بالمجان، بطبيعة الحال، بل لا بد ان يستوفى المبلغ من الآمر بإصدار الضمان. ولم توجد في المصادر الإشارة إلى الربح الذي تستوفيه المصادر على هذه الكفالة أو الضمان. وقد تكون من هذه الناحية مجانية، كل ما في الأمر التسهيل على الجهة المستفيدة المضمون لصالحها، بأن تطمئن أولاً، ويمكنها تسلّم المبلغ في وقته تماماً فيما إذا كان طالب الضمان مسافراً أو غير ذلك بحيث لا يتيسر له الدفع الفوري. فضلاً عما
ــــــــــــــــــــ[106]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) دليل المعاملات المصرفية, ج4, ص8.
إذا كان مشاكساً أو سارقاً. وقد أشار بعض أساتذتنا أن أمثال هذه الضمانات جائزة فقهياً، وهذا صحيح. إلا انه أشار إلى انه لا يجب الوفاء به من قِبَل المصرف إلا إذا وقع في ضمن معاملة ملزمة أو لازمة، بالاصطلاح الفقهي كالبيع أو الإجارة أو القرض.
وهذا وان كان هو المشهور بين الفقهاء أيضاً، انطلاقاً منهم بأن الوعد ما لم يقع ضمن المعاملة يكون ابتدائياً. والوعد الابتدائي لا يجب الوفاء به بل يستحب.
إلا ان هذا قابل للمناقشة من حيث ان الوعد الابتدائي، وان كان لا يجب الوفاء به. إلا ان ذلك في أمثال الوعود الاعتيادية التي تقع بين الناس. واما التعهدات ذات المسؤولية المتكاملة والتي تشبه عرفاً وعقلائياً أية معاملة أخرى. فيمكن أن يقال: انها ليست من الوعد الابتدائي، بل تكون مشمولة للعمومات الملزمة كقوله: “المؤمنون عند شروطهم”. وغيره.
واما جواز أخذ العمولة أو الربح تجاه هذه الضمانات أو التعهدات، فهو ناتج عن عدم كون هذا الربح ربوياً. فان لم يكن ربوياً كان جائزاً فقهياً.
فقد يقال: انه ربح ربوي، وذلك بتقريب معين:
وهو ان نقول: ان المال الذي يدفعه المصرف إنما هو إقراض لطالب الضمان، ووفاء هذا الرجل لدينه إذا صحبته الزيادة كان ذلك من الفائدة الربوية.
أقول: كون المال المدفوع من المصرف قرضاً لهذا الرجل، واضح فقهياً، إلا ان كون الفائدة ربوية مما يمكن المناقشة فيه:
أولاً: يتوقف ذلك على وجود الشخصية المعنوية للمصرف. وهذا مما سبق ان بحثناه ونفيناه.
ــــــــــــــــــــ[107]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ثانياً: يتوقف على قصد القرض من قِبَل المصرف. وهو وان كان راجحاً إلا أن له وجوه أخرى كالوفاء بدل المديون. فان طالب الضمان مدين لجهة أخرى هي المستفيدة، ولأي فرد ان يقضي دين فرد آخر بطلبه أو بدون طلبه. وليس هذا من الإقراض في شيء وإذا لم يكن إقراضاً كان الربح عليه جائزاً.
ثالثاً: ان هذا يندرج في الأجر على قضاء الحاجة للغير لا بقصد المجانية. وهو أمر جائز ما لم ينص على خلافه, أعني حرمته فقهياً، وهي الفائدة الربوية. واما إذا لم نعلم بكونها ربوية، أو كانت لها وجوه أخرى من الفهم الفقهي، لم تكن محرمة.
وعلى أي حال فهي تختلف عن الفائدة الربوية بأمور, منها:
أولاً: ان هذا الضمان غير أكيد الدفع، وإنما يدفع على تقدير عدم دفع المديون. بخلاف القرض الذي تحرم فيه الفائدة الربوية، فانه مستحق بكل صورة.
ثانياً: ان الذي يقبض المال من الضامن (وهو المصرف) هو المستفيد، في حين ان الذي يدفع الأجر هو الآخر، أعني المضمون له أو طالب الضمان. في حين يكون الدائن في القرض آخذاً لدينه وفائدته.
ولذا نص الفقهاء على هذا النحو من الضمان، ولم يشيروا إلى حرمة أخذ الأجرة عليه، ومقتضى الأصل الجواز، كما ان مقتضى العمومات، مع عدم قصد المجانية، هو لزوم الأجرة.
نعم، أشرنا إلى أن المصارف قد تعمل ذلك مجاناً بدون عمولة، فيكون الإشكال من هذه الناحية مرتفعاً من أساسه.
ــــــــــــــــــــ[108]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الكمبيالات:
الكمبيالة هي ورقة تسجيل الدين في المصرف, وقد عرّفوه في المصادر المصرفية(1): بأنه صك (سند) يحرره شخص يسمى (الساحب) يأمر فيه شخص آخر يسمى (المسحوب عليه) بأداء مبلغ من النقود في تاريخ معين أو بالاطلاع لأمر أو لأمر شخص ثالث يسمى المستفيد.
وإذا كانت الكمبيالة داخلية سميت (سفتجة). وعلى أي حال فكلا الاسمين غير عربيين في الأصل بالرغم من تعريب أكثر الاصطلاحات المصرفية. ومن هنا سميت أيضاً (سندات السحب) ولم يصبح متعارفاً لحد الآن.
والساحب المحرر للكمبيالة هو الدائن، يأمر بها أو من خلالها المسحوب عليه وهو المديون بالأداء في تاريخ معين متفق عليه أو عند الاطلاع على الكمبيالة. وهو فقهياً يحمل معنى (عند المطالبة) إذ ان إرسال الورقة للاطلاع نحوٌ من المطالبة. وخاصة وهو يعلم انه ملزم بها قانوناً عند الاطلاع.
وسميت في التعريف بالصك. لأنها تشبهه من حيث كونها ورقة مالية. والا فالصك بالأصل هو (الشيك) الذي تحدثنا عنه فيما سبق. ولذا كان الأولى إبداله بلفظ السند لأنه يحمل معنى الاستيثاق من الأمر المطلوب. وتسجيله تسجيلاً قانونياً أو إقامة دلالة واضحة عليه. ولذا سميت (سندات السحب).
وهناك الكمبيالة المخصومة, وقد عُرِّفت(2): بأنها الورقة التجارية التي قام المصرف بشرائها قبل تاريخ الاستحقاق مقابل دفع قيمتها الحالية (القيمة الاسمية بعد خصم الفوائد والعمولات).
ــــــــــــــــــــ[109]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) النشرة الفصلية لمصرف الرافدين العدد الأول من السنة السادسة 1986.
(2) المصدر نفسه.
والخصم عندهم هو التقليل من القيمة، فإذا بيعت الكمبيالة على المصرف بأقل من قيمتها الاسمية كان ذلك خصماً. وهذا أمر موجود في المصرف باستمرار يربح منه الدائن (وهو بائع الكمبيالة) وفاء حاجته الوقتية للمال، ويربح المصرف منها الفرق بين القيمتين: الاسمية والحالية, أو قل: الأصلية والمخصومة. وسيأتي عن قريب الحديث عن إمكان ذلك فقهياً.
وإذا دفع المصرف قيمة هذه الورقة التجارية، في أجلها بقيمتها الكاملة أو قبله بالخصم، فانه يستوفي ما يدفعه للدائن من حساب المدين ان وجد، أو يطالبه به شخصياً.
وهناك الكمبيالة المعاد خصمها: وهي الكمبيالات(1) المخصومة التي يعيد المصرف خصمها لدى المصرف المركزي توفيراً للسيولة.
وهذا يعني أحد الطرق التي يستطيع المصرف سداد ما دفعه إلى الدائن. وهو إعادة خصم الكمبيالات لدى المصرف المركزي. غير أن هذا الخصم لن يكون بأقل من قيمتها التي دفعها المصرف إلى الدائن. فيكون معنى الخصم هنا هو (دفع) القيمة وليس التقليل منها.
والسيولة: هو توفر النقد لدى المصرف. لوضوح انه مع كثرة الدفع تقل السيولة، وبإعادة الخصم تتوفر السيولة تارة أخرى.
والكمبيالات: أوراق مالية رسمية، يمكن من خلالها الإيداع والسحب في المصارف، تماماً كالشيكات من هذه الناحية فلو طالب الدائن تسجيل قيمتها بدلاً من دفعها نقداً. وتسجيلها في حسابه الجاري أو بعض إيداعاته كالتوفير أو غيره أمكن ذلك واعتبرت الورقة مخصومة أو مدفوعة.
ــــــــــــــــــــ[110]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) المصدر نفسه.
وهناك ما يسمى بكمبيالة المجاملة، وقد عرّفوها(1) بأنها: اتفاق بين شخصين على أن يسحب أحدهما على الآمر ويقوم الساحب بخصم الكمبيالة لدى المصرف الذي يتعامل معه. وفي هذا النوع من الكمبيالات يبدو المسحوب عليه في الظاهر كما لو كان مديناً للساحب، ويقبل الكمبيالة المسحوبة عليه. بينما في الواقع وحقيقة الأمر ليس للساحب قبله أي دين.
فهذا هو المهم من أحكام الكمبيالة مصرفياً، ولا بد من بيان أحكامها الفقهية، ضمن أمور:
الأمر الأول: قال سيدنا الأستاذ(2): «الكمبيالات المتداولة بين التجار في الأسواق، لا تعتبر لها مالية كالأوراق النقدية. بل هي مجرد وثيقة وسند لإثبات ان المبلغ الذي تتضمنه دين في ذمة موقعها لمن كتبت باسمه».
قال: «ولذا لو ضاعت الكمبيالة أو تلفت عند البائع لم يتلف منه مال، ولم تفرغ ذمة المشتري بخلاف ما إذا دفع له ورقة نقدية وتلفت عنده أو ضاعت».
ولنا على ذلك عدة تعليقات:
أولاً: انه واضح من هذه العبارة ان الذي يوقع الكمبيالة هو المدين لمصلحة الدائن. وهو أمر ممكن في التصور. إلا انه خلاف الواقع الذي جرت عليه المصارف. فإنها تعتبر الكمبيالة صادرة بأمر وتوقيع الدائن وليس المدين، كما أتضح مفصلاً فيما سبق. عند معرفة تعريفها المصرفي فراجع.
ثانياً: لا شك ان الكمبيالة تعتبر سنداً على الدين، كما قال. ولكن محاولة إبعادها عن فكرة الورق النقدي، في حدود فاعليتها المصرفية طبعاً، ومدى تأثيرها. أمر غير صحيح كما سنسمع.
ــــــــــــــــــــ[111]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) المصدر السابق.
(2) مستحدثات المسائل, ص24.
والاستدلال على ذلك: «بأنها لو تلفت لم يتلف منه مال» لا يخلو من مناقشة. لأن المهم سوقياً هو إمكان التبديل، يعني إمكان استحداث بدل ضائع عن الكمبيالة الضائعة. فان أمكن استحداث البدل لم يخسر الفرد مالاً لا في الكمبيالة ولا في النقد لفرض إمكان الحصول على البدل. والمهم هو المالية الكلية التي تدل عليها الورقة أياً كانت، وهي محفوظة في البدل كما كانت محفوظة في الضائع.
وان لم يكن التبديل كان الفرد فاقداً للمالية في كل من النقد والكمبيالة. أما النقد فواضح. واما الكمبيالة فباعتبار فقدانه السند القانوني الدال على الدين والذي يكون سبباً لإمكان السحب من الحساب المصرفي. وأصبح الآن يمكن للمدين أن يتمرد على الدائن.
كل ما في الأمر ان السيد الأستاذ أخذ بنظر الاعتبار كون هذا التمرد حراماً شرعاً، وان ذمة المدين تبقى مشغولة ما لم يدفع. وهذا صحيح. إلا اننا لو نظرنا من الناحية القانونية لم نجد دليلاً على الدين حتى من الناحية الشرعية. ويمكن للمدين أن يقسم باليمين أمام القاضي الشرعي ببراءة ذمته، ويمكن أن تثبت دعواه بذلك. هذا إذا لم يكن متشرعاً طبعاً.
إذن، ففقدان هذه الورقة المالية، بمنزلة فقدان المال. كل ما في الأمر ان المصارف قد تكون على استعداد لإعطاء بدل ضائع للكمبيالة، في حين لا تكون على استعداد لذلك في الورق النقدي. وهذا هو سر الاختلاف بينهما ليس إلا.
ثالثاً: قال سيدنا الأستاذ ضمن هذه العبارة: «فالمشتري عندما يدفع كمبيالة للبائع لم يدفع ثمن البضاعة».
وهذا منه كأثر لعدم اعتبار الكمبيالة كالنقد، دالاً على المالية. وقد سبق ان أشرنا، وسنعيد فكرته إجمالاً بعد قليل، ان فكرة النقود المالية اقتصادياً متحقق
ــــــــــــــــــــ[112]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
في الأوراق المالية في حدود فاعليتها وتأثيرها، أو قل: في حدود قبولها المصرفي. وعرفنا قبل لحظة عدم ورود الإشكال عليه.
الأمر الثاني، من الحديث عن الكمبيالة. انها بصفتها ورقة مالية وقابلة للتبديل مصرفياً وسوقياً، تمثل في حدود فاعليتها كما قلنا: المالية الكلية. ومعه, تكون مبرئة للذمة كالنقد تماماً وتصلح للتعامل بها في مختلف المعاملات كالبيع والإجارة ومهر الزوجة وغيرها.
وإذا تمت لدينا كمبيالة المجاملة، وسيأتي الكلام فيها، فسوف يمكن أن تكون مسيطرة على السوق كالشيك تماماً. بل هي تملأ المجال الذي لا يسيطر عليه الشيك، وهو صورة وجود الحساب الجاري، الذي يختص بها الشيك كما عرفنا. ولكن الكمبيالة أوسع من ذلك. ولعلها تشمل مورد الحساب الجاري وغيره. فالحساب الجاري يعمل فيه كِلا الشكلين من الأوراق المالية وتشمله الكمبيالة مع سائر الإيداعات، بل بدون إيداع أيضاً.
وقد يقال: ان هذا الاتجاه الاقتصادي واضح في الشيك، إلا انه غير واضح في الكمبيالة. لوجود فرق أساسي بينهما. فبينما الشيك يكون مسحوباً من حساب موقعه، أو المسحوب لأمره. نرى الكمبيالة تكون مسحوبة من حساب المدين على حين يكون موقعها هو الدائن.
وهذا معناه ان شخصاً ما يتصرف في حساب شخص آخر، ويأمره بالدفع منه. وهذا غير صحيح فقهياً.
وجوابه من وجوه نذكر منها:
أولاً: ان هذا إنما لا يكون صحيحاً فيما إذا لم يكن الفرد الآمر بالدفع دائناً. لوضوح ان الدائن له حق في استيفاء دينه، فهو ليس تصرفاً في حساب المديون بدون حق. بل باعتبار الدين.
ــــــــــــــــــــ[113]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ثانياً: ان القضية الاقتصادية -لو صح التعبير- وان كانت ترسو على المدين بصفته مديناً طبعاً، إلا أن السحب بالكمبيالة ليس من حساب المدين مباشرة، بل من الأموال العامة للمصرف. وهذا هو الذي يعطيها قوّتها السوقية.
ثالثاً: ان طريقة التعبير فيما هو مكتوب في وجه الكمبيالة لا أثر له من الناحية الاقتصادية. وان كان قابلاً للمناقشة، وقابلاً للتغيير نظرياً، كما قلنا في كثير من أمثاله من أحوال المصارف.
غير ان المهم فيها ليس إلا كونها سنداً مثبتاً للدين بين شخصين أو جهتين أو نحو ذلك، مهما كانت عبارتها. وبذلك تكتسب الأهمية الاقتصادية لا أكثر ولا أقل.
الأمر الثالث: في حكم خصم الكمبيالة فقهياً بأقل من قيمتها. وينبغي أن يختص الحديث الآن عن الكمبيالة الدالة على دين واقعي لا عن كمبيالة المجاملة.
قال سيدنا الأستاذ(1) عنه: «فيجوز للدائن أن يبيع دينه المؤجل الثابت في ذمة المدين بأقل منه حالاً. كما لو كان دينه مائة دينار فباعه بثمانية وتسعين نقداً.
نعم, لا يجوز على الأحوط لزوماً بيعه مؤجلاً لأنه من بيع الدين بالدين. وبعد ذلك يقوم البنك أو غيره بمطالبة المدين (موقع الكمبيالة) بقيمتها عند الاستحقاق».
ولنا على ذلك عدة تعليقات:
أولاً: ان الظاهر من هذه العبارة، كما في عبارة سابقة أن الموقّع على
ــــــــــــــــــــ[114]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) مستحدثات المسائل, ص25.
الكمبيالة هو المدين لا الدائن. وهو على خلاف نص المصادر المصرفية. وفي بعض عبارات سيدنا الأستاذ(1): «ان الكمبيالات تختلف، فقد يوقعها الدائن وقد يوقعها المدين». ولم أجد ذلك في المصادر المصرفية. وظاهرها -على أي حال- اختصاص حتى التوقيع بالدائن يأمر به المدين بالدفع في موعد معين أو بالاطلاع.
ثانياً: ان ما قاله موقوف على ثبوت الشخصية المعنوية للمصرف فان كانت ثابتة فهو المطلوب، والا كان ما قاله غير تام لانعدام المشتري للكمبيالة عندئذ. وقد سبق الكلام فيه.
ثالثاً: لا ينحصر التكييف الفقهي لخصم الكمبيالة من المصرف بكونه بيعاً لها عليه. وان كان يصطلح بذلك اقتصادياً أو مصرفياً أيضاً. فان قصد البيع فلا إشكال.
وإذا حصل ذلك أنتج ان المصرف أصبح دائناً للمدين بدل (الدائن) الأصلي، بالقيمة الأصلية للدين. بغض النظر عن الإشكالين السابقين.
إلا ان هذا كما أشرنا ليس تكييفاً منحصراً، لإمكان تقديم بعض التكييفات الأخرى. كما لو كان المصرف مؤدياً لما في ذمة المدين من الدين لدائنه. وحيث انه عمل ذلك لا مجاناً للمدين جاز له أخذ ما دفعه منه.
فان كان ذلك الأداء في الوقت المحدد، فهو المطلوب. وان كان في وقت سابق وبقيمة أقل، كان معناه فقهياً ان المصرف لم يوفِّ كل الدين ولكن الدائن أعرض عن الباقي أو أبرأ ذمة المدين منه وهنا تكييف آخر هو أن توقيع الكمبيالة بعلم المدين معناه توكيل المصرف بالوفاء عن المدين. فان كان في الوقت فهو المطلوب، وان كان أسبق منه فالأمر كما قلناه في التكييف السابق.
ــــــــــــــــــــ[115]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) نفس المصدر, ص20.
وهنا تكييف ثالث: وهو أن المصرف تبرع بوفاء دين المدين، وهو أمر جائز قانوناً وشرعاً. وتكييف رابع: وهو ان المصرف جعل جعالة للدائن انه إذا أبرأ ذمة المدين فانه يعطيه هذا المقدار من المال. وقد أبرأه وأخذ المال، بالفرض.
فان كان الوفاء بوقته بمقداره، فمعناه كون الجعالة مساوية للدين. وان كان قبله كان معناه كون الجعالة أقل. وان الباقي ذهب بالإبراء.
وهذه التكييفات تحتاج إلى قصد لا محالة، كما قلنا في أمثالها مكرراً. والمصرف لا يقصدها بطبيعة الحال.
والظاهر أن المصرف يقصد أمراً آخر، غير هذه التكييفات الخمسة، وهو شراء ورقة الكمبيالة نفسها التي يكون ثمنها بثمن ما هو مسجل فيها من المال. فقد يشتريها بمقداره وقد يشتريها بأقل. وهو أمر سائغ شرعاً. أيضاً على أي حال.
رابعاً: أن ما أشار إليه سيدنا الأستاذ من منع البيع مؤجلاً. لأنه بيع دين بدين. يتوقف على أن يكون خصم الكمبيالة من قبيل بيع الدين. فان كان بتكييفات أخرى لم يصح الحكم. كما لو كان من قبيل الجعالة لأجل الإبراء وغيره.
خامساً: لم يقل سيدنا الأستاذ بأن أجل شراء الكمبيالة، هل هو أقل من موعد الدين المسجل فيها أو مساوٍ له أو أكثر.
فان كان أقل أو مساوِ، فلا إشكال فيه، لأن المعاملة في الحقيقة تحدث يوم الدفع وليس في يوم البيع، لأنه ليس بيعاً لفظياً كما هو معلوم بل هو بالمعاطاة، وهو لا يحدث إلا بالدفع. ومعه لا يكون له أي أجل. هذا بغض النظر عن الإشكالات السابقة.
ــــــــــــــــــــ[116]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ولو كان الأجل أطول أو أبعد من أجل الدين، كان الاحتياط صحيحاً في حدود التكييف الذي فهمه سيدنا الأستاذ. دون بعض التكييفات الأخرى، كما هو واضح لمن يفكر.
على ان هذا النوع من بيع الكمبيالات لم أجده في المصادر المصرفية، فلعلهم لم يلتزموا بمثل هذا الأسلوب.
الأمر الرابع: في تقييم كمبيالة المجاملة فقهياً.
قال عنها سيدنا الأستاذ(1): «فلا يجوز للدائن (الصوري) بيع ما تتضمنه الكمبيالة، لانتفاء الدين واقعاً وعدم اشتغال ذمة الموقّع له (المستفيد) بل إنما كُتِبت لتمكين المستفيد من خصمها فحسب. ولذا سميت (كمبيالة مجاملة).
وواضح ان عملية خصم قيمتها في الواقع إقراض من البنك للمستفيد، وتحويل المستفيد البنك للدائن على موقعها. وهذا من الحوالة على البريء. وعلى هذا الأساس فاقتطاع البنك شيئاً من قيمة الكمبيالة لقاء المدة الباقية محرم لأنه ربا». ولنا على ذلك عدة مناقشات بعضها من قبيل المناقشات في الأمر السابق:
أولاً: انه يتوقف على وجود الشخصية المعنوية التي تكلمنا عنها.
ثانياً: انه يدل على ان السيد الأستاذ يعتقد ان الموقّع هو المدين لا الدائن. وهذا ما تكلمنا حوله أيضاً.
ثالثاً: ان ما ذكره من عدم جواز خصم الكمبيالة، متفرع على ان يكون التكييف الفقهي للخصم هو دفع دين المدين. وحيث انتفى الدين لم يجز الخصم.
ــــــــــــــــــــ[117]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) المصدر السابق, ص25.
واما على بعض التكييفات الأخرى السابقة، وخاصة فيما قلناه من انه هو المقصود الواقعي للمصرف، وهو شراء نفس الورقة بصفتها ورقة مالية ذات قيمة، فهذا أمر ممكن ولا إشكال فيه.
رابعاً: قوله: «وتحويل المستفيد البنك للدائن على موقعها»، عبارة مجملة من حيث من هو المحول والمحوّل. ولعل في العبارة خطأ مطبعي.
والصحيح منها في حدود الفهم الذي قدمه هو أن المصرف يقرض المستفيد المال الذي يدفعه إليه. ويأخذ قرضه هذا من المدين أو المسجل في الكمبيالة مديناً. فهو تحويل من الدائن فيها للبنك على المدين. والدائن هو المستفيد على أي حال وليس شخصاً آخر. والمدين هو الموقّع باعتقاد السيد الأستاذ كما سبق في أمثاله، وليس شخصا آخر.
فكان الأحرى أن يقول: وتحويل المستفيد (الدائن) للبنك على موقّعها (المدين).
خامساً: إذا تم التكييف الذي قاله لم يكن في خصم الكمبيالة عن قيمتها الاسمية إشكال. لأن المصرف له أن يقرض المستفيد نفس القيمة الاسمية وله ان يقرضه الأقل.
وإنما الإشكال في ان يرجع المصرف على المدين فيأخذ كل القيمة الاسمية، بعد ان اشتراها بأقل. لأنه -في حدود هذا التكييف- يكون على المدين ان يفي ما في ذمة الدائن المستفيد لمدينه الواقعي وهو المصرف. فلا بد ان تتساوى الكميتان وإلا كان ربا.
والحرمة هنا تتوقف عند وجود الشرط السابق:
أولاً: لوضوح عدم الحرمة في الفائدة التبرعية.
ثانياً: ان يقصد بها الفائدة، لا أمراً آخر كما لو قصدنا من الزيادة أجرة للمصرف على إعانة المستفيد اقتصادياً أو نحو ذلك.
ــــــــــــــــــــ[118]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وقد حاول السيد الأستاذ بعد ذلك ذكر تكييف آخر فقهي يبرر جواز هذه الفائدة. ونحن في غنى عنه بعد كل هذه المناقشات.
الأمر الخامس: من الحديث عن الكمبيالة.
انه لا فرق في شراء الكمبيالة بين المصرف وغيره. فكما يمكن للمصرف ان يخصمها بقيمتها أو بأقل. كذلك يمكن لغيره نفس الشيء. ثم يقدمها للمصرف فيخصمها بقيمتها أو أقل. مع تحقق الفرق بين القيمتين له.
فان كيّفنا هذه المعاملة على غير معنى القرض فلا إشكال فيها. وان كانت قرضاً.. لم تكن من الفائدة المشروطة، لوضوح ان المصرف لم يكن مسبوقاً بالبيع الذي حصل بين الشخصين.
فلو كان هناك إشكال، فهو في استيفاء المصرف في النهاية من المدين. واما المعاملة بين الشخصين خارج المصرف، فلا إشكال فيها.
الأمر السادس: من المعقول جداً -بغض النظر عن بعض الإشكالات السابقة- ان يرجع المصرف على المدين فيأخذ دينه منه لقاء ما أعطاه للدائن.
ومعه, لا يبقى للكمبيالات المعاد خصمها أو المخصومة مرتين، من فائدة. إلا في حدود عدم إمكان السيطرة على المدين واستيفاء الدين منه، لهربه أو عجزه عن الدفع أو لغير ذلك من الأسباب. وعندئذ ستقل السيولة النقدية للمصرف، لكثرة ما يخصم من الكمبيالات، فيرجع على المصرف المركزي لاستيفائها. ومن الواضح انه إذا كان الخصم الأول اقل من القيمة الاسمية، فانه سيكون بقدر هذه القيمة في الخصم الثاني لو تمت موافقة المصرف المركزي على ذلك.
وبتعبير آخر، فان نسبة الخصم غير معلومة رسمياً ولا مسجلة، فلا يكون للمصرف المركزي دليل، على انها قد خصمت بأقل من قيمتها الاسمية،
ــــــــــــــــــــ[119]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فيكون مسؤولاً عن دفع القيمة الاسمية كلها.
نعم، لو كانت النسبة معلومة، كما لو كانت مسجلة رسمياً بالكمبيالة أو في وصل خاص بها، فان للمصرف المركزي الرفض بدفع أكثر مما كان المصرف الأول قد دفعه. فانه ليس مسؤولاً عن دفع الربح له تبرعاً.
الأمر السابع: في أخذ العمولة على الكمبيالة.
اتفق سيدنا الأستاذ(1) وبعض أساتذتنا على نفس المضمون بهذا الصدد تقريباً، حيث منعاً عن تحصيل الفوائد الربوية للكمبيالة. واتفقا ان موقّعها هو المدين.
وهذا المدين، اما ان يكون له حساب جارِ دائن في المصرف، واما ان يكون له حساب مدين (على المكشوف) واما ان لا يكون له أي حساب.
ففي الحالة الأولى: تارة يشير موقع الكمبيالة فيها بتقديمها إلى البنك عند الاستحقاق، ليقوم البنك بخصم قيمتها من حسابه الجاري وترحيلها إلى حساب الدائن المستفيد. أو دفعها له نقداً.
قال سيدنا الأستاذ: «فمرد ذلك: إلى أن الموقّع أحال دائنه على البنك. وبما ان البنك مدين له، فالحوالة نافذة من دون حاجة إلى قبوله، وعليه، فلا يجوز للبنك أخذ عمولة لقاء قيامه بتسديد دينه».
وأخرى: يقدم المستفيد كمبيالة إلى البنك غير محوّلة عليه، ويطلب من البنك تحصيل قيمتها. فعندئذ يجوز للبنك أخذ عمولة لقاء قيامه بهذا العمل.
وهنا حالة ثالثة: وهي ما إذا كانت الكمبيالة محولة على البنك، ولكنه لم يكن مديناً لموقّعها. فحينئذ يجوز للبنك أخذ عمولة لقاء قبوله هذه الحوالة.
ــــــــــــــــــــ[120]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) مستحدثات المسائل, ص20.
أقول: وهذه الحالة الثالثة شاملة لصورتين مما سبق. أعني: اما ان لا يكون للمدين حساب مصرفي أصلاً. واما ان يكون له حساب مدين مكشوف. ويجمعهما صورة: ما إذا لم يكن له حساب دائن.
وقد برر بعض أساتذتنا عدم الجواز في الحالة الأولى. بأن البنك بتحويل محرر الكمبيالة عليه مدين للمستفيد بقيمة الكمبيالة بدون حاجة إلى قبوله. لأن المحرر له رصيد دائن في البنك والتحويل من الدائن على مدينه ينفذ، دون حاجة إلى قبول المدين. وإذا أصبح البنك مديناً، فلا مبرر لأخذه عمولة على وفاء دينه.
واستثنى من ذلك حالة واحدة، لأجل التكييف الفقهي لأخذ العمولة في هذه الصورة وهي: في حالة اشتراط البنك على عملائه الدائنين منذ البدء. ان لا يحولوا عليه بدون إذنه، فيمكنه حينئذ أن يتقاضى عمولة لقاء إسقاط هذا الشرط.
أقول: وهذا كله يتوقف على بعض الأمور التي سبقت في أمثاله. وحاصل النتيجة السابقة: ان الكلام واقع الآن في المصارف التي تتعامل في الأموال من مجهولة المالك بالاصطلاح الفقهي. وقلنا في مثله: ان الأموال المودعة في المصرف تبقى ملكاً لصاحبها ولا تصبح قرضاً للمصرف ولا ملكاً له. فليس الأمر من قبيل تحويل الدائن على المدين في أي صورة من الصور الثلاثة السابقة. وإنما يدفع المصرف بالكمبيالة إلى الدائن من أموال المدين نفسه لا من أموال المصرف. ومعه, يكون أخذ العمولة جائزاً من هذه الناحية لأنه من قبيل قضاء حاجة الآخرين. وليس من قبيل دفع المدين لدينه أحياناً كما قال سيدنا الأستاذ وغيره.
الأمر الثامن: في تصديق الكمبيالة. فان المصرف، كما يمكنه ان يصدّق الشيك (بمعنى انه يتعهد بدفعه)، كذلك يمكنه أن يصدّق الكمبيالة، بنفس
ــــــــــــــــــــ[121]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المعنى.
والفرق عملياً بين التصديق وعدمه هو الاطمئنان النفسي للمستفيد، ولا أحسب ان له أثراً عمليا أكثر من ذلك. فان المصرف يدفع الشيك والكمبيالة على أي حال، سواء كانت مصدقة أم لا. كما انه عند حصول المانع، كالحجز على أموال الدائن أو غلق حسابه أو نحو ذلك، لا يدفعها على أي حال، حتى وان كانت مصدقة. فالأمر نفسي أكثر من ان يكون اقتصادياً.
قال بعض أساتذتنا عن هذه الصورة: «وهذا القبول (التصديق والتعهد) جائز شرعاً، لا على أساس ضمان الدين. بل على أساس انه تعهد بوفاء المدين بدينه. وينتج من الناحية الشرعية. ان المدين إذا تخلف عن الوفاء أمكن ان يرجع المستفيد من الكمبيالة إلى البنك المتعهد لقبض قيمتها.
وأما إذا كان المدين مستعداً للوفاء، فلا يجوز لدائنه أن يرجع على البنك المتعهد رأسا، ويلزمه بأداء الدين».
أقول: وهذا منه -أعني بعض أساتذتنا- مبني على رأيه بأن المال المودَع في المصرف قرض له يملكه المصرف. وأما بناءً على ما قلناه من انه مُلك للمودِع فيكون الدائن مخيراً بين الرجوع على المدين رأساً أو أن يرجع على المصرف. لأنه يأخذ على أي حال من أموال المدين نفسه. وإذا رجع على أحدهما لم يجز له الرجوع على الآخر لأنه يكون قد استوفى دينه مرتين وهو مما لاحق له فيه.
ويجوز للمصرف أخذ العمولة على هذا الدفع، في كلتا صورتي التعهد وعدمه.
هذا إذا كان للمديون إيداع في المصرف، بأي شكل من أشكاله. ليعود التكييف الفقهي بأن المصرف يأخذ من إيداعات المدين رأساً ويدفع إلى
ــــــــــــــــــــ[122]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الدائن. لا انه يعطي من ممتلكاته ثم يقتصها من المدين. واما لو كان الحساب مكشوفاً، فالأمر يختلف عن سابقه. لما قلناه من ان الفرد لا يكون مالكاً للحساب المكشوف بمجرد صدور الاعتماد به. بل يملكه بعد سحبه. فلو وفى المصرف ذمة المدين بالكمبيالة من المكشوف لم يكن قد دفع من أموال الدائن.
وفي مثله ينبغي -لحفظ الترتيب الاقتصادي- ان يبرئ الدائن مَدينه من الدَين، بعد ان قبض المبلغ بمقداره من المصرف أو أقل منه بخصم الكمبيالة قبل وقتها. لأنه قد رضي بذلك وفاءً له. ويمكن للمصرف استيفاء ما دفعه إلى المدين لا من الحساب المكشوف للدائن بل الأموال التي سيدفعها هذا الدائن عند تغطية الحساب المكشوف.
فهذا هو أهم ما ينبغي بيانه فقهياً عن الكمبيالة.
منح الائتمان:
قال المصرفيون(1): تعتبر عملية الائتمان الركن الثاني من أعمال المصرف التجارية (يعني الإيداع بأنواعه). وتتفرع عنها جميع أنواع التسهيلات الائتمانية التي تقدمها المصارف التجارية.
ويراعي المصرف عند القيام بهذه المهمة تصنيف المستفيدين من التسهيلات الائتمانية، حسب طبيعتهم القانونية (أشخاص طبيعيين وأشخاص معنويين) من جهة، وحسب طبيعة النشاط الاقتصادي الذي يمارسونه من جهة أخرى، لكي يكونوا مؤهلين للاستفادة من أنواع الائتمان المختلفة التي يقدمها المصرف.
ــــــــــــــــــــ[123]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) مصرف الرافدين: نشأته تشكيلاته اختصاصاته, ص28.
ويقسم الائتمان الذي يقدمه المصرف إلى نوعين رئيسيين:
أولاً: الائتمان النقدي.
يكتسب هذا النوع من الائتمان من حقيقة ان العمليات التي تتم بموجبه تنشئ تعهداً فورياً (آنياً) بالدفع من قِبَل المصرف بصيغة نقد يوضع تحت تصرف المستفيدين من الائتمان (العملاء).
ويشمل الائتمان النقدي على نوعين رئيسيين من العمليات الائتمانية:
أ- التسهيلات المصرفية.
تتخذ التسهيلات المصرفية صيغة اعتمادات (تخصيصات) بحدود معينة تتلاءم مع الكفاءة المالية وطبيعة النشاط الاقتصادي للمستفيد من التسهيلات.
وتتميز هذه التخصيصات بصفة الديمومة والاستمرارية. طالما ان المستفيد من التسهيلات ملتزم بالأسس التي قامت عليها العلاقة التعاقدية بينه وبين المصرف.
وتنقسم هذه التسهيلات إلى عدة أقسام. منها: التسهيلات في الحساب الجاري الكشوف. وتسهيلات خصم الكمبيالات وتسهيلات خطابات الضمان (الكفالات). وتسهيلات ابتياع الحوالات المستندية (للتصدير).
ب- التسليفات للأغراض التجارية(1): بما في ذلك التسليف لقاء الاعتمادات المستندية الصادرة للاستيراد. والتسليف لقاء الاعتمادات المستندية الواردة للتصدير. والتسليفات الشخصية.. وغيرها.
ــــــــــــــــــــ[124]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) ويتميز هذا النوع من الائتمان النقدي (وهو التسليف) بكونه يمنح لأغراض وفترات زمنية محددة ولا يكتب صفة الاستمرار والديمومة، كما هو الحال في التسهيلات المصرفية. وإنما ينتهي الغرض الذي منح من أجله.
ثانياً: الائتمان التعهدي.
ويتميز عن الائتمان النقدي بكونه لا ينشئ تعهداً فورياً (آنياً) بالدفع من قِبَل المصرف. وإنما يمثل تعهداً مؤجلاً بالدفع. يُعبَّر عنه بصيغة أرقام في السجلات، قابلة للتحول إلى نقد متى ما دعت الضرورة إلى ذلك.
وأهم العمليات المصرفية التي يقوم بها المصرف ضمن مفهوم الائتمان التعهدي هي:
1- إصدار خطابات الضمان (الكفالات المصرفية).
وهو تعهد بالدفع يصدر عن المصرف بناءً على طلب (الآمر) بدفع مبلغ معين أو قابل للتعيين لصالح طرف آخر هو (المستفيد). ويقوم المصرف بإصدار خطابات الضمان على أساس تخصيصات مقررة مسبقاً كتسهيلات مصرفية أو بدونها أو محسوبة على تخصيصات أحد المتعاملين لصالح متعامل آخر.
2- فتح الاعتمادات المستندية (للاستيراد).
ويقدم هذا النوع من الائتمان التعهدي لتمويل عمليات التجارة الخارجية في جانبها المتعلق بالاستيراد.
3- قبول الحوالات (السفاتج) المستندية.
وينصرف هذا النوع من الائتمان التعهدي إلى تمويل جانب الاستيراد من عمليات التجارة الخارجية أيضاً. حيث قد يتم استيراد البضائع على أساس للسحب المستندي (الحوالة المستندية) والذي يتمثل بقيام المصدر الأجنبي بتصدير البضاعة لقاء حوالات (سفاتج) مسحوبة على المستورد تستحق في مدة معينة. والتي قد يشترط ضمان دفعها عند استحقاقها من قِبَل المصرف.
ــــــــــــــــــــ[125]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وفي مثل هذه الحالة يقوم المصرف بإجراء ذلك لقاء ضمانات معينة يستحصلها من عميله (المستورد) والتي قد تختلف من حالة إلى أخرى.
نقد الائتمان المصرفي فقهياً:
اتضح من هذا الموجز الذي لخصناه من المصادر المصرفية. ان الائتمان بكل أنواعه إنما هو من أشكال القرض. وإنما يسمى ائتماناً باعتبار التوقع بأن المقترض سيكون أميناً عليه ويرجعه في الوقت المحدد وحسب القانون المصرفي.
وإنما يسمى تسليفاً لأن السلفة تتضمن معنى القبض فورياً مع الإعطاء متأخراً. وهذا المعنى كما هو محفوظ في السلف في البيع، لأنه يتضمن قبض الثمن فورياً وتأجيل المثمن، كذلك هو محفوظ في القرض أيضاً.
ويسمى القرض المصرفي تسهيلاً أيضاً، لما فيه من التسهيل على الناس في تمشية معاملاتهم وأعمالهم. وهذا مما يحدث بلا شك. ويسمى اعتماداً أيضاً، لأن القرض يقتضي الاعتماد على المقترض في إرجاع القرض، كما اقتضى كونه أميناً عليه كما سمعنا.
ويسمى تخصيصاً باعتبار انه يتضمن معنى عزل مقدار معين من المال قَلّ أو كثر، واختصاص المقترض به.
ولغة المصرفيين تتراوح بين استعمال هذه المصطلحات، وقد تخص بعضها في بعض الجوانب. إلا انها من الناحية اللغوية أو العامة سواء. وكذلك هي من الناحية الفقهية سواء، وهذا هو المهم هنا، فان لها جميعاً حكم القرض، على تفصيل نشير إليه بعد قليل.
وقد عرفنا ان الائتمان المصرفي على قسمين رئيسيين: أحدهما يدفع نقداً،
ــــــــــــــــــــ[126]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
والآخر يصدر به تعهد بالصرف عند الحاجة.
وينبغي ان يقع الكلام فيها بغض النظر عن بعض ما تحدثنا عنه في فصل سابق من نقاط الضعف. منها: الشخصية المعنوية للمصرف، ومنها: الفائدة الربوية المحرمة شرعاً، وغير ذلك مما سبق. فان كان القارئ قد تابع كل ذلك سهل عليه استيعاب المقصود.
وعلى ذلك، فمن الواضح فقهياً ان الائتمان النقدي، هو من القرض الذي يجب على المدين إرجاعه في حدود الشروط المعتبرة، ولا يجوز أخذ الفائدة عليه شرعاً.
ولا فرق كما عرفنا فيما سبق ان يكون المدفوع نقداً (فوراً) من النقد أو الأوراق المالية أو من الترحيل إلى الحساب. فان كل ذلك مجزئ فقهياً، كما سبق.
وقد يخطر في الذهن: ان من جملة التكييفات الفقهية للائتمان هو ان يكون هبة للمستفيد وليس قرضاً. إلا انه من قبيل الهبة المعوضة. وبذلك قد يقال: بجواز أخذ الفائدة عليه لأنه ليس من قبيل الربا القرضي، ولا من الربا البيعي، لأن النقد الفعلي ليس من قبيل الذهب والفضة ولا يمكن تبديله به مصرفياً.
إلا ان هذا الوجه يستمد قوته من عبارة (منح الائتمان) على اعتبار ان المنح هو الهبة. والمصادر المصرفية، وان عبّرت بذلك، إلا انه من الأكيد انهم لا يقصدون بهذا اللفظ معنى الهبة، ولا يقصدون بالائتمان نفسه معنى الهبة أيضاً. يعني لا يعتبرونه معاملة هبة، بل معاملة قرض. وقد سبق ان المعاملات تابعة للقصود.
على ان الهبة المعوضة باشتراط الفائدة خلال العقد أو المعاملة، لا تخلو
ــــــــــــــــــــ[127]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
من إشكال شرعي لشبهها بالربا. فتأمل.
هذا كله فيما إذا كان الائتمان نقدياً أو فورياً.
واما إذا كان تعهدياً أو مؤجلاً فهو من هذه الناحية يشبه الحساب الجاري المكشوف، من حيث فقدان القبض الفوري فيه. وهذه الناحية مهمة فقهياً، لما قلناه في الحساب الجاري من ان المال لا يكون ملكاً لمن صدر القرار في حقه، بمجرد صدور القرار. في نوع المصارف التي نتحدث عنها. وإنما يصبح ملكاً فيما إذا قبضه الفرد قبضاً شرعياً. وبمقدار ما يقبض سيصبح مديناً للمصرف به، في حدود المستوى الفكري الذي سلكناه. سواء كان هذا في الحساب الجاري المكشوف أو الائتمان التعهدي أو خطابات الضمان أو غيرها. مما يكون على غرارها.
إذن، فالمهم في حصول القرض هو قبض العميل، سواء كان القبض فورياً أو مؤجلاً. فمتى حصل القبض حصل القرض.
فإذا تم لدينا ذلك، أمكننا ان ندخل في المهم من التفاصيل خلال الأمور التالية:
الأمر الأول: عد المصدر المصرفي التسهيلات المصرفية، من جملة أقسام الائتمان النقدي. مع ان هنا فكرتين لا بد من الالتفات إليها، من حيث ان الائتمان النقدي -كما سمعنا- يتضمن فورية الدفع. في حين ان أكثر هذه التسهيلات التي عددناها نقلاً عن المصدر، ليست نقدية ولا فورية، كالحساب المكشوف وخطابات الضمان والاعتمادات المستندية الصادرة، والاعتمادات المستندية الواردة.
ولا فرق في فكرتها الأساسية بين هذه الأمور، من حيث انها مؤجلة الدفع، وبين الائتمان التعهدي الذي هو بدوره مؤجل الدفع. فماذا يقول
ــــــــــــــــــــ[128]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المصرفيون حول ذلك؟
هذا, وقد تكلمنا عن بعض التفاصيل فيما سبق كالحساب الجاري المكشوف وخصم الكمبيالات، وتخصص الأمور الآتية للعناوين الأخرى التي سمعناها قبل قليل.
الأمر الثاني: حول خطابات الضمان (الكفالات).
وهي تعهدات مكتوبة ومسجلة، تصدرها المصارف وغير المصارف، بالدفع لمقدار معين من المال بإزاء شرط معين كتخلف المدين عن دينه، أو تخلف المقاول عن عمله ونحو ذلك. وكما هو واضح فانه ليس دفعاً فورياً، وإنما هو دفع على تقدير حصول الشرط.
وحسب فهمي فان خطابات الضمان أوراق مالية، كأي ورقة مالية أخرى، قابلة للبيع والشراء من قِبَل المصرف وغيره. ما دامت نافذة المفعول. كل ما في الأمر ان الضمان الذي تحتويه سيتحوّل من البائع إلى المشتري ان كان هو غير المصرف الذي أصدره. واما نفس المصرف فيمكن ان يشتريه بأقل من قيمته الاسمية، كما يشتري الكمبيالة تماماً. ويرجع على المدين باستيفائه كاملاً. ولا أعلم ما إذا كان ذلك أسلوباً جارياً في المصارف أم لا.
ولم تذكر المصادر أيضاً ما إذا كانت هذه الأوراق المالية، تعتبر وثيقة للإيداع بالحساب الجاري أو التوفير أو غيرها، وعلى ما فهمناه فانه يمكن ذلك على أي حال.
واما إذا حصل الشرط الذي يتوقف عليه الدفع. فسوف يحصل الدفع، وعندئذ يمكن تسجيل الرقم في الحساب وليس دفعه نقداً.
وقد قسم بعض أساتذتنا خطابات الضمان إلى قسمين، ولم أجد ذلك في المصادر المصرفية المتوفرة:
ــــــــــــــــــــ[129]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
القسم الأول: خطابات ضمان ابتدائية، وهي تعهدات موجهة إلى المستفيد، لضمان دفع مبلغ من النقود من قيمة العملية التي يتنافس طالب خطاب الضمان للحصول عليها.
ويستحق الدفع عند عدم قيام الطالب باتخاذ الترتيبات اللازمة عند رسو العملية عليه.
القسم الثاني: خطابات ضمان نهائية، وهي تعهدات لجهة ما، لضمان دفع مبلغ من النقود يعادل نسبة أكبر من قيمة العملية التي استقرت على عهدة العميل.
ويصبح الدفع واجباً عند تخلف العميل عن الوفاء بالتزاماته المنصوص عليها في العقد النهائي للعملية بين العميل والجهة التي صدر خطاب الضمان لصالحها.
والفرق الرئيسي في نظره بين القسمين هو ان الخطابات النهائية واقعة في ضمن معاملة، إلا ان الابتدائية ليست كذلك. ولذا سمي القسم الثاني بأنه نهائي لأنه يراه ملزماً بخلاف القسم الأول الذي لا يراه ملزماً.
وشرح الأمر في جانب النهائي بما مؤداه مختصراً: «ان جهة ما قد تتعاقد مع مقاول على إنجاز عمل ما. وحيث كان التخلف والتقصير منه محتملاً. فكان من جملة طرق إلزامه بالالتزام التام، هو أن يؤخذ من المقاول كمية من المال لدى الجهة المتعاقدة معه، لكي تكون ملكاً لها عند تخلفه عن الشروط. وبدلاً من تجميد كمية من المال، تتجه النية إلى الخطاب التعهدي من المصرف ليدفع إلى الجهة في صورة التخلف عن الشروط كمية المال. ويستوفيها من المقاول».
وقال: «وعلى هذا الأساس يعتبر خطاب الضمان من البنك تعهداً بوفاء
ــــــــــــــــــــ[130]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المقاول بالشرط، وينتج عن هذا التعهد نفس ما ينتج عن تعهد طرف ثالث بوفاء المدين بدينه.
ولما كان تعهد البنك وضمانه للشرط بطلب من الشخص المقاول، فيكون الشخص المقاول ضامناً لما يخسره البنك نتيجة لتعهده. فيحق للبنك ان يطالبه بقيمة ما دفعه إلى الجهة التي وجه خطاب الضمان لفائدتها.
ويصح للبنك ان يأخذ عمولة على خطاب الضمان هذا، لأن التعهد الذي يشتمل عليه هذا الخطاب يعزز قيمة التزامات الشخص المقاول. وبذلك يكون عملاً محترماً يمكن فرض جعالة عليه أو عمولة من قِبَل ذلك الشخص».
ونعلق على هذا الحديث فقهياً، قبل التعرض إلى حديثه عن الضمان الابتدائي:
أولاً: ان هذا الحديث يتوقف على وجود الشخصية القانونية أو المعنوية، التي كررنا الحديث عنها.
ثانياً: ان المعاملة حاصلة بين المقاول والطرف الأول وليس مع المصرف أية معاملة. حتى يكون المصرف ملزماً من هذه الناحية بالوفاء أو حتى بالتوقيع على خطاب الضمان أساساً.
فحال الخطاب النهائي حال الابتدائي، غير واقع كشرط في معاملة لكي يجب الوفاء به من هذه الناحية. وسيأتي، وهو الصحيح في ذلك.
ثالثاً: انه حسب فهمي فان المستفيد من خطاب الضمان هو الذي يطلبه، والظاهر ان المصارف تصدره بطلب من أي من الطرفين طلبه في أية مقاولة.
فلو فرض ان الطرف الأول في المقاولة هو الذي طلبه، كان الاستدلال السابق غير تام. لأن المقاول لم يوقع على الخطاب ليكون ملزماً بدفعه إلى المصرف بعد ذلك. إلا ان يضطر إلى التوقيع عليه اضطراراً.
ــــــــــــــــــــ[131]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
رابعاً: بالنسبة إلى الجعالة التي افترضها المؤلف فان الجعالة فقهياً ليست مجرد أجرة، وقد سبق تفسيرها في بعض الفصول السابقة. وملخص الفكرة الآن: ان يفترض ان المقاول أو المستفيد يقول: من ضمن لي حقوق جزاء التخلف في هذه المقاولة فأنا أعطيه كذا. فيقبل المصرف إيجاد هذا الضمان. فيستحق عليه المقدار المذكور في الجعالة.
وملخص المراد: ان الجعالة معاملة مستقلة فقهياً تحتاج إلى قصد وبيان كسائر المعاملات. والمفروض عدم تحققه بالمرة.
وسيأتي ما هو الصحيح بعد الانتهاء من بيان الخطاب الابتدائي.
فقد قال عنه: «انه يجوز للبنك إصداره والوفاء بموجبه ولكنه غير ملزم له. لأن طالب الضمان الابتدائي لم يرتبط بعد بعقد مع الجهة التي تجري المناقصة أو المزايدة. فهو وعد ابتدائي غير ملزم».
أقول: وقد سبق في مثله ان قلنا: ان الفقهاء وان اتفقوا على عدم وجوب الوفاء بالوعود الابتدائية. إلا ان ذلك غير شامل للوعود التي هي بمنزلة المعاملات، والتي لا بد عرفنا من الوفاء بها. فإنها تكون مشمولة للعمومات الملزمة. كقوله: “المؤمنون عند شروطهم”، وغيرها.
وهذا هو الصحيح في الإلزام بالوفاء مصرفياً لمثل هذا الخطاب التعهدي. سواء كان في الخطاب النهائي أو الابتدائي. كما ان أخذ الأجرة ليس من جهة الجعالة، بل من جهة إيجاد النفع لأحد الطرفين المتعاملين أو كليهما لا مجاناً، يعني بقصد أخذ الأجرة. فيستحق المصرف الأجرة على ذلك.
بقي ان نشير إلى ان هذا المال المدفوع من المصرف، يعتبر مصرفياً وفقهياً، قرضاً يستوفيه المصرف من الطرف الثاني (المقاول). ولكنا قلنا انه لا يكون قرضاً إلا بعد دفعه.
ــــــــــــــــــــ[132]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الأمر الثالث: حول ما قالته المصادر المصرفية(1)، من وجود التسهيلات بابتياع الحوالات المستندية (للتصدير).
يخصص المصرف هذه التسهيلات لمساعدة المصدّرين في تحويل وتسويق عمليات تصدير البضائع التي يتعاملون بها. ويتم الابتياع على أساس نسب معينة من مبلغ الحوالة المستندية تقرر من المصرف سلفاً.
ومعنى ابتياعها: صرفها للمستفيد ودفع ما سجل فيها من قيمة. وتحسب أو تسحب القيمة من حساب المصدّر. ومن الواضح ان المصرف يشتريها بأقل من قيمتها الاسمية، ويكون الفرق له، حسب النسبة التي يقررها المصرف نفسه.
وسيأتي الكلام عن الاعتمادات المستندية مفصلاً، وملخص الكلام هنا بما إذا كانت هذه الفائدة المصرفية ربوية أم لا.
والصحيح انها ليست ربوية، لأن الربا إنما يكون في وفاء القرض بزيادة، وهنا لم يحدث ذلك إطلاقاً. كما لم يحدث تفاضل بين كميتين من الذهب بعد ان قلنا في فصل سابق ان كل النقود والأوراق المالية في عصرنا الحاضر، لا دلالة لهما على الذهب على الإطلاق. ومعه, فلا الحوالة المستندية دالة على الذهب، ولا المال المعوض به ليكون من الربا البيعي.
وهنا ينبغي ان نلتفت إلى عدة أمور موجزة:
منها: انه لا فرق في شراء المصرف للورقة بين شرائها نقداً أو بورقة مالية أخرى أو بالترحيل في الحساب. فان كل ذلك مما سبق ان عرفنا جوازه الشرعي.
ــــــــــــــــــــ[133]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) مصرف الرافدين، ص30.
ومنها: انه لا فرق بين بيع الورقة على نفس المصرف أو على مصرف آخر أو على فرع آخر، فانها من الناحية الفقهية سواء في الجواز.
ومنها: ان الربا وان لم يحدث للعميل كما أشرنا قبل قليل. ولكن قد يقال: انه يحدث للمصرف نفسه لأنه حين يشتري الحوالة فانه يقرض العميل هذا المقدار من المال، ثم يستوفيه منه بأكثر.
وهذا له أحد جوابين:
أولاً: ان التعامل بالأموال المجهولة المالك لا يكون من الربا ما دامت على هذه الصفة ولم تقبض قبضاً شرعياً.
ثانياً: ان نعتبر شراء الورقة هو شراء حقيقي للورقة بما لها من مالية اسمية وليس إقراضاً. كل ما في الأمر ان هذه المالية الاسمية لا يمكن ان يحصل لها مصداق أو تحقق إلا بدفع العميل لماليتها. فتأمل.
ومنها: انه لا فرق فقهي بين بيع الورقة على مصرف أو على شركة أو على فرد معين. كل ما في الأمر ان حق الاستيراد سيكون للمشتري وليس للبائع. إلا ان المصرف يستوفي القيمة الاسمية من البائع لا محالة ويكون الربح للمشتري لا للمصرف في مثل ذلك. بمعنى انه استورد البضائع بقيمة أقل من القيمة الاسمية للورقة. ولا أعلم ما إذا كان هذا معمولاً عليه في المصارف أم لا.
والمسألة في مثلها تكون أبعد عن احتمال الربا، وأقرب إلى البيع الحقيقي، فالإشكال الفقهي فيه غير موجود.
الأمر الرابع: التسليف لقاء الاعتمادات المستندية الصادرة (للاستيراد).
يساهم(1) المصرف عن طريق هذا النوع من التسليفات في تمويل
ــــــــــــــــــــ[134]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) مصرف الرافدين, ص30.
الاعتمادات المستندية الخاصة بالاستيراد حيث يقوم المصرف بمساعدة المستورد في تخليص مستندات شحن هذه الاعتمادات من خلال تسليفه نسباً معينة من صافي مبالغ مستندات الشحن عن طريق خصم الكمبيالات أو منح السلف من الحساب المكشوف.
وكما اتضح فان الاحتمالات في هذه المعاملة المصرفية ثلاثة:
الأول: عن طريق خصم الكمبيالات. وقد عرفنا حكمها الفقهي سابقاً. وهذه الكمبيالات هي التي تكتب على الاستيراد، أو على غيره.
الثاني: عن طريق الحساب المكشوف. وقد عرفنا حكمه.
الثالث: عن طريق التسليف الاعتيادي نقداً أو عن طريق قبول الحوالات لدائنيه على المصرف.
وهذا من قبيل القرض الاعتيادي فيشمله حكمه فقهياً. والدفع النقدي واضح بكونه قرضاً. والحوالة يدفعها المصرف قرضاً إلى المدين ويدفعها عملياً إلى الدائن بالوكالة عن مدينه.
الأمر الخامس: التسليف لقاء الاعتمادات المستندية الواردة (للتصدير).
يخصص هذا النوع من الائتمان لمساعدة المصدّرين في توفير السيولة النقدية اللازمة لتلافي مصروفات تهيئة البضاعة للتصدير وتغطية تكاليف شحنها.
ويتم ذلك عن طريق تسليفهم مقدماً بنسب معينة على مبالغ الاعتمادات الواردة لأغراض التصدير.
ومن الواضح ان هذه الاعتمادات هي الأثمان الواردة، للبضاعة المشتراة. فيقوم المصرف بدفع قسم أو نسبة منها. قبل قبضها أو وصولها إلى المصرف
ــــــــــــــــــــ[135]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
لتغطية السيولة النقدية للمصدّرين. ويأخذ على ذلك فائدة.
وهل هذه الفائدة ربوية؟ هنا وجهان فقهيان لذلك:
الوجه الأول: ان الاعتمادات الواردة هي ملك للمصدّر (العميل) بطبيعة الحال. فإذا اقتطع المصرف قسماً منها وأعطاها له مقدماً، كان قد دفع إليه شيئاً مما يملكه فعلاً. فيكون للمصرف الحق في أخذ العمولة على هذا الدفع المعجل. فلا يكون من الفائدة الربوية.
إلا ان هذا الوجه لا يخلو من خدشة لوضوح انه عند هذا الدفع المقدّم. قد لا تكون الحوالات الخارجية قد وصلت فعلاً. والا لما احتاج إلى هذا الدفع.
إذن، فلا يكون للعميل مال مملوك له في المصرف يمثل قيمة البضائع المصدرة. ليكون هذا الدفع المقدم منها. ومعه, يكون هذا المقدار من المال تسليفاً أو قرضاً مستقلاً.
وإنما عبّروا انه من ضمن الاعتمادات الواردة لقدرة المصرف على استيفائه منها عند وصولها. فهو منها مجازاً لا حقيقة.
الوجه الثاني: ان هذا التسليف إذا كان عن طريق الحساب المكشوف، تحسباً لوصول أثمان البضائع بعد ذلك. فقد قلنا عن الحساب المكشوف: انه لا يملكه الفرد بمجرد إصدار القرار به. ومعناه انه لا يكون قرضاً بمجرد ذلك، فلا تكون الفائدة ربوية.
والدليل على انه من قبيل الحساب المكشوف: ان العميل لو كان له حساب جارِ دائن لما احتاج إلى هذا التسليف فيتعين ان يكون التخصيص له تخصيصاً مكشوفاً.
وجوابه: اننا كما قلنا ان العميل لا يملك المال بمجرد التخصيص أو
ــــــــــــــــــــ[136]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الاعتماد. ولكننا قلنا أيضاً انه يملكه عند السحب. ومن المعلوم انه سوف يسحبه ويستفيد منه قبل وصول ثمن البضاعة. وعندما يسحبه يكون قرضاً، وتكون الفائدة ربوية.
إلا إن ما يهون الخطب أمران فقهيان:
الأمر الأول: انه عند سحب العميل لمقادير من حسابه المكشوف لا يكون قصد القرض موجوداً. وإنما -لو كان موجوداً- فذلك عند اعتماد الحساب نفسه. والقرض من جملة المعاملات التي تحتاج إلى قصد وبيان كما سبق مكرراً. فإذا لم يتم القصد لا تكون المعاملة موجودة. فلا يكون ما يسحبه قرضاً. فلا تكون الفائدة عليه فائدة على القرض.
الأمر الثاني: ان الأموال في المصارف الغالبة الوجود في المجتمع والتي نتحدث عنها، إنما تتداول الأموال المجهولة المالك. وقلنا: ان التعامل بمثل هذه الأموال لا يكون مشمولاً لحكم التعامل بالأموال المملوكة، كحرمة الفائدة الربوية. وإنما إذا كانت تحرم، فمن جهة فقهية أخرى.
فهذا هو الحديث في الأمر الخامس من التعليق الفقهي على (منح الائتمان). وبه ينتهي الحديث عن أهم أقسام (الائتمان النقدي).
واما الائتمان التعهدي: فمنها -كما عرفنا- خطابات الضمان، وقد تحدثنا عنها. وفتح الاعتمادات المستندية. وهذا ما سنتحدث عنه مع قبول الحوالات المستندية. إذ يندرج كل ذلك ضمن الاعتمادات للتجارة الخارجية. وسنعقد لها موضوعاً مستقلاً.
ــــــــــــــــــــ[137]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الودائع الحقيقية:
يقوم المصرف(1)، فيما يقوم به من خدمات اقتصادية، بحفظ النقود والمعادن الثمينة والأسهم والسندات والرزم والممتلكات الأخرى. سواء عُرِفت محتوياتها أم لم تُعرَف. وكذلك تأجير خزائن الإيداع الخاصة للغير.
وهذا يعني أمران:
الأول: ان هذه الأمور يحفظها المصرف بعينها بدون تشغيل حتى وان كان نقوداً أو ذهباً أو أي شيء آخر. ولا أعلم ما إذا كان هذا المعنى شاملاً لغير المنقول أيضاً، وان كان نظرياً شاملاً له أيضاً. وهو إنما يحفظها نيابة عن أهلها، عن الحوادث المحتملة كالسرقة والحرق وغيرها. إذ قد تكون في المصرف أبعد احتمالاً منها في المنزل.
الثاني: ان المصرف يقوم بهذا العمل لقاء أجور معينة.
وهو من الناحية الفقهية يعني أمرين أيضاً:
الأمر الأول: ان هذه المعاملة هي الوديعة بالاصطلاح الفقهي تماماً. وهي تبقى في ملك صاحبها ويجب على من تكون عنده (الودعي) حفظها لوقت انتهاء المدة. فإذا انتهت وجب عليه إرجاعها. فإن قصّر كان غاصباً، فإن ترك صاحبها عندئذ المطالبة بها لم يكن غاصباً. وبقيت عنده أمانة شرعية باصطلاحهم، يجب عليه إرجاعها فوراً ففوراً.
واما قبل انتهاء المدة فلا يجب إرجاعها حتى لو طالب بها صاحبها. إذ يجب عليه الالتزام بالمعاملة التي اشترط فيها المدة المحددة ما لم يفسخ.
والوديعة كما تحصل باللفظ تحصل بالمعاطاة أيضاً. كما سبق أن تكلمنا
ــــــــــــــــــــ[138]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) مصرف الرافدين, ص25.
في الفصل الخاص بالمعاطاة. إلا انه يجب ذكر المدة. فان لم تذكر المدة وبقيت مجهولة أو إلى حين المطالبة بطلت معاملة الوديعة، وكانت هذه أمانة شرعية لكن لا يجب إرجاعها فوراً للعلم برضا صاحبها بالاستمرار عند الودعي. وإنما يجب إرجاعها كما سبق عند عدم إحراز ذلك أو الوثوق به.
وعلى أي حال، فإذا كانت هذه الودائع معلومة الأمد، كانت وديعة حقيقية فقهياً. وان لم تكن معلومة، كانت أمانة شرعية، لا بيد الشخصية المعنوية للمصرف، بل بيد المشرفين عليه كأشخاص حقيقيين. لا أقل من يوقّع عقد المعاملة أو مدير المصرف.
وقد أشار بعض أساتذتنا إلى انها ودائع بالمصطلح الفقهي، إلا انه لم يفصّل هذا التفصيل.
الأمر الثاني: وضوح ان هذه العمولة التي يأخذها المصرف ليست فائدة ربوية، وإنما هي أجور جائزة شرعاً على عمل نافع اجتماعياً واقتصادياً. حتى وان كانت هذه الودائع نقوداً، لعدم وجود نية القرض أو قصد تملّك المصرف لهذه الودائع في أذهان المصرفيين.
وعلى ما قلناه من أن (الودعي) هنا ليس هو المصرف كشخصية معنوية، بل المشرفين عليه. وهذا في حدود النوع من المصارف الذي نتحدث عنه باستمرار هنا. فعليه تكون العمولة ملكاً للمشرفين بالخصوص. وبالأخص للشخص المتولي الكفالة أو طرف معاملة الوديعة أو متولي الحراسة. وهذا يختلف باختلاف فهم المصرفيين أنفسهم.
الاكتتاب:
لم أجد هذا العنوان في المصادر المصرفية المتوفرة. وبالرغم من انه لا يعني عادة أكثر من جمع المال من عدد من الناس لهدف معين عام أو خاص.
ــــــــــــــــــــ[139]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إلا ان بعض أساتذتنا قدم له معنى مصرفياً معيناً:
قال: «قد يقوم المصرف بدور الوسيط في عمليات اكتتاب الأسهم لبعض الشركات. فان الشركة المصدِّرة للأسهم، قد تتفق مع البنك على ان يتولى نيابة عنها إصدار أسهمها ويقوم الاتفاق بين الشركة والبنك على أساس إحدى الطريقتين التاليتين:
الأولى: إصدار الأوراق بدون ضمان. في هذه الحالة لا يكون البنك مسؤولاً عن تغطية الإصدار كاملاً. وإنما يتقاضى عمولة فقط لقاء ما استطاع تصريفه من الأسهم.
الثانية: إصدار الأوراق بضمان. وفي هذه الحالة، يكون البنك ملزماً بأن يشتري لحسابه الخاص الأوراق التي لم يتم الاكتتاب فيها». ولم يوضح المؤلف ان المصرف إذا اشترى الأسهم فستكون الأرباح له أو لا. إلا ان هذا واضح على القاعدة، ويكون من أسباب الاستفادة للمصرف لا محالة، كما هو فائدة للشركة أيضاً.
قال: «وكل هذا جائز شرعاً إذا كان تركيب الشركة صحيحاً من الناحية الشرعية (هدفاً وعملاً). ويكون البنك في الحالة الأولى مجرد وكيل في تصريف الأسهم. ويكون بإمكانه أخذ أجرة أو جعالة لقاء عمله الذي وكلته الشركة فيه.
وفي الحالة الثانية يمكن أن يفترض كون البنك أجيراً من الشركة على ممارسة عمليات الاكتتاب، مع شرط في عقد الإيجار يفرض على البنك أن يشتري ما تبقى من أسهم عند غلق الاكتتاب. وهو شرط جائز ونافذ وان لم يكن لدى الطرفين في البداية فكرة محددة عن عدد ما يتبقى من الأسهم دون تصريف».
ــــــــــــــــــــ[140]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
أقول: ومن الصحيح ان في هذه المعاملة بين المصرف والشركة أمرين رئيسيين فقهياً:
الأول: ان هذه الأجرة محللة على عمل اقتصادي عقلائي، يكون المصرف مستحقاً لها بطبيعة الحال. وليست فائدة ربوية.
الثاني: انه مع ضمان المصرف للأسهم المتبقية، يكون ملزماً بدفعها إلى حساب الشركة. ويكون مساهماً ضمناً فيها بطبيعة الحال إلا أن يشترطوا خلاف ذلك.
إلا ان ما قاله بعض أساتذتنا مما سمعناه قد ترد عليه بعض المناقشات:
أولاً: انه يتوقف على وجود الشخصية المعنوية للمصرف وقد تكرر الحديث عنها كثيراً. والظاهر انه يؤمن بوجودها، وقد سبق ان تكلمنا عنها في فصل خاص بذلك فراجع.
ثانياً: انه كرر هنا مفهوم معاملة (الجعالة). وقد سبق ان قلنا في مثله: ان الأمر في أية معاملة يحتاج إلى قصد. فإن قصدا الجعالة صحت والا لم تكن جعالة. واستحق المصرف الأجرة باعتباره قائماً بالعمل المفيد للشركة لا مجاناً كما قلنا في أمثاله.
نعم، لا يستحق الأجرة في الأسهم التي يشتريها هو، إذا كانت المشاركة ستكون له، بل مطلقاً على الاحوط. لأنه إنما يؤدي بذلك شرطاً ملزماً بالمعاملة، وفي مثله لا تستحق الأجرة.
بيع وشراء الأسهم:
ينبغي ان نلتفت أولاً إلى ان هناك في لغة المصرفيين اصطلاحين قد يَرِدان متعاطفين بحرف العطف وهما: الأسهم والسندات. فهل هما بمعنى واحد أو
ــــــــــــــــــــ[141]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
معنيان؟
والسهم لا يعني في الأصل اقتصادياً إلا ما يملكه الفرد الحقيقي أو المعنوي في مؤسسة ما من مصارف أو شركات أو صناديق مالية أو غير ذلك. وهو معنى لغوي صحيح مأخوذ من سهم الوارث من تركة مورثه الميت.
إلا ان الأمر تطور عن ذلك بمقدار ما، حيث أصبحت الشركات تطبع أوراقاً مالية ذات قيمة محددة، يكون مشتريها مشاركاً في تلك الشركة بهذه الحصة. فتسمى الورقة سهماً، ويقوم الفرد بشراء السهم أي الورقة نفسها. والسهم واقعياً واقتصادياً إنما هو الثمن الذي يدفعه مساهمة في الشركة.
وإذا اشترى الفرد عدة أوراق كان له عدة سهام، باصطلاحهم. وان كان في الواقع: ان جميع ما يملكه في الشركة, أو قل: في رأس مالها، هو سهم واحد لأن مالكه فرد واحد. ولا معنى منطقياً ان يكون للفرد الواحد عدة سهام. إلا ان الحساب حالياً هو على ذلك، تسهيلاً لحساب توزيع الأرباح على الأسهم عند وجودها. وهذا حساب نافع من هذه الناحية وليس بمضر إطلاقاً. وان كان يحتوي على مجاز في التعبير منطقياً.
وهناك مجاز آخر في الفهم الاقتصادي هنا، وهو أن ورقة السهم ان لم يوجد لها مشتري. لم تكن سهماً على الإطلاق. وان كنا نسميها سهماً مجازاً. وإنما تصبح سهماً اقتصادياً حقيقياً بالشراء. فهذه هي الأسهم.
واما السندات فهي جمع السند. والسند هو كل ورقة دالة دلالة كافية, أو قل: (رسمية) على معاملة ما كسند الملكية وسند الإيجار أو على مالية معينة كالكمبيالة والشيك والأسهم التي تحدثنا عنها قبل قليل وغير ذلك. فمن الناحية الاقتصادية فان كل الأوراق المالية هي سندات بمعنى عام.
وعلى الأخص، قد تسمى.. أو كثيراً ما تسمى الأوراق الدالة على الأسهم
ــــــــــــــــــــ[142]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
سندات. فيقال: سندات الأسهم, أو: الأسهم والسندات. ويكون المعنى هنا أوضح مما سمعناه في الأسهم، لأن السهم يكون هو المال المدفوع والورقة تكون سنداً دالاً على تحقق ذلك المال وعلى مشاركته في رأس مال الشركة. فيكون المجاز الذي أشرنا إليه هناك مرتفعاً.
وشراء الأسهم يمكن ان يراد به أحد معنيين كلاهما صالح للانطباق عليه تماماً:
المعنى الأول: ما أشرنا إليه من شراء السهم لأول مرة، كمشاركة في رأس مال الشركة أو المؤسسة التي أصدرته.
ومن الواضح ان الحالة السابقة على هذا الشراء هو أن الورقة لم يكن لها مشتري ومن هنا لا قيمة لها من الناحية الاقتصادية.
المعنى الثاني: شراء السهم من صاحبه الذي كان مشاركاً في رأس مال الشركة، من قِبَل شخص آخر.
والحالة السابقة عليه: ان ورقة السهم كانت مشتراة ومشاركة فعلاً في الإسهام بالشركة، إلا انها أصبحت مشتراة مرة ثانية، وأصبح المشتري الجديد الآن هو المشارك دون البائع، والربح يستحقه المشتري بطبيعة الحال من الآن فصاعداً.
ويختلف المعنيان من جهة أخرى مهمة. وهي: ان الشركة عند بيع الأسهم لأول مرة لا تستطيع ان تفرض قيمة أكثر مما هو مسجل في ورقة السهم نفسها. كما أنها لا ترضى بقيمة أقل. بخلاف المعنى الثاني، فان قيمة البيع تتحدد بحدود نجاح الشركة وفشلها. فكلما كانت اكثر نجاحاً كان السهم الواحد منها أغلى حتى قد يباع بأضعاف مضاعفة من قيمته الاسمية.
واما بيعه بأقل من قيمته على تقدير ضمور الشركة أو فشلها، فهو أمر
ــــــــــــــــــــ[143]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ممكن ولو من باب ان الفرد يحصل هذا المقدار القليل من المال نسبياً خير له من أن يخسر كل شيء. وستكون خسارات الشركة بعدئذ على المشتري لا عليه.
هذا, ولكني لا أعلم عن حصول ذلك في الأسواق الاقتصادية وعدمه.
هذا، وقد أصبح من الواضح ان كِلا المعنيين من الشراء، لا يعني أكثر من دفع المال لأجل المشاركة في رأس مال الشركة أو المؤسسة أو المصرف. وليس شراءً حقيقياً كالسلع الاستهلاكية العادية لغير الورقة نفسها التي لا تعتبر بقيمتها الذاتية لولا الغطاء المالي الذي تحتويه.
فالمصارف أو الأفراد أو المؤسسات التي تشتري الأسهم في مؤسسات أخرى، إنما تريد المشاركة في رأس مالها، ويكون لها قسم من أرباحها بالنسبة المئوية بطبيعة الحال.
هذا كله في شراء الأسهم. وأما بيعها فلا يعني أكثر من ذلك. فان لكل شراء بيع بطبيعة الحال. والمعاملة دائماً تكون من بائع ومشتري. فإذا كان لسندات الأسهم مشترون إذن فلها باعة أيضاً.
ويمكن تقسيم البيع كما قسمنا الشراء إلى معنيين:
المعنى الأول: يقابل المعنى الأول للشراء. وهو ان الشركة أو المؤسسة أو المصرف تبيع أسهمها من أجل تحصيل المشاركين في رأس المال. أو قل: لأجل توسيع رأس مالها.
المعنى الثاني: يقابل المعنى الثاني للشراء، وهو ان الفرد الحقيقي أو المعنوي قد يكون مالكاً لسهم أو عدة سهام، فيبيعها جميعاً أو بعضها على شخص آخر بنفس قيمتها الاسمية أو أكثر أو أقل.
وعلى أي حال، فما يكون حكم الشراء فقهياً للأسهم يكون هو حكم
ــــــــــــــــــــ[144]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
البيع، لأنها تعتبر معاملة واحدة.
ولكل من المعنيين حكمه الفقهي المستقل، بعد الالتفات إلى أن الشراء وان كان ظاهراً لهذه الورقة، إلا انه في الحقيقة لماليتها التي هي جزء من رأسمال مؤسسة أو شركة أو نحوهما.
ومعه, فالشراء بالمعنى الأول ليس شراء على الإطلاق وإنما هو مساهمة من المشتري في رأس المال. وهو يملك الورقة كسند دال على هذه المشاركة لا أكثر ولا أقل.
وهذا أمر جائز شرعاً إذا كانت المؤسسة أو الشركة ونحوهما مما لا إشكال عليها من الناحية الشرعية.
وإما بالمعنى الثاني فهو في الحقيقة ليس شراء للورقة وإنما هو شراء لماليتها, يعني للجزء الذي يشترك به البائع في الشركة المساهمة.
ومن هنا يمكن ان يقال فقهياً: ان هذه المعاملة تكون مشمولة لحكم الربا إذا كان رأس مال الشركة من الذهب والفضة فشراؤه بأحد هذين المعدنين يوجب شرعاً التساوي بينهما ولا يجوز التفاضل. وهذا صحيح بهذا المقدار.
إلا ان ذلك من الناحية العملية غير صحيح أو ليس له تطبيق، لأن رؤوس الأموال ليست من الذهب ولا من الفضة، وليست أقيامها المدفوعة بإزائها منهما أيضاً. فالتفاضل جائز عملياً في مثل عصورنا الحاضرة، تماماً كما قلنا في سائر الأوراق المالية، والنقود المتداولة سوقياً أيضاً.
وقالت المصادر المصرفية(1): «ان المصارف تقوم بشراء وبيع الأسهم والسندات لحساب الغير. وإنها تقوم أيضاً بشراء وبيع وتحصيل وتأدية أقيام الأسهم والسندات والعملات وأي من وسائل الدفع وأوراق الائتمان نيابة عن
ــــــــــــــــــــ[145]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) مصرف الرافدين, ص25.
المصارف والمؤسسات المالية الخارجية».
أقول: في حدود الحديث عن الأسهم فإن المصارف تقوم بشرائها وبيعها نيابة عن الغير. سواء كان هذا الغير فرداً حقيقياً أو أفراداً، أو كان فرداً معنوياً من داخل البلاد أو من خارجها.
ومعنى شرائها عن الغير ما سمعناه عند الحديث عن الاكتتاب، حيث يعطي المصرف تسهيلاً للغير بدفع قيمة الأسهم بدلاً عنهم في حالة شرائهم لها أو بيعها وقبض أقيامها بدلاً عنهم، ويأخذ نسبة من الربح كعمولة.
ومهما كان تفسير البيع والشراء، مما سبق، فان ما يقوم به المصرف من ذلك، إنما هو إزجاء لحاجات ومصالح الآخرين، يستحق عليه الأجر. وهي ليست من الفوائد الربوية كما هو واضح.
وقولهم: «ان المصارف تقوم بشراء وبيع وتحصيل وتأدية أقيام الأسهم والسندات… الخ». فان التحصيل يكون عند البيع ويراد به أخذ الثمن، والتأدية تكون لدى الشراء بدفعه. فهذا نقوله إيضاحاً للعبارة.
هذا هو الحديث عن الأسهم.
واما السندات، فهي كما عرفنا على أشكال مختلفة، فيكون كل قسم منها مشمولاً لحكمه الخاص به. وقد عرفنا كله تقريباً، كالشيكات والكمبيالات والأسهم وغيرها. فان بقي شيء فسيأتي عند الحديث عما يناسبه.
الاعتمادات المستندية:
عرّفت المصادر المصرفية(1) الاعتماد المستندي:
ــــــــــــــــــــ[146]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) انظر دليل المعاملات المصرفية, ج4, ص8.
أولاً: الاعتماد المستندي عقد يتعهد المصرف بمقتضاه بفتح اعتماد لصالح المستفيد، بناءً على طلب الآمر بفتح الاعتماد لمستندات تمثل بضاعة منقولة أو مُعدّة للنقل.
ثانياً: عقد الاعتماد المستندي مستقل عن العقد الذي فتح الاعتماد بسببه ويبقى المصرف أجنبياً عن هذا العقد.
وحيث ان الاعتماد المستندي خاص بالاستيراد الخارجي، فلا بد ان يتحقق عندنا مصرفان: أحدهما داخلي والآخر خارجي. وقد تتحقق عندنا ثلاثة مصارف: أحدهما داخلي واثنان خارجيان. والمراد من الداخلي: ما كان في بلد الاستيراد، ومن الخارجي: ما كان في بلد التصدير.
فإذا التفتنا إلى ثلاثة مصارف ومستورد ومصدِّر، كانت الأطراف في الاعتماد المستندي خمسة(1):
1- الآمر بفتح الاعتماد (الجهة المستوردة).
2- المصرف الفاتح للاعتماد (المصدر للاعتماد).
3- البنك المراسل (بالفتح): (المبلغ للاعتماد).
4- المستفيد من الاعتماد وهو (المصدر أو المجهز).
5- بنك (التغطية أو الوسيط): وهو الذي يقوم بتغطية دفوعات اعتمادات المصرف الفاتح للاعتماد (المصدر للاعتماد) عندما لا يكون لديه حساب جاري بنفس عملة الاعتماد مع المصرف المراسل (المبلغ للاعتماد). وفي هذه الحالة يوسط المصرف المصدر للاعتماد مصرفاً آخر له حساب جارِ معه بنفس عملة الاعتماد بقبول سحوبات البنك
ــــــــــــــــــــ[147]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) انظر المصدر السابق, ص9.
(المبلغ للاعتماد) عند تقديم مستندات الشحن مطابقة لشروط الاعتماد.
وإذا لم يدفع البنك الوسيط كل المال المطلوب أو بعضه، كان على البنك المراسل (المصدّر -بالكسر-) إيفاء ذلك كله وتغطيته تماماً. وتستقر كل المصارف التي تدفعها هذه البنوك أو أي منها كان على المشتري وهو المستورد. لأن البنك المراسل أو الوسيط يدفع للمصدّر. ويستوفي ما دفعه من المصرف الفاتح للاعتماد الموجود في بلد المستورد، عن طريق حسابه الجاري لديه، كما أشرنا، فإذا تم ذلك استوفى المصرف الفاتح للاعتماد من المستورد (المشتري) ما دفعه من حسابه الجاري أو نقداً. وكل ذلك لن يكون بدون فوائد بطبيعة الحال.
وينبغي أن ندقق ذلك فقهياً، قبل الدخول إلى بعض التفاصيل. علماً بأن أكثر ما تكلم به المصرفيون حول الاعتماد المستندي أمور مربوطة بالاطمئنان على سير المعاملة من مختلف جهاتها، وعدم تهديد المصرف الفاتح للاعتماد بالخسارة المحتملة. وهو أمر خارج عن النطاق الفقهي.
ومن الناحية الفقهية قال بعض أساتذتنا: «وقيام البنك (يعني الفاتح للاعتماد) بهذا الدور عمل جائز شرعاً. كما ان تسديده فعلاً للثمن عن المشتري (المستورد) جائز أيضاً. سواء سدده من رصيد المشتري الموجود لديه، أو سدده من ماله الخاص. وفي هذه الحالة يصبح المشتري مديناً للبنك بقيمة البضاعة التي سددها».
أقول: وكذلك بالنسبة إلى الدور الذي يلعبه المصرف المراسل والمصرف الوسيط، فانه جائز شرعاً، بغض النظر عن الفائدة الربوية، وبعض النقاط الأخرى التي سبق ان غضضنا النظر عنها في أول هذا الفصل.
ولكن الأهم فقهياً ان فتح الاعتماد ليس معاملة قرض. شأنه شأن الحساب الجاري المكشوف تماماً، حيث قلنا هناك: ان العميل لا يملكه قبل أن يقبضه.
ــــــــــــــــــــ[148]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فكذلك الحال في المقام.
نعم، يختلف هذا الاعتماد عن ذلك الحساب؛ ان ذلك الحساب مما يقبضه العميل نفسه، واما هذا الاعتماد فلا يقبضه العميل بل البائع. ومن الواضح ان هذا يمكن تخريجه فقهياً بالوكالة -لو تمت بعض الجهات السابقة-. فالمصرف الفاتح للاعتماد يتوكل في دفع الثمن إلى البائع والمصرف المراسل أو الوسيط يتوكل عن الوكيل (المصرف الفاتح للاعتماد) في الدفع الفعلي ثم يرجع به عليه، ثم يرجع هذا المصرف على المشتري.
وبذلك تبرأ ذمة المشتري. ولكن إذا أخذنا بعض النقاط بنظر الاعتبار بما فيها كون المال مجهول المالك. فإنما تبرأ ذمة المشتري باعتبار إعراض البائع عن دَينه بعد أن قبض بمقداره.
والحساب الجاري للمصرف المراسل أو الوسيط الذي يملكه المصرف الفاتح للاعتماد، ان كان حساباً دائناً. فلا إشكال من هذه الناحية فقهياً، لأنه مال مدفوع سلفاً، وقلنا: ان الأوراق المالية والقوائم المالية كافية في التعامل، فيكفي أن يرحّل من هذا الحساب الجاري إلى حساب البائع وتكون الذمة بريئة.
وان كان هذا الحساب الجاري مكشوفاً. ولا أعلم ما إذا كانت المصارف لبعضها البعض تؤسس حساباً جارياً مكشوفاً أم لا. إلا أننا من الناحية الفقهية نقول: انه إذا كان كذلك أمكن الدفع منه، إلا انه لا يملكه البائع (المصدّر) ولا تبرأ ذمة المشتري (المستورد) إلا بالقبض بما يشمل معنى القبض بالأوراق المالية أو الترحيل.
وإذا لم يكن بينهما -أعني المصرفيين- حساب أصلاً، أصبح المصرف الدافع (الوسيط أو المراسل حسب الحالات) دائناً للمصرف الفاتح للاعتماد. فإذا وفّاه أصبح دائناً للمشتري -ان وجد- ويدفع إلى ذلك المصرف.
هذا، ولا تختلف المعاملة في أي بلاد الله عن فكرة الاستيراد أو التصدير.
ــــــــــــــــــــ[149]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
كل ما في الأمر ان البلد الذي فيه المشتري يصبح مستورداً والبلد الذي فيه البائع يصبح مصدراً، والفكرة واحدة على أي حال.
وقد ذكر بعض أساتذتنا ثلاثة أشكال من الفوائد يمكن ان تصل إلى هذه المصارف المتعاملة بالاستيراد والتصدير:
أحدها: ما يعتبر أجراً على نفس ما قام به البنك من تعهد بدين المشتري (فتح الاعتماد) واتصال بالمصدّر ومطالبته بمستندات الشحن وإيصالها إلى المشتري. ونحو ذلك من الخدمات العملية. وهذا الأجر جائز شرعاً.
ثانيهما: ما يعتبر فائدة على المبلغ غير المغطى من قيمة البضاعة التي دفعها المصرف (الفاتح للاعتماد) إلى المصدّر. على أساس أن هذا المبلغ يعتبر قرضاً من البنك فيتقاضى عليها فائدة يحددها الزمن الذي يتخلل بين دفع ذلك المبلغ وتسديد المشتري قيمة البضاعة. وهذه فائدة ربوية محرمة شرعاً.
وقبل ان ندخل في الشكل الثالث للفوائد، يحسن أن نعلق على هذا الشكل الثاني. بعد ان نعرف ان ما قاله في الشكل الأول صحيح تماماً. ونرى هنا في الشكل الثاني ما إذا كانت الفائدة ربوية أم لا.
وينطلق التشكيك في ذلك من زاوية ما عرفناه من ان مجرد الاعتماد لا يكون قرضاً من الناحية الفقهية. ولعلنا نفهم من عبارته السابقة ذلك ضمناً حين قال: «على أساس ان هذا المبلغ يعتبر قرضاً». حيث لم يقل ان هذا الأساس صحيح أم خاطئ.
والمهم انه إذا لم يكن قرضاً فالربح عليه ليس ربحاً على قرض. فلا يكون ربوياً. إذن, فالفائدة المستوفاة بدل الاعتماد من حين صدوره إلى يوم الدفع، ان أخذها المصرف، لم تكن فائدة ربوية. وأعني به المصرف الفاتح للاعتماد.
وان صادف ان المصرف دفع بهذا المقدار -ولو بالترحيل-. قبل ان
ــــــــــــــــــــ[150]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
يقبضه البائع. فهو مشمول لنفس الحكم أيضاً فقهياً.
نعم، إذا قبضه البائع ثم دفعه المصرف الفاتح للاعتماد ثم استوفاه من المشتري، كانت الفائدة بين الدفع والاستيفاء ربوية. وهو ما أشار إليه بعض أساتذتنا في عبارته السابقة.
غير ان بعض المباني الفقهية التي لا تكتفي بالترحيل أو بالأوراق المالية غير النقد، لا يمكنها الاعتراف بكون الفائدة ربوية. لأن أغلب معاملات المصارف عن هذا الطريق.
كما أنه من زاوية ان المصارف المتعاملة اما أجنبية كافرة واما متعاملة بالأموال المجهولة المالك. مضافاً إلى نقاط ضعف أخرى سابقة. فقد يقال فقهياً ان الفائدة ليست ربوية، بل الصحيح في مجهول المالك هو ذلك.
واما المصارف الكافرة، فاخذ الربا منها جائز. وأما دفعه إليها، كما يحدث في الاعتماد المستندي، فهو باقٍ على الحرمة.
فان تكلمنا في حدود التكليف الشرعي لبلادنا المسلمة، كان البيع أو التصدير جائزاً، لأن المشتري الكافر هو الذي سيدفع الفائدة. واما الشراء أو الاستيراد. فمن يدفع الفائدة ليس هو المشتري المسلم مباشرة لتكون الحرمة في ذمته، وإنما هو المصرف الفاتح للاعتماد يدفعها للمصرف المراسل أو بنك التغطية (الوسيط). ثم يستوفي ما دفعه من المالك.
ونفس الكلام تقريباً، فيما إذا كان كِلا البلدين (المستورد والمصدّر) مسلمين والمصارف مسلمة، إذا لم تكن من القطاع الخاص أو الشركة المساهمة، بل كانت حكومية من كِلا الجانبين. أما لو كانت شخصية أو شركة مساهمة، فالأمر يختلف إلى حد بعيد. وان كان سيدنا الأستاذ(1) يعتبر أموال
ــــــــــــــــــــ[151]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) انظر مستحدثات المسائل, ص5.
المصارف المختلطة من القطاعين العام والخاص من الأموال المجهولة المالك فيجوز التعامل معها كالمصارف الحكومية. وهذا أقرب إلى القاعدة، وان كان في النفس منه شيء.
والشكل الثالث من الفوائد التي تحدّث عنها بعض أساتذتنا. هو الفائدة التي يأخذها البنك المراسل أو بنك التغطية. من المصرف الفاتح للاعتماد. قال: «وهي فوائد على المبالغ المستحقة طيلة الفترة التي تسبق تحصيلها في الخارج من قِبَل البنك المراسل».
أقول: ولم يذكر البنك الوسيط. مع أننا قد نحتاج إليه فيما إذا لم يكن للمصرف الفاتح للاعتماد حساب جارِ مع البنك المراسل.
أما لماذا لا يجعل البنك الفاتح للاعتماد بنك التغطية أو الوسيط هو المراسل رأساً. فهذا راجع إلى علاقات المصارف بعضها ببعض. من حيث قد يكون مصرف عميلاً لمصرف آخر في البلد الآخر، وقد لا يكون. فالمصرف الفاتح للاعتماد إنما يفتحه لمصرفه العميل فيكون هو المراسل. وحيث لا يكون له عنده حساب جارِ في ذلك الحين، لزم الاعتماد على بنك آخر يكون للبنك المراسل عنده حساب جارِ يمكنه السحب منه ليدفع إلى البائع فيكون هو بنك التغطية.
نعود إلى الحديث عن الفائدة بشكلها الثالث:
قال: «ويمكن تخريج هذه الفوائد وتفسيرها فقهياً على أساس الشرط في عقد البيع بمعنى ان المصدر في عقده مع المستورد يشترط عليه دفع مبلغ معين من المال عن كل يوم يسبق تحصيل الثمن. فيصبح المستورد والبنك الممثل له (الفاتح للاعتماد) ملزماً بدفع المبلغ المشترط وليس ذلك من الزيادة الربوية المحرمة. لأن الإلزام بدفع ذلك المبلغ إنما هو بحكم عقد البيع لا بحكم عقد القرض. وما هو المحرم جعل شيء في مقابل تأجيل القرض حدوثاً أو بقاءً لا
ــــــــــــــــــــ[152]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الإلزام بدفع شيء بحكم الشرط في ضمن البيع».
ولنا على ذلك عدة نقاط، بغض النظر عن نقاط سابقة:
النقطة الأولى: ان هذا التكييف الفقهي موقوف على قصده، ليصدق فعلاً انه شرط في معاملة بيع. واما بدون قصده فلا يتحقق.
وقد يقال: انه مقصود ارتكازاً وان لم يكن كذلك صراحة. لأن المفروض بالبنك المراسل أن يأخذ الفوائد.
وجوابه: ان هذا مقصود للبنك المراسل لا للبائع. واما البائع فهو أجنبي عن المشتري (المستورد) وما سيدفعه إلى المصارف من فوائد.
النقطة الثانية: انه لم يحدث أي بيع بالمعنى الفقهي بين المستورد والمصدّر. فان البيع وأمثاله من المعاملات إنما يحدث بأحد طريقين، أولاً: بالعقد اللفظي. وهو لم يحدث لأن هذين الشخصين لم يتواجها على الإطلاق. وثانياً: بالمعاطاة. وهي إنما تحصل بالقبض ولو من أحد الطرفين. في حين أن المفروض أن الشرط المشار إليه يحصل قبل إرسال (شحن) البضاعة وقبل قبض الثمن. ويومئذ لم تكن المعاملة (المعاطاة) حاصلة.
نعم، لو حصل ذلك صدفة، كما لو تكلما -أعني المستورد والمصدّر- تليفونياً واتفقا على التصدير. كانت هذه النقطة من الإشكال غير واردة. إلا انه ليس أمراً غالباً، لأن التصدير قد يكون تلقائياً في كل زمن محدد متفق عليه بينهما سلفاً أو في غير ذلك من الحالات.
النقطة الثالثة: أنه كما أن الشرط المشار إليه غير مقصود. كذلك فأن الفائدة الربوية مقصودة فعلاً. فإذا قصرنا النظر عن هذا المقدار من التفكير الفقهي، كانت الفائدة ربوية لا محالة.
إلا أننا عرفنا بعض المباني الفقهية قبل قليل، مما يجعل الاحتمال الفقهي
ــــــــــــــــــــ[153]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
بأن لا تكون هذه الفائدة ربوية، راجحاً. ولا نكرر ذلك. ونوكله إلى فطنة القارئ.
فهذا هو الحديث عن الأفكار الأساسية في الاعتماد المستندي.
بعض التفاصيل المهمة:
ينبغي فيما يلي أن نلم ببعض تفاصيل الاعتمادات المستندية التي تتعرض لها المصادر المصرفية، تلك التفاصيل التي لها من الناحية الفقهية أهمية. وهي عدة أمور، نذكر كل واحد منها. ونعلق عليه فقهياً ثم نذكر الذي يليه:
الأمر الأول: قالوا(1): «هذا ويجب الملاحظة بأن يكون لطالب فتح الاعتماد (المستورد) حساب جارٍ لدى المصرف. ومعروفاً لدى المصرف. وذلك لتغطية كلفة فتح الاعتماد. وفي حالة عدم وجود حساب جارٍ لديه يجب أن يدفع نقداً كتأمينات بنسبة 100% مائة بالمائة من الاعتماد».
وقال في المصدر المصرفي(2): «بعد تحديد نسبة التأمينات من قِبَل المدير.. الخ». وهذا معناه ان نسبة التأمينات قد تكون أقل من مائة في المائة. وبعد ضم إحدى هاتين العبارتين إلى الأخرى نعرف ان ذلك إنما يحدث مع وجود الحساب الجاري لفاتح الاعتماد (المستورد). كما نعرف ان وجود هذا الحساب لا يكفي وحده للتغطية، وان كان قد يكون أكثر من حساب الاعتماد كله. وإنما لا بد من وجود تأمينات تقتطع من حسابه أو يدفعها نقداً.
وستكون التأمينات أياً كان مقدارها جزءاً من مجموع حسابات يقوم بها المصرف, منها الثمن المدفوع للبضاعة، فوائده، والأجور الأخرى.
ــــــــــــــــــــ[154]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) دليل المعاملات المصرفية, ج4, ص23.
(2) المصدر السابق, ص25.
فمن الناحية الفقهية لا يمكن اعتبار هذه التأمينات وان دفعت مائة بالمائة، دفعا للثمن فعلاً من قِبَل المشتري في عملية أو معاملة بيع فعلية بينه وبين المصدّر. لأن التأمينات قد تدفع قبل الاتصال بالمصدّر أصلاً. كما أن الثمن لا يكون ثمناً ما لم يقبضه البائع تماماً ولو بالترحيل لحسابه فعلاً. وهذا لا يكون قبل أن يفعل البنك المراسل أو بنك التغطية ذلك. واما مجرد دفع الحساب للمصرف الفاتح للاعتماد، فلا يكون دفعاً للبائع ولا لوكيله.
نعم، قد يكون ذلك من الناحية الفقهية، توكيلاً للمصرف من قِبَل المستورد بأن يدفع الثمن في وقته. كما أن رضا المصدّر بمثل هذه المعاملة توكيل من قِبَله للمصرف الذي يقبض منه الثمن، في أن يقوم مقامه في إزجاء المعاملة وقبض الثمن.
ومعه, فما يخطر على البال: من اننا حين نفينا حصول المعاطاة في هذا البيع في أول زمان فتح الاعتماد لم يكن صحيحاً، لأن هذه التأمينات إذا دُفِعت فقد حصل قبض للثمن، يعني التعاطي من طرف واحد. وهذا يكفي فقهياً في حصول المعاطاة.
وقد ظهر جوابه مما قلناه بعدة وجوه, منها:
أولاً: ان المعاملة تتقوم بالقصد كما قلنا. والقصد في هذه التأمينات هو كونها تأمينات لدى المصرف الفاتح للاعتماد. وليس كونها جزء من الثمن.
ثانياً: ان المصرف عند فتح الاعتماد لا يكون وكيلاً عن البائع (المصدّر) ليكون الثمن قد وصل إلى وكيله، وتمت المعاطاة من طرف واحد. بل كل ما في الأمر أنه وكيل عن المشتري (المستورد) في دفع الثمن الذي لم يدفعه لحد الآن (في أول فتح الاعتماد).
إذن، فمعاملة فتح الاعتماد بمجردها ليست معاملة بيع من الناحية الفقهية،
ــــــــــــــــــــ[155]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وان كان يمكن ويجوز فقهياً أن تصبح كذلك في المدى القريب أو البعيد، أعني حين وصول إحدى طرفي المعاملة (أعني الثمن أو المثمن) إلى صاحبه أو وكيله. أو وصولهما معاً لتحصل المعاطاة التي يصدق عليها البيع.
الأمر الثاني: قالت المصادر المصرفية(1): «يقوم المستورد فاتح الاعتماد أحياناً بإجراء تعديل أو تعديلات عديدة على الاعتماد الذي طلب من المصرف فتحه خلال فترة نفاذه».
وقالوا(2): «ان التزاماً كهذا لا يمكن تعديله أو إلغاؤه بدون موافقة البنك المصدر والبنك المعزز (الوسيط) ان وجدوا المستفيد. ويعتبر القبول الجزئي للتعديلات الواردة في إشعار التعديل غير نافذ المفعول بدون موافقة كل الأطراف المذكورة أعلاه».
أقول: التغيير اما أن يكون بتقليل الاعتماد (الثمن) أو بزيادته أو بتقليل البضاعة المصدرة أو زيادتها. وفي الغالب، فان تقليل أحدهما يقتضي التقليل في الآخر والزيادة في أحدهما تقتضي الزيادة في الآخر، ما لم تختلف قيمة السوق اختلافاً ملحوظاً.
كما أن إلغاء الاعتماد خلال نفاذه، أمر ممكن. وسنشير إلى حكمه الفقهي.
وهذه الأمور تعني من الناحية الفقهية عدة أمور:
أولاً: ان إلغاء الاعتماد كلياً ان كان من أحد الطرفين, أعني المستورد أو المصدر، فهو فقهياً فسخ للبيع.
فان كان البيع لم يحصل فعلياً، كما سبق ان أشرنا، فهو إعراض عن
ــــــــــــــــــــ[156]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) المصدر السابق, ص28.
(2) المصدر السابق, ص29.
حصوله. والمرء لا يجوز ان يكون مكرهاً على الشراء أو البيع على أي حال. وان كان قد حصل البيع فعلاً بقبض أحد الطرفين ما ملكه بهذه المعاملة، أو كلاهما، فهذا يحتاج إلى أحد أسباب الفسخ ليكون جائزاً ونافذاً، والا فمعاملة البيع بدون خيار الفسخ، لا مجال لفسخها إلا بالمقايلة.
والمقايلة هي الاتفاق على الفسخ فان حصلت، كان الفسخ نافذاً. وان لم تحصل، كان لا بد من تكييفه بوجود شرط ضمني للتسلط على الفسخ من أحد الطرفين أو كليها في البيع. فان قلنا به، وهو أمر ممكن على تقدير حصول البيع فعلاً، والمتسالم على صحته سوقياً ولو ارتكازاً. فهو المطلوب. والا كان هذا الفسخ بإلغاء الاعتماد باطلاً فقهياً.
وان كان الفسخ حاصلاً، بسبب آخر غير المستورد والمصدِّر، كحصول المقاطعة بين الدولتين أو المصرفين. فهذا معناه الحيلولة دون القبض. ومع الحيلولة كان للطرف المتضرر الفسخ لا محالة. وان كان القبض حاصلاً من الطرفين، فقد تمت المعاملة، ولا مجال للفسخ.
ولا ينبغي أن يفوتنا القول: انه عند الفسخ بإلغاء الاعتماد، لا بد من إرجاع ما وصل من الطرف الآخر. واستحقاق المصارف التي تصدت للمعاملة، ما تأخذه من أجور خلال نفاذ هذه المعاملة.
ثانياً: ان كان تغيير الاعتماد يتضمن التقليل من الثمن بدون تغير القيمة السوقية. فهذا معناه الفسخ في جزء من المعاملة ان كانت قد حصلت. ومعه, يكون للبائع حق الفسخ إذا عرف بالأمر أو ان يستمر بما هو موجود من المعاملة.
ثالثاً: لو حصل التقليل من قِبَل المصدِّر. فان كان بقصد الفسخ، كان للمشتري (المستورد) نفس الموقف الذي شرحناه للبائع في الفقرة (ثانياً). وان كان باعتبار غبن حق الطرف الآخر أو السرقة منه وجب عليه إرسال الباقي، فان
ــــــــــــــــــــ[157]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
لم يرسله جاز للطرف الفسخ في الجميع أو المطالبة بما يقابلها من الثمن ان دفعه.
رابعاً: لو كان تغيير الاعتماد بتقليل الثمن بسبب تغير القيمة السوقية. أما باعتبار رخص البضاعة أو غلاء العملة بالنسبة إلى العملة في البلد الآخر. وكذلك لو كان التغيير تقليلاً في البضاعة المصدرة باعتبار زيادة قيمتها سوقياً.
فهذا كله مما لا حق للطرفين القيام به إلا باتفاقهما من جديد. وهذا يعود إلى فسخ المعاملة السابقة وإيجاد معاملة جديدة. وإذا قلل أحد الطرفين بأي سبب، كان للآخر فسخ البيع أساساً. كما جاز له التقليل من طرفه بالنسبة بحسب القيمة السوقية التي حصلت فيها المعاملة.
خامساً: لو كان تغيير الاعتماد بزيادة الثمن، يعني زيادة الاعتماد نفسه. فهذا معناه فقهياً البدء بمعاملة جديدة لشراء بضاعة جديدة. وهي لا تنفذ إلا بموافقة الطرف الآخر.
سادساً: لو كان التغيير بزيادة البضاعة. فهذا معناه ان البائع قد يرسل إلى المشتري بضاعته لاحتمال تقبّله لها. ودفعه الثمن كاملاً. وهو متوقف على موافقة المشتري بطبيعة الحال.
وعلى العموم, فان التغييرات التي يقوم بها المصدّر، لا ترتبط بالاعتماد المستندي الذي فتحه (المستورد). بل من المتعذر مصرفياً القيام به بعد ضبط الحساب المصرفي من جميع الجهات. إلا ان تسجيله كاحتمال فقهي قابل للحصول في بعض الظروف لا غبار عليه.
الأمر الثالث: من خصائص الاعتماد المستندي.
قالت المصادر المصرفية ان الدفع تارة يكون مقدماً وأخرى يكون مؤخراً، والدفع المؤخر أو المؤجل تارة يكون مضموناً من قِبَل المصرف وأخرى لا
ــــــــــــــــــــ[158]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
يكون مضموناً. فيحسن بنا الآن ان نحمل فكرة موجزة نسبياً عن ذلك لنحاسبها حساباً فقهياً، بالمقدار الممكن والمناسب للمقام.
أما عمليات الدفع المقدم(1)، فانه يحدث أحياناً أن يتفق مستورد مع مصدّر بفتح اعتماد مستندي لصالح الأخير ينص على دفع نسبة معينة من مبلغ الاعتماد مقدماً (15% أو 20%). يقوم البنك المراسل بدفعها إلى المصدّر حال تبلّغ الأخير بالاعتماد. وذلك لمساعدته في تحضير وشحن البضاعة المتعلقة بالاعتماد.
والصفة الغالبة لضمان إعادة المبلغ في حالة عدم شحن البضاعة المتفق عليها أو الإخلال بالتعاقد، هو أن يطلب المستورد من المجهز تقديم خطاب ضمان (كفالة) لصالحه عن طريق المصرف بمبلغ الدفع المقدم.
والدفع المقدم منوط باستيفاء المبلغ من فاتح الاعتماد بنسبة 100%. أما الدفع المؤجل فقد قالوا: انه يفيد المستورد فائدة كبيرة، إذ يكون خلال هذه المدة المشترطة قد تصرّف في البضاعة المستوردة تصرفاً تاماً أي أنه يبيع أو يرهن البضاعة ويسدد مبلغها فيما بعد. مضافاً إلى أنه قد ضمن عدم الغش والتلاعب فيها.
هذا، ويتم الدفع الآجل بطريقتين حسب مسؤولية المصرف الفاتح للاعتماد وهما: الدفع المؤجل المكفول من قِبَل المصرف والدفع المؤجل غير المكفول من قِبَله. وهو المصرف الفاتح للاعتماد. وقد ذكروا لكلا الطريقتين بعض الشرائط غير المهمة فقهياً.
وعلى أي حال، فالاتفاق بين الطرفين: البائع والمشتري، بتأجيل الثمن أو تقديمه، أو الاتفاق على أية مدة تخص الثمن أو البضاعة أو جزءاً منهما. فكل
ــــــــــــــــــــ[159]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) المصدر السابق, ص32.
ذلك جائز شرعاً ونافذ، وإذا تم الاشتراط لم يجز العمل على خلافه.
وأما ضمان المصرف الفاتح للاعتماد، للدفع المؤجل، فهو مما يندرج في خطابات الضمان التي سبق ان بحثناها. وعلى العموم فانه عمل جائز شرعاً، ويستحق عليه أجراً. ولا يكون الفرد مطلوباً به قبل دفعه كما قلنا في الحساب الجاري المكشوف. فان تم دفعه كانت الفائدة عليه ربوية، ما لم نتداركها ببعض الوجوه الفقهية التي سبقت في أمثالها. ونوكلها الآن إلى فطنة القارئ.
الأمر الرابع: ان المصرف يقوم بأمرين آخرين يندرجان في مجال الاعتماد المستندي:
أحدهما: التسليف لقاء الاعتمادات المستندية الصادرة للاستيراد. وقد سبق لهذا العنوان ان ذكرناه، والمهم فيه: ان المصرف يدفع التسهيلات الكافية لشحن البضائع واستلامها من قِبَل المشتري ان كان حساب الشحن عليه، كما هو الغالب.
قالوا(1): «حيث يقوم المصرف بمساعدة المستورد في تخليص مستندات شحن هذه الاعتمادات من خلال تسليفه نسباً معينة من صافي مبالغ مستندات الشحن عن طريق خصم الكمبيالات أو منح السلف في الحساب المكشوف».
والتسهيلات المدفوعة مصرفياً في هذا المجال قد تكون مربوطة باعتماد مستندي وقد لا تكون، وإنما كانت التجارة المستوردة عن طريق شخصي أو عن طريق مصرف أو مؤسسة أخرى. ويراد من المصرف التسهيل في تأمين مصارف الشحن والتحميل. فيقوم بذلك ويأخذ على ذلك الفوائد.
وهي بحسب الظاهر فائدة ربوية لولا وجهين سبق أن قررناهما من الناحية
ــــــــــــــــــــ[160]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) مصرف الرافدين, ص31.
الفقهية نشير إليها الآن:
الأول: انه في حدود المصارف التي تتعامل بالأموال المجهولة المالك، فأنه يمكن أن يقال فقهياً ان الفائدة ليست ربوية.
الثاني: ما عرفناه في أمثاله من ان الاعتماد أياً كان سببه لا يكون ملكاً للفرد إلا بعد قبضه. والفائدة مشترطة عند صدور الاعتماد. وهو ليس معاملة قرض فقهياً، لأن هذه المعاملة تنتج ملكية المقترض وهذه لا تنتجها. واما حين القبض فلا توجد معاملة أخرى لنعتبرها معاملة قرض. إذن, فمعاملة القرض غير موجودة فقهياً لتكون الفائدة من ربا القرض. إذن، فهي ليست فائدة ربوية.
هذا. والأمر الآخر التي تقوم بها المصارف في هذا الصدد: هو الحوالات إلى الخارج بمختلف العملات، لأجل إزجاء أو تطبيق الاعتمادات المستندية أو غيرها. وهذا ما سنتكلم فيه في ما بعد.
ثانيهما: من الأمرين اللذين يقوم بهما المصرف في هذا الصدد:
خزن البضائع على حساب المستورد عند وجود الاعتماد المستندي لديه لقاء أجر معين. وقد يقوم بحفظها على حساب المصدر، كما قال السيد الأستاذ(1)، كما إذا أرسل البضاعة إلى البنك دون عقد أو اتفاق مسبق، فعندئذ يقوم البنك بحفظها إلى حين شرائها من قِبَل الآخرين.
وكِلا الأمرين جائز فقهياً وشرعياً ولا غبار عليه. وليست الفائدة ربوية بطبيعة الحال.
الأمر الخامس: عرفنا قبل قليل من سيدنا الأستاذ: «أن هناك نوعاً آخراً من الاعتماد»، كما يعبر هو واللفظ له(2) وهو ان المصدّر يقوم بإرسال قوائم البضاعة
ــــــــــــــــــــ[161]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) انظر: مستحدثات المسائل, ص10.
(2) نفس المصدر, ص7.
كمّاً وكيفاً إلى البنك أو فرعه في ذلك البلد دون معاملة مسبقة مع الجهة المقابلة. والبنك بدوره يعرض على الجهة المقابلة فان قَبِلتها طلبت من البنك فتح اعتماد لها. ثم يقوم بدور الوسيط إلى أن يتم تسليم البضاعة وقبض الثمن.
وهذه الإرسالية، قد تكون لاحتمال قبول جهة محددة له. وقد تكون لاحتمال بيعه على بعض التجار أو المؤسسات كائناً من كان. وهذا معناه كون المصرف سمساراً للمصدّر. وله قانوناً وشرعاً أن يأخذ على سمسرته هذه الأجور.
إلا ان هذا الأسلوب ليس من قبيل الاعتماد المستندي لعدم وجود هذه المعاملة مع أي مستورد كما هو مفروض. فقول سيدنا الأستاذ: «انه نوع آخر من الاعتماد» ليس بصحيح.
الحوالات الداخلية:
من الخدمات التي تقوم بها المصارف: حوالات الكميات المالية بين شخصين أو مؤسستين ونحو ذلك.
والحوالات تنقسم إلى: حوالات داخلية وحوالات خارجية. والفرق الأساسي فقهياً بين هذين النحوين من الحوالات هو ان التحويل الداخلي لا يكون إلا بنفس العملة، واما التحويل الخارجي، ففي الأغلب يكون بين عملات متعددة. والآن نتحدث أولاً عن الحوالات الداخلية لكي نصل بعدها إلى الحديث عن الحوالات الخارجية في عنوان آتٍ بعونه تعالى.
والحوالة بمعناها العام يمكن أن نتصورها على عدة معانٍ:
المعنى الأول: تحويل المدين دائنه على مدينه. فلو كان (ألف) مديناً لـ(باء) ودائناً لـ(جيم) وحَلّ وقت كِلا الدينين أمكن لـ(ألف) تحويل (باء) على (جيم)
ــــــــــــــــــــ[162]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ليأخذ منه دينه. وبهذا الدفع تفرغ كِلا ذمّتي (ألف) و(جيم). وهذه هي الحوالة الفقهية الاصطلاحية.
والمهم وجود الدين دون النظر إلى سببه، يعني سواء كان ناشئاً من القرض أو من البيع أو الإجارة أو أية معاملة أخرى.
المعنى الثاني: تحويل المدين دائنه على بريء. بأن يحول -في المثال- (ألف) على (جيم)، من دون ان يكون (جيم) مشغول الذمة لـ(ألف). وهي الحوالة على بريء.
فإذا رضي (جيم) ودفع من كيسه، أصبح دائناً لـ(ألف)، وأمكنه أن يرجع عليه باستيفاء الدين.
المعنى الثالث: نفس المعنى الثاني، لكنه منظور إليه من زاوية (جيم) (البريء) حيث يقوم اختياراً بتكفل دَين (ألف) تجاه (باء). فتفرغ ذمة (ألف) وتشتغل ذمة (جيم). وهذا هو الضمان فإذا دفعه كان دائناً لـ(ألف) كما في الصورة الثانية أو المعنى الثاني. وهذا هو معنى الضمان.
وليس للدائن (باء) ان يرجع على المدين الأول (ألف). بل لا بد أن يرجع على الضامن (جيم) فان رجع (باء) على (ألف)، كان له رفض الدفع وأمر دائنه بالتحول إلى (جيم). كما ان له أن يدفع فتفرغ بذلك ذمة (جيم) وترتفع مسؤوليته هو أيضاً.
وهذه المعاني الثلاثة قد تحصل في بعض أعمال المصارف، كما سبق ان سمعنا نماذج متفرقة منها وسنسمع الباقي. وبتعبير أصح: انه يمكن تكييف بعض أعمال المصارف طبقاً لهذه المعاني إلا انها على أي حال ليست مقصودة بالذات أو بالصراحة للمتعاملين في المصرف. ومن هنا أمكن أن نقدم معاني أخرى للحوالة من وجهة نظر مصرفية، قد تكون بعضها دون تلك المعاني
ــــــــــــــــــــ[163]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
بالدقة. بنفس الترقيم.
المعنى الرابع: تحويل المدين دائنه على المصرف لا بصفته مديناً ولا بصفته بريئاً بل بصفته أميناً على أموال المدين.
ففي المثال السابق لو كان لدى (جيم) مقداراً من الأموال المودَعة أو المؤمّنة لديه من (ألف) بدون أن يتصرف فيها. كان للمدين (ألف) أن يأمر الدائن (باء) أن يذهب إلى (جيم) لكي يعطيه من تلك الأموال.
وهذا يتم في المصرف بناءً على ما اخترناه من أن الإيداعات في المصرف، إذا كان من النوع المألوف الذي يتعامل بمجهول المالك، لا تدخل في ملكية المصرف بل تبقى ملكاً لصاحبها. فهو إنما يدفع للدائن من أموال المدين نفسه. فهو يتقمص شخصية (جيم) في المثال. مع فرق الإذن له بالتصرف بالوديعة.
وليس الأمر كذلك إذا كان للفرد حساب مكشوف لما قلناه من عدم ملكيته له ما لم يقبض بل هو عندئذ من المعنى الثاني، وهو الحوالة على بريء.
المعنى الخامس: ان الحوالة لا تعني أكثر من إخراج المال من حوزة المصرف أو الفرع، ودفعها إلى مصرف أو فرع آخر في بلد آخر أو قطر آخر، وذلك لصالح الشخص المستفيد.
هذا، بغض النظر عما أشار إليه بعض أساتذتنا في بعض كلامه، من أن للفروع المتعددة للمصرف ذمة واحدة وكياناً واحداً، وليس ذمماً متعددة كالمصارف المتعددة. وقد سبقت منا بعض المناقشات لهذه الفكرة فلا نعيد.
المعنى السادس: ان الحوالة لا تعني أكثر من أمر المستفيد أو تنبيهه للمجيء إلى المصرف لأخذ كمية من المال. وهذا الأمر قد يصدر من المحوّل (المدين) وقد يصدر من المصرف نفسه وقد يصدر من مصرف آخر هو
ــــــــــــــــــــ[164]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المصرف المراسل في معاملات الاعتمادات المستندية. ونحو ذلك.
وأحد هذين الأخيرين هو الأقرب، بحسب فهمي، إلى مفهوم الحوالة المصرفية، من الناحية العلمية. وهي معاني عملية تطبيقية أكثر من كونها نظرية كما هو واضح. ومن هنا نرى أنه يختلف الاصطلاح المصرفي للحوالة عن المصطلح الفقهي اختلافاً جذرياً.
وقد قام بعض أساتذتنا بتقديم عدة تكييفات فقهية لتفسير الحوالة المصرفية. ويحسن بنا أن نسردها ونناقشها، ولكن بغض النظر عن بعض نقاط الضعف التي سبق لنا أن غضضنا النظر عنها. وقد نذكر هذه الوجوه بالمضمون لا باللفظ:
أولاً: تكييف الحوالة المصرفية، على أنها حوالة بالمعنى الأول الذي ذكرناه. وهي تتوقف على أن يكون المصرف مديناً للمدين (ألف) بالإيداعات أو الحساب الجاري. ليحول مدينه (باء) عليه، ويمثل هو شخصية (جيم) في المثال السابق.
ثانياً: نفس الافتراض النظري، لكن المبادرة كانت من المدين أولاً. وهنا تكون المبادرة من المصرف. فهو الذي يدفع أو يرغب بدفع ما عليه من دين لعميله (ألف)، إلى (باء). أعني ان المصرف يدفع بعض ما في ذمته ليوفي ما في ذمة عميله. وعندئذ تحصل المقاصة بين الدينين.
إلا أن هذا كسابقه متوقف على افتراض ان الإيداعات ملك للمصرف لا للعميل. وقد قلنا أنها للعميل لا للمصرف. هذا أولاً. ثانياً: ان افتراض كون المبادرة من المصرف خلاف الواقع، بعد الاعتراف بوضوح ان الحوالة تمت بأمر المدين (العميل – ألف). ثالثاً: ان تغيير وجه المبادرة من العميل إلى المصرف ليس له أثر فقهي
ــــــــــــــــــــ[165]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فيما أعلم. رابعاً: ان شيئاً مهماً أصبح مهملاً في كِلا الوجهين الأخيرين، وهو أن الحوالة إنما تتم بين مصرفين، لا في مصرف واحد. ومن الواضح في الوجهين السابقين كونه مصرفاً واحداً. وهو خلاف الواقع مصرفياً أو عملياً. (فهذه أربع مناقشات للوجه الثاني).
ثالثاً: أن المدين يأمر دائنه بالاستلام من المصرف. فيصبح المصرف بموجب هذه الحوالة مديناً للمستفيد (الدائن) وهو بدوره قد يحيل المستفيد على بنك آخر (مراسل) له في البلد الذي يقيم فيه المستفيد. فتتم بذلك حوالة ثانية يصبح بموجبها البنك المراسل مديناً للمستفيد.
وهذا الوجه يتكفل شرح الحوالة سواء من مصرف واحد أو مصرفين. ولكنه لم يتكفل بيان كيف ان التحويل على المصرف يجعل المصرف مديناً للمستفيد. إذ لم يتضح من هذا الوجه كون المصرف دائناً أو مديناً أو فارغ الذمة بالنسبة إلى المحول (المدين). كما لم يتضح كون المعاملة بين المصرفين كيف تتم، يعني أن المصرف المراسل، هل يحتوي على حساب جارِ للمصرف المحول أم لا. وبتعبير آخر: هل هو مشغول الذمة تجاه المصرف الآخر أو فارغ الذمة. فان كل هذه الاحتمالات تختلف فقهياً اختلافاً غير قليل.
رابعاً: يشبه ما قلناه (ثانياً) من حيث أن المبادرة من المصرف لا من الآمر بالتحويل (المدين). قال: «بل البنك المأمور بالتحويل نفسه بوصفه مديناً للآمر (لمدين) بما له من رصيد دائن في ذلك البنك، فيحيله على مراسله في بلد إقامة المستفيد، فيصبح البنك المراسل هو المدين للآمر بالتحويل. فيقوم الآمر بالتحويل بدوره بإحالة دائنه المقيم في بلد البنك المراسل على ذلك البنك ويكلف البنك الذي يتعامل معه بتبليغه ذلك».
وقوله: «فيحيله» يعني به المدين، يعني يحوّل الأمر الصادر إليه منه إلى
ــــــــــــــــــــ[166]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المصرف المراسل، فكأن المصرف المراسل أصبح مأموراً بوفاء دينه. كما يحتمل من قوله: «يحيله»، ان المصرف يحيل المستفيد على المصرف المراسل بدلاً من إحالته على نفس المصرف، أو قل: على نفسه.
ومزية هذا الوجه عن الوجه الثاني هو وجود مصرفين، كواسطة بين الدائن والمدين، بخلاف الوجه الثاني الذي كان فيه الواسطة مصرفاً واحداً. كما ان هذا الوجه يفرق عن الثالث بكون المبادرة من المصرف لا من المدين. والوجه الثالث مبني على أنها من المدين لا من المصرف.
ويرد على هذا التصور الوجوه الثلاثة الأولى التي أوردناها في مناقشة الوجه الثاني. مضافاً إلى مناقشة الوجه الثالث. إذ من الواضح ان التحويل على البريء لا يجعل البريء مشغول الذمة، ولا ملزماً بالدفع. فان رضى بذلك، كان من الضمان لا من الحوالة. فتأمل. ولم يتضح من الوجه كونه مشغول الذمة أو بريئاً، كما شرحنا في مناقشة الوجه الثالث.
وعلى أي حال, ففي حدود الفهم المصرفي للحوالة، تكون هنا عدة صور مأخوذة من احتمال أن يكون للمدين حساب جارِ دائن أو لا. واحتمال أن يكون للمصرف حساب جارِ دائن على المصرف المراسل أو لا.
فان كان كِلا الحسابين ثابتين ومتحققين، كانت الحوالة أقرب للمفهوم الفقهي. وتكون بمبادرة من المدين (العميل) لا من المصرف عادة. خلافاً لما افترضه بعض أساتذتنا.
ويكون الدفع مبرئاً لذمة كِلا المدينين، أعني العميل والمصرف المراسل، بمقدار الدين. ونتيجته التقليل أو السحب من الحساب الجاري الدائن للمصرف وللعميل نفسه.
وأما في غير هذه الصورة، وهو ما إذا لم يكن لكل منهما حساب جارٍ
ــــــــــــــــــــ[167]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
دائن(1) أو كان لأحدهما دون الآخر. وعندئذ؛ ففي صورة وجود الحساب الدائن يكون من التحويل على مدين. وفي صورة عدمه يكون من التحويل على بريء ويشمل كل واحد حكمه.
إلا ان الذي يهون الخطب فقهياً عدة أمور:
أولاً: ان الحساب الجاري الدائن مُلك للمودِع، سواء كان هو العميل أو المصرف. لا ملك للمصرف الذي يحتويه كما سبق.
ثانياً: ان هذا يتوقف على فكرة الشخصية المعنوية للمصرف وقد سبق الكلام حولها.
ثالثاً: ان هذا يتوقف على ان لا تكون الأموال المتداولة في المصارف من قبيل مجهول المالك. وهي فعلاً هكذا.
وهذا ونحوه يجعل التعامل أقل إشكالاً من الناحية الشرعية، وليس فيه إلا قبض المستفيد للمال من المصرف قبضاً شرعياً، وإبراء ذمة مدينه بعد أن قبض مقداراً يعادله من المال.
ثم، ان هذه التخريجات النظرية لا تختلف مضامينها باختلاف الأساليب العملية التي تنفّذ بها المصارف حوالاتها، يعني سواء كانت عن طريق الشيكات أو الكمبيالات أو نقداً أو غير ذلك من الطرق، وهي متعددة عملياً على أي حال. وقد تحدثنا عن عدد منها فيما سبق أيضاً، بغض النظر عن الحوالة.
أخذ العمولة على التحويل:
اتفق السيد الأستاذ وبعض أساتذتنا على جواز أخذ المصرف عمولة على
ــــــــــــــــــــ[168]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) سواء كان هناك حساب جارِ مدين (مكشوف) أو لا. لأننا قلنا بعدم كون ذلك الحساب ملكاً للعميل.
التحويل، وتكلم كل منهما حسب وجهة نظره الفقهية في ذلك.
ونقتصر الآن على ذكر التبرير الفقهي بناءً على ما اخترناه. وذلك انطلاقاً من عدد من الوجوه نذكر بعضها:
الوجه الأول: ان لم يكن للعميل المدين حساب جارٍ دائن أو ودائع في المصرف، كان المصرف قد قضى حاجته بهذا الدفع إلى الدائن لا مجاناً أي بنية أخذ الأجرة. فيستحقها لا محالة.
ونفس الموقف هو موقف المصرف المراسل لو لم يكن يحتوي للمصرف الأول أو للمدين حساب جارٍ دائن أو ودائع.
الوجه الثاني: ان كان للعميل حساب جارٍ دائن أو ودائع في المصرف. كان هذا الحساب ملكه -كما قلنا- لا ملكاً للمصرف. فيكون المصرف بدفعه المال للدائن بالوكالة عنه قاضياً لحاجة المدين فيستحق الأجرة. وخاصة وهو يعملها إجابة لأمره.
الوجه الثالث: إذا كان المصرف يتعامل بالأموال المجهولة المالك. كان قضاء الدين عن المديون، من قبيل قضاء الحاجة لا مجاناً، من قِبَل موظفي المصرف. فيستحقون عليه الأجر المفروض.
هذا, ولا يفوتنا أن نتحدث في نهاية الحديث عن الحوالة الداخلية وأجورها، عن أمرين ينبغي التنبيه إليهما:
الأمر الأول: أنه بناءً على ما ذكرناه من الاكتفاء بالمالية الكلية المدلول عليها بالأوراق المالية والقوائم المصرفية، فان الترحيل من حساب شخص إلى آخر يكفي في وفاء دينه. فضلاً عن استعمال الأوراق المالية كالشيكات.
الأمر الثاني: ان الأحكام الفقهية للحوالة هي هي، سواء كانت في داخل البلد الواحد أو في بلدين أو في قطرين. لا تفريق بينهما إلا من ناحية واحدة
ــــــــــــــــــــ[169]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
هي ان التحويل في القطر الواحد يكون بعملة واحدة، وفي الأقطار المتعددة يكون بعملات متعددة. وسنعرف تفاصيل ذلك بعد قليل. والمهم أن نلتفت الآن إلى أننا لا حاجة إلى تكرار حكم الحوالة مرة أخرى. وإنما نقتصر على موارد الفروق بينهما فقط.
الحوالة الخارجية:
قلنا قبل قليل اننا سنشير في هذا العنوان، فقط، إلى ما تتميز به هذه الحوالة عن الحوالة الداخلية مع الإشارة إلى أحكامها الفقهية. وأهم ما تتميز به هذه الحوالة فقهياً عدة أمور:
الأمر الأول: اختلاف العملات بين البلدان، مع كون كلتا العملتين ليستا من الذهب أو الفضة.
الأمر الثاني: صورة ما إذا كان بعض عملات البلاد الخارجية مكونة من الذهب والفضة.
الأمر الثالث: ان التحويل تارة يكون من أو إلى بلد إسلامي, يعني تسكنه أغلبية مسلمة. وأخرى يكون ذاك البلد الآخر، بلد كافر، يعني تسكنه أغلبية غير مسلمة. مع الالتفات فقهياً إلى أن الكتابيين في هذه العصور كغيرهم من الفرق الكافرة، في الحكم الاقتصادي الفقهي، ولا يختلفان حكماً إلا تحت شرائط معينة غير متوفرة فعلاً.
أما الحديث عن الأمر الأول, فان كانت العملات المتداولة بين البلاد ليست من الذهب أو الفضة، سواء كانت من الورق أو المعدن أو الأوراق المالية الدالة عليها، فلا إشكال في تبادلها، وليس للمكان دخل فقهي من هذه الناحية. وليس ثمة كلام حول التبادل أكثر مما سبق
ــــــــــــــــــــ[170]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
سوى الإشارة إلى الأسواق العالمية [التي] تتقيد بالأقيام التي تصل إليها العملات يومياً زيادة أو نقيصة. وهذا التقيد فيه نقطتا ضعف:
النقطة الأولى: ان هناك فرقاً كبيراً بين السعر الرسمي للعملة والسعر المتخذ في السوق السوداء. الأمر الذي ينتج من الناحية المنطقية ان العملة الواحدة، تباع بأكثر من سعر واحد، وهي قابلة للمعاملة والاتفاق بين الطرفين في مقدار التبادل كأية سلعة أخرى. غير ان المصارف تتقيد بالأسعار الرسمية التي تصدرها البنوك المركزية أو الحكومات المحلية لكل منها.
النقطة الثانية: ان التسعير من الناحية الفقهية ليس بحجة ما لم يقترن بإذن أو أمر من الولي العادل. غير ان العمل به جائز على أي حال ما لم يكن فيه بعض المضاعفات المعنوية أحياناً، والغالب عدم وجودها بطبيعة الحال. وأما العمل بالسوق السوداء فهو مخالف لمقتضى التسامح الشرعي والإنساني. لأن مقتضى الأخلاق الإسلامية هو التسامح إلى أكبر حد ممكن في الاقتصاد وغيره، وعدم التعنت لأجل جلب أكبر مقدار من الربح. الأمر الذي يجعل العمل بأقيام السوق السوداء أمراً مرجوحاً تماماً، وان كانت المعاملات صحيحة، ولا يمكن التفوه ببطلانها فقهياً على أي حال.
إذا عرفنا هاتين النقطتين أمكننا أن نعرف أنه لا يفرق في حكم تبادل العملات هذا، بين المصارف وسوق البورصة المخصص لتبادلها.
غير أن ما يتم في سوق البورصة هو التبادل المباشر بين العملات، وما يتم في المصارف، قد يكون هو ذلك. فيما إذا أراد العميل المبادلة المباشرة بينهما، وقد يكون هو التحويل إلى بلد آخر بعملته الخاصة بالقيمة الرسمية التي يعمل عليها المصرف. وقد يكون بأساليب مصرفية أخرى كشيكات المسافرين التي سوف نشير إليها فيما بعد.
كما أن حكم تبادل العملات هذا لا يفرق فيه بين ما إذا كان كِلا نوعي
ــــــــــــــــــــ[171]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
العملة المتبادلة بينهما من غير الذهب والفضة. أو كان أحدهما من أحدهما والآخر من غيرهما. بل حتى لو كانت إحدى العملتين من أحدهما والأخرى من الآخر، يعني أحداهما من الذهب والآخر من الفضة، بناءً على فتوى بعض أساتذتنا من الجواز حتى في هذه الصورة، وهو حكم أقرب إلى ظواهر الأدلة المعتمدة فعلاً وان كان خلاف المشهور جداً.
كما أن هنا حكما آخر مرتبط بهذا المقام قلّما يلتفت إليه الناس، وهو إمكان شراء السلع بغير عملة البلد بالسعر الذي لها في البلد لا في البلد الآخر. فلو أردنا أن نشتري في بلدنا طناً من الأسمنت مثلاً. فبدلاً أن نشتريه بالدينار يمكننا أن نشتريه بالين الياباني مثلاً. وهذا جائز فقهياً، ما دام الين عملة متداولة في أحد أسواق العالم، ولا ضرر في التعامل به.
والمهم الآن أن نلتفت في معاملتنا هذه إلى احتمالين:
الاحتمال الأول: أن ننظر إلى قيمة طن الأسمنت في البلد الذي يتعامل بالين ونبيعه به ما دمنا نتعامل بهذه العملة.
الاحتمال الثاني: أن ننظر إلى قيمة الدينار بالين فنبيع الأسمنت بقيمته بالدينار مبدلاً بالين. وان اختلفت عن القيمة بالاحتمال الأول. وهذا الاحتمال هو الذي ينبغي أن نلتفت إليه، كما قلنا. وهو أيضاً لا غبار عليه فقهياً:
أولاً: لأننا بعنا الأسمنت بقيمته المحلية على أي حال. يعني بقيمته بالدينار في المثال.
ثانياً: اننا تعاملنا بغير العملة المحلية.
ثالثاً: أننا حسبنا قيمة العملة الخارجية بحساب العملة الداخلية. وكل ذلك جائز شرعاً، كما أن بعض الاحتمالات الأخرى ممكن فقهياً على أي حال. ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.
ــــــــــــــــــــ[172]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فهذا هو الحديث عن الأمر الأول، وهو ما إذا كانت العمولة أو بعضها أعني أحد الطرفين من غير الذهب والفضة.
وأما الحديث عن الأمر الثاني, وهو ما إذا كان كِلا الطرفين من هذين المعدنين فيشترط فقهياً وشرعاً التساوي بينهما وزناً، حتى لو كان أحدهما من الذهب والآخر من الفضة على المشهور إلا أن الصحيح وفاقاً لبعض أساتذتنا هو الفتوى بالجواز كما علمنا. وينبغي أن يقع الكلام هنا في عدة مراحل:
المرحلة الأولى: أن يقال: ان فتوى بعض أساتذتنا يدعم الجهة الاقتصادية تماماً لوضوح ان الفضة لن تكون بقيمة الذهب بل هي أرخص منه جداً. وفي صدر الإسلام حين صدر تشريع النقدين (الذهب والفضة) بالتساوي بينهما، كانت الفضة أرخص عشر مرات من الذهب، وكان يسام الدينار الذهبي الواحد يومئذ بعشر دراهم فضية. فكيف يمكن التصور لحرمة تبديل الذهب بالفضة بوزن واحد. وهل هو إلا خسارة على بائع الذهب؟
ويمكن أن يجاب على ذلك بعدة وجوه, منها:
الوجه الأول: يمكن أن يقال: ان المراد بحرمة التبديل مع عدم التساوي وجوازه معه: التساوي في الوزن مع التساوي في القيمة. بمعنى اننا ينبغي أن نلحظ كلتا الجهتين لدى المعاملة. وهذا له عدة معانٍ منها: اننا ينبغي أن نلحظ التساوي من كِلتا جهتي القيمة والوزن معاً. ومعه, يختص حرمة التبادل بالذهب مع الذهب أو الفضة مع الفضة. أما مع اختلافهما فالشرط غير متحقق وهو التساوي في القيمة.
ومنها: ان شرط التساوي في الوزن، إنما يكون نافذاً مع التساوي في القيمة ففي السوق التي تعتبر الذهب أغلى عشر مرات من الفضة كما كان في صدر الإسلام، يمكن اعتبار الدينار الواحد بإزاء العشرة دراهم متساويين، فان المهم هو التساوي في القيمة وهو متحقق. نعم, تكون الزيادة في الوزن أكثر من
ــــــــــــــــــــ[173]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
مقدار التساوي في القيمة حراماً.
إلا أن هذا الوجه بكلا احتماليه خلاف ظاهر الأدلة على أي حال.
الوجه الثاني: أن المهم فقهياً هو إتمام الدليل على الحرمة. والفقيه لا تهمه الجهة الاقتصادية بعد ذلك. فان أفتى أي فقيه بحرمة تبديل الذهب بالفضة مع التساوي وزناً. فهذا له أمثال في الفقه. فان كل متساويين في النوع لا يجوز التفاضل بينهما في الوزن، وان تفاضلا في الجودة. فلا يجوز بيع كيلو من التمر الجيد بكيلوين من التمر الرديء. وهذا منصوص في الأدلة الصحيحة. وسنحاول أن نلقي عليه بعض الضوء في الوجه الآتي.
الوجه الثالث: ان المصالح والمفاسد في الأحكام الشرعية الإسلامية لا تنحصر في الجانب الاقتصادي، بل تشمل جوانب أخرى نفسية وعقلية وأخلاقية وثقافية وغير ذلك من أمور الدنيا والآخرة. وإذا لم يستقم في تفكيرنا الحكم اقتصادياً فهذا لا يعني عدم صحته، لوجود مصالح أخرى فيه قد نعلمها وقد نجهلها، ويكفينا الآن باختصار التسليم بحكمة المشرع للتعاليم الإسلامية وعلمه بواقع الأشياء مع جهلنا لكثير أو -في الواقع- لأكثر الواقعيات. الأمر الذي يسد فم الاعتراض تماماً.
ونتيجة هذه المرحلة من الكلام: ان هذه الخطورة وهي تبديل النقدين بالتفاضل والزيادة ببعضهما البعض غير جائز. يعني انها خطوة ينبغي أن تسقط عن الميدان الاقتصادي.
إلا ان هذا لا يغير من اقتصاد عالم اليوم شيئاً لوضوح ان أكثر العملات في العالم ليست من الذهب والفضة. لا أقل أن الأعم الأغلب من التبادل هو في غيرهما أو أن أحد العوضين -لا أقل- ليس منهما. فلا يسبب أية مشكلة على أي حال.
ــــــــــــــــــــ[174]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المرحلة الثانية: قد يقال: بأن الحكم الذي عرفناه من حرمة التبديل بين النقدين بغير التساوي، خاص بغير النقود المتداولة، كالسبائك أو الحلي. وأما النقود، فهي بصفتها ملحوظة جهتها المالية الخالصة دون ماهيتها الشخصية، كما قلنا في فصل سابق [هذا] أولاً. وثانياً: تلحظ بصفتها قيمة للأشياء، فالعرف يرى فيها السلع أكثر مما يراها بذاتها.
وعلى أي حال فالفرق العرفي قائم بين النقود وغيرها مما كان من الذهب والفضة. ومعه, فالحكم قد يكون خاصاً بغيرها.
إلا أن هذا الوجه إنما يتم فيما لو لم تشمل الأدلة النقود ولو بالإطلاق أو العموم. ولكنها شاملة لها على أي حال، وفيه حقاً لحاظ العملة بصفتها الذاتية. وهو لحاظ من جهة تشريعية لا من الجهة الاقتصادية.
إلا أن الحديث إنما يختص بما دل الدليل على حرمته، وهو الدنانير بمثلها والدراهم بمثلها، دون مبادلة الدراهم بالدنانير كما قلنا.
وما قد يخطر على البال، من التفريق فقهياً بين النقود القديمة والنقود الحديثة من بعض الوجوه:
منها: أن تلك الدراهم والدنانير كانت من تأسيس دولة تتسمى بالإسلام، أما الآن فنحن نتكلم عن عملات أجنبية في بلدان كافرة أو نحوها.
ومنها: ان تلك العملات كانت مسماة بالدنانير والدراهم، وهي التي وردت في موضوعات الأدلة. وأما عملات اليوم من ذهبية أو فضية فليست مسماة بهذه الأسماء فلا يشملها الحكم.
إلا أن هذين الوجهين غير تامين في حدود ما ثبتت حرمته، لإمكان التمسك بالإطلاق أو العموم في الأدلة المعتبرة. وعدم كون هذين الوجهين مما ينبغي التفريق بها بين الموارد. وتفصيل الكلام موكول إلى الفقه.
ــــــــــــــــــــ[175]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المرحلة الثالثة: أنه لا إشكال ان من نقاط القوة في العملات المصنوعة من النقدين عدم إمكان التضخم في العملة آنئذ.
لأن التضخم عبارة عن رخص العملة بإزاء العملات الأخرى مما يسبب زيادة الأقيام السوقية للسلع. وهذا إنما يتصور ويحدث في العملات الورقية والمعدنية العادية التي ليس لها في حد ذاتها أية قيمة مهمة. وبمعنى أدق: أن قيمتها الذاتية لا تعادل جزءاً من ألف أو أقل من قيمتها الاعتبارية أو السوقية.
فإذا كانت العملة هكذا، أمكن تضخمها، من أجل رخص القيمة الاعتبارية التي تتكفلها العملة. فإنها مهما رخصت لن تكون عادة بمقدار قيمة المادة التي صنعت منها على أي حال. ولو وصلت أية عملة عادية إلى هذا المستوى أعني أصبحت بمقدار قيمة مادتها. كانت ساقطة بالمرة عملياً، لولا القانون الذي يدعمها عملياً ان وجد.
والتضخم من أشد الأسواء الاقتصادية لأي بلد، والسبب الرئيسي له هو كثرة الديون التي تثقل كاهل الدولة. وهذا خارج عن صدد كلامنا الآن. وقد عرفنا ان السبب الرئيسي هو كون العملة من غير الذهب والفضة، فلو كانت العملة منهما على ما سنذكر لم يمكن التضخم، أو كان خفيفاً جداً وبنسبة ضئيلة يمكن تجاوزها أو القضاء عليها.
وذلك: لأن العملة المعمولة من الذهب والفضة، تحفظ قيمتها الذاتية في داخلها لو صح التعبير. فإنها مهما رخصت لا يمكن أن تنزل قيمتها عن قيمة مادتها، عن قيمة الذهب نفسه، وهو مما لا يمكن أن تسقط قيمته في العالم على أي حال.
نعم، توجد نقطتا ضعف في الدنانير والدراهم المصنوعة من هذين المعدنين (النقدين):
ــــــــــــــــــــ[176]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
النقطة الأولى: كونها في الأغلب ليست من نفس المعدن بشكل خالص، بل تخلط عادة بمواد أخرى رخيصة، بشكل قد يكون معروف النسبة وقد لا يكون. الأمر الذي يجعلها عرضة للاشتباه تارة وللتضخم النسبي أخرى. ولو كانت من المعدن الخالص, أعني الذهب في الدنانير والفضة في الدراهم، لما حصل فيها ذلك.
النقطة الثانية: انها مهما كانت صفتها في النقطة الأولى, أعني خالصة أم لا. فإنها تختلف قيمتها بين آونة وأخرى. فان الذهب نفسه تختلف قيمته، وكذلك نسبة قيمة الذهب إلى الفضة أيضا. وهذا أوضح وأكثر في العملات المخلوطة منها في الخالصة.
إذن، فهذه العملات كسائر العملات في اختلاف أقيامها السوقية. إلا أنها مع ذلك ليست كسائرها من حيث سقوط قيمتها أقل من مادتها. لأن مادتها ذات قيمة ذاتية لا يمكن أن تزول.
وبتعبير آخر: ان كل العملات ذات قيمة ذاتية بطبيعة الحال. غير أن أقيام سائر العملات رخيصة جداً وتافهة. في حين لا يمكن أن تكون عملات النقدين كذلك. إذ لا يمكن ان تنزل قيمة الدنانير عن قيمة الذهب نفسه. والحاوي عليها حاوِ على الذهب على أي حال.
بقيت نقطتان لا بد من الإشارة إليهما:
النقطة الأولى: أنه هل يمكن زيادة القيمة الاعتبارية للعملات المعمولة من النقدين على قيمتها الذاتية؟ وبعبارة واضحة: ان يكون المثقال من الذهب أرخص من الدينار الذهب. هل يمكن ذلك؟ وأما العكس وهو أن يكون الدينار أرخص من وزنه من الذهب. فهذا غير محتمل. وهو الذي قلنا: أنه يمنع من التضخم منعاً حقيقياً.
ــــــــــــــــــــ[177]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إلا أن زيادة قيمة الدينار على مقداره من الذهب أمر ممكن. ويمكن قياسه بالورق الذي أصبح العملة المتعارفة في عصورنا الحاضرة. فكما يمكن إعطاء قيمة اعتبارية للورق أغلى من قيمته الذاتية. فكذلك يمكن بالنسبة إلى الذهب والفضة يمكن إعطاؤهما قانوناً قيمة اعتبارية تربو على القيمة الذاتية.
إلا أن هذا تابع للقانون. يعني أنه مشترط بصدور قانون بخصوصه، والا لم يمكن ذلك على طبيعته، كما كان الحال في صدر الإسلام. حيث كانت الدراهم والدنانير معروضة في السوق كأي شيء آخر قابل للزيادة والنقص.
النقطة الثانية: ان نقطة الضعف الرئيسية في العملات المعدنية هو ثقل حملها، حتى كانوا يجعلونها في صرر وأكياس كبيرة أو صغيرة حسب عددها، ويتعاملون بها على هذا الشكل، ومع كثرتها كان عدّها يستغرق زمناً مهماً، الأمر الذي كان بعض الناس يتكفل هذا الأمر كصنعة له، وهو أنه يزن الذهب والفضة أو يعدهما ليدفع المشتري إلى البائع ما يطلب من الثمن.
في حين ان العملات الورقية ليست كذلك. فهي أخف وزناً وأسهل عداً.
إلا أن الذي يهون الخطب: هو التعامل المصرفي. أعني الأوراق المالية المصرفية على اختلافها وقوائم الودائع والحسابات الجارية. فلو كانت هذه الأمور تمثل الذهب حقاً لما أمكن التضخم. في حين انها في عصورنا الحاضرة تمثل الدينار، والدينار لا يمثل الذهب بأي حال. إذن, فهي لا تمثل الذهب بأي حال، وتكون أقيامها مربوطة بأقيام ما تمثله في رخصها وغلائها، أو بتعبير أدق: في صرفها في السوق الخارجية، أو أسواق البورصة.
المرحلة الرابعة: من الكلام عن تبادل العملات. ان المالية يمكن أن نتصور لها عدة معانِ يهمنا منها الآن بعض تلك المعاني لننطلق منه إلى استنتاجات معينة كما سنسمع. ولكن ينبغي تعداد المعاني كلها إجمالاً:
ــــــــــــــــــــ[178]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
أولاً: المالية (الجزئية) المتمثلة في العروض أياً كان، والمراد من كونها جزئية أنها ليست كلية ذات مفهوم عام. بل ما دام فرد معين مالكاً لشيء معين من العروض فهو مالك لماليته.
ثانياً: المالية (الجزئية) للنقد أياً كان. بنفس التفسير لمعنى الجزئية، بعد تبديل العروض بالنقد.
ثالثاً: المالية الكلية أو العامة الشاملة لموجودات الطبيعة، وان لم تدخل تحت العمل البشري. وقد سبق أن برهنا على وجود المالية لها إجمالاً.
ومفهوم المالية هذا كما يشمل موجودات الطبيعة، يشمل ما تحت حيازة الأفراد أيضاً. ومن هنا كانت كلية أو عامة.
رابعاً: المالية الخاصة بعملة معينة، كقيمة الدينار مثلاً بإزاء العملات الأخرى. وفرقه عن الثاني: ان ذلك المعنى كان عبارة عن مالية دينار أو مجموعة دنانير لشخص معين يملكها فهو يملك ماليتها أيضاً. وأما هنا فالمراد قيمة الدينار ككل بإزاء العملات الأخرى.
خامساً: المالية الشاملة لكل الأشياء التي تحت الحيازة من العروض في العالم. وبهذا يختلف عن المعنى الأول. وبهذا المعنى يمكن أن نقول: أنه حصل رخص عام أو غلاء عام في العالم. يعني بقياس مجموع العروض إلى مجموع العملات.
سادساً: المالية الشاملة للعروض العملات معاً. أو قل: المالية التي لم يحدد فيها عملة معينة أو عروض معين.
وهذا المعنى لا يمكن تحديده إلا بالقياس إلى شيء معين. كل ما في الأمر أنه يمكن تجريده منطقياً إلى معنى كلي. فمن ملك ثوباً مثلاً قيمته مائة دينار فقد ملك كل ما يوازيه في المالية من أي شيء من العروض أو النقود.
ــــــــــــــــــــ[179]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فيمكن أن يقال: أنه مالك لهذا الثوب أو مالك لمائة دينار أو مالك لكذا ين أو لكذا فرنك وهكذا. يعني مالك ما يعادل مائة دينار من كل العملات أو العروض. بدليل على أنه يمكن التبادل أو المقايضة بينهما متى شاء وفي أي مكان شاء. ولو اختلف معنى المالية في الأشياء لما أمكن التبديل بطبيعة الحال.
سابعاً: نفس المعنى السادس، لكن بإسقاط العروض عن نظر الاعتبار وقصر النظر على النقود بصفتها تمثل المالية وغير منظور إلى صفاتها الشخصية، كما عرفنا مكرراً.
ففي المعنى السابق كنا نقول: ان المالك لهذا الثوب مالك لمائة دينار أو مالك لكذا دولار وكذلك هو مالك لرأس من الغنم أو لمجموعة من الكتب, وهكذا. يعني مالك لأقيامها بطبيعة الحال. وأما في هذا المعنى فلا ننظر لغير النقود.
وهذا المعنى هو محل الشاهد الآن, أعني في هذه المرحلة من الكلام، فالشيك الذي بمائة دينار. وان كان هو شكلياً كذلك. إلا أنه يقدّر بكذا دولار وكذا ين وكذا فرنك, وهكذا. بمعنى أنه يمثل فعلاً المالية العامة المنتشرة في العملات كلها، وفي الذهب أيضاً بصفته ممثلاً للمالية لا للعروض. لأنه -كما قلنا- أساس مالية الأشياء.
وهذا معناه، أننا إذا صرفنا شيئاً من الأوراق المالية أو من النقود ببعضها البعض، فإننا لم نفعل شيئاً سوى التبادل بين مميزاتها الشخصية دون ماليتها العامة. لأن هذا المعنى من المالية محفوظ وسارِ في الجميع. نعم، بادلنا بين جزئيات أو تطبيقات أو مصاديق هذه المالية، وأما المالية بهذا المعنى العام، فهو لا زال موجوداً بنفسه.
وهذا المعنى من المالية، قد يكون وجدانياً وصحيحاً، إلا أن المهم أنه
ــــــــــــــــــــ[180]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
يتوقف على صحة فهمه سوقياً. لأن المالية دائماً هي بنت السوق وناتجة منه، فما فهمه السوقيون كان مالاً, وما رفضوه لم يكن من حقنا اعتباره مالاً، وان كان في التجريد العقلي كذلك.
والظاهر كون هذا المعنى للمالية تجريدياً عقلياً، وليس سوقياً. فمن باب المثال: ان الشيك الذي يساوي مائة دينار. ينظر أهل السوق، أو قل: المصرفيون بصفتهم يمثلون الاقتصاد السوقي، ينظرونه بهذه الصفة، أي بمائة دينار. ولا يلحظون أنه يحمل مالية تساوي كذا دولار وكذا فرنكاً. ولذا يعتبرون التبادل حاصلاً عند المعاملة بينه وبين غيره. في حين لو تم هذا المعنى من المالية، كانت المبادلة غير متحققة لانحفاظ المالية نفسها في كل الأعواض والأقيام.
وهذا يعني ان السوق ينظر بدرجة ما إلى ذات العملات لا إلى ماليتها الخالصة أو التجريدية.
وبتعبير أوضح: ان للعملات شكلين من النظر:
الشكل الأول: انها لو قيست إلى العروض، لاحظ العرف السوقي فيها جهتها المالية، ولم يعتبرها عروضاً أو حالها حال العروض. بل اعتبرها ثمناً للعروض.
الشكل الثاني: ان العملات إذا قيست إلى بعضها البعض، لاحظ العرف السوقي ذاتيتها إلى جنب ماليتها. فهذا دينار وهذا دولار وهذا فرنك. يعني أنها تختلف في ذاتيتها وان اتفقت في المالية.
وقد سمعنا قبل فترة أن الشريعة نظرت إلى الدراهم والدنانير من النقدين بصفتها الذاتية بهذا المعنى. ومن هنا صدر الحكم بتحريم التبادل المتفاضل في الوزن إذا كان العوضان من الذهب أو من الفضة ولو كان النظر إلى المالية
ــــــــــــــــــــ[181]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الخالصة أو الكلية للدراهم والدنانير، لم يكن هذا الحكم بممكن الصدور.
إلا أننا عرفنا الآن ان الشارع الإسلامي قد تابع السوق في النظر إلى المالية عند قياسها إلى العروض، كما عرفنا.
فهذا هو الكلام في الأمر الثاني وهو صورة ما إذا كانت العملات من الذهب والفضة. وقد عرفنا ان المهم فيها التساوي في الوزن مع غض النظر عن القيمة. والا كانت المعاملة باطلة. وقد عرفنا في أول هذا الأمر الثاني المبررات الكافية لذلك.
الأمر الثالث: في اختلاف البلدان من حيث كونها إسلامية أو غير إسلامية. وهذا الأمر ليس مفصلاً. بعد أن عرفنا ان أهل الكتاب وغيرهم سيان في عصورنا هذه، من حيث الحكم الفقهي الاقتصادي، وهو صحة معاملاتهم مع جواز أخذ الربا منهم. نعم، لا يبعد القول بحرمة إعطاء الربا لهم اختياراً.
ومعه تكون المعاملات المصرفية فقهياً من الناحية النظرية على عدة أقسام:
القسم الأول: إذا كان المال ملكاً شخصياً لفرد مسلم أو جماعة، كان التعامل الربوي عليه محرماً، والمعاملة باطلة، وأخذ الفائدة غير جائز.
القسم الثاني: إذا كان المال ملكاً شخصياً لفرد كافر، أو جماعة، كان التعامل الربوي عليه جائزاً، والمعاملة صحيحة وأخذ الفائدة من قِبَل المسلم جائزة. في فرض ان التعامل بين مسلم وكافر.
وأما التعامل بين كافرين، فالسؤال لا يتوجه منهم إلى المسلمين لنجيبهم بأي شيء. ومقتضى القاعدة ان الكفار مكلفون بالفروع على ما هو الصحيح، فيكون تعاملهم فيما بينهم بالربا محرماً.
وأما دفع الربا من المسلم إلى الكافر، فهو غير جائز على القاعدة في الفقه. بل لعل فيه أكثر من محذور شرعي واحد.
ــــــــــــــــــــ[182]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
نعم، لا يبعد أن تكون مصارفهم من قبيل المال المجهول المالك فيشمله الحكم الذي سنتحدث عنه. فالحكم بالحرمة خاص بما إذا كان المصرف لشخص أو أشخاص معينين.
القسم الثالث: إذا كان المال من مجهول المالك، فمقتضى القاعدة كون المعاملة أسمية، والربا فيه ليس بربا حقيقي، وان كان له صورة ذلك. الأمر الذي يهوّن الخطب على المودِعين وأصحاب الحسابات الجارية. كل ما في الأمر أن المال يجب أن يقبض قبضاً شرعياً، ليكون مملوكاً. وبتعبير آخر: لتحوّل المال من مجهول المالك إلى الملك الشخصي.
ولعل الحكم نفسه بالنسبة إلى المستلفين. أعني في الفوائد التي يدفعونها، لأن المعاملة ما دامت أسمية، فهي لا تنتج ربا حقيقياً، إذن, فدفع الفائدة جائز إلى المصرف.
وهي أيضاً بالتأكيد ليست تبذيراً لتكون محرمة بهذا العنوان، لأنها ستكون تسبيباً للاسترباح والتسهيل المصرفي. بعد أن علم المجتمع كله ان المصارف لا تتعامل بغير الفوائد.
نعم، لو وجد هناك إقراض غير ربوي، كافٍ للفرد أو الأفراد لإنجاز هدفهم الاقتصادي، كان التحول على الفائدة الربوية المشار إليها مشكلاً شرعاً، ولو باعتبار كونها تبذيراً.
وبهذا يتم الحديث في الأمر الثالث. وبهذه الأمور الثلاثة نعرف حكم الحوالات الخارجية التي ذكرنا عنوانها، لأنها لا تتم إلا بتبديل العملات ببعضها البعض(1). كما نعرف حكم سوق البورصة من زاوية تكفله لهذا التبديل
ــــــــــــــــــــ[183]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) بما فيها طريقة استعمال شيكات المسافرين.
أيضاً. كما نعرف حكم التبديل بين العملات مهما كان مصدره أو مكانه أو هدفه. فانه من الناحية الفقهية لا يختلف على أي حال.
الودائع الموقوفة:
قالت المصادر المصرفية(1): «إذا بقي رصيد حساب التوفير موقوفاً بدون تحريك مدة أحد عشر شهراً كاملاً اعتباراً من أول السنة المالية، فانه يُطلب إلى صاحب الحساب تحريك حسابه خلال مدة أسبوع واحد. وعند انتهاء مدة الأسبوع دون مراجعة، فان رصيد الحساب ينقل في نهاية السنة المالية إلى حساب خاص يسمى (حسابات التوفير غير المتحركة) وبعد هذه الفترة تراعي فترة مرور الزمان البالغة (ستة عشر عاماً) استناداً لتاريخ آخر حركة سحب أو إيداع. وبعدها يحول الرصيد إيراداً إلى خزينة الدولة».
وقالوا(2): «يستوفي المصرف سنوياً العمولة المقدّرة في جدول أسعار العمليات المصرفية على أرصدة الودائع غير المتحركة التي تزيد عن مبلغ معين، والتي لم تجرِ عليها أية عملية سحب أو إيداع خلال السنة».
وكما الحال في التوفير، يكون الحال في الحساب الجاري، الذي يعتبر أهم الودائع، من وجهة نظر مصرفية.
حيث قالت المصادر المصرفية(3): «تعتبر الودائع والأمانات العينية لدى المصارف، والديون التي بذمتها، والتي مضى خمسة عشر عاماً على آخر حركة سحب أو إيداع جرت عليها بحكم الودائع غير المطالب بها.
ــــــــــــــــــــ[184]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) دليل المعاملات المصرفية, ج2, ص30.
(2) المصدر نفسه, ص31.
(3) دليل المعاملات المصرفية, ج1, ص56.
على المصرف أن يقوم بالتحريات اللازمة لتسليم الودائع غير المطالب بها إلى أصحابها خلال سنة واحدة، من تأريخ انتهاء المدة المذكورة. وعند عدم تمكنه من الاهتداء إلى أصحابها بعد انتهاء فترة السنة، فعليه تسليمها إلى الخزينة العامة لقيدها إيراداً نهائياً».
وقالوا(1): «بالنسبة للحسابات التي ينطبق عليها ما جاء في الفقرة أعلاه (يعني مضى عليها سنة واحدة) والتي تكون أرصدتها عشرة دنانير فأقل تنقل إلى بطاقات خاصة أو أكثر وتخضع إلى العمولة المقطوعة المقررة في جدول أسعار العمليات المصرفية. وهي حالياً ديناران، أو كامل الرصيد وغلق الحساب إذا كان أقل من دينارين وتستوفى العمولة في نهاية كل سنة مالية عن خدمات الإشراف والمتابعة».
أقول: ان المهم فقهياً من هذا الكلام كله، عدة أمور:
الأمر الأول: أنه بعد مضي ست عشرة سنة. بما فيها مدة التحري والفحص عن صاحب الإيداع، إذا لم يجده المصرف أو يعرف عنه خبراً يكون الإيداع وارداً نهائياً للخزينة العامة.
لا يفرق في ذلك الحساب الجاري عن الأمانات العينية (الودائع الحقيقية) عن سائر الديون الأخرى.
الأمر الثاني: ان كانت الإيداعات عشرة دنانير فأقل، فأن هذا المصير يشملها، خلال سنة واحدة فقط. فتكون إيراداً للدولة.
الأمر الثالث: بالنسبة إلى الحسابات الموقوفة سنة فأكثر قبل مصادرتها، فأن المصرف يأخذ عليها عمولة معينة، لقاء حفظه لها وإشرافه عليها.
ــــــــــــــــــــ[185]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) المصدر نفسه, ص57.
فلا بد من فحص هذه الأمور فقهياً واحداً واحداً:
الأمر الأول: لا شك ان الحكم الفقهي الأولي لمثل هذه الحركة، أعني مصادرة المال بعد ستة عشر عاماً، هو عدم الجواز، لوضوح ان المال مع تقادم تأريخه لا يخرج عن ملك صاحبه. وما دام ملكاً له فيحرم الاستيلاء عليه ومصادرته.
غير أننا يمكن أن نطرح عدة وجوه فقهية تبرر المصادرة، فان تمت أو تم بعضها، جازت هذه الحركة المصرفية، والا بقيت على الحكم الأول الذي أشرنا إليه، وهو الحرمة:
الوجه الأول: الإعراض. أعني شمولية هذه الأموال لحكم الإعراض فقهياً، الذي يكون سبباً كما هو الصحيح للخروج عن الملكية. فان تأكد بأن صاحب المال قد أعرض عنه، جاز له الاستيلاء عليه والتصرف به بما شاء. فان أراد أبقاه ملكاً له وان أراد دفعه إلى خزينة الدولة. وان شاء تصرّف أية تصرفات أخرى، كما لو كتبها إيراداً لبعض المشرفين على المصرف. كل ذلك ممكن فقهياً.
إلا أن هذا إنما يتم بعد إحراز الإعراض. ويمكن أن نفهم حصول الإعراض بأحد أساليب:
الأسلوب الأول: من مجرد طول المدة، فان ست عشرة سنة زمن طويل كافٍ جداً للوثوق بأن صاحب المال لو كان يريده أو يحتاجه لجاء إليه وطالب به أو حرّكه مصرفياً بشكل وآخر. وحيث أنه لم يحرّكه خلال هذه المدة الطويلة، فيدل على إعراضه عنه, أو قل: عدم حاجته إليه.
وبحسب فهمي فان هذا الأسلوب هو الذي يخطر في أذهان المصرفيين حين قرروا مصادرة المال بعد هذه المدة المشار إليها.
ــــــــــــــــــــ[186]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ولعمري أنها مدة توجب الوثوق أو الظن على أقل تقدير بهذه النتيجة، إلا أنها مع ذلك لا تكون حجة لوجود احتمالات أخرى نافية لحصول الوثوق بالإعراض. كاحتمال نسيان صاحب المال لإيداعه، أو كونه مسافراً أو مسجوناً أو ممنوعاً بأي مانع، بحيث لو ارتفع عنه المانع لأراد أمواله. وورود هذا الاحتمال وجداني، وهو مما يجعل الظن بالإعراض الكامل ليس بحجة.
الأسلوب الثاني: إطلاع الفرد على نظام المصرف القاضي بالمصادرة بعد انتهاء المدة المومى إليها.
فلو عرف الفرد المودِع هذا المعنى، ومع ذلك أهمل حسابه طيلة المدة، كان هو المضيع له، وجاز للمصرف الاستيلاء عليه. بل الأمر أوضح من ذلك فان وجود هذه المواد في النظام المصرفي، تعني شرطاً ضمنياً عند الإيداع بأن الأموال ستكون ملكاً للدولة عند انتهاء المدة. فالمودِع لدى الإيداع يقبل هذا الشرط الضمني. إذ لو كان حريصاً على أمواله حتى ضد هذا الشرط لما أودعها أو لراجع عليها وتعامل بها. وحيث تحقق الشرط كان للمصرف مصادرتها.
وهذا الأسلوب بهذا المقدار صحيح فقهياً وواضح. إلا أنه موقوف على علم الفرد المودِع بهذا النظام المصرفي. في حين أن أغلب الأفراد في المجتمع لا تعلم به على الإطلاق. بل نسبة ضئيلة لا تتجاوز موظفي المصرف إلا قليلاً هي العالمة به فكيف يكون هذا الأسلوب نافذ المفعول؟
الأسلوب الثالث: الفحص المصرفي خلال السنة الأخيرة من الستة عشر عاماً، فإنهم ان فحصوا عنه ووجدوه رجع صاحب الحساب إلى حسابه. والا كان معناه أنه غير موجود بالمرة.
إلا أن هذا الأسلوب إنما يؤثر في جواز مصادرة المال فقهياً، في حالة واحدة، وهي ما إذا فحصوا عنه ووجدوه، ونبهوه بكتاب ونحوه، ومع ذلك لم يأتِ ولم يحرك حسابه ولم يراجع المصرف. فمثل هذا الفرد يكون هو المضيع
ــــــــــــــــــــ[187]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
لحسابه والمُعرض عنه، فيكون من حق المصرف مصادرته.
واما لو لم يحصل ذلك، كما لو فحص المصرف ولم يتعرف على صاحب الحساب. فهذا لا يعني إحراز الإعراض ولا الخروج عن ملكيته أو ملكية ورثته. فلا يكون هذا الأسلوب مؤثراً.
الوجه الثاني: شمول حكم اللقطة للودائع الموقوفة.
فان اللقطة فقهياً هي ما يجده الفرد في مكان عام كالشارع أو المسجد مثلاً من الأشياء التي لها مالية قلّت أو كثرت. ولا يُعلَم صاحبها. فحكمه الفقهي هو وجوب الفحص عن صاحبها. إلى حين اليأس عن معرفته أو لإتمام السنة. فإذا حصل اليأس قبل انتهاء السنة. أمكن التوقف عن الفحص، ولكن يجب الانتظار إلى نهاية السنة. فإذا انتهت أمكن تملك المال أو التصدق به عن صاحبه إجمالاً.
فقد يقال: ان الودائع الموقوفة مشمولة لحكم اللقطة، لأنها تشبهها من حيث تعذر التعرف على صاحبها والفحص عنه لمدة سنة. والسنة هنا شرعية كما هي قانونية. فيمكن تطبيق نتيجة اللقطة وهو جواز التملك للمال بعد نهاية السنة. يعني ان المصرف يتملك المال ويجعله إيراداً للدولة، أو يتصرف به ما يشاء.
إلا أن هذا الوجه غير صحيح أساساً، لوجود فروق أساسية بين اللقطة والودائع الموقوفة. لوضوح أولاً: ان اللقطة مجهولة المالك من أول قبضها بخلاف هذه الودائع فإنها في أولها كانت معلومة المالك. وثانياً: ان اللقطة لم يدفعها صاحبها إلى الملتقط إطلاقاً، بخلاف الودائع فإنما دفعها صاحبها اختياراً أول الأمر. وثالثاً: أننا لا نحمل أية فكرة محددة أو مجملة عن صاحب اللقطة، ولكننا نحمل فكرة محددة، بل تفصيلية عن صاحب الودائع وان غاب عنا مدّة طويلة.
ــــــــــــــــــــ[188]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الوجه الثالث: شمول حكم مجهول المالك للودائع الموقوفة.
فإننا قلنا أن الأموال المودعة في المصارف المتعارفة انما هي أموال مجهولة المالك، وحكم المال المجهول المالك فقهياً، هو إمكان قبضه قبضاً شرعياً، فيكون ملكاً لمن قبضه.
والمهم الآن ليس هو الحديث عن الساحب بل الحديث عن المصرف نفسه، فله أن يطبق حكم مجهول المالك على الكمية الموقوفة من الأموال وتصبح ملكاً له ويطبق عليها ما يشاء من التصرفات.
إلا أن هذا الوجه ليس بصحيح إلا في حدود الأموال التي تكون من حين إيداعها مجهولة المالك. وأما بدون ذلك، كما هو المفروض، أعني حين تكون الودائع مملوكة لأصحابها من أول الأمر. فهذا الوجه غير تام. لأن النظر ليس إلى تكليف الساحب فقهياً، بل إلى تكليف المصرف نفسه. ومن هذه الزاوية لا تكون الأموال مجهولة المالك لأننا نعلم إجمالاً أن هذا الفرد الغائب ممن يملك في الودائع شيئاً. وهذا يكفي في لزوم بقاء تلك الكمية على ملكه.
ولو تنزلنا جدلاً عن ذلك، وفرضنا المال مجهول المالك بقيت أمامنا نقطتان فقهيتان أحداهما كبرى والأخرى صغرى بالاصطلاح المنطقي.
أما الكبرى: فان الأموال مجهولة المالك لا يجوز ولا ينفذ قبضها قبضاً شرعياً إلا بإجازة الولي العادل. فان حصلت جاز القبض وأصبح نافذاً، والا فلا.
وأما الصغرى: فان المصارف لا تطبق هذه الكبرى بطبيعة الحال. الأمر الذي يجعل المصادرة غير جائزة شرعاً.
وعلى أي حال، فإذا تم أحد هذه الوجوه أو كان له تطبيق من حيث الجواز الفقهي للمصادرة، كما ذكرنا خلالها، فهو المطلوب. والا بقيت على
ــــــــــــــــــــ[189]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الأصل الأوّلي من الحرمة. لا يختلف في ذلك مضي المدة ولا كمية المال كالدينارين والعشرة دنانير ونحوها.
فإنهما جميعاً من استحقاق مالكيها مهما طال الزمن ما لم تصدق فقهياً بعض الوجوه السابقة.
نعم، يستثنى من ذلك: الحساب الجاري المكشوف لو فرض أنه مضت عليه المدة المشار إليها. فان للمصرف أن يصرف النظر عنه ويلغيه. لأننا قلنا فيما سبق أنه لا يدخل في ملك صاحبه إلا بالمقدار المسحوب. فإذا لم يكن مسحوباً أمكن إلغاؤه في أي وقت.
وبهذا نكون قد مررنا على حكم الأمر الثاني من الأمور الثلاثة السابقة التي لا زلنا نتحدث عنها.
الأمر الثالث: ما عرفناه من أن المصرف يأخذ عمولة معينة على الودائع الموقوفة.
والسر في ذلك حسب فهمي: ان الودائع ما دامت متحركة أمكن استفادة المصرف منها أكثر اقتصادياً. واما إذا أصبحت موقوفة، فقد تتضاءل الاستفادة منها، وتصبح مصدراً للضيق أكثر منها مصدراً للفائدة. ومن هنا يصبح ذلك سبباً لأخذ العمولة. بعد أن كان لا يأخذ عليها شيء وهي متحركة.
والمهم فقهياً أن هذا جائز شرعاً ومن حق المصرف المطالبة بالعمولة. في الحدود التي يعتبرها المصرف ضرورية.
اليانصيب المصرفي:
يمكن أن نقسم المحفزات المصرفية للادخار، يعني ترغيب الجمهور على الإيداع في المصرف، إلى ثلاثة أقسام:
ــــــــــــــــــــ[190]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
القسم الأول: إيجاد الفوائد على الادخار أو الإيداع، بمختلف النسب التي يقررها المصرف. وهذا ما تحدثنا عنه سابقاً.
القسم الثاني: التأمين المجاني على الحياة. ولعلنا نشير إلى بعض تفاصيله والى حكمه الفقهي فيما بعد.
القسم الثالث: اليانصيب المجاني للمودعين. وهو ما نتحدث عنه الآن.
حيث قالت بعض المصادر المصرفية(1)، وننقله حرفياً ليرى القارئ الكريم مدى التحفيز والإغراء على الإيداع في هذا اليانصيب:
«مشروع اليانصيب المجاني لأصحاب الحسابات الجارية والتوفير ويتضمن:
جوائز نقدية وعينية مجموع مبالغها 98500 دينار سنوياً. توزع على ثلاث سحبات في السنة. يجري السحب في 15 شباط، 15 حزيران، 15 تشرين الأول من كل عام. وتوزع في سحبة الجوائز التالية:
* سيارة صالون جديدة للرقم الفائز من الحسابات الجارية والتوفير التي لا يقل رصيدها عن 500 دينار خلال فترة السحبة.
* 500 دينار نقداً لأول رقم فائز من الحسابات الجارية والتوفير بغض النظر عن رصيد الحساب.
* 30 جائزة نقدية مبلغ الجائزة الواحدة 1000 دينار وبما يعادل الرصيد الأقل في الحساب للحسابات الجارية والتوفير التي لا يقل رصيدها عن 25 دينار خلال فترة السحبة.
* جوائز على شكل بطاقات سفر بالطائرة (درجة سياحية نافذة لمدة شهر واحد) ذهاباً وإياباً إلى إحدى العواصم العربية التي يختارها أصحاب
ــــــــــــــــــــ[191]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) مصرف الرافدين (كراس تعريفي) ص11 عام 1984م.
الحسابات الفائزة».
هذا، وينبغي أن نلتفت أولا إلى أن احتمال حصول الفرد منهم على جائزة ضئيلة إلى درجة يحصل الاطمئنان بعدمه. فإذا كان المودعون بالحساب الجاري (الدائن والمدين) والتوفير معاً مليون فرداً. وكانت الجوائز كلها إجمالاً خمسين جائزة. نقسم المليون على خمسين في عملية رياضية بسيطة. وتكون النتيجة هي درجة احتمال حصول الجائزة للفرد الواحد. والنتيجة هي احتمال واحد من عشرين ألف احتمال وهو ما قلناه من أنه يحصل الاطمئنان بعدمه. فلو احتملت أن صديقك جاء من سفره ولكن بمقدار واحد من عشرين ألف من الاحتمال، فإنك لا تذهب إلى زيارته طبعاً ما لم يكن الاحتمال أضعاف ذلك. وهذا إشكال وارد على كل يانصيب لا محالة.
فكيف إذا كان المودعون أكثر من مليون، وكانت الجوائز أقل من خمسين. كما هو ظاهر العبارة التي نقلناها.
وظاهر كلامهم ان هذا اليانصيب لا يكون باختيار المودعين ولا بشراء بطاقات معدة لذلك. وإنما هو عمل يقوم به المشرفون على المصرف تلقائياً آخذين بنظر الاعتبار أرقام حسابات المودعين، وليس أرقام بطاقات اليانصيب كما في اليانصيبات الاعتيادية.
ومن هنا لا يكون مثل هذا اليانصيب مشمولاً للإشكالات الفقهية التي يواجهها سائر أشكال اليانصيب. فلو فرضنا فقهياً -كما عليه مشهور المتأخرين من الفقهاء- اننا قلنا بحرمة شراء بطاقات اليانصيب أو حرمة المطالبة بالجائزة. لا يكون ذلك شاملاً لليانصيب المصرفي. لخلوّه من البطاقات أساساً. كما أن الرقم الفائز لا يحتاج إلى مطالبة صاحبه بل هم يلحقونه بحسابه تلقائياً من دون أن يعلم. إلا أنهم قد يرسلون إليه كتاباً تنبيهاً له على ذلك. ولو أراد أخذه نقداً لم يكن لهم مانع من ذلك.
ــــــــــــــــــــ[192]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وفي حدود المصارف التي نتحدث عنها، وهي المصارف التي تتعامل بالأموال المجهولة المالك، فللفرد شرعاً أن يأخذ الجائزة أو يسمح لهم بالإيداع في حسابه أو يودعها بنفسه, أعني بطلبه. كل ذلك جائز. مع قبض المال قبضاً شرعياً.
نعم، شعور الفرد باستحقاق هذه الجائزة أمر خارج عن حيّز الشريعة، فهو أمر غير شرعي، إلا أن وصولها إليه، تلقائياً، أمر لا غبار عليه.
وكذلك الحال في المصارف التي يملكها الكفار. مع الفرق في شكل قبض المال. فانه هنا لا يجب القبض الشرعي بل يكفي حيازته بنية الملكية المدلول عليها بوضع اليد. وهذا ما يحصل تلقائياً لأي فرد. ولا يجب أكثر من ذلك.
وبتعبير آخر: ان حكم مال الجائزة من أي نوع من المصارف تابع لحكم, أو قل: هو نفسه حكم المال المقبوض من المصرف، مهما كان سببه كالسحب من الإيداعات أو غيرها. وليس للجائزة حكم إضافي.
هذا غير الشعور بعدم استحقاق الجائزة الفائزة كما أشرنا. وهذا الشعور ينبغي أن يشمل عدم استحقاق الفوائد المصرفية أيضاً. إلا أنه لا يجب أن يشمل الأموال المودعة أو المستحقة على المصرف، فان الشعور باستحقاقها شرعاً لا غبار عليه، وخاصة بعد أن قلنا أن الفرد مالك للمالية (الكلية) المسجلة له في المصرف.
أثر الموت مصرفياً:
لا يوجد -حسب تتبعي- في المصادر المصرفية ذكر لاحتمال أو لافتراض موت العميل. في أي شكل من أشكال التعامل المصرفي. إلا في مورد واحد هو التأمين على الحياة. ومن هنا كان إلقاء الضوء على هذا الجانب
ــــــــــــــــــــ[193]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
لا يخلو من صعوبة.
غير أنه من الأكيد مصرفياً. انهم يشترطون حياة موقع الشيك وموقع الكفالة المصرفية. الأمر الذي ينتج سقوطهما بالموت.
وهو شرط مصرفي غير فقهي، لأن مقتضى القاعدة في الأوراق المالية أياً كانت أنه إذا مات صاحبها فإنها ترجع إلى ورثته. كما يعود أصل المال المودَع، بأي نوع من أنواع الوديعة إلى الورثة أيضاً.
وعلى أي حال, فهنا ينبغي أن نتذكر ما قلناه سابقاً، من أن النظام المصرفي نظام نظري قائم على ترتيبات تشريعية قابلة للتغيير، حسب ما يرى المشرعون له من المصلحة. وهذا النظام، أعني هذه الفقرة المتعلقة بالموت، خاضعة لهذا المعنى أيضاً.
والمهم الآن الحديث عن انتقال أصل المال المودَع إلى الورثة. ومن المعلوم رسمياً ان المصارف -كسائر دوائر الدولة- تعتمد على القسامات الشرعية الصادرة من المحاكم الشرعية.
وأما من الناحية الفقهية أو الشرعية، فهو يختلف باختلاف وجهات النظر الفقهية:
أولاً: ان قلنا فقهياً، كما قد يخطر في أذهان بعضهم، ان المال المودع في المصرف مال ضائع شرعاً، بمنزلة التالف. والمال المسحوب منه مال مجهول المالك. فإذا تم قبضه شرعياً كان لمن قبضه.
فهذا الاتجاه، ينتج نتائج عديدة منها: عدم انتقال المال بالإرث. لأنه بعد إيداعه في المصرف لم يبقَ ملكاً للمودع بل ضاع في مجموع أموال المصرف. فإذا مات المودِع، بأي شكل من أشكال الوديعة، انتقل ما يملكه إلى ورثته وحيث أن الوديعة غير مملوكة، فإنها لا تنتقل أصلاً إلى الورثة.
ــــــــــــــــــــ[194]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وإذا استطاع أي وارث بسبب قانوني كالقسام الشرعي، أن يسحب أي كمية من المال بصفته أحد الورثة، فسوف يكون كله له بمقدار ما يسحب ويقبضه قبضاً شرعياً. فيدخل في ملكه بغض النظر عن كونه مندرجاً في حصته من الإرث أو مأخوذاً من حصص الورثة الآخرين.
ولعل هذا هو المسلك التقليدي للفقهاء. ولذا قَلّ من يشير منهم إلى حالة موت المودع، لكي لا يتورط بمثل هذه الفتوى.
فينتج ما يكون مخالفاً لمصلحة الورثة.
ثانياً: إذا قلنا فقهياً، بأن الوديعة المصرفية، مهما كانت فهي ملك المودع، وكذلك الأوراق المالية التي تعود إليه. ولكن نقطة الضعف في نظر بعض الفقهاء إنما هو في السحب. فان كل مال مسحوب انما هو مجهول المالك، وليس عين المال المودع طبعاً. ولذا لا يمكن اعتباره من الميراث. ولكل من سحبه وقبضه قبضاً شرعياً، كان له تملّكه بغض النظر عن حصة الورثة بل بغض النظر عن كونه وارثاً أم لا.
فلو استطاع فرد ما تزوير قسام شرعي على المصرف. أمكنه ان يسحب ويكون المال حلالاً له شرعاً. بصفته من الأموال المجهولة المالك المقبوضة قبضاً شرعياً.
وتكاد أن تكون هذه النتيجة أكيدة فقهياً، في نظر العديد من الفقهاء. وان كنا قد بيناها الآن بشكل مكثف.
ثالثاً: طبقاً لما قلناه فقهياً، من أن المالية الكلية المودعة في المصرف والمدلول عليها بالأوراق المالية والقوائم المصرفية، هي ملك للمودع. وقد استنتجنا من ذلك عدة نتائج نذكر بعضها مختصراً:
أولاً: كفاية وفاء الدين بمثل هذه الملكية.
ــــــــــــــــــــ[195]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ثانياً: تعلق الحقوق الشرعية بمثل هذه الملكية.
ثالثاً: كفاية إعطاء الحقوق الشرعية إلى مستحقها عن طريق هذه المالية الكلية.
رابعاً: اننا إذا أودعنا أموالاً ذات عناوين شرعية معينة، كحق الإمام أو حق السادة أو رد المظالم أو الكفارات أو غيرها، كان ذلك ثابتاً أيضاً في المالية الكلية المتحققة في المصرف.
كل ما في الأمر اننا يجب ان نلحظ هذه العناوين لدى القبض، حتى تستوفي مدلولاتها، ولا يجوز لنا شرعاً التخلف عن ذلك، والا كنا مقصرين تجاه الأحكام الشرعية لهذه الأموال. وبتعبير أوضح: نكون قد عملنا حراماً.
خامساً: حرمة السرقة من الأموال المودعة في المصرف إذا كانت لغيره وبدون إذنه. ولا يجري عليها إذن الولي العادل بالجواز وان كانت مجهول المالك، لأنها سرقة وذاك الإذن يختص بمجهول المالك الذي لم يعنون بأي عنوان.
ومما يترتب على وجود الملكية الكلية أو المالية الكلية المتحققة في الإيداعات المصرفية، غير الحساب المكشوف -كما سبق- إمكان تحقق الشركة فيها بين شخصين أو أكثر.
فلو اقتصرنا على وجهات النظر الفقهية السابقة أمكن للشريك أن يسحب كل أموال شريكه. ويكون ملكه حلالاً، بعد أن كان من الأموال المجهولة المالك المقبوضة قبضاً شرعياً. وأما بناءً على ما قلناه، فالشركة كما هي متحققة في المالية الكلية المودعة في المصرف، كذلك هي قائمة أو متحققة في المال المسحوب. ويجب على كِلا الشريكين تطبيق حكم الشركة فيه. بأن لا يقبض منه أكثر من حصته.
ــــــــــــــــــــ[196]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
والمال المسحوب فعلاً، وان كان مجهول المالك. إلا أنه يمكن أن تنوي عليه خلال القبض الشرعي كونه ملكاً لأحد الشريكين بعينه. فيكون إيداعه ناقصاً طبعاً بهذا المقدار. كما يمكن أن ننوي كون المقبوض ملكاً مشتركاً بين الشريكين. فيحتاج في تمييز الحصتين إلى فرز وتقسيم باتفاقهما. كما عليه الفتوى فقهياً في المال المشترك.
ومن جملة الأسباب الموجبة للشركة غالباً هو الموت لأنه يجعل المال مشتركاً بين الورثة ان كانوا أكثر من واحد. لا يفرق في ذلك بين المال المنقول وغير المنقول وكذلك الأموال المودعة في المصارف. فإنها جميعاً تنقسم بين الورثة حسب شرائط الإرث التي منها أداء الديون والواجبات الشرعية التي يجب قضاؤها. وسيأتي الكلام عن ذلك في كتاب الإرث بعونه سبحانه.
وهي تنقسم بينهم حال وجودها الكلي في المصرف، فبدلاً من أن تكون ملكاً لشخص واحد ستكون ملكاً لعديدين حسب النِسب المعينة للإرث.
والمال المسحوب يكون حكمه كما قلناه في المال المشترك قبل قليل. إذ يجب أن يطبق عليه حال القبض حكم هذا الاشتراك والنِسب المملوكة للورثة منه.
فان قصدنا وارثاً معيناً كان المال له حتى تنتهي حصته. فإذا انتهت لم يجز له قبض الباقي، وكان من السرقة المحرمة. وان قصدنا كون المال مشتركاً بين اثنين، كان من المال المشترك الذي يحتاج إلى قسمة كما أشرنا. وهكذا.
والمهم فقهياً أنه يجب أن لا يختلف القبض عن حال الملكية لدى الإيداع. فيتم القبض بنفس تلك النسبة المملوكة. ولا يجوز الاختلاف عنها.
ومما يرتبط فقهياً بهذا الصدد: ان الميراث المحتسب لا يجب فيه الخمس وأما الميراث غير المحتسب فيجب فيه الخمس.
ــــــــــــــــــــ[197]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ويراد بالميراث المحتسب: الميراث المتوقع عادة والمتحقق كثيراً بين الناس. ويحدد فقهياً بما إذا كان الميت أحد الوالدين أو أحد الذرية أو أحد الزوجين أو أحد الأجداد المباشرين على الأقرب. وأما غيرهم من المورّثين كالخال والعم بل والأخ والأجداد الآخرين وغيرهم، فهو من الميراث الذي يجب فيه الخمس لأنه غير محتسب.
وتطبيق ذلك في محل كلامنا، هو أن المال إذا لم يكن الخمس فيه واجباً، فهو ما سبق أن تحدثنا عنه. وأما ان كان الخمس واجباً فيه، كانت المالية الكلية المودعة منقسمة إلى المال الموروث والمال المملوك لمستحقي الخمس. ويجب تطبيق السحب على ذلك. لا يفرق في ذلك بين ما إذا كان بعض الورثة ممن يجب عليه الخمس أو كلهم.
فان كان الخمس واجباً في الجميع، كان خمس المالية 20٪ منها مستحقاً للخمس. وأما لو كان بعض الورثة ممن يجب عليهم الخمس وبعضهم لا يجب كالأخ والزوج. كان الخمس ثابتاً في حصة الأخ أساساً، أعني قبل سحبها، ويملك أربع أخماس حصته الشرعية، فلو كان يملك شرعاً ثلث التركة مثلاً، كان له في مثل هذه الحالة شرعاً أربعة أخماسها يعني 4/15 من المجموع. ويجب تطبيق السحب على ذلك، كما قلنا في مثله.
مجمل فعاليات المصرف:
ذكرت بعض المصادر المصرفية(1) قائمة مفصلة بمجمل ما يقوم به المصرف من أعمال. نذكرها الآن كلها بلفظها. ثم نحاول بعد ذلك أن نشير إلى ما سبق أن ذكرناه ونذكر ما لم يسبق لنا التعرض له بشيء أكثر تفصيلاً
ــــــــــــــــــــ[198]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) مصرف الرافدين. نشأته تشكيلاته اختصاصاته, ص24 وما بعدها.
بعونه تعالى, والقائمة هي:
1- قبول الودائع النقدية الواجبة الدفع عند الطلب. أو في تاريخ استحقاق معين. أو بإنذار أو بدونه أو بالحساب الجاري أو التوفير أو غيره. بفائدة أو بدونها. وإصدار شهادات الودائع ودفع بدلات الشيكات أو الأوامر الصادرة عن المصرف من المودع.
2- الإقراض والتسليف عن طريق منح التسهيلات الائتمانية النقدية لعملائه لأغراض النشاطات المختلفة، لقاء رهن العقار أو المنقول أو بكفالة شخص ضامن أو بدون أي ضمان.
3- أ- إقراض الأفراد المستهلكين مبالغ لقاء رهن أموال لا يتسرب إليها التلف بسرعة ويسهل حفظها وتحدد بتعليمات أوصاف التي لا تقبل تأميناً للقرض.
ب – تسليف منتسبي الدولة من الموظفين والعمال والمتقاعدين منهم والعمال المشمولين بقانون التقاعد والضمان الاجتماعي، والمتقاعدين منهم. وكذلك المشمولين بصناديق تقاعد خاصة أو صناديق أو ضمان خاصة تنظم خدماتهم. وكذلك متقاعديهم المشمولين بأحكام صناديقهم التقاعدية الخاصة. وتحديد تعليمات لشروط التسليف لكل فئة.
ج- يستوفي المصرف ما له من حقوق ناشئة بموجب الفقرتين (أ – ب) أعلاه وفقاً للأحكام المقررة في القانون. وبموجب التعليمات التي يصدرها المصرف.
4- استثمار الأموال في مختلف الأوجه. كخصم وشراء الأوراق التجارية وسندات القرض والأوراق المالية والتجارية والصناعية على اختلافها
ــــــــــــــــــــ[199]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وإعادة خصمها.
5- منح الائتمان التعهدي كإصدار خطابات الضمان وفتح وإصدار الاعتمادات المستندية بضمان أو بدونه أو بتأمينات نقدية أو بدونها. وقبول أو ضمان الأوراق التجارية.
6- التسليف على عمليات التصدير وعلى مستندات الشحن وأوامر تسليم الأموال على اختلاف أنواعها.
7- تحويل المبالغ داخل القطر وإصدار السندات، للآمر والشيكات واعتمادها.
8- تحصيل بدل الأوراق ومستندات الشحن وسائر أنواع الأوراق والسندات الأخرى لحساب أصحابها.
9- شراء وبيع حوالات الخزينة وسندات الحكومة العراقية وكذلك شراء وبيع السندات وحوالات الخزينة والأوراق المالية العربية والأجنبية.
10- شراء وبيع واستيراد وتصدير السبائك والمسكوكات الذهبية والمعادن الثمينة الأخرى.
11- شراء وبيع الأوراق النقدية وأي من وسائل الدفع المحررة بالعملات الأجنبية أو التسليف عليها. وكذلك القيام بجميع عمليات التحويل الخارجي.
12- شراء وبيع الأسهم والسندات لحساب الغير.
13- حفظ النقود والمعادن الثمينة والأسهم والسندات والرزم والممتلكات الأخرى عُرِفت محتوياتها أم لم تُعرَف. وكذلك تأجير خزائن الإيداع الخاصة للغير.
ــــــــــــــــــــ[200]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
14- القيام بأعمال الأمين والوكيل وتعيين الوكلاء.
15- تأسيس المستودعات العامة والخاصة لخزن البضائع لحساب المصرف أو لحساب الغير.
16- فتح وحفظ الحسابات لدى مصارف خارجية ومؤسسات مالية. وتعيين وكلاء منها ومراسلين له في الخارج. وله أن يفتح له ويحتفظ لها بحسابات لديه. وكذلك العمل بصفة مراسل أو وكيل لها.
17- شراء وبيع وتحصيل وتأدية أقيام الأسهم والسندات والعملات وأي من وسائل الدفع وأوراق الائتمان، نيابة عن المصارف والمؤسسات المالية الخارجية.
18- التعامل بالعملات الأجنبية مع المصارف والأسواق المالية العربية والدولية.
19- المساهمة في القروض المصرفية العربية والدولية، ذات الطبيعة التجارية.
20- المساهمة في المصارف العربية والإقليمية. وله أن يؤسس أو يساهم بشركات خارج العراق تتعاطى أعمال الصيرفة.
21- القيام بجميع الخدمات والأعمال المصرفية الأخرى التي تقوم بها المصارف التجارية.
فهذه هي القائمة بلفظها، ومن الواضح أنها -على سعتها- لا تستوعب كل فعاليات المصرف. بدليل الفقرة الأخيرة (21) منها. وقد قال أيضاً في التقديم لذكر هذه القائمة: «وقد فصل النظام الداخلي الجديد لمصرف الرافدين. الأعمال المصرفية التي يمارسها ومنها. كذا وكذا» يعني ما ذكره من القائمة التي نقلناها. وهذا واضح أنه لم يستوعب كل ما في النظام الداخلي من الأعمال.
ــــــــــــــــــــ[201]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وإنما اقتصر على ذكر ما يستجلب النظر والرغبة للمراجعين. وبقي الباقي ضمن أسرار الدولة.
ونحن نعلق على كل فقرة منها ضمن أمور من دون أن نعيد نقلها. فإن أراد القارئ التأكد من ذلك فليراجعها، ليكون مرورنا على هذه الفقرات شكل من أشكال الفهرس لما سبق أن قلناه. ولنتأكد تماماً على أننا مررنا على كل الأنظمة المصرفية، أو كل المهم والرئيسي منها على أقل تقدير:
الأمر الأول: ذكرت الفقرة الأولى أنواع الودائع وكلها مما سبق أن ناقشناه مفصلاً. وذكرت أيضاً شهادات الودائع: وهي بيانات يصدرها المصرف دالة على وجود الوديعة لديه. وهذا غير مهم فقهياً وهو محكوم بالجواز بطبيعة الحال.
كما ذكرت الفقرة دفع بدلات الشيكات، يعني صرفها ودفع أقيامها إلى المستفيد. وقد سبق الكلام فيه.
الأمر الثاني: ذكرت الفقرة الثانية الإقراض والتسليف، وهما بمعنى واحد عملياً. وذكرت حق المصرف في طلب الرهن عليه أو الكفالة أو بدون شيء من ذلك.
وقد ذكرنا سابقاً كل ذلك. إلا المطالبة بكفالة شخص معين على ما أتذكر. وهو شيء من حقه وجائز على القاعدة شرعاً.
الأمر الثالث: تعرضت الفقرة الثالثة إلى تعداد مختلف أنواع الناس الذين يتم إقراضهم من أفراد عاديين وعمال وموظفين ومتقاعدين. وتعدادهم غير مهم فقهياً لأنهم من هذه الناحية سواسية كأسنان المشط أمام الشريعة المقدسة.
والرهون التي ذكرها في الفقرة (أ) لها نفس الحكم للرهون المشار إليها في الفقرة السابقة وقد سبقت.
ــــــــــــــــــــ[202]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الأمر الرابع: يشير إلى الشيكات والكمبيالات ونحوها من الأوراق المالية. فان سندات القرض هي الكمبيالات والأوراق التجارية هي الشيكات، وان كانت في نفس الوقت تستخدم لمختلف الأغراض الصناعية والزراعية وغيرها. ولا يخفى ان الفقرة قد كررت لفظ الأوراق التجارية مرتين!!
والخصم -كما عرفنا- هو الشراء بأقل من القيمة الاسمية ليكون الفرق للمصرف. وإعادة الخصم هو بيعها على مصرف آخر لاستيفاء قيمتها. وكله سبق أن تحدثنا عنه.
الأمر الخامس: تتعرض الفقرة الخامسة إلى الائتمان التعهدي وخطابات الضمان والاعتمادات المستندية. وكلها سبق الكلام عنها مفصلاً.
ويقول في نهاية الفقرة: «وقبول وضمان الأوراق التجارية». والقبول يعني الموافقة على صحة الورقة وقابليتها للصرف. وأما الضمان فهو التعهد أو الكفالة المصرفية بالدفع على تقدير عدم دفع الطرف الآخر للمستفيد. وهو ما يسمى بالشيك المصدّق أو الكمبيالة المصدقة. وقد سبق الحديث عن كل ذلك.
الأمر السادس: «التسليف على عمليات التصدير». وهي التسهيلات التي يدفعها المصرف بهذا الصدد.
«والتسليف على مستندات الشحن»، عبارة أخرى عن الاعتماد المستندي. غاية الفرق بينهما ان الاعتماد المستندي يفتح عادة قبل الاستيراد والشحن.
وهذا التسليف المشار إليه هنا يكون بعد وصول مستندات الشحن لو عجز المستورد عن الاستيراد بالعملية، واضطر إلى الاستلاف عن المصرف.
ثم ذكرت الفقرة: «أوامر تسليم الأموال على اختلافها». وهذا حسب فهمي لا يكون إلا بالشيك نفسه. وعلى أي حال فهذا التسليم يكون نوعاً من
ــــــــــــــــــــ[203]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
التسليف إذا كان على المكشوف. وقد تحدثنا عن فكرة التسليف ككل فيما سبق مما يشمل كل ذلك.
واما إذا كان الأمر بالتسليم بعد دفع المبلغ، فهو الحوالة، وقد تحدثنا عنها أيضاً.
الأمر السابع: ذكرت الفقرة السابعة عدة أمور, هي: «تحويل المبالغ داخل القطر». وقد تكلمنا عن الحوالة.
«وإصدار السندات للآمر». وهي سندات أسهم الشركات، حيث تطلب الشركات من المصرف إصدار السندات لأسهمها. وقد تكلمنا عن ذلك بقسميه: وهي السندات المضمونة من قِبَل المصرف وغير المضمونة عنه.
ثم ذكرت الفقرة: «إصدار الشيكات واعتمادها». وإصدار الشيكات مفروض في الحساب الجاري بقسميه في كل بنك. وقد تكلمنا عنها مفصلاً. واما اعتماد الشيكات فهو النظر إليها نظرة رسمية، بحيث يصبح الشيك معتمداً كما سبق. سواء في صرفها أو شرائها أو التحويل بها أو رهنها أو غير ذلك.
الأمر الثامن: «تحصيل بدل أوراق ومستندات الشحن»، يعني الدفع مصرفياً بدل المستورد الذي قد يكون عاجزاً عن الدفع قبل تصريف بضاعته.
وهذا شكل من أشكال التسليف، لأنه على المكشوف بالتأكيد. إذ لو كان للعميل حساب جارِ دائن لما نُسبت العملية إلى المصرف نفسه.
وأشارت الفقرة إلى سائر الأوراق والسندات الأخرى. أقول: وهو لا يختلف فقهياً عن سندات الشحن التي عرفناها.
الأمر التاسع: تتعرض إلى حوالات الخزينة وسندات الحكومة العراقية وغيرها. وهذا ما ينبغي غض النظر عنه فعلاً.
ــــــــــــــــــــ[204]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الأمر العاشر: «شراء وبيع واستيراد وتصدير السبائك والمسكوكات الذهبية وغيرها».
والاستيراد يكون بالبيع. إلا أنه يراد بالشراء والبيع أولاً ما يحدث داخل القطر من هذه المعاملات.
وهذا معناه ان المصرف يقوم بذلك كتاجر اعتيادي متسبب إلى استرباح أمواله. وهذا أمر جائز شرعاً والمعاملات عليه صحيحة، بغض النظر عن بعض نقاط الضعف التي سبق أن غضضنا النظر عنها. والتي منها الكلام عن الشخصية المعنوية للمصرف، واختلاط الأموال بالفوائد الربوية.
والاستيراد والتصدير إنما يكون بالحوالات بواسطة بنك مراسل في الخارج، كما عرفنا. وقد تكلمنا عن ذلك مفصلاً.
ولم تقل هذه الفقرة ان طرف المعاملة هل هو فرد أو شركة أو مصرف مثله؟ والظاهر ان كل ذلك مقبول لديهم.
الأمر الحادي عشر: أشارت الفقرة إلى شراء وبيع الأوراق النقدية في القطر بالعملات الأجنبية. وهذا بمجرده لا إشكال فيه فقهياً سواء كان بالسعر الرسمي أو بغيره. والمصارف ملتزمة بالسعر الرسمي طبعاً.
إلا أن هذه المعاملة تكون عادة لحساب الغير لا لحساب المصرف نفسه. ومعه, فقد يأخذ المصرف عليها أجوراً وعمولة. فان كان وسيطاً بين المشتري والبائع أخذها على الوساطة فإنها شكل من قضاء حوائج الآخرين يستحق عليها الأجور.
وان كان المصرف هو البائع أو المشتري لا معنى لأخذ الأجرة على
ــــــــــــــــــــ[205]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
معاملات نفسه، إلا أن تضاف إلى القيمة خارج التسعير الرسمي.
وأشارت الفقرة إلى التسليف بالعملات الأجنبية. وهو مما لا إشكال فيه فقهياً بمجرده. ويستحق الأجرة ان كان القرار إرجاعها بعملة أخرى. وأما لدى إرجاعها بنفس العملة، فان كان المصرف وسيطاً بين الدائن والمدين استحق الأجرة أيضاً. وان كان هو طرف المعاملة لم يستحقها، وكانت من قبيل الفائدة الربوية لو كان المصرف دائناً. اللهم إلا أن نقول بالجواز باعتبار تسجيله بالأوراق والقوائم ونحو ذلك. وهذا صحيح إلا أن المستحق للأجرة عندئذ هو الموظف وليس المصرف.
وأشارت الفقرة إلى القيام بجميع عمليات التحويل الخارجي. وقد تكلمنا عنه مفصلاً.
الأمر الثاني عشر: تكلمنا عن هذه الفقرة أيضاً وهي بيع وشراء الأسهم والسندات لحساب الغير. وقد يكون هذا الغير فرداً أو شركة أو مؤسسة، باكتتاب أو غيره.
الأمر الثالث عشر: تكلمت هذه الفقرة عن (الودائع الحقيقية) أو العينية على اختلافها. وهو أمر جائز والأجرة عليه صحيحة. وقد سبق الكلام عنها.
وذكرت الفقرة: «إيجار صناديق أو خزائن الإيداع الخاصة بالغير». وهي خزائن ذات أرقام تعطى مفاتيحها لأصحابها لكي يودعوا فيها ما يشاؤون إيداعاً عينياً غير متحرك. ويأخذ المصرف على ذلك أجوراً. وقد ذكرت بعض المصادر المصرفية (1): «أنها على أربعة أحجام لكل حجم أجره الخاص به».
الأمر الرابع عشر: القيام بأعمال الأمين أو الوكيل. ويراد بالأمين والوكيل
ــــــــــــــــــــ[206]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
(1) انظر: مصرف الرافدين: كراس تعريفي, ص11.
شيء واحد. وهو القيام ببعض الأعمال المصرفية أو المعاملات المالية أو غيرها بالنيابة عن الغير.
وهذا لا يكون طبعاً بتصدي المصرف للمعاملة عن الغير بدون توكيل رسمي. فان حصل التوكيل، فلا إشكال فقهياً بغض النظر عن بعض نقاط الضعف السابقة.
ونفس الحكم شامل لتوكيل الوكلاء عن المصرف سواء كانوا أفراد أو مؤسسات أو مصارف.
كل ما في الأمر ان المصرف ان أصبح وكيلاً أخذ الأجرة عن أعماله بالوكالة. واما إذا أصبح موكلاً كان اللازم دفع الأجرة. ومتى جازت الوكالة فقهياً جازت الأجرة أيضاً. إذ لم يعتبر في الوكالة فقهياً ان تكون مجانية.
الأمر الخامس عشر: في تأسيس المستودعات العامة والخاصة. والمستودعات العامة هي التي تكون تابعة لجهة عامة كالدولة أو وزارة معينة أو مؤسسة كبيرة. والمستودعات الخاصة هي التابعة لجهة خاصة كفرد أو جماعة محدودة.
والمهم ان المصرف يستفيد من تأسيس المستودعات. فان كانت له أخذ الأجور في الإيداع فيها. وذلك من قبيل (الودائع الحقيقية). فإنها قد لا تكون نقوداً أو حُليّاً، بل قد تكون أموراً ضخمة كالشاحنات مثلاً.
وكذلك يحتفظ فيها بالرهونات التي يأخذها على التسليف. وأخذ الأجرة على حفظ العين المرهونة من قِبَل الدائن (المرتهن) غير جائز شرعاً، فانه يكون إضافة إلى الدين المستوفى فيكون ربوياً.
واما إذا بنى المصرف المستودعات لحساب الغير، يعني انها تكون للغير، ولكنها تبنى بتسهيلات مصرفية. وهذا يعني انه نوع من التسليف والقرض
ــــــــــــــــــــ[207]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
لصاحب المستودع. فيشمله ما قلناه من حكم التسليف.
الأمر السادس عشر: فتح الحسابات لدى المصارف الخارجية والمؤسسات المالية الخارجية وبالعكس, أعني فتح المصارف والمؤسسات الخارجية الحساب في المصرف.
وهذا كله يكون اما بالحساب الدائن أو المدين. وهو من الناحية الفقهية، حكمه حكم الحساب المنسوب للأفراد ان تمت الشخصية المعنوية للمصرف، والتي سبق ان تكلمنا حولها.
وأشارت هذه الفقرة أيضاً إلى إمكان تعيين مصارف خارجية تكون مراسلة له وبالعكس, يعني ان يكون هو مراسلاً لها. وهذا أمر مربوط بالصرف. واما أهميته الفقهية فهي تنتج من التنفيذ والتطبيق للاعتمادات المستندية للاستيراد ونحو ذلك مما يستفاد من المراسلة في المصارف. وكل ذلك تحدثنا عنه.
الأمر السابع عشر: شراء وبيع وتحصيل وتأدية الأقيام لأي ورقة مالية. والتحصيل عندهم هو الأخذ, والتأدية هو الإعطاء. والأخذ يكون مع البيع والتأدية تكون مع الشراء. وقد تكون لها موارد أخرى وكل ما في هذه الفقرة سبق الحديث عنه.
إلا ان النقطة الرئيسية في هذه الفقرة هو التركيز على ان المصرف يقوم بهذه الأمور بدلاً أو نيابة عن المصارف والمؤسسات الخارجية. ويأخذ على ذلك فروق البيع والأجور.
ولم يبقَ من الناحية الفقهية بعد تغطية ما سبق إلا إمكان توكل المصرف عن المصارف الأخرى في إنجاز هذه المعاملات. وهو مما يمكن ان نعرفه من الأمر السادس عشر السابق.
الأمر الثامن عشر: التعامل بالعملات الأجنبية. وهو من الناحية الفقهية لا
ــــــــــــــــــــ[208]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
يختلف عن التعامل بالعملات الداخلية. وقد سبق ان تكلمنا عن النقود في فصل سابق تحدثنا فيه عن المال.
واما كون الطرف الآخر هو فرد أو مؤسسة أو مصرف عربي أو أجنبي أو دولي فهو مما يعرف حكمه مما قلناه في الأمر السادس عشر.
الأمر التاسع عشر: المساهمة في القروض المصرفية العربية والدولية. ومن الناحية الفقهية يشملها حكم أي قرض مما عرفناه. واما من ناحية كون الطرف الآخر مصرف عربي أو دولي، فيشمله ما اشرنا إليه في الأمر السادس عشر كما قلنا في الأمر السابق.
الأمر العشرون: المساهمة في المصارف العربية والإقليمية. يعني برأس المال. وله ان يؤسس أو يساهم بشركات صيرفية خارج العراق. يعني أين كان محلها وبأي عنوان كان اسمها.
وهذا أمر لا يزيد من الناحية الفقهية على تأسيس المصرف نفسه. فان تأسيس هذا المصرف أو ذاك أو المساهمة في رأس مال مصرف معين أو شركة صيرفية. له نفس الحكم الفقهي. وقد سبق الحديث عنه في الأمر السادس عشر من هذه الأمور وعقدنا له فصلاً كاملاً تحدثنا فيه عن الشخصية المعنوية فراجع.
واما الفقرة الحادية والعشرين من هذه القائمة. فلم تعطِ تحديداً لعمل معين يقوم به المصرف وإنما تتحدث إجمالاً عن الأعمال التي يقوم بها المصرف. ومن هنا لا ينبغي إلا القول الإجمالي، بأن لكل عمل من الأعمال حكمه الفقهي لا محالة، سواء سبق ان عرفناه أم لم نعرفه.
وبمرورنا على هذه القائمة يتبرهن على اننا تحدثنا عن كل أعمال المصرف الرئيسية، وحاولنا ان نعطي لكل منها تكييفه الفقهي وحكمه الشرعي. وخاصة
ــــــــــــــــــــ[209]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
بعد ضم ما قلناه في الفصلين السابقين على هذا الفصل من الكتاب، يكون الحديث عن المصارف تاماً والحمد لله رب العالمين.
واما الحديث أكثر من هذا المقدار عن المصارف فهو وان كان قد يحتاجه المجتمع، إلا انه يحتاج إلى كتاب مستقل، وهو خارج عن خطة هذا الكتاب.
ــــــــــــــــــــ[210]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
كتاب الحَجْر
ــــــــــــــــــــ[211]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
تمهيد
الحَجْر هو المنع وهو يضاهي الحظر، غير ان الاصطلاح الفقهي جارٍ على أن الحظر في الأفعال والحَجْر في الأموال. ويراد بالمنع: المنع الشرعي بالخصوص.
ومن هنا كان الحظر في الأفعال يعطي معنى الحرمة، فان الفعل إنما يكون محظوراً أو ممنوعاً إذا كان حراماً. في حين ان الحَجْر في الأموال يعطي عدم نفوذ المعاملة على المال من قِبَل المتعامل المحجور عليه ما دام الحَجْر موجوداً. والا فالتصرفات الخارجية غير المتلفة بل والمتلفة أحياناً، باختلاف الموارد، قد لا تكون حراماً في الحجر.
وبالطبع فان موارد الحجر في الشريعة كثيرة. والمهم انهم يقصدون بالحجر، صورة وجود المقتضي مع وجود المانع عن التصرف, لا صورة عدم وجود المقتضي أصلاً.
ويتضح ذلك بالالتفات إلى ان هذا الأمر يمكن تقسيمه إلى ثلاث أقسام يكون واحد منها هو الحجر:
القسم الأول: وجود المقتضى للتصرف كالملكية، مع عدم المانع عنها وهو الحجر، كما لو باع الفرد شيئاً يملكه.
القسم الثاني: عدم وجود المقتضى للتصرف أصلاً. اما لسقوط المال عن المالية كحبة الحنطة والخمر والخنزير. فهذا من أصله لا يجوز بيعه لا لوجود المانع. فلا يجوز حتى في صورة الاختيار.
ــــــــــــــــــــ[213]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
القسم الثالث: وجود المقتضى كالملكية، مع وجود المانع، وهو الحجر. فقد يملك الفرد شيئاً أو ثروة ولكنه ممنوع من التصرف فيها. وهذا هو المسمى بالحجر, ومؤداه: أنه لولا هذا المنع لأصبح له حق التصرف كغيره من الناس.
والحجر، وان خصه الفقهاء عادة بما يذكرونه في كتاب الحجر، بينما يذكرون الأسباب الأخرى في كتب منفصلة. إلا اننا وجدنا ان الفكرة الفقهية، وهي المنع من التصرف واحدة في كل الأحوال الآتية، يعني تحقق الحجر. وليس الحجر خاصاً بصفة خاصة هي الجنون أو الفَلَس. ومن هنا جعلنا العنوان عامّاً لعدد من الموارد.
ويمكن تقسيم الحجر، بأن المنع من التصرف قد يكون لمانع في العين, أي المال الذي يراد إيجاد المعاملة عليه. وقد يكون لمانع موجود في المالك.
والمانع المتحقق في المال على قسمين: اما ان يكون ممكن الارتفاع كالرهن. واما غير ممكن الارتفاع كالوقف.
والمانع المتحقق في المالك، أما لصفة اقتصادية كالمفلِس، واما لصفة صحية كالمريض في مرض الموت، واما لصفة عقلية كالمجنون والسفيه، واما لصفة اجتماعية كالرق -وهو العبد المملوك-. واما باعتبار عمره وهو الصغير القاصر.
فإذا ضممنا أسباب الحجر هذه إلى بعضها كانت سبعة وهي الأسباب الرئيسية فقهياً، وان كان قد يوجد غيرها في موارد مخصوصة لا حاجة إلى التعرض إليها.
ونحن بعد استثناء صفة العمر التي سبق أن تكلمنا عنها في فصل عقدناه عن (عمر التكليف) نذكر كل سبب من هذه الأسباب في فصل مستقل، بنفس الترتيب الذي سمعناه الآن.
ــــــــــــــــــــ[214]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
الرهن
يعطي الرهن في اللغة عدة إفادات:
«الأول: إلزامه به وحبسه عليه، ومنه قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. وقوله عز وجل: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ. أي محتبس بعمله.
الثاني: الكفالة. ومنه قوله:
رهن لها بالرّي غير الكاذب.
وقوله:
ان كفي لك رهن بالرضا.
أي: أنا كفيل لك.
الثالث: الإقامة والإدامة. قال الشاعر:
الخبز واللحم لهم راهن وقهوة راووقها ساكب
أي دائم ومقيم.
ومنه, رهن الشيء رهناً: دام وثبت, وراهنة في البيت دائمة وثابتة. وأرهن له الشر أدامه وأثبته له حتى كف عنه. وأرهن لهم ماله: أدامه لهم».
وأرى ان هذا المعنى يعود إلى المعنى الأول، لأن الشيء المحتبس على
ــــــــــــــــــــ[215]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
شيء آخر دائم له عادة ومقيم عليه.
«والراهن: الثابت…. وأرهنه للموت: أسلمه. وانه لرهين قبر وبلى. وأرهن الميت قبراً: ضمنه إياه» وكلها تعود إلى نفس المعنى العام، غير الكفالة. ومنه الزمان الراهن، أي الثابت والحاضر.
بل يمكن إرجاع معنى الكفالة إليه، على معنى انها ان حصلت كانت مستمرة ولازمة وثابتة. كما أنه يمكن ان يقال: ان معنى الكفالة هو من استنتاج اللغويين، وليس منصوصاً في النصوص الأولى. وما نقلوه عليه من الشواهد، يمكن إرجاعه إلى المعنى الآخر.
واما المعنى المعاملي للرهن فيمكن أن يكون معنى مستقلاً في نفسه، وقد كان مستعملاً في العصور العربية الأولى. فلا حاجة إلى إعادته إلى بعض المعاني اللغوية التي سمعناها للمادة. وهذا هو ظاهر كلام اللغويين أيضاً. بل اعتبروا المعنى المعاملي هو المعنى الرئيسي والأهم للرهن.
إلى جانب ذلك، يمكن إرجاع المعنى المعاملي إلى بعض المعاني السابقة كالحبس, فان العين المرهونة محبوسة على معنى معين بطبيعة الحال. وكالكفالة, فان العين المرهونة تكون كفيلة بأداء الدين حين يعجز أو يرفض المدين. وكالدوام والثبوت، فان الرهن عادة يدوم بدوام الدين.
وإرجاعه إلى هذه المعاني لا يعني كونه مجازاً في معناه المعاملي, بل أما أن يكون موضوعاً له باستقلاله، كما هو ظاهر اللغة، أو انه قد زالت الكلفة المجازية حتى أصبح استعماله حقيقياً منذ زمن بعيد.
وعلى أي حال، فالمعنى الفقهي لمعاملة الرهن يفيد الاستيثاق، يعني جعل الوثيقة على الدين. وهي ما تفيد الدائن الوثوق النفسي بوفاء الدين في موعده حتى لو عجز أو رفض المدين أداء الدين.
ــــــــــــــــــــ[216]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ومعنى الرهن منفصل عن معنى الدين. فالدين هو المال الذي تشتغل به الذمة، سواء كانت عليه وثيقة أم لم تكن. ومن هنا قد يكون الرهن معاصراً زماناً مع الدين. كما لو أخذ ديناً ودفع عنه رهناً في نفس الوقت. وقد يكون منفصلاً عنه زماناً. كما لو أخذ الدائن رهناً على دين سابق لم يحن موعده. سواء كان سببه القرض أو البيع أو أية معاملة أخرى.
والرهن في الفقه قد يكون بمعنى الوثيقة المدفوعة لكفالة الدين. وقد يكون بمعنى المعاملة أو العقد الذي يجعل العين رهناً أو وثيقة. والراهن هو المدين وهو المالك للعين المرهونة، والمرتهن هو الدائن وهو الذي له حق الارتهان في العين المرهونة.
والمهم في الدين هو ان يكون في الذمة. فلا يؤخذ الرهن على ما هو في الخارج كالعارية والوديعة. ولا يفرق في الذمة بين أن يكون نقداً أو غيره. وبتعبير فقهي: لا يفرق بين أن يكون مثلياً أو قيمياً. فمن كان دائناً بقطيع غنم مثلاً أو بطن من الحنطة مثلاً أمكن له أخذ الرهن.
ومن هنا أمكن في بيع السلف، وهو ما تم فيه دفع الثمن مع تأجيل العروض. أمكن أخذ الرهن على العروض المؤجل. كما أمكن في بيع النَسِية، وهو ما تم فيه دفع العروض مع تأجيل الثمن. أمكن أخذ الرهن على الثمن. غير أن الرهن التقليدي فقهياً يؤخذ على القرض. وهو أمر غير متعين بخصوصه نظرياً، وإنما هو مجرد مثال. وسيأتي إيضاح ذلك في العناوين التالية، مع الالماع إلى المجال النظري الذي يمكن استنتاجه منه.
الرهن معاملة مستقلة:
قد يطرح السؤال عما إذا كانت معاملة الرهن معاملة مستقلة، أو أنها إنما تكون في ضمن غيرها من العقود.
ــــــــــــــــــــ[217]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وأثر ذلك انها إذا لم تكن مستقلة، وأريد جعل الرهن على القرض مثلاً كان اللازم اشتراطه في عقد القرض. ولو أريد جعل الرهن على السلف أو النَسِية كان اللازم جعله في عقد البيع، وهكذا.
وإذا غفل المتعاملون عن ذلك خلال هذه المعاملات، لم يمكن تلافيه بعد ذلك استقلالاً.
وأما إذا كان الرهن معاملة مستقلة، أمكن جعل تلك المعاملات التي مثّلنا بها خالية من الرهن عمداً أو سهواً، ثم يعقدان عقد الرهن على ما يشاءان من الأموال في زمن متأخر. كما لو قال: رهنتك داري على الدين الذي في ذمتي من القرض أو من السلف أو غيره باختلاف الموارد.
ولا يعني استقلالية المعاملة انفصالها عن المعاملة الأصلية. بل يمكن جعل الرهن في نفس معاملة القرض. وعندئذ تكون من قبيل إيجاد معاملتين بعقد واحد.
كما لا يعني القول بعدم استقلاليتها عدم إمكان انفصالها، عن المعاملة الأصلية. غير أنها لو انفصلت كان اللازم إدخالها ضمن معاملة أخرى كالبيع والإيجار وغيرهما ليكون الرهن لازماً.
ومن آثار الاستقلالية وعدمها: أنها إذا لم تكن هناك معاملة أصلية موجبة للدين أصلاً، بل كان الدين حاصلاً من الإتلاف بغصب أو بتعدٍ وتفريط أو نحوه، وأريد أخذ الرهن عليه. وعندئذ يمكن أخذه بمعاملة مستقلة لو كان مستقلاً. وفي ضمن معاملة لازمة لو لم يكن كذلك.
ومن هنا, يمكن أن نلتفت إلى أن فكرة الرهن مربوطة بالدين الذي تشتغل به الذمة، ولا معنى له بدونها، ولكنه غير مربوط بمعاملة سابقة أو أصلية، فيمكن أخذ الرهن على الدين سواء كان من معاملة سابقة أو حالية أو لم تكن
ــــــــــــــــــــ[218]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
معاملة أصلاً، بل كان الدين ناتجاً بأسباب أخرى كالإتلاف.
وعلى أي حال, فظاهر الفقهاء والأخبار الصحيحة كون الرهن معاملة مستقلة. ودليل ذلك موكول إلى الفقه.
وهي من المعاملات التي تكفي في بيانها وإبرازها المعاطاة. فإذا دفع شيئاً على أنه رهن شمله أحكام الرهن لا محالة.
الحجر في الرهن:
بالرغم من أن العين المرهونة ملك للراهن (المدين) فانه لا يستطيع أن يتصرف بها تصرفاً معاملياً إلا بإجازة المرتهن. حتى المعاملات التي لا تخرجها عن ملكيته كالعارية والوديعة فضلاً عما يخرجه كالبيع والهبة.
والحكمة في ذلك واضحة، وهو بقاء الاستيثاق من الدين إلى غاية أجله. إلا أن يقبل المرتهن الدائن بعدم الاستيثاق. بل الأمر أكثر من ذلك، إذ المفروض ان تبقى العين تحت إشرافه وتصرفه بحيث لا يمنع عنها لو أراد استيفاء دينه منها في المستقبل. فإذا دفعها الراهن بإجارة أو عارية أو نحوها، مما لا يخرج العين عن الملكية، لم ينفذ منها ما ينافي حق المرتهن الذي يفترض كونه أسبق زماناً بطبيعة الحال.
حق الرهانة:
حق الرهانة الذي يحصل بمعاملة الرهن، هو حق متحقق إلى جانب الدائن المرتهن. ومن هنا كان له إسقاطه، كما أنه مخول بالإجازة وعدمها فيما يعمله المالك الراهن من تصرف في العين المرهونة، كما عرفنا. وان لم يكن للمرتهن حق التصرف ابتداءً لأن العين ليست ملكه على أي حال. فان باعها مثلاً كان فضولياً، فلا ينفذ إلا بإذن المالك لوجود حق الملكية له.
ــــــــــــــــــــ[219]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وحق الرهن من جانب الراهن المدين (واجب). فان طبيعة الحق يقابله الواجب. وهو من يكون في ذمة من يجب عليه تطبيق ذلك الحق واحترامه. ومن يجب عليه تطبيق حق الرهانة أولاً وأصلاً، إنما هو الراهن. وان كانت الحقوق عموماً موجودة في ذمة المجتمع ككل، يحترمها كل فرد من زاويته مع علمه بها.
التصرف في العين المرهونة:
وهذا التصرف، وأعني به التصرف غير المعاملي، كسكنى الدار وزرع الأرض وركوب الدابة أو السيارة المرهونة، هذا التصرف قد يكون من الراهن وقد يكون من المرتهن. ولا بد فقهياً من النظر في جوازه من أي منهما.
أما تصرف الراهن بصفته مالكاً، فلا إشكال فيه بما لا ينافي حق المرتهن.
ومثال منافاته لحقه كون التصرف موجباً لإنقاص قيمة العين عن الدين. أو إذا طلب المرتهن العين لتكون تحت يده لا تحت يد الراهن -ومن حقه ذلك- لم يجز للراهن حجبها عنه. واما تصرف المرتهن في العين المرهونة. فبالأساس فيه إشكالان رئيسيان:
الإشكال الأول: ان المرتهن غير مالك، فإذا أراد أن يتصرف يجب عليه أن يأخذ الإذن من المالك. ولا تكفي معاملة الرهن لذلك. إلا بتصرف واحد وهو بيعها عند التعذر، وهو تصرف مفروض في نفس المعاملة، واما غيره فلا.
وكذلك لا يكفي جعل العين تحت يده للإذن بذلك أو للحكم بجوازه شرعاً. إذ لا ملازمة بين الأمرين.
الإشكال الثاني: ان تصرّف المرتهن يحتوي على شكل من أشكال الربا. لأنه سوف يستوفي الدين كاملاً، كما هو المفروض. من العين أو من خارجها.
ــــــــــــــــــــ[220]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
يضاف إليه المنافع التي استوفاها من العين خلال ذلك والتي لها قيمتها السوقية بطبيعة الحال. ولذا تكون مضمونة على من استوفاها غصباً.
إذن، فهذه المنافع تكون مقبوضة للدائن أكثر من دينه، وهو معنى كونه شكلاً من أشكال الربا.
إلا أن هذا الإشكال إنما يتسجل فيما لو كان التصرف مشترطاً في عقد الرهن ولو ضمناً. واما لو لم يكن كذلك، كان هذا الإشكال مندفعاً لوضوح ان دفع الزيادة على الدين اختياراً وبدون اشتراط ليس من الربا بل هو مستحب في أكثر الأحيان.
إلا ان كِلا الإشكالين وان كانا واردين نظرياً إلا انهما من الناحية العملية، لا أثر لهما. لأن إذن المالك يمكن تحصيله بالاستئذان منه. نعم, لو لم يأذن، كانت حرمة التصرف متحققة.
كما ان الإشكال الثاني غير وارد لوجود النصوص الصحيحة الصريحة بجواز الانتفاع بالعين المرهونة من قِبَل المرتهن.
منها: صحيحة إسحاق بن عمار(1) قال: سألت أبا إبراهيم، عن الرجل يرهن العبد أو الثوب أو الحلي أو متاع البيت، فيقول صاحب المتاع للمرتهن: انت في حِلٍ من لبس هذا الثوب فالبس الثوب وانتفع بالمتاع واستخدم الخادم. قال: “هو له حلال إذا أحله. وما أحب أن يفعل”. الحديث.
وهي دالة على عدة أمور:
الأمر الأول: اختصاص جواز تصرف المرتهن بالإذن. فلو لم يأذن المالك لم يجز التصرف. وقد ذكرنا ان هذا على القاعدة أيضاً لكونه مالكاً.
ــــــــــــــــــــ[221]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الوسائل: كتاب الرهن, باب8, حديث1.
الأمر الثاني: ان هذا حاصل بعد معاملة الرهن. لأنه قال: «يرهن العبد أو الثوب. فيقول:» والفاء للترتيب. وهو واضح بأن هذا القول خارج المعاملة. والجواز عندئذ واضح. واما مع الاشتراط في المعاملة فالرواية غير متعرضة لحكمه.
الأمر الثالث: ان التصرف وان كان جائزاً إلا أنه مرجوح أو مكروه لأنه قال: “وما أحب ان يفعل”. والحكمة فيه كون الدائن يستفيد أكثر من حقه من استيفاء الدين. وهو يشبه فكرة الربا أخلاقياً على الأقل.
واما في صورة اشتراط التصرف في ضمن المعاملة، فيبقى تحت الحرمة، لأنه من الربا. ولا أقل من الاحتياط الوجوبي بتركه.
هذا في المالية الضمنية التي قد لا تكون ملحوظة عرفاً، والناتجة من التصرف. واما الربح الفعلي كحاصل الأرض المرهونة، فهو شرعاً للمالك الراهن، ولا يجوز اشتراطه للمرتهن. والا كان ربا فعلياً محرماً. نعم, التبرع به إلى المرتهن، أو قل: تصرف المرتهن به بإذن الراهن المالك جائز شرعاً.
ففي صحيحة إسحاق بن عمار(1) عن أبي عبد الله (في حديث): انه سأله عن رجل ارتهن داراً لها غلة. لمن الغلة؟ قال: “لصاحب الدار”.
يعني انها للمالك الراهن المديون، وليس للمرتهن الدائن. وهو أمر مطابق للقاعدة، من حيث ان الفرع مملوك لصاحب الأصل والربح مملوك لصاحب رأس المال. فإن أخذ المرتهن منه شيئاً أمكن احتسابه من الدين نفسه، كما وردت بذلك نصوص أخرى. وهو على القاعدة بصفته مالاً مدفوعاً من المدين لا بقصد الهبة والتبرع.
فان أخذها المرتهن بالإذن أو بدونه فان كان قبل موعد الدين اشتغلت ذمته
ــــــــــــــــــــ[222]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) نفس المصدر, باب15, حديث3.
به، وعند حصول الموعد، أمكن التهاتر بين الدينين و”يرجع بالفضل” كما ورد في عدد من الروايات. يعني تكون الزيادة لصاحبها.
وان كان أخذ المرتهن الريع بعد الموعد أمكنه احتسابه من الدين بإذن صاحبه لا بدونه. لأن للمالك حق تعيين الوفاء بأي مال يشاء وليس ذلك من حق الدائن. فان أخذه بدون إذنه اشتغلت ذمته به، وفعل حراماً، وأمكنه حصول التهاتر بين الذمتين.
الرهن أخلاقياً:
ينشأ الاتجاه إلى الرهن من قِبَل الدائن بسبب عدم الثقة بأداء دينه، اما لاحتمال افتقار المديون وعجزه عن الأداء، واما لاحتمال إنكاره له وسرقته إياه لو صح التعبير.
واما مع الوثوق والاطمئنان من كِلا الجانبين، فانه لا يحصل أي اتجاه إلى الرهن أو رغبة فيه. إلا ان يكون الدائن محتاطاً على ماله حتى بالاحتمالات الضعيفة جداً.
بل ان عدم الاحتمال الثاني يعني الوثوق بشخص المديون يكفي غالباً عن الاحتمال الأول. إذ لو كان له الوثوق الكافي لحاول دفع الدين بكل صورة أو مهما أمكنه.
بل ان الاتجاه إلى الرهن مطلقاً، يعني سواء وجد لدفع الاحتمالات المهمة أو الضعيفة، إنما هو ناشئ أخلاقياً من حب الدنيا والحرص على المال، وهو أمر مرجوح أخلاقياً. إذ لو لم يكن الدائن كذلك لأمكن صبره على المدين حتى مع عجزه، بل لأمكن إبراء ذمته منه وهِبته له، قَلّ الدين أو كثر.
وهنا ينبغي التحدث في بعض الأمور:
ــــــــــــــــــــ[223]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الأمر الأول: أشير في القرآن الكريم إلى تسبيب الشك بالمديون وعدم الوثوق به أو بماله للرغبة بالرهن. قال سبحانه: وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ(1).
وهذا يعني:
أولاً: ان الاستياق من الدين يكون بأحد أسلوبين:
أولهما: كتابة الدين والإشهاد عليه. كما هو مشروح بالآية السابقة على هذه الآية وهي أطول آيات القرآن الكريم.
ثانيهما: الارتهان على الدين.
والآية وان كانت دالة على أنه إنما يصار إلى الأسلوب الثاني بعد تعذر الأول، إلا ان هذا لا يحتمل فقهياً ان يكون حكماً إلزامياً لو صح التعبير. فللدائن ان يختار أحد الأسلوبين بدون حرج. نعم، هو طريق أخلاقي. لأن الأسلوب الأول يرجع إلى الوثاقة بالمدين وبالشهود، وهو أولى أخلاقياً من أخذ الرهن مع الشك بالآخرين من المؤمنين.
ثانيا: ان كِلا الأسلوبين يمكن الاستغناء عنهما مع وجود الاستيثاق وتحقق الثقة بين المتعاملين وهو قوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً يعني وثق به واطمأن إليه. وقوله: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ يعني بدون رهن مع حصول الثقة. والأمانة أعم مما في الذمة وما في الخارج.
ويجب على المدين دفع أمانته. والا كان خلاف تقوى الله تبارك وتعالى. ولذا قال سبحانه: وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ يعني بدفع الأمانة أو الدين، وعدم غمطها على صاحبها.
ــــــــــــــــــــ[224]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) البقرة: 283.
الأمر الثاني: وهنا الالتفات إلى شرح السُنّة الشريفة لهذا الأمر الأخلاقي.
ففي مرسلة مروك بن عبيد(1) عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله قال: “من كان الرهن عنده أوثق من أخيه المسلم فالله منه بريء”.
أقول: وتؤيدها سنداً الرواية الآتية.
فالأهم هو الوثوق بالمسلم أو المؤمن، مع الاستغناء عن الرهن. بل حتى لو أخذ الدائن الرهن، فليكن وثوقه بالمديون أكثر من وثوقه بالرهان. لأن احتمالات تلفه وعدم إمكان استيفاء الدين منه موجودة أيضاً. ولا شك ان الوثاقة الشخصية للمؤمن أعظم عند الله من كل الاحتمالات.
الأمر الثالث: مع التنزل عن هذا الحكم الأخلاقي، والالتفات إلى السوق بشكل كامل، فان أخذ الرهن جائز على أي حال.
وبه وردت رواية علي بن سالم(2) عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله عن الخبر الذي روي: “ان من كان بالرهن أوثق منه بأخيه المؤمن فانا منه بريء”. قال: “ذلك إذا ظهر الحق وقام قائمنا أهل البيت”.
وهذا يعني ان أخذ الرهن قبل قيام القائم جائز، وذلك في أيامنا هذه.
نعم، قد يصبح غير جائز يومئذ وهو خارج من تكليفنا الشرعي المعاصر.
نعم، يبقى الحكم مرجوحاً أخلاقياً بلا إشكال، ومنوطاً بالدرجات المتكاملة من الإيمان والتقوى.
وينبغي الالماع إلى أن الرواية الأخيرة. قالت: “فأنا منه بريء”. والتي قبلها قالت: “فالله منه بريء”. وهذا يعني ان إحدى الروايتين قد نقلت بالمضمون لا
ــــــــــــــــــــ[225]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) كتاب الرهن, باب2, حديث1.
(2) نفس المصدر, حديث2.
بالدقة، وهذا ليس به بأس شرعاً.
وكلتا الروايتين ضعيفة السند، إلا ان ما قلناه مطابق للقاعدة، سواء ما قلناه على المستوى السوقي أو على المستوى الأخلاقي.
الأمر الرابع: انه يمكن الاستيثاق من الدين أياً كان سببه بأحد طرق يكون الارتهان واحداً منها وليس هو الطريق المنحصر:
الأول: أخذ الرهن على الدين.
الثاني: كتابة الدين والإشهاد عليه كما علّمنا القرآن الكريم. وقد سمعناه.
الثالث: ضمان الدين. بحيث ينتقل إلى ذمة الضامن كما سوف يأتي في كتاب الضمان. على ان يكون الضامن ثقة، وان لم يكن المديون ثقة.
الرابع: كفالة الدين. بحيث لا ينتقل إلى ذمة الكفيل. بل يتعهد الكفيل بالدفع على تقدير عدم دفع المدين، اما بتعهد ابتدائي, أو قل: بمعاملة مستقلة. وأما ضمن معاملة لازمة أخرى ويمكن تعدد الكفلاء وزيادة الوثوق بذلك.
الخامس: أخذ بعض الأموال والعروض من المدين لا بعنوان الرهن بل بعنوان العارية والوديعة. فان لم يؤدِّ المدين دينه في وقته المحدد، كان للدائن الاستيفاء من هذه العين بإذن مالكها وان أبى كفى إذن الحاكم الشرعي.
وكلما كانت قيمة العين المرهونة أو المودعة أكثر كان الاستيثاق من الدين أكثر تحسباً من قيمة السوق عند موعد الاستيفاء أو تلف بعض العين خلال المدة.
ولا أقل: ان تكون قيمة العين المرهونة بمقدار الدين. واما إذا كانت قيمتها أقل من الدين، فهذا راجع إلى ان بعض الدين لا رهن عليه برضاء الدائن. وهذا لا ضير فيه فقهياً. وان كان رجوع المعاملة إلى ارتهان كل العين بإزاء كل الدين، بدون لحاظ التجزئة والتبعيض.
ــــــــــــــــــــ[226]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
الوقف
الوقوف في اللغة: خلاف الجلوس. يقال: وقف بالمكان وقوفاً فهو واقف.
وبحسب فهمي، فان الوقوف له جهتان أو لحاظان:
أحدهما: ان يكون خلاف الجلوس كما ذكرنا وذكر اللغويون.
ثانيهما: ان يكون خلاف المشي والحركة. فالواقف هو غير الماشي أو المنتقل من مكان إلى مكان. وهذا واضح وان لم يُشِر إليه اللغويون.
وهذا الثاني هو الذي أصبح منشأ لعدد من المعاني التي أشير إليها في اللغة.
منها: التوقيف في اللغة وفي الشريعة, يعني حبسها عن التغير بالآراء.
ومنها: الواقف خادم البيعة لأنه وقف نفسه على خدمتها. على معنى انه لا يتجاوزها إلى غيرها.
ومنها: وقوف الحاج بالمواقف يعني ثبوته فيها وعدم تجاوزها.
ومنها: الوقّاف الذي لا يستعجل في الأمور. وهو (فعال) من الوقوف. ومناسبته مع عدم التحرك واضحة.
ومنها: وقفت على الشيء أي عرفته أو علمت بخبره. على معنى ان الذهن اقتصر على التفكير به ولم يتعده إلى غيره. أو على معنى ان من يصل
ــــــــــــــــــــ[227]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إلى الشيء ويقف عليه ولا يتجاوزه، فانه يعرفه لا محالة.
وكذلك: الوقاف هو المحجم عن القتال كأنه يقف نفسه عنه ويعوقها.
وعلى هذا المعنى نفهم قوله تعالى: وَلَوْ تَرَىَ إذ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ. يعني: جعلوا ثابتين فيها وأمامها لا يتجاوزونها إلى غيرها، أو إلى النجاة منها.
بل ان هذا المعنى للوقوف -أعني مقابل المشي والتحرك- هو المتعين. واما ما يقابل الجلوس فهو القيام. وان كان قد يستعمل أحدهما في محل الآخر أحياناً.
والوقف المعاملي، معنى لغوي وفقهي، أشار إليه اللغويون حيث قالوا: «وقف الأرض على المساكين. وفي الصحاح: للمساكين وقفاً: حبسها. ووقف الدابة والأرض وكل شيء. فأما أوقف في جميع ما تقدم من الدواب والأرضين وغيرهما فهي لغة رديئة».
والملحوظ في هذا الوقف نفس المعنى المشار إليه، على معنى منع العين الموقوفة عن التحرك. يعني التحرك المعاملي والانتقال بالملكية بين الناس حتى بالإرث أحياناً.
ومما سمعنا من الاشتقاق يكون المالك الموجد لمعاملة الوقف واقفاً ولا يقال: موقف. لأن فعله ثلاثي وليس رباعياً إلا على لغة رديئة كما سمعنا.
وتكون المعاملة نفسها وقفاً، كما ان العين تسمى وقفاً أحياناً. ولا شك ان أصله مجاز من استعمال اسم المصدر في الذات.
ولكن استعماله كثير بحيث لا يبعد تحوله إلى الحقيقة. والأولى كون العين موقوفة. أي منفعلة بالوقف.
ويكون للوقف طرف آخر لا محالة هو المستفيد من ريع العين الموقوفة.
ــــــــــــــــــــ[228]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إذ بدونه لا معنى للوقف بل لا يصح على الأقرب. وهذا هو الموقوف عليه أو الموقوف له. وان مشى الفقهاء على استعمال: الموقوف عليه.
والموقوف عليه قد يكون معنى نوعياً، كالفقراء أو العلماء أو أهل مدينة معينة كالبصريين أو النجفيين أو ذرية قبيلة معينة كبني تميم أو الهاشميين أو غير ذلك.
وقد يكون الموقوف عليه شخصياً كواحد معين بالاسم. أو هو وذريته مهما تناسلوا.
والفرق بين هذا المعنى وسابقه: ان الموقوف عليه في المعنى الأخير يكون موجوداً عند الوقف وذريته بعضها حاضرة وبعضها مستقبلة. والمعنى السابق ان الأب الأعلى يكون ماضياً، والذرية حالية ومستقبلية، كالهاشميين وفي مثله لا يكون الوقف على الجد بل على الذرية.
الوقف عقد أو إيقاع:
شرحنا معنى العقد والإيقاع في هذا الكتاب مراراً. والمهم الآن هو التساؤل عن كون الوقف عقداً أو إيقاعاً.
فقد يقال: عقد دائماً, وقد يقال: انه إيقاع في الوقف العام وعقد في الوقف الخاص كما هو المشهور. وقد يقال: انه إيقاع دائماً.
وتقريب الرأي الأول ينطلق من كون الوقف ذو طرفين لا محالة، وهما: الواقف والموقوف عليه، وكلما كانت المعاملة ذات طرفين كانت عقداً. كما أنه كلما كانت ذات طرف واحد كانت إيقاعاً.
ومن هنا أفتى(1) قسم من الفقهاء بكونه عقداً, أي بلزوم (القبول) من قِبَل
ــــــــــــــــــــ[229]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) وقد تكون هذه الفتوى بعنوان الاحتياط أو الأخذ بالمشهور لمن يراه حجة.
الموقوف عليه، فان كان الوقف خاصاً لزم قبول الموقوف عليه. وان كان الوقف عاماً لزم قبول الحاكم الشرعي الذي هو ولي الجهة الموقوف عليها كالفقراء أو المحتاجين أو غيرهم.
إلا ان هذا التقريب غير تام، لأن العقد ليس هو كل معاملة ذات طرفين مطلقاً، بل كل معاملة ذات طرفين ويلزم أخذ رضاهما معاً. فمثلاً: ان العتق ذو طرفين هما: المالك والعبد, أو المعتِق والمعتَق. ومع ذلك فهو إيقاع لأن اللازم هو رضاء المالك بالعتق دون العبد.
فإذا تم الدليل في الوقف بالاكتفاء برضاء الواقف دون غيره، على ما سيأتي. لم يكن لزوم لأخذ القبول من قِبَل الموقوف عليه، إذا كان عامّاً، أو سواء كان عامّاً أو خاصاً كما سيأتي. وأما تقريب الرأي القائل بكون الوقف إيقاع مطلقاً أو دائماً فانطلاقاً من مرحلتين من التفكير:
المرحلة الأولى: عدم وجود الإشارة في كل أخبار الوقف على الإطلاق إلى وجود القبول. وإنما هي واضحة في الاقتصار على الإيجاب، الذي هو إنشاء الوقف واعتباره.
لا يختلف في ذلك الوقف العام عن الخاص. فان كل ذلك مما ورد في الروايات المستفيضة وعدد منها معتبر سنداً، ولا أثر للزوم القبول فيها. وكل معاملة لا قبول فيها فهي إيقاع.
المرحلة الثانية: انه إذا نوقش في دلالة الروايات على انعقاد الوقف بالإيجاب وحده، ولو من باب القول: بأن إهمال ذكر القبول باعتبار وضوحه. وان كان هذا التقريب مجازفة باطلة. إلا انها لو تمت احتجنا معها إلى الدليل على عدم لزوم القبول، من حيث قد لا يكفي عدم الدليل على لزومه.
والدليل على عدمه عدة أمور يكفينا منها: أصالة عدم الاشتراط التي تنقح
ــــــــــــــــــــ[230]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
موضوع تمامية المعاملة (أعني السبب) بمجرد الإيجاب. وإذا تم السبب ترتب عليه المسبب وهو الوقف. ولا يعارضه أصل عدم ترتب الأثر لكونه متـأخراً رتبة. وبقية الكلام عن ذلك موكول إلى الفقه.
وأما تقريب الرأي القائل بالتفصيل بمعنى الحاجة إلى القبول في الوقت الخاص دون العام.
فهو ان الوقف العام يبقى على القاعدة التي عرفناها قبل قليل من عدم الحاجة إلى القبول. وإنما يكون هذا الفقيه القائل بالتفصيل محتاجاً إلى الاستدلال على لزومه في الوقف الخاص.
ويمكن بيانه بعدة وجوه نذكر بعضها:
الوجه الأول: ان احتياج الوقف الخاص إلى القبول هو المشهور، والشهرة حجة. إذن، فالحاجة إلى القبول ثابتة.
إلا أن وجود هذه الشهرة محل تأمل، وخاصة مع إمكان استفادة عدم الحاجة إلى القبول من نفس الروايات. إذ لو كان ذلك معتبراً لورد ولو في خبر ضعيف ولم يرد.
الوجه الثاني: قياس الوقف الخاص، بالمعاملات الاعتيادية ذات الطرفين كالبيع والإجارة والهبة وغيرها، وهي مما يعتبر فيها القبول بلا إشكال. إذن, فالوقف مثلها.
إلا ان هذا ان أريد إخراجه من حيز القياس الذي لا نقول به. فإنما يدّعى استفادته من أدلة تلك المعاملات. بعد التجريد عن خصوصياتها الخاصة. فيكون القبول مشروطاً في كل معاملة ذات طرفين إلا ما خرج بدليل.
وجوابه: انه بعد إمكان القول بأن الوقف قد خرج بالدليل بعد ما استفدناه من الروايات من عدم الحاجة إلى القبول.
ــــــــــــــــــــ[231]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
يضاف إلى ذلك: ان هذا التجريد عن الخصوصية غير عرفي، لأن احتمالها قائم عرفاً بلا إشكال. ومحاولة استفادة القاعدة العامة لكل معاملة ذات طرفين، عهدتها على مدعيها. فلا يوجد في مقابل أصالة عدم اشتراط القبول أي دليل معتبر.
الوجه الثالث: أننا إذا قلنا بملكية الموقوف عليه الخاص، للعين الموقوفة، كما هو المشهور. أمكننا أن نضم كبرى عقلائية ولعلها اجتماعية. تقول: لا يجوز أن يدخل شيء في ملك أحد بغير اختياره وقصده إلا ما خرج بدليل. إذن, فالعين الموقوفة لا تدخل في ملك الموقوف عليه إلا باختياره ورضاه. وهو معنى القبول أو مؤداه.
وهذا الوجه موقوف على استفادة الملكية للوقف الخاص من الأدلة. وهو محل إشكال. وبدونها لا يبقى مجال لهذا الوجه لعدم انطباق الكبرى العقلائية عندئذ. إذ من الواضح عقلائياً وشرعاً جواز أن نعمل في مصلحة فرد آخر عملاً وان لم يكن راضياً به. بعد أن يكون في مصلحته حقيقة ومن جميع الوجوه بدون ريب. نعم, لو أدى ذلك إلى مضاعفات ثانوية كان حراماً. إلا أننا لا نتكلم الآن حول العناوين الثانوية.
وفي الوقف على شخص يكون الواقف قد عمل عملاً في مصلحة الموقوف عليه تماماً بلا ريب. ولا يدخل في ملكه على الفرض. وكل فرد لا يريد ذلك يمكنه التنازل عن حصته للآخرين. وعلى أي حال، فلزوم القبول مما لا دليل عليه مطلقاً.
فك الملك:
معاملة الوقف تلازم خروج العين الموقوفة عن ملكية الواقف الذي كان مالكاً إلى لحظة الوقف. وقد عبر عنه الفقهاء بـ«فك الملك» يعني فصله عن
ــــــــــــــــــــ[232]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المالك. وقد يكون ربطاً للملكية بالموقوف عليهم إذا كان وقفاً خاصاً وقد لا يكون.
فلا يجوز إبقاؤها أو بعضها في ملكه. ولا الشركة فيها ولا الشركة في ريعها. ما لم يكن الوقف عاماً كالهاشميين وكان هاشمياً فيأخذ سهماً من سهامهم. كما لا يجوز اشتراط رجوع العين الموقوفة عليه في أمد محدد أو على ورثته.
وقد ورد التعبير عن ذلك بأنه بمنزلة العتق. فان العبد بعد عتقه يخرج من ملكية مولاه.
روى طلحة بن زيد(1) عن جعفر عن أبيه قال: “من تصدق بصدقة ثم ردت عليه فلا يأكلها لأنه لا شريك لله عز وجل في شيء مما جعل له. إنما هو بمنزلة العتاقة لا يصلح ردها بعدما يعتق”.
وهذه الرواية تدلنا على أمرين مهمين:
الأمر الأول: ان الوقف بمنزلة الصدقة، والصدقة إنما يأخذها الله عز وجل بنص القرآن الكريم وان استفاد منها الطرف الآخر. وما كان لله لا يجوز الشركة به لأنه من الشرك بالله تبارك وتعالى، من الناحية الاقتصادية.
الأمر الثاني: ان الوقف بمنزلة العتق للعبد. فكما لا يمكن الرجوع بالعتق أو فسخه بضرورة الدين، كذلك لا يمكن فسخ الوقف أو الرجوع عنه. وعلى أي حال فالأمر واضح فقهياً.
ولعل هذا النحو من العتق هو المستفاد من وصف البيت الحرام بالعتيق. فانه ليس المراد به: القديم أو البالي. وإنما المراد به: الحر من دنس ملكية
ــــــــــــــــــــ[233]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) كتاب الوقوف والصدقات, باب11, حديث3.
المخلوقات له. وإنما هو ملك لله تعالى. وقد جعله مثابة للناس وأمناً ومطافاً ومصلى.
وقد ورد في ذلك خبر(1) عن أبي جعفر قال: قلت له: لمَ سمى الله البيت العتيق؟ قال: “هو بيت حر عتيق من الناس لم يملكه أحد”.
وفي خبر آخر(2) عن أبي عبد الله في حديث يذكر فيه غرق قوم نوح قال: “وإنما سمّي البيت العتيق لأنه اعتق من الغرق”.
وفي خبر آخر(3) عن البخاري وغيره عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله: “إنما سمى الله البيت العتيق لأن الله اعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار قط”.
فهذه الروايات متفقة على ان المراد من صفة العتيق هو التحرر من بعض القيود وأشكال السلطة عليه، وليس هو صفة القِدَم وان كانت ثابتة له على أي حال، وتمام الكلام في محله.
ملكية الوقف الخاص:
يحسن التعرض إلى هذا الموضوع بالمقدار المناسب، ليتضح لنا وجهه. مضافاً إلى تفاصيل عن الوقف لم تكن قد عرفناها فيما سبق.
لا شك ان مقتضى القاعدة الأولية عدم ملكية الموقوف عليهم للوقف الخاص. وإنما تقتصر ملكيتهم على ريعه ومنافعه.
وذلك: لأن عدم الملكية هو مقتضى الاستصحاب، باعتبار انهم لم يكونوا
ــــــــــــــــــــ[234]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) تفسير الميزان, ج17, ص387.
(2) نفس المصدر والصفحة.
(3) نفس المصدر, ص379.
مالكين قبل الوقف أو قبل ذهاب البطن السابق. فالآن كما كان.
ولا يدل على ذلك مفهوم الوقف المقيد حبسه واختصاصه بهم لأن ذلك لا يلازم الملكية وإنما يلازم جواز الاستفادة فقط.
كما لا يدل على ذلك مفهوم الصدقة الذي طُبِّق على معنى الوقف في الروايات العديدة. من زاوية ان الصدقة يملكها الفقير المدفوع إليه فكذلك الموقوف عليه.
وجوابه: ان الأخبار الخاصة بمفهوم الصدقة لا دليل على شمولها للوقف وان أوردها (صاحب الوسائل) في باب الوقف. وأما الأخبار التي أخذت مفهوم الوقف والصدقة، فهذا لا يعني أكثر من إخراجها من ملك المالك (الواقف) كالصدقة، والتصدق أيضاً بريعها وفوائدها. كما انها تكون مقبوضة لله عز وجل كالصدقة. وليست الروايات في مقام بيان ملكية الموقوف عليهم انطلاقاً من عنوان الصدقة. بل لعلها دالة على خلاف ذلك كما سيأتي.
كما لا يدل على ذلك جواز تصرف الموقوف عليهم بالعين الموقوفة، كالإيجار والمزارعة والمساقاة ونحو [ذلك] من التصرفات التي لا تخرج العين عن الملكية.
والوجه في عدم دلالته على الملكية: ان جواز هذه التصرفات كما يمكن أن يكون بالملكية يمكن ان يكون بالولاية. ولا شك من ثبوت الولاية للموقوف عليهم على الوقف.
ولكن أهم دليل على ملكية الموقوف عليهم للعين الموقوفة، هو ما ورد في جواز بيعهم إياها في بعض الظروف وأكلهم ثمنها بدون بدل. كما هو ظاهر
ــــــــــــــــــــ[235]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الرواية المعتبرة.
فمن ذلك صحيحة علي بن مهزيار(1) قال: وكتبت إليه: ان الرجل ذكر ان بين من وقف عليهم هذه الضيعة اختلافاً شديداً. وانه ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده. فان كان ترى ان يبيع هذا الوقف ويدفع إلى كل إنسان منهم ما وقف له من ذلك أمرته. فكتب إليه بخطه: “وأعلمه أن رأيي له ان كان قد علم الاختلاف ما بين أصحاب الوقف ان يبيع الوقف أمثل. فانه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال والنفوس”.
غير أن هذه الصحيحة ليست واضحة في المطلوب:
أولاً: ان ملكية الوقف ان قلنا بها فهي ملكية لكل أجيال الموقوف وبطونهم. ولا يجوز اختصاص إحدى البطون به. وهو البطن الموجود على الفرض.
وظهور الرواية في تقسيم ثمن المبيع على البطن الموجود، غير واضح، لأنه متحقق في كلام السائل لا في كلام الإمام، ليكون حجة. فتأمل.
ثانياً: ان غاية ما تدل عليه الصحيحة هو إجازة بيع الوقف من قِبَل الإمام بالولاية لا بالفتوى. لأنه قال: “ان رأيي له”. وهي عبارة واضحة فيما قلناه. فلا يكون الحكم عامّاً.
ثالثاً: ان غاية ما تدل عليه: ان ثمن الوقف ليس بوقف وأنه يدخل في ملكية الموقوف عليهم وهذا لا يلازم كون المثمن -وهو العين الموقوفة- ملكاً. لاحتمال: انهم باعوه بالولاية لا بالملكية، ويصرف ثمنه فيهم لانحصاره عليهم شرعاً. ولا دليل من الرواية على خلاف ذلك.
ــــــــــــــــــــ[236]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الوسائل: الوقوف والصدقات, باب6، حديث6.
رابعاً: ما ذكره بعضهم من التلازم بين الوقف وعدم جواز البيع. وهذا واضح فقهياً، إلا انه قال: «انه يمكن الأخذ بضد النقيض» يعني إثبات انتفاء الوقف مع ثبوت جواز البيع.
أقول: فمن الممكن القول عندئذ ان العين بعد أن خرجت من الوقف في ظرف الاختلاف الشديد بين الموقوف عليهم. دخلت في ملكهم لانحصار الحق بينهم، فجاز لهم بيعها. ومن هنا لا يكون جواز البيع دالاً على ملكية الوقف. إلا ان الأوضح من هذه الصحيحة على الملكية رواية أخرى هي حسنة جعفر بن حنان(1) في رواية مطوّلة عن أبي عبد الله يقول الراوي فيها: قلت: فللورثة من قرابة الميت أن يبيعوا الأرض ان احتاجوا ولم يكفهم ما يخرج من الغلة. قال: “نعم. إذا رضوا كلهم، وكان البيع خيراً لهم باعوا”.
والوجه في أفضلية هذه الرواية عن سابقتها كونها أناطت جواز البيع بمجرد قصور الوارد المالي، من دون حصول ضرورة حقيقية لا اجتماعية ولا اقتصادية.
كما أنها لا ترد عليها المناقشتان الأوليتان على تلك الرواية لوضوحها في تقسيم المال على الورثة أنفسهم، وإلا لما أنقذهم البيع من الناحية الاقتصادية. كما ان ظاهرها الفتوى لا الحكم المولوي من قِبَل الإمام.
إلا انها يرد عليها الإيرادان الأخيران مما سبق. مضافاً إلى إمكان المناقشة في سندها من حيث أن راويها الأخير لم يوثق. وعمل المشهور بها بحيث يكون جابراً للضعف لم يثبت.
ونحن إنما استدللنا بهاتين الروايتين للانطلاق منها إلى فهم ملكية الموقوف عليهم للعين الموقوفة. من تسلطهم على البيع أحياناً. وقد ورد انه: “لا بيع إلا
ــــــــــــــــــــ[237]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) نفس المصدر, حديث8.
في ملك” فلا بد أن تكون هذه العين مملوكة وقد عرفنا جوابه.
مع أن قوله: “لا بيع إلا في ملك”. لا يراد به ملكية العين. بل ملكية البيع أي التسلط عليه وصدوره منه بشكل جائز شرعاً. ولذا قد يباع بالولاية الخاصة والولاية العامة من دون وجود الملك. نعم، أغلب موارد ملكية البيع متفقة مع ملكية العين. لأن الوكيل والولي الخاص يعتبر بمنزلة المالك. إلا ان هذا ليس دائمياً كتصرف الولي العام في الأموال العامة كحق الإمام أو مجهول المالك أو غيره، وغير ذلك من الموارد.
ولو قلنا بضرورة ملكية العين لأمكن القول -كما سبق- بتحول العين الموقوفة إلى الملك بالسبب المجيز للبيع، وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
وعلى أي حال، فلا دليل على ملكية الموقوف عليهم للعين الموقوفة. ولا يحتاج الموضوع إلى الحديث أكثر من ذلك، بعد أن كان موافقاً للارتكاز المتشرعي والعرفي، بامتناع ملكية الوقف بعنوانه، والتنافي بينه وبين الملكية.
بيع الوقف:
ويحسن بنا أن نقف وقفة عند بيع الواقف الذي سمعنا عنه شيئاً في ما سبق.
لا شك ان القاعدة الأولية في الوقف هو عدم جواز بيع العين الموقوفة. وهذا ثابت بضرورة الدين، مضافاً إلى السُنّة والإجماع والارتكاز. وهذا شامل لكل معاملة منتجة لانتقالها عن الموقوف عليهم لا خصوص البيع. كالهبة وجعلها أجرة في إيجار أو مزارعة أو غير ذلك.
بل وحتى الإعراض المخرج للعين عن الملكية غير مؤثر هنا. على الأقوى. وسببه: ما قلناه من كونها ليست ملكاً والإعراض تأثيره خاص بالملك.
ــــــــــــــــــــ[238]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ولو تنزلنا وقَبِلنا تأثير الإعراض، فلا إشكال من عدم جواز حيازتها من قِبَل غير الموقوف عليهم.
فالقاعدة العامة هي التصاق العين الموقوفة بالموقوف عليهم. بحيث ليس لهم ولا لغيرهم إخراجها عن سلطتهم وولايتهم، أو ملكيتهم -ان قلنا بها- بمعنى ان الشريعة لم تجعل سبباً مشروعاً لذلك. فان حصل فهو غصب حرام. ولعل حرمة غصب الوقف أشد من حرمة غيره، كما عليه الارتكاز العرفي والمتشرعي.
فان خرجنا عن هذه القاعدة فبدليل خاص يكون حجة في مورده. فلو دل دليل على جواز البيع لم يكن دليلاً على صحة مطلق المعاملات المنتجة لخروج الوقف من ملك الموقوف عليه كما مثّلنا. ولو ذكر في الأدلة سبباً للجواز لم يجز أن نتعداه إلى غيره.
والرواية الوحيدة المعتبرة سنداً والواضحة نسبياً في الدلالة. هي صحيحة (علي بن مهزيار) السابقة التي رويناها قبل صفحتين وفيها يقول: فكتب إليه بخطه: “واعلمه ان رأيي له ان كان قد علم الاختلاف ما بين أصحاب الوقف أن يبيع الوقف أمثل”. فانه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال والنفوس.
والقدر المتيقن من صورة الجواز هو حدوث الاختلاف بين الموقوف عليهم بشكل يحتمل فيه تلف الأموال والنفوس. فان لم يكن الاختلاف بهذه الدرجة لم يدخل في القدر المتيقن.
نعم، يمكن أن يستفاد منها بعض الموارد الأخرى، نذكرها باختصار مع شيء من مناقشاتها ان وجدت:
أولاً: أن يكون البيع أمثل. بحيث يكون هذا سبباً كافياً للبيع وقد نصت عليه الرواية.
ــــــــــــــــــــ[239]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إلا أنه لا يمكن الأخذ به على سعته. لورود عدة مناقشات عليه، منها: تقييده بشرطية وجود الاختلاف. فانه قال: “ان كان قد علم الاختلاف ما بين أصحاب الوقف أن يبيع الوقف أمثل”. فيكون تجريده من هذا الشرط خلاف نص الرواية.
ثانياً: جواز البيع عند حصول الاختلاف، وان كان قليلاً، لأنه يقول: “ان كان علم الاختلاف”. وهو يشمل القليل والكثير.
ويرده: انه مقيد بما بعده من التعليل بخوف تلف الأموال والنفوس فيكون كالقرينة المتصلة عليه. ولا أقل من عدم إمكان إحراز الإطلاق.
ثالثاً: جواز البيع عند حصول الاختلاف الذي تتلف فيه الأموال دون النفوس.
وهذا الوجه ان صدقت عليه الضرر أو الضرورة فسنبحثه فيما يأتي. وأما بدون ذلك فالنص مقيد بخوف تلف الأموال والنفوس معاً. فلا يمكن الاقتصار على الأموال.
رابعاً: جواز البيع عند حصول الاختلاف الذي تتلف فيه النفوس دون الأموال.
وهنا يكون الوجدان الفقهي والمتشرعي أقرب إلى فهم التعميم من الوجه السابق. لأن ضم النفوس إلى الأموال مهم، إلا أن ضم الأموال إلى النفوس ليس بتلك الأهمية. فان المهم هو الخوف على النفوس، وليس للخوف على الأموال تلك المنزلة وان كانت مهمة. ومعه, يمكن حمل ضم الأموال إلى النفوس على الفرد الأغلب. أو بأي وجه آخر، بحيث نفهم منه كفاية خوف تلف النفوس في جواز البيع.
خامساً: جواز البيع عند الضرر أو الضرورة البالغة وان لم يحصل
ــــــــــــــــــــ[240]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الاختلاف، كالفقر المدقع مع عدم وجود أي ريع للعين الموقوفة، بحيث يتعين دفع الفقر في بيعها. أو تهديد ظالم بالبيع وبدونه فسوف يكون الموقوف عليهم مهددين بالهلاك، أو يقع عليهم ضرر مالي عظيم، ونحوه. إلى غير ذلك من الأمثلة.
واستفادة هذا المورد من الصحيح ممكن تماماً لوجود التعليل الذي يقول: “فانه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال والنفوس”.
والتعليل يمكن التمسك به على سعته. ومعناه: ان كل سبب يحتمل فيه تلف الأموال المهمة أو تلف النفوس -ولو واحداً من المؤمنين- أو وقوع ضرر عظيم عليه دون الموت، بل كل ما يكون داهية عظيمة عرفاً، ولا يمكن دفعها إلا ببيع العين الموقوفة، فانه يجوز بيعها تماماً.
ولا يبعد أن يكون الظن بذلك كافياً، فانه يمكن القول: ان قوله “ربما جاء” احتمال طريقي وليس استقلالياً، كقوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ. كطريق إلى ثبوت الشهر نفسه إلا أن فهم الطريقة من الاحتمال خلاف الظاهر.
إلا انه من الأكيد اشتراط وجود أسباب الظن بالضرر العظيم. وليس مجرد ظن عقلي. لأن الرواية واردة في صورة وجود أحد أسبابه وهو الاختلاف بين الموقوف عليهم المتحقق فعلاً. فلا يمكن التعدي منه إلى غيره.
وبهذا تكون هذه الصحيحة أوضح في الجواز من أدلة رفع الضرر أو الجواز مع الضرورة. لاحتمال ان تكون تلك الأدلة واردة في التكليفي دون الوضعي. وعموم هذه الصحيحة لصورة الظن بالضرر قبل وقوعه مع اختصاص تلك الأدلة بصورة الوقوع.
ــــــــــــــــــــ[241]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
شرط الواقف:
لا شك بوجوب التقيد بما يشترطه الواقف من الشروط للتصرف في العين الموقوفة، على الموقوف عليهم وغيرهم. “إلا شرطاً أحل حراماً أو حلل حراماً”. وقد ورد في الروايات المعتبرة قولهم: “الوقوف (تكون) على حسب ما يوقفها أهلها، ان شاء الله تعالى”(1).
(وأهلها) عبارة أخرى عن مالك العين الذي هو الوحيد الذي يجوز له الوقف، أما بالمباشرة أو بالوكالة أو بالولاية أو الإجازة ونحوها. وكله يعود إلى طرف المالك.
كل ما في الأمر: ان المالك قد يكون واحداً وقد يكون متعدداً في العين المشتركة، فللشركاء ان يقفوا العين وقفاً واحد أو وقوفاً متعددة. ويكون الوقف على أي حال على حسب ما يقفه المالك.
ولا يمكن التمسك بإطلاق قوله: “أهلها”. لغير المالك، بحيث يكون للغير حق الوقف أو جوازه. بعنوان كونه أخو المالك أو زوجته أو غير ذلك. وهذا واضح فقهياً.
كما أن قوله: “على حسب”. شامل لصفات العين وتحديداتها. كما هو شامل لأشكال التصرف الاقتصادي بها، كما هو شامل لتعيين المصرف أو الجماعة التي يجب أن يصرف الوارد عليهم. وبلحاظ (المصرف) ينقسم الوقف إلى العام والخاص. فان كان الموقوف عليهم أو بعضهم مسمين بأعيانهم كان وقفاً خاصاً. وان كانوا بعنوان عام كالفقراء أو الهاشميين كان وقفاً عاماً.
وبعض الشروط غير نافذة بطبيعة الحال. كالشروط المخالفة لمقتضى
ــــــــــــــــــــ[242]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الوسائل: كتاب الوقف, باب2, حديث 1-2.
العقد، كشرط جواز البيع مطلقاً. وكالشروط التي تحل الحرام أو تحرم الحلال، كصرف الريع في المحرمات الخاصة أو العامة. وكالشروط التي توجب مباحاً -لو صح التعبير- كالشرط بأن يفعل فلان كذا أو أن يتصدق بدرهم من الموقوف عليهم أو غيرهم. بحيث يصبح الفعل ملزماً بعد ان كان جائزاً. فأنه شرط غير نافذ. فان كان قيداً لحصول الوقف بطل العقد من أصله.
ونفوذ شرط الواقف وان كان من الناحية الفقهية ليس إلا تعبداً بالدليل المعتبر وتطبيقاً له. إلا أنه من الناحية النظرية يعني: إمكان أو جواز أن يكون للفرد المالك الرأي أو التصرف في العين المملوكة إلى ما بعد خروجها عن ملكيته بل إلى ما بعد وفاته بل إلى يوم القيامة.
فان الوقف يستمر، مع انحفاظ شرائطه إلى يوم القيامة (إلى يوم يرث الله الأرض ومن عليها) كما ورد في الروايات. أو إلى حصول سبب بطلان الوقف أحياناً كالبيع الذي سمعناه أو غيره.
والمهم ان الوقف وان خرج عن ملك المالك الواقف، كما سمعنا، بل وان مات الواقف. فان شرطه يكون نافذاً فيه. وهذا معناه نظرياً -لا فقهياً- إمكان الأخذ برأيه في العين التي كانت مملوكة له إلى الأبد.
ومثل ذلك له مصاديق محدودة في الشريعة؛ كالاشتراط في المعاملة الملزمة كالبيع أو الإجارة، بحيث يكون الشرط نافذاً مع خروج العين أو المنفعة عن الملكية.
ومثله: تسلط المالك على الخيار، بأي سبب من أسبابه، مع القول بالنقل في الفسخ. وانه مع التسلط على الخيار كانت العين ملكاً للآخر. ومع ذلك كان صاحبه مسلطاً على الخيار بسبب يمت إلى ملكيته السابقة للعين بصلة.
ومثله: تسلط الميت على الإيصاء بثلثه. فإنه من الناحية الفقهية العملية
ــــــــــــــــــــ[243]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
يعتبر مالكاً (1) للثلث الموصى به إلى ما بعد موته, أو قل: في حال موته. ويجب تنفيذ الوصية فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ. وهو نظرياً من باب عدم جواز التصرف بملك الغير بدون إذنه.
ومثله: ملكية المقتول للدية لو قلنا بنفوذ وصيته فيها، معلقاً على القتل أو بعد حصول سببه، كما هو الأصح في الثاني.
غير ان مقتضى القاعدة الأولية هو اختصاص حق الفرد المالك بالعين المملوكة، حال وجود الملك. وانقطاع ذلك تماماً من جميع وجوهه مع انتهاء الملك. إلا ما خرج بدليل معتبر. وقد عرفنا ان كل الأمثلة الفقهية السابقة، بما فيها شرط الواقف، مما خرج بدليل معتبر فعلاً.
ومن الطريف القول ان مقتضى القاعدة التي أشرنا إليها، وان كان عقلياً، إلا ان سيرة العقلاء لا يبعد أن تكون على خلافه في غير المتدينين. حيث يجد الرأسماليون لأنفسهم الحق في تعيين وارثهم. كإخراج بعض الذرية عن الميراث، واختصاص بعضهم بها أو بالقسط الأكبر منها. أو حرمان كل الورثة من التركة والإيصاء بها جميعاً للغير من أفراد أو مؤسسات. وكل ذلك إنما يحصل بعد الموت، الأمر الذي يدل على أنهم يرون نفوذ الشرط فيما كان مملوكاً بعد خروج الملك بحصول الموت.
واحتمال كونهم يرون استمرار الملك نفسه إلى ما بعد الموت، مما يسبب ترتب الأثر وهو نفوذ الشرط والوصية. هذا الاحتمال مما لا دليل عليه على الأقل، إذ لا أثر للملكية عندئذ غير نفوذ هذه الشروط. وهذا كما يمكن تفسيره باستمرار الملكية، يمكن أيضاً بما قلناه من الاعتقاد بحق المالك بالتصرف -إجمالاً- بالعين، حتى بعد انتفاء الملك.
ــــــــــــــــــــ[244]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) سيأتي عن قريب بعض الإيضاح حوله.
وعلى أي حال، فما دامت المسألة أقرب إلى الفهم العقلائي، فليس من المستنكر على الشريعة أن تقوم به، ولا يحتمل أن يكون للحكم العقلي الأولي بالمنع -كما أشرنا- أثر يذكر وان كان كل مورد استثناء يحتاج إلى دليل خاص. وإلا فان الأصل يقتضي نفيه بمعنى عدم نفوذ شروط المالك بعد انتفاء الملك إلا ما خرج بدليل معتبر.
ملحقات الوقف:
توجد في الشريعة معاملات مشابهة للوقف، غير أنها تختلف عنه بكون الوقف مؤبداً إلى ان يرث الله الأرض وما عليها. أو إلى حين تلف العين تماماً، إذا لم تكن من الأعيان غير المنقولة.
ووجه المشابهة هو المنع من كل المعاملات الناقلة عن الملكية، سواء من قِبَل الواقف أو الموقوف عليه.
وهو لا يُعَد وقفاً، لكونه فاقداً للتأبيد، وتبقى العين بذاتها ملكاً للواقف ولا تنفصل عن ملكه، كما هو الحال في الوقف. وإنما يملك الموقوف عليه المنفعة أو الانتفاع فقط، لو قلنا بالملكية. ويكون له الريع بمقدار شرط الواقف.
والمصطلح الفقهي والعمل المتشرعي انها على أربعة أقسام:
القسم الأول: الحبس. وهو حجز العين عن النقل لمدة محدودة. مع تسبيل منفعتها خلال المدة لشخص معين أو جهة عامة.
القسم الثاني: السكنى. وتفيد إسكان شخص في مسكن لمدة معينة مجاناً.
القسم الثالث: العُمري. وتفيد تقييد عين بشخص أو غيره مدة عمر شخص مدة معين
ــــــــــــــــــــ[245]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
هو الموقوف عليه أو غيره. وبنسبتها إلى العمر سميت: العمري.
القسم الرابع: الرُقبى. وتفيد حجز العين لمدة معينة، كالحبس بل هي الحبس فقهياً ولا فرق بينهما عملياً.
وإنما سميت بذلك من باب ارتقاب انتهاء المدة أو من باب رقبة الملك.
وكل هذه الأقسام تشترك مع الوقف بعدد من شرائطه. ككون الإيجاب من الواقف. والمعاملة مشروطة بالقبض. ولا يجوز نقل العين بمعاملة إطلاقاً ما دام زمنها ساري المفعول. غير أنه لا تخرج العين عن ملك الواقف. وإنما يخرج من ملكه متعلق المعاملة وهي المنفعة.
واللفظ للحبس: حبست وللسكنى: أسكنت, وللعمري: أعمرت وللرقبى: أرقبت.
ومتى اشترطنا في الوقف القبول اشترطنا فيها. إلا ان الصحيح انه موقوف على القول بملكية الموقوف له. فان لم يكن مالكاً لم يحتج الأمر إلى قبوله ولو كان خاصاً فضلاً عما إذا كان عامّاً. ونفس الحكم باحتماليه شامل لهذه الملحقات.
ولعل من واضح القول أن نشير إلى أنه لا فرق في الوقت وملحقاته بين تعلقه بالأملاك المنقولة، ككتاب أو ثوب أو عبد، أو غير المنقولة: كالدار أو المسجد أو البستان. كما لا فرق في الموقوف عليهم بين الفرد أو الذرية أو القوم أو الجهات العامة كالفقراء والهاشميين، وأهل بلد معين. إلى غير ذلك.
ــــــــــــــــــــ[246]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل: المفلَّس
قالوا في اللغة(1): «أفلس الرجل: صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم. يفلس إفلاساً: صار مفلساً كأنما صارت دراهمه فلوساً وزُيوفاً. كما يقال: أخبث الرجل إذا صار أصحابه خبثاء، وأقطف صارت دابته قطوفاً.
وأفلس الرجل، إذا لم يبقَ له مال، يراد به: انه صار إلى حال يقال فيها: ليس معه فَلس. كما يقال: أقهر الرجل صار إلى حال يُقهر عليها، وأذل الرجل صار إلى حال يذل فيها، وقد فلّسه الحاكم تفليساً: إذا نادى عليه أنه أفلس».
وقال المحقق الحلي في الشرائع(2): «المفلس هو الفقير الذي ذهب خيار ماله وبقي فلوسه. والمفلّس هو الذي جُعل مفلساً. أي منع من التصرف في أمواله».
قال: «ولا يتحقق الحجر عليه إلا بشروط أربعة:
الأول: أن تكون ديونه ثابتة عند الحاكم.
الثاني: أن تكون أمواله قاصرة عن ديونه، ويحتسب من جملة أمواله معوضات الديون.
ــــــــــــــــــــ[247]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) لسان العرب. مادة: فلس.
(2) شرائع الإسلام: ص78.
الثالث: أن تكون حالَّة.
الرابع: ان يلتمس الغرماء أو بعضهم الحَجر عليه. ولو ظهرت أمارات الفَلس لم يتبرع الحاكم بالحجر وكذا لو سأل هو الحجر».
أقول: المهم ان الفَلَس بفتحتين هو الفقر أو الفقر المدقع، وهو الشديد المجحف. والمفلس: مخففاً بكسر اللام هو الفقير. وبفتح اللام المشددة هو من أوجدت به هذه الصفة خارجاً عن إرادته كأن شخصاً سرق كل أمواله أو حجزه عنها.
فإذا حكم الحاكم العادل بالحجر أو الحجز على أموال شخص، امتنع تصرفه شرعاً في أمواله، كما سنوضح، فيحصل له نفس الحال، أي كأنه فقير لا يملك شيئا. لأن الحَجر يشمل كل الثروة على ما سنسمع.
الفهم المشهور:
الفهم التقليدي أو المشهور بين الفقهاء لعملية التفليس. هي أن الفرد -كالتاجر مثلاً- إذا زادت ديونه المستحقة على ثروته جاز للدائنين (الغرماء) أن يرفعوا أمره إلى الحاكم ويطلبوا منه الحكم بتفليسه. وعندئذ يفحص الحاكم عن حاله، فإذا ثبت عنده بالحجة الشرعية صدق الغرماء بمعنى أن ديونه قد زادت فعلا على كل ممتلكاته جاز له الحكم بالتفليس. فإذا حكم بتفليسه لم يجز له، أن يتصرف في أمواله تصرفاً متلفاً أو ناقلاً، فتبطل كل المعاملات المنتجة لخروج شيء عن ملكه. ثم يقوم الحاكم أو من يعيّنه لهذه المهمة بتوزيع ثروته على الغرماء، فيأخذ كل واحد منهم أقل من الدين الذي يطلبه، وهذا معلوم لأن ثروته لا تسع كل ديونه، ثم يحكم الحاكم برفع الفلَس عنه وتعود له صفة حرية التصرف شرعاً من دون أن يملك شيئاً غير مستثنيات الديون، كما سنذكر، ونتيجة هذه العملية استيفاء الغرماء وعدم استحقاقهم المطالبة بما فاتهم
ــــــــــــــــــــ[248]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
من الدين. وهو شكل من أشكال الربح له.
وهذا يعني عدة أمور:
الأمر الأول: أن تزيد ديونه المستحقة على ثروته، فلو كانت مساوية لها أو أقل منها، لم يجز تفليسه.
الأمر الثاني: ان التفليس من حق الغرماء ولا يكون إلا بطلبهم، وأما لو صبروا على الديون وأعرضوا عن المديون، كان لهم ذلك، ولم يجز للحاكم تفليسه.
الأمر الثالث: التفليس يكون بطلب الغرماء من الحاكم، ولا يجوز له ذلك قبل الطلب.
الأمر الرابع: أن تكون الديون حالّة ومستحقة فعلاً. وأما الديون المؤجلة التي لم تستحق فلا يجوز إدخالها في الحساب.
الأمر الخامس: أن تكون الديون ثابتة بحجة شرعية لدى الحاكم، لا بمجرد دعوى الغريم ونحوها.
الأمر السادس: إذا وجد بعض الغرماء عينه كان أحق بها. بمعنى العين المشتراة منه أو المستعارة منه أو نحوها.
الأمر السابع: ان التفليس لا يكون إلا بصدور حكم من الحاكم العادل، ولا يكون بمجرد حصول الشرائط السابقة.
الأمر الثامن: ان الثروة تقسم بعد الحكم بين الغرماء بالنسبة، فلو كانت الديون ضعف الثروة أخذ كل غريم نصف دينه.
الأمر التاسع: ان الغريم ليس له أن يطالب بإتمام دينه حتى بعد رفع الفلَس. بمعنى ان هذه العملية تُبرِئ ذمة المفلس من دين الغرماء الذين قبضوا
ــــــــــــــــــــ[249]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
بعض حقوقهم.
الأمر العاشر: أنه لا بد للحاكم من أن يحسب مقدار ممتلكات المديون كلها بالحجة الشرعية، بما فيها مستثنيات الدين. ليثبت انها بمجموعها أقل من الدين.
وكلام الفقهاء باستثناء مستثنيات الدين هنا غير واضح. فان لم تؤخذ بنظر الاعتبار كان اللازم إدخالها في الثروة وتوزيعها على الغرماء. وان أخذناها بنظر الاعتبار كان اللازم عدم احتسابها من الثروة وإخراجها من حقوق الغرماء. والأقرب إلى الفهم الفقهي التقليدي هو الأول. حتى كأن مستثنيات الدين غير موجودة في حق المفلس. وسيأتي الكلام عنها.
الأمر الحادي عشر: انه خلال حالة التفليس تُصرف للمفلِس وعائلته من أمواله بمقدار الضرورة في الطعام واللباس وغيره، ولا يجوز أكثر من الضرورة، والصرف يكون بإشراف الحاكم.
الأمر الثاني عشر: انه خلال التفليس لا يجوز للمفلس، إتلاف بعض أمواله أو بيعها أو هبتها، أو القيام بأي معاملة توجب خروج بعض ثروته عن ملكه لتعلق حق الغرماء بها. وقال سيدنا الأستاذ: يجوز ذلك مع إجازتهم. وهذا معناه ضرورة إجماعهم على ذلك، لوضوح وجود الحق لكل فرد منهم في الثروة.
وأما إذا كانت المعاملة مما لا ينافي حق الغرماء، كالاقتراض لم يكن محجوراً عنها، وجاز له إيجادها.
الأمر الثالث عشر: إذا قسّمت الديون ارتفعت حالة الفَلَس تلقائياً، كما هو المفهوم من كلام الفقهاء. وان كان احتمال احتياج الرفع إلى حكم الحاكم وارد أيضا، شأنه شأن الحكم بالتفليس نفسه.
ــــــــــــــــــــ[250]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الأمر الرابع عشر: انه يحصل للميت إذا نقصت ثروته عن ديونه ما يحصل للحي من تقسيمها بين الغرماء بالنسبة، بدون حاجة إلى حكم الحاكم ولا يسمى مفلساً اصطلاحاً.
فهذا مجمل الفهم التقليدي المشهور للتفليس، بغض النظر عن التفاصيل الزائدة.
وبعض هذه الأمور مسلّم فقهياً، حتى يمكن دعوى الإجماع عليه. وبعضه مشهور، وبعضه غير واضح من العبائر كما أشرنا.
النظر إلى الروايات:
أما إذا نظرنا إلى الروايات، وخاصة المعتبرة منها، لم نجد من هذه التفاصيل إلا أقل القليل. فان كان ثمة دليل على بعض الأمور السابقة، فإنما هو الإجماع لو تم إحرازه في بعضها أو الشهرة ان قلنا بحجيتها. ونذكر في ما يلي بعض الروايات ليجد القارئ بوضوح الفرق في الاتجاه الفكري بينها وبين ما سبق.
منها حسنة أبي بصير(1) عن أبي عبد الله: انه سئل عن رجل كانت عنده مضاربة ووديعة وأموال أيتام وبضايع وعليه سلف لقوم، فهلك وترك ألف درهم أو اكثر من ذلك والذي عليه للناس اكثر مما ترك. فقال: “يقسّم لهؤلاء الذين ذكرت كلهم على قدر حصصهم أموالهم”.
وصحيحة أبي ولاد(2) قال سألت أبا عبد الله: عن رجل باع من رجل متاعاً إلى سنة فمات المشتري قبل أن يحلّ ماله وأصاب البائع متاعه
ــــــــــــــــــــ[251]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الوسائل: كتاب الحجر, باب5، الحديث4.
(2) نفس المصدر: الحديث3.
بعينه. له أن يأخذه إذا خفي (حق) له. قال: فقال: “ان كان عليه دين وترك نحواً مما عليه، فليأخذه ان أخفى (حق) له. فان ذلك حلال له. ولو لم يترك نحواً من دينه فان صاحب المتاع كواحد ممّن له عليه شيء يأخذ بحصته ولا سبيل له على المتاع”.
ومصححة جميل(1) عن أبي عبد الله في رجل باع متاعاً من رجل فقبض المشتري المتاع ولم يدفع الثمن. ثم مات المشتري والمتاع قائم بعينه. فقال: “إذا كان المتاع قائما بعينه رد إلى صاحب المتاع”. وقال: “ليس للغرماء أن يحاصّوه (يخاصموه) به”.
وصحيحة عمر بن يزيد(2) عن أبي الحسن قال: سألته عن الرجل يركبه الدين فيوجد متاع رجل عنده بعينه. قال: “لا يحاصّه الغرماء”.
فهذا كل ما ورد من الروايات المربوطة بالموضوع. وهي أربع روايات فقط، كما هو معلوم. ولا غرابة في قلة عددها لقلة حوادث الافلاس في المجتمع !!..
غير أن ثلاث روايات منها واردة في مورد الموت، فيحتاج شمولها للحي إلى شكل من أشكال التجريد عن الخصوصية، بحيث نفهم منها مطلق الدين المستوعب للثروة. فان أمكن، وإلا بقي المفلس من الأحياء لا دليل في مورده هذه الرواية الواحدة مع الإجماع والشهرة ان ثبتا.
وهذا التجريد لا يخلو من صعوبة عرفية وفقهية، لعدة فروق بين الحي والميت واضحة للعيان مما يمت إلى المقام بصلة، من حيث أن الحي يحتاج إلى أمواله بخلاف الميت، كما ان الحي يمكن أن يمانع عن تقسيم ثروته في
ــــــــــــــــــــ[252]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) نفس المصدر: حديث1.
(2) نفس المصدر: حديث2.
ديونه بخلاف الميت، كما ان الحي يحتمل أن يتصدى لأداء دينه باختياره دون الميت. إلى غير ذلك من الفروق التي تمنع فقهيا تعميم الحكم من الميت للحي.
ويحسن بنا الآن المرور على الإشارة المختصرة إلى الدليل على كل واحد من الأمور السابقة، بلحاظ ما عرضناه من أدلة. ويرجع القارئ في عناوين هذه الأمور إلى ما سبق.
الأمر الأول: هو الأحوط ولعله مورد التسالم بين الفقهاء. وهو مقتضى الاستصحاب، إذ كان الفرد ممن لا يجوز الحجر عليه، فيبقى هذا الحكم إلى حد مساواة ديونه إلى ثروته. نعم، ثبت الجواز فيما إذا زادت ديونه على الثروة.
وأما قوله في الرواية: “ولو لم يترك نحواً من دينه”، فالاستدلال به غير خال من مناقشات أوضحها ما قلناه من ورودها في الميت وعدم إمكان شمولها الحي.
الأمر الثاني: هو الاحوط وعليه التسالم الفقهي. أعني حصول الطلب من الغرماء. كما هو مقتضى استصحاب حرمة الحجر عليه قبل الطلب. ولم تشر إليه الروايات إطلاقاً.
ومقتضى القاعدة: ان كل من زادت ديونه على ثروته وثبت مطالبة الغرماء بديونهم المستحقة. كان مفلساً. بلا حاجة إلى طلبهم الحَجر. بل يكفي مطالبتهم بالديون. والحجة على هذه الكبرى ان تمت، كما هو غير بعيد، قاطعة للاستصحاب.
الأمر الثالث: على القاعدة لعدم كون الحاكم من الدائنين على الفرض فلا حق في الثروة. ولا ولاية له على الغرماء مع حضورهم واختيارهم. ولا أقل
ــــــــــــــــــــ[253]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
من الاحتياط.
الأمر الرابع: على القاعدة لأن الديون غير المستحقة ليست ديون فعلية. وبتعبير آخر: انه مع النظر إلى هذا الزمان ليس ديناً على الإطلاق. وإنما يحتوي على مقتضى الاستحقاق بعد حين.
الأمر الخامس: على القاعدة. مع العلم ان الحجة قد تكون اعتراف المديون، وقد تكون البينة، إلى غير ذلك.
الأمر السادس: دلت على ذلك صحيحة (عمر بن يزيد) وهي الوحيدة التي وردت في الحي من الروايات الأربع السابقة. فالحكم ثابت.
الأمر السابع: هو مقتضى الاحتياط. إلا انه لا أثر له في الأدلة. وسيأتي في كتاب القضاء ان حكم القاضي الشرعي لا أثر له في الأدلة في أي مورد إطلاقاً. كل ما في الأمر ان الجريمة الثابتة شرعاً تعتبر موضوعاً لحكم شرعي بجواز أو وجوب إنزال العقوبة على المجرم بدون توسط الحكم. وان أكد عليه الفقهاء كثيراً.
إذن، فالمورد مندرج ضمن هذا الاتجاه. وهو أقل احتياطاً من الجرائم الاعتيادية لأن تلك الموارد فيها احتياط في الدماء، لأن العقوبات تحتوي على الدم، بخلاف الموارد المالية. فإن احتاط بعض الفقهاء، هناك بتوسط صدور الحكم، لم يكن ذلك شاملا لمحل الكلام، إلا باحتياط أقل, أو قل: احتياط استحبابي. ومقتضى الأصل عدم وجوبه، ما لم يثبت الإجماع.
الأمر الثامن: هو على القاعدة لعدم إمكان المديون من الايفاء أكثر من ثروته. وهو أيضا مقتضى العدالة بين الغرماء. فلا محيص عنه. مضافاً إلى ظهور صحيحة (عمر بن يزيد) وغيرها في ذلك.
الأمر التاسع: هو أمر على خلاف القاعدة، ولا أثر له في الأدلة. فان ثبت
ــــــــــــــــــــ[254]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
عليه الإجماع. وإلا كان من حق الغرماء مطالبته بالباقي تدريجاً ومن دون تفليس. ومقتضى الاستصحاب اشتغال ذمته بالديون حتى بعد فك التفليس.
الأمر العاشر: مستثنيات الدين هي الأموال التي لا يجب دفعها في الدين وان طالب الدائن بدينه. ولا يجب بيعها بهذا السبب. ومنها: الدار والخادم والدابة والثياب وان كانت للتجمل ونحوها مما دل عليها الدليل. وسيأتي الكلام عنها في كتاب القرض.
والمهم الآن السؤال عما إذا كانت مستثناة من الدفع إلى غرماء المفلس. كما هي مستثناة من الدفع في أي دين. أو أن حالة الفلس تجعل من اللازم دفع ثروته كلها في الدين بدون استثناء.
ومقتضى ظاهر الاتجاه التقليدي في الفقه هو الثاني، أعني عدم الاستثناء. ومقتضى إطلاق أدلة الاستثناء هو شمولها لكل دين حتى في حالة الفلس. وهي الحجة في المقام. ولم يثبت إجماع أو شهرة تنفي ذلك أو تعارضه.
وإذا ثبت ذلك، حصلت عندنا في موضوع الحكم بالتفليس بعض الوجوه:
أولاً: ان نحسب حساب الثروة الزائدة عن مستثنيات الدين. فهي التي يجب ان تكون أقل من الديون، وهي التي توزع بين الدائنين.
ثانياً: أن نحسب حساب كل الثروة مع المستثنيات. ولم يجز الحجر على المديون إلا إذا تجاوزت ثروته كل ذلك. ولكن لا يجب الدفع إلا ما زاد عن المستثنيات.
والثاني هو مقتضى استصحاب عدم جواز الحجر عليه قبل ذلك. إلا أن الأول هو مقتضى أدلة الاستثناء إذا فهمنا منها الاستثناء من جميع الوجوه. كما انه هو الأوفق بصالح الدائنين.
إلا ان هذا الفهم من أدلة الاستثناء لا يخلو من صعوبة وتحمل. فالمصير
ــــــــــــــــــــ[255]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إلى الوجه الثاني أولى.
وأما بحسب الفهم التقليدي، فهم يحسبون كل الثروة، ويوزعونها جميعا بدون استثناء. ومن هنا حجروا على كل الثروة إذ لو كانت مستثنيات الدين خارجة، لما كان هناك وجه للحجر عليها، فلو باع بعضها أو وهبه صحت المعاملة.
كما أنه، من هذه الزاوية، أصبح الصرف على حياته الضرورية بإشراف الحاكم، وبمقدار الضرورة يوما فيوما، خلال أيام الحكم بالتفليس.
وعلى أي حال، فما دام الإجماع والشهرة لم يثبتا في هذا الصدد، لقلة من تعرّض من الفقهاء لمستثنيات الدين عند التفليس. إذن, فالحكم ما ذكرناه.
الأمر الحادي عشر: هو مقتضى الاتجاه الفقهي التقليدي، كما أشرنا. وأما بناءً على ما ذكرناه من خروج مستثنيات الدين عن حق الغرماء. فلا حاجة إلى هذا التكلف فضلاً عما إذا قلنا بعدم الحجر عليها أساساً لعدم تعلق حق الغرماء بها شرعاً.
الأمر الثاني عشر: لا شك ان مؤدى الحجر على المفلس هو منعه من أي تصرف يفوّت على الغرماء حقوقهم أو شيئاً منها مهما كان قليلاً. وهذا واضح فقهياً وثابت بالضرورة.
إلا ان إثبات المنع عن المعاملات حتى في الخارج عن هذه الحدود، كمستثنيات الدين، ان قلنا بها، وكوجبات طعامه التي اعترف الفقهاء بدفعها إليه وتمكينه منها. فان أراد بيع شيء من ذلك فما الذي يمنعه عنه؟ وما الحاجة إلى إذن الغرماء ما دام لا يفوت حقوقهم؟
ومقتضى التمسك بالمطلقات نفوذ بيعه. والدليل المقيد لها وهو دليل الحجر، ليس مردداً بين الأقل والأكثر، ليكون التمسك بالعام ممنوعاً، بل هو
ــــــــــــــــــــ[256]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الأقل لا محالة، وهو ما ينافي حقوق الغرماء وليس فيما خرج عنها أي حجر. ولذا أفتى الفقهاء بجواز قبول المفلّس الهبة ونحوها من المعاملات غير المنافية.
الأمر الثالث عشر: مقتضى القاعدة ارتفاع الفلس تلقائياً بعد تقسيم الديون لارتفاع موضوعه. وأما الحاجة إلى الحكم، فاحتماله ضعيف فقهياً وخاصة بعد ما قلناه في الأمر السابع.
الأمر الرابع عشر: بالنسبة إلى ديون الميت. فمن المعروف فقهياً ان الفرد إذا مات وجب إخراج مصارف الدفن أولاً من أصل المال، ثم توفى ديونه وما فاته من الواجبات العبادية، بما فيها الواجبات المالية. ثم يبقى الباقي يقسم بين الورثة.
والمهم الآن أن نعرف ان الديون مقدمة على حقوق الورثة. فيجب البدء بالغرماء وإيفاءهم حقوقهم. فان بقي شيء من التركة كان للورثة. وان لم يبقَ شيء لم يكن لهم أي حق.
وعدم بقاء شيء منها يكون في صورتين: في صورة مساواة الديون مع التركة وصورة زيادتها على التركة.
ومع حصول هذه الزيادة يكون حال الميت حال المفلّس. أو بتعبير آخر: يكون حال غرمائه حال غرماء المفلس. من حيث انه يجب القسمة بينهم بالنسبة ويصل كل واحد منهم أقل من مجموع دينه.
وقد نصت الروايات السابقة على ذلك. وانه ان وجد بعض الدائنين عيناً كانت له أخذها إلا في صورة واحدة هي ان الميت لم يكن لديه إلا هذه العين. عندئذ تباع وتقسم بين الغرماء ويأخذ صاحب العين من دينه ما يخصه من النسبة.
ــــــــــــــــــــ[257]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وهذا هو المفهوم من قوله في صحيحة أبي ولاد: “ولو لم يترك نحواً من دينه فان صاحب المتاع كواحد ممن له عليه شيء يأخذ بحصته لا سبيل له على المتاع”.
ومن جهة أخرى, فانه من المؤكد انه ليس من حق الغرماء المطالبة بباقي الدين. أما الميت فلسقوطه عن التكليف، وأما الورثة فلأنَّ ذمتهم فارغة.
وهذا وان لم تنطق به الروايات بصراحة، إلا انه مقتضى القاعدة، ولا يبعد أنه يستفاد من بعض الإطلاقات المقامية لهذه الروايات.
وهذا هو الذي حدا بالفقهاء تعميم هذا الحكم إلى المفلس الحي. وقد ناقشنا بإمكان هذا التعميم، وتحدثنا عنه في الأمر التاسع باختصار.
ــــــــــــــــــــ[258]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
مرض الموت
ما هو مرض الموت؟
قال المحقق الحلي في الشرائع(1): «كل مرض لا يؤمَن معه من الموت غالباً فهو مخوف. كحمّى الرق والسل وقذف الدم والأورام السودائية والدموية والإسهال المنتن، والذي يمازجه دهينة، أو براز أسود يغلي على الأرض وما شاكله.
وأما الأمراض التي الغالب فيها السلامة، فحكمها حكم الصحة، كحمى يوم وكالصداع عن مادة وعن غير مادة. والدمل والرمد والسلاق. وكذا ما يحتمل الأمرين كحمى العفن والزحير والأورام البلغمية.
ولو قيل: يتعلق الحكم بالمرض الذي يتفق به الموت، سواء كان مخوفاً في العادة أو لم يكن، لكان حسناً.
أما وقت المراماة في الحرب والطلق للمرأة وتزاحم الأمواج في البحر، فلا أرى الحكم يتعلق بها لتجردها عن إطلاق اسم المرض».
أقول: وهذا يعني اننا يمكن أن نلحظ الأمر على عدة مستويات:
المستوى الأول: المرض المنتج للموت عادة بشكل قريب كشهر أو دونه.
ــــــــــــــــــــ[259]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) ج2 ص215.
المستوى الثاني: المرض المنتج للموت عادة خلال مدة أطول كسنة ونحوها.
المستوى الثالث: المرض الذي يظن أو يحتمل ترتب الموت عليه بزمن قريب أو بعيد.
المستوى الرابع: المرض الذي لا يترتب عليه الموت عادة بحيث لو مات الفرد حال وجوده لكان الراجح أن له سبباً آخراً غيره.
ولا يفرق المرض بين أن يكون له سبب خارجي ملحوظ كالجرح أو الحرق أو السقوط، أو لم يكن كذلك.
وكل هذه المستويات الأربعة، أما أن تكون منتجة للموت فعلاً، أو قل: مقترنة به، واما ان لا تكون كذلك. بل تزول بسبب وآخر ويبقى الفرد حياً.
فان زال المرض وبقي الفرد حياً، فهو ليس مرض الموت قطعاً. وان مات الفرد خلال وجود المرض فالمستويات الأربعة تختلف. فالمستوى الرابع ليس من مرض الموت قطعاً.
وكذلك المستوى الثاني، وان علمنا انتساب الموت إلى نفس المرض. إلا أنه ليس من الفهم العرفي ولا العملي أن يقال: ان سبب الموت مستمر في مرض الموت سنة أو أكثر. نعم، إذا ثقل حاله بسبب نفس المرض أو بسبب آخر وترتبت عليه الوفاة كان منذ ذلك الحين في مرض الموت.
ومن هذا الأخير نعرف حال المستوى الأول والثالث. أما الأول، فهو يعني انه فعلا في مرض الموت، مع ترتب الوفاة على الفرض. نعم، لو علمنا ان الوفاة كانت بسبب آخر غير مربوط بما يعانيه أصلا. احتمل ذلك فقهيا وان المعاناة الأولى ليست من مرض الموت. وهو كذلك بالدقة العقلية. غير أنه لا يبعد أن يكون النظر العرفي إلى مجموع المعاناة كالمرض الواحد، فيكون
ــــــــــــــــــــ[260]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
كله من مرض الموت، ما دام مندرجاً في المستوى الأول، أعني قد حصلت الوفاة في مدة قصيرة نسبياً.
وأما المستوى الثالث، فما دام الظن حاصلا بانتساب الموت إلى ذلك المرض، ولم تكن المدة طويلة، فهو مرض الموت عرفاً. كذلك لو كان السبب مرض آخر في مدة قصيرة كما أسلفنا قبل قليل.
واما لو طالت المدة، أخذنا وقت الاشتداد وثقل الحال، كمرض للموت عرفاً. واما ما قبله فلا يكون كذلك، وان كان سبب الموت موجوداً بالدقة العقلية أو الطبية.
إذن، فما ذهب إليه المحقق الحلي مما سمعناه من أنه: «يتعلق الحكم بالمرض الذي يتفق به الموت». صحيح، لكن بشرط ان لا تتخلل مدة طويلة تفصله عن التسبيب العرفي.
وأما قوله: «سواء كان مخوفا في العادة أو لم يكن». لا بد أن يراد منه المخوف القطعي والمخوف الظني ليكون الأمر صحيحاً. وأما إذا لم يكن مخوفاً على الإطلاق على النفس كوجع العين أو وجع الأسنان، فهو ليس من مرض الموت وان حصل الموت. لعلمنا عادة بحصوله بسبب آخر. نعم، لو اشتد نفس المرض وأدى إلى الوفاة خلال مدة غير طويلة، كان مرض الموت.
والمرض أمر عرفي مفهوم. ومن الواضح انه لا يشمل أسبابه. كالتي عددها المحقق الحلي مما سمعناه: «كالمراماة في الحرب والطلق للمرأة وتزاحم الأمواج في البحر» فان سبب المرض ليس بمرض.
نعم، لا شك ان هذه الأسباب مهما كانت شديدة، فهي ليست قاتلة، وإنما القاتل بالشكل المباشر هو الحالة الصحية الرديئة المنتجة لها. فقد يقال أنها هي مرض الموت.
ــــــــــــــــــــ[261]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إلا انه ينبغي التفصيل بين ما إذا أنتجت تلك الأسباب حالة مرض عرفاً أو لم تنتج. فان أنتجت ذلك كالمثخن بالجراح أو الخارج من الغرق بحال ثقيل، فهو من مرض الموت. وان لم تنتج ذلك كالموت السريع بالجراح أو الغرق أو الطلق أو غيرها، فهو عرفاً ليس مرضاً كما أشار المحقق الحلي، فلا يكون من مرض الموت.
فهذه فكرة كافية عن مرض الموت.
ولا يفوتنا الالتفات إلى بعض الأمور:
الأمر الأول: انه يفترض فقهياً -كما هو الأغلب- ان المريض مرض الموت، يستطيع ان يتكلم بفهم وإدراك كافيين. واما لو لم يكن كذلك، كما لو انقطع كلامه لسبب المرض أو الاحتضار. فالأمر يختلف فقهيا. وقد تلحقه أحكام أخرى، فمثلاً؛ ان الخَرف حال الشيخوخة ملحق بالجنون أو بالسفه فقهياً، كما سنعرف في الفصل الآتي.
الأمر الثاني: ان ما يسمى بصحوة الموت أمر صحيح ومجرب في كثيرين وجداناً. وان لم يحصل للجميع لسبب ما كالغرق أو الحرق أو الذبحة الفجائية أو القتل السريع لو صح التعبير.
وعلى أي حال، فان حصلت، فهي حاصلة خلال مرض الموت بلا إشكال ويشملها حكمه الآتي، ويكون الفرد خلالها ناطقاً مفكراً بشكل طبيعي عرفاً. تماماً كما قلنا في الأمر الأول.
وقد ورد في بعض الروايات ان هذه الصحوة إنما يسّرها الله عز وجل للفرد لأجل إعطائه فرصة الوصية. أقول: يعني لمن فاته الإيصاء قبل ذلك. إلا ان نقطة الضعف ان الكثيرين قد يحسبونها تحسناً حقيقيا في حال المريض، بل يحسبها المريض نفسه كذلك، فيترك الوصية ويشتغل بما يناسبه من أمور
ــــــــــــــــــــ[262]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الدنيا. إنا لله وإنا إليه راجعون.
الأمر الثالث: سبق من تعريفنا لمرض الموت: اننا إنما نعلم غالباً أنه كذلك، فيما إذا ترتبت عليه الوفاة فعلاً. واما قبل ذلك، فلا يتعين في أغلب الحالات تحقق الوفاة، ومن ثم لا يتعين كونه مرض الموت.
إذن، فما يأتي من الحكم من حيث كونه منوطاً بمرض الموت، لا يمكن أن نعرف انطباقه إلا بعد حصول الوفاة. ومعه, فالمعاملات المحاباتيّة التي سنشير إليها، والتي يحتمل بطلانها في أكثر من ثلث الثروة، كما سيأتي. ينبغي أن تبقى موقوفة، لا نجزم بصحتها إلى أن يحصل الموت. أو بتعبير أدق: إلى أن نحرز كونها في مرض الموت. وذلك بحصول الوفاة فعلا، في مدى قريب نسبيا كما سبق.
حكم مرض الموت:
قال مشهور الفقهاء: «ان منجّزات المريض المحاباتيّة تخرج من الثلث إلا مع رضاء الورثة بالزائد».
ويقصدون بالمنجّزات: المعاملات التي يقوم بها المريض على أن تكون نافذة ومؤثرة حال حياته، غير مؤجلة بعد وفاته والا كانت من قبيل الوصية. فإذا استثنينا مفهوم الوصية، كانت باقي معاملات عادية غير منوطة بموته، وهذا هو المقصود بالمنجّزات.
والمحاباتيّة: هي المعاملات التي تحتوي على المحاباة. وهي ما أخذ الفرد بنظر الاعتبار الطرف الآخر إكراماً له أو حباً به أو خوفاً منه بدرجة دون الإكراه ونحو ذلك. فباعه بثمن أقل من السوق أو اشترى منه بثمن أعلى، وكذلك لو وهب شيئا أو أعتق عبده. ومن الناحية الفقهية، فان كل معاملة فيها خسارة بدون تعويض فهي معاملة محاباتيّة.
ــــــــــــــــــــ[263]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وإذا اتضح ذلك عرفنا معنى الفتوى المشهورة: ان المعاملات العادية التي يقوم بها المريض بمرض الموت، غير المنوطة بموته، ان كانت تحتوي في نتائجها على خسارة بدون تعويض، فهي تحسب من ثلثه، يعني من ثلث ثروته، ولا يجوز له إيجاد المعاملات فيما خرج عن هذا الحد، إلا إذا أحرز رضا الورثة.
فمن الناحية العملية، يصبح المريض مرض الموت، كالميت، من الناحية الفقهية، لا حق له في أن يتصرف بأكثر من الثلث. فكما ان الوصية لما بعد الموت تختص به، كذلك المعاملات المحاباتية للمريض.
وفي الواقع، فان هذا الحكم ليس قياسا على حكم الميت من باب المشابهة أو الأول والمشارفة. بل دليله الخاص، وقد أفتى به المشهور. وقد خالف به جماعة منهم السيد الأستاذ. وقالوا: ان المريض مرض الموت كغيره من الأحياء تنفذ معاملاته في كل ثروته لا في ثلثه فقط.
مختصر الدليل:
وهذا الذي أفتى به السيد الأستاذ هو الصحيح، ولا أريد أن أثقل على القارئ بالدليل. إلا أني اذكر ملخصه:
ان صحة المعاملات مطلقاً، يعني سواء كانت محاباتية أم لا. من المريض مرض الموت هو مقتضى أصالة الصحة في المعاملات، المقررة بالعمومات الواردة في الكتاب والسُنّة مثل أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ و تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وأَوْفُواْ بِالْعُقُودِ و”المؤمنون عند شروطهم” وغيرها.
وهذه العمومات شاملة للمريض وغيره، لا نخرج عنها إلا بدليل خاص. وبهذا الصدد وردت طائفتان من الروايات:
ــــــــــــــــــــ[264]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الطائفة الأولى: تنص على صحة المعاملات مطلقاً ما دامت الروح في الجسد.
وهي مجموعة روايات مستفيضة، ومنها ما هو معتبر. كموثقة أبي بصير(1) عن أبي عبد الله وفيها: “ان لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء ما دام حياً ان شاء وهبه وان شاء تصدق به وان شاء تركه إلى أن يأتيه الموت. فان أوصى به فليس له إلا الثلث. إلا ان الفضل في ان لا يضيع من يعوله ولا يضر بورثته”.
وهذه الطائفة كالنص في مورد المرض، وليست شاملة له بالإطلاق. لأن التشكيك في صحة المعاملة ليس في الأوقات الاعتيادية، ليكون السؤال عنها، بل في أوقات استثنائية، ولعل أوضحها على الإطلاق هو حال مرض الموت.
بل ان بعض هذه الروايات واردة فعلا في خصوص المرض كصحيحة عمار الساباطي(2) عن أبي عبد الله في الرجل يجعل بعض ماله لرجل في مرضه. فقال: “إذا أبانه جاز”.
والمقصود من المرض مرض الموت، للتسالم على الصحة في غيره. وقوله: “إذا أبانه”، يعني فصله عن ملكه في مقابل الوصية به، بعد موته. ولذا ورد في رواية أخرى: “إذا أبان به فهو جائز وان أوصى به فهو من الثلث”.
إذن، فهذه الطائفة واردة في خصوص محل كلام الفقهاء أعني المعاملات المنجزة المحاباتية. وفتوى الروايات بالجواز وفتوى المشهور بالمنع.
الطائفة الثانية: وهي التي تقول كما يقول المشهور بالمنع.
ــــــــــــــــــــ[265]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الوسائل: كتاب الوصايا, باب17, حديث2.
(2) نفس المصدر: حديث10.
كموثقة سماعة(1): قال سألت أبا عبد الله عن عطية الوالد لولده فقال: “اما إذا كان صحيحاً فهو ماله يصنع به ما يشاء. وأما في مرضه فلا يصلح”.
وحسنة عقبة بن خالد(2) عن أبي عبد الله قال: سألته عن رجل حضره الموت فاعتق مملوكاً له ليس له غيره فأبى الورثة أن يجيزوا ذلك. كيف القضاء فيه. قال: “ما يعتق منه إلا ثلثه”.
فإن حصلت عندنا هاتان الطائفتان، وكلاهما واردان مورد مرض الموت، والأولى تفيد الجواز والثانية تفيد المنع. ومقتضى القاعدة هو إيقاع التعارض بينهما وبه تسقط الدلالة فيهما معا عن الحجية، ويكون المصير عندئذ إلى (العموم الفوقاني) -باصطلاحهم- وهو هنا ما أشرنا إليه من الأدلة العامة الدالة على صحة المعاملة. والشاملة لمنجزات المريض المحاباتية أيضاً.
كما يمكن إيقاع المعارضة بين الروايات المانعة، وبين صحيحة (عمار الساباطي) السابقة، والرجوع إلى ما دل على صحة المعاملة ما دامت الروح في الجسد، كعام فوقاني. مثل موثقة (أبي بصير) وغيرها مما قلنا أنه مستفيض.
فهذا هو مجمل الدليل على صحة المعاملات الحاصلة في مرض الموت، وان كانت محاباتية، وفاقاً لسيدنا الأستاذ. وتمام الكلام لا يسعه هذا المقام.
ــــــــــــــــــــ[266]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) نفس المصدر: حديث11.
(2) نفس المصدر: حديث13.
فصل
القصور العقلي
ينقسم القصور العقلي إلى مراتب كثيرة وأشكال متنوعة، غير ان المهم فقهيا منها اثنان: الجنون والسفه، وقد يتضح من خلال الحديث بعض الأقسام الأخرى مع أحكامها.
الجنون:
قال ابن منظور(1): جَنّ الشيء يجنُه جنّاً: ستره. وكل شيء ستر عنك فقد جن عنك. وجنه الليل يجنه جنا وجُنوناً وجَن عليه يجن بالضم جنوناً واجنه: ستره. وبه سمي الجن لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار. ومنه سمي الجنين لاستتاره في بطن أمه.
قال: والجنن بالفتح هو القبر لستره الميت. والجنن أيضا الكفن لذلك. واجنه كفنه.
قال: والجنان بالفتح: القلب لاستتاره في الصدر. وقيل لوعيه الأشياء وجمعه لها. وقيل: الجنان رُوع القلب، وذلك اذهب في الخفاء. وربما سمي الروح جناناً لأن الجسم يجنه. وقال ابن دريد: سميت الروح جناناً لأن الجسم
ــــــــــــــــــــ[267]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) لسان العرب: مادة جنن.
يجنها. فأنث الروح. والجمع أجنان.
قال: والجنة بالضم: ما واراك من السلاح واستترت به منك والجُنة: السترة. والجمع: الجنن. يقال إستجن بجُنه أي استتر بستره. وقيل: كل مستور جنين. حتى انهم ليقولون: حقد جنين وضغن جنين.
وقال: جُن الرجل جنونا وأجنه الله، فهو مجنون. ولا تقل: مُجَن. الليث: الجِنة: الجنون أيضا. وفي التنزيل العزيز: أم بِهِ جِنَّةٌ.
قال: وفي الحديث: “اللهم إني أعوذ بك من جنون العمل”. أي من الإعجاب به. ويؤكد هذا حديثه الآخر: انه رأى قوماً مجتمعين على إنسان. فقال: ما هذا؟ فقالوا: مجنون. قال: هذا مصاب. إنما المجنون الذي يضرب بمنكبيه وينظر في عطفيه ويتمطى في مشيته.
أقول: ذكروا: انه سمي مجنوناً لاستتار عقله. وان الفعل فيه مبني للمفعول، لانتسابه إلى الله عز وجل. فيقولون: جُن بالضم يجن ولا يقولون: جَنَ يجن. على هذا المعنى.
إذن، فالجنون هو ذهاب العقل. وقد عرفوه في القانون(1): انه هو الاضطراب أو النقص العقلي الذي يعفى صاحبه من بعض النتائج القانونية لأفعاله.
قالوا(2): ويختلف مفهوم الجنون الجنائي والمدني عن المفاهيم المستخدمة في الطب العقلي مثل: عصاب وذهان. فالمجنون قانوناً هو الذي يجهل طبيعة أفعاله ويعجز عن التمييز بين الخطأ والصواب.
ــــــــــــــــــــ[268]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الموسوعة العربية الميسرة ج1ص651.
(2) المصدر والصفحة.
وقالوا(1): الذهان: مرض عقلي وظيفي أو عضوي، يعجز المصاب به عن التوافق بصورة واقعية مع بيئته. أهم أعراضه: العجز عن التقدير الصحيح للواقع الخارجي، كما في الهلوسات والهذيانات والانحرافات البالغة في الحالة المزاجية الانفعالية، كما في الهوس والاكتئاب. عدم التعبير الخارجي عن الانفعال أو عدم مطابقة هذا التعبير للواقع. الاختلال في الشعور بالذاتية وفي الحكم العقلي.
ومن الأمراض الذهانية العضوية. أي الناشئة عن إصابة المخ: الشلل الجنوني العام. ذهان الشيخوخة والصرع في مراحله الأخيرة المهملة.
والأمراض الذهانية الخالية من الإصابات العضوية. كالذهان الهذائي (بارانويا) والفصام (شيزوفرينيا). وذهان الهوس والاكتئاب، تعد من الأمراض الوظيفية.
قالوا(2): واهم أعراض الهوس أو (المانيا) تضخم الأفكار وتهيجها وانتقالها السريع من موضوع إلى آخر دون التمييز بين قيم المعاني. وسرعة تداعي المعاني، مع الميل إلى النكتة الملائمة للموقف والتفوه بألفاظ بذيئة. وأفكار العظمة والاستعلاء. والإحساس المفرط بالانبساط والمرح وازدياد النشاط الحركي والاندفاع إلى تحقيق أية فكرة تخطر. ويكون تفكك النشاط الحركي العنيف موازياً لتفكك النشاط الذهني الهائج.
أما أعراض الاكتئاب، فشبيهة بأعراض الملانخوليا أو المرض السوداوي لانهباط وخفض النشاط الحركي وانعدام الاهتمام بالعالم الخارجي والأرق ونقص الغذاء. وسيطرة أفكار عدم الجدارة الذاتية والخطيئة والانتحار.
ــــــــــــــــــــ[269]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) المصدر ص846.
(2) المصدر والصفحة.
ويعد ذهان الهوس والاكتئاب من الأمراض العقلية الوظيفية. وترجع البحوث الأخيرة تأثير الاضطرابات الفسيولوجية التي تحدث في الدماغ المتوسط(1).
وقالوا عن العُصاب: انه مجموعة أعراض نفسية تصحبها أحيانا مظاهر جسمية شاذة، كما في الهستيريا التحولية.
ينشأ العصاب عن الصراع اللاشعوري بين دوافع متعارضة بين تحريم الرغبات الجنسية وإرضائها. وخاصة في الطفولة.
والعرض العصابي، محاولة شاذة لتحقيق التكيف والتوتر والقلق.
واهم الأعراض العصابية النفسية: المخاوف الشاذة والحصر النفسي والأفكار الثابتة، والشك المرضي، والوسواس والهجاس والاندفاعات القهرية. ويشعر العصابي بشذوذ حالته ويطالب بالعلاج. ويظل محتفظاً بقدر من الاستبصار بخلاف الذهاني (المصاب بمرض عقلي).
ويختلف العصاب عن المرض العصبي. بأن الأول نفسي المنشأ، بينما الثاني عضوي المنشأ ناتج عن إصابة محدودة في المراكز العصبية.
هذا ما قالوه. ولنا أن نعلق على ما سبق بعدة أمور:
الأمر الأول: في الفهم الأخلاقي للجنون. نقدم الكلام عنه لكي نلحقه بالمعنى الفقهي بعد ذلك، ليكون أقرب إلى حكمه في حديثنا.
وبالإجمال: فان المجنون بالفهم الأخلاقي هو المبتعد عن الحق. وعليه أدلة أخلاقية بدورها:
أولا: ما ورد: ان العقل ما عبد به الرحمن وعصي به الشيطان واكتسب به
ــــــــــــــــــــ[270]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) العبارة الأخيرة ناقصة في المصدر والمعنى مفهوم، المصدر. صفحة: 1213.
الجنان.
ومن المعلوم ان من لا يكون كذلك يكون مسلوب العقل بهذا المعنى. وكل مسلوب العقل فهو مجنون.
ثانياً: ما ورد من طريق الفريقين، بمضمون الحديث الذي سمعناه عن ابن منظور حيث قال فيه: هذا مصاب إنما المجنون الذي يضرب بمنكبَيه وينظر في عطفَيه الخ. يعني المتكبر. وإنما كان مجنوناً لأنه أقام نفسه أعلى مما تستحق.
ثالثاً: قوله تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ.
ومن المعلوم ان من كان مستواه الباطني أو الداخلي كالأنعام أو أسوأ منها، فليس له العقل البشري المطلوب من الإنسان والموهوب له. ومن ليس له عقل فهو مجنون. وبالالتفات إلى الآية الكريمة نعلم ان كل الغافلين عن الحق هم مندرجون تحت هذه الطائلة لا محالة.
رابعاً: سمعنا مما سبق ان من صفات المجنون الأساسية أنه لا يميز بين الخطأ والصواب. فإذا علمنا ما هو الحق والخطأ من الناحية الأخلاقية. وعلمنا ان كثيراً من الناس لا يعرفونها ولا يميزونها، عرفنا النتيجة الحتمية عندئذ.
خامساً: سمعنا أيضا ان من أعراض الذهان (الجنون): العجز عن التقدير الصحيح للواقع الخارجي.
فإذا علمنا بالفهم الأخلاقي للواقع الخارجي الشامل للدنيا والآخرة وللجسد والروح والنفس والعقل. وعلمنا ان كثيراً من الناس لا يميزونها ولا يهتمون بمتابعتها. فهم عاجزون عن التقدير الصحيح للواقع الخارجي بمعناه الواسع والحقيقي. إذن، نعرف ما ينبغي ان نصف أمثال هؤلاء الناس من صفات.
ــــــــــــــــــــ[271]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ولا حاجة إلى مزيد الكلام في هذا الأمر.
الأمر الثاني: ان عدداً من هذه الصفات التي ذكرت للمجانين، موجودة وموزعة بين كثير من الناس، بل بين كل الناس.
كل ما في الأمر ان لها مراتب في الوضوح. نعم، قد يقال: أنها لو اجتمع عدد منها بشكل واضح ومستمر، كان الفرد مجنوناً.
ولا يبعد وضوحها واستمرارها لبعض الوقت في عدد من حالات الفرد غير الاعتيادية، كالغضب والحزن والكآبة بل والحماس والفرح أحيانا. وبالجملة، فاتصاف الأفراد العاديين أحيانا ببعض صفات المجانين، يعتبر أمراً طبيعياً ومعتاداً.
الأمر الثالث: ان من جملة الصفات التي سمعناها للمجانين، تعتبر أحيانا واقعية وصحيحة. وذلك يختلف باختلاف حياة الفرد وقناعاته تجاه نفسه وتجاه الآخرين.
ويمكن التمثيل لذلك بعدة موارد:
المورد الأول: الشك المفرط، قد يكون له ما يبرره. اما بالنسبة إلى فرد تجاه فرد آخر فهو واضح. وكذلك بالنسبة إلى مجموعة معينة من الناس.
بل من الممكن القول بان الشك في أكثر الناس معقول جداً.
وقد قيل: ان سوء الظن من حسن الفطن. ولا شك ان المتشرع يشك في امتثال أكثر الناس لتفاصيل الشريعة، كما ان القانوني والمطبق يشك في امتثال اكثر الناس لقانونه. وقد سبق لي ان قرأت قبل عدد من السنين مقالة بعنوان: 99% من الناس مجرمون. يحاول فيها الكاتب أن يبرز المفارقة الحادة بين الاتجاه النفسي أو المصلحي وبين القوانين والأعراف السائدة في المجتمع. ومهما كان الفرد ملتزماً ظاهراً من الناحية الاجتماعية، فانه ينطوي نفسياً على
ــــــــــــــــــــ[272]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
التمرد والعصيان.
المورد الثاني: الخوف المفرط قد يكون له ما يبرره. وخاصة في حالة الأفراد الذين يعيشون حياة مهددة بالخطر من عدد من الجهات. وهو يحصل في المجتمعات المعاصرة كثيراً.
المورد الثالث: الهاجس النفسي، له ما يبرره أيضا. وقد عرفوا الهاجس بأنه الحديث الذي يوجد في النفس والفكرة التي توجد في الذهن. وقالوا: ان الفرد قد يجد في نفسه حديثاً. فان كان حقاً فهو من الملك ويسمى إلهاماً، وان كان باطلاً، فهو من الشيطان ويسمى هاجساً.
إذن فهذه ظاهرة موجودة بين الناس، وليست خاصة بالمجانين.
المورد الرابع: هناك مجموعة من الأوصاف السابقة، لها ما يبررها بالنسبة إلى من يسلك مسلك الزهاد العباد المعرضون عن الدنيا والمتوجهون بعقولهم وأعمالهم إلى الآخرة.
فقد سمعنا في أعراض الاكتئاب ان منها: خفض النشاط الحركي، وانعدام الاهتمام بالعالم الخارجي، والأرق ورفض الغذاء، وسيطرة أفكار عدم الجدارة الذاتية والخطيئة. وهذه الأوصاف مما قد يتصف به هذه الطبقة من الناس. بحسب فهمهم الخاص للواقع الذي يعيشونه.
ولعل من اجل هذه يسمى المجانين: مجاذيب باللهجة المصرية.
ويسمون مصحهم: مستشفى المجاذيب. وذلك: انطلاقاً من افتراض انهم مجذوبون إلى العالم الأعلى بفضل الله تعالى. باعتبار ان الناس يرون من الزهاد العباد صفات حقيقية ومشابهة في الانطباع الدنيوي لمن يسمى بالمجنون. اذن، فقد يفهمون ان كل من يتصف بهذه الصفات هو من الزهاد العباد أو من المجذوبين إلى العالم الأعلى. وليسوا مجانين على الحقيقة.
ــــــــــــــــــــ[273]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المورد الخامس: ان الشعور بالمرح والفرح المتزايد قد يكون له ما يبرره، وخاصة في مقتبل العمر.
وبالجملة. فان هذه الأوصاف ان اعتبرناها حقيقية وصحيحة. إذن فالمجانين متصفون بصفات العقلاء كما قلنا هنا، وان اعتبرناها غير صحيحة، فالعقلاء متصفون بصفات المجانين، كما قلنا في الأمر السابق.
وهذا التسلسل الفكري، قد ينتج الشك في الجنون العقلي لكثير ممن يحسبهم الناس مجانين لمجرد حصول بعض الصفات لهم وصدور بعض الأعمال منهم. وقد يكونون مظلومين بنظر المجتمع إليهم.
الأمر الرابع: مهما كان الحال الذي قلناه قبل قليل. فان هناك عدداً من الناس مجانين فعلاً. ومهما كان تعريف الجنون وعوارضه الطبية ومهما كان عمل المجنون، فان المهم فقهياً هو الصدق العرفي للمجنون. فان وافق العرف على هذا الصدق لحقه حكمه والا فلا.
فمثلاً: حالة الاكتئاب وحالة العصاب التي سبق أن سمعناها لا تعدان جنوناً عرفاً إلا في بعض حالاتها المتطرفة. وأما الذُهان فهو الجنون بالذات. ويراد به مرض الذهن كالكُباد الذي هو مرض الكبد والقُلاب مرض القلب ونحو ذلك.
إلا أن الذي يهون الخطب انه يمكن أن يقال: ان الجنون أو المجنون لا يوجد بخصوصه حكم إلزامي في الشريعة. إذ ان المهم له حكمان:
الحكم الأول: الحجر عليه في المعاملات والتصرف في الأموال وإيكالها إلى وليه، وهذا صحيح. إلا انه تابع لعنوان السفه، لأن المجنون سفيه بطبيعة الحال. فالسفيه وما فوقه محسوب بحساب واحد فقهياً وموضوعاً وحكما. وليس للمجنون حكم زائد من هذه الناحية.
ــــــــــــــــــــ[274]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الحكم الثاني: سقوط العبادات عنه، وفي الواقع انها إنما تسقط عنه فيما إذا أصبح غير مدرك لها أو لوجوبها. فيندرج تحت عنوان القاصر. والقاصر غير مكلف بما هو قاصر عنه. ومن هنا قال الفقهاء: ان الضابط في سقوط الصلاة عن المجنون عدم إدراكه لأوقاتها.
ومن هنا لو صدق عنوان المجنون عرفاً، ولم يكن هذا الفرد قاصراً عن الإتيان بالصلاة أو غيرها من العبادات. وجب عليه الإتيان بها أو قل: بما يدركه منها. ويسقط عنه ما لا يدركه.
ويلحق بذلك سقوط الحد والتعزير عن المجنون عند حصول القتل أو غيره منه. وذلك: انه ان حصل الجرم منه حال جنونه، فهو قاصر عن إدراك حقيقة فعله. وان حصل منه الجرم حال عقله ثم جن لم يبق مورد لإنزال الحد والعقاب عليه، لقصوره عن إدراك حقيقة عقوبته.
فالمهم هو القصور والجنون هو سبب حصوله. ومن هنا لو حصل القصور بأسباب أخرى لحقه حكمه كشديد أو سريع النسيان مثلا بحيث يشمل أحكام الشريعة. فإذا نسي وجوب الصلاة أو نسي دخول وقتها لم تجب عليه. والأمر على ذلك دائماً.
ويمكن القول بأن كل هذه الأحكام حتى الحجر في المعاملات بسبب القصور فان السفه نحو من أشكال القصور بدوره. فلم يبق أي حكم إلزامي في الشريعة مترتب على عنوان المجنون.
نعم توجد في الشريعة بعض الأحكام غير الإلزامية الواردة بعنوان المجنون فمثلاً: ذكر الفقهاء انه يكره تمكين المجانين من الدخول في المساجد. كما لا يبعد القول بكراهة تزويجهم من أي الجنسين كانوا. وكذلك كراهة مخالطتهم ومعاشرتهم بغير مصلحة ثانوية كالتوصل إلى الإنفاق عليهم أو مداواتهم. إلى غير ذلك من الأحكام.
ــــــــــــــــــــ[275]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وما قلناه من ضرورة الصدق العرفي للمجنون على الفرد. إنما هو باعتبار الأحكام الواردة عليه بعنوانه ولو كانت غير إلزامية. واما الأحكام الإلزامية فقد عرفنا انها ليست على عنوان المجنون، لنتوخى صدقه العرفي، بل على عنوان القاصر، وهو تابع للقصور الواقعي لا العرفي. فان كان قاصراً عرفاً لا واقعاً لم تسقط عنه الأحكام التي سمعناها. ولذا قيل: (اخذ ما وهب سقط ما وجب)، وهي نعمة العقل.
الأمر الخامس: سمعنا تعريف الجنون قانوناً انه: هو الاضطراب أو النقص العقلي الذي يعفي صاحبه من بعض النتائج القانونية لأفعاله. وحيث ان المفروض منطقياً أن تكون التعريفات صالحة تماماً لبيان المفهوم بدون زيادة ونقيصة أو اختلال، إذن، يمكن ان تسجل على هذا التعريف نقاط الضعف التالية:
النقطة الأولى: قوله الاضطراب أو النقص العقلي. هل يراد من الاضطراب غير النقص. أو يراد منه الاضطراب الناتج عن النقص. فان أرادوا به غير النقص فمعناه الاضطراب العقلي غير المقترن بالنقص. وهذا لا يكون جنوناً ولا يسقط الأحكام عن المتصف به.
وان أرادوا به الاضطراب الناتج عن النقص. إذن فالمهم هو النقص سواء أنتج اضطراباً أم لا. فيكون ذكر الاضطراب زائداً.
النقطة الثانية: عرفنا ان الموجب لسقوط التكليف والأحكام عن المجنون ليس هو مجرد النقص، بل القصور. أو قل: النقص البالغ إلى درجة القصور. إذ لو لم يكن قاصراً لم تسقط عنه الأحكام. وقد كان يكفي ذكره في التعريف عما جاء في بقية التعريف.
النقطة الثالثة: قوله: يعفي صاحبه. هذا تعبير عرفي مجازي. لا يفترض وجوده في التعريفات الدقيقة. فان الذي يُعفي ليس هو المجنون. وإنما هو
ــــــــــــــــــــ[276]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المجتمع أو قل واضع القانون الاجتماعي أو المدني أو الشرعي. وهذا واضح.
النقطة الرابعة: قوله: يعفي صاحبه. وهو أيضا تعبير عرفي مجازي ينبغي الاستغناء عنه في التعاريف. وذلك ان الفرد ليس (صاحباً) لصفته ولا يعتبر مالكاً لها حقيقة بل كان الأصح أن يقال: (المتصف به) أو يقال: (المجنون) يعني يعفي المجنون.
النقطة الخامسة: قوله: من بعض النتائج القانونية. وهذا معناه أخذ الحكم في الموضوع. مع انه يجب تحقق الموضوع بتمامه قبل ورود الحكم عليه.
فمثلاً: لو عرفنا القاتل بأنه من يجب قتله أو المريض بأنه من يجب علاجه، نكون قد أخذنا الحكم في تعريف الموضوع.
وكذلك الأمر هنا، لأن سقوط النتائج القانونية بمنزلة الحكم بالنسبة إلى المجنون. فالموضوع هو المجنون والحكم هو سقوط تلك النتائج. ولا يجوز أن يؤخذ الحكم في تعريف الموضوع. وإنما المفروض ان نعرف الموضوع من جميع جهاته قبل ورود الحكم عليه.
الأمر السادس: ان هنا التفاتة جيدة في التعريف المشار إليه في الأمر السابق. وهو عدم سقوط كل النتائج القانونية بالجنون. وإنما يسقط بعضها فقط.
وهذا صحيح، في الفقه الإسلامي أيضا، لصدق اشتغال الذمة مالياً بالنسبة إليه. فلو كان الفرد مديوناً وحصل له الجنون لم تبرأ ذمته. أو ان مجنوناً حطم شيئاً لغيره، اشتغلت ذمته به. إلا أن اشتغال ذمته لا يعني وجوب الدفع عليه، لأن هذا الوجوب حكم تكليفي ساقط عنه لقصوره. وإنما هو أمر موكل إلى وليه لا محالة.
والولي إن بلغ الفرد حد التكليف مجنوناً فهو أبوه وجده لأبيه فان مات
ــــــــــــــــــــ[277]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
أخيرهما أمكن إيكال الأمر إلى وصي. فان لم يوجد شيء من ذلك فالولي هو الحاكم الشرعي. وعلى أي حال فالمجنون لا يخلو من وجود الولي. فان لم يوجد الحاكم الشرعي ولا وكيله فالولاية تعود إلى عدول المؤمنين. ولو واحداً منهم. والحديث عن باب الولاية موكول إلى محله.
والمجنون محكوم بالملكية لأمواله. كما يتعلق بأمواله الخمس ويجب على وليه الإخراج إلى المستحق. وأما تعلق حق الزكاة فيه فمحل خلاف بين الفقهاء والظاهر عدمه.
فالمهم ان المجنون تسقط عنه بعض الأحكام لقصوره. وتثبت في حقه بعض الأحكام أيضا. تماماً كما قيل في التعريف.
الأمر السابع: قال بعض الاختصاصيين ما مؤداه: انه لا تمرض أو تتعطل القوى العقلية كلها. والمجنون ليس هو من تعطلت كل قواه العقلية. وإنما تعطل بعض القوى دائماً بينما تبقى القوى الأخرى سليمة كاملة الفعالية.
ومثل لذلك: ان شخصاً ما من أجل مرضه العقلي قد يتخيل ان شخصاً مديون له بمال، ويحسب ذلك الدين بحساب رياضي صحيح ودقيق. إلا ان أصل الدين إنما هو مجرد وهم جنوني.
أقول: ان المدار الأساس في شمول الأحكام التي عرفناها للمجنون لأي فرد هو قصوره. شاملاً لكل الجهات والاعتبارات، بل يكون في بعضها دون بعض. فمهما كان القصور تبعه سقوط التكليف ومهما حصل الفهم والالتفات من المجنون كان مكلفاً في ذلك المورد. وان كان مجنوناً عرفاً لكونه ملتفتاً إلى ذلك وعارفاً به.
ومعه فسقوط التكليف عموماً عن المجنون لا يكون إلا مع شمول القصور العقلي عن إدراك الواقع كله وهذا وان كان قد يحصل فعلا إلا انه ليس هو
ــــــــــــــــــــ[278]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
بنسبة عالية بين المجانين على أي حال.
الأمر الثامن: في الجنون الدوري.
فان الجنون قد يكون مستمراً وهو الجنون المطبق باصطلاح الفقهاء. وقد يكون دورياً أو أدوارياً يزول فترة ويعود فترة.
وبعد ما عرفنا ان شمول الأحكام السابقة له دائرة مدار القصور. نعرف ان الفرد الأدواري يكون مشمولاً لها حالة جنونه. بينما يكون مشمولاً للأحكام الاعتيادية حالة إفاقته أو عقله.
نعم، تبقى في الأدواري بعض الفروع الفقهية الخاصة به. كما لو جن خلال وقت الصلاة قبل تصديه لأدائها، أو جن خلال يوم الصوم. أو عاد إليه عقله وهو في السفر، فهل يجب عليه القصر، وقد سافر مجنوناً. أو أدى حال عقله شهادة كان قد تحملها وشاهدها حال جنونه وهو يدعي الآن أنه ذاكر لها تماما. إلى غير ذلك من التفاصيل الموكولة إلى الفقه.
الأمر التاسع: في الجنون المؤقت:
ذكرنا في الأمر الثاني ان الأفراد قد يمرون بصفات مؤقتة، غالبة على أوضاعهم الطبيعية، لسبب ما، بحيث لو استمر الحال في الفرد لعُدّ مجنونا قطعا. إلا أن من حسن حظه انها موقتة بساعات أو أيام قلائل، وربما موقتة بدقائق، على حسب اختلاف الحالات والأفراد وهذا مما يتكرر للفرد الواحد، فضلا عن الأفراد. ولذا قلنا هناك: ان اتصاف الأفراد الطبيعيين بصفات المجانين أمر معتاد.
وإنما كررناه لنعرف حكمه الفقهي. فهل يكون الفرد في تلك الحالة مشمولا لأحكام المجنون أم لا. ومعنى شموله لها كون الواجبات ساقطة عنه والمحرمات جائزة له والجرائم مغفورة له لا يجوز معاقبته عليها لأنها حصلت
ــــــــــــــــــــ[279]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
في وقت الجنون، لغضب أو غيره.
وقد سبق ان عرفنا الميزان أو المدار في سقوط التكاليف عن المجنون، وهو القصور. فهنا نكرر أيضا: انه في الحالة التي يكون الفرد فيها قاصراً عن إدراك واقعه تماماً، بدون أن يخدع نفسه أو غيره، كان التكليف ساقطاً عنه تماماً، واما مع وجود الوعي الكافي فالتكليف متحقق. وهذا أمر راجع إلى الوجدان في كل حالة. وليس له قاعدة عامة.
ومع الشك في فقدان الوعي، لو صح التعبير، كان اللازم الحكم ببقائه، بمقتضى الاستصحاب ما لم نعلم ان الفرد فاقد للوعي بالمرة أو نطمئن بذلك. ومقتضى الحكم ببقاء وعيه تحميله تبعة فعله أو تركه لواجب أو محرم.
لكننا هنا ينبغي أن نلتفت إلى بعض الأمور:
أولا: ان الذي لم يسقط عن المجنون من الأحكام التي عرفناها لا يسقط عن هذا المجنون المؤقت لا محالة.
ثانياً: ان المجنون حتى الأدواري منه يحتاج إلى ولي يدير أمره. أما هذا المجنون المؤقت، فلا حاجة له إلى ولي إلا إذا استمر به الأمر طويلا.
والسر في عدم الحاجة، هو أنه وان كان قاصراً في بعض أعماله التي ارتكبها، كما أسلفنا، إلا انه بطبعه العام شخص سوي غير قاصر، ومن كان كذلك لا ولاية عليه شرعا.
من هنا نعرف ان القصور المستمر، كما في الطفل والمجنون، وهو الذي يشكل طبعاً عاماً للفرد، هو الذي يحتاج إلى ولاية، أو قد شرعت الولاية له في الشريعة، واما القصور المؤقت كالإغماء أو النوم الطويل أو الجنون المؤقت الذي تحدثنا عنه، فلا يحتاج إلى ولاية، ولم تشرع في حقه.
ــــــــــــــــــــ[280]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
السفه:
وهو من جملة أشكال القصور العقلي الذي عقدنا له هذا الفصل.
قال ابن منظور: السَفه والسَفاه والسفاهة: خفة الحلم وقيل: نقيض الحلم. وأصله الخفة والحركة. وقيل الجهل، وهو قريب بعضه من بعض. وقد سفه حلمه ورأيه ونفسه سفَها وسفاها وسفاهة: حمله على السَفه وفي التنزيل العزيز: إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ.
ابن سيده: سَفِه علينا وسفُه جهل، فهو سفيه والجمع سفهاء وسِفاه. قال الله تعالى: كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أي الجهال. والسفيه الجاهل والأنثى سفيهة. وسفه نفسه: خسرها جهلا. وقوله تعالى: وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّـهُ لَكُمْ قِيَاماً. قال اللحياني: بلغنا انهم النساء والصبيان الصغار لأنهم جهال بموضع النفقة.
وقول المشركين للنبي : أتسفه أحلامنا، معناه أتجهل أحلامنا. وقوله تعالى: فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أو ضَعِيفاً. السفيه الخفيف العقل، من قولهم: تسفهت الرياح الشيء، إذا استخفته فحركته. وقال مجاهد: السفيه الجاهل والضعيف الأحمق.
وقال: السفه الخفة. وتسفهت الرياح: اضطربت. وتسفهت الريح الغصون: حركتها واستخفتها. وناقة سفيهة الزمام إذا كانت خفيفة السير. وسافهت الناقة الطريق إذا خفت في سيرها.
فقد تحصل من هذه الكلمات اللغوية ان السفه هو الخفة وهو الجهل وهو ضد الحلم.
وظاهر القرآن الكريم، وهو الذي عليه بناء الفقهاء والمتشرعة أنه ضد
ــــــــــــــــــــ[281]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الرشد. قال تعالى(1): وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّـهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ مِنْهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً (5) وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إذا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ.
وهي تفيدنا:
أولاً: الحجر على السفهاء وعدم جواز دفع الأموال إليهم.
ثانياً: جعل الراشدين الأسوياء قائمين أو أولياء على أموال السفهاء بجعل وتشريع من الله عز وجل.
ثالثاً: ان اليتامى بصفتهم أطفالا من جملة السفهاء.
رابعا: لزوم مراقبة حال اليتامى وامتحان رشدهم. لكي لا يبقى المال لدى الولي حتى بعد بلوغ اليتيم ورشده فيكون ذلك ظلماً له. بل يجب أن يتخلى الولي عن ولايته في لحظة ثبوت (الكمال) لليتيم.
خامساً: ان جواز دفع المال إلى اليتامى، بمعنى صيرورتهم أشخاصا عاديين في التصرف بدون ولاية أحد. منوط بشرطين:
أولاً: أن يبلغوا النكاح. وهو بلوغ سن التكليف فقهياً. وقد سبق في بعض فصول كتاب الصوم الحديث عنه.
ثانياً: أن يحصل لهم الرشد.
وهذا معناه ان سفاهة الصبا ترتفع بأمرين بالبلوغ والرشد. وإذا حللنا الأمر وجدنا: ان الصبا يرتفع بالبلوغ والسفاهة ترتفع بالرشد. كل ما في الأمر ان الفرد لو أصبح رشيداً حال صباه لم ترتفع عنه الولاية حتى يبلغ.
ــــــــــــــــــــ[282]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) النساء: 5-6.
وعلى أي حال، فقد عرفنا ان القرآن الكريم يجعل الرشد حداً لانتهاء السفاهة. وهو ما قلناه من انه يرى ان الرشد ضد السفه وليس الحلم ضده، كما سمعناه من اللغويين.
والذي يبدو للنظر: ان الحلم والرشد معنيان متقاربان. فهما بمجموعهما مقابلان للسفه الذي يمثل الخفة الناشئة عن الجهل.
لأن الجاهل يكون خفيفاً متسرعاً في الأمور وغير متدبر فيها، ومن هنا يكون كثير الخطأ في اجتماعياته واقتصادياته. وهذا هو السفيه فقهياً. فإذا ارتفعت هذه الصفة عنه عاد متأنياً بطيء الحركة، بمعنى أنه يتأمل الأعمال ويحسب حساب النتائج والعواقب وينظر واقعه الاجتماعي والاقتصادي ببصيرة كافية. فهذا الحال: ان شئت سميته الحلم وان شئت سميته الرشد وان شئت سميته العلم (بصفته نقيضاً للجهل المسبب للخفة) ما شئت فعبر. وقد اختار القرآن الكريم والفقهاء والقانونيون له لفظ: الرشد. دون غيره.
وقد اتضح لنا من خلال الآية الكريمة المضمون العام لحال السفه ولحال ارتفاعه. فلا نعيد. كل ما في الأمر اننا ينبغي ان نأخذ بعض الأمور بنظر الاعتبار.
الأمر الأول: ان السفيه قد يكون صبياً وقد لا يكون. كما ان الصبي قد يكون سفيهاً وقد لا يكون.
والسفيه محجور عليه، بمعنى بطلان المعاملات الصادرة عنه، أعني عن قناعاته الشخصية بغير إشراف وليه. وهو يحتاج إلى هذا الإشراف شرعاً وقانوناً.
والصبي ما دام سفيهاً فحاله كذلك. وأما إذا حصلت له حالة التمييز، فالمشهور والصحيح هو صحة معاملات الصبي المميز، في الأمور القليلة دون
ــــــــــــــــــــ[283]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الأمور الكبيرة. ولكن هذا لا يعني ارتفاع الولاية عنه. فان ارتفاعها منوط بالبلوغ بنص الآية. ولا يكفي فيه التمييز حتى إذا اعتبرناه راشداً.
غير ان هذه الولاية لها بعض الاستثناءات بحسب الأدلة المعتبرة، وهو ما قلناه من صحة المعاملات البسيطة يعني بقناعات الصبي ومن دون مراجعة وليه، ما دام صبياً مميزاً.
الأمر الثاني: ان بلغ الفرد رشيداً لم يجز حجب الأموال عنه لأنه ظلم له كما أشرنا. وارتفاع الولاية عندئذ تعني بطلان المعاملات من الولي (الذي كان ولياً) وإناطتها بالصبي (الذي كان صبياً) فلا وجه لبقائها عند الولي أو تحت إشرافه.
واما إذا استمر السفه بالفرد، بقيت الولاية واستمر الحجر عليه، حتى يثبت رشده بالامتحان (الاجتماعي والاقتصادي) في يوم من الأيام.
واما إذا بلغ الفرد رشيداً، وارتفعت عنه الولاية للأب والجد. ثم عاد سفيهاً لمرض أو شيخوخة أو غير ذلك. فان ولاية الأب والجد لا تعود إليه، وكان وليه الحاكم الشرعي. وتستمر ولايته إلى حين ارتفاع السفه.
الأمر الثالث: نعرف من ذلك ان خرف الشيخوخة من أنواع السفه، وتثبت فيها الولاية على الفرد. واما إذا كانت شديدة فهي من أنواع الجنون عرفاً وطبياً. والولاية أيضا فيها ثابتة. وقد المحنا فيما سبق إلى عدم الفرق بين السفيه والمجنون من هذه الناحية. وان الولاية على المجنون إنما هي بصفته سفيهاً.
الأمر الرابع: إذا كان السفه ثابتاً باعتبار الصغر أو بدونه، وشككنا بارتفاعه، فالحكم هو ثبوته ما لم نحرز ارتفاعه، طبقاً للامتحان المأمور به في الآية الكريمة.
ــــــــــــــــــــ[284]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وإذا شككنا في استمرار الصغر يعني في البلوغ، كان الحكم هو استمرار الصغر، ما لم نحرز البلوغ بإحدى علاماته.
وكذلك إذا كان الفرد مجنونا دائما أو دوريا أو مؤقتا، وشككنا بارتفاع جنونه فالحكم هو بقاؤه إلى أن يثبت ارتفاعه.
وإذا كان الفرد رشيداً وشككنا بحصول السفه له، فالحكم هو استمرار رشده ما لم يثبت السفه. ومن آثاره عدم نفوذ الولاية عليه إلى أن يثبت السفه.
وكذلك إذا كان الفرد عاقلا، وشككنا بحصول الجنون له، بأي أقسامه، فالحكم استمرار عقله وعدم الولاية عليه ما لم يثبت الجنون.
ــــــــــــــــــــ[285]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل: الرق
بعون الله عز وجل، سيأتي الحديث عن تفاصيل الرق وأحكامه في كتاب العتق. ونخص الكلام الآن عن الحجر على الرقيق، كما هو مقتضى موضوع (كتاب الحجر) الذي نتكلم فيه. بعد التسليم بالمعرفة الفقهية أو الإلمام ببعض التفاصيل، لأحكام الرقيق وأوضاعهم فقهياً. لأن إيضاح كل الأمور في هذا الفصل غير ممكن، كما أشرنا.
والشيء المهم الذي نتحدث عنه في هذا الفصل هو عن ملكية العبد أولا وعن الحجر عليه إلا بإذن مولاه ثانيا، ومقدار هذا الحجر وحدوده. ونأتي ثالثا إلى حالات تشبث العبد بالحرية، كما يصطلح عليها الفقهاء لنجد أثر ذلك في الحجر وعدمه.
ملكية العبد:
المشهور بين الفقهاء ان العبد لا يملك شيئاً من المال، وان مولاه كما يملكه هو شخصياً يملك كل ما تحت يده من أموال حتى ثيابه التي يلبسها. حتى قد يقال فقهياً بوجود المنافاة بين الرق والملكية. وان الحرية هي السبب الأساسي لحصول الملك.
والدليل الرئيسي بل الوحيد الذي استدلوا به على ذلك قوله تعالى: ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ…. وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا
ــــــــــــــــــــ[286]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ. الآية (1).
وتقريب الاستدلال بالآية على هذا المطلوب، بعد وضوح أن موضوعها هو العبد المملوك نصاً. يكون بأحد ثلاثة تقريبات.
التقريب الأول: قوله تعالى: لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ. إذ لو ان مالكاً لشيء من المال قل أو كثر لقدر على بعض الأشياء. مع العلم ان الآية الكريمة نفت قدرته على أي شيء، كما هو المستفاد من النكرة في سياق النفي.
التقريب الثاني: قوله تعالى: وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ. يعني: أنه عالة وثقل على مولاه. وهذا يدل عدم ملكيته إذ لو كان مالكاً لشيء لما أصبح حاله إلى هذه الدرجة من السوء.
التقريب الثالث: قوله تعالى: أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ. فلو كان مالكاً للمال لحصل منه بعض الخير. وخاصة إذا التفتنا [الى] ان من معاني الخير: المال. كما في قوله تعالى: ان تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ. يعني مالاً. والسياق أيضا نكرة منفية. فيكون المراد ان العبد لا يأتي بخير على الإطلاق ولا يحصل على أي شيء من المال. فلو كان مالكاً للمال لما أصبح حاله إلى هذه الدرجة من التردي.
إلا ان كل هذه التقريبات ناشئة من التسليم بأمور معينة غير صحيحة:
أولا: التسليم بان قوله تعالى: عَبْداً مَّمْلُوكاً. يعني كل عبد أو يشمل جنس العبيد. وهذا واضح الفساد. فان الآية الكريمة واردة مورد المثل ضَرَبَ
ــــــــــــــــــــ[287]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الآية الكريمة هكذا: ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّـهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ(75) وَضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (النحل: 75-76).
اللَّـهُ مَثَلاً عن عبد ما يكون كذلك. وسياقها واضح في ان هذا النوع من العبيد ليس هو الأكثر نسبة وجوده بين المماليك.
فإذا كانت الآية دالة على الجنس، فإنما تشمل هذا الشكل العبيد ذوي الحال المتردي، وليس جنس العبيد كله.
ثانياً: التسليم بأن العبد إنما أصبحت له هذه الصفات المذكورة في الآية الكريمة: كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ ونحوها من عدم ملكيته للمال.
إلا أن هذا غير واضح من الآية، وغير متعين من سياقها. لوجود عدة محتملات أخرى يمكن أن تكون سبباً لهذه الحالة الرديئة غير ما ذكروا. وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال:
الاحتمال الأول: عدم وجود المال عنده عملياً بالشكل الذي ينفعه لحرمان مولاه له. وهذا لا ينتج ما قالوه: من المنع التشريعي للعبد عن الملكية أو المنافاة بين الرقية والملكية.
الاحتمال الثاني: تردي مستوى العبد النفسي أو العقلي أو الثقافي، بحيث أصبح على هذه الحالة. بحيث حتى لو أعطيت له تجارة فانه لا يحسنها.
الاحتمال الثالث: ان العبد لا ينتج النتائج الصالحة بالتصرف بالأموال إلا بإذن مولاه، لأنه محجور عليه. فسلطة مولاه عليه وعدم إذنه له بالتصرف قد أنتجت ذلك الحال لديه.
الاحتمال الرابع: ان المجتمع قد يمقت مستوى معيناً من العبيد ويعرض عن المعاملة معهم. الأمر الذي يسبب لحصول تلك النتائج أحيانا. كما قال المتنبي: ان العبيد لأرجاس مناكيد. وهذا لا يعني في
ــــــــــــــــــــ[288]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
دلالة الآية ان جنس العبيد هو كذلك.
وبأي من هذه الاحتمالات أخذنا انسد باب الاستدلال على المنع التشريعي لملكية العبد بالآية الكريمة. وان كان الأرجح من هذه الاحتمالات في ظاهر الآية، هو الثاني الذي هو مورد المثل، وهو كاف في صحة المناقشة على أي حال.
ثالثاً: التسليم بأن المراد بسياق الآية هو وصف العبد من ناحية الجانب الاقتصادي الفقهي أو القانوني.
مع العلم ان هناك عدة قرائن داخلية متصلة بالآية تدل على خلاف ذلك، وان المراد بيان المستوى المعنوي للفرد وليس المستوى الاجتماعي والاقتصادي. وهذا لا ينافي ان السلوك الناتج من المستوى المعنوي الرديء ذي مستوى رديء بدوره أيضا.
وأوضح قرينة على إرادة المستوى المعنوي ان الآية الكريمة شفعت المثل بالعبد المملوك بذكر العبد الصالح ذو الحال الجيد فقالت: هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
ومن الواضح ان المراد بهذه الصفات الجيدة هو المستوى المعنوي. أو على الأقل والقدر المتيقن انه ليس المراد بها المستوى الاقتصادي. فإذا عرفنا انه إنما تتم المقابلة المطلوبة والمبينة في الآية الكريمة بين الشخصين أو الحالين، إذا كانا من سنخ واحد. بحيث يكون كلاهما اقتصادياً أو كلاهما اجتماعياً أو كلاهما معنويا وهكذا لتتيسر للقارئ المعرفة والتشخيص.
فإذا لم يكن المراد بالعبد الجيد الصالح جانبه الاقتصادي. فيكون ذلك قرينة متصلة على انه ليس المراد من الطرف الآخر وهو العبد الرديء الحال، جانبه الاقتصادي أيضاً.
ــــــــــــــــــــ[289]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إذن، فالحديث في الآية الكريمة ليس عن الملكية، والسلوك السوقي، لكي نتوقع دلالتها على نفي الملكية أو أي شيء يرتبط بذلك.
بل الصحيح ان القرآن الكريم والسُنّة الشريفة دالان على ملكية العبد للمال.
ففي صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: سألته عن قول الله عز وجل: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً. قال: “الخير، ان علمت ان عنده مالاً”.
وفي صحيحة الحلبي(2) عن أبي عبد الله في حديث انه قال في قول الله عز وجل: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً. قال: “كاتبوهم ان علمتم لهم مالاً”.
وبهذا المضمون عدة روايات أخرى.
وأحد معاني الخير في اللغة هو المال، كما أشرنا. وهذه الروايات الصحاح تدلنا أن المراد من الخير في الآية هو ذلك. فتصبح الآية دالة، بمعونة هذه الروايات: ان المكاتبة مطلوبة أو مستحبة للعبد إذا كان له مال. وهذا معناه الحكم بملكيته للمال، وانه ليس مال مولاه بل ماله الخاص به. وقد لا يكون هذا المال ناشئاً من عطاء مولاه، بل بسبب آخر كهدية يقبلها أو حرفة يتخذها.
وبهذا المضمون وردت صحيحة محمد بن مسلم(3) عن أبي عبد الله ، في قول الله عز وجل: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً. قال: “الخير أن يشهد أن لا اله إلا الله وان محمداً رسول الله ويكون بيده عمل يكتسب به أو يكون له حرفة”.
إذن. فالعبد يستطيع ان يعمل وان يملك نتيجة عمله. سواء كان مكاتباً
ــــــــــــــــــــ[290]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الوسائل أبواب المكاتبة, باب1, حديث2.
(2) نفس المصدر, حديث3.
(3) نفس المصدر, حديث5.
أم لا. ولذا علقت الآية الكريمة المكاتبة على وجود المال أو العمل واناطته به. فهو موجود بدونها أيضا.
خلافاً للمشهور الذين قالوا: ان المولى إذا كاتب عبده دفع إليه مالاً وأذن له بالتجارة واشترط عليه ان يدفع له أقساطاً من المال كل شهر أو في أية مدة أخرى. حتى يصل المال المدفوع إلى مقدار معين كمائتي دينار مثلا، فيكون حراً.
وعلى هذا المسلك، فان رأس المال للمالك والربح له أيضا، وإنما هو من باب التسامح مع العبد والقيام بالاستحباب الشرعي أن يقبل منه هذا المقدار. ولو طالبه بالمال كله جاز له.
ولكن الآية واضحة الدلالة بخلاف ذلك. نعم، بالنسبة إلى العبيد غير المالكين للمال إذا كاتبهم المولى لزمه ان يدفع إلى العبد مالا ليتجر به. فيستطيع ان يدفع أقساط المكاتبة. وعلى ما قلناه من حصول الملكية للعبد. فان المولى ان قصد الهبة. صار المال للعبد. ومن أمواله يدفع الأقساط.
بل الآية مشعرة بخلاف المشهور من حيث ان الربح ورأس المال كله للمولى، وان كان تحت يد العبد. فان المفروض ان العبد بهذه الأقساط يدفع قيمة نفسه ليتحرر. فإذا كان المال للمولى، إذن لم يقبض المولى من العبد ثمن نفسه ولا درهماً واحداً.
حاله في ذلك حال ما لو أعطاه مالاً وأمره بالتجارة له، أي للمولى، بدون مكاتبة. فالآية مشعرة ان العبد إنما يدفع ثمن نفسه إذا دفع من ماله أو قل: من ملكيته. وليس من أموال المولى، كما عليه المشهور. وهو من جملة دلالات الآية الكريمة على ملكية العبد.
ــــــــــــــــــــ[291]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إذن المولى:
أجمع الفقهاء على ان العبد محجور عليه في التصرف بغير إذن مولاه وهو مالكه. فلا يجوز ولا يصح منه بيع ولا شراء ولا نكاح ولا طلاق ولا غيره بدون إذنه.
وهذا ثابت إجمالاً، وصحيح على الأغلب. غير اننا ينبغي أن نلتفت إلى أن التصرفات المحتملة الإناطة بإذن المولى على ثلاثة أشكال:
الشكل الأول: تصرف العبد بأموال المولى نفسه. مما قل أو كثر. وهذا منوط بإذن المولى بصفته مالكاً للمال. بمعنى ان العبد كغيره من الناس يحرم عليه التصرف بأموال مولاه إلا بإذنه.
الشكل الثاني: تصرفات العبد المالية وغيرها مما ينافي حقوق المولى لديه أو عليه. وحق المولى: الخدمة ووجوب الطاعة وبالنسبة إلى المرأة التمكين الجنسي أيضاً.
وهذا أيضاً يناط بإذن المولى. فان أذن لعبده بالتصرف المنافي لحقه، فمعناه انه قد تنازل عنه، فترتفع المنافاة عندئذ ويجوز التصرف. مثاله في ذلك مثال الزوجة التي لا يجوز أن تتصرف فيما ينافي حقوق زوجها، كالتمكين الجنسي وغيره.
وبالنسبة إلى العبد، فإن هذين الشكلين يستوعبان أكثر حياته بل كلها أحياناً. إلا ان هذا لا ينافي ان نفترض فقهياً وجود شكل ثالث من التصرفات المحتملة للعبد أحياناً.
الشكل الثالث: تصرفات العبد المالية أو غيرها، مما لا يندرج تحت الشكلين السابقين. فمثلاً ليس تصرفه تصرفاً في أموال المولى ولا منافياً لحقه ولا انه قد نهاه عنه أو أمره بعمل آخر إضافي أو منافي. كالعبد إذا سافر مولاه
ــــــــــــــــــــ[292]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
مدة ولم يذكر له أي توجيه. مع افتراض انه ترك التوجيه نسياناً أو اضطرارا لا إهمالاً وتسامحاً.
فهل هناك دليل على بطلان أعمال ومعاملات العبد (في أموال نفسه) حتى في هذه الحدود؟
لم يَرِد نص في الكتاب والسُنّة على ذلك، في غير النكاح. فالعبد أو الأمة ليس لهما الزواج إلا بإذن مولاهما. واما في غير ذلك فلا دليل عليه فلا يبقى إلا الإجماع. وهو دليل لبي، باصطلاح علماء الأصول، يعني ليس فيه إطلاق وشمول، فيؤخذ منه بالقدر المتيقن. وهو الشكل الثاني من التصرفات، أعني المنافية مع حقوق المولى، وتبقى التصرفات الأخرى حرة بالنسبة إلى العبد. فان بقي شيء فإنما هو الاحتياط الاستحبابي فقط.
واما الشكل الأول، فهو يكون من العبد، كما هو من غيره، شكلا من أشكال السرقة والغصب ولا إشكال في حرمته بغير الإذن. ويمكن ان نشير إلى انه يكفينا في جواز تصرف العبد من الشكل الثالث: الأصول النافية، كأصالة البراءة وأصالة عدم الشرطية في العبادة والمعاملة مضافاً إلى إمكان التمسك بالعمومات المصححة للمعاملات كآية التجارة: عَنْ تَرَاضٍ، و”المؤمنون عند شروطهم”. في تصحيح معاملات العبد المستقلة عن مولاه بهذا المعنى.
المتشبث بالحرية:
يصبح العبد متشبثاً بالحرية في عدة موارد. كالمكاتب والمدبر وأم الولد وغيرها، كما سيأتي شرحها في مواضعها:
وقد اصطلح الفقهاء على العبد بدون ذلك بالقن. وعلى مطلق العبد سواء أكان متشبثاً بالحرية أم لا.. بالرق.
ــــــــــــــــــــ[293]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
والمهم الآن، ان التشبث بالحرية، وهو احتمال الحصول على الإنعتاق في المستقبل، هل يغير من الأحكام السابقة فيعطى للعبد فرصة أكبر للتصرف بصفته متشبثاً بالحرية أم لا؟
وهذا السؤال لا يفرق نظرياً، بين الحكم بملكية العبد للمال وعدمه. وان كان من الناحية العملية، سيكون تصرفه أوسع لو حكمنا بالملكية، مع الحكم بأن المتشبث بالحرية أكثر حرية في التصرف من القن.
إلا ان الصحيح في هذا السؤال هو النفي. فان المتشبث بالحرية مملوك على أي حال. فيشمله حكم المماليك، كما سبق.
نعم، يوجد أحيانا ان يكون العبد قد تحرر نصفه أو جزء منه وبقي جزء آخر تحت الرق. فإذا حصل ذلك، ففي أغلب الموارد التي تكون من هذا القبيل حكم الفقهاء بسريان الحرية إلى الجزء المملوك فيصبح العبد كله حراً، ويؤمر بأداء قيمة جزئه لمالكه.
كما لو كان لشريكين فاعتقه أحدهما، فتسري الحرية في الكل، ويجب على (العبد) ان يدفع قيمة نصفه للشريك الآخر.
وهذه السراية ثابتة للعبد برحمة الله عز وجل، إلا في مورد واحد، وهو المكاتبة المطلقة، فانه إذا أدى قسماً من المال إنعتق منه بالنسبة وبقي الباقي ملكاً لمولاه بدون سراية الحرية فيه. ومن هنا وجب عليه القيام بحق المولى بالنسبة إلى الجزء الرق. فلو تحرر نصفه خدمه في نصف الوقت، هكذا.
ومحل الشاهد الآن: ان العبد إذا سرت فيه الحرية، كان حراً وخرج عن أحكام العبيد بكل تفاصيلها، واما إذا بقي جزؤه رقاً. كان تصرفه بالنسبة إلى جزئه الحر تابعا للأحرار. وبالنسبة إلى جزئه الرق تابعاً للأرقاء.
فمثلا هذا المكاتب الذي تحرر نصفه، الذي مثلنا به. ان قلنا فقهياً بعدم
ــــــــــــــــــــ[294]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ملكية العبد. يكون مالكاً لنصف ما تحت يده من أموال وتجارة. وكان عليه الاستئذان في النصف العائد لمولاه. وان قلنا بملكيته، كان العبد مالكاً لأمواله كلها على أي حال، كل ما في الأمر انه يجب عليه أن يوفي حق المالك ويطيع أمره ونهيه بنسبة ما فيه من رق. وعلى أي حال، فتجارته التي يدفع منها أقساطه للمولى جائزة، لأنها اما تكون له شخصيا أو يكون مأذوناً بها من قبل المولى. إذ لا محصل فقهي لمكاتبة العبد بدون الإذن له بالتجارة، وخاصة إذا لم نقل بملكية العبد فقهياً.
بل لعل نفس إيجاد المكاتبة شكل من أشكال الإذن له بالتجارة كما ان منعه عن التجارة بعد المكاتبة، بدون أمل حصولها، شكل من أشكال فسخ المكاتبة، والله العالم.
ــــــــــــــــــــ[295]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
كتاب الإجارة
ــــــــــــــــــــ[297]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
عمل الحر
الإنسان اما حر واما عبد. فالعبد هو المملوك الذي له قيمة يباع ويشترى على أساسها. والحر هو الفرد الاعتيادي غير المملوك ولا قيمة سوقية له ولا يجوز بيعه وشراؤه.
والفرد الحر اما ان يعمل لنفسه أو لغيره. وان عمل لغيره فأما ان يعمل مجانا أو بأجرة. فعمله بأجرة هو الذي يصطلح عليه الفقهاء بعمل الحر. في مقابل عمل العبد. والفرق الأساسي بينهما هو ان الحر يستطيع ان يؤجر نفسه في كثير من الأحيان في حين لا يستطيع العبد ذلك إلا بإذن مولاه ولو فعل ذلك لم تكن الأجرة له بل لمولاه.
والحديث الآن عن عمل الحر. وينبغي ان يقع الكلام هنا في عدة مراحل:
المرحلة الأولى: في أقسام عمل الحر.
وينبغي أولا ان نعرف متى يصدق عمل الحر. وهو إجمالا يصدق فيما إذا صدق انه يعمل للغير ويستحق عليه الأجرة.
وتفصيل ذلك باختصار: ان في هذا المقام أمور متعددة:
1- المؤجر الذي يكون صاحب العمل عادة.
2- الأجير أو العامل.
3- الآلة التي يعمل بها، بما فيها الأرض أحيانا.
ــــــــــــــــــــ[299]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
4- المواد التي يستعملها في البناء أو الزراعة أو غيرها.
وبحسب فهمي، فان الفرد لا يكون أجيراً إلا إذا كانت المواد لغيره. واما إذا كانت له، كان العمل له ولا يستحق أجرة من أحد فمثلا يمكننا ان ننظر إلى عدة صور في الزراعة كمثال:
الصورة الأولى: ان تكون الأرض والآلات لشخص والبذر لشخص آخر وهو العامل. ففي مثله يكون الناتج له ولا يستحق أجرة ولكن عليه أجرة الأرض والآلات لصاحبها.
الصورة الثانية: ان تكون الأرض لشخص والآلات والبذر لشخص وهو العامل.
فهي كالسابقة، سوى ان أجرة الأرض فقط على العامل.
الصورة الثالثة: ان تكون الأرض والآلات لشخص والبذر لشخص كالأولى إلا ان العامل هو مالك الأرض. فهو يزرع بذر غيره في أرض نفسه.
فالناتج يكون لصاحب البذر، وعليه أجرة الآلات والأرض والعمل.
الصورة الرابعة: ان تكون الأرض لشخص والآلات والبذر لشخص كالثانية. إلا ان العامل صاحب الأرض.
فالناتج يكون لصاحب البذر وعليه أجرة الأرض.
الصورة الخامسة: ان تكون الأرض والبذر لشخص والآلات لشخص آخر وهو العامل.
فالناتج يكون لصاحب الأرض والبذر، وعليه أجرة العامل والآلات.
إلى غير ذلك من الصور. ونلاحظ انه من الناحية الفقهية والقانونية ان الناتج لصاحب البذر دائما. ومن هنا يكون هو صاحب العمل والآخر العامل. ــــــــــــــــــــ[300]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
بغض النظر عن أجرة الآلات والأرض التي تكون الأجرة لصاحبها ان استعملها صاحب البذر وهي لغيره. وكلامنا الآن عن أجرة العامل.
وهذا معنى ما قلناه من ان صاحب العمل هو صاحب المواد. (وهو البذر في المثال) ويكون الآخر عاملا: وللقارئ ان يطبق الأمر على الصور الخمس السابقة. وإذا تكلمنا عن الصناعة كان صاحب المواد، كالحديد أو الذهب أو البلاستيك هو صاحب العمل، فان كانت له لم يستحق الأجرة بل هو الذي يدفعها بإزاء الآلات ان كانت لغيره، وان كانت لغيره، استحق هو الأجرة من صاحبها.
وإذا تكلمنا عن البناء مهما كان حجمه، كان البناء لصاحب المواد. والآخر هو العامل. فان عمل الفرد بالمواد لنفسه لم يستحق أجرة وهكذا.
ولا نستطيع ان نجعل لرأس المال كالنقد أو نحوه دوراً في تعيين العامل من صاحب العمل. لأن رأس المال لا يشارك بمجرده، بل بعد ان يتحول إلى أرض ومواد وآلات ونحوها. ولكل شخص فلسفته وفرص وشكل الربح الذي يفضله. ككاسب أو تاجر. فقد يفضل أن يكون عاملا وقد يفضل ان يكون صاحب عمل، ولكل واحد ربحه بطبيعة الحال.
نعم، يمكن أن نلحظ رأس المال كمادة، إذا كان هو المتحرك بنفسه في العمل، كما في المصارف والبورصات. وعندئذ يكون الربح لصاحب المادة أيضا وهو رأس المال نفسه.
ولبعض أنواع العمل في الفقه أسماء خاصة معتنى بها بشكل خاص. وذلك ناتج من انه كان عليها العمل في صدر الإسلام. فورد ذكرها في عدد من الروايات. مما سبب ان يكتب الفقهاء عنها موضوعات مستقلة. والا فأنواع العمل أكثر من ذلك بكثير. نشير الآن إلى عدد من هذه الأنواع، مع تأجيل الحديث عن عدد منها إلى (كتاب) فقهي مستقل فيما يأتي:
ــــــــــــــــــــ[301]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
أولاً: المضاربة: وهو ما إذا كانت المواد من شخص والعمل من شخص. وكان جنس العمل هو التجارة. وتكون الأجرة كسراً عشرياً من الربح. واما إذا أعطي العامل أجرة محددة لم تكن مضاربة باصطلاح الفقهاء بالرغم من أنها لا تختلف عنها سوقياً.
ثانياً: المزارعة: وهو ما إذا كانت الأرض والبذر لشخص والعمل لشخص. وجنس العمل: زراعة. وتكون الأجرة أيضا كسراً عشرياً من الناتج. واما إذا أخذ العامل أجرة محددة لم تكن مزارعة باصطلاحهم.
ثالثاً: المساقاة. وهو ما إذا كانت الأرض والزرع لشخص والعمل لشخص، والمطلوب العناية بالزرع حين وجوده، والأجر كسر عشري أيضا من الناتج أو الثمرة. وإلا لم تكن مساقاة.
وهذه الأقسام من أوضح أشكال (عمل الحر) الذي جعلناه عنواناً للفصل. إلا أنها جميعاً خارجة عنه باصطلاحهم.
رابعاً: الجباية. أو العاملون عليها باصطلاح الفقهاء. وهنا رأس المال أو المواد مملوكة ملكاً عاماً أو قل: للدولة. والعمل في جمعه وتوزيعه لأشخاص آخرين. ويأخذ العامل جزءاً من الوارد عادة.
والشيء الرئيسي الواضح الذي يجمعونه هو الزكاة. ولكن قد يكون غيرها مثلها. كالخمس والخراج والجزية، ورد المظالم وغيرها.
خامساً: ولاية الوقف والعمل بالإشراف عليه وتدبير أموره وتوزيع ريعه. وإذا لم يكن مجانياً كان الولي بمنزلة العامل يستحق الأجرة، والتي هي اما كسر عشري من الناتج أو أجرة محددة موجودة بشرط الواقف أو يرجع فيها إلى العرف السوقي.
سادساً: الأجرة. أو قل الأجرة العادية أو البسيطة التي يستحقها أي عامل
ــــــــــــــــــــ[302]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
اعتيادي كالحمال أو عامل البريد أو عامل الكهرباء أو غيرهم. والأجر يدفع اما ممن يكلفه بالعمل كالمؤسسة أو الشركة. وعند ذلك لا يستحق من الأفراد أجراً. وإذا لم يكن كذلك، كالعامل المنفرد استحق الأجر على من يكون العمل في مصلحته.
وبتعبير آخر: ان العامل يستحق الأجرة ممن يكلفه بالقيام بالعمل أياً كان. سواء كان دولة أو مؤسسة أو فردا. ولا يستحق من غيره أجرة وان كان عمله مما يعود إليه بالنفع. فان العمل الواحد يستحق الفرد عليه أجرة واحدة لا أجرتين من جهتين.
سابعاً: الجعالة، وهي -كما سيأتي- سواء كانت خاصة أو عامة، من جعل الأجرة على القيام بعمل معين.
والمتعارف منها هو الجعالة العامة، أعني التي لا يكون فيها مخاطب معين. ومثاله السائر فقهياً: من رد دابتي فله كذا. والجعالة الخاصة هي المتوجهة إلى فرد بعينه، كما لو قال له: إذا رددت دابتي أعطيتك كذا. أو ان أجرتك على رد دابتي كذا.
وفرقها عن الأجرة أو الإجارة أمران:
الأمر الأول: انها خالية من لزوم القبول بخلاف الإجارة.
الأمر الثاني: انها غير ملزمة للعامل القيام بها بخلاف الإجارة. ولكنها على أي حال لا تعدو نظرياً ان تكون عملاً يستحق عليه الأجرة. وسيأتي الكلام عنها في محلها.
المرحلة الثانية: في شرائط عمل الحر.
يشترط في عمل الحر عدة شرائط: وهي باختصار: معرفة الأجير والأجرة والعمل وان لا يغير شيئاً من المشروع. يعني ان لا يحلل حراماً أو يحرم
ــــــــــــــــــــ[303]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
حلالا. وكذلك تحديد المدة ان كان العمل مما له مدة عادة. وبالتالي: يجب تحديد جميع هذه الأمور بشكل لا يكون قابلاً للترديد. واما اشتراط اللفظ أعني العقد اللفظي. فهو غير موجود لتحققها بالمعاطاة على الأصح. فضلا عن صورة تقدم القبول على الإيجاب وغير ذلك من الشرائط.
ونتكلم عن هذه الشرائط التي ذكرناها مختصراً بشيء من التفصيل:
الشرط الأول: تحديد الأجير بواحد أو جماعة معينين. فلو كان هذا الشرط غير متحقق: بان كان الأجير مردداً بين اثنين أو أكثر أو بين جماعتين. لم تصح الإجارة.
الشرط الثاني: تحديد الأجرة. فلو كانت غير محددة. كما لو كانت غير مذكورة أو غير متفق عليها بالمرة، أو كانت مذكورة إجمالا، بشكل قابل للترديد والتفسير، لم تصح الإجارة. فان قام الأجير بالعمل استحق الأجرة السوقية بصفته عملا غير تبرعي.
وأما ان كانت الأجرة مجحفة، فالإجارة صحيحة إلا ان للعامل حق الفسخ قبل ان يقوم بالعمل.
وينبغي أن نلتفت إلى ان التحديد السوقي المتفق عليه في أي يوم، يعتبر مذكوراً في الإجارة وان كان قد أهمل ذكره فيها بصراحة.
الشرط الثالث: تحديد مقدار العمل إلى الحد العرفي الكافي، فان كان فيه بعض الاختلاف اليسير، فلا ينبغي ان يزداد عن المقدار الذي يتسامح به العرف. ومن الممكن القول: ان المقدار الزائد المحتمل هل له أجرة إضافية إذا قام به الفرد وحده أم لا. فان لم يكن له أجرة كان إهمال ذكره في المعاملة ممكناً. وان كان له أجرة مستقلة، كان تحديد المقدار باعتباره ضرورياً. والا بطلت الإجارة.
ــــــــــــــــــــ[304]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وبالرغم من ان هاتين القاعدتين متقاربتان إلى حد ما. إلا ان الأولى فقهياً هو الأخذ بالأولى. لتخلف الثانية أحيانا في موارد. لا حاجة الآن إلى الدخول في تفاصيلها.
وكل هذه الشرائط تندرج في قاعدة واحدة، وهي أنها جميعاً أو بعضها إذا لم يتحقق، كانت الإجارة باطلة، فان قام الأجير بالعمل لا بقصد التبرع استحق الأجرة السوقية. وان قال الفقهاء: انه لو عمل مع علمه بالبطلان لم يستحق الأجرة. ولا يبعد ذلك مع علمه بذلك مع بنائه على صحتها تشريعاً وابتناء اعتقاده بالاستحقاق عليها. واما بدون ذلك فهو يستحق شرعاً الأجرة ما دام غير ناو للتبرع.
الشرط الرابع: ان لا يكون العمل المتفق عليه مفوتاً للواجب أو منجِّزاً للحرام أو كان معه شرط ضمني يحتوي على ذلك.
فإن كان هذا الشرط غير متحقق في الشرط لا في العمل بطلت الإجارة وحرم إنجازه على العامل. وكان استحقاقه للأجرة كما سبق أن تحدثنا في الشرط الثالث.
وان كان هذا الشرط غير متحقق في نفس العمل، حرم على العامل إنجازه. وان أنجزه عمل حراماً ولم يستحق عليه أجرة كائناً ما كان.
وكذلك لو كان هذا الشرط متخلفاً في لوازم المعاملة، لا فيها مباشرة. فيما إذا كان الحرام ليس في المعاملة بل فيما يترتب عليها من نتائج مباشرة. فالحكم نفسه، كما لو كان نفس الفعل المأجور حراماً.
الشرط الخامس: تحديد مدة الإيجار ان كان العمل يحتاج إلى هذا التحديد. فإن الأعمال على قسمين من هذه الناحية.
القسم الأول: أعمال لا تحتاج إلى تحديد عادة وعرفاً. كخياطة الثوب أو
ــــــــــــــــــــ[305]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
بناء دار أو الإيصال إلى (بغداد)، وغيرها كثير، بحيث تكون المهم النتيجة وهي إنجاز العمل دون المدة.
ولكن قد يكون لبعض الأفراد غرض خاص في تقليل المدة. أو المنع من التسامح والتمادي فيها. وعندئذ يمكن اشتراطها في المعاملة.
والمهم انه إذا لم نشترط المدة في مثل ذلك لم يكن ذلك مخلاً بالمعاملة.
القسم الثاني: أعمال تحتاج إلى تحديد المدة عرفاً. لأنها بطبعها ليست ذات مدة معينة، كأمثلة القسم الأول، بل هي قابلة للزيادة والنقصان، فإذا لم تحدد المدة في المعاملة كانت مجهولة والمعاملة باطلة.
مثال ذلك: العمل في مصنع أو شركة مدة معينة. أو الأجرة لعمل شخصي متكرر يومياً أو أسبوعيا أو شهرياً. ونحو ذلك.
فان تم العمل بدون تحديد المدة، أو قل: مع بطلان معاملة الإجارة، استحق الأجرة السوقية، في حديث سبق في الشطر الثالث.
فهذا هو مجمل ما ينبغي أن يقال في تحديد شرائط عمل الحر الذي هو الأجير، وصور تخلف هذه الشروط.
المرحلة الثالثة: فلسفة عمل الحر.
يستبطن عمل الحر نقطة أساسية: وهي كون الفرد الحر، مالكاً لعمله، بازاء العبد الذي لا يكون مالكاً لعمله، وإنما هو وعمله ملك مولاه. فما معنى ذلك.
لا شك ان أي فرد متسلط بحسب الخلقة على أعماله، أو بتعبير أدق: على تحريك جسمه أياً شاء بمقدار يناسب خلقة الجسم من الحركة. وهو بذلك مختار من ناحية ومفكر يستطيع ان يحسب حساب النتائج المترتبة على عمله
ــــــــــــــــــــ[306]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
عادة. ومن هنا يستطيع أن ينفع ويضر بأعماله نفسه أو غيره.
ومن هنا يصدق انه مالك لأعماله. وهذا صدق تكويني وهبه الله سبحانه وتعالى لأي إنسان. ولكنه ليس مقصوداً من ملكية عمل الحر، لنقطتين:
أولاً: انه لا يختلف فيه الحر والمملوك. في حين ان الملكية المقصودة مما يختلفان فيه بلا إشكال.
ثانياً: انه جانب خلقي في الفرد أو الأفراد، وليس جانباً اقتصادياً. لتكون الملكية الاقتصادية ملحوظة فيه.
ولكن نقطة القوة في هذا الجانب الخلقي أو التكويني، هو انه يصلح أساساً جيداً ومتيناً للملكية الاقتصادية بلا إشكال. إذ يصدق في حق العامل لغيره: انه بذل اختياره وتفكيره وتعبه في سبيل فرد آخر فيستحق عليه الأجرة.
ومعنى ذلك انه لو لم يكن الأمر كذلك، يعني لو كان واضحاً ان الفرد غير مختار ولا مفكر، كالأنعام، أو كان مجبوراً غير مختار بالمعنى الفلسفي، على أن يصبح هذا واضحاً عرفاً، فانه لا يستحق أجرة. كالآلة التي لا تستحق أجرة على عملها.
إذن. فبطلان هذه المناحي الفلسفية، ووضوح وجود الاختيار والتفكير للفرد، هو الأساس المتاح والواضح، للتسالم العرفي لملكية الفرد لعمله.
إلا أن نقطة ضعف نظرية رئيسية تكتنف القول بملكية الفرد لعمله. وذلك لأن كل الأعمال أما هي داخلة في الماضي أو هي مندرجة في المستقبل وليس للحاضر إلا اقل من طرفة عين. وقد صوره القائل ببيت من الشعر:
ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
فإذا لم يكن العمل موجوداً عملياً، فكيف يكون مملوكاً؟ بخلاف الأعيان القائمة كالأرض أو الدار أو المواد المنقولة، فانها ثابتة فيمكن ملكيتها.
ــــــــــــــــــــ[307]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
والجواب عن ذلك لا ينبغي أن يكون عقلياً دقياً، وإنما ينبغي ان يكون عرفياً سوقياً. لأن الملكية التي نتحدث عنها ملكية عرفية سوقية، فينبغي أن يكون موضوعها وهو العمل عرفياً. إذ لو نظرنا نظراً دقياً عقلياً، فلعلنا لم نستطع أن نجد الثبوت حتى للأعيان التي زعمنا انها ثابتة طبقاً لعدد من المسالك الفلسفية، كالمثالية والحركة الجوهرية، ونظرية الفناء، وغيرها.
والحديث العرفي عن عمل الحر يكون على قسمين: باعتبار موضوعه أولا أعني نفس العمل. وباعتبار محموله ثانياً أعني الملكية المنطبقة عليه:
القسم الأول: عمل الحر موضوعاً:
تتعلق الإجارة دائماً، بل مطلق الحكم بالملكية أعني بملكية العمل، بالحال والمستقبل. أو قل: بالمستقبل خاصة. بعد وضوح: ان الماضي قد خرج عن الاختيار الآن وأصبح في ذمة التاريخ. بل بعد وضوح: ان الحاضر أيضا لا يصلح للملكية ومن ثم لا يصلح للأجرة. لعدة أسباب. منها انه منجز من الناحية العملية، فهو يشبه الماضي من هذه الناحية. ولا أقل انه قد توفرت له علله التي لا محيص عن وجوده بعدها. والسبب الآخر: ان الحاضر يشكل لحظة واحدة تفوت بعدها بالضرورة. فلا تكاد تشكل عملا ذا بال قابل للنفع أو الضرر أو استحقاق الأجرة.
فالمهم هو الحكم بملكية الفرد اقتصادياً لعمله المستقبلي. أو الذي يستطيع أن ينجزه في المستقبل.
ولا شك عرفاً في ملكيته لعمله بهذا المعنى، إذ بعد التفات العرف إلى قدرة الفرد على إنجاز العمل، يجد انه يملك العمل الذي يقدر عليه.
وبتعبير آخر: ان الفرد وان لم يكن مالكاً لعمله المستقبلي فعلا، إلا انه مالك له بملكيته لعلله وأسبابه وهي قدرته واختياره أو انه متسلط عليه بتسلطه
ــــــــــــــــــــ[308]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
على ذلك. فإذا بسطنا ذلك تبسيطاً عرفياً كان المعنى: ان هذا الفرد بصفته قادراً على العمل إذن فهو مالك له ويستحق عليه الأجرة.
وبتعبير آخر: ان العرف يلحظ العمل المستقبلي ذو وحدة أو وحدات معينة: كعمل يوم أو أسبوع أو شهر مثلا. وينظر إلى هذه الوحدة أو الوحدات كأنها موجودة بوجود نافع بطبيعة الحال ومطلوب، ومن هذه الناحية يدفع العرف بإزائه المال أو الأجور.
والقدرة العرفية لا تتحدد فقط، بالمقدار المشترك بين البشر وهو القدرة على العمل والقدرة على التفكير. بل يدخل ضمنها (العلم) أو الخبرة والاختصاص أيضا. فإذا لم يكن الفرد خبيراً، لم يكن قادراً على إنجاز العمل عرفاً. أو قل: لم يكن قادراً على إنجاز العمل كالخبير تماماً، ومن ثم استحق اقل منه أجرة.
وكذلك تتحدد أيضاً بظروف عديدة، كالصحة الجسمية، والقدرة المالية، والظروف الاجتماعية أحيانا وغير ذلك. وهذا يختلف باختلاف العمل، وباختلاف العامل أعني ما إذا كان فرداً أو شركة أو البلد الذي يعمل فيه، أعني ما إذا كان رأسمالياً أو اشتراكياً أو صناعياً أو متخلفاً ونحو ذلك.
وعلى أي حال، فبعد ان يلحظ العرف الملابسات الممكن لحاظها في العامل، يحكم بمقدار ما يمكن له إنجازه من العمل في المستقبل كشيء مملوك للفرد ويمكن إعطاؤه أو تسليمه للآخرين، وذلك بإنجازه تدريجاً.
هذا: ويمكن إعطاء نظرية أخرى قريبة من الفهم العرفي، في فهم العمل.
وهي: ان المطلوب عرفاً دائماً هو النتيجة لا العمل نفسه. فان العمل إنما هو طريق لإنجاز شيء مطلوب، كتحويل القماش إلى ثوب أو الأرض إلى بستان وهكذا. وعلى ذلك يكون الفرد مستعداً لدفع الأجرة. وليس العمل
ــــــــــــــــــــ[309]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ملحوظاً بحيال ذاته.
فصاحب القماش يقول للخياط: اجعل هذا القماش ثوباً. فإذا حصل ذلك استحق الأجرة. بغض النظر عن الأسلوب الذي اتبعه الخياط في إنجازه. فمثلا لو استطاع إنجاز ذلك بتسخير الجن أو بالدعاء أو بالمعجزة مثلا كان مستحقاً للأجرة وان لم يعمل شيئاً من الخياطة. لأن المهم لصاحب العمل هو النتيجة، وليس العمل نفسه.
نعم، العمل هو الطريقة الرئيسية للإنجاز في الحياة الدنيا، وليس هو تسخير الجن ولا الدعاء عادة.
والمهم ان الأجرة ليست على العمل نفسه بل على النتيجة. إذن، فليس لا بد ان نلحظ للعمل وجوداً عرفياً اقتصادياً لنتحدث عن ملكيته أو مقابلته بالمال أو الأجر.
وقد يخطر في البال: ان هذا الذي قلناه ليس صحيحاً تماماً من الناحية العرفية، بل ان العمل ملحوظ عرفاً بلا إشكال لوضوح إمكان أو ضرورة تقسيمه إلى وحدات، كالعمل اليومي والشهري. وإذا كانت النتيجة وحدها ملحوظة لم يمكن تقسيمها إلى وحدات.
وجواب ذلك: ان النتيجة أيضا يمكن تقسيمها إلى وحدات. لوضوح ان العمل اليومي ينتج مقداراً من النتائج والعمل الشهري ينتج مقداراً أكثر وهكذا. والأجر يختلف بمقدار ذلك.
إذن، فهذه النظرية لا غبار عليها عرفاً. ولكن يبقى الوجدان العرفي حاكماً بأنه يأخذ العمل بنظر الاعتبار وان أخذ النتيجة أيضا بنظر الاعتبار. فهو يفهمهما معاً. وان كانا متساويين ومتوازيين في إنتاج المطلوب وهو تغيير الواقع، مثل تحويل القماش إلى ثوب.
ــــــــــــــــــــ[310]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ومعه فنحن نحتاج، إلى ما قلناه أولا من الحديث عن فهم العمل عرفاً كوحدة يستحق فاعلها عليها الأجرة.
القسم الثاني: عمل الحر حكماً.
أي الحكم عليه بالملكية. والعرف يحكم بالملكية على أي شيء إذا توفر فيه هذان العنصران:
أولا: ان يكون سبباً للنفع مما قل منه أو كثر. وليس عشوائياً خالصاً أو مضراً تماماً.
ثانياً: ان يكون منسوباً إلى شخص ما حقيقي أو حكمي (قانوني) نسبة مشروعة.
وهذان العنصران يتوفران في عدة أمور:
الأعيان المنقولة وغير المنقولة: فإنها نافعة، ومنسوبة إلى أشخاص معينين، كما هو المفروض.
الأعمال فإنها نافعة أيضا ومنسوبة إلى فاعليها.
الصفات كالتواضع والكرم والشجاعة والذكاء. فإنها نافعة ومنسوبة إلى المتصفين بها.
إلا ان العرف يحذف الفقرة الثالثة عن الملكية وعن المقابلة بالمالية. وإنما هي خصائص تنفع أصحابها بالمباشرة دون غيرهم إلا أحيانا. ولا يدفع العرف بإزائها مالا.
ويقتصر العرف على الفقرتين الأوليين بالحكم بالمالية والملكية. فيندرج في ضمنها العمل. وهو المطلوب.
ــــــــــــــــــــ[311]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل: شرط العمل
ويقع الكلام عن ذلك في مرحلتين فقهياً تارة ونظرياً أخرى:
المرحلة الأولى: في الجانب الفقهي. حيث أفتى الفقهاء طبقاً للأدلة المعتبرة: انه لا يجوز أن يتقبل الفرد شيئاً ثم يؤجر لشخص آخر بأكثر من ذلك ليكون الفرق له، إلا إذا غرم المستأجر الأول شيئاً ما وان قل. وستتضح هذه الفكرة للقارئ تدريجاً. وهذا المعنى سار في المواد المنقولة وغير المنقولة والأعمال أيضاً:
أولاً: في المواد غير المنقولة كالبستان أو الدار، لا يجوز أن يستأجرها الفرد بمائة مثلا ثم يعطيها لمستأجر آخر بمائة وعشرين. إلا أن يغرم عليها مالا أو عملا. كما لو بنى فيها شيئاً أو حفر فيها نهراً أو بئراً أو حرث الأرض ونحو ذلك.
ثانياً: في المواد المنقولة كالفراش والثياب وظروف الطعام وغيرها، إذا استأجرها الفرد، فلا يجوز أن يعطيها لشخص آخر بأكثر مما أخذها. على كلام سنشير إليه.
ثالثاً: في العمل. فإذا تكلف الفرد عملاً بأجرة، مثلا: تقبل خياطة الثوب بعشرة، فلا يجوز ان يعطيه لآخر بأجرة أقل إلا أن ينجز هو شيئاً من العمل فيه.
والحكم إجمالا، في هذه الفكرة ثابت إجماعا وفي الروايات المعتبرة. إلا ان بعض تفاصيله. قد تكون مستثناة وقد تكون غير مجمع عليها. ويتضح ذلك
ــــــــــــــــــــ[312]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
من الأمثلة التالية:
المثال الأول: ان يستأجر الدار بمائة ويؤجرها كلها بأكثر، من دون أن يسكنها أو يتصرف فيها. فهذا لا يجوز.
المثال الثاني: أن يستأجر الدار بمائة ويسكن في قسم منها ويؤجر نصفها الآخر بأكثر من نصف الأجرة. فهذا لا يجوز “إلا أن يحدث فيها حدثاً” كما ورد في الأخبار، يعني يقوم فيها بعمل ما.
المثال الثالث: أن يتعهد بالقيام بعمل الأرض التي لغيره بحصة معينة من الناتج، الذي هو المزارعة أو المساقاة في الأغلب، ويدفعها إلى أجير آخر بأقل من تلك الحصة. أو قل: بحصة أو بنسبة معينة من حصته. فهذا جائز.
المثال الرابع: أن يتعهد بالقيام بعمل الأرض، بمال محدد كمائة دينار مثلا، ثم يدفعها إلى أجير آخر بأقل، ليكون الفرق له. فهذا غير جائز.
المثال الخامس: ان يتكفل أي عمل آخر غير الزراعة، ولا يقوم فيه بشيء وإنما يؤجره على شخص آخر بأكثر. فهذا غير جائز.
المثال السادس: ان يستأجر شيئاً من الأعيان المنقولة كالفراش واللباس، ويؤجره لغيره بأكثر منه. فهذا مما لا تنص عليه الأدلة بشيء، ومقتضى القاعدة الأولية جوازه، إلا إذا أمكن تعميم الأدلة الواردة في غير المنقول إلى المنقول من باب التجريد عن الخصوصية وفهم العموم.
والنصوص الواردة عن عموم هذه الفكرة كثيرة ولعلها متواترة. نذكر فيما يلي نماذج منها:
صحيحة الحلبي(1). قال: قلت لأبي عبد الله : أتقبل الأرض بالثلث
ــــــــــــــــــــ[313]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الوسائل، كتاب الإجارة, باب21, حديث1.
أو الربع، فأقبلها بالنصف؟ قال: “لا بأس”. قلت: فأتقبلها بألف درهم وأقبلها بألفين؟ قال: “لا يجوز”. قلت: لم؟ قال: “لأن هذا مضمون وذلك غير مضمون”.
وحسنة أبي الربيع الشامي(1): عن أبي عبد الله قال: سألته عن الرجل يتقبل الأرض من الدهاقين ثم يؤجرها بأكثر مما تقبلها به ويقوم بها بحظ السلطان. فقال: “لا بأس به, ان الأرض ليست مثل الأجير ولا مثل البيت. ان فضل الأجير والبيت حرام”.
وإذا قيدنا هذه الأخيرة بسابقها يصبح الحكم: ان الأرض إنما يجوز إجارتها بأكثر فيما إذا كانت الأجرة نسبة عشرية معينة كالثلث أو الربع، لا مقداراً محدداً كمائة أو ألف.
وعن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله قال: “أني لأكره أن استأجر الرحى وحدها ثم أؤاجرها بأكثر مما استأجرتها. إلا ان أحدث فيها حدثا أو أغرم فيها غرماً”.
وصحيحة محمد بن مسلم(2) عن أحدهما قال: سألته عن الرجل يستكري الأرض بمائة دينار فيكري نصفها. بخمسة وتسعين ديناراً ويعمر هو بقيتها. قال: “لا بأس”.
وعن إسحاق بن عمار(3) عن جعفر عن أبيه ان أباه كان يقول: “لا بأس أن يستأجر الرجل الدار أو الأرض أو السفينة. ثم يؤجرها بأكثر مما استأجرها به، إذا أصلح فيها شيئاً”.
ــــــــــــــــــــ[314]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
(1) المصدر باب 20 حديث 2.
(2) المصدر باب 22 حديث 6.
(3) المصدر حديث 2.
وصحيحة محمد بن مسلم(1) عن أحدهما: انه سئل عن الرجل يتقبل بالعمل فلا يعمل فيه ويدفعه إلى آخر فيربح فيه. قال: “لا, إلا أن يكون قد عمل فيه شيئاً”.
وصحيحة عنه(2) أيضاً عن أحدهما قال: سألته عن الرجل الخياط يتقبل العمل فيقطعه ويعطيه من يخيطه ويستفضل. قال: “لا بأس. قد عمل فيه”.
وعن علي الصائغ (3) قال: قلت لأبي عبد الله: أتقبّل العمل ثم أقبله من غلمان يعملون معي بالثلثين. فقال: “لا يصلح ذلك إلا أن تعالج معهم فيه”. قال: قلت: فاني أذيبه لهم. فقال: “ذلك عمل فلا بأس”.
إلى غير ذلك من الروايات.
وإذا أردنا ان نقيد الروايات الثلاث الأخيرة الخاصة بالعمل بما هو منقول: كالذهب والثوب. بالروايات الواردة بغير المنقول كصحيحة الحلبي السابقة، نتج ان العمل حيثما وجد ان كانت إجارته الثانية بكسر عشري جاز وان كانت بقيمة مضمونة لم يجز.
إلا ان هذا التعميم غير ممكن لعدة أمور:
أولا: ان الكسر العشري في ريع غير المنقول معقول، واما في المنقولات كالذهب والثوب ونحوه فهو غير معقول. إلا ان يراد إجارتها مرة ثالثة وهكذا.
ثانياً: من احتمال الفرق بين المنقول وغيره، من انحفاظ المنفعة في غير المنقول وعدم انحفاظها في المنقول، كما سنوضح في المرحلة الثانية من هذا
ــــــــــــــــــــ[315]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) المصدر باب 23 حديث 1.
(2) المصدر حديث 5.
(3) المصدر حديث 7.
الفصل. ومع احتمال الفرق لا يمكن التعميم، كما هو ثابت في علم أصول الفقه.
ثالثاً: احتمال الفرق بين المنقول وغيره من ناحية أخرى، وهو ان العمل في غير المنقول استثماري بالمباشرة، كالعمل بالزراعة المنتجة للثمرة. وفي المنقول استثماري بالواسطة، يعني ان الناتج هو تغيير الثوب أو الذهب إلى شكل جديد، وهو واسطة أو سبب إلى الربح أو الاستثمار. وليس الاستثمار مباشراً فيه.
وهذا الوجه وان كان لا يخلو من خدشة يطول الكلام بشرحها، إلا ان النتيجة وهي عدم إمكان التعميم صحيحة. ومعه فالعمل في غير المنقول لا يجوز إعطاؤه لعامل آخر لا بنسبة عشرية ولا بقيمة محددة، ما لم ينجز العامل الأول منه شيئاً ولو يسيراً، يكون في مقابل الفرق الذي يحصل عليه.
المرحلة الثاني: في الجانب النظري لشروط العمل.
ويتم الكلام في ذلك في عدة مستويات:
المستوى الأول: في الجواب على السؤال عن الفرق بين العين والمنفعة.
وتوضيح ذلك: انه لا شك في جواز أن نشتري العين، يعني أي عروض سوقي، ونبيعه بأكثر مما اشتريناه به ليكون الربح لنا أو الفرق في جيبنا. وهذا جائز شرعا من دون ان يشترط فيها ان يعمل الفرد بالعين عملا أو يغرم مالا قبل البيع.
فإذا كان بيع العين لا يشترط بالعمل الإضافي، فلماذا يشترط ذلك في المنفعة والعمل كما سمعنا في المرحلة الأولى.
فان المهم سوقياً هو المالية، وهي متحققة ومحفوظة في المنفعة والعمل، كما هي محفوظة في العين. فإذا انتقلت إليه المالية بمعاملة ما جاز له أن يربح
ــــــــــــــــــــ[316]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
عليها لتزداد كمية المالية عنده. وملكية مالية العين يكون بالشراء وملكية مالية المنفعة والعمل، يكون بالإجارة.
إذن، فهذا هو التشابه، فما هو الوجه النظري للفرق بين العين والمنفعة، من حيث ان بيع العين غير مشروط بالعمل الجديد، مع ان المنفعة مشروطة به.
ولعل أوضح جواب على ذلك: يكون انطلاقاً من ملاحظة تحقق وانحفاظ العين عرفاً باستمرار ما بين المعاملة الأولى والمعاملة الثانية، أي من حين ما اشتراها إلى حين باعها بأكثر من قيمتها. بخلاف المنفعة والعمل. فانهما أمران استقباليان ينجزان بالتدريج. فهما غير موجودين عن المعاملة الأولى أكيداً. وإنما يفترض ان تسبب تلك المعاملة إلى وجودها.
والمفروض أيضا ان تلك المعاملة لم تسبب إلى وجود شيء منها وإنما أوكلها الفرد إلى معاملة أخرى إلى أجير أو مستأجر آخر (يعني بدون ان يعمل في العين عملا أو يغرم مالا). فان حصل الطرف على رأس ماله فهو حقه. كما لو آجرها بنفس الأجرة. اما لو حصل على ربح زائد فهو ليس حقه لأنه أخذه بدون مقابل.
وهذه الجهة في العمل أوضح منه في المنفعة، كما لو آجر نفسه على خياطة الثوب فلم يعمل شيئاً إطلاقا وأعطى الثوب بإجارة أخرى مع فرق يكون له. إذن يكون هذا الفرق لا مبرر له إطلاقا، لا من مبادلة عين ولا عمل ولا منفعة. لأنه لم ينجز شيئاً من العمل. وقلنا ان العمل غير متحقق في المعاملة الأولى لتكون ماليته محفوظة فيه، كالعين. فسوف يأخذ هذا الطرف ربحه مع الراحة وبدون أي مبرر.
وهذا هو نفسه المبرر في المنفعة، لعدم انحفاظ وجودها، ومن ثم ماليتها في المعاملة الأولى. فان أنجز عملا له مالية أو غرم مالا بين المعاملتين، كان
ــــــــــــــــــــ[317]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
مستحقاً لبقية الربح.
المستوى الثاني: ان الشرط الذي عرفناه للمعاملة الثانية قد يستلزم التصرف بمال الغير، فيجب ان يكون بإذنه.
وهذا لا يتحقق في العمل وإنما يتحقق في المنفعة، كما لو استأجر داراً ثم أجرها إلى شخص آخر بدون ان يعمل فيها عملا. فهنا: مقتضى الإجارة الأولى هو سكنى المستأجر الأول فيها لا غير. والمفروض انه لم يحصل ولن يحصل إطلاقاً.
وإنما الذي يحصل أمران: أحدهما: العمل الإضافي الذي هو شرط لصحة الإجارة الثانية. وثانيهما: سكنى المستأجر الثاني. وكلاهما تصرف بمال الغير بغير إذنه، فكيف جاز ذلك؟
والحق، انه لو كان ذلك تصرفاً بغير إذن المالك كان حراماً. بل يجب استئذان المالك في كل هذه المراحل من العمل. أو اشتراطها في الإجارة الأولى. أو أن يحرز رضاه ببعض القرائن الموثوقة، أو ان يكون ذلك مما عليه العمل سوقياً، ومتعارفاً بين الناس، بحيث يعتبر كالشرط الضمني المتسالم على تحققه.
وبدون ذلك، لا يمكن صحة الإجارة الثانية لسببين:
السبب الأول: ان إشغال المستأجر الثاني للدار بدون إذن مالكها حرام.
السبب الثاني: ان صحة المعاملة الثانية مشروطة بان يعمل المستأجر الأول عملا في الدار، كما لو جدد فيها حائطاً متهدماً أو صبغها ونحو ذلك. فان كان هذا العمل بدون إذن المالك، كان عملاً غصبياً، فلا يكون مؤثراً في جواز المعاملة الثانية، لأن العمل الغصبي منهي عنه شرعاً، فيكون ملحقاً بالعدم. وإنما المطلوب في الشرط إيجاد ما هو جائز شرعاً. ولا أقل من الاحتياط
ــــــــــــــــــــ[318]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الوجوبي في ذلك.
وإنما لم تتعرض الروايات لذلك باعتبار إحراز رضا المالك، من عدة وجوه محتملة، منها: كون ذلك متعارفاً كما قلنا. أو الاشتراط الضمني في الإجارة الأولى، أو ان الصرف على العين سيكون من الكثرة بحيث يكون في صالح صاحب المال حتماً، ويقنعه بالرضا جزماً.
وأكثر الروايات واردة في إجارة الأرض، ومن الواضح ان إيجارها مرة ثانية متعارف سوقياً منذ ذلك الحين والى العصر الحاضر.
المستوى الثالث: في الفرق بين الكسر العشري والأجر المحدد.
فقد نطقت الروايات كما سمعنا بالفرق بينهما. حيث سأل الراوي في صحيحة الحلبي: أتقبل الأرض بالثلث أو الربع. فاقبلها بالنصف. قال: “لا بأس”. قلت: فأتقبلها بألف درهم واقبلها بألفين. قال: “لا يجوز”. قلت: لم. قال: “لأن هذا مضمون وذلك غير مضمون”.
إلى روايات أخرى بمضمونها.
وهذا الحكم الذي نطقت به الصحيحة له أسلوبين من الحديث عنه:
الأسلوب الأول: ان يقال فقهياً: انه لا فرق بين الكسر العشري وبين الأجرة المحددة في الاشتراط بالعمل. وذلك: بالتقييد بالروايات الأخرى القائلة بلزوم ذلك، كقوله: “إلا أن أحدث فيها حدثاً أو غرم فيها غرماً”.
ومعناه: ان هذا الشرط إذا لم يحصل، لم تصح المعاملة الثانية حتى لو كانت بكسر عشري. واما لو كانت بكمية محددة فالصحيحة منعت عنه، إلا انه يمكن تقييد المنع بنفس الشرط أو الروايات الدالة عليه، فيكون المضمون هو الجواز في كلا الصورتين مع تحقق الشرط وبطلانهما مع عدمه.
ــــــــــــــــــــ[319]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إلا ان هذا الأسلوب يواجه بعض الإشكالات: أوضحها: انه بعد التقييد من الطرفين لا يبقى أي فرق بين الكسر العشري والقيمة المحددة. في حين ان الصحيحة نصت على الفرق بينهما. وان أحدهما جائز والآخر غير جائز.
وهذا معناه اننا يجب ان نقتصر على أحد التقييدين: فأما أن نقيد الجواز ويبقى المنع على إطلاقه. ومعناه ان المعاملة الثانية إنما تصح بشرطين: أحدهما: كون الأجرة كسراً عشرياً. والثاني: ان يعمل في الأرض عملاً. وتبقى سائر الصور تحت المنع وهذا هو الأرجح والأحوط.
وأما أن نقيد المنع بالشرط، وان المعاملة الثانية إنما تبطل بشرطين: أحدهما: إذا كانت الإجارة بكمية محددة من المال. ثانيهما: إذا لم يعمل في الأرض عملا. وتبقى سائر الصور تحت الجواز.
وقد أشرنا إلى ان التقييد الأول هو الأولى، وشرحه يثقل على القارئ ويخرج بالكتاب عن غرضه، فيبقى موكولا إلى الفقه.
وقد نطقت الروايات بشرط العمل قبل الإيجار الثاني، في الأرض والدار والحانوت والسفينة والرحى. الأمر الذي يجعله عاماً لكثير من الأشياء بعد التجريد عن الخصوصية، وخاصة غير المنقول منها.
وعلى أي حال يبقى السؤال الذي عقدنا له هذا المستوى الثالث من الكلام، عن الفرق بين الكسر الشعري والأجر المحدد. حيث منعت الروايات عن الإجارة الثانية بالأجر المحدد وأجازت في الكسر العشري. فلماذا كان ذلك؟
ويقع الكلام في ناحيتين، من حيث اننا تارة نأخذ بما قلناه عن التقييد للجواز في الكسر العشري بصورة إيجاد العمل. وأخرى لا نأخذ بذلك، بل نعتبر الحكمين مطلقين على حالهما:
ــــــــــــــــــــ[320]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الناحية الأولى: إذا أخذنا بما قلناه من شرط العمل الإضافي. فيكون الجواز منحصراً بما إذا كان الكسر عشرياً وبالعمل متحققاً. وتبقى سائر الاحتمالات الأخرى ممنوعة.
والسر في اشتراط العمل، قد عرفناه، إذ يكون الحصول على الربح بدونه جزافياً وبلا مقابل.
واما السر في اشتراط الكسر العشري، فهو ما صرحت به الروايات المعتبرة نفسها بقوله: “لأن هذا مضمون وذلك غير مضمون”، يعني أن الأجرة المحددة مضمونة والكسر العشري غير مضمون.
وليس المراد بالضمان هو الضمان في الذمة، لأنه على أي تقدير كان ثمناً في معاملة الإيجار فيكون مضموناً.
وإنما المراد بالضمان هو ضمان تحققه ووجوده، لوضوح ان البستان إذا لم يحصل منه أي ريع كان الكسر العشري منه منعدماً.
فلا تكون الأجرة مستحقة على الإطلاق مع عدم الريع. في حين لو كانت الأجرة محددة، فهي مضمونة التحقق حتى مع عدم الريع أصلا.
وكذلك: فان الكسر العشري يقل ويكثر بقلة وكثرة وارد الأرض وليس هناك ضمان قطعي لقلته وكثرته عادة، بخلاف الأجرة المحددة. فهذا هو المراد من العبارة.
وعلى أي حال، فان كانت الأجرة محددة فقد تزيد على وارد البستان كله أو تستوعب كثيراً منه. الأمر الذي ينتج ظلماً وإجحافاً بالمستأجر الثاني. بخلاف ما إذا كانت الأجرة كسراً عشرياً. إذ عندئذ، تكون النقيصة موزعة بين الشخصين: المؤجر والمستأجر في الإجارة الثانية، كما ان الزيادة تكون بينهما أيضا.
ــــــــــــــــــــ[321]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
والمفروض في هذه الناحية اننا نخص الجواز في صورة جواز العمل مع كون الإيجار على الكسر العشري. لأننا بذلك نكون قد حققنا لكلا الشرطين حكمة وجودهما. كما هو غير خفي على القارئ، مع شيء من التفكير. وتبقى الاحتمالات الأخرى على البطلان لعدم تحقق أحد الشرطين أو كلاهما، ومن ثم لعدم تحقق وجه الحكمة لمشروعيتهما.
الناحية الثانية: إذا أخذنا الحكم بالصحة في صورة كون قيمة الإيجار كسراً عشرياً، سواء كان هناك عمل منجز مسبقاً أم لم يكن.
وبالرغم من ان هذا لم نختره، إلا أن فيه تفسيراً لظاهر الرواية كصحيحة الحلبي، باستقلالها قبل التقييد.
وقد ألمعنا خلال الناحية الأولى إلى الحكمة من جواز الكسر العشري ومنع القيمة المحددة. وذلك لأن هذه القيمة قد تستوعب الناتج كله أو كثيراً منه بخلاف الكسر العشري الذي يكون في مصلحة كلا المتعاملين اقتصادياً.
وهذا وحده يكفي سراً في التفريق الاقتصادي بين الصورتين وخاصة بعد أن نفينا القول بالجواز في القيمة المحددة إذا كانت مع العمل المسبق بل نقول انها ممنوعة مطلقاً، والكسر العشري جائز مطلقاً، كما عليه موضوع الكلام في هذه الناحية.
المستوى الرابع: في الحديث عن إجارة جزء من العين. حيث دلت الروايات ان الفرد قد يستأجر الدار فيسكن في قسم منها ويؤجر الباقي. وهنا يجب ان لا يزيد قيمة الأجرة على إيجار المجموع الذي دفع في المعاملة الأولى.
ومقتضى تقييدها بالروايات الأخرى: ان زيادة الأجر هنا يمكن أن يكون جائزاً إذا أحدث في القسم المؤجر عملاً جديداً. لتكون الزيادة بإزاء العمل.
ــــــــــــــــــــ[322]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
كما ان مقتضى فهمها من زاوية الإيجار بالكسر العشري: ان الفرد لو استأجر عيناً ذات ريع كبستان، وحجز نصفها له. وأعطى الباقي في إجارة ثانية إلى فرد ثاني. فان كانت الأجرة محددة لم يجز، وان كانت بالكسر العشري من الناتج جاز مع إنجاز شيء من العمل، على ما اخترناه.
والسؤال المعروض هنا، في هذا المستوى الرابع، ان النصف المؤجر بالإجارة الثانية يكون قد اجر بقيمة تزيد على قيمته باستقلاله في المعاملة الأولى. يعني: بأزيد من نصف القيمة السابقة، مع ان مقتضى القاعدة حسب التسلسل الفكري الذي بينته الروايات لقيمة العين كلها: أن لا يزيد إيجار النصف في المعاملة الثانية على نصف القيمة في المعاملة الأولى. إلا إذا أحدث فيه حدثاً بطبيعة الحال. وهو مما لم تصرح به الروايات في النصف.
وجواب ذلك. ان هناك فرقاً بين إجارة مجموع العين في معاملة جديدة وإيجار جزئها. لأنه مع إيجار الجزء يكون الجزء الآخر موجوداً في تأثير المعاملة الأولى وتحت تصرف المستأجر الأول وهذا وحده كاف في تصحيح أخذ الزيادة. لأن استعمال العين في الجملة يصدق عليه انه أحدث فيه حدثاً. فتأمل.
ويمكن ان يقال: ان المهم شرعاً هو عدم حصول الفرد على ما يزيد على قيمة مجموع العين، سواء خرج ذلك من إيجار المجموع أو من إيجار الجزء. لأن هذه الزيادة إذا كانت بدون عمل إضافي ستكون بدون مقابل، كما أسلفنا.
كما يمكن ان يقال: انه يمكن أن نقيد الحكم في النصف، كما قيدنا الحكم في المجموع. من حيث انه إذا عمل فيه عملا جازت الزيادة. وكذلك إذا كانت القيمة كسراً عشرياً من الناتج. أو بالتقييد بكلا هذين القيدين كما اخترناه.
المستوى الخامس: في مناقشات مع بعض أساتذتنا حول الموضوع.
ــــــــــــــــــــ[323]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
حيث سرد(1) بعض الروايات التي رويناها، وغيرها، واستنتج منها أخيراً ان(2): الكسب لا يقوم إلا على أساس اتفاق عمل خلال المشروع. فالعمل المتفق هو المبرر الأساسي الوحيد لحصول صاحبه على مكافأة من صاحب المشروع الذي انفق العمل لحسابه وبدون المساهمة من شخص باتفاق عمل لا مبرر لكسبه.
ويرد على ذلك إيرادان:
الإيراد الأول: ان مراده من الكسب هو العمل لأجل الحصول على ربح أو دخل. وهذا واضح. إلا ان المعنى اعم مما هو موضوع حديثه وحديثنا. لأنه يشمل كل أنواع الاسترباح في حين ان موضوع المسألة هو خصوص بعض أشكال الإيجار.
ولا شك ان مطلق أشكال الاسترباح غير منوط بأي عمل. وإنما الشرط، على تقدير صحته، فهو خاص بموضوع الحديث.
الإيراد الثاني: ان من الروايات ما يدل على ان المبرر ليس هو (العمل المتفق) كما يقول. بل هو شيء أعم من ذلك، وهو أن يغرم غرامة مالية عرفاً، سواء كانت هي العمل بصفته شيئاً مالياً أو كان غيره، كما لو أنفق نقداً أو كان فيه بعض عناصر الإنتاج كآلات الزراعة أو التبرع بالبذر ونحو ذلك.
والروايات واضحة في ذلك. وما دل عليه يمكن أن نقيد به ما دل من الروايات على ان المطلوب العمل. فيكون المعنى: ان المطلوب هو العمل لا بصفته الذاتية بل بصفته مالا.
ــــــــــــــــــــ[324]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) اقتصادنا ج2ص216.
(2) المصدر ص222.
ومما دل على ما أشرنا إليه رواية سليمان بن خالد عن الإمام الصادق أنه قال: “إني لأكره ان أستأجر الرحى وحدها ثم أؤاجرها بأكثر مما استأجرتها. إلا ان أحدث فيها حدثاً أو اغرم فيها غرماً”.
والرحى ملحوظة هنا بصفتها شيئاً غير منقول لأنهم كانوا يبنون الطابق الأسفل من الرحى في الأرض. فيمكن أن يشمل الحكم سائر الأمور غير المنقولة.
ومن الطريف ان بعض أستاذتنا(1) يرويها، بدون عبارتها الأخيرة: “أو أغرم فيها غرماً”. مع ان (صاحب الوسائل) يرويها معه. وهو حجة في ما نقل.
ويدل على ذلك أيضا رواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي(2) عن أبي عبد الله، وفي نهايتها -يقول الإمام- فقال له: “إذا استأجرت أرضاً فأنفقت فيها شيئاً أو رممت فيها فلا بأس بما ذكرت”.
وما ذكره هو موضوع الكلام في هذا الفصل وهو أن يستأجر الفرد أرضاً ثم يؤجرها على فرد أو أفراد آخرين. والرواية واضحة في ان الترميم أو العمل وحده ليس شرطاً بل النفقة كافية أيضا. وبهذا المضمون تقيد الروايات الأخرى، كما قلنا.
الإيراد الثالث: ورد في صحيحة الحلبي السابقة قوله: “لأن هذا مضمون وذاك غير مضمون”.
والمراد بالمضمون هو الأجرة المحددة، كما سبق ان عرفنا. وبغير المضمون الكسر العشري المتفق عليه في المعاملة.
وقد فهم بعض أساتذتنا: ان العقد إذا كان على أجرة محددة كان هو عقد
ــــــــــــــــــــ[325]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) المصدر ص216.
(2) الوسائل أحكام الإجارة باب 21 حديث 3و4.
الإجارة المصطلحة فقهياً. وان كان على كسر عشري كان هو عقد المزارعة المصطلحة عندهم.
مع انه يقول فيها: أتقبّل الأرض بالثلث أو الربع فاقبلها بالنصف قال: “لا بأس”. قلت: فاقبلها بألف درهم واقبلها بألفين. قال: “لا يجوز”. قلت: لم. قال: “لأن هذا مضمون وذاك غير مضمون”. وهذا كل نص الرواية.
فكِلا الشكلين ورد بعنوان: «أتقبّل». لا بعنوان الإجارة ولا بعنوان المزارعة. والشيء الوحيد الذي يبرر فهمه، هو ان الفقهاء قالوا: ان المزارعة لا تكون إلا بالكسر العشري. واما إذا كانت الأجرة محددة فليست مزارعة.
والنتيجة الوحيدة لهذا الحكم، هو ان الأجرة إذا كانت محددة. فلا يجوز أن يقول في لفظ المعاملة: زارعتك. بل لا بد ان يقول: آجرتك. ولا أقل من الاحتياط الوجوبي في ذلك.
واما العكس فلم يتعرض له الفقهاء. وهو ان تكون المعاملة بعنوان الإجارة مع ان الأجرة هي كسر عشري. فان الظاهر ان هذا مما لا بأس به. وخاصة إذا كان الفرد لم يدفع شيئاً إلا الأرض دون البذور والآلات. كما هو موضوع الرواية.
والنتيجة: ان الظاهر ان كلا موردي السؤال هو من الإجارة لا من المزارعة، اما في صورة الأجرة المحددة فواضح ومسلم فقهياً. وأما في صورة الكسر العشري، فلأن المدفوع هو الأرض وحدها دون أي شيء آخر. وبهذا لا تكون مزارعة، كما هو واضح فقهياً.
الإيراد الرابع: في نفس الرواية: صحيحة الحلبي فهم بعض أساتذتنا من قوله: “لأن هذا مضمون وذاك غير مضمون”: ان المراد من الضمان هنا هو
ــــــــــــــــــــ[326]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الضمان في المعاملة. فان الأجرة المحددة تكون مضمونة بنفس عقد الإجارة، واما الكسر العشري فلا يكون مضموناً بعقد المزارعة.
وهذا بمجرده لا وجه له، لأن الإلزام والالتزام المعاملي لا فرق فيه بين الإيجار والمزارعة ما دامت المعاملة صحيحة وسارية المفعول. إذن فالأجرة بكل أشكالها مضمونة في أي عقد وقعت. يعني من زاوية الالتزام به. إذن فهذا الفهم الذي فهمه قابل للمناقشة.
وإنما المفهوم عرفاً من (المضمون وغير المضمون): هو الضمان الواقعي أو التكويني لو صح التعبير، كما سبق ان شرحنا. وذلك: ان الأجرة لو كانت محددة فسوف يمكن دفعها في أي وقت متأخر عن العقد. واما لو كانت الأجرة كسراً عشرياً من الناتج، فالناتج قد لا يكون موجوداً على الإطلاق. وإذا كان ذلك لا يمكن دفع الأجرة واقعاً وتكويناً، ولن تكون مستحقة قانوناً وشرعاً أيضاً. لأن الكسر العشري إنما يكون له وجود عند وجود الواحد الصحيح. وأما مع انعدامه فالكسر ينعدم أيضا. وكذلك فان الكسر العشري يقل بقلة الناتج ويكثر بكثرته. وهذا ونحوه، معنى قوله: “غير مضمون”. لا الضمان المعاملي في عقد المزارعة، لأن هذا متحقق على كل حال. وتمام الكلام في الفقه.
ــــــــــــــــــــ[327]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
السرقفلية
تعتبر السرقفلية أحد موضوعات كتاب الإجارة، بالرغم من عدم وجوده في الكتب الفقهية القديمة، لا في العصر الأول ولا في العصر الوسيط، لأن السرقفلية بنفسها لم تكن موجودة سوقياً. ولعلها لم تصبح متعارفة إلا في هذا القرن الميلادي أو القرن السابق الهجري والمهم التعرف على معناها أولا، وحكمها الشرعي ثانياً.
ما هي السرقفلية؟
هي اصطلاح سوقي مأخوذ من اللغة الفارسية، وحاصل فكرتها: أخذ المال لأجل تمكين شخص آخر ان (يقفل) المكان له أو يحجزه لاستعماله. ومن هنا سميت السرقفلية. ومن المعلوم عادة ان حق إغلاق المكان أو إقفاله إنما يكون لصاحب اليد. فيعود المعنى: ان المال مأخوذ لتبديل اليد باليد. يعني التخلية من قبل الآخذ للمال والإشغال من قبل دافعه.
والعرف السوقي يسمي هذه المعاملة بيعاً وشراء، فالوارد الدافع للمال مشتري والآخر البائع. مع انهم يعترفون ان ذلك إنما يحدث بين المستأجرين أنفسهم وليس لأي منهما من رقبة الأرض أو المحل شيء.
وعادة تكون السرقفلية في المحال التجارية. وقد تشمل أموراً تجارية أخرى كالحمامات العامة أو المسارح أو المتنزهات مما هو تابع للقطاع
ــــــــــــــــــــ[328]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الخاص.
حكم السرقفلية:
يمكن تقسيم الظروف التي يمر بها المالك والمستأجر، إلى عدة تقسيمات. تختلف بعضها عن بعض في الحكم:
أولاً: التقسيم من حيث كون السرقفلية متعارفة في هذا البلد أو غير متعارفة. والحديث عن ذلك يعني انها هل هي جائزة أساساً ولو لم تكن متعارفة سوقياً؟
ثانياً: التقسيم من حيث إذن المالك للمستأجر بالتخلية لغيره، وعدمه. أما في ضمن المعاملة الأولى أو في إذن مستقل.
والحديث عن ذلك يعني انه هل السرقفلية جائزة، حتى من دون إذن المالك، اما مع نهيه، أو مع استغفاله وعدم علمه، أم لا؟
ثالثاً: التقسيم من حيث حصول المعاملة في زمان صدور قانون الإيجار الذي يمنع المالك عن إخراج المستأجر رغماً عنه أو زيادة الإيجار عليه. أو انها حصلت في زمان سابق عليه، أو في مكان لا يسري فيه هذا القانون، كما في قطر آخر.
والحديث عن ذلك يعني ان السرقفلية هل هي جائزة في ظل هذا القانون، أو في ظل تطبيق ما هو مشروع في الفقه من جواز الزيادة على المستأجر وإمكان إخراجه، أم لا.
فهذه تقسيمات ثلاثة لكل منها احتمالان أو قسمان، ومن ضرب بعضها ببعض (2×2×2) تكون النتيجة ثمانية احتمالات يحسن بنا أن نفصل المهم منها.
ــــــــــــــــــــ[329]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ولا يخفى ان المتحدثين من الفقهاء عن السرقفلية، أخذوا للجواز أحد الاحتمالين في بعض التقسيمات الثلاثة. فبينما أخذ سيدنا الأستاذ ظرف صدور القانون كأساس لجوازها، أخذنا بالتعليقة عليه ظرف التعارف السوقي لهذه المعاملة، كأساس للجواز. على حين أخذ بعض أساتذتنا ظرف إذن المالك والشرط عليه ضمن المعاملة كأساس للجواز.
واما هنا، كبحث ذي صفة تفصيلية، فينبغي أن نأخذ الأمر من عدد من جوانبه المهمة، بحيث يتحصل فهم الحكم في الصور الثمانية المشار إليها، ولو بشكل ضمني.
وينبغي ان يقع الكلام في ضمن عدة مستويات:
المستوى الأول: أن نأخذ من التقسيم الأول ان السرقفلية غير متعارفة سوقياً، أو اننا نوجدها في شيء لا تتعارف فيه، كدور السكن. ونأخذ من التقسيم الثاني عدم إذن المالك. لا اقل مع جهله بها واستغفاله، ان طرحنا احتمال نهيه جانباً. ونأخذ من التقسيم الثالث ظرف عدم سراية قانون الإيجار.
هذا المستوى هو أسوأ المستويات بالنسبة إلى السرقفلية. إذ لا شك في حرمتها شرعاً عندئذ. والسبب الأهم فيه هو عدم إذن المالك لا حقيقة ولا ضمناً ولا شرطاً.
ونقصد بالإذن الحقيقي استئذانه شفاهاً ونحو ذلك. والإذن الضمني هو المتحصل من التعارف السوقي لهذه المعاملة كما سيأتي. والإذن الشرطي هو الإذن الحاصل من الشرط في ضمن معاملة الإيجار كما سوف نشير. فان لم تكن كل هذه الأمور متحققة كانت السرقفلية حراماً بلا إشكال. وليس لجوازها أي مبرر شرعي.
ومعه يكون أخذ المال حراماً والتصرف فيه حراماً، كما أن تصرف
ــــــــــــــــــــ[330]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المستأجر الجديد بالمحل المستأجر حرام.
المستوى الثاني: ان نأخذ من التقسيم الأول احتماله الثاني وهو ان السرقفلية متعارفة سوقياً، ونحن نوجدها فيما هو متعارف فيه من الأملاك كالمحال التجارية.
وبهذا نكون قد أخذنا صورة حصول إذن المالك، بشكل سنشير إليه. وأما في التقسيم الثالث، فنأخذ شكل عدم سراية قانون الإيجار.
والتعارف السوقي اما أن يكون واضحاً وعميقاً، واما أن يكون ضعيفاً. فان كان ضعيفاً لم يكن بمجرده سبباً للحصول على إذن المالك. ومن هنا قد نحتاج في تصحيح السرقفلية إلى إذن المالك الحقيقي كما سنتحدث عنه في مستويات آتية.
وان كان التعارف السوقي للسرقفلية كثيراً ومركزاً فهنا يحتوي على عدة نقاط قوة من الناحية الفقهية:
النقطة الأولى: انه قد يقال ان السرقفلية معاملة مستقلة وعرفية، وهي بهذه الصفة تكون مشمولة للعمومات المنفذة للمعاملات، كقولهم: “المؤمنون عند شروطهم” فتكون هذه العمومات بنفسها دليلا على صحة هذه المعاملة.
النقطة الثانية: ان هذا التعارف السوقي سيصبح بمنزلة أخذ الإذن من المالك لأن الأطراف جميعاً يعلمون بحصول السرقفلية ابتداءً من الإيجار الأول، وهذا معناه ان المالك يرضى بهذه النتيجة. إذ لو لم يكن راضياً كان عليه الدلالة على خلاف ذلك، بان ينهى عنه أو يشترط عدمه في المعاملة. وحيث انه لم يفعل، إذن فهو راض عن السرقفلية التي يأخذها المستأجر.
النقطة الثالثة: ان هذا المقدار من التعارف الواضح يكون بمنزلة الشرط الضمني في معاملة الإيجار بان المستأجر من حقه ان يقوم بالسرقفلية على
ــــــــــــــــــــ[331]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
شكلها العرفي. ولا فرق في الشروط النافذة في المعاملات فقهياً بين أن تكون مصرحاً بها لفظياً أو متفق عليها ضمناً.
ونتيجة لهذه النقاط الثلاث أشرنا قبل قليل إلى أننا أخذنا السبب الأهم لجواز السرقفلية هو تعارفها الاجتماعي وليس وجود قانون الإيجار كما عليه السيد الأستاذ.
المستوى الثالث: ان نأخذ من التقسيم الأول السابق صورة عدم كون السرقفلية متعارفة، ويلحق بذلك كونها متعارفة على نطاق ضيق. ونأخذ من التقسيم الثالث صورة عدم نفوذ قانون الإيجار.
وأما التقسيم الثاني فهو محل السؤال في هذا المستوى من ان إذن المالك أو الاشتراط في المعاملة لإيجاد السرقفلية هل يصححها فقهياً، مع العلم انها غير متعارفة كما هو المفروض في هذا المستوى أو اننا نوجدها في أشياء لا تتعارف فيها كدور السكن.
أو ان السرقفلية تبقى حراماً حتى مع إذن المالك والاشتراط في المعاملة.
ولا شك ان إذن المالك يحلل ما هو مربوط به وهو استخدام المستأجر الثاني للمكان. وأما ما ليس مربوط به من شرائط صحتها فلا يكون له أثر في جوازها.
أولا: ان المستأجر الأول لا يجوز له بمجرد كون المحل تحت يده أن يؤجره على شخص آخر ما لم يكن هذا الأمر محرز الرضا من قبل المالك بحيث يصبح المستأجر وكيلا عن المالك في الإجارة الثانية.
ثانياً: ليس من حق المستأجر ان يأخذ مالا من المستأجر الثاني بإزاء إجارة المكان لأن الأجرة ريع يملكه مالك المحل لا المستأجر، وليس للمالك تشريع الجواز في ذلك. نعم له هبة المال لمن يريد. وهذا أمر خارج عن محل الكلام
ــــــــــــــــــــ[332]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فقهياً.
ثالثاً: ليس من حق المالك تشريع الجواز أو عدمه، بل ولا الإذن من قبله للمستأجر بأخذ السرقفلية. لأنه ليس موكلا عنه ولا ولياً له من هذه الناحية، لأن المستأجر عادة يأخذ المال بصفته الاستقلالية لا بصفته ممثلا للمالك أو وكيلاً عنه.
إذن، ينتج من كل ذلك ان إذن المالك بمجرده من دون ان تكون السرقفلية متعارفة، لا يصلح ان يكون سبباً للحكم بالجواز كما نقلنا عن بعض أساتذتنا. لكن لو أذن المالك للمستأجر الثاني بالتصرف بالمحل أمكن أن يكون للسرقفلية وجه فقهي. وهو في صورة ما إذا كان المستأجر الأول قد اشترط على المالك عدم إخراجه أو استمرار الإيجار لعدة سنوات وعندئذ فيمكن له خلال هذه المدة التنازل للمستأجر الثاني عن شرطه بإزاء المال المقبوض بعنوان السرقفلية.
واما بدون ذلك كما لو كان الإيجار لمدة سنة مثلا، فمن الناحية الشرعية يجوز للمالك ان لا يجدد عقد الإيجار للمستأجر الأول وان يختار أي مستأجر آخر. وعندئذ يجب على المستأجر الأول تفريغ المحل ولا يجوز له أخذ الأجرة على التفريغ. وليس هناك شرط كما هو المفروض الآن لكي يتنازل عنه بإزاء المال.
وقد اتضح قبل قليل ان طرف الإيجار مع المستأجر الثاني هو المالك لا المستأجر الأول، إلا ان يكون وكيلا عنه أو ولياً ونحوه. كما ان المالك هو الذي يملك الإيجار وليس المستأجر إلا ان يهبه المالك له، وليس من حق المالك تغيير التشريع إلى ما يؤدي إلى جواز ذلك وان كان في مصلحته أحيانا. فأخذ المستأجر الأول السرقفلية ان كان بعنوان الأجرة في الإيجار الثاني فهو حرام لأن مالكها هو المالك. وان كان بعنوان تفريغ المحل فهو حرام أيضا،
ــــــــــــــــــــ[333]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
لأنه أمر واجب عليه ويحرم عليه البقاء في المحل بعد انتهاء مدة الإيجار إلا في صورة أشرنا إليها ضمن هذا المستوى.
المستوى الرابع: ان نأخذ من التقسيم الأول صورة كون السرقفلية متعارفة، ومن التقسيم الثالث وجود قانون الإيجار الذي يلزم المالك بعدم إخراج المستأجر ولا الزيادة عليه كما اتفق عليه في معاملاتهم الأولى.
وأما التقسيم الثاني فسيكون ساقطاً لأننا تحدثنا فيه عن إذن المالك ومع وجود قانون الإيجار لا مجال لإذنه.
وقد يقال فقهياً ان وجود هذا القانون يكفي في إنجاز شرط ضمني في معاملة الإيجار مع المالك بمضمونه. يعني ان الإيجار يستمر إلى سنوات غير محدودة وبنفس الأجرة. وقد أشرنا قبل قليل انه مع وجود هذا الشرط فان للمستأجر التنازل عن حقه للمستأجر الثاني بإزاء المال المسمى بالسرقفلية.
إلا ان هذا يتوقف على بعض الأمور لصحته الفقهية:
أولا: ان يكون قانون الإيجار واضحاً في الأذهان حيث يشكل شرطاً ضمنياً، واما بدون ذلك وخاصة مع عدم علم المالك به أو سيره في الطريق الشرعي، فانه لا يصلح ان يكون دليلاً على الاشتراط في المعاملة.
ثانياً: اننا عرفنا ان طرف معاملة الإيجار لأي مستأجر هو المالك وليس المستأجر السابق عليه.
فالمستأجر السابق ان أخذ مال السرقفلية لتنازله عن حقه الضمني المفروض قانوناً أو عن تفريغ المحل، فانه يبقى للمالك حرية الموافقة في الاتفاق مع المستأجر الجديد أو عدمه، ولا يكون اتفاق المستأجر الجديد مع القديم ملزماً للمالك من هذه الناحية.
ولا يبعد ان يكون اتفاق المالك مع المستأجر الجديد في ظرف وجود
ــــــــــــــــــــ[334]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
قانون الإيجار غير ملزم للمستأجر القديم بدوره بالتخلية وترك المحل.
إذن ينتج من ذلك انه في ظرفية وجود هذا القانون يكون اللازم فقهياً اتفاق الأطراف الثلاثة ورضاهم بالإيجار الجديد وهم المالك بصفته طرفاً للإيجار والمستأجر القديم بصفته طرفاً للسرقفلية والمستأجر الجديد بصفته طرفاً لهما معا.
سرقفلية المالك:
تكون السرقفلية عادة من حصة المستأجر السابق. وهذا هو الذي سبق أن عرفناه وحاولنا اقتناص حكمه الفقهي.
ولكن أحيانا قد تكون السرقفلية للمالك نفسه وذلك في عدة صور محتملة:
الصورة الأولى: ما إذا أراد المالك أن يؤجر المحل لأول مرة وقد يكون متعارفاً بين بعضهم أخذ الأجرة والسرقفلية من المستأجر فيأخذ مائة مثلاً بصفتها أجرة شهرية أو سنوية وألفاً مثلاً بصفتها سرقفلية. وأثر ذلك أن الإيجار في المواعيد المتأخرة سيقتصر على المائة.
وقد أفتى الفقهاء بجواز ذلك. إذ ان هذا المورد يعتبر خالياً أساساً من الإشكالات السابقة إذ من الممكن تبرير المال هنا بعدة وجوه نذكر بعضها:
أولا: ان يكون الإيجار في الموعد الأول كبيراً يمثل مجموع المال المدفوع أولا، والإيجار في المواعيد المتأخرة قليلة.
ثانياً: ان تكون الأجرة هي المقدار الأقل ويكون المال الزائد مالا إضافيا مشترطاً في المعاملة اللازمة. وهذا لا غبار عليه فقهياً حتى بدون سبب فضلاً عما إذا كان له سبب.
ــــــــــــــــــــ[335]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ولكن يرد على كلا الوجهين ان المعاملات تكون تابعة للقصود، ولا يمكن تبريرها الفقهي خارجاً عن قصود المتعاملين. والمالك أخذ هذه الزيادة لا بعنوان الإيجار كما في الوجه الأول، ولا بعنوان الإضافة كما في الوجه الثاني، وإنما فقط أخذها بعنوان السرقفلية التي تمثل أهمية المحل تجارياً. فان لم يكن للسرقفلية تبرير فقهي خارج هذه الحدود لم يصلح هذا بمجرده تبريراً كافياً له.
وقد يقال: ان التعارف الاجتماعي لهذا الشكل من السرقفلية يصلح أن يكون سبباً للتبرير الفقهي لجوازها، كما قلنا في صورة أخذ المستأجر لها أحيانا.
إلا ان هذا ناشئ من ضعف الفهم الفقهي:
أولا: ان أخذ المالك للسرقفلية لم يصبح إلى حد الآن واضحاً في أذهان أهل السوق كأخذ المستأجر السابق لها.
ثانياً: ان الوضوح السوقي أخذناه لتحليل اخذ المستأجر السابق للمال ممن بعده بصفته سبباً لتكون شرط ضمني في المعاملة مع المالك لإيجاد السرقفلية.
واما المعاملة الأولى مع المالك، فهذا الوضوح السوقي لو فرضنا صحته لا يفرض على المالك أخذ السرقفلية، إذ مع الالتفات إلى هذا المتعارف كما هو المفروض وعدم ذكره في المعاملة، لا يكون للمالك حق التمسك به ضد المستأجر بصفته (أعني المالك) مستحقاً للسرقفلية، إذ يقال له: لو كنت راغباً بها لاشترطتها لفظياً وأنت ملتفت إليها كما هو العادة، وحيث لم تشترطها فهذا يعني إسقاط حقك منها حتى على تقدير صحتها وثبوتها.
الصورة الثانية: ان المستحق للسرقفلية من المستأجر الجديد ليس هو المستأجر السابق بل هو المالك.
ــــــــــــــــــــ[336]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وهذا إنما يتم في بعض الصور: وهي ما إذا استطاع المالك أن يعمل في صالح المستأجر الجديد عملا يتسبب به إلى تخلية المحل من المستأجر السابق بمال أو سلطة أو غير ذلك. ويكون الفرق بين المالين له أعني المالك. فيقع السؤال هنا عما إذا كان هذا جائزاً فقهياً أم لا.
وهذا يحتوي على بعض نقاط الضعف الذي تجعله أردأ فقهياً من استحقاق المستأجر للسرقفلية.
النقطة الأولى: ان هذا بهذا الشكل غير متعارف على الإطلاق في السوق. ومن ثم فهو يخلو من الدعم العرفي فقهياً.
النقطة الثانية: ان المالك إذا أخرج المستأجر السابق. فقد عمل عملا لمصلحة نفسه قبل ان يكون عملا لمصلحة المستأجر الجديد ويكفي أن نفهم حول ذلك ان المحل إذا فرغ أمكنه أن يقبل فيه أي مستأجر وبأية قيمة مقبولة.
النقطة الثالثة: انه من الناحية الشرعية: اما أن يكون المستأجر الأول قد اشترط الاستمرار في الإيجار في المعاملة لمدة أخرى أو لا.
فان اشترط ذلك، لم يجز للمالك إخراجه، إلا ان يتنازل باختياره. وان لم يشترط، وكانت مدة الإيجار قد انتهت وجب عليه أن يخرج مجاناً. ويحرم عليه إشغال المكان بدون إذن مالكه.
نعم يمكن تصور صحة ذلك للمالك في صورتين:
الصورة الأولى: ما إذا كان المستأجر قد اشترط الاستمرار. وقد توصل المالك إلى إخراجه بالمال. وهذا معناه سوقياً: ان السرقفلية التي تدفع عادة إلى المستأجر السابق، قد دفعها المالك لا المستأجر الثاني، توصلا إلى إرضائه بالتنازل عن حقه المشروع. وهذا الأمر بهذا المقدار صحيح شرعاً.
الصورة الثانية: ما إذا كان الاستمرار هو مقتضى قانون الإيجار. فيتوصل
ــــــــــــــــــــ[337]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المالك إلى تنازل المستأجر السابق بالمال. وهو معنى السرقفلية أيضا.
والفرق من الناحية الفقهية بين الصورتين: عدم جواز إخراج المستأجر إكراهاً في الصورة الأولى، لأن له حق مشروع في استمرار الإجارة بخلاف الثانية، فان حقه غير ثابت شرعاً. فيكون إخراجه بالإكراه ممكناً وجائزاً.
وعلى أي حال، لا يكون المالك مستحقاً لأن يأخذ المستأجر الجديد مالا على إخراج القديم، سواء بذل في هذا السبيل مالا أو أخرجه إكراها. لأنه (كما قلنا) قد عمل شيئاً في مصلحته قبل ان يكون في مصلحة المستأجر الثاني.
نعم، لا يبعد جواز أخذ المال إذ اشترط على المستأجر الثاني ضمن المعاملة. وهذا شامل لصورة ما إذا كان المالك قد بذل المال أم لا. إلا ان كون هذا المال الذي يأخذه المالك عندئذ من نوع السرقفلية أم لا، سوقياً أو فقهياً لا يخلو عن مناقشة.
الصورة الثالثة: من صور حصول المالك على المال.
ان المالك قد يستطيع إخراج المستأجر الأول من الملك مجاناً أو بالإكراه أو بالمال. ولكنه لا يأخذ أجرة أتعابه هذه من المستأجر الجديد بل من شخص آخر له مصلحة في ذلك. كما لو كان أباً أو ابناً أو أخاً للمستأجر الجديد. أو كان شخصاً له مصلحة في خلو المحل من المستأجر القديم، كما لو كان معارضاً له بالتجارة أو مشاكساً له خلقياً أو نحو ذلك.
وهنا يكون المالك قد خدم هذا الفرد الآخر إلى جنب خدمته لنفسه. إلا ان استحقاقه الشرعي لأخذ المال منه. لا يمكن الفتوى بصحته إلا في صورة اشتراطه في ضمن معاملة ما، هي اما الإجارة الجديدة أو أية معاملة أخرى يقوم بها المالك مع ذلك (المستفيد).
وقد يقال: انه يمكن إيجاد معاملة مستقلة يتفق فيها المالك مع الآخر على
ــــــــــــــــــــ[338]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إخراج المالك للمستأجر بإزاء المال. كما قد يصح العكس. وهو ان يقوم الآخر بالإخراج بإزاء مال يأخذه من المالك بعد ان فهمنا ان كلاهما سيصبح مستفيداً من خروجه.
ومعه، لا حاجة فقهياً إلى اشتراط دفع المال في معاملة أخرى، غير هذه المعاملة.
وتكون هذه المعاملة صحيحة، كأي معاملة أخرى يقوم بها فرد لفرد في إيجار أي منفعة له. كالحمال ينقل المتاع فيستحق الأجرة.
ولا يحول دون الجزم بذلك فقهياً. إلا ان آخذ المال على أي حال مستفيد في الجملة من المعاملة، فكيف يأخذ المال على ما يستفيد هو منه. وخاصة إذا كان الآخذ هو المالك.
إلا انه يمكن ان يقال بإزائه: ان كلا من دافع المال وآخذه، كما هو مستفيد، كذلك هو مفيد لغيره. ومن هذه الجهة الثانية يستحق أخذ المال والمعاملة عليه. إلا ان هذا -كما قلنا في الصورة السابقة- يكون تعنونه بعنوان السرقفلية عرفياً وفقهياً لا يخلو من مناقشة. وعلى أي حال فهو أخفى من الناحية العرفية باتخاذه هذا الوصف من السرقفلية المتعارفة المشهورة.
ــــــــــــــــــــ[339]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
كتاب الضمان
ــــــــــــــــــــ[341]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
أقسام الضمان
قال ابن منظور: ضمن الشيء وبه ضَمناً وضماناً: كفل به. وضمَّنه إياه كفَّله. يقال: ضمنت الشيء أضمنه ضماناً فانا ضامن وهو مضمون.
وضمِّنته الشيء تضميناً فتضمَّنه عني: مثل غرمته.
وكل شيء جعلته في وعاء فقد ضمنته إياه. الليث: كل شيء أحرز فيه فقد ضُمِّنه والمضامين: ما في بطون الحوامل من كل شيء كأنهن تضمِّنه. فان أبا عبيد قال: هي ما في أصلاب الفحول، وهي جمع مضمون.
ويقال ضمِن الشيء بمعنى تضمَّنَّه. ومنه قولهم مضمون الكتاب كذا وكذا.
والمضمَّن من الشعر: ما ضمنته بيتاً. وقيل ما لم تتم قوافيه إلا بالبيت الذي يليه. كقوله:
يا ذا الذي في الحب يلحي اما والله لــــــو علقت منـــــه كما
علقت مـــن حـب رخيم لمـــا لمت على الحب فدعني ومـــــا
والضَّمَن والضَّمان والضُمنة والضمانة: الداء في الجسد من بلاء أو كبر. رجل ضمِن: مريض. والجمع: ضمنون. وضمين والجمع: ضمنى.
والضمانة: الحب. ورجل ضمن: عاشق. وفلان ضمن على أهله وأصحابه أي كلّ. أبو زيد: يقال: فلان ضمن على أصحابه وكل عليهم وهما واحد.
ــــــــــــــــــــ[343]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
… وفهمت ما تضمنه كتابك أي ما اشتمل عليه وكان في ضمنه. وأنفذته ضمن كتابي أي في طيه.
أقول: نعرف من ذلك ان المعنى الأساسي للضمان، هو التضمن(1) يعني أن يكون شيء في شيء. والمعاني الأخرى مقتبسة منه.
فالكتاب متضمن للمعنى، والظرف متضمن للكتاب والكلام متضمن للمعنى والشعر متضمن للبيت من قصيدة أخرى.
وكذلك: فان الفرد متضمن للحب ومتضمن للمرض والرحم متضمن للجنين والصلب للرجل متضمن للماء.
وأخيراً. وهو محل الشاهد في هذا الفصل: ان الفرد الرشيد متضمن لذمته ومسؤوليته، ومحتو عليها. وبهذا يحصل الضمان بالمعنى الفقهي. سواء كان المضمون أو متعلق الضمان مالا أو عيناً أو حيواناً أو إنسانا، كما سنشير.
والكفالة المشار إليها في معاني الضمان، لا تخرج عن هذا الفهم فإنها سواء كانت كفالة مال أو كفالة فرد، فانه مما تخص ذمة ومسؤولية الكافل الذي يكون محتوياً على ذمته ومسؤوليته، كما أشرنا.
ويمكن تقسيم الضمان بالاصطلاح الفقهي إلى معاني ثلاثة رئيسية، ومن هنا يمكن القول ان له عدة معاني أو مصطلحات، وليس معنى واحداً، وان اشتركت بالمعنى العام الذي أشرنا إليه.
المعنى الأول: الضمان بمعنى مطلق اشتغال الذمة. فكل من اشتغلت ذمته بشيء فهو له ضامن.
ــــــــــــــــــــ[344]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) بعد إسقاط الفرق بين الثلاثي والرباعي، كما سمعنا من اللغويين أيضا، فإن المهم هو المادة الثلاثية ولا يختلف الرباعي عنها كثيراً، لأنه مزيد وليس أصلياً.
وهذا المعنى من الضمان له أسباب عديدة منها:
السبب الأول: الإتلاف. فكل من أتلف مال الغير فهو له ضامن. وهذا يسمى فقهياً بضمان الإتلاف.
السبب الثاني: المعاملة. كضمان المشتري للثمن. أو المقترض للقرض أو المستأجر للأجرة وهكذا. ويسمى فقهياً، بالضمان المعاملي.
السبب الثالث: حكم الشارع المقدس، كضمان الحقوق الشرعية من الزكاة والخمس، قبل دفعها لمستحقيها.
السبب الرابع: الجريمة، كالقتل والجرح ونحوه. فانه ان كان عمداً، تحمل الفاعل مسؤولية القصاص. وان كان خطأ تحمل الفاعل مسؤولية الدية. ويكون ضامناً لها، فقهياً وشرعياً، كما سيأتي في محله.
المعنى الثاني: الضمان بمعنى إشغال الذمة عن عمد، وان كانت لولا ذلك لكانت بريئة لعدم تحقق أي سبب سابق (في المعنى الأول) للضمان.
وهو يكون بسببين:
السبب الأول: تحمل الفرد ما في ذمة غيره من المال. وهو (عقد الضمان) الاصطلاحي فقهياً. وهو معاملة مستقلة، تنتج براءة ذمة المدين (أيا كان سبب الدين كما سيأتي) واشتغال ذمة الضامن. الذي يضمن بدون سبب سابق.
السبب الثاني: اشتغال الذمة بسبب الحوالة، على بريء، كما سنشير إليه.
وفرق هذا عن سابقه: ان المبادرة إلى إنشاء الضمان وإيجاده في الأول من قبل الضامن نفسه. وفي هذا السبب من المضمون عنه. ويسمى فقهياً بالحوالة على بريء. وقد قال عنه المحقق الحلي:(1) «انه بالضمان أشبه».
ــــــــــــــــــــ[345]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) شرائع الإسلام: ج2ص97.
المعنى الثالث: الضمان بمعنى تعلق العهدة والمسؤولية بعين أو عمل خارجي (لا ذمي).
والذمة مع العهدة متشابهان نسبياً في الاصطلاح الفقهي والقانوني. لأنهما معاً يتضمنان معنى المسؤولية، إلا ان الذمة هي ظرف المال الكلي والعهدة هي ظرف المال الخارجي أو العيني.
وهذا المعنى الثالث من الضمان له عدة أسباب:
السبب الأول: تحمل الفرد لمسؤولية عين معينة وصلت إليه بمعاملة معينة. فيجب عليه إرجاعها عند انتهاء المدة ما دامت موجودة. كما في العين المستأجرة والمستعارة والوديعة والأمانة الشرعية.
السبب الثاني: تحمل الفرد لمسؤولية إحضار فرد معين. وهي الكفالة فقهياً.
السبب الثالث: تحمل الفرد لمسؤولية إحضار شيء آخر غير الإنسان أو إنجاز أي عمل آخر، بدون ان يكون مسؤولاً عن ذلك بسبب سابق على هذا التحمل والتكفل. وهي الجعالة، فقهياً.
إلا ان الجعالة ان كانت مع طرف معين، تحمل الطرف المسؤولية كاملة. وان كانت عامة، يعني لا تخص مخاطباً معيناً، لم يتكفل أحد بالتعيين مسؤوليتها. كما لو قال: من أحضر دابتي الضالة فله كذا. فحتى لو بدأ بعضهم العمل في ذلك فله تركه. لأنه ليس طرفاً للقبول مع الآخر. ومن هنا لم يعتبر من هذه الناحية من أسباب الضمان بشكل منجز. نعم هي من أسبابه الاقتضائية أو قل: الناقصة. ومن هنا عددناها في ضمنها.
فان أبيت عن ذلك: فان الجعالة مع طرف معين واضحة التسبيب للضمان فقهياً. وهو ما يسبب اندراج الجعالة بالمعنى العام في أقسام الضمان كما
ــــــــــــــــــــ[346]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ذكرنا.
ولا تخص الجعالة بمسؤولية العين كالعبد والدابة وغيرهما. بل تشمل -كما أشرنا- العمل أيضا أياً كان اتجاهه ونتيجته، كما لو قال: من زرع أرضي أو من خاط ثوبي فله كذا.
فهذا مجمل الأقسام. وهي عديدة جداً، كما هو واضح. ونحن في هذا الكتاب نذكر المعنى الثاني والثالث بما لهما من الأسباب. مع تعرض إلى معنى التعدي والتفريط الذي يكونان فقهياً من أسباب الضمان كثيراً.
وما يندرج تحت ذلك: هو الضمان (عقد الضمان) والحوالة والكفالة والجعالة. فنعقد لكل واحد منها فصلا وان عقد الفقهاء لكل منها كتاباً فقهياً مستقلا.
ــــــــــــــــــــ[347]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
التعدي والتفريط
التعدي في اللغة(1):
قال ابن منظور: العادي: الظالم: يقال: لا أشمت الله بك عاديك، أي عدوك الظالم لك. قال أبو بكر: قول العرب فلان عدو فلان معناه: فلان يعدو على فلان بالمكروه فيظلمه.
وقوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَاد. قال يعقوب هو فاعل من عدا يعدو إذا ظلم وجار.. والاعتداء والتعدي والعدوان: الظلم. وقوله تعالى: وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ. يقول: لا تعاونوا على المعصية والظلم. وعدا عليه عدْواً وعداءً وعُدواً وعُدْوانا وعدواناً وعُدْوى وتعدّى واعتدى. كله ظلمه. وعدا بنو فلان على بني فلان أي ظلموهم.
والتعدي مجاوزة الشيء إلى غيره. يقال: عديته فتعدى أي: تجاوز. وكذلك قوله: وَمن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ. أي يجاوزها. وقوله عز وجل: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ. المجاوزون ما حولهم وما أمروا به.. وقالت العرب: اعتدى فلان عن الحق واعتدى فوق الحق، كأن معناه جاز عن الحق إلى الظلم.
ــــــــــــــــــــ[348]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) بعد إسقاط الفرق بين الثلاثي والرباعي كما قلنا في أول الفصل السابق. لأن الرباعي من المزيد وليس أصلياً.
فالمحصل: ان (تعدّى) يكون بمعنى ظلم وبمعنى جاوز أو جاز. وكلاهما يصلحان منشأ للاصطلاح الفقهي الآتي.
التفريط في اللغة:
قال ابن منظور: الفارط: المتقدم السابق. فرط يفرُط فروطاً. وفرَّط إليه رسوله: قدمه وأرسله. وفرّطه في الخصومة: جرَّأه.. ومنه قول النبي: “أنا فرطكم على الحوض” أي: أنا متقدمكم إليه.
وقال: وفرَّطته: تركته وتقدمته.. وفرط عليه في القول يفرُط: أسرف وتقدم. وفي التنزيل العزيز: إِنَّنَا نَخَافُ ان يَفْرُطَ عَلَيْنَا أو ان يَطْغَى. والفرُط: الظلم والاعتداء. قال الله تعالى: وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً. أي متروكاً، ترك فيه الطاعة وغفل عنها.
وقال أبو الهيثم: أمر فُرط: أي متهاون به ومضيع.
وفي حديث علي: “لا يرى الجاهل إلا مفرطاً أو مفرّطاً”. وهو بالتخفيف: المسرف في العمل. وبالتشديد المقصر فيه. وفرَط في الأمر يفرُط فرْطاً: أي قصَّر فيه وضيعه حتى فات. وكذلك التفريط.
أقول: وهذا واضح في منشأ الاصطلاح الفقهي. بل يمكن أن يقال: انه ليس للفقهاء في التعدي والتفريط اصطلاح خاص. وإنما مشوا به على المعنى اللغوي. نعم، هم التزموه وكرروه في مصادرهم حتى كان كالاصطلاح، لأنهم لم يجدوا لفظاً أدل على المعنى منه.
الاستعمال الفقهي:
أو قل: الاصطلاح الفقهي. وخلاصة الفكرة: أنه في كثير من الأحيان تكون العناية بالغير وبأمواله واجبة كالعناية بالنفس شرعاً. فمثلا لو كان عند
ــــــــــــــــــــ[349]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الفرد شيء مملوك لغيره ككتاب أو فراش أو ثوب مثلا. اما بإجارة أو استعارة مثلا. فيجب عليه أن يعتني به ويحافظ عليه ولا يتسبب إلى إتلافه.
ومقدار المحافظة عليه, إما أن نقول: هي بالمقدار العرفي الذي يصدق عليه أنه حافظ عليه. أو نقول: انه بالمقدار الذي لا يصدق معه التعدي والتفريط. أو نقول: انه بالمقدار الذي يحافظ فيه الفرد على أموال نفسه عادة.
وهذا الأخير هو أحوط الأشكال، بل لعله راجع إلى المعاني السابقة عليه. فان محافظة الفرد على أمواله لا تكون مكثفة عادة. فان كان الشيء مما يعتاد عرفاً المحافظة المكثفة عليه كالحلي، وكان يعمله الفرد في أموال نفسه، فيجب أن يعمله في أموال غيره أيضا. وصدق أيضا انه قد تعدى وفرط به ان لم يعمل ذلك.
بل لعل الحفاظ على أموال الغير أحيانا تكون أكثر من أموال الفرد. فقد يكون الفرد مهملاً لأموال نفسه أو بعضها على الأقل. ولكن يحرم ان يكون مهملا لأموال الغير بكل صورة. فلو قلنا له: حافظ عليها كما تحافظ على أموال نفسك، تسبب ذلك إلى إهماله إياها. بل يجب عليه أن يحافظ عليها أكثر.
ومن هنا قلنا: انه يجب ان يحافظ الفرد على أموال غيره كما يحافظ على أموال نفسه عادة. أي بالشكل المعتاد الذي يحافظ به الناس الأسوياء على أموالهم. والمهمل ليس سوياً من هذه الناحية.
والتعدي والتفريط، يتضمنان معنى عدم المحافظة بالشكل المطلوب والتسبب إلى الإتلاف لو استمر الإهمال. والتفريط في اللغة عرفنا انه هو التقصير والضياع. ومن هنا استعمله الفقهاء في معنى (ترك ما يجب فعله) من أعمال المحافظة والصيانة. كإعطاء لحيوان علفاً. فلو ترك ذلك حتى أضر به أو مات. كان الفاعل مفرطاً. ولا يسمى متعدياً. لأنه إنما كان ذلك ناتجاً من إهمال وترك لا من فعل ونشاط.
واما التعدي في اللغة فقد عرفنا انه هو العدوان والظلم. وهو يتضمن معنى
ــــــــــــــــــــ[350]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ايجابياً أعني الفعل وليس مجرد الإهمال، كما لو ضرب الزجاج المملوك للغير فكسره. فيكون متعدياً. ولا يسمى مفرطاً، لأن عمله يحتوي على فاعلية ونشاط وليس عن إهمال، ومن هنا كان التعدي هو (فعل ما يجب تركه) كضرب الزجاج في المثال الذي يجب تركه وتجنبه لتحصل المحافظة عليه.
والخلاصة: ان التعدي هو فعل ما يجب تركه والتفريط هو ترك ما يجب فعله. بحيث يؤدي أي منها إلى عدم المحافظة على أموال الغير وعدم العناية به. فهما يشتركان في عدم العناية ويختلفان من ناحية الفعل والترك. فالتعدي هو الفعل والتفريط هو الترك.
وهما يصدقان في موارد عديدة، قد يمكن حصرها تحت عنوانين رئيسيين:
الأول: المحافظة على مملوك الغير من الأعيان الخارجية. كما في العين التي وصلت إلى غير مالكها بإجارة أو إعارة أو أمانة أو غيرها.
الثاني: المحافظة على العمل المنجز في مصلحة الغير.
وهو ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما يكون على مملوك الغير من الأعيان الخارجية. إذ يجب على الفرد ان يقوم بعمل تجاهه كزراعة الأرض أو خياطة الثوب. ولكنه يجب عليه ان يحسن العمل. فان أساء فيه وأفسد الأرض أو الثوب كان معتدياً أو مفرطاً.
القسم الثاني: ما يكون على الإنسان نفسه، وهو ما يفعله الأفراد الذين يتصرفون بأجسام الآخرين وأنفسهم كالختان والطبيب والمضمد والحجام، بل وحتى سائق السيارة، بل وحتى المضيِّف يجب أن يعطي لضيفه طعاماً طازجاً فلو أعطاه طعاماً رديئاً أو متعفناً أو مسموماً كان مفرطاً أو متعدياً.
ــــــــــــــــــــ[351]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
بل لعل المسألة تتعدى إلى ما وراء ذلك. فكل فرد مسلم يجب أن لا يتسبب, أو قل: يحرم عليه ان يتسبب إلى الإضرار بالغير أو بأمواله. وان لم يكن مواجهاً أو مجاوراً له. فالغدر والنميمة والخيانة والعدوان والفتنة، وغير ذلك من أسباب الضرر أو القتل، كله من التعدي والتفريط. سواء شمل ذلك فرداً أو أفراداً أو مجتمعاً، من الناحية الجسمية أو النفسية أو العقلية أو المالية. ومن هنا ورد عن النبي: “ان المسلمين تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم”.
وهذا واضح فقهياً وشرعاً. إلا أن الفقهاء لم يشملوه بعنوان التعدي والتفريط حتى وان كان الضرر مالياً. لأسباب:
منها: اختصاص هذا المورد بعناوين أخرى كالعدوان والنميمة والفتنة وغيرها. التي هي محرمة تحريماً مستقلا. أو قل: هي محرمة بذاتها في الأدلة من دون حاجة إلى إرجاعها إلى معنى التعدي والتفريط.
ومنها: ان كثيراً من هذه العناوين لا تعود إلى العدوان المباشر. كالنميمة والخيانة والفتنة. وإنما تسبب إلى إغراء شخص آخر بالاعتماد المباشر على الغير. فالمسؤولية الرئيسة ستقع على المعتدي نفسه، مهما تحمل المسبب من مسؤولية الحرمة بطبيعة الحال.
بينما التعدي والتفريط الاعتيادي لا يكونان إلا بالمباشرة، ولا يضمن غير المباشر. نعم، لو صدق حصوله من شخصين أو أكثر بالمباشرة. كان الحكم الآتي شاملا لهم جميعاً.
حكم التعدي والتفريط:
قسم الفقهاء من يكون تحت يده شيء من أموال الغير إلى: غاصب وأمين. وقالوا: ان الغاصب يضمن حتى من دون التعدي والتفريط، والأمين لا
ــــــــــــــــــــ[352]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
يضمن إلا مع حصول التعدي والتفريط.
فان سيطرة الفرد على شيء من أموال الغير اما ان يكون بسبب مشروع أو بسبب غير مشروع. فالأول هو الأمين والثاني هو الغاصب.
والسبب المشروع مثل المعاملات الاعتيادية المأذون بها في الشريعة كالإيجار والوديعة والعارية والمزارعة والمساقاة والمضاربة وغير ذلك. فكل ما حصل في يد الفرد من أموال الغير بأحد الأسباب المشروعة فهو أمين عليه. ومن ذلك: الوكالة والولاية والوصاية أيضا.
وأمثال هؤلاء يجب عليهم ترك التعدي والتفريط. أو قل: يجب عليهم المحافظة على أموال الغير كالمحافظة على أموالهم الخاصة بهم. وإذا فعلوا ذلك وتلف المال بقدر أو اعتداء الغير أو أي سبب لم يضمن هؤلاء لصاحب المال عوض ماله، أو درك ماله باصطلاح الفقهاء. يعني تدارك ما فات عنه والتعويض له عما خسر. فانه غير واجب ما دام التعدي والتفريط لم يحصل، وتخرج الخسارة من جيب صاحب المال نفسه وتستقر عليه.
نعم. مع حصول التعدي والتفريط من قبل أي شخص من هؤلاء فانه يضمن درك الخسارة وتشتغل ذمته به وتستقر الغرامة عليه. يعني يكون هو الخاسر اقتصادياً دون المالك الذي يجب عليه تعويضه.
ومن جملة الأسباب المشروعة، مما لا يدخل تحت تسبيب معاملة معينة: الإذن في التصرف سواء كان صريحاً أو بالفحوى أو بالوثوق. وكذلك الأمانة الشرعية وهي ما وقع في يد الفرد من دون اختيار مالكه. وكذلك اللقطة. وهي ما يجده الفرد من الأموال الضائعة المجهولة المالك. وسيأتي الكلام عنها مستقلا.
وكل هؤلاء، مشمولون لنفس الحكم، وهو عدم الضمان إلا مع التعدي
ــــــــــــــــــــ[353]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
والتفريط.
وان لم يكن السبب مشروعاً، فالفرد غاصب لأموال غيره، كالسارق واللص والمختلس والمعتدي والظالم، إلى غير ذلك من العناوين. فمثل هذا الفرد يشمله حكم الغاصب وهو من كان تحت يده شيء من أموال غيره بدون إذنه أو بالأصح: بدون سبب مشروع.
والمراد بالإذن: السماح بالتصرف سواء كان مباشراً أو معاملياً، يعني نتيجة للمعاملة، كما سبق شرحه. ويوجد من الأسباب المشروعة مما لا يوجد فيه إذن كالأمانة الشرعية واللقطة. ومن هنا كان تعريف الغاصب مساوقاً مع عدم السبب المشروع.
ويمكن القول: بان الغصب والأمانة متضادان. لأن الكراهة: أعني كراهة المالك لتصرف الغير بأمواله. هذه الكراهة اما موجودة أو غير موجودة. فان لم تكن موجودة فالفرد أمين. وان كانت موجودة فالفرد غاصب. سواء كانت الكراهة وعدمها مكشوفان ومبينان لفظياً أو ضمنياً أو فحوى أو لمجرد التعارف الاجتماعي المعلوم. فمثلا ان الفرد يكره ان يسرق ماله ولو كان على استعداد أن يتنازل عنه ويهبه باختياره وهكذا.
وبهذا نعرف: ان الكراهة إذا لم تحصل كان الفرد أميناً، سواء حصل الرضا أو لم يحصل، كالأمانة الشرعية وحيث يكون المالك غافلاً عن ماله بالمرة.
ونعرف أيضاً: ان الأصل في التصرف بأموال الغير هو الأمانة وليس الغصبية. يعني لا يمكن تطبيق حكم الغاصب ما لم يحرز موضوع الغصب، ويتحقق الغصب. واما إذا لم يتحقق، لم يشمله حكمه. وعندئذ يتعين ان يشمله حكم الأمين.
ــــــــــــــــــــ[354]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ونعرف أيضا: ان التعدي والتفريط من أنواع الغصب، وان لم يصرح به الفقهاء. كما لو كان الفرد أميناً ثم تعدى أو فرَّط. فانه يكون غاصباً. لأن المهم في الغصب هو كراهة المالك. ومن الواضح انها متحققة في التعدي والتفريط. فيكون بمنزلة الغصب.
إلا ان هذا تعميم (ملاكي) لم يعتبره الفقهاء، لأن الأمين مع تفريطه لا يصدق عليه الغاصب عرفاً، كما يصدق على السارق والمختلس. وان كان يشبهه موضوعاً وهو وجود الكراهة، وحكماً وهو كونه ضامناً للعين التالفة ومسؤولا عن دفع بدلها إلى مالكها.
نعم، ما يخص الغاصب من الأحكام لا يكون شاملاً للمفرط والمتعدي. وهي قولهم: ان الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال. أو الفتوى: انه يضمن أعلى القيم للعين من يوم الغصب إلى يوم التلف أو إلى يوم الأداء. أو الفتوى انه يجب تعزيره من قبل القاضي الشرعي لأجل أن يتوب ويرعوي ولا يعود إلى الظلم. فهذه الأحكام المتعارفة فقهياً للغاصب، مع صدقه العرفي على أي فرد. وان كان بعضها محل اختلاف بين الفقهاء. وتعيين ما هو الصحيح، ليس هذا محله.
هذا. وقد يوجد غاصب حسن النية والقصد. كما لو غصب شيئاً من شخص آخر بقصد المحافظة على المال. لأنه كان مقتنعاً انه لو بقي تحت يد مالكه لتلف. فأخذه منه غصباً (أعني مع تحقق الكراهة والنهي) لأجل الحفاظ عليه. ولم يكن المالك مدركاً لتلك المصلحة، ومن هنا كان كارهاً. إلا ان المستقبل كشف عن صدق نية الغاصب.
وهذا العمل حرام شرعاً، فان الفرد غير مكلف بالمحافظة على أموال الغير زائداً على قناعة المالك نفسه وإمكانياته. ولو فعله كان غاصباً لتحقق الكراهة سواء حصل النهي الصريح من المالك أو لم يحصل. ويكون مشمولاً للحكم
ــــــــــــــــــــ[355]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
العام للغاصب وهو الضمان حتى مع عدم التعدي والتفريط.
واما كونه مشمولا للتشددات الفقهية المتزايدة التي أشرنا إليها. كقولهم: الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال ونحوها. فالظاهر عدم شموله لها. لأنها معقد الإجماع أو الشهرة لا الدليل اللفظي، فتكون خارجة عن دائرة القدر المتيقن له. فان القدر المتيقن من الغاصب الذي يؤخذ بأشق الأحوال هو الغاصب بسوء نية، أو قل: هو الغاصب لمصلحته لا لمصلحة المالك. فان كان الفرد غاصباً بحسن نية أو لمصلحة المالك خرج عن القدر المتيقن، ومن ثم لم يجز أخذه بأشق الأحوال.
التعدي والتفريط في العمل:
عرفنا أنه كما يمكن أن يحصل التعدي والتفريط في المال والمملوك للغير، كذلك يمكن أن يحصلا في العمل.
وكل عامل اتفق مع المالك بمعاملة معينة، فهو أمين، يشمله حكمه وهو عدم الضمان إلا بالتعدي والتفريط. كالخياط الذي يخيط ثوبك، أو الخباز الذي يخبز طحينك والفلاح الذي يزرع أرضك والتاجر الذي يتاجر بأموالك. وكذلك الطبيب الذي يداويك والخاتن والمضمد وغيرهم فإنهم جميعاً طرف لمختلف المعاملات. وقد تصرفوا بالمال أو الجسد بإذن أصحابها.
وأما إذا كان من دون إذن صاحب المال، فهو ضامن، سواء صدق عنوان الغصب أو لم يصدق. يعني سواء كان الفرد غاصباً لقماش فخاطه ثوباً، أو كان أميناً عليه أمانة شرعية فخاطه ثوباً.
فان الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال. واما الأمين، فيعتبر تصرفه ذلك من باب التعدي. فانه وان كان قد يخيط قماش نفسه، لكنه لا يجوز أن يخيط قماش غيره لأن (المحافظة على المال، مثل ما يحافظ على أموال نفسه) لا
ــــــــــــــــــــ[356]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
تشمل جواز الخياطة، بل يجب عليه ان يحافظ عليه بذاته مع عدم التقطيع والتصرف وان كانت نتيجته حسنة.
نعم، لو أصبحت النتيجة ارتفاع ثمن المنتوج عن السابق، كارتفاع ثمن الثوب على القماش، فهل يضمن وأي شيء يضمن؟
هنا لا بد من التفريق بين شكلين من التصرف. فان مال الغير قد يمر بمرحلة يكون فيه بمنزلة التالف، كالقماش المقطع لأجل الخياطة. الذي يسمى بالفصال أو التفصيل، عرفاً. بحيث لو تركه الفرد مقطعاً لم تكن له قيمة أصلاً أو تكاد. عندئذ يضمن المتعدي قيمة التقطيع، أعني الفرق بين القماش كما كان متصلاً، وقيمته متقطعاً.
واما الخياطة التي أصلحت حاله، فهي عمل عدواني، وبدون إذن المالك، فلا يكون مستحقاً عليها الأجرة، ولا تكون بمنزلة أداء قيمة التالف، وان كانت سبب غلاء قيمته.
إذن، فيجب عليه إرجاع الثوب، مع الفرق المشار إليه. نعم، لو كان قد بذل عليه شيئاً كالخيوط والأزرار كان له قبضه.
والشكل الآخر من العمل ما لا يمر به المال بمرحلة تشبه التلف بل هو يتصاعد تدريجاً بالقيمة، كالذهب والفضة، عند صياغتهما، والطحين حين يعجن ويخبز. ففي مثل ذلك: ان كان هذا العمل تعدي أو اعتداء كما هو محل الكلام، لم يستحق عليه العامل الأجر، ولكنه لا يضمن شيئاً، وإنما يجب عليه إرجاع العين على حالها. ولا يضمن له المالك فرق الزيادة لأن عمله المنتج لها لم يكن مشروعاً.
وأما الطبيب والمضمد ونحوهما، فهو أمين أيضاً، ان تم العمل بإذن الطرف أو بالتعامل معه. فان نجح، كما هو الغالب، في عمله، أعطاه الأجرة
ــــــــــــــــــــ[357]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المحددة. فان لم يكن قد عيّن له أجرة أو لم يتفقا عليها، استحق الأجرة السوقية لأمثاله، ولم يجب الزائد وان كان يتوقعه العامل أحيانا. ولو كان الطبيب ونحوه قد عين الأجور لأي عمل يقوم به ودخل المريض عليه راضياً بذلك استحق الطبيب نفس الأجرة المعينة.
وان لم يكن بين الطبيب ونحوه وبين المريض اتفاق. كما لو داواه بغير اذنه أو مع غفلته أو مع خروجه عن الوعي. فان كان خارجاً عن الوعي أو غافلا، استحق الأجرة، لأن الغالب العرفي هو الرضا بالنتيجة مع الالتفات، مع حسن نية الفاعل الذي هو الطبيب أو المضمد ونحوهما. ومَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ.
واما لو داواه مع التفاته وكراهته، فهو بمنزلة الغصب، لا يستحق على عمله أي اجر وان نجح في نتيجته. وهذا العمل حرام منه لأنه اعتداء على الغير المسلم أو المؤمن. نعم لو فرض ان فيه إنقاذاً لحياته، وكان المريض كارهاً لهذا الإنقاذ. وجب على الطبيب أو أي فرد آخر إجبار المريض على التداوي ولكن لا يستحق الأجرة. كل ما في الأمر: انه ليس حراماً بالمعنى التكليفي كتصرف الغاصب، بل هو واجب على أي حال لأن فيه إنقاذ النفس المحترمة.
بقي فرع واحد، مرتبط بمحل الكلام، وهو خطأ الطبيب ونحوه، مع ارتباطه بالمعاملة والرضا بالعمل من قبل المريض. ومقتضى القاعدة كونه أميناً لا يضمن إلا بالتعدي والتفريط. والمفروض انه خاطئ والخاطئ لا يصدق عليه التعدي والتفريط. وهو واضح مع كونه ناصحاً أو باذلاً جهده ووسعه، ورغم ذلك يكون قد أخطأ.
نعم، مع التسامح والتهاون أو التعمد، يصدق عليه التعدي والتفريط، فيضمن. والضمان هنا يكون للنفس لا للمال لأن تصرفه في نفس المريض وليس في ماله. فلو مات وجب القصاص منه. وان كان الضرر دون الموت،
ــــــــــــــــــــ[358]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
يعني أقل منه، كان لكل ضرر ديته أو قصاصه، كما سيأتي في محله.
ويشمل هذا الحكم كل من له تصرف في النفوس، وإضرار بها على تقدير حصول الخطأ. كسائق السيارة والسفينة، والطائرة والدابة كلهم بالنسبة إلى الركاب. ومثل من أمر شخصاً بالصعود إلى جبل أو النزول إلى حفرة أو منجم أو السباحة ونحو ذلك مما قد يكون خطراً عليه، ان كان كذلك عرفاً. فتسبب ذلك إلى حصول ضرر عليه بالنفس أعني الموت أو ما دونه من الأضرار.
فان لم يصدق التعدي والتفريط، لم يضمن الآمر بالعمل. وكذلك إذا كان القيام بالعمل مرتبط بالمصلحة بنفس الفاعل، بحيث يكون قد فعله باختياره وان كان مأموراً من قبل الآخر في نفس الوقت.
اما إذا كان قد قام بالعمل امتثالاً للأمر، أو قهراً على إرادته، وكان الأمر متعمداً لإضراره، ضمن النتيجة مهما كانت. كما سبق.
ــــــــــــــــــــ[259]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
عقد الضمان
عرفه المحقق(1) في الشرائع: بأنه عقد شُرع للتعهد بمال أو نفس. وقال: والتعهد بالمال قد يكون ممن عليه للمضمون عنه مال وقد لا يكون. فهنا ثلاثة أقسام. يعني بها: ضمان المال والحوالة والكفالة. وقد شرحناها جميعاً في الفصل الأول من هذا الكتاب الفقهي.
ومن الصحيح انها جميعاً تندرج في مفهوم الضمان العام، إلا انه بالتمييز بينها نعرف انه لا ينبغي إدراجها في سياق واحد لوجود اختلافات مهمة بينهما.
فالكفالة تتعلق بالنفس، كما سيأتي. وهي وإن تضمنت معنى الضمان للنفس المكفولة، إلا انها ذات مفهوم عرفي مستقل بصفتها ليست ظرفاً للمال بل للنفس. فإدراجها في مفهوم الضمان المالي، أمر غير عرفي.
وأما الحوالة، فلا تتضمن التعهد المشار إليه في التعريف، وان احتاجت إلى رضا المحال عليه (الضامن). إلا ان المبادرة والإيجاب ليس منه وإنما من المحيل (الدائن). ومن هنا لا يصدق عليه انه تعهد ابتدائي منه، سواء كان فارغ الذمة أو مشغولاً.
بقي مندرجاً في التعريف (عقد الضمان) الذي نتحدث عنه في هذا الفصل. وهو أن يبادر شخص بريء الذمة فيتعهد بتحمل دين شخص مدين،
ــــــــــــــــــــ[360]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) ج2ص91.
فتبرأ ذمة ذلك المدين، وتشتغل ذمة الضامن. والقبول هنا من الدائن، كما نطقت به الأدلة، لا من المدين. فصحة عقد الضمان متوقفة على قبول الدائن ورضاه دون المدين. فلو غضب المدين من ضمان دينه صح العقد. واما بدون رضا الدائن فلا يتم الضمان.
نعم، لأي شخص أن يبرئ ذمة أي مدين بدون عقد الضمان، بمعنى أنه يدفع ما عليه من الدين إلى دائنه. ولا حاجة إلى رضا الدائن إلا بمقدار قبضه للمال وان لم يعلم كونه وفاء.
فإذا كان الدين قد دفع، لم يبق مجال لضمانه، لأن الذمة عندئذ تكون قد برئت. واما إذا كان الدين قائماً، فمجال الضمان قائم، سواء كان مؤجلا أو حالا، وسواء كان مطالباً به أو لا، وسواء كان مقداره مجهولاً أو معلوماً كما نطقت به الأدلة.
وهذا الضمان يؤثر بغض النظر عن أي دين آخر قد يكون متحققاً. كما لو كان المضمون مديناً بدينين لشخصين فضمن أحدهم أحد الدينين دون الآخر.
وكذلك لو كان الضامن مديناً للمضمون عنه. فان انتقال الدين المضمون إلى ذمة الضامن لا يعني التهاتر بينهما لاختلاف المتعلق. بل يبقى الضامن مديناً للمضمون عنه بالدين الآخر ومديناً بالدين المضمون للمضمون له.
وكذلك لو كان الضامن مديناً للمضمون له. يعني كان الدائن دائناً لشخصين، فضمن أحد المدينين المدين الآخر. فيصبح الضامن مشغول الذمة بدينين: أحدهما الضمان والآخر بدونه.
ولكن لو كان المضمون له مديناً للضامن بدين آخر، غير الدين المضمون. بطبيعة الحال. وأصبح الضامن مديناً له بالدين المضمون. فيصبح أحدهما مديناً للآخر بكمية من المال. فهذا هو موضوع التهاتر. فيسقط ما في كلتا الذمتين.
ــــــــــــــــــــ[361]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وان زاد أحدهما على الآخر رجع الدائن بالزائد فقط.
وكذلك لو كان الضامن مديناً للمضمون عنه بدين آخر. فانه وان لم يؤثر بعد عقد الضمان، كما قلنا. إلا انه بالدفع، يكون للضامن الرجوع على المضمون عنه بدينه. فيصبح أحدهما مديناً للآخر، وهو موضوع التهاتر القهري أيضا.
ولا فرق في منشأ الدين بين أن يكون بسبب القرض. أو قيمة في عقد البيع أو الإجارة أو المزارعة أو المضاربة أو أي شيء آخر، فالمهم هو وجود ذمة مشغولة بشيء من المال، بسبب مشروع، بل حتى بسبب غير مشروع. كما لو غصب شخص مالا وتلف عنده فاشتغلت ذمته به. ولا يفرق أيضا في الدين المضمون بين أن يكون مثلياً أو قيمياً أو مالا خالصاً، ما دامت الذمة مشغولة به. وقد سبق في كتاب البيع ان عقدنا فصلا لإيضاح المثلي والقيمي فراجع.
نعم لا يمكن ان تختلف ذمة الضامن عن ذمة المدين الأصلي (المضمون عنه). فلو كان المال المضمون مثلياً انتقل مثلياً. ولا يمكن ضمان المثلي بالقيمة ولا العكس. إلا بناء على وجه قلناه في الفصل المشار إليه.
كما ان الدين لو كان مؤجلاً انتقل مؤجلاً وان كان حالا انتقل كذلك. ولا يمكن ضمان الدين الحال مؤجلا. نعم يمكن العكس، أعني ضمان الدين المؤجل حالا. ويرجع ذلك إلى تنازل الضامن الذي أصبح مشغول الذمة عن حقه في التأخير مع رضا الدائن بذلك.
والمهم في الدين المضمون هو اشتغال الذمة. فما دامت الذمة غير مشغولة فلا معنى للضمان. ويتحقق ذلك فيما إذا لم يكن الإنسان مديناً، وهذا واضح. إلا ان هنا فروضاً ليست بهذا الوضوح.
أولا: إذا كان الفرد مسؤولا عن عين خارجية هي ملك للغير، كانت عنده
ــــــــــــــــــــ[362]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
عارية أو وديعة أو أمانة شرعية. فان العرف والفقهاء لا يعتبرون ما هو خارجي موجوداً في الذمة، بل يسمون المسؤولية تجاهه: العهدة وليس الذمة.
إذن، فهذه العين ليست في الذمة فلا يمكن ضمانها.
ثانياً: إذا كان الفرد عازماً على إيجاد معاملة يكون فيها مديناً، كالبيع لشيء كلي أو الشراء بثمن كلي. ولم يكن قد باع أو اشترى، فتكفل شخص بان يدفع ما سيحصل في ذمته. وانه هو يدفع ثمن هذا الكتاب أو الفراش مثلا لا المشتري، لم يصح الضمان. لأن الذمة قبل البيع أو الشراء بريئة لم تشتغل بشيء إلى الآن. وإنما يكون له ذلك إذا حصل البيع.
ثالثا: إذا كان فردان أحدهما مديناً للآخر بمال، بحيث يسقط ما في الذمتين بالتهاتر. فلا معنى لأن يتبرع شخص بضمان ما في ذمة أحدهما أو كليهما، لأن حصول التهاتر قهري ويحصل بشكل أسرع من عقد الضمان.
هذا، وينبغي ان يكون الضمان منجزاً، ولا معنى لان يكون معلقاً أو مشروطاً بعدم أداء المدين لدينه في مدة معينة أو مطلقاً. كما لو قال له: ان لم تدفع دينك إلى شهر دفعته أنا وضمنته عنك.
فهذا ما يمكن أن نسميه بكفالة الدين أو الكفالة المالية. وعليها الفهم الحديث في عصورنا الحاضرة، وتقوم بها المصارف وغيرها من المؤسسات. غير أنها لا تنتج اشتغال ذمة الضامن أو الكفيل. بل يبقى المدين هو المشغول الذمة. فان دفع الدين فهو المطلوب. وان عصى أو غاب ونحو ذلك، كان للدائن مطالبة الكفيل.
إلا ان هذا غير موجود فقهياً. وان فعله الكفيل، لم يجب عليه الوفاء، إلا إذا كان ضمن معاملة ملزمة وُجدَت بينه وبين الدائن على شرط ان يكون كفيلاً للمدين. فيصح عندئذ، وتكون النتيجة مطابقة للفهم الحديث.
ــــــــــــــــــــ[363]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إلا ان قولنا (لم يجب عليه الوفاء) لا يعني انه غير مشروع، بل هو وعد يستحب له القيام به. ويستحق عليه الأجر ان لم ينو به التبرع، وقد سبق عند الحديث عن المصارف.
وعلى أي حال، فان دفع الضامن بالمعنى الفقهي أو الكفيل بالمعنى الحديث، أو أي شخص تصدى لإبراء ذمة المدين بالدفع ولو من دون إشعار سابق. فان نوى أحدهم التبرع بدفع الدين فقد تم الأمر. وان لم ينو التبرع كان له ان يرجع إلى المدين الأصلي (المضمون عنه) فيأخذ منه بمقدار ما دفع. وهذا معنى ما قاله الفقهاء من ان الدين يستقر على المدين الأصلي. يعني انه لا يرجع إلى الغير بينما يرجع الضامن عليه. أو إذا تعدد الضامنون رجع كل منهم على سابقه إلى أن تستقر الغرامة على المدين الأصلي.
وعلى أي حال، فللضامن ان يرجع على المضمون عنه بعد الدفع، بالدين الذي دفعه، وبأجرة الضمان بصفتها عملاً نافعاً له، قد قام به لا يقصد التبرع. ولا يكون ذلك من الربا، لأن سبب هذا الدين ليس هو بيع المكيل والموزون. ولا القرض. وإنما فقط أداء ما في ذمته. وعقد الضمان بمجرده لم يكن سبباً لهذا الدين، بل السبب هو الدفع. فله أخذ الأجرة.
ــــــــــــــــــــ[364]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
الحوالة
عرّفها المحقق الحلي(1) بأنها: «عقد شرَّع لتحويل المال من ذمة إلى ذمة مشغولة بمثله».
وهذا التعريف يحتوي على إشكالين:
الأول: انه استعمل مادة الحوالة بقوله: (لتحويل) في تعريف الحوالة. فيلزم الدور المحال منطقياً. وبالنتيجة لا يعرف الحوالة حقيقية من كان جاهلاً بها.
ولو قال: لنقل المال أو نحو ذلك لم يكن دوراً. ولصح التعريف.
الثاني: ان قيد: ان يكون المحال عليه مشغول الذمة غير وارد إطلاقاً. وقد ذكر بعد نحو سطرين انه: يصح ان يحيل على من ليس عليه دين. لكن يكون ذلك بالضمان أشبه.
إذن، فالحوالة تتم على كلا الاحتمالين، يعني سواء كان المحال عليه مديناً أو غير مدين. ولا حاجة إلى التقييد بكونه مديناً.
فالصحيح تعريف الحوالة: بأنها عقد شرع لنقل المال من ذمة إلى ذمة بإيجاب من المدين. يعني لو كانت بإيجاب من الآخر لكانت ضماناً. وهذا
ــــــــــــــــــــ[365]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الشرائع ج2 ص96.
القيد إنما يتضح في الحوالة على البريء كما سيأتي.
ثم قال(1): ويشترط فيها: رضا المحيل والمحال عليه والمحتال. ومع تحققها يتحول المال إلى ذمة المحال عليه ويبرأ المحيل، وان لم يبرئه المحتال على الأظهر. وسنتعرض إلى شرح هذه العبارة بعد قليل.
لأننا أولا نتكلم عن الحوالة على مشغول الذمة (المدين) ونتكلم ثانياً عن الحوالة على بريء الذمة.
الحوالة على المدين:
وموردها ثلاثة أشخاص بينهما دينان. فلو كان بينهما ثلاث ديون على عددهم، أمكن حصول التهاتر(1) بلا حاجة إلى الحوالة، ولكن براءة ذمة أحدهم هو الذي جعل المورد محلاً للحوالة.
فزيد مدين لسعيد وسعيد مدين لخالد. وعندما يطالب خالد سعيداً بدينه يقول له: اذهب فخذه من زيد أو قل: يحوّله عليه تحويلا شرعياً. وحين يدفع زيد الدين لخالد تبرأ كلتا الذمتين، بعد افتراض ان كلا الدينين متشابهين من الجهات الفقهية الضرورية كالكمية والنوعية.
اما دين خالد على سعيد فقد استوفي باعتبار ان زيد دفعه باعتبار الحوالة. واما دين سعيد على زيد فقد استوفي فباعتبار ان ما دفعه يحسب على دينه أو يعتبر استيفاء لدينه لأنه لم يدفعه مجاناً. فيكون بدله هو الحكم بسقوط دينه فراغ ذمته.
بقي ان نلتفت إلى بعض الأمور:
ــــــــــــــــــــ[366]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) المصدر والصفحة.
(2) ومع اتفاقهم عليه اختياراً يحصل بلا إشكال.
الأمر الأول: ان خالد في المثال هو المحيل وزيد هو المحال عليه وسعيد (الذي هو طرف للدينين معاً) هو المحتال، أو المحال والدين هو المُحال به. وهو الدين الذي في ذمة المُحال.
الأمر الثاني: انه ليس بين زيد (المحال عليه) وخالد (المحيل) دين. وإنما هو أعني زيد مشغول الذمة للمحتال بدين آخر غير المحال به. ومن هنا سميت: حوالة على مشغول الذمة أو على المدين.
الأمر الثالث: عرَّفنا المحقق الحلي: انه بالحوالة يتحول الدين الذي لخالد إلى ذمة زيد الذي كان مديناً لسعيد وتبرأ ذمة سعيد من دين خالد. ويصبح زيد مديناً لسعيد بدينه الأصلي ولخالد بالدين المحال به.
فإذا دفع زيد لخالد دينه المحول به. يصبح مستحقاً لبدله على سعيد، أو دائناً لسعيد به، وهو في نفس الوقت مدين له بالدين الآخر، فيقع التهاتر القهري، ويسقط كلا الدينين. وهذا وجه فقهي آخر لسقوطهما معاً.
الأمر الرابع: عرفنا المحقق الحلي: ان الحوالة تحتاج إلى رضاء هذه الأطراف الثلاثة جميعاً.
وبهذا قد يقع السؤال: انه هل هو عقد أو أي شيء آخر. فان المعاملات عادة على قسمين. منها: ما لا يحتاج إلا إلى طرف واحد كالعتق والطلاق. ويسمى إيقاعاً. ومنها: ما يحتاج إلى موافقة طرفين، كالنكاح والبيع ويسمى عقداً. أما ما يحتاج إلى موافقة ثلاثة أطراف، فقد لا يكون عقداً، كما لا يكون إيقاعاً.
اللهم إلا ان يقال: إن ما لا يكون إيقاعاً فهو عقد. وبتعبير آخر: ان ما يزيد طرف المعاملة فيه على واحد فهو عقد سواء كانوا اثنين أو ثلاثة.
وهذا جدل اصطلاحي. والا فالأمر واضح بعد مشروعية الحوالة
ــــــــــــــــــــ[367]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وصحتها. سواء سميناها عقداً أو لا.
الأمر الخامس: انه كما يمكن ان تكون أطراف الحوالة ثلاثة يمكن أن يكونوا أكثر بحيث يكون أحدهم مديناً للآخر، وهكذا إلى عدة أفراد. إلا ان الأخير غير مدين للأول. وبإحالة المدين الأخير أو الدائن الأخير على المدين الأول، بموافقة الجميع تبرأ كل الذمم بدفع واحد لتساويها بالكمية والنوعية، كما فرضنا فيما سبق.
نعم، يكون هذا أوضح فقهياً مع تعدد الحوالات. بمعنى أن المحال إليه يحيل المحال (المحتال) إلى المدين الآخر ويحيله هذا إلى الآخر، حتى تمر الحوالة على جميع المدينين. فإذا دفع الدين المحال به برئت الذمم جميعاً بدفع واحد.
الأمر السادس: انه قد يقال: انه ترجع الحوالة إلى الضمان. لأنها تحتوي على ضرورة قبول ورضاء المحال عليه. فبالقبول يصبح ضامناً للدين. فلا يفرق عن الضمان فرقاً مهماً.
قلنا: ان الفرق يكمن في جهتين اتضحتا مما سبق:
الأولى: كون المحال عليه مديناً أيضا كالمحتال. على حين يفترض أن يكون الضامن في عقد الضمان فارغ الذمة.
الثانية: وهي الأهم فقهياً، ما قلناه من أن المبادرة في عقد الضمان من الضامن في حين ان المبادرة في الحوالة من المحيل. وان كانت النتيجة متشابهة وهي انتقال الدين من ذمة إلى ذمة.
الأمر السابع: لو حصل الأمر بين هؤلاء الثلاثة أشخاص بشكل عقد الضمان لا بشكل الحوالة حصلت أيضا نفس النتيجة الفقهية. فلو بادر زيد فضمن دين سعيد وأداه إلى خالد. فقد برأت كلتا الذمتين بنفس البرهان الفقهي
ــــــــــــــــــــ[368]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
السابق الذي سطرناه عن الحوالة.
وكذلك لو تعدد الضمان بين عدة مدينين، كما ذكرنا فيما لو تعددت الحوالة. حيث تبرأ الذمم بدفع واحد.
الأمر الثامن: تكلمنا فيما إذا كان الدينان متساويين في الكمية والنوعية. ونعرض هنا باختصار لما إذا كانا على خلاف ذلك.
اما إذا تشابها في النوعية واختلفا في الكمية. فان كان الدين المحال به أكثر سقط الدين الآخر كله، ورجع المحال عليه على المحيل بالزائد. وان كان الدين الآخر أكثر سقط بالتهاتر بمقدار الدين المحال به، وبقى الباقي فيجب أن يؤديه المحال عليه إلى المحتال.
واما إذا تشابه الدينان بالكمية واختلفا في النوعية. فمرة تكون النوعية ربوية، وهو المكيل والموزون، ومرة لا تكون. وعلى أي حال فسقوط الدين من الذمة بالوفاء من غير نوعه على خلاف القاعدة إلا بالتراضي بين الدائن والمدين. أو باعتبار لحاظ المالية المطلقة بين الدينين.
فان لم يكن الجنس ربوياً، لم يبق بعد التراضي إشكال في السقوط. واما إذا كان الجنس ربوياً فينبغي بعد التراضي من تلك الناحية، ان يكون المقدار متساوياً كيلاً أو وزناً، حسب ما هو المتعارف في السوق من الكيل للمادة أو وزنها. إلا ان تطبيقه على الجهة الاقتصادية يكون صعباً لاختلاف النوعين في المالية عندئذ. إلا ان هذا قد يكون منشأ لعدم التراضي بينهما. وأما مع التراضي فلا إشكال من هذه الناحية.
الحوالة على البريء:
وهي تتحقق فيما إذا كان هناك دين واحد لا اثنان. بمعنى ان المحال،
ــــــــــــــــــــ[369]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
وهو زيد في المثال السابق لم يكن مديناً لسعيد.
وبتعبير أوضح: ان الدائن يحوّل مدينه أو قل: دين مدينه على شخص آخر بريء الذمة. مع موافقة الثلاثة أيضا -كالسابق- بما فيهم البريء. فلا يكون هناك تحميل أو إكراه للبريء بدون رضاه.
فإذا دفع البريء دينه للدائن. فان كان ناوياً للتبرع فقد تم الأمر. وان لم ينو التبرع، كان له أخذه من المدين. ويستقر الخسران عليه.
وهذا لا يفرق عن عقد الضمان بشيء إلا من حيث ان المبادرة في الضمان من البريء (الضامن) والمبادرة في الحوالة من الدائن (المحيل). حيث يصبح الضامن محالا عليه والمدين محالا أو محتالا، ولذا قال عنه المحقق: انه بالضمان أشبه. وخاصة مع قبول المحال عليه (الضامن) ورضاه بطبيعة الحال. وقد أجبنا عنه بأن القبول لا يعني المبادرة إلى الإيجاب. فان فاعل الإيجاب وقائله هو الموجد للمعاملة حقيقة والقابل منفعل بها، وله مجرد التسليم والرضا. وإذا اختلف الموقف أمكن القول باختلاف مضمون المعاملة.
ــــــــــــــــــــ[370]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
الكفالة
ذكر ابن منظور(1) للكفالة عدة معان ننقل هنا ما يناسب المقام.
قال: والكافل: العائل. كفله يكفُله وكفَّله إياه. وفي التنزيل العزيز: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا. وقد قرءت بالتثقيل ونصب زكريا وذكر الأخفش: انه قرئ: وكفلها زكريا بكسر الفاء.
والكافل: القائم بأمر اليتيم المربي له. وهو من الكفيل الضمين.
وكفل -بالفتح- المال وبالمال ضمنه. وكفل -بالفتح- بالرجل يكفُل ويكفل -بالكسر- كفلا وكفُولا وكفالة وكفُل وكفل -بالكسر- وتكفل به، كله: ضمنه. وأكفله إياه وكفَّله ضمَّنه. وكفلت -بالفتح- عنه بالمال لغريمه وتكفَّل بدينه تكفُّلا. أبو زيد: أكفَلت فلاناً المال إكفالا إذا ضمنته إياه. وكفلَ هو به كفولا وكفلا، والتكفيل مثله. قال الله تعالى: فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ. الزجاج: معناه: اجعلني أنا اكفلها وانزل أنت عنها. ابن الإعرابي: كفيل وكافل وضمين وضامن بمعنى واحد. إلى آخر ما قال.
وقيل فقهياً(2): ان الكفالة هي التعهد بالنفس، أي التزام إحضار المكفول متى طلبه المكفول له.
ــــــــــــــــــــ[371]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) لسان العرب. مادة كفل.
(2) الشرائع ج2ص99 عن الروضة البهية للشهيد الثاني.
وقد رأينا الآن ان اللغة تجعل التعهد والضمان في الكفالة شاملا للنفس والمال. غير ان الفقهاء اصطلحوا فيها على ذلك. وسنشير بعد هذا على إمكان شمول الكفالة لغير النفس.
وتكون الحاجة إلى الكفالة عند طلب حضور أو قل: إحضار شخص غائب أو هارب لدين أو أية مرافعة قضائية، يكون هو المدعى عليه فيها أو المنكر باصطلاح الفقهاء.
وهذا هو المورد الرئيسي والتقليدي الذي تكلم حوله الفقهاء، وقد يمكن شمول الكفالة للإحضار لحاجات أخرى، كالقيام بعمل أو لمجرد عاطفة الحب أو عاطفة التشفي أو غير ذلك من المقاصد. ولا إشكال ان الهدف ان كان حراماً كانت الكفالة حراماً وتنفيذها حراماً. إلا ان بطلانها محل إشكال، لأن الصحيح ان النهي عن المعاملات لا يوجب الفساد.
وعلى أي حال، فالمتعهد والضامن هو الكفيل وطالب الكفالة هو المكفول له. وهو المكفول لأجله وفي مصلحته وان لم يكن طالباً لها بصراحة أحيانا. واما الشخص الغائب أو الهارب المطلوب، فهو المكفول أو المكفول به.
وهو عقد يكون الإيجاب فيه من قبل الكفيل والقبول من المكفول له ولا يكون إلا برضاهما. ولا يلزم رضاء المكفول الهارب. وهو عمل يستحق الكفيل عليه الأجر ان تم تنفيذه، إلا إذا قصد المجانية.
هذا. وقد وردت في النصوص عدة خصائص للكفالة نذكر أهمها:
النقطة الأولى: ان الكفيل يحبس حتى يأتي بالمكفول. وقد وردت في ذلك رواية معتبرة(1).
ــــــــــــــــــــ[372]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) أحكام الضمان من الوسائل باب 9 حديث1.
وهذا انطلاقاً من الفهم المقتضى لاستطاعة الكفيل إحضار الرجل وان كان هو محبوساً. كما لو كان عنده أشخاص آخرين يفحصون عنه، أو أن يكون (صاحبه) مشفقاً عليه من الحبس فيأتي برجله مختاراً ليخلص الكفيل من الحبس.
وأما بدون ذلك، وهو المورد التقليدي للتصور الفقهي، وهو أن يكون الكفيل محتاجاً في إحضار المكفول إلى الفحص والسفر والنشاط المتزايد أو المتطاول في الزمان. فهذا المعنى ينافي الحكم بالسجن على الكفيل. بل ينبغي أن يعطى الكفيل فرصة لأجل الفحص مهما طال الزمن إلى حين اليأس أو الحضور.
والواقع ان الروايات لم تحكم بوجوب حبس الكفيل. وإنما تحدثت عن مشروعيته فقط.
النقطة الثانية: ان الروايات تحدثت عن جعل (شرط جزاء) في ذمة الكفيل ان لم يحضِر الرجل المكفول. وفيها ما هو معتبر (1). غير انها اشترطت ان يذكر الكفيل هذا الجزاء بنفسه عند إيجابه للمعاملة ويقدمه على ذكره للكفالة. بان يقول -مثلا-: عليّ كذا من الدنانير ان لم أجلب فلاناً وأنا كفيل به.
وعلى أي حال فشرط الجزاء مشروع في الكفالة. فان لم يحضره لزمه إعطاؤه إلى المكفول له.
نعم. قد يقال فقهياً: ان سعي الكفيل بالبحث عن المكفول عمل يستحق عليه الأجرة سواء وجده أم لم يجده. لأنه عمل في مصلحة المكفول عنه لم يقصد به المجانية.
ومعه فان اتفقا على تعيين الأجر والجزاء معاً. تم الأمر. فان أحضره أخذ
ــــــــــــــــــــ[373]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) المصدر باب 10 حديث2.
الكفيل الأجر وان لم يحضره دفع الجزاء وليس له أجر. وان أمكن القول بالتهاتر بين الأجر والجزاء، على تأمّل فيه.
وان لم يتفقا على أجر كان له أجرة المثل السوقية لمن يقوم بمثل هذا العمل عادة. وان لم يتفقا على الجزاء لم يكن الجزاء مضموناً على الكفيل اصلا. واستحق الأجر على أي حال.
النقطة الثالثة: ورد في الأخبار النهي عن التدخل في الكفالة. وفي عدد منها قوله(1): “ما لك وللكفالات أما علمت انها أهلكت القرون الأولى”.
وهي لا تفيد أكثر من الكراهة، لعدم احتمال الحرمة أو البطلان فقهياً.
وهي اما خاصة بالكفالة بالمصطلح الفقهي الذي نتحدث عنه الآن. أو تشمل أيضا كفالة المال بالمعنى الآتي، والضمان بالمعنى السابق. فإنها جميعاً تندرج في معنى التعهد في اللغة. وحمل لغة الروايات على المعنى اللغوي ضروري، ولا يمكن الحمل على المصطلح الفقهي، لأنه متأخر.
ويدل على العموم قوله في رواية(2): “لا تتعرضوا للحقوق. فإذا لزمتكم فاصبروا لها”. فان الحقوق معنى يشمل كل ذلك.
النقطة الرابعة: تعرّضت الروايات(1) إلى معنى كفالة المال. أو جعل كفيل على الدين. فما معنى ذلك فقهياً؟
فيه بالتصور الأوّلي, عدة احتمالات:
الاحتمال الأول: جعل كفيل على المدين إذا هرب. وهي من الكفالة
ــــــــــــــــــــ[374]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) المصدر باب 7 حديث 1و4.
(2) المصدر حديث 3 و8.
(3) المصدر باب 8 وفيه حديثين بهذا المضمون.
المؤجلة. وهذا جائز فقهياً. إلا انها قد تكون من الكفالة المعلقة، يعني انها معلقة أو مشروطة بهرب المدين، الذي لا زال موجوداً لم يهرب لحد الآن، ولا دليل على انه سيهرب أصلاً. والتعليق في العقود مبطل لها عندهم. فهذا الاحتمال غير صحيح. مضافاً إلى مناقشات أخرى له سنعرفها فيما بعد.
الاحتمال الثاني: ضمان الدين بالمعنى السابق الذي يتضمن انتقال الدين إلى ذمة الضامن.
وهذا الاحتمال هو الوحيد الذي يمكن للفقهاء الأخذ به بعد بطلان الاحتمالات الأخرى عندهم، كما سيتضح.
إلا انه خلاف ظاهر النص. لأنه ورد عن داود بن سرحان(1) انه سأل أبا عبد الله عن الكفيل والرهن في بيع النسبة قال: “لا بأس”.
وبيع النسبة هو الذي يقبض فيه المشتري العروض ويؤجل ثمنه. فالبائع يمكنه أن يستوثق من دفع الثمن بأحد طريقين نطقت بهما الرواية. أما الرهن وأما الكفيل. ومن سياق الكلام انه لا يعني أي منهما انتقال عهدة الثمن إلى ذمة الغير. بل سيرجع البائع على المشتري نفسه ليأخذ الثمن. فالرواية ظاهرة بإقرار هذه الفكرة من قبل الإمام.
وبتقريب آخر نقول: انه كما ان الرهن لا يوجب انتقالا لما في الذمة فكذلك الكفيل، بحسب وحدة السياق. وان كان التقريب الأول أقوى في نظري.
وإذا بطل هذا الاحتمال تعين الأخذ بما يلي وهو:
الاحتمال الثالث: ان تكون كفالة المال معنى آخر غير الضمان الذي
ــــــــــــــــــــ[375]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) المصدر باب 8 حديث 1.
يوجب اشتغال ذمة الضامن. فهذا الكفيل لا تشتغل ذمته، وإنما هو يتعهد بالدفع مع عدم دفع المدين (المشتري) وفاء لما في ذمة المدين. وعمله غير مربوط بذمته الشخصية إلا لزوم الوفاء بالمعاملة، أعني الكفالة.
وقد أشرنا في أواخر فصل الضمان إلى ذلك، وقلنا عنه: انه غير موجود فقهياً ولا يجب الوفاء به، إلا انه مشروع ويستحب الوفاء به. إلا ان هذا موقوف على عدم اعتبار الروايات الناطقة به. فان لم تكن معتبرة أو كان إعراض المشهور عنها مسقطاً لها عن الاعتبار، فالحق مع المشهور. والا كانت حجة في مضمونها، كما ان العرف يوافق عليه أيضا وعليه سيرته.
النقطة الخامسة: متى تنتهي مدة الكفالة. وهل يبقى الكفيل كفيلاً إلى الأبد؟
يمكن أن تنتهي مدة الكفالة بأحد أساليب:
الأول: إنجاز المهمة، أعني تسليم المكفول.
الثاني: انتفاء الحاجة إليها، أعني مجيء المكفول اختياراً أو تسليم المدين الأصلي دينه.
الثالث: اليأس من إنجاز المهمة أعني وجدان المكفول. إذ مع اليأس عن ذلك لا معنى للاستمرار بالفحص، وبتكليف الكفيل إحضار صاحبه. لأنه يكون من التكليف بما لا يطاق. وهو غير معقول وغير مشروع. ومعه تنتفي الكفالة تلقائياً.
نعم، لا بد من حصول اليأس بأمارات ودلائل معقولة ومنطقية توجب الاطمئنان بعدم إمكان حضور الرجل.
الرابع: الفسخ. إذا كانت معاملة الكفالة قابلة للفسخ. وهذا ما لم يرد في النصوص ولا وافق عليه الفقهاء. الأمر الذي ينتج على القاعدة كونها لازمة غير
ــــــــــــــــــــ[376]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
قابلة للفسخ. لا أقل: من استصحاب الصحة لما بعد الفسخ المنتج، عدم تأثيره.
إلا انه لا شك انه مع اشتراط حق الفسخ خلال التعاقد على الكفالة، يكون الشرط ماضياً وصحيحاً للمشترط. فانه كما ورد: “المؤمنون عند شروطهم”.
والشخص الذي نتكلم عن احتمال فسخه للمعاملة هو الكفيل، طبعاً، لكون استمرار المعاملة تحميلا عليه أحيانا وضد مصلحته. واما المكفول له، فالكفالة في مصلحته باستمرار. نعم، لا يُنكر أنه مع اشتراط حق الفسخ له فانه يكون له ذلك.
ــــــــــــــــــــ[377]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
الجعالة
وهو مُثلث الجيم بمعنى الأجر. قال ابن منظور: الجُعل والجِعال والجعيلة والجُعالة والجِعالة والجَعالة. الكسر والضم عن اللحياني. كل ذلك: ما جعل له على عمله.
وقال: والجُعل: الاسم بالضم. والمصدر بالفتح. يقال: جعل لك جَعلا وجُعلا. وهو الأجر على الشيء فعلا أو قولا.
وقوله: فعلا أو قولا راجع اما على الأجر، يعني يكون الأجر بالفعل أو بالقول، يعني بالمال أو بمجرد التشجيع بالكلام. أو يعود إلى العمل المجعول عليه. يعني: ان يكلف فرد شخصاً بأن يقول قولا فيأخذ عليه الجعل أي الأجر. أو يعمل عملاً فيأخذ عليه الجعل. لا فرق في ذلك بين القول والفعل.
وكلا الاحتمالين وارد في العبارة، وان كان الأظهر منها الأول. إلا ان الأقرب إلى الفهم الاقتصادي هو الثاني.
وفي الاصطلاح الفقهي استعمل لفظ الجعالة في سبب حصوله. من حيث ان الجعالة هو الأجر وسببه هو المعاملة التي يستحقه الفرد بموجبها.
إذن، فكل معاملة ذكر فيها جعل الأجر، فهي جعالة. إلا أن الفقهاء خصوا هذا اللفظ واصطلحوا به على تلك المعاملة التي لا يكون فيها طرف معين أو مخاطب خاص. كقوله: من خاط ثوبي فله كذا. ومن رد عبدي الآبق فله كذا ومن زرع أرضي فله كذا. وهكذا. وسنتكلم عن إمكان كونها ذات
ــــــــــــــــــــ[378]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
خطاب مع فرد معين أو جماعة معينين.
ومن الواضح انه عندما يكون طرف المعاملة واحداً وهو الموجب، ولا يكون له طرف آخر، انها من الإيقاعات وليست من العقود. ولا تحتاج إلى قبول.
بقي التعرض إلى عدة أمور:
الأمر الأول: ان أمد الجعالة ينتهي بأحد أساليب:
أولا: بحصول نتيجتها. فإذا جاء أحدهم بالمفقود مثلا، أو قام بالعمل المطلوب وأتمه. فلا يبقى إلا استحقاق الأجر.
ثانياً: فانتفاء موضوعها أحيانا، كما لو رجع الحيوان أو العبد المفقود باختياره لا بسبب البحث عنه. وكما لو حاول فرد القيام بالمطلوب، فغلبه شخص آخر عليه وأنجزه قبله. فتكون الجعالة بالنسبة إلى الآخر منتفية موضوعاً.
ثالثاً: اليأس من حصول نتيجتها أحيانا. كما لو فحص شخص عن الحيوان أو العبد المفقود فلم يجده، وأيس من الحصول عليه.
وهنا لا يستحق الأجرة فقهياً على جهوده. لأن صاحب الجعالة يقول: من رد دابتي فله كذا. وهذا لم يرد الدابة، وإنما أيس منها. فلا يكون له الجُعل المذكور في الجعالة. وان كان من الناحية الأخلاقية لا بد أن ينفعه صاحب الجعالة بشيء والأفضل ان تكون هي القيمة السوقية لمن يقوم بهذا العمل.
رابعاً: الفسخ، إذا كانت الجعالة قابلة للفسخ.
ومقتضى القاعدة هو عدم التسلط على الفسخ. ولم يدل دليل على خلافه.
إلا اننا لو دققنا النظر وجدناها معاملة إرفاقية. بمعنى أنها في مصلحة
ــــــــــــــــــــ[379]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الطرف محضاً. وكل من كان بهذه المثابة فله أن يتنازل عن حقه ومصلحته. ومن هنا يكون للجاعل أن يفسخها على القاعدة.
نعم، لو علم بان أحداً قد عمل بالعمل المطلوب، يعني أخذ به وان لم يكمله. كان الإرفاق متعلقاً عندئذ بالعامل لا بالجاعل. ومن هنا كان للعامل ان يُعرض عن عمله في أية لحظة. ولا يصدق عليه الفسخ، لأنه ليس طرفاً حقيقياً للمعاملة. واما الجاعل، فليس من حقه الآن أن يفسخ لأن فيه تفويتاً لحق العامل. إذ أن من حقه ان يكمل عمله ويأخذ الأجر المفروض.
ومن هنا قال المحقق الحلي(1): والجعالة جائزة قبل التلبس (يعني تلبس العامل بالعمل) فان تلبَّس فالجواز باق في طرف العامل، ولازم من طرف الجاعل إلا ان يدفع أجرة ما عمل.
والعبارة تعطي معنى حق العامل في الفسخ، وقد أشرنا إلى مناقشته. إلا ان يقال فقهياً: ان من يريد العمل يمكنه ان يأتي إلى صاحب الجعالة، فيقول أمامه: قبلت. ثم يذهب للعمل. ومن هنا أمكن له الفسخ بعد ان أصبح طرفاً للمعاملة. إلا ان هذا القول: مجرد احتياط فقهي لا وجه له.
الأمر الثاني: في الفرق بين الجعالة والإجارة.
من الواضح: ان طرف الإجارة شخص محدد، هو الأجير. وأما الجعالة فطرفها غير محدد (كلي).
نعم، إذا قلنا بإمكان جعل الجعالة تجاه شخص محدد فسيتضاءل الفرق بينهما. وهو ما نبحثه بعد ذلك.
الأمر الثالث: في الفرق بين الجعالة والوكالة.
ــــــــــــــــــــ[380]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الشرائع: ج2, ص139.
يوجد في الوكالة تخويل محدد للوكيل بالعمل. وهنا يقال: يد الوكيل كيد الأصيل. ولا يوجد هذا المعنى لا شرعاً ولا عرفاً في الجعالة. ولا يكون العامل وكيلاً بأي وجه عن الجاعل. ومن هنا لو استلزم العمل القيام بمعاملات معينة نيابة عن الجاعل، لم يجر بمجرد حصول الجعالة.
كما لا يجوز أو قل: لا يمكن ان تحصل هناك جعالة للقيام بمعاملة أو أكثر كقوله: من باع داري فله كذا. لأن هذا البيع لا يكون إلا من قبل المالك أو من يخوله أو قل: الوكيل. والجعالة لا تحتوي على وكالة. فان باع شخص، كان البيع فضولياً يحتاج إلى إجازة متأخرة عنه. ولا تصلح الجعالة إجازة لأنها متقدمة على البيع.
الأمر الرابع: تحتوي الجعالة على الإذن بالتصرف بالمال الذي أصبح متعلقاً لها. فلو قال: من زرع أرضي فله كذا، جاز له التصرف بالأرض في حدود إنجاز المطلوب وهكذا. واما التصرفات الزائدة فتحتاج إلى إذن جديد.
الأمر الخامس: قد تحتوي الجعالة على نتائج بعض المعاملات. كالمضاربة لو قال الفرد: من تاجر بمالي فله كذا أو فله نصف الربح مثلا. وكالمزارعة، إذا قال: من زرع أرضي فله كذا أو له نصف الثمرة، وكالمساقاة، لو قال: من اعتنى بزرعي فله كذا أو له نصف الثمرة. وهكذا.
إلا انه من الواضح فقهياً: ان إنتاج بعض المعاملات لنتائج بعض آخر، لا يعني اندراجها فيها، ولا كونها مشروطة بشرائطها.
ومن هنا ذكر المشهور: ان الصلح معاملة مستقلة وان أنتج نتائج غيره كالبيع والإجارة والمضاربة وغيرها. ولا يلزم من ذلك اتصافه بشرائطها، وبطلانه عند عدمها. وكذلك الحال في الجعالة تماماً.
ومن هنا يمكن ان نعلم انه يبقى عدة فروق بين الجعالة وبين باقي
ــــــــــــــــــــ[381]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المعاملات:
أولاً: ان طرف تلك المعاملات محدد وهذه طرفها غير محدد.
ثانياً: ان المرتكز العرفي في فهم الجعالة يجعلها ذات كيان مستقل، بغض النظر عن نتائجها.
ثالثاً: ان الجعالة غير مشروطة بشروط المعاملة التي تشبهها. فمثلا بينما تكون المضاربة مشروطة بان يكون الجُعل بالكسر العشري، كثلث الربح أو نصفه مثلا، لا يكون هذا ضرورياً في الجعالة.
رابعاً: ان أحكام الجعالة تكون شاملة للمعاملة المفترضة، دون أحكام المعاملة المشابهة كالتسلط على الفسخ وغيره.
الأمر السادس: هل يمكن أن يكون طرف الجعالة محدداً. أو قل: مخاطباً معيناً. أم لا.
مقتضى القاعدة جوازه، وعدم وجود أي إشكال فيه، لصدق الجعالة أولا، ولدليل: “المؤمنون عند شروطهم” وغيره من العمومات.
إلا ان الكلام يبقى في مستويين:
المستوى الأول: في لفظ الجعالة ذات الطرف المحدد.
فانه ان قال: من رد دابتي فله كذا. لم يكن لها طرف محدد.
وان قال: ان رددت دابتي فلك كذا. كان لها طرف ولكنها تكون معلقة ومشروطة بأداة الشرط. والمعاملة المعلقة باطلة على المشهور.
ومن هنا لم يكن قوله: (من رد دابتي فله كذا) معلّقاً. بل العزم به والقصد إليه فعلي. وان كانت النتيجة مستقبلية.
ولكن يمكن ان يقول الجاعل في مخاطبة شخص محدداً: أجعل لك على
ــــــــــــــــــــ[382]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
رد دابتي كذا. أو: لك على رد دابتي كذا. أو أعطيك على رد دابتي كذا أو رد دابتي بكذا. ولا إشكال فيه. ولعله يصح لو قال: تستحق على رد دابتي كذا. مع قصد الجعالة.
المستوى الثاني: ان هذه الجعالة، وان كانت ذات طرف محدد، إلا انها تبقى على أحكام الجعالة ما دام عنوان الجعالة صادق عليها عرفاً.
فهي إيقاع، لا تحتاج إلى قبول الطرف وان كان محدداً. وهي غير ملزمة له بالعمل. وإذا بدأ العمل لم يكن من الضروري إتمامه، ولكنها عندئذ تكون لازمة من طرف الجاعل. إلى غير ذلك من الأحكام.
وبذلك تفرق عن الإجارة والوكالة، وباقي المعاملات التي تنتج الجعالة نتائجها. مضافاً إلى الفرق في قصد المعاملة نفسه، أعني قصد الجعالة بعنوانها، دون الوكالة والإجارة، الأمر الذي يعطيها معنى استقلالياً عرفاً وشرعاً. فان (العقود تابعة للقصود). والمقصود بالعقود مطلق المعاملات لا خصوص ما توقف على قبول الطرف الآخر، لنقول: ان الجعالة إيقاع وليس عقداً. لأن هذا التقسيم: للمعاملة إلى عقد وإيقاع، اصطلاح متأخر لا يمكن حمل النصوص الأولى عليه.
الأمر السابع: معنى الجعالة يتوقف على ذكر الأجر صراحة في المعاملة أو الايجاب. فلو لم يذكر الأجر أصلا، لم تكن جعالة. فلو قال: من رد عبدي.. وسكت بطلت المعاملة. وكذلك لو قال: ردوا عبدي. لم يكن جعالة.
نعم، لو ذكر جُعلاً إجمالياً، غير محدد. كما لو قال: من رد دابتي أعطيته شيئاً أو أعطيته جائزة أو غير ذلك. صحت الجعالة، لأصالة عدم اشتراط التحديد شرعاً. واستحق العامل أجرة المثل السوقية.
ــــــــــــــــــــ[383]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الأمر الثامن: قد يكون من غير الممكن عرفاً ان يقوم بالعمل أكثر من واحد، كخياطة ثوب واحد. فان أخذه أحدهم ليخيطه لم يبق مجال للآخرين.
ولكن يبقى التعدد ممكناً على شكلين:
الشكل الأول: أن يقوم جماعة بزرع الأرض. وكان صاحبها قد جعل على زرعها أجراً.
ففي مثل ذلك: ان كان قصده في الجعالة حصول العمل في الزراعة من قبل أي فرد مهما قل أو كثر. إذن، فقد عملوا جميعاً في الزراعة، فيستحق كل واحد منهم الأجر المفروض كاملا.
وان كان المهم في نظره زراعة الأرض، بغض النظر عمن قام بها. يعني سواء كان واحداً أو متعدداً. فيستحق الجميع الأجر المعين في الجعالة، يقسم بينهم.
وان كان مقصوده إعطاء الأجر لشخص واحد. حين قال: من زرع أرضي فله كذا. فأول من تصدى لذلك هو المستحق ولا يجوز للآخرين مزاحمته. كما لا يستحقون على أعمالهم أجوراً.
وان كان مقصوده إعطاء الأجر لشخص واحد ان أتم زراعة الأرض كلها. فلا يستحق في مثل ذلك أي واحد من الجماعة المشاركين أي أجر شرعاً. لأن أي واحد منهم لم يتسن له ان يزرع الأرض كلها.
وتتحدد هذه المقاصد المذكورة بنية الجاعل أولا. وبظهور لفظه ثانياً. وبالفهم العرفي للمعاملة ثالثاً. وتمام الكلام في الفقه.
الشكل الثاني: ان يكون العمل قابلاً للتكرار. وقد قام به جماعة كل بحيال نفسه. كما لو قال الجاعل: من حاش لي حشيشاً أو من كسر لي خشباً أو من جلب لي رملا أو صخراً ونحو ذلك. مما يكون عادة في المقالع الطبيعية ومن
ــــــــــــــــــــ[384]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المباحات العامة. وقام بذلك جماعة فأيهم يستحق الأجر.
وهذا أيضا يختلف باختلاف مقصود الجاعل. فان قصد فرداً واحداً، كان المستحق هو العامل الأول الذي يصل إليه دون غيره. وان لم يقصد كمية معينة أو عدداً معيناً من العمال، استحق كل واحد منهم الأجرة كاملة. إلى غير ذلك من المقاصد.
الأمر التاسع: لم يتعرض الفقهاء لإمكان جعل الشروط في الجعالة. وهو أمر ممكن طبعاً في الشريعة. فلو قال: من زرع لي أرضي خلال شهر. أو من تاريخ كذا إلى كذا. أو من جلب لي صخراً من منطقة كذا. أو من نوع كذا. كل ذلك يكون صحيحاً. وإذا لم يقم العامل بالشرط لم يستحق الأجر شرعاً وفقهياً. وان لم يجز أخلاقيا إهماله.
أجد الآن اننا وان لم نتحدث عن الجعالة كلها، لو صح التعبير، فلا زال فيها فروع أخرى. إلا ان الحديث بهذا المقدار كاف بلا شك، مما يناسب مستوى الحديث في هذا الكتاب, وبه ينتهي كتاب الضمان.
ــــــــــــــــــــ[385]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
كتاب العمل
ــــــــــــــــــــ[387]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
تمهيد
يعتبر العمل التجاري بالمعنى التجاري بالمعنى العام، وهو العمل الذي يستهدف الاسترباح، وهو العصب الأساسي لحياة الفرد والمجتمع.
والعمل أما أن يكون تجارياً (أعني العناية بالبيع والشراء) أو زراعياً أو صناعياً أو نقلا (للأفراد أو البضاعة). ولا يختلف في ذلك ان يكون القائم به فرداً أو جماعة أو فرداً حكمياً كشركة أو نحوها. كما لا يفرق بين ان يكون الأجير أحد هذه الأشكال. وان كان الافتراض الفقهي الأولي هو قيام الفرد بها.
والمهم هنا ليس هو عمل الفرد لنفسه بل عمل الفرد لغيره. فالعمل التجاري للغير هو المضاربة والعمل الزراعي هو المزارعة والمساقاة. لأن المطلوب ان كان هو العمل على إيجاد الزرع فهو المزارعة، وان كان المطلوب هو العمل على العناية بالزرع الموجود فهو المساقاة.
واما العمل الصناعي والنقل، فليس لها عنوان فقهي مستقل. والفقهاء عادة يدرجونه بالعمل المأجور الاعتيادي. الذي شرحناه في فصل: عمل الحر.
إلا أنه يمكن ان يقال: بإلحاق العمل الصناعي بما يشبه الأعمال السابقة: المضاربة وغيرها. إذ لا فرق في الاسترباح بين أن يكون في المحل أو المعمل أو المزرعة. فلو تعاقد صاحب المعمل مع شخص برأس مال معين، على الإنتاج الصناعي، كان شكلاً من أشكال المضاربة. وستأتي الإشارة إليه.
وكذلك لو تعاقد مالك سيارة أو شاحنة أو عدد منها. مع شخص يعمل
ــــــــــــــــــــ[389]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
عليها ويكون الناتج بينهما. وكذلك بالنسبة إلى النقل البحري والجوي. وسوف لن نغفل الإشارة إليه بعونه سبحانه.
إلا أنه بعد إدراج أمثال هذا التعاقد في معنى المضاربة، تحفظاً على الاصطلاح الفقهي، بالرغم من اختلافه عنها اختلافات مهمة. إذن، لا يبقى إلا عناوين ثلاثة درج عليها الفقهاء، هي المضاربة والمزارعة والمساقاة. وهذا ما سنقوم بشرحه في الفصول الآتية. بالرغم من ان الفقهاء عقدوا لها كتباً فقهية مستقلة، غير أن تقارب معناها واندراجها تحت نتيجة واحدة هي الاسترباح الناتج من العمل، حدا بنا إلى إدراجها في كتاب واحد بعنوان: كتاب العمل.
ــــــــــــــــــــ[390]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
المضاربة
ضاربَ(1) فلان لفلان في ماله إذا اتجر فيه وقارضه. لم تزد المصادر اللغوية على هذه الكلمات.
والذي يبدو: ان المضاربة في الأصل هو المشاركة في الضرب يفيد وزن المفاعلة ذلك كالتفاعل يقال: مضاربة وتضارب ومعاسرة وتعاسر ومقاتلة وتقاتل ومهاجمة وتهاجم. يعني فعل أحدهما بالآخر. فالمضاربة هو ضرب أحدهما الآخر. فكيف أصبحت معنى للتجارة؟
وما يمكن أن يكون منشأ لذلك عدة أمور:
الأول: انه مأخوذ من الضرب في الأرض، وهو المشي أو السفر فيها. ومن المعلوم ان التجارة تعني ذلك وتلازمه دائماً.
إلا ان هذا يواجه صعوبة من ناحية أنه لا يفسر معنى (المفاعلة) الموجود في المضاربة. لأن التاجر يضرب في الأرض ويسافر مستقلا. عن غيره.
الثاني: انه مأخوذ من ضرب الفسطاط والخيمة، من حيث أنهم كانوا يباشرون التجارة في أماكن من هذا القبيل. إلا أن هنا الوجه يواجه نفس الصعوبة السابقة. أو قل: تشبهها في الفكرة.
الثالث: انه مأخوذ من ضرب الأيدي، وهو الصفق في الأسواق. حيث
ــــــــــــــــــــ[391]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) لسان العرب مادة ضرب.
أنهم كانوا إذا اتفقوا على أي معاملة يضربون أيدي بعضهم ببعض توكيداً للمعاملة عندهم. والى الآن نستعمل معنى الصفقة في المبيعات.
الرابع: انه مأخوذ من الضرب بمعنى النوع أو الجنس. ومنشأ هذا الاستعمال: انهم كانوا يصنعون الدراهم والدنانير. بجعل الذهب والفضة في قوالب معدنية والضرب عليها حتى تأخذ شكلها الخاص أو المطلوب. وحيث اختلفت أشكال وأحجام القوالب، أصبحت الدنانير والدراهم تختلف أيضا. فسمي كل نوع من ضرب خاص، إشارة إلى طريقة صنعها. وبكثرة التداول والاستعمال صار الضرب بمعنى النوع أو الجنس. ويستعمل في غير الدراهم والدنانير أيضا. ومنه قول المحقق في الشرائع: الماء على ضربين. أي نوعين.
فإذا تم ذلك استطعنا ان نلاحظ ان التاجر قد يريد ان يكن مضارباً لصاحبه بالنوعية أي بنوعية المعروضات والمبيعات. بمعنى كونه مماثلا له فيها ومن نوعه أو مستواه.
الخامس: انه مأخوذ من الضرب وهو النوع، كالسابق. مع ملاحظة ان التاجر يريد ان يكون مضارباً أي مماثلا لصاحبه في المستوى المالي والتأثير في السوق أو قل: من نوعيته وطبقته.
السادس: انه مأخوذ من الضرب بمعناه الاعتيادي. فالتضارب هو ان يضرب أحدهم الآخر. والتجار يفعلون ذلك، لا بالحقيقة بل المنافسة في التجارة، ومحاولة إيجاد الكساد في الآخرين.
فالضرب من هذه الزاوية مسحوب معناه إلى معنى الإضرار بالآخرين وإيجاد الكساد لهم.
السابع: احتمال ان تكون لفظة المضاربة موضوعة بوضع لغوي مستقل للتجارة. ولا شك اننا نشعر الآن بكون استعمالها حقيقياً مهما كان منشؤها السابق.
ــــــــــــــــــــ[392]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ويحسن بنا أن نحمل هنا فكرة كافية عن المعنى اللغوي للقراض والمقارضة، أيضا، لما لها ارتباط فقهي متين باصطلاح المضاربة، كما سنعرف.
قال ابن منظور(1): المقارضة في العمل السيئ والقول السيئ يقصد الإنسان به صاحبه. وفي رواية: من اقترض عرض مسلم. أراد بقوله اقترض أمراً مسلماً أي قطعه بالغيبة والطعن عليه ونال منه. واصله من القرض: القطع. وهو افتعال منه. التهذيب: القراض في كلام أهل الحجاز: المضاربة ومنه حديث الزهري: لا تصلح مقارضة من طعمة الحرام. يعني: القراض.
قال الزمخشري: أصلها من القرض في الأرض. وهو قطعها بالسير فيها. وكذلك هي المضاربة أيضا، من الضرب في الأرض.
وأقرضه المال وغيره: أعطاه قرضاً. وهم يتقارضون الثناء بينهم ويقال للرجلين: هما يتقارضان الثناء في الخير والشر أي يتجازيان. قال الشاعر:
يتقارضون إذا التقوا في موطن نظراً يزيل مواطئ الأقدام
أراد نظر بعضهم إلى بعض بالبغضاء والعداوة. قال الكميت:
يتقارض الحسن الجميل من التآلف والتزاور.
…. وقرض في سيره يقرض قرضاً: عدل يمنة ويسرة. ومنه قوله عز وجل: وإذا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ. قال أبو عبيدة: أي تخلفهم شمالاً وتجاوزهم وتقطعهم وتتركهم عن شمالها.
أقول: اما أخذ المضاربة من الضرب في الأرض، والقراض من القرض فيها. فهو الوجه الذي ذكرناه وناقشناه.
ــــــــــــــــــــ[393]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) لسان العرب مادة: قرض.
والمقارضة كالمضاربة، من صيغة المفاعلة المشتملة على فعل شخصين أحدهما بالآخر. فبعد التجاوز عن احتمال ان يكون اللفظ موضوعاً ابتداء واستقلالا لمعنى التجارة. يبقى منشأ الاحتمال أحد أمور:
الأول: ان المقارضة من تبادل السوء والضرر بين الأفراد. ومن المعلوم ان التجار يفعلون ذلك إذا لم يكن لهم قيد قانوني أو اجتماعي.
وهذا يشبه الوجه الخامس الذي قلناه في المضاربة، من حيث الفكرة.
الثاني: ان المقارضة من تبادل القرض وهو القطع أو العض. وهو أيضا راجع إلى تبادل السوء، لكن بتوسط فكرة القطع، كأن أحدهم يقطع تجارة الآخر.
الثالث: انها مأخوذة من القرض وهو الدين، لأن التجار قد يقرض أحدهما الآخر أموالا أو بضاعة.
الرابع: انها مأخوذة من تقارض القول الحسن أو النتائج الحسنة، لما تعود به التجارة على المجتمع من نتائج حسنة وضرورية.
إلى غير ذلك من الاحتمالات.
يبقى أنه ينبغي أن نشير إلى بعض النقاط:
النقطة الأولى: اننا سمعنا من كلام اللغة: انهم فسروا المضاربة بالمقارضة وفسروا المقارضة بالمضاربة. وهذا من التفسير الذي يلزم منه الدور. يعني أننا بالنتيجة لا نعرف معنى المضاربة ولا المقارضة.
النقطة الثانية: عرفنا ان المضاربة والمقارضة هي التجارة. وهي تصدق على تجارة الفرد بأموال نفسه. بل ان صدقها هذا أولى وأقرب من صدقها على تجارة الفرد بأموال غيره. مع اننا سنسمع ان الفقهاء خصوا كلا اللفظين بهذا
ــــــــــــــــــــ[394]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الاصطلاح.
النقطة الثالثة: عرفنا ان المضاربة والمقارضة أو القراض، بمعنى واحد في اللغة، وهو التجارة. والفقهاء وان استعملوها بنفس المعنى، إلا انهم فرقوا بين اللفظين بمقدار ما، سنتعرض إليه.
والمضاربة فقهياً: هي التجارة برأس مال الغير بنسبة معينة من الربح.
وهذا التعريف، كما هو واضح، منظور به من زاوية العامل لا من زاوية صاحب المال. ويبقى الباقي على نباهة القارئ.
قال المحقق(1): أما لو قال: خذه فاتجر به والربح لي. كان بضاعة. ولو قال: والربح لك كان قرضاً.
وهذا يُلفتنا إلى ان ربح العامل التجاري يمكن ان يكون على أقسام:
أولاً: ان يكون ربحه كسراً عشرياً من الربح وهو المضاربة.
ثانياً: ان يكون الربح كله لصاحب المال. وعمل العامل مجاني أو بأجرة معينة، وهو البضاعة باصطلاحهم.
ثالثاً: ان يكون الربح كله للعامل، وقد تنازل عنه صاحب المال. فهو القراض.
ولعل هذا الثالث هو المقصود من قول المحقق (كان قرضاً) يعني قراضاً. إلا ان الأرجح ان يكون مقصوده: ان إعطاء رأس المال بهذا الشرط للعامل يعني ان يكون قرضاً له، وعقد القرض يقتضي ملكية المقترض للمال، وهي تقتضي ملكية للربح كله. وكأن هذا هو السبب الوحيد فقهياً لملكية العامل للربح كله.
ــــــــــــــــــــ[395]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الشرائع ج2ص118.
إلا ان هذا غير صحيح. لأنه يتوقف على صحة القاعدة القائلة: بأن البدل يدخل في ملك مالك المبدل. ولا يجوز يعني لا يمكن شرعاً وفقهياً ان يخرج البدل من شخص ويدخل المبدل في ملكية شخص آخر.
وتطبيقه في المقام: هو اننا لو افترضنا بقاء المال على ملكية مالكه الأول، لزم الحكم بخروج هذا المال من المالك إلى المشتري ودخول الأرباح من المشتري إلى العامل. وهو مما لا يجوز.
وبحث هذه القاعدة ليس هذا محله. كما ان توقف المورد عليها بالضرورة، لا يخلو من مناقشة.
ومعه، فمن الممكن القول ببقاء ملكية رأس المال لصاحبه الأول ويكون الربح للعامل. ونتيجته انه لا يجب ان يعاد إلى صاحبه لو تلف بدون تعد أو تفريط أو مع خسرانه في التجارة. ويمكن أن يقال أن هذا هو القراض بالاصطلاح الفقهي، يعني هو المال التجاري الذي يملكه الغير ويكون الربح كله للعامل.
إلا ان الجهة الاقتصادية في ذلك ضعيفة، لوضوح تنازل صاحب المال عن أرباحه كلها. وهو أمر لا يكون عادة إلا مع حالات استثنائية، كالحب أو الخوف. فالكلام إذن الآن في المضاربة التي تقتضي تقسيم الربح بين صاحب المال والعامل.
هذا من حيث الربح. واما من حيث رأس المال فمقتضى القاعدة ان خسرانه على المالك ولا يتحمل منه العامل شيئاً وعليه مشهور الفقهاء. فهل له أن يشترط عليه المالك خلاف ذلك.
والروايات المعتبرة ناطقة بنفي الضمان عن العامل. إلا انها تعني أحد أمرين:
ــــــــــــــــــــ[396]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
أحدهما: نفي الضمان إذا تلف في غير طريق التجارة، بدون تعد ولا تفريط. من حيث ان عامل المضاربة أمين على المال، فلا يضمن إلا بالتعدي والتفريط.
ثانيهما: ان مقتضى القاعدة -أعني بغض النظر عن الشرط- عدم تحميل الخسارة على العامل، قلّت أو كثرت.
وكلا هذين الأمرين صحيحان، وظهور الروايات منصرف إليها، وليس في الروايات ما يدل على نفي صحة الاشتراط. ومقتضى نفوذ الشروط بالعمومات، صحته.
نعم، ورد في بعض الروايات(1): “من ضمَّن تاجراً فليس له إلا رأس ماله. وليس له من الربح شيء”. إلا انها مخدوشة سنداً وان كانت واضحة دلالة، من حيث ان تضمين التاجر المضارب يقتضي دفع الربح له. مع احتمال ان يكون التضمين هنا، تضمين التلف وليس تضمين الخسران. كما هو محل الشاهد. فيسقط الاستدلال من حيث ظهور الرواية أيضاً.
فإذا تم لدينا إمكان تضمين عامل المضاربة للخسارة بالشرط. فذلك يكون على عدة وجوه، بعد التجاوز عن الوجه الأصلي وهو أن يكون الخسران كله على المالك:
الوجه الأول: أن يكون الخسران كله على المضارب.
الوجه الثاني: ان يكون الخسران مقسماً بين العامل وصاحب المال بنسبة تقسيم الربح. فمثلا كما ان الربح مناصفة بينهما، كذلك يكون الخسران مناصفة بينهما.
ــــــــــــــــــــ[397]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الوسائل أحكام المضاربة باب 4 ص1-2.
الوجه الثالث: ان تكون نسبة الخسران مقسمة بينهما، ولكنها تختلف عن نسبة الربح. على أن يكون القسط الأكبر على العامل.
الوجه الرابع: كالوجه الثالث، ولكن على أن يكون القسط الأكبر على صاحب العمل.
كل ذلك مما ينبغي الاتفاق عليه واشتراطه منذ أول المقاولة على المضاربة، حسب اختيارهما معاً بدون إكراه.
ومن المعلوم فقهياً: ان تلف المال يختلف عن خسرانه تجارياً من عدة وجوه:
الأول: ان كليهما لا يكون مضموناً على العامل على القاعدة، إلا أن التلف يضمنه بالتعدي والتفريط. والخسران يضمنه بالاشتراط.
الثاني: ان التلف بسبب قلة رأس المال. أما الخسارة فان المال إذا خسر ثم ربح أنسد الخسران وانجبر كسره بالربح الجديد. وأصبح الربح الجديد من ضمن رأس المال (أي كله للمالك) حتى يكتمل رأس المال مرة أخرى. فان زاد الربح عليه كان بينهما بالنسبة.
ولكن الربح لا يسد النقص الحادث بالتلف. فلو تلف نصفه، بقي رأس المال هو النصف الآخر فقط. ولا يسدده الربح الجديد. حتى لو كان التلف بتعد وتفريط. لأنه عندئذ يكون مضموناً على العامل من ماله الخاص. وأي شيء دفعه فهو خارج عما وقع عليه عقد المضاربة. إلا ان يتفقا عليه من جديد.
نعم، للعامل، عندئذ ان يختار سداد ما ضمنه من حصته من الربح أو من مال آخر.
هذا، وقد أفتى الفقهاء بما نطقت به الروايات واقتضته القواعد العامة
ــــــــــــــــــــ[398]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
أيضا، من ان تصرف العامل يجب أن يكون محدداً بحدود إذن المالك. فان أعطاه حرية الرأي والتصرف كان له أن يعمل في المال بما يراه مصلحة له.
وان حدد له شرطاً معيناً، كممارسة التجارة في بلد معين أو في نوع من العروض، أو منعه من الذهاب إلى بلد معين أو الشراء من شخص أو جهة معينة. وهكذا. فان امتثل ذلك وطبقه فذاك. وان خالف كان بمنزلة المتعدي والمفرط، فيكون ضامناً. بمعنى أن ما يحصل من الخسران بسبب ذلك يكون عليه وفي ذمته، يجب عليه وفاؤه من ماله الخاص.
ومقتضى القاعدة الأولية بطلان المعاملات التي قام بها فيما خرج عن إذن المالك، سواء حصل ربح أو خسران. إلا ان تلافي ذلك واسترجاعه من المشترين يكون عسيراً. ومن هنا نطقت الروايات بالاقتصار على الحكم بالضمان، وهو اشتغال ذمة العامل بما يحصل من خسران، واما إذا حصل الربح لم يكن عليه شيء.
وينبغي أن نلتفت هنا إلى ان عصيان المالك إذا سبب نقصان رأس المال بالخسران التجاري أو بالتلف الاعتيادي. يكون مضموناً على العامل. لأنه تعد وتفريط فيوجب ضمان التلف أيضاً.
كما اننا ينبغي ان نلتفت إلى ان بيان رأي المالك للعامل يمكن ان يكون على أحد شكلين:
الأول: اشتراط ما يريد المالك في ضمن المقاولة على المضاربة. وهذا نافذ تماماً بلا إشكال، ويترتب عليه الضمان.
الثاني: إتمام المقاولة بدون شرط، ولكن المالك يشترط عليه بعد ذلك بعض القيود. فهل يكون له نفس الحكم؟
مقتضى الاتجاه التقليدي للفقهاء هو نفوذ رأي المالك بخصوص الشكل
ــــــــــــــــــــ[399]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الأول دون الثاني.
إلا ان مقتضى القاعدة شمول الحكم لكلا الشكلين:
أولاً: لأن تصرف الفرد بمال غيره بدون إذنه حرام وباطل.
ثانياً: انه من نوع الاعتداء والتفريط بالمال. مما يكون سبباً للضمان.
ثالثاً: ان الروايات، نصت على لزوم امتثال أمر المالك ونهيه، وليست واضحة في ان يكون هذا الأمر والنهي في ضمن العقد. وحملها على ذلك بالتعيين بلا موجب.
وبالجملة. فان المالك عند دفعه على العامل المضارب. لا يخرج عن كونه ملكاً له, كما لا دليل على انه يصبح مخولا فيه بحيث يسقط عنه حجية رأي المالك. نعم, لو فوض المالك إليه الأمر أو سكت عنه كان الأمر إليه كما هو المتعارف سوقياً.
المضاربة بالمضاربة:
يعني ان يأخذ الفرد مالا تجارياً من غيره ليتجر به، ولكنه لا يتجر به وانما يدفعه إلى غيره، بنسبة أعلى من الربح، ويكون الفرق له.
وهذا غير جائز لأمرين:
الأمر الأول: انه تصرف بالمال بدون إذن المالك. إذ يحتاج دفع المال إلى شخص آخر، إلى إذن مالكه الأصلي. والعامل ليس مخولا، لا أساساً ولا في عقد المضاربة بهذا التصرف.
الامر الثاني: انه ربح بلا عمل وهو ممنوع في الشرع الإسلامي، كما عرفنا في الفصل الذي تحدثنا به عن شرط العمل.
ومعنى ذلك، أعني مع وجود كلا هذين الأمرين. فإنما يمكن أن يدفع
ــــــــــــــــــــ[400]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
العامل مال المضاربة إلى عامل آخر إذا استأذن المالك في ذلك أولا، وعمل فيه فترة ما وان كانت قليلة كأسبوع مثلا. لا مثل اليوم واليومين اللذين لا أثر لهما عرفاً.
واما لو تخلف الشرط الأول فلم يأذن له المالك أو كان الشرط في أصل المعاملة هو (المباشرة) في العمل، يعني عدم دفعه إلى غيره. لزمه ذلك. ولا يجوز له العصيان حتى لو توفر الشرط الثاني وعمل بالمال.
وكذلك إذا تخلف الشرط الثاني، يعني لم يكن قد عمل بالمال وأراد دفعه إلى شخص آخر. ولكن المالك أذن له، فالحرمة باقية. لأن المالك ليس له أن يأذن بما هو غير مشروع. يعني ان يأذن له بدفع المال قبل العمل. وأما لو أذن له بدفعه بعد شيء من ممارسة العمل، فهذا معناه توفر كلا الشرطين.
المضاربة بغير التجارة:
يبتنى الاتجاه التقليدي في الفقه، على ان العامل يعمل بالتجارة، ويقصدون بها محاولة الاسترباح عن طريق الشراء والبيع.
ومن الواضح فقهياً عدم تحديد السلع المشتراة والمباعة. يعني سواء كانت مأكولات أو ملبوسات أو مساكن أو بساتين أو آلات أو أي شيء آخر.
كما لا يقتصر هذا الاتجاه الفقهي على تحديد كمية المال، فلا يفرق فيه بين ان يكون بالعشرات أو بالمئات أو بالآلاف أو بالملايين. بعد تطبيق القواعد الشرعية عليه.
إلا ان السؤال هنا هو ان بعض الأعمال لا يصدق عليها معنى أو مفهوم التجارة عرفاً، وان كانت عملا سوقياً يراد به الاسترباح. وأوضحها الصناعات الصغيرة والكبيرة. وكذلك العمل بوسائط النقل للبشر والبضائع. وكذلك العمل في استخراج المعادن إلى غير ذلك، مما لا يعني بالمباشرة بيع نفس ما اشتراه التاجر.
ــــــــــــــــــــ[401]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
والاحتمال الأولي فقهياً، حول ذلك أحد أمرين:
الأول: ان العمل التجاري للغير في كل ذلك ليس بصحيح. وإنما يصح في خصوص ما يسمى تجارة عرفاً.
الثاني: ان هذه الأعمال صحيحة للغير ولكن لا تسمى مضاربة، بل لا بد من إعطائها لفظاً آخر. وإنما لم يتعرض لها الفقهاء لأنها لم تكن موجودة في أزمانهم.
والذي يبدو لي ان كلا الأمرين غير صحيحين:
اما الأمر الأول فبطلانه واضح فقهياً. أعني انه من الواضح جواز العمل للغير بأي أسلوب استرباحي خال من عصيان التعاليم الشرعية. لا يختلف في ذلك اسمه وعنوانه أعني مضاربة كان أو غيرها.
واما الأمر الثاني: فبطلانه مستمد من إمكان التجريد عن الخصوصية. لأن النصوص وان وردت في التجارة بالمعنى الاعتيادي، إلا أنها اختصت به لعدم مساعدة المستوى الاجتماعي يومئذ على الالتفات لغيره.
بل لا يبعد اننا إذا التفتنا إلى أساليب العمل التي ذكروها وهي المضاربة والمزارعة والمساقاة. نعرف انها تشير إلى إمكان تعدد العمل المتوفر في المجتمع. كل ما في الأمر ان العمل الذي كان متوفراً في صدر الإسلام هو التجارة والزراعة. ولم يكن للصناعة والمعادن وجود واضح.
غير ان الصناعة تختلف عن المضاربة الساذجة من بعض الجهات. فان العامل ان أخذ رأس المال واشترى به الآلات والمواد الأولية وأتم العمل كله به. وبعد انتهاء المدة تقاسما الربح. كان ذلك شبيهاً بالمضاربة الساذجة.
ولكن قد يكون الأمر مختلفاً إلى حد ما، فقد تكون الآلة من العامل أو قد تكون المواد الخام منه. فماذا تكون النتائج عندئذ؟
والواقع ان العامل لو اشترى الآلات والمواد الخام واستأجر الأرض ونحو ذلك من رأس المال. كان معناه انها جميعاً من المالك. إذ لا فرق فقهياً بين
ــــــــــــــــــــ[402]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
ذلك وبين أن يدفعها المالك إليه خارجاً عن رأس المال.
وأما لو كانت الآلات أو الأرض ونحوها للغير، وجب دفع أجرتها إليه من رأس المال. فيكون الأمر محسوباً على المالك أيضا.
واما إذا كانت هذه الأمور أو بعضها من العامل. كما لو أعطى أحد خشباً إلى آخر لينتجه في معمله ويبيعه على شكل أثاث للمنزل أو غيره، على ان يكون الربح بينهما. فهل يجب على المالك دفع أجرة التصرف في المعمل مضافاً إلى حصة الربح؟ فهذا وان كان محتملا فقهياً وثابتاً أيضا إذا اشترطه العامل في المعاملة. إلا ان الصحيح انه مع عدم الاشتراط لا يكون له شرعاً وعرفاً إلا قسطه من الربح.
واما إذا كانت المواد الخام من العامل، وإنما صرف رأس المال الذي أخذه كأجور للعمال والنقل ونحو ذلك. فان كانت المقاولة تعني شراء المواد الخام ضمناً لصاحب رأس المال ثم إنتاجها. فهذا معناه انها محسوبة من أملاكه ويكون الناتج له كالسابق.
واما إذا بقيت المواد الخام ملكاً للعامل، فالناتج كله له، والربح له. ولكن الآخر يستحق عليه المقدار المشترط له من الربح. وبتعبير أوضح: ان المهم فقهياً هو النظر إلى هذه المواد الخام. فكل من كان مالكاً لها فهو صاحب رأس المال والناتج له. وان كان الآخر مشتركاً معه بشكل وآخر كأجور العمال أو ملكية المعمل أو غيره.
إلا ان هذا فرق اصطلاحي لا ينتج فقهياً إلا تمييز من هو الموجب في مثل هذه المعاملة عن القابل. وقد عرفنا ان الموجب يكون دائماً هو صاحب المواد الخام. والآخر القابل. واما النتيجة وهي تقسيم الربح بينهما فهو حسب المشترط في المعاملة فلا يفرق فيه بين الشخصين فقيهاً، مهما كانت مساهمة كل منهما في العمل.
ــــــــــــــــــــ[403]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
المضاربة على التعدين:
ومن فروع ذلك، أعني المضاربة على غير التجارة: المضاربة على حيازة المباحات العامة على نطاق ضيق كالاحتطاب والصيد البسيط ونحوه. أو على نطاق واسع كالعمل في المعادن والصيد على نطاق واسع ونحوه.
وكلامنا الآن فقهي، يعني بغض النظر عما تشترطه أو تفعله الشركات المسؤولة عن المعادن وغيرها، فان له باباً آخر من الكلام، قد يكون أوسع مما يقتضيه هذا الفصل.
وهنا لا ينبغي أن يفوتنا الالتفات إلى أمرين:
الامر الأول: ان الفقهاء وان خصوا المضاربة بعامل واحد. إلا أن الاعمال الموسعة الحديثة قد تحتاج إلى المئات أو الألوف. فقد يكونون كلهم عمال في مضاربة واحدة، إذا جعل صاحب المال لكل واحد منهم نسبة من الربح.
الأمر الثاني: ان رأس المال في حيازة المباحات العامة، التي عرفنا حدودها، لا يعدو ان يكون توفيراً للآلات وأجور العمال والنقل. لأن الحيازة بحد ذاتها تكون مجانية لا تحتاج إلى رأس المال. وإنما تحتاج إلى عمل في السيطرة عليها وإدخالها تحت اليد أو السلطة.
إذا عرفنا ذلك، فان العامل في مثل هذه الأعمال، يكون موكلا عادة من قبل صاحب المال في الحيازة له. فمهما حاز من المعدن أو من غيره، حسب اختلاف الأعمال، فانه سيكون لصاحب المال.
وهذا المال المحاز هو الربح، ولكن لا تنتج منه النتيجة الواضحة إلا بعد تصفيته أو بيعه.
والمهم فقهياً: هو ان الحيازة للمباحات تكون بالقصد والنية. فان قصد الحائز الحيازة لنفسه كان ما يأخذه له. وان قصد لغيره، فان كان موكلا عنه،
ــــــــــــــــــــ[404]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
كان للموكل. وكذلك إذا كان مأذوناً ونحو ذلك.
واما إذا لم يسبق له أي اتفاق مع الآخر من هذه الناحية فدخوله في ملك المحاز له مشكل فقهياً، ومقتضى الاستصحاب بقاء المال على الإباحة العامة.
واما إذا وكل فرد شخصاً آخر على الحيازة، فلم يحز للموكل بل حاز لنفسه. جاز له ذلك ودخل المال في ملكه. نعم، ان كان قد وضع الموكل له أجراً معيناً لم يستحقه عندئذ.
إذا عرفنا ذلك، أمكننا ان نعرف ما هو الحكم الفقهي في مسألتنا وهي ان يكون رأس المال من شخص والعمل على الحيازة من المعادن أو غيرها من شخص آخر أو من متعددين.
فان العامل ان اشتغل بقصد تطبيق المعاملة، كفى ذلك في كون الحيازة لصاحب المال فقهياً. ولو باعتبار استبعاد أو صعوبة أن يحوز العامل لنفسه، كما قد يفكر العامل نفسه. من حيث ان الوضع العام للعمل كله مركز نحو صاحب العمل. حتى لو نوى الفرد الحيازة لنفسه كان مورد سخرية الآخرين.
إذن فالعمال عادة يحوزون لصاحب المال وتستمر الأعمال على هذا الأساس. إلا ان هذا لا ينافي نظرياً جواز حيازة العامل لنفسه مما قل أو كثر من المعدن أو غيره، ولو بآلات صاحب العمل ان أحرز منه الرضا أو السكوت، ويضمن له الأجرة للعمل بها، أو أن يحوز العامل بآلات أخرى ان تيسرت، سواء كانت بدائية أو معقدة.
ولا ينبغي ان يفوتنا بهذا الصدد ما قاله الفقهاء، وهو صحيح، من حكم المعادن بهذا الصدد، إذ يكون لصاحب الأرض إذا ظهر المعدن في أرضه الحق ان يأخذ منه ما يشاء. وكذلك صاحب الحفرة إلى باطن الأرض. ان يأخذ منها ما يشاء ما دام يطبق الفرد على نفسه وأحواله الأحكام الشرعية المعتادة.
ــــــــــــــــــــ[405]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
إلا ان هذا لا ينافي ان المعدن الزائد يمكن استيلاء الآخرين عليه بعدة طرق. أوضحها أخذهم منه من خارج أرض ذلك الفرد أو من خارج حفرته. بمعنى ان من حق أي فرد آخر متمكن، ان يحفر حفرة أخرى غير بعيدة عن تلك الحفرة ويستغل نفس المعدن.
وهذا معناه، ان المعدن في باطن الأرض لا يملكه أحد بالتعيين، وإنما هو مخلوق لكل أحد خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ولا يعني النفوذ إليه من أية حفرة ان مالكها يملك ما تحتها من المعدن كله. بل يملك ما يخرجه منه فقط.
بل الأمر يمكن ان يتعدى ذلك، فلو أخرج الفرد من أرضه أو من حفرته ما استطاع من المعدن. وكان في المعدن زيادة لم يجز له حجبه عن الآخرين. فلو جاء الآخرون إلى أرضه نفسها وحفرته أيضا فاخذوا منها لم يكن له منعهم.
كل ما في الأمر ان عملهم فيه يتوقف على إذنه بالدخول في أرضه وحفرته. وهو إذن مطلوب منه على أي حال، وان لم يمكن الفتوى بصراحة بوجوبه عليه.
غير ان المفروض أنهم يجب عليهم ان يستخدموا الآلات الأخرى غير آلاته. إذ لا يجب عليه ولا يتوقع منه ان يأذن باستخدامها للآخرين وان استعملوها حراماً أو بالإذن وجب عليهم دفع الأجرة. كما يجب عليهم دفع أجرة استعمال الأرض والحفرة.
ولو دخل الآخرون الأرض أو الحفرة، حراماً وبدون إذن واستخرجوا لأنفسهم، حتى ولو كان بآلات صاحب الأرض، ملكوا الناتج وان أثموا بهذا التصرف وكانت عليهم الأجور، كما أشرنا. إلا ان منع أمثال هذه التعديات مفروض شرعاً لما سمعنا من حرمته. وخاصة إذا لم يكن قد استخرج صاحب الأرض من المعدن ما يكفيه.
ــــــــــــــــــــ[406]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
أما ما لا يتوقف على إذنه، كمن يعمل خارج تلك الأرض أو تلك الحفرة فلا حرمة فيه أصلا.
مضاربات أخرى:
يشمل الحكم النظري الفقهي بمعناه العام الذي قلناه في المعادن، كثيراً من أساليب حيازة المباحات العامة. فلأي فرد متمكن أن يبذل المال والآلات لأشخاص آخرين ليقوموا بالحيازة له وتكون الربح أو الناتج بينهم، حسب الشرط.
لا يفرق في ذلك بين الطيور أو الوحوش أو الأسماك، أو استخراج اللؤلؤ والمرجان من البحر، أو استخراج حطام السفن الغارقة، التي أصبحت بإعراض أصحابها عنها من المباحات العامة. إلى غير ذلك كثير.
والحكم الذي أشرنا إليه في المعادن سيكون هنا أوضح وهو أن من حق العامل أن يحوز لنفسه، وان ما في البحر والجو من الخيرات ليس ملك أحد وإنما هو ملك الجميع. فحتى لو استعمل العامل آلة الآخرين أو آلات صاحب العمل يمكنه ان يحوز لنفسه، مع إحراز الرضا وضمان الأجرة. وان لم يحرز الرضا حرم التصرف. إلا ان المادة الطبيعية ستكون ملكه.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى بعض الأمور:
الأمر الأول: ان المادة الطبيعية إذا دخلت في ملك العامل تستمر في ملكه، ولا تخرج عنه بالتصنيع والتصفية ونحو ذلك، ولو كان ذلك بآلات صاحب العمل.
الأمر الثاني: ان العمال لا حاجة لهم بالحيازة لأنفسهم، بعد ان كانت معاملتهم على ان لا يكون أجرهم محدداً. وإنما هو نسبة معينة من الربح أو
ــــــــــــــــــــ[407]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
من الناتج. كما هو محل الكلام في باب المضاربة. إذن فما يصيدونه لصاحب العمل وان دخل في ملكه بدوياً، إلا انهم سوف لن يخسروا حصصهم منه ويجب عليه شرعاً وقانوناً ان ينفذ اتفاقه معهم ويوفيهم حقوقهم.
الأمر الثالث: استشكل الفقهاء في استعمال لفظ المضاربة في غيرها. فلو كان العقد أو الاتفاق (بضاعة) باصطلاحهم يعني بأجرة محددة، لا بنسبة من الربح كما عرفنا، لم يجز له ان يأتي بلفظ المضاربة في العقد. وإنما يجوز ذلك إذا كان الأجر هو النسبة لا المقدار المحدد.
فهنا، أعني فيما تحدثنا عنه من المضاربة في المعدن وغيره، قد يستشكل الفقيه من شمول معنى المضاربة له، لما قلناه من أنه ليس أسلوباً تقليدياً يتضمن البيع والشراء التجاري الاعتيادي. فلا يكون مضاربة. فلا يجوز أن يأتي الفرد بلفظ المضاربة في العقد أو المقاولة. إلا ان هذا مخدوش من عدة وجوه نذكر أهمها:
الوجه الأول: ان الصراحة في العقود، والتي اشترطها بعض الفقهاء، ليست ضرورية ما دام القصد معلوماً. فلو كانت المضاربة هي التجارة التقليدية، وكان استعمالها في غيرها مجازاً. لم يضر ذلك بصحة العقد على ما تكلمنا حوله من أنواع الاسترباح.
الوجه الثاني: ما سبق ان قلناه من اننا من ملاحظة أدلة المضاربة والمزارعة وغيرها الواردة شرعاً نعرف بتجريد الخصوصية: ان المهم هو الاتفاق على الاسترباح من عمل ما، مهما يكن نوعه. ويمكن القول فقهياً: ان العمل ما لم يكن مزارعة ولا مساقاة ولا إجارة (أي بأجرة محددة) فهو مضاربة بل لا يبعد صدق لفظ التجارة عرفاً على كل أنواع الاسترباح. وإذا صدقت التجارة فهي المضاربة والمقارضة والقراض لغة وعرفاً. فتكون صادقة أيضا. ولا يبقى إشكال من استعمال مفهومها أو لفظها في العقد الذي يتفق عليه.
ــــــــــــــــــــ[408]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
الوجه الثالث: ان المهم هو بيان المعاملات المشروعة فقهياً، والتي تمت إلى العمل الإسترباحي بصلة، كما هو المراد بيانه في هذا الكتاب الفقهي (كتاب العمل). سواء سمينا هذه المعاملات مضاربة أو أي شيء آخر. فلو تنزلنا جدلا. وقبلنا بالمنع عن لفظ المضاربة لا يعني ذلك المنع عن المعاملة. وخاصة بعد ان أجاز مشهور المتأخرين، وهو الصحيح، وقوع المعاملات بالمعاطاة أو بأي لفظ حصل، ولا يخل ذلك بصحة المعاملة ولا بكونها مشمولة للأحكام الخاصة بها، ما دامت عرفاً من أنواعها(1).
الأمر الرابع: من الأمور التي يجب أن نلتفت إليها في الحديث عن المضاربة.
ان المحقق الحلي(2) قال عن عقدها: وهو جائز من الطرفين لكل واحد منهما فسخه، سواء نض المال أو كان به عروض.
والطرفين في المضاربة هما: العامل وصاحب المال. وإنضاض المال هو تحويل العروض أو البضاعة إلى نقد. وهو ما يحصل عادة في أواخر عقد المضاربة، إذ يجب على العامل ان يبيع ولا يشتري. لكي يتم الموعد حال كون المال كله على شكل نقد. وإنما عبَّر المحقق بالعروض ولم يعبر بالبضاعة لما سمعنا منه من ان البضاعة في هذا الصدد، هو عقد المضاربة حين تكون الأجرة محددة وليست نسبة من الربح. فالبضاعة هنا هي نوعه في المعاملة، وليست هي العروض.
والمهم الآن فتوى المحقق بجواز عقد المضاربة. لأنهم قسموا المعاملات إلى لازمة وجائزة. فاللازمة هي التي لا تنفسخ إلا بخيار الفسخ والجائزة هي
ــــــــــــــــــــ[409]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) يعني يصدق عليها البيع أو الإجارة أو المضاربة أو نحوها.
(2) الشرائع ج2 ص165.
التي تنفسخ اختياراً. وقد تحدثنا عن لزوم المعاملات في فصل سابق. ومعه يكن مراد المحقق ان للعامل وصاحب العمل أن يفسخا المضاربة متى شاءا.
وهذا المعنى فيه نقطة ضعف عملية ونقطة ضعف نظرية: أما النقطة العملية: فان مقتضى التدبير الاقتصادي والسوقي هو الاستمرار على المعاملة، مما ينتج مصلحة الطرفين بطبيعة الحال. أما المبادرة إلى الفسخ متى شاء الفرد، فهذا قد يعرض تجارة كبيرة للتلف، ويكون ظلماً للطرف الآخر.
نعم، لو حصل سبب مفهوم عرفاً ومستساغ اجتماعياً للفسخ، بمعنى انه حصل إضرار من أحد الطرفين بالآخر، كان التسلط على الفسخ معقولا. بمعنى ان نقطة الضعف هذه تكون منتفية.
واما نقطة الضعف النظرية: فان الأصل في المعاملات اللزوم كما قررنا في الفصل المشار إليه. وهو شامل للمضاربة، فما هو سبب الخروج عن ذلك فيها؟ فان الإجماع فيها غير محرز، والشهرة وان كانت موجودة إلا انها ليست في مثل ذلك حجة، وخاصة وان مضمونها لم يرد ولا في رواية ضعيفة، بل المفهوم من سياق الروايات كون المضاربة كغيرها من المعاملات التي لا تنتهي إلا بأمدها. فالقائل بجوازها يحتاج إلى دليل.
ولكن -اللزوم لو قلنا به- لا يعني امتناع تسلط أحد الطرفين على الفسخ أحياناً. إذ يمكن ذلك مع الاشتراط أولاً. ومع حصول الضرر والإضرار ثانياً. إذ يمكن تحكيم قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) أو مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ في هذا المورد ورفع اللزوم في هذه الحالة، وتمكين المتضرر من الفسخ.
ــــــــــــــــــــ[410]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
المزارعة
عرّفها المحقق الحلي(1) بأنها: معاملة على الأرض بحصة من حاصلها.
وينبغي هنا أن نلتفت إلى أمور:
الأمر الأول: ان حاصل الأرض يختلف، فقد يكون زراعياً وقد يكون بسبب آخر. فقوله: بحصة من حاصلها لا يعني بالضرورة: من حاصلها الزراعي. وان قصد ذلك، فكان لا بد من إيضاحه في التعريف. بأن نقول مثلا: ان المزارعة. معاملة على زراعة الأرض بحصة من حاصلها.
ولا يمكن التغاضي عن ذلك اعتماداً على عنوان المزارعة الذي نريد ان نعرّفه. فان المفروض فيمن يتوقف فهمه على التعريف انه يجهل معنى اللفظ المعرّف، فلا يستعمله في الفهم إطلاقاً. على انه يكون من قبيل استعمال اللفظ المعرَّف في التعريف فيلزم الدور.
الأمر الثاني: ان المحقق ومشهور الفقهاء اشترطوا في المزارعة: ان تكون على حصة من الناتج بمعنى الكسر العشري كربعه أو نصفه مثلا، حسب الاتفاق ولا يجوز أن يكون بحصة محددة كطن مثلا. والا لم تكن مزارعة وإنما كان العامل أجيراً في العمل لا مزارعاً. ولا يجوز إيراد لفظ المزارعة عند
ــــــــــــــــــــ[411]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الشرائع ج2 ص124.
العقد عندئذ.
وتعريف المحقق غير واضح في هذه الجهة. فان قوله بحصة من حاصلها، يشمل الحصة المحددة والحصة العشرية. فكان لا بد من ذكر ذلك. أو التنازل عن أصل الحكم، يعني الالتزام بصحة المزارعة حتى لو كانت بحصة محددة وزناً مثلا.
الأمر الثالث: المزارعة مفاعلة من الزرع. وهي تفيد لفظياً: ان أحد الشخصين يزرع للآخر. فان توسعنا قليلاً فهمنا منها التعاون على الزرع. وان أحدهما ساعد الآخر فيه.
إلا ان المزارعة بالمعنى الفقهي معاملة موجودة من الزمن السابق. وقد أقرها الإسلام وحدد شرائطها. وليست ذات مصطلح فقهي خاص. وهي لا تعني مجرد المساعدة كما هو انطباعها اللفظي.
والحلقات المستعملة فيها عدة أمور:
أولا: الأرض.
ثانياً: البذر.
ثالثاً: الآلات.
رابعاً: العمل.
وكل منها يمكن ان يكون لهذا أو ان يكون لذاك، كما يمكن الاشتراك في العمل فتكون احتمالات العمل ثلاثة.
وبضرب 2×2×2×3 ينتج 24 احتمالاً.
والمهم في ذلك أمران:
الأول: ان الناتج يكون لصاحب البذر، بما فيه الزرع والثمرة. وهو الذي
ــــــــــــــــــــ[412]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
يعطي لصاحبه حصته من الناتج.
الثاني: ان الشخص الآخر يستحق حصة من الناتج بما يقدم من حلقات: اما الأرض واما الآلات واما العمل والمشاركة به. ولا يستحق الأجرة المحددة مضافاً إلى تلك النسبة.
ويمكن ان نتحدث عن بعض الصور الحاصلة من عملية الضرب المشار إليها:
الصورة الأولى: ان تكون الأرض والآلات من شخص والبذر والعمل من شخص. كما هو التصور التقليدي فقهياً.
الصورة الثانية: ان تكون الأرض من شخص والآلات والبذر والعمل من شخص آخر. وهي أبعد الصور عن المزارعة لأنها مجرد إجارة للأرض، بحصة من ناتجها بكسر عشري.
الصورة الثالثة: ان تكون الأرض والعمل من شخص والآلات والبذر من شخص. فيأخذ صاحب الأرض حصته من صاحب البذر.
الصورة الرابعة: ان يكون البذر فقط لشخص والعناصر الأخرى لشخص آخر. ومعناه: ان شخصاً ما أخذ البذر من شخص وزرعه في أرض نفسه. فلو لم يعتبر هذا نوعاً من الشراء كان الحال حال المضاربة، ويكون صاحب رأس المال فقهياً هو صاحب البذر مع قلة مشاركته في المعاملة حال التعاقد.
وهذه الصورة كلها مع افتراض ان المشاركين شخصين فقط. كما هو المفهوم تقليدياً في الفقه. ولكن يمكن التعدد أكثر من ذلك. ولصاحب البذر الناتج على القاعدة وهو الذي يجب ان يعطي للآخرين لكل منهم حصة عشرية من الناتج.
وينبغي الالتفات إلى انه مع التعدد تصح المزارعة إذا كانت المعاملة بين
ــــــــــــــــــــ[413]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
صاحب البذر والأرض بالكسر العشري من الناتج. واما صاحب الآلات والقائم بالعمل، فيمكن ان يكون ذا حصة عشرية، أو أجرة محددة.
كما تصح المزارعة إذا كانت لصاحب العمل أجرة عشرية. وان أخذ الباقي أجوراً محددة.
فالمهم هو وجود اثنين من الأساسيين في المعاملة يقبضان الكسر العشري. ولا دخل لأجر الباقي به. والأساسيون فيها هو مالك الأرض ومالك البذر والعامل دون صاحب الآلات. فان أعطى صاحب البذر أو مالك الزرع، (وهو دائماً واحد) إلى أحد صاحبيه كسراً عشرياً من الناتج كفى في صدق المزارعة وصحتها.
أما صاحب الآلات وحده فلا أهمية له كافية في الزراعة بإزاء غيره، فلا تصح المزارعة لو أخذ الباقون الأجر المحدد وأخذ هو الكسر العشري وحده. وان كانت المعاملة أساساً صحيحة، غير انه لا يكون مزارعة. وإنما يصح فيما إذا أخذ هو الكسر العشري مع كون الآخرين كذلك. أو يكون فرد واحد صاحب الآلات والأرض أو العمل مثلا.
وبالرغم من انه يندر ان تكون الآلات وحدها من فرد معين دون غيرها من الفقرات. ولكن لو كان كذلك، فلا إشكال عرفاً في قلة شأنها بالنسبة إلى باقي الفقرات، كما لا إشكال فقهياً في عدم تشكيل المزارعة بها بمجردها.
لا يبقى عندئذ إلا ان نعرف ان مقتضى القاعدة الأولية هو إمكان استئجار الأرض أو العمل أو أي واحد من الفقرات، اما بالأجرة المحددة أو بكسر عشري من الناتج. لا فرق في ذلك، في صحة المعاملة، وان لم تكن مزارعة أحيانا.
وهذا صحيح بالنسبة إلى جميع الفقرات، إلا الأرض فقد وردت روايات
ــــــــــــــــــــ[414]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
معتبرة في إجارتها على طائفتين:
الطائفة الأولى: تنهى عن إجارة الأرض بأجرة محددة. وتأمر بإجارها بكسر عشري من الناتج خاصة.
كصحيحة(1) الحلبي عن أبي عبد الله قال: “لا تقبل الأرض بحنطة مسماة، ولكن بالنصف والثلث والربع والخمس لا بأس به”.
وهي تامة سنداً ودلالة، كما هو واضح.
الطائفة الثانية: تنتهي عن إجارة الأرض بالثمار وتأمر بإجارتها بالذهب أو الفضة يعني بالدنانير أو الدراهم.
كرواية أبي بصير (2) عن أبي عبد الله قال: “لا تؤاجر الأرض بالحنطة ولا بالشعير ولا بالتمر ولا بالأربعاء ولا بالنطاف، ولكن بالذهب والفضة، لأن الذهب والفضة مضمونان وهذا ليس بمضمون”.
وبعد التجريد عن خصوصية الذهب والفضة، إلى كل أجرة محددة، وخاصة بعد التمسك بالتعليل من حيث ان “الذهب والفضة مضمونان” إذن فكل مضمون جائز. “وهذا ليس بمضمون” فان الكسر العشري قد يزيد وقد ينقص وقد لا يوجد أصلا. وهو معنى كونه غير مضمون.
ينتج منها جواز الأجرة المحددة والمنع عن الأجر بالكسر العشري. وهو مضمون أو معنى معارض للطائفة الأولى. فيتساقطان عن الاستدلال ونرجع إلى القاعدة الأولية، التي تقتضي الجواز في كلا شكلي الإجارة.
والرواية في الطائفة الثانية لا تخلو من خدشة سنداً. وتمام الكلام في
ــــــــــــــــــــ[415]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الوسائل أحكام المزارعة والمساقاة: باب16, حديث1، وانظر: باب8, حديث3.
(2) نفس المصدر, باب16, حديث2.
الفقه. وعلى تقدير الأخذ بالطائفة الأولى، فهي خاصة بإجارة الأرض وحدها، دون ما إذا كان معها بعض الفقرات الأخرى كالآلات أو العمل أو هما معاً.
الأمر الرابع: مما ينبغي ان نلتفت إليه في المزارعة.
لا يختلف الحال في الزرع المستعمل في المزارعة بين ان يكون صغيراً أو كبيراً أو حتى الشجر. كل ما في الأمر انه يجب أن تكون المدة المشترطة كافية لحصول الناتج ليمكن مقاسمته بين أطراف المزارعة. سواء كان هذا حاصلا في أشهر أو في سنة أو في عدة سنوات.
فان كانت هناك عدة مواعيد للأثمار خلال مدة المزارعة كانت كلها يجب فيها التقسيم بين الأطراف حسب المشروط.
الأمر الخامس: بعد أن ينتج الناتج يكون ملكاً لصاحب البذر أو الفسيل ونحوها. ويكون عليه عدة أمور: منها ضريبة الدولة ان وجدت وأجور العمال والتحميل والحقوق الشرعية كالزكاة، وحصة صاحبه في المزارعة، كما لو كان الآخر قد قدم الأرض والآلات. فأي من هذه المدفوعات يكون مقدماً وأي منها يكون متأخراً؟
وهذا السؤال الجوهري اقتصادياً. فمثلاً لو دفع حصة صاحبه من الأول بالكسر العشري المشترط أولاً، كانت أكثر بكثير مما لو دفعها أخيراً، كما هو واضح. وان جاز دفعها متأخراً، فمعناه خروج تلك الأموال منهما معاً لا على صاحب البذر وحده.
وهذه الأمور يختلف حالها بين صورة وأخرى. فان كان هناك شرط سابق في المعاملة على ان يكون البعض منها أو كلها على أحدهما أو على كليهما عُمل به. فما كان من كليها دُفع أولاً. وما كان من أحدهما دُفع بعد التقسيم، إلا الحقوق الشرعية، فان حكمها لا يختلف بالاشتراط في المعاملة. بل تكون
ــــــــــــــــــــ[416]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
على كل منهما على حدة.
وأثر ذلك: ان حصة كل منهما إذا لم تكن بالغة للنصاب الأول، فلا تجب الزكاة في الحاصل. بعد إخراج ما ينبغي إخراجه قبل التقسيم، فان بلغت النصاب أمكن دفع زكاتها قبل التقسيم أو بعده.
وأما إذا لم يشترط لسائر المصارف شيئاً محدداً في المعاملة، فمقتضى القاعدة أنها بذمة صاحب البذر الذي له الزرع والثمار أيضا، وقد دُفعت المصارف من أجل زرعه. وأما الآخر فغير مسؤول عن ذلك، بل يريد حصته صافية.
ومعنى ذلك: أنه يجب على صاحب البذر دفع المصارف بعد التقسيم. بمعنى احتسابها من حصته لا من حصة صاحبها.
فالمحصل: انه مع حصول النصاب الزكوي لكل حصة تدفع للزكاة من المجموع أو من كلتا الحصتين. وأما سائر الأجور فتدفع من حصة صاحب البذر. ولكن لا يبعد ان تكون ضريبة الدولة وما شابه، ان وجدت، أمكن دفعها من المجموع، أو قل: قبل التقسيم. إلا ان يتفقا على خلاف ذلك.
فهذه هي الفكرة العامة الفقهية عن المزارعة.
ــــــــــــــــــــ[417]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فصل
المساقاة
عرفها المحقق الحلي(1): بأنها معاملة على أصول ثابتة بحصة من ثمرتها.
ويرد عليه:
أولا: انه يعني بالأصول الثابتة الأصول النباتية. غير ان العبارة غير واضحة بالمعنى، كما هو المطلوب في التعريف. لأن كل الأموال غير المنقولة تعتبر عرفاً أصولا ثابتة ولها ثمرة هي أرباحها. فلو قال: على نباتات ثابتة أو أصول نباتية ثابتة، لكانت العبارة أوضح.
ثانياً: ان التعريف لم يتكفل بيان شكل العمل في هذه الأصول الثابتة. مع ان المساقاة هي العمل أو انها تؤول إليها بالضرورة وتستلزمه. فكان الأفضل ان يقول: على العناية بأصول ثابتة… الخ.
ومعه, يكون التعريف هكذا: ان المساقاة هي معاملة على العناية بأصول نباتية ثابتة بحصة من ثمرتها.
وفرقها عن المزارعة: ان المطلوب في المزارعة هو إيجاد الزرع. واما في المساقاة فالمطلوب هو العناية بالزرع الموجود، من سقى أو غيره.. وان اشتقوا اسمها من السقي.
والمهم وجود الزرع سواء كان نوعه كبيراً كالأشجار أو صغيراً كالخضر.
ــــــــــــــــــــ[418]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
( ) الشرائع: ج2, ص129.
وسواء كان عمره قليلا، كالنابت ليومه أو أسبوعه أو كثيراً، كالأشجار القديمة نسبياً. واما المساقاة على البذر، يعني بعد طرحه وتوزيعه في الأرض، وقبل الإنبات، فهو يحمل نفس الفكرة، ولكنه قد يستشكل فقهياً من إطلاق لفظ المساقاة عليه. من حيث اشتراط وجود الزرع فعلاً، لا البذر. إلا ان هذا مما لا دليل عليه، بعد شمول مدلول معنى المساقاة لكل ذلك، والتسالم على صحة المعاملة فقهياً. وان البذر يؤول إلى الزرع عن قريب.
والآن ينبغي الالتفات إلى أمور:
الأول: ان المهم في المساقاة عند الفقهاء هو أن يكون اجر العامل كسراً عشرياً من الناتج لتصح المساقاة. فلو خالف ذلك لم يجز. وعبارتهم في ذلك: (بطلت المساقاة) وهي لا تعني عدم جواز المعاملة بالشكل الآخر لا بلفظ المساقاة بل بلفظ آخر. ومقتضى القاعدة العامة جوازه. كما لو اشترط أجراً محدداً من مقدار من الناتج أو من النقد أو أي شيء آخر. إلا انها لا تكون مساقاة اصطلاحية بل إجارة.
الثاني: العمل في المساقاة هو العناية بالزرع فيما يؤدي إلى حفظه ونحوه وريه وإصلاح حاله عموماً، كما يعرف أهل الاختصاص. واما إصلاح جدار البستان وتسويق الناتج ونحوها فهو على صاحب الأرض، ما لم يشترط في المعاملة.
الثالث: ان المدة يجب ان تكون معلومة وغير قاصرة على مقدار احتمال وجود الناتج.
الرابع: لا يختلف في الناتج النباتي، سواء كان مما يؤكل ثمره كالحمضيات أو ورده كالقرنبيط أو أوراقه كالخس أو جذره كالبطاطس.
بل لا يفرق في الناتج بين ما يؤكل وما لا يؤكل أو ما لا يأكله الإنسان.
ــــــــــــــــــــ[419]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فلو كان نباتاً يستعمل لفوائد غير الطعام صحت فيه المساقاة، كعلف الدواب والحناء والأدوية، وغير ذلك.
واما إذا لم يكن للنبات ناتج كالمساقاة على الأشجار غير المثمرة أو الحشائش التي تراد لمنظرها كالثيّل. فلا يمكن صدق المعاملة عليها إلا باعتبار إعطاء قسم من الزرع نفسه إلى العامل أو بأجرة خارجية، كالنقد، وصدق المساقاة على مثل ذلك في اصطلاحهم مشكل، وان كان لا إشكال في صحتها أساساً.
الخامس: نُهي في الشرع عن المغارسة والمحاقلة. وهو محل إجماع، وورد فيه حديث نبوي، لا يخلو سنده من خدشة. والإجماع مدركي على أي حال، غير ان مورد الاحتياط متحقق. وسنعرف من معناها ما يوجب بطلانها على القاعدة.
قال المحقق: إذا دفع أرضاً إلى رجل ليغرسها على ان الغرس بينهما، كانت المغارسة باطلة والغرس لصاحبه.
وقوله: على ان الغرس بينهما، يعني ان الناتج ليس لصاحب الغرس أو البذر، بل مقسم بينهما معاً. وهذا قد يعني مخالفة القاعدة الواضحة شرعاً والقائلة: بأن الناتج لصاحب الأصل. فيكون الشرط مخالفاً للمشروع، فيكون حراماً والمعاملة باطلة.
لا يفرق في ذلك بين البذر والزرع الصغير أو الكبير. والظاهر ان المراد بالمغارسة الزرع الكبير، والمحاقلة الزرع الصغير أعني هذا النحو من المعاملة عليهما.
ــــــــــــــــــــ[420]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء الرابع
فهرس
فصل: مصاعب البحث الفقهي مصرفياً 7
فصل: تقييم المصارف ككل 14
نقاط القوة 14
نقاط الضعف 17
فصل: التكييف الفقهي العام للمصارف 22
فصل: في تفاصيل أعمال المصارف 51
الودائع النقدية 64
رهن الوديعة 65
كيفية الإيداع 65
ودائع التوفير 66
ودائع الحساب الجاري 67
المودِع 88
الشيكات 91
الرهون 101
الضمان 105
الكمبيالات 109
منح الائتمان 123
نقد الائتمان المصرفي فقهياً 126
حول خطابات الضمان (الكفالات) 125
الودائع الحقيقية 138
الاكتتاب 139
بيع وشراء الأسهم 141
الإعتمادات المستندية 146
بعض التفاصيل المهمة 154
الحوالات الداخلية 162
أخذ العمولة على التحويل 168
الحوالة الخارجية 170
الودائع الموقوفة 184
اليانصيب المصرفي 190
أثر الموت مصرفياً 193
مجمل فعاليات المصرف 198
التعليق على هذه الفعاليات 195
كتاب الحجر
تمهيد 213
فصل: الرهن 215
الرهن معاملة مستقلة 217
الحجر في الرهن 219
حق الرهانة 219
التصرف في العين المرهونة 220
الرهن أخلاقياً 223
فصل: الوقف… 227
الوقف: عقد أو إيقاع 229
فك الملك 232
ملكية الوقف الخاص 234
بيع الوقف 238
شرط الواقف 242
ملحقات الوقف 245
فصل المفلّس 247
الفهم المشهور 248
النظر إلى الروايات 251
فصل: مرض الموت 259
ما هو مرض الموت 259
حكم مرض الموت 263
مختصر الدليل 264
فصل: القصور العقلي 267
الجنون 267
الجنون الدوري 268
الجنون المؤقت 269
السفه 281
ارتفاع الحجر عن السفيه 271
فصل: الرق 286
ملكية العبد 286
إذنُ المولى 292
المتشبث بالحرية 293
كتاب الإجارة
فصل: عمل الحر 299
أقسام عمل الحر 287
شرائط عمل الحر 290
فلسفة عمل الحر 294
عمل الحر موضوعاً 295
عمل الحر حكماً 298
فصل: شرط العمل 312
الجانب النظري لشروط العمل 304
الفرق بين الكسر العشري والأجر المحدد 306
فصل: السرقفلية 328
ما هي السرقفلية؟ 328
حكم السرقفلية 329
سرقفلية المالك 335
كتاب الضمان
فصل: أقسام الضمان 343
فصل: التعدي والتفريط 348
التعدي في اللغة 348
التفريط في اللغة 349
الاستعمال الفقهي 349
حكم التعدي والتفريط 352
التعدي والتفريط بالعمل 356
فصل: عقد الضمان 360
فصل: الحوالة 365
الحوالة على المدين 366
الحوالة على البريء 369
فصل: الكفالة 371
فصل: الجعالة 378
كتاب العمل
تمهيد 389
فصل: المضاربة 391
المضاربة بالمضاربة 400
المضاربة بغير التجارة 401
المضاربة على التعدين 404
مضاربات أخرى 407
فصل: المزارعة 411
فصل: المساقاة 418
الفهرس 421