ما وراء الفقه، الجزء السابع
ما وراء الفقه
يحتوي على مفاهيم واستدلالات
وحسابات تدور حول مسائل فقهية كثيرة.
يصلح للثقافة الفقهية العامة المعمقة.
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
بإشراف
مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء السابع
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
النجف الأشرف
ــــــــــــــــــــ[3]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لِما تضم من علم وافر وفكر عالٍ ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة… فإن فكر السيد الوالد يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمعٍ إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً أن كل كتاب له لا يضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنّا على أن يكون المخوّل من قِبلنا لطباعة هذه الكتب هم (هيئة تراث السيد الشهيد) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا.
مقتدى الصدر
10جمادي الثانية 1429
ــــــــــــــــــــ[5]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
كتاب الإقرار
ــــــــــــــــــــ[8]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فصل
معنى الإقرار
عرفه المحقق الحلي في الشرائع بأنه (1): اللفظ المتضمن للإخبار عن حق واجب، كقوله لك عليّ أو عندي أو في ذمتي وما أشبهه.
والمهم في فقرات هذا التعريف أمران:
الأول: ان يكون اللفظ إخباراً لا إنشاء، كالأمر والاستفهام وإنشاءات المعاملات.
الثاني: ان يكون هذا الإخبار الذي دل عليه اللفظ إخباراً عن حق واجب. ويراد به حق تشخص في ذمة شخص آخر. وبتعبير أخص: في ذمة المتكلم، كما يُفهم من أمثلته: لك علي أو عندي.
وإذا نظرنا إلى ما هو المفهوم عرفاً من الإقرار استطعنا، أولاً: أن نلاحظ ان مدعيات الإنسان الراجعة إلى نفسه على قسمين: لأنها أما ان تكون لمصلحته وأما ان تكون ضد مصلحته.
فما كان لمصلحته مثل: إني أملك هذه الدار. أو لي في ذمتك كذا من المال. ونحوه.
وما كان ضد مصلحته مثل ما ذكره المحقق، أو ان يقول: ان الدار التي أسكنها لفلان. ونحو ذلك.
فالدعاوى والمدعيات التي تعود إلى مصلحته يكون الفرد فيها مدعياً، لا ــــــــــــــــــــ[9]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) ص 102 ج3.
يصدّق فيها بمجرد كلامه ودعواه، لأنه يجر لنفسه نفعاً ويدفع ضرراً. وبالتالي يعني انه يحقق فيها كسباً ومصلحة. وإنما يصدّق فيها إذا كان له فيها الإثبات الشرعي الكافي، الذي من أوضح أشكاله إقامة البينة. وعلى أي حال فمثل ذلك من المدعيات لا يكون إقراراً.
وأما المدعيات التي يقولها الفرد وتكون ضد مصلحته، ويكون له فيها شكل من أشكال الخسارة إذا حصلت ونجزت، على أي مستوى من المستويات، ومع ذلك فقد أعرب عنها وتكفل بها، فهذا هو الإقرار، وهو قابل للتصديق من الفرد بدون إثبات شرعي زائد. لأنها ضد مصلحته ويعتبر العمل بها تحميلا عليه وتكليفاً له. كما لو اعترف باشتغال ذمته بدين. فانه يستتبع دفعه من قبله لا محالة.
ومن هنا نلاحظ ان الإقرار لا يكون إلا (ضد النفس) لا ضد الغير ولا في مصلحة النفس. فلو كان ضد الغير لا يكون نافذاً، كما لو قال: لفلان في ذمة فلان كذا من المال. فانه يكون من قبيل الشهادة لا يقبل فيها إلا إذا كان عدلا، مضافاً إلى عدل آخر لتتم به البينة.
وهذه الفقرة من معنى الإقرار لم يكن تعريف المحقق الحلي واضحاً فيها، فانه لم يقل: عن حق واجب في ذمة المتكلم أو عليه أو ضد مصلحته ونحو ذلك. فكان إطلاق العبارة شاملا لصورة كون الحق في ذمة الغير. وكأنه أخذ ذلك مسلماً لوضوحه. إلا ان بيانه في التعريف كان ضرورياً. مهما يكن واضحاً.
هذا مضافاً إلى ان قوله: حق واجب، لا يخلو من إجمال. لأن الحق عادة واصطلاحاً في مقابل الواجب. فكيف يتصف الحق بأنه واجب. إلا ان يراد بالواجب كونه ملزماً. فكأنه قال: حق ملزم. إلا انه لم يقل ذلك.
كما انه لم يفسر ما قلناه في شرحه من ان الحق لشخص والواجب لشخص آخر. فالمدين المقر هو الذي عليه الواجب والدائن هو الذي له الحق. وهكذا.
ولو كان قد عرف الإقرار: بأنه اللفظ الإخباري المبين لحق ملزم للمتكلم.
ــــــــــــــــــــ[10]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
ويراد باللام هنا معنى (على) لأنه يتضمن معنى الضغط عليه والتحميل عليه والتكليف له.
ويلاحظ هنا أيضاً ان المهم هو ان يكون هناك إلزام على المكلف سواء كان له طرف آخر كالاعتراف بدين لشخص أو لم يكن، كالاعتراف بالذنوب أو بوجوب بعض العبادات في ذمته. فإنها نحو من الإقرار عرفاً وان لم يشملها الحكم القضائي الشرعي. مضافاً إلى شمول الإقرار للنفي كما سنقول الآن.
فان المراد (بالحق الملزم) ليس إثباته فقط، بل نفيه أيضاً إذا كان في النفي تحميلا على المكلف وتكليفاً له. كنفي ملكية ما تحت يده من دار أو كتب ونحوها. ونفي زوجية الزوجة أو أبوة الأب ونحو ذلك. فإنها ونحوها إقرارات يؤخذ بها ضد مصلحة المتكلم المقر، ولم يشملها تعريف المحقق.
وقد يقال: ان تعريفنا أيضاً غير شامل له. ولو باعتبار ان شمول اللفظ لصورة وجوده وعدمه، أما غير معقول وأما غير عرفي فكيف يشمله التعريف؟
فان كان شاملاً له، كان تعريف المحقق شاملا من هذه الناحية، لأنه يعم صورة نفي الحق الواجب.
ولا نريد الدخول في المناقشات المطولة، غير انه لا شك انه من الأفضل أو الأوضح التعبير عن التعريف: بأن الإقرار هو اللفظ المخبر عن إلزام المتكلم. يعني سواء كان سببه عدمياً أو وجودياً، ولا إشكال فيه.
وينبغي هنا ان نلاحظ أمراً آخر وهو ان الإقرار إنما يكون إقراراً إذا كان إخباراً عن حق سابق على الإقرار. لا إخبار يثبت بالإقرار نفسه، فضلا عن ان يكون إخباراً عن حق سيكون في المستقبل. فان كلاهما غير نافذ ولا صحيح.
أما الحق الذي يثبت في المستقبل فواضح، أعني عدم الأخذ بالإقرار به. لأنه لا وجود له الآن. فلا يجب على المتكلم أو المقر به شيء بسببه.
ــــــــــــــــــــ[11]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وأما الإقرار الذي يراد به إثبات الحق بنفس الإقرار. فهذا على قسمين:
القسم الأول: ان يتخذ الإقرار صيغة أو معنى الإقرار عن الماضي والحق السابق. لكي يكون ملزماً قضائياً، إلا انه كاذب. وإنما أقر له الفرد لأجل إكرام الآخر ونفعه والتنازل له.
وهذا القسم ان ثبت كذبه للحاكم أو للمقر له، فلا حجية فيه. وان لم يثبت لزم الأخذ به باعتباره مصداقاً للإقرار بالمعنى العام على أي حال.
القسم الثاني: ان يتخذ الإقرار معنى التحميل على المتكلم بالإقرار نفسه، كما لو قال الفرد لشخص آخر: اجعل لك في ذمتي كذا من المال. أو ان هذا المال ملكك. لا بنحو الإقرار عن الماضي ولا بنحو الهبة، بل لأجل ان يكون المال ملكاً له بنفس الإقرار.
فهذا النحو من الإقرار ليس بحجة ولا يؤخذ به. وإنما هو من قبيل الوعد بالإعطاء، والوعد مستحب التنفيذ غير واجب.
على ان إشغال الفرد لذمته بمال لشخص، يواجه إشكالين آخرين:
الأول: ان هذا نحو من الإنشاء في الكلام وليس إخباراً. وقد أخذنا في تعريف الإقرار كونه إخباراً. فلا يكون مثل ذلك إقراراً.
الثاني: ان هذا الأسلوب مطعون فيه كبروياً. أي بنحو القاعدة العامة، فان اشتغال الذمة يحتاج إلى سبب كالبيع أو القرض أو غيرهما مما لم يدفع عوضه فتكون الذمة مشغولة به.
وليس من أسباب اشتغال الذمة لا عرفاً ولا شرعاً إنشاء الفرد أو إخباره لاشتغال ذمته قطعاً. ومن هنا قلنا ما مؤداه: انه ان كان إخباراً كان كذباً، وان كان انشاءً كان وعداً لا يجب الوفاء به.
والى هنا لم يبق لنا من تعريف الإقرار شيء غير الإشارة إلى أمرين:
الأمر الأول: ان البحث عن الإقرار من توابع القضاء. فكان الأنسب فقهياً
ــــــــــــــــــــ[12]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
كتابته هناك. أعني بعد كتاب القضاء كالشهادات وغيرها. غير أننا تابعنا المحقق الحلي الذي جعله بعد النكاح وقبل القضاء.
فان قيل: ان الإقرار لا تتعين حجيته عند القاضي، بل يمكن لأي فرد الأخذ بالإقرار في حياته الخاصة والعامة. وهذا صحيح، فلا يكون من توابع كتاب القضاء ليذكر بعده. ولعل هذا هو تفكير المحقق الحلي الذي جعله قبله.
وجوابه من ناحيتين:
الأولى: ان حجية الإقرار وان كانت عامة، إلا ان أوضح أشكالها وأوكدها ما يكون في كتاب القضاء، فتكون به ألصق وأليق. وقد ألحق الفقهاء بعض المطالب ببعض لمناسبات أضعف من ذلك بلا شك. فتكون من توابع القضاء.
الثانية: ان كتاب الشهادات الذي أخره المحقق الحلي عن كتاب القضاء، أيضاً ليس خاصاً بالقضاء بل يشمل حياة أي فرد وسلوكه. وأوضح أشكاله الشهادة على الهلال. فلو كان الأمر على ما يقول المستشكل، لكان اللازم تقديم كتاب الشهادات على كتاب القضاء.
إلا ان الصحيح ان جانب الشهادات في القضاء ألصق وأليق، تماماً كالإقرار. فيكون كلاهما من ملحقات القضاء. وإنما ذكرناه هنا متابعة ليس إلا.
الأمر الثاني: الذي نذكره في تعريف الإقرار: الإشارة إلى السبب أو الدليل في حجية الإقرار.
والعبارة الرئيسية التي يعتمد عليها الفقهاء في ذلك هي قولهم: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.
والكلام يقع حولها في ناحيتين:
ــــــــــــــــــــ[13]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الناحية الأولى: في محاولة الاستدلال على صحة هذه العبارة أو القاعدة. وبالرغم من ان هناك رواية عن النبي(1) بهذا اللفظ. إلا أنها رواية مرسلة. فلا تكون حجة سنداً. ولا يمكن الاعتماد عليها لإنجاز حجية هذه القاعدة.
وإنما المهم في حجيتها هو صحتها عرفاً وعقلائياً. فان السيرة العقلائية والعرفية على الأخذ بالإقرارات بالمعنى الذي عرفناه. والعرف يكون حجة ما لم يرد فيه نهي من الشارع الإسلامي المقدس. ولم يرد في هذا المورد أي نهي. فتكون حجيته ثابتة. وهو المطلوب.
وهذا المقدار من الاستدلال يكفي في هذا الكتاب.
الناحية الثانية: في محاولة فهم العبارة وتطبيقها على التعريف السابق للإقرار.
ولفظ الإقرار هنا من الصعب ان نحمله على المعنى الاصطلاحي. لوضوح أننا لو حملناه على ذلك لم يكن هناك حاجة لقوله: على أنفسهم لأنه متضمن لهذا المعنى. فالظاهر ان هذا القيد سيكون قرينة على ان المراد بالإقرار هنا هو مجرد الإخبار. إلا انه إخبار عن شيء يكون: على أنفسهم، يعني ما يكون ضد النفس وتكليفاً لها وتحميلا عليها. كما سبق.
وهذا هو المستفاد من لفظ (على) في مقابل اللام الذي يدل على أن الشيء في مصلحة الفرد لا ضده. وتخريج الأمر أكثر من ذلك يحتاج إلى سعة في الكلام ليست تناسب المقام.
إذن فقيد الإخبار أو اللفظ الإخباري أو المخبر به الذي أخذه المحقق الحلي وأخذناه في التعريف موجود هنا أيضا. كما أن معنى التكليف والتحميل في مسؤولية المكلف وذمته أيضاً موجود.
ــــــــــــــــــــ[14]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) انظر: الوسائل ج 16 كتاب الإقرار باب 3 حديث 2.
بقي أن نفحص لفظ (العقلاء) في العبارة السابقة الأصلية.
فانه يمكن أن يراد به أحد معنيين:
المعنى الأول: المجتمع العقلائي. ويكون المراد ان الإقرار نافذ في المجتمع العقلائي وصحيح في سيرتهم.
وهذا المعنى ليس مقصوداً في العبارة قطعاً، لأنه وصف بالعقلاء المقر نفسه فقال: إقرار العقلاء على أنفسهم، ولم يصف المجتمع أو السيرة بذلك.
المعنى الثاني: ان يراد به الاتصاف بالعقل في مقابل السفه والجنون لوضوح ان الإقرار لا يقبل بدونه. وهذا هو الصحيح، فيكون المعنى: ان إقرار العاقل نافذ. وهو المطلوب.
وإنما عبر بالجمع (العقلاء) لبيان نفوذ هذا المعنى لكل الناس. وبتعبير آخر: ان اللفظ سيكون عاماً. وليس مطلقاً. والعموم أوضح في الشمول عرفاً من الإطلاق. وأداة العموم هو الألف واللام الجنسية في قوله: العقلاء.
بقي أن نلتفت: إلى ان التعاريف السابقة خالية عن اشتراط العقل. فهل تكون ناقصة بذلك، ولابد من إضافة هذا القيد إليها لتكون تامة.
الجواب: لا، فإنها تامة بالرغم من ذلك. فان هذا الشرط ونحوه خارج عن أصل ماهية الإقرار. كاشتراط الحرية وعدم التفليس ونحو ذلك في صحة الإقرار.
وأوضح ما يدل على ذلك عرفاً: ان صدور الإقرار من السفيه والمجنون، يصدق عليه انه إقرار. فماهية الإقرار متوفرة. إلا انه لا يؤخذ به لتخلف شرطه وهو العقل. والمهم في التعريف هو تعريف وبيان الماهية والحقيقة، وليس الشروط الإضافية.
ــــــــــــــــــــ[15]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
والحال يختلف في قوله: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز. لأنه يريد أن يصف الإقرار بالنفوذ والصحة بقوله: جائز. ولا يكون ذلك إلا من العقلاء. دون المجانين، ولا يراد بهذه العبارة بيان ماهية الإقرار فقط.
هذا، وأما قوله في العبارة: جائز. فأوضح معنى له كما أشرنا كون الإقرار نافذاً وصحيحاً. وهذا هو الظاهر الذي يعتمد عليه في المقام إلا انه يبقى هناك احتمالان آخران يحسن التعرض لهما مع محاولة مناقشتهما.
الاحتمال الأول: ان يكون المراد سريان مفعول الإقرار في المجتمع العقلائي. يعني عمومه بينهم وقبولهم له. من (جازه) إذا تمشى إليه وتعداه إلى غيره. ومشي الإقرار في المجتمع إنما يكون بانتشاره وسريانه فيه.
وهذا يواجه عدة إشكالات أوضحها: ان المراد من العبارة إعطاء حكم الإقرار وشرعيته وليس مجرد سريانه في المجتمع. فلو فهمنا هذا الأخير، لم تكن العبارة دالة على حكم الإقرار وشرعيته وتنفيذه. وهذا مخالف لظهورها، فيتعين الحمل على المعنى السابق.
الاحتمال الثاني: ان يكون المراد: الجواز الشرعي. على معنى ان الإقرار جائز على المقر شرعاً وليس بحرام.
وهذا المعنى أيضاً غير صحيح. وأوضح الإشكالات عليه: ان السؤال الذي يتبادر عادة عن الإقرار ليس هو حلية النطق به أو جوازه. لوضوح جواز ذلك باعتباره كلاماً صادقاً. والصدق جائز والكذب حرام. فالأمر هنا لا يحتاج أكثر من الالتفات إلى صدقه.
وإنما السؤال الرئيسي حول الإقرار هو السؤال عن حجيته وصحته ونفوذه. والعبارة -بلا شك- ظاهرة بالتصدي للجواب على هذا السؤال دون سواه. فيكون ظهورها بذلك قرينة على المراد منها.
ــــــــــــــــــــ[16]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فصل في أقسام الإقرار وأساليبه
بغض النظر عن شرائط المقر والمقر له التي تعرف من الفقه. يبقى لدينا أقسام نفس الإقرار بصفته كلاماً خاضعاً للمعنى العرفي واللغوي والقواعد العربية والنحوية والصرفية.
فان الإقرار قد يكون مطبقاً لكل هذه القواعد من ناحيته، وواضحاً من جميع الجهات من ناحية أخرى. فعندئذ لا إشكال فيه. وقد لا يكون كذلك. فان وضوح الفكرة في أذهان المتكلمين ليست على نحو واحد، ومن الطبيعي ان تأتي العبارة مطابقة للفكرة بمعنى أنها لا تزيد أو لا يمكن ان تزيد عليها بشيء إلا كذبا أو محاولة الكذب.
كما ان الأشخاص يختلفون لا محالة من حيث مقدار بيانهم للأفكار التي لديهم. فقد يبين الفرد الفكرة بكل تفاصيلها وقد يبين الفرد الفكرة من بعض جوانبها ويحتفظ لنفسه بالباقي.
كما ان الأشخاص يختلفون من حيث قدرتهم على البيان المطابق لقواعد اللغة العربية جميعها أو المطابق لقواعد لغتهم، وعدم قدرتهم على ذلك. إلى حد قد يقصد الفرد شيئاً ويأتي باللفظ دالا على مقتضى القاعدة على غير قصده. كما لو نصب الفاعل ورفع المفعول.
كما ان الأشخاص يختلفون أيضاً في إمكان الاستفسار منهم عن التفاصيل التي أجملوها والحقائق التي حذفوها أو سكتوا عنها. فقد يقول الفرد كلاماً
ــــــــــــــــــــ[17]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
مجملا، ويتعذر الاستفسار منه عن التفاصيل، لأجل بعض الموانع، كالهيبة والسلطان أو المرض العقلي أو الجسدي المفاجئ، مثلا أو الموت.
غير ان مقتضى القاعدة عموماً مع إمكان الاستفسار وحصوله، هو قبوله من المقر، مادام مندرجاً في معنى الإقرار. لأمرين:
الأول: كونه إقراراً أيضاً فيكون حجة بهذه الصفة.
الثاني: ان الأمور التي لا يمكن التعرف عليها إلا من قبل الشخص نفسه تقبل منه شرعاً وفقهياً، بدون الحاجة إلى إثبات زائد كالقسم.
وأوضح مصاديق ذلك وتطبيقاته هو القصد. فان القصود من الألفاظ تختلف، وهي لا تعرف إلا ببيان أصحابها ومتكلميها. فيكون بيان المتكلم حجة في بيان قصده من لفظه.
وهذا الدليل الثاني أوسع في الحجية في الجملة، من الدليل الأول، كما لا يخفى على من فكر.
والمهم الآن، هو ذكر عدد مما التفت إليه الفقهاء من أقسام الإقرار، تحت العناوين التالية:
الإقرار المبهم:
أو الإقرار بالمبهم، فان الإقرار كما قد يكون واضحاً وتفصيلياً، يمكن ان يكون مبهماً.
وللإبهام أمثلة كثيرة ومتنوعة. كما لو قال المقر: له عليّ مال أو له عليّ شيء أو له علي مئة ولم يعين صفتها. إلى غير ذلك. والمهم في الإبهام هو حذف صفة للشيء المقر به دخيلة في تنفيذه وإنجازه، بعد العلم بعدم إرادة الإطلاق وان الواقع أحدهما لا محالة.
ــــــــــــــــــــ[18]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
مثاله: لو قال: له عليّ مئة. ولم يعين كونها من الدراهم أو الدنانير. مع العلم ان الدين لا محالة متعلق بأحدهما لا بهما جمعاً ولا ترديداً. وان الأداء موقوف على التعيين، بعد لزوم انطباقه على واقع الدين.
وإنما قلنا: دخيلة في تنفيذه. ولم نقل إنها مالية، لأن صفة المالية وتفاصيل المال وان كان دخيلا في التنفيذ. إلا ان الإقرار قد يشمل غير المال كالإقرار بالنسب، وان استلزم مالا. كما ان الصفات أو المقادير غير المتمولة عرفاً، مملوكة لأصحابها عادة ما لم تسقط شرعاً عن المالية. ومن المعلوم ان الإقرار سبب لإرجاع المال إلى صاحبه بكل تفاصيله، والمالك مستحق لها مهما كانت. فان لم تقل بالملكية فلا اقل من حق الاختصاص ونحوه.
إذن، فهذه الصفة ليست مالية، وإنما هي دخيلة في تنفيذ الإقرار وتطبيقه، يعني في دفع المال إلى مالكه على واقع صفته. فإذا كان الإقرار فاقداً لتلك الصفة كان مبهماً.
وإذا كان الإقرار مبهماً، كان الأساس الأصلي في رفعه، هو الرجوع إلى المقر في إيضاحه. ويؤخذ بقوله كما سبق. فإذا لم يمكن ذلك، لزم تطبيق ما ينطبق على المورد من القواعد اللغوية أولاً والشرعية ثانياً. يعني: أن نبدأ بفهم الإقرار لغة وعرفاً، ثم نطبق عليه ما يكون باليد من القواعد الشرعية.
نذكر لذلك بعض الأمثلة:
المثال الأول: قال المحقق في الشرائع(1). إذا قال: له عليَّ مال. ألزم التفسير. فان فسر بما يتمول قبل ولو كان قليلا. ولو فسر بما لم تجر العادة بتموله كقشر اللوزة والجوزة، لم يقبل. إلى آخر ما قال.
وهذا معناه انه يقبل تفسيره مع مطابقته للإقرار لغة، فان المال معناه وجود ــــــــــــــــــــ[19]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) ص 123 ج 2.
المالية ومع عدمها فليس بمال فلا يقبل تفسيره، بل يُلزم بتفسير آخر.
والمال هنا لا يفرق فيه بين النقد وغيره ولا بين القليل والكثير لجريان أصالة براءة الذمة عن الزائد. كما لا يتعين بالحيوان الأهلي كالإبل والبقر التي كان العرب يسمونها مالاً. فان المال لغة اعم وأوسع مفهوماً منها. إلا إذا اعتاد المتكلم أو مجتمعه ذلك الاستعمال.
وأما إذا لم يمكن الاستفسار من المقر، أمكن إجراء أصالة البراءة عن الزائد عن اقل ما يصدق عليه المال عرفاً. واستيفاء هذا المقدار منه.
وهنا قد نقول: إننا نأخذ منه اقل ماله مالية. لصدق المال عليه. والإنصاف خلاف ذلك. لأن الظهور العرفي لقوله: له عليّ مال، فيما هو أكثر من ذلك جزماً. كما انه قد جرت العادة في التعامل بما هو أكثر من ذلك حتماً.
المثال الثاني: قال المحقق(1) أيضا: إذا قال له ألف ودرهم ثبت الدرهم ويرجع في تفسير الألف إليه. إلى أن قال: أما لو قال: مئة وخمسون درهماً كان الجميع دراهم. إلى آخر ما قال.
فالأمر الأساسي في هذه الأمثلة هو الشك في رجوع الصفة إلى جميع ما ورد في العبارة أو إلى بعضها. فنرجع إلى أمرين: تفسيره والقواعد اللغوية. فان حصلنا على أحدهما دون الآخر فهو المحكم. وان حصلنا على الاثنين قدم التفسير ان كان في القواعد مجال ولو احتمالي ولو باعتبار سوء فهمه لها أو عدم اتباعه لها.
وان تعذر الأمران رجعنا إلى الرجحان العرفي، فمثلا من الراجح ان يكون ــــــــــــــــــــ[20]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص 124.
المراد من قوله: ألف ودرهم ان الألف من جنس الدراهم أيضا. أو قل إنها ظاهرة عرفاً في أنها عدد ذو مجموعة واحدة تساوي هذا المقدار. فلا تبقى الألف مشكوكة الجنس. ونحوه إذا قال: له علي درهم وألف. لعدم الفرق بين تقديم الدرهم أو تأخيره. وقد قال المحقق في مثله: (كانت الألف مجهولة). وهو كما ترى.
ولو تعذرت معرفة جنس الكل أو البعض، بالطرق السابقة. أمكن العمل بأحد أمرين:
الأمر الأول: أصالة البراءة عن الزائد عن اقل جنس محتمل كونه مقصوداً للمقر.
الأمر الثاني: إجراء دليل الانسداد في المورد. إذ يعني انه مع انسداد باب العلم والطرق المعتبرة شرعاً، يكون الظن حجة شرعاً أو عقلا، وبالتالي يمكن العمل به. فنرجع في تعيينه إلى الظن. وهو متوفر في الأعم الأغلب.
المثال الثالث: قال المحقق(1) إذا قال: هذا الثوب أو هذا العبد لزيد. فان عين قبل منه. وان أنكر المقر له كان القول قول المقر مع يمينه. وللحاكم انتزاع ما اقر به وله إقراره في يده.
معاً. أقول: والمراد من هذا الثوب وهذا العبد. ما يكون تحت يد المقر لا تحت يد غيره. فان إخباره ليس حجة عندئذ وإنما يكون شهادة يتبعه حكمها.
وإنكار المقر له إقرار منه بعدم الملكية للمال المعين المقر به، فيؤخذ به. ويبقى المال بدون مالك ظاهراً. يعني في ظاهر الشريعة، وان كان الواقع على
ــــــــــــــــــــ[21]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص 125.
خلافه. وسيأتي بعض الكلام عنه.
ولا يخفى ان إقرار الفرد بأن المال لفلان يحتوي على أمرين: أولاً: الإقرار بأنه ليس له أي ليس للمقر. ويؤخذ بإقراره. ومن هنا قلنا ان المال يبقى بدون مالك ظاهراً. والثاني: الشهادة بأن المال لفلان. وهو خبر ذي اليد، فيكون حجة في نفسه، ولا يحتاج إلى البينة.
وللشخص الآخر المقر له إحلاف المقر يميناً مطابقاً لإقراره. فان حلف أخذ المال. وان نكل بقي المال مجهول المالك. وهذا القسم ليس من باب كونه منكراً إذ لا مدعي فيهما. ولو افترضناه فالأصول متعارضة ومتساقطة. وإنما القسم من اجل زيادة الاستيثاق من أحد الإقرارين، بعد تعارضهما وتساقطهما ظاهراً.
ومقتضى القاعدة انه للمقر تحليف الآخر على إقراره بأن المال ليس له. فان حلفا أو نكلا بقي المال مجهول المالك. وان حلف أحدهما ونكل الآخر أخذه الآخر يعني الناكل منهما.
فان بقي المال مجهول المالك أمكن الاستدلال باليد التي للمقر بأن المال موضوع أو مستمر عنده بشكل جائز شرعاً وان لم يكن ملكاً له، ولا دليل على خلاف ذلك. فيبقى المال تحت يده. وهو أحوط من انتزاعه منه كما أمر به المحقق الحلي، كما سمعنا.
ووجه الانتزاع منه، هو ان الحاكم ولي للأموال المجهولة المالك. فيكون أولى بها ممن هي تحت يده، لصرفها في مواردها. والأحوط ان يأذن لصاحب اليد بالاستمرار عنده. وان كان الاحتياط استحبابياً كسابقه.
المثال الرابع: قال المحقق الحلي: ولو قال: له قفيز حنطة بل قفيز شعير. لزمه القفيزان. وكذا لو قال: له هذا الثوب بل هذا الثوب. أقول: يعني لزمه
ــــــــــــــــــــ[22]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الثوبان معاً.
والوجه في ذلك كونهما معاً محطاً للإقرار ومصداقاً له. مع الأخذ بنظر الاعتبار على ان الرجوع عن الإقرار غير مقبول. فدلالة قوله: بل هذا الثوب وان كان رجوعاً عن الإقرار الأول. إلا انه لا يكون حجة فيجب عليه دفع كلا الثوبين.
وفي هذا الحكم نظر من حيث ان المفهوم من (بل) الإضراب والاستثناء. والفرد قد يحتاج إلى ذلك طبقاً لمقدار ذهنه وذاكرته. والمفروض انه حصل ذلك بكلام واحد، فيؤخذ به عرفاً، والنتيجة هو إلزامه بالثوب الثاني دون الأول.
هذا مضافاً إلى ظهور كلا الإقرارين بكون المملوك للآخر: ثوب واحد لا ثوبين. فيكون هذا الظهور قرينة متصلة على إسقاط أحد الثوبين إجمالا عن الحجية، أعني الإقرار به. ومن الواضح بعد ذلك: ان الأولى بل المتعين الأخذ به هو الثاني لا الأول.
نعم، لو كان الإضراب بكلام ثانٍ وقرينة منفصلة عرفاً. كان لما ذكره المحقق وجه وجيه.
الاستثناء من الإقرار:
والاستثناء يكون بأحد حروف الاستثناء ك(إلّا) و(غير). وليست غير كصراحة إلا في هذا الجانب. إذ قد تكون صفة لما قبلها.
أما حركة المستثنى من نصب أو غيره، فتؤخذ بنظر الاعتبار بصفتها مصداقاً للقواعد العربية، ان علمنا ان المتكلم المقر أهل لذلك أو المفروض فيه ذلك. وان علمنا جهله بالقاعدة لم يضر اللحن ونأخذ بالظهور العرفي. فان
ــــــــــــــــــــ[23]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
انبهم أخذنا بالقدر المتيقن وأجرينا أصالة البراءة عن الزائد.
وإذا شككنا في حصول الاستثناء من الأداة، كغير وحتى ونحوهما. طبقنا القواعد حسب تحريك المتكلم للمستثنى ان كان أهلا له. وإلا سألناه عن قصده وانه هل أراد الاستثناء أو الصفة أو غيرهما. وان لم يمكن الاستفسار أجرينا القواعد العربية أولاً والأصول العملية ثانياً.
وعلى أي حال، فقد قال المحقق الحلي في الشرايع عن الاستثناء بأن: قواعده ثلاث:
الأولى: الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات.
الثانية: الاستثناء من الجنس جائز ومن غير الجنس على تردد.
الثالثة: يكفي في صحة الاستثناء ان يبقى بعد الاستثناء بقية سواء كانت اقل أو أكثر.
ثم صار المحقق بصدد سرد أمثلة الإقرار بأحد أساليب هذه القواعد الثلاث وسنذكر بعضه.
ولابد الآن من مرور مختصر على تحقيق هذه القواعد.
أما القاعدة الأولى فواضحة، لأن الجملة المستثنى منها وهي السابقة على أداة الاستثناء أما ان تكون مثبتة أو منفية وليس لها حالة ثالثة. والاستثناء من أي من الحالتين يفيد الحالة الأخرى.
فلو قال الفرد: خرج القوم إلا رجلا. كان الاستثناء دالا على انه لم يخرج. ولو قال: لم يخرج القوم إلا رجلا كان دالا على خروجه.
ومعه يكون التعبير الأوضح لهذه القاعدة هو قولنا: الاستثناء من الكلام المثبت أو الدال على الإثبات دال على النفي. والاستثناء من الكلام الدال على
ــــــــــــــــــــ[24]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
النفي دال على الإثبات.
وأما القاعدة الثانية، فهي قائمة على أساس تقسيم النحويين الاستثناء إلى متصل ومنقطع. وقالوا: ان المتصل هو الاستثناء من الجنس كقولنا: خرج القوم إلا رجلا. والمنقطع هو الاستثناء من غير الجنس كقولنا: خرج القوم إلا حماراً.
والأفصح هو الاستثناء المتصل. وأما المنقطع فقد قالوا انه خلاف الأصل. ولو فهمنا ذلك فهماً فقهياً لقلنا: انه خلاف الظاهر وان لم يكن ممنوعاً استعماله، إلا انه يتعين فهم الاتصال، ما لم تقم قرينة على الانفصال.
فلو قال: خرج القوم إلا واحداً. وشككنا في كون الواحد إنساناً أو حماراً. وجب حمله على الإنسان ليكون الاستثناء متصلا.
ولو قال: مشيت في الأرض إلا بستاناً. وشككنا في ان الأراضي هل هي مزروعة لتكون بساتين فيكون الاستثناء متصلا. أو غير مزروعة لتكون صحراء فيكون منقطعاً. والأصل هو المتصل، فيكون ذلك قرينة على ان المراد بالجملة الأولى البساتين أيضا، وقد بنى عليها المحقق في بعض الموارد.
والفرق بين المثالين كون الشك في الأول في الاستثناء والشك في الثاني في المستثنى منه.
وأما القاعدة الثالثة: فألاهم فيها ما قاله الأصوليون من انه: يقبح استثناء الأكثر أو يستهجن ذلك عقلا أو عقلائياً أو لغة.
إلا ان الاستثناء ان كان واضحاً في ذلك أخذنا به. كل ما في الأمر ان المتكلم قد استعمل الكلام استعمالا مستهجناً. وان لم يكن واضحاً في ذلك كان الأصل هو الاستعمال الصحيح وهو عدم استثناء الأكثر. فلو قال: كل هذه الأشياء لي إلا بعضها. وشككنا في كون هذا البعض قليلا أو كثيراً بحيث
ــــــــــــــــــــ[25]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
تستوعب النسبة أكثر الموجود. كان لابد من الحمل على الأول أعني الاستثناء الأقل.
فهذه هي القواعد الثلاث التي ذكرها المحقق.
وكان لابد من التعرض إلى قاعدة رابعة، من حيث ان المستثنى منه قد يكون مذكوراً في الكلام وقد يكون محذوفاً لابد من تقديره ويسمى المفرّغ. فان كان موجوداً أخذنا بظهوره. وان كان محذوفاً وكان له تقدير عرفي واضح أخذنا به. وإلا كان اللازم الرجوع إلى الأساليب السابقة في معرفته.
فان أمكن الاستفسار من المتكلم المقر. أخذنا بتفسيره. وإلا فقد ترجع إلى حجية الظن لحصول الانسداد كما سبق في مثله. فنأخذ بأرجح احتمالات التقدير. وان دار الأمر بين الأقل والأكثر. أخذنا بالأقل وطرحنا الأكثر لأصالة عدمه أو البراءة عنه.
ونذكر بعض الأمثلة في الإقرار طبقاً للقواعد الأربع:
فالقاعدة الأولى ما ذكره المحقق إذ قال(1): إذا قال (المقر): له عليّ عشرة إلا درهماً كان إقراراً بتسعة ونفياً للدرهم. ولو قال: إلا درهم (بالرفع) كان إقراراً بالعشرة. ولو قال: ماله عندي شيء إلا درهم كان إقراراً بدرهم. وكذا لو قال: ماله عندي عشرة إلا درهم. كان إقراراً بدرهم.
والتدقيق في هذه الأمثلة نوكله إلى فطنة القارئ اللبيب.
ومثال القاعدة الثانية: ما ذكره المحقق أيضاً حين قال: ولو قال(2): ألف درهم إلا ثوباً. فان اعتبرنا الجنس (يعني في صحة الاستثناء) بطل الاستثناء.
ــــــــــــــــــــ[26]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر: ص 128.
(2) المصدر: ص 129.
وان لم نعتبره، كلفنا المقر بيان قيمة الثوب (بالدراهم) فان بقي بعد قيمته شيء من الألف صح. وإلا كان فيه الوجهان.
أقول: وهذان الوجهان مبينان على إمكان الاستثناء للأكثر أو المستوعب وعدمه. والصحيح عرفاً إمكانه وان كان قبيحاً. وهو منطوق القاعدة الثالثة وليس الثانية التي نتحدث عنها الآن.
ومثال القاعدة الثالثة. ما قاله أيضاً بقوله(1): لو قال: له درهم إلا درهماً. لم يقبل الاستثناء (لكونه مستوعباً). ولو قال: درهم ودرهم إلا درهماً. فان قلنا ان الاستثناء يرجع إلى الجملتين كان إقراراً بدرهم. وان قلنا يرجع إلى الجملة الأخيرة – وهو الصحيح – كان إقراراً بدرهمين وبطل الاستثناء.
أقول: إلا أن الصحيح هو ظهوره العرفي في الرجوع إلى الجملتين. بل الظهور اللغوي على ذلك. لأن الدرهم الأول يعرب مبتدأ، والثاني معطوف عليه فهو فرعي في الكلام. وإرجاع الاستثناء إلى الفرعي دون الأصلي، أو إلى المعطوف دون المعطوف عليه خلاف الظاهر بل خلاف القواعد. وإذا رجع إلى الأول كان معناه الرجوع إليه مع ملحقاته الكلامية التي تصلح قرينة متصلة على تعيينه، وهي هنا العطف بالدرهم الثاني. وهذا معناه انه استثناء من الدرهمين. فيؤخذ بالاستثناء لأنه ليس مستوعباً.
ومقتضى القاعدة في الاستثناء المستوعب انه إذا كان من نفس الجنس رفضناه لاستهجانه إلى حد الضرورة. وان كان من غير الجنس. كالمثال السابق: له عندي ألف درهم إلا ثوباً. وكان الثوب يساوي ألف درهم. فالصحيح قبوله. لأنه ليس بذلك المستهجن. وقد يصدر من الفرد العرفي. ومثال القاعدة الرابعة التي تعرضنا لها: قول المقر: لا يوجد له في ذمتي إلا
ــــــــــــــــــــ[27]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر: ص 129.
درهم. بتقدير دراهم. يعني بتقدير ما يجانس المستثنى منه.
ولو قال: لا يوجد له في ذمتي إلا شيء، كان المستثنى والمستثنى منه مجهولا. فنطبق القواعد السابقة، التي عرفناها فلا نكرر.
الإقرار الضمني:
وهو الإقرار الذي لا تدل عليه الدلالة المطابقية أو المباشرة في الكلام. وإنما تدل عليه دلالات أخرى تضمنية أو التزامية. ويظهر حاله من أمثلته:
قال المحقق الحلي: فلو قال: لي عليك ألف. فقال: رددتها أو أقبضتها. كان إقراراً… ولو قال: نعم أو أجل أو بلى كان إقراراً. ولو قال: أليس لي عليك كذا؟ فقال: بلى. كان إقراراً. ولو قال: نعم. لم يكن إقراراً. وفيه تردد. من حيث يستعمل الأمران استعمالا ظاهراً.
أقول: وكذلك لو ناداه شخص: يا أبي أو يا ابني. فلباه وأجابه. فهو إقرار بالنسب. وكذلك لو قال: هو واجب النفقة عليّ. ولم يكن يحتمل فيه سبب إلا كونه ابنه.
وكذلك لو قال: بعت هذه الدار عن فلان أو بالوكالة عنه. كان إقراراً بعدم ملك المتكلم لها عرفاً. وكذلك لو قال: سكنت الدار بإذن فلان. إذن فهي ليست ملكه، لأن المالك لا يحتاج إلى إذن. ولو قال: ادفعوا هذا الكتاب إلى فلان لم يكن إقراراً بعدم الملكية. لأن هذا الدفع كما يمكن ان يكون من قبيل رد الوديعة، يمكن ان يكون بنحو الهبة أيضا.
إلى غير ذلك من الأمثلة.
ــــــــــــــــــــ[28]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الإقرار بالنسب:
وأهمها الإقرار بالأبوة والبنوة. وهو لا يكون إلا بشرائط ثلاثة:
الشرط الأول: ان تكون البنوة ممكنة. فلو أقرّ الفرد ببنوة من هو أكبر منه سناً أو مثله أو مقارب له وان كان أصغر منه قليلا، لم يقبل إقراره.
وكذلك لو أقر ببنوة ولد امرأة له. إلا ان بينهما مسافة لا يمكن لهما التلاقي معهما في مثل عمره.
فالمهم هو إمكان ان يكون المقر به ابناً للمقر، لا ان يكون اعترافاً بالمستحيل عادة.
الشرط الثاني: ان يكون الفرد المقر به مجهول النسب. فلو أقر ببنوة شخص معلوم النسب، يعني انه ابن غيره. لم يقبل إقراره. لأن الإقرار وان كان حجة إلا انه يعارض ما هو قطعي فيسقط.
الشرط الثالث: ان لا يواجه المقر شخصاً منكراً ونافياً لإقراره. فان حصل ذلك لم يثبت النسب المقر به.
وذلك يحدث في صورتين:
الصورة الأولى: ان يكون المنكر غير المقر به. كما لو ادعى بنوة شخص وادعى آخر بنوته أيضا. فإنهما يتكاذبان لاستحالة اشتراكهما بالأبوة. ولا يثبت النسب لأحدهما إلا بالبينة. ولا مورد هنا لليمين. فان أقاما معاً بينة تعارضت وتساقطت.
الصورة الثانية: ان يكون المنكر هو المقر به. كما لو اقر ببنوة شخص بالغ عاقل رشيد، مع اجتماع الشروط الأخرى التي سمعناها. فأنكر هذا الشخص بنوته. لم يثبت النسب. وإنما يثبت النسب لو تصادق الاثنان عليه.
ــــــــــــــــــــ[29]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وأما الإقرار ببنوة الصغير، فيؤخذ به بلا معارض، ولو كبر فأنكر البنوة. قال المحقق الحلي(1): لم يلتفت إلى إنكاره لتحقق النسب سابقاً على الإنكار. أقول: وهذا محل نظر لأن تحقق النسب متوقف على عدم المعارض وقد حصل. فيكون دالا بنحو الكشف على عدم صحة الحكم الظاهري بالبنوة. ومن الواضح انه لا فرق في حصول المعارض فوراً أو بعد زمان طويل، أو قصير، فان هذا مما لا دخل له فقهياً قطعاً. وصغر الطفل إنما يكون مانعاً عن سماع إنكاره. لا ان حقه منتف في ذلك بالمرة، فإذا ارتفع المانع اثَّر الإنكار أثره.
فهذا حاصل الكلام في شرائط الإقرار بالبنوة والأبوة. ولا يبعد ان تكون هذه الشرائط عامة للإقرار بأي قرابة على أن يؤخذ منها في كل مورد بمقدار ما يناسبه.
ومن تبعات ولواحق الإقرار بالنسب، أمران:
أحدهما: الإقرار بالزوجية: فلو تصادق رجل وامرأة على الزوجية مع إمكانه حكم بها لهما، وتوارثا. ولو أنكر أحدهما لم يقبل إقرار الآخر، إلا من زاوية الأحكام التي تكون ضد مصلحته. فلو كان المنكر المرأة وجب على الرجل النفقة عليها وحرم عليها التمكين له. ما لم تقم بينة على الزوجية.
ولو كان الطرف صغيراً أو مجنوناً لم يلتفت إلى الإقرار، لاحتمال انه يجر نفعاً. نعم لا يبعد الحكم به مع اليمين، وثبوت الأحكام التحميلية عليه، كوجوب النفقة للزوجة الصغيرة المقر بها.
ثاني الأمرين: التوارث، أما من الطرفين لو ثبت النسب بشكل مطلق. كما لو قامت البينة به أو تصادقا عليه. أو التوارث من طرف واحد. فلو ثبت النسب
ــــــــــــــــــــ[30]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر: ص 135.
بشكل مطلق وكامل، كان الطرفان يتصفان بالقرابة اعتيادياً، فيشملها الحكم بالتوارث، كما تشملها الحقوق الواجبة أو المستحبة حال الحياة. وهذا واضح.
وإنما ينبغي لنا الآن ان نذكر بعض الأمثلة للتوارث من طرف واحد. فان الإقرار يعني استحقاق المقر له قسطاً من تركة المقر على تقدير وفاته. وهذا من الأحكام التحميلية التي تكون ضد مصلحة المقر، فيثبت بالإقرار.
غير ان هذا محل نظر لأمرين:
أحدهما: إننا نريد بالأحكام التحميلية ما كانت ضرراً دنيوياً حال الحياة. وأما بعد الموت فلا. ومن الواضح ان أي ميت لا مصلحة له سلباً ولا إيجاباً في شيء من المال الذي تركه. فلا يكون التوريث حكماً تحميلياً.
ثانيهما: ان هذا التوريث مناف لحقوق الورثة الآخرين. وهم موجودون دائماً، لأننا نريد بالوارث هنا: الوارث الاقتضائي ولو في طبقة متأخرة. إذن فلا يمكن انتفاء الوارث بحال. ولا اقل من وجود الإمام، كوارث لو لم يتم الأخذ بالإقرار والحكم بتوريث المقر له.
وهذا ينتج: انه ما لم يثبت النسب بشكل مطلق، لم يكف الإقرار من طرف واحد لإثباته.
هذا لو أقرّ الموروث. وأما لو أقر الوارث بوجود وارث آخر مساو له في الطبقة للزائد من المال أو عدم استحقاقه أصلا إذا كان أولى منه. فيكون حكماً تحميلياً، فيثبت بالإقرار. إلا ان دفع الباقي إلى المقر له لا يمكن إلا بالإثبات الكامل أو المطلق للنسب. وإنما يدفع الباقي إلى الورثة المعروفين سلفاً(1).
ومن أمثلة ذلك:
ــــــــــــــــــــ[31]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) راجع عن ذلك فصل: الميراث بالإقرار من كتاب الارث من هذا الكتاب. ج8 ق2 ص154.
أولاً: ما ذكره المحقق بقوله(1): لو كان للميت أخوة وزوجة. فأقرت له بولد، كان لها الثمن. فان صدقها الأخوة كان الباقي للولد دون الأخوة. أقول: وان صدقها بعضهم دفعنا إليه حصصهم خاصة، ويأخذ المُنكِر حصته.
ثانياً: ما ذكره المحقق بقوله(2): لو أقر بزوج للميتة ولها ولد. أعطاه ربع نصيبه. وان لم يكن لها ولد أعطاه نصفه. أقول: والمقر هنا أحد الورثة أو كلهم. وأما المُنكِر منهم فيعطى له حصته كاملة.
ثالثاً: ما ذكره أيضا(3): لو أقر بوارثين أولى منه. فصدقه كل واحد منهما عن نفسه لم يثبت النسب وثبت الميراث. ودفع إليهما ما في يده… ولو اقر بوارث أولى منه ثم أقر بآخر أولى منهما. فان صدقه المقر له الأولى دفع المال إلى الثاني. وان كذبه (الأول) دفع إلى الأول وغرمه للثاني. ولو كان الثاني مساوياً للمقر له أولاً، ولم يصدقه الأول دفع المقر إلى الثاني مثل نصف ما حصل للأول.
أقول: وفي هذا المثال الثالث، الذي يحتوي في الواقع على عدة أمثلة، بعض المناقشات والتدقيقات التي لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها، فنوكلها إلى الفقه والى فطنة القارئ.
ــــــــــــــــــــ[32]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر: ص 135.
(2) المصدر: ص 137.
(3) المصدر: ص 136.
كتاب اليمين ولواحقه أو الملزمات الشخصية
ــــــــــــــــــــ[33]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
تمهيد:
تحتاج في كل كتاب فقهي إلى عنوان جامع بين الموضوعات أو العناوين التي تبحث خلاله. وإلا كان ذكر الخارج عن ذلك استطراداً مستغنى عنه. فالسؤال في هذا الكتاب الفقهي: ما هو الجامع بين هذه العناوين الثلاثة: اليمين والنذر والعهد. التي حررنا لها هذا الكتاب الفقهي.
ولعل المحقق الحلي وغيره من الفقهاء لم يجدوا هذا الجامع، فافردوا لكل من هذه العناوين كتاباً فقهياً مستقلا. لكي لا يكون ذكر أحدها استطراداً بعد ذكر الآخر.
غير أننا حصلنا لها مفهوماً جامعاً منطبقاً عليها جميعاً، وهو: (الملزمات الشخصية). اما كونها ملزمات فلوجوب تنفيذها وتطبيقها شرعاً. واما كونها شخصية فباعتبار أنها جميعاً تندرج في مسار واحد هي الأساليب التي يلزم بها الإنسان نفسه بعمل ما. من دون ان يكون الآخرون دخيلين في ذلك وهذا هو معنى الشخصية. فان الإلزام هنا ليس من الله سبحانه ابتداء كالأحكام الشرعية الاعتيادية، وليس من الآخرين كالمعاملات والضمانات التي يكون الفرد طرفاً فيها. بل محتواها العام إلزام الفرد لنفسه.
وتظهر أهمية هذا الإلزام فقهياً إذا التفتنا إلى عدم وجوب التنفيذ بدونها. فلو عزم الفرد على شيء أو قال: سأفعله أو إني فاعله بكل تأكيد. ونحو ذلك
ــــــــــــــــــــ[35]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
من التعابير، لم يجب عليه القيام به ما لم يكن واجباً أصلا. وإنما يجب القيام به إذا اقترن العزم بالنطق بأحد هذه الأمور الثلاثة: النذر والعهد واليمين.
وسنعرف خلال كلامنا عنها أنها قد تختلف في شروط الصحة والانعقاد. فان من شروط صحة النذر ان يكون راجحاً بخلاف أخويه الآخرين. إلا ان هذا الاختلاف في الشروط لا يضر بالاتفاق في المفهوم العام، كما هو معلوم.
ومن هنا كان لابد من أن نعقد لكل منها فصلا مستقلا.
ــــــــــــــــــــ[36]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فصل القسم أو اليمين
ويسمى الحلف أيضا. ويمكن تقسيمه إلى قسمين: إخباري وإنشائي. فالإخباري: هو ان يقسم على وقوع شيء أو عدم وقوعه في أحد الأزمنة: الماضي أو الحاضر والمستقبل. والإنشائي هو ان يحلف على فعل شيء أو تركه من الأمور الاختيارية له.
والصدق في اليمين الإخباري، في مطابقة الخبر للواقع، وكذبه في عدم مطابقته. وهي اليمين الغموس. والصدق في الإنشائي مما لا معنى له حقيقة لأن الإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب. إلا انه يمكن اعتباره مجازاً. فصدقه هو إنجاز متعلق القسم أو المحلوف عليه من فعل أو ترك وكذبه ترك إنجازه، أو عصيانه، وهذا الصدق والكذب منوط باختيار المكلف المقسم. فان أنجزه صدق وإلا كذب. ومن هنا يمكن التعبير: انه يجب على المقسم جعل قسمه صادقاً. أي منجزاً ومنفذاً ومطاعاً.
ثم ان متعلق القسم الإنشائي(1) بصفته فعلا اختيارياً للفاعل. يتصف لا محالة بأحد الأحكام الخمسة المشهورة في الشريعة. حيث نعلم انه (ما من واقعة إلا ولها حكم) وهو الوجوب والاستحباب والإباحة والكراهة والحرمة.
فإن أقسم على الواجب تأكد وجوبه. ويجب أن يأتي به بقصد الوجوب الأصلي ليجزئ عن كلا الوجوبين، وان أتى به بقصد إنجاز القسم لم يجزأ
ــــــــــــــــــــ[37]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) وهو الذي نبحث هنا ويعتبر من الملزمات الشخصية التي ذكرناها في عنوان هذا الكتاب الفقهي.
عن كليهما.
وان أقسم على المستحب تحول إلى الوجوب وان بقيت المطلوبية الأصلية للاستحباب. وله عند الإنجاز أن ينوي الوجوب الناتج من القسم أو الاستحباب الأصلي. إلا إذا قصد بالقسم الآتيان بالمستحب بما هو مستحب فيتعين قصد الاستحباب ليسقط وجوب القسم.
وإن أقسم على المباح وجب، فان لم يكن عبادياً أتى به بأي وجه كان. ان كان عبادياً ولو باعتبار تعلق النذر به كذلك أتى بما قصده.
إلا ان هذا القسم يتوقف على عدم اشتراط الرجحان في متعلق القسم، كالنذر، فان النذر كما سيأتي لا ينفذ ولا يصح إلا في الراجح. فان كان القسم مثله لم ينفذ في المباح. إلا ان الصحيح فقهياً بخلافه، فينفذ به القسم لا محالة.
وإن أقسم على الإتيان بالحرام، فمن الواضح لغوية القسم وعدم نفوذه لسبق التحريم الشرعي.
والروايات ناطقة بعدم نفوذ اليمين التي تحلل الحرام أو تحرم الحلال. وإنما الكلام فيما لو أقسم على المكروه. فهل ينفذ أو لا؟ فقد يقال: بأننا وان لم نشترط في متعلق القسم أن يكون راجحاً ولكن لا أقل من ان لا يكون مرجوحاً. فلو كان مرجوحاً لم ينفذ والمكروه مرجوح، فلا يكون القسم فيه نافذاً.
ولعل هذا هو الأرجح. إذ بالرغم من أن مقتضى الإطلاقات الأولية الدالة على وجوب متعلق القسم، هو الشمول للمرجوح. إلا ان بعض الروايات دالة على مثل قوله(1): إذا رأيت خيراً من يمينك فدعها. وهذا يكون فيما إذا كان
ــــــــــــــــــــ[38]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) أخرجها في الوسائل كتاب الأيمان باب 18.
المتعلق مرجوحاً بالأصل أو أصبح كذلك بالعارض. وقوله: دعها واضح في جواز الترك وعدم وجوب الإنجاز.
فان قيل: ان هذه الأخبار وان كانت متعددة إلا أنها لا تخلو جميعاً من الخدشة في إسنادها فلا تكون حجة. قلنا: ان المتبع عندئذ هو أصالة البراءة من وجوب إنجاز متعلق القسم المرجوح.
فان قيل: ان هذا الأصل لا يجري باعتبار محكوميته للإطلاقات الدالة على الوجوب، كما ذكرنا. قلنا: أولا: ان هذه الإطلاقات لا وجود لها حقيقة. وإنما تذكر كحلقة في الجدل بقصد الإلزام ليس إلا. وثانياً: ان الروايات الدالة على عدم الوجوب متعددة إلى حد الاستفاضة فتكون حجة. وبها تقيد تلك الإطلاقات ان وجدت.
وينقسم أيضاً متعلق اليمين إلى ما كان متعلقاً بفعل النفس يعني نفس المتكلم المقسم. والى ما كان متعلقاً بفعل الغير. والأخير اما ان يكون بشكل الخطاب أو ضمير المخاطب، واما ان يكون بشكل الضمير الغائب. فالأول ان يقول: والله لأفعلن، والثاني ان يقول: والله لتفعلن، والثالث ان يقول: والله ليفعلن.
والشكل الأول هو الصحيح والواجب التنفيذ، شرعاً. بل في عصيانه محاولة لهتك اسم الله سبحانه فيكون من أعظم المحرمات.
واما الشكل الثاني، ويسمى يمين المناشدة. لأنه يقال فيه عادة: ناشدتك الله لتفعلن. والشكل الثالث… كلاهما لا يجب تنفيذه لا على المتكلم ولا على الآخر: المخاطب أو الغائب. لأن المتكلم لم يقسم لنفسه والآخر لم يقسم لنفسه. فلا يجب على أي منهما تنفيذ هذا القسم.
واليمين الذي تجب فيه الكفارة إنما هو اليمين الذي يتعلق بفعل المتكلم،
ــــــــــــــــــــ[39]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
والذي سميناه بالإنشائي. على ان لا يكون متعلقه مرجوحاً كما سمعنا سواء كان راجحاً أو لم يكن.
وكفارته كفارة مرتبة بمعنى انه لا يتعلق التكليف بالمتأخر إلا بعد تعذر المتقدم. وهي عتق رقبة، فان لم يستطع فصيام شهرين متتابعين. فان لم يستطع فإطعام عشرة مساكين مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ(1).
إلى غير ذلك من أحكام اليمين.
ومن الناحية اللغوية فالقسم لابد في نفوذه الشرعي من استعمال أدوات القسم المتعارفة وأشهرها الواو وهي الأوسع استعمالا في أشكال القسم. ولعلنا نمثل لذلك فيما يلي.
ومن أدوات القسم الـ(باء) و الـ(تاء) و الـ(لام). ومنها بعض الألفاظ كعمر- بسكون الميم- وأيم وحق. والظاهر انعقاد اليمين بها وان خلت من تلك الحروف مع قصد اليمين.
تقول: بالله وتالله وعمرو الله ولعمرو الله وأيم الله وحق الله وبحق الله.
ومما ينبغي في القسم ألا تتوسط كلمة اعتيادية بين الاسم المقدس وأداة القسم مما لا يراد به القسم. كقولنا وحق الله نريد به المعنى اللغوي للحق. أو قولنا: وعظمة الله أو بعظمة الله. إلى غير ذلك. والمهم هو أن يكون الاسم الدال على الذات المقدسة داخلا على الأداة دون غيره.
ــــــــــــــــــــ[40]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المائدة: 89.
فصل النـــــــــذر
يحتاج النذر أولاً إلى التعرف على معناه اللغوي:
قال ابن منظور: النذر: النحب – بفتح النون وسكون الثاني – وهو ما ينذره الإنسان فيجعله على نفسه نحباً واجباً، وجمعه نذور… وقد نذر على نفسه لله كذا ينذر وينذُر نذراً ونذوراً… وفي التنزيل العزيز: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا قالته امرأة عمران أم مريم. قال الأخفش: تقول العرب نذر على نفسه نذراً ونذرت مالي فأنا أنذره نذراً.
أقول: والمادة هنا ثلاثية وهي غير الرباعي: أنذر بمعنى حذّر ومنه قوله: من أنذر فقد أعذر. وقوله تعالى: فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ.
وقال في مادة نحب: والنحب النذر تقول منه: نحبت أنحُبُ بالضم، ثم يعطي له عدداً من المعاني لا تجتمع تحت مفهوم واحد. كالخطر العظيم والمراهنة والهمة والبرهان والحاجة والسعال والموت. ومن هذا الأخير قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ. ويفسره عن محمد بن إسحاق قال: فرغ من عمله ورجع إلى ربه. هذا لمن استشهد يوم أحد… وقيل فمنهم من قضى نحبه أي قضى نذره كأنه ألزم نفسه ان يموت فوفى به. إلى آخر ما قال.
وأوضح إشكال يرد على مثل هذه البيانات اللغوية هو: الدور. إذ يفسر النذر بالنحب ويفسر النحب بالنذر. فيتوقف فهم أحدهما على فهم الآخر وبالتالي لا يفهمان معاً.
ــــــــــــــــــــ[41]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
بل الأمر أكثر من ذلك لأنه فسر النذر بالنحب. وأعطى للنحب معان كثيرة من باب الاشتراك اللفظي. فلنا أن نتساءل: ان النذر بأي معنى من معاني النحب تلك. فان أجاب: بمعنى النحب الذي هو النذر رجعنا إلى النذر مرة أخرى. فيوقف فهم النذر على فهم نفسه. وبالتالي لا يوجد أي فهم له. ولولا ما تحدث به عرضاً من الأمثلة وغير لما تحصل لنا أي معنى.
ويبدو ان النذر في اللغة هو إلزام النفس بعمل معين. واما من الناحية الفقهية، فيحتاج هذا الإلزام إلى سبب. وقولي: ألزم نفسي بكذا أو سأفعل كذا بكل تأكيد، لا يكون حجة ولا نافذاً والسبب شرعياً وفقهياً هو أحد هذه الأمور الثلاثة التي نحن بصددها والتي سميناها بالملزمات الشخصية. اليمين والنذر والعهد. وكلها تنتج إلزام النفس. إذن فالنذر بهذا المعنى عام لكل هذه العناوين، بصفتها حجة مؤثرة في ذلك شرعاً.
ولكن النذر فقهياً أخص من ذلك، وأصغر دائرة، لأننا نشعر باستقلاله الذاتي والمفهومي عن العهد واليمين.
والتفريق بالأساس ناشئ من اللفظ المستعمل في إلزام النفس فان استعمل الفرد أحد أسماء الله سبحانه كان قسماً وان استعمل لفظ النذر كان نذراً وان استعمل لفظ العهد كان عهداً.
وإذا دققنا في الفرق بين هذه العناوين وجدنا ان القسم مستقل بمفهومه لأنه مما يستعمل به أداة القسم مع أحد الأسماء الحسنى وكلاهما لا وجود له في النذر والعهد. وهذا واضح.
اما الفرق بين النذر والعهد، بغض النظر عن الألفاظ، فلا وجود له. لأنهما معاً إلزام للنفس تجاه الله تبارك وتعالى. فلابد في التفريق بينهما من أخذ الألفاظ بنظر الاعتبار. ومن الممكن القول عندئذ: ان الفرد ان استعمل لفظ العهد كان عهداً وإلا كان نذراً.
ــــــــــــــــــــ[42]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وهذا معناه ان النذر غير منوط بلفظه فلو قال: نذر لله أو قال: لله عليّ كان نذراً. بخلاف العهد فانه منوط بلفظه.
ولا يوجد من أحكام النذر ما يناسب هذا الكتاب إلا ثلاثة أمور هي اشتراط الرجحان في المنذور أو متعلق النذر وكونه مما يصح فيه التعليق مع الإشارة إلى كفارة حنث النذر وعصيانه.
اشتراط الرجحان:
بينما لم نشترط الرجحان في القسم، وإنما مجرد عدم المرجوحية. لكننا نشترط ذلك في النذر، وعليه مشهور الفقهاء: بل خصه جماعة بالعبادة، فلو نذر غير العبادة لم تنفذ ولا يجب تنفيذه.
وعليه صحيحة أبي الصباح الكناني(1) قال: سألت أبا عبد الله عن رجل قال: عليّ نذر. قال: ليس النذر شيء حتى يسمى شيئاً لله صياماً أو صدقة أو هدياً أو حجاً.
واهم ما تدلنا هذه الصحيحة عليه أمران:
الأمر الأول: اقتران النذر بكونه لله عز وجل. فلو لم يكن كذلك لم ينفذ ولو كان بلفظ النذر. بل لو ترك لفظه وقال: لله عليّ كذا نفذ. ويسمى نذراً. إلا انه يكون نذراً بالحمل الشائع لا بالحمل الأولي، باصطلاح المنطق.
الأمر الثاني: اشتراط الرجحان في متعلق النذر. من حيث انه ذكر كل الأمثلة له من العبادات. ومن هنا قال بعض الفقهاء باختصاص النذر بها. ولكن مع التجريد عن الخصوصية لكل راجح ديني بل لكل راجح دنيوي، لا يمكن الفتوى بصحة النذر مع كون متعلقه متساوياً أو مباحاً. واما الراجح مما ليس
ــــــــــــــــــــ[43]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الوسائل كتاب النذر والعهد باب 1 حديث 2.
بعبادة فتشملها الصحيحة مع شمولها للإطلاقات أيضا. وانه: إذا قال لله عليّ كذا كان نذراً.
وقد يقال: انه مع وجود الإطلاقات، فإنها تشمل صورة التساوي أيضا، فيصح فيها النذر. ومجرد التمثيل لا يصلح مقيداً إلا بحسب مفهوم الوصف الذي لا نقول به.
وجواب ذلك من وجهين:
الوجه الأول: ان هذه الأمثلة ليست من باب مفهوم الوصف، لعدة قرائن منها: كونها متعددة، فلو كان النذر في المباح جائزاً، ونافذاً لذكر بعض الأمثلة منه. إذن فاختصاص الأمثلة بالراجح له إطلاق مقامي يخصه بها.
الوجه الثاني: ان مفهوم الوصف وان لم يكن حجة، إلا ان العبارة تحتوي على مفهوم الحصر. ومن الواضح ان متعلقه هو مجموع الصفتين: كونه لله وكونه راجحاً. وهذا هو الصحيح.
التعليق في النذر:
قسم الفقهاء النذر إلى أقسام:
القسم الأول: النذر للشكر، كما لو قال الفرد: إذا رزقت ولداً تصدقت بكذا.
القسم الثاني: النذر لدفع البلاء، كما لو قال الفرد: إذا برئت من المرض تصدقت بكذا.
وقد يدرج هذان القسمان في قسم واحد وسماه بنذر البر.
القسم الثالث: النذر للزجر. ويراد به كف نفسه عن بعض الأفعال الدنيئة أو الرديئة. كما لو قال الفرد: ان فعلت كذا فلله عليّ كذا.
ــــــــــــــــــــ[44]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
القسم الرابع: التبرع بالنذر. وهو ما لا يكون منوطاً بشيء، كما لو قال الفرد: لله عليَّ كذا.
وهذه الأقسام تجرنا عن الحديث في عدة أمور:
الأمر الأول: ان عدداً من هذه الأقسام قد وقع فيها النذر جواباً للشرط، وهو المقصود بالتعليق فقهياً وقد منعه الفقهاء في سائر المعاملات كالبيع والإجارة، إلا ان في هذا الباب ممكن بكل تأكيد، كلما في الأمر ان التعليق هنا هل هو بنحو الواجب المشروط أو بنحو الواجب المعلق على ما هو المصطلح عليه في علم الأصول؟ فإن كان بنحو الواجب المعلق كان وجوبه فعلياً يعني من حين إنشاء النذر والواجب معلقاً على شفاء المرض مثلا، وان كان بنحو الواجب المشروط كان الوجوب نفسه مؤجلا إلى حين تحقق الشرط فضلا عن الواجب الذي هو التصدق.
إلا ان هذا الفرق نظري وليس عملياً غالباً إذ لا أثر له عادة. فمن يقول بإمكان الواجب المعلق أمكنه أن يقول به هنا. ومن يقول باستحالته فلابد ان يرجع العبارة إلى الواجب المشروط. وعلى أي حال فظاهر العبارة دائماً أقرب إلى الواجب المعلق لأنه يقول (لله عليّ) أي من الآن. وهذا معناه فعلية الوجوب ثم يقول (إذا شفيت تصدقت بكذا). وهذا معناه تأجيل دفع الصدقة بعد الشفاء، وهو معنى التعليق في الواجب دون الوجوب.
واما إذا قال: إذا شفيت فلله عليَّ كذا فقد أعاد الشرط للوجوب نفسه فيكون على شكل الواجب المشروط.
الأمر الثاني: ان القدر المتيقن من التعليق في النذر هو التعليق على الأمور المقصودة منه، كشفاء المريض وعود المسافر ونحوه. واما التعليق على أمور خارجية على غرار التعليق في سائر المعاملات والذي سمعنا كونه ممنوعاً فلا يبعد كونه ممنوعاً في النذر أيضا.
ــــــــــــــــــــ[45]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
ومثاله: ان يجعل الفرد نذره مشروطاً بأمرين أحدهما مقصود وهو الشفاء والآخر غير مقصود كقدوم المسافر صدفة، ومثاله الآخر ان يجعل نذر التبرع منوطاً بشيء غير مقصود. فكل ذلك مخالف للاحتياط ومقتضى أصالة البراءة من الوجوب عدم نفوذه.
ولا يقال: انه إذا أمكن التعليق في شيء في النذر أمكن في كل شيء. وجوابه: ان القدر المتيقن في جواز التعليق في النذر هو التعليق في الأمور المقصودة. واما التعميم إلى الأمور غير المقصودة فيحتاج إلى شكل من أشكال التجريد عن الخصوصية وهذا التجريد إنما يكون ممكناً مع عدم احتمال الفرق بين الموردين. واما مع وجود هذا الاحتمال فلا. ولا شك ان الاحتمال العرفي قائم في الفرق بين الأمور المقصودة وغير المقصودة، فيكون التجريد عن الخصوصية متعذراً.
الأمر الثالث: انه من الناحية الأخلاقية يمكن ان يقال ان الصدقة المنذورة أو أي طاعة أخرى، ان اشترطها الفرد بشرط مقصود من جلب نعمة أو دفع بلاء فحصل مقصوده فذلك هو ثوابه عند الله ولا يستحق ثواباً آخر غيره.
وبتعبير آخر: ان الفرد الناذر قد عين ثوابه بنذره نفسه ولم يجعله منوطاً بمشيئة الله تبارك وتعالى، بل عينه بشفاء مرضه أو قدوم ولده. فإذا رزق ذلك لم يستحق أكثر منه.
وقد يخطر في الذهن: ان الصدقة تكون بعد الشفاء فكيف يكون الشفاء ثواباً لها أو جزاءاً عليها. وإنما الثواب متأخر عن الطاعة فيكون ذلك دليلا على وجود ثواب آخر غيره، وهو المطلوب. وجوابه: أننا ان نظرنا إلى سعة رحمة الله سبحانه لم نستبعد كثرة الثواب. إلا ان الفرد من حيث الاستحقاق ينحصر حقه فيما طلب. ولا فرق عند الله بين ان يكون الثواب متقدماً عن العمل، بعد ان يكون الله سبحانه وتعالى قد علم وجود الطاعة في ظرفها وزمانها فان
ــــــــــــــــــــ[46]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الماضي والمستقبل منذ كان في أمد اللانهاية الذي تستوعبه الرحمة الإلهية.
الأمر الرابع: لابد لنا هنا من كلمة حول نذر الزجر وقد تردد به المحقق الحلي أولاً ثم صححه ثانياً.
والإشكال فيه من ناحيتين:
الأولى: انه منوط بفعل اختياري بخلاف غيره فانه منوط بأمر خارج عن الاختيار، كالشفاء مثلاً.
الثانية: انه لم يرد في الأخبار مثله وهو خارج عن القدر المتيقن من صور النذر الاعتيادية لاحتمال الفرق بينهما. ولا أقل من الالتفات إلى الناحية الأولى التي ذكرناها.
إلا انه يمكن التمسك بالإطلاقات الدالة على انه كلما جعل الفرد لله في ذمته شيئاً فقال لله عليّ كان نذراً واجباً. بغض النظر عن الشرط الذي يذكره اختيارياً كان أم لم يكن. ومن هنا يرجح القول بنفوذ نذر الزجر ولا أقل من الاحتياط الوجوبي فيه.
يبقى التساؤل عن ان نذر الزجر هل يحرم الفعل الاختياري المذكور فيه؟ وجوابه: على مقتضى القاعدة هو جريان البراءة من هذه الحرمة كلما في الأمر ان الفرد يريد ان يحمل على نفسه ثقلا أصعب من الفعل المقصود فإذا شاء له الهوى ان يفعله وجب عليه الأمر المنذور. وهذا كل ما في الأمر بمعنى عدم الدليل على حرمة ما شرطه.
كما يمكن التمسك بإطلاق ما دل على عدم نفوذ النذر الذي يحلل حراماً أو يحرم حلالا، فيكون المورد صغرى وتطبيقاً له، ان قلنا ان الفعل المشروط يكون حراماً مع كونه مباحاً في الأصل في الشريعة فيكون هذا الإطلاق دالا على عدم حرمته بالنذر.
ــــــــــــــــــــ[47]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فصل العهــــــــــد
هو ان يقول: عليَّ عهد الله أن أفعل كذا. وقد يسمى نذراً إذا أخذنا النذر بمعنى مطلق الإلزام للنفس.
وليس هناك من حديث زائد على ما سبق بعد الذي عرفناه في اليمين والنذر. فهو لا يصدق ولا يصح في فعل الغير كما لو قال: علي عهد الله أو عليه عهد الله ان يفعل كذا… ونحو ذلك من التعابير.
كما ان مقتضى القاعدة عدم نفوذه مع التعليق على الأمور غير المقصودة بل على الأمور المقصودة أيضا. فان كان لدى الفرد شيء من ذلك فالأحوط صياغته بصيغة النذر لا العهد.
ومن المعلوم هنا أيضاً ان العهد لا يكون نافذاً إلا ان يقترن بالله سبحانه. ومن هنا نعرف ان الملزمات الشخصية بكل أشكالها، إنما تكون ملزمة إذا اقترنت بالله عز وجل. وقد يكون قوله تعالى وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا عاماً لها جميعاً أو خاصاً بهذا القسم الذي نتحدث عنه الآن باعتبار استعمال لفظ العهد في الآية الكريمة.
كل ما يمكن بحثه في هذا الفصل، هو التساؤل عن إمكان تبديل الصيغة الاعتيادية للعهد بصيغة أخرى مشابهة لها في المعنى ومختلفة عنها في اللفظ، وذلك كأحد شكلين:
الشكل الأول: في إمكان تبديل لفظ الجلالة، بلفظ آخر من الأسماء
ــــــــــــــــــــ[48]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الحسنى. فبدلا ان يقول: عليَّ عهد الله يقول عليَّ عهد الرحمن الرحيم أو غيرها من الأسماء الدالة على ذاته.
ونقطة الصعوبة فيها كونها غير متعارفة بين الناس. وإلا فمقتضى الاحتياط نفوذها، ومن المعلوم ان (عهد الله) المذكور في الآية الكريمة لا يعني استعمال لفظ الجلالة، بل كل عهد مسند إلى ذاته المقدسة سبحانه، فتكون شاملة لمحل الكلام. وكونها غير متعارفة لا يعني شيئاً من الناحية الفقهية.
الشكل الثاني: في إمكان تبديل الألفاظ الأخرى المستعملة في الصيغة كالعهد نفسه إلى ألفاظ أخرى مرادفة باللغة العربية كالميثاق أو نطقه باللهجة الدارجة أو بغير العربية.
ومقتضى القاعدة الجواز والنفوذ على أي حال، مع الالتفات إلى كونه مصداقاً على أي حال للآية الكريمة عرفاً.
ــــــــــــــــــــ[49]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
كتاب الأطعمة والأشربة
ــــــــــــــــــــ[51]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
تمهيد
لابد من الإلماع أولاً إلى ان الأسلوب التقليدي، والذي يدل عليه ترتيب المحقق الحلي للشرائع هو تقديم الصيد ثم الذباحة ثم الأطعمة ثم الأشربة. مع وجود خلاف جزئي في توحيد العنوان بين الصيد والذباحة أو عزل كل منهما في كتاب.
إلا أننا نرى ان الأرجح تقديم الأطعمة والأشربة وتأخير الصيد والذباحة لأن الحديث عن الموضوع متقدم عن الحديث عن الحكم أو المحمول. والموضوع في الصيد والذباحة هو الحيوان والبحث عن ذلك فيما يجوز أكله وما لا يجوز إنما هو مبحوث في كتاب الأطعمة والأشربة. فأصبح هذا الكتاب بمنزلة الموضوع وكتاب الصيد والذباحة بمنزلة المحمول، فكان ترتيبهما كما اقترحناه، ومن هنا قدمنا الحديث عن الأطعمة والأشربة فعلا.
واما الفصل بين الموضوعين: الصيد والذباحة أو الأطعمة والأشربة، في كتاب مستقل، فهذا راجع إلى كل مؤلف بحياله واستقلاله. وما هو مربوط بهذا الكتاب لا نحتاج إلى أكثر من توحيد الموضوعين في كتاب فقهي واحد، مع إفراد كل منهما بفصل مستقل. وكذلك الأطعمة والأشربة.
ــــــــــــــــــــ[53]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فصل صيد البحر وطعامه
قال الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ، ولابد في الحديث عن ذلك، بحيث تنكشف الجوانب الفقهية الرئيسية المربوطة بهذا الكتاب. من الحديث في عدة جهات:
الجهة الأولى: في محاولة فهم الآية الكريمة.
واهم ما في الآية مما نحن في صدده هو معنى الصيد ومعنى الطعام المذكورين فيها والفرق بينهما وفي ذلك عدة احتمالات:
الاحتمال الأول: ان يراد بالصيد عملية الصيد نفسها أو الاصطياد، ويراد بالحلية جوازها الشرعي ويراد بالطعام كل ما استخرج من البحر مما يكون قابلا لأكل البشر.
الاحتمال الثاني: ان يراد بالصيد الحيوان المصطاد، لا عملية الصيد نفسها، وهو الأظهر عرفاً من الآية الكريمة. ومن قرائن ذلك عطف الطعام عليه. إذ ان وحدة السياق بينهما يقتضي وحدة النوع بينهما فإذا كان معنى الصيد بمعنى الاصطياد كان النوع مختلفاً فيتعين حمل الصيد على الحيوان المستخرج بالصيد.
ويراد بالحلية عندئذ حلية أكل لحمه. ويراد بالطعام الأمور الأخرى القابلة
ــــــــــــــــــــ[54]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
لأكل البشر مما قد يكون موجوداً في البحر.
الاحتمال الثالث: ان يراد بالصيد خصوص الحيوان القابل للاصطياد عرفاً دون غيره. ومثال ما لا يكون قابلا الصيد، تلك الأحياء التي لا تكون قابلة للسباحة وإنما هي مربوطة بقعر الماء. واما المراد من الحلية ومن الطعام فكما قلنا في الاحتمال السابق.
الاحتمال الرابع: ان يراد بالصيد خصوص ما يجوز أكله فعلا من أحياء البحر: يعني بلحاظ الأدلة الأخرى الواردة بهذا الصدد لا مطلق ما يصدق عليه الصيد عرفاً. ويكون معنى الحلية والطعام ما سبق.
الاحتمال الخامس: إننا أي شيء فهمنا من معنى الصيد كان معنى الطعام شاملا للباقي من موجودات البحر. فمثلا مع الاحتمال الثالث يكون المراد من الطعام نباتات البحر مع الأحياء الأرضية فيه. ومع الاحتمال الرابع يكون المراد من الطعام، مضافاً إلى ما قلناه كل ما لم يدل الدليل على حليته فعلا كالسمك الذي ليس فيه قشور.
الاحتمال السادس: ان يراد بالطعام نفس ما أريد بالصيد. فيكون عطفاً تفسيرياً عليه، من باب ان الحيوان المصطاد لا شك في انه مأكول لحمه فيكون جزءاً من بعض الطعام.
وقد توجد احتمالات أخرى في هذين اللفظين لا حاجة إلى استيعابها، والمهم ان القريب إلى الذهن العرفي في فهم الصيد هو الحيوان الذي يكون قابلا للاصطياد عرفاً لا عملية الصيد ولا الحيوان الذي لا يكون قابلا له. كما ان الظاهر من الطعام عرفاً هو ما لا يكون حيواناً عرفاً وان كان قد يكون حيواناً بالفهم العلمي الحديث.
والقرينة على ذلك: هو مقابلته للصيد الذي هو من جنس الحيوان،
ــــــــــــــــــــ[55]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
والعطف دليل على المغايرة، فيتعين ان يكون الطعام من غير جنس الحيوان. ولعل في هذا الاختيار احتمالا آخر غير الاحتمالات الستة السابقة.
وعلى أي حال، فلا شك ان في الآية الكريمة إطلاقاً واسعاً شاملا لكثير من الحيوانات البحرية التي ثبت تحريمها بالأدلة الأخرى. إلا أنها على أي حال ستكون هي المرجع الرئيسي عند الشك في الحلية في شيء من موجودات البحر وستؤدي بنا إلى الحلية بطبيعة الحال. مضافاً إلى إمكان التمسك بآية أخرى بهذا الصدد وهي قوله تعالى خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا. على ان نفهم من الأرض مجموع الكوكب لا سطحه كما هو الراجح. فيكون البحر جزءاً منه بطبيعة الحال وتكون الآية دالة على حليته بالعموم ما لم يخرج بدليل محرم.
هذا، ولو تنزلنا عن كل ذلك كانت أصالة الحل فيما شك بتحريمه كافية للفتوى بالجواز في تناول موجودات البحر المشكوكة الحلية.
الناحية الثانية: في محاولة استعراض ما هو محرم من موجودات البحر أو يحتمل تحريمه فقهياً وهو على أقسام.
القسم الأول: السمك الخالي من الحراشف أو الفلوس ويراد بالسمك هنا ما كان سمكاً عرفاً وان لم يكن سمكاً في علم الحيوان. فالحوت الأزرق سمكة عرفاً. والمهم في وصف السمكة عدة أمور:
أولا: أنها سابحة في وسط الماء، وليس وطنها قعره ولا ظهره.
ثانياً: ان فيها عظاماً ناتئة على بدنها ولا اقل من الذيل العريض في مؤخرتها.
ثالثاً: الشكل البيضوي المفهوم عرفاً بحيث يكون العريض عند نهاية الرأس والدقيق عند الذيل.
ــــــــــــــــــــ[56]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وهذه الأوصاف تشمل السمك الذي له حراشف وغيره كما تشمل ما كان قاتلا وغيره.
كما تسقط من نظر الاعتبار حجم السمكة فلو كان ضخماً جداً أو صغيرة جداً بحيث لا ترى بالعين المجردة فهي سمكة على أي حال، ما لم تخرج عن أحد هذه الأوصاف كأن تكون علقة مثلا.
فالمهم هنا ان السمك الذي ليس له حراشف يحرم أكله.
القسم الثاني: سباع البحر وهو ما يكون معتدياً وقاتلا للإنسان في نوعه وان كان قد لا يكون معتدياً لصغره أو مرضه.
ولاشك ان السباع في البر والجو محرمة ولم ينص عليها في البحر بخصوصه(1) إلا انه يمكن فهمها من بعض الإطلاقات أو بالتجريد عن الخصوصية وعلى أي حال فحليتها مخالف للاحتياط الوجوبي.
وسباع البحر قد يكون سمكاً غير ذي فلس كالقرش بكل أنواعه وقد لا يكون سمكاً كالتمساح والإخطبوط.
ومن الطريف ان لا نجد في السمك الذي له حراشف ما هو قاتل بل كلها من الأسماك المسالمة، وهذا من حكمة الشريعة في ان تنص لنا على جواز ما لا يتصف بهذه الصفة. مع العلم ان هذا الأمر كان في علم الغيب في الوضع الاجتماعي في صدر الإسلام.
هذا ولا نريد بسباع البحر ما يعيش على اللحم لأن اغلب السمك يعيش على السمك حتى ما هو يقيني الحلية فيها. ولذا قلنا إننا نريد بالسبع ما كان معتدياً على الإنسان أو ما كانت فيه طبيعة القتال. وليس مجرد كونه قاتلا لغيره
ــــــــــــــــــــ[57]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) ولكنها مشمولة للإطلاق مثل قوله في موثقة سماعة (يا سماعة السبع كله حرام) الأطعمة باب 3 حديث 3.
من السمك لطعامه.
القسم الثالث: مما هو محرم من موجودات البحر: كلب البحر وهذا الاصطلاح وان كان خاصاً في علم الحيوان بنوع معين من الفقمة. إلا انه بالفهم العرفي أو بالتجريد عن الخصوصية. لابد من تعميم الحكم بالحرمة إلى كل ما كان في جنسها وشبيهاً لها.
والحكم بكونه شبيهاً أو غير شبيه يعود إلى العرف الممارس لذلك، إلا أننا يمكن ان نعطي لها بعض الصفات المشتركة المتميزة.
أولاً: انه حيوان لاحم بمعنى ان جسمه يبدو كقطعة لحم واحدة ولينة نسبياً.
ثانياً: ليس لها ما للسمك من عظام ظاهرة وإنما لها نتوءان بمنزلة اليد وذيل عريض.
ثالثاً: هي من الحيوانات البرمائية تكون بطيئة في السير على وجه الأرض، في حين تبدو سرعتها كبيرة في داخل الماء.
القسم الرابع: ما كان مضراً استعماله أو أكله من موجودات البحر سواء كانت حيواناً أو غيره.
القسم الخامس: ما كان مقززاً عرفاً وباعثاً على الكراهية له في الذوق العام، طبقاً لقوله تعالى وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ بعد فهم ما كان مقززاً نوعاً منها سواء كانت بحرية أو أرضية.
ولا يراد بالمقزز ما كان كذلك في منظره أو شكله الخارجي أو كان مروعاً ومخوفاً. وإنما يراد به ما كان مقززاً في طعمه أو رائحته ونحو ذلك.
القسم السادس: حشرات البحر فان كل حشرة حرام، بحرية كانت أم برية
ــــــــــــــــــــ[58]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
أم جوية. عدا ما استثنى. وهذا الحكم وان لم يثبت بوضوح في الكتاب والسنة. إلا انه يمكن الاستدلال عليه بعدة أدلة، منها: الإجماع وسيرة المتشرعة، وكذلك الأدلة التي ذكرت تحريم بعض الحشرات بعد تجريدها عن الخصوصية وتعميمها لكل الحشرات.
ولا نريد بالحشرة ما كانت كذلك في علم الحيوان، بل ما يصدق عليها عرفاً هذا الاسم وليس لشكلها ولا لحجمها مقدار معين يمكن ضبطه وإنما المهم هو الصدق العرفي. نعم، لا يبعد ان تكون الجراثيم باعتبار صغرها الشديد خارجة عن مفهوم الحشرة، كما ان الحيوانات الضخمة كبعض السحليات والديناصور لا يعتبر من الحشرات وان شابهته الحشرة الصغيرة في الخلقة أحيانا.
يندرج في ذلك من حشرات البحر الضفدع والسرطان وغيرها. ولا يخفى ان عنوان الحشرات لا ينطبق على السمك مهما كان حجمه ونوعه. ولكنه ينطبق على الأفاعي مهما كان حجمها ونوعها ومن هنا تكون أفاعي البحر مضافاً إلى أفاعي البر محرمة.
وتمتاز أفاعي البحر عن السمك بزيادة نسبة طولها إلى عرضها مضافاً إلى خلوها من الزعانف حتى في الذيل.
ولا يبعد ان تكون الأفاعي بعنوانها الذاتي محرمة بغض النظر عن كونها حشرة فلو لم يساعد العرف على صدق الحشرة عليها لضخامتها مثلا كان مجرد كونها أفعى كاف في تحريمها. وقد يشكل هذا قسماً سابعاً من الأقسام المحرمة من حيوانات البحر.
الناحية الثالثة: بعد أن عرفنا ما هو المحرم من حيوانات البحر أمكننا أن نلتفت إلى ما هو جائز منها.
ــــــــــــــــــــ[59]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وقد عرفنا ان مقتضى القاعدة العامة هو الجواز ما لم يثبت التحريم. دون العكس، وان كان ظاهر مشهور الفقهاء هو ذلك في ما يخص البحر.
ولا يخفى أننا لا نريد من البحر ما كان كذلك حقيقة. بل ما يشمله ويشمل سائر البقع المائية الراكدة أو الجارية على وجه الأرض. بما فيها الغدران والبحيرات والأنهار.
كما لا يخفى ان الاستفادة من موجودات الماء غير منحصرة بالأكل والشرب. بل يمكن استعمالها بأشكال أخرى كإطعامها للحيوانات أو تسميد النبات أو استخراج بعض المواد الكيمياوية التي تنفع في سائر الموارد.
ومن المنافع التداوي للأمراض. إلا ان حكم الدواء مشمول لحكم الطعام فما كان محرماً أكله حرم التداوي به ما لم يكن هناك ضرورة لدى الفرد ومع الضرورة يجوز التداوي، كما يجوز الأكل أيضا. فلا فرق من هذه الناحية بينهما.
وعلى أي حال، فالإشكال الفقهي ان كان حاصلا في مأكولات البحر فهو غير حاصل بالمرة في الاستفادات الأخرى منه، فإنها جميعاً واضحة الجواز فقهياً وشرعاً.
وفيما يخص الطعام والشراب يمكن أن نذكر الأقسام الجائزة في ما يلي:
القسم الأول: السمك الذي له قشر أو فلس بكل أنواعه.
القسم الثاني: السمك الذي له فلس حسب نوعه، ولكنه قد يسقط من جلده فيبدو وكأنه أملس، إلا أننا لو نظرنا تحت خياشيمه أو قرب ذيله لوجدنا قسماً منها. فيكون حلالا بهذا الاعتبار.
القسم الثالث: ما لا يندرج من حيوانات البحر في الأقسام المحرمة السابقة فانه لا أقل من ان يكون مشكوك الحرمة ومقتضى القاعدة جوازه كما سبق.
ــــــــــــــــــــ[60]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
القسم الرابع: ما يصلح من نبات البحر طعاماً للإنسان وان لم يكن هذا واضحاً إلى حد الآن، والمهم فقهياً استساغته ذوقاً وعدم ضرره.
القسم الخامس: ما يكون قابلا لأكل الإنسان من الجمادات وأوضحها الملح، وقد يوجد غيره وان لم يكن بهذا الوضوح أيضا.
القسم السادس: السوائل الموجودة في البحر وأوضحها الماء بعد تصفيته فانه لا شك في حليته. واما السوائل الأخرى الموجودة في الحيوان والنبات فهي تابعة في الحلية والحرمة للحيوان والنبات نفسه.
وهنا لا ينبغي ان نغفل الإشارة إلى ان بيض الحيوان البحري تابع لنفس الحيوان. وهذا معنى عام لكل موجودات البحر كجنين الحيوان الولود وورد النبات وثمراته وغير ذلك. فإنها جميعاً تابعة لأصولها.
والحيوانات البرمائية مندرجة ضمن الحيوانات المائية، فإنها تعتبر الماء موطناً لها كالسلحفاة والضفدع والتمساح وغيرها. كل ما في الأمر أننا لا نجد منها حيواناً محللا لأن منها ما هو سبع كالتمساح. ومنها ما هو حشرة كالضفدع. ومنها ما هو من السمك غير القشري. ومنها ما هو منصوص الحرمة أو قام الإجماع عليه كالسلحفاة. ومنها ما كان من نوع كلب البحر كالفقمة. وكلها من الأنواع المحرمة.
ــــــــــــــــــــ[61]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فصل حيوانات البر والجو
ينبغي هنا أن نبدأ بذكر الأقسام المحرمة حتى يصفو لنا الباقي محللا كما هو مقتضى القاعدة التي ذكرناها في الفصل السابق وليس العكس صحيحاً وهو حرمة ما شك في حليته. نعم، قد يبقى في بعض الأنواع المشكوكة شكل من أشكال الاحتياط الاستحبابي في الترك.
القسم الأول: السباع بكل أنواعها، ويتميز السبع بعدة مزايا:
أولاً: المخلب الحاد في أطرافه يعني يديه ورجليه.
ثانياً: أنياب حادة في فمه.
ثالثاً: ان غذاءه الرئيسي هو اللحم.
وليس المهم بعد ذلك حجمه ولا عمره. والصفة الرئيسية مما ذكرنا هو المخلب مع الشك فيه، كما لو كان نباتياً كالأرنب، فيكون محرماً.
وتتميز سباع الطيور بدلا عن الناب، بالمنقار القوي المعقوف نسبياً ولو قليلا.
القسم الثاني: المسوخ، وهي الحيوانات التي مسخ الله سبحانه بعض البشر على طبقها. وقد نص القرآن الكريم على القردة والخنازير. وأضافت الروايات عدداً آخر منها، كالضب والفأرة والفيل والخفاش والدب والعقرب والقنفذ والعنكبوت والوزغ.
ــــــــــــــــــــ[62]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وبعض هذه الروايات وان لم تكن صحيحة السند، إلا انه لا مجال لجريان أصالة الحلية في مثل هذه الحيوانات بعد التسالم على حرمتها.
القسم الثالث: نجس العين من الحيوانات وهي منحصرة في قسمين رئيسيين هما الكلب والخنزير مهما تنوعا واختلفا. والصفة الرئيسية لنجس العين هو توقف صحة الصلاة على التطهير منها لو لامس الثوب أو البدن برطوبة.
القسم الرابع: الإنسان فانه لا يجوز أكل لحمه مطلقاً بكل أقسامه وألوانه وأديانه حتى وان كان مهدور الدم فضلا عمن من يحرم قتله.
ولا يختلف في ذلك ما كان أكله متوقفاً على القتل أم لا كالقطعة الصغيرة من اللحم. كما لا يفرق بين نفس الإنسان وغيره. كما لا يختلف بين ان يكون من قبيل الجلد أو اللحم أو العظم أو الدم أو غيرها(1).
القسم الخامس: السحليات بكل أنواعها محرمة بلا إشكال. ولا أقل من التجريد عن الخصوصية من مفهوم الضب المحرم في السنة والإجماع فان السحليات جميعاً من جنسه عرفاً.
القسم السادس: القوارض فإنها محرمة جميعاً بلا إشكال. ولا أقل من التجريد عن الخصوصية عن بعض ما ورد في السنة وقام الإجماع عليه كالفأرة والقنفذ.
القسم السابع: المدرعات كلها وهي ذات العظم السميك على ظهرها أو
ــــــــــــــــــــ[63]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) كما يحرم من الإنسان أيضاً المواد المستخرجة كيمياوياً كالماء والملح والدهن أو بأي طريقة أخرى، وان أصبحت على شكل وجودها الطبيعي، كما يحرم منه فضلاته مطلقاً حتى الطاهرة منها على الأحوط، وان كان مقتضى الأصل كونه استحبابياً. نعم، لو استخرج بالتحليل من فضلاته الظاهرة ما يحل أكله أو شربه فلا اشكال فيه. والكلام عن الإنسان في هذا الهامش يعم كل هذه الأقسام المحرمة.
حولها. ولا أقل من التجريد عن الخصوصية عن مثل السلحفاة والتمساح(1).
ومن هنا يظهر انه لا فرق في الحرمة بين أقسامها البرية والمائية أو البرمائية.
القسم الثامن: الأفاعي بكل أقسامها وان لم تكن سامة.
القسم التاسع: ما شمله حكم ثانوي محرم، كالضرر. فما كان مضراً نوعاً كما لو أوجب أكل الحيوان التسمم أو المرض ولو أحيانا باعتبار ضعف صحة الآكل مثلا أو باعتبار وجود مواد إضافية في جسم الحيوان أحيانا. فانه يكون حراماً. إلا ان ذلك لا يعرف له مثال دائم بل يبقى مختلفاً باختلاف الأفراد.
الحيوانات المحللة:
وإذا عرفنا هذه الأقسام من المحرمات أمكن ان يصفو لدينا ما هو محلل أكله من الحيوانات. ولا اقل من جريان أصالة الحل أو التمسك بعموم قوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فيما كان مشكوكاً فيه في ذاته.
وعندئذ ففي الإمكان محاولة الاستقصاء لها ضمن الأقسام التالية:
القسم الأول: الأغنام بكل أقسامها وأحجامها. وأوضح تقسيم لها هو الماعز والضأن. ويتميز الماعز بالشعر والضأن بالصوف. وهو المصدر الوحيد للصوف في العالم على أي حال.
القسم الثاني: الأبقار بكل أنواعها. وأوضح تقسيم لها هو انقسامها إلى البقر الأهلي والوحشي والجاموس الأهلي والوحشي.
ــــــــــــــــــــ[64]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) وهذا الكلام لا يشمل المدرعات الحشرية يعني الحشرات المدرعة كالمحار ونحوه. لأنها ليست عرفاً من جنس تلك المدرعات الكبيرة. ولكنها حرام لكونها حشرات عرفاً. سواء كانت بحرية أو برية.
ولعل وحيد القرن وأضرابه وفرس النهر، مشابه لهذا القسم بالخلقة. إلا ان الفتوى بالحلية يبقى موقوفاً على المشابهة العرفية وهي منعدمة. غير ان مقتضى القاعدة هو الحلية باعتبارها حيوانات نباتية وليست سباعاً ذات مخالب.
القسم الثالث: الجمال أو الإبل بكل أنواعها. والتقسيم القديم لها عند الفقهاء: تقسيمها إلى: العراب والبخاتي. إلى تقسيمات أخرى كذي السنام الواحد والسنامين. والأهلي والوحشي. بل المظنون جداً ان حيوان اللاما والزرافة من قبيلها. واللاما واضح الخلقة والمشابهة. بحيث يصدق عليه انه جمل عرفاً، فيكون حلالا.
واما الزرافة فتبقى تحت الحلية باعتبارها حيواناً نباتياً، وليست سبعاً ذا مخلب.
القسم الرابع: الغزلان بكل أقسامها بما فيها الوعول الوحشية.
القسم الخامس: الخيل بكل أقسامها. وأوضح أقسامها: العربي والهجين والأجنبي. والمهم صدق الفرس على خلقة الحيوان فيكون لحمه حلالا. إلا ان الحكم بالكراهة عليه واضح فقهياً أيضا.
القسم السادس: البغال بكل أقسامها.
القسم السابع: الحمير بكل أقسامها. واما الوحشي المخطط فحليته تتوقف على صدق الحمار عليه عرفاً. وان كان مقتضى القاعدة هو الحلية بعد ان كان نباتياً وليس سبعاً.
كما لا يخفى ان الفتوى بالكراهة على أكل لحوم البغال والحمير واضحة فقهياً كالخيل. ولعل ذلك لكونها نافعة حال حياتها، فالتسبب إلى قتلها واكلها يحول دون ذلك.. أو لأي سبب آخر.
القسم الثامن: الحيوانات المجهرية غير المضرة كعدد من أنواع البكتريا
ــــــــــــــــــــ[65]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فإننا أشرنا ان الجراثيم عموماً ليست حشرات عرفاً، بل أصغر نوعاً منها، فلا تشملها الحرمة الشاملة للحشرات. نعم، ما كان منها قاتلا أو مضراً ضرراً معتداً به عرفاً، يكون تناوله حراماً.
القسم التاسع: الحشرات المستثناة من الحرمة: فإننا عرفنا ان الحشرات محرمة الأكل كلها برية كانت أو بحرية أو جوية. وعرفنا ان المهم صدق الحشرة على الحيوان عرفاً، سواء كانت كذلك في علم الحيوان أم لا.
ولكن القليل من الحشرات مستثنى من الحرمة. كالأربيان ويسمى بالروبيان في الدارجة. وهو عرفاً حشرة بحرية. والجراد وهو من الحشرات الطائرة وهو جائز بكل أنواعه لدى مشهور الفقهاء. والظاهر انه لا يوجد قسم آخر يجوز أكله من الحشرات.
هذا، وقد عرفنا فيما سبق ان المهم ليس هو تعداد الحيوانات المحللة، بعد أن عرفنا ان مقتضى القاعدة هو الجواز في كل حيوان شك في حرمة أكل لحمه. إلا إذا كان هناك دليل معتبر على الحرمة. وقد سبق ان عرفنا ما هو محرم، فيبقى الباقي على دليل الجواز.
غير أننا عرفنا وسنعرف المزيد في ان هناك حالات يصبح بها الحيوان المحلل محرماً. كما هناك حالات يصبح بها الحيوان المحرم محللا. فالأول: كالضرر والجلل. والثاني: كالضرورة والتقية. وسيأتي بعض التفصيل.
الطيور:
وللطيور ثلاث قواعد مضبوطة في معرفة حليتها وحرمتها. وهي كما يلي:
القاعدة الأولى: يحرم السبع من الطير. ويتميز بمخلبه الحاد، وهو الأساس فقهياً. فيبنى عليها مع الشك في الأخرى.
ــــــــــــــــــــ[66]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
كما يتميز بانعطاف منقاره ولو قليلا غالباً. كما يتميز بأن صفيفه أكثر من دفيفه. وسنتكلم عنه.
ومعنى هذه القواعد فقهيا أننا إذا شككنا في طائر انه سبع أم لا نظرنا له هذه العلامات. واما إذا أحرزنا كونه سبعا، فهو حرام، سواء كانت له هذه العلامات أم لا. وان كان ذلك لا يُعرف خارجاً. فان كل الطيور الجارحة تحتوي على إحداها لا محالة.
والمراد بالسبع هو الذي يعيش على اللحم غير السمك، بمعنى انه هو طعامه الأساسي. أو قل: هو الذي يصيد ويأكل. واما ما يأكل اللحم صدفة وأحيانا، مع كونه لا يهتم بالصيد أصلا. فهذا حاصل لكثير من الطيور، حتى ما هو محرز الحلية كالدجاج.
ولا يختلف في حرمة الطير السبع بين ان يكون من طيور البر أو من طيور البحر. وان لم يسم جارحا عرفا. غير ان الأغلب في طيور الماء انطباق القواعد الآتية عليها، فتكون حراما على كل حال.
القاعدة الثانية: يحرم من الطير ما يكون صفيفه أكثر من دفيفه. والمراد بالدفيف تحريك الجناح عند الطيران. وليس هناك طائر لا يحرك جناحه أصلا. إلا ان الإنسان مسؤول عن تمييز ما هو الأكثر من الدفيف والصفيف. فيحرم ما كان صفيفه أكثر، وهو عدم تحريك الجناح في الطيران. وهذا منظر مألوف في الطيور الجارحة وفي النوارس وفي اللقلق أيضا. إلا ان اللقلق يخفق حين يريد النزول. وهذا لا اعتبار به في التحليل.
والمهم شرعا هو زيادة الصفيف فان تساويا كان جائزاً من هذه الناحية. فان انطبقت عليه القواعد الأخرى كان جائزاً فعلا.
وهذه القاعدة الثانية مقدمة على القاعدة الآتية، بمعنى أننا يجب ان
ــــــــــــــــــــ[67]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
نلاحظها أولاً. فان كانت سبباً للتحريم، لم تكن القاعدة الآتية سببا للحلية. نعم، في مورد عدم انطباق هذه القاعدة. كما لو كان الدفيف أكثر أو كان لا يطير عادة كالدجاج، أو شككنا في أسلوب طيرانه ولم نعرفه. طبقنا القاعدة الآتية.
فما قاله السيد الأستاذ(1): فيحل ما كان دفيفه أكثر وان لم يكن له إحدى الثلاث (الآتية)… محل إشكال من أكثر من جهة.
أولاً: ان المهم في الحرمة هو كثرة الصفيف. فان تساويا جاز من هذه الناحية. وقد نص هو على ذلك. فكان الأنسب جعل العبارة هنا بحيث تناسب ذلك.
ثانيا: ان الطير الذي يكون دفيفه مساويا أو أكثر، لا يعني انه حلال فعلا، ما لم تنطبق عليه القاعدة الآتية. لا أن هذه القاعدة قائمة بذاتها، وإنما تعطينا علامة اقتضائية للحلية.
ومن الممكن القول تساوي القاعدتين على الطيور في الخارج أو قل: في العالم، كما سوف نشير. فلا يبقى هناك مورد مهم للخلاف من هذه الناحية.
القاعدة الثالثة: يحرم من الطير ما لا يكون له في خلقته شيء من هذه الصفات الثلاث: الحوصلة والقانصة والصيصة. ويجوز من الطير ما يكون له إحداها فضلا عن جميعها، وقد عرفنا قبل قليل ان هذا فيما يكون دفيفه أكثر من صفيفه أو مساوياً له أو مشكوك الحال. لا ما كان صفيفه أكثر ولا ما كان جارحاً من الطير فانه لا يراعي فيه ذلك. بمعنى انه لا يكون سبباً لحليته.
والحوصلة معروفة، وهي وعاء الطعام في داخل جسم الطير السابق على
ــــــــــــــــــــ[68]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) منهاج الصالحين: ج2 ص 377.
المعدة. فيدخل الطعام إليها أولاً ثم يذهب إلى المعدة. وهي بمنزلة الكيس اللحمي يكون في أسفل رقبة الطير أو قل: في أول صدره.
واما الصيصة فهي الشوكة أو الظفر الذي يكون خلف رجل الطائر خارجاً عن كف قدمه.
والقانصة فهي في الطير بمنزلة الكرش في غيره. بمعنى أنها معدته. وتتميز بأنها صلبة الجدران. وهي في الدجاج والبط ونحوها معروفة، فكل طير كان له مثل ذلك فهو حلال من هذه الناحية.
وقد عرفنا انه يكفي في حلية الطير وجود بعض أو إحدى هذه الصفات فيه وان لم تكن جميعها فيه.
يبقى الكلام في جهات يحسن لنا عدم إهمالها:
الجهة الأولى: في معنى الطير.
فإننا ان علمنا ان الحيوان طير عرفاً، فهو المطلوب. إذ يمكننا عندئذ ان نطبق القواعد الثلاث عليه. واما إذا شككنا في كونه طيراً أم لا. لم يجز لنا تطبيق هذه القواعد. بل يبقى مشمولا لقواعد أخرى. بل لعله يكون مشمولا لأصالة الحل.
وحسب فهمي فان الطير يتميز بعدة مميزات نعرفه باجتماعها بلا إشكال. واما في صورة تخلف بعضها، فسنرى الحال.
أولاً: ذو جناحين.
ثانياً: ذو منقار.
ثالثاً: ذو رجل خالية من اللحم عرفا، بما فيه الساق والأصابع، سواء اكتست رجله بالريش أم لا.
ــــــــــــــــــــ[69]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
رابعاً: يعلو بدنه الريش أو الزغب الذي لو كبر عرفاً لكان كالريش.
خامساً: كونه يتكاثر عن طريق البيض لا التوالد.
هذا. ويتخلف عن الصفة الأولى حيوان غير معروف في اللغة العربية، يسمى (كيوي) هو كالطير تماما. إلا انه خال من الجناحين. ويكسو جسمه ريش ناعم أو زغب.
ويتخلف عن الصفة الثانية الخفاش، كما هو متخلف عن الصفة الرابعة والخامسة أيضا. إذ يتصف بفم ويتوالد. وهو الوحيد من الطير الذي يكون كذلك. ولا نعرف طيراً يعيش في الماء بمعنى انه موطنه الأصلي. كما لا نعرف طيراً مدرعاً، فان وجود الدرع، وهو العظم الضخم القوي يمنع عن الطيران.
نعم، يشترط في الطير، مضافاً إلى الصفات الخمس السابقة ان لا يصدق عليه عرفاً كونه حشرة. ولا إشكال ان الحشرات الطائرة كلها ليست طيراً. ولا يبعد ان الحد الفاصل وجود رجلين أو أكثر فان كان له رجلان فقط فهو طائر. وإلا فهو حشرة.
ولا يهم بعد ذلك عمره ولا حجمه ولا تحمُّله للبقاء تحت الماء مدة وعدم ذلك. ولا طيرانه الفعلي أو عجزه عن الطيران كالدجاج والنعام. كما يعم مفهوم الطير: الجارح وغيره، ويعم الحمام والعصافير بكل أنواعها وحجومها. ويعم الوحشي وهو المتبعد عن الناس كالبومة والسنجاب الطائر.
وعلى أي حال فيطبق عليها جميعاً ما عرفنا من القواعد.
ولا يبقى من الأفراد المشكوكة. إلا الخفاش والحيوان عديم الجناحين الذي سمعنا عنه. اما الخفاش فلا يبعد كونه حشرة عرفاً. وأوضح قرينة على ذلك صوته أولاً وكونه ليس له دم عرفاً ثانياً.
ــــــــــــــــــــ[70]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وأما كونه يتوالد مع ان الحشرات تتكاثر بالبيض. فذلك لا يضر بصدق الحشرة عليه عرفاً. لأن من الحشرات العرفية ما يتوالد كسام أبرص والفار وغيرها.
وعلى أي حال لابد من الفتوى بحرمة الخفاش، للتسالم فقهيا على ذلك. يبقى عديم الجناح. فان كان طائراً بالرغم من هذه الصفة. أمكن القول بحليته. لأن له صيصة خلف قدمه وهو نباتي وليس سبعاً. كما ليس صفيفه أكثر من دفيفه لعدم الجناح عنده بالمرة. فتكون هذه القاعدة سالبة عنده بانتفاء الموضوع أو منتفية لديه، بمعنى أنها تنتج الحلية لأن صفة الحرمة غير متوفرة فيه.
وان لم يكن طائراً عرفاً. قلنا بحليته أيضا، باعتبار عموم أدلة الحلية، وهذا يكفي.
الجهة الثانية: في تعداد الأقسام المهمة من المحلل من الطيور:
أولاً: الدجاج بكل أنواعه.
ثانياً: الحمام بكل أنواعه.
ثالثاً: البط بكل أنواعه.
رابعاً: الإوز بكل أنواعه.
خامساً: العصافير بكل أنواعها. فإنها مما تنطبق عليها قواعد الحلية، بلا إشكال.
وليس المهم فقهياً التمييز الدقي أو العرفي بين هذه الأقسام. فلو شككنا في طير في انه بط أو وز مثلا، أو انه حمام أو عصفور. لم يهم ذلك. لأنه على أي حال حلال. أو قل: أمكن تطبيق القواعد السابقة عليه مهما كان اسمه.
ــــــــــــــــــــ[71]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الجهة الثالثة: في ذكر بعض الطيور بأسمائها مما هو مشكوك الحلية والحرمة.
الطاووس: ومقتضى القاعدة حليته لعجزه عن الطيران الطويل، فلا يكون صفيفه أكثر، وليس سبعاً، وله صيصة في رجله. ولا أقل من الشك في بعض هذه الأوصاف، فتشمله عمومات الحل.
غير ان المشهور على حرمته، وهو اعتماد على بعض الأخبار غير المعتبرة فلا تكون هذه الشهرة حجة. نعم، مخالفتها بأكله. مخالف للاحتياط الاستحبابي الأكيد.
الغراب: قال المحقق الحلي(1): وفي الغراب روايتان. وقيل يحرم الأبقع والكبير الذي يسكن الجبال. ويحل الزاغ وهو غراب الزرع. والغداف وهو أصغر منه يميل إلى الغبرة.
أقول: مقتضى القاعدة، مضافاً إلى عمومات الحل، انطباق شرائط الحلية عليه. وهو وان كان يأكل اللحم أحيانا. إلا انه ليس طعامه الأساسي. ولا يبلغ منقاره ولا أظفاره إلى حد يصدق عليه انه طير جارح أو سبع. والروايات مختلفة فيه وروايات الحلية معتبرة السند. نعم، باعتبار النهي عنه في روايات أخرى، لابد من القول بالكراهة الشديدة. ولا يختلف في ذلك أي واحد من أقسامه.
الهدهد: ومقتضى القاعدة حليته لانطباق الأوصاف عليه، مضافاً إلى عموم الحل. وكذلك الكروان والكركي. واما مالك الحزين فالمظنون ان صفيفه اغلب، إلا انه لا حجة في ذلك فيكون مقتضى القاعدة الجواز، ما لم تثبت تلك الصفة. نعم، يكون مقتضى الاحتياط الاستحبابي تركه.
ــــــــــــــــــــ[72]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الشرائع: ص 186 ج 3.
وقال المحقق(1): ويعتبر في طير الماء ما يعتبر في الطير المجهول… ثم عدد العلامات السابقة. أقول: وطير الماء هو النورس وشبهه. والظاهر ان صفيفه أكثر فيحرم. نعم، مع الشك تكون القاعدة الثالثة منطبقة عليه، فان له حوصلة وصيصة. إلا أننا قلنا ان القاعدة الثانية مقدمة في الرتبة فتكون النتيجة هي التحريم. ولا اقل من الاحتياط.
البطريق: وهو طير يعيش في المناطق الشديدة البرودة.
ومقتضى القاعدة هو الحلية، لأنه ليس بجارح. كما انه عاجز عن الطيران الطويل، فلا يكون صفيفه أكثر من دفيفه. وله صيصة أيضا.
ونذكر فيما يلي أشهر أنواع العصافير وكلها محللة. وفرق العصفور عن غيره عرفاً هو حجمه ليس إلا. وتنتج منه سرعة حركته وكثرتها مما لا يتوفر في الطير الكبير غالباً.
ومن أقسامه: العصفور الأهلي، والبلبل والكناري وطيور الحب، وطيور الجنة والقبرة والصعوة. وكثير غيرها.
اللقلق: وقد قلنا ان صفيفه أكثر في طيرانه الاعتيادي أو العالي فيكون حراماً. ولا يبرر حليته انه يخفق حين نزوله. كما لا يبررها انه له صيصة لأننا عرفنا تقديم القاعدة الثانية على الثالثة.
وقد مال بعض الفقهاء إلى جوازه باعتبار الاعتقاد بأن دفيفه أكثر. إلا ان ذلك ناشئ من مراقبة هذا الطائر عند نزوله. لا عند استمراره في الطيران.
الجهة الرابعة: كلما حكم الشارع المقدس بحرمة حيوان، فلبنه وبيضه حرام، وكلما حكم بحليته فذلك منه حلال. وهذا مسلم فقهياً. بما في ذلك
ــــــــــــــــــــ[73]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر السابق ص 187.
السمك وغيره.
وكل حيوان توالد من حيوانين حلال وحرام. فان تبع في النظر العرفي أحد الصفتين أو الحالين تبعه الحكم بالحلية أو الحرمة. وان لم يكن يشبه أياً منهما أو كان شبيهاً بهما معاً، بحيث لا يمكن تطبيق أحد الاسمين عليه بالضبط.
فهنا وجهان فقهيان:
أحدهما: القول بالحرمة ما لم نحرز انطباق عنوان الحلية عليه. ولعله المشهور.
ثانيهما: القول بالحلية، لأننا لم نحرز انطباق عنوان الحرام عليه، تمسكاً بعمومات الحل. وهذا هو الأرجح.
وفي اللبن المشكوك في انه ناتج عن حيوان حلال أم حرام. يأتي نفس الوجهين السابقين مع ترجيح ما هو راجح منهما.
وإذا حصل هذا الاشتباه في البيض. فقد قال المحقق الحلي(1): وبيض السمك المحلل حلال… إلى ان قال: ومع الاشتباه يؤكل ما كان خشناً لا ما كان أملساً. وظاهره إعطاء القاعدة لبيض السمك على الخصوص. ومثل ذلك ليس عليه رواية معتبرة. وربما أخذه من الواقع، باعتبار اعتقاده ان بيض السمك المحلل خشن وبيض السمك المحرم أملس. غير ان هذه القضية بصفتها عامة لم تثبت. نعم، شهادة المحقق الحلي في ذلك وجيهة، إلا انه ليس من أهل الخبرة. فيحتاج إلى شهادة أخرى.
واما المشكوك من بيض الطيور فقد قال صاحب الوسائل(2): فان اشتبه
ــــــــــــــــــــ[74]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص 184 ج4.
(2) الوسائل ج16 ص 347.
حل منه ما اختلف طرفاه وحرم ما استوى طرفاه.
وهذا ما نطقت به الروايات كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(1). قال: إذا دخلت أجمة فوجدت بيضاً فلا تأكل منه إلا ما اختلف طرفاه.
ومعتبرة عبد الله بن جعفر(2) في قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر قال: سألته عن بيض أصابه رجل في أجمة لا يدري بيض ما هو. يحل أكله؟ قال: إذا اختلف رأساه فلا بأس. وان كان الرأسان سواء فلا يحل أكله.
وطبقاً للروايات فلابد من الأخذ بهذه القاعدة والفتوى بها، غير ان موضوعها هو بيض الطير، وليس بيض السمك ولا بيض العصافير وان صدق أنها من الطيور عموماً. إذ لا يوجد من بيض العصافير ما اختلف طرفاه. إلا قليلا، وإنما هو كروي أو مستطيل متساوي غالباً حتى من العصافير التي يحل أكلها جزماً. فتطبيق تلك القاعدة عليه مشكل. غير ان الإطلاق شامل لها على أي حال.
وهذه القاعدة تدلنا على واقع حقيقي وهي ان أغلب أو كل الطيور المحللة تبيض بيضاً مختلف الطرف. وأغلب أو كل الطيور المحرمة تبيض بيضاً متساوي الطرفين. وهو أمر نجهله بغض النظر عن هذه الروايات.
الجهة الخامسة: ينبغي لنا قبل أن نتجاوز الحديث عن الحيوان والطيور، ان نتحدث عن أمرين لهما ارتباط بذلك.
الأمر الأول: يحرم أكل الميتة إجماعاً، بل هو من ضروريات الفقه. وتحل
ــــــــــــــــــــ[75]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر باب 2 حديث 1.
(2) المصدر حديث 10.
عند الضرورة، وهو من الواضحات في الفقه أيضا. وهي صورة انحصار إنقاذ الحياة بها من ألم الجوع.
والميتة: هو الحيوان غير المذكى. على ما سوف يأتي من معنى التذكية ان شاء الله تعالى. مما يكون قابلا للتذكية. فمثلا: الحشرات ونجس العين غير قابل للتذكية. فلا يحل وإن حاولنا تذكيته.
وأما ما يكون قابلا لها من الحيوان سمكاً كان أو طيراً أو غيره فيطهر عند تذكيته. فان كان حلال اللحم، لم يحل إلا بالتذكية. واما مع كونه ميتة فيكون حراماً ونجساً.
وللميتة ثلاثة معان محتملة فقهياً. بعد التسالم على ان اللحم الذي كان حياً حال الحياة يكون ميتة بعدها.
المعنى الأول: ان المحرم هو مجموع الحيوان الميت بكل أجزائه.
المعنى الثاني: ان المحرم هو ما صدق عليه عرفاً انه ميتة.
المعنى الثالث: ان المحرم هو خصوص ما كانت الروح والجة فيه حال الحياة، ولا يحرم ما لم تلجه، لأنه لا يصدق عليه الموت.
ووجهة النظر في المعنى الأول: صدق الميتة على مجموع الحيوان. إلا انه بمجرده غير محتمل لأنه يشمل الشعر والصوف ونحوهما، مما تسالم الفقهاء على جوازه.
ووجهة النظر في المعنى الثاني: هو الصدق العرفي، وهو الأمر المستعمل في فهم الأدلة دائماً. فالعظم وان فرض انه لا تحله الحياة، إلا انه يصدق عليه انه ميت فيحرم. وان كان هذا الصدق أيضاً محل مناقشة، فهو مما تحله الحياة، غير ان شكل حياته تختلف عن اللحم والجلد بطبيعة الحال. ومثله تماماً القرن الداخلي والظلف الداخلي. فإنهما من عظام الحيوان، على أي
ــــــــــــــــــــ[76]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
حال. والظاهر صحة الأخذ بهذا المعنى.
ووجهة النظر في المعنى الثالث: هو توخي صدق الموت بخروج الروح، فما لم يكن محتوياً على الروح لم يصدق عليه الموت، ومن ثم لا يصدق عليه انه ميتة، فلا يكون حراماً أو نجساً.
وهذا صحيح، إلا في الأمور التي تندرج في المعنى الثاني. فقد يكون الأخذ بكلا القاعدتين أو المعنيين صحيحاً. غير أننا نقول: ان الأخذ بالثاني يغني عن الثالث. لأن كل مالا يصدق عليه عرفاً لا يصدق عليه الموت حقيقة، يعني مما لم تلجه الروح. فالمعنى الثاني أعم من الثالث، فيتعين الأخذ به.
ومعه يكون ما ذكره الفقهاء من طهارة الريش والوبر والشعر والصوف والقرن الخارجي والظلف الخارجي والبيض… صحيحاً. ولا حاجة إلى الاشتراط بأن يكون البيض قد اكتسى القشر الخارجي لأنه ليس بميتة جزماً على أي حال، على كلا المعنيين الثاني والثالث. كل ما في الأمر لابد من تطهير ظاهره إذا أريد أكله. ان كان من حيوان حلال بالأصل.
وأما اللبن، فقد قيل بطهارته، وهي مخالفة للاحتياط جداً. لأنه ملامس لجلد الميتة فيتنجس، وشرب النجس أو أكله حرام.
ــــــــــــــــــــ[77]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فصل تعداد بعض الحيوانات
يحسن بنا ونحن نتحدث عن الحيوانات ان نقوم بسرد قائمة منها لنتعرف عن كثب على أهم أوصافها مأخوذة من كتاب (المعجم الزولوجي الحديث(1)). للشيخ محمد كاظم الملكي. وهو الكتاب الرئيسي الذي يمكن الاعتماد عليه في اللغة العربية.
نستثني من ذلك ما كان واضح الحلية شرعاً كالإبل والبقر وواضح الحرمة شرعاً كالسباع والحشرات ونجس العين. ونركز على ما هو مشكوك فقهياً كشيء رئيسي في هذا الصدد كي نعرف حليته من حرمته.
وسيكون ذكر أوصاف الحيوان باختصار وبمقدار ماله دخل فقهي في الحلية أو أكثر قليلا. كما سيكون الترتيب على حروف المعجم. وهو ترتيب الكتاب المشار إليه. إلا انه مما يؤسف له انه واصل في المطبوع(2) إلى حرف الميم. ولم يزد عليه، وسوف يكون الاختيار عشوائياً على أي حال.
1- آكل النمل(3):
وله أنواع عديدة، وكله يعيش على أكل النمل. ومنه ما يبيض. إلا انه
ــــــــــــــــــــ[78]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) طبع بالأوفست وبنفس ترقيم الصفحات بعنوان: معجم حياة الحيوان الحديث المصور. وبعنوان: الطبعة الأولى. لأنه بهذا الاسم لم يكن له سابقة. وهو في الواقع: المعجم الزولوجي الحديث. فتكون طبعة أخرى له مع تغيير العنوان. وكلا الأمرين خطوة غير موفقة من الناشرين.
(2) في الطبعة ذات العنوان الجديد توجد منه ستة أجزاء تستوعب الحروف كلها.
(3) انظر المعجم الزولوجي الحديث ج1 ص 13.
يرضع فراخه اللبن من أثدائه. وعلى أي حال، فكل أنواعه محرمة لأنها من جنس المدرعات التي قلنا بحرمتها. ولا أقل من الاحتياط الوجوبي بذلك.
2- الآمو:
حيوان استرالي يشبه الطائر جداً، وخاصة في رجليه ورأسه ذو المنقار. إلا انه فاقد للجناحين تماماً. ويكسوه وبر لا ريش وقد يسمى رية داروين. وليس له حوصلة ولا صيصة. تتوقف حليته على وجود قانصة له. وهو أن تكون معدته كمعدة الدجاج لا كرشاً. ومع الشك فمقتضى القاعدة الحل للعموم: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا.
1- الأبله(1):
طائر مائي من فصيلة الجلدة الرقيقة بين أصابعها. منقاره أطول من رأسه ومسنن مثل المنشار، ويقتات على الأسماك التي تظهر على سطح الماء. وتتصف جميع أنواع الأباله بالبلاهة، لأنها تقف قريبة من الصائد وتصاد وتقتل دون إظهار أية حركة أو دفاع عن نفسها. والظاهر ان طيور الماء على العموم تتصف بأن صفيفها أكثر من دفيفها فيبقى المطلب مربوطاً بهذه الصفة. فتكون حراماً. ولا أقل من الاحتياط في تركها.
2- ابن عرس(2):
حيوان أكبر من الجرذ طويل الجسم يعيش على الجرذان والفئران. فروه أحمر اللون في الظهر وأبيض في الصدر. وله عدة أصناف، وكلها محرمة. لأنها من القوارض. وهي حشرة عرفاً أيضا، فتكون محرمة من هذه الجهة أيضا.
ــــــــــــــــــــ[79]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر السابق ص33 ج1.
(2) المصدر ص44 ج1.
3- أبو زريق(1):
طائر من رتبة الطيور الدورية من فصيلة ذات المنقار المسنن. وهو طائر بقدر الحمام تقريباً. كثير التصويف والتغريد. يفيد في افتراس الحشرات الضارة بالإنسان وبمزروعاته.
والظاهر ان دفيفه أكثر في طيرانه، كما انه من المحتمل صدق كونه من العصافير عرفاً، وان كان ضخماً بهذه النسبة. وعلى أي حال فيكون محللا.
4- أبو زمارة(2):
سمكة طويلة دقيقة بحرية لا زعانف لها. وسميت بهذا الاسم لأنها تزمر في الماء. وتسمى بزمارة البحر وبإبرة البحر أيضا، وهي تعيش في مروج البحر على هيئة جماعات.
والمهم فقهياً أنها خالية من الحراشف والقشور، كما أنها يرجح انه يصدق عليها الأفعى، وان كانت بحرية. فتكون من كلتا الجهتين محرمة.
5- أبو سيف أو سياف البحر أو سمك السيف(3):
وهو من فصيلة الأسماك الغضروفية. اشترك الفك الأعلى وبعض عظام الجمجمة في تكوين عضو طويل حاد خال من الأسنان يشبه السيف يبلغ طوله ثلث طول الجسم جميعه. وطول الجسم يتراوح بين مترين ونصف وثلاث أمتار. ووزنه بين مئة وخمسين إلى مئتي كيلو غرام.
والمهم فقهياً انه ليس ذو قشرة أو فلوس فيكون حراماً.
ــــــــــــــــــــ[80]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص79 ج1.
(2) المصدر ص81 ج1.
(3) المصدر ص89 ج1.
6- أبو قردان(1):
طير من طيور الماء ويسمى بأبي بقر وأبي غنم لأنه يحوم حول الغنم والأبقار سيما إذا أرادت ان ترد الماء فيأكل القراد منها. وهو من فصيلة مالك الحزين من صنف البلشون الأبيض. له ريش أبيض جميل جداً.
وعلى العموم فان طيور الماء يغلب صفيفها في الطيران، فتكون حراماً ولا أقل من الاحتياط بذلك.
7- أبو مخيط(2):
بضم الميم وتشديد الياء المفتوحة. وهو من جنس الأسماك الشائكة بأشواك تكسو جلده. وهو مزود بشفرات حادة. ويمكن له أن ينتفخ وذلك بإدخال كمية من الهواء إلى داخل مريه. فإذا انتفخ يتخذ شكل الكرة المنتفخة، وينقلب فتصبح الأعضاء السفلى عليا.
والمهم انه سمك خال من الفلوس، وان كان مكسواً بالشوك. فيكون حراماً.
8- أبو منشار(3):
وهو سمك من رتبة الأسماك الغضروفية من فصيلة الأشلاق التي تمتاز بهيكلها الداخلي الغضروفي. وجلده مغطى بفلوس صغيرة. له أنواع أوصله بعضهم إلى ستة. يبلغ طول منقارها ربع طول جسمها تستعمله في تقليب الطين
ــــــــــــــــــــ[81]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص107 ج1.
(2) المصدر ص117 ج1.
(3) المصدر ص131 ج1.
باحثة عن الحيوانات الصغيرة كالديدان وغيرها. كما يفعل البط. وقد تضرب به السفن فتدخل قسماً كبيراً منه فيها. وله من عشرين إلى 30 سناً.
وإذا تم ما ذكر من ان له قشوراً، وهو غير معتد أو سبع فيكون حلالا.
9- الإخطبوط(1):
حيوان هلامي له ثمانية جراميز أو أرجل في رأسه فيها محاجم يلتصق بها. ولفظه معربة حديثاً من اليونانية، ومعناها الثمانية أرجل. وفمه يقع في مقدم الرأس. وهو مجهز باللسان الحامل للأسنان ومزود بفكين مقترنين. وتوجد على جانبي الرأس عينان كبيرتان معقدتا التركيب، شبيهتان بأعين الفقريات، يتكاثر عن طريق البيض.
وعلى أي حال، فهو سبع مقاتل بحري. فيكون حراما. وقد يحتمل ان يصدق عليه عنوان الحشرة عرفاً فيحرم. وان كانت ضخامته قد تكون مانعة عن ذلك على أي حال.
10- الأربيان(2):
ويسمى في العراق بالروبيان وفي مصر بالجمبري. وهو حيوان مائي من فصيلة القشريات والتي منها السرطان. ويبلغ طول الواحد من بوصتين إلى عشر بوصات. تضع الأنثى في كل سنة مئة ألف بيضة، وهو يكثر في الخلجان القليلة الماء والدافئة. وله عدة أنواع. وهو من الحشرات عرفاً جزماً. ومقتضى القاعدة تحريمه كما سبق. غير انه مستثنى من التحريم كما قلنا.
ــــــــــــــــــــ[82]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص151 ج1.
(2) المصدر ص166 ج1.
11- الأرنب(1):
والأهلي منه معروف الصفة. وله عدة أنواع، وكلها من القوارض، وذات مخالب. فتكون حراماً.
12- أسد البحر(2):
حيوان بحري من ذوات الثدي من فصيلة الفقمات، وهي حيوانات لبونة لاحمة. وقد سبق ان ذكرنا حرمة أكل لحم جميع هذه الأصناف.
13- الإسفنج(3):
وهو الإسفنج الطبيعي. وهو حيوان كاللبد متخلخل. وقد اعتبرت سابقاً من النباتات بالنظر إلى شكلها غير المنتظم. اما الآن فيعتبرها العلماء شعبة خاصة من الحيوانات المتعددة الحجيرات. وللإسفنج ما يقارب الألفين من الأنواع. قد لا يتجاوز حجم بعضها رأس الدبوس، بينما يزيد ارتفاع البعض الآخر على المتر.
وتوجد هذه الحيوانات المختلفة في جميع البحار بأعماق مختلفة. وتعيش عدة أنواع منها في الماء العذب، ويسمى الهرشفة(4) أيضا.
والمهم فقهياً انه لا تنطبق عليه أوصاف الحيوانات المحرمة. إلا ان الأهم أننا لا نعلم ما إذا كان قابلا للأكل أو غير مضر بالصحة أم لا. فقد يكون كذلك في بعض أنواعه. وعندئذ لا يكون هناك مانع من القول بجوازه شرعاً.
ــــــــــــــــــــ[83]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص183 ج1.
(2) المصدر ص218 ج1.
(3) المصدر ص219 ج1.
(4) انظر الهرشفة في المصدر ج6 ص 161.
14- الأطوم(1):
على وزن فعول. ومن أسمائه بقرة الماء(2) على ان بقر الماء حيوان آخر من الرتبة نفسها. قيل إنها انقرضت منذ مئة عام أو أكثر. سمي بهذا الاسم لغلظ جلده حيث انه أثخن من جلد الفيل ويستعمل للأخفاف. له مؤخر يشبه السمك وله يدان كأنهما زعنفتان، وليس له رجلان. ويشبه خروف البحر. إلا انه أطول منه قليلا.
والمهم فقهياً هو كونه من جنس الفقمة المحرمة، وكذلك بقرة البحر.
15- اغوانية الأسنان(3):
وهو من الزواحف العظيمة البائدة. الآكلة للنباتات. وهو احد أنواع الديناصور(4).
وللديناصور أحجام وأشكال مختلفة، حتى يمكن أن يقال: انه ليس حيواناً واحداً أي جنساً واحداً، بل حيوانات مختلفة. وبعضها نباتي وبعضها مفترس يعيش على اللحوم.
فما كان مفترساً، فهو سبع، وكل سبع حرام أكله. وبعضه يشبه السحليات والمدرعات. وقد سبقت حرمته. والظاهر ان جميعها لها أظافر أو مخالب، فتكون محرمة، حتى لو كانت نباتية، فيكون حالها حال الأرنب من هذه الناحية.
نعم، لو وجد منه ماله خف في أرجله كالجمال والبقر، وليس له ناب
ــــــــــــــــــــ[84]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص245 ج1.
(2) انظر بقرة البحر المصدر ج2 ص134 وبقرة الماء أيضا.
(3) المصدر ص257 ج1.
(4) انظر الديناصور المصدر ج3 ص146 والدنصور ج3 ص92.
قوي، وكان نباتياً، لم يبق دليل على حرمته. إلا ان الذي يهوّن الخطب كونه منقرضاً منذ سنين طويلة قد تقدر بعشرات الملايين.
غير ان انقراضه بجميع أقسامه غير ثابت، بل يوجد من السحليات ما يشبه بعض أنواع الديناصورات على أي حال. وهي محرمة بطبيعة الحال. غير ان الديناصورات الضخمة قد بادت فعلا بعد ان كانت تملأ وجه الكرة الأرضية. والظاهر ان الحكمة من ذلك تمهيد وجه الكرة الأرضية لخلق الإنسان، فتبارك الله أحسن الخالقين. ولم يعلم علماء الحيوان إلى الآن ما الذي كان سبباً لإبادة هذه الأصناف من الحيوانات والنظريات في ذلك متعددة، ولم يثبت واحد منها. غير أنهم اتفقوا على كونها قد أبيدت في زمن متقارب وقصير، فسبحان المحيي المميت.
16- الأفعى البحرية(1):
ويعرف عند علماء الحيوان باسم البلزيوصور. وهو حيوان يشبه العظاية في هيئته لكنه يختلف عنها بكبر جرمه. وبأن يديه وقدميه زعانف يسبح بها، وبأن له فوق رأسه عيناً ثالثة.
وله أنواع من الزواحف البحرية. وقيل إنها كلها الآن منقرضة. وقد عثر في إنكلترا على بلزيوصور متحجر يبلغ طوله 16 قدماً. وقد قال أحد العلماء بأنه رأى بلزيوصوراً في البحر الأبيض المتوسط.
والعظاية المشبه بها هي نوع من السحالي والزواحف البرية. إلا ان التشبيه ورد لمجرد تقريب الذهن لا أكثر. ولا ارتباط لهما في النوع.
وعلى أي حال، فالذي يستنتج من الوصف السابق انه مشابه لفصيلة الفقمة
ــــــــــــــــــــ[85]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص264 ج1.
نسبياً فيكون حراماً. وإذا كان من نوع السمك ليس له حراشف أو كان سبعاً حرام أيضا. ولا يمكن التعرف على هذه التفاصيل بعد انقراضه.
17- الأفعى الهندية(1):
وتسمى الكوبرا. من فصيلة الأفاعي قد يتجاوز طولها المترين. أجسامها اسطوانية ومغطاة بالحراشف الكثيرة والمصقولة، وتنتهي بذنب قصير.
واهم ما يمتاز به هذا الحيوان عن سائر أنواعه هو انتفاخ عنقه عند إرادته فيما لو أهيج. وهذا الاتساع المفرط ينشأ بتأثير الأجزاء المتطرفة الدماغية. كما انه يمتاز بالوسام المشابه للمنظار، وذلك على العضو المنتفخ أما نهشته فخطرة جداً.
والمهم فقهياً حرمة أكلها لكونها من الأفاعي.
18- الأنقليس(2):
نوع من السمك شبيه الحيات وتسمى أيضاً بثعابين الماء(3). قالوا: إلا ان الأصلح عدم تسميتها بها لأن حيات الماء فصيلة من الحيات الحقيقية تكون في الماء وبعضها سام جداً. أقول: المهم الصدق العرفي على الحيوان كونه من الحيات. ولا حاجة إلى أكثر من ذلك. وخاصة ان شبهها بالسمك قليل، فان جسمها يخلو من الزعانف وهي اسطوانية الشكل رفيعة والحراشف موجودة في بعضها ومعدومة في البعض الآخر.
والمهم فقهياً هو حرمتها لكونه ثعباناً عرفاً. وان كان بحرياً. ولا يشفع لها
ــــــــــــــــــــ[86]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص267 ج1.
(2) المصدر ص311 ج1.
(3) انظر ثعبان الماء المصدر ص278 ج2.
وجود الحراشف فان وجودها سبب لجواز أكل السمك. وليست هي من السمك عرفاً.
19- انكلستوما(1):
أو الدودة الشصية(2): من شعبة الديدان الخيطية. وهي خطرة بالنسبة للإنسان. وتكثر في المناطق الحارة وتسبب للمصابين بها فقر الدم والانحطاط وفقدان المناعة. يبلغ طول الأنثى 15سم وطول الذكر 10سم. اما غذاؤها فهي تمتص الدم من جدران الأمعاء بعد تخريقها الأوعية الشعرية التي فيها بواسطة القنوات الست الموجودة في الفم. وبعد ان يخصب الذكر الأنثى في داخل الأمعاء يخرج البيض مع الغائط، حيث يفقس في مدة 24 ساعة إذا صادف الشروط الملائمة.
إذن فهي من الديدان المعدية التي تتربي في الأمعاء. وصغرها مانع عن تسميتها عرفاً بالحشرات. كما انه مانع من رؤيتها أحيانا. فالقول بجواز أكلها وعدمه بلا مورد. نعم، لو علم الفرد ان في الطعام ونحوه من هذه الديدان فانه يعلم حصول الضرر له بأكله، وقد يكون ضرراً معتداً به طبياً وعرفاً. فيكون تناول ذلك الطعام حراماً.
20- البال(3):
اسم جنس من الحيتان لا زعنفة له على ظهره ولا أسنان له. وهو أكبر حيوان يعيش على سطح الأرض الآن يبلغ طوله بين الخمسين والستين قدماً. ويقدر وزنه بمئة وخمسين طناً. لونه اصفر. وله أنواع عديدة.
ــــــــــــــــــــ[87]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص319 ج1
(2) انظر الدودة الشصية المصدر ص112 ج3.
(3) المصدر ج2 ص23.
ومن الناحية الفقهية، فهو سمك ليس له حراشف، فيكون حراماً.
21- الببغاء(1):
لها فصيلة خاصة بها تسمى فصيلة الببغاوات، يعيش معظمها في الأقاليم الاستوائية وشبه الاستوائية. وهي طيور شجرية، منقارها وأرجلها تناسب هذا الوضع. طعامها الأثمار والبذور، وبعضها يفترس الحشرات. إلا ان منقارها شبيه بمنقار الجوارح لكونه قصيراً وقوياً ومقوساً. ووجود زائدة لحمية عند قاعدة المنقار الأعلى. ويمتاز المنقار الأعلى في الببغاء بحركته إلى الأعلى والأسفل.
أقدامها قصيرة وأصابعها أربعة تستطيع بها مسك الأشياء. وتستعمل منقارها لمساعدة الأقدام على التسلق. ولها أنواع كثيرة بعضها يتمكن من تقليد الأصوات تقليداً جيداً. كما ان لبعضها ذاكرة قوية نسبياً وبعض المقدرة على ربط المعاني.
والظاهر توفر شروط الحلية له فيكون حلالا، ولا أقل من الشك الموجب لجريان الأصل المجوز.
22- البجع(2):
طائر مائي عريض المنقار طويله، له حوصلة عظيمة تحت منقاره. وهو من الطيور القوية في الطيران والسباحة. وكثيراً ما تغوص في الماء تفتيشاً عن الغذاء. أرجلها قصيرة وقوية وأجنحتها طويلة. وهو حيوان أكول يصطاد عدداً عظيماً من الأسماك، كما انه يصطاد الطيور المائية أيضا. وله حلقوم واسع جداً يتمكن بواسطته من بلع الأسماك التي على ضخامة يد الإنسان وإرسالها إلى
ــــــــــــــــــــ[88]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ج2 ص122.
( ) المصدر ص36 ج2.
جوف المعدة. وحليته الشرعية متوقفة على قلة صفيفه. والمظنون هو ذلك. ولا اقل من الشك فيكون الأرجح الحل.
23- البختي(1):
جمع بخاتي. وهي الجمال ذوات السنامين. والجمل منها أكبر من الجمل ذي السنام الواحد، وشعره اسمر وأطول من الوبر الاعتيادي. وهي مسلمة الحلية فقهياً.
24- البراك(2):
جنس من الأسماك العظيمة من فصيلة الاسقمريات يمتاز بخرطومه الطويل الدقيق وبفكه الأسفل الذي هو أطول من الفك الأعلى. ولحافة فكيه صف من الأسنان الحادة المنسقة، له أنواع عديدة. والظاهر انه ليس له حراشف فيكون محرماً. مضافاً إلى كونه اعتدائياً بطبعه فيكون سبعاً محرماً.
25- البربور(3):
سمك نهري من الأسماك العظيمة من فصيلة السلوريات(4) يشبه الانكليس. فهو خال من الفلوس أي الحراشف وله شاربان أو أكثر حول فمه. وسمي بالبربور لأنه إذا أخرج من الماء يبربر أي يصوت كثيراً، ويسمى في مصر بالقرموط وفي العراق بالجري. وحيث انه خال من الحراشف، فهو محرم بكل أنواعه.
ــــــــــــــــــــ[89]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص46 ج2.
(2) المصدر ص54 ج2.
(3) المصدر ص55 ج2.
(4) انظر السلور في المصدر ج3 ص333 والجري في المصدر ج1 ص356.
26- البرقش(1):
نوع من التنوط صغير بقدر العصفور أعلى ريشه اغبر وأوسطه أحمر وأسفله أسود. فإذا انتفش تغير لونه بألوان شتى. ويفيد في افتراس الحشرات المضرة بالإنسان وبمزروعاته. وهو أجناس وأنواع.
وعلى أي حال، فهو جائز شرعاً، لأننا قلنا ان العصافير عموماً، وهو منها عرفاً، تتصف بشرائط الحلية.
27- البشروس(2):
واسمه في العراق: الغرنوق(3). طائر مائي طويل العنق والرجلين اعقف المنقار اسود طرف الجناحين وسائره احمر وردي. وترتبط أصابعه بجلدة رقيقة. وذنبه قصير وجناحه متوسط الطول.
وحليته منوطة بقلة صفيفه. وان كان الظن انه أكثر من دفيفه. إلا أننا ذكرنا انه يكفي الشك في ذلك لتطبيق الحلية.
28- البطريق(4):
وقد سبق ان ذكرناه ولكن ناسب ذكره بهذه القائمة أيضا. وهو طائر من الطيور المائية السابحة الغائصة يعيش منه في الوقت الحاضر عشرون نوعاً. جميعاً تقطن في الجزر الصخرية القاحلة من المنطقة القطبية الجنوبية. وهي متكيفة للغوص والسباحة وتستعمل أجنحتها القصيرة وأقدامها الصفاقية الأصابع
ــــــــــــــــــــ[90]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص69 ج2.
(2) المصدر ص86 ج2.
(3) انظر الغرنوق في ص408 ج4.
(4) المصدر ص97 ج2.
للجذف. وان تكيف أجنحتها لهذه الوظيفة أفقدها المقدرة على الطيران.
تمتاز هذه الطيور بقصر أرجلها ووقوعها في مؤخرة الجسم. فإذا وقفت على الشاطئ كان الجسم منتصباً. وهي ذات منقار طويل مدبب تلتقط به الأسماك والحيوانات البحرية الأخرى. وتعيش بصورة مجتمعة. وقد سبق ان ذكرنا حليته والوجه في ذلك.
29- البعام أو البغام(1):
أو الشمبانزي. وهو نوع من القرود العليا الشبيهة بالإنسان. أصغر من الغوريلا. وسيقانه طويلة نسبياً وشعره أسود اللون كثيف وأذانه كبيرة، وتبرز بزاوية قائمة. وأنيابه اقل بروزاً من أنياب الغوريلا. وهو يعيش بصورة اجتماعية. وإذا ما حلت جماعة من هذه القرود بالقرب من مزارع الموز أو الحبوب أحدثت فيها تلفاً يستدعي أصحابها بالأمر واتخاذ العدة له. وقد سبق ان قلنا بحرمة كل قرد بكل أصنافه.
30- بقر الوحش(2):
أو البقر الوحشي. ومن أسمائه الأيل واليحمور والوعل والمهاة. والظاهر أنها أسماء لأنواع منه.
وهو جنس من الظباء الكبيرة مجوفة القرون. قرونها مستقيمة أو منحنية إلى الخلف قليلا وذات حلقات طفيفة في قاعدتها ومصقولة في طرفها المدبب.
وهي تعيش اما مزدوجة أو بجماعة صغيرة العدد في الصحارى المحرقة
ــــــــــــــــــــ[91]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص99 ج2.
(2) المصدر ص141 ج2.
جداً. وهي حيوانات قوية وسريعة الجري. ولحمها جيد للأكل، كما ان قرونها تركب على أيدي العصي وتستخدم في الرماح. وعلى أي حال فلحمه حلال، كما سبق.
31- البكتريا(1):
وهي كلمة يونانية الأصل معناها العصا. وقد أطلقها المختصون على الجراثيم المستطيلة التي تشبه العصا. وهي توجد في نباتات كثيرة وفي الجو وكل ما يحيط بنا.
والمعروف عنها أنها سريعة التوالد والفناء كسائر الميكروبات، وتتسبب بعض أنواعها في عدد من الأمراض كالحمى والتيفوئيد. هذا، وقد قال بعض الأساتذة الأمريكيين في جامعة كاليفورنيا: ان بعض الجراثيم والبكتريا تعيش في قلب الصخور ملايين من الأعوام ولا تفنى. وبعض أنواعها مفيدة للإنسان كتخمير الجبن والعجين وغيرها. وبعضها غير مضر على أي حال.
والوجه في بقائها على قيد الحياة طوال السنين، هو تكاثرها عن طريق الانقسام، فلا يصدق عليها الموت لأن الوجود السابق على الانقسام يزول وينعدم بالانقسام لا انه يموت. فكل فرد منها يمكن القول بها أنها لا زالت حية منذ ملايين السنين.
وقد ذكرنا في أمثال هذه المخلوقات، ان الكلام عن حلية أكلها لا معنى له، لمدى صغرها. وإنما يمكن الكلام عن الطعام الذي نعلم أن فيه منها. ولا شك في أنها ان كانت مضرة ضرراً معتداً به لم يجز أكل الطعام. وإلا جاز.
ــــــــــــــــــــ[92]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص150 ج2.
32- البلبل(1):
وهو العندليب والهزار. وهو من الطيور المغردة الدورية فهو طائر من نوع العصافير، صغير الجثة سريع الحركة احمر المنقار حسن التغريد وأنواع البلبل كثيرة منها البلبل العراقي، وهو ابيض الوجنتين حسن الصوت جداً.
وقد عرفنا ان العصافير بكل أنواعها. وهو منها، جائزة الأكل شرعاً.
33- بلح البحر(2):
وهو نوع من المحار، ويسمى أيضا: الميدية. من فصيلة النواعم الصفائحية الغلاصم. وهو حيوان عديم الرأس عديم اللوامس ولا توجد في فمه أسنان ويتنفس بواسطة غلاصم صفائحية. وصدفته ذات ثلاث زوايا، وهي غير مفارقة عنه. ويوجد منه ما يقارب الستين نوعاً، منتشرة في البحار.
وهو محرم الأكل لكونه من الحشرات البحرية، فان نوع المحار كله على هذا الغرار.
34- البلشون(3):
وهو مالك الحزين(4) ويجمع على بلاشين. طائر مائي طويل العنق والجناحين والساقين والمنقار وقصير الذنب. يقعد بقرب المياه ويبتلع الأسماك ابتلاعاً شديداً. فإذا نشفت المياه ظهر كئيباً، ومنه تسميته بمالك الحزين. وله أنواع عديدة يعرف كل قسم منها بأسماء مختلفة.
ــــــــــــــــــــ[93]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص153 ج2، انظر العندليب ج4 ص1341.
(2) المصدر ص160 ج2.
(3) المصدر ص162 ج2.
(4) انظر مالك الحزين المصدر ج5 ص414.
وقد سبق حكم أكل لحمه تحت عنوان: أبو قردان فراجع.
35- البوري(1):
وهو جنس من الأسماك العظيمة الشائكة الزعانف. ولها جسم اسطواني ممتد ومغطى بحراشف عريضة ومدورة وشفتاها سميكتان، وهو من الأسماك المهاجرة حيث يبرح الماء العذب إلى البحر ويعود إليه. وهو أصناف عديدة. والمهم هو حليتها شرعاً لكونها ذات حراشف كما سمعنا.
36- البوم(2):
طائر من كواسر الليل يسكن الخراب. ويتميز بعينيه الكبيرتين المتقاربتين جداً الواقعتين في مقدم رأسه، ويتمكن من الإبصار في الظلام الدامس ولا يتمكن منه نهاراً لذلك يأوي إلى عشه طول النهار ويسعى في الغسق.
وأصابعه أربعة ذات مخالب حادة جداً، ومنقاره قوي حاد يمزق به فريسته بسهولة.
ومن هذه الأوصاف نعرف حرمة أكل لحمه لأنه من جوارح الطير. والظاهر أيضاً ان صفيفه أكثر من دفيفه. وهو أنواع عديدة. كلها بهذه الصفة وهذا الحكم.
37- البيدستر(3):
أو القندز أو القندس(4)، من القوارض المائية له ذنب قوي مفلطح وغشاء
ــــــــــــــــــــ[94]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص190 ج2.
(2) المصدر ص206 ج2.
(3) المصدر ص206 ج2.
(4) انظر القندز أو القندس ج5 ص234.
بين أصابع رجليه يستعين به على السباحة. وأسنانه قوية وحادة جداً يقرض بهما الخشب والأشجار. ويعيش بصورة مجتمعة. ويقوم ببعض الأعمال الهندسية الماهرة في بناء السدود الضرورية لسكنه.
ومن الناحية الفقهية فلحمه حرام، لأنه من القوارض.
38- البينيب(1):
أو البينيت اسم لنوع من السمك المعروف بالتن. وأشهر أنواعه المخطط البطن. جسمه مكتل وذو ضخامة. جميع أنواعه لامعة ولون ظهرها أزرق رصاصي ولون بطنها أبيض فضي.
وحسب هذا الوصف فانه خال من الحراشف فيكون حراماً.
39- الترنجي(2):
أو الكناري. جنس من العصافير المخروطي المنقار وضخمه من فصيلة المغردة. وأنواعه عديدة. والنوع الرئيسي ينسب إلى جزر الكناري.
وهو على أي حال جائز أكله، كما هو حكم سائر العصافير.
40- التفه(3):
بضم التاء وفتح الفاء، نوع من أنواع عناق الأرض. فهو حيوان من آكلات اللحوم من فصيلة السنانير، أكبر من القط قليلا. بينه وبين الكلب عداء شديد، لونه احمر، وفي أعلى كل من أذنيه شعرات سود.
ــــــــــــــــــــ[95]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص212 ج2.
(2) المصدر ص228 ج2.
(3) المصدر ص232 ج2.
وعلى أي حال، فهو محرم الأكل لكونه سبعاً.
41- التمساح(1):
من صنف الزواحف. وتعيش في الأنهار والبحيرات الاستوائية وتفضل الماء العذب ولو أنها تستطيع ان تعيش في الماء لوقت ما. وهي تتنفس الهواء بالرغم من معيشتها المائية. واما رأسها فطويل مدبب الفم ورقبتها قصيرة، ولها ذنب طويل مضغوط تستعمله بمثابة مجذاف للسباحة في الماء وللدفاع والهجوم على اليابسة. وأطرافها قصيرة وقوية.
وتغطي ظهر التماسيح قشور متقرنة ترتكز على صفائح متعظمة من الأدمة وتشكل ترساً قاسياً كترس السلاحف، لا يقوى الرصاص على اختراقه. وتتكاثر بالبيض.
وهي محرمة اللحم، شأنها شأن سائر الزواحف كما سبق.
42- التن(2):
أو سمك التونة. نوع من الأسماك العظيمة الشائكة من فصيلة السقمري. جسمه مستطيل منضغط وذنبه مقعر من وسطه. وفمه كبير وأسنانه صغيرة وهي صف واحد في كل من الفكين. وحراشفه كبيرة يتألف منها شبه درقة في القسم الأمامي من الظهر.
ومن أنواعه التن الأوربي. طوله من 5 إلى 20 قدماً. ووزنه أكثر من ألف ليبرة (راجع عنوان البينيب وقارن).
وهو بصفته ذو حراشف غير محرم اللحم.
ــــــــــــــــــــ[96]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص242 ج2.
(2) المصدر ص249 ج2.
43- التنين(1):
جنس من الزواحف من فصيلة العظاء. يمتاز عن غيره بماله طية جلدية دقيقة للغاية تكون كنوع من الجناح أو المظلة في كل من طرفيه.
يقطن التنين أقطار الملابو والهند. ويوجد منه هناك 18 نوعاً.
وهو محرم بصفته زاحفاً.
44- التنين الطائر(2):
اسم حشرة ضخمة بشعة المنظر. ذات أجنحة شفافة. والبدن مستطيل كأنه خنجر. من رتبة العصبية الأجنحة من فصيلة المخرزية القرن. تطير بسرعة خارقة. وتصميمها العجيب في مروقها وانقضاضها ان تدخل الرعب على قلب الناظر الذي لا عهد له بها.
وهي محرمة الأكل بصفتها إحدى الحشرات.
45- التوتياء(3):
جنس من السمك كروي الصدف يعرف بقنفذ البحر أيضاً(4). شعاعي التناظر من شعبة شوكية الجلد. يمتاز عن بقية أفراد الشعبة بتكور شكله وخلوه من الأذرع. وهو مفلطح قليلا، مكسو جلده أشواك، وفي فمه أسنان كايتينية تخفيها شفة دائرية عند عدم الاستعمال. وهو سام. ولا يعيش إلا في البحر والأقسام الناعمة من جسم المحار. وهو محرم الأكل لكونه حشرة عرفاً وسام أيضاً.
ــــــــــــــــــــ[97]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص252 ج2.
(2) المصدر ص256 ج2.
(3) المصدر ص260 ج2.
(4) انظر قنفذ البحر في المصدر ج5 ص250.
46- الثبج(1):
أو الهامة الصغيرة طائر من الهام يصيح الليل اجمع كأنه يئن. وهو من أنواع البوم. ولا يتجاوز طوله عن 17سم ويمتاز عن الهامة الكبيرة بأصابعه العارية من الريش. وقد عرفنا ان البوم بكل أنواعه من المحرمات.
47- الثعلب الطائر(2):
اسم لنوع من الخفاش الكبير. يعرف بالوطواط. وسمي بالثعلب الطائر لشبهه بالثعلب العادي. وهو حيوان لبون من رتبة مجنحة الأيدي لا يظهر إلا في الليل. ولا يطير مرتفعاً.
وقد عرفنا ان الخفاش بكل أقسامه محرم اللحم.
48- ثعلب الماء(3):
من فصيلة السراعيب. طويل، قصير القوائم والأذنين، بين أصابعه غشاء يعينه على السباحة. ولونه أحمر قاتم. وقد يسمى القندس واسمه العربي: القضاعة.
وعلى أي حال فهو محرم. لأن له ناباً ومخلباً. مضافاً إلى شبهه بالقندس الذي هو من القوارض.
49- الجاحظ(4):
من الأسماك العظيمة الاعتيادية. سمي بالجاحظ لبروز عينيه. له جهاز
ــــــــــــــــــــ[98]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص266 ج2.
(2) المصدر ص288 ج2.
(3) المصدر ص289 ج2.
(4) المصدر ص308 ج2.
مساعد يساعده على تنفس الهواء الجوي. وخياشمه في ذنبه بدلا من ان تكون في رأسه. ويستعمل زعانفه للمشي والتنقل على اليابسة قريباً من الماء، ويعرف بالسمك المتسلق لأنه قد يتسلق الأشجار ويمكنه ان يعيش خارج الماء مدة طويلة. وإذا جف الماء الذي هو فيه، فانه يطمر نفسه داخل التراب والطين ويمكنه ان يعيش على هذه الحالة مدة طويلة. والظاهر انه من الأسماك ذات الحراشف، فيكون حلالا. ولا يضر خروجه من الماء في ذلك.
50- الجراد(1):
من فصيلة الحشرات من رتبة مستقيمة الأجنحة. وأجنحتها أربعة ينطوي الزوج تحت الزوج بصورة مستقيمة وأعضاء فمها متخصصة للقطع، وهي حشرة مضرة تقتات على النباتات وتفتك بالمزارع. وتطير على شكل أسراب هائلة العدد تقدر بالملايين.
والأعضاء الخارجية للجرادة تتألف من ثلاثة أقسام رئيسية وهي: الرأس والصدر والبطن. فالرأس يتميز عن بقية أقسام الجسم بوضوح وتحمل زوجاً من الأعين المركبة، وثلاثة عيون بسيطة.
اما الصدر فيتكون من ثلاث حلقات تلتحق بها ثلاثة أزواج من الأقدام وزوجان من الأجنحة، والبطن يتألف من 10 حلقات متشابهة إلا الأولى. وهي تصنع حفراً في الأرض لوضع البيض.
وقد عرفنا ان الحشرات كلها حرام الأكل إلا الجراد. فهو بكل أصنافه جائز الأكل.
ــــــــــــــــــــ[99]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص329 ج2.
51- الجري(1):
نوع من السمك النهري الطويل. وقد سبق الكلام في أمثاله. كالانقليس والبربور فراجع. وقد عرفنا على أي حال حرمتها جميعاً.
52- الجشنة(2):
طائر من فصيلة العصافير شبيه بالقنابر يعشعش دائماً على الأرض كالقنابر. لها جسم مستطيل وريشها اغبر اللون وأقدامها دقيقة، وهي تركض بسرعة ونشاط. كما ان لها طيران متموج. وتصف بجناحيها عندما ترتفع في الجو كما تفعله القنابر أيضاً. وتقتات على الحشرات والديدان، ولها عدة أصناف.
وعلى أي حال، فان صح ما سمعناه من ان طيرانها بالصفيف، فهي حرام. غير ان المفهوم عموماً على ان العصافير لا يغلب صفيفها على دفيفها. ولا أقل من الشك في ذلك من أي نوع من الطير. فتكون حلالا. إلا ان الجزم بالحلية بعد هذا النقل مشكل فقهياً.
53- الجمل الأمريكي(3):
من فصيلة الجمال إلا أنها عديمة السنام، ويبلغ ارتفاعها إلى غاربها متراً واحداً. ورأسها رقيق وقصير وآذانها مرتفعة تقريباً. وهي توجد غالباً على المرتفعات المسطحة في أمريكا الجنوبية. وتتحمل الطقوس الشديدة الحرارة. وله صفنان صنف يعرف باللامة أو اللاما(4). وصنف يعرف بالباكة أو الباكا.
وقد سبق ان قلنا انه جمل عرفاً مضافاً إلى كونه جمل علمياً، وله أخفاف
ــــــــــــــــــــ[100]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص256 ج2.
(2) المصدر ص359 ج2.
(3) المصدر ص377 ج2.
(4) انظر اللاما في المصدر ج5 ص385.
في أقدامه، فيكون لحمه حلالا.
54- جمل البحر(1):
هو حوت عظيم من فصيلة الحيتان من نوع الهراكلة. وسمي بذلك لأن له زعنفة على ظهره تشبه سنام الجمل.
قالوا: والحيتان ليست من الأسماك. بل هي حيوانات لبونة تعيش في الماء.
أقول: هذا صحيح علمياً. إلا ان الفهم العرفي الساذج الذي يؤخذ به فقهياً، هو كونها جميعاً من نوع السمك. إلا ان جميع الحيتان الضخمة ليس لها حراشف فتكون حراماً.
55- الجنقلة(2):
جنس من الطيور الصغيرة المسننة المنقار من فصيلة الشحارير(3) تعرف باسم شحرور الماء، لها جسم أضخم من الشحرور البري وأرياش كثيفة وذنب قصير. كما ان الأجنحة أيضاً قصيرة ورواسغها قصيرة ونحيفة وعارية من الريش حتى الجزء الأعلى منها.
وعلى أي حال، فهو من العصافير، وقد عرفنا ان دفيفها اغلب. إلا انه بحسب (صورته) ليس له صيصة. وينبغي التأكد من ان له حويصلة وقانصة. وان كنا قلنا انه لدى الشك يمكن القول بالحلية.
ــــــــــــــــــــ[101]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص379 ج2.
(2) المصدر ص392 ج2.
(3) انظر الشحرور في المصدر ج4 ص27 وهو بحكم الجنقلة المشار اليها في المتن فقهياً.
56- حاملة الثقوب(1):
حيوان من الابتدائيات. سمي بذلك لأن في صدفته ثقوباً كثيرة موزعة تبرز منها الأرجل الوهمية الخيطية، وتمتد هذه الأرجل مسافات كبيرة في جميع الجهات مفتشة عن الدقائق الغذائية التي تمسكها بحركتها الأميبية.
والمهم أنها عرفاً من الحشرات فيكون أكلها حراماً.
57- الحباحب(2):
بضم الحاء الأولى وكسر الثانية. ويسمى باليراع، وهو ذباب يطير وينبعث من ذنبه شعاع. وهو ذو قرون قصيرة وعينين صغيرتين وفم صغير وجسم أملس قليلا وقاتم. وليس لأنثاه أجنحة. وأنواعه كثيرة جداً يبلغ نحو ستين نوعاً.
ويدوم نور الأنثى الكاملة كل ليلة من ابتداء العتمة إلى الساعة الواحدة بعد نصف الليل. فإذا شعرت بأحد دنا منها أطفأت نورها عمداً لكي لا يراها.
وهي من الحشرات بطبيعة الحال، فلا يكون أكلها حلالا.
58- الحبار(3):
بضم الحاء أو فتحه وتشديد الباء. حيوان هلامي شبيه بالإخطبوط، سمي بذلك لأن له كيساً من الحبر يستعمله عندما يدنو منه عدو مفترس، إذ يفرز قليلا من هذا الحبر فيتلون الماء المحيط به ويضلل العدو.
ورأسه يتميز عن الجذع برقبة واضحة تنشأ فيها عشرة أذرع تحيط بالفم. يستعملها لمسك الأشياء أو للحركة. ويوجد في الجهة البطنية من كل ذراع
ــــــــــــــــــــ[102]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص327 ج2.
(2) المصدر ص431 ج2.
(3) المصدر ص435 ج2.
محاجم عضلية كأسية الشكل تساعد الحيوان على الالتصاق بالأجسام.
يبلغ طول أكبر أنواعه من رأسه إلى قدمه ستة أقدام. وطول كل ذراع من أذرعه ستة أقدام. وجميع أنواعه رمادية اللون إلى الصفرة. ولكن الجسم صقيل ويسير القهقهري إذ يمتص الماء ثم يقذفه من فمه فيرجع برد الفعل إلى الوراء.
وعلى أي حال، فبالرغم من انه ليس من السمك (علمياً) إلا انه سمكة عرفاً فيتبعه حكم السمك فقهياً. وهو أملس وليس فيه قشور فيكون محرماً.
59- الحبارى(1):
بضم الحاء والياء المقصورة. وهو من الطيور الغواصة الشاطئية لطول أرجلها، ولما بين أصابعها من الأغشية. ولها ثلاثة أصابع فقط. وأجنحتها جذماء متوسطة الكبر.
ولها تحت حلقها جراب مملوء من مادة سائلة كثيرة شبهت بالمعدة الأولى من معدتي الجمل. ولا تستعمل أجنحتها في الطيران، إلا إذا كانت الريح موافقة. فتعلو قليلا عن الأرض، وأنواعها أكثر من 12 نوعاً.
وهي تدف في طيرانها، ولها حوصلة، كما سمعنا، فيكون لحمها حلالا. وهو ما أفتى به مشهور الفقهاء أيضا.
60- الحجل(2):
طائر من جنس الدجاج والواحدة حجلة. يقرب حجمه من الحمام الكبير، وجسمه ململم ورأسه صغير ومنقاره متقبب قليلا وجناحاه قصيران. ولونه رمادي ملون. وهو يعيش أسراباً قليلة ويقتات بالأعشاب والحبوب والحشرات
ــــــــــــــــــــ[103]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص437 ج2.
(2) المصدر ص450 ج2.
ويعشش في شقوق الأرض وبين الأشواك. وتبيض الأنثى من 12 إلى 20 بيضة وتحضنها وحدها. وله عدة أنواع موجودة في مختلف أنحاء العالم. والحجل يرسل النذير إلى قومه بأن يطير مسرعاً مسافة قصيرة متنقلا من شجرة إلى شجرة وهو يصفق بجناحيه تصفيقاً شديداً.
وعلى أي حال فهو حلال اللحم، تبعاً لما أفتى به مشهور الفقهاء. ويكفي في ذلك فقهياً انه من جنس الدجاج كما سمعنا.
61- الحدأة(1):
طائر من سباع الطير النهارية. وتبيض الحدأة بيضتين أو ثلاثاً. ومن ألوانها: السود والرمد، وهي لا تصيد بل تخطف. ومن طبعها أنها تقف في الطيران وليس ذلك لغيرها من الكواسر. وهي على عدة أنواع كلها محرمة اللحم لأنها من الكواسر.
62- الحرذون(2):
سحلية من جنس العظاء أكبر من العظاءة المعروفة بالسحلية وأصغر من الضب. وان كان على خلقته، ولهذا قد يعرف بالضب. وهو حرام اللحم لأنه من السحالي.
63- الحريش(3):
حيوان من فصيلة الكركدن(4) ويسمى وحيد القرن. من اللبائن الكبيرة الحجم. وهي حيوانات ضخمة وغليظة وثقيلة يمكن ان يبلغ وزنها أكثر من
ــــــــــــــــــــ[104]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص452 ج2.
(2) المصدر ص465 ج2.
(3) المصدر ص471 ج2.
(4) انظر الكركدن في المصدر ج5 ص294.
ألفي كيلو غرام. رأسها ممتد ومتصل بالبدن برقبة قصيرة جداً وجلدها من مادة سميكة وصلبة جداً، كما انه خشن جداً ومقسم إلى طيات مفروزة.
وأنها ذات قرن واحد ضخم، ويلحق ببعض أصنافها قرن آخر. أما أعينه فصغيرة جداً للغاية. ولكل من أقدامها ثلاثة أصابع. ولكل من الأصابع حافر خاص.
تعيش الحُرُش في جوار المياه، لأنها تحتاج إلى المياه في كل يوم ولا يقل استحمامها عن مرة واحدة في أيام الحر. وتقع فعالية سيرها أثناء الليل فقط. فتراها تفتش عن غذائها المنحصر في الأعشاب الصلبة كالحسك واللزان والقصب وغيرها.
فهو من هذه النواحي يحتوي على دلائل حلية اللحم. فهو نباتي المأكل، وليس له ناب قوي ولا مخلب أصلا. وكلما كان الحيوان كذلك كان حلالا.
نعم، قد يستشكل فيه من حيث انه قد يصبح اعتدائياً إذا غضب فيقتل من أمامه، حتى قيل انه يقتل الفارس وفرسه. إلا ان ذلك لا يضر بالحلية، لأن كل الحيوانات تثور مع الغضب، وفيها ما هو قاتل في تلك الساعة مع انه مسلم الحلية كثور البقر وثور الجاموس.
64- الحسون(1):
طائر صغير من أظرف الطيور المغردة، من فصيلة العصافير الدورية. وقد يتغير لونه كثيراً، وطعامه حبوب شوكية يسعى في طلبه أسراباً. وهو سريع الطيران يبني عشه في أعالي الأشجار. وهو حلال اللحم أكيداً، لتوفر علامات الحلية فيه.
ــــــــــــــــــــ[105]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص481 ج2.
65- حصان البحر(1):
أو فرس البحر(2)، من الأسماك العظيمة من رتبة ذوات الغلاصم المجعدة ذات التشعب ولحد الآن لم يشاهد إلا نوع واحد منها. ورأسه مائل إلى الأمام والى الأسفل. وذنبه خال من الزعنفة وهو ملتو فقط، والحيوان عموماً في وضع منتصب واقف على ذنبه يلف ذنبه على الأعشاب البحرية. فإذا شاهدنا اثنين متقاربين نراهما قد التفا بذنبهما التفافاً كلياً. يقتات على السرطان البحري.
واما من حيث حلية لحمه، فليس فيه علامات الحرمة. لأنه ليس بسمك عرفاً، وان قيل عنه ذلك كما سمعنا. لأن شكله لا يساعد على هذه التسمية تماماً. فان رأسه وذيله يشبهان حيوانات البر، لا السمك. ومعه لا مجال لتطبيق قاعدة وجود الحراشف. غير ان ظهره وذيله مكسوان بطبقة غليظة عظمية، قد تلحقه بالمدرعات، فيكون مقتضى الاحتياط اجتنابه على أي حال.
66- حصان النهر(3):
أو فرس النهر أو فرس البحر أو سيد قشطة أو البرنيق. وقد تكلمنا عن أمثاله تحت عنوان الحريش فراجع. فإنها من فصيلة واحدة، وحكمها واحد.
67- الحمار الوحشي(4):
أو حمار الزرد(5)، المخطط، من جنس الفرس، له أنواع ثلاثة تعيش كلها
ــــــــــــــــــــ[106]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص501 ج2.
(2) انظر فرس البحر في المصدر ج5 ص61.
(3) المصدر ص502 ج2.
(4) المصدر ص539 ج2.
(5) انظر حمار الزرد ج2 ص539. وانظر الزرد ج3 ص288.
في جنوب أفريقيا. أشهرها: الزبرا، حجمه متوسط بين حجم الحمار وحجم الفرس غير ان آذانها أطول من آذان الفرس وأقصر من آذان الحمار. يعيش في جماعات.
ولحمه جائز الأكل كما سبق، وان كان وحشياً.
68- الحودل(1):
قرد كبير الجثة قصير الذنب قبيح المنظر، يعرف منه بضعة عشر نوعاً أكثرها في أفريقيا. يقال له: الربح والرباح والقردوح(2) والقردح.
وهو من فصيلة القرود الشبيهة بالكلب، ويمشي على أطرافه الأربعة، وله جمجمة طويلة شبيهة بجمجمة الكلب، وله خلف مزين باللون الأحمر. ومن صفاته ضيق قفصه الصدري وكبر أنيابه.
وهو حرام الأكل، لأنه كل قرد هو كذلك شرعاً.
69- الحيزبون(3):
اسم لحيوان مائي من صنف مستديرة الفم يشبه الانقليس، من شعبة الفقرات الثانوية. وقد جعل العلماء الحيازب من صنف الأسماك. إلا أنها تختلف عنها لكونها عديمة الفكوك وعديمة الأطراف وعديمة الحراشف وذات منخر واحد. ولها لسان ذو أسنان متقرنة يتحرك إلى الأمام والخلف.
وشرعاً محرم أكله لأنه من الحيات أو من الحشرات عرفاً.
ــــــــــــــــــــ[107]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص584 ج2.
(2) انظر القردوح في المصدر ج5 ص142.
(3) المصدر ص590 ج2.
70- الخرتيت(1):
هو الكركدن(2) وقد سبق حكمه تحت عنوان (الحريش). قد يطلق هذا اللفظ على أصناف من الفيلة القديمة الضخمة المنقرضة، والتي تتصف بشعر طويل وخاصة في مقدمها. وان نابها معوج إلى حد الاستدارة تقريباً.
وهو محرم أكله، لأنه فيل عرفاً، والفيل حرام أكله.
71- خروف البحر(3):
من رتبة ذوات الثدي المائية ومن فصيلة بنات الماء (الفقمة). فهو حيوان لبون يرضع أولاده. يمتاز بزعنفته الذنبية المستديرة والمنتصبة عمودياً. وله نوعان أفريقي وأمريكي. ولحمه حرام، لأنه من نوع الفقمة المحرمة كما سبق.
72- الخز(4):
حيوان من القواضم (القوارض) أكبر من ابن عرس وبحجم السنور الأهلي، ومن فصيلة السراعيب. وهو قريب جداً من (السمور) لكن السمور أشد كمنة منه. والخز أكبر من (الدلق) وشبيه به. إلا انه أميل إلى الصفرة مكان البياض في الدلق. وهي تتخذ لنفسها نفقاً في الأرض وتعدو على الدجاج ليلا وتصيدها وتأكلها أكلا ذريعاً.
والمهم حرمة كل هذه الأنواع، لأنها من القوارض، كما أنها سبع.
ــــــــــــــــــــ[108]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص614 ج2.
(2) انظر الكركدن في المصدر ص294 ج5. وقد سبق عنوان (الحريش).
(3) المصدر ص622 ج2.
(4) المصدر ص624 ج2.
73- الخطاف(1):
طائر اسود من الطيور الدورية المشقوقة المنقار، ومنقاره منحن إلى الأسفل، وأقصر من منقار السنونو. والجناحان بالغان في الطول منعطفان إلى الوراء والرجلان صغيرتان ضعيفتان. وللذنب شعبتان طويلتان أو قصيرتان. وهو من صنف العصافير عرفاً، فيكون حلالا.
74- الخفاش(2):
ومن أنواعه الخطاف والوطواط والسحا. وهو من رتبة اللبائن المجنحة، وهي اللبائن الوحيدة التي تستطيع الطيران. وأطرافها الأمامية بشكل أجنحة. ويتجه مفصل الركبة إلى الوراء بعكس بقية اللبائن وعدد أصابع القدم خمسة جميعها منتهية بمخلب مقوسة يستفيد منها الحيوان بالتعلق على الأغصان أو السقوف وقت الراحة.
ان حاسة السمع وغيره في الخفاش قوية في حافات الأجنحة والآذان والأنف. أما حاسة البصر. فضعيفة جداً ولا يستطيع بها ان يجابه النور العادي.
والمهم حرمة لحم الخفاش بجميع أقسامه كما سبق.
75- خفاش البحر(3):
من فصيلة الأسماك الغضروفية. وأهم أنواعه الرعاد وخفاش البحر الأملس وأبو مهماز. وتمتاز كلها بانضغاط جسمها من الجهة البطنية. وتكون زعنفتاهما الكتفيتان كبيرتين وواسعتين. وتمتدان على طول البدن، كالجناحين، وهما
ــــــــــــــــــــ[109]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص632 ج2.
(2) المصدر ص636 ج2.
(3) المصدر ص641 ج2.
العضوان الرئيسيان للسباحة. وفمها مستعرض يقع في الجهة البطنية. جسمها مكسو بحراشف شوكية عدا النوع الأملس منها، وهي تشبه الأسنان في تركيبها، لأنها تتكون من تعظم الأدمة وتقرن البشرة فوقها.
والمهم حرمة لحمها، لأن هذه الحراشف المذكورة ليست عرفاً كحراشف السمك المحلل المسماة بالفلوس. فهو إذن سمك ليس له حراشف مضافاً إلى احتمال كونه سبعاً. فيكون الأولى اجتنابه من هذه الناحية أيضاً.
76- الخلد(1):
حيوان من القوارض التي تعيش تحت الأرض. ويكاد يقضي كل وقته في جحره فلا يخرج إلى سطح الأرض إلا قليلا. وداره تيه من السراديب تنتهي إلى حجرة متوسطة حيث يقيم هو وأولاده.
فإذا جاع أخذ ينبش عن الديدان التي بالأرض فيخرجها ويأكلها وهي أكثر مادة طعامه. وقد يجرأ أحيانا على افتراس ضفدعة أو عصفور.
وأطرافه متخصصة للحفر لأن يديه مملوءتان بالعضلات القوية ورجليه تنتهيان بمخالب دقيقة وقوية. فإذا أخذ في الحفر رمى التراب خلفه بسرعة عجيبة.
ولحمه حرام بكل أنواعه، لأنه من القوارض. وقد عرفنا حرمتها.
77- خنزير الأرض(2):
من الحيوانات الثديية من رتبة آكلات الحشرات الدرداء. ولا علاقة له بالخنزير الاعتيادي، وليس من فصيلته. وليس له قواطع ولا أنياب بل له
ــــــــــــــــــــ[110]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص644 ج2.
(2) المصدر ص648 ج2.
طواحن. وقوائمه عريضة مفرطحة مقعرة من الأسفل ومخالبه قوية وأذناه طويلتان متصلتان حادتا الطرفين. وجسمه كثيف سمين وأطرافه قصيرة قوية.
والمهم هو حرمة لحمه لوجود المخالب لديه. وان لم يصدق عليه انه سبع فعلا. ولكنه ليس نجس العين وان سمي خنزيراً، لأنه ليس حقيقة ولا عرفاً (باعتبار شكله) من الخنزير.
78- خنزير الماء(1):
حيوان من القوارض له فصيلة خاصة به تعرف بفصيلة الكابياء. وهو بقدر الأرنب الأهلي، لكنه أصغر قليلا. وجلده مبقع بألوان مختلفة.
وهو يعيش دائماً على شواطئ المياه. ويبلغ طوله متراً واحداً، وهو من أكبر القوارض المعروفة. شعره صلب مصقول وقليل الكثافة. أصابعه مرتبطة بأغشية تقع بينها. يعيش على شكل جماعات. وإذا طارده أحد فانه يرتمس في الماء حالا ويبقى مدة طويلة تحت الماء.
وكونه من القوارض يجعل لحمه حراماً. ولكنه ليس خنزيراً حقيقة ولا عرفاً، فلا يكون نجساً كالخنزير. كما سبق فيما قبله.
79- خيار البحر(2):
حيوان بحري من شعبة شوكية الجلد، واهم حيوانات هذه الشعبة هي: نجم البحر وقنفذ البحر وخيار البحر. ويمتاز خيار البحر بطول محوره المركزي وإحاطة فمه بمجسات متشعبة قد تكون عشر أو أكثر. وهي عبارة عن أقدام أنبوبية نامية كثيراً ومتكيفة للحس بالحوافز اللمسية. وتوجد في الطبقة الخارجية
ــــــــــــــــــــ[111]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص663 ج2.
(2) المصدر ص677 ج2.
بجسم هذا الحيوان عضلات دائرية الشكل وأخرى طولية يتحرك الحيوان بواسطتها حركة دورية تساعده في الانتقال وقد يقطع هذا الحيوان إلى قسمين أو ثلاثة فتتولد من كل منها حيواناً كاملا.
والمهم عدم انطباق علامات الحرمة عليه، مما عرفناه من حيوانات البحر والبر. وليس هو سمكة لنشترط لها الحراشف. فإذا لم يكن فيه ضرر معتد به للناس أو لم يكن من الخبائث عرفاً، فانه حلال.
80- الدالف(1):
أو الأبسوم(2) حيوان من حجم الهر الأهلي: كبير الجثة على صورة خنزير أصوف. وفروه اشمط إلى الغبرة وأذناه صغيرتان ملطاوان. من فصيلة الحيوانات الجرابية القديمة، أرجله قصيرة نسبياً. تحمل الأم فراخها على ظهرها بأن تلف الفراخ ذيولها على ذيل أمها. وتسير بهم. والحيوان له مخالب فيكون أكله حراماً على أي حال.
81- دب النمل(3):
نوع من اللبائن الدرداء أي عديمة الأسنان من صنف المشيميات. يمتاز برأسه الضيق المدبب الفكين وبلسانه الطويل اللزج الذي يمتد إلى مسافة 12 إنجاً وهو عديم الأسنان وأطرافه قوية تنتهي بمخالب مقوسة كثيراً. اما جسمه فمكسو بشعر طويل خشن وينتهي بذنب طويل. وهو يقتات على الحشرات سيما النمل الأبيض.
وهو محرم اللحم لأن له مخالب.
ــــــــــــــــــــ[112]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص5 ج3.
(2) انظر الابسوم، المصدر ص22 ج1.
(3) المصدر ص16 ج3.
82- الدج(1):
بالضم. نوع من الطيور الدورية من فصيلة الطردي في عظم الصفارية طويل الذنب اغبر اللون أقرب إلى السواد حسن الصوت، يعرف بالشام بالسمنة. وهو والشحرور من فصيلة واحدة، وله أنواع عديدة.
وهو حلال اللحم، لأنه عصفور عرفاً وتتوفر فيه علامات الحلية.
83- دجاج الغابة (2):
جنس من دجاج الأرض(3). وهو يضارع دجاج الحقل في معظم أوصافه، ويمتاز عنه بمنقاره الطويل بالنسبة إلى منقار دجاج الحقل. والمنقار محدد من طرفيه. كما ان سيقانه من فوق أرساغها عارية عن الريش. اما أصابعه فطويلة دقيقة وهي منفصلة إحداها عن الأخرى، كما ان الإبهام منها بارز مقوس يقع إلى الخلف.
وبحسب صورته لا يشبه الدجاج عرفاً. وليس له الصيصة كالدجاج ومنقاره أطول منه بكثير. فتكون الحلية منوطة بتوفر شروطها فيه. والمظنون جداً انه يرف في طيرانه وله حوصلة.
84- الدراج(4):
من فصيلة الطيور الشبيهة بالدجاج. منقاره متوسط الحجم، ولكنه حاد وقوي ومقوس قليلا. أجنحته قصيرة ومستديرة تقريباً وضعيف في الطيران وأرجله قوية كبيرة ومخالبه كثيرة التقوس يستعملها للنبش في التراب فقط. وهو
ــــــــــــــــــــ[113]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
(1) المصدر ص27 ج3.
(2) المصدر ص38 ج3.
(3) انظر دجاج الأرض المصدر ص36 ج3.
(4) المصدر ص60 ج3.
والتدرج من فصيلة واحدة. ذنبه قصير مبتور ولبعض أنواعه ذنب طويل مجزأ بخطوط عريضة.
وهو حلال اللحم لتوفر علامات الحل فيه.
85- الدسمان(1):
حيوان من رتبة آكلات الحشرات من فصيلة الذباب يعيش في الماء ترتبط أصابعه بجلدة تساعده على السباحة، له خرطوم طويل على شكل بوق يستعمله كعضو للمس. وذنبه طويل ومستدير في مبدئه وهو مكسو بقشور، وعلى هيئة مجذاف لأنه مستعرض في طرف. ويوجد في مبدأ ذنبه غدة من المسك وهو ذات رائحة ذكية جداً. وهو صنفان إسباني وروسي.
له مخالب، ويقتات على الحشرات والأسماك والضفادع. وهو محرم اللحم.
86- الدولفين(2):
جنس من الحيتان الصغيرة، قد يبلغ طوله عشرة أقدام. يعيش في المياه الاستوائية والمعتدلة مجتمعاً مع بعضه. وهو من أذكى الأسماك وأقربها إلى الإنسان من حيث قابليته للتدريب. حتى زعم القدماء انه ينجي الغريق. ومنه كنيته أبو سلام. ويسمى بالدخس(3) وخنزير البحر(4).
وهو محرم اللحم، لأنه عرفاً سمكة وخالية من الحراشف.
ــــــــــــــــــــ[114]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص76 ج3.
(2) المصدر ص87 ج3.
(3) انظر الدخس في المصدر ص51 ج3.
(4) انظر خنزير البحر المصدر ص659 ج2.
87- الدمشق(1):
أو الزقزاق(2) أو القطقاط(3). طائر بقدر الحمام من فصيلة رسل الغيث له أنواع عديدة تبلغ أربعة عشر نوعاً. طويل السيقان يمتاز بأجنحته الشوكية وبمنقاره الذي طوله أقصر من طوله رأسه، وبقدميه المحرومتين من الإصبع الخلفي، وبذنبه المستدير المخطط بخطوط بيضاء.
وحليته منوطة بقلة صفيفه. والظاهر ان له حوصلة فيكون حلالا ما لم يكثر صفيفه على دفيفه.
88- الدواس(4):
أو أبو ملعقة(5) لأنه طائر مائي عريض المنقار كأنه ملعقة. يعيش في الشواطئ على الأسماك والضفادع والزواحف الصغيرة. وقد بلغت أنواعه ثمانية. طويل الساقين قصير الذيل.
وحليته منوطة بقلة صفيفه. مع توفر بعض العلامات الأخرى التي سبقت. ولكننا قلنا انه مع الشك فالأغلب هو الحلية.
89- ذات النفسين(6):
اسم سمكة من فصيلة الأسماك الرئوية، سميت بذلك لأن لها خياشيم ورئتين دون غيرها من الأسماك وأنواعها عديدة منها سمك في النيل يعرف
ــــــــــــــــــــ[115]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص 91 ج 3.
(2) انظر الزقزاق في المصدر ص301 ج3.
(3) انظر القطقاط في المصدر ص197 ج5.
(4) المصدر ص94 ج3.
(5) انظر (أبو ملعقة) المصدر ص128 ج1.
(6) المصدر ص152 ج3.
بدبيب الحوت. وكلها تعيش في المياه العذبة. يمتاز جسمها بالطول كأنها الأفعى. وهي خالية من الحراشف. فتكون حراماً.
90- الذعرة(1):
بالضم ثم الفتح. طائر صغير يكثر تحريك ذنبه واسمه عند العامة في مصر أبو قصادة(2) وفي العراق زيطة(3). ذنبه مستقيم طويل والأجنحة متوسطة في طولها وقدماه قصيرتان. لها أنواع كثيرة كلها رشيقة وخفيفة في حركتها تعتاش على الديدان والحشرات والفقريات الصغيرة. وتسكن قرب شواطئ المياه أو المروج أو المراتع أو قرب قطعان المواشي. ولحمها حلال لأنها من العصافير الواجدة لشرائط الحلية وصفاتها.
91- الراتل(4):
حيوان من فصيلة السراعيب شبيه بالظربان قصير الرجلين كثيف الشعر له نوعان: أفريقي وهندي. وهو من الحيوانات الليلية، ذو غباوة وكسل ولكنه يحفر أجحاره بمساعدة أظافره القوية بسرعة مدهشة.
تفوح رائحة كريهة نتنة من الغدة القريبة من استه بصورة هائلة. ويقتات على ذوات الثدي الصغيرة والطيور والفواكه. إلا انه يرجح العسل على الجميع، ومن أسمائه الشنصر(5) والسنسار(6) والدلق(7). وهو محرم لأن له مخالب.
ــــــــــــــــــــ[116]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
(7) المصدر ج3 ص187.
(2) انظر أبو قصادة في المصدر ج1 ص109.
(3) وانظر الزيطة في المصدر ج3 ص327.
(4) المصدر ج3 ص200.
(5) انظر الشنصار في المصدر ج4 ص56.
(6) والسنسار في المصدر ج3 ص464.
(7) والدلق في المصدر ج3 ص88.
92- رأس المطرقة(1):
جنس من الطيور المائية المرتبطة الأصابع. له فصيلة خاصة وأفراد قليلة. ويشبه الإوز في شكله، فله ما لسائر الإوز منقار ضخم مرتفع عريض جداً من مبدئه ومزود بغدة قوية من فوقه وعارية عن الريش. وأجنحته مسلحة بأظفار محكمة في منتهاها.
والظاهر صدق الإوز عليه عرفاً، فيكون حلالا.
93- الراكون(2):
حيوان أمريكي من اللواحم وهو قريب النسب من فصيلة الدب. وشكله كشكل دب صغير.
والراكون البري يأكل كل أنواع السمك والدجاج وكل ما يظهر من صغار الحيوان ويأكل جوز البلوط وسائر أنواع الجوز. يداه مفرطحتان في كل منها خمسة مخالب حادة. وهو شديد الولع بسرطان البحر وببلح البحر وبالمحار. وقد يغطس في الماء يرجو ان يجد صدفة مفتوحة. وهو حرام اللحم لأن له مخالب.
94- الرخمة(3):
بالتحريك طائر من الجوارح الكبيرة الوحشية الطباع. من نوع النسور. أصلع الرأس أصفر المنقار مأواها عادة أطراف الجبال الشاهقة ولا تنزل إلى الساحل إلا في فصل الشتاء هرباً من البرد. ولها أربعة أنواع.
ــــــــــــــــــــ[117]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ج3 ص201.
(2) المصدر ص502 ج3.
(3) المصدر ص238 ج3.
والمهم حرمة لحمها لأنها من الجوارح أو الكواسر.
95- الرعاد(1):
سمكة بحرية من الفصيلة الرعادة من صنف الأسماك الغضروفية. كهربائي، جسمه أملس مستدير ذنبه قصير ثخين اسطواني الطرف مقعر الجانبين. أسنانه مخروطية ملززة زعانفه البطنية ملاصقة للجهة الخلفية من الصدر. وهو نحو عشرين نوعاً.
وكل أنواعه محرم الأكل باعتبار كونه سمكة عرفاً وخالية من الحراشف.
96- الرنة(2):
من فصيلة الأيائل وهو حيوان كبير ذو قرون متشعبة. يجيد السباحة وتقدر على المعيشة في برودة القطب.
وهي محللة اللحم باعتبارها غزالا.
97- الرهو(3):
طائر كبير من الكراكي من فصيلة الطيور المائية الخواضة أبتر الذنب طويل العنق والرجلين، أنواعه عديدة تبلغ إلى اثنى عشر يقتات على الحشرات والديدان والزواحف الصغيرة المائية وعلى الحبوب والفواكه ويهاجر شتاءً إلى الأقطار الحارة.
والمظنون ان صفيفه أكثر من دفيفه فلا يكون حلالا.
ــــــــــــــــــــ[118]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص243 ج3.
(2) المصدر ص255 ج3.
(3) المصدر ص257 ج3.
98- رئة البحر(1):
اسم حيوان هلامي يكون في بحر الملح يسمى بقنديل البحر(2) أيضاً. ومن شعبة أمعائية الجوف يتراوح طوله أربعة أقدام يشاهد عائماً قرب سطح البحر عادة، ويقع الفم في الجهة البطنية وتتدلى حوله أربع شفاه طويلة كما يتدلى صف من المجسات القصيرة في حافة المظلة وتحمل هذه المجسات حجيرات لامعة.
ولا ينطبق على هذا الحيوان شيء من علامات التحريم فيكون مقتضى القاعدة جوازه ما لم يكن مضراً أو من الخبائث عرفاً.
99- الزرافة(3):
حيوان له فصيلة برأسها من الظلفيات المجترة قصيرة الرجلين طويلة اليدين، وهي تمتاز بطول رقبتها وطول أطرافها. وهي بالرغم من طول رقبتها لا تستطيع ان تخفض رأسها إلى الأرض إلا بصعوبة. وهو حيوان أمين لا يؤذي أحداً ما لم يعتد عليه. وله قرنان مخروطيان خالدان وهناك نوع واحد من الزرافة له قرن ثالث في منتصف الجبهة. والجلد أشقر ناصع عليه بقع كبيرة أدكن منه، وعلى العنق معرفة سنجابية أو شقراء.
وحكمها من حيث حلية اللحم هو الجواز على القاعدة كما سبق باعتبارها نباتية وذات أظلاف بل لعلها مثل الجمل في طريقة التذكية وهي النحر من حيث كونها عرفاً من فصيلته. وسيأتي الحديث عن ذلك في كتاب الصيد والذباحة.
ــــــــــــــــــــ[119]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص262 ج3.
(2) انظر قنديل البحر ص241 ج5.
(3) المصدر ص284 ج3.
100- الزمير(1):
نوع من السمك النهري من فصيلة السلور أكثر أنواعه خال من الحراشف له شوك ناتئ في زعنفته الظهرية وجسمه مضغوط في مؤخره والوجنات مدرعة حيث أنها مغطاة بصفحة عظمية عريضة. يوجد من أنواعه ما يقارب عشرة أنواع معظمها في المياه العذبة في نصف الكرة الشمالي. ما كان منه خالياً من الحراشف فهو حرام، وما كان محتوياً عليها فهو حلال ولا يضر بحليته كونه من جنس الحرام علمياً.
101- زنبق البحر(2):
وتسمى أحيانا بالنجوم الريشية. اسم حيوان من شعبة شوكية الجلد، له ساق طويل ينتهي من الأعلى بكأس شبيه بزهرة الزنبق يقع فمه في وسط المجسات بينما يكون المخرج في الطرف الثاني من الساق ولا يعيش إلا في أعماق البحر.
ولا تنطبق عليه شيء من علامات التحريم فيكون مقتضى القاعدة جوازه، كما قلنا ما لم يكن مضراً أو من الخبائث عرفاً.
102- السحنون(3):
طائر من طيور الماء من فصيلة التفالق يشبه دجاج الماء. كالدجاجة جميل المنظر ارجواني اللون يعرف منه أنواع احدها عراقي يقال له الرهان. واثنان في مصر يدعيان الفرفور والفرخة السلطانية له جبهة شبه خالية من الريش تمتد إلى
ــــــــــــــــــــ[120]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
(1) المصدر ص312 ج3.
(2) المصدر ص315 ج3.
(3) المصدر ص353 ج3.
خلف العينين.
حليته منوطة بقلة صفيفه والمفهوم من شكله ان له حوصلة فإذا تم كل ذلك كان حلالا.
103- السردين(1):
له فصيلة قائمة بنفسها من رتبة الأسماك العظيمة من نوع الشالج. فكه السفلى أطول من العليا والرأس حاد ذهبي اللون والزعانف دقيقة سنجابية وهو يطوف البحار أسراباً.
والظاهر من صورته انه سمك له حراشف فيكون حلالا.
104- السرطان(2):
حيوان مائي من القشريات المفصلية. طعامه متنوع نباتي وحيواني ويقتات أحيانا على اللحم البشري ويسبح إلى الوراء بواسطة ضربات ذيله الطويل أو يزحف إلى الأمام على أقدامه وهو ذو قشرة كلسية تتبدل من حين إلى آخر نتيجة نمو الحيوان الفجائي. ومن طباعه انه إذا فقد رجلا لا يأتي عليه أسبوعاً، إلا ونبتت له رجل عوضاً عنها.
ويتنفس هذا الحيوان بواسطة الغلاصم وعددها أربعون موزعة على جانبي الصدر بالتساوي، وهي عبارة عن صفائح رقيقة بارزة من جدار البشرة وتغطى باستطالات من القشرة الظهرية الصلبة.
وينقسم السرطان إلى رتب كثيرة: منها عشري الأرجل ومنه السرطان العادي، ومعدى الأرجل ومحيط الأرجل. والسرطان يخلع قشره كثيراً فينمو.
ــــــــــــــــــــ[121]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص358 ج3.
(2) المصدر ص359 ج3.
والاهم حرمة أكله بكل أصنافه لأنه من الحشرات عرفاً.
105- السرعوف(1):
بضم السين، حشرة مستقيمة الأجنحة طويلة الجسم قائمتاها الأماميتان طويلتان جداً وتسمى فرس النبي وأبو البستان وجمل اليهود. وله أنواع عديدة.
وقد عرفنا ان كل حشرة فهي محرمة الأكل، عدا ما استثنى. وليس هذا من المستثنى.
106- سرعوف البحر(2):
من النواعم الزاحفة، وهو النوع المهم من رتبة بطنية الأرجل وله جسم ذو تقطيع شامل ومسطح تقريباً. مغطى بقشرة صلبة وسريعة الانكسار. وتوجد العيون في العضو العلوي المتحرك من الفك. أما الزوائد فهي زوجان من اللوامس الطويلة، وزوج من الأعضاء القوية في الفك الأسفل، وزوجان من الأسنان الركيكة وخمسة أزواج من الأقدام المتقرنة.
وهو حشرة بحرية فتكون حراماً. إلا انه يقال بشبهها بالاربيان. فان كانت من فصيلته عرفاً فهي حلال، إلا انه يكفي الشك في ذلك بعد إحراز كونها حشرة عرفاً فتحرم.
107- السقاوة(3):
طائر من الجوارح النهاية من فصيلة الصقور لكنه أضعفها نفساً وحيلة، ومنه تسميته بالحميمق. وتمتاز عن سائر الصقور بمنقارها المنحني وأجنحتها
ــــــــــــــــــــ[122]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص374 ج3.
(2) المصدر ص376. ج3.
(3) المصدر ص388 ج3.
الطويلة. تسكن مزارع الحبوب والمروج وأطراف الماء.
وهو محرم بصفته جارحاً.
108- السلحفاة(1):
للسلاحف رتبة برأسها وهي من صنف الزواحف تشمل السلاحف البرية والبحرية وسلاحف المياه العذبة. وأهم ما تمتاز به السلاحف ان جذعها عريض ومحاط بصندوق يدعى بالصدفة.
تتركب من قسم ظهري محدب وقسم بطني مسطح. كما أنها عديمة الصوت وعديمة الأسنان. إلا ان الفكين مغلفان بمادة قرنية شبيهة بمادة المنقار.
وكل السلاحف محرمة الأكل كما سبق.
109- السلمون(2):
سمك بحري ونهري من الأسماك العظيمة. رقيق الحراشف وزعانفه الحوضية بعيدة عن الكتفية. واهم أنواعه السلمون الاعتيادي ويسمى بسمك سليمان، والسلمون المرقط. وهو من الأسماك المهاجرة والأنثى منه تضع خمسة عشر ألف بيضة.
ومن الناحية الفقهية، فحليته تابعة لوجود الحراشف على جسمه. وقد يبدو في بعض صوره بدون حراشف.
إلا أننا سمعنا انه رقيق الحراشف ومعناه إمكان سقوطها أحياناً. وما يكون
ــــــــــــــــــــ[123]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص393 ج3.
(2) المصدر ص402 ج3.
كذلك من السمك فهو حلال، ما دام ذا حراشف في أصل خلقته. كما سبق.
110- السلوى(1):
طائر من القواطع يسمى سماني(2) وفي مصر سمان وفي العراق مريعي(3) وهو من رتبة الدجاج، من فصيلة التدرج التي منها التدرج والحجل. وأنواعه كثيرة تزيد على المئة. ويبني عشه بين الأشجار والأنجم من الطحلب والنباتات الطرية.
وهو حلال اللحم. جزماً وعليه التسالم الفقهي.
111- السمك الأبيض(4):
سمكة بيضاء اللون من أنواع الشبابيط يكون في دجلة والفرات ونهر العرب. واسمها الآخر: برعان. وهو حلال اللحم لأن الشبوط كله كذلك. فانه سمك له حراشف.
112- سمك الترس(5):
طوله من 5 سم إلى 70 سم ويمكن ان يصل إلى متر. له جسم مسطح ومفلطح وبيضوي الشكل. وله عينان موضوعتان في الجانب الأيسر من رأسه. واما الجانب الأيمن من رأسه فخال من الأعين. وهو من الأسماك الشرهة جداً. يتمكن من توسيع شدقي فمه ليتسنى له ابتلاع فرائسه الضخمة. وحليته
ــــــــــــــــــــ[124]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص408 ج3.
(2) انظر السماني ج3 ص412.
(3) انظر المريعي ص454 ج5.
(4) المصدر ص434 ج3.
(5) المصدر ص434 ج3.
منوطة بوجود الحراشف له.
113- سمك الكراكي(1):
سمك نهري طويل دقيق الخطم واسع الفم. نهم يكون في النيل والمياه العذبة في أوربا.
وهو ذو حراشف حسب صورته. فيكون حلالا.
114- السمندر(2):
أو السمندل. دابة من صنف الزواحف من الضفدعيات المذنبة تعيش في الماء وعلى اليابسة. وإذا دخلت في النار أفرزت مادة أطفأت النار بلعابها. ومنه زعم القدماء ان السمندل إذا دخل النار لا يحترق.
وعلى هذا فهي محرمة اللحم لأنه عرفاً من الزواحف، ومن الحشرات أيضا.
ويقال في السمندر أمور أخرى في انه طائر وانه دابة دون الثعلب. ولا أهمية في ذلك فقهياً. والدابة حرام أكلها لأن الظاهر في تشبيهها بالثعلب كونها ذات مخالب. واما الطائر فلابد من تطبيق علامات الحلية عليه.
115- السمنة(3):
أو السمان أو السمنان أو السماني(4). طائر أغبر اللون له ذنب طويل أكحل العينين اصفر المنقار.
ــــــــــــــــــــ[125]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص435 ج3.
(2) المصدر ص439 ج3.
(3) المصدر ص444 ج3.
(4) انظر السماني في المصدر ج3 ص412.
والظاهر جوازه باعتباره عصفوراً. وقد سبق جواز أكل العصافير عموماً.
116- السمور(1):
حيوان بري من آكل اللحوم من فصيلة النمس. له ثلاثة أضراس قاطعة، وضرسان صحيحان في الفك الأعلى. وأربعة أضراس قاطعة وواحد صحيح في الفك الأسفل، ولسان خشن تغشاه دبابيس قرنية. وله عند ذنبه كيس فيه مادة رمضية. ويباع جلده بأغلى الأثمان فيصنعون منه الفراء الثمينة.
وعلى أي حال فلحمه حرام لكونه ذو مخالب حسب صورته، وهو سبع آكل اللحوم. فيكون فراؤه مما لا يجوز الصلاة فيه وان كان مذكى. فان لم يكن مذكى كان ميتة لا يجوز الصلاة فيه من جهتين.
117- سمور البحر(2):
حيوان ثديي برمائي من أندر الحيوانات في الدنيا وأعظمها فتنة وجمالا. واسند إلى البحر لأنه يعيش أكثر ما يعيش في البحر إلا فترات قليلة يقضيها فوق الصخور.
وهو من الفصيلة التي تتضمن الغريرات والسمامير البرية، فيلوح كأنه هجين مولد من فقمة وسمور. كبير الحجم يبلغ طوله أربعة أقدام أو خمسة. له لحية أنيقة مسرحة ووجه كأنه وجه آدمي تعبّر تقاسيمه عن الرضى. وفروه اللامع اسمر أدكن يضرب إلى سواد فاحم، تتخلله شعرات فضية. يداه ذات خمسة أصابع ببراثن وخلفيتاه مكفوفتان يعني ملصقة الأصابع. وهو على أي حال حرام لأن له براثن.
ــــــــــــــــــــ[126]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص445 ج3.
(2) المصدر ص448 ج3.
118- السنجاب(1):
بضم السين وكسرها. حيوان اكبر من الجرذ، يضرب به المثل في خفة الصعود وسرعته.
له فصيلة قائمة برأسها، من رتبة القواضم (القوارض). له ذنب طويل كثيف الشعر، شعره في غاية النعومة تتخذ من جلده الفراء.
ورجلاه مغطاة بوسائد حريرية على باطن القدم لأجل السعي على الثلج وله مخالب بيض. وله ذنب اسمر لامع وأذناه مستديرتان. يتخذ أجحاره بضفاف الأنهار والأماكن الظلية كالغابات الملتفة. وتوجد منه أنواع عديدة في الغابات. وتقتات على البذور والأثمار. وهو محرم اللحم بصفته ذو مخالب. وان كان نباتياً.
119- السنجاب الطائر(2):
وقد سماه البعض النسناس الطائر والسنور الطائر. من الحيوانات البرية التي لا تسرح إلا ليلا، حتى لا سبيل إلى رؤيته نهاراً. يثب من شجرة إلى شجرة مباعداً بين قوائمه الأربع فتصبح كأنها أجنحة ويهوي في منحن قوسي شديد الانحدار.
وأجنحته ليست كالطيور. بل له غشاء بين قدميه ويديه يقفز بهما. وله ذنب طويل ذي شعر كثير كثيف ويتمكن من ان يجعله كدفة سفينة عند السباحة في الماء. والسناجيب الطائرة عدة أنواع تسكن المناطق الشمالية.
وعلى ذلك فهو ليس طائراً حقيقة، بل هو من ذوات القوائم الأربع، وذو
ــــــــــــــــــــ[127]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص456 ج3.
(2) المصدر ص461 ج3.
مخالب كابن عرس ونحوه. فلا تنطبق عليه علامات حلية الطيور. بل تنطبق عليه علامات حلية الدواب. وهو ذو مخالب فيكون حراماً.
120- السنونو(1):
طائر صغير من عائلة الخطاطيف من فصيلة الطيور الدورية، وهو أقواها وأسرعها طيراناً. ومنقار السنونو قصير عريض المنبت دقيق الطرف والذنب يتشعب شعبتين طويلتين. والرجلان قصيرتان ضعيفتان. ومنها أنواع كثيرة منتشرة في العالم. وغذاؤها الحشرات والهوام.
والظاهر انه الطير المسمى بالأبابيل بالقرآن الكريم. ويسمى في العراق: سند وهند. وهو حلال اللحم باعتباره عصفوراً عرفاً.
121- الشقراق(2):
واسمه في مصر الغراب الزيتوني وفي العراق خضار(3) وفي شرق جزيرة العرب ضؤضؤ(4).
طائر أصغر من الحمامة وأعظم من الوروار بين خضرة وحمرة وزرقة وسواد على أن الخضرة غالبة عليه. ومن فصيلة نقار الخشب المعروفة بآكلة النمل. منقاره اسود مستقيم معقوف عند طرفه. وساقاه مصفرتان. وهو ذو بسالة لا يهاب أكثر الطيور. ويأكل ذوات المفاصل. إلا انه قد يأكل بعض الثمار.
ــــــــــــــــــــ[128]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص475 ج3.
(2) المصدر ص45 ج4.
(3) انظر الخضار في المصدر ج2 ص630.
(4) انظر الضؤضؤ في المصدر ج4 ص124.
وحليته منوطة بقلة صفيفه. ولا يبعد كون صفيفه كثيراً في طيرانه العالي، فيكون حراماً.
122- الشره(1):
حيوان ثقيل وبطيء في سيره من فصيلة السراعيب وهو بحجم الكلب ومع ذلك فان له طباع وعادات الدب. لون ظهره رمادي يميل إلى السواد. وهو شره أكول للغاية ويحسن الصيد جيداً، ويقتات على اللحوم الطرية وعلى الأسماك والجيف والفئران.
وهو حرام اللحم، لأن له مخالب.
123- شقيق البحر(2):
من الحيوانات المائية الشعاعية التناظر التي تعيش في البحر من شعبة جوفية المعي. وهو حيوان اسطواني الشكل زاهي الألوان تحيط بفمه من أعلاه مجسات كثيرة. ويعيش في قاع البحر ملتصقاً على الصخور. تركيبه الجسمي يشبه المرجان.
وليس فيه علامات حرمة الأكل. وخاصة في مثل هذه الموجودات البحرية التي لا لحم لها عرفاً. فتكون حليته الفعلية منوطة بعدم كونه مضراً أو كونه من الخبائث عرفاً.
124- الشنقب(3):
طائر أصغر من دجاج الحقل من فصيلة دجاج الأرض. له منقار طويل
ــــــــــــــــــــ[129]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص37 ج4.
(2) المصدر ص48 ج4.
(3) المصدر ص57 ج4.
جداً. وقاعدة ساقيه عارية من الريش ويمتاز عن غيره بالخطين الأسودين الممتدين طولا من فوق رأسه. وسرعة طيرانه في الليل أشد مما هي في النهار على انه قليل في طيرانه.
له أنواع عديدة. يعرف في العراق بالجهلول(1) وفي الشام شكب وفي مصر كلسين.
وحليته منوطة بقلة صفيفه، وهو الظاهر بدلالة قلة طيرانه كما أشرنا، مضافاً إلى رجحان كونه من العصافير، والعصافير كلها دافة غير صافة.
125- الصافر(2):
وهو طائر جبان من نوع العصافير، وسمي به لأنه يصفر ليلا خيفة أن ينام فيؤخذ. ومنه المثل: أجبن من صافر. وهو من الطيور الدجاجية يقال له البشير، من عائلة السمن. زعموا انه إذا أقبل الليل يأخذ بغصن شجرة ويضم عليه رجله فيتعلق بها وينكس رأسه، ثم لا يزال يصيح حتى يطلع الفجر ويظهر النور.
والظاهر انه حلال اللحم، لأنه كما سمعنا من العصافير، ومن فصيلة الدجاج.
126- الصرارة(3):
نوع من العقبان من فصيلة الجوارح وهي عقبان عظيمة كدراء تضرب إلى التوشيم ولا تصيد إلا الحيات.
ــــــــــــــــــــ[130]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) انظر الجهلول ج2 ص413.
(2) المصدر ص80 ج4.
(3) المصدر ص85 ج4.
وهو حرام لأنه من الجوارح.
127- الصرد(1):
طائر أعظم من العصفور، أبقع الرأس يكون في الشجر ورؤوس القلاع وأعالي الحصون. نصفه ابيض ونصفه اسود ضخم المنقار له برثن عظيم. لا يقدر عليه أحد. وهو شرس النفس شديد النقرة وغذاؤه من اللحم. وله أنواع كثيرة. ويسمى الصرد أيضاً العقعق(2) والنهس(3).
والظاهر حرمته لأنه وان لم يكن من فصيلة الجوارح علمياً، إلا انه جارح عملياً وعرفاً فلا يكون حلالا.
128- الصعوة(4):
طائر صغير جداً هو أصغر العصافير في العالم القديم. وأكثر ما يظهر في الشتاء. لونه متوسط بين الرمادي والأصفر وفي جناحيه ريش ذهبي ومنقاره دقيق، وفي ذنبه نقط بيض. له حركات دائمة وهو دائم الصفير قليل الطيران. يستطع أن يتحرك ويطير في جو تعجز فيه عن الحركة جميع الوحوش والطيور من البرد. وهو حلال لأنه عصفور بكل أنواعه.
129- الصفرد(5):
من فصيلة التفالق، طائر من الطيور الدجاجية، كالسماني. وهو كثير
ــــــــــــــــــــ[131]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) انظر الصرد في المصدر ص87 ج4.
(2) انظر العقعق في المصدر ص314 ج4.
(3) انظر النهس في المصدر ج6 ص118.
(4) المصدر ص92 ج4.
(5) المصدر ص99 ج4.
الاختفاء في المراعي ويصعب إثارته فيلتقطه الكلاب التقاطاً. فوصفه العرب بالجبن. فقالوا: أجبن من صفرد.
والظاهر انطباق شرائط الحلية عليه.
130- صليب البحر(1):
ومن أسمائه كوكب البحر(2) ونجم البحر(3) وكف مريم. وينتمي إلى شعبة حيوانات شوكية الجلد. وهي حيوانات بحرية شعاعية التناظر مكسو جلدها بأشواك.
يسبح في البحر أو يمشي وفمه إلى الأسفل وتوجد على ظهره أشواك كثيرة مختلفة الحجوم. والمعدة كبيرة الحجم تملأ المنطقة الوسطية للحيوان وتتشعب منها أكياس وملحقات غددية معقدة إلى الأذرع. والأمعاء قصيرة جداً وتنتهي بالمخرج الواقع في مركز القطب المقابل للفم من الجهة الظهرية.
يقتات على بعض الحيوانات المائية ولا سيما المحار. وليس فيه علامات الحرمة، فيكون أكله حلالا ما لم يكن مضراً أو من الخبائث عرفاً.
131- صياد الذباب(4):
اسم يطلق على عدة أنواع من عائلة خطاطيف الذباب. فصيلة الدودي. وطيرانه سريع. وهو مغرم بهز الذنب وارتجاف الأجنحة ويقتات الحشرات التي يصطادها بجناحه بحذاقة عظيمة، فيبتلعها ويلفظ الاجزاء الصلبة.
ــــــــــــــــــــ[132]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص107 ج4.
(2) انظر كوكب البحر في المصدر ج5 ص348.
(3) وانظر نجم البحر في المصدر ج6 ص20.
(4) المصدر ص114 ج4.
وهو حلال لأنه عصفور وقد قلنا ان كل العصافير محللة.
132- صياد السمك(1):
من طيور الماء صغير الجسم سريع الغوص شديد الاختطاف. لا يرى إلا مرفرفاً على وجه الماء. ومن أسمائه المازور والرفراف.
أسود المنقار والرجلين قصير الذنب سريع الغوص يساعده منقاره المدبب على ذلك. كما يساعده على اختطاف السمك الصغار. كما يساعده على بناء بيته حيث يحفره إلى حوالي قدمين ويضع بيضه فيه. وله أنواع عديدة.
وحليته منوطة بقلة صفيفه، مع وجود العلامات الأخرى له. وتسميته بالرفراف يدل على كثرة رفيفه إلا ان ذلك إنما يكون قرب سطح الماء. واما في طيرانه العالي فلعله يستعمل الصفيف. كما هو الأغلب في طيور الماء.
133- الضرب(2):
بفتح الأولين، حيوان من القوارض على ظهره شوك كأنه المسال. وهو أنواع كثيرة ومن أسمائه الشيهم(3) والشيضم(4) والدلال(5) واسمه في السودان أبو الشوك وفي الشام والعراق نيص(6) وفي بعض أنحاء الشام القنفذ على ان القنفذ حيوان آخر من آكلات الحشرات.
وهو محرم اللحم لأنه من القوارض. والظاهر ان له مخالب.
ــــــــــــــــــــ[133]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص115 ج4.
(2) المصدر ص135 ج4.
(3) انظر الشيهم المصدر ج4 ص75.
(4) انظر الشيضم المصدر ج4 ص74.
(5) انظر الدلدل المصدر ج3 ص85.
(6) انظر النيص المصدر ج6 ص134.
134- الضفدع(1):
من القوازب أي من جنس الحيوانات البرمائية. تعيش قرب المياه العذبة، فتراها تقفز على الأرض، وأخرى تسبح في الماء وتقتات على الديدان والحشرات، وتستطيع ان تصوم مدة طويلة في زمن الشتاء. وللضفادع نعيق خاص بها سيما في الماء عندما يكون المناخ رطباً.
وعلى أي حال فهي حرام بكل أنواعها شرعاً. لأنها من الحشرات عرفاً، مضافاً إلى كونها منصوصة في الأدلة.
135- ضفدع البحر(2):
نوع من الأسماك البحرية الغضروفية الرئوية. وجلده خال من القشور تتكون زعنفة الظهر من شوكتين وعلى الغطاء الخيشومي شوكة واحدة. وهذه الأشواك الثلاث قوية ومتصلة بغدة سُمية عند قاعدتها يندفع السم منها عند الضغط عليها إلى مسافة بعيدة. ويشبه في تأثيره سم العقرب المعروف.
والمهم فقهياً حرمة لحمها لأنها سمك بدون حراشف، مضافاً إلى ضرره السمي.
136- الضوع(3):
ويسمى بالسبد أيضا، طائر من الطيور الجارحة الليلية. أكبر من الخطاف وشبيه به. وريشه اغبر مخلوط بخطوط سود. وهو مسرول الساقين واسع الفم مفلطح الرأس والمنقار، وحول منقاره شعرات كالهلب.
ــــــــــــــــــــ[134]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
(1) المصدر ص139 ج3.
(2) المصدر ص143 ج4.
(3) المصدر ص147 ج4.
وهو محرم اللحم لكونه جارحاً.
137- الطاووس(1):
طائر من الرتبة الدجاجية من العائلة التدرجية واصله من الهند. منقاره متوسط الطول، جناحاه قصيران مستديران. في رأسه عرف مؤلف من 24 ريشة صفراء ذهبية الحواس. وجهة العين عارية من الريش. اما الذيل ذي العرف منه ففيه 18 ريشة طويلة مستديرة الأطراف ولا يوجد إلا في الذكر. وهو ليس ذنباً له بل يوجد في ظهره، وذنبه قصير في مؤخرته.
وقدمه قوية طويلة، وهي مغطاة من الأمام بحراشف وفيها مهماز. مخروطي الأصابع والأمامية منها متصلة عند أصولها بغشاء. وله أنواع عديدة.
وحليته منوطة بتوفر شرائط الحل فيه. والمظنون عدم توفرها، ومن هنا حكم مشهور الفقهاء عليه بالحرمة، إلا أننا قلنا انه مع الشك يكون مقتضى القاعدة الجواز.
138- الطبطاب(2):
طائر له أذنان كبيرتان. إذا صوّت كان صوته كصوت تلاطم الماء، ومن أسمائه: الجوان وقاق الماء، وهو طائر اسود من فصيلة الجوان. وحليته منوطة بتوفر شرائط الحل فيه.
139- الطبل(3):
سمكة بحرية تمتاز بوجود زوائد جانبية متفرعة من كيس العوم يتكون من
ــــــــــــــــــــ[135]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص152 ج4.
(2) المصدر ص160 ج4.
(3) المصدر ص161 ج4.
مجموعها شبكة معقدة التركيب عبارة عن تجاويف صغيرة ممتلئة بالهواء ولهذا الكيس العجيب قدرة على إحداث نغمات كدقات الطبول. وهي إنما تفعل ذلك لتهتدي الذكور إلى الإناث وقت التزاوج ومن أسمائها البلطي.
وحليتها منوطة بتوفر شرط الحلية فيها وهو كونها ذات حراشف. والمظنون أنها ليست كذلك.
140- الطلينس(1):
جنس من النواعم الصدفية الصفائحية الغلاصم. والغطاءان الصدفيان متساويان ومفتوحان من الخلف وهما مسطحان ومستديران أو مستطيلان. وللحافة الخلفية لسان واضح. وله 300 نوع أو أكثر.
وهي من المحار عرفاً، وهو نوع من الحشرات عرفاً على أي حال، فتكون حراماً.
141- الطنان(2):
طائر أمريكي هو أصغر الطيور المعروفة. وسمي بذلك لأنه يطن كالذباب، ومنه تسميته بالطائر الذبابة أو الطائر الذبابي، وهو على صغر جسمه طائر مقاتل لا يخشى عدوه ولا يهرب منه. ويمتاز الطنان بألوان أجنحته الزاهية التي تجعله تحفة فنية جميلة. والظاهر حليته لأنه من العصافير.
142- الطوقان(3):
له فصيلة قائمة برأسها من رتبة المتسلقات الببغاوية. ويمتاز بكبر منقاره
ــــــــــــــــــــ[136]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص178 ج4.
(2) المصدر ص179 ج4.
(3) المصدر ص184 ج4.
فانه يكاد يساوي حجمه كله في الطول وباطنه خلوي، وفيه نسيج شبكي عظمي وطرفه مسنن ورأسه معقوف. وألوانه في الغالب زاهية تبهت إذا مات. وهي طيور تخاف البرد وتستوطن الأقاليم الحارة في قارة أمريكا فتؤلف غاباتها أسراباً. صوتها يشبه صوت: طوقانو ومنه أخذ اسمها وهي خفيفة الحركة وسريعة، إلا أنها ليست قوية في الطيران. وله أنواع عديدة.
وحليته منوطة بشروطها. وان كان المظنون عدم توفرها فيه. وقلنا انه مع الشك فالأصل الحلية.
143- الطيبط(1):
طير من جنس الطويلة السيقان المائية. من فصيلة بنات الرؤوس أو رسل الغيث(2). ويمتاز بصورة بارزة بما على رأسه قبضة أرياش متوجهة إلى الخلف. منقاره مستقيم وأقصر قليلاً من رأسه ولرجله إصبع واحد خلفي لا يمس الأرض إلا بظفره.
والطيابط تعيش مزدوجة وبوفاء متحد للغاية وهي عند الحركة يقظة جداً ومتحذرة تماماً. وهي تطير جيداً وعلى أسلوب متنوع كثيراً. وتقتات دائماً على الديدان وعديمة الفقار وتضع عشها عموماً في وسط الأعشاب داخل موقع رطب.
وحليته منوطة بتوفر شرائطها فيه، وما سمعناه يدل على ان صفيفه ليس أكثر من دفيفه. فهذا الشرط متوفر فيه. إلا ان توفر الشرائط الأخرى كالحوصلة والصيصة مشكوك. ولا قانصة له حسب صورته. والإصبع الخلفي المشار إليه سابقاً ليس قانصة لأن القانصة لا تكون بصورة الإصبع ولها ظفر. وإنما هي
ــــــــــــــــــــ[137]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص188 ج4.
(2) انظر رسول الغيث في المصدر ج3 ص24.
كلها عظم واحد أو ظفر واحد.
وقلنا انه مع الشك فمقتضى القاعدة الحلية.
144- الطيطوي(1):
بفتح الطائين مقصوراً أو يائياً، طائر صغير من طيور الماء طويل المنقار والساقين شبيه بالشقنب. إلا انه أصغر منه. وهو من الطيور القواطع حيث يطير ثلاثة آلاف ميل. وعمره ثلاثة أشهر. ولا يفارق الآجام وكثرة المياه لأن هذا الطائر لا يأكل شيئاً من النبت ولا من اللحوم، وإنما قوته مما يتولد في شاطئ الغياض والآجام من دود النتن. وله إصبع خلفية في رجله ويوجد غشاء جلدي واضح بين الإصبع الوحشية والوسطى. وجناحه طويل مدبب. وله عدة أنواع.
وحليته منوطة بشرائطها. والمظنون يدف وله قانصة. ولا أقل من الشك الذي هو سبب في الحلية. والظن بدفيفه باعتبار صغر حجمه نسبياً الذي يلحقه بعادة العصافير في الدفيف.
145- الطهيوج(2):
طائر من رتبة الطيور الدجاجية من نوع الدراج شبيه بالحجل الصغير غير ان عنقه أحمر وتحضن أنثى الطهيوج بيضها في النهار ويحضنها الديك (الذكر) في الليل.
وهو حلال اللحم باعتبار توفر شروط الحلية فيه وله قانصة بحسب صورته.
146- العصفور(1):
ــــــــــــــــــــ[138]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص195 ج4.
(2) المصدر ص202 ج4.
(3) المصدر ص266 ج4.
من الطيور الدورية منسوب إلى الدور جمع دار. يمتاز بكون منقاره مخروطياً محدباً قليلا نحو رأسه وذنبه متوسط غير متساوي الأطراف. وهو على الأكثر رمادي من لمحة إلى حمرة داكنة في الجناحين وهو منتشر في كل أقطار الأرض تقريباً ولا سيما الأماكن التي فيها الحبوب لأنها ركن قوته وأكثر وجوده حيث يكثر وجود الناس وأنواعه عديدة كلها حلال شرعاً لأنها واجدة لشرائط الحلية.
147- العضد(1):
من القوارض من فصيلة الفأر على قدر الجرذ وهو أنواع عديدة، وهو محرم الأكل باعتبار ان كونه قارضاً وذا مخالب.
148- العظاية(2):
أو العظائة وهي عند علماء الحيوان كل دويبة صغيرة من الزحافات منها الوزغ والغضارف أي الحراذين والضباب والسحالي. والعظاية في الأصل اسم لدويبة ملساء أصغر من الحرذون تمشي مشياً سريعاً ثم تقف تتناول فريستها بلسانها. يبلغ مجموع أنواعها (1750) نوعاً مختلفة الحجم والشكل. وكلها حرام شرعاً لأنها من السحالي ومنصوص على بعضها كسام أبرص والوزغ.
149- عقاب البحر(3):
جنس من الطيور المائية المرتبطة الأصابع بالجلدة، من رتبة كامل المخالب. له فصيلة خاصة به، يمتاز بطول منقاره الذي يمتد عن ضعف امتداد
ــــــــــــــــــــ[139]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
(1) المصدر ص277 ج4.
(2) المصدر ص280 ج4.
(3) المصدر ص302 ج4.
رأسه. ورقبته قوية مستحكمة وأرياش أجنحته طويلة جداً وذنبه منفرز وطويل للغاية وأرساغه قصيرة ونصفها مغطاة بالريش وأصابعه حادة ومعقوفة. يوجد منه نوعان يعيشان في دائرة الانقلاب الصيفي. ويعرف بعقاب البحر لما لبصره من حدة تمكنه من تمييز الأسماك الصغيرة الموجودة فوق سطح البحر وهو في علو شاهق، ولسرعة طيرانه وخفته فيه.
وهو ليس عقاباً ليكون محرماً من هذه الناحية فان العقاب طير جارح مسلم الحرمة فقهياً، ولذا حذفناه من قائمة الطيور المشكوكة الحلية. ولكن هذه الحرمة لا تشمل عقاب البحر غير ان المظنون جداً ان صفيفه أكثر من دفيفه ولا نعلم بوجود العلامات الأخرى فيه فلا يكون حلالا وقد سبق ان قلنا ان الأصل مع الشك يقتضي الحلية.
150- العقعق(1):
على وزن ثعلب، طائر من نوع الغراب، بل هو الغراب الأبقع. طويل الذنب تسميته بحكاية صوته. ومن طبعه شدة الاختطاف لما يراه من الحلي. وقد سبق أن قلنا بجواز أكل لحم الغراب على كراهية شديدة. مع بيان الوجه الفقهي في ذلك.
151- العنبر(2):
على وزن جعفر اسم لنوع من الحيتان يستخرج منه المادة المعروفة بالعنبر، والدهن المعروف بالقاطوس.
ويتميز العنبر عن سائر الحيتان بإخراج عمود واحد من البخار عند عملية
ــــــــــــــــــــ[140]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص314 ج4.
(2) المصدر ص337 ج4.
الزفير بينما يخرج غيره عمودين من البخار، وقد سبق حكمه في شبيهه (البال) فراجع.
152- عنز الماء(1):
سمكة كبيرة لا يكاد يحملها بغل. وهي من رتبة عظمية الجلد من فصيلة محتبكة الفم. لها حراشف كبار خشنة. وثلاث زعانف ظهرية كالشوك. ولها فصيلة خاصة بها. وهي جائزة الأكل باعتبار وجود الحراشف.
153- العنقريط(2):
حيوان هلامي من فصيلة الإخطبوط. جنس من عديمة الفقار ذات الأصداف من رتبة شعاعية الأرجل الأخطبوطية. جسمه خال من الزعانف ولأذرعه الثمانية صفان من المحاجم. وله رأس كبير يمتاز جزئياً عن الجسم. والذكر أصغر جداً من الأنثى.
وحكمه حكم الإخطبوط فراجع.
154- الغاق(3):
أو الغاقة. طائر اسود من طيور الماء يصيد السمك ويأكله أكلا ذريعاً قد يسمى بالعقعق وغراب البحر وغاق البحر.
من أنواع البط. له حوصلة واسعة تمتد إلى فمه وتشبه شدقين واسعين. فإذا
ــــــــــــــــــــ[141]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص346 ج4.
(2) المصدر ص351 ج4.
(3) المصدر ص384 ج4.
امتلأت معدته احتفظ بالسمك في شدقيه وابتلع منها بالمقدار الذي يحتاج إليه.
وهو ذو جلد يربط بين أصابعه الأربع. بحسب صورته، ومنقاره عريض نسبياً كالبط ولكنه أطول. ومعه يكون لحمه حلالا لتوفر شروطها فيه.
155- الغداف(1):
بالضم غراب اسود يلمع بصفرة وحمرة اسود المنقار والرجلين، ضخم وافر الجناحين يسمى بغراب القيظ أيضا. وقد سبق حكمه في أمثاله. راجع (العقعق).
156- الغراء(2):
أو الغر. طيور مائية من أنواع البط سود، بيض الرؤوس وله أنواع. ومن أسمائه دجاجة الماء(3). وهو جائز اللحم لكونه بطة عرفاً، بحسب صورته. الا ان منقاره ليس عريضا بمقدارها.
157- الغراب ذو القنبرة(4):
نوع من الغربان على قدر الحمامة، على رأسه عدة أرياش كالقنبرة. وهو من الطيور القواطع يهاجر شمالا وجنوباً، ويعود منه أفراد إلى وطنها سنوياً.
وبحسب صورته ليس غراباً عرفاً، وله ذيل طويل جداً، إلا أن كونه من غير صنف الغراب عرفاً، يتوقف على صوته في انه يشبه الغراب أم لا.
والغربان تدف في طيرانها، ولا نعلم شكل الطيران له. ويدل طول
ــــــــــــــــــــ[142]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص387 ج4.
(2) المصدر ص388 ج4.
(3) انظر دجاجة الماء المصدر ج3 ص47.
(4) المصدر ص398 ج4.
المسافات التي يقطعها، على رجحان كونه صفيفاً، فانه الغالب في الطيور المهاجرة. وقد قلنا انه مع الشك يكون مقتضى القاعدة الحلية.
158- الغرير(1):
أو الغريراء بصيغة التصغير. حيوان لاحم من فصيلة السراعيب بين الكلب والسنور، أغبر اللون أسود القوائم قصيرها، ابيض الوجه وعلى جانبي وجهه جدتان سوداوان، ومن أسمائه الزبزب يقال: انه يأخذ الصبيان من المهود. ومن أسمائه بعبع.
وهو محرم الأكل لكونه سبعاً ذو مخالب.
159- الغيلم(2):
ذكر السلحفاة. مأخوذ من الغلمة بالضم وهي شهوة الضراب، وقد عرفنا ان السلحفاة بكل أنواعها محرمة.
160- الفاختة(3):
من فصيلة الحمام وهو نوع من الحمام المطوق. ولونها يضرب إلى السنجابية مع خضرة قليلة على جوانب عنقها وبياض عند اصل ذنبها. وتبيض بيضتين. وأصنافها عديدة بين صغير وكبير. وكلها محللة شرعاً. إلا أن إمساكها في حال حياتها والاحتفاظ بها مكروه جداً.
ــــــــــــــــــــ[143]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص460 ج4.
(2) المصدر ص442 ج4.
(3) المصدر ص3ج5.
161- الفتاح(1):
طائر اسود يكثر تحريك ذنبه. ابيض أصل الذنب من تحته ومنها احمر. وهو بقدر العصفور، له منقار دقيق يستخرج به الدود من الأرض ويأكله، سمي بالفتاح لأنه يفتح البلاد بمجرد ذهاب البرد عنها. وهو بصفته عصفوراً يكون حلال اللحم. لتوفر شرائط الحلية في العصافير.
162- الفراشة(2):
طائر صغير من رتبة حرشفية الأجنحة، لها أربعة أجنحة مغطاة بحراشف ملونة، وأعضاء فمها متخصصة للقضم، واستحالتها كاملة. ولذا تكن ضارة بالنباتات، ولها أنواع عديدة مختلفة الشكل نسبياً ومختلفة الطبائع أيضا.
وكلها من أنواع الحشرات عرفاً فيكون أكلها محرماً.
163- الفقمة(3):
رتبة مستقلة من الضواري لأنها تقتضي كل حياتها في الماء. من الحيوانات البحرية اللاحمة اللبونة من ذوات الرئتين وأقدامها صفاقية، حيث تكون أطرافها الخلفية ملاصقة لبعضها ومتجهة إلى الوراء متخذة شكل ذنب وهي تستطيع ان تقضي داخل الماء من 15 إلى 20 دقيقة. وهي سهلة التآلف مع البشر، وتكثر في المناطق الباردة المعتدلة. ويفرز الجلد مادة دهنية تجعله غير قابل للابتلال بالماء. وأنواعها كثيرة.
وكل أنواعها محرمة لأنها من قبيل كلب البحر المنهي عنه في الشريعة.
ــــــــــــــــــــ[144]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص29 ج5.
(2) المصدر ص37 ج5.
(3) المصدر ص80 ج5.
164- الفنك(1):
دابة من جنس الثعالب أصغر من الثعلب المعروف، يؤخذ جلدها لفروه. وهو اغبر اللون كبير الأذنين.
واستدارة عينيه كاستدارة حدقة عين الكلب. ذنبه طويل وكث الشعر ويقتات على الطيور الصغيرة الحجم كالعصافير والسمانيات والحجلان. وهو محرم لأن له مخالب.
165- الفيل(2):
من فصيلة الخرطوميات أكبر الحيوانات حجماً عدا الحيتان. ويمتاز بخرطومه الطويل الذي هو عبارة عن أنف محور. ويوجد نوعان من الفيل في الوقت الحاضر وهما الفيل الأفريقي والفيل الهندي. وكلاهما نادر لكثرة اصطيادها. وجميعها معمرة تعيش نحو مئة سنة في حالة التدجين وأكثر في حالة التوحش. ويتميز النوع الأول عن الثاني في أبعاد الرأس وحجم الأذن.
اما خرطومه فعضلي مجوف مستدق الطرف ينقسم بواسطة حاجز إلى أنبوبين طويلين يقابلان المنخرين. وهو مزود بعضلات تجعله قابلا للالتواء في جميع الجهات. وهو حساس سيما في نهايته حيث يوجد نتوءان صغيران قابلان للحركة. هما كالأصابع في الوظيفة يستطيع الفيل بواسطتها التقاط أشياء دقيقة والتعرف على الأشياء الكبيرة بتذوقها.
ورقبته قصيرة لا تمكنه من إيصال رأسه إلى الأرض. ولهذا يقوم الخرطوم بإيصال الطعام والماء إلى الفم. بأن يمتص الماء في خرطومه ويقذفه في فمه.
ــــــــــــــــــــ[145]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص87 ج5.
(2) المصدر ص96 ج5.
وعلى أي حال، فلحمه حرام كما سبق، وبكل أنواعه.
166- القاروص(1):
أو القاروس ويسمى القلس أيضا. من فصيلة القشور من فصيلة الأسماك العظمية لها أنواع عديدة يستخرج من كبد جميع أنواعه زيت يعرف بزيت السمك. وتعيش متجمعة مع بعضها بهيئة قطائع في البحر الشمالي. ويبدو ان لها حراشف لما سمعناه من أنها من ذوات القشور، وعليه فينبغي القول بحليتها.
167- القارية(2):
مخففة والعامة تشدده. طائر قصير الرجلين طويل المنقار أخضر الظهر له ترجيع في صوته واسمه الآخر الخضاري(3) والوروار.
وحليته منوطة بتوفر شروطها فيه. والظاهر ذلك للوثوق بكونه عصفوراً عرفاً.
168- القاوند(4):
فصيلة من القرلي أو صيادة السمك ابيض الحلق والزور أي أعلى الصدر أحمر الرأس والبطن. ازرق الظهر والجناحين مرجاني المنقار احمر الرجلين اسمه في العراق مهلهل(5)وفي بيروت ديك البحر(6).
ــــــــــــــــــــ[146]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص105 ج5.
(2) المصدر ص106 ج5.
(3) انظر الخضاري المصدر ص629 ج2.
(4) المصدر ص111 ج5.
(5) انظر المهلهل في المصدر ص495 ج5.
(6) انظر ديك البحر في المصدر ص143 ج5.
ويبدو من وصفه وصورته انه بحجم العصفور أو أكبر منه قليلاً دون الحمامة، فيكون عرفاً عصفوراً. فيكون حلالا.
169- القبرة(1):
أو القنبرة لها فصيلة خاصة بها من جنس العصافير من رتبة الجواثم. إلا ان على رأسها قنزعة. وهو شديد الحذر لم يزل ينظر يميناً وشمالا. ومع ذلك فهو كثير الوقوع في الفخ. وهي نشيطة ومغردة تفيد في افتراس الحيوانات المضرة بالإنسان ومزروعاته. وهي جائزة اللحم باعتبارها من العصافير، وتوفر شروط الحلية فيها.
170- القراع(2):
طائر بحجم الوروار يتسلق الأشجار وينقرها، فيستخرج الدود منها. ولهذا يسمى نقار الخشب(3) ونقار الشجر أو الناقوبة لأنه ينقب الخشب. له منقار غليظ اعقف اصفر الرجلين يأتي العود اليابس فلا يزال يقرعه قرعاً يسمع صوته. له عدة أنواع.
والظاهر انه عصفور عرفاً في حجمه فلا يكون حراماً.
171- القرش(4):
وهو الكوسج(5) ويقال له اللخم(6) أيضاً من الأسماك الغضروفية. اخضر
ــــــــــــــــــــ[147]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص 117ج5.
(2) المصدر ص132 ج5.
(3) انظر نقار الخشب المصدر ص76 ج6.
(4) المصدر ص144 ج5.
(5) انظر الكوسج في المصدر ج5 ص345.
(6) انظر اللخم في المصدر ج5 ص367.
اللون بزرقة خشن البشرة حتى ان رقبته وظهره شبيهة بالمبرد. وله خرطوم عظيم أقصر من ذراع. وأنيابه قاتلة، وقد برزت من فم في أسفل الرأس. وله أنواع عديدة.
وهذا السمك معروف بشراهته ونهمه، يأكل كل ما يصادفه سواء صلح لغذائه أو لا، وقد اشتهر بعدائه للإنسان، حتى سمي آكل لحوم البشر.
وعلى أي حال، فلحمه حرام لكونه سبعاً من ناحية، ولكونه سمكاً غير مغطى بالحراشف من ناحية أخرى.
172- القرقب(1):
أو القرقف كهدهد طير صغير كأنها الصعوة. وهي حلال لأنها من نوع العصافير.
173- الرفنّة(2):
بتشديد النون. طائر غريد كدر وتعرف بدخلة البساتين، واسمها الآخر شوالة لأنها تشول بذنبها. وفي بطنها وسفلتها شيء من الحمرة. وقد تسمى الكحلاء والكحيحيلة.
174- القريس(3):
سمك في البحر المالح والمياه العذبة. لها فصيلة بنفسها. وهي ذات أسنان صغيرة فوق حنكها. وجلدها غير موسم بخطوط مشعشعة وأجسامها ممتدة. ولها في القسم الأسفل من البطن شفرة، ولون ظهرها ازرق مائل إلى
ــــــــــــــــــــ[148]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص149 ج5.
(2) المصدر ص149 ج5.
(3) المصدر ص163 ج5.
الخضرة. والبطن بيضاء فضية.
والظاهر جواز أكل لحمها لأنها ذات حراشف حسب صورتها.
175- القسور(1):
اسم طائر كالنعامة من الطيور العداءة موطنه استراليا وجزائر الهند. واسمه الآخر الشبنم. والنعامة جائزة اللحم بلا إشكال. وهذا الحيوان نعامة عرفاً بحسب صورته فيكون جائزاً.
176- القشعم(2):
أو القشعمان المسن من النسور والرخم، وكلها محرمة اللحم.
177- القشقوش(3):
نوع من صغار السمك رقاق ودقاق ألوانها فضية. تكون في المياه العذبة وفي البحر المالح قرب الشواطئ. ومن أسمائه الهف. والمهم ان حليته منوطة بوجود الحراشف فيه. وهذا هو الغالب في الأسماك الصغار.
178- القشوة(4):
من جنس سمك القنوم. تعيش في النيل طويلة لينة الزعانف صغيرة الفم لها خطم طويل دقيق. وهي حرام اللحم لأنها ليست ذات حراشف. ومن المحتمل صدق الحية عليها عرفاً لطولها وهو سبب آخر للحرمة.
ــــــــــــــــــــ[149]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص171 ج5.
(2) المصدر ص174 ج5.
(3) المصدر ص176 ج5.
(4) المصدر ص177 ج5.
179- القطا(1):
طائر من فصيلة الطيور الدجاجية يقرب صغيرها من حجم الحمام وشكله. ولكنه يختلف عن الحمام بلونه وبمشيته، فهي من ناحيتهما تشبه الحجل. وهي تعيش في البراري تفتش عن الحبوب والأثمار الصغيرة والحشرات والديدان. وهي صفراء اللون مخططة بخطوط سوداء منقارها متوسط الحجم. ولكنه حاد وقوي ومقوس قليلا. أجنحتها قصيرة ومستديرة نسبياً. تطير مسافات شاسعة في طلب الماء والطعام. أرجلها قصيرة وقوية ومخالبها كثيرة التقوس تستعملها لنبش التراب.
والظاهر جواز لحمها وهو المشهور بين الفقهاء. لتوفر شرائط الحلية فيه.
180- الققنس(2):
بقافين بضم أولهما والنون. طائر من بنات الماء. من القواطع. وقد يكون من الأوابد. طويل العنق عريض المنقار. والنوع المشهور منه ابيض الريش ناصع البياض.
وحليته منوطة بتوفر شروطها فيه. وليس هو كالبط ليكون حلالا، بل هو مدبب المنقار حسب صورته، مع الظن كون صفيفه هو الغالب.
181- قنديل البحر(3):
حيوان هلامي مظلي الشكل من صنف الكوبيات يكون في البحر المالح، يتراوح طوله بين الإنج وأربعة أقدام. يقع الفم في الوسط من الجهة البطنية
ــــــــــــــــــــ[150]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص185 ج5.
(2) المصدر ص201 ج5.
(3) المصدر ص241 ج5.
وتتدلى أربع شفاه طويلة، كما يتدلى صف من المجسات القصيرة في حافة المظلة، وتحمل هذه المجسات حجيرات لامعة. ترى في الليل كالقمر إذا حجبه السحاب ولها ضوء يشرق على ما حولها في البحر، ولونها أزرق سماوي، ولذا يقال لها قنديل البحر. وإذا أراد الإنسان مسكها خرج لها رشاش لذاع يحرق الجسد مثل شرارة النار.
وهذا الحيوان غير مشمول لشرائط الحرمة فيكون مقتضى القاعدة الحلية، ما لم يكن أكله مضراً أو كان من الخبائث عرفاً.
182- القنفذ(1):
له فصيلة قائمة بنفسها، وهي من رتبة آكل الحشرات. يبلغ طوله نحو عشرة إنجات وطول ذنبه انج واحد. أرجله قصيرة ولكنه يستطيع الركض. وأقدامه الامامية مزودة بمخالب حادة يستعملها للحفر. وهو حيوان بري يعيش في الأوكار ليلا.
وأهم ما يمتاز به هذا الحيوان هو وجود أشواك برية تكسو ظهره فتمنع عنه هجوم الأعداء. ويستطيع ان يكور جسمه بإخفاء رأسه إلى بطنه وسحب أطرافه، فيصبح كتلة شائكة لا يقترب منها عدو.
وإذا ما قبض على طير داجن أو أرنب فلا يتردد في افتراسه. وهو عدو الأفعى ويتغلب عليها بدون ان يناله منها ضرر. ثم يأكلها. وله أنواع عديدة، كلها محرمة اللحم، لأنه سبع وله مخالب.
183- القنغر(2):
أو الكنغر أو القنقر. من اكبر الحيوانات الكيسية يعيش في استراليا، طول
ــــــــــــــــــــ[151]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص242 ج5.
(2) المصدر ص 256 ج5.
الذكر نحو 4 أقدام وذيله 3 أقدام. وذيله قوي جداً يستطيع ان يضرب به ساق إنسان فيهشمه.
وأرجله الخلفية طويلة وقوية، يبلغ طولها نحو 3 أقدام. وتنتهي بقدم كبيرة ذات أربع أصابع مزودة بمخالب قوية. اما أرجله الأمامية فهي بقدر نصف الخلفية ويستعملها الحيوان بمثابة يدين. ويجلس على رجليه الخلفيتين مستنداً على الذنب. والأنثى تكون أصغر من الذكر كثيراً.
وعيون الكنغر جميلة جداً، فهي كبيرة ومستديرة بعكس أسنانها المخيفة التي تلمع بياضاً بين الشفتين المشقوقتين. يعيش على الحشائش والأعشاب. ومشيته الاعتيادية تكون بسلسلة من القفزات. يبلغ طول الواحدة نحو 15 قدماً. ويقفز بها موانع يصل ارتفاعها إلى تسعة أقدام. والمهم حرمة لحمه وان كان نباتياً، لكونه ذا مخالب وأنياب قوية.
184- قوطي(1):
حيوان أمريكي من اللواحم طويل الأنف يشبه ذئب الراكون. أذناه قصيرتان وذنبه طويل يكسوه الشعر كسائر جسده. وذو مخالب فيكون لحمه حراماً.
185- قيصانة(2):
جنس من الأسماك العظيمة لها أنواع كثيرة أشهرها ما يعرف بالقمر لاستدارتها، وهي سمكة غريبة الشكل لها جسم في طرف ذنبها محدد وقوي للغاية ونصف دائري تقريباً. وهي عديمة الذنب. ولها 3 أعداد فردية من الزعانف وهي ملتصقة بجسمها لكنها ذات أشكال مختلفة. وجلدها ذو خشونة
ــــــــــــــــــــ[152]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص265 ج5.
(2) المصدر ص272 ج5.
وضخامة يشبه الجلد المدبوغ. وتوجد داخل البحار الحارة والمعتدلة. يبلغ طولها مترين ووزنها أكثر من 100 كيلو غرام. وهي سمكة سامة.
وهي محرمة اللحم لأنها لا حراشف لها وسامة.
186- القيطس(1):
حيوان لبون من فصيلة الحيتان. يرضع أطفاله ويلد ولا يبيض. منعدم الأسنان، وإنما له زوائد قرنية تدلت من فكه العلوي في تجويف الفم وتشابك بعضها مع بعض وتكونت منها مصيدة تمنع الحيوانات الصغيرة من الخروج عندما يفتح فمه ويأخذ الماء بما فيه من القواقع وغيرها. يتنفس الماء برئتين، ولكنه لا يخرج إلى سطح الماء إلا نادراً. وهو حيوان وديع لا يهاجم الإنسان ولا السفن على عكس العنبر فانه حوت معتدي.
ولحم القيطس محرم لأنه عرفاً سمكة، لا حراشف لها.
187- الكرسوع(2):
بضم الكاف من الطيور الخواضة له منقار طويل مستقيم ابري الشكل. وساقين حمراوين طويلتين جدا. ويوجد غشاء صغير بين قاعدتي الإصبع الوحشية والوسطى. والجناحان طويلان ومدببان والذنب قصير.
يعشعش على مقربة من المياه أو في وسطها ويبني عشه من الطين وأعواد النبات. له أنواع عديدة أشهرها ما يعرف بأبي مغازل.
وحلية لحمه منوطة بتوفر شروطها، وهي غير محرزة، غير أننا قلنا انه يكفي الشك في ثبوت حليته على القاعدة.
ــــــــــــــــــــ[153]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص273 ج5.
(2) المصدر ص261 ج5.
188- الكركر(1):
كجعفر، طائر بحري يشبه النورس يكون في البحار الشمالية أو الجنوبية، يطارد الطيور الضعيفة وينازعها صيدها. وبحسب صورته فهو ذو ذيل قصير ومنقار قصير وعريض نسبياً، إلا انه مدبب الرأس. وبين أصابعه جلد. وله صيصة خلفها.
وحليته بعد وجود الصيصة منوط بقلة صفيفه ولعله هو الأرجح. وان كان مقتضى شبهه بالنوارس خلاف ذلك. فان النوارس كثيرة الصفيف فتكون حراماً. غير ان الشبه قد يكون من جهة أخرى.
189- الكركي(2):
بفتحتين أو بضم الكاف الأولى وسكون الراء. طائر كبير أغبر اللون أبتر الذنب طويل العنق. وفي خده لمعات سود قليل اللحم صلب العظم. وهو من الحيوانات التي تعيش أسراباً ويأوي إلى الماء أحيانا. ولها مشات ومصايف تهاجر إليها. وله أنواع عديدة.
له صيصة في رجله، إلا ان حليته منوطة بقلة صفيفه وان كان الأغلب في الطيور ذات الطيران العالي هو الصفيف، وقلنا انه مع الشك يكون مقتضى القاعدة الحلية.
190- الكروان(3):
من الطيور المائية، اغبر اللون أدبس طويل الساقين والعنق والمنقار.
ــــــــــــــــــــ[154]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص297 ج5.
(2) المصدر ص299 ج5.
(3) المصدر ص304 ج5.
جاحظ العينين أصفرهما دون الدجاجة في الخلق وأكبر من الحمامة. له في الليل صوت حسن. وقابل للتدجين. يخوض في المياه الضحلة كالشواطئ والمستنقعات والبرك ليفتش عن الطعام من الديدان والأسماك والحشرات.
والكروان أيضاً اسم جنس من الطيور متوسطة الحجم أو أكبر، تتميز بمناقير طويلة مقوسة إلى الأسفل وبأرجل طويلة والجزء الأسفل من ساقها عار من الريش والأصابع الأمامية الثلاث متصلة في قواعدها بغشاء صغير والجناحان طويلان مدببان. والذنب مستدير. وله أكثر من نوع.
وحليتها على أي حال منوط بتوفر شروطها فيها ولا يبعد ان يكون الأول منهما دافاً والآخر صافاً.
191- الكشاف(1):
سمك بحري صغير من الأسماك العظمية. مغطى بقشور لينة. ويقع فمه في مقوس رأسه ولا يتصل تجويفه بفتحتي الأنف وعيونه خالية من الجفون. وهذه الأسماك مزودة بالكيس الهوائي. وترى دائماً في صحبة الأسماك الغضروفية المفترسة وخاصة القرش وهو إنما يصحبه ليكشف له عن أعدائه التي يخشاها فينتقم له منها!!
وهو على ما يبدو حاصل على الحراشف، فيكون حلالا.
192- الكعيت(2):
كزبير، طائر حسن الصوت قصير الرجلين من العصافير. ومن أسمائه: البلبل(3) والجميل وله أنواع كثيرة. وهو حلال اللحم. وليس هو البلبل
ــــــــــــــــــــ[155]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص310 ج5.
(2) المصدر ص 313 ج5.
(3) انظر البلبل في المصدر ص153 ج2.
الاعتيادي ولكنه يشبهه.
193- الكعنت(1):
أو الكعند كجعفر سمك كبير من فصيلة التن. موطنه البحر الأحمر والبحر الهندي. وقد سبق الكلام عن التن وقلنا بحليته ومشهور الفقهاء يقول بحلية الكعنت.
194- الكيش(2):
نوع من فصيلة البطوط، يتميز بمنقاره الضخم العريض. ويتميز الذكر عن الأنثى برأس اخضر ارجواني براق يليه بياض في مؤخرة الرقبة والظهر والصدر والعجز. وغطائيات الذنب العليا والسفلى مسودة ذات بريق اخضر. وهو من الطيور المهاجرة ويفرخ في كثير من مناطق أوربا وآسيا.
والظاهر جوازه بصفته من البط. وغالبه بل كله يدف في طيرانه وله العلامات الأخرى للحلية.
195- الكيوي(3):
من طيور جزيرة زيلند الجديدة ذو جناح ضامر صغير يختفي تحت الريش، فيبدو وكأنه ليس له أجنحة. ولا فائدة من جناحه. ولكنه سريع الجري وعديم الصوت لا مقدرة له على الطيران. وله منقار طويل يستند به الحيوان إلى الأرض ليحمل جسمه. ويعتاش على ديدان الأرض. وبيضته كبيرة نسبياً لحجمه. وله صيصة حسب صورته. وشرطية الدفيف منتف لديه لعجزه عن
ــــــــــــــــــــ[156]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص342 ج5.
(2) المصدر ص354 ج5.
(3) المصدر ص355 ج5.
الطيران، فيكون حلالا.
196- اللقلق(1):
اسم لطائر طويل الساقين والعنق والجناحين والمنقار، من الطيور الخواضة التي تعيش وتغوص في سواحل المياه كالشواطئ والمستنقعات. وتقتات على الأسماك والضفادع والزواحف الصغيرة كالحيات والديدان والجراد.
وهو من الطيور المهاجرة على شكل أسراب كبيرة. فهي ترحل في الشتاء إلى الأماكن الحارة وفي الصيف إلى الأماكن الباردة أو المعتدلة. والأماكن التي يهاجر إليها سحيقة البعد عن موطنه فربما قطع 9600 كم في هجرته.
وساقاه طويلان عاريان من الريش ومخلبه يتألف من ثلاث أصابع طويلة وواحد قصير، وبين الأصابع غشاء جلدي. ويبني عشه على سطوح المنازل وفوق الأشجار العالية وأعلى القمم. ويوصف بالفطنة والذكاء.
والظاهر حرمة لحمه لأنه يصف في طيرانه العالي، كما سبق ان أشرنا.
197- اللينة(2):
اسم لسمكة بحرية. احتفظت في هيكلها بجزء كبير من الغضاريف يجعلها مرنة لينة، ولهذه السمكة عضو مضيء يلقي نوره على العين رأساً بدلا من ان يشعه حوله. وقد تضاربت الآراء في هذه الظاهرة العجيبة. وإنها لعلها يمكن التعرف بواسطتها على العدو والصديق واجتذاب الفرائس. وذهب بعضهم إلى انه قد يقوي نظر السمكة بما يحدثه من تأثير على الشبكية.
وعلى أي حال، فحلية لحمها مشروط بكونها ذات حراشف. ولم يذكروا
ــــــــــــــــــــ[157]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص376 ج5.
(2) المصدر ص405 ج5.
في وصفها ذلك.
198- المازور(1):
طائر من فصيلة القرلي والقاونديات طويل المنقار قصير الزمكي والرجلين، جميل المنظر جداً. والمعروف منه في مصر والعراق: الرفراف(2) وأبو الرقص.
يشاهد هذا الطير على أغصان الأشجار والنباتات المطلة على الماء حيث يراقب السمك أو القشريات أو الحشرات المائية قبل الانقضاض عليها عمودياً. يبيض في أنفاق يحفرها في الجروف الرملية بصورة أفقية، تتراوح بين50 -100 سم وتكون نهاية النفق متسعة حيث يوضع البيض وبمقدار 6 – 7 عادة.
وحليته منوطة بشروطها فيه والظاهر ذلك، على أي حال لأنه من العصافير عرفاً. لأنه شبيه الطيور المسماة: القاوند وخاطف ظله وملاعب ظله. وكلها بحجم العصفور عرفاً. وشروط الحلية عادة متوفرة فيها.
199- المانون(3):
اسم لسمك صغار دقاق لا تزيد الواحدة منها على 15 أو 20 سم. ويعرف بالصير أيضا. ومن أنواعه السمارس المعروف وسمارس القرلي والسردين والسنمورة. ولها فصيلة خاصة بها. والظاهر أنها جميعاً ذات حراشف فتكون حلالا.
ــــــــــــــــــــ[158]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص407 ج5.
(2) انظر الرفراف في المصدر ج3 ص249.
(3) المصدر ص421 ج5.
200- المتسلق(1):
طويرة صغيرة ذات منقار دقيق تتسلق الأشجار وتصعدها كالصعود على السلالم. تمتاز بمنقارها الدقيق المنعطف نحو الأسفل. إلا انه ذو رأس مدبب، كما أنها تمتاز بذنبها الطويل المنتهي بشطرين. أهم أنواعها يعرف بالمرقاة الصغيرة. ظهرها رمادي مشبع ومخطط بخطوط بيضاء، وبطنها ابيض وعجزها يميل إلى الرمادي ومخطط بخطوط صفراء محمرة.
وهي من جنس العصافير عرفاً فتكون حلالا.
201- المحارب(2):
اسم طائر مائي من أنواع دجاج الأرض ويمتاز عن سائر أجناس فصيلته بمنقاره الطري المستقيم أو المنحني قليلا في نهايته. لكنه أقصر جداً من رأسه. والاختلاف الكبير في الذكور في مظهر ألوان ريشها ولها طوق من الأرياش في رقبته. والأنثى ريشها بلون واحد رمادي مائل إلى الاحمرار، وهي أصغر جداً من الذكر. تسافر هذه الطيور ليلا أسراباً على شكل 7 وتنام أثناء الحر الشديد في النهار وتبحث عن غذائها ليلا. والخصلة المميزة لها هي حسب القتال بين الذكور ويقع قتالها دائماً في زمن الفساد.
والظاهر انه من أنواع العصافير، فتكون حلالا. ويؤيده أنها من صنف دجاج الأرض. ولا شك بحلية الدجاج بأنواعه. مضافاً إلى أننا قلنا ان الشك كاف للحكم بالحلية على القاعدة.
ــــــــــــــــــــ[159]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص421 ج5.
(2) المصدر ص423 ج5.
202- المدرع(1):
حيوان أمريكي من آكلات النمل. من اللبائن الدرداء من ذوات الأربع. تحمي جسمه كالدرع أطواق من عظم. وهو على عدة أنواع جميعها صغيرة نسبياً يكون ظهرها ترس طبيعي مؤلف من صفائح متقرنة مرتبطة بحلقات عظمية بكيفية تسمح لها بالحركة الحرة، وكثيرا ما ينمو الشعر بين هذه الصفائح. ويقتات بعض أنواعه على الحشرات فقط. بينما تعيش الأنواع الأخرى على طعام نباتي وحيواني معاً.
وهذا الحيوان مسلح بمخالب قوية للحفر وأسنان عديدة وبسيطة ولسان طويل وقابل للامتداد.
وقد سبق ان قلنا بحرمة أكل لحمه. ولا أقل ان له مخالب. وهي من أسباب الحرمة.
203- المدواس(2):
طائر مائي يدعى بأبي ملعقة. وهو من فصيلة تمتاز بمناقيرها العريضة ولا سيما في طرفها النهائي إذ تتخذ شكل ملعقة منبسطة. والساقان طويلتان والجزء الأكبر منها عار من الريش. والرسغ مكسو بحراشف سداسية صغيرة. والأصابع طويلة تتصل في قواعدها بغشاء صغير. والذنب قصير. وفي أثناء الطيران تمد أعناقها إلى الأمام كما يفعل اللقلق، وريشه كله أبيض.
والظاهر كونها طيور صافة، فلا تكون حلالا.
ــــــــــــــــــــ[160]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص431 ج5.
(2) المصدر ص434 ج5.
204- المرزة(1):
طائر من سباع الطير لا يصطاد به. يشبه العقاب وأعظم وأغلظ من الحدأة. لا يصاد به لأن فيه الجبن والفتور وليس من عتاق الطير. ويصيد الأرانب والجرذان. طويل الجناحين والرجلين والذنب بثغاء اللون. وهو على أي حال محرم، لأنه طير جارح.
205- المرموط(2):
حيوان من القواضم من عائلة السنجاب يكون في صرود الجبال وهو أكبر من الجرذ، إلا انه أقصر ذنباً منه. يتخذ لنفسه مسرباً في الأرض يأوي إليه. ولا يأكل إلا النبات والحبوب الطرية وقشور الأشجار.
وللمراميط أجسام ململمة متكتلة وطبقة كلسية فوق كفوفها ورأسها ضخم مستدير وأذناها متوسطتان في الطول.
ولها أنواع عديدة، وكلها محرمة اللحم لأنها من القوارض وقد عرفنا أنها جميعاً محرمة.
206- المشط(3):
أو سمك المشط أو السمك البلطي. على ظهرها زعنفة كبيرة تشبه المشط.
وهي من الأسماك العظمية الشائكة الزعانف. وهي تعيش في المياه العذبة وتدعى بعاشق الشمس أيضا. وتأكل يرقات البعوض في شره ونهم.
ــــــــــــــــــــ[161]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص441 ج5.
(2) المصدر ص451 ج5.
(3) المصدر ص458 ج5.
والظاهر ان لها حراشف، فتكون حلالا.
207- المطرقة(1):
أو أبو مطرقة(2)، اسم سمك بحري من نوع الاشلاق شبيه بالقرش ولا يقل خطره عنه. وخطره معروف على الأسماك الاقتصادية، فهو رغم انه من اسماك القاع، إلا انه يصعد إلى الطبقات العليا. ولذا عني بصيده وإبادته. وقد يتعدى على الإنسان.
يمتاز عن غيره بواسطة الامتداد الموجود في طرفي رأسه، على شكل مطرقة، وعيناه في نهاية هذين الطرفين. أما بقية جسمه فيشابه ما يرى من الأسماك المعروفة بكلاب البحر. وينحصر الموجود منه بستة أنواع فقط.
وهو حرام اللحم لأنه سبع ولأنه سمك خال من الحراشف.
208- المفلون(3):
نوع من الاراوي (الوعل الجبلي). وهو يمتاز بذنبه القصير وبصوفه الكثيف الخشن وبالأخاديد الكبيرة الموجودة في المرود الضخم بين قرنيه. والجسم متكتل وعليه فروة كثيفة ذات لون كستنائي أو مائلة إلى السواد ومسكنه الجبال الصخرية.
وهو حلال اللحم بصفته من الوعول، فإنها من جنس الغزلان والأبقار المحللة.
ــــــــــــــــــــ[162]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص463 ج5.
(2) انظر أبو مطرقة المصدر ج1 ص122.
(3) المصدر ص473 ج5.
209- المكاء(1):
طائر من فصيلة الطيور الدورية المغردة من صنف القنابر. أبيض اللون ضارب إلى الحمرة لكن الجناحين فيها بياض وسواد. له تصعيد في الجو وهبوط. يألف الرياض دائماً فإذا غرد في غير روضة فإنما ذلك لإفراط الجدب وعدم النبات.
وعلى أي حال، فهو حلال اللحم لأنه عصفور عرفاً.
210- ملهى الرعاة(2):
أو ملهى الرعيان هو السيد(3) الأوربي واسمه في مصر أبو النوم وفي الشام أبو عمر.
وهو من طيور الغسق من الفصيلة السيدية الجارحة، يمتاز برأس عريض مسطح وعينين كبيرتين ومنقار قصير عريض القاعدة، وفم واسع جداً تكتنفه شعرات قاسية. ريشه لين بني اربد تكثر فيه البقع والخطوط البنية الداكنة والعسلية والسوداء والقزحية بنية مصفرة والمنقار بني مسود والقدم بنية.
يختبئ هذا الطير نهاراً في الأشجار أو بين نباتات الأرض ويجلس على الأغصان باتجاه امتدادها، حتى ليتعذر تمييزه عن أوراق الشجر. وينهض عند الغسق للطيران والسعي وراء رزقه من الحشرات الطائرة.
وهو محرم اللحم لأنه جارح.
ــــــــــــــــــــ[163]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص475 ج5.
(2) المصدر ص488 ج5.
(3) انظر السيد في ج3 ص333.
211- منقار البط(1):
حيوان مائي من رتبة اللبائن البيوضة يبلغ طوله 20 إنجاً جسمه بيضوي الشكل ومغطى بفراء قصير، فكوكه متقرنة وشبيهة بمنقار البط. يستعمله للتفتيش عن النواعم والديدان والحشرات التي تكون غائصة في الطين. وأرجله قصيرة وتنتهي بأقدام ذات خمسة أصابع مخلبية وصفاقية تساعد الحيوان على الحفر والسباحة.
وهو حرام اللحم باعتبار ان له مخالب.
212- المها(2):
جمع مهاة. وهو نوع من الظباء الكبيرة المعروفة عند العرب ببقر الوحش. وهي بيضاء اللون سوداء العنق. لها قرنان كبيران لولبيان. تعرف في المغرب بأبي عدس وفي السودان بأبي عقش. وظن بعضهم أنها هي الريم، إلا ان الريم جنس من الظباء الصغير في حجم الغزال المعتاد.
وللمهاة أنواع كثيرة. وفي جنوب أفريقيا، تظهر فجأة على الشاطئ قطعان كثيفة من المهاة ترى على مد البصر آنية من كل فج عميق، ثم تقذف بنفسها في اليم حث تلقى حتفها. وهي جائزة اللحم بصفتها غزلاناً أو أبقاراً.
213- الموشم الجبار(3):
حيوان صغير من آكلات النمل، يمتاز بجسمه المغطى بمادة قرنية، وهو غطاء قرني من حراشف مخمسة الزوايا أو مسدسة الزوايا. ويوجد لكل فك من
ــــــــــــــــــــ[164]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص491 ج5.
(2) المصدر ص493 ج5.
(3) المصدر ص498 ج5.
فكيه 9 أو عشرة أسنان، تعيش هذه الحيوانات منعزلة في أنواع خاصة من الأراضي القريبة من أوكار النمل أو الديدان التي تكون غذاؤها منها. وجميع أنواعها ليلية المعيشة.
ورغم كثرة نسلها إلا ان لها أعداء كثيرة توقف انتشارها وتبيد كمية عظيمة منها. وهي محرمة اللحم بصفتها ذات مخالب.
214- الميج(1):
سمك طيار في البحر المتوسط والمحيط الهندي. طوله نحو عشرين سنتمتراً. ألوانه بين أزرق سماوي وفضي. من رتبة الأسماك العظمية شائكة الزعانف من فصيلة القد. وهو الذي جميع جسمه مغطى بصدفة من الصفائح العظمية. إلا انه غالباً يميز بواسطة زعانفه الطويلة الجانبية. وهذه الزعانف تمكنه من ان يطير خارج الماء. وهو يتغذى بعديمة الفقريات وذوات القشر.
والظاهر من الوصف ان له حراشف فلا يكون حراماً.
215- الناشط(2):
جنس من البقر الوحشي أي الظباء الكبيرة له قرنان طويلان كسيفين أحدبين. منه نوع في جزيرة العرب، وسائر أنواعه في افريقية.
راجع فيما سبق (بقر الوحش)، ومن أسمائه المهاة والهيطلة والارخ، وهي محللة اللحم بصفتها ظبياً عرفاً. وليست عرفاً بقرة لما تختص به البقرة من ضخامة الرأس وقصر القرنين.
ــــــــــــــــــــ[165]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص500 ج5.
() المصدر ص8 ج6.
216- النسر(1):
من الطيور الجارحة النهارية. ولكنه ليس جارحاً بالمعنى الصحيح، لأنه لا يفترس إلا الجثث والجيف. ولا يهاجم أي حيوان حي. ولكنه حاد البصر ومن أشد الطيور وأرفعها طيراناً وأقواها جناحاً. تخافه كل الجوارح. وهو أعظم من العقاب. إلا ان أرجله ضعيفة بالنسبة إلى أرجل العقبان ومخالبه أقل تقوساً، ولا يقوى على جمعها وحمل فريسته به كما يفعل العقبان. وله أنواع عديدة كلها محرمة شرعاً لأنه جارح عرفاً. وذو مخلب.
217- النسناس(2):
نوع من القرود المذنبة وهو صغير طويل الذنب سريع الحركة يأكل النباتات، ويدجن أحيانا.
أما النسناس الذي كانوا يصيدونه في اليمن ويأكلونه فهو حيوان آخر ليس من القرود. والنسناس الذي يخرج من الماء نوع من الكوسج يسميه الإنكليز: قرد البحر.
ومن أنواع النسانيس: نسانيس الليل وهي صغار لطيفة الأجسام وعلى جنبيه فرو ابيض لماع يضيء في الليل فتتهافت عليه الفراش والحشرات فيصيدها بسرعة خارقة، وطوله ثلاث بوصات ونصف بوصة، اما أنثاه فلا يزيد جرمها عن نصف الذكر. وله ذيل ناعم الفرو. وكل هذه الأنواع محرمة شرعاً. اما ما كانت من أجناس القرود فواضح. وكذلك ما كان من جنس الكوسج البحري. واما الحيوان الذي يصاد في اليمن فلم يرد وصفه لنعلم حكمه.
ــــــــــــــــــــ[166]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص49 ج6.
(2) المصدر ص56 ج6.
218- النعام(1):
من الطيور الرمثية. وهي طيور كبيرة لا مقدرة لها على الطيران لضئالة أجنحتها وتعيش في البر فقط. وعظم القص فيها صغير وعديم الجؤجؤ أرجلها طويلة جداً وقوية وتمتاز فضلا عن ذلك بوجود عضو للجماع في ذكورها. والنعامة أكبر طائر في العالم يزيد وزنها عن 300 رطل.
ولها أنواع كثيرة. ومن حيث حلية أكل لحمها. فهي طائر عرفاً. إلا ان مسألة الصفيف والدفيف غير موجودة لديها لعدم ممارستها الطيران فعلا. إلا ان العلامات الأخرى لابد من وجودها. والظاهر أنها ليس لها صيصة ولا حوصلة. فان كان لها قانصة يعني معدة كمعدة الدجاج حلت وإلا حرمت.
219- النكات(2):
طائر مائي صغير يشبه أبا المغازل إلا ان منقاره منعطف إلى أعلاه. وهو من الطيور الخواضة المتوسطة الحجم، يجمع في ريشه البياض والسواد، وله منقار طويل جداً دقيق ابري الشكل ومقوس إلى الأعلى بشكل واضح، مع شيء من الانبساط. وساقاه طويلتان جدا تتميزان بالنحافة والساق والرسغ عاريان عن الريش والإصبع الخلفية صغيرة جداً. والجناحان طويلان ومدببان والذنب قصير مستدير.
وفي أثناء الطيران يمد ساقيه إلى ما خلف الذنب. ويسحب رقبته قليلا. والظاهر ان له صيصة في رجله. فتكون حليته منوطة بقلة صفيفه والظاهر من حجمه الصغير نسبياً انه لا يساعد على كثرة الصفيف. فان اغلب ما كان في هذا الحجم من الطيور ذوي دفيف. فان تم ذلك كان لحمه حلالاً.
ــــــــــــــــــــ[167]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص61 ج6.
(2) المصدر ص79 ج6.
220- النورس(1):
للنورس فصيلة خاصة تعرف بفصيلة النوارس. وهي طيور كبيرة إلى متوسطة الحجم ذات أجسام ممتلئة بدينة وأقدام قوية نامية وأجنحة عريضة ليست مدببة كثيراً وأذناب مستقيمة النهاية. اما منقارها فمتوسط الطول مضغوط الجانبين يميل إلى الضخامة. ومع ان الأسماك هي الغذاء المفضل لها، فإنها لا تقف عن أكل الجيف والنفايات التي تلقى في الماء ولها أنواع عديدة. ومن أسمائها زمج الماء. وأصابعها متصلة بجلدة. والمهم حرمة أكل لحمها لأن صفيفها أكثر من دفيفها.
221- الهازجة(2):
جنس من العصافير المغردة من فصيلة الدخل وتدعى جميع أنواعها هوازج القصب. ذنبها متوسط في الطول ومسنن واسفين الشكل والأجنحة قصيرة ومستديرة. والمنقار صغير ومستقيم. وهو حلال اللحم باعتبار كونه عصفوراً عرفاً.
222- الهبار(3):
للهبار رتبة وفصيلة خاصة تعرف برتبة أنصاف القرود. فهي حيوانات صغيرة ذات فراء وذنب طويل. وللهبار أعجب منظر وألطفه، وهو لا يختلف في شيء عن دب صغير غزير الشعر. ويمكنه ان يتسلق الأشجار ويتدلى من غصن مقلوباً على ان يكون وجهه الصغير المستدير إلى الأرض وقد يلمس انفه الوردي بلسانه أيضا. واما سائر بدنه فهو مكتنز واسمر وذو فرو.
ــــــــــــــــــــ[168]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص122 ج6.
(2) المصدر ص137 ج6.
(3) المصدر ص143 ج6.
تنتهي أصابعه بأظافر عدا الأصابع الثانية التي تنتهي بمخلب. ومن هذه الجهة يكون حراماً.
223- الهدهد(1):
للهدهد فصيلة خاصة تعرف بالفصيلة الهدهدية. من أهم خصائص هذه الفصيلة عدم وجود أي التحام بين الإصبعين في المفصل القاعدي فقط. والمنقار دقيق ومقوس قليلا إلى الأسفل ابتداء من القاعدة. والجناح عريض يميل إلى الاستدارة. والذنب مستقيم النهاية وأقصر من الجناح. وفي الرأس قنزعة ريشية منتصبة.
وله أنواع عديدة، إلا أنها كلها محرمة اللحم لكون صفيفه أكثر من دفيفه.
224- الواق(2):
والواحدة واقة. طائر مائي من فصيلة مالك الحزين. طويل العنق والمنقار والرجلين والأصابع والأظافر قصير الزمكي. اصفر الريش مع رقشة وتوسيم. يحب العزلة فيختفي في النهار بين الاسل ويكثر الصياح. وصوته يشبه صوت البقر. وله أنواع. وحليته منوطة بتوفر شروطها فيه.
225- الوبر(3):
حيوان من ذوات الحوافر من فصيلة الوبريات في حجم الأرنب اطحل اللون أي: بين الغبرة والسواد. أو اغبر تارة وابيض تارة أخرى. قصير الذنب والأذنين. يحرك فكه الأسفل كأنه يجتر أسنانه العليا شبيهة بأسنان القواضم حتى انه كان يصنف قديماً منها. وجلده مغطى بفراء كثيف. ولكل من قوائمه
ــــــــــــــــــــ[169]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص150 ج6.
(2) المصدر ص189 ج6.
(3) المصدر ص193 ج6.
ثلاث أصابع، يسكن الصحارى فيعيش بين الصخور أو في حفر يصنعها لنفسه. وقد يدجن فيسكن البيوت.
وهو حرام اللحم لأن له مخالب وأنياباً.
226- الوحر(1):
دويبة من رتبة العظايا تسكن الصحارى تشبه بسام أبرص. وهي صغيرة منقطة بحمرة أو حمراء. تلزق بالأرض. لها ذنب دقيق تمصع به إذا عدت. وهي أخبث العظاء لا تطأ شيئاً من طعام أو شراب إلا سمته. وهي محرمة الأكل لأنها من الزواحف والحشرات.
227- الوحش(2):
وهو من فصيلة المجترات ذات القرون المجوفة، فهو نوع من البقر الوحشي. ذنبه يشبه ذنب الخيل. وذو ذؤابة قصيرة ومعقوف كما هي الحالة في حمار الزرد. وله قرون معوجة كقرون الثيران وله لحية وشارب وحواجب بيض تنتهي باللون الرمادي المشبع. وله كشة من الشعر في جبينه وصدره. يستوطن بلاد الكاب من أفريقيا. وهو حلال اللحم، لأنه من جنس البقر عرفاً.
228- الورشان(3):
نوع من الحمام البري، أكدر اللون أي رمادي ازرق، وفيه بياض فوق ذنبه. والقوادم سود والذنب ازرق فاتح من الوسط ونهايته سوداء، والمنقار محمر القاعدة ووسطه أصفر. وهو من الطيور المألوفة في العراق يكثر في
ــــــــــــــــــــ[170]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص195 ج6.
(2) المصدر ص196 ج6.
(3) المصدر ص203 ج6.
بساتين النخيل والحدائق. وينال نصيباً من براعم الأشجار وأزهارها وأوراقها الطرية، كما يتغذى على الحبوب بكثرة ويضع أعشاشه بين أغصان الأشجار.
واما حلية أكل لحمه، فمنوطة بتوفر شروطها وهو بصفته من الحمام، يمكن ان يكون صفيفه قليلا، لأن اغلب الحمام كذلك. ومع الشك فالقاعدة تقتضي الحلية أيضا.
229- الورقاء(1):
نوع من الحمام، لونها رمادي مزرق ورقبتها تضرب إلى الخضرة اللامعة، وصدرها أصهب. ونهاية الذنب بنية سوداء يسبقها شريط رمادي كاشف، والمنقار اصفر رصاصي وقاعدته أرجوانية. والقدم أرجوانية محمرة.
وأكثر ما تصادف في الغابات وأحياناً في الأبنية القديمة والخرائب، والأماكن الصحراوية وتؤم الحقول للتغذي.
وهي حلال اللحم بصفتها من الحمام.
230- الورل(2):
دابة من فصيلة الزواحف من رتبة العظايا وهو حيوان كبير الحجم يعيش بين الرمال والصحارى وتارة على شواطئ الأنهار حتى يغوص في الماء إذا أزعج. وهو سبط الخلق طويل الأنف والذنب دقيق الخصر. وقوائمه دقاق طوال وهو أطول من الضب. ورب ورل يربو طوله على ذراعين. ويغطي جلده ورقات خشنة. وليس في ذنبه حرش وعقد كذنب الضب. يأكل العقارب والحيات والخنافس.
ــــــــــــــــــــ[171]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص205 ج6
(2) المصدر ص207 ج6.
وهو محرم لأنه من الزواحف.
231- الوروار(1):
له فصيلة خاصة به تعرف بالفصيلة الوروارية. يمتاز بمنقاره الطويل الأهيف المنحني إلى الأسفل بصورة تدريجية. وبالجناحين الطويلين الضيقين وبذنبه الذي يتألف من 12 ريشة وتكون الريشتان الوسطيتان أطول كثيراً من بقية الريشات. والرسغ قصير والقدم ضعيفة. وغذاؤه مقتصر على الحشرات وهو مولع بأكل النحل والزنابير.
وهو حلال اللحم بصفته عصفوراً عرفاً.
232- اليحمور(2):
حيوان لبون مجتر من فصيلة الأيائل أي ذات القرون المصمتة. لكل من قرنيه ثلاث شعب. وهو قصير الذنب احمر اللون أبيض الاليتين اغبر البطن. وقيل في اليحمور انه حمار الوحش. وقيل غير ذلك.
وعلى أي حال فالأيائل وحمار الوحش مما يجوز أكل لحمه شرعاً.
233- اليربوع(3):
حيوان من فصيلة الجراذ من رتبة القواضم قصير اليدين جداً طويل الرجلين. فذلك يسهل له الصعود على الجبال فلا يلحقه شيء. كما يصعب عليه النزول. وهو يؤثر النسيم ويتخذ جحره في نشز من الأرض ثم يحفر بيته في مهب الرياح الأربع. ولونه كلون الغزال وذنبه كذنب الجرذ يرفعه صعداً في
ــــــــــــــــــــ[172]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص210ج6.
(2) المصدر ص237 ج6.
(3) المصدر ص241 ج6.
طرفه شبه النوارة. وهو ثلاثة أنواع: الشفاري والتدمري وذو رجح ويكنى أم ادراص. وهو على أي حال حرام اللحم لأنه من القواضم (القوارض).
234- اليمام(1):
صنف من الحمام المعروف بالترغل عند السوريين وبالحمام البري عند المصريين. ويشبه الحمام الطوراني ولكنه أقتم لوناً، ويتميز بعجزه الرمادي الأزرق كالظهر. ويقتصر السواد في سطح الجناح على خط ضعيف والزور والصدر مائلان إلى اللون الخمري. ونهاية الذنب بنية سوداء يسبقها شريط رمادي كاشف فخط اسود ضيق.
والقزحية بنية وحول العين حلقة جلدية حمراء والمنقار اصفر رصاصي وقاعدته أرجوانية والقدم أرجوانية محمرة. واليمام يهاجر إلى الأقاليم المعتدلة صيفاً ويعود شتاءً إلى الحارة ويتوالد في الأماكن التي هاجر إليها. واما حلية لحمه فمنوطة بتوفر شروطها. وهو بصفته من الحمام فان دفيفه أكثر، وهو شرط الحلية. إلا ان كونه من الطيور المهاجرة يجعل الدلالة على خلاف ذلك، فان اغلب الطيور المهاجرة يغلب صفيفها على دفيفها. إلا ان هذا ليس عاماً في حين ان الدفيف للحمام عام. ومع الشك فالقاعدة الحلية.
وهذه قائمة أخرى بأسماء حيوانات، لكنها مرادفة لما سبق أي أنها أسماء أخرى لنفس الحيوانات أو من فصيلتها، فيعرف حكمها الشرعي في جواز حلية أكل لحمها مما سبق أيضاً عندما نقول: انظر كذا وكذا.
1- الأبابيل(2). انظر السنونو.
ــــــــــــــــــــ[173]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص252 ج6.
(2) انظر الأبابيل في المصدر ج1 ص17.
2- الابسوم(1). انظر الدالف.
3- أبو الزمير. انظر الزمير.
4- أبو الشوك. انظر الضرب.
5- أبو عمى. انظر ملهى الرعاة.
6- أبو ملعقة(2). انظر الدواس.
7- أبو مطرقة(3). انظر المطرقة.
8- أبو النوم(4). انظر ملهى الرعاة.
9- الارخ(5). انظر الناشط.
10- بقرة البحر(6). انظر الاطوم.
11- بقرة الماء(7). انظر الاطوم.
12- البلبل(8). انظر الكعيت.
13- البلزيوصور. انظر الأفعى البحرية.
ــــــــــــــــــــ[174]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) انظر الابسوم في المصدر ج1 ص22.
(2) انظر أبو ملعقة في المصدر ج1 ص128.
(3) انظر أبو مطرقة في المصدر ج1 ص122.
(4) انظر أبو النوم في المصدر ج1 ص122.
(5) انظر الارخ في المصدر ج1 ص169.
(6) انظر بقرة البحر في المصدر ج2 ص134.
(7) انظر بقرة الماء في المصدر ج2 ص134.
(8) انظر البلبل في المصدر ج2 ص153.
14- الترغل. انظر اليمام.
15- التونة. انظر التن.
16- ثعبان الماء(1). انظر الانقليس.
17- الجري(2). انظر البربور.
18- الجميل. انظر الكعيت وهو البلبل.
19- جهلول(3): انظر الشنقب.
20- حمار الزرد(4): انظر حمار الوحش.
21- الحمام البري: انظر اليمام.
22- خضار(5): انظر الشقراق.
23- الخضاري(6): انظر القارية.
24- دجاجة الماء(7): انظر الغراء.
25- دخلة البستان: انظر القرقب.
26- الدلدل(8): انظر الضرب.
ــــــــــــــــــــ[175]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) انظر ثعبان الماء في المصدر ج2 ص278.
(2) انظر الجري في المصدر ج2 ص356.
(3) انظر الجهلول في المصدر ج2 ص143.
(4) انظر حمار الزرد في المصدر ج2 ص539.
(5) انظر الخضار في المصدر ج2 ص630.
(6) انظر الخضاري في المصدر ج2 ص629.
(7) انظر دجاج الماء في المصدر ج3 ص47.
(8) انظر الدلدل في المصدر ج3 ص85.
27- الدوار: انظر القارية.
28- الدودة الشصية(1): انظر انكلستوما.
29- ديك البحر(2): انظر القاوند.
30- الديناصور(3): انظر اغوانية الأسنان وورد عنه الدنصور والدينصور.
31- ذو السنامين: انظر البختي.
32- رسل الغيث(4): انظر الطيبط.
33- الرفراف(5): انظر المازور.
34- الزرد(6): انظر حمار الوحش وحمار الزرد.
35- الزقزاق(7): انظر الدمشق.
36- زيطة(8): انظر أبو قصادة.
37- السبد (9): انظر ملهى الرعاة.
38- السلور(10): انظر البربور.
ــــــــــــــــــــ[176]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) انظر الدودة الشصية في المصدر ج3 ص112.
(2) انظر ديك البحر في المصدر ج3 ص143.
(3) انظر الدنصور في المصدر ج3 ص92 والدينصور في المصدر ج3 ص146.
(4) انظر رسول الغيث في المصدر ج3 ص240.
(5) انظر الرفراف في المصدر ج3 ص249.
(6) انظر الزرد في المصدر ج3 ص288.
(7) انظر الزقزاق في المصدر ج3 ص301.
(8) انظر الزيطة في المصدر ج3 ص327.
(9) انظر السبد في المصدر ج3 ص333.
(10) انظر السلور في المصدر ج3 ص405.
39- السمان: انظر السلوى.
40- السماني(1): انظر السمان.
41- السمنان: انظر السمان.
42- سمك السيف: انظر أبو سيف.
43- سمك المنشار: انظر أبو منشار.
44- السمندل(2): انظر السمندر.
45- السنسار(3): انظر الراتل.
46- السنور الطائر: انظر السنجاب الطائر.
47- سيد قشطة: انظر حصان النهر أو فرس النهر.
48- الشحرور(4): انظر الجنقلة.
49- الشمبانزي: انظر البغام.
50- شميطة: انظر عقاب البحر.
51- شوالة(5): انظر القرقب.
52- الشيظم: انظر الضرب.
ــــــــــــــــــــ[177]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) انظر السماني في المصدر ج3 ص412.
(2) انظر السمندل في المصدر ج3 ص439.
(3) انظر السنسار في المصدر ج3 ص464.
(4) انظر الشحرور في المصدر ج4 ص27.
(5) انظر شوالة في المصدر ج4 ص74.
53- الشيهم(1): انظر الضرب.
54- ضؤضؤ(2): انظر الشقراق وهو الخضار أيضا.
55- الطوراني(3): انظر اليمام.
56- العندليب(4): انظر البلبل.
57- العقعق: انظر الصرد.
58- الغرنوق(5): انظر البشروس.
59- فرس البحر(6): انظر حصان البحر.
60- القبج(7): انظر الحجل.
61- القبرة(8): انظر الخشنة.
62- القشعمان(9): انظر القشعم.
63- القردوح(10): انظر الحودل.
ــــــــــــــــــــ[178]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) انظر الشيهم في المصدر ج4 ص75.
(2) انظر ضؤضؤ في المصدر ج4 ص124 أو الخضار ج2 ص630.
(3) انظر الطوراني في المصدر ج4 ص182.
(4) انظر العندليب في المصدر ج4 ص341.
(5) انظر الغرنوق في المصدر ج4 ص408.
(6) انظر فرس البحر في المصدر ج5 ص61.
(7) انظر القبج في المصدر ج5 ص61.
(8) انظر القبرة في المصدر ج5 ص117.
(9) انظر القشعمان في المصدر ج5 ص112.
(10) انظر القردوح في المصدر ج5 ص142.
64- القندس(1): انظر البيدستر.
65- قنفذ البحر(2): انظر التوتياء وقنفذ البحر الشائك.
66- قنديل البحر: انظر رئة البحر.
67- القنقر(3): انظر القنغر وهو الكنغر أيضا.
68- الكركدن(4): انظر الحريش، والخرتيب ووحيد القرن.
69- كلسين: انظر الشقنب.
70- الكوبرا: انظر الأفعى الهندية.
71- الكوسج(5): انظر القرش وهو اللخم أيضا.
72- كوكب البحر(6): انظر صليب وهو نجم البحر أيضا.
73- اللخم(7): انظر القرش.
74- اللاما(8): انظر الجمل الأمريكي.
75- مالك الحزين(9): انظر البلشون.
ــــــــــــــــــــ[179]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) انظر القندس في المصدر ج5 ص234.
(2) انظر قنفذ البحر في المصدر ج5 ص250.
(3) انظر القنقر في المصدر ج5 ص256.
(4) انظر الكركدن في المصدر ج5 ص94 ووحيد القرن في المصدر ج6 ص196.
(5) انظر الكوسج في المصدر ج5 ص345 واللخم ج5 ص367.
(6) انظر كوكب البحر في المصدر ج5 ص348 ونجم البحر ج6 ص120.
(7) انظر اللخم في المصدر ج5 ص367.
(8) انظر اللاما أو اللامة في المصدر ج5 ص385.
(9) انظر مالك الحزين في المصدر ج5 ص414.
76- المحار: انظر بلح البحر.
77- المدروان(1): انظر الطيطوي.
78- المرعة(2): انظر السلوى وهو المريعي أيضا.
79- المطرقة(3): انظر رأس المطرقة.
80- المهاة(4): انظر الناشط.
81- المهلهل(5): انظر القاوند.
82- المريعي(6): انظر السلوى.
83- الناقوبة: انظر القراع.
84- نجم البحر(7): انظر صليب البحر وهو كوكب البحر أيضا.
85- النسناس الطائر: انظر السنجاب الطائر.
86- نقار الخشب(8): انظر القراع.
87- نقار الشجر: انظر القراع.
ــــــــــــــــــــ[180]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) انظر المدروان في المصدر ج5 ص432.
(2) انظر المرعة في المصدر ج5 ص446 والمريعي ج5 ص454.
(3) انظر المطرقة في المصدر ج5 ص463.
(4) انظر المهاة في المصدر ج5 ص493.
(5) انظر المهلهل في المصدر ج5 ص495.
(6) انظر المريعي في المصدر ج5 ص454.
(7) انظر نجم البحر في المصدر ج6 ص20 وكوكب البحر ج5 ص348.
(8) انظر نقار الخشب في المصدر ج6 ص76.
88- نيص(1): انظر الضرب.
89- وحيد القرن(2): انظر الحريش.
90- الهيطلة(3): انظر الناشط.
ــــــــــــــــــــ[181]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) انظر النيص في المصدر ج6 ص134.
(2) انظر وحيد القرن في المصدر ج6 ص197.
(3) انظر الهيطلة أو الهيطل في المصدر ج6 ص186.
فصل الكحول
والكلام في هذا الموضوع يثير عدة تساؤلات لابد من بحث المهم منها ضمن عدة جهات:
الجهة الأولى: في كيمياء الكحول بمقدار ما هو مناسب مع مستوى هذا الكتاب.
فالكحول: مركب عضوي(1) متركب من جزئين من الكربون والايدروجين مع أصل أو أكثر من مجموعة الايدروكسيل. وتنقسم الكحولات تبعاً لعدد هذه الأصول في الجزيء. فيقال: كحولات أحادية الايدروكسيل ككحول الميثيل(أو الخشب) وكحول الايثيل الذي يسمى كحولا فقط. وكحولات ثنائية الايدروكسيل كالجيليكول. وكحولات ثلاثية الايدروكسيل كالجيليسيرين.
وتختلف الكحولات في خواصها الفيزيقية والكيمياوية، كما تختلف بين سوائل وجوامد، وذلك في درجات الحرارة العادية.
الخواص الفيزياوية:
تمتاز ذرة الأوكسجين(2) بألفتها الالكترونية العالية، ومن ثم قابليتها على جذب هيدروجين مجموعة الهيدروكسي لجزيئة كحول أخرى وتكوين آصرة
ــــــــــــــــــــ[182]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الموسوعة العربية الميسرة.
(2) كيمياء الصف السادس الإعدادي.
هيدروجينية معها. وتساعده هذه الأواصر على تكتل جزيئات الكحول.
وتمثل أواصر الهيدروجين هذه بنقاط تمييزا لها من أواصر الهيدروجين التساهمية الاعتيادية، كما يتضح في المثال التالي:
وآصرة الهيدروجين آصرة ضعيفة بالنسبة للأواصر الأخرى. ولكنها قادرة على تغيير الكثير من الخواص الفيزيائية للكحولات، كدرجة غليانها وقابليات ذوبانها في الماء بالنسبة للبارافينات.
ان درجة غليان الكحول المثيلي مثلا هي 65 درجة مئوية، بينما نجد ان درجة غليان الميثان هي 161 درجة مئوية. ان ارتفاع درجات غليان الكحولات يعزى إلى قابلية جزيئاتها على تكوين أواصر هيدروجين فيما بينها. ان الكحولات ذات الأوزان الجزيئية الواطئة تذوب في الماء، وهذا يعزى أيضاً إلى تكوين أواصر هيدروجين بين جزيئات الكحول وجزيئات الماء. وبازدياد الجزء الهيدروكاربوني للكحول تنخفض قابلية ذوبانه. كما انه كلما كان الكحول متفرعاً كان أكثر ذوباناً في الماء من شبهه الجزيئي غير المتفرع. وتزداد قابلية الذوبان في الماء بازدياد عدد مجاميع الهيدروكسي في جزيئة الكحول بسبب تكوين عدد أكبر من أواصر الهيدروكسي في جزيئة الكحول بسبب تكوين عدد أكبر من أواصر الهيدروجين بين جزيئة الكحول متعدد الهيدروكسي وجزيئة الماء.
ــــــــــــــــــــ[183]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الخواص الكيميائية:
تصنف الكحولات إلى أولية وثانوية وثالثية، على عدد ذرات الكاربون المرتبطة مباشرة بذرة الكاربون الحاملة لمجموعة الهيدروكسي، كما يتضح في الأمثلة التالية:
RcH2oH كحول أولي
R2cHoH كحول ثانوي
R2C-oH كحول ثالثي
وتظهر قيمة هذا التصنيف إذا أخذنا بنظر الاعتبار سرعة التفاعلات الكيميائية للكحولات.
ان زوج الالكترونات غير المشتركة على ذرة أوكسجين في الكحولات يضفي عليها خواص قواعد لويس. والحقيقة ان كثيراً من تفاعلات الكحولات تثار من قبل حامض لويس بتفاعله مع اوكسجينها القاعدي.
تقسم تفاعلات الكحولات إلى:
1- تفاعلات ذرة الهيدروجين المرتبطة مباشرة بالأوكسجين.
2- تفاعلات انفتاح آصرة الكاربون الأوكسجين أو إزاحة مجموعة الهيدروكسي.
3- تفاعلات الأكسدة.
4- تفاعلات الحذف.
ونتكلم عن كل واحد باختصار:
أولا: تفاعلات ذرة الهيدروجين:
ــــــــــــــــــــ[184]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
تزاح ذرة هيدروجين مجموعة الهيدروكسي في الكحولات بفلز. ويتم هذا بتفاعل الكحول مع فلز الصوديوم أو مع قاعدة قوية غير هيدروكسية مثل هيدريد أو أميد الصوديوم فيتكون بذلك الكوكسيد الصوديوم.
2CH3Oh + 2Na 2cH3 oNa + H3
cH3 oH + 2Na cH3 oNa + H3
CH3 OH + NaNH2cH3 oNa + NH3
ثانياً: تفاعلات انفتاح آصرة الكربون- أوكسجين:
يمكن إزاحة مجموعة الهيدروكسي الكحولية بهالوجين بواسطة هاليدات الهيدروجين. ويستعمل لذلك مزيج من حامض الهيدروكلوريد المركز وكلوريد الخارصين اللامائي المسمى (كاشف لوكاس) ويستعمل كاشف لوكاس للتفريق بين أصناف الكحولات الثلاثة.
ثالثاً: أكسدة الكحولات:
تتأكسد الكحولات الأولية إلى الديهايدات ثم إلى حوامض. وتتأكسد الكحولات الثانوية إلى كبتونات. بينما تقاوم الكحولات الثالثية الأكسدة في محيط قاعدي نظراً لخلوها من الهيدروجين على ذرة الكاربون الحاملة لمجموعة الهيدروكسي.
رابعاً: تفاعلات الحذف:
يمكن سحب الماء من الكحولات بواسطة عامل حامضي وتحويلها إلى الاوليفينات.
ــــــــــــــــــــ[185]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
أهم أنواع الكحول:
الكحول الأثيلي:
أو الايثانول (CH2CH2OH)
هو من أقدم المركبات التي عرفها الإنسان. ويحضر بتخمير السكر أو النشا بفعل أنزيم الخميرة. وفي بلادنا يعتبر التمر والدبس مواداً أولية لصناعة الكحول. تتحلل النشويات أو السكريات إلى سكريات بسيطة مثل الكلوكوز C6H12O3 بفعل أنزيم الخميرة أولاً ثم يتحول كلوكوز بفعل أنزيم الزايماز إلى كحول وثاني اوكسيد الكاربون. والكحول الأثيلي سائل طيار عديم اللون ذو رائحة قوية نفاذة. يغلي في 78 درجة مئوية. ويحترق بلهب ازرق شاحب.
والكحول المطلق(1) هو الكحول الأثيلي الخالي من الماء وهو سام يحترق في الهواء ويتفاعل مع الأحماض والفلزات النشطة. يستخدم كمذيب في الصناعة وحافظاً للعينات البيولوجية، ووقوداً ولعمل العطور والصبغات والأدوية وتتحول طبيعته بإضافة مادة سامة إليه.
الكحول المثيلي:
أو الميثانول: (CH3OH)
كان يستحصل الكحول المثيلي قديماً بالتقطير الاتلافي للخشب. لذا يسمى أيضاً بروح الخشب. اما اليوم فيحضر باتحاد أول اوكسيد الكربون والهيدروجين في 400 درجة مئوية وتحت ضغط 50 جوا. بوجود عوامل مساعدة.
ــــــــــــــــــــ[186]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الموسوعة العربية الميسرة.
وهو سائل عديم اللون لطيف الرائحة، يغلي في 65 درجة مئوية وقابل للالتهاب وسام جداً. إذ يسبب تناوله عن طريق الفم العمى ثم الموت. ويستعمل كمذيب في عمل الوارنيش والأصباغ ولتعطيل الكحول الاثيلي لجعله غير صالح للشرب. كما يستعمل كمانع لانجماد الماء في الطقس البارد وكوقود وكمادة أولية في تحضير الكثير من المركبات العضوية.
(CH2 oH) أثيلين كلايكول
(CH2oH)
هو ابسط مثال على الكحول الثنائية الهيدروكسي. وهو سائل لزج عديم اللون حلو المذاق تام الامتزاج بالماء وميال كثيراً لامتصاص الماء. لا يذوب في المذيبات الهيدروكاربونية وضئيل الذوبان في الاثيل. يحضر بأكسدة الاثيلين بمحلول مخفف بارد للبرمنكنات.
أهم استعمالاته: كمانع لانجماد الماء في مبردات السيارات في الطقس البارد وفي عمل راتنجات مفيدة في إعداد الوارنيش والأصباغ وذلك بتكاثفه مع الحوامض ثنائية الكابوكسيل كحامض الفتاليك.
الكليسرول (الكليسيرين)(CH2OH)
CHoH
CH2OH
هو أبسط كحول ثلاثي الهيدروكسي. وهو سائل لزج عديم اللون حلو المذاق يغلي في 290 درجة مئوية. يوجد الكليسرول في الطبيعة متحداً مع الحوامض أحادية الكاربوكسيل في الشحوم والزيوت. ولذلك يكون ناتجاً عرضياً في صناعة الصابون من هذه الشحوم والزيوت.
ــــــــــــــــــــ[187]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
ويتكون الكليسرول بكميات قليلة تبلغ 3% من وزن السكر عند تخميره ويمكن رفع هذه النسبة إلى 35% بإضافة كبريتيت الصوديوم.
أهم استعمالات الكليسرول هي في النتروكليسيرين وبعض الراتنجات. كما يستعمل في صناعة الأغذية وفي صناعة مواد التجميل في بعض العقاقير الطبية.
المواد العضوية:
عرفنا ان الكحول من المواد العضوية فيحسن بنا ان نحمل فكرة مختصرة عنها حيث قالوا:
لقد كان يعتقد قديماً بأن المركبات العضوية تتكون فقط داخل الحجيرات الحية بفعل (قوة حية). ولكن هذا الاعتقاد لم يدم طويلا إذ استطاع فوهلر سنة 1828م تحضير اليوريا (H2NCONH2) – وهو مركب عضوي يتكون داخل جسم الكائن الحي كناتج نهائي لتمثيل الزلاليات ويلفظ خارجه بواسطة الادرار- من مادة غير عضوية، وهي سيانات الامونيوم (NH4OCN).
وتمتاز المركبات العضوية بصورة عامة بما يلي:
1- ان الكاربون هو العنصر الأساسي فيها ويليه الهيدروجين. وهناك عناصر أخرى كالأوكسجين والنتروجين والكبريت والفسفور. تدخل في تركيب بعض المركبات العضوية لكن بدرجة أقل.
2- ان الأواصر الكيميائية في المركبات العضوية تكون في الغالب تساهمية، وبهذا تختلف عن المركبات غير العضوية التي تغلب عليها الصفة الايونية.
3- يكون اغلب المركبات العضوية قابلا للاحتراق أو يتجزأ بالتسخين بعكس المركبات غير العضوية.
ــــــــــــــــــــ[188]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
4- تفاعل المركبات العضوية بصورة عامة بطيئة وعكسية. اما تفاعلات المركبات غير العضوية فتكون سريعة وفي الغالب غير عكسية.
5- تتأثر التفاعلات الكيميائية العضوية بالحرارة والعوامل المساعدة بدرجة أعلى مما تتأثر بها التفاعلات الكيميائية غير العضوية.
6- لا تذوب المركبات العضوية بصورة عامة في الماء. ولكنها تذوب في المذيبات العضوية كالكحول والاثير والبنزين والكلوروفورم. بعكس المركبات غير العضوية التي تذوب في الماء ولا تذوب في هذه المذيبات العضوية غالباً.
هذا، وقد كانوا فيما أعلم يعرفون المادة العضوية هي ما كانت قابلة للمشاركة في تكوين أو تنمية العضو الحي. ويراد بالعضو الحي عضو الإنسان أو الحيوان حال حياته. ومن هنا سميت بالمادة العضوية. بصفتها جزءاً من العضو الحي أو قابلة ان تكون كذلك. وكل مادة لا تكون قابلة لذلك فهي مادة غير عضوية ومثلوا لها بالفلزات والمعادن.
إلا ان هذا التمثيل غير الصحيح لأن بعض الفلزات بل عدد منها وكذلك المعادن، تكوّن الأعضاء الحية فعلا، كالحديد والملح والنحاس والفوسفور وغيرها. غير ان هذا الإشكال لا يعني عدم صحة التسمية في نظرهم لعدم وجود التحديد المنطقي التام في المفاهيم في العلوم التجريبية كالكيمياء والفيزياء وغيرها، كما هو واضح لمن يستعرضها ويخوض غمارها.
هذا ومعه لا حاجة إلى فرض (القوة الحية) في المادة العضوية، بحيث تبقى معها حتى مع انفصال المادة عن العضو الحي فعلا. إذ من الواضح ان العضو الحي نفسه سوف يموت إذا انفصل عن المجموع الحي كجسم الإنسان، فكيف لا تموت المادة العضوية مع الانفصال. ويبقى الحديث عن حياتها حديث خرافة.
ــــــــــــــــــــ[189]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
والمادة العضوية، قد تكون من المواد أو العناصر الأساسية في الطبيعة، بحيث يكون الجزيء منها مادة عضوية أيضا، كما قد تكون مركبة من عدة مواد، تصلح بمجموعها للمشاركة في العضو الحي. فيكون المجموع (مادة عضوية) دون المواد المختلطة فيه. إذ لعل هناك يحدث نمو من التفاعل يجعل من المادة غير العضوية عضوية بهذا المعنى.
ومنه نعرف إمكان استحصال أو تخليق المادة العضوية من مواد غير عضوية. كما فعل فوهلر. ولا يكون هذا نافياً لاستقلال المادة العضوية في الأهمية والأثر. ومن الواضح أنهم استغلوا ذلك للتركيز على جهة عقائدية (مادية) الاتجاه. وانه لا توجد هناك (حياة) في الأعضاء الحية. واعتبروه انتصاراً عظيماً للعلم الحديث.
مع العلم أننا قد عرفنا إلى الآن:
أولاً: ان المواد غير العضوية قد تشارك مباشرة في تنمية العضو الحي. مع العلم أنها باليقين غير عضوية، لأنها من جنس المواد الأرضية الخالية من الحياة يقيناً كالصخر نفسه. مثل الحديد والملح كما سبق.
ثانياً: ان المواد غير العضوية قد تجتمع في مركب من مواد عضوية أو غير عضوية، فيحصل التفاعل فيما بينها مادة عضوية يمكنها المشاركة في تنمية العضو الحي.
وهذان الأمران يعنيان ضمناً ان العضو الحي لا يتكون فقط من مواد عضوية أو حياتية، بل يتكون أيضاً من مواد معزولة عن الحياة لتكوين مادته. باعتبار كونه متحركاً ذاتياً كما هو واضح.
إلا ان هذا يعني في نفس الوقت أننا لا نستطيع ان نعني من المادة العضوية كل مادة مشاركة في تكوين العضو الحي. لاندراج ما ليس بمادة عضوية فيه
ــــــــــــــــــــ[190]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
أيضا. فيبقى تحديد المادة العضوية من هذه الناحية مجملا غائماً أيضا.
اللهم إلا ان نقول أحد أمرين:
الأول: ان المادة تكون عضوية عند اشتغالها فعلا في العضو الحي. واما إذا انفصلت فهي تعد وليست عضوية، ولا يختلف في ذلك نوعها أو مصدرها مهما كان.
إلا ان هذا ليس في صالح الكيميائيين، لأنهم يعتبرون بعض المواد عضوية وان كانت منفصلة عن العضو الحي.
الثاني: ان نميز بين نوعين من المواد المشاركة أو القابلة المشاركة في العضو الحي. فما يكون له دخل في حياة العضو الحي فهي مادة عضوية وما لم يكن له دخل أو أثر في ذلك فهي مادة غير عضوية.
وهذا أيضاً غير صالح للكيميائيين، وذلك لأنه من زاويتهم تحويل على مجهول. لوضوح ان كل المواد المشتركة فعلا في العضو الحي تبدو وكأنها مشتركة في حياته. فكيف نميز بين المواد بما لا يستطاع تمييزه.
إذن، يبقى معنى المواد العضوية المحدد، غير محدد.
فان رجعنا إلى التحديدات الحديثة التي نقلناها فيما سبق، كانت المشكلة أكبر من حيث ان التحديدات الستة التي سمعناها كلها قائمة على الأغلبية وليس على الشمول كما هو واضح من نصوصها. وهذا يؤكد ما قلناه من ان العلوم التجريبية بعيدة عن التحديد المنطقي بشكل مؤسف.
الجهة الثانية: أثر تناول الكحول.
عرفنا ان كلا القسمين الرئيسيين للكحول وهما الأثيلي والمثيلي، كلاهما سام. إلا ان المثيلي شديد السمية ومن هنا لم يكن مشروباً. فإذا أريد جعل
ــــــــــــــــــــ[191]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
السائل غير مشروب كالسبرتو، فانه يجعل فيه شيء من الكحول المثيلي.
وأما الأثيلي، فهو سام أيضا. غير ان ذلك إنما يكون مع عدم خلطه بمواد أخرى كالماء أو خلطه بنسب ضئيلة، مع شربه بكمية كبيرة، واما ان كان الخلط بنسب كبيرة من الماء أو غيره، فمن الممكن أن لا يكون ساماً. والتجارب في شرب الخمر بالملايين مما يدل على كونه غير سام في هذا الحال.
ولكنه مع تناول الكحول، تحدث حالة تسمى عرفاً بالسكر. وتزداد بازدياد الشرب أو بازدياد نسبة الكحول في الخليط. فما هو السكر؟
قال في بعض المصادر(1): يوجد الكحول الأثيلي بنسب متفاوتة في المشروبات الروحية. وهو يعمل بكميات صغيرة كمنبه وقتي. ولكنه في الواقع يؤثر في الجهاز العصبي والعضلي ويحول دون الترابط بين عمليهما.
وقال في مصدر آخر(2): ان نسبة قليلة من الكحول ربما يمتص للدم عن طريق الغشاء المخاطي للفم والمعدة. ولكن معظمه يتم امتصاصه عن طريق جدران الأمعاء الدقيقة، خصوصاً الاثنى عشري.
ان معظم الأطعمة كالنشويات والبروتينات والدهنيات تحتاج إلى هضم بواسطة أنزيمات خاصة من أجل تحللها إلى جزيئات أصغر لغرض سهولة مرورها في جدران الأمعاء. ولكن بالنسبة للكحول فإنها ليست بحاجة إلى ذلك، لأنها جزيئة صغيرة وقابلة للذوبان وان مرورها عن طريق جدران الأمعاء إلى الدم يتم بسهولة. وهذا يفسر السرعة التي تظهر فيها تأثيرات المشروبات الكحولية خصوصاً فيما إذا احتساها شاربها ومعدته فارغة من الطعام.
ــــــــــــــــــــ[192]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) كيمياء الصف السادس الاعدادي.
( ) الإدمان على الكحول ص14-15.
ان المشروبات الكحولية تؤدي إلى توسع انعكاسي في الأوعية الدموية المحيطية، مؤدية إلى الإحساس بالدفء. كما ان للكحول تأثيراً مسكراً ومخدراً، وله تأثير مهدئ للأعصاب ويستعمل لغرض الانتعاش وإعطاء الطاقة الحرارية بسرعة للجسم. (مثلا 375 س س من الويسكي بتركيز 40% يجهز الجسم بطاقة حرارية حوالي 5000 سعرة حرارية). ولكن بسبب احتوائه على فيتامينات قليلة خاصة فيتامين BB فقد يؤدي إلى أمراض معينة ومعروفة بسبب نقصه لهذه الفيتامينات.
ان مادة الكحول تؤثر بصورة مباشرة على الجهاز العصبي المركزي (المراكز الحسية الدماغية) مما تؤدي إلى شل عملها وما يترتب على ذلك من زوال الخجل عند شاربي الخمور. وكذلك اختلال الأفعال الحسية والانعكاسية ويكون الاختلال تبعاً لكمية الخمور المتناولة. لذلك نجد ان شاربي الخمور يشعرون بالانتعاش في بادئ الأمر. ولكن هذا الشعور المؤقت بالارتياح هو المغالاة بالخطأ الذي يتورط به المدمنون على الكحول فيتعاطونه بكثرة. ونتيجة لهذا التصرف الخاطئ يسري مفعول الكحول وتزداد نسبة تركيزه بالدم إلى ان يشل كافة المراكز الحسية. انه بسبب التأثير المباشر على الجهاز العصبي المركزي فان الكثيرين من الناس يتحفزون لتناوله أو إساءة استعماله.
ليس للكحول تأثير مباشر على الكليتين، ليسبب زيادة إفراز البول، وإنما يكون التأثير من زيادة إفراز الماء من خلال تأثيره على الغدة النخامية لتعطيل مؤقت في إفراز هورمون ADH وقد وجد ان هذا التعطيل لا يستمر مع الاستمرار في تناول الكحول، وإنما يقتصر على ابتداء فترة التناول.
وعلى أي حال، ففي هذا المجال يمكن إثارة للتساؤل عن الفرق بين المسكر والمخدر أو بين الأثر الذي يخلفه كل منهما. وخاصة بعد ان سمعنا قبل قليل من مصدره ان الكحول مخدرة أيضا.
ــــــــــــــــــــ[193]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وهذا هو السؤال الأهم، وان كان يمكن التوسع فيه كالتساؤل عن الفرق بين المخدر والمسكر والمنبه. أو الفرق بينها وبين الطرب. فنضيف الطرب كحالة نفسية مشابهة لهذه الأمور قليلا، فما هو فرقها عنها. والذي أجده الأفضل هو تأجيل الحديث عن ذلك في فصل المخدرات الآتي.
وإنما نشير هنا فقط إلى ان المسكر لا يكون إلا عاماً، وأما المخدر فيمكن ان يكون موضعياً، وذلك لأن المسكر سواء حصل تناوله عن طريق الفم أو غيره، فانه يؤثر على الجهاز العصبي المركزي، الأمر الذي يجعل أثره تماماً على جميع البدن. بخلاف المخدر، فانه يؤثر على الأعصاب في موضع وجوده، فان كان قليلا أمكن ان لا يتعدى تأثيره الموضع الذي كان فيه. نعم، إذا تناول المخدر عن طريق الفم، كان تأثيره عاماً.
الجهة الثالثة: الإدمان:
تتصف بعض المواد بإمكان الإدمان عليها، وعلى رأس هذه القائمة: المسكرات والمخدرات. بل قد يرجع الإدمان على بعض المواد الأخرى إلى ما تحتويه من هذين العنصرين.
ويمكن تعريف الإدمان بأنه: كون الشخص بحالة بحيث لو امتنع عن التناول أصابته بعض الأضرار الصحية التي تزول سريعاً بتناول نفس المادة مرة أخرى.
واما الشخص الذي لم يصل إلى هذه الدرجة من كثرة التناول بحيث لا يصيبه الضرر من الترك، فمن الممكن القول انه ليس بمدمن. وان كثرة التناول منه ناشئ من شهوته واختياره، وليس باعتبار دفع الأضرار المحتمل ترتبها بدونه.
ومن الواضح أننا لا نقصد بالأضرار الصحية التي قد تترتب، الأضرار
ــــــــــــــــــــ[194]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الصحية الكبيرة أو المهمة، وإنما كل ضرر صحي حتى ولو كان بسيطاً كالألم البسيط في الرأس أو صعوبة التفكير أو صعوبة الذاكرة. ولو قليلا. هذا فضلا عما هو أكثر من ذلك بقليل أو كثير.
إلا ان التعاريف الأخرى للإدمان لاحظت كثرة التناول بمجردها سواء ترتب ضرر على الترك أم لا. فحسب تعريف منظمة الصحة الدولية(1) للمدمن انه (هو الشخص الذي أمعن في تعاطي الكحول اما بشكل مستمر ومتواصل أو بشكل متقطع. بحيث وصل إلى درجة واضحة من الاعتماد النفسي والجسدي، مؤدياً إلى إعاقة صحته العقلية والجسدية أو متطلبات حياته الاجتماعية والاقتصادية، أو ظهرت عليه بوادر تلك الأعراض. والذي يكون كذلك بحاجة إلى العلاج الطبي).
ولنا على هذا التعريف عدة ملاحظات:
أولاً: ان التناول لا معنى لأن يكون بشكل مستمر ومتواصل ولا يوجد على سطح الأرض من يكون كذلك، بل هو متقطع لا محالة، غير ان الأزمنة التي تكون بين الوجبات قد تطول وقد تقصر.
ثانياً: ان المفروض بالتعريف كونه تعريفاً للإدمان عامة وليس للإدمان على الكحول فقط، في حين لم يتعرض إلا للإدمان على الكحول. ولكن المعاني التي أخذها في التعريف يمكن ان تكون عامة لكل من الكحول والمخدرات، فكان تخصيصه الحديث بالكحول، بلا موجب.
ثالثاً: ان هذا التعريف أخذ عدة نتائج لتعاطي الكحول منها: الاعتماد النفسي والجسدي عليها ومنها إعاقة صحته العقلية ومنها إعاقة حياته الاجتماعية ومنها إعاقة حياته الاقتصادية.
ــــــــــــــــــــ[195]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الإدمان على الكحول ص16.
فيمكن التساؤل عن كون المدمن هل هو الذي حصل له كل ذلك. أو الذي حصل له بعض ذلك؟ والتعريف غير واضح في ذلك كما هو واضح.
رابعاً: ان هذا التعريف أخذ في المدمن شرط ترتب أحد هذه الأضرار أو كلها. واما في تعريفنا فلم نأخذ شرط ترتب الضرر بل شرطية ترتب الضرر من الترك. والضرر من الترك ان قصدنا منه شكله البسيط فهو يحصل قبل حصول الاضرار من التناول. ومن هنا يمكن القول بأن المدمن على تعريفنا سابق في الرتبة على المدمن في تعريفهم.
ومثل هذا التعريف الثاني: تعريف المدمن(1): انه الشخص الذي أصبحت ممارساته جزءاً أساسياً في تشكيل شخصيته وعدم تكيفه مع المجتمع. وبالإمكان معالجته في المصحات عن طريق إيجاد البدائل وإيجاد برامج خاصة له.
وفكرة كون الشراب أصبح جزءاً من شخصية الشارب، تعتبر التفاتة لطيفة. إلا ان الإشكال في أن هذا الأمر يعني الإدمان أو لا، حتى لو لم يترتب ضرر على الاستمرار في التناول أو على ترك التناول. وبالطبع فان هذا غير محتمل.
هذا مضافاً إلى ان هذا التعريف أضاف إمكان المعالجة إلى مفهوم الإدمان. فكأنه إذا لم يمكن معالجة المدمن فهو ليس بمدمن. وهذا من الإسفاف في التفكير كما هو واضح.
هذا، وقد أقرت هيئة الصحة العالمية هذا التعريف للإدمان وهو قولهم: إدمان المخدرات هو حالة تسمم دورية أو مزمنة، تلحق الضرر بالفرد والمجتمع وتنتج من تكرار عقار طبيعي أو مصنوع.
ــــــــــــــــــــ[196]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر والصفحة.
ومميزات الإدمان تتضمن الآتي:
1- رغبة غلابة أو حاجة قهرية للاستمرار في تعاطي العقار والحصول عليه بأية طريقة.
2- ميل إلى زيادة الجرعة المتعاطاة من العقار.
3- اعتماد نفساني (سيكولوجي) وجسماني بوجه عام على آثار العقار.
4- تأثير ضار مؤذٍ للفرد والمجتمع(1).
وتعليقنا عليه: أولاً: ان تعريف الإدمان بالتسمم غير ممكن لوضوح انه ليس هو بعينه، كما انه ليس ناتجاً منه. بل الإدمان ناتج عن الأضرار التي يحس بها الفرد عند تأخير الجرعة. فيحاول دفعها بها.
ثانياً: ان الحصول على العقار بأية طريقة أمر مبالغ فيه. فانه يشمل حالات كثيرة قد لا يقوم بها الكثير من المدمنين. ولو قال بأية طريقة ممكنة أو متيسرة لكان أنسب.
ثالثاً: ان التأثير الضار والمؤذي لا يخص المخدرات ولا المسكرات، وبتعبير آخر انه لا يخص الإدمان بل يعم غيره كما سبق.
الجهة الرابعة: في أضرار الإدمان.
وما يناسب هذا الكتاب هو التعرض لها باختصار نسبي لأنه ليس كتاباً طبياً تفصيلياً، كما انه ليس مكرساً لهذا الموضوع بالذات.
وتختلف هذه الجهة من الكلام عن الجهة الثانية. حيث تكلمنا هناك عن معنى السكر وهو التأثير الفعلي للكحول على الدماغ. وهذا ما يزول أثره بالتدريج حتى يحصل الصحو الكامل ويعود الفرد إلى رشده.
ــــــــــــــــــــ[197]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) ظاهرة تعاطي الحشيش ص206.
وأما الكلام هنا فعن الأضرار التي تترتب على كثرة الشرب والادمان، وهي أضرار لا تزول بسرعة نسبية، بل تحتاج إلى علاجات مطولة أحيانا بل قد لا ينفع بها العلاج على الإطلاق.
ويمكن التفريق بين الجهتين: بأن الكلام هناك عن اثر الشربة الواحدة، وهنا عن أثر تكرر الشرب. أو التفريق بينهما: ان الكلام هناك عن خصوص السكر من المضار، وهنا عن غيره من المضاعفات.
ويمكن تلخيص المضار المختلفة على الجسم والنفس بالأمور التالية:
أولاً: التهاب الأعصاب المحيطية(1).
أي الأعصاب التي تغذي الأطراف العليا والسفلى. ومن أهم أعراضه: الاضطرابات الحسية كالخدر والتنمل في الكفين والقدمين والتشنج في عضلات الساقين. وفي الحالات الشديدة قد يحصل ضعف في القوة العضلية وشلل.
ثانياً: التأثير على العين، حيث تؤدي إلى ضمور في العصب البصري مؤدياً إلى حالة العمش والتي من أهم أعراضها الضعف البصري الشديد وفي النهاية العمى المطبق.
وان هذه الخطورة تزداد فيما إذا استعملت هذه الأنواع من المشروبات الكحولية مع التدخين الكثير، وان السبب الرئيسي في إحداث مثل هذه الحالة هو نقص فيتامين B12 مع نقص في قابلية تمثيل السيانيد.
ثالثاً: تأثير مباشر على المخ(2).
وناتجة بصورة رئيسية عن نقص فيتامين B1 مؤدية إلى صعوبة في التركيز الذهني واضطراب في النوم. ثم حالة ارتباك والتي قد تنتهي بالذهول والغيبوبة.
ــــــــــــــــــــ[198]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الإدمان على الكحول ص58.
(2) المصدر ص59.
ومن أهم أعراض هذه الحالة أيضاً شلل عضلات العينين.
رابعاً: التأثير على الكبد(1).
ان الآثار التي يتركها الإدمان الكحولي على الكبد يمر بثلاث مراحل وهي:
أ- تراكم الدهن. وهذا يؤدي إلى تضخم الكبد سريرياً مع تغيير طفيف في وظائف الكبد ونادراً يرقان بسيط.
ب- مرحلة التهاب الكبد.
وفي هذه المرحلة يحدث تضخم في الكبد مع الإحساس بالألم عند فحصه سريرياً، وكذلك اليرقان.
ج- مرحلة تليف أو تشمع الكبد.
وتتميز بتضخم وتصلب الكبد والطحال وارتفاع كمية البيليروبين والغلوبولين في الدم وانخفاض كمية الالبومين وأعراض أخرى قد تؤدي إلى فشل الكبد ونزف في الأمعاء والمعدة وتغييرات في تجلط الدم.
خامساً: التأثير على المعدة(2).
ان الكحول مهيج لغشاء المعدة وقد يسبب التهاباً حاداً في المعدة ويتميز بغثيان وألم وعسر هضم.
سادساً: التأثير على البنكرياس(3).
حوالي 50% من التهاب البنكرياس تكون بسبب الكحول حيث ان تعاطي
ــــــــــــــــــــ[199]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص60.
(2) المصدر: ص61.
(3) المصدر والصفحة.
الكحول بكثرة يقلل من كمية إفرازات البنكرياس ويزيد من لزوجتها وتسبب انسداد القنوات البنكرياسية. وهذا يؤدي إلى التهاب البنكرياس، والذي من أهم أعراضه الألم في البطن وتقيؤ وحمى وانخفاض في ضغط الدم.
سابعاً: التأثير على القلب(1).
ان تعاطي الكحول له تأثير سام مباشر على عضلة القلب مما يؤدي إلى تغييرات في التركيب البنائي لعضلة القلب بسبب ترسبات دهنية. ومن أهم أعراضه صعوبة التنفس وارتفاع في ضغط الدم وزيادة النبض. إضافة إلى أنواع مختلفة من اختلالات منظم القلب.
ومع تقدم المرض يتضخم القلب ويحصل عجز القلب الاحتقاني واستسقاء التجويف البطني، واختلال في قدرة عضلة القلب التوصيلية إضافة إلى مرض قلب ناتج عن نقص فيتامين B1.
ثامناً: التأثير على الدم(2).
ان للكحول تأثيراً هدمياً مباشراً على نخاع العظم. إضافة إلى النقص الغذائي الذي يؤثر في عملية تكوين الدم على مختلف مراحلها، مما ينتج عنه أنواع من فقر الدم واختلالات في عملية تجلط الدم.
تاسعاً: التأثير على الجلد(3).
ان نقص فيتامينات (ب) المركب يؤدي إلى حالة مرضية جلدية تدعى الجلد الخشن. وأهم أعراض هذا المرض هو احمرار في الجلد يشبه حرق الشمس في الأماكن المعرضة التالية: ظهر الكفين، الرسغين، الساعدين،
ــــــــــــــــــــ[200]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص62.
(2) المصدر ص63.
(3) المصدر والصفحة.
الوجه، الرقبة، ويصاحب هذا الاحمرار تقشعر بسيط وطفح مع حكة جلدية.
ومن الأعراض المهمة المصاحبة هي: سوء الهضم، الإسهال، احمرار اللسان (كلون لحم البقر) ضعف التركيز، الضعف العضلي، التنمل، الخدر، إضافة إلى الهزال وفقر الدم.
عاشراً: السرطان(1).
هناك علاقة كبيرة بين الإدمان على الكحول وزيادة نسبة الإصابة بسرطان الفم (الشفة واللسان) والحنجرة، المريء، الكبد.
حادي عشر: الهذيان الارتعاشي(2).
وهذه الحالة تمثل المرحلة الشديدة جداً للأعراض الانسحابية. وتحدث في اليومين الثاني أو الخامس من الإقلاع عن تعاطي الكحول. وهذه الحالة لها خطورة كامنة على الحياة، إذ تصل نسبة الوفيات فيها من 15-20% إذا لم تسعف إسعافاً فورياً.
وتتصف هذه الحالة بأعراض متعددة: منها: تشوش الوعي، ارتعاش في الأطراف، القلق، الفزع (الخوف الشديد) التوتر، كثرة الحركة، يكون المريض خشن السلوك والمعاملة، التعرق الغزير، الشعور بالعدوان.
هذا، مضافاً إلى الخداعات الحسية والتهيؤات. مثلا يتهيأ له وقوع سقف الغرفة وأحياناً الهلاوس البصرية مثلا: رؤية أشباح غريبة ومخيفة، ورؤية حيوانات صغيرة تتجه نحوه كالفئران والبعوض والثعابين مما يسبب له خوفاً شديداً يؤدي به إلى الهروب.
ــــــــــــــــــــ[201]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر والصفحة.
(2) المصدر ص64.
وغالباً ما يفقد المريض الذاكرة وترتفع درجة حرارته ويكثر التعرق وتجف الشفاه ويكتسي لسانه بطبقة بيضاء ويقل التبول.
ثاني عشر: الهذاءات أو الأوهام الخيلانية(1).
واهم هذه الهذاءات هي الغيرة الكحولية التي تصل بالفرد إلى درجة الشك في تصرف زوجته، فيقوم بتفتيش ملابسها ومراقبة سلوكها واتهامها بالخيانة الزوجية.
ثالث عشر: الهلاوس الكحولية(2).
تتميز هذه الهلاويس بالهلاوس السمعية. أي ان المصاب يسمع أصواتاً غريبة ليس له مصدر خارجي، وقد يرد عليها في بعض الأحيان. وكذلك الخداع الحسي والأفكار الاضطهادية وتختفي هذه الأعراض بعد التوقف عن شرب الخمر.
رابع عشر: العته أو الخرف الكحولي(3).
يحدث للمخ ضمور واسع في خلاياه العصبية للقشرة الدماغية. فيحدث للمدمن المزمن كل أعراض الاضمحلال العقلي والتدهور الشديد في الشخصية والاضطراب الملموس في الذاكرة.
خامس عشر: ذهان كورساكوف الكحولي(4).
نتيجة لإصابة بعض مناطق المخ بنزيف وتليف في الخلايا العصبية. ويتميز
ــــــــــــــــــــ[202]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص65.
(2) المصدر والصفحة.
(3) المصدر والصفحة.
(4) المصدر ص66.
هذا الذهان بنقص واضح مستمر للذاكرة للأحداث القريبة، مع تزييف الواقع لملء الفراغ الموجود في الذاكرة. ويصاحب هذه الأعراض التهاب في الأعصاب المحيطية للأطراف، ويتأثر القلب والكبد أيضا. ان هذا الذهان يحدث في المخمورين كنتيجة للذهان الكحولي الحاد، ولا سيما الهذيان الارتعاشي ونادراً في الكحولية المزمنة.
سادس عشر: تقصير العمر(1).
ان المدمن على الكحول قد يتعرض لأسوأ العواقب وأشد الأخطار وفيما يتعلق بصحته وحياته. وان التقارير الإحصائية تشير إلى ان عمر المدمن على الكحول عموماً اقل من عمر الشخص الصحيح بدنياً ونفسياً.
وأثبتت الدراسات ان الإدمان يقلل من متوسط عمر الفرد قرابة العشرين سنة. وان نسبة الوفيات بين المدمنين تزيد مرتين على الوفيات وسط الأفراد الذين لا يتعاطون المشروبات الكحولية.
سابع عشر: التأثير على الجنين(2).
تمت دراسة 12 مولود لـ (11) امرأة مدمنة على الكحول في أوربا. وتبين ان 10 من هؤلاء المولودين هم ولادات مبكرة (أي خدج) وان الدراسات التي أجريت في فرنسا تشير إلى ان النساء اللواتي يشربن ما يعادل 400س س أو أكثر من النبيذ يومياً خلال أشهر الحمل، تحدث لهن زيادة ملموسة في وفيات الأجنة أثناء الولادة وتأخر في نمو الجنين ونقص في وزن المشيمة.
وقد وجد ان الأطفال المولودين أحياء يستمرون من إظهار تأخر النمو الجسمي والعقلي حتى بعد وضعهم في محيط سوي.
ــــــــــــــــــــ[203]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص96.
(2) المصدر ص105.
ان نسبة الولادات المشوهة وضعف بنية المولود تكثر وسط الحوامل اللواتي يتعاطين المشروبات الكحولية بأي كمية كانت، وكذلك احتمال العقم المبكر، والأعراض النسائية الأخرى.
ثامن عشر: التأثير على الحياة الجنسية(1).
ان الاستمرار في شرب الخمر والإدمان عليها تؤدي إلى فقدان القدرة على أداء العمل الجنسي (العنة). لأنها تؤثر على الجهاز العصبي السمبثاوي.
لقد وجد في حالة تناول شبان أصحاء للكحول من فصل إلى أربعة أسابيع، فإنهم يتعرضون إلى نقص في إفراز وتركيز هورمون الذكور في الدم والتأثير غير المباشر عن طريق الغدة النخامية والهيبوثلاماس. وهذان التأثيران ليس لهما العلاقة البتة مع الحالة الغذائية وصحة الكبد في هؤلاء الأشخاص.
ان الضعف الجنسي(2) وقبل كل شيء قد يظهر في أشكال عديدة. فهو قد يكون عاجزاً في انتصاب القضيب أو فقدان الشهوة الجنسية. ومعظم علماء النفس يميزون بين ضعف جنسي رئيسي وضعف جنسي ثانوي. والثانوي هو الشائع بين مدمني الكحول وانه قد تسبقه (عادة) فترة طويلة من سنوات حافلة بالمغامرات الجنسية الناجحة، قبل ان يشعر المدمن بمشاكل الوهن الجنسي.
هذا مضافاً إلى أعراض ومساوئ أخرى لا حاجة إلى التطويل بها، فان فيما ذكرناه كفاية لمن اكتفى وعبرة لمن اعتبر.
الجهة الخامسة: في بيان جدول يبين العلاقة بين نسبة تركيز الكحول في الدم ومرحلة تأثيره على الجسم(3).
ــــــــــــــــــــ[204]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص111.
(2) المصدر ص112.
(3) المصدر ص42.
نسبة تركيز الكحول في الدم ملغم /100 س س مرحلة التأثير الأعراض
10-50 اعتدال أو رزانة في تناول المشروب ليس هنا تأثير واضح. إلا ان الشخص قد يصبح أكثر ثرثرة وعنده شعور بالسعادة.
30-120 الشعور بالنشاط والمرح زيادة الثقة بالنفس. زوال الخجل وقلة الاعتبارات الأخلاقية. فقدان الانتباه والحكم والسيطرة نتيجة اختلال الموازين.
90-250 الهيجان عدم استقرار عاطفي. قلة الأحاسيس والتوافق الحركي إلى ترنح في المشي العربدة وأحياناً التقيؤ.
180-300 الارتباك الذهني عدم وضوح الأفكار. عدم معرفة الزمان والمكان بصورة دقيقة. الدوخة الخوف. الغضب أو الحزن. فقدان الإحساس باللون والشكل والأبعاد الهندسية. قلة الإحساس بالألم. اضطراب التوازن كلام مضطرب.
270-400 حالة الذهول الخمول. هبوط في الحركة لدرجة الشلل. فقدان ملحوظ للاستجابة للمؤثرات. عدم القدرة على الوقوف أو المشي. سلس البول أو الغائط. النوم العميق.
350-500 الغيبوبة اختلال الأفعال الحسية والانعكاسية وبالنهاية فقدانها إلى ان تشل كافة المراكز الحيوية مع غيبوبة وهبوط درجة الحرارة واضطراب التنفس والدورة الدموية.
450 وأكثر الوفاة الوفاة نتيجة لشلل التنفس
ــــــــــــــــــــ[205]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الجهة السادسة: الكحول فقهياً.
بعد هذه الجهات الخمس السابقة الخارجة عن المحيط الفقهي، لابد لنا من الدخول في بعض التفاصيل الفقهية لنعرف ما يقوله الفقهاء حول ذلك.
وللكحول فقهياً حكمان رئيسيان: أحدهما: النجاسة والآخر، حرمة الشرب. فما هو موضوع المسألة في كل من هذين الحكمين؟
وللجواب على هذا السؤال يعترضنا أمران كلاهما يصلح جواباً في بادئ النظر هما: الخمر والمسكر. فما حدود ذلك؟
والكلام عن تحديد ذلك يكون في عدة وجهات نظر. وذلك:
أولاً: ان الخمر والمسكر مترادفان. بمعنى ان كل خمر مسكر وكل مسكر خمر. وهذا المجموع هو الذي يحكم عليه بالنجاسة وحرمة الشرب معاً.
ثانياً: نفس السابق بشرط ان يكون المسكر مائعاً يعني ان المسكر المائع هو الخمر والخمر هو المسكر المائع. واما إذا كان جافاً فهو ليس خمراً.
ويراد بالمائع والجامد ما كان كذلك في أصل خلقته بغض النظر عن الحالات الطارئة عليه. من حيث ان الجامد قد يذوب مثلا.
ومعه يكون الحكم على المسكر المائع الذي هو الخمر، بالحرمة والنجاسة، دون المسكر الجامد، فانه طاهر ذاتاً. واما حرمة تناوله فهو منوط بالقول: بأن إيجاد حالة السكر حرام بأي سبب كان، كما هو غير بعيد. فيكون تناول المسكر الجامد حراماً.
ثالثاً: ما كان يقوله بعض أساتذتنا، وتؤيده في ذلك كتب اللغة من ان الخمر هو خصوص الشراب المائع المتخذ من العنب دون غيره من المواد. ويبقى المتخذ من المواد الأخرى خارجاً عن عنوان الخمر وان كان مسكراً.
ــــــــــــــــــــ[206]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وما هو الثابت الحكم بنجاسته فقهياً هو الخمر، فيكون الشراب المتخذ من العنب نجساً بصفته خمراً. دون غيره. فان مقتضى أصالة الطهارة الحكمية كون غيره طاهراً ذاتاً سواء كان سائلا أو جامداً. إلا انه حرام تناوله على أي حال لكونه مسكراً.
رابعاً: ما يقوله أحد أساتذتنا من ان الخمر غير خاص بالشراب المتخذ من العنب بل هو عام للشراب المتخذ من بعض المصادر الأخرى الآتية، وان لم يشمل كل المصادر.
وذلك طبقاً لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج(1) عن أبي عبد الله . قال: قال رسول الله : الخمر من خمسة: العصير من الكرم [العنب] والنقيع من الزبيب والبتع من العسل والمرز من الشعير والنبيذ من التمر. ومثلها تماماً معتبرة علي بن إسحاق الهاشمي(2).
فيكون لمثل هذا البيان الشرعي حاكمية على المفهوم الموجود في كتب اللغة. بتعيين مصادر الخمر في هذه الخمسة، تعبداً وان لم تكن كذلك لغة. وإلا لكان قوله: الخمر من خمسة اما لغواً واما غير مطابق للواقع وكلاهما محال. وهذا هو الصحيح.
نعم، لابد من النظر في هذه الرواية من ناحيتين:
الناحية الأولى: في التفريق بين العنب والزبيب، مع العلم ان الزبيب ليس إلا العنب الجاف أو المجفف.
والظاهر ان النظر في الرواية إنما هو إلى أسلوب الاستفادة من هاتين المادتين، فبينما ان العنب الرطب يمكن عصره والاستفادة من مائه. نرى ان
ــــــــــــــــــــ[207]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الوسائل ج17 أبواب الأشربة المحرمة باب 1 حديث 1.
(2) المصدر حديث3.
الزبيب يمكن نقعه والاستفادة من نقيعه. وهذا تفريق عرفي واضح في نفسه.
وفيه إشارة إلى ان العنب ان أصبح زبيباً، وحصل له الجفاف فانه لا يخرج عن كونه مادة للخمر.
ومعه، فان أردنا توحيد العنب والزبيب بصفتهما يعبران عن ثمرة واحدة، كانت المواد التي يستخرج منها الخمر أربع لا خمس، وهي: ثمرة الكرم (العنب والزبيب معاً) والعسل والتمر والشعير.
وتكون المسكرات المستخرجة من المواد الأخرى كالخشب والنشاء والحنطة والفواكه وغيرها ليست خمراً وان كانت مسكرة.
وحيث ان النجاسة مختصة بعنوان الخمر فيكون المسكر الناتج من تلك الأربعة أو الخمسة نجساً، مضافاً إلى حرمة تناوله. وتكون باقي المسكرات طاهرة ولكن شربها يكون حراماً.
الناحية الثانية: في إمكان التجريد عن الخصوصية في بعض عناوين الرواية.
فمثلا: اشترطت الرواية في حصول الخمر من الزبيب كونه نقيعاً أي ان يكون بطريقة النقع. وهو ان يترك في الماء مدة. ومعه فان استخرجنا المسكر من الزبيب بطريقة أخرى فقد يقال أنها ليست بخمر. إلا مع الالتفات إلى التجريد عن الخصوصية من هذه الناحية أعني كونه نقيعاً. ومثله في التمر النبيذ. فتكون النتيجة ان المسكر المستخرج خمر سواء كان عن طريق النقع والنبذ أو بدونهما.
ولا يبعد ان تكون هذه الطريقة في التجريد عن الخصوصية صحيحة وعرفية. وإنما ذكر النقع والنبذ بصفته هو العمل الذي كان متعارفاً اجتماعياً حال صدور النص. والمفهوم من الرواية هو ان المهم في موضوع الحكم هو
ــــــــــــــــــــ[208]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
ذات المصدر أعني الزبيب والتمر، دون أسلوب الاستخراج.
وهناك شكل آخر للتجريد عن الخصوصية كإلحاق الحنطة بالشعير بصفتها مماثلة لها عرفاً. وإلحاق الفواكه ذات المذاق الحلو بالتمر بصفتها مشتركة معه في هذه الصفة، وإلحاق السوائل الحلوة بالعسل وهكذا. فيكون السائل المستخرج من كل هذه المواد خمراً نجساً.
إلا ان هذا الشكل من التجريد عن الخصوصية، لا يخلو من مناقشة:
أولاً: لاحتمال الفرق في حكمة التشريع بين هذه الأمور وغيرها. وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال. وثانياً: لو كان نظر الشارع المقدس إلى غير هذه الأمور لعددها وذكرها، مع انه لم يذكرها. ومن الواضح عرفاً ان الاعتماد على هذه العناوين الخمسة من أجل اندراج غيرها تحتها ليس بصحيح ولا واضح عرفاً. فلا يكون التجريد تاماً.
وينتج من هذا السير الفقهي: ان الكحول إذا لم تكن مصنوعة من أحد تلك الأمور الخمسة لم تكن محكومة بالنجاسة. بل ان ظاهر تلك الروايات جواز الشرب أيضا، إلا ان الظاهر لابد من رفع اليد عنه بالإجماع على عدم جواز شرب أي مسكر. ولا شك ان هناك أنواعاً من المسكر تؤخذ من غير هذه الأمور فتكون حراماً.
واما الاختصاص بخصوص ما اتخذ من العنب فقد ظهر وجه الجواب عنه بعد وجود الروايات الصحيحة الصريحة بتعداد غيره، كما سمعناها.
نعم، يبقى على الكحول عدة أمور لابد من النظر فيها:
الأمر الأول: انه مع الشك في ان مصدر الكحول هل هو الأمور الخمسة أو غيرها؟ فان مقتضى القاعدة هو الطهارة.
مضافاً إلى أمر آخر هو الاطمئنان بعدم اتخاذها منه، لأن اتخاذها من هذه
ــــــــــــــــــــ[209]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الأمور يكلف تكليفاً اقتصادياً عالياً، بخلاف اتخاذه من مواد أخرى متوفرة أو رديئة، لو صح التعبير. ولذا فان أغلب الكحول في العالم تحضر من غير هذه الخمسة، فيكون الفرد منها مشكوكاً طبعاً فيكون طاهراً كالسبرتو وغيره.
نعم، الخمور التي تعتبر في نظر شاربيها جيدة تعمل من هذه الخمسة، وأهمها العنب. وكذلك البيرة وهو الفقاع بالمعنى القديم فإنهما يعملان من الشعير. وقد عرفنا انه أحد الخمسة التي يكون المسكر فيها نجساً.
الأمر الثاني: قسم الفقهاء نظرياً المسكرات إلى سوائل وجوامد كما لو كانت جسماً صلباً أو أجساماً صغاراً كالتراب فإنها لا تكون نجسة وان كان تناولها حراماً.
فهل يوجد حقيقة كحول جامدة؟ قد عرفنا عدم وجود ذلك. وان وجد فليس لأنه جامد في أصل وجوده أو خلقته، بل لعله قد عومل ببعض المواد فجعلوه جامداً. واما الجامد في نظر الفقهاء فهو ما كان بأصل وجوده كذلك. وهو غير متوفر.
نعم، قد يحصل خلط ذهني واشتباه بين المسكرات والمخدرات، ولا شك ان قسماً من المخدرات جامد بالأصل. إلا انه لا يوجد احتمال فقهي أصلا لنجاسة المخدرات سواء كانت سائلة أو جامدة أو غازية.
الأمر الثالث: انه قد يفرق بين النظر العلمي والنظر العرفي في عدة أمور، كالذي قلناه في فصل سابق من الحشرات، فانه بالرغم من ان الحشرة (علمياً) هي ذات تعريف معين بحيث ينقسم جسمها إلى ثلاثة أقسام ولها أكثر من أربعة أرجل وغير ذلك. إلا ان الحشرة عرفاً هو كل الحيوانات الصغيرة نسبياً، كالزواحف والأفاعي والفئران والسرطان البحري والإخطبوط الصغير إلى غير ذلك.
ــــــــــــــــــــ[210]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فهنا أيضاً قد تثار نفس الفكرة من حيث ان الكحول (علمياً) غير الكحول عرفياً. وذلك من ناحيتين:
الناحية الأولى: ان الكحول الأثيلي هو الكحول علمياً وعرفياً، واما الكحول المثيلي الذي عرفنا انه شديد السمية، فقد يقال انه وان كان كحولا علمياً، إلا انه ليس كذلك عرفاً، وذلك بتقريب: ان من خصائص الكحول عرفاً هو كونه مسكراً غير سام. ولم يعهد العرف كحولا ساماً غير مسكر. وإنما نقول غير مسكر باعتبار ان سميته تمنع من تجربة أثره في الإنسان وانه مسكر أو غير مسكر. إذن فلم يشربه أحد لكي يثبت انه مسكر أو لا.
إذن فهو عملياً سام وغير مسكر. فلا يكون كحولا عرفاً، فلا يكون نجساً ولا حراماً. لأن المهم في شرب الخمر الحرام ان يكون جزءاً منها الكحول. نعم، يكون حرام التناول بصفته سماً. وهذا أمر آخر غير محل الكلام.
ومع وجاهة هذا التقريب العرفي، إلا انه ليس تاماً حسب الظاهر، لأن الجهة العلمية للكحول المثيلي تثبت شبهه بالأثيلي شبهاً كبيراً بحيث يصلح ان يسمى كحولا وان كان ساماً.
الناحية الثانية: انه قد يقال أيضاً من الناحية العرفية: أننا لو تعدينا من الكحول الأثيلي والمثيلي إلى المواد الأخرى التي اعتبروها علمياً من الكحول أيضا، كالكليسيرين وغيره. فإنها لا تعد عرفاً منها. لاختلاف شكلها وأثرها عن ذينك القسمين اختلافاً كبيراً. فلا تكون على شاكلتها عرفاً.
وهذا ينتج أحد أمرين أو كلا الأمرين:
أولاً: ان هذه المواد ليست خمراً حتى وان اتخذت من النباتات الخمسة السابقة، فلا تكون نجسة، على أي حال.
ثانياً: ان هذه المواد ليست مسكرات أساساً، فلا يكون شاربها
ــــــــــــــــــــ[211]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
حراماً أصلاً.
وقد يقرب ذلك: ان للمسكرات صورة أو فكرة عامة عرفية، لا يحتمل ان يكون الكليسيرين ونحوه منها جزماً، فلا يندرج إذن فيما يسمى مسكراً عرفاً، فلا يكون محكوماً بحكمه.
إلا ان هذا الأمر الثاني لا يخلو من مناقشة، باعتبار ان المسكر ليس لأجل شكله أو ثخانته أو نحو ذلك من أوصافه، وإنما لأجل أثره وهو حصول الاسكار فعلا في العقل البشري.
ومن المعلوم علمياً ان هذه المواد كالكليسيرين، تحتوي على الكحول إذن فهي مسكرة، فيكون شربها حراماً.
ولكن يمكن الترقي إلى خطوة عرفية أخرى. من حيث ان هذه المواد لا تحتوي على كحول عرفي لأنها لا تحتوي على الكحول الأثيلي والمثيلي وإنما هو نوع آخر من الكحول كما عرفنا. وإنما هو كحول بالمعنى العلمي ولا دليل على كونه كحولا بالمعنى العرفي، فلا يكون محكوماً بحكمه.
وهذا صحيح، ما لم يثبت عملياً حصول الإسكار منه. وهو غير حاصل فعلا، ويكفي الشك في إجراء أصالة البراءة.
وهذا ينتج ان الأدوية أو الأغذية التي يستعمل فيها الكليسيرين لا إشكال في عدم حرمتها.
وأولى من ذلك المواد الأخرى التي يثبت علمياً أنها من أنواع الكحول، ولكنها أبعد عرفاً عن الكحول الأصلي الاثيلي من الكليسيرين، فإنها أيضاً تكون أبعد عن الحرمة وأقرب إلى الحلية.
الأمر الرابع: ان النجاسة وحرمة الشرب هما الحكمان الواردان على الكحول أو المسكر. وقد عرفنا حدودهما.
ــــــــــــــــــــ[212]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
واما استعمالها في موارد أخرى أو انتفاعات مختلفة غير هذين الموردين، فلا إشكال فيه شرعاً. بل هو جائز قطعاً. ككثير من الأغراض الصناعية التي سبق ان سمعناها وغيرها. سواء كان الكحول خالصاً أو مخلوطاً بالماء أو بغيره، على شكل وآخر.
كل ما في الأمر ان استعمال الكحول الناتجة من النباتات الخمسة السابقة، تخلف النجاسة في الموضوع الذي تستعمل فيه. إلا أننا قلنا ان أغلب الكحول مستخرجة من غيرها، فيكون محل الاستعمال أياً كان مشكوك النجاسة فيمكن إجراء الطهارة فيه. وهذا الأصل يمكن إجراؤه في سائر الموارد بحيث لا يبقى مورد معتد به للنجاسة إلا الخمور نفسها.
نعم، ما يستعمل منها في صناعة الأغذية أو الأدوية يكون تناوله محرماً، أعني الغذاء نفسه إلا بأحد شرطين:
الشرط الأول: تبخر الكحول من الغذاء أو الدواء بحيث لا يبقى فيهما منها شيء معتد به. وقد عرفنا فيما سبق ان الكحول قابلة للتبخر، كما يمكن ان تتبخر بالحرارة.
الشرط الثاني: كون نسبة الكحول إلى مجموع الغذاء والدواء نسبة مستهلكة عرفاً، بحيث يكون وجودها ملحقاً عرفاً بالعدم. وهذا لا يكون أكثر من 1.5% فان كان أكثر لا يكون بمستهلك. واما إذا كان بهذه النسبة أو اقل فهو مستهلك ويجوز تناوله.
وإذا لاحظنا هذين الشرطين معاً أمكن القول انه مع تبخر الكحول يمكن أن يبقى منها مثل هذه النسبة.
ومعلوم ان هذين الشرطين لا يفرق فيهما بين الأغذية والأدوية السائلة والجامدة.
ــــــــــــــــــــ[213]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الأمر الخامس: ذكر الفقهاء ان العصير العنبي إذا غلا على النار حرم شربه وتنجس حتى يذهب ثلثاه، فإذا ذهب الثلثان طهر وحل شربه. اما تعبداً باعتبار الروايات الدالة عليه، أو باعتبار تغير حقيقته عرفاً عندئذ فانه يكون دبساً لا خمراً.
وهذا من الناحية الفقهية غير موقوف على القول بأن العصير العنبي إذا غلا في النار حصلت فيه الكحول أو لم تحصل. وان كان المظنون بين مشهور الفقهاء هو ذلك، حتى قالوا انه ملحق بالخمر أو انه خمر فعلا.
ولكنه في الواقع، غير مرتبط به، بل هو حكم مستقل مستفاد من روايات واردة به وناطقة بمضمونه.
ومن هنا لا يمكن مناقشته بأن البكتريا المنتجة للكحول لا يمكن ان تنمو في حال الغليان، ومن ثم لا تكون الكحول موجودة، فلا يمكن ان يكون خمراً.
إذ يجاب من الناحية الفقهية: انه وان لم يكن خمراً، إلا انه نجس وحرام على المشهور.
والدليل الوحيد في الواقع الدال عليه هو صحيحة عبد الله بن سنان(1) عن أبي عبد الله قال: كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. واما الروايات الأخرى فهي اما قابلة للمناقشة سنداً أو دلالة.
إلا أن هذه الرواية وان لم تكن قابلة للمناقشة سنداً، إلا أنها لا تخلو من مناقشة دلالة. نذكر أهمها:
أولاً: ان الحكم فيها هو الحرمة وليست النجاسة ولا يمكن أن نفهمها
ــــــــــــــــــــ[214]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الوسائل: أبواب الأشربة المحرمة باب 2 حديث1.
منها. وإنما المراد بها حرمة الشرب خاصة، فمن أين جاء المشهور بحكم النجاسة؟
ثانياً: ان الموضوع فيها (كل عصير) وهو على إطلاقه غير محتمل أصلا. بل لابد من تقييده بالعنبي خاصة. فان التمري ونحوه وان كان له خصوصية التحول إلى الكحول. إلا انه لا يكون إلا بالنقع، والنقيع لا يسمى عصيراً.
فإذا قيدناه بالعنبي، أمكن القول بأنه من قبيل استثناء الأكثر، وهو قبيح، وخاصة وهو يلحظ العموم، مع انه لا يراد به إلا نوع واحد.
نعم، يمكن تأويله بأن المراد كل عصير يمكن أن يتحول إلى الكحول. وليس في المواد المتحولة إلى الكحول، ما يوجد فيه العصير إلا العنب. واما التمر والتين والشعير وغيرها فهو خال من العصير، ولا يكون إلا بإضافة ماء خارجي إليه.
إلا انه يمكن القول ان هذا التأويل غير عرفي. فيكون ظهور الرواية مما لا يمكن الأخذ به: بل لابد من إيكاله إلى أهله.
ثالثاً: ان موضوعها العصير وليس النقيع. ومعه تخرج بعض الأمور عن حكمها وعن موضوعها.
الأمر الأول: العصير العنبي إذا خلط بمواد أخرى بحيث لا يصدق على المجموع العصير العنبي.
الأمر الثاني: العنب أو الزبيب (وهو العنب المجفف) إذا نقعناه ولم نقم بعصره، فيكون نقيعاً لا عصيراً، فلا يشمله الحكم.
الأمر الثالث: إذا استخرجنا السائل عن غير طريق العصر، كما لو فتتنا العنب بكل أجزائه حتى أصبح كالسائل وليس ماء خالصاً. أقصد ليس ماء عنب مصفى، عندئذ قد يقال: انه ليس عصيراً عرفاً فلا يكون مشمولا للحكم.
ــــــــــــــــــــ[215]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
ولئن كان هذا في العنب محل إشكال لكثرة مائه وقلة أجزائه الصلبة، فهو في غيره واضح. وخاصة إذا أصبح المجموع ثخيناً لا رقيقاً كماء العنب: فانه لا يصدق عليه انه عصير على أي حال.
ومن هذه الأمور الثلاثة وخاصة الأولين وما سبقهما، نعرف انه لا بأس بجعل العنب أو الزبيب أو ما يسمى بالكشمش في المطبوخات السائلة فضلا عن الجامدة كالأمراق والتمن والشوربة والكبة والكباب وغيرها. لعدة مبررات فقهية:
أولا: لأننا أساساً نفينا النجاسة.
ثانياً: نفينا صدق العصير عليه كما هو واضح.
ثالثاً: كون العصير لو كان موجوداً فهو مستهلك بغيره بكمية ضخمة أو بنسبة عالية جداً.
وعلى أي حال، فهو يكون حلالاً لا إشكال فيه. إذن فاستشكال بعض الفقهاء المتابعين للمشهور في ذلك بلا موجب.
الأمر الخامس: (من الأمور الرئيسية في هذا الفصل).
انه يمكن التساؤل عن إمكان وجود خمر بدون كحول.
إذ قد يمكن القول بأنه يمكن استحضار محلول يشبه الخمر عرفاً وعملياً، بحيث يسمى خمراً فيكون مشمولاً شرعاً للحكمين المشار إليهما سابقاً.
إلا ان الظاهر ان هذا مجرد فرض لا واقع له. فان المهم عرفاً في الخمر اجتماع أمرين: أحدهما: شكلها كاللون والرائحة. وثانيهما: السببية الاسكار. والاهم عرفاً وعقلا هو الثاني. فان لم يكن المستحضر مسكراً لم يكن خمراً البتة، وان شابه الخمر في اللون والرائحة.
ــــــــــــــــــــ[216]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فان أجبنا عن ذلك: بأن هذا المستحضر يشبه الخمر في كلا الأمرين، يعني انه يكون مسكراً. إذن سيكون خمراً لا انه يشبه الخمر. ولكن من الناحية الواقعية فانه لا يوجد سبب للإسكار إلا الكحول. فلو فرضنا أي مستحضر يكون مسكراً فهو لا بد حاوٍ على الكحول. ولا يمكن ان يكون مسكراً بدونها، ومن ثم لا يمكن ان يكون خمراً، ولم يخلق الله سبحانه مادة مسكرة سواها(1).
نعم، المخدرات عديدة -كما سوف نسمع- إلا أنها غير مرتبطة بالمسكرات لا موضوعاً ولا حكماً كما سنرى.
الأمر السادس: انه بالرغم من ان الكتاب الكريم قد نص على حرمة الخمر في عدد من آياته.
إلا انه قد يستدل على الحلية بقوله تعالى: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً. ولا اقل من القول: بأن عنوان الخمر محرم وهو خارج عن عموم الجواز للمسكر الذي دلت عليه الآية الكريمة. واما المسكر الذي ليس بخمر فهي تدل على جوازه.
وجواب ذلك من عدة وجوه:
الوجه الأول: انه لا يتعين ان يكون بالمراد بالسكر- بفتحتين – في الآية الكريمة السكر أو المسكر فان له عدة معان لغوية يمكن ان يراد أي منها:
فعن المجمع في اللغة(2): السكر في اللغة على أربعة أوجه: الأول: ما أسكر من الشراب. والثاني: ما طعم من الطعام. قال الشاعر: جعلت عيب الأكرمين سكراً أي جعلت ذمهم طعماً لك، والثالث: السكون ومنه ليلة ساكرة
ــــــــــــــــــــ[217]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) ولو فرض وجوده لكان حراماً شربه وان كان ظاهراً لمسه. لأنه سيكون مسكراً وكل مسكر حرام.
(2) انظر تفسير الميزان ج14 ص289.
أي ساكنة. قال الشاعر: وليس مطلق ولا ساكرة. ويقال: سكرت الريح أي سكنت. قال: وجعلت عين الخرور تسكر.
والرابع: المصدر من قولك سكر سكراً. ومنه التسكير التحيير، في قوله: إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا. انتهى.
فكما يمكن ان يكون المراد من السكر في الآية الكريمة المعنى الأول، كما هو مراد المستدل، كذلك يمكن أن يكون الوجه الثاني وهو الطعام المطعوم أو الطيب اللذيذ. فقد أشار إلى لذته أولاً ثم إلى كونه رزقاً من الله سبحانه وتعالى. وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
وقد يخطر في البال: ان في الآية الكريمة قرينة متصلة تدل على تعين المعنى الأول ونفي ما سواه. وهو انه سبحانه يقول(1): وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً.
فقد ذكر التمر والعنب وهما أهم المصادر لاتخاذ المسكرات أو الكحول. وجواب ذلك: انه لا يتعين ذكر هذه الفواكه من أجل ذلك، وإلا كان المناسب عطف الشعير عليها، لأنه ليس أقل شيوعاً منها باتخاذ المسكر منه. بل إنما ذكرها باعتبارها ألذ الفواكه أولاً ، وأوفرها في الزراعة ثانياً، في غالب البلدان المعتدلة. فكذلك إذا دخل الاحتمال، بطل الاستدلال.
الوجه الثاني: ان الآية الكريمة ليست غير دالة فقط على الجواز بل هي دالة على حرمة اتخاذ المسكر. وذلك: لعطف الرزق الحسن عليه، والعطف يدل على المغايرة بين القسمين: المعطوف والمعطوف عليه. وحيث ثبت بوضوح ان المعطوف هو الرزق الحسن. إذن فالآخر هو رزق غير حسن. ولا يراد بعدم الحسن هنا إلا الحرمة. إذ لا يوجد من يقول بالكراهة. فالآية
ــــــــــــــــــــ[218]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) النحل: 67.
الكريمة دالة على الحرمة.
وهذا الوجه لطيف في نفسه. إلا انه غير متعين، لأن العطف كما قد يدل على التغاير بين طرفيه كذلك قد يدل على الوحدة بينهما كما في عطف التفسير، فقد يكون هذا من قبيل عطف التفسير. فلا يتم الجواب.
الوجه الثالث: ان الآية الكريمة بصدد الامتنان بلا شك. لأنها تذكر منة الله سبحانه على عباده. ولا يكون الامتنان إلا بمحلل. وبعد أن نعرف من الأدلة الأخرى حرمة كل مسكر، إذن نعرف انه يمتنع ان يراد من السكر في الآية: المسكر، لأنه لا يكون الامتنان إلا بمحلل. بل لابد ان يراد به معنى آخر كالذي ذكرناه في الوجه الأول.
الوجه الرابع: انه ليس المراد من قوله: تتخذون … أي تصنعون. لأن الفعل أو العامل يجب أن يرتبط بكلا المعطوفين بوجه واحد ولا يحتمل ارتباطه بكل منهما بوجه مستقل لأنه خلاف وحدة السياق.
بل خلاف نص الآية. ومن المعلوم: ان الرزق الحسن لا معنى لصناعته. إذن نعرف انه ليس المراد من الاتخاذ الصناعة. لا من السكر ولا من الرزق الحسن.
ومن المعلوم ان الشراب المسكر لا يكون إلا بالصناعة وليس التمر والعنب مسكرين بوجودها الطبيعي. ومعه يتعين ان لا يكون المراد به المسكر. إذ لو كان كذلك لاحتاج إلى صناعة، ولكان ارتباط الفعل (تتخذون) به غير شكل ارتباطه في الرزق الحسن. أي ان له في كل واحد معنى مستقلا، وهذا فاسد جداً، لمجيئه مرة واحدة في الآية لا مرتين.
فيتعين ان يكون المراد بالاتخاذ القطف والإعداد للأكل أو الشرب من عصيره ونحو ذلك، بدون اتخاذ معنى الصناعة فيه.
ــــــــــــــــــــ[219]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فهذا هو مختصر الكلام في الآية الكريمة. واما الآيات الكريمة المحرمة للخمر فالحديث فيها موكول إلى التفسير. وان كانت هي فعلا مما وراء الفقه وداخلة في موضوع الكتاب. إلا ان الحديث عنها سيكون طويلا نسبياً وبعيداً عن الموضوع الفقهي كثيراً.
الأمر السابع: حصل هناك من يقول: ان معنى تحول المواد السكرية وغيرها إلى الكحول. أنها بوجودها الطبيعي تحتوي على نسبة قليلة من الكحول، فإذا عملت فيها بعض التطورات زادت فيها هذه النسبة فحصلنا على الكحول.
وهذه شبهة قد ترد في كثير من الأذهان، وقد يستنتج منها جواز تناول الكحول، بصفتها موجودة بالأصل في الفواكه والسكريات بنسب قليلة.
ومن هنا كان لابد هنا من التعرض لهذا السؤال مع جوابه.
وحاصل الجواب: ان الموجود في بعض المواد الطبيعية هو قابلية التحول إلى كحول لا الكحول نفسها بأية نسبة كانت. وإنما يتم التحول إلى الكحول باعتبار بكتريا معينة تعمل على ذلك، فتوجد الكحول بعد ان لم تكن على الإطلاق.
ويقرب ذلك بعض الأمور:
أولاً: أننا عرفنا انه في الإمكان إيجاد الكحول من مواد جافة وصلبة كالخشب، فهل من المعقول التفكير بأن في الخشب نسبة ضئيلة من الكحول؟
ثانياً: يمكن الاعتبار بحال الفساد والعفونة التي تحصل في المأكولات أو غيرها، فهل هذا يعني ان المأكولات الطازجة منذ خلقتها تحتوي على العفونة؟
ثالثاً: كذلك يمكن الاعتبار باللبن الرائب الذي يعد من الحليب أو العجين المخمر الذي يعد من العجين (الحر). ومن الواضح انه لم يكن في الحليب في
ــــــــــــــــــــ[220]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
أصل خلقته بكتريا الترويب ولا في العجين بكتريا التخمير.
وقد يخطر في البال: ان هذين الأمرين لا يكونان إلا بإضافة شيء معد سابقاً كإضافة الخميرة للعجين واللبن الرائب للحليب. إذن فلا تكون الخميرة ولا تتكاثر إلا من خميرة سابقة. فقد تكون الكحول كذلك.
وجوابه: انه لا ضرورة إلى هذه الإضافة إلا باعتبار الإسراع إلى الترويب والتخمير. ولكن من الواضح انه إذا بقي الحليب مدة طويلة فانه يروب وإذا بقي العجين مدة طويلة فانه يتخمر. بدون إضافة شيء عليه.
والعمدة في إيضاح الجواب هو أننا لو استطعنا ان نتصور عدم نمو البكتريا في هاتين المادتين لاستطعنا ان نتصور عدم تحولهما وتخمرهما. بل سوف يبقيان على شكلهما الأول مهما طال الزمن.
رابعاً: ان التحليل الكيميائي للفواكه وغيرها أثبت عدم وجود الكحول فيها على الإطلاق. وإنما ذكروا أنها تتكون من مواد معينة كالماء والسكريات والبروتينات وغيرها. وليس منها الكحول البتة.
خامساً: ان الكحول لو كانت موجودة في الفواكه ونحوها بأصل الخلقة، لكانت موجبة لشيء من السكر عند تناولها بكثرة. كما لو اعتمد الفرد على أكل العنب في وجبة كاملة وشبع به دون سواه. فانه قد يحدث له بوادر السكر، لو كانت الكحول موجودة. إلا ان هذا بخلاف الوجدان، ومعلوم البطلان، ولم يحتمله أحد إطلاقاً.
إذن، فالفواكه بأصل خلقتها طاهرة من هذا العنصر النجس، وإنما توجد في ظروف معينة وتحت عوامل خاصة.
والى هنا يكفينا الحديث عن الكحول، ولا حاجة إلى الدخول في التفاصيل أكثر من ذلك.
ــــــــــــــــــــ[221]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فصل المخدرات
ما هي المخدرات؟
يمكن عرض السؤال هذا من زاويتين:
الزاوية الأولى: في النظر إلى المخدرات بصفتها محدثة للحالة الجسمية والنفسية والعقلية المعينة، والتي يمكن أن نسميها التخدير أو الخدر -بفتحتين- هذا بغض النظر عن التفاصيل التي يمكن إعطاؤها في الزاوية الثانية.
الزاوية الثانية: في النظر إلى المخدرات كمواد ناجزة نباتية أو غيرها، وعندئذ لابد ان ندخل في تفاصيل تعدادها كالمورفين والأفيون الحشيشة والنيكوتين وغيرها.
ولابد من حديث موجز نسبياً عن كلا الزاويتين.
اما الحديث عن الزاوية الأولى فهو في الحقيقة يرجع إلى الحديث عن أمرين:
أحدهما: تعريف المخدرات.
والآخر الحديث عن الأثر الذي يحدثه في الفرد وأعني به الأثر الناتج من استعمال واحد بغض النظر عن المضاعفات التي سنذكرها بعدئذ.
ــــــــــــــــــــ[222]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
تعريف المخدرات:
قال في بعض المصادر انه(1): بالرجوع والبحث في كافة المصادر القانونية وغير القانونية لم نجد تعريفاً عاماً جامعاً يوضح مفهوم المواد المخدرة. والذي وجدناه لا يعدو ان يكون حصراً لهذه المواد، يضاف إليها كل جديد يمكن اكتشافه أو تجهيزه.
وأضاف بعد صفحة تعريفاً من عنده يقول فيه(2): المادة المخدرة هي كل مادة خام أو مستحضرة تحتوي على جواهر منبهة أو مسكنة، من شأنها إذا استخدمت في غير الأغراض الطبية والصناعية الموجهة، ان تؤدي إلى حالة من التعود أو الإدمان عليها مما يضر بالفرد والمجتمع جسمياً ونفسياً واجتماعياً.
وقال في مصدر آخر عن المخدر(3): مادة تسبب في الإنسان والحيوان فقدان الوعي بدرجات متفاوتة وقد ينتهي إلى غيبوبة تعقبها الوفاة.
ومع ان المخدرات قد تستعمل في الطب لإزالة الآلام كالمسكنات أو لإحداث النوم كالمنومات، ومع ان جميع المواد المستعملة للبنج يجوز اعتبارها من المخدرات، فان المصطلح نفسه قد خصص الآن للدلالة على مواد معينة تثبط الجهاز العصبي المركزي تثبيطاً عاماً.
ولم نجد في المصادر غير هذين التعريفين. فلابد من نقدهما أولاً. ثم الحديث عما قد يتحصل من بديل لهما.
وينطلق النقد بشكل أساسي من زاوية التفريق بين المخدرات والمسكرات التي عرفناها في الفصل السابق. فانه من الواضح ان عدداً من الأوصاف
ــــــــــــــــــــ[223]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) ظاهرة تعاطي الحشيشة ص37.
(2) المصدر ص38.
(3) الموسوعة العربية الميسرة مادة: مخدر.
المأخوذة في كلا التعريفين شاملة للمسكرات كما هي شاملة للمخدرات. وهذا يعني عجز التعريفين عن إعطاء مفهوم حاصر للمخدرات بالذات، وعجزهما أيضاً وصف الحالة التي يحدثها المخدر مستقلا عن المسكر.
وذلك إذا لاحظنا في التعريفين عدة نقاط:
أولاً: ان استعمال المخدر قد يؤدي إلى الإدمان. وكذلك المسكر.
ثانياً: ان المخدر قد يستعمل في أغراض طبية وصناعية. وكذلك المسكر.
ثالثاً: ان المخدر قد يؤدي إلى فقدان الوعي بدرجات متفاوتة. وكذلك المسكر.
رابعاً: ان المخدر قد يؤدي إلى غيبوبة تعقبها الوفاة وكذلك المسكر.
خامساً: ان المخدر يؤثر على الجهاز العصبي المركزي. وكذلك المسكر.
سادساً: ان المخدر يحدث الضرر في الفرد والمجتمع نفسياً وصحياً واجتماعياً. وكذلك المسكر.
سابعاً: ان المخدر يستعمل كمنبه عام للجسم وكذلك المسكر.
ثامناً: ان المخدر فيه ما هو مادة خام طبيعية ومنه مستحضر وكذلك المسكر.
ولعلنا ندرك ان هذه التأثيرات وان كانت مشتركة، إلا ان بعضها ينجز بشكل مختلف في المسكر عنه في المخدر، كما قد يختلف بعضها بين أشكال المخدرات والمسكرات نفسها.
واما الآثار التي تختلف فيها المخدرات والمسكرات مما ذكر في التعريفين ومما لم يذكر، فهي عدة أمور:
أولاً: ان المسكر أو الكحول بقسميه الأثيلي والمثيلي تعتبر من المواد
ــــــــــــــــــــ[224]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
السامة، غير ان المثيلي أشد سماً من صاحبه. وليس كذلك شيء من المخدرات.
واما ترتب الوفاة على زيادة التناول، فهذا من المضاعفات وليست من السمية المباشرة، وهذا ما يحدث من المخدرات والمسكرات معاً.
ثانياً: ان الكحول تستخدم كمذيبة لبعض المواد ولا يوجد في المخدرات ما يوازيها.
ثالثاً: ان الكحول تستخدم كمعقم أو مطهر أو منظف، ولا يوجد في المخدرات ما هو كذلك.
رابعاً: ان المخدر يستعمل كمنوم لحالات الأرق وليس كذلك المسكر.
خامساً: ان المخدر يستعمل كبنج عام لحالات العمليات الجراحية، وليس كذلك المسكر.
سادساً: ان المخدر يستعمل كبنج موضعي لحالات العمليات الجراحية الصغرى كقلع الضرس ونحوه. وليس كذلك المسكر.
سابعاً: ان المخدر يستعمل كمسكن للآلام بخلاف المسكر، فانه لا يؤثر ذلك. إلا باعتبار تأثيره على الجملة العصبية.
ثامناً: ان المتناول للمخدر لا يضر بالمباشرة إلا نفسه بخلاف المسكر. وذلك: لأن المخدر يؤثر الخمول والمسكر يؤثر الهيجان والعربدة، الأمر الذي يضر بالآخرين ضرراً مباشراً. واما الأضرار غير المباشرة فهي مشتركة بين القسمين كما أشرنا.
فهذه هي أهم الفروق التي استطعنا الاطلاع عليها. ونحن ندرك أيضاً ان بعض هذه الفروق مشتركة بدورها. كل ما في الأمر ان المادة المستعملة فيه
ــــــــــــــــــــ[225]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
غالباً هي أسرع تأثيراً أو أقل ضرراً ونحو ذلك.
ومعنى ذلك: ان الفرق بين الكحول والمخدرات غير محدد بشكل تام إلى حد الآن. فان تعدينا عن ذلك إلى عناوين أخرى كالمسكن والمنبه والمنشط والمطرب (وهو ما أضفناه في الفصل السابق) والمنوم مضافاً إلى المسكر والمخدر. وجدنا بينها تداخلا في التطبيق والمصداقية بشكل ملفت للنظر مما يؤدي بدوره إلى الإجمال في المفهوم لا محالة.
ولكن مع ذلك يمكن استعمال الوجدان إلى جانب التجارب العلمية لإعطاء بعض النتائج المحددة.
فالخدر هو أن يصبح العضو الحي الحساس غير حساس. حاله حال الإسفنج الصناعي مثلا. بحيث إذا حككته أو وخزته بإبرة أو جعلت عليه ثقلا ونحو ذلك لم يحس ولم يدر صاحبه بذلك إذا لم يكن ملتفتاً من ناحية أخرى. وباصطلاحهم: ان العضو لا يستجيب للمنبهات الخارجية، ولا يعطي للدماغ أية ذبذبة.
وهذه الحالة قد تحدث بشكل قوي وبشكل ضعيف. كما قد تحدث بشكل موضعي أو بشكل عام، بحيث يصبح الجسم كله على ذلك الحال. والمخدر هو الذي يسبب إلى شيء يشبه هذه الحالة، وأقلها ما يجده الفرد من الخمول والاسترخاء.
ومن هنا نستطيع ان نعرف ان ما ذكروه من تأثير المخدر على العصب المركزي ليس دائماً، بل إنما يكون ذلك مع عمومه. واما إذا كان الخدر موضعياً فليس الأمر كذلك. وإنما يكون عاماً إذا كان قوياً كالبنج أو تم تناوله عن طريق الفم أياً كان نوعه.
واما المسكر فهو يرتبط رأساً بالعصب المركزي، ومن هنا لا يمكن ان
ــــــــــــــــــــ[226]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
يكون موضعياً. سواء تم تناوله عن طريق الفم أو التزريق في الجلد أو غير ذلك.
وأثره الأولي هو زيادة الإحساس بالانتعاش العام والميل إلى النشاط. ولكن بمجرد تزايده يصبح المسكر سبباً لفصل الفرد عن واقعه الخارجي بالتدريج، بحيث يهمل بعض الأمور أو لا يحس بها إطلاقاً.
ومن ذلك صعوبة المشي على السكران أو ترنحه فيه وصعوبة التفكير عليه، والتكلم بكلام غير مناسب لا في معناه ولا في شكله. وكذلك سقوط المفاهيم الأخلاقية لديه جنسياً، ومن ناحية المجاملة ومن كل النواحي، حيث تجده يضحك بشكل هستيري ولا يجد مانعاً من ذلك.
ومن ذلك ان المسكر مع تزايده ينتج ما سمعناه من رؤية الأشباح وسماع الأصوات وتخيل حيوانات مهاجمة كالأفاعي والفئران. وكل ذلك لانقطاع الفرد عن واقعه انقطاعاً نسبياً وموقتاً. واتخاذ واقع جديد له مناسب مع تصوره وعقليته التي يجدها حال سكره. وهو واقع متخذ من خيالاته وأوهامه، بعد إسقاطه لأهمية الواقع الذي هو فيه أو عدم الإحساس به أصلا (أعني عدم الإحساس أصلا ببعض الأمور المادية أو المعنوية، لا كل شيء، فان ذلك لا يكون إلا عند الغيبوبة أو الوفاة).
ومن هنا سمعنا قول الشاعر إذ يقول:
وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير
وإذا سكرت فإنني رب الخورنق والسدير
وذلك بفعل الأوهام التي تحصل للسكران. وبنائه العالم الخاص به حال سكره. وهذا كله مما لا يوجد بفعل المخدر. وإنما يفصل المخدر الفرد عن واقعه، عند النوم فعلا والغيبوبة.
ــــــــــــــــــــ[227]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
واما المنبه(1): فقد عرفوه بأنه عامل يزيد من أعمال الجسم الحيوية بصفة عامة أو من وظيفة عضو معين بصفة خاصة. والمنبه تغيير طبيعي أو كيمياوي معاً في داخل الجسم أو في خارجه.
وكثير من الأدوية والعقاقير تؤثر بالجسم عن طريق تنبيه عضو خامل أو كبح عضو يعمل أكثر مما ينبغي. فمثلا: ان القهوة والشاي تنبه المخ، في حين ان المشروبات الروحية تكبحه.
والمنبهات بصفة عامة تزيد الطاقة التي يصرفها الجسم، ولذلك فكل فترة من فترات التنبيه تعقبها فترة يقل فيها عمل العضو حتى يستعيد ما فقده.
وتعليقنا الوحيد على ذلك هو ان الكبح لا يمكن ان يكون من قبيل التنبيه بل هو مضاد له. ولا يمكن جعل ضد الشيء من أقسامه. فالتنبيه هو الزيادة في الحيوية لا كبحها. ومن هنا قال: انه بسبب زيادة في صرف الطاقة قد ينتج خمولا موقتاً بعد ذهاب أثره، وهذا ليس من شأن الكابح بطبيعة الحال.
والظاهر ان المنبه أو بعض المنبهات قابلة للإدمان، كالشاي والقهوة، وان كان من المحتمل قوياً ان الإدمان فيها باعتبار احتوائها على مادة مخدرة وليس لمجرد كونه منبهاً.
واما المنشط فهو منبه بطبيعته، إلا انه منبه ذو خصوصيتين: الأولى: كونه عاماً للجسم كله وليس خاصاً بعضو معين. والثانية: كونه منشطاً للجانب المعنوي للفرد في كثير من الأحيان كالذاكرة والتفكير ولو بتوسط تنشيط الدماغ نفسه.
واما المسكن، فهو المادة الدافعة للألم أو المزيلة له. بحيث يصبح الفرد لا يحس به، بغض النظر عن كون سببه ساري المفعول أم لا.
ــــــــــــــــــــ[228]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الموسوعة العربية الميسرة: مادة منبه.
واما المنوم، فهو المادة المسببة للنوم أو مقدماته كالنعاس أو ما يسمى بثقل الرأس ونحو ذلك. وكلما زادت المادة زاد تأثيرها. وعلى أي حال فالنعاس قسم من الخدر العام في الجسم بلا شك. ومن هنا كان يمكن للمخدر ان يكون منوماً. وكذلك المسكر غير انه يجب ان يكون بكمية أكبر بحيث يتحول النشاط إلى خمول. واما المخدر فمن طبيعته ذلك قل أم كثر. بل ان المنومات عموماً من نوع المخدرات.
بقي لفظ واحد من القائمة السابقة وهو المطرب، وقد ألحقناه باعتبار تشابه حالته بعض الشيء مع الاسكار.
والطرب حالة نشوة قوية تبعث على الحركات الخارجة عن المألوف، من كل فرد حسب مزاجه وعقليته.
وهذه الحالة، بهذا المقدار من التعريف تنشأ بلا شك من المسكر، في بعض مراحله، كما قد تنشأ من المخدر أحيانا، إلا ان الاصطلاح العرفي اختص بما إذا نشأت هذه الحالة من سماع الأغاني. ولذا سمي المغنين بالمطربين.
ولا ينبغي بهذا الصدد ان ننسى أمرين:
الأول: ان هذه الحالة لها درجات. فقد تبعث على حركات قليلة أو حركات كثيرة أو لا تبعث عليها أصلا، باعتبار ضعف وجود الحالة نفسها. وهذا لا ينافي أنها ستكون باعثة إذا قويت.
الثاني: ان الطرب الذي ينشأ من الأغاني لا شك انه يتأثر بمدلولها اللغوي، أي بمضمون الشعر أو الغناء الذي يقال وينشد. فقد يكون المضمون جنسياً وقد يكون حزيناً وقد يكون باعثاً على الغضب وهو الشعر أو الغناء الحماسي وهكذا. وبالطبع، فان الحركات التي يأتي بها السامع أو المغني نفسه
ــــــــــــــــــــ[229]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
ستكون موازية للمضمون ان صح التعبير.
فهذا هو جملة الكلام في تعريف المخدرات.
أهم أقسام المخدرات:
وهي تنقسم إلى مستحضرات كيمياوية كالبنج وغيره، والى موجودات طبيعية لا تحتاج إلى عمل كيمياوي معقد. وهذا القسم الثاني هو المتداول بين الراغبين بالمخدرات وهو الذي نذكر الأقسام المهمة منه.
فمنها: الأفيون: ويسمى الترياك أيضا. وأصله: الترياق وهو بمعنى أسطوري: انه الدواء من كل داء.
وقد عرفوه بأنه(1): العصارة اليتوعية الجافة التي تسيل بتشريط الثمار غير الناضجة لنبات الخشخاش. ويوجد على شكل كتل صلبة مختلفة الأشكال والأحجام، محمرة أو سوداء قاتمة. وله رائحة قوية مخدرة وطعم مر.
ويحتوي الأفيون على قلوانيات كثيرة أهمها المورفين والكوربين والبابفرين والثيابين، كما يحتوي على مواد أخرى مثل حمض الميكونيك وأحماض عضوية أخرى وحمض الكبريتيك. وهذه الأحماض توجد عادة مع القلوانيات. ومعظم جرم الأفيون يتكون من مادة راتنجية وصمغ.
ومنها: المورفين(2): وقالوا عنه انه: احد قلوانيات الأفيون ذو أهمية كبرى في الطب والجراحة، لأنه يزيل الآلام كما انه يستعمل منوماً ولتسكين السعال وإزالة حالة التوتر، الناتجة عن الخوف.
وتعاطي المورفين مع زيادة تدريجية في الجرعة يمكن الجسم من تحمل
ــــــــــــــــــــ[230]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الموسوعة الطبيعية الميسرة.
(2) نفس المصدر.
كمية منه لو أعطيت في الحالات الاعتيادية لكانت خطرة ومميتة. والإدمان عليه يسبب حالة خطرة جداً لا يمكن علاجها أو إصلاحها إلا بعناية طبية خاصة.
ومنها: الهروين أو الهيروئين(1): احد مشتقات المورفين. ولما كان الإنسان يصبح مدمناً للهروين بسهولة، فقد قل استعماله وندر وصفه طبياً. بل قد حظر تحضيره في بلاد كثيرة. وهناك شبه إجماع على حذفه من جميع دساتير الأدوية.
ومنها: الحشيش، أو الحشيشة(2): يطلق هذا اللفظ غالباً في الشرق على مادة مخدرة تحضر من نبات القنب، لتحضير مستحضرات تسمى بأسماء مختلفة، مثل البابنج والكراس والجنجا والكيف. وأما لفظ حشيش فيقتصر إطلاقه في بعض الأحيان على خلاصة محضرة من الأوراق. كما انه يستعمل في بعض الأحيان للدلالة على القمم الزهرية للنبات.
وتستعمل كل هذه المستحضرات (التي من نبات القنب) اما بالمضغ واما بالتدخين أو يتعاطاها المريض على هيئة سائل. وتأثيرها ناتج عن وجود مواد راتنجية معينة.
ومنها: الكافئين(3): مادة بلورية عديمة اللون قلوية، توجد في البن والشاي وفي الكولا. وتوجد بكميات ضئيلة في الكاكاو. كما يمكن استحضاره بالتخليق الكيمياوي من حمض البوليك.
وهو منبه للجهاز العصبي، كما انه مدر للبول. وتحتوي أوراق الشاي على نسبة من الكافيين اكبر مما تحتويه حبوب البن. ولكن مشروب كل منهما يحتوي
ــــــــــــــــــــ[231]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) نفس المصدر.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر.
على نسبة متساوية، إذ ان كمية البن المستعملة في تحضير القهوة اكبر من كمية الشاي المستعمل في تحضير شرابه.
ومنها: النيكوتين(1): مائع زيتي القوام لا لوني. ذو رائحة نفاذة وطعم لاذع، يوجد بأوراق نبات الدخان. سام ويستخدم مبيداً للحشرات.
ومنها: التبغ(2): نبات من الفصيلة الباذنجانية، تستعمل أوراقه لصناعة التبغ يعزى التأثير المخدر للدخان إلى مادة النيكوتين التي تنفذ داخلا عن طريق الأغشية المخاطية للمسالك التنفسية. وتعزى الرائحة الخاصة للدخان إلى زيوت طيارة ومواد عطرية أخرى، تتكون في أوراقه أثناء عملية التجفيف والتخمير التي تسبق علميات تصنيعه.
والدخان (التبغ) أصلا من نباتات المناطق الحارة. ولكن معظم الأصناف المزروعة حالياً تأقلمت بجو المناطق شبه الاستوائية والمعتدلة.
ومنها: الكوكايين(3): احد قلويدات الكوكا. يستعمل في الطب كمخدر موضعي. وبعض الناس يستعملونه بطرق غير مشروعة (قانونياً). والكوكايين بجرعات صغيرة يحدث تنبيهاً وزيادة في النشاط الجسماني.
ولكنه من المواد التي تحدث عادة الإدمان، واستمرار استعماله يحدث خمولا في الجهاز العصبي يؤدي إلى الجنون هو من المخدرات التي تطبق عليها القوانين الخاصة.
ومنها: الكوكا(4): شجيرة تتبع جنس (اريثروكسيلون) وخاصة (اريثروكسيلون
ــــــــــــــــــــ[232]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
(4) المصدر نفسه.
كوكا). يستخرج منها الكوكايين. وخاصة من أوراقها.
ومنها: الكولة أو الكولا(1): شجرة استوائية اسمها العلمي (كولا اكيوميناتا) موطنها أفريقيا. وتزرع في المناطق الدافئة لبذورها المعرفة باسم بندق كولا التي تحتوي على الكافيين والزيت والجلوكسيد كولانين. ويمضغ الأهالي في تلك الأقاليم البندق الطازج. وتصدر البذور لاستعمالها في المشروبات وفي الطب.
ومن هذين الاسمين الأخيرين يظهر بوضوح ان اسم (الكوكا كولا) إنما هو مركب من اسم شجرتين مخدرتين. ومنه يستنتج بوضوح أيضاً ان المشروب المسمى بهذا الاسم فيه مادة مخدرة، وانه يحتوي على شيء من الكوكايين والكافيين، وهما المادتان المستخرجتان من هاتين الشجرتين.
ومنه يمكن ان نتذكر الشراب الآخر المشهور(2): (بيبسي كولا). فان الـ: بيبسين هو: أهم الانزيمات (أي الخمائر) في إفراز المعدة ويهضم البروتين فيحوله إلى بروتيوزفيبتون: ولكنه لا يهضم حتى يصير المهضوم أحماضاً أمينية… ولا يعمل الببسين إلا إذا كان في وسط حامضي، كما هو الحال في العصير المعدي الذي يحتوي على نسبة كبيرة من حامض الكلوردريك القوي.
ويحضر الببسين من الغشاء المخاطي الذي في معد الأغنام والماشية. ويتخذ منه علاج لبعض حالات سوء الهضم. ولا يكون للعلاج فائدة، إلا إذا كان سوء الهضم ناشئاً عن نقص في إفراز المعدة. إذن فالبيبسي كولا مركب من مادة هاضمة ومادة منبهة أو مخدرة هما الببسين والكافيين. واما الكوكا كولا فمركب من مادة مخدرة ومادة منبهة هما الكوكايين والكافيين والى هذا يعزى الاختلاف بين مذاقيهما.
ــــــــــــــــــــ[233]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.
أضرار المخدرات:
قالوا(1): انه من الوجهة القانونية يعرف المخدر، بأنه: المادة التي تشكل ضرراً على صحة الفرد وعلى المجتمع. ولذا فان جميع المخدرات تحت ما هو مصطلح عليه بالأدوية الخطرة. وللمخدرات في الطب فوائد جليلة. ولكن إساءة الأفراد استعمالها أدى إلى وجود تجارة عالمية بطرق غير مشروعة. ولنا على هذا الكلام تعليقات:
الأول: ان هذا التعريف القانوني للمخدر يشمل (المسكر) أيضا، فان للخمر أضرارها على الفرد والمجتمع، كما عرفنا المهم منه في الفصل السابق. كل ما في الأمر: ان القانون الوضعي يمنع مالا تكثر الرغبة فيه في الرأي العام، واما ما كثرت الرغبة فيه عندهم فهو مسموح به وان كان مضراً، كأنواع الخمور وأنواع السيكاير وغيرها. ولو كان القانون الوضعي شفيقاً على الصحة العامة، ورحيماً لكان اللازم منع كل من المخدرات والمسكرات.
هذا، مضافا إلى ان هذا التعريف يشمل أيضاً كل مادة مضرة، كالسموم وغيرها. كل ما في الأمر ان الاتجاه العام إلى المخدرات هو الذي جعلها تنتج ضرراً اجتماعياً.
الثاني: ان فوائد المخدرات طبياً أكثر بكثير من فوائد الكحول، وليس للكحول إلا بعض الفوائد الصناعية البسيطة نسبياً. وهذا مصداق قوله تعالى: وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا.
أقول: وبالرغم من ان فوائد المخدرات أكثر من المسكر، وأضرار المسكر أكثر منها، ومع ذلك، فإنهم منعوا المخدر وسمحوا للمسكر. وهذا من المسخ والانحراف في النظر إلى الكون والحياة.
ــــــــــــــــــــ[234]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) نفس المصدر.
وللمخدرات نوعان رئيسيان من الأضرار: أحدهما لدى التناول، والآخر لدى عدم التناول للمدمن. وينقسم الضرر الأول إلى ما هو مباشر وهو ما يكون تحت التأثير وما هو غير مباشر، وهو الأثر أو المرض الذي يخلفه في الجسم وان زال تأثيره المباشر.
وينبغي الحديث عن هذين الشكلين من الأضرار:
أما الأضرار المباشرة:
فيقول تقرير لجنة الأفيون والمخدرات الخطرة(1): ان هناك بعض الآثار الفسيولوجية تحدث للغالبية من المتعاطين نتيجة التسمم أو التخدير بالحشيش والتي تظهر بعد حوالي الساعة من بدء التخدير، وتتلخص فيما يلي:
ارتعاشات عضلية – زيادة في ضربات القلب -سرعة في النبض- شعور بسخونة في الرأس -دوار- برودة في اليدين والقدمين -شعور بضغط وانقباض بالصدر- اتساع في العين -تقلص عضلي- قيء في بعض الحالات. وقد تزداد تلك الاستجابات البدنية في شدتها ثم تنتهي بالنوم.
وفيما يلي ملخص النتائج التي وصل إليها بوكية فيما يتعلق بالآثار المباشرة لتعاطي الحشيش عن طريق التدخين:
جفاف الفم وسقف الحلق -لعاب سميك- التهاب في الحلق يحدث سعالا – عطش شديد – احمرار العيون -انخفاض في ضغط الدم – برودة في الأطراف- تقلصات حشوية وعضلية.
ــــــــــــــــــــ[235]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) ظاهرة تعاطي الحشيش ص231.
اما الآثار الفسيولوجية الناتجة عن الأكل، فنلخصها من بحوث بوكية على النحو التالي(1):
ضغط على الصدغين – عرق وفير – سرعة وزيادة في النبض – برودة في الأطراف – عدم توازن وتآزر حركي في الجلوس والمشي – اتساع واحمرار العيون – غثيان وأحياناً قيء – إحساس بلفحات باردة أو ساخنة على الوجه – إحساس خاطف بالرأس (دوار) – احساسات محلية خاطئة جسمية (كالشعور بطول الأطراف) – دوي بالأذن – تقلصات عضلية حشوية.
آثاره على أجهزة الجسم(2):
سنعرض فيما يلي النتائج المتفق عليها في أهم الدراسات التي تناولت الموضوع، مع ملاحظة ان هذه النتائج تحدث كما يقول أغلب الباحثين نتيجة لطول مدة التعاطي والإسراف في الكميات المتعاطات.
العيون(3):
ان 13 و72% من الحالات المدروسة يعانون بوضوح من التهاب الملتحمة. وهذه الحالة تتفاوت درجتها من التضخم البسيط للعين إلى الاحتقان الشديد الذي قد يستمر حتى بعد الانقطاع عن التعاطي. وقد يترك هذا الاحتقان منظراً كئيباً للمتعاطي. وتعتبر هذه العلامة من العلامات الواضحة المميزة التي تشخص بها حالات إدمان الحشيش.
ــــــــــــــــــــ[236]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص232.
(2) وهي التي تحصل بغض النظر عن التناول الفعلي.
(3) المصدر ص243.
الجلد(1):
يصفر ويجف وكثيراً ما يكون مغطى بالقشر.
الأسنان(2):
تصاب الأسنان بالتدهور والتلف.
الشعر(3):
يجف ويفقد لمعانه.
المسالك التنفسية(4):
يتفق معظم الباحثين في هذا الموضوع على ان التعاطي لفترات طويلة من العمر، يؤدي إلى اضطرابات وأمراض بالجهاز التنفسي ومسالكه وأهمها الربو والتهاب الشعب. وتفسير ذلك: ان تدخين الحشيش لمدة طويلة من شأنه أن يكون مواداً كربونية وغيرها من المواد المهيجة التي تترسب وتتعلق بالشعب الهوائية، وتؤدي إلى التهيج الموضعي للأغشية المخاطية للشعب الهوائية وبالتالي إلى زيادة في الإفرازات تنتهي بالحالة المعروفة بالالتهاب الرئوي المزمن لمدخني الحشيش.
كما وجدوا ان نسبة الإصابة بالسل مرتفعة بين المدمنين والتي ترجع إلى السبب السابق في تأثير الرئتين، كما قد ترجع إلى فقر المتعاطين وسوء حالتهم الاقتصادية وسوء التغذية والمسكن السيئ حيث ان أغلبهم فقراء.
ــــــــــــــــــــ[237]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر والصفحة.
(2) المصدر والصفحة.
(3) المصدر والصفحة.
(4) المصدر والصفحة.
الجهاز الهضمي(1):
وتتلخص هذه الاضطرابات في أعراض فقدان الشهية وسوء الهضم والغازات والشعور بالتخمة، هذا فضلا عن حالات من الإسهال والإمساك نتيجة الإفرازات المزمنة للأغشية المخاطية بالأمعاء. وهذا كله يؤدي إلى حال هزال عامة.
ضغط الدم(2):
وجد ان ضغط الدم يرتفع تدريجياً عند المتعودين على التعاطي لفترات طويلة. فيرتفع ضغط الدم عندهم بمقدار 20مم إلى 30مم، وبينما يحدث ذلك عند المتعودين، يحدث العكس عند غير المتعودين حيث يهبط الضغط بسرعة بعد ظهور أعراض التخدير وقد يستمر الهبوط فترة طويلة من الوقت.
الجنس(3):
تكاد تتفق جميع الدراسات على ان الحشيش ليس له علاقة بالجنس، بل يعمل على عكس ما هو شائع عنه، حيث يؤدي إلى انهباط الدافع الجنسي والرغبة الجنسية والقدرة والحيوية. أكثر منه إلى إثارة الحيوية والفحولة. وخاصة بالنسبة إلى حالات المتعاطين المدمنين.
وأكثر من ذلك: فان بعض هذه الدراسات تذهب إلى ان تعاطي الحشيش لفترات طويلة يؤدي إلى حالة من العنة الجزئية ثم إلى العنة الكلية.
ــــــــــــــــــــ[238]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص244.
(2) المصدر والصفحة.
(3) المصدر ص250.
الحالة النفسية(1):
قد تحدث من جراء التناول الظواهر التالية:
انهباط عقلي – قلق – تقدير للموت – شعور موقت بالعظمة -إحساس بالازدواج – فقدان القدرة على ضبط النفس – عدم تآزر عضلي – هلاوس بصرية وسمعية.
كما قد يحدث ما يلي: الغفلة – ضعف الذاكرة – ضعف الاكتراث. ويذكر بروتو(2): انه لاحظ بوضوح على الحالات التي درسها أعراض عدم تماسك الأفكار وانقسام للشخصية وأعراض أخرى للتفكك العقلي، وخاصة في حالات جنون الحشيش.
كما قد يصف بوكية حديث المتعاطي أثناء التخدير بقوله: ان حديثه
(أي المتعاطي) يتدرج حتى يصبح خيالياً وغير مترابطاً إلى حد بعيد. وذلك لأن الإرادة تحت تأثير المخدر تفقد قوتها في توجيه الفكر إلى ما يريد وبالكيفية السليمة. ويعزو بوكية عدم الترابط والتماسك إلى تدافع الكلمات وكثرة الأفكار التي ترد على ذهن المتعاطي. هذا بالإضافة إلى رغبته في التعبير عن هذه الأفكار الكثيرة المتدفقة.
أضرار أخرى:
بقي عندنا نوعان من الأضرار:
أحدهما: الأضرار الحاصلة في شخصية المتعاطي، وان لم يكن متناولا فعلا.
ــــــــــــــــــــ[239]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر ص274.
(2) المصدر ص306.
ثانيهما: الأضرار الحاصلة لدى الفرد عند عدم التعاطي أو التأخير فيه لبعض الموانع الطارئة سواء كانت اقتصادية أو قانونية، أو أية موانع أخرى.
وكلا النوعين من الأضرار، موجود لا محالة، لكل مدمن، سواء بالمخدر أو المسكر، على ان يكون الإدمان شديداً نسبياً والجرع المتناولة كثيرة وكبيرة نسبياً. إذ من الواضح انه مع التناول لا يحدث من هذين النوعين من الأضرار إلا القليل، أو لا يحدث أصلا، تبعاً لمستوى الفرد النفسي والعقلي والاجتماعي أولاً، ولمستوى المادة المدمن عليها ثانياً.
ومن هنا نرى ان المدمن على الشاي أو القهوة أو السيكارة أو على استعمال بعض الأدوية كالأسبرين مثلا، لا يناله ضرر حقيقي من أي من النوعين.
نعم، لا يبعد ان يكون الإفراط في القهوة والسيكارة يحتوي على أضرار من نوع سابق. وهي الأضرار الصحية غير المباشرة، كالأضرار في الكبد والرئتين والقلب ونحو ذلك، وقد يؤدي في النتيجة إلى قصر العمر والوفاة المبكرة، وهو ما يسمى عرفاً، بالسم التدريجي بهذا المعنى مهما قل تأثيرها أحيانا.
نبقى الآن مع الالتفات إلى النوعين من الأضرار التي ذكرناهما أخيراً اما النوع الأول، وهو التغير في شخصية المدمن عن غيره، فهو مما تعرضت له المصادر، كضعف عام في الذاكرة وضعف عام في الجسم. وإهمال لأمور عمله، وغموض في إدراكه لمستقبله، وعدم تفكيره به أو تصوره له، هذا مع قضاء غالب وقته بالاشتغال بالحصول على المادة المطلوبة، أو الحصول على أثمانها. فهو يعمل طيلة حياته ووقته من أجل ذلك، ولو بمعنى غير مباشر، وبذلك تتضاءل فائدته الحقيقية لنفسه وللمجتمع.
واما النوع الثاني من الأضرار، فهو مما أهملته المصادر المتوفرة، إلا انه
ــــــــــــــــــــ[240]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
ضرر معروف ومشهور. فهو يشمل: ضعف الذاكرة – ضعف القدرة على التفكير -الصداع – الدوخة – ضعف عام في الجسم – صعوبة المشي – صعوبة التركيز – صعوبة الحديث عن تفاصيل مهمة أياً كانت – وقد يؤدي الأمر إلى الغيبوبة.
وكل من هذه الأمور وغيرها ممكنة الحدوث عند تأخير التعاطي، الأمر الذي يشحذ همة الفرد للتعاطي ويعتبره كدواء لعلته، أو دواء يفيد به الفرد والمجتمع، باعتبار انه يصبح في حال نشاط وقوة يستطيع أن يؤدي به الفائدة التي يريدها لنفسه أو لغيره أياً كانت.
غير ان المصادر المتوفرة، حيث تريد ان تعطي عن الإدمان صورة كاملة السواد، فإنها لا يمكنها ان تتحدث بهذه اللهجة بطبيعة الحال.
وعلى أي حال، فهذه الأضرار لابد ان تعتبر منسوبة إلى الإدمان، أو قل إلى المواد المسببة له. وان كانت هي أضرار ناتجة عن عدمها. لوضوح انه لولا الإدمان عليها لما حصلت، فان الفرد الاعتيادي لا يحصل له أي عارض صحي أو نفسي بترك التعاطي.
ومن هنا يمكن ان تعتبر هذه الأضرار من مضاعفات الإدمان عموماً، وليس لخصوص المخدرات. فان الإدمان يبدأ كطمع باللذة ثم يصبح طمعاً بالصحة.
المخدرات فقهياً:
نحن بينما نجد الجملة المركزة والمؤكدة على تحريم المسكرات في القرآن الكريم والسنة الشريفة. لا نجد ما يماثلها بالنسبة إلى المخدرات. بل لا نجد ولا نصاً واحداً يذكرها تحريماً أو تحليلاً أو ينسب لها أي حكم.
ولعل السر في ذلك هو عدم معروفية تعاطي المخدرات في المجتمع
ــــــــــــــــــــ[241]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الإسلامي الأول. والسنة الشريفة إنما كانت تجيب على الأسئلة التي يقدمها الناس إلى المعصومين سلام الله عليهم. واما الحديث عن أمور أوسع من ذهنية المجتمع وتفكيره، وكذلك إثارة مشاكل غير مثارة عملياً في المجتمع، فهذا لم يكن عليه ديدن المعصومين سلام الله عليهم، بل هم منعوا عن ذلك بقولهم: حدث الناس على قدر عقولهم، وغير هذا من النصوص.
إذن، نحن إذا أردنا أن نبحث عن دليل محتمل لتحريم المخدرات، فإنما يجب ان نفحص عن بعض الأدلة والقواعد العامة التي تشملها.
ولا يمكننا أن نجد لها دليلا يذكرها على نحو التعيين:
والأدلة إلى يحتمل سوقها في هذا الصدد ما يلي:
الدليل الأول: قياس المخدرات على المسكرات. فكما ان المسكرات محرمة فكذلك المخدرات.
وتقريب ذلك بالشكل الذي يختلف عن معنى القياس الاصطلاحي، هو إمكان التجريد عن الخصوصية.
وذلك بأن يقال: إننا نفهم من أدلة تحريم المسكرات، أنها ليست محرمة بهذا العنوان بالذات، بل بما يترتب عليها من فقدان أو ضعف الذاكرة والتفكير والقصور عن طاعة الله وفقد ذكره. وهذا بعينه ما يترتب على المخدرات، فتكون حراماً.
وهذا معناه أننا جردنا المسكرات عن خصوصية الاسكار، وحملناها على مجرد المثالية، لكل مادة أنتجت تلك النتائج الفاسدة، فتكون النتيجة تحريم المخدرات أيضا.
وجواب ذلك: من عدة وجوه أهمها:
ــــــــــــــــــــ[242]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
أولاً: انه لا دليل على تحريم المسكرات لهذه الأسباب، ولم يتم عليه دليل معتبر، ومقتضى التمسك بعنوان المسكرات هو الاقتصار على معنى اللفظ ما لم يدل دليل يمكن معه التعدي، وهو غير موجود. فإذا علمنا ان المخدرات بطبيعتها غير المسكرات لم تكن مشمولة لأحكامها.
ثانياً: انه قام الدليل على تحريم المسكر لأنه مسكر أو بتعبير آخر: تحريم الخمر لأنه مسكر. ومقتضى هذا التعليل هو الاقتصار عليه، وعدم التعدي إلى غيره إلا بدليل، ولا دليل.
الدليل الثاني: السيرة العقلائية على اجتناب المخدرات والنظر إليها والى متعاطيها نظر الازدراء: وهي سيرة غير منهي عنها بدليل شرعي فتكون حجة. ومقتضاها الشرعي تحريم المخدرات.
وهذا دليل فيه إسفاف فقهي، ولولا انه قد يخطر في بعض الأذهان لما ذكرناه. وذلك لعدة وجوه أهمها:
أولاً: إنها سيرة غير موجودة، بل كان الموجود في مئات السنين تعاطي بعض أنواع المخدرات وعدم وجود رادع عقلائي من ورائه.
ثانياً: إنها إذا كانت موجودة لا تدل على حكم شرعي. فان السيرة ليست حجة في الأحكام وإنما هي حجة في ما يرتبط بالعرف كظواهر الألفاظ وأساليب المعاملات، وليس لها ان تحرم أو تحلل.
ثالثاً: إنها إذا كانت موجودة، فهي غير صاعدة في الماضي إلى زمان المعصومين سلام الله عليهم. بل هي سيرة متأخرة عنهم. فلا نتوقع ورود النهي عنها وان كانت غير مرضية لهم سلام الله عليهم.
ويؤيد ذلك ما عرفناه من عدم وجود اسم المخدرات في الأخبار، الأمر الناتج من عدم وجوده بالمرة في المجتمع يومئذ. فكيف يدعي المدعي وجود
ــــــــــــــــــــ[243]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
السيرة على تحليله أو تحريمه.
الدليل الثالث: أدلة تحريم الضرر.
وهو الدليل الوحيد بهذا الصدد الذي له وجاهة فقهية نسبياً. وقد اعتمد عليه احد فقهائنا(1) فعلا في تحريم المخدرات.
إلا انه مع ذلك قابل للمناقشة: باعتبار ان الأضرار على قسمين:
منها: الأضرار الشديدة التي تكون محرمة بصفتها مصداقاً من التهلكة المنهي عنها في الآية الكريمة، ومنها: الأضرار الخفيفة التي لا دليل على حرمتها إطلاقاً.
وقاعدة (لا ضرر ولا ضرار) لا تدل على تحريم هذا النوع من الضرر. وإنما المراد بها: ان الشارع لا يضر المكلفين بشريعته وأحكامه. أو يحرم على الفرد ان يضر غيره. واما أضرار الفرد لنفسه بالمقدار الخفيف أو القليل فلا دليل على تحريمه.
وقد يخطر في البال: ان الأضرار الخفيفة ثبت شرعاً أنها ترفع وجوب الصوم ووجوب الوضوء. إذن، فيمكن ان تكون سبباً لتحريم المخدرات.
وهذا السؤال دليل على قلة التفقه لدى السائل. لوجود دليل خاص في هذين الموردين أعني الصوم والوضوء بكفاية الخوف من الضرر في تبديل وظيفة المكلف فيهما. واما الأحكام الأخرى، فلا دليل فيها على ذلك، ومقتضى إطلاق أدلتها وجوبها حتى في حال الضرر. ما لم يكن ضرراً معتد به عرفاً. ليكون منفياً بالقاعدة.
هذا: وان قيل بسقوط الوجوب مع الضرر، فلا نسلم بثبوت التحريم من
ــــــــــــــــــــ[244]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) وهو السيد أبو الحسن في الوسيلة فراجع.
أجله. لأن الإباحة البديلة للتحريم ليس فيها تسبيب من قبل الشارع للإيقاع في الضرر، بخلاف الوجوب، كما هو واضح للمتأمل.
وقد يخطر في البال: ان المخدرات، كما قد يكون فيها أضرار خفيفة، كذلك قد يكون فيها أضرار كبيرة فتحرم. وهذا ما سنبحثه في الدليل الآتي.
الدليل الرابع: دليل حرمة التهلكة. وهو قوله تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وهذا الاستدلال يحتاج إلى ضم الفكرة القائلة: بأن المخدرات تنتج التهلكة، لتكون مصداقاً للتحريم المذكور في الآية الكريمة.
وينبغي ان نعرف ان التهلكة المنهي عنها في الآية هي الهلاك بمعنى الموت والفناء. ويلحق بذلك عرفاً أمران. أحدهما: سبب الهلاك ولو كان مظنوناً أو راجحاً كالدخول في أرض مسبعة بدون سلاح. وثانيهما: ما كان دون ذلك من المخاطر الشديدة. وان لم تكن تنتج الموت، كإيجاد الجرح البليغ ونحوه.
واما الأضرار التي دون ذلك والأسباب المؤدية إليها، فليست من التهلكة لا عقلا ولا عرفاً، فلا يمكن ان تكون مشمولة للآية الكريمة.
وحينما نرد إلى المخدرات نجد ان أكثر أضرارها بجميع أنواعها من الأضرار الخفيفة التي لا تكون محرمة بالآية ولا تندرج في عنوان التهلكة. مضافاً إلى انه يحتمل ان تكون أكثر المضار المذكورة فيما سبق لا يستند وجودها إلى المخدر نفسه بل إلى مجموع أمور يكون المخدر أحدها أو لا يكون، كفقر الفرد أو ضعفه الجسدي أو غير ذلك.
وهذا الاحتمال لا يأتي في المسكرات، لأنها محرمة بنفسها وعنوانها، حتى لو لم تكن مضرة أصلا، فضلا عما سبق ان أثبتناه من وجود الأضرار الكثيرة.
ــــــــــــــــــــ[245]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
هذا، وقد يكون الأمر بالعكس، فلو شعر المدمن بالضرر بتأخير التعاطي، فان استمراره في هذا الضرر، يمكن ان يكون حراماً باعتبار قاعدة الضرر أو قاعدة التهلكة. ومن هنا فقد يكون دفع هذا الضرر واجباً، وليس جائزاً فحسب فضلا عن ان يكون حراماً.
نعم، لو قلنا فقهياً بالحرمة أساساً للمخدرات فسوف لن تكون هذه الحالة مبيحة للتناول إلا عند الضرر العظيم الذي لا يندفع إلا به. كما في المسكرات تماماً. بل قد يقال في المسكرات والمخدرات عندئذ أنها لا تكون جائزة بأي حال، باعتبار القاعدة القائلة: ان ما ليس بالاختيار يرجع إلى ما بالاختيار، فيعاقب الفرد على تناوله باعتبار انه هو الذي سبب لنفسه الإدمان.
وقد يخطر في البال: ان الأمر في المخدرات يؤول إلى (السم التدريجي) باعتبار ان الاستمرار على التعاطي فترة طويلة قد يؤدي إلى التهلكة من الوفاة أو الضرر العظيم المحرم.
وبتعبير آخر: ان تناول كل سم حرام سواء كان دفعياً أو تدريجياً. فتحرم المخدرات بهذه الصفة.
إلا أن هذا وهم فقهي ضعيف، باعتبار عدم حرمة السم التدريجي قطعاً. باعتبار ان كل تناول ليس له الضرر المحرم فلا يكون محرماً. والتناول يكون على التدريج خلال الأيام والسنين، فإذا حل كل واحد منها حل الجميع.
خذ إليك مثلا: ان الاستمرار في تدخين التبغ قد يكون سماً تدريجياً، كما ان الاستمرار بزيادة الأكل قد يكون كذلك، كما ان التعرض للبرد المتزايد أو الحر المتزايد. قد يحصل فيه ذلك، فهل نقول بحرمة كل ذلك؟ كلا، بكل تأكيد، لا يفتي بذلك أحد. وهو دليل على عدم حرمة ما يسمى بالسم التدريجي.
ــــــــــــــــــــ[246]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
نعم، لو وصل الأمر إلى التسمم والمضاعفات المزعجة جداً، صحياً أو غيرها، كان حراماً. وفي الواقع يكون الحرام هو الدفعات الأخيرة التي أنتجت ذلك وصارت جزء العلة الأخير فيه، دون ما قبلها.
هذا، وينبغي ان يلتفت القارئ اللبيب إلى ان الفقيه لو قال بحرمة المخدر بعنوانه لزمه القول بحرمة البنج والسيكائر والقهوة والشاي والكوكا كولا والببسي كولا وغيرها من الأنواع التي لا تخلو من المخدر.
وهذا غير ممكن فقهياً لأن مقتضى أصالة البراءة جواز كل ذلك.
وقد يخطر في البال: انه يمكن القول: بأن المخدر حلال إلا أن المخدرات حرام. وهذا هذر من القول لأن المخدرات هي صيغة جمع للمخدر نفسه.
كما قد يخطر في البال: ان المخدرات التي تنتج الإدمان حرام وما لا ينتج الإدمان حلال.
وهذا غير صحيح لوجوه أهمها:
أولاً: ان الإدمان بعنوانه ليس بمحرم ما لم ينتج ضرراً عظيماً إذ ان معنى الإدمان العام غير منحصر بالمخدرات أو المسكرات. بل يشمل غيرها أيضاً كالاعتياد على بعض المأكولات والمشروبات. مما لا يمكن ان يقال بحرمته.
ثانياً: انه لا يوجد من المخدرات ما لا يسبب الإدمان بل كلها كذلك، حتى ما هو مسلم الحلية كالقهوة والشاي.
كما قد يخطر في البال: انه ليس كل المخدرات محرمة، بل بعضها كالأفيون والمورفين والكوكايين ونحوها.
وجوابه من عدة وجوه أهمها:
ــــــــــــــــــــ[247]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
أولاً: انه كما لا يوجد النهي في الأدلة المعتبرة عن المخدرات بنفسها، كذلك لا يوجد النهي عن أنواع المخدرات بأسمائها. لا بدليل قوي ولا بدليل ضعيف.
ثانياً: أننا لو قلنا بحرمتها فمعناه المنع عن الفوائد الطبية والصناعية الجليلة التي ذكروها. إذا أدى ذلك إلى دخولها في جسم الإنسان بشراب أو تزريق أو غيره. فهل يرضى هؤلاء المستدلون بذلك؟
هذا، وينبغي ان يلتفت القارئ اللبيب أيضا، انه إذا كانت المخدرات محرمة، كما هو مراد المستدل، كانت المسكرات أشد حرمة منها لأننا عرفنا أنها أشد ضرراً، ويكفي لذلك ان يقضي القارئ الكريم بضع دقائق في المقارنة بين الشكلين من الأضرار المذكورة في هذا الفصل والفصل الذي قبله. ومن الواضح ان الأقل ضرراً إذا كان ممنوعاً أو محرماً، كان الأشد ضرراً أولى بالتحريم. مع ان الاتجاه العالمي على خلاف ذلك.
كما ينبغي ان يلتفت القارئ المسلم بوجدانه فيقارن بشيء من التفكير بين حال المسكرات في الشريعة وحال المخدرات، بغض النظر عن التأكيدات الدنيوية المانعة عن المخدرات والمبيحة للمسكرات… ليجد عندئذ ان الأمر في الشريعة بالعكس، وان حال منع المخدرات أضعف جداً هناك من حال المسكرات بما فيها من حرمة ولعنة وتركيز. ولم يقل بتحريم المخدرات من الفقهاء إلا واحد من المتأخرين فقط. ويخالفه في ذلك إجماع الفقهاء بما فيهم المتقدمين والمتأخرين.
هذا، مضافاً إلى الحكم بالنجاسة على جملة من المسكرات، بخلاف المخدرات، فانه ليس منها شيء نجس.
نعم، أشرنا فيما سبق ان الأمر إذا آل إلى الضرر المعتد به عرفاً من ناحية صفاته وخصائصه، بحيث كان ملحقاً بالتهلكة كان حراماً. وهذا أمر سائر في
ــــــــــــــــــــ[248]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
كل الأمور وليس له خصوصية في المخدرات.
كما انه إذا آل الأمر بسبب الإدمان أو غيره أحيانا إلى وجود الضرر مع الترك، ضرراً معتداً به، فلا يبعد القول برجحانه ان لم يكن وجوبه.
كما ان إتلاف هذه الأمور، بعنوان كونها محرمة، إسراف محرم شرعاً، بعد ان نعرف ان لها مالية مهمة. ويمكن استعمالها في أساليب أخرى غير التعاطي، كالفوائد الطبية والصناعية العديدة.
وهل يكون رفع حالة الإدمان مع الإمكان واجبة شرعاً، بالتداوي وغيره أو لا؟ هذا فرع كون الإدمان على الفرد ضرراً عظيماً يجب تجنبه، وهذا يختلف من مجتمع إلى مجتمع، فان بلغ الحال إلى ذلك، فلا يبعد القول برجحانه أو وجوبه.
ــــــــــــــــــــ[249]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فصل محرمات الحيوان
ويراد به الحيوان الذي يكون مأكول اللحم شرعاً، فقد يكون كل أجزائه وكل حالاته ليست كذلك، بل بعضها أو أكثرها وليست الجميع على الإطلاق. هذا بغض النظر عن التذكية التي هي ضرورية للتحليل.
وما هو محتمل التحريم من الحالات أمران: حال الحياة وحال الموت.
وما هو محتمل التحريم من الأجزاء أمور عديدة: الطحال والقضيب والفرث والدم والأنثيان والمرارة والمشيمة والفرج والنخاغ والعلباء والغدد ذات الاشاجع وخرزة الدماغ والحدق. وكذلك ما يكون بمنزلة الشعر في الإنسان من الصوف والشعر والوبر. وكذلك حراشف السمك، بل مطلق العظام فيه وفي غيره، وكذلك القرن الخارجي والأظلاف والمنقار.
ويحسن بنا ان نحمل فكرة مختصرة عما يصعب فهمه من هذه الأمور:
فالطحال: غدة كبيرة دموية لينة في يسار جوف الإنسان وغيره من الحيوانات.
والقضيب: هو مجرى البول والمني لدى ذكور الحيوانات.
والفرث: هو خروج الدواب مادام في الكرش.
والأنثيان: الخصيتان سميتا بذلك لارتباطهما بالعمل الجنسي، فإنهم يقولون: ان السائل المنوي الذي يشكل غذاء الحيامن التي تخرج من غدد
ــــــــــــــــــــ[250]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
البروستات والذي يشكل الوضع الظاهري للمني، إنما مصدره من البيضتين اللتين في داخل وعاء الخصية.
والمثانة: عضو يتجمع فيه البول الصادر من الكليتين، استعداداً لطرحه إلى الخارج.
والمرارة: عضو يحتوي على مادة سائلة شديدة المرارة في كيس يصب منه على الطعام ليساعد في هضمه.
والمشيمة: هو العضو الذي يتغذى منه الجنين، ويطرح معه عند ولادته ويسمى عند بعض العامة بالجارة، باعتبار مجاورته للجنين. وتبدو كقطعة من الدم المجمد.
والفرج: يراد به هنا مخرج الغائط، في مقابل القضيب الذي هو مخرج البول. ولكنه يكون في بعض الحيوانات موحداً، أعني مخرجاً لكلا المادتين.
والنخاع: قالوا في تفسيره: عرق أبيض في داخل العنق في فقار الظهر إلى محجب الذنب. أقول: في الواقع هو تتمة لمادة النخاع الشوكي الذي هو تتمة خلفية للمخ. وبتعبير آخر انه ليس عرقاً بل هو من الجهاز العصبي. بل هو من أهم أعضائه.
والعلباء: فسروها بأنها عصبة في صفحة العنق. والعامة تفسرها بخلفية العنق. إلا ان انطباقها على بعض أجزاء الجهاز العصبي أوفق.
والغدد: أجسام متكتلة كروية في الجسم، تفيد فوائد متعددة طبقاً لوظيفتها ومحلها.
والاشاجع: قالوا: أنها أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف أو هي عروق ظاهر الكف. والمهم هنا فقهياً ليس هو هذه الاشاجع. بل الغدد ذات الاشاجع وهي قسم من الغدد يكون لها تفريعات وبروز يشبه بالأشاجع.
ــــــــــــــــــــ[251]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
قال في الجواهر: ان المراد منها غير معلوم. وقال: ولكن لا توجد بالمعنى المذكور (يعني اشاجع اليد) في كل البهائم المحللة. اللهم إلا ان يقال هي أصول الأصابع والظلف وغيره. فتوجد في الغنم والإبل والبقر. ويمكن وجودها بالمعنى الأول في الطيور. ويشكل تمييزها.
أقول: ليس فيما عدد من الأمور، غدة بالمعنى الاصطلاحي. وإنما هي غدد ذات بروز تشبه الاشاجع، فسميت مجازاً بذلك. إلا ان تطبيقها على جسم الإنسان أو الحيوان غير ممكن في العصور المتأخرة التي اختلفت فيه الاصطلاحات.
واما خرزة الدماغ، فهي غدة صغيرة في وسط الدماغ من الأعلى بقدر الحمصة يميل لونها إلى الغبرة تخالف به لون الدماغ. وعلى أي حال فهي من جملة الغدد، فقد تكون مشمولة لحكمها، كما سيأتي.
واما الحدق: فهو وان كان لغة سواد العين. إلا انه يراد به فقهياً كرة العين كلها. فان لها وجوداً مستقلا في داخل الجمجمة.
هذا، واما غير ذلك من الأمور السالفة، فهي واضحة للقارئ لا تحتاج إلى تفسير.
وبعد هذه الجولة القصيرة، يحسن بنا ان نمر فقهياً على أحكام هذه الأمور.
وقبل الدخول في التفاصيل يحسن بنا ان نلتفت إلى بعض الأمور:
الأمر الأول: ان الأصل فيما احتمل حرمته وجوازه، هو الجواز لا الحرمة، كما سبق ان ذكرنا في فصل سابق من هذا الكتاب الفقهي.
أما أخذاً بقوله تعالى خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض جَمِيعاً واما أخذاً بقوله (كل شيء لك حلال حتى تعلم الحرام منه بعينه فتدعه) بغض النظر
ــــــــــــــــــــ[252]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
عن كون الأول دليلاً فقهياً والثاني أصلاً عملياً. وكلاهما منطبق على المورد.
الأمر الثاني: انه قد يستدل بالشهرة بين الفقهاء في الفتوى بحرمة بعض تلك الأمور. والشهرة فيها إذا سلم بوجودها، فإنها ليست بحجة. لأنها في المقام مدركية، يعني ان أفراد الفقهاء الذين أفتوا بالحرمة اعتمدوا على الروايات في هذا الصدد. فلا تكون الشهرة بينهم أقوى من الدليل الذي اعتمدوا عليه. فيكون مقتضى القاعدة الاعتماد على تلك الروايات مباشرة.
نعم، لو كان التحريم وارداً في رواية معتبرة، ولكن المشهور لم يفت على طبقها، لم تكن هذه الشهرة مدركية بطبيعة الحال، فان قلنا بأن إعراض المشهور مسقط للرواية عن الحجية. لم يمكن الاستدلال بمثل هذه الرواية.
والآن يحسن بنا الدخول في التفاصيل:
حرمة الحياة:
ونقصد به حرمة أو جواز أكل الحيوان حياً. أو أكل العضو حياً لو أمكن ذلك، وان تعذر فقهياً التمثيل له فيما يحل أكل لحمه، فانه موجود فيما يحرم أكل لحمه كبعض الحشرات، فان ذيل السام أبرص يبقى بعد قطعه متحركاً فترة من الزمن، مما يدل على وجود الحياة فيه وعدم السرعة في موته، بالرغم من انقطاعه عن أصله.
والمثال الوحيد العرفي لذلك هو ابتلاع سمكة صغيرة حية. من النوع الذي يجوز أكل لحمه أساساً، فهل يكون هذا الأكل حال الحياة حلالا أم حراماً؟
كان بعض أساتذتنا يحتمل الحرمة، ولا يستعبد ثبوتها. بدليل حرمة الحياة عنده. بمعنى احترامها، فان هذه الحرمة تقتضي المنع عن الأكل، ولابد ان يكون ذلك باعتبار ان في هذا الأكل احتقاراً للحيوان الحي.
ــــــــــــــــــــ[253]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وهذا الدليل واضح الفساد، إذ ليس في الأكل احتقاراً للحيوان الحي. ولو كان كذلك فانه لم يدل دليل على المنع من هذا المقدار من الاحتقار. ولا نعلم معنى معتداً به لحرمة الحياة في الحيوان أكثر من ذلك.
إذن، فيبقى الأمر مشكوك الحرمة، وقد سبق ان مقتضى القاعدة هو الحل أو الجواز.
حرمة الميتة:
أعني المنع عن أكل لحم الميتة. ويراد بها جسم كل حيوان ميت كان حال حياته قابلا للتذكية، ولكنه لم يذك. بل مات بدون تذكية. فيصبح جسمه نجس العين وحرام اللحم. وان كان في حياته مأكول اللحم، يعني لو تمت تذكيته.
إلا ان الفقهاء يفرقون في ذلك بين أجزاء الميتة التي كانت تحلها الحياة كاللحم والشحم، والأجزاء التي لم تكن تحلها الحياة كالشعر.
وقالوا: ان العظم أيضاً مما لا تحله الحياة. واستشهدوا لذلك بعظم القرن وعظم الظلف. فانه لا إحساس فيه، وكلما كان كذلك فلا حياة فيه.
فما كانت الحياة فيه أصبح ميتة، وشمله الحكم بالنجاسة والحرمة. وما لم تكن فيه حياة، لم يصدق عليه الموت لأنه لم يتغير حاله بموت غيره من الأعضاء، فيبقى على طهارته في الحيوانات الطاهرة. واما جواز أكله فهو تابع للقول بجواز أكل هذه الأعضاء التي لا تحلها الحياة أساساً، كالعظم والشعر وغيرهما. وسوف نبحث ذلك مستقلا.
فإذا قلنا بجواز أكل الحي أو الأكل حال الحياة، أمكن القول ببقاء الجواز حال الموت. وان قلنا بالمنع أمكن القول ببقائه أيضا. وقد نقول: بأنه غير مربوط بجواز أكل الحي لأنه لم يكن حياً، بل القول بجوازه أو منعه مربوط
ــــــــــــــــــــ[254]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
بدليل آخر سوف يأتي. ولا يفرق في ذلك عندئذ بين المأخوذ من الميتة أو المأخوذ من الحي.
بقيت مناقشة حول كون العظم مما لا تحله فان قصدنا بالعظم، ما كان في داخل الجسم الحي كعظام الصدر واليدين والساقين، فلا شك أنها مما تحله الحياة عرفاً بل حقيقة. ولا يبعد القول بالشعور بالألم مع ضرب العظم، فكيف يكون مما لا تحله الحياة؟
نعم، سنخ الحياة وحالها في العظم تختلف عن حالها في اللحم والشحم باعتبار اختلاف مادته من ناحية واختلاف وظيفته في الجسم من ناحية أخرى، فالعظم لا شك انه فاقد للرقة والحيوية التي هي اللحم والأعصاب واما فقده للحياة بالمرة فغير محتمل، ولا نسلم به. وقد قال بعض المفكرين المتأخرين ان للعظم قوة كهربائية سارية فيه.
خذ إليك مثلا بسيطاً هو الخشب الذي يكوّن الشجرة، فإننا لا نستطيع ان نقول بكونه ميتاً بدليل كونه نامياً وناقلا للماء والغذاء إلى الورق. ولو كان ميتاً لما فعل ذلك، إلا ان حياته بصفته خشبياً صلباً تختلف عن الرقة والحيوية التي في الأوراق، وهكذا.
فهذا هو الحديث عن العظام التي تكون في داخل الجسم الحي للإنسان والحيوان.
يبقى الكلام في نوعين مما قد يسمى بالعظام عرفاً أحدها: أغلفة القرون والأظلاف. وثانيهما: الأرجل الخالية من اللحم لدى الحيوان، كما في الطيور. فان سيقانها وأصابعها جميعاً خالية من اللحم بل بعضها يخلو من اللحم فوق ركبته أيضا.
أما أغلفة القرون والأظلاف، فلا شك أنها لا حياة فيها، إلا ان كون
ــــــــــــــــــــ[255]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
تركيبها الخلقي مثل العظم الداخلي الذي قلنا انه حي بطبعه، غير معلوم بل معلوم العدم. ومن هنا فمن المؤكد انه لا يصح ان يسمى عظماً بالدقة لأنه لا يشابه في مادته وخلقته سائر العظام.
نعم، هو عظم عرفاً. ومن هنا يمكن القول عرفاً ان العظام على قسمين: باطنة وظاهرة. فما كان منها باطناً فهو حي. وما كان منها ظاهراً كأغلفة القرون والأظلاف، فهو مما لا تحله الحياة.
واما أرجل الطيور، فإطلاق العظم عليها مجاز بلا شك. لأنها لا تتكون من عظم فقط، بل من عظم مكسو بحراشف حوله، يكوّن الساق والأصابع. بل لا يبعد القول بوجود شيء يشبه اللحم بينها وبين العظم الداخلي وخاصة في وسط القدم الذي يكون ليناً كالوسادة.
ويبدو للنظر ان العظم الداخلي لهذه الأرجل، حي كسائر العظام الداخلية، كما شرحنا. واما الحراشف الخارجية والأظافر أو المخالب فهي مما لا تحله الحياة. وعلى أي حال فيتبع كل واحد حكمه.
ولا ينبغي هنا ان نغفل الأسنان عن الحديث. فهل هي مما تحله الحياة كالعظم الداخلي أو لا تحله كالعظم الخارجي؟
قد يقال: أنها بلا إشكال عظم خارجي، فيكون مما لا تحله الحياة. إلا ان هذا الكلام جدلي، فالسن مكسو باللحم في جذوره، فيكون عظماً داخلياً مما تحله الحياة. وأما الخارجي، فلا إشكال من وجود نوع من الأعصاب فيه. كما لا إشكال عملياً بإحساسه بالضربة، والإحساس دليل على حلول الحياة فيه.
ولا يبعد ان يكون منقار الطير مثله، كما لا يبعد ان تكون حراشف السمك مما لا تحله الحياة. فان قيل: ان السمكة تحس من خلال حراشفها بالضربة
ــــــــــــــــــــ[256]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
والحرارة والبرودة وغير ذلك. قلنا: ان الحراشف مجرد ناقل لهذه الأمور لجسمها وأعصابها، ولا دليل على ان الإحساس سيكون بالحراشف نفسها كالجلد الإنساني ونحوه. بل الاطمئنان بخلافه.
والنتيجة ان العظام التي قلنا إنها تحلها الحياة، فإنها تتنجس حين تكون ميتة، وما لا تحلها الحياة تبقى على طهارتها.
يبقى الكلام في شيء واحد، وهو انه إذا كان الحيوان الميت مما يؤكل لحمه، فالأجزاء التي لا تحلها الحياة، تبقى على طهارتها، بلا إشكال، فهل تبقى على جواز أكلها. بمعنى هل يجوز ان نأخذ هذه الأجزاء من الميتة فنأكلها؟
ولا يجوز ان يستبعد ذلك. باعتبار ان ما لا تحله الحياة إنما هو الشعر وبعض العظام فقط، وهو مما لا يؤكل عادة. فالسؤال يكون منسداً بنفسه. وهذا هو السر في عدم إثارة الفقهاء له أصلا.
أقول: إلا ان هذا لا يعني انسداد السؤال بالمرة، فان هذه الأجزاء ان كانت حلالا أمكن استعمالها في الغذاء أو الدواء بشكل أو آخر بخلاف ما لو كانت حراماً.
والظاهر ان مقتضى القاعدة هو الجواز. إلا إذا قلنا ان أجزاء الجسم الحي حال حياته، محرمة، فتكون حراماً بعد الموت بالاستصحاب. إلا ان هذه الحرمة سبق ان ناقشناها، فتثبت الحلية.
إذن، فالأجزاء التي لا تحلها الحياة من الميتة في الحيوان المأكول اللحم، يجوز أكلها مضافاً إلى طهارتها. واما إذا لم يكن الحيوان مأكول اللحم، فهي طاهرة إلا أنها لا يجوز أكلها بكل صورة. نعم، يجوز الاستفادة منها فوائد صناعية أو طبية أو غيرها.
ــــــــــــــــــــ[257]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
مستثنيات الميتة:
يعني ما يجوز أكله أو استعماله من أجزاء الميتة. ويمكن أن يعطى لذلك قاعدتان:
الأولى: ان لا تكون مما تحله الحياة، كما سبق.
الثانية: ان يكون جسماً منفصلا عن الميت. كاللبن والبيض والانفحة وفارة المسك ونحوها. وفي كون بعضها منفصلا حقيقة نقاش. فتكون طهارتها منوطة بورودها في خبر صحيح.
ففي معتبرة يونس(1)عنهم قالوا: خمسة أشياء ذكية مما فيه منافع الخلق: الانفحة والبيض والصوف والشعر والوبر.. الحديث.
وفي صحيحة محمد بن مسلم(2): اللبن واللباء والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر. وكل شيء يفضل من الشاة والدابة فهو ذكي وان أخذته منه بعد ان يموت، فاغسله وصل فيه.
وصحيحة زرارة(3) عن أبي عبد الله برواية الصدوق قال: سألته عن الانفحة تخرج من الجدي الميت. قال: لا بأس به. قلت: اللبن يكون في ضرع الشاة وقد ماتت. قال: لا بأس به. قلت: والصوف والشعر وعظام الفيل والبيض يخرج من الدجاجة. فقال: كل هذا ذكي لا بأس به.
إلى غير ذلك من الأخبار. ويراد بعظام الفيل العاج لا غيره. كما ان طهارة البيض منوط في بعض الروايات باكتساء الغلاف الخارجي.
والإشكال بأن اللبن ملاقي للجسم النجس فيكون نجساً أو متنجساً. غير
ــــــــــــــــــــ[258]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الوسائل ج16 أبواب الأطعمة المحرمة باب 32 حديث 2.
(2) المصدر حديث 3.
(3) المصدر حديث 10.
وارد: باعتبار ورود طهارته في الأخبار الصحيحة. نعم، يجب ان لا يمس الجلد الخارجي للميتة عند خروجه أو إخراجه.
واما فأرة المسك فلم ترد في خبر صحيح أو معتبر، ولكن يمكن فهمها من حكم الانفحة، فإنها مماثلة لها قطعاً. فان كليهما سائل في كيس لحمي في جسم الحيوان. نعم، يرد عليه الإشكال الذي أوردناه على اللبن مع جوابه.
فهذا مختصر من الكلام في الميتة، ونعود إلى محرمات الذبيحة، التي عددناها في أول الفصل.
ونعددها الآن للاستذكار إجمالا. فما هو محتمل التحريم: الطحال والقضيب والفرث والدم والأنثيان والمثانة والمرارة والمشيمة والفرج والنخاع والعلباء والغدد وخرزة الدماغ والحدق، وقد شرحنا معانيها.
ونذكر الآن بعض الأخبار المعتبرة الدالة على تحريم بعض هذه:
فعن ابن أبي عمير(1) عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله قال: لا يؤكل من الشاة عشرة أشياء: الفرث والدم والطحال والنخاع والعلباء والغدد والقضيب والأثنيان والحيا والمرارة.
وفي رواية عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن. قال(2): حرم من الشاة سبعة أشياء: الدم والخصيتان والقضيب والمثانة والغدد والطحال والمرارة.
ومن الملاحظ انه أسقط في الثانية ثلاثة من الأولى وهي الفرث والعلباء والحيا.
ــــــــــــــــــــ[259]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الوسائل ج16 أبواب الأطعمة المحرمة باب 31 حديث 4.
(2) المصدر حديث1.
وهذا له عدة وجوه منها:
الوجه الأول: ان تحريم السبعة لا يعني عدم تحريم العشرة، إلا بمقتضى مفهوم العدد الذي ليس بحجة. فلا تنافي بين الروايتين. ونتيجة ذلك تحريم العشرة كلها.
الوجه الثاني: ان ترك الفرث إنما كان باعتبار انه ليس جزءاً من الشاة. فيكون حراماً على أي حال، لأنه من الخبائث.
فنبقى نحن والعلباء والحيا الذي هو الفرج. وهذان الأمران وان وردا في الرواية المعتبرة. إلا ان المشهور عدم تحريمهما، فتكون الرواية معرضاً عنها فلا تكون حجة.
وينبغي الالتفات إلى ان الرواية النافية ذكرت المثانة وهي مذكورة في الأولى. وذكر بدلها لإكمال العشرة. الثلاثة السابقة والنخاع.
ومن هنا قد يقال بوجه آخر:
الوجه الثالث: أننا يمكن أن نستفيد مفهوم الحصر، من هاتين الروايتين. فتكون كل منهما دالة على الجواز فيما لم تذكرها وان كان مذكوراً في الأخرى. فتتعارض الدلالتان ونرجع إلى مقتضى القاعدة للجواز.
ومعه تخرج أربعة أمور(1): العلباء والحيا والنخاع والمثانة. فتكون جائزة بمقتضى هذا الوجه. مع إعراض المشهور عنها جميعاً أو عن أكثرها، كما سبق.
نعم، يبقى الباقي وهو الدم والطحال والخصيتان والقضيب والغدد والمرارة. وهذه لا إشكال في حرمتها.
ــــــــــــــــــــ[260]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) سوى للفرث الذي ليس من اجزاء الحيوان.
يبقى من الأمور المحتملة السابقة: المشيمة وخرزة الدماغ والحدق.
اما المشيمة فمحرمة بصفتها دماً منجمداً، حالها في ذلك حال الطحال بل يمكن تعميم حكم الطحال إليه بالتجريد عن الخصوصية. كما يمكن تعميم حكم الدم لها عرفاً.
واما خرزة الدماغ، فهي من الغدد، فتكون محرمة بتحريمها.
واما الحدق، فلا دليل على حرمتها، ومقتضى القاعدة هو الجواز كما سبق.
يبقى عندنا أمران آخران:
أحدهما: العظم وما هو بمنزلته كالظلف والمنقار وحراشف السمك وغير ذلك.
وثانيهما: الشعر وما هو بمنزلته كالوبر والصوف.
فهل يجوز أكل هذه الأمور. ولو باعتبار تصنيعها في دواء أو شراب أو طعام؟
ومقتضى القاعدة الجواز ما لم يدل دليل على التحريم. وما يمكن أن يكون دليلا عليه أمران:
أحدهما: حرمة الضرر. ولا شك أنها ان أوجبت ضرراً محرماً كانت محرمة. إلا أنها جزماً ليست كذلك إلا في حالات شخصية أو نادرة. على أننا قلنا انه ليس مطلق أو كل ضرر حراماً.
ثانيهما: كونها من الخبائث. وهي محرمة بنص القرآن الكريم، ولابد من التسليم بأنها قليلة التناول أو الأكل عرفاً بل هي معدومة من هذه الناحية بالمرة، وان فرض أكلها مجرد فرض فقهي أو يكاد.
ــــــــــــــــــــ[261]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
إلا كونها قليلة التناول لا يعني كونها من الخبائث. كما ان اعتبار الناس لها من القمامة أو المزابل، لا يعني استخباثها في نفسها، وإنما يلقون بها لاعتقادهم عدم الاستفادة منها. فان فرضت فيها استفادة لم تلق.
إذن، فلم يثبت كونها من الخبائث لتندرج تحت التحريم. فيكون دليل الجواز بمقتضى القاعدة شاملا لها.
بقيت كلمتان بالنسبة إلى تحريم الدم:
الكلمة الأولى:
ان تحريمه على القاعدة أساساً، وان لم ترد فيه هذه الروايات، بصفته عيناً نجسة، حيث يحرم أكل سائر الأعيان النجسة. وإذا أهريق الدم عمداً أو خطأ في طعام تنجس وحرم أكله.
الكلمة الثانية:
ان الدم المتخلف في الذبيحة طاهر وهو الذي يبقى في (الجثة) بعد خروج المقدار الطبيعي من الدم من مذبحها عند الذبح. بل المتخلف طاهر حتى لو خرج أقل من المقدار الطبيعي.
إلا ان هذا الدم الطاهر، يحرم أكله تمسكاً بإطلاق هذه الروايات. ومعه يجب فصله عن اللحم بالمقدار الممكن قبل طبخه. نعم، لو تخلف منه شيء فانه يخرج بالطبخ عن كونه دماً أو يكون مستهلكاً فيجوز أكل المجموع.
ــــــــــــــــــــ[262]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
كتاب الصيد والذباحة
ــــــــــــــــــــ[263]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فصل شرائط الصيد
ويراد بشرائط الصيد تلك الشرائط التي يكون بها الحيوان المصطاد (بالفتح) حلالا مذكى. بخلاف ما إذا لم تكن هذه الشرائط متوفرة.
والصيد أما ان يكون بالحيوان أو بالآلة ولا ثالث لهما لأنه ان أمسك الفرد الحيوان بيده – مثلا – أو بالفخ أو بالشرك ونحو ذلك فانه لن يكون مجروحاً ولا ميتاً، بل في تمام الصحة، فيجب عندئذ تذكيته بفري الأوداج ان أردنا حلية لحمه.
والشرائط إما ان تكون للحيوان المصطاد به. وإما للآلة المستعملة في الصيد واما للصائد واما للحيوان الذي يراد صيده. فهذه أربعة موارد ينبغي الحديث عنها تباعاً. كل واحد من جهة من الكلام.
الجهة الأولى: في شرائط الحيوان الصائد.
قال الفقهاء: انه يجب ان يكون الحيوان الصائد كلباً معلماً. فلو لم يكن كلباً أو لم يكن معلماً، لم يكن الصيد (أعني الحيوان المقتول) حلالا إلا ان يدرك الفرد ذكاته بفري الأوداج.
ومن هنا يقع الكلام في ناحيتين:
الناحية الأولى: في اشتراط كون الحيوان الصائد كلباً. فلو كان من السباع الأرضية كالفهد والنمر أو السباع الطائرة كالصقر والنسر لم يجز.
ــــــــــــــــــــ[265]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
والاستدلال على ذلك من عدة وجوه نذكر أهمها مختصراً:
الوجه الأول: قوله تعالى(1): مُكَلِّبِينَ. حيث دل على حلية الكلب دون غيره.
ومناقشته واضحة: إذ لا مفهوم لهذه العبارة القرآنية. إذ لا دلالة على عدم الجواز في غير الكلب لا بمفهوم الحصر ولا غيره.
مضافاً إلى احتمال كون الآية اعم من الكلاب لأنه قال: من الجوارح مكلبين. والجوارح اعم. مضافاً إلى احتمال ان لا يكون المراد من مكلبين استعمال الكلب، بل التكالب وهو قوة الضاري من الحيوانات وهجومه.
الوجه الثاني: الإجماع. وهو يكاد ان يكون حاصلا. ولا اقل من الشهرة الكبيرة بين الفقهاء.
إلا ان هذا الإجماع، فضلا عن الشهرة ليس بحجة لكونه مدركياً، أي انه مستند على مدرك سابق عليه وهو الوجه الأول أو الثالث الآتي. فيكون الكلام في مدركه، ولا يكون بنفسه حجة.
الوجه الثالث: الروايات وهي بذلك ناطقة. إلا أنها محل مناقشة اما دلالة واما سنداً. فلا يتم المطلوب.
نذكر لكل من المناقشتين مثالا:
صحيحة أبي عبيدة الحذاء(2) عن أبي عبد الله في حديث قال: ليس شيء يؤكل منه مكلب إلا الكلب.
وهي معتبرة سنداً إلا أنها مخدوشة دلالة، لأن الاستدلال بها يتوقف على
ــــــــــــــــــــ[266]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المائدة: 4.
(2) الوسائل ج16 أبواب الصيد باب 3 حديث 1.
ان يكون المراد من قوله (مكلب): مذكى وحلال اللحم، لكي تنتفي الحلية عن غيره.
كما يتوقف على تقدير كلمة في السياق وهي ان نقول (إلا صيد الكلب) أو إلا الصيد بالكلب ونحوه لا الكلب نفسه كما هو نص العبارة.
كما يتوقف ان نقرأ (مكلب) بصيغة اسم المفعول. مع العلم ان الصيغة القرآنية له باسم الفاعل. فان قرأناه باسم الفاعل زادت العبارة بعداً عن المقصود. لأن المكلب – بالكسر – هو الإنسان الصائد لا الكلب ولا الحيوان المصطاد- بالفتح -. فيكون معنى العبارة عندئذ مرتبكاً كما هو غير خفي على من يراجعها. كما يكون معناها ابعد عن معنى التذكية عرفاً. وتمام الكلام في الفقه.
ورواية أبي بكر الحضرمي(1) قال: سألت أبا عبد الله عن صيد البزاة والصقور والفهد والكلب. فقال: لا تأكل صيد شيء من هذه إلا ما ذكيتموه إلا الكلب المكلب.
وهي تحتوي على مناقشة في السند فان الحضرمي لم يوثق. فلا تكون حجة معتبرة بالرغم من وضوح نصها نسبياً.
ومعه لا يبقى دليل على اختصاص الحيوان الصائد بالكلب. هذا، مضافاً إلى احتمال إمكان تجريد قوله تعالى (مكلبين) عن الخصوصية. بأحد طريقين:
الأول: ان الكلب لا خصوصية له وإنما المهم ان يكون حيواناً قادراً على الصيد. فيعمم إلى كل الحيوانات الأرضية، فان الكلب منها. أو يعمم إلى كل السباع حتى الجوارح الطائرة. أو يقتصر منه على ما يشبه الكلب نسبياً كابن آوى والثعلب والفهد ونحوه. وعلى أي حال فالاختصاص بالكلب منتف.
ــــــــــــــــــــ[267]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر حديث 2.
الثاني: ان بعض الحيوانات هي كلب عرفاً، وان لم تكن كلباً حقيقة، كالتي أشرنا قبل قليل أنها تشبه الكلب. فتندرج في موضوع الآية رأساً.
هذا، ومع ذلك، فان القول بالتعميم عن الكلب يحتاج إلى جرأة وان كان راجحاً. لوجهين على الأقل:
الأول: ان الحضرمي معمول بروايته فقهياً وان لم يوثق.
الثاني: اشتراط التعليم في الكلب، كما سيأتي. ومن الصعب ان يصدق عرفاً على غيره كونه معلماً. كلما في الأمر انه يصطاد على طبيعته، بخلاف الكلب فانه قابل للتعليم، وبه يكون مطيعاً لصاحبه.
الناحية الثانية: في اشتراط التعليم في الكلب.
وأفضل ما يستدل لذلك ما دل من الأخبار على عدم حلية الكلب غير المعلم.
كرواية محمد بن قيس(1) عن أبي جعفر يقول فيه: وما قتلت الكلاب التي لم تعلموها من قبل ان تدركوه فلا تطعموه.
وهي واضحة دلالة إلا أنها لا تخلو من الخدشة سنداً.
إلا انه يهون الخطب ما ورد في معتبرة زرارة عن أبي عبد الله في حديث صيد الكلب قال: وان كان غير معلم يعلمه في ساعته حين يرسله. وليأكل منه فانه معلم.
وفيها نقطتان من القوة:
الأولى: إنها حجة سنداً ومعتبرة.
ــــــــــــــــــــ[268]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر باب 7 حديث 1.
الثانية: إنها تدل على عدم لزوم التعليم المسبق للكلب. بل إذا أرسله صاحبه فاتجه نحو الحيوان المطلوب، فهو معلم. وهو المراد من قوله (يعلمه من ساعته حين يرسله) وليس المراد انه يعلمه قبل دقائق ثم يرسله. فان هذا خلاف قوله (حين يرسله) كما هو معلوم.
إذن، فهذا الشرط أعني التعليم ساقط أيضا. نعم، ينبغي ان يكون الكلب بمنزلة المعلم وان اصطاد على طبعه، فلا يجزي استعمال الكلب غير المطيع لصاحبه والذي يمارس اختياره بعيداً عن صاحبه. فانه على خلاف نص الرواية، إذ لا يكون عندئذ (يعلمه حين يرسله).
وإذا اشترطنا التعليم، ولم نشترط كونه كلباً، لزم ان يكون أي حيوان مستعمل في الصيد معلماً، أو بمنزلة المعلم، كالذي عرفناه أخيراً في الكلب.
واما إذا ألغينا كلا الشرطين عملياً، جاز استعمال الحيوان غير المعلم. ومن الواضح: انه كلما زاد التجريد عن الخصوصية كان مخالفاً للاحتياط أكثر.
الجهة الثانية: في شرائط الآلة المستعملة في الصيد.
والسلاح الذي كان مستعملا في صدر الإسلام ووردت به الروايات هو السيف والرمح والسهم. وبها كانوا يحاربون ويصيدون. أو بتعبير آخر: كانوا بها يقتلون الإنسان والحيوان.
وفي الواقع انه لا شرط للسلاح المستعمل في الصيد، إلا انه لابد من عرض احتمالين في هذا الصدد مع مناقشتهما:
الاحتمال الأول: احتمال انه يشترط في السلاح المستعمل في الصيد ان يكون من الأنواع القديمة، ولا يجزي السلاح الحديث كالمسدسات والبنادق.
ولا أقل من احتمال ان يكون الشرط هو استعمال السلاح غير الناري واما إذا كان نارياً فلا يجوز.
ــــــــــــــــــــ[269]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الاحتمال الثاني: احتمال اشتراط ان يكون السلاح المستعمل في الصيد حديداً. فان لم يكن كالحجر والخشب لم يجز. ولا اقل من احتمال ان يكون سلاحاً معدنياً.
ونذكر كلاً من هذين الاحتمالين في ناحية من الحديث:
الناحية الأولى: احتمال اشتراط السلاح القديم. وهذا احتمال غير موجه فقهياً على الإطلاق. إلا من زاوية كونه متعارفاً في صدر الإسلام ووارداً في الأدلة. وهذا وحده ليس دليلا كافياً. لوضوح ان لكل عصر سلاحه. وهذا ما يعلمه الشارع الإسلامي المقدس، مضافاً إلى التفات العقلاء إليه. فلو كان ذلك مشترطا لورد النهي عن غيره، ولو بعنوان الحصر بالسهم أو هو والرمح، ونحو ذلك. مع انه لم يرد.
الناحية الثانية: احتمال ان يكون السلاح غير ناري.
وهو أيضاً احتمال غير وجيه فقهياً. إلا بعض الوجوه الواضحة المناقشة. والتي لا حاجة إلى سردها.
نعم، يحتاج الأمر إلى ملاحظتين:
الملاحظة الأولى: انه قد يكون السلاح الناري شديداً. بحيث يجعل الحيوان فحماً أو أشلاء صغيرة. وهذا لا يشكل إشكالا فقهياً. كل ما في الأمر ان استعمال مثل هذه الأسلحة لا يكون استعماله عقلائياً ولا اقتصادياً.
الملاحظة الثانية: انه قد يتم قتل الحيوان بالشظايا وليس بالتوجيه المباشر. كانفجار قنبلة بالقرب منه، أو لغم أرضي كذلك ونحوها.
وهذا أيضاً لا يشكل إشكالا فقهياً، مع وجود الشرائط الأخرى، وأهمها التسمية بضرب السلاح، فان توفرت كان الحيوان حلالا. غير ان توفرها في مثل هذه الصورة أصعب.
ــــــــــــــــــــ[270]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
واما إذا كان إطلاق السلاح بغير قصد الصيد كبعض الأغراض الحربية، ومات فيها حيوان صدفة، لم يحل. وسيأتي ذلك في بعض الجهات الآتية.
الناحية الثالثة: احتمال ان يكون السلاح المستعمل في الصيد حديدياً، وانه لا يجوز استعمال غير الحديد.
ومنشأ هذا الاحتمال هو الأخبار الواردة في الذباحة والمتضمنة لاشتراط كونها بآلة حديدية. فقد يمكن قياس الصيد على الذباحة. بمعنى اشتراط الحديد فيه أيضا.
مثل صحيحة الحلبي(1) عن أبي عبد الله قال: سألته عن ذبيحة العود والحجر والقصبة. فقال: قال علي : لا يصلح إلا بحديدة.
والاستدلال بذلك قابل للمناقشة من عدة وجوه أهمها:
الوجه الأول: أننا لا نقول بذلك حتى في الذبح فضلا عن الصيد، لأن أمثال هذه الأخبار الواردة اما غير تامة سنداً، أو محمولة على وجوب ان يكون الذبح بحديدة، بمعنى ممارسة العملية بالحديدة رحمة بالحيوان لكي لا يزداد ألمه، وليس فيها دلالة على حرمة لحم المذبوح.
فان قيل: ان السؤال في صحيحة الحلبي هذه عن (ذبيحة العود والحجر والقصبة) وهو سؤال عن الذبيحة لا عن الذبح نفسه فيكون الجواب عنها أيضا، بمقتضى قاعدة مطابقة الجواب للسؤال.
وجواب ذلك: انه من الواضح في الجواب حصول العدول بتذكير الضمير. ولو تحدث عن الذبيحة لوجب تأنيثه. والضمير المذكر لا محالة عائد إلى الذبح لا إلى الذبيحة.
ــــــــــــــــــــ[271]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الوسائل ج6 أبواب الذبائح باب 1 حديث 2.
فان قيل: انه عائد إلى اللحم الناتج من الذبيحة.
قلنا: كلا، فانه لا مرجع له في العبارة. بخلاف الذبح فانه معلوم من مادة لفظ الذبيحة ومن تعداد الأمور التي قد يتم الذبح بها وهي العود والحجر والقصبة.
الوجه الثاني: انه لو تم ذلك في الذبح، فانه لا يتم في الصيد، لوجود فرق عرفي واضح بينهما، مما يتعذر معه التجريد عن الخصوصية ولا اقل من احتمال ذلك، وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
الناحية الرابعة: في احتمال ان يكون السلاح المستعمل في الصيد معدنياً، وان لم يكن حديداً، في مقابل استعمال الحجر والخشب، فانه عندئذ لا يكون جائزاً.
والوجه المحتمل في ذلك هو: ان نفهم من الروايات الواردة في الذبح، والتي سمعناها تشترط استعمال الحديد. ان نفهم منها مطلق المعدن، بأسلوب سيأتي عند الحديث عن الذبح.
فان تم لنا ذلك في الذبح، قلنا بتعميمه للصيد.
إلا انه غير تام في الذبح فضلا عن الصيد. بمعنى اشتراط حلية اللحم فيه. ولو تم في الذبح لم يتم في الصيد، لوجود الفرق بينهما، على ما قلنا في الوجه الثاني السابق.
الجهة الثالثة: في اشتراط ان يكون الصائد مسلماً. سواء كان الصيد بالحيوان أو بالسلاح وسواء كان الصائد كبيراً أو صغيراً، رجلا أو امرأة، والمهم كونه مسلماً.
ويمكن الاستدلال لذلك بوجوه نذكر أهمها باختصار:
ــــــــــــــــــــ[272]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الوجه الأول: الإجماع على هذا الاشتراط.
إلا انه مطعون صغرى وكبرى. اما صغرى: فلأنه لم يثبت وجود مثل هذا الإجماع. واما كبرى: فلأنه حتى لو ثبت وجوده لم يكن حجة، لأنه مدركي، لأن العلماء المجمعين إنما استندوا على الأدلة الأخرى في أقوالهم، فيكون النظر إلى ذلك المستند لا إليهم. وهو ما سنذكره في الوجهين الآتيين أو نحوها.
الوجه الثاني: الروايات الواردة في هذا الباب.
إلا ان الروايات في هذا الباب:
أولاً: واردة في خصوص الصيد بالكلب لا بالسلاح.
ثانياً: إنها تشير إلى ضرورة ان يكون المعلم للكلب مسلماً لا كافراً، وهو غير محتمل فقهياً. بل لعل الإجماع على خلافه.
ثالثاً: ان هذه متعارضة فيما بينها، فبعضها يجيز وبعضها يمنع. ومن الملاحظ ان الرواية المجيزة أتم سنداً. وهي معتبرة سليمان بن خالد(1). فيكون الأخذ بها والعمل بمضمونها أولى.
وعلى أي حال فلا يوجد في روايات الباب ما يدل على ان يكون الصائد مسلماً. إلا ان يكون ذلك بطرق أخرى من الفهم من الروايات لا حاجة الآن إلى الدخول في تفاصيلها. وبحسب النتيجة فالقول بالاشتراط غير واضح فقهياً.
الوجه الثالث: الاستناد إلى الروايات الواردة في باب الذبح والتذكية، فانه قد يقال: أنها تشترط إسلام الذابح. مع محاولة تعميمها إلى الصائد بعد
ــــــــــــــــــــ[273]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) انظرها في الوسائل ج16: أبواب الصيد باب15 حديث1.
التجريد عن الخصوصية. ولو باعتبار القول: بأن كلتا العمليتين ذات هدف واحد وهو التذكية المنتجة لحلية اللحم.
وجواب ذلك من وجوه أهمها:
الوجه الأول: عدم الاشتراط هناك أي في الذبح. فضلا عن الصيد. لوجوه قد تأتي في محلها، ومن أهمها: ان تلك الروايات تقول(1): الذبيحة بالاسم ولا يؤمن عليها إلا أهل التوحيد.
وهذا البيان ينتج انك لو علمت من الكافر ذكر الاسم على الذبيحة بالشكل الصحيح كفى في حليتها. إذن كذلك الحال في الصيد. نعم، القول بما هو أوسع من ذلك في الصيد مشكل. فلابد من الاقتصار فيه على ذلك.
الوجه الثاني: إننا قلنا فيما سبق ان قياس الصيد على الذبح أساساً غير صحيح لعدم إمكان التجريد عن الخصوصية مع احتمال الفرق بينهما عقلاً وعرفاً.
إذن، لم يثبت اشتراط كون الصائد مسلماً، بعد العلم بصحة تسميته كما لم يثبت كون معلم الكلب مسلماً.
الجهة الرابعة: في اشتراط كون الصائد قاصداً للصيد.
ويتم عدم القصد في بعض الصور:
الصورة الأولى: ان يكون رمي السلاح لا بقصد الصيد بل للتدريب عليه مثلا أو لقتل إنسان، فوقع في حيوان فقتله. فحصل الصيد.
الصورة الثانية: ان يكون الحيوان مقصوداً قتله، ولكن غير مقصود صيده. كما لو كان المقصود التخلص من شره.
ــــــــــــــــــــ[274]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر: أبواب الذبائح باب 26 حديث2.
الصورة الثالثة: ان تكون التسمية لا بقصد الصيد بل بقصد آخر كالتدريب على التلفظ أو التعليم له.
الصورة الرابعة: في صورة الصيد بالحيوان فانه يمكن ان يسترسل الحيوان فيقتل صيداً بدون قصد صاحبه له.
الصورة الخامسة: ان يكون هناك إغراء وإرسال للحيوان لكن لا بقصد حيوان معين أو لمجرد رجاء الحصول على صيد ونحو ذلك.
إلى غير ذلك من الصور. والمفروض فقهياً في الصورة التي لم نذكر فيها التسمية: أنها موجودة، فلو لم تكن موجودة لم يحل الصيد جزماً.
والمهم فقهياً لتحليل كثير من الصور السابقة ان نجد رواية معتبرة ومطلقة تحلل الحيوان المصطاد مع التسمية والإصابة، سواء حصل القصد أم لا، وإذا وجدت فلابد من الاقتصار على مضمونها.
والظاهر كفاية مثل هذه الرواية وهي صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله(1) عن أبي عبد الله في حديث قال: كل ما أكله الكلب إذا سميت. الحديث.
وهو لا شك شامل للصورة الثانية، من حيث ان قوله (ما أكله الكلب) شامل لما إذا كان المقصود قتله أو صيده. كما هو شامل للثالثة أيضا. لأن قوله إذا سميت اعم ما إذا سمى بقصد الصيد أو لم يكن بهذا القصد(2).
كما يشمل الصورتين الرابعة والخامسة أيضا، بقوله (ما أكله الكلب) من
ــــــــــــــــــــ[275]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الوسائل ج16 أبواب الصيد باب 12 حديث12.
(2) غير انه قد يستشكل من حيث صدق الآية الكريمة عليه وهو قوله تعالى ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ فقد يقال: انه لا يكون عليه إلا مع القصد. إلا أن في ذلك إشكال واضح لأن الاستعلاء الحقيقي غير مقصود جزماً. والاستعلاء المعنوي يكفي فيه التزامن العرفي أو أسبقية البسملة بقليل. فتأمل.
حيث كونه شاملا لقصد الإغراء وغيره. كما انه شامل لكون الإغراء بقصد وغيره.
هذا، ولكن شمول مثل هذا البيان واللسان للصورة الأولى الخاصة باستعمال السلاح لا يخلو من صعوبة. نعم، بنحو من التجريد عن الخصوصية لمطلق الصيد (يعني سواء كان بالحيوان أو بالسلاح) يتم المطلب.
هذا، ولكن استشكلوا من ناحية الصورة الرابعة، حيث أفتى المشهور باشتراط إغراء الكلب وإرساله، فلو استرسل أو قتل من نفسه لم يحل.
واستدلوا على ذلك برواية القاسم بن سليمان(1) قال: سألت أبا عبد الله عن كلب أفلت ولم يرسله صاحبه فصاد، فأدركه صاحبه وقد قتله أيأكل منه؟ فقال: لا.
وهذا فيه وجوه من المناقشة:
أولاً: ان هذه الشهرة الفتوائية ليست بحجة لأنها مدركية أعني كونها معتمدة على هذه الرواية.
ثانياً: ان هذه الرواية غير معتبرة لأن راويها الأخير لم يوثق إلا ان نقول بكونها مجبورة بالشهرة.
ثالثاً: من المحتمل راجحاً ان يكون الملحوظ في المنع لدى الجواب هو ترك البسملة. وليس الإغراء. وان كانت حيثية السؤال ذلك.
فان قيل: ان حيثية السؤال لابد وان تكون ملحوظة في الجواب. قلنا: نعم. إلا انه ليس من المتعين كونها هي العلة في التحريم، بل لعل العلة، ما هو ملازم لها دائماً وهو ترك البسملة. وهذا الاحتمال لا نافي له فيبطل
ــــــــــــــــــــ[276]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر باب 11 حديث1.
الاستدلال.
وإذا قلنا بوجوب تعمد الإرسال للحيوان ولو احتياطاً، فهل نقول ذلك في السلاح أم لا؟ فان قلنا به حرمت الصورة الأولى التي تقول: ان الرامي رمى السلاح لا بقصد الصيد.
وهذا التعميم، وان كان مظنوناً. إلا انه مما يكون قابلا للمناقشة. وأوضح وجوهها: أولاً: ان الحيوان قابل للإغراء بخلاف السلاح. وثانياً: إننا عرفنا ان استرسال الحيوان بنفسه دائماً يكون بدون تسميته، وليس كذلك في إرسال السلاح. فقد يكون مقروناً بالتسمية برجاء الصيد أو لا بقصد الصيد. ومعه تكون الصورة الأولى صحيحة أيضا.
ومعه يمكن القول بأنه لا يشترط قصد الصيد أو ان يكون الصائد قاصداً له بكل الصور. وان كان بكل تأكيد يكون للاحتياط الاستحبابي مجال مهم وخاصة في الصورة الرابعة.
الجهة الخامسة: في شرائط الحيوان المصطاد – بالفتح -.
ويمكن بهذا الصدد تعداد الشرائط الآتية:
أولاً: ان يكون الحيوان طاهر العين. فلو كان نجس العين، وهو الكلب والخنزير. لم يحل إطلاقاً.
ثانياً: ان يكون الحيوان نافراً وحشياً، فلو لم يكن كذلك، لم يصدق الصيد، ومن ثم لم يكن سبباً للحلية.
وكون الحيوان نافراً، قد يكون كذلك بطبعه كالوحوش. وقد يكون بالعارض كالبقرة الهائجة والجمل الثائر، كما ان ضد ذلك أعني كون الحيوان غير نافر، قد يكون بطبعه كالحيوانات الأليفة، كالغنم والدجاج، وقد يكون لمانع كأطفال الوحوش أو المريض منها.
ــــــــــــــــــــ[277]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
ثالثاً: كون الحيوان قابلا للتذكية بفري الأوداج ونحوه. فلو لم يكن كذلك كالحشرات بالمعنى الواسع الذي سبق ان ذكرناه، لم يمكن صيده.
رابعاً: ان يكون حيواناً ارضياً سواء كان سائراً أو طائراً. واما إذا كان مائياً كالسمك وغيره. فلا تتم فيه العملية التي تتم في الفضاء أو الجو وهي الضرب من قريب أو من بعيد. ولو تم ذلك لم يكن محللا له. بل إذا ماتت السمكة في الماء بضرب أو غيره كانت حراماً. بل للسمك أسلوبه الخاص به في الصيد وهو الذي سنتحدث عنه فيما بعد.
ولابد فيما يلي ان نعطي فكرة مختصرة وكافية عن كل من هذه الشرائط. كل واحد في ناحية من الكلام:
الناحية الأولى: ان لا يكون الحيوان نجس العين. لأن النجس يحرم أكله. ولأنه غير قابل للتذكية، وان تمت فيه العملية التي تتم لغيره. إلا أنها لا تؤثر فيها شيئاً، لأنه يبقى على النجاسة والحرمة. حتى الأجزاء التي لا تحلها الحياة.
الناحية الثانية: ان يكون الحيوان نافراً. فلو لم يكن نافراً لم يصدق الصيد. ولو كانت هناك محاولة لإمساكه أو تقييده، فإنها ليست صيداً عرفاً.
والمهم صدق الصيد عرفاً، ولا يصدق إلا في الحيوان النافر، سواء كان نافراً بطبعه أو بالعارض. ويؤثر الصيد في تقييده أعني نقله من حال النفور إلى حال الاستسلام. فان لم يتم هذا النقل لم يكن صيداً.
ولازمه، انه لو كان الحيوان مستسلماً نسبياً. فلا صيد فيه. ولو كان استسلامه بالأصل كالدواجن أو بالعارض، كما سبق ان مثلنا.
ومن جملة أمثلة ذلك: ان يقع النافر في محل لا يستطيع فيه الهرب كالحفرة فانه لا يصدق معه الصيد. وسيأتي حكم مثل هذا التوحل.
ــــــــــــــــــــ[278]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الناحية الثالثة: في اشتراط القابلية للتذكية وهي لا شك مشترطة في التذكية عن طريق الذبح وفري الأوداج، واما اشتراطها في الصيد، فله أحد وجهين:
الوجه الأول: التعميم بإلغاء الخصوصية. ونقول: ان المهم هو النتيجة التي هي الحلية، سواء كان بالذبح أو بالصيد. فيكون هذا الشرط منوطاً بها.
إلا ان هذا الوجه لا يتم لعدم إمكان التعميم عرفاً. لوجود الفرق بين الذبح والصيد. فان الذبح حيث يتضمن فري الأوداج، إذن فيجب ان تكون الأوداج موجودة لكي تفرى. وهو معنى ان يكون للحيوان أوداج، فلو لم يكن له أوداج، لم يكن قابلا للتذكية. وهذا بخلاف الصيد، فانه يصدق عرفاً حتى بدون وجود الأوداج.
الوجه الثاني: إننا نجد بعض الحيوانات لا تؤثر فيها عملية التذكية شيئاً. سواء في ذلك الذبح أو الصيد. بالرغم من توفر الشروط الأخرى فيه. كالحشرات العرفية. فان ميتتها طاهرة وأكلها حرام، ولا يغير من هذا الواقع وقوع التذكية عليه. إذن لا يكون مثل هذا الحيوان قابلا للتذكية.
والأمر كذلك في الأسماك بل في كل موجودات البحر، فإنها غير قابلة للتذكية بنفس الطريقة التي تتم على وجه الأرض. وهي الذبح والصيد (بالضرب والرمي).
فان أردنا تعبيراً جامعاً عن كل الحيوانات التي تكون قابلة للحلية بالصيد (الأرضي) فليس ذلك إلا كونها قابلة للذبح بقطع الأوداج. أو ان لها أوداجاً فعلا.
إذن، فهو تعبير انتزاعي، استعمل ليعم مثل هذه الفصائل. ومن المعلوم ان الحشرات ليس لها أوداج، كما ان حيوانات البحر كذلك.
وقد يقال: أننا بعد ان عممنا مفهوم الحشرات ذات حجم معتد به كالفأرة
ــــــــــــــــــــ[279]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وغيرها، فقد يكون لبعض الحشرات بهذا المعنى أوداج. فلا يكون هذا التعبير الانتزاعي كافياً مانعاً.
وجواب ذلك من وجهين:
أولاً: المناقشة في وجود الأوداج في الفأرة ونحوها. وهي وان كانت مظنونة إلا أننا لا نعلم خلقتها بالتعيين. والظن لا يغني عن الحق شيئاً.
ثانياً: ان هذا التعبير أعني كون الحيوان حاوياً على الأوداج أو ذو أوداج، تكرار لكونه قابلا للتذكية. فان تساوى المفهومان، فهو المطلوب. وإلا أخذنا بالثاني دون الأول، وارتفع الإشكال.
الناحية الرابعة: ان حيوانات الماء غير قابلة للصيد (الأرضي) كما قلنا. بمعنى أنها لو تم لها ذلك لم يؤثر في حليتها شيئاً. بل لها طريقة أخرى للتذكية، وهو إخراجه من الماء حياً. ولا يجب بعد ذلك ذبحه. ولا يجب في هذا الإخراج التسمية أو الذكر.
إلا ان الوارد في الروايات هو صدق أو تطبيق هذه الطريقة على السمك. حيث يقال: ان ذكاة السمك إخراجه من الماء حياً. وهذا مختص بالسمك المأكول اللحم، واما السمك غير مأكول اللحم، أو غير السمك من حيوانات البحر، فلا يشمله هذا الحكم. لعدم تأثير التذكية فيه. من حيث انه حرام اللحم وطاهر الميتة على كل حال حتى ولو لم يذك، يعني حتى ولو مات في الماء.
لكن يبقى الكلام فيما يجوز أكله من حيوانات البحر من غير السمك لو وجد، كما عرفنا في فصل سابق. فماذا تكون الحلية فيه؟ من حيث انه لا يصدق عليه فري الأوداج لأنه لا أوداج له. ولا يصدق عليه الصيد البري كما هو واضح ولا يصدق عليه ذكاته بإخراجه من الماء حياً. لأنه خاص بالسمك.
ــــــــــــــــــــ[280]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فما العمل؟
عندئذ تكون المسألة مربوطة بالحلية أو الحرمة حال الحياة. فان قلنا بالحرمة حال الحياة أمكن استصحابها إلى ما بعد الموت. وان قلنا بالحلية، كما هو المرجح، كما سبق، أمكن استصحابها إلى ما بعد الموت. مضافاً إلى كون الحيوان بعد موته بنفسه موضوعاً لأصالة الحل وإطلاقات حلية (ما في الأرض جميعاً) و(طعام البحر) ونحوها من الإطلاقات.
يبقى الكلام في جهة واحدة، وهي اشتراط الأخذ من الماء في تذكية السمك. فلو خرجت السمكة من الماء بنفسها لم تحل.
إلا ان الصحيح هو اشتراط الأمرين: الأخذ والخروج من الماء حياً فان تطابقا كان معناه: الإخراج من الماء حياً. وان اختلفا كان معناه: خروج السمكة حية ثم أخذها بعد خروجها، وهذا يكفي في الحلية.
ولا يعني الأخذ الإمساك باليد. بل الإدخال تحت السلطة الشخصية، كالحمل في إناء أو شبكة أو غير ذلك.
الجهة السادسة: في صيد الجراد، وهو الحشرة المستثناة من حرمة أكل الحشرات الأرضية، كما ان الروبيان مستثنى من حرمة أكل الحشرات البحرية.
والمشهور بين الفقهاء ان ذكاة الجراد أخذه حياً. ويمكن المناقشة في ذلك بأمرين:
الأمر الأول: انه ان استدل على ذلك بالشهرة والإجماع، فلا حجية فيهما لاحتمال كونهما مدركيين، واعتمادهما على الروايات. وان استدل لذلك بالسنة فالأخبار خالية تماماً من ذلك، كما هو معلوم لمن يراجعها. وسوف يأتي بعونه تعالى ما أخذ فيها من الشروط.
الأمر الثاني: ان المفهوم متشرعياً وعرفياً ان عملية التذكية سبب للقتل،
ــــــــــــــــــــ[281]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فأما ان تقتل الحيوان تماماً أو يكون في طريق القتل أو الموت، بما في ذلك فري الأوداج أو إخراج السمك من الماء حياً أو غيره، واما ان تكون الذكاة صادقة ومنطبقة، مع العلم ان الحيوان حي تماماً ليس فيه أثر أو جرح، فهذا غير مفهوم متشرعياً وعرفياً.
فلو كانت ذكاة الجراد أخذه، لكان في الإمكان حفظه في قفص أو غرفة، ونقول: انه مذكى مع انه حي تماماً. وهذا خلاف الفهم المتشرعي والعرفي.
ويهّون الخطب انه لم يرد بهذا العنوان في الروايات أصلا. والروايات الواردة في هذا الباب اما غير تامة سنداً أو غير تامة دلالة.
ولعل أوضح قاعدة وردت في هذا الصدد هو قولهم (1): الجراد ذكي فكله. أو قولهم: الجراد ذكي حيه وميته.
وهذه القاعدة تشمل ما لم يكن مأخوذاً أصلا وما لم يكن حياً أيضا. وظاهره ان الجراد مذكى في أصل خلقته ولا يحتاج إلى تذكية أخرى. هذا مضافاً إلى ضعف سند الروايات الدالة عليه، لا شك انه مُعرَض عن الأخذ به من قبل الفقهاء إجماعاً.
نعم، يمكن تقييده بما دل على ان الجراد إذا وقع في النار لا يحل، ولعل المفهوم منها انه إذا جاء الجراد بنفسه فليس بمذكى. وهو دال بالدلالة الالتزامية على لزوم الأخذ وهو المطلوب.
إلا ان هذا قابل للمناقشة من وجوه منها:
أولاً: ان فهم الأخذ موقوف على التعميم من الوقوع في النار إلى مطلق المجيء بنفسه، وهو ممنوع، لاحتمال الفرق.
ــــــــــــــــــــ[282]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) انظر الوسائل: أبواب الذبح باب 37 حديث 4 و8.
ثانياً: ان ما دل على ذلك قابل للمناقشة سنداً، فان تم سنداً كان صورة الوقوع بالنار في نفسها مستثناة من الذكاة الأصلية في الجراد، كما سمعنا. والكل مشكل، إلا انه يمكن القول بحليته بأحد طرق، بعد التسليم بجواز أكله أساساً.
أولا: استصحاب الحلية الثابتة حال الحياة. بناء على ما قلناه من الجواز حالها.
ثانياً: ان الشهرة أو الإجماع على التذكية بالأخذ ليس مدركياً، لأنه لم يرد بعنوانه في الروايات فيكون حجة.
ثالثاً: انه لا شك مع جواز الأكل بحصول التذكية إجمالا. والقدر المتيقن منه هو الأخذ، مع الشك في تحققها بدونه.
الجهة السابعة: في ذكاة المتوحل.
وهو الذي خرج من النفور والامتناع إلى الاستسلام بسبب خارج عن الاختيار، كالسقوط في حفرة أو جفاف الطين عليه وهو المتوحل، وغير ذلك.
وفي مثل ذلك: ان أمكن إخراجه مع السيطرة عليه أو بدونها، فلا كلام. وان مات في محله قبل إدراك ذكاته فلا كلام أيضا. وان أمكنت تذكيته وهو في محله بفري أوداجه، فهو اللازم. ولا يصير الحكم إلى ما سنقوله.
واما إذا كان الحيوان متورطاً بحيث لا يمكن إنقاذه ولا يمكن ذكاته، وهو لا يصدق معه الصيد كما سبق. لأنه لا يكون إلا في النافر.
فهذا الحيوان، اما ان يكون أهلياً أو وحشياً أرضياً أو طيراً جارحاً أو سمكاً يحل أكله أو سمكاً لا يحل أكله. فهذه خمسة أقسام، لم يتعرض الفقهاء إلا لقسم واحد منها هو الأول. ونذكرها تباعاً فيما يلي:
ــــــــــــــــــــ[283]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
القسم الأول: الحيوان الأهلي المتورط:
وقد أفتى الفقهاء طبقاً للروايات الواردة في المسألة، بان الفرد في مثل ذلك يسمي الله سبحانه ويضرب الحيوان حيث وقع السلاح. فإذا مات كان ذكيا. وهذا هو الصحيح، طبقا للروايات التي فيها ما هو حجة ومعتبر.
القسم الثاني: الحيوان الوحشي المتورط.
أما ما يجوز أكل لحمه، كالغزال وغيره، فلا إشكال في إلحاقه بالحيوان الأهلي حكماً. واما ما لا يجوز أكله فقد يقال: بعدم شمول هذا الحكم له. من حيث ان المأمور به في الروايات إنما هو مقدمة للأكل. وقد نص في بعضها على جواز الأكل بعنوانه. فكيف يعمم الحكم لصورة حرمة الأكل؟
وجوابه: انه لابد من التجريد عن الخصوصية بالقول: بان المراد بالروايات ليس خصوص الأكل، بل ان عملية التذكية المبينة فيها منتجة للنتيجة المطلوبة والمعروفة فقهياً، فقد تكون هي جواز الأكل وقد تكون هي مجرد طهارة الجسد.
وهذا قريب عرفا، وخاصة مع وجود استفادات أخرى من الجسد غير الأكل، كالجلد أو الفرو أو العظم أو غيرها.
القسم الثالث: الجارح المتورط.
لا يختلف حكمه عن السبع المتورط. غير ان تورطه في حفرة بعيد في التصور لكونه طائراً. واما تورطه بين أغصان الأشجار ونحو ذلك، فهو معقول. إلا ان افتراض عدم إمكان إنقاذه وعدم إمكان تذكيته بعيد أيضا.
غير انه إذا حصل الفرض نفسه، فالحكم هو نفسه.
القسم الرابع: السمك المتورط.
ــــــــــــــــــــ[284]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وهذا التورط اما ان يكون داخل الماء أو خارجه. وإذا كان في الخارج، فأما ان يكون قد أخرج من الماء حيا، وأخذه الفرد، بمعنى ان ذكاته قد تمت ثم تورط. أو لم تكن ذكاته تامة.
فان كانت ذكاته تامة فلا إشكال في حلتيه، تورط أم لم يتورط. وان لم تكن ذكاته تامة وهو خارج الماء. فان لم يمكن إيجاد ذكاة له حتى مات، حرم أكله. وان أمكن ذلك، بأن يخرج السمكة من ورطتها فيدخلها في الماء بيده أو نحو ذلك ثم يخرجها. فيكون هذا الإخراج ذكاة لها وتحل.
وان كان تورطها في الماء، فان ماتت في ذلك المحل حرمت. وان لم تمت وأمكن إنقاذها وإخراجها من الماء أو سحب الماء عنها بحيث تموت خارج الماء حلت. وإلا حرمت.
القسم الخامس: الحيوان البحري المتورط، مما لا يحل أكله سواء كان سمكا أو لا.
ومثله لا تؤثر فيه الذكاة لكونه على أي حال طاهر الجسد بعد موته وحرام اللحم، بلا فرق بين حال التذكية وعدمه. ومعه فافتراض التورط لا يغير من الحكم الفقهي شيئاً. لأنها على أي حال طاهرة الجسد وحرام اللحم، سواء ماتت في ورطتها أم لا، وسواء خرجت من الماء حية أم لا.
ــــــــــــــــــــ[285]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فصل الذبــــاحة
ونتكلم الآن في شرائط الذباحة. وهي اما شرائط الذابح أو الحيوان المذبوح أو عملية الذبح أو الآلة المستعملة فيه. فان توفرت هذه الشرائط حل أكل اللحم المذبوح وإلا فلا.
شرائط الذابح:
أفتى سيدنا الأستاذ(1) باشتراط الإسلام في الذابح. فلو كان كافراً أو محكوماً بكفره لم يجز ذبحه.
والأخبار المحتملة لذلك كثيرة، إلا ان أكثرها بل كلها غير نقية سنداً. مضافاً إلى إمكان مناقشتها في الدلالة. فان عدداً منها يقول: فإنما هو الاسم ولا يؤمن عليه إلا مسلم. أو يقول: الذبيحة بالاسم ولا يؤمن عليها إلا أهل التوحيد.
وهذا النحو من البيان تعليل للنهي الموجود في بعض تلك الروايات. فيمكن الاستفادة منه بوجوه منها:
الوجه الأول: ان التحريم خاص بصورة الشك بأن الكافر قد سمّى تسمية صحيحة أم لا. لأن الكافر لا يحمل على الصحة ولا يؤمن على التلفظ بالاسم
ــــــــــــــــــــ[286]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) انظر منهاج الصالحين ج2 ص365.
المقدس، واما المسلم فيمكن حمله على الصحة والقول بحلية ما ذبحه.
واما إذا سمعنا الكافر يتلفظ تلفظاً صحيحاً بالاسم، فقد ارتفع الشك وردت الأمانة. فيصح ذبحه ويحل حيوانه.
الوجه الثاني: انه يمكن حمل المسلم على الصحة ما دام بعنوان الإسلام من أي المذاهب الإسلامية كان. ولذا عبر عنه بأهل التوحيد. وهم المسلمون قاطبة.
الوجه الثالث: انه لو كان الفرد محكوماً بفكره ممن له ظاهر الإسلام كالناصب والخارجي والمجسم ونحوهم. فانه يتبعه حكم الكفر، من عدم جواز حمله على الصحة وائتمانه على النطق الصحيح بالاسم المقدس فلا يحل ذبحه.
الوجه الرابع: ان المحكوم بكفره من المسلمين ليس بأشد حالا من الكفار. وقد عرفنا في الوجه الأول ان حرمة الذبيحة من الكافر خاص بصورة الشك وكذلك المسلم المحكوم بكفره.
هذا، ولا يشترط في الذابح غير هذا الشرط فيمكن ممارسة الذبح للكبير والصغير والذكر والأنثى والسفيه والرشيد، إلى غير ذلك من التقسيمات.
وكذلك لا يشترط في الذابح ان يكون مالكاً بل ولا مأذوناً. فلو كان الحيوان المذبوح مغصوباً أو كان السلاح أو السكين مغصوباً، كان عمله حراماً، ولكن ذبحه صحيح ويحل أكل لحمه.
ولكن يمكن القول(1): باشتراط ان يكون الذابح مطلعاً على معنى الذبح فقهياً. فلو كان جاهلا بذلك تماماً، بحيث لا يعلم ماذا يفعل، حرم تصديه
ــــــــــــــــــــ[287]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) انظر بهذا الصدد الروايات الواردة في باب 15 من أبواب الذبح. فان فيها شرط: ان يحسن الذبح.
للذبح وحرم تمكين غيره له منه. إلا ان يناقش ذلك: بأنه لو تم ذبحه الصحيح بالصدفة لصح. وهذا صحيح. إلا ان الاعتماد على الصدفة مما لا يمكن، فان الصدفة لا تتكرر، فيكون تبذيراً محرماً للحيوان المذبوح لو ثبت الخطأ في الذبح.
ويشمل هذا الشرط من كان جاهلا بالأصل. أو أصبح جاهلا بالعارض كالمجنون والنائم والسكران والطفل الصغير ونحوهم، ممن لا يحتمل فيهم القيام بالوظيفة تماماً.
شرائط المذبوح:
وللحيوان المذبوح عدة شرائط عرفنا المهم منها في فصل الصيد. ونلخصها فيما يلي:
أولاً: ان يكون حيواناً طاهر العين. فلو كان نجس العين، لم يكن قابلا للتذكية. لأنها لا تؤثر فيه شيئاً لأنه يبقى معها نجساً وحرام الأكل.
ثانياً: ان لا يكون الحيوان جلالا. وهو الذي يأكل العذرة حتى يشتد عظمه وينمو لحمه، فيصبح نجساً بالعارض. فإذا تم ذبحه لم يطهر ولم يجز أكله.
ثالثاً: ان تكون له أوداج أربعة، فيما يجب قطعها فيه من الحيوانات، فلو لم تكن له الأوداج الأربعة، لم يجز. وسنعرف مثاله فيما يلي.
رابعاً: ان تكون له نفس سائلة، وهو الدم المتدفق عند الذبح. فلو لم يكن له نفس سائلة، فميتته طاهرة على أي حال ولو بدون الذبح. فلا أثر للذبح فيه.
غير أننا يجب أن ننظر النِسب بين هذه العناوين: له أوداج. له نفس.
ــــــــــــــــــــ[288]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
مأكول اللحم.
والظاهر ان كل حيوان له نفس فان له أوداجاً وكذلك العكس، ولا يعرف حيوان متصف بإحدى الصفتين دون الأخرى. ومعه فالشرطين الأخيرين، يندمجان في شرط واحد.
واما بالنسبة إلى كونه مأكول اللحم. فقد يكون الحيوان له نفس ومأكول اللحم، كالأغنام. وقد يكون مما ليس له نفس وليس مأكول اللحم، كالحشرات. وقد يكون مما له نفس وغير مأكول اللحم كالوحوش. وقد يكون مما ليس له نفس وهو مأكول اللحم، كالسمك.
إلا ان الإشكال في هذا الأخير يستمر. لأننا يجب أن نمثل لذلك بحيوان ارضي لا بحيوان مائي. فهل يوجد حيوان أرضي يحل لحمه وليس له نفس، غير الجراد الذي هو مجرد استثناء من حرمة أكل الحشرات؟ الظاهر عدم وجود ذلك.
وعلى أي حال، فان وجد مثل ذلك جاز أكله بدون تذكية. لأن طهارة ميتته مسلّمة فقهياً. وحلية لحمه مستصحب مما قبل الموت. بناء على ما قلناه من حلية أكل الحي. والميتة المحرمة إنما هي الميتة النجسة وهي التي تكون من الحيوان ذي النفس السائلة.
إلا ان هذا فرض لا وجود له عملياً. فتكون هذه العناوين متساوية: ما ليس له نفس، وحرام اللحم، إلا في الجراد. ومعه تكون التذكية فيه مما لا أثر لها، كما سبق.
وإنما استثنينا الجراد والحيوانات البحرية لأنها لا تجري عليها التذكية الجارية للحيوان البري. وهي قطع الأوداج الأربعة.
وما دام الشرطان الأخيران لهما مضمون واحد أو متساوي. فلابد من
ــــــــــــــــــــ[289]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
دمجهما في شرط واحد ويمكن التعبير عنه بأنه: قابلية الحيوان للذبح. ويكون هو الشرط الثالث.
وينبغي أن نلتفت انه ليس من الشروط ان يكون الحيوان مأكول اللحم، فلو لم يكن كذلك جرت عليه التذكية أيضا، مع وجود الشرائط الأخرى. ويكون أثرها طهارة جسده. وليس لها أثر آخر كجواز أكله أو جواز الصلاة بجلده أو شعره. فان هذا مما لا يحصل بالتذكية.
كما ليس من الشرائط ان لا يكون وحشياً أو أن لا يكون ممسوخاً. فان كل هذه الحيوانات قابلة للتذكية، بالمعنى المشار إليه.
نعم، لو أصبحت بعض الحيوانات غير المأكولة اللحم، جلالة انتفى أثر التذكية فيها لأنها لا تطهر بها. ولا يجوز أكلها على أي حال. لكن إحراز ذلك بعيد عملياً. ومع الشك يمكن القول بالطهارة من الجلل استصحاباً، ولكن مع إحرازه لا مجال للتذكية إلا بعد التطهير وارتفاع الجلل.
هذا، وليس للحيوان البحري أية شرائط في جريان تذكيته عليه. غير أنهم يشترطون في حلية أكل اللحم كون السمك ذا قشور، وهذا صحيح، إلا انه ليس شرطاً للتذكية.
نعم، لو أحرزنا كون الحيوان البحري أصبح جلالا، كان ذلك شرطاً. إلا انه بعيد جداً، ومع الشك فالأصل عدمه كما أشرنا. ويمكن إلحاق شرط الجلل بجواز الأكل أيضا. فلا يبقى شرط للتذكية أصلا.
هذا ولا ينبغي أن يفوتنا ان الإنسان مستثنى من هذه الشرائط، فهو بكل أنواعه وفصائله لا تجري عليه التذكية بكل أنواعها، فلو ذبح بقطع الأوداج الأربعة مع التسمية كان نجساً وحراماً أكله. ويعتبر ذلك من ضروريات الفقه.
ــــــــــــــــــــ[290]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
شرائط الآلة:
أعني الآلة المستعملة في الذبح.
لا شك انه ليس من شرائطها ان تكون طاهرة فلو كانت نجسة تمت بها التذكية، كما انه ليس من الشرائط ان تكون مباحة أو مملوكة، فلو كانت مغصوبة تمت بها التذكية، وان أثم الفاعل.
وإنما المشهور طبقاً لبعض الروايات اشتراط ان تكون الآلة حديدية. ولا يجوز ان تكون من سائر المعادن فضلا عن غيرها كالحجر أو الخشب أو الزجاج إلا لضرورة.
فمن تلك الروايات صحيحة الحلبي(1) عن أبي عبد الله قال: سألته عن ذبيحة العود والحجر والقصبة، فقال: قال علي : لا يصلح إلا بحديدة.
وقد سبق ان ناقشنا ذلك في فصل الصيد بالمقدار الكافي، وعرفنا ان هذه الروايات بين ما هي محل مناقشة سنداً أو دلالة. ومن ثم فالاشتراط في غير محله.
والاستدلال بالشهرة أو الإجماع غير تام لأنه مدركي، أعني معتمد على هذه الروايات. فيكون النظر إليها لا إليه. اللهم إلا ان يقال: ان الشهرة تسند السند أو الدلالة. إلا ان القول به كقاعدة عامة، غير صحيح، كما ثبت في محله.
هذا، ولو تنزلنا وقبلنا ذلك، فالقول بالاختصاص بالحديد غير صحيح. بل المراد مطلق المعدن الصلب. وورود الحديد بالرواية لأجل كونه مثالا
ــــــــــــــــــــ[291]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الوسائل ج16 أبواب الذبائح باب 1 حديث2.
غالباً، بل هو غالب جداً بلا إشكال على مدى الأجيال. لوضوح ندرة استعمال الذهب أو الفضة أو النحاس في السكاكين ونحوها.
وهذا لو تم فهو مع الاختيار. واما مع الضرورة، فلا شك فقهياً في جواز الذبح بغير الحديد. ومن هنا يرد الإشكال على المشهور، لإطلاق النص. المستلزم لتعذر التذكية مع تعذره. لا جوازه بغيره. إلا انه يعتبر مسلماً عندهم. وهو أوضح على ما قلناه.
شرائط الذبح:
لأجل ان يكون الذبح تذكية صحيحة شرعاً، ينبغي ان تحتوي على الأجزاء والشرائط الآتية:
الشرط الأول: فري الأوداج الأربعة. وهو الذي يصدق عليه الذبح عرفاً. أو قل هو الجزء الرئيسي من عملية التذكية. وسنحمل عن هذا الشرط فكرة كافية بعد ذلك.
الشرط الثاني: استقبال القبلة بالحيوان المذبوح. اما برأسه أو بمنحره كما سيأتي.
الشرط الثالث: ذكر اسم الله سبحانه وتعالى على الذبيحة.
الشرط الرابع: خروج الدم من النحر بمقدار معتاد.
الشرط الخامس: ان يكون القطع تحت العظم الذي في العنق والمسمى (بالجوزة) أو الخرزة.
الشرط السادس: ان يكون الذبح من جهة البلعوم لا من القفا.
الشرط السابع: ان لا ينقطع رأس الذبيحة خلال الذبح أو قبل موتها.
ــــــــــــــــــــ[292]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الشرط الثامن: استقرار الحياة في الحيوان المذبوح، بحيث يستند موته إلى الذبح لا إلى سبب آخر.
فهذه هي الشروط المحتملة. وبعضها قابل للمناقشة. وينبغي أن نعطي عن كل منها فكرة كافية. كل واحد في جهة من الكلام:
الجهة الأولى: في فري الأوداج الأربعة:
والأوداج الأربعة: هي المريء وهو مجرى الطعام، والقصبة الهوائية، وهي مجرى التنفس، وعرقان غليظان نسبياً ممتدان بموازتهما أعني المريء والقصبة. فإذا عملت السكين في الرقبة عرضاً انقطعت الأربعة. مضافاً إلى انقطاع أمور أخرى كالجلد وشيء من اللحم إلا ان المهم هو انقطاع تلك الأربعة.
فإذا انقطعت الأربعة كلها، فلا إشكال من حصول التذكية، والظاهر ان وصول السكين إلى العظم الخلفي كاف في حصولها. ولا شك ان المريء والقصبة يكونان قد انقطعا. واما العرقان الآخران: فان علمنا بانقطاعهما فهو المطلوب وإلا لزم تحريك السكين عرضياً من الجهتين لكي يحصل الاطمئنان بانقطاعهما.
ولكن هل يجب القيام بهذه العملية بتمامها أو يكفي حصول بعضها؟ كما لو انقطع بعض الأربعة بقي البعض الآخر سليماً. أو كما لو حصلت ثقوب كبيرة في البعض منها ولم تنقطع تماما. فهل تتم عملية التذكية بذلك أم لا؟
مقتضى القاعدة الأولية وجوب القطع التام لكل الأوداج الأربعة، إلا ان بعض الأخبار المعتبرة جاءت بخلاف ذلك، فيمكن التعبد بها. ونسمع الآن أهمها:
ــــــــــــــــــــ[293]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
ففي معتبرة زيد الشحام(1): قال سألت أبا عبد الله. إلى ان يقول: إذا قطع الحلقوم وخرج الدم فلا بأس.
وفي صحيحة محمد بن مسلم(2): قال: سألت أبا جعفر عن مسلم ذبح وسمّى فسبقته السكين بحدتها فبان الرأس؟ فقال: ان خرج الدم فكل.
وفي حسنة سماعة(3) عن أبي عبد الله. قال: لا بأس به إذا سال الدم.
وفي صحيحة أبي بصير(4) المرادي قال: سألت أبا عبد الله عن الشاة تذبح فلا تتحرك ويهراق منها دم عبيط. فقال: لا تأكل. ان علياً كان يقول: إذا ركضت الرجل أو طرفت العين فكل.
إلى غير ذلك من الأخبار. وهي شاملة بإطلاقها بلا شك لصورة عدم انقطاع الأوداج الأربعة جميعاً. بل لا يوجد أي خبر معتد به يأمر بقطع الأوداج جميعها. إلا ما ادعي من استفادته من صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج(5) وفيها: إذا فرى الأوداج فلا بأس.
وهي وان كانت تامة سنداً إلا أنها مخدوشة دلالة من هذه الناحية لعدة وجوه أهمها:
أولا: إنها لم تعين الأوداج بأربعة. ولعل اقل الجمع هو اثنين عرفاً ومنطقياً. فيصدق على المريء والقصبة فقط.
ــــــــــــــــــــ[294]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الوسائل ج16 أبواب الذبح باب12 حديث3 وانظر باب 2 حديث3.
(2) المصدر باب8 حديث2.
(3) المصدر حديث4.
(4) المصدر باب 12 حديث1.
(5) المصدر باب2 حديث1.
ثانياً: إنها لم تعين الأوداج ما هي. فقد يكون على خلاف ما ذكر المشهور.
ثالثاً: ان الفري ليس هو القطع التام كما ذكر المشهور، بل هو التحطيم بمعنى ما ذكرناه من إيجاد ثقوب كبيرة. ولا دليل على أكثر من ذلك. ولذا قال في الجواهر: بأنه لا دليل على وجوب قطع الأوداج الأربعة كلها إلا الشهرة.
أقول: وهي مدركية لأن اعتماد المشهور على الروايات. ولا وجه للاحتياط أيضا، بعد ظهور هذه الروايات السابقة بجواز الاكتفاء بما دون قطع الأربعة.
إذن ينتج الجواب عن الأسئلة التي عرضناها وهي:
هل يجب القيام بعملية قطع الأوداج الأربعة بتمامها؟ كلا. هل يمكن الاكتفاء بما إذا انقطع بعضها وبقي البعض الآخر سليماً؟ مقتضى القاعدة الجواز. إلا ان مقتضى الاحتياط ان ينال كل واحد منها شيء من الانقطاع أو الثقب لا ان يبقى سليما تماما. وان كان مقتضى إطلاق بعض الروايات السابقة إمكان الاكتفاء به، وخاصة فيما إذا كان السليم هو غير الحلقوم وهو المريء. فيكون الاحتياط استحبابياً.
وهل يمكن الاكتفاء بما إذا تثقبت كلها ولم ينقطع شيء منها أصلا؟ نعم، لأنه هو معنى الفري كما عرفنا.
فهذا هو خلاصة الكلام في الشرط الأول، وتمام الكلام في الفقه.
الجهة الثانية: استقبال القبلة.
وهو من الشرائط المؤكدة، وعليه الأخبار الصحيحة الصريحة. ولكن الكلام ينبغي ان يقع في تطبيقه ومعناه.
ــــــــــــــــــــ[295]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فان فيه عدة احتمالات:
الأول: الاستقبال برأس الذبيحة، بمعنى توجيهه إلى القبلة. وان لم يتوجه المنحر وهو محل القطع، إليها.
الثاني: الاستقبال بالمنحر إلى القبلة ولو لم يتوجه إلى الرأس إليها. وهو الذي عليه عمل المتشرعة.
الثالث: الاستقبال بهما معاً. وهو أمر يكاد ان يكون متعذراً: إلا بنحو من التسامح العرفي كما سنوضح.
الرابع: استقبال الذابح إلى القبلة مضافا إلى استقبال الذبيحة بأحد الأشكال السابقة.
وفي الواقع: ان الأمر يتعلق بشكل أو حال جسم الذبيحة، من أنها واقفة عند الذبح على أرجلها أو مضطجعة على الأرض، فان ذبحها وهي قائمة. كما يحدث أحيانا في ذبح البقر ونحر الإبل. فالمتعين عندئذ توجيه الرأس إلى القبلة بصفته حياً متكاملا، بغض النظر عن شيء آخر. ولا بأس أن يكون المنحر عندئذ متجهاً إلى الأسفل.
وفي الواقع: ان الواجب هو صدق التوجيه إلى القبلة كيفما حصل. وهو لا شك صادق بتوجيه الرأس وحده، والمنحر وحده. ولعله أوضح مع توجيه الرأس حتى لو كانت الذبيحة مضطجعة. إلا انه – مع ذلك – لا ينبغي الإشكال في توجيه المنحر أيضا.
واما توجيههما معاً، فمع إمكانه فهو أرجح وأحوط، وان كان الاحتياط استحبابياً، لما سبق من إمكان الاكتفاء بأحدهما. إلا انه غالباً متعذر. لأن الرأس مع المنحر يشكلان زاوية قائمة فإذا اتجه أحدهما إلى القبلة اتجه الآخر إلى يسارها أو يمينها، حسب شكل اضطجاع الحيوان.
ــــــــــــــــــــ[296]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
نعم، يمكن ذلك بمعنى من التسامح العرفي بأن ندفع الرأس إلى الخلف قليلا، أي إلى جهة ظهر الحيوان، وتوجيه ظهر السكين نحو جهة الرأس قليلا. وعندئذ فقد تكون القبلة الحقيقية هي ما بين اتجاه الرأس واتجاه السكين. ويكون انحراف الرأس والسكين عن القبلة قليلا بحيث يكون مقبولا ومجزياً حتى في الصلاة. كل واحد منهما إلى الطرف المناسب له.
واما اشتراط توجه الذابح إلى القبلة، مضافاً إلى توجيه الذبيحة. فهو غير محتمل فقهياً، ولم يفتِ به أحد، وإنما هو أمر قد يحصل غالباً من الناحية العملية. وليس بمضر على أي حال.
الجهة الثالثة: في اشتراط التسمية على الذبيحة.
وهي إجمالا من الضروريات الواردة في الأخبار الصحيحة الصريحة. مضافاً إلى القرآن الكريم: وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ.
إلا ان يقع الكلام في بعض التفاصيل:
أولا: انه هل يجب قول: بسم الله الرحمن الرحيم كلها أو يكتفي ببعضها. أو يكتفي بأي لفظ من ألفاظ الجلالة، مع إضافة (باسم) قبلها، أو بدون ذلك؟
ثانياً: هل يجب تعمد القول من اجل الذبح أو يمكن ان تكون التسمية بقصد آخر ولكنها وقعت صدفة مع الذبح.
ثالثاً: هل يمكن الاكتفاء بأسماء أخرى غير الأسماء الحسنى، كالألفاظ المشتركة بين الله وغيره، أو أسماء المعصومين.
ولا ينبغي الإشكال في جواز الاكتفاء بما يصدق عليه اسم الله سبحانه وهذا يعني عدة أمور:
ــــــــــــــــــــ[297]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
أولاً: انه لا يجب قراءة البسملة كلها. لأن بعضها كاف في التسمية، ويصدق عليها اسم الله سبحانه.
ثانياً: عدم وجوب ذكر اسمين أو أكثر أو تكرار اسم واحد.
ثالثاً: ان لفظ الاسم: (باسم) سابقا على أحد الأسماء الحسنى، وان كان ملتزما به من قبل المتشرعة. إلا انه لا ينبغي ان يكون واجبا لأن ذكر الاسم وحده كاف، فانه اسم بالحمل الشائع وان لم يكن اسما بالحمل الأولي.
فهذا هو الجواب على الفقرة الأولى.
واما الفقرة الثانية فقد سبق ان بحثناها في فصل الصيد واستنتجنا هناك انه لا يجب التعمد في الاسم على الذبيحة، بل يكفي مجرد الاقتران العرفي. فان ذلك كاف عرفاً من صدق اسم الله سبحانه عليه. نعم، لا يبعد ان الأولوية في ذلك، والاحتياط الاستحبابي بلا إشكال.
واما الفقرة الثالثة فانه لا إشكال في عدم جواز الاكتفاء بغير اسم الله سبحانه، مهما كان مقدساً في ذاته. بما في ذلك أسماء المعصومين والأنبياء. لأنه لا يكون مصداقاً لذكر اسم الله سبحانه كما هو معلوم.
واما الأسماء المشتركة بينه سبحانه وبين خلقه. ففيها عدة وجوه:
الوجه الأول: إنها ليست من الأسماء الحسنى. بل يراد بالأسماء الحسنى ما كان مختصا به سبحانه. فما لم يكن مختصا فليس منها. ومعه لا يجوز استعماله في الذبح أصلا.
الوجه الثاني: إنها وان كانت من الأسماء الحسنى. إلا أنها تتبع القصد. فان قصد الفرد كونها ذكر الله سبحانه كفى في حلية الذبح.
الوجه الثالث: انه لا يكفي القصد في ذلك بل لابد من الوضوح العرفي
ــــــــــــــــــــ[298]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
في اللفظ بإرادة الله سبحانه. فان لم يتم ذلك بوصف واحد أضاف له وصفاً آخر لكي يتعين فيه سبحانه. وهذا هو الأحوط بل الأقوى.
واما الوجه الأول من هذه الثلاثة فليس تاما. لأن عدداً من الأسماء المشهورة لله سبحانه هي من الأسماء المشتركة كالكريم والعالم والقادر، فهي من الأسماء الحسنى وان كانت مشتركة.
الجهة الرابعة: من الشروط في صحة التذكية: خروج الدم من المنحر بالمقدار المعتاد.
والمراد من المقدار المعتاد ما يناسب حجم الحيوان عادة. وليس له كمية محددة رياضياً، بل يكفي عرفا ان يقال: بأنه خرج من الدم ما يكفي أو ما هو معتاد.
فإذا لم يخرج دم أصلا أو خرج دم قليل أو على شكل قطرات، لم يصح الذبح وأصبحت الذبيحة حراماً.
ويمكن البرهنة على ذلك ببعض الأخبار كخبر الحسين بن مسلم(1) وفيه يقول أبو عبد الله : فان كان الرجل الذي ذبح البقرة حين ذبح خرج الدم معتدلا فكلوا وأطعموا، وان كان خرج خروجاً متثاقلا فلا تقربوه.
إلا ان هذا الخبر غير تام سنداً. ومدفوع بإطلاق أصح منه سنداً وأوضح دلالة تكتفي فيها بحركة المذبوح كحركة العين أو الرجل أو الذنب. ومقتضى إطلاقها أنها حجة، سواء خرج الدم أو لم يخرج أو خرج متثاقلا. فان اجتماع كلتا العلامتين أعني الحركة والدم مما لا يكاد يحتمل فقهياً.
بل خروج الدم وحده مشكل لصحيحة أبي بصير(2) قال: سألت أبا عبد
ــــــــــــــــــــ[299]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الوسائل ج16. أبواب الذبح باب12 حديث2.
(2) المصدر حديث1.
الله عن الشاة تذبح فلا تتحرك ويهراق منها دم كثير عبيط، فقال: لا تأكل. ان علياً كان يقول: إذا ركضت الرجل أو طرفت العين فكل.
وقد يدعم أو يؤيد خبر الحسين بن مسلم(1) بصحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عن مسلم ذبح وسمى فسبقته السكين بحدتها فأبان الرأس فقال: ان خرج الدم فكل.
إلا ان هذا المضمون إنما يكون مع حصول سبب للشك في الحلية، كإبانة الرأس أو غير ذلك. فلا يكون لها مفهوم مطلق يعني انه إذا لم يخرج الدم حرم الذبح سواء تحركت الذبيحة أم لا.
وقد تعارض صحيحة محمد بن مسلم بصحيحة أبي بصير في امارية الدم، ويصار إلى ما دل على امارية الحركة الخالية عن المعارض. وتمام الكلام في الفقه.
إذن، فخروج الدم من المنحر بالمقدار المعتاد ليس ضرورياً إذا كانت الحركة متحققة، بخلاف العكس وهو ما إذا حصل دم بدون حركة وإذا حصل كلا الأمرين فهو أولى وأحوط. وان كان الاحتياط استحبابياً.
الجهة الخامسة: من شروط التذكية.
ان يكون القطع تحت العظم الذي في العنق والمسمى بالجوزة أو الخرزة، وهو الذي يصعد وينزل حال البلع.
وهذا الشرط مما لم يوجد في كتب الأوائل من الفقهاء، وإنما هي فتوى مستحدثة من قبل المتأخرين. وهي مبينة على زعم أسند إلى بعض الثقاة من القصابين بأنه إذا تم الذبح فوق الجوزة فانه لا يتم قطع الودجين الآخرين (غير
ــــــــــــــــــــ[300]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر باب9 حديث1.
المريء والقصبة الهوائية) بخلاف ما إذا تم الذبح تحتها فانه يحصل اليقين بقطع الأوداج الأربعة كلها، وبعضهم يحتاط ان لا يقطع من خلال الجوزة نفسها.
وعلل ذلك: بأن الودجين أقصر طولا من ناحية صعودهما للرأس من المريء والقصبة اللذين يصلان إلى الحنجرة نفسها. فلو قطعنا من فوق الجوزة يبقى الودجان القصيران سالمين عن القطع.
ويمكن المناقشة في ذلك بعدة وجوه أهمها:
الوجه الأول: أننا عرفنا انه لا دليل على وجوب قطع الأوداج الأربعة كلها، إلا الشهرة التي هي في هذا المورد ليست بحجة. بل الحجة بخلافها.
الوجه الثاني: التمسك بإطلاق ما دل على الجواز إذا انقطع الحلقوم. وهو المريء وهذا ما يحصل حتى مع القطع من فوق الجوزة.
الوجه الثالث: التمسك بإطلاق ما دل على الجواز إذا خرج الدم.
الوجه الرابع: التمسك بإطلاق ما دل على الجواز مع حصول الحركة من الحيوان.
الوجه الخامس: ان (الجوزة) ليس لها مكان محدد لأنها تصعد وتنزل بالبلع، فأي أماكنها يريدون ان يتحدثوا عنه. فلعله مع صعودها يبقى الشك حتى مع القطع تحتها. نعم لو كانت نازلة كان ذلك هو القدر المتيقن من صحة القطع.
الوجه السادس: ان القصابين ليسوا أهل اختصاص في تشريح الحيوان، فوثاقتهم غير مجدية في حجية أقوالهم فيما لا يعرفون. كل ما في الأمر ان إخبارهم دليل على قطعهم يعني علمهم بالموضوع. واما ان علمهم مطابق للواقع أم لا فهذا غير محرز مع العلم أنهم ليسوا أهل اختصاص في تشريح الحيوان.
ــــــــــــــــــــ[301]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
والمفروض ان هذين الودجين هما الرئيسيان اللذان يضخان الدم إلى الرأس من القلب. إذن فطولهما مستمر من الجسم إلى الرأس. فقولهم: إنها أقصر مما لا يعقل عادة. بل ينبغي ان يكونا أطول لانتهاء المريء والقصبة بالحنجرة، واستمرار العروق أو الأوداج إلى داخل الرأس. وتمام الكلام في محله.
إذن يبقى الاحتياط في القطع من تحت الجوزة احتياطاً استحبابياً.
الجهة السادسة: ان يكون الذبح من جهة البلعوم لا من القفا. وإذا أردنا ان نعرف ما هو الضد للذبح من البلعوم عرفنا ان لذلك صورتين:
الصورة الأولى: الذبح من القفا رأساً.
الصورة الثانية: إدخال السكين فوق الأوداج الأربعة وقطعها من الداخل.
ويمكن الاستدلال لذلك بوجوه نذكر أهمها:
وهو صحيحة حمران بن أعين(1) عن أبي عبد الله قال: سألته عن الذبح فقال: إذا ذبحت فأرسل ولا تكتف. ولا تقلب السكين لتدخلها تحت الحلقوم وتقطعه إلى فوق… الحديث.
وهي كالنص في المطلوب. وإذا حرم ذلك حرمت الصورة الأولى أيضا، بل هي أولى بالحرمة على ما سوف يظهر.
إلا انه – مع ذلك – يمكن المناقشة فيها بوجوه، أهمها:
أولا: إنها قد لا تكون صحيحة سنداً. لأن في سندها نسخة بدل عن أبي هاشم الجعفري عن أبيه، وأبوه لم يوثق فلا تكون الرواية حجة.
ــــــــــــــــــــ[302]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الوسائل ج16 أبواب الذبح باب3 حديث2. ومثلها في إمكان الاستدلال باب6 رواية1. ويرد عليها أكثر من أورد على صحيحة حمران. مع مناقشات أخرى.
ثانياً: إنها مشتملة على عدد من الأوامر الاستحبابية جزماً. كقوله: فأرسل ولا تكتف. فيكون مقتضى السياق هو استحباب الكل ولا اقل من عدم تعين الوجوب.
ثالثاً: ان هذا الأمر وبعض الأوامر الأخرى في الرواية بل وفي غيرها أيضا، يحتمل ان يكون من اجل الرحمة بالحيوان وتقليل معاناته وألمه. وليس من اجل تحليل لحمه أو تصحيح التذكية. ومع هذا الاحتمال يبطل الاستدلال.
وهناك وجه من الاستدلال يختص بالصورة الأولى وهو: ان الحيوان إذا قطع عنقه من القفا كان معنى ذلك قطع سلسلة الظهر والنخاع الذي فيها. وهو يؤدي إلى موته فوراً. قبل ان يصل القطع إلى الأوداج الأربعة. فيلزم من ذلك قطع الأوداج بعد موت الحيوان أو في حال تكون الحياة غير مستقرة. وهو مشكل.
وجواب ذلك: ان الذابح من القفا ان أحس ان الحيوان قد مات فعلا بعد قطع فقاره ونخاعه. فهو حرام أعني يحرم أكل لحمه. لوقوع قطع الأوداج بعد الموت. واما إذا لم يمت الحيوان فلا تبطل التذكية. لما سيأتي من جواز ذبح الحيوان حال كونه غير مستقر الحياة.
وينبغي الالتفات: إلى ان التذكية باليد ونحوها إذا كانت من القفا، فمن الراجح ان تكون بطيئة بحيث يموت الحيوان قبل انقطاع أوداجه، واما في الآلات الحادة أو المعامل، حيث ينقطع الرأس في ثانية واحدة أو اقل. فمن المؤكد عدم موت الحيوان قبل انقطاع أوداجه. فتصح التذكية.
الجهة السابعة: ان لا ينقطع رأس الذبيحة قبل موتها بعد الذبح. فيجب المحافظة على اتصال الرأس خلال عملية الذبح أو بعدها، ما دامت لم تمت.
وفي هذا الصدد فان بعض الروايات وان كانت ناهية عن قطع الرأس.
ــــــــــــــــــــ[303]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وفيها ما هو معتبر سنداً. إلا انه يرد عليها:
أولاً: احتمال ان يكون المراد بهذا الحكم الرحمة بالحيوان وتقليل ألمه. وليس الاشتراط في الذبح.
ثانياً: إنها معارضة بما هو معتبر من الروايات دالة على الجواز. فيجب الحمل على الكراهة.
نعم، يمكن القول بحرمة تعمد قطع الرأس بالحرمة المستقلة، قبل موت الذبيحة. وهذا الاحتمال لا دافع له لاختصاص الروايات المجوزة بصورة الخطأ. وان كان يحتمل الإطلاق في بعضها الآخر.
الجهة الثامنة: في اشتراط استقرار حياة الذبيحة حال الذبح. بمعنى أنها غير مشرفة على الموت. بل قابلة للبقاء بحسب العادة أياماً أو أعواماً.
ولا فرق في الإشراف على الموت بين المرض أو الجرح أو الخطأ في الذبح أو البطء في الذبح. فإنها جميعاً تكون محرمة لو قلنا بهذا الشرط.
وقد يستدل له بما دل على ان الذبيحة إذا لم تتحرك لا يجوز ذبحها يعني لا يحل لحمها. بدليل أنها لم تتحرك لأنها لم تكن مستقرة الحياة، إذ لو كانت حياتها مستقرة لتحركت عادة.
كصحيحة أبي بصير(1) يعني المرادي قال: سألت أبا عبد الله عن الشاة تذبح فلا تتحرك ويهراق منها دم كثير عبيط. فقال: لا تأكل، الحديث.
كما يمكن الاستدلال بحسنة حمران(2) عن أبي جعفر في حديث انه سأله عن الذبح فقال: ان تردى في جب أو وهدة من الأرض فلا تأكله ولا
ــــــــــــــــــــ[304]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الوسائل ج16. أبواب الذبح باب12 حديث1.
(2) المصدر: باب13 حديث2.
تطعم. فإنك لا تدري: التردي قتله أو الذبح.
باعتبار ان التردي يجعلها غير مستقرة الحياة فلا يحل لحمها بالذبح. إلا ان هذا الاستدلال غير صحيح لوجوه. أهمها:
الوجه الأول: وجوه أخرى من الفهم لا تتم بها الاخبار السابقة. اما الخبر الأول وهي صحيحة أبي بصير، فان خروج الدم الكثير منها قرينة على استقرار حياتها كما ان عدم حركتها قرينة على عدم ذلك. إذن فالسبب النهي عن الأكل ليس هو استقرار الحياة بل وجه آخر. ويكفينا فقهياً مجرد التعبد بالنتيجة.
واما الخبر الثاني وهو حسنة حمران، فإنها واضحة باحتمال ان السقوط هو الذي قتلها. فليس شأنها أنها أصبحت غير مستقرة الحياة، بل ماتت فعلا فلم يجر عليها الذبح.
الوجه الثاني: معارضتها بما هو اصح سنداً وأصرح في الدلالة على عدم لزوم استقرار الحياة.
كصحيحة الحلبي(1) عن أبي عبد الله قال: سألته عن الذبيحة فقال: إذا تحرك الذنب أو الطرف أو الأذن فهو ذكي. أقول: يعني سواء كانت حياتها مستقرة أم لا.
وقد وردت بعض الأخبار في مورد عدم استقرار الحياة. ومع ذلك فهي تحلل الذبح.
كرواية عبد الله بن سليمان(2)عن أبي عبد الله قال: في كتاب علي: إذا طرفت العين أو ركضت الرجل أو تحرك الذنب فأدركته فذكه.
ــــــــــــــــــــ[305]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر: باب11 حديث3.
(2) المصدر: حديث7.
وظاهره بوضوح: ان الذبيحة غير قادرة على الحركة الكثيرة. وهو معنى عدم استقرار الحياة عادة. مضافاً إلى قوله فأدركته، الدال على إدراكه في نهاية الرمق.
وكذلك الأخبار الواردة في الصيد كصحيحة محمد بن مسلم وغير واحد(1) عنهما جميعا أنهما قالا: في الكلب يرسله الرجل ويسمي قالا: ان أخذه فأدركت ذكاته فذكه وان أدركته وقد قتله واكل منه فكل منه. الحديث.
ومن المعلوم ان الصيد المجروح جروحاً بليغة غير مستقر الحياة. بل حتى لو كانت متوسطة نسبياً لعدم معقولية مداواته عرفاً. مضافا إلى قوله: فأدركت ذكاته كما قلنا في الرواية السابقة.
فهذا هو الكلام في شروط صحة التذكية بالذبح. وقد ظهر انه لم يثبت أربعة منها إلا انه ثبت إجمالاً أربعة، منها: قطع الأوداج والتسمية والقبلة والحركة. والباقي منها غير لازم إلا بنحو الاحتياط الاستحبابي.
هذا وان بقي في كتاب الصيد والذباحة كلام آخر في مسائل أخرى. فينبغي ان تكون موكولة إلى الفقه.
ــــــــــــــــــــ[306]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر: أبواب الصيد باب2 حديث2 وباب4 حديث2.
كتاب الغصب
ــــــــــــــــــــ[307]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
تمهيد
لا يخفى انه سبق في كتاب الضمان كثير مما هو داخل في الحديث عن الغصب من حيث ان الغصب سبب للضمان. وهناك فحصنا عدداً من المعاني للغصب والضمان فلا حاجة إلى تكرارها هنا.
ولم يبق في هذا الكتاب مما يمكن ذكره، بغض النظر عن الفروع الفقهية التفصيلية الموكولة إلى الفقه نفسه، إلا البحث عن أمرين لا يخلوان من أهمية، ولهما شكل من أشكال السعة نسبياً وليست فرعاً فقهيا صغيراً.
أحدهما: مقدار ضمان الغاصب للقيمة، هل هي قيمة يوم الغصب أو قيمة يوم التلف أو قيمة يوم التسليم أو أعلى القيم ونحو ذلك.
ثانيهما: ان تصرف غير الغاصب في العين المغصوبة هل هو جائز أم حرام. ويتفرع عنه ان صلاة غير الغاصب في الأرض المغصوبة هل هي جائزة وصحيحة، أم باطلة.
ونتحدث عن كل واحد من هذه الأمور في فصل.
ــــــــــــــــــــ[309]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فصل مقدار ضمان الغاصب
أي مقدار القيمة التي يضمنها الغاصب، من قيمة العين المغصوبة.
فان الشيء المغصوب أو العين المغصوبة ان لم تختلف قيمتها بين يوم الغصب وغيره، كان عليه تلك القيمة. وان اختلفت. فالأمر لا يخلو من تفصيل:
لأن العين أما ان تكون باقية أو تالفة في يد الغاصب، وعلى كلا التقديرين اما ان تزيد قيمتها أو تقل أو تبقى كما هي.
فان كانت باقية، فقد تزيد قيمتها السوقية وقد تقل بدون تغير فيها وقد تختلف قيمتها باعتبار التغير في العين، كما لو زادت أو نقصت كالشاة تسمن تارة أو تلد أو تضعف.
وان كانت تالفة، فتأتي فيها التقسيمات السابقة كلها، إذا حصل الاختلاف فيها قبل التلف ثم تلفت. يضاف إليها احتمالات زيادة القيمة السوقية لها بعد التلف أو نقصانها أو عدمهما.
والأيام أو الفترات المتصورة للضمان ثلاثة:
الأول: يوم الغصب. وهو اليوم الذي اشتغلت به ذمة الغاصب بالعين. اما لسرقتها أو للتعدي والتفريط فيها. بمعنى من الضمان الشامل لحال وجود العين، كما سبق ان شرحناه في كتاب الضمان.
ــــــــــــــــــــ[310]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وبهذا يتضح ان الغاصب قد يكون غاصباً من أول أمره، يعني من حين حصوله على العين، كالسارق. وقد يكون غاصباً بعد ذلك. فيما لو كان أميناً على العين أمانة مالكية أو شرعية ثم أصبحت يده يداً عادية أو يد ضمان، كما يعبر الفقهاء، فيما لو تعدى على العين أو فرط فيها. فأصبح غاصباً أو بمنزلة الغاصب.
الثاني: يوم التلف. فان العين ان تلفت في يد الغاصب، بأي معنى تحدثنا عنه. أو نقصت عنده. كان زمان تلفها أو نقصانها هو يوم التلف باصطلاح الفقهاء. فيتضمن التلف أو النقصان. والنقصان تلف للبعض وان لم يكن تلفاً للكل.
الثالث: يوم التسليم أو القبض. فان الغاصب قد يتوب وقد يهدَّد أو نحو ذلك من الأسباب بحيث يمكن للمالك أخذ المال فيه. فيوم اخذ المال هو يوم التسليم أو يوم القبض. أي قبض المالك وتسليم المال إليه. وقد يكون للعين قيمة معينة يومئذ غير قيمتها السابقة.
والمفروض تسليم القيمة بعد التلف. وقد يؤخذ المعنى اعم من ذلك واشمل. فيكون التسليم تارة مع وجود العين وأخرى لقيمتها بعد تلفها. والقيمة على كلا التقديرين اما أكثر أو اقل أو مساوية بمعنى شرحناه قبل قليل.
هذا، وان القيم المحتمل ضمانها من قبل الغاصب عديدة، بغض النظر عن قوة احتمالها الفقهي أو ضعفه:
أولا: قيمة يوم الضمان أو الغصب.
ثانياً: قيمة يوم التلف.
ثالثاً: قيمة يوم التسليم.
رابعاً: أعلى القيم على الإطلاق.
ــــــــــــــــــــ[311]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
خامساً: أعلى القيم من الأيام الثلاثة السابقة.
سادساً: أعلى القيم من يوم الضمان إلى يوم التلف.
سابعاً: أعلى القيمتين في هذين اليومين دون ما بينهما.
ثامناً: أعلى القيم من قيمة يوم التلف إلى يوم التسليم.
تاسعاً: أعلى القيمتين في هذين اليومين دون ما بينهما.
عاشراً: انه يجب على الغاصب دفع ما يرضي المغصوب منه من المال، مهما كان المقدار كثيراً. ولو زاد على كل الاحتمالات السابقة. لأن الغاصب – كما قيل – يؤخذ بأشق الأحوال.
وعلى أي حال فينبغي ان يقع الكلام باختصار نسبي ضمن عدة جهات:
الجهة الأولى: في ضمان قيمة يوم الغصب أو يوم الضمان.
يعني ضمان قيمة العين ولا زالت العين موجودة.
وهذا ما ترد عليه المناقشة بوضوح. وذلك: لأن العين حال وجودها تكون بعينها مضمونة لا بقيمتها. فهي موجودة في العهدة لا في الذمة.
وقد يجاب على ذلك: ان قيمتها أو ماليتها مضمونة أيضاً بضمان العين نفسها. فكما ان العين موجودة ومضمونة. فكذلك ماليتها موجودة مضمونة.
وجواب ذلك: ان ماليتها وان كانت موجودة بالتحليل العقلي، إلا أنها عرفاً متحدة مع العين، ولا وجود لها زائداً على العين. والعين مادامت داخلة في العهدة كانت ماليتها بالمعنى الخارجي المتمثل بالعين نفسها، موجودة في العهدة أيضاً لا في الذمة. وإنما تنتقل القيمة إلى الذمة حين تبقى مستقلة عن العين وذلك بعد تلفها.
إذن، فلا معنى لضمان قيمة العين في الذمة مع العين. وإنما تكون مع
ــــــــــــــــــــ[312]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وجودها في العهدة، يعني لابد من تسليمها للمالك بنفسها لا بقيمتها.
نعم، ان تلف قسم منها بمعنى أنها نقصت، كان النقصان مضموناً في الذمة بمعنى انه مشمول للحديث عن تلف العين نفسها.
وينتج من ذلك عدة أمور:
أولا: عدم ضمان قيمة يوم الغصب. بل لابد من إرجاع نفس العين.
ثانياً: عدم ضمان أعلى القيم حال وجود العين، أعني مع اختلاف قيمتها السوقية. إذ مع وجود العين لا يُنظر عرفاً إلى هذا الاختلاف، فلا يكون أعلى القيم السوقية مضموناً. وهو أعلى القيم بين يوم الغصب ويوم التلف.
ثالثاً: لا يكون أعلى القيم من هذين اليومين مضموناً. لنفس ما قلناه، لأنه من ارتفاع القيمة السوقية للعين حال وجودها.
رابعاً: لا يكون أعلى القيم من الأيام الثلاثة مضمونا. لنفس ما قلناه أيضا.
خامساً: لا يكون أعلى القيم من الأيام الثلاثة وما بينها مضموناً، لنفس ما قلناه أيضا.
وبهذا الإيضاح يندفع خمسة من الاحتمالات السابقة. هي الأول والرابع والخامس والسادس والسابع.
الجهة الثانية: انه كما لا تلحظ القيمة السوقية، زيادة ونقيصة، مع وجود العين، لا تلحظ هذه القيمة بعد التلف. فان العين التالفة سلفاً، لا معنى لملاحظة زيادة أو نقصان قيمتها. فان ملاحظة الأقيام إنما هو مع الوجود أعني عند بيع أو شراء العين الموجودة لا بعد التلف والانعدام.
وهذا ينتج دفع وإبطال بعض الاحتمالات السابقة. وهي: الاحتمال الثالث
ــــــــــــــــــــ[313]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وهو احتمال ضمان قيمة يوم التسليم. لأن ضمان هذه القيمة يعني ملاحظة العين بعد التلف وهو لا معنى له عرفاً كما أسلفنا.
وكذلك ينتج إبطال الاحتمال الخامس من زاوية استلزامه لملاحظة القيمة بعد التلف. وكذلك الاحتمالات السابع والثامن والتاسع. لاستلزامها ذلك، كما هو واضح لمن راجعها.
يبقى الاحتمال الثاني والاحتمال العاشر. ومقتضى القاعدة هو الثاني وهو قيمة يوم التلف ما لم يثبت بدليل ما، الاحتمال العاشر، وهو ما سنتكلم عنه في جهة مستقلة بعونه تعالى.
وقد يقال لدفع الاحتمال الثاني: أننا قلنا قبل قليل ان ملاحظة قيمة العين حين وجودها عرفاً، غير ممكن، كما ان قيمتها بعد تلفها أيضاً كذلك. ويوم التلف لا يخلو أمره من أحد هذين الاحتمالين: وجود العين أو عدمها. فإذا تعذر كلا الأمرين إذن، فيتعذر ملاحظة قيمة يوم التلف.
وجواب ذلك: ان العين عند التلف لا تلحظ حال وجودها أو حال عدمها، وإلا لم يصدق عليها التلف بكِلا الحالين، كما هو معلوم. وإنما تلحظ العين بذاتها مع ملاحظة الوجود والعدم كعوارض عليها عرفاً. وبهذا يصدق عليها التلف، وهو حال انتقالها من الوجود إلى العدم.
والتلف أمر ملحوظ عرفاً بلا إشكال. واهم آثاره ونتائجه هو ان القيمة بعد ان كانت خارجية ومتمثلة بالعين نفسها أصبحت بالتلف مستقلة عن العين. ومضمونة بالذمة وليست خارجية. وهذا معنى ان الزمن العرفي للضمان في الذمة هو يوم التلف دون غيره.
فهذا هو رأي العرف. إلا ان العرف إنما يكون حجة شرعاً إذا كان مجازاً من قبل المعصومين، بأن كان متحققاً في زمنهم وسكتوا عنه، ليكون إقرار المعصوم حجة ومن السنة المعتبرة.
فهنا قد يقال: بأن هذه السيرة العرفية منهي عنه. لورود الروايات الصحيحة
ــــــــــــــــــــ[314]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الصريحة بخلافها. فان هناك رواية قد يستدل بها على ضمان قيمة يوم الغصب وهو الاحتمال الأول. وهناك رواية قد يستدل بها على ضمان أعلى القيم على الإطلاق أو إرضاء المالك بكل صورة. وهذا ما ينبغي ان نبحثه في الجهتين الآتيتين:
الجهة الثالثة: في ضمان قيمة يوم الغصب شرعاً، تعبداً.
وهو ما قد يستفاد من صحيحة أبي ولاد(1) قال: اكتريت بغلاً إلى قصر أبي هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا. وخرجت في طلب غريم لي. فلما صرت إلى قرب قنطرة الكوفة خبرت ان صاحبي توجه إلى النيل فتوجهت نحو النيل. فلما أتيت النيل خبرت انه توجه إلى بغداد فاتبعته فظفرت به ورجعت إلى الكوفة.
إلى ان قال: فأخبرت أبا عبد الله فقال: أرى له عليك مثل كراء البغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل ومثل كراء البغل من النيل إلى بغداد ومثل كراء البغل من بغداد إلى الكوفة. وتوفيه إياه.
قال: قلت: قد علفته بدراهم فلي علفه؟ قال: لا لأنك غاصب. فقلت: أرأيت لو عطب البغل أو نفق أليس يلزمني؟ قال: نعم قيمة بغل يوم خالفته. قلت: فان أصاب البغل كسر أو دبر أو عقر؟ قال: عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم ترد عليه. الحديث.
ويستفاد من هذه الرواية الصحيحة السند، عدة أمور ومنها ما ذكرناه في عنوان هذه الجهة. نذكر أهمها:
الأمر الأول: وجوب ضمان المنفعة المغصوبة.
فانه كما يمكن غصب العين يمكن غصب المنفعة. وكما تكون العين مضمونة على الغاصب تكون المنفعة كذلك. فمتى استفاد أي إنسان من شيء
ــــــــــــــــــــ[315]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الوسائل كتاب الغصب باب7 حديث1.
لغيره استفادات لها قيمة سوقية، لزمته أجرتها للمالك.
وفي الرواية ان الغاصب سافر بالبغل سفرات غير مأذون بها، فأمره الإمام بدفع الأجرة ولا فرق، جزماً، بين البغل وغيره من الأمور.
الأمر الثاني: لزوم إرجاع العين بدون زيادة لو سلمت تامة غير معيبة. وباقية عرفاً على شكلها السابق. وهذا واضح من سياق الرواية.
وهو يدل على ما قلناه من ان العين دون ماليتها تكون في العهدة، والمالية عندئذ ليست في الذمة ولم تخرج عن نطاق العين، وإنما تخرج عن نطاقها بالتلف، وهي لم تتلف بعد. وليست القيمة في العهدة، لأنها ضمن العين، وليس لها استقلال عرفي عنها.
الأمر الثالث: ان صرف الغاصب شيئاً من المالية على حفظ العين، غير مضمون للمالك. وفي الرواية هو العلف الذي صرفه الغاصب على البغل.
وهو أمر على القاعدة. وهو معلل في الرواية بقوله: لأنك غاصب، فالغصب هو سبب ذلك. وهو مبرر عرفاً بأن الغاصب إنما يعطيه العلف من اجل نفسه لا من اجل المالك. فتأمل.
الأمر الرابع: ضمان قيمة يوم الغصب. وهو ما يدل عليه قوله: نعم، قيمة بغل يوم خالفته، ويوم مخالفة المالك هو يوم الغصب، لأنه السبب في عدم إذنه في التصرف. وهذه الاستفادة هي الواقعة في عنوان هذه الجهة. وقد سبق ان قلنا ان مقتضى القاعدة الأولية عرفاً هو ضمان قيمة يوم التلف لا يوم الغصب. فهل تدل الرواية حقاً على ضمان قيمة يوم الغصب؟
يمكن المناقشة في ذلك بعدة أمور:
أولاً: انه يتوقف على ان الظرف: يوم خالفته متعلق بـ(يلزم). المقدرة يعني: يلزمك قيمة بغل يوم خالفته. والمفهومة بقوله نعم أو من السؤال.
ــــــــــــــــــــ[316]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
هكذا قيل. إلا ان الصحيح انه متعلق بهذا الفعل المقدر. إلا انه -مع ذلك- غير دال على المطلوب. لأن الرواية ستكون دالة على اشتغال الذمة في ذلك الوقت. بغض النظر عن مقدار القيمة التي تشتغل بها.
وإنما تكون دالة على مقدار القيمة، فيما إذا عاد الظرف إلى (قيمة بغل) وكان مضافاً إليه. وهو بعيد لغة وعرفاً. ومعه لا تكون الرواية دالة على قيمة يوم الغصب بل على مطلق الضمان.
فان قيل: كيف يمكن للذمة ان تشتغل بمقدار غير معين من المال. لأنه إنما يتعين عند التلف الذي لم يكن قد حدث بعد؟
قلنا: هذا بحسب الاشتغال الاقتضائي. وهو استحقاق الضمان. واما بحسب الاشتغال الفعلي فليس إلا عند التلف. ويومئذ ستكون القيمة معينة.
ثانياً: في مناقشة الاستدلال بالصحيحة.
قوله: قيمة بغل. حيث جاء بصيغة التنكير. ولو أراد قيمة البغل الذي استعمله فعلا لكان اللازم تعريفه. ومعه تكون العبارة مجملة من هذه الناحية. لأن قيمة أي بغل مرددة بين الأقل والأكثر، واستقرار المردد في الذمة غير معقول، كما ان قيمة بغل آخر غير محتمل. كما ان إرادة قيمة نفس هذا البغل من العبارة غير محتمل، لأنه منكر. ولو أراده لعرَّفه.
فإما ان نقول: بالإجمال والإهمال من هذه الناحية، فينتج من ذلك ان قيمة يوم الغصب لا تدل عليها الرواية.
واما ان نقول: بأن المراد معنى عام أو كلي اقتضائي للمالية، لأنه لا يتعين يوم الغصب وإنما يتعين يوم التلف، إذ يتحول به الاقتضاء إلى الفعلية.
وعلى أي حال، فلم نستفد من هذه الرواية ما يخالف العرف من ضمان يوم التلف، لتكون رادعة عن هذه السيرة.
ــــــــــــــــــــ[317]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الأمر الخامس: ضمان قيمة النقص الذي يحصل للعين بيد الغاصب، بقيمة يوم التسليم. إذ قال في الرواية: عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم ترد عليه.
والاستدلال بهذه العبارة متوقف على تعلق هذا الظرف (يوم ترده) بالقيمة، ليكون نحواً من أنحاء الوصف لها، ليكون المضمون هو ذلك المقدار.
إلا ان هذا غير متعين في العبارة، بل من المحتمل بل المتعين عرفاً تعلقه بـ(عليك). وهذا التعبير هو بمنزلة الفعل يعني (تضمن) أو يؤول معه الفعل يعني (يثبت عليك) فيتعلق به الظرف على أي حال.
وعندئذ فتدل العبارة على فعلية الضمان يوم الرد والتسليم، دون تحديد لقيمة الفرق وإنها هي قيمة يوم التلف أو يوم التسليم. وإنما أخذت في العبارة عامة لأنها عادة لا تتغير سوقياً. واما مع تغيرها فالعبارة لا تدل على شيء معين من هذه الناحية. فترجع إلى السيرة العرفية من الضمان بقيمة يوم التلف. والنقص هو شكل من أشكال التلف، كما سبق. فيكون المضمون هو قيمته يوم حدوثه.
فان قيل: على ذلك: تكون الذمة مشغولة يوم التسليم بقيمة يوم التلف السابق عليه. فكيف يمكن ذلك. وجوابه: أننا أشرنا ان المراد بضمان يوم التسليم هو الضمان الفعلي، يعني العملي الذي يكون به التسليم نفسه واما الضمان الاقتضائي فهو ثابت من حين التلف لا محالة.
الأمر السادس: ان الصحيحة لم تحدد مقدار ضمان قيمة المنفعة، وإنما تحدثت عنها بشكل عام باعتبار عدم تغيرها عرفاً وعادة. واما إذا تغيرت فالرواية مجملة من هذه الناحية.
ومعه نعود إلى السيرة العرفية السابقة، وهي ضمان قيمة يوم التلف. ويوم
ــــــــــــــــــــ[318]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
التلف بالنسبة إلى الفائدة هو يوم استيفائها. وكما استفدنا في الأمر السابق: فان الضمان الفعلي يكون يوم التسليم والأداء ولكن بالقيمة التي أصبحت مضمونة ضماناً اقتضائياً يوم استيفاء المنفعة.
على ان هناك إشكالا مشتركاً في ضمان قيمة يوم التسليم. سواء كان للعين أو النقص أو المنفعة. وهو ان يوم التسليم غير معين قبل حصوله. فقد يستطيع الفرد تأخيره إلى حين قلة القيمة السوقية. ليكون دافعاً لقيمة أقل.
وقد يقال: بأن هذا التأخير محرم شرعاً. قلنا: ان الكلام الآن عن الحرمة الوضعية وهي الضمان لا عن الحرمة التكليفية.
وقد يقال: ان المراد بيوم التسليم هو أول أزمنة إمكان التسليم، باعتبار كونه فورياً أو فوراً ففوراً. فيكون متعيناً واقعاً. وجوابه: ان هذا خلاف ظاهر (يوم التسليم) الظاهر بالفعلية. أعني فعلية التسليم التي هي باختيار المكلف.
إلا انه مما يهون الخطب ان قوله: يوم ترده عليه، ليس المراد به يوم التسليم. اعني تسليم القيمة بأي حال. وإنما المراد تسليم العين بعد نقصها. ولكن هذا لا يعني عدم ورود الإشكال على من يقول بضمان قيمة يوم التسليم.
فان قيل: ان يوم رد العين الناقصة هو يوم تسليم قيمتها، وهو الارش. فتكون الرواية دالة على وجوب قيمة يوم التسليم.
قلنا: لعل هذا يكون غالباً. واما كونه دائماً أو ملازماً مستمراً فغير محتمل. فقد يتم تسليم العين الناقصة في وقت وتسليم القيمة في وقت. وكلاهما أمر اختياري يرد عليه الإشكال لو كان المراد منه ضمان القيمة في ذلك اليوم. وقد سبق ان ناقشناه.
الجهة الرابعة: في ضمان أعلى القيم، ولزوم إرضاء المالك بكل صورة مهما كان مقدار المال المدفوع إليه.
ــــــــــــــــــــ[319]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
ويمكن ان يستدل على ذلك بعدة وجوه:
الوجه الأول: القاعدة المشهورة بأن الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال.
ومن جملة الأحوال الشاقة التي يجب ان يؤخذ بها هو ان لا يكون للمال الذي يجب ان يدفعه إلى المالك حد معين، بل بحسب ما يرضي المالك. ولو أراد الآلاف. ولا اقل من تغريمه أعلى القيم التي مرت على العين من حين غصبها إلى حين تسليمها.
إلا ان هذه القاعدة، وان كانت مشهورة على الألسن، إلا أنها مما لا دليل عليها ولا أصل لها. والشهرة ان ثبتت عليها، فهي مدركية لاحتمال ان يكون مدرك القائلين بذلك هو أحد الوجهين الآتيين، يعني استفادتها من الأخبار. وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
وان سلمت فإنما تسلم أجمالا لا مطلقاً. بمعنى ان الواجبات التي تكون على الغاصب من وجوب المحافظة على العين ووجوب الإرجاع وغير ذلك. تكون ثابتة في عهدته حتى وان أوجبت الضرر والحرج، وان لزم صرف المال وان كثر.
وهذا لا يعني إضافة واجبات أخرى وتحميل تكاليف زائدة على الغاصب، فانه مما لا يجوز شرعاً. وخاصة حينما تكون الحجة الشرعية ضدها، كما في المقام. فان تكليفه بأعلى القيم أو بإرضاء المالك بالمال مهما زاد، مورد لأصالة البراءة في نفسه. بغض النظر عن الروايات التالية.
الوجه الثاني: قوله في صحيحة أبي ولاد السابقة: قال: قلت: قد علفته بدراهم فلي علفه. قال: لا لأنك غاصب.
ووجه الاستدلال بهذه الفقرة من الرواية. أنها بينت كبرى وصغرى، فالكبرى: ان الغاصب لا حرمة له، والصغرى: انه لا يضمن العلف الذي
ــــــــــــــــــــ[320]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
صرفه.
وإذ تم ذلك: أمكن التجريد عن الخصوصية لكل ما يمكن تحميله على الغاصب من الواجبات. إلا ان الجواب على ذلك ينبغي ان يكون واضحاً. فان الكبرى المدلول عليها في الصحيحة ليست إلا عدم ضمان أي غاصب لما غرمه في الحفاظ على العين. والأمر فيها ليس أوسع من ذلك، ولا يمكن التجريد عن الخصوصية لاحتمال الفرق.
واما الصغرى فليست إلا تطبيق هذه الكبرى على المورد نفسه. وهو للعلف الذي صرفه فعلا. وليست أوسع من ذلك أيضا.
الوجه الثالث: الاستدلال بمعتبرة محمد بن قيس(1) عن أبي جعفر قال: قضى في رجل ظن أهله انه مات أو قتل فنكحت امرأته أو تزوجت سريته، فولدت كل واحدة منهما من زوجها، ثم جاء الزوج الأول أو جاء مولى السرية. قال: فقضى في ذلك ان يأخذ الأول امرأته فهو أحق بها، ويأخذ السيد سريته وولدها. أو يأخذ رضاه من الثمن ثمن الولد.
ووجه الاستدلال بها: انه أمر ان يأخذ الزوج الأول من الزوج الثاني رضاه من ثمن الولد. والأول على المفروض هو مولى السرية وهي المملوكة وليس زوجاً اعتيادياً. فيجب على الثاني إعطاءه ما يرضيه.
وبعد التجريد عن الخصوصية، يمكن استفادة القاعدة العامة وهي وجوب إرضاء المالك على الغاصب. مهما صعب عليه ذلك.
والجواب عن ذلك من عدة وجوه:
الوجه الأول: انه لو فرض كون الولد مملوكاً، فليس المفهوم العرفي من
ــــــــــــــــــــ[321]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الوسائل ج17 كتاب الغصب باب6 حديث1.
السياق، أكثر من الرضا السوقي الاعتيادي. فان البائع يرضى لدى الوصول إلى قيمة معينة. وهذا هو المقصود: واما إذا أوجبنا عليه أو ألزمناه بما هو أكثر فهو عين الظلم عرفاً وشرعاً. والرواية لا تدل عليه.
الوجه الثاني: ان الولد لا يمكن ان يكون مملوكاً إلا في صورة واحدة، وهو ان يكون الزوج الثاني عالماً بالتحريم، يعني عالم بوجود مولاها واستمرار حياته. وهو خلاف فرض المسألة. فانه مع العلم بالتحريم يتبع الولد الطرف المملوك، ومع الجهل بالتحريم يتبع الولد الطرف الحر. فيكون الولد حراً غير مملوك ولا مستحق القيمة على أحد بحسب القاعدة الأولية. وإنما تكون الرواية دليلا على شكل من أشكال الغرامة يدفعها الثاني إلى الأول لقاء تصرفه في مملوكته. وهذا خارج عن محل الكلام الآن.
الوجه الرابع: الاستدلال برواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي(1) قال: سألت أبا عبد الله عمن اخذ أرضاً بغير حقها وبنى فيها. قال: يرفع بناؤه وتسلم التربة إلى صاحبها. ليس لعرق ظالم حق. الحديث.
وجواب ذلك: مضافاً إلى كونها غير تامة سنداً فلا تكون حجة. أنها دالة على إهدار جهود وأموال الغاصب التي صرفها فعلا، لوجوب إرجاع العين كما كانت حال الغصب. ولكنها لا تدل على وجوب اخذ الغاصب بأشق الأحوال أو إلزامه بإرضاء المالك بكل صورة.
وإذا لم تتم هذه الوجوه الأربعة، لم يتم الدليل على وجوب دفع أعلى القيم على الإطلاق يعني حتى لو كان خارجاً عن حد المعقول سوقياً وعرفياً. ولا على وجوب اخذ الغاصب بأشق الأحوال. بل له ان يختار ما يشاء من الحال لنفسه ما دام قاصداً إرجاع العين، أو مثلها أو قيمتها مع تلفها.
ــــــــــــــــــــ[322]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر باب2 حديث1.
فصل في تصرف غير الغاصب في المغصوب
لا إشكال في حرمة الغصب شرعاً، لأنه الأساس لاحترام ملكية الآخرين. إذ لو جاز ان يتصرف أي أحد في أي شيء، لما كان للملكية وجه عملي تطبيقي ولبقي معناها نظرياً خالصاً. إذن فالدفاع عن شكل الملكية عملياً إنما يكون بتحريم الغصب. وهو التصرف بمال المالك من دون إذنه.
كما لا إشكال في حرمة تصرف الغاصب في المال المغصوب أو العين المغصوبة – باصطلاح الفقهاء – سواء كان تصرفاً اعتيادياً كنقل الشيء أو النوم على الفراش أو القراءة في الكتاب أو الزرع في الأرض أو السكنى في البيت. أو كانت تصرفا متلفا كالأكل والإحراق، أو كان تصرفا معاملياً كالبيع والإجارة. وان كان هذا التحريم الأخير محل نظر، لو لم يقترن بالتصرف الخارجي كالنقل والتسليم، ولو اقترن هذا هو الحرام دون أصل المعاملة.
وإنما تسمى المعاملة (عقد الفضولي) وقد بحثها الفقهاء، وبحثناها في كتاب البيع فلا نعيد.
والسر في جواز إجراء المعاملات على متاع الغير أمران:
الأول: ان معنى التصرف المفهوم عرفاً هو التصرف الخارجي، دون التصرف المعنوي أو المعاملي فلا يكون هذا مصداقا للتصرف المحرم.
ــــــــــــــــــــ[323]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
بل قد يقال: ان الحرمة للغصب إنما استفيدت من الإجماع والسيرة، وهما دليلان لبّيان فيقتصر فيهما على القدر المتيقن، وهو التصرف الخارجي دون المعاملي. إلا ان الصحيح هو ورود هذه الحرمة في الأدلة اللفظية. فالمعتمد هو الفهم العرفي للتصرف المختص بالخارجي دون المعنوي.
الثاني: وروده في الروايات الدالة على قيام بعض الناس بالمعاملة على مال الغير بدون نكير من المعصومين، الأمر الذي يدل على جوازه.
ولعل أوضح الروايات في ذلك هي قضية عروة البارقي(1)، حيث دفع إليه النبي ديناراً وقال له: اشتر لنا به شاة للأضحية فاشترى به شاتين ثم باع احدهما في الطريق بدينار. فأتى النبي بالشاة والدينار. فقال رسول الله بارك الله في صفقة يمينك.
وهي واضحة بجواز إيقاع المعاملة الفضولية على أموال الغير، ولا اقل من بيع إحدى الشاتين. مع إجازة النبي له ولا اقل من سكوته عن هذه الجهة.
وكذلك صحيحة محمد بن قيس(2) عن أبي جعفر الباقر قال: قضى أمير المؤمنين في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب فاستولدها الذي اشتراها. فولدت منه. فجاء سيدها فخاصم سيدها الآخر. فقال: وليدتي باعها ابني بغير إذني. فقال : الحكم ان يأخذ وليدته وابنها فناشده الذي اشتراها فقال له: خذ ابنه الذي باعك الوليدة حتى ينفذ البيع لك فلما رآه أبوه قال له: أرسل ابني قال: لا والله لا أرسل ابنك حتى ترسل ابني. فلما رأى ذلك سيد الوليدة أجاز بيع ابنه. الحديث.
وهي واضحة أيضاً في جواز بيع الفضولي تكليفاً ولو باعتبار الإطلاق
ــــــــــــــــــــ[324]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المكاسب ص125.
(2) المصدر السابق ص126.
المقامي. إذ لو كان عملا حراماً لنهاه الإمام عن ذلك. وهي على أي حال ذات تفاصيل مربوطة ببحث الفضولي لا بهذا المبحث.
وعلى أي حال فإجراء الفرد غاصبا كان أو غير غاصب المعاملة على مال الغير، إذا لم يلزم منه التصرف الخارجي ليست فيه حرمة. ولعل الإجماع قائم على ذلك أيضا. وان كان الاستدلال به لا يخلو من نقاط ضعف:
أولا: لأنه مدركي، لأن اعتماد المجمعين على الروايات. فتكون هي المدرك الأساسي دونه.
ثانياً: لأنه لبي يقتصر في الاستدلال به على القدر المتيقن. وهو هنا بيع غير الغاصب. ومحل كلامنا بيع الغاصب. كما ان بيع العين حال غصبها ان لم يكن البائع هو الغاصب خارج عن القدر المتيقن. فتأمل.
هذا وإذا استثنينا مسألة إجراء المعاملات على العين المغصوبة، فان كل تصرفات الغاصب فيها حرمة. سواء كان عن علم وعمد أو عن نسيان، كما لو نسي ان العين مغصوبة. أو عن إكراه بعد ان كان مختاراً في الغصب لأن كل ذلك يعود إلى الاختيار، فيستحق عليه العقوبة الإلهية.
نعم، لو كان الفرد جاهلا بحرمة الغصب أساساً، أو بحرمة التصرف في العين المغصوبة. كان معذوراً في حدود جهله ويتنجز عليه هذا التكليف بعد علمه.
ومفهوم الغصب منطلق من التصرف بمال الغير بغير إذنه وبدون رضاه، فمتى انطبق ذلك انطبقت الحرمة. سواء كان المال مأخوذاً بسرقة وهو الأخذ مع جهل المالك حال أخذه. أو غصباً وهو الأخذ قهراً مع علم المالك، أو في معاملة باطلة أو في ربا أو من معتد ظالم أو غير ذلك من أنواع السيطرة على أموال الآخرين.
ــــــــــــــــــــ[325]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
ولابد لنا الآن ان نعود إلى ما عقدنا له الفصل. وهو حكم تصرف الغاصب نفسه.
ويتم بيان ذلك بعد الالتفات إلى بعض الأمور:
الأمر الأول: انه كما جازت التصرفات المعاملية للغاصب جازت لغيره لا محالة. فان ما لا يحرم على الغاصب لا يحرم على غيره بطريق أولى.
الأمر الثاني: إننا نتحدث أولاً عن تصرف غير الغاصب بالعين المغصوبة مع العلم والعمد، يعني: مع علمه بالغصبية وحرمة الغصب على الغاصب. ثم نعود إلى الحديث عن الأحوال الأخرى كالنسيان والجهل.
الأمر الثالث: ان غير الغاصب قد يراد به غير الشخص الذي استلب المال من المالك. ومعه ينقسم تصرفه إلى قسمين: الأول: تصرفه بالعين مع كونها تحت يد الغاصب الأصلي. كمن سكن في الدار مع الغاصب أو كان ضيفاً له. الثاني: انه استقل بالتصرف بالعين كمن أخذها من الغاصب لتكون تحت يده فان كانت داراً سكنها وان كانت بستاناً زرعها، وهكذا.
والمراد الآن الإيضاح بأن المعنى الثاني لا يصدق عليه (غير الغاصب) وان لم يكن هو الذي استلب العين من مالكها. بل هو غاصب بدوره، إذ يجب عليه رد العين إلى مالكها حسب المستطاع. فان لم يمكنه ذلك يجب عليه التخلي عن التصرف بالعين لا اقل.
إذن فالغاصب هو الذي يجب عليه رد العين إلى المالك سواء كان هو المستلب لها أو لم يكن وغير الغاصب هو من لا يجب عليه ذلك، كالضيف ونحوه. فانه ما دام لا يجب عليه الإرجاع لا دليل على وجود حرمة التصرف فيه.
وما يمكن ان يكون دليلا على حرمة التصرف بإزاء أصالة البراءة الدالة على
ــــــــــــــــــــ[326]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الجواز عدة أمور: فان تمت أو تم بعضها لزم تعميم الحرمة لغير الغاصب. وان لم يتم شيء منها اقتصرت الحرمة على الغاصب دون غيره، وكان مقتضى القاعدة في غيره الجواز.
وهذه الأمور هي:
الأمر الأول: الإجماع على حرمة الغصب بدون تفصيل بين الغاصب وغيره. فيكون تصرف غير الغاصب مندرجاً تحت الإجماع على الحرمة.
إلا ان هذا الدليل لا يتم. لأن الإجماع دليل لبي يقتصر منه على القدر المتيقن، وهو الغاصب نفسه. اما غيره فهو خارج عن القدر المتيقن. ومن ثم فهو خارج عن هذا الإجماع.
الأمر الثاني: السيرة المنعقدة على حرمة الغصب بدون تفصيل بين الغاصب وغيره. وجوابها عين الجواب السابق لأن السيرة أيضاً دليل لبي.
الأمر الثالث: التمسك بإطلاقات النهي عن الغصب وتحريمه، الشامل لغير الغاصب أيضا.
وهذا الدليل بدون اندراجه في وجه آت من انه أعني غير الغاصب غاصب بدوره، يبقى بدون صغرى أو تطبيق. لأننا لو غضضنا النظر عن ذلك الوجه الآتي فمعناه انه ليس غاصباً فلا يكون مشمولا طبعاً لأدلة التحريم. لأنه خارج عن موضوعها أساساً.
مضافاً إلى إمكان المناقشة في تمامية هذه الإطلاقات سنداً أو دلالة، ولا اقل من انصرافها إلى تحريم عملية الاستلاب والاستيلاء. وهو الغصب بالمعنى المصدري. وهو معنى خاص بالغاصب الأول دون غيره، فيكون غيره خارجاً عن موضوعها.
الأمر الرابع: انه لا إشكال في الشريعة باختصاص جواز التصرف بمال
ــــــــــــــــــــ[327]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الغير بصورة إذن المالك أو من ينوب عنه شرعاً، وبدون ذلك يكون الجواز مرتفعاً والحرمة ثابتة. وهذا لا يختلف فيه الحال بين الغاصب وغيره. فان غير الغاصب يتصرف أيضاً بدون إذن المالك على ما هو المفروض، فيكون تصرفه حراماً.
وهذا وان كان صحيحاً في الجملة، إلا انه يمكن المناقشة في بعض نتائجه على عدة مستويات:
المستوى الأول: ان ما يحتمل جوازه من تصرف غير الغاصب، هو غير التصرفات المتلفة والموجبة للنقص والإضرار بالمالك بأي نحو كان. فان كانت مثل هذه التصرفات كانت حراماً بلا إشكال. ومضمونة على الفاعل بطبيعة الحال. حاله في ذلك حال المتلف من دون غصب، كما لو أتلف العين وهي في يد مالكها.
المستوى الثاني: انه لا يصدق على كل من يحرم عليه التصرف بدون إذن المالك كونه غاصباً، وأوضح تقريب لذلك: هو ان البشر كلهم بالنسبة إلى ما لا يملكون يحرم عليهم التصرف بدون إذن المالك. فهم مصداق لهذا الحكم مع عدم صدق المالك عليهم. ولا تتوقف مصداقيتهم لهذا الحكم كون العين بأيديهم أم لا.
إذن، فيمكن صدق عنوان غير الغاصب من زاوية أخرى، لا من حيث انطباق هذه الحرمة عليه.
المستوى الثالث: ان الغاصب يتصف بعدة عناوين أساسية أو بأكثرها.
أولا: انه المستلب للعين عادة.
ثانياً: ان يده عادية أو ظالمة في حيازة العين.
ثالثاً: انه يجب عليه رد العين إلى مالكها.
ــــــــــــــــــــ[328]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
رابعاً: انه يحرم عليه التصرف فيها بدون إذنه.
والأساس في صدق الغصب فقهياً ومتشرعياً هو العنوانين الثاني والثالث. فان انضم الأول إليهما، كان أولى بالحرمة، واما مع عدم العنوانين المشار إليهما. فلا يصدق على الفرد انه غاصب.
أما كونه ذا يد عادية، فلا يصدق لأن المفروض ان (غير الغاصب) لا يد له على العين بحال. وإنما يتصرف فيها وهي تحت يد غيره…الذي هو الغاصب.
واما كونه يجب عليه رد العين: فإنما يجب ذلك على من يده عليها لا على كل حال، أو قل: على الغاصب فقط. ومقتضى أصالة البراءة عدم ثبوتها في حق غيره: بل ان نقلها إلى مالكها لعله تصرف في العين بغير إذنه، من قبل غير الغاصب فيحرم.
إذن، فلا يثبت في حق غير الغاصب إلا الحكم الرابع فقط. وهو إنما يثبت فيما لو صدق موضوعه وهو يتم بأمور:
أولا: صدق التصرف عرفاً، إذ لعل كل الاستفادات لا يصدق عليها التصرف عرفاً، بل بعضها.
ثانياً: إحراز كراهة المالك. فان التصرف إنما يحرم مع كراهة المالك لا مع مجرد عدم إذنه. فان عدم الإذن وان كان وجدانياً، إلا ان كراهته ليست محرزة، ويمكن نفيها بالأصل. فينتج الجواز.
ثالثاً: كونه مملوكاً لفرد معين. فلو شككنا في العين أنها مملوكة أم لا، كما لو كانت من المباحات العامة -ولو احتمالاً- أو من مجهول المالك أو نحو ذلك، لما شملها الحكم بوجوب اخذ الإذن، بطبيعة الحال.
المستوى الرابع: ان عبادة غير الغاصب في الدار المغصوبة، إذا قيل
ــــــــــــــــــــ[329]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
ببطلانها، فإنما هو لأحد وجهين:
الوجه الأول: التزاحم بين وجوب الإرجاع ووجوب الواجب، كالصلاة مثلا. وحيث كان وجوب الإرجاع أهم شرعاً وفوريا، فان وجوبه يتقدم على وجوب الصلاة، وعندئذ يلزم القول ببطلانها.
وهذا، لا ينطبق على غير الغاصب. لأنه كما قلنا، لا يجب عليه الإرجاع، فيبقى وجوب الصلاة بدون مزاحم.
الوجه الثاني: إنها عبادة منهي عنها فتكون باطلة. وهذا ناشئ من أمرين:
أولا: ان العبادة المنهي عنها تقع باطلة وهذا صحيح كما هو المحقق في محله.
ثانياً: ان العبادة تقع مصداقاً للحرام، وهو التصرف بمال الغير بدون إذنه.
وهذا صحيح ان كان الأمر بهذا المقدار صحيحاً، إلا أننا قلنا قبل قليل ان الحرام هو التصرف بمال الغير مع كراهته لا مجرد بدون إذنه. والكراهة غير محرزة بل يمكن إحراز عدمها بالأصل الظاهري. ومعه لا تقع العبادة مصداقاً من الحرام فلا تقع باطلة.
وهذا بخلاف الغاصب نفسه، إذ لا شك عرفاً من كراهة المالك بتصرف الغاصب في العين المغصوبة.
هذا، وقد لا تكون العبادة مصداقاً من التصرف في العين أصلا، كالصوم في الدار المغصوبة. بل حتى الوضوء فيها. فانه ملازم عادي للتصرف وهو إراقة الماء فيها. إلا ان هذا الماء المراق زائد على الواجب من الغسل في الوضوء. وكذلك الاعتماد على الأرض ونحوه، خارج عن ماهية الوضوء فلا يكون باطلا، واتحادهما عرفاً، وان لم يكونا متحدين عقلاً، محل نظر.
ــــــــــــــــــــ[330]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وإنما قال الفقهاء: ان الاعتماد في السجود على الأرض في الصلاة هو المصداق الوحيد الذي تتحد فيه العبادة مع الغصبية، يعني التصرف الحرام. وقد عرفنا ان ذلك خاص بالغاصب، لإحراز الكراهة ووجوب الرد. وكلاهما غير ثابت بالنسبة إلى غيره. فتكون صلاته باطلة دون غيره. ودون العبادات الأخرى منه. وان كان تصرفه حراماً في نفسه، إلا انه غير مبطل لعباداته الأخرى.
ولابد لنا الآن ان نحمل فكرة عن الدليل في كون الحرام هل هو التصرف بدون إذن، أو مع الكراهة. وهذا يتم مع الاستدلال على الحلية في صورة كون المالك غير آذن ولا كاره، كما لو كان غافلا مثلا.
ويمكن الاستدلال لذلك بعدة روايات منها صحيحة محمد بن قيس السابقة عن أبي جعفر قال: قضى أمير المؤمنين في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب فاستولدها الذي اشتراها فولدت منه. إلى آخر الرواية فراجعها.
وكان كل الإشكال فيها هو كون البيع فضولياً وبدون إذن المالك. إلا ان الإشكال هو كون التصرف بالجارية بدون إذنه. لأن المالك كان مسافراً، فلم يكن عالماً بالتصرف فلم يكن كارهاً كما لم يكن آذناً. وليس في الرواية ما يدل على عدم جواز هذا التصرف وإلا كان الولد ابن زنا، لوضوح ان المشتري لم يكن حين الوطء مالكاً. وهذا واضح مع علم المشتري بل بدونه لأن الأم عالمة بأن مالكها لم يبعها.
فان قيل: فان الصحيحة دالة على ان الإجازة كاشفة. وهذا ينتج كون المشتري كان مالكاً حال الوطء. فلا يكون أي من الطرفين زانياً.
إلا ان القول بالكشف بهذا المعنى، المنتج لانقلاب الواقع عما كان عليه، غير معقول عقلا. وإنما يقول بالكشف من يقول به باعتبار الكشف الحكمي.
ــــــــــــــــــــ[331]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وهو الحكم بأن الناتج للمشتري حكماً لا للبائع. واما عدم انطباق عنوان الزنا أو السرقة أو نحوها مما كان منطبقاً في حينه لعدم ملكية ذي اليد. فهذا مستحيل عقلا، ولا يمكن القول به.
ومعه فلو كان المطلوب الإذن، فهو غير موجود، فتكون الأم زانية على الأقل ان لم يكن كلاهما زانياً، ولكان على الإمام بيان ذلك. ولكنه لم يبين. الأمر الذي يدل على جواز التصرف مع عدم الإذن اعتماداً على عدم وجود الكراهة، الذي كان محرزاً عندئذ مع الغفلة. فتأمل.
هذا، مع العلم والعمد في تصرف غير الغصب. وأما في صورة الجهل والنسيان والغفلة ونحوها من رافعات التكليف. فالأمر واضح. وهو القول بجواز التصرف وصحة العبادة. سواء قلنا بالحرمة والبطلان مع العمد أم لم نقل.
ــــــــــــــــــــ[332]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
كتاب الشُفعة
ــــــــــــــــــــ[333]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
فصل حق الشفعة
قالوا في اللغة(1): الشفع خلاف الوتر، وهو الزوج. نقول: كان وَتراً فشفعته شفعاً. وشفع الوتر العدد شفعا: صيره زوجاً.
والشفيع: الشافع والجمع شفعاء واستشفع بفلان على فلان وتشفع له إليه فشفعه فيه. وقال الفارسي: استشفعه طلب منه الشفاعة أي قال له: كن لي شافعاً. وفي التنزيل مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا . والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره.
والشُفْعة والشُفُعة في الدار والأرض: القضاء بها لصاحبها: وسئل أبو العباس عن اشتقاق الشفعة في اللغة فقال: الشفعة الزيادة: وهو ان تشفعك فيما تطلب حتى تضمه إلى ما عندك فتزيده وتشفعه بها أي ان تزيده بها. أي انه كان وتراً واحداً فضم إليه ما زاده وشفعه بها.. كأنه كان وتراً فصار زوجاً شفعاً.
والذي يظهر من مجموع للدلائل اللغوية ان الشفع مصدر بمعنى الضم. ومنه صارت المعاني المتعددة.
فالعدد الزوج إنما كان شفعاً لأنه كان بانضمام الواحد إلى الوتر الذي قبله. هكذا لاحظوا ولم يلاحظوا العكس، وهو ان الوتر أي العدد الفردي إذا حذفنا
ــــــــــــــــــــ[335]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) انظر: لسان العرب.
منه واحد كان زوجاً أو شفعاً أيضا.
ومنه الشفع بمعنى الزيادة فإنها أيضاً إنما تكون بضم الواحد إلى الآخر. وكذلك الزوج فانه إنما يكون بضم الواحد إلى الآخر. ونقصد بالزوج هنا الزوج في أي شيء لا العدد الزوجي الذي تكلمنا عنه قبلا.
وكذلك الشفعة في البيع، فإنها تحتوي على ضم ملك الشريك إلى ملك شريكه. ومن هنا سمعنا أنهم قالوا في تبريرها، أولا: ان الملك كان وتراً واحداً فصار زوجاً شفعاً. وثانيا: انه أصبح بهذا الضم زائداً عما كان عليه قبله. ومحصل الأمرين واحد.
وكذلك الحال في الشفيع وهو الوسيط والشفاعة وهي الوساطة، لأن صاحب الحاجة يضم إليه الوسيط في التسبيب إلى قضاء حاجته. هذا، في الشفاعة بين البشر واما في الآخرة فلها بحث فلسفي وكلامي ليس هنا محله. ومنه قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وقوله: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى. وعلى أي حال فالفكرة الأولية في اللغة لها مشابهة للشفاعة الدنيوية.
حق الشفعة فقهياً:
إذا كان هناك عين مشتركة بين شخصين فباعها أحد الشريكين كان للشريك الآخر ضم النصف المبيع إليه وهو حق الشفعة هكذا قال المشهور. وبحسب فهمي فإن حق الشفعة يحتوي على أولوية الشريك للحصول على مجموع العين المشتركة في حدود الشرائط الآتية. وهذا الأمر قد يكون له عدة تطبيقات.
أولاً: إذا أراد الشريك بيع حصته، فان للآخر حق منعه من بيعها على غيره فيكون حق الشفعة منطبقاً على إلزام البائع بالبيع على مشترٍ معين وسقوط حقه في اختياره.
ــــــــــــــــــــ[336]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
ثانيا: إذا باع الشريك فعلا بدون علم الآخر فللآخر فسخ البيع باعتبار ان البيع دائماً يكون موقوفا على رضا من له حق الرضا والإجازة. وبحق الشفعة يصبح الشريك ذا حق في إجازة هذا البيع أو فسخه. فله ان يفسخه. وبذلك تعود العين إلى بائعها الأول فيشريها الشريك منه ببيع جديد.
ثالثا: إذا باع الشريك فعلا كالصورة التالية فان من حق شريكه ان ينشأ بنفسه إيقاع الشفعة بأن يقول: شفعت في هذا المبيع أو أخذت بحقي للشفعة فيه ونحو ذلك، فينتقل المبيع إلى الشريك من المشتري ويدفع له الثمن نفسه الذي وقع عليه البيع الأول كما ان المشتري يدفع إلى البائع الثمن المتفق عليه.
والصورة الثالثة هي المشهورة بين الفقهاء بل يكاد ان يكون إجماعا. ولم يتعرض أحدهم إلى الصورتين الأوليتين، في حين أننا سنرى عدم تعين ذلك باعتبار ان حق الشفعة هو حق أولوية الشريك في العين وهو يحصل بأحد الطرق الثلاثة السابقة ولا يتعين واحد منها فقهياً. وسنشير إلى ملخص دليله في العنوان الآتي.
شرائط الشفعة:
للأخذ بحق الشفعة عدة شرائط محتملة لابد من بحثها والنظر في صحتها وسقمها فان لم يتوفر ما هو ثابت منها لم يكن للشريك الأخذ بهذا الحق.
وما يحتمل ان يكون شرطاً للشفعة عدة أمور:
أولاً: ان يكون انتقال الحصة من الشريك إلى غيره بالبيع دون غيره من المعاملات مجانية كانت أو معاوضية فضلاً عن الانتقال القهري كالإرث.
ثانيا: ان يكون العروض أو العين بين شريكين لا أكثر فلو كانت بين ثلاثة أو أكثر لم يثبت حق الشفعة لأحدهم.
ــــــــــــــــــــ[337]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
ثالثاً: ان يكون البيع حاصلا فعلا كما عليه المشهور وبدونه فحق الشفعة غير موجود.
رابعاً: ان يكون الشفيع وهو الشريك الذي يريد شراء الحصة قد أعدّ الثمن بحيث يسلمه فوراً. فلو كان في الأمر تأخير سقط حق الشفعة.
خامساً: ان تكون العين المشتركة غير منقولة فلو كانت العين منقولة لم يكن للشريك حق الشفعة.
سادساً: ان يكون الملك أو العين المملوكة مشتركة بنحو الاشاعة أو الكسر العشري، كالنصف والربع وغيرهما فان كان مشتركاً على وجه آخر كالمفروز بمعنى ان تكون الحصة الشمالية لشخص والحصة الجنوبية لشخص آخر، فليس فيها حق الشفعة وان صدق عرفاً اشراكهما فيهما.
سابعاً: ان حق الشفعة من الحقوق القابلة للإسقاط والبيع كما سيأتي فلابد للشفيع ان لا يكون قد أسقطها أو باعها لكي يصح الأخذ بها واما زمان الإسقاط أو البيع، وهل يكون قبل بيع الشريك حصته أو بعده أو في كلا الحالين فهذا ما يأتي الكلام عليه.
ونتكلم الآن عن كل واحد من هذه الشروط في ناحية من الكلام.
الناحية الأولى: ان حق الشفعة ثابت في البيع جزماً ولكن ثبوته في غيره من المعاملات محل كلام وإشكال. ومقتضى القاعدة عدمه. لأن هذا الحق يحتوي على إلزام معين للشريك البائع أو المشتري منه وهذا الإلزام لا يصح إلا بالإمضاء الشرعي فإذا شك به فالأصل عدمه. ولابد من الاقتصار فيه على القدر المتيقن وهو البيع خاصة.
ومن غير الممكن القول بالتجريد عن الخصوصية من البيع إلى غيره بعد احتمال الفرق بين ماهيات المعاملات.
ــــــــــــــــــــ[338]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
هذا واما الانتقالات القهرية كالإرث وغيره فلا يثبت فيها حق الشفعة جزما. ولعل ذلك من ضروريات الفقه.
الناحية الثانية: هل تجوز الشفعة بين أكثر من شريكين أم لا؟
بالرغم من ان مقتضى القاعدة الأولية هو الجواز مع تعدد الشركاء بعد تجريد أدلة الشفعة عن الخصوصية. ويكون لهم حق الشفعة، اما بالقرعة لتعيين من يستحقها منهم. واما بالنسبة بمعنى توزيع الحصة المبيعة بينهم بنسبة حصصهم الباقية.
إلا ان هذا غير محتمل فقهياً ولم يفتِ به فقيه في ما أحسب. لورود الدليل الصحيح الصريح بنفي الشفعة لأكثر من شريكين، كصحيحة عبد الله بن سنان(1) عن أبي عبد الله قال: لا تكون الشفعة إلا لشريكين ما لم يقاسما فإذا صاروا ثلاثة فليس لواحد منهم شفعة.
وعدد الثلاثة ليس مقصوداً بذاته جزما بل المقصود كونهم ثلاثة فأكثر أو نقول ان الزائد عن الثلاثة أولى بالبطلان.
ومثله صحيحة أخرى لعبد الله بن سنان(1) قال: قلت: لأبي عبد الله المملوك يكون بين شركاء فباع احدهم نصيبه، فقال احدهم: أنا أحق به أَلَهُ ذلك؟ قال: نعم إذا كان واحداً.
واسم كان يحتمل فيه عدة احتمالات، إلا ان الأظهر منها هو الشريك، يعني إذا كان الشريك واحداً. فيدل بمقتضى مفهوم الشرط على عدم كونه أحق مع التعدد.
الناحية الثالثة: قال مشهور الفقهاء ان حق الشفعة إنما يثبت بعد بيع
ــــــــــــــــــــ[339]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) الوسائل ج17 كتاب الشفعة باب7 حديث1.
(2) المصدر الحديث4.
الشريك لحصته. واما قبل ذلك فهو غير ثابت ويمكن الاستدلال على ذلك بعدة وجوه ان تم واحد منها أو أكثر ثبت قول المشهور وإلا كان لنا قول آخر.
الوجه الأول: التمسك بالروايات الدالة على ثبوت الشفعة بعد البيع كصحيحة عبد الله بن سنان السابقة، وفيها (المملوك يكون بين شركاء فباع أحدهم نصيبه) وهي واضحة في ثبوت حق الشفعة بعد البيع. إلا ان هذا أمر لا كلام فيه، وإنما الكلام في عدم ثبوته قبل البيع والرواية غير دالة على ذلك إلا بشيء يشبه مفهوم الوصف الذي لا نقول به.
هذا مضافاً إلى معارضتها بصحيحة أخرى لعبد الله بن سنان(1) انه سأله عن مملوك بين شركاء أراد احدهم بيع نصيبه. قال: يبيعه. قلت: فإنهما كانا اثنين فأراد أحدهم بيع نصيبه. فلما أقدم على البيع قال له شريكه: أعطني قال: هو أحق به. الحديث.
ومن الواضح ان الإقدام على البيع غير إنجازه فعلا. بل يعطي بوضوح عرفي كاف عدم وقوع البيع عندئذ. فتكون الرواية حالة على ثبوت حق الشفعة قبل البيع.
وفي الواقع ان هذه الرواية غير معارضة لسابقتها. لأن الأولى تدل على ثبوت الحق بعد البيع وهذه تدل على ثبوته قبله، فلا تعارضها إلا بناءً على مفهوم الوصف الذي لا نقول به.
الوجه الثاني: الاستدلال بالشهرة على اختصاص حق ثبوت الشفعة بعد البيع وانتفائه قبله.
وهذه الشهرة وان كانت ثابتة، إلا أنها مستقاة من الروايات. فلا تكون الشهرة بذاتها حجة لأنها مدركية، ويكون الدليل الحجة هو مدركها وهو
ــــــــــــــــــــ[340]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر حديث7.
الروايات وقد سمعناها وناقشناها.
الوجه الثالث: الاستدلال باستصحاب عدم ثبوت الحق إلى حين البيع من حيث ان الشريك لم يكن له حق الشفعة في سابق الزمان ونشك بثبوتها قبل البيع ومقتضى الاستصحاب عدم ثبوته.
إلا ان هذا الوجه لعله أردأ الوجوه لعدة وجوه نذكر أهمها:
أولا: ان صحيحة عبد الله بن سنان الأخيرة دالة على ثبوت الحق قبل البيع، فتكون دليلا قاطعاً للاستصحاب.
ثانياً: ان المفهوم من مجموع الروايات ان معنى حق الشفعة هو أولوية الشريك بشراء حصة شريكه. ولهذا يقول في صحيحة عبد الله بن سنان، أنا أحق به وكذلك في صحيحة الحلبي(1).
ومعنى ذلك ان العين بمجرد ان تكون مشتركة بين اثنين يثبت فيها حق الشفعة، بمعنى أحقية كل منهما في شرائها من غيره فيكون هذا الحق فعلياً إذا همّ أحد الشريكين بالبيع وعزم عليه كما يكون فعلياً إذا باعه. إذن فحق الشفعة ثابت من حين حصول الشركة فيكون مقتضى الاستصحاب ثبوته لا نفيه. وتمام الكلام في الفقه.
الناحية الرابعة: في اشتراط وجود الثمن لدى الشفيع فلو لم يكن الثمن موجوداً فلا شفعة له.
يدل على ذلك حسنة علي بن مهزيار(2) قال: سألت أبا جعفر الثاني عن رجل طلب شفعة ارض فذهب على ان يحضر المال فلم يفعل. فكيف يصنع صاحب الأرض ان أراد بيعها أيبيعها أو ينتظر مجيء شريكه صاحب
ــــــــــــــــــــ[341]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) المصدر الحديث3.
(2) المصدر حديث1 باب10.
الشفعة؟ قال: ان كان معه بالمصر فلينتظر به ثلاثة أيام فان أتاه بالمال وإلا فليبع وبطلت شفعته في الأرض. وان طلب الأجل إلى ان يحمل المال من بلد إلى آخر فلينتظر به مقدار ما يسافر الرجل إلى تلك البلدة وينصرف وزيادة ثلاثة أيام إذا قدم. فان وافاه وإلا فلا شفعة له.
ويمكن المناقشة بدلالة هذه الرواية على فتوى المشهور في فورية دفع المال وعدم إمكان التأجيل أكثر من ثلاثة أيام بعدة وجوه، منها:
الوجه الأول: المناقشة في السند ولا يدفع عن ذلك عمل المشهور بها لاحتمال ان يكون عمله ليس مختصاً بها بل مع ضميمة الاحتياط أو الاستصحاب الذي ظهر وجهه مما سبق.
الوجه الثاني: ان ظاهر هذه الرواية جعل الحق للشريك البائع ان أراد ان يصبر أو لم يرد. فقضية التأجيل إنما تكون في مصلحته لا أنها حكم محمل عليه. ومعه يمكن ان يستفاد إمكان التأجيل أكثر إذا رغب البائع ورضي به.
الوجه الثالث: انه من الواضح من هذه الرواية أنها واردة في مورد احتمال عدم مجيء الشريك أصلا، بحيث يبقى البائع محتاراً بحصته، ففي مثل ذلك يعطي المدة المذكورة في الرواية. واما مع عدم هذا الاحتمال، كما لو كان الاتصال بالشريك المشتري أو وكيله أو ورثته ممكناً دائماً أو في كثير من الأحيان، فيكون هذا الفرض خارجاً عن موضوع الرواية. ومعه يكون خارجاً عن محمولها أعني الحكم بالتحديد ثلاثة أيام. ومن الواضح ان الفرد الأعم الأغلب في السوق الحاضرة هو الثاني الذي ذكرناه اعني إمكان الاتصال دائماً أو غالباً.
الناحية الخامسة: في اشتراط كون العين التي يثبت بها حق الشفعة غير منقولة فان كانت منقولة فلا شفعة فيها.
ــــــــــــــــــــ[342]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وإذا تجاوزنا عن الإطلاقات كان ثبوت حق الشفعة في غير المنقول مشكلا، لكونه كما سبق على خلاف القاعدة الأولية في البيع. وقد وردت بعض الروايات الدالة على الجواز كقوله في بعضها (الشفعة جائزة في كل شيء من حيوان أو ارض أو متاع) إلا أنها ساقطة سنداً فنبقى نحن والقاعدة الأولية من البطلان في المنقول ما لم تقتضِ الإطلاقات جوازه.
نعم، وردت صحيحة عبد الله بن سنان في الشفعة في المملوك ويراد به العبد المملوك وقد سبق ان سمعناها. وبعد التجريد عن الخصوصية يمكن التعميم إلى كل الأموال المنقولة، لوضوح ان العبد المملوك بدوره منها.
الناحية السادسة: في اشتراط كون العين المشتركة أنها كذلك بنحو الاشاعة فلو كانت مفروزة أو مقسومة فلا شفعة.
دلت على ذلك عدة روايات صحاح حجة، منها: صحيحة لعبد الله بن سنان(1) عن أبي عبد الله قال: لا تكون الشفعة إلا لشريكين ما لم يتقاسما. وصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر قال: إذا وقعت السهام ارتفعت الشفعة. ورواية عقبة بن خالد عن أبي عبد الله في حديث قال: إذا أرفت الارف وحدت الحدود فلا شفعة. وقوله أرفت أي قسمت. إلى غير ذلك من الاخبار.
الناحية السابعة: ان حق الشفعة من الحقوق القابلة للإسقاط وللبيع فإذا كان الإسقاط أو البيع قد تم فلا مورد للشفعة. وهذا واضح ان تم الدليل على الكبرى أعني كونها قابلة للإسقاط والبيع.
ولم يرد ذلك في كتاب ولا سنة. ولكن الإجماع أو الشهرة الكبيرة منعقد عليها، فتكون حجة في ذلك.
ــــــــــــــــــــ[343]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
( ) أنظرها في المصدر باب3.
ولكن متى يمكن الإسقاط أو البيع فان قلنا بما عليه المشهور من ثبوت حق الشفعة بعد البيع وعدمه قبله. فإنما يكون الإسقاط عندئذ والبيع بعد بيع الحصة. لأنهما إنما يصحان حال ثبوت الحق لا حال عدمه، كما هو واضح.
واما إذا اخترنا ما اخترناه من ثبوت حق الشفعة قبل البيع. فيمكن معه الإسقاط والبيع، أعني بيع الحق. ويكون هذا الإسقاط مانعاً عن الأخذ بالشفعة بعد البيع لكون صاحبه قد تنازل عنه سلفاً. وهذا ما لا يتأتى على فتوى المشهور.
وبيع حق الشفعة لا يكون إلا لشخص واحد وهو الشريك البائع. لا انه يباع على أي شخص كان ليكون له حق الشفعة بدل الشريك فان حق الشفعة إنما يثبت لمالك الحصة ولا معنى لثبوته لغيره حتى بالمال. وإنما يباع هذا الحق للشريك الآخر فقط. ومؤداه في الواقع إسقاط الحق لا مجاناً بل بإزاء مال يتراضيان عليه فقد يسمى ذلك بيعا ًمجازاً أو حقيقة في مقابل الإسقاط المجاني لحق الشفعة.
فهذه هي جملة الشروط للأخذ بحق الشفعة وقد ثبت منها الأول والثاني والسادس والسابع دون الباقي.
استعمال الحق:
بقي الكلام إلى ان نعود إلى الأساليب الثلاثة الأولى لاستعمال حق الشفعة التي ذكرناها في أول الفصل. مع الإشارة إلى الوجه فيما قاله المشهور من ان الشفيع يأخذ العين أو الحصة بنفس القيمة التي بيعت بها أولاً.
ونحن الآن بعد ان أثبتنا إمكان الاحتمالات الثلاثة لاستعمال الحق فقهياً، خلافاً للمشهور. وإنها جميعاً مجزية وممكنة فيحسن بنا البحث عن مقدار الثمن في كل منها.
ــــــــــــــــــــ[344]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
اما الاحتمال الأول وهو ثبوت حق الشفعة قبل البيع. فمؤداه انه لو عزم أحد الشريكين على بيع حصته. فان للشريك الآخر إلزامه بالبيع عليه، بما فيها حرية الطرفين في تعيين الثمن والتعامل عليه. فهذا يبقى على حاله، طبقاً للقواعد العامة. ومعه لا مجال لما قاله المشهور من تعيين الثمن بل هو ههنا سالبة بانتفاء الموضوع. لأن المشهور يتحدث عن الثمن في البيع الأول. ولم يحصل هنا بيع سابق، كما يحدث في الصورتين الآتيتين.
وأما الصورة الثانية، وهو حصول حق الشفعة بعد البيع. بأن يكون تطبيقها من قبل الشفيع هو فسخ البيع السابق، والشراء من جديد.
وهنا يكون الثمن في البيع الثاني غير متعين أيضا، لشمول العمومات له. ورضاء البائع الشريك بالبيع الأول وثمنه، لا يعني رضاءه بالثمن نفسه في البيع الثاني. كما هو واضح عرفاً وعقلائياً. ومقتضى العمومات ثبوت جواز التعامل على الثمن بينهما مجدداً.
واما تسلط الشفيع على الفسخ، فهذا مما تدل عليه أخبار الشفعة. فإنها تعطي الأولوية للشفيع بملكية الحصة. فإذا ضممناها إلى ما دل على ان البيع منوط في لزومه على رضا من له حق الرضا والإجازة. كما هو المستفاد من موارد عديدة كالبيع الفضولي وبيع العبد والصبي ونكاح بنت الأخ أو بنت الأخت بدون علم خالتها أو عمتها. وغير ذلك. الأمر الذي يُعرف منه كون المعاملات معلقة في لزومها على ذلك. فبعد التجريد عن الخصوصية يكون الأمر شاملا للمقام ومحل الكلام.
مضافاً إلى إمكان استفادة ذلك من صحيحة عبد الله بن سنان السابقة. قال: قلت لأبي عبد الله: المملوك يكون بين شركاء فباع أحدهم نصيبه. فقال أحدهم: أنا أحق به. أَلَهُ ذلك، قال؟ نعم إذا كان واحداً.
فان ظاهرها عدم إجازة الشفيع للبيع السابق. من حيث ان نتيجته عدم
ــــــــــــــــــــ[345]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
وصول العبد إلى ملكه. فيكون قوله أنا أحق به نحواً من الفسخ. أو مصداقاً له بالحمل الشايع. أو يكون مقدمة له. بمعنى انه يمارس الفسخ باعتبار هذا الحق.
وعلى أي حال، فليس لها ظهور بخصوص الصورة الثالثة الآتية التي قال بها المشهور. بل هي إلى الصورة الثانية التي نتكلم عنها أقرب وبها أظهر.
واما الصورة الثالثة: وهي ان يكون استعمال حق الشفعة من قبل الشفيع بعد البيع بقوله: شفعت أو أخذت بحقي للشفعة ونحو ذلك. وكأن الناقل للحصة إلى ملكه هو مجموع أمرين: البيع السابق مع قول شفعت. إذ لو لم يكن البيع السابق ثابتاً لما أفاد قوله شفعت. كما انه لو لم يقل شفعت لما أفاد ذلك البيع النتيجة المطلوبة.
وهذا مخالف للقاعدة جداً، من حيث ان طرف البيع ليس هو الشفيع بل المشتري الآخر. فبأي حكم يصبح طرفه هو الشفيع. فما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع. فلا يصلح ان يكون البيع السابق ناقلا للعين إلى الشفيع.
اللهم ان يقال بأحد أمرين:
أحدهما: إننا نستفيد من أدلة الشفعة إمكان انتقال طرف القبول من المشتري إلى الشفيع بقوله: شفعت.
وثانيهما: ان هذا القول من الشفيع سبب تعبدي للانتقال إليه قهراً بغض النظر عن كونه طرفاً للعقد.
إلا ان الإنصاف ان كِلا الأمرين مما لا يمكن استفادته من الأدلة. وليس فيها أي إشارة إلى ان الشفيع يقول: شفعت، ولا اعلم كيف ان المشهور استفاد ذلك. ولولا الشهرة نفسها لكان هذا الأسلوب باطلا جزماً. فإذا علمنا ان الشهرة هنا ليست بحجة لأنها مدركية ومعتمدة على الروايات. كان هذا
ــــــــــــــــــــ[346]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الأسلوب مخالفاً للاحتياط.
ولكن لو تم القول به، كان الاقتصار على الثمن وعدم جواز الزيادة عليه من قبل البائع ممكناً.
اما على الوجه الأول من الوجهين الأخيرين وهو انتقال العين بالبيع السابق نفسه مع استعمال حق الشفعة. فالأمر واضح. لتعين الثمن بنفس البيع.
واما على الوجه الثاني، فالأمر وان كان لم يكن على وضوح الوجه الأول. إلا انه يمكن القول: ان ذلك باعتبار ان البيع السابق له سببية لاستعمال حق الشفعة بنحو ما. وان لم نقل بطرفية الشفيع للقبول فيه. إلا ان ذلك لا يخلو من نظر وعلى تقدير ثبوته، فهو حق لأجل الشفيع وليس حكماً تحميلياً عليه، فان رضي بزيادة الثمن كان له ذلك. وتمام الكلام في الفقه.
ونحن، بهذا المقدار، وان لم نتحدث عن عدد من فروع كتاب الشفعة. إلا ان الظاهر ان فيما ذكرناه كفاية لما يناسب هذا الكتاب. ويبقي الباقي موكولا إلى بحث فقهي مستقل.
ــــــــــــــــــــ[347]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء السابع
الفهرس
كتاب الإقرار
فصل: معنى الإقرار 9
فصل: في أقسام الإقرار وأساليبه 17
الإقرار المبهم 18
الاستثناء من الإقرار 23
الإقرار الضمني 28
الإقرار بالنسب 29
كتاب اليمين ولواحقه أو الملزمات الشخصية
تمهيد 35
فصل: القسم أو اليمين 37
فصل: النذر 41
اشتراط الرجحان 43
التعليق في النذر 44
فصل: العهد 48
كتاب الأطعمة والأشربة
تمهيد 53
فصل: صيد البحر وطعامه 54
فصل: حيوانات البر والجو 62
الحيوانات المحللة 64
الطيور 66
الجهة الأولى: في معنى الطير 69
الجهة الثانية: في الطيور المحللة 71
الجهة الثالثة: في الطيور المشكوكة 71
الجهة الرابعة: في حرمة البيض وجوازه 73
الجهة الخامسة: في حرمة أكل الميتة 75
فصل: تعداد بعض الحيوانات 78
معجم بأسماء عدد من الحيوانات 79
قائمة أخرى بأسماء الحيوانات 169
فصل: الكحول 182
الخواص الفيزياوية 182
الخواص الكيميائية 184
أهم أنواع الكحول 186
المواد العضوية 188
أثر تناول الكحول 186
الإدمان 189
أضرار الإدمان 192
جدول للعلاقة بين الكحول وأضراره 200
الكحول فقهياً 202
فصل: المخدرات 222
ما هي المخدرات؟ 222
تعريف المخدرات 223
أهم أقسام المخدرات 230
أضرار المخدرات 234
أما الأضرار المباشرة 235
آثاره على أجهزة الجسم 236
أضرار أخرى 239
المخدرات فقهياً 241
فصل: محرمات الحيوان 250
حرمة الحياة 253
حرمة الميتة 254
مستثنيات الميتة 258
كتاب الصيد والذباحة
فصل: شرائط الصيد 265
الجهة الأولى: في شرائط الحيوان الصائد 266
الجهة الثانية: في شرائط الآلة المستعملة في الصيد 265
الجهة الثالثة: في اشتراط كون الصائد مسلماً 268
الجهة الرابعة: في اشتراط كون الصائد قاصداً للصيد..270
الجهة الخامسة: في اشتراط الحيوان المصطاد 272
الجهة السادسة: في صيد الجراد 276
الجهة السابعة: في ذكاة المتوحل 278
فصل: الذباحة 286
شرائط الذابح 286
شرائط المذبوح 288
شرائط الآلة 291
شرائط الذبح 292
الجهة الأولى: في فري الاوداج الأربعة 287
الجهة الثانية: استقبال القبلة 289
الجهة الثالثة: اشتراط التسمية 291
الجهة الرابعة: خروج الدم المعتاد 293
الجهة الخامسة: ان يكون الذبح تحت الجوزة 294
الجهة السادسة: عدم قطع الرأس 296
كتاب الغصب
تمهيد 309
فصل: مقدار ضمان الغاصب 310
الجهة الأولى: في ضمان العين 306
الجهة الثانية: في ضمان القيمة 307
الجهة الثالثة: في ضمان قيمة يوم الغصب 309
الجهة الرابعة: في ضمان أعلى القيم 314
فصل: في تصرف غير الغاصب في المغصوب 323
كتاب الشفعة
فصل: حق الشفعة 335
حق الشفعة فقهياً 336
شرائط الشفعة 337
استعمال الحق 344
الفهرس 349