ما وراء الفقه الجزء السادس
يحتوي على مفاهيم واستدلالات
وحسابات تدور حول مسائل فقهية كثيرة.
يصلح للثقافة الفقهية العامة المعمقة.
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
بإشراف مقتدى السيد محمد الصدر
الجزء السادس
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لِما تضم من علم وافر وفكر عالٍ ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة… فإن فكر السيد الوالد يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمعٍ إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً أن كل كتاب له لا يضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنّا على أن يكون المخوّل من قِبلنا لطباعة هذه الكتب هم (هيئة تراث السيد الشهيد) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا.
مقتدى الصدر
10جمادي الثانية 1429
كتاب النكاح
تمهيد
يتكفل كتاب النكاح، الحديث عن الزواج والحياة الزوجية، وبيان أحكام ذلك في الشريعة المقدسة الإسلامية. بينما يتكفل كتاب الطلاق ولواحقه بيان أشكال وأحكام الفرقة بين الزوجين.
فليس المبحوث في كتاب النكاح هو طريقة الزواج وحدها، وان كان هذا أول ما يذكر تقريباً، بل يتعرض الفقهاء خلاله إلى أحكام موضوعات عديدة كالرضاع والنفقات وأحكام الأولاد ونكاح الإماء والعقد المنقطع وغيرها.
ومن المعلوم ان كثيراً من التفاصيل لا يسعها هذا الكتاب، وإنما يرتبط به أمور محددة، نذكرها تباعاً في ضمن الفصول الآتية:
ــــــــــــــــــــ[9]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل: التلقيح الصناعي
تمهيد:
لعل أهم بحث بحيث يمكن إدراجه ضمن كتاب النكاح هو البحث عن التلقيح الصناعي وحكمه في الشريعة الإسلامية. وخاصة بعد أن انتشر في العالم انتشاراً كبيراً حتى بين كثير من المسلمين في البلاد الإسلامية أيضا.
وتقوم فكرة التلقيح الصناعي على الجمع بين بويضة أنثوية وحويمن ذكري في محل معين (صناعي) لعدة ساعات فإذا قام الحويمن بمهمته الأساسية وهي تلقيح البويضة، أدخلوها في رحم امرأة فتكون حاملا وتلد ولادة اعتيادية. وقد يمكن استمرار البيضة الملقحة في (رحم صناعية) حتى يكبر الجنين هناك بدون رحم بشري، حتى ما إذا اكتمل نموه وانتهت مدته أخرجوه وبدأ حياته الاعتيادية. وتكمن المصلحة الأساسية للتلقيح الصناعي في تحميل العواقر. فإذا لم تستطع المرأة أن تلد خلال حياتها الزوجية فان هذه الطريقة كفيل يقيني لإتمام حملها.
وهذه العملية تتم سواء كان (العيب) من المرأة أو من الرجل. فان كان ماء الرجل ساقطاً عن المنفعة تماماً، أمكن شراء ماء آخر ليتم به التلقيح !!…. وان كانت المرأة عاجزة تماماً عن الحمل أمكن استعارة امرأة أخرى للحمل بأجرة معينة، ليعود الولد فيكون ابناً للزوجين صاحبي الحويمن والبويضة.
ــــــــــــــــــــ[10]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
أقسام التلقيح الصناعي:
من الناحية النظرية يمكن أن يكون (المني) المستعمل في التلقيح الصناعي مأخوذاً:
أولاً: من الزوج.
ثانياً: من رجل أجنبي متزوج.
ثالثاً: رجل أجنبي غير متزوج.
رابعاً: من رجل مجهول الهوية.
خامساً: من رجل قريب (محرم) كما لو كان أخاً للمرأة أو أباً أو ابناً أو غير ذلك.
كما ان (البويضة) الأنثوية المستعملة في التلقيح الصناعي يمكن أن تكون مأخوذة:
أولاً: من الزوجة.
ثانيا: من امرأة أجنبية متزوجة.
ــــــــــــــــــــ[11]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ثالثاً: من امرأة أجنبية غير متزوجة.
رابعاً: من امرأة مجهولة الهوية.
خامساً: من امرأة من الأقارب (محرم) شرعاً. كما لو كانت أماً أو أختاً أو بنتاً أو غير ذلك.
كما ان الرحم الحامل للبويضة الملقحة يمكن ان يكون:
أولاً: رحم الزوجة. أعني زوجة صاحب الحويمن.
ثانياً: رحم امرأة أجنبية مستأجرة متزوجة.
ثالثاً: رحم امرأة أجنبية مستأجرة غير متزوجة.
رابعاً: رحم زوجة أخرى غير صاحبة البويضة من زوجات صاحب الحويمن.
خامساً: رحم امرأة قريبة (محرم) شرعاً كما لو كانت أخت صاحب الحويمن أو بنته أو أمه، وهي قد تكون عندئذ متزوجة وقد لا تكون.
سادساً: الرحم الصناعية.
سابعاً: رحم حيوان توضع فيه البويضة البشرية بحيث يساعد على نموها فيه، كما لو كانت قردة مثلا.
كما ان الفرد المستخرج للبويضة من المرأة يمكن ان يكون:
أولاً: نفس المرأة.
ثانياً: زوجها.
ثالثاً: امرأة أياً كانت، وان كانت (طبيبة).
رابعاً: رجل غير الزوج أياً كان. وان كان (طبيباً).
كما ان الفرد المستخرج للمني من الرجل يمكن ان يكون:
أولاً: نفس الرجل.
ثانياً: زوجته (عن غير طريق المجامعة طبعاً).
ثالثاً: امرأة أخرى أياً كانت. وان كانت طبيبة.
رابعاً: رجل آخر أياً كان وان كان طبيباً.
وبضرب هذه المحتملات بعضها ببعض رياضيا ينتج أكثر من ألف احتمال تختلف في أحكامها ونتائجها.
ــــــــــــــــــــ[12]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
محاذير التلقيح الصناعي:
يواجهنا في الأعم الأغلب من عمليات التلقيح الصناعي المحاذير الشرعية أو المحرمات التالية:
المحذور الأول: إخراج الماء من الرجل أو الاستمناء. وينبغي أن يكون إخراجه بغير الجماع، ليستطيع الطبيب أن يأخذ بعضه ويلقح به.
فقد يقال بالحرمة باعتبار كونه من قبيل (العادة السرية) أو التهييج الذاتي المحرم، والذي عليه (التعزير) شرعاً.
ويزيد من الطين بلة فيما إذا فعله رجل آخر كالطبيب أو الموظف الصحي، أو امرأة أجنبية كالطبيبة أو الممرضة فانه يكون حراماً من ناحية كشف العورة ولمسها.
وبالطبع. فان أحوط الأشكال شرعاً من الاستمناء هو تهييج الرجل جنسياً مع زوجته، مع تحاشي الإنزال في الفرج بل في (إناء) خارجي كاللاستيك الاعتيادي أو غيره، وبهذا لا يكون أي إشكال شرعي معتد به في الاستمناء. ومع إمكان هذه الصورة تكون الصورة الآتية حراماً.
وأما مع تعذرها فقد ينحصر الأمر باستمناء الفرد لنفسه، تحاشياً للحالات الأخرى التي أشرنا إلى حرمتها.
ولا يبعد القول بالجواز في هذه الصورة، أعني الاستمناء الذاتي لأجل الولد. لأن غاية الدليل على حرمة العادة السرية إنما هو ما كان لغير الغرض العقلائي. والإجماع قائم على ذلك. والإجماع دليل لبي يقتصر فيه على القدر المتيقن. فإذا كان الاستمناء لغرض عقلائي كالإنجاب، كان زائداً على القدر المتيقن فيكون جائزاً غير مندرج في موضوع الحرمة. كما هو غير بعيد، ويكون الاحتياط بتركه استحبابياً.
ــــــــــــــــــــ[13]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
المحذور الثاني: في التلقيح الصناعي: النظر إلى عورة المرأة خلال إخراج البويضة منها.
ومن المعلوم فقهياً ان نظر الرجل الأجنبي حرام وان كان طبيباً. وكذلك نظر المرأة إلى المرأة في ذلك الموضع وان كانت طبيبة، وكذلك اللمس حرام.
وسيأتي عما قريب شكل من أشكال تلافي هذا الجانب واجتنابه.
المحذور الثالث: النظر إلى عورة المرأة خلال إدخال البيضة الملقحة فيها. سواء قام بالعملية رجل أو امرأة. فإنها جميعاً محرمة شرعاً.
نعم، لو فعل الزوج أو الحليل ذلك. فاخرج البويضة ثم ادخلها بعد التلقيح ارتفع المحذورين الثاني والثالث. إلا ان هذا الافتراض بعيد فقهياً. إذ لا يوجد واحد بالمليون من الأزواج من يستطيع القيام بذلك. ولا يمكن ان يقوم بها إلا الاختصاصي المتمرس والمتمرن.
وإذا كانت هذه العمليات بفعل الزوجة نفسها أو بفعل زوجها أو حليلها، مضرّة بالمرأة، فتكون محرمة لوجود الضرر المحرم على الفرض.
المحذور الرابع: دخول ماء الأجنبي في رحم الأجنبية. فانه حرام مطلقاً ولو لم يصدق عليه (الزنا). ويزيد في الطين بلة أن يكون الماء من رجل (محرم) للمرأة كأخيها أو أبيها.
وهذا المحذور يحصل في أكثر محتملات التلقيح الصناعي. أعني في غير صورة أن يكون الماء للزوج نفسه.
وهذا المحذور لا دافع له. يعني لا توجد أية صورة أو محتمل يكون فيه حلالا، كما ذكرنا في بعض المحاذير السابقة. ويشمل هذا المحذور ما يسمى (بالرحم المستأجرة) وغيرها ما دامت المرأة أجنبية أو محرماً.
ــــــــــــــــــــ[14]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
المحذور الخامس: انه يمكن أن يحصل الحمل للفتيات غير المزوجات، بمبادرة منهن أو من غيرهن. ولو باعتبار كونها (رحماً مستأجرة) أو بغير ذلك من المقاصد.
وهذا المحذور يحتوي على كل المحاذير السابقة أو أكثرها. وخاصة المحذور الرابع. فإن غير المزوجة ليس لها حليل، ويكون الرجال كلهم أجانب شرعاً بالنسبة إليها. فيكون تحمل مياههم في رحمها حراما تماما.
ولكن لو غضضنا النظر عن كل المحاذير السابقة، كان هو حراما بدوره. لأن المرأة هذه أما أن تكون باكراً أو ثيباً. فان كانت باكراً أوجب الحمل سلبها بكارتها وهو حرام على الفاعل وعليه دية وتعزير. والفاعل هو الطبيب الذي يدخل البويضة الملقحة فيها. أو انه هو الراغب بذلك الذي استأجر الطبيب أو الطبيبة لذلك. الا أن الأقوى هو تحمل المباشر وهو الطبيب، للمسؤولية.
هذا مضافا إلى جانب الحرمة التي نذكرها للثيب، فانه شامل للبكر أيضا.
واما ان كانت المرأة ثيبا، فلا يبعد القول: بالحكم بالحرمة لحمل كل مرأة غير متزوجة. خرج من ذلك (وطئ الشبهة) الذي لا يقال بحرمته فقهيا، ويبقى الباقي حراماً.
ومن المعلوم ان محل الكلام ليس من وطئ الشبهة، لكونه ليس وطئا، لا شبهة فيه، بل عمداً. ووطئ الشبهة مبني على الاشتباه والنسيان، وليس في مورد الكلام مثل ذلك. فيكون حراماً إجماعاً.
وهذه الحرمة أو هذا المحذور لا دافع له كسابقه، وليس له أي صورة أو احتمال يكون الحال فيه الجواز.
ــــــــــــــــــــ[15]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
صور الجواز:
توجد عدة صور لجواز التلقيح الصناعي، لكنها غير عملية وغير عرفية، تستمد جوازها مما عرفناه من إمكان تجنب بعض المحاذير السابقة. ولكن لا توجد فيها صورة عرفية وممكنة للعموم. ومعه يكون الحكم بحرمة التلقيح عموماً صحيحا. وسنبين صور التحريم بعد ذلك. أما صور الجواز، فكما يلي:
الصورة الأولى: ان من يقوم بإخراج البويضة من المرأة وإدخالها فيها بعد التلقيح زوجها أو هي نفسها. ويكون الماء ماء الزوج نفسه ويكون الإنزال عن طريق التهيج الجنسي مع الزوجة.
والصعوبة في هذه الصورة انها لا يمكن أن تتم الا إذا كان الزوج طبيباً اختصاصياً. ومعه تكون نسبة الجواز في المجتمع ممن يطمحون إلى التلقيح الصناعي ضئيلة جداً، قد تقل عن الواحد بالمليون. لأن غير الاختصاصي في هذا العمل يفسد أكثر مما يصلح ،كما هو معلوم. فيكون عمله لو قام به مجازفة، حراما من ناحية الضرر كما عرفنا.
وإذا حصلت هذه الصورة، فالعملية جائزة والولد تابع للأبوين بلا إشكال.
وليس في عملية التلقيح الخارجية إشكال من الناحية الفقهية، أعني: جمع البويضة والحويمن في مجال صناعي للتلقيح. وإنما الإشكال فيما قبل ذلك وفيما بعده في كثير من الصور التي عرفناها.
الصورة الثانية: نفس الصورة الأولى بتفاصيلها، مع افتراض بقاء الولد في حاضنة صناعية إلى حين ولادته.
وحكمها حكم الصورة السابقة، غير ان صعوبتها تكمن في عدم وجود رحم صناعية متكاملة إلى حد الآن.
ــــــــــــــــــــ[16]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الصورة الثالثة: نفس الصورة الأولى، مع افتراض إدخال الولد في رحم حيوان كالقرد لتتم تربيته وتكامله فيه.
وحكمها أيضا نفس الحكم، غير ان صعوبتها تكمن في كون تلقيح الحيوان بالبويضة الملقحة البشرية غير عملي علمياً في الوقت الحاضر.
الصورة الرابعة: تلقيح الحيوان من حيوان، وتكاثره على شكل التلقيح الصناعي. كما هو موجود في كثير من بلدان العالم. ويستخدم عادة لإنتاج الأقسام والأشكال الحيوانية الداجنة الأجود وترك الأخس والأضعف.
وهذه الصورة بكل صورها جائزة بطبيعة الحال.
الصورة الخامسة: ان يتم إخراج البويضة من المرأة، أية امرأة بشكل محلل، ويتم الإنزال من الرجل بشكل محلل أيضا، أي رجل كان، ويكون إنزاله ولو باعتبار طلب الولد، الذي قلنا بجوازه.
ولكن تودع البيضة الملقحة في رحم صناعية حتى يكبر الجنين. وسيأتي حكم هذه الصورة بعد الصورة السادسة.
الصورة السادسة: نفس الصورة الخامسة مع افتراض تربيته في رحم حيوان كالقرد.
وتواجه الصورتان الأخيرتان معاً صعوبتين من نوعين:
الصعوبة الأولى: كونها غير عملية كما أشرنا إليه من عدم توفر الرحم الصناعية وعدم إمكان تربية الجنين البشري في رحم حيواني لحد الآن.
الصعوبة الثانية: اننا قد نفترض، بل هو الغالب، ان تكون البويضة والحويمن من أجنبيين، أعني بلا زواج بينهما سواء كانا متزوجين أو لا. فيبدأ الإشكال من هذه الناحية. وان كان النقاش غير عملي باعتبار الصعوبة الأولى.
ــــــــــــــــــــ[17]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الا انه من الناحية النظرية قد يقال بالحرمة، باعتبار محذورين قد يضافان إلى المحاذير الخمسة السابقة. نقدم الأهم منها:
المحذور الأول: اختلاط الأنساب، وهو يحدث فيما إذا حصلت الصورتان المشار إليهما بين المحارم كالأخ وأخته والأم وابنها وغير ذلك. فإنه ينتج عندنا ذرية ذوي انساب غريبة غير معروفة الهوية شرعاً وعرفاً. وهذا محرم في نفسه بالضرورة الفقهية.
ومعه فاشتراك المحارم في مثل هذه العملية حرام بلا إشكال، ولو لم يلزم أي محذور من المحاذير الخمسة الأولى.
مضافاً إلى اننا لو قلنا بالحرمة في المحذور الثاني الآتي فسيكون مشمولا لمحل الكلام، بل هو أولى في الحرمة.
المحذور الثاني: التقاء بويضة مع حويمن ليس بين صاحبيهما زواج شرعي أو تحليل، حتى ولو كان الالتقاء في رحم صناعية أو حيوانية، كما افترضنا.
وهذا غير واضح الحرمة فقهياً، لعدم انطباق عنوان الزنا عليه، وافتراض عدم انطباق المحاذير السابقة كلها عليه. ومقتضى أصالة البراءة جوازه. الا ان القول بجوازه لا يخلو من صعوبة فقهيا يبقى معها مخالفاً للاحتياط، وخاصة إذا كانا متزوجين بالغير(1).
هذا وقد يضاف محذوران آخران في هذا الصدد، قد يحدثان أحياناً، يحسن الإشارة إليهما بنفس الترقيم:
المحذور الثالث: حصول الذرية لغير المتزوجين: فإننا لو دفعنا المحاذير السابقة بما سبقت الإشارة إليه. وفتحنا باب استعمال الرحم الصناعية أو
ــــــــــــــــــــ[18]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) أعني أن تكون المرأة متزوجة برجل فيدخل في بويضتها حويمن من رجل آخر.
الحيوانية، سرى ذلك لغير المتزوجين فيمكن ان يكون لهم ذرية قبل الزواج فقد يقال هنا بالحرمة لهذا السبب.
إلاّ ان هذا المحذور بغض النظر عن المحاذير الأخرى، ليس مهماً، لإمكان افتراض الذرية لغير المتزوجين فقهياً بشكل محلل، وان بَعُد الفرض.
وذلك في وطئ الشبهة. فلو كانت المرأة أو الرجل غير متزوجين أو كلاهما كذلك. وحصل بينهما وطئ شبهة لكان الولد حلالا بلا إشكال. فليكن المورد مشابهاً لذلك.
والمهم إمكان إجراء أصالة البراءة عن الحرمة في خصوص هذا المحذور.
لكننا أشرنا فيما سبق إلى ان إخراج البويضة من المرأة لا يمكن ان يكون حلالا إلا بفعل نفسها أو زوجها. فإذا لم تكن متزوجة انحصر الأمر بها فقط ليكون فعلها حلالا. ولا احسب ان هذا أمر ممكن طبياً أصلاً. بل هو ضرر حقيقي، فيكون محرماً بدوره.
المحذور الرابع: وجود المرأة الخامسة لمن تزوج أربع زوجات.
فلو التقى حويمن رجل متزوج بأربع زوجات مع بويضة لامرأة أخرى في رحم صناعية أو حيوانية، ولم تكن المحاذير الخمسة الأولى متحققة، إلاّ ان عدداً من المحاذير الأربعة الأخيرة التي هي مجال حديثنا الآن متحقق، فلو كانت تلك المرأة أجنبية غير محرم تحقق المحذور الثاني من الأربعة. وان كانت محرم تحقق الأول.
هذا مضافاً إلى المحذور الرابع الذي عنوناه. إذ قد يقال: ان هذا من قبيل الزواج بخمس زوجات أو أكثر، إذا كثر التلقيح وتعددت النساء. وهو محرم في الشريعة.
أو هو محل إشكال فقهياً على أي حال، إلاّ ان الصحيح انه من هذه
ــــــــــــــــــــ[19]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الناحية لا محذور. إذ ان الزواج بعنوانه لم يحدث ولم يدل الدليل على حرمة شيء آخر غير الزواج بالنسبة إلى الخامسة ومقتضى الأصل البراءة من الحرمة.
ويمكن تنظير ذلك أيضاً بوطئ الشبهة، فلو وطئ الرجل المتزوج أربع زوجات امرأة خامسة بوطئ الشبهة، كان جائزاً ولم يقل أحد من الفقهاء انها محرمة باعتبار كونها بمنزلة الزوجة الخامسة.
والمهم هو إمكان جريان الأصل.
وعلى أي حال، لم يتحصل في نهاية حديثنا عن الصورتين الخامسة والسادسة، صورة عملية يمكن ان يقال فيها بالجواز فقهياً، لوجود المصاعب العملية والنظرية التي سمعناها.
الرحم المستأجر:
من أهم ما يثير الجدل فقهياً في مبحث التلقيح الصناعي، مسألة الرحم البشرية المستأجرة. حيث تكون البويضة والحويمن من زوجين عادة، ثم يتم تلقيحها صناعياً وتودع في رحم امرأة أخرى بأجرة معينة متفق عليها، حتى إذا ما ولدت، تم رجوع المولود إلى الزوجين كولد لهما أو بنت.
هكذا قيل. فهل هذا صحيح فقهياً؟ وما هي المحاذير التي تنطبق على المورد من المحاذير السابقة: الخمسة الأولى أو الأربعة الأخيرة؟
ومن الواضح القول: ان المحاذير الخمسة الأولى كلها منطبقة، فان تجاوزنا ما يمكن تحليله منها، بالطريقة التي أشرنا إليها هناك، بقي المحذوران الأخيران اللذان لا مجوز لهما، وهما: دخول ماء الأجنبي في رحم الأجنبية. وهذا ما يحصل دائما، وحصول الحمل للمرأة غير المتزوجة ان كانت (الرحم المستأجرة) غير متزوجة. وهو أيضا لا مجوز له كما عرفنا.
ــــــــــــــــــــ[20]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وأما المحاذير الأربعة الأخيرة، فثلاثة منها ممكنة الانطباق أيضا. وهي:
أولاً: ما يمكن ان يحصل فيه من اختلاط الأنساب فيما إذا كانت المرأة المستأجرة (محرماً) شرعياً على الرجل الزوج. كما لو كانت أخته أو بنته. بناء على ما هو الصحيح الذي سنذكره من ان الولد يكون للمستأجرة لا لصاحبة البويضة.
ثانياً: التقاء بويضة مع حويمن ليس بينهما زواج شرعي.
فان من جملة احتمالات استئجار الرحم: ان لا يكون بين صاحبة البويضة وصاحب الحويمن زواج. كما لو كانت البويضة من المرأة المستأجرة أو من غيرها. والمهم ان لا تكون من زوجة الرجل. فيلزم هذا المحذور لا محالة.
والاهم من ذلك ما أشرنا إليه خلال الحديث من المحذور الثاني، من ان المرأة المتزوجة لا يجوز ان يدخل رحمها ماء رجل آخر. وهذا ما يحصل فيما إذا كانت المرأة المستأجرة متزوجة.
ثالثاً: حصول الذرية لغير المتزوجين وهو المحذور الثالث السابق. وهو يحصل فيما إذا كانت المرأة المستأجرة غير متزوجة. على ما هو الصحيح من إلحاق الولد بها.
كما أنه يحصل للرجل فيما إذا لم يكن متزوجاً، ورغب أن يكون له ذرية عن طريق الاستئجار!!.. سواء كانت البويضة من المرأة المستأجرة أو من غيرها.
وتواجه المرأة المستأجرة إشكالاً آخر خاصاً بالمتزوجة وهي: انها تشغل رحمها لصالح رجل آخر، مع إمكانها ان تشغله لصالح زوجها. وهذا حرام، بغض النظر عن أي محذور سابق.
لكن الظاهر إمكان رفع هذا المحذور باستئذان الزوج. فلو أذن لزوجته
ــــــــــــــــــــ[21]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
بالاستئجار ارتفع هذا المحذور..
إلاّ ان هذا لا يعني إمكان القول بالجواز، لوجود محاذير أخرى تكون سبباً للحرمة كما عرفنا. ومعه يكون إذن الزوج لزوجته بارتكاب هذا العمل إذناً بالحرام فيكون حراماً وغير نافذ أيضا. فيكون هذا المحذور أيضا مستمراً غير زائل.
حكم الرحم المستأجرة:
قلنا قبل قليل ان هذه العملية محرمة ولا وجه فقهي لجوازها. ولكن لو فعلها شخص وهو عاص للشريعة. فما هو الحكم عندئذ؟ إذ ما من واقعة إلاّ ولها حكم. فما حكم الولد ومن هو أبوه ومن هي أمه وما هو ميراثه وغير ذلك؟ وهذا ما نشرحه في الفقرات التالية:
الفقرة الأولى: ان معاملة الإجارة هذه معاملة باطلة لأنها معاملة على عمل محرم ولا تستحق المرأة الأجرة. وإذا أخذتها فيجب عليها إرجاعها إلى صاحبها.
الفقرة الثانية: ان المرأة المستأجرة هي الأم للحمل. اما إذا كانت البويضة منها فواضح. واما إذا لم تكن البويضة منها، فالولد ينسب إليها لا إلى صاحبة البويضة. تمسكاً بقوله تعالى: إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلاّ اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً.أقول: يعني من يقول بخلاف ذلك.
وهذا الحكم يكون أوضح فيما إذا كانت صاحبة البويضة، غير متزوجة أو مجهولة تماماً.
واما ان كانت صاحبة البويضة متزوجة، وهي الصورة التقليدية، في ان يجمع بين بويضة وحويمن لزوجين في رحم مستأجرة، فقد يقال: ان الولد
ــــــــــــــــــــ[22]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
لصاحبة البويضة (الزوجة) تمسكاً بقوله : “الولد للفراش وللعاهر الحجر”. والزوجة هنا فراش زوجها صاحب الحويمن. والمرأة المستأجرة قد تلتحق بقوله: (وللعاهر الحجر). ولا أقل من الشك بالإلحاق والأصل عدمه.
إلاّ أن هذا لا يمكن صحته فقهيا ً، لأن الفراش مشروط بالمضاجعة مع الزوجة، والا لم تكن فراشاً.
وبتعبير آخر: ان الفراش عرفاً هو المضاجعة وليست مطلق الزوجية. والمضاجعة هنا منتفية بطبيعة الحال.
ويمكن تنظير ذلك بوطئ الشبهة أيضاً، فلو وطئ الزوج بالشبهة امرأة أخرى، هل يمكن القول بإلحاق الولد بالزوجة لكونها فراشاً للواطي (الزوج)؟ هذا غير ممكن بل هو ملحق بالمرأة الموطوءة، وهي أمه.
إذن، فحديث الفراش لا يشمل المقام. وإنما يشمله ما قلناه، وهو الآية الشريفة: إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ الا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ. ومن ولده هو المستأجرة فتكون أمه.
وهناك نقاشات أخرى حول الاستفادة من الآية الكريمة، لا مجال لإطالة الكلام بها. وبحسب النتيجة ما قلناه هو الأقوى.
وهذا لا يفرق فيه، بين ان تكون المرأة المستأجرة متزوجة. أم لا (1). اما إذا لم تكن متزوجة فواضح. وأما إذا كانت متزوجة فلما سيأتي بعد قليل من ان الأب للحمل هو صاحب الحويمن وليس زوج المستأجرة.
الفقرة الثالثة: في الحديث عن أب الحمل.
وهو صاحب الحويمن، كما أشرنا قبل قليل، وهذا واضح فقهياً، لكونه المستحق للأبوة بلا منازع.
لا يبقى إلاّ احتمال الاستدلال بقوله : (الولد للفراش) في كون الأب هو
ــــــــــــــــــــ[23]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) كما لا يفرق فيه بين أن تكون البويضة من المرأة المستأجرة أم من زوجة صاحب الحويمن، أم من امرأة أخرى.
زوج المستأجرة باعتبار كونه فراشاً لها ان كانت متزوجة، بعد ان ثبت كونها أماً.
إلاّ ان هذا غير محتمل، لما سبق ان قلناه من ان الفراش هو المضاجعة، ولم تحدث. بل ان هذا الرجل غير مرتبط باليقين بهذا الحمل إطلاقاً فكيف يمكن القول بأبوته.
ومعه يكون الأب هو صاحب الحويمن وأمه هي الحامل به.
الفقرة الرابعة: بعد ان ثبتت أمومة (المرأة المستأجرة) فأنه يترتب عليها كل أحكام الأمومة على الأقوى، وان كانت ليست جميعها بالوضوح الفقهي ذاته.
فهي أم الوليد. فهي (تحرم) عليه فيجوز النظر إليها ويجوز لها النظر إليه ويحرم عليها النكاح مؤبداً. ويتوارثان، على اشكال. ولها فيه حق الحضانة ذكراً كان أم أنثى بمقدار ما هو مذكور في محله من الفقه.
والأب وهو صاحب الحويمن، يترتب عليه أحكام الأب من وجوب النفقة وحرمة النكاح وجواز النظر ان كانت بنتاً. والولاية له ولأبيه. والتوارث هنا بلا إشكال.
والوليد هذا الذي حصل بالتلقيح الصناعي بالنسبة لأولاد أبيه. أخوهم لأبيهم وهم أخوته لأبيه. وبالنسبة إلى أولاد أمه (المستأجرة) أخوة لأم. ولا يكون له أشقاء أعني أخوه لأب وأم إلاّ إذا حصل التلقيح مرة ثانية بنفس الطريقة الأولى فيكون المولود شقيقه أو شقيقته. وكذلك إذا صادف لهذا الرجل (صاحب الحويمن) ان تزوج بالمرأة الأم (المستأجرة) وأولدها، فان ذريتهما يكونون أشقاء للولد الصناعي. لو صح التعبير.
ومن المعلوم ان هناك فرقاً في كتاب الإرث، بين الأخوة الأشقاء والأخوة لأب والأخوة لأم، يأتي شرحه في محله. والمهم هو انه يجب تطبيق تلك
ــــــــــــــــــــ[24]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الأحكام في هذا المورد.
الفقرة الخامسة: انه بعد ان عرفنا حرمة هذه العملية التي نتحدث عنها، فهي لا تنفك مقترنة ببعض الأحكام الجزائية التي لا بد من التعرض لها في هذه الفقرة.
فان من تسبب في حملها فعليه مهر أمثالها يدفعه لها، وإذا كان العمل برضاها وسخط زوجها، لو كانت متزوجة، فالمهر لزوجها بإزاء اشتغال رحم زوجته بغير إذنه.
وهذا المهر ثابت سواء كانت بكراً عند التلقيح أو ثيباً. لكن لو كانت بكراً فعليه دية البكارة، وهي دية النفس كاملة.
الفقرة السادسة: ما هي النسبة بين الرجل صاحب الحويمن والحامل (المستأجرة)؟…
لا نسبة بينهما. فانهما ليسا زوجين ولا يجب عليه النفقة للأم وان وجبت للولد. ولا يجوز النظر إليها ولا نكاحها ما لم يحدث عقد نكاح بينهما. كما لا توارث بينهما بطبيعة الحال.
وما دام النكاح بينهما منتفياً، فالطلاق لا مورد له. والعدة بكل أقسامها غير واردة في المقام.
ويشبه هذا المورد: الموطوءة بالشبهة حيث يكون الولد حلالا وتترتب عليه كل أحكامه في الطرفين أعني الأب والأم. لكن لا علاقة بين الأب والأم.
ولكن يختلف المورد عن وطئ الشبهة في ان وطئ الشبهة بنفسه حلال وهنا عرفنا ان مثل هذا التلقيح، حرام.
الفقرة السابعة: بعد ان عرفنا الأحكام فيما إذا تربى الحويمن في رحم
ــــــــــــــــــــ[25]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
بشرية، فما هو الحكم فيما لو تربى في رحم صناعية أو حيوانية؟
أن الأب حينئذ يكون هو صاحب الحويمن والأم هي صاحبة البويضة. فان كانا زوجين فلا إشكال في ذلك. وان لم يكونا زوجين، فقد قلنا بحرمة العملية، كما سبق، الا انها لو فعلها الناس عصياناً فسوف تترتب الأحكام على هذا الشكل.
صور محرمة:
لعل ما سبق ان تحدثنا فيه عن التلقيح الصناعي، يعطينا فكرة متكاملة فقهياً عن أحكامه من جميع الجهات أو من الجهات التي لا تخلو من أهمية ومن تركيز على الأقل.
الا اننا مع ذلك، نشير إلى بعض الصور الأخرى. وقد عرفنا انها عديدة جداً، باعتبار تعدد احتمالات التلقيح وانقساماته التي عرفناها. فلا اقل ان يكون علينا ان نعدد الآن قسماً من المهم منها.
وقد يحصل في بعض الصور تكرار في موضوع المسألة، من بعض الجهات، الأمر الذي يقتضيه ضبط التقسيم بين الصور كما سنرى. فما سبق ذكره في الصور سنحول القارئ في حكمه على ما سبق. وما كان مسألة جديدة سنحاول ان نفيض في شرح حكمه باختصار.
وسنقتصر بطبيعة الحال على ذكر الصور المحرمة، بعد ان سبق ان تحدثنا عن الصور الجائزة. وسيكون الحكم في الصور الآتية، كما هو في الرحم المستأجرة من القول: بان هذا الحرام لو فرضنا وقوعه عصياناً فماذا سيكون الحكم الشرعي عندئذ؟ فليس يعني إعطاؤنا الحكم بالأبوة أو الأمومة مثلا، كون هذه الصور أو تلك تندرج في جوانب الجواز من جميع الجهات.
ــــــــــــــــــــ[26]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وسنحاول ان نذكر الصورة أولاً. أية صورة مما يأتي. ثم نذكر أهم الوجوه في تحريمها مما ينطبق عليها من (المحاذير) السابقة. ثم نذكر الحكم المترتب على فعل الحرام من الأبوة والأمومة وغيرهما، مما عرفنا مثله عند الحديث عن الرحم المستأجرة.
ولأجل تنسيق التقسيم الآتي. يرجح بنا أن نأخذ بالانقسام الأول الذي ذكرناه في عنوان (أقسام التلقيح الصناعي). وهو أقسام الرجال المأخوذ منهم الحويمن. ونحاول ان نطبق على كل صورة: الصور الأخرى في الانقسامات الأخرى التي هي أقسام: صاحبة البويضة وأقسام: الرحم الحاملة للبويضة الملقحة. ولا حاجة إلى تكرار تلك الأقسام الآن بعد ان كان القارئ مسبوقاً بها. وحيث ان الصور ستكون كثيرة جداً، فنحاول ان نذكر ما هو الأهم فالأهم غالباً.
الماء من الزوج:
وهذا هو الاحتمال الأول في الانقسام المشار إليه. وبعد لحاظ الانقسامات الأخرى تحدث عندنا عدة صور:
الصورة الأولى: ان يكون الماء من الزوج والبويضة من الزوجة والرحم المستعمل رحمها.
وقد سبق هذا من صور الجواز، ان كان استخراج المني والبويضة حاصلا بطريقة محللة.
الصورة الثانية: ان يكون الماء من الزوج والبويضة من الزوجة، والرحم المستعملة رحم امرأة أخرى متزوجة أو غير متزوجة.
وقد سبق ان تحدثنا عن ذلك مفصلا في عنوان مستقل.
ــــــــــــــــــــ[27]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الصورة الثالثة: ان يكون الماء من الزوج والبويضة من الزوجة والرحم المستعملة رحم صناعية أو حيوانية. وقد عرفنا أحكامها أيضا.
الصورة الرابعة: ان يكون الماء من الزوج والبويضة من امرأة أخرى متزوجة أو غير متزوجة. والرحم المستعملة هي رحم الزوجة، يعني زوجة صاحب الحويمن.
والمحذور المترتب على هذه الصورة لو كان استخراج الماء والبويضة بطرق محللة.. هو: التقاء بويضة مع حويمن ليس بينهما زواج شرعي أو تحليل. وقد سبق ان قلنا انه خلاف الاحتياط الوجوبي.
لكن لو حصل ذلك لكان الولد أو البنت للزوجين، بكل أحكام الأبوة والأمومة والبنوة، من نفقة وغيرها.
وليس لصاحبة البويضة شيء إذا أخرجت برضاها(1). ولو أخرجت منها بمعاملة لقاء اجر معين كانت المعاملة فاسدة والأجر غير مستحق للمرأة. وإذا أخرجت البويضة على غير رضاها. كان لها ما يسمى بالحكومة في كتاب الديات. على ان لا تزيد على مهر أمثالها على الاحوط.
الصورة الخامسة: نفس الصورة السابقة الا ان البويضة مأخوذة من امرأة مجهولة تماماً. كما لو كان هناك (بنك) للبويضات النسوية والمياه الذكورية. فيشتري الزوجان بويضة وتلقح بحويمن الزوج وتودع برحم الزوجة.
وهذه الصورة محذورها نفس المحذور. وحكمها بطلان معاملة الشراء وحرمة الثمن. وليس لتلك المرأة أي شيء لفرض انها مجهولة، كما ليس
ــــــــــــــــــــ[28]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) ولو أخرجت البويضة بطريقة محرمة شرعاً. فعليها (تعزير). بل وعلى الشخص الممارس لإخراجها أيضا. سواء كان رجلاً أو امرأة. ولو أكرهت المرأة على الإخراج المحرم، لم تعزر واختص التعزير بالمُخرج.
ضدها شيء. والولد لوالديه كما سبق.
الصورة السادسة: نفس الصورة السابقة، الا ان صاحبة البويضة امرأة (محرم) على الرجل شرعاً. كما لو كانت أخته أو أمه أو عمته أو خالته.
ومن الواضح ان الحرمة في هذه الصورة اشد جداً. وقد يلزم منه محذور آخر غير السابق. وهو اختلاط الأنساب. وحكمها من ناحية إخراج البويضة وممارس الإخراج، نفس ما قلناه في الصورة الرابعة. غير ان التعزير مع استحقاقه يكون أكثر لو كانت تعلم ان البويضة يكون مصرفها ما ذكرناه.
الصورة السابعة: نفس الصورة الرابعة، مع افتراض ان يكون الرحم المستعمل هو رحم زوجة أخرى للزوج. على معنى انها تأخذ أجرة من ضرتها لتكون الضرة هي الأم دون المرأة الحامل.
وفيها نفس المحذور الذي ذكرناه لتلك الصورة. وحكمها بطلان المعاملة المشار إليها. وإنما الأم هي الحامل والأب هو الزوج صاحب الحويمن. وتترتب بينهم الأحكام الاعتيادية تماماً.
الصورة الثامنة: ان يكون الحويمن من الزوج والبويضة من زوجة أخرى. على معنى انه تؤخذ البويضة من إحدى الزوجتين وتلقح ثم تودع في رحم الزوجة الأخرى.
وهذه من صور الجواز ان كانت طريقة استخراج الحويمن والبويضة حلالاً. مع رضاء الزوج والزوجة صاحبة البويضة على هذا الاستخراج.
وإذا منعت وأخرجت البويضة إكراهاً كان لها الحكومة على ان لا تزيد على مهر أمثالها كما سبق. ويدفعها كل من له الرأي الأساسي في التلقيح اما الزوجة الحامل أو الزوج.
الا ان أمومة صاحبة البويضة أيضا ملغاة، كما سبق في أمثال ذلك. وإنما
ــــــــــــــــــــ[29]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الأمومة للمرأة الحامل والأبوة للزوج. وتترتب عليه احكامها.
الماء من رجل أجنبي متزوج:
وهذا هو القسم الثاني من الانقسام المشار إليه سابقاً. ويراد بالأجنبي كما عرفنا: غير الزوجين الطالبين للتلقيح الصناعي. وبتعبير آخر: انه ليس زوجاً للمرأة صاحبة البويضة ولا محرماً لها. وينبغي لنا هنا ان نفترض انه رجل معروف وليس مجهول الهوية.
وتحت هذا القسم تندرج عدة صور:
الصورة الأولى: ان تكون البويضة من الزوجة الطالبة للتلقيح. والرحم المستعمل رحمها.
والمحذور في هذه الصورة، بعد افتراض خروج المني والبويضة بشكل محلل، هو التقاء بويضة وحويمن من شخصين ليس بينهما زواج أو تحليل. وأيضاً: دخول ماء الأجنبي في رحم الأجنبية.
لكن لو حصل ذلك كانت الأم هي الحامل به وهي هنا صاحبة البويضة أيضا. ولكن الأب ليس زوجها بل صاحب الماء ويترتب بينهما وبين هذا النسل كل أحكام الأبوة والبنوة. ولكن لا ارتباط بينهما كزوجين. ولا حكم لهما من هذه الناحية.
الصورة الثانية: ان تكون البويضة من الزوجة الطالبة للتلقيح. والرحم المستعمل هو رحم زوجة صاحب الماء. على اعتبار انها مستأجرة أو متبرعة للأسرة الأخرى الطالبة للتلقيح.
والمحذور هنا نفس المحذور الأول للصورة الأولى. وحكمها بطلان المعاملة ان وقعت، وحرمة الأجرة. ويكون الأب صاحب الماء والأم هي
ــــــــــــــــــــ[30]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الحامل به. وهما زوجان على فرض هذه الصورة: ويترتب بينهما كل أحكام الأبوة والبنوة.
ولا ربط لصاحبة البويضة بالمولود. وليس لها شيء بعد ان افترضنا إخراج البويضة برضاها. فان كانت مكرهة -كما لو كان الطلب من زوجها- فلها الحكومة. وان لزم من العملية فك بكارتها فلها دية البكارة يدفعها المباشر لذلك.
الصورة الثالثة: نفس الصورة الثانية مع كون الرحم الحامل هو امرأة أخرى، متزوجة أو غير متزوجة.
وهذا يعني: ان البويضة من امرأة متزوجة والماء من رجل متزوج غير زوجها. والمرأة الحامل هي من أسرة ثالثة.
والمحذور هنا هما المحذوران في الصورة الأولى. فيترتب عليهما الأحكام بهذا النحو تجاه المولود. أما صاحبة البويضة فليس لها شيء إن كانت راضية بإخراجها. ولها الحكومة إن كانت كارهة.
وأما زوج صاحبة البويضة وزوج الحامل ان وجد وزوجة صاحب الماء. فهم أجانب تماماً عن الوليد. غير ان زوج الحامل إذا كان المولود بنتاً ستكون (ربيبة) له يشملها حكمها الشرعي.
كما ان هذا الزوج ان كان راضياً بالحمل وكذلك زوجته الحامل. فلا شيء لهما. وان كان أحدهما مكرهاً فله مهر المثل، وان كانت بكراً فله دية البكارة. وان كان كلاهما مكرهين، دفعت هذه الأموال للزوجة نفسها، دون الزوج.
الصورة الرابعة: نفس المفروض في الصور السابقة، من كون البويضة من المرأة الطالبة للتلقيح، والماء من غير زوجها. وهو متزوج ومعلوم الهوية، ولكن الرحم المستعملة هي رحم صناعية أو حيوانية.
ــــــــــــــــــــ[31]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
والمحاذير هنا هي محاذير استخراج البويضة والحويمن. فان لم تكن موجودة واستخرجها بطريقة محللة، بقي محذور آخر هو التقاء بويضة وحويمن لشخصين لا زواج بينهما وليسا حليلين.
وحكم هذه الصورة ان الأم هي صاحبة البويضة والأب هو صاحب الحويمن، اما زوجها فيكون المولود ربيباً أو ربيبة له. واما زوجة صاحب الماء فغير مربوطة بالمولود أصلاً. كما لا ربط بين هذين: الأب والأم لأنهما ليسا زوجين. نعم، أحكام الأبوة والأمومة والبنوة، تجري بين الثلاثة من نفقة وتوارث وحرمة النكاح وغيرها.
الصورة الخامسة: ان البويضة من امرأة أخرى غير الطالبة للتلقيح. ولكن الرحم المستعمل رحمها، سواء كانت صاحبة البويضة متزوجة أم لا. فالطالبة للتلقيح تجمع في رحمها بين بويضة امرأة أخرى وماء رجل آخر غير زوجها. مع افتراض كونه متزوجاً.
والمحاذير هنا، بغض النظر عن محاذير الاستخراج المشار إليها، والتي نفترض انها غير متحققة، موجودة أيضا. منها محذور التقاء بويضة وحويمن من شخصين ليس بينهما زواج أو تحليل. وكذلك محذور: دخول ماء الأجنبي في رحم امرأة أجنبية. واما دخول بويضة امرأة في رحم امرأة أخرى، فهو بحد ذاته ليس محذوراً فقهياً على أي حال.
وحكم هذه الصورة هو كون الأم هي الحامل وهي طالبة التلقيح، وليس لصاحبة البويضة أي ارتباط بالحمل. نعم، لو كانت البويضة قد أخرجت منها إكراهاً، كان لها الحكومة على ان لا تزيد على مهر أمثالها كما سبق في أمثال ذلك.
والأب هو صاحب الماء، بدون ان يكون بينه وبين هذه (الأم) أية زوجية. ولكن أحكام الأمومة والأبوة بينهما وبين الابن أو البنت جارية. وليست لزوجة
ــــــــــــــــــــ[32]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
صاحب الماء أي دخل في الموضوع.
الصورة السادسة: ان البويضة من امرأة أخرى غير الطالبة للتلقيح والرحم المستعملة رحم امرأة ثالثة قد تكون متزوجة وقد لا تكون. ولا ننسى ان الحويمن من رجل متزوج غير زوج الطالبة للتلقيح.
وهنا تفكر المرأة الطالبة للتلقيح ان يكون المولود لها ولو بالمال، بعد ان لم يكن لها لا بالبويضة ولا بالحمل.
فقد سبق ان مثل هذه المعاملة لا تصح، والمال لا يكون مستحقاً ولا يجوز اعتبار المولود ابناً لدافع المال لمجرد التعامل معه. فان حصل ان ربته المرأة فإنما هو من قبيل التبني الملغى في القرآن الكريم حين يقول: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِم ولا يترتب على هذا التبني أي حكم.
وفي الواقع ان المولود ابن للحامل فهي أمه وصاحب الحويمن أبوه. ويترتب عليهما أحكام ذلك، كما ذكرنا في أمثاله. واما المرأة الطالبة للتلقيح فهي أجنبية تماماً سواء كانت متزوجة أم لا. وكذلك زوجها غير مربوط بالمولود على الإطلاق. وكذلك زوج الحامل وزوجة صاحب الحويمن. لو كانا متزوجين أو أحدهما.
ولا ينبغي ان نغفل ذكر المحاذير المترتبة على هذه الصورة. وهي كما اتضح تنقسم إلى عدة محتملات وصور، كما لا يخفى على القارئ الذكي.
ومن محاذيرها اجتماع حويمن وبويضة لغير حليلين. ومنها: دخول حويمن رجل أجنبي في رحم امرأة أجنبية. ومنها: حصول الحمل والذرية لغير المتزوجات ان كانت المرأة الحامل غير متزوجة. هذا إذا كان إخراج البويضة وإدخالها وإخراج الحويمن كان حلالا والا زادت المحاذير.
وعلى العموم فان الرجل ان كان راضياً بالاستمناء، لم يكن له شيء. وان
ــــــــــــــــــــ[33]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
كان مكرهاً كان له دية النطفة، حتى وان كان إخراجها بشكل حلال، فان هذه الدية مربوطة بالإكراه خاصة. وهي الحكومة على ان لا تزيد على عشرة دنانير ذهبية، على الأحوط.
الصورة السابعة: تشبه ما ذكرناه في السابقة، مع كون الرحم المستعملة صناعية أو حيوانية.
وقد عرفنا في مثله ان الأب يكون صاحب الحويمن والأم صاحبة البويضة. ولا يكون للمرأة الطالبة للتلقيح أو التي تدفع المال أي ارتباط بالمولود لأنها لا صاحبة بويضة ولا حمل والمعاملة باطلة. كما انه ليس لزوجها ولا لزوجة صاحب الماء أي ارتباط.
والمحذور في هذه الصورة هو اجتماع حويمن وبويضة لغير متزوجين أو حليلين. بغض النظر عن كيفية إخراج البويضة والماء كما سبق. نعم ان كانت صاحبة البويضة غير متزوجة لحقها الولد، يعني أصبحت أماً. وقد سبق ان ذلك قد يعتبر محذوراً بحد ذاته شرعاً.
هذا وقد عرفنا ان إخراج البويضة والمني ان كان بالإكراه، فماذا يترتب عليه؟
الصورة الثامنة: نفس الصورة السادسة مع كون المرأة الحامل من أقارب (محرم) لصاحب الماء. واما كونها على نفس القرابة من المرأة الطالبة للتلقيح أو من زوجها ونحو ذلك، فهذا لا أهمية له فقهياً. وإنما المهم فقهياً هو ان لا يدخل حويمن المحرم في رحم امرأة محرم من أقاربه، والا كانت حرمته شديدة، وعليه تعزير كبير كما سبق في مثله.
هذا مضافاً إلى محاذير أخرى كاجتماع بويضة (وهي لامرأة أخرى) وحويمن لشخصين غير حليلين. مضافاً إلى مشاكل إخراج البويضة والمني
ــــــــــــــــــــ[34]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وإدخالها.
هذا ويكون الولد تابعاً لصاحب الحويمن والحامل، وان أنتج نسباً غريباً. الا ان التوارث به والحجب به محل إشكال. وان كان أقرب.
الماء من رجل أجنبي غير متزوج:
وهذا هو الاحتمال الثالث من المحتملات السابقة في صاحب (الماء). وهو يفرق عن الافتراض السابق عليه وهو كون الماء من رجل متزوج بعدة اعتبارات فقهية:
أولاً: كون غير المتزوج مشمولا بذاته لأحد المحاذير السابقة وهو وجود الذرية لغير المتزوجين من رجال أو نساء.
ثانياً: احتمال ان يكون جواز الاستمناء مشروط في المتزوج برضا زوجته، بغض النظر عن الشرائط الأخرى. وان كان هذا الاحتمال ضعيف فقهياً، غير انه غير وارد على الإطلاق في غير المتزوج بطبيعة الحال.
ثالثاً: ان الاستمناء للمتزوج يكون حلالا إذا كان مع زوجته بشكل وآخر، كما ذكرنا فيما سبق. في حين ان غير المتزوج ينحصر استمناؤه بطريقة محرمة ذاتاً. إلا إذا قلنا بجوازه لبعض الأغراض كالتوليد وفي بعض الصور، كما سبق ان فصلناه.
هذا ولا يفرق في غير المتزوج، بين ان لا يكون قد سبق له الزواج، أو كان مسبوقاً به وحصلت الفرقة مع زوجته بطلاق أو وفاة أو غيرهما.
والصور على هذا الاحتمال أيضا عديدة نذكر عدداً منها:
الصورة الأولى: ان تكون البويضة والحمل من طالبة التلقيح.
ومحذوره دخول حويمن في رحم امرأة أجنبية. وكذلك التقاء بويضة
ــــــــــــــــــــ[35]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وحويمن أجنبيين. وإذا كان الرجل (محرماً) للمرأة كأخيها أو أبيها كانت الحرمة اشد. هذا بغض النظر عن محاذير إخراج وإدخال البويضة والحويمن، مما سبق ان عرفناه.
وإذا كان صاحب الحويمن قريباً (محرماً) كان النسب غريباً، وحكمه ما سبق، وهو يسجل محذوراً، كما سبق.
الا ان كل هذه المحاذير ان عصيت وحصل التلقيح، فالأم هي الحامل والأب هو صاحب الحويمن، ويترتب عليهما كل الأحكام الاعتيادية.
وقد أشرنا إلى الحكم فيما إذا كان استمناء الرجل بالإكراه، فلا نعيد.
الصورة الثانية: ان تكون البويضة من المرأة الطالبة للتلقيح، والرحم المستعمل رحم امرأة أخرى متزوجة أو غير متزوجة.
ومحاذير ذلك هو محاذير الصورة الأولى. الا ان الولد يكون للحامل لا لصاحبة البويضة، وإذا كانت هناك معاملة أو مالا مبذولا لتبنيه، فالمعاملة باطلة والمال حرام. وإنما المولود بين الحامل وصاحب الماء دائماً.
وإذا كانت المرأة الحامل متزوجة. فان كانت هي وزوجها راضيين بالنتيجة فلا إشكال من هذه الناحية. وان كانت هي كارهة، كان لها مهر أمثالها، وإذا كانت باكراً كان لها دية البكارة وهي دية النفس كما سبق. واما إذا كان زوجها مكرها وهي راضية فيدفع كلا المالين إلى الزوج وعليها الإثم. واما إذا كان كلاهما مكرهاً دفع المالان لها وليس للزوج شيء.
الصورة الثالثة: عكس الثانية، فتكون البويضة من امرأة أخرى غير طالبة التلقيح ويكون الرحم المستعمل هو رحم طالبة التلقيح نفسها.
ومحاذير هذه الصورة هي محاذير الصورة الأولى، بتفاصيلها. والولد يكون للحامل وهي الآن طالبة التلقيح نفسها. وأبوه هو صاحب الحويمن.
ــــــــــــــــــــ[36]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الصورة الرابعة: نفس الصورة الثانية مع كون البويضة من امرأة مجهولة الهوية.
وفيها نفس المحاذير ونفس الحكم واما المرأة صاحبة البويضة فلا أهمية لها، بعد ان عرفنا إلحاق الولد بالحامل لا بصاحبة البويضة.
الصورة الخامسة: هي الصورة الثالثة مع كون البويضة من امرأة مجهولة ولها نفس المحاذير ونفس الحكم مع ما علقناه على الصورة الرابعة.
الصورة السادسة: هي الصورة الثانية أي الماء من رجل غير متزوج والبويضة من طالبة التلقيح مع كون الرحم المستعمل هي رحم صناعية أو حيوانية.
ومحذورها اجتماع بويضة وحويمن لأجنبيين غير حليلين. وحكمها ان صاحبة البويضة هي الأم وصاحب الماء هو الأب.
الصورة السابعة: هي الصورة السادسة مع كون البويضة لغير طالبة التلقيح. ولها نفس المحاذير والحكم غير ان النتيجة هي ان المولود سيكون لصاحبة البويضة، وهي غير طالبة التلقيح.
الصورة الثامنة: ان يكون الماء من رجل غير متزوج. كما ذكرنا في العنوان، مع محذوره. وتكون البويضة من امرأة غير متزوجة معلومة الهوية. والرحم المستعمل رحمها وقد عرفنا محاذير ذلك شرعاً وهي محاذير شديدة، بما فيها دية البكارة أحياناً التي تعدل دية النفس.
وللإيضاح نلخصه:
أولاً: إدخال حويمن في رحم أجنبية.
ثانياً: اجتماع بويضة وحويمن لأجنبيين.
ــــــــــــــــــــ[37]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ثالثاً: حصول الذرية لغير المتزوجين وهذا ينطبق على كلا الشخصين.
رابعاً: حصول الحمل لغير المتزوجة.
خامساً: دية النطفة ان كان إخراجها إكراهاً.
سادساً: دية البكارة ان كانت باكراً وكان التسبيب للحمل إكراهياً.
سابعاً: التعزير لمخرج النطفة ان كان إكراهاً.
ثامناً: لها مهر أمثالها مع الإكراه.
تاسعاً: محاذير إخراج وإدخال البويضة والحويمن. حيث قلنا انه في غير المتزوجة لا يوجد (حليل) يفترض به القيام بهذه المهمة، فتبقى عملية محرمة ما لم تقم هي بنفسها بإخراجها. وهو أمر بعيد طبياً جداً ومضر بكل تأكيد، إلى درجة الحرمة.
واما حكمها، لو حصل ذلك عصياناً، كان الأب هو صاحب الحويمن والأم هي الحامل. وتشملها أحكام الأبوة والأمومة كلها على الأقوى، من دون ان تشملها أحكام الزوجية بطبيعة الحال لأنهما ليسا زوجين.
الصورة التاسعة: هي نفس الثامنة، مع كون البويضة من امرأة غير متزوجة والرحم المستعملة لامرأة غير متزوجة أيضا. ولها نفس المحاذير غير ان الأم ستكون صاحبة الرحم المستعمل وليست صاحبة البويضة.
الصورة العاشرة: هي نفس الثامنة مع كون البويضة من امرأة مجهولة الهوية. وهذا يعني ان الرحم المستعمل هو لامرأة معلومة غير متزوجة.
ولها نفس المحاذير والأحكام. والولد للحامل.
الصورة الحادية عشر: ان تكون النطفة من رجل غير متزوج كما قلنا في العنوان والبويضة من امرأة غير متزوجة. والرحم المستعملة هي رحم صناعية أو حيوانية.
ــــــــــــــــــــ[38]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ومحاذير هذه الصورة هي التقاء بويضة وحويمن من شخصين غير حليلين. ووجود الذرية لشخصين غير متزوجين. مضافاً إلى مشاكل إخراج وإدخال البويضة والحويمن.
الا انها إن حصلت كان الأب هو صاحب الحويمن والأم هي صاحبة البويضة، من دون ان يكونا مشمولين لأحكام الزوجين، كما أشرنا في مثلها فيما سبق.
الصورة الثانية عشر: نفس الصورة الحادية عشر مع كون البويضة من امرأة مجهولة الهوية.
ولها أكثر المحاذير في الصورة السابقة، بل كلها ان علمنا أن تلك المرأة المجهولة غير متزوجة.
وحكم هذه الصورة ان صاحب الحويمن هو الأب. ولكن الأم مفقودة، فيترتب عليه الحكم من جانب الأب فقط.
الماء من رجل مجهول الهوية:
وهذا يصدق في عدة صور أهمها ان يكون هناك (مصرف) للمياه الذكورية. فليس على المرأة الا ان تشتري منه ماءً واحداً وتلقح به بويضتها لتحمل.
ويترتب على ذلك بكل صوره الآتية: عدم وجود الأب للمولود، فلا يكون مشمولا لأحكام الأبوة والبنوة. وإنما يكون مشمولا لأحكام الأمومة فقط، ان كانت أمه معلومة، كما سنعرف خلال الصور الآتية:
الصورة الأولى: ان تكون المرأة الطالبة للتلقيح امرأة متزوجة والبويضة منها، والرحم المستعملة لها أيضا.
ــــــــــــــــــــ[39]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ومحاذير ذلك، مضافاً إلى مشاكل إخراج وإدخال البويضة. التقاء حويمن وبويضة لشخصين غير زوجين أو حليلين وكذلك دخول حويمن أجنبي في رحم أجنبية. وكذلك وجود ذرية لغير المتزوجين ان علمنا إجمالا بأن صاحب الماء غير متزوج.
وحكم هذه الصورة هو كون المرأة أماً للمولود بصفتها حاملا له. وليس له أب. لا صاحب النطفة لأنه مجهول، ولا زوج المرأة لأنه لا دخل له في وجود الولد. فلا يمكن الاستدلال بدليل (الفراش) للبرهنة على أبوته. لأن ذلك خاص باحتمال الإصابة، وهو منتف هنا.
الصورة الثانية: نفس الصورة الأولى. الا ان الرحم المستعملة رحم امرأة أخرى، قد تكون متزوجة أو لا تكون.
ولها نفس المحاذير السابقة، والمولود للحامل وليس له أب حتى زوج الحامل كما أسلفنا ولا هو زوج صاحبة البويضة أيضا.
ولو دفعت صاحبة البويضة مالا ليكون المولود لها لم تصح المعاملة وكان المال حراماً.
الصورة الثالثة: ان تكون البويضة من امرأة غير متزوجة وهي الرحم الحامل أيضا. بمعنى ان امرأة غير متزوجة تطمح بالذرية فتأخذ (ماء) من المصرف وتلحقه فيها. عن طريق التلقيح الصناعي بل الطبيعي أيضا. وفي هذه الصورة من المحاذير الشديدة ما سبق في مثله، فلا نعيد. وحكمها ان المرأة هي أم المولود وليس له أب.
الصورة الرابعة: ان تكون البويضة من امرأة غير متزوجة والرحم الحامل لامرأة أخرى غير متزوجة أيضا.
ولها نفس المحاذير والحكم من ناحية الحامل، يعني هي التي تكون الأم.
ــــــــــــــــــــ[40]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
واما صاحبة البويضة فليس لها شيء ولو دفعت ثمناً للأمومة كانت المعاملة باطلة والثمن حراماً.
ولو أخرجت البويضة منها إكراها، كان لها الحكومة. ولو استلزم ذلك فض بكارتها كان لها دية البكارة.
الصورة الخامسة: ان تكون البويضة من امرأة غير متزوجة والرحم المستعمل لامرأة متزوجة.
وفيها من المحاذير والحكم ما قلناه في المسألة السابقة. ولا تختلف عنها الا من ناحية احتمال ان يكون زوج الحامل أباً للمولود بصفته فراشاً. وقد علمنا عدم صحة ذلك. فالمولود له أم وليس له أب.
الصورة السادسة: ان يكون الماء من رجل مجهول الهوية كما أشرنا في العنوان والبويضة من امرأة مجهولة الهوية أيضا. والرحم المستعمل رحم امرأة غير متزوجة.
ولها من المحاذير نذكرها إيضاحاً:
أولاً: التقاء حويمن وبويضة من شخصين غير حليلين.
ثانياً: دخول حويمن في رحم أجنبية.
ثالثاً: وجود الذرية لامرأة غير متزوجة وهي الحامل به.
مضافاً إلى مشاكل إدخال البويضة الملقحة، حيث لا يكون للمرأة غير المتزوجة حليل يقوم بذلك.
مضافاً إلى مشاكل إكراهها على الحمل لو فرضناه. فان لها عندئذ مهر أمثالها، بل ودية البكارة ان كانت باكراً.
وحكمه ان الأم هي الحامل وليس له أب. واما تخيل: اننا بعد ما فرضنا
ــــــــــــــــــــ[41]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
أن صاحبة البويضة مجهولة، فتكون الأم مجهولة. فهذا غير صحيح لأن الأم كما علمنا هي الحامل، وهي معلومة، واما صاحبة البويضة فليست أماً، مجهولة كانت أو معلومة.
الصورة السابعة: نفس السادسة مع كون المرأة الحامل امرأة متزوجة.
ولا تختلف عن سابقتها في المحاذير والأحكام، الا باحتمال ان يكون زوج الحامل أباً بصفته فراشاً، بعد ان كان صاحب الحويمن مجهولا ً. الا ان هذا غير صحيح، لأننا فهمنا من الفراش احتمال مشاركة الزوج بالحمل، وهذا منفي يقيناً على الفرض، في هذه الصورة.
الصورة الثامنة: هي الصورة السادسة، مع كون الرحم المستعملة رحم صناعية أو حيوانية.
وهنا يصدق، فيما لو أراد أحد ان يوجد مولوداً بشرياً، فيشتري من مصرف (الماء والبويضات) ماء وبويضة، ويجمعها في رحم صناعية أو حيوانية ليتكون الجنين.
ومحذوره هو التقاء حويمن وبويضة من شخصين غير حليلين أو لم نعلم حليتهما أو زوجيّتهما على الأقل. الأمر الذي تكون موضوعاً لأصالة الحرمة أو استصحابها ما لم نعلم بحصول الحلية بين الشخصين. ولم نعلم هنا طبعاً بذلك.
وحكمها ان هذا المولود ليس له أب ولا أم. ولا عشيرة من طرف أمه ولا أبيه.
واما الشخص الذي قام بهذه المحاولة، فلا يكون أباً أو أماً طبعاً.
كما ان شخصاً لو دفع مالا ليشتري المولود ليكون ابنه تكون المعاملة باطلة والمال حراماً.
وهذه الصورة ككثير من الصور السابقة من مضاعفات وجود التلقيح
ــــــــــــــــــــ[42]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الصناعي المؤسفة أخلاقياً واجتماعياً.
إلاّ ان الذي يهون الخطب في هذه الصورة عدم وجود أو نجاح الرحم الصناعية والحيوانية لتربية الجنين البشري. فيبقى احتمال تحقق هذه الصورة ضعيفاً في العصر الحاضر، على الأقل.
الماء من رجل محرم (شرعاً):
يعني محرم على المرأة الطالبة للتلقيح أو على الحامل بالجنين، على اختلاف الصور الآتية كما لو كان أخاها أو ابنها أو أباها، أو عمها أو خالها.
وهذا هو العنوان الأخير لاحتمالات مصدر الماء الذكوري الذي ذكرناه تحت عنوان أقسام التلقيح الصناعي. وسيكون هنا آخر عناوين الصور التي نتحدث عنها تباعاً.
والمحذور الرئيسي لهذا العنوان، هو دخول ماء رجل محرم في رحم امرأة محرم، وهو أشد حرمة من التقاء بويضة وحويمن أجنبيين أو دخول حويمن أجنبي في رحم أجنبية. وعليه تعزير ان حصل ذلك. وهذا المحذور سار وجار في كل الصور الآتية باعتبار انها جميعاً ستكون منطلقة من هذا العنوان وقائمة على افتراض تحققه.
هذا مضافاً إلى مشاكل إدخال وإخراج البويضة والحويمن السائدة في كل الصور(1).
ــــــــــــــــــــ[43]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) هذا وإذا كان الرجل (المحرم) متزوجاً، فلا أهمية لزوجته في موضوع مسألتنا، بمعنى انها لا يحتمل أن تكون أماً بصفتها (فراشاً) لليقين بعدم مشاركتها. نعم لو فرض مشاركتها في بعض الصور كما سيأتي، فسيأتي حكمها.
وإذا لم يكن الرجل متزوجاً لزم محذور وجود الذرية لغير المتزوجين. والنسب سيكون دائماً غريباً، ومن هنا يكون الإرث مشكلاً فقهياً والأصل عدمه مع الشك فيه.
ومن هنا سوف نقتصر في الآتي على المحاذير التي تختص بها الصور غير هذه التي ذكرناها الآن لينقطع التكرار:
الصورة الأولى: ان تكون البويضة لامرأة متزوجة، وهي التي تكون الحامل.
وهي الأم والرجل المحرم هو الأب في حدود وجوب النفقة على المولود. من دون وجود زوجية بينهما.
الصورة الثانية: ان تكون البويضة لامرأة متزوجة والحامل امرأة أخرى متزوجة، والرجل محرم لإحداهما أو كلاهما.
والحكم ان صاحب الحويمن هو الأب والحامل هي الأم.
الصورة الثالثة: ان تكون البويضة لامرأة متزوجة، والحامل امرأة غير متزوجة.
ولها نفس المحاذير السابقة والحكم السابق. مع إضافة محذور حدوث الذرية للمرأة غير المتزوجة.
الصورة الرابعة: ان تكون البويضة لزوجة صاحب الحويمن. والحامل امرأة أخرى هي من محارمه.
وقد سبق ما يشبه ذلك في بعض العناوين السابقة وأتضح حكمها. كل الفرق هو ان المبادرة هناك من الزوجين وهنا من الحامل نفسها. ولا يختلف الحال بين ما إذا كانت الحامل متزوجة أو لا. غير انها لو كانت غير متزوجة لزم محذور حصول الذرية لها.
الصورة الخامسة: عكس الرابعة. بمعنى ان تكون البويضة من امرأة محرم للزوج والحامل هي زوجته.
ــــــــــــــــــــ[44]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
والأب والأم هنا هما الزوجان. ولا أثر لصاحبة البويضة من ناحية الحكم بالأمومة. نعم يكون التقاء بويضتها بحويمن الرجل المحرم حراماً.
الصورة السادسة: ان تكون البويضة من امرأة مجهولة الهوية. والماء من رجل محرم على الحامل.
وفيها من المحاذير ما عرفناه بما فيها إدخال حويمن المحرم في رحم امرأة محرم عليه.
وحكمه: ان الأب هو صاحب الماء والأم هي الحامل. ولا أثر لصاحبة البويضة، مجهولة كانت أو معلومة.
كما لا فرق بين ان تكون الحامل متزوجة أو لا. الا من ناحية احتمال ان يكون زوجها هو الأب، وقد سبق أن ناقشناه في أمثاله.
الصورة السابعة: ان تكون البويضة من امرأة محرم. والرحم المستعمل رحم صناعية أو حيوانية.
وفيها محذور التقاء حويمن وبويضة محرمين ومحرّمين. ولو في رحم صناعية أو حيوانية، فانه شديد الحرمة. ولا يفرق في ذلك بين ان يكونا متزوجين أو يكون أحدهما متزوجاً.
والأب سيكون هو صاحب الحويمن والأم هي صاحبة البويضة، لعدم وجود الحامل البشري هنا. ولا دخل لأزواج هذين الشخصين في الأبوة والأمومة، كما عرفنا.
فهذه ثلاث وأربعون صورة ذكرناها تحت خمس عناوين. وقد عرفنا ان أكثر الصور لا تحتوي على احتمال واحد بل على عدة احتمالات. الأمر الذي يصعد بعدد الصور كثيراً. ولكننا مع ذلك لا نحسب اننا استوعبنا احتمالات وصور التلقيح الصناعي، وان كنا قد ضبطنا أكثرها وأهمها. كما قد ضبطنا
ــــــــــــــــــــ[45]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
المحاذير أو المحرمات التي تترتب عليها. بل يكون للقارئ التفكير في استنتاج صور أخرى، واخذ أحكام تفاصيلها من أمثالها مما ذكرنا. وعلى العموم فهذا الكتاب ليس رسالة عملية، لكي يطلب فيه الاستيعاب. بل يكفي فيه مقدار كاف من الأمثلة التي تعطي الفكرة الكافية.
التعقيب بأمور:
لا بد لنا في نهاية الكلام عن التلقيح الصناعي التعقيب بعدة أمور، لكي نكشف الغموض عن بعض الأمور مما سبق أو مما لم يسبق:
الأمر الأول: في حكم تأسيس مصرف التلقيح الصناعي.
فقد نتصور تأسيس مصرف بهذا الخصوص لأجل امداد النساء العواقر بالحيامن والبويضات.
أو نتصور ان الأمر في المصرف أوسع من ذلك، كما لو كان يحتوي على كل ما يرتبط بجسم الإنسان كالدم أو الأعضاء كاليد والرجل الطبيعيتين -لو أمكن حفظهما لاستعمالهما- والعين والأذن وغير ذلك. ويحتوي أيضا على مخزن لحفظ الحيامن والبويضات.
ونخص الحديث بخصوص حفظ الحيامن والبويضات. لأنه المرتبط بالتلقيح. ويطول بنا الكلام ان تعرضنا لغيرها.
ان تأسيس مثل هذا المصرف محرم شرعاً من ناحية أسبابه. ومن ناحية نتائجه.
اما من ناحية أسبابه، فانه متوقف كما هو معلوم على إخراج البويضات من النساء والحيامن أو المياه من الرجال من دون هدف معين بذاته، بل لمجرد احتمال الاستفادة منها.
ــــــــــــــــــــ[46]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وهذا الإخراج يواجه نوعين من المحرمات:
النوع الأول: ما أشرنا إليه من أول هذا الفصل من حرمة الاستمناء الذاتي، وحرمة إطلاع الآخرين على العورة ولمسها واستمنائها. سواء كان الفاعل رجلاً أو امرأة.
وكذلك الحال في المرأة فإن استخراج البويضة فيها يلازم كشف العورة ولمسها. وهما محرمان على كل رجل وامرأة غير الحليلين.
وقد ذكرنا هناك بعض الأساليب لتلافي هذه الحرمة. وهي صحيحة الا انها أولاً: صعبة التطبيق على مؤسسة لهذا المصرف المفترض وجوده. وثانياً: لأنها لا تنطبق على الجميع، كما عرفناه خلال الحديث في هذا الفصل من انها لا تنطبق على غير المتزوجين والمتزوجات. فان من لا يكون له حليل أو حليلة لا يوجد أحد على وجه الأرض من المكلفين من يستطيع ان ينظر إلى عورته غير هو نفسه.
وما ذكرناه هناك من رجحان عدم حرمة الاستمناء لأجل غرض عقلائي، كالاستيلاد. قد يستشكل فيه هنا. لما ذكرناه قبل قليل من عدم وجود هدف معين بالذات له. بمعنى استهداف استيلاد معين، بل الهدف هو تأسيس المصرف أو امداد المصرف بالمياه الذكورية ليس إلا. أو قل: هو الحصول على المال الذي يدفعه المصرف بإزائه واما صرفه فعلا في التوليد فليس أكيداً كما هو معلوم.
ومعه لا يكون جوازه واضحا فقهياً، ولا يمكن قياسه على صورة الجواز. فيبقى على الحرمة تمسكاً بالإطلاقات.
واما الحرمة في نتائجه فمن المعلوم ان كل شيء يسببه الحرام، فهو حرام.
وسبق ان عرفنا محاذير التلقيح، من اجتماع حويمن وبويضة لشخصين غير
ــــــــــــــــــــ[47]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
حليلين، ومن دخول حويمن أجنبي في رحم أجنبية. ومن دخول حويمن محرم في رحم محرم الذي هو اشد حرمة.
هذا بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى، كالدين. إذ لا يبعد القول بحرمة دخول حويمن رجل كافر في رحم مسلمة، كما يحرم التقاء حويمن رجل كافر مع بويضة امرأة مسلمة، في رحمها أو في رحم أخرى إنسانية أو صناعية أو حيوانية.
إذن فتأسيس مثل هذا المصرف حرام في أسبابه وفي نتائجه. إذ من الواضح انه يوصل إلى تلك النتائج بالضرورة، وإلا لسقطت المنفعة منه. إذن فيكون تأسيسه حراماً.
وقد يقال: بشكل أو نوع آخر للحرمة هي حرمة بيع العين النجسة وشرائها. والمني في الشريعة من الأعيان النجسة فيكون شراء المصرف له من صاحبه حراماً والمعاملة باطلة والثمن سحتاً. وكذلك بيع المصرف له على الآخرين. إلا أن الأقوى إننا لو اقتصرنا على ذلك لم يدخل في حيز الحرمة لعدم وجود إطلاق أو أصل يحرم صورة بيع الأعيان النجسة مطلقاً، حتى في صورة الاستفادة العقلائية منها. فتبقى إذن تحت إطلاقات الجواز.
الا أن هذا إنما يصح بغض النظر عن الأسباب والنتائج المحرمة السابقة، أي بعد فرض حليتها من باب التنزل جدلا. ولكن مع أخذها بنظر الاعتبار كما هو الصحيح، تكون المعاملة على عين النجاسة باطلة، لأن الغرض وان كان عقلائياً له، إلا انه ممنوع منه شرعاً، فهو شراء له ليكون سبباً للحرمة. فيكون الشراء باطلا والمال حراماً.
الأمر الثاني: أشرنا خلال هذا الفصل انه مع التلقيح المتبادل بين المحارم سيكون النسب غريباً. كما في الأخ وأخته والأب وبنته والعمة وابن أخيها وغير ذلك.
ــــــــــــــــــــ[48]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وهذا ليس من باب الزنا، إلا انه محرم، بل شديد الحرمة. ونذكر الآن بعض أمثلته وشيء من أحكامه، والكلام المفصل في ذلك موكول إلى كتاب الإرث.
ويحسن ان نقتصر هنا على ثلاث أمثلة:
المثال الأول: فيما إذا كان الرجل والمرأة أخاً وأختاً. ونريد بها الحامل الذي يلحق بها الولد، وتكون أمه.
اما من ناحية صاحبة البويضة، من دون حمل، فان كان صاحب الحويمن أخاها، ففيها حرمة من ناحية التقاء البويضة والحويمن لشخصين أحدهما محرم على الآخر. ولكن لا إشكال من ناحية النسب والإرث لما عرفناه من ان صاحبة البويضة ليست أماً بل الأم هي الحامل به خاصة. تمسكاً بقوله تعالى: إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ الا اللَّائِي وَلَدْنَهُم.
وعلى أي حال فسيكون المولود ابناً وابن أخ للأم وابناً وابن أخت للأب ولأولاد الأم أخاً وابن خال ولأولاد الأب أخاً وابن عمة. وبالنسبة إلى أبي الأخوين (الذكر والأنثى) سيكون الولد ابن ابنه وابن بنته.
وهذا الاختلاف في النسب يترتب عليه عدة نتائج:
النتيجة الأولى: الاختلاف في الزواج. فهذا المولود بالتلقيح بالنسبة إلى أولاد الأخ أو الأخت الآخرين، سيكون ابن خالهم أو ابن عمتهم، كما سبق. وهو بهذه الصفة يجوز التزاوج بينهم. ولكن باعتباره أخاً لأم -في أولاد الأم (الأخت)- وأخا لأب -في أولاد الأب (الأخ)-. فبهذا الاعتبار يكون الزواج بينهم محرماً. وهذه الصفة هي التي تكون متقدمة فقهياً. بمعنى ان الفتوى الفعلية هي حرمة الزواج بينهم.
النتيجة الثانية: جواز النظر مع الاختلاف في الجنس، فهو بصفته ابن أخ
ــــــــــــــــــــ[49]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وابن أخت يعتبر (محرماً) ويجوز النظر إليه. ولكن بصفته ابن عمة أو ابن خال، ليس محرماً ولا يجوز النظر إليه، وهو بمنزلة الأجنبي في الاصطلاح الفقهي.
النتيجة الثالثة: في النسب وهو واضح بعد الذي عرفناه انه يجمع بين كونه أخاً وابن خال وهكذا، وهذا ما لا يحدث عادة في الزواج الملتزم بالنظام الشرعي الاعتيادي. ومن هنا قلنا ان التلقيح الصناعي ينتج انساب غريبة، بل اختلاطاً بالأنساب. الأمر الذي يجعله بهذا العنوان، وبغض النظر عن أي شيء آخر، حراماً.
النتيجة الرابعة: الاختلاف في الإرث. فان الفرد بصفته أخاً هو من الطبقة الثانية في الميراث، كما سيأتي في محله. وبصفة ابن خال هو من الطبقة الثالثة. والطبقة الأولى متقدمة وأولى بالميراث من الثانية، وهي تحجب الثانية عن ميراثها.
والنتيجة هي ان مثل هذا الفرد يرث بصفته الأولى لا بصفته الثانية، أي بالصفة الحاجبة لا بالصفة المحجوبة.
فهذا هو ملخص الكلام في المثال الأول.
المثال الثاني: فيما إذا كان الرجل والمرأة الذين تم بينهما التلقيح، بالطريقة المحرمة التي عرفناها، كانا أباً وبنتاً، فيصبح المولود بالنسبة إلى الأب ابنه وابن بنته وبالنسبة إلى البنت (الأم) ابنها وأخاها (لأنه ابن والدها).
وأما بالنسبة إلى النتائج مما يماثل ما قلناه في المثال الأول. فأن النتيجة الأولى غير مترتبة، لأنه يحرم الزواج على كل حال من المولود، لو كان الجنس مختلفاً، على كل من الأب وأولاده الآخرين والبنت وأولادها وأولاد أخوتها وأخواتها، بمعنى أحفاد الأب المشار إليه.
ــــــــــــــــــــ[50]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وإنما قلنا ان النتيجة الأولى غير مترتبة لأنها إنما تترتب حقيقة، فيما إذا كان الأمر على أحد التقديرين جائزاً وعلى أحد التقديرين غير جائز. واما إذا كان له حكم واحد على كل تقدير، فهذا معناه عدم ترتب النتيجة.
وكذلك النتيجة الثانية لا تترتب، لأن المولود يعتبر(محرماً) شرعياً يجوز النظر اليه على تقدير اختلاف الجنس من قبل أبيه وأمه. ومن قبل أخوته وأخواته لأبيه ومن قبل أخوته وأخواته لامه.
ولكن النتيجتين الأخيرتين تترتبان.
اما النتيجة الثالثة فواضحة لما قلناه من ان المولود يختلف عنوان نسبه بالنسبة إلى أبيه وأمه. فهو للأب ابنه وابن بنته، وللام ابنها وأخوها. واما الرابعة، فتترتب باعتبار ان الولد يرث بصفته ابناً لا بصفته ابن بنت أو أخ. وتلك صفة حاجبة عن ميراث الصفة الثانية بل حقيقة نسبه عرفاً هو ذلك لا غير.
المثال الثالث: فيما إذا كان الرجل والمرأة عمة وابن أخيها. فيكون المولود ابناً للرجل وابن عمته، وللمرأة ابناً لها وابن ابن أخيها، ويكون المولود بالنسبة إلى والد الرجل ابن ابنه وابن أخته. وهكذا.
واما بالنسبة إلى النتائج السابقة فتترتب جميعاً:
أما الأولى: فان عناوين: الابن وابن الابن وابن الأخت عناوين محرمة على الزواج. بخلاف عنوان ابن العمة، فانه غير مانع. وقلنا في المثال الأول أن مقتضى القاعدة هو إتباع العنوان المحرم، أي الفتوى بحرمة الزواج.
وأما النتيجة الثانية، وهي جواز النظر مع اختلاف الجنس، فالعناوين التي يحرم فيها الزواج مما سمعناها قبل قليل يجوز فيها النظر. والعنوان الذي يجوز فيه الزواج يحرم فيه النظر. ومعنى ذلك عملياً انه بالنسبة للمرأة فالنظر جائز
ــــــــــــــــــــ[51]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
على كل حال كما ان حرمة التزاوج ثابتة على كل حال. لأن كلا العنوانين الثابتين للمولود يقتضي ذلك وهما كونه ابنها وابن ابن أخيها.
واما بالنسبة إلى الرجل. فإن العنوان الأول للمولود -إذا كان بنتاً- فهو يقتضي جواز النظر وحرمة الزواج منها، دون العنوان الآخر، وهو عنوان ابن العمة.
وأما النتيجة الثالثة: وهي الاختلاف بالنسب باعتبار اختلاف العناوين، فواضحة بعد الذي أسلفنا.
وأما الرابعة: فالمولود يرث بصفته ابناً لوالديه لا بالصفة الأخرى، فان صفة الابن تكون متقدمة وحاجبة عن الصفة الأخرى. وهي الثابتة عرفاً وعملياً له.
واما بالنسبة إلى أولاد أمه، فهم أخوته لأمه وأولاد عمة أبيه. والصفة الأولى أيضا متقدمة وحاجبة للثابتة. وبالنسبة إلى أولاد أبيه فهم أخوته لأبيه، وليس لهم صفة قريبة أخرى.
واما بالنسبة إلى والد الرجل، فيتوارثان أيضا بالصفة أو العنوان الأقرب، وهو بصفته ابن أبيه لا بصفته ابن أخته. فإنها أيضاً أقوى وحاجبة للصفة الأخرى.
فهذا هو الكلام في الأمر الثاني.
الأمر الثالث: في ذكر بعض الأمور القبيحة والفضيحة التي يؤدي إليها التلقيح لو قدر للقانون ان أباحه إباحة عامة.
وقد حملنا فكرة عن بعضها فيما سبق، فهنا نوضحها ونضيف إليها. وبتعبير آخر: اننا نتكلم عنها ههنا من هذه الوجهة بالذات، وهي ما يترتب على التلقيح الصناعي من أمور قبيحة في الدين وفي المجتمع.
وقد حملنا فكرة كافية عن طريقة استخراج الحويمن من الرجل وإخراج
ــــــــــــــــــــ[52]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
البويضة من المرأة وإدخالها فيها وما في ذلك من محرمات. فلا نكرر. وإنما التركيز على الأمور الأخرى.
فأهم ما يترتب من نتائج هي كما يلي:
النتيجة الأولى: حصول الذرية لغير المتزوجين. رجلا كان أو امرأة لمجرد انه كان الحويمن منه أو منها البويضة أو الحمل على تفصيل سبق. وهذا يعني أيضا تربية المولود بدون أسرة …
النتيجة الثانية: فض بكارة الباكر فان كل العمليات في التلقيح الصناعي تستوجب ذلك. سواء إخراج البويضة أو إدخالها أو وضع الحمل.
النتيجة الثالثة: حصول الذرية بين رجل وامرأة هما من المحارم، كأخ مع أخته أو أب مع بنته أو أبن مع أمه وغير ذلك.
النتيجة الرابعة: حصول انساب غريبة مختلطة الجهات، عند التلقيح من المحارم. كما سبق ان عرفنا.
النتيجة الخامسة: حصول ذرية لا يعرف لهم أب أو أم، أو لا يعرف له كلا الوالدين. وذلك -كما عرفنا- حين يكون الرجل أو المرأة أو كلاهما مجهولي الهوية.
ومعنى كون الفرد بدون والدين: أنه لا مربي له ولا ولي له بالأصالة، ولا عشيرة له. بل سيكون عالة على المجتمع، ومعقد نفسياً من حالته الشاذة تلك.
النتيجة السادسة: دخول حويمن لرجل أجنبي غير حليل في رحم امرأة أجنبية. كما عرفنا حصوله في كثير من الصور السابقة.
النتيجة السابعة: دخول حويمن (محرم) في رحم امرأة محرم. كما عرفنا حصوله في عدد من الصورة السابقة.
ــــــــــــــــــــ[53]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وهاتان النتيجتان محرمتان سواء قدر للجنين البقاء أم مات في رحم أمه. بل لو تم التلقيح أو لم يتم. وبهذا تختلف هاتان النتيجتان عن النتائج السابقة.
النتيجة الثامنة: تلقيح بويضة لامرأة أجنبية بحويمن لرجل أجنبي. وهذا غير مجرد دخول الحويمن في رحمها. فان دخوله محرم وتلقيحها محرم.
وقد عرفنا حصول هذه النتيجة في كثير من الصور.
النتيجة التاسعة: تلقيح بويضة لامرأة (محرم) بحويمن لرجل محرم. وهذا غير مجرد دخول الحويمن في رحمها. فانه ان دخل كان حراماً وان لقح البويضة كان حراماً آخر.
النتيجة العاشرة: ان انتشار مثل هذه العمليات المحرمة لها مردودات نفسية لدى أفراد المجتمع مهمة، أهمها: كثرة (أولاد الحرام) غير الشرعيين بين الناس. ومنها: استهانة الناس بالمحرمات المربوطة بالزواج والأنساب. مع العلم انها في الشريعة من أهم موارد الاحتياط. وهو الاحتياط (في الفروج والدماء).
ومنها: إعراض الناس عن الطرق المحللة للزواج. بعد ان كان التلقيح أقل كلفة بكثير في أوله وفي استمراره. فالتلقيح اقل كلفة من الزواج بكثير. كما انه ان حصل منه مولود كان الواجب الإنفاق عليه، اما لو حصل المولود من الزواج، كان من الواجب الإنفاق عليه وعلى أمه. فيكون الإنفاق أكثر. فيكون التلقيح أسهل اقتصادياً.
ومن المعلوم ان السهولة الاقتصادية إذا صادفت في أسبابها محرماً أو أكثر في الشريعة، وقف أمرها وامتنع حصولها شرعاً. وسيكون بذل المال الزائد تطبيقاً للحكم الشرعي وتركاً للمحرم من موارد الجهاد المسبب للحصول على رضاء الله سبحانه واندفاع غضبه وانتقامه.
ــــــــــــــــــــ[54]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل في خصائص النبي
ذكر المحقق الحلي في الشرائع وغيره، في كتاب النكاح باباً أو فصلا في خصائص النبي ، باعتبار خصائصه المتعلقة بزوجاته، فيناسب ذلك ذكرها في كتاب النكاح. وقد حذف الفقهاء المتأخرون التعرض لذلك، باعتبار انه لا يعود إلى عمل المكلف، وفائدته تنحصر بالفوائد النظرية ومجرد المعرفة والاطلاع.
وقد رأينا متابعة من ذكر هذه الخصائص حتى وان كانت فوائدها نظرية. فأن الفوائد النظرية تزيد أهمية وعمقاً على الفوائد العملية، بل هي في كثير من الأحيان أكثر ضرورية فيها. فما أحسن ان يعرف الفرد المسلم الصفات التي كان يتصف بها نبيه .
والمراد بالخصائص هنا، تلك الصفات التي كان النبي يتصف بها، ولا يشاركه فيها غيره من الخلق أو من البشر. وهي كثيرة جداً، حسب ما هو وارد في الكتاب الكريم والسنة الشريفة وضرورة الدين والإجماع، ونحوها من الأدلة.
وهذه الخصائص تنقسم إلى خصائص فقهية، لو صح التعبير، وخصائص غير فقهية. ويراد بالفقهية منها ما يرجع إلى تكليفه العملي مما يختص به. وهذا أيضا ينقسم إلى ما يعود إلى زوجاته والى غير ذلك، على ما سنسمع.
ــــــــــــــــــــ[55]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ويراد بالخصائص غير الفقهية ما يعود إلى أصل خلقة النبي أو عموم ولايته أو الكرامات المعطاة له من الخالق العظيم، وغير ذلك من الأمور. ونحن نقدم الكلام عن هذا القسم، فانه الأهم والأشمل من خصائصه ، ثم نذكر الخصائص الفقهية بعد ذلك. ونسمي الخصائص غير الفقهية كما يلي:
الخصائص التكوينية
ويراد بها، كما أشرنا ما يعود إلى غير الجهة العملية الشرعية للنبي .
وهي عديدة جداً، ولعلها فوق الإحصاء. وبالتأكيد فان فهم أكثرها على واقعها أمر متعذر للمستوى البشري بل لكل الخلق. يكفينا ما ورد عنه من قوله: “يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت وما عرفني إلا الله وأنت وما عرفك إلا الله وأنا”. فالمعرفة الدقيقة تختص بخاص الخاص، ولا يمكن ان تعم أحداً سواه. ومن هنا فعلينا الآن ان نذكر النص الدال على الصفة، مع شرحه حسب الإمكان من دون عمق، لكي لا نكلف القارئ ما لا يطيق.
وهذه الخصائص التكوينية نستفيدها أولاً من القرآن الكريم. فان زعمنا لأنفسنا اننا انتهينا من ذلك عرّجنا على السنة الشريفة بما فيها من الأدعية والزيارات الواردة لكي نستنطقها عن ذلك. في حدود المصادر المتوفرة.
من القرآن الكريم:
قال الله سبحانه(1): يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا. فهو :
1- الشاهد على الخلق في انهم هل يطيعون التعاليم التي جاء بها أو
ــــــــــــــــــــ[56]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الأحزاب: 45-46.
يعصونها.
2- وهو المبشر بالجنة لمن أطاع الله سبحانه.
3- وهو النذير بالعقاب لمن عصى الله سبحانه.
4- وهو الداعي إلى الله بإذن الله سبحانه، أي الداعي إلى طاعته ورحمته.
5- وهو السراج المنير بالعلم والحق والهدى.
6- وهو المرسل رحمة للعالمين. قال سبحانه(1): وَمَا أَرْسَلْنَاكَ الا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
7- وهو المرسل إلى كافة الناس. قال سبحانه(2): وَمَا أَرْسَلْنَاكَ الا كَافَّةً لِلنَّاس. وهو اما بمعنى الجميع: يعني أرسلناك إلى الناس جميعاً. أو بمعنى الكف: يعني انه مرسل لكي يكف الناس عن المظالم والذنوب إلى الطاعات والحق والعدل.
8- وهو رسول الله قال سبحانه: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه. وقال جل جلاله: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ. يعني فيها كتابات ذات قيمة عظيمة. ويراد بها القرآن الكريم.
9- وهو الذكر قال الله سبحانه(3): فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.
10- وهذه الآية الكريمة وعدد آخر تدل أيضا على أنه : التالي. لأنه
ــــــــــــــــــــ[57]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الأنبياء: 107.
(2) سبأ: 28.
(3) الطلاق: 10ـ 11.
يتلو علينا آيات الله مبينات.
11- وهو أيضا يخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات، من ظلمات الغواية والجهل إلى نور الحق والعدل. كما سمعنا من الآية نفسها.
12- وطاعته مقرونة بطاعة الله سبحانه وكلاهما واجبة. قال سبحانه(1): يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول
13- بل طاعته هي طاعة الله سبحانه: قال تعالى(2): مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ.
14- والاستجابة إليه مقرونة بالاستجابة لله سبحانه. قال تعالى(3): الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُول.. وقال جل جلاله(4): اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ.
15- والإيمان به مقرون بالإيمان بالله جل جلاله قال سبحانه(5): وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا.
16- وولايته مقرونة بولاية الله تعالى. قال جل جلاله(6): إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا. وقال(7): وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فان حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ.
ــــــــــــــــــــ[58]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) النساء: 59.
(2) النساء: 80.
(3) آل عمران: 172.
(4) الأنفال: 24.
(5) النور: 47.
(6) المائدة: 55.
(7) المائدة: 56.
17- وفضله مقرون بفضل الله. قال تعالى(1): وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُه. وقال(2): وَمَا نَقَمُوا الا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِه.
18- وصدقه مقرون بصدق الله سبحانه(3): وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُه.
19- ونصره مقرون بنصر الله سبحانه: قال جل جلاله(4): وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه.
20- وعزته مقرونة بعزة الله سبحانه: قال تعالى(5): وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
21- والكفر به مقرون بالكفر بالله سبحانه. قال جل جلاله(6): إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ.
22- وعصيانه مقرون بعصيان الله سبحانه قال تعالى(7): وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فان لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً.
23- وشقاقه، أي المعاندة ضده، مقرونة إلى الشقاق ضد الله سبحانه قال الله عز وجل(8): ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَه.
ــــــــــــــــــــ[59]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) التوبة: 59.
(2) التوبة: 74.
(3) الأحزاب: 22.
(4) الحشر: 8.
(5) المنافقون: 8.
(6) التوبة: 84.
(7) الجن: 23.
(8) الحشر: 4.
24- ومحادته، أي الكيد له والعمل ضد أهدافه، مقرونة بمحادة الله تعالى. قال جل جلاله(1): إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ. وقال سبحانه(2): إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
25- وحربه مقرون بحرب الله سبحانه قال تعالى(3): فان لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. أي توقعوا ذلك.
26- ومحاربته مقرونة بمحاربة الله سبحانه. قال جل جلاله(4): إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً.
27- وبراءته مقرونة ببراءة الله سبحانه قال تعالى(5): بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
28- ورضاؤه مقرون برضاء الله جل جلاله قال تعالى(6): وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ.
29- وإيذاؤه مقرون بإيذاء الله سبحانه. قال سبحانه(7): إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
30- وعهده مقرون بعهد الله تعالى. قال جل جلاله(8): كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ.
ــــــــــــــــــــ[60]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المجادلة: 20.
(2) المجادلة: 5.
(3) البقرة: 279.
(4) المائدة: 33.
(5) التوبة: 1.
(6) التوبة: 62.
(7) الأحزاب: 57.
(8) التوبة: 7.
31- وعطاؤه مقرون بعطاء الله تعالى. قال سبحانه(1): وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ.
32- ودعوته مقرونة بدعوة الله سبحانه قال تعالى(2): وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُم.
33- ووعده مقرون بوعد الله جل جلاله. قال تعالى(3): قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
34- وقضاؤه مقرون بقضائه تعالى. قال سبحانه(4): وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.
35- وتوقيره مقرون بتوقير الله تعالى. قال سبحانه(5): لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً.
36- والحيف منفي عنه وعن الله عز وجل. قال تعالى(6): أم يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ.
37- وهو الذي أرسله الله سبحانه(7): بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.
ــــــــــــــــــــ[61]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) التوبة: 59.
(2) النور: 48.
(3) الأحزاب: 22.
(4) الأحزاب: 36.
(5) الفتح: 9.
(6) النور: 50.
(7) الفتح: 28.
38- وهو أولى بالنبي إبراهيم الخليل. قال تعالى(1): إِنَّ أولى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا.
39- وهو الذي يؤمن بالله سبحانه وكلماته. قال تعالى(2): فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ.
40- وهو النبي الأمي، كما دلت عليه الآية الكريمة. وهذا الوصف اما بمعنى انه من أم القرى وهي مكة المكرمة. أو بمعنى انه لا يعرف القراءة والكتابة ظاهراً وان كان يعرفها بعلم النبوة. وذلك قطعاً لإرجاف الكفار والمنافقين في دعوته . اما انه لم يكتب طول حياته حرفاً، فهذا أكيد، ودل عليه القرآن الكريم(3): وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ.
وهي دالة على نفي القراءة على الصفحات أيضا. والمراد بالكتاب: الكتابة.
41- وهو المرسل بالحق. قال تعالى(4): إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً.
42- وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم. قال تعالى(5): النَّبِيُّ أولى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
ــــــــــــــــــــ[62]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) آل عمران: 68.
(2) الأعراف: 158.
(3) العنكبوت: 48.
(4) البقرة: 119. وسورة فاطر: 24.
(5) الأحزاب: 6.
43- أزواجه أمهات المؤمنين. قال تعالى(1): وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ. وهو مؤول بالنفوس الطاهرة للأولياء.
44- وهو خاتم النبيين. قال تعالى(2): وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ.
45- ان الأديان السابقة وان اختلفت عن شريعة الإسلام بالتفاصيل، الا انها لا تختلف عنها بالمضمون والجوهر. فشريعة الإسلام، التي جاء بها النبي شاملة للبشر أجمعين حتى قبل البعثة. قال تعالى(3): قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ ابراهيم وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
وقال تعالى(4): هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا.
وقال سبحانه(5): فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وقال جل وعلا(6): وَإِذْ أَوْحَيْتُ إلى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ.
وكذلك الحال في الجن. قال تعالى(7): وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُون.
46- وهذا يدل على ان شريعته عامة للإنس والجن معاً.
47- وهو الذي بشر به النبي عيسى بن مريم . قال تعالى على
ــــــــــــــــــــ[63]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الأحزاب: 6.
(2) الأحزاب: 40.
(3) البقرة: 133.
(4) الحج: 78.
(5) الذاريات: 36.
(6) المائدة: 111.
(7) الجن: 14.
لسانه(1): وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.
48- وهو الذي كان يعلم ببعثته علماء بني إسرائيل. قال تعالى(2): أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ.
49- ولم يعلّمه الله عز وجل الشعر لما فيه من خلة ونقص في مقامه. قال تعالى(3): وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ الا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ.
50- وهو السميع البصير بنص آية الاسراء. قال سبحانه(4): سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ. ويراد به هنا شخص النبي. واما كون الله سبحانه سميعاً بصيراً فهو ثابت في آيات أخرى عديدة.
51- وتدلنا هذه الآية على انه عبد الله عز وجل وهذا من أعظم صفاته وهو مكرر في القرآن الكريم. وفي الخبر عنه ان الله اختارني عبداً قبل ان يختارني رسولا.
52- كما تدل هذه الآية أنه صاحب الإسراء. وأنه رأى وسمع الآيات البينات. وهذا واضح.
53- وهو : الرسول. قال سبحانه(5): إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ.
54- وهو(6): ذِي قُوَّة.
ــــــــــــــــــــ[64]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الصف: 6.
(2) الشعراء: 197.
(3) يس: 69.
(4) الإسراء: 1.
(5) التكوير: 19.
(6) التكوير: 20.
55- وهو(1): عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ.
56- وهو(2): مُطَاعٍ ثَمّ أي هناك، يعني في العالم الأعلى وفي الملأ الأعلى.
57- وهو(3): أَمِينٍ.
58- وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (4) أي ببخيل.
59- وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (5).
60- إِنْ هُوَ الا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (6) على تأويل رجوع الضمير إليه .
هذا مضافاً إلى ما ذكر في سورة النجم وغيرها مما لا ينبغي الإطالة به.
فهذه ستكون صفة قائمة به بنص القرآن الكريم. وهناك صفات أخرى عديدة لا حاجة إلى استيعابها.
وكان بعض تلك الصفات مشتركة بينه وبين غيره، مع اننا قد ذكرناها تحت عنوان انها الصفة التي يختص بها. والوجه في ذلك ان كل صفة مشتركة فهي:
أولاً: ان ذكره متقدم في الآية على غيره.
ثانياً: انه أولى بالاتصاف بها من غيره.
ثالثاً: انه أكثر اتصافاً بها من غيره. فمثلا قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ
ــــــــــــــــــــ[65]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) التكوير: 20.
(2) التكوير: 21.
(3) التكوير: 21.
(4) التكوير: 24.
(5) التكوير: 22.
(6) التكوير: 27.
وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ. فان العزة العليا لله عز وجل لا يشاركه فيها احد. ثم هي لرسوله لا يشاركه في مرتبته أحد. ثم هي بعد ذلك للمؤمنين جميعاً.
من السنة الشريفة:
بعد أن حملنا فكرة كافية عن صفات رسول الله في القرآن الكريم، ينبغي لنا ان نجدد نظرة في السنة الشريفة، بما في ذلك الأدعية والزيارات، التي هي في واقعها من السنة، بصفتها مروية عن القادة المعصومين.
قال في الدعاء(1): “اللهم صلِّ على محمد سيد المرسلين وخاتم النبيين وحجة رب العالمين المنتخب في الميثاق المصطفى في الظلال المطهر من كل آفة البريء من كل عيب المؤمل للنجاة المرتجى للشفاعة المفوض إليه دين الله. اللهم شرِّف بنيانه وعظِّم برهانه وافلج حجته وارفع درجته وأضئ نوره وبيض وجهه. وأعطه الفضل والفضيلة والمنزلة والوسيلة والدرجة الرفيعة، مقاماً محموداً يغبطه به الأولون والآخرون”.
وهذا النص يحتوي على عشرة صفات واثنا عشر دعاء بإعطائه صفات معينة. ومن المسلّم به ان الدعاء بحقه مستجاب. فهذه الأدعية تدل على ثبوت هذه الصفات له فعلا. ولم يتكرر فيها عما ذكرناه من القرآن الكريم الا صفة (خاتم النبيين). فتكون الصفات غير المكررة إحدى وعشرين. فيكون بإضافته إلى الستين السابقة إحدى وثمانون.
وقال في زيارته (2): “اشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له. واشهد ان محمداً عبده ورسوله وانه سيد الأولين والآخرين وانه سيد الأنبياء والمرسلين”.
ــــــــــــــــــــ[66]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) مفاتيح الجنان: ص51 وما بعدها.
(2) المصدر: ص319 وما بعدها إلى عدة صفحات.
ثم يقول: “اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا خَليلَ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا نَبِيَّ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا صَفِيَّ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا رَحْمَةَ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا خِيَرَةَ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا حَبيبَ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا نَجيبَ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا خاتَمَ النَّبِيّينَ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا سَيِّدَ الْمُرْسَلينَ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا قائِماً بِالْقِسْطِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا فاتِحَ الْخَيْرِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا مَعْدِنَ الْوَحْيِ وَالتَّنْزيلِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا مُبَلِّغاً عَنِ اللهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا السِّراجُ الْمُنيرُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا نَذيرُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا مُنْذِرُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا نُورَ اللهِ الَّذي يُسْتَضاءُ بِهِ”.
ثم يقول: “اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا اَحْمَدُ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا حُجَّةَ اللهِ عَلَى الأَوَّلينَ وَالآخِرِينَ وَالسّابِقَ إلى طاعَةِ رَبِّ الْعالَمينَ، والْمُهَيْمِنَ عَلى رُسُلِهِ، وَالْخاتَمَ لأَنْبِيائِهِ، وَالشّاهِدَ عَلى خَلْقِهِ، وَالشَّفِيعَ اليه، وَالْمَكينَ لَدَيْهِ، وَالْمُطاعَ في مَلَكُوتِهِ. والأَحْمَدَ مِنَ الأَوْصافِ، الْمُحَمَّدَ لِسائِرِ الأَشْرافِ، الْكَريمَ عِنْدَ الرَّبِّ، وَالْمُكَلَّمَ مِنْ وَراءِ الْحُجُبِ، الْفائِزَ بِالسِّباقِ، وَالْفائِتَ عَنِ اللِّحاقِ”.
ثم يقول: “اَشْهَدُ يا رَسُولَ اللهِ مَعَ كُلِّ شاهِد، وَأَتَحَمَّلُها عَنْ كُلِّ جاحِد، أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ رِسالاتِ رَبِّكَ، وَنَصَحْتَ لأُمَّتِكَ، وَجاهَدْتَ في سَبيلِ رَبِّكَ، وصَدَعْتَ بِأَمْرِهِ، وَاحْتَمَلْتَ الأَذى في جَنْبِهِ، وَدَعَوْتَ إلى سَبيلِهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الْجَميلَةِ، وَأَدَّيْتَ الْحَقَّ الَّذي كانَ عَلَيْكَ، وَأَنَّكَ قَدْ رَؤُفْتَ بِالْمُؤْمِنينَ، وَغَلُظْتَ عَلَى الْكافِرينَ، وَعَبَدْتَ اللهَ مُخْلِصاً حَتّى أتاكَ الْيَقينُ، فَبَلَغَ اللهُ بِكَ اَشْرَفَ مَحَلِّ الْمُكَرَّمينَ، وَأَعْلى مَنازِلِ الْمُقَرَّبينَ، وَاَرْفَعَ دَرَجاتِ الْمُرْسَلينَ، حَيْثُ لا يَلْحَقُكَ لاحِقٌ، وَلا يَفُوقُكَ فائِقٌ، وَلا يَسْبِقُكَ سابِقٌ، وَلا يَطْمَعُ في إِدْراكِكَ طامِعٌ.
اَلْحَمْدُ للهِ الَّذي اسْتَنْقَذَنا بِكَ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَهَدانا بِكَ مِنَ الضَّلالَةِ، وَنوَّرَنا بِكَ مِنَ الظُّلْمَةِ”.
ــــــــــــــــــــ[67]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ثم يقول: “اَللّـهُمَّ اجْعَلْ جَوامِعَ صَلَواتِكَ، وَنَوامِيَ بَرَكاتِكَ، وَفَواضِلَ خَيْراتِكَ، وَشَرائِفَ تَحِيّاتِكَ وَتَسْليماتِكَ وَكَراماتِكَ وَرَحَماتِكَ وَصَلَواتِ مَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبينَ، وَأَنْبِيائِكَ الْمُرْسَلينَ، وَأَئِمَّتِكَ الْمُنْتَجَبينَ، وَعِبادِكَ الصّالِحينَ، وَأَهْلِ السَّماواتِ وَالأَرَضينَ، وَمَنْ سَبَّحَ لَكَ يا رَبَّ الْعالَمينَ مِنَ الأَولين وَالآخِرينَ، عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَشاهِدِكَ وَنَبِيِّكَ وَنَذيرِكَ وَاَمينِكَ وَمَكينِكَ وَنَجِيِّكَ وَنَجيبِكَ وَحَبيبِكَ وَخَليلِكَ وَصَفيِّكَ وَصَفْوَتِكَ وَخاصَّتِكَ وَخالِصَتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَخَيْر خِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ، نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، وَخازِنِ الْمَغْفِرَةِ، وَقائِدِ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَمُنْقِذِ الْعِبادِ مِنَ الْهَلَكَةِ بِإِذْنِكَ، َوداعيهِمْ إلى دينِكَ الْقَيِّمِ بِأَمْرِكَ، أول النَّبيّينَ ميثاقاً، وَآخِرِهِمْ مَبْعَثاً، الَّذي غَمَسْتَهُ في بَحْرِ الْفَضيلَةِ وَالْمَنْزِلَةِ الْجَليلَةِ، وَالدَّرَجَةِ الرَّفيعَهِ، وَالْمَرْتَبَةِ الْخَيرَةِ، وَأَوْدَعْتَهُ الأَصْلابَ الطّاهِرَةَ، وَنَقَلْتَهُ مِنْها إلى الأَرْحامِ الْمُطَهَّرَةِ، لُطْفاً مِنْكَ لَهُ وَتَمَنُّناً مِنْكَ عَلَيْهِ”…
ثم يقول: “صَلِّ عَلَيْهِ كَما وَفَى بِعَهْدِكَ، وَبَلَّغَ رِسالاتِكَ، وَقاتَلَ أَهْلَ الْجُحُودِ عَلى تَوْحيدِكَ، وَقَطَعَ رَحِمَ الْكُفْرِ في إِعْزازِ دينِكَ، وَلَبِسَ ثَوْبَ الْبَلْوى في مُجاهَدَةِ أَعْدائِكَ…. وَقَدْ اَسَرَّ الْحَسْرَةَ، وَأَخْفَى الزَّفْرَةَ، وَتَجَرَّعَ الْغُصَّةَ، وَلَمْ يَتَخَطَّ ما مَثَّلَ لَهُ وَحْيُكَ”.
وقال الإمام السجاد زين العابدين في الدعاء الثاني من الصحيفة السجادية(1): “اللهم فصل على محمد أمينك على وحيك ونجيبك من خلقك وصفيك من عبادك إمام الرحمة وقائد الخير ومفتاح البركة، كما نصب لأمرك نفسه وعرض فيك للمكروه بدنه وكاشف في الدعاء إليك حامته وحارب في رضاك أسرته، وقطع في إحياء دينك رحمه، وأقصى الأدنين على جحودهم وقرب الأقصين على استجابتهم لك. ووالى فيك الأبعدين وعادى فيك الأقربين وأدأب نفسه في تبليغ رسالتك وأتعبها بالدعاء إلى ملتك وشغلها
ــــــــــــــــــــ[68]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) ص15 وما بعدها.
بالنصح لأهل دعوتك. وهاجر إلى بلاد الغربة ومحل النأي عن موطن رحله وموضع رجله ومسقط رأسه ومأنس نفسه، إرادة منه لإعزاز دينك واستنصاراً على أهل الكفر بك”.
إلى أن قال: “اللهم فارفعه بما كدح فيك إلى الدرجة العليا من جنتك حتى لا يساوى في منزلة ولا يكافأ في مرتبة ولا يوازيه لديك ملك مقرب ولا نبي مرسل. وعرفه في أهله الطاهرين وأمته المؤمنين من حسن الشفاعة اجل ما وعدته”.
وقال أيضاً في دعائه ليوم عرفة(1): “ربِ صل على محمد وآل محمد المنتجب المصطفى المكرم المقرب أفضل صلواتك وبارك عليه أتم بركاتك وترحم عليه امتع رحماتك. ربِ صل على محمد وآله صلاة لا تكون صلاة أزكى منها وصل عليه صلاة نامية لا تكون صلاة أنمى منها وصل عليه صلاة راضية لا تكون صلاة فوقها.
رب صل على محمد وآله صلاة ترضيه وتزيد على رضاه وصل عليه صلاة ترضيك وتزيد على رضاك له. وصل عليه صلاة لا ترضى له الا بها ولا ترى غيره لها أهلا.
ربِ صل على محمد وآله صلاة تجاوز رضوانك ويتصل اتصالها ببقائك ولا تنفد كما لا تنفذ كلماتك.
ربِ صل على محمد وآله صلاة تنتظم صلوات ملائكتك وأنبيائك ورسلك وأهل طاعتك وتشتمل على صلوات عبادك من جنك وانسك وأهل إجابتك، وتجتمع على صلاة كل من ذرأت وبرأت من أصناف خلقك.
رب صل عليه وآله صلاة تحيط بكل صلاة سالفة وآنفة (مستأنفة). وصل
ــــــــــــــــــــ[69]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: ص133.
عليه وعلى آله صلاة مرضية لك ولمن دونك وتنشئ مع ذلك صلوات تضاعف معها تلك الصلوات عندها، وتزيدها على كرور الأيام زيادة في تضاعيف لا يعدها غيرك”.
وأحب أن أختم هذه الأدعية بهذا الحديث الشريف على طوله، فإنه المناسب لمقامنا هذا وهو ما رواه الشيخ الصدوق في الخصال(1) بسنده عن سفيان الثوري عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب قال: “إن الله تبارك وتعالى خلق نور محمد قبل ان خلق السماوات والأرض والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار وقبل خلق آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى وداود وسليمان. وكل من قال الله عز وجل في قوله: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ -إلى قوله- وَهَدَيْنَاهُمْ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وقبل ان خلق الأنبياء كلهم بأربع مائة ألف وأربع وعشرين ألف سنة.
وخلق الله عز وجل معه اثني عشر حجاباً. حجاب القدرة وحجاب العظمة وحجاب المنة وحجاب الرحمة وحجاب السعادة وحجاب الكرامة وحجاب المنزلة وحجاب الهداية وحجاب النبوة وحجاب الرفعة وحجاب الهيبة وحجاب الشفاعة.
ثم حبس نور محمد في حجاب القدرة اثني عشر ألف سنة وهو يقول: سبحان ربي الأعلى وفي حجاب العظمة أحد عشر ألف سنة وهو يقول: سبحان عالم السر. وفي حجاب المنة عشرة آلاف سنة وهو يقول: سبحان من هو قائم لا يلهو. وفي حجاب الرحمة تسعة آلاف سنة وهو يقول: سبحان الرفيع الأعلى. وفي حجاب السعادة ثمانية آلاف سنة وهو يقول: سبحان من
ــــــــــــــــــــ[70]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) ج 2 ص481.
هو قائم لا يسهو. وفي حجاب الكرامة سبعة آلاف سنة وهو يقول: سبحان من هو غني لا يفقر. وفي حجاب المنزلة ستة آلاف سنة وهو يقول: سبحان ربي الأعلى الكريم. وفي حجاب الهداية خمسة آلاف سنة وهو يقول: سبحان رب العرش العظيم. وفي حجاب النبوة أربعة آلاف سنة وهو يقول: سبحان رب العزة عما يصفون. وفي حجاب الرفعة ثلاثة ألاف سنة وهو يقول: سبحان ذي الملك والملكوت. وفي حجاب الهيبة ألفي سنة وهو يقول: سبحان الله وبحمده. وفي حجاب الشفاعة ألف سنة، وهو يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده.
ثم اظهر عز وجل اسمه على اللوح، وكان اللوح منوراً أربعة ألاف سنة. ثم أظهره على العرش، فكان على ساق العرش. مثبتاً سبعة ألاف سنة. إلى أن وضعه الله عز وجل في صلب آدم، ثم نقله من صلب آدم إلى صلب نوح ثم جعل يخرجه من صلب إلى صلب حتى أخرجه من صلب عبد الله بن عبد المطلب. فأكرمه بست كرامات: ألبسه قميص الرضا وردَّاه رداء الهيبة وتوجه تاج الهداية وألبسه سراويل المعرفة وجعل تكته المحبة يشد بها سراويله وجعل نعله الخوف وناوله عصا المنزلة.
ثم قال الله عز وجل له: يا محمد اذهب إلى الناس فقل لهم: قولوا: لا إله الا الله محمد رسول الله.
وكان اصل ذلك القميص في ستة أشياء: قامته من الياقوت وكمأه من اللؤلؤ، ودخريصه(1) من البلور الأصفر وابطاه من الزبرجد. وجريانه من المرجان الأحمر، وجبينه من نور الرب جل جلاله. فقبل الله توبة آدم بذلك القميص ورد خاتم سليمان به ورد يوسف إلى يعقوب به ونجا يونس من بطن
ــــــــــــــــــــ[71]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الدخريصة: لبنة القميص.
الحوت به، وكذلك سائر الأنبياء نجاهم من المحن به. ولم يكن ذلك القميص الا قميص محمد ”.
أقول: وفي هذا الحديث الجليل أسرار جليلة لا بد من ايكال علمها إلى الله سبحانه والراسخين في العلم، وحسبنا فيه ما يدل على عظمة صفات النبي وارتفاع شأنه، وعلو منزلته .
من كلمات الفقهاء
وللفقهاء حديث أيضا عن صفات النبي ، وهم يذكرون الصفات التكوينية والصفات الفقهية. ونحن نذكر الآن الصفات التكوينية التي نحن بصددها، حتى إذا ما وصل الدور للصفات الفقهية ذكرناها.
قال صاحب الجواهر(1): حتى انه افردها بعضهم بالتصنيف في كتاب ضخم. والعلامة في (محكي التذكرة) منها ما يزيد على سبعين.
أقول:
فمنها: أنه تنام عينه ولا ينام قلبه. فسرها صاحب الجواهر: بمعنى: بقاء التحفظ والإحساس. قيل: وعلى هذا لا ينتقض وضوءه بالنوم. فيحصل باعتباره خاصة أخرى له وقد عدت في خواصه .
ومنها: انه كان يبصر وراءه كما يبصر أمامه. وفسرها صاحب الجواهر بمعنى التحفظ والإحساس في الحالتين.
ومنها: تفضيل زوجاته على غيرهن بان جعل ثوابهن وعقابهن على الضعف من غيرهن.
وجعلهن أمهات المؤمنين.
ــــــــــــــــــــ[72]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) كتاب النكاح من الجواهر.
وحرم ان يسألهن غيرهن الا من وراء حجاب.
وانه خاتم النبيين.
وأمته خير الأمم.
ونسخ بشريعته جميع الشرائع السابقة.
وجعلها مؤيَّدة إلى يوم القيامة.
وجعل كتابه معجزاً في حين لم تكن الكتب السابقة كذلك.
ومعجزة كتابه باقية إلى يوم القيامة.
ومحفوظة عن التبديل والتغيير.
ونصره بالرعب على مسيرة شهر.
وشفعه في أهل الكبائر من أمته.
وجعله أول شافع وأول مشفع.
وجعله سيد ولد آدم إلى يوم القيامة.
وأول من تنشق عنه الأرض يوم البعث.
وأول من يقرع باب الجنة.
وأكثر الأنبياء تبعاً.
وأول من قال: (بلى) في الميثاق ثم الأمثل فالأمثل.
وجعل تطوعه قاعداً كتطوعه قائماً من غير عذر.
ويحرم على غيره رفع صوته عليه.
ويحرم مناداته من وراء الحجرات.
ــــــــــــــــــــ[73]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وجعل له مخاطبة المصلي له بقوله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
فهذه أربع وعشرون صفة ذكرها الفقهاء، مما استفادوه من الكتاب الكريم والسنة الشريفة.
وينبغي لنا قبل التحول إلى الصفات الفقهية ان نتعرض إلى عدة أمور:
الأمر الأول: في شرح بعض الصفات التي وردت في السنة الشريفة مما نقلناه قبل قليل.
أولاً: وردت صفته: (انه المصطفى في الظلال). أي في عالم الظلال.
وهو المذكور في الآية الكريمة(1): ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾. وقد ورد في شرحه في بعض الروايات قوله: “الا ترى ان الظل هو الشيء وليس بشيء”.
وهذا يعني إن عالم الظلال هو شيء وليس بشيء، تشبيهاً له بالظل الموجود فعلاً على هذه الأرض.
ولعالم الظلال عدة تفاسير أهمها تفسيران:
التفسير الأول: أنه عالم مشابه لهذا العالم ومُلابس له، ولكنه أدنى منه مرتبة واقل شرفاً فكل جسم له ظل يمشي معه ويستقر معه. كما ان كل جسم حي له روح في داخله. الا ان عالم الروح أعلى شرفاً من عالم الأجسام وعالم الظلال أدنى منه.
التفسير الثاني: إن عالم الظلال تعبير آخر عن هذا العالم نفسه، ولكنه منظور إليه فانياً في الله عز وجل وصورة لقدرته، فهو إشراق من إشراقاته وظل
ــــــــــــــــــــ[74]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الرعد: 15.
من ظلاله.
وللقارئ أن يأخذ أياً من هذين التفسيرين شاء. وهي على حال يكون للصفة النبوية: (المصطفى في الظلال) معناها المقصود.
اما على التفسير الأول: فهو صلى الله عليه وآله مصطفى في العالم الأدنى، فضلاً عن العالم الأعلى. فكأن المقصود انه مصطفى في كل العوالم وليس في العالم الأعلى فقط.
واما على التفسير الثاني: فمن الواضح ان العالم الملحوظ بصفته إشراقاً لنور الله سبحانه أشرف وأعلى من العالم الملحوظ بحيال ذاته. إذن فالاصطفاء كان في العالم الأشرف والأعلى وكلما ثبت في العالم الأعلى سرى أثره إلى العالم الأدنى لا محالة. لأن معنى العلو والشرف المعنوي هو الهيمنة والسيطرة على كل ما تحته.
هذا، وقد فهم صاحب تفسير الميزان(1) من الظلال الآية الكريمة: الظلال الاعتيادية، فأن من في السماوات والأرض يسجد لله عز وجل وظلال هذه الأشياء أيضا تسجد بالمعنى الذي فهمه. وان سقوط الظل على الأرض بمنزلة أن يخر ساجداً.
وهذا فيه عدة مناقشات نذكر أهمها:
أولاً: ان ما في الأرض ان كان له ظل، فليس لما في السماوات ظل، لأن الظل ناتج من نور الشمس. ونحن لا نعلم ما حال سكان السماوات من هذه الناحية. ومن المعلوم إن نسبة الأرض إلى السماوات نسبة ضئيلة جداً تكاد تكون ملحقة بالعدم. فعود الضمير في قوله تعالى: وَظِلالُهُمْ إلى خصوص
ــــــــــــــــــــ[75]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) تفسير الميزان: ج 11. ص303 أو نحوها.
الأرض لا يخلو من سماجة، وعوده إلى المجموع بهذا المعنى غير ممكن.
ثانياً: ان نسبة وجود الظل في الأرض إلى ما لا ظل له كثير جداً. ففي الليل لا يوجد ظل وكذلك تحت السقوف ونحوها مما يحجب ضوء الشمس لا يوجد ظل لما هو تحتها. وكذلك في باطن الأرض لا يوجد ظل تحتها. إلى آخره.
في حين إن ظاهر الآية الكريمة وجود الظل لكل ما في السماوات والأرض، وعلى الدوام.
ثالثاً: ان الظل لا يسقط على الأرض. وإنما الضوء هو الذي يسقط. ويكون الظل هو المنطقة الخالية من الضوء. وإنما لها وجود عرفي وهمي لا أكثر ولا اقل. فحد الظل إنما هو حد نهاية سقوط الضوء وليس حداً لنهاية الظل كما يراه الناس. إذن فليس للظل سقوط على الأرض حتى يمثل بالسجود.
ومعه يتعين ان يكون المراد من الآية الكريمة شيء آخر. وهو ما سبق ان حملنا عنه فكرة معينة.
وصفته الأخرى: المكين لديه المطاع في ملكوته. وهو إشارة إلى قوله تعالى(1): ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾. و(ثَمَّ) بالفتح، بمعنى هناك، أي في العالم الأعلى أو عالم الملكوت. وفي منطوق الآية راجع إلى قوله: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾.
وصفته الأخرى: المكلم من وراء الحجب. وهو بصيغة المفعول: أي يكلمه الله من وراء الحجب. طبقاً لقوله تعالى(2):﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ
ــــــــــــــــــــ[76]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) التكوير: آية 20-21.
(2) الشورى: آية 51.
الا وَحْياً أو مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أو يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾.
وهو بصفته بشراً يكون مصداقاً وتطبيقاً لهذه الآية. وقد صرح القرآن الكريم بذلك(1): ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيّ﴾.
وصفته الأخرى: انه قائد الخير والبركة. والخير اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى(2): ﴿هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ﴾ ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾(3). وكل ما يعطيه جل جلاله من منافع لخلقه خير. وقيادة الخير، بمعنى تولي المسؤولية عن توزيعه بين الناس والخلق أجمعين. وكذلك كان النبي .
ومن صفاته : انه أول النبيين ميثاقاً وأخرهم مبعثاً. اما أنه أولهم ميثاقاً فلأنه هو أول من قال بلا في عالم اخذ الميثاق. حين قال الله سبحانه لخلقه(4): أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ وقد سبق بذلك كل الخلق حتى الأنبياء والمرسلين.
واما أنه أخرهم ميثاقاً، فلما ورد من أنه هو الحاشر والعاقب وفسر بأنه يحشر الناس على قدمه. بما في ذلك الأنبياء والمرسلين. فحين يتم مبعث الجميع تأتي النوبة لمبعثه.
ومن صفاته انه منصور بالرعب. يعني يرتعب منه أعداؤه فيتخاذلون عن منازلته ومنازلة جيشه. فان الجهة النفسية لها الأثر الكبير في الانتصار.
ومن صفاته: أنه أول من تنشق عنه الأرض يوم البعث، وهذا مناف ظاهراً لما سمعناه من أنه آخر الأنبياء مبعثاً.
ــــــــــــــــــــ[77]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الكهف: 110. وسورة فصلت: 6.
(2) الزمر: 20.
(3) يوسف: 64.
(4) الأعراف: 172.
ونتيجته:
إما القول بإسقاط أحدهما، باعتبار المنافاة، ويتعين الأول للإسقاط لأن الثاني وارد بسند أقوى نسبياً.
وإما القول بالتأويل بأحد وجوه نذكر واحداً منها:
وهو انه من الممكن ان (للبعث) أكثر من معنى واحد اثبت أحدهما الأول واثبت الآخر الثاني:
المعنى الأول: انشقاق الأرض عن الناس عند المبعث لإنجاز يوم القيامة. وهذا هو الذي تعرض له أحد الوصفين، وانه أول من تنشق عنه الأرض للبعث يوم القيامة.
المعنى الثاني: العرض أمام الله سبحانه وتعالى أو ما هو أعلى من ذلك في المنزلة مما يعلمه أهلوه، فأنه سبحانه غاية الغايات ومنتهى الطلبات، وحيث إن النبي هو العلة المسؤولة عن هذا المعنى من البعث، فيستمر بعمله قبل ان يتقدم بنفسه.
خذ إليك مثلاً: ما ورد عن ملك الموت (سلام الله عليه). حيث أنه يقبض أرواح الملائكة قبله حتى إذا بقى وحده قبضه الله إليه.
ومحل الشاهد ان هذا الملك الجليل حيث أنه متولي هذه المسؤولية، فسيكون هو الأخير في بابه، وهذا هو مثال موقف نبينا .
فهذا هو الحديث في الأمر الأول في شرح بعض الصفات.
الأمر الثاني: في مناقشة مستفادة من علم (أصول الفقه) للفقهاء الذين اثبتوا هذه الأوصاف. وهي مناقشة نظرية لا تعني عدم صحة هذه الأسماء بأي حال من الأحوال.
وذلك انهم اثبتوا في علم الأصول ان حجية خبر الواحد إنما تثبت في
ــــــــــــــــــــ[78]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الموارد التي لها محركية، ويعنون بها الأحكام التي تحتوي بالمطابقة أو بالالتزام على الأمر والنهي: افعل ولا تفعل، والذي يتحرك المكلف في مقام تطبيقها. وهو معنى المحركية.
واما الموارد الخالية عن المحركية، فلا تكون الأخبار فيها حجة، كما هو المبرهن عندهم، ومثلوا لذلك بالأخبار التاريخية، وأخبار يوم القيامة وغير ذلك كثير. وغاية ما قال الفقهاء فيها: ان الخبر فيها أو عنها لو كان صحيحاً أو معتبراً جاز لنا ان نقول: قال الإمام كذا وكذا. بخلاف ما لو لم يكن معتبراً. فأن في قولنا هذا نوع من المحركية على أي حال. اما مضمونها فيبقى على عدم الاعتبار والحجية باعتبار عدم محركيته.
وبالرغم من ان هذا الدليل لا يخلو من مناقشة عندنا، لا مجال لسردها هنا، فإننا لو طبقناه هنا لكانت الأخبار الدالة على وجود الأسماء غير معتبرة لأنها لا تحتوي على محركية كما هو معلوم. فكيف استطاع (صاحب الجواهر) ان يعدد الأسماء بدون استشكال؟
وما ذلك، بحسب فهمي، الا أن بعض الأدلة التي يذكرونها في علم الأصول. لا يجدون الطريق إلى تطبيقها في علم الفقه. فمن ذلك من يستدل على عدم وجوب مقدمة الواجب، ولكنه لا يستشكل عملياً منه في الفقه. ومن يستدل على عدم جريان البراءة العقلية أو استصحاب العدم الأزلي أو الاستصحاب الاستقبالي ولكنه يطبقها في الفقه بدون تأمل.
والعمدة هنا، هو عدم صحة ذلك الدليل الذي ذكروه في علم الأصول على إطلاقه. ومعه يمكن إثبات صحة هذه الأسماء في حدود صحة الاسناد الدالة عليها.
فهذا هو الكلام في الصفات والخصائص غير الفقهية، له . ولا ينبغي لنا ان نطيل الكلام حولها أكثر من ذلك، فان لها باباً مستقلا
ــــــــــــــــــــ[79]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
من المعرفة لا يسعها هذا الكتاب.
الخصائص الفقهية:
لرسول الله ، وهي تنقسم إلى ما يرتبط بكتاب النكاح أي بزوجاته، والى غيره. وما كان في غيره فقد نعني تكاليفه الواجب عليه القيام بها. وهذا هو الذي يعنونه. وقد نعني تكاليف غيره تجاهه. وسنحمل عن هذا فكرة بالمقدار الممكن.
القسم الأول: خصائصه في النكاح:
وقد ذكروا لذلك عدة أمور:
الأمر الأول: تجاوز الأربع زوجات بالعقد الدائم بلا خلاف فيه -كما قال صاحب الجواهر- بين العامة والخاصة. قال: بل هو من الضروريات. ويكفي في ذلك الوضوح التاريخي بأنه توفي عن تسع زوجات.
قال المحقق الحلي: وربما كان الوجه فيه: الوثوق بعدله فيهن دون غيرهن.
واستشكل عليه صاحب الجواهر: انه منتقض بالإمام عند مشترط عصمته. يعني انه بصفته معصوماً فهو موثوق العدالة بين زوجاته ومع ذلك لم يجز له الزيادة على أربعة، كسائر الناس.
وأجاب عنه: ان ذلك حكمة لا يجب اطرادها. أقول: فإن الفقهاء قالوا: ان العلة يجب ان تكون مطردة في كل تطبيقاتها. ولكن الحكمة لا يجب فيها ذلك. وهذا لا يخلو من إشكال. الا ان يراد بالحكمة معنى اصطلاحي للفقهاء غير ما هو المقصود في علم الكلام والفلسفة والأخلاق وغيرها.
ــــــــــــــــــــ[80]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ويرد عليه: انهم قالوا: ان الحكمة ترد في بعض الموارد وتتخلف في بعض. واما ثبوتها فقط في مورد واحد مع كثرة موارد التخلف كما هو معنى هذا الإشكال. فهو لا يكاد يمكن.
والمهم ان هذا الحكم للنبي ثابت له بأي صفة كانت. وهي -بلا شك- من النعم الإلهية عليه وعلى زوجاته.
وهل يجوز له الزيادة على تسع. قيل: لا لأن الأصل استواء النبي والأمة في الحكم الا ان يثبت جواز الزيادة إلى تسع بفعله .
وهذا الوجه غير صحيح، لأن الأصل المشار إليه هو عدم جواز الزيادة على أربع. وهذا لم يثبت في حقه قطعاً. ولم يثبت أصل آخر بدله، كالتقليل حد الإمكان في عدد الزوجات ونحو ذلك.
قال صاحب الجواهر: والأولى الجواز مطلقاً يعني يجوز له الزواج بأي عدد أراد من الزوجات.
واستدل عليه بدليلين:
الدليل الأول: لما ذكر عن العلة. يريد به الحكمة المشار إليها وهي الوثوق بالعدل بين الزوجات. وهذا ثابت مهما تصاعد العدد. وقد سبق ان ناقشنا الوجه في هذه الحكمة.
الدليل الثاني: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله قال: “سألته عن قول النبي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾. قلت: كم أحل له من النساء. قال: ما شاء من شيء”.
قلت: لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ. فقال: لرسول الله أن ينكح ما شاء من بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته وأزواجه اللاتي هاجرن معه واحل له ان ينكح من غيرهن المؤمنة بغير
ــــــــــــــــــــ[81]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
مهر. وهي الهبة. ولا تحل الهبة إلا لرسول الله فأما لغير رسول فلا يصلح نكاح الا بمهر. وذلك معنى قوله: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَة (الآية). قلت: أرأيت قوله: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنّ.. الآية. فقال: من أوى فقد نكح ومن أرجى فلم ينكح. قلت: قوله: لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْد. قال: إنما عنى به النساء اللاتي حرم عليه في هذه الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ… الخ﴾. ولو كان الأمر كما يقولون كان قد أحل لكم ما لم يحل له. ان أحدكم يستبدل كلما أراد. ولكن الأمر ليس كما يقولون، ان الله عز وجل أحل لنبيه ما أراد من النساء الا ما حرم عليه في هذه الآية التي في سورة النساء”.
ثم استشهد (صاحب الجواهر) بأخبار أخرى، لكنها غير معتبرة.
غير ان هذا الدليل الثاني يرد عليه ما ذكرناه في الأمر الثاني السابق من إناطة الحجية للخبر بوجود المحركية، في حين ان صحيحة الحلبي هذه لا تحتوي على آية محركية، وإنما تصلح لمجرد الاطلاع. الا ان الصحيح هو إمكان حجيتها في خارج دائرة المحركية المصطلحة لهم، كما هو محقق في علم الأصول.
وهذا الخبر لا يخلو في بعض فقراته من غموض، لعله ناشئ من النقل بالمعنى. الا انه دال على هذه الصفة التي عنوناها في الأمر الأول وهي جواز الزيادة على أربع، واما الخصائص الأخرى، فسيأتي عنها الكلام بعونه سبحانه.
الأمر الثاني: عقد النكاح بلفظ الهبة. قالوا: ثم لا يلزمه بها مهر ابتداء ولا انتهاء.
قال صاحب الجواهر: كما سمعته في صحيح الحلبي. والأصل فيه (أي الدليل الرئيسي) ما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر قال: “جاءت امرأة
ــــــــــــــــــــ[82]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
من الأنصار إلى رسول الله ، فدخلت عليه وهو في منزل حفصة والمرأة متلبسة ممشطة، فدخلت على رسول الله فقالت: يا رسول الله ان المرأة لا تخطب الرجل. وأنا امرأة ايم لا زوج لي منذ دهر ولا لي ولد. فهل لك من حاجة؟ فان تك، فقد وهبت نفسي لك ان قبلتني.
فقال لها رسول الله خيراً ودعا لها. ثم قال: يا أخت الأنصار جزاكم الله عن رسول الله خيراً. فقد نصرني رجالكم ورغبت فيّ نساؤكم. إلى أن قال: انصرفي رحمك الله فقد أوجب الله لك الجنة لرغبتك فيَّ وتعريضك بمحبتي وسروري وسيأتيك أمري إن شاء الله”.
فانزل الله عز وجل: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ، الخ. فأحل الله عز وجل هبة المرأة نفسها لرسول الله ولا يحل ذلك لغيره.
هذا، وكون هذا الخبر هو الأصل مع وجود الآية الكريمة وصحيحة الحلبي، غريب منه. وقد نقلناه للاطلاع على الحادثة بغض النظر عن سنده.
الأمر الثالث: تحريم نكاح الإماء عليه بالعقد.
قال صاحب الجواهر: قيل لاشتراطه بخوف العنت. وهو معصوم. يعني: ان المعصوم منزه عن العنت، فتحرم عليه الإماء لعدم توفر شرطها.
وهذا دليل وارد في كل معصوم لو تم. والمهم أنه لا دليل على وجود هذه الخصوصية لديه على خلاف الشريعة العامة لسائر أفراد الأمة. وما ذكروه لا يكفي دليلا له.
ولا يكفي الاستدلال عليه بقوله تعالى: وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا
ــــــــــــــــــــ[83]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
يَكُونَ عَلَيْكَ(1) باعتبار انها تدل على عدم الجواز في غير هذه الصورة. يعني إنما يجوز له نكاح الإماء بملك اليمين لا بالعقد. الا ان هذا الاستدلال مبني على مفهوم الوصف الذي ثبت عدم صحته في علم الأصول. ولا منافاة بين حلية ملك اليمين الذي نطقت به الآية الكريمة وحلية العقد، على الإماء بدليل آخر.
نعم، هو لم يفعل ذلك الا أن الترك اعم من الحرمة، كما هو معلوم، كما أن الفعل اعم من الوجوب.
الأمر الرابع: حرمة الاستبدال بنسائه والزيادة عليهن.
طبقاً لقوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ(2).
وقد فسر ذلك في صحيحة الحلبي السابقة: (إنما عنى به اللاتي حرم عليه في هذه الآية: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ… الخ. ولو كان الأمر كما يقولون كان قد أحل لكم ما لم يحل له. ان أحدكم يستبدل كلما أراده. ولكن ليس الأمر كما يقولون. ان الله عز وجل أحل لنبيه ما أراد من النساء الا ما حرم عليه في هذه الآية التي في سورة النساء).
أقول: يعني قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُم…الخ(3). ونستطيع ان نسميها آية المحارم.
والخبر معتبر، فلا بد من التعبد به. ويمكن تفسير أو تقييد القرآن الكريم بالسنة المعتبرة. وان كانت الآية لو خليت ونفسها فان لها اطلاقاً اعم من ذلك.
وينبغي الالتفات في هذه الآية الكريمة، إلى ان ظاهرها التعرض لحكمين
ــــــــــــــــــــ[84]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) سورة الأحزاب: 50.
(2) الأحزاب: 52.
(3) النساء: 23.
لا لحكم واحد.
الحكم الأول: عدم حلية النساء (من بعد) يعني من حين نزول الآية فصاعداً.
الحكم الثاني: عدم جواز الاستبدال بنسائه نساء أخرى.
ومن الواضح شرعاً ان الاستبدال لا يعني ظاهره العرفي. وإنما يتم فيها إذا طلق الرجل امرأته وتزوج أخرى. فانه نحو من الاستبدال. وهو الذي يحرم على النبي في الآية. وبعد عطفه على تحريم النساء، يعني انه لا يجوز له نكاح الأخريات -غير أزواجه- وان طلق قسماً منهن. وبهذا يكون الحكم الأول اعم من الحكم الثاني، كما هو معلوم.
وهذا الحكم الذي ثبت بالآية، انما ثبت بها -كما قال صاحب الجواهر-: حين نزول هذه الآية عليه حتى نسخ ذلك بقوله تعالى: إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ. خلافاً لما عن بعض العامة من عدم نسخ هذا التحريم أصلاً. وفيه منع، بل قد سمعت ما تقدم من النصوص الدالة على عدم وقوع هذا التحريم أصلاً. وأنه ليس من خواصه في وقت من الأوقات، كصحيحة الحلبي وغيرها.
أقول: وهذا النسخ محل نقاش صغرى وكبرى. اما الكبرى فموكولة إلى علم الكلام في انه هل يمكن النسخ في آيات القرآن الكريم أم لا. وماذا يكون المراد من الآية بعد نسخها. وما المراد بقوله تعالى(1): مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أو نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أو مِثْلِهَا. ولماذا ان علماءنا التزموا بالنسخ المصرح به في الآية ولم يلتزموا بالإنساء أو النسيان المصرح به في الآية أيضا. كل هذا له كلام طويل ليس هنا محله.
ــــــــــــــــــــ[85]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) البقرة: 106 آية.
واما الصغرى فلعدة أمور نذكر منها:
أولاً: ان آية: إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ. واقعة في الترتيب في المصحف قبل الآية: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾. فكيف يمكن ان نقول بدليل معتبر انها نازلة بعدها لكي تكون ناسخة لها.
ثانياً: أن الآيتين يكادان أن يكونا متجاورتين، لا يفصل بينهما الا آية واحدة. وفي مثله يغلب على الظن عدم التأخير الكثير في النزول بينها. فأي مقدار بقي أثر الآية المنسوخة سارياً زماناً، يوماً أو يومين مثلاً أو أسبوعاً. هذا من الصعب جداً تصوره.
وكون نزول الآية مرتباً بشكل يختلف جداً عما هو موجود. وان كان محتملا، الا انه لا يمكن إقامة الدليل المعتبر عليه. والموجود في المصحف الشريف دلالة ظنية متحققة فعلا على ما قلناه.
ثالثاً: انه من الواضح أن موضوع إحدى الآيتين غير موضوع الآية الأخرى، فما تثبته إحداها لا تنفيه الأخرى، فآية التحريم لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ تنفي جواز التزويج من نساء جدد. واما آية التحليل: إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنّ..فتثبت التحليل لعناوين معينة.
1- الزوجات الفعليات الاتي دفعت مهورهن.
2- المملوكات.
3- عدد من الاقارب بَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ…الخ (1).
4- الهبة إلى النبي .
وفي مثل ذلك تكون آية التحليل أخص موضوعاً من آية التحريم الشاملة
ــــــــــــــــــــ[86]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الأحزاب: 50.
لكل النساء، يعني عدا المذكورات في آية التحليل. فان كانت آية التحليل متأخرة كانت مقيدة ولا معنى لكونها ناسخة. وفي السابق كان هناك خلط ذهني بين مفهوم التقييد ومفهوم النسخ. والنتيجة هي: ان الذي جاز للنبي هو ما ذكر في آية التحليل. وبقيت سائر النساء محرمة عليه بعد نزول آية التحريم.
وان كانت آية التحريم متأخرة، فالتقييد ممكن سواء كان العام متقدماً أو متأخراً، كما هو المحقق في علم الأصول، بل من الممكن القول أن لفظ النساء في قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْد منصرف إلى غير ما ذكر في الآية الأخرى. اما انصرافه عن الزوجات الفعليات والمملوكات فواضح. واما انصرافه عن الأقارب والهبة، فيمكن تخريجه بوجه. وعلى أي حال فمن غير المحتمل شمول آية التحريم لبعض ما ذكر في آية التحليل دون بعض. لأن الحكم في آية التحليل واحد، فأما أن يبقى كله أو يزول كله، ولا مجال لتبعيضه. فتأمل.
الأمر الخامس: من خصائص النبي في زوجاته.
عدم وجوب القسم بينهن، كما يجب على غيره. طبقاً لقوله تعالى(1): تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ.
وترجي يعني تؤجل من تشاء من الزوجات، فلا تعطي لها ليلتها. وتؤوي يعني تعطي لها الليلة. وكل من ابتغيت عزلها وارجاءها فَلا جُنَاحَ عَلَيْك. والجناح بمعنى الجنحة والذنب. والآية تنفي كونه ذنباً، بمعنى جوازه لرسول الله .
ويقول الله عز وجل بعد ذلك مباشرة: ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا
ــــــــــــــــــــ[87]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الأحزاب: 51.
يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ.
واسم الإشارة ذلك يمكن ان يكون له مرجعان:
الأول: عدم قسم النبي بين زوجاته. فإذا لم يقسم بينهن كان هو السبب لرضائهن وقرة أعينهن.
الثاني: ان تشريع عدم وجوب القسم في الآية هو السبب في رضائهن وقرة أعينهن.
والمفهوم من طبائع النساء ان المعنى الأول لا يمكن ان يكون صحيحاً. لأن عدم القسم سيكون سبباً للانفعال لا للرضاء. ما لم تعرف الزوجات جلالة قدره. ومعه يتعين المعنى الثاني لأن التشريع ان حصل كان النبي معذوراً أمام زوجاته عند تركه للقسم بينهن، لأن له في ذلك الجواز من الله سبحانه، فيكون ذلك سبباً لرضائهن بهذه الحالة التي لا يرتحن لها لو لم يكن هذا الجواز موجوداً.
الأمر السادس: تخيير النبي أزواجه بين اختيار زوجيته أو تركها. طبقاً لقوله تعالى(1): يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا.
قال صاحب الجواهر: اختلف في حكم التخيير على أقوال:
الأول: ان الله عز وجل إذا خير فاختارت زوجها فلا شيء. وان اختارت نفسها فهي تطليقة واحدة. وهو قول ابن مسعود وأبي حنيفة وأصحابه.
الثاني: انها إذا اختارت نفسها فهي ثلاث تطليقات. وان اختارت زوجها
ــــــــــــــــــــ[88]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الأحزاب: 28 ـ 29.
وقعت واحدة. وهو قول زيد ومذهب مالك.
الثالث: انه ان نوى بالتخيير الطلاق كان طلاقاً وإلا فلا. وهو مذهب الشافعي.
الرابع: انه لا يقع بذلك طلاق. وان كان من خواصه . ولو اخترن أنفسهن لمَّا خيرهن لبنّ منه.
إلى ان قال: وقال ابن الجنيد وابن أبي عقيل هنا بوقوعه طلاقاً مع نيته، واختيارها نفسها على الفور. فلو تأخر اختيارها لحظة لم يكن شيئاً. والأكثر منا على خلاف قولهما.
أقول: وظاهر الآية انه لا يقع الطلاق بمجرد ان تختار نفسها. لقوله تعالى: أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ. والتسريح هو الطلاق عرفاً وهو يقع بعد أن تختار نفسها. إذن فاختيار نفسها بمجرده ليس طلاقاً لا بائناً ولا رجعياً ولا واحداً ولا متعدداً. ويترتب على ذلك: انها لو اختارت نفسها كان له ان لا يطلقها لولا أنه اخذ العهد بذلك على نفسه.
ويؤيده خبر عن أبي عبد الله قال(1): “لا إنما هذا شيء كان لرسول الله خاصة أمر بذلك ففعل ولو اخترن أنفسهن لطلقهن وهو قول الله عز وجل: قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.. الآية.
وفي بعض الأخبار: “ولو اخترن أنفسهن لبنَّ”.
وهي:
أولاً: ضعيفة السند لا تقاوم ظهور الآية الكريمة.
ثانياً: يحتمل ان يكون الطلاق بائناً بعد التخيير. كما احتمله (صاحب
ــــــــــــــــــــ[89]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الجواهر الطبعة الحجرية.
الجواهر).
وعن تفسير القمي انه(1): “كان سبب نزولها انه لما رجع رسول الله من غزوة خيبر وأصاب كنز آل أبي الحقيق، قُلن أزواجه: اعطنا ما أصبت. فقال لهن رسول الله : قسمته بين المسلمين على ما أمر الله عز وجل. فغضبن من ذلك. وقلن: لعلك ترى انك ان طلقتنا ان لا نجد الأكفاء من قومنا يتزوجونا.
فانف الله عز وجل لرسوله فأمره ان يعزلهن، فاعتزلهن رسول الله في مشربة أم إبراهيم تسعة وعشرين يوماً حتى حضن وطهرن، ثم انزل الله عز وجل هذه الآية وهي آية التخيير… فقامت أم سلمة أول من قامت فقالت: قد اخترت الله ورسوله فقمن كلهن فعانقنه وقلن مثل ذلك”.
وهذا يعني عدة أمور:
أولها: أنهن طلبن الدنيا والمال، ومن هنا نسمع قوله تعالى: إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً.
ثانيها: أنهن أشرن لرسول الله إلى الرجال الآخرين (الأكفاء من قومنا) وهذا منهن ان كان بعد نزول التحريم: وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً(2) فهو تعريض بالحرام. وان كان قبل نزوله ففيه خلة شديدة ناشئة من الجهل بمقام النبي وأهميته. ومن هنا قال الله عز وجل(3): وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فان اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً. وذلك لا يكون الا بالإعراض عن الدنيا وما فيها.
ــــــــــــــــــــ[90]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الميزان: ج 22. ص 314.
(2) الأحزاب: 53.
(3) الأحزاب: 29.
فهذا حاصل الكلام في الأمر السادس من خصائص النبي .
الأمر السابع: الحكم المدلول عليه بقوله تعالى(1): يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً.
وهذه الآية يمكن ان تفهم على نحوين:
النحو الأول: ان نفهم من الفاحشة مطلق المحرمات ومن العذاب: العذاب الأخروي. فيكون المعنى: ان العذاب والعقاب الأخروي على نساء النبي ضعف غيرهن، كما دلت الآية التي بعدها على ان الثواب الأخروي على الطاعات لهن على الضعف من غيرهن أيضا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً.
وهذا هو الذي فهمه صاحب الجواهر وقد سبق ان عددناه من الصفات غير الفقهية للنبي .
النحو الثاني: ان نفهم من الفاحشة معناها العرفي، وهو الذنوب المهمة كالزنا والقتل والسرقة أو خصوص الزنا ونحوه. ونفهم من العذاب: العذاب الدنيوي، وهو (الحد) المرسوم شرعياً وفقهياً. بقرينة قوله تعالى في آية أخرى(2): وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّـهِالآية. فإن المراد منه جزماً، الحد. بعد (الفاحشة) التي يناسبها إقامة الحد.
ومعه يكون المعنى: ان الحد المرسوم شرعاً سيكون على الضعف ضد أزواج النبي مع ارتكاب الموجب. والحكمة في ذلك معلومة وهي خرق مقام النبي والتطاول عليه، وهذا لا يكون من غيرهن بطبيعة الحال.
والإنصاف ان هذا هو الظاهر عرفاً من الآية. ومن هنا ذكرناه كواحد من
ــــــــــــــــــــ[91]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الأحزاب: 30.
(2) النور: 8.
خصائص النبي في زوجاته.
نعم. تبقى مناقشة واحدة منشؤها استظهار المقابلة بين الآيتين الكريمتين وهما: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ و: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولهِ. حيث ان مقتضى هذه المقابلة ان موضوع الآيتين واحد أو متشابه.
ومن الواضح ان موضوع الآية الثانية هو مطلق الطاعة، فيتعين ان يكون موضوع الأولى هو مطلق المعصية. ليتم التشابه بالإطلاق. ولو خصصنا الأولى بذنوب معينة لكان هذا التقابل بين الآيتين منتفياً. وهو خلاف ظاهر وحدة السياق.
وهذه قرينة عرفية على أي حال، فتكون حجة لو بقيت وحدها الا ان النتيجة بعد كل الذي قلناه هو وقوع التعارض بين ظهورين: أحدهما: ظهور الفاحشة بالاختصاص ببعض الذنوب. وثانيهما: ظهور التقابل بالعموم للجميع.
ولا يبعد القول بتقدم الظهور الأول لعدة جهات نذكر أهمها:
أولاً: انه أقوى عرفاً. ولو باعتبار تعلقه بلفظ واحد والثاني متعلق بالسياق. والظهور السياقي أصعب عرفاً من الظهور اللفظي.
ثانياً: ان هذا الظهور قرينة متصلة في الآية الأولى في حين ان ظهور السياق يرجع إلى قرينة الآية الثانية. وهي: اما ان تعتبر قرينة منفصلة. أو كلاهما متصلا. الا ان الظهور الأول ادخل في الكلام وألصق في الآية الأولى. وما يكون اشد دخالة واتصالا يكون مقدماً على غيره.
ومعه تكون هذه الخصيصة ثابتة لزوجاته .
ــــــــــــــــــــ[92]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الأحزاب: 32.
الأمر الثامن: من خصائص النبي قوله تعالى(1): يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ.
وهو دال على ارتفاعهن عن مستوى سائر النساء. لكن ذلك بشرط واحد وهو حصولهن على درجة التقوى(1). وهو ما حصل في بعضهن على أي حال.
وقد يناقش ذلك بأحد أمرين:
الأول: انه ثبت ان خير النساء في البشرية أربعة خديجة بنت خويلد وفاطمة الزهراء ومريم بنت عمران وآسيا بنت مزاحم (زوجة فرعون). وليس منهن نساء النبي الموجودات في ذلك الحين. إذن، فهن لسن خير النساء على أي حال.
وهذا صحيح. وإنما يراد بالآية: إنهن لسن كأحد من النساء عدا ما ثبت استثناؤه بالدليل. وهن هؤلاء الأربعة. وربما القليل من غيرهن أيضا ممن ثبت علو مقامهن عند الله عز وجل.
ثانيهما: ان الحكم المذكور في الآية الكريمة نفسها حكم عام بين النساء. وهو قوله تعالى(2): فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً.
وهذا يدل بالقرينة المتصلة على أن الحكم السابق عليه عام أيضا، ولو على معنى: ان الذي ليس كأحد من البشر هو الذي يصل إلى درجة التقوى. وهذا صحيح. ولكنه ليس خاصا بزوجات النبي بل عام لكل الرجال والنساء.
ــــــــــــــــــــ[93]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) وهو دال على عدم حصول هذه الدرجة لأحد من زوجاته حين نزول الآية الكريمة.
(2) الأحزاب: 32.
الا ان القول في هذه القرينة المتصلة، كالقول السابق فان ظهور قوله تعالى: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ مخاطبا خصوص زوجات النبي أقوى من القرينة الدالة على عموم الحكم. وان كان كلاهما متصلا. فيكون متقدماً.
الأمر التاسع: ان زوجاته يحرم ان يسألهن غيرهن من الرجال الا من وراء حجاب. طبقا لقوله تعالى(1): وإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب.
الا ان كون هذا الحكم خاصاً بهن مع وجوب الحجاب على كل المسلمات، محل نظر.
القسم الثاني: الخصائص الفقهية لغير النكاح
لرسول الله ، وهي عديدة نذكر منها:
الأمر الأول: وجوب السواك. وهو فرك الأسنان بالمسواك وهو قطعة من أغصان شجر الأراك. وهو يتوفر في شبه الجزيرة العربية.
الأمر الثاني: وجوب الوتر عليه وهي الركعة الأخيرة من صلاة الليل. وللفرد ان يأتي بها وحدها استحباباً. اما هو فيأتي بها وجوباً.
الأمر الثالث: وجوب الأضحية. وهي الذبح في عيد الأضحى الذي هو اليوم العاشر من ذي الحجة الحرام.
وقد ورد عنه (2): “ثلاث كتبت عليَّ ولم تكتب عليكم: السواك والوتر والأضحية”. وفي حديث آخر(3): “كتب علي الوتر ولم يكتب عليكم وكتب علي
ــــــــــــــــــــ[94]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) سورة الأحزاب: آية 53.
(2) انظر جواهر الكلام.
(3) انظر جواهر الكلام.
السواك ولم يكتب عليكم وكتب علي الأضحية ولم يكتب عليكم”. وكلا الخبرين غير معتبر سنداً.
الأمر الرابع: وجوب قيام الليل والتهجد فيه. لقوله تعالى(1): وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً.
وهنا ينبغي الالتفات إلى نقطتين:
النقطة الأولى: قد يقال: ان الآية الكريمة غير خاصة بالنبي بل هي عامة لسائر المسلمين. والخطاب له لا يدل على عدم العموم لكثير من موارد القرآن الكريم، كالحجاب الخاص بزوجاته وقد أفتى الفقهاء بعمومه. وغير ذلك حتى ورد: ان القرآن نزل بإياك أعني فاسمعي يا جارة. فما لم يثبت بدليل خارجي اختصاصه به فهو عام وقرينه الخطاب لا تعنيه بشخصه .
ويترتب على ذلك: حمل الأمر في الآية:فتهجد. على الاستحباب لليقين بعدم وجوبه على الآخرين. ومعه يكون الأمر مستحباً عليه وعلى غيره.
ولو دققنا أكثر أمكن القول: اننا ان حملنا الأمر على الوجوب تعين القول باختصاص الحكم به . وان ألغينا الاختصاص تعين القول بالاستحباب. فيقع تعارض في الاستفادة ما بين هاتين القرينتين: الوجوب والعموم. ومن الممكن القول عندئذ برفع اليد عن العموم لصالح الوجوب، فان الوجوب عليه قرينتان: ظهور صيغة الأمر، وظهور الاختصاص أو الخطاب به . في حين لا قرينة على العموم الا إلغاء الخصوصية، وإنما تكون ممكنة مع عدم القرينة على عدمها، فتأمل.
النقطة الثانية: قال صاحب الجواهر: نعم. ينبغي ان يعلم: أن بين قيام الليل والوتر الواجبين عليه مغايرة العموم والخصوص المطلق (لأن كل وتر فهو
ــــــــــــــــــــ[95]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الإسراء: 79.
تهجد ولا عكس) لأن قيام الليل بالتهجد يحصل بالوتر وبغيره فلا يلزم وجوبه. (أي لا يلزم من وجوب التهجد وجوب الوتر فلزم إيجابه بحكم آخر لتعلق المصلحة الإلزامية به بالنسبة إليه).
واما الوتر فلما كان من العبادات الواقعة بالليل فهو من جملة التهجد بل هو أفضله. فقد يقال: ان إيجابه يُغني عن قيام الليل. لكن فيه (جواباً عليه): ان قيام الليل وان تحقق بالوتر لكن مفهومه مغاير لمفهومه، لأن الواجب من القيام لما كان يتأتى به وبغيره وبالكثير منه والقليل كان كل فرد يأتي به موصوفا بالوجوب لأنه أحد أفراد الكلي. وهذا القدر لا يتأتى بإيجاب الوتر خاصة ولا يفيد فائدته. فلا بد من الجمع بينهما.
أقول: كأن (صاحب الجواهر) تكلم من زاوية الشارع الإسلامي الذي أوجب على النبي التهجد والوتر. وإذا تكلمنا من هذه الناحية لم يكن ما قاله صحيحاً. لأن وجوب الوتر يلازم وجوب مصداق التهجد. وبذلك يغني عن وجوبه. وكون وجوب التهجد ينطبق على أمور أخرى لا أثر له بعد انطباقه على الوتر الواجب. ان كان المطلوب من التهجد ليس صرف الوجود، كما فهمه .
الا ان الظاهر ان المطلوب في التهجد ليس صرف الوجود بل هو الفعل المتعدد والطويل عرفاً، كما لو كانت صلاة الليل واجبة عليه. حتى قال بذلك البعض. وهذا يعني ان وجوب التهجد اما ان يشمل الوتر وغيره. أو أن يعني: وجوب غير الوتر مضافاً إلى وجوبها بخطاب آخر. بل ان شموله للوتر لا يخلو من إشكال إذ يلزم وجود محركين لموضوع واحد وهو محال.
الأمر الخامس: من خصائصه في غير النكاح: تحريم الصدقة الواجبة عليه، وهي زكاة المال وزكاة الفطرة.
كذا قالوا. والصحيح ان هذا الحكم عام له ولذريته وليس خاصاً به
ــــــــــــــــــــ[96]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
والنصوص والفتاوى على ذلك إلى حد الآن.
وقد أجابوا على ذلك بجوابين:
الجواب الأول: ان تحريمها عليهم بسببه فالخاصة عائدة إليه .
الجواب الثاني: انها لا تحرم عليهم مطلقاً بل من غير الهاشمي. واما عليه فتحرم مطلقاً.
وعلى أي حال، فالدليل على ما هو زائد، على تلك الحرمة العامة، لا يخلو من نقاش.
الأمر السادس: تحريم الصدقة المندوبة في حقه . وحق الأئمة. قال صاحب الجواهر: وان كان فيه خلاف.
أقول: وقد وردت بعض الأخبار الدالة على ذلك مما هو ضعيف سنداً. ولو تمت فالحكم غير خاص به، كما سمعنا.
الأمر السابع: تحريم خائنة الأعين. قيل: وهو الغمز بها إلى مباح من ضرب أو قتل على خلاف ما يظهر ويشعر به الحال.
وعنه (1): “ما كان لنبي ان تكون له خائنة الأعين. وقال تعالى(2): يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ”.
والظاهر ان الأعين إنما نسبت إلى الخيانة، باعتبار مخالفتها للتشريع. من حيث ان حركة العين غير ملحوظة عرفاً. والخيانة هي العصيان غير الملحوظ أو السري. فتكون حركة العين عصياناً خيانة سرية للتشريع.
وهي بهذا المعنى حكم عام لسائر المسلمين، وليس خاصاً بالنبي . وما
ــــــــــــــــــــ[97]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الجواهر.
(2) غافر: 19.
فسروه بأنه: الغمز إلى المباح لا يصح(1) لأن المباح لا يكون فيه خيانة. بل هو الغمز إلى الحرام. أو استعمال العين في الحرام لصدق الخيانة عندئذ.
وما ذكر من الدليل على اختصاصه لا يخلو من مناقشة. اما الآية الكريمة فواضحة في العموم بلا إشكال. واما الخبر فهو غير تام سنداً. ولو تم فهو دال على العموم لسائر الأنبياء كما هو نصه.
الأمر الثامن: انه أبيح له الوصال في الصوم. والمراد به وصل الليل بالنهار بالصوم. وهو محرم على غيره من أمته . ولم يذكروا لذلك دليلا محدداً. فكأنه من المسلّمات.
الأمر التاسع: انه تنام عينه ولا ينام قلبه. وفي الحديث انه قال: ” تنام عيناي ولا ينام قلبي”.
وفسره صاحب الجواهر: بمعنى بقاء التحفظ والإحساس. أقول: يعني الالتفات إلى ما حوله.
وهذا المعنى يعني عدم النوم جزماً. فيكون معنى الحديث نفي النوم عنه باستمرار. مع العلم انه يصرح بنوم عينه. وهذا يعني ان فكرة النوم مشتركة بينه وبين غيره. إلا أن الفرق هو عدم نوم قلبه . حيث يبقى ذاكراً الله سبحانه باستمرار من دون ان تعروه الغفلات أو يطرأ عليه النسيان، لا في يقظة ولا في منام. واما نحن ففي اليقظة غافلون فكيف في المنام؟
إلا أن كون هذه الصفة لم تثبت لغيره، محل مناقشة. وبحسب فهمي: فأنها ثابتة لمن يصل إلى درجة عالية معينة من مراتب اليقين. وحيث ان النبي متصف بها فهو متصف بلازمها وهو استمرار الذكر القلبي حتى في النوم.
ــــــــــــــــــــ[98]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) إلا بمعنى سلب المباح عن الأولياء أو المعصومين كما يقولون علماء الأخلاق. الا أن هذا مما لم يقصده الفقهاء.
إلا انه من الممكن بل من المتعين اتصاف آخرين من نفس الدرجة أيضا، لا اقل من الأئمة المعصومين . وعدم ورود هذا الحديث في حقهم لا يعني عدم اتصافهم بذلك.
الأمر العاشر: انهم قالوا: انه يترتب على عدم نوم قلبه استمرار وضوئه وعدم انتقاضه. قال صاحب الجواهر: فيحصل باعتباره خاصة أخرى له وقد عدت أيضا من خواصه .
أقول: هذا الأمر قائم على ضم صغرى وكبرى:
أما الصغرى: فهي تفسير نوم القلب بما فهمناه منهم وصرح به (صاحب الجواهر) من استمرار الإحساس وعدم ذهابه. الأمر الذي يعني عدم النوم حقيقة.
وأما الكبرى: فباعتبار فهمهم ان النوم الموجب لنقض الوضوء هو نوم القلب، فإذا لم ينم القلب لم ينتقض الوضوء.
وقد عرفنا ان الأمر يسير في ميدان آخر لا ربط له بالوضوء أصلاً. وهو استمرار الذكر القلبي في المنام كاستمراره في اليقظة في درجات اليقين العليا.
الأمر الحادي عشر(1): انه كان يبصر وراءه كما يبصر أمامه… قال صاحب الجواهر: بمعنى التحفظ والإحساس في الحالتين.
أقول: وقد وردت في ذلك بعض الأخبار، بل لعله من القطعيات المسلمات. خاصة لمن يعرف بعض مقام النبي .
الأمر الثاني عشر: وجوب مشاورته لأصحابه، طبقاً لقوله تعالى(2):
ــــــــــــــــــــ[99]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) هذه الصفة ليست فقهية. بل ينبغي الاعتراف بذكرها استطراداً.
(2) آل عمران: 159.
وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ.
الأمر الثالث عشر: تحريم الشعر عليه. على ما قالوا ولعلهم استفادوه من قوله تعالى(1): وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ. إلا أنه لا يخلو من مناقشة. ومن الناحية العملية فقد ورد عنه بعض الكلام الموزون. فلو كان محرماً ما فعله جزماً.
منها: ما روي عنه : انه حين أصيبت يده في أحد قال:
“يا لك من انملة دميت وفي سبيل الله ما لقيت”
بل ورد في القرآن الكريم ما هو موزون أيضا. كقوله تعالى(2): وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ.
الأمر الرابع عشر: انه كان إذا لبس لآمة الحرب يحرم عليه نزعها حتى يلقى عدوه ويقاتل. ولم يذكروا له دليلا محدداً.
الأمر الخامس عشر: انه يحرم عليه ان يمد عينه إلى ما متع الله به الآخرين من النساء. طبقاً لقوله تعالى(3): وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى.
الا ان كون هذا الحكم خاصاً به . محل مناقشة جزماً. لأن مد العينين المذكور في الآية له أحد معنيين كلاهما محرم على سائر المسلمين:
المعنى الأول: النظر الفعلي إلى ما لا يجوز النظر إليه من جسم المرأة الأجنبية. وخصت المتزوجات في الآية الكريمة لأهميتها. باعتبار ان الزواج
ــــــــــــــــــــ[100]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) يس: 69.
(2) سبأ: 13.
(3) طه: 131.
يوجب لهن زيادة الصون من ناحية، ويكون النظر تحدياً للزوج من ناحية أخرى.
المعنى الثاني: الطمع بالتزويج بالمتزوجات. وهو محرم لما ثبت من عدم جواز التعريض لهن بالخطبة ونحوها. فكيف بالتفكير بما هو أدهى من ذلك. والطلب إلى المرأة بالانفصال عن زوجها جريمة تضاف إلى جريمة.
والفرق بين المعنيين: ان مد العين في الأول حقيقي وفي الثاني مجازي. لأن الشخص إذا طمع بشيء أطال النظر إليه. فيستعمل هنا بمعنى مطلق الطمع.
الأمر السادس عشر: انه أبيح له دخول مكة بغير إحرام. بخلاف الآخرين فأنهم يجب عليهم الإحرام لدخولها ما لم يكن قد دخلها خلال شهر محرماً.
ولم يذكر الفقهاء ان هذه صفة دائمة أو كانت خلال فتح مكة. وعلى كلا التقديرين لم يذكروا لها دليلا محدداً.
الأمر السابع عشر: انه يجوز له ان يأخذ الطعام والشراب من المالك وان اضطر المالك إليهما.
وهذا له أحد تفسيرين فقهيين كلاهما صحيح:
الأول: ان النبي ذو ولاية واسعة على المسلمين وأولى بهم من أنفسهم وأموالهم. فإذا أمر أحد بأي تصرف في نفسه أو ماله أو ولده أو أهله وجب عليه وحرم عليه تركه، حتى وان لم يكن المأمور راضياً.
الثاني: انه لو دار الأمر بين جوع أو عطش شخصين والماء المتوفر –مثلا- يروي واحداً منهما. وجب تفضيل من هو الأفضل دينياً. فإن كانت الفضيلة كبيرة والفرق بينهما شاسعاً، أمكن التضحية بالآخر في سبيل سلامة الأول. بل
ــــــــــــــــــــ[101]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وجب ذلك. ومن الواضح ان النبي أولى من ينطبق عليه هذا المعنى.
الأمر الثامن عشر: انه جُعل تطوعه (ويراد به هنا الصلاة المستحبة) قاعداً كتطوعه قائماً من غير عذر. وقد سبق ان سمعناه بإيجاز. في حين ان الأمر في حق غيره: قلة الثواب مع الجلوس إلى حد النصف. لأن الركعتين من الجلوس تعدان بركعة من قيام فقهياً وثواباً.
ولم يذكروا لذلك وجهاً بعينه.
الأمر التاسع عشر: قال صاحب الجواهر: انه كان إذا رغب في نكاح امرأة فان كانت خلية وجب عليها الإجابة وحرم على غيره خطبتها. وان كانت ذات زوج وجب عليه طلاقها لينكحها. قال: لقضية زيد.
أقول: هذا الحكم باعتبار عموم ولايته ووجوب إطاعته في كل الأمور الخاصة والعامة كما أسلفنا. إلا أن قضية (زيد) ليست منها. لأن وجوب طلاق الزوج المشار إليه إنما يكون مع أمر النبي له بالطلاق واما مع عدمه فلا. وهذا واضح. ومن المعلوم بنص القرآن الكريم ان النبي قال لزيد(1): أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ. ولم يأمره بطلاقها. وإنما طلقها الزوج استحباباً آخذاً لحال رسول الله بنظر الاعتبار.
هذا. وكون هذا الحكم خاصاً به وغير شامل لغيره من المعصومين محل مناقشة. بل مقتضى عموم الولاية ووجوب الطاعة لهم أيضاً، كما هو الحق، ثبوت ذلك أيضا في حقهم. غاية الأمر: انه لم يحصل تطبيق تاريخي له كما حصل في عهد النبي ، لو تم الاستشهاد بقضية (زيد).
هذا، ولا يخفى انه مأمور بأوامر كثيرة بالقرآن الكريم. كقوله
ــــــــــــــــــــ[102]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الأحزاب: 37.
تعالى(1): بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. وقوله تعالى(2): فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. وقوله تعالى(3): فإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. وقوله تعالى(4): لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. وغير ذلك كثير. وكل ما ورد في الأوامر والنواهي بعنوان: (يا أيها الذين آمنوا) أو (يا أيها الناس) ونحو ذلك فهو مشمول له. وهناك أمور أخرى نوكلها إلى فطنة القارئ اللبيب.
فهذا هو الحديث عن تكاليفه .
تكاليف غيره تجاهه:
وقد وعدنا ان نحمل فكرة عن تكاليف غيره تجاهه . وقد ذكر الفقهاء بعضاً منها. وهذا طبعاً بغض النظر عن التكاليف الشرعية العامة التي بين المسلمين والتي تشمله بل هو أولى من غيره بها. وبغض النظر عن وجوب طاعته بصفته رسولا أو نبياً أو ولياً عاماً أو ولياً من أولياء الله أو معصوماً. فان كل هذه الصفات له . وتقتضي من الآخرين سلوكاً خاصاً تجاهه. غير ان ما ذكره الفقهاء هو نقاط محددة، مستفادة من النصوص نذكرها تبعاً لهم من اجل عموم الفائدة:
الأمر الأول: انه يحرم على غيره رفع صوته عليه. طبقاً لقوله تعالى(5): لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ
ــــــــــــــــــــ[103]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المائدة: آية 67.
(2) الحجر: آية 94.
(3) آل عمران: 159.
(4) القيامة: 16.
(5) الحجرات: 2-3.
الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ.
ومجمل الاستفادة من هذه الآية الكريمة انها تعرضت لأحكام ثلاثة، يمكن إرجاعها إلى حكمين، ومن الصعب إرجاعها إلى حكم واحد:
الحكم الأول: قوله تعالى: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِي. وهذا يدل على ان فعلية الحكم إنما تكون عندما يتكلم . فعندئذ لا يجوز أن يكون صوته أعلى من صوت النبي. كائنا ما كان مقداره. فلو كان الاخفات مصداقاً لذلك كان محرماً فضلا عن الجهر.
الحكم الثاني: قوله تعالى: تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لبعض. والجهر وان كان يفهم منه عرفاً ظهور جوهر الصوت في مقابل الاخفات الذي لا يظهر فيه ذلك. الا ان المقصود هنا جزماً ليس هو ذلك. وإنما ذاك مربوط بالصلاة كما في قوله تعالى(1): وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً.
وبتعبير آخر: ان الجهر ان قرن بالاخفات كان دالا على ذلك. وفي الآية التي نتكلم عنها لم يقرن به بل أريد به معنى آخر.
ومن الممكن ان نفهم منها أحد معنيين:
المعنى الأول: زيادة الصوت، أو ما هو القريب من الصياح. كما كان يفعل بعضهم تجاه بعض كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ فهذا محرم لدى النبي .
المعنى الثاني: التبذل في الكلام الذي قد يستعمله الفرد أمام مساويه في المرتبة الاجتماعية أو من دونه، أو تجاه صديقه أو قريبه. فيكون هذا التبذل ممنوعاً. بغض النظر عن درجة الصوت.
ــــــــــــــــــــ[104]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الإسراء: 110.
والمعنى الأول هو المشهور، ولعله الأقرب عرفاً. وان كان المعنى الثاني لا يخلو من وجاهة.
وهذا المعنى -أياً كان- ثابت سواء كان النبي في حال الحديث أم لا. وهذا فرقه عن الحكم الأول.
الحكم الثالث: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه.. الآية. وهو دال على مطلوبية غض الصوت وتخفيفه بين يدي النبي .
وقد يناقش في ذلك:
أولاً: ان هذه الآية الكريمة لا تحتوي على أمر ونهي. وإنما احتوت على اخبار فهي ليست دالة على الطلب أصلاً.
ثانياً: انها إن دلت على الطلب ففيها قرائن تصرفه إلى الاستحباب وليس الوجوب. وهي قوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى. فإن هذه المرتبة من الإيمان درجة عالية، لا يحصل عليها الا الأوحدي من الناس. وهي عادة تحصل بأداء جملة من المستحبات وليس امتثال الواجبات والمحرمات العامة. الأمر الذي يدل على ان الطلب هنا استحبابي.
وقد يتوصل شخص إلى ان الحكم السابق عليه أيضا استحبابي. باعتبار اقترانه بهذه الفقرة من الآية بنحو القرينة المتصلة.
وبتعبير آخر: ان الجهر والاخفات ما داما متقابلين. فيكون الحكمان بهما متقابلين أيضا. فالحكم الثاني في الآية الكريمة أنه قال: لا تَجْهَرُوا، والحكم الثالث: اخفتوا. فيرجع كلا التعبيرين إلى معنى واحد أو حكم واحد.
وهو حكم استحبابي بالقرينة المتصلة التي ذكرناها.
ولذا قلنا قبل مدة ان الأحكام الثلاثة في الآية الكريمة يمكن إرجاعها إلى
ــــــــــــــــــــ[105]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
حكمين. وذلك بدمج الحكمين الثاني والثالث بحكم واحد.
إلا أن قرينية الاستحباب لا تتم، لأنها مضادة بقرينة على الوجوب متصلة أيضا وهي قوله تعالى: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُون.
نعم، ان كان الحكم الثالث مستقلا عن الثاني، كما هو غير بعيد، أمكن القول باستحبابه، ووجوب الثاني. ولكن مع إرجاعها إلى حكم واحد، فلا بد من القول بوجوبه لتلك القرينة، التي تكون بدورها أقوى من قرينة الاستحباب والكلام عن البرهنة على ذلك كلام يطول.
ولا نتيجة عملية لذلك، بعد ان أمكن استفادة ثلاثة أحكام من الآية الكريمة. لأن المطلوب في الحكم الثالث، ليس هو مجرد عدم الجهر كالثاني. وإنما هو زيادة التأدب والتواضع والخشوع عند الحديث بخدمة النبي . ولذا أنيط بمن امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى ووعد عليه الأجر العظيم.
فهذا هو الكلام عن الأمر الأول من الأحكام التي تجب على غير النبي تجاهه.
الأمر الثاني: انه يحرم على غيره مناداته من وراء الحجرات. لقوله تعالى(1): إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ.
والآية الكريمة لا تدل على الحرمة كما هو واضح، لأنها تخلو من الأمر والنهي. وإنما دلت على ذم من يفعل ذلك، وهي لم تدل على عموم الذم بل بعنوان الغالبية: أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ.
ثم دلت على حكم آخر وهو استحباب الصبر، حتى يكون النبي هو
ــــــــــــــــــــ[106]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( )الحجرات: آية 4-5.
الذي يخرج إليهم أو يأتيهم. وأفضلية ذلك على الاستعجال للقاء النبي كيفما حصل. لأنه هو الذي يعرف المصلحة الواقعية لوقت اللقاء.
الأمر الثالث: انه خص بمخاطبته بالسلام خلال الصلاة، فإن المطلوب من المصلي استحباباً هو ذلك. ان يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. ولا يوجد مثل هذا الحكم لغيره، كما هو معلوم.
ــــــــــــــــــــ[107]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل في مستحبات النكاح
كاستحباب الزواج أساساً، وشرائط المرأة التي ينبغي اختيارها، وشرائط الزوج، وأهمية الذرية. وغير ذلك كثير. وهي وان كانت مستحبات لا عقوبة على تركها، الا ان للتأدب بآداب الله عز وجل في شريعته الأثر الكبير في النتائج الصالحة على كل المستويات.
على انها ليست جميعاً مستحبة بل منها ما يرجع إلى الواجب والحرام، كما سنسمع. فالتأدب بذلك يكون إلزامياً.
ويتم الكلام عن ذلك ضمن عدة عناوين مستقلة:
الزهد في النكاح:
فان من الاستفهامات الرئيسية التي تواجهنا هنا هو السؤال عن استحباب الزهد في النكاح.
وقد كان بعض أساتذتنا يقول: ان الزهد في الشريعة مطلوب في كثير من الاشياء كالطعام واللباس. ولكن لم يرد مثل ذلك في النكاح.
والدليل الرئيسي الذي يمكن تقديمه على استحباب الزهد فيه هو قوله تعالى في وصف النبي يحيى(1): وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ.
ــــــــــــــــــــ[108]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) آل عمران: 39.
فان معنى الحصور هو الذي يحبس نفسه أو يحصرها عن النكاح. وقد عاش هذا النبي في حالة عزوبة طيلة حياته قربة إلى الله عز وجل إلى ان قتله جلاوزة الدولة الرومانية، البيزنطية.
كما انه من المحتمل ان عدداً من الأنبياء السابقين كانوا على هذا الغرار. ومن المعلوم ان سلوك الأنبياء سلوك صالح بل ينبغي الاقتداء به والاحتذاء له.
وبهذا يكون هذا الدليل -لو تم- معارضاً للأدلة الدالة على استحباب الزواج، والتي سنعرض طرفاً منها بعد ذلك. الا ان هذا الدليل غير تام لعدة وجوه:
الوجه الأول: ان الفهم المشهور هو ان المراد من (الحصور) هو تارك الزواج. الا انه يمكن ان يقال: ان الحصور بمعنى ذلك الذي يحصر نفسه ويصبرها على مختلف المصاعب وليس خصوص الزواج ويكفينا أن نقول: انه إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
ولا شك عملياً أو تاريخياً ان النبي يحيى ، كما كان حصوراً في النكاح كان تاركاً لكل أشكال الدنيا. وكان من أزهد الأنبياء يأكل الجشب ويلبس المسوح ويقضي الليالي الطوال متهجداً خارج العمران. فلعله انه انما سمي حصوراً لأجل مجموع هذه الصفات وليس للنكاح خاصة. وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
الوجه الثاني: ان يحيى عاش قبل الإسلام. فمن الممكن ان يكون ترك الزواج مستحباً في ذلك الحين، وهذا لا يعني ثبوته في الإسلام بل يمكن ان يكون العكس ثابتاً فيه، طبقاً لتغير الحكم والمصالح. وشريعة الإسلام ناسخة لما قبلها.
وهذا هو الذي مال إليه المحقق الحلي قائلا: بان المدح بذلك في شرع
ــــــــــــــــــــ[109]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
غيرنا لا يلزم منه وجوده في شرعنا.
ويمكن أن يجاب على ذلك: بأنه خلاف إطلاق الآية، فان كل المدائح الواردة في حقه: سَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ واردة في سياق واحد، ومنسوبة إليه بصفته عبداً مطيعاً لله عز وجل وحائزاً على رضوانه. لا بصفته متديناً بالمسيحية أو اليهودية.
الوجه الثالث: ما قاله المحقق الحلي أيضا: من انه يحمل على ما إذا لم تتقِ النفس (انتهى). فان تاقت النفس إلى الزواج كان الاستحباب ثابتاً، وان لم تتقِ كانت الكراهة ثابتة.
فيكون هذا وجهاً للجمع بين هذا الدليل الدال على مرجوحية النكاح وما دل على استحبابه على ما سيأتي.
ويمكن أن يجاب عليه: بأنه جمع تبرعي، يعني بدون قرينة ترجحه في أي من الدليلين. بعد ثبوت إطلاقهما على ما هو المفروض.
الوجه الرابع: اننا نلاحظ من الآية الكريمة بوضوح: ان الموصوف بالحصر عن الزواج هو نبي من الأنبياء وليس فرداً عادياً.
وهذا يدعم الفكرة القائلة: ان حصر النفس والضغط عليها وتعويدها على المصاعب، ليس تكليفاً عاماً للناس لا وجوباً ولا استحباباً. بل هو تكليف للخاصة من الناس ممن فهم الهدف الأعلى في الإيمان وأراد استهدافه والسعي في سبيله. عندئذ يتعين عليه الزهد حتى في النكاح ان استطاع إلى ذلك سبيلا ولم يلزم منه الوقوع في الحرام. أعاذنا الله تعالى.
والأهداف العليا من الإيمان، وان كانت أساساً مطلوبة من كل الناس، إلا أن الله سبحانه يعلم ان الملتفت إليها تفصيلا، ومن يجعلها نصب عينيه ويكرس لها حياته، ليس إلا اقل القليل. والباقي منهم يعيشون ما يستحقون من الغفلة
ــــــــــــــــــــ[110]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وما يطلبون من دار الدنيا التي هي غاية همهم ومبلغ علمهم وليس لهم في الآخرة من نصيب.
هذا، ويمكن ان يستدل على مرجوحية النكاح. وأولوية تركه ما دل من الكتاب الكريم والسنة الشريفة على ذم الشهوات ومتبعيها والسائرين في ركابها كقوله تعالى(1): زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ. وقوله تعالى(2): فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً. وقوله سبحانه(3): وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً.
وجواب ذلك يمكن ان يكون على مستويين غير متفاصلين، يعني يمكن ان يرجع أحدهما إلى الآخر:
المستوى الأول: انه بعد اليقين بعدم تحريم إشباع كل الشهوات في الشريعة المقدسة، بل إن إشباع كثير منها يعتبر من المباحات ليس فيه حتى الكراهة.
عندئذ نعرف إننا لا بد في المرتبة السابقة على ظهور الآية الكريمة، أي قبل ان نحاول فهمها ان ننظر إلى الحكم الذي يتصف به إشباع الشهوات في الشريعة. فقد يكون مباحاً كشرب الماء للعطش وقد يكون محرماً كشرب الخمر للسكر وقد يكون مكروهاً. وحيث دلت الآية على حرمة إتباع الشهوات بدلالة قوله تعالى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً، وغيره. نعرف ان المقصود هو الشهوات من الأحكام ذات الحكم التحريمي أو الإلزامي. وهي الشهوة التي تستلزم ترك الواجب أو فعل الحرام دون غيرها.
ــــــــــــــــــــ[111]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) آل عمران: 14.
(2) مريم: 59.
(3) النساء: 27.
ومن المعلوم إن إشباع الشهوة الجنسية عن طريق الزواج ليس محرماً. إذن، فهو خارج موضوعنا عن النهي في الآية أو عن الذم فيها.
المستوى الثاني: انه يمكن ان نقسم إشباع الشهوات إلى قسمين:
القسم الأول: إشباع الشهوات التي تكون حاجاتها ضرورية أو شبه ضرورية، كالمستوى الاعتيادي من الطعام والشراب واللباس والمنام ونحو ذلك.
القسم الثاني: إشباع الشهوات التي لا تكون ضرورية تماماً، بل هي مجرد بذخ ورفاه متزايد في الحياة بالشكل الذي قد يشمل أحياناً الشهوات المحرمة، أي ذات الإشباع المحرم.
والإعراض عن الشهوات وإهمالها والصبر على ترك إشباعها، مطلوب في الشريعة بلا إشكال. بدلالة هذه الآيات التي ذكرناها. إلا أن مستوى التركيز على المطلوبية يختلف من ناحية والمكلف الذي تطالبه الشريعة بذلك يختلف أيضا حسب القسمين السابقين.
فالإعراض عن الشهوات المحرمة، مطلوب عام من كل أحد، لوضوح ان التورط فيها تورط في محرم.
وكذلك بشكل وآخر، فان الإعراض عن شهوة التوسع في العيش وزيادة المال والرفاه أيضا مطلوب في الشريعة. ويدل عليه عدة آيات من القرآن الكريم منها قوله تعالى(1): مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ. وهي واضحة في ان الطلب المتزايد للدنيا يوازي ويستلزم عدم دخول الجنة.
ــــــــــــــــــــ[112]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الشورى:20.
وكذلك تدل عليه الآية السابقة(1): زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ. وهي واضحة في التنافي (التقريبي) بين التوسع في دار الدنيا وحسن المآب. ولذا يقول سبحانه بعد ذلك مباشرة: قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.
وفيها دلالة على التنافي بين الطلب المتزايد للدنيا والحصول على الرضوان.
ومعه يتضح ان المراد من (النِّسَاءِ) و(الْبَنِينَ) هنا اعني في هذه الآية، ليس هو مجرد الزواج بل هو الاستكثار منهن، بقرينة ما ذكر بعد ذلك من الاستكثار من البنين والأموال المعدودة في الآية. ومعه يكون الاستكثار من النساء بصفته مصداقاً لكثرة طلب الدنيا، أمراً مرجوحاً شرعاً. وهذا لا يستلزم ان يكون مطلق الزواج ولو بواحدة أو اثنين أمراً مرجوحا. فما دل على رجحانه من الأدلة الآتية يبقى في محله.
واما الإعراض عن الشهوات من القسم الأول، يعني للحاجات المتعارفة لجميع الناس، فهو من أقسام الزهد. وهو خاص بمن التفت إليه وأصبح له همة نحوه. طبقاً لقوله تعالى(2): وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وليس هذا الأمر عاماً بين الناس كما سبق.
هذا، ولا يبعد ان يكون الإعراض عن الزواج أو تأخيره ونحو ذلك نحواً
ــــــــــــــــــــ[113]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) آل عمران: 14.
(2) العنكبوت: 69.
من الزهد مع الوثوق بالنفس في عدم الوقوع في أي حرام أو مرجوح. مع الاعتراف ان هذا على الشاب صعب جداً. ولا يبعد ان تكون هذه الصعوبة هي التي قلصت الوضوح الشرعي في النصوص المنقولة في استحباب الزهد لبعض الناس في النكاح. لأنه بلا شك أصعب من الزهد في الطعام والشراب. فلم يكن من الحكمة بيانه والتركيز عليه.
الأمر الذي حدا ببعض أساتذتنا ان يقول ما سمعناه من عدم مطلوبية الزهد في النكاح. بل حدا بكثير من الزاهدين في العيش إلى الاستكثار من النساء أو من اتيانهن. وكأن في ذلك شكلاً من أشكال التنفيس المشروع عن الضغط النفسي الذي يعانونه من الجهات الأخرى. ولله في خلقه شؤون.
استحباب النكاح:
وهو الأكيد في الشريعة والمتواتر في نصوصها، وسنسمع انه ليس استكثاراً في الدنيا ولا حباً للمال والبنين بل صاغ الإسلام حكمه بشكل منسجم تماماً مع مفاهيمه وأهدافه. في حدود الأحكام العامة الشاملة لكل المكلفين.
وما يمكن ان يكون هدفاً للزواج من وجهة نظر إسلامية ما يلي:
الهدف الأول: كثرة عدد المسلمين بصفتهم متبعين شريعة سيد المرسلين.
ففي الصحيح عن محمد بن مسلم(1): أن أبا عبد الله قال: “إن رسول الله قال: تزوجوا فاني مكاثر بكم الأمم غداً في يوم القيامة”…. الحديث.
وفي الخصال بإسناده عن علي (2) (في حديث الأربعمائة) قال:
ــــــــــــــــــــ[114]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج14. كتاب النكاح. أبواب مقدماته وآدابه. باب 1. حديث 2.
(2) المصدر: حديث 6، وانظر: باب 16. حديث 1- 2.
تزوجوا فان التزويج سنة رسول الله. فانه كان يقول: من كان يحب “أن يتبع سنتي، فان من سنتي التزويج. واطلبوا الولد. فإني مكاثر بكم الأمم غداً”.
وكثرة عدد المسلمين يفيدهم في الدنيا والآخرة، وهي الجهة التي أشارت إليها الروايات، حيث يعرض المسلمون كأكثر الأديان عدداً بالرغم من كثرة ما في الأديان الأخرى من العدد.
وفي هذه دلالة واضحة على ما نستطيع ان نسميه: كثرة الإنتاج الإسلامي، الذي تعاون عليه النبي والمسلمون خلال الأجيال لتحصيله. وهو المفخرة أمام الله سبحانه وتعالى وأمام خلقه.
ومن الواضح ان الإنتاج الإسلامي، كما يكون بإدخال فرد غير مسلم إلى الإسلام كذلك يكون بإيجاد الذرية المسلمة، فان هداية الذرية إلى الإسلام نحو من الإنتاج أيضا في هذا الطريق.
يبقى سؤال يحسن عرضه مع جوابه:
وهو ان نتصور ان النبي ليس بحاجة إلى زيادة المسلمين عن هذا الطريق، بعد إحراز الزيادة عن طريق أمرين مهمين:
الأمر الأول: اننا عرفنا ان الأنبياء السابقين على الإسلام مؤمنين بنبي الإسلام ومبشرين بدعوته، ومعه تكون الأمم السابقة السماوية كلها على الإسلام بنحو أو بآخر. وهذا يعني ان عدداً ضخماً من السابقين على الإسلام، مندرجون تحت راية النبي يستطيع ان يكاثر بهم الأمم يوم القيامة.
الأمر الثاني: اننا نؤمن ان الإسلام هو خاتمة الأديان السماوية وانه باق مدى الدهر إلى يوم القيامة. ونحن لا نعلم مقدار ما سيتأخر يوم القيامة. فلعله يتأخر عدة ملايين من السنين. وهذا يعني ان هناك ذرية ضخمة وعدداً مهماً من الناس يندرجون تحت راية النبي يوم القيامة يستطيع ان يكاثر بهم الأمم.
ــــــــــــــــــــ[115]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وهذا قد يعني عدم ضرورة الحث على الزواج كالذي سمعناه في الخبر. إلا ان هذا من الغرائب، بل من الأفكار الرديئة الواضحة المناقشة وذلك بعد الالتفات إلى عدة نقاط:
النقطة الأولى: انه ما دامت المكاثرة في الدنيا والآخرة للمسلمين راجحة وصحيحة، إذن فكلما كانت النسبة أكثر والعدد أضخم، كانت النتيجة أرجح واصح. فلئن صح الأمران السابقان، فأنه لا ينافي الحث على الزواج المنتج للزيادة أكثر وأكثر.
النقطة الثانية: ان الأمر الأول صحيح، إلا انه غير منتج للمقصود هنا. لأن معنى قوله: (أباهي بكم الأمم). انه في الحديث لاحظ امة الإسلام منحازة ومغايرة لأمة اليهود ولأمة النصارى ولغيرها من الأديان.
فلئن كان عنوانهم الأصلي عند الله سبحانه أو عنوان المخلصين منهم هو الإسلام. فهذا لا يعني إنهم ليسوا يهوداً ولا نصارى أو أي شيء آخر.
من حيث ان شعائرهم وطقوسهم تختلف لا محالة عن المسلمين. وهم بالفعل من تربية أنبياء سابقين على نبينا .
وكل هذه الجهات تعني ملاحظة المسلمين كأمة منحازة ومغايرة لسائر الأمم، وليس ملاحظة الوحدة العقائدية بينها وبين سائر الأمم. وإذا كان كذلك. فلا بد عند المكاثرة يوم القيامة من لحاظ النسبة بينها وبين سائر الأمم. بصفتها مستقلة ومنحازة عنهم لا بصفتهم مندرجين فيها، ومنضوين تحت رايتها.
إذن فقد خرج كل المسلمين السابقين عن الإسلام عن هذه المكاثرة المطلوبة. فلا بد من إيجاد سبب آخر وهو كثرة النسل بكثرة الزواج.
النقطة الثالثة: إن فكرة الأمر الثاني صحيحة أيضا، إلا انها غير منتجة
ــــــــــــــــــــ[116]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
للمراد بهذا الصدد.
فان دين الإسلام باق إلى يوم القيامة. إلا ان عدداً من الأديان الأخرى أيضا باقية إلى يوم القيامة. وعلى هذا ظاهر القرآن الكريم في عدد من آياته كقوله سبحانه(1): وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فإذا كان الإسلام باقياً وحده إلى يوم القيامة لكان للمستدل وجه من النظر. إلا أن الباقي هو عدد من الأديان أو الأمم المتدينة. والنسل يحصل منها جميعاً. إذن، فقد احتجنا مرة ثانية إلى كثرة الزواج بين المسلمين، لتحصل الكثرة في جانبهم.
النقطة الرابعة: ان هناك كثرة ضخمة من البشرية، غير المتبعة للأديان السماوية المشهورة، كما في منطقة شرقي آسيا كلها: كالهند والصين واليابان واندونيسيا وغيرها. ولعلها بمجموعها كانت ولا زالت وستبقى إلى فترة غير محددة أكثر عدداً من مجموع الأديان الثلاثة الأخرى، السماوية. ومعه لابد من التخطيط لأجل كبح هذه النتيجة. ومن جملة ذلك الحث على كثرة الزواج.
النقطة الخامسة: اننا قد نستطيع ان نفهم من الحديث النبوي الشريف: ان النبي يكاثر بالمسلمين الأمم جميعاً لا كل أمة بحيالها أو وحدها. وهذا معناه أن المسلمين سيظهرون يومئذ أكثر من نصف البشرية كلها بكثرة واضحة. وهذا معنى قد يوفق الله سبحانه نبي الإسلام والمسلمين له خلال الأجيال المتطاولة.
والمهم الآن ان نفهم من الخبر: ان نظر النبي إلى ذلك، وان هدفه نحوه. وهذا لا يكون عادة إلا بأسبابه. ومن أهمها الحث على كثرة الزواج والزواج المبكر ونحوه مما يأتي.
الهدف الثاني: للحث على الزواج إسلامياً: إنتاج الأفراد الموحدين.
ــــــــــــــــــــ[117]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المائدة: 64.
والتوحيد هو الصفة المهمة قبل أي صفة أخرى مهما كانت مهمة وصحيحة.
فعن جابر(1) عن أبي جعفر قال: “قال رسول الله : ما يمنع المؤمن ان يتخذ أهلا لعل الله يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا إله إلا الله”.
وفي رواية أخرى(2) عن أبي عبد الله: “إن استطعت أن تكون لك ذرية تثقل الأرض بالتسبيح فافعل”. وهي رواية صحيحة.
ومعنى انها (تثقل الأرض بلا إله إلا الله) انها تشهد بالتوحيد. وهذا واضح. وكما ان للفرد الموحد بجسمه ثقل على الأرض المادية، كذلك لعقيدته وأحقية اتجاهه وهدفه ثقل على الأرض المعنوية.
الهدف الثالث: صون الدين عن التلاعب.
فعن كليب بن معاوية الأسدي(3) عن أبي عبد الله قال: “قال رسول الله: من تزوج أحرز نصف دينه”. قال الكليني: وفي حديث آخر(4): “فليتق الله في النصف الآخر أو في النصف الباقي”.
فمن المعلوم ان الشاب الأعزب: إن كان متديناً لا يكون المفروض فيه بذل شهوته الجنسية في الموارد المحرمة مهما قلّت أو كثرت. ومعه يتعين عليه الصبر، وهو من أصعب الأمور عليه. بل يكون مانعاً عن التوفر عملياً أو فكرياً على كثير من الطاعات والأعمال الصالحة والخيّرة، التي يمكن ان يقوم بها لو كان مكفي المؤونة من هذه الناحية. أعني لو كان متزوجاً.
فان المتزوج لا يحتاج إلى ذلك المقدار من الصبر، فيستطيع أن يتوفر
ــــــــــــــــــــ[118]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر السابق: حديث 3.
(2) المصدر السابق: حديث 8.
(3) المصدر السابق: حديث 11.
(4) المصدر: حديث 12.
للصالحات الأخرى.
وربما كان لفهم هذا الحديث أشكالا أخرى من الفهم، لا تختلف بكثير عن هذا الذي قلناه. فلا حاجة إلى بسط الكلام فيها.
الهدف الرابع: سعة الرزق.
فعن ابن القداح(1): “عن أبي عبد الله . قال: جاء رجل إلى أبي فقال له: هل لك من زوجة. قال: لا. فقال أبي: ما أحب ان لي الدنيا وما فيها واني بت ليلة وليس لي زوجة. ثم قال: الركعتان يصليهما رجل متزوج أفضل من رجل أعزب يقوم ليله ويصوم نهاره. ثم أعطاه سبعة دنانير ثم قال: تزوج بهذه. ثم قال أبي: قال رسول الله : اتخذوا الأهل فانه ارزق لكم”.
وظاهر الرواية ان الرزق إنما يتسع على الزوج نفسه. فان الفرد إذا تزوج ازداد دخله لا محالة لازدياد عدد الأفراد المسؤول هو عنهم من زوجة وأولاد. الا ان هذا ليس رزقاً له بل رزق لهم يجعله الله تعالى طريقاً فيه. لأن الرزق مكفول لكل الناس كما في الخبر: “الذي شق فمي كافل رزقي حتى يتوفاني”.
وظاهر الرواية هو ازدياد رزقه هو. وهذا لا يبعد انه موجود في الأغلب من الناس. حيث يزداد معدل دخله بعد زواجه بحيث يناله شخصياً من الدخل أكثر مما كان سابقاً.
إلا أن الأهم هو ان نلتفت: ان الرزق قسمان: مادي ومعنوي. ولئن كان المادي منبسطاً عليه وعلى أسرته فان الرزق المعنوي خاص به. من حيث انه تنفتح أمام الزوج فرص عديدة للطاعات من حيث تربية أولاده على الطريق الحق. ذكوراً وإناثاً وصونهم من الانزلاق والانحراف وصون زوجته وتربيتها
ــــــــــــــــــــ[119]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: باب 2. حديث 4.
أيضا بمقدار الإمكان. كما ان التوسعة على العيال أكثر من النفقة الواجبة شكل من الصدقة عليها ثوابها لا محالة، وإذا واجه في عائلته صعوبة وبلاء، كان الحال فيه كسائر أنواع البلاء في الدنيا، يراد به تربية المبتلى وتذكيره بالله سبحانه. طبقاً لآيات عديدة منها قوله تعالى(1): وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ….
وعلى أي حال فسيكون البلاء من جانبه ونفعاً له، بصفته مؤمناً صابراً، بدلا من أن يكون وبالاً عليه وسبباً لانحرافه واعتراضه.
والنتيجة من كل ذلك، هي ان العائلة على أي حال تكون سبباً للرزق المعنوي، وازدياد أسباب الطاعات وأعمال الخير وتحصيل الثواب. وهذا المعنى -كما أشرنا- خاص بالزواج وغير شامل لغيره. فان كان لغيره ثواب أيضا، فهو يستحقه بحياله وبالأسباب الأخرى التي تتوفر له.
الهدف الخامس: زيادة المدافعين عن الإسلام الحق، بأي شكل من أشكال الدفاع.
وقد كان المعتاد عند كثير من الأُسر حين يولد لهم مولود ذكر يقولون بلغتهم الخاصة، ما مضمونه: اللهم صل على محمد وآل محمد فقد جاء جندي المهدي أو ناصر المهدي صاحب الزمان.
وهذا الهتاف يتضمن أمرين:
أحدهما: النظر إلى الذرية من زاوية معينة هي أهم الزوايا في نظر الأبوين والأهل، وهي كونه جندياً للدين الحنيف. بحيث تكون باقي الأهداف، أعني
ــــــــــــــــــــ[120]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) البقرة: 155ـ 157.
الدنيوية، ملغاة بالنسبة إلى هذا المعنى الجليل. وهذا المعنى صحيح تماماً، كما هو واضح.
ثانيهما: ان الأبوين والأهل، قد يتصورون ان نصرة الدين منحصرة بظهور المهدي (عجل الله فرجه). ولعمري انه أهم ناصر للدين بعد القادة الأوائل .
إلا ان ذاك التفكير المحدود أيضا ليس بصحيح لعدة وجوه نذكر منها:
أولاً: ان نصرة المهدي هي نصرة دينه، وهذا كما يمكن في عصر حضوره وظهوره، يمكن ان يحصل في أي وقت وزمان وفي أي مكان. وكلها بشكل وآخر هي نصرة للمهدي وهي نصرة لرسول الله ونصرة لله عز وجل.
والنصرة غير محددة بالقتال، ليستشكل الناس فيه، إلا تحت راية المهدي. بل هي متوفرة في الميادين الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والأسرية كما هي متوفرة في الميادين العسكرية. وكلها يمكن ان تكون نصرة لله ولرسوله وللمهدي.
ثانياً: اننا لو فرضنا -جدلا- انحصار النصرة بالقتال. فهو ليس منحصراً تحت راية المهدي ، وان كانت هي الراية الرئيسية منذ أيامنا الحاضرة إلى المستقبل غير المنظور.
بل هناك بعض أشكال القتال المشروع في الدين، تحت غير القيادة المعصومة، كالحرب الدفاعية. والمهم هنا، أعني في الجواب الثاني، ان يكون الفرد مقاتلا في سبيل الله سبحانه، وهو كما يتوفر تحت راية المهدي يتوفر في أي حرب مشروعة في الإسلام.
ــــــــــــــــــــ[121]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
صالحات النساء:
ينبغي هنا ان نلتفت إلى ما ورد في النصوص من الصفات الصالحة التي يجب ان يلاحظها الزوج أو الذي يريد الزواج من النساء.
فعن جابر بن عبد الله قال سمعته يقول(1): كنا عند النبي فقال: “ان خير نسائكم الولود الودود العفيفة العزيزة في أهلها الذليلة مع بعلها المتبرجة مع زوجها الحصان على غيره التي تسمع قوله وتطيع أمره وإذا خلا بها بذلت له ما يريد”. الحديث.
وعن أبي بصير عن أبي عبد الله قال(2): “خير نسائكم التي إذا خلت مع زوجها خلعت له درع الحياء وإذا لبست لبست معه درع الحياء”.
وعن سليمان الجعفري عن أبي الحسن الرضا : قال(3): “قال أمير المؤمنين: خير نسائكم الخمس. قيل: وما الخمس؟ قال: الهينة اللينة المؤاتية التي، إذا غضب زوجها لم تكتحل بغمض حتى يرضى. وإذا غاب عنها زوجها حفظته في غيبته. فتلك عامل من عمال الله وعامل الله لا يخيب”.
وعن أبي عبد الله (4): “خير نسائكم الطيبة الريح الطيبة الطبيخ التي إذا أنفقت أنفقت بمعروف، وان أمسكت أمسكت بمعروف. فتلك عامل الله وعامل الله لا يخيب ولا يندم”.
قال ابن بابويه(5): “وجاء رجل إلى رسول الله فقال: ان لي زوجة إذا
ــــــــــــــــــــ[122]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: كتاب النكاح. أبواب مقدماته باب 6. حديث 2.
(2) المصدر: حديث 3.
(3) المصدر: حديث 4.
(4) المصدر: حديث 6.
(5) المصدر: حديث 14.
دخلت تلقتني وإذا خرجت شيعتني وإذا رأتني مهموماً قالت لي: ما يهمك ان كنت تهتم لرزقك فقد تكفل لك به غيرك. وان كنت تهتم لأمر آخرتك فزادك الله هماً. فقال رسول الله : ان لله عمالا وهذه من عماله. لها نصف اجر شهيد”.
هذا. وستأتي في العنوان التالي بعض الإضافات.
وهذا، كما هو خطاب للزوج هو خطاب للزوجة. فبالنسبة إلى الزوج من طرفين:
أحدهما: ان يتوخى الزواج بامرأة تتصف بمثل هذه الصفات، كما أشرنا. إلا انها قد لا تكون مجربة من هذه الناحية.
ثانيهما: إن الزوج إذا رأى في زوجته انحرافاً أو ازوراراً أو اختلافاً، أمكنه أن يبذل إمكاناته الشرعية التي أوسعها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لكي يرجعها إلى جادة الصواب، ويجعلها مرة أخرى متصفة بالصفات.
واما بالنسبة إلى الزوجة فمن طرفين أيضا:
أحدهما: إكرام زوجها الذي يجب ان تكرس حياتها لإكرامه وإسعاده، كما يجب عليه ان يكرس حياته لإكرامها وإسعادها. ونقصد بالوجوب في كلا الطرفين: الأولوية الشديدة الأكيدة، التي قد ترقى إلى درجة الوجوب التام أحياناً حسب اختلاف الأحكام.
ثانيهما: تقديم ذلك أمام الله سبحانه كجهاد في سبيله وابتغاء رضوانه. فانه ليس فيها طاعة فقط، بل جهاداً. فقد ثبت في الشريعة: أن جهاد المرأة عملها لزوجها وعائلتها. وان الله عز وجل جعل لها ذلك بدل ما جعل من جهاد العدو للرجال.
وهنا ينبغي ان نستعرض أهم الصفات السابقة التي توخاها الشارع
ــــــــــــــــــــ[123]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الإسلامي المقدس في النساء. وذلك في عدة جوانب:
الجانب الأول: الجانب الجنسي. والمهم للمرأة أن تبذل للرجل جميع ما لديها من هذا الجانب جسمياً ونفسياً وعقلياً.
الجانب الثاني: الجانب الاقتصادي. والمهم للمرأة ان تقتصد لزوجها بالإنفاق. وهو جانب صعب على المرأة كما هو المجرب، في اغلب النساء.
الجانب الثالث: الجانب الاجتماعي. والمهم للمرأة أمران رئيسيان: الأول: ان تصون المرأة نفسها عن غيره صيانة تامة. في حدود كل ما هو محرم أو مرجوح في الدين. والثاني: أن تصون شأن زوجها وسره بين الناس فلا تخونه من هذه الناحية. مع العلم انها قادرة على ذلك لا محالة.
الجانب الرابع: الجانب الأسري. والمهم للمرأة هنا أمران رئيسيان: الأول: أن تكون ولوداً غير عقيمة أو قليلة الولادة. وذلك دعماً لكثرة النسل الذي سمعناه من الشريعة المقدسة. والثاني: ان تكون جيدة الطبخ والطعام. والمثل يقول: إن قلب الرجل في معدته. وقد سمعنا هذا الشرط في الروايات بقوله: “الطيبة الريح الطيبة الطبيخ”. وهو الطعام المطبوخ.
أقسام النساء:
من الروايات ما يقسم النساء إلى ثلاثة أقسام ومنها ما يقسمهن إلى أربعة أقسام. ومهما يكن من أمر فالذي يظهر، كما هو الواقع، إن المرأة كغيرها، تتصف تارة بالصلاح وأخرى بالفساد. والصفات الكثيرة تندرج تحت هذين النوعين على العموم.
ونحن بعد ان عرفنا الصفات الحسنة للنساء، يمكننا ان نعرف النوع الآخر لصفاتهن من خلال هذه الأقسام التي سنسمعها من الروايات.
ــــــــــــــــــــ[124]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فعن إبراهيم الكرخي(1) قال: “قلت لأبي عبد الله : إن صاحبتي هلكت وكانت لي موافقة. وقد هممت ان أتزوج. فقال لي: انظر أين تضع نفسك ومن تشركه في مالك وتطلعه على دينك وسرك. إلى أن يقول: وهو ثلاث: فامرأة بكر ولود ودود تعين زوجها على دهره لدنياه وآخرته ولا تعين الدهر عليه. وامرأة عقيم لا ذات جمال ولا تعين زوجها على خير. وامرأة صخابة ولاّجة همازة، تستقل الكثير ولا تقبل اليسير”.
وعن علي بن علي اخي دعبل(2) عن الرضا عن آبائه يقول فيه: “والنساء جامع مجمع وربيع مربع وكرب مقمع وغل قمل. يجعله الله في عنق من يشاء وينزعه منه إذا شاء”.
وقد ورد هذا المضمون في عدة روايات(3).
قال صاحب الوسائل(4): قال ابن بابويه: قال احمد بن أبي عبد الله البرقي. جامع مجمع أي كثيرة الخير مخصبة. وربيع مربع التي في حجرها الولد وفي بطنها آخر. وكرب مقمع أي سيئة الخلق مع زوجها. وغل قملا. هي عند زوجها كغل القمل. وهو غل من جلد يقع فيه القمل فيأكله، فلا يتهيأ له أن يحذر منها شيئاً. وهو مثل للعرب.
أقول:
أولاً: جامع مجمع. بالفتح أو الكسر مع التشديد وعدمه. فيه جهات لغوية أهمها: ترك التأنيث فيه، مع أنه منسوب إلى أنثى حقيقية. ولهذا الإشكال عدة أجوبة نذكر أهمها:
ــــــــــــــــــــ[125]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: باب 6. حديث 1.
(2) المصدر: حديث 5.
(3) المصدر: حديث 10 و13 و15.
(4) ج 7. ص17.
أولاً: وضوح الأمر. إذ مع احتمال الاشتباه يتعين الإتيان بعلامة التأنيث، اما مع عدمه فلا يتعين. ويقاس ذلك بالصفات المتعينة للأنثى كالحامل والحائض وغيرها.
ثانياً: إن الحديث هنا عن كلي عام تكون المرأة مصداقاً له وتطبيقاً من تطبيقاته. وهو الفرد الجامع المجمع أياً كانت صفاته الأخرى، يعني ذكراً كان أم أنثى.
والمهم هنا، هو المعنى وهو أن تكون المرأة جامعة لصفات الخير. و(الجامع) من الثلاثي و (المجمع) من الرباعي. والمحصل العرفي لمعناهما واحد.
ثالثاً: ربيع مربع. والربيع هو الفصل الآتي بعد الشتاء. بما فيه من نسيم طيب وحرارة محببة ضد البرد القارس وخضرة رائعة. و(مربع) معناه: منبت للربيع أي سبب إنبات الربيع. والربيع باصطلاحهم هو الحشيش سموه بذلك لأنه ينبع بالربيع. والسبب الذي يكون منبتاً للحشيش هو المُربِع. بصفته اسم الفاعل. بضم الأول وكسر الثالث.
وهو كناية عن الأعمال الصالحة والنفع التي تنفع به الزوجة زوجها. أو كناية عن جمالها وأمورها الجنسية التي تنفع بها زوجها.
ويحتمل ان نقرأه: مربع بفتحتين للأول والثالث. وهو البيت وجمعه أربع بالضم. قال الشاعر:
كم بنينا في ثراها أربعاً
وانثنينا فمحونا الأربعا
فان من نقاط القوة للزوجة ان تكون (بيتاً) لزوجها، أي حصناً وستراً تلم شعثه وتؤوي عائلته.
ولكن القراءة على هذا النحو يجعل هذه الكلمة مختلفة في الجرس
ــــــــــــــــــــ[126]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
والحركات عن غيرها من الأربعة. ومن هنا يكون هذا الاحتمال ضعيفاً.
ثالثاً: كرب مقمع. والكرب هو الهم والغم والحزن الذي يكون في القلب أو النفس.
ومقمع بصيغة اسم الفاعل الرباعي من قمع بفتحتين. وقد ورد في اللغة(1) بمعنى قهره وذلـله وبمعنى رده وردعه.
أقول: وقد تستعمل مجازاً بمعنى: أهلكه واجتاحه. وكل هذه المعاني محتملة في الحديث، وكلها قبيحة في المرأة إذا استعملت ذلك ضد زوجها، كما هو واضح.
أقول: والمقصود من ردع زوجها: ردعه عنها جنسياً. وهو محرم. لا ردعه عن الحرام بطبيعة الحال. والا كان ذلك راجحاً بل واجباً أحياناً. وهنا لا يأتي الإشكال السابق عن التأنيث: لأن (المقمع) هنا هو الكرب وهو مذكر. والمجموع يكون صفة للمرأة وليس المقمع وحده. يعني إن المرأة تكون: كرباً قاهراً وكرباً مهلكاً ونحو ذلك.
رابعاً: غل قمل. قال ابن منظور(2): وقولهم: غل قمل (بفتح فكسر) أصله انهم كانوا يغلون الأسير بالقيد وعليه الشعر فيقمل القيد في عنقه. وفي الحديث: من النساء غل قمل (بفتح فكسر) يقذفها الله في عنق من يشاء ثم لا يخرجها الا هو. وفي حديث عمر وصفة النساء: منهن غل قمل (بفتح فكسر) أي ذو قمل (بفتح فسكون) كانوا يغلون الأسير بالقيد وعليه الشعر فيقمل ولا يستطيع دفعه عنه بحيلة.
وقيل: القمل (بفتح فكسر) القذر. وهو من القمل (بفتحتين) أيضا.
أقول: القمل (بفتح فسكون) هو الحشرة المعروفة، وليس كما اشتهر من
ــــــــــــــــــــ[127]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) انظر لسان العرب.
(2) انظر لسان العرب.
انه بالضم فالفتح مع التشديد. والقمل (بفتحتين): المصدر وهو الإصابة بالقمل. والقمل (بفتح فكسر): صفة مشبهة باسم الفاعل أي القامل وهو المبتلى بالقمل.
وقوله: (غل قمل) يمكن قراءته على شكلين: أحدهما: فتح فكسر، كما سمعنا من لسان العرب. على أساس انه غل أصيب بالقمل. وثانيهما: فتح فسكون على الإضافة. لأنه حين ابتلى بهذه الحشرة كان مضافاً إليها.
وهذا الذي سمعناه من (لسان العرب) أوضح مما سمعناه من (البرقي). لأنه قال: وهو غل من جلد يقع فيه القمل فيأكله. فمن هو الفاعل والمفعول في يأكله ولمن تعود هذه الضمائر. إنه يعني -على أحسن تقدير-(1):
إن القمل (بفتح فسكون) يأكل صاحبه المبتلى به. وهو استعمال مجازي لا يخلو من سماجة وان كان مستعملاً عند العرب كقولهم: أكلوني البراغيث. والى الآن يستعمل بعض العامة (الأكل) بمعنى الحكة. لأنها هي التي تحصل من القمل والبراغيث.
وقد نحتاج إلى كلمة في شرح ما سمعناه عن لسان العرب: فان العرب كانوا يأتون بالأسير فيقيدونه بالغل ويشدون يديه شداً محكماً ويلقون به في زاوية السجن دهراً طويلاً، حتى يطول شعر رأسه ويصيبه قمل كثير، حتى يسري القمل إلى القيد والى الأرض أيضا. وإنما لاحظوا القمل في القيد لأنه مصنوع من الشعر أيضا، فهو يصلح بيئة لمعيشة القمل أيضا، كشعر الرأس تماماً أو تقريباً.
ــــــــــــــــــــ[128]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) وله تفسيرات أخرى دون ذلك ـ على أي حال ــ لا حاجة إلى سردها.
الكفؤ:
من هو الكفؤ وما هو حكمه؟
قال ابن منظور: والكفيء: النظير وكذلك الكُفْء والكُفوء على فعل وفعول. والمصدر الكفاءة بالفتح والمد.
وتقول: لا كفاء له بالكسر، وهو بالأصل مصدر أي لا نظير له.
والكُفء: النظير والمساوي. ومنه الكفاءة في النكاح. وهو ان يكون الزوج مساوياً للمرأة في حسبها ودينها ونسبها وبيتها وغير ذلك.
وتكافأ الشيئان تماثلا… وفي حديث النبي : “المسلمون تتكافأ دماؤهم”. قال عبيد: يريد ان تتساوى في الديات والقصاص. فليس لشريف على وضيع فضل في ذلك. وفلان كفء فلانة: إذا كان يصلح لها بعلاً. والجمع من كل ذلك: أكفاء. إلى آخر ما قال.
واما كتابة الهمزة فقد كتبها في لسان العرب مستقلة. وهو أخذ للسكون السابق عليها بنظر الاعتبار. وهذا ممكن. كما يمكن أن يؤخذ الضم السابق عليها بنظر الاعتبار فتكتب على واو. ولا يعارضه السكون المتأخر لأنه لا يقتضي شيئاً في ذاته، من اشكال الكتابة، كما لا يلغي أثر الضم السابق عليه.
ومما سبق أيضا نعرف: إن ما عليه بعض المتأدبين من نطق الكفوء (بضم فسكون) بشكل كفؤ (بفتح فضم) غلط لغوياً. كما إن خيالهم بأن معناه: انه أهل لذلك وقادر عليه، أيضا ليس معنى حقيقياً وإنما هو مجازي. كما لو قيل: انه كفؤ للعمل الفلاني فإنه لا يصح على وجه الحقيقة وإنما على وجه المجاز.
هذا، وحين نتحدث من جهة النكاح، الذي هو همنا في هذا الفصل. يحصل للكفؤ عدة معاني:
ــــــــــــــــــــ[129]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
المعنى الأول: مجرد الصلاحية للزوجية، بعد مقايسة المرأة بالرجل شخصياً. وهذا ما سمعناه: من انه (يصلح لها بعلاً).
المعنى الثاني: التساوي بينهما من جميع الوجوه الاجتماعية والاعتيادية، بحيث يعتبرهما المجتمع كفئين أي نظيران ومتماثلان.
ولا شك إن هذا هو الأصل في استعمال الكلمة. فان حصل فيها التوسع، فانه لا يخلو من مجاز.
وهذا هو الذي سمعناه أيضا عن (لسان العرب)، من كون الزوج مساوياً للمرأة في حسبها ودينها ونسبها وبيتها وغير ذلك.
المعنى الثالث: التساوي في الإسلام.
وهو ظاهر بعض الروايات. فعن علي بن بلال(1) عن جعفر بن محمد . سمعته يقول: “أتتكافؤ دماؤكم ولا تتكافؤ فروجكم؟”.
ومن الواضح تكافؤ الدماء في الإسلام. إذن، فكذلك تكافؤ الفروج.
وفي صحيحة زرارة (2) عن أبي جعفر عن علي بن الحسين : “اما علمت إن الله رفع بالإسلام الخسيسة وأتم به الناقصة وأكرم به اللؤم. فلا لوم على مسلم إنما اللوم لوم الجاهلية. وفي خبر آخر نحوه، إلا انه قال(3): وأذهب به اللوم”.
وقد ورد مثل ذلك في عدة روايات. حتى لعله مستفيض وهو وارد في شرف المرأة لا في شرف الرجل. وسنشير إلى ذلك فيما بعد بعونه سبحانه.
ــــــــــــــــــــ[130]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج7. كتاب النكاح. أبواب مقدماته. باب 26. حديث 3.
(2) المصدر: باب 27. حديث 1.
(3) المصدر: حديث 4.
المعنى الرابع: التساوي في الإيمان.
ففي مرسلة الصدوق عن النبي : “المؤمنون بعضهم أكفاء بعض”.
وهي مضافاً إلى ضعف سندها ليس لها مفهوم يدل على نفي الكفاءة فيما كان خارج هذه الصفة. إلا بمفهوم الوصف الذي لا نقول به.
وفي رواية أخرى(1) مما يصلح تفسيراً لذلك: “المؤمن كفؤ المؤمنة والمسلم كفؤ المسلمة”.
الأمر الذي يدل على ان كلا الصفتين كافية في الكفاءة. وأحدهما أوسع من الأخرى لأن كل مؤمن مسلم ولا عكس. فيكون المدار على الأوسع بطبيعة الحال وهو صفة الإسلام.
المعنى الخامس: التساوي في التقوى.
وهو ما قد يظهر من بعض النصوص. فعن أبي بكر الحضرمي(2) عن أبي عبد الله قال: “إن رسول الله زوج المقداد بن الأسود ضباعة ابنة الزبير بن عبد المطلب. وإنما زوجه لتتضع المناكح، وليتأسوا برسول الله وليعلموا إن أكرمكم عند الله اتقاكم”. وقد ورد هذا النص بسندين(3).
المعنى السادس: ما دلت عليه رواية غير معتبرة(4) سنداً عن أبي عبد الله قال: “الكفؤ أن يكون عفيفاً وعنده يسار” (5).
ــــــــــــــــــــ[131]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: باب 25. حديث 1.
(2) المصدر: باب 26. حديث 1.
(3) المصدر: حديث 2.
(4) المصدر: باب 28. حديث 4.
(5) وهناك بعض الروايات المشابهة في المضمون لها ولا تخلو من اعتبار. الا انها مقيدة بما دل على الإسلام أو الإيمان بل هي منصرفة إليه باعتبار صدورها في مجتمع مسلم.
وإذا أردنا أن نختار من هذه المعاني، بدأنا بما لا دليل عليه معتبراً وكان الدليل ضده.
فالمعنى السادس دليله ضعيف. والمعنى الخامس بمجرده غير محتمل فقهياً، كما ان المعنى الأول غير محتمل لوجود بعض الشرائط في الرجل والمرأة شرعاً غير مجرد الصلاحية للزواج، بلا إشكال.
كما ان المعنى الثاني، بالرغم من كونه هو الظاهر لغة إلا انه ملغى شرعاً جزماً. لأن كل الأدلة الواردة في تعيين الكفؤ تتفق على مضمون واحد، وهو عزل العناوين الدنيوية من المال وشرف الأسرة وغير ذلك كسبب لتعيين الكفؤ. وقد ورد في عدة حوادث حصلت بإشراف النبي وغيره من قادة الإسلام تزويج امرأة شريفة وعظيمة دنيوياً برجل رذيل دنيوياً. لأنه شريف وعظيم أخروياً. وحادثة(1) تزويج النبي جويبر ببنت لزياد بن لبيد وهو من اشرف بني بياضة حسباً. حادثة مشهورة ومروية.
وفيها يقول (2): “يا جويبر إن الله قد وضع بالإسلام من كان في الجاهلية شريفاً وشرف بالإسلام من كان في الجاهلية وضيعاً. واعز بالإسلام من كان في الجاهلية ذليلاً. واذهب بالإسلام ما كان من نخوة الجاهلية وتفاخرها بعشايرها وباسق أنسابها. فالناس كلهم أبيضهم وأسودهم وقرشيهم وعربيهم وعجميهم من آدم وان آدم خلقه الله من طين. وان أحب الناس إلى الله أطوعهم له واتقاه. وما اعلم يا جويبر لأحد من المسلمين عليك اليوم فضل الا لمن كان أتقى لله منك وأورع”.
بقي علينا المعنى الثالث والرابع وهما الإسلام والإيمان كشرطين للكفاءة.
ــــــــــــــــــــ[132]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( )انظر المصدر السابق: باب 25. حديث 1.
(2) المصدر السابق.
والرابع، وهو الإيمان مضافاً إلى ضعف دليله، فانه مدفوع بإطلاق الآية: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ (1). فإنها تشمل صورة عدم التساوي في الإيمان. وان كان التساوي فيه راجحاً جداً بطبيعة الحال. بل ان خيف وجود بعض المضاعفات الدينية مع عدم توفره، لم يجز بدونه.
فانحصر الأمر في النتيجة في المعنى الثالث، وهو شرطية الإسلام. وهو مطابق للقاعدة، ما لم يحصل دليل استثنائي موسع أو مضيق. فمثلاً إن دل دليل على جواز زواج المسلم بالكتابية مطلقاً أو بالعقد المنقطع، كان في ذلك استثناء عن هذا الشرط. كما لو دل الدليل على المنع من التزويج بشارب الخمر أو المتجاهر بالفسق وان كان مسلماً، كان ذلك تضييقاً للشرط، يعني انه لا يكفي فيه الإسلام بمجرده.
وينبغي الالتفات إلى إن المعنى اللغوي للكفؤ هو النظير أو المساوي. الا ان المصطلح الفقهي أصبح يخص ذلك بالرجل دون المرأة. من حيث انه لا يوجد هناك بحسب الحكم الإلزامي أية شرائط للمرأة، بل يجوز الزواج بأية واحدة يرغب فيها الخاطب أياً كانت صفتها. وما سمعناه من الصفات إنما هي استحبابية وليست إلزامية.
إذن، فليست هناك امرأة كفؤة. وإنما يتصف الخاطب الذكر بذلك، فيجب النظر إلى صفاته لقبول خطبته، يعني تشخيص كونه كفؤاً أم لا، اما بحسب الحكم الإلزامي، كالإسلام أو الاستحبابي كالإيمان أو التقوى أو غيرهما.
وينبغي الالتفات أيضا إلى أن صفة الكفاءة على كلا المستويين الاستحبابي والإلزامي، إنما هي لأجل دفع الأقل، يعني غير المتصف بالصفة المطلوبة، دون دفع الزائد. كما لو تقدم للخطبة رجل أفضل من المرأة بكثير، فلا ينبغي
ــــــــــــــــــــ[133]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) النساء: 24.
أن يقال له: انك لست كفؤاً لها لأنك لست مثيلا لها. بل أحسن منها. بل إن مثل هذا سيكون أولى بالقبول والرضا شرعاً وعرفاً كما هو واضح.
فهذا هو مجمل الكلام عن معنى الكفؤ لغة واصطلاحاً.
واما حكمه: فليس له حكم إلزامي من هذه الناحية، يعني لا يوجد خاطب يجب الموافقة عليه أو يحرم رده. ما لم تحصل له أو حوله بعض العناوين الثانوية الدينية أو الاجتماعية التي تقتضي ذلك. وهي نادرة عادة.
وإنما المهم هو الاستحباب. والمشهور: إن رد الكفؤ مرجوح جداً.
ولكننا بعد ان عرفنا إن الكفاءة في الإسلام خاصة، ونعلم إن المسلمين يختلفون جداً من حيث كثير من الصفات والملابسات. فمن الصعب القول ان رد الخاطب مرجوح لمجرد كونه مسلماً.
وإنما يكون الرد مرجوحاً، فيما إذا اتصف الخاطب بحسن الدين والأخلاق. كما نطقت بذلك الأدلة المعتبرة، التي سنسمع بعضها. وعندئذ فقط سيكون الرد مرجوحاً. ومعنى ذلك انه لا ينبغي ان نلاحظ بعد ذلك منزلته الاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك من الصفات الدنيوية التي حاول الشارع المقدس إلغائها جهد الإمكان.
ففي الصحيح عن علي بن مهزيار قال(1): “كتب علي بن اسباط إلى أبي جعفر في أمر بناته، وانه لا يجد أحداً مثله. فكتب إليه أبو جعفر: فهمت ما ذكرت من أمر بناتك وإنك لا تجد أحداً مثلك. فلا تنظر في ذلك رحمك الله فان رسول الله قال: إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه الا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”.
ــــــــــــــــــــ[134]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج 7. كتاب النكاح. أبواب مقدماته. باب 28. حديث 1.
وعن بشار الواسطي قال(1): “كتبت إلى أبي جعفر أسأله عن النكاح فكتب إليّ: من خطب إليكم فرضيتم دينه وأمانته فزوجوه: الا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”.
وهذا منهم سلام الله عليهم استشهاد بالآية الكريمة(2): الا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ…الآية. وهي وان لم تكن مطبقة في سياق القرآن الكريم على النكاح، ولكن القرآن الكريم، واسع الصدق والانطباق يجري في الناس مجرى الشمس والقمر.
وفكرة تطبيقها واضحة أيضا، من حيث ان رد الكفؤ بهذا المعنى يحصل منه قلة التزاوج، وهو سبب لأن يبحث الشاب عن الطريق الحرام ليوفي فيه شهوته. أعوذ بالله.
واما رد من لم يكن كذلك، أعني مرضياً خُلقاً وديناً، ممن هو متصف بالإسلام. فالرواية لا تحث على قبوله، بل لها اشعار بمرجوحيته. وهو ثابت بمفهوم الوصف بل اظهر على أي حال.
ولا يحصل من رفضه المضاعفات المذكورة في الآية الكريمة. لعدة وجوه منها:
أولاً: إن في الرفض تخوفاً وتحفظاً على المرأة من الانزلاق مع الرجل غير المرضي وغير المأمون.
ثانياً: إن الخطاب في الروايات عادة إلى أولئك الآباء المأمونين أخلاقاً وديناً. فإذا تقدم إليهم من هو مأمون تعين قبوله وان تقدم إليهم من هو مشكوك تعين رفضه.
ــــــــــــــــــــ[135]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: حديث 3.
(2) الأنفال: 73.
إلا أن الآباء ليسوا منحصرين في أمثال أولئك، بل هم قلة في المجتمع غالباً. فالمهم: انه إذا رفض الرجل غير المأمون من قبل البعض أمكنه أن يذهب إلى قوم آخرين، قد يكونون من أمثاله من قلة الدين والأخلاق، فلا يرفضونه. أو انهم سيلاحظون فيه الصفات الدنيوية التي يريدونها فيقبلونه. وعلى أي حال فسوف لن يحصلفِتْنَةٌ فِي الأرض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ.
الزواج المبكر:
وهو ما أكد عليه قادة الإسلام في النصوص الواردة عنهم سلام الله عليهم. وهو -في حكمته- يندرج في الحث على زيادة الذرية التي يكاثر ويفاخر بها رسول الله يوم القيامة. لوضوح انه كلما كان الزواج أبطأ أو ابعد كانت الفرصة للإنجاب اقل، لا من حيث الزمان فقط، بل من حيث صحة الوالدين أيضاً وقابليتها للإنجاب.
فعن أحمد بن محمد بن عيسى(1) عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله قال: “من سعادة المرء ان لا تطمث ابنته في بيته”.
وعن بعض أصحابنا. قال الكليني(2): سقط عني اسناده. قال: “إن الله عز وجل لم يترك مما يحتاج إليه إلا وعلمه نبيه . فكان من تعليمه إياه انه صعد المنبر ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن جبرئيل أتاني عن اللطيف الخبير. فقال: إن الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر إذا أدرك ثمارها فلم تجتن أفسدته الشمس ونثرته الرياح. وكذلك الأبكار إذا أدركن ما يدرك النساء فليس لهن دواء إلا البعولة. وإلا لم يؤمن عليهن الفساد لأنهن بشر”. الحديث.
ــــــــــــــــــــ[136]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر السابق: باب 23. حديث 1. وانظر حديث 12 أيضا.
(2) المصدر: حديث 2.
هذا مضافاً إلى السيرة لدى أولاد المعصومين وأصحابهم والمتشرعة في كل جيل، فإنها قائمة بلا إشكال على الزواج المبكر مهما أمكن، حتى حصلت في القرن الأخير بعض الملابسات التي غيرته. ولا زال كثير من المتشرعة ملتزمون به.
ولئن كانت الأخبار التي نقلناها خاصة بالإناث، فان السيرة ليست خاصة بها، بل تعم الذكور أيضا. ولم يكن المتشرعة ليهمهم الرزق بعد ان تكفله الله عز وجل لهم، ولم يكن ليعيقهم عمل أو دراسة عن الزواج المبكر. بل كانوا يجمعون بين الزواج، وبين أي شيء آخر من أعمال الدنيا أو الآخرة.
قال الله تعالى(1): وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
وقوله: (الْأَيَامَى مِنْكُمْ)، يشمل كل النساء غير المتزوجات. لأن المرأة بمجرد ان تستحق الزواج ستكون أيّماً ما لم تتزوج. فيشملها الأمر بالتزويج بالآية الكريمة. وإذا طلقها زوجها أو مات عنها ستكون ايماً أيضا فيشملها الأمر نفسه.
واما الأولاد أو الرجال، فيمكن فهمهم من الآية أعني الأمر بزواجهم بأحد طريقين:
الطريق الأول: التجريد عن الخصوصية، لأن الآية الكريمة وان ذكرت الأيامى، وهن النساء. لكن لا خصوصية لهن عرفاً، الأمر الذي يجعل الحكم الموجود في الآية شاملاً للرجال أيضا. وهو أيضا سيكون للرجل عندما يستحق الزواج لأول مرة، ولمن يكون غير متزوج بسبب آخر كالطلاق أو موت الزوجة. وعلى أي حال تكون الآية الكريمة دالة، ضمناً، على الأمر بالزواج
ــــــــــــــــــــ[137]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) النور: آية 32.
المبكر.
الطريق الثاني: إدراج الأولاد في قوله: (عِبَادِكُمْ). فان الخصوصية الرئيسية للعبيد هو الطاعة، وهي ثابتة شرعاً للأولاد بشكل وآخر. وكذلك فان الولاية ثابتة على العبيد وكذلك هي ثابتة للأب على الأحداث من أولاده. فمن غير المستبعد أن تشملهم الآية من هذه النواحي موضوعاً وحكماً. فيكونون مشمولين للحكم بالزواج المبكر.
وقد يقال: إن الله تعالى يقول بعد هذه الآية مباشرة(1): وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّـهُ مِنْ فَضْلِهِ.. الآية. وهي دالة بظاهرها على لزوم الصبر عن الزواج لمن لم يجد نفقته، إلى حين السعة الاقتصادية لديه. وهذا معنى ينافي ما أسلفناه من الأمر بالزواج المبكر، أو يكون الزواج المبكر خاصاً بالقادرين عليه.
وبالرغم من ان هذا هو الفهم المشهور للآية الكريمة. على ان يكون المراد من الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً يعني لا يجدون نفقة النكاح. وان يكون المراد من الاستعفاف الكف عن الحرام والإعراض عنه خلال الوقت الذي لا يتيسر له الزواج.
بالرغم من ذلك، فانه يمكن تقريب فهم العكس. بان نفهم من الاستعفاف المأمور به في الآية الكريمة هو الزواج نفسه، يعني: فليتزوج الذين لا يجدون نفقة النكاح لكي يتيسر لهم الرزق، كما وردت بذلك رواية سنسمعها، على أساس ان الزواج من أسباب سعة الرزق.
وتقريب ذلك بأحد أسلوبين:
ــــــــــــــــــــ[138]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) النور: آية 33.
الأسلوب الأول: إن قوله تعالى: (لْيَسْتَعْفِفِ) من العفة وهي الزواج نفسه، يقال: أعفّه أي زوجه. فيكون المعنى بالدلالة المطابقية: الأمر بالزواج.
الأسلوب الثاني: إن العفة هي ترك الحرام، ومن أحسن أساليب تركه. هو الزواج، وقد سمعنا إن فيه حفظاً لنصف الدين. وان الصبر عن الحرام خلاله أسهل بكثير من الصبر مع تركه. فيكون مقتضى العفة المأمور بها في الآية هو الزواج. أو -بتعبير أفضل-: إن أحسن تطبيق لهذا الأمر هو الزواج.
وقوله: حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّـهُ ليس المراد به الإرجاء في الزمان أي بمعنى إلى. كقوله: صمت نهاري حتى الليل. بل بمعنى السببية التي تعبر عنه بلفظ (لكي) كقوله: أضأت السراج حتى اقرأ أي لكي اقرأ.
فيكون معنى الآية الكريمة: فليتزوج الذين لا يجدون نفقة الزواج لكي يغنيهم الله من فضله. ولا يجوز أن يكون الفقر سبباً لترك الزواج.
بقي ان نسمع ما ورد حول ذلك من السنة الشريفة:
فعن معاوية بن وهب(1) عن أبي عبد الله في قوله عز وجل:” وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّـهُ مِنْ فَضْلِهِ. قال: يتزوجون حتى يغنيهم الله من فضله”.
وعن هشام بن سالم عن أبي عبد الله ، قال(2): “جاء رجل إلى النبي فشكا إليه الحاجة فقال له: تزوج. فتزوج فوسع عليه”.
وعن إسحاق بن عمار قال(3): “قلت لأبي عبد الله : الحديث الذي يروونه الناس حق؟ إن رجلاً أتى النبي فشكى إليه الحاجة فأمره بالتزويج
ــــــــــــــــــــ[139]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج 7. كتاب النكاح. أبواب مقدماته. باب 11. حديث 2.
(2) المصدر: حديث 1.
(3) المصدر: حديث 5.
ففعل. ثم أتاه فشكى إليه الحاجة فأمره بالتزويج حتى أمره ثلاث مرات. فقال أبو عبد الله: هو حق. ثم قال الرزق مع النساء والعيال”.
وقد سبق ان سمعنا في رواية ابن القداح عن أبي عبد الله عن أبيه عن رسول الله انه قال: “اتخذوا الأهل فإنه أرزق لكم”. وتحدثنا عن معناه مفصلاً في أهداف النكاح فراجع، ومعه تكون سببية الزواج للرزق مما دل عليه القرآن الكريم والسنة الشريفة. ولا يكون الفقر مانعاً عن الزواج المبكر.
الخطبة:
قال ابن منظور: خطب المرأة بخطْبها خَطْباً وخِطبة، قال: والخِطْب الذي يخطب المرأة. وهي خِطبُة التي يخطبها. والجمع أخطاب. وكذلك خِطبته وخُطبته.. وهو خِطبها وكذلك هو خطيبها. والجمع: خطيبون. والخِطب: المرأة المخطوبة. كما يقال ذِبح للمذبوح وقد خطبها خَطباً كما يقال: ذبح ذبحاً. الفراء في قوله تعالى: مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ. الخطبة مصدر بمنزلة الخِطب. وهو بمنزلة قولك: انه لحسن القِعدة والجِلسة. والعرب تقول: فلان خطب ثلاثة إذا كان يخطبها.
قال: واختطب القوم فلاناً إذا دعوه إلى تزويج صاحبتهم. قال أبو زيد: إذا دعا أهل المرأة الرجل إليها ليخطبها فقد اختطبوه اختطاباً. قال: وإذا أرادوا تنفيق ايمهم كذبوا على رجل فقالوا: قد خطبها فرددناه. فإذا ردّ عنه قومه قالوا: كذبتم لقد اختطبتموه. فما خطب إليكم.
وقال الليث: والخُطبة مصدر الخطيب وخَطب الخاطب على المنبر. واختَطب يخطُب خطابة. واسم الكلام الخُطبة.
الجوهري: خطبت على المنبر خطبة بالضم وخطبت المرأة خطبة بالكسر. واختطب فيهما.
ــــــــــــــــــــ[140]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
أقول: يمكن ان يكون الأصل اللغوي لذلك هو الخطاب والمخاطبة، وهي مراجعة الكلام. فانتقل الأمر إلى الخُطبة على المنبر لما فيها من مخاطبة السامعين. ثم انتقل الأمر إلى خِطبة المرأة، لأن المعتاد أو الأفضل عندهم ان تحصل هناك خُطبة عند الخطبة. فيتكلم الرجل الخاطب أو وليه أو بعض ذويه كلاماً منمقاً يختطب به المرأة من أهلها.
والأخبار دالة على إن هذه الخُطبة بقيت سارية بعد الإسلام. حتى أفتى المشهور باستحبابها. ففي صحيحة علي بن رئاب(1) عن أبي عبد الله في حديث: “ان جماعة قالوا لأمير المؤمنين : إنا نريد ان نزوج فلاناً فلانة ونحن نريد ان تخطب. فقال: وذكر خطبة تشمل على حمد الله والثناء عليه والوصية بتقوى الله. وقال في آخرها: ثم ان فلان بن فلان ذكر فلانة بنت فلان. وهو في الحسب من قد عرفتموه، وفي النسب من لا تجهلونه. وقد بذل لها من الصداق ما قد عرفتموه، فردوا خيراً تحمدوا عليه وتنسبوا إليه. وصلى الله على محمد وآله وسلم”.
قال صاحب الوسائل: (أقول: والأحاديث المتضمنة لخُطب النكاح الواردة عن الأئمة كثيرة).
والصحيحة غير دالة على الاستحباب للخُطبة. لأنها إنما تدل على ان أمير المؤمنين خطب خطبته استجابة لطلب ذوي الزوج. نعم، هي مستحبة بما فيها من ذكر الله والأمر بالمعروف والتقوى. كما يمكن ان يقال باستحبابها من باب التسامح بأدلة السنن بعد ذهاب المشهور إليها.
فقد عرفنا بهذه الأخبار اقتران الخِطبة بالخُطبة. فلعلها أصل لها لغوياً، كما قلنا. الا انها أصبحت بعد ذلك ذات وضع مستقل لأنها تفهم بدون قرينة بلا
ــــــــــــــــــــ[141]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج 7. كتاب النكاح أبواب مقدماته باب 42 حديث 1.
إشكال منذ عصر الجاهلية. وليس في العصور المتأخرة فقط. ويكفي انه وارد في القرآن الكريم بنفس المعنى كما سمعنا.
هذا. وقد شاهدنا من علمائنا الخُطبة عند العقد، لا عند الخِطبة. وكلاهما ممكن على أي حال.
هذا. ويمكن تعريف الخطبة: بأنها إبراز أو بيان إرادة التزويج. والسيرة العقلائية والمتشرعية معاً، قائمتان على ان الخاطب هو الرجل لا المرأة الا ان هناك عادات (أقلية) بين بعض الأديان والقبائل على العكس. ولم يثبت حرمة ذلك شرعاً، إذا كانت الجهات الأخرى من شرائط صحة النكاح صحيحة. إلا أن الالتزام بالسيرة لا شك انه أفضل أخلاقياً وفقهياً واجتماعياً وهو أحوط استحبابا أيضا.
هذا. ومن الواضح فقهياً ان الخطبة ليست زواجاً. كما ان الزفاف ليس زواجاً أيضا. وإنما الزواج الحقيقي هو العقد. وبه يستحلها أمام الله سبحانه لا بالخطبة ولا الزفاف فلو حصل العقد وحده كفى في ذلك. ولو حصلت الخطبة والزفاف معاً من دون العقد لم يكفيا في تحقق الزوجية. كما ان تصور: ان العقد بدون زفاف هو زوجية ناقصة أو مبتورة، ليس له أصل شرعي أو فقهي على الإطلاق.
جواز النظر إلى المخطوبة:
وردت نصوص صحيحة وصريحة تدل على جواز نظر الرجل إلى المرأة التي يريد الزواج منها. وسنسمع بعضها. وتعتبر هذه النصوص استثناء من الناحية الفقهية من مقتضى القاعدة في وجوب التستر والحجاب عن الأجنبي. لأن الخاطب لا زال أجنبياً لم يتم عقد قرانه. فهي ليست زوجته. ومع ذلك فقد دلت النصوص على جواز النظر.
ــــــــــــــــــــ[142]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
نذكر الآن عدداً منها لمحاولة الاستفادة من مضامينها. أعني: انه أي مقدار من النظر هو الجائز عندئذ.
ففي صحيحة محمد بن مسلم. قال(1): “سألت أبا جعفر عن الرجل يريد ان يتزوج المرأة. أينظر إليها. قال: نعم. إنما يريد ان يشتريها بأغلى الثمن”.
وصحيحة الفضلاء(2): هشام بن سالم وحماد بن عثمان وجعفر بن البختري كلهم عن أبي عبد الله : قال: “لا بأس بان ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد ان يتزوجها”.
وعن غياث بن إبراهيم(3) عن جعفر عن أبيه عن علي في رجل ينظر إلى محاسن امرأة يريد ان يتزوجها. قال: “لا بأس إنما هو مستام. فإن يقض أمر يكن”.
وعن يونس بن يعقوب(4) قال: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يريد ان يتزوج المرأة واحب ان ينظر إليها. قال: نعم تحتجز ثم لتقعد وليدخل فلينظر. قال: قلت: تقوم حتى ينظر إليها. قال: نعم. قلت: فتمشي بين يديه. قال: ما أحب أن تفعل”.
وأيضاً عن يونس بن يعقوب(5) قال: “قلت لأبي عبد الله : الرجل يريد ان يتزوج المرأة يجوز ان ينظر إليها. قال: نعم. وترقق له الثياب. لأنه
ــــــــــــــــــــ[143]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج 7. كتاب النكاح، أبواب مقدماته، باب 36، حديث 1.
(2) المصدر: حديث 2.
(3) المصدر: حديث 8.
(4) المصدر: حديث 10.
(5) المصدر: حديث 11.
يريد ان يشتريها بأغلى الثمن”.
وهناك أخبار أخرى بنفس المضمون. الا انها تختلف عنها ببعض التفاصيل. حتى يكاد ان يكون أصل الحكم مستفيضاً. واقتصرنا هنا على نقل ما هو أقرب من الصحة والاعتبار.
والسؤال المهم هنا، هو انه هل يجوز النظر إلى خصوص المرأة التي تعينت للزواج يقيناً أو اطمئناناً. أو يعم الجواز لسائر النساء اللاتي يفكر الرجل الزواج منهن أو يحتمله. بحيث يجوز له بهذا النظر ان يختار ما يشاء منهن ويرفض ما يشاء.
وبالطبع. فان مثل هذا السؤال يثار في المجتمع المتشرع بشريعة الإسلام الملتزم نساؤه بالحجاب. دون المجتمع الآخر الذي يمكن للرجل ان يرى المرأة مراراً وتكراراً وفي كل الحالات بل وكل أعضائها أيضاً!!! حتى وان لم يكن خاطباً!!
وبالنسبة إلى هذا السؤال فلا شك ان القدر المتيقن من الجواز هو المرأة المتعينة للزواج يقيناً واطمئناناً. على اشكال يأتي. وإنما الكلام في جواز النظر إلى النساء لمجرد احتمال الزواج. وقد ينظر إلى جماعة دفعة واحدة لاحتمال زواجه بإحداهن.
وتفصيل الاستدلال على ذلك موكول إلى الفقه، الا إننا نذكر لذلك هنا بعض التقريبات:
التقريب الأول: ان المرأة التي يحتمل الرجل الزواج منها. يصدق عليها عرفاً انها (يريد الزواج منها). وهو العنوان المأخوذ موضوعاً للجواز في الروايات. لوضوح انه لو اختارها لتزوجها جزماً.
التقريب الثاني: تمثيل الزوج أو الخاطب بالمشتري الذي يشتري بغالي
ــــــــــــــــــــ[144]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الثمن. فكما يجوز للمشتري ان يرى سلعته التي يريد شراؤها ولو احتمالاً، كذلك الذي يريد الزواج.
التقريب الثالث: اننا لو خصصنا جواز النظر بمن يريد الزواج منها جزماً، لم تبق فائدة للنظر إطلاقاً. لأن الفائدة المرجوة منه جزماً هو إمكان الإعراض عن المرأة لو لم يرض عنها. وما كانت يقينية الزواج، لا مجال لذلك فيها.
وهذا التقريب يجعل اليقينية محل إشكال في الرؤية، بخلاف المحتملة، فإنها القدر المتيقن لتوفر العلة فيها.
إلا أن هذه علة مستنبطة وليست منصوصة. فلا تكون حجة. وإنما المدار على أحد التقريبين السابقين. وتمام الكلام في الفقه.
واما السؤال عما يجوز ان يراه فيها. ففيه عدة احتمالات:
الاحتمال الأول: ان جواز النظر يختص بالوجه والكفين ولا يشمل الأعضاء الباقية.
الاحتمال الثاني: ان جواز النظر يعم سائر الجسد باللباس المتعارف للمرأة. أو بمقدار ما تشاء هي ان تبرزه.
الاحتمال الثالث: ان الجواز يعم سائر الجسد حال كونه عارياً، كما احتمله (صاحب الجواهر)، عدا العورتين.
ولا شك ان هذا الثالث خلاف الاحتياط وخلاف انصراف سائر النصوص السابقة وغيرها. ومن الواجب اننا يجب ان نخرج عن أدلة وجوب الحجاب بحجة معتبرة. والنصوص السابقة لا تصلح حجة معتبرة على مثل ذلك.
نعم، تمثيل الرجل بالمشتري يقتضي ان يرى من المرأة بمقدار ما يرتفع به الغرر والضرر. وأحياناً قليلة يمكن ان يحتمل ان يكون في جسدها الداخلي
ــــــــــــــــــــ[145]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
شيئاً قبيحاً أو تشويهاً. عندئذ فمقتضى إطلاق التعليل هو الجواز. ولكن يختص بمورده.
كما ان الاحتمال الأول غير صحيح، لأن القول بجواز كشف الوجه والكفين أساساً للمرأة هو المشهور والصحيح. إذن فالاقتصار على ذلك بالنسبة إلى الخاطب يعني انه لا يفرق عن غيره من الرجال في شيء. وهو على خلاف سائر الأدلة نصاً وإجماعاً.
فإن قيل: ان صحيحة الفضلاء التي سمعناها اقتصرت على ذلك تقريباً، وهي تصلح مقيدة للروايات الأخرى. فتكون النتيجة هو وجوب الاقتصار عليه.
قلنا: انها لا تصلح للتقييد إلا بناء على مفهوم الوصف أو ما هو أردأ منه. لأنها لا تدل على عدم الجواز في الباقي إلاّ به ولا منافاة بدونه بين كشف الوجه وكشف سائر الجسد. فينبغي التقييد. وتمام الكلام في الفقه.
وحيث انتفى الاحتمال الأول والثالث تعين الثاني.
واما السؤال من حيث عدد مرات الرؤية. فالقدر المتيقن والانصراف الاولي من الروايات هو المرة الواحدة. غير ان مقتضى تمثيل الرجل بالمشتري علة سارية لكي يراها إلى حد ينتفي الغرر والضرر به. فإذا توفر ذلك بالمرة لم يجز الزائد. والا جاز إلى حين تحققه، ثم يحرم الباقي.
واما السؤال من حيث إمكان أو احتمال حصول الشهوة والتلذذ بالنظر، فيكون تلذذاً بالأجنبية. لأن المفروض انها ليست زوجته إلى الآن. فيمكن ان يقال: بانحصار الجواز في صورة عدم التلذذ. إلا أن الصحيح بخلافه، يعني ان جواز النظر عام سواء حصل التلذذ أم لا. وذلك لبعض التقريبات:
التقريب الأول: ان عدم التلذذ غير ممكن عادة، فلو خصصنا الحكم به
ــــــــــــــــــــ[146]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
خصصناه بفرد نادر. وهو على خلاف إطلاق الروايات.
التقريب الثاني: التمسك بإطلاق التعليل من حيث ان التشبيه بالمشتري يقتضي ارتفاع الغرر والضرر بالنظر. وقد يكون النظر بالتلذذ مشاركاً في ذلك. كما لو كان يفكر -مثلاً-: انه لو تزوجها لتلذذ بها أولاً. وهو أمر جوهري ورئيسي في الزواج طبعاً.
التقريب الثالث: التمسك في معتبرة يونس بن يعقوب. بقوله: “نعم وترقق له الثياب”، فان ذلك ملازم ومقترن عادة بل دائماً بالتلذذ. فلا تكون الرواية مطلقة من هذه الناحية بل نصاً أو كالنص.
نعم. لا يجوز اللمس لا بتلذذ ولا بدونه، تمسكاً بالعمومات المانعة. ولم تدل هذه الأدلة على جوازه. وإنما دلت على جواز النظر فيقتصر عليه.
واما سماع صوتها، فهو جائز أساساً على ما هو المشهور والصحيح. والمراد به الصوت الطبيعي غير المحتوي على مسببات الإثارة أسلوباً أو مضموناً. والا كان حراماً. فما هو الجائز أساساً يكون جائزاً هنا أيضا بطبيعة الحال.
نعم، لو قلنا بالتحريم على ما هو عليه بعض الفقهاء، انحصر الجواز بالمقدار الذي يرتفع به الغرر والضرر. تمسكاً بإطلاق تشبيهه بالمشتري.
ولا بد ان يكون لنا هنا كلمة عن هذا التعليل نفسه، وهو التشبيه بالمشتري. فهل يعني ذلك: ان الرجل يشتري المرأة فعلاً. كيف وهو يقول: “إنما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن”. وفي الرواية الأخرى: “إنما هو مستام”. والسوم هو التعامل والنقاش في المعاملة كالبيع والإجارة ونحوها.
فنقول: لا شك ان الزوج يدفع عوضا ما، وهو المهر. ولو لم يكن قد حصل على شيء لما كان عليه دفع المهر.
ــــــــــــــــــــ[147]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ولكن ما الذي يحصل عليه من المرأة. ليس هو المرأة نفسها. أو هي كإنسانة. للوضوح الضروري في الشريعة ان الزوج لا يسترِقُّ زوجته ولا يملكها.
وإنما يملك منها المنافع الجنسية فقط، الذي هو (البُضع) باصطلاح الفقهاء. وهذا هو الذي يكون عوض مهره.
والتملك هنا، بمعنى ان تكون الاستفادة الجنسية من حقه ويجب على الزوجة بذلها حد الإمكان. وهذا صحيح. وليس التملك هنا بمعنى التملك في البيع أو الإجارة. من حيث إمكان ان يتعاقد مع شخص آخر على نقل هذه الملكية إليه.
إذن، فهي ملكية للمنفعة بشكل محدود. ومن حيث كون المهر بمنزلة العوض لها، تشبه البيع. ومن حيث كون المعوض هو المنفعة لا الذات، تشبه الإجارة. ولذا عبر في القرآن الكريم عن المهر بالأجور. إذ لا فرق من هذه الناحية بين ان تبذل المرأة خدمتها أو صناعتها لأحد أو ان تبذل منافعها الجنسية. فان كان هناك تعامل بعقد صحيح وعوض مشروع، فهو المطلوب شرعاً.
وحيث كان الأمر في ذلك إنما هو مجرد تشبيه، إذن فهو لا يجعل النكاح ملحقاً بأحكام البيع ولا بأحكام الإجارة، بإجماع الفقهاء. بل يبقى له أحكامه المعروفة الخاصة به، من الزواج والنفقة وغيرها.
المهر:
قال الفقهاء: ان للزوجين ان يتفقا على أي مقدار من المهر. فلا حد للكثير منه كما لا حد للقليل الا ان يخرج عن المالية، اما لقلته كَحبّة الحنطة أو لكونه ساقطاً شرعاً عن المالية كالخمر والخنزير وبعض أعيان النجاسة. ويبقى
ــــــــــــــــــــ[148]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الباقي كله من الأمور المالية المملوكة للزوج، يستطيع ان يجعلها مهراً برضا الزوجة. سواء في ذلك العين كالدار أو النقد كالدينار أو المنفعة كالسكنى أو العمل كخياطة ثوب أو تعليم القرآن كله أو بعضه.
وإنما يبقى بعض الكلام المناسب هنا عن كمية المهر. ومن الواضح فقهياً أمران: أحدهما: مرجوحية المغالاة في المهور. والآخر: الاقتصار على مهر السنة الذي تزوجت به فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب:
فنتكلم فيما يلي عن كلا الأمرين:
الأمر الأول: في تخفيف المهور ومرجوحية المغالات فيها:
فعن محمد بن مسلم(1) عن أبي عبد الله في حديث قال: “فأما المرأة فشؤمها غلاء مهرها وعسر ولدها”.
وفي حديث آخر عنه(2) عن أبي عبد الله قال: “من بركة المرأة خفة مؤنتها وتيسير ولدها. ومن شؤمها شدة مؤنتها وتعسير ولدها”.
أقول: والمهر من جملة المؤنة طبعاً.
وعن السكوني(3) عن أبي عبد الله قال: “قال رسول الله : خير نساء أمتي أصبحهن وجهاً واقلهن مهراً”.
إلى غير ذلك من النصوص. والظاهر ان هذه الأخبار التي نقلناها معتبرة السند جميعاً.
ــــــــــــــــــــ[149]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج 7. كتاب النكاح. أبواب مقدماته. باب 52. حديث 1.
(2) المصدر: حديث 2.
(3) المصدر: حديث 3.
وسياق هذه الروايات، وان كان هو الإخبار، الا ان ظاهرها واضح بان المراد به التشريع أو الإنشاء. بمعنى النهي عن كثرة المهر والأمر بقلته. لكن مع الاقتران بالعلة أو الحكمة. وهو اننا إذا اطعنا هذا الحكم حصلت البركة وان عصيناه حصل الشؤم.
وهو حكم استحبابي ولا يمكن فقهياً حمله على الوجوب أو الإلزام، للإجماع بخلافه. بل ظاهر هذه الروايات هو ذلك لعدم وجود قاعدة عامة تحرّم الوقوع في الشؤم أو توجب الحصول على كل بركة.
ومن الواضح أيضا ان هذا الحكم يندرج في التخطيط العام الذي فهمناه للشارع الإسلامي المقدس بزيادة النسل ليباهي النبي بأمته يوم القيامة. لأن المهور كلما قلّت زاد الزواج، وكلما زادت قل الزواج، كما هو واضح ومجرّب.
هذا وذكروا: انه يجب في عقد النكاح ذكر المهر. الا أنه لا يبطل مع إهماله في العقد الدائم. ويسمى عندئذ: تفويض البضع. فكأن المرأة قد تبرعت بفوائدها الجنسية للرجل بدون عوض. ومتابعة هذه المسألة الفقهية في الفقه.
ــــــــــــــــــــ[150]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل تبديل الجنس
قد يحصل بطرق الجراحة الطبية الحديثة إمكان ان يتحول الرجل إلى امرأة أو تتحول المرأة إلى رجل. وهو الذي سميناه بتبديل الجنس في العنوان.
والحدود المعقولة لذلك والأكثر عملية هو تبديل الخنثى إلى أحد الجنسين اختياراً أو إلى الجنس الذي هو أقرب إليه حسب ما يشخصه الطبيب. ولكن قد يحصل ان تنجح العمليات الجراحية في تبديل الذكر إلى الأنثى وبالعكس. والمهم فقهياً ليس هو نجاحها، وإنما الكلام على تقدير نجاحها، يعني انها لو نجحت فماذا يحصل؟ كما انه ليس المهم فقهياً مقدار النجاح فقد تتحول المرأة إلى رجولة ضعيفة أو الرجل إلى أنثوية ضعيفة، كما هو المظنون، ومن الصعب للطب إلى حد الآن جعل أحد الجنسين قوياً في الجنس الآخر. فالمهم فقهياً هو تحول العنوان وان كان ضعيفاً، يعني تسمية الرجل امرأة أو المرأة رجلا.
وإذا التفتنا إلى ان البشر ثلاثة أقسام رجل وامرأة وخنثى تكون احتمالات التحول تسعة لأن أي واحد منها يمكن ان يتحول إلى القسم الآخر.
والتحول إلى الخنثى وان لم يكن مطلوباً ولا مقصوداً بطبيعة الحال للمريض ولا للطبيب. ولكن قد يفرض ذلك فقهياً، من حيث ان عملية التحول إلى الجنس الآخر إذا لم تنجح، فلن يعود المريض إلى جنسه الأول، وإنما سيصبح خنثى لا يحسب على أحد الجنسين أصلاً.
وقبل الدخول في التفاصيل لابد لنا من ان نقول كلمة عن:
ــــــــــــــــــــ[151]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الخنثى:
فان فيه عدت مراحل من الكلام نذكرها باختصار:
المرحلة الأولى: ان الخنثى هو الإنسان يجمع بين عورتي الرجل والمرأة أو تنعدم لديه كلتا العورتين.
المرحلة الثانية: ذكر الفقهاء ان هناك علامات لتعيين الخنثى على أحد الجنسين. فان كان يبول من أحد المخرجين دون الآخر، حُسب عليه. وان بال منهما نظرنا إلى المحل الذي يبدأ منه البول.. إلى غير ذلك مما هو مذكور في كتاب الإرث وسيأتي.
والمهم ان هذا الإنسان إذا فقد كل العلامات كان هو الخنثى المشكل. لأنه لا يمكن ان نلحقه بأحد الجنسين. وهو المراد من الخنثى فقهياً. لأن الذي ألحقناه بأحد الجنسين بوجه شرعي صحيح، فلا إشكال فيه.
المرحلة الثالثة: ان انقسام البشر إلى القسمين الرئيسيين: الرجل والمرأة. قد يكون واقعياً وقد يكون تشريعياً.
ومعنى كونه واقعياً: هو ان الخناثى كلهم لا يخلو واقعهم من كونهم رجلا أو امرأة، وليس في خلق الله سبحانه قسم آخر. وإنما حصل هناك تشويه معين جعلنا نحن لا نعرف حقيقته فسميناه بالخنثى. وواقعه هو الرجل أو المرأة.
وهذا الكلام مما لا دليل عليه، لأن التحقيق الطبي أفاد أن كل الناس تختلط فيهم هرمونات الذكورة مع هرمونات الأنوثة ومعنى ذلك: ان الرجل فيه نسبة ضعيفة من الأنوثة والأنثى فيها نسبة ضعيفة من الذكورة. كل ما في الأمر ان خلقة الجسد تتبع اغلب النسبتين من الهرمونات وأكثرها.
ينتج من ذلك ان نسبة الهرمونات لو تساوتا بمقدار 50% أو نحوها… كان الإنسان خنثى حقيقة، لا هو رجل ولا هو امرأة. فان انضاف إلى ذلك ان
ــــــــــــــــــــ[152]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
خلقته الجسدية تساعد على كونه خنثى مشكل. فقد حصلنا على نوع ثالث غير الرجل والمرأة.
هذا، واما معنى كون الانقسام تشريعياً، فهو اننا ولو قلنا انه في الانقسام الواقعي يوجد قسم ثالث هو الخنثى، الا ان الشارع أسقطه عن نظر الاعتبار ولم يجعل له حكماً بل حكم تعبداً بانقسام الناس إلى القسمين الرئيسيين. حتى الخناثى لا بد ان يندرجوا تحت أحد القسمين تشريعاً.
وهذا الكلام أيضاً، وان كان يحتمله سيدنا الأستاذ، ولعله كان يبين عليه فتاواه، الا انه مما لا دليل عليه. إذ لا دليل جزماً على الحصر التعبدي بالقسمين الرئيسيين ولا على إسقاط الخناثى عن الأحكام.
نعم، ما وجد في الكتاب والسنة من الأحكام للخناثى قليل. وهذا واضح غير انه ناشئ من قلة وجود الخنثى في المجتمع. وكلما قل الاحتكاك به قل السؤال عنه وقلَّ ورود الأخبار عنه عن المعصومين . فنبقى في تعيين أحكامه على مقتضى القواعد العامة. إذ ما من واقعة إلا ولها حكم.
المرحلة الرابعة: ان الفقهاء احتاطوا في أمر الخنثى المشكل. فقالوا: انه يجب عليه ان يجمع بين واجبات الرجل والمرأة ويجمع بين ترك المحرمات التي على الرجل والمرأة. ولا يجوز ان يتزوج رجلا ولا امرأة. ولا يجوز ان ينظر إليه الرجال غير المحارم ولا النساء غير المحارم. كل ذلك احتياطاً. وقالوا في كتاب الإرث: انه يأخذ نصف حصة الرجل ونصف حصة المرأة، أي المعدل بينهما.
وهذه الاحتياطات منهم قائمة على اعتبار الانقسام التشريعي الذي أشرنا إليه. وحيث قلنا انه مما لا دليل عليه، أمكن في كثير من الموارد إجراء البراءة، ما لم تتعارض بعلم إجمالي منجز. وتمام الكلام في الفقه. والمهم هنا هو مجرد الفات نظر القارئ مختصراً. ولعلنا نعقد فصلا عن الخنثى أساساً في
ــــــــــــــــــــ[153]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
كتاب الإرث ان شاء الله تعالى.
هذا. وقد عرفنا في أول الفصل ان مقتضى انقسام البشر إلى ثلاثة أقسام هو ان احتمالات التبديل تسعة. ناتجة من ضرب الثلاثة بنفسها تنقص منها الاحتمالات المتكررة فتبقى ستة. وتختلف الصور الناتجة في أحكامها اختلافاً مهماً كما سيأتي.
عرض مسألة:
ينبغي لنا بدوياً فهم الأثر الفقهي للتبديل الجنسي على الإجمال، قبل ان ندخل في التفاصيل. فان أحكام الرجل تختلف عن المرأة في كثير من الجهات، كما هو معلوم.
فهناك اختلافهما في العبادات كوجوب ستر الرأس على المرأة في الصلاة دون الرجل. وهناك وجوب الحجاب على المرأة دون الرجل. وهناك ولاية الرجل على الذرية دون المرأة. وهناك اختلاف دية الرجل عن المرأة في القتل والجراحات. وهناك اختلاف كمية ارث الرجل عن المرأة، وخاصة في الأولاد فان لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، أي ضعف حصة الأنثى.
وهناك القرابات التي تحصل بها بعض الأحكام. فالأم لها حق الحضانة والأخت لها النصف بالإرث، والدّم الذي تراه المرأة له أحكامه حيضاً أو استحاضة. فماذا يحصل لكل هذه الأحكام بعد التحول إلى رجل!!
فمثلا: هل تصبح الأم أباً بعد ان يصبح كلا الوالدين ذكرين. أو هل يصبح الأب أماً بعد ان يصبح كلا الوالدين أنثيين أو امرأتين. وهل تصبح الأخت أخاً والأخ أختاً وهكذا. مع ان الاحتمال الآخر هو أن تبقى الأم أماً بالرغم من تحولها إلى رجل!! وهكذا.
ــــــــــــــــــــ[154]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ونتكلم فيما يلي عن تحولات الرجل أولاً إلى امرأة ثم تحوله إلى خنثى. ثم نتكلم عن تحولات المرأة ثم عن تحولات الخنثى.
هذا. وينبغي الالتفات إلى ان المهم فقهياً فيما يأتي هو التحول. ولا يهم السبب. فقد يكون هو العملية الجراحية كما هو الموجود أحياناً في عصرنا الحاضر، وقد يكون سبباً آخر كطعام معين حصل تناوله صدفة، أو بالسحر أو بالمعجزة أو بأي سبب آخر.
وينبغي من اجل حصر الكلام وعدم إطالته وتشعباته. ان نرتب الحديث في كل مرة من أربعة مراحل:
أولاً: في التكاليف الخاصة بالشخص بغض النظر عن علاقته بغيره، كالعبادات والحجاب.
ثانياً: في التكاليف الخاصة بالأسرة كالأبوة والأمومة والبنوة. من حيث الولاية ووجوب النفقة ووجوب التمكين وحق الحضانة ونحوها.
ثالثاً: في التكاليف الخاصة بالإرث من حيث استحقاقه للحصة التي كان يستحقها قبل تبدله أو يستحق حصة أخرى قد تكون اقل أو أكثر. وكذلك الكلام في الحجب ونحوه.
رابعاً: التكاليف الخاصة بالديات والقصاص ونحوها، من العقوبات الشرعية، من حيث ان دية المرأة تساوي الرجل إلى أن تبلغ الثلث فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف. ومن ان الرجل لا يقاد بالمرأة ونحو ذلك. وهذا وان كان خارجاً عن كتاب النكاح تماماً، الا ان ذكره بمناسبة تحويل الجنس ضروري إذ لا مجال له في الفقه غير هذا الفصل. ويمكن التحويل عليه في كتاب الديات وكتاب القصاص.
أما عن تحولات الرجل إلى المرأة والخنثى فنذكره تحت العنوانين
ــــــــــــــــــــ[155]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
التاليين:
تحول الرجل إلى امرأة:
ويتم الكلام عن ذلك عند الحديث عن المراحل الأربعة التي سبق ذكرها.
المرحلة الأولى: في التكاليف الخاصة بالشخص. فهل تبقى عليه تكاليف الرجل أو تشمله تكاليف المرأة؟
الصحيح انه يصبح امرأة اعتيادية له ما للنساء وعليه ما على النساء لا يفرق عنهن في شيء.
فمثلا: الحجاب في الصلاة وأمام الرجل الأجنبي يكون واجباً عليها. وإذا أصبحت لها عادة شهرية يشملها أحكام الحيض والاستحاضة. ويكون مسجدها بيتها. ولا تقبل شهادتها في الهلال. إلى غير ذلك من أحكام النساء على كثرتها. وتنتفي أحكام الرجال عنها لأن تلك الأحكام موضوعها الرجل وهي ليست برجل. وهذه الأحكام موضوعها المرأة وهي مرأة فعلاً.
المرحلة الثانية: في التكاليف الخاصة بالأسرة.
تنتفي بعد التحول: صفة الأبوة عن أولاده بما يتبعها من انتفاء الولاية ووجوب النفقة، والحصة في الإرث على ما سيأتي. لأن تلك الأحكام واردة على الأب وهذه ليست أباً عرفاً بل ليست أباً حقيقة أيضا. وان كانت كذلك في زمن سابق.
واما عن علاقته بزوجته، فتنقطع العلاقة الزوجية ويبطل عقدها بدون حاجة إلى طلاق. ولا يستحق على زوجته التمكين الجنسي كما كان سابقاً، بل يحرم الآن تماماً ما قل منه أو كثر، لأنه عمل جنسي بين امرأتين.
ولا يجب عليها التمكين من جهتها بل يحرم. ولا يجب عليه نفقة الزوجة
ــــــــــــــــــــ[156]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
من حين التحول فصاعداً. ولا يجب عليه القسم في الليالي بين زوجاته ان كان متزوجاً لأكثر من واحدة. بل يحرم عليه وعليهن ذلك.
وما قد يخطر على البال: إمكان إثبات أكثر هذه الأحكام بالاستصحاب، لأن هذا الفرد الإنساني (مهما كان جنسه) كان متصفاً بها حال كونها رجلا. فالآن كما كان.
الا ان هذا واضح البطلان، لأن الاستصحاب إنما يجري، ويكون حجة مع احتمال استمرار الحكم. واما مع العلم بتحول وتبدل الحكم بتبدل موضوعه جزماً فلا مجال له. وهذا شامل لأكثر بل جميع أحكام الزوجية.
وإذا انتفى النكاح مع زوجته بعد التحول فلا يجب عليها العدة لأنها ليست زوجة مدخولاً بها جزماً. بل لها ان تتزوج من تشاء من الرجال فوراً (1) ان أرادت. ويحرم عليها الزواج من النساء كما كان عليه الحال عندما كانت رجلا.
المرحلة الثالثة: فيما يتعلق بالإرث.
إذا تحول الرجل إلى امرأة، فماتت بعد التحول. فلا ارث له منها لبطلان النكاح، كما سبق. وكذلك لو ماتت هي -يعني التي كانت رجلا- لبطلان النكاح.
وأما عن الأولاد: إذا مات أحدهم ذكراً أو أنثى. فهل يستحق هذا الإنسان ارثاً من ذريته أم لا؟ وجهان:
الأول: عدم استحقاق الإرث أصلاً. لأن حصص الإرث واردة على عنوان الأب وهو ليس بأب بعد التحول، أو على عنوان الأم وهو ليس بأم. لأنه لم يلد أولاده وإنما ولدتهم من كانت زوجته. فهو لا يستحق لا حصة الأب ولا
ــــــــــــــــــــ[157]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) أي بدون عدة ولكن يجب عليها الاستبراء إن كان قد أتاها خلال مدة أقل من ثلاثة أشهر، حتى يتم لها هذه المدة من حين الوطئ.
حصة الأم. ولا يحتمل فقهياً استحقاقه لحصة أخرى. إذن فلا ارث له.
الثاني: استحقاق الإرث بالجملة. فإنها وان لم تكن أباً ولا أماً الا انها أحد الوالدين على أي حال. وهذا معنى لا بد منه، لوضوح ان الذرية تحتاج -بغير المعجزة- إلى والدين، وهذه المرأة -التي كانت رجلاً- أحدهما وجداناً ولا اقل من الشك فيمكن استصحاب عنوان احد الوالدين.
وهذا يكفي في الإرث، لأنه مترتب على عنوان الوالدين، في القرآن الكريم. لا على عنوان الأب أو الأم، فينتفي بانتفائهما. وأحد الوالدين يستحق السدس. وهذا هو الأقوى.
نعم، لا يرث ما كان بعنوان الأب أو الأم، كاستحقاقها الثلث أحياناً. نعم يمكن الرد عليه، لأن الرد يدفع إلى غير ذي الحصة المفروضة، ولا يتعين بعنوان بذاته.
هذا إذا مات أحد الذرية ذكراً أم أنثى.
واما إذا مات هو أو هي -بعد التحول إلى امرأة- فلا شك ان هؤلاء أولاده والولد يرث ذكراً كان أو أنثى لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. والتحول لم يوجب انتفاء هذه الصفة. أعني كونهم أولاده وذريته وإن انتفى عنه صفة الأب والأم بعنوانه.
هذا، واما ميراث الطبقة الثانية والثالثة، فهو ينطبق على هذا الإنسان بصفته مرأة لا بصفته رجلا. سواء كان وارثاً أو موروثاً. فهو ليس أخاً بل أختاً وهو ليس عماً بل عمة. وهو ليس جداً بل جدة على إشكال فيه كالإشكال في الأب والأم، إلا انه أسرع اندفاعاً.
واما الحجب، فهو اعتيادي في كل صورة إلا في حجب الأم عما زاد عن الثلث. فان من شرائطه ان يخلف الميت أخاً وأختين أو أربع أخوات أو أخوين
ــــــــــــــــــــ[158]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ويكون الأب موجوداً. إلى غير ذلك. ويلاحظ وجود هؤلاء لدى الموت. فقد يكون للفرد (الميت) أخٌ وأختان أو أخوان في حياته. ولكن أحدهم يتحول إلى امرأة فيصبح للفرد الميت خلال حياته ثلاث أخوات أو أخاً وأختاً. وذلك عدد غير كاف للحجب. وكذلك ان تحول الأب إلى امرأة فانه يخرج -كما سبق- عن كونه أباً، فلا يتحقق شرط: ان يكون الأب موجوداً. فلا يتحقق الحجب.
نعم، لو تحقق التحول إلى امرأة بعد موت الميت، بحيث كانت الشرائط للحجب مجتمعة حين الموت حصل الحجب. وارتفاعها بعد ذلك لا يهم. وليس له أثر رجعي.
هذا. واما ميراث المعتق وضامن الجريرة. فحاله لا يختلف ذكراً كان الفرد أم أنثى، فتحول الرجل إلى أنثى لا يغير حكمه من هذه الناحية وارثاً أو موروثاً. نعني كونه معتقاً بالفتح أو معتقاً بالكسر وضامناً للجريرة أو مضمونة جريرته.
فهذه خلاصة الكلام عن المرحلة الثالثة في أحكام الإرث.
المرحلة الرابعة: في أحكام الديات والقصاص ونحوها.
فالاعتداء المفروض وقوعه قد يكون قبل التحول إلى امرأة. ويكون حكمه قد نفذ من دية أو قصاص أو غيره. فلا كلام فيه.
وقد يكون الاعتداء بعد التحول إلى المرأة وتنفيذ الأحكام بعد التحول بطبيعة الحال. فهنا لا ينبغي الإشكال في ان أحكام المرأة تشمله دون الرجل. فإذا كانت هي المعتدى عليها فهي (تعاقل في الدية الرجل إلى الثلث فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف) كما ورد في النص. وكذلك في القَود فان الرجل لا يقاد بالمرأة إلا بعد ردّ جزء الدية وهكذا.
ــــــــــــــــــــ[159]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وإذا كانت هي المعتدية فتقاد بالرجل سواء كان الاعتداء نفساً أو دونها.
وقد يكون الاعتداء قبل التحول إلى امرأة، ولكن لم يتم التنفيذ للحكم إلى ان تم التحول. وفي مثل ذلك لا شك ان مقتضى الاستصحاب بل الإطلاقات شمول أحكام الرجال ولا يكون لتحوله إلى امرأة أثر يذكر.
وهذا يشبه إلى حد ما فيما إذا كان الاعتداء حال الرقيّة ثم حصلت الحرية أو حال الكفر ثم حصل الإسلام وهكذا. فان المهم هو النظر إلى حال المعتدي والمعتدى عليه حال الاعتداء مهما تغير الحال بعده.
تحول الرجل إلى خنثى:
فمن حيث المراحل الأربعة السابقة:
المرحلة الأولى: ما دام عنوان الخنثى عليه صادقاً على الفرض، وإن بَعُد الفرض، فيشمله أحكام الخنثى في أحكامه الخاصة.
فعلى المشهور يجب عليه التقيد بأحكام الرجال وأحكام النساء معاً احتياطاً. كأي خنثى آخر. وعلى ما قلناه فيمكن إجراء البراءة عن عدد من هذه الاحتياطات حيث تصبح استحبابية لا وجوبية. على تفصيل ليس هذا محله.
وقد يقال: إن هذا الفرد أولى بالبراءة من الخنثى الأصلي لجريان الاستصحاب في حقه بالنسبة إلى عدم مشموليته لأحكام النساء. فانه حال كونه رجلاً لم يكن مشمولا لها فالآن كما كان. فينبغي ان يكون حاله حال الرجال.
والصحيح: اننا إذا قلنا بان الخنثى لا بد تابع لأحد الجنسين. وليس جنساً ثالثاً. فما قلناه هو المتعين. لأنه مستصحب الذكورة ولا نعلم تحوله إلى أنثى. والمفروض ان وضع الخنثى ليس مستقلا. فتكون أحكام الرجال مستصحبة في حقه وأحكام النساء مستصحبة العدم، كما أشرنا. فيكون حاله حال الرجال.
ــــــــــــــــــــ[160]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فيستمر كما لو بقي رجلا. هذا بغض النظر عن أصول أخرى قد تجري لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها بعد ان كان الأصل المشار إليه جارياً في موضوع تلك الأصول، فيكون حاكماً عليها ومقدماً.
وأما إذا قلنا ان الخنثى قسم ثالث غير الرجل والمرأة. فهنا اما ان نقول: أن له أحكامه الخاصة به في الشريعة واما أن نشك في ذلك. فان شككنا في ذلك، كان الحال كما سبق أيضا لإمكان إجراء البراءة والاستصحاب السابقين. بعد عدم إحراز ما يصلح للحكم عليها من الأدلة.
وأما إن قلنا ان الخنثى له أحكامه الخاصة فقهياً. وهذا عمليا غير صحيح في غير موارد قليلة جداً كحصته في الإرث. وإنما حكم الفقهاء بالاحتياط له، أخذاً منهم بالاحتياط أيضا لا بإطلاقات الأدلة.
ولكن لو كان الأمر كذلك، كان هذا الرجل بعد التحول مشمولا لأحكام الخنثى، ولا يمكن ان تشمله أحكام الرجل. إذ لا مورد لاستصحابها عندئذ، لأنها واردة على عنوان الرجل، وقد ارتفع قطعاً، فيرتفع الحكم بارتفاع موضوعه.
وهذا الذي قلناه شامل لكل أحكام الخنثى سواء في عباداته الشخصية أو غيرها مما سنذكره في المراحل التالية، غير اننا سنذكر لها عناوينها باعتبار بعض ما قد تفرق به عن هذه السلسلة من التفكير.
المرحلة الثانية: في أحكامه العائلية.
عندما يصبح الرجل خنثى، ويكون متزوجاً وعنده ذرية، يخرج عن كونه زوجاً وأباً إذا قلنا انه قسم ثالث. وعندئذ يكون مشمولاً لما قلناه عند التحول إلى المرأة.
وأما إذا قلنا بان الخنثى لا محالة مندرج في أحد القسمين. فيمكن
ــــــــــــــــــــ[161]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
استصحاب ذكوريته -كما سبق- فيستمر بصفته رجلا في جميع أحكامه العائلية. كالزوجية ووجوب النفقة على زوجته وأولاده وحق القسم وغيرها.
المرحلة الثالثة: في حصته من الإرث.
ان أمكن استصحاب ذكوريته، فانه يستحق حصة الذكر، كما كان يستحقها حال رجوليته. ولا يؤثر انقلابه إلى خنثى. سواء كان وارثاً أم موروثاً.
فمثلا: يمكن استصحاب عنوان كونه أباً أو أخاً أو عماً أو خالاً، ونحو ذلك. وانه لم يتحول إلى امرأة. والمفروض ان جنس الخنثى ليس جنساً مستقلا بحياله.
وليس الحال في ذلك حال الخنثى الأصلي، إذ لا يمكن ان يجري في حقه مثل هذا الاستصحاب.
نعم، لو قلنا بان الخنثى قسم ثالث غير الذكر والأنثى، تعين القول بانتفاء أحكام الرجال عنه كما قلنا في صورة التحول إلى امرأة فهو ليس أباً ولا زوجاً. فينتفي نكاحه وولايته على أطفاله ووجوب النفقة وحق القسم وغير ذلك.
ولكن ليس له ان يتزوج، كما لو كان قد تحول إلى امرأة. لأن الذي يجوز ان يتزوج بالرجل إنما هو المرأة ونحن إما أن نشك في صيرورته امرأة فيمكن استصحاب عدمها. أو نعلم بعدم كونه امرأة فإنه خنثى وليس امرأة، فالأمر أوضح.
وقد يخطر في الذهن: اننا ان منعناه عن الزواج بالرجل فلا نمنعه عن الزواج بامرأة. لأنه حال رجوليته، كان يجوز له ذلك، فالآن كما كان بالاستصحاب.
إلا ان هذا الحديث إنما يصح فيما إذا أمكن استصحاب ذكوريته. وإذا استصحبناها أمكن الحفاظ على زوجته وأولاده السابقين بجميع أحكامهم.
ــــــــــــــــــــ[162]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وعلى العموم فلا يمكن الجمع بين ما قلناه من انتفاء كونه أباً وزوجاً مع جواز زواجه بامرأة. لأن الثاني مبني على جريان استصحاب ذكوريته والأول مبني على عدمه.
المرحلة الرابعة: في حال الديات والقصاص ونحوها. إذا كنا فقهياً، كما سبق، يمكننا استصحاب الذكورية أو استصحاب أحكامها، فسوف لن يختلف حال هذا الفرد، كرجل في سائر الأحكام بما فيها الديات والقصاص.
واما إذا لم يمكن ذلك، كما سبق أيضا، شمله أحكام الخنثى المشكل. من حيث انه يقاد بالرجل، يعني فيما إذا كان الخنثى قاتلا والرجل مقتولا، وتقاد به المرأة إذا قتلته. ولا يقاد هو إذا قتل المرأة إلا إذا دفع القاتل نسبة الخنثى من الدية وهي نصف دية المرأة ونصف دية الرجل، وهو ثلاث أرباع الدية الكاملة. فإذا قتل المرأة وجب دفع هذا المقدار إليه مع قتله.
واما في الجروح والشجاج، فما تساوت به المرأة مع الرجل يتساوى فيها الخنثى أيضا. واما ما زاد على الثلث ورجعت فيه المرأة إلى النصف، فمقتضى القاعدة نقصان الخنثى من الدية بنصف ما ينقص المرأة. فيكون له أي الخنثى إذا كان معتدى عليه ثلاثة أرباع دية الرجل مما يماثل هذا الجرح.
والدية تكون مستحقة إذا كان الاعتداء خطأ أو شبه العمد، أو عمداً وتنازل المعتدى عليه إلى الدية. فان طالب بالقصاص اقتص منه بلا رد. لأن القصاص ثابت بين الجنسين حتى لو كان المعتدي رجلا والمعتدى عليه أنثى فكيف إذا كان خنثى. وعلى أي حال، فمقتضى القاعدة ثبوت القصاص في صورة المعتدى عليه على كل الصور.
ولعل للحديث بعض التفاصيل التي لا ينبغي الإفاضة فيها هنا، بل يحسن إيكالها إلى محالّها من الفقه. هذا هو الكلام في تحول الرجل إلى المرأة تارة والى الخنثى أخرى. وينبغي ان نصرف عنان الكلام إلى تحول المرأة إلى رجل
ــــــــــــــــــــ[163]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
أولاً ثم إلى خنثى.
تحول المرأة إلى رجل:
ونتكلم عن ذلك ضمن المراحل الأربعة السابقة. مع الاستعانة بما سمعناه من أحكام تحول الرجل إلى المرأة. فان فرضنا هذا، عكس ذلك الفرض ولذا سنرى بين أحكامهما شيئاً من التشابه.
المرحلة الأولى: في الأحكام الشخصية له.
لا شك انها بعد التحول تصبح مشمولة لأحكام الرجل وينتفي عنها أحكام المرأة.
فالحجاب في الصلاة والحجاب عن الرجال كلهم لا يجب عليها. بل يجوز لهم النظر إليه: بصفته رجلا كسائر الرجال. وفي الحدود المشروعة المتعارفة.
وينقطع عنه بطبيعة تكوينه الجديد الحيض والاستحاضة والحمل والنفاس، ونحوها مما يمر على المرأة. فلا يكون مشمولا لأحكامها بطبيعة الحال.
وتقبل شهادته كأي رجل عادل أو ثقة إذا اتصف بالعدالة أو الوثاقة، فبعد ان كانت شهادته بصفته امرأة محدودة في بعض الأمور، وغير شاملة لكل الموارد بما فيها الهلال كما سمعنا. تصبح الآن شهادته حجة في جميع الحقول والموضوعات.
وبينما لم يكن من المشروع له بصفته امرأة أن يكون حاكما ولا قاضياً ولا أمام جماعة للرجال، يصبح ذلك مشروعاً في حقه، إذا كان واجداً للشرائط الأخرى.
المرحلة الثانية: في أحكام الأسرة.
ــــــــــــــــــــ[164]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وهو ما يحصل فيما إذا كان للمرأة زوج وأولاد ثم أصبحت رجلا، عندئذ لن تصبح أماً ولا أباً، كما أشرنا في مثله في صورة تحول الرجل إلى المرأة.
اما انها ليست أماً فلأنها رجل فعلا. واما انها ليست أباً فلوضوح ان الأب هو من ولد الذرية من مائه وهذا لم يلدهم من مائه.
ومن هنا ينتفي حق الحضانة لمن كانت لها حق الحضانة له من ذريتها.
واما زوجها فتبطل الزوجية معه بدون طلاق. ولا يجوز له التمكين الجنسي لهذا الزوج بطبيعة الحال. وإذا كان متعدد الزوجات لم يكن له حق القسم. كما لا يستحق عليه وجوب النفقة كما كان حال كونه امرأة.
وما قد يقال: كما قد قيل في عكسه: من انه يمكن إثبات بعض هذه الأحكام بالاستصحاب كوجوب النفقة وحق الحضانة. غير صحيح جزماً لأن موضوع هذه الأحكام هو المرأة وهو ليس الآن امرأة.
وبتعبير أدق: ان موضوع وجوب النفقة هو الزوجة، وهو ليس بزوجة، وموضوع حق الحضانة هو الأم وهو ليس بأم. وبعد الخروج الموضوعي القطعي لا مجال للاستصحاب.
المرحلة الثالثة: في الإرث.
فهذا الرجل المتحول من المرأة، لا يرث بصفته أماً ولا زوجة ولا بصفته أباً.
نعم، قد يرث كما قلنا بصفته أحد الوالدين، فانه لازال كذلك ولو احتمالا. الأمر الذي يمكن معه استصحاب استحقاقه للإرث موضوعاً أو حكماً بعد موت أحد ذريته، فتأمل.
نعم، لو مات هو أمكن القول، كما سبق في عكسه، ان يرثه ذريته لِلذَّكَرِ
ــــــــــــــــــــ[165]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
أما بالنسبة إلى باقي الأقارب إذا مات أحدهم بعد تحول المرأة إلى رجل فكل ما يحدث هو ان يتحول من أخت إلى أخ أو من عمة إلى عم أو من خالة إلى خال وهكذا. فيرث بالصفة أو العنوان الجديد الذي اكتسبه ان اختلفت الحصة.
اما بالنسبة إلى ميراث الطبقات المتأخرة وهي: المعتق وضامن الجريرة، فلا يختلف الحال فيها كما سبق.
واما حجب الأم عما زاد عن الثلث فهو يحصل بالتحول لا محالة، إذا كانت سائر الشرائط الأخرى له متوفرة. كما لو كان للفرد قبل موته أخاً وأختاً فتحولت أخته إلى رجل فأصبح له أخوين. وهو من جملة شرائط حجب أمه عن ميراث ما زاد عن السدس.
وأما ما قد يخطر في البال: من ان من جملة الشرائط: وجود الأب وهذا الرجل المتحول يصلح ان يكون أماً. فلو كان الأب قد مات أمكن التعويض به ليحصل الحجب بحصول هذا الشرط.
إلا أن هذا غير صحيح: لوضوح عدم صدق الأب عليه عرفاً وشرعاً لأن أولاده لم يأتوا عن مائه. بل من رحمه حين كان امرأة. فهو الآن ليس أباً ولا أماً. وان كان أحد الوالدين. إلا ان الشرط في الحجب هو وجود الأب بعنوانه لا وجود أحد الوالدين.
المرحلة الرابعة: في الديات والقصاص.
ولا إشكال انه بعد التحول يكون حكمه حكم الرجل من جميع الجهات سواء كان معتدياً أو معتدى عليه.
وكذلك الحال في الوضوح لو وقع الاعتداء. قبل التحول وحصل
ــــــــــــــــــــ[166]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
القصاص أو الدية يومئذ. فانه يتم بعنوان المرأة بلا إشكال.
وإنما يقع السؤال كما وقع في عكسه، فيما إذا وقع الاعتداء قبل التحول وأردنا إيقاع العقوبة بعده. وقلنا في مثله انه يكون مشمولا لحال الاعتداء أو لحكم الصفة التي كان عليها يومئذ. فإذا كان قد استحق نصف الدية (يعني نصف استحقاق الرجل) حال الاعتداء عليه حين كان امرأة. كان مقتضى الاستصحاب وأصالة براءة ذمة الجاني، عدم الزيادة على ذلك بعد التحول إلى رجل.
وإذا كان هو الجاني حين كان امرأة. كما لو قتلت رجلا، ثم لم ينلها العقاب حتى تحولت إلى رجل. فان حكمها بعد التحول لا يختلف.
نعم، لو قتلت امرأة ثم تحولت إلى رجل. وكان حكمها هو القَود بدون رد. فهل يبقى الحكم كذلك بعد التحول. أو ان الرد هنا يكون متعيناً لأن القتل قصاصاً سيكون على الرجل بإزاء امرأة وفي مثله لا بد من الرد. وجهان:
مقتضى الاستصحاب بقاء الحكم الأول وهو عدم الرد، إلا ان مقتضى اطلاقات قود الرجل بالمرأة خلاف ذلك، ما لم نقل انها منصرفة إلى ما إذا كان الرجل قاتلا بصفته رجلا أو حال كونه رجلا. دون الصورة التي نتحدث عنها. كما هو المنصرف عرفاً. وحينئذ لا يبقى لاستصحاب عدم الرد معارض أو حاكم.
تحول المرأة إلى الخنثى:
ونتكلم طبقاً للمراحل الأربعة السابقة:
المرحلة الأولى: في أحكامه الشخصية.
وهنا يكون الكلام مشابهاً إلى حد كبير مع ما قلناه في تحول الرجل إلى
ــــــــــــــــــــ[166]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
خنثى، غير ان الرجل يكون مورداً لاستصحاب أحكام الرجال بعد التحول. والمرأة تكون مورداً لاستصحاب أحكام النساء بعد التحول. وهذا معناه ان حالها الاعتيادي لا يتغير بعد التحول إلى خنثى.
وقد عرفنا أن هذا يتم أو يصح في بعض الصور:
الصورة الأولى: ما إذا كان الخنثى عموماً تابعاً لأحد القسمين الرئيسيين، وليس قسماً ثالثاً. وقد سبق أن ذكرنا وجهه هناك.
الصورة الثانية: ما إذا كان الخنثى قسماً ثالثاً ولو احتمالا. الا انه ليس له أحكامه المستقلة في الشريعة. ولا اقل من الشك في ذلك. فيكون موضوعاً لاستصحاب أحكامه السابقة. وهي في هذه الصورة أحكام المرأة.
واما في صورة ثالثة: وهو ما إذا كان الخنثى قسماً ثالثاً وكان له أحكامه الخاصة في الشريعة. وهذا ليس بصحيح عملياً في غالب الأحكام كما سبق. ولكن إذا كان الأمر صحيحاً شملته الأحكام الخاصة بالخنثى لا محالة.
المرحلة الثانية: في الأحكام العائلية.
فان لم يكن الخنثى قسماً ثالثاً. وقد شككنا بتحولها إلى عنوان الرجل. ففي الإمكان استصحاب أحكامه السابقة كلها موضوعاً أو حكماً. كعنوان الأم وحق الحضانة والزوجية ووجوب النفقة. ولا موجب للقول بارتفاعها.
وما قد يخطر في الذهن: من انه تحول عن صفة المرأة جزماً فلا مجال لاستصحاب عناوينها وأحكامها.
غير صحيح: لأننا بعد ان بنينا على عدم كونه قسماً ثالثاً. فليس للعرف ان يقول: انه رجل للشك في ذلك وجداناً. ولا من حقه أن يقول: هو قسم ثالث. لليقين بعدمه على الفرض. إذن، فالعرف يشك كما نشك في خروجه عن كونه امرأة، فيكون ذلك موضوعاً كافياً للاستصحاب.
ــــــــــــــــــــ[168]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وكذلك الحال: يعني في صحة جريان الاستصحاب لو قلنا بان الخنثى قسم ثالث إلا اننا شككنا بتحوله إليه تماماً.
وكذلك الحال: لو قلنا بأنه قسم ثالث إلا أنه ليس له أحكام معينة في الشريعة، فيتعين استصحاب أحكامه السابقة ما عدا ما خرج بدليل.
نعم، لو قلنا بأنه قسم ثالث ومحكوم بأحكام معينة في الشريعة، شملته تلك الأحكام بعد الجزم بكونه أصبح خنثى إلا ان هذا الافتراض، كما سمعنا، ليس بصحيح في اغلب الأحكام. وخاصة في أحكام الأسرة التي نتحدث عنها.
المرحلة الثالثة: في الإرث.
في الصور التي أمكن جريان الاستصحاب، كما أوضحنا في المرحلة الثانية لا إشكال في شمول أحكام المرأة لها، بكل التفاصيل بما فيها الحجب، سواء كانت حاجبة أو محجوبة.
واما في الصورة التي لم نقل فيها بجريان الاستصحاب، فقد خرجت هذه المرأة بعد تحولها إلى خنثى عن كونها أماً أو أختاً أو زوجة. فلا يمكن أن ترث بهذه العناوين. نعم، يمكن ان ترث بصفتها أحد الوالدين، كما سبق ان أوضحنا في صورة سابقة.
وبصفتها زوجة، فان نكاحها (مع منع جريان الاستصحاب) ينفسخ من دون حاجة إلى طلاق. فإذا مات من كان زوجها بعد ذلك لم تستحق شيئاً من الإرث.
نعم، لو مات حال كونها امرأة وزوجة ثم تحولت خنثى قبل قبض الحصة، لم يؤثر ذلك في استحقاقها.
واما بصفتها أخاً أو أختاً فمع عدم جريان الاستصحاب لا بد من المصير إلى الأخذ بالمعدل بين الرجل والمرأة كما في الخنثى المشكل الأصلي.
ــــــــــــــــــــ[169]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وما قد يخطر في الذهن: من ان الأخذ بالمعدل إنما كان من اجل الذهاب نظرياً إلى انحصار الجنس بالجنسين وليس الخنثى قسماً ثالثاً. وهذا الذي نتكلم فيه الآن هو صورة المنع عن جريان الاستصحاب وهو لا يكون إلا إذا قلنا بإمكان القسم الثالث، كما سبق. إذن، فالأخذ بالمعدل غير صحيح.
إلا أن هذا الوجه غير صحيح.
أولاً: لأن الأدلة الدالة على استحقاق الخنثى للمعدل، واردة بعنوان الخنثى، وهذا متحقق له فعلا. وهذه الأدلة خالية من الإشارة إلى الانحصار بالقسمين وعدمه. فمقتضى إطلاقها شمولها للمورد.
ثانياً: ان إلغاء هذه الأدلة جدلا، لا ينبغي ان يقتضي القول بإلغاء ارثه رأساً. فان هذا غير محتمل فقهياً. إذن يكون الحكم في المقام هو قاعدة العدل والإنصاف العقلية. وهي تقتضي أخذه للمعدل أيضا. إذ لا يوجد قاعدة أخرى تشمله بعد انتفاء الاستصحاب.
المرحلة الرابعة: في الديات والقصاص.
وهنا أيضا ان أمكن جريان الاستصحاب، كما في بعض الصور المشار إليها، والتي بعضها هو الصحيح، كما سبق فلا إشكال في كونها، أعني المرأة التي تحولت إلى خنثى وهي محل الحديث، لا إشكال في كونها مشمولة لأحكام المرأة، بعد التحول، ولا يكون للتحول أثر يذكر.
نعم، لو لم يجر الاستصحاب، فلا بد من كونه مشمولا لأحكام الخنثى المشكل جانياً كان أو مجنياً عليه. وقد سبق ان حملنا عنه فكرة مختصرة في صورة تحول الرجل إلى خنثى فلا نعيد.
ــــــــــــــــــــ[170]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
تحول الخنثى إلى رجل:
ونتكلم طبقاً للمراحل الأربعة التي ذكرناها فيما سبق:
المرحلة الأولى: في أحكامه الشخصية.
لا إشكال في شمول أحكام الرجل له بعد أن أصبح رجلا، مهما قلنا في الأحكام التي كانت شاملة له حال كونه خنثى. حتى ان له ان يتزوج بامرأة وأن يؤم الرجال ان كان واجداً لشرائط إمام الجماعة، وتقبل شهادته في كل شيء ان كان واجداً للشرائط الأخرى. بل له ان يصبح قاضياً أو فقيهاً أيضاً ان كان واجداً لشروطهما الأخرى. إلى غير ذلك.
المرحلة الثانية: في أحكامه العائلية.
لا يفترض فقهياً بالخنثى المشكل ان تكون له أي عائلة، لأن زواجه بأي من الجنسين مخالف للاحتياط. وان فعل كان باطلا وان ولد كانت ذريته أولاد زنا.
فالإنسان ان كان أصله خنثى وتحول إلى رجل، فليس له عائلة ان كان مطيعاً للشريعة الإسلامية. نعم له بعد التحول ان يكون أباً وزوجاً وتشمله أحكام الرجال كما عرفنا.
المرحلة الثالثة: في أحكام الإرث.
لا يفترض، فقهياً، كما عرفنا ان يكون الخنثى المشكل، زوجاً أو زوجة أو ان يكون له أولاداً أو بناتاً. فالإرث من هذه النواحي منتف موضوعاً وارثاً كان الخنثى أو موروثاً.
نعم بعد التحول ان حصلت له أسرة. ثم مات هو أو مات أحد أفراد أسرته كان الإرث ثابتاً بينهم بصفته رجلا.
ــــــــــــــــــــ[171]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
نعم، للخنثى أب وأم وأخ وأخت ونحو ذلك. فان حصل الموت خلال صفة الخنثى وقبل التحول، كان له حكم الخنثى المشكل. وهو ميراثه معدل حصة الرجل وحصة المرأة، من أي موروث كان. وأما إذا كان هو الميت فلا اثر لذلك، كما هو معلوم فقهياً، بل يرثه الآخرون اعتيادياً.
كما لا أثر لصفته هذه في ميراث المعتق ولا ضامن الجريرة وارثاً أو موروثاً.
وان حصل الموت بعد التحول إلى رجل شملته أحكام الرجال في كل طبقات الإرث وارثاً أو موروثاً.
وان حصل الإرث خلال صفة الخنثى، ولم يقبض حصته الا بعد التحول إلى رجل. لم يكن التحول موجباً لزيادة حصته.
واما الحجب الذي تحدثنا عنه أي حجب الأم عما زاد عن السدس، فالخنثى لا يحجب ولا أثر لوجوده في ذلك. هذا إذا كان حاجباً ولا يحتمل ان يكون محجوباً لعدم إمكان صيرورته أماً فقهياً، كما سبق. نعم إذا حصل الموت بعد التحول شملته الأحكام الاعتيادية حاجباً أو محجوباً، فيما إذا كان التحول إلى امرأة ويصبح أماً على ما سيأتي. وهذا يكفي ذكره هنا بلا حاجة إلى التكرار هناك.
المرحلة الرابعة: في الديات والقصاص.
لا يوجد إشكال فقهي فيما إذا حصلت الجناية وتمت العقوبة حال صفة الخنثى سواء كان جانياً أو مجنياً عليه. وكذلك إذا حصلتا معاً حال صفة الرجل بعد التحول، جانياً كان أو مجنياً عليه. فأنه في الحالة الأولى يكون مشمولا لأحكام الخنثى، وفي هذه الحالة الثانية يكون مشمولا لأحكام الرجال.
واما ان حصلت الجناية جانياً أو مجنياً عليه حال صفة الخنثى ثم تحول
ــــــــــــــــــــ[172]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
إلى رجل قبل تلقي العقوبة. فقد عرفنا في أمثاله ان المهم هو صفة الفرد حال الجناية، ولا يكون التحول سبباً للتغير في الحكم.
تحول الخنثى إلى امرأة:
لم يبقى شيء بعد الذي قلناه يخفى على القارئ اللبيب. مما يمكن ان يندرج تحت هذا العنوان، لكننا -مع ذلك- نذكر نفس المراحل الأربعة التي كنا نذكرها فيما سبق.
المرحلة الأولى: في أحكامه الشخصية.
ولا إشكال في شمول حكم المرأة له، مهما قلنا في أحكام الخنثى في حاله السابقة. حتى انها تستطيع ان تتزوج برجل، وإذا وردت عليها العادة الشهرية شملتها أحكامها. إلى غير ذلك من الأحكام العديدة الخاصة بالمرأة والتي حملنا عنها فكرة فيما سبق.
المرحلة الثانية: في أحكام العائلة.
قلنا في صور تحول الخنثى إلى رجل انه لا يمكن شرعاً ان يكون للخنثى عائلة حال صفته تلك. ومع عدمها فلا حكم لها حتى وان حصل التحول.
نعم، بعد التحول إلى امرأة لها ان تتزوج برجل كما قلنا. وتكون أماً وتشملها سائر الأحكام الخاصة بذلك. من وجوب النفقة وحق القَسم وحق الحضانة وغير ذلك.
المرحلة الثالثة: في أحكام الإرث.
حين لا يكون للخنثى المشكل عائلة، لا يكون له ميراث منها ولا إليها. كما سبق ان أشرنا. وإنما يمكن ذلك بعد التحول وعندئذ تشمله أحكام الصفة الجديدة، وهي انه أصبح امرأة كما افترضنا الآن.
ــــــــــــــــــــ[173]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
واما بالنسبة إلى ميراث أمه وأبيه وأجداده وأخوته وأعمامه وأخواله. فان كانت صفة الخنثى باقية وحصل الميراث فان كان وارثاً استحق حصة الخنثى وان تحول بعد ذلك. ويؤثر التحول بزيادة أو قلة الحصة عندئذ كما سبق.
واما ان كان هو الميت وأصبح موروثاً، فانه يورث كما يورث غيره بلا فرق.
وان حصل الميراث بعد التحول إلى امرأة شمله حكم ميراث المرأة بكل تفاصيلها وارثة كانت أو موروثة.
وقلنا ونقول هنا أيضا: ان ميراث المعتق وضامن الجريرة، لا يختلف فيها الحال بين الخنثى وغيره لأنه لا يختلف فيها الحال بين الرجل والمرأة، فكيف بالخنثى؟
المرحلة الرابعة: في أحكام الديات والقصاص.
وهنا يشمله ما سبق ان قلناه من انه لا إشكال فقهي، فيما إذا وقعت الجناية ووجدت العقوبة حال صفة الخنثى كليهما. وكذلك إذا وجدتا بعد التحول إلى امرأة. فانه في الحالة الأولى يشمله حكم الخنثى وفي الحالة الثانية يشمله حكم المرأة.
وقلنا أيضا: انه إذا حصلت الجناية حال كونه خنثى سواء كان جانياً أو مجنياً عليه استحق العقوبة بتلك الصفة التي كان عليها حال الجناية. ولا يكون للتحول والتغيير الجديد أثر يذكر.
التحول المتعدد:
إذا كان في الإمكان ان يتحول رجل إلى امرأة وامرأة إلى رجل وغير ذلك مما سمعناه، ففي الإمكان أيضا ان يتعدد التحول عدة مرات فيتحول مثلا:
ــــــــــــــــــــ[174]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
رجل إلى امرأة ثم إلى رجل ثم إلى خنثى ثم إلى امرأة ثم إلى رجل وهكذا.
نعم. بما ان التحول الواحد صعب طبياً وواقعياً، ووقوعه نادر نسبياً. فكيف الحال بالتحولات المتعددة، ولم تصدف ان وقعت طول التاريخ البشري الطويل. الا ان ندرة الفرض وصعوبة المسألة لا تحول فقهياً دون تسجيلها وبحثها. على اعتبار انه: ما من واقعة الا ولها حكم. فإذا افترضنا وقوعها من أي جيل بشري قادم أمكن تحصيل حكمها الفقهي على أي حال.
وإذا كانت احتمالات التحول مرة واحدة -كما سبق- ستة احتمالات. فاحتمالات التحول مرتين ثمانية عشر ناتجة من ضرب الستة في ثلاثة هي أصناف: الرجل والمرأة والخنثى. فإذا افترضنا التحولات ثلاثة مرات احتجنا إلى الضرب في ثلاثة مرة أخرى، وكان الناتج أربعة وخمسون احتمالاً. وهكذا.
ولعلنا نستطيع ان نقرب إلى ذهن القارئ إمكان وقوع ذلك إجمالا. كما في رجل أراد ان يصبح امرأة ففشلت العملية الجراحية له. فأصبح خنثى وعاش على ذلك زمناً قليلا أو كثيراً. ثم عمل عملية جراحية أخرى فنجحت فأصبح امرأة. ثم أنه تبدل رأيه فعمل عملية جراحية ثانية ليعود إلى الرجولة فنجحت عمليته.
وكذلك الحال في المرأة التي تريد ان تصبح رجلا، فقد تفشل عمليتها فتصبح خنثى. وبعد فترة تعمل عملية ثانية فتنجح فتصبح رجلا أو قد تعيد نفسها أنثى وهكذا.
واما من ناحية الأحكام الفقهية، فان مثل هذا الفرد، يكون مشمولا للأحكام التي قلناها فيما سبق. وكل مرحلة من تحوله يكون مشمولا لأحد الاحتمالات الستة التي ذكرناها.
ــــــــــــــــــــ[175]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ففي المثال السابق. تحول الرجل إلى خنثى، فيكون مشمولا لما تحدثنا به حول ذلك. ثم تحول إلى امرأة، فيكون مشمولا لما تحدثنا عنه من تحول الخنثى إلى امرأة. ولو تحول إلى رجل فسيكون مشمولا لما تحدثنا عنه من تحول الخنثى إلى رجل وهكذا.
وليس في المقام من جديد. غير انه ينبغي الالماع إلى أنه في الموارد التي لا يكون للتحول الواحد أثر يذكر، لا يكون للتحول المتعدد أثر كذلك. وقد عرفنا ذلك في موردين:
المورد الأول: ما إذا حصل موت المورّث ثم حصل التحول في الوارث فأنه يستحق نفس الحصة التي استحقها حال الموت ولا يكون التحول موجباً لزيادتها أو نقصها. وهكذا نقول: ان ذلك يصح سواء كان التحول واحداً أو متعدداً.
المورد الثاني: ما إذا حصل الاعتداء على فرد ثم حصل التحول في المعتدي أو المعتدى عليه. فان هذا التحول لا يوجب تحول العقوبة. وهنا نقول: ان ذلك يصدق حتى لو كان التحول متعدداً. هذا. وينبغي الالماع هنا: إلى ان التحول الثاني إذا ارجع الفرد إلى حاله الأول عادت له عناوينه التي فقدها بالتحول الأول.
فلو تحول رجل إلى امرأة فانه يفقد صفاته: الزوج والأب. كما سبق ولكنه إذا تحول مرة أخرى إلى رجل. فانه يعود أباً بلا إشكال. لأنه يصدق عليه عنوان: الرجل الذي وجدت هذه الذرية منه. واما عود عنوان الزوج عليه، فهذا فقهياً غير ممكن بعد الحكم بانفساخ نكاحه السابق مع من كانت زوجته. وخاصة فيما إذا كان حال كونه امرأة قد تزوج رجلا وأنجب أو لم ينجب. والمهم الآن انه يحتاج في عود الزواج له لنفس المرأة إلى عقد جديد. أو أن يعقد على أية امرأة أخرى.
ــــــــــــــــــــ[176]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل تعدد الزوجات
ويتم الكلام في ذلك ضمن عدة عناوين:
حكمة التعدد:
تنبثق الحكمة لتعدد الزوجات، من الحاجة إلى ذلك. ويتم بيان ذلك ضمن عدة نقاط:
النقطة الأولى: ان غالب المجتمعات البشرية تتصف بزيادة عدد الإناث على الذكور بالولادة. بل هذه الصفة ثابتة للبشرية ككل بكل تأكيد.
النقطة الثانية: ان الأخطار التي يتعرض لها الذكور، بحكم عملهم أكثر من الإناث بكثير، ومن هنا يكون التلف فيهم أكثر بكل تأكيد. مما يسند مسألة زيادة الإناث على الذكور في العالم.
النقطة الثالثة: ان الحروب خاصة بالذكور. ولا تشارك فيها الإناث إلا قليلا. ومن هنا قال الشاعر:
كتب القتل والقتال علينا
وعلى المحصنات جر الذيول
الأمر الذي يسبب ان الأعم الأغلب من المقتولين في الحروب هم من
ــــــــــــــــــــ[177]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الذكور دون الإناث. وان قتل من الإناث أحد فعلى سبيل الصدفة أو الاعتداء وبنسب ضئيلة.
فإذا طالت الحروب في أي مجتمع أو في عدة مجتمعات سنين أو عقوداً كان الأمر أوضح. والعالم لا يخلو باستمرار من المناوشات والحروب نتيجة لتعارض مصالح الأقوياء من الناس.
النقطة الرابعة: ان كثيراً من الرجال لهم قابلية خلقية أو مكتسبة لتحمل أكثر من زوجة. فلماذا تذهب هذه القابلية هدراً؟
واقصد بالقابلية الخلقية غريزته الجنسية وما إليها. وبالقابلية المكتسبة وجود وارد اقتصادي مضمون لتغطية النفقات، وكلا الأمرين أو القابليتين موجودان في عدد لا يستهان به من الرجال.
النقطة الخامسة: ان المهم في حياة المرأة الزوجية، هو إيفاء حاجاتها من قبل الرجل من جميع الجهات أو في حدود الامكان. ولا يدخل في ذلك ان الرجل نفسه قد وفّى حاجات امرأة أخرى أم لا.
وهذا يعني انه لا يوجد مانع نفسي أو عقلي أو اجتماعي لدى المرأة من التعدد. كل ما في الأمر انها تطالب بحقها من زوجها فان استطاع إيفاءه فهو المطلوب. وعندئذ لا تكون الزوجة أو الزوجات الأخرى، محل ضرر على الإطلاق.
هذا في السيرة العقلائية العامة، بغض النظر عن بعض تعاليم الأديان أو القوانين التي تمنع من التعدد. والتي تصلح هذه النقاط لمناقشتها.
النقطة السادسة: ان لدى بعض الرجال حاجة حقيقية للتعدد لقوة الغريزة الجنسية بحيث لا تستطيع امرأة واحدة من إيفائها.
وفي حدود اللغة الدينية: ان الفرد قد يخاف من الوقوع في الحرام وان
ــــــــــــــــــــ[178]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
كانت له زوجة. فماذا يفعل ان منعناه من التعدد؟
وفي الغالب ان مثل هذا الإنسان يبقى كالحائر يشعر ان في حياته نقصاً شديداً ما لم يتزوج، لكي يسد حاجته الضرورية.
فان أضفنا إلى ذلك الحالات الاستثنائية لكل مرأة كحالات الحمل والدم ونحوها، والتي يحرم أو يصعب استيفاء الحاجة الجنسية منها للرجل. وإذا أضفنا إلى ذلك حالات المرض والسفر وغير ذلك. أمكننا الجزم بان المرأة الواحدة لا تستطيع ان توفي حاجات الرجل. وان التعدد أفضل له جنسياً بكل تأكيد.
النقطة السابعة: ان الحكم في الدين الإسلامي هو الحكم بجواز تعدد الزوجات وليس بوجوبه بطبيعة الحال الا أن يعلم الفرد بالوقوع بالحرام بدونه، وهي حالة قليلة.
بل الأمر أكثر من ذلك، من حيث وضع بعض القيود على التعدد على ما سنعرف. وبدونها أو بدون الالتزام بها، يكون التعدد ممنوعاً. فإذا التفتنا كما سيأتي إلى ان أكثر الناس لا يستطيعون الوفاء بشرط التعدد، نعرف إذن قيمة تعدد الزوجات في الإسلام.
فهذه النقاط ونحوها هي التي تعطينا وجه الحكمة من هذا الحكم بحيث ندرك ان القانون الذي يمنع التعدد يكون ناقصاً من هذه الناحية بكل تأكيد ومخالفاً للحكمة والمصلحة العامة بطبيعة الحال.
تعدد الأزواج:
قد يخطر في بعض الأذهان المريضة انه: كما يمكن تعدد الزوجات يمكن تعدد الأزواج. وخاصة وقد ورد في الأخبار ما مؤداه: ان المرأة أعطيت من
ــــــــــــــــــــ[179]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الغريزة الجنسية عشرة أضعاف الرجل. وهذا مبرر لتعدد الأزواج. إذ قد لا يكون الزوج الواحد كافياً في إيفاء تلك الغريزة.
وجواب ذلك يكون في عدة نقاط:
النقطة الأولى: ان السيرة العقلائية عامة على وحدة الأزواج. وترى في تعددهم نحواً من الشناعة والفضاعة بأكثر من المتحمل وأكثر من المعقول. وهذا واضح.
فلو فرضنا جدلا ان في التعدد شكلا من أشكال المصلحة الا ان منعه أصلح بكل تأكيد، لوضوح ان المذهب الذي يجيز هذا التعدد، سيكون مذهباً شنيعاً في نظر العقلاء. ولا تكون أية مصلحة عذراً له في إزالة الشناعة.
ومن المعلوم ان الدين الحنيف لا يأمر بما هو شنيع وفضيع عقلائياً.
النقطة الثانية: ان المرأة لا تنظر فقط إلى الغريزة الجنسية، الا الشواذ منهن اللاتي يكن على مستوى المومسات. واما المرأة الاعتيادية، فتنظر إلى دعم الرجل لها اقتصادياً واجتماعياً ورأفته بها ودفاعه عنها.
ومن المعلوم ان هذا لا يحدث الا مع وحدة الزوج. واما مع تعدده فتكون المرأة ضائعة بدون دعم محدد من أي من الأزواج الذين حولها. الأمر الذي يجعلها بعيدة جداً عن الهدف الذي تتوخاه والحاجة التي تطلبها.
النقطة الثالثة: انه حقاً ورد في الأخبار: ان المرأة رُزِقت عشرة أضعاف الرجل من الغريزة الجنسية. وهذا أيضا مما يناسبه الاعتبار إذ كلما كان الجسم أجمل وارق وارشق كانت الغريزة أقوى. وهذا مجرب في الرجال أنفسهم فضلا عن النساء.
إلا انه ورد في نفس الأخبار تكملة لهذا الكلام حيث تقول الأخبار: ما مضمونه. ولكن المرأة رُزِقت من الحياء عشرة أضعاف الرجل، بحيث أمكنها
ــــــــــــــــــــ[180]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
بذلك السيطرة على تلك العاطفة.
ومن المعلوم ان تعدد الأزواج مخالف للحياء تماماً. وهل من الحياء ان يتقاسمها الرجال وتتعرى كل يوم أمام واحد منهم. ان هذا الا شيء مقرف تماماً.
النقطة الرابعة: انه بالرغم من زيادة الغريزة الجنسية لدى المرأة، فانه يمكن ان يقال وبكل تأكيد ان رجلا واحداً يستطيع ان يوفيها ويستوفيها، ولا حاجة إلى التعدد. يعني لا يبقى في المرأة حاجة غير مستوفاة بحيث يتعين التعدد لاستيفائها. كما قال المستشكل. وإذا بقى في بعض النساء شيء، فهو ضئيل لا يوازي الفتوى بجواز التعدد.
النقطة الخامسة: ان الوحدة في الأزواج لأي امرأة لا تعني تحقق ذلك في طول عمرها، في الدين الإسلامي. بل لها ان ترى أو تجرب أو تتزوج -ما شئت فعبر- عدداً كبيراً من الأزواج، واحداً بعد الآخر. بالشكل الذي تتحقق فيه شرائط الصحة شرعاً.
فالمهم هو المنع من الجمع بين الأزواج. لا من التعدد واحداً بعد الآخر، لو كان للمرأة توقان إلى ذلك. فقد تستطيع ان تتزوج المرأة في كل سنة اثنين أو أكثر، بل قد يصل العدد إلى العشرة أو ما يقاربها. ويختلف النساء في ذلك تبعاً لاختلاف مقدار زمان العدة، كما سيأتي.
النقطة السادسة: انه كما لابد أن يكون التشريع الخاص بالعائلة، رحيماً بالنساء، كذلك ينبغي ان يكون رحيماً بالرجال. وإلا انتفى منه العدل والإنصاف بطبيعة الحال.
ومن الواضح في الوجدان والثابت في العلم الحديث، ان الرجل يشمئز من المرأة التي تكون عرضة للرجال. وكلما كانت المرأة أكثر صوناً وستراً
ــــــــــــــــــــ[181]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
كانت أشهى وأطيب في نظر الرجال. حتى قيل: ان اتصال المرأة بالرجل يعكس على وجهها وجسمها شكلا معيناً من الوضع يشمئز منه الرجل. كما يدرك بوجدانه ان هذا الوضع ناتج من ذلك السبب لا محالة.
ومن المعلوم ان اشمئزاز الرجل يعني سقوط العائلة وهلاكها جنسياً واجتماعياً ومعنوياً.
فإذا أجاز القانون تعدد الأزواج، فان هذا الاشمئزاز سيشمل جميع الأزواج للمرأة الواحدة. لأن كل واحد منهم له نفس الذوق والاتجاه. فتكون المرأة محل اشمئزازهم جميعاً. فمن أين تأتي سعادتها واطمئنانها؟
النقطة السابعة: ما أشير إليه في بعض الروايات(1) من ان: المرأة لو كان لها زوجان أو أكثر من ذلك لم يُعرف الولد لمن هو. إذ هم مشتركون في نكاحها. وفي ذلك فساد الأنساب والمواريث والمعارف.
النقطة الثامنة: ما أشير إليه في بعض الروايات أيضاً(2): ففي الكافي عن الصادق في حديث قال: “والغيرة للرجال. ولذلك حرم على المرأة إلا زوجها، واحل للرجل أربعاً. فان الله أكرم من ان يبتليهن بالغيرة ويحل للرجل معها ثلاثاً”.
إلى غير ذلك من النقاط التي توضح وجه الحكمة في عدم إجازة التشريع الإسلامي تعدد الأزواج.
شرط التعدد:
يستفاد من بعض ظواهر القرآن الكريم ان تعدد الزوجات منوط بشرط
ــــــــــــــــــــ[182]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) انظر: الميزان ج 4. ص 175.
(2) المصدر والصفحة.
أساسي، هو إمكان العدل بينهن فإذا لم يمكن ذلك، كما هو الغالب، لم يجز التعدد. بل ان القرآن الكريم ظاهر بعدم إمكان العدل على الإطلاق. الأمر الذي ينفي إمكان تعدد الأزواج على الإطلاق لانتفاء الشرط دائماً.
قال الله سبحانه(1): وَإِنْ خِفْتُمْ الاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فان خِفْتُمْ الا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى الا تَعُولُوا. وقال جل ذكره في آية أخرى من نفس السورة(2): وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا ان تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فان اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً.
والآية الثانية واضحة في عدم إمكان العدل فان ضممناها إلى الآية الأولى الدالة على ان مجرد خوف التفريط بالعدل كاف لعدم جواز التعدد. إذن صار كل تعدد في مورد النفي والحرمة. هكذا قال المدافعون ضد التعدد ممن يميل إلى الذوق الأوربي الحديث. مع محاولتهم تلبيسه بلبوس الدين والقرآن الكريم.
وأوضح جواب على هذه المزاعم هو أن وجوب العدل ليس شرطاً فقهياً لصحة النكاح، بل هو حكم شرعي مستقل يشمل من تعددت عنده الأزواج.
وتوضيح ذلك في بعض الأمثلة: ان بعض المذاهب الإسلامية اشترطت في نفوذ عقد النكاح وجود شاهدين عادلين وبعضها اشترطت ذلك في صحة الطلاق. والمهم الآن ان نفهم ان وجود الشاهدين شرط فقهي لصحة النكاح أو الطلاق، بحيث يفسد العقد أو الطلاق بدونهما. ولا يكون لهما أي أثر.
فهل ان العدالة بين الأزواج أو قل: هل ان خوف التفريط بالعدل كذلك.
ــــــــــــــــــــ[183]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) النساء: آية 3.
(2) النساء: آية 129.
بحيث يجب على كل رجل حين يتزوج امرأة ثانية أو ثالثة ان يفكر فان وجد نفسه خائفاً من عدم العدل بطل نكاحه شرعاً ولم يستطع الزواج إطلاقاً. حاله في ذلك حال من يظن الضرر من الصوم فان صومه -ان صام بالرغم من الخوف- يقع باطلا، بناء على ما هو الصحيح من ان ترك الصوم في مثل ذلك عزيمة وليس رخصة، أي على نحو الوجوب لا على نحو الجواز.
وبالرغم من ان هذا هو ظاهر قوله تعالى: فان خِفْتُمْ الا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً. وظاهر القرآن حجة. إلا انه غير محتمل فقهياً ولم يفتِ به أحد على الإطلاق. وإذا انتفى هذا الحكم فقهياً قطعاً لم يكن الظاهر حجة، بل لابد من تأويل الظاهر بما لا يتنافى والحكم القطعي.
وما هو الموجود من الحكم فقهياً هو أن للإنسان ان يتزوج من دون حساب خوف التفريط بالعدالة، فان تم له الزواج وجبت عليه العدالة بين زوجاته المتعددات بالشكل المسطور في الفقه. وهذا معنى ما قلناه من ان هذه العدالة عبارة عن وجوب شرعي لا عن شرط فقهي في صحة النكاح.
فهذا هو الجواب الفقهي الأساسي. وتبقى عدة أجوبة ممكنة نذكر منها ما يلي:
أولاً: ان المسلك الذي سار عليه هذا المستشكل، ينتج امتناع الزواج بالمتعدد أو بطلانه إلا للأوحدي من الناس. إذ من الواضح ان خوف التفريط بالعدل موجود عند الناس أجمعين، ما لم يكن الفرد معصوماً أو قريباً من العصمة.
وهذا الحكم على خلاف قوله تعالى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ. إذ يبقى حكماً نظرياً صرفاً لا تطبيق له في الخارج، فيكون تشريعه لغواً. وهذا مستحيل على التشريع الإسلامي.
ــــــــــــــــــــ[184]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
على انه خلاف ظاهر السياق لأنه يقول: مَا طَابَ لَكُمْ. بحيث يكون الأمر طبقاً للهوى والإرادة. فإذا كان متعذراً إلى تلك الدرجة كيف سيكون الأمر كذلك؟!
ثانياً: ان العدل الممكن مع النساء على قسمين: عملي وقلبي. والعدل القلبي هو التساوي في الحب، وهو متعذر تماماً لاختلاف النساء فيما بينهن واختلاف نظر الرجل إليهن. واما العدل العملي فهو التسوية بين الزوجات في العلاقة الاقتصادية والاجتماعية ونحوها. وهذا ممكن لأكثر الرجال بل للجميع، وليس متعذراً كما هو واضح.
إذن، فمن الممكن فهم العدل في كل آية بشكل يغاير الآية الأخرى. وليس بينهما وحدة سياق لأنهما متباعدتان في وجودهما القرآني وغير متجاورتين.
فقوله: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا ان تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ. نفهم منه العدل القلبي، المتعذر تحققه عادة حتى مع حرص الرجل على ذلك. كما هو معلوم وجداناً.
وقوله: فان خِفْتُمْ الا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً، نفهم منه العدل العملي: الاجتماعي والاقتصادي. فحتى لو فرضنا ذلك شرطاً فقهياً في صحة النكاح -وليس كذلك- لا يكون تطبيقه متعذراً. ولا يكون الخوف من عدم العدل عاماً بين الرجال.
ثالثاً: ان العدل المأمور به فقهياً بين النساء ليس في كل شيء، حتى يدعي المستشكل انه متعذر، حتى وان كان المراد به العدل العملي. بل الواجب العدل في بعض الأشياء خاصة. بل في أشياء قليلة تماماً. بل في شيء واحد فقط، وهو تقسيم الليالي بين الزوجات كما سنشرح في عنوان آتي بعونه تعالى.
واما وجوب النفقة على الجميع، فليس من باب العدل. بل ان كل امرأة
ــــــــــــــــــــ[185]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
باستقلالها تستحق النفقة. فان أنفق الرجل على إحداهن دون الأخرى، فليس انه فرط في عدله، بل يعتبر عاصياً بالنسبة إلى وجوب النفقة في إحداهن ومطيعاً له في الأخرى. واما التفريط في العدل في مثل ذلك فهو عنوان ثانوي انتزاعي، لا أثر له فقهياً.
هذا، وتبقى مجالات كثيرة للرجل يمكن له فيها أن لا يساوي فيها بين الأزواج. بل قد يحصل ذلك وجوباً أيضا وليس استحباباً. ونذكر لذلك عموماً بعض الصور:
الصورة الأولى: انه قال الفقهاء ان النفقة الواجبة للزوجة هي ما يناسبها من المأكل والمشرب والمسكن والملبس وكل ما يحفظ لها شأنها الاجتماعي والصحي وغير ذلك.
فلو كان للفرد زوجتان إحداهما بالأصل عالية اجتماعياً والأخرى دانية. فلا يجب عليه ان يصرف على الثانية بمقدار الأولى، بلا إشكال. وكذلك لو كانت إحدى زوجاته مريضة أو كثيرة المرض، فتستوجب زيادة في الصرف وجوباً دون غيرها وهكذا.
الصورة الثانية: ان خرجت إحدى الزوجات على طاعة الشريعة أو على حقوقه الزوجية المشروعة، فقد أجاز الفقهاء بنص القرآن الكريم للزوج إيجاد عقوبات معينة في مثل ذلك. قال الله تعالى(1): فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنّ. وقال الفقهاء انه يجب على الزوج ان يختار الأخف من هذه العقوبات فالأخف. لأنه ان اختار الأشد مع كون الأخف كافيا كان ظلماً للزوجة.
ومحل الشاهد هنا ان الزوج إذا تمردت عليه إحدى زوجتيه دون الأخرى.
ــــــــــــــــــــ[186]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) النساء: آية 34.
فله شرعاً أن يتصرف مع المتمردة بأسلوب يختلف عن الأخرى بكل تأكيد. فهل يعتبر المستشكل ذلك مخالفاً للعدل؟
الصورة الثالثة: ان الزوج إذا ضمن لزوجاته النفقة الواجبة فقد عدل بينهما فقهياً. وأما التوسعة الزائدة فهذا إليه. ان شاء فعل وان شاء ترك. ولا يجب عليه ان يساوي بين الزوجات في التوسعة، بلا إشكال.
الصورة الرابعة: ان الواجب في تقسيم الليالي هو ان يكون الرجل عند زوجته في ليلتها. واما (الجماع) في تلك الليلة، فهو غير واجب بلا إشكال. بل يجب في كل أربعة أشهر مرة لكل زوجة، ولا يجب أكثر من ذلك. والظاهر ان هذا المقدار أيضا مبني على ضرب من الاحتياط.
ومحل الشاهد هنا: ان الرجل يستطيع ان يكثر من جماع إحدى زوجتيه في لياليها، ولا يجامع الأخرى إلا قليلا. ولا يكون بذلك فقهياً خارجاً عن المشروع.
فهذه الصور الأربعة تعطينا صورة كافية لما قلناه في الجواب: (ثالثا) من ان العدل المطلق بين النساء غير واجب جزماً. بل لا يجب إلا في شيء واحد وهو تقسيم الليالي على شكل معين سيأتي ذكره بعونه تعالى.
ومعه يمكن الجزم بكل وثوق ان قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا ان تَعْدِلُوا. لا يراد به العدل العملي بل العدل القلبي. ولو أراد به العدل العملي فهو استحبابي وليس وجوبيا. فلا يكون القصور عنه أو التقصير فيه موجبا لبطلان النكاح أو هدم العائلة والحياة الزوجية.
واما قوله تعالى: فان خِفْتُمْ الا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً. ان أريد به العدل الوجوبي، وهو تقسيم الليالي. يعني عند الخوف أو الظن بعدم القيام بذلك فيكون ترك الزواج المتعدد هو الأولى، لأنه سيكون ظلماً أو سبباً للظلم.
ــــــــــــــــــــ[187]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وان أريد به العدل المستحب وهو الأغلب فلا يمكن أن تزيد النتيجة على المقدمة. يعني ان يكون المعنى: فان ظننتم ان لا تعدلوا عدلاً استحبابياً بين الزوجات فيستحب لكم ترك الزواج الثاني أو الثالث. ولا يحتمل ان تكون نتيجة ترك العدل الاستحبابي هي حرمة الزواج وبطلانه. كما هو واضح لأن النتيجة لا يمكن ان تزيد على المقدمة.
هذا وتبقى في هاتين الآيتين بعض الأمور التي تساعد على فهمهما ولكنها خارجة عن صددنا في هذا الفصل. فمن الأحجى تركها الآن، وإيكالها إلى محلها من التفسير والفقه.
إشكالات على التعدد:
ذكر الطباطبائي في تفسير الميزان(1) عدة إشكالات ذكرها المدافعون ضد تعدد الزوجات. وهي أربع إشكالات. والظاهر انه ذكرها بإنشاء منه وليس نقلا عن مصدر. والمهم الآن هو التلاقح الفكري أيا كان مصدره. ثم صار بصدد الجواب عن هذه الإشكالات مفصلا على خلاف التركيز الذي التزمناه في هذا الكتاب. فنحن الآن ننقل الإشكالات نصا ثم نحاول الجواب عليها مستقلا.
قال رحمه الله: وقد استشكلوا على حكم تعدد الزوجات.
أولاً: انه -أي تعدد الزوجات- يضع آثاراً سيئة في المجتمع فانه يقرع قلوب النساء في عواطفهن ويخيب آمالهن ويسكن فورة الحب في قلوبهن. فينعكس حس الحب إلى حس الانتقام فيهملن أمر البيت ويتثاقلن في تربية الأولاد ويقابلن الرجال بمثل ما أساءوا إليهن فيشيع الزنا والسفاح والخيانة في المال والعرض. فلا يلبث المجتمع دون ان ينحط في أقرب وقت.
ــــــــــــــــــــ[188]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) ج 4. ص 184.
وثانيا: ان التعدد في الزوجات يخالف ما هو المشهود المتراءى من عمل الطبيعة. فان الإحصاء في الأمم والأجيال يفيد: ان قبيلي الذكور والإناث متساويان عدداً تقريباً. فالذي هيئته الطبيعة هو واحد لواحد. وخلاف ذلك خلاف غرض الطبيعة.
وثالثا: ان في تشريع تعدد الزوجات ترغيباً للرجال إلى الشره والشهوة وتقوية لهذه القوة في المجتمع.
ورابعا: ان في ذلك حطّاً لوزن النساء في المجتمع بمعادلة الأربع منهن بواحد من الرجال. وهو تقويم جائر حتى بالنظر إلى مذاق الإسلام الذي سوّى فيه بين امرأتين ورجل كما في الإرث والشهادة وغيرهما. ولازمه تجويز التزويج باثنتين منهن لا أزيد. ففي تجويز الأربع عدول عن العدل على أي حال من غير وجه (يعني من أكثر من وجه).
انتهى موضع الحاجة من كلامه.
أما الجواب على الإشكال الأول فالنقطة المهمة فيه هو قوله: فينعكس حس الحب إلى حس الانتقام. يعني حينما يتزوج الزوج زوجة ثانية فيتحول حب الزوجة الأولى لزوجها إلى حب الانتقام منه. فتعد لذلك عدته، وتترتب نتائج عديدة ذكرها المستشكل في إشكاله.
وهذا المعنى قد يصح أحياناً في المجتمعات المتخلفة عن فهم الدين وتطبيقه. حيث تشعر الزوجة الأولى، وهي متخلفة بدورها ان زوجها المتخلف بدوره، يريد ان يكدر حياتها ويدخلها في معمعان المصاعب التي تقع لا محالة بين الزوجتين المتخلفتين دينياً. إذن، فزوجها قد أجرم بالنسبة إليها في زواجه الثاني. وهذا الذنب الكبير يحتاج إلى رد فعل كبير أيضا. ولا يمكن التغاضي عنه أو التعامل معه بالحسنى والعفو.
ــــــــــــــــــــ[189]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ومعه تبذل الزوجة قصارى جهدها في إيذاء زوجها وإهمال مصالحه، والعمل على ما يغضبه ويؤذيه، فضلا عما يؤذي زوجته الثانية ويغضبها. فان هذا مفروض سلفاً!!
وإذا كان لها من التدنّي الديني والخلقي ما يجعل رد فعلها سافلاً جداً، فعلت ذلك. فيحدث ما ذكره المستشكل من السفاح والزنا الذي هو على خلاف النظرة الدينية الإسلامية للمجتمع. ومن المضاعفات غير المحمودة جزماً.
ولكن جميع ذلك ناتج من التخلف الديني لدى الزوجتين. حيث تكون كل منهما كالكبريت إذا احتك ببعضه البعض اشتعلت فيه النار.
واما لو كانت كلتا الزوجتين مؤمنتين متورعتين، كما يريدها الإسلام ان تكون. فالزوجة الأولى لا تجد إذن، ان زوجها فعل جرماً كبيراً ضدها حين فعل ما هو حلال شرعاً بل واجب أحياناً. وهو زواجه الثاني. ولا تجد ان الزوجة الثانية واردة عليها للخصومة والإيذاء. بل لكي تعيش معها طبقاً للتعاليم الدينية. فإذا علمت الأولى ان الثانية ورعة أيضا بدورها، اطمأنت الأولى من أذاياها سلفاً وركنت إليها جزماً.
فإذا زادت على ذلك، كل من الأولى والثانية، بل والزوج أيضا، بمقابلة الإساءة بالإحسان والعفو وغض النظر. طبقاً لقوله تعالى(1): وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فان اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. إذن، لا يمكن ان تثور أية مناقشة أو أن تحدث أية مشاكل.
فإذا علمنا بالفكرة المحققة دينياً، وهي ان المصالح الدينية إنما لوحظت لدى تطبيق الدين بجميع تفاصيله لا ببعضه مع إهمال البعض الآخر. وإنما
ــــــــــــــــــــ[190]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) التغابن: 14.
تحدث المشاكل والخلافات بين الأفراد والمجتمعات، إذا كانوا ممن أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ(1). كما هو الحال عليه في اغلب مجتمعات العالم في أكثر حقب التاريخ.
فإذا لاحظنا هذه الفكرة علمنا ان الدين إنما أجاز تعدد الزوجات ووجد فيه مصلحة حقيقية، عندما تكون الزوجات والزوج من المؤمنين الصالحين، لا من المنحرفين المتخلفين. ومن الواضح انه مع الإيمان والصلاح لا تحدث أية مشاكل أو مضاعفات.
وإنما لاحظ السائل هذه المجتمعات المتخلفة دينياً في العالم، فقال أنه يحتمل ان تحصل تلك المضاعفات. ولا شك ان المستشكل قد بالغ في وصفها إضفاء للأهمية على رأيه. وإلا فالأغلب ان الأمر لا يعدو أن يكون خلافاً بين الزوجتين بدون ان يسري الأمر إلى الرجل فضلا عن حصول الفساد.
هذا، ولو استطاع الزوج من أول الأمر فصل الزوجة الثانية سكناً عن الأولى، في نفس البلدة أو بلدة أخرى. فانه لا يحصل أي شيء كما هو المجرب جزماً. لأن اللهب إنما يحصل بالاحتكاك دون حالة التباعد.
واما السؤال الثاني، فالمهم فيه ما قاله المستشكل من ان الطبيعة وفرت الذكور والإناث بعدد متساوي. فإذا أجاز التشريع خلاف ذلك كان على خلاف القانون الطبيعي.
وهذا الكلام وهم موهون كما هو واضح كبرى وصغرى كما يعبرون. فلا الطبيعة على هذه الشاكلة دائماً كما زعم السائل. ولا أن القانون يجب ان يوافق الحالة الطبيعية، وإلا كان منحرفاً. فان وضع المجتمع ومصالحه غير وضع الطبيعة ومصالحها بطبيعة الحال. ويجب على المقنن ملاحظة المجتمع لا
ــــــــــــــــــــ[191]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) البقرة: 85.
ملاحظة الطبيعة. وإلا كان مقصراً جداً.
وتكفي الأمثلة القليلة لكي نلاحظ عدم سريان التساوي في الطبيعة بين الذكور والإناث. فالأمر ليس كذلك في النبات ولا في الحيوان ولا في الإنسان. فمثلا ان إناث النحل أضعاف ذكورها. والحكمة فيه هو ان الأنثى هي التي تعطي الثمر الجيد دون الذكر، وان الذكر الواحد يكفي إناث متعددات، إذن سيكون التساوي في العدد طبيعياً، أمراً واهناً ومخالفاً للعدل. إلى آخر ما هناك من الأمثلة.
واما الإشكال الثالث، وهو ان في تشريع التعدد ترغيباً للرجال بالشهوة والشّره الجنسي.
وجوابه: انه لو فرض ان هذا صحيح فأي محذور فيه. فليكن الأمر كذلك. وقد أسلفنا ان المشرع الإسلامي يفترض المطيع له مطيعاً من جميع الجهات. ومثل هذا الفرد لا يمكن فيه ان ينحرف نحو الفاحشة والفساد.
وبتعبير آخر: ان نفس الشريعة التي رغّبت هنا بالشهوة -لو تم ما قاله المستشكل- نهت من طرف آخر عن التمادي في هذا الطريق إلى حد الفساد. بل يجب أن تكون الشهوة مقتصرة على حد المشروع تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾(1) ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(2). فإذا لاحظنا إلى جنب ذلك المصالح الرئيسية والحقيقية التي تم تشريع التعدد من اجلها، والتي سمعنا عنها شيئاً فيما سبق. أمكننا ان نعرف ان الشارع الإسلامي المقدس لاحظ تلك المصالح، ولم يكن في نظره محذوراً سيئاً ان يترتب على تنفيذها شيء من الترغيب في الجنس.
ــــــــــــــــــــ[192]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) البقرة: 299.
(2) البقرة: 299.
بل ان الترغيب في الجنس موجود دينياً وعلى نطاق واسع وعلني، يكفينا ما سمعناه سابقاً من الترغيب في الزواج وذم العزوبة ومدح الزوجة الوضيئة الجميلة. وغير ذلك من النصوص. إذن، فالترغيب بالشهوة ليس محذوراً دينياً.
بل ان مثل هذا الترغيب يبعد الفرد عن ان يمد بصره إلى الحدود الخارجية عن المشروع، ويقتصر على ما هو له جائز وحلال. إذن، ففي ذلك صيانة للفرد عن الحرام. وهذا معنى قوله(1): “من تزوج فقد حفظ نصف دينه فليحافظ على النصف الآخر”.
على ان فكرة تسبيب تشريع التعدد إلى تهييج الشهوة كما زعم المستشكل محل مناقشة. فان الشارع المقدس إنما أراد التعدد بعد تهيج الشهوة لا ان يكون التعدد سبباً للتهيج. فان الفرد قد تهيج شهوته بحيث لا تكفيه الواحدة، فيجوز له ان يتزوج. ويكون زواجه الثاني سداً لشهوته تلك وإيفاء لها، وليس تهييجاً جديداً كما هو واضح.
واما الإشكال الرابع، فيمكن تقسيمه إلى أمرين دمجهما المستشكل في بيان واحد:
الأمر الأول: ان حفظ شأن المرأة واحترامها، هو مساواتها للرجل بالعدد. فكما لا يجوز تعدد الرجال. إذن، يجب ان لا يجوز تعدد النساء. وإلا كان حطاً لكرامتهن.
الأمر الثاني: ان الشريعة الإسلامية عادلت الرجل الواحد باثنين من النساء في عدد من الموارد، كالإرث والشهادة. وهذا يعني ان هناك نظرية عامة تتبنى هذه المعادلة. وهذه المعادلة لو طبقناها في الزواج لكان اللازم إجازة الزواج
ــــــــــــــــــــ[193]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج14. أبواب مقدمات النكاح. باب 1. حديث 11.
بزوجتين لا بأربع. فتكون الزيادة على الاثنين على خلاف تلك المعادلة المعروفة في الدين نفسه.
وواضح ان نتيجة الأمر الأول هو الاقتصار على زوجة واحدة، في حين ان نتيجة الأمر الثاني هو جواز الحصول على زوجتين، مع المنع عن الزيادة. وهذا في معنى التعدد كما هو واضح، وهو على خلاف ما يريده المستشكل إلا انه ذكره باعتبار ان آخر الدواء الكي!!..
وكلا الأمرين قابلين للمناقشة بوضوح.
اما مناقشة الأمر الأول فلم يدعِ مدعٍ إطلاقاً لا قانونياً ولا طبيعياً مساواة المرأة للرجل من جميع الجهات على الإطلاق، حتى ان الغرب بشكله الاجتماعي المعاصر، يرى للمرأة دوراً غير دور الرجل وعملا غير عمله. وهناك عدد من الأعمال مقتصرة على الرجال بالضرورة أو برضاء المرأة. ولم تحاول النساء فتح أبوابها لهن.
إذن، فالكبرى أو القاعدة العامة المزعومة للمستشكل وهي لزوم مساواة الرجل والمرأة في كل شيء باطلة تماماً.. اجتماعياً وطبيعياً بل ونفسياً وعقلياً وجسمياً أيضا بأمور يطول شرحها الآن.
وإذا بطلت الكبرى بطلت كل نتائجها. فليس من اللازم إذن معادلة المرأة الواحدة برجل واحد. وليس في ذلك حطّاً من كرامتها. وإنما يتبع التعدد والوحدة في الزواج المصالح الأساسية التي يلاحظها المشرع في تشريعه. وقد لاحظ الشارع الإسلامي المقدس ان التعدد هو الأرجح والأصلح.
واما جواب الأمر الثاني. وهو ان المعادلة المفهومة في الدين هي معادلة الرجل بامرأتين دائماً.. فهذا باطل جزماً. نعم، هو في بعض موارد الإرث وفي بعض موارد الشهادة ثابت.. لمصالح خاصة بتلك الموارد.
ــــــــــــــــــــ[194]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ونحن نتحدى المستشكل في ان يذكر لنا أمثلة أخرى عن ذلك. وهل ان الأمثلة إنما تستسقى من الكتاب الكريم والسنة الشريفة. والكتاب الكريم نص بكل صراحة على جواز الأربع زوجات. وبعد ضم هذا النص إلى أحكام الإرث والشهادة لا يتحصّل: ان الدين يعادل الرجل بامرأتين دائما.
بل ان الفتوى المشهورة في الإرث في غير الأولاد والإخوة، هو التساوي في الميراث بين الذكور والإناث. يكفينا ان نسمع قوله تعالى(1): يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين. إذن، فالأمر خاص بالأولاد، ويشمل الأخوة بصفتهم أولاداً لأبيه، وأما الأجداد والأعمام والأخوال والمعتق وضامن الجريرة، فليس الأمر فيهم كذلك، كما هو واضح.
وهناك في الشريعة معادلة الرجل الواحد في كثير من النساء. وهو مورد الشهادة على الهلال. فان الهلال يمكن إثباته بشاهدين ذكرين عادلين. ولا يمكن إثباته بشهادة النساء ولو كثرن ما لم يحصل الاطمئنان من إخبارهن. فهنا إذا لاحظنا المعادلة، كان بإزاء الرجل الواحد عشرة من النساء أو أكثر. كل ذلك باختلاف الموارد التي تختلف فيها المصالح الاجتماعية العامة والخاصة.
وعلى أي حال، فالأمر في هذه الإشكالات، لا يعدو ان يكون استبعادات لمصالح التشريع الإسلامي الذي يلتزم المسلم بصفته مسلماً بالضرورة بكونه عادلا مطلقاً لأنه صادر عن العادل المطلق.
ومن المؤسف ان تسري مثل هذه الشبهة إلى المسلمين من أعدائهم المتربصين لهم الدوائر في كل شيء. فيأخذون بها ويدافعون عنها جهلا بحقيقة العدو المشترك القابع وراء الحدود مع الجهل بحقيقة الدين الذي يلتزمه المسلم أمام ربه ونفسه. فتحصل مثل هذه المضاعفات المؤلمة.
ــــــــــــــــــــ[195]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) النساء: 11.
القَسْم:
من توابع الحديث عن تعدد الزوجات: الحديث عن القسم بينهن وهو بفتح القاف وسكون السين مصدر قسم يقسم على غرار ضرب يضرب. ويراد به تقسيم الليالي بين الزوجات.
واما اسلوبه فله عدة احتمالات، ويختلف الفقهاء في تحديد بعض تفاصيله، اختلافاً منهم فيما يفهمونه من النصوص الخاصة بالمورد، وما يمكن ان يكون مجرى للبراءة من ذلك.
ونذكر الآن عدداً من أهم المحتملات في أساليب القَسْم:
الأسلوب الأول: ان تستغرق الزوجات كل ليالي الزوج. فلو كان لديه اثنان وجب تبادل الليالي بينهما. وهكذا ان كان له ثلاث أو أربع. ويوجد في الأربع من يقول بذلك من الفقهاء. بحيث لا تكون لديه ليلة خالية أصلاً. إلا أنه في الأقل من ذلك غير محتمل فقهياً. وإلا لزم في الزوجة الواحدة استغراق الليالي كلها وجوباً. وهو غير محتمل فقهياً، ومن الواضح ان القسم إنما يجب مع التعدد الموجب للتنافس، ولا موضوع له مع الزوجة الواحدة.
الأسلوب الثاني: مجرد ان يعطي الزوج لكل زوجة من الليالي بمقدار ما أعطى للأخرى أو للأخريات. وبذلك تتحقق العدالة.
فلو بات عند إحداهن ليلة وجب ان يبيت عند الأخرى ليلة. وإذا بات ليلتين أو أكثر، وجب مثلها لغيرها. وهكذا. ولو أهمل زوجاته جميعاً كن متساويات في الإهمال. وهذا يكفي.
ولازم هذا الأسلوب أمران:
الأمر الأول: ان للزوج ان يقضي عدة ليالي عند واحدة كعشرة ليالي مثلا، على اعتبار انه سيقضي عشرة مثلها عند الأخرى. إلا ان هذا السماح للزوج
ــــــــــــــــــــ[196]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
بذلك غير محتمل فقهياً.
الأمر الثاني: انه يجوز للزوج ان يساوي بين زوجاته في الإهمال، وإنما يبدأ حق التقسيم عندما يشرع في زيارة إحدى زوجاته، فتستحق الأخرى الزيارة أيضا بمقدارها. وهذا الأمر أيضا على إطلاقه غير محتمل فقهياً.
الأسلوب الثالث: ان نلاحظ للزوج أو يلاحظ الزوج لنفسه أربع ليال بعدد ما يجوز له من عدد الزوجات. فان كان له زوجتان قضى ليلتين من الأربع عندهما وان كان له ثلاث قضى ثلاثا منها. وان كان له أربع فقد استوعبت لياليه كلها. وقد نقول: انه لو كان له زوجة واحدة فلها ليلة من الأربع. وقد سبق ان ناقشناه.
وهذا الأسلوب بهذا المقدار صحيح فقهياً. إلا أن المهم ان نتساءل: أين يقضي الزوج الليالي الخالية عن القَسْم، فقد نقول انه يجب ان يقضيها منفرداً، يعني بدون الزوجات الدائمات كلهن، فانه ان قضاها عند إحداهن فقد ظلم الأخرى ويجب عليه إيفاء الحق نفسه للزوجة الأخرى.
الأسلوب الرابع: نفس ما قلناه في الأسلوب الثالث، مع افتراض ان الزوج يستطيع ان يقضي الليالي الخاليات أين ما شاء. حتى لو أراد أن يقضيها مع زوجة معينة من زوجاته. ولا تستحق الأخرى بإزاء ذلك شيئاً ما دام قد وفّاها ليلة من أربع ليال. وهو المقدار الواجب، وليس الزائد واجباً. وهذا الأسلوب الرابع هو الأقرب إلى مذاق المشهور من الفقهاء.
ومن الواضح انه لا تتحقق فيه العدالة على الوجه الدقي أو العقلي. إلا ان المهم شرعاً ليس هو ذلك بل المهم إطاعة ما هو ثابت في الشريعة من الأحكام. فإذا ثبت ان ذلك جائز للزوج كفى في إطاعته للشريعة وإيفائه لحق القسم.
ــــــــــــــــــــ[197]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ومن الواضح في السنة الشريفة، في الأخبار الصحيحة الصريحة ثبوت الأسلوب الرابع:
منها: صحيحة الحلبي(1) عن أبي عبد الله قال: “سئل عن الرجل يكون عنده امرأتان احدهما أحب إليه من الأخرى. أله أن يفضل أحدهما على الأخرى؟ قال: نعم يفضل بعضهن على بعض ما لم يكن أربعاً”. الحديث.
وقوله: (يفضل بعضهن على بعض) لا يعني ترك القسم. فان هذا غير محتمل شرعاً وفقهياً وإنما يعني قضاء لياليه الفارغة عند من يحب. وتوضح الرواية الآتية ذلك:
فعن الحسين بن زياد(2) عن أبي عبد الله قال: “سألته عن الرجل تكون له امرأتان وأحدهما أحب إليه من الأخرى. له أن يفضلها بشيء قال: نعم له ان يأتيها ثلاث ليال والأخرى ليلة. لأن له ان يتزوج أربع نسوة. فليلتاه يجعلها حيث يشاء. (إلى ان قال): وللرجل أن يفضل نساءه بعضهن على بعض ما لم يكن أربعاً”.
إذن، فالتساوي المطلق بين الزوجات غير واجب شرعاً، بل لم يثبت استحبابه أيضا. وإنما المهم هو الالتزام بالقسم الواجب. فان فعله الزوج لم يكن عليه جناح ان يقضي الليالي الأخرى عند الزوجات الأخرى.
وهذا ينتج عدة أمور:
الأمر الأول: انه لا حاجة إلى التساوي المطلق بين الزوجات لا عاطفياً ولا عملياً، إلا بمقدار بعض الأمور القلائل، وإلا فالتفضيل ممكن شرعاً بينهن. وقد أوضحنا ذلك فيما سبق أيضا. ولا يكلف الزوج الدقة في التساوي، الأمر
ــــــــــــــــــــ[198]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج15. كتاب النكاح. أبواب القسم والنشوز والشقاق. باب 1. حديث 1.
(2) المصدر: حديث 2.
الذي يعجز عنه أغلب الناس بل كلهم.
الأمر الثاني: ما سبق ان فهمناه من الآية الكريمة: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ. لا يراد به العدالة العملية، لأنها غير مطلوبة ولا واجبة. بل ان بعض احتمالات أو اشكال التساوي غير محتمل فقهياً أصلاً. وإنما يراد به العدل أو التساوي العاطفي وهو مما لا ضير فيه أو لا اثر له عملياً وفقهياً.
الأمر الثالث: ان ما ذكره المستدلون ضد تعدد الزوجات من ان القرآن الكريم يعطي التعجيز عن التعدد، بل هو صريح بان شرط التعدد غير ممكن.. ليس بصحيح.. بعد ان عرفنا ان التسوية العملية بين الزوجات غير واجبة إلا في موارد معينة. واما ما في سواها فالرجل حر في التصرف كيفما يريد.
الأمر الرابع: اننا لماذا ينبغي ان نتصور ان التشريع يجب ان يأمر الزوج بالتساوي المطلق بين الزوجات، لكي يكون عادلا. لماذا؟
ان هذا: أولاً: إحراج للزوج وأمر بما لا يطاق بالنسبة إلى أكثر الناس.
ثانياً: هو سد لباب التعدد تماماً في حين نعرف فقهياً ان كل زواج فهو مستحب حتى لو كان هو الثاني أو الثالث. وان بعض الزواج واجب فيما إذا خاف الحرام. حتى لو كان هو الزواج الثاني أو الثالث. فماذا يفعل مثل هذا الرجل إذا وجد باب التعدد أمامه مسدوداً شرعاً. وهل نتيجته إلا الوقوع في الحرام؟
ثالثاً: ان الميزان التشريعي للتساوي وعدمه يجب ان يخضع للمصالح والمفاسد التطبيقية الخارجية لا لمجرد إدراك العقل الظني: ان هذا عدل أو هذا ليس بعدل.
بل العدل هنا هو تطبيق المصالح الواقعية، ومن ناحية عملية للفرد
ــــــــــــــــــــ[199]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
المسلم. ان العدل ليس إلا تطبيق ما أمرت به الشريعة وما نهت عنه. دون إتباع حكم العقل لو كان موجوداً.
رابعاً: يمكن القول بكل تأكيد ان حكم العقل هذا وهمي وليس صحيحاً، والعقل لا يحكم بان العدل في التساوي المطلق بين الزوجات. بل العدل العقلي هو الدقة في وضع الشيء في موضعه المناسب له. وكلما كان هذا الوضع أدق كان العدل أكثر.
فمثلا: لو كان للفرد بعض الأموال التي يريد توزيعها بين المحتاجين فهل من العدل توزيعها على نحو التساوي المطلق؟ ان هذه الطريقة سوف توصل مالا متساوياً إلى من هو اقل والى من هو أكثر حاجة وضرورة. وهذا خلاف العدل لأنه ليس وضعا للشيء في موضعه الحقيقي، بل العدل هو التفاضل في العطاء، فكلما كان الفرد أكثر حاجة، أعطاه أكثر من المال. فهذا مثال لما قد تستحقه الزوجات من أشكال التصرف والعلاقة. ولا حاجة إلى أكثر من ذلك من الكلام.
هذا. وللقسم أحكام أخرى فقهية لا حاجة إلى الإفاضة فيها هنا، منها جواز بيعه والصلح عليه بين الزوجات، وهذا ما سبق ان بحثناه في الفصل الذي عقدنا في الفرق بين الحكم والحق، فراجع.
حق الإجازة:
ورد في الشريعة المقدسة، شرط معين لبعض أشكال تعدد الزوجات، يحسن عرضه في هذا الصدد.
وهو أنه لا يجوز إنزال بنت الأخ على عمتها إلا بإذنها، ولا يجوز إنزال بنت الأخت على خالتها إلا بإذنها، ولا يجوز إنزال الأمة على الحرة بالعقد إلا بإذن الحرة. والحكمة في ذلك حسب ما ندركه هو الأخذ بشرف الزوجة الأهم
ــــــــــــــــــــ[200]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
بإزاء الزوجة الأقل أهمية.
هذا، إذا كانت العمة أو الخالة أو الحرة هي الزوجة الأولى. واما لو كانت هي الثانية التي يراد الزواج بها. فان علمت بحال الزوج وانه متزوج ببنت أخيها أو أختها أو بالأمة فهو المطلوب. وان لم تعلم كان لها الحق في فسخ عقد نفسها بدون الحاجة إلى طلاق.
غير ان حق الإجازة هذا، منحصر في هذه الموارد الثلاث. وهو الوارد في النصوص. ولا يمكن ان نستفيد منه قاعدة عامة التطبيق في سائر الموارد. ولم يفت أحد بذلك فقهياً. كالفرق في العمر بين الزوجتين أو المال أو الشأن الاجتماعي أو حتى الديني. فانه في كل ذلك وغير ذلك يمكن إجراء أصالة عدم الشرطية أو أصالة عدم تسلط الزوجة الاهم على الفسخ بلا معارض.
الحصر بالأربع:
من ضروريات الدين عدم جواز الزيادة على أربع زوجات بالعقد على الحرة عقداً دائمياً.
واختيار رقم الأربعة هنا، رقم اختياري بالنسبة إلى المشرع الإسلامي المقدس. قد لا ندرك بالتحديد مصلحته. الا اننا نسلم بالحكمة الكاملة لكل تشريع. ولكن يقرّبه ذهنياً: انه من المستبعد في أي مجتمع وعلى طول التاريخ ان تزيد نسبة الإناث على الذكور على هذا المقدار. وهو مقدار خمس المجتمع من الذكور وأربعة أخماس من النساء(1). فان الأقل من ذلك غير محتمل. فقد أعطى الشارع فرصة في الزيادة إلى أقصى نسبة محتملة.
ــــــــــــــــــــ[201]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) فان مجموع الزوج وأربع زوجات يكون خمسة، يمثل الزوج من المجموع والزوجات منه.
وقد ثبت عملياً وعلمياً انه إذا أخذت الحروب أو غيرها نسبة كبيرة من الذكور، بدأت النساء في ذلك المجتمع بولادة الذكور بنسبة واضحة الزيادة على النساء لكي يحصل التقارب في النسبة بين الجنسين في المدى القريب، بعد أن غيرت الحرب ونحوها تلك النسبة لصالح الإناث.
هذا، واما إذا كان تحليل الأنثى بغير عقد الزواج الدائم فليس هذا العدد مشترطاً كملك اليمين والعقد المنقطع الذي سنبحثه في فصل آت. وكذلك تحليل المالك مملوكته إلى فرد آخر.
اما ملك اليمين فهو مستثنى في الآية الكريمة نفسها التي اشترطت الأربع. وقد سمعناها فيما سبق، حيث تقول: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فان خِفْتُمْ الا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ. يعني وانكحوا ما ملكت ايمانكم بدون شرط عدد.
واما العقد المنقطع، فهذا اعني عدم اشتراط العدد، هو الذي عليه ضرورة المذهب واجماع علمائنا والنصوص الصحيحة. وسيأتي بحثه في فصله الخاص به.
وحيث انتفى التحديد بالعدد انتفى وجوب القسم بالمعنى الذي سبق وهذا أيضا من واضحات الفقه وضرورياته. فلا يحتاج إلى استدلال.
ــــــــــــــــــــ[202]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل ولاية العقد
يمكن ان يثار السؤال حول الشخص الذي يستطيع شرعاً ان يعقد عقد النكاح عن المرأة أو الرجل بالأصالة لا بالوكالة وفي هذا الصدد نواجه انقسامين:
الانقسام الأول: في المولّى عليه وهو الذي يراد عقد نكاحه، فانه اما ان يكون ذكراً أو أنثى، واما أن يكون صغيراً أو كبيراً، بمعنى كونه دون سن الرشد أو فوقه. واما ان يكون قاصراً أو رشيداً، ونريد بالقاصر هنا غير الصغير كالسفيه والمجنون. كما ان المرأة قد تكون ثيباً وقد تكون بكراً. كما قد تكون تزوجت قبل ذلك وقد لا تكون. واما هذا الانقسام الأخير بالنسبة إلى الذكر فهو غير وارد فقهياً إذ لا يختلف الحال فيه بين ان يكون قد تزوج أم لا.
الانقسام الثاني: في الولي أعني الذي له حق تولي عقد النكاح، والاحتمالات هنا عديدة قد تختلف باختلاف صفات وظروف المولّى عليه:
الاحتمال الأول: أن ولي العقد هو الذكر والأنثى نفسيهما، وهذا معنى أنه ليس لغيرهما الولاية في ذلك.
الاحتمال الثاني: ان يكون ولي العقد هو الأب والجد أو الجد مع انفراده، ولا يكون للمولّى عليه رأي بإزاء رأي الولي.
الاحتمال الثالث: ان يكون ولي العقد كلا الشخصين الأب وابنته أو ابنه بحيث لو رفض أحدهما لم يصح العقد.
ــــــــــــــــــــ[203]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الاحتمال الرابع: أن يكون الولي شخص آخر غير من سبق كالأم والأخ وغيرهما وخاصة مع عدم الأب والجد.
الاحتمال الخامس: أن يكون ولي العقد مع عدم الأب والجد هو الحاكم الشرعي ومع عدمه فعدول المؤمنين.
وبعد استعراض هذه الاحتمالات ينبغي ان نعرف انه لا توجد صعوبة فقهية في كثير منها. فالذكر ما دام صغيراً أو ما دام قاصراً، يعني إذا اتصل قصوره بصغره، كما لو بلغ مجنوناً أو سفيهاً، فلا إشكال من ولاية الأب عليه في كل المعاملات بما فيها النكاح أيضا. فان لم يكن الأب فالجد فان لم يكونا فالحاكم الشرعي.
نعم تبقى بعض الأسئلة تحتاج إلى الجواب أهمها عن الرأي في ما إذا تعارض رضا الأب، والجد وعن الرأي في ولاية عدول المؤمنين لتزويج الصغير أو القاصر.
وأما إذا حصل للذكر البلوغ والرشد فقد ملك أمر نفسه ولا ولاية لأحد عليه في كل المعاملات حتى النكاح، لا يختلف في ذلك انه سبق له الزواج أو أنه يتزوج لأول مرة.
نعم، لو نهاه الأب كان مقتضى وجوب الطاعة المحتملة فقهياً له هو ترك هذا التزويج، إلا أن الولد لو فعله صح عقد النكاح لأن النهي عن المعاملات لا يوجب فسادها كما هو المشهور المنصوص.
ولو قلنا بالفساد هنا للزم تحكيم رأي الأم أيضا بصفتها أحد الوالدين الذين يجب طاعتهما على الفرض. وهو غير محتمل فقهياً.
إذن، يبقى الكلام في تزويج الأنثى، وهنا لا شك أنه مع تحقق الصغر أو مطلق القصور، تكون الولاية للأب أو الجد أو الحاكم الشرعي على النحو
ــــــــــــــــــــ[204]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الذي ذكرناه في الذكر.
كما أنه لا إشكال في الثيب البالغة الرشيدة، وأنها تملك أمر نفسها وليس للأب ولا لغيره ولاية عليها، وإنما وقع الخلاف فقهياً في البكر البالغة الرشيدة، وأنه هل يصح العقد برأيها فقط أو برأي أبيها فقط أو برأيهما معاً، أو التفصيل بين العقد الدائم والمنقطع فيكون الرأي لها في الدائم ولأبيها في المنقطع. ولكن هل المراد من الباكر هنا معناه الحقيقي أو من لم يسبق لها الزواج، لأن بين المفهومين عموماً وخصوصاً من وجه باصطلاح المنطق، من حيث ان المرأة قد تكون باكراً غير متزوجة وقد تكون باكراً متزوجة وقد تكون ثيباً لم يسبق لها الزواج قد انتفت بكارتها بسبب آخر محلل أو محرم. فأي هذين المفهومين هو الذي يقع محلا للخلاف السابق.
وبعد استعراض هذه المحتملات يمكن ان نعطي صورة كافية في ما يلي عن أهم التساؤلات السابقة.
ولاية الأب والجد:
لا شك بقيام الجد للأب مقام الأب عند عدمه في كل الأمور التي تثبت ولاية الأب عليها، بل الأمر كذلك مع وجوده أيضا فهما وليان على قدم المساواة.
ومعنى ذلك ان أياً منهما إذا تولى معاملة عن الصغير ونحوه بما فيها النكاح صح مع عدم المفسدة ولا دخل لرغبة الآخر وهواه في ذلك. وإنما الإشكال يقع فيما إذا اقترنت المعاملتان من الأب والجد فباع أحدهما مال الصغير على شخص آخر أو زوج أحدهما الصغير من شخص وزوجه الآخر على آخر.
فان كانت المعاملتان مختلفتين زماناً صحت الأولى وبطلت الثانية ولا دخل لرغبة الثاني في ذلك ولا يستطيع نقضها على القاعدة. وإنما الكلام في إذا
ــــــــــــــــــــ[205]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
اقترنت المعاملتان فأي المعاملتين تصح أو هل تبطلان معاً.
مقتضى عدة روايات معتبرة السند تقديم معاملة الجد على معاملة الأب مثل صحيحة محمد بن مسلم(1) عن احدهما قال: “إذا زوج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه، ولابنه أيضا أن يزوجها فقلت: فان هوى أبوها رجلا وجَدُّها رجلا. فقال: الجد أولى بنكاحها.
ومعتبرة الفضل بن عبد الملك(2) عن أبي عبد الله قال: “إن الجد إذا زوج ابنة ابنه وكان أبوها حياً وكان الجد مرضياً جاز. قلنا: فإن هوى أبو الجارية هوى وهوى الجد هوى، وهما سواء في العدل والرضا، قال: أحب أليَّ أن ترضى بقول الجد”.
ومعتبرة علي بن جعفر(3) عن أخيه موسى بن جعفر قال: “سألته عن رجل أتاه رجلان يخطبان ابنته، فهوى أن يزوج احدهما وهوى أبوه الآخر أيهما أحق ان ينكح؟ قال: الذي هوى الجد أحق بالجارية لأنها وأباها للجد”.
إلى غير ذلك من الأخبار الا أن في الاستدلال بهذه الروايات عدة نقاط تحتاج إلى إعادة نظر:
النقطة الأولى: انها جميعاً صريحة بتقديم رغبة الجد على رغبة الأب وهذا بمجرده غير محتمل فقهياً، فانه ينتج بطلان النكاح إذا بادر إليه الأب مع نهي الجد، وهو مما لا يمكن الالتزام به ولا بد عندئذ من حمل الروايات على الجنبة الاستحبابية أو الأخلاقية.
النقطة الثانية: ان رواية الفضل تقول: “أحب أليَّ أن ترضى بقول الجد” وهو
ــــــــــــــــــــ[206]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج14. كتاب النكاح. أبواب أولياء العقد. باب 11. حديث 1.
(2) المصدر: حديث 4.
(3) المصدر: حديث 8.
تعبير ظاهر بالاستحباب، فيمكن ان يكون قرينة على أن المراد في غيرها من الروايات هو ذلك أيضا.
النقطة الثالثة: ان التعبير المشار إليه يتضمن أمر الزوجة بالرضا وهذا معناه أنها صالحة لتولي العقد بنفسها إذن تكون الرواية أظهر في نفي الولاية من إثباتها.
النقطة الرابعة: ان رواية علي بن جعفر تقول: “لأنها وأباها للجد”. وهذه إشارة واضحة لما ورد عن النبي من قوله: “أنت ومالك لأبيك”، وهو تعبير لا يراد به الملكية ولا الولاية على البالغ الرشيد جزماً، وإنما يجب أن يحمل على محامل أخرى كالولاية على الصغير أو بعض المعاني الأخلاقية. ومعه يكون المراد من قوله: (لأنها وأباها للجد) محمولاً على مثل ذلك. ومن الواضح انها ان كانت صغيرة فأبوها ليس صغيراً ليكون لأبيه الولاية عليه. إذن، يتعين حملها على بعض المرجحات الاستحبابية أو الأخلاقية، وقد تكون هذه الرواية بهذا الفهم قرينة على حمل الروايات الأخرى على الاستحباب.
إذن، لم ينتج لدينا ما ذكرناه في عنوان المسألة، من أنه إذا تزامن عقد الأب والجد فانه يقدم عقد الجد. بل مقتضى القاعدة اما تقديم عقد الأب أو بطلانهما معاً، أو التفصيل بين البكر الرشيدة بتقديم عقد الأب والصغيرة أو الصغير بالقول بالبطلان. وتمام الكلام في الفقه.
ولاية عدول المؤمنين:
إذا انتهت الولاية إلى عدول المؤمنين بعد انعدام الأب والجد والوصي والحاكم الشرعي، فهل لهم أن يزوجوا من كان لهؤلاء ولاية عليهم أم لا.
وبعد أن نعرف ان ولاية عدول المؤمنين في مثل هذه الصورة تعم سائر المعاملات، ولكنها تختص بالقاصر من ناحية وبوجود المصلحة من ناحية
ــــــــــــــــــــ[207]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
أخرى. إذن نعرف ان المصلحة إذا اقتضت زواج الصغير أو الصغيرة كانت ولايتهم موجودة طبقاً للقاعدة في كل المعاملات وكذلك سائر القاصرين وخاصة من اتصل قصوره بصغره.
واما البكر الرشيدة التي وقع الخلاف فيها في ولايتها أو ولاية أبيها، كما أشرنا، فهل يكون عدول المؤمنين عوضاً عن الأب في مثل هذه الصورة أم لا؟ بحيث لو قلنا بولاية الأب خاصة أو بإشراكهما معاً، قلنا ذلك في عدول المؤمنين أيضا؟
ان هذا غير محتمل فقهياً. إذ لا شك ان الأب بعنوانه مأخوذ في الروايات بصفته ولياً على الباكر الرشيدة كما سوف نسمع. ومقتضى الأصل عدم ولاية من لم يدل الدليل على ولايته بما فيهم الحاكم الشرعي وعدول المؤمنين. بل يكون الرأي للمرأة خاصة في مثل ذلك.
وإنما المحتمل فقهياً فقط هو تعويض الأب بالجد للأب ولكننا بعد ان ناقشنا في الروايات السابقة من تقديم رأيه على رأي الأب، وكان مقتضى القاعدة عدم الولاية ما لم تثبت بدليل، وكان العنوان المأخوذ في الروايات المعتبرة هو عنوان الأب دون غيره فيكون مقتضى القاعدة عدم تعويض الأب بالجد بل يكون الرأي للمرأة فقط بإزاء جدها وانعدام أبيها.
البكر الرشيدة:
أما الولاية على البكر الرشيدة، ففيها كما أشرنا فيما سبق عدة آراء أولها: كون الولاية للأب خاصة، وهو المشهور روائياً. وثانيها: كون الولاية لها خاصة وهو المشهور فتوائياً. وثالثها: كون الولاية لهما معاً، وهو الأحوط بلا إشكال.
وسنذكر موجزا من دليل الوجهين الأولين، فان ثبت أحدهما، كان
ــــــــــــــــــــ[208]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الاحتياط المذكور في الوجه الثالث استحبابياً، وان لم يثبت شيئاً منهما، كان الاحتياط وجوبياً:
دليل الوجه الأول:
وقد أشرنا انه المشهور روائياً، لكثرة الروايات الصحيحة الصريحة به نذكر نموذجاً منها:
صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله قال(1): سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء ألها مع أبيها أمر. فقال: ليس لها مع أبيها أمر ما لم تثيب. أقول: يعني تصبح ثيّباً.
وصحيحة محمد بن مسلم(2) عن أحدهما قال: “لا تستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها ليس لها مع الأب أمر. وقال: يستأمر كل أحد ما عدا الأب”.
وصحيحة أخرى للحلبي(3) عن أبي عبد الله في الجارية يزوجها أبوها بغير رضا منها. قال: “ليس لها مع أبيها أمر. إذا انكحها جاز نكاحه وان كانت كارهة”.
والأخيرة صريحة بأمرين:
الأول: إنها خاصة بالنكاح، على حين لم يذكر بخصوصه في الروايتين الأوليتين. فتكون الأخيرة اما مخصصة أو مفسرة لغيرها.
الثاني: إنها صريحة بصورة كراهتها وعدم رضاها. وهذا وان كان هو لازم
ــــــــــــــــــــ[209]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج 14. أبواب عقد النكاح وأولياء العقد. باب 11. حديث 11.
(2) المصدر: باب 4. حديث 3.
(3) المصدر: باب 9. حديث 7.
حجية قول الأب المذكورة في الروايتين الأوليتين، إلا إنها في هذه الرواية أصبحت منصوصة. ومن هنا فقد يقال بارتفاع الاحتياط -وان كان استحبابياً- عن ذلك.
وأما القول: بأن موضوع الروايات كلها هو الجارية مطلقاً وليست خصوص البكر، فيمكن ان يجاب بوجهين:
الوجه الأول: ان المنصرف منها هو البكر، فان المراد بالجارية هي البنت التي يزوجها أبوها لأول مرة، وهي بكر، فيما عدا بعض الفروض النادرة. والظاهر ان هذا الانصراف بالغ إلى درجة ظهور الحجة.
الوجه الثاني: ما ذكره سيدنا الأستاذ من ان هذا الإطلاق مخصص بما دل على لزوم استئذان الثيب، وإنها مالكة لأمر نفسها دون أبيها. فتخرج الثيب من تحت هذه الروايات، فتبقى الباكر. وهو المطلوب.
دليل الوجه الثاني:
وهو اختصاص ولاية العقد بالبكر الرشيدة نفسها، وعليه بعض الروايات.
كمعتبرة منصور بن حازم عن أبي عبد الله قال: “تستأمر البكر وغيرها ولا تنكح إلا بأمرها”.
ومعتبرة صفوان قال: “استشار عبد الرحمن موسى بن جعفر في تزويج ابنته لابن أخيه. فقال: افعل ويكون ذلك برضاها فإن لها في نفسها نصيباً. قال: واستشار خالد بن داود موسى بن جعفر في تزويج ابنته علي بن جعفر فقال: افعل ويكون ذلك برضاها فان لها في نفسها حظاً”. وهذه الروايات تعارض بظاهرها مجموعة الروايات التي ذكرناها كدليل على الوجه الأول. ويمكن الجمع بين الطائفتين بعدة وجوه نذكر بعضها:
ــــــــــــــــــــ[210]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الوجه الأول: ما ذكره سيدنا الأستاذ(1) من ان هذه الطائفة الثانية موافقة للكتاب باعتباره دالا ببعض إطلاقاته على عدم اعتبار إذن غير المرأة. فترجح بموافقة الكتاب. وتحمل الطائفة الأولى على التقية.
وأوضح جواب على هذا الوجه: انه لا يوجد في القرآن الكريم ما يدل على استقلال المرأة بالنكاح. وما دل على جواز نكاح المؤمنات ونحوه لا إطلاق فيه، لأنه ليس بصدد البيان من هذه الناحية.
بل ان الكتاب الكريم دال على خلاف ذلك حيث قال جل جلاله(2): فانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. وورود الآية في مورد الملك لا ينافي إطلاقها لغيره. فتأمل. وخاصة وقد عبر بالأهل لا بالمالك.
الوجه الثاني: تقديم الطائفة الأولى لأنها أكثر عدداً أو اصح سنداً، طبقاً لقوله في بعض روايات الترجيح: “خذ ما اشتهر من أصحابك ودع الشاذ النادر”، والمسلّم به ان المراد من الشهرة هنا هو الشهرة الروائية. وهذا الوجه جيد، لولا ان دليله خاص بما إذا كان المعارض شاذاً ونادراً، على حين ان الشهرة الفتوائية على طبق الطائفة الثانية، الا ان يقال بعدم الترجيح بعمل الأصحاب. أو يقال: باستفاضة الطائفة الأولى بحيث يكون الاطمئنان الفعلي على طبقها، وكلا الأمرين غير بعيد.
الوجه الثالث: حمل الطائفة الثانية على الاشتراك في الولاية دون الاستقلال. فانه هو الظاهر من قوله: “فإن لها في نفسها نصيباً وإن لها في نفسها حظاً”. إذ لو كانت لها الولاية خالصة، لما جاز تنكير النصيب والحظ. وبذلك تكون الرواية الثانية مقيدة
ــــــــــــــــــــ[211]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) مباني العروة الوثقى: ج 2. ص 256 وما بعدها.
(2) النساء: 25.
للأولى. وبعد التقييد تكون هذه الطائفة مقيدة للطائفة الأولى الدالة على اختصاص الأمر بالأب.
وهذا الوجه واضح لولا ان في الطائفة الأولى -كما سمعنا- ما هو صريح بنفي لزوم رضاها كقوله: (وهي كارهة) وهو غير قابل للتقييد بالاشتراك، كما هو واضح.
وعلى أي حال فان تم الوجه الثاني المنتج لتقديم الطائفة الأولى، فهو والا كان الاحتياط وجوبياً في الاشتراك في الولاية بين البكر وأبيها واعتبار رضاهما معاً.
هذا، وحمل البكر على من لم يسبق لها الزواج والثيب على من سبق لها ذلك، سواء كانت صفتها الواقعية موافقة لذلك أم مخالفة له، على خلاف الظاهر. ومن الواضح ان العنوان المأخوذ في أكثر الروايات هو البكر، وليس من لم تتزوج. وما اخذ فيه ذلك منها محمول على الغالب من كون المتزوجة ثيباً، وتمام الكلام في الفقه.
ــــــــــــــــــــ[212]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل بعض أحكام العقد
نتكلم في هذا الفصل عن بعض الأحكام والتفاصيل التي تعرض لها الفقهاء في عقد النكاح. بدون استيعاب كل التفاصيل بطبيعة الحال، لأنها تخرج بنا عن أسلوب هذا الكتاب.
فنتعرض هنا إلى ما يلي:
أولاً: إمكان المعاطاة في عقد النكاح وعدمه.
ثانياً: اشتراط الصراحة فيه وعدمه.
ثالثاً: إمكان الفضولية فيه وعدمه.
رابعاً: اشتراط التكرار فيه وعدمه.
خامساً: إمكان التوكيل فيه أو اشتراطه وعدمه.
ونتعرض إلى معاني هذه العناوين واهم تفاصيلها فيما يلي، كل منها تحت عنوان مستقل.
المعاطاة في عقد النكاح:
لا شك فقهياً، وخاصة لدى المتأخرين من الفقهاء، بأن المعاطات نافذة في العقود. بمعنى عدم اشتراط اللفظ فيها، بل المهم فيها هو القصد مع إبراز هذا القصد وبيانه اما باللفظ أو بالعمل. وهذا الأخير هو المعاطاة، كما سبق ان
ــــــــــــــــــــ[213]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
عرفنا في بعض فصول هذا الكتاب.
بل ان المتأخرين يرون المعاطاة صحيحة ولازمة، تماماً كاللفظ لا تختلف عنه في أي شيء من الأحكام وهو الصحيح، وان ناقش المتقدمون من الفقهاء في ذلك وطال حول ذلك جدلهم.
إلا إن الفقهاء جميعاً استثنوا بعض العقود من ذلك، وهي ما ترتبط بالفروج، من باب ان الاحتياط في الفروج واجب، وان اهتمام الشارع الإسلامي المقدس بها أكيد وشديد.
ويشمل ذلك ما يتعلق بالأسرة من نكاح وطلاق وخلع ونحوها وما يتعلق بالعبيد من عتق وتحليل وغيرها.
وبعد الالتفات إلى أن مقتضى القاعدة الأولية المستدل عليها في المعاطاة هو نفوذها في كل هذه الأمور، والالتفات إلى تفريق المعاطاة في النكاح عن الزنا، لأنها تحتاج إلى قصد التزويج والزنا يتم بدونه، إذن نعرف ان مقتضى القاعدة الأولية هو نفوذ المعاطات في النكاح. وقد أفتى بذلك النادر من الفقهاء.
وإذا التفتنا إلى ان الفقهاء، لم يستوعبوا كل ما يرتبط بالفروج باشتراط اللفظ، بل بقيت هناك عدة أمور قالوا فيها بإمكان المعاطاة كالرجعة في العدة الرجعية وبيع الإماء وهبتها والإجازة في النكاح الفضولي، وغير ذلك. إذن، فالتزامهم بالاحتياط في الفروج ليس تماماً، وإذا أمكن الخروج عنه في بعض الموارد أمكن الخروج عنه في الجميع.
على أن الدليل على حجية السبب يخرج المورد عن احتمال البطلان، الأمر الذي يلغي معه وجوب الاحتياط، فإذا تم الدليل على حجية المعاطات على القاعدة الأولية، كما يعترف به أكثر الفقهاء، إذن يبقى الاحتياط باللفظ بلا موجب. أو قل: انه احتياط استحبابي وليس وجوبياً.
ــــــــــــــــــــ[214]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
إلا ان الأمر مع ذلك لا يخلو من إشكال، ويبقى بيد الفقيه عدة مبررات للقول بالاحتياط الوجوبي للفظ:
أولاً: الاحتياط في الفروج.
ثانياً: التزام الفقهاء بالاحتياط أو الفتوى بلزوم اللفظ، حتى كاد المجموع ان يكون إجماعاً.
ثالثاً: مناقشة الفقهاء المتقدمين في حجية المعاطات نفسها في سائر المعاملات، وأنها لا تكون سبباً لإنتاج المقصود من المعاملة كالنقل في البيع وملك المنفعة في الإيجار وغير ذلك. وهو شامل للنكاح في رأيهم فمن يخالفهم في الرأي في المعاطات، يبقى له مجال للاحتياط.
ولا يخفى الفقيه ما في هذه الوجوه من وجوه المناقشة، إلا أن الخروج عن الاحتياط الوجوبي باختيار اللفظ مشكل جداً.
الصراحة في العقد:
وقد اشترطوها أيضا احتياطاً للفروج ويشمل ذلك:
1- ترك اللفظ المجازي والكناية.
2- اختيار الفعل الماضي.
3- لزوم المطابقة مع القواعد العربية وغير الملحون.
4- لزوم استعمال اللفظ العربي مهما أمكن.
5- عدم استعمال مادة المتعة في العقد الدائم.
6- اعتبار التنجيز في العقد.
ويلحق بذلك عدة أمور أيضا:
ــــــــــــــــــــ[215]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
1- اعتبار تقديم الإيجاب على القبول.
2- مطابقة القبول للإيجاب في التفاصيل.
3- الموالاة بين الإيجاب والقبول.
4- عدم صحة القبول الإجمالي.
5- عدم كفاية الإشارة والكتابة إلا مع الضرورة.
6- لزوم قصد الإنشاء دون غيره.
إلى غير ذلك من الاحتياطات. وأكثر ذلك، كما هو واضح فقهياً، من الاحتياط الاستحبابي. فإننا إذا قلنا بلزوم اللفظ لم نقل باشتراط لفظ معين أو نوع معين من الألفاظ، وإنما المهم وجود الدلالة العرفية على العقد أو قل: على الإيجاب وعلى القبول، بالأسلوب الذي يختاره المتعاقدان، وما حقق في محله من عدم لزوم كثير من هذه الشروط في سائر المعاملات شامل للنكاح أيضا ولا إشكال فيه.
نعم، اعتبار قصد الإنشاء واعتبار التنجيز مشروطان هنا، لأنهما مشروطان في سائر المعاملات. الا ان الفرد العرفي لا يحتاج إلى تنبيه على ذلك، بل سوف يختار تلقائياً الطريقة الساذجة التي تحمل كلا الشرطين: الإنشاء والتنجيز. ولا حاجة في حدود بحثنا هذا إلى أكثر من ذلك من الكلام. وقد عرفنا فيما سبق ان الفقهاء لم يلتزموا الاحتياط بالفروج في عدد من الموارد، فهنا أولى لقيام الدليل من السيرة على صحة العقود الفاقدة لعدد من القيود السابقة في سائر المعاملات.
واما السيرة في عقد النكاح فإنما سارت على ما هي عليه، نتيجة لتحذير الفقهاء واحتياطاتهم، وهي سيرة متأخرة عن زمن المعصومين ، فلا يكون فيها حجية أكثر من حجية الاحتياط الفقهي نفسه، الذي قلنا انه لا لزوم له.
ــــــــــــــــــــ[216]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الفضولية في النكاح:
عرفنا في كتاب البيع ان العقد الفضولي، هو العقد الصادر من شخص بدون إجازة من له حق الإجازة. وقلنا هناك ان مقتضى القاعدة من هذه الناحية صحته إذا وردت عليه الإجازة. اما بطريق الكشف يعني: ان الإجازة تكشف عن صحته من الأول. أو طريق النقل يعني ان الإجازة تكون سبباً لنفوذ العقد من حينها.
وكل ذلك شامل لعقد النكاح أيضا، سواء كان فضولياً عن الزوج أو عن الزوجة أو عن كليهما.
إلا أن النكاح قد يفرق عن غيره من العقود كالبيع والإجارة. بأن موارد الفضولية في النكاح متعددة أكثر من غيره، مع شمول الأقسام الموجودة في سائر العقود له أيضاً.
لأن الفضولية كما عرفنا تستمد معناها من عدم إجازة من له حق الإجازة. ومن المعلوم ان من له حق الإجازة في البيع أو الإجارة واحد، وهو المالك. واما في النكاح فهو متعدد. ونشير إلى أهم موارده:
أولاً: إذا زوجت البكر الرشيدة نفسها بدون إذن أبيها، مع البناء فقهياً على لزوم استقلاله في العقد أو اشتراكه فيه، فيقع عقدها فضولياً لا يصح إلا بإجازة الأب.
ثانياً: إذا قلنا ان للسفيه والصبي المميز إجراء صيغة النكاح. فزوج أحدهما نفسه بدون إذن وليه وقع العقد فضولياً وتوقف على إجازة الولي أو على إجازته نفسه بعد ارتفاع القصور.
ثالثاً: إذا تزوج المتزوج على العمة ببنت أخيها أو على الخالة ببنت أختها بدون استئذان العمة أو الخالة سلفاً. وقع العقد فضولياً وتوقف على إجازة
ــــــــــــــــــــ[217]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
العمة أو الخالة.
رابعاً: إذا تزوج المتزوج امة بالعقد على حرة، بدون استئذان الحرة، توقفت صحته على إجازتها.
خامساً: إذا وقع العقد اكراهياً من أحد الطرفين أو كليهما، كان بمنزلة الفضولي تتوقف صحته على الإجازة بعد ارتفاع الإكراه.
سادساً: إذا اظهر الفرد نفسه حراً وتزوج، وكان مملوكاً في الواقع. تسلطت المرأة على الفسخ بعد علمها بالحال ويمكن ان يقال بعدم انعقاده بدون الإجازة وان الوطئ السابق عليها لو حصل فهو من وطئ الشبهة.
سابعاً: تشترك الفروض السابقة كلها في ان يكون الفرد بنفسه طرفاً للنكاح يعني زوجاً أو زوجة. ولكن مفهوم الفضولي يشمل ما لو زوج شخص شخصاً آخر بدون وكالة أو ولاية أو وصاية. فان صحة هذا النكاح تتوقف على إجازته.
إلى غير ذلك من الموارد. وإنما المهم هنا عدة أمور:
الأمر الأول: ان يكون العاقد الفضولي جدياً في عقده. كما لو كان يتخيل نفسه وكيلا وليس بوكيل أو ولياً وليس بولي. واما مع علمه بعدم إمكان إجراء العقد، فيكون قصده الجدي إليه صعباً إلا على نحو رجاء تعقب الإجازة.
الأمر الثاني: ان الإجازة في النكاح هل هي كاشفة أو ناقلة. ومع اختيار النقل في سائر المعاملات فلا إشكال انها ناقلة في النكاح. واما مع اختيار الكشف في سائر المعاملات، فقد يقال: انها ناقلة في خصوص النكاح بالرغم من ورود دليل الكشف فيه أيضا. الا ان في النكاح خصوصية تقتضي كون الإجازة ناقلة.
فان المستفاد من أدلة إجازة النكاح على اختلاف مواردها، هو ان النكاح
ــــــــــــــــــــ[218]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
لا يتحقق بدونها، وان العقد وحده غير كاف في إيجاده. بخلاف سائر الموارد فان العقد يكون كافياً في ترقب الأثر في نفسه ويكون مضمون الإجازة هو الكشف أو تنفيذ العقد السابق.
وبتعبير آخر: ان المجيز في النكاح يكون طرفاً ثالثاً في العقد، كبعض العقود التي تحتاج إلى ثلاثة أطراف كالحوالة. وبدونه لا يكون العقد تاماً أساساً. وهو معنى كون الإجازة ناقلة لا كاشفة. ومن الغريب ان سيدنا الأستاذ حاول ترتيب آثار النقل مع قوله بالكشف(1).
ومن الناحية العملية المسلّمة: انه لا يحتمل فقهياً ترتيب آثار الكشف على إجازة النكاح. كما سيبدو بوضوح في الأمثلة التالية:
المثال الأول: لو مات أحد الزوجين قبل الإجازة ثم حصلت الإجازة. فعلى القول بالنقل لا ميراث بينهما. وهو المتعين فقهياً لأن العقد إلى حين الموت لم يكن صحيحاً. وعلى القول بالكشف فالميراث بينهما ثابت.
المثال الثاني: لو عقد فضولة على امرأة ثم عقد منجزاً على أختها، ثم حصلت الإجازة للعقد الأول. فان العقد الثاني هو الصحيح دون الأول، وتلغى الإجازة هنا لأنها تكون سبباً للجمع بين الأختين، وليس السبب هو العقد الثاني. بخلاف القول بالكشف.
المثال الثالث: لو كان عند الزوج ثلاثة زوجات فعقد على واحدة فضولة، ثم على أخرى حقيقية وحصلت الإجازة. كان العقد الثاني هو الصحيح وتلغى الإجازة هنا، بخلافه على الكشف.
وقد حاول سيدنا الأستاذ(2) في المثالين الأخيرين التخلص من نتائج
ــــــــــــــــــــ[219]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) مباني العروة الوثقى: ج 2. ص 347.
(2) المصدر والصفحة.
الكشف، بالرغم من انه قائل به كما هو المنساق من كلامه في حين ان القول بالنقل في النكاح أقوى وأكثر اختصاراً لطريق الاستدلال. ويمكن القول: بان التسالم الفقهي على عدم صحة نتائج الكشف في النكاح ليس إلا لذهابهم إلى النقل فيه. لا استناداً إلى الأدلة الخاصة في كل مسألة.
الأمر الثالث: في تأثير الرد في بطلان العقد. وان من له حق الإجازة إذا رد العقد أولاً ثم أجازه. فهل يبطل في مثل ذلك أو يقال بصحته.
وقد ذهب سيدنا الأستاذ إلى عدم تأثيره وذكر عدة أدلة لدعوى تأثيره وردها. وهي على أي حال واضحة البطلان. والمهم في الوصول إلى النتيجة هو ان الحجية تحتاج إلى دليل. فكما ثبتت حجية الإجازة فانه يحتاج الرد إلى دليل. وبدونه يكون وجوده كعدمه. ويكون التأثير الاقتضائي للعقد بحيث يصح فعلياً بالإجازة مستصحباً.
والصحيح عدم الدليل على حجية الرد بل الدليل على خلافه قائم، في صحيحة محمد بن قيس(1) عن أبي جعفر قال: “قضى في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب فاشتراها رجل فولدت منه غلاماً. ثم قدم سيدها الأول فخاصم سيدها الأخير. فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير إذني. فقال: خذ وليدتك وابنها. فناشده المشتري. فقال: “خذ ابنه -يعني الذي باع الوليدة- حتى ينفذ لك ما باعك”. فلما اخذ البيّع الابن قال أبوه: أرسل ابني فقال: لا أرسل ابنك حتى ترسل ابني. فلما رأى ذلك سيد الوليدة الأول أجاز بيع ابنه”.
وهي واضحة في رد المالك أولاً وإجازته أخيراً. ومع ذلك فقد أفتى الإمام بصحة الإجازة. كما انها واضحة بأمور أخرى ننبه عليها القارئ منها: إمكان
ــــــــــــــــــــ[220]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج 14. أبواب نكاح العبيد والإماء. باب 88. حديث 1.
تأخير الإجازة وعدم لزوم فوريتها. إذ لو كانت فورية لبطل العقد في المسألة المحررة في الرواية.
ومنها: جواز جعل البائع في ضرورة يضطر معها إلى الإجازة. وهو قوله : “خذ ابنه… حتى ينفذ لك ما باعك”، وهذا ليس من قبيل الإكراه الذي لا يصدق عادة الا بالتهديد بالقتل أو الإيلام الشديد أو السلب والنهب ونحوه. فلو كان قال له المشتري: ان لم تجز أخذت ابنك كان إكراهاً. ولكن قوله: ان أجزت رددت ابنك ليس إكراهاً. وإنما هو من باب الاضطرار عرفاً.
التكرار في عقد النكاح:
لا شك ان التكرار في عقد النكاح، إنما هو على وجه الاحتياط الاستحبابي. ولا أحسب من الفقهاء من يراه على نحو الاحتياط الوجوبي.
غير ان منشأ احتياط المحتاطين هو القرآن الكريم، حيث عبر تارة بالتزويج: زَوَّجْنَاكَهَا (1) وأخرى بالنكاح: قَالَ إِنِّي أُرِيدُ ان أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ(2). وثالثة: بالمتعة: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (3). بناء على إرادة ما يعم العقد الدائم أو يخصّه.
كما ان القرآن الكريم استعمل مادة نكح الثلاثي ومادة أنكح الرباعي. والأول يتعدى إلى مفعول واحد والثاني يتعدى إلى مفعولين.
مثال الأول قوله تعالى: وَتَرْغَبُونَ ان تَنْكِحُوهُنَّ (4). ومثال الثاني قوله تعالى: إِنِّي أُرِيدُ ان أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ. كما ورد بمفعول واحد
ــــــــــــــــــــ[221]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الأحزاب: 37.
(2) القصص: 27.
(3) النساء: 24.
(4) النساء: 127.
كقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ (1). ويبقى المفعول الثاني مقدراً يعني: أنكحوهم النساء.
ومادة النكاح قد تتعدى بنفسها كما سمعنا وقد تتعدى بالحرف، كما قد يفهمه البعض من قوله تعالى(2): ان أراد النَّبِيُّ ان يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.
كما ان مادة الزواج قد تتعدى بنفسها كما سمعنا، وقد تتعدى بالحرف حيث يقال: تزوجت المرأة وتزوجت منها وبها. ولم يرد مثله في القرآن الكريم.
هذا في مادتي الزواج والنكاح. فإذا دخلت الوكالة من أحد الطرفين أو كليهما تعددت الاحتمالات. كزوجت موكلتي موكلك (على النصب) ولموكلك (على الجر). وكزوجتك موكلتي وأنكحتك موكلتي. وأنكحت موكلتي إياك أو لك أو منك. إلى غير ذلك مما هو محتمل ان يكون له دخل في الموضوع.
والصحيح ما عليه مشهور المتأخرين من ان عقد النكاح مشمول للقاعدة العامة في العقود والإيقاعات، وسائر المعاملات، من جواز إنجازها بأي لفظ يدل على قصد إنشائه لغة وعرفاً ولا حاجة إلى التكرار. سواء كانت الصيغة المستعملة متعدية بنفسها أو بأي حرف جر. فيكون التكرار مبنياً على الاحتياط الاستحبابي.
نعم استعمال غير هذه المواد الثلاث. النكاح والتزويج والتمتع. قد يكون تركه مبنياً على الاحتياط الوجوبي كقوله: أدخلتك في حبالتي أو في زوجيتي أو
ــــــــــــــــــــ[222]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
(1) النور: آية 32.
(2) الأحزاب: آية 50.
قطعت معك المهر. أو جعلتك زوجتي أو حليلتي. ونحو ذلك كثير. فان ترك ذلك هو مقتضى الاحتياط في الفروج. فتأمل.
التوكيل في النكاح:
وهو الملتزم به بين الناس. بالرغم من ان مقتضى القاعدة الأولية هو تولي الزوجين أنفسهما طرفي العقد، ويكون الإيجاب من المرأة والقبول من الرجل. فتقول المرأة زوجتك نفسي بمهر كذا فيقول الرجل قبلت. ويتم كل شيء، بمعنى انها تصبح زوجته الدائمة، ولا حاجة معه إلى توكيل ولا إلى تكرار ولا إلى زفاف ولا غير ذلك.
الا ان الأعم الأغلب من الناس، حيث لا يطيقون ذلك لجهلهم بتفاصيل الفقه الشرعي، يحتاطون بتوكيل الآخرين لإجراء الصيغة، والتوكيل غالباً من الطرفين لأن الجهل عام للزوجين معاً. وقد سرت هذه العادة وتأصلت في المجتمع حتى لمن يعرف شكل الصيغة وكيفية إجراء العقد.
والمشاهد منذ زمن بعيد: ان الوكيل هو الذي يطلب من الزوجة ان توكله بعقد النكاح ذي الشروط المحددة، فتقول نعم. أو نعم أنت وكيلي. وبالعادة يكرر الطلب اثنى عشر مرة عدد الأئمة (سلام الله عليهم).
وبغض النظر عن التبرك بهذا الرقم، فان مقتضى القاعدة الأولية ان تقول المرأة: وكلتك في ان تعقد نكاحي على فلان الخ. فيقول الوكيل قبلت. ومعه يكون الأسلوب المتبع مخالفاً للقاعدة من عدة جهات:
أولاً: بتقديم القبول على الإيجاب.
ثانياً: بالقناعة بالإيجاب الإجمالي مع أنهم قالوا: ان الإيجاب ان تأخر فيجب ان يكون تفصيلياً.
ــــــــــــــــــــ[223]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ثالثاً: القناعة بالجملة الخبرية عن الجملة الإنشائية، ان قالت: نعم أنت وكيلي.
رابعاً: ان الجواب بنعم هل يكون جواباً عن كل التكرار الذي قاله الوكيل أو عن بعضه أو عن الأخير فقط وهو فقهياً جواب عن الأخير بلا إشكال ويكون السابق عليه لاغياً بطبيعة الحال. إلا إن المرأة، وهي قد تكون جاهلة، سوف لن تميز ذلك وسيكون جوابها على المجموع بطبيعة الحال. بما فيه اللاغي والحجة.
أقول: وكل هذه الفقرات تجعل الأمر مخالفاً للاحتياط. إذا أراد الفقيه الاحتياط في الفروج تماماً ومن جميع الجهات. وليس في هذا الأسلوب الموروث احتياطاً كافياً. الا ان الذي يهون الخطب هو كفاية اللفظ الدال عرفاً على القصد مهما كان حاله. وخاصة ان الكلام إنما هو في الوكالة لا في عقد النكاح.
مضافاً إلى أنه: إذا ثبت ان سكوت البكر رضاها، إذن فقولها نعم فقط أولى بالصحة. إلا أن هذا يواجه عدة إشكالات:
منها: ان هذا خاص بالبكر والعادة عامة لجميع النساء.
ومنها: اننا إذا قلنا بولاية الأب وحده في النكاح أو بالاشتراك مع الزوجة، لم يكن قولها الدال على رضاها كافياً ما لم يقل الأب ما يدل على رضاه بل توكيله للوكيل أيضا.
ومنها: المناقشة في هذه القاعدة. أعني سكوت البكر رضاها كما هو محرر في محله.
ومنها: ان الوكيل إن قال: (هل ترضين ان أزوجك؟ فقالت: نعم.) يكون المعنى: أنني أرضى وهو ليس معنى التوكيل. وإن قال: (هل
ــــــــــــــــــــ[224]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
أزوجك فلاناً؟ فقالت: نعم)، فالمعنى زوجني. وهم يستشكلون بفعل الأمر. وان قال: هل أنا وكيلك في ان أزوجك. فهذا من تقديم القبول على شكل صيغة الاستفهام، ويكون قولها نعم من باب القبول الإجمالي. وكله مما لا يقبل به الفقهاء المحتاطون.
إذن فهذه السيرة والأسلوب ليست مطابقة لقاعدة الاحتياط في الفروج من عدد من الوجوه.
ــــــــــــــــــــ[225]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل المحارم
وهذا مصطلح فقهي على من يحرم الزواج منه مؤبداً من الجنس الآخر الملازم شرعاً مع جواز النظر إليه.
إلا إن هذه الملازمة منقوضة بالمطلَّقة تسعاً، فإنها محرمة مؤبدة على المطلِّق، ولا يجوز النظر إليها. فأما أن نستثني من مفهوم (المحارم) ذلك. واما ان نغير تعريف هذا المفهوم، بالقول: بأن المحارم هم الجماعة المذكورون في الآية الكريمة الآتية: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُم.. الآية. على إشكال بسيط سنذكره ان شاء الله تعالى مع مناقشته.
ويقع الكلام في هذا الفصل في عدة عناوين:
تعداد المحارم:
قال سبحانه(1): حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فان لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الا مَا قَدْ سَلَفَ
ــــــــــــــــــــ[226]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) النساء: آية 23 – 24.
إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ… الآية.
وقد سبق في بعض فصول كتاب الصلاة التعرض إلى هذه الآية، بمناسبة دلالتها على جواز النظر وعدم وجوب الحجاب، ونذكرها الآن بمناسبة حرمة النكاح الذي هو المنصوص والدلالة المطابقية في الآية الكريمة.
وقد سبق هناك ان أعطينا بعض التفاصيل والشروح فلا نعيد، وإنما نقتصر هنا على عبارة لبعض أساتذتنا عد فيها المحرمات النسبية طبقاً للمفاهيم المعطاة في الآية الكريمة. وجدناها اجمع وأوضح مما سواها ونحن الآن نذكرها مع زيادة بعض الأمور محصورة بين قوسين. قال(1):
يحرم بالنسب سبعة أصناف من النساء على سبعة أصناف من الرجال:
(الصنف الأول) الأم بما شملت الجدات عاليات وسافلات، لأب كُنَّ أو لأم، فتحرم المرأة على ابنها وعلى ابن ابنها وابن ابن ابنها وعلى ابن بنتها وعلى ابن ابن بنتها وهكذا، وبالجملة تحرم (المرأة) على كل ذكر ينتمي إليها بالولادة، سواء كان بلا واسطة أو بواسطة أو وسائط (مهما طالت الأجيال من المواليد)، وسواء كانت الوسائط ذكوراً أو إناثاً أو بالاختلاف.
و(الصنف الثاني) البنت بما شملت الحفيدة ولو بواسطة أو وسائط. فتحرم هي على أبيها بما يشمل الجد لأب كان أو (الجد) لام، فتحرم على الرجل بنته وبنت ابنه وبنت ابن ابنه وبنت بنته وبنت بنت بنته وبنت ابن بنته. وبالجملة (تحرم على الرجل): كل أنثى تنتمي إليه بالولادة بواسطة أو وسائط ذكوراً كانوا أو إناثاً أو بالاختلاف.
ــــــــــــــــــــ[227]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) تحرير الوسيلة: ج 2. ص 263.
و(الصنف الثالث) الأخت (في الجيل الأول فقط) لأب كانت أو لأم أو لهما. (وأما إذا كانت الأخت في الجيل الثاني وما بعده، فهي أخت الأب أو الجد، وهي العمة ولا يصدق عليها عنوان الأخت).
و(الصنف الرابع) بنت الأخ سواء كان لأب أو لام أو لهما. وهي كل امرأة تنتمي بالولادة إلى أخيه بلا واسطة أو معها وان كثرت. سواء كان الانتماء إليه بالآباء أو الأمهات أو بالاختلاف. فتحرم عليه بنت أخيه وبنت ابنه (يعني ابن الأخ) وبنت ابن ابنه وبنت بنته وبنت بنت بنته وبنت ابن بنته وهكذا.
و(الصنف الخامس) بنت الأخت. وهي كل أنثى تنتمي إلى أخته بالولادة على النحو الذي ذكر في بنت الأخ (يعني سواء كان الانتماء إلى الأخت بالآباء أو الأمهات أو بالاختلاف. فتحرم على الرجل بنت أخته وبنت ابنها وبنت ابن ابنها وبنت بنتها وبنت بنت بنتها وبنت ابن بنتها وهكذا).
و(الصنف السادس) العمة وهي أخت أبيه لأب أو لأم أو لهما. والمراد بها ما تشتمل (العمات) العاليات أعني عمة الأب (وهي) أخت الجد لأب أو لام أو لهما. وعمة الأم (وهي) أخت أبيها لأب أو لأم أو لهما، وعمة الجد للأب والجد للام والجدة كذلك فهي (يعني العمة): كل أنثى تكون أختاً لذكر ينتمي إليك بالولادة (بل تنتمي إليه بالولادة)(2) من طرف أبيك أو أمك.
و(الصنف السابع) الخالة (وهي أخت أمه لأب أو لام أو لهما) والمراد بها أيضا ما تشتمل (الخالات) العاليات. فهي كالعمة إلا انها أخت إحدى أمهاتك (أو جداتك) ولو من طرف أبيك. والعمة أخت أحد آبائك (أو أجدادك) ولو من طرف أمك. فأخت جدتك للأب خالتك، حيث انها خالة أبيك. وأخت جدك للام عمتك، حيث انها عمة أمك.
ــــــــــــــــــــ[228]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) لأن الرجل ينتمي إلى أبيه وينتمي إليه ابنه، وهذا سهو منه رحمه الله.
ثم قال: لا تحرم عمة العمة ولا خالة الخالة (لأنهما بهذا العنوان ليستا عمة ولا خالة) ما لم تدخلا في عنواني العمة والخالة ولو بالواسطة (يعني عمات وخالات الآباء والأجداد) وهما قد تدخلان فيهما فتحرمان. كما إذا كانت عمتك أختاً لأبيك لأب وأم أو لأب. ولأبي أبيك أخت لأب أو لهما. فهذه عمة لعمتك بلا واسطة وعمة لك معها.
(لأنها عمة أبيك). وكما إذا كانت خالتك أختاً لأمك لامها أو لأمها وأبيها. وكانت لأم أمك أخت (لامها أو لأبيها أو لهما) فهي خالة لخالتك بلا واسطة وخالة لك معها (لأنها خالة أمك).
وقد لا تدخلان (يعني عمة العمة وخالة الخالة، ومثله عمة الخالة وخالة العمة) فيهما (يعني عنواني العمة والخالة للفرد نفسه وان علت) فلا تحرمان كما إذا كانت عمتك أختاً لأبيك لامه لا لأبيه، وكانت لأبي الأخت (العمة) أخت. فالأخت الثانية عمة لعمتك، وليس بينك وبينها نسب أصلاً، وكما إذا كانت خالتك أختاً لامك لأبيها لا لامها، وكانت لام أخت (الخالة) أخت فهي خالة لخالتك، وليست خالتك ولو بالواسطة.
وكذلك أخت الأخ أو الأخت إنما تحرم إذا كانت أختاً، لا مطلقاً (ومثال كونها أختاً واضح وإنما المهم المثال للتي لا تكون أختاً) فلو كان لك أخ أو أخت لأبيك وكانت لأمها (أو لأمه) بنت من زوج آخر فهي أخت لأخيك أو لأختك وليست أختاً لك لا من طرف أبيك ولا من طرف أمك، فلا تحرم عليك.
أقول: ولم يتعرض لخالة العمة ولعمة الخالة. فانهما أيضاً، ان صدق عليهما عنوان العمة أو الخالة ولو بوسائط الآباء والأجداد حرمتا، والا لم تحرما. فلو كانت عمتك أختاً لأبيك لأب وأم أو لأب وكان لأمه أخت لأب أو لام أو لهما. كانت هذه الأخت خالة عمتك وهي خالتك أيضا، لأنها خالة
ــــــــــــــــــــ[229]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
أبيك. ولو كانت خالتك أختاً لأمك لأمها أو لأمها وأبيها وكان لأبيها أخت لأب أو أم أو لهما، فهي عمة خالتك وهي عمتك أيضا لأنها عمة أمك كما هي عمة خالتك.
ومن أمثلة عدم الحرمة: ما لو كانت عمتك أختاً لأبيك لأبيه لا لامه، وكان لام العمة أخت لأم أو لأب أو لهما. فهذه الأخت هي خالة عمتك ولكنها لا ترتبط بك بأي نسب. وكما لو كانت خالتك أختاً لأمك لأمها لا لأبيها. وكان لأبي الأخت (الخالة) أخت لام أو لأب أو لهما فهذه الأخت هي عمة خالتك ولكنها لا تنتسب إليك بصلة الرحم والقرابة فلا تحرم.
وكذلك الحال في أخت العمة وأخت الخالة، وبعد أن عرفنا ان أخت الأخت قد لا تكون أختاً، فهذا في العمة والخالة أوضح. وكذلك في بنت أخ العمة أو أختها وبنت أخ الخالة أو أختها، إلى آخر ما يمكن تصوره من هذه الاحتمالات في الأنساب.
وعلى العموم، فان اندرجت المرأة تحت العناوين السابقة المحرمة حرمت، والا فلا(1).
وبعد هذا التعداد للمحرمات أو المحارم، ينبغي الكلام في بعض الأمور:
الأمر الأول: في الملازمة بين تحريم النكاح وجواز النظر.
وهي مسلّمة في الجملة، بل من ضروريات الشريعة. إلا انه قد يقع الإشكال فيها من ناحيتين:
الناحية الأولى: هي ناحية ان ما ثبت ابتداءً قد لا يثبت استدامةً.
وذلك: ان العناوين المأخوذة في الآية الكريمة. بعضها غير قابل للتبديل
ــــــــــــــــــــ[230]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) لا يخفى إن القائمة السابقة لم تتعرض الا للأرحام من المحارم دون غيرهن. وفي الآية عناوين أخرى كالتحريم بالرضاعة، وتحريم زوجة الأب والربيبة وزوجة الابن، وغيرها.
كالأم والأخت وبعضها قابل لذلك كزوجة الأب والربيبة. لا كلام لنا في الأول. وإنما قد يقع الكلام في الثاني من حيث ان ظاهر الآية هو ثبوت الحكم ما دام العنوان ثابتاً، واما بعد ارتفاعه، كما لو طُلقت زوجة الأب فيرتفع الحكم.
إلا ان هذا واضح الاندفاع فقهياً لأكثر من وجه:
الوجه الأول: الاستصحاب، حيث ثبت حرمة النكاح وجواز النظر حال ثبوت العنوان بلا إشكال، ولا نعلم بارتفاع الحكم بعد ارتفاع العنوان، ولو لاحتمال كفاية صدقه آناً ما في ثبوت الحكم إلى الأبد. فيستصحب.
الوجه الثاني: وهو أقدم رتبة من الأول من حيث ان ظاهر الآية وان أخذ الحكم منوطاً بالعنوان إلا ان ظاهرها أيضاً كون العنوان إشارة إلى ذات المرأة لا إلى صفتها. فهذه المرأة بعد ان أصبحت زوجة الأب حرمت على الابن بذاتها لا بصفتها زوجة أبيه. وإنما العنوان فقط كان سبباً لثبوت الحرمة على الذات. وعندئذ فتبقى الحرمة ما دامت الذات باقية. وهو المطلوب.
وإذا ثبت استمرار الحرمة ثبت الحكم الذي يلازمه وهو جواز النظر أيضا.
الناحية الثانية: ان هناك محرمات بعضهن مذكورات في الآية الكريمة وبعضهن لم يذكرن فيها لا يجوز النظر لهن. وبعضهن ترتفع عنهن الحرمة عند زوال العنوان كالجمع بين الأختين والمحصنات من النساء على خلاف ما قلنا في الناحية الأولى. ومما لم يذكر في الآية الكريمة: المطلقة تسعاً فإنها محرمة أبدية ولكن لا يجوز النظر إليها. فكيف حصل ذلك؟
والجواب عن ذلك: ان هذه الناحية تعرضت لأمرين: أحدهما: ارتفاع الحكم بارتفاع العنوان، والثاني: التفكيك بين التحريم المؤبد وجواز النظر في المطلقة تسعاً.
ــــــــــــــــــــ[231]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
أما الجواب عن الأمر الأول: فان المذكورات في الآية الكريمة على قسمين:
القسم الأول: ما اندرج في مدرج وسياق واحد عطفاً على التحريم المذكور في صدر الآية الكريمة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُم…، وهذا القسم من المسلّم فقهياً ثبوت كلا الحكمين عليه دواماً، أعني وان ارتفع العنوان.
القسم الثاني: ما كان خارجاً عن هذا السياق وهو الجمع بين الأختين والمحصنات من النساء. فانه يكفي في تغيير السياق وجود (ان) المصدرية في قوله: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ. إذ يكون بها السياق السابق لتعداد المحرمات قد انتهى عرفاً. وبدأ سياق جديد للمحرمات من جنس آخر، وهو ما يمكن ان يثبت فيه ما لم يثبت للسابق.
ولهذا ونحوه لم يقل أحد من الفقهاء بثبوت الحرمة المؤبدة للمحصنة أو لأخت الزوجة حتى بعد انتفاء العنوان عنها، بل ان ذلك من ضروريات الدين. كما لم يقل أحد بجواز النظر إليها ما دامت محرمة فضلا عما إذا ارتفع عنها العنوان وارتفع عنها الحكم بالحرمة.
وقد عرفنا بهذا التقريب: ان الآية الكريمة لا يمكن ان تكون دالة على جواز النظر لهذين الصنفين من النساء، ليقال: ان ما دل على عدم جواز النظر إليهن، من السنة، كالأخبار الدالة على حرمة النظر لأخت الزوجة.. مخالفة للقرآن الكريم. بل هي غير مخالفة، لأن الآية الكريمة غير دالة على الجواز.
الأمر الثاني: ان الآية الكريمة خصت الحرمة بالنساء ولم تذكر الرجال ولكن يمكن تقريب الأمر بأسلوبين كلاهما يمكن ان يكون صحيحاً ما دام مطابقاً لظاهر الآية الكريمة:
الأسلوب الأول: تجريد العناوين عن الخصوصية فهي إنما ذكرت بالضمير
ــــــــــــــــــــ[232]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
المؤنث باعتبارها خطاباً للرجال فان كان المخاطب هو النساء لكان الأمر بالعكس ومن هنا نفهم من الأم ما يعم الأب ومن البنت ما يشمل الأب ومن بنات الأخ ما يشمل ابن الأخ وهكذا وهذا معنى تجريد العنوان عن خصوصية الأنثى.
فينتج أنه كما ان هذه العناوين من النساء محرمة على الرجل كذلك ما يشابهها من العناوين المنطبقة على الرجل تكون محرمة على المرأة.
كل ما في الأمر ان بعض العناوين مما لا يمكن تجريده عن الخصوصية لمانع يختص به كالجمع بين الأختين إذ لا معنى لتحريم الجمع بين الأخوين في الشريعة بعد تحريم تعدد الأزواج مطلقاً.
الأسلوب الثاني: ان لكل من هذه العناوين المؤنثة المذكورة في الآية رجل يقابلها يكون هو المخاطب بالتحريم ويكون التحريم متقابلا بينه وبين صاحبة العنوان لا محالة. فكما تحرم عليه يحرم عليها وكما يجوز نظره إليها يجوز نظرها إليه ما دامت الملازمة بين التحريم المؤبد وجواز النظر ثابتة.
فالأم يقابلها الابن والأخت يقابلها الأخ وبنت الأخ يقابلها العم والربيبة يقابلها زوج الأم إلى غير ذلك. فيكون كلا الطرفين مشمولا لكلا الحكمين أعني الحرمة وجواز النظر.
وهذان الأسلوبان وان اختلفا في العرض إلا انهما متفقان في النتيجة. فمثلا ان الأب في الأسلوب الأول فهمناه من الأم وفي الأسلوب الثاني من البنت. إلا إن الفرق الأهم بين الأسلوبين يكمن في ما لا يمكن تجريده عن الخصوصية من العناوين المؤنثة من الآية حيث شمله الأسلوب الثاني بطبيعة الحال. إلا إن الأسلوب الأول لا يكون شاملا له. غير أنه من الناحية العملية فان السياق الأول من المحرمات الأبدية في الآية الكريمة ليس فيه ما لا يمكن تجريده عن الخصوصية. ففي حدود الأسلوب الأول فان الربيبة هي بنت
ــــــــــــــــــــ[233]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الزوجة يقابلها ابن الزوج وحليلة الابن يقابلها زوج البنت إلى غير ذلك وهي أيضا من العناوين التي يقال بالحرمة فيها فقهياً.
فهذا هو الجواب عن الأمر الأول من الناحية الثانية.
وأما الجواب عن الأمر الثاني: وهو التفكيك بين الحرمة المؤبدة وجواز النظر بالمطلقة تسعاً. إذ لا يجوز النظر إليها على الرغم من تحريمها المؤبد.
ويمكن الجواب عن ذلك بعدة أمور:
أولاً: ان الملازمة بين الحكمين إنما ثبتت فقهياً بالعناوين المذكورة في الآية الكريمة. والمطلقة تسعاً ليست مذكورة فيها فهي خارجة موضوعاً عن حيز الملازمة.
ثانياً: ان هذه الملازمة لو ثبتت، فإنما هي ثابتة بدليل مطلق قابل للتقييد فيكون الدليل الدال على حرمة النظر للمطلقة تسعاً قيداً له، أي نافياً للملازمة في هذا المورد.
بل الأمر أهون من ذلك، فان الملازمة لم تثبت بدليل مطلق وإنما ثبتت بالإجماع ونحوه. والإجماع دليل لبي لا إطلاق فيه فيقتصر منه على القدر المتيقن، والقدر المتيقن هنا هو العناوين المذكورة في الآية دون ما سواها. إذن، فلا دليل على الملازمة خارج هذا النطاق والمطلقة تسعاً خارجة عنه باعتبارها غير مذكورة في الآية.
ثالثاً: انه يمكن أن يقال اننا لو التزمنا بعموم الملازمة بين الحكمين التحريم المؤبد وجواز النظر، أمكن القول بجواز النظر إلى المطلقة تسعاً وليست حرمة النظر إليها من المسلّمات فقهياً علي أي حال، بل الجواز هو مقتضى الاستصحاب وان كان التحريم هو مقتضى الاحتياط. الا ان الظاهر كونه احتياطاً وجوبياً أخذاً بنتيجة الأمرين السابقين.
ــــــــــــــــــــ[234]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الأمر الثالث: في إيضاح بعض النقاط المربوطة بالآية:
النقطة الأولى: في مدلول قوله تعالى: الا مَا قَدْ سَلَف، حيث قال وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الا مَا قَدْ سَلَفَ.
والظاهر عود هذا الاستثناء إلى خصوص الجمع بين الأختين لا إلى المحرمات السابقة عليه. والقرينة على ذلك ما ذكرناه من تغيير السياق في الآية بانتهاء التعداد للمحرمات السابقة والبدء بمحرمات جديدة تبدأ بـ(أن) المصدرية وَأَنْ تَجْمَعُوا. فتكون هذه الأداة ايذاناً بسياق جديد. ومن غير المحتمل عرفاً رجوع الاستثناء إلى سياقين منفصلين. فتعين اختصاصه بتحريم الجمع بين الأختين.
وقد أشار صاحب (تفسير الميزان) إلى ان هذا الاستثناء لا يعني تحليل الجمع بين الأختين بعد ان نصت الآية على تحريمها، وإنما يعني ما كان يفعله أهل الجاهلية قبل الإسلام من الجمع بين الأختين.
أقول: وكذلك أي شخص غير مسلم إذا دخل في الإسلام وهو متزوج للأختين بشكل يصح ذلك في دينه فيكون هذا الحكم عاماً لجميع العصور وغير خاص بالجاهلية السابقة على الإسلام.
ونتيجة هذا الاستثناء هو حلية الذرية من الأختين معاً إذا كانتا قد ولدتا قبل إسلام الزوج. وكذلك الحال في وجوب النفقة ان قلنا ان الكفار مكلفون بالفروع. وكذلك حق الحضانة حتى بعد إسلام الزوج أو الزوجة، باعتبارها أماً مشروعة للولد أو البنت إلى غير ذلك من الأحكام.
النقطة الثانية: في مدلول قوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم. فان ظاهرها أن الربيبة ما دامت في الحجر تكون محكومة بالحرمة دون ما إذا ارتفعت الصفة عنها. وكذلك ما إذا لم تكن بنت الزوجة في الحجر أصلاً كما لو كانت ساكنة في عائلة أخرى، فهل تكون مشمولة للحكم نفسه أم لا.
ــــــــــــــــــــ[235]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وعدم كونها مشمولة له ناتج من افتراض أن قوله تعالى: اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ قيد احترازي وليس قيداً غالباً. فانه عندئذ تكون الحرمة مرتفعة مع عدمه. وأما إذا كان قيداً غالبياً فيمكن أن تكون الحرمة ثابتة بدونه.
وقد تسالم الفقهاء على كونه قيداً غالبياً وعلى ثبوت الحرمة بدونه. والمهم هو كون المرأة بنت الزوجة المدخول بها. كما قال الله تعالى في نفس الآية وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فان لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ.
وقد يخطر في الذهن: أن هذا التسالم أو الإجماع الفقهي مخالف للقرآن الكريم فلا يكون حجة تماماً. كالسُنة إذا كان منها ما هو مخالف للقرآن فانه يجب طرحه وعدم الأخذ به. بل لعل الإجماع أولى بالطرح وعدم الحجية من السنة الشريفة في هذه الحالة.
وجواب ذلك من وجهين:
الوجه الأول: ان الإجماع دليل قطعي، والسنة ما لم تكن متواترة دليل ظني. ومن هنا لم يكن الإجماع أولى بالسقوط من السنة عند معارضة الكتاب. بل لعل الأمر بالعكس لأننا لم نفهم من الكتاب الا ظاهره والأخذ بالظاهر دليل ظني فإذا كان الإجماع قطعياً أمكن تقدمه عليه، كما أن السنة المتواترة كذلك.
الوجه الثاني: ان الإجماع وإن قام على الحكم، وهو تحريم بنت الزوجة وان لم تكن في حجر الزوج، إلا إن المهم هو الإجماع على سبب ذلك وهو تفسير الآية الكريمة، بكون السبب غالبياً لا دائمياً وهو حكمة وليس بعلة. فإذا نظرنا إلى هذا الإجماع تغير وجه الدليل إذ ينتفي به ظاهر القرآن بالعلية فلا يكون معارضاً للإجماع على الحكم.
النقطة الثالثة: في مدلول قوله تعالى: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ.
ــــــــــــــــــــ[236]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
والحليلة هي كل امرأة يكون نكاحها مشروعاً بالعنوان الأولي أو بالذات. منها: الزوجة الدائمة والمنقطعة والأمة المملوكة والمعقودة والمحللة وكلهن يحرمن على الأب بحسب منطوق الآية، لكن المشهور قيد الحرمة بالدخول فما لم تكن الحليلة مدخولاً بها من قبل الابن لم تحرم على الأب.
وأما قوله تعالى: الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ ففيه احتمالان:
الاحتمال الأول: أن يراد به الطبقة الأولى من الأبناء وبذلك يخرج أبنائهم وأبناء أبنائهم، فلا تحرم زوجاتهم على الأجداد حتى مع الدخول. إلا إن هذا الوجه خلاف ضرورة الفقه.
الاحتمال الثاني: أن يراد بالعنوان كل طبقات الذرية فإنهم جميعاً يرجعون إلى صلب الأب سواء كانوا قريبين أو بعيدين، فإذا عممنا ذلك إلى أولاد الأولاد، وأولاد البنات مهما تنازلوا لم يبق من الذرية أحد غير مندرج في الآية الكريمة كما هو الصحيح. وإنما الذي يخرج من هذا القيد أولئك الذين أصبحوا أولاداً بالتبني أو بالمجاملة الأخلاقية ونحوهم. فانهم لا يكونون مشمولين للآية الكريمة، باعتبار عدم اعتراف الشريعة الإسلامية ببنوتهم.
النقطة الرابعة: في مدلول قوله تعالى: إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وهو واضح تماماً بتحليل نكاح الإماء اللاتي يملكهن الإنسان بشراء أو ارث أو غيرهما.
غير انه قد يخطر في البال: ان هذا العنوان ما دام معطوفاً على المحصنات من النساء فيكون المعنى: وحرم عليكم المحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم. فينتج ان الأمة يجوز وطؤها حتى وان كانت مزوجة بالغير بحيث ينطبق عليها عنوان المحصنات من النساء وهذا خلاف ضرورة الفقه.
وجواب ذلك: ان هذه النتيجة ما دامت خلاف الضرورة فتكون قرينة
ــــــــــــــــــــ[237]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
منفصلة على صرف ظاهر القرآن من هذا المعنى. ويكون المراد من الآية استثناء المملوكة من مطلق التحريم المدلول عليه بعدة سياقات في الآية أولها: قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ، ثم قوله تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْن يعني وحرم عليكم ان تجمعوا، ثم قوله تعالى: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء يعني وحرم عليكم المحصنات من النساء، ثم يأتي قوله تعالى:الا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فيكون استثناءً من الحرمة العامة المدلول عليها بهذه السياقات لا من خصوص المحصنات من النساء ليرد الإشكال السابق.
النقطة الخامسة: في مدلول قوله تعالى:وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ وهو واضح في تحليل النساء اللاتي لم يندرجن تحت العناوين السابقة وتحليل الرجال الذين لم يندرجوا تحتها بناءً على ما قلناه من شمول الآية للرجال والنساء معاً.
فتكون هذه الجملة عموماً فقهياً يمكن التمسك به في كثير من الموارد المشكوكة لإنتاج التحليل. ولكن ينبغي ان نلتفت إلى ان هذا التحليل ليس تحليلا فعلياً وإنما هو تحليل محوّل على القواعد العامة من حيث لزوم الالتزام بعقد النكاح وحرمة المشركة والمعتدة وغير ذلك.
والقرينة على ذلك من الآية الكريمة نفسها ان التحريم الموجود في صدر الآية وارد بنفس الأسلوب المشار إليه، يعني انه تحريم لا تجوزه حتى القواعد العامة في الدين بل هو استثناء منه، فيكون التحليل بإزائه أنه تحليل تجوزه القواعد العامة.
هذا مضافاً إلى وضوح الحكم من حيث ان هذا التحليل لو كان فعلياً للزم منه نفي القواعد العامة المشار إليها والتي تعتبر مخالفتها وقوعاً في الزنا. فمن وضوح ذلك نعرف ان هذا التحليل في الآية ليس فعلياً وإنما هو اقتضائي مع اخذ القواعد العامة الأخرى بنظر الاعتبار.
ــــــــــــــــــــ[238]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل الختان
الختان هو قطع الغُلفة. والغلفة هي الغشاء الجلدي الذي يغلف ما يسمى بالحشفة في نهاية الذكر.
والمفهوم من المصلحة من وجودها في أصل الخلقة: انها تعتبر زيادة في الجلد المتوفر لتلافي الانتصاب كالجلد المتوفر عند الركبتين وعند الكوعين لتلافي انغلاق اليدين والرجلين. مضافاً إلى أن الجلد يقي الحشفة من العوارض الخارجية كالجرح المحتمل أو سقوط بعض المواد الصلبة أو السائلة عليها، وعندئذ يتلقاها الجلد دون الحشفة المختبئة تحته باعتبارها عضواً حساساً وقابلا للأذى بسرعة.
غير أنه مع ذلك، فقد أمرت الشريعة الإسلامية بضرورة الدين وإجماع المسلمين بالختان بقطع الغلفة المشار إليها. وما يمكن أن نتصور من المصالح الطبية للختان بعد التسليم للحكمة الإلهية الموجودة في كل أحكام الدين والتي نؤمن بها كمسلمين. فما يتصور من مصلحتها طبياً وبايولوجياً في حدود فهمنا القاصر البعيد عن علم الغيب وإدراك الواقعيات ما يلي:
المصلحة الأولى: ان الغلفة بصفتها ممراً للبول وقابلة للتأثر بأي شيء فإنها تجمع في داخلها أوساخاً وجراثيم، ويمكن أن تكون هذه الجراثيم على أشكال مختلفة قد تؤدي إلى العقم أو إلى بعض أنواع مرض الزهري المؤدي بدوره إلى مضاعفات كثيرة منها العمى والجنون.
ــــــــــــــــــــ[239]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ومن هنا يكون إزالتها قطعاً لمادة الفساد تماماً كاللوزتين الملتهبتين أو الزائدة الدودية ولو قبل التهابها، والتي يحسن قطعها تلافياً للأضرار المحتملة.
المصلحة الثانية: قالت بعض المصادر الطبية ان الختان يوجب بطء الإنزال ومن ثم طول مدة عملية الجماع، الأمر الذي يوفر للمرأة والرجل معاً لذة جنسية متزايدة.
ولعل تفسير ذلك: ان الغلفة أكثر المناطق تهيجاً جنسياً في الذكر، فإذا قطعت حصل بطء الإنزال باعتبار قلة الإحساس الجنسي نسبياً.
المصلحة الثالثة: ان الختان موجب ملامسة الحشفة عند الجماع، الأمر الذي يقتضي زيادة اللذة الجنسية بخلاف الجلد الخارجي للذكر والذي منه الغلفة فانه عادة اقل إحساساً جنسياً. وما سمعناه بالمصلحة السابقة من كون الغلفة ذات إحساس جنسي عالي سوف يعوض عنه إحساس الحشفة نفسه بالشكل الذي يكفل النتائج الحسنة نفسها.
كل ما في الأمر انهم قالوا: ان المختون إنما يكون أقل إحساساً جنسياً لأن حشفته في الأوقات الاعتيادية تلامس ثيابه فتتعود على ملامسة الأشياء ولا تختص ملامستها في المرأة. إلا إن هذا الكلام مبالغ فيه جزماً، لوضوح ان الحالة النفسية حالة الهياج الجنسي تختلف تماماً عن حالة انطفائها حتى ان الجسم كله يكون قابلا للتهيج الجنسي مع العلم انه ملامس للثياب أيضا وان اليد والرجل وغيرهما ملامسة لكثير من الأشياء فلماذا لم يقل إحساسهما الجنسي عن الهياج.
المصلحة الرابعة: في الجهة الأخلاقية للختان، وهي ثابتة فيما إذا ثبت كون الختان كافاً لزيادة الإحساس الجنسي، فان تربية الفرد ستكون مختلفة لا محالة عن الفرد الأكثر إحساساً بالجنس وسيكون المختون أكثر تحملا للبعد عن النظر الحرام والفعل الحرام. وأقدر على الاقتصار على زوجة واحدة،
ــــــــــــــــــــ[240]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الأمر الذي يوفر له من الجهد والمال الشيء الكثير، بخلاف ما إذا كان إحساسه الجنسي عالياً فانه يضطر لتعدد الزوجات، أو حتى الوقوع في (الحرام) ولا اقل من صعوبة الصبر على ذلك.
هذا، ولا يخفى ما في قلة الإحساس الجنسي نسبياً من تربية معنوية وإيمانية وزيادة ذكر الله عز وجل. حيث لا يكون الفرد كثير التفكير في جنسياته الأمر الذي يجعله في وضع لا يحسد عليه معنوياً.
هذا، ولا ينبغي ان نبالغ بقلة الإحساس الجنسي. وإنما هو أمر نسبي ضئيل في اغلب الظن، ولا دليل على كونه أكثر من ذلك.
هذا وسنعرف بعض المصالح الأخرى للختان فيما يلي من الكلام.
بقي ان نعرف ان ما قلناه عن الحكمة في أصل خلقة الغلفة لا ينافي تشريع الختان. وذلك لعدة وجوه:
أولاً: ان هناك عدة أمور موجودة في أصل الخلقة وقد وجدت فعلا من اجل بعض المصالح. إلا إن المصلحة مع ذلك في قطعها وإزالتها وأوضح هذه الأمور الشعر والأظافر التي يلتزم الأعم الأغلب من البشر بإزالة الزائد منها.
روى الطبرسي في الاحتجاج(1) عن أبي عبد الله في سؤال الزنديق قال: “اخبرني هل يعاب شيء من خلق الله؟ قال: لا. قال: فإن الله خلق خلقة عزلا فلم غيرتم خلق الله وجعلتم فعلكم في قطع الغلفة أصوب مما خلق الله، وعبتم الأغلف والله خلقه ومدحتم الختان وهو فعلكم، أم تقولون ان ذلك كان من الله خطأ غير حكمة. فقال أبو عبد الله : ذلك من الله حكمة وصواب. غير أنه سنّ ذلك وأوجبه على خلقه. كما ان المولود إذا خرج من بطن أمه
ــــــــــــــــــــ[241]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج15. كتاب النكاح. أبواب أحكام الأولاد. باب 52. حديث 7.
وجدتم سرته متصلة بسرة أمه كذلك أمر الله الحكيم فأمر العباد بقطعها وفي تركها فساد بين المولود والأم. وكذلك أظفار الإنسان أمر إذا طالت ان تقلم وكان قادراً يوم دبر خلقة الإنسان ان يخلقها خلقة لا يطول. وكذلك الشعر في الشارب والرأس يطول ويجز وكذلك الثيران خلقها فحولة واخصائها أوفق وليس في ذلك عيب في تقدير الله عز وجل”.
أقول: وهذا معناه ان ما يقوله الناس في الشعر والأظافر من وجه الحكمة في مخالفة الخلقة ينبغي ان يقولوه أيضا في قطع أي زائدة أخرى بما فيها الغلفة عند الختان.
ثانياً: ان ما قلناه في أول الفصل من ان جلد الغلفة وجد لتلافي الانتصاب وان كان مظنون الصحة، إلا أن ذلك لا يعني ان قطعها يمنع الانتصاب. إذ لم يعان أحد المختونين على كثرتهم وهم يعدون بالملايين من هذه الجهة أصلاً.
بل الأمر بالعكس لأن الجلد مع الغلفة سيكون بالرغم من الانتصاب كثيراً وغليظاً، وأما في المختون فسيكون الانتصاب سبباً لرقة جلده، الأمر الذي يوجب زيادة إحساسه الجنسي وهي مصلحة تضاف إلى المصالح السابقة وإنما أجلناه لكي نصل إلى الحديث عن موضوعها.
ثالثاً: ان ما قلناه في أول الفصل من مصلحة وجود الغلفة من كونها موفرة للحماية لما بداخلها من الحشفة وان كان صحيحاً. الا ان الحماية غير منحصرة بهذا الجلد بطبيعة الحال بل ستكون أيضا بالفخذين وبالثياب ونحوها.
ولا ينبغي ان تقاس الغلفة بالشفتين أو بأجفان العينين من حيث المحافظة على ما تحتها فلو قطعت كان الخطر محيقاً بالعينين والأسنان غير أن الحشفة يختلف حالها جداً عن ذلك من عدة جهات أوضحها:
1- إمكان لف الحشفة بالثياب دون الوجه.
ــــــــــــــــــــ[242]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
2- كون العينين عضواً أكثر حساسية من الحشفة.
3- كون الوجه ومن ثم العينين أكثر تعرضاً للأنواء الجوية من الحشفة.
4- لا شك ان الجمال الموجود في الجفنين للعين أو الشفتين للفم والذي نفقده بقطعهما، لا يقاس بجلد الغلفة على الإطلاق بل لعل الأمر بالعكس، كما هو واضح للتأمل وسيكون هذا من مصالح الختان بدوره.
فهذا هو جملة الكلام عن الختان طبياً وبايولوجياً.
أحكام الختان:
الختان كما قلنا واجب بضرورة الدين وبتسالم المذاهب الإسلامية. وقد منع الاغلف وهو الذي لم يختن (باعتباره متصفاً بوجود الغلفة) عن إمامة الجماعة(1) وعن قبول شهادته. كما منع عن تولي القضاء ومرجعية الفتوى. وان كانت غلفته ذات وجه لم يخرجه من العدالة كالغفلة عن وجوب الختان أو الضرر الكبير بإيجاده. وما كل هذه الأحكام إلا توصلا لإيجاد الختان نفسه.
وقد اعتبر الختان في الأخبار الصحيحة الصريحة وفي ارتكاز المتشرعة شكلا من أشكال الطهارة. ولا زال العوام يسمونه (طهوراً) والمختون (مطهراً) وهذا ما تسنده الروايات فعلا:
فعن عبد الله بن جعفر(2) انه كتب إلى أبي محمد : “انه روي عن الصادق: ان اختنوا أولادكم يوم السابع يطهروا. إلى آخر الرواية.
ــــــــــــــــــــ[243]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) فعن زيد بن علي عن آبائه عن علي قال: “الأغلف لا يؤم القوم وان كان أقرأهم لأنه ضيَّع من السنة أعظمها. ولا تقبل له شهادة ولا يصلى عليه، الا أن يكون ترك ذلك خوفاً” على نفسه. (الوسائل: ج 5. أبواب صلاة الجماعة. باب 13. حديث 1).
(2) الوسائل: ج15. كتاب النكاح. أبواب أحكام الأولاد. باب 52. حديث 1.
وعن السكوني(1) عن أبي عبد الله قال: “قال رسول الله طهروا أولادكم يوم السابع فإنه أطيب وأطهر، وأسرع لنبات اللحم. وان الأرض تنجس من بول الاغلف أربعين صباحاً”. وبسند آخر زاد فيه: “ولا يمنعكم حر ولا برد بعد قوله: يوم السابع”.
والوجه في هذه الطهارة في حدود علمنا المحدود واضح: اما طبياً فهو التوقي من الجراثيم والأوساخ التي تكون الغلفة معرضة لها باستمرار. كما سبق أن أوضحنا. واما نفسياً فلأن المختون، كما سمعنا أكثر استقراراً وهدوءاً من الناحية النفسية باعتباره اقل هماً وحزناً من الناحية الجنسية، واما روحياً أو إيمانياً فباعتبار ما قلناه من دعم الختان لكثرة ذكر الله سبحانه والبعد عن مشاكل الدنيا ومغرياتها.
وقد سمعنا من الروايات استحباب إيجاده في اليوم السابع، ولا شك بكونه أصلح طبياً، باعتبار شفاء الجرح بسرعة بلا شك، كما انه أسرع لإيجاد الطهارة المعنوية المبشر بها في الأخبار.
هذا، وان المفروض في الختان على أي حال ان يكون في عهد الصغر، حيث يكون الاطلاع على محله من قبل الخاتن ممكناً وحلالاً شرعاً، باعتبار كون الطفل لم يبلغ سن التكليف.
ولكن من بلغ غير مختون، اما لغفلة أهله أو لغفلته أو لعصيانهم أو لكونه داخلا في الإسلام من جديد، فمثل هذا الرجل يجب أن يقوم بالختان على أي حال بصفته من الوظائف الشرعية المهمة.
وحيث يجب عليه ستر عورته، بلا شك، فيجب أن يقوم بختان نفسه بنفسه. وهذا من واضحات الفقه مع عدم الضرر أو قلته بحيث لا يعد
ــــــــــــــــــــ[244]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: حديث 4.
ضرراً عرفاً.
واما مع وجود العسر والحرج والضرر عليه، فيقع التزاحم بين حكمين إلزاميين: هما وجوب الختان وحرمة كشف العورة للغير، أو قل: وجوب سترها، إذ لو ختنه الغير كالطبيب مثلا فقد كشف عورته، وان لم يختنه فقد ترك الختان بعد ان تعذر قيامه به بنفسه.
ومقتضى القاعدة في الحكمين المتزاحمين ترجيح الأهم منهما في نظر الشارع الإسلامي المقدس، ولا يبعد القول: بان وجوب الختان أهم في نظره من وجوب الستر بهذا المقدار ولأجل أداء الوظيفة الشرعية، فان تم ذلك، وجب على المكلف ان يختنه غيره ولا حرمة عليه في كشف العورة في تلك الحال.
نعم، لو كان قد ترك الختان عصياناً مع العلم والعمد، لم يرتفع وجوب الستر، لأنه وان كان مضطراً حالة الختان. إلا أن ما ليس بالاختيار يرجع إلى ما بالاختيار فيكون مسؤولا أمام الله سبحانه عنه. وان تعين عليه ان يختنه غيره بالتقريب الذي ذكرناه.
وهنا سؤال لا بد من عرضه بهذا الصدد مع جوابه: وهو يخص الذين دخلوا في الإسلام لأول مرة من الأديان الأخرى، إذ يبادر المسلمون إلى أمرهم بالاختتان وتشديد النكير عليهم باعتباره وظيفة مهمة من وظائف الشريعة، الأمر الذي قد يوجب ندامتهم من الدخول في الإسلام واحتمال ارتدادهم عنه ورجوعهم إلى دينهم السابق، وفي هذا ما فيه من مخالفة الإسلام في أهدافه العامة والخاصة كما هو معلوم. وفي الحديث: ” لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس”، أو “خير لك من حمر النعم”، فكيف لو أوجب الفرد ارتداد بعض المسلمين عن إسلامهم سواء كانوا جديدي عهد بالإسلام أو غيرهم، فانه من أفضع الأمور في نظر الإسلام.
ــــــــــــــــــــ[245]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وجواب ذلك: ينبثق من حيث ان هذه المبادرة إلى من دخل بالإسلام لأول مرة، غير صحيحة تماماً، وكذلك كل من أوجب قيامه ببعض الشعائر ارتداداً له -والعياذ بالله- إذ يقع التزاحم بين حكمين شرعيين: هما وجوب وعظه وأمره بالختان وحرمة التسبيب إلى ارتداده. ولا شك ان هذه الحرمة أعظم بكثير من ذلك الوجوب. بل لعل ذلك الوجوب سيتحول إلى الحرمة ان كان الارتداد أكيداً. ومعناه: انه يجب على المسلم ان يصمت ولا ينبه المسلم الجديد على وجوب الختان.
هذا، ولكن الأمر يجب ان لا يبقى أبدياً، بل يجب على من هداه إلى الإسلام ان يدقق النظر إليه من حيث مستواه العقلي والنفسي والاجتماعي والإيماني. فلعله يكون من قوة الإيمان بحيث لا يحصل له الارتداد. أو لعله طبيب اختصاصي بالجراحة يمكنه بسهولة ان يختن نفسه. أو لعله يمكن للمسلم ان يأمر صاحبه ان يختنه غيره ان وجد فيه ضعفاً نفسياً أو روحياً أو اجتماعياً.
ولا بأس بعد كل ذلك: ان تمضي مدة قبل تنبيهه على وجوب الختان، ولو لعدة سنوات. إذ لا يتوقف شيء من العبادات والشعائر على الختان. ومن غير المتوقع ان يصبح هذا المسلم الجديد إماماً للجماعة أو قاضياً أو فقيهاً. ولا بأس ان يصبح كذلك بعد ان يقوم بهذه الوظيفة ان كان واجداً لشرائطها الأخرى.
ختان المرأة:
للمرأة ختانها كما أن للرجل ختانه. غير ان ختان المرأة مستحب وختان الرجل واجب، كما ان ختان الرجل ملتزم به بين المسلمين، ولكن ختان المرأة متروك غالباً أو تماماً. ويسمى ختانها خفضاً أو خفض الجواري.
ــــــــــــــــــــ[246]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وقد دلت الروايات على جواز تركه فعن غياث بن إبراهيم(1) عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال علي : “لا بأس بأن لا تختتن المرأة. وأما الرجل فلابد منه”.
كما ان مقتضى أصالة البراءة هو عدم الوجوب كما ان ترك سيرة المتشرعة له دالة على ذلك أيضا، وان من المطمأن به انها سيرة معاصرة للمعصومين (سلام الله عليهم).
ولكن السؤال فقهياً عن استحبابه فهل هو حقاً مستحب، أو ليس بمستحب أصلاً. وإنما أقره الإسلام باعتبار عدم المصلحة في النهي عنه حتى يذوب اجتماعياً ويتركه الناس تدريجياً. فإقرار الإسلام له دال على جوازه لا محالة، واما دلالته على استحبابه، فمحل إشكال.
بل ان ترك السيرة له جيلا بعد جيل، قرينة على ذلك، مع التزام المتشرعة بالكثير من المستحبات؟ فلماذا لم يلتزموا به، الأمر الذي ينتج فقهياً ان استحبابه لا يكون مشمولا لأدلة التسامح في أدلة السنن، لأن ذلك متوقف على وروده عنهم. ويمكن ان يقال بعد كل ذلك: ان ختان النساء لم يرد عنهم . فلا يكون موضوعاً لتلك الأدلة.
بل دلت بعض الأخبار على نفي كونه من السنة، وهو واضح في نفي استحبابه. إذ يراد بالسنة الوجوب والاستحباب فنفيه نفي لهما معاً.
ففي صحيح ابن سنان(1): ختان الغلام من السنة وخفض الجواري ليست من السنة. وفي خبر السكوني عن أبي عبد الله : “خفض النساء مكرمة ليست من السنة”. وليست شيئاً واجباً. وفي بعضه: “السنة في الختان على الرجال وليست على النساء”.
ــــــــــــــــــــ[247]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج 15. كتاب النكاح. أبواب أحكام الأولاد. باب 52. حديث 8.
(2) أنظر جواهر الكلام الطبعة القديمة.
وأما ما يُدّعى من قيام الإجماع على الاستحباب، فلم يثبت، وان ثبت فهو مدركي ليس بحجة، يعني انه معتمد على الأخبار، فلا يكون أكثر حجية منها. وقد عرفنا حال الاستدلال بالأخبار. وإذا لم يكن ختان الأنثى مستحباً كان ظلماً لها لا محالة. الا انه ليس بحرام على أي حال.
وعلى تقدير الرغبة بالختان فينبغي التقليل من اللحم المقطوع إلى أكبر حد ممكن، حتى لو أمكن قطع مليمتر واحد أو اقل لكان أفضل. ففي الخبر المشهور وهو صحيح ابن مسلم عن أبي عبد الله قال: “لما هاجرن النساء إلى رسول الله هاجرت فيهن امرأة يقال لها أم حبيب. وكانت خافضة تخفض الجواري. فلما رآها رسول الله قال لها: يا أم حبيب العمل الذي قد كان في يدك هو في يدك اليوم؟ قالت: نعم، يا رسول الله الا ان يكون حراماً تنهاني عنه. فقال: لا بل حلال فادني حتى أعلمك. قال: فدنت منه. فقال: يا أم حبيب. إذا أنت فعلت فلا تنهكي -أي لا تستأصلي- واشمِّي. فإنه أشرق للوجه وأحظى للزوج.
أقول: أما كونه أحظى للزوج فلأنه أكثر محافظة على الشهوة الجنسية. واما كونه أشرق للوجه فانه مع كثرة القطع، ستحمل المرأة المسكينة هم نفسها وما وقع عليها من الصعوبة فلا يشرق وجهها بطبيعة الحال.
هذا وقد ظهر من كل ذلك: ان المرأة إذا لم تكن قد خفضت في حال صغرها، فلا يجوز لها ان تفعل ذلك بعد كبرها. لأنها اما ان تختن نفسها أو يختنها غيرها. أما الأول فهو مستلزم للضرر على الأغلب. وأما الثاني فهو مستلزم لكشف العورة الحرام حتى لو كان أمام المرأة فضلا عن الرجل الأجنبي(1).
وأرى ان ما تحدثنا به عن الختان كافيا جداً فلا ينبغي الاستمرار في الحديث عنه.
ــــــــــــــــــــ[248]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الا أن يكون لها أو لزوجها القدرة على ذلك تماماً فلا يمكن نفي الجواز عندئذ.
فصل مناكحة الأكراد
أفتى مشهور فقهائنا بكراهة مناكحة الأكراد. فهل مثل هذا الحكم مما يصح التفوه به شرعاً؟ أو انه يعتبر ظلماً للأكراد ولكل من يتعامل معهم، كما سوف نوضح.
وردت بهذا المضمون بعض الأخبار الضعيفة.
روى الكليني(1) بسنده عن الحسين بن خالد عمن ذكره عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبد الله -في حديث قال فيه -: “ولا تنكحوا من الأكراد أحداً. فإنهم جنس من الجن كشف عنهم الغطاء”.
وروى الصدوق(2) بسنده عن علي بن الحكم عمن حدثه عن أبي الربيع الشامي قال: سألت أبا عبد الله فقلت له: “إن عندنا قوماً من الأكراد يجيئونا بالبيع ونبايعهم. فقال: يا ربيع لا تخالطهم فإن الأكراد حي من الجن كشف الله عنهم الغطاء فلا تخالطهم”.
وروي أيضا عن حفص(3) عمن حدثه عن أبي الربيع الشامي، قال: “سألت أبا عبد الله فقلت: إن عندنا قوماً من الأكراد وإنهم لا يزالون يجيئونا
ــــــــــــــــــــ[249]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج15. كتاب النكاح. أبواب مقدماته وآدابه. باب 32. حديث 1.
(2) علل الشرائع: ص 527 ط النجف.
(3) المصدر والصفحة.
بالبيع فنخالطهم ونبايعهم. فقال: يا أبا الربيع لا تخالطهم. فإن الأكراد من الجن كشف عنهم الغطاء فلا تخالطهم”.
والرواية الأولى خاصة بالمناكحة والتزويج. وهي تشمل الذكر والأنثى أعني تزويج الأكراد والتزوج منهم. والروايتين الأخيرتين تنهى عن المخالطة، وهي وان كان موردها البيع والمعاملات إلا أنها تشمل الزواج لأنه نوع من المخالطة، بل لعله أولى.
وقد عمل مشهور الفقهاء بهذه الروايات، وأفتوا بالكراهة على طبقها، لعدم إمكانهم الفتوى بالحرمة لعلمهم بعدم حجيتها جميعاً من حيث السند.
وأما الكراهة فهي تثبت في نظرهم من باب التسامح في أدلة السنن، وسنعرف الحال في ذلك فيما بعد ان شاء الله تعالى.
والمهم: ان هذه الروايات لا تصلح دليلا لا على الحرمة، ولا على الكراهة لسقوطها عن إمكان الاستدلال تماماً، وعندئذ فستكون هذه الفتوى نحواً من أنحاء الظلم لهؤلاء الناس، وخاصة فيما إذا كان فيهم الصلحاء والطيبون، كما هو الحال في أي مجموعة من الناس.
ويمكن المناقشة في هذه الفتوى من عدة جهات:
الجهة الأولى: كون الروايات جميعاً مرسلة، فإنها مروية خلال سندها (عمن ذكره) أو (عمن حدثه) فيكون هذا الراوي مجهولا، ولا يمكن العمل بروايته، وتسمى رواية المجهول بهذا النحو مرسلة وعيبها الإرسال.
الجهة الثانية: ضعف الروايات الثلاث براويها الأخير وهو (أبو الربيع الشامي) الذي تنتهي كلها إليه، كما سمعنا سواء برواية الكليني أو برواية الصدوق.
والقدر المعلوم: ان رواية هذا الرجل ليست بحجية، ليس فقط لأنه لم
ــــــــــــــــــــ[250]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
يوثق، وان كان هذا كافياً في إسقاطه عن الحجية، بل لأنه: اما شخص مجهول(1) وغير معروف الحال. واما لأنه -كما قيل- رجل نصاب وضاع كذاب. وعلى كل تقدير فان روايته ساقطة تماماً.
ومعه لا يبقى في هذه الروايات الثلاث ما هو حجة أصلاً.
الجهة الثالثة: قد يقال: انه يمكن تتميم حجية هذه الروايات عن طريق عمل المشهور بها. باعتبار ان عمل المشهور جابر لضعف السند، كما يعبرون.
إلا أن هذا الكلام مطعون كبرى وصغرى:
أما من جهة الصغرى: فلم يثبت عمل المشهور بهذه الروايات، إذ قَلّ من تعرض لهذه الفتوى من المتقدمين والمتأخرين من الفقهاء. فكيف يثبت عمل المشهور بها وفتواهم على طبقها؟
على اننا سوف نقول ان ظاهرها الحرمة، فالعمل بها إنما يكون إذا أفتوا بالحرمة، وهذا مما لم يقل به أحد قطعاً. وأما الفتوى بالكراهة فله وجه آخر سنناقشه. وعلى أي حال فلا يكون ذلك من قبيل العمل بالرواية. لأنه يتضمن إعراضاً عن ظاهرها الحقيقي.
وأما من جهة الكبرى: فللمناقشة في ان عمل المشهور هل يكون جابراً لضعف السند أم لا. وبحثه في علم أصول الفقه. غير أن المتيقن ان الشهرة الضعيفة لا تكون جابرة جزماً. ومن المعلوم في مسألتنا هذه ان الشهرة لو كانت موجودة فهي ضعيفة جزماً. فلا يمكن أن تكون جابرة لضعف السند.
الجهة الرابعة: انه قد يقال: انه يمكن الأخذ بهذه الروايات من باب التسامح بأدلة السنن. وهذا ما لا نحتاج معه إلى حجية السند، بل يكفي فيه وجود الرواية كيفما كان حالها.
ــــــــــــــــــــ[251]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) كما نص عليه في معجم رجال الحديث: ج 7. ص 75.
وجواب ذلك من عدة وجوه نذكر أهمها:
الوجه الأول: ان ما التزم به الفقهاء في عدد من الموارد من حمل النهي على الكراهة مع ضعف سنده، مع كونه ظاهراً بالحرمة بالأصل. ومسألتنا من هذا القبيل.. متوقف على ما يذكر في علم الأصول من ان النهي هل هو زجر بسيط أو مركب من مطلق الزجر مع فصله الذي هو العقوبة على الترك وهو المنتج للحرمة. فإذا لم يثبت هذا الفصل لضعف السند، بقي ظهورها بمطلق الزجر ثابتاً فتكون موضوعا لأدلة التسامح.
إلا أن الصحيح هو كون النهي بسيطاً عرفاً وليس مركباً. وتركيبه المنطقي لا يعني تركيبه العرفي، والمهم في الظهور الذي يعتبر حجة، هو الظهور العرفي لا المنطقي.
ولا شك ان هذا الظهور في الرواية دال على الحرمة لأنها تحتوي على النهي. قال: “لا تنكحوا من الأكراد” وقال “لا تخالطهم”. فإذا سقطت الحرمة بضعف السند لم يبق جزء آخر من الدلالة يمكن التمسك به لإثبات الكراهة.
وبتعبير آخر: ان أدلة التسامح تتوقف على ورود ما هو مستحب أو مكروه، وبعد سقوط دلالتها لا يصدق الورود. وورود الحرمة لا يكفي للحكم بالكراهة.
الوجه الثاني: ان موضوع أدلة التسامح ذاتاً هو العمل المستحب لأنه يقول: “من ورده ثواب على عمل”.. فشموله للمكروهات مبني على اعتبار شمول مفهوم العمل للترك، باعتبار ان ترك المكروه مستحب وإلا فمن الواضح ان الترك ليس عملا والمكروه ليس عليه ثواب.
وهذا الشمول وان كان عرفياً أحياناً، ولكنه في أدلة التسامح ليس عرفياً. لانصرافها عنه واختصاصها بالعمل بمعناه الحقيقي، ومن الصعب عرفاً التمسك
ــــــــــــــــــــ[252]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
بإطلاقها لمفهوم الترك.
ويمكن التنبه على ذلك باعتبار أن الموضوع في أدلة التسامح هو ورود الثواب، ومن المعلوم ان أدلة المكروهات لا تدل على الثواب، ودلالتها الإلزامية على رجحان الترك -بصفته عملا- لا يعني وجود الثواب عليه، لوضوح انه توصلي، ما لم يقصد به القربة أو الانقياد فعلا. وهذا أمر خارج عن مدلول النص، فتأمل.
الجهة الخامسة: ان الروايات الثلاث كلها لا تدل على كون الأكراد مسخ من الجن لنقول ان التعامل مع الممسوخين مرجوح في الشريعة بوضوح بحيث لا يحتاج إلى دليل.. ربما..
وإنما تدل على ان الأكراد قوم من الجن فعلا، كل ما في الأمر انهم جن مكشوفون يراهم البشر. وباقي الجن مستورون لا يراهم الناس.
ومن المعلوم بالضرورة انه لا يوجد دليل في الشريعة، غير هذه الروايات، يؤسس قاعدة في المنع من التعامل مع الجن. بل الجن فيهم الفساق وفيهم الأخيار. كما قال الله تعالى(1): وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً وأي بأس أو حرمة أو كراهة في التعامل العام مع الفساق فضلا عن الأخيار. بل لا شك في رجحان إكرامهم والإحسان إليهم مع كونهم أخيار صالحين. فنحن نرى انه لا غضاضة في التعامل مع فساق البشر، وكذلك مع فساق الجن. بل قد يكون الأمر أولى.
هذا وأما الحديث عن استبعاد هذا المضمون. وانه كيف يمكن ان يكشف النقاب عن قوم من الجن. أو نقول اننا على يقين أن الأكراد هم من البشر وليسوا من الجن. كما قد يخطر على ذهن القارئ. فهذه مناقشة لا ندخل
ــــــــــــــــــــ[253]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
(1) الجن: آية 11.
فيها. لأن هذا الاستبعاد ناشئ لا محالة من الاتجاه المادي في فهم عالم الطبيعة، أو التعود على ما هو مادي فيها. واما إذا تجاوزنا ذلك وقلنا بوجود عوالم أخرى على المستوى الروحي وغيره فيكون هذا الاستبعاد مقطوعاً. وتكفينا دلالة القرآن الكريم على وجود الجن بالضرورة. وكذلك الملائكة والشياطين فنحن كمسلمين لا يمكننا المناقشة في وجود مثل هذه العوالم. وإلا نكون قد كذبنا القرآن الكريم، ومن ثم خرجنا عن الإسلام تماماً.
وإذا كانوا موجودين أمكن بقدرة الله سبحانه الكشف للبشر عن وجود بعضهم أو كلهم حسب ما هو موجود في الحكمة الإلهية. فهو سبحانه هو الذي سترهم وهو الذي يمكنه ان يكشف عنهم لبعض البشر أو كلهم. ونحن كمسلمين أيضا مؤمنون بالقدرة المطلقة لله سبحانه وتعالى.
إلا ان الذي يهون الخطب هو ضعف سند هذه الروايات. بحيث لا تكون حجة في إثبات شيء مما نقوله. لا في الحكم بالكراهة ولا في كون الأكراد قوم من الجن. بل يبقى ذلك منوطاً بقواعد فقهية أو طبيعية أخرى.
النتيجة:
هي انه لم يثبت ان الأكراد قوم من الجن، كما لم يثبت حرمة ولا كراهة معاملتهم ولا مناكحتهم. بل هم كغيرهم من الناس تنطبق في حقهم وفي حق غيرهم القواعد الفقهية الشرعية الاعتيادية.
ــــــــــــــــــــ[254]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل ولد الزنا
تتضمن مواقعة النساء أشكالا متعددة تكون فيها حراماً. وقد تتعدد الحرمة في نفس الفعل، حيث يكون حراما من عدة جهات كما سوف نشير، إلا ان هذه الأشكال من الحرمة لا يكون كلها زنا، بل بعضها بطبيعة الحال.
فمن صور الحرام: مواقعة الزوجة حال الحيض وحال الإحرام وحال النفاس وحال الضرر الشديد على أحدهما، وحال تفويت الواجب الضيق الوقت. وقد تتعدد الحرمات كما لو كانت الزوجة حائضاً حال الإحرام، فإذا أضفنا إلى ذلك وجود الضرر أو تضييق الواجب كانت الحرمات ثلاثاً أو أربعاً، إلا ان المواقعة مع ذلك لا تكون زنا ولا يشملها أحكامه، ما دامت الطرف زوجة أو حليلة له بالأصل.
وقد أشرنا في فصل التلقيح الصناعي انه قد يحصل الحرام، بدخول حويمن الأجنبي في رحم الأجنبية، ولكنه ليس بزنا، باعتبار ان دخول الحويمن ليس عن طريق المواقعة.
وهناك ما يسمى بوطئ الشبهة وهو يشبه الزنا من حيث ان الطرفين فيه ليسا حليلين بالذات أو بالعنوان الأولي. ولكن لا يشبهه بالحكم، لأن المفروض فيه هو كون الأمر مشتبهاً ومجهولا، ومع الاشتباه والجهل ترتفع الحرمة، تماماً كما لو شرب إنسان الخمر وهو لا يعلم انه خمر، فلا يكون الشرب عليه
ــــــــــــــــــــ[255]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
حراماً. فكذلك في وطئ الشبهة حيث يواقع الرجل الأجنبية وهو يتخيل انها حليلته أو زوجته.
إذن، فالمهم في وقوع الزنا ان لا تقع المواصفات السابقة. فتوجد -أولاً-مواقعة بين شخصين وليس مجرد دخول الحويمن. وثانياً: ان لا يكون الشخصان حليلين بالذات. وثالثاً: ان تكون المواقعة معلومة الحرمة، يعني عن علم وعمد لا اشتباه فيها. فان علم أحدهما واشتبه الآخر كان المشتبه معذوراً والآخر زانياً.
هذا، غير الشرائط العامة الأخرى كالعقل، والبلوغ والاختيار. فإننا لا نريد هنا الكلام عن تفاصيل معنى الزنا ومحله كتاب الحدود وسيأتي بعون الله سبحانه. وإنما نريد فقط إعطاء فكرة واضحة عن الظروف المقتضية لأن يكون الولد ولد زنا، وهو ما جعلناه عنواناً للفصل.
وقد حرم ابن الزنا فقهياً من عدد من المناصب الدينية العامة كإمامة الجماعة والقضاء والشهادة والحكم كما نصت على ذلك الروايات المعتبرة. وقد تم التشديد عليه في بعض الروايات كما سنسمع بعضها، كما نصت بعضها على حرمانه من العقيدة الصحيحة ونيل مقام الولاية.
فعن أبي بصير(1) يعني ليث المرادي عن أبي عبد الله قال: “خمسة لا يؤمون الناس على كل حال وعد منهم المجنون وولد الزنا”.
وفي صحيحة زرارة(2) عن أبي جعفر قال: “قال: أمير المؤمنين لا يصلين أحدكم خلف المجنون وولد الزنا”. الحديث.
ــــــــــــــــــــ[256]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج5. كتاب الصلاة. أبواب صلاة الجماعة. باب 14. حديث 1.
(2) المصدر: حديث 2.
وعن الاصبغ بن نباتة قال(1): “سمعت أمير المؤمنين يقول: ستة لا ينبغي أن يؤموا الناس ولد الزنا والمرتد والاعرابي بعد الهجرة وشارب الخمر والمحدود والاغلف”. الحديث.
وفي صحيحة أبي بصير(2) قال: “سألت أبي جعفر عن ولد الزنا أتجوز شهادته فقال: لا، فقلت: إن الحكم بن عتيبة يزعم انها تجوز فقال: اللهم لا تغفر ذنبه”. الحديث.
وعن عبيد الله الحلبي(3) عن أبي عبد الله قال: “ينبغي لولد الزنا ألا تجوز شهادته ولا يؤم الناس. لم يحمله نوح في السفينة، وقد حمل فيها الكلب والخنزير”.
وروى الصدوق(4) عن سيف بن عميرة قال: “قال الصادق جعفر بن محمد: من لم يبال ما قال وما قيل فيه فهو شرك شيطان، ومن لم يبال ان يراه الناس مسيئاً فهو شرك شيطان. ومن اغتاب أخاه المؤمن من غير كره بينهما فهو شرك شيطان. ومن شغف بمحبة الحرام وشهوة الزنا فهو شرك شيطان. ثم قال : ان لولد الزنا علامات: أحدها: بغضنا أهل البيت. وثانيها: انه يحن إلى الحرام الذي خلق منه. وثالثها: الاستخفاف بالدين. ورابعها: سوء المحضر للناس. ولا يسيء محضر إخوانه إلا من ولد على فراش غير فراش أبيه أو حملت به أمه في حيضها”.
ــــــــــــــــــــ[257]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: حديث 6.
(2) المصدر: ج18. أبواب الشهادة. باب 31. حديث 1.
(3) المصدر: حديث 9.
(4) كتاب الخصال: ص 216.
ما ذنبه؟
ان أهم سؤال يعرض شرعاً في ابن الزنا هو السؤال عن ذنبه، بعد ان لم يكن مخطئاً بخطيئة والديه. وقد قال الله تبارك وتعالى(1): وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى أي لا تتحمل النفس ذنب النفس الأخرى وإنما تختص كل نفس بما فعلت، فهل يمكن ان تسري خطيئة الوالدين إلى الولد فيتحمل كثيراً من التبعات، وقد ورد في بعض الروايات: “ان ابن الزنا يأتي يوم القيامة يصيح ما ذنبي؟”.
أضف إلى ذلك ان ابن الزنا إذا أصبح صالحاً مؤمناً طيباً، فمقتضى القواعد الأولية كونه مشمولاً لجواز إمامة الجماعة والقضاء وغيره. فان كان الحكم في حرمانه من ذلك صحيحاً، فيجب ان يختص بأولاد الزنا غير الصالحين لا الطيبين.
وجواب ذلك يكون على عدة مستويات:
المستوى الأول: انه من غير المحتمل ان يعاقب ابن الزنا على جريرة والديه، بعد القانون الذي سنَّه القرآن الكريم في عدم تحمل النفس لجرم الأخرى وهذا يشمل الذرية كما يشمل غيرها. وإنما يعاقب أي شخص بما فيهم ابن الزنا على ما ارتكبه هو شخصياً من ذنوب وهفوات.
وبعد ان نقول فلسفياً بالاختيار في الأعمال وان الله تعالى لا يجبر عباده على المعاصي كما هو الصحيح. تكون مسؤولية كل ذنب محمولة على فاعلها بما في ذلك أولاد الزنا. ومحل الشاهد ان الزنا لا يكون سبباً لأن يكون الولد مجبوراً على المعصية.
المستوى الثاني: ان الولادة قد تكون جسمية وقد تكون عقلية وقد تكون
ــــــــــــــــــــ[258]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الإسراء: 15.
روحية. ومن هنا قال الله تعالى لنوح حول ابنه الغريق: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك(1) لأن الولادة الجسمية وان كانت متحققة، إلا ان الولادة الروحية منتفية وهي المهم، إلى حد أمكن القول بان ابنه ليس من أهله. وورد في المثل: رب أخ لك لم تلده أمك. وهو مبتن على شكل من أشكال الولادة النفسية.
ونعني بالولادة العقلية تعلم المفاهيم والعلوم. فكل من ربى شخصاً على مجموعة معينة من ذلك فقد ولده. ونعني بالولادة النفسية ما تكون العواطف سبباً لها، فإذا قربت إليك شخصاً بعيداً وأصبح حبك في قلبه فقد ولدته من جديد. ونعني بالولادة الروحية التربية الإيمانية فكل من ربى شخصاً في مدارج الإيمان واليقين فهو ابنه وقد ولده.
وكما تكون الولادة المعنوية صالحة فقد تكون غير صالحة أيضا. وهذا ثابت ومجرب بالنسبة إلى الكثيرين. ومن الممكن ان يقال: ان المراد من ولد الزنا هو الشخص المتربي تربية سيئة لأنه ذو ولادة معنوية خاطئة.
وإذا وصلنا إلى هذا الحد كانت النتائج التي عرفناها لولد الزنا منطقية تماماً كما هو واضح للمتأمل.
المستوى الثالث: ان ظاهر عدد من الأدلة هو تأثير مكونات الفرد في أول وجوده على كيانه المعنوي، كالنطفة التي خلق منها والحليب الذي يشربه والأم التي حملته. مضافاً إلى ما دلت عليه بعض الأدلة من وجود تأثير مهم للمأكولات والمشروبات في ما إذا كانت من شبهة أو حرام، في سوء التكوين النفسي وضلال القلب وعدم تقبل الهداية المعنوية.
وهذا التأثير تأثير معنوي لا محالة، لا يمكن إثباته مادياً أو تجريبياً أو طبياً. وإنما هو تأثير نفسي وروحي لا يدخل تحت التجربة. ونحن كمسلمين
ــــــــــــــــــــ[259]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) هود: 46.
إذا آمنا بالكيان المعنوي للعالم على العموم وللفرد على الخصوص لم يمكننا نفي هذا التأثير. فلا اقل من بقاء كونه محتملاً بشكل قابل للاحترام.
فإذا فهمنا ذلك أمكننا ان نفهم معنى كون الفرد (شرك شيطان) كما سمعنا من بعض الروايات السابقة. فان هذا قد يحدث بين الحليلين أو الزوج والزوجة فضلاً عن ابن الزنا.
وفي صحيحة الحلبي(1) “قال أبو عبد الله في الرجل إذا أتى إلى أهله وخشي أن يشاركه الشيطان قال: يقول بسم الله ويتعوذ بالله من الشيطان”.
وقد وردت في إيضاح شكل هذه المشاركة بين الشيطان والرجل الرواية التالية:
فعن أبي بصير(2) قال: “قال أبو عبد الله: يا أبا محمد أي شيء يقول الرجل منكم إذا دخلت عليه امرأته؟ قلت: جعلت فداك أيستطيع الرجل ان يقول شيئاً؟ قال: ألا أعلمك ما تقول؟ قلت: بلى. قال: تقول: بكلمات الله استحللت فرجها وفي أمانة الله أخذتها. اللهم ان قضيت لي في رحمها شيئاً فاجعله باراً تقياً واجعله مسلماً سوياً، ولا تجعل فيه شرك الشيطان. قلت وبأي شيء يعرف ذلك؟ قال: أما تقرأ كتاب الله. ثم ابتدأ هو وَشَارِكْهُمْ فِي الأموال وَالْأَوْلادِ(3). وان الشيطان يجيء فيقعد كما يقعد الرجل منها وينزل كما ينزل ويحدث كما يحدث وينكح كما ينكح. قلت: فبأي شيء يعرف ذلك؟ قال: بحبنا وبغضنا. ومن أحبنا كان نطفة العبد، ومن أبغضنا كان نطفة الشيطان”.
فإذا أضفنا إلى ذلك، ان القرآن الكريم ينص على ان البشر منهم الشياطين
ــــــــــــــــــــ[260]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج 14. كتاب النكاح. أبواب مقدماته. باب 68. حديث 1.
(2) المصدر: حديث 2.
(3) الإسراء:64.
أو ان الشياطين قد يكونون من البشر شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنّ(1) ثم التفتنا إلى أن الزاني مهما كان في حقيقته فهو حال الزنا لا يعدو ان يكون شيطاناً من شياطين البشر. وهو بالطبع تارك لذكر الله تبارك وتعالى المشار إليه في الرواية السابقة. إذن، نعرف انه سواء شاركه الشيطان الآخر في زناه أو لم يشاركه، فان ولده سيكون ابن الشيطان، ونعني بالشيطان على الأقل شخص الزاني. فان كان الشيطان الآخر قد شاركه كان الأمر أولى وأوضح. وهو لا شك مشارك له لتركه ذكر الله تعالى.
فلئن كان ابن الحلال أحياناً يكون شرك شيطان باعتبار انتسابه إلى أبيه والى الشيطان معاً، فابن الزنا يكون خالصاً للشيطان، وليس شركاً فقط، باعتبار ما أوضحناه الآن من ان وضع الزنا يقتضي ذلك.
فإذا كان الأمر كذلك، وآمنا بالتأثير المعنوي الذي اشرنا إليه، إذن، فبالضرورة يكون ابن الزنا نجساً ذاتاً كما ان نطفته نجسة. الأمر الذي يترتب عليه ما سمعناه من النتائج حيث لا يوفق إلى الهداية والصلاح فيصبح ميالاً إلى الحرام الذي خلق منه كما سمعنا من الرواية وميالاً أيضا إلى أشباهه من أولاد الحرام ومبغضاً للحق وأهله.
وعليه، فمن الصعب جداً ان نتصور ان هناك ولد زنا مؤمن صالح لأن الإيمان والصلاح مختص بالنفوس الطاهرة والقلوب الطيبة. وهذا مما لا يمكن ان يتصف به ولد الزنا.
إلا اننا أشرنا ان ولد الزنا لا يعاقب على جريرة والديه، ولا يعاقب على سوء نفسه وظلام قلبه، لأن تلك الأمور غير اختيارية له، ولا يمكن ان يعاقب الفرد على كل ما هو غير اختياري. كل ما في الأمر ان هذه الجهات المعنوية
ــــــــــــــــــــ[261]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الأنعام:112.
في كيانه سوف تدفعه إلى السلوك الخاطئ وتبعده عن السلوك الصالح، فيكون مسؤولا يوم القيامة عن سوء سلوكه كأي فرد آخر.
يبقى أن نلتفت إلى أن حرمان ولد الزنا عن إمامة الجماعة وقبول الشهادة ونحوها، ليست من قبيل العقوبة عليه لجريرة لا يتحمل هو مسؤوليتها، وإنما يمكن ان يكون لها أحد تفسيرات:
التفسير الأول: باعتبار ما أشرنا إليه قبل قليل من سوء الكيان المعنوي لولد الزنا. إذن، ينبغي ان تختار الشريعة لإمامة الجماعة والقضاء وقبول الشهادة من لا يحتوي على مثل هذا السوء المعنوي.
التفسير الثاني: ان في هذا الحكم إبعاداً للناس عن الزنا كما في عدد من الأحكام الأخرى الموجودة في الشريعة كالحد من الزنا وغيره. حيث يمكن ان يفكر الفرد ويعيد النظر بعمله قبل إنجازه. فيترك الزنا رحمة بالوليد الذي سيكون منبوذاً اجتماعياً.
التفسير الثالث: ان جملة من الوظائف الاجتماعية منوطة شرعاً وعقلاً بمن يحبه الناس ويميلون إليه، ولا ينبغي ان تناط بأناس مبغوضين ومنبوذين من قبل الآخرين. وعلى ذلك عدة شواهد من الأحكام الشرعية. منها: ان الفقهاء قالوا: انه إذا تشاح عدد من الناس وتعارضوا على إمامة الجماعة، ينبغي تقديم من يميل إليه المأمومون أو يحبونه. ومن ذلك الحكم باستحباب قضاء حاجة الإخوان وصلتهم. والإخوان تعبير آخر عن المحبوبين. كل ما في الأمر ان الحب في الشريعة لا يكون سببه إلا الإيمان ومن هنا عبروا بالإخوان المؤمنين أو الإخوان في الله.
إذا عرفنا ذلك والتفتنا إلى ان ولد الزنا يكون لا محالة في المجتمع المسلم منظوراً إليه بنظر الاحتقار والازدراء. إذن فمن الصعب ان يكون مشمولاً للأحكام التي تختص بالمحبوبين والمحترمين.
ــــــــــــــــــــ[262]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فهذا هو الكلام في المستوى الثالث لتفسير الخسة والضعف في ولد الزنا.
المستوى الرابع: ان هناك اتجاهين فلسفيين في الفلسفة الإسلامية حول الروح، هل هي نازلة على الجنين من الأعلى أو هي نابعة فيه من داخله بسبب مادي.
فالرأي الأول هو الذي يقرره الشيخ الرئيس ابن سينا في قصيدته العينية المشهورة حين يقول:
(هبطتُ إليك من المحل الأرفع) وهو ما يقتضيه أيضا قول الفقهاء والمفكرين الإسلاميين عن الجنين: انه ولجته الروح، أي دخلته بعد ان لم تكن فيه. وإنما تدخله من خارجه لا محالة، يعني من خارج العالم المادي، وهو العالم المناسب مع خلقتها ووجودها.
واما الرأي الثاني فهو الذي اختاره صدر المتألهين في كتابه (الأسفار الأربعة) للقول بالحركة الجوهرية للأشياء المادية، فهي تصل بحركتها الجوهرية إلى درجة التجرد الروحي. بما في ذلك حال الجنين في بطن أمه.
ومن هنا قال: بأن الروح مادية الحدوث روحانية البقاء أو مجردة البقاء. ونفى نزول الروح على الجنين من أعلى لاستلزامه في نظره اجتماع روحين في جسد واحد وهو محال أو خلاف الوجدان.
ويمكننا الآن ان نتكلم في ابن الزنا على كلا هذين المسلكين الفلسفيين:
اما على المسلك الأول فتحليل الحال يكون كما يلي:
ان الله سبحانه وتعالى كلما رأى المورد أكثر صلاحاً وورعاً، كما لو كان الزوجان صالحين، وذكرا الله سبحانه في المواقعة أو كانا على وضوء ونحو ذلك.. أرسل بقدرته سبحانه في ذلك المورد روحاً صالحة لها من الأعلى، كما هو على المسلك الذي نتكلم عنه الآن.
ــــــــــــــــــــ[263]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وكلما كان المورد أكثر رداءة وعصياناً أرسل منه روحاً رديئة. وهذا غير متعين في موارد الوطئ الحلال. ولكنه يكون متعيناً في الزنا أو الوطئ الحرام، كابن الحيضة ونحوه. فانه بعد ان دلت الأدلة على سوء الناتج، دل ذلك -بناء على هذا المسلك- ان الله سبحانه اختار للمورد روحاً فاسدة ورديئة ومن (العالم الأسفل) كما يعبرون، وذلك: لأن المورد الرديء لا يتحمل روحاً صالحاً. أو قل: ان الأرواح الصالحة (حباً لها وإكراماً لها) يصونها باريها عن الموارد الرديئة وان الأرواح غير الصالحة (بغضاً لها وانتقاماً منها) يرسلها باريها إلى الموارد الرديئة.
ومن هنا نجد ان ابن الزنا يكون شخصاً رديئاً نفسياً وسلوكياً، لأن حقيقته الروحية هي كذلك.
وهذا الكلام مبني على ان الأرواح ليست فقط انها موجودة قبل الولادة، بل هي على مستويات وأشكال مختلفة في الإيمان أو الفساد، كما عليه الناس في الدنيا تماماً. وهذا صحيح في الجملة. وأهم أسبابه هو سلوك الروح يوم الميثاق. يوم قال الله سبحانه لبني آدم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى(1). كما نص عليه القرآن الكريم وسمي في الأخبار بيوم الميثاق.
فمن الأرواح من بادر إلى الجواب ومنهم من تباطأ ومنهم من تأخر جداً ومنهم من قال ذلك على مضض ومنهم من لم يجب أصلاً، تبعاً لمستوياتهم النفسية والعقلية. ومن هنا تراوحت الأرواح في المستويات وأمكننا ان نتصور وجود الروح العليا والروح السفلى.
وعندئذ يتم ما قلناه بناء على هذا المسلك: من ان الله سبحانه بقدرته يرسل الروح الرديئة في المورد الرديء.
ــــــــــــــــــــ[264]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الأعراف: 172.
واما على المسلك الثاني من ان (الروح مادية الحدوث روحانية البقاء)، فيمكن تحليل الأمر كما يلي:
انه عند الفلاسفة قاعدة عامة تقول بضرورة التناسب بين العلة والمعلول من حيث العدد من ناحية والنوعية أو الصفة من ناحية ثانية. وهذا ما لا مجال الآن للدخول في برهانه. كل ما في الأمر اننا ينبغي ان نحمل فكرة عن بعض أمثلته. حيث قالوا: ان الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، يعني إذا كانت العلة واحدة كان المعلول واحداً ولا يمكن ان يكون متعدداً، وكذلك العكس. فانه إذا كان المعلول واحداً عرفنا صدوره من علة واحدة لا من علل متعددة. وإنما الكثير يصدر من الكثير، يعني ان الكثير من المعلولات يصدر عن الكثير من العلل.
إلى جانب ذلك: فالعلة الحلوة المذاق تنتج معلولاً حلو المذاق، ولا يمكن ان تنتج معلولاً حامضاً مثلاً. والعلة النيرة والمضيئة تنتج معلولاً نيراً ومضيئاً. والعلة الخسيسة تنتج معلولاً خسيساً والعلة الشريفة تنتج معلولاً شريفاً، وهكذا.
إذا عرفنا هذه القاعدة، وضممناها إلى المفهوم القائل بان الزنا عملية رديئة وخاطئة وخسيسة. إذن فهذه العملية ستكون علة خسيسة لإنتاج الولد. وطبقاً للقاعدة المشار إليها، لابد ان تنتج هذه العلة الخسيسة معلولاً خسيساً. وهو ابن الزنا بما فيه من صفات رديئة وعيوب.
يبقى أن نلتفت: إلى ان هذا التسلسل الفكري متوقف على اعتبار الجهة المعنوية أو الأخلاقية الرديئة في الزنا. وهي من جملة صفات ومقومات العلة المادية لولد الزنا. واما لو لاحظنا حال الحمل والولادة بغض النظر عن ذلك، لم يكن مختلفاً عن أي حمل آخر بطبيعة الحال.
ومثل هذه النتيجة يمكن أن يقبل بها صدر المتألهين الذي نتكلم عن
ــــــــــــــــــــ[265]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
مسلكه الآن. لأنه واضرابه لا يرون انفكاكا في التأثير بين الكونين المادي وغيره أو العالمين المنظور واللامنظور.
واما على المستوى المادي الخالص، فلا يمكن إثباته، كل ما في الأمر انه يمكن ان نعطي للقارئ بعض الأمثلة بحيث يتضح التأثير المتبادل بين الجانبين المادي والمعنوي، الأمر الذي ينتج خطأ الاتجاه المادي الخالص في فهم العالم.
فمن تلك الأمثلة: انه ثبت بالعلم الحديث والتجربة المستمرة لأي فرد تأثير الجانب النفسي في إيجاد المرض العضوي، وفي شفائه أيضا. كما ثبت ان للفرد ما يسمى (بالساعة البايولوجية) حيث يكون في بعض أوقاته مرحاً وفي بعضها منقبضاً، وهذا يؤثر على الكيان المادي للشخص سواء على مستوى التصرفات أو ما يقول من الكلام أو الأمراض أو حتى التداوي بالأدوية المعروفة، حيث يكون الأنسب ان يستعملها خلال بعض ساعاته دون الأخرى، كما أعطوا لذلك تفاصيل لا مجال لذكرها.
هذا، ولا ينبغي ان ننسى انقسام الناس إلى ذكي وغبي، والى نشط وانطوائي، والى حاد المزاج والهادئ. إلى غير ذلك من الجوانب المعنوية التي لا تؤثر فقط على الفرد، بل تملكه أحياناً تماماً، بمعنى انها تؤثر على كل سلوكه وكيانه.
هذا بعد الاعتراف، كما اعترف به العلم الحديث، خلافاً للمسلك المادي الخالص الذي كان معروفاً قبل قرن أو قرنين، بأن أمثال هذه الجوانب انما هي جوانب معنوية ونفسية، وليست جوانب مادية خالصة.
إذن، فالحالة المعنوية للزنا، يمكن ان تجعله علة مادية رديئة وخسيسة. وخاصة بعد ان نلتفت إلى ان الفاعلين أنفسهما فيهما جانب نفسي واضح ومُلتفت إليه من قبلهما، بانهما يفعلان أمراً محظوراً في الأديان السماوية
ــــــــــــــــــــ[266]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الثلاثة، بل في المسالك الفكرية المعمقة والديانات على اختلاف أنواعها. وهذه الجهة النفسية ستكون مؤثرة على إنتاجهما تماماً كأي تأثير نفسي آخر، مما سبق ان عددنا أمثلته.
فان تنازلنا -جدلاً- عن إعطاء اليقين بهذا التأثير فلا اقل من احتماله، الأمر الذي يجعل هذا الجواب (أطروحة) محتملة لتصحيح ما دل على خساسة ولد الزنا. ودفع ما قد يخطر في البال ضد ذلك من المحتملات. حيث ان القاعدة: انه إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال. ونحن الآن قد ذكرنا احتمال صحة ذلك فيبطل الاستدلال ضده.
شكواه:
أعني شكوى ولد الزنا. من حيث اننا سمعنا في أول هذا الفصل ما روي من أنه “يأتي ولد الزنا يوم القيامة وهو يقول -أو يصيح-: ما ذنبي؟”.
وقد كان لذلك مبرره في أول الفصل، حين كنا جاهلين أو غافلين عن التفاصيل التي عرفناها خلال الحديث. واما الآن فقد أتضح تماماً انه لا معنى لذلك تماماً. بل يمكن المناقشة في مؤداه من عدة وجوه:
الوجه الأول: أنني في حدود ما رأيت من المصادر لم أجد لهذا الخبر سنداً صحيحاً، إذن، فهو ليس بحجة.
الوجه الثاني: ان الفقهاء قالوا في علم الأصول: ان معنى أن يكون الخبر حجة، هو ان يكون الخبر منجزاً للحكم أو معذراً عنه، كالأخبار النافية للتكليف. وأما تلك الأخبار التي لا تتضمن حكماً شرعياً فلا معنى للقول بحجيتها، ولا نستطيع ان نثبت قوله لها بطريق مشروع في الدين. يشمل ذلك كل الأخبار التي تتحدث عن أحوال يوم القيامة والموت ووصف الجنة والنار وأحوال الملائكة والجن وتواريخ الأمم السابقة، وغير ذلك.
ــــــــــــــــــــ[267]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وتفاصيل الدليل على ذلك موكول إلى علم الأصول، وهذه القاعدة وان لم تتم عندنا هناك، بشكل يمكن القول الآن انها مبالغ فيها. إلا انها لو تمت لشملت محل الكلام لأن الخبر الوارد عن ولد الزنا الذي سمعناه لا يتضمن أي حكم شرعي لكي يكون منجزاً أو معذراً ومن ثم ليكون حجة. إذن فهو ليس بحجة.
الوجه الثالث: انه ساقط عن الحجية باعتبار معارضته للقرآن الكريم. فان ظاهر الخبر هو: ان الله سبحانه وتعالى يريد ان يعاقبه بجرم والديه فيقول الولد: ما ذنبي. وهذا مضمون باطل بضرورة الدين، ونص القرآن الكريم إذ يقول: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً(1) ويقول: أم يَخَافُونَ ان يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ(2).
ولا شك ان معاقبة شخص بجرم آخر ظلم وحيف. كما انه يقول: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى (3). فإذا عاقبه الله سبحانه بجرم والديه كان على خلاف ما قاله هو نفسه في كتابه: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(4).
الوجه الرابع: ان مضمون هذا الخبر ليس هو ما قلناه. بل هو التساؤل عن سبب النجاسة الذاتية التي قدرها الله تعالى له. وفي هذا ما يلي:
أولاً: انه اعتراض على الله سبحانه وتعالى في قضائه وقدره. وهو محرم. إلا ان ابن الزنا لا يتورع عن ذلك لا في الدنيا ولا في الآخرة. فلو فهمنا هذه العبارة على انها شيء خاطئ يقوله ابن الزنا لكان لها وجه وجيه.
ــــــــــــــــــــ[268]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الكهف: 49.
(2) النور: 50.
(3) الأنعام: 164.
(4) يونس: 18.
ثانياً: ان هذا التساؤل قد يكون له وجه في الدنيا حين يكون الفرد جاهلا بنفسه غافلا عن مصيره. واما في يوم القيامة فسيكون الفرد أكثر اطلاعاً على حقيقة نفسه وعلى مبدئه ومعاده وعلى عيوبه وذنوبه. إذن فهو يعرف الجواب سلفاً على هذا التساؤل. ومعه لا معنى لصدوره عنه.
ثالثاً: اننا لو فرضنا ولد الزنا يبقى جاهلا بحقيقته حتى في يوم القيامة. فينفتح فمه بمثل هذا التساؤل. فسوف يجاب جواباً شافياً مفحماً له وتكون الحجة ضده، ومن المستحيل ان تكون إلى جانبه بعد ان نعلم ان فَلِلَّهِ الحُجَّةُ الْبَالِغَة(1) وانه لا يمكن عقلا لأحد المخلوقين ان يقيم الحجة على العكس. إذ تكون عندئذ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ(2) أي مدحوضة وباطلة.
ومن هنا يظهر: ان هذا الخبر ان كان يتضمن إقامة الحجة الصحيحة ضد قضاء الله وقدره، فهو مناف لضرورة الدين ونص القرآن الكريم من هذه الناحية أيضا. فيكون واضح البطلان.
الأحكام الفقهية لولد الزنا:
ولا نريد هنا التحدث عما سبق من حرمانه من القضاء وإمامة الجماعة ونحوها. وإنما نريد الحديث هنا عن علاقته بأسرته وعشيرته.
وأخص الناس بالولد والداه، فما هي نسبته إليهما. هل هي أمه وهل هو أبوه أم لا؟ ان كانا والديه حقاً فلماذا انقطع الميراث بينهما؟ وان لم يكونا والديه فلماذا لم يجز زواج الولد من أمه والأنثى من أبيها؟
ــــــــــــــــــــ[269]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الأنعام: 149.
(2) الشورى: 16.
وعلى العموم فان الفقهاء اثبتوا لابن الزنا بعض أحكام البنوة، ونفوا عنه البعض الآخر، فما هي القاعدة في ذلك. وهنا يمكن تسجيل مسلكين فقهيين رئيسيين:
المسلك الأول: إن البنوة والأبوة والأمومة منتفية بين الولد ووالديه، ومقتضى القاعدة انتفاء كل الأحكام الخاصة بذلك، إلا إذا ثبت وجوده بدليل خاص أو لأجل الاحتياط، كالتزاوج بينهما.
المسلك الثاني: ان البنوة والأبوة والأمومة موجودة بين الولد ووالديه، ومقتضى القاعدة ثبوت كل الأحكام الخاصة بهذا الخصوص، إلا إذا ثبت نفيه بدليل خاص، كالتوارث بينهما.
وبعد ان نلتفت إلى ان ولد الزنا هو ولد حقيقي وعرفي لوالديه. لأن الولد للمرأة ليس إلا من حملت به ووضعته، والولد للرجل ليس إلا من أنزله في فرج امرأة. أو قل: من تكوّن من الحويمن النازل منه. وكل هذا ينطبق على الولد، كما ينطبق من جانبه الآخر على الوالدين.
فهل موضوع الحكم الشرعي في أحكام الأسرة، هو الوالدين بهذا المعنى الذي يمكن تسميته بالولادة الطبيعية أو الحقيقية، أو يحتاج ترتب هذه الأحكام إلى شرط زائد وهو كون الولادة مشروعة وغير منفية شرعاً. ويمكن إقامة الدليل على نفي العلاقة شرعاً في ابن الزنا، الأمر الذي ينفي موضوع تلك الأحكام تعبداً وان كان موجوداً حقيقة.
إلا ان القدر المتيقن، هو ان موضوعات الأحكام إنما هي موضوعات عرفية، بمعنى استفادة معناها من العرف. ولا شك ان العلاقة مع ابن الزنا علاقة عرفية، فمن هذه الناحية تكون مشمولة لكل أحكام الأسرة إلا ما خرج بدليل.
ــــــــــــــــــــ[270]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وهذا معناه اننا إلى هنا استطعنا ان نبرهن على المسلك الثاني. وإنما يكون صاحب المسلك الأول مسؤولا عن إثبات أحد أمرين ان تم أحدهما صح مسلكه وإلا فالمسلك الثاني هو الصحيح:
الأمر الأول: ان موضوع الأدلة ليس هو مطلق الأبوة والبنوة والأمومة، بل هي الأبوة المشروعة المعترف بها من قبل الشارع.
الأمر الثاني: ان موضوع الأدلة وان كان هو مطلق هذه العلاقات، إلا ان العلاقة الناتجة من الزنا منفية تعبداً في الشريعة، فوجودها كعدمها، فلا تكون موضوعا للأحكام. ومثاله إسقاط المالية عن الخمر والخنزير، مع انهما يعتبران مالين عرفاً.
أما الأمر الأول فمن الواضح انه لا دليل عليه. لأنه يتضمن شرطاً زائداً مضافاً إلى معنى العلاقة، وهو ما يحتاج إثباته إلى دليل، وهو منتف. ويكون مقتضى الأصل اللفظي والعملي نفيه.
كل ما في الأمر انه قد يستفاد مما قد يستدل به في الأمر الثاني، على نفي العلاقة بابن الزنا.. يستفاد تقييد العام المقابل له بأن لا تكون العلاقة منفية ومن ثم يجب ان تكون مشروعة.
إلا أن هذا التقييد أمر غير عرفي ولا تام كبرى، كما هو محقق في محله. ويكفي لموضوعية الأحكام أن يبقى الباقي بعد خروج الحصة بالدليل الثاني، ان يبقى الباقي على رسله وفهمه العرفي. فان كان ولا بد فالقيد عدمي وهو كونه غير منفي شرعاً. وهو وجداني في الجملة. ولا دليل على القيد الزائد.
فهذا حال الأمر الأول. وقد عرفنا عدم صحته.
إذن، يبقى المسلك الأول متوقفاً على الأمر الثاني خاصة. واهم ما يمكن ان يستدل به على نفي العلاقة بين الأبوين وولد الزنا أمران:
ــــــــــــــــــــ[271]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
أحدهما: الأدلة الدالة على نفي بعض الأحكام كالإرث عن ابن الزنا. فيقال: انه يستفاد منه بالدلالة الالتزامية كونه ليس ذو علاقة، إذ لو كانت العلاقة موجودة لما انتفى الحكم عنه.
وجوابه: ان هذه الدلالة الالتزامية غير موجودة، عرفاً. إذ نفي الحكم اعم من النفي في مرتبة الموضوع ومن النفي مرتبة المحمول. ومقصود المستدل هو الأول ولكن كما يمكن ذلك يحتمل الثاني أيضا، يعني نفي الحكم بالرغم من ثبوت العلاقة. فلا تكون الدلالة الالتزامية ثابتة. أو لا دليل على ثبوتها على الأقل.
ثانيهما: الحديث النبوي المشهور بين المسلمين جميعاً. وهو قوله: “الولد للفراش وللعاهر الحجر”. حيث يستفاد منه ان العاهر ليس لها ولد وإنما يكون لها بدله الحجر تضرب به. فيكون واضحاً في نفي العلاقة.
ويمكن المناقشة في ذلك من عدة وجوه نذكر منها:
أولاً: ان هذا الفهم لو كان واضحا ومسلّما، لانتفت كل الأحكام القائمة بين الولد ووالديه، في حين ان عدداً منها ثابت بلا إشكال كجواز النظر وحرمة التزويج. مع العلم انها ليست خارجة بدليل يخصها. إذن، فما قيل في ثبوت هذه الأمور يمكن أن يقال في ثبوت غيرها.
ثانياً: ان ظاهر كلمة (العاهر) عرفاً هو المرأة الزانية وليس الرجل. فينتج الحديث بناء عليه: ان العلاقة منفية بين الولد وأمه دون أبيه. وهذا غير محتمل فقهياً. إذ ما قيل بنفيه أو ثبوته من العلاقات مشترك بين الأبوين.
ثالثاً: ان ظاهر كلمة (العاهر) عرفا ليس هو الزانية في الجملة، بل المحترفة لذلك وهي المسماة بالمومس، بل ان ظاهر كلمة (الزانية) هو ذلك، ما لم تدل قرينة على إرادة المرة والمرتين. وهذا هو الذي فهمه الفقهاء من قوله
ــــــــــــــــــــ[272]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
تعالى: وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا الا زَانٍ أو مُشْرِكٌ(1). يعني المعلنة بالزنا والمحترفة له. فكيف بلفظ العاهر. فانه أولى بذلك جداً عرفاً.
وهذا معناه: إنتاج الحديث لنفي العلاقة بين العاهر المحترفة وولدها، دون الزانية لمرة ومرتين. وهذا غير محتمل فقهياً، كما هو واضح. بل حكم الزنا مشترك بين الجميع.
وقد يخطر في البال: انه يمكن تجريد (العاهر) عن الخصوصية لنفهم منها كل (زانية).
إلا ان هذا غير ممكن عرفاً. لاختصاص العاهر بالخسة والسفالة أكثر من غيرها. إذن، فالحكم الوارد عليها لا يمكن عرفاً شموله لغيرها. نعم، لو كان الأمر بالعكس أمكن ذلك من حيث ان الحكم الثابت لمطلق الزانية يشمل العاهر، إلا ان الأمر لدى المستدل بالعكس.
رابعاً: انه يمكن أن يقال: ان قوله : “للعاهر الحجر”. لا يعني نفي الولد، حتى بعد التنزل عن الوجوه السابقة. من حيث انه دال على ان العاهر تستحق الحجر لتضرب به عقوبة، وهو الحد. وهذا لا ينافي ثبوت الولد لها أيضا. فالفراش له ولد وليس له حجر. اما العاهر فلها الحجر مضافاً إلى الولد. وهذا يكفي فرقاً بين الفقرتين.
والنتيجة: انه لا يصح الاستدلال بهذا الحديث النبوي لنفي العلاقة بين الولد ووالديه الزانيين.
ومعه تبطل الوجوه كلها الدالة على ذلك. ومعه نرجع إلى الفهم العرفي للأب والأم والأبوين والوالدين والولد والابن ونحوها مما هو مأخوذ في
ــــــــــــــــــــ[273]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) النور: 3.
موضوعات الأدلة، الشامل عرفاً لولد الزنا. فيكون مشمولاً للأحكام كلها ما لم يخرج الحكم بدليل. وقد عرفنا انه ينفيه محمولاً لا موضوعاً.
ونتيجة ذلك: هو ان الأحكام المشكوك شمولها فقهياً لولد الزنا، ينبغي ان يقال بثبوتها له ما دام موضوعها الأم أو الأب أو الولد أو البنت أو الوالدين ونحو ذلك، إلزامية كانت أو استحبابية.
واما الأحكام التي يكون ثبوتها أو انتفاؤها قطعياً أو مسلّماً، فهي ثابتة على مقدار التسليم.
وذلك ان أحكام الأسرة عديدة نذكر منها ما يلي:
الأول: الإرث. فلو مات أحد الوالدين ورث الولد أو البنت، وإذا مات الولد أو البنت في حياة والديه أو أحدهما ورثا منه. وهذا الحكم قطعي الانتفاء بالنسبة إلى ذرية الزنا.
الثاني: حق حضانة الأم أو الأب للولد والبنت بمقدار من الزمن مذكورة في محلها. وهذا الحكم محتمل الثبوت فقهياً لذرية الزنا. فيكون ثابتاً بالدليل السابق الذي ذكرناه.
الثالث: وجوب نفقة الأب على الذرية. ومقتضى القاعدة التي ذكرناها هو ثبوت ذلك على الزاني. وعلى أي حال فلا مجال لجريان أصالة البراءة لوجوب النفقة، لأن الطفل ممن يجب نفقته على المسلمين على أي حال، وأبوه أولى الناس بذلك.
الرابع: وجوب الاحترام أو الطاعة للوالدين. إلا ان هذا قطعي الانتفاء عن الزانيين.
الخامس: ان الأب لا يقاد بقتل الولد. وهذا محتمل الثبوت فقهياً، فيكون مقتضى القاعدة السابقة ثبوته. ولا اقل ان احتماله يكون موضوعاً لأصالة البراءة
ــــــــــــــــــــ[274]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
المنتجة لعدم وجوب القود.
السادس: حرمة الزواج بين الوالدين والذرية مع تعدد الجنس، وهذا قطعي الثبوت للزنا كما هو ثابت لغيره. مضافاً إلى انه هو مقتضى القاعدة السابقة.
السابع: حرمة الزواج بين الإخوة مع تعدد الجنس. وهذا حكم محتمل الثبوت في الزنا حتى لو كان كلهم من الزنا، فضلا عما إذا كان الباقون أولاداً مشروعين. فيكون مقتضى القاعدة السابقة صحته.
الثامن: العلاقة بين الوالدين كوجوب النفقة على الزوج، ووجوب التمكين على الزوجة. وهذا قطعي العدم في الزنا، لوضوح ان موضوعه الزوج والزوجة، وهما ليسا كذلك.
التاسع: وجوب تربية الذرية تربية صالحة. والتسبيب إلى مستقبل صالح لهم اقتصادياً واجتماعياً. وهذا أمر محتمل الثبوت للوالدين الزانيين فيكون ثابتاً بمقتضى القاعدة السابقة.
العاشر: جواز النظر مع تعدد الجنس بينه وبين والديه وإخوانه وأخواته بالحلال أو بالزنا. فان هذا الحكم قطعي الثبوت في ولد الزنا ولا يجب على الأم أو الأخت ان تتحجب منه.
هذا، واما الأحكام الأخرى الثابتة بين الناس كنفوذ معاملاته وصون نفسه وأمواله ونحوها فهي ثابتة في ابن الزنا كما هي ثابتة لغيره.
نعم، إذا أصبح فرداً سيئاً في المجتمع كانت العلاقة والصداقة معه مرجوحة وغير محمودة شرعاً. لا بصفته ابن زنا بل بصفته فرداً سيئاً، لأن العلاقة مع أي فرد من أفراد السوء مرجوحة.
ــــــــــــــــــــ[275]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
قتلهُ:
هذا ولا يفوتنا قبل نهاية هذا الفصل ان نشير إلى ان ما عليه ديدن الزناة ان يلقوا بأولادهم في المزابل بعد ولادتهم مباشرة أو يقوموا بقتلهم. فهذا عمل شنيع ومحرم شرعاً ومخالف لعدد من الواجبات التي عرفناها للوالدين تجاه ولدهم وان كان من زنا.
وعلى أي حال فمع الحرج أو الضرر الشديدين، يكون للوالدين إبعاد ولدهم. إلا ان هذا مع إحراز بقائه على قيد الحياة. وأما مع التغرير بحياته أما بقتله أو بإلقائه في موضع مضنون الموت فيه. فهذا حرام لا يكون الحرج والضرر سبباً لتحليله.
نعم، مع وجود التهديد بالقتل على الزاني أو الزانية، قد يكون مقتضى القاعدة جواز قتل المولود. لليقين بتفضيل الكبير شرعاً على الصغير. غير انه يحول دون ذلك كونه اضطراراً بالاختيار فلا ينافي الاختيار، فتأمل.
ــــــــــــــــــــ[276]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل الرضاع
والكلام في ذلك ينبغي أن يقع تحت عدة عناوين، لكي نبحثه من جميع جوانبه المهمة.
لُحمة الرضاع:
هناك نص موروث أو قاعدة فقهية تقول ان (لحمة الرضاع كلحمة النسب) واللحمة بمعنى الالتحام والاتصال. فيكون المعنى ان الاتصال الذي يحصل بالرضاع التام الجامع للشرائط التي سوف نبحثها. يكون بمثابة الاتصال النسبي. فتكون المرضعة أماً وأولادها إخوة وزوجها أباً وأخوها خالاً وأخوها عماً وهكذا.
وهذا في الجملة مسلم. إلا انه من المسلم به أيضا ان الأحكام المترتبة على القرابة الناتجة من الرضاع لا تشمل كل الأحكام المترتبة على القرابة النسبية. وإنما تختص فقط بتحريم النكاح وجواز النظر بين الجنسين.
وأما سائر الأحكام على تعددها فهي أجنبية عن القرابة الرضاعية تماماً. كوجوب النفقة وحق الحضانة ووجوب الطاعة أو الاحترام، والإرث، وهو من أهمها، وعدم قود الأب بقتل ابنه إلى غير ذلك، فان جميع ذلك لا يترتب على الرضاع منه شيء أصلاً. وان كان هو مقتضى إطلاق الخبر المشار إليه. إلا ان ترتب هذه الأحكام غير محتمل فقهياً على الإطلاق.
ــــــــــــــــــــ[277]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ولعل مما يقرب ذلك أو يدل عليه هو التفريق بين الأب والوالد والأم والوالدة، فالأب والأم معنى أوسع من الوالد والوالدة. فالأولين قد يشملان المربي حياتياً أو علمياً ونحو ذلك، بخلاف الأخيرين، فانهما يختصان بمن حصلت منه الولادة.
ومن الواضح عندئذ ان الأب والأم الرضاعيين هم أب وأم وليسوا والداً ولا والدة. فالدليل الدال على حكم من الأحكام المتعلقة بالأسرة ان كان موضوعه الوالد أو الوالدة، لم يشمل الحالة الرضاعية وان كان موضوعه الأب والأم فقد يشملهما.
وهذا الوجه معقول تماماً، إلا انه خاص بالوالدين ولا يشمل الأخوة وغيرهم. كما انه ليس ذي أثر معتد به في التسالم الفقهي على عدم ترتب شيء من تلك الأحكام السابقة مهما كان العنوان المأخوذ فيها.
إذن، فالحديث القائل: لحمة الرضاع كلحمة النسب، خاص بتحريم النكاح وجواز النظر. وبتعبير آخر: انه خاص بتحريم النكاح، يعني التحريم المؤبد بحيث تصبح المرأة من (المحارم). وجواز النظر يلحق المحارم أينما وجدن. أذن، فمدلوله -فقهياً- حكم واحد لا أكثر(1).
وهو دليل لا إطلاق فيه لبعض موارد الشك لأن المقصود فيه هو بيان أصل الحرمة، وليس المتكلم في مقام بيان تفاصيلها لينعقد هناك إطلاق. وإنما حوّل الأمر على أدلة أخرى تدل على التحريم النسبي، فما ثبت انه حرام نسباً أصبح حراماً رضاعاً.
وحيث لا أطلاق فيه لا يمكن التمسك به في موارد الشك. وإنما يؤخذ
ــــــــــــــــــــ[278]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) وأما ما رواه في الوسائل صحيحاً ومستفيضاً من قولهم : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. فهو خاص بالتحريم المذكور أيضا بدلالته المطابقية ولا يمكن ان يشمل غيره.
بالقدر المتيقن. والقدر المتيقن هو حرمة المرضعة على المرتضع وحرمة ولدها أو بنتها عليه، أعني المشارك له في الرضاعة مع تعدد الجنس. وهو من يسمى بالرضيع فقهياً.
وأما الرضيع مع إخوة المرتضع والمرتضع مع إخوة الرضيع وإخوة الرضيع والمرتضع مع بعضهم البعض. فهو خارج عن القدر المتيقن. ومن هنا وقع مورداً لاختلاف الفتوى بين الفقهاء.
فمنهم من يقول: إنه بسبب الرضاع أصبح كل هؤلاء إخوة. والإخوة يحرم بعضهم على بعض من الجنسين. إذن، فهؤلاء يحرم بعضهم على بعض.
ومنهم من يقول: إن الرضاع الذي هو سبب للتحريم ليس أكثر مما وقع بين الرضيع والمرتضع، فيحرمان على بعضهما. وأما الباقون فليس فيهم رضاع حتى بين المرتضع وإخوة الرضيع وبين الرضيع وإخوة المرتضع. فضلا عن هؤلاء الإخوة فيما بينهم. فلا موجب للقول بالحرمة. ومقتضى أصالة البراءة نفيها. ويكون الاحتياط فيه استحبابياً.
ومن الفقهاء من يفرق بين مستويات هذه القرابات. فيفتي بالحرمة بين الرضيع والمرتضع لأنه من موارد القدر المتيقن من دليل الحرمة. ويحتاط بالحرمة بالنسبة إلى العلاقة بين المرتضع وإخوة الرضيع وبين الرضيع وإخوة المرتضع ويكون الاحتياط وجوبياً هنا. واما العلاقة بين أخوة الرضيع وإخوة المرتضع فلا موجب للقول بتحريمها، فانه لا رضاع بينهم ولا نسب.
ومقتضى أصالة البراءة نفي الحرمة. ويكون الاحتياط فيهم استحبابياً.
هذا، ولا يخفى انتشار الحرمة خارج الأسرة أيضاً، كالأجداد والأحفاد والأعمام والأخوال، على غرار ما قلنا في التحريم النسبي. فإنها جميعاً داخلة في القدر المتيقن من التحريم، ولا ينبغي ان يخطر على البال ان فيها مورداً
ــــــــــــــــــــ[279]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
مشكوكاً كالمثال السابق.
الآية الكريمة:
قد يقال: ان الآية الكريمة الآتية تكفي عن الاستدلال بالحديث الشريف وهي قوله تعالى(1): وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَة.
وذلك بالتجريد عن الخصوصية، لأن التحريم الرضاعي في الآية الكريمة جاء بعد التحريم النسبي حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ. إذن فالمفهوم عرفاً من التحريم الرضاعي، كونه تحويلا على جميع العناوين السابقة عليه من التحريم النسبي.
أو بتعبير آخر: انه لا يجد العرف اختصاصاً في التحريم بالأمهات والأخوات الرضاعيات، بل نفهم من هذين اللفظين ما يعم سائر الأقارب المحرمة. فتحرم بالرضاع أيضا.
الا ان هذا التعبير الأخير ليس بصحيح لاختصاص الأم والأخت بالأهمية في نظر الشارع أكثر من غيرهما. فإذا كانتا محرمتين، فلا يلزم من ذلك تحريم غيرهما الا من باب القياس الذي لا نقول به، وليس الأقارب على قدم المساواة من حيث الأهمية، ليمكن التجريد عن الخصوصية.
واما التعبير السابق عليه، وهو ان التحريم الرضاعي تحويل على التحريم النسبي في سياق الآية الكريمة فهو وان كان محتملا، الا ان ظهوره اللفظي بشكل يكون معه حجة مشكل.
ومعه تختص دلالة الآية بتحريم الأمهات والأخوات من الرضاعة دون من سواهما. إذن فالحديث الشريف أوسع مدلولا من الآية الكريمة، ولا يمكن ان
ــــــــــــــــــــ[280]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) سورة النساء: آية 23.
يستغني بها عنه.
شروط الرضاع:
للرضاع المحرم عدة شروط أكثرها محل خلاف بين الفقهاء فيها وفي تفاصيلها:
الشرط الأول: اتحاد الفحل وهو الرجل الذي در اللبن بسببه. فلا ينشر الحرمة إذا كان اللبن من فحلين ولو كانت المرضعة واحدة.
الشرط الثاني: وحدة المرضعة. فلا ينشر الحرمة إذا تعددت، ولو كان اللبن لفحل واحد.
الشرط الثالث: ان يكون اللبن قد در لنكاح محلل أو صحيح. ويراد بالمحلل ما يشمل وطئ الشبهة. ويراد بالنكاح الصحيح ما لا يشمله. إذن فالزنا لا ينشر الحرمة.
الشرط الرابع: ان يكون المرتضع في الحولين أي لم يتجاوز عمره سنتين. فإن كان أكبر من ذلك لم ينشر الحرمة.
الشرط الخامس: ان يكون الرضيع يعني ولد المرضعة أو بنتها دون السنتين أيضا. فان كان أكبر من ذلك لم ينشر الحرمة وان كان المرتضع صغيراً.
الشرط السادس: ان يشرب من ثدي المرأة بنفسه. فلو حلبت له وأعطته لم ينشر الحرمة.
الشرط السابع: ان يشرب من اللبن حتى يشبع، ويصدر من قبل نفسه لا عن مرض أو مغص. فان منعته المرضعة من الاستمرار في الرضاع لم ينشر الحرمة.
الشرط الثامن: ان لا يأكل بين وجبات الرضاع طعاماً آخر ولا بأس بالماء
ــــــــــــــــــــ[281]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الخالص. وأما السوائل المغذية كعصير الفواكه فحاله حال الطعام.
الشرط التاسع: قد يقال: ان سبب نزول اللبن يجب ان يكون بالجماع. فلو كان بالتلقيح الصناعي ونحوه لم ينشر الحرمة.
الشرط العاشر: ان يكون نزول اللبن بسبب الحمل والولادة. فلو در من دون حمل أو قبل الولادة لم ينشر الحرمة.
الشرط الحادي عشر: استيفاء المقدار المطلوب من الرضعات، مع تحقق الشرائط السابقة.
غير ان هذا المقدار المطلوب فيه عدد من الاحتمالات:
الأول: إرضاع يوم وليلة. مهما كان عدد الرضعات.
الثاني: إرضاع عشر رضعات.
الثالث: إرضاع خمس عشرة رضعة.
الرابع: الارضاع الذي ينبت اللحم ويشد العظم.
فهذه هي شرائط الرضاع ذكرناها سرداً، بغض النظر عن ثبوت بعضها وعدم ثبوته(1)، وبغض النظر عن الأدلة الفقهية المقامة على أي واحد منها والجدل الفقهي في إثباته.
نعم، يحسن فيما يلي ان نحمل فكرة مختصرة عن المدارك والأدلة التي يمكن إقامتها على الشرط الحادي عشر. وهو استيفاء المقدار المطلوب من الرضاع.
فعن زياد بن سوقة قال(2): “قلت لأبي جعفر : هل للرضاع حد يؤخذ
ــــــــــــــــــــ[282]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) فإذا اجتمعت جميعاً فهو أحوط الأشكال في الرضاع. والا كان الفرد تابعاً لفتواه اجتهاداً أو تقليداً.
(2) الوسائل: ج 14. كتاب النكاح. أبواب الرضاع. باب 2. حديث 1.
به؟ فقال لا يحرم الرضاع اقل من يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد، لم يفصل بينهما رضعة امرأة غيرها” الحديث.
وفي صحيحة عبد الله بن سنان قال(1): “سمعت أبا عبد الله يقول: لا يحرم الرضاع الا ما أنبت اللحم وشد العظم”.
ومعتبرة عمر بن يزيد قال(2): “سألت أبا عبد الله عن الغلام يرضع الرضعة والثنتين فقال: لا يحرم. فعددت عليه حتى أكملت عشر رضعات فقال: إذا كانت متفرقة فلا”.
ومقتضى المفهوم انها إذا كانت متوالية كانت سبباً للحرمة. إلا أن العشر رضعات عورضت بعدة روايات دالة بصراحة على عدم التحريم. الأمر الذي يدل على أن المفهوم في هذه الرواية لم يكن مقصوداً. فتأمل. ولا أقل من إمكان استصحاب عدم ترتب حكم الرضاع في كمال العشر بعد التعارض.
ففي صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله قال(3): “سمعته يقول: عشر رضعات لا يحرمن شيئاً”.
وفي صحيحة علي بن رئاب عن أبي عبد الله قال(4): “قلت: ما يحرم من الرضاع؟ قال: ما انبت اللحم وشد العظم. قلت: فيحرم عشر رضعات، قال: لا، لأنه لا تنبت اللحم ولا تشد العظم عشر رضعات”.
وبهذا سقط احتمال العشر رضعات. واما احتمال اليوم والليلة فهو ساقط
ــــــــــــــــــــ[283]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: باب 3. حديث 2.
(2) المصدر: باب 2. حديث 5.
(3) المصدر: باب 2. حديث 3.
(4) المصدر: حديث 2.
لضعف سنده. واما احتمال كونه مما ينبت اللحم ويشد العظم، فهو صحيح الا انه لا يحتمل ان يزيد الرضاع على خمس عشرة رضعة. فيبقى هذا الاحتمال أعني خمس عشرة رضعة هو القدر المتيقن والمتعين. وتمام الكلام في الفقه.
هذا وينبغي في ما يلي التعرض إلى بعض النقاط:
النقطة الأولى: اننا إذا التزمنا بكلا الشرطين الأول والثاني كما هو المشهور، كان معنى ذلك ان الإخوة في الرضاع أشقاء في الرضاع دائماً أي لأب وأم رضاعيين ولا يوجد أخوين لأم فقط أو أخوين لأب فقط. فإننا إذا قلنا باتحاد الفحل كما هو المسلم فقهياً، امتنع الإخوة من الأم، لأن معناها ان تكون الأم واحدة والأب متعدداً، والمفروض اشتراط وحدته.
وان قلنا بلزوم اتحاد المرضعة كما هو المشهور امتنع الإخوة من الأب. لأن معناه أن يكون الأب واحداً والأم متعددة وقد اشترطنا اتحادها.
إذن فالإخوة من الرضاع لا بد ان يكونوا لأبوين رضاعيين مشتركين.
نعم قد يحصل تعدد الأم في الرضاع كما لو أرضعت زوجتان لشخص اثنين من المرتضعين. كما قد يحدث تعدد الأب، كما لو أرضعت امرأة واحدة اثنين من المرتضعين من لبن رجلين، ولو في فترتين من الزمان متباعدتين. إلا أن مقتضى الشرطين السابقين عدم انتشار الحرمة عندئذ، ومعناه عدم صيرورتهم أخوة بالرضاع بالرغم من حصول السبب شكلياً. نعم لو حذفنا الشرط الثاني وهو اتحاد المرضعة أمكن وجود الإخوة للأب رضاعياً وأما الشرط الأول فلا يمكن حذفه فقهياً.
هذا، ولا أثر لمثل هذا التقسيم عملياً حتى لو قلنا به، لأن الإخوة من الأب والإخوة من الأم إنما يختلفون فقهياً بالإرث فقط، وقد عرفنا فيما سبق عدم وجود التوارث بين الإخوة الرضاعيين.
ــــــــــــــــــــ[284]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
النقطة الثانية: بالنسبة إلى عمر المرتضع فانه يجب أن يكون خلال السنتين الأوليين وهو عمر الرضاع الشرعي طبقاً لقوله تعالى: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ(1) الدال على انتهاء زمن الرضاع بانتهاء العامين، وقوله (2): لا رضاع بعد فطام. أي بعد انتهاء العامين. ومعه لا يكون الرضاع محرماً إذا حصل بعد العامين ولو لرضعة واحدة، وأما عمر الرضيع وهو ابن المرضعة، فالاحتمال الفقهي لاشتراط كونه في داخل السنتين وارد أيضا باعتبار ان لا يكون اللبن الذي در له قد جاوز حد الرضاع. إلا ان الصحيح فقهياً خلاف ذلك وان كان هو الاحوط استحباباً.
النقطة الثالثة: بالنسبة إلى تناول الغذاء بين الرضعات فان المشهور بين الفقهاء المنع عنه تمسكاً بمثل قوله (رضعات متواليات) كما سمعنا ولا يراد بهذه الصفة الا عدم تناول الغذاء الآخر لا التوالي الزمني فان ذلك أنما يكون بحسب طبع الطفل في جوعه وعطشه.
وان أهم ما يجب الامتناع عنه بهذا الخصوص هو رضاع مرضعة أخرى خلال إرضاعه من المرضعة الأولى، إذا كان اللبن من الثانية بمقدار يكفي للتغذية لا كالقطرة والقطرتين. فلو حصل ذلك لم ينشر الحرمة. وهذا الشرط أعني عدم التناول الخارجي قد يعني انحصار الرضاع عملياً بالأشهر الأولى للطفل أو للسنة الأولى له. إذ لو كان عمره أكثر من ذلك لاحتاج إلى الطعام ولم يكتف باللبن، وكان قطع الطعام عنه ظلماً له وجناية عليه. ولكن مع ذلك ان حصل ذلك كان رضاعاً محرماً ما دام لم يكمل السنتين.
النقطة الرابعة: المهم في صدق الرضاع صدق الوالدين بالنسبة إلى المرتضع والرضيع معاً وهذا يصدق في بعض أشكال التلقيح الصناعي كما لو
ــــــــــــــــــــ[285]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) لقمان: آية 14.
(2) الوسائل: ج14. كتاب النكاح. أبواب ما يحرم بالرضاع. باب 5. حديث: 1،2،5،6،11.
لقحت الزوجة نفسها بماء زوجها فيكون ولدهما شرعياً واللبن شرعياً. وان كانت عملية التلقيح محرمة أحياناً، وإذا كان اللبن شرعياً أمكن ان يشارك في الحرمة.
هذا في الرضيع، وأما في المرتضع فلا أثر له ان يكون من أولاد الأنابيب أو لا يكون بعد ان يتعين والداه فقهياً، ويكون انتشار الحرمة من زاوية ذينك الوالدين.
نعم سبق في فصل التلقيح الصناعي ان الذرية الصناعية قد يكون لها أب ولا يكون لها أم كما لو كان الجنين في رحم صناعية وكان صاحب الحويمن معلوماً وصاحبة البويضة مجهولة.
وقد يكون للذرية أم ولا يكون لها أب، كما لو كان صاحب الحويمن مجهولا وصاحبة البويضة معلومة والرحم بشرية. فتكون هي أمه وليس له أب. فمن ناحية المرتضع سوف تنتشر الحرمة من الطرف الموجود بطبيعة الحال دون المعدوم.
وأما من ناحية الرضيع ولبنه فمن الواضح ان المتربي بالرحم الصناعية ليس له لبن وأما العكس أعني الذي له أم وليس له أب، فان قلنا بحرمة هذا الأسلوب أساساً لتسبيبه دخول حويمن الأجنبي إلى رحم الأجنبية، إذن لا يكون هذا اللبن سبباً للتحريم لعدم كونه ناتجاً عن نكاح صحيح. وان قلنا بالجواز من هذه الناحية (وان كان الصحيح هو الأول) أمكن إلحاق هذه الصورة بوطئ الشبهة، فان المشهور والصحيح كون اللبن الناتج عنه ناشراً للحرمة، فكذلك الحال في موضوع الكلام.
النقطة الخامسة: ان الرضاع إنما يصدق مع التقام الثدي والمص منه واما بخلاف ذلك كما لو حلبت وأعطته لم ينشر الحرمة كما سبق. ونضيف هنا ان هذا اللبن المحلوب سيكون حاله حال الطعام الخارجي مانعاً من انتشار الحرمة
ــــــــــــــــــــ[286]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ان حصل بين الرضعات المشروطة، فضلا عما إذا أردنا أن نحسبه من جملتها.
اللباء:
قال الشهيدان في (شرح اللمعة)1) فيجب على الأم إرضاع اللباء -بكسر اللام- وهو أول اللبن في النتاج. قاله الجوهري. وفي (نهاية ابن الأثير) هو أول ما يحلب عند الولادة. ولم أقف على تحديد مقدار ما يجب منه. وربما قيده بعض بثلاثة أيام. وإنما أوجب عليها ذلك لأن الولد لا يعيش بدونه.
ثم قال بعد عدة أسطر: وربما منع من كونه لا يعيش بدونه. فينقدح عدم الوجوب، والعلامة قطع في القواعد بكونه لا يعيش بدونه وقيده بعضهم بالغالب، وهو أولى. انتهى موضع الحاجة من كلامه.
وقال ابن منظور: اللبأ على فعل -بكسر الفاء وفتح العين- أول اللبن في النتاج. أبو زيد: أول الألبان اللبأ عند الولادة. وأكثر ما يكون ثلاث حلبات واقله حلبة. وقال الليث: اللبأ مهموز مقصور أول حلب عند وضع الملبىء (يعني الأنثى ذات اللبأ).
ولبأت الشاة ولدها أي أرضعته اللباء وهي تلبؤه والتبأت أنا: شربت اللبأ. ولبأت الجدي أطعمته اللبأ. أبو حاتم: ألبأت الشاة ولدها أي قامت حتى ترضع لبأها. وقد التبأناها أي احتلبنا لبأها. واستلبأها ولدها أي شرب لبأها.
قال: وألبأ اللبأ: أصلحه وطبخه. ولبأ اللبأ يلبؤه لَبْأ وألبأه: طبخه. الأخيرة عن أبي الأعرابي.
ولبأت الناقة تلبيئاً وهي مُلبِّيء بوزن مُلَبِّع: وقع اللبأ في ضرعها. ثم الفِصح بعد اللبأ إذا جاء اللبن بعد انقطاع اللباء يقال: قد أفصحت الناقة وأفصح
ــــــــــــــــــــ[287]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) ج 5. ص 452 وما بعدها. ط الجامعة
لبنها.
ومن كلام ابن منظور هذا نعرف عدة نقاط:
النقطة الأولى: ان نطق هذه الكلمة بباء ممدودة بألف بعدها. نطق خاطئ. ناتج عن الجهل في طريقة وضع الهمزة. فبدلاً عن ان توضع الهمزة على الألف نفسها (اللبأ) كما هو الصحيح، توضع الهمزة بعد الألف خطأ فيكون الألف حرفاً مستقلا. وهذا النطق هو المشهور مع الأسف.
النقطة الثانية: ان كل أنثى ذات لبن، سواء في الإنسان أو الحيوان فهي ذات لبأ في أوله. وكان العرب يحلبون لبأ الشاة والناقة ويشربونه أو يطبخونه.
النقطة الثالثة: ان مدة نزول اللبأ من الثدي قد لا يكون محدداً، فهو يختلف باختلاف نوع الأنثى من إنسان أو غيره، كما يختلف باختلاف مزاج الأنثى من حيث صحتها وطعامها وغير ذلك.
وبحسب فهمي: فان اللبأ واللبن من جنس واحد. كل ما في الأمر ان الثدي قد يمتلئ باللبن قبل الولادة بمدة كأسبوع أو أكثر. الأمر الذي يسبب طول بقاء اللبن في الثدي بدون حلب. الأمر الذي يستوجب تبخره وثخانته وهو في داخل الجسم. وقد يستوجب ذلك أيضا ان يناله من مواد الجسم مواد إضافية. الأمر الذي يعطيه صورته النهائية، فيكون مادة صمغية لزجة ذات ثقل نوعي أعلى من الحليب، كما سيأتي.
النقطة الرابعة: ليس في كلام ابن منظور ومن نقل عنه من اللغويين ان ترك ارضاع اللبأ للرضيع مضر بصحته. بل من الواضح ان العرب كانوا يحلبونه لاستعمالاتهم ويحرمون منه الرضيع. ولو كانوا يعلمون بسوء حاله عندئذ لما فعلوا ذلك.
وان كان يمكن أن يقال: ان شرب الرضيع للبأ يكفي بمقدار قليل لقوام
ــــــــــــــــــــ[288]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
صحته، ولا يلزم أن يشربه كله. ولا شك انه كان ينال منه شيئاً قليلا. ولا حاجة إلى ما هو أكثر من ذلك من الزاوية الاقتصادية، أعني للحفاظ على صحة الحيوان الرضيع من وجهة نظر المالك.
النقطة الخامسة: انه ظهرت الحكمة من وجود اللبأ بصفته مشاركاً في صحة الرضيع سواء كان حيواناً أم إنساناً. إلا ان مقدار مشاركته لم تتضح لحد الآن، ومهما يكن فالحكمة متحققة ومحفوظة.
النقطة السادسة: انه لم يثبت ما قطع به العلامة الحلي في (القواعد) في موت الرضيع مع حرمانه اللبأ. نعم، لو لم يعط الرضيع أية تغذية خلال مدة نزول اللبأ مات لا محالة. ولكن ليس المفروض ذلك. بل إذا عوضنا للرضيع تغذية أخرى كالحليب أو الماء والسكر أو غيرهما، فهل يموت أو يكون عرضة للموت. فهذا ما يبعد حدوثه. وان لم يكن من اختصاص هذا الكاتب الجزم بذلك.
كل ما في الأمر ان اللبأ يقوي الرضيع ويدفع عنه الضعف والقابلية للأمراض. كما سنسمع بعد قليل(1):
وهنا تقرير عن اللبأ في أحد المصادر منقول عن أحد الأطباء الاختصاصييّن ننقله مع تغيير بسيط في العبارة.
اللبأ: اسمه اللاتيني أو العلمي COLOSTRUM. وباللغة الإنجليزية ANTIBODIES
في غضون الأشهر الثلاثة الأخيرة من فترة الحمل تبدأ ثديا الأم الحامل بالانتفاخ. حيث تتكون في قنوات الثدي افرازات من مادة صفراء اللون
ــــــــــــــــــــ[289]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر السابق ص 454 وما بعدها.
صمغية القوام.
… يبدأ الطفل الرضيع في اليوم الأول من ولادته بالغذاء على هذه المادة، والتي تستمر بالإفراز من ثدي الأم لفترة قصيرة تتراوح بين اليومين إلى أربعة أيام.
وأما صفات هذه المادة الطبيعية وتركيبها الكيمياوي فإنها تكون أثقل من حليب الأم من حيث الوزن النوعي. حيث يتراوح بين1060 ــ 1066، إذا ما قارناه بحليب الأم أو حليب الحيوانات اللبونة الأخرى. حيث يتراوح الوزن النوعي له من 1025 إلى 1030.
وأما من حيث التفاعل الكيمياوي فإنها (قلوية) أي من المواد الكيمياوية المسماة بالقواعد في مقابل الحوامض، ولهذه المادة خاصية تغيير ورد (عباد الشمس) من الأحمر إلى الأزرق.
وأما من حيث التركيب الكيمياوي فإنها تحتوي على نسب عالية تزيد على النسب الموجودة في الحليب الاعتيادي للام بأضعاف. كمادة الكلس الضرورية لبناء عظام الطفل. ومادة الحديد الضرورية لتكوين كريات الدم الحمراء.
وكذلك تحتوي على مادة الفوسفور والصوديوم والبوتاسيوم التي تدخل في تركيب معظم المواد السائلة في جسم الطفل.
كما إنها تحتوي على نسبة عالية من البروتين والفيتامينات التي تكون الجزء الأعظم من أنسجة الجسم. لذا تقوم هذه المادة مقام أساس البناء الذي ينمو عليه جسم الطفل في الأيام الأولى من عمره. وبدون هذه المادة يكون نمو الطفل متأخراً من الناحية الجسمية والعقلية.
هذا فضلا عن ان هذه المادة تحتوي على عناصر مضادة للميكروبات والجراثيم التي قد توجد في بدن الرضيع. فهي تزود الطفل بالمناعة ضد
ــــــــــــــــــــ[290]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الأمراض المتولدة منها. وتساعده على مقاومتها والدفاع ضدها وإيقاف فعالياتها، التي تجعل الطفل الرضيع عرضة للتلف والهلاك.
وقد ثبت أخيراً لدى مشاهير الأطباء بالتجارب العلمية، والإحصائيات البايولوجية الحياتية: ان الأطفال الذين يحرمون من تناول اللبأ يكونون عرضة لمختلف أنواع الأمراض التي تقضي على حياتهم في الأشهر الأولى من عمرهم.
لذا ان نسبة الوفيات بين الأطفال الذين يحرمون من هذه المادة في تلك الأيام بعد الولادة، كثيرة جداً.
وأما الذين يعيشون من دون تناول لهذه المادة، فضعيفوا البنية، ومتأخروا النمو من الناحية الجسمية والعقلية وعرضة لمختلف أنواع الأمراض.
أقول: هذا. ويحتمل ان يكون دليلا على وجوب إرضاع الأم اللبأ لرضيعها. عدة وجوه فقهية محتملة:
الوجه الأول: التمسك بالروايات. ولكن لا توجد أية رواية دالة على ذلك، لا ضعيفة السند ولا معتبرة. فهذا الوجه ساقط بالمرة.
الوجه الثاني: التمسك بالشهرة، باعتبار ان المشهور يفتي بالوجوب، وهذا أيضا لم يثبت. على ان الشهرة وحدها ليست بحجة، وخاصة مع احتمال مدركيتها واعتمادها على الوجه الثالث الآتي أو ما يليه فلا تزيد حجيتها عندئذ على حجيته.
الوجه الثالث: التمسك بما دل على حرمة قتل المسلم أو تعريضه للهلاك لا يختلف في ذلك الرضيع عمن سواه. باعتبار ما سمعناه من ان ترك إرضاع اللبأ يجعله عرضة للهلاك.
وهذا وان كان مسلماً كبرى، إلا انه مورد للمناقشة صغرى، كما سمعناه.
ــــــــــــــــــــ[291]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
إذ لا دليل على حصول الهلاك له بدونه. نعم، من حصل له الاطمئنان بذلك وجب عليه.
الوجه الرابع: التمسك بدليل الضرر الدال على حرمة الأضرار بالآخرين. وقد سمعنا ان ترك إرضاع اللباء يجعل الرضيع عرضة للضرر.
إلا ان هذا الوجه محل مناقشة كبرى وصغرى.
أما الكبرى فلأن دليل حرمة الإضرار غير الإجماع. غير موجود، والإجماع دليل لبي وقدره المتيقن الأضرار الفادحة والشديدة.
وأما قاعدة (لا ضرر ولا ضرار). فيراد بنفي الضرر عدم وجود الأحكام الضررية في الشريعة. وجواز الاضرار ليس حكماً اقتضائياً لينفى. وأما الضرار فليس بمعنى الإضرار بل بمعنى تبادل الضرر بين اثنين. ولذا قال في الرواية: “أنت رجل مضار”. والمضارة هي تبادل الضرر كالمحاربة والمقاتلة والموافقة وغيرها. إذن، فهذه القاعدة أجنبية بكلا فقرتيها عن محل الاستدلال.
نعم، يبقى الدليل الدال على وجوب احترام المؤمن ودليل حرمة إيذائه. باعتبار ان الإضرار بالمؤمن خلاف احترامه وموجب لإيذائه. وهذا صحيح غالباً فيقال بحرمة الإضرار التي تستوجب ذلك. إلا ان انطباق عنوان الاحترام على الرضيع مشكل، وكذلك الإيذاء بمعنى التأثر النفسي في الشخص المنفعل به. فانه لا يحصل للرضيع كما هو واضح.
وأما بدون هذا التأثر فنبقى نحن ومجرد حصول الضرر. فمع الاطمئنان أو الوثوق بحصول ضرر معتد به تلزم الفتوى بالوجوب. ومع احتمال ذلك احتمالا معتداً به يلزم القول بالاحتياط الوجوبي. وأما بدون ذلك فلا.
ومن هنا عرفنا معنى المناقشة في الصغرى أيضا. أي ان وجود الضرر فعلاً من ترك إرضاع اللباء موكول إلى وجدان الأم. فان احتملت ذلك أو اطمأنت به
ــــــــــــــــــــ[292]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وجب عليها فعلا أو احتياطاً الإرضاع. وإلا فلا.
أخذ الأجرة على الإرضاع:
قال الفقهاء: انه يجوز للام الحرة مطالبة زوجها بالأجرة على إرضاع ولدها وولده أو البنت، وهذا الحكم قائم نظرياً على ان الإرضاع والتغذية للطفل ليست إلزامية بعاتق الأم، وإنما هي على الأب أو على الطفل نفسه. بمعنى انه لو كان له مال كان للأب ان يدفع من أموال طفله، فان لم يكن له مال وجب على الأب ان يدفع من أمواله. لأن الطفل الذي لا مال له يكون واجب النفقة على أبيه. فان كان الأب معسراً لا يكفي وارده لدفع الأجرة وجب على الأم إرضاعه تبرعاً من حيث ان وجوب تغذية الطفل تكون عليها عندئذ.
هذا وينبغي ان نلتفت إلى ان السيرة المتعارفة خلال أجيال المسلمين من عدم اخذ الأمهات الأجرة على الإرضاع لا ينافي ما قلناه، لأن أخذها جائز للمرأة لا انه واجب عليها.
وأضاف الفقهاء قولهم: ان الأم إذا طلبت أجرة أكثر من مرضعة أخرى جاز للأب دفع الولد إلى المرضعة الأخرى غير ان مصلحة الطفل في إرضاع أمه له باعتبار ان لبنها أوفق بصحته لأنه مخلوق من أجله. على ان الاستحباب متحقق باستمرارها بإرضاعه واختصاصها به.
ويقوم استحقاق الأم للأجرة نظرياً على ملكيتها للبن الذي يخرج منها، وللإرضاع، وهو العمل الذي تقوم به طبقاً للقاعدة العامة بأن كل شخص يملك خصائص نفسه فيكون من حقها أخذ الأجرة عليه، كما يكون لها التبرع به للطفل أو لأبيه، ان صح التعبير.
ولم يوضح الفقهاء ان الأجرة المأخوذة هل تعتبر ثمناً للبن أو أجرة على العمل أو كلا الأمرين، وان كان تعبيرهم بالأجرة يوحي بالثاني. إلا ان هذا لا
ــــــــــــــــــــ[293]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ينافي ان يكون الثالث من قصدهم أعني كِلا الأمرين، لوضوح انه مع الأجرة لا يذهب اللبن هدراً.
من فروع الإرضاع المحرم:
هناك بعض التعريفات والمسائل الطريفة للرضاع المحرم يحسن أن نتعرض إلى بعضها:
الفرع الأول:
قال سيدنا الأستاذ(1): لو أرضعت كبيرة الزوجتين صغيرتهما حرمتا ان كان قد دخل بالمرضعة أو فرض الإرضاع في لبنه مع عدم الدخول. وإلا حرمت هي ولا يترك الاحتياط بتجديد العقد على المرضعة.
أقول: مع تحقق الدخول بالكبيرة وتحقق شرائط الرضاع المحرم فستكون الكبيرة أم زوجته والصغيرة بنت زوجته المدخول بها فيحرمان معاً على الزوج. وأما مع عدم تحقق الدخول، فستكون الكبيرة أماً للزوجة فتحرم وأما الصغيرة فهي بنت الزوجة غير المدخول بها فلا تحرم طبقاً لقوله تعالى: فان لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ (2) والضمير المؤنث في الآية يعود إلى الزوجات ذوات البنات.
والاستدلال على ذلك اما بالرواية أو على القاعدة. أما الرواية، فما رواه علي بن مهزيار عن أبي جعفر قال: “قيل له: إن رجلاً تزوج بجارية صغيرة فأرضعتها امرأته ثم أرضعتها امرأة له أخرى فقال ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية وامرأتاه. فقال أبو جعفر : أخطأ ابن شبرمة تحرم عليه
ــــــــــــــــــــ[294]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) منهاج الصالحين: ج 2. ص 292.
( ) النساء: آية 23.
الجارية وامرأته التي أرضعتها أولاً. فأما الأخيرة فلم تحرم عليه كأنها أرضعت ابنته”.
والصحيح اعتبار هذه الرواية سنداً بالرغم من وجود بعض المناقشة فيه.
وأما على القاعدة فقد يستشكل فيها باعتبار عدم إمكان اجتماع الزوجية والحرمة معاً شرعاً ليصدق على المرضعة إنها أم زوجته. فالصغيرة حال زوجيتها لم تكن بنتا وحال بنتيتها لم تكن زوجة. وكذلك الكبيرة فإنها حال زوجيتها لم تكن أماً وحال أمومتها لم تكن زوجة. إذن فالكبيرة: أم من كانت زوجة، والصغيرة: بنت من كانت زوجة. أي بعد زوال عنوان الزوجية، وبعد زواله كيف يترتب الحكم بالحرمة؟
والجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ان المستفاد من عدد من الروايات في باب الرضاع كالرواية السابقة وغيرها الاكتفاء بهذا المقدار من العلاقة بين الزوجية والحرمة. أي يمكن الاكتفاء بترتب الحرمة ولو بعد زوال الزوجية حقيقة وإذا تم الدليل التعبدي عليه أخذنا به.
الوجه الثاني: تحكيم الفهم العرفي، من حيث ان الفرق بين زوال الزوجية وثبوت الحرمة ليس إلا فرقاً عقلياً في الرتبة وإلا فمن ناحية الفهم العرفي فان عنوان البنت أو الأم يرد على نفس موضوع الزوجية. يعني حال ثبوت عنوان الزوجية عرفاً. لأن العرف لمكان التسامح عنده لا يلحظ تعدد الرتبة العقلية. فهي عقلاً وان صدق عليها انها كانت زوجة، إلا ان العرف يراها باقية على الزوجية.
الوجه الثالث: ان ما تخيله المستشكل من تعدد الرتبة بمعنى ارتفاع الزوجية أولاً، ثم ثبوت البنتية والأمومة ليس بصحيح. بل الأمر بالعكس.
ــــــــــــــــــــ[295]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وذلك لأن الرضاع الجامع للشرائط ينتج نتيجته على كل حال سواء كانت الصغيرة زوجة أم لا وكذلك الكبيرة، إذن، فما يرد أولاً هو صدق الأمومة والبنوة. ويكون هذا موضوعاً للتحريم لأن كل (أم زوجة) و (بنت زوجة) حرام وفي طول ثبوت هذه الحرمة يرتفع عنوان الزوجية الذي كان سابقاً.
إذن، فالعنوانان يجتمعان آناً ما ثم تنتفي الزوجية، لا إنهما لا يجتمعان لتكون الأمومة واردة على مكان فارغ من الزوجية كما أراد المستشكل، بل الأمر بالعكس كما ألمعنا.
وهذه الأجوبة الثلاثة تسري في عدد من صور الرضاع المحرم، وسنذكر فيما يلي بعض أمثلته، مضافاً إلى هذا المثال الذي انتهينا منه. هذا، وبقيت فيما نقلناه من كلام السيد الأستاذ بعض المناقشات التي لا حاجة إلى الإطالة بها.
الفرع الثاني:
قال بعض أساتذتنا (1): إذا كان في بيت واحد أخوان مثلا، وكانت زوجة كل منهما أجنبية عن الآخر، وأراد ان تصير زوجة كل منهما من محارم الآخر حتى يحل له النظر إليها. يمكن لهما الاحتيال بأن يتزوج كل منهما بصبية وترضع زوجة كل منهما زوجة الآخر رضاعاً كاملا. فتصير زوجة كل منهما اما لزوجة الآخر. فتصير من محارمه وحل نظره إليها وبطل نكاح كلتا الصبيتين لصيرورة كل منهما بالرضاع بنت أخي زوجها.
أقول: ينبغي ان نلاحظ على ذلك عدة ملاحظات:
الملاحظة الأولى: ان هذا الفرع يأتي فيه الإشكال السابق: وهو ان المرضعة تصبح أم من كانت زوجته وأجوبته الثلاثة، ولا حاجة إلى شرحها
ــــــــــــــــــــ[296]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) تحرير الوسيلة: ص 272. ج 2.
مجدداً.
الملاحظة الثانية: ان هذه العملية لو حصلت، حرمت زوجة الأخ على أخي زوجها حرمة مؤبدة. فإذا طلقها زوجها لا يمكن لأخيه الزواج منها. لأنها أم زوجته بالرضاع. وبتعبير آخر: هي من محارمه والمحارم تعني الحرمة المؤبدة.
الملاحظة الثالثة: قد افترض النص وجود أخوين متزوجين، فيعملان العمل المشار إليه. وكذلك لو كان أحدهما متزوجاً دون الآخر، بلا فرق.
الملاحظة الرابعة: انه يجب ان لا يقع طلاق الصغيرة قبل الرضاع أو خلاله. والمهم ان يتم الرضاع وهي في حال الزوجية. كما يجب ان لا يكون الزواج منقطعاً. إلا إذا كان ذا مدة تصل إلى حد بلوغ البنت على الاحوط.
الملاحظة الخامسة: ينبغي أن تكون الرضيعة أجنبية عن الزوج والزوجة أو عن الأخ وزوجته، وإلا فقد يتسبب الرضاع إلى انفساخ نكاح الزوجة المرضع، بدل التسبيب إلى صحته ودوامه.
الملاحظة السادسة: يجب أن يكون النكاح مع الصغيرة نكاحاً بإذن وليها: أبوها أو جدها لأبيها، وأن يكون جدياً لا صورياً بحيث لو لم يحصل الرضاع ولا الطلاق بقيت زوجته الدائمة.
هذا، ولا يجوز ان يكون الولي هو الوصي أو الحاكم الشرعي أو عدول المؤمنين، لمن يستشكل في جواز ولايتهم لنكاح الصبي أو الصبية، وإذا أنيط بالمصلحة، كانت المصلحة الملحوظة هو مصلحة الصغيرة لا مصلحة الزوجة والزوج أو أخي الزوج.
الملاحظة السابعة: كان بعض العلماء المتأخرين له طريقة أخرى لتحليل الزوجة على أخي زوجها: وذلك قبل أن يتم عقد نكاحها على زوجها يتم عقد
ــــــــــــــــــــ[297]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
نكاحها على الأب يعني أب الزوج. مع ضميمة الفتوى إنها لا تحرم على ابنه إذا كان العقد منقطعاً والنظر واللمس بشهوة غير موجود، عندئذ تصبح المرأة زوجة الأب لأخ الزوج قبل ان تعقد على أخيه ثم يهبها الأب المدة، ولا تحتاج إلى عدة لعدم الدخول، فيمكن ان تعقد على من يراد له أن يصبح زوجها.
إلا ان الإشكال فقهياً في ذلك: حول الفتوى المشار إليها. فإنها ان عقدت على الأب أصبحت من محارم أولاده كلهم بما فيهم من يراد أن يصبح زوجها: فتحرم عليه قبل أن يتزوجها، فيمتنع الزواج عليه منها. وليس في الشريعة من المحارم ما يجوز الزواج منه. أو بتعبير آخر: إن المرأة ستكون من المحارم بلحاظ جواز النظر لا تحريم النكاح. فهذا غير معهود في الشريعة. لمدى التلازم بين الحكمين.
فان كان يرى المفتي: انها لا تحرم على الأولاد بعد العقد على الأب وهبتها المدة. فهي إذن ليست من محارمهم لا بالنسبة إلى زوجها ولا بالنسبة إلى أخيه. فلا يجوز لأخيه النظر إليها شرعاً.
وان جاز نظره إليها شرعاً، جاز ذلك لزوجها قبل عقدها عليه بصفته من محارمها. فكيف يمكنه ان يعقد عليها؟ ان تحمل مثل هذه الفتوى أمام الله سبحانه صعبة جداً. فالطريقة الأولى للتحليل هي المتعينة.
الملاحظة الثامنة: لا فرق في الطريقة الأولى بين كون الرضاع قبل الزواج أو بعده، فما سبق كان الرضاع بعد الزواج.
وكذلك لو كان قبله، لا بمعنى ان يكون من لبن الزوج. بل بمعنى ان يتزوج الأخ أم زوجة أخيه، ولادة أو رضاعاً، فتكون من محارمه قبل العقد على أخيه.
ــــــــــــــــــــ[298]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الملاحظة التاسعة: يجب لكي تحصل النتيجة المطلوبة ان يتم عقد الصغيرة على الأخ قبل البدء بالرضاع. والأحوط ان لا يكون خلاله فضلا عما إذا كان بعده. إذ لو تم الرضاع أصبحت بنت أخ لأخي الزوج فتحرم عليه فلا يمكن زواجها منه لتصبح أمها الرضاعية أم زوجته. فلا تحصل النتيجة المطلوبة.
الفرع الثالث:
قال بعض أساتذتنا(1): إذا أرضعت امرأة ولد بنتها. وبعبارة أخرى: أرضعت الولد جدته من طرف الأم حرمت بنتها أم الولد على زوجها وبطل نكاحها، سواء أرضعته بلبن أبي البنت أو بلبن غيره.
وذلك: لأن زوج البنت أب للمرضع وزوجته بنت للمرضعة جدة الولد. وقد مر انه يحرم على أبي المرتضع نكاح أولاد المرضعة. فإذا منع منه سابقاً أبطله لاحقاً.
أقول: وهذا (أعني كون الزوجة بنتاً للمرضعة) يحصل سواء أرضعته بلبن أبي البنت أو بلبن غيره.
ثم قال: وكذا إذا أرضعت زوجة أبي البنت من لبنه ولد البنت بطل نكاح البنت. لما مر من انه يحرم نكاح أبي المرتضع في أولاد صاحب اللبن.
الفرع الرابع:
قال أيضا(2): لو زوج ابنه الصغير بابنة أخيه الصغيرة ثم أرضعت جدتهما من طرف الأب أو الأم احدهما. وذلك: فيما إذا تزوج الأخوان الأختين انفسخ نكاحهما. لأن المرتضع ان كان هو الذكر، فان أرضعته جدته من طرف الأب
ــــــــــــــــــــ[299]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر السابق: ص 272. ج2.
(2) المصدر السابق: ص 273. ج 2.
صار عماً لزوجته وان أرضعته جدته من طرف الأم صار خالاً لزوجته، وان كان هو الأنثى صارت هي عمة لزوجها على الأول وخالة على الثاني فبطل النكاح على أي حال.
أقول: ان قوله: فيما إذا تزوج الأخوان الأختين. كأنها عبارة زائدة. إذ يراد بها ان الأخوين: أب الصغير وأب الصغيرة، كانا متزوجين بأختين هما أم الصغير وأم الصغيرة. إلا ان هذا ليس بلازم في حصول بطلان نكاح الصغيرين بالرضاع المشار إليه. بل يلزم بطلان النكاح سواء كانا متزوجين بأختين أم لا. وسواء أرضعت جدتهما الصغيرين بلبن جدهم أم بلبن غيره أو بالاختلاف. وسواء أرضعتهما بلبن واحد أو بلبنين يعني قد درا بمناسبتين مختلفتين.
وإذا أرضعت واحداً انفسخ النكاح فضلا عما إذا أرضعتهما معاً. وهذا يتم فقهياً لو أرضعت جدتين هذين الصغيرين لهما. وتم رضاعاهما في آن واحد حصل سببين لبطلان النكاح في آن واحد.
عموم المنزلة في الرضاع:
لو كان هناك زوجان لهما أولاد وبنات وهناك زوجان آخران كذلك. فأرضعت إحدى الزوجتين أحد ذرية الزوج الآخر. فيحرم المرتضع على الرضيع مع تعدد الجنس، كما يحرم المرتضع على أخوة الرضيع والرضيع على أخوة المرتضع احتياطاً، كما يحرم كلا الأبوين من الزواج في ذرية الآخر سواء كان هو طرف الرضاعة أم غيره.
ولكن هل يحرم الأخوة الآخرين على بعضهم البعض؟ وجهان محتملان:
الوجه الأول: ما قلناه من عدم الحرمة إذ لا نسب بينهم ولا رضاع ومقتضى الأصول المؤمّنة جواز النكاح.
ــــــــــــــــــــ[300]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الوجه الثاني: ان هؤلاء جميعاً بمنزلة الأخوة. لأن أخ المرتضع النسبي هو أخو أخ الرضيع بالرضاعة، فكذلك العكس في أخوة الرضيع وأخو الأخ بمنزلة الأخ. فينبغي أن يقال بحرمة النكاح بينهم.
وهذا ونحوه هو المراد من عموم المنزلة في الرضاعة.
وقد يستدل عليه بأدلة تحريم الرضاع نفسها، كقولهم: “يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب” أو “لحمة الرضاع كلحمة النسب” حيث يكون المفهوم من هذين النصين ان الحرمة تنتشر بالرضاع بمقدار ما تنتشر بالنسب. الا ما خرج بدليل خاص كاشتراط وحدة الفحل وإلا فان الرضاع والنسب يشكلان قرابة متشابهة أو مشتركة.
وبهذا الدليل اللفظي يندفع ما قلناه من جريان الأصول العملية المؤمنة عن الحرمة لأن الدليل اللفظي مقدم على الأصل العملي كما هو ثابت في علم الأصول:
الا انه يمكن المناقشة في ذلك بعدة وجوه نذكر بعضها:
الوجه الأول: انه يمكن ان يقال: ان هذين النصين للتحريم لا إطلاق لهما لأنهما ليسا في مقام بيان سائر التفاصيل وإنما في مقام بيان الحرمة فقط إجمالا. ومعه لا مورد للتمسك بإطلاقهما في الموارد المشكوكة.
الوجه الثاني: ان الخبر حوّلنا على الصفات النسبية فما وجد منها بالرضاع كان محرماً، وأما الصفات التي لا وجود لها فيه فلا تكون مشمولة بدليل لأنها ليست من الصفات النسبية كأخ الأخ وأخت الأخت وخال الأخ وخالته وأخو ابن العم وأخته ونحو ذلك.
والمفروض في كل ذلك انعدام النسب. لأن أخ الأخ ان لم يكن أخاً فعلا فلا معنى له نسبياً فلا يحرم بالرضاع.
ــــــــــــــــــــ[301]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وقد مثلوا لعموم المنزلة بعدة أمثلة نذكر جملة منها لكي نضيفها إلى المثال الرئيسي السابق.
المثال الأول: إذا أرضعت زوجتك بلبنك أخاها فصار ولدك وزوجتك أخته فتحرم عليك من جهة كونها أخت ولدك إذا قلنا بعموم المنزلة.
المثال الثاني: إذا أرضعت زوجتك بلبنك ولد عمها أو ولد خالها فصرت أباً لابن عمها أو ابن خالها. وهي تحرم على أب ابن عمها نسباً لأنه عمها وتحرم على أب ابن خالها لأنه خالها. فان قلنا بعموم المنزلة قلنا بالحرمة في مثل ذلك.
المثال الثالث: إذا أرضعت امرأة أخاك أو أختك لأبويك فصارت أماً لهما. وأم الأخ في النسب محرمة سواء كانت أماً أو زوجة أب. فهل تحرم عليك المرضعة وان كانت زوجتك سابقاً بطل نكاحها؟ يتوقف القول بالتحريم على القول بعموم المنزلة.
المثال الرابع: إذا أرضعت زوجتك ولد بنتك وصارت أماً له. فهي بمنزلة بنتك فعلى القول بعموم المنزلة يبطل نكاحها.
المثال الخامس: إذا أرضعت زوجتك ولد أختك فصارت أماً له فهي بمنزلة أختك فيتوقف القول ببطلان نكاحها على القول بعموم المنزلة.
إلى غير ذلك من الأمثلة.
وأما القول بعموم المنزلة في الموارد التي خرجت بدليل صحيح فلا سبيل إليه، باعتبار قيام الدليل ضده إذ لولا اشتراط وحدة الفحل مثلا أمكن القول بالحرمة باعتبار كون الأخوة أخوة لأم. ولولا اشتراط اتحاد المرضعة لأمكن القول بالحرمة باعتبار كونهم أخوة لأب.
ــــــــــــــــــــ[302]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل النفقات
نتحدث عن النفقات في كتاب النكاح باعتبار وجوب النفقة على الزوجة وإلا فأنواع النفقات عديدة وعلاقة المنفق بالمنفق عليه على صور كثيرة، وأحكام الإنفاق بصفته عملا من المنفق عديدة أيضا.
فهناك النفقة الواجبة عيناً كالنفقة على الزوجة. وهناك النفقة الواجبة بنحو الوجوب الكفائي كالنفقة على المضطرين والمحتاجين، حيث يتوقف عليها حياتهم أو دفع ضرر عظيم عنهم. وهناك من النفقة ما هو مستحب كالإنفاق على قضاء حاجة المحتاجين من دون ضرورة، وسائر وجوه العبادات غير الواجبة. ومن النفقات ما هو مباح وهو أغلبها. ومنها ما هو مكروه وهو النفقة على المكروهات. ومنها ما هو حرام وهو النفقة على المحرمات أو على المشهورين بها أو على أعوان الظالمين.
والمراد بالنفقة تكفل فرد لفرد آخر بإعاشته لفترة زمنية معتد بها لا كالضيف النازل ليوم أو يومين فان النفقة على مثل ذلك وان كانت صادقة عقلا، إلا انها ليست صادقة عرفاً بالمعنى الذي ينطبق على العوائل ونحوها. فان للإنفاق العائلي معنى خاص في الذهن العرفي.
ولا يراد بالعائلة خصوص المجتمعين لأجل القرابة. كالزوجين وأولادهم، لوضوح إن الخادم المقيم بينهم يعتبر من العائلة. بل يراد بالعائلة من كانوا مجتمعين بإنفاق واحد أو بإنفاق موحد. على أن يكون فيهم من ينتسب بالقرابة
ــــــــــــــــــــ[303]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
أو النسابة(1) للمنفق ولو واحداً، ولو كان معهم كثيرون كمن جمع في داره المحتاجين والمعوزين لينفق عليهم. فكلهم بمنزلة العائلة الواحدة.
والمهم في تحقق العائلة أمران: أحدهما: العول وهو الإنفاق على الآخرين باستمرار عرفاً. وثانيهما: وجود القرابة والنسابة بين المنفق وبعض الموجودين أو كلهم، ولا يهم وجود الكثيرين غيرهم بعد ذلك.
ولنتحدث فيما يلي عن أهم أشكال النفقات بدءاً بالموضوع الأهم في كتاب النكاح وهو:
نفقة الزوجة:
والحديث فيها عن موضوعها ومقدارها وآثارها ونعقد لكل منها جهة مستقلة:
الجهة الأولى: في بيان موضوع وجوب الإنفاق.
ويلحظ الموضوع عادة فقهياً بعد التسليم بكون المرأة زوجة، وإلا فلا شك ان هذه الصفة لها من أهم أجزاء الموضوع. إذ لو لم تكن زوجة لم يجب الإنفاق.
فان كانت زوجة، فالزوجة على قسمين عندنا: دائمة ومنقطعة: وسنوضح في الفصل الخاص بالزوجة المنقطعة انها لا تستحق نفقة. فما يصرفه عليها لا يتصف بالوجوب وإنما بغيره من الأحكام كالاستحباب أو الإباحة. إذن يشترط في الزوجة ان تكون زوجة دائمة لكي تجب نفقتها.
وعلى الزوجة الدائمة بعض الحقوق الواجبة تجاه زوجها تتلخص بأمرين رئيسيين:
ــــــــــــــــــــ[304]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) يراد بالنسابة ما كان الزواج سبباً للصلة فيه كالزوجة وإخوتها ونحوهم.
أحدهما: التمكين الجنسي الكامل والدائم. في حدود لعلنا نتعرض لها في المستقبل بعون الله سبحانه.
ثانيهما: الخروج من البيت بإذنه، مع إمكانها الحصول على الإذن.
وهناك حقوق عديدة مستحبة لسنا الآن بصددها. والمهم هو إنها إذا التزمت بهذين الحقين الواجبين سميت (مُمَكِّنة) واستحقت النفقة الواجبة من زوجها. واما إذا أخلَّت وأهملت أحد الحقين أو كلاهما أو بعض تطبيقاتهما كانت (ناشزاً) ولم تستحق النفقة وجوباً فإن أنفق عليها الزوج كانت نفقته مستحبة أو مباحة. وله قطعها ما دامت ناشزاً ما لم تصبح ممكنة مرة أخرى.
وأما اشتراط الحرية فغير وارد ولم أجده في كلام أحد، وعلى خلاف اطلاقات الأدلة، ما دام يصدق على الأَمة انها زوجة دائمة ممكنة، فتجب نفقتها. وهي المعقودة بالعقد الدائم على غير مولاها بإذنه.
وكذلك لا موجب لاشتراط أي شيء آخر كالعقل فلو كانت مجنونة أو سفيهة وجب الإنفاق عليها مع الشرائط السابقة. وكذلك اشتراط عمر معين لا موجب له. فلو كانت صغيرة جداً أو كبيرة جداً وجب الإنفاق عليها. بل ان الصغيرة أولى بالإنفاق من غيرها لعدم صدق الشرطين السابقين في حقها، فيجب عليها النفقة على كل حال. وإنما يشترط ذينك الشرطين فيمن يمكن في حقها ذلك.
ونحو ذلك لو كانت مريضة لا تستطيع التمكين الجنسي، وجبت عليها النفقة.
وكذلك لو كانت المرأة ممكنة جنسياً ولكنها مهملة للعمل في مصلحة زوجها حياتياً، فانه تجب عليه النفقة ولا يجب عليها العمل في بيته. وإنما هذا العمل من النساء كما هو المتعارف في مجتمعاتنا، كله مستحب ان توفر فيه
ــــــــــــــــــــ[305]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
قصد القربة لله عز وجل. وليس من الحقوق الواجبة على الزوجة للزوج.
غير انه مما لا شك فيه ان هذا العمل موروث عن قادتنا المعصومين سلام الله عليهم بما فيهم فاطمة الزهراء سلام الله عليها التي كانت تعمل في بيتها لمصلحة زوجها وأولادها سلام الله عليهم أجمعين. ولكن كل ذلك على وجه الاستحباب دون الوجوب.
والسيرة اعم من الوجوب، ومقتضى أصالة البراءة نفيه على أي حال، فحق الزوج الواجب منحصر في الأمرين السابقين اللذين ذكرناهما.
هذا، وان كان يجب على المرأة حقوق أخرى لزوجها إلا انها لا تصبح بتركها أو التهاون بها ناشزاً كوجوب حفظ كرامته أمامه وفي غيابه وصيانة نفسها عن غيره. والحفاظ على ممتلكاته عند عدم وجوده. ونحو ذلك. إلا انه لم يثبت أنه مع التقصير فيها تصبح الزوجة ناشزاً ما لم يؤد الأمر إلى ترك أحد الشرطين السابقين.
الجهة الثانية: في كمية ومقدار النفقة على الزوجة.
وفي ذلك عدة احتمالات أول الأمر. منها ما عليه فتوى البعض ومنها ما هو غير محتمل فقهياً، نذكرها لمجرد الإيضاح والتفصيل:
الاحتمال الأول: انه تجب العناوين الأربع التالية على الزوج ولا يجب أكثر من ذلك: الطعام والشراب واللباس والمسكن. وبتعبير أدق: الإطعام والاشراب والإلباس والإسكان. بصفتها أفعال للزوج منتجة منافع للزوجة. فان فعل فقد أدى ما عليه ولا دليل على وجوب ملكيتها لعين ما تقبضه من زوجها بهذا الصدد.
الاحتمال الثاني: نفس الاحتمال الأول. مع القول بملكيتها للعين.
الاحتمال الثالث: ان الواجب هو إيفاء حاجة المرأة أياً كانت بالشكل الذي
ــــــــــــــــــــ[306]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
تشعر معه بالراحة النسبية. طبقاً لقوله تعالى وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ(1) مع القول بأنه لا يجب تمليك العين.
ولكن لو احتاجت إلى غير تلك الأمور الأربعة وجب بذله على الزوج كالطبيب والحمام.
الاحتمال الرابع: ان المدار ليس هو حاجة المرأة بل هو شأنها الاجتماعي. فالمهم أن يحفظ زوجها شأنها الاجتماعي، ولا يلزم من تقصيره تجاهها ذلتها أمام الناس. فلا يكون قد قام بالواجب. ولو كان ذلك أكثر من حاجتها الحياتية الفعلية، كالتجمل باللباس أو بالمساحيق أو استقبال الناس، أعني النساء ان كان من عادتها. بما في ذلك من بذل مال. إلى غير ذلك.
غير ان شأنها الاجتماعي، معنى لا يخلو من غموض. فهل هو شأن أبيها أو شأن زوجها الفعلي أو شأن زوجها المعنوي أو شأن أولادها… وجوه أو احتمالات. والفرق بين الشأن الفعلي والمعنوي يظهر فيما إذا كانت أموال الرجل اقل من احترامه بين الناس أو أكثر. فالمراد من الشأن الفعلي مقدار أمواله، والمراد من الشأن المعنوي احترامه. وسيأتي بعض الكلام حوله.
الاحتمال الخامس: نفس الاحتمال السابق مع القول بوجوب تمليك العين. كما قلنا في الاحتمالات السابقة.
الاحتمال السادس: ان المدار ليس هو حاجة المرأة ولا شأنها الاجتماعي. بل إرادتها وطلبها من زوجها، فيجب عليه ان يعطيها كل ما تطلب. مع تمليك العين أو بدونه.
الاحتمال السابع: ان المدار هو رأي الزوج، فمهما سخت نفسه في شيء
ــــــــــــــــــــ[307]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) النساء: آية 19.
وجب دفعه. وأما إذا شحت نفسه، فلا يجب. وهذا إما مع تمليك العين أو بدونه.
وبعد الالتفات إلى ان الاحتمالين الأخيرين ساقطان فقهياً لم يقل بهما أحد. تبقى الاحتمالات الأخرى وجيهة.
غير ان الاحتمالين الأولين، وان قال بهما بعض الفقهاء من القدماء والمتوسطين، إلا انهما لا شك مبنيان على الغالب من كون العناوين الأربعة المذكورة فيهما، موفية لحاجات الزوجية الحياتية والاجتماعية، وأما إذا لم تكن موفية لذلك، فلا إشكال في سقوطهما فقهياً. إذ من الواضح انه مع وجود الحاجة الحياتية أو الاجتماعية للزوجة زائداً على تلك العناوين الأربعة، فإنها تكون على عاتق الزوج وتدخل في النفقة الواجبة. ولا اقل من التمسك بقوله تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. لوضوح انه من خلاف المعروف إبقاء الزوجة محتاجة أو ذليلة اجتماعياً بلا إشكال.
وهذا وقد يستدل للاحتمال الأول أو الأولين بصحيحة أبي بصير المرادي(1) قال: سمعت أبا جعفر يقول: من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها ويطعمها ما يقيم صلبها كان حقاً على الإمام ان يفرق بينهما.
وما كان على غرارها من الروايات. إلا ان الاستدلال بها واضح الاندفاع لعدة وجوه نذكر منها:
أولاً: إنها تقتصر على المأكل والملبس ولا تذكر المسكن. مع ان وجوبه من ضروريات الفقه.
ثانياً: إنها بصدد بيان عدم جواز الأقل، لا بصدد عدم وجوب الأكثر.
ــــــــــــــــــــ[308]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: جـ 5. كتاب النكاح. أبواب النفقات. باب 1. حديث 2.
وهذا كما يفسر الإعراض عن ذكر السكن يفسر أيضا ما قلناه عن سقوط الاستدلال بها. لعدم وجود مفهوم فيها يفيد نفي وجوب الزائد.
وأولى من ذلك: الاستدلال بصحيحة إسحاق بن عمار(1) قال: “قلت لأبي عبد الله : ما حق المرأة على زوجها الذي إذا فعله كان محسناً؟ قال: يشبعها ويكسوها وان جهلت غفر لها”. الحديث.
والوجه في كونها أولى من حيث سقوط الاستدلال بها اشتمالها على حق مستحب فقهياً جزماً وهو غفران الذنب. فالمراد منها تعداد ما يتصف بمطلق المطلوبية لا بالوجوب خاصة.
وقد يخطر في الذهن: ان هذا أولى بالاستدلال بها، إذ تكون دالة على ان الزائد ليس فيه مطلوبية أصلاً. وهو مطلوب المستدل.
وجوابه: ان هذا غير محتمل لوضوح ان السكنى واجبة مضافاً إلى استحباب التوسعة على العيال وغير ذلك. فانتفاء مطلق المطلوبية غير محتمل. مضافاً إلى عدم وجود المفهوم لكلا الروايتين لأنه من مفهوم الوصف الذي لا نقول به.
وبعد انتفاء الاحتمالات السابقة نبقى نحن والاحتمالات الأخرى التي تبدأ بالثالث وتنتهي بالسادس. وأساسها على مفهومي الحاجة أو الشأن الاجتماعي للزوجة، مع الاختلاف في انه هل يجب تمليك العين أو لا؟
وبهذا الصدد ينبغي أن نتكلم عن أمرين:
الأمر الأول: في ان المدار في مقدار النفقة هل هو لحاجة الزوجة أو شأنها الاجتماعي.
ــــــــــــــــــــ[309]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: حديث 5.
فقد يقال: إنه لا اختلاف بينهما بعد أن نفهم من الحاجة مفهومها العرفي، وهو أمر ينطبق على الشأن الاجتماعي. فان كل ما هو مربوط بالشأن يعتبر عرفاً من الحاجات.
فرجع الوجهان إلى وجه واحد، سواء عبرنا عنه بالحاجة أو بالشأن الاجتماعي. لأننا ان عبرنا عنه بالحاجة كان الشأن من جملة الحاجات. وان عبرنا بالشأن كان ما دونه من الحاجات أولى بالوجوب.
إلا ان هذا ليس بصحيح لعدة وجوه نذكر منها ما يلي:
أولاً: ان هناك من المستويات الاجتماعية ما يكون خارجاً عن الحاجة الحياتية بلا إشكال. لا أقصد ما كان زائداً عن شأن الزوجة. بل حتى ما كان داخلا فيه فانه قد يكون خارجاً عن معنى الحاجة عرفاً. وهذا أمر يختلف في مصداقه باختلاف الأزمنة والأمكنة. نعم. ما كان داخلا منه في نطاق الحاجة عرفاً، فيكون واجباً. إلا ان مدعي هذا الوجه يرى ان كل ما هو داخل في الشأن فهو داخل في الحاجة عرفاً. وهذا غير مسلم.
ثانياً: ان المدار هو العنوان المأخوذ في دليل وجوب النفقة، وليس هو شيئاً يمكن إعطاؤه من عندنا. والدليل اللفظي غير مساعد على ضبط مقدار وجوب النفقة، كما رأينا، فيجب أن نبقى نحن والدليل اللبي كالإجماع والسيرة. ولا شك ان ثبوتهما بعنوان الشأن الاجتماعي، حتى ولو كان خارجاً عن الحاجة أمر مشكوك فيه، وإنما القدر المتيقن من هذا الدليل هو مورد الحاجة فقط، ويندرج فيها بعض ما هو دخيل في الشأن الاجتماعي بصفته من الحاجة عرفاً. دون كل موارده.
وقد يستدل للشأن الاجتماعي بعناوين ثانوية كحصول الذلة للمرأة إذا لم يبذل لها زوجها ذلك. أو حصول الإيذاء المحرم للمؤمنة أو نحو ذلك. فيكون ضدّه واجباً.
ــــــــــــــــــــ[310]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وهنا لا إشكال من الكبرى وهو حرمة إذلال المؤمن أو المؤمنة أو إيذائهما. وإذا صدق في منع النفقة ذلك كان بذلها واجباً. الا ان الكلام في عموم هذا الصدق لكل ما هو مندرج في الشأن الاجتماعي للزوجة. إذ قد يكون المورد خالياً من كلا هذين العنوانين، فلا يبقى دليل على وجوب النفقة.
على ان دليل حرمة الإذلال أهم من هذه الناحية فقهياً من دليل حرمة الإيذاء. لأننا لو فتحنا باب الإيذاء لم يكن لنفقة الزوجة حدود معلومة. وأصبح الأمر مطابقاً للاحتمال السابع، وهو ان تكون النفقة برأيها واقتراحها وطلبها. وإلا حصل الإيذاء فيجب. وهذا بمجرده غير محتمل فقهياً.
بل لا شك ان للنفقة حدود مسبقة في وجوبها. فمطالبتها بالزائد ليس من حقها ولا يجب على زوجها البذل حتى لو لزمت الأذية. لأن في ذلك الطلب ظلماً للزوج وإلزاماً له في غير الواجب. فتكون الزوجة ظالمة والظالم يجوز إيذاؤه.
هذا، ولا يفوتنا ان نلتفت إلى ان الشأن الاجتماعي للزوجة ليس هو شأنها السابق على الزواج. بل هو الشأن اللاحق له والحاصل به. فان المجتمع والعرف ينظر إليها بصفتها زوجة لهذا الرجل ليس إلا. سواء كانت فيما سبق أعلى منه منزلة أو أدنى.
وهذا ينتج انها لو كانت أدنى قبل الزواج لم يجز للزوج الاقتصار في النفقة على القليل، كما انها لو كانت أعلى لم يجب على الزوج التوسع في النفقة. وان الضغط عليه من هذه الناحية يرجع به الأمر إلى رأيها وطلبها. وقلنا انه غير محتمل.
ومن هنا لو كان زوجها فقيراً، كان شأنها إنها زوجة فقير وان كان أبوها أو أخوها غنياً. ولا يجب على الزوج تكلف الزائد. ومن هنا قال الله عز وجل:
ــــــــــــــــــــ[311]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّـهُ (1). وهذا معناه ان الزائد غير واجب، لا أنه واجب يبقى في ذمته.
وهنا قد يقع السؤال: اننا لماذا بحثنا الآن عن الشأن الاجتماعي في حين أننا لم نقل به بل قلنا ان المدار في النفقة الواجبة إنما هو الحاجة لا الشأن الاجتماعي.
وجواب ذلك: إننا قلنا أيضا: ان هناك قسطاً من مستلزمات الشأن الاجتماعي تدخل في الحاجة عرفاً، وان لم يكن كله كذلك. وعندئذ فيكون داخلا في النفقة الواجبة. وعندئذ يكون كلامنا السابق عن الشأن الاجتماعي منطبقاً ووجيهاً. ولا نريد منه أكثر من ذلك على أي حال.
الأمر الثاني: في ان الواجب في النفقة الواجبة التي عرفنا بعض حدودها فيما سبق هل هو الانتفاع أو المنفعة أو تمليك العين.
والفرق بين الانتفاع والمنفعة هو ملكيتها للمنفعة على الاحتمال الثاني دون الأول بحيث يمكن ان تملك عوضها في إجارة ونحوها. وعليه فتكون الاحتمالات الثلاثة كما يلي:
الاحتمال الأول: ان الواجب في النفقة هو الانتفاع، فلا تملك الزوجة لا العين ولا المنفعة. وإنما يجب على الزوج تمكين الزوجة من التصرف بالعين فقط.
الاحتمال الثاني: ان الواجب هو تمليكها المنفعة. وليس مجرد الانتفاع. بحيث تستطيع ان تستوفيها بنفسها أو ان تعاوض عليها بالمال كما أشرنا.
الاحتمال الثالث: ان الواجب لا يتأدى بالانتفاع ولا بملكية المنفعة بل
ــــــــــــــــــــ[312]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) سورة الطلاق: آية 7.
يجب تمليك العين من الثياب والطعام والأثاث ونحو ذلك.
ومن آثار الفرق بين هذه الاحتمالات: انه على الأول لا يكون للزوجة البيع ولا الإيجار ولا الهبة للعين ولا غير ذلك من المعاملات، بل ولا حتى إباحتها أو الإذن بها للغير. بخلاف الثاني فانه يجوز لها إجارتها والإذن بها. وعلى الثالث يجوز لها بيعها وتورث منها.
ولا يفرق في ذلك بين مختلف ما نتصور من الأعيان المعطاة للزوجة من طعام أو غيره بل ومن مال أو غيره، إذ لا يتعين في الطعام والمال أعني النقد ونحوه حصول ملكيته قبل استعماله. بل يمكن أن يكون أيضا على وجه الانتفاع أو المنفعة، وتبقى ملكية العين للزوج، ويظهر الأثر فيما لو ماتت الزوجة أو طلقت طلاقاً بائناً.
فأي هذه الاحتمالات أو الأقوال الفقهية هو الصحيح؟
يبتني ذلك على سنخ الدليل القائم على وجوب النفقة. فان كان هو الدليل اللفظي. القائل: بأنه يجب على الزوج ان يطعم الزوجة ويكسوها ويسكنها ونحو ذلك.
فقد يقال: إن المهم له هو إيفاء الحاجة كما قلنا يعني دفع البرد والحر وسائر الأخطار عنها. وهذا يحصل بالانتفاع فيبقى الباقي أعني تمليك المنفعة أو تمليك العين خارج الوجوب ولا اقل من دفعه بالأصل المؤمّن.
وبتعبير آخر: انه مع حصول الانتفاع من قبل الزوجة بالعين يصدق انه كساها زوجها وأطعمها واسكنها. فنكون قد أخذنا بالواجب ولا يجب الزائد.
بل يمكن التوسع في ذلك لكل ما هو داخل في الحاجة أو في الشأن الاجتماعي للزوجة، مما هو زائد عن العناوين السابقة، أعني الطعام والكسوة واللباس. فان كل ذلك يكفي في صدقه مجرد الانتفاع فلا يجب التمليك.
ــــــــــــــــــــ[313]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وهذا صحيح بالنظرة الساذجة. إلا ان الأمر في كثير من الأحيان لا يمكن ان يقتصر على ذلك. بل قد يكون من (حاجة) الزوجة أو شأنها الاجتماعي ان تملك المنفعة أو تملك العين، فان حصل ذلك عرفاً، دخل التمليك بكلا قسميه في النفقة الواجبة، فإذا لم يحصل التمليك لم يكن قد وفى الزوج نفقة زوجته كما يجب.
وهذا واضح في جانب الشأن الاجتماعي ان قلنا به. إذ قد يتوقف بل يتوقف كثيراً على ملكية الزوجة للعين فضلا عن المنفعة. بحيث يراها الناس قائمة بالأمر في الأموال الواصلة إليها كما يقوم المالك. وإلا أوجب لها نحو من الذلة لا محالة. فإذا لم تحصل الملكية لم تكن النفقة قد أديت كما يجب.
وكذلك لو قلنا بأن المدار في النفقة هو الحاجة ولكن على نطاق أضيق، بنفس التقريب الذي قلناه في جانب الشأن الاجتماعي، أو بتقريب آخر نقول فيه: ان الملكية لا شك انها في كثير من الأحيان تكون حاجة من حاجات النفس، ولا شك انه من الحرج والشدة على الفرد أن يتصور نفسه عالة على غيره يأكل من أموال غيره ويلبس منها ويسكن فيها. بل من الصالح له الشعور بملكية هذه الأمور ونحوها، ليطمئن قلبه وتسكن نفسه.
وهذا صحيح في بعض الحدود، كالطعام واللباس ونفقة الطبيب والحمام والفندق ونحو ذلك. لكنه غير صادق على السكن أو المسكن حتماً. فلا يجب على الزوج تمليك العين لزوجته فضلا عن المنفعة.
هذا، وقد يقال: إن العرف بصفته ساذجاً لا يفرق بين الاحتمالات الثلاثة السابقة أعني الانتفاع والمنفعة والعين، فإذا أعطى الزوج لزوجته ثوباً لتلبسه قال العرف انها ملكته أو انه ملكه لها. وهذا يكفي دليلا على الملكية في المنفعة على الأقل ما لم يقصد الزوج خلاف ذلك أعني مجرد الانتفاع… فتأمل.
اذن، فقد تحصل من هذا الأمر الثاني. ان موارد النفقة الواجبة تختلف
ــــــــــــــــــــ[314]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
عرفاً في وجوب التمليك وعدمه. كما يختلف المبنى الفقهي في كون المدار هو الحاجة أو الشأن الاجتماعي.
وحيث قلنا ان الصحيح ان المدار هو الحاجة، إذن يبقى الاختلاف في موارد النفقة الواجبة. فالسكن مثلا لا يجب فيه أكثر من الانتفاع، فيبقى الدار ملكاً للزوج بلا إشكال ولا يجب عليه تمليك المنفعة فضلا عن العين.
كما ان مقدار الضرورة الاعتيادية في المأكل والملبس يجب فيه تمليك العين، لأن الشعور بالملكية داخل تحت الحاجة، كما أشرنا.
والمقدار الزائد من المأكل والملبس وغيرهما، لا يجب فيه تمليك العين، ولكن يجب فيه تمليك المنفعة. لعدم كفاية إباحة الانتفاع عرفاً وحصول الحاجة إلى الملكية إجمالا. مع عدم وجوب تمليك العين لعدم الدليل عليه وجريان أصالة البراءة عنه، فتبقى ملكية المنفعة هي الواجبة.
هذا ولا يفوتنا انه ليس معنى عدم وجوب التمليك للعين أو للمنفعة على الزوج، عدم جوازه طبعاً. بل هو جائز بل هو مستحب بلا إشكال، لأنه يدخل في عنوان التوسعة على العيال، كما يدخل في عناوين ثانوية أخرى كإدخال السرور على قلب المؤمن وغير ذلك.
كما ان هذه الوجوه أعني الانتفاع والمنفعة والعين، تختلف من ناحية بقائها بعد الطلاق كما أشرنا فيما سبق باقتضاب. فان قلنا بوجوب التملك أمكن القول باستمرار الملكية للزوجة حتى بعد الطلاق ما لم تنقل العين هي باختيارها ببيع أو غيره. وكذلك لو قلنا بملكية المنفعة فإنها تبقى مستمرة معها. وإذا ماتت تورث منها ما ملكته من العين أو المنفعة.
وهذا بخلاف الانتفاع، فإنها تخرج بعد الطلاق من زوجها لا تملك من حطام الدنيا شيئاً مما أخذته من زوجها على الإطلاق. إلا أن تكون لها
ــــــــــــــــــــ[315]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ممتلكات أخرى من ميراث أبيها مثلا أو من تجارة خاصة بها.
هذا، وقد يمكن القول: بأن التمليك للعين أو للمنفعة يمكن أن يكون له نفس نتيجة الانتفاع. وذلك بتمليك الزوجة ما دامت زوجة لا مطلقاً أعني بعد طلاقها. فإذا طلقت خرجت عنها ملكية العين أو المنفعة. نعم إذا ماتت حال الزوجية تورث منها. كما تستطيع ان تتصرف بها بالمعاملات، ما دامت زوجة.
إلا ان هذا مبني على إمكان التمليك المنقطع الآخر. وهو أمر غير عرفي ولا شرعي. نعم يمكن فقهياً ان يشترط الزوج على زوجته من خلال التمليك إرجاع الملكية بعد الطلاق إليه لو بقيت العين.
الا ان هذا ان أردنا به مجرد الوجوب الشرعي التكليفي، كان له وجه. واما تسليط الزوج على الفسخ إذا لم تف المرأة بشرطها، فهو غير ممكن، لأنه يلزم منه عدم إيفاء الزوج للنفقة الواجبة، مما يجب فيها التمليك.
اللهم الا أن يقال: إنه يكون له حق الفسخ من حين الطلاق. وهذا في حدود ما عرضناه غير ممكن لأن الفسخ لا يتعلق إلا بعقد، والمفروض انه ليس هناك عقد جديد للملكية عند الطلاق ليفسخ. وأما استمرار الملكية إلى حين الطلاق فلا معنى لفسخها.
إلا أن يرجع الأمر إلى ان الزوج يشترط لنفسه الوكالة عن الزوجة في إرجاع ما ملكها من الأمور عند طلاقها إلى نفسه. فانه أمر معقول على أي حال، إلا انه يحتاج إلى التفات وقصد واشتراط لفظي. وإلا فمقتضى القاعدة استمرار الزوجية على الملكية، وان اعتبرت عاصية للشرط (1) ان كان قد حصل.
ــــــــــــــــــــ[316]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) أعني الشرط عليها بإرجاع الملكية إلى زوجها عند الطلاق كما سبق أن أشرنا.
هذا ولا ينبغي ان تفوتنا الإشارة إلى أن الفقهاء قالوا: ان الزوجة لو عاشت عند زوجها تأكل وتشرب وتلبس ونحو ذلك. كما هو المعتاد لم يجب على الزوج أكثر من ذلك من النفقة.
وهذا صحيح، الا انه يجب تقييده بما سبق ان سمعناه من وجوب التمليك أحياناً إما للعين أو للمنفعة. فلو لزم ذلك على الزوج، ولم يفعل لم يكن قد وفى بالنفقة الواجبة لو عاشت الزوجة معه بشكل ساذج.
الجهة الثالثة: من الحديث عن نفقة الزوجة حول ما قاله الفقهاء من أن الزوج إذا لم يدفع النفقة الواجبة لزوجته اشتغلت بها ذمته وكانت دَيناً عليه، بخلاف النفقات الأخرى كالأولاد وغيرهم، فانه مع تركها يكون الفرد عاصياً ولا تشتغل ذمته بشيء. قالوا: وهذا هو الفارق بين وجوب النفقة على الزوجة وعلى غيرها.
إلا انه لا دليل على ذلك سوى الإجماع، والأخبار خالية من ذلك تماماً. قال صاحب الجواهر(1): فلو منعها (زوجها النفقة) وانقضى اليوم ممكنة استقرت نفقة ذلك اليوم في ذمته ان لم تكن قد قبضت وملكها لها ان كانت قد قبضت. وكذا الكلام في نفقة الأيام الأخر وان لم يقدرها الحاكم ولم يحكم بها. بلا خلاف فيه بيننا ولا إشكال، ضرورة ثبوت الحق لها وان سكتت ولم تطالب ولا وقع التقدير، خلافاً لمن اعتبر التقدير من العامة. انتهى محل الحاجة من كلامه.
ولازم ذلك: ان تشتغل الذمة بما ليس له تعين واقعي، حتى في علم الله -كما يعبرون- وليس من قبيل الديون المرددة بين الأقل والأكثر. وإنما يتعين المقدار بالدفع والأداء. وهذا مما لم يعهد في مورد آخر.
ــــــــــــــــــــ[317]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) جواهر الكلام: كتاب النكاح. طبع الحجر.
وتردده بين الأقل والأكثر وان كان متحققاً. إلا ان ذلك نتيجة لعدم واقعيته وليس لنسيان الرقم أو الغفلة عنه أو ضياع مستنده أو موت الشاهد به ونحو ذلك. فان لمثل ذلك واقعية في علم الله سبحانه وان كانت مرددة عندنا. بخلاف محل الكلام.
وهذا بخلافه على ما قاله العامة من اشتراط تعيين الحاكم لها أو حكمه بها. إذ يكون لها واقعية بهذا المقدار عندئذ على أي حال.
وقد يشكل هذا الإشكال شكلا من أشكال الاستدلال ضد اشتغال الذمة. لأنه نحو من الاشتغال غير العرفي بل قد يقال بكونه مستحيلا، لاستحالة ثبوت ما هو غير واقعي في الذمة.
كما قد يستدل على عدمه بخلو الأخبار منه كما سمعنا إذ لو كان الحكم ثابتاً لورد عن المعصومين ولو بخبر ضعيف مع انه لم يوجد.
كما ان الاستدلال على ذلك، أعني اشتغال ذمة الزوج بالنفقة. بأنها حق للزوجة وان لم تطالب به، لا يتم. لأنه مطعون كبروياً. إذ ليس كل حق مما يشتغل به الذمة حتى وان كان مالياً كوجوب الإنفاق على الأولاد وعلى أهل الضرورات القاهرات، فإنها حق لهم ولكن الفقهاء صرحوا بعدم اشتغال الذمة بها.
فان كان الفقهاء المجمعون قد استندوا على هذه الفقرة من الاستدلال، إذن فالإجماع مدركي، يعني مستند إلى دليل اسبق منه، فيسقط عن الحجية، ويبقى الكلام في الدليل السابق عليه وقد عرفنا حاله.
إلا ان الإجماع محرز، حسب الظاهر، من قبل فقهائنا. الأمر الذي يجعل إجراء البراءة ضده أمراً مشكلا فقهياً. إلا ان المصير إلى الاحتياط يجعل الأمر أشكل لأن النتيجة: ان الأحوط للزوج بذل النفقة. إلا ان الاحوط للزوجة عدم
ــــــــــــــــــــ[318]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
القبض إلا مع استحصال الإذن المطلق(1)، وتمام الكلام في الفقه.
نفقة الأقارب:
وأهم سؤال يعرض في هذا الصدد، هو ان هذه النفقة هل هي واجبة مطلقاً وعلى أي حال أو في خصوص حالة انعدام المال عند الآخر. فان كان له من المال ما يكفيه لم تجب نفقته وكذلك لو كان معيلا لغني ونحوه.
وهذا بالنسبة إلى غير الأولاد أمر أكيد. يعني لا تجب النفقة إلا مع الإعسار وضيق ذات اليد. حتى بالنسبة إلى الأبوين فضلا عن غيرهم.
وهذا معناه ان الأمر يدخل في نفقاتهم في وجوب قضاء حاجة المضطرين لا أكثر. كل ما في الأمر ان الأقرب أولى بذلك أو لعله هو العالم بفقر الآخر دون غيره. والوجوب إنما يثبت مع العلم دون صورة الجهل. إلا ان هذه الأولوية وان كانت أكيدة إلا انها أخلاقية وليست فقهية. فلو استطاع الولد ان يتخلص من نفقة والديه مثلا بإنفاق أخيه عليهما أو شخص متبرع لهما كفى ذلك فقهياً. وان كان قد يعتبر عاقاً أخلاقياً.
فهل حال نفقة الأولاد على هذا الغرار أيضاً؟ فان كان الأمر كذلك فمعناه انه لو كان للطفل مال خاص به جاز للأب الصرف منه عليه، ولا يجب على الأب الصرف على ولده من ممتلكاته. كما انه لو حصل شخص غريب أو بعيد متبرع بالإنفاق على الطفل، لم يلزم الأب الإنفاق.
مقتضى أصالة عدم الاشتراط (يعني في ان يكون للولد مال) هو شمول الوجوب لصورة وجود المال وعدمه. ومقتضى أصالة البراءة عدم الوجوب في هذه الصورة. ومن المعلوم أصوليا جريان الأصل الأول في موضوع الأصل
ــــــــــــــــــــ[319]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) يعني يقول الزوج انه يرضى بقبض زوجته وان لم يكن المال على وجه النفقة، بل على كل حال.
الثاني فيتقدم عليه بالحكومة. فيثبت إطلاق الوجوب. وهو الذي عليه المشهور.
مضافاً إلى إطلاق بعض النصوص المعتبرة.
كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال(1): “خمسة لا يعطون من الزكاة شيئاً: الأب والأم والولد والمملوك والمرأة. وذلك انهم عيال لازمون له”.
وعن حريز(2) عن أبي عبد الله قال: “قلت له: عن الذي أُجبر عليه وتلزمني نفقته؟ قال: الوالدان والولد والزوجة”. ونحوها صحيحة محمد بن مسلم(3).
إلا ان الاستدلال بهذه النصوص لا يخلو من إشكال لوضوح اختلاف التفاصيل بين نفقة المذكورين فيها. إذن، فالنصوص ليست في مقام بيان التفاصيل وإنما هي في مقام بيان أصل الوجوب. ومعه لا يكون فيها إطلاق لإثبات التفاصيل. اللهم إلا ان يقال بوجود الإطلاق. وأما التفاصيل فتعرف من دليل آخر.
هذا ولا ينبغي أن يقال: ان هذه النصوص لم تستوعب الواجب لأنها لم تذكر المضطرين من المحتاجين، والحيوانات التي يجب كفالتها على ما سوف نشير. إذن، فهي -أعني النصوص- ليست بصدد الشمول والاستيعاب وإنما هي بصدد بيان القضية الجزئية أو بعض الموضوعات.
وجواب ذلك: ان هذه النصوص ظاهرة ببيان الوجوب العيني دون الوجوب الكفائي، كما انها ظاهرة بالوجوب الثابت بين البشر دون الحيوانات
ــــــــــــــــــــ[320]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج 15. كتاب النكاح. أبواب النفقات. باب 11. حديث 1.
(2) المصدر: حديث 3.
(3) المصدر: حديث 6.
والنباتات ونحوها. فبظهورها بالوجوب العيني يخرج المضطرون لأن وجوب قضاء حوائجهم كفائي. وبظهورها الآخر يخرج الحيوانات والنباتات. وعندئذ فلا يبقى عندنا الا المذكورون في الرواية وخاصة المعدودون في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج والتي يمكن بها تقييد الروايات التي لم تستوعب المجموع. مع العلم ان المراد بالولد فيها كل مولود أعني ما يعم البنت. والمراد بالمرأة الزوجة الدائمة.
وعلى أي حال ففي أصالة عدم الاشتراط كفاية للقول بعموم وجوب النفقة للأولاد سواء كانوا متمولين أم لا. كما ان الزوجة كذلك قطعاً. كما ان مقتضى هذه الروايات كون الوالدين كذلك، إلا إذا ثبت استثناؤهما بدليل كاف.
هذا، ولا ينبغي الخلط نظرياً بين وجوب النفقة ووجوب العمل للفرد كالأب أو الابن وقضاء حوائجه حياتياً كطبخ طعامه وغسل ثيابه. فان النفقة غير العمل فقد يجبان معاً. وقد يجب أحدهما دون الآخر.
فوجوبهما معاً في الطفل الصغير ووجوب العمل دون النفقة في الوالدين الكبيرين اللذين لا كفيل لهما سواه مع كونهما متمولين. وجوب النفقة دون العمل نفس مثال الوالدين مع كونهما فقيرين ولكنهما يستطيعان العمل لأنفسهما حياتياً فلا يجب على الولد القيام بذلك وان كان مستحباً أكيداً.
هذا، ولا يحتمل وجوب العمل على شكل وجوب النفقة يعني سواء كان الآخر قادراً أم عاجزاً، بل لخصوص العاجز المضطر. سواء كان هو الزوجة أو الوالدين أو الولد. فضلا عن غيرهم فان أمكن لأحدهم القيام لنفسه أو تكفله له غيره لم يجب على الفرد القيام به.
وهنا أود ان أشير إلى مضمونين من المضامين الكثيرة الواردة في السنة الشريفة.
ــــــــــــــــــــ[321]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الأول: حرمة تضييع العيال كائناً من كان.
فعن أبي عبد الله قال(1): “قال رسول الله ملعون ملعون من ألقى كله على الناس. ملعون ملعون من ضيع من يعول”.
والتضييع يكون بترك النفقة وتعريض الآخرين المحتاجين إليه لظروف صعبة أو خوف أو شدائد.
الثاني: استحباب التوسعة على العيال. فعن أبي الحسن قال(2): ينبغي للرجل ان يوسع على عياله لئلا يتمنوا موته وتلا هذه الآية: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً. فالأسير عيال الرجل ينبغي إذا أزيد في النعمة ان يزيد أسراءه في السعة عليهم. الحديث.
وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله (3) قال: “قال رسول الله : ان المؤمن يأخذ بآداب الله، إذا وسع الله عليه اتسع وإذا أمسك عنه أمسك”.
وعن الرضا قال(4): “صاحب النعمة يجب عليه التوسعة على عياله”.
إلى غيرها من الروايات. ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيل فهمها.
النفقة على غير البشر:
لا شك في رجحان الإنفاق على غير البشر من الحيوان والنبات مما يكون تحت يد الإنسان، سواء كان ملكاً له أو لم يكن.
ــــــــــــــــــــ[322]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: باب 21. حديث 5.
(2) المصدر: باب 20. حديث 1.
(3) المصدر: حديث 4.
(4) المصدر: الحديث 3.
وكذلك رجحان التسبيب إلى راحته وعدم إيقاعه في ضرر أو حرج.
إلا ان الكلام في وجوب ذلك. فان وجوبه فقهياً يمكن ان ينطلق من عدة وجوه محتملة:
الوجه الأول: الانطلاق من دليل حرمة الضرر. بغض النظر عن الوجه الآتي. فان في ترك العناية به ضرر عليه بلا إشكال، فيكون حراماً.
إلا ان كبرى هذا الدليل يعني القاعدة العامة له تتوقف على حرمة الإضرار بالغير مطلقاً.
وهذا المعنى يتوقف على أن نفهم ذلك من قوله : “لا ضرر ولا ضرار”. على اعتبار ان الضرار هو الإضرار بالغير، ومقتضى إطلاقه الشمول لغير الإنسان أيضا.
إلا ان كون الضرار بهذا المعنى غير ثابت وإنما هو بمعنى (المضارة) وهو تبادل الضرر من قبل طرفين، ومن المعلوم عدم صدقه في محل الكلام فلا يثبت حرمة مطلق الضرر.
واما استفادته من الفقرة الأولى وهي قوله (لا ضرر) على اعتبار أن نفي الضرر تقتضي حرمته. فهو قابل للمناقشة أيضا لأن الضرر هنا وقع اسماً لـ (لا) النافية للجنس، فيحتاج إلى خبر فان قدرنا لفظة (جائز) يعني لا ضرر جائز كان هذا الدليل تاماً، إلا ان ظاهر السياق على خلافه فان ظاهره تقدير (موجود) وهذا معناه النظر إلى الشريعة ككل ونفي وجود الضرر فيها يعني ان الأحكام المجعولة في الشريعة ليست مضرة. وهذا أمر لا يستفاد منه حرمة الإضرار بالغير، فتأمل.
الوجه الثاني: هو القول بأن للحياة حرمة واجبة ينبغي صيانتها الا في ما خرج بدليل. وتطبيق ذلك: ان للحيوان والنبات حياة يجب صيانتها بمعنى عدم
ــــــــــــــــــــ[323]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
جواز قتله عبثاً وإهمالاً. فإذا انقطعت عنه العناية مات لا محالة، إذن فلا يجوز قطعها عنه.
الا ان كبرى هذا الوجه لا تخلو من مناقشة، إذ لا يوجد دليل معتبر على احترام كل الحيوانات أو كل الأحياء، بل مقتضى أصالة البراءة جواز القتل ما لم يدل دليل على الخلاف.
الوجه الثالث: حرمة الإسراف والتبذير طبقاً لقوله تعالى إن الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ(1) وقوله تعالى وَأَنَّ المُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّار(2) ولا شك انه مع قطع العناية عن الحيوان والنبات يحصل فيه نقص أكيد أو يؤدي به إلى الموت، وكلاهما شكل من أشكال الإسراف والتبذير فيكون حراماً.
وهذا الوجه تام وصحيح طبقاً للقواعد الفقهية. إلا انه لا يشمل موارد الضرر والنقص القليل جداً الذي لا يعتبر إسرافاً وتبذيراً عرفاً فلا يكون بهذا المقدار حراماً. ولو كان منطبقاً على حصول الوفاة للحيوان والنبات أحياناً.
ــــــــــــــــــــ[324]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الاسراء: آية 27.
( ) غافر: آية 43.
فصل الصداق أو المهر
وهو ما يعطيه الزوج لزوجته طبقاً لاستحقاقها في عقد الزوجية وهو مما لا ينبغي إهمال الحديث عنه في هذا الكتاب بالرغم من ان أكثر أحكامه الفقهية مشهورة وواضحة.
ومن الواضح ان الصداق لا يتعين بالنقد بل يجوز بكل ما فيه مالية شرعاً من نقد أو عين أو منفعة كما لو تزوجها على تعليم شيء من القرآن أو السكنى في دار تملكها لمدة سنة. كما لا يتعين الصداق في كمية معينة بل يمكن ان يكون قليلا جداً على ان لا يقل عن مقدار المالية عرفاً. كنواة التمر أو عود الثقاب، كما يمكن ان يكون كثيراً جداً مهما شاء الزوجان واتفقا عليه وان كانت المغالات في المهور مكروهة كما سوف نشير.
كما لا يتعين في المهر ان يكون نقدياً معجلا، بل يمكن ان يكون ديناً في الذمة مؤجلا إلى مدة معلومة وسيرة الناس على جعل المهر على قسمين مؤجل ومعجل وهو أمر غير متعين فقهياً، وان كان جائزاً.
والمرأة تملك المهر بالعقد فان لم يدفعه إليها بقي في ذمته تأخذه من تركته ان مات مقدماً على الميراث، كما هو الحال في كل الديون. وان أصبح زوجها مفلساً ضربت مع الغرماء بنسبة مهرها كأي دين آخر. ولكن لو حصل الفسخ بعقد النكاح قبل الدخول، فمن الممكن القول بعدم استحقاقها للمهر أصلاً(1).
ــــــــــــــــــــ[325]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) هذا بناء على الكشف دون النقل وان كان الصحيح هو النقل دون الكشف على أي حال.
ولو حصل الطلاق قبل الدخول استحقت نصف المهر فان كانت قد قبضت المهر وجب عليها إرجاع النصف إلى مطلقها. وأما إذا حصل عقد النكاح والدخول معاً فقد ثبت استحقاق المهر كله ولا ينقص منه شيء، سواء حصل الطلاق أو الفسخ أو موت أحد الزوجين.
هذا، وفي صورة كون المهر معجلا فان من حق المرأة ان تمنع زوجها من أي استمتاع جنسي ما لم تقبضه ويستحب له دفعه قبل الاستمتاع وان لم تطالب. واما إذا كان المهر مؤجلا فلا حق لها في ذلك سواء خلال الأجل أي من حين النكاح فصاعداً، أو بعد حلول الأجل، وسواء مكنت من نفسها قبل حلول الأجل أم لم تمكن فان معنى رضائها بالتأجيل خلال عقد النكاح عدم ارتباط الاستمتاع بهذا المهر.
والمهر قد يكون كلياً وقد يكون جزئياً. فالكلي يكون مضموناً للزوجة سواء كان مالا أو عيناً غير انه يشترط في الكلي عدم الجهالة، بمعنى ان يكون المهر محدود الأوصاف بما فيه الكفاية، ولا اقل من الاحتياط الوجوبي في ذلك.
فالمالية تحدد بذكر رقمها وذكر نوع العملة ومنطقتها ان حصل شك في ذلك، كأن يقال: ألف دينار عراقي. والعين ينبغي وصفها بالمقدار المزيل للغرر والضرر، والمعين بمقدار قيمتها. فان ذكر المهر مجهولا من هذه الناحية بالعقد لم يبطل العقد وإنما بطل المهر فيرجع إلى مهر أمثالها من النساء. هذا إذا كان المهر كلياً.
وأما إذا كان جزئياً أي شيئاً محدداً موجوداً في الخارج، فيجب ان يكون مشاهداً للزوجة أو موصوفاً لها بشكل كاف. ويكون الزوج بعد العقد أميناً على المهر إلى حين إيصاله إلى زوجته فلا يكون ضامناً مع تلفه بغير التعدي والتفريط. نعم، لا يبعد ان يكون التسامح والإهمال في تسليم المهر شكلا من إشكال التفريط فيرتفع أمانه ويستقر ضمانه. وكذلك لو حصل منه التعدي
ــــــــــــــــــــ[326]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
والتفريط فعلا بأن فعل من الضرر ما يجب تركه أو ترك ما يجب فعله في المحافظة على المهر إلى حين قبضه، فيضمن بدله.
التفويض:
هناك في الفقه ما يسمى بتفويض البضع وما يسمى بتفويض المهر. وكلا الاصطلاحين يدوران في فلك المهر نفسه.
فتفويض المهر عبارة عن ذكره الإجمالي في العقد مع إيكال تعيينه وتحديده إلى شخص بعد العقد وقد يكون هو الزوج أو الزوجة أو غيرهما. غير انه إذا كان التفويض للزوجة لم يجز لها تعيين ما زاد على مهر السنة وهو خمسمائة درهم كما سنذكر.
ولا يلزم تعيين المقدار قبل الدخول أو بعده فيمكن تأجيله ما شاء الله، إلا ان يعين له بالعقد شرط بخلاف ذلك، فلو أجله وحصل الطلاق قبل الدخول كان عليه ان يحكم بتعيين المهر لكي تأخذ الزوجة نصفه.
وأما تفويض البضع فهو ان لا يذكر في العقد مهر أصلاً فلا يبطل العقد وإنما يكون للزوجة مهر أمثالها ما لم يطلقها قبل الدخول. فان حصل ذلك لم يكن لها المهر وكان لها ما يسمى بالمتعة طبقاً لقوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ(1) وهذا يعني إيكال الأمر إلى حال الزوج اقتصادياً. وقد قال فقهاؤنا: ان الغني يمتع المطلقة بالدابة يعني الفرس أو الثوب المرتفع القيمة أو عشرة دنانير يقصدون بها الدنانير الذهبية ذات الثمانية عشر حبة. والمتوسط الحال يدفع خمسة دنانير أو ثوباً متوسط القيمة. وأما الفقير فيمكنه ان يدفع ديناراً واحداً أو ما بقيمته.
ــــــــــــــــــــ[327]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) البقرة: آية 236.
مهر السنة:
قال الفقهاء طبقاً للروايات الصحيحة: ان مهر السنة خمسمائة درهم، ونسبته إلى السنة لانتسابه إلى رسول الله وفعله سنة، فقد كان يمهر أزواجه بهذا المقدار، كما نطقت بذلك الروايات. ولَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(1) كما نطق القرآن الكريم، الأمر الذي يجعل استحباب اتخاذه والسير عليه وعدم جعله اقل أو أكثر أمر أكيد واضح فقهاً وشرعاً.
ففي صحيحة معاوية بن وهب قال(2): “سمعت أبا عبد الله يقول: ساق رسول الله اثني عشر أوقية ونشاً. فالأوقية أربعون درهماً، والنش نصف الأوقية عشرون درهماً. وكان ذلك خمسمائة درهم. قلت بوزننا قال: نعم”.
وفي معتبرة عبيد بن زرارة قال(3): “سمعت أبا عبد الله يقول: مهر رسول الله نساءه اثنتي عشر أوقية ونشاً والأوقية أربعون درهماً والنش نصف الأوقية وهو عشرون درهماً”. ونحوها في صحيحة حماد(4) وغيرها، بل لعل المعنى مستفيض في الروايات.
وفي بعضها(5): “ثم أوحى الله إلى نبيه ان سن مهور المؤمنات خمسمائة درهم. ففعل ذلك رسول الله. وأيما مؤمن خطب إلى أخيه حرمته فبذل له خمسمائة درهم فلم يزوجه فقد عقه. واستحق من الله عز وجل ان لا يزوجه حوراء.
ــــــــــــــــــــ[328]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الأحزاب: آية 21.
(2) الوسائل: ج 15. كتاب النكاح. أبواب المهور. باب 4. حديث 1.
(3) المصدر: حديث 3.
(4) المصدر: حديث 4.
(5) المصدر: حديث 2.
ومن الواضح ان: 12×40 =480 فإذا أضفنا إليها نصف الأوقية (20) درهماً كان المجموع خمسمائة درهم.
إلا ان المهم الآن، هو استخراج مقداره بالأوزان الحديثة كالغرام والمثقال.
وهذا يتوقف على معرفة وزن الدرهم. وقد عرفنا في كتاب الزكاة ان الدرهم له اصطلاحان: أحدهما: العملة المسكوكة بإزاء الدينار. والثاني: مقدار معين من الوزن أو العيار ومقداره كما عرفنا هناك 3.256 غرام. وقد استعمل اصطلاح الدرهم في كتاب الزكاة بصفته مسكوكاً. أما هنا فقد استعمل بكل تأكيد بصفته وزناً. كجزء من أربعين جزء من الأوقية وهي من الأوزان بدورها.
فلئن كنا في كتاب الزكاة قد ذكرنا بعض التشكيك في وزن الدرهم المسكوك. إلا اننا لم نشكك، ولا مجال للتشكيك في معنى الدرهم العيار وهو ما ذكرناه:
ومعه, يكون الحساب كما يلي:
المثقال الصيرفي 4٬884غرام
÷ المثقال الصيرفي 1٬5 درهم
______________________
الدرهم 3٬256 غرام
الدرهم 3٬256 غرام
× الأوقية 40 درهماً
_______________________
الأوقية 13٬024 غراماً
ــــــــــــــــــــ[329]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الدرهم 3٬256 غرام
× المهر 500 درهماً
______________________
المهر 1628 غراماً من الفضة
الأوقية 13٬024 غراماً
÷ المثقال 4٬884 غراماً
______________________
الأوقية 26٬666 مثقال صيرفي
الأوقية 26٬666 مثقال صيرفي
× المهر 12٬5 أوقية
______________________
المهر 333٬325 مثقال صيرفي
المهر 1628 غرام
÷ المثقال الصيرفي 884. 4 غرام
_______________________
المهر 333٬333 مثقال صيرفي
وهي تساوي النتيجة السابقة غير 0٬008 من الفرق نتيجة لحساب الكسور الضئيلة.
ــــــــــــــــــــ[330]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الأوقية 130٬24 غراماً
÷ المثقال الشرعي 3٬660 غراماً
_______________________
الأوقية 35٬584 مثقال شرعي
الأوقية 35٬584 مثقال شرعي
× المهر 12٬5 أوقية
________________________
المهر 444٬8 مثقال شرعي
المهر 500 درهم
÷ المثقال الشرعي 11٬923 درهم
___________________________
المهر 41٬935 مثقال شرعي
وهي تنقص عن النتيجة السابقة بحوالي مثقالين شرعيين ومقتضى الاحتياط هو الأكثر.
المهر 444٬8 مثقال شرعي
÷ المثقال الصيرفي 1٬334 مثقال شرعي
_________________________
المهر 333٬433 مثقال صيرفي
وهي تختلف بحوالي 0٬1 من المثقال عن النتيجة السابقة.
وإذا عرفنا هذه الحسابات، أمكننا ان نعرف وزن المهر الشرعي في كل
ــــــــــــــــــــ[331]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الأوزان الأخرى، إذا عرفنا كم هي من المثقال الشرعي أو الصيرفي أو من الغرام. فلا حاجة إلى إطالة الكلام عن ذلك. ونوكله إلى نباهة القارئ وجهده الشخصي.
وبالطبع، فان الأصل في ذلك هو دفع هذا المقدار مهراً من الفضة نفسها، فان لم توجد كفى دفع قيمة هذا المقدار من الفضة في المكان والزمان اللذين يعيش فيهما الزوجان. وهو مما يختلف في البلدان والأزمان بطبيعة الحال.
كثرة المهر أو المغالاة في المهور:
يعتبر المهر المتزايد فقهياً جائزاً الا انه شديد الكراهة، فنتكلم عن جوازه أولاً ثم عن كراهته.
أما عن جوازه فتدل عليه عدة روايات:
منها: معتبرة أبي الصباح عن أبي عبد الله قال(1): “سألته عن المهر؟ قال: ما تراضى عليه الناس”.
وهي واضحة الإطلاق للقليل والكثير.
وفي صحيحة محمد بن مسلم قال(2): “قال أبو جعفر: تدري من أين صار مهور النساء أربعة آلاف. قلت: لا. فقال: ان أم حبيب بنت أبي سفيان كانت بالحبشة. فخطبها النبي وساق إليها عند النجاشي أربعة آلاف. فمن ثم يأخذون به. فأما المهر فأثنتا عشرة أوقية ونش”.
وقوله: (فأما المهر) يعني: المهر الشرعي الصحيح وهو مهر السنة ويذكره بالمقدار الذي سمعناه نفسه. إلا انه لا يقول عن الرقم انه بالدينار أو الدرهم.
ــــــــــــــــــــ[332]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج15. كتاب النكاح. أبواب المهور. باب 1. حديث 1.
(2) المصدر: باب 4. حديث 6.
وهذا ما تفسره الروايات الأخرى التي سمعناها والتي تصرح ان مهر السنة بالدراهم. ومن وحدة السياق في هذه الرواية تعرف ان الأربعة آلاف أيضا بالدراهم وزناً أو عملة. وحمله على الوزن أوفق بالسياق.
فيكون حسابه باختصار كما يلي:
المهر 4000 درهم
× الدرهم 3٬256 غرام
___________________
المهر 13024 غرام
يعني ثلاثة عشر كيلو غراماً من الفضة وأكثر بقليل.
وأما الحديث عن كراهة زيادة المهور والمغالاة بها ورفض الخطوبة طمعاً بذلك. فهو مما تدل عليه طائفة من الروايات بمختلف الألسنة والبيانات، نذكر فيما يلي شيئاً منها كنموذج.
فعن خالد بن نجيح(1) عن أبي عبد الله في حديث يقول فيه: “فأما شؤم المرأة فكثرة مهرها وعقم رحمها”.
محمد بن علي بن الحسين(2) قال: “روي ان من بركة المرأة قلة مهرها، ومن شؤمها كثرة مهرها”.
وعن إسماعيل بن مسلم(3) عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه قال: “قال رسول الله: أفضل نساء أمتي أصبحهن وجهاً واقلهن مهراً”.
ــــــــــــــــــــ[333]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج15. أبواب المهور. باب 5. حديث 1. وانظر حديث 11 أيضا.
(2) المصدر: حديث 8.
(3) المصدر: حديث 9.
وعن أبي بكر الحضرمي(1) عن أبي عبد الله: “قال: ان رسول الله زوج المقداد بن الأسود ضباعة ابنة الزبير بن عبد المطلب. وإنما زوجه لتتضع المناكح وليتأسوا برسول الله. وليعلموا أن أكرمهم عن الله أتقاهم”.
وعن علي بن بلال، في حديث عن هشام بن الحكم(2)، يقول فيه: “عن جعفر بن محمد سمعته يقول: أتتكافأ دماؤكم ولا تتكافأ فروجكم”.
ــــــــــــــــــــ[334]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: ج 14. أبواب مقدمات النكاح. باب 26. حديث 1. وانظر الحديث الذي بعده.
(2) المصدر: حديث 3.
كتاب الطلاق ولواحقه
ــــــــــــــــــــ[335]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل في معنى الطلاق
قال اللغويون في مادة: طلق: طلاق المرأة: بينونتها عن زوجها. وامرأة طالق من نسوة طُلَّق، وطالقة من نسوة طوالق. وطلق الرجل امرأته وطلقت هي بالفتح تُطلّق طلاقاً وطلقت والضم أكثر.
ورجل مطلاق ومطليق وطلِّيق وطُلقة على مثال هُمزَة: كثير التطليق للنساء.
وأطلق الناقة من عقالها وطَلّقها فطلقت هي بالفتح. وناقة طَلْق وطُلُق: لاعقال عليها. والجمع: إطلاق. وبعير طلْق وطُلُق: بغير قيد. والطالق من الإبل: التي قد طَلَقت في المرعى. ونعجة طالق: مخلّاة ترعى وحدها.
وحبسوه في السجن طَلْقا، أي بغير قيد ولا كَبل. وأطلقه فهو مطلق وطليق: سرحه. والجمع طلقاء. والطليق: الأسير الذي أطلق عنه إساره وخلى سبيله. وهو فعيل بمعنى مفعول.
ورجل طَلْق اليدين والوجه وطليقهما: سمحهما. ووجه طَلق طِلق وطُلق. الأخيرتان عن أبي الأعرابي: ضاحك مشرق. وامرأة طلقة اليدين ووجه طليق كطلق والاسم منها والمصدر جميعاً: الطلاقة.
ويوم طَلْق بيّن الطلاقة وليلة طلق أيضا وليلة طلقة: مشرق لا برد فيه ولا حر ولا مطر ولا قُر، وقيل: ولا شيء يؤذيه.
ــــــــــــــــــــ[337]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ورجل طَلْق اللسان وُطلُق وُطلَق وطليق: فصيح. وقد طَلُق طُلُوقة وطُلوقاً: وفيه أربع لغات: لسان طلْق ذلْق وطليق ذليق وطُلُق ذُلُق وطُلْق ذُلق. قال شمس: طَلُقت يده ولسانه طُلوقة وطُلوقا. وقال ابن الأعرابي: يقال: هو طليق وطُلُق وطالق ومطلق إذا خُلّي عنه. قال: والتطليق التخلية والإرسال وحل العقد، ويكون الإطلاق بمعنى الترك والإرسال.
واستطلقه: استعجله واستطلق بطنه مشى. واستطلاق البطن: مشيه… وأطلقه الدواء.
واستطلق الظبي وتطلَّق: استن في عدوه فمضى ومر لا يلوي على شيء. وهو تفَعّل. والظبي إذا خلي عن قوائمه فمضى لا يلوي على شيء قيل: تطلَّق، والانطلاق: الذهاب. إلى آخر ما قالوه.
أقول: والظاهر ان الأصل في معنى هذه المادة هو: التخلية والإرسال وحل العقد. على أساس تصور: ان الشيء كان محجوزاً أو ممنوعاً عن شيء معين أو عن فعالية معينة فزال المانع والحجز، فأصبح طليقاً حر التصرف.
وقد سمعنا لهذا عدة تطبيقات نذكر أهمها:
أولاً: الانفكاك من الأسر. على اعتبار ان الأسر نوع من الحجز والمنع.
ثانياً: الذهاب. على أساس ان الاستقرار أو القعود، نحو من المنع والحجز.
ثالثاً: فصاحة اللسان على أساس ان ضدها وهو العجز عن البيان شكل من أشكال المنع والأسر، ضد طبع الإنسان القادر على التدريب على الفصاحة.
رابعاً: الكرم والسخاء، على أساس ان البخل نوع من القيد يمنع الإنسان عن هذا الشكل من التصرف في المال.
ــــــــــــــــــــ[338]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
خامساً: إشراق الوجه والضحك. على أساس ان الحزن والعبوس مانع عن الاستبشار والسرور الذي ينبغي ان يكون عليه الإنسان ليرتاح.
سادساً: فك الناقة من العقال. ومن الواضح ان عقالها مانع لها عن المشي.
سابعاً: وهو محل الشاهد: ان الطلاق هو فك المرأة من الزوجية، على أساس ان علاقة الزوجية نوع من القيد عن التصرف واختيار الزواج برجل آخر مثلا وغير ذلك. فهو إرسال لها من قيد الزوجية وتحرير لها من رقيتها، لو صح التعبير.
وقد ورد هذا المضمون في بعض الروايات، فعن المجاشعي عن الرضا عن آبائه قال(1): “قال رسول الله: النكاح رق. فإذا أنكح أحدكم وليدة فقد أرقها، فلينظر أحدكم لمن يُرق كريمته”.
والمقصود مجرد التشبيه بالرق، لأن الحياة الزوجية ارتباط دائم ومؤكد. وعلى كل من الزوجين التنازل عن بعض مصالحه لمصلحة الطرف الآخر.
ومن هنا تبدأ التضحية بالنفس والعناية بالآخر. ومن هنا يبدأ الشبه بالرقية. وقد قيل في الحكمة الموروثة: كوني له أمة يكن لك عبداً.
وفي الحقيقة، فان هذه الرقية شاملة لكلا الزوجين، وإنما خصت الرواية الزوجة بها، لأن واجباتها في العائلة أصعب من الزوج، ولان الزوج يعتبر المشرف على الزوجة والقائم على مصالحها: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّـهُ(2). دون العكس.
والمهم: ان الزوجية إذا كانت رقية، كان الطلاق حرية وانطلاقاً وفكاكاً.
ــــــــــــــــــــ[339]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج14. أبواب مقدمات النكاح. باب 28. حديث 8.
(2) النساء: آية 34.
وهذا واضح.
وبالطبع فان المعاني الأخرى للطلاق صحيحة أيضا. كالفرقة أو الفراق والبينونة والانفصال وغير ذلك. إلا ان الأصل فيه، هو ذلك كما رجحناه.
وعلى أي حال، فقد أصبح الطلاق ذا معنى فقهي وشرعي اصطلاحي محدد. وهو يعتبر أحد المعاملات، كما يعتبر أحد الإيقاعات، وهي المعاملة التي لا تحتاج الا إلى طرف واحد. بلا حاجة إلى رضا الآخر أو قبوله، وهو في الطلاق: الزوج، وفي العتق: المالك، ونحو ذلك.
والمتصور ذهنياً: ان حق الطلاق يمكن ان يخص به أحد الزوجين، أياً منهما كان، كما يمكن لكلا الزوجين. وقد أجازت ذلك بعض القوانين الوضعية. الا ان الشريعة الإسلامية خصت هذا الحق للزوج، وليس للزوجة منه بالأصل نصيب. الا ان تتخذ بعض الطرق التي قد نتعرض لها في المستقبل.
وعلى أي حال فالمرأة تشعر أو ينبغي ان تشعر بوضوح، بصفتها أكثر في حدة العاطفة من الرجل: انها لو كانت قد حصلت على حق الطلاق لطلقت نفسها أو زوجها في أيام قلائل، ولم تصبر على الحياة الزوجية كالرجل. وفي ذلك من المفاسد ما لا يعلمه الا الله سبحانه.
وحيث اختص الطلاق في الإسلام بالزوج بنص الكتاب وإجماع علماء المسلمين، قد أصبح معنى الطلاق: هو الفرقة التي يوجدها الزوج للنكاح الدائم.
وإنما قلنا: للنكاح الدائم لأن الأشكال الأخرى من الحلائل، لا تحتاج إلى طلاق، بل تحصل الفرقة بطرق أخرى، فالعقد المنقطع يكون بهبة المدة أو انقضائها، والجارية يكون بنقلها عن الملك كبيعها أو هبتها. والتحليل يكون
ــــــــــــــــــــ[340]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
بفسخه أو إبطاله من قبل المالك.
وأما استعمال لفظ البينونة في كلمات اللغويين، كما سمعنا: فلا يراد بها إلا الفرقة. وأما البينونة الناتجة من الطلاق البائن كما سنشرح، فليس بمرادة جزماً. والفرقة على أي حال تحصل في الطلاق البائن والرجعي.
الفرق بين الطلاق والفسخ:
كما يمكن إيجاد الفرقة من النكاح الدائم، بالطلاق، كذلك يمكن أحياناً إيجادها بالفسخ. كما في العيوب المذكورة في الفقه، والتي تجعل للطرف الآخر حق الفسخ، كالجنون والبرص والجذام وغيرها، وتفصيله في محله.
فما الفرق بين الفسخ والطلاق، إذا كانا مشتركين فيما هو المهم من إيجاد الفرقة بين الزوجين.
وجواب ذلك: ان الفروق عديدة نجملها فيما يلي:
الفرق الأول: الفرق بينهما مفهوماً. باعتبار الاختلاف الارتكازي العرفي والمتشرعي بين الطلاق والفسخ. ويكفي في ذلك: ان الطلاق ينظر إليه كمعاملة مستقلة عن النكاح الذي يسبقه بخلاف الفسخ فانه ذاتاً مربوط بالنكاح السابق، لأنه وارد عليه وفاسخ له. فلا يمكن ان ينفصل مفهوماً عنه.
الفرق الثاني: قد يقال: ان الطلاق منتج للفرقة بين الزوجين من حينه، يعني عند الطلاق. وأما الفسخ، فهو منتج للفرقة من حين العقد، أعني عقد النكاح السابق.
إلا ان هذا الفرق إنما يصح بناء على الكشف في الفسخ يعني انه يكشف عن عدم وجود نكاح من أصله. وأما إذا قلنا بالنقل. كما هو الصحيح فالأمر ليس كذلك، لأن معناه ان الفسخ مؤثر في زمان وجوده وليس من حين العقد.
ــــــــــــــــــــ[341]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
إذن، يكون أثره مع الطلاق مشترك من هذه الناحية ولا يكون هذا الفرق فرقاً صحيحاً.
الفرق الثالث: ان الطلاق خاص بالزوج كما عرفنا. إلا إن الفسخ قد يكون للزوج وقد يكون للزوجة، والمهم انه يكون للطرف السليم منهما إذا كان الآخر مبتلى.
الفرق الرابع: ان الطلاق يوجب انتصاف المهر، إذا وقع قبل الدخول، فلا تستحق الزوجة إلا نصف المهر، واما الفسخ، فلا يوجب ذلك جزماً.
والصحيح انه ينتج استحقاق كل المهر. وان كان هناك من الفقهاء من يقول بعدم استحقاقها للمهر أصلاً. والوجه الأساسي في ذلك هو ما أشرنا إليه، من القول: بان الفسخ هو على نحو الكشف أو النقل. فان كان على نحو الكشف لزم منه بطلان النكاح أصلاً، الأمر الذي ينتج عدم استحقاق المهر أصلاً.
بخلافه على النقل، فان الزوجة قبل الفسخ كانت مستحقة للمهر، وقد حصل الفسخ من حينه لا من حين العقد، ولا دليل على انتصاف المهر ولا على سقوطه كله، فيستصحب استحقاقها له اجمع.
احتياطات الطلاق:
يعتبر الطلاق لو لوحظ بذاته، معاملة من المعاملات، فيشمله كل ما يقال على القاعدة في سائر المعاملات كجواز المعاطاة، وعدم ضرورة لفظ معين، لو قلنا بلزوم اللفظ. والاكتفاء بالكتابة مع إحراز انتسابها إلى صاحبها. وهكذا.
غير ان الطلاق في نفس الوقت معاملة تنتمي إلى (الفروج) بصلة، فيشملها ما يشمل هذا الباب من لزوم الاحتياط. ويكون هذا الاحتياط حاكماً ومتقدماً
ــــــــــــــــــــ[342]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
على مقتضيات القاعدة في سائر المعاملات، كما أسلفنا.
ومن هنا قال الفقهاء، بكل المعاملات التي تمت إلى هذا الباب بصلة، كالنكاح والطلاق واللعان والعتق وغيرها، بمنع المعاطاة فيها. وهي -كما عرفنا في البيع-: إبراز قصد المعاملة بالفعل لا بالقول. ومن هنا فالاحتياط الوجوبي يقتضي عدم إجزاء المعاطاة بالطلاق، كأن يضع الزوج البرقع على رأس زوجته ونحو ذلك.
إذن، فلا بد من اللفظ. ولكن مع ذلك، فمقتضى الاحتياط الاقتصار على بعض الألفاظ، بل على لفظ واحد هو (طالق) ولا يجزي غيره كمطلقة أو غيره. فضلا عن استعمال غير مادة الطلاق كالتفريق أو غيره، كأُغربي عن وجهي أو اخرجي من بيتي، وان قصد الطلاق بها.
وأولى من ذلك بالاحتياط الكتابة والإشارة. إلا مع الضرورة أعني عدم تيسر النطق لمرض أو خرس، بشرط ان يقترن أحدهما أعني الكتابة والإشارة بقصد الطلاق وان يكون مفهماً بالمقدار العرفي الكافي، مضافاً إلى إحراز انتساب الكتابة إلى صاحبها، كما لو رأيناه يكتبها وعلى أي حال، فيكفي قيام الحجة الشرعية على هذا الانتساب، أو على ترجمة إشارة الأخرس، ونحو ذلك من الأساليب.
ــــــــــــــــــــ[343]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل أقسام الطلاق
الطلاق في ذاته واحد. لكنه ينقسم من حيث نتائجه ومتابعاته وما يترتب عليه إلى عدة انقسامات:
الانقسام الأول: طلاق السنة وطلاق البدعة. فالأول هو ما كان مشروعاً وصحيحاً. والثاني ما ليس مشروعاً ولا صحيحاً. وستأتي أمثلته.
الانقسام الثاني: الطلاق الرجعي والطلاق البائن. فالأول هو ما يحق للزوج الرجوع بالزوجة خلال العدة، بخلاف الثاني الذي يفقد فيه هذا الحق.
الانقسام الثالث: الطلاق للعدة والطلاق للسنة، وهذا اصطلاح آخر لطلاق السنة. وقد اختلف في معنى هذا الانقسام، وفسره السيد الأستاذ(1): بأن الطلاق العدي هو الذي يراجع فيه في العدة من دون جماع.
وهناك انقسامات أخرى غير محررة بعنوانها فقهياً. كانقسام الطلاق إلى ما يوجب نكاح زوج غيره للتحليل والى ما لا يوجب ذلك. وانقسامه إلى ما يوجب الحرمة المؤبدة للمطلقة والى ما لا يوجب.
وذكر سيدنا الأستاذ(2): ان الطلاق السني أو للسنة فيه ثلاثة أقسام: سني بالمعنى الأعم وهو كل طلاق جامع للشرائط مقابل الطلاق البدعي، وسني
ــــــــــــــــــــ[344]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) منهاج الصالحين: ج 2. ص 321.
(2) المصدر والصفحة.
مقابل العدي، وهو ما يراجع فيه في العدة من دون جماع وسني بالمعنى الأخص وهو ان يطلق الزوجة فلا يراجعها حتى تنقضي عدتها ثم يتزوجها.
ولنحاول فيما يلي أن نحصر الانقسامات كلها في شجرة موحدة أو قائمة متصلة، جهد الإمكان. وان كانت جملة من المطالب الفقهية مشتتة بحيث يصعب ضبطها. فنقول: ان الطلاق اما ان يكون جامعاً للشرائط أو لا فالأول هو طلاق السنة. والثاني هو طلاق البدعة.
وطلاق السنة إما بائن أو رجعي. وقد سبق معناهما. ولكل من هذين انقسام.
فالبائن إما ان لا تحل له أصلاً. أو تحل له بشرط ان تنكح زوجاً غيره، أو تحل له بدون هذا الشرط. فالأول هي المطلقة تسعاً، وهي تحرم حرمة مؤبدة. والثاني هي المطلقة ثلاثاً أو ستاً. في شرائط معينة لعلنا نتعرض لها. والثالث: كطلاق الصغيرة واليائس، فيجوز له ان يعقد عليها من جديد ولو خلال العدة. كل ما في الأمر ان العقد لا يصح الا برضاها(1) لأنها طرف فيه بخلاف الرجعة، فإنها إيقاع من الزوج لا يشترط فيه رضا الزوجة. وقد قالوا فيه بصحة المعاطاة. أعني إبراز الرجعة بالفعل دون القول. كالتقبيل واللمس بشهوة وسيأتي التعرض له.
والطلاق الرجعي (المقابل للبائن الذي شرحناه) إما ان يراجع الزوج في العدة، فهو الطلاق العدي. وإما ان يترك العدة تنتهي فيعقد على الزوجة من جديد باختيارها وهو طلاق السنة أو الطلاق السني، لو أردنا التفريق بين الاصطلاحات. وهذا هو مضمون الانقسام الثالث الذي ذكرناه في أول الفصل.
وكل هذا التقسيم هو حال الطلاق الواحد، واما مع تعدده، فيمكن بل
ــــــــــــــــــــ[345]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) أو رضا وليها.
يتعين أحياناً ان تتعدد صفاته وخصائصه فيتخذ في كل مرة صفة وحكماً جديدين: أو يكون اثنين بصفة والثالث بصفة، كما هو المفروض في كل طلقات ثلاث جامعة للشرائط. فان التطليقتين الأوليتين من الطلاق الرجعي والثالثة من الطلاق البائن.
ويمكن ان تختلف الأوليتين بدورهما، فمثلا: يرجع الزوج في الأولى خلال العدة، ويعقد النكاح في الثاني بعد انتهاء العدة. فتكون الأولى للعدة والأخرى للسنة. وهكذا.
في الروايات:
يحسن بنا الآن أن نروي بعض نصوص الأخبار التي تشرح بعض أقسام الطلاق ثم نحاول تطبيقها على ما سمعناه. إذ يكون لنا من ذلك معرفة زائدة.
والتقسيم الرئيسي الوارد في الروايات، هو التقسيم إلى طلاق السنة وطلاق العدة. وسنسمع ان الزوج ان رجع في العدة بعد الطلاقين الأولين وطلقها الثالثة، كان ذلك طلاق السنة. وان ترك الزوجة تخرج من العدة في الطلاقين الأولين ثم عقد عليها من جديد ثم طلقها الثالثة، كان هذا طلاقاً للعدة. وإنما ذكرنا هذه الفكرة ليطبقها القارئ على الأخبار.
واهم هذه الأخبار: روايتان مطولتان، نود إيرادهما والاقتصار عليهما، مع التعليق عليهما، والاستفادة من نصوصهما.
صحيحة زرارة عن أبي جعفر انه قال(1): “كل طلاق لا يكون على السنة أو طلاق على العدة فليس بشيء. قال زرارة: قلت لأبي جعفر : فسر لي طلاق السنة وطلاق العدة. فقال: فإذا أراد الرجل ان يطلق امرأته،
ــــــــــــــــــــ[346]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج 15. أبواب أقسام الطلاق وأحكامه. باب 1. حديث 1.
فلينتظرها حتى تطمث وتطهر فإذا خرجت من طمثها، طلقها تطليقة من غير جماع ويشهد شاهدان على ذلك. ثم يدعها حتى تطمث طمثتين فتنقضي عدتها بثلاث حيض. وقد بانت منه. ويكون خاطباً من الخطاب، ان شاءت تزوجته وان شاءت لم تتزوجه وعليه نفقتها والسكنى مادامت في عدتها، وهما يتوارثان حتى تنقضي عدتها.
وأما طلاق العدة(1) الذي قال الله عز وجل: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ. فإذا أراد الرجل منكم أن يطلق امرأته طلاق العدة، فلينتظر بها حتى تحيض وتخرج من حيضها. ثم يطلقها تطليقة من غير جماع، بشهادة شاهدين عدلين. ويراجعها من يومه ذلك ان أحب أو بعد ذلك بأيام قبل ان تحيض. ويشهد على رجعتها، ويواقعها حتى تحيض. فإذا حاضت وخرجت من حيضها طلقها تطليقة أخرى. من غير جماع يشهد على ذلك. ثم يراجعها أيضا متى شاء، قبل ان تحيض ويشهد على رجعتها. ويواقعها، وتكون معه، إلى ان تحيض الحيضة الثالثة، فإذا خرجت من حيضتها الثالثة، طلقها تطليقة ثالثة بغير جماع ويشهد على ذلك. فإذا فعل ذلك، فقد بانت منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
قيل له: وإن كانت ممن لا تحيض؟ فقال: مثل هذه تطلق طلاق السنة”.
ورواية أبي بصير عن أبي عبد الله(2) قال: “سألته عن طلاق السنة فقال: طلاق السنة إذا أراد الرجل ان يطلق امرأته يدعها ان كان قد دخل بها حتى تحيض ثم تطهر، فإذا طهرت طلقها واحدة بشهادة شاهدين. ثم يتركها حتى تعتد ثلاث قروء. فإذا مضى ثلاثة قروء، فقد بانت منه بواحدة. وكان زوجها خاطباً من الخطاب. ان شاءت تزوجته وان شاءت لم تفعل.
ــــــــــــــــــــ[347]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: باب 2. حديث 8. وهي تتمة الحديث.
(2) المصدر: باب 1. حديث 3.
فإن تزوجها بمهر جديد، كانت عدة على اثنين باقيين، وقد مضت الواحدة. فان هو طلقها واحدة على طهر من غير جماع، بشهادة شاهدين، ثم تركها حتى تمضي أقراؤها. فإذا مضت أقراؤها من قبل ان يراجعها فقد بانت منه باثنين، وملكت أمرها وحلت للأزواج وكان زوجها خاطباً من الخطاب ان شاءت تزوجته، وان شاءت لم تفعل. فان هو تزوجها تزويجاً جديداً، بمهر جديد، كانت معه بواحدة باقية. وقد مضت ثنتان. فان أراد ان يطلقها طلاقاً، لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. تركها حتى إذا حاضت وطهرت اشهد على طلاقها تطليقة واحدة. ثم لا تحل له. حتى تنكح زوجاً غيره.
وأما طلاق الرجعة(1) (العدة) فان يدعها حتى تحيض وتطهر ثم يطلقها بشهادة شاهدين. ثم يراجعها ويواقعها، ثم ينتظر بها الطهر، فإذا حاضت وطهرت أشهد شاهدين على تطليقة أخرى. ثم يراجعها ويواقعها. ثم ينتظر بها الطهر. فإذا حاضت وطهرت أشهد شاهدين على التطليقة الثالثة ثم لا تحل له أبداً حتى تنكح زوجاً غيره. وعليها ان تعتد ثلاثة قروء من يوم طلقها التطليقة الثالثة.
فان طلقها واحدة بشهود على طهر ثم انتظر بها حتى تحيض وتطهر ثم طلقها قبل ان يراجعها، لم يكن طلاق الثانية طلاق، لأنه طلق طالقاً. ولأنه إذا كانت المرأة مطلقة من زوجها كانت خارجة من ملكه حتى يراجعها. فإذا راجعها صارت في ملكه، ما لم يطلقها التطليقة الثالثة. فإذا طلقها التطليقة الثالثة فقد خرج ملك الرجعة من يده. فان طلقها على طهر بشهود ثم راجعها وانتظر بها الطهر من غير مواقعة، فحاضت وطهرت ثم طلقها قبل أن يدنسها بمواقعة بعد الرجعة. لم يكن طلاقه طلاقاً، لأنه طلقها التطليقة الثانية في طهر
ــــــــــــــــــــ[348]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: باب 2. حديث 2. وهي تتمة الحديث
الأولى. ولا ينقضي الطهر إلا بمواقعة بعد الرجعة. ثم حيض وطهر بعد الحيض، ثم طلاق بشهود، حتى يكون لكل تطليقة، طهر مع تدنيس المواقعة بشهود”.
وهاتان الروايتان تحتويان مضامين متعددة، منها شروط صحة الطلاق أساساً، وهو في مجال حديثنا هذا خارج عن الصدد، إلا اننا نذكره إجمالا ليكون القارئ مميزاً ومطبقاً لما في الروايتين بوضوح:
أولاً: تفترض ان الزوج حاضر مع زوجته، ولا تشترط عدم غيابه فيستفاد ذلك من أدلة أخرى، مع عدم تعارضه مع هذه الروايات لعدم النص على الخلاف فيها.
ثانياً: كون المرأة في طهر غير مواقع فيه وهو مشروح في الروايتين بعدة أساليب لا حاجة إلى الإفاضة فيه.
ثالثاً: حضور الشاهدين للطلاق. وهو عندنا ضروري لصحته.
رابعاً: وقوع الطلاق نفسه. وهو مما لا تشرح أسلوبه هاتان الروايتان، بل لا بد من استفادته من روايات أخرى.
فهذه هي الشرائط، فان حصلت فهي مطلقة ويجب عليها ان تعتد بثلاثة قروء يعني حيضات. وإذا لم تكن تحيض وهي في عمر من تحيض فبثلاثة أشهر. وتكون عدتها في التطليقتين الأوليتين رجعية، وإذا كانت في غير عمر من تحيض كانت العدة بائنة، وكذلك لو كانت هي التطليقة الثالثة أو السادسة، فلا يحق للزوج ان يرجع خلالها بزوجته بأسلوب الرجعة الذي عرفناه.
والروايتان تجتمعان في المضمون التالي:
ان الطلاق للعدة أو الطلاق العدي هو ان يطلق الزوج زوجته بالشرائط السابقة ثم يراجعها في العدة في نفس اليوم أو بعد ذلك بأيام. والرواية الأولى
ــــــــــــــــــــ[349]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
دالة على ان المراجعة ينبغي ان تقع قبل الحيضة التالية، يعني مادامت المرأة في الطهر الذي طلقت فيه. وهو امر لم يأخذ به المشهور ولم تذكره الرواية الثانية. فالأولى حمل هذا الشرط على نحو من الاستحباب. وإنما الشرط الواقعي هو الرجوع في العدة، سواء كان حصوله قبل هذه الحيضة أو بعدها: بل بعد حيضتين أيضاً. لأنها عندئذ تكون في العدة أيضا.
فإذا راجعها الزوج في العدة، فعليه ان يدخل بها، فان لم يفعل لا يكون طلاقه طلاقاً للعدة.
وعلى هذا المعنى يكون ما سنشير إليه الآن متعذراً، وهو التطليقات الثلاث في مجلس واحد. إذ يمكن للزوج لولا ذلك إحضار شاهدين مع كون زوجته في طهر غير مواقع فيه، فيقول أمامهما: هي طالق، ثم يقول رجعت ثم يقول هي طالق. ثم يقول: رجعت. ثم يقول هي طالق. فتكون ثلاثة تطليقات في مجلس واحد. فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
إلا ان هذا سيكون متعذراً مع اشتراط الدخول بعد كل رجعة. كما تنص عليه كلتا الروايتين. وإذا دخل لزمه إذا أراد الطلاق، ان ينتظر زوجته لتحيض وتطهر مرة أخرى لتدخل في طهر غير مواقع فيه ليصح طلاقها الآخر وهكذا. وهذا مشروح في الروايتين أيضا وهو راجع إلى لزوم تحقيق شرائط الطلاق في كل مرة. والمهم في حديثنا عن الطلاق للعدة هو الدخول بعد الرجعة، كما نطقت به الروايتان وعمل بها المشهور وسيدنا الأستاذ.
فإذا تمت للزوج تطليقتين على هذا الغرار، بما فيه الدخول بعد الرجعة. ثم حصلت شرائط الطلاق فطلقها الثالثة، كان الطلاق بائناً ليس له الرجعة فيه، ولا يجوز ان يعقد عليها من جديد حتى تنكح زوجاً غيره.
وهذا معناه إنها يجب ان تخرج من عدة مطلقها ثم تتزوج باختيارها زوجاً ثانياً، ثم يطؤها، ثم يدعها تدخل في طهر غير مواقع فيه، فإذا طلقها كان له
ــــــــــــــــــــ[350]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الرجعة فيها، إلا ان المفروض إنها تعود إلى زوجها الأول. فيدعها تخرج من عدة الثاني فيتزوجها الأول من جديد.
فهذه هي (خريطة) الطلاق العدي. وسوف يأتي عنه كلام آخر بعون الله سبحانه.
واما الطلاق للسنة، فيختلف عن السابق، بنص الروايتين وهو: ان الزوج يدع زوجته بعد التطليقة الأولى تخرج من العدة، ثم يعقد عليها من جديد باختيارها واختياره. وهذا هو معنى كونه (خاطباً من الخطاب) كما ذكرت الروايتان.
وكذلك يفعل بعد الطلاق الثاني. فإذا نكحها بعد الثاني، ثم طلقها طلاقاً جامعاً للشرائط لم تحل إلا ان تنكح زوجاً غيره.
وهذا الطلاق لم تشترط الروايتان معاً ان يدخل فيها بعد العقد الذي يعقده عليها بعد الطلاق وانتهاء العدة. بل لم تشترط ذلك في النكاح الأول أساساً. وان افترضت وقوع المواقعة، لأنهما قالتا: انه يدع الزوجة تطمث ثم تطهر ليصح طلاقها. وهذا إنما يكون مع شرط حصول المواقعة لا بدونها، فلو تزوجها أولاً ولم يدخل بها كان له ان يطلقها متى شاء.
فهنا يمكن ان نرجع إلى التحريم بالطلاق بمجلس واحد. وذلك: ان يتزوج الرجل المرأة لأول مرة. ثم لا يدخل بها ويطلقها متى شاء أمام شاهدين. وعندئذ فهي لا عدة لها وطلاقها بائن. فيجوز ان تتزوج في نفس اليوم من أي رجل. فيتزوجها باختياره واختيارها في نفس المجلس بعقد نكاح جديد، ثم أيضا يطلقها قبل الدخول أمام الشاهدين نفسيهما. فتكون أيضا لا عدة لها وطلاقها بائن فيعقد عليها من جديد في نفس المجلس. ويطلقها فيه أيضا وهو قبل الدخول. فيكون طلاقه للسنة. ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
ــــــــــــــــــــ[351]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
غير إننا نلاحظ ان كلتا الروايتين اشترطتا في كل تطليقة ان تنقضي العدة. وهذا معناه انها تفترض حصول الدخول بعد كل نكاح. وإلا فمن الواضح، (وقد دلت عليه أدلة أخرى): ان المطلقة قبل الدخول لا عدة لها شرعاً. وتصلح تلك الأدلة لتقييد هاتين الروايتين. فيكون المعنى: ان طلاق السنة إنما يكون مشروطاً بانقضاء العدة فيما تجب فيه العدة: دون ما لا تجب فيه. كطلاق غير المدخول بها والصغيرة. إذن، تندرج التطليقات الثلاث في مجلس واحد، كما شرحناها أو للصغيرة ونحو ذلك، في طلاق السنة.
ويحسن بنا الآن أن نطبق الاصطلاحات الثلاثة السابقة لطلاق (السنة) على ما عرفناه من الروايات قبل الدخول في تفاصيل أخرى.
فطلاق السنة المقابل للبدعة واضح، لأن طلاق البدعة هو الطلاق غير الجامع للشرائط، كالطلاق في طهر مواقع فيه أو في الحيض الذي يليه والزوج حاضر، أو بدون شاهدين، ونحو ذلك. وطلاق السنة، هو الجامع للشرائط، نسبة إلى السنة بمعنى التشريع في الشريعة الإسلامية. يعني الطلاق الموافق للتشريع. أو السنة بمعنى ديدن المعصومين وسيرتهم في ذلك. وكل ذلك ممكن وصحيح.
غير ان هذا الاصطلاح غير منصوص عليه في هذه الرواية، كلما في الأمر انه يستفاد من مجموع أدلة شرائط الطلاق، بما فيها هاتان الروايتان، حيث دلت على ذلك أيضا، كما أشرنا.
وطلاق السنة في مقابل الطلاق للرجعة، وقد سمعنا من السيد الأستاذ تعريفه: بأنه ما يراجع فيه في العدة من دون جماع، فكأن الزوج ان جامع بعد الرجعة كان طلاقه سنياً وان لم يجامع كان طلاقه رجعياً. وهذا خلاف نص الروايات التي دلت ان طلاق السنة إنما يتحقق: فيما إذا خرجت العدة ثم عقد عليها من جديد، واما إذا راجع في العدة، فالدخول بعده شرط فيها، وان لم
ــــــــــــــــــــ[352]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
يجامع وطلق لم يكن طلاقه للسنة ولا للعدة. وظاهر تلك الروايات ان كل طلاق لا يكون من أحد القسمين فانه باطل أو بدعة.
بقي الاصطلاح الثالث للطلاق السني، وهو أن يدع الزوج ان تنهي العدة ويتزوجها من جديد. وهو الذي عرفناه من الروايات. في مقابل الرجعي وهو أن يرجع خلال العدة. مع الوطء بعدها.
نتائج هذا التقسيم:
قالوا: ان التقسيم إنما يكون معقولا وممكناً، فيما إذ كان منتجاً، يعني ان يكون أحد القسمين محكوم بحكم آخر غير القسم الآخر. وبتعبير آخر: ان تكون الأقسام مختلفة في الأحكام، فان كانت متفقة فيها، كانت القسمة غير منتجة ومن ثم فهي تافهة وغير معقولة.
ومن ثم فقد يستشكل في هذا التقسيم من جهتين:
الجهة الأولى: ان كلا القسمين مشتركان في الحكم. من حيث صحة الطلاق في نفسه أولاً. وإنتاجه للتحريم المؤقت ــ لو صح التعبير ــ في الثالثة، وإنتاجه للتحريم المؤبد في التاسعة(1): وهذه هي كل نتائج الطلاق شرعاً. وهي مشتركة بين القسمين. وهذا ما سنبحثه بعد قليل.
الجهة الثانية: ان أقسام الطلاق غير منحصرة بين هذين القسمين، بل هناك أنواع صحيحة من الطلاق غير هذين، بالرغم من عدم تسميتها اصطلاحاً بذلك. كما لو راجع في العدة ولم يطأ. أو كانت كل التطليقات بائنة ونحو ذلك.
ــــــــــــــــــــ[353]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) نعم لو قلنا ان الطلاق للسنة لا يحرم في التسع، كما أشار إليه صاحب الجواهر، لكان وجهاً في الفرق إلا إن الصحيح خلافه، ولو من باب الاحتياط الوجوبي، كما سيأتي.
وهذا الكلام معناه الاستشكال في صحة التقسيم بإزاء ما دلت عليه الروايات – كما سمعنا -: من ان الطلاق ان لم يكن للسنة ولا العدة كان باطلا، (فلا طلاق له).
اما الكلام في الجهة الأولى.. ففي الواقع نحن في غنى عن نتائج هذين القسمين. لولا ورودها في الروايات، عن المعصومين، الأمر الذي يلزمنا ان ننظر في ذلك بجدية.
ويمكن الجواب على هذا الإشكال بعدة وجوه:
الوجه الأول: الطعن في اسناد الروايات المقسمة للطلاق، الأمر الذي يسقطها عن الحجية، ومعه فهذا التقسيم لا وجود له لنبحث عن نتائجه.
إلا ان هذا الوجه لا سبيل له ظاهراً، لان في الروايات ما هو صحيح السند، لا اقل من الرواية الأولى السابقة. وقد عمل الفقهاء بهذا المضمون، الأمر الذي قد يقال بانجبارها سنداً على تقدير ضعفها أو ضعف ما يماثلها من الروايات.
الوجه الثاني: انه لا يراد بهذا التقسيم: الاختلاف في النتائج. وإنما يراد به دفع الزائد، أعني بطلان ما لم يدخل تحت القسمين، ولا يراد به أكثر من ذلك. وليس للقسمين مفهوم مشترك يفصلهما عن غيرهما مما يكون باطلا. إذن فلا بد من ذكر عنوانين أو اصطلاحين للطلاق الصحيح.
وهذا الوجه يتوقف على ما سوف نقوله في الجهة الآتية. من انه هل من الصحيح بطلان الأقسام الأخرى للطلاق أم لا. ولا شك ان المشهور صحة عدد من أشكال الطلاق، مما لا يندرج في القسمين.
الوجه الثالث: ان المراد إعطاء اصطلاحين للطلاق، ليكونا مميزين بين القسمين فقهياً وشرعاً. بغض النظر عن اشتراكهما أو اختلافهما في الحكم.
ــــــــــــــــــــ[354]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فالمهم التنبيه على وجود أسلوبين للطلاق. واصطلاحين فيه لكل أسلوب، لا أكثر.
وأما القاعدة المنطقية التي سمعناها والتي تقول: بأن القسمة لا تصح مع تساوي القسمين في الحكم. فهذه إنما تصح فيما إذ لم تكن هناك حكمة أخرى للتقسيم غير الاختلاف في الحكم. فان وجدت أمكن التقسيم باعتبارها.
ونحن لا نعرف الجهات الواقعية لحكم المولى المقدس الإسلامي. غير أننا في هذا المورد ندرك: انه لو لم تكن فيه الا التنبيه على إمكان أشكال متعددة من الطلاق يكون كله صحيحاً، لكفى. هذا بغض النظر عن الوجه الثاني السابق، والجهة الثانية الآتية.
الوجه الرابع: ان هذين القسمين مختلفين في الأحكام فعلا، فتكون القسمة صحيحة ومعقولة.
اما الحكم بصحة الطلاق، فهو مشترك بينهما. وكذلك الحكم بالتحريم المؤقت. وأعني به التحريم ما لم تنكح زوجاً غيره، وهذا ما نصت الروايتان على اشتراكهما فيه أيضا. إلا ان التحريم المؤبد في التاسعة يختلفان فيه. فالطلاق الرجعي هو المنتج للتحريم المؤبد دون طلاق السنة. كما انه لو لم يطأ بعد الرجوع لم يحرم مؤبداً، على ما قاله بعض الفقهاء. وهذا الاختلاف كاف في صحة التقسيم، بالرغم من ندرته، فتأمل.
ومعنى عدم تحريم المؤبد إمكان نكاحها بعد التطليقة التاسعة إذا كان بعضها غير جامع لتلك الشرائط، أي لم يكن رجعياً بالمعنى المشروح في الروايات.
إلا ان هذا الوجه يتوقف على صحة القول بعدم صحة التحريم المؤبد بدون ذلك. وهو محل إشكال. ومقتضى إطلاق ما دل على التحريم المؤبد في
ــــــــــــــــــــ[355]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
التسع هو الشمول لكل الصور، ما دام الطلاق مشروعاً في نفسه. ولا اقل من الاحتياط الوجوبي إذا لم يكن إطلاق. وتمام الكلام في الفقه.
وأما الكلام في الجهة الثانية: وهو انحصار الطلاق الصحيح بالقسمين المذكورين في الروايات، دون سواهما. كالذي سمعناه في صحيحة زرارة: “كل طلاق لا يكون على السنة أو طلاق على العدة فليس بشيء” فكيف نفهم ذلك مع العلم ان هناك ما هو صحيح من الطلاق بلا إشكال من غير هذين القسمين؟!
وجواب ذلك، يمكن ان يكون بأحد وجوه:
الوجه الأول: ان نحمل قوله: ليس بشيء على وجه من وجوه التنزيه، أو خلاف الأولى، مع الاعتراف بصحتها.
الوجه الثاني: ان نحمل مفهوم طلاق السنة الواردة في العبارة، على طلاق السنة بالمعنى الأعم. يعنى ما يكون مشروعاً وجامعاً للشرائط.
وهذا لا ينافي عطف طلاق العدة عليه. لأنه يمكن ان يكون من عطف الخاص على العام.
وإذا تم ذلك كان الطلاق غير المدرج تحت هذين القسمين (ليس بشيء) وليس صحيحاً على الإطلاق لأنه غير جامع للشرائط على الفرض.
إلا انه يمكن ان يورد على هذين الوجهين:
أولاً: ان ظاهر التقسيم في الرواية التقابل بين القسمين وليس عطف الخاص على العام، الأمر الذي يعين كون المراد بطلاق السنة ما يقابل الرجعي وليس الأعم منه.
ثانياً: ان طلاق السنة مشروح في الرواية تفصيلا، فلا يمكن حمله على ما
ــــــــــــــــــــ[356]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
هو الأعم من ذلك، وفهم هذا الشرح على المثالية، وان كان ممكناً نظرياً، إلا انه بعيد عن ظهورها بالاختصاص فيه، فتأمل.
الوجه الثالث: حمل قوله: ليس بشيء على التأثير في الأثرين الآخرين غير مجرد صحة الطلاق، أعني التحريم في الثلاث والتسع. بعد التسليم الناتج من ضرورة الفقه على الصحة في الطلاق بمجرده.
وهذا الوجه قد يكون هو المتعين بعد تعذر الوجوه الأخرى. وبه تقيد ما دل بإطلاقه على التحريم من مطلق الثلاث أو مطلق التسع. وهو في تحريم التسعة أوضح منه في تحريم الثلاث، كما هو معلوم فقهياً. إلا ان القول بكفاية هذا المورد على قلته مشكل. وتمام الكلام في الفقه.
ويحسن بنا في نهاية هذا الحديث ان ننقل كلاماً لصاحب المسالك عن أقسام الطلاق حيث يقول:
التحقيق: ان الطلاق العدي من أقسام الرجعي والطلاق السني بالمعنى الأخص بينه وبين كل واحد من البائن والرجعي عموم وخصوص من وجه.
يختص البائن عنه (يعني عن الطلاق العدي) بما إذا لم يتزوجها بعد العدة، ويختص العدي عنه بما إذا رجع في العدة. ويختص السني عنه بما إذا كان الطلاق بائناً وتزوج بعد العدة. ويتصادقان فيما إذا كان الطلاق رجعياً ولم يرجع فيه إلى انقضاء العدة ثم تزوجها بعقد جديد.
فالأجود في التقسيم ان يقسم الطلاق السني إلى البائن والرجعي. والقسمة حاصرة غير متداخلة، ويقسم أيضا إلى طلاق العدة وطلاق السنة بالمعنى الأخص وغيرهما. لا ان يقتصر عليهما.
وهنا يمكن ان نعلق بعدة نقاط تزداد خلالها أقسام الطلاق في نظر القارئ وضوحاً.
ــــــــــــــــــــ[357]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
النقطة الأولى: قال: ان الطلاق العدي من أقسام الرجعي. وهذا صحيح بالمعنى المصطلح. لأن الرجعي هو ما يحق للزوج الرجوع خلال العدة. فإما أن يرجع فعلا، فهو طلاق عدي أو للعدة، كما نطقت به الروايات، وإما ان لا يرجع، فهو القسم الآخر. ومن الواضح ان عدم استعمال الزوج لحقه في الرجوع، لا يعني عدم ذلك الحق.
نعم، لو قصدنا من الطلاق العدي، ما كان للزوجة عدة فيه، في مقابل ما لا عدة لها فيه كالصغيرة وغير المدخول بها. كان الطلاق الرجعي مندرجاً في العدي ومن أقسامه، دون العكس. للوضوح الفقهي انه لا رجعة مع عدم العدة.
النقطة الثانية: الظاهر ان قوله: والطلاق السني بالمعنى الأخص، تفسير للطلاق الرجعي. وليست الواو استئنافية. ومعه يكون الضمير في قوله: بينه وبين كل واحد.. الخ راجعاً إلى الطلاق الرجعي.
ولكن ما هو المعنى المشار إليه ليعود إليه الضمير. فان الطلاق السني بالمعنى الأخص، كما سمعنا من السيد الأستاذ، وهو الذي ذكرته الروايات السابقة، هو انه يترك العدة لتنتهي من دون رجعة، ثم يعقد عليها من جديد.
وهذا المعنى مقابل للطلاق الرجعي، وهو ما يرجع به في العدة فعلا. ان أراد به ذلك. وان أراد ما يحق به الرجوع كان الطلاق السني من أقسام العدي، دون العكس الذي ذكره المصنف.
ومعه فقد يتعين حمل الواو في كلامه على الاستئناف، وان النسب التي عرضها إنما هي بين الطلاق السني بالمعنى الأخص، مع الطلاق البائن تارة والطلاق الرجعي أخرى.
والقرينة على ذلك أيضاً، ذكره للطلاق الرجعي مرة أخرى.
ــــــــــــــــــــ[358]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
النقطة الثالثة: يمكن عرض النسب بين مصطلحات الطلاق على كثير من المحتملات فيما يلي، سواء كان قد أرادها صاحب المسالك أم لا.
فالنسبة بين الطلاق العدي والرجعي، سبق أن تكلمنا حولها. على كلا التقديرين: من ان المراد بالعدي ما يراجع به الزوج في العدة أو ما كان فيه عدة، فلا نعيد.
أما النسبة بين العدي والبائن، فهي التباين. لو كان المراد من العدي ما كان فيه رجعة. فان البائن ما ليس فيه ذلك. وان أردنا من العدي ما فيه عدة مطلقاً كان أعم من البائن لأن عدة البائن لا رجعة فيها. وان قصدنا من البائن ما لا رجعة فيه سواء كان فيه عدة كالمطلقة الثالثة أو لا عدة فيها كالصغيرة. فيكون بين الاصطلاحين عموم وخصوص من وجه. يفترق العدي في العدة الرجعية أو ما يرجع الزوج فيها. ويفترق البائن بما لا عدة فيه كالصغيرة. ويشتركان في العدة البائن.
واما النسبة بين العدي والرجعي. فالرجعي ذو عدة دائماً. فان قصدنا من العدي ما كان فيه عدة كان أعم مطلقاً لشموله للبائن.
وان قصدنا من العدي ما يرجع في العدة كان أخص. لأن الرجعي قد يرجع فيه وقد لا يرجع.
وأما النسبة بين الطلاق العدي والطلاق السني. فان قصدنا من السني ما كان بالمعنى الأعم، وهو مطلق الطلاق المشروع، كان اعم من العدي بكل معانيه كما هو واضح.
وان قصدنا من السني ما لم يرجع فيها خلال العدة الرجعية، ومن العدي ما يرجع فيها. كما نطقت به الروايات، كانت النسبة هي التباين. لأن الميزان هو وجود الرجعة وعدمه.
ــــــــــــــــــــ[359]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وان قصدنا من العدي ما كان فيه عدة. كان اعم مطلقاً من المعنى الثاني للسني. لأن العدي قد لا يستعمل فيه حق الرجعة فيكون سنياً وقد يستعمل فيكون عدياً بالمعنى الآخر.
وأما النسبة بين الطلاق السني والطلاق البائن. فان قصدنا من السني المعنى الأعم، كان اعم مطلقاً من البائن بصفته سنياً أيضا أي مشروعاً في الدين. وان قصدنا من السني ما لا يستعمل فيه الزوج حق الرجعة، كان مبايناً للبائن. لأن معناه ان العدة في السني رجعية وليست بائنة.
النقطة الرابعة: ظاهر كلام صاحب المسالك، كون تجديد العقد بعد انتهاء العدة، دخيلا في اصطلاحات الطلاق، كما قد سمعنا ان الرجعة خلال العدة دخيل أيضا فيه. وهذا لا يخلو من تسامح على أي حال. غير ان كل هذه التقسيمات ان لم يكن لها أثر شرعي وكانت مجرد اصطلاحات، فلا مشاحة في الاصطلاح، كما يقولون. فله ان يصطلح ما يشاء. وان كان له أثر شرعي، وهو عدم التحريم في التاسعة مع تجديد العقد، كما عليه فتوى البعض. فهو إذن ليس اصطلاحاً وإنما هو تحرير أو تنقيح لموضوع الحكم الشرعي، إلا انه خلاف سياق كلامه. لأنه لم يتعرض إلى ذلك من خلاله.
النقطة الخامسة: عقد صاحب المسالك في عبارته نسبتين: إحداهما النسبة بين البائن والعدي. وسبق ان النسبة بينهما هي التباين، إذا أردنا من العدي ما كان رجوعه في العدة، كما هو المفروض.
ولكنه جعل بينهما نسبة العموم من وجه. وهذا غريب لأن الطلاق البائن لا يختلف حاله بين ما إذا تزوجها خلال العدة بعقد جديد أو تزوجها بعد العدة أو لم يتزوجها أصلاً. وليس للزواج خلال العدة حكم الرجعة فقهياً وشرعياً ليقال: انه مورد التصادق والاشتراك بينهما. وان لم يشر إليه بصراحة. وفي الحقيقة ليس بين البائن والعدي مورد اشتراك فيكونان متباينين.
ــــــــــــــــــــ[360]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
والنسبة الثانية عقدها بين السني والعدي وقلنا إننا ان أردنا منهما اصطلاح الأخبار، كما هو الظاهر فالنسبة التباين، لأن الرجعة ان وجدت فهو الرجعي وإلا فهو السني.
أما صاحب المسالك فقد جعل السني شاملا للطلاق البائن، وهذا يرد عليه:
أولاً: انه اخذ بالاصطلاح الأعم للسني. ومعه يكون أعم مطلقاً من العدي.
ثانياً: انه قائم على التخيل الذي أشرنا إليه وهو ان العقد على المعتدة البائن خلال العدة كالرجعة. وهو باطل فقهياً. لأن العقد يكون باختيار الزوجة، وليس لها في الرجعة اختيار، وإنما هي بيد الزوج كلياً.
ولو تخلينا عن هذا التخيل، لم يمكن إدراج الطلاق البائن في الطلاق السني بحال. ما دمنا تجاوزنا عن الإشكال الأول.
وأما قوله: ويتصادقان فيما إذا كان الطلاق رجعياً ولم يرجع فيه إلى ان انقضت العدة ثم تزوجها بعقد جديد. فهذا معناه اخذ معنى (الرجعي) ما كان الطلاق فيه حاوياً لحق الرجوع في العدة. فان قصدنا من السني معناه الأعم كان أخص منه بصفته أحد الأساليب المشروعة للطلاق. وان قصدنا ما ذكرته الروايات. فهو عين الرجعي بهذا المعنى والنسبة بينهما هي التساوي. لأن كلا منهما يراد به ما لم يرجع في العدة: وليست النسبة هي العموم من وجه كما ذكره قدس سره.
وهذا الكلام كاف في المناقشة، بالرغم من وجود بعض المناقشات الأخرى.
ــــــــــــــــــــ[361]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل تنصيف المهر
لا شك ان الطلاق قبل الدخول يوجب انتصاف المهر. يعني لا تستحق الزوجة عندئذ إلا نصف المقدار المسمى بالعقد مهما كان مقداره. أخذاً بقوله تعالى(1): وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ ان تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ.
فإذا فهمنا من المس في الآية الجماع، ومن الفريضة المهر، ومن قوله: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْسقوط استحقاق الباقي، كما هو الفهم العرفي الصحيح في كل ذلك، تم الاستدلال بالآية الكريمة على المطلوب.
ومعه لا حاجة إلى الاستدلال بسنة ولا إجماع. فان كتاب الله فوق كل اعتبار.
ومن السنة صحيحة أبي بصير(2) عن أبي عبد الله قال: “إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فقد بانت وتتزوج إن شاءت من ساعتها وان كان فرض لها مهراً فلها نصف المهر”. الحديث.
وصحيحة الحلبي(3) عن أبي عبد الله في رجل طلق امرأته قبل ان يدخل بها. قال: “عليه نصف المهر ان كان فرض لها شيئاً”. الحديث.
ــــــــــــــــــــ[362]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) البقرة: آية 237.
(2) الوسائل: ج15. أبواب المهور. باب 51. حديث 1.
(3) المصدر: حديث 2.
والاستدلال بالسنة بإزاء الكتاب، وان لم يفد في إفادة أصل الحكم ولكنه قد يفيد في التفاصيل باعتبار اختلاف البيان واللسان بين الكتاب والسنة كما سوف نرى.
وبعد ثبوت أصل الحكم، يحسن ان نتكلم في أهم تفاصيله خلال عدة جهات:
الجهة الأولى: في حقيقة الدخول الذي اخذ شرطاً أو موضوعاً لاستحقاق الزوجة جميع المهر أو اخذ عدمه لاستحقاقها نصفه.
وقد عبرت الآية الكريمة بالمس وهو مشابه إلى حد بعيد باللمس المشار إليه في آية التيمم: أو لامَسْتُمُ النِّسَاءَ(1) حيث فهم اغلب علماء المسلمين منه الدخول وفهم منه بعض العامة ما هو ظاهره من مجرد اللمس وأفتوا بان لمس النساء موجب للغسل أو التيمم بدله، وهذه الآية الواردة في الطلاق حجة عليهم لعدم إمكان، ان يقال ان اللمس بمجرده موضوع لاستحقاق كل مهر.
فإن قيل: إن آية التيمم عبرت باللمس وآية الطلاق عبرت بالمس واللمس اظهر بمجرد المماسة.
قلنا: إن اللمس والمس لغة وعرفاً واحد، لا نجد فرقاً بينهما. كل ما في الأمر إنهما لا يتضمنان مجرد التقارب كتقارب حصاتين أو خشبتين وإنما يتضمنان التقارب مع الإحساس به من الطرفين فهما من المترادف في اللغة.
وظاهره وان كان هو اللمس الخارجي إلا انه يراد به في آية الطلاق قطعاً الدخول. ووجه المجاز واضح فإذا ضممنا إلى ذلك ترادفهما لغة وعرفاً استطعنا استنتاج ان المراد بها في آية التيمم هو ذلك وهذا هو نتيجة ما ذكرته رواياتنا من ان المراد في الآيتين الدخول وانه لم يذكر بعنوانه فيهما باعتبار الستر فان الله ستير يحب الستر.
ــــــــــــــــــــ[363]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) النساء: آية 43.
والظاهر ان المقصود من تغيير اللفظ في الآيتين هو انه حين اقتضت الحكمة إبراز الدخول بصيغة المفاعلة، فاستخدمت مادة اللمس فقيل لامستم لأنه لو استخدم مادة المس لكان اللازم ان يقال ماسستم وهو تعبير لا يخلو من سماجة يربأ عنها القرآن الكريم وحين اقتضت الحكمة بيان الدخول من طرف واحد، استخدمت مادة المس فقيل: تمسوهن. إذ لو استخدمت مادة اللمس فقيل تلمسوهن، لكان ذلك بعيداً عن السياق القرآني. واما انه لماذا ان الحكمة اقتضت في آية التيمم بيان صيغة المفاعلة دون آية الطلاق فهذا مما ينبغي إيكال علمه إلى منزل القرآن الكريم جل جلاله. غير اننا من زاوية فهمنا يمكن أن نقول: ان الغسل الذي يعوض عنه التيمم أحياناً سيكون واجباً على كلا الزوجين ومن هنا كان الأنسب الإشارة إلى مشاركتهما معاً في العمل بصيغة المفاعلة في حين ان المهر لا يجب إلا على الزوج وليس للمرأة فيه حكم، فناسب بيان الدخول من طرف واحد في آية الطلاق.
هذا، والظاهر ان الدخول الذي اعتبر حداً لتنصيف المهر وعدمه، هو الموجب للغسل لكلا الزوجين، وهذا معناه اننا نخرج صورة الإنزال بدون دخول، كما نخرج صورة الدخول الجزئي أعني لبعض الحشفة. كما اننا من ناحية أخرى لسنا بحاجة إلى القول بلزوم الإنزال أو اشتراط وجوب الغسل على الطرفين.
نعم قد يقال ان ظاهر الآية الكريمة هو الدخول من طرف واحد كما سبق وهو طرف الزوج. إذن يكفي أن يجب الغسل على الزوج دون الزوجة في استحقاق كل المهر.
وجوابه من وجهين على الأقل:
الوجه الأول: ان الآية الكريمة مفسرة بالأخبار الصحاح التي سمعناها وهي معتبرة شرعاً. ومقتضى القاعدة ان من حق السنة الشريفة تقييد القرآن وتفسيره
ــــــــــــــــــــ[364]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ولئن كانت الآية الكريمة قد عبرت بالمس فالأخبار الصحيحة قد عبرت بالدخول، وهو ظاهر عرفاً بما يجب فيه الغسل على كلا الشخصين.
الوجه الثاني: ان ظاهر المس هو ذلك، أعني ما أوجب الغسل للطرفين.
ولا يمنع من هذه الاستفادة ولا ينافيها أنه منظور من جهة الرجل فقط إذ لو لم يكن الأمر كذلك لسرى الحكم إلى صور غير محتملة يجب فيها الغسل على الرجل فقط كالإنزال بالملاعبة أو بالنظر.
الجهة الثانية: في كيفية الحكم في تنصيف المهر في من لا مهر لها.
وعدم استحقاق المهر للمرأة له أكثر من سبب. فإما أن يكون من أجل قبضها للمهر المستحق قبل الطلاق. وإما أن يكون من أجل إبرائها لذمة زوجها من المهر. وإما ان يكون من اجل عدم ذكر المهر في عقد النكاح أساساً عمداً أو نسياناً. وهذا الأخير هو المقصود فقهياً من هذا العنوان وان كنا سنتحدث عن الصور الثلاثة جميعاً.
الصورة الأولى: ما إذا كان الزوج قد دفع المهر لزوجته ثم طلقها قبل الدخول فيجب عليها إرجاع نصف المهر إليه.
الصورة الثانية: فيما إذا أبرأت المرأة حصة زوجها من المهر فمقتضى القاعدة انه يجب عليها ان تدفع نصف المهر ما لم يبرأها هو بدوره ولا يكون الإبراء اشد من القبض في ذلك، فالصورتان ذواتا منحى واحد فقهياً.
الصورة الثالثة: ما إذا لم يذكر المهر في العقد أساساً فمثل هذه المرأة يصح عقدها إذا كان دواماً غير منقطع وتجب لها المتعة على الزوج طبقاً لقوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ(1) وهذا اصطلاح للمتعة غير اصطلاح العقد المنقطع الذي يسمى بالمتعة أيضا.
ــــــــــــــــــــ[365]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) البقرة: آية 236.
وقد فسرت بالروايات بأن الثري يدفع الثوب الثمين أو الدابة الفارهة والمتوسط يدفع الثوب المتوسط والفقير يدفع الشيء القليل كالدرهم والدرهمين أو الثوب البسيط.
ومن هنا نجد ان الروايات قد حللت المتعة إلى ثلاث مراتب بخلاف الآية فإنها ذكرت مرتبتين وتركت الثالثة وهي الوسطى.
إلا أن الآية الكريمة لم تذكر مرتبتين فقط وان كان ذلك هو ظاهرها الأولي. بل ذكرت مراتب كثيرة فان المفهوم منها عرفاً إنها قالت: ان على كل إنسان ما يستطيعه وحيث تختلف الموارد الاقتصادية للناس، تختلف مقادير ما يجب عليهم من المتعة. وإنما ذكرت الروايات ثلاث مراتب من باب المثال لا على نحو الحصر.
والمهم الآن، ان مثل هذه المرأة التي يجب لها المتعة إذا طلقت قبل الدخول فماذا يجب لها؟ والاحتمالات البدوية هنا ثلاثة: ان لا يجب لها شيء حتى المتعة فضلا عن المهر. وان تجب لها كل المتعة أو أن تجب لها نصف المتعة بحيث لو كانت أخذتها قبل الطلاق وجب عليها رد نصفها.
أما الاحتمال الأول: وهو عدم استحقاقها للمتعة ولا المهر فقد يقرب بأن المال إنما يدفع إلى الزوجة بإزاء البضع وحيث لم يقبض الزوج منها بضعاً لا يجب عليه ان يدفع مالا. وجواب ذلك من أكثر من وجه.
الوجه الأول: انه لا يراد بالبضع الدخول خاصة وان كان هذا أوضح أفراده بل يراد به مطلق الاستمتاع الجنسي والمفروض انها كانت ممكنة غير ناشز وقد حصل منها الاستمتاع فيجب بإزائه دفع المال.
الوجه الثاني: انه خلاف إطلاق الآية والروايات الدالة على استحقاق المتعة سواء قبل الطلاق أو بعده وسواء مع الدخول أو مع عدمه.
وبتعبير آخر: انها كانت مستحقة للمتعة قبل الطلاق بلا إشكال، فإذا شككنا بسقوط استحقاقها
ــــــــــــــــــــ[366]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
بعد الطلاق أمكن استصحابه.
وأما الاحتمال الثاني: ونقدم هنا احتمال استحقاق النصف من المتعة. ووجهه الفقهي قياس المتعة على المهر، فكما ان المهر المستحق قبل الطلاق ينتصف بالطلاق قبل الدخول، كذلك المتعة.
وهذا ليس من القياس الباطل وإنما يقرب باعتبار اننا نفهم من المهر مطلق المال الذي تستحقه المرأة لزوجها سواء ذكر في العقد وهو المهر أو لم يذكر وهو المتعة. وإنما ذكر المهر في حكم التنصيف على سبيل المثال لا على سبيل الحصر.
الا ان هذا التقريب غير وجيه، للفرق العرفي والفقهي بين المهر والمتعة. يكفي في ذلك صحة السلب عرفاً بأن نقول: ان المتعة ليست مهراً. فتعميم الحكم من المهر إلى غيره وحمله على المثالية خلاف ظاهر العنوان. ومعه فالتنصيف ثابت في المهر دون المتعة.
إذن، يثبت الاحتمال الثالث وهو دفع المتعة إلى الزوجة بكاملها وان حصل الطلاق قبل الدخول. وان كان قد دفعها لم يجب عليها إرجاع شيء منها. وهذا هو مقتضى الأصل والروايات.
الجهة الثالثة: في شمول الحكم بالتنصيف إلى صور أخرى غير الطلاق من أساليب انفساخ عقد النكاح وزواله كحصول الفسخ في العيوب. ولعل هذا هو المورد الوحيد لهذا الاحتمال الفقهي لان زوال النكاح بالموت مثلا قبل الدخول لا يوجب تنصيف المهر بلا إشكال.
وأما الفسخ فقد يقاس على الطلاق، بأن نفهم من الطلاق قبل الدخول مطلق التفريق بين الزوجين لا خصوص الطلاق بعنوانه. والنتيجة هو أن الفسخ قبل الدخول موجب لانتصاف المهر.
ــــــــــــــــــــ[367]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
إلا ان هذا التقريب ليس بصحيح لوجود عدة فروق أساسية بين الطلاق والفسخ لا حاجة الآن إلى تعدادها. وإنما المهم انها تكون سبباً لعدم إمكان تعميم الحكم بالتنصيف من الطلاق إلى الفسخ فتكون النتيجة ان الفسخ قبل الدخول لا يوجب انتصاف المهر. وإنما تستحقه الزوجة كله بناء على النقل ولا تستحق منه شيئاً بناء على الكشف.
الجهة الرابعة: في العقد المنقطع، ويقابل الطلاق فيه ما يسمى بهبة المدة الباقية فإذا فعل ذلك زال أثر العقد وليس فيه طلاق كطلاق الزواج الدائم.
وهذا العقد لا يصح إلا بذكر المهر فان لم يذكر المهر بطل. ومعه فقد يقال: ان الزوج لو وهب المدة قبل الدخول انتصف المهر، كما هو الحال في العقد الدائم.
ومختصر الجواب عن ذلك: لأكثر من وجه، نذكر منها:
الوجه الأول: انصراف أدلة انتصاف المهر إلى العقد الدائم، وتعميمه إلى المنقطع مع ملاحظة الفروق المهمة بينهما، متعذر عرفاً.
الوجه الثاني: ان أدلة انتصاف المهر خاصة بالطلاق قبل الدخول، فان كان في العقد المنقطع طلاق كان وجهاً. أما هبة المدة فليس طلاقاً عرفاً ولا شرعاً، فلا يكون مشمولا لتلك الأدلة.
الوجه الثالث: ان الزوجة كانت تستحق كل المهر قبل هبة المدة، فلو فرضنا أننا شككنا بزوال استحقاقها للنصف، باعتبار هبة المدة قبل الدخول، أمكن استصحابها.
ونتيجة هذه الوجوه جميعاً هو عدم انتصاف المهر بهبة المدة في العقد المنقطع. فان لم يكن الزوج قد دفعه، وجب دفعه كله. وان كان قد دفعه أو كانت زوجته قد أبرأته منه. لم يجب عليها إرجاع شيء منه بعد هبة المدة.
ــــــــــــــــــــ[368]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
نعم، قد يقرب الأمر من زاوية أخرى. ويقال: بان الزوجة تستحق بهبة المدة بمقدار ما مضى من المدة، ويسقط من المهر بمقدار ما بقي.
وجواب ذلك: ان هبة المدة لو كانت بتسبيب المرأة، كان لذلك وجه. ولكنه بيد الزوج فقط. وأما المرأة فهي راضية بالبقاء معه إلى تمام المدة. خذ إليك مثلا في أجرة الأجير، كما لو دفعت لشخص قماشاً ليخيطه ثوباً، فأخذه غيره فخاطه تبرعاً. أو دفعت لشخص أرضاً ليزرعها أو ليحرثها، فعمل فيها الغير، وهكذا. فان الأجرة في مثل ذلك لا يسقط منها شيء للأول. لأن المهم فيها هو تمكين الأجير نفسه من العمل، والمفروض حصوله. وليس المهم هو فعلية العمل. نعم، لو ثبت عملياً تعذر العمل أساساً في علم الله سبحانه، كما لو غرقت الأرض بالفيضان بعد عقد الإجارة بحيث تعذر فيها العمل. فعندئذ يكون لسقوط الأجرة وجه. إلا أن هذا خارج عن التنظير بالعقد المنقطع.
فالمهم عرفاً في العقد المنقطع هو تمكين المرأة من نفسها طيلة المدة أعني رضاءها ببقاء العقد طيلة المدة. وبهذا الرضاء تستحق كل مهرها لأنه مستوعب لكل المدة. وقد كانت هبة المدة من الزوج وليس للزوجة فيها نصيب.
ونتيجة هذه الجهات إجمالا، هي: ان المهر ينتصف بالطلاق قبل الدخول. وكل محاولة لتعميمه لموارد أخرى لغير الطلاق أو لغير المهر أو لغير العقد الدائم ونحوها، ليست محاولات يكتب لها النجاح والتوفيق. بل تستحق الزوجة، في غير هذه الصورة كل المال المذكور في العقد.
وعلى العموم، فان الحكم بالانتصاف بعد الجزم باستحقاق الزوجة له جميعاً بالعقد، وكون الطلاق على وجه النقل لا على وجه الكشف أعني انه تفريق من حينه لا من حين العقد. فيكون الحكم بالانتصاف حكماً تعبدياً على خلاف القاعدة. حيث انه ثابت بدليل معتبر فيقتصر منه على القدر المتيقن وهو ما ذكرناه من مهر العقد الدائم، ولا يمكن التعميم إلى غيره.
ــــــــــــــــــــ[369]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل عدة الوفاة
يجب على المرأة التي يتوفى زوجها وهي في حبالته أو زوجيته، أن تعتد(1) مقدار أربعة اشهر وعشرة أيام ان لم تكن حاملا طبقاً لقوله تعالى(2): ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أربعة أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ان يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾(3).
ويقع الكلام في ذلك في عدة جهات:
الجهة الأولى: ان عدة الوفاة تختلف في أمر أساسي عن باقي أشكال العدة، بحسب ما ندرك من حكمة التشريع الإسلامي المقدس، وقامت عليه القرائن العديدة فقهياً.
وذلك: ان سائر العدد، كعدة الطلاق بأنواعه، إنما جعلت من أجل تنظيف الرحم من احتمال الحمل من الزوج السابق. وذلك توخياً لتنظيم الأنساب واحترامها وعدم تشويشها واختلاطها. إذ بدون العدة لم نعلم أن الولد لأي من الزوجين في كثير من الحالات.
ومن هنا لم يكن على الزوج المطلق نفسه عدة، فله أن يرجع ان كانت
ــــــــــــــــــــ[370]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) مأخوذاً من عدة الأيام أو عددها.
(2) البقرة: آية 234.
(2) الطلاق: آية 4.
العدة رجعية، وله أن يعقد عليها من جديد خلال العدة في بعض أشكال الطلاق البائن.
ومن هنا أيضا لا توجد العدة، في طلاق النساء اللاتي لا يحتمل اشتغال رحمهن بجنين من المطلق كالصغيرة واليائس وغير المدخول بها.
واما عدة الوفاة، فهي وان كانت تؤدي نفس هذه المهمة أحياناً، إلا ان هدفها الأساسي ليس هو ذلك، بل هو احترام الزوج والحياة الزوجية.
ولذا تشمل هذه العدة كل الموارد التي وجبت فيها عدة الطلاق والتي لم تجب. فهذه العدة تجب على الصغيرة والكبيرة واليائس. وعلى المدخول بها وغير المدخول بها وعلى المسلمة والكتابية والكافرة، بناء على ما هو الصحيح من تكليف الكفار بالفروع -وسواء كان عقدها دائماً أم منقطعاً- كما اختاره السيد الأستاذ (1).
وسواء كان زوجها المتوفى كبيراً أم صغيراً حراً أم عبداً عاقلاً أو سفيهاً أو مجنوناً. فضلا عن الصفات الأخرى.
وأما إذا كانت الزوجة أمة مزوجة فتجب عليها عدة الوفاة بمقدار نصف الحرة. وهو شهران وخمسة أيام. وأما إذا كانت الزوجة حاملا، فتنتهي العدة بوضع الحمل سواء كان ذلك أطول من أربعة أشهر وعشرة أيام أم اقل، كما لو ولد بعد يوم واحد أو ساعات قلائل. كما هو المستفاد من الآية الكريمة السابقة: وَأُولاتُ الاحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ان يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.
ويدل على الحكمة التي قلناها من احترام الزوج والحياة الزوجية عدة أخرى من الأحكام الشرعية الفقهية، منها: وجوب الحداد على المعتدة عدة الوفاة. والحكم بأن هذه العدة تجب عند بلوغ الخبر لا من حين الموت.
ــــــــــــــــــــ[371]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
(1) المنهاج ج 2 ص 324.
وسيأتي التعرض لبعض تفاصيل هذه الأحكام في جهات آتية من هذا الفصل. لوضوح أنها لو كانت لتنظيف الرحم، لما كان لهذه الأحكام أي موجب.
الجهة الثانية: في جهة محددة من فهم الآية الكريمة السابقة: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أربعة أَشْهُرٍ وَعَشْراً.
والكلام في ذلك من ناحيتين:
الناحية الأولى: ان جملة يَتَرَبَّصْنَ فيها احتمالان.
الاحتمال الأول: ان تكون صفة لـ أَزْوَاجاً في محل نصب.
الاحتمال الثاني: انها مبدأ جملة جديدة غير مربوطة بما سبق نحوياً أو لغوياً، وان كانت تكملة لها معنوياً يعني في معناها ومدلولها. فكأن هناك نقطة تفصل بين الجملتين.
والفقيه مسؤول فقهياً عن استفادة الوجوب من الآية أعني من قوله: يتربصن، ليفتي بوجوب العدة. إذ لو كان المراد به غير الوجوب لم تجب العدة.
ولا حاجة هنا إلى القول: ان التربص هو الانتظار والصبر، والمراد ترك الزواج إلى أربعة أشهر وعشرة أيام.
وبناء على الاحتمال الثاني تكون استفادة الوجوب واضحة، لأنها تكون جملة خبرية يراد بها الإنشاء. يعني: فليتربصن، أو تربصن بصيغة الأمر. بحسب المعنى المراد. وهو أدل على الوجوب من صيغة الأمر. كما هو محقق في علم الأصول.
واما بناء على الاحتمال الأول وهو كون الجملة صفة للأزواج -يعني الزوجات- فاستفادة الوجوب منها لا يخلو من صعوبة وإشكال.
ــــــــــــــــــــ[372]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وأوضح بيان لذلك: هو ان الجملة إنما يستفاد منها الإنشاء إذا كانت ذات سياق النسبة الكاملة دون النسبة الناقصة. ومن المعلوم ان جملة (يَتَرَبَّصْنَ) ان كانت مستقلة عما قبلها فنسبتها كاملة. فتفيد الوجوب، وان كانت صفة، فالصفة من مصاديق النسب الناقصة، فلا تدل على الوجوب.
وجواب ذلك: ان جملة (يَتَرَبَّصْنَ) دالة على الوجوب على كلا التقديرين. اما على تقدير الاستقلال والنسبة الكاملة، فواضح، كما أشرنا.
وأما على تقدير كونها صفة. فمن اليقين انه ليس المراد بها بيان صفة واقعية ثابتة في الخارج بغض النظر عن التشريع. إذ لو كان المقصود ذلك، لما كان له مورد أصلاً، فيكون بمنزلة الكاذب، وإنما المراد بهذا الوصف: بيان ما يجب أن تكون عليه صفة الأزواج، يعني الزوجات، عند وفاة أزواجهن. فهو بيان للصفة الواقعية كما هو واضح. ومعه يتعين حملها على الوجوب، بمعنى ان هذه هي الصفة الأفضل، وهي الشكل المتعين من السلوك والذي لا يجوز غيره.
ولا أقل من استفادة مطلق المطلوبية، ويستفاد الوجوب من الأدلة الأخرى كالسنة والإجماع.
فهذا هو المهم في الناحية الأولى من فهم الآية الكريمة.
الناحية الثانية: في قوله: أربعة أَشْهُرٍ وَعَشْراً حيث لم يقل: وعشرة أيام، فكيف استفدنا ذلك؟
ويمكن تقريب ذلك بتقريبين أحدهما داخلي أي بقرائن متصلة بالآية، والآخر خارجي أي من أدلة أخرى منفصلة عن الآية.
التقريب الأول: وهو الداخلي. ان نقول: ان قوله: أربعة أَشْهُرٍ يكفي قرينة متصلة على المطلوب. وبتعبير آخر: ان عطف العشر على الأربعة أشهر
ــــــــــــــــــــ[373]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
هو الدال على ذلك.
وذلك: ان هذا العطف دلنا على أن المراد بالعشر، وحدة من الوحدات الزمانية. وأقرب الاحتمالات في تحديد هذه الوحدات أحد أمرين لا ثالث لهما عرفاً: إما الأشهر وإما الأيام.
ونعني بالأشهر: أن يكون المراد: أربعة وعشرة أشهر. وهذا الاحتمال وان كان محتملا بدوياً، إلا انه مدفوع عرفاً: بأنه لو كان المراد به ذلك لكان الأولى أن يقال: أربعة عشر شهراً، لا بالشكل الموجود في الآية. فيتعين أن يكون المراد معنى آخر.
وبتعبير آخر: ان الآية تشعر بأن وحدة العشر المتأخرة الذكر عن الأشهر أصغر من وحدة الأشهر، وليس مثلها ولا أكبر منها، لسماجة التعبير عندئذ لو كان المراد ذلك. كما هو واضح لمن يتأمل. وليس هناك وحدة زمانية محتملة عرفاً أصغر من الأشهر الا الأيام فيتعين فهمها وهو المطلوب.
التقريب الثاني: جعل الروايات الواردة في تحديد عدة الوفاة قرينة على فهم الآية، وهي قرائن منفصلة لا محالة. وقد سبق أن قلنا: ان من حق السنة الشريفة تفسير القرآن الكريم وتحديد مدلوله.
منها: رواية محمد بن سليمان(1) عن أبي جعفر الثاني في حديث يقول فيه: “فإن الله تعالى شرط للنساء شرطاً وشرط عليهن شرطاً… إلى أن يقول: قال الله عز وجل: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أربعة أَشْهُرٍ وَعَشْراً. ولم يذكر الأيام في العدة إلا مع الأربعة أشهر وعلم ان غاية المرأة الأربعة أشهر في ترك الجماع. فمن ثم أوجبه عليها ولها”.
والرواية وان لم تكن خالية عن الإشكال سنداً إلا أن الأمر ينبغي أن يكون
ــــــــــــــــــــ[374]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج15. أبواب العدد. باب 30. حديث2.
مسلماً في النتيجة لا إشكال فيه.
الجهة الثالثة: في ان أول العدة من حين بلوغ الخبر، لا من حين الوفاة.
فإن الزوجة قد تعرف بوفاة زوجها عند وقوعها، ومعه تبدأ العدة من حين الوفاة. أو قل: من حين العلم، لا فرق في ذلك.
وان لم تعرف الزوجة بوفاة زوجها إلا بعد أيام أو سنين. وجبت عليها العدة حين تعرف بخبره. وعلى ذلك عدة أخبار صحاح السند، لا حاجة إلى سردها، فراجع. وفي بعضها “إنما تريد أن تحد له”. وهو معنى الاحترام في عدة الوفاة دون تطهير الرحم. ومقتضى الاحترام هو وجود العدة ولو بعد حين، ولو علمنا بطهارة الرحم من الحمل.
وأما لو علمت بالوفاة ولم تلتزم بالعدة، كانت عاصية، ولا تكون العدة قابلة للقضاء في المستقبل.
ومعنى انها لم تلتزم بالعدة، نعرفه من الالتفات إلى ان على الزوجة في الاعتداد عدة أمور:
أولاً: نية العدة. يعني اعتبار نفسها معتدة.
ثانياً: الحداد، كما سيأتي.
ثالثاً: التقيد بالخروج من البيت إلا لماماً، كما سيأتي.
رابعاً: ترك الخطبة والزواج.
والنية وان لم تكن واجبة بعنوانها، وان كانت ملازمة عادة للمرأة لعدم ثبوت كون العِدد من العبادات كالصلاة والصوم، ولكن الأمور الثلاثة الأخيرة واجبة في العدة، فان تركت أياً منها كانت عاصية للعدة. وان تزوجت كان زواجها باطلا.
ــــــــــــــــــــ[375]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الجهة الرابعة: في وجوب الحداد. وهو مسلم فقهياً، ولا اقل من الاحتياط الوجوبي فيه.
ومعنى الحداد جعل الفرد نفسه بحيث يظهر عليه الحزن والأسى لموت الميت سواء في لباسه أو تصرفاته أو طعامه أو غير ذلك. مثل لبس السواد وكثرة البكاء وقلة الضحك وغير ذلك.
وأما ما يجب على المرأة أن تعمله من الحداد على زوجها. يعني في مقدار الحداد، ففيه بدوياً ثلاث احتمالات:
الاحتمال الأول: انه حداد مطلق لجميع الصفات والتصرفات للزوجة. فأي شيء دل على الأُنس أو الفرح فهو ممنوع، وكل شيء دل على الحزن والأسى فهو واجب، وهذا الوجه في نفسه لا يكاد يكون محتملا فقهياً.
الاحتمال الثاني: ان الزوجة تحد على زوجها بمقدار ما هو المتعارف وبالشكل الذي هو متعارف في بلدها لمثلها. وهذا يختلف من بلد إلى بلد. والمهم فيه هو تطبيق السيرة العرفية في الحداد.
الاحتمال الثالث: ان الزوجة تحد على زوجها بمقدار ما ورد في الروايات من الأوامر والنواهي حول ذلك ولا يجب عليها أكثر من ذلك. ولا شك انه أقل من الاحتمال الثاني. في كثير من تقاليد الشعوب.
ويحسن بنا أن نسمع بعض النصوص الواردة في هذا الصدد.
ففي صحيحة زرارة(1) عن أبي جعفر يقول فيها: “لأن عليها أن تحد في الموت أربعة اشهر وعشراً، فتمسك عن الكحل والطيب والأصباغ”.
وصحيحة ابن أبي يعفور(2) عن أبي عبد الله : قال: “سألته عن
ــــــــــــــــــــ[376]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج15. أبواب العدد. باب 29. حديث 1.
(2) المصدر: حديث 2.
المتوفى عنها زوجها قال: لا تكتحل للزينة ولا تطيب ولا تلبس ثوباً مصبوغاً ولا تبيت عن بيتها. وتقضي الحقوق وتمتشط بغسلة، وتحج وان كان في عدتها”.
وعن أبي العباس قال(1): قلت لأبي عبد الله: “المتوفى عنها زوجها. قال: لا تكتحل لزينة ولا تطيب ولا تلبس ثوباً مصبوغاً، ولا تخرج نهاراً ولا تبيت عن بيتها. قلت: أرأيت ان أرادت أن تخرج إلى حق كيف تصنع؟ قال: تخرج بعد نصف الليل وترجع عشاء”.
إلى غير ذلك من الأخبار.
وقد يقال: بتعين الاحتمال الثاني السابق وتقريبه من زاوية الروايات: ان هذه الروايات لا تريد تأسيس أسلوب مستقل للحداد عن العرف، وإنما هي تشير إلى أساليب ومصاديق عرفية من الحداد. ومعه فلا بد من حمل ذلك على المثالية، والقول: بأن المتعين هو الحداد العرفي، وهو المطلوب.
وقد يقال: بأن الواجب على المرأة الجمع بين الحداد العرفي لبلدها، وما وردت به الروايات ان كان هناك بعض الأمور الزائدة فيها كعدم خروجها من بيتها نهاراً. وغير ذلك.
أما تطبيقها للحداد العرفي: فلأن الأمر بالحداد يقتضي حمله على المعنى العرفي. واما تطبيقها للأمور الزائدة فللأمر به في الروايات المعتبرة السند ولو باعتبار عمل الأصحاب بها. كرواية أبي العباس السابقة. فيجب عليها الأمران.
وقد يقال انه لا يجب عليها إلا تطبيق ما هو وارد في الروايات. ويكون الزائد مما هو عرفي أو غير عرفي مجرى لأصالة البراءة. وذلك لعدة وجوه:
الوجه الأول: ان الأمر بالحداد بعنوانه وان ورد بصحيحة زرارة، إلا انه لم يرد
ــــــــــــــــــــ[377]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: حديث 3.
مطلقاً، وإنما ورد مقيداً بالأمثلة. فلا يمكن حمله على المعنى العرفي المطلق.
الوجه الثاني: انه لا إشكال فقهياً: انه لا تجب كل التصرفات الدالة على الحداد كترك الضحك مثلاً أو كثرة البكاء. وهذا دال على ان الحداد المأمور به إنما هو حداد في الجملة. يعني ان يصدق على المرأة عرفاً إنها ذات حداد. وهذا معنى عرفي يصدق، سواء طبقت المرأة كل أساليب الحداد العرفي أو بعضه، وكذلك لو طبقت ما هو المأمور به في الروايات فقط. وإذا صدق ذلك أمكن إجراء البراءة عن الزائد.
الوجه الثالث: انه لا دليل شرعاً على التحويل على الحداد العرفي أو السيرة العقلائية. فان لذلك أحد تقريبين كلاهما غير تام:
التقريب الأول: ان كل سيرة حجة ما لم يرد النهي عنها. وهذه السيرة كذلك، فتكون حجة.
إلا ان هذا ليس بصحيح، لأن أخبار الحداد نفسها كافية في الدلالة على عدم وجوب الالتزام بالزائد مما هو مذكور في الروايات وجواز إهماله. إذ لو كان مهماً لذكره. فتأمل.
التقريب الثاني: أن نفهم لفظ (الحداد) فهماً عرفياً، كما نفهم كل الألفاظ. وهذا أيضا ليس بصحيح. لأن هذا اللفظ لو ورد مستقلاً للزم ذلك. الا انه ورد مقيد بالأمثلة فيكون الزائد معرضاً عنه شرعاً. وهو المطلوب.
إذن، فالنتيجة لكل ذلك: انه لا يجب على المرأة أكثر من تطبيق ما ورد في الروايات من صفات الحداد. ويكون الزائد مجرى لأصالة البراءة. وقد أعطت الروايات عدة صفات للحداد يحسن ان نمر عليها باختصار:
أولاً: المنع عن استعمال الكحل إلا للتداوي.
ثانياً: المنع عن وضع الطيب والعطور.
ــــــــــــــــــــ[378]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ثالثاً: المنع عن استعمال الأصباغ يعني في الوجه والبدن.
رابعاً: المنع عن لبس الثوب المصبوغ. والمراد به الثوب الملون كالأحمر والأخضر والأصفر. فلا يبقى بعد ذلك إلا ما لا يصدق عليه ذلك، وهو أحد أمرين:
الأمر الأول: ما لا يكون لوناً عرفاً. وهما لون البياض ولون السواد.
الأمر الثاني: اللون الذي يكون عرفاً دالاً على الحداد سوى ما سبق كاللون النيلي وهو الأزرق الغامق جداً. في بعض المجتمعات.
خامساً: إذا كان في الحداد العرفي خصلة أو عملاً محرماً لم يجز عمله، سواء في القول أو العمل أو الانكشاف للرجال الأجانب كما في بعض المجتمعات البدائية حيث يمنعون المرأة التي توفى عنها زوجها عن لباس الثياب وان تبقى عارية دوماً وان رآها الرجال.
سادساً: عدم الخروج نهاراً. وهذا وما بعده مروي في رواية أبي العباس، وهي لا تخلو من خدشة سنداً. ومقتضى الأصل جواز تركه، لولا عمل الأصحاب به، فيكون مقتضى الاحتياط الوجوبي الالتزام به.
سابعاً: ان لا تترك بيتها لغير ضرورة. وخاصة في البيات به ليلاً.
ثامناً: انها تخرج بشرطين: أحدهما: حصول الضرورة. وثانيهما: الخروج بعد نصف الليل. فلو حصلت الضرورة نهاراً لم يجز الخروج.
وفي ذلك بعض المناقشات: نذكر بعض وجوهها:
الوجه الأول: انه ورد: ما من حرام إلا أحله الله وقت الضرورة. وورد رفع عن أمتي تسع. وعد منها: ما اضطروا إليه. إذن، فعدم التكليف واضح فقهياً عند الضرورات. لا يفرق في ذلك بين نهار المعتدة أو ليلها.
ــــــــــــــــــــ[379]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الوجه الثاني: ان هذه الرواية قد أعرض عنها الأصحاب في هذه الفقرة. فإنها تأمر بالخروج بعد نصف الليل. ولم يقل بها أحد. بل مشهور من قال به إنما قال: تخرج ليلاً أو بعد صلاة العشاء ونحو ذلك. فالقول بمؤداه المطابقي غير محتمل فقهياً. وفيه عسر وحرج على المرأة، وعلى كل أحد بِلا إشكال.
الوجه الثالث: انه يقول في الرواية: تخرج بعد نصف الليل وترجع عشاء.
فان أريد به عشاء نفس الليلة، فهو من التهافت الواضح لأن وقت العشاء قبل نصف الليل عرفاً، ولو قال: ترجع سحراً أو فجراً لكان وجهاً.
وان أريد به عشاء الليلة التي بعدها فمعناه انها تقضي النهار في مكان آخر غير بيتها إلى الليلة الأخرى. وهو مضافاً إلى كونه محرماً في نظر المشهور، كذلك هو مخالف للمستظهر من نفس الرواية في وجوب لزوم البيت وعدم الخروج إلى غيره. وقد يكون فيه عصيان لقوله: ولا تبيت عن بيتها لأنها تكون قد باتت عنه في غيره. وهذا واضح ان خرجت في أول الليل، ومحتمل ان خرجت في آخره.
الجهة الخامسة: قال سيدنا الأستاذ(1). المشهور انه يعتبر في انقضاء عدة الحامل بوضع حملها: إلحاق الولد بذي العدة (يعني أن يكون أبوه شرعاً) فلو لم يلحق به، كما لو كان الزوج بعيداً عنها بحيث لا يحتمل تولده منه. لم يكن وضعه موجباً للخروج عن العدة منه، بل تكون عدتها الأقراء أو الشهور. ولكنه لا يخلو من إشكال، والاحتياط لا يترك.
أقول: تكون عدتها بالشهور ان كانت لا تحيض أو قلنا بعدم اجتماع الحيض مع الحمل. والمراد بالشهور المقدار المذكور في الآية الكريمة: أربعة أَشْهُرٍ وَعَشْراً.
وتكون عدتها بالأقراء فيما إذا كانت تحيض خلال حملها، وقلنا باجتماع
ــــــــــــــــــــ[380]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المنهاج: ج 2. ص 326.
الحيض مع الحمل، كما هو الصحيح.
والمراد بالاحتياط: الاعتداد بأطول الأمدين من وضع الحمل والأقراء أو الشهور حسب تكليفها.
إلا ان الصحيح: انه لا مقيد للآية الكريمة: وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ان يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. لا مقيد لها بأن يكون الجنين ابناً شرعياً للميت الذي تعتد له الزوجة. بل هو مطلق من هذه الناحية، بوضوح.
نعم، لا يبعد انصرافه إلى الحمل المحلل دون المحرم. كوطئ الشبهة. فان كان محرماً اعتدت بغير الوضع، من الشهور أو الأقراء. إلا انه مع عدم وضوح هذا الانصراف من الآية عرفاً، كان لابد من الاحتياط في هذه الصورة بالاعتداد بأبعد الأجلين، كما أشرنا.
ومعه، فان كان الحمل محللاً، سواء كان ابناً للميت أو لغيره، يكون الوضع نهاية العدة. وان كان محرماً فالاحتياط هو المتعين.
الجهة السادسة: ان عدة الوفاة تختلف عن عدة الطلاق في الحامل التي تضع حملها قبل انتهاء أجلها. فعدة الطلاق تنتهي بوضع الحمل. وأما عدة الوفاة فتبقى سارية المفعول إلى حين انتهاء الأجل.
وهذا هو الذي يعبر عنه فقهياً: بأن عدة الطلاق هو أقصر الأجلين وعدة الوفاة هي أبعد الأجلين.
وقد دلت على ذلك الروايات المعتبرة. ونذكر نموذجاً منها: فمن ذلك في عدة الطلاق:
صحيحة أبي بصير قال(1): قال أبو عبد الله: “طلاق الحامل الحبلى واحدة. وأجلها ان تضع حملها، وهو أقرب الأجلين”.
ــــــــــــــــــــ[381]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج 15. أبواب العدد. باب 9. حديث 2.
ومعتبرة أبي الصياح(1) عن أبي عبد الله قال: “طلاق الحامل واحدة وعدتها أقرب الأجلين”.
ورواية زرارة(2) عن أبي جعفر قال: “إذا طلقت المرأة وهي حامل فأجلها ان تضع حملها وان وضعت من ساعتها”.
وفي عدة الوفاة:
صحيحة الحلبي(3) عن أبي عبد الله انه قال: “في الحامل المتوفى عنها زوجها: تنقضي عدتها آخر الأجلين”.
وموثقة سماعة(4) قال: “قال: المتوفى عنها زوجها الحامل أجلها آخر الأجلين. إن كانت حبلى فتمت لها أربعة أشهر وعشراً. ولم تضع حملها فإن عدتها إلى أن تضع. وإن كانت تضع حملها قبل أن يتم لها أربعة أشهر وعشر. تعتد بعد ما تضع تمام أربعة أشهر وعشراً. وذلك أبعد الأجلين”.
كما ان عدة الوفاة تختلف عن عدة الطلاق بأمر آخر. وهو ان مبدأ عدة الطلاق من حين وقوع الطلاق. فان لم تعلم به حتى انقضت أيام العدة سقطت العدة، ولا تكون قابلة للقضاء. بخلاف عدة الوفاة، فإنها تبدأ، كما أشرنا فيما سبق من حين علم الزوجة بالوفاة لا من حين الوفاة نفسها.
وقد وردت في ذلك الأخبار ونذكر نموذجاً منها:
ــــــــــــــــــــ[282]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: حديث 3.
(2) المصدر: حديث 7.
(3) المصدر: باب 31. حديث 1.
(4) المصدر: حديث 2.
ففي عدة الطلاق:
صحيحة محمد بن مسلم(1) قال: قال لي أبو جعفر : “إذا طلق الرجل وهو غائب فليشهد على ذلك. فإذا مضى ثلاثة أقراء من ذلك اليوم فقد انقضت عدتها”.
ومعتبرة عمر بن أذينة(2) عن زرارة ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية كلهم عن أبي جعفر انه قال: “في الغائب إذا طلق امرأته فانه تعتد من اليوم الذي طلقها”.
وصحيحة محمد مسلم(3) عن أبي جعفر قال: “إذا طلق الرجل المرأة وهو غائب ولا تعلم إلا بعد ذلك بسنة أو أكثر أو اقل فإذا علمت تزوجت ولم تعتد”.
وفي عدة الوفاة:
صحيحة محمد بن مسلم(4) عن أحدهما عليهما السلام: “في الرجل يموت وتحته امرأة وهو غائب. قال تعتد من يوم يبلغها وفاته”.
وعن الحسن بن زياد(5) عن أبي عبد الله قال: “في المرأة إذا بلغها نعي زوجها تعتد من يوم يبلغها إنما تريد أن تحد له”.
إلى غير ذلك من الروايات.
ــــــــــــــــــــ[383]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: باب 26. حديث 1.
(2) المصدر: حديث 2.
(3) المصدر: باب 27. حديث 2.
(4) المصدر: باب 28. حديث 1.
(5) المصدر: حديث 5.
فصل الزوج المفقود
ويقع الكلام في ذلك في عدة جهات:
الجهة الأولى: في سرد المهم من الروايات الواردة في هذا الصدد وهي على طائفتين:
الطائفة الأولى: ذات المضمون بوجوب الصبر على المرأة المفقود زوجها الا ان تعلم بموته أو طلاقه لها.
فعن النبي: “تصبر امرأة المفقود حتى يأتيها يقين موته أو طلاقه”.
وعن علي: “هذه امرأة ابتليت فلتصبر”.
وقال صاحب الجواهر: إن هذه أخبار عامية.
الطائفة الثانية: ذات المضمون القائل بإمكان الطلاق على بعض التقادير:
كصحيحة الحلبي(1): سئل أبو عبد الله عن المفقود قال: “المفقود إذا مضى له أربع سنوات بعث الوالي أو يكتب إلى الناحية التي هو غائب فيها. فان لم يجد له أثراً. أمر الوالي وليه أن ينفق عليها. فما أنفق عليها فهي امرأته. قال: قلت: فإنها تقول: إني أريد ما تريد النساء. قال: ليس ذلك لها ولا كرامة. فان لم ينفق عليها وليه أو وكيله أمره بأن يطلقها وكان ذلك عليها طلاقاً واجباً”.
ــــــــــــــــــــ[384]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: أبواب أقسام الطلاق وأحكامه: باب 23 حديث 4.
وصحيح بريد(1) “سألت أبا عبد عن المفقود كيف تصنع امرأته؟ قال: ما سكنت وصبرت فخلِّ عنها. وان هي رفعت أمرها إلى الوالي أجلها أربع سنين ثم يكتب إلى الصقع الذي فقد فيه فليسأل عنه. فان خبر عنه بحياة صبرت. وان لم يخبر عنه بحياة حتى تمضي الأربع سنين دعا ولي الزوج المفقود. فقيل له: هل للمفقود مال؟ قال: فإن كان للمفقود مال أنفق عليها حتى يعلم حياته من موته. وان لم يكن له مال قيل للولي: أنفق عليها. فإن فعل فلا سبيل لها ان تتزوج ما أنفق عليها. وإن أبى أن ينفق عليها أجبره الوالي ان يطلق تطليقة في استقبال العدة وهي طاهر. فيصير طلاق الولي طلاق الزوج. فان جاء زوجها قبل ان تنقضي عدتها من يوم طلقها الولي فبدا له أن يراجعها فهي امرأته، وهي عنده على تطليقتين. وان انقضت العدة قبل ان يجيء ويراجع فقد حلت للأزواج ولا سبيل للأول عليها”.
وموثق سماعة(2): سألته عن المفقود فقال: ان علمت أنه في أرض فهي تنتظر له أبداً حتى يأتيها موته أو يأتيها طلاقه. وان لم تعلم أين هو من الأرض كلها ولم يأتها من كتاب ولا خبر. فإنها تأتي الإمام فيأمرها ان تنتظر أربع سنين فيطلب في الأرض. فان لم يجد له أثراً حتى تمضي أربع سنين. أمرها ان تعتد أربعة أشهر وعشراً ثم تحل للأزواج. فان قدم زوجها بعدما تنقضي عدتها فليس له رجعة، وان قدم وهي في عدتها أربعة أشهر وعشراً فهو أملك برجعتها.
إلى غير ذلك من الأخبار، ولعلنا نشير إلى بعضها، والكلام المتكامل حول ذلك موكول إلى الفقه. ولكننا هنا نريد إعطاء فكرة ذات تفصيل نسبياً.
الجهة الثانية: في محاولة فهم هذه الروايات وترتيب مضامينها فقهياً:
ــــــــــــــــــــ[385]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: حديث 23.
(2) جواهر الكلام: كتاب الطلاق. طبع الحجر.
ويمكن بيان ذلك ضمن عدة فقرات:
الفقرة الأولى: صريح الطائفة الأولى ان من الواجب على المرأة أن تصبر، وليس لها ان تعمل ما نطقت به الروايات الأخرى من عمل. وهي لا تنفك عن زوجها ما لم يبلغها موته أو طلاقه. فان بلغها ذلك أمكنها ان تعتد وتحل بعدها للأزواج.
وهذا:
أولاً: وارد في روايات غير تامة سنداً، وفي ما يعارضها من الروايات ما هو معتبر وصحيح. فلا اعتبار بالطائفة الأولى فقهياً.
ثانياً: إنها تنطق عن حكم أخلاقي وليس وجوباً فقهياً. ومضمونها وجوب الصبر عند البلاء. وهذا معنى عام لكل بلاء وليس لخصوص الزوجة التي غاب عنها زوجها.
ثالثاً: إنها موافقة مع الاحتياط الاستحبابي على أي حال. لما سنسمع من بعض الإشكالات فقهياً. الأمر الذي يجعل الصبر أحجى وأولى على أي حال. إلا انه مدفوع بالحجة على ضده، فلا يكون وجوبياً. ويتعين العمل فقهياً بالطائفة الثانية.
الفقرة الثانية: أول ما دلت عليه روايات الطائفة الثانية، ان المرأة المفقود زوجها ان صبرت على بلائها وسكتت. فلا حاجة إلى التعرض لها من قبل أي أحد. ومعه لا يجوز القيام ببعض الخطوات التالية التي نطقت بها الروايات.
ومعنى ذلك: ان هذه الخطوات إنما هي من حقها وليست واجباً عليها ولا على غيرها. والحق قابل للإسقاط من قبل صاحبه. فان سكتت فهي بمنزلة من أسقط حقه خلال هذه المدة ومن هنا قال صاحب الجواهر: انه حكم إرفاقي.
وهذا، أعني الصبر، هو الجهة الوحيدة التي تتفق فيها الطائفتان من
ــــــــــــــــــــ[386]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الروايات، الا ان الأولى منهما تعتبره مستمراً لزوماً. في حين تعتبره الثانية قابلاً للانقطاع.
الفقرة الثالثة: انها ان فقدت صبرها أو لم تفقده، فلها ان ترفع أمرها إلى الحاكم. ولكن من هو الحاكم؟ عبرت عنه بعض الروايات بالوالي وعبرت الأخرى بالإمام.
ومن الواضح فقهياً انه ليس المراد به أي وال. وإنما يراد به من يجب طاعته في الإسلام. وهو الإمام المعصوم أو من يقوم مقامه خصوصاً أو عموماً. وإنما عبر عنه بالوالي باعتبار ان له الولاية العامة. وليس المقصود به الوالي الظالم جزماً. وإلا لم يجب طاعته ولم ينفذ طلاقه.
الفقرة الرابعة: ان هناك في سياق الروايات شخصاً يعتبر ولياً للزوج المفقود.
وهذا لا يخلو من صعوبة فقهية. إذ لا ولاية على الشخص الجامع لشرائط التكليف إلا الحاكم الشرعي في بعض الحالات، الذي يكون ولياً للغائب وللممتنع ونحو ذلك. وليس هناك ولاية أخرى حتى من الأب والجد فإنها ولاية على الصغير، وهي تزول بمجرد البلوغ والرشد. فضلاً عن غير الأب والجد.
وقد جعلت هذه الروايات هذا الولي بإزاء الوالي والإمام، فلا يمكن حمله على أحدهما. ليكون ولياً للزوج بالولاية العامة.
وأما الوكيل، وهذا ما ذكرته بعض الروايات، فإشكاله: ان الوكيل سواء كانت وكالته خاصة لبعض التصرفات أو عامة لكلها، فإنما هي عادة وكالة في الأمور المالية. ومن الصعب جداً عرفاً ان يشمل الوكالة بطلاق الزوجة. بل هو قطعي العدم عرفاً، ما لم ينص على ذلك أو يشمله إطلاق واضح.
ــــــــــــــــــــ[387]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
إذن فاستغلال الوكيل المالي لطلاق الزوجة، غير ممكن فقهياً.
وجواب هذا الإشكال من وجوه:
أولاً: إننا يمكن ان نعود إلى من هو الولي الشرعي للزوج الغائب. فان ذلك هو المهم شرعاً، وأما ظهور الروايات بمغايرته مع الوالي أو الإمام، فينبغي رفع اليد عنه. فتأمل.
ثانياً: ان نفترض ان للزوج الغائب وكيلاً مفوضاً مأذوناً من ناحية كل التصرفات حتى الطلاق. وهذا صحيح على تقدير وجوده، الا انه خاص بهذه الصورة. وأما إذا لم يكن للزوج مثل هذا الوكيل، كما هو الغالب، فلا يكون هذا الجواب شاملاً له.
مضافاً إلى ان مثل هذا الوكيل المفوض له ان يطلق بدون حاجة إلى رفع أمره إلى الحاكم الشرعي ولا التأخير لمدة أربع سنوات. فمن الممكن القول: ان هذه الطريقة المذكورة في الروايات إنما سطرت على تقدير عدمه.
ثالثاً: ان نفترض ان هناك شخصاً يباشر أعمال الزوج الغائب تبرعاً كما لو كان أخاً أو صديقا ً، أو غيرهما. فهذا هو الذي تشير إليه الروايات كولي للزوج. ويراد به الولي العرفي، لا الولي الشرعي الثابتة ولايته في المرتبة السابقة.
ومن الواضح فقهياً انه لولا هذه الروايات لما جاز لهذا الولي أن يطلق عن الزوجة على أي حال. إلا ان له احد طريقين:
أحدهما: ان نقول: انه يكتسب الولاية من الولي العام الذي يأمره بطلاق الزوجة. فيكون وكيلاً عنه في ذلك. غير ان الروايات واضحة في انه ليس للحاكم أو الوالي أن يطلقها مع وجوده. فقد يستشعر من ذلك عدم وجود الولاية له على ذلك. ومعه يتعذر افتراض هذه الوكالة أيضا لأنها فرع عنها.
ــــــــــــــــــــ[388]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ثانياً: اننا نفهم من هذه الروايات، وهي معتبرة سنداً، ان الولي العرفي يستطيع في مثل هذه الصورة القيام بالطلاق. وهذا هو المتعين فهمه من هذه الروايات.
وهذا لا غبار عليه لولا ان مقتضى القاعدة فقهياً هو جواز قيام الحاكم الشرعي بالطلاق أيضا. غير ان الاحوط له التعبد بمضمون هذه الروايات في مثل هذه الصورة.
الفقرة الخامسة: ان الزوجة إذا رفعت أمرها للحاكم الشرعي فحص عن وجود مال قريب للزوج المفقود. أو أمر وليه بالفحص عنه ان كان التعرف عليه صعباً. وهذا معناه ان الولي غير مباشر لأموال الزوج، وهو من نقاط الضعف للفقرة السابقة (الرابعة) في كلامنا.
فان وجد له مال أمر الحاكم ولي الزوج بالإنفاق عليها من ذلك المال، وهذا واضح فقهياً. لأن نفقة الزوجة مما تشتغل به ذمة الزوج. بمنزلة الدين. ولا بد من وفاء ديونه من أمواله لدى المطالبة. وقد حصلت المطالبة من الزوجة.
الفقرة السادسة: دلت الروايات المعتبرة السابقة: ان الزوج إذا لم يكن له مال. أمر الحاكم الشرعي ولي الزوج بالإنفاق عليها من ماله الشخصي. فيجب عليه ذلك باعتبار الأمر الواجب طاعته.
إلا ان الإنصاف ان الروايات غير واضحة في ذلك، بل يحتمل رجوع القصد إلى الحاكم الشرعي نفسه. حيث قالت صحيحة الحلبي: “أمر الوالي وليه ان ينفق عليها”. والضمير يعود إلى الأقرب. وهو الوالي، دون الزوج.
وقالت صحيحة بريد: “فإن لم يكون له مال قيل للولي أنفق عليها”. وهو أيضا يمكن حمله على ما سبق، وإن كان على خلاف سياق الرواية.
ــــــــــــــــــــ[389]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
ويرجح هذا الحمل ان معنى إنفاق الحاكم عليها الإنفاق عليها من بيت المال وهو معد للأمور الحسبية والمصالح العامة، وهذا منها. مضافاً إلى ان ولي الزوج غير مسؤول أساساً عن الزوجة لينفق عليها من ماله الخاص. فيكون أمره بالإنفاق ظلماً له، الا في صورة الانحصار، حتى مع تعذر اكتساب الزوجة لقوتها.
ولو أنفق عليها من ماله، فلا دليل على سقوط هذا الدين عن ذمة الزوج الغائب الا ان يقصد المنفق وفائها.
وعلى أي حال، فقد أفتى جماعة من الفقهاء ان الإنفاق عليها يكون من بيت المال، والقرائن تعضده.
الفقرة السابعة: في تحديد المدة وهي أربع سنوات. الا ان الروايات تختلف من جهة معينة وهي ان هذه المدة هل هي قبل رفع المرأة أمرها إلى الحاكم بحيث ليس لها ذلك قبل هذه المدة. وهذا هو ظاهر صحيحة الحلبي.
أو ان هذه المدة تبدأ من حين رفع أمرها إلى الحاكم. وهو ظاهر أكثر الروايات التي جعلتها مدة للفحص عن الزوج.
فقد يقال: بتداخل هاتين المدتين: يعني ان الفحص عن الزوج يستمر إلى انتهاء مدة أربع سنين من حين غيابه لا من حين رفع الأمر إلى الحاكم. حتى لو كان قد مضى على هذا الرفع شهر واحد أو اقل.
وقد يقال: بتخارج هاتين المدتين بمعنى وجوب العمل بهما معاً. فيجب على المرأة ان تنتظر أربع سنوات ثم ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي، فيمهلها أربع سنوات، يعني أربعاً أخرى. وهذا هو مقتضى الجمع بين الروايات وتقييد محل الإطلاق منها بما دل على القيد.
غير ان هذه النتيجة غير مستساغة فقهياً، الا على وجه الاحتياط.
ــــــــــــــــــــ[390]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
والمعروف بين الفقهاء الاكتفاء بأربع سنوات. وهو ظاهر كل رواية بحيالها.
والمشهور جداً ان حساب الأربع يبدأ بعد الرفع إلى الحاكم لا قبله. وهذا معناه الإعراض عما دل على خلافه وهو مسقط لصحيحة الحلبي عن الحجية في هذه الدلالة، ان قلنا بالكبرى فقهياً أعني ان إعراض الفقهاء مسقط للرواية المعتبرة عن الحجية.
الا ان الإنصاف: انه من الناحية العرفية من الصعب ان يعتبر الشخص مفقوداً قبل مضي أربع سنوات عليه، في حدود الإمكانيات القديمة للنقل والانتقال. بل حتى إلى العصر الحاضر بمعنى آخر. وهذا معناه ان حساب الثمان سنوات، يكون بنحو الاحتياط الوجوبي. نعم، يعوض عنه حصول العلم العرفي بالفقدان، وهو مما يحصل غالباً بسرعة نسبية في عصرنا الحاضر فيكون عوضاً عن الأربع سنوات السابقة على الرفع للحاكم.
وأما الأربع اللاحقة له، فلا بد من الالتزام بها تعبداً، حتى لو حصل العلم العرفي بالفقدان. وإنما يكون هذا العلم غاية لوجوب الفحص لا غاية لعدم جواز زواج المرأة بشخص آخر.
فان حصل ذلك جاز قطع عملية الفحص، ولكن يجب الانتظار تعبداً إلى أربع سنوات. إذ ان حجية طلاق المرأة قبل ذلك تكون مشكوكة والأصل عدم الحجية.
الفقرة الثامنة: في وجوب الفحص عن الزوج.
ومن الواضح عرفاً انه حكم طريقي وليس تعبدياً أو نفسياً، بمعنى ان المطلوب هو حصول ما يمكن من الخبر عن الزوج أو حصول اليأس من ذلك. وليس المطلوب هو الفحص على كل حال.
وهذا المعنى ينتج عدة نتائج:
ــــــــــــــــــــ[391]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
النتيجة الأولى: عدم تحديد مدة الفحص. فان المهم هو حصول اليأس بحسب العلم العرفي. فان كان حاصلا لسبب غير الفحص أو لفحص سابق لم يجب الفحص وان حصل في زمن قصير فهو وان لم يحصل إلا بعد فحص طويل وجب.
نعم، لو لم يحصل اليأس بعد أربع سنوات كاملة، وهو فرض بعيد، جاز تركه وترتب الآثار الأخرى أعني الطلاق وما يرتبط به. تعبداً بهذا التقدير الشرعي.
النتيجة الثانية: إلغاء خصوصية الفاحص أو الآمر بالفحص. فقد يكون هو الزوجة أو الولي أو الوكيل أو الحاكم أو أي ثقة بأجرة أو مجاناً.
النتيجة الثالثة: تحديد منطقة الفحص. فانه يجب الفحص في المنطقة التي يحتمل وجود الزوج فيها دون ما لا يحتمل عرفاً، وان كان هناك احتمال دقي غير معتنى به. وهذا مشار إليه في الروايات فراجع.
ومن نتائج ذلك: ان الفرد لو فحص في الأماكن التي يطمأن بعدم وجوده فيها، لم يكن فحصه حجة وكان من خداع النفس والآخرين، ولا أثر له مهما كان الفحص دقيقاً ومطولا.
الفقرة التاسعة: في النفقة التي يجب دفعها إلى الزوجة. ولا شك ان مقدار زمن الفحص داخل ضمن المدة التي يجب فيها دفع النفقة، وكذلك كل السنوات الأربعة ان كانت تبدأ برفع الدعوى إلى الحاكم الشرعي. فإننا قلنا: انه ان حصل اليأس خلال ذلك جاز ترك الفحص ولم يجز الطلاق قبل نهاية السنوات الأربعة.
ولعله يندرج ضمن ما يجب أن تقبضه الزوجة، ما سبق لها من حين غياب زوجها ان لم يكن قد خلف لها نفقة، أو إعطاء نفقة قليلة لم تكفها في الزمان
ــــــــــــــــــــ[392]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
كله. فيبقى الباقي ديناً في ذمة الزوج يمكن للحاكم الشرعي اقتطاعها من ماله أعني مال الزوج. نعم، لو لم يكن للزوج مال لم يجز أن يأمر وليه بالدفع من أموال نفسه لأداء هذا الدين، ما لم يتبرع هو من رضاء نفسه.
وينقطع إعطاء هذه النفقة عند حصول الطلاق. ان قلنا انه طلاق بائن. وان قلنا انه رجعي وجب إيصال النفقة إليها إلى نهاية العدة ان لم يرجع الزوج. وسيأتي تحقيق ذلك.
الفقرة العاشرة: ان الفحص يمكن أن ينتج إحدى النتائج التالية ويترتب على كل نتيجة حكمها:
النتيجة الأولى: انه لا يمكن الحصول على خبره بالمرة، لا حياً ولا ميتاً. وهذه هي النتيجة التي تكون موضوعاً للحكم الوارد في هذه الروايات.
النتيجة الثانية: أن يحصل الخبر بأنه قد مات، فيجب عليها أن تعتد عدة الوفاة من حين وصول الخبر. وقد يكون كذباً ويصل الزوج خلال العدة فيكون أولى بها. وان وصل بعدها فلا سبيل له عليها.
النتيجة الثالثة: انه حي يمكن الاتصال به. وهذا لا إشكال فيه. إذ يطلب منه أداء حقوق زوجته، فان أبى أكرهه الإمام عليه. وإلا طلب منه الطلاق، فان أبى طلقها بنفسه، فانه ولي الممتنع.
النتيجة الرابعة: ان الزوج حي قد طلق هذه الزوجة. فيجب عليها أن تعتد من حين صدور الطلاق. فان كان تاريخ الزمان اسبق من ذلك لم تجب عليها العدة. ويحسب حساب ما تستحق من نفقة خلال ذلك.
النتيجة الخامسة: ان الزوج حي، ولكن لا يمكن الاتصال به بحال، لكونه مسجوناً أو بعيد المكان في محل لا يمكن الوصول إليه ونحو ذلك.
وسيأتي القول لبعض الفقهاء في مثل هذه الصورة بجواز الطلاق للحاكم.
ــــــــــــــــــــ[393]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وان كان المشهور يأمرها بالصبر، حتى تتيقن وفاته أو طلاقه.
وإنما الحكم عند المشهور وفي الطائفة الثانية في الروايات على النتيجة الأولى، وهي انقطاع الخبر بالمرة وليس انقطاع إمكان الاتصال به.
الفقرة الحادية عشر: ليس من حق الزوجة أن تتسبب إلى طلاقها قبل أن ترفع أمرها إلى الحاكم ولا في مدة الفحص عن الزوج، بل ولا خلال الأربع سنوات كاملة، بل ولا مع الإنفاق عليها من أموال الزوج أو من قبل وليه أو من قبل شخص آخر قد يكون متبرعاً. كل ذلك حتى ولو تاقت نفسها إلى الزواج كما سمعنا من الروايات ان الزوجة إذا قالت أريد كما تريد النساء قال: لا ولا كرامة.
وقد يقال بأن الحاكم الشرعي بالولاية العامة أو بالولاية عن الممتنع أو باعتبار الحسبة يمكنه أن يطلق الزوجة خلال كل أو أكثر ما أشرنا إليه من الأزمنة بمقتضى القاعدة العامة. فكيف حصل أن يتقيد الطلاق بكل هذه القيود؟
وجواب ذلك من وجهين:
الوجه الأول: ان مقتضى القاعدة العامة وان كان هو ذلك إلا انها مقيدة بهذه الروايات التي سمعناها. نعم، لو لم تكن تلك الروايات لكان ما أشير صحيحاً في الجملة.
الوجه الثاني: ان الأقوى فقهياً ان تصرف الحاكم الشرعي وولايته (بأي مقدار كانت) فإنها تتحدد بحدود المصلحة. والمصلحة الأساسية في مورد الكلام هي الجانب الاقتصادي للزوجة. وهذا معناه إلى حد ما اتفاق الروايات مع القاعدة العامة في النتيجة، لأن الزوجة ان كانت محرومة من النفقة كان من المصلحة طلاقها، وان لم تكن كذلك لم يكن من المصلحة طلاقها، وهذا ما
ــــــــــــــــــــ[394]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
تتفق به القاعدة مع الروايات.
نعم، قد تقتضي المصلحة أحياناً جوانب أخرى منظورة أو غير منظورة كالجانب الجنسي للمرأة أو غيره. فيكون مقتضى القاعدة وجود الولاية في الطلاق للحاكم، الا ان مقتضى إطلاق الروايات هنا المنع عنه ما لم تتم مقدماته المطولة كالفحص ومضي أربع سنوات.
وعلى أي حال قد اتفقت الروايات المعتبرة على ان الحاكم الشرعي يأمر الولي بالطلاق بعد حصول الفحص وتعذر النفقة. وقد تكلمنا عن معنى هذا الولي. وقد يكون من الممكن القول ان الولي هو الحاكم الشرعي نفسه، في الأعم الأغلب.
نعم تعرضت موثقة سماعة إلى انه يكفي في الزوجة أن تعتد عدة الوفاة، فان انتهت حلت للأزواج بدون حاجة إلى طلاق. وهذا معناه تنزيل فقدان الخبر في الزوج منزلة الوفاة وكما أن المتوفى عنها زوجها لا تحتاج إلى الطلاق كذلك من كان زوجها مفقوداً.
إلاّ أن ذلك لم يتم لأحد أمرين:
الأمر الأول: إمكان المناقشة سنداً في هذه الرواية بما لا مجال له الآن.
الأمر الثاني: إمكان تقيدها بالصحاح الأخرى ان كان المستفاد منه الإطلاق. إلا ان المفهوم من سياقها عدم لزوم الطلاق وانه لم يهمل ذكره نسياناً.
وعلى أي حال فلا شك ان الاحوط هو إيجاد الطلاق رجاء احتمال حياة الزوج. والاحتياط لا يعارض شيئاً من الروايات.
الفقرة الثانية عشرة: المشهور والأحوط والذي نطقت به بعض الروايات، كموثقة سماعة. ان عدة هذه المرأة بعد طلاقها هي عدة الوفاة أو بمقدارها،
ــــــــــــــــــــ[395]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وليس بمقدار عدة الطلاق. وتعتد أربعة أشهر وعشرة أيام.
وهذا الكلام قابل للمناقشة من حيث ان عدة الوفاة لا تجب إلا بعد إحراز الوفاة، والمفروض أنها غير محرزة ومقتضى الأصل عدمها. وأما عدة الطلاق فموضوعها حصول الطلاق، وهو حاصل وجداناً عندما يطلقها الولي.
وأما موثقة سماعة فان كان المقصود منها ما فهمناه من تنزيل المفقود منزلة المتوفى، فهو أمر تنفيه الروايات الأخرى الآمرة بالطلاق والمعتبرة سنداً. وان كان المقصود منها حصول الطلاق ولو باعتبار تقييدها بالروايات الأخرى، فتكون النتيجة ان عدة هذا الطلاق هي عدة الوفاة. وهذا أمر غير مستساغ فقهياً وشرعاً فتسقط عن الحجة فيه. فلا تجب إلا عدة الطلاق.
على أن الذي أشرنا إليه من أن عدة الوفاة هي الأحوط قائم على ما هو الأغلب من ان عدة الوفاة أطول من عدة الطلاق زماناً. ولكن هذا ليس دائمياً. بل قد يكون الأمر بالعكس فيمن تحيض كل شهرين مرة مثلا فتكون اقراؤها ستة أشهر في عدة الطلاق، ويكون مقتضى الاحتياط الأخذ بالعدة بالزمن الأطول. وعلى أي حال فمقتضى الاحتياط دائماً هو ذلك، إلا إن هذا مما لم يقل به أحد. ومقتضى القاعدة وجوب عدة الطلاق عليها دون عدة الوفاة لما سبق.
وأما ان هذه العدة هل هي رجعية أو بائنة فالذي يظهر من المشهور كونها بائنة. ولذا لم يتعرضوا إلى وجوب النفقة خلالها. ولعل هذا قائم على تخيل أمرين مقترنين أحدهما: ان الواجب هي عدة الوفاة. وثانيهما: ان عدة الوفاة عدة بائنة. وكلا هذين الأمرين محل نقاش ولا نطيل فيه.
ومقتضى القاعدة انها عدة طلاق رجعي لو كانت هي التطليقة الأولى أو الثانية، وعدة بائنة ان كانت هي التطليقة الثالثة. بمعنى ان هذا الطلاق يعتبر كطلاق الزوج نفسه ويطبق عليه أحكامه فقد يكون الزوج قد طلق هذه الزوجة
ــــــــــــــــــــ[396]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
مرتين عدتها رجعية.
وينتج من ذلك عدة أمور:
أولاً: وجوب النفقة خلال العدة الرجعية دون البائنة.
ثانياً: ان الزوج إذا رجع كان له اختيار الرجعة بالطلاق ان كانت العدة رجعية. والروايات أشارت إلى ذلك باعتبار الأغلب. واما إذا كانت العدة بائناً، فمقتضى القاعدة عدم جواز الرجوع إلا بعقد جديد أو بتحليل زوج آخر كل حسب تكليفه.
وقد يقال: بأن في الإمكان تقييد اطلاقات أدلة العدة البائن بهذه الروايات في موردها، فينتج ان كل عدة بائن لا يجوز الرجوع فيها للزوج إلا للمفقود الذي رجع بعد فقده.
وهذا، أولاً: لا يشمل صورة وجوب التحليل بعد الثالثة والتحريم بعد التاسعة. وليس فيه قول مشهور يعتمد عليه.
ثانياً: اننا أشرنا إلى احتمال أخذ الروايات بالأعم الأغلب وهي صورة كون العدة رجعية، الأمر الذي يجعل لها انصرافاً إلى هذه الصورة فلا نستطيع أن نفهم منها جواز الرجوع في العدة البائن.
الفقرة الثالثة عشرة: قال سيدنا الأستاذ(1): ذكر بعض الأكابر أن المفقود المعلوم حياته مع عدم تمكن زوجته من الصبر يجوز للحاكم أن يطلق زوجته وكذلك المحبوس الذي لا يمكن إطلاقه من الحبس أبداً إذا لم تصبر زوجته على هذا الحال. وما ذكره قدس سره بعيد.
أقول: ان مقتضى عموم الولاية عن الغائب وان كان هو ذلك مع فرض
ــــــــــــــــــــ[397]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) منهاج الصالحين: ج 2. ص 328.
تعلق المصلحة في الطلاق، وهو أمر مفروض باعتبار عدم صبر الزوجة وخوفها من الوقوع في الحرام، ومن هذه الناحية لا يكون الأمر بعيداً كما استبعده السيد الأستاذ.
إلا ان نص الروايات المعتبرة السابقة على خلاف ذلك. ففي صحيحة بريد: “فيسأل عنه فإن أخبر عنه بحياته صبرت”. وفي موثقة سماعة: “إن علمت انه في أرض فهي تنتظر له أبداً حتى يأتيها موته أو يأتيها طلاقه”.
أقول: وهذا معناه تقييد القاعدة العامة الدالة على الولاية بهذه الروايات، فتكون النتيجة عدم جواز طلاقها في هذا المورد ووجوب الصبر عليها ما لم تقع في عسر وحرج أو في خوف فعلي من الحرام. فان أدلة العسر والحرج والضرر مقدمة على مضمون هذه الروايات. كما ان صورة الخوف من وقوع الحرام مما ينصرف عنه إطلاقها، وإنما هي واردة مورد الغالب في عدم وجود مثل هذا الخوف.
ومن هنا نعرف ان ما قال عنه السيد الأستاذ انه بعيد قد قامت الحجة على خلافه إلى حد يمكن الفتوى بمنعه، وليس مجرد الاستبعاد الاحتياطي.
ثم قال السيد الأستاذ(1): وأبعد منه ما ذكره أيضاً من ان المفقود إذا أمكن أعمال الكيفيات المذكورة من ضرب الاجل والفحص، لكن كان ذلك موجباً للوقوع في المعصية، تجوز المبادرة إلى طلاقها من دون ذلك. ولازم كلامه جواز المبادرة إلى طلاق الزوجة بلا إذن من الزوج إذا علم كون بقائها على الزوجية موجباً لوقوعها في المعصية. وهو كما ترى.
أقول: انه مع وجود ما أشرنا أليه من رافعات التكليف من العسر والحرج والضرر أو وجود الخوف الفعلي من الوقوع في المعصية، سواء من الناحية
ــــــــــــــــــــ[398]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) نفس المصدر والصفحة.
الجنسية أو غيرها، يكون مقتضى إطلاق الولاية على الممتنع جواز طلاق الزوجة مع إلغاء المقدمات المشار إليها.
ولا يلزم من ذلك عرفاً ما نقض به السيد الأستاذ من صورة جواز طلاق الزوجة بالولاية حتى مع حضور الزوج وعدم رضاه، إذ كون احتمال الوقوع أو خوف الوقوع في الحرام مع وجود الزوج أمر نادر الوقوع جداً وعلى تقديره فلا مشاحة في عموم الولاية.
واما أدلة الضرر والحرج فغير شاملة للمورد قطعاً للسيرة المستمرة للمسلمين لأن الزوجة مهما رأت من زوجها من الضرر والحرج فليس من حق الحاكم ان يطلقها ما لم يدخل الأمر تحت حرمانها من حقوقها الواجبة.
إذن تكون النتيجة مع حضور الزوج، ان للحاكم الشرعي ولاية الطلاق في صورة خوف الوقوع في الحرام. وان كان فرضاً نادراً. وفي صورة رفض الزوج القيام بالحقوق الواجبة للزوجة. وأما غير ذلك من أشكال الحرج والضرر فهو مخالف للسيرة وان كان مقتضى القاعدة الأولية جوازه.
ونحن إلى هنا لم نستوعب فقهياً كل أحكام الزوج المفقود ومداركه، الا ان المقصود قد حصل وهو إعطاء صورة واضحة وتفصيلية عن الموضوع للقارئ اللبيب.
ــــــــــــــــــــ[399]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل الخلع والمبارأة
من الناحية اللفظية، فان الخلع قد يكون -كما هو مشهور على الألسن- بضم أوله، وقد يكون بفتحه. والمراد على أي حال واحد: ويراد به قطع دابر الزواج بشكل أشد من الطلاق الاعتيادي. فكأن الزوجة أو الزواج كان ملتصقاً وثابتاً فخلع وقلع، وهذا واضح. وأما الوجه في شدة الخلع عن الطلاق فسيأتي بيانه.
وأما المباراة، فالمشهور على الألسن نطقها بالألف اللينة على وزن محاباة ومجاراة. الا ان هذا اللفظ بهذه الصيغة لا يفيد المعنى الفقهي المقصود منه جزماً. لأن المباراة على وزن محاباة هي التسابق في عمل معين. ولا ربط لها لا حقيقة ولا مجازاً بالمعنى الفقهي المقصود.
وإنما لا بد من قراءة الألف بالألف اليابسة (الهمزة): المبارأة، على وزن ممالأة ومكافأة. فيكون مصدراً يدل على التفاعل أو التقابل من شخصين على البراءة. ويراد به براءة أحدهما من الآخر.
وهذا هو المعنى اللغوي القريب من المعنى الفقهي، إذ يراد به براءة أحد الزوجين من الآخر. ومن هنا قال الفقهاء ودلت الأخبار على ان الخلع يكون عندما تكون الكراهة أو الكراهية من قبل الزوجة دون الزوج، والمبارأة تكون عندما تكون الكراهية من الطرفين.
أما كون الخلع بكراهية المرأة، فقد دلت عليه عدة إخبار صحاح منها
ــــــــــــــــــــ[400]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
صحيحة محمد بن مسلم(1) عن أبي عبد الله قال: “المختلعة التي تقول لزوجها: اخلعني وأنا أعطيك ما أخذت منك. فقال: لا يحل له ان يأخذ منها شيئاً حتى تقول: والله لا أبر لك قسماً ولا أطيع لك أمراً ولآذنن في بيتك بغير اذنك. فإذا فعلت ذلك من غير أن يعلمها، حل له ما أخذ منها: وكانت تطليقة بغير طلاق يتبعها. وكانت بائناً بذلك. وكان خاطباً من الخطاب”.
وسيأتي تفصيل مداليلها بقدر ما يناسب المقام.
وأما كون المبارأة بكراهة كلا الزوجين. فقد يستدل له بموثقة سماعة قال: “سألته عن المبارأة كيف هي إلى ان يقول: فتقول المرأة لزوجها: ما أخذت منك فهو لي، وما بقي عليك فهو لك وأبارؤك. الخ” الحديث. إذ يدل قولها: (وأبارؤك)على تبادل البراءة بين الزوجين.
ولنا على التمييز بين القسمين بعض التعليقات:
أولاً: دلت الروايات، كما سمعنا، ان الخلع يكون بكراهة من المرأة، وهذا واضح فما الدليل على ان الزوج لم يكن كارهاً أيضا؟
وقد يجاب: بأن هذا هو المتعين لان الزوج لو كان كارهاً لطلقها طلاقاً اعتيادياً وحيث لم يفعل الا ببذل الزوجة شيء من المال له. إذن، يدل على انه لم يكن كارهاً.
وجوابه: ان غاية ما يدل عليه ذلك ان الزوج لم يكن يريد طلاق زوجته بمبادرة منه لمصلحة يتصورها في ذلك. وقد تكون هي كونه يحبها أو انه يريد ان يصبر عليها لأجل تحصيل الثواب أو يصبر عليها لأنه يخاف من عشيرتها. والأهم من كل ذلك فقهياً: انه يريد الحصول على مال الخلع بازاء طلاقها دون
ــــــــــــــــــــ[401]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج15. كتاب الخلع والمبارأة. باب 1. حديث 4. وانظر تتمتها كما أثبتناها هنا في باب 2. حديث 3.
الطلاق المجاني، لو صح التعبير. فهو يؤخر طلاقها حتى تبادر هي ببذل المال. وهذا احتمال منطقي لا نافي له. ومعه فلا دليل في جانب الخلع على عدم كراهية الزوج.
ومن هنا يظهر ان قول سيدنا الأستاذ(1): يشترط في الخلع عدم كراهة الزوج لها الخ. محل تأمل.
كما انه من الناحية الأخرى: ان ما ذكره عدد من الفقهاء منهم صاحب الوسائل والسيد الأستاذ ولعله المشهور، من ان المبارأة لا تكون الا بالكراهة من الزوجين معاً. إنما هو من المشهور الذي لا دليل عليه. وقول المرأة في ـ موثقة سماعة ـ وأبارؤك. لا يدل على أكثر من إيقاع عقد المبارأة دون مدلوله اللغوي الذي أشرنا إليه، فانه أصبح منذ عصر صدور النص اصطلاحاً فقهياً على عقد معين. ولا دلالة له على أكثر من ذلك.
وهل يفتي هؤلاء الفقهاء بتعين إجراء صيغة المبارأة دون صيغة الخلع عند وجود الكراهية من الطرفين؟ هذا شيء غير محتمل فقهياً.
الفرق بين الخلع والمباراة:
يشترك كل من الخلع والمبارأة بالبذل من قبل الزوجة والكراهية من قبلها. وان كانت الكراهية فقهياً غير منظورة. فلو وجدت الزوجة مصلحة للبذل والخلع من دون كراهية وصادف ذلك تقبلا لدى الزوج كفى ذلك في إيجاد هذا العقد.
وهما معاً أيضا عقد من العقود لا يكونان الا برضاء كلا الطرفين، وليسا كالطلاق من حيث كونه برضاء وإيقاع الزوج فقط. الا ان الموجب والقابل في
ــــــــــــــــــــ[401]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) منهاج الصالحين: ج 2. ص 332.
هذا العقد من هو؟ هل هو الزوج أو الزوجة؟ سيأتي الكلام عنه.
وهما معاً يشتركان بأن العدة بائنة لا رجعة للزوج خلالها. وهي تحسب طلاقاً واحداً من الثلاث أو من التسع. فان كانت التطليقة الأولى أو الثانية -كما هو الغالب- كان الزوج خاطباً من الخطاب. وقد نصت على ذلك الروايات. وان كانت هي التطليقة الثالثة لم تحل له إلا أن تنكح زوجاً غيره. وبالنتيجة ينبغي حساب هذه التطليقة كما يحسب حساب غيرها من هذه الناحية. ولا يكون للبذل من هذه الناحية أثر زائد.
ويشترك العقدان أيضا: في ان المرأة إذا رجعت بالبذل وسحبت عطاءها انقلبت العدة إلى عدة رجعية، يعني أصبح الطلاق اعتيادياً. فان كانت هي التطليقة الأولى أو الثانية، كانت العدة عندئذ رجعية، وله ان يرجع خلالها بزوجته. وشملته أحكام العدة الرجعية، من وجوب الإنفاق وغيره، واما إذا كانت هي التطليقة الثالثة أو التاسعة أو لغير مدخول بها أو اليائس ونحوها، لم تصبح العدة رجعية، لوجود المانع الآخر: فليس في رجوع الزوجة بالبذل الا خسارة الزوج للمال.
نعم، قد يقال: ان المال ما دام غير مسحوب فليس للزوج تجديد العقد خلال العدة، نعم إذا رجعت بالبذل كان له ذلك. والحكم بعد الرجوع أكيد. الا ان عدم صحة العقد مع استمرار البذل، غير واضح ومقتضى الأصول صحته.
فهذه هي أهم الأمور التي يلتقي أو يشترك فيها الخلع مع المبارأة، فما هي الأمور التي تختلف فيها؟ والحق إنها لن تكون أموراً جوهرية ان وجدت، بل هي تعبدية أحياناً وشكلية أحياناً، مع رجوع كلتا المعاملتين إلى فكرة واحدة جزماً هي نفسها الأمور التي يشتركان بها.
ونذكر فيما يلي: عدة فروق محتملة لنجد ما هو الصحيح من الخاطئ:
ــــــــــــــــــــ[403]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الفرق الأول: الفرق في العنوان يعني أن إحداهما بعنوان الخلع حيث يقول الزوج: خلعتك أو أنت مختلعة، والأخرى بعنوان المبارأة، حيث يقول: بارأتك أو أنت مبارأة.
وهذا واضح: إلا ان مجرد الاختلاف في العنوان، حديث شكلي أو صوري لا يعني الاختلاف في الحقيقة والجوهر، ان لم نجد غيره.
الفرق الثاني: ما سمعناه عن المشهور من أن الكراهية لدى الزوجة فقط في الخلع ولدى كليهما في المبارأة.
وقد سبق ان ناقشنا ذلك، إلى حد قلنا انه مع تبادل الكراهة، لا بأس ان تكون المعاملة بعنوان الخلع. وبتعبير آخر: إنهما يكونان مخيرين في إيجاد أي من العنوانين شاءا.
هذا، ولكن العكس لا يخلو من إشكال. فإذا كانت الكراهة من قبل الزوجة فقط، لم يجز إيقاع المعاملة بصيغة المبارأة، ولا أقل من الاحتياط الوجوبي، خروجاً عن خلاف المشهور فيما يخص الاحتياط في الفروج. فيكون ذلك إذن شكلا من أشكال الفرق بين المعاملتين.
الفرق الثالث: ما قاله السيد الأستاذ(1) من ان لفظ الخلع يكفي في إيجاد الطلاق، بخلاف المبارأة، ومعه لا يجب إتباع الخلع بالطلاق، ولكن يجب إتباع المبارأة بالطلاق، بأن يقول: بارأت زوجتي على كذا فهي طالق. ونحو ذلك.
إلا ان هذا محل مناقشة، لظهور الأخبار عرفاً بأن معاملة المبارأة معاملة قائمة بذاتها قائمة مقام الطلاق. ومعه يكون إتباعها بالطلاق من باب الاحتياط الاستحبابي. لا الوجوبي، فضلا عن الفتوى كما فعل السيد الأستاذ.
ــــــــــــــــــــ[404]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) منهاج الصالحين: ج 2. ص 335.
بل لعل الأمر بالعكس عما قاله دام ظله، من حيث دلالة بعض الروايات، على لزوم إتباع الخلع بالطلاق، ولا يوجد مثلها في المبارأة. وتمام الكلام في الفقه.
الفرق الرابع: ان المرأة إذا قالت كلاماً يدل على عزمها على عدم إقامة حقوق زوجها وأدائها إليه وعصيان الله سبحانه فيه، كانت المعاملة خلعاً، ولا يوجد مثل ذلك في المبارأة. وقد سمعنا نموذجاً من ذلك في أول هذا الفصل في صحيحة محمد بن مسلم.
وهذا الأمر مما نطقت به الروايات الصحاح المعتبرة، إلا انه واجه إعراضاً من الفقهاء. وحملوا مداليلها على مجرد وجود الكراهة القلبية، مهما كان الدال عليها من قول أو فعل. وهذا أمر لعله إجماعي وعليه السيرة. وعليه فقول الروايات: انه لا خلع من دون الكلام من الزوجة لم يعمل به أحد: إذن، فهذا الفرق بين المعاملتين، غير عملي.
الفرق الخامس: ما دلت عليه الروايات من ان الزوجة عند إيجاد المعاملة: أعني الطلاق بإزاء البذل. ان اشترط لها زوجها: إنها إذا رجعت بالبذل رجع هو إلى الزوجية، كانت تلك مبارأة والا فهي خلع.
كصحيحة الحلبي(1) عن أبي عبد الله قال: “المبارأة ان تقول المرأة لزوجها: لك ما عليك واتركني فتركها. إلا انه يقول لها: ان ارتجعت في شيء منه فأنا املك ببضعك”.
وقوله: (لك ما عليك)، يعني بذل الزوجة ما على الزوج أو في ذمته من المال لها. تبذله بإزاء طلاقها.
ــــــــــــــــــــ[405]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج 15. كتاب الخلع والمبارأة. باب 8. حديث 1.
إلا ان هذا الفرق غير عملي أيضا، لأن كلتا المعاملتين: الخلع والمبارأة متصفتان بهذه الصفة: أعني إمكان رجوع الزوجة بالبذل، وتصبح به العدة رجعية كما أشرنا، ان لم يوجد مانع آخر.
ومجرد: كون التصريح بذلك في المعاملة يجعلها مبارأة وعدم التصريح به يجعلها خلعاً، وان كان محتملا، إلا انه على تقدير ثبوته أمر شكلي لا أثر له فقهياً. لأن كلا المعاملتين محكومتان بذلك، سواء صرح به في العقد أم لم يصرح.
ومن غير المحتمل فقهياً انه إذا لم يصرح بالشرط، فالأحوط إيجاد عنوان الخلع وان صرح به فالأحوط إيجاد عنوان المبارأة. وان كان هو على أي حال أوفق بالاحتياط الاستحبابي.
الفرق السادس: ما ذكره السيد الأستاذ ونطقت به الروايات المعتبرة، من أن الخلع يمكن ان يكون بمقدار المهر الذي كان في عقد زواجهما أو أكثر، في حين أن المبارأة لا تكون إلا بمقدار المهر أو أقل.
كصحيحة زرارة(1) عن أبي عبد الله قال: “المبارأة يؤخذ منها دون الصداق والمختلعة يؤخذ منها ما شئت أو ما تراضيا عليه من صداق أو أكثر. وإنما صارت المبارأة يؤخذ منها دون الصداق والمختلعة يؤخذ منها ما شاء، لأن المختلعة تعتدي وتكلم (تتكلم) بما لا يحل لها”.
وموثقة سماعة(2) قال: سألته عن المختلعة فقال: “لا يحل لزوجها أن يخلعها حتى تقول… إلى ان قال: فإذا اختلعت فهي بائن وله أن يأخذ من مالها ما قدر عليه. وليس له أن يأخذ من المبارأة كل الذي أعطاها”.
ــــــــــــــــــــ[406]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: باب 4. حديث 1.
(2) المصدر: حديث 4.
وظاهر هذه الروايات ان البذل في المبارأة لا يجوز أن يكون بمقدار الصداق، بل لابد أن يكون اقل منه ولو قليلا. وخاصة قوله في موثقة سماعة: “وليس له أن يأخذ من المبارأة كل الذي أعطاها”. والمراد بالمبارأة هنا المرأة التي وقعت عليها هذه المعاملة. وهو نص بالمنع عن مقدار الصداق. فلا يمكن تجريد الخصوصية من هذه الناحية أو القول بعدم دلالة الروايات على الوجوب.
إلا ان ظاهر كلام سيدنا الأستاذ(1) هو جواز ذلك. حيث قال: ولا يجوز في الفدية أن تكون أكثر من المهر.
إلا ان يريد المنع عن الزيادة والسكوت عن المساواة. إلا ان السكوت بعد وضوح الروايات به لا وجه له. مضافاً إلى إشعار العبارة بجوازه، مع ان الدليل ضده.
ــــــــــــــــــــ[407]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) منهاج الصالحين: ج 2. ص 335.
فصل الظهار
الظهار عادة كانت بين الناس في الجاهلية وبقي استعمالها إلى ما بعد الإسلام أحياناً، فوقفت الشريعة ضدها موقفاً حازماً. وهو ان يقول الزوج لزوجته أنت عليَّ كظهر أمي. فيحسن من الآن نسمع تاريخ ذلك في صدر الإسلام.
ففي صحيحة حمران(1) عن أبي جعفر قال: “إن امرأة من المسلمين أتت رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله ان فلان زوجي قد نثرت له بطني وأعنته على دنياه وآخرته فلم ير مني مكروهاً وأنا اشكوه إلى الله واليك. قال: مما تشكينه؟ قالت: انه قال لي اليوم: أنت عليَّ كظهر أمي، وقد أخرجني من منزلي فانظر في أمري. فقال رسول الله : ما أنزل الله عليَّ كتاباً اقضي به بينك وبين زوجك وأنا أكره ان أكون من المتكلفين. فجعلت تبكي وتشتكي ما بها إلى الله ورسوله وانصرفت. فسمع الله محاورتها لرسوله وما شكت إليه، فأنزل الله عز وجل بذلك قرآناً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا يعني محاورتها لرسول الله في زوجها أن اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ. الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ أن أُمَّهَاتُهُمْ الا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ. وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ. فبعث رسول الله
ــــــــــــــــــــ[408]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: كتاب الظهار. باب 1. حديث 2.
إلى المرأة فأتته فقال لها: جيئيني بزوجك فأتته به. فقال: أقلت لامرأتك هذه أنتِ عليَّ حرام كظهر أمي فقال: قد قلت ذلك. فقال رسول: قد أنزل الله فيك قرآناً. فقرأ عليه ما أنزل الله من قوله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ إلى قوله: وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُور فضم امرأتك إليك فانك قد قلت منكراً من القول وزوراً قد عفا الله عنك وغفر لك فلا تعد. فانصرف الرجل وهو نادم على ما قال لامرأته. وكره الله ذلك للمؤمنين بعده. فأنزل الله عز وجل الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا يعني ما قال الرجل الأول لامرأته أنت عليَّ حرام كظهر أمي. قال: فمن قالها بعد ما عفا الله وغفر للرجل الأول فان عليه (تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أن يَتَمَاسَّا) يعني مجامعتها ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أن يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً. فجعل الله عقوبة من ظاهر بعد النهي هذا. وقال ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فجعل الله عز وجل هذا حد الظهار”. الحديث.
وفي صحيحة أبان(9) وغيره عن أبي عبد الله قال: “كان رجل على عهد رسول الله يقال له أوس بن الصامت وكان تحته امرأة يقال لها خولة بنت المنذر فقال لها: ذات يوم أنت علي كظهر أمي ثم ندم وقال لها: أيتها المرأة ما أظنك إلا وقد حرمت عليَّ. فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله أن زوجي قال لي: أنت عليَّ كظهر أمي، وكان هذا القول في ما مضى يحرم المرأة على زوجها فقال لها رسول الله : ما أظنك إلا وقد حرمت عليه. فرفعت المرأة يدها إلى السماء فقالت: أشكو إلى الله فراق زوجي فأنزل الله: يا محمد قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا” إلى آخر الحديث.
ــــــــــــــــــــ[409]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: حديث 1.
ولنا على هذين الخبرين الصحيحين عدة تعليقات:
التعليق الأول: قوله: قد كان هذا القول في ما مضى يحرم المرأة على زوجها. هو من كلام الإمام في الرواية و (في ما مضى) وان كان يحتمل عدة معان، إلا ان ظاهره التحريم في حكم الجاهلية وهو العرف السائد في البلد الذي بزغ فيه نور الإسلام فهذا التحريم ناشيء من عقيدة دنيوية وليس من دين سابق ولم يعرف عن المسيحية واليهودية مثله.
التعليق الثاني: إن الروايتين وان اختلفتا في بعض التفاصيل، إلا ان الاختلاف ليس جوهرياً وهما تشيران إلى واقعة واحدة جزماً، إلا ان كلا منها اختار بيان بعض ما قالته الزوجة أو الزوج أو النبي حول ذلك فليس بينهما تنافي من هذه الناحية.
التعليق الثالث: ان سياق كلتا الروايتين واضح جداً في صدور هذا الكلام من الزوج أمام زوجته بدون شاهدين عدلين. بحيث لو أردنا تقييدهما بذلك لكان حملا غير عرفي ومعه يقع التعارض بينها وبين ما دل على لزوم وجود الشاهدين في نفوذ الظهار وتأثيره. وسيأتي بعض الكلام عن ذلك والمهم هو الانتباه إلى ذلك من الآن.
التعليق الرابع: إن القرآن الكريم سمى كلام المرأة مع النبي تارة مجادلة وأخرى تحاور، وهذا في ما نفهم حفظ للجهة البلاغية للتعبير. إذ لو كان كلا اللفظين من مادة واحدة لكان سمجاً لا محالة. مع العلم ان كلا المفهومين أعني المجادلة والتحاور صادق في المورد كل من زاوية وجهة النظر. فإننا إذا نظرنا إلى ذلك بصفته كلاماً متبادلا بينهما فهو تحاور أو محاورة. وإذا نظرنا إليه بصفته نقاشاً يرد كل منهما على صاحبه بمعنى أنه يحاول أن لا يأخذ بمضمون كلامه فهو جدال أو مجادلة. وهذا واضح من كلام النبي من أنه: “لم ينزل عليَّ في ذلك قرآن أقضي به بينكما”، ورد
ــــــــــــــــــــ[410]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الزوجة التي لم تكتف بهذا الجواب بالشكوى إلى الله سبحانه من زوجها، إذن فالجدال صادق لا محالة.
التعليق الخامس: إن ظاهر صحيحة حمران ان الغفران الموعود في الآية خاص بالرجل الأول الذي صدر منه الظهار في الإسلام وليس عاماً لكل أحد. وأما غيره فيكون كلامه حراماً بصفته (منكراً من القول وزورا) وعليه كفارة، في حين أنه من الواضح أن النبي لم يطلب من الرجل الأول دفع الكفارة نتيجة للعفو عنه.
وقد يقال: إن ظاهر الآية الكريمة العفو عن كل زوج مظاهر لزوجته وظاهر القرآن مقدم على ظاهر الخبر بمقتضى القاعدة فيكون كل ظهار مغتفراً.
وقد يجاب على ذلك: بأن هذا الظاهر وان كان صحيحاً، إلا ان في الآية الكريمة قرائن تدل على التحريم. أحدها: كون القول منكراً وزوراً وثانيها جعل الكفارة عليه في الآية اللاحقة.
إلا ان كلا هاتين القرينتين لا تخلوان من نقاش. إذ من المتعذر القول ان كل منكر من القول وزور حرام حتى لو اتبع بالعفو والغفران. إذن فقد يكون هنا منكر مغفور استثناء من قاعدة الحرمة في المنكر. كما ان وضع الكفارة لا يدل على الحرمة. فإنها ليست من قبيل الحدود والديات والتعزيرات التي لا تكون إلا على محرم وان كان اغلب أسبابها من المحرمات على أي حال. والله العالم بالحال.
التعليق السادس: دلت الآية الكريمة والروايات المعتبرة على أن الظهار يحرم المرأة على زوجها إلا ان يدفع الكفارة وهي عتق رقبة فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين فان لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً فان تعذر عليه ذلك أيضا استغفر الله وكان ذلك كفارة له.
ــــــــــــــــــــ[411]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
التعليق السابع: في محاولة التدقيق بصيغة الظهار. فقد تضمنت الصحيحتان السابقتان لفظ: “أنت عليَّ كظهر أمي”. وأضافت صحيحة حمران صيغة مقاربة بإضافة حرام: “أنت حرام عليَّ كظهر أمي”.
وأول ما ينبغي الالتفات إليه في هذا الصدد، ان هذه الصيغة من الإيقاعات في عرف الفقه، لأنها ذات طرف واحد. ولا حاجة فيها إلى طرفين أو رضاء الزوجة. وكلما كان كذلك مما له أثر شرعي فهو إيقاع.
ومع الالتفات إلى أن المراد به تنزيل الزوجة منزلة الأم. فكما ان الأم حرام على الولد، كذلك الزوجة تكون بمنزلتها. والظهر هنا غير مقصود بذاته وإنما المقصود ذات الأم بصفتها موضوعاً للاستفادة الجنسية، وهي حرام من هذه الناحية. فكذلك الزوجة.
ولفظ الظهر مما اختاره العرف الجاهلي، ولعله لأجل مدخليته في نظرهم في شكل المجامعة، حيث يكون الرجل فوق ظهر المرأة. فتكون الاستفادة من تلك الصيغة بناء على ذلك: ان مجامعتك كمجامعة أمي. وحيث يتصف الثاني بالحرمة فكذلك الأول.
وعلى أي حال، فمعنى الحرام متضمن في العبارة لأنه تنزيل للزوجة بمنزلة الحرام، فتكون حراماً. وهذا لا يفرق فيه بين أن يقول: أنت عليَّ كظهر أمي. أم يقول: أنت عليَّ حرام كظهر أمي. فان معنى الحرام موجود على كل حال تقديراً أو تصريحاً.
ومن الناحية الفقهية: لا ينبغي أن يقال: ان التصريح بلفظ الحرام هو الأولى، لأن الصيغة واردة بدونه في الأخبار الصحيحة، وهذا كاف فقهياً لحجيتها ونفوذها. مضافاً إلى ما عرفناه من كونها تتضمن نفس المعنى فعلا.
ــــــــــــــــــــ[412]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
التعليق الثامن: حول قوله تعالى: إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ (1):
وقد جاءت هذه الجملة بصدد تكذيب صيغة الظهار وإنها لا تطابق الواقع: وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُورا وان المرأة لا تكون أماً لمجرد دعوى الزوج انها مثل أمه أو منزلة منزلتها بل تبقى الأم الحقيقية الوالدة هي الأم، ولا يتغير الواقع عما وقع عليه بمجرد الكلام: إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ.
والظاهر من هذه العبارة إعطاء قاعدة عامة، مطبقة في هذا المورد، وليست خاصة بالمورد: إذن، فيمكن من الناحية الفقهية، تطبيقها في موارد عديدة، يمكن أن نمثل لها ببعض الأمثلة، وبعضها نسوقه لمجرد التوضيح.
المثال الأول: محل الكلام. من حيث ان الأم الحقيقية ليست هي الزوجة. وإنما هي الوالدة. نعم، بالإقرار الشرعي لهذه الصيغة أشبهتها في الحرمة لا في النسب.
المثال الثاني: التبني: فلو تبنى زوجين شخصاً أو طفلاً وربياه. لم يكن الزوج أباً ولا الزوجة أماً. لنفس القاعدة العامة: إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ. ويجب إلحاق هذا الشخص نسباً بأبويه الواقعيين.
والآية وان نصت على جانب المرأة. الا انه يمكن استفادة الرجل منها بالتجريد عن الخصوصية. وان كان لا يخلو من نقاش يطول الحديث بذكره. مضافاً إلى قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ (2). فيجب أن ينسب الولد لوالده الحقيقي لا للرجل المتبني.
المثال الثالث: الرضاع. فانه لولا صحة الأدلة على اعتبار الرضاع كالنسب. والا فان القاعدة العامة في الآية نافية للأمومة الرضاعية: لأنها خالية
ــــــــــــــــــــ[413]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المجادلة: آية 2.
(3) الأحزاب: آية 5.
عن الولادة. إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ. فالولادة ضرورية في كون الأم أماً. والمرضعة لم تلد.
الا ان أدلة الرضاع كافية في الاستثناء من هذه القاعدة العامة. أو بتعبير آخر: ان هذه القاعدة تنظر إلى الولادة الحقيقية، وأدلة الرضاع تنظر إلى الأمومة التنزيلية، فلا منافاة بينهما.
المثال الرابع: الربيب أو الربيبة: وهو اسم لابن الزوجة أو بنتها من رجل آخر. وكذلك بمعنى آخر اعم يصدق على ابن الزوج أو بنته من امرأة أخرى.
فإذا نظرنا إلى ابن الزوج، وتخيلنا أن زوجته الثانية هل يمكن أن تصبح أماً للولد أم لا؟ فان الآية الكريمة تنفي كونها أماً: إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ.
وإذا نظرنا إلى ابن الزوجة، وتخيلنا ان الزوج هل يمكن ان يصبح والداً للولد. فان الآية الكريمة بعد التجريد عن الخصوصية التي أشرنا إليها في المثال السابق تنفي ذلك. وكذلك قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِم، فهذا الولد إنما هو ابن والده الحقيقي وليس ولداً لزوج أمه.
المثال الخامس: ما يسمى في باب (التلقيح الصناعي) بالرحم المستأجرة. حيث يتم تلقيح البويضة للزوجين وإيداعها في رحم امرأة أخرى مستأجرة. على اعتبار ان المولود سيكون ابناً للزوجين لا للمرأة المستأجرة. وقد بحثنا فيما سبق هذه المسألة وغيرها في فصل خاص بالتلقيح الصناعي في كتاب النكاح فراجع.
ومحل الشاهد هنا: ان القاعدة العامة المستفادة من الآية الكريمة: إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ. تعطينا إن الولد هو للأم الوالدة ذات الرحم المستأجرة، لأن الولادة كانت لها عرفاً لا للزوجة صاحبة البويضة. وإخراج البويضة ليست شكلا عرفياً للولادة. فالأب هو الزوج صاحب الحويمن والأم
ــــــــــــــــــــ[414]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
هي الوالدة للولد، لا الزوجة. وهذا هو ما أفتى به سيدنا الأستاذ وهو الصحيح.
بعض تفاصيل الظهار:
قالوا في الفقه: ان صيغة الظهار بالرغم من كونها محرمة شرعاً، إلا ان لها أثراً شرعياً وهي حرمة الزوجة على زوجها. ولا تحل له بعد ذلك إلا بالكفارة التي عرفناها.
ويظهر من الأدلة ان وجوب دفع هذه الكفارة، ليس حكماً تعبدياً، وإنما هو حكم طريقي لتحليل الزوجة، والعودة إليها. فان لم يرد العودة إليها فلا حاجة إلى الكفارة. والآية مشعرة بذلك أيضا في قوله: مِنْ قَبْلِ أن يَتَمَاسَّا. فلو لم يريدا ذلك فلا حاجة إلى الكفارة.
ومن قرائن ذلك في الأدلة: ان الزوج إذا طلق زوجته بعد الظهار سقطت الكفارة، فان رجع بها رجع وجوبها.
والظهار يشبه الطلاق من حيث ما قاله الفقهاء من وجوب وجود شاهدين يسمعان الظهار، مضافاً إلى عدم نفوذه من الغضبان والغالط والنائم والسكران ونحوهم.
الا ان احتياجه إلى شاهدين محل إشكال، وان كان أحوط. فانه ان استدل عليه بالإجماع والشهرة، فهي هنا ليست بحجة، لأنها مدركية مستندة على مداليل الروايات.
وان استدل عليه بالروايات، فأكثرها مطلق بل أشرنا إلى ان إطلاق بعضها غير قابل للتقييد. وليس هنا إلا صحيحة عن حمران(1) عن أبي جعفر
ــــــــــــــــــــ[415]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج 15. كتاب الظهار. باب 2. حديث 1 وحديث 3.
يقول فيها: “ولا يكون ظهار الا في طهر من غير جماع بشهادة شاهدين مسلمين”.
وهذا واضح المناقشة: لأنه لم يقل: شاهدين عادلين: بل قال: مسلمين. والإمام يعلم انه ليس وصف الإسلام موازياً وملازماً لصفة العدالة، كما يعلم ان شهادة الشاهد غير العادل لا أثر لها فقهياً.
ومع ذلك فقد قال: (مسلمين) مع العلم بذلك والالتفات إليه. وتقييده بالعادل، من الأدلة الأخرى يكون من هذه الجهة غير عرفي.
وعلى تقدير دلالتها فسوف يقع التعارض بينها وبين ما دل على عدم الحاجة إلى الشاهد في الظهار، كما سبق ان قربنا، ويكون المرجع عندئذ، هو أصالة عدم الاشتراط. إذن، فيبقى لزوم الشاهدين مبنياً على الاحتياط. الا ان مقتضى الاحتياط بالعكس هو نفوذه. فلو ظاهر الزوج بدون شاهدين كان مقتضى الاحتياط حرمة الزوجة ما لم يكفر.
إلا أن هذه الصحيحة تبقى حجة في اشتراط صحة الظهار بشرط الطلاق، وهو أن يكون واقعاً في طهر غير مواقع فيه. فلو كانت المرأة حائضاً وزوجها حاضر أو في طهر مواقع فيه لم ينفذ الظهار. ولا أثر له.
نعم، الظهار لا يشبه الطلاق من حيث حاجته إلى العدة، فلا عدة في الظهار. ولكن إذا رفعت المرأة أمرها إلى الحاكم الشرعي أمهل الزوج ثلاثة أشهر، وخيره بين الطلاق والكفارة. يعني إما أن يدفع الكفارة فيعود إليها وتحل له. وإما أن يطلقها لتحل لغيره من الرجال. فان فعل فهو، وان لم يفعل، فان كان عاجزاً عن خصال الكفارة جميعاً، كان الاستغفار كفارة له، ورجع إليها.
وأما إذا لم يفعل عناداً. وإضراراً بزوجته، طلق عنه الحاكم الشرعي.
ــــــــــــــــــــ[416]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فتعتد عدة الطلاق. فان كان طلاقاً رجعياً كان له حق الرجوع، مع وجوب التكفير. وإلا فله أن يتركها حتى تخرج من عدتها وتحل للأزواج.
فان تزوجت بزوج آخر أو لم تتزوج إطلاقاً، فلا كلام. وان تزوجت به بعقد جديد، فالأحوط بل الأظهر رجوع وجوب الكفارة عليه، وانه لا يستطيع مقاربتها إلا بالكفارة.
وفي بعض الأخبار الصحاح: ان الظهار لا يكون إلا بالزوجة المدخول بها، فان لم يكن مدخولا بها، بما في ذلك الصغيرة التي يحرم الدخول بها، لم يكن ظهارها مؤثراً، بل مجرد لقلقة لسان.
ــــــــــــــــــــ[417]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل الايلاء
قال الله تعالى(1): لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أربعة أَشْهُرٍ فان فَاءُوا فان اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فان اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. وقوله تعالى: يُؤْلُونَ أي يقسمون ويحلفون. والألوة (2) بضم الهمزة وكسرها وفتحها والألية بفتح الهمزة وكسر اللام وتشديد الياء. والاليا كله: اليمين والجمع: ألايا. والفعل آلى يؤلي إيلاء: حلف. وكذلك تألى يتألى تألياً وأتلى يأتلي أئتلاء.
والمقصود به الحلف على ترك المواقعة. كما سيأتي المهم من تفاصيله، وهي تتعدى بنفسها… قالوا: وإنما عداه بمن حملا على المعنى وهو الامتناع من الدخول، وهو يتعدى بمن. يقال: امتنع من كذا وعن كذا.
ومعه فيكون المقصود الأولي من الآية ما يلي: ان الذين يقومون بالحلف على ترك مجامعة زوجاتهم، فلهم التربص والانتظار مدة أربعة أشهر، وهذا حق لهم لا يجوز قبل نهايتها تحميل أي شيء عليهم، فان فاؤوا أي رجعوا إلى زوجاتهم فان الله غفور رحيم. وان عزموا الطلاق طلقوا. بمعنى ان الخيار الثاني هو الطلاق، وليس هناك خيار ثالث هو الترك للزوجة والهجران لها.
وقوله تعالى: عَزَمُوا الطَّلاقَ، من العزيمة وهي الهمة والإرادة. وهو يتعدى بالحرف عادة يقال: عزمت على الشيء. الا ان الحذف هنا على تأويل
ــــــــــــــــــــ[418]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) البقرة: آية 226-227.
(2) انظر: لسان العرب وغيره.
الإرادة يعني: أرادوا الطلاق وهو يتعدى بنفسه.
ويمكن له تأويل آخر، وهو أن يكون عزموا بمعنى: أوجدوا وحققوا فعلا. بقرينة المجاز وهي مشارفة العزم والإرادة على إنجاز العمل وتحقيقه. وقولنا: أوجدت أو حققت يتعدى بنفسه يقال: أوجدت كذا. ومن هنا حذف الحرف من سياق الآية الكريمة.
وتحديد الأربعة أشهر هنا ليست جزافاً، فان الوارد في عدد مهم من الروايات حتى تكاد أن تكون مستفيضة لكنها موزعة في كثير من أبواب الفقه: ان المرأة تصبر عن زوجها أربعة أشهر، ثم لا تصبر أكثر من ذلك.
ومن هنا جاء الحكم الفقهي الشرعي بوجوب إتيان الزوجة كل أربعة أشهر، وحرمة التأخير أكثر من ذلك.
ومعه يكون هذا الزوج المؤلي من زوجته في فسحة من أمره إلى أربعة أشهر. فإنها المدة التي تصبر بها المرأة: فان صبرت أكثر من ذلك وغفرت له هجرانه، فذلك من حقها. وان لم تصبر كان لها ذلك، وترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي، فيجبره على الرجوع إليها أو الطلاق، كما هو منصوص في الآية الكريمة.
هذا، ولولا وجود الآية الكريمة التي هي أول أدلة هذا الباب وأهمها، لولاها لكان مقتضى القاعدة بطلان اليمين بحيث لا يكون له أي أثر، لأن اللازم في اليمين كما هو محقق في محله، هو ان يكون متعلقه راجحاً في الدين أو الدنيا. فلو كان متعلقه فاسداً أو متساوي الطرفين لم ينفذ فلا يجب ترك ما حلف عليه ولا يجب دفع كفارة.
ومن المعلوم هنا ان ترك الزوجة أكثر من أربعة أشهر حرام، وان تركها اقل من ذلك مرجوح لاستحباب إتيانها على أي حال، فكيف يكون اليمين عليه
ــــــــــــــــــــ[419]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
نافذاً وصحيحاً؟ بل مقتضى القاعدة أن اليمين على الحرام حرام وان لم يصرح أحد بحرمة الإيلاء، إلا ان مقتضى القاعدة حرمته كالظهار وليس هذا لكونه نافذاً وصحيحاً، بل لكونه متضمناً للعزم على فعل الحرام أو ترك الواجب والعزم القلبي وحده لا أثر له ولا حساب عليه ما لم يبين باللسان. وهذا اليمين في الايلاء كاف في إبراز وبيان هذا العزم القلبي فيكون حراماً.
والإنصاف ان مقتضى التدقيق في الآية الكريمة انها لا تدل على صحة هذا اليمين وحجيته، بل لعلها دالة على عدم حجيته بدليل انها أعطت الفرصة للزوج بأن يفيء ويرجع إلى زوجته ومقتضى إطلاقها عدم وجوب الكفارة وسيأتي الحديث عن ذلك. وهذا معناه انه يرجع إلى نفس العمل الذي أقسم على تركه ولا يكون قد فعل حراماً. إذن فاليمين ليست نافذة إذ لو كانت نافذة لكان رجوعه بدون كفارة حراماً.
وإنما المهم الذي وقفت الآية ضده، أن يقف الزوج عند رأيه الذي حلف عليه ويهجر زوجته مدة أطول من أربعة أشهر فيكون هجراناً حراماً، ومن هنا تخيره الآية كما يخيره الحاكم الشرعي بين الرجوع أو الطلاق لا أن يدع زوجته كالمعلقة لا تعلم من امر مستقبلها شيئاً.
وجوب الكفارة:
أما عن وجوب الكفارة فان مقتضى إطلاق أكثر الأدلة من هذه الآية وكثير من الروايات عدم وجوبها. كما اننا أشرنا إلى ان مقتضى القاعدة عدم وجوبها أيضا باعتبار كون اليمين باطلة في نفسها ولا أثر لها.
غير أن بعض الروايات(1) دلت على وجوب الكفارة إلا انها لا تخلو من
ــــــــــــــــــــ[420]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) رواها في الوسائل: ج15. أبواب الإيلاء. باب 12. حديث 3 و4.
نقاش في سندها ولو تمت سنداً لكان في الامكان معارضتها بما دل على لزوم رجحان اليمين وشرطية ذلك في صحته، ونرجع بعد ذلك إلى أصالة البراءة عن الكفارة، وتمام الكلام في الفقه.
بعض أحكام الايلاء:
قال الفقهاء: إن الايلاء لا يصح الا باليمين بالله سبحانه وتعالى، فلو حلف على نفس المضمون بغير الأسماء الحسنى كأسماء الأنبياء والمعصومين لم يكن ايلاء. وقالوا كما دلت عليه الأدلة: ان الايلاء لا يكون الا بالزوجة المدخول بها، وأما إذا لم تكن كذلك بما فيها الصغيرة التي يحرم الدخول بها فلا أثر للإيلاء منها.
وقالوا: ان المرأة إذا لم تصبر بعد الأربعة أشهر ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي، فيخير الزوج بين العود إلى زوجته أو طلاقها، فان عاد إليها مع الكفارة على المشهور فهو المطلوب وان طلقها كان الطلاق محكوماً بأحكامه الخاصة، بما فيها كون عدته رجعية أو بائنة.
ومقتضى القاعدة ان العدة إذا كانت رجعية واختار الرجوع فان المشهور يجب أن يأمره بدفع الكفارة لأن القسم في نفسه لا زال ساري المفعول على الفرض.
وأما إذا أبى الزوج فلم يطلق ولم يرجع، فمقتضى القاعدة ان يطلق عنه الحاكم الشرعي لأنه ولي الممتنع. غير انه ورد في عدد من الروايات بأن الحاكم يجبره على الطلاق أو الرجوع، بالسجن أو التضييق عليه في المأكل والمشرب. وقد عمل المشهور بهذه الروايات(1) الا انها لا تخلو من إشكال في
ــــــــــــــــــــ[421]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) رواها في الوسائل: باب 9.
اسنادها بحيث لا تصفو منها رواية معتبرة. فان قلنا: بأن عمل المشهور يجعل السند معتبراً، لزم القول بإجبار الزوج، وان لم نقل به لزم القول بحجية طلاق الحاكم الشرعي بعد وضوح حال الزوج من كونه غير عازم على الرجوع إلى زوجته، أو عازم على عدمه. وعلى أي حال، فسيأتي عن ذلك مزيد من الكلام.
حساب الأربعة أشهر:
فإننا ينبغي ان نلتفت في هذا الصدد ان مبدأ الأربعة أشهر التي يمهله بها الحاكم الشرعي، فيه ثلاث احتمالات على الأقل:
أولاً: انها تحسب من حين آخر جماع له.
ثانياً: انها تحسب من حين اليمين على الترك.
ثالثاً: انها تحسب من حين رفع الأمر إلى الحاكم.
وظاهر الأدلة هو الثاني، كما سنقول، الا ان مقتضى القاعدة هو الأول طبقاً للقاعدة القائلة بحرمة ترك الزوجة أكثر من أربعة أشهر.
ويفرق الحال بين الاحتمالين، فيما لو أقسم أن لا يمسها بعد ثلاثة أشهر ــ مثلا ــ من حين مواقعتها. فإننا ان حسبنا أربعة أشهر بعد قسمه، كانت المدة على الزوجة سبعة أشهر.
غير انه يمكن القول: ان ظاهر الأدلة هو الثاني، وهي تتضمن شكلاً من أشكال العفو عن هذا التأخير. أو قل: انه يجب على الزوج المبادرة إلى زوجته بعد مضي أربعة أشهر على مجامعتها وكلما ازداد زماناً ازداد حراماً. غير ان تكليف الحاكم الشرعي هو ان لا يخيره بين الرجوع والطلاق الا بعد مضي أربعة أشهر على الإيلاء نفسه، كما هو ظاهر الآية الكريمة وعدد من الروايات.
ــــــــــــــــــــ[422]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
واما الاحتمال الثالث فليس بشيء، ويحمل ما دل عليه على الاحتمال الثاني، كما هو راجح، وواضح لمن يفكر. ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيله.
إذن، فالزوج غير معفو عنه في هذا التأخير، وإنما الأربعة أشهر مرتبطة بتكليف الحاكم الشرعي، وهو مجاز في ذلك.
ومعنى الذي قلناه: ان الزوجة لو رفعت أمرها إلى الحاكم بعد نهاية أربعة أشهر من الايلاء، لم يجز له ــ أي الحاكم ــ ان يمهله أربعة أشهر أخرى. بل يخيره فوراً بين الرجوع أو الطلاق، باعتبار مضي المدة التي لابد منها.
وأما سيدنا الأستاذ فقد أخذ بالاحتمال الثالث قائلا(1): أنظره الحاكم إلى أربعة اشهر من حين المرافعة.
ولعله يتمسك في ذلك بصحيحة الحلبي(2) عن أبي عبد الله وفيه يقول: “فإنه يتربص به أربعة اشهر ثم يؤخذ بعد الأربعة فيوقف. فإذا فاء وهو أن يصالح أهله فان الله غفور رحيم، وان لم يفيء اجبر على الطلاق. ولا يقع بينهما طلاق حتى يوقف. وان كان أيضا بعد الأربعة أشهر ثم يجبر على ان يفيء أو يطلق”.
والتربص المأمور به لمدة أربعة أشهر واضح في السياق انه يبدأ من حين الايلاء. الا انه قد يستدل على الاحتمال الآخر بقوله: فيوقف وحتى يوقف. ونفهم منه بقرينة بعض الروايات الأخرى الدالة على ان الحاكم ينظره لمدة أربعة أشهر ان المراد منها ذلك. وان مضت مدة أربعة أشهر سابقة.
الا ان هذا لعله أضعف الاحتمالات في معنى هذه الكلمة: يوقف. بل
ــــــــــــــــــــ[423]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) منهاج الصالحين: ج 2. ص 338.
( ) الوسائل: ج 15. أبواب الإيلاء. باب 8. حديث 1.
يمكن تفسيرها بمعان أخرى كالوقوف أمام الحاكم للمرافعة، ونعني به رفع المرأة أمرها إلى الحاكم. أو يكون معناه: يسجن. فانه أحد المعاني المجازية للإيقاف أو التوقيف. بعد تعذر المعنى الحقيقي.
فيكون المراد من قوله: “ولا يكون بينهما طلاق حتى يوقف هو ذلك”. يعني حتى ترفع أمرها أو حتى يسجن.
علماً ان الروايات الأخرى صالحة لتفسير هذه الرواية، وان المراد من الإيقاف ليس هو التأجيل أربعة أشهر أخرى.
منها: صحيحة بريد بن معاوية قال(1): “سمعت أبا عبد الله يقول في الايلاء: إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته ولا يمسها ولا يجمع رأسه ورأسها فهو في سعة ما لم تمضِ الأربعة اشهر. فإذا مضت أربعة أشهر وقف فأما أن يفيء فيمسها وأن يعزم على الطلاق فيخلي عنها”.
وهي واضحة بأن قوله: فأما… الخ شرح لقوله وقف، يعني: وقف وطلب منه فوراً أحد الأمرين. ومعه يتعين ان يكون التأجيل من حين الايلاء أو القسم. على انه يجب على الزوج أن يخاف الله عز وجل فلا يؤجل خياره بين الأمرين أكثر من أربعة أشهر من حين المجامعة.
بقي شيء في صحيحة الحلبي الأخيرة: فإنها دالة على ان الزوج يجبر على الطلاق، لا أن الحاكم يطلق عنه. وهي بصفتها معتبرة لابد من الأخذ بها. غير انه بعد ضمها إلى ما دل على أن الحاكم ولي الممتنع، يمكن القول بالخيار للحاكم بين تطليقها بنفسه أو بإجبار الزوج عليه. فان أجبره نفذ الطلاق خروجاً واستثناء من قاعدة بطلان طلاق المكره.
وعلى أي حال، ففي الإمكان القول: ان تطليق الحاكم أولى من هذه
ــــــــــــــــــــ[424]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: باب 10. حديث 1.
الناحية لكونه اختيارياً. فلا ينافي تلك القاعدة بوجه أصلاً.
شروط الايلاء:
يشترط في صحة الايلاء ما يشترط في سائر المعاملات من كونه اختيارياً غير مكره ولا في حالة سكر أو نوم أو غلط أو غضب يخرجه عن شعوره. ولا يشترط أن يكون الايلاء أمام شاهدين كالطلاق وكالظهار على المشهور كما سمعنا. ولا تخرج المرأة عن الزوجية بالإيلاء ولذا وجب عليه الطلاق ان لم يرد الرجوع إليها.
ومقتضى القاعدة استمرار وجوب النفقة وغيرها من حقوق الزوجية، كما يجب عليها هي أداء ما عليها من حقوق، ولو لاحتمال رجوعه أو لحمله عليه.
وإنما يختلف الايلاء عن سائر المعاملات بأمرين محتملين:
الأمر الأول: وقوعه في حال الغضب. فانه عادة لا يقع الا في مثل تلك الحال. فيقبل من الزوج حتى لو كان غاضباً.
غير انه يجب القول: بان الغضب يجب ان لا يكون مخرجاً له عن شعوره واختياره كما أشرنا فيما سبق. والا لم ينفذ الايلاء أساساً.
الأمر الثاني: وقوعه للإضرار بالزوجة وإفساد حالها، لكي يكون ايلاء نافذاً فقهياً. فلو وقع للإصلاح لم يكن ايلاء.
هكذا قالوا وقد وردت فيه بعض الروايات. الا اننا علمنا ان القسم الذي يقوله الزوج لا يترتب عليه أي أثر شرعي بالنسبة إليه. بل يبقي من الواجب ان يأتي امرأته كل أربعة أشهر. وهذا لا يفرق فيه بين ان يكون للإصلاح أو الإفساد. فهل انه إذا كان للإصلاح جاز له تأخير الأمر أكثر من تلك المدة؟ قد يكون ذلك أحياناً، وذلك: عند المزاحمة شرعاً، مع حكم أهم في الشريعة.
ــــــــــــــــــــ[425]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
بحيث يصبح ترك الزوجة راجحاً. فيكون القسم عليه نافذاً حقيقة.
غير ان هذا فرض نادر. وظاهر قولهم في الروايات: ان الايلاء للإصلاح ليس بشيء: ان القسم فيه غير نافذ. لا انه يكون نافذاً ويكون أسوأ حالا. من القسم الذي أريد به الإضرار. ومعه: فالقسم في كلا الحالين غير نافذ.
وإنما الفرق بينهما في رفع الأمر إلى الحاكم الشرعي. فعند الإضرار يجوز ذلك، بينما هو في الإصلاح لا مبرر له.
ــــــــــــــــــــ[426]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فصل اللعــــــــــان
قال الله سبحانه(1): وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ الا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ احدهم أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةُ أن لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ أن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. وَالْخَامِسَةَ أن غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا أن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ. أن الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الاثم وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ. لَوْلا إذ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ. لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ(2).
إلى آخر الآيات الكريمة. وقد نقلنا عدداً منها لتكون محل الشاهد في الكلام. وأما ما يختص باللعان فهو قسم منها سيأتي توضيحه.
وإيضاحاً لفكرة اللعان وبيان كيفية قيام رسول الله به، ننقل هذه الرواية:
ــــــــــــــــــــ[427]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) النور: آية 4.
( ) النور: آية 6 ـ 13.
وهي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال(1): “إن عباد البصري سأل أبا عبد الله وأنا عنده حاضر: كيف يلاعن الرجل المرأة. فقال: ان رجلا من المسلمين أتى رسول الله فقال: يا رسول الله، أرأيت لو أن رجلا دخل منزله فرأى مع امرأته رجلاً يجامعها ما كان يصنع؟
فأعرض عنه رسول الله فانصرف الرجل. وكان ذلك الرجل هو الذي ابتلى مع امرأته. قال: فنزل الوحي من عند الله بالحكم فيها، قال: فأرسل رسول الله إلى ذلك الرجل فدعاه. فقال: أنت الذي رأيت مع امرأتك رجلا. فقال: نعم. فقال: انطلق فأتني بامرأتك. فان الله عز وجل قد أنزل الحكم فيك وفيها.
قال: فأحضرها زوجها. فوقفها رسول الله وقال للزوج: اشهد أربع شهادات بالله انك لمن الصادقين فيما رميتها به. قال: فشهد ثم قال رسول الله : أمسك، ووعظه. ثم قال: اتق الله فان لعنة الله شديدة. ثم قال: اشهد ان لعنة الله عليك ان كنت من الكاذبين، قال: فشهد فأمر به فنحي.
ثم قال للمرأة: اشهدي أربع شهادات بالله ان زوجك لمن الكاذبين فيما رماك به. قال: فشهدت. ثم قال لها: أمسكي، فوعظها. ثم قال لها: اتق الله فان غضب الله شديد. ثم قال لها: اشهدي الخامسة ان غضب الله عليك ان كان زوجك من الصادقين فيما رماك به. قال: فشهدت.
قال: ففرق بينهما، وقال لهما: لا تجتمعان بنكاح أبداً بعدما تلاعنتما”.
أقول: وقد تكررت مادة (الرمي) في الآية الكريمة وفي الرواية، والمراد به: الاتهام بالزنا أو اللواط، لا على وجه الاحتمال بل على وجه اليقين. وهو معنى الإخبار بأن فلاناً زنى أو لاط وهكذا. وقد يسمى في لغة الفقهاء بالقذف
ــــــــــــــــــــ[428]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج 15 كتاب اللعان. باب 1 حديث 1.
أيضاً. وهو متضمن لنفس الفكرة تشبيهاً له بقذف الحجر أو رميه من حيث يتضمن رمي الاتهام على الغير.
والرمي أو القذف حرام بنص القرآن الكريم كما سمعنا من الآيات، والتي تقول: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ إلى قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ثم يقول: الَّذِينَ جَاءُوا بِالأفْكِ …إلى قوله… وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ .
كل ذلك للتستر على المجتمع المسلم وأفراده. ومن هنا يأتي قوله تعالى: أن الَّذِينَ يُحِبُّونَ أن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(1)، والمفهوم عرفاً من شياع الفاحشة شياع ذكرها واتهام الناس بها، وليس أصل وجودها، وان كان ذلك أعظم حرمة عند الله عز وجل.
ومن هنا أيضا قوله تعالى: لَوْلا إذ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ. وقد سمي القذف إفكاً، وأمر المؤمنين ان يظنوا بأنفسهم خيراً. والمراد به أن يظن بعضهم ببعض خيراً ولا يصدقوا الاتهامات التي توجه أليهم.
والآيات الواردة في الافك وان ذكروا لها سبباً للنزول ومورداً خاصاً، إلا ان الفقهاء قالوا: ان المورد لا يخصص الوارد، وقال المفسرون: بمضمون الروايات المعتبرة: ان القرآن يجري في الناس مجرى الشمس والقمر ولو كان القرآن خاصاً بمورد فمات أهله لمات القرآن. ومعنى ذلك ان القرآن حي لا يموت مدى الدهر بما انه منزل من الحي الذي لا يموت.
والقذف حرام سواء كان للزوجة أو غيرها، غير انه إذا كان لغير الزوجة
ــــــــــــــــــــ[429]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) النور: آية 19.
تسبب في الحكم الشرعي لإقامة الحد على القاذف، وإذا كان متوجهاً للزوجة كان سبباً في الحكم الشرعي باللعان الذي عقدنا هذا الفصل لبيانه. وهو مبين بظهور الآية الكريمة والروايات التي سمعناها، فلا حاجة إلى التكرار.
وقد التزم الفقهاء بناء على الأخبار الصحيحة والاحتياط بالفروج: ان يقول الزوجان المتلاعنان نفس النص القرآني مطبقاً له على نفسه، أعني مع تبديل الضمير الغائب بضمير المتكلم ولا يقبل في اللعان النقل بالمعنى. فمثلاً (ان غضب الله) و (لعنة الله) مرجعهما في المعنى إلى شيء متشابه، غير ان الأول وارد للرجل والثاني وارد للمرأة ولا يجوز تبديلهما. فان حصل مثل هذا أو نحوه لم يكن لعاناً، وكان مقتضى الأصل بقاء الزوجية بين الزوجين.
في فهم الآية الكريمة:
وإذا حاولنا أن نفهم الآية الكريمة الواردة في اللعان، كان اللازم أن نتكلم ضمن النواحي الآتية:
الناحية الأولى: ان الآية الكريمة تقول: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ الا أَنْفُسُهُمْ وهذا يستفاد منه عدة أمور:
الأمر الأول: انه لا فرق في القذف وحرمته بين أن يكون في الشارع أو في مورد القضاء. إذ قد يخطر في البال ان القذف الحرام هو الشتم به في الشارع ونحوه، وأما ما يكون أمام القضاء فانه يكون كلاماً محترماً لا قذفاً.
غير ان هذا مما تنفيه الآية بوضوح، لأن موردها هو القذف أمام القاضي أو الحاكم فان تقديم الشاهد إنما يكون أمامه، ومع ذلك فقد نصت الآية على حرمته.
الأمر الثاني: ان القذف لا يكون صادقاً الا مع عدم الشهود المثبتين لصدقه
ــــــــــــــــــــ[430]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
فان وجد الشهود علمنا بالحجة الشرعية كون القاذف صادقاً في قوله، ومعه لا ينطبق عليه وجوب الحد، بل يجب إقامة الحد على المقذوف.
وهذا معناه ان القذف إنما يكون قذفاً محرماً فيما إذا لم يكن مطابقاً للواقع، وإذا كان محتمل الصدق والكذب شرعاً. بمعنى انه خال من الإثبات الشرعي لصدقه. إذ مع وجود هذا الإثبات لا يعد قذفاً.
الأمر الثالث: ان اللعان إنما يمكن تحقيقه مع عدم وجود الشهود، وأما مع وجودهم فلا لعان أصلاً. ولذا جاء في موضوع حكم اللعان انه وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ الا أَنْفُسُهُمْ، فهو يتضمن قذفاً للزوجة من قبل زوجها خالياً عن الشهود.
الأمر الرابع: ان الإنسان قد يمكن ان يشهد لنفسه وهذا هو المفهوم من قوله وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ الا أَنْفُسُهُمْ. إذ لو أريد عدم الشهود فقط لكان الاستثناء لاغياً. وكفى قوله وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ.
والإنسان يشهد لنفسه دائماً، حين يتكلم في مصلحة نفسه، ولا يخلو فرد منا من التكلم في مصلحة نفسه. كل ما في الأمر ان مثل هذا الأسلوب من الكلام غير مسموع قضائياً غالباً، إلا في موارد قليلة. منها مورد اللعان بشرط اقترانه بالشهادات الخمس، في حين ان القذف لغير الزوجة مع عدم الشاهد، لا يفيد في إثباته الشهادات الخمس.
وهذا ليس نادراً أو وحيداً في الفقه، بل هناك شيء من الموارد أيضا يقال فقهياً عادة بقبول القول من المتكلم وان كان في مصلحته. ويجمعها عنوان: ما لا يمكن إطلاع الآخرين عليه.
فمثلاً يقبل قول المرأة: انها معتدة أو لا. وأنها متزوجة أو لا. وأنها حامل أو لا. وأنها حائض أو لا. والأهم: انه يقبل منها نفي هذه الأمور لأنها مما لا يعرف عادة إلا منها.
ــــــــــــــــــــ[431]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
وكذلك يقبل قول الفرد من التصرفات أو المعاملات التي لا يجب فيها الشهود، بل ينفذ فيها قوله رأساً. كفسخ البيع أو الهبة أو الوكالة وغيرها.
كما يقبل قول الفرد فيما إذا كان مقترناً بالاستصحاب أو نحوه من الأصول المثبتة، أو كان قوله أوفق بالاحتياط عملياً أعني في ذلك المورد، مثاله: ما إذا ادعى الفقر أو الملك لدار مثلا.
إذن، فهناك موارد عديدة، تقبل فيها شهادة الفرد لنفسه. وليس اللعان وحيداً في ذلك. كما ان التعبير القرآني: بالشهداء، لأنفسهم ليس مجازياً بل حقيقياً.
الناحية الثانية: في شرط الشهادة في اللعان.
وفلسفته، بحسب فهمي إبدال الشهود الأربعة في القذف بالشهادات الأربعة في اللعان. فان دلالة قول كل شاهد من الأربعة هو صدق القاذف فيما يقول. وكذلك تكون كل شهادة يؤديها إنما هي تأكيد على صدق قوله مقروناً بما يشبه القسم بالله على ذلك.
وأما الخامسة، فهي زيادة في التأكيد، وتصريح بما هو ضمني. زيادة لتخويف المتكلم بها، ومن ثم مضاعفة أهمية القسم لديه من الناحية النفسية.
وواضح ان كل من يشهد أربع شهادات بالله على صدقه، وهو في الواقع كاذب. فعليه اللعنة والعذاب، وهذا موجود واقعاً وضمناً إلا ان التصريح به، يحتوي على مضاعفة في أهمية القسم.
فإذا شهد الرجل الشهادات الخمس ثبت في ظاهر الشرع بأن المرأة عاصية، مضافاً إلى ثبوت صدق القاذف. وإذا ثبت صدق القاذف فانه لا يحد ويتحول الحد إلى المقذوف بصفته عاصياً.
ونفهم بوضوح من قوله تعالى: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَاب: ان المرأة إن نكلت
ــــــــــــــــــــ[432]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
عن الشهادات الخمس المنوطة بها فإنها تحد حد الزنا إن كانت التهمة تهمة الزنا.
ومقتضى القاعدة الأولية هو إمكان تجريد المورد عن الخصوصية، فيصبح كل قاذف يمكنه أن يؤدي الشهادات الخمس، فيثبت صدقه، ويسقط الحد عنه، ويثبت في عهدة المقذوف.
إلا ان هذا غير محتمل شرعاً. لاحتمال أن يكون للزوجية دخلاً في الحكمة في قبول الشهادات الخمس من القاذف. وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
بل مقتضى القاعدة الأولية بالعكس، وهو عدم كفاية هذه الشهادات الخمس في إقامة الحد حتى على الزوجة فضلا عن غيرها، وإنما يحتاج ذلك إلى الشهود خاصة. لكننا خرجنا عن هذه القاعدة في خصوص الزوجة حين قال جل جلاله: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَاب. الذي نفهم منه وقوع العذاب ــ وهو الحد ــ بدونه.
ومن هنا اتضح من الآية ان الشهادات الخمس التي تؤديها المرأة انما هي لدرأ العذاب عنها.
وقد يخطر في الذهن: تطبيق ما يشبه الذي قلناه من حيث إمكان التجريد عن الخصوصية. وينتج: ان كل مقذوف له أن يشهد مثل هذه الشهادة ليدرأ عن نفسه الحد. الا اننا قلنا ان هذا غير محتمل فقهياً وشرعاً، وإنما الأمر خاص بالزوجين.
ولو كان في الإمكان شرعاً ان تبدأ الزوجة بهذه الشهادات، لأمكن ان يثبت بها كذب زوجها القاذف الأمر الذي يتعين معها إقامة الحد عليه، إلا ان هذا غير محتمل فقهياً وشرعاً أيضا، فان اللعان أمر متعلق بالفروج فيكون
ــــــــــــــــــــ[433]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
مشمولا للاحتياط فيها، الأمر الذي ينتج أن تسير حادثة اللعان كما هو مسطور في القرآن الكريم، بدون تحريف في اللفظ ولا اختلاف في الترتيب. ومعنى حفظ الترتيب عدم إمكان تقديم كلام المرأة على كلام الرجل.
على ان القذف بمجرده سبب لإقامة الحد، ولا يحتاج لإقامة الشهادات الأربع أو الخمس ضده. وإنما يستطيع الزوج في اللعان أن يدرأ عن نفسه حد القاذف بها، كما تستطيع الزوجة ان تدرأ عن نفسها حد الزنا بها أيضا.
نعم التجريد عن الخصوصية في بعض الألفاظ أمر ممكن على القاعدة. فان قصدنا منها الضمائر كان هذا التغيير ضرورياً. كما سبق أن أشرنا. وان قصدنا منه الإتيان بألفاظ أخرى مرادفة أو قريبة في اللغة العربية، أو التحدث باللغة العامية، أو غير العربية أياً كانت. فلا يبعد إمكان القول به.
وكونه مخالفاً للاحتياط في الفروج، وان كان صحيحاً، إلا ان الدليل ان قام على خلاف هذا الاحتياط أخذنا به فقهياً. والفهم العرفي للآية الكريمة وكل آية، هو المتعين دائماً، وهو يقتضي التجريد عن الخصوصية بالمقدار الذي قلناه. فتكون الآية بنفسها دالة عليه. وبها نخرج عن استصحاب حكم الحد عليه أو عليها.
الناحية الثالثة: في بعض أحكام اللعان.
والمهم منها ثلاثة بعد العلم اننا في هذا الكتاب لا نتعرض لكل التفاصيل الفقهية.
وهذه الأحكام الثلاثة هي باختصار:
1- ورود اللعان لنفي الولد.
2- لو اكذب الملاعن نفسه.
ــــــــــــــــــــ[434]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
3- ورود اللعان بعد موت الزوجة.
والكلام حول ذلك باعتدال أن نقول تحت العناوين التالية:
نفي الولد:
بالرغم من أن الآية الكريمة تورد اللعان في مورد الزنا، فانه من الناحية المنطقية يمكن سريان ذلك إلى موردين آخرين. بعد العلم ان الآية الكريمة لا مفهوم لها من حيث نفي صحته في الموارد الأخرى. فما دل من الأدلة على ثبوته في تلك الموارد لا ينافي الآية الكريمة.
وهذان الموردان هما:
1- المساحقة.
2- نفي الولد.
اما المساحقة فلا لعان فيها بالرغم من انها تعتبر فجوراً على حد الزنا. الا إنها تفترق عنه بأنها تقع بين امرأتين والزنا بين الجنسين.
أما الدليل على عدم ورود اللعان أو وجوده في المساحقة، فيكفي عدم الدليل عليه فيها. لأن إنتاجه لآثاره ونتائجه كالحرمة المؤبدة للزوجة ودرأ الحد عنه وعنها يحتاج إلى دليل، وحيث لا دليل في هذا المورد. فلا حجية للعان فيه. والتجريد عن الخصوصية من الزنا إلى المساحقة غير ممكن عرفاً وشرعاً لاحتمال الفرق وجداناً.
نعم، لو أنتجت المساحقة الشك في الولد أو العلم بعدم انتسابه، من باب سبق المني من المرأة الأخرى إلى امرأته خلالها. كان للزوج ان يلاعن الزوجة على نفي الولد، كما سنقول.
فالمهم في اللعان هو وروده لنفي الولد كما هو وارد في الزنا. غير ان
ــــــــــــــــــــ[435]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
مورد الزنا مذكور في القرآن الكريم ومورد نفي الولد مذكور في السنة الشريفة.
كصحيحة الحلبي(1) عن أبي عبد الله في رجل لاعن امرأته وهي حبلى ثم ادعى ولدها بعدما ولدت وزعم أنه منه. قال: “يرد إليه الولد. ولا يجلد لأنه قد مضى التلاعن”.
نعم، ورد في عدد من الروايات(2) انه: (لا يكون اللعان إلا بنفي الولد) وهذا معناه انحصار اللعان في المورد بحيث لا يكون في مورد الزنا.
والجواب عن ذلك:
أولاً: الخدشة في إسناد تلك الروايات، فإنها جميعاً لا تخلو إسنادها من ضعف.
ثانياً: أن تلك الروايات حتى لو كانت تامة السند، فإنها معارضة لنص القرآن الكريم في ثبوت اللعان في مورد الزنا، فتسقط عن الحجية من هذه الناحية. وبتعبير آخر: ان لهذه الروايات مدلولين:
المدلول الأول: ثبوت اللعان مع نفي الولد. وهذا لا ينافي الآية الكريمة، لعدم دلالة الآية على خلاف ذلك، كما أسلفنا. فيبقى هذا المدلول على الحجية، لأن مقتضى القاعدة كما قلنا في غضون هذا الكتاب ان سقوط الرواية في بعض مداليلها عن الحجية لا يعني سقوط المداليل الأخرى.
المدلول الآخر: انحصار مورد اللعان في نفي الولد، بحيث ينفي المورد الآخر. وهو المفهوم من الحصر الوارد في العبارة: (لا يكون اللعان إلا بنفي الولد). وهذا المفهوم (مفهوم الحصر) لا يمكن الأخذ به لتعارضه مع الكتاب الكريم فلا يكون حجة كما قلنا.
ــــــــــــــــــــ[436]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) الوسائل: ج 15. أبواب اللعان. باب 6. حديث 2.
(2) انظر: باب 9 من المصدر.
ونتيجة ذلك هو ثبوت اللعان في مورد الزنا ومورد نفي الولد معاً دون غيرهما.
لو اكذب نفسه:
الزوج أو الزوجة المشتركين في الملاعنة أو التلاعن. قد يحصل لهما البداء لسبب من الأسباب، فيقول أحدهما ما ينافي كلامه حال الملاعنة. ومعناه: انه يكذب نفسه. يعني انه يكذب الدعوى التي لاعن عليها زوجته.
وهذا التكذيب إما ان يكون من الزوج أو الزوجة. وعلى كلا الحالين فإما أن يكون قبل اللعان أو خلاله أو بعده. ولو كان المكذب نفسه هو الزوج، فإما أن يكون اللعان للزنا أو لنفي الولد. فهنا عدة صور نتكلم في أهمها:
الصورة الأولى: أن يكون المكذب نفسه هو الزوج قبل اللعان. وهذا معناه: انه قذف زوجته وأراد ان يلاعنها ثم نكل عن ذلك. وحكمه ان يجلد حد القذف.
الصورة الثانية: هي الأولى مع نكول الزوج خلال اللعان. وهي لا تفرق في الحكم عن الأولى لأن اللعان إنما ينتج نتيجته إذا تم. وأما إذا أعرض الزوج عن بعض الشهادات الأربع أو عن الشهادة الخامسة. فاللعان إذن لم يحصل بتمامه فيترتب عليه الحكم بالجلد.
وينبغي الالتفات إلى ان هذا الحكم خاص بما إذا كان مورد اللعان هو الزنا وليس نفي الولد. لأن نفيه لا ينتج القذف لاحتمال كونه شبهة من شخص آخر. فلا يكون قذفاً موجباً للحد.
الصورة الثالثة: أن يكذب الرجل نفسه بعد اللعان، وكان اللعان على الزنا.
ــــــــــــــــــــ[437]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
واللعان بعد إتمامه يكون قد أنتج الحرمة المؤبدة فلا تعود الزوجية بهذا التكذيب.
الصورة الرابعة: ان يكون تكذيب الزوج لنفسه بعد اللعان، ويكون اللعان على نفي الولد.
وهذا معناه ان الزوج يقول: ان الولد ولدي.
ومقتضى القاعدة، وقد نطقت به الروايات أيضا: ان اللعان حيث أنتج قبل التكذيب نفي الولد وانقطاع الإرث بينهما من الطرفين وسقوط حق الحضانة ونحوها. فان هذا التكذيب ينتج رجوع الحقوق التي تكون تحميلا على الوالد الملاعن دون غيرها. بمعنى ان حقوق الولد على والده ترجع، دون حقوق الوالد على ولده.
وهذا معناه: ان الولد يرث أباه وتجب على الأب النفقة عليه. لأن هذا التكذيب إقرار بالولد. وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز.
بخلاف الحقوق من الطرف الآخر: فلا يرث الوالد ولده. بل يكون إرثه في أخواله. كما نصت على ذلك الروايات. فيبقى مع الأب وأهله منقطعاً، ويستمر مع الأم وأهلها.
مضافاً إلى الأحكام الأخرى للوالد على الولد. فان مقتضى القاعدة استمرار انقطاعها، كوجوب الطاعة ان قلنا به أو وجوب الاحترام. وانه: لا ربا بين الوالد وولده لو قلنا به. فيجوز للابن أن يأخذ الربا من أبيه. ولا يجوز للأب أن يأخذ الربا من الابن. وهكذا.
الصورة الخامسة: أن تكذب المرأة نفسها بعد اللعان. ويكون اللعان للزنا.
وهذا معناه: إنها تعترف بالزنا، فيجب إقامة الحد عليها. إلا ان الحرمة المؤبدة الناتجة من اللعان تستمر ولا نافي لها فقهياً.
ــــــــــــــــــــ[438]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الصورة السادسة: نفس السابقة إلا ان التكذيب أثناء اللعان.
ومعناه أيضا اعتراف المرأة بالزنا فتحد. إلا ان اللعان لا يكون تاماً لينتج الحرمة، فتبقى زوجة له.
الصورة السابعة: أن تكذب المرأة نفسها خلال اللعان، ويكون اللعان لنفي الولد.
ومعناه: إنها تعترف ان الولد ليس بولده. وهذا ليس معناه إقرارها بالزنا للفرق بين الأمرين كما سبق.
غير ان اللعان لا يكون قد تم لينتج الحرمة بين الزوجين أو نفي الولد. فيبقى الولد والزوجة على حالهما الأول شرعاً. نعم، يترتب على اعتراف الزوجة ما يكون تحميلا عليها من الأحكام لو وجد. وهذا نفسه نقوله، فيما لو كذبت نفسها قبل اللعان.
الصورة الثامنة: نفس السابقة، إلا ان التكذيب بعد اللعان.
ويكون اللعان قد أنتج نتيجته من الحرمة المؤبدة ونفي الولد. ومقتضى اعترافها هو نفي الولد أيضا. فيبقى الحال كما هو الناتج من اللعان، ولا تستحق جلداً على الزنا لأن اعترافها بنفي الولد ليس اعترافاً بالزنا كما سبق.
اللعان بعد موت الزوجة:
مقتضى القاعدة ان الزوج لو قذف زوجته وعزم على لعانها ثم ماتت الزوجة. فلا يبقى للعان مورد. وإنما يجلد الزوج بحد القذف.
إلا ان الروايات نطقت بخلاف ذلك. حيث أعطت الزوج فرصة اللعان مع بعض أقرباء الزوجة ان كانوا أو كان بعضهم مستعدين له، فإذا تم اللعان انقطع الإرث بين الزوج والزوجة الميتة.
ــــــــــــــــــــ[439]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
كصحيحة أبي بصير(1) عن أبي عبد الله ويقول فيها: “إن قام رجل من أهلها مقامها فلاعنه، فلا ميراث له. وان أبى أحد من أوليائها ان يقوم مقامها أخذ الميراث زوجها”.
وفي رواية أخرى(2): ان الزوج (يخير واحدة من ثنتين) يقال له: إن شئت ألزمت نفسك الذنب فيقام عليك الحد وتعطى الميراث. وان شئت أقررت فلاعنت أدنى قرابتها ولا ميراث لك.
والرواية الثانية وان لم تتم سنداً، الا ان مدلولها هو مقتضى القاعدة فقهياً.
وعلى أي حال فمقتضى القاعدة، ان القائم باللعان من طرف الزوجة هو وليها أو وصيها، فان لم يكن هناك ولي من أهلها فالحاكم الشرعي.
غير ان مقتضى ظاهر الصحيحة اختصاص الملاعنة بأهل الزوجة. وهذا يخرج الوصي والحاكم الشرعي ان لم يكونا منهم ومقتضى ظاهر الصحيحة حجة.
إلا ان القرينة التي يمكن بها تطبيق الصحيحة على القاعدة، ورفع التنافي بينهما هو قوله: (أحد من أوليائها) الدال على ضرورة كون الملاعن ولياً في الجملة، كما هو مقتضى القاعدة أيضا.
وهذا معناه القيام بأحد أمرين أو نتيجتين:
النتيجة الأولى: ان نقول: ان القائم باللعان يجب أن يتصف بأمرين، أحدهما: كونه من أهل الزوجة. وثانيهما: ان يكون ولياً. فلو تخلفت إحدى الصفتين لم يكن له الحق في ذلك.
ــــــــــــــــــــ[440]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
( ) المصدر: باب 15. حديث 1.
(2) المصدر: حديث 2.
النتيجة الثانية: ان نقول: ان أياً من تلك الصفتين كافية في ثبوت حق اللعان للفرد. فإما أن يكون هو من أهل الزوجة، كما نطقت به الصحيحة، وإما ان يكون ولياً ولو لم يكن من أهلها، كما هو مقتضى القاعدة وأيدته الصحيحة أيضا.
والظاهر هو الثاني، وان كان الأول أحوط على أي حال. وتمام الكلام في الفقه.
ونحن الآن وان لم نتعرض إلى كل أحكام اللعان، إلا ان الظاهر ان فيما ذكرناه كفاية تغني عن إطالة الحديث.
وبانتهاء الكلام عن اللعان ينتهي الكلام فقهياً عن الطلاق والملحقات به. وبه ينتهي الكلام عن أحكام الأسرة من النكاح والطلاق وما يرتبط بهما.
والحمد لله رب العالمين
ــــــــــــــــــــ[441]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السادس
الفهرس
كتاب النكاح
تمهيد………. 9
فصل: التلقيح الصناعي………. 10
تمهيد………. 10
أقسام التلقيح الصناعي………. 11
محاذير التلقيح الصناعي………. 13
صور الجواز………. 16
الرحم المستأجر………. 20
حكم الرحم المستأجرة………. 22
صور محرمة………. 26
الماء من الزوج………. 27
الماء من رجل أجنبي متزوج………. 30
الماء من رجل أجنبي غير متزوج………. 35
الماء من رجل مجهول الهوية………. 39
الماء من رجل محرم (شرعاً)………. 43
التعقيب بأمور………. 46
فصل: في خصائص النبي………. 55
الخصائص التكوينية………. 56
من القرآن الكريم………. 56
من السنة الشريفة………. 66
من كلمات الفقهاء………. 72
الخصائص الفقهية………. 80
تكاليف غيره تجاهه………. 103
فصل: في مستحبات النكاح………. 108
الزهد في النكاح………. 108
استحباب النكاح………. 114
صالحات النساء………. 122
أقسام النساء………. 124
الكفؤ………. 129
من هو الكفؤ وما هو حكمه؟………. 129
الزواج المبكر………. 136
الخطبة………. 140
جواز النظر إلى المخطوبة………. 142
المهر………. 148
فصل: تبديل الجنس………. 151
الخنثى………. 152
عرض المسألة………. 154
تحول الرجل إلى امرأة………. 156
تحول الرجل إلى خنثى………. 160
تحول المرأة إلى رجل………. 164
تحول المرأة إلى الخنثى………. 167
تحول الخنثى إلى رجل………. 171
تحول الخنثى إلى امرأة………. 173
التحول المتعدد………. 174
فصل: تعدد الزوجات………. 177
حكمة التعدد………. 177
تعدد الأزواج………. 179
شرط التعدد………. 182
إشكالات على التعدد………. 188
القَسْم………. 196
حق الإجازة………. 200
الحصر بالأربع………. 201
فصل: ولاية العقد………. 203
ولاية الأب والجد………. 205
ولاية عدول المؤمنين………. 207
البكر الرشيدة………. 208
فصل: بعض أحكام العقد………. 213
المعاطاة في عقد النكاح………. 213
الصراحة في العقد………. 215
الفضولية في النكاح………. 217
التكرار في عقد النكاح………. 221
التوكيل في النكاح………. 223
فصل: المحارم………. 226
تعداد المحارم………. 226
فصل: الختان………. 239
أحكام الختان………. 243
ختان المرأة………. 246
فصل: مناكحة الأكراد………. 249
النتيجة………. 254
فصل: ولد الزنا………. 255
ما ذنبه؟………. 258
شكواه………. 267
الأحكام الفقهية لولد الزنا………. 269
قتله………. 287
فصل: الرضاع………. 277
لحمة الرضاع………. 277
الآية الكريمة………. 280
شروط الرضاع………. 281
اللباء………. 287
أخذ الأجرة على الإرضاع………. 293
من فروع الإرضاع المحرم………. 294
عموم المنزلة في الرضاع………. 300
فصل: النفقات………. 303
نفقة الزوجة………. 304
نفقة الأقارب………. 319
النفقة على غير البشر………. 322
فصل: الصداق أو المهر………. 325
التفويض………. 327
مهر السنة………. 328
كثرة المهر أو المغالاة في المهور………. 332
كتاب الطلاق ولواحقه
فصل: في معنى الطلاق………. 337
الفرق بين الطلاق والفسخ………. 341
احتياطات الطلاق………. 342
فصل: أقسام الطلاق………. 344
في الروايات………. 346
نتائج هذا التقسيم………. 353
فصل: تنصيف المهر………. 362
فصل: عدة الوفاة………. 370
في عدة الطلاق………. 383
وفي عدة الوفاة………. 383
فصل: الزوج المفقود………. 384
فصل: الخلع والمبارأة………. 400
الفرق بين الخلع والمبارأة………. 402
فصل: الظهار………. 408
بعض تفاصيل الظهار………. 415
فصل: الإيلاء………. 418
وجوب الكفارة………. 420
بعض أحكام الإيلاء………. 421
حساب الأربعة أشهر………. 422
شروط الإيلاء………. 425
فصل: اللعان………. 427
في فهم الآية الكريمة………. 430
نفي الولد………. 435
لو أكذب نفسه………. 437
اللعان بعد الموت………. 439
الفهرس………. 443