ما وراء الفقه الجزء التاسع
يحتوي على مفاهيم واستدلالات
وحسابات تدور حول مسائل فقهية كثيرة.
يصلح للثقافة الفقهية العامة المعمقة.
تأليف
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
بإشراف مقتدى السيد محمد الصدر
الجزء التاسع
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لِما تضم من علم وافر وفكر عالٍ ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة… فإن فكر السيد الوالد يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمعٍ إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً أن كل كتاب له لا يضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنّا على أن يكون المخوّل من قِبلنا لطباعة هذه الكتب هم (هيئة تراث السيد الشهيد) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا.
مقتدى الصدر
10جمادي الثانية 1429
كتاب القضاء
ــــــــــــــــــــ[8]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فصل المدّعي والمنكِر
من أهم المهام في كتاب القضاء تعيين المدعي والمنكر. لان الطريقة الدينية أو قل الإسلامية للمرافعة أو المحاكمة تتوقف عليه كما سيتضح في ما يلي.
من الواضح ان وجود اثنين متخاصمين ضروري الافتراض في القضاء، إذ لا معنى لوجود واحد فقط كما لا معنى لوجود اكثر من طرفين. نعم قد يكونون متعددين، ولكن ذلك لا يعني خروجهم عن هذا المعنى. فبعضهم – لا محالة – مدعي وبعضهم مُنكر، والآخرون قد يكونون من طرف أحدهما كما لو كان اثنان كلاهما مدعي وقد يكونون شهوداً أو غير ذلك.
والكلام في المدعي والمنكر يقع تارة في الموضوع يعني عن الكلام عن تعريفهما شرعاً. وأخرى عن المحمول يعني عن حكمهما شرعاً.
والكلام عن الموضوع يقع في أمرين أساسيين:
أحدهما: في معنى المدعي والمنكر.
ثانيهما: في تعيين مرتبة هذا المعنى. وهل يلحظ ذلك في معرض الدعوى أو في اصل الدعوى. أو قل: يلاحظ في الدلالة المطابقية والأولية للدعوى. أو في الدلالة الإلتزامية أو المعنى الثابت في المرتبة السابقة. كما سنوضح في محله.
ــــــــــــــــــــ[9]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فالكلام يقع في ما يلي في ثلاث جهات:
الأولى: في حكم المدعي والمنكر. وهنا تقدم الحديث عن الحكم، باعتبار اختصاره النسبي.
الثانية: في معنى أو تعريف المدعي والمنكر.
الثالثة: في المرتبة الذي يتعين فيها هذا التعريف.
الجهة الأولى: في حكم المدعي والمنكر.
وأشهر خبر حول ذلك ما روي في الصحيح عن هشام بن الحكم (1) عن أبي عبد الله قال: “قال رسول الله: إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان. وبعضكم ألحن بحجته من بعض. فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً, فإنما قطعت له به قطعة من النار”.
وهذه الرواية تنص على استعمال البينات والأيمان في القضاء، ولا تنص على المدعي والمنكر. ويعنيه النص الآتي:
وهو صحيحة جميل وهشام عن أبي عبد الله قال: “قال رسول الله : البينة على من ادعى واليمين على من أدعي عليه”(2) .
وهاتان الروايتان كافيتان في إثبات المطلوب لتكاملهما سنداً ودلالة. فالبينة على المدعي واليمين على من أدعي عليه، وهو المنكر باصطلاحهم.
ويقع الكلام هنا في عدة نواح:
الناحية الأولى: في معنى البينة.
البينة بالاصطلاح الفقهي، مأخوذ من الخبر الصحيح الذي سمعناه. ويراد
ــــــــــــــــــــ[10]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: كتاب القضاء. أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى باب2 حديث1.
(2) المصدر: باب2 حديث1.
بها شهادة رجلين عادلين في مصلحة المدعي.
والأصل فيها من الناحية اللغوية: البيان وهو الإظهار والإيضاح. والأمر البين هو الظاهر الواضح أو الموضّح. والبينة تأنيث البين. فيكون الأنسب به ان يكون وصفاً للقضية التي يدعيها المدعي. فان كانت بينة وواضحة أخذ الحكم على طبقها والا فلا. كل ما في الأمر انها لا تكون واضحة شرعاً الا بشاهدين عادلين.
واما وصف نفس الشاهدين العادلين بهذا اللفظ: البينة. فهو من وصف الشيء بحال متعلقه, ولا يخلو من تسامح لغوي بكل تأكيد. لان كل واحد من الشاهيدن (مبيّن) أي سبب للبيان والإيضاح فيكون الشاهدان معاً مبينين يعني موضحين ومظهرين للأمر الذي يشهدان عليه. وبشهادتهما تكون القضية التي يدعيها المدعي: بينة. لا ان نفس الشاهدين هما بينة. الا ان هذا التسامح مما جرى عليه الفقهاء من عصور قديمة. ولو أسموها (مبينة) لكان رفعاً لهذا التسامح، ولو من باب ان الجمع قد يؤنث واقل الجمع اثنان منطقياً، على ان الشهود قد يزيدون على اثنين أحياناً.
واما وصف الشاهدين بالعدالة، فقد تكلمنا عن هذه الصفة في كتاب الاجتهاد والتقليد من الجزء الأول من هذا الكتاب.
وقد يقال: إن لفظ البينة قد سمعناه من الأخبار الصحاح وليس هو فقط مصطلح للفقهاء. إذن: فيكون هذا الإيراد الأخير إيراداً على السنة الصحيحة، كما هو إيراد على المصطلح الفقهي.
وجواب ذلك انه من المؤكد فقهياً ان المصطلح الفقهي لا يراد به الا ذلك: أعني الرجلين العادلين الشاهدين. ومن هنا كان الإشكال وارداً عليه لا محالة. واما السنة الشريفة الصحيحة، فالبرغم من ان نفس اللفظ مستعمل فيه، ومنه سرى إلى المصطلح الفقهي لا محالة. الا أن المعنى، لا أقل من الناحية
ــــــــــــــــــــ[11]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
اللغوية يختلف في السنة عما هو في الاصطلاح. وقد سبق ان أشرنا في هذا الكتاب عدة مرات انه لا يمكن حمل ألفاظ السنة على المعاني الفقهية الاصطلاحية المتأخرة عنها.
فمن الممكن ان نقول في الأخبار، والاحتمال هنا مبطل للاستدلال: أعني لورود الإشكال السابق. نقول: إن البينة فيها ليست بمعنى الشاهد بل بمعنى القضية البينة وهي الواضحة. كل ما في الأمر: ان أوضح وأسهل طريق لتوضيح القضية وبيانها هو إقامة الشاهدين العادلين. وقد تحصل بطرق أخرى كالقرائن القطعية أو علم الحاكم ان قلنا بأنه يحكم بعلمه كما هو الصحيح كما سيأتي.
فيكون محصل المراد من الأخبار: أن على المدعي ان يبين ويوضح قضيته التي يدعيها. اما المنكر فليس عليه ذلك بل يمكن الاكتفاء منه باليمين.
وهذا هو المراد من (على) في كل من المدعي والمنكر. يعني ان من مسؤوليته ذلك وفي عهدته، ان أراد إنجاح دعواه والحكم في صالحه.
الناحية الثانية: في اشتراط العدالة في البينة القضائية.
ولعل ذلك من ضروريات الفقه في الإسلام وإجماع علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم، بحيث لا يحتاج الأمر إلى أكثر من ذلك في مقام الاستدلال عليه. وإنما يقع الكلام في عدة أمور لإيضاح الأمر أمام القارئ اللبيب أكثر فأكثر.
الأمر الأول: في معنى العدالة وهو أمر قد بحثناه في الكتاب الفقهي الأول من كتابنا هذا وهو كتاب الاجتهاد والتقليد. وقد انتهينا هناك إلى ان معنى العدالة هو الاستقامة في إطاعة الشريعة. بمعنى الالتزام بالواجبات وترك المحرمات. بشكل لا ينافيها الإتيان ببعضها القليل أحياناً مع المبادرة العرفية
ــــــــــــــــــــ[12]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
إلى التوبة والاستغفار.
الأمر الثاني: في الاستيناس ببعض الأخبار الدالة على اشتراط العدالة. وهي دالة على اشتراط عدالة كل شاهد سواء كان في مقام القضاء أو غيره. الا ان مقام القضاء أولى بهذا الشرط لكون الأهمية الشرعية له أشد وأكبر.
فمن ذلك: صحيحة عبد الله بن أبي يعفور(1) قال: قلت لأبي عبد الله : بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟
“فقال: ان تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان. ويعرف باجتناب الكبائر التي أعد الله عليها النار. من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك. إلى ان يقول: فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلته قالوا: ما رأينا منه إلا خيرا”. الحديث.
ورواية علقمة(2) قال: قال الصادق : وقد قلت له: يا ابن رسول الله اخبرني عمن تقبل شهادته ومن لا تقبل. فقال: “يا علقمة كل من كان على فطرة الإسلام جازت شهادته. قال: فقلت له: تقبل شهادة مقترف الذنوب؟ فقال: يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت الا شهادة الأنبياء والأوصياء . لأنهم المعصومون دون سائر الخلق. فمن لم تره بعينيك يرتكب ذنباً أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر وشهادته مقبولة، وان كان في نفسه مذنباً ومن اغتابه بما فيه فهو خارج من ولاية الله داخل في ولاية الشيطان”.
ــــــــــــــــــــ[13]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: كتاب الشهادات باب41 حديث1.
(2) المصدر حديث13.
ورواية عبد الله ابن سنان(1) عن أبي عبد الله : “ثلاث من كن فيه أوجبت له أربعا على الناس. من إذا حدثهم لم يكذبهم وإذا وعدهم لم يخلفهم وإذا خالطهم لم يظلمهم. وجب ان يظهروا في الناس عدالته وتظهر فيهم مروئته وان تحرم عليهم غيبته وان تجب عليهم أخوته”.
أقول: وهذه الأخبار وان كانت لا تخلو من بعض المناقشات سنداً أو دلالة لدى التدقيق فيها، إلا أن هذا ليس مجال ذكرها, ويكفينا الآن التسالم والإجماع على الحكم كما ذكرنا.
ويوضح نفس المضمون بشكل أكبر الإطلاع على النصوص الواردة لرد من لا تقبل شهادتهم من الناس. لنطلع على الصفات الدنيئة التي تنفي قبول الشهادة وتنافيها، على حين تقارن بما يضادها من الصفات الحسنة التي تقبل معها الشهادة.
ففي معتبرة السكوني(2) عن أبي عبد الله قال: “ان أمير المؤمنين كان لا يقبل شهادة فحاش ولا ذي مخزية في الدين”.
وفي صحيحة محمد بن قيس(3) عن أبي جعفر قال: “كان أمير المؤمنين يقول لا اخذ بقول عرّاف ولا قائف ولا لص ولا أقبل شهادة الفاسق الا على نفسه”.
وفي حديث آخر(4) قال: “لا تجوز شهادة المريب والخصم ودافع مغرم أو أجير أو شريك أو متهم أو تابع (بائع). ولا تقبل شهادة شارب الخمر ولا
ــــــــــــــــــــ[14]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر حديث 16.
(2) المصدر باب32 حديث1.
(3) المصدر حديث4.
(4) المصدر حديث7.
شهادة اللاعب بالشطرنج والنرد ولا شهادة المقامر”.
إلى غير ذلك من الأخبار.
وينبغي ان نلتفت هنا إلى ان بعض هذه الصفات كالأجير والشريك والخصم إنما لا تقبل شهادة أصحابها بالرغم من انهم قد يكونون عدولا من الناحية الشرعية، لأجل زيادة الاحتياط والتحرز في صحة قول الشاهد.
فالأجير: يود ان مستأجره ذو مال كثير ليدفع له أجرته. فقد يكون ذلك سبباً نفسياً لشهادته في صالحه.
والشريك: قد لا يكون مرتاحاً من شريكه فهو يريد له الضرر من الناحية المالية، فلا تقبل شهادته عليه.
والخصم: وهو المخالف للفرد في قضية معينة سواء كانت قضائية أم لم تكن. على ما سنشير، وهو عادة يريد الكيد بخصمه فلا تقبل منه الشهادة.
وليس الخصم هو العدو كما ذهب إليه سيدنا الأستاذ. فان العدو من يكيد للشخص سواء كان طرفاً مخالفاً في قضية قضائية أو لا. وليس الفهم العرفي من الخصم ذلك، جزماً. بل العرف يفرق بينهما لا محالة.
ومعه يكون بين العنوانين: الخصم والعدو. عموم وخصوص من وجه. يجتمعان في من يخالف في قضية ويكيد لصاحبه. فيكون خصماً وعدواً في نفس الوقت. وقد يكون خصماً لا عدواً كالخصومة في أمور نظرية علمية أو في مورد قضائي خال من الكيد والاعتداء. وقد يكون عدواً لا خصماً كالذي يكيد بدون أن يكون طرفاً في نزاع أو قضية معينة وإنما لمجرد الحسد أو الشهرة أو اللصوصية أو غير ذلك من المآرب الدنيئة.
الناحية الثالثة: في الدليل على اشتراط التعدد في البينة. بمعنى انه لا تقبل شهادة الواحد، وإنما اللازم كون الشهادة اثنتين كحد أدنى. ولا مانع ان يكونوا
ــــــــــــــــــــ[15]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
اكثر من ذلك. فالتحديد بالاثنين إنما هو لطرف القلة لا لطرف الكثرة.
وينبغي هنا ان نلتفت إلى ان التعدد لا ينحصر باثنين، وان كان هو الغالب، الا ان بعض القضايا يحتاج في إثباتها إلى أربع شهود عدول، ويشملها معنى: العلاقة الجنسية المحرمة وهي الزنا واللواط والمساحقة. فان كان الشهود أقل من أربع، لم يثبت المطلوب، نعم يمكن ان يكونوا أكثر.
ويدل على التعدد في الاثنين من القرآن الكريم قوله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ(1).
والوصية من الأمور المالية فشهادة الرجلين فيها مقبولة. والآية كما تدل على التعدد تدل على اشتراط العدالة. وبعد التجريد عن خصوصية المورد يمكن ان تكون دليلا على اشتراط العدالة في كل الشهود.
ويدل على التعدد في الأربعة من القرآن الكريم وقوله تعالى: لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ.
وموردها مورد الإفك المشهور. والذي يقول عنه في آية سابقة: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ(2). وهو مورد احتمال الزنا. والآية نص في نفي قبول ما هو أقل من الأربعة في مثل هذا المورد فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ يعني ان شهادتهم مردودة وليست حجة، حتى وان كانوا عدولا, حتى وان كانوا اثنين أو ثلاثة. وبعد التجريد عن الخصوصية يمكن التعميم للحكم إلى كل مورد يصدق عليه عنوان الفاحشة والعلاقة الجنسية المحرمة كما قلنا.
وبعد ان دل الكتاب الكريم على مطلوبنا الآن وهو التعدد في البينة، لا حاجة معه للاستدلال بالسنة الشريفة لأنه تطويل هنا بلا طائل.
ــــــــــــــــــــ[16]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المائدة: 106.
(2) النور: 11.
الناحية الرابعة: في إمكان التعويض على الشاهدين بأمور أخرى، كعلم القاضي أو اطمئنانه.
وهذا التعويض صحيح فقهياً، وقد عممه المشهور إلى القضاء في حقوق الله وحقوق الناس معاً، وهو الصحيح. ولا مجال هنا لتفاصيل الاستدلال. ولكن نذكر بنحو النموذج بعض الوجوه الدالة على ذلك:
الوجه الأول: ما سبق في صحيحة (جميل وهشام) من أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه.
بأحد أساليب منها:
الأسلوب الأول: اننا لم نفهم من البينة في النص معنى الشاهدين، لأن هذا اصطلاح فقهي متأخر. وإنما فهمنا معنى القضية البينة، وهي الواضحة المدرك والدليل، وهذا كما يتوفر في الشاهدين كذلك يتوفر في صورة العلم فان القضية تكون به واضحة المدرك.
الأسلوب الثاني: اننا حتى لو فهمنا من البينة في الدليل معنى الشاهدين العادلين، الا ان شهادة الشاهدين ظنية، والعلم دليل يقيني، فهو أولى بالصدق والصحة من البينة، فيكون الدليل الدال على حجية البينة دالا على حجية العلم بطريق أولى.
الوجه الثاني: ان القاضي لو علم أن الحق بخلاف الدليل الذي يقيمه أحد المتخاصمين، كما لو كان على خلاف بينة المدعي أو على خلاف يمين المنكر. فما سيكون موقفه؟
فانه ان عمل بالبينة لزم تطبيق ما يعمله باطلا. وهو يؤدي إلى فسقه ومحرم عليه ذلك، وان لم يعمل به ولا بعلمه لزم إيقاف القضاء والترافع أساساً. فيتعين عليه العمل بما يعلمه من الحق. وهو المطلوب.
ــــــــــــــــــــ[17]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الوجه الثالث: التمسك بإطلاق الأدلة الدالة على العقوبة: كوجوب قطع يد السارق وجلد الزاني وقتل القاتل وغير ذلك. فانه كما يمكن إثبات كون الشخص سارقاً أو قاتلا بالبينة كذلك نرى العلم ينتج نفس النتيجة. ويثبت به كون الفرد سارقاً أو قاتلا أو غير ذلك.
وهذا على أية حال مما لا ينبغي الإشكال فيه. وإنما يمكن ان يقع الإشكال في بعض التفاصيل، كشمول معنى العلم للاطمئنان وتعويض العلم عن كل اشكال البينة. والظاهر هو صحة ذلك في كلا هذين الأمرين.
أما تعويض العلم بالاطمئنان فواضح، لأن الاطمئنان علم عرفي ويقوم بما يقوم به العلم عرفاً. وهو الوجه في حجيته مطلقاً. ويأتي فيه كل الوجوه السابقة في الأولوية عن حجية البينة وغيرها. كما هو غير خفي على القارئ اللبيب.
أما تعويض العلم عن كل اشكال البينات، فلأن العلم أقوى منها جميعاً، ويرد فيه جميع الاستدلالات السابقة. نعم تعويض الاطمئنان كعلم عرفي، كما قلنا عن البينة ذات الأربع شهود، قد يقال: انه ليس بالأولوية بل بالمماثلة، وهذا يكفي. مضافاً إلى صحة ورود الوجهين الثاني والثالث فيهما. كما لا يخفى على فطنة القارئ اللبيب.
ونكتفي بهذا المقدار من الحديث عن حكم المدعي والمنكر. وهو الجهة الأولى.
الجهة الثانية: في معنى المدعي والمنكر. وهي الجهة الأساسية التي عقدنا لها هذا الفصل.
ولا بد لنا أولا من ذكر الوجوه المحتملة والمذكورة في تعريفهما، ثم مناقشة ما لا يصح منها بمقدار ما يناسب مستوى هذا الكتاب، ثم اختيار ما هو الصحيح منها. لنصير بعد ذلك إلى الجهة الأخرى, وهي ان لحاظ المعنى هل
ــــــــــــــــــــ[18]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
هو في أصل القضية أو في ظاهرها، كما سوف نفسره في حينه.
وما قيل أو يمكن ان يقال في تفسير وتعريف المدعي والمنكر، عدة وجوه:
الوجه الأول: ان المدعي هو طرف الإثبات والمنكر هو طرف النفي أو الطرف النافي، ويقول آخر: ان المدعي من قال: نعم. والمنكر من قال: لا.
وهذا الوجه إستيحاء مباشر من لفظ المدعي والمنكر. إلا أنه سيظهر عن قريب أنه ساذج إلى درجة لا يكون قابلا لأن يكون قاعدة عامة. وان كان الأغلب في المدعين والمنكرين هو هذه الصفة.
الوجه الثاني: ان المدعي هو من يسميه العرف مدعياً والمنكر هو الذي يسميه العرف منكراً. لأننا دائماً نفهم الأدلة الشرعية فهماً عرفياً في الفقه. والأدلة الدالة على تسمية المدعي والمنكر وأحكامهما، لا ينبغي أن تخرج عن هذه القاعدة.
الوجه الثالث: ان المدعي هو الذي يترك لو ترك، أو يسكت عنه لو سكت هو عن الدعوى. لأن المدعي هو صاحب المصلحة الأساسي فيها، فلو ترك الدعوى وأسقطها فان صاحبه يسكت عنه ويترك الأمر، لأن الاستمرار بها بالنسبة إليه في غير صالحه.
والمنكر مقابله. وهو الذي لا يترك لو ترك. وليس له حق التنازل عن الدعوى. ولو فعل لكان المدعي باقياً على رأسه يطالبه بالمال أو بالحق.
الوجه الرابع: ان المدعي هو الذي يقول أو يدعي شيئاً على خلاف الأصل . والمنكر بخلافه ويراد بالأصل هنا إحدى القواعد الشرعية المثبتة للأحكام التكليفية منها أو الوضعية، ما دامت الدعوى ممكنة ومسموعة.
وأمثلة القواعد الشرعية عديدة منها: قاعدة اليد المثبتة لملكية الشخص
ــــــــــــــــــــ[19]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
للمال الذي تحت يده وسلطته. والاستصحاب كاستصحاب زوجية من شك في طلاقها واستصحاب ملكية ما شك في بيعه أو هبته. وسوق المسلمين الدال على حلية المأخوذ من تلك السوق، وأصالة عدم التذكية الدالة على حرمة اللحم مع الشك في صحة التذكية.. إلى غير ذلك من القواعد.
ومعه يكون المدعي هو الشخص الذي يقول قولا ينافي إحدى هذه القواعد. لا لكونه عاصياً للشريعة بل لكونه مدعياً، بان هذا الموضوع خارج عن هذه القاعدة. كما لو كان شخص ساكناً في دار، وكان مقتضى قاعدة اليد كونه مالكها. ثم ادعى شخص آخر أنه هو المالك لا الساكن. فيكون هذا القول على خلاف قاعدة اليد الدالة على ملكية الساكن. ويكون الساكن منكراً إذا حصل منه نفي ذلك الادعاء، لان قوله موافق مع الأصل أعني مع هذه القاعدة.
إذن فالمدعي هو الذي يخالف قوله الأصل، والمنكر هو الذي يوافق قوله الأصل.
الوجه الخامس: ان المدعي هو الشخص الذي يقول شيئاً خلاف الظاهر. وهذا هو المراد مما يقال: ان المدعي يقول أمراً خفياً. يعني مخالفاً للظاهر. ويراد بالظاهر هنا: الظاهر العرفي أو الدنيوي. والمنكر هو الذي يوافق قوله ذلك الظاهر.
فلو كان شخص ظاهر الفقر، فادعى شخص آخر أنه غني يملك مالا خفياً، كان مدعياً لما هو مخالف للظاهر. فإذا أنكر خصمه ذلك وادعى أنه فقير حقاً فقوله موافق للظاهر فيكون منكراً.
الوجه السادس: ان المدعي هو الشخص الذي يقول شيئاً خلاف الظاهر الشرعي، لا الظاهر العرفي أو الدنيوي، كما قلنا في الوجه السابق.
ــــــــــــــــــــ[20]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وظاهر عبارة (الجواهر) عده وجهاً في مقابل الوجوه السابقة. الا انه واضح البطلان، لأن الظاهر الشرعي إنما يثبت بالقاعدة الشرعية أو الأصل الذي كان هو المحك في تعيين المدعي من المنكر في الوجه الرابع. إذن فقد رجع هذا الوجه إلى ذلك الوجه وليس وجهاً مستقلاً. إذن, فالوجوه المحتملة خمسة وليست ستة.
والإنصاف ان هذه الوجوه متطابقة في الأعم الأغلب من الدعاوي. يكفينا المثال السابق فيمن سكن الدار وادعى ملكيتها شخص آخر, فان الوجوه الخمسة كلها منطبقة عليه.
أما الوجه الأول: فلأن الشخص الآخر يثبت ملكيته للدار وساكن الدار ينفيها فيكون منكراً.
وأما الوجه الثاني: فلأن العرف يوافق على ان هذا الشخص الآخر غير الساكن هو المدعي.
واما الوجه الثالث: فلأن ساكن الدار لا يهتم بالمرافعة الا بمقدار ما يجره إليها خصمه، فهو لو ترك ترك، بخلاف الخصم فانه يريد إثبات ملكية الدار لنفسه. فهو لا يترك المخاصمة لو تركه صاحبه، وهو معنى كونه مدعياً. والآخر أعني ساكن الدار منكراً.
وأما الوجه الرابع: فلموافقة قول ساكن الدار لقاعدة اليد. فيكون منكراً ومخالفة قول خصمه لهذه القاعدة فيكون مدعياً.
وأما الوجه الخامس: فلأن الظاهر ان الساكن هو المالك فيكون الآخر مخالفاً قوله للظاهر فيكون مدعياً. فان خاصمه الساكن ونفى ملكيته كان قوله موافقاً للظاهر فيكون منكراً.
وأما الاستدلال على كل وجه من هذه الوجوه على حدة، بغض النظر عن
ــــــــــــــــــــ[21]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
غيره، فهو ضروري، حتى ما إذا صفا لنا اكثر من وجه عدنا للمقارنة بينها في أمثلة معينة على ما سيأتي. وان صفا لنا وجه واحد كان هو المتعين.
أما الوجه الأول والثاني، فما ذكرناه من الاستدلال لهما خلال عرضهما كاف لهما على مستوى كتابنا هذا. وأما الوجه السادس فقد نفيناه. فيبقى الاستدلال على الوجوه الأخرى: الثالث والرابع والخامس.
ولم يرد بطبيعة الحال في الكتاب الكريم والسنة الشريفة ما يعين شيئاً منها. وإننا لابد في الاستدلال عليها من الانطلاق من زوايا أخرى.
وهناك مجموعة من الاستدلالات يمكن ان تصدق على كل واحد منها على حدة:
الدليل الأول: موافقة الوجه لمشهور الفقهاء فان الفقيه إنما يأخذ بهذا الوجه أو ذاك لأجل موافقته للمشهور.
الا ان هذا الدليل لا يتم لإمكان نسبة أي من تلك الوجوه الثلاثة إلى المشهور. وهذا في نفسه غير ممكن، لوضوح أن الوجوه الثلاثة لو كانت مأخوذا بها جميعاً من قبل الفقهاء، لكان لكل وجه حصة معينة منهم هي الثلث لا أكثر، وهو لا يشكل مشهوراً. وإنما يراد بالمشهور مقدار الثلثين أو الثلاثة أرباع من الفقهاء.
الدليل الثاني: الدليل العقلي: بأن يقال: ان الوجه المستدل عليه موافق لفطرة العقل، بحيث يحدس العقل حدساً قطعياً بصحته، فيكون هذا القطع حجة لإثباته.
وهذا الدليل أوضح من الوجه الثالث منه في غيره. حيث يحدس العقل: ان من لا يترك المخاصمة لو تركها الآخر هو المدعي، والآخر المنكر.
غير أن هذا الدليل غير واضح الانطباق على الوجهين الآخرين: الرابع
ــــــــــــــــــــ[22]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
والخامس. وإنما يحتاج تطبيقه إلى تعمّل. ومع التعمل يرتفع الحدس القطعي الذي اشرنا إليه.
على ان انتساب هذا الإدراك، حتى في الوجه الثالث إلى العقل محل تأمل. فقد يقال: ان هذا الحدس غير ناشىء من العقل بأصل وجوده المنطقي أو الفلسفي – لو صح التعبير – وإنما هو ناشىء من مناسبات نفسية واجتماعية. ولا يمت إلى العقل بصلة.
ويكفي لذلك ان نلتفت: ان المدعي إنما لا يترك القضية والمرافعة ويصر عليها إذا كان مصراً على الحصول على الحكم لصالحه. وإنما يكون كذلك إذا كان طامعاً في مال أو امرأة أو دفع ضرر ونحو ذلك.
واما إذا كان له درجة من الزهد في الدنيا والإعراض عنها، فانه لا يهتم بالاستمرار بالقضية. ويرتفع ذلك الجانب النفسي الذي انبثق منه ذلك الوجه. الأمر الذي يدلنا على أنه ليس عقلياً بل نفسياً.
فاليقين إنما هو متعلق بأن أحد الشخصين المتخاصمين يترك القضية لو تركها صاحبه. وأما ان صاحبه سوف يصر عليها بدوره ولا يستغني عنها، فلا دليل عليه.
على أن هذا اليقين أيضاً قد يرتفع حين نأتي إلى الوجوه التي ذكروها للفرق بين تلك التعاريف وأن هناك من الموارد لا يكون فيها المنكر تاركاً للقضية، وان تركها المدعي. كما سيأتي.
الدليل الثالث: الدليل العرفي. وان هذا الوجه الذي يراد الاستدلال عليه موافق للفهم العرفي، وان العرف يفهم المدعي والمنكر طبقاً له.
إلا أنه يمكن الإيراد على هذا الدليل من وجهين:
الوجه الأول: ان الوجه الثاني من الوجوه الخمسة أو الستة في تعريف
ــــــــــــــــــــ[23]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
المدعي والمنكر، كان هو الفهم العرفي لهما.
فان وافق أحد هذه الوجوه التي نتكلم عنها الفهم العرفي كان ذلك الوجه راجعاً إليه، يعني كان التعريفان تعريفاً واحداً وليس اثنان.
وجوابه: ان هذا أمر غير مضر، بل يمكن الاعتراف به. فان للفهم العرفي تحليلا في ارتكاز العقلاء، وهذا التحليل لابد أنه راجع إلى أحد هذه الوجوه الثلاثة.
الوجه الثاني: ان الفهم العرفي لابد أن يكون مبتنياً على أحد تلك التعاريف الثلاثة وليس على جميعها.
فقد يقال: أنه ان ابتنى على الجميع كان ذلك تهافتاً في الفهم, وان ابتنى على واحد معين، فهو غير معين، بل مردد بين الثلاثة، فلا نرجع إلى نتيجة محددة.
وجواب ذلك: اننا لو وجدنا بين تلك الوجوه تهافتاً وتغايراً، كان هذا الإشكال وارداً. ولكننا سنفحص الفروق بينها ونجد انها جميعاً ترجع إلى معنى واحد، نستطيع أن نعبر عنه بأي واحد من تلك التعاريف وسنختار الأولى منها، وسيكون هو الأساس في الفهم والارتكاز العرفي. وبذلك سيكون الفهم العرفي دليلا على صحته لا محالة.
فما هي تلك الفروق؟
هي عبارة عن بعض أشكال الدعاوى التي لا يكون انطباق تلك التعاريف عليها على حد واحد. بل سيكون أحد المتخاصمين طبقاً لهذا التعريف مدعياً. وهو نفسه سيكون منكراً طبقاً لتعريف آخر.
أما الفرق بين التعريفين: الثالث والرابع، فقد يقال بوجوده كما في (جواهر الكلام) في: دعوى الإعسار والوفاء ورد المغصوب والوديعة ونحوهما مما لا يترك عن المطالبة بالحق لو ترك الدعوى بذلك.
ــــــــــــــــــــ[24]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وإيضاحه في المثال الأول: ان شخصاً مطلوباً للآخر بدين مقداره مائة دينار مثلا: فطالبه في وقت استحقاقه فادعى الإعسار أي الفقر. يعني أنه كان غنياً حال الاقتراض وأصبح فقيراً حين وقت الأداء، والفقير لا يجوز مطالبته بالدين، بل يجب الصبر عليه بنص القرآن الكريم حتى يحصل له المال الكافي، قال الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ.
فلو طبقنا الوجه الرابع وهو مخالفة الأصل. لكان الأصل هو استصحاب بقاء الغنى والثروة. فيكون قول المدين مخالفاً للأصل فيكون مدعياً، ويكون قول الدائن موافقاً فيكون منكراً.
ولو طبقنا الوجه الثالث: نرى أن الدائن سيريد دينه على أي حال، ولا يترك الدعوى لو تركها الآخر. فيكون الدائن مدعياً. وأما المدين فخير له ترك الدعوى والإعراض عن الدين فيكون تاركاً لو تركه الآخر. فيكون المدين منكراً. طبقاً لهذا التعريف.
إلا ان هذا الفرق ليس بصحيح. لان المخاصمة ليست عن أصل الدين، وقد تسالم الخصمان عليه. ولا على وجوب رده وحلول وقته. وإنما الدعوى على الإعسار فقط. فالمدين يثبته لنفسه والدائن ينفيه.
ومن هذه الزاوية فانه كما يكون المدين مدعياً طبقاً للوجه الرابع لان قوله مخالف للأصل، كذلك يكون مدعياً طبقاً للوجه الثالث بعد إسقاط مسألة الاهتمام بنفس الدين عن هذه الدعوى كما قلنا. فانه سيبقى مصراً على وجود فقره وصحة قوله.
وأما لو تركه الدائن بإهماله اكثر في الزمان أو بإبراء ذمته من الدين أصلا. فان الدعوى تنحل لأنها متفرعة عليها، إلا ان هذه جهة غير المسألة المعروضة للترافع كما قلنا. ومجرد انحلال الدعوى لتوقفها عليها لا يعني انطباق الوجه الثالث، بطبيعة الحال، كما يظهر للمتأمل.
ــــــــــــــــــــ[25]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وأما الفرق بين التعريفين الثالث والخامس. فيظهر في نفس المثال إذا كان المدين يمارس فعلا، يعني حال إقامة الدعوى، حياة الفقر لا حياة الغنى، فيكون طبقاً للتعريف الثالث مدعياً لمخالفة الأصل، ويكون منكراً طبقاً للتعريف الخامس لموافقته للظاهر. حيث يظهر عليه الفقر وهو يدعيه أيضاً، ويكون غريمه مدعياً.
إلا ان الصحيح هو بطلان التعريف الخامس أساساً، لأن الأعم الأغلب من حالات الظاهر يمكن أن تكون اختيارية. فحسب الفرد إذا أراد كسب نتيجة الدعوى لصالحه أن يجعل الظاهر بشكل معين باختياره ليتحول من مدع إلى منكر أو بالعكس. فلا يطالبه القاضي بالبينة التي لابد منها ان كان مدعياً، بل يقتصر على اليمين.
وإذا كان الأمر يعود إلى الاختيار، ولو احتمالا كان البناء عليه فقهياً مخالفاً لقواعد العدل العقلية فيكون باطلا. ولعل إيضاحاً آخر عن ذلك سوف يأتي بعون الله سبحانه.
وأما الفرق بين التعريفين الرابع والخامس، فيبدو أيضاً في نفس المثال من حيث ان الأصل هو بقاؤه على الغنى، كما أوضحنا، فيكون قوله بادعاء الفقر مخالفاً للأصل, فيكون مدعياً، على حين يكون قوله موافقاً للظاهر، لأنه يعيش حياة الفقراء كما سبق. فسيكون منكراً، وصاحبه مدعياً.
ولكننا بعد أن أسقطنا الوجه الخامس من الحجية، بقيام الدليل على بطلانه، لا يبقى لهذا الفرق من أهمية. وأما الوجهين أو التعريفين الثالث والرابع فهما متساوقان في الإثبات وليس بينهما خلاف أو فرق. وما ادعاه عدد من الفقهاء من الفروق قابل للمناقشة بعودة إلى أحد أمور منها:
أولا: أنه إدخال لأمر زائد على الدعوى في المسألة، كما رأينا في المثال السابق.
ــــــــــــــــــــ[26]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ثانياً: انه من باب التداعي، حيث يمكن أن يكون كلا المتخاصمين مدعياً ومنكراً في نفس الوقت في ضمن قضيتين متداخلتين. ولعلنا نتعرض لذلك في المستقبل.
ثالثا: انه من باب النظر إلى لازم الدعوى أو ملزومها، وليس إلى مدلولها المطابقي. والصحيح هو الثاني، كما سنوضحه في الجهة الآتية.
ولا يبقى بعد هذه الاحتمالات فرق حقيقي بين الوجهين الثالث والرابع.
وإذا كان هذان الوجهان متساوقين، فلاشك ان الأولى بالأخذ به هو الرابع دون الثالث. أعني تعيين أن يكون المدار هو المخالفة للأصل. لابتنائه دائماً على أصل شرعي محدد جار في مورد الدعوى. في حين ان مجرد كونه يترك لو ترك، معنى مطاط وقابل للزيادة والنقيصة، وتابع للحالة النفسية كما عرفنا، فيكون العمل عليه متعذراً، إلا من زاوية مجرد انطباقه على الوجه الرابع. وإذا تم لنا ذلك، أمكن القول بأننا لا نعني من الوجهين الأولين إلا ذلك.
وذلك: ان المدعي هو المثبت دائماً والمخالف قوله الأصل دائماً، يعين أنه يثبت في قوله ما يخالف الأصل. فيكون الوجه الأول موافقاً مع هذا الوجه. ولا يعودان مختلفين.
وكذلك العرف، أعني في الوجه أو التعريف الثاني. فانه دائماً يوافق على أن هذا مدع، يعني يخالف قوله الأصل، وذاك منكر، وهو من يوافقه.
ولا يبقى هنا إلا سؤال مع محاولة جوابه.
وهو ان تحميل العرف فهم القواعد الشرعية بحيث يستنتج ان من يوافقها يكون منكراً، وان من يخالفها يكون مدعياً، إنما هو أمر فوق طاقة العرف. ولا يفهم ذلك إلا ذوي الاختصاص.
بخلاف البناء على الظاهر أعني الوجه أو التعريف الخامس، فان ما هو
ــــــــــــــــــــ[27]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ظاهر هو مفهوم للعرف، وإذا كان مفهوماً له أمكن ابتناء تعيين المدعي والمنكر عليه. وهذا هو الأمر الذي وعدنا بإيضاحه عن الوجه الخامس قبل صفحتين.
وجواب ذلك يكون من عدة وجوه نذكر أهمها:
أولا: اننا في الوجه أو التعريف الثاني، لا ندعي أن العرف يفهم القواعد الشرعية ويطبق عليها تعيين المدعي من المنكر. بل نقول: ان العرف حين يعين المدعي والمنكر على سذاجته، فانه يصادف دائماً انطباقه مع الوجه الرابع، وهو تطبيق التعيين على القواعد الشرعية. وهذا لمجرد المصادفة، وهو حدس وجداني للباحث لا أكثر.
ويزداد ذلك إثباتاً، فيما إذا تحدينا المستدل الآخر بإيجاد وجه للفرق بين التعريفين الثاني والرابع.
ثانياً: اننا هنا في مسألة تعيين المدعي من المنكر، لا نتحدث عن عرف ساذج جداً، لأن هذا المستوى من السذاجة، كما لا يناسب مع فهم بعض القواعد الشرعية، لا يناسب أيضاً مع فهم فكرة المدعي وفكرة المنكر أساساً.
إذن، فالعرف الذي يفهم معنى المدعي والمنكر، يمكن تكليفه بفهم المهم من القواعد الشرعية، ولا يكون ذلك تحميلا شديداً عليه.
ثالثاً: لا يبعد القول بأن المرتكز عرفاً في الذهن هو كون المدعي من يخالف قوله الأصل. بمعنى الأصل العرفي لا الأصل الشرعي. والمنكر من يوافقه.
غير أننا من زاوية شرعية ان وجدنا أن الشريعة قد اعترفت بالأصل العرفي، فقد أصبح الأصل العرفي أصلا شرعياً كقاعدة اليد، وأصالة الصحة، وأن اعتراف العقلاء على أنفسهم جائز وغير ذلك كثير. وان لم تعترف الشريعة بالأصل العرفي، بل وضعت من قبلها أصلا آخر… أمكن العمل على القاعدة
ــــــــــــــــــــ[28]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
العرفية ككبرى مع تطبيقها صغروياً على الشريعة. أعني أن المدعي – ككبرى عرفية – هو من يخالف قوله الأصل: إلا ان الأصل العرفي حيث أنه ملغي شرعاً، كما افترضنا، إذن يحل محله الأصل الشرعي كصغرى وكتطبيق لتلك القاعدة العامة.
وبتعبير آخر: ان الشريعة حين ألغت ذلك الفهم العرفي وأبدلته بقاعدة شرعية، كان اللازم – وهو المفهوم شرعاً أيضاً – وجوب العمل على القاعدة الشرعية على كل المستويات، حتى في تعيين المدعي من المنكر، فيكون ذلك مفهوماً من الأمر الشرعي بالقاعدة نفسها. أو من اجل التمسك بإطلاقها اللفظي أو المقامي.
غير ان الذي يهون الخطب ان اغلب القواعد العرفية ممضاة شرعاً في المعاملات، ولا يوجد إلا النادر مما هو ملغي في الشريعة من القواعد العرفية.
ويدعم ذلك أعني الأخذ بالقواعد الشرعية دون العرفية، كون الشرعية اكثر بكثير ومستوعبة لكل مناحي الحياة في المعاملات وغيرها. على حين نرى ان القواعد العرفية قليلة.
ومن هنا قد تصادف قضية ليس فيها قاعدة عرفية، فلا مورد فيها عرفاً لتعيين المدعي من المنكر، إلا أنها لا تخلو لا محالة من قاعدة شرعية.
وأما مسألة اخذ العرف بالظاهر، وأنه أوضح لديه من القواعد الشرعية، الأمر الذي يستوجب الأخذ بالتعريف الخامس دون الثالث.
فجوابه: ان الظاهر وان كان أوضح لدى العرف من غيره بطبيعة الحال، الا ان هذا لا يعني جعله المحك والمعيار في تعيين المدعي من المنكر، وإنما قد يستفاد من ذلك في ميادين أخرى.
والعرف الذي يلتفت إلى معنى المدعي والمنكر، ويكون له مثل هذه
ــــــــــــــــــــ[29]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الدقة، يمكنه التعرف على ما قلناه من أن الظاهر يمكن أن يكون اختيارياً مفتعلاً، وليس حقيقياً، فلا يمكن جعله محكاً لتعيين المدعي من المنكر.
إذن، فالمتعين هو الأخذ بالتعريف الرابع: وهو ان المدعي من خالف قوله الأصل والمنكر من وافقه. والدليل عليه هو موافقته للفهم العرفي كما أوضحنا.
الجهة الثالثة: من الحديث في هذا الفصل، ما لخصنا عنوانه في أول الفصل من ان المهم في ملاحظة الأصل الجاري الذي يخالفه المدعي ويوافقه المنكر. هل هو الأصل الجاري في مطرح الدعوى أو دلالتها المطابقية. أو هو الأصل الجاري في اصل الدعوى أو دلالتها الإلتزامية. أو بتعبير آخر: في لوازمها وملزوماتها أو قل: في أسبابها ونتائجها.
ويتضح ذلك في المثال: كما في رجل وامرأة تزوجا بعقد مشكوك الصحة. فأقامت الزوجة عليه الدعوى بالنفقة.
فحين ملاحظة مطرح الدعوى ونصها الذي هو النفقة، يكون الأصل الجاري هنا: أصالة براءة ذمة الزوج من النفقة، وهو موافق لقول الزوج ومخالف لقول الزوجة. فتكون الزوجة مدعية والزوج منكراً.
ولدى ملاحظة سبب الدعوى أو الأصل الجاري في موضوعها، وهو صحة عقد النكاح, لان النفقة إنما تجب في نتيجة العقد الصحيح لا العقد الباطل. فلدى ملاحظة الأصل الجاري فيه، يكون هو أصالة صحة العقد. وهو موافق مع قول الزوجة فتكون منكرة، ومخالف لقول الزوج فيكون مدعياً.
ومن هذا المثال وأشباهه يتضح أهمية هذه الفكرة فقهياً، لأنها تتوقف عليها مسألة تعيين المدعي من المنكر من المتخاصمين، لأجل تطبيق قواعد القضاء الشرعي الصحيح عليهما.
ــــــــــــــــــــ[30]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ولم يرد في الكتاب والسنة ما يوضح لنا ذلك بشكله الكامل. ومن هنا كان لابد من الاعتماد على وجوه أخرى غير النصوص.
والصحيح – كما اشرنا فيما سبق – هو ان المدار في تعيين المدعي والمنكر هو نص الدعوى ودلالتها المطابقية، بغض النظر عن أسبابها ومسبباتها، وذلك لعدة وجوه:
الوجه الأول: ان جميع ما هو وارد في السنة المعتبرة من المرافعات، إنما هو ما ذكرناه، دون العكس. فلو كان العكس صحيحاً لورد كله طبقاً له. ولا يحتمل ورود كلا الشكلين، لانحصار الحق في احدهما، ولا يحتمل صحتهما معاً شرعاً.
الوجه الثاني: ان الدلالة المطابقية للدعوى، هي الملتفت إليها من قبل المتخاصمين. وأما الدلالات الأخرى فهي مغفول عنها عادة لا يلتفت إليها إلا الفقهاء المختصون. ومن هنا كان اللازم العمل على ما هو ملتفت إليه دون غيره.
نعم، إذا التفتا إليه من قبل أنفسهما أو غيرهما، فقد يمكن تغيير مطرح الدعوى ودلالتها المطابقية أساساً. ففي المثال: سيكون الخلاف بين الزوجين في صحة العقد لا في استحقاق النفقة. وهذا معناه إلغاء الدعوى الأولى وإقامة دعوى أخرى، ولا بأس بتغيير صفة المدعي والمنكر منهما عندئذ.
وأما مع التحفظ على مرتبة الدعوى ودلالتها، فلا معنى للأخذ بالأصل الجاري في مرتبة سابقة، من اجل تعيين المدعي والمنكر في المرتبة اللاحقة. بل لابد من لحاظ كل مرتبة في نفسها.
وذاك الأصل وان كان مؤثراً في هذه المرتبة، إلا أنه مخالف لمضمون الدعوى ودلالتها، فيكون الأخذ به انعكاساً للمجرى الطبيعي والحقيقي
ــــــــــــــــــــ[31]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
للدعوى.
الوجه الثالث: ان العرف الذي أخذنا منه تعيين معنى المدعي والمنكر نستطيع ان نأخذ منه المعنى الذي نبحث عنه. وقد قلنا اننا الآن نتحدث عن عرف غير ساذج. بل هو لابد وان يكون ملتفتاً إلى مثل هذه التدقيقات.
ولاشك ان العرف مع التفاته إلى ذلك يوافق على تطبيق المدعي والمنكر على الأصل الجاري في نص الدعوى المباشر ودلالتها المطابقية، لا الجاري في أسبابها. وهذا حدس عرفي يحصل منه الاطمئنان فيكون حجة.
الوجه الرابع: ذهاب مشهور الفقهاء إلى ذلك. اعني الاعتماد على الأصل الجاري في الدلالة المطابقية للدعوى. ويكون القول الآخر مخالفاً للمشهور، وان قال به عدد من الفقهاء. فإذا قلنا بأن الشهرة الفتوائية حجة في إثبات مدلولها، كانت هنا حجة كافية. إلا أن الصحيح هو عدم حجيتها على أي حال، مضافاً إلى ان المسألة من المسائل المتأخرة نسبياً. والشهرة ان كانت حجة، فهي الشهرة بين المتقدمين منهم, ولم يثبت إثارة هذه المسألة في ذلك الحين أصلا. فلا يكون هذا الوجه صحيحاً.
وإنما الاعتماد في إثبات المدعي الفقهي هنا يكون على أحد الوجوه الثلاثة السابقة.
تفاصيل أخرى :
عرفنا ما ثبت بالأخبار الصحيحة، بل لعله ثابت بضرورة الدين من أن البينة على المدعي، واليمين على المنكر أو المدعى عليه.
إلا أن هذا ليس دائماً، بل هو ثابت في أول طرح الدعوى أو الترافع وفي غير الدماء. فهنا أمران:
ــــــــــــــــــــ[32]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الأمر الأول: ان هذا ثابت في أول طرح الدعوى فإذا جاء الخصمان إلى القاضي، وعين هو المدعي منهما من المنكر، كان على المدعي جلب البينة. إن كانت الدعوى في غير الدماء. فان جلبها تم الحكم له، وانتهت المرافعة.
وان لم يكن للمدعي بينة، كان على المنكر اليمين بطلب من المدعي. وهي اليمين التي عرفناها فيما سبق وتحدثنا عنها في كتاب الأيمان. فان حلف المنكر على قوله سقط حق المدعي ظاهراً، وحكم القاضي في صالح المنكر.
وأما إذا امتنع المنكر من اليمين، وهذا ما يسمى بالنكول، فمن الفقهاء من يحكم بالنكول يعني يحكم لصالح المدعي ما دام المنكر قد نكل عن اليمين. وليس بمعتمد. بل تبقى القضية موقوفة، لأنها بدون بينة ولا يمين ولا يمكن البت فيها. وهذا راجع إلى اختيار الطرفين المتخاصمين لا إلى عجز القاضي.
نعم، للمنكر ان يرد اليمين على المدعي الذي لم يكن لديه بينة، فيطالبه بالقسم على مدعاه. فان أقسم ثبت مدعاه ظاهراً وحكم له القاضي. وان نكل عن اليمين سقط حقه لأنه هو صاحب الحق، وان ترك ترك، ونكوله ترك لمدعاه لا محالة.
وهل تصدق البينة ان أقامها المنكر، كما ذهب إليه سيدنا الأستاذ(1) واستدل عليه ببعض الروايات. أو لا تصدق كما عليه بعض الروايات الأخرى، كما أنه هو معنى اختصاص المنكر باليمين في الأخبار الصحاح؟ الحق هو الثاني وهو عدم قبول البينة من المنكر، والأخبار الدالة على القبول واردة مورد التداعي.
وذلك: أن القضية التي عليها الترافع قد تنحل إلى قضيتين متعاكستين، وتكون كل قضية منها نافية للأخرى. ويكون تبعاً لذلك: الأصل الجاري في
ــــــــــــــــــــ[33]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) مباني تكملة المنهاج ج1 ص45.
احداهما معاكساً للأصل الجاري في الأخرى.
ومن ثم يكون تعيين المدعي من المنكر متعاكساً فيهما أيضاً. فيكون كلا منهما مدعياً ومنكراً في مرافعة واحدة. والسر في ذلك كما اشرنا انحلال القضية الواحدة إلى قضيتين.
ومن هنا أمكن لكل منهما إقامة البينة وتقبل منه. كما ورد في الأخبار المشار إليها. كما يمكن لكل منهما اليمين مع عدم البينة لدى صاحبه.
ومن ذلك الخلاف بين اثنين في مال يكون تحت يد كليهما: أو لا يكون تحت يد أي منهما. فان قاعدة اليد في الأول جارية لهما معاً، وأصالة عدم الملكية في الثاني جارية لهما معاً أيضاً. لأن أي واحد منهما يثبت الملكية لنفسه وينفيها عن صاحبه. فيكون بهذا الأساس مدعياً والآخر منكراً، ولا حاجة إلى الدخول في هذه التفاصيل اكثر من ذلك.
الأمر الثاني: ان الدعوى في الدماء بعكس سائر الدعاوى من جهة البينة واليمين. فان البينة فيها على المنكر واليمين على المدعي, كما نصت على ذلك الأخبار الصحيحة الصريحة.
منها: صحيحة أبي بصير(1) عن أبي عبد الله قال: “ان الله حكم في دمائكم بغير ما حكم به في أموالكم. حكم في أموالكم: ان البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه”. وحكم في دمائكم ان البينة على المدعي عليه واليمين على من ادعى. لئلا يبطل دم امرئ مسلم. وغيرها من الأخبار.
ويحسن ان نتحدث عن مضمون هذه الرواية بعدة أمور:
الأمر الأول: انها صالحة للتخصيص للعموم الدال على ان البينة على من
ــــــــــــــــــــ[34]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: كتاب القصاص، أبواب دعوى القتل وما يثبت به باب 9 حديث4.
ادعى واليمين على من أنكر، تخصيصه بغير الدماء وتقديم الخاص على العام أمر صحيح وعلى القاعدة، كما ثبت في علم الأصول.
الأمر الثاني: انها تنص على ان البينة على المدعي واليمين على المنكر في الأموال الخاصة. فإذا لم تكن القضية لا من الأموال ولا من الدماء فماذا نفعل؟
وجوابه: اننا نتمسك عندئذ بإطلاق الدليل الدال على ان البينة على المدعي واليمين على المنكر. وهذه الرواية لا تدل على خلافه الا بشكل من أشكال مفهوم الوصف الذي لا نقول به. وذكر الأموال فيها يمكن حمله على الغالب في المرافعات.
الأمر الثالث: ان هذه الرواية تنص على العلة التي من أجلها تحول الحكم في المدعي والمنكر عن القاعدة العامة، فأصبح اليمين على المدعي والبينة على المنكر. وهو قوله : “لئلا يبطل دم امرئ مسلم”.
وهذا معناه: ان الأمر لو بقي في الدماء كغيره، بحيث تكون البينة على المدعي واليمين على المنكر لبطل دم كثير من القتلى المسلمين ولذهبت هدراً. ولم يمكن إثبات القاتل.
وهذا واضح لان حوادث القتل في الأعم الأغلب مبنية على الكتمان، بمعنى ان شخصاً لا يقتل شخصاً آخر بين جماعة مشاهدين له، بل ينعزل به في مكان خال كبستان أو صحراء أو غرفة ويقتله فيها حيث لا يراه أحد. وهذا ثابت لا محالة في نسبة عالية من حوادث القتل.
فإذا جاء ولي الدم، وقد يكون هو الولد الأكبر للمقتول، مطالباً بدم أبيه. وكان على المدعي إقامة البينة كما في سائر الموارد. إذن، فسوف يعجز الولد عن إقامة البينة في اغلب موارد القتل لعدم وجود الناس المشاهدين مع القاتل والمقتول. ومن هنا سيذهب دم هذا القتيل هدراً، بدون الانتقام من قاتله
ــــــــــــــــــــ[35]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
والقصاص منه.
وأما لو كان العكس في خصوص الدماء. فالولد المدعي بأن هذا قتل أباه، عليه اليمين، وسيأتي أسلوب اليمين التي يثبت بها القتل في كتاب الشهادات ان شاء الله تعالى.
وإجمالي الفكرة: أنه يستطيع أن يقيم (قسامة) وهي خمسون يميناً على أن هذا قتل هذا. فإذا تمت القسامة استطاع ولي الدم أخذ الحكم في صالحه. على تفاصيل سيأتي الحديث عنها مفصلا ان شاء الله تعالى.
الأمر الرابع: من الحديث عن هذه الرواية.
ان هذا الأسلوب المشار إليه في الرواية خاص بالدماء، وهو القتل، وغير شامل للجراحات وسائر أنواع الاعتداء.
ويمكن استفادة ذلك، بعد تسليم وضوحه فقهياً، بأحد أسلوبين:
الأسلوب الأول: ان الظاهر عرفاً من لفظ (الدماء) هو القتل وليس هو الجرح وان سال منه الدم. وهذا وجداني وعليه أمثلة عديدة في اللغة والعرف، مما لا حاجة إلى سرده.
الأسلوب الثاني: اننا لو تنزلنا عما قلناه في الأسلوب الأول واحتملنا عموم معنى الدماء للقتل والجروح معاً. فسوف نشك بعموم انعكاس الوظيفة بين المدعي والمنكر للجراحات وعدمه.
وقد عرفنا فيما سبق ان الدليل الدال على ان البينة على المدعي واليمين على المنكر له عموم وشمول كاف لكل القضايا إطلاقاً، ما لم يخرج شيء منها بدليل. والقدر المتيقن مما خرج بدليل هو الدماء، فتبقى الجراحات داخلة تحت عموم العام. فتكون البينة فيها على المدعي، كما في سائر الموارد.
ــــــــــــــــــــ[36]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وبتعبير آخر: ان المخصِص الدال على انعكاس الوظيفة بين المدعي والمنكر، مجمل دائر أمره بين الأقل والأكثر، يعني خصوص الدماء وهو القتل، أو ما يشمل القتل والجراحات. والصحيح في علم الأصول أنه في مورد المخصِص المجمل يكون العام حجة دون المخصِص في الزائد على القدر المتيقن. يعني: سيكون المطلوب في الجراحات إقامة البينة من المدعي دون العكس.
وعلينا ان نلتفت ان افتراض كون المخصِص مجملاً ناشئ عن التنزل عن الأسلوب الأول الذي قلناه، وإلا فذاك الأسلوب صحيح فلا يكون المخصِص مجملاً، بل هو خاص بالدماء وهو القتل رأساً، ولا يشمل الجراحات.
ولا حاجة إلى الدخول في شيء أكثر من التفاصيل.
ــــــــــــــــــــ[37]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فصل ولاية الفقيه
وهذا مبحث مهم نظرياً في الفقه وعملياً في الحياة. من حيث أنه يعطي الصلاحية – إن تمت وصحت– للفقيه الجامع للشرائط في ان يتصرف في المجتمع تصرف الحاكم في محكوميه. فان كان قد اعتزل عن ذلك فان ذلك من اجل ظروف معينة عامة أو خاصة. وإلا فمقتضى القاعدة ثبوت ذلك له.
وقد قال: بعموم الولاية عدد قليل من العلماء كالمحقق الكركي وبعض أساتذتنا. وكتب عن ذلك جماعة من العلماء المتوسطين والمتأخرين ومن أشهر من كتب: الشيخ الأنصاري في (المكاسب) والسيد محمد بحر العلوم في (بلغة الفقيه). ولم ير هذان المؤلفان عموم الولاية بعد تحقيقهم لأدلتها.
فمن هو الفقيه؟ وما هي ولايته؟
اما الفقيه فقد تم الحديث عنه في مبحث (الاجتهاد) في كتاب (الاجتهاد والتقليد) من هذا الكتاب. وتم الاستنتاج هناك على أنه هو الفقيه العارف، كما يعبر عنه في الأخبار أو هو الفقيه الجامع للشرائط كما هو المعبر به في لغة الفقهاء، ويريدون بها شرائط جواز التقليد التي هي: الإسلام والإيمان والعقل والحياة والذكورة والبلوغ والحرية والعدالة والاجتهاد والاعلمية، على تفصيل ليس هنا محله. وإنما ينبغي لنا هنا أن نأخذ معنى الفقيه مسلّماً ونتحدث عن
ــــــــــــــــــــ[38]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ولايته.
وأما معنى الولاية فيتم إيضاحه بالإشارة إلى أن الأعمال الموكولة شرعاً إلى الفرد قد تكون منقسمة إلى قسمين:
القسم الأول: ما كان مرتبطاً بشخصه وعائلته كالصلوات اليومية ووجوب النفقة ووجوب إطاعة الوالدين، ونحو ذلك.
القسم الثاني: الأحكام التي ترتبط بالفرد خارجاً عن نفسه وعائلته، وهذا على نحوين:
النحو الأول: ما يكون للآخرين فعل مقابل لفعل الشخص وتكون الفعالية مشتركة بينهما كالبائع والمشتري والمؤجر والمستأجر ومن إليهم.
النحو الثاني: ما لا يكون للآخرين أية فاعلية إلا من حيث الامتثال لأمر الآمر. من حيث وجوب طاعته وتطبيق أمره، وعدم جواز عصيانه ومناقشته. وهذا هو المقصود بالولاية إجمالا. على أن نفهم العموم للأحكام التكليفية والوضعية الصادرة عن الولي. على إيضاح سيتم تدريجياً من خلال هذا الفصل.
والولاية ليست خاصة بالفقيه، بل هي ثابتة إجمالا لأشخاص عديدين داخلين تحت عناوين متعددة، كولاية الأب على ابنه والزوج على زوجته والمولى على عبده والوصي على الموصى عليه. إلى غير ذلك. إلا ان هذه كلها غير مرتبطة بالفقيه كما هو ظاهر، وغير واسعة لكل الناس بل محدودة بين شخصين أو نحو ذلك. وهي خارجة عن محل حديثنا الآن، لأننا سنكرسه عن ولاية الفقيه بالخصوص.
وقد وجد المؤلفان المشار إليهما فيما سبق: (الأنصاري وبحر العلوم)، حاجة إلى التعرض أولا إلى مقدار ولاية الأنبياء والمعصومين جميعاً
ــــــــــــــــــــ[39]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وسرد الأدلة على ذلك، وإنها هل هي ولاية عامة لكل الأمور أو خاصة ببعضها.
إلا أننا لا نجد تلك الحاجة، لان الأنبياء السابقين على الإسلام، قد نُسِخت شرائعهم وبُدِّلت تعاليمهم إلى تعاليم الإسلام. فالكلام عن مقدار ولايتهم ودليلها إتعاب للنفس بلا موجب وتطويل بلا طائل.
واما الحديث عن عموم ولاية المعصومين بعد الإسلام، فنحن لا نريد ولا يريد أي فقيه ان يفرض الحكم الذي يستنتجه على الإمام المعصوم نفسه، فيقول له: ان ولايتك عامة أو خاصة. فان المعصوم أعلم بتكليفه وحاله أمام الله سبحانه ورسوله.
وإنما نريد أن نجد مدى شمولها لكي نتساءل عن إمكان إثبات مثلها للفقيه الجامع للشرائط أم لا. وسيأتي بعد قليل ان ولاية المعصومين ثابتة على أوسع نطاق. وليس كذلك ولاية الفقيه، ولم يقل بذلك أحد على الإطلاق.
فان الولاية المتصورة للولي على الآخرين يمكن أن تكون على مراتب عديدة من حيث السعة أو الضيق ويمكن حصر أهم أقسامها فيما يلي:
القسم الأول: ولاية الولي على الناس من جميع الجهات سواء في الفتوى أو القضاء أو الأمور العامة. أو الأمور الشخصية، بل حتى الحالات الشخصية المنافية للمصلحة الشخصية بل المنافية للمصلحة العامة.
فلو قال الولي للفرد: اقتل نفسك أو طلق زوجتك أو أعط جميع أموالك أو اتلف جميع ممتلكاتك، وجبت طاعته. ولو طلق الولي زوجته أو أعتق عبده بدون إذنه نفذ الطلاق والعتق، وكذلك لو باع ممتلكاته وهكذا.
وهذا المعنى من الولاية مما لم يقل به أحد للفقيه، بل لعل عدمه من الضروريات، ومعقد الإجماع.
ــــــــــــــــــــ[40]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ولكننا نرى أنه ثابت للمعصومين ، نظرياً. الا أنه من الناحية العملية لابد فيها من بعض التحفظات:
أولا: ان المعصوم لا يخالف المصلحة العامة، ولا يضر بالمصلحة الخاصة. وان كان له صلاحية ذلك نظرياً.
ثانياً: ان المعصومين في تاريخهم لم يطبقوا كثيراً من أشكال هذه الولاية وأنواعها نظراً للظروف الصعبة والضيقة التي عاشوها.
ثالثاً: أن ثبوت تلك الولاية لا ينافي وجود أحكام أخرى في ذمة المعصوم لابد له من ملاحظتها عند التفكير في تنفيذ بعض تطبيقات ولايته.
فمثلا: إذا كان ينتج من التصرف مفسدة عامة أو إيقاع شك في العقيدة أو ضرر شخصي بليغ بلا مبرر شرعي أو عقلائي، كان ذلك التصرف حراماً عليه.
وكذلك الحال في مسائل الضمان، فلو قلنا بجواز إتلافه لأموال الغير بلا مبرر لم نقل ببراءة ذمته للمال المضمون، بل يجب عليه دفع مثله أو قيمته إلى صاحبه. واما مع وجود المصلحة لذلك فلا يضمن جزماً.
وكذلك الحال في المعاملات، فان المعصوم لا يستطيع شرعاً ان يبيع أو يشتري أو يقترض بعقد فاسد أو بالربا أو مع طرف لا صلاحية له بالتعامل… إلى غير ذلك من الأمثلة. ولا يمكن ان تكون ولايته العامة مبرراً شرعياً كافياً لأي شيء من ذلك.
القسم الثاني: الولاية بنفس الشمول السابق لكنه مشروط بوجود المصلحة. ومعه ترتفع التقييدات السابقة للقسم الأول. وبهذا يكون هذا القسم ثابتاً للمعصومين بكل وضوح وبدون أي إشكال.
وكذلك من قال بالولاية العامة للفقيه، على أوسع وجه، فانه يقول بمثل هذا المستوى من الولاية. فان استطاع ذلك الفقيه ان ينفي المستوى الأول عن
ــــــــــــــــــــ[41]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
المعصومين، ولن يستطيع، فان ولاية الفقيه عندئذ ستكون مماثلة لولاية المعصومين .
القسم الثالث: الولاية بنفس المستوى السابق أعني للقسم الثاني لكنها مشروطة بعدم وجود ولي آخر خاص، كالابن القاصر مع وجود أبيه أو وصيه وكالوقف مع وجود المتولي وكالعبد مع وجود المولى. فان مثل هذه الموارد تكون خارجة عن الولاية في حدود المفهوم من هذا القسم.
وينتج من ذلك: أنه إذا تعارض حكم الولي العام بهذا المعنى وحكم الولي الخاص كولي الوقف أو غيره، فان الحكم النافذ شرعاً يكون للولي الخاص، ولا يكون للولي العام أثر، لأن حجية حكمه مشروطة بعدم وجوده.
نعم، إذا فقدت هذه الموارد وأمثالها ووجود الولي، كان للولي العام ولياً عليها، وثم قيل: الحاكم ولي من لا ولي له.
القسم الرابع: الولاية في حدود المصلحة العامة دون الخاصة.
ونقصد هنا بالمصلحة الخاصة: الأمور التي تعود إلى الأفراد، والتي اشرنا إليها خلال الحديث عن القسم الثالث السابق ويتحصل مما سمعناه من ان الحاكم ولي من لا ولي له. ففي حدود هذا القسم لا تكون هذه الولاية ثابتة للولي العام، بل تكون ثابتة للأفراد أو لمؤسسات معينة دون الولي العام.
ونقصد بالمصلحة العامة: تلك الأمور العامة والاجتماعية التي يتعذر على الأفراد القيام بها باستقلالهم، أو قل بدون توجيه مركزي أو قيادي أو إدارة عامة كالجيش والشرطة والسجون والصحة العامة والمدارس, والبريد وغيرها كثير.
ولا تخلو هذه الأمور بدورها من مصالح خاصة، لأنها على أي حال تتكون من أفراد لهم مصالحهم. إلا ان مثل هذه المؤسسات لم يعين لها شرعاً وقانوناً ولي مشرف عليها ومدير لأمورها إلا الولي العام، بخلاف الأوقاف
ــــــــــــــــــــ[42]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الخاصة واليتامى وأضرابهم.
وفي حدود هذا القسم لابد من القول باقتصار الولاية على ذلك دون الولايات الخاصة المدلول عليها بقولنا: الحاكم ولي من لا ولي له.
وهذا الشكل من الولاية وان مارسته عدد من الحكومات في التاريخ، ولكنه بمعناه المحدود المشار إليه، غير ثابت للفقيه. إذ على تقدير ثبوته لا إشكال من ثبوت الولايات الخاصة له. أو هي بدون الولاية العامة. أما ثبوت الولاية العامة دون الخاصة، فهو غير محتمل.
القسم الخامس: الولاية في حدود المصالح الخاصة دون العامة، بمعنى أنه ولي من لا ولي له في حدود الأوقاف والأيتام وأضرابهم التي فقدت أولياءها.
وهذا، كأنه القدر المتيقن من ولاية الفقيه، بحيث لا يحتاج إلى استدلال، بل يكفي فيه العمومات الدالة على مطلق الولاية، لأن هذا هو المتيقن منها، فان تلك العمومات ان لم تكن دالة على الولاية العامة، فهي دالة على هذه الولاية الخاصة على الأقل.
هذا، ولكن بعض الفقهاء، حاول الاستدلال عليها بأدلة خاصة بمواردها بعد استضعاف الأدلة الدالة على الولاية العامة سنداً أو دلالة.
ومن الممكن القول: ان المشهور جداً بل الإجماع قائل بثبوت مثل هذه الولاية للفقيه، وان من ينكرها شاذ فيهم. وان كان بعض مواردها فقهياً أوضح وأشهر من بعض. وسيأتي التعرض لها.
القسم السادس: الولاية على القضاء مع جميع نتائجه.
ونقصد بالنتائج تنفيذ العقوبات المالية والجسدية التي يتم التوصل إليها والحكم بها. وهذا معناه ان للفقيه إقامة الحدود والتعزيرات وأخذ الديات
ــــــــــــــــــــ[43]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ونحو ذلك.
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى اننا ينبغي أن نعزل هذا القسم عن الثالث أو الرابع مثلا, بمعنى أننا هنا نخص ولاية الفقيه بالقضاء ونتائجه دون الأمور العامة والخاصة الأخرى, ولا أحسب فقيهاً يخص الولاية بذلك دون ان يضيف إليها الولاية على المصالح الخاصة التي تحدثنا عنها في القسم الخامس. بل ان هذه أوضح ثبوتاً في الفقه من الولاية على إقامة الحدود والتعزيرات.
القسم السابع: الولاية على القضاء فقط، دون نتائجه. فيكون للفقيه الحكم بعد النظر في قضايا المتخاصمين، ولا يكون له تنفيذ الحكم, وإنما يوكل ذلك إلى نفس المتخاصمين إذا أمكن، كالأمور المالية أو يوقف تنفيذه إذا لم يمكن، كالحدود والتعزيرات.
ولعل من الفقهاء من يقتصر على هذا المقدار، من الولاية، بصفته القدر المتيقن من الأدلة الدالة على الولاية. كقولهم : (جعلته قاضياً) أو (جعلته حاكماً)، على ما سنسمع، فانه لا يتضح بها بالنص، ان للفقيه بعد ذلك أن ينفذ أحكامه.
وهذا القسم من القضاء يقيني الثبوت للفقيه في أدلته، وهو غير خاص بالأعلم، بل يشمل كل المجتهدين، على ما سنسمع. إلا ان المسلك الفقهي بالاعتراف بثبوتها دون الولاية على المصالح الخاصة (القسم الخامس) والفتوى، بما لم يقل به أحد فيما أعلم.
القسم الثامن: الولاية بمعنى ضم القسم السابع إلى السادس. فيكون للفقيه الولاية والإشراف على المصالح الخاصة مع القضاء. دون غيرها, مما هو أوسع منها من أنحاء الولايات التي سمعناها.
فان ضممنا إليها حجية الفتوى، كان ذلك هو المشهور بين المتأخرين بل
ــــــــــــــــــــ[44]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
بين الفقهاء أجمعين، وهذا الضم أعني ضم الفتوى ضروري، إذ بدونها مما لم يقل به أحد.
وهذا القسم يعني عدم وجود الولاية العامة للفقيه، فانه إنما يراد بالولاية العامة غير ذلك، كالذي قلناه في القسم الثاني أو الثالث أو الرابع السابقة. وأولى من ذلك ما إذا نفينا كل الأقسام عن الفقيه، وخصصناه بحجية الفتوى فقط: إذ نكون قد نفينا عنه الولاية العامة أيضاً، كما نفينا غيرها. وحجية الفتوى لا يعدها الفقهاء من أقسام الولاية، وان كان ذلك لا يخلو من نظر، ولكن ثبوتها له لا يتوقف على شمول معنى الولاية لها على أي حال.
والاستدلال على حجية الفتوى ليس في كتاب القضاء الذي نحن فيه، بل اما في كتاب الاجتهاد والتقليد من الفقه، أو في نفس العنوان حين يذكرونه في علم الأصول. وان كان هو في الواقع موضوع فقهي، لا أصولي.
وبهذا توصلنا إلى أن أقسام الولاية المتصورة ثمانية، لم نذكر منها الفتوى، لأنها ليست من الولاية باصطلاحهم كما قلنا. إلا اننا عرفنا أيضاً ان بعض الأقسام ليست حقيقية عملياً بحيالها واستقلالها، وإنما الذي يتم منها في أقوال الفقهاء ما يلي:
أولاً: القسم الثاني: وهو جميع أنواع التصرف مع وجود المصلحة.
ثانياً: القسم الثالث: وهو جميع أنواع التصرف مع وجود المصلحة وعدم وجود ولي آخر خاص بالمورد.
ثالثاً: القسم الخامس: وهو ولاية المصالح الخاصة، وبخاصة تلك الخالية من وجود ولي في موردها.
رابعاً: القسم السادس: وهو تولي القضاء مع نتائجه.
خامساً: القسم الثامن: وهو تولي القضاء مع ولاية المصالح الخاصة.
ــــــــــــــــــــ[45]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
هذا وقد يكون الفقيه ولياً (خاصاً) كما لو كان متولياً لوقف معين أو أبا أو مولى لعبد. إلا أن هذه الولايات لا تثبت له بصفته فقيهاً بل بصفته مسلماً, ومن هنا تعم سائر المسلمين ولا تخصه. ومن هنا لا تذكر عادة خلال الحديث عن ولاية الفقيه.
نعم يخصه مما يشبه ذلك: الولاية على الوقف الذي ليس عليه ناظر أو القاصر الذي ليس عليه وصي، فان هذا المعنى مندرج في الأقسام السابقة من ولايته . بصفته ولي من لا ولي له.
ولا شك ان الأقسام بالتعداد الأخير، مندرج بعضها في بعض، بمعنى أن اللاحق مندرج في السابق أو اخص منه. إلا القسم الخامس فانه اخص من بعضها لا من جميعها.
كما ان الاصطلاح الفقهي منعقد على ان الدليل إذا تم على أحد الشكلين الأولين من الخمسة للفقيه فقد قلنا بالولاية العامة. وان نفياهما فقد نفينا الولاية العامة حتى وان أثبتنا له أنحاء أخرى ضيقة أو صغيرة من الولاية في بعض الموارد أو الحقول.
والمهم الآن هو صرف عنان الكلام إلى الحديث عن الأدلة الدالة على الولاية لنراها أو المهم منها أولا، ونرى مقدار دلالتها ومحتواها ثانياً.
ومقتضى التسلسل المنطقي أو المنهجي هو البدء بالاستدلال على الولاية العامة بالمعنى المشار إليه. فان تم عليه الدليل، فهو المطلوب، وإلا كان لابد لنا أن نفحص عن البديل الأصلح لذلك: وان ولاية الفقيه ان لم تكن عامة، فبأي حد هي محددة ومقيدة والى أي مقدار هي ممتدة وصحيحة. وبالنتيجة سوف نختار عندئذ أحد المعاني الثلاثة الأخيرة من الخمسة أو ما يقرب إليها في المضمون.
ــــــــــــــــــــ[46]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
أدلة الولاية العامة
ويتصدر هذه الأدلة تلك الرواية المسماة بمقبولة (عمر بن حنظلة).
وهي ما رواه الكليني بسند صحيح عن عمر بن حنظلة(1) قال: “سألت أبا عبد الله عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو في ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحل ذلك. قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت. وما يحكم له، فإنما يأخذ سحتاً وان كان حقاً ثابتاً له. لأنه أخذه بحكم الطاغوت. وما أمر الله ان يكفر به، قال الله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ.
قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم، ممن روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فاني قد جعلته حاكماً. فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد. والراد علينا راد على الله. وهو على حد الشرك بالله”. الحديث.
وهي واضحة بغض النظر عن المناقشات الآتية، بالمطلوب وذلك في قوله: (فإني قد جعلته حاكماً). والإمام المعصوم له أن ينصب الحاكم. والحاكم يعني المتصرف في كل الأمور التي تتعلق بها المصالح العامة والخاصة، حسب إطلاقه.
بل زاد في التأكيد وهو أن الرد على حكمه وعدم تنفيذه والاستهانة به رد على الله، وهو على حد الشرك بالله. لأنه ينافي تنصيبه حاكماً من قبل المعصومين . فعصيانه عصيان لهم وعصيانهم عصيان لربهم العظيم تبارك وتعالى.
الا ان ما قيل أو يمكن أن يقال في مناقشته الاستدلال بهذه الرواية عدة
ــــــــــــــــــــ[47]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي. باب 11. حديث 1.
أمور:
المناقشة الأولى: الطعن بالرواية سنداً. فانها صحيحة السند إلى عمر بن حنظلة. وأما هذا الرجل نفسه فهو ممن لم يوثق. فتكون الرواية حسنة أو ضعيفة فلا تكون حجة.
وقد أجيب عن هذه المناقشة بعدة وجوه أهمها أمران:
الأمر الأول: انها وان لم تكن صحيحة، إلا ان الفقهاء تلقوها بالقبول، ومن هنا سميت بالمقبولة وعملوا بمضمونها، وعمل المشهور جابر لضعف السند.
إلا أن هذا الأمر لا يتم لأمرين على الأقل:
الأول: ان عمل المشهور غير جابر للسند، على ما هو الصحيح المحقق في علم الأصول.
الثاني: أن المشهور لم يعمل بها. لأن العمل يعني الالتزام بالولاية العامة على معناها الواسع وهو غير مشهور بل لعله على خلاف المشهور.
وأما عمل المشهور ببعض مضامينها الأصغر والأخص. فهذا صحيح. الا ان هذه المضامين ليست خاصة بهذه الرواية بل هو مما دلت عليه روايات عديدة. فلم يثبت عمل المشهور به من اجل هذه الرواية خاصة، حتى يكون عملهم جابراً لسندها.
الأمر الثاني: ان عمر بن حنظلة ممن يؤخذ بروايته وليس ضعيفاً ولا حسنا. بل هناك ما يدل على وثاقته وان لم يكن بصيغة صريحة. كما هو معلوم في علم الرجال مما لا مجال للدخول في تفاصيله. ومعه تكون الرواية معتبرة سنداً. وهذا صحيح.
ــــــــــــــــــــ[48]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
المناقشة الثانية: احتمال ان يكون المراد هو تنصيب الفقيه في منصب القضاء لا الولاية العامة. وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
ويدعم هذا الاحتمال عدة أمور في الرواية، يصلح كل منهما ان يكون مناقشة مستقلة لها، الا أننا نذكرها مندرجة في المناقشة الثانية تنظيماً لمنهج البحث:
الأمر الأول: ان السؤال الأساسي في الرواية إنما هو عن الخلاف في دين أو ميراث. وإذا كان السؤال خاصاً بذلك كان الجواب خاصاً به بالقرينة المتصلة.
ونحن نعرف أن الذي يحسم الخلاف في أمثال هذه الأمور إنما هو القاضي لا الولي العام.
والجواب عن ذلك من وجوه نذكر منها اثنان:
الوجه الأول: إن فض المنازعات كما يقوم بها القاضي قد يقوم بها الولي العام أيضاً. ولا فرق في ذلك عقلائياً ولا شرعاً. ومن هنا نصت الرواية في السؤال عن انهما تحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة. والسلطان هو الولي العام اجتماعياً. وان لم تصح ولايته شرعاً. والنهي عنه في الرواية لأجل ذلك لا لأجل استنكار الرجوع إليه بصفته سلطاناً.
الوجه الثاني: ان الجواب قد يأتي زائداً على السؤال، وهذا موجود عقلائياً ومتحقق في كثير من الروايات. ويقال في اصطلاحهم عندئذ: ان الإمام تبرع بذكر كذا وكذا.
وهذه الرواية بنفسها فيها زيادات مهمة في الجواب منها: ذكر صفات الفقيه والتشديد على الرد عليه. والاستشهاد بالقرآن الكريم على حرمة الرجوع إلى غيره.
ــــــــــــــــــــ[49]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ومن هنا فمن المحتمل ان تكون هناك زيادة أيضاً من حيث المضمون المحتاج إليه في السؤال، ونحن نعلم أن المشكلة المسؤول عنها سوف تتذلل وتزول، سواء كان المنصوب قاضياً أو ولياً عاماً. لوضوح ان كليهما قادر على القضاء.
كل ما في الموضوع اننا ينبغي أن نستفيد من لفظ (حاكم): الولي العام لا خصوص القاضي وهذا ما سنراه في الأمر الآتي.
الأمر الثاني: ان قوله : (فإني قد جعلته حاكماً). إما ان يكون ظاهراً في خصوص القضاء أو محتملا له. وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال. وخاصة مع كون السؤال الأساسي إنما هو عن أمر قضائي.
وهذه المناقشة، وان بدت أساسية في أذهان العديد من الفقهاء المحتاطين غير القائلين بالولاية العامة. إلا انها ليست بشيء على الإطلاق.
لوضوح الفرق الأساسي لغة وعرفاً بين مفهوم الحاكم ومفهوم القاضي. والمأخوذ في الرواية هو الأول دون الثاني. كما ان ما هو الحجة في فهم الكتاب والسنة هو اللغة والعرف.
وغاية ما يمكن ان يجعل قرينة على ان المراد به مجرد (القاضي) أمران:
أحدهما: كون السؤال الأساسي في الرواية عن المنازعة. وهي إنما تعرض على القاضي عادة.
وقد عرفنا جواب ذلك وأن الولي العام قادر على فض المنازعة كالقاضي بل لعله أقدر منه على ذلك.
وبتعبير آخر: أنه كما يمكن جعل السؤال كقرينة متصلة على الجواب، كذلك يمكن جعل الجواب قرينة متصلة على السؤال. وان الإمام لعله فهم منه ما هو أشمل من مجرد المنازعة في دين أو ميراث. ولذا تصدى إلى نصب
ــــــــــــــــــــ[50]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(الحاكم) دون (القاضي) وعلى أي حال، فليست إحدى القرينتين أولى من الأخرى.
ثانيهما: مما يمكن جعله قرينة.
قوله : (فإذا حكم بحكمنا). والحكم خاص بالقاضي. إذن، يكون قرينة متصلة على ارداة القاضي من لفظ الحاكم.
والجواب: ان هذا أردأ من سابقه. وذلك على مستويين:
المستوى الأول: ان الحكم كما يصدر من القاضي يصدر من الحاكم أو الولي العام، ولهما نفس الأهمية الشرعية على تقدير حجيتهما. بل صدق عنوان الحكم على أوامر الولي العام أوضح لأنها اشمل اجتماعياً وليست بين اثنين فقط. كما انها مدعومة بنظام عام. كما أن الولي العام يستطيع ان يمارس القضاء أيضاً كما قلنا.
المستوى الثاني: ان تخيل صدور الحكم من القاضي وان كان واضحاً في أذهان الفقهاء والقانونيين. إلا أنه مأخوذ فقهياً من هذه الرواية بالذات وبعض ما قاربها في المضمون، مع أن كلامنا الآن فيه فأخذه مسلّماً يكون مصادرة على الموضوع.
وأما إذا استعرضنا الروايات الكثيرة الواردة في المرافعات المعروضة على المعصومين وخاصة الإمام أمير المؤمنين ، فإننا لا نجد فيها إطلاقاً معنى الحكم، بل كان الإمام ينفذ الحكم بدون تلفظ بمضمونه أو إلباسه أهمية خاصة، كما هو المركوز فقهياً.
مما يتبين ان حال القضاء كغيره من الأمور الشرعية، فكما أنه إذا ثبت دخول وقت الصلاة وجبت الصلاة. كذلك إذا ثبت لدى القاضي ان هذا دائن وهذا مدين، وجبت على المدين ان يدفع المال إلى الدائن، كأي موضوع
ــــــــــــــــــــ[51]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ومحمول في الشريعة، ولا يحتاج إلى توسط ما يسمى بالحكم، وهذا لا يعني عدم جوازه، بل يعني عدم وجوبه، وعدم الضرورة إليه.
وأنا أتحدى أي فقيه أو قانوني ان يأتي بأي رواية فيها معنى الحكم القضائي من قبل المعصومين . وهذه كتب الحديث بين أيدينا وأيديهم.
بل المراد بالحكم: الأوامر والنواهي العامة ذات المصلحة العامة التي تصدر من الولي العام. اما بصفتها (فتوى) فانها شكل من أشكال الحكم، واما بصفتها (أمر مولوي) فانه الشكل الآخر للحكم الذي يكون حجة بدوره.
وهذا كما هو واضح، مما يؤيد أن قوله: (فإذا حكم بحكمنا)، يكون قرينة متصلة على نصب الولي العام دون القاضي، فهو على خلاف مقصود المستشكل أدل.
المناقشة الثالثة: للرواية أساساً:
ان قوله : (فليرضوا به حكماً). . دال على نصب القاضي لا الوالي العام. لأمرين على الأقل:
الأول: ان الولي العام لا يكون بالتراضي بل بفرض الحكم الشرعي وحجيته على الجميع.
الثاني: ان التعبير بالحكم عن الولي غير سائغ عرفاً. وان كان التعبير بالحاكم عنه ممكناً.
ومن هنا قد نجعل لفظ (الحكم) قرينة متصلة على أن المراد من الحاكم هو خصوص القاضي. نعم إذا انتفت دلالته، كما سترى، يبقى ما سبق أن سمعناه ساري المفعول.
ويدعم ذلك أمران أيضاً:
ــــــــــــــــــــ[52]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الأول: ان لفظ الحكم بنفسه ظاهر بقاضي التراضي، وهو من يتراضى عليه المتخاصمان مهما كان عمله الأساسي، وهذا موجود في كثير من المجتمعات العقلائية. ويصطلح عليه في اللغة العربية بالحكم.
الثاني: ان قوله : (فإني قد جعلته حاكماً)، يعود الضمير فيه إلى (الحكم) هذا. إذن يكون النصب للحاكم بعد التراضي لا في المرتبة المتقدمة عليه، باعتبار أن مجرد التراضي بالفرد، قد لا يكون كافياً للحجية، فيدعمه الإمام : بأنه قد جعله حاكماً، يعني ان يكون حكمه حجة.
الا ان هذه الأمور لا تتم. وسنناقشها بعد التعرض إلى مناقشة الأمر الأساسي في هذه المناقشة الثالثة، وهو قوله: (فليرضوا به). الدال على أنه من قبيل التراضي. وليس من قبيل القاضي المنصوب، فضلا عن الولي العام.
وهذا لا يتم تماماً لعدة أجوبة نذكر منها:
الجواب الأول: ان الأمر بالرضاء ظاهر وواضح بالرضاء بالحكم الشرعي بنصب الحاكم. فان الرعية إذا لم ترض بهذا الحكم لم تطع الحاكم المنصوب، مما ينتج منه أسوأ النتائج. إذن، فلابد من الرضاء بالحكم الشرعي هذا على حد الرضاء بكل الأحكام الشرعية، والتسليم بصحتها وحجيتها.
ولو أراد (قاضي التراضي) لقال: فليتراضوا ولم ويقل: فليرضوا: وما اشد الفرق بينهما هنا. لأن التراضي في قوله: فليتراضوا هو تبادل الرضا من الخصمين، وأما الرضا فهو باب آخر ليس فيه مبادلة أو تبادل، ومن هنا لا يكون مرتبطاً بالخصمين بل بالحكم الشرعي أساساً.
الجواب الثاني: ان الإمام لو أراد الخصمين لأشار إليهما بضمير التثنية فقال: (فليرضيا به حكماً). ولم يستعمل ضمير الجمع، مع أنه استعمله. الأمر الذي يدل على عدم ارتباط هذا الأمر بالخصمين خاصة بل بكل المجتمع
ــــــــــــــــــــ[53]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
عموماً.
وهذا معناه بوضوح عدم قصد قاضي التحكيم بل ولا القاضي المنصوب، بل الولي العام.
وإسناد ضمير التثنية إلى الجمع، وان كان ممكناً أحياناً. إلا أنه مجازي في اللغة والحمل على المجاز خلاف الظاهر ما لم تقم عليه قرينة واضحة. ونحن هنا نريد أن نجعله قرينة على غيره، لا أن نجعل غيره قرينة عليه.
هذا، وإذا أمكننا الدمج والتوحيد بين الجوابين الأخيرين كان الأمر أوضح، لأن المراد ان كان هو قاضي التحكيم كان لابد من التعبير: فليتراضيا. مع أنه عدل عن الهيئة وعن الضمير معاً فقال: “فليرضوا”. الأمر الذي يبعد به عن قاضي التحكيم.
وأما مسألة عود الضمير في قوله: (فإني قد جعلته حاكماً) على قاضي التحكيم أو (الحكم). فهو واضح البطلان بل هو عائد على (الفقيه العارف) الموصوف بالصفات السابقة على هذه العبارة في الرواية. الأمر الذي يجعل لفظ الحاكم قرينة على لفظ الحكم دون العكس. وهذا بنفسه يبعد احتمال أو ظهور لفظ الحكم بقاضي التراضي أو التحكيم. وتعارفه ما بين المجتمعات لا يعين أرادته هنا. ولا اقل من الاحتمال الذي يبطل الاستدلال.
وأما ما قاله صاحب المناقشة من ان الولي العام لا يعبر عنه بالحكم وان عبروا عنه بالحاكم. فهذا منقوض على عدة مستويات:
المستوى الأول: ان الحكم والحاكم من مادة واحدة وهو من يمكن أن يصدر منه الحكم فاختصاص الحكم بمعنى معين هي حصة من مطلق الحاكم، محل نظر. فتأمل.
المستوى الثاني: ان حكم التراضي لا يختص بالمرافعات بل يشمل سائر
ــــــــــــــــــــ[54]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الأمور المعقدة في المجتمع، وهو لم يعبر: بقاضي التراضي بل بالحكم فيعم معناه أموراً كثيرة تجعله اقرب إلى الولي العام.
المستوى الثالث: جعل لفظ الحاكم قرينة على المراد من الحكم, فانه ليس أولى من العكس كما هو واضح.
المستوى الرابع: أن قاضي التحكيم ليس لابد عرفاً أن يكون عارفاً لكل الحلال والحرام بل يكفي فيه مجرد التراضي, مع شيء من الثقافة العامة لديه.
مع العلم أنه موصوف بالرواية ومشروط بأن يكون فقيهاً عارفاً. ومن الواضح فقهياً ان الفقيه يمكن أن يكون قاضياً وان لم يتراض به الخصمان. إذن فقوله: (فليرضوا به). . أعني عود الضمير إلى الفقيه العارف يكون قرينة على أن المراد من الرضا ومن الحكم غير ما تخيله المستشكل.
المستوى الخامس: قوله (فإذا حكم بحكمنا). ومن المعلوم أن حكمهم ليس واحداً ولا في حقل واحد. بل يشمل الأحكام الشرعية كلها. سواء كانت قضائية أم لم تكن. وليس هناك قرينة على ان المراد من حكمهم هو خصوص الحكم القضائي. إلا بجعل الألفاظ السابقة قرينة عليه. وقد عرفنا حالها، وليست جعل القرينة من هذه الجهة بأولى من العكس.
ومن الواضح عدم اختصاص ما ذكره من التشديد على أهمية حكم الحاكم، بالقاضي أو بالحكم القضائي. بل يشمل كل الأحكام الشرعية التي يفتي بها أو يعبر عنها الفقيه العارف أو الولي العام.
ولا ينبغي الإفاضة في مناقشة هذه الرواية اكثر من ذلك. حفظاً على مستوى هذا الكتاب بل هو موكول إلى محله من الفقه.
والى هنا فقد صحت لدينا هذه الرواية سنداً ودلالة في إثبات الولاية العامة إجمالا. اما حدود هذه الولاية بحسب الدقة، فهذا ما سنعرضه بعد الانتهاء من
ــــــــــــــــــــ[55]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
سرد أهم الأدلة على الولاية العامة، كما نحن بصدده الآن.
ومن الروايات المستدل بها على الولاية العامة ما أخرجه ابن شعبة الحراني في تحف العقول(1) من قول الإمام الحسين وهو في صدد موعظة طويلة له. يقول: “بأن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله. الامناء على حلاله وحرامه”.
وفهم المطلوب منها واضح لأنها أوكلت مجاري الأمور، وهي كل حوادث المجتمع أو المجتمعات على الإطلاق، كما أسندت الأحكام يعني معرفتها من ناحية وتطبيقها على مجاري الأمور من ناحية أخرى، أسندت كل ذلك إلى العلماء بالله. وفسرت هؤلاء العلماء بأنهم الامناء على حلال الله وحرامه. وليس أولئك الا الفقهاء العارفين.
الا ان للاستدلال بهذه الرواية مجال واسع للمناقشة من عدة نواحي نذكر أهمها:
المناقشة الأولى: ان هذه الرواية ساقطة سنداً تماماً. فانها خالية من السند بالمرة، ومعه تكون من اشد المراسيل إرسالا، فلا تكون حجة. وهذه مناقشة لا مناص منها.
المناقشة الثانية: أنه يمكن فهم الرواية فهماً عرفياً معمقاً، وتكون بذلك الفهم بعيدة عن الاستدلال على ما هو المقصود الآن فقهياً.
وذلك، أنه قال: (بيد العلماء بالله). ومن الممكن القول ان هذا العنوان لا يصدق على الفقهاء، بل على المعصومين أو الأولياء الذين عرفوا الله حق معرفته. ووصلوا إلى الدرجات العلى. وأما مجرد كون الفرد فقيهاً، فلا يجعله
ــــــــــــــــــــ[56]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: ط النجف ط4 ص169، وانظر ط طهران عام 1377 ص238 والمكاسب جـ9 ص325. وهامش بلغة الفقيه جـ3 ص230. وفيه: على الحلال والحرام. والظاهر انه نقل بالمعنى.
من العلماء بالله.
ومن المعلوم ان هؤلاء من ذوي المراتب الإلهية العالية، يتصفون بأن مجاري الأمور بيدهم، وإنهم أمناء الله في أرضه على أحكامه وحلاله وحرامه.
وقد يجاب على ذلك: ان ذكر الحلال والحرام في الرواية قرينة على أن المراد هو الفقهاء، لأنهم الذين تحملوا علم الحلال والحرام. ومعه يكون ذلك قرينة متصلة على ان المراد من العلماء بالله : الفقهاء.
إلا ان ذلك لا يخلو من إشكال لأنه قال: (الأمناء على حلاله وحرامه). ولم يقل العالم بذلك أو العارف به أو المطلع عليه. والفقيه عالم بالحلال والحرام، ولكن أمانته عليه بمعنى كونه لا يستعمله ولا يطبقه إلا بحقه ومرضاة ربه، ليست محرزة. لأن مجرد كون الفرد فقيهاً لا يعني كونه أميناً، وان كان هناك عدة من الفقهاء أمناء. إلا أنه قد يوجد من الفقهاء من يكون على خلاف ذلك.
وعلينا أن نلتفت: أن مجرد كون الفرد فقيهاً يعني كونه عالماً بالحلال والحرام. ولكنه لا يعني كونه أميناً على الحلال والحرام. وهذا هو الفرق الأساسي بينهما، في حين كون الفرد عالماً بالله بالمعنى السابق يعني تماماً كونه أميناً على الحلال والحرام، لأنه لا يصل إلى تلك المرتبة إلا بعد تحصيل الإخلاص التام وطهارة الروح. فلا يحتمل في حقه أن لا يكون أميناً.
المناقشة الثالثة: أنه يمكن القول: ان الحديث ظاهر بأن الأحكام بيد العلماء يتصرفون بها كما يشاؤون حسب ما يرون من المصالح. كما ان مجاري الأمور بيدهم يتصرفون بها حسب المصلحة.
وهذا المقدار من السعة في صلاحيات العلماء غير محتمل، فإن الفقيه مقيد في التعرف على الأحكام بما يفهمه من مصادره الأصلية: الكتاب والسنة ونحوها. وليست المسألة عنده غير ذات قانون مضبوط.
ــــــــــــــــــــ[57]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وإذا دلت الرواية على أمر غير محتمل سقطت دلالتها عن الحجية.
إلا أنه يمكن الذب عن هذا الإشكال بتقديم اليقين سلفاً بكون هذا الفهم غير مراد قطعاً. وإنما المراد ان مجاري الأمور بيد العلماء كما يشاء الله لا كما يشاؤون. فإسناد هذين الأمرين إلى العلماء على ان يكون تصرفهم فيها كيفياً وغير مضبوط أمر غير محتمل.
وهذا الجواب صحيح سواء فهمنا من العلماء بالله: الأولياء أو الفقهاء: فمن زاوية: الأولياء فإنهم لا يتصرفون إلا بإرادة الله سبحانه، ومن زاوية الفقهاء فإنهم لا يتصرفون إلا حسب شريعة الله سبحانه.
إذن، فالمناقشة الثالثة غير واردة، إلا أن العمدة في رد الاستدلال بهذه الرواية إرسالها السندي، وسقوطها عن الحجية من هذه الجهة.
ومن الروايات المستدل بها بهذا الصدد، رواية أبي البختري(1) عن أبي عبد الله قال: “ان العلماء ورثة الأنبياء. وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً, وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظاً وافراً. فانظروا عملكم هذا عمن تأخذونه، فان فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين”.
ويكون الاستدلال بهذه الرواية من أحد وجهين غير متنافيين، بل يمكن أن يكون أحدهما بمنزلة القرينة المتصلة على الآخر:
الوجه الأول: قوله: (إن العلماء ورثة الأنبياء) فإذا علمنا ما للأنبياء من صلاحيات في التصرف في المجتمع كرؤساء وحكام، كما كان لإبراهيم وموسى ونبي الإسلام وغيرهم. كان ورثتهم وهم العلماء، متصفون بنفس تلك الصفة. فان ذلك المعنى هو المعنى المقصود بالميراث دون غيره.
ــــــــــــــــــــ[58]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، باب8 حديث2.
الوجه الثاني: قوله: (فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا) الخ. فإن هذا لا يراد به المعصومين قطعاً لأنهم غير باقين على مدى الأجيال إلا بواحد عجل الله فرجه، مع أنه قال: عدولا بصيغة الجمع, وأن هذا متوفر في كل الأجيال. ومعه يكون المراد بهم الفقهاء العدول.
والمحمول أو الحكم هنا، هو أنهم ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وهذا من الناحية العملية والتامة لا يكون الا بجعل الولاية العامة لهم.
وقد أشرنا إلى اننا إذا جمعنا بين هذين الوجهين، أمكن جعل أحدهما قرينة على فهم الآخر، فيتأكد محل الاستدلال اكثر.
إلا أن المناقشة على الاستدلال بهذه الرواية مجال واسع، لعدة وجوه نذكر منها ما يلي:
المناقشة الأولى: أنها غير تامة سنداً بأبي البختري، واسمه وهب بن وهب. يوصف بأنه ضعيف وأنه كذاب. فروايته أياً كانت ساقطة عن الحجية.
المناقشة الثانية: ان هذه الرواية محتوية على جملة لا يحتمل صحتها بحسب الظاهر، وهي قوله: (إن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً).
فان النظر تارة يكون إلى ورثتهم، وأخرى إلى ممتلكاتهم التي تذهب ميراثاً بعد الوفاة.
فان نظرنا إلى ورثتهم، فان الورثة هم أولاد الفرد وذووه وليس هم الآخرون. فان كان المقصود به القرابة، فأكثر الأنبياء من ذوي القرابة. وان كان المقصود بهم الآخرون لقوله: (العلماء ورثة الأنبياء)، فهؤلاء لا يحتمل فيهم الميراث لا شرعاً ولا عقلائياً حتى يحتاج الأمر إلى التصدي لنفيه. وان كان المراد الميراث المجازي: فهذا لا يحصل في الدينار والدرهم حتى يحتاج الأمر
ــــــــــــــــــــ[59]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
إلى التصدي لنفيه أيضاً.
وان نظرنا إلى الممتلكات التي تذهب ميراثاً فلا يخلو الأمر: أما أن يكون المراد من الدرهم والدينار نفس النقود. وأما أن يراد الأموال التي تباع بالنقود كالعقار والثياب وغيرها. ولعل هذا هو الأظهر.
فإذا كان الثاني. فكل الأنبياء على الإطلاق ماتوا عن تركة ذات مالية ولو قليلا, ولا أقل من ثيابهم التي كانوا يلبسونها, وإذا كان المراد الأول فلا شك أنه غير شامل لكل الأنبياء جزماً. وان صدق لبعضهم، فهو اما لعدم وجود الدينار والدرهم لديهم شخصياً، لا لعدم إمكان الإرث -كما هو ظاهر السياق-. وأما لعدم وجودها أساساً بين الناس، فان الناس في القديم كان أسلوب البيع عندهم بالمقايضة لا بالدراهم والدنانير: أو ان النقود السائرة عندهم غير مسماة بهذه الأسماء أو غير مصنوعة من الذهب والفضة.
ومن الطريف ان الرواية دالة على عدم كلا الشكلين من الميراث لدى الأنبياء، أعني النقود وما يقيّم بها. يقول: (إنما أورثوا حديثاً). يعني أنهم لم يورثوا غير الحديث إطلاقاً. طبقاً لمفهوم الحصر. وهو أمر غير محتمل بالنسبة إلى اكثر الأنبياء بل جميعهم.
وإذا احتوت الرواية على ما هو غير محتمل، سقط مضمونها عن الحجية كله. فتأمل.
المناقشة الثالثة: ان الرواية قالت: (العلماء ورثة الأنبياء)، والاستدلال بهذه العبارة يتوقف على إثبات الولاية العامة لكل الأنبياء. كما يتوقف على إثبات أن معنى الميراث انتقال هذه الولاية إليهم.
وكلا الأمرين محل نظر وخاصة الأمر الأول. فأنه من الصحيح ان بعض الأنبياء، وهم الخمسة أو الأكثر المشهورون. كانوا يمارسون الولاية العامة. الا
ــــــــــــــــــــ[60]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
أن الرواية لم تقل أن العلماء ورثة هؤلاء بالخصوص. بل هو ورثة الأنبياء أجمالا. ولا شك ان جملة من الأنبياء لم يكن يمارس ذلك بل لم يثبت صحة ذلك بالنسبة إليه. ومعه يكون القدر المتيقن من هذا الميراث ما هو أضيق من محل الاستدلال بكثير.
وقد يخطر في الذهن أن مقتضى هذا التعبير اعني: (العلماء ورثة الأنبياء) كونهم ورثة نبي الإسلام ولا شك أنه كان متصفاً بالولاية العامة. فتكون تلك صفتهم أيضاً.
إلا أن هذا بعيد عن سياق الرواية، فانها لم تذكر نبي الإسلام بالتعيين ولا التلميح. بل ذكرت الأنبياء على وجه الإجمال.
وكون الأنبياء السابقين قد نسخت شرائعهم فلا اعتناء بها، وإنما المهم هو نبي الإسلام . هذا لا يجعل لفظ الأنبياء الذي هو جمع محلى باللام ومفيد للعموم. لا يجعله خاصاً بنبي الإسلام كما هو ظاهر. فيبقى السياق على ما هو عليه. وتكون الرواية قد أهملت فكرة النسخ بالمرة.
المناقشة الرابعة: ان الرواية نصت على ما هو مقصودها بالتعيين ولم تجعله مردداً أو محتملاً.
فان مقصودها هو ميراث الحديث، كما نصت عليه، وليس مرادها ميراث الولاية العامة. ولا اقل من احتمال ذلك، وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال. ومن الواضح ان ميراث الحديث لا يلازم ميراث الولاية العامة.
المناقشة الخامسة: وهي خاصة بالعبارة الثانية التي تم الاستدلال بها، وهي قوله: (فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف المبطلين) الخ.
وتقريب الاستدلال بها يتوقف على أن يكون دفاع هؤلاء ضد الباطل دفاع
ــــــــــــــــــــ[61]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
عملي من باب (دفع المنكر) وإزالته عن الوجود. لا دفاع نظري بهداية الناس وإبعادهم عن الشبهات والضلالات.
ومن الواضح ان ظاهر الرواية هو هذا الأخير – أعني الدفاع النظري– وهو غير ملازم مع الولاية العامة، كما هو واضح، إذ ما اكثر المؤلفين بمضمون صحيح مع انهم ليسوا ولاة عامين. ولا أقل من الاحتمال وهو دافع للاستدلال.
ومن المناقشة الثالثة هنا يظهر الجواب تماماً على الاستدلال برواية أخرى ذكروها. وهي ما روي عن النبي (1) أنه قال: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل). فراجع تلك المناقشة تعرف الجواب. مضافاً إلى ضعف سند هذه الرواية في نفسها.
ومن الروايات المستدل بها في هذا الصدد ما رواه الصدوق(2) قال: “وقال أمير المؤمنين: قال رسول الله : اللهم ارحم خلفائي قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي”.
وتقريب الاستدلال بها: أنها ذكرت موضوعاً ومحمولا. فالموضوع فيها هم: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي، والمقصود ليس خصوص الرواة بل من تعلم الأحكام ونظر فيها. فهم الفقهاء إذن.
والمحمول: هو الخلفاء، يعني أن هؤلاء الفقهاء هم خلفاء النبي وحيث كان للنبي ولاية عامة، إذن فهي لابد أن تنتقل إلى خلفائه، وهو معنى كون الفقيه ولياً عاماً كالنبي .
إلا ان هذا الاستدلال لا يتم لعدة مناقشات نذكر أهمها:
ــــــــــــــــــــ[62]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) انظر مستدرك الوسائل جـ3 ص188 باب 11 الحديث16 نقلاً عنه المكاسب جـ9 ص326.
(2) الوسائل كتاب القضاء أبواب صفات القاضي باب 8 حديث50.
المناقشة الأولى: ان الرواية مرسلة سنداً، وساقطة عن الحجية، فان الظاهر: ان الصدوق رواها ابتداء عن أمير المؤمنين . وهذا وان كان يدل على اطمئنانه بسندها وكونها حجة لديه. إلا ان هذه الحجية أمر اجتهادي لا تشمل غيره. فمن جهتنا حيث أنه أهمل ذكر السند تكون الرواية مرسلة وساقطة عن الحجية.
المناقشة الثانية: انه من المظنون من هذا السياق في الرواية ان لم يكن ظاهرها: ان المراد هو كون هؤلاء خلفاء للنبي بهذه الصفة التي ذكرها : انهم خلفاء في حديثه وسنته. لا لأنهم خلفاء في كل شيء. ولا أقل من الاحتمال المبطل للاستدلال إذ لا ظهور لها بعكسه جزماً.
الا ما قد يدعى من ظهور لفظ الخلفاء في ذلك. فان الخليفة كان في صدر الإسلام يفترض فيه اتصافه بالولاية العامة. إذن، فالفقهاء يكونون خلفاءه على هذا النمط.
وهذا النحو من التفكير فاسد للغاية، لأن اصطلاح الخلفاء بهذا المعنى إنما جاء بعد وفاة النبي ولم يكن له وجود حال حياته. وحمل المعنى المتأخر على اللفظ المتقدم عليه تأريخياً غير جائز كما كررنا في هذا الكتاب.
ومن الروايات التي استدلوا بها على الولاية العامة. ما عن إسحاق بن يعقوب(1) قال: “سألت محمد بن عثمان العمري ان يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَ. فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان : أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك. . . إلى ان قال: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله”. الحديث.
وتقريب الاستدلال بهذه الرواية: أنه يجب الرجوع في الحوادث الواقعة
ــــــــــــــــــــ[63]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: كتاب القضاء. أبواب صفات القاضي، باب: 11 حديث:9.
في المجتمع جيلا بعد جيل، بمقتضى الإطلاق إلى رواة الحديث. والمراد بهم الفقهاء. ثم يقول: (فإنهم حجتي عليكم)، وهو معنى تنصيبهم في محل الولاية العامة لقيادة المجتمع.
والظاهر وجداناً انها واضحة الدلالة، إلا أن المناقشة الأساسية إنما هو في سندها، فان راويها الأول وهو إسحاق بن يعقوب لم يوثق ولم يمدح فتكون ساقطة عن الحجية سنداً.
وما قد يخطر في البال: من ان الإمام دعا له فقال: (أرشدك الله وثبتك). وهو دال أيضاً سياقاً على حسن ظنه السابق به. وهو معنى توثيقه بلا إشكال.
وهذه الفكرة بهذا المقدار صحيحة، غير أن نقطة الضعف الرئيسية فيها: ان هذا الدعاء وارد في نفس هذه الرواية لا في غيرها، الأمر الذي يكون معه الاعتماد عليه متعذراً. لأننا اما ان نقول: أنه من قبيل الدور في المنطق، حيث يتوقف الأخذ بمضمون هذه الرواية على صحة سندها، ويتوقف صحة سندها على الأخذ بمضمونها وهو باطل.
وأما ان نقول: ان الفرد الراوي إذا روى ما يوثق به نفسه، فلا يكون مقبولا، لأن فيه جهة مصلحته كما هو واضح، ما لم يكن الراوي موثوقاً بأدلة أخرى سلفاً، وليس الراوي هنا موثوقاً سلفاً.
ومما استدل به في المقام ما قاله الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان في كتابه(1): المقنعة. حيث قال: فأما إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله، وهو أئمة الهدى من آل محمد . ومن
ــــــــــــــــــــ[64]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل ج18 كتاب الحدود والتعزيرات. أبواب مقدمات الحدود وأحكامها العامة باب28 حديث2.
نصبوه لذلك من الأمراء والحكام، وقد فوضوا للنظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان.
إلا ان هذا الاستدلال لا يكاد يتم لعدة مناقشات نذكر منها:
أولا: المناقشة سنداً. فان هذا الذي سمعناه إنما هو كلام الشيخ المفيد في كتابه (المقنعة)، وليس من الروايات في شيء.
وإنما نحسبه من الروايات باعتبار الاعتقاد أن ما يذكره الشيخ المفيد في (المقنعة) إنما هو نصوص الروايات لا غير ومقصوده الاحتياط للأمر والاقتصار في الفتوى على القدر المتيقن. وهذا المعنى يجعل العبارة شكلا من أشكال الرواية، وهذا صحيح.
إلا ان حالها من حيث السند، غير معلوم. فان كل ما هو معلوم هو كون تلك الرواية التي يقصد الشيخ المفيد إنما هي حجة عنده، وأما كونها حجة عندنا فهو أمر مشكوك فيه. وقد قلنا فيما سبق أن الحجية أمر اجتهادي لا يمكن ان يرجع فيه المجتهد إلى مجتهد آخر.
ثانياً: المناقشة دلالة من ناحيتين:
الناحية الأولى: ان غاية ما دلت عليه هذه العبارة هو أن للفقهاء الشيعة إقامة الحدود والتعزيرات، في حال الغيبة والامكان. وهذا أمر أخص من الولاية العامة بالمعنى الشامل لكل أشكال التصرف في المجتمع على ما هو المطلوب أو المدعى الآن، أعني من خلال الاستدلال بهذه المجموعة من الروايات.
الناحية الثانية: ان غاية ما دلت عليه العبارة هو ان الأئمة أجازوا النظر في ذلك إلى الفقهاء والنظر معنى آخر غير التطبيق والتنفيذ. وليس في العبارة أنهم أجازوا لهم النظر والتنفيذ.
ــــــــــــــــــــ[65]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
إلا ان هذا الإشكال لا يتم لأن قوله: (مع الإمكان) دال على إرادته التنفيذ، لأن النظر ممكن دائماً، وأما التنفيذ فممكن أحيانا، وهذا هو المقصود. ومن هنا ففي الاقتصار على الإشكالات السابقة كفاية.
ومما يمكن الاستدلال به في المقام ما روي بسند معتبر عن السكوني(1) عن جعفر عن أبيه عن آبائه قال: “قال أمير المؤمنين : إذا حضر سلطان من سلطان الله جنازة فهو أحق بالصلاة عليها، ان قدمه ولي الميت، وإلا فهو غاصب”.
وتقريب الاستدلال بها يتوقف على إمكان إثبات أن المراد بسلطان الله ما هو الأعم من المعصومين وغيرهم. وهو أمر غير ممكن. فان الشرطية تصدق بدون صدق طرفيها.
كما لا دلالة للرواية على ان (سلطان الله) ممكن ان يحضر للصلاة على الميت في كل جيل. لكي يفهم منه الفقهاء لتعذر حضور المعصومين في عصر الغيبة. فيبقى احتمال إرادة خصوص المعصومين وارداً.
ومن جهة أخرى، فلا بد من إحراز صدق عنوان (سلطان الله) على الفقيه في المرتبة السابقة على هذه الرواية، ولا تكفي هي لإثبات أن الفقهاء هم سلطان الله فعلا، ما لم تدل عليه أدلة أخرى.
ومما استدل به في هذا الصدد. أعني على الولاية العامة، ما عن أبي خديجة(2) قال: “بعثني أبو عبد الله إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تداري في شيء من الأخذ والعطاء، ان تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق. اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا وحرامنا، فاني قد جعلته
ــــــــــــــــــــ[66]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل ج2، كتاب الطهارة، أبواب صلاة الجنازة، باب 23 حديث:4.
(2) الوسائل: كتاب القضاء. أبواب صفات القاضي، باب: 11، حديث: 6.
عليكم قاضياً”. الحديث.
إلا أن هذه الرواية لا يمكن الاستدلال بها لوجهين على الأقل:
الوجه الأول: سقوط سندها باثنين من رواتها هما: أبو الجهم وأبو خديجة. على تفصيل لا حاجة إلى الدخول فيه.
الوجه الثاني: انها واضحة في نصب الفقيه قاضياً. ولكن من الواضح أن منصب القضاء لا يلازم منصب الولاية العامة. فأن الولي العام يستطيع ممارسة القضاء، لكن القاضي لا يستطيع ممارسة الولاية. فالقضاء أخص من الولاية. والاستدلال بالأخص على الأعم غير ممكن.
ومما يمكن الاستدلال به في هذا الصدد ما في نهج البلاغة(1) عن أمير المؤمنين أنه قال: “أن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به. ثم تلى: إِنَّ أولى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ. ثم قال: ان ولي محمد من أطاع الله وان بعدت لحمته. وان عدو محمد من عصى الله وان قربت قرابته”.
أقول: بغض النظر عن المناقشة سنداً، فان هناك عدة مناقشات في الدلالة:
أولا: ما قلناه في رواية ابن البختري من قوله العلماء ورثة الأنبياء من عدم الدلالة على الولاية العامة.
ثانياً: ان موضوع الحديث هو: أعلمهم بما جاءوا به. والأعلم على الإطلاق هم المعصومين وليس هم الفقهاء. ولا اقل من احتمال ذلك.
ولا يراد: الأعلم في كل جيل. بل ظاهر العبارة هو إرادة الأعلم على
ــــــــــــــــــــ[67]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) انظر: ج4 ص21.
الإطلاق.
ثالثاً: ان إتباع الحديث بالآية الكريمة المذكورة، تجعله بمنزلة القرينة المتصلة. ومن المعلوم أن الفقهاء ان كانوا مقصودين فإنهم يندرجون تحت عنوان وَالَّذِينَ آمَنُوا في قوله تعالى: وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا. من الواضح فقهياً أنه من غير المحتمل ثبوت الولاية العامة لعنوان (الَّذِينَ آمَنُواْ) ليكون كل مؤمن ولياً عاماً، وليس في الآية الكريمة عنوان آخر يمكن التمسك به في صالح الفقهاء غير ذلك.
فإذا كانت هذه الآية بمنزلة القرينة المتصلة كما أسفلنا، أمكن سريان معناها إلى الكلام السابق عليها، كيف وقد استدل الإمام بها عليه. فيكون ذلك الكلام بدوره أيضاً مجملا من حيث جعل الولاية العامة.
رابعاً: قوله بعد ذلك: (ان ولي محمد من أطاع الله). وهو أيضاً بمنزلة القرينة المتصلة. ولا أقل من كونه قرينة ولو منفصلة. ان فهمنا من قوله: ثم قال: عدم التتابع العرفي في الكلام. وهذه العبارة تجعل الولاية لمن أطاع الله سبحانه. ومن المعلوم فقهياً أنه لا يحتمل ثبوت الولاية العامة لكل من أطاع الله. وإنما المراد بها ولاية أخرى معنوية أو روحية، غير مرتبطة بالفقه ولا الفقهاء.
ومما يمكن الاستدلال به على الولاية العامة:
ما روي عن الاحتجاج للطبرسي عن أبي محمد العسكري (1) في قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وقد ورد من جملة كلامه: “فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه”. وذلك لا يكون الا
ــــــــــــــــــــ[68]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: كتاب القضاء. أبواب صفات القاضي، باب: 10، حديث: 20.
بعض فقهاء الشيعة لا كلهم. الحديث.
وتقريب الاستدلال على ذلك: ان التقليد هنا لا ينبغي أن يحمل على المعنى السائر بين الفقهاء، وهو رجوع الجاهل إلى الفقيه في معرفة أموره الدينية. كما ذكرنا في كتاب الاجتهاد والتقليد في أول كتابنا هذا، لأن هذا المعنى مصطلح متأخر، لا ينبغي ان يحمل عليه النص المتقدم عليه.
وقد قلنا هناك أن للتقليد معنيين نعطي خلاصتهما الآن:
المعنى الأول: ان التقليد مأخوذ من (قلد) على معنى شابهه في الصوت أو الفعل كتقليد القرد والببغاء للإنسان. ومحل المشابهة هو ان الفرد الاعتيادي يقلد المجتهد في أفعاله فيصلي كما يصلي ويصوم كما يصوم، أو يقلده في أقواله فيطبقها في حياته.
المعنى الثاني: ان التقليد مأخوذ من (قلد) إذا جعل في عنقه قلادة، على أن المقلد يجعل مسؤولية عمله كالقلادة في عنق المجتهد الذي هو بدوره يتكفل أمام الله سبحانه صحة أو بطلان ما قاله من أحكام وما أفتى به من فتاوي.
وهنا نقول: ان كلا المعنيين ينطبقان على الولي العام. فان الأفراد أيضاً يجب أن يطبقوا أقواله وأفعاله، وهم أيضاً يجعلون مسؤولياتهم كالقلادة في عنقه. وحيث لا يحمل معنى التقليد على المعنى المصطلح يتعين أن يحمل على هذا المعنى، إذ ليس له معنى آخر مفهوم غيرهما.
إلا ان للمناقشة في ذلك مجال:
أولا: المناقشة سنداً، فانها رواية مرسلة لا تصلح أن تكون حجة شرعية.
ثانياً: انه قال: (فللعوام أن يقلدوه). واللام دال على الجواز لا على اللزوم. والجواز غير محتمل فقهياً لا على مستوى التقليد المصطلح ولا على
ــــــــــــــــــــ[69]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
مستوى الولاية العامة، بحيث يجوز أحياناً ترك أو عصيان أي منهما. بل إطاعتهما واجبة دائماً, فدلالة الرواية على الجواز غير مفهومة فقهياً وشرعياً. فنوكل علمها إلى أهلها.
ثالثاً: ان موضوع الكلام في الرواية هو الشخص الذي يكون: (حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه)، ومن المعلوم فقهياً ان هذا بمجرده لا يكون موضوعاً للتقليد ولا للولاية العامة. وإلا كان كل المسلمين المطيعين موضوعاً لها.
إلا ان هذا الإشكال بالخصوص غير وارد لأن هذه الصفات بالرواية يوصف بها الفقهاء. إذن، فالموضوع الأساسي للحديث فيها هو الواحد من الفقهاء أو هو أي واحد منهم، بشرط أن يكون متصفاً بتلك الصفات. ولذا قال بعد ذلك: (ان هذا لا يكون الا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم). لأن الطاعة والإخلاص الحقيقيين لا يتوفران لدى الجميع.
ومما استدل به على الولاية العامة أيضاً، ما رواه الكليني بسند معتبر عن السكوني(1) عن أبي عبد الله قال: قال رسول الله : الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال: إتباع الشيطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم.
فان ظاهر قوله (أمناء الرسل) هو جعل الولاية العامة للفقهاء.
غير أن للمناقشة فيها مجال لعدة وجوه:
أولا: ما سبق أن ذكرناه في المناقشة للاستدلال بقوله: (العلماء ورثة الأنبياء): من ان الاستدلال بها يتوقف على إثبات الولاية العامة لكل الأنبياء. وان المراد هنا هو انتقالها إلى الفقهاء. وكلا الأمرين محل إشكال كما هو
ــــــــــــــــــــ[70]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) أصول الكافي ج1 ص46. الحديث الخامس.
واضح.
اما إثبات الولاية العامة لجميعهم فقد ناقشناه هناك. وأما ان مقتضى الأمانة عنهم هو نقل الولاية العامة لكل الفقهاء على تقدير ثبوتها لكل الأنبياء، فهو أيضاً محل نقاش، فان الأمانة منهم لا تقتضي اكثر من زيادة الإخلاص والدقة في التطبيق وكتم الأسرار الإلهية ونحو ذلك من الأمور. ومن الواضح ان الولاية العامة بعنوانها لا تتحصل من ذلك.
ثانياً: ان المقصود أو التأكيد في هذا الحديث هو الموعظة من جانب الفساد لا من جانب الصلاح. وهو التحذير من الفقهاء الذين يدخلون في الدنيا. وإنما ذكر جانب الصلاح مقدمة لذلك. ومعه يكون ذكره عرضياً، وإذا كان كذلك لم يكن فيه إطلاق يشمل كل الموارد، كما هو المطلوب في الولاية العامة، بل تكون هي خارجة عن القدر المتيقن بعد سقوط الإطلاق.
ثالثاً: ان استفادة المعنى المقصود من الفقهاء بالشرائط المعتبرة غير ممكن، لأنه اصطلاح متأخر، والحديث صادر – لو صح – عن رسول الله فينبغي أن يحمل على المعنى اللغوي. فان الفقه هو الفهم، والفقيه هو الذي يفهم. فيكون المراد به كل من فهم الدين فهماً كافياً معمقاً. كما يمكن أن يكون المراد به من له درجات إيمانية عالية. وعلى أي حال لا يختص بالمعنى المصطلح للفقهاء.
فهذا هو الاستدلال باثنتي عشرة رواية على الولاية العامة. والحق انه توجد روايات أخرى، ولكنها دون ما ذكرنا سنداً ودلالة. فان لم يتم لنا بعض ما ذكرناه فيكون عدم تمامية الروايات الأخرى أولى.
ومن الناحية العملية، فانه لم يتم لدينا في الحجية سنداً ودلالة إلا مقبولة عمر بن حنظلة. وهي الأولى التي ذكرناها.
ــــــــــــــــــــ[71]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
غير أنه من الممكن القول: ان الفحوى أو الدلالة العامة لمجموع الروايات هو ذلك أيضاً، وبخاصة إذا ضممنا إليها بعض ما لم نذكره من الروايات.
غير أنه من المعلوم ان مثل هذا الاستدلال لا يثبت الولاية العامة على سعتها، لأنه مضمون إجمالي يؤخذ منه بالقدر المتيقن. وهو إثبات الولاية بشكل جزئي لا مطلق.
ولا يقال: أنه لا يمكن إثبات ذلك أيضاً، لأن القدر المتيقن من هذا المعنى الإجمالي دون ذلك أيضاً. بل هو لا يمت إلى الولاية بصلة. وليس اكثر من مدح العلم والعلماء والحث على طلب العلم ونحو ذلك.
فإنه يقال: لا يبعد استفادة بعض درجات الولاية من عدد من الروايات، وان لم تكن نصاً فيها. إلا أن ضم بعضها إلى بعض قد يستفاد منها بالحدس صحة الولاية. كل ما في الأمر أنها جزئية غير مطلقة.
وهذا المضمون الجزئي، يكون ثابتاً بالاستفاضة أو التواتر بعد استفادته من مجموع الروايات.
وإذا تم ذلك أمكن ضمه إلى رواية عمر بن حنظلة التي تمت سنداً ودلالة في الحجية على الولاية. فإذا انضمت إلى ذلك المعنى الإجمالي، أمكن ان تكون حجة في إثبات إطلاقه. فان معنى التواتر الإجمالي، إنما لا يكون مطلقاً إذا بقي وحده. وأما إذا ضممناه إلى دليل معتبر مطلق أمكن التمسك بإطلاقه فيكون دليلاً تاماً على الولاية العامة. غير أنه من الناحية العملية يكون سندها غير متواتر ولا مستفيض بل من الخبر الواحد ولكنه في نفسه حجة.
وبتعبير آخر: ان هذا المضمون المطلق إنما يثبت بصحة سند رواية عمر بن حنظلة لا اكثر. وليس هذا ضائراً من ناحية الحجية الفقهية.
ــــــــــــــــــــ[72]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
حدود الولاية العامة:
ليس الأمر دائراً بين أن يكون الفقيه ولياً عاماً كالإمام المعصوم تماماً. أو أن لا يكون ولياً عاماً على الإطلاق، كما هو المنحى التقليدي أو ألارتكازي لعدد من الفقهاء. حيث يرون أن الولاية العامة هي بمعنى أن الفقيه أولى بالناس من أنفسهم وأموالهم كالمعصوم، ويستنتجون أن الولاية العامة إذن غير ثابتة.
بل الأمر في الولاية، كأي موضوع شرعي ذي حكم شرعي، انها تتبع فيه الدليل وتتحدد بحدوده. وبمقدار ما ساقنا إليه الدليل نثبته وبمقدار ما لم يدل عليه الدليل ننفيه, لأن الأصل الأولي هو عدم الولاية، في الموارد المشكوكة، بطبيعة الحال.
وقد أسلفنا أننا نوافق على أن الفقيه ليس كالمعصوم في تلك الصفة، بحيث لو قال لشخص اقتل نفسك أو اتلف أموالك لوجبت إطاعته.
ولم يدل الدليل على ذلك، فان الدليل لم يكن عندنا – كما سبق – الا مقبولة عمر بن حنظلة، وهي لم تدل على هذا المقدار الواسع بطبيعة الحال لنلتزم به. فان الإمام لم يقل: اني جعلت للفقيه صلاحيات مثل صلاحياتي وحجية في فعله وقوله كالتي عندي. ولم يقل اني جعلته أولى الناس من أنفسهم وأموالهم. وإنما قال فقط: (فإني قد جعلته عليكم حاكماً). مع الأمر بالرضاء بهذا الجعل وحرمة الرد عليه.
وما هو المحتمل من هذا التعبير أكثر من وجه:
الوجه الأول: وهو الأنسب بالفهم الفقهي العرفي. وهو أن يقال: إن لفظ الحاكم يمكن فهمه فهماً عرفياً، من خلال الحكام والحكومات المتعارفة في المجتمع، فيكون جعله حاكماً يعني أنه مجعول على غرار هذه الحكومات.
ــــــــــــــــــــ[73]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
والكبرى أو القاعدة العامة في هذا الوجه، وان كانت صحيحة، وهو الالتزام بالفهم العرفي، إلا انه يمكن أن يقال: انها هنا لا صغرى لها أو ان صغراها وتطبيقها مردد ترديداً يجعله في غاية الإجمال.
وذلك لأن الحكومات في التاريخ ليست على غرار واحد من حيث الشعور بالسلطة والتصرف في أمور الناس. ففيها الملكية والجمهورية. وفيها الدكتاتورية والديمقراطية. وفيها الرأسمالية والاشتراكية، إلى غير ذلك من التقسيمات، فلا يبقى هناك مجال لفهم احتمال معين من هذه الاحتمالات من النص بل سيكون النص مردداً مجملاً من هذه النواحي.
وأحسن ما يقال في جواب ذلك: ان الحكومات وان تعددت أشكالها إلا ان المهم هو النظر إلى الحكومات التي كانت معهودة للناس في المجتمع زمن صدور النص، فينصرف لفظ الحاكم الوارد في الرواية إلى ذلك الوضع بالتعيين.
وهذا، كما هو واضح، لا يعني إجازة ذلك الوضع، وتنفيذ أعماله، وإنما يعني جعل حاكم صحيح من الناحية الشرعية على غراره.
إلا أن هذا أيضاً لا يحل المشكلة لعدة وجوه منها:
أولا: ان الحكومات التي كانت معهودة في ذلك الحين عديدة، لا تعلم أيها يكون مقصوداً، وأيها هو المجعول على غراره، فهناك الدولة الإسلامية وهي بعنوان الخليفة، وهناك الدولة الرومانية وهي بعنوان الإمبراطورية، وهناك الدولة الفارسية التي لم تكن بعيدة عن الأذهان يومئذ، وان كانت قد انتهت قبل أعوام، وكانت بعنوان الكسروية، إذن يبقى التردد من هذه الناحية باقياً.
نعم لا يبعد أن تكون الفروق ما بين تلك الحكومات مع الحكومات الحديثة ملحوظاً، بمعنى أن المقصود هو الوضع العام المشترك أو بعض
ــــــــــــــــــــ[74]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الصفات المشتركة بين تلك الدول القديمة، وان لم تكن تفاصيل الصفات مقصودة.
وأهم صفة للحاكم الأعلى يومئذ – مهما كان عنوانه – هو كونه حاكماً بأمره. وليس هناك قول نافذ في المجتمع غير قوله وأمره. ولا أقل أن يكون هذا هو المفروض في الحاكم الأعلى يومئذ، سواء واتته الظروف على ذلك أم لا.
ولا يبعد القول بثبوت هذه الصفة للحكم المنصوب شرعاً بهذه الرواية، على تقديرات وإيضاحات ستأتي تدريجياً.
ثانياً: ان الحكومات التي كانت معهودة في تلك العصور، حكومات ظالمة، خالية من الإنسانية والضمير. فهل يمكن أن يكون الحاكم الشرعي منصوباً على غرارها؟
ويمكن الجواب على ذلك على مستويين:
المستوى الأول: ان غاية ما نقوله: هو تنصيب الحاكم الشرعي على غرار تلك الحكومات إلا ما خرج بدليل. فما تم استثناؤه بالدليل وثبتت حرمته شرعاً من تصرفات الحكام. لا يكون داخلا في الولاية.
المستوى الثاني: ان أشكال الظلم الذي كانت الحكومات تقوم به, يندرج تحت عناوين متعددة، في نظرها كعقوبات المجرمين وقمع المعارضين ونحو ذلك. كل ما في الأمر، اننا قد نجد ما تقوم به من ردود فعل تجاه هؤلاء ليست هي من النوع الصحيح والمناسب، فيكون تصرفها ظلماً.
إلا ان هذا لا يعني ألا تقوم به أية دولة. بل ان هذا مسلَّم الصحة في كل الدول، كل من وجهة نظرها.
ومن هنا أننا إذا فهمنا لفظ (الحاكم) في الرواية فهماً عرفياً، أمكننا أن
ــــــــــــــــــــ[75]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ندرج هذه العناوين التفصيلية ضمن معنى (الحاكم). كل ما في الأمر ان هذا الحاكم سيكون تصرفه تجاه الناس مختلفاً تماماً عن تصرفات تلك الدول الظالمة. وان كان ضمن تلك العناوين التفصيلية أعني التصرف تجاه المجرمين والمعارضين ونحو ذلك.
الوجه الثاني: من أشكال فهم الحاكم الوارد في الرواية.
إن المقصود من جعله حاكماً، جعله مطبقاً للأحكام الشرعية والقانون الديني. ومن هنا يقول الإمام في الرواية: (فإذا حكم بحكمنا). وحكمهم هو حكم الله سبحانه وتعالى الذي هو الحكم الشرعي. إذن، فهو ليس إلا مطبقاً للحكم الشرعي. وليس له صلاحيات اكثر من ذلك.
وهذا الوجه بهذا المقدار الصحيح، إذ لا يمكن في الحاكم الشرعي ان يخرج على الحكم الشرعي ولا يطبقه، بل ان وظيفته الأساسية هي تطبيقه والمحافظة عليه.
وهذا لا كلام فيه، وإنما الكلام في الولاية بالمعنى الواسع. فان تطبيق الحكم الشرعي غير خاص بالحاكم، بل يعم سائر المكلفين كل من وجهة حياته. وأما الولاية فشيء آخر يمكن أن يندرج في العبارة التالية، وهي: ترتيب المصالح الاجتماعية الوقتية طبقاً للحكم الشرعي المناسب لها. والمراد بالوقتية تلك المصالح التي تتغير من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان.
وترتيبها والإشراف عليها من الناحية الشرعية، ليس سهلاً، ولا هو مجرد تطبيق آلي للأحكام الشرعية. بل فيه ما سماه (بعض أساتذتنا) بمنطقة فراغ، وانه هل من المناسب بناء مدرسة هنا مثلا أم لا. فان هذا لا يندرج في الأحكام الشرعية العامة، بل هو أمر وقتي لا بد فيه من البت آنياً. ويكون ملء هذا الفراغ موكولا إلى الولي العام أو الحاكم الشرعي.
ــــــــــــــــــــ[76]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وهذا لا يعني ان الولي العام خارج عن الحكم الشرعي عند تطبيق هذه الأمور، لأن حدود هذه الأمور وجعل الولاية له فيها. هي من ضمن الأحكام الشرعية.
الوجه الثالث: من وجوه فهم معنى الحاكم.
التمسك بإطلاق معنى الحاكم لكل أمر ونهي. فيكون كلامه هو القانون، والقانون هو كلامه أو إمضاؤه. وهذا معنى واسع جداً من الولاية.
إلا أنه بمجرده غير محتمل، بل لا بد فيه من عدد من التقييدات:
أولا: التقييد بتطبيق الأحكام الشرعية العامة. فان عصيانها حرام. مضافاً إلى المفهوم من قوله : (فإذا حكم بحكمنا). ومفهومه: انه إذا لم يحكم بالحكم الشرعي فان الرد عليه يكون ضرورياً وشرعياً.
ثانياً: التقييد بالتدني عن مستوى المعصومين ، حيث يكون لهم الأولوية عن الآخرين من نفوسهم وأموالهم. ولا يكون للفقيه ذلك.
ثالثاً: التقييد بالمصلحة. إذ لا معنى للولاية بدون وجودها ولا أقل – في دليله – من الوجه الأول السابق، لأن الحكومات يفترض في نفوذ آرائها وقانونها أن تكون مطابقة للمصلحة. ولا نفوذ لها بدون ذلك. وهذا صحيح عندهم نظرياً تماماً، وان كان الواقع قد يختلف عن ذلك في كثير من الأحيان.
فجعل الفقيه حاكماً إنما يكون على غرار ذلك دون ما هو اكثر منه، وهذا معناه التمسك بكل الوجوه الثلاثة لمعنى الولاية أو الحاكم فانها جميعاً صحيحة، بعد الأخذ بنظر الاعتبار بما قلناه عنها. لا على إطلاقها بطبيعة الحال.
ولا يخفانا أن المأخوذ في هذا الجعل الشرعي هو عنوان (الحاكم) وليس
ــــــــــــــــــــ[77]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
هو عنوان (الولي) فان كان هناك بعض الفروق بينهما لم نلتزم بما لدى (الولي) من صفات، بل بما لدى (الحاكم) من صفات. ومن هنا كان الصحيح أن يسمى الفقيه بالحاكم الشرعي. وليس للولي الشرعي أو الولي العام إلا مجازاً. يعني أن يراد من الولي ما يراد من الحاكم من معنى.
ومن مجموع ما ذكرنا يتضح معنى الحاكم الشرعي وحدود صلاحياته. فهو:
أولا: مطبق للأحكام الشرعية كلها فيما يرتبط به من الأحكام الخاصة والعامة.
ثانياً: يمكنه ممارسة الفتوى ويجوز تقليده إذا كان أعلم الفقهاء الأحياء, وتكون فتواه هي القانون.
ثالثاً: يجوز ممارسته للقضاء الشرعي. وتطبيق نتائجه، كالعقوبات أو أخذ الحقوق.
رابعاً: مطبق للمصالح العامة في (منطقة الفراغ) الموكولة إليه شرعاً.
خامساً: له الولاية على الآخرين، لا بشكل مطلق، بل في حدود ما دل عليه الدليل الشرعي. ولا أقل من ثبوت ما يثبت للحكومات العرفية من ولاية نظرياً له في حدود الحكومات المعاصرة لصدور النص.
سادساً: له الولاية والإشراف على ما يكون خالياً من الولاية والإشراف عليه من (المصالح الخاصة) لو صح التعبير كاليتيم والوقف. فان كان هناك ولي أو وصي شرعي لها كان مقدماً على الحاكم الشرعي ما لم تقتض المصلحة العامة عزله أو عصيانه.
سابعاً: له الولاية على كل الأموال العامة، سواء منها ما كان منسوباً إلى الإمام كحق الإمام والأنفال وميراث من لا وارث له. أو لم يكن
ــــــــــــــــــــ[78]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
كالزكاة وحق السادة من الخمس والخراج وموارد المصالح العامة الخالية من الأولياء الشرعيين كالمساجد القديمة والعتبات المقدسة.
وتكون كل هذه الصلاحيات الا الفتوى قابلة للتوكيل، بإيعازها إلى الغير للقيام بها كلياً أو جزئياً.
وإذا كانت للفقيه هذه الخصائص، لا يمكن أن ننفي عنه خصائص أخرى دون ذلك، وان كانت قد تكون بعضها أبعد أثراً في المجتمع، من اكثر ما سبق كالتدريس والتأليف والوعظ وجعل الأوقاف من قبله شخصياً، وكونه قاضي تحكيم إلى غير ذلك، من الفعاليات الشرعية الحياتية.
وهنا لا نريد التعرض إلى شكل أو مضمون العنوان الظاهري الذي يتخذه من الناحية الدنيوية، كالمرجع أو الملك أو القائد أو أي شيء آخر. فهو أعلم بمصلحة ذلك المكان والزمان الذي هو فيه لاختيار أي عنوان دنيوي يوفقه الله سبحانه إليه. وأي شيء اختاره وفعله كان ذلك في مصلحته في الدنيا والآخرة، ما لم يحلل حراماً أو يحرم حلالا.
هذا، وسيزداد بعض هذه الصلاحيات السبع وضوحاً من الناحية الفقهية فيما يلي، إذ سنتحدث عن قريب عن اننا إذا لم نقل بالولاية العامة أو الحاكمية، فبأي مقدار ينبغي أن يعطى الفقيه من الصلاحيات للتصرف، وهل يبقى مكتوف اليدين شرعاً من كل شيء؟
وما يتصور لدى الفقهاء من الصلاحيات الموكولة إلى أحدهم أعني الفقيه أياً كان، عديدة:
الفتوى.
القضاء.
قبض وصرف حق الإمام وأمواله عموماً.
ــــــــــــــــــــ[79]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
قبض وصرف الأموال العامة كحق السادة والزكاة.
انه ولي من لا ولي له.
انه ولي الممتنع.
انه ولي الغائب.
ان بيده الأمور الحسبية العامة، كما سنوضح.
أن من حقه تطبيق نتائج القضاء وعقوباته.
يقوم بطلاق زوجة المفقود.
انه ولي الأموال المجهولة المالك.
له أن يأمر بالجهاد الدفاعي عن بيضة الإسلام.
ويمكن أن يضاف إلى ذلك أمور عديدة، لا حاجة إلى ذكرها. فانها في الأغلب مربوطة بالولاية العامة وليس لها دليلها الخاص، كجباية الضرائب الإضافية من الناس عند الحاجة أو الأمر بالتقشف العام أو إعطاء تسعيرات معينة من الباعة والمشترين لبعض المواد أو كلها. وكالأمر بالجهاد الهجومي – لو صح التعبير – أو الأمر بالنفير العام. إلى غير ذلك.
وكل هذه الأمور الأخيرة إنما تكون للفقيه عملياً وواقعياً، فيما إذا كان مبسوط اليد باصطلاحهم يعني متمكناً من التطبيق والتنفيذ دون ما إذا كان محجوراً عليه أو في تقية مكثفة.
فالمهم الآن الالتفات إلى الأمور الاثني عشر السابقة لنرى المهم من مداركها وأدلتها، وإنها هل يجوز قيام الفقيه بها، بدون أن يكون ولياً عاماً أو حاكماً شرعياً عاماً. أم لا؟ فلو جاز شيء منها فليس ذلك إلا لدليل خاص في المورد. وليس لدليل الولاية العامة.
ــــــــــــــــــــ[80]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
1– الفتوى :
وبحث حجيتها ليس هنا – في كتاب القضاء – بل في كتاب الاجتهاد والتقليد من الفقه أو المبحث المماثل له من أصول الفقه.
2–القضاء:
وأهم ما يستدل به عليه ما يلي:
الدليل الأول: مقبولة عمر بن حنظلة السابقة. والتي قبلنا دلالتها على الولاية العامة واعتبارها سنداً.
فمن لم تصح عنده دلالتها على الولاية العامة، فلا اقل من دلالتها على القضاء، من قوله: (فإني قد جعلته حاكماً). يعني بين المتخاصمين. مضافاً إلى قاضي التراضي لقوله فيها: فليرضوا به حكماً.
نعم، إذا لم تتم سنداً لدى الفقيه سقطت عن الاستدلال بالمرة.
وان أتممنا وصححنا دلالتها على الولاية العامة – كما فعلنا – فهذا لا يعني إسقاط دلالتها على القضاء، لأمرين:
أولا: لقوله : (فليرضوا به حكماً). بعد أن نفهم من الحكم: القاضي. ونفهم من الرضا: معنى التسليم بهذا الحكم الشرعي، أعني تنصيبه للقضاء، وليس التراضي على الترافع. ولا يبعد أن يكون ذلك صحيحاً، باعتبار كون هذه العبارة من الرواية كالمقدمة لقوله : فاني قد جعلته حاكماً.
ثانياً: لقوله : (فإني قد جعلته حاكماً). فانه لا منافاة بين صلاحيات الحاكم وصلاحيات القاضي، بعد ان يكون للفرد القدرة الكافية والعلم الكافي لممارسة كلتا الوظيفتين. فان معنى الحاكم ليس الا معنى نفوذ أمره عند الآخرين سواء كانا متخاصمين أم لم يكونوا: على تحقيق وكلام ليس هذا محله.
ــــــــــــــــــــ[81]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الدليل الثاني: رواية أبي خديجة السابقة التي يقول فيها: (فإني قد جعلته عليكم قاضياً): بعد الذهاب إلى صحة سندها ولم نذهب إلى ذلك، كما سبق.
فان دلالتها في نصب القاضي، وليست واضحة في الولاية العامة، لاختلاف معنى القاضي عن معنى الولي، وما هو مذكور فيها هو القاضي لا الولي.
الدليل الثالث: الإجماع على جواز ممارسة الفقيه للحكم بين الناس، وان لم يحصل الإجماع على جواز تطبيقه لنتائج حكمه، كما سيأتي.
وقد يستشكل: بأن هذا الإجماع مدركي. لأنه معتمد على هاتين الروايتين اللتين أشرنا إليهما: عن عمر بن حنظلة وأبي خديجة. فيكون النظر إلى الروايات دونه. ويسقط الإجماع عن الحجية.
وهذا الكلام، وان كان مبتنياً على القاعدة جداً، الا في حالة واحدة، وهو أن يكون الإجماع من السعة والوضوح بحيث يزيد إثباته ورسوخه على ما هو الموجود في الروايات، بحيث يعرف من وجوده تواتر ذلك معنوياً عن المعصومين ، فان مثل هذا الإجماع يبقى حجة، وان كان مدركياً. ولا يبعد أن الإجماع هنا من هذا القبيل.
3– قبض وصرف أموال الإمام :
وهذا تارة نبحثه على مستوى الجواز، يعني هل يجوز للفقيه ذلك أم لا؟ وأخرى على مستوى الوجوب، يعني أن هذا التصرف خاص بالفقيه، ولا يجوز ذلك لغيره الا بإذنه.
أما بناء على الحاكمية العامة، فلا يبعد أن يكون كل ذلك ثابتاً، لأننا علمنا من تضاعيف كتابنا هذا ان أموال الإمام بهذا المعنى ليست أمواله الشخصية بل هي أموال عامة يكون له الإشراف والولاية عليها.
ــــــــــــــــــــ[82]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ومن المعلوم ان أهم و(اخص) من يتصرف شرعاً بالأموال العامة، هو الحاكم العام وليس هو أفراد المكلفين. وان اشتهر بينهم أن للمكلف ان يصرف حق الإمام فيما يعلم رضاء الإمام فيه. إلا ان ذلك بناء على الولاية العامة بغير إذن الولي العام مشكل.
وأما إذا لم نقل بالولاية العامة. فلدى السؤال عن الجواز كما سلف، لا شك هو القول بالإثبات. لكن هذا ليس بصفته فقيهاً، بل بصفته أحد المكلفين الذين يقع في أيديهم من حق الإمام .
فإن كل مكلف – بما فيه الفقيه – يجوز التصرف له بهذا المال، بل بأي مال مع رضاء صاحبه. فإذا أحرز رضاء الإمام بالتصرف كان كافياً في جواز تصرفه. بخلاف ما إذا تصرف أي أحد بالشكل الذي يحتمل أو يحرز فيه عدم الرضا، فانه تصرف حرام.
ولا ينافي ذلك ما قلناه، من ان هذا المال ليس ملكاً شخصياً للإمام ، إذن، فليس لابد من إحراز رضاه. فان جواب ذلك انه هو الولي الفعلي عليه، ولم تنتقل الولاية منه إلى غيره، بناء على نفي الولاية العامة للفقيه. ومعه فيجب التصرف في حدود إذن الولي على المال، وهو الإمام, ولا يجوز التصرف فيما لم يحرز فيه الرضا.
وأما على مستوى الوجوب، اعني تعيّن الفقيه بالتصرف دون غيره، فلا يوجد أي دليل على ذلك، ولا يختلف الفقيه في ذلك عن غيره على تقدير نفي الولاية العامة عنه، إلا ان الذي يهون الخطب اننا سبق ان أثبتنا شكلا من أشكال الولاية العامة، بمقبولة عمر بن حنظلة.
4– قبض وصرف الأموال العامة كحق السادة والزكاة، على تقدير نفي الولاية العامة.
أما حق السادة فقد صرح الفقهاء وخاصة المتأخرون منهم، بأن المكلف
ــــــــــــــــــــ[83]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الذي يجب عليه الدفع يمكنه أن يدفع ذلك بنفسه بدون أن يوصله إلى الفقيه. فان أوصله إلى الفقيه، كان الفقيه وكيلاً عن المكلف في إيصال هذا المال إلى متسحقيه، وليس وكيلا عن الإمام . هذا إذا لم يكن بنفسه مستحقاً، كأي مستحق آخر.
وإذا أمر الفقيه بجباية حق السادة له، لم تجب طاعته، بناء على نفي الولاية العامة له. بل يبقى الحكم السابق ثابتاً. وهو جواز توزيع المكلف لها.
وأما بناء على ثبوت هذه الولاية، فيجب طاعته بلا إشكال. ولكن إذا أعطاها المكلف فقد عصى عصياناً تكليفياً، ولكن تبرأ ذمته على الظاهر ولا يجب عليه التعويض للفقيه، إلا إذا ألزمه بذلك.
وأما أموال الزكاة. فقد وردت الأخبار الدالة على جواز جباية الإمام لها. حتى أنه ورد ذكر ذلك في القرآن الكريم بقوله: وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا، وأوضح ذلك العمل شرعاً وعرفاً هو جبايتها.
فان قلنا بالولاية العامة، كان الفقيه نائباً عن الإمام في ذلك. ويجب طاعته بالدفع إليه. أعني إلى الجابي الذي هو أمينه ومنصوبه لهذا العمل.
وأما إذا لم نقل بالولاية العامة، فوجوب على هذه الطاعة، يبقى محل تأمل وإشكال. مع كون القاعدة مقتضية لإمكان إيصال المكلف نفسه المال إلى المستحق. وأما إذا لم يطلبها الفقيه ولم يكن له جاب، فلا إشكال في إيصال المكلف نفسه، وتعينه عليه شرعاً، سواء قلنا بالولاية العامة أم لم نقل.
5– أن الفقيه ولي من لا ولي له.
إذا قلنا بالولاية والحاكمية العامة للفقيه، فلا إشكال في ولايته في هذه الموارد.
وإنما الإشكال يبدأ فيما إذا لم نقل بذلك. فيكون الدليل على ذلك أحد
ــــــــــــــــــــ[84]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
أمرين، بعد الالتفات إلى ان الأصل الأولي يقتضي عدم الولاية:
الأمر الأول: الحديث النبوي المشهور: “السلطان ولي من لا ولي له”.
والمحمول فيه مطابق للمدعي ونص فيه. وأما الموضوع فهو السلطان، وليس هو الفقيه، والسلطان ظاهر بالسلطة الفعلية، فبعد استبعاد احتمال أن يكون المراد ما يعم السلطان الظالم، فقد يقال: بأنه دال على اشتراط ان يكون الفقيه سلطاناً فعلا. ولا يكفي فيه مجرد التنصيب النظري للولاية بل ليس له تنصيب أصلا، لفرض القول ينفي الولاية العامة في مجرى هذا الحديث. فلا يكون مصداقاً للسلطان لا عملياً ولا نظرياً.
الأمر الثاني: ان ولاية عدول المؤمنين تشمل الفقيه بلا إشكال، بل هو القدر المتيقن منها. وموضوعها (الأمور الحسبية) يعني التي لا يرضى الشارع بتفويتها، فيكون العمل فيها حسبياً، يعني احتساباً بالله عز وجل.
ولا شك ان الإشراف على من لا ولي له من أوضح الأمور الحسبية. فيكون الفقيه ولياً عليها.
وأما الدليل على ولاية عدول المؤمنين، فليس محله هذا الفصل، ولعلنا نتحدث عنه في فصل قادم. وعلى أي حال، سوفَ لن يكون الفقيه ولياً بصفته فقيهاً أو حاكماً أو ولياً عاماً, وإنما بصفته من عدول المؤمنين، وهي صفة يشترك بها كل عدول المؤمنين.
ولكنه لا شك أنه في المجتمع الذي يقل فيه العدول يكون للفقيه مزيته، لأنه القدر المتيقن من العدالة بصفته مرجعاً للتقليد على الأقل.
ومعه يتم لنا دليلان على ولاية الفقيه على من لا ولي له:
أحدهما: دليل الولاية العامة ان قلنا به.
ــــــــــــــــــــ[85]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ثانيهما: دليل ولاية عدول المؤمنين.
وكلاهما صحيح على أي حال.
والمراد ممن لا ولي له: كل شخص قاصر محتاج إلى الولاية عليه وادارة شؤونه، من دون حصول شخص خاص بذلك، كالطفل الذي ليس له أب ولا جد لأب ولا وصي. وكذلك المجنون الذي اتصل جنونه بصغره، وكذلك السفيه الذي اتصل سفهه بصغره.
وأما إذا بلغ الفرد عاقلا رشيداً ثم حصل له السفه أو الجنون، فلا يكون للأب والجد للأب ولاية عليه، فضلا عن غيرهما. بل تنحصر الولاية في ذلك للفقيه وهو الحاكم الشرعي.
وقد قال الفقهاء. بحسب ما لديهم من أدلة، أن ولاية الأب والجد للأب، تختلف عن غيرها، فبينما هي منوطة بعدم حصول المفسدة من التصرف. وغير مشروطة بوجود المصلحة، فان من بعدهما من الأولياء، كالوصي والحاكم الشرعي، يكون نفوذ تصرفه مشروطاً بوجود المصلحة، وهذا صحيح. وتفصيله ليس هنا محله. غير أننا يجب ان نلتفت إلى اننا قلنا بالولاية للفقيه بأحد الوجهين السابقين منوطاً بالمصلحة أساساً، وليس له الولاية بالإضرار بأحد إطلاقاً.
يبقى الكلام في فرع معين، وهو أن القاصر قد يكون عليه ولي فعلا، كالولد الذي له أب أو جد لأب. فهل ينفذ فيه حكم الفقيه خلافاً لرغبة وليه ذاك. إذا كان حكم الفقيه موافقاً للمصلحة طبعاً.
وجوابه: أما بناء على الولاية العامة، فلا إشكال في نفوذ أمره، فان الفقيه، كما هو ولي على القاصر، هو ولي على البالغين أيضاً، فهو ولي الولي للقاصر، كما هو وليه أيضاً. فإذا تخالف حكم الولي مع حكم وليه أعني
ــــــــــــــــــــ[86]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الفقيه، كان حكم الفقيه مقدماً ونافذاً.
وأما إذا لم نقل بالولاية العامة. فينبغي أن يكون من الواضح عدم نفوذ حكمه. وان المقدم هو رأي الأب والجد للأب دون الفقيه.
وذلك: لأن كل من ثبت له الولاية عندئذ إنما هو بصفته من عدول المؤمنين. ولا شك أن دليل ولايتهم قاصر الشمول لمثل هذه الصورة. يعني لم تثبت ولايتهم مع ولاية الأب أو الجد للأب، فضلا عن صورة عصيانهم ومخالفتهم لرأيه، كما هو مقتضى هذه المسألة. بل سيكون رأي الأب والجد للأب بل الوصي منهما، مقدما شرعا.
6– أن الفقيه ولي الممتنع.
والمراد بالممتنع: الخصم الممتنع عن أداء الحق لخصمه مع ثبوته له، كالمديون الممتنع عن أداء دينه. والزوج الممتنع عن نفقة زوجته. ومعنى الولاية في هذا الصدد، هو أنه يجوز للولي بل قد يجب عليه أن يأخذ من أموال الممتنع جبراً عليه أو يبيع شيئاً من ممتلكاته على غير رضاه، فيؤدي منه المال المطلوب ويرجع الباقي إليه. فيكون هذا التصرف في أموال الممتنع بالولاية وان كان على خلاف رضاه.
وأما إجباره على الدفع، فهذا ليس معنى الولاية. وإنما هو لمجرد السلطة.
ولا يخفى أنه لم يرد نص بهذا الخصوص، ليمكن التمسك بإطلاقه إلى كل ممتنع عن أي واجب أو حق، كالممتنع عن مقاربة زوجته اكثر من أربعة اشهر, أو الممتنع عن ملاعنتها، أو الممتنع عن إنقاذ المتورط في مهلكة، أو الممتنع عن تربية أولاده تربية صالحة, إلى غير ذلك. مما لا يحتمل فيها ولايته عادة، بأن يلاعن الزوجة بدل الزوج، ويربي الأولاد بدل الأب، وهكذا.
ــــــــــــــــــــ[87]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وبتعبير آخر: ان مقتضى القاعدة سقوط أمثال هذه الولايات عنه الا بدليل. نعم، إذا أصبحت نتيجة لمرافعة قضائية، كان الحال الفقهي فيها مختلفاً. وأما بدونها، كما هو الفرض الآن، فالأصل يقتضي عدم الولاية.
وخاصة بعد أن أسلفنا ان الولاية ثابتة بعنوان (الحاكم) وأمثال هذه الولايات ليس مما يتكفلها الحكام لا عرفا ولا عادة. نعم، لا يبعد أن تكون الولاية ثابتة في صورة وجود مصلحة عامة في أمثال هذه التصرفات. بناء على ثبوت الولاية العامة. وأما بناء على عدمها فلا إشكال في عدمها هنا، في أمثال هذه التصرفات.
وإنما تكون الولاية على الممتنع في حدود معينة، وأمثلة محدودة، كالولاية على أداء دين المديون أو نفقة الزوجة ونحوها، وقد تكون جميعها، في حدود فهم الفقهاء من نتائج مرافعات قضائية. وعندئذ، فلابد من القول بالولاية فقهياً، كما سيأتي. وأما بدون ذلك، فتبقى الولاية منوطة بنفس الدليلين السابقين وهما:
الأول: القول بالولاية العامة للفقيه.
الثاني: القول بولاية عدول المؤمنين.
اما على الولاية العامة. فلا إشكال في ثبوتها مع مطالبة الطرف، اعني المديون أو الزوجة في المثال. وأما مع عدم المطالبة، وعدم إسقاطه للحق. فهل للولي العام المطالبة بدل المديون، بصفته ولياً عنه أم لا؟ فيه إشكال من حيث ان هذا ليس عملا للحكام لا عرفا ولا عادة.
وأما بناء على ولاية عدول المؤمنين فهي ثابتة مع مطالبة الطرف ووجود المصلحة، كما هو الغالب. إلا اننا قلنا ان الأمر لا يكون خاصاً بالفقيه, بل يتصرف بصفته أحد العدول المؤمنين. نعم، هو أوسعهم خبرة،
ــــــــــــــــــــ[88]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
واشملهم معرفة.
يتفرع على ذلك ان من لا يقول بهذين النحوين من الولاية: لا للعامة للفقيه ولا لعدول المؤمنين، لا يستطيع ان يقول: بأن الفقيه ولي الممتنع كما هو المشهور بين الفقهاء، إلا ان يدعى الإجماع عليه. كما ادعاه بعض الفقهاء(1).
7– ان الفقيه ولي الغائب:
والمراد بالغائب: من لا وجود له في البلد، ولا يمكن استقدامه معجلا للقيام بما يتوقع منه شرعاً وعرفاً من حقوق وواجبات.
فلو كان قد ترك زوجة له وأولاداً أو دائناً في قرض أو بيع أو أي معاملة، ولم يؤد إليهم أموالهم. فيمكن للفقيه أن يأخذ من أمواله، أعني أموال الغائب نفسه لأداء هذه الحقوق. وكذلك الحال في المرافعات القضائية حين يكون أحد الخصمين غائباً، ولا يمكن استقدامه معجلا، وليس له بديل كالوكيل والوصي. إذن، سيكون الفقيه ولياً له، وبديلا له في المرافعة. وقد يعم ذلك اللعان والطلاق مع وجود المصلحة لها.
ولا دليل خاص بهذا المورد بالخصوص، إلا ما قد يستشم من دليل الطلاق لمن غاب أربع سنوات كما سيأتي. وذلك بالتجريد عن الخصوصية لكل ما اقتضت الحاجة والمصلحة إنجازه. إلا أن هذا التجريد فرع عدم احتمال الفرق بين المورد المنصوص والموارد الأخرى. وأما مع احتماله، فيتعذر التعميم والتجريد. وهذا الاحتمال قائم على أي حال بأساليب تذكر في الفقه عادة.
ومع انقطاع هذا الدليل لا يبقى لدينا للولاية على الغائب إلا الأمران اللذان
ــــــــــــــــــــ[89]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) انظر: بلغة الفقيه جـ3 ص259.
اشرنا إليهما في الممتنع وهما:
أولا: القول بالولاية العامة. والمفروض اننا الآن لا نقول بها، وإلا لم نحتج إلى دليل خاص بالمورد.
ثانياً: دليل الحسبة الشامل لعدول المؤمنين. وقد قلنا ان الفقيه من أخص أشكال هؤلاء وأوضحهم وأولاهم. فإذا استطعنا أن نفهم من سياق دليل الطلاق للغائب أربع سنوات، ان ذلك أيضاً بدوره للحسبة لا لخصوصية الفقيه. إذن، يمكن ضمه إلى دليل الحسبة فيتعاضدان بالدلالة، ويسهل عندئذ تجريده عن الخصوصية. وان كان هو الأمر الذي نفيناه قبل قليل.
إلا ان هذا الضم إنما يمكن إذا كان موضوع دليل الطلاق هو ذاك، هو الفقيه أو عدول المؤمنين، ونحوه. إلا ان موضوعه ليس هو ذاك، كما سيأتي، وإنما هو السلطان والحاكم. ومعه نحتاج إلى ضم دليل ثالث يبرهن لنا على كون الفقيه حاكماً شرعاً. وإذا تم لنا مثل هذا الدليل، فهو دليل الولاية العامة. بلا حاجة إلى هذه الأدلة الجانبية.
ومعه فلو تنزلنا عن دليل الولاية العامة، لم يبق دليل معتد به لكون الفقيه ولي الغائب. ما لم يتم الإجماع عليه.
وينبغي ان نلتفت إلى ان من غاب وجعل وكيلا عاماً بدله فهو ليس بغائب. بمعنى إمكان الرجوع إلى وكيله في معاملاته. فلا مورد لولاية الفقيه عليه، وليس للفقيه التصرف في أموال وخصائص الغائب مع وجود الوكيل. نعم لو قلنا: بالولاية العامة واقتضت المصلحة في نظر الفقيه لذلك. أمكن القول بإمكان ذلك فقهياً.
8– أن الفقيه ولي في حدود الأمور الحسبية العامة.
ومعنى الأمور الحسبية فقهياً هي الأمور التي تعلقت بها المصلحة العامة
ــــــــــــــــــــ[90]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
بدون أن تكون ذات ولي معين يقوم بها. مأخوذة من الاحتساب لله عز وجل، في الطاعات، حيث لا يجزي عليها إلا الله. في مقابل ما احتسب للغير كهدية المجاملة، فلا يكون له عند الله ثواب.
وأمثلة ذلك عديدة جداً، منها: الأوقاف العامة بما فيها المساجد والعتبات المقدسة، وكذلك الجسور والمدارس والمستشفيات، والأوقاف الخاصة التي لا ولي لها وغيرها.
واختصار الكلام فيها موضوعاً وحكماً:
أما موضوعاً: فقد يقع السؤال عن حدود هذه الولاية. فان القدر المتيقن منها، هو وجود مؤسسة معينة فاقدة للولي كمسجد مثلا. فباعتبار الحسبة يكون الفقيه عليه ولياً. وأما إيجاد مثل ذلك مع اقتضاء المصلحة العامة له. فهل تشمله هذه الولاية أم لا؟
كما قد يقع السؤال: في ان المؤسسات كالأوقاف أو المساجد التي فيها ولاية ضعيفة أو ناقصة أو مؤجلة، ونحو ذلك، هل يكون للفقيه حق التصرف فيها بالرغم من وجود الولاية فيها لمجرد ضعفها أو نقصها، ليكمل ذلك النقص ويقوي ذلك الضعف، ولا يكون ذلك الا مع اقتضاء المصلحة العامة له.
والجواب على أمثال هذه الأسئلة إنما يكون إثباتاً ونفياً، باعتبار الدليل وشموله أو عدمه في ذلك، كما ستأتي الإشارة إليه.
وأما الحديث عن ذلك حكماً: فانه لا شك ان إنجاز ودعم المصلحة العامة في المجتمع المسلم مطلوبة شرعاً وجوباً أحياناً واستحباباً أحياناً. ومعه تكون مقدماته مطلوبة أيضاً: والقيام بكل المعاملات التي تتعلق به مطلوب أيضاً. ومن هنا تكون الأحكام الوضعية كالملكية والإجارة ونحوها ثابتة بالدلالة الإلتزامية لهذا الإطلاق.
ــــــــــــــــــــ[91]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
والمهم الآن التساؤل عمن يقوم بذلك. وجوابه: اننا بعد ان نعرف المطلوبية الشرعية لذلك. نعرف أن ذلك يكون عادة بنحو الواجب الكفائي على كل مستطيع من المسلمين. فإذا قام به بعضهم سقط عن الباقين، وإلا كان ثابتاً في ذمتهم أجمعين، وهم يعاقبون على تركه ان كان واجباً.
وهذا الدليل يسوقنا إلى ان القائم بالحسبة، إنما هو القادر عليها من المسلمين أو ما يشبه فكرة (عدول المؤمنين) التي اشرنا إليها فيما سبق. غير أنهم بجميع أفرادهم لا يكونون قادرين، وإنما يكون بعضهم قادراً فيتعين التكليف فيهم.
وإذا التفتنا إلى الفقيه هنا، لا نجده اكثر من واحد من عدول المؤمنين القادرين على ذلك. باعتبار ما قلنا من أنه أولاهم وأعلاهم للقيام بذلك، بل هو القدر المتيقن من هذه الولاية على تقدير ثبوتها لمطلق عدولهم.
ومعه لا يفرق في ذلك بين القول بالولاية العامة للفقيه أم لا. كما لا يفرق في ذلك بين كون موضوع الحسبة موجوداً، كالمسجد الذي لا ولي له أو غير موجود، بل يكون المطلوب إيجاده. فان المطلوبية الشرعية وجوباً أو استحباباً لا تفرق بطبيعة الحال.
كما لا يفرق – في السؤال الآخر السابق– بين ما إذا كانت الولاية مفقودة أو قليلة أو ضعيفة أو ناقصة. مع اقتضاء الحسبة أو المصلحة العامة إنجازها على أحسن وجه. الأمر الذي يستوجب تصدي الفقيه لذلك من أجل تقوية الضعيف وتكميل الناقص وتكثير القليل.
9– ان من حق الفقيه تطبيق نتائج القضاء وعقوباته.
ونتائج القضاء ليست كلها عقوبات، بل قد تكون من قبيل إثبات ملكية شخص لشيء أو نفيها عنه, أو إثبات زوجية امرأة لرجل أو نفيها عنه, أو إثبات كون هذا البناء وقفاً وعدمه، وهكذا. كما قد تكون نتائج القضاء عقوبة. كجلد
ــــــــــــــــــــ[92]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الزاني أو رجمه, وقطع يد السارق والأمر بدفع الدية للخطأ في الجنايات، أو الأمر بالتعزيرات التي لم يحدد لها مقدار معين في الشريعة.
ولا يبعد هنا اننا نستطيع أن نتمسك في الاستدلال على هذه الولاية بالأدلة الثلاثة التي سقناها على ولاية القضاء نفسها، كما أن هناك روايات تنص على ذلك لا تخلو من الخدشة سنداً(1).
وتلك الأدلة الثلاثة: هي مقبولة عمر بن حنظلة ورواية أبي خديجة والإجماع. من حيث ان لها كلها دلالة التزامية في الفهم المتشرعي، بل العقلائي، على أن من يقوم بالقضاء فان له ان يطبقه وينفذه. بل لا معنى له بدونه ويكون لغوا لولاه. فان إيصال الحق إنما يكون حقيقة بالتنفيذ لا بمجرد الحكم. والقاضي موصل للحق بلا إشكال، إذن فهو منفذ لحكمه بلا إشكال.
وهذا الاستدلال يعني عدة أمور:
أولا: الدلالة الإلتزامية للأدلة الدالة على ولايته للقضاء، على ولايته للتنفيذ.
ثانياً: الارتكاز المتشرعي بل العقلائي أن من يقوم بالقضاء له أن يطبقه. وهي سيرة ممضاة شرعاً جزماً.
ثالثاً: دلالة الاقتضاء صوناً لكلام الشارع المقدس عن اللغوية. من حيث ان جعل الحكم القضائي بدون التنفيذ سيكون لغواً كما عرفنا، فنفهم من نفس ذلك الدليل على حجية التنفيذ وإمكانه للفقيه.
هذا مضافاً إلى السيرة القطعية من الأئمة المعصومين أعني من مارس القضاء منهم. كأمير المؤمنين ، حيث كان يقوم بتنفيذ نتيجة القضاء دائماً.
ــــــــــــــــــــ[93]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) انظر الوسائل: ج8 ص378.
فهذه السنة منه حجة. لأن السنة هي قول الإمام وفعله وتقريره. فهذه سنة لأنها من فعله فتكون علينا حجة ولنا فيها أسوة حسنة.
10– الفقيه يقوم بطلاق زوجة المفقود.
وذلك طبقاً لرواية معينة تامة سنداً، ومعمول بها لدى الفقهاء، يحسن فيما يلي سردها.
فعن بريد بن معاوية(1) قال: “سألت أبا عبد الله عن المفقود كيف تصنع امرأته؟ فقال: ما سكتت عنه وصبرت فخل عنها. وإن هي رفعت أمرها إلى الوالي أجَلها أربع سنين. ثم يكتب إلى الصقع الذي فقد فيه فليسأل عنه. فان خبر عنه بحياة صبرت، وان لم يخبر عنه بحياة حتى تمضي الأربع سنين، دعا ولي الزوج المفقود. فقيل له: هل للمفقود مال؟ فإن كان للمفقود مال أنفق عليها, حتى يعلم حياته من موته. وان لم يكن له مال قيل للولي: انفق عليها. فان فعل فلا سبيل لها إلى ان تتزوج ما انفق عليها. وان أبى ان ينفق اجبره الوالي على ان يطلق تطليقه في استقبال العدة. وهي طاهر فيصير طلاق الولي طلاق الزوج. فان جاء زوجها قبل ان تقضي عدتها من يوم طلقها الولي، فبدا له ان يراجعها فهي امرأته وهي عنده على تطليقتين. وان انقضت العدة قبل ان يجيء ويراجع, فقد حلت للأزواج ولا سبيل للأول عليها”.
وفي رواية أخرى(2) معتبرة عن أبي عبد الله يقول فيها: “وان لم يكن له ولي طلقها السلطان”. إلى آخر الرواية.
ولأجل فهم مضمون الرواية إجمالا نذكر المهم من فقراتها. ثم نعود إلى ما استشهدنا بها من اجله.
ــــــــــــــــــــ[94]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: ج15 كتاب الطلاق أبواب أقسام الطلاق وأحكامه. باب23 حديث1.
(2) المصدر: حديث5.
فالزوجة المفقود زوجها لها عدة مراحل:
المرحلة الأولى: ان تسكت وتصبر. ومعه لا يد لأحد عليها.
المرحلة الثانية: أن تشكو أمرها إلى الوالي، من اجل قلة النفقة وانقطاعها من زوجها. أو من الناحية الجنسية.
المرحلة الثالثة: أن الوالي يقبل دعواها ويؤجلها أربع سنوات يفحص خلالها عن الزوج هل هو حي أو ميت.
المرحلة الرابعة: ان يثبت له حياته. فهو أحق بها ولا سبيل لطلاقها الا باختيار الزوج نفسه.
المرحلة الخامسة: أن يبقى الزوج مجهول الحال بعد الفحص تلك المدة كلها. فان كان للزوج مال، دعا الوالي ولي الزوج ان وجد، فأمره ان ينفق عليها من مال الزوج. فإذا تم ذلك وجب عليها الصبر. ولا سبيل إلى طلاقها.
المرحلة السادسة: أن لا يكون للزوج المفقود مال. ولكن الولي نفسه ينفق عليها، فالواجب عليها الصبر أيضاً.
المرحلة السابعة: إن أبى الولي الإنفاق عليها من ماله الشخصي استحقت الطلاق. فيجبره الوالي على طلاقها من زوجها بصفته – أعني الآخر – ولياً عن الزوج. فيكون طلاقه طلاقه.
المرحلة الثامنة: ان يأتي إليها زوجها ويعود وهي في العدة. فان كان ذلك فهي زوجته، كما تنص الرواية. ومن الناحية الفقهية فان على الزوج أن يراجعها لمكان صحة الطلاق في حينه إلا أنه طلاق رجعي. وان أبى أن يراجعها استمرت في عدتها وحلت بعدها للأزواج.
المرحلة التاسعة: أن يبقى الزوج مفقوداً، ولا يعود حتى تنتهي العدة.
ــــــــــــــــــــ[95]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فتحل للأزواج. ولكن هل هي عدة وفاة أم عدة طلاق؟ أفتى سيدنا الأستاذ(1) بكونها عدة وفاة، إلا انها لا يجب فيها على الزوجة الحداد. إلا ان هذا واضح البطلان، لأن موضوع وجوب العدة هو الطلاق، وليس الوفاة. وأما الوفاة فلم تحرز حتى تجب عدتها.
وأما محل الشاهد ومحل الحديث: فهو أن الفقيه هو الذي يقوم بالطلاق. إذا لم يكن للزوج ولي أو وكيل ونحو ذلك.
أما طريق فهم ذلك من الرواية فيكون بأحد أشكال:
الشكل الأول: ان المراد من الوالي في الرواية: الوالي العادل المرضي لله وللشريعة الحقة لا الوالي الظالم بأي شكل من الأشكال. ونحن نعلم ان الفرد لا يكون والياً عادلا، إلا أن يكون فقيهاً جامعاً للشرائط أو وكيلا عنه.
الشكل الثاني: أن المراد من الولي هو الفقيه الجامع للشرائط. فانه أحد الأولياء على أي حال. ويقرب ذلك اكثر إذا علمنا أن الأعم الأغلب من الأزواج المفقودين هم ممن لا تكون عليهم ولاية خاصة كالأب والجد والوصي ونحوهم، فتتعين الولاية عليهم بولاية الحاكم الشرعي. وهو الفقيه. وقد سمعنا من الرواية ان الولي يقوم بالطلاق. إذن فالحاكم الشرعي هو الذي يقوم به.
الشكل الثالث: أننا نفهم معنى الفقيه من لفظ السلطان الموجود في الرواية السابقة بعد استبعاد احتمال ان يكون المراد به السلطان الظالم، بل خصوص العادل، وليس ذلك إلا الفقيه.
وبالرغم من أن فهم هذه الأشكال من الرواية، يحتاج إلى بعض المناقشات، الا اننا لا ينبغي الآن ان نطيل بها الكلام، وإنما نوكلها إلى الفقه.
ــــــــــــــــــــ[96]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) منهاج الصالحين ج2 كتاب الطلاق ص329.
11– أن الفقيه هو ولي الأموال المجهولة المالك:
ولا ينبغي ان ننسى ان محل الكلام الآن، وفيما سبق من العناوين، إنما هو إثبات للولاية بغض النظر عن أدلة الولاية العامة. وأما إذا قلنا بعموم الولاية فلا إشكال في شمولها لكل هذه العناوين بما فيها التصرف بالأموال المجهولة المالك، والإذن بالتصرف فيها وقبضها بالولاية عن أصحابها المجهولين. وخاصة إننا عرفنا ان العنوان المأخوذ في موضوع الولاية في معتبرة عن عمر بن حنظلة هو عنوان (الحاكم), ولا شك أن الحاكم عرفاً يتصرف بالأموال العامة والأموال المجهولة المالك.
ولكننا إذا نفينا ذلك فقهياً. فهل يبقى دليل على هذه الولاية للفقيه أم لا؟
من الواضح أنه لا يوجد في مورده نص خاص، بل هو أسوأ حالا من الناحية الفقهية من الولاية على الممتنع والغائب ونحوها مما قلنا فيها بان الولاية تكون فيها لعدول المؤمنين، والفقيه هو أولاهم وأعلاهم. فان الأمر هنا ليس كذلك إذ لا ولاية لعدول المؤمنين على الأموال المجهولة المالك. إذ ان ولايتهم منحصرة بموارد الحسبة، وهي خاصة بمعنى من معاني الضرورة المدركة للمتشرعة كمسألة الغائب والممتنع والأوقاف العامة والصغير الذي يفقد وليه الخاص ونحوهم. وكلها في الفهم المتشرعي شكل من أشكال الضرورة ودفع للضرر. اما مسألة الولاية على المال المجهول المالك فهو خال من ذلك، فلا يكون مقتضى القاعدة ولاية عدول المؤمنين عليها. كما لا دليل على ولايتهم عن أصحابهم المجهولين، كما لا دليل على الولاية العامة للفقيه، كما افترضنا. إذن، يبقى الأمر هنا بدون دليل. وإنما يكون الدليل عليه منحصراً بالقول بالولاية العامة.
12– ان الفقيه يجوز له إعلان الحرب الدفاعية المقدسة.
والكلام هنا أيضاً بغض النظر عن الولاية العامة. إذ معها لا يبقى هناك
ــــــــــــــــــــ[97]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
إشكال في ذلك. وأما إذا نفيناه فيكون السؤال من الناحية الفقهية وجيهاً.
ولا يحتاج الأمر هنا إلى دليل خاص أو عام. إذ مع الخوف على بيضة الإسلام – كما يعبر الفقهاء – من الأعداء، وإمكان دفعهم بأي شكل من أشكال الدفاع، يكون هناك بضرورة الدين وجوب كفائي على كل مستطيع للحرب والجهاد أن يتصدى له, وأحياناً يكون النفير في ذلك عاماً لحفظ الإسلام والمجتمع المسلم. لا يختلف في ذلك الكبير عن الصغير ولا العالم عن الجاهل ولا الغني عن الفقير ولا الحاكم عن المحكوم.
إذن، فسوف يكون هذا الوجوب الكفائي شاملاً للفقيه بطبيعة الحال. وهو يستطيع أن يشارك في الدفاع ضد الأعداء بكل إمكانه، اما جندياً أو قائداً أو موجهاً أو أي شيء آخر. ومجرد كونه فقيهاً قد لا يكون سبباً لتوليه القيادة ما لم نقل بالولاية العامة فتتعين فيه، ولا يحتاج معه لأن يكون مطلعاً على أساليب القتال وخططه. لأنه قد لا يتولى ذلك مباشرة ولا يستقل برأيه. وإنما يولي ذلك بالوكالة إلى من يقوم به. وإنما يبت بالأمور بعد المشاورة مع من يثق بهم من الخبراء.
فهذه فكرة كافية عن حدود الولاية سواء كان دليلها هو دليل الولاية العامة أم دليل أخص منه كما سبق شرحه مفصلا.
ــــــــــــــــــــ[98]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فصل الحكم القضائي
يمكن ان يكون هناك اتجاهان فقهيان في حاجة القاضي إلى إصدار الحكم بعد ثبوت المدعى لأحد الخصمين في المرافعة، أو عدم الحاجة إليه. يعني هل من الضروري بعد إثبات الدين في ذمة شخص مثلا أن يقول القاضي: حكمت بأن فلان مديون لفلان بكذا، أو حكمت أنه يجب عليه دفع كذا من المال إليه. أو نحو ذلك من العبارات. أو أن ذلك ليس ضرورياً, وإنما المثبتات القضائية في المرافعة. وهي البينات والأيمان, كافية للإثبات. وما على المخصوم إلا أن يقوم بمهمته بدلالة تلك الإثباتات, ولا يحتاج الأمر إلى إيجاد حكم مستقل من قبل القاضي.
المشهور جداً بين الفقهاء، قدمائهم ومتأخريهم هو الحاجة إلى الحكم ولزومه. ولعلهم يميلون إلى أنه لولا هذا الحكم لا يجب أي شيء على أي من الخصمين ولا تنحل بينهم الخصومة. وهذا راجع إلى ان الإثبات القضائي موضوع لحكم القاضي، وحكمه موضوع لوجوب التنفيذ من قبل الخصمين. اما ان يكون الإثبات القضائي موضوعاً لوجوب التنفيذ مباشرة. فلا.
وبإزاء المشهور ما عليه بعض الفقهاء، ودلت عليه عدد من الروايات التي سنسمع بعضها، بأن الإثبات القضائي كافِ في وجوب التنفيذ ولا حاجة معه إلى إصدار الحكم من قبل القاضي. وهذا لا يعني عدم جواز صدوره، بل
ــــــــــــــــــــ[99]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
يعني أنه مع صدوره يكون تكراراً لما ثبت قضائياً وتأكيداً له. ومع عدمه فان الحكم الشرعي بالتنفيذ لا شك نافذ.
نعم، يتصف الحكم القضائي بأهمية خاصة لا تكون إلا مع تحققه بطبيعة الحال. نذكر الآن ما هو محتمل فقهياً منها ونؤجل الاستدلال عليه إلى ما بعد سرد الروايات الدالة على وجود الحكم أو عدمه.
وما هو محتمل من مميزات الحكم فقهياً أمور:
الأمر الأول: أنه ثابت الحجية في الشبهات الموضوعية كثبوت الدين أو الزوجية أو الملكية أو عدم هذه الأمور، وليس له في الشبهات الحكمية نصيب، الا ما كان تابعاً للموضوع – بخلاف الفتوى – فان حقلها الخاص هو الشبهات الحكمية دون الموضوعية. ومن هنا سيأتي الحديث عن أن الحاكم الشرعي ليس له الحكم في الشبهات الموضوعية في غير الموارد القضائية. وهذا معنى آخر غير وجوب إطاعة أمره فيها. كما سوف نوضح.
الأمر الثاني: ان الحكم القضائي قاطع لجواز المرافعة مرة ثانية. فليس للمدعي ان يجر المدعى عليه أمام قضاة عديدين بعد ان صدر الحكم بحقه مهما كان مضمونه. بخلاف ما لو اقتصرنا على الإثبات القضائي، مع احتمال أن يكون للقاضي الآخر إثبات آخر على وجه مختلف.
الأمر الثالث: حرمة الرد على الحكم القضائي. يعني حجيته ونفوذه حتى وان علم بخطأ دليله وعدم جواز مناقشته أو التسامح به، باعتبار ان صدروه منه ليس فقط باعتبار الإثبات، بل باعتبار الولاية التي تقتضي وجوب الطاعة في هذه الحدود.
ومن هنا قالوا: أنه يختلف عن الفتوى، إذ ان الفتوى لا تكون نافذة مع العلم بخطأ المستند. إلا ان الحكم القضائي يكون نافذاً على أي حال. والسر
ــــــــــــــــــــ[100]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
هو ما اشرنا إليه من ان الحكم يصدر بصفة الولاية، والفتوى تصدر بصفة التبليغ، فإذا عرفنا من المبلغ الخطأ، كان الاعتماد على الأصل أولى من الاعتماد على الفرع.
وهذا في الفتوى أمر صحيح فقهياً، اما حصته في الحكم فهو ما سوف نناقشه بعد الاستماع إلى بعض الروايات.
وما نريد سرده من الروايات على قسمين أحدهما: خال من التعرض إلى وجود الحكم القضائي. والآخر: متعرض لوجوده, ثم نحاول ان نخلص إلى فهم مشترك بينهما.
القسم الأول من الروايات: وهي خالية من التعرض للحكم القضائي, وهي كثيرة جداً، نذكر أصحها سنداً وأوضحها دلالة، على انها بأساليب مختلفة وفي موضوعات متعددة.
منها: صحيحة الحلبي(1) عن أبي عبد الله : في رجل أقر على نفسه بحد ثم جحد بعده فقال: إذا اقر على نفسه عند الإمام أنه سرق ثم جحد قطعت يده وان رغم أنفه. وان اقر على نفسه أنه شرب خمراً أو بفرية، فاجلدوه ثمانين جلدة. قلت: فان اقر على نفسه بحد يجب فيه الرجم. أكنت راجمه؟ فقال: لا. ولكن كنت ضاربه الحد.
وصحيحة عبد الرحمن(2) عن أبي عبد الله قال: “كان علي يضرب الشيخ والشيخة مئة ويرجمهما ويرجم المحصن والمحصنة ويجلد البكر والبكرة وينفيهما سنة.
ــــــــــــــــــــ[101]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: ج18 كتاب الحدود والتعزيرات. أبواب مقدمات الحدود وأحكامها العامة. باب12 حديث 1.
(2) المصدر: أبواب حد الزنا، باب1 حديث12.
وعن وهب عن جعفر(1) عن أبيه: ان علياً أتى برجل وقع على جارية امرأته فحملت، فقال الرجل: وهبتها لي وأنكرت المرأة، فقال: لتأتيني بالشهود على ذلك أو لأرجمنك بالحجارة. فلما رأت المرأة ذلك اعترفت فجلدها على الحد.
وصحيحة معاويةبن عمار(2) قال: “قلت لأبي عبد الله : المرأتان تنامان في ثوب واحد. فقال: تضربان. فقلت: حداً؟ قال: لا. قلت: الرجلان ينامان في ثوب واحد. قال: يضربان. قال: قلت الحد؟ قال: لا”.
وصحيحة حريز(3) عن أبي عبد الله : “ان علياً وجد رجلا وامرأتان في لحاف واحد. فضرب كل واحد منهما مئة سوط إلا سوطاً”.
وصحيحة أبي بصير(4) قال: “قال أبو عبد الله : الزاني إذا زنى يجلد ثلاثاً ويقتل في الرابعة، يعني يجلد ثلاث مرات”.
وعن أبي بكر الحضرمي(5) عن أبي عبد الله قال: “أتى أمير المؤمنين بامرأة وزوجها قد لاط بابنها من غيره وثقبه، وشهد عليه بذلك الشهود. فأمر به فضرب بالسيف حتى قتل، وضرب الغلام دون الحد، وقال: اما لو كنت مدركاً لقتلتك لإمكانك إياه من نفسك بثقبك”.
وصحيحة أبي بصير(6) عن أبي عبد الله قال: سمعته يقول: “إن في كتاب علي . إذا اخذ الرجل مع غلام في لحاف مجردين ضرب الرجل
ــــــــــــــــــــ[102]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: باب8 حديث4.
(2) المصدر: باب10 حديث16.
(3) المصدر: الحديث20.
(4) المصدر.: باب20 حديث1.
(5) المصدر: أبواب حد اللواط. باب2 حديث1.
(6) المصدر: باب3 حديث7.
وأدب الغلام، وان كان ثقب وكان محصناً رجم”.
وصحيحة عبد الله بن سنان(1)عن أبي عبد الله : قال: “في امرأة أفتضت جارية في يدها، قال: عليها المهر وتضرب الحد”.
ومعتبرة السكوني(2) عن أبي عبد الله قال: “إذا سألت الفاجرة من فجر بك. فقالت: فلان. فإن عليها حدين: حداً من فجورها، وحداً من فريتها على الرجل المسلم”.
وصحيحة إسحاق بن عمار(3) قال: “سألت أبا عبد الله عن رجل شرب حسوة خمر. قال: يجلد ثمانين جلدة, قليلها وكثيرها حرام”.
وصحيحة أبي بصير(4) عن أبي عبد الله قال: “قلت له: كيف كان يجلد رسول الله فقال: كان يضرب بالنعال, ويزيد كلما أتى بالشارب ثم لم يزل الناس يزيدون حتى وقف على ثمانين. أشار بذلك علي على عمر فرضي بها”.
وصحيحة أبي بصير(5) أيضاً عن أبي عبد الله قال: “كان رسول الله إذا أتى بشارب الخمر ضربه، ثم إذا أتى به ثانية ضربه. ثم إذا أتى ثالثة ضرب عنقه”.
ومعتبرة القاسم(6) عن أبي عبد الله : قال: “سألته عن رجل سرق.
ــــــــــــــــــــ[103]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: أبواب حد السحاق والقيادة. باب4 حديث3.
(2) المصدر: أبواب حد القذف. باب2 حديث3.
(3) المصدر: أبواب حد المسكر: باب1 حديث1.
(4) المصدر: باب3 حديث1.
(5) المصدر: باب11 حديث4.
(6) المصدر: أبواب حد السرقة، باب5 حديث3.
فقال: سمعت أبي يقول: أتي علي في زمانه برجل قد سرق فقطع يده. ثم أتي به ثانية فقطع رجله من خلاف. ثم أتي به ثالثة فخلده في السجن، وانفق عليه من بيت مال المسلمين. وقال: هكذا صنع رسول الله لا أخالفه”.
إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي يثقل على القارئ سردها. وكلها خالية من التعرض إلى الحكم القضائي: بل يمكن القول: ان كل الروايات الواردة في الحدود والتعزيرات خالية منه. ما عدا القليل الذي سنذكره في القسم الثاني الآتي، مما قد يتوهم حصول ذلك فيه مع مناقشته.
فإذا تم لنا هذه أمكننا القول بعدم وجود الحكم القضائي في المرافعات، وتدل هذه الروايات: ان رسول الله لم يفعله في قضائه، ولا علي أمير المؤمنين ، ولم يأمر به الأئمة المعصومين . إذ لو كان حاصلا لتم نقله في الروايات، ولا اقل من وجوده في بعضها – ولم يوجد- إذن، فهو غير مطلوب.
ولا اقل من القول فقهياً بعدم لزومه أو وجوبه، فان أوجده القاضي ترتب عليه أثره السابق. وان لم يوجده كان له ذلك، يعني ان يرتب أثر الحكم بدون التلفظ به، بل لمجرد قيام الإثبات القضائي عليه.
وقد يخطر في البال هنا: أن بعض هذه الروايات تحتوي على ذكر الأمر، وانه أمر بإقامة الحد، أو نحوه، وهذا الأمر هو الحكم القضائي.
وجوابه: أنه وهم واضح الفساد. لأن هذا الأمر كان باعتبار ان الإمام لا يريد ان يقوم بذلك بنفسه. وإنما يوكل التطبيق إلى أحد أتباعه أو خدمه. فلو قام بتطبيقه شخصياً لم يحتج إلى الأمر.
هذا، ومقصود مشهور الفقهاء من الحكم ما كان على غرار: حكمت بكذا
ــــــــــــــــــــ[104]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
أو قضيت. ولا يكون الأمر قضاءً بالمعنى المصطلح عندهم. وإنما هو عملية إنجاز لما ثبت في المرافعة. كما لو أمر بضرب الحد أو إعطاء الدية أو الدين.
وكذلك لا يعتبر من القضاء أو الحكم، ما لو أظهر القاضي نتيجة المرافعة على شكل فتوى. وقال يجب عليك كذا. فانه ليس من الحكم المصطلح. وإنما هو إنجاز لنتيجة المرافعة. ومن المعلوم ان نتيجتها تحتاج إلى كلام وبيان في الغالب ولا يكون كل أساليب البيان حكماً طبعاً. بل اغلبها ليس حكماً عرفاً، بل لو لم تحتج النتيجة إلى كلام أمكن ذلك أيضاً، كما لو قام القاضي بنفسه بإقامة الحد أو التعزير ساكتاً عن بيان النتيجة. والروايات السابقة توافق على ذلك بحسب إطلاقها.
القسم الثاني: من الروايات: ما دل على وجود الحكم القضائي ومشروعيته. وقد يستفاد منها اللزوم أيضاً. وهي على شكلين: روايات واردة في موارد خاصة. وروايات مطلقة لكل مورد. نذكر منها بعض النماذج. وهي على أي حال ليست كثيرة كروايات القسم الأول.
الشكل الأول: من الروايات: ما ورد في قضايا معينة.
منها: صحيحة محمد بن قيس(1) عن أبي جعفر : قال: “قضى أمير المؤمنين في الشيخ والشيخة ان يجلدا مائة، وقضى للمحصن الرجم، وقضى في البكر والبكرة إذا زنيا جلد مائة، ونفي سنة في غير مصرهما”.
وصحيحة مالك بن عطية(2) عن أبي عبد الله في حديث: “ان أمير المؤمنين قال لرجل أقر عنده باللواط أربعاً: يا هذا ان رسول الله حكم في مثلك بثلاثة أحكام، فاختر أيهن شئت. قال: وما هن يا أمير
ــــــــــــــــــــ[105]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر السابق أبواب حد الزنا، باب1، حديث2.
(2) المصدر: أبواب حد اللواط باب3 ، حديث1.
المؤمنين؟ قال: ضربة بالسيف في عنقك بالغة منك ما بلغت أو اهداب (اهداء) من جبل مشدود اليدين والرجلين أو إحراق بالنار”.
وصحيحة عبد الله بن سنان(1) ، قال: قال أبو عبد الله : “قضى أمير المؤمنين ان الفرية ثلاث. يعني ثلاث وجوه: إذا رمى الرجل الرجل بالزنا، وإذا قال: ان أمه زانية، وإذا دعا لغير أبيه، فذلك فيه حد ثمانون”.
وصحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر قال: “قضى أمير المؤمنين في السارق إذا سرق قطعت يمينه. وإذا سرق مرة أخرى قطعت رجله اليسرى، ثم إذا سرق مرة أخرى سجنه وتركت رجله اليمنى يمشي عليها”. الخ الحديث.
فهذه الروايات ونحوها محتوية على لفظي (قضى ) و (حكم ). فقد يقال : ان ذلك ليس الا الحكم القضائي الذي يقول به مشهور الفقهاء.
غير ان هذا يتوقف على أن يكون المراد من هذه الروايات صدور الحكم في وقائع ومرافعات قضائية بعينها. ليكون القضاء قضاء فقهياً. ولا يكون المراد بها الفتوى في مسألة عامة أو كلية يبين فيها الحكم القضائي في مواردها.
ولا شك ان هذه الروايات هي أقرب إلى فهم الفتوى منها إلى فهم الحكم القضائي في مرافعة معينة، والدليل على ذلك من الروايات نفسها. ففي صحيحة محمد بن قيس الأخيرة يقول: “قضى أمير المؤمنين في السارق إذا سرق قطعت يمينه”. وهي واضحة من أن محل الكلام إنما هو مسألة كلية، وليس مرافعة جزئية الأمر الذي يحول معنى القضاء فيها إلى معنى الفتوى، وإنما عبر بالقضاء دون الفتوى، لأن المسألة الكلية بنفسها من صلاحيات القاضي.
ــــــــــــــــــــ[106]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: أبواب حد القذف باب2 ، حديث2.
وكذلك قوله في صحيحة ابن سنان حيث يقول: قضى أمير المؤمنين : ان الفرية ثلاث، فان التقسيم إلى ثلاث وجوه لا معنى له في المرافعة المعنية كما هو واضح.
وأما في الصحيحتين الأوليتين، فالراجح فيها ذلك. ولا اقل من احتماله المسقط لها عن الاستدلال في صالح المشهور. كما يمكن جعل الصحيحتين الأخيرتين اللتين عرفنا منهما معنى (الفتوى) قرينة منفصلة على فهم الأوليتين، فيكون لهما نفس المعنى. ولا اقل اننا نفهم من الأخيرتين إمكان استعمال معنى (القضاء) في الفتوى. ومعه لا يتعين حمله على الحكم في المرافعة في أي محل سمعناه، ما لم تقم قرينة معينة ومثبتة لذلك. وهي الأوليتين غير موجودة.
وأولى من ذلك استعمال لفظ ( الحكم ) فانه أقرب إلى معنى (الحكم الشرعي) الكلي الذي هو معنى (الفتوى) دون الحكم القضائي الفعلي الجزئي، ولا أقل من احتمال ذلك، والاحتمال هنا أوضح وأرجح من لفظ (قضى) فيكون الاستدلال في مصلحة المشهور ساقطاً.
هذا مضافاً: إلى ان المشهور إنما يمكنه ان يستدل بمثل هذه الروايات، باعتبار كونها من فعل المعصوم الذي يكون حجة، باعتبار أنه (قضى) في مرافعة معينة. بغض النظر عما قلناه سابقاً. ومن الواضح ان الفعل ليس له إطلاق لنتمسك بإطلاقه أو دلالة لغوية لنتمسك بدلالته. فاستدلال المشهور به على (لزوم) القضاء والحكم في المرافعة ولغويتها بدونه مما لا يمكن الاستدلال عليه بهذا (الفعل) وإنما غاية ما يدل عليه هو جواز القضاء. وهذا ما لا نناقش فيه بعد كونه يكاد ان يكون من ضروريات الفقه.
الشكل الثاني: من الروايات المتكفلة لبيان القضاء والحكم بشكل عام لا ارتباط له بمسألة معينة أو مرافعة خاصة.
ــــــــــــــــــــ[107]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وهي الروايات العامة التي سردنا ردحاً منها في الاستدلال على الولاية العامة. فنكرر هنا مقدار محل الشاهد منها.
مقبولة عمر بن حنظلة(1)، وقد قلنا بحجية سندها فيما سبق، حيث يقول فيها أبو عبد الله : “ينظران من كان منكم ممن روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فاني قد جعلته حاكماً. فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا راد على الله، وهو على حد الشرك بالله”.
وحسنة أبي خديجة(2) قال بعثني أبو عبد الله إلى أصحابنا فقال: “قل لهم. . إلى ان يقول: اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا وحرامنا، فاني قد جعلته عليكم قاضياً. وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر”.
وهذه الأخيرة، مضافاً إلى سقوط سندها وعدم اعتباره. فانها خالية من لفظي الحكم والقضاء، إلا بعنوان (جعلته عليكم قاضياً). إلا إذا ضممنا إلى ذلك هذا التقريب: وهو اننا يمكن ان نفهم من القاضي معناه العرفي. ومن الواضح ان القضاة العرفيون يمارسون الحكم عند المرافعة ولا يكتفون بالإثبات القضائي وحده لتنفيذه. فتكون الرواية دالة على جعله قاضياً ممارساً للحكم. كما قال المشهور.
ولا أقل في جواب ذلك من التشكيك في انعقاد السيرة العقلائية للقضاة بممارسة الحكم في المرافعة دائماً. وخاصة إذا قصدنا من السيرة ما كان معاصراً لصدور النص, كما ينبغي أن يكون لتصبح السيرة حجة. إذ لا دليل على اعتماد القضاء يومئذ على ذلك. ولو تم لأمكن احتمال ان يكون ديدنهم
ــــــــــــــــــــ[108]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: كتاب القضاء. أبواب صفات القاضي. باب11، حديث1.
(2) المصدر: حديث6.
في ذلك ناشئاً من ذهابهم إلى وجوبه شرعاً لا بصفتهم عقلاء. وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال. مضافاً إلى عدم اعتبارها سنداً.
إذن، فلم يبقَ لنا من الاستدلال للمشهور إلا مقبولة عمر بن حنظلة. والاستدلال بها يتوقف على أن نفهم من قوله: (فإني قد جعلته حاكماً). أنه قد جعله قاضياً. وقد سبق ان شرحنا ذلك مفصلا. وفهمنا من الحاكم ما هو أوسع من القاضي بكثير. من حيث ان الحاكم يصلح للقضاء وأما القاضي فقد لا يصلح للحكم الذي يراد به السلطة في مجتمع معين. ولا اقل ان الفهم العرفي من الحاكم هو ذلك بكل تأكيد.
ومعه يكون قوله: (فإذا حكم بحكمنا). يراد به الحكم الذي يصدر من صاحب السلطة كالملك والرئيس وهي الأوامر والقرارات والمراسيم. ولا يراد به الحكم في مرافعة معينة.
ولو تنزلنا وقبلنا ذلك فانه قال: فإذا حكم بحكمنا. الدال على تعليق الحكم الشرعي بأهميته على حكمه، فنرجع إلى كون صدور الحكم فيه جائزاً وغير لازم، فان هذا هو معنى التعليق عرفاً بطبيعة الحال. ونحن – كما عرفنا– لا نناقش في جوازه كما لا نناقش في أهميته على تقدير صدوره. وأما لزومه ولغوية القضاء بدونه كما يقصد المشهور، فلم يقم عليه دليل.
بقي الكلام فيما يحسن التعرض له، الاستدلال على المميزات الثلاث السابقة التي قلناها للحكم القضائي، وحدود تلك المميزات – في حدود الأدلة الواردة عليها–.
نذكر باختصار تلك المميزات:
أولا: أنه حجة في الشبهات الموضوعية، والفتوى حجة في الشبهات الحكمية.
ــــــــــــــــــــ[109]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ثانياً: أنه قاطع لجواز المرافعة الثانية كما أوضحنا.
ثالثاً: أنه يجب التعبد به ويحرم الرد عليه ونقضه حتى مع العلم بخطأ دليله. بخلاف الفتوى إذ تكون ساقطة مع العلم بالخطأ.
أما الثالث فهو أوضحها دليلا، لأنه يقول كما سمعنا في مقبولة ابن حنظلة التي اعتمدنا سندها: “فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله، وعلينا رد، والراد علينا راد على الله، وهو على حد الشرك بالله”. وهو من التشديد بما فيه الكفاية كما هو واضح. وهو مطلق لصورة العلم بالصواب والعلم بالخطأ والشك فيه، فيكون الرد عليه وعصيانه حراماً على أي حال.
غير أنه يمكن ان يقال: ان قوله: (حكم بحكمنا)، لا يعني أنه حكم مطلقاً، بل مع كون حكمه مطابقاً لحكمهم، وهو حكم الله الواقعي. ومعه فيختص الحكم بحرمة الرد في صورة المطابقة للواقع دون غيرها. ولا أقل من عدم إحراز عدم المطابقة للواقع الشامل لصورة الشك في ذلك. وأما إذا علمنا بالخطأ فقد أحرزنا أنه ليس هو الحكم الواقعي، فلا يحرم الرد عليه، ومعه لا يكون هناك فرق بين الحكم والفتوى. أو نقول: باختصاص الفتوى في صورة العلم بالمطابقة للحكم الشرعي الواقعي أو الظاهري، بخلاف المولوي أو القضائي، فانه نافذ حتى في صورة الشك، ولا يكون نافذاً مع العلم بالبطلان.
ويجاب هذا الاستدلال ببعض الأجوبة:
أولا: ان هذا المعنى، أعني حجية حكم الحاكم حتى مع العلم بالخلاف، قد يكون معقد إجماع في نفسه. فان لم نستفده من الرواية فلا اقل من استفادته من الإجماع. وليس في الرواية مفهوم نافٍ له كما هو معلوم لمن يفكر.
ثانياً: أنه ليس كل الأحكام ذات مطابقة للواقع. بل بعضها إنشاءات ابتدائية وليس لها مطابقة للواقع ذاتاً، فمثلا: ان القاضي إذا حكم باشتغال ذمة
ــــــــــــــــــــ[110]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
شخص لشخص من دون أن يكون مديوناً له. فهذا حكم مخالف للواقع. أما إذا حكم بوجوب ان يدفع له كمية من المال، فهو إنشاء وهو أجنبي عن المطابقة للواقع وعدمه. نعم، يكون عندئذ خاطئاً في مستنده أو دليله. وهذا غير مضر في الفتوى فضلا عن الحكم.
ثالثاً: اننا فهمنا من (الحاكم) الوارد في المقبولة معنى (صاحب السلطة) في المجتمع وليس خصوص القاضي. ومن الواضح أن اغلب أشكال الأحكام التي يصدرها مثله أحكام إنشائية لا مورد للمطابقة للواقع فيها، كالحكم بوجوب إنشاء مستشفى أو جعل ولي على طفل أو على وقف وهكذا. نعم الأغلب في الأحكام القضائية كونها ذات مناشىء واقعية، فلابد من عدم إحراز الخطأ في الحكم.
رابعاً: يمكن القول: بأن قوله: (بحكمنا) إشارة إلى ان مثل هذا الشخص يكون حكمه حكمهم على أي حال. فهو ليس قيداً احترازياً، بل وصف احترامي للحكم. فيكون ثابتاً على كل حال، وان علم خطؤه. ولعله من هذه الجهة أفتى المشهور بحرمة نقض الحكم حتى مع العلم بعدم مطابقته للواقع. وعلى أي حال، فيبقى هذا الأمر موافقاً للاحتياط. وان كان المظنون كونه احتياطاً استحبابياً.
وأما الصفة الثانية للحكم وهو كونه قاطعاً للمرافعة الثانية. فهذا أيضاً واضح باعتبار ان المرافعة الثانية بعد إنجاز الأولى تعتبر رداً عليها ونقضاً لها، فيكون مشمولاً للنهي الوارد في المقبولة. وخاصة إذا قلنا بنفوذها حتى مع العلم بالخطأ(1). كما يمكن فقهياً ان يخص ذلك في غير هذه الصورة. غير ان
ــــــــــــــــــــ[111]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) فانه لا يختلف فيمن ينقض الحكم بين ان يكون ممن له صلاحية الحكم أو لا يكون، بل يكون المكلف ممنوعاً من ذلك شرعاً على أي حال.
وجود العلم بالخطأ في مستند الحكم أو بالحكم نفسه فرض نادر بين الأحكام نسبياً على أي حال.
وهذا المعنى يكون نافياً للأفكار المعاصرة في وجود (محكمة تمييز) وهي التي تصلح لنقض الحكم السابق وبيان فساده، فان قاضي التمييز ليس اكثر شأناً فقهياً من القاضي السابق الذي حكم بالحكم الأول. والذي لم يجز نقضه.
كما ان هذا المعنى ينفي وجود (قاضي القضاة) الذي يكون بمنزلة محكمة التمييز في بعض الدول. اللهم إلا أن يراد به مجرد مدير لشؤون القضاة. أو ان وظيفته الفصل في المرافعات التي تكون بين القضاة أنفسهم أو بينهم وبين الآخرين. وهذا أمر معقول إذا كان بتعيين الولي الحاكم. وان كان هذا الذي تم تعيينه ليس أفضل فقهياً من غيره.
وأما الصفة الأولى للحكم: وهو كونه نافذاً في الشبهات الموضوعية، على حين تكون الفتوى حجة في الشبهات الحكمية، فهذا راجع إلى طبيعة كل من الحكم والفتوى. من حيث ان الحكم المولوي والقضائي على السواء لا يكونان الا في الشبهات الموضوعية. ويكون هو الحكم لها من حيث أنه ليس لها في موردها المعين حكم شرعي اصلي إلا تخويل للحاكم بإصدار الحكم. كثبوت الزوجية والحرية والدين والقتل وغيرها في مورد الحكم القضائي، وكوجوب الدفاع أو تأسيس شركة مثلا أو تنصيب موظف مثلا في الحكم المولوي. فكل ذلك من قبيل الشبهات الموضوعية باصطلاح الفقهاء.
بخلاف الفتوى، فانها بعد استنباطها من الدليل تتكفل التبليغ عن الحكم الشرعي الواقعي أو الظاهري. ومن ثم فقد يكون التبليغ خطأ للخطأ في الشبهة الموضوعية، كما لو أفتى بالحكم الظاهري، مع علمنا بالحكم الواقعي وهو النجاسة مثلا أو الخطأ في المستند كما لو اعتمد الفقيه على راوِ معين يتخيله ثقة وهو ليس بثقة.
ــــــــــــــــــــ[112]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
يبقى الكلام هنا في شيء واحد، وهو ان الشبهات الموضوعية – كما عرفنا– على قسمين: منها: ما يمكن له المطابقة مع الواقع وعدمه كالحكم باشتغال الذمة فيمن ذمته بريئة. ومنها: ما لا ربط لها بالواقع كتأسيس شركة مثلا. وعلى كلا التقديرين، فإما ان يكون الحكم قضائياً أو ولوياً، يعني صادراً من الولي الحاكم خارج دائرة القضاء. فتكون الأقسام أربعة نذكرها لمجرد التوضيح:
أولا: الحكم القضائي ذو المطابقة للواقع كما مثلنا.
ثانياً: الحكم القضائي غير المرتبط بالواقع كالتعزير.
ثالثاً: الحكم المولوي ذو المطابقة للواقع كالحكم بوجوب الدفاع, وكان الواقع هو عدم الخوف على بيضة الإسلام. وكالحكم بثبوت الهلال، والواقع هو عدم ثبوته.
رابعاً: الحكم الولوي غير المرتبط بالواقع كتأسيس شركة.
لا شك ان للحكم القضائي بكلا قسميه نافذ إجماعاً وبضرورة الفقه. وإلا لم تُفض المنازعات بين الناس، ولا يحتاج إلى استدلال اكثر من ذلك.
كما لا شك في نفوذ الحكم الولوي غير المرتبط بالواقع، وكون الرد عليه رداً على الله وهو على حد الشرك بالله. كما لا شك في نفوذ الحكم الولوي المرتبط بالواقع مع إحراز مطابقته، بل ومع الشك فيه أيضاً. تمسكاً بإطلاق نفس الدليل.
وإنما الكلام في نفوذ الحكم الولوي مع إحراز عدم مطابقته للواقع. والذي يبدو للنظر ابتناء ذلك على تقسيمين:
أحدهما: تقسيم للموضوع، وهو ما إذا كان متعلقاً بأمر واقعي كبدء الشهر أو أمر اعتباري كتشخيص مصلحة عامة.
ــــــــــــــــــــ[113]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ثانيهما: تقسيم للحكم الولوي، من حيث كونه موافقاً للاحتياط أم لا.
أما بالنسبة إلى التقسيم الأول، فالظاهر عدم نفوذ الحكم في الأمور الواقعية مع العلم بالخلاف، بل مطلقاً، فليس من حق الولي ان يجعل هذا اليوم هو الثلاثاء أو هذا الشهر هو رجب بمجرد الحكم. وإنما هي أمور تابعة لأسبابها الواقعية التكوينية. وعدم نفوذ حكمه لا يختلف فيه بين ما إذا كان موافقاً للاحتياط أم لا، وإنما ينفذ حكمه في الأمور الاعتبارية التي تخلو عن جهة تكوينية بحسب دلالتها المطابقة أو المباشرة.
وأما التقسيم الثاني، فلا شك ان الحكم ان كان في مورد اعتباري موافق للاحتياط فهو نافذ، لأنه القدر المتيقن من الإطلاقات. بل حتى لو كان مخالفاً للاحتياط ما دام محتمل الصحة وغير معلوم الفساد، تمسكاً بالاطلاقات نفسها.
وإنما الكلام فيما لو علمنا فساده، كما لو احتاج المجتمع إلى الدفاع ولكن الولي نهى عنه بالولاية. ونحن نعلم أننا ان اطعناه فسوف نقع في خطر عظيم.
لا شك أنه في مثل ذلك يكون مقتضى الإطلاقات نفوذ حكمه، كما هو مقتضى المصلحة العامة الممضاة شرعاً بحفظ النظام العام بلا إشكال.
ومن هنا يبدو للنظر صحة التمسك بهذا الدليل، يعني النفوذ، ما لم يحصل هناك مضاعفات خطيرة جداً ومعلومة الصحة. كما في المثال السابق، ففي الإمكان القول عندئذ بعدم نفوذ حكمه، اما من اجل خروجه به عن كونه جامعاً للشرائط، أو لأجل التزاحم بين الحكمين وتفضيل الأهم الذي هو أوفق بالاحتياط، ومضاد لرأي الولي وحكمه على المفروض. أو لأي دليل فقهي آخر لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله.
ــــــــــــــــــــ[114]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فصل الأحكام القضائية أسبابها ومبرراتها
نعقد هذا الفصل من أجل تعريف القارئ بأمور ثلاثة مترتبة:
الأول: نوعية الأحكام الشرعية القضائية كالرجم والجلد وغير ذلك كثير، من حيث مفهومها وطريقتها إجمالا.
الثاني: نوعية أسباب تلك الأحكام، يعني التعرف على المستحقين لها، فالزنا قد يكون سبباً للرجم، والزاني مستحق له. ومن الواضح ان هذين الأمرين يمكن درجهما في حديث واحد.
الثالث: الحديث عن الحِكم التي ندركها في جعل هذه الأحكام. إما باعتبار جعل العقوبة الرادعة أساساً، وإنها في أي مجتمع تصح الحاجة إليها. وإما باعتبار جعل تفاصيل الحدود والديات.
وفي هذه المرحلة من التفكير لا بد من الإيضاح ضد من يقول: بأن هذه العقوبات قديمة أو قاسية.
فالكلام فيما يلي يقع في مرحلتين: إحداهما: في نوعية الأحكام ومستحقيها. والأخرى: في الحِكم الداعية إليها في حدود ما ندركه من ذلك بطبيعة الحال.
ــــــــــــــــــــ[115]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
المرحلة الأولى: في نوعية الأحكام ومستحقيها.
وتنقسم العقوبات في الشريعة إلى عدة تقسيمات:
التقسيم الأول: عقوبات مالية كالدية وعقوبات جسدية كالقصاص وعقوبات معنوية كالتبعيد.
التقسيم الثاني: عقوبات تحتاج إلى مرافعة قضائية وعقوبات لا تحتاج إلى ذلك.
والقاعدة في ذلك: هو ان الجرم إن صدر من شخص واحد بدون طرف آخر، لم يحتج عقابه إلى قضاء وان كان واجباً. فان تركه كان قد ارتكب حرامين: أصل الذنب وترك عقوبته. وان كان الجرم متعلقاً بطرف آخر كالاعتداء احتاج إلى قضاء. ومن ذلك أيضاً الجرم الصادر بحق المجتمع لا بحق شخص معين. وسنرى حكمه. ومحل الشاهد الآن ان الأقسام في هذا التقسيم الثاني أصبحت ثلاثة: عقوبات فردية وعقوبات إرفاقية في صالح الطرف الآخر, وعقوبات في صالح المجتمع.
التقسيم الثالث: ان الجرم المعاقب عليه قد يكون ناشئاً من فعل ما يجب تركه كالسرقة، وقد يكون ناشئاً من ترك ما يجب فعله، كترك الصلاة. وهذا كسابقه قد يتعلق بالفرد وقد يتعلق بالمجتمع كما سنرى. فبضم هذا المعنى تكون أقسام هذا التقسيم ثلاثة أيضاً، كسابقه.
وإذا كانت أقسام كل من التقسيمات ثلاثة، كان الحاصل من ضرب ثلاثة في نفسها ثلاثاً، سبعة وعشرون احتمالاً. ومن الصحيح: ان عدداً منها إنما هو لمجرد التدقيق في المسألة، وليس لها مصاديق فقهية في الشريعة. لأن المصلحة لم تتعلق بذلك في نظر الشارع الإسلامي المقدس. كما قد يشترك نوعان من العقوبة مما هو في التقسيم الأول على جرم واحد كالجلد والتبعيد.
ــــــــــــــــــــ[116]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وقد تكونان من نوع واحد، هي العقوبة المالية كالدية وكفارة القتل. كما قد تكون عقوبات مخيرة اما للمكلف نفسه ككفارة إفطار يوم من شهر رمضان، أو مخيرة للقاضي كبعض أو اكثر أشكال التعزير. ومن هذا أمكن القول بأن هناك:
التقسيم الرابع: وهو الانقسام إلى عقوبة معينة، وعقوبة مخيرة، وعقوبة مرتبة ككفارة الظهار. فهذه أقسام ثلاثة أيضاً. فمن ضرب الناتج السابق بها تصبح الاحتمالات واحداً وثمانين. ويكون من الأوضح فقهياً عندئذ عدم وجود مصاديق لكثير من هذه الاحتمالات.
كل ما في الأمر اننا يمكن أن نلحق كل جرم مع عقوبته ببعض هذه الأقسام.
ومن هنا سيكون الأرجح في المنهج الآتي فوراً: اننا نذكر العقوبات ثم نذكر مستحقيها إلى جانبها. ويحسن أن نجعل ذلك بترتيب الحروف لكي يكون كالقاموس يرجع إليه الفرد متى شاء. وسيكون الترتيب بحسب مادتها الأصلية.
الجَلد:
بفتح الأول وسكون الثاني، مصدر: جلد يجلد، إذا ضرب بالسوط. ومنه: المجلد والمجلاد وهو السوط. والجلاد وهو الضارب بالسوط أو من تكون وظيفته تلك.
ويكون فقهياً بعدد معين. فالزاني غير المحصن يجلد مئة سوط، أي مئة ضربة بالسوط. وشارب الخمر ثمانون. وقد يكون للجلد حد أعلى فقط، كالتعزير. كما سيأتي في عنوانه، وقد لا يكون له حد معين، وإنما يوكل مقداره إلى نظر القاضي أو الحاكم أو المباشر بالوكالة عن أحدهما، كما في المرأة المرتدة تضرب في أوقات الصلاة.
ــــــــــــــــــــ[117]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وهناك الجلد دون الحد: يعني دون المئة. مثل جلد رجلين، أو رجل وامرأة أجنبية ناما عاريين تحت لحاف واحد، والأقوى عندئذ ان ينقص العدد واحداً، فيكون تسعة وتسعون ضربة.
¬الحد:
وهو في كل شيء مقدار وجوده، أو نهايته وأقصاه ان كان تدريجياً كالزمان والزماني، وفي اصطلاح الفقهاء هو كل عقوبة جسدية منصوصة في الشريعة كالجلد والرجم، وقد يشمل القتل أيضاً. أو قل هو: عقوبة الزنا واللواط والمساحقة وشرب الخمر والقتل العمد. وهي قد تكون ما اشرنا إليه, وقد تكون أموراً أخرى. كهدم حائط على المجرم أو إلقائه من شاهق. وسيأتي شرح كل ذلك، وقد سمعنا معنى العقوبة دون الحد، يعني دون إكمال المئة والوصول إلى نهايتها.
والمهم الآن، ان الحد عنوان عام يشمل عقوبات متعددة، وليس هو عقوبة بعينها. ونحن ذاكرون تلك العقوبات المندرجة فيه بعونه سبحانه.
الحكومة:
وهو المال الذي يحكم به القاضي، في موارد الاعتداء الذي لم يتعين له دية شرعاً مما لا يصدق فيه القصاص. ومن أجل وجود حكم الحاكم أو القاضي سمي الحكومة.
والمهم في التعيين الشرعي للدية أن يكون الدليل صحيحاً سنداً وواضحاً دلالة. والا كان المورد للحكومة. ومعه فجميع ما ورد في رواية ظريف بن ناصح الآتية في كتاب الديات، تكون مورداً للحكومة، لأنها ضعيفة السند، وان عمل بها المشهور واعتبرها السيد الأستاذ وقال بصحتها. وستأتي مناقشته
ــــــــــــــــــــ[118]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
في كتاب الديات بعونه تعالى. نعم، توجد في بعض مواردها روايات أخرى أو قواعد عامة كتقسيم الدية على الأعضاء، فيكون ذلك هو المتبع.
الدية:
هي عوض مالي عن اعتداء جسدي غير عمدي، والمراد من الاعتداء ما لم يكن بحق. والمراد بالجسدي ما يشمل النفس وما دونها، كما يشمل الجهة المادية في الجسد كالأعضاء وغيرها، كالسمع والبصر والعقل. والمراد بغير العمدي ما يشمل شبه العمد والخطأ. ولا يسمى من الغرامات المالية: دية، غير ذلك.
وهو معنى اصلي في اللغة من ودى، يدّي: إذا دفع ديته. كما ان ودى، وأودى بمعنى هلك، فلعل الدية إنما سميت بذلك بهذا الاعتبار، يعني انها المال المدفوع بازاء الهلاك. ويؤيده: ان الدية في اللغة هي دية النفس دون الذي دونها كالجرح أو قطع الأعضاء، ولكنها في الفقه شاملة لكل ذلك.
والأفضل أن نذكر فيما يلي الأهم من أحكام الديات باختصار على أن تبقى بعض التفاصيل موكولة إلى كتاب الديات.
فدية النفس يعني القتل العمدي المحرم عدة أمور:
أولها: ألف دينار ذهبي مسكوك بسكة المعاملة بوزن ثمانية عشر قيراطاً للواحد، وهو المثقال الشرعي، على حين ان المثقال الصيرفي أربعة وعشرون قيراطاً.
فان لم يكن هذا النوع موجوداً، أمكن دفع قيمته من نقد البلد أياً كان.
ثانيها: عشرة آلاف درهم. باعتبار أنه كان في فترة من صدر الإسلام يستبدل الدينار بعشرة دراهم. والأحوط أن يكون الدرهم مثقالا شرعياً
ــــــــــــــــــــ[119]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
كالدينار. مع كونه مسكوكاً أيضاً، ومع عدمه يدفع بدله من نقد البلد.
ثالثها: ألف شاة: وهي أنثى الغنم، وان كان صدقها على الضأن أولى وأحوط. وان كان المظنون صدقها على أي رأس من الغنم مهما كان جنسه وحجمه وعمره. إلا ان هذا الظن لا دليل عليه عرفاً.
رابعها: مائتا حلة من الثياب. كل حلة منها قطعتان كرداء وقميص أو قميص وسروال. والمهم فيها ان تكون القطعتان شاملتين لكل البدن. وان تكون من القماش المتوسط أو فوقه، والأحوط ان تكون حللا رجالية غالبة الاستعمال في المجتمع.
ومع توفر هذه المواد جميعاً يتخير الجاني في دفع أيها شاء. ومع توفر واحد منها يتعين عليه. ومع عدم توفر شيء منه يدفع قيمة أرخصها. وأما التنزل إلى القيمة مع توفر المادة فهو يحتاج إلى رضاء المجني عليه أو ولي الدم. وهذا الرضا في السوق الحالية متوفر وعليه الأسلوب العرفي العام لرجوع كل مادة إلى قيمتها عرفاً.
وأما الدية في ما دون النفس، فقد وردت الأخبار الصحيحة الصريحة على أنه يحسب عدد الموجود من جنس العضو في البدن. فان كان واحداً كالأنف فعليه دية النفس كاملة. وان كان اثنان كاليدين وقد قطعت واحدة فعليه نصف الدية، وان قطعت كلتاهما فعليه الدية كاملة، وكذلك العينان والأذنان والبيضتان والرجلان.
كما أنه لو كان العدد اكثر كالأصابع والأسنان أخذ المجني عليه من الدية بتلك النسبة. الا ان من الفقهاء من عد لأصابع اليدين دية ولأصابع الرجلين دية. ومنهم من عد للأصابع كلها دية واحدة, وهو الأقوى.
هذا إذا حصل القطع الكامل أو القريب منه. وأما في صورة وجود الجرح
ــــــــــــــــــــ[120]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
والكسر والرض ونحوها، فلا تكون هذه القاعدة شاملة له.
نعم، من الممكن ان تكون شاملة للأعضاء الباطنة كشمولها للظاهرة كالرئتين أو الكليتين، فان في كل واحدة نصف الدية. وما كان واحداً كالطحال ففيه الدية كاملة. وأما القلب والكبد، فقلعه يؤدي حتماً إلى الوفاة. فتكون الدية لازمة من تلك الجهة.
وهذه القاعدة شاملة أيضاً للنقص المعنوي: كالسمع والبصر والنشاط الجنسي ونحوه. فلو حصل العمى أو الصمم في أحد العضوين فنصف الدية والا فالفدية كاملة.
ومن القواعد العامة في الديات: ان المرأة تعاقل الرجل، يعني تشترك معه في الدية إلى أن تبلغ حدود الثلث. فان بلغت الثلث أو زادت عنه نقصت دية المرأة إلى نصف دية الرجل. بما فيها دية النفس ودية الأعضاء المتعددة في الجسم ونحو ذلك.
ومن القواعد في هذا الباب: ان ما سبق أن قلناه إنما هي ديات الرجل المسلم الحر، فلو لم يكن رجلا. فقد عرفنا حكم المرأة. وإذا لم يكن مسلماً، فان كان حربياً فلا دية له ولا قصاص, وان كان ذمياً معاهداً، فالمشهور ان ديته ثمانمائة درهم, وعليه فتوى السيد الأستاذ(1) إلا ان دليله ليس بتام سنداً، ومعه فيكون الأقوى كونه مشمولا لإطلاقات أدلة الدية الكاملة للرجل الحر.
وان لم يكن المجني عليه حراً، فديته قيمته، ويؤخذ بالنسبة إلى قطع أعضائه. ما لم تتجاوز قيمته دية الحر فلا يجب الزائد، والمراد بدية الحر هنا أقل أو أرخص المواد التي سبق تعدادها.
ــــــــــــــــــــ[121]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) تكملة منهاج الصالحين: ص 109.
الرجم:
وهو في اللغة الرمي بالحجارة ونحوها، والرجوم ما يرجم به، ومنه قوله تعالى: رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ. والرجيم اسم مفعول بمعنى المرجوم، ومنه الشيطان الرجيم، لأنه مرمي باللعنة. ومنه قوله تعالى: قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ.
ولا يخرج الرجم في اصطلاح الفقهاء عن المعنى اللغوي، غير أنه يختص بطريقة معينة من الحد، يكون الأهم فيها الرمي بالحجارة حتى الموت.
وطريقته: ان من يثبت عليه الزنا مع سائر الشرائط، يدفن في حفيرة إلى وسطه ان كان امرأة، والى حقويه ان كان رجلا. ويطم ذلك في التراب، ويبقى الجزء الآخر من الجسد ظاهراً. ويدعى بعض الناس للاجتماع حوله، من أجل إنجاز حد من حدود الله سبحانه. ويبدأون برميه بالحجارة على ان لا تكون ضخمة جداً ولا صغيرة جداً، ولكن بين ذلك مهما كان حجمها. ويستمر الرمي إلى ان يموت، فيخرجونه من الحفرة ويجهزونه ويدفنونه.
فان استطاع المرجوم ان يفر من الحفيرة، فان كان معاقباً نتيجة للإقرار بالزنا ترك إلى حال سبيله. وان كان معاقباً من اجل قيام البينة ضده اُرجع ورجم.
وليس في الرجم تعرية للجسم، بل لابد من الحجاب ان كانت امرأة. نعم، لا ينبغي ان تكون الثياب سميكة تدفع الم الحجارة واثرها.
إذن، فالرجم عقوبة بالموت بطريقة معينة، ولا توجد شرعاً الا في الزاني المحصن. والمراد بالمحصن من كان عنده زوجة أو حليلة يوفي حاجته الجنسية معها باستمرار، ومع ذلك فقد تاقت نفسه إلى الحرام والعياذ بالله.
ــــــــــــــــــــ[122]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
السجن:
وهو بفتح أوله مصدر من سجن يسجن إذا حبسه، وبكسر أوله: المكان الذي يحبس فيه.
والعقوبة بالسجن وان لم يكن لها مكان مرموق في الفقه، حتى قد يقول بعض الأغرار: ان الإسلام لم يعاقب بالسجن. إلا ان الأمر يختلف عن ذلك، فقد كان لعلي أمير المؤمنين سجن في الكوفة كان يقضي فيه جماعة من المجرمين مدة عقوباتهم. وكان للخلافة الأموية والعباسية سجونها. غير أن فكرة السجن لا تعني التعذيب بطبيعة الحال. بل مجرد الحبس والحجز، فان لم يكن الفرد مستحقاً لغير ذلك، كانت الزيادة عليه ظلماً حراماً.
والسجن في الشريعة، كما هو في القانون يستعمل على شكلين: شكل مؤقت المسمى بالتوقيف أو الحجز في عصرنا. وبشكل دائم المستعمل كعقوبة مستقلة شهوراً أو عدة سنوات.
والسجن المؤقت يستعمل للممتنعين عن أداء ما في ذمتهم كالمديون إذا أبى دفع ما ثبت عليه وهو قادر، أو الكفيل إذا أبى إحضار المكفول أو الضامن إذا لم يؤد المال المضمون وهكذا.
والسجن الدائم أورده الفقهاء للمرأة المرتدة المليّة. وهي من كانت على غير دين الإسلام ثم أسلمت ثم ارتدت. فانها لا تقتل بل تسجن وتضرب في أوقات الصلاة. وهذا السجن يستمر إلى أن تتوب أو تموت. وكذلك هو ثابت لمن تسبب إلى قتل شخص بدون ان يصدق أنه القاتل.
كما ان السجن يصلح لحجز الفرد من قبل الحاكم، إذا كان الفرد مفسداً في المجتمع بكلامه أو أفعاله أو كان محارباً فعلاً، أو معنوياً لجهة شرعية مهما كانت.
ــــــــــــــــــــ[123]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
كما ان السجن يصلح عقوبة للأجرام الذي لم ينص على عقوبته في الشريعة. ويكون مقداره موكولا إلى الحاكم.
كما ان السجن يصلح بدلا عن أسلوب التعزير الاعتيادي. فان التعزير كما سنسمع في عنوانه، إنما يكون بالضرب. ولكن قد يمكن التعميم إلى إيجاد كل ما يخل بالأمان الشخصي، ومنه السجن. وستأتي عنه بعض التفصيلات.
التعزير:
وهو في اللغة من (الأضداد)، كالجلل الذي يطلق على العظيم والحقير. فكذلك التعزير، فانه مصدر عزر يعزر: إذا فخمه وعظمه وأعانه، وكذلك إذ لامه وأدبه وضربه ضرباً مبرحاً. ومن الأول قوله تعالى: وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ (1). وكل ما ورد في الكتاب الكريم من هذه المادة، فهو بهذا المعنى. إلا ان الفقهاء اخذوا بالمعنى الآخر للتعزير. وهو الضرب أو مطلق التأديب، ويخصونه عادة بالجرم الذي ليس له في الشريعة عقوبة محددة. كما ان بعض الأمور ورد في عقوبتها التعزير أو الضرب بعينه، كفاعل المحرم أياً كان عمله، وكالصبي السارق أو الصبي الجاني.
ونحن إذا عرفنا ان معنى من معاني التعزير: التأديب. إذن، فيمكن تعميمه بشكل أوسع من الضرب كالسجن والجرح والكلام الثقيل وغير ذلك كثير. والمهم أن يكون العمل سبباً للتأديب الذي هو النتيجة المهمة شرعاً، بحيث لا يعود الفاعل إلى جرمه. الا ان هذا يحتاج إلى سعة في النظرة الفقهية، مضافاً إلى مخالفة اصطلاح المشهور جداً.
والمشهور أوكل مقدار التعزير إلى القاضي أو الحاكم بحسب ما يراه من
ــــــــــــــــــــ[124]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الأعراف: آية 157.
المصلحة، الا ان يبلغ مقدار الحد، فلا يكون تعزيراً، فاللازم إذن الضرب اقل من الحد الذي هو مئة للزاني وثمانون لشارب الخمر. الا ان من الروايات ما تحذر من هذا المقدار أيضاً، وتخصه بالأقل من ذلك بكثير.
ففي صحيحة إسحاق بن عمار(2) قال: سألت أبا إبراهيم عن التعزير كم هو؟ قال: “بضعة عشر سوطاً ما بين العشرة إلى العشرين”.
وفي صحيحة حماد بن عثمان(2) عن أبي عبد الله قال: “قلت له: كم التعزير؟ فقال: دون الحد. قال: قلت: دون ثمانين. قال: لا. ولكن دون أربعين فانها حد المملوك. قلت: وكم ذاك؟ قال: على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوة بدنه”.
وعلى هاتين الروايتين عدة تعليقات:
الأول: أنه لا ينبغي أن نفهم اختصاص التعزير بالضرب بالسوط. فان المهم في كلام الإمام هو تحديد الكمية وليس النوعية. فيكون المعنى: انك إذا ضربته بالسوط تعزيراً فلا تزد على هذا المقدار. وهذا يعني أيضاً عدم التحديد الشرعي في غيره لأن الروايات ساكتة عنه. وان كان لا ينبغي إهمال الاتجاه العام لها في التحديد مع التجريد عن الخصوصية كما هو المفروض.
الثاني: هناك بعض الاختلاف بين الروايتين في الكمية، كما هو واضح. ومقتضى القاعدة حمل الفرق بينهما على الكراهة الشديدة.
الثالث: انه لا يراد من النص ان المملوك يضرب دون حده، وهو أربعون، والحر يضرب دون حده وهو ثمانون. فان هذا مخالف لظاهر الصحيحة جداً. بل مراده : ان التعزير أياً كان يجب أن يكون أقل من اقل الحدود
ــــــــــــــــــــ[125]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل ج 18 أبواب بقية الحدود، باب 10 حديث 1.
(2) المصدر: حديث 2.
الموجودة في الشريعة. وهو حد العبد المملوك على شرب الخمر. لا يختلف في ذلك بحسب إطلاقها بين أن يقع التعزير على حر أو عبد، على رجل أو امرأة، على صغير أو كبير.
الرابع: ان الصحيحة الثانية واضحة في ايكال التعيين إلى الوالي، في حدود ما هو مشروع من التعزير، يعني على ان لا يتعدى الحد الأعلى له. ويجوز أن يقلل عن ذلك بحسب ما يراه من قوة جسم الرجل وقوة جرمه. فكلما كانا أقوى لزم أن يكن التعزير أكثر. وبالعكس أيضاً، يعني أنه يقل بقلتهما. والمراد بالوالي: من له الصلاحية الشرعية للقضاء لا مطلق الوالي أو المتسلط بطبيعة الحال.
الخامس: إذا لم ينفع التعزير بهذا المقدار فهل يجوز الزيادة عليه؟ كلا. بل لابد من الاقتصار عليه. فان عاد الفرد إلى الجرم عزر مرة أخرى وهكذا. وفي بعض الذنوب يقتل في الثالثة أو الرابعة، مع تخلل التعزير بينهما– كما في تارك الصلاة، أو النائمين عاريين في لحاف واحد، أو من شهدت البينة على أنه جلس مع امرأة أجنبية كما يجلس مع زوجته، يعني من الناحية الجنسية – إلى غير ذلك.
الغرامة :
وهو المال الواجب دفعه. ويشمل موارد كثيرة، وكلها يمكن اعتبارها عقوبة شرعاً. فمنها على سبيل المثال:
دية القتل الخطأ أو شبه العمد.
دية الجناية الخطأ أو شبه العمد.
الكفارات بمختلف أشكالها.
ــــــــــــــــــــ[126]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الفدية بمختلف أشكالها.
الضمان بمختلف أشكاله.
أما الأربعة الأولى: فسيأتي الحديث عنها في عناوينها، والمهم الآن هو الحديث عن المعنى الأخير.
ولكن يحسن الإشارة قبل ذلك: إلى أن هناك أنواعاً من الأموال تدفع شرعاً ووجوباً أو استحباباً لا بعنوان الغرامة، بل حكمتها الأساسية هو التطهير مما علق بالمال أو القلب من أرجاس, كالزكاة الواجبة وزكاة الفطرة وحق السادة من الخمس والخراج.
كما أن بعض الأموال تدفع لأجل الحكمة، وهي حفظ المصلحة العامة كحق الإمام والمال المجهول المالك.
كما ان بعض الأموال تدفع لأجل القيام بالواجب كشراء الماء للوضوء أو كالذهاب إلى الحج أو الجهاد أو غيرها.
وكل ذلك لا يعتبر من الغرامات، وإنما المهم في الغرامة، هو كونها عوض شيء مالي. فما كان بدون عوض كالزكاة لا يكون غرامة، كما أن ما يكون بعوض غير مالي كالجناية الخطأ على الحر، لا يكون غرامة، وان كان عقوبة مالية على أي حال، وإنما الغرامة هو دفع المال بازاء اشتغال الذمة بمال سابق عليه. كالقرض وثمن البيع والإيجار ونفقة الزوجة ومهرها، فانها جميعاً تشتغل بها الذمة ويجب أداؤها. إلا ان هذه الأمور لا تعتبر عقوبة شرعاً أو عرفاً، ما لم يكن سبب الغرامة من قبيل الجناية على شيء مالي.
وذلك: يكون اما بالمباشرة أو التسبيب. فالمباشرة كالإتلاف العمدي لبعض أموال الغير، غالياً أم تافهاً، فانه يضمن قيمته لصاحبه. ويعتبر في الحكمة بمنزلة العقوبة للفاعل.
ــــــــــــــــــــ[127]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
والتسبيب: من قبيل إطلاق حيوان هائج على شيء ذي مال أو حبس حيوانات في غرفة إلى ان تموت أو ان يتلف بيضها أو أفراخها وهكذا. فيكون كل ذلك مضموناً لأهله.
وهنا يأتي مفهوم التعدي والتفريط، وقد تحدثنا عنه في كتاب الضمان. وقلنا: ان التعدي والتفريط هو: فعل ما يجب تركه في المحافظة على أموال الآخرين، والتفريط هو ترك ما يجب فعله في هذا الصدد نفسه.
ومحل الشاهد الآن ان التعدي قد يكون بالمباشرة، وقد يكون بالتسبيب إلا ان التفريط لا يكون بالمباشرة، بل هو بالتسبيب دائماً، لأن مفهومه متضمن للترك، والترك ليس سبباً مباشراً للإتلاف.
الفدية:
وهي في الأغلب المال الذي يعطى عوض الأسير أو السجين لإطلاق سراحه. ومنه وقولهم: جعلت فداك، وقولهم: (فداك أبي وأمي). وقد يوسع مفهومها اكثر من ذلك للخلاص من أية صعوبة بالمال كدفع اللص أو المعتدي بالمال، ودفع المال من قبل الزوجة بازاء طلاقها. وهو الخلع باصطلاح الفقهاء.
وقد ورد للخلاص من القتل قوله تعالى: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. فان الفداء لا يتعين أن يكون مالا نقدياً، بل قد يكون شيئاً آخر، كما في الآية، بل قد لا يكون متمولا أصلا، كالاُسراء الأحرار(1) الموجودين في معسكرين متعاديين، فيطلق منهم بعدد متساوٍ، ويكون بعضهم فداء لبعض.
كما أن الفداء قد يكون عملا معيناً، كما لو خِطت ثوبه أو بنيت داره من
ــــــــــــــــــــ[128]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) يعني غير العبيد المملوكين.
أجل دفع شره أو اطلاق أسيره.
فهذا كله يدور حوله المعنى اللغوي للفدية، وليس في شيء منه معنى للعقوبة. بل لعل ضد ذلك موجود لما فيها من إعطاء المجرم مالا لكي يترك جرمه، وهذا المعنى بنفسه قد يكون شرعياً، فيما إذا دخل تحت معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو واجب أو تحت معنى دفع المنكر الذي هو مستحب أو معنى إنجاز أحد الواجبات ذات المصلحة العامة أو الخاصة.
غير أن اصطلاح الفقهاء في الفدية على مال معين، وهو الذي يدفعه من أفطر في شهر رمضان لأجل مرض ونحوه، ولم يستطع القضاء إلى عام كامل، يعني إلى شهر رمضان الآتي، فيجب أن يقضي ويفدي بازاء ما فاته من الصوم السابق.
وهنا لا تكون العقوبة مستحقة على القاعدة، لأن الفرد إنما أفطر باعتبار وجوب الإفطار عليه. إلا أنه يمكن اعتبارها عقوبة من الناحية الأخلاقية، لأنه إنما أفطر باعتبار ضعفه وقلة تحمله. فلو كان قوياً وثابت الجنان لما أفطر ولما وجبت عليه الفدية. وإيجاد القوة في النفس لتحمل الواجبات من المهام الأخلاقية الجليلة. ومنه قوله تعالى: خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ.
ومع الضعف، فقد يكون الفرد معذوراً، إلا ان هذا لا يعني – أخلاقياً –كونه غير مقصر، مهما كان التقصير ضعيفاً، ومن ثم فهو مستحق للعقوبة من هذه الجهة.
وفي الكتاب الكريم نظائر لذلك، كما في قوله تعالى:وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا. وهو واضح في أن عدم فهم التسبيح نقص أو (جرم) يحتاج إلى حلم وغفران من قبل الرب الكريم.
ــــــــــــــــــــ[129]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
القتل:
وهو إزهاق الروح. وهو عقوبة لعدد من الجرائم منها: القتل العمد لمحقون الدم ومنها المفسدون في الأرض، ومنها اللائط المحصن ومنها المرتد الفطري، ومنها من ترك الصلاة ثلاثاً بينها تعزيرين. وكذلك المرتد الملي إذا لم يتب، والمرتدة الفطرية إذا لم تتب، وكذلك الساحر، ومن سب النبي .
وهناك من العقوبات ما يؤدي إلى القتل، كالرجم الذي لا ينتهي إلا بالموت. وكالضربة بالسيف على العنق بالغاً ما بلغت، فإنها قد تؤدي إلى الوفاة، وكالقذف من شاهق أو من جبل.
والقتل ان جاء الأمر به في الدليل مطلقاً، يعني بدون إشارة إلى طريقته، أمكن تنفيذه بأي أسلوب عرفي أو متعارف، كالضرب بالسيف أو إطلاق النار، أو استخدام المقصلات على اختلاف أنواعها. ولا يجوز القتل بشكل غير عرفي كالخنق أو إشراب السم أو الإغراق أو الإحراق. كما لا يجوز التعذيب قبل الموت أو إطالة أمده اكثر من اللازم. فانه ظلم حرام.
والمقتول إنما هو مستحق للموت خاصة دون غيره. نعم، قد يحصل أن يكون في ذمة الفرد واستحقاقه حدان: جلد وقتل، فيجب جلده أولا ثم قتله. وأن يفصل بينهما فاصل زماني مهم. وهذا ليس من التعذيب قبل القتل، وإنما الجلد حد مستقل مأمور به شرعاً، لسوء فعل المحدود.
ولا ينبغي أن نهمل هنا الالتفات إلى ان الحرب موجب للقتل أيضاً، والمشروع منها في الإسلام ثلاثة أنواع. نذكرها بغض النظر عن شرائطها:
أولا: حرب الدفاع عن بيضة الإسلام، وهو واجب.
ثانياً: الهجوم لتوسيع رقعة البلاد الإسلامية. وهو مستحب تحت بعض الشرائط ولا يكون واجباً الا بأمر الإمام المعصوم ، على الاحوط.
ــــــــــــــــــــ[130]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وثالثاً: حرب البغاة. وهم المسلمون المتمردون المنحرفون دينياً. وفيهم قوله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّـهِ.
غير ان القتل الذي يحدث في الحرب أياً كان سببها لا يعتبر في الاصطلاح الفقهي (حداً) كحد الزنا واللواط والسرقة.
كما لا يعتبر عقوبة عرفاً وان كان هو – بالدقة – عقوبة للطرف الآخر بلا إشكال.
القصاص:
وهو في اللغة بالكسر اسم مصدر من اقتص يقتص، إذا فعل به مثل ما فعل به من قتل أو جرح أو ضرب. ولم يستعمل عندهم: الاقتصاص مع أنه قياسي. والاقتصاص: هو التقابل في القصاص. وقد يطلق هذا على التقابل المالي، وهو تهاتر وسقوط ما في الذمتين لتساويهما في المقدار، إلا أنه في غير الماليات أغلب.
ويمكن أن يكون القصاص مأخوذاً من معان أخرى على وجه التوسع والمجاز، منها: القص بمعنى القطع، على أساس ان القصاص يقطع دابر الجريمة، أو أنه يقطع المعتدي أي يجرحه أو يقتله.
ومنها: القص بمعنى إتباع الأثر والمشي في الطريق. ومنه قوله تعالى: فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا. على أساس ان المعتدى عليه يتبع أثر المعتدي لكي يأخذ ثأره ويقتص منه.
ومنها: القص بمعنى الجص وهو في اللغة بفتح الجيم، وهو ما يبنى به، وهو في لغة الحجاز بالقاف بدلها. يقال قصص داره أي جصصها. وفي
ــــــــــــــــــــ[131]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الحديث نهى النبي : عن تقصيص القبور. وعلاقة ذلك بالقصاص بالمعنى الذي نريده هو ان الفرد بعد أخذ القصاص منه قد يموت ويدفن في قبر مقصص أي مجصص.
وهذا المعنى وان كان خاصاً بالقصاص المؤدي إلى الوفاة، إلا ان التوسع المجازي زاد على ذلك.
ومنها: القص بمعنى رواية القصة، والقصاص هو الراوي لها أو من كانت حرفته كذلك، وذلك: باعتبار أن الفرد الذي يقام عليه القصاص سوف يفقد الناس شخصه وتبقى قصته لأنه يكون من أصحاب القبور. فيكون – كما يقال –: في خبر كان، أو كما قال الشاعر:
وإنما الفرد حديث بعده
فكن حديثاً حسناً لمن روى
وقول الشاعر:
بينا يرى الإنسان فيها مخبراً
حتى يرى خبراً من الأخبار
وهذا كسابقه خاص بصورة حدوث الوفاة، مع جوابه الذي ذكرناه. ولكن قد نتوسع من جهة أخرى لأن رواية القصة غير خاصة بالوفاة، بل لكل شيء قصة، ولكل قصاص قصة، باعتباره حادثة ملفتة للنظر ومما يتناقلها الناس، وهذا يصدق في كل أشكال القصاص، وان لم يؤد إلى الوفاة.
فهذا هو الحديث اللغوي عن هذا اللفظ، وأساسه المعنى الأول الذي ذكرناه، وهو أن يفعل به مثل ما فعل به، وعليه اصطلاح الفقهاء, وبه نزل الكتاب الكريم مؤكداً على أهميته حيث قال سبحانه: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ. لأنه قاطع للجريمة مع توقعه كسائر أنحاء العقوبات. وقال في بعض الأدعية: “ولو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته”. وإنما
ــــــــــــــــــــ[132]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
تبدأ الذنوب والجرائم من حيث حصول الأمان النفسي من العقوبة، ومن القصاص أيضاً.
والقصاص فقهياً لا يكون الا مع الاعتداء العمدي، وأما مع الخطأ وشبه العمد، فتتعين الدية.
والعمد يكون بأحد أسلوبين:
الأسلوب الأول: تعمد النتيجة أو جزئها. فالأول: كما لو أراد فقأ عينه أو قطع أنفه أو كسر رجله ففعل ذلك. والثاني: كما لو أراد أحد تلك الأمور فلم يحصل بكامله بل حصل جرح كبير مثلا، فان ذلك يكون متعمداً ضمناً.
الأسلوب الثاني: تعمد الأسلوب الصالح لذلك عرفاً أو عقلا لاحداث النتيجة وحصولها. وهذا يختلف باختلاف الآلة المستعملة وسرعة الضربة وغير ذلك. فان كان كل ذلك مما يحدث الجناية الحاصلة عادة، فهو عمد وان لم تكن النتيجة نفسها مقصودة، كالأسلوب الأول.
وان لم يكن الأسلوبان معاً مقصودين، كانت الجناية خطأ أو شبه العمد، ولا تكون عمداً.
وقد تكون الجناية متضمنة لكلا الأسلوبين، فقد يريد ضرب انفه, فيحصل ذلك، ولكن تصل الضربة إلى العين أيضاً. ففي الأنف حصل الأسلوب الأول، وفي العين حصل الأسلوب الثاني بضربة واحدة أو بمجموعة ضرب متتابع عرفاً.
والقصاص يشمل النفس، يعني الجناية عليها، فيكون معناه قتل القاتل، ويشمل الأعضاء. يعني أن يقطع من الجاني مثل ما قطع من المجني عليه أو يجرحه بنفس الطريقة. وهكذا. وهذا كما يشمل الأطراف كاليدين والرجلين يشمل اجزاء الرأس كالعينين والأذنين وغيرها، لا الرأس كله، ولا أي شيء
ــــــــــــــــــــ[133]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
مما يؤدي إلى الموت حتماً. لأنه يكون من قصاص النفس. ونحن في قصاص الأعضاء نتكلم عن صورة بقاء المجني عليه حياً. ويكون هو ولي القصاص.
كما يمكن أن يشمل ذلك بعض الأعضاء الداخلية مما لا يؤدي قطعها أو جرحها إلى الموت كاللسان والأسنان أو بعضها أو الكليتين أو إحداها أو الطحال ونحو ذلك.
كما يمكن ان يشمل كسر العظام التي لا تؤدي إلى الموت كبعض الأضلاع وعظام الحوض ونحوه. وأما عظام اليدين والرجلين والجمجمة فقد اندرجت في قصاص (الأطراف).
نعم، يعتبر في القصاص التساوي في الحرية والذكورة والدين، إذا كان الجاني هو الفرد الأشرف، على تفصيل لا مجال إلى ذكره. وإنما هو موكول إلى الفقه.
ولم يذكر الفقهاء في القصاص أموراً أخرى، وإنما أوكلوها إلى باب الديات، مع انها قابلة بدورها للقصاص. فان الجناية قد تذهب بالعضو كله، وقد تذهب بنشاطه الحيوي كالشلل أو العمى، ففي الأول أفتوا بالقصاص وفي الثاني أفتوا بالدية، مع العلم ان إطلاق الآية الكريمة يشمله، ولا مقيد لها، وهي قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ.
كما يمكن القصاص من الجناية بغير الضرب والجرح كشرب الدواء أو السحر لو كان مؤثراً وغيرهما، مما يكون عمدياً للجاني في غفلة أو جهل من المجني عليه. ولا يكون القصاص عندئذ بالضرب بطبيعة الحال، بل بنفس الطريقة مع إمكانها وإذا تعذر ذلك، انتقل الأمر إلى الدية.
وفي القصاص إشكال معروف وهو صعوبته، بل تعذره في كثير من الأحيان بل دائماً. لأننا في القصاص يجب ان نضرب بنفس مقدار تلك الضربة
ــــــــــــــــــــ[134]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
التي أحدثت الجناية من حيث نوعية الآلة المستعملة وسرعة هويّها على الجسد وسعة أو مقدار ما أثرت فيه طولا وعرضاً وعمقاً. وما قطعت من جلد ولحم وما كسرت من عظم وما أسالت من دم. كل ذلك يجب أن يكون مضبوطاً محسوباً مئة بالمئة. لأنه ان كان ضرب الجاني أشد، كان ظلماً له حراماً، وان كان أقل كان دون القصاص، ومن ثم فهو تقصير في حق المجني عليه. فان لم يرض المجني عليه بذلك كان حراماً, فنحن بين حرامين شرعيين متقابلين، ولا يحلهما إلا التساوي الدقيق, وهو متعذر جداً.
ووضوح هذا الإشكال إنما يأتي في الجناية على ما دون النفس من الأعضاء. وأما في الجناية على النفس، فقد يقال: ان الموت واحد مهما كان سببه والمهم هو قتل القاتل بأي أسلوب كان.
ولكن يمكن على أي حال تعميم الإشكال أيضاً، بزعم أنه: يجب أن يقتل القاتل بنفس طريقة قتله للمجني عليه. وإلا كان ظلماً له.
إلا إن هذا غير وارد تماماً وإجماعاً. وانه لا يجب لحاظ طريقة القتل الأولى في الثانية. نعم، يحرم التعذيب والمثلة، فانها ظلم بلا إشكال. وفيه قوله سبحانه: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا.
وأما جواب الإشكال في صيغته الأساسية في الأطراف: فيكون بأحد مستويين:
المستوى الأول: ان التساوي بين الضربتين أو الأثرين من الجاني والمجني عليه, وان كان مطلوباً شرعاً بالتأكيد، إلا ان التساوي العرفي كافٍ بطبيعة الحال، ولا يجب التساوي الدقي أو العقلي. لتعذره على غالب الناس غير الإختصاصيين في الجراحة. وليس من المفروض قيام الإختصاصيين به. بل هو أمر عرفي ينبغي فهمه عرفاً، ونتيجة الفهم العرفي كفاية التساوي العرفي طبعاً.
ــــــــــــــــــــ[135]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
المستوى الثاني: اننا يجب ان نبذل أقصى الجهد في التساوي. فان حصل فرق بسيط بعد كل ذلك، كنا معذورين. وذلك: بأن يقاس الجرح طولا وعرضاً وعمقاً, ويعمل في الجاني بمقدراه وفي مكانه. بغض النظر عن النسبة لأنها تختلف في حجوم الأجسام وفي السمن والضعف وفي المرض والصحة. وإنما المهم هو التساوي في المقدار فقط. فان حصل بعد ذلك زيادة في جرح الجاني وجب دفع ديته على الأحوط. وان حصل قلة في التأثير، جاز الاستمرار بالعمل إلى حين حصول التساوي.
وأما الضربات التي يتعذر حقيقة فيها التساوي. بل لابد أن تكون مختلفة عادة وعرفاً، وكذلك، الضربات التي قد تؤدي إلى موت الجاني في القصاص مع العلم أن المجني عليه لم يمت. عندئذ لا يجب القصاص، بل لا يجوز. وينتقل الأمر إلى الدية.
ولا يجب في القصاص أخذ البنج المخدر لدفع الألم، بل يعمل في تمام الإحساس. فان الجاني ضرب صاحبه بدون تخدير، فكذلك يكون مقتضى العدل عدم تخديره، بل ندعه يعاني الألم النفسي والعضوي بكامله. وهو جائز شرعاً بلا إشكال، لأنه هو مقتضى إطلاقات الأدلة ومعقد الإجماع.
نعم، يجب التوصل عند القصاص إلى منع الجاني من الحركة والاضطراب الذي قد يحصل قهراً أو اختياراً. حتى لا يتوسع الجرح على غير الاختيار، ويمكن القصاص بالمقدار المطلوب. وذلك بربطه بالحبال أو إمساكه من قبل جماعة أشداء، أو غير ذلك.
هذا، وينبغي تأجيل باقي الحديث عن القصاص: إلى الكتاب الفقهي الخاص به الآتي فيما بعد بعونه سبحانه.
ــــــــــــــــــــ[136]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
القطع:
ويراد به قطع يدي السارق. وهي من العقوبات الشهيرة في الإسلام وقد نص عليها الكتاب الكريم بقوله سبحانه: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّـهِ.
وهذا إجمالا مما لا خلاف فيه بين المسلمين. بعد كونه منصوصاً في القرآن الكريم. وإنما ينبغي الحديث في أمرين إجمالاً ونوكل التفاصيل إلى الفقه، وهما موضع القطع وشروطه:
أما موضع القطع: فانه تقطع الأصابع الأربع من المفاصل التي تتصل بالكف، وتترك له الراحة والإبهام. ولو سرق ثانية قطعت رجله اليسرى وهو الجزء البارز عن عمود الساق. وترك له العقب يمشي عليه. وان سرق ثالثة حبس مدى الحياة وانفق عليه من بيت المال. وان سرق مرة رابعة قتل.
وهذا الموضع للقطع مجمع عليه بين علمائنا، حتى أنه أصبح من علامات المذهب الإمامي مقابل المذاهب الأخرى التي ترى القطع من الزند بمعنى بتر الكف كلها تمسكاً بإطلاق الآية الكريمة. فان لفظ (أيديهما) قد يفهم منه ذلك. بل لعله أوضح في الكف منه في الأصابع. إلا ان رواياتنا عن المعصومين صحيحة وصريحة في ذلك. فتكون مقيدة للآية الكريمة. ومبينة للمراد منها. ومن حق السنة ان تفسر الكتاب الكريم.
وأما الشروط فهي عديدة:
منها: ما يرجع إلى أن يكون الفرد مكلفاً بالتكاليف الشرعية، يعني بالغاً عاقلا.
ومنها: ما يعود إلى المال المسروق، وهو أن يكون محرزاً في حرز غير مأذون بدخوله أو فتحه. فلو هتك الحرز قطع، وكذلك ان يكون أخذ المال سراً لا علناً وقهراً.
ــــــــــــــــــــ[137]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ومنها: ما يعود إلى العلاقة بين السارق والمسروق منه، فلو كان السارق أبا للمسروق منه أو عبداً له لم تقطع يده.
بقي اشتراط أن يكون المالك غير السارق. فلو كان المال لنفس الإنسان لم تصدق السرقة كما هو واضح ، حتى لو كان متعلقاً لحق الغير كالمال المرهون أو المستأجر. اما سرقة المال في المعاملات الجائزة – يعني القابلة للفسخ بالذات – : كالإباحة والعارية والهبة لغير ذي رحم. فسرقته فسخ عملي له كالمعاطاة في العقود، وليس عليه قطع.
الكفارة:
وهو صيغة فعَّال من الكفر، والكفر: أصله الستر والغطاء، بما فيها الثوب والدرع وظلمة الليل وغيرها مما يستر ما تحته. وإنما سمي الكفر كفراً لأنه يستر الإيمان الغريزي وهو فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، وسمي الكفر بالنعمة كفراً لأنه يستر النعمة، يعني يدعي عدم وجودها أو يستر الشكر ويلغيه. وتكفير للذنوب من قبل الله سبحانه غفرانها على معنى سترها، واعتبارها كأن لم تكن. ومن ثم إلغاء العقاب عليها.
ومن هنا نعرف ان الكفارة، وهي – على ما سنسمع – نحو من تحمل العقوبة. إنما سميت كذلك لأنها شديدة الستر وفعالة به، بالنسبة إلى الذنب التي حصلت من أجله. وإنما يكون ذلك – طبعاً – بواسطة تكفير الله عز وجل الذنب الذي حصلت فيه الكفارة، فالستر الشديد إنما هو منه – جل اسمه – وإنما ينسب إلى الكفارة على وجه التسبيب.
بقي ان الكفارات عموماً ليست قضائية، بل هي واجبة على المذنب بدون مرافعة. سواء كان الذنب فردياً كالإفطار والظهار والحنث في اليمين أو كان له طرف آخر ككفارة القتل، فانها تدفع زائداً على الدية أو القصاص. وهاتان وان
ــــــــــــــــــــ[138]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وجبتا في مرافعة قضائية، إلا أن الكفارة واجب مستقل غير قضائي، في هذا المورد وغيره.
ولابد فيما يلي ان تحمل فكرة ملخصة عن أشكال الكفارات ومواردها، ونوكل تفاصيلها إلى الفقه.
وأشهر الكفارات عملياً هو الكفارة الثلاثية: العتق والصيام والإطعام. ويراد بالعتق: إعتاق أو تحرير عبد أو أمة مسلمة أو مؤمنة. والصيام هو صيام شهرين متتابعين، والإطعام هو إطعام ستين مسكيناً، أي فقيراً شرعياً(1).
وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في الظهار: قال سبحانه(2): وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
وقد اعتبرها – كما سمعنا – من حدود الله، وان لم يعتبرها الفقهاء من الحدود، وهدد على تركها بالعذاب الأليم.
وهذه الخصال الثلاث تأتي على وجوه ثلاث : التخيير، والترتيب، والجمع.
فالتخيير: بمعنى ان الفرد مخير في أن يأتي بأي واحد منها شاء. وأي واحد أتى به أجزأ عن الباقي، وهي كفارة إفطار يوم من شهر رمضان.
والترتيب: هو ان الفرد لا تجوز له الخصلة الثانية الا بعد العجز عن الأولى. يبدأ بالعتق فان عجز عنه وجب الصيام فان عجز عنه وجب الإطعام.
ــــــــــــــــــــ[139]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الفقير الشرعي هو من لا يجد قوت سنة كاملة فعلا أو قوة.
(2) المجادلة: 3-4.
وهو كفارة الظهار. وهو الذي نصت عليه الآية الكريمة التي سمعناها.
والجمع: هو ان الفرد يجب عليه الاتيان بكل الخصال الثلاث. والمشهور وجودها في موردين:
احدهما: كفارة الإفطار في شهر رمضان على محرم كالخمر ولحم الخنزير، وقد يلحق بذلك المغصوب. وان كان حلالا أصلا.
ثانيهما: كفارة القتل. فان القاتل كما يجب عليه القصاص أو الدية، يجب عليه أيضاً دفع هذه الكفارة.
وهناك كفارة، تشبهها نسبياً، يجمع فيها بين التخيير والترتيب وهي الكفارة الثابتة في موارد: الايلاء واليمين والنذر. فان فعل شيئاً من ذلك وجبت عليه مخيراً بين العتق والإطعام، ويراد به هنا إطعام عشرة مساكين فقط أو كسوتهم. فان عجز – وهنا الترتيب-: صام ثلاثة أيام متوالية.
وهناك من الكفارات ما يكون مستحباً، وتثبت أهميته من الناحية الأخلاقية فقط. وهي عديدة:
منها: ما لو نذر صوم يوم أو أيام فعجز عنه. فان الأحوط له : أن يتصدق لكل يوم بمد على مسكين. إذا كان هذا الاحتياط استحبابياً، كما هو الأرجح.
ومنها: ما روي عن الإمام الصادق : “من ان كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الإخوان، وكفارة المجالس: ان تقول عند قيامك منها: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. وكفارة الضحك قوله: اللهم لا تمقتني. وكفارة الاغتياب: الاستغفار للمغتاب. وكفارة الطيرة: التوكل. وكفارة اللطم على الخدود: الاستغفار والتوبة”.
ومنها: ما أفتى به المشهور من كفارة جز المرأة شعرها في المصاب أو
ــــــــــــــــــــ[140]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
خدش وجهها وكذلك شق الرجل ثوبه في موت ولده أو زوجته. وهي كفارة يمين. وقد عرفناها. غير ان المشهور أفتى هنا بالوجوب، إلا ان الظاهر هو الاستحباب، وان كان أكيداً.
النفي:
والأصل اللغوي من معناه: الطرد والإزالة، ومنه الإخراج من العمل أو من البلد. ومنه قوله تعالى: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ. ولعله الأصل للنفي للإثبات، لأنه طرد له. والمنافاة: المضادة بين المعنيين أو المجموعتين.
والمقصود هنا هو الإخراج من البلد. وهو معنى لغوي جرى عليه اصطلاح الفقهاء أخذاً من الآية الكريمة. ويمكن ان يكون الاستعمال في هذا المورد مأخوذاً من النفي ضد الإثبات، لأن الفرد بعد نفيه يصبح منتفياً أو معدوماً من هذا البلد وموجوداً في الآخر.
والنفي بهذا المعنى عقوبة لبعض الجرائم. منها مورد الآية الكريمة التي اشرنا إليها وهو التمرد على المجتمع المسلم والفساد في الأرض، قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(1). وهي واضحة في المطلوب إجمالا.
ولا يحتمل عرفاً ان يكون المقصود من الأرض في قوله تعالى: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ … كل الأرض أو الكرة الأرضية. بحيث يعود المعنى إلى وجوب قتلهم. لا يحتمل ذلك : لأن القتل مشار إليه في أول الآية، بل المراد
ــــــــــــــــــــ[141]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المائدة: 33.
من الأرض هنا: المنطقة التي وقعت فيها الجريمة أو التمرد.
والآية الكريمة دالة على عدة عقوبات(1) معطوفة بحرف (أو) ، ومعه تكون دالة على أحد أمرين:
الأول: ان الذين يحاربون الله ورسوله، يعاقبون بأحد هذه العقوبات على التخيير، وهو بيد القاضي أو الحاكم. ولا يجوز الجمع بين عقوبتين من هذه أو اكثر عليهم.
الثاني: ان اختلاف هذه العقوبات إنما هي باختلاف الجرائم المرتكبة، وهي وان كانت مبينة بلفظ مشترك، وهي انهم يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا. إلا ان هذا المعنى له عدة مستويات في الأهمية وفي مراتب إيقاع الضرر بالمجتمع. فكلما كان الضرر اكثر كانت العقوبة اكثر وهي المذكورة بالأول فالأول: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا. وكلما كانت الجريمة اقل كانت العقوبة اقل، وهو ما في النهاية: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ. ويمكن إيكال فهم هذه التفاصيل إلى السنة الشريفة.
عقوبات أخرى :
وهو مما لا يحسن دخوله في القاموس السابق للعقوبات. لقلة موارده أو لكونه لا يكون إلا مع نوع عقوبة أخرى، أو لكونها مبعثرة في كتاب الحدود وكتاب القصاص، وليس لها قاعدة عامة.
فمن ذلك الإحراق بالنار والإلقاء من شاهق أو من جبل والتلويث بالعذرة ونتف الشعر وهدم الحائط على الجاني، والضرب بجسده كله على الأرض.
ــــــــــــــــــــ[142]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) هي: 1– القتل 2– الصلب 3– قطع اليد والرجل من خلاف، يعني متعاكساً 4– النفي من الأرض.
والإلقاء إلى الوحوش لتعبث به أو تقتله، ونحو ذلك. ولا حاجة إلى ذكر تفاصيله. وإنما يرجع فيها إلى الفقه.
فهذا هو نهاية الكلام في نوعية العقوبات ومستحقيها. وهو – كما عرفنا في أول الفصل – المرحلة الأولى من الكلام فيه.
المرحلة الثانية: في مبررات العقوبات، والحِكم الداعية إلى جعلها، في حدود ما ندركه من أمور. ويبقى الباقي موكولا إلى الحكمة الإلهية التي سببت التشريع الأصلي في الإسلام، مما لا يعرفه أحد إلا الله والراسخون في العلم.
والكلام في ذلك اما عن العقوبات عموماً أي منظوراً إليها بنظر إجمالي عام. واما عن تفصيل تلك العقوبات، كما سبق ان سمعناها في المرحلة الأولى من هذا الفصل.
ولا ينبغي الآن الدخول في تفاصيل بعض الأمور التي يفترض أن تكون مسلَّمة في نظر القارئ اللبيب، وإنما نشير إليها إجمالا لمجرد التنبيه. ونوكل الاستدلال عليها إلى موارد أخرى :
فأولاً: إن مصلحة جعل العقاب أساساً في المجتمع وتشريع القضاء والمحاكم أساساً، أمر حكيم وصحيح ومتفق عليه بين الأديان كلها والمذاهب والقوانين الدينية. وذلك لأجل التقليل من الاعتداء والجريمة. فان من لا تنفعه الأمور المعنوية للارتداع عن ذلك لابد من تهديده بالألم إذا هو فعله. فيرتدع عندئذ مع وجود العقوبة فعلا على رأسه. كما قال في الدعاء: “ولو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته”.
وهذا الأمر الصحيح، إنما يكون صحيحاً بغض النظر عن تفاصيل القوانين واختلافاتها، وبغض النظر عن استغلالها واستغلال القضاء لمصالح أخرى، وبغض النظر عن تسامح المجتمع وسلطانه في مطاردة المجرمين. إلى غير ذلك
ــــــــــــــــــــ[143]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
من الأمور.
وعلى أي حال، ففي الأساس، ينبغي لدفع الجريمة وجود كِلا الإجرائين النظري والعملي. وأعني بالنظري وجود قوانين العقوبات، وأعني بالعملي وجود القضاء المنفذ لتلك القوانين. إذ من الواضح أنه بدون الثاني لا يؤثر الأول أي اثر. كما أنه بدون الأول يكون القضاء ظلماً تماماً. فلابد من حدود وقوانين تنظمه وتضبطه.
ثانياً: ان المسلم بل كل متدين بدين الهي، ينبغي أن يعترف بالحكمة المطلقة لله عز وجل. وأنه لا يفعل ولا يقول إلا ما هو المطابق للحكمة الواقعية سواء عرفها المخلوقون أم جهلوها.
فإذا أضفنا إلى ذلك: تصديق المسلم بالإسلام وبصحة تعاليمه، وإنها منسوبة إلى الله عز وجل. عندئذ ينكسر رأس القلم وينقطع اللسان في التساؤل عن الحكمة والمصلحة في التشريع، لأنه بكل تأكيد صادر عن الحكمة الإلهية ، وهي لا تتوخى الا الكمال للخلق وتربيتهم نحو الأفضل والأكمل. لأن الله بذاته المقدسة غني عن العالمين لا تضره ذنوب عباده ولا تنفعه طاعاتهم.
وإنما دخل التساؤل عن الحكمة في التشريع والإشكال على بعض تفاصيله، مما دس الأعداء والمستعمرون في الأذهان الساذجة والخالية من الثقافة الدينية الحقيقية والمعمقة من الشبهات والانحرافات. ولو كان في الأذهان بقية من إدراك لتساءلت عن حقيقة هؤلاء الأعداء وأهدافهم من وراء دسائسهم وشبهاتهم.
ولكننا مع ذلك نتنزل عن ذلك ونستفهم عن الحكمة في بعض تعاليم الدين، وفي العقوبات على وجه التعيين، إرضاء لبعض الضمائر أولا، ولكي تكون لنا الشجاعة الكافية في مواجهة الباطل. ولا يقال ضد المفكرين المتدينين انهم ساكتون عن الشبهات، وأن خير جواب عن الشبهة، هو إضمارها وعدم
ــــــــــــــــــــ[144]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
التصريح بها. بل نقول: انه في الإمكان التصريح بها والجواب عليها بعونه سبحانه.
ثالثاً: ان هناك قانون معنوي عرفي ومتشرعي وعقلائي يقول: كلم الناس على قدر عقولهم. فانه لا يمكن الكلام مع أي احد إلا في حدود ما يطيق ويفهم، ويستحيل ان تحصل أي نتيجة بدونه. كتعليم طلاب المدرسة الابتدائية رياضيات التفاضل والتكامل أو الفيزياء الذرية. أو كإعطاء المريض جرعة مضاعفة من الدواء, قد تودي بحياته.
ومن المعلوم أيضاً ان تكليف أي مجتمع في أن يعلم أو أن يفهم ما يحصل في المستقبل اما مستحيل نظرياً أو مستحيل عملياً. ونريد بالاستحالة النظرية امتناع معرفة الزمن الآتي وأن المستقبل باب موصد أمام الناظرين ما لم يحصل في الحاضر ليعرفه الآخرون. ولكن هل هذا صحيح أو لا؟ بل يمكن لبعض الخلق أن يطلع على المستقبل أو بعض حوادثه. لسنا الآن بصدد ذلك.
وإنما الذي يهمنا هو الجانب الثاني وهو ما قلنا عنه أنه استحالة عملية. فلو استطاع شخص أو جماعة أن يعلموا بأمور المستقبل فسوف لن يستطيعوا أن يزرقوها إلى الناس أو ان يفهموها للمجتمع إلا في أضيق نطاق كفرد أو فردين, اما على مستوى المجتمع فلا. بكل تأكيد.
والسر في ذلك هو القانون الذي أشرنا إليه: كلم الناس على قدر عقولهم. فان تكليم الناس على ما يحدث في المستقبل هو أعلى من عقولهم لا يطيقون فهمه ولا يستوعبون معناه.
وليس هذا المعنى بعيداً عن أذهاننا، بل يكفينا مقدار مئة سنة، لنروي لمن كان هناك ما حصل لدينا من تطورات صناعية وفكرية واجتماعية, أنه بالتأكيد سوف لن يصدّق. وإن صدق فسوف يختلط عقله. وإن بقي عاقلا فسوف لن يستوعب الفكرة بوضوح. فكيف الحال قبل عدة مئات من السنين؟!
ــــــــــــــــــــ[145]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فإذا ضممنا إلى ذلك: أمر واضح آخر، وهو أن الإسلام إنما جعل وأسست تعاليمه الأساسية الأصلية قبل ما يزيد على ألف سنة أو قل حوالي الألف ونصف الألف من السنين. إذن، فحتى لو كان النبي والمعصومين عليهم الصلاة والسلام يعلمون بأمور المستقبل وبحوادثه وتطوراته – كما ثبت فعلا ذلك – الا انهم لا يستطيعون. وليس من المصلحة العامة ولا الخاصة, الإعلان عنه والتصريح به في المجتمع وبيانه للناس عموماً. أو جعله ضمن تعاليم دينية محددة. كإيضاح حكم السفر في الفضاء أو حكم تفجير الذرة أو حتى حكم التدخين والإدمان على المخدرات. فان كل ذلك مما حصل في الزمن المتأخر أو المستقبل لذلك العصر أو صدر الإسلام.
فليس من المعقول ان نجد بصراحة التعرض إلى السيارات والطائرات والدبابات والمدافع والمآكل المعلبة والكمبيوترات ولعب الأطفال المتحركة وغير ذلك كثير. وإنما يمكن التعرف على أحكام كل ذلك بما شرع الدين من قواعد عامة يمكن أن تشمل كل ظروف الحياة.
فإذا وصلنا إلى هذه المرحلة من التفكير عرفنا بوضوح – في حدود ما نتكلم عنه أصلا وهو العقوبات – : اننا لا يُعقل ان نجد التصريح بالعقوبة بإطلاق النار أو الدهس في سيارة أو الإلقاء من الطائرة مثلا.
وإنما استعمل الإسلام كل ما كان متوفراً في أول عهده من أساليب, وجدها مطابقة للحكمة والمصلحة، كاستعمال السيف والسوط والحجارة والنار، ونحو ذلك. كما أنه لم يستعمل أساليب أخرى كانت متوفرة كالقتل بالرمح أو الدهس تحت أرجل الحيوانات.
إذن، فالاستشكال على عقوبات الإسلام بأنها ذات منحى قديم. صحيح عملياً، الا ان الإسلام والقادة الإسلاميين معذورون في ذلك، لأنهم ان أرادوا من ذلك الحين تطوير هذا الاتجاه، إذن سوف يواجهون بالفشل الذريع، لأنه
ــــــــــــــــــــ[146]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
يكون على خلاف قانون التفهيم الذي ذكرناه. ومن ثم سوف لن يكون مفهوماً للناس ولا يمكن تطبيقه في المجتمع بأي حال, كما أن علماء الإسلام خلال الأجيال – أياً كانوا – أيضاً معذورون في الأخذ بهذا الاتجاه إلى العصر الحاضر، بل إلى المستقبل القريب والبعيد، لأن أحكام الإسلام توقيفية ولا يمكن تغييرها أو التصرف بمضامينها، وإلا كانت بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وهذا معناه: اننا إذا أمرنا دينياً أن نعاقب بالضرب بالسيف أو الجلد بالسوط تعين علينا ذلك، ولا نستطيع أن نخالفه إلى غيره.
كما اننا إذا امرنا دينياً أن نحكم طبقاً للبينات والأيمان، دون الكلاب البوليسية مثلا، تعين ذلك أيضاً. وإلا كنا قد خرجنا عن ربقة الإسلام. لأن كل ذلك أحكام توقيفية لا مجال لتغييرها. نعم، يمكن التغيير في بعض المصاديق: كما لو كان الواجب قتل المعتدي بدون تعيين الأسلوب، أمكن قتله بإطلاق النار عليه، وإن لم يكن ذلك معروفاً في صدر الإسلام. وكما لو وجب إلقاء المجرم من شاهق أمكن إلقاؤه من طائرة أو من ناطحات سحاب، وان لم يكن ذلك متعارفاً سابقاً. كما ان الرجم بالحصى يمكن ان يكون بإطلاق الحصى من آلة، لا من يد بشرية على ان لا يكون من غير الحصى والحجر، كالمعدن، وان لم يكن مشتعلا، فانه مخالف للاحتياط جداً. كما ان ممارسة الجلد يمكن أن يكون بآلة، كما لو ربطنا السوط المطاطي إلى آلة متحركة ترفعه وتضرب به جسد المجرم. وهكذا. فان كل ذلك مما يكون ممكناً شرعاً على أي حال ما دام عنوان الجلد والرجم صادقاً, والشرائط الأساسية المطلوبة شرعاً متوفرة.
هذا، ومن المحتمل جداً، ان الإمام المهدي المنتظر ، عند ظهوره يأتي بعقوبات جديدة مناسبة لعصر ظهوره. فان له الحق في التشريع لأنه أحد مصادره سلام الله عليه. ولعل هذا أحد التفسيرات لما ورد بأنه يأتي بأمر جديد
ــــــــــــــــــــ[147]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وقضاء جديد وحكم جديد، وسيكون هذا – بطبيعة الحال – في حدود التعاليم والقواعد الإسلامية العامة، بحيث لا يكون منافياً لها.
أما التوسع الفقهي الذي قد يخطر على البال، بإلغاء عقوبة الجلد والرجم وقطع يد السارق وإبدالها إلى عقوبات مناسبة مع التفكير الحديث. فهذا إنما هو انحراف في العقل الديني وخروج على تعاليم الإسلام. وهو بالأساس مخالف لما اقتضته الحكمة الإلهية من جعل هذه العقوبات. وقد أشرنا إلى وجوب التسليم بهذه الحكمة جملة وتفصيلا، كما أنه لابد من الاعتراف بتوقيفية الأحكام الإسلامية جملة وتفصيلا أيضاً.
فهذا الكلام حول الاستشكال بأن العقوبات الإسلامية قديمة. وقد عرفنا مبررات ذلك وأسبابه.
وأما كون هذه التعاليم قاسية، كما حصل الاستشكال عليها من جهة أخرى. فهو ما نعرض له الآن، بغض النظر عن الإشكال السابق، يعني مهما كان حالها من القدم أو الحداثة.
وجواب ذلك أعني القسوة يكون على مستويات، غير متنافية، أعني ان في الإمكان أن تصدق جميعاً:
المستوى الأول: مستوى التسليم بالحكمة الإلهية ، بعد أن نعرف نحن كمسلمين بأن هذه العقوبات صادرة عن تلك الحكمة التي لا يعزب عنها مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وإنها أعرف بالواقع والمصلحة منا جميعاً ومن الخلق أجمعين.
إذن، فالمجرمون يستحقون هذه العقوبات بالذات، سواء سميناها قاسية أم لا. وقد نهانا القرآن الكريم عن استعمال العاطفة، والنواحي النفسية في العقوبات بقوله تعالى: وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّـهِ. بل يجب إيقاع
ــــــــــــــــــــ[148]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
العقوبة على المجرم بكل صرامة وجدية. ما دام ذلك موافقاً لدين الله سبحانه.
المستوى الثاني: مستوى الفكرة القائلة: انظر إلى من عصيت ولا تنظر إلى مدى العصيان. فان العصيان مهما قل أو كان تافهاً، فهو عصيان لله عز وجل الخالق العظيم وتحد لعظمته ومبارزة لمولويته. وهذا وحده يكفي أن يكون أي ذنب يستحق عقوبة ضخمة جداً. وكيف لا وهو الذي خلقني ورزقني وأعطاني هذا الجسد اللطيف والإحساس والحركة. ومع ذلك فقد عصيته بذلك, عصيته باستغلال نعمه وإحسانه في عصيانه.
ليس ذلك فقط، بل قلنا في بعض الموارد: ان العصيان يكتسب من الناحية الأخلاقية جهة لا نهائية من المسؤولية لأنه عصيان الله اللانهائي في صفاته وذاته. وتلك المسؤولية اللانهائية تستحق عقاباً لا نهائياً. ومن هنا ورد في بعض الأدعية: “إلهي لو عاقبتني بكل نارك ما كنت لي ظالماً”.
ينتج من ذلك: ان هذه العقوبات المسطورة شرعاً. إنما هي رحمة للمجرمين وتتضمن عفواً عن العاصين. أعني بتخفيف عقوباتهم، لأنهم كانوا يستحقون أضعافها, فاقتصر التشريع الإسلامي الرحيم على ذلك ولم يزد عليه، لأنه نازل من الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء حتى هذا المورد، فأين القسوة في العقوبات ؟!
المستوى الثالث: بالنسبة إلى القتل الذي سبق أن عرفنا مناشئه وأسبابه. فان هناك عدداً من النفوس ان استمر لها الوجود في المجتمع وبين الناس، فانها تفسد أكثر مما تصلح وتعيب أكثر مما تشيد. فهي للفساد والإفساد أقرب، بل هي جرثومة الفساد وسببه الأصلي الذي يجر الآخرين إليه. ومن المعلوم في كل من المجتمعات المنظورة، أن سبب الفساد اكثر وأسرع تأثيراً من سبب الصلاح.
ــــــــــــــــــــ[149]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فلابد لأمثال هؤلاء من موس الحلاق وسكين القصاب، لابد لهم من القتل لكي ينفوا من وجه الأرض جميعاً، فينقطع بذلك سبب الفساد وأصله. وهو الذي لا يمكن إصلاح المجتمع إلا مع اجتثاثه.
وبالطبع، فان فهم الفساد. وان اختلف في وجهات النظر والقوانين والمبادىء، إلا أن الدين الإسلامي, يأخذه من زاوية فهمه بطبيعة الحال. ومن هذا المنطلق يحاول إصلاح الفرد، فان لم يصلح كان القبر خير له ولغيره من سطح الأرض.
وهذا يشمل ما عرفناه من الحكم بالقتل مباشرة كتارك الصلاة والمرتد والساحر، أو الحكم بجوازه – ولو بدون مرافعة – كالمعتدي على العرض والمال الكثير. أو الحكم بأمور تؤدي إلى قتله حتماً، كالمرجوم أو احتمالاً كالمضروب بحد السوط، وهو الزاني واللائط غير المحصنين.
المستوى الرابع: هناك عقوبات موكولة إلى تعيين الحاكم أو القاضي، بلا شك. وقد عرفنا عن ذلك فكرة واضحة فيما قلناه تحت عنوان التعزير.
ومحل الشاهد الآن أمران:
الأمر الأول: انه من المحتمل فقهياً، كما أشرنا هناك، ان التعزير لا يختص بالضرب بالسوط، بل يشمل أي عقوبة أو أسلوب مؤلم أو مؤذٍ. فمن هنا يمكن القول: بأن للقاضي أن يختار من العقوبات ما يلائم زمانه. فتكون حديثة, وليست بقديمة.
الأمر الثاني: ان الكمية – كالنوعية – أيضاً موكولة إلى القاضي. والمفروض أن يختار من الكمية ما يحصل معه الظن الراجح بالتأديب والارتداع عن الإجرام.
وعلى أي حال، فانه ان أراد أن يتجنب (القسوة) التي ذكرها السائل في إشكاله، فانه يستطيع ذلك, ويعامل المذنب بمقدار قليل من العقاب وبمقدار
ــــــــــــــــــــ[150]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
كبير من الرحمة، لكن بشرط أن لا يتعدى ما يجب عليه من حصول الظن بالارتداع والتأديب.
المستوى الخامس: من المؤكد القول: ان اكثر العقوبات في الإسلام مالية وليست جسدية، كالديات والكفارات والغرامات، وغير ذلك مما سبق ومما لم يسبق. ومن المعلوم أن هذا المستوى من العقوبات لا يرد عليه كلا الإشكالين: لا كونها عقوبة قديمة ولا انها قاسية.
كما ان حقلا واسعاً من حقول العقوبات – هو القصاص – وهو عدل كامل بمختلف الاتجاهات والقوانين والأديان، وليس لأحد أن يناقش فيه. لأنه أخذ للحق من المعتدي بمثل اعتدائه. إذن، فهو طبيعي بحكم العقل والشرع والعقلاء. ولا يرد عليه كلا الإشكالين المشار إليهما.
وإنما يردان شكلياً، على بعض الحدود فقط كالرجم والجلد والقطع. وقد عرفنا جوابهما مفصلا.
وهناك إشكال ثالث قد يرد في بعض الأذهان على العقوبات الإسلامية، وهو: انها تؤدي إلى الإلجاء إلى الطاعة والى حسن السلوك. مع ان الإلجاء والإكراه والجبر غير مفروض أو غير ممكن في الشريعة. وقد نطق القرآن الكريم بخلافه حين قال سبحانه: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ.
ويمكن الجواب على ذلك على عدة مستويات غير متنافية، كمستويات للجواب على الإشكال السابق:
المستوى الأول: ان هذا الإلجاء إنما يتصور أو يظن إذا كان هناك حكم يطبقه، إذ ليس لوجوده النظري على الورق أي تأثير، كما هو واضح.
غير ان المفروض في الفقه الإسلامي تطبيق التعاليم الدينية كلها، بما فيها تعيين من يستطيع ان يطبق الحدود.
المستوى الثاني: ان الإلجاء أو الجبر بالمعنى العقلي لا يحصل قطعاً، فان
ــــــــــــــــــــ[151]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ذلك الجبر إنما هو بمعنى ان الله سبحانه يجبر عباده على الطاعة والمعصية. ومن غير المحتمل أن تكون للعقوبات أثر في الجبر بعد القول بالاختيار من الله سبحانه. وإنما الإشكال فقط في انها توجب الضغط والإكراه على الجاني أو من يريد الجناية.
المستوى الثالث: ان بعض الطاعات منوطة في صحتها بقصد القربة، كما هو معروف، كالصلاة والحج. فلو صلى للرياء أو للإكراه بطلت صلاته.
إلا أنه ليس في المحرمات شيء من ذلك أصلا. بل المفروض فيها مجرد الارتداع عنها. ويكفي هذا في كون الفرد ناجياً من عقوباتها في الدنيا والآخرة، حتى وان كان السبب هو الرياء أو الإكراه أو أي شيء آخر. فمجرد كون الفرد لا يشرب الخمر أو لا يزني يكفي في تطبيق الحرمة، بأي دافع كان.
نعم، لو اقترن الارتداع عن الحرمة بقصد القربة كان هو السبب للتكامل الحقيقي في الدنيا والثواب في الآخرة. إلا أن هذا حديث أخلاقي زائد على المستوى الفقهي العام.
إذن ينتج من ذلك: اننا لو فرضنا ان العقوبات موجبة للإلجاء والإكراه بترك الحرام، فهذا يكفي شرعاً، في تحصيل الأفراد أو المجتمع التاركين للحرام والمتجنبين لعقوبته الدنيوية والأخروية. ولا شك ان هذه خطوة موفقة في ان يصبح هذا الارتداع تدريجياً مقروناً بقصد القربة وامتثالا حقيقياً. فان التكامل لا يأتي دفعة بل يأتي خطوة خطوة.
المستوى الرابع: انه لا يحتمل أصلا ان تؤدي هذه العقوبات إلى الإلجاء والإكراه، وإلا لزم هذا الإشكال على القوانين النافذة كلها. مع العلم أنه لا يحتمل في شيء منها ذلك، ولم يخطر في أي ذهن، لوضوح إمكان التخفي عن القانون والتهرب من صولته – مهما كان نوعه – فإذا ارتدع الفرد من ذات نفسه مع إمكان الإجرام، أو أجرم مع إمكان الارتداع – كما هو متوفر – أعني
ــــــــــــــــــــ[152]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الإمكان والاختيار في كل احد، كان هذا كافياً في دفع الإشكال، بلا إشكال.
ومن الصحيح ان القانون الديني يختلف عن القانون الوضعي، بأن الأعمال البشرية تحت المراقبة باستمرار في كل زمان ومكان. كما قال الله عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ. وقال سبحانه: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، بخلاف تطبيقات القانون الوضعي فانها لا يمكن أن تكون تحت المراقبة إلى هذه الدرجة. ويكون التهرب منها أيسر بكثير.
إلا ان هذا لا يعني تسجيل الإشكال الذي نتكلم عنه، وهو لزوم الإكراه والإجبار من العقوبات الدينية. فان التخفي في العصيان الديني له معنيان:
أحدهما: التخفي من القاضي الشرعي، أو الحاكم العام. وفي هذا لا يختلف القانون الشرعي عن الوضعي بأي حال. وقد رأينا أن هذا المستوى لا يعني الإجبار. وهذا المعنى هو الذي ينبغي أن يقع فيه الكلام دون غيره، كما سنوضح.
ثانيهما: التخفي من الله سبحانه. وهو أمر مستحيل في نظر المسلم، إلا أن هذا لا يعني إنزال العقوبات الدنيوية الشرعية. وإنما يختص الأمر باستحقاق العقاب الأخروي، ومن هنا قلنا قبل قليل: ان الذي ينبغي طرح السؤال ضمنه هو الأمر الأول دون الثاني.
وإذا كان الله عز وجل عالماً بكل خفية، كما هو كذلك، فهذا يعني الالتزام بالورع أمامه، والحياء من وقوع الذنب بين يديه وتحت علمه.
وهذا لا يعني وصول الخبر إلى السلطة الشرعية لإقامة الحد أو العقوبة. لأن الله تعالى ساتر على عبده، من حيث هو قادر على فضحه.
إذن، لا تكون العقوبات الشرعية, بكل أنواعها موجبة للإلجاء والإكراه بكل معانيه.
ــــــــــــــــــــ[153]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فصل أحكام أمير المؤمنين علي
تنقسم أحكام الإمام أمير المؤمنين إلى قضائية وغير قضائية. وينقسم كل منهما إلى ما هو مطابق للقواعد الشرعية والى ما هو نادر في بابه.
وليس معنى ندرته إلغاء القاعدة الشرعية أو عصيانها ، وإنما معناه التوصل بعمل معين إلى استنتاج النتيجة بدون حاجة إلى القاعدة الشرعية كما سنرى، أو أن يكون المورد خارجاً عن حدود الشريعة كبعض المسائل الرياضية.
والنادر من أحكامه توصل إليه بذكاء ثاقب أو بعلم إلهامي ناتج عن علو مقامه عند الله عز وجل، ويعد من كراماته التي لا يستطيعها أي أحد. وان كان الأسلوب بحسب الظاهر لا يحتوي على معجزة بالمعنى المصطلح.
ومن الطبيعي أن تكون أحكامه المطابقة للقواعد الشرعية مصدراً من مصادر التشريع، باعتبار أنه إمام مفترض الطاعة يكون قوله وفعله وتقريره من السنة، إلا أن النوادر مما ينبغي أن يسمع ولا يقاس عليه وهو من مختصاته حيث لا ينقل عن أحد من الأنبياء والمعصومين من جاء بمثله فضلا عن غيرهم.
وبالرغم من اننا الآن في كتاب القضاء، ومن الطبيعي أن يختص كلامنا بالموارد القضائية، إلا اننا أردنا أن يختص هذا الفصل بنوادر الأحكام الصادرة عنه سواء كانت قضائية أم لا. فان كنا قد خالفنا المنهج المعتاد فقد نكون
ــــــــــــــــــــ[154]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
نفعنا القارئ في حقل من حقول المعرفة.
ومن هنا يمكن تقسيم قضاياه إلى قسمين: قضائية، وغير قضائية.
القسم الأول: في الأحكام القضائية النادرة له:
منها: رواية أبي المعلى(1) عن أبي عبد الله قال: أتي عمر بن الخطاب بامرأة قد تعلقت برجل من الأنصار، وكانت تهواه ولم تقدر له على حيلة. فذهبت فأخذت بيضة فأخرجت منها الصفرة وصبت البياض على ثيابها بين فخذيها، ثم جاءت إلى عمر، فقالت: يا أمير المؤمنين ان هذا الرجل أخذني في موضع كذا وكذا ففضحني، قال: فهمّ عمر أن يعاقب الأنصاري، فجعل الأنصاري يحلف وأمير المؤمنين جالس، ويقول يا أمير المؤمنين: تثبت من أمري، فلما اكثر الفتى، قال عمر لأمير المؤمنين ما ترى يا أبا الحسن. فنظر أمير المؤمنين إلى بياض على ثوب المرأة فأتهمها إلى أن تكون احتالت لذلك فقال: ائتوني بماء حار قد اغلي غلياناً شديداً. ففعلوا فلما أتي بالماء أمرهم فصبوا على موضع البياض فاشتوى ذلك البياض، فأخذه أمير المؤمنين فألقاه في فيه، فلما عرف طعمه ألقاه من فيه، ثم أقبل على المرأة حتى أقرت بذلك، الحديث.
وعن عبد الله بن عثمان(2) عن رجل عن أبي عبد الله : “أن رجلا أقبل على عهد علي من الجبل حاجاً، ومعه غلام له فأذنب، فضربه مولاه فقال: ما أنت مولاي، بل أنا مولاك. فما زال ذا يتوعد ذا، وذا يتوعد ذا، ويقول كما أنت حتى نأتي الكوفة يا عدو الله، فأذهب بك إلى أمير المؤمنين. فلما أتيا أمير المؤمنين فقال الذي ضرب الغلام:
ــــــــــــــــــــ[155]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل ج 18 كتاب القضاء، أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى. باب 21 حديث 1.
(2) المصدر: حديث 4.
أصلحك الله، هذا غلام لي وانه أذنب فضربته فوثب عليّ. وقال الآخر هو والله غلام لي إن أبي أرسلني معه ليعلمني، وأنه وثب علي يدّعيني ليذهب بمالي، قال فأخذ هذا يحلف وهذا يحلف، وهذا يكذب هذا وهذا يكذب هذا. فقال: انطلقا فتصادقا في ليلتكما هذه ولا تجيآني الا بحق، فلما أصبح أمير المؤمنين قال لقنبر: اثقب في الحائط ثقبين. . . ثم قال لأحدهما: ادخل رأسك في هذا الثقب، ثم قال للآخر: أدخل رأسك في هذا الثقب، ثم قال: يا قنبر عليّ بسيف رسول الله عجل اضرب رقبة العبد منهما، قال: فأخرج الغلام رأسه مبادراً، فقال علي للغلام: ألست تزعم بأنك لست بعبد، ومكث الآخر في الثقب. قال: بلى، أنه قد ضربني وتعدى علي. قال: فتوثق له أمير المؤمنين ودفعه إليه.
وفي رواية أخرى قال أبو جعفر الباقر(1) : “توفي رجل على عهد أمير المؤمنين ، وخلف ابناً وعبداً فادعى كل واحد منهما أنه الابن، وأن الآخر عبد له. فأتيا أمير المؤمنين ، فتحاكما إليه، فأمر أن يثقب في حائط المسجد ثقبين، ثم أمر كل واحد منهما أن يدخل رأسه في ثقب ففعلا، ثم قال: يا قنبر جرد السيف – وأشار إليه لا تفعل ما آمرك به – ثم قال: اضرب عنق العبد فنحى العبد رأسه، فأخذه أمير المؤمنين. وقال للآخر أنت الابن. وقد أعتقت هذا وجعلت مولى لك.
وعن الشيخ المفيد(2) في الإرشاد: “روت العامة والخاصة ان امرأتين تنازعتا في عهد عمر في طفل ادعته كل واحدة منهما ولداً لها بغير بينة، ولم ينازعهما فيه غيرهما. فالتبس الحكم في ذلك على عمر، ففزع إلى أمير المؤمنين فاستدعى المرأتين فوعظهما وخوفهما. فأقامتا على التنازع فقال
ــــــــــــــــــــ[156]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: حديث 9.
(2) المصدر: حديث 11.
علي : ائتوني بمنشار، فقالت المرأتان: فما تصنع به؟ فقال: أقده نصفين لكل واحدة منكما نصفه، فسكتت إحداهما، وقالت الأخرى: الله الله يا أبا الحسن، ان كان لا بد من ذلك فقد سمحت به لها، فقال: الله اكبر، هذا ابنك دونها، ولو كان ابنها لرقت عليه وأشفقت، واعترفت الأخرى أن الحق لصاحبتها. وان الولد لها دونها”.
قال – يعني الشيخ المفيد(1) في الإرشاد – قال: “وجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين انه كان بين يدي تمر. فبدرت زوجتي فأخذت منه واحدة، فألقتها في فيها، فحلفت انها لا تأكلها ولا تلفظها. فقال له أمير المؤمنين : تأكل نصفها وتلفظ نصفها، وقد تخلصت من يمينك”.
أقول: ظاهر هذه الرواية نفوذ اليمين على فعل الغير. كقولنا: والله تفعل كذا. وهو غير نافذ جزماً. وإنما يراد ان الزوج بصفته مالكاً للتمر فقد حرم على زوجته ان تتصرف بالتمرة لا ببلعها ولا بإلقائها من فمها، فأمرها الإمام بأكل نصفها وإلقاء نصفها، وهي فتوى للمرأة والرجل. وأما قوله: وقد تخلصت من يمينك. فسواء قرأناها بضمير الخطاب أو بتاء التأنيث مع إعادة الضمير للمرأة، فهو منه من باب: كلم الناس على قدر عقولهم، يعني على تقدير صحة ونفوذ ذلك اليمين الذي لم يرد ان يناقشهم في بطلانه.
وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج(2) قال سمعت ابن أبي ليلى يحدث أصحابه، قال: قال: قضى أمير المؤمنين بين رجلين اصطحبا في سفر. فلما أرادا الغداء اخرج أحدهما من زاده خمسة أرغفة، واخرج الآخر ثلاثة أرغفة. فمر بهما عابر سبيل فدعواه إلى طعامهما فأكل الرجل معهما حتى لم يبق شيء، فلما فرغوا أعطاهما المعتر بهما ثمانية دراهم ثواب ما أكله من
ــــــــــــــــــــ[157]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) نفس المصدر والحديث.
(2) المصدر: حديث 5.
طعامهما. فقال صاحب الثلاثة أرغفة لصاحب الخمسة أرغفة: اقسمها نصفين بيني وبينك. وقال صاحب الخمسة: لا بل يأخذ كل منا من الدراهم على عدد ما اخرج من الزاد.
فأتيا أمير المؤمنين في ذلك، فلما سمع مقالتهما قال لهما: اصطلحا فان قضيتكما دنية. فقالا: اقض بيننا بالحق، قال: فأعطى صاحب الخمسة أرغفة سبعة دراهم وأعطى صاحب الثلاثة أرغفة درهماً. وقال: أليس اخرج أحدكما من زاده خمسة أرغفة والآخر ثلاثة. قالا: نعم، قال: أليس أكل ضيفكما معكما مثل ما أكلتما. قالا: نعم. قال: أليس أكل كل واحد منكما ثلاثة أرغفة غير ثلث. قالا: نعم. قال: أليس أكلت أنت يا صاحب الثلاثة، ثلاثة أرغفة غير ثلث، وأكلت أنت يا صاحب الخمسة ثلاثة أرغفة غير ثلث، واكل الضيف ثلاثة أرغفة غير ثلث، أليس بقي لك يا صاحب الثلاثة ثلث رغيف من زادك، وبقي لك يا صاحب الخمسة رغيفان وثلث. وأكلت ثلاثة غير ثلث. فأعطاكما لكل ثلث رغيف درهماً فأعطى صاحب الرغيفين وثلث سبعة دراهم، وأعطى صاحب الثلث رغيف درهماً.
وطريقتها الرياضية واضحة. فانها يمكن ان تخرج بأحد أسلوبين:
الأسلوب الأول: هكذا:
8 ÷3 = 2/3 2 رغيف أكل كل واحد منهم.
= ما أكله الضيف من خبز صاحب الخمسة.
= ما أكله الضيف من خبز صاحب الثلاثة.
= 1/3 + 2 مجموع ما أكل الضيف.
وبعدها نعرف نسبة إلى هكذا:
ــــــــــــــــــــ[158]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
= 2 1/3 1/3. ومجموع البسوط ثمانية.
= والمقامات واحدة. إذن يعطي لصاحب سبعة دراهم.
ولصاحب درهم واحد ليكون المجموع .
الأسلوب الثاني: ان نفرض المسألة بالأصل أثلاثاً وذلك:
8 × 3 = 24 ثلثاً في ثمانية أرغفة.
24 ÷ 3 = 8 ثلث أكل كل واحد منهم.
5 × 3 = 15 ثلث في الخمسة أرغفة.
3 × 3 = 9 ثلث في الثلاثة أرغفة.
15 – 8 = 7 ثلث أكل الضيف من صاحب الخمسة.
9 – 8 = 1 ثلث أكل الضيف من صاحب الثلاثة.
وحيث ان الدراهم (8) بقدر الاثلاث التي أكلها الضيف بحسب الحاصلين الأخيرين. فيعطى صاحب الخمسة (7) دراهم ويعطى صاحب الثلاثة درهماً واحداً. بمقدار ما ذهب منه من الأثلاث.
ومن قضاء أمير المؤمنين(1) ما جاء في حديث عاصم بن ضمرة السلولي: “ان غلاماً ادعى على امرأة انها أمه فأنكرت. فقال عمر: عليّ بأم الغلام، فأتي بها مع أربع أخوة لها وأربعين قسامة يشهدون انها لا تعرف الصبي, وان هذا الغلام مدع غشوم ظلوم يريد ان يفضحها في عشيرتها. وان هذه الجارية من قريش لم تتزوج قط. وإنها بخاتم ربها.
إلى ان قال: فقال علي لعمر: أتأذن لي ان اقضي بينهم؟ فقال عمر:
ــــــــــــــــــــ[159]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: حديث 2.
سبحان الله كيف لا؟ وقد سمعت رسول الله يقول: أعلمكم علي بن أبي طالب. ثم قال للمرأة ألكِ شهود؟ قالت: نعم، فتقدم الأربعون قسامة فشهدوا بالشهادة الأولى، فقال علي : لأقضين بينكم قضية هي مرضاة الرب من فوق عرشه علمنيها حبيبي رسول الله . ثم قال لها: ألك ولي؟ فقالت: نعم، هؤلاء أخوتي. فقال لإخوتها: أمري فيكم وفي أختكم جائز. قالوا: نعم. قال: اشهد الله، واشهد من حضر من المسلمين اني قد زوجت هذه الجارية من هذا الغلام بأربعمائة درهم والنقد من مالي. يا قنبر علي بالدراهم، فأتاه قنبر بها فصبها في يد الغلام.
فقال: خذها فصبها في حجر امرأتك ولا تأتيني إلا وبك أثر العرس، يعني الغسل: فقام الغلام فصب الدراهم في حجر المرأة ثم تلببها. فقال لها: قومي. فنادت المرأة: النار النار. يا ابن عم محمد تريد ان تزوجني من ولدي. هذا والله ولدي. زوجوني اخوتي هجيناً فولدت منه هذا. فلما ترعرع وشب امروني ان انتفي منه واطرده. وهذا والله ولدي”.
والرواية دالة بظاهرها على ولاية الأخوة على الأخت. وهو غير محتمل فقهياً، فان الولاية منحصرة في القرابة بالأب وأبيه، مضافاً إلى انتفاء الولاية بالبلوغ والرشد، فأما ان يراد بها الولاية مجازاً، أو يراد توكيل المرأة لإخوتها بإنجاز معاملاتها أو مجرد اخذ الاعتراف منها بذلك.
وأما قوله للأخوة: أمري فيكم وفي أختكم جائز، فظاهره وان كان على سبيل الاستفهام. ومن هنا كان جوابه: نعم. إلا إن حمله على الإثبات أرجح، فانه ولي الجميع, ويمكن حمل (نعم) على معنى الموافقة على ذلك، فيكون قد زوجها بولايته هو عنها لا بصفته وكيلا عن أوليائها، أعني الأخوة.
هذا مضافاً إلى موقف الولد الذي اعترف ان المرأة أمه. كيف تحل له زوجيتها؟ إلا ان تحمل ذلك على أنه خضوع لحكم أمير المؤمنين . أو أنه
ــــــــــــــــــــ[160]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فهم الأمر الذي قصده، فمشى في نفس الطريق لكي تنتج النتيجة المطلوبة، وهو اعترافها ببنوَّته، على أن قوله لها: قومي، ليس صريحاً في اعتقاده لزوجيتها.
وكذلك، رواية أخرى قال(1): قضى علي في امرأة أتته، فقالت: إن زوجي وقع على جاريتي بغير إذني. فقال للرجل ما تقول؟ فقال: ما وقعت عليها إلا بإذنها. فقال علي : إن كنت صادقة رجمناه، وان كنت كاذبة ضربناك حداً.
وأقيمت الصلاة. فقام علي يصلي. ففكرت المرأة في نفسها فلم ترَ لها فرجاً في رجم زوجها ولا في ضربها الحد. فخرجت ولم تعُد. ولم يسأل عنها أمير المؤمنين .
وينبغي أن يكون للقارئ واضحاً: ان الرجم هو حد الزاني المحصن. وهو هنا كذلك لأنه متزوج، ولو كان قد وقع على الجارية بغير إذن مالكتها لكان زانياً محصناً. والحد المشار إليه في الرواية هو حد القذف ثمانون سوطاً، لأنه إذا لم يكن زانياً، فقد اتهمته زوجته بالزنا فتستحق الحد.
واستحقاقها للحد واضح فقهياً. إلا ان استحقاقه للرجم، غير واضح لعدم ثبوته قضائياً، لا بالبينة ذات الأربع شهود ولا بالإقرار. وإنما هو تهمة من قبل الزوجة عليه ليس إلا.
ومعه، فقوله: ان كنت صادقة رجمناه. إنما يأتي باعتبار النظر إلى الواقع. بغض النظر عن الإثبات القضائي، فانها ان كانت صادقة في علم الله تعالى. إذن، فهو زان محصن. وكل زان محصن يستحق الرجم. ولم يتعرض في هذا الكلام عن كيفية إثبات كونها صادقة أم لا. الأمر الذي يتضح منه انها
ــــــــــــــــــــ[161]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: حديث 10.
كانت طريقة منه لفصل الخصومة بدون عقوبة كما حصل.
وفي رواية أخرى: ان شخصاً مات وخلف مجموعة من الإبل، وأوصى ان يدفع نصفها لشخص وثلثها لشخص وتسعها لشخص. وحين عدوا الجمال عرفوا أنها سبعة عشر جملا. وهي لا تحوي الكسور المشار إليها. فرفعوا الأمر إلى أمير المؤمنين ، فأمر بضم جمله إلى هذه الجمال ثم دفع نصفها لصاحب النصف وثلثها لصاحب الثلث وتسعها لصاحب التسع، وبقي جمله له، وهذا هو مضمون الرواية.
وحيث وجد ان رقم (17) لا ينقسم إلى تلك الكسور على صحة. بل لابد من تقسيم الآحاد إلى كسورها في حين ان الحيوان – وهو الجمل – لا يمكن تقسيمه عملياً, بل يجب دفعه حياً إلى الموصى له، عندئذ قام بضم جمل واحد إلى المجموع فأصبح العدد (18) وهو حاو على كل الكسور السابقة. فأعطى نصفها وهو (9) لشخص، وثلثها وهو (6) لشخص وتسعها وهو (2) لشخص. فكان المجموع (17). ثم استرد جمله. بعد ان نفذ الوصية، وأعطى لكل شخص اكثر مما يستحق بقليل كما سترى بعد قليل.
فان صاحب النصف يستحق نصف (17) فأعطي نصف (18) وهو اكثر وكذلك الآخرين. وهكذا:
17 ÷ 2 = 8.5 ، 18 ÷ 2 = 9
فيكون مقدار الفرق:
9 – 8.5 = 0.5
وكذلك لصاحب الثلث:
17 ÷ 3 = 5.667 ، 18 ÷ 3 = 6
ــــــــــــــــــــ[162]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
والفرق: 6 – 5.667 = 0.333
وكذلك لصاحب التسع:
17 ÷ 9 = 1.889 ، 18 ÷ 9 = 2
والفرق: 2 – 1.889 = 0.111
ويمكن امتحان هذا الحساب بجمع النواتج هكذا:
8.5 + 5.667 + 1.889 = 16.056
و 0.5 + 0.333 + 0.111 = 0.944
و 16.056+ 0.944 = 17.
ومن الملاحظ ان النصف والثلث والتسع لا يكوّنون العدد الصحيح بل يبقى منه(1). ولذا استرجع جمله بعد فرض الجِمال (18) جملا. وهذا الجزء يعني في رقم (17) هكذا:
17 ÷ 18 = 0.944
وقد انقسم هذا الكسر على المستحقين أنفسهم. ولو أراد ان يأخذ نصفه وثلثه وتسعه، لأصبح الكسر لا نهائياً. ولكنه تخلص من ذلك بجميل الصنع.
هذا، ويحسن الالتفات إلى قول بعض المفكرين(2) ذوي الاختصاص
ــــــــــــــــــــ[163]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) لأنه بعد توحيد المقامات هكذا:
= + +
= –
(2) التكامل في الإسلام ج2 ص212.
بالرياضيات انه قال: إن هاهنا حالة خاصة كما يعبر عنه الرياضيون، وقال: 17 (عدد للجمال) + 1 = 18 على سبيل الصدفة.
وهذا منه غريب جداً بالرغم من مستواه العالي في الرياضيات. بل أرى أن المسألة ذات دور كبير في عدد من الأمثلة، بل يمكن ذكر مئات الأمثلة لها. وما يكون على سبيل الصدفة – حسب تعبيره – إنما هو اقتران المسألة الحياتية مع المسألة الرياضية. أعني أن يكون شخص أوصى بذلك في حياة الإمام فيكون حلها بهذا النحو. وما ذلك بصدفة، وإنما هو من الله عز وجل بحسن توفيقه لإظهار كرامة من كرامات أمير المؤمنين .
وأما الأمثلة في المسألة الرياضية فكثيرة، نذكر منها تسع مسائل، لتكون مع المسألة المروية سابقاً عشرة، ولكي تكون للقارئ عبرة:
ونذكر المسائل حسب ترقيمها العددي:
المسألة الأولى: لو أردنا النصف والربع من رقم (3) لأضفنا إليه (1), وأعطينا نصف الأربعة لصاحب النصف، وربعها لصاحب الربع، فهذا ثلاثة. ويعود الواحد إلينا، لأن:
4 ÷ 2 = 2 و 4 ÷ 4 = 1.
و 2 + 1 = 3 و 4 – 3 = 1.
المسألة الثانية: لو أردنا النصف والسدسان من رقم (5), لأضفنا إليه (1) فيكون (6). هكذا:
6 ÷ 2 = 3 و 6 ÷ 6 = 1
و 3 + 1 + 1 = 5 و 6 – 5 = 1
وهذا الأخير هو الواحد الذي أضفناه.
ــــــــــــــــــــ[164]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
المسألة الثالثة: لو أردنا النصف والثلث والثمن من رقم (23) نضيف إليه (1) فيكون (24) ونقوم بالتقسيم ونسترجع الواحد. هكذا:
24 ÷ 2 = 12 و 24 ÷ 3 = 8
و 24 ÷ 8 = 3 و 12 + 8 + 3 = 23
و 24 – 23 = 1 وهو ما استرجعناه.
المسألة الرابعة: لو أردنا النصف والربع والثمن من رقم (35) فنضيف (5) ونقسم ثم نسترجع الخمسة نفسها. هكذا:
35 + 5 = 40 و 40 ÷ 2 = 20
و 40 ÷ 4 = 10 و 40 ÷ 8 = 5
و 20 + 10 + 5 = 35 و 40 – 35 = 5
المسألة الخامسة: لو أردنا النصف والثلث ونصف السدس – يعني – من رقم (55) أمكن ان نضيف خمسة ونقسم. ثم نسترجعها، كالسابق.
55 + 5 = 60 و 60 ÷ 2 = 30
و 60 ÷ 3 = 20 و 60 ÷ 12 = 5
و 30 + 20 + 5 = 55 و 60 – 55 = 5
المسألة السادسة: لو أردنا النصف وثلاثة أسباع، يعني أردنا السبع ثلاثة مرات من رقم (65) لما أمكن، إلا بإضافة خمسة واسترجاعها بعد ذلك:
65 + 5 = 70 و 70 ÷ 2 = 35
و 70 ÷ 7 = 10 و 10 × 3 = 30
و 30 + 35 = 65 و 70 – 65 = 5
ــــــــــــــــــــ[165]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
المسألة السابعة: لو أردنا النصف والربع والثمن ونصف الثمن من رقم (75) لما صح ذلك بإضافة (5) واسترجاعها، هكذا:
75 + 5 = 80 و 80 ÷ 2 = 40
و 80 ÷ 4 = 20 و 80 ÷ 8 = 10
و 80 ÷ 16 = 5 و 40 + 20 + 10 + 5 = 75
و 80 – 75 = 5 التي استرجعناها.
المسألة الثامنة: لو أردنا النصف والربع والخمس من رقم (95) لما أمكن إلا بإضافة خمسة واسترجاعها:
95 + 5 = 100 و 100 ÷ 2 = 50
و 100 ÷ 4 = 25 و 100 ÷ 5 = 20
و 50 + 25 + 20 = 95 و 100 – 95 = 5
المسألة التاسعة: لو أردنا النصف والربع والسبع ونصف السبع من رقم (135) لما أمكن إلا بإضافة خمسة ثم استرجاعها أيضاً. هكذا:
135 + 5 = 140 و 140 ÷ 2 = 70
و 140 ÷ 4 = 35 و 140 ÷ 7 = 20
و 140 ÷ 14 = 10
و 70 + 35 + 20 + 10 = 135
و 140 – 135 = 5 وهي المسترجعة.
فهذه هي المسائل التسع التي لو أضيفت إلى المسألة المروية كانت عشرة. ويمكن الإضافة عليها ما شاء الله تعالى. على اختلاف الأعداد الملحوظة
ــــــــــــــــــــ[166]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
والكسور المطلوبة، والأرقام المضافة والمسترجعة. ولا حاجة إلى ذكر فلسفة ذلك رياضياً، وإنما نوكله إلى أهل الاختصاص.
ومحل الشاهد: ان المسألة المروية ليست مجرد صدفة أو حادث نادر، كما زعم ذلك المفكر.
بل إذا لاحظنا عمود الأعداد اللامتناهي صعوداً، ولاحظنا عمود الأعداد السلبية اللامتناهي نزولا. أمكن القول بأن عدداً لا متناهياً من أمثال هذه المسائل يمكن إيجاده. وخاصة إذا التفتنا إلى أمر بسيط نسبياً، وهو أن مضاعفات الأعداد التي عرفنا بأنفسها تشكل مسائل على هذا النحو أيضاً لكن بأعداد اكبر، والمضاعفات أيضاً لا متناهية في عمود الأعداد اللامتناهي، فهذا في هذه المضاعفات فضلا عن غيرها.
بقي بعض الحديث عن الرواية نفسها.
فمن ذلك: انها في نفسها ليس فيها مرافعة قضائية. وإنما ذكرناها هنا باعتبار أن الناس في مشكلات الأمور الدينية يرجعون إلى القضاة والأولياء. وهذا منها. فانها تتضمن تنفيذ وصية أبيهم، وقد رجعوا فيها إلى سيد الأولياء سلام الله عليه.
ومن ذلك: اننا وان أضفنا على مسألته سلام الله عليه عشرة مسائل إلا أن له قصب السبق، والمزية في ذلك: أولا: لأنه فتح الباب على أمثال هذا الحساب. وثانياً: لأننا استخرجنا ذلك بتفكير وتأمل. وهو لم يحتج إلى أي تفكير، وإنما التفت إلى ذلك رأساً.
ومن ذلك: التساؤل عن السبب الذي حدا بالأب بهذه الوصية الغريبة الصعبة نسبياً.
وما قد يبدو للنظر في ذلك عدة أمور:
ــــــــــــــــــــ[167]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الأمر الأول: ان هذا الرجل لم يكن يعرف عدد إبله، وكان يتخيل إمكان انقسامها على الكسور التي أوصى بها. كما لو كان يظن انها ثمانية عشر جملا وليست سبعة عشر. ولكنه كان خاطئاً في ظنه.
الأمر الثاني: ان هذا الرجل أراد إيكال الأمر إلى أمر مستحيل، بحيث لا يمكن تنفيذ وصيته من اجل ( حاجة في نفس يعقوب قضاها ).
الأمر الثالث: ان هذا الرجل لم يكن لديه مانع من تقسيم الحيوان بعد ذبحه. فيصل إلى كل واحد ممن أوصى له بعض الحيوانات في الحياة وبعضها في الممات. غير ان أمير المؤمنين ، اشترط على نفسه ضمناً ان يقسمها جميعاً وهي أحياء.
إلى غير ذلك من المحتملات التي لا يحسن الدخول في تفاصيلها اكثر من ذلك.
فهذا عدد من المسائل القضائية له . وهو القسم الأول من نوعي المسائل النادرة له . وهي ليست على نحو الحصر، بل هناك العشرات غيرها، غير ان الإطالة فيها يخرج بنا عن غرض هذا الكتاب. فليرجع بها القارئ إلى مظانها.
القسم الثاني: المسائل النادرة له في غير القضاء، ولعل اشهر مسألة مرورية(1) عنه هو استخراج القاسم المشترك الأصغر بين الأرقام العشرة الأولى كلها، فحين سئل عن ذلك كان راكباً فرساً، فوقف لحظة ثم قال: اضرب عدد أيام سنتك في أيام أسبوعك، ثم نخس فرسه وذهب.
ويراد بأيام السنة رقم (360)، فان الاعتقاد العرفي كونها كذلك. مضافاً إلى أنه هو المعدل بين السنتين القمرية والشمسية. فان القمرية (355)
ــــــــــــــــــــ[168]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) انظر بلفظ آخر في: قضاء أمير المؤمنين ، ص 21.
والشمسية (365). ومعدله هو ذلك، كما يلي:
355 + 365 = 720
720 ÷ 2 = 360
ويراد بأيام الأسبوع رقم (7) كما هو واضح، ويكون الناتج من ضرب هذين الرقمين ما يلي:
360 × 7 = 2520
وهو ينقسم على كل الأرقام العشرة. اما الواحد فواضح. وأما غيره فكما يلي:
2520 ÷ 2 = 1260
2520 ÷ 3 = 840
2520 ÷ 4 = 630
2520 ÷ 5 = 504
2520 ÷ 6 = 420
2520 ÷ 7 = 360
2520 ÷ 8 = 315
2520 ÷ 9 = 280
2520 ÷ 10 = 252
وهذا يعني ضمناً ان عدد أيام السنة (360) ينقسم على كل الأرقام الا السبعة، فإذا ضربناه بها انقسم على الجميع. وهذا الأمر صحيح كما يلي:
360 ÷ 2 = 180
ــــــــــــــــــــ[169]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
360 ÷ 3 = 120
360 ÷ 4 = 90
360 ÷ 5 = 75
360 ÷ 6 = 60
360 ÷ 7 = 51.428
360 ÷ 8 = 45
360 ÷ 9 = 40
360 ÷ 10 = 36
فلم ينقسم على السبعة بعدد صحيح أو بدون باق.
ولم يحتج سلام الله عليه إلى التحليل لكي يستخرج نفس الناتج، وهو كما يلي:
1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10
1، 1، 3، 2، 5، 3، 7، 4، 9، 5
1، 1، 1، 2، 5، 1، 7، 4، 3، 5
1، 1، 1، 1، 5، 1، 7، 2، 3، 5
1، 1، 1، 1، 5، 1، 7، 1، 3، 5
1، 1، 1، 1، 5، 1، 7، 1، 1، 5
1، 1، 1، 1، 1، 1، 7، 1، 1، 1
1، 1، 1، 1، 1، 1، 1، 1، 1، 1 2
3
2
2
3
5
7
ــــــــــــــــــــ[170]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فإذا ضربنا هذه الأرقام ببعضها نتج نفس الرقم الذي قاله :
2 3 × 3 2 × 5 × 7 = 2520
وهذا الحاصل هو القاسم المشترك الأصغر، يعني اصغر رقم يمكن أن تنقسم عليه هذه الأرقام. بحيث لو طرحنا منه أي عدد حتى الواحد أو قسمناه على أي عدد غير الواحد لما أمكن تقسيم الناتج على الأعداد جميعاً.
مع أنه يمكن ان تكون هناك أرقام اكبر منه تنقسم على كل تلك الأرقام. وأوضح هذه الأرقام ما إذا ضربنا الأعداد العشرة ببعضها البعض. فانه ينتج (3628800). وهو اكبر بمقدار (1440) ضعف عن القاسم المشترك الأصغر الذي أشار إليه الإمام . لأن:
3628800 ÷ 2520 = 1440
ولو حذفنا إحدى النقطتين من يمين الرقم نفسه، يعني قسمناه على عشرة لأمكن تقسيمه أيضاً على الأعداد العشرة، إلا أنه يبقى اكبر من القاسم المشترك بمقدار (144) مرة.
362880 ÷ 2520 = 144
ورقم (1440) ينقسم على كل الأرقام إلا السبعة. ورقم (144) ينقسم على ذلك إلا السبعة والعشرة. كما هو معلوم لمن يجرب.
والمهم ان أية تجربة لن تنتج إلا بالرجوع إلى القاسم المشترك الأصغر الذي أعطاه الإمام .
بقي أنه ينبغي هنا ان نشير إلى البرهان على ان هذا القاسم المشترك ينقسم على الأرقام كلها.
اما انقسامه على (2) فلأنه عدد زوجي له نصف كامل.
ــــــــــــــــــــ[171]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وأما انقسامه على (3) فلأن مجموع القيمة المطلقة لأرقامه: (9). وهو ينقسم على (3) لأن:
0 + 2 + 5 + 2 = 9
وأما انقسامه على (4) فلأن رقمي الآحاد والعشرات فيه من مضاعفات الأربعة لأن 20÷4=5
وأما انقسامه على خمسة فلأنه منته في يمينه بصفر. وهو بنفسه دليل على إمكان انقسامه على عشرة. ومعلوم ان ما ينقسم على عشرة ينقسم على خمسة.
وأما انقسامه على (6) فلأن القاسم المشترك المشار إليه ينقسم، كما عرفنا، على (2)، وعلى (3). إذن، فهو ينقسم على (6)لأن: 2 × 3 = 6.
وأما أنه ينقسم على (7), فلأنه من مضاعفات السبعة، لأننا إذا ضربنا (360) في (7) نتج (2520).
وهذه الطريقة هي الوحيدة للتعرف على الانقسام على (7). بالرغم من إمكان تكرارها في كل الأرقام، لأن (2520) من مضاعفاتها جميعاً، كما رأينا فيما سبق، وإلا لم ينقسم عليها بدون باق.
وأما انقسامه على (8) فلأن الأرقام الثلاثة الأولى في يمينه تقبل القسمة عليها وهو (520) فان:
52 ÷ 8 = 62
وأما انقسامه على (9) فلأن القيمة المطلقة لأرقامه يساوي تسعة، كما تحدثنا عن ذلك في رقم (3)، وقد سبق ان تحدثنا عن العشرة أيضاً.
وأما صحة القواعد التي تمت بها هذه البراهين، رياضياً، يعني – مثلا –
ــــــــــــــــــــ[172]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
لماذا ان الرقم إذا كانت مجموع القيمة المطلقة لأرقامه تساوي تسعة فهو ينقسم على تسعة. فهذا موكول إلى مجال آخر، غير هذا الكتاب.
فهذه إحدى المسائل المعقدة التي لم يحتج فيها الإمام أمير المؤمنين إلى تفكير، بل أجاب فيها على البديهية.
ومن تلك المسائل ما روي (1): ان يهودياً جاء إلى أمير المؤمنين ، فقال: يا علي، أعلمني أي عدد يتصحح فيه الكسور التسعة جميعاً من غير كسر, وكذلك من كل من كسوره التسعة إلا من خمسة، فيكون له كل من الكسور التسعة مصححاً من غير كسر إلا الثمن لربعه والربع لثمنه والسبع لسبعه والتسع لتسعه والثمن لثمنه.
فقال : ان أعلمتك تسلم. قال: نعم. فقال: اضرب أسبوعك في شهرك ثم ما حصل لك في سنتك، تظفر بمطلوبك.
ومن المعلوم: ان الأسبوع (7) والشهر (30) والسنة (360)، وقد سبق الوجه فيه، فيكون كما يلي:
7 × 30 × 360 = 75600
وهذا الحاصل ينقسم على الأرقام العشرة الأولى جميعها، فهو له نصف وربع وخمس وسدس وسبع وثمن وتسع وعشر. على هذا الغرار:
75600 ÷ 2 = 37800 نصفه .
75600 ÷ 3 = 25200 ثلثه .
75600 ÷ 4 = 18900 ربعه .
ــــــــــــــــــــ[173]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) التكامل في الإسلام ج 4 ص 113. وانظر قضاء أمير المؤمنين ص 121.
75600 ÷ 5 = 15120 خمسه .
75600 ÷ 6 = 12600 سدسه .
75600 ÷ 7 = 10800 سبعه .
75600 ÷ 8 = 9450 ثمنه .
75600 ÷ 9 = 8400 تسعه .
75600 ÷ 10 = 7560 عشره .
فهذه هي الكسور التسعة المشار إليها في سؤال السائل للرقم المشار إليه في الجواب.
بقي ان نعرف مدى انقسام هذه النواتج على الأرقام العشرة كلها، وأياً منها لا ينقسم. حتى نعرف أنه ليس لسبعه سبع، وليس لثمنه ثمن، وغيرها مما هو مشار إليه.
فالنصف وهو (37800) ينقسم على الأعداد العشرة كلها، يعني يكوّن الكسور العشرة كلها. هكذا:
37800 ÷ 2 = 18900
37800 ÷ 3 = 12600
37800 ÷ 4 = 9450
37800 ÷ 5 = 7560
37800 ÷ 6 = 6300
37800 ÷ 7 = 5400
37800 ÷ 8 = 4725
ــــــــــــــــــــ[174]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
37800 ÷ 9 = 4200
37800 ÷ 10 = 3780
فكل من هذه النواتج هي كسر من المقسوم وكسر الكسر بالنسبة إلى المقسوم الأصلي. فرقم (9450) هو ربع النصف و(5400) هو سبع النصف وهكذا. وعلى القارئ ان يقيس ذلك فيما يلي، بلا حاجة إلى تكرار.
والرقم الأصلي أعني: 75600 ينقسم ثلثه وهو 25200، على الأرقام العشرة كلها أيضاً كما يلي:
25200 ÷ 2 = 12600
25200 ÷ 3 = 8400
25200 ÷ 4 = 6300
25200 ÷ 5 = 5040
25200 ÷ 6 = 4200
25200 ÷ 7 = 3600
25200 ÷ 8 = 3150
25200 ÷ 9 = 2800
25200 ÷ 10 = 2520
والرقم الأصلي المزبور ينقسم ربعه وهو: 18900، على كل الأرقام العشرة إلا الثمانية. فانه لا ينتج عدداً صحيحاً بل عدداً كسرياً. وهذا هو المشار إليه في النص بقوله: إلا الثمن لربعه. وذلك كما يلي:
18900 ÷ 2 = 9450
ــــــــــــــــــــ[175]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
18900 ÷ 3 = 6300
18900 ÷ 4 = 4725
18900 ÷ 5 = 3780
18900 ÷ 6 = 3150
18900 ÷ 7 = 2700
18900 ÷ 8 = 2362.5
18900 ÷ 9 = 2100
18900 ÷ 10 = 1890
فهذا الرقم الذي تحته خط هو ثمن الربع بالنسبة إلى العدد الأصلي. ولم ينقسم على صحة.
والرقم الأصلي المزبور ينقسم خمسه وهو: 15120 على كل الأرقام العشرة بدون كسر أو باقي.
15120 ÷ 2 = 7560
15120 ÷ 3 = 5040
15120 ÷ 4 = 3780
15120 ÷ 5 = 3024
15120 ÷ 6 = 2520
15120 ÷ 7 = 2160
15120 ÷ 8 = 1890
ــــــــــــــــــــ[176]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
15120 ÷ 9 = 1680
15120 ÷ 10 = 1512
وكذلك ينقسم سدسه وهو: 12600 على كل الأرقام العشرة صحيحاً:
12600 ÷ 2 = 6300
12600 ÷ 3 = 4200
12600 ÷ 4 = 3150
12600 ÷ 5 = 2520
12600 ÷ 6 = 2100
12600 ÷ 7 = 1800
12600 ÷ 8 = 1575
12600 ÷ 9 = 1400
12600 ÷ 10 = 1260
والرقم الأصلي أعني: 75600، ينقسم سبعه وهو 10800 على الأرقام العشرة الا السبعة. وهو المشار إليه في النص. والسبع لسبعه. يعني أنه لا ينقسم على صحة، بل بكسر أو بباقي، وهكذا في جواب الإمام كما يلي:
10800 ÷ 2 = 5400
10800 ÷ 3 = 3600
10800 ÷ 4 = 2700
10800 ÷ 5 = 2160
ــــــــــــــــــــ[177]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
10800 ÷ 6 = 1800
10800 ÷ 7 = 1542.857
10800 ÷ 8 = 1350
10800 ÷ 9 = 1200
10800 ÷ 10 = 1080
فهذا الذي تحته خط هو سبع السبع المشار إليه.
والرقم الأصلي ينقسم ثمنه وهو: 9450 على ثمانية أرقام من العشرة. ولا ينقسم على الأربعة ولا على الثمانية. وهذا هو مصداق قوله في الرواية. والربع لثمنه. وقوله: والثمن لثمنه. وذلك كما يلي:
9450 ÷ 2 = 4725
9450 ÷ 3 = 3150
9450 ÷ 4 = 2362.5
9450 ÷ 5 = 1890
9450 ÷ 6 = 1575
9450 ÷ 7 = 1350
9450 ÷ 8 = 1181.25
9450 ÷ 9 = 1050
9450 ÷ 10 = 945
وما تحتهما خط هو ربع الثمن وثمن الثمن كما اشرنا.
ــــــــــــــــــــ[178]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
والرقم الأصلي الذي عرفناه ينقسم تسعه وهو: 8400 على كل الأرقام العشرة إلا التسعة. وهو مصداق قوله في الرواية. ولتسعه تسع. يعني أنه من المستثنيات بحيث لا يكون لتسعه تسع. كما يلي:
8400 ÷ 2 = 4200
8400 ÷ 3 = 2800
8400 ÷ 4 = 2100
8400 ÷ 5 = 1680
8400 ÷ 6 = 1400
8400 ÷ 7 = 1200
8400 ÷ 8 = 1050
8400 ÷ 9 = 933.333
8400 ÷ 10 = 840
فالرقم الذي تحته خط تسع التسع المشار إليه.
والرقم الأصلي ينقسم عشره وهو: 7560 على الأرقام العشرة كلها بدون استثناء. كما يلي:
7560 ÷ 2 = 3780
7560 ÷ 3 = 2520
7560 ÷ 4 = 1890
7560 ÷ 5 = 1512
7560 ÷ 6 = 1260
ــــــــــــــــــــ[179]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
7560 ÷ 7 = 1080
7560 ÷ 8 = 945
7560 ÷ 9 = 840
7560 ÷ 10 = 756
ومن ذلك نرى أنه قد اشترط السائل أن لا يكون للعدد المقترح خمس حالات:
ان لا يكون له ثمن الربع.
ان لا يكون له ربع الثمن.
ان لا يكون له سبع السبع.
ان لا يكون له تسع التسع.
ان لا يكون له ثمن الثمن.
هذا مع انقسام الأعداد الباقية كلها على الأعداد العشرة كلها. وقد عرفنا صحة ذلك مفصلا في جواب الإمام .
وقوله في الرواية: إلا من خمسة. يريد بها هذه الحالات الخمس.
ومن المعلوم أن الالتفات إلى ذلك فوراً من المعجزات في وقت لم تكن فقط العمليات الأربعة مطولة وصعبة، وخاصة في أرقام كبيرة كهذه. بل كانت الأرقام نفسها لا تكتب بسهولة ووضوح كما عليه الآن، وخاصة بالخط الكوفي الذي كان معروفاً يومئذ. ولم يكن يعرف الحساب البسيط فضلا عن المعقد إلا النادر النادر من الناس.
ولذا تقول الرواية: ان اليهودي حين تأكد من صحة الناتج، ووجد بغيته،
ــــــــــــــــــــ[180]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
دخل في الإسلام، كما اشترط عليه الإمام أمير المؤمنين .
وتزداد أهمية الإعجاز في جواب الإمام ، إذا التفتنا إلى الطريقة التي يمكن أن يستخرج بها الرقم الذي أشار إليه . فانها طريقة رياضية معقدة ومطولة. ذكرها أحد المفكرين في كتابه (1). ونحن نسطرها عنه مع بعض الإيضاح. لكي يتجلى بوضوح أهمية جواب الإمام وذلك كما يلي:
(أ) بما أنه يجب ان يكون للنصف نصف وثلث وربع وخمس وسدس وسبع وثمن وتسع وعشر. إذن، يجب أن يكون العدد المطلوب
= × نصف أس(2)
أي يجب ان يقبل القسمة على 2 × 2 = 2 2
كما يجب ان يقبل القسمة على 2 × 3 لأنه يجب ان يكون للنصف ثلث أي
= × فيجب ان يقبل القسمة على 2×3.
وهكذا يجب ان يكون لنصف العدد المطلوب ربع أي:
= × فيجب ان يقبل القسمة :
على 2 × 4 = 32
وعلى 2 × 5.
وعلى 2 × 6 = 2 × 2 × 3 = 2 2 × 3
وعلى 2 × 7
وعلى 2 × 8 = 2× 2 × 2 × 2 = 2 4
ــــــــــــــــــــ[181]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) التكامل في الإسلام ج 4 ص 114، وما بعدها إلى عدة صفحات.
وعلى 2 × 9 = 2 × 3 3
وعلى 2 × 10 = 2 × 2 × 5 = 2 2 × 5
(ب) وبما أنه يجب أن يكون لثلث العدد المطلوب نصف وثلث وربع وخمس إلى العشر. فيجب أن يقبل القسمة:
= × )
وعلى 3 × 4 = 3 × 2 2
وعلى 3 × 5
وعلى 3 × 6 = 3 × 3 × 2 = 3 2 × 2
وعلى 3 × 7
وعلى 3 × 8 = 3 × 2 3
وعلى 3 × 9 = 3 × 3 2 = 3 3
وعلى 3 × 10 = 3 × 2 × 5
(ج) وبما أنه يجب ان يكون لربعه نصف وربع وخمس. . الخ. إذن، وجب أن يقبل القسمة:
على 4 × 2 = 2 2 × 2 = 2 3
وعلى 4 × 3 = 2 2 × 3
وعلى 4 × 4 = 2 2 × 2 2 = 2 4
وعلى 4 × 5 = 2 3 × 5
وعلى 4 × 6 = 2 2 × 2 × 3 = 2 3 × 3
ــــــــــــــــــــ[182]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وعلى 4 × 7 = 2 2 × 7
وعلى 4 × 8 = 2 2 × 2 3 = 2 5
وعلى 4 × 9 = 2 2 × 3 2
وعلى 4 × 10 = 2 2 × 2 × 5 = 2 3 × 5
(د) وبما أنه يجب أن لخمس ذلك العدد نصف وثلث وربع وخمس.. إلى العشر. إذن، وجب ان يقبل القسمة:
على 5 × 2
وعلى 5 × 3
وعلى 5 × 4 = 5 × 2 2
وعلى 5 × 5 = 5 2
وعلى 5 × 6 = 5 × 2 × 3
وعلى 5 × 7
وعلى 5 × 8 = 5 × 2 3
وعلى 5 × 9 = 5 × 3 2
وعلى 5 × 10 = 5 × 5 × 2 = 5 2 × 2
(هـ) وبما أنه يجب ان يكون لسدس العدد نصف وثلث وربع … إلى العشر. وجب ان يقبل القسمة:
على 6 × 2 = 2 × 3 × 2 = 2 2 × 3
وعلى 6 × 3 = 2 × 3 × 3 = 2 × 3 2
ــــــــــــــــــــ[183]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وعلى 6 × 4 = 2 × 3 × 2 2 = 2 3 × 3
وعلى 6 × 5 = 2 × 3 × 5
وعلى 6 × 6 = 3 × 2 × 3 ×2 = 2 2 × 3 2
وعلى 6 × 7 = 2 × 3 × 7
وعلى 6 × 8 = 2 × 3 × 2 3 = 2 4 × 3
وعلى 6 × 9 = 2 × 3 × 3 2 = 2 × 3 3
وعلى 6 × 10 = 2 × 3 × 2 × 5 = 2 2 × 3 × 5
(و) وبما أنه يجب ان يكون لسبع العدد نصف وثلث وربع وخمس… الخ. إذن، وجب ان يقبل القسمة:
على 7 × 2
وعلى 7 × 3
وعلى 7 × 4 = 7 × 2 2
وعلى 7 × 5
وعلى 7 × 6 = 7 × 2 × 3
وعلى 7 × 7 = 7 2
وعلى 7 × 8 = 7 × 2 3
وعلى 7 × 9 = 7× 3 2
وعلى 7 × 10 = 7 × 2 × 5
(ز) وبما أنه يجب ان يكون لثمن العدد المطلوب ثلث وربع وخمس
ــــــــــــــــــــ[184]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وغيرها إلى العشر، وجب أن يقبل القسمة:
على 8 × 2 = 2 3 × 3 = 2 4
وعلى 8 × 3 = 2 3 × 3
وعلى 8 × 4 = 2 3 × 2 2 = 2 5
وعلى 8 × 5 = 2 3 × 5
وعلى 8 × 6 = 2 3 × 2 × 3 = 2 4 × 3
وعلى 8 × 7 = 2 3 × 7
وعلى 8 × 8 = 2 3 × 2 3 = 2 6
وعلى 8 × 9 = 2 3 × 3 2
وعلى 8 × 10 = 2 3 × 2 × 5 = 2 4 × 5
(ح) وبما انه يجب ان يكون لتسع العدد نصف وربع وغيرهما إلى العشر دون باق. إذن، وجب أن يقبل القسمة:
على 9 × 2 = 3 2 × 2
وعلى 9 × 3 = 3 2 × 3 = 3 3
وعلى 9 × 4 = 3 2 × 2 2
وعلى 9 × 5 = 3 2 × 5
وعلى 9 × 6 = 3 2 × 2 × 3 = 3 3 × 2
وعلى 9 × 7 = 3 2 × 7
وعلى 9× 8 = 3 2 × 2 3
ــــــــــــــــــــ[185]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وعلى 9 × 9 = 3 2 × 3 2 = 3 4
وعلى 9 × 10 = 3 2 × 2 × 5
(ط) وبما أنه يجب ان يكون لعشر العدد نصف وثلث وربع . . إلى العشر. إذن، وجب ان يقبل القسمة:
على 10 × 2 = 2 × 5 × 2 = 2 2 × 5
وعلى 10 × 3 = 2 × 3 × 5
وعلى 10 × 4 = 2 × 5 × 2 2 = 2 3 × 5
وعلى 10 × 5 = 2 × 5 × 5 = 2 × 5 2
وعلى 10 × 6 = 2 × 5 × 2 × 3 = 2 2 × 5 × 3
وعلى 10 × 7 = 2 × 5 × 7
وعلى 10 × 8 = 2 × 5 × 2 3 = 5 × 2 4
وعلى 10 × 9 = 2 × 5 × 3 2
وعلى 10 × 10 = 2 × 5 × 2 × 5 = 2 2 × 5 2
فالمضاعف المشترك البسيط لجميع هذه الأعداد هو:
2 2 × 3 4 × 5 2 × 7 2 = 64 × 81 × 25 × 49 = 6350400
وهذا الحاصل يحتوي على الكسر حتى الاستثناءات التي في الرواية.
ولكننا إذا رجعنا إلى حل المسألة، كما في المنطوق وقمنا بالعملية الآتية:
7 × 30 × 360 (وهو عدد أيام الأسبوع في عدد أيام الشهر في عدد أيام السنة).
ــــــــــــــــــــ[186]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
30 = 2 × 3 × 5
360 = 2 2 × 3 2 × 5
إذن: 7 × 30 × 360 = 7 × 2 × 3 × 5 × 2 3 × 3 2 × 5 =
7 × 2 4 × 3 3 × 5 2 = 75600
فلا يوجد في حاصل الضرب الأخير: 2 6 = 2 3 × 32 = 8 × 8 فلا يكون له ثمن الثمن ( كما في منطوق المسألة).
ولا يوجد في حاصل الضرب الأخير: 9 × 9 = 3 2 × 3 2 = 3 4
إذن، لا يكون له تسع التسع ( كما في المنطوق).
ولا يوجد في حاصل الضرب الأخير: 4 × 8 = 2 2× 2 3 = 2 5 .
إذن، لا يكون له ربع الثمن أو ثمن الربع ( كما في المنطوق ).
ولا يوجد في حاصل الضرب الأخير: 7 × 7 = 7 2
إذن، لا يكون له سبع السبع ( كما في المنطوق ).
فطريقة الحل: أن يؤخذ المضاعف المشترك البسيط للنتائج الأخيرة المرقمة بالحروف: أ، ب، ج، د، هـ، و، ز، ح، ط. فيكون هذا المضاعف يساوي:
2 6 × 3 4 × 5 2 × 7 2
وبما أنه يجب ان لا يكون للعدد المطلوب سبع السبع:
× =
إذن، وجب ان يكون أس 7 في المضاعف المشترك البسيط واحد، أي لا يكون هناك العامل 7 2 .
ــــــــــــــــــــ[187]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وبما أنه يجب ألا يكون للعدد المطلوب تسع التسع:
× = × =
إذن، وجب ان يكون أس 3 في المضاعف المذكور 3 لا 4 أي 3 3.
وبما أنه يجب ان لا يكون للعدد المطلوب ربع الثمن:
× = × =
إذن، وجب ان ينزل أس 2 إلى 4 فيكون 2 في المضاعف المشترك البسيط، لأن العدد لا يقبل القسمة على 2 5، أو لا يكون له ربع الثمن ما لم يكن أحد عوامله
2 5، وكذلك الحال في ثمن الربع:
× = × =
وبصورة طبيعية لا يكون للعدد المذكور وهو (75600) ثمن الثمن لأننا نزلنا أس 2 إلى 4 أي جعلناه 2 4 والعدد لا يكون له ثمن الثمن
× = × =
ما لم يكن فيه العامل 62، وقد حذفناه بجعل الأس على 2 هو 4 يعني 2 4. فتكون العوامل للعدد المطلوب إيجاده كما يلي:
7 × 2 4 × 3 3 × 5 2 = 7 × 5 × 3 × 2 × 2 3 ×3 2 × 5 =
7 × 5 × 3 × 2 × 8 × 9 × 5 = 7 × 30 × 360 = 75600.
وهو حاصل ضرب أيام الأسبوع في أيام الشهر ثم في أيام السنة، كما قال به الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام.
هذا، ويمكن إيضاح المسألة الرياضية على عدة مستويات، ولكن فيما ذكرناه الكفاية لمن اكتفى.
ــــــــــــــــــــ[188]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
بقي السؤال الذي عرضنا مشابهاً له في المسألة السابقة. وهو أن السائل كيف حصل على مثل هذا السؤال؟
وجواب ذلك: ان هذا السائل فيه احتمالان:
فأما أن يكون قد اختار هذه الكسور التي استثناها لمجرد أنها جرت على لسانه صدفة، إلا انها أصبحت بحسن توفيق الله عز وجل سبباً لكرامة من كرامات الإمام.
وأما أن يكون اختار المسألة بما فيها من الكسور عالما بالحل إجمالا أو تفصيلا. وأراد أن يمتحن بها الإمام ، وقد فاز سلام الله عليه في هذا الاختبار على أحسن وجه، من حيث أنه لم يفكر ولم يكتب الصحائف الطوال، بل أجاب على البديهة، واستخدم أرقام الأيام الطبيعية المعهودة لكل أحد.
أقول: ومن الإفادات والكرامات للإمام :
ما روي عن المناقب عن عطا(1) قال: “أتى قوم من اليهود إلى عمر، فقالوا: أنت والي هذا الأمر بعد نبيكم، وقد أتيناك نسألك عن أشياء، فان أنت أخبرتنا بها آمنا واتبعناك، فقال عمر: سلوا عما بدا لكم. قالوا: أخبرنا عن أقفال السموات السبع ومفاتيحها. وأخبرنا عمن أنذر قومه، وليس من الجن ولا من الإنس، واخبرنا عن خمسة لم يخلقوا في الأرحام، وعن واحد واثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وستة وسبعة وثمانية وتسعة وعشرة وأحد عشر واثني عشر.
فأطرق عمر ساعة. ثم قال: سألتم عمر بن الخطاب عما ليس له به علم.
ــــــــــــــــــــ[189]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(1) ص 103 من كتاب قضاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، تأليف الشيخ محمد تقي التستري، ط دار التربية. مهمل من التاريخ.
ولكن ابن عم رسول الله يخبركم عما سألتموني عنه.
فأرسل إليه فدعاه فلما أتاه، قال: إن معشر اليهود سألوني أشياء لم اجبهم فيها بشيء. ولقد ضمنوا لي ان أجبتهم أن يؤمنوا بالنبي. فقال لهم علي : يا معشر اليهود، اعرضوا عليّ مسائلكم. فقالوا له مثل ما قالوا لعمر، فقال لهم: أتريدون أن تسألوني عن شيء سوى هذا؟ قالوا: لا، يا أبا شبر وشبير.
فقال لهم: أما أقفال السموات فالشرك بالله. ومفاتيحها قول: لا إله إلا الله. وأما الذي انذر قومه وليس من الجن ولا من الإنس، فتلك نملة سليمان(1). وأما الخمسة الذين لم يخلقوا في الأرحام: فآدم وحواء وعصا موسى(2) وناقة صالح وكبش إبراهيم.
وأما الواحد فالله الواحد لا شريك له. وأما الاثنان فآدم وحواء. وأما الثلاثة فجبرئيل وميكائيل واسرافيل. وأما الأربعة فالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم. وأما الخمسة فخمس صلوات مفروضات، وأما الستة فقول الله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ. وأما السبعة فقول الله عز وجل: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا. وأما الثمانية فقوله عز وجل: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ. وأما التسع فالآيات المنزلة على موسى(3). وأما العشر فقول الله عز وجل: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ.
ــــــــــــــــــــ[190]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. وهذا إنذار أو تحذير من الخطر.
(2) يقصد الأفعى المخلوقة من العصا، وقد دل عليها القرآن الكريم بقوله تعالى: فإذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى.
(3) وهو قوله تعالى: فِي تِسْعِ آيَاتٍ إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ.
وأما الأحد عشر فقول يوسف لأبيه: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا. وأما الاثنا عشر فقول الله عز وجل لموسى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا.
فأقبل اليهود يقولون: نشهد أن لا اله الا الله. وان محمداً رسول الله وأنك ابن عم رسول الله …” الحديث.
ومنها: ما روي عن خصائص الرضي(1) : “قال كعب الأحبار له : أخبرني عمن لا أب له وعمن لا عشيرة له وعمن لا قبلة له. قال: أما من لا أب له فعيسى. وأما من لا عشيرة له فآدم. وأما من لا قبلة له، فهو البيت الحرام هو قبلة ولا قبلة له. هات يا كعب.
فقال (كعب): أخبرني عن ثلاثة أشياء لم تركض في رحم، ولم تخرج(2)من بدن. فقال: هي عصا موسى وناقة ثمود وكبش إبراهيم. هات يا كعب.
فقال: بقيت خصلة، فان أنت أخبرتني بها فأنت أنت. قال: هاتها يا كعب، قال: قبر سار بصاحبه. قال: ذلك يونس بن متى، إذ سجنه الله في بطن الحوت.
وفي رواية أخرى(3): أنه سأله رأس الجالوت. فقال: “ما أصل الأشياء؟ فقال : هو الماء، لقوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ. قال: وما جمادان تكلما؟ فقال : هما السماء والأرض(4). وقال: وما شيئان
ــــــــــــــــــــ[191]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: ص 101.
(2) يعني : لم تولد.
(3) المصدر: ص 103.
(4) كما نطق التنزيل الحكيم: قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ.
يزيدان وينقصان، ولا يرى الخلق ذلك. فقال : الليل والنهار. إلى أن قال: وما الذي يتنفس بلا روح، فقال : ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾. قال: وما شيء يزيد وينقص؟ فقال: القمر. قال: وما شيء لا يزيد ولا ينقص؟ قال: البحر(1). قال: وما شيء ينقص ولا يزيد؟ قال: العمر.
وعن الكنجي الشافعي في مناقبه عن سعيد بن المسيب، قال: “لقي حذيفة بن اليمان عمر بن الخطاب فقال له عمر: كيف أصبحت يا ابن اليمان؟ فقال: كيف تريدني ان أصبح؟ أصبحت والله أكره الحق، واحب الفتنة وأشهد بما لم أره، واحفظ غير المخلوق، وأصلي على غير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء.
فغضب عمر من قوله… فبينا هو في الطريق، إذ مرّ بعلي بن أبي طالب فرأى الغضب في وجهه، فقال: ما أغضبك يا عمر؟ فقال: لقيت حذيفة، فسألته. كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت أكره الحق. فقال: صدق. يكره الموت وهو حق. فقال: يقول: واحب الفتنة. فقال: صدق. يحب المال والولد. وقد قال الله تعالى: أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ. فقال: يقول: وأشهد بما لم أره. فقال : صدق. يشهد لله بالوحدانية والموت والبعث والقيامة والجنة والنار والصراط، ولم ير ذلك كله.
فقال: وقد قال: اني احفظ غير المخلوق. فقال: صدق. يحفظ كتاب الله، وهو غير مخلوق (2). قال: ويقول: وأصلي على غير وضوء. فقال: صدق، يصلي على ابن عمي رسول الله على غير وضوء. والصلاة عليه بغير وضوء جائزة. فقال: قد قال اكبر من ذلك. قال : وما قال؟ قال: قال:
ــــــــــــــــــــ[192]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المد في البحر ليس زيادة فيه. يعني في كمية مائه كما هو معلوم. والا لما حصل الجزر.
(2) إما أن يكون المراد انه غير مختلق وغير مكذوب، وإما أن يكون مبنياً على بعض معاني والوحدة في الوجود.
ان لي في الأرض ما ليس لله في السماء. قال: صدق. زوجته وولده، تعالى الله عن الزوجة والولد. فقال عمر: كاد يهلك ابن الخطاب لولا علي بن أبي طالب”.
وفي رواية أخرى عن الخرايج للراوندي(1): روي ان تسعة أخوة أو عشرة في حي من إحياء العرب كانت لهم أخت واحدة. فقالوا لها: كل ما يرزقنا الله نطرحه بين يديك، فلا ترغبي في التزوج، فحميتنا لا تقبل ذلك. فوافقتهم في ذلك, وقعدت في خدمتهم. وهم يكرمونها فحاضت يوماً. فلما طهرت أرادت الاغتسال، وخرجت إلى عين كانت بقرب حيهم، فخرجت من الماء علقة في جوفها. فلما مضت عليها أيام والعلقة تكبر حتى علا بطنها. وظن الأخوة انها حبلى، وقد خانت. فأرادوا قتلها. فقال بعضهم: نرفع أمرها إلى علي بن أبي طالب . وقالوا فيها ما ظنوا بها. فاستحضر طشتاً مملوءاً بالحمأة (وهو الطين) وأمرها أن تقعد عليه. فلما أحست العلقة برائحة الحمأة نزلت من جوفها، فقالوا: يا علي أنت ربنا العلي فأنت تعلم بالغيب، فزجرهم وقال: ان رسول الله أخبرني بذلك. الحديث.
وعن مناقب محمد بن يوسف الكنجي مسنداً عن أبي صالح قال: “جلس جماعة من أصحاب النبي يتذاكرون، فتذاكروا الحروف واجمعوا أن الألف اكثر دخولا في الكلام.
فقام مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فخطب هذه الخطبة على البديهة، فقال صلوات الله عليه:
حمدت وعظمت من عظمت منته وسبغت نعمته وسبقت رحمته غضبه وتمت كلمته ونفذت مشيته وبلغت قضيته، حمدته حمد مقر لربوبيته متخضع
ــــــــــــــــــــ[193]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: ص 249.
لعبودتيه، متنصل من خطيئته، معترف بتوحيده مؤمل من ربه مغفرة تنجيه يوم يشغل عن فصيلته وبنيه(1). ونستعينه ونسترشده ونستهديه ونؤمن به ونتوكل عليه.
وشهدت له تشهد مخلص موقن. فردته تفريد مؤمن متيقن ووحدته توحيد عبد مذعن. ليس له شريك في ملكه، ولم يكن له ولي في صنعه. جل عن مشير ووزير وعون ومعين ونظير، علم فستر ونظر فخبر وملك فقهر وعصي فغفر، وحكم فعدل، لم يزل ولن يزول ليس كمثله شيء، وهو قبل كل شيء بعد كل شيء. رب متفرد بعزته متمكن بقوته متقدس بعلوه، متكبر بسموه ليس يدركه بصر وليس يحيط به نظر. قوي منيع بصير سميع حليم حكيم رؤوف رحيم، عجز عن وصفه من يصفه وضل عن نعته من يعرفه، قرب فبعد وبعد فقرب. يجيب دعوى من يدعوه ويرزقه ويحبوه(2)، ذو لطف خفي، وبطش قوي ورحمة موسعة وعقوبة موجعة. رحمته جنة عريضة مونقة، وعقوبته جحيم ممدودة(3)موبقة.
وشهدت ببعثة محمد عبده ورسوله وصفيه ونبيه وخليله وحبيبه، صلى عليه ربه صلاة تحظية(4) وتزلفه(5) وتعليه وتقربه وتدنيه. بعثه في خير عصر وحين فترة وكفر، رحمة لعبيده ختم به نبوته ووضح به حجته فوعظ ونصح وبلغ وكدح. رؤوف رحيم بكل مؤمن رضي ولي زكي عليه رحمة وتسليم
ــــــــــــــــــــ[194]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) كما قال سبحانه: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ [المعارج: 11–14]. وقال سبحانه: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ(37). [عبس: 34–37].
(2) من حبا يحبو: إذا أعطاه بدون جزاء.
(3) كما قال سبحانه: فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ(9) وموبقة: مهلكة.
(4) من الحظوة وهي المنزلة والمكانة.
(5) من الزلفى وهو القرب.
وبركة وتكريم من رب غفور رحيم قريب مجيب.
وصيتكم جميع من حضر بوصية ربكم وذكرتكم سنة نبيكم. فعليكم برهبة تسكن قلوبكم وخشية تذري دموعكم وتقية تنجيكم قبل يوم يذهلكم ويبليكم. يوم يفوز فيه من ثقلت وزن حسنته وخف وزن سيئته. ولتكن مسألتكم وملقكم(1) مسألة ذل وخضوع وشكر وخشوع وتوبة ونزوع وندم ورجوع. وليغتنم كل مغتنم منكم صحته قبل سقمه وشبيبته قبل هرمه وكبره، وفرصته وسعته وفرغته قبل شغله وغنيته(2) قبل فقره وحضره قبل سفره. من قبل ان يهرم ويكبر ويمرض ويسقم ويملّه طبيبه ويعرض عنه حبيبه وينقطع عمره ويتغير لونه ويقل عقله.
قبل قولهم: هو موعوك وجسمه منهوك. قبل جدة(3) في نزع شديد وحضور كل قريب وبعيد. قبل شخوص بصره وطموح نظره ورشح جبينه وخطف(4) عرنينه وسكون حنينه وحديث نفسه وبكى عرسه ويتم منه ولده وتفرق عنه عدده وصديقه وقسم جمعه(5) وذهب بصره وسمعه وكفن ومدد، ووجه وجرد وعري وغسل ونشف وسجي وبسط له وهيئ(6)، ونشر عليه كفنه وشد منه ذقنه وقمص وعمم ودع عليه وسلم وحمل فوق سريره وصُلّي عليه ونقل من دور مزخرفة وقصور مشيدة وحجر منجدة، فجعل في ضريح ملحود
ــــــــــــــــــــ[195]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الملق هو التملق والتزلف.
(2) من الغنى وهو اما الثراء واما القناعة.
(3) يعني الحضور الوجود في حالة النزع.
(4) لعله يريد صفرته من انخطاف اللون الطبيعي وزواله.
(5) يعني ما جمعه من المال .
(6) بالهمزة أو بدونها من التهيئة وهي الإعداد والتحضير.
وضيق مرصود بلبن منضود مسقف بجلمود. وهيل عليه عفره(1) وحثي عليه مدره وتحقق حذره(2) ونسي خبره، ورجع عنه وليه وصفيه ونديمه ونسيبه، وتبدل به قريبه وحبيبه. فهو حشو قبر ورهين قفر يسعى في جسمه دود قبره ويسيل صديده(3) على صدره ونحره، يسحق برمته لحمه وينشف دمه ويرم عظمه، حتى يوم حشره ونشره. فينشر من قبره وينفخ في صوره ويدعى بحشره ونشره. فثم بعثرت قبور وحصّلت سريرة صدور(4) وجيء بكل نبيّ(5) وصدّيق وشهيد ونطيق وقعد للفصل رب قدير بعبده بصير خبير.
فلكم من زفرة تعنيه وحسرة تقصيه في موقف مهيل(6) ومشهد جليل بين يدي ملك عظيم بكل صغيرة وكبيرة عليم. حينئذ يلجم عرقه(7)ويحصره قلقه. عبرته غير مرحومة وصرخته غير مسموعة وحجته غير مقبولة. تنشر صحيفته وتبين جريرته. حيث نظر في سوء عمله وشهدت عينه بنظره ويده ببطشه(8)
ــــــــــــــــــــ[196]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) العفر هو التراب والمدر هو الحجر.
(2) حذره أي محذوره وما كان يحذر منه.
(3) الصديد القيح المختلط بالدم. وذلك يكون بعد عفونة الجسم وقبل اتمام جفافه.
(4) كما قال سبحانه: أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) العاديات 9–10.
(5) كما قال سبحانه: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِالزمر69.
(6) مهيل: الظاهر انه المهلة وهي التأخير بمعنى: موقف طويل الأمد. ويحتمل ان يكون من المهل بفتح أو فتحتين وهو صديد الميت خاصة. كما يمكن ان يكون من الهول. بمعنى مهول وهو الفضيع.
(7) عرقه اما هو بفتحتين معروف ولجمه العرق إذا تزايد عليه وجلله. واما هو بكسر الأول ويراد به مجازاً أعماله في دار الدنيا حيث يلجم ويلزم بها كاللجام للدابة لا فكاك منها الا برحمة الله سبحانه.
(8) كما قال سبحانه: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَالنور: 24. وقوله تعالى: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْفصلت: 22.
ورجله بخطوه وفرجه بلمسه، وجلده بمسه، وتهدده منكر ونكير، وكشف عن حيث يصير، فسلسل جيده، وغلغل ملكة يده. وسيق يسحب وحده فورد جهنم بكرب وشدة. وظل يعذب في جحيم ويسقى شربة حميم تشوي وجهه وتسلخ جلده وتضرب زبنيته بمقمع من حديد، يعود جلده بعد نضجه(1) كجلد جديد يستغيث، فتعرض عنه خزنة جهنم ويستصرخ فلم يجب. ندم حيث لا ينفعه ندمه.
نعوذ برب قدير من شر كل مصير، ونسأله عفو من رضي عنه، ومغفرة من قبل منه، فهو ولي مسألتي ومنجح طلبتي.
فمن زحزح عن تعذيب ربه جعل في جنته بقربه، وخلد في قصور مشيدة وملك حور عين وحفدة(2)، وطيف عليه بكؤوس وسكن حظيرة قدس في فردوس، وتقلب في نعيم، ويسقى من تسنيم(3) وشرب من سلسبيل(4) قد مزج بزنجبيل(5)، ختم بمسك مستديم للملك مستشعر للسرور. ويشرب من خمور في روض مغدق ليس ينزف عقله.
هذه منزلة من خشي ربه وحذر نفسه(6) وتلك عقوبة من عصى منشئه، وسولت له نفسه معصيته. فهو قول فصل وحكم عدل. قصص قص(7) ووعظ
ــــــــــــــــــــ[197]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) كما قال سبحانه: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا.
(2) يريد بهم جماعة الخدم والولدان المخلدين. والحفيد الخادم كما يراد به ابن الابن أيضا.
(3) كما قال سبحانه: وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27).
(4) كما قال سبحانه: عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18).
(5) كما قال سبحانه: وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17).
(6) كما قال سبحانه: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي.
(7) القصص بالكسر جمع قصة وهي الرواية، وبالفتح تتبع الأثر ويريد به إتباع الحق. والقص ما عظم من الشيء.
نص. تنزيل من حكيم حميد نزل به روح قدس منير مبين من عند رب كريم على قلب نبي مهتد رشيد. وسيد صلت عليه رسل سفرة مكرمون بررة، عزت برب عليم حكيم قدير رحيم من شر عدو(1) لعين رجيم، يتضرع متضرعكم ويبتهل مبتهلكم ونستغفر رب كل مربوب لي ولكم.
ثم قرأ أمير المؤمنين علي: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
أقول: هناك له خطبة أخرى خالية من الحرف المنقوط أود فيما يلي أيراد نصها أيضاً(2) :
الحمد لله الملك الودود مصور كل مولود وموئل(3) كل مطرود، ساطح المهاد(4) وموطد الأطواد(5) ومرسل الأمطار ومسهل الاوطار. عالم الاسرار ومدركها ومدمر الاملاك ومهلكها ومكور الدهور ومكررها ومورد الأمور ومصدرها. عم سماحه وكمل ركامه وهمل وطاوع السؤال والأمل وأوسع الرمل(6) وأرمل(7).
أحمده حمداً ممدداً مداه وأوحده كما وحده الأواه. وهو الله لا إله للأمم سواه ولا صادع لما عدله وسواه. أرسل محمداً علماً للإسلام وإماماً للحكام
ــــــــــــــــــــ[198]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) كما قال سبحانه: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً.
(2) المصدر: ص80.
(3) الموئل: الملجأ.
(4) وهي الأراضي المسطحة.
(5) وهي الجبال.
(6) الرمل بفتحتين: الزينة بالجوهر، والزيادة في الشيء.
(7) ارمل الحبل: طوله، يريد طول الخير والرحمة.
مسدداً للرعاع، ومعطل أحكام ود وسواع(1)، علم وعلَّم وحكم وأحكم، أصل الأصول ومهد واكد الوعود وأوعد، أوصل الله له الإكرام وأودع روحه السلام ورحم آله وأهله الكرام، ما لمع رئال، وملع وال وطلع هلال وسمع إهلال. اعملوا رحمكم الله أصلح الأعمال واسلكوا مصالح الحلال. واطرحوا الحرام ودعوه، واسمعوا أمر الله وعوه. وصلوا الأرحام وراعوها. وعاصوا الأهواء واردعوها. وصاهروا أهل الصلاح والورع، وصارموا رهط اللهو والطمع، ومصاهركم اطهر الأحرار مولداً واسراهم(2) سؤدداً، وأحلاهم مورداً وها هو أمكم(3) وحل حرمكم مملكاً عروسكم المكرمة، وما هو لكم كما مهر رسول الله أم سلمة. وهو أكرم صهراً ودع الأولاد وملك ما أراد وماسها مملكه(4) ولا وهم ولا وكس(5) ملاحمه(6) ولا وصم(7).
واسأل الله لكم احماد وصاله، ودوام اسعاده، وألهم كلا صلاح حاله، والاعداد لمئاله ومعاده، وله الحمد السرمد، والمدح لرسوله أحمد.
أقول: وهذه الخطبة أشبه بخطبة النكاح، وإن كان يمكن أن تفسر بتأويلات أخرى، لا حاجة إلى سردها. ويقرّب ذلك أنه مادح للخاطب
ــــــــــــــــــــ[199]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) علمان لأصنام قديمة كما قال سبحانه: لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا.
(2) تفضيل من السري وهو صاحب المروءة، مأخوذ من السراة أي الارتفاع والعلو.
(3) أي جاءكم.
(4) مملكه: مزوجه.
(5) الوكس: بالفتح النقص.
(6) من اللحمة بالضم وهي الالتحام والاتصال.
(7) الوصم: العيب والمرض.
مدحاً عالياً، لا يحتمل فيه المداجاة والمبالغة والمجاملة منه .
فهذا غيض من فيض وقطرة من بحر عجائبه سلام الله عليه. وكيف لنا الاستيعاب، وقد الفت فيها الكتب والمجلدات. وحسبنا الآن تنبيه القارئ الكريم، ان كان من أهل الفضل والثقافة أن يأخذ القلم ويحاول التفكير فيكتب سطراً أو عدة اسطر بدون ألف أو تنقيط. فان هذا بعد الجهد لا يكون سهلاً أبداً، فكيف بمن يسردها على البديهة وعفو الخاطر، بحيث تكون بوضوحها وحسن تربيتها وعلو مضمونها دليلا على صحة سندها وحقيقة مصدرها سلام الله عليه.
ومن الصعب الاستمرار بكرامات أمير المؤمنين إذ يخرج بها الكتاب عن غرضه. وليكن ذلك آخر هذا الفصل.
ــــــــــــــــــــ[200]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فصل في كيفية المرافعة القضائية
نريد بذلك الأسلوب التطبيقي الصحيح للفصل بين المتخاصمين، سواء من ناحية أحكامه الاستحبابية أو أحكامه الإلزامية.
وفي الأحكام الاستحبابية وبعض ما هو إلزامي، سنجد كيف أن القاضي يجب أن يكون محايداً موضوعياً بين الخصمين لا يفضل أحدهما على الآخر إطلاقاً. كما سنعرف أن المرافعة لا تكون باختيار القاضي، وإنما اللازم ان تكون كل خطوة منها بطلب من المدعي، وقد سبق أن عرفنا معنى المدعي والمنكر، في فصل خاص به. وليس للقاضي مثلا أن يأمر المدعي بالإتيان بالبينة ولا المنكر التصدي لليمين. وإنما يعود الأمر بالنتيجة إلى اختيارهما من دون تدخل القاضي سوى بيان الحكم الشرعي المتعلق بالمرافعة أو بعض مراحلها، ثم هو يستنتج النتيجة بعد إتمام الثبوت عنده لصالح أحد المتخاصمين.
والكلام يقع في ذلك في عدة جهات:
الجهة الأولى: في آداب القضاء في الشريعة الإسلامية.
ننقل فيما يلي عدداً من المسائل والفقرات من كلام الشيخ المحقق
ــــــــــــــــــــ[201]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الحلي احتراماً لرأيه وفقهه.
فقد قال في موضع من كتاب القضاء(1): في وظائف للحاكم وهي سبع:
الأولى: التسوية بين الخصمين في السلام والجلوس والنظر والكلام والإنصات والعدل في الحكم. ولا تجب التسوية في الميل بالقلب، لتعذره غالباً…
الثانية: لا يجوز أن يلقن أحد الخصمين ما فيه ضرر على خصمه، ولا أن يهديه لوجوه الحجاج، لأن ذلك يفتح باب المنازعة، وقد نصب لسدها.
الثالثة: إذا سكت الخصمان استحب له أن يقول لهما: تكلما أو ليتكلم المدعي. ولو أحس منهما باحتشامه أمر من يقول ذلك. ويكره أن يواجه بالخطاب احدهما لما يتضمن من ايحاش الآخر.
الرابعة: إذا ترافع الخصمان: وكان الحكم واضحاً، لزمه القضاء ويستحب ترغيبهما في الصلح. فان أبيا الا المناجزة حكم بينهما، وإن أشكل آخر الحكم حتى يتضح, ولا حد للتأخير الا الوضوح.
الخامسة: إذا ورد الخصوم مترتبين، بدأ بالأول فالأول، فان وردوا جميعاً، قيل يقرع بينهم، وقيل يكتب أسماء المدعين ولا يحتاج إلى ذكر الخصوم، وقيل يذكرهم أيضاً ، لتحضر الحكومة معه، وليس بمعتمد، ويجعلها تحت ساتر ثم يخرج رقعة ويستدعي صاحبها. .
السادسة: إذا قطع المدعي عليه دعوى المدعي بدعوى، لم تسمع حتى يجيب الدعوى. وينهي الحكومة. ثم يستأنف هو.
السابعة: إذا بدر أحد الخصمين بالدعوى فهو أولى. ولو ابتدرا الدعوى
ــــــــــــــــــــ[202]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) شرائع الإسلام، ج 4 ص 72.
سمع من الذي عن يمين صاحبه. ولو اتفق مسافر وحاضر، فهما سواء ما لم يستقر احدهما بالتأخير فيقدم دفعاً للضرر.
ويكره للحاكم أن يشفع في إسقاط حق أو إبطال دعوى.
أقول: ليس من اللازم التعليق منا على ذلك، بل نوكل إلى فهم القارئ نفسه مدى ما يجب أن يكون عليه القاضي من الموضوعية والتجرد عن الهوى والمصلحة الشخصية مئة بالمئة. وكذلك فيما يلي من الأحكام.
وقال(1) في موضع آخر ضمن عدة مسائل:
الثالثة عشرة: يكره للحاكم ان يعنت الشهود، إذا كانوا من ذوي البصائر والأديان القوية، مثل ان يفرق بينهم لأن في ذلك غضاً منهم. ويستحب ذلك في موضع الريبة.
الرابعة عشرة: لا يجوز للحاكم ان يتعتع الشاهد وهو أن يداخله في التلفظ بالشهادة أو يتعقبه. بل يكف عنه حتى ينهي ما عنده، وان تردد. ولو توقف في الشهادة لم يجز له ترغيبه إلى الإقدام على الإقامة ولا تزهيده في إقامتها، وكذا لا يجوز إيقاف عزم الغريم عن الإقرار، لأنه ظلم لغريمه. ويجوز ذلك في حقوق الله تعالى، فإن الرسول قال لماعز عند اعترافه بالزنا: ( لعلك قبلتها، لعلك لمستها ). وهو تعريض بإيثار الاستثناء.
الخامسة عشرة: يكره ان يضيف أحد الخصمين دون صاحبه.
السادسة عشرة: الرشوة حرام على آخذها، ويأثم الدافع لها ان توصل بها إلى الحكم له بالباطل. ولو كان إلى حق لم يأثم. ويجب على المرتشي إعادة الرشوة إلى صاحبها، ولو تلفت قبل وصولها إليه ضمنها له.
ــــــــــــــــــــ[203]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: ص69 وما بعدها.
السابعة عشرة: إذا التمس الخصم إحضار خصمه مجلس الحكم احضره (القاضي) إذا كان حاضراً (يعني في البلد) سواء كان حرر المدعي دعواه أو لم يحررها. اما لو كان غائباً لم يعده الحاكم حتى يحرر الدعوى. والفرق لزوم المشقة في الثاني وعدمها في الأول. هذا إذا كان (الخصم) في بعض مواضع ولايته. وليس هناك خليفة يحكم. وان كان في غير ولايته، اثبت الحكم عليه بالحجة وان كان غائباً.
ولو ادعى على امرأة فان كانت برزة فهي كالرجل، وان كان مخدَّرة بعث اليها من ينوبه(1) في الحكم بينها وبين غريمها.
وقال: المحقق الحلي(2) في موضع آخر.
ويحضّر (القاضي) من أهل العلم من يشهد حكمه. فان أخطأ نبهوه، لأن المصيب عندنا واحد(3). ويخاوضهم(4) فيما يستبهم من المسائل النظرية لتقع الفتوى مقرّرة. ولو اخطأ فاتلف لم يضمن وكان على بيت المال.
وإذا تعدى أحد الغريمين سنن الشرع عرَّفه خطأه برفق. فان عاد زجره. فان عاد أدبه بحسب حاله، مقتصراً على ما يوجب لزوم النمط.
وقال بعدها مباشرة:
والآداب المكروهة: أن يتخذ حاجباً وقت القضاء، وان يجعل المسجد مجلساً للقضاء دائما. ولا يكره لو اتفق نادراً، وقيل لا يكره مطلقاً، التفاتاً إلى
ــــــــــــــــــــ[204]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) أو ذهب هو إليها ان كان ذلك مناسباً.
(2) المصدر: ص 66.
(3) يعني الواقع والحق في الحكم الشرعي واحد، والمجتهد قد يصيب وقد يخطأ. وهو قول المخطئة وهم العدلية.
(4) أي يحادثهم ويناقشهم في المسائل الصعبة المبهمة.
ما عرف من قضاء علي بجامع الكوفة.
وأن يقضي (القاضي) وهو غضبان. وكذا يكره مع كل وصف يساوي الغضب في شغل النفس، كالجوع والعطش والغم والفرح والوجع ومدافعة الأخبثين(1) وغلبة النعاس. ولو قضى والحال هذه، نفذ إذا وقع حقاً.
و(يكره) ان يتولى البيع والشراء بنفسه. وكذا الحكومة(2). وأن يستعمل الانقباض المانع للآخرين من اللحن بالحجة. وكذا يكره اللين الذي لا يؤمن معه من جرأة الخصوم.
ويكره ان يرتب(3) للشهادة قوماً دون غيرهم. وقيل: يحرم لاستواء العدول في موجب القبول، ولأن في ذلك مشقة على الناس بما يلحق من كلفة الاقتصار.
وقال في موضع آخر في ضمن المسائل:
(الثالثة): إذا تمت الدعوى، هل يطالب المدعى عليه بالجواب، أم يتوقف ذلك على التماس المدعي؟ فيه تردد، والوجه أنه يتوقف لأنه حق له فيقف على المطالبة.
(الرابعة): لو ادعى أحد الرعية على القاضي، فان كان هناك إمام رافعه أليه، وان لم يكن، وكان في غير ولايته رافعه إلى قاضي تلك الولاية. وان كان في ولايته رافعه إلى خليفته (يعني: خليفة الإمام أو خليفة القاضي).
(الخامسة): يستحب للخصمين أن يجلسا بين يدي الحاكم ولو قاما بين
ــــــــــــــــــــ[205]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) هما البول والغائط. ويراد به مدافعة احدهما، يعني معاناة الضغط فيه, فضلا عن كليهما.
(2) يعني: ان يقف قاض أمام قاض آخر مع خصم للمرافعة.
(3) يعني: يوظفهم، مع منع الآخرين عن الشهادة ، ولا شك انها لا تدفع الحكم الشرعي بحجية قول كل عادل.
يديه كان جائزاً.
أقول: فهذه عدد من النصوص الناطقة بمضمونها. ولا تحتاج إلى شرح، فانه لا يعدو أن يكون إلا تكراراً. ولابد من الالتفات إلى إن نقلنا لها بهذا التفصيل لا يعني الموافقة على فتاواها، وان كان أكثرها حقاً، وهو أيضاً موافق للمشهور. فيعطينا صورة عن رأي مشهور فقهائنا في هذا الباب. وكان من المستحسن ذكر نماذج من الروايات عن المعصومين ناطقة بنفس المضامين. إلا ان عبارات المحقق الحلي تعتبر تلخيصاً مرتباً ولطيفاً عن مضامين الروايات، مما يجعل سردها مكرراً بلا موجب أكيداً.
الجهة الثانية: في الكيفية العامة للمرافعة بغض النظر عن التدقيق في التفاصيل، وبعد أخذ ما سبق أن عرفناه في الجهة الأولى من الآداب بنظر الاعتبار:
وذلك: بأن يبدأ المدعي بالشكوى، وعرض القضية على القاضي. بشرط أن تكون قضية جزمية وليست احتمالية(2). وله أن يعرضها سواء كان المدعى عليه موجوداً، أو غير موجود، والشهود موجودون أم لا.
وفي أي مورد ليس فيه دم، أي اعتداء على نفس أو قتل، أو نحو ذلك(2), فالمفروض أن المدعي يأتي معه ببينة تشهد له بواقعية ما يقوله, فان القضاء الشرعي إنما هو بالبينات والأيمان. وإنما تنفذ إخبارات البينة فيما إذا لم يعلم القاضي بكذبها. وإلا لم يكن حجة وله عندئذ أن يحكم بمقتضى علمه.
والبينة كما عرفنا في فصل سابق عبارة عن شاهدين عادلين أو اكثر يشهدان
ــــــــــــــــــــ[206]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) كما لو قال: أظن أو أشك ان فلاناً فعل كذا، وهذا ما يأتي الحديث عنه في جهة آتية.
(2) إذ البينة على المدعي في الموارد الاعتيادية وهي في الدماء على المنكر، كما سيأتي في كتاب القصاص.
بصحة قول المدعي. والمفروض أن صفة العدالة عندهما تمنعهما من الكذب والاحتيال وبيع الشهادة بالمال، ونحو ذلك.
فان لم يكن المدعي قد جاء بالبينة، سأله القاضي عما إذا كان عنده بينة أم لا.
ولا ينبغي أن يفوتنا هنا، بأن هذا مع وضوح كون هذا مدعياً وهذا منكراً كما هو الغالب. وأما مع عدم وضوحه، فلابد من تأجيل المرافعة إلى حين ان يفكر القاضي بذلك، أو يرجع إلى المصادر ليتم التمييز عنده بينهما، فيطالب المدعي بالبينة على معنى أن يحضرها باختياره.
فان طالبه بها، وكانت حاضرة في المجلس، فهو المطلوب. وإلا أفهمه القاضي بأن دعواه لا تثبت إلا بالبينة. فان كان يحتمل أن يحصل على بينة بعد ذلك، فله أن يؤجل الدعوى إلى حين حصوله عليها، فتؤجل الدعوى برأي المدعي لا برأي القاضي.
فان كانت البينة حاضرة أو جاء بها في زمن لاحق، فليس يجب ان يأمرهما القاضي بالكلام. لأن حل المشكلة إنما هو برأي المدعي لا برأي القاضي ولا المدعى عليه. فهو الذي يطلب منهما أداء الشهادة أو إقامتها. ولفظ الإقامة هنا اصطلاحي في الفقه مأخوذ من القرآن الكريم في قوله سبحانه:وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّـهِ.
فان تصدى الشاهدان أو الشهود للكلام، كان للقاضي ان يسألهما عما هو مرتبط بالحادثة. بدون ان يتعتعهما أو يداخل كلامهما أو يحثهما على الشهادة أو يثبط همتهما عنها. كما سمعنا كل ذلك فيما سبق. بل يجب أن يبقى محايداً في سماع الشهادة.
نعم، إذا أكثرا من اللغط كان له أن يأمرهما بالاقتصار على ما يفيد في
ــــــــــــــــــــ[207]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
محل المرافعة مع الكف عن الزيادة.
فان كان مضمون كلام البينة موافقاً لدعوى المدعي، وكان القاضي واثقاً من عدالتهما أو قامت لديه الحجة الشرعية في ذلك، عندئذ يتم الأمر وتنحسم المرافعة في صالح المدعي.
وأما إذا لم تكن الحجة قائمة على عدالتهما أو كان المدعى عليه يطعن فيهما أو يشكك، أمكن إرجاء المرافعة إلى حين السؤال عنهما أو أن يوفر المدعي شهوداً آخرين لتوثيق الشاهدين.
وان لم يكن للمدعي بينة، فقد يصبح ذلك سبباً لتركه الترافع. وإذا تركه تركه المدعى عليه أيضاً بطبيعة الحال. وبذلك تسقط الدعوى.
ولكنه ان لم يترك الترافع، كان له أن يطلب من القاضي تحليف المدعى عليه بالقسم، أو يطلب من المدعى عليه وهو المنكر، ذلك مباشرة. وهنا ليس للقاضي الطلب إلى المنكر باليمين ابتداء. وليس للمنكر المبادرة إلى اليمين ما لم يطلبها المدعي. فان حصلت من دون طلبه لم تكن حجة ولا نافذة. وإنما لابد من تكرارها إذا طلبها المدعي لتكون حجة.
ولكن قبل البدء باليمين يستحب للقاضي أو من ينوب عنه بالكلام أن يزهد المترافعين فيها لا لأجل التدخل في قضيتهما بل لأجل احترام اليمين، وان استعمالها في سبيل الحصول على المال أو شيء من المصالح الدنيوية مرجوح جداً، فعملاً بالمطلوب الشرعي الاستحبابي ينبغي تجنب اليمين على كل حال.
وهذه الموعظة قد تؤثر على المدعي فيتنازل عن طلبه اليمين من المدعى عليه. والمفروض أنه لا بينة له أيضاً، فيكون هذا سبباً لتنازله عن الدعوى أصلا. وتتم بذلك مرافعته.
وقد تكون هذه الموعظة سبباً لارتداع المنكر عن اليمين، حتى وان طلب
ــــــــــــــــــــ[208]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
منه المدعي ذلك. وعندئذ يكون ناكلاً عن اليمين. ولكنه هنا يكون ناكلاً من اجل الاستحباب الشرعي. ولكنه من الناحية الفقهية يحمّل حكم الناكل الذي سنشير إليه.
وقد تكون هذه الموعظة في ترك اليمين تؤثر على كلا المترافعين. وهذا معناه الالتفات إلى الأسبق في الرتبة وهو المدعي، إذ يكون هو المتنازل عن دعواه كما سبق.
هذا، وإن لم تؤثر الموعظة في أي منهما، فمعناه إصرار على المدعي على إرادة اليمين من المنكر، والمفروض ان المنكر لم يقبل تلك الموعظة أيضاً. كل ما في الأمر أنه ان عرف نفسه صادقاً كان على استعداد لليمين من دون تحمل إثم الكذب وان عرف نفسه كاذباً لم يكن على استعداد لها تجنباً لتحمل الإثم. وهذا هو السر في الأخذ باليمين في القضاء، لأنه يفترض فيه سريانه في مجتمع على أفراد يخافون الله سبحانه ويتجنبون الآثام. ولذا قال النبي : على ما روي عنه: “إنما أحكم بينكم بالبينات والأيمان. فأي رجل اقتطعت له من صاحبه شيئاً فإنما اقتطعت له قطعة من النار”.
وفي رواية أخرى قال(1): “اختصم امرؤ القيس ورجل من حضرموت إلى
رسول الله في أرض. فقال: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فيمينه. قال: إذن والله يذهب بأرضي. قال: ان ذهب بأرضك بيمينه كان ممن لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم. قال: ففزع الرجل وردها إليه.
وعلى العموم فان كان المنكر كاذباً في يمينه، كان غاصباً وسارقاً. ويكون تصرفه بالمال حراماً أساساً، مضافاً إلى حرمة إيقاع اليمين الكاذبة نفسها, وهتك حرمة اسم الله سبحانه.
ــــــــــــــــــــ[209]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: كتاب القضاء. أبواب كيفية الحكم. باب 3 حديث 7.
كما ان المدعي إذا كان كاذباً في دعواه، واستطاع الحصول على الدعوى في صالحه، اما بالبينة الكاذبة، أو باليمين المردودة كما سيأتي. فانه أيضاً سيكون غاصباً وسارقاً ومزوراً وهاتكاً لحرمة اليمين، ان حلف.
وعلى أي حال: فالمرافعة القضائية تنتج حكماً ظاهرياً في الشريعة. لا انها تنتج حكماً واقعياً وتحول ملكية المال من شخص إلى آخر، بل الملكية والزوجية وغيرهما تبقى على ما هي عليه. ويجب على من يعلم بالواقع أن يتصرف حسب الواقع، لا على حسب الناتج من المرافعة. فان المرافعة إنما هي لحسم النزاعات ليس إلا.
وهذا هو المراد من قوله في الرواية: (فأيما رجل اقتطعت له من صاحبه شيئاً). يعني سواء اقتطع المدعي من المنكر أو المنكر من المدعي، فانه يكون محاسباً ومعاقباً على مخالفة الواقع الذي لم يتغير نتيجة للمرافعة القضائية.
وعلى أي حال، فان طلب المدعي توجيه اليمين إلى المنكر, فماذا سيكون موقف المنكر؟ إن هذا يمكن أن يكون على أحد ثلاثة أشكال، بغض النظر عن إمكان إجباره على اليمين أو تركه، بل يجب ان يتصرف بحريته وقناعته ليكون عمله حجة وحاسماً للمرافعة والنزاع:
الشكل الأول: قبول توجيه اليمين إليه والقيام بها فعلا. بصيغة سيأتي التعرض لإيضاحها، فان حلف إنحسمت الدعوى لصالحه. وليس للمدعي بعد اليمين حق عليه بحسب ظاهر الشرع. وسيأتي أيضاً ما يمكن ان يكون مضموناً لليمين، وعلى العموم فستكون على نفي دعوى المدعي، وتكون حجة في هذا النفي.
وقلنا فيما سبق أنه ليس للمدعي بعد أخذ اليمين من المنكر أن يرافعه أمام قاض آخر. وبهذا ينسد أحد أشكال احتمالات تأسيس محكمة التمييز القضائية،
ــــــــــــــــــــ[210]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وسيأتي البحث عنها.
الشكل الثاني: النكول، يعني رفض القيام باليمين، من دون تحويله على المدعي، كما سيأتي. وقد اختلف الفقهاء بالحكم بمجرد النكول، لأنه من الناحية العملية، يعني عدم قيام الحجة لا من قبل المدعي بالبينة ولا من قبل المنكر، فكيف يتم الحكم؟ ولكنه من جهة أخرى مشعر تماماً، أعني النكول، بأن المنكر الناكل يرى نفسه على غير الحق، ومن هنا لا يريد ان يحلف يميناً كاذبة، ولو كان على حق الحلف.
غير أننا عرفنا فيما سبق أن في ترك اليمين احتراماً لهما، فلعل نكول المنكر من أجل ذلك، أو لأي سبب آخر، وليس لمجرد كونه كاذباً في موقفه.
وعلى أي حال، فان حكمنا بحسم الدعوى بمجرد النكول كان كافياً في إغلاق الدعوى. وهل يكون هذا كافياً في منع المدعي عن مرافعة ثانية أمام قاض آخر أم لا. كلام آخر لعله يأتي.
وعلى أي حال، فإغلاق الدعوى مع النكول يعني الحكم في صالح المدعي، واعتبار الناكل كاذباً في إنكاره.
وان لم تحكم بحسم الدعوى بمجرد النكول احتاجت المرافعة إلى الخطوة التالية، وإلا تفرق الخصمان من دون انحلال النزاع، وهذه الخطوة هي ما يلي:
الشكل الثالث: من محتملات موقف المنكر، هو: تحويل اليمين على المدعي. يعني الطلب منه أن يحلف هو دونه. وهذا التحويل يجب أن يكون بطلب منه باختياره وليس بأمر إلزامي من القاضي ولا بمبادرة من المدعي نفسه أو تهديد من أحد، كل ما في الأمر يستطيع القاضي أن يذكر الفتوى لهما، وهي جواز تحويل اليمين إلى المدعي.
ــــــــــــــــــــ[211]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فان قبل المنكر ذلك وحول اليمين على المدعي، كانت هي إثباته بدل ما كان يجب أن يقيمه من البينة.
وعند هذا التحويل سيكون موقف المدعي على أحد شكلين:
الشكل الأول: المبادرة إلى اليمين. وعندئذ تنحسم الدعوى لصالحه.
الشكل الثاني: النكول أي الامتناع عن اليمين. ويأتي فيه التخريجان السابقان في نكول المنكر، مع ما يترتب عليهما من اتجاه فقهي. فان حكمنا بالنكول إنحسمت الدعوى لصالح المنكر. وان لم نحكم بالنكول، بقيت الدعوى بدون إثبات على الإطلاق. فنطبق مقتضى القواعد الأولية غير القضائية.
وليس بعد نكول المدعي هنا تحويل أو رد آخر لليمين إلى المنكر، لأن المفروض ان المنكر رفض اليمين، فكيف سيقبلها مرة أخرى.
الجهة الثالثة: في كيفية اليمين ومضمونها.
فان اليمين لا تكون إلا بالله، أو أحد أسمائه المختصة به والراجعة في الدلالة على ذاته. فان لم يتضح باسم واحد حلف باسمين أو اكثر. وتكون مبدوءة بأحد حروف اليمين: الباء والواو والتاء، حسب القواعد اللغوية.
ولا يتم الاحلاف بغير أسماء الله سبحانه، كأسماء الأنبياء والأولياء والكتب المنزلة والأماكن المشرفة.
وهناك التغليظ في اليمين، وهو تشديده. قال المحقق الحلي: فقد يغلظ اليمين بالقول والزمان والمكان، لكن ذلك غير لازم، ولو التمسه المدعي، بل هو مستحب في الحكم ولو استظهاراً.
فالتغليظ بالقول: مثل أن يقول: والله الذي لا اله إلا هو الرحمن الرحيم
ــــــــــــــــــــ[212]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الطالب الغالب الضار النافع المدرك المهلك الذي يعلم من السر ما يعلمه من العلانية، ما لهذا المدعي علّي شيء مما ادعاه. ويجوز التغليظ بغير هذه الألفاظ.
وبالمكان: كالمسجد والحرم وما شاكله من الأماكن المعظمة.
وبالزمان: كيوم الجمعة والعيد وغيرهما من الأوقات المكرمة. قال: ويستحب التغليظ في الحقوق كلها وإن قلّت. عدا المال: فانه لا يغلظ فيه، بما دون نصاب القطع.
قالوا: لو امتنع عن الإجابة إلى التغليظ لم يجبر، ولم يتحقق بامتناعه نكول.
أقول: والمقصود بالتغليظ بالمكان نقل الشخص إلى ذلك المكان ليتم القسم فيه. وهو ممكن في كل مكان مقدس، ولو في مسجد صغير. فضلا عن العتبات المقدسة والمساجد المشهورة والحرم المكي.
والمقصود بالتغليظ بالزمان، تأجيل القسم إلى حين حضور الزمان المطلوب فيتم القسم خلاله. وقد مثل له المحقق بالأيام. وكذلك الحال بالأشهر كشهر رمضان أو رجب وشعبان. وكذلك في أجزاء اليوم، كما بين الطلوعين أو ما بين الصلاتين، وغير ذلك كثير. هذا، ولا يحلف الشاهدان أو الشهود، إلا في القسامة وهي الشهادة بالدماء على ما سيأتي في كتاب الحدود، وأما في غيرها فيكفي في حجية قولهما عدالتهما.
وأما معنى الشاهد واليمين الذي تثبت به بعض الأمور: كاشتغال الذمة بالمال أو برائتها منه. فهو بمعنى ان اليمين على المدعي لا على الشاهد. فالمدعي هنا يقدم شاهداً واحداً ويقدم يميناً يحلفها بنفسه.
وقال المحقق الحلي أيضاً: ولا يستحلف الحاكم أحداً إلا في مجلس
ــــــــــــــــــــ[213]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
قضائه، إلا مع العذر كالمرض المانع وشبهه. فحينئذ يستنيب الحاكم من يحلفه في منزله. وكذا المرأة التي لا عادة لها بالبروز إلى مجمع الرجال أو الممنوعة بأحد الأعذار.
أقول: يستشكل على ذلك بأمور منها:
أولا: ان هذا خلاف قضية التغليظ بالمكان التي سبق أن سمعناها من المحقق. فان معناه أن ينقل الحالف إلى المكان نفسه ليحلف فيه. وهو بالضرورة يترك مجلس القضاء.
ثانياً: ان مجلس القضاء لا دخل له في المرافعة أصلا، من الناحية الفقهية. بل هو كغيره من بقاع الأرض. وإنما المهم هو إيجاد اليمين حسب القواعد الشرعية وفي مرتبتها المخصصة لها ولا دخل للمكان في ذلك.
نعم، قد يتصور أن يكون للمكان دخل من الناحية النفسية، كالهيبة التي تكون للمترافعين فيه. فيكون نحواً من أنحاء التغليظ.
ولا ينبغي أن ننسى هنا ما سبق أن سمعناه، من أنه يستحب للقاضي الموعظة بترك اليمين، وقد عرفنا آثارها. والمهم الآن، هو أن هذا المعنى يشمل كل حالف سواء كان مدعياً أو منكراً، أو في صورة الشاهد مع اليمين أو القسامة في الدماء أو أي شيء آخر. وتكون هذه الموعظة قبل اليمين طبعاً.
هذا، وأما بالنسبة إلى مضمون اليمين، أعني المضمون الذي يقسم عليه الحالف, فان كان الحالف هو المدعي برد اليمين، فلا إشكال أنه يحلف على مدعاه كثبوت الدين في ذمة الآخر أو غيره.
وأما لو كان الحالف هو المنكر أو المدعى عليه، كما هو المعتاد، فله حالتان:
الحالة الأولى: أن يقسم على نفي دعوى المدعي فقط. وهذا هو الأفضل
ــــــــــــــــــــ[214]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
له في المرافعة، كما سنرى. كما لو قال: ليس للمدعي عليّ شيء، أو ليس له في ذمتي شيء، أو ليس له علي حق، أو أن دعواه كاذبة، ونحو ذلك.
الحالة الثانية: أن يقول إني أديت الدين، أو أرسلته إليه، أو سوف أرسله، ونحو ذلك.
وهذا ليس في مصلحة المنكر تماماً. لأن المرافعة الأولى سوف تنغلق، لأن هذا الكلام منه يتضمن اعترافاً بالدين الذي هو محل النظر. والاعتراف كاف في إنهاء الدعوى وحسمها. ولو كان قد اعترف له قبل جره إلى المحاكمة، كان أفضل له.
ليس هذا فقط، بل ستوجد مرافعة جديدة، يكون فيها المنكر مدعياً، والمدعي منكراً. لأن المنكر السابق يدعي الآن أنه ارجع الدين الذي اعترف به. والمفروض أن المدعي السابق ينكره, وإلا لم يجر صاحبه إلى المحكمة.
ومن هنا يكون على المنكر السابق إقامة البينة على أنه أدى الدين الذي ثبت وجوده بالإقرار. فان لم يكن لديه بينة بصفته مدعياً. أمكن ان يقسم صاحبه بصفته منكراً، بأنه لم يقبض ما أرسله أو لم يصل إليه، ونحو ذلك، أو انه لا زال دائناً إلى غير ذلك من المضامين. فان حلف إنحسمت الدعوى في صالحه. وطالبه القاضي بدفع الدين الذي إنما حضر لنفيه.
ومن هنا كان المترافعون بالمرافعات الشرعية، خلال الأجيال، يعرفون في الأغلب هذا المعنى، فيحلف المنكر طبقاً للحالة الأولى، متجنباً الحالة الثانية عن عمد.
فان الحالة الثانية وان كانت صحيحة باعتقاده، كما لو كان يعتقد انه قد ارجع الدين، الا أنه يستطيع ان يتوصل إلى ذلك بطريق قريب وسهل. وذلك بالقسم على فراغ ذمته وبرائته. وهو صادق فيما يعتقد على أي حال، من دون
ــــــــــــــــــــ[215]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ان يتجشم عناء إحضار البينة لو انقلب مدعياً، ولعله فاقد للبينة أصلا، كما لو أرجعه من دون ان يعلم أحد. فيعود الأمر ضد ما يريد.
الجهة الرابعة: في جواز اخذ المتهم بالظن شرعاً.
ونقصد بالظن جواز جرّ الفرد إلى المحكمة لمجرد الظن أو الاحتمال باتهامه من دون وجود علم أو حجة شرعية عليه عند المدعي أو القاضي.
ومقتضى القاعدة الأولية هي المنع بطبيعة الحال. لعدة أدلة منها:
أولاً: حرمة إيذاء المؤمن واحتقاره. وفي اتهامه إيذاء واحتقار بلا إشكال.
ثانياً: السيرة المتشرعية بالمنع عن ذلك عملياً وارتكازاً.
ثالثاً: استصحاب عدم صدور الجرم منه أيا كانت صفته.
رابعاً: ان المدعي ضده سيخسر المرافعة جزماً لأن المفروض أنه لا يستطيع أن يقيم بينة ضده، ومن هنا فسوف يستطيع أن يقسم على البراءة، وينجو بنفسه.
خامساً: ما قاله المشهور ومعه الحق من أن الدعوى لا تسمع الا إذا كانت جزمية. فلا يمكن إقامة الدعوى الاحتمالية أمام القاضي.
ومقتضى كل هذه الأدلة هو حرمة توجيه الاتهام إلى أي شخص ما لم تثبت إدانته بحجة شرعية.
إلا أن الأمر لا يمكن ان يتم بذلك. فان الاحتياطات الفقهية إنما هي أحكام ظاهرية، وليس دائماً يكون الحكم الظاهري مطابقاً للواقع.
ونحن إذا لاحظنا بعض المصالح العامة، أمكننا ان نجد بعض الموارد التي يجوز بل قد يجب فيها اتهام الشخص قبل قيام الحجة عليه. وعلى العموم، يمكن أن نلاحظ أن المسألة ما دامت في حدود المصالح الشخصية فالأدلة
ــــــــــــــــــــ[216]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
السابقة نافذة جزماً، ولكن إذا تعدينا فيها إلى المصالح العامة، والتي يحسن تقديهما على المصالح الخاصة دائماً، اما رجحاناً أو وجوباً. فإذا تعديناها، كان اللازم الالتفات عن تلك الأدلة إلى أحد أمرين على الأقل:
الأمر الأول: المصالح الاجتماعية العامة، كما لو احتملنا أن بقاء هذا الفرد أو ذاك مضر بها. وانه سبب للضرر أو الفساد العام في أي حقل من حقول المجتمع. كما لو احتملنا كونه متدرباً على السرقة أو على التزوير أو غير ذلك.
الأمر الثاني: ان الفرد إذا سرق منه شيء مثلا، فاحتاط لهذا الأمر، فلم يتهم أحداً. فان ذلك سيؤدي حتماً إلى ضياع ماله، وكذلك كل القضايا. الأمر الذي يشكل لنا مصلحة عامة في رفع اليد عن تلك الأدلة المانعة عن الاتهام، لأن الأمر سوف يفوّت كثيراً من القضايا، ومن المعلوم إن القضايا الشخصية إذا تعددت جداً، شكلت مصلحة عامة.
وقد يجاب ذلك: بأن الشارع الإسلامي المقدس، كان يعلم بهذه المصالح العامة حين حرم الاتهام بدون دليل. ومعه تكون تلك الأدلة شاملة حتى لصورة وجود المصلحة العامة بخلافها.
وجواب ذلك: إن الدليل الشرعي على ذلك لم يستفد من الكتاب والسنة بعنوانه يعني بالنص القائل: لا يجوز الاتهام بدون دليل. بل استفدنا هذا الحكم من القواعد العامة, كما سبق، يعني بصفتها تطبيقاً لأحكام أخرى كحرمة إيذاء المؤمن وغيرها، ومن المعلوم أنه جميعاً لا تقوم ضد ما قلناه من اقتضاء المصلحة العامة للاتهام، بما لا حاجة الآن إلى تفصيله.
يبقى أمر واحد يحسن الالتفات إليه، وحاصله إن الأمر الثاني أو المصلحة العامة الثانية التي أشرنا إليها قد تقتضي إهمال الحكم بحرمة الاتهام تماماً. والالتزام بالاتهام، ما دام ذلك محتملا.
ــــــــــــــــــــ[217]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ويمكن الجمع بين الجهتين بأن مقدار الظن يختلف، كما أن المظنونات أعني الجرائم المحتملة أيضاً تختلف جداً، فان أخذنا بمقدار الظن قلنا: أنه متى كان راجحاً جداً كثمانين بالمئة مثلا، أمكن الاتهام وان لم تقم حجة شرعية. وان أخذنا بمقدار المظنون لاحظنا أهمية الجريمة المحتملة فان كانت قاسية وضخمة أمكن الاتهام كذلك أيضاً، وأما إن كان الظن ضعيفاً كما لو كان مجرد احتمال، أو كانت الجريمة هينة كسرقة دينار واحد مثلا، لم يجز الاتهام بدون حجة شرعية.
وإذا ركّبنا بين الأمرين وخلطنا بينهما أمكن القول: بأن الجريمة كلما كانت اكبر كان مقدار الظن أقل، وكلما كانت أهون كان مقدار الظن اكبر ليجوز الاتهام بدون حجة شرعية. كما هو معلوم لمن يتأمل، ويختلف هذا باختلاف الموارد جداً، ويكون تشخيص ذلك إلى الحاكم أو القاضي نفسه.
ولكن هذا يعني حجزه وتوقيفه أو فصله عن المجتمع بشكل وآخر، ولكنه لا يعني تعذيبه، كما لا يعني أخذ الحق منه أو معاقبته، قبل إثبات ذلك بالمرافعة القضائية.
الجهة الخامسة: هل يجوز للقاضي أن يبادر إلى إنجاز العقوبة أو اخذ الحق من المدعى عليه بدون طلب المدعي والتماسه، أو يتوقف الأمر على طلبه، ومن وظيفة القاضي أن يبقى محايداً حتى بالنسبة إلى ذلك. الظاهر جواز مبادرته لأخذ الحق أو إيقاع العقوبة ولو من دون طلب المدعي، وذلك لعدة وجوه منها:
الوجه الأول: إن الأمر قد يتعلق بالمصلحة العامة، وليس بالمصلحة الخاصة لأن الادعاء هنا يكون ادعاءً عاماً لا خاصاً ويكون إيقاع العقوبة من مصلحة المجتمع، ومعه فيتعين على القاضي إنجازها.
الوجه الثاني: إن المدعي لو لم يرد حقه لما جر المدعى عليه إلى المرافعة
ــــــــــــــــــــ[218]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
إذن، المدعي يريد فعلا، ولو بلسان حاله أخذ الحق، ولا يحتاج إلى التصريح لفظياً.
الوجه الثالث: إن الروايات الواردة في إنجاز القضاء عن المعصومين سلام الله عليهم بما فيه قضاء أمير المؤمنين خالية عن التعرض لطلب المدعي أو الأمر للزوم سماعه، بل كانت العقوبة تنفذ فوراً بعد إتمام الإثبات الشرعي من خلال المرافعة.
وقد يخطر في الذهن: إن الحق أو العقوبة إنما هي من مصلحة المدعي وليس للقاضي منها شيء فيجب أن يكون محايداً اتجاهها
وجواب ذلك: ينشأ من ملاحظة الوجوه السابقة نفسها من حيث إن الأمر وإن كان غير عائد للقاضي شخصياً، إلا إن المصلحة العامة مضافاً إلى لسان حال المدعي يقضيان مبادرته إلى إنجاز الحكم
وقد يخطر في الذهن: ان القاضي، حيث لا يكون مربوطاً بالقضية شخصياً، فليس له تنفيذها، فإنما يجب عليه إيكالها إلى المدعي نفسه فهو الذي يذهب إلى صاحبه لأخذ ديته مثلا، وجواب ذلك: إن القاضي أولى بذلك من جهتين على الأقل:
أولاً: إن القاضي هو ولي عام بصفته فقيهاً جامعاً للشرائط ومقتضى الولاية العامة إنجاز حكمه الذي ثبت من خلال المرافعة.
ثانياً: إن الحكم الناتج من المرافعة يختلف فإن كان من قبيل الدين المالي ونحوه، أمكن تحويل المدعي على صاحبه ليأخذ حقه، وأما إن كان من قبيل العقوبة كالجلد والرجم وقطع اليد فهو من اختصاصات القاضي. وليس ان المسروق منه هو الذي يقطع يد السارق. فان ذلك مخالف للاحتياط بصفته غير وارد في شيء من الأدلة، فان أراد القيام به، فالأحوط اخذ الإذن من القاضي
ــــــــــــــــــــ[219]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
أو الحاكم.
ثالثاً: ان القاضي في الأعم الأغلب قادر على إنجاز حكمه بخلاف المدعين فإنهم على الأغلب عاجزون عن ذلك، ومعه فمن الراجح باعتبار قضاء الحاجات لهؤلاء ان يقوم القاضي بنفسه بالإنجاز.
الجهة السادسة: في صحة تأسيس محكمة عليا يعاد فيها النظر في أحكام المحاكم الأخرى توخياً للدقة وتجنباً للخطأ المحتمل من تلك المحاكم، وهذا ما يقابل ما يسمى بمحكمة التمييز في بعض الدول، أو قاضي القضاة في بعض الدول الأخرى، فما هي وجهة النظر الشرعية في ذلك؟
عرفنا في ما سبق أن الحق المترافع عليه قد يثبت ثبوتاً واضحاً أمام القاضي كما لو قامت عليه البينة، أو القسم من قبل المنكر أو المدعي، كما لو ثبت بالإقرار أيضاً، ففي كل ذلك تنحسم المرافعة حسماً تاماً، ولا يجوز للمدعي جر المدعى عليه إلى مرافعة أخرى.
وأما إذا كان لدى احدهما بعض المناقشات، كالطعن في عدالة الشهود، أو إضافة قرائن قد توجب الاطمئنان بقول أحد المترافعين، فهذا ونحوه يمكن إرجاعه إلى القاضي نفسه ولا حاجة معه إلى قاض آخر.
وقد يخطر في الذهن انه: بعد صدور الحكم نتيجة للمرافعة كيف يمكن تغييره بقرائن ظنية تحرف وجهة الدليل، بعد أن عرفنا في فصل سابق أن الحكم القضائي يجب التعبد به على كل حال.
وجواب ذلك من وجهين على الأقل:
أولاً: إننا عرفنا أيضاً عدم لزوم إصدار الحكم، بل يمكن إنجاز الحكم بدون التصريح به إنشاءً من قبل القاضي، وإنما هو أمر مستحب وليس بالواجب.
ــــــــــــــــــــ[220]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ثانياً: إن الحكم على تقدير صدوره، إنما لا يجوز مناقشته، ويجب التعبد به لغير القاضي الذي أصدره، وأما هو نفسه فيستطيع تغييره مع اختلاف الأدلة لديه، وهذا هو المفهوم من قوله في مقبولة عمر بن حنظلة “ان الراد عليه، راد علينا، والراد علينا راد على الله، وهو على حد الشرك بالله” وهذا يعني إن غيره لا يجوز له الرد عليه، ولكنه لا يعطي أية حجية بالنسبة إلى من أصدر الحكم نفسه كما هو واضح لمن يتأمل.
هذا كله، إذا ثبت الحكم في المرافعة ثبوتاً واضحاً كما قلنا. وكذلك الحال في عدم جواز جر المدعى عليه إلى مرافعة ثانية، فيما إذا كان الاتجاه الفقهي للقاضي هو القضاء بالنكول. وقد حكم على أساسه بحكم قضائي، يكون حجة على الآخرين بمقبولة عمر بن حنظلة التي سمعناها قبل قليل. وهي شاملة حتى للقضاة الآخرين مهما كانت صفتهم. ونتيجتها التحريم على القاضي الآخر ان يحرف أو يحذف حكم القاضي الأول حتى لو علم بفساد مدركه. وهذا معناه المنع عن تأسيس محكمة أخرى عليا أو – كما عبرنا– جر المدعى عليه إلى مرافعة ثانية.
ولكن القاضي إذا لم يحكم بالنكول. إذن، فمع حصول النكول، لم تنحسم الدعوى. فقد نحتمل أن القاضي الآخر يمكنه من الناحية الفقهية حسمها، أو يمكن للمدعى عليه اليمين مثلا أمامه دون الأول، ونحو ذلك من الملابسات التي تتدخل في الحال. فيكون هناك مجال للرجوع إلى محكمة أخرى.
وكذلك إذا قلنا بحسم الدعوى بالنكول، الا ان القاضي لم يقم بإصدار حكم إنشائي قضائي. وإنما اكتفى بتطبيق الحكم بأمر المدعى عليه بدفع حق المدعي إليه. إذن، فمع عدم وجود الحكم القضائي، ومع حصول النكول الذي يعني ضمناً عدم كفاية الإثبات الشرعي في صالح أحد المترافعين. يمكن
ــــــــــــــــــــ[221]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الرجوع إلى محكمة أخرى وقاض ثان.
بل يمكن القول فقهياً، بإمكان ذلك حتى مع وضوح الإثبات القضائي الذي قلناه أولا فيما سبق. إذا لم يصدر به حكم قضائي مما يحرم رده، فقد يخطر في ذهن القاضي أن لا يحكم، فإذا لم يحكم جاز للقضاة الآخرين تجديد النظر في القضية.
إلا ان هذا قابل للمناقشة مع وضوح الإثبات الشرعي القضائي. وذلك: لأن المرافعة أمام القاضي, من وظيفتها الشرعية حسم النزاع وقطعه. فإذا حصلت وجب حصول الحسم على أي حال، وهذا يعني حرمة المرافعة الثانية ما دام الإثبات الشرعي كافياً، سواء حصل فيه حكم قضائي إنشائي أم لم يحصل.
وعلى أي حال، فيجوز تأسيس محكمة عليا لمورد الحاجة، كما في صورة النكول, وغيره مما عرفناه.
الجهة السابعة: في جواز الحكم بالنكول:
ويمكن الاستدلال على ذلك بعدة وجوه منها:
الوجه الأول: الإجماع، كما استظهره (صاحب الجواهر)، إلا أنه لا يتم لكونه محتمل الاعتقاد على أحد الوجهين أو كلا الوجهين الآتيين، فيكون مدركياً ولا حجية فيه. ويكون الحساب مع الوجوه التي اعتمدنا عليها.
الوجه الثاني: صحيحة محمد بن مسلم(1) قال: “سألت أبا عبد الله : عن الأخرس، كيف يحلف إذا ادعي عليه دين وأنكر، ولم يكن للمدعي بينة. وهي رواية مطولة، وفيها دلالة على أن أمير المؤمنين كتب اليمين على
ــــــــــــــــــــ[222]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: كتاب القضاء. أبواب كيفية الحكم. وأحكام الدعوى، باب 33 حديث 1.
ورقة ثم غسلها بالماء، وأعطى الماء للأخرس وأمر الأخرس أن يشربه فامتنع، فألزمه الدين”.
وتقريب الاستدلال بها: إن امتناع شرب الأخرس للماء بمنزلة النكول. وقد ألزمه الدين بنكوله. ومعناه الحكم بالنكول.
إلا إن هذا الاستدلال قابل للمناقشة:
أولا: إن الرواية لم تكن بصدد بيان ذلك، بل بصدد بيان كيفية إحلاف الأخرس. فلا يمكن التمسك بإطلاقها من هذه الناحية.
ثانياً: إن الأصحاب الفقهاء لم يعملوا بها إجماعاً. فلا يفتي أحد منهم بهذه الطريقة من إحلاف الأخرس. وإنما يقول الجميع بأنه يشير بيده ويعقد بقلبه ونحو ذلك.
ثالثاً: إن امتناع شربه للماء غير كاف للحكم، إلا بعد التأكد بأنه لم يردّ اليمين على المدعي. وظاهرها خلاف ذلك.
رابعاً: انها دالة على ان الإمام أمر المنكر بالشرب يعني أمره باليمين. وقد عرفنا أن القاضي ليس له أن يأمر بذلك، وإنما هي وظيفة واختيار المدعي، ليس إلا.
إذن، تكون هذه الرواية مخالفة للقواعد من عدة جهات. فيتعذر الاستدلال بها، ويوكل علمها إلى أهلها.
الوجه الثالث: امتناع حسم الموقف بدون الحكم بالنكول، والقضاء موظف لذلك. وإلا بقيت المنازعات سارية المفعول. إذن، فلا بد من الحكم بالنكول لحسم الموقف بين المتنازعين.
وهذا قابل للمناقشة من وجوه منها:
ــــــــــــــــــــ[223]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
أولا: إن هذا ينافي قوله: (إنما احكم بينكم بالبينات والأيمان). اللذان هما الأدلة المنحصرة في كل قضاء. فإذا فقد كلا الأمرين، وهو ما يحصل في صورة النكول. فكيف يحصل الحكم بدون إثبات؟ ومفهوم الحصر في هذه الرواية، يدل على عدم الجواز بدون وجود بينة ولا يمين.
ثانياً: ان حسم الموقف لا يتعين أن يكون بالمرافعة، بل هناك قواعد شرعية تنطبق على كل مورد بغض النظر عن المرافعة. فان انسد بابها، أمكن الرجوع إليها.
ثالثاً: اننا إذا أوجبنا الحكم على القاضي أمكن القول بصدوره حتى مع النكول ليكون حاسماً. وأما إذا لم نوجب ذلك، كما قلنا ذلك فعلا. فحين لا تحصل بينة ولا يمين ولا حكم، كيف يمكن للمرافعة ان تنحسم. إلا بالرجوع إلى قواعد أخرى كما قلنا في الوجه السابق، أو بالرجوع إلى محاكم أخرى كما قلنا في جهة سابقة.
الجهة الثامنة: في الحق العام.
حين يصدر من الفرد أي جرم بحق غيره كالسرقة مثلا، فان مسؤوليته الأخلاقية لا تنحصر أمام هذا المسروق منه. بل تشمل تماماً عدة جهات كلها مهمة :
الجهة الأولى: أنه عصى التشريع المانع عن هذا العمل واحتقره وتجاهله. وهو التشريع الإسلامي بالنسبة إلى المسلمين المتدينين.
الجهة الثانية: أنه عصى صاحب الشريعة، أو مشرع التشريع وأهمله واحتقره. وهو في الشريعة الإسلامية هو الله سبحانه ورسوله.
الجهة الثالثة: أنه ظلم للشخص المعتدى عليه.
الجهة الرابعة: أنه ظلم نفسه باعتبار أنه جعلها تمشي في الطريق الخطأ.
ــــــــــــــــــــ[224]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وهذا منصوص عليه في القرآن الكريم مكرراً. منها قوله تعالى: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
الجهة الخامسة: أنه ظلم المجتمع ككل. لأنه أوجد خلاله ما لا يناسب وجوده ولا ينبغي. وهذا هو المسمى بالحق العام.
وفي الإمكان اختصار هذه الجهات الخمس إلى ثلاث بإدراج الأوليين. والرابعة ضمن معنى واحد، وهو عصيان الله سبحانه. فان الجهة الأولى ليست أهم منه على أي حال. والجهة الرابعة من جملة متعلقاته ونتائجه.
وبتعبير آخر: ان كل هؤلاء الخمسة هم في الواقع الأخلاقي أصحاب حقوق تجاه الفرد، فإذا أجرم الفرد أية جريمة قلّت أو كثرت، فقد غمط هذه الحقوق الخمسة كلها.
أما الحقان الأولان، فان المطالب به هو الله سبحانه وعقوبته أخروية. والحق الرابع، وهو حق النفس في الطاعة، الذي يغمط بظلمها وإيجاد الفساد فيها، فالمطالب به هو الضمير أو النفس اللوامة، وليس له جهة ظاهرية. ومن هنا كانت هذه الجهات الثلاث خارجة عن حريم القانون الاجتماعي الدنيوي. أعني الذي ينظم الحياة الدنيا، وان كان دينياً.
ومن هنا بقي عندنا حقان فقط: هما الحق الخاص – في الجهة الثالثة – والحق العام – في الجهة الخامسة –. والحق الخاص يكون المطالب به المدعي في المرافعة القضائية، إذ يكون المجرم فيها هو المدعى عليه. وإذا حصلت العقوبة أو الجزاء يكون الحق الخاص قد سقط أو استوفي.
وأما الحق العام الذي غمطه بإفساده للمجتمع أو في المجتمع. فمن هو الذي يطالب به ؟ مع العلم ان المجتمع ككل ليس له لسان مطالبة ودفاع في القانون. ومن هنا تولدت فكرة (الادعاء العام) ليكون المدعي العام هو
ــــــــــــــــــــ[225]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
المطالب بهذا الحق وبإنزال العقوبة لدى غمطه.
والجريمة قد تتمحَّض للحق العام، ولا يمكن أن يكون فيها مدع ذو حق خاص، كالبغي وهو التمرد على الدولة المحقة، أو الاعتداء على الأوقاف العامة أو على الأموال العامة أو الإضرار بطريق المسلمين أو إفساد مياههم إلى غير ذلك كثير. ومن هنا يتعين، في الفهم القانوني أن يكون لأمثال هذه الحقوق المغموطة، مطالب ذو صفة عامة، يعني أنه يمثل المجتمع ككل أو أنه يمثل الدولة، وهو المدعي العام.
وهذا المعنى معقول، وإذا أرادت الدولة أن تطبقه، أعني تعين مدعياً عاماً، بطريقة مشروعة دينياً، كان لها ذلك، إلا ان السؤال يقع في نقطة رئيسية واحدة، هي أنه: هل ذلك ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها؟
نعم، وجوده راجح، ويعتبر جزء من النظام العام للدولة، أياً كانت صفتها أو فكرتها. إلا ان كون ذلك متعيناً وضرورياً، قابل للمناقشة على أي حال:
أولا: ان المدعي العام، بهذا العنوان، ولا بأي عنوان يشمله، لم يرد في الكتاب والسنة.
ثانياً: ان المسؤول الأعلى عن المجتمع هو الولي، وهو الذي يستطيع أن يقوم بالمباشرة بهذه المهمة.
إلا ان كلا هذين الوجهين قابلين للمناقشة أيضاً:
أما الأول: فلإمكان أن يقال: إن شكل النظام العام في المجتمع أمر يختلف بين الأمكنة والأزمنة، ومعنى عدم تحديده في الأدلة الأصلية، إيكاله إلى المجتمع نفسه. فيتم تعيينه واختياره حسب الأنسب في كل وقت ومكان. فإذا كان الأنسب هو تعيين المدعي العام لم يكن منه بد.
وأما الوجه الثاني: فالولي العام، وان كان صالحاً للادعاء العام، إلا أنه لا يتكفل ذلك بالمباشرة.
ــــــــــــــــــــ[226]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
بل له ان يوكل شخصاً يتصف بهذه الصفة، يعني أنه يتوكل عنه من هذه الجهة فقط، فيكون هو المدعي العام.
ومهما يكن الحال في هذه المناقشات أو تلك: فان وجوب تعيين شخص لمثل هذا المنصب، شرعاً، مما لم يدل عليه دليل. ما لم تقتضي المصلحة العامة ذلك اقتضاءً ضرورياً، وإلا بقي الأمر على رجحانه ليس إلا.
بقي ان نتساءل عما إذا كان المدعي العام يقوم مقام المدعي الخاص في طريقة المرافعة أم لا. فلعل له طريقة أخرى للمرافعة شرعاً، والكلام هنا يقع في مرحلتين:
المرحلة الأولى: اننا كما عرفنا في فصل سابق ان المدعي هو من خالف قوله الأصل. بالمعنى الذي سبق ان عرفناه. حيث ان الأصل في أي شخص عدم القيام بالجريمة، ما لم تثبت ضده. فيكون المدعي العام مسؤولا عن إثباتها خلال المرافعة. تماماً كالمدعي الخاص.
المرحلة الثانية: اننا سمعنا فيما سبق: ان البينة على المدعي واليمين على المنكر. وهذا وان كان قدره المتيقن هو المدعي الخاص، إلا انه لا ينبغي ان يختلف المدعي العام عنه أيضاً. فان إثباته أيضاً يكون بالبينة، بصفته مدعياً. كل ما في الموضوع أنه لا يترافع عن صفته الشخصية، بل عن المجتمع الذي هو المدعي الحقيقي، والذي يمثله هو، وعن الحق العام الذي يتهم المنكر بغمطه والتجاوز عليه.
هذا، وينبغي ان نلتفت إلى أن وظيفة الادعاء العام، لا يكون لها أي تأثير في المرافعات الخاصة. وان كنا قلنا: ان كل ذنب على الإطلاق ففيه غمط للحق العام، إلا أنه ليس من المعقول مقابلة كل جريمة بمدعيين خاص وعام. مضافاً إلى ان الجريمة ان ثبتت واخذ الحكم مجراه كان ذلك تنفيذا للحق الخاص والعام معاً. وليس من حق المجتمع المطالبة بعقوبة أخرى. إذن، فهذا
ــــــــــــــــــــ[227]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
من مصلحته أيضاً.وإنما تبرز أهمية الادعاء العام في الجرائم المحتملة، التي ليس لها مدع خاص، فيتعين ان يقف المدعي العام في المرافعة بصفته ممثلا للحق العام، وان يقوم بمحاولة إثبات الجريمة بالبينة ونحو ذلك من سياقات المرافعة التي سبق ان عرفناها.
ــــــــــــــــــــ[228]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
كتاب الشهادات
ــــــــــــــــــــ[229]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فصل شهادة النساء
ان أهم ما يوجد في قبول الشهادة شرعاً من المناقشة في وجه الحكمة أحياناً، هو ظهور الشريعة المقدسة وكأنها ذات تأبّ وتقلص تجاه شهادة النساء. فهل يعني ذلك: الاعتقاد بأن المرأة أقل مستوى من الرجل أم ماذا كانت المصلحة في ذلك؟
ويتجلى ذلك في عدة أحكام:
أولا: عدم قبول شهادة المرأة مطلقاً في بعض الأمور كالشهادة على اللواط والشهادة على الهلال.
ثانياً: اعتبار شهادة المرأة تعدل نصف شهادة الرجل. ففي مورد قبول شهادة النساء، لا بد من وجود شهادة امرأتين لتقوم مقام رجل واحد، فمقام الشاهدين أربع نساء، ومقام الأربع شهود رجلان وأربع نساء أو ثلاثة رجال وامرأتين، وهكذا.
ثالثاً: ثبوت الكسر العشري في شهادة كل امرأة في بعض الموارد، كالشهادة بالوصية. فلو أردنا إثبات الجميع احتجنا إلى أربع نساء. وأما الواحدة فيثبت بشهادتها الربع وبالاثنين النصف, وهكذا.
ولا يوجد في الفقه – حسب علمي- غير هذه الاعتبارات الثلاثة في شهادة
ــــــــــــــــــــ[231]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
النساء. وقد عقد هذا الفصل للتساؤل عن الحكمة من ذلك، الذي يدل على اختلاف حالها عن الرجل في نظر الشريعة المقدسة.
وينبغي النظر إلى ذلك على عدة مراحل:
المرحلة الأولى: ان الفقيه مربوط بالاستدلال الفقهي لا محالة، ولا يجوز له التجاوز عنه بحال من الأحوال. فكلما ساقه الدليل إليه من الأحكام، وجب عليه الفتوى به بغض النظر عن السبب والحكمة. فما يوجد في الفقه من فتاوى في هذا المورد وغيره، إنما هو باعتبار مساعدة الدليل عليه.
والدليل كما يمكن ان يكون نصاً واضحاً في الكتاب أو السنة، يمكن -كذلك- ان يكون أصلا عملياً أو قاعدة فقهية. وهي قواعد صحيحة بطبيعة الحال، إلا ان نتائجها قد لا تكون مطابقة للواقع مئة بالمئة، وإنما شرعت للمكلفين باعتبار الجهل بالواقع، وفي ظرف البعد عن عصر صدور النصوص الإسلامية, مع إمكان الاكتفاء بغالبية المطابقة للواقع في مثل ذلك الظرف، وليس لا بد ان يكون ذلك مستوعباً.
ومن هنا قد تكون بعض الأحكام التي نستغرب من حكمتها أو الوجه في تشريعها، إنما هي صادرة من الفقهاء باعتبار تطبيق بعض القواعد العامة، وقد يكون المورد من جانب عدم مطابقتها للواقع. كل ما في الأمر اننا معذورون أمام الله سبحانه في تطبيق هذا الحكم، باعتبار أنه أهم ما توصلنا إليه.
ومن هنا فمن المحتمل ان تكون بعض تلك الأمور أو الأحكام ناتجة عن أمثال هذه المواقف أو الاستدلالات من قبل الفقهاء. وفي مثله لا نستطيع القول: ان الشريعة المقدسة نفسها تتبنى ذلك أو تحكم به أو أن ننسبه إلى قادة الإسلام مباشرة، لنسأل عن وجه الحكمة فيه.
المرحلة الثانية: اننا كررنا في هذا الكتاب في اكثر من مناسبة، ضرورة
ــــــــــــــــــــ[232]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
التسليم بالحكمة الإلهية التي هي السبب والمنشأ للأحكام الشرعية التي نؤمن بها ونعمل عليها كمسلمين. فإذا ثبت في الشريعة أي حكم من الأحكام كان اللازم التسليم به والرضا بإطاعته.
وإنما نتج التشكيك في الأحكام الشرعية، نتيجة للدس الاستعماري والانحراف عن الشريعة السهلة السمحة، والمحجة البيضاء التي جاء بها خير الخلق .
المرحلة الثالثة: ان لشهادة النساء في الفقه مزايا يفقدها الرجل. فلئن كان للرجال مزاياهم الخاصة، فان للنساء مزاياهن الخاصة المقابلة لها. وذلك في موردين أو أكثر:
المورد الأول: ما يحرم على الرجال الإطلاع عليه فتختص الشهادة عليه بالنساء، كالرضاع والعذرة.
المورد الثاني: ما قلناه من ثبوت الربع بشهادة المرأة الواحدة. فان هذا لا مقابل له في الرجل، فانه لا يثبت بشهادة الرجل الواحد مقدار النصف.
المورد الثالث: ان المرأة تقبل شهادتها لنفسها، مما لا يمكن يعرف عادة الا منها: ككونها حائض أو في العدة، أو خارجة عنها، أو متزوجة أو غير متزوجة، ونحو ذلك. وان كان ذلك في مصلحتها وتجر به نفعاً لنفسها.
المرحلة الرابعة: ان الأدب الشرعي، الإلزامي أحياناً والاستحبابي أحياناً أخرى، يقتضي تنظيم العلاقة بين الجنسين بشكل عادل ومتعادل بحيث يمنع الاختلاط المتزايد بينهما، مما قد يؤدي إلى تفاقم الأمر وخروج الزمام الأخلاقي عن اليد. وفي ذلك أحكام عديدة متفرقة في الفقه:
منها: عدم جواز إمامة المرأة بالرجال.
ومنها: ان مسجد المرأة بيتها.
ومنها: إسقاط الجهاد عن المرأة. كل ذلك لتكون بعيدة عن مجتمع الرجال
ــــــــــــــــــــ[233]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ومصونة عن أنظار الشهوة والعلاقات المريبة.
وهذا المنحى له تطبيقات في كتاب الشهادات الذي نتحدث عنه. ومن أمثلته:
منع المرأة من الشهادة على اللواط، وهو يكون بين رجلين. فما موقف المرأة هنا إلا الابتعاد تماماً.
منع المرأة من الشهادة على الهلال. والشهود الذكور مجتمعون للرؤية. فما موقف المرأة الا الابتعاد أيضاً.
منع المرأة من الشهادة في الطلاق والخلع، فانها من اختصاص الرجل الذي يقوم بالطلاق وهو الزوج. فينبغي ان يختار الشهود رجالا.
منع المرأة عن الشهادة في الحدود كالسرقة وشرب الخمر والقتل. فانها من خصائص مجتمع الرجال. فان الغالب هو قيام الرجال بها، فيكون من المنطقي سماع شهادة الرجال بها خاصة. ولا نجد من يقوم به من النساء إلا النادر.
المرحلة الخامسة: ان منع شهادة النساء خاص بعدم حصول الاطمئنان من الحادثة المشهود عليها نفسها، وأما إذا حصل الاطمئنان من كلام النساء وشهادتهن، فانها تكون حجة، مهما كان موردها، لأن الاطمئنان بنفسه حجة، والقاضي والحاكم يستطيع الحكم بعلمه واطمئنانه بغض النظر عن سبب حصوله، ما دام سببه منطقياً وعقلائياً.
المرحلة السادسة: أنه كما يشترط في الرجل الشاهد، ان يكون عادلا لكي تتكون من الشاهدين ما يسمى بالبينة. كذلك يشترط في المرأة الشاهدة ان تكون عادلة. ولكن من أين يمكن لنا تحصيل المرأة العادلة؟ فان المرأة قد تكون صالحة، إلا إنها ليست عادلة، والعدالة في الرجال فرض معقول وشائع،
ــــــــــــــــــــ[234]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
إلا أنه في النساء فرض نادر مع شديد الأسف، ولعله لهذا منعت المرأة من كثير من أنواع من الشهادات.
المرحلة السابعة, والأخيرة: ان نغور في أعماق المرأة لنجد فروقها النفسية والعاطفية عن الرجل. الأمر الذي يجعل الاحتياط الشرعي في شهادتها ضرورياً.
وهذا ما أشير إليه في القرآن الكريم والسنة الشريفة:
اما ما في القرآن الكريم، فقوله تعالى(1):وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى.
وفي هذه الآية الشريفة عدة نقاط ينبغي الالتفات إليها في حدود ما هو مربوط بمحل الكلام:
النقطة الأولى: ما هو محل الشاهد الآن من الآية الكريمة. وهو قوله سبحانه: أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى.
وهو دال بوضوح على ان المرأة قد تضل، يعني تنسى أو تخطئ أو تسيطر عليها العاطفة أو قلة التقدير للأمور, ونحو ذلك. وهذه صفة غالبة لنوع النساء بدون شك. والأحكام الحكيمة يجب ان تأتي لتلاحظ الأعم الأغلب، وان كان لها شواذ أو نوادر.
وقد عرفنا وسنسمع أيضاً، ان الشاهدة يجب ان تكون عادلة، إذن فهي مع ذلك مشكوكة في شهادتها بشكل وآخر، وهذا النحو من الشهادة يصعب الاعتماد عليه، ما لم يمكن تداركه على أي حال.
ــــــــــــــــــــ[235]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) البقرة: 282.
وقد قام التشريع الحكيم بالتدارك فعلا، وهو ضم امرأة إلى امرأة. لتذكر احداهما الأخرى… أياً منهما الأخرى وليس واحدة بعينها، بل كل منهما تعتبر عيناً ورقيبة على شهادة الأخرى. فما اتفقتا عليه من الشهادة أمكن الأخذ به. وكان حجة شرعية.
النقطة الثانية: أنه توجد طريقة أخرى لسماع الشهود، سواء في الرجال أو النساء، وهو تفريق الشهود وسماع كل واحد، أو واحدة منهم على حدة، بدون ان يعطوا فرصة للتفاهم فيما بينهم, أو الاتفاق الضمني خلال أداء الشهادة على أمر من الأمور.
وبعد سماع الشهادات المتفرقة، يؤخذ بما اتفق عليه الشهود ويسقط ما اختلفوا فيه، لأنه لم تقم عليه شهادة كافية. إلا إذا كان بعضه حجة من ناحية أخرى، كقول ذي اليد، أو الإقرار، أو حكم من له خبرة، ونحو ذلك.
ولا يختلف النساء عن ذلك في السماع حال التفرق، وان كانت الآية واضحة في سماع الشهادتين حال اجتماع المرأتين، ولذا كان في الامكان ان تذكر احداهما الأخرى. كما تنص الآية الشريفة. إلا ان هذا الجمع بين الشاهدتين غير واجب فقهياً جزماً. ومعه يمكن حمل هذه الفقرة من الآية الكريمة على معنى الأخذ بما اتفقتا عليه من الكلام لأنه مما تذكرناه معاً.
النقطة الثالثة: قوله تعالى في صفة الشاهدتين اللتين يمكن الأخذ بقولهما: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ. فإنه جاء في الآية صفة للرجل والمرأتين معاً. فالنساء من هذه الناحية أعني صفة ان يكون الشاهد مرضياً في المجتمع المسلم و(عادلا) باصطلاح الفقهاء لا تفرق فيه النساء عن الرجال. فكلاهما يجب ان يكون عادلا مرضياً.
النقطة الرابعة: ان هذا الشرط وهذه الصفة إنما هو خاص بالشهادة، دون بعض العناوين التي اشرنا إلى بعضها قبل قليل. سواء ذلك في الرجال أو
ــــــــــــــــــــ[236]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
النساء، كقول ذي اليد أو حجية الإقرار وقول ذي الخبرة. فان العدالة والتعدد غير مشترط فيها جميعاً، بل تكون حجة على أي حال، على إشكال واختلاف في قول ذي اليد وذي الخبرة.
فهذا ما ورد في القرآن الكريم.
وأما ما ورد في السنة الشريفة، فهو ما نقل عن سيد البلغاء أمير المؤمنين(1) أنه قال: ” معاشر الناس ان النساء نواقص الإيمان نواقص الحظوظ نواقص العقول.
فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن، وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الأنصاف من مواريث الرجال، وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد.
فاتقوا شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر. ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر”.
والنقطة الرئيسية التي ينبغي ان تعرض لفهم هذه الفقرة. هي ان التفسير الذي أعطاه الإمام للنقصان، هل هو المقصود الوحيد منه، كما قد يتبادر من العبارة ابتداء، أو ان المقصود به أعمق من ذلك؟ إذ يمكن تقديم أحد فهمين رئيسيين للنص:
الفهم الأول: وهو المتبادر الرئيسي، وهو ان يكون التفسير هو عين المفسر وهو النقص. فلا يراد من نقصان الإيمان إلا القعود عن الصلاة، ولا يراد من نقصان الحظوظ إلا استحقاق نصف الميراث، ولا يراد بنقصان العقول إلا شهادة الاثنين مقابل الرجل الواحد.
ــــــــــــــــــــ[237]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) نهج البلاغة: ج1 ص 129.
الفهم الثاني: ان الإمام جعل هذه التفاسير كظواهر وكواشف من تلك الأشكال من النقص. فالقعود عن الصلاة علامة وكاشف عن نقصان الإيمان وهكذا. وذلك لأجل شكل من أشكال التقريب الذهني أو البرهان على صحة قوله .
وهذا هو الفهم الأرجح بطبيعة الحال. إذ لا يحتمل من الناحيتين اللغوية والعرفية ان يكون المراد بالنقص هو هذا التفسير بعينه بدون أية زيادة، بحيث لا يراد بنقصان الإيمان أي شيء سوى القعود عن الصلاة لوضوح ان نقصان الإيمان يعني شيئاً آخر أوسع من ذلك وأعمق، بحيث يكون القعود عن الصلاة أثراً من أثاره وكاشف عن كواشفه، كشف المعلول عن علته.
وهذا هو مقصودنا في المرحلة السابعة والأخيرة التي نتحدث عنها، وهو ان خلقة المرأة ليست كخلقة الرجل بل هي تختلف عنه بمقدار ما لا يعلمه الا الخالق والراسخون في العلم. وقد عبر عنه الإمام بأن المرأة انقص من الرجل في العقل والإيمان والحظوظ.
فإذا كانت الروح هي بيت العقل، والنفس هي بيت العواطف، استطعنا ان نقول ان نوع المرأة – وليس جميع الأفراد على الإطلاق-اقل روحياً من نوع الرجل – بنفس المعنى- وأعلى نفسياً، أي أقوى عاطفياً.
وإذا فهمنا ان معنى قوة العاطفة، هو زيادة الاهتمام بالدنيا ومالها وجمالها وحمل هموم عوارضها وبلائها، إذن نجد من المنطقي أنه يجب ان تكون المرأة اقل إيماناً من الرجل، لوضوح أنه كلما ازداد اهتمام الفرد بالدنيا كان ذلك علامة على نقصان إيمانه. حتى ما إذا كانت الدنيا أقصى همه ومبلغ علمه، كان لا إيمان له تقريباً أو تحقيقاً. وهذا أمر لا يختلف فيه الجنسان.
ومن الواضح الوجداني تزايد اهتمام المرأة بالدنيا وهمومها وزخارفها، ولئن كان من الرجال عدد مهم من يقدم الفوائد العلمية والعقلية والروحية
ــــــــــــــــــــ[238]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ونحوها على طلب الدنيا، فانه لا يوجد في النساء الا القليل القليل من هذه النماذج. وليس فيهن من بلغت درجة عالية في حقل معين كالفيزياء أو الاجتهاد الديني أو الزهد أو غيرها, الا النادر جداً. في حين بلغ من الرجال مبالغ عالية عدد كثير. وهذا أحد التفاسير لنقصان الحظوظ للنساء، لأن ما ينالهن من الخير لا يكون الا بتضحيات ليست النساء مستعدات لها.
وهو تفسير ما ورد من أنه: “ما زكا من النساء الا أربع وزكا من الرجال خلق كثير”. ويراد بهذه الأربع: فاطمة الزهراء ومريم بنت عمران وامرأة فرعون آسيا بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، عليهن السلام أجمعين.
ويراد بالزكاة في هذا الحديث الطهارة الكاملة. وإلا فقد وصلت عدد من النساء إلى مراتب عالية أيضاً. ولم يقتصر الأمر على هؤلاء الأربعة كـ(زينب بنت علي وحكيمة بنت علي ونرجس أم المهدي ورابعة العدوية) وغيرهن. إلا ان نسبتهن لبنات جنسهن اقل من الشمع الأحمر.
وهذا ليس إخلالا بالمرأة بمقدار قيامها بواجبها. بمقدار ما هو اعتراف بالنقص الخلقي الطبيعي لها عن الرجل والاختلافات عنه الناشئة عن استعدادها الخلقي للحمل والولادة والأسرة والزواج، على حين يخلق الرجل مستعداً لأمور أخرى، قد تكون، وفي الغالب تكون أوسع أفقاً وأعمق أثراً في الإنسانية، وفي إفادة صاحبها وغيره من الناس.
ومن هنا يندفع إشكال قد يخطر في الذهن على كاتب هذه الحروف من ان الاستدلال بهذه الفقرة بلا موجب وهي قوله (وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة رجل واحد) لأن ظاهرها أخذ هذا الأمر مسلّماً، وجعله شاهداً على أمر آخر، وهو نقص العقل. مع العلم ان مقصودنا العكس، وهو الاستدلال على نقصان الشهادة ببعض المبررات.
وجواب ذلك: اننا فهمنا قبل قليل ان هذه التفسيرات الثلاثة في هذه الفقرة
ــــــــــــــــــــ[239]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
إنما هي كواشف عن النواقص الثلاث، باعتبارها ناشئة منها. فقد صح الاستدلال بكون النقص في الشهادة ناتجاً عن النقص في العقل، كما نصت الفقرة المروية عن الإمام .
وليس معنى ذلك: ان المرأة قاصرة أو متخلفة عقلياً، وإنما معناه أن قوة عاطفتها غلبت على عقلها. الأمر المنتج لصعوبة سيطرتها على عاطفتها من ناحية عقلها أو إرادتها. على انها لا تريدها إطلاقاً في الغالب، بل تجد ان المنطقي والصحيح هو العاطفة فقط.
وأما الرجل فعقله قوي بالنسبة إلى عاطفته، الأمر الذي يسهل سيطرته على عاطفته لو أراد. وهو غالباً يريد ذلك لمختلف الاعتبارات الدنيوية أو الأخروية.
ومن هنا نعرف التوافق والتناسق بين هذا الكلام من الإمام والآية الكريمة حين يقول: (ناقصات العقول)، وتقول الآية الكريمة: أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا. فان هذا الضلال ناتج من قلة العقل المشار إليه هنا. والذي يعني بكل تأكيد سيطرة العاطفة على العقل في الأعم الأغلب من الأحوال، وهو ضلال غير متوفر في نوع الرجل، كما هو مجرب ومعروف.
فهذا بعض ما ورد في النصوص الشرعية مما يناسب اندراجه في محل الكلام. وهناك نصوص أخرى، لا حاجة إلى التطويل بذكرها.
ــــــــــــــــــــ[240]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
كتاب الحدود والتعزيرات
ــــــــــــــــــــ[241]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فصل قاموس اصطلاحات الدعاوى
تمهيد:
يوجد لبعض كتب الفقه مزايا تتصف بها عن غيرها، كما قد يوجد لمجموعة محدودة من كتبه مزايا خاصة بها لا يشركها فيها غيرها الا قليلا.
فمن ذلك: المزايا في كتاب (الإرث) والذي سبق أن بحثناه مفصلا. ومن ذلك: المزايا في كتاب الطهارة وحده أو الصلاة وحده أو الحج وحده أو كتب العبادات غير الحج أو معه، فكذلك الحال في الكتب الفقهية التي تعود إلى المرافعات والمنازعات والاعتداءات. فمجموعة كتابي الحدود والقصاص لهما مزية خاصة وكتاب الديات له مزيته أيضاً ومجموع الثلاثة له مزاياه أيضاً، وكذلك لو ضممنا إلى هذه الثلاثة كتابي القضاء والشهادات، فإن لهذه الخمسة مزاياها بطبيعة الحال. ويمكن الإحساس بهذه المزايا مع الإطلاع المفصل عليها بمقدار الامكان، ولا يعرفها كل أحد بطبيعة الحال.
ومن جملة تلك المزايا مجموعة اصطلاحات تكاد تخص هذه المجموعة من الكتب الفقهية أو تلك, ويحتاج الإطلاع عليها إلى تعمق متزايد. ومن هنا كانت أقرب طريقة للتعرف على ذلك هو كتابة قاموس خاص بها، حيث يجعل إلى جانب كل كلمة معناها، ويسهل استخراجها على ترتيب حروف القاموس.
ــــــــــــــــــــ[243]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وقد عقدنا في كتابنا هذا فيما مضى اكثر من فصل قاموسي لأجل ذلك. كان واحداً منها في كتاب البيع وواحداً في كتاب الميراث وواحد في كتاب الأطعمة والأشربة، وهذا الفصل خاص بمصطلحات الكتب الخمسة السابقة المشار إليها، مع ملاحظة ما يلي:
أولاً: ان الكلمات المستعملة فيها كثيرة، فمن اجل تجنب التطويل كان اللازم تجنب الكلمات السائرة في الكتب الفقهية الأخرى كأسماء المعاملات كالبيع والإجارة والهبة، فانه يؤخذ معناها من مواضعها في الفقه, وكأسماء أعضاء الجسم كاليد والرأس، وأسماء القرابات كالأب والابن وغير ذلك كثير، ويستثنى من ذلك, ما كانت الكلمة فيها صعبة الفهم كما سنذكر.
ثانياً: ان الكلمات الآتية في القاموس إما أن تكون اصطلاحاً خاصاً بأحد الكتب المشار إليها، أو لا تستعمل الا فيه، أو يراد فيها معنى معيناً من خلاله، أو تكون صعبة الفهم لأنها مهجورة الاستعمال.
ثالثاً: ان الترتيب معقود هنا على حروف المعجم في الحرف الأول، ثم الثاني وهكذا. وإذا كانت اكثر من كلمة أخذنا حروف الأولى، والحرف الأول من الكلمة الثانية.
رابعاً: اننا أخذنا المادة الثلاثية وأدرجناها بالحرف المناسب لها، وان كانت في نفسها رباعية أو خماسية، فلفظ المرافعة في (رفع)، ولفظ الاسترعاء في (رعي) ولفظ التسليط في (سلط) وهكذا.
خامساً: وجدنا من الأفضل أن نذكر الحرف أولا، ثم نذكر المادة المجردة بعده، أو ما يمكن ان يندرج تحته من مواد، ثم نذكر ما يمكن ان يندرج ضمن المادة من ألفاظ، توخياً لأن يفهم القارئ أننا لأي مادة ثلاثية قد أرجعنا الرباعي والخماسي، فانه قد يقع في ذلك الاشتباه.
ــــــــــــــــــــ[244]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
حرف الألف
(أجج)
(تأجيج): النار إشعالها. وقد يكون في ذلك اعتداء على الآخرين عمداً أو خطأ, وهو من أقسام ألتسبيب في الاعتداء لا المباشرة.
(أجر)
(الأجرة): وهو ما يتقاضاه العامل بإزاء عمله من المال، أو ما يتقاضاه المالك بازاء الانتفاع من أملاكه أو مملوكاته. والمقصود هنا المعنى الأول حيث يقع الكلام فقهياً عن أجرة القاضي وأجرة المنفذ للأحكام، وجواز اخذ الشهود للأجرة، وغير ذلك.
(أرخ)
(التاريخ): وهو مما له دخل اساسي في كثير من المرافعات، سواء كانت حول المعاملات أو حول الاعتداءات. إذ قد يكون تاريخ المعاملة مجهولا أو معلوماً أو يختلف الشهود فيه. كما قد يكون الاعتداء قريب التاريخ حيث يكون الجرح ناغراً، أو قديماً حيث يكون الجرح ملتئماً.
(ارش)
(الأرش): هو الفرق ما بين الصحيح والمعيب، أو بين الناقص والتام، ويأتي في أحكام المرافعات في عدة موارد، منها: العبد المعتدى عليه: فان المعتدي يجب أن يدفع ارش الجناية, وقد يسمى ارش الجناية بالنسبة إلى الحر أيضاً. وأصله مجازي لأن الحر لا يثمن بقيمة. إلا أنه أصبح اصطلاحاً.
(اسم)
(اسم الله): سبحانه ويكون به اليمين، إذا طلب من المنكر أو من المدعي
ــــــــــــــــــــ[245]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
مع الرد، وكذلك القسامة كما سيأتي شرحها.
(اصل)
(الاستئصال): هو الرفع لجميع الشيء، سواء قصدنا عضو الإنسان، أو جماعة من الناس كعائلة أو قافلة أو مجتمع في بلدة مثلا، فإن استئصالهم يعني قتلهم اجمع. كما أن استئصال العضو يعني بتره كله. وهذا قد يعني الاعتداء الموجب للقصاص أو الدية. وقد يعني زوال محل القصاص. على ما سيأتي إيضاحه. إلى أمور أخرى تعرف من محالها.
وهناك معاني أخرى للأصل في الفقه، وأصول الفقه لا مجال للدخول في تفاصيلها الآن.
(أمم)
(الإمام): هو الواحد من الأئمة الاثني عشر المعصومين . أو هو مطلق الحاكم الشرعي بصفته ولياً عاماً. وله ممارسة القضاء وفصل الدعوى وإقامة القسامات وغير ذلك.
(المأمومة): وهي الضربة التي تبلغ أم الدماغ. يعني انها تدخل في المخ ولو قليلا. والمراد بالأم هنا لبه أو لحمه الداخلي.
(أم الولد): وهي المملوكة إذا ولدت من سيدها، فيكون ولدها حراً ويرثها بعد موت أبيه فتتحرر من رقها. ومن أحكامها هنا: ان الحر لا يقاد بالعبد ولا بأم الولد ما دامت رقا، يعني ما دام سيدها حياً.
(أمن)
(الأمانة): ضد الخيانة ويطلق على الشيء المؤمن، كوديعة أو عارية، أو الموجود لدى الفرد كأمانة شرعية. ولا يضمن الأمين إلا بالتعدي والتفريط كما
ــــــــــــــــــــ[246]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
سبق شرحه اكثر من مرة.
(أنث)
(الأنثى): ضد الذكر. وهي في البشر المرأة، وهي تعاقل الرجل إلى ثلث الدية. فإذا وصلت إلى الثلث أصبحت نصف دية الرجل. ولها أحكام أخرى: مثل: انها تقاد بقتل الرجل ولا يقاد بها الرجل ما لم يدفع ولي الدم نصف الدية.
(الأنثيين): الخصيتين وإنما نسبا إلى الأنثى باعتبار مشاركتهما في تكوين المادة المنوية أو باعتبار مشاركتهما بالملاعبة. ومن احكامهما التي نحن بصددها ان في قطعهما الدية الكاملة. باعتبارها مما يوجد في الجسم واحداً.
(أهل)
(أهل الحرب): وهم المحاربون للإسلام والمسلمين، سواء كانوا من المشركين أو الكتابيين. وكذلك من رضي بمحاربة المسلمين منهم، بل من المسلمين أيضاً. فانه برضاه يكون خارجاً عن الإسلام. ومن أحكامه التي نحن بصددها: ان قاتله لا يجوز القصاص منه، ولا اخذ الدية منه.
(أهل الخبرة): وهم الخبراء في كل حقل. كتمييز القيمة السوقية لشيء ما أو تميز مقدار الجناية طبياً، أو تمييز سلوك الفرد وعدالته، إلى غير ذلك. والواحد: الخبير، وقد يسمى الواحد: أهل الخبرة تعميماً للفظ الأهل على المفرد والجمع. أو هو من أهل الخبرة.
(أهل الخلاف): وهم – بلغة الفقهاء–: أهل المذاهب الأخرى في الإسلام غير الموالين للأئمة الاثنى عشر .
(أهل الذمة): وهم اليهود والنصارى الداخلون في ذمة الإسلام وسيطرته مع التزامهم بشرائط معينة تعرف من كتاب الجهاد. أهمها دفع الجزية. وهي
ــــــــــــــــــــ[247]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
مقدار من المال يوضع سنوياً أو شهرياً على كل فرد منهم.
(أهل الريبة): وهم المشكوك في سلوكهم للشك في عنايتهم بالتعاليم الدينية. ويترتب على ذلك عدة أحكام منها: إمكان سماع شهادتهم وعدمه، وإمكان قود الملتزم بأحدهم.
حرف الباء
(بذل)
(البذل): التبرع في العطاء أو إبراء الذمة مجاناً من دين سابق ونحوه. ومن أحكامه هنا: ان ولي المقتول له ان يقتل القاتل ولو بذل الدية ما دامت جنايته سبباً شرعياً كافياً للقود.
(برء)
(البرء): بضم أوله الشفاء. ويراد به هنا البرء من جراحة الجناية. فإنها قد تعود إلى طبيعتها الأولى تماماً، وقد يندمل الجرح مع شيء من التشويه, وكل منهما له حكمه في القصاص والديات.
(الإبراء): وهو إسقاط ما في الذمة من الدين أو ثمن البيع أو الإجارة أو الدية، وغير ذلك.
(برع)
(التبرع): وهو الدفع مجاناً. وقد يكون بالمال كما لو دفعت الدية عن الجاني مجاناً. وقد يكون التبرع بالقصاص مع إمكان تجنبه بالدية مثلا.
(التبرع بالشهادة): وهو التصدي من قبل الفرد إلى الشهادة في مرافعة معينة، بدون دعوة موجهة إليه من المدعي أو القاضي، وقد وقع الخلاف بينهم
ــــــــــــــــــــ[248]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
في انها هل تقبل أو لا. لاحتمال التهمة, فان الاهتمام بذلك قد يوحي به, كما أن قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّـهِ يقتضي قبولها مطلقاً.
(بسط)
(بسط الدية): وهو توزيعها إما على الأعضاء أو على الأفراد.
أما بسطها على الأعضاء فباعتبار ان ما كان واحداً في الجسد فعليه دية كاملة وما كان متعدداً فعليه جزء من الدية. كاليدين فان على كل منهما النصف والأسنان نحو ذلك وعليها جميعاً الدية كاملة, ومن هنا نبسط الدية أو نوزعها على الأسنان لنعرف ما ينال كل سن منها وقد نبسط الدية بالتفاضل بين الأسنان. إما لورود ذلك على الخصوص في الدليل أو لاختلاف أهميتها في الاستفادة منها.
وأما بسط الدية على الأفراد، فهو بسطها على العاقلة، وسيأتي معناها في محلها، فإنهم جماعة يدفع كل منهم جزءاً من الدية على عددهم في القتل الخطأ.
(بسط اليد): وهو السلطة والقدرة على تنفيذ الأحكام وإجرائها. ويوصف بها الفقيه ويراد به القادر على ذلك.
(بضع)
(الباضعة): هي الضربة التي تتعدى الجلد وتأخذ من اللحم ولو يسيراً وقد تسمى الدامية أيضاً.
(والبضع): هو الاستفادة الجنسية من المرأة، أو هو خصوص فرجها.
(بطر)
(البيطار): طبيب الحيوانات. ويكون واحداً من أهل الخبرة في تقييم الحيوان المجني عليه. وله أحكام أخرى كضمانه للحيوان الذي يخطأ في
ــــــــــــــــــــ[249]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
مداواته.
(بطش)
(البطش): إنزال القوة على الآخرين، ومنه قوله تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ. وقوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا. وقوة البطش ينتج عمق الجناية على أي حال.
وقد يراد به النشاط الحياتي وصحة الحركة لليدين والرجلين لتمييز الحقيقية من الزائدة. أو لتمييز اثر الضربة عليهما.
(بعص)
(البعصوص): بضم أوله ويسمى بالدارجة: العصعوص. وهو العظم في أسفل الظهر ونهاية سلسلته. وهو بمنزلة الذيل للحيوان. وفي الجناية عليه دية معينة.
(بغي)
(البغي): الخروج عن الحاكم العادل. وهو المبين بالقرآن الكريم بقوله تعالى: فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ومفرده باغي. ومنه قوله تعالى: غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ.
(البغيّ): بتشديد الآخر: المحترفة للبغاء. ومن أحكامها حرمة نكاحها، ووجوب قتلها.
(بكر)
(البكارة): صفة معروفة في فرج المرأة، وعلى إزالتها بنحو الاعتداء الدية كاملة. وضدها الثيوبة. ومنها: ان المرأة: باكر وثيب بصيغة المذكر، ولا تؤنث لعدم الاشتباه كالحائض والحامل.
ــــــــــــــــــــ[250]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
حرف التاء
(الترك): ضد الفعل. ويأتي هنا في تعريف المدعي في أنه: لو ترك ترك.
(التركة): ما يخلفه الميت من المال. توفى بها ديونه، ويقسم الباقي بين ورثته، ودية المقتول بحكم التركة.
(ترك الواجب): من جملة أسباب التعزير كفعل الحرام. فإن ترك الواجب حرام ضمني. وكل من فعل حراماً, لزم تعزيره شرعاً مع الامكان.
(تلف)
(التلف): الزوال والانعدام لشيء ما، الذي قد يكون مالا، قد يكون نفساً. وعلى كلا التقديرين يكون مضموناً على تقدير كونه جناية على الآخرين.
(تهم)
(التهمة): الاحتمال والشك في شيء. والحائض المتهمة هي التي لا تجتنب النجاسات. والأخذ بالتهمة هو الاعتقال لأجل احتمال الجناية، ورد الشهادة بالتهمة لاحتمال ان الشاهد يجر نفعاً بها لنفسه إلى غير ذلك.
حرف الثاء
(ثيِّب)
(الثيب): المرأة التي زالت بكارتها. راجع ما قلناه عن البكارة.
حرف الجيم
(جبر)
(الجبر): تحتوي هذه المادة على معنيين رئيسيين:
ــــــــــــــــــــ[251]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
أحدهما: معنى الإكراه، وهو تهديد الآخر إلى عمل ما.
ثانيهما: معنى الضماد والالتحام الذي أصله إنجبار العظم بعد انكساره ويمكن التوسع به إلى موارد كثيرة مناسبة.
والإكراه مسقط للأثر الشرعي من العمل أياً كان، فإذا أجبره على عبادة بطلت أو على معاملة بطلت أو جريمة هان عقابها أو زال أحياناً، وإذا اجبره على شهادة سقط اعتبارها، أو اجبر القاضي على حكم معين سقطت حجيته. وهكذا.
وللمعنى الثاني مجاله في مقام الدعاوى ومثاله: ان المعتدي قد ينوب ويتسبب إلى جبر الكسر، أو شفاء المرض الذي أحدثه. فقد يخفف ذلك من عقوبته.
(جزّ)
(جز الشعر): وهو قلعه عنوة. وهو من جملة العقوبات المعنونة لبعض الجرائم كاللواط. وإذا حصل بنحو الاعتداء فعليه القصاص أو الدية.
(جزم)
(الجزم بالشهادة): وهو أداؤها عن يقين, لا عن احتمال وشك وظن. وهو ضروري في حجيتها والأخذ بها، وإلا كانت ساقطة.
¬(جلد)
(الجلد): يجب أحياناً ضرب السوط في الجلد – بالفتح – على الجلد–بالكسر– ويمكن أحياناً ضربه على الثياب الخفيفة. والجلد – بالفتح – هو ضرب السوط على الجسم. ومحله الظهر دون غيره.
(الجلاد): هو الفرد المختص بالجلد – بالفتح –: بالمعنى الذي عرفناه قبل
ــــــــــــــــــــ[252]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
قليل, وفي الفهم الحديث يعمم إلى الفرد المختص لأي عقوبة وربما خصوه بمن يمارس الإعدام والقتل. وهو في أصله مجازي، لأن القتل لا يكون عن طريق السوط، ولا يفترض للمجلود أن يموت تحت الضرب. بخلاف المرجوم بالحجارة فإنه يرجم حتى الموت.
(جنب)
(الأجنبي): ويراد به فقهياً عدة معانٍ منها:
الأول: الفرد الذي لا يحل له النظر إلى المرأة ولو كان من عشيرتها كابن العم وابن الخال وأخو الزوج.
الثاني: الذي لا يندرج في العاقلة، وهي العشيرة من العمومة وأولادهم كما سيأتي. فمن لا يكون منهم، يعتبر أجنبياً.
الثالث: الشخص الذي لا يكون له ربط بحكم معين. فمثلا: من كان لا يد له على الدار فهو أجنبي عنها. ومن كان خارجاً عن دائرة الدعوى فهو ليس مدعياً ولا منكراً فيها فهو أجنبي. ومن لم يتسبب إلى جناية أجنبي، وهكذا.
الرابع: قد يطلق لفظ الأجنبي على من لم يلتزم بالدين الإسلامي. ومن هنا نقول: الأجانب. ونقصد بهم المسيحيون المتواجدون في أوربا وغيرها. إلا أنه ليس اصطلاحاً فقهياً.
(جنق)
(المنجنيق): آلة كانت تستعمل في الحروب القديمة لرمي الأحجار أو النار بمعنى الأجسام المشتعلة, وهو يعادل الآن المدافع الحديثة.
ومن المعلوم ان كل سلاح بما فيه المنجنيق يمكن أن يكون سبباً للجناية.
ــــــــــــــــــــ[253]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(جني)
(الجناية): وهو الاعتداء على فرد ما بدون حق أو استحقاق. ومنه: الجاني وهو فاعل الجناية والمجني عليه وهو المعتدى عليه. كما أن الجناية قد تكون على النفس وهو القتل. وقد تكون على الأطراف كاليدين والرجلين وبعض أقسام الرأس، كما قد تكون على المنافع بتعبير الفقهاء من دون إيجاد تشويه في الجسم كزوال البصر أو السمع أو حدوث الشلل أو امتناع التناسل، ونحو ذلك.
ومن ناحية أخرى: فان الجناية قد تكون جسدية، وقد تكون مالية أو اقتصادية، وقد تكون معنوية. كما ان الجناية قد تكون على نفس الإنسان وقد تكون على غيره، وهي على أي حال نوع من الظلم، لأنها لا تكون عن حق، وإلا لم تكن جناية. ومن هنا تكرر في القرآن الكريم: الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ: أي جنوا عليها جنايات معنوية وحرموها من العدل في الدنيا ومن درجات الآخرة.
(جهض)
(الإجهاض): إسقاط الجنين، وهو قد يكون بجناية على حامل، فتكون له دية. ويوسع مجازاً في اللغة الحديثة إلى كسر ومنع إنتاج أي سبب لما يراد منه.
(جهل)
(الجهل): ضد العلم. وقد يتعلق بتأريخ معاملة أو جناية أو يتعلق بعدالة الشهود, وقد يتعلق بحكم أو بموضوع ذي حكم. فالمتصف به جاهل، وما تعلق به الجهل: مجهول.
(مجهول المالك): هو المال الذي لا نعلم مالكه، اما مطلقاً ولو كان له
ــــــــــــــــــــ[254]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
في الواقع مالك محدد، كاللقطة. أو هو خصوص المال الذي ليس له مالك محدد، بل هو مجموع من مجموعة مجهولة من الناس شائعة في المجتمع وهذا ما عليه اصطلاح الفقهاء المتأخرون.
(جيف)
(الجايفة أو الجائفة): هي الضربة إلى تصل إلى الجوف بطعنة أو رمية. ولا تختص بما يدخل جوف الرأس أو المخ، بل يعم ما يدخل في جوف الصدر أو البطن. ومنه اشتق الفعل: أجافه إذا ضربه ضربة جائفة.
(الجيفة): هي ميتة الحيوان مطلقاً يعني سواء حصل فيها نتن أم لا. وهي في الإنسان إذا حصل فيه النتن أما قبله فلا.
وأكل الجيفة حرام. إما لأنه مضر طبياً أو لأنه مما لا يؤكل لحمه أو لأنه غير مذكى. فإن انتفت هذه الأسباب جاز الأكل، ولا يسمى جيفة ولا ميتة. وإذا عاش الحيوان الحي على الجيفة كان جلالا يحرم أكل لحمه ما لم يستبرأ.
حرف الحاء
(حبس)
(الحبس): هو السجن وهو وارد في الشريعة عقوبة لبعض الجرائم أو جزء من عقوبة، كما فصلناه في كتاب القضاء فراجع. ويطلق على المكان وعلى الاعتقال فيه أيضاً.
(حجر)
(الحجر): بسكون الثاني، هو المنع، والمحجور عليه هو الممنوع. ويصطلح على الممنوع من التصرف بماله كالمجنون والسفيه والرق والمفلس.
ــــــــــــــــــــ[255]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ونفس المادة بفتحتين هو واحد الحجارة، وقد يكون الحجر سبباً للجناية على أي حال، كما يكون متعلقاً للرجم.
(حدد)
(الحد): هو نهاية الشيء, ويصطلح على العقوبات المجعولة شرعاً أي الواردة في الكتاب والسنة من غير الناحية المالية، أعني خصوص الجسدي منها. جمعها حدود. والمناسبة واضحة لأن العقوبة أو تشريعها يضع حداً ونهاية للجريمة والاعتداء.
(المحدود): هو الذي أقيم عليه الحد، ولا تقبل شهادته ما لم تحرز عدالته.
(الحداد): بالتشديد، هو في اصطلاح الفقهاء مقيم الحدود، يعني من جعله القاضي ضارباً للحد. وان كان في اللغة هو الذي يتاجر بعمل الحديد.
(حدود الله): أحكامه وتعاليمه في الدين. وقد ذكرت في القرآن الكريم مراراً. وهُدد المتجرئ عليها والتارك لها بالعقوبة.
قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا، وقال سبحانه: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. والتعدي: هنا إما مأخوذ من الاعتداء، أو من السير بعيداً عنها بمعنى التجاوز عنها وعدم العناية بها.
(حرب)
(المحارب): وهو معلن الحرب ضد المجتمع، كما لو كان يقتل عشوائيا، أو ضد السلطة الشرعية وهو الباغي، وعلى أي حال، فحده هو وجوب قتله.
(حرر)
(تحرير الدعوى): هو ابتداء تسجليها لدى القاضي في اصطلاحهم. وإنما
ــــــــــــــــــــ[256]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
يكون ذلك إذا كانت مسموعة غير مردودة.
(الحر): ضد العبد. وهو غير المملوك، ولا يمكن تملكه، لأنه لا قيمة له شرعاً، وله أحكام كثيرة في الفقه.
(والحرية) صفة الحر، وتطلق في اللغة الحديثة على عدم التقييد بإبداء الرأي من ناحية سلطة داخلية أو خارجية.
(حرز)
(الحرز): هو المكان المغلق لحفظ المال باصطلاحهم. وفك الحرز من شرائط حد السارق، فلو لم يكن المال محرزاً لم يجز القطع.
(حرف)
(حروف المعجم): هي الحروف الاعتيادية في اللغة، وهي في العربية ثمانية وعشرون والجناية قد تذهب ببعض الحروف يعني تجعل النطق بها عسيراً أو منتفياً تماماً. وقد تذهب بها كلها. فإن ذهبت بالجميع وجبت الدية كاملة، وإلا فبحسابها.
(حرص)
(الحارصة): أو الخارصة بالخاء. وهي الضربة التي تسلخ الجلد ولا تأخذ من اللحم شيئاً، وقد تسمى بالدامية أيضاً، وإذا كانت اعتداء كان عليها دية.
وعلاقة التسمية على أي حال بعيدة، فالحرص بالمهملة هو البخل أو شدة الاهتمام بالشيء. وبالمنقوطة هو الظن والتخمين, وكلاهما له مع هذا النوع من الضربة علاقة بعيدة.
ــــــــــــــــــــ[257]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(حرم)
(الحرم): هي المنطقة التي تحيط منطقة في وسطها تكون ذات أهمية شرعية نسبية، فلكل ملك حرم ولكل بيت حرم ولكل مسجد حرم، وأهم حرم في الشريعة هو الحرم المكي، وهو المنطقة المحيطة بالكعبة إلى 48 كيلو متراً. ويليه الحرم المدني وهو ما يحيط المسجد النبوي بهذا المقدار من المسافة.
وللحرم المكي حرم حوله يسمى بحرم الحرم، ويسمى بالبريد أيضاً، ونصف قطره بعد الحرم بمقداره، أعني (48) كيلو متراً.
ويختص الحرم المكي بعدة أحكام منها حرمة الصيد فيه، وحرمة قلع النبات. وزيادة الإثم بالاعتداء أو القتل فيه, وعليها كفارة الجمع، مضافاً إلى حرمة الابتداء بالحرب فيه. ويجوز فيه الدفاع، وهو قوله تعالى: فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ.
(الحرام): ضد الحلال، وهو الممنوع عنه منعاً باتاً في الشريعة، سواء كان من الأموال أو بعض أنواع الطعام أو الجنايات أو النساء. فالمحرمات أو المحارم هو ما يحرم نكاحهن كالأم والبنت، ويجوز النظر إليهن. والزنا بالمحارم من أشد أنواع الزنا شرعاً، غير أن حده وعقوبته لا تزيد.
ومنه اشتقاق الحرمة: وهي المنع الشرعي، والمحرم وهو ما ورد عليه المنع كالحرام. ويميل بعضهم انها مأخوذة من الحرمان بأن يكون المكلف محروماً من ممارسة الحرام، كما يمكن أن تكون الحرمة بمعنى الهيبة والأهمية المعنوية التي لا يجوز تجاوزها وتعديها، كما يمكن ان يكون الحرام موضوعاً بوضع مستقل في اللغة للممنوع.
ــــــــــــــــــــ[258]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(حشف)
(الحشفة): رأس الذكر، وهو الجزء الذي يبدو بعد قطع الغلفة بالختان، وفي قطعها الدية كاملة، مأخوذ لغة من مشابهتها للحشفة: وهي التمرة الجافة.
(حصن)
(المحصن): ورد في الدليل الصحيح تعريفه: بأنه من له فرج يغدو ويروح عليه. يعني حليلة يأتيها متى شاء. وحاصله أن يكون مكتفياً جنسياً بطريق محلل، ولو لوطئ شبهة. ومنه الإحصان وهو حال المحصن أو مصدره.
وحكمه في الزنا الرجم، في مقابل غير المحصن فان حكمه الجلد.
(حقق)
(الحق): بالفتح من أسماء الله سبحانه. ومن صفات أحكامه التكوينية وهي قضاؤه في خلقه، فانها حق، وأحكامه التشريعية وهي شريعته، فانها حق. ويطلق مالياً على ما في الذمة، فانه من حق الدائن أياً كان سبب الدين. وكذلك الحق القضائي بالمطالبة بالبينة أو اليمين.
(حق الله): ويستعمل باصطلاحهم في مقابل حق الناس. ويعبر به عن موارد غمط هذا الحق في الجنايات كالزنا واللواط. فان من حق الله سبحانه إطاعة نهيه عن ذلك.
(حق الناس): ويستعمل باصطلاحهم في الجنايات المفّوتة لأموال الآخرين، كالغصب والسرقة. غير أن الفرق فقهياً غير واضح بين حق الله وحق الناس، بعد الالتفات إلى ان حق الناس من حق الله أيضاً، لأننا مأمورون شرعاً بمراعاته، وحق الله من حق الناس أيضاً، لأن الزنا واللواط ظلم للمزني بها والملوط به إذا كان مجبوراً أو مكرهاً، بل حتى لو مختاراً فان رضاءه بالظلم لا
ــــــــــــــــــــ[259]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
يرفع ظلامته.
(الاستحقاق): وهو ان يكون الفرد صاحب حق على غيره، وهو قد يكون مالياً. وهو ملكية ما في ذمة الآخرين، وقد يكون معنوياً حسناً كاستحقاق الرب للطاعة واستحقاق المؤمن للاحترام، وقد يكون معنوياً رديئاً كاستحقاق المجرم للعقوبة.
(حقن)
(المحقون الدم): هو من يحرم قتله في الشريعة بالعنوان الأولي، كالمسلم غير المحكوم بكفره والمعاهد وهو الذمي.
(حكم)
(الحكم): يطلق على عدة معان:
1- الحكم الشرعي الواقعي في الإسلام.
2- الحكم الظاهري كالحكم الثابت بالقواعد والأصول.
3- الفتوى من قبل الفقيه.
4- التحريم أو الإيجاب من قبل الولي الحاكم بالولاية.
5- الحكم القضائي بعد ثبوت الجناية ونحوها.
(المحاكمة): المرافعة أمام الحاكم بمعنى القاضي.
(الحاكم): قد يطلق على القاضي وقد يطلق على الحاكم أو الولي العام في المجتمع، ومنه قولنا: الحاكم الشرعي. باعتبار عموم ولايته شرعاً.
(الحكومة): وهي باصطلاح الفقهاء ما يدفع من المال بازاء الجنايات التي لم يعين لها في الشريعة دية خاصة. وتكون بحسب ما يراه الحاكم.
ــــــــــــــــــــ[260]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وإنما سميت حكومة لأنها لا تثبت إلا بحكم الحاكم.
وفرقها عن الدية كفرق التعزير عن الحد، فان الحد والدية ما ورد النص عليه في الشريعة والتعزير والحكومة، فيما لم يرد عليه نص. مع الالتفات إلى ان الحد والتعزير جسديان والدية والحكومة ماليان.
(المحكوم عليه): هو من صدر ضده حكم قضائي أو نفذ عليه. ومن أحكامه: ان من أقيم عليه الحد يكره جعله إماماً في صلاة الجماعة، وان أصبح عادلا. كما لا تسمع شهادته إلا بعد إحراز عدالته.
(حكم في واقعة): هو الحكم المخالف للقواعد المعروفة، ولا يمكن سريانه على أمثاله في الفقه. فان كان صادراً عن معصوم، أوكلنا علمه إلى أهله، كبعض أشكال قضاء الإمام أمير المؤمنين .
(الحكم الكلي): وهو الحكم الشرعي بنحو القاعدة العامة أو الكبرى المنطبقة على مصاديق كثيرة. في مقابل الحكم المنفرد أو الجزئي، وهو الحكم القضائي أو المولوي في مورد معين.
(حلف)
(الحلف): هو اليمين باسم الله سبحانه. وتكون بالأصل للمنكر، وقد تكون للمدعي بالرد. كما قد تكون للمدعي بدعوى الدم في القسامة. ويأتي الحلف أيضاً بمعنى المعاهدة ومنشأ التسمية فيه هو التحالف, يعني أن يحلف احدهما للآخر على الوفاء بالعهد.
(الأحلاف): وهو طلب إيقاع الحلف. وهو لا يكون إلا من قبل صاحب الحلف، فحلف المنكر يكون بطلب المدعي ويمين المدعي بطلب المنكر وهكذا.
ــــــــــــــــــــ[261]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(حلل)
(التحليل): جعل الحرام حلالا بتغيير في موضعه. كما لو نكح المرأة الأجنبية فأصبحت زوجته وحلالا عليه. والتحليل يتضمن أحياناً حيلا شرعية لإيجاده، ليس الآن محل شرحها.
(المستحل): هو من يدعي كون الحرام حلالا. إما عملياً، وهو فاعل المحرم استهانة بتحريمه. وإما نظرياً وهو منكر الحرمة ولو لأجل تكذيب الشريعة، والعياذ بالله. فيكون حكمه القتل.
(حمل)
(الحمل): الجنين في بطن أمه. وسمي به لأنه محمول من قبل أمه. وعليه الدية مع الجناية عليه أو الإضرار به.
(تحمل الشهادة): وهو مشاهدة الواقعة لأجل الإعراب عنها أمام القاضي. كما لو حضر شاهدان لسماع عقد أو إيقاع أو أثر جناية أو التأكد من حمل امرأة وهكذا.
وقد يسمى ذلك بالشهادة يعني المشاهدة حضوراً، في مقابل أداء الشهادة، بمعنى بيانها والإعراب عنها قضائياً. والمعنى الأصلي للشهادة لغة هو التحمل لأنه مأخوذ من المشاهدة.
(الحيض): هو العادة الشهرية للمرأة. والاستحاضة هو الدم الذي تراه في غير أيام الحيض والنفاس كما هو مسطور في الفقه. وإذا كانت الجانية مستحاضة لم يجز إقامة الحد عليها حتى تطهر.
(حيل)
(الحيلة): هي الخدعة والمكر. ومنه الحيل الشرعية وهي اتخاذ طرق
ــــــــــــــــــــ[262]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
معينة يتغير فيها الحرام إلى الحلال. كالتخلص من الربا وغيره. وهي أمور مسطورة في محلها في الفقه.
(المحتال): قد يكون مأخوذاً من الحيلة. فهو صاحب الحيلة ومنفذها، وقد يكون من الحوالة ويستعمل اصطلاحاً كإسم مفعول منها وهو الذي تمّت حوالته على شخص غير المديون ليأخذ دينه منه. والقياس فيه لغة: المحال بالضم ولا نعلم لتخريج هذا الاصطلاح وجهاً معقولاً لغة. بحيث يسمى محتالا.
حرف الخاء
(خرج)
(الخارج): يصطلح به عن الشخص الذي لا يد له على المال. وضده: الداخل وهو صاحب اليد أو الساكن أو المتصرف. فلو تداعيا في عين كان الداخل منكراً لموافقته للأصل، والخارج مدعياً لكونه مخالفاً له.
(خرص)
(الخارصة): هي الضربة التي تسلخ الجلد ولا تأخذ من اللحم شيئاً، وتسمى بالدامية أيضاً، ولكن الظاهر أنها بالحاء المهملة.
(خلف)
(الاستخلاف): ان يجعل القاضي أو غيره شخصياً يقوم مقامه حال غيابه. ومنه: الخليفة باعتبار كونه مستخلفاً عن النبي باعتقادهم. ومنه جعل الإنسان خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ كما نص عليه القرآن الكريم. يعني له التصرف فيها بالاستقلال النسبي عن الله سبحانه.
ــــــــــــــــــــ[263]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(خصم)
(الخصم): هو المنازع في مصلحة دنيوية، إما فعلا يعني في مرافعة معينة، أو أساساً يعني في مرافعة أخرى. ومن أحكامه: ان الخصم لا تقبل شهادته ضد خصمه.
ولا يراد به الخصم في نفس المرافعة، بطبيعة الحال، كما لا يراد به مطلق العدو، كما يميل إليه السيد الأستاذ. لأن للعداوة أسباباً محتملة غير الخصومة كالعداوة الدينية أو العشائرية.
(الخصومة): هو التشاح على أمر دنيوي يقتضي جواز الرجوع إلى القضاء. وقد يطلق ويراد به المرافعة القضائية نفسها. ويراد بالمخاصمة نفس المعنى، وكذلك التخاصم لغة وان قل استعماله فقهياً.
(خطأ)
(الخطأ): وصف للعدوان ألخطأي على النفس أو على العضو. وهو أن يقصد ضرب شيء فيقع في غيره، أو يقصد الضرب غير المؤثر فيكون مؤثراً.
والظاهر ان الأخير يعبر عنه بالخطأ، والأول يعبر عنه بالخطأ المحض.
ومن أحكامه: امتناع القصاص لا للنفس ولا الأعضاء، وإنما يصار إلى الدية على كل حال.
(التخطئة): مسلك نظري في علم الكلام وعلم الأصول. وهو القائل: بأن الأحكام عند الله سبحانه واحدة لا يتغير شيء منها، والفقيه المستدل قد يهتدي إليها فيكون مصيباً أو لا يهتدي فيكون مخطئاً. وهو مسلك العدلية، فهم المخطّئة.
وبإزائه مسلك التصويب أو المصوبة. وهو القائل: بأن الحكم الشرعي
ــــــــــــــــــــ[264]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الواقعي يختلف باختلاف فتاوى المجتهدين، ومهما أفتى الفقيه فهو مصيب لأن الواقع يختلف باختلافه، ومنهم من يقول بانتفاء الواقع بالمرة، وإنما المتوفر هو فتوى الفقيه فقط.
والتخطئة في الفتوى هي الصحيحة، ألا أن التصويب هو الصحيح في الحكم المولوي، فإن من أحكامه وجوب إطاعته، حتى مع العلم بكذب مستنده أو خطئه.
(خلس)
(المختلس): هو قاطع الجيوب من السراق، وله عقوبته فقهياً.
(خلع)
(الخلع): هو الطلاق بعوض، كما هو مسطور في محله من كتاب الطلاق. وقد يراد به أمور أخرى.
والقياس يقتضي كونه بفتح أوله. وإن كان المعروف كونه بالضم.
(خوف)
(الإخافة): أو التخويف لفرد أو جماعة أو مجتمع: وهو ما يجعل الفرد الفاعل لها من المفسدين في الأرض، فتجب محاربته وقتله.
حرف الدال
(دخل)
(الداخل): باصطلاحهم من لا يدله على العين في مقابل الخارج الذي سمعناه في حرف الخاء.
ــــــــــــــــــــ[265]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(دعو)
(المدعي): مقابل المنكر. وهو المخالف قوله للأصل وعليه البينة في غير مرافعات الدماء. وقد سبق ان عقدنا لتعريفهما فصلا في كتاب القضاء.
(الدعوى): وجهة نظر المدعي التي يحتاج فيها إلى بينة، وقد تطلق ويراد بها المرافعة.
(التداعي): وهو يكون في مورد، يكون كلا قولي الخصمين مخالفاً للأصل، فيكون كلاهما مدعياً من جهة ومنكراً من جهة أخرى. وتسمى حالهما أو مرافعتهما بالتداعي.
(دعوى النبوة): بمعنى ادعاء فرد ما، أنه مرسل من الله سبحانه بعد نبي الإسلام. وحكمه وجوب القتل.
(دفع)
(الدفاع): هو محاولة دفع الاعتداء. وقد يكون ضد شخص معتد أو جماعة قليلة، وقد يكون ضد محاربين كثيرين. والحرب الدفاعية جائزة شرعاً إجماعاً ولو بدون إذن الإمام. وإذا قتل شخص شخصاً معتدياً حال دفاعه عن نفسه أو عرضه أو ماله، فلا قصاص ولا دية عليه.
(دمغ)
(الدامغة): وهي الضربة التي تصل إلى الدماغ. وإذا كانت من الجناية، كانت لها عقوبتها قصاصاً أو دية.
(دمل)
(الاندمال): وهو شفاء الجرح أو القرح، وفي اصطلاحهم الشفاء الحاصل بعد الجناية.
ــــــــــــــــــــ[266]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(دمي)
(الدامية): وهي الضربة التي تتعدى الجلد وتأخذ من اللحم, ولو يسيراً. وتسمى أيضاً الباضعة كما سبق. وقد سبق أن الضربة (الحارصة) تسمى دامية أيضاً.
ومن الواضح انها مأخوذة من جريان الدم، مع ملاحظة عدم الزيادة على ذلك من قطع اللحم أو كسر العظم.
(ديي)
(الدية): هو المال المجعول شرعاً على القتل الخطأ وشبه العمد، وعلى ما يمتنع فيه القصاص من الجناية على الأعضاء والمنافع أو كانت الجناية عليها خطأ.
والدية على أنواع منها: دية الحر ودية العبد ودية المرأة ودية الجنين ودية الذمي. ودية النفس ودية الأعضاء. على تفصيل مذكور في الفقه.
حرف الذال
(ذمم)
(الذمة): ظرف اعتباري قانوني لدى الشخص التام قانوناً، وهو البالغ الرشيد يتكفل هذا الظرف عهدة الأموال. وقد نتوسع في الذمة لغير الكاملين كالصبي والمجنون، باعتبار وضوح ضمانهم لما أتلفوه، غير أن الحكم التكليفي بوجوب الدفع مرفوع عنهم وإنما هو على الولي.
كما قد نتوسع من الأموال الكلية التي في الذمة إلى الأعيان الخارجية كالعين المغصوبة والأمانة، فإنها يمكن أن تكون في الذمة. وإن كان اصطلاحهم في ذلك هو العهدة وسيأتي شرحها في محلها. وتعتبر الأموال التي
ــــــــــــــــــــ[267]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
في الذمة من ناحية وجودها وعدمها أو قلتها أو كثرتها أو سبب تحققها من أهم الأسباب للخلاف والمرافعات بين الناس.
(الذمي): هو الكتابي الملتزم بشرائط الذمة والداخل في ذمة الإسلام. ومن أحكامه ان الفرد المسلم مهما كان بسيطاً اجتماعياً يستطيع أن يذم كتابياً،أي يأمنه من القتل، ويجب على كل المسلمين عندئذ الالتزام بذلك وهو قوله : ويسعى بذمتهم أدناهم.
حرف الراء
(رجم)
(الرجم): عقوبة الزاني المحصن، ويتم بدفن الفرد إلى نصفه وقذفه بالحجارة حتى يموت، ولا بد من الرجوع في تفاصيله إلى محل آخر.
(ردد)
(الارتداد): وهو الخروج عن الإسلام، بعد ان كان الفرد ملتزماً به، فيسمى مرتداً، فان كان في أصله مسلماً عن أبوين مسلمين، سمي مرتداً فطرياً أو عن فطرة، وان كان في أصله كافراً وجديد عهد في الإسلام سمي مرتداً ملياً.
(رد الدية): قد يستوجب اخذ القصاص أحياناً رد مقدار من الدية ولم يجز القصاص بدونه، كما لو قتل رجل امرأة، فان لوليها أن يقتل القاتل بعد رد نصف الدية إلى ورثته، وكما لو قتل اثنين واحداً، فان لوليه ان يقتلهما بعد رد نصف الدية إلى ورثة كل منهما، إلى غير ذلك من الموارد.
(الرد في القسمة): قد تستلزم القسمة في الأموال المشتركة بين اثنين أو أكثر رداً، وذلك كما لو كان المال المشترك كتابين أحدهما صغير والآخر كبير
ــــــــــــــــــــ[268]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وهما مملوكان بالمناصفة، فلا يمكن إعطاء الكتاب الكبير إلى واحد معين، لأنه اكثر من حصته، ولا يمكن أيضاً تمزيق الكتاب حتى تحصل على النصف الحقيقي من الكتابين، فيتعين هنا ما يسمى باصطلاحهم بالرد، وهو أن يعطي الآخذ للكتاب الكبير ما زاد عن استحقاقه فيه إلى الآخر.
(رد اليمين): وهي تكون فيما إذا لم يكن لدى المدعي بينة فطلب من المنكر ان يحلف فلم يحلف، فيكون له رد اليمين على المدعي والطلب بصدور اليمين منه.
(رشد)
(الرشد): هو بلوغ مرتبة من الفهم الاجتماعي والاقتصادي يكون الفرد باعتباره مأموناً من غبن الآخرين واعتدائهم في المعاملات أو غيرها، في مقابل السفيه الذي يكون قاصراً من هذه الجهة، فان كان الفرد بالغاً رشيداً انتفت عنه ولاية غيره وإلا فالولاية موجودة، ولا يجوز له إيقاع المعاملات إلا بإشراف الولي.
(رشو)
(الرشوة): هو المال المدفوع أو المأخوذ لإحداث نتيجة باطلة شرعاً. وفي كتاب القضاء هو المال المدفوع لأجل الحكم للدافع سواء كان حقاً أم باطلا لأنه ان كان حقاً كان واجباً، وان كان باطلا كان حراماً واخذ الأجرة على فعل الواجب والحرام حرام.
(رضى)
(الرضا): حالة نفسية صالحة معروفة. قد تكون ضد الغضب، وقد تكون ضد المماكسة والإصرار على الرأي. والمقصود فقهياً غالباً هو الأخير، وفي حدود ما نتكلم عنه له عدة أحكام شرعية منها: الرضا بالدية مع التنازل عن
ــــــــــــــــــــ[269]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
القصاص.
(رقع)
(الرقع): قد يراد بها الورقة المكتوبة. أو أي شيء يكتب عليه يصح علامة على طريق أو خطر في الطريق.
و(الرقاع): جمع الرقعة، وهي الأوراق التي تكتب في القرعة وتخلط ثم يسحب منها بعضها ويعمل عليه. ومنها: صلات ذات الرقاع.
(رمى)
(الرمي): يمكن أخذه بأكثر من اعتبار:
أولا: هو القذف الذي هو الاتهام بالزنا أو اللواط. وعليه حد.
ثانياً: هو الرمي من شاهق، وهو أحد الحدود الواردة في اللواط وغيره.
ثالثاً: هو رمي الحجر على المرجوم حال رجمه.
مضافاً إلى اصطلاحات أخرى في الحج وغيره.
(رقق)
(الرق): العبد المملوك، وقد يعبر به عن حالته أيضاً، وتسمى الرقية أيضاً. وله أحكام كثيرة جداً في الفقه، منها في محل الكلام: ان الحر لا يقاد يعني لا يقتل بالعبد، وان دية العبد قيمته ما لم تزد على دية الحر فيقتصر عليها.
(الاسترقاق): طلب الرقية أو اختيارها للغير. وهو من جملة عقوبات العبد للقاتل حراً. فان لولي الدم ان يقتله أو أن يسترقه.
ــــــــــــــــــــ[270]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(رقي)
(الرقية): بالتخفيف هي العوذة التي تقال أو تحمل لأجل بعض النتائج الصالحة أو الفاسدة، فان صح تأثيرها، فقد توجب قتل شخص ظلماً أو ذهاب بعض (المنافع) منه، يعني الفعاليات الحياتية لأعضائه كالسمع والبصر والنشاط الجنسي أو الحركي، فتوجب ذهابها، ويكون عليها القصاص أو الدية، إذ لا يفرق في أسباب الاعتداء بين أن يكون بسبب مادي كالضرب أو سحري كالعوذة والرقية.
حرف الزاي
(زحم)
(تزاحم الموجبات): يعني تضادها وتعارضها، ويراد بها موجبات القصاص. كما لو قطع شخص إصبعاً من واحد ويداً من آخر، فان قطع اليد قصاصاً ينافي قطع الإصبع بعدها، كما ان تقديم قطعه يقتضي نقصان القصاص من مقطوع اليد.
(زنى)
(الزنا): هو الفحشاء الذي يحصل بين الجنسين حراماً، ومن أحكامه أنه لا يثبت قضائياً الا بأربعة شهود يشهدون الدخول، كالميل في المكحلة. فعندئذ يعاقب المحصن بالرجم وغيره بالجلد مئة سوط.
(زور)
(التزوير): يراد به تغيير الحقائق قولا أو كتابة. ومنه، شهادة الزور. وكذلك: صحة الاعتماد على الكتابة إذا أمن التزوير. إلى غير ذلك من موارده. والفاعل له: مزوّر – بالكسر– والمضمون أو الكتابة مزورة – بالفتح – .
ــــــــــــــــــــ[271]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(زهق)
(إزهاق النفس): هو القتل نظراً إلى خروج روحه بقتله. يقال: زهقت روحه إذا خرجت من جسده وتحولت إلى العالم الآخر. وللقتل أحكام كثيرة عرفنا بعضها ويأتي البعض الآخر. ومن موارد استعمال ذلك: النظر إلى السبب كالضربة في قوتها، أو الآلة في وضعها هل توجب إزهاق الروح أم لا؟ فان كانت موجبة له فالقتل عمد، والا فهو خطأ.
حرف السين
(سأل)
(السائل بالكف): لا تقبل شهادته. فمن شرائط الأخذ بقول الشاهد أن لا يكون سائلا بكفه.
(سبب)
(التسبيب): هو تحصيل السبب أو إيجاده لإتلاف مال أو نفس أو عضو، ونحو ذلك. وهذا هو اصطلاحهم. ولكل ذلك أحكامه الخاصة به.
(السبب الملجيء): وهو السبب القاهر أو الاضطراري، وهو يغير موضوع الجناية، والحكم بالعقوبة لا محالة لاختلافه أساساً عن السبب الاختياري الإرادي.
(سجن)
(السجن): هو الحبس، وقد تحدثنا عنه في هذا الفصل، وفي الفصل الذي عقدناه للعقوبات في كتاب القضاء فراجع.
ــــــــــــــــــــ[272]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(سحر)
(السحر): مما اختلفوا في وجود حقيقة له وعدمها، وعلى أي حال، فيمكنه ان يؤثر على شكلين:
احدهما: تأثيره الواقعي الذي قصده الساحر، لو كان له واقع.
ثانيهما: تأثيره في رد الفعل على المسحور أو غيره. كما لو مات أو تضرر لأجل فزعه من عمل السحر ضده.
وعلى أي حال، فقد تحصل بذلك جناية على النفس أو ما دونها فيجب في ذلك القصاص أو الدية.
(سحق)
(المساحقة): أو السحاق هو الاتصال الجنسي بين أنثيين، وهو محرم وعليه الحد. وهو من الشذوذ الجنسي بطبيعة الحال.
(السمحاق): هي الضربة التي تبلغ طبقة السمحاق وهي: الجلد الرقيق بين العظم واللحم. وهو الغشاء الذي يلف العظم من جميع جوانبه. فإذا وصلت الضربة إليه ولم تشق ذلك الجلد، فهي السمحاق. وعليها قصاص أو دية. وهي تذكر في كتاب الديات، لتعين الدية فيها غالباً، إما لأنها ليست عمداً، أو لأن نوعها ممن يتعذر القصاص فيه، فيصار إلى الدية.
(سري)
(السراية): هي انتقال الصفة من محل متصف بها إلى محل آخر، ولها تطبيقات عديدة منها:
(سراية الجناية): يعني لو تسببت الجناية، وهي الجرح أو القطع إلى مضاعفات خلال الزمن المتأخر عنها.
ــــــــــــــــــــ[273]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(سراية الحد): يعني ما إذا أوجدنا الحد على شخص وكان موجباً لضرره صحياً كالجلد أو القطع. فحدث من ذلك مضاعفات خلال الزمن. فلا تكون مضمونة.
(سراية الحرية): يفتي المشهور أن العبد إذا اعتق بعضه سرت الحرية في الجميع. ويحصل ذلك في عدة موارد: كما لو كان بعض الورثة ولداً له فيعتق عليه بمقدار حصته وتسري الحرية في الجميع ويستسعى يعني يؤمر التجارة والاكتساب لأجل دفع الجزء المتبقي لمن خسر قيمته. وكذلك فيما إذا كان العبد مكاتباً مطلقاً, وقد دفع بعض الأموال في بعض كتابته. فانه يعتق بالنسبة، فقد يقال بسريان الحرية في الباقي.
وكذلك إذا كان العبد مشتركاً بين اثنين ونكل به أحد الشريكين، انعتقت حصته بالتنكيل وسرت الحرية في الجزء الآخر. فيستسعى لأجل دفع القيمة.
وغير ذلك من الموارد.
(سرق)
(السرقة): معروفة، وهي من أسباب الحد بقطع اليد للسارق مع اجتماع شرائط معينة.
(سقط)
(السقوط): باصطلاحهم زوال الحالة القانونية بعد ثبوتها، ومن موارده:
(سقوط الدعوى): أي عدم استحقاق المدعي للاستمرار بالمرافعة، مع نكوله عن اليمين المردودة عليه من المنكر.
(سقوط الحق): فمن كان مستحقاً لمطالبة غيره بشيء كالقصاص أو الدية أو اليمين، فسقط حقه لسبب شرعي مذكور في محله.
ــــــــــــــــــــ[274]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(سقوط القود): والمراد به سقوط حق القصاص، في النفس أو ما دونها، بسبب شرعي كالعقد، أو زوال محل القصاص، أو أي سبب آخر.
(سكت)
(السكوت): كالكلام له حكمه أيضاً. فسكوت البكر في عقد النكاح رضاها، أو دليل رضاها بالزواج. وسكوت المنكر بمنزلة النكول. وقد يحكم بحبسه حتى يجيب، إلى غير ذلك من أحكامه.
(سكر)
(المسكر): مخففاً يعين بدون تشديد من الرباعي: اسكر فهو مسكر. وأما الرباعي المشدد: سكّر فهو مسكِّر. فلا يخلو من تسامح ومجافاة للذوق.
والمسكر هو فاعل الاسكار، أو السكر، وهو باصطلاحهم المائعات الموجبة أو المسببة له كالخمر والفقاع، فان على شربها الحد، بخلاف المواد المسكرة الصلبة، أو التي توجب السكر بالدخان أو البخار أو الرائحة.
(والسكر): عندهم هو زوال للعقل، وهو أمر مبالغ فيه غالباً، فان السكر حالة من النشوة التي تفصل الفرد عن واقعه الخارجي قليلا أو كثيراً. كما تفصل عن التفكير السوي المعتدل قليلا أو كثيراً. وقد شرحناه في كتاب الأطعمة والأشربة، فراجع. والمهم ان السكر القليل لا يوجب زوال العقل، ولكنه يحصل بالكثير منه.
(سلب)
(المستلب): من سلبه يسلبه إذا غصبه المال، فيكون سارقاً، لكنه غير واجد لشرائط القطع.
ــــــــــــــــــــ[275]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(سوى)
(متساوي الاجزاء): الأموال على قسمين: متساوية الأجزاء ومختلفة الاجزاء. فالمتساوية كمقدار من الحنطة أو غيرها، يكون أي جزء أو كسر منه مماثلا للأجزاء والكسور الأخرى. والمختلف الاجزاء كالإنسان والحيوان والنبات ليس أحد أجزائه مماثلا للباقي.
وله أحكام عديدة، منها: ما يرتبط بالقسمة، فان ما يتساوى أجزاؤه له نحو من التقسيم، والمختلف له نحو آخر. كما ان المتساوي مثلي بالضمان وغيره قيمي.
حرف الشين
(شبث)
(المتشبث): هو صاحب اليد على العين كساكن الدار. ويسمى بالداخل أيضاً، كما سبق ان عرفناه من تفسيره. ويفرقان بأن الداخل قد يكون مالكاً، والمتشبث من لم تثبت ملكيته.
(شبه)
(الشبهة): استنتاج ذهني أو عقلي يبعد بالفرد عن الصواب، ومنه: ان الحدود تدرأ بالشبهات، يعني مع احتمال الصحة بالعمل، كما لو لم يعلم الفاعل بالحرمة أو كان يعلم بالحلية خطأ.
(شبه العمد): هو واحد من أوصاف ثلاثة يوصف بها الاعتداء أو الجناية: وهي العمد وشبه العمد والخطأ. وشبه العمد شكل من أشكال الخطأ. إلا أنه متعمد إلى العمل غير متعمد إلى النتيجة. كما لو ضربه تأديباً فمات. بخلاف الخطأ المحض، فان العمل بنفسه غير مقصود بعنوانه يعني بوقوعه على الفرد.
ــــــــــــــــــــ[276]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ولكنه كان قاصداً وقوعه على حيوان، مثلا.
(الاشتباه): وهو الخطأ في التطبيق. وله مصاديق عديدة عند الجناية أو عند المرافعة أو عند دفع الحق، أو في موارد أخرى.
(شجج)
(الشج): هو جرح الرأس من ضربة أو اكثر، أو بأي سبب آخر. وقد يعمم لكل الجروح العميقة، أو لكل الجروح، وان لم تكن عميقة.
ومن هنا يكون تقسيم الجروح إلى الدامية والباضعة والسمحاق وغيرها من أقسام الشجاج.
(شرك)
(الشرك): وهو الشرك بالله سبحانه. وله قسمان أساسيان:
أحدهما: الشرك الصريح وهو الاعتقاد بآلهين أو أكثر أو عدم الاعتقاد بأي خالق. ويعتبر خروجاً عن الإسلام، أو ارتداداً يعاقب صاحبه بالحد.
ثانيهما: الشرك الخفي: وهو الاعتقاد بتأثير الأسباب إلى جنب تأثير الإرادة الإلهية، كما يطلق على الشرك في الطاعة يعني إطاعة الشيطان أو إطاعة الهوى مع إطاعة الله سبحانه أو بدونها. ومنه قوله تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ. وقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ.
وهذا النوع من الشرك لا حد عليه ما لم يؤد إلى محرم أو جناية، ولكن يجب التوبة منه والاستغفار عنه على أي حال.
(الشركة): هي الاشتراك في ملكية المال، سواء كان هذا المال مشغولا بالتجارة أم لا.
وتطلق الشركة في اللغة الحديثة، على الأموال المشتركة المشغولة
ــــــــــــــــــــ[277]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
بالتجارة.
وقد تكون الشركة بالجريمة أو الاعتداء، كما لو سرق لصان متاعاً أو قتل اثنان واحداً.
وعلى أي حال، يسمى الواحد شريكاً وفعلهما شركة أو مشاركة أو تشريك. وخاصة مع تعمده.
ومن أحكامه: عدم جواز تصرف الشريك في المال المشترك، إلا بإذن شريكه. وإذا قتل اثنان واحداً، جاز لولي الدم قتلهما مع دفع نصف الدية لكل منهما.
وإذا كانت المشاركة في الإتلاف ضمن كل منهما جزء القيمة.
وقد تكون هناك مشاركة في الشهادة أو في القسامة أو في أمور أخرى.
(شفر)
(الشفران): هما اللحمتان اللتان تكونان على جانبي عضو المرأة. وفي قطعهما الدية.
(شلل)
(الشلل): عطل العضو الحي عن فعاليته، فإذا كان ناتجاً عن جناية كانت عليه عقوبة.
(شهد)
(الشاهد): يعتبر الشاهد والشهيد من أسماء الله سبحانه، وهو في اصطلاحهم من يتحمل الشهادة ويؤديها. (والشهادة) من مشاهدة واقعة معينة اما سماعاً أو إبصاراً أو لمساً أو تفهماً. والإعراب عن ذلك ان احتاج الحال إليه.
ــــــــــــــــــــ[278]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
والطلاق يحتاج إلى شاهدين عدلين ليحكم بصحته في مذهبنا، ولدى أهل السنة يحتاج النكاح إلى ذلك. ومحل الشاهد ان هذه الشهادة لا تتوقف على الأداء إلا أحياناً، والمهم أنه لا يفسد الطلاق ولا النكاح مع عدم أدائها أصلا.
والشاهدان العدلان هما: البينة باصطلاحهم. ويعبر بها عن أداء الشهادة. لأنها السبب في إبانة وإيضاح الأمر إلى القاضي أو الحاكم أو الفقيه.
(شهادة الزور): هي الشهادة الكاذبة، وفيها أحكام معينة يتحمل فيها الشاهد مسؤولية ما كذب فيه. فلو شهد على دين غرمه، ولو شهد على لواط أو زنا حُد حَد القاذف. ولو شهد على قتل كان عليه الدية. وهكذا.
(المشهود عليه): هو المشهود ضده، وهو المنكر عادة أو المدعى عليه. أو هو الحال الذي يبينه للشاهد بشهادته.
(الشهادة على الشهادة): وهي كما يُعلم من لفظه قيام بينة على قيام بينة، يعني أن يشهد شاهدان عدلان على شهادة شاهدين عدلين.
(شهادة النساء): وقد عرفنا في كتاب الشهادات ان قبولها ليس واسعاً، أو مطلقاً كشهادة الرجل، بل فيها بعض التقييدات التي عرفناها هناك.
(شهر)
(الشهر): مقدار ثلاثين يوماً بلياليها، أو هو فترة من أول الشهر إلى آخره بأي حساب تقويمي أخذناه، كالشهر القمري, أو الشمسي، أو غيرهما.
(الأشهر الحرم): وهي أربعة: رجب وشوال وذي القعدة وذي الحجة. ولا يجوز فيها الابتداء بالقتال. ومن يفعل ذلك فعليه عقوبة.
(شهر سيفه): إذا سحبه من غمده وصال به على غيره، وهو يعني إشهار أي سلاح في وجه الآخرين. فان كان بنحو الاعتداء كان عليه عقوبة، وإذا
ــــــــــــــــــــ[279]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ترتب على ذلك بعض المضاعفات، كما لو مات الآخر من الخوف لزمته ديته، وإذا تعمد ذلك عالماً بالنتيجة فالقصاص.
(التشهير): التوصل إلى الفضيحة. أو قل: فضح المجرم. ويعمد الأسلوب القديم إلى جعل المجرم على حمار خال من السرج ووجهه إلى ذيله ويدار به في البلد، وهو أسلوب من التشهير، إلا أنه غير منحصر طبعاً، وهو من العقوبات على اللواط وغيره.
حرف الصاد
(صدع)
(الصدع): الانفطار وهو حصول كسر بين جزئين من شيء واحد من دون انفصال كامل. ويطلق مجازاً على التعب في سبيل هدف معين، وهو التصدع والتصديع. ومنه قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.
وإذا حصل صدع في عظام الجسم أو الرأس نتيجة لجناية كان فيه قصاص أو دية.
(صرف)
(التصرف): ذو اليد الذي يكون له تصرف وعمل في العين. وقد يكون متصرفاً من دون يد كما لو كانت العين تحت يد غيره.
(صعر)
(صعر العنق): ميلها إلى أحد الجانبين. ومعنى الصعر أوسع من ذلك، فقد يكون في الخد، وهو ميله إلى أحد الجانبين خلقة أو تكبراً. ومنه قوله تعالى: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ.
ــــــــــــــــــــ[280]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وإذا حصل الصعر في العنق بجناية كان عليه دية.
(صغر)
(الصغير): غير البالغ أو غير البالغة كل جنس بحسبه. وله أحكام خاصة، منها: رفع التكليف عنه. ووجود الولاية عليه لتدبير أموره. وعدم نفوذ معاملاته إلا في القليل، إلا بإذن الولي، ان كان مميزاً. والصحيح هو صحة عباداته واعتقاداته، خلافاً للمشهور من كون عباداته تمرينية وكونه تبعاً في الاعتقاد لأبويه، فلو كانا كافرين كان كافراً، وان اعتقد الإسلام. إلا ان الصحيح كونه مسلماً حقيقة ويصدق عليه أنه أخ في الإسلام.
(الصغائر): وصف للذنوب باصطلاحهم. وهي ضد الكبائر. وهذا وارد في القرآن الكريم: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ. وقد اختلفوا في الفرق بين الأمرين على مذاهب نذكر بعضها باختصار:
أولا: ان الكبائر هي المنهي عنها في القرآن الكريم والصغائر ما نهي عنه في السنة الشريفة.
ثانياً: الكبائر ما حصل التوعد عليه بالنار في القرآن والصغائر بخلافه.
ثالثاً: الكبائر هي المحرمات والصغائر المكروهات.
رابعاً: الكبائر ما يلتزم به الفرد ويعتاد عليه، أو ما يكرره من المحرمات. والصغائر ما يلم به أحياناً. ومنه قوله تعالى: إِلَّا اللَّمَمَ، وهو ما يلم به أحياناً من الذنوب.
خامساً: الكبائر: هو كل محرم مهم بالنسبة إلى ما هو دونه من الأهمية. كالزنا والقبلة. وكالقتل والضربة، وهكذا. ومنه ما كان الاحتياط فيه مؤكداً، وهو الدماء والفروج، في مقابل الأحكام الأخرى التي لا تكون كذلك.
ــــــــــــــــــــ[281]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(صلب)
(الصلب): – بضم فسكون – أسفل الظهر، ومنه قوله تعالى:يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ، وفي الاعتداء عليه الدية بمقدار ما يحدث من الأثر كما لو حصل الشلل، أو انقطع النشاط الجنسي أو غير ذلك.
ويأتي الصلب – بفتح أوله – بأحد معنيين:
أولاً: ضد اللين.
ثانياً: شكل من أشكال القتل، وهو الشد بالصليب حتى يموت. ويطلق اللغة الحديثة على القتل بالمقصلة على طريقة شد الحبل في العنق، وتعليق المحكوم حتى يموت.
(صلح)
(المصلحة): السبب الذي يؤدي إلى خير لفرد أو جماعة، ومن هنا تنقسم إلى المصلحة العامة والمصلحة الخاصة. ومن المنطقي والقانوني بكل الشرائط تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، والهوى النفسي دائماً يوجب تقديم المصلحة الخاصة على العامة.
(الصلح): يطلق عادة ويراد به عقد خاص مذكور في كتاب فقهي بنفس العنوان، نعني كتاب الصلح، وبه يفسر قوله : (الصلح جائز بين المسلمين)، وقد يفسر به قوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ، ولكن قد يراد بالآية والخبر المعنى الآخر الآتي أو ما يشمل المعنيين معاً.
إذ قد يطلق لفظ الصلح، ويراد به أي مصالحة بعد المنازعة سواء كانت المنازعة فردية أو جماعية كالحروب، غير ان هذا اللفظ أقرب في اصطلاحهم إلى المعنى الأول، فان أرادوا المعنى الثاني، قالوا: التصالح أو المصالحة، غير ان اللغة تساعد على ما يعم المعنيين كما أشرنا إلى معنى الآية والرواية.
ــــــــــــــــــــ[282]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(صنع)
(الصناعة): ويمكن ان يراد بها عدة معاني:
أولا: العمل اليدوي الحرفي.
ثانياً: ما يشمل صناعة المعامل الضخمة وهو من المعاني المستحدثة.
ثالثاً: الفن العلمي حتى في العلوم اللغوية والدينية, حيث يقال أن مقتضى للصناعة هو كذا. وقد ذكر المشهور أنه يشترط في الشاهد ان لا يكون من ذوي الصنائع الدنية أو المكروهة، وهو إشارة إلى المعنى الأول الحرفي أو اليدوي. ويراد بالصنائع الدنية ما يكون منحطاً اجتماعياً كالحمال والزبال، وأما الصنائع المكروهة فمنها ما يكون عرضة للوقوع في الحرام. ومنها ما هو مذكور في الأدلة بعنوانه كالحياكة والحجامة ومنها كل حرفة توجب قسوة القلب كالتشريح.
حرف الضاد
(ضمم)
(الضميمة): مأخوذ من ضم شيء إلى شيء وإلحاقه به، ولها عدة أحكام في الفقه منها جواز بيع العبد الآبق مع الضميمة وفي محل كلامنا قالوا: لا تجوز شهادة الزوجة لزوجها الا مع الضميمة.
(ضمن)
(الضمان): قد يطلق ويراد به العقد المسمى باسمه والمذكور في كتاب الضمان، وقد يطلق ويراد به مطلق أشكال الذمة ويسمى مشغول الذمة ضامناً.
وقد يطلق ويراد به استحقاق تحمل العقوبة من قصاص أو دية أو كفارة،
ــــــــــــــــــــ[283]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فيكون لهذا المعنى بل لكل معانيه تطبيقات كثيرة في الفقه.
(ضامن الجريرة): من العناوين المستعملة في كتاب الإرث، وقد سبق شرحه مفصلا، ويعتبر الطبقة الخامسة من الورثة بعد المعتق. ويصدق أيضاً على كل من يضمن جريرة غيره كالعاقلة والمولى المعتق. والمقصود دفع الدية بدلا عنه.
(ضوء)
(ضوء العين): قدرتها على الإبصار مأخوذ من أحد وجهين:
أولا: انها ترى الضوء وبه ترى سائر الأشياء.
ثانياً: ما كان يقوله القدماء من خروج شعاع من العين يقع على الأشياء فتراها.
وقد تحدث الجناية ذهاب ضوء العين بأحد الوجهين المذكورين، فيحدث العمى وعليه قصاص أو دية.
حرف الطاء
(طعن)
الطعن: يراد به أحد معنيين:
أولا: الضرب بآلة حادة تدخل في الجسم الحي، فإذا كانت جناية عوقب بمقدار تأثيرها من قصاص أو دية.
ثانياً: الخدش والتجريح بعدالة الشهود وهذا ما يمكن ان يقوم به المنكر ضد شهود المدعي إذا تيسر له.
ــــــــــــــــــــ[284]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
حرف الظاء
(الظهور): يراد به عادة الظهور اللفظي. ويشمل كل المفردات اللغوية حتى الوارد منها في الكتاب الكريم والسنة النبوية، وهو حجة شرعاً إذا كان موافقاً للغة والعرف.
ويستعمل أيضاً في فهم كلام الوصايا والأوقاف والشهادات سواء أمام القضاء أم غيره.
(الظاهر): يراد به أحد معنيين:
الأول: الظاهر اللفظي مأخوذاً من الظهور الذي تحدثنا عنه.
الثاني: الحكم الظاهري في مقابل الحكم الواقعي. وفيه عدة أبحاث بين الفقهاء. وفيما يخص كتاب القضاء قالوا: ان الحكم القضائي ظاهري وليس بواقعي، بمعنى أنه قد يطابق الواقع وقد يخالفه. وعلى الطرف في المرافعة بل كل أحد ان يتبع الواقع إذا كان عالماً به. وإنما يكون الحكم القضائي نافذاً في حدود الجهل بالواقع.
(التظاهر بالفسق): وهو انكشاف أو إعلان إيجاد المحرم أياً كان من قبل الفرد أياً كان. وقد يطلق عليه: التجاهر بالفسق. فلو كشف فرد عن شربه الخمر أو غيره كان متظاهراً بالفسق. ونحوه: البغايا وباعة الخمور والنساء السافرات.
حرف العين
(عبد)
(العبد): هو المملوك الرق. وقد تنسب العبودية إلى الله سبحانه ومنه قوله تعالى: (عبده ورسوله)، وقد تنسب إلى الإنسان، وقد اشرنا إلى معناه في
ــــــــــــــــــــ[285]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
عنوان: الرق.
(عتق)
(العتق): تحرير العبد وخروجه عن الملكية إلى الحرية إما بفعل مالكه فيكون هو معتقاً بالكسر، والعبد معتقاً بالفتح، وإما بالحكم الشرعي كما لو نكل به مولاه أو اشتراه من ينعتق عليه كأبيه أو ابنه، والمصدر منه: الاعتاق أو العتق والصفة: العتيق.
(المعتق): هو المحرر للعبد ويسمى بولي النعمة عندهم أيضاً. وتحت بعض الشرائط يكون: الطبقة الرابعة من الورثة.
(عثم)
(العثم): بسكون وسطه مصدر عثم، إذا إنجبر العظم على غير استواء، ويأتي لازماً أو متعدياً، يقال : عثم فلان العظم إذا أجبره معوجاً. ويأتي في الجروح والكسور التي تحدث في الجنايات.
(عدل)
(العدل): و(العدالة): وضع الشيء في موضعه المناسب له. وهو ضد الظلم وهو وضعه في غير موضعه عمداً.
وله قسمان: تكويني وهو الساري المفعول في الكون. وهو العدل المنسوب إلى الله سبحانه. بناء على ما هو الصحيح من اتصافه بالعدل، كما يقول: العدلية.
وقسمه الآخر: التشريعي، وهو كون الشريعة عادلة, وهي لا تكون كذلك الا إذا كانت صادرة من مصدر عادل حقيقي وهو العدل الإلهي، أو يكون خالياً من الهوى والمصلحة الشخصية بالمرة.
ــــــــــــــــــــ[286]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ويطلق العدل على تطبيق الشريعة العادلة وإطاعتها. ومنه العدالة التي يتصف بها القضاء أو القاضي، أو العدالة التي يتصف بها الفرد العادل.
(العدول): هو البداء(1) أو تغيير الرأي، ومنه العدول عن التقليد من مجتهد إلى مجتهد، والعدول في المرافعة من قاض إلى قاض، والعدول من الإقرار إلى الإنكار. والعدول عن الشهادة وهو أن يكذب نفسه أو يحمل لكلامه تأويلا أو شبهة ينشأ منها.
(تعديل السهام): وهو تجزأتها وتقسيمها بالنسبة إلى المال المراد تقسيمه. وإنما سمي تعديلا، لأنه قد لا يكون متساوياً مع اختلاف استحقاق الشركاء. فالعزل لكل واحد بما يساوي حصته أمر موافق للعدالة، فسمي تعديلا.
(عدو)
(العدو): هو الشخص الذي بينه وبينك مشاحنة أو خلاف وفي الأغلب لا يطلق إلا على من يريد ضررك. والعدو الرئيسي للإنسان هو الشيطان كما قال الله عز وجل: الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، ولا تقبل شهادة العدو لعدوه مع الشبهة لا مطلقاً.
(العدوان): هو الظلم وقد فسرناه. ويمكن التعبير عنه بأنه: الإضرار بالآخرين أو عمل الشر فيهم على غير استحقاق.
(عذر)
(العذر): هو السبب المخفف للمسؤولية عن الفاعل. والاعتذار هو بيان ذلك السبب.
ــــــــــــــــــــ[287]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) يعني البداء للشخص العادي. وأما البداء بالنسبة إلى الله سبحانه فله تفسيرات صحيحة، لسنا الآن بصددها.
وللعذر أحكام عديدة في الفقه منها: العذر عن الوضوء فيتيمم أو عن القيام بالصلاة فيجلس فيها. ويعتبر الجهل والإكراه والاضطرار من الأعذار الشرعية للمحرمات إلا ما يكون فيها الاحتياط مهماً. ومن موارد العذر وطئ الشبهة والإعسار كعذر عن دفع الدين أو الدية إلى غير ذلك من الموارد.
(العذرة): بفتحتين. هي ما يخرج من الإنسان أو من مطلق الحيوان وقد يخص سائر الحيوانات باسم آخر كالروث والسرجين ونحوهما. وتعتبر ما يخرج من الحيوان غير المأكول اللحم بما فيها الإنسان من أعيان النجاسة وفي جواز بيعها خلاف، وان كان الأصح جوازه مع وجود فائدة عقلائية كالتسميد.
(العذرة): بضمة فسكون، بكارة المرأة. وفي فتقها عدواناً الدية، ودم العذرة هو الدم الذي يسيل عند فتقها بأي سبب كان.
(عرب)
(الأعراب): بفتح الهمزة سكان البادية، وبكسرها هو بيان المقصد والمراد. كما أنه في النحو هو تحريك آخر الكلمة لفظاً أو هو ضد حالة البناء. يعني أن يكون اللفظ قابلا لتحول علاماته من الرفع إلى النصب مثلا، تبعاً لمحله من الإعراب.
والإعراب بمعنى بيان المقصد، قد يكون صعباً لبعض الناس أمام القاضي سواء كان مدعياً أم منكراً أم شاهداً. فينبغي مساعدته في ذلك.
(العربية): وهي لغة القرآن الكريم والجنس العربي عموماً. وقد اشتهر بين الفقهاء اشتراط صحة المعاملات بإيجاد العقد والإيقاع عليها باللغة العربية. وخاصة فيما يخص الفروج كالنكاح والطلاق واللعان. ولا شك بقبول الشهادة أمام القاضي بغير العربية، أما اليمين بأسماء الله عز وجل فاقتصارها على العربية أحوط بلا شك.
ــــــــــــــــــــ[288]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(التعرب): في الحديث أنه لا تعرب بعد الهجرة، وهو عبارة عن ان يصبح الفرد أعرابياً أو قروياً كما كان بعد ان أصبح ردحاً من الزمن مهاجراً إلى المدينة ومتعلماً لأحكام الإسلام. والمهم شرعاً وفقهياً ليس هو هذه الشكلية (بالفحص عن مكانه وأنه يسكن قرية أو مدينة) وإنما يجب تأويل التعرب في الحديث على حالة التسامح في تعاليم الدين، بعد أن كان الفرد حريصاً عليها وملتزماً بها. فيكون مؤداه كقوله تعالى: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ.
وفي بعض الفتاوى المنع عن حجية شهادة الإعرابي والمنع عن تقليده وإمامته في الجماعة، وإذا كان المراد منه ما شرحناه، كان الأمر صحيحاً الا أن ظاهر كلامهم غيره.
(عزب)
(العزوبة): ترك التزويج من الرجال والنساء، وهي مكروهة في الشريعة. ويأتي: عزب بمعنى بعُد ومنه: أعزب عن وجهي.
(عزر)
(التعزير): العقوبة البدنية غير المنصوصة بخصوصها في الشريعة، وقد سبق أن تكلمنا عنها مراراً.
(عزل)
(العزل): المفارقة والمباعدة بعد سبق الاتصال فعلا أو اقتضائه. ويأتي في الفقه بعدة موارد منها:
منها: عزل الماء عن المرأة تجنباً للحمل. وإذا كانت حرة رشيدة، لم يجز ذلك إلا بإذنها.
ومنها: عزل الزكاة مطلقاً أو زكاة الفطرة خاصة، انتظاراً لوجود المستحق.
ــــــــــــــــــــ[289]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فإذا تلفت بدون تعد ولا تفريط لا تكون مضمونة، بخلاف غيرها من الديون والحقوق، كالخمس، فان عزله لا يكون حجة وغير مبريء للذمة ما لم يصل إلى صاحبه أو مستحقه. وان تلف وجب تعويضه حتى ولو كان بدون تعد وتفريط.
ومنها: وجوب عزل الدية أحياناً، حتى يتم التأكد من مقدار الجناية أو عزل حصة منها قد تكون موروثة للجنين.
(عسر)
(العسر): بالضم هو الصعوبة الشديدة. وهو رافع للأحكام الإلزامية في موارد تحققه. فإذا كان شيء عسراً فلا يجب إنجازه أو لا يجب تركه، ان كان الترك عسراً.
(الإعسار): الفقر. ومن أحكامه وجوب الانتظار على الدائن له حتى يوسر، أي يتوفر لديه ما يدفعه في الدين زيادة على مستثنيات الدين. وهو قوله تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ.
(التعاسر): التعاند بين الخصمين. كأن احدهما يريد إدخال العسر على الآخر. وهو غالباً سبب التخاصم والمرافعة.
(عصب)
(العصبة): بالضم هم العشيرة من أولاد الأب والعم. وهم يتحملون دية الخطأ. بازاء تحمل الفاعل الدية في شبه العمد. وفي تعيين تفاصيلها وأحكامها كلام ليس هنا محله.
(عصم)
(المعصوم): هو الذي لا تجوز عليه صفة ما عقلاً أو شرعاً، ومنه عصمة
ــــــــــــــــــــ[290]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الأئمة والأولياء فضلا عن الأنبياء. حيث لا تجوز عليهم المعصية عقلا. بدون احتياج ذلك إلى القول بالجبر.
ومنه: حرمة الدم والمال شرعاً عن جواز الانتهاك والاحتلال. فيكون الدم معصوماً والمال معصوماً. ومع انتهاكه يستحق الفاعل العقاب بضمان القصاص أو الدية.
(عفو)
(العفو): هو غض النظر عن حصول الذنب، واعتبار الجريمة كأن لم تكن تماماً أو في بعض مراتبها فالعفو التام هو التنازل عن العقوبة كلها سواء كانت قصاصاً أو دية. والعفو الناقص هو التنازل عن القصاص (مع استحقاقه) إلى الدية.
(عقب)
(العقب): في كلامهم هو الذرية بصفتهم جيلا متأخراً يأتي بعد الجيل السابق وعقيبه. جمع: أعقاب. ويمكن أن يراد بالأعقاب الأفراد، كما يمكن أن يراد بها الأجيال المتعاقبة.
وللعقب أحكام متعددة في الفقه، أهمها كونه وارثاً للتركة وللدية ولحق الخيار ولحق الدعوى وللتصرف بالوقف وللعبودية ان كان من عبدين، إلى غير ذلك.
(عقل)
(العاقلة): هي العصبة، وفرقهما في اصطلاح الفقهاء هي انهم يستعملون لفظ العاقلة في كتاب الديات، يعني من حيث ضمانهم للدية، ويستعملون لفظ العصبة في كتاب الإرث. يعني من حيث استحقاقهم للإرث بالتعصيب وعدمه.
ــــــــــــــــــــ[291]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وهم على أي حال نفس الأشخاص في كلا الحكمين.
(العقل): هو ضمان الدية من قبل العاقلة في الخطأ. ويأتي أيضاً ضد الجنون.
(عمد)
(العمد): ضد الخطأ، وهو إيقاع الفعل عن التفات وبصيرة. وهو في اصطلاحهم من صفات الاعتداء الذي قد يكون قتلا وقد يكون دون ذلك. في مقابل شبه العمد والخطأ. وبالعمد يستحق الفاعل القصاص بالقتل ان كان قاتلا وبغيره ان كان معتدياً بغيره. ما لم يعف ولي الدم أو المعتدى عليه مطلقاً أو يتنازل إلى الدية.
(عهد)
(العهد): يأتي اصطلاحاً بمعنيين:
أحدهما: المعاقدة والمعاهدة بين شخصين أو جهتين أو دولتين، ومنه قوله تعالى: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. أو بين العبد وربه، ومنه قوله تعالى: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا. أو بين الرب وعبده، ومنه وقوله تعالى: وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّـهِ.
ثانيهما: المسبوقية الذهنية أو المعرفة المسبقة بالشيء. ومنه الألف واللام العهدية. وكون الشخص معهوداً بالشيء، يعني له معرفة مسبقة به وعهداً.
(عوض)
(المعاوضة): هي المبادلة بين عوضين. ولا يكونان الا ماليين عرفاً وشرعاً لعدم امكان ان يكونا أو احدهما غير مالي والا بطلت المعاملة. ويشمل هذا الاصطلاح أموراً عديدة منها المعاملات المعاوضية وهي التي تكون بين اثنين
ــــــــــــــــــــ[292]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
يعطي كل منهما شيئاً لصاحبه كالبيع والإجارة والقرض والرهن والهبة المعوضة. وغيرها.
(عيب)
(العيب): النقص عما هو الطبيعي في الخلقة أو عما هو المتعارف من التكوين. وله أحكام كثيرة منها: خيار العيب في البيع. وخيار العيب في النكاح لعيوب معينة مذكورة هناك. ومنها: ما في محل الكلام في القصاص والديات: ان شفاء محل الاعتداء اما ان يكون على سلامة تامة، أو بعيب يعني ان يشفى معيوباً، ولكل منهما حكمه الشرعي.
(العيوب الباطنة): وهي النقائص التي توجد في الباطن. ولكن قد يراد من الباطن داخل الجسد، كالنقص الذي يحصل في المعدة أو الكبد. وقد يراد به داخل النفس، كالنقص في العقل أو حصول حالة عصبية معينة دائمة أو مؤقتة.
(عين)
(العين): يراد بها عدة معان بنحو الاشتراك اللفظي. كالعين الباصرة والعين النابعة وعين الشمس وعين الركبة وعين الميزان والذهب وصفة التأكيد تقول: جاء زيد عينه.
وتستعمل فقهياً في عدة مواضع منها: أن يراد بها الجسم الذي يمكن المعاوضة عليه. فيقال: بيعت العين وتلفت وضمنت ورهنت ووقفت وغير ذلك.
ومنها: ان يراد بها العين الباصرة، بصفتها جزءاً من الجسم يمكن الاعتداء عليه إما على شكلها الخارجي, وإما على قوة إبصارها. وفي الاعتداء على الواحدة نصف الدية وعليهما معاً الدية الكاملة.
ــــــــــــــــــــ[293]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
حرف الغين
(غرب)
(التغريب): النفي والإخراج من البلد. من باب العقوبة على بعض الجرائم. وفيه صفتان: احداهما: الغربة وهو السكنى في غير البلد المعتاد عليه. وثانيهما: فعل ذلك جبراً عليه.
(غرر)
(الغرر): يأتي في كتاب البيع بمعنى الاحتيال. وفي بعض الروايات: نهي النبي عن بيع الغرر.
(الغرة): بالكسر، قلة في الالتفات قد تكون مؤقتة وقد تكون دائمة، فالمؤقتة يقال فيها: أخذه على حين غرة. والدائمة: هي الموجبة لكون الفرد غريراً أي سفيهاً. لأنه يكون قليل الالتفات إلى كثير من الأمور والمصالح.
و(الغرة): بالضم. الوجه. وله أحكام شرعية عديدة كوجوب غسله في الوضوء. ووجوب ستره في الحجاب للنساء على القول به، ووجوب كشفه لهن أيضاً في الحج. ومن هنا قالوا: إن إحرام المرأة بوجهها وإحرام الرجل برأسه.
(غرم)
(الغرم): بالضم، دفع البدل لشيء تالف أو مضمون.
(الغريم): هو الدائن المطالب بدفع البدل المشار إليه. وقد يستعمل بمعنى الخصم الذي هو الطرف في مخاصمة أو مرافعة قضائية.
(التغريم): هو الحكم من قبل القاضي بوجوب دفع الغرامة. أو هو دفع الغرامة فعلا.
ــــــــــــــــــــ[294]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
حرف الفاء
(فتي)
(الفتيا) أو الفتوى: بيان الحكم. وهو قد يكون من الله سبحانه، وهو قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ. أو من الرسول أو غيره كالفقيه، ومنه قوله تعالى: أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ فالزعم بأن الفتيا لا تكون إلا مستنتجة من الدليل، قائم على أساس الاعتياد على ما يصدر من الفقهاء بالفتيا أو الفتوى، وليس له أصل لغوي.
بل الفتيا تستعمل في لغة القانون الوضعي بنفس المعنى، وهو بيان الحكم أيضاً.
وهو اشتقاق يائي وليس واوياً، كما يعرف من فعله: أفتيت. ومصدره الفتيا أو هي اسم المصدر. فيكون في التعبير عنها بالفتوى تسامحاً واضحاً، وان صحت فهي اسم المصدر وتلك المصدر.
(فحش)
(الفحشاء): العمل الجنسي المحرم. سواء كان من الشذوذ الجنسي أو لم يكن. على ان يكون بين اثنين. فلا يصدق على العادة السرية أو الاستمناء أنه فحشاء. ومنه قوله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء. وقوله:إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ.
وقد عبر القرآن عنها بالفاحشة أيضاً، ومؤداهما واحد. ومنه قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّـهَ. وقوله سبحانه:إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا.
والجمع فواحش. وقد وردت أيضاً في القرآن الكريم عدة مرات. منها
ــــــــــــــــــــ[295]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
قوله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. وقوله سبحانه:
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ.
وبالنحو الذي عرفناه، فان له عدة تطبيقات هي: الزنا واللواط والمساحقة. ولكل منها حده الخاص به شرعاً كما هو معروف في كتاب الحدود. وله أحكام أخرى في الفقه. كالكلام في ذرية الزاني وسقوطه عن العدالة وغير ذلك.
(فخذ)
(التفخيذ): الاستفادة الجنسية من فخذ المرأة، وفي الأغلب لا يكون الا بحك الذكر به حتى ينزل. وإذا كان محرماً فعليه عقوبة شرعاً.
(فرض)
(الفرض): يأتي بمعنيين رئيسيين:
أحدهما: التظنن والافتراض. وهو مما قد يفيد علمياً. فيما إذا كان هو الطريق المنحصر لحل المشكلة. ويسمى عندئذ: الاطروحة.
ثانيهما: الإلزام والوجوب. وبهذا المعنى ورد في الكتاب الكريم، ومنه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ. وقوله سبحانه:
إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا. ومن هنا سميت الصلاة الواجبة: الفريضة، وهي مفعول من الفرض، يعني المفروضة أو الموجبة بالفتح.
(فسخ)
(الفسخ): نقض العقد وفكه باصطلاحهم. وهو يأتي فيما يسمى عندهم بالعقود اللازمة التي لها مقتضى الدوام والاستمرار, وأما العقود غير اللازمة فلا
ــــــــــــــــــــ[296]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
تحتاج إلى فسخ عندهم، بل تنحل بمجرد إرادة الحل والإبطال. ومعه يكون الفسخ هو فك العقد اللازم.
غير أن اختصاصه بذلك محل مناقشة, من حيث ان العقد غير اللازم، له قابلية الاستمرار على أي حال، ما لم يطرأ عليه الإبطال، فإبطاله هو فسخه.
(فسق)
(الفسق): هو الانحراف عن الطريق. ومنه اخذ مصطلح الفسق بمعنى عمل المحرمات الموجب لانتفاء العدالة. وفاعله: فاسق. واتهام الفرد به: جرح وتفسيق، وقد تكلمنا عن هذا المفهوم في فصل خاص به في كتاب الاجتهاد والتقليد من الجزء الأول من كتابنا هذا.
(فصل)
(فصل الخصومة): هو حلها والانتهاء بها إلى العدل، والأصل فيها ابتعاد شيء عن شيء أو جعل شيء بين شيئين، فان الفصل قد يكون بالمكان أو بالزمان أو بأي شيء. واستعير منه مجازاً للفك بين المتخاصمين، لأنه يلزم منه ابتعادهما عن بعضهما أو ابتعاد الخصومة عنهما.
(فعل)
(الفعل): يأتي بعدة معاني نذكر بعضها:
1- العمل الإرادي الاختياري، في مقابل الجبر، حيث يكون الفعل منسوباً إلى الله سبحانه لا إلى العبد.
2- الفعل: ضد رد الفعل الذي هو بدوره قد يكون طبيعياً، وقد يكون اختيارياً.
3- التأثير: ومنه قولهم: العلة الفاعلة أو الفاعلية.
ــــــــــــــــــــ[297]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
4- العمل الجنسي الحرام. ومنه قولهم: يا ابن الفاعلة.
5- في النحو بمعنى اللفظ الدال على أحد الأزمنة في مادته أو معناه. بإزاء الاسم والحرف.
6- بنحو اسم المصدر يراد به نتائج الأفعال الاختيارية، كالكتاب المنسوب إلى مؤلفه أو الجهاز المنسوب إلى مخترعه. فهو من فعله.
إلى غير ذلك من المعاني.
(فضي)
(الإفضاء): جعل مسلكي المرأة مسلكاً واحداً. وذلك إما مسلك البول والحيض أو مسلك الغائط والحيض. والأول أكثر حدوثاً. ومن فعله كان عليه الدية، حتى وان كان زوجاً للمرأة. والمشهور لا يفتي في أمثاله بالقصاص حتى لو كان الفاعل امرأة. نعم لو كان رجلا تعينت الدية لفوات محل القصاص وانعدامه فيه.
(فقه)
(الفقيه): العالم بالفقه. وأصله الذكاء والفهم. فهو صفة مشبهة منه. وخص به الفاهم للفقه وهو العلم بأحكام الحلال والحرام. وقد يطلق على كل شريعة سواء كانت دينية أم دنيوية.
وخص اصطلاح الفقيه بالمجتهد بالمعنى الذي شرحناه في كتاب الاجتهاد والتقليد في الجزء الأول من هذا الكتاب. وان كان لفظه أعم من ذلك. وإن كان المجتهد هو أولى من يتلقب به لاطلاعه التفصيلي والدقيق على كل الأحكام بشكل لا يقاس بسواه.
وقد عرفنا هناك ان الفقيه العارف هو الموضوع للحكم الشرعي بجواز
ــــــــــــــــــــ[298]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
التقليد وبإيكال الحكم إليه في قوله : قد جعلته حاكما. أو القول بولاية الفقيه.
(فلس)
(الفلس): بفتحتين: الفقر، وأفلس إذا ذهبت فلوسه. أو – كما قيل – : إذا ذهب خيار ماله وبقيت فلوسه.
(المفلس): بغير تشديد اسم فاعل من أفلس، وهو الفقير. وهو بالتشديد اسم مفعول من التفليس وقد فلسه الحاكم أو حكم بتفليسه، إذا حجر عليه. وذلك فيما إذا زادت ديونه على ثروته وطلب الديان الحجر عليه. وله أحكام سبقت في محلها.
حرف القاف
(قبض)
(القبض): اختلف الفقهاء في تعريفه فقالوا: هو التخلية، وقالوا هو التسليم، وقالوا غير ذلك. والتعريف إنما هو للاقباض لا للقبض كمصدر، وإن كان ظاهرهم ذلك. وله أحكام كثيرة في موارد عديدة في الفقه، منها قبض الديون واعواض المعاملات والديات وغير ذلك.
(القبول): يأتي بعدة معان: منها: قبول الإيجاب في المعاملات. بمنزلة الانفعال حيث يعتبر الإيجاب هو الفعل أو الجعل الأساسي للمعاملة، ومنها: الموافقة على أمور تضر بالمصلحة الخاصة. وقد يكون ذلك القبول ملزماً لصاحبه حيث يعتبر الطرف الآخر مستحقاً لتنفيذ مؤداه.
(قتل)
(القتل): التسبيب إلى الموت ويقسم في اصطلاحهم إلى عمد وهو
ــــــــــــــــــــ[299]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الحاصل بالعلم والاختيار، وشبه العمد وهو القصد إلى السبب دون النتيجة. والخطأ وهو عدم القصد إليهما معاً. كما لو ضرب عصفوراً فقتل إنساناً، فان سبب قتل الإنسان لم يكن مقصوداً، والتفصيل موكول إلى محله.
(قذف)
(القذف): هو الرمي في اللغة. ويأتي في اصطلاحهم بأكثر من استعمال:
أولاً: قذف المني. حيث يجب الغسل به.
ثانياً: الاتهام بالفاحشة كالزنا واللواط، وله حد.
ثالثاً: قذف المرجوم بالحجارة حتى يموت.
رابعاً: الطعن بعدالة العادل، كالشاهد أو غيره.
ويتعين المعنى المراد من السياق.
(قرر)
(الإقرار): الاعتراف. وقرره بالتشديد اخذ منه الإقرار. فهو مقر بالكسر ومنه قولهم: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز. وهي قاعدة صحيحة يؤخذ بها في القضاء الشرعي. وفحواها: ان كلام الفرد ان كان ضد نفسه فهو إقرار. فيتحمل مسؤوليته. وان كان ضد غيره فهو شهادة. لا يؤخذ بها إلا مع كونه عدلا. وان كان كلامه لمصلحة نفسه لا يؤخذ بشيء منه إلا بالإثبات الشرعي كالبينة واليمين.
(المقر): بفتحتين: المكان يعني محل الاستقرار. وقد يكون مادياً كمقر السكنى، وقد يكون معنوياً كمقر العلم.
(قرض)
(القرض): عقد بين طرفين يتم بموجبه تمليك مال لأحد الطرفين بشرط
ــــــــــــــــــــ[300]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
إرجاع مثله أو قيمته بعد مدة محدودة. وتفاصيله موكولة إلى الكتاب الفقهي المعنون باسمه: كتاب القرض.
(القراض): وهو المضاربة أو نوع منها: وفكرتها الأساسية عمل الفرد ومتاجرته بمال غيره بإزاء كسر أو جزء من الربح الناتج من المال. وتفاصيله موكول إلى الكتاب الفقهي المعنون بكتاب المضاربة.
(الانقراض): في الاصطلاح زوال قوم أو نوع من عالم الدنيا، ولا يطلق عادة على فرد أو جماعة قليلة إذا زالوا. وله أحكام كثيرة في الفقه.
منها: حكم الوقف إذا انقرض الموقوف عليهم. ومنها: حكم الملك إذا انقرض المالكون. ومنها: حكم الميراث مع حصول ذلك، إلى غير ذلك.
ويطلق في اللغة الحديثة على زوال أنواع الحيوانات النادرة، حيث يعني انقراض نوع منها موت آخر فرد منه.
(قرع)
(القرعة): طرق خاصة وأساليب معينة لاستخراج ذي الحق ومعرفته بعد تعذر ذلك من القواعد العامة. وفيها قيل: القرعة لكل أمر مشكل. ولا مجال الآن لذكر تفاصيلها وأساليبها.
(قرع سمعك): عبارة تستعمل في كلامهم لوصف الكلام الذي يكرره البعض مما لا طائل تحته أو يكون باطلاً تماماً أو أحياناً. وأصله العبارة المشهورة عن ابن سينا: ما قرع سمعك فذره في ساحة الإمكان حتى يذودك عنه ساطع البرهان. والظاهر أنهم اقتبسوها منه حتى أصبحت بمنزلة الاصطلاح.
(قسم)
(القَسَم): بفتحتين هي اليمين. ولها عدة أحكام:
ــــــــــــــــــــ[301]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
منها: كونها وظيفة المنكر في القضاء أو وظيفة المدعي بالرد أو بدعوى الدماء.
ومنها: حرمة الكذب بها إذا حصلت على الماضي وهي اليمين الغموس. وهي من الكبائر. وإذا حصلت على المستقبل وجب العمل بها وإذا تركها كان عليه كفارة اليمين.
(القسم): بالكسر: الجزء الحاصل بالقسمة.
(القسم): بالفتح، هو تقسيم الليالي بين الزوجات المتعددات.
(القسمة): تفريق الأجزاء، وتوزيع الحقوق على أصحابها. وقد تكون الحقوق مالية كالمال المشترك، وقد تكون غير ذلك كالقسمة أو القسم بين الزوجات. وللقسمة أحكام كثيرة لا مجال لذكرها الآن. وقد سبق كثير منها.
(القاسم): فاعل القسمة أو القسم. والمقسّم قد يستحق أجراً إذا قسمه بدون قصد المجانية. والتقسيم قد يكون نظرياً بعدّ الحصص والكسور أو عملياً بفرز الأموال.
(القسام): صفة مشبهة من القسمة، ويراد بها لغة كل من قام بالتقسيم، ولكنه خص في الاصطلاح الحديث بالورقة المتكفلة للتقسيم النظري لحصص الورثة.
(القسامة): طريقة شرعية في إثبات دعوى مدعي القتل. وهي تتكون من خمسين يميناً، على تفصيل سنذكره في فصل مستقل بعونه سبحانه وتعالى.
(قصب)
(القصبة): تطلق مجازاً في كلامهم على ما كان على شكل القصبة من أعضاء الإنسان كمجرى التنفس والمريء، وهو مجرى الطعام وبعض العظام
ــــــــــــــــــــ[302]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
كعظم الساق وعظمي الساعد وعظم العضد ونحو ذلك. ثم يذكرون أحكام الجناية عليها.
(قصد)
(القصد): يأتي بأكثر من معنى:
أولاً: العلم والالتفات للقول أو العمل. بإزاء أن يكون ذلك غير مقصود، كما لو كان سهواً أو إجباراً.
ثانياً: الالتفات بالطلب. يقال: قصدته: إذا طلبت منه شيئاً من قضاء الحوائج.
ثالثاً: الالتفات إلى الغير بالضرر أو الإضرار، وهذا يعم الحيوانات يقال: قصده الوحش أو السبع. وهذا القصد قد يكون جنائياً, فيكون له عقوبته قصاصاً أو دية.
(قصص)
(القصاص): هو المعاملة بالمثل في الجراح والجنايات. وهو قول الله عز وجل: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ. والظاهر أنه مأخوذ من قصّه إذا سار على دربه. والقصاص يجب أن يسير مسار الجرح الأول في الجناية ويكون بمقداره صفة وحجماً.
(المقاصة): هي اعتبار مال في الذمة أو في الخارج بإزاء مال في الذمة. يقال: أخذه مقاصة يعني بإزاء ما يطلبه من الدين. وهي التهاتر.
وقد يفرق بين المقاصة والتهاتر بأحد أمور محتملة:
أولا: ان المقاصة تكون بالقصد الاختياري والتهاتر يحصل قهراً.
ــــــــــــــــــــ[303]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ثانياً: ان المقاصة بإزاء مال في الخارج. والتهاتر لا يكون إلا ما بين ذمتين، أو ان المقاصة للموردين معاً فهي أعم من التهاتر.
ثالثاً: إن التهاتر لا يكون إلا في الديون كالقرض وأعواض المعاملات. وأما المقاصة فتكون فيها وفي غيرها كالمسروقات والديات.
(قضي)
(القضاء): يأتي بعدة معان:
أولا: القضاء الإلهي، وهو الأمر الحتمي المتوجه من الله سبحانه إلى المخلوقات بالحصول ذاتاً أو صفة أو تغييراً.
ثانياً: فصل الخصومات بين الناس، وهي وظيفة القاضي.
ثالثاً: إفراغ الذمة مما فيها من الديون. يقال: قضى دينه، فهو قاض له.
رابعاً: إفراغ الذمة مما علق فيها من وجوب تدارك العبادات الفائتة، وهو قضاء الصوم والصلاة والحج وغيرها. يقال: قضى صلاته فهو قاض لها.
(القاضي): اسم فاعل من القضاء. ويغلب على المعنى الثاني الذي ذكرناه للقضاء قبل قليل، يعني الذي يمارس فصل الخصومات. وإن كنا عرفنا ان كل معانيه يمكن اشتقاق اسم الفاعل منها. وهو مستعمل أيضاً في الفقه، يقال: قاضي الصلاة وقاضي الدين.
(القضاء بالنكول): يعني البت بالقضية أو الحكم فيها بسبب النكول. وهو نكول المنكر أو المدعي عن اليمين. وهو أمر يثبته جماعة من الفقهاء وينفيه آخرون.
(قطع)
(القطع): هو الفصل بين جزئي الشيء الواحد. ويأتي في استعمالاتهم
ــــــــــــــــــــ[304]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
بعدّة معانٍ:
أولا: بمعنى اليقين، وهو يفيد إزالة الشك وإبداله بالاطمئنان النفسي الذي يقارن اليقين. ومن هنا قيل: قطع الشك باليقين، ومنه: القطاع، وهو مبالغة من القاطع. والقاطع هو العالم أو المتيقن والقطاع هو كثير القطع. وهو من يحل له القطع بسرعة غير متعارفة، وهذا كله مبحوث في مباحث القطع من علم الأصول.
والقطع قد يتعلق بالعقائد وقد يتعلق بالفروع وتفاصيل الأحكام. ولكل منهما حكمه.
ثانياً: القطع الحاصل بالجناية، كقطع الأذن أو الأنف أو اليد. وله عقوبته شرعاً.
ثالثاً: القطع الحاصل بالعقوبة. وأشهرها قطع يد السارق. ومنه القطع قصاصاً.
(القطع من خلاف): وهو قطع اليد اليمنى مع القدم اليسرى، وقولنا: من خلاف يعني ليس من جهة واحدة يكون القطع. بل من جهتين احداهما بخلاف الأخرى: اليمين واليسار. وهذا كعقوبة شرعية يحصل في موردين:
احدهما: الفساد في الأرض. كما قال الله سبحانه: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ. الآية.
ثانيهما: السرقة المتكررة. فلو سرق مرة وتمت محاكمته وأنجز عليه الحد بقطع يده اليمنى فسرق مرة أخرى، فان ثبتت سرقته قضائياً، كانت عقوبته هو قطع رجله اليسرى مِنْ خِلَافٍ. وليس قطع يده اليسرى. نعم، لو سرق مرة ثالثة قطعت يده اليسرى. وهو أيضاً مِنْ خِلَافٍ بالنسبة إلى يده اليمنى.
ــــــــــــــــــــ[305]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(قنن)
(القن): في كلامهم هو العبد المملوك كله يعني الذي لم يتحرر منه شيء ولم يتشبث بالحرية بأي سبب.
(القانون): هو النظام العام، ويمكن أن يندرج تحت ذلك عدة معان:
أولاً: النظام العام للدولة ككل. ويراد به مجموع التعاليم والإرشادات فيها.
ثانياً: النظام العام لحقل معين بالاستقلال عن غيره. ومن هنا نقول: القانون المدني والقانون التجاري والقانون الدولي وقانون العقوبات وغيرها.
ثالثاً: النظام العام لإنتاج نتيجة معينة، كالتعلم التدريجي للحصول على درجة الدكتوراه مثلا أو للاجتهاد في الدين. أو للحصول على السحر مثلا. كل ما في الأمر ان هذا شيء غير فردي، وإنما هو عام لكل من يمارسه. ومن هنا سمي قانوناً.
رابعاً: النظام التكويني أو الخلقي في الكون. وهو من صنع القدرة والحكمة الإلهية، سبحانه وتعالى عما يصفون.
(قمص)
(التقمص): وهو لبس القميص وهو الثوب. ويأتي مجازاً أو اصطلاحا بأحد معنيين:
أولاً: ادعاء منزلة ليست للفرد. فان كان فيها مسؤولية دينية كانت حراماً، كمن يتصدى للتقليد أو للقضاء من دون أن يكون أهلا له.
ثانياً: ما يقال: من حصول روح ميت في جسد إنسان حي، بحيث تسيطر على أقواله وأفعاله وتتصرف في جسده كنفسه هو. ويحصل هذا مؤقتاً ويزول
ــــــــــــــــــــ[306]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
عادة. ويسمى بالتقمص.
(قمص): قفز. وقد يحصل من القفز جناية من جرح أو قتل. ولذا ورد ذكره في مورد كلامنا مما له بعض العقوبات في الفقه. وقد وردت في ذلك رواية.
(قود)
(القيادة): هي لغة سوق الدابة من أمامها والسوق يكون من خلفها. ومن هنا كان المتقدم عليها قائداً لها، ويسمى المتأخر عنها سائقاً. ويأتي في استعمالهم لعدة معان:
أولا: قيادة أو تدبير شؤون مجتمع معين أو دولة أو تنظيم سياسي، ونحو ذلك. ويسمى المتكفل لذلك قائداً.
ثانياً: قيادة الجيش أو القيادة العسكرية. وهي تدبير شؤونهم في السلم والحرب والتخطيط لتحركاتهم. ويسمى المتكفل لذلك قائداً أيضاً.
ثالثاً: الجمع بين الرجال والنساء على الحرام, ويسمى المتكفل لذلك قوّاداً. وعليه عقوبة في الشريعة. وقد يعمم للجمع على الحرام ولو بالشذوذ الجنسي كاللواط والمساحقة، والمصدر في كلامهم: القيادة.
(القود): بفتحتين أخذ الفرد للاقتصاص منه للنفس بقتله أو لما دون النفس. والظاهر اختصاصه في كلامهم بالنفس، وقد يطلق على مجرد استحقاق القصاص. ومنه الفعل: قيد به ويقاد به.
والمناسبة للتسمية واضحة وهي ان الفرد يؤخذ ويقاد راغماً كارهاً إلى محل الاقتصاص وإقامة القصاص.
(قوم)
(التقويم): هو التسعير، فانه تفعيل من القيمة وهي السعر بمعنى إيجادها،
ــــــــــــــــــــ[307]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
كما ان التكسير إيجاد للكسر، والتعظيم إيجاد للعظمة بمعنى وآخر، والتقويم أيضاً إظهار قيمة الزمان ببيان أجزائه كالشهور والسنين.
(الإقامة): الاستمرار على البقاء في المكان ويراد بها في كلامهم الاستمرار على الرأي، وعدم تبدله. يقال: أقام على اعتقاده، أو على شهادته.
ويأتي في كلامهم الإقامة مضافة إلى الشهادة مأخوذة من قوله تعالى:وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّـهِ ولا يراد بها الاستمرار، وإنما يراد بها أصل وجودها ولعلها مأخوذة في الأصل من القيام وهو الوقوف.
(قيم)
(القيمومة): وهي تفعيل من القيام على الشيء بمعنى تولي أمره والولاية عليه إلا أنها قد تخص بالولاية على الأطفال ممن يكون دون البلوغ والرشد. ومنه قوله تعالى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً أي قيمومة. إلا أن المعنى العام لا ينبغي تناسيه وهو ان القيمومة بمعنى مطلق الولاية سواء كانت على القاصرين أو الأوقاف أو غيرها.
كل ما في الأمر ان الولاية العامة يمكن إخراجها من معنى القيمومة اصطلاحاً، وان كانت منها حقيقة ومعه تكون هي الولاية الخاصة فقط.
حرف الكاف
(الكبائر): ضد الصغائر من الذنوب. راجع ما قلناه هناك.
(كتب)
(الكتابة): معروفة. وتأتي في كلامهم على عدة معانٍ:
أولاً: الكتابة أو المكاتبة بين المولى والعبد وبها يسمى العبد مكاتباً
ــــــــــــــــــــ[308]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
بالفتح. وينقسم إلى مكاتب مطلق ومكاتب مشروط. على تفصيل ليس هنا محله. لأننا نتحدث هنا عن اصطلاحات العقوبات.
ثانياً: كتاب قاضٍ إلى قاضٍ. وقد قال المشهور بعدم حجية الخط ما لم يحصل اطمئنان بعدم التزوير.
ثالثاً: الكتابة في لوائح الأوقاف والوصايا والإقرارات وغيرها، ولم ينفِ المشهور حجيتها ما دام العرف يراها صحيحة.
(كره)
(الإكراه): هو التهديد بالضرر لأجل تنفيذ عمل أو ترك شيء معين يكرهه الفاعل. وهو مسقط للوجوب فيما إذا تعلق الإكراه بتركه ومسقط للحرمة فيما إذا تعلق بفعله، كما لو أُكره على شرب الخمر, ومسقط للعقوبة عليه فيما لو كان عليه حد أو دية. ومسقط الحجية لشهادة أو خبر الواحد لو كان عن إكراه.
(كفأ)
(المكافيء): المماثل في صفة معينة.
(الكفؤ): المماثل في اغلب الصفات المهمة، ومنه قوله تعالى:وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. والكفؤ في النكاح هو من يكون مرضياً في الدين فإذا جاء خاطباً كره رده.
(كفر)
(الكفر): هو اعتقاد دين أو مذهب غير الإسلام. والواحد منه كافر والجمع: كافر وكافرون وكفرة بفتحتين. ولهم أحكام كثيرة في الشريعة منها: اختلاف الفقهاء في ان الكفار مكلفون بالفروع كما هم مكلفون بالأصول أم لا؟ والصحيح لدى المؤلف تكليفهم بها.
ــــــــــــــــــــ[309]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وقالوا: الكفر ملة واحدة، على معنى ان الفرد إذا لم يكن مسلماً فلا أهمية لنوعية اعتقاده، والمهم أنه كافر وغير مسلم.
(الكفارة): بالتشديد صفة مشبهة من الكفر وهو التغطية والستر في اللغة. على معنى أنها تستر الذنب الذي كانت من أجله وتوجب غفرانه من الله عز وجل، كما هو ظاهر بعض الآيات الكريمات: قال سبحانه: وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.
فقد شرح وجوب دفع الكفارة، ووعد بعدها بالتوبة وهو العفو والغفران.
والملاحظ ان هناك عدة اصطلاحات للعقوبات المالية هي: الدية والفدية والكفارة. فما الفرق بينهما؟
ولعل أهم فرق بين الدية وغيرها، هي ان الدية ما يكون في الجناية على الغير والأخريات تكون في المخالفات التي يفعلها الفرد عن نفسه. ومن هنا سبق أن عرفنا الدية بأنها: المال المجعول بإزاء الجناية الخطأ وشبه العمد، والجناية لا تكون عرفاً إلا على الغير، فهي بمنزلة (الحد) الشرعي من حيث أنهما مجعولان شرعاً، إلا أنها حد مالي والآخر حد جسدي، كما سبق ان اشرنا.
بقي الفرق بين الفدية والكفارة. ولعل أهم ما يمكن ان يقال هنا: ان الكفارة تأتي على عمل المحرمات كالإفطار العمدي والظِّهار واليمين وغيرها، على حين تكون الفدية على بعض الأمور غير المحرمة، ولعل الحكمة منها هو مجرد التعويض عما فات في الترك, وان لم يكن تركاً محرماً. كالإفطار في شهر رمضان عن عذر من مرض ونحوه وكالقتل الاضطراري حال الإحرام لبعض الحيوانات أو قتلها في الحرم. والاضطرار مزيل للحرمة لكنه غير ناف
ــــــــــــــــــــ[310]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
للكفارة أو الفدية.
(كفارة الجمع): هي الموارد التي يجب فيها دفع الخصال الثلاث للكفارة الكبرى، وهي العتق والصيام والإطعام، وتكون في عدة موارد منها كفارة الإفطار على محرم وكفارة القتل العمد.
(كفل)
(الكفيل): هو الضامن لمال أو لإحضار شخص. وله كتاب فقهي معنون باسمه هو: كتاب الكفالة. وهناك خصوها بالإحضار إلا أنها في كتاب القضاء عمموها لكفالة المال. فتكون اقرب إلى معنى الضمان وإن اختلفت عنه في بعض التفاصيل.
(كمل)
(كمال العقل): حالة تكامل في الفرد بإزاء الصغر والسفه والجنون. تساوق الرشد في اصطلاحهم يكون حكم الفرد فيها التسلط التام، بمعنى عدم الولاية عليه في أعماله ومعاملاته.
حرف اللام
(لحم)
(المتلاحمة): وهي الضربة التي تأخذ من اللحم كثيراً. ولا تبلغ السمحاق، يعني لا تضر بالغشاء الموجود على العظم. وتسمى: (الباضعة) أيضاً.
(لحي)
(اللحيان): هما العظمان اللذان يلتقيان في الذقن، ويتصل طرفاهما بالأذن
ــــــــــــــــــــ[311]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
من جانبي الوجه. وعليهما نبات الأسنان.
هكذا عرفهما سيدنا الأستاذ (1) وفيه:
أولاً: أنه تعبير آخر عن الفك الأسفل، وهو عظم واحد متصل من أحد طرفي الوجه إلى الطرف الآخر، وليسا عظمين كما قد يبدو لأول وهلة. إلا أنه عظم هلالي الشكل لو صح التعبير.
ثانياً: إن وجود الأسنان غير منحصر فيه: بل هو موجود في الفك الأعلى بطبيعته.
ثالثاً: كان الأولى أن يقول: وعليه نبات اللحية، فإنها منحصرة على الفك الأسفل وليس منها في الفك الأعلى شيء يذكر، بخلاف الأسنان فان نصفها في الفك الأعلى، ولولاها لما أثّر الفك الأسفل في مضغ الطعام.
(لزم)
(الإلزام): له مؤدى للضرورة واللابدية. ويأتي في كلامهم بعدة استعمالات:
أولاً: قاعدة الإلزام. وهي واردة على المذاهب الإسلامية الأخرى، حيث ورد قوله : ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم. ولها تفاصيل ليس هنا محلها، ولها تأثير أيضاً في القضاء والعقوبات مع وجود الاختلاف في التفاصيل في فتاوى المذاهب، مع كون القاضي إمامياً، والمتخاصمين أو أحدهما على المذاهب الأخرى.
ثانياً: الإلزام بمعنى الإكراه. وقد سبق تعريفه.
ثالثاً: الإلزام الشرعي وهو الوجوب أو التحريم. غير أن الوجوب إلزام
ــــــــــــــــــــ[312]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) تكملة منهاج الصالحين، ص 126.
بالفعل والتحريم إلزام بالترك تشريعاً.
رابعاً: الإلزام عن طريق الولاية. ومنه إلزام القاضي للشاهد بإقامة الشهادة أو المدين بدفع الدين. ومنه إلزام الحاكم العام غيره بما تقتضيه المصلحة العامة.
(لصص)
(اللص): السارق. وله حد معين بشرائط معينة.
(التلصص): هو استراق النظر إلى الغير. فإذا كان تلصصاً على النساء والأعراض، كان دفاعه جائزاً وحده موجوداً شرعاً.
(لعن)
(اللعنة): مؤنث اللعن وهو الإبعاد، ويخص عادة بما يعود إلى الله سبحانه، وهو منصوص في القرآن الكريم كثيراً، وقيل: ان لعنة الله عقابه. وقيل: هي البعد المعنوي عنه سبحانه.
(اللعان): طريقة معينة تحدث بين الزوجين عند اتهام الزوج زوجته بالزنا أو نفي الولد. وينتج عنه الحرمة المؤبدة. وقد ذكرناه مفصلا في مورده. ولا يكون عادة أو شرعاً إلا أمام القاضي أو من يقوم مقامه.
(الملاعنة): بالفتح، هي اللعان ملحوظاً صدوره من الطرفين وهما الزوجين باعتبار ان أحدهما يلاعن الآخر. وإنما سمي بذلك، مأخوذاً من قوله تعالى: وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. فيرجع معناه إلى إنزال اللعنة الإلهية على الطرف الكاذب. وقد يراد به الزوجة التي حصل لعانها.
(لقن)
(التلقين): يأتي في كلامهم في معنيين:
ــــــــــــــــــــ[313]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
أولاً: تلقين الميت، وهو قراءة الشهادتين أمامه عند احتضاره، وفي قبره بعد دفنه، وهو مستحب شرعاً.
ثانياً: حمل الفرد على تكرار كلام معين في شهادة أو إقرار أو نحو ذلك. ولكن من دون إكراه وتهديد. ويكون ذلك غالباً في الصبي والسفيه ونحوهما. ومنه أيضاً تلقين التلبية للصبي في الحج.
(لوث)
(اللوث): قال عنه المحقق الحلي(1): اللوث امارة يغلب معها الظن بصدق المدعي، كالشاهد ولو واحداً، وكما لو وجد متشحطاً بدمه، وعنده ذو سلاح(2) عليه دم. أو في دار قوم أو في محلة منفردة عن البلد لا يدخلها غير أهلها. أو في صف مقابل للخصم بعد المراماة. وسنتحدث عنه في فصل مستقل بعونه سبحانه.
(لوط)
(اللواط): العمل الجنسي المحرم بين ذكرين بالشذوذ الجنسي، وعليه حد شرعاً يؤدي إلى قتل اللائط بكل صورة.
وإنما سمي بذلك لاشتهار قوم النبي لوط بذلك. ومن هنا قالوا عنه: عمل قوم لوط. وهو قوله تعالى نقلا عن النبي لوط: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء.
ــــــــــــــــــــ[314]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) شرائع الإسلام ج2 ص 209.
(2) يعني: سلاح باللغة الحديثة. وأراد بالسلاح: الحد كحد السكين أو الرمح. فذو السلاح هو حامل الآلة الحادة القاتلة، أو هو نفس هذه الآلة وهو السلاح نفسه باللغة الحديثة كما قلنا.
حرف الميم
(محل)
(محل القصاص): هو العضو الذي يجب قطعه أو جرحه من الجاني قصاصاً. ويأتي هذا التعبير غالباً في كلامهم تحت عنوان: فوات محل القصاص، كما لو كان الجاني على الإصبع أو على اليد مقطوع اليد، فلا مجال للقصاص منه. أو كما لو أن رجلا جنى على امرأة أو امرأة على رجل في الأعضاء غير المشتركة بينهما.
(مرن)
(المارن): الأنف، وقد يراد به الأرنبة خاصة لأنها أكثر مرونة من غيرها من أجزاء الأنف, وفي قطع الأرنبة كما في قطع الأنف كله الدية الكاملة.
(التمرين): جعل الفرد متمرناً أي قادراً بسهولة على الشيء. ويأتي هنا الاصطلاح في الفقه بعنوان: إن عبادات الصبي هل هي تمرينية أم حقيقية. والصحيح ان الطفل ان كان غير مميز فعبادته تمرينية وان كان مميزاً فعبادته حقيقية، ولكنها ليست واجبة قبل دخوله في حد التكليف.
(ملك)
(الملك): بالكسر أو بالضم بمعنى المملوك أو الملكية، والملكية حالة اعتبارية عرفية وسوقية يكون صاحبها متسلطاً على سائر التصرفات فيما يملكه. وغيره ممنوع من سائر التصرفات إلا بإذنه. والملك قد يكون مطلقاً كما هو الغالب، وقد يكون مقيداً أو محجوراً، كما في الصبي والعبد والمفلس، فإنهم يملكون إلا أنهم لا يجوز كثير من تصرفاتهم ومعاملاتهم إلا بإذن الولي.
(المملوك): بمعنى الشيء المملوك مطلقاً أو العبد المملوك خاصة.
ــــــــــــــــــــ[315]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(منى)
(المني): ماء الرجال. وفي إنزاله قهراً على صاحبه دية.
(الاستمناء): طلب نزول المني أو محاولة ذلك، وهو ما يسمى بالعادة السرية، وهي محرمة وعليها عقوبة.
(ميت)
(الموت): حالة زهاق الروح أو خروجها من الجسم. ولكل من زهاقها بأمر ربها أو بفعل فاعل جناية أو قصاصاً أو شهادة، حكمها الشرعي الذي يطول تفصيله. والمتصف به: ميت. على معنى اسم الفاعل: مائت.
(الميتة): هي كل حيوان زهقت روحه حتى الإنسان. أو إلا الإنسان على الاختلاف في الفهم العرفي بين الفقهاء ويصطلح بها عادة على الحيوان غير المذكى، سواء كان قابلا للتذكية أم لا. وسواء كان مما يؤكل لحمه أم لا. فنجس العين ميتة بلا إشكال. وإن لم يكن قابلا للتذكية ولم يجز أكله ولم يختلف حكمه إذا ذُكي. غير ان هذا إطلاق عرفي لا أثر له شرعاً.
(ميز)
(المميز): بصيغة اسم الفاعل, يأتي لوصف الطفل الذي يلتفت إلى الأمور التي تخصه جيداً بعد السبع سنوات، في مقابل الطفل السفيه الذي لا يلتفت إلى ذلك.
(تمييز الحق): يكون في القسمة. فإنها توجب تمييز الحق، يعني الفصل بين استحقاقات الشركاء فيأخذ كل ذي حق حقه.
حرف النون
(نبذ)
(النبيذ): نوع من السكر يحصل من نبذ (أي جعل) التمر في الماء حتى
ــــــــــــــــــــ[316]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
يتخمر. وفي تناوله الحد.
(نخس)
(الناخسة): النخس هو الضرب بحمّة الإبرة أو الشوكة. وقد تحدث عنها مضاعفات تكون عقوبتها مضمونة. وقد وردت في ذلك مسألة معينة اشرنا إليها في مادة (قمص) فراجع.
(نخع)
(النخاع): هو العصب الموجود في داخل عظام الرقبة وفقار الظهر. بادئاً من النخاع الشوكي الذي هو الجزء الأسفل الخلفي من المخ. وفي قطعه جناية الدية.
(نزع)
(النزع): هو طرح الملبوس. ويأتي بعدة معانٍ, منها:
أولا: نزع الروح، وهو الموت.
ثانياً: نزع الشهوات وهو الزهد.
ثالثاً: نزع الملابس أو بعضها عند إقامة الحد من جلد أو رجم.
رابعاً: يأتي أيضاً بمعنى الرغبة، من نزع إليه إذا أحبه ورغب به.
(النزاع): أو التنازع أو المنازعة، هي أشكال من المصادر تدل على وجود خلاف بين فردين أو جماعتين، وقد يقتصر في معناه على النزاع أمام القاضي. ويسمى عندئذ – بالترافع– كأن احدهما يرفع الآخر إلى المحاكمة.
(نسب)
(النسب): هو العنوان الحادث بالولادة من أب أو جد أو نحوهما. وهو
ــــــــــــــــــــ[317]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
لا يثبت بمجرد الدعوى، وإنما يحتاج إثباته إلى بينة أو قرائن تفيد الاطمئنان.
وإذا ثبت النسب ثبت الإرث والعقل والنفقة، وإذا ثبت نسبه هاشمياً استحق نصف الخمس.
(نظر)
(النظر): قوة الإبصار. وفي الجناية عليها عقوبتها من قصاص أو دية.
(الإنظار): بالكسر: الإمهال والانتظار بالفرد. ومنه قوله تعالى: وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ. ويأتي هذا في الفقه كثيراً في موارد العقوبات وغيرها. لأن في الاستعجال على الفرد عسراً وحرجاً له. فينبغي إمهاله دفعاً للحرج.
(نصب)
(نصب): كفعل ماضٍ، يأتي في موارد منها: وضع شيء في طريق المسلمين، مما قد يسبب المضاعفات المالية أو الجسدية. يقال: نصب شيئاً في الطريق، وعليه عقوبته.
(النصاب): وهو مقدار المال الذي يجب دفع الزكاة عنه. كما عرفنا في كتاب الزكاة.
(الناصبي): هو من نصب العداوة لأهل البيت المطهرين سلام الله عليهم أجمعين. وهو ممن يفتي المشهور بنجاسته كالكافر، باعتبار ان موقفه هذا يخرجه عن الإسلام.
(نفذ)
(النافذة): تأتي في الكلام بمعنى الضربة التي تنفذ إلى داخل الجسد. وعليها عقوبتها بمقدار عمقها.
ــــــــــــــــــــ[318]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(نفع)
(المنافع): إما أن تكون للجمادات كمنفعة الدار، وإما أن تكون للجسم الحي كالسمع والإبصار وغيرهما، والمعنى الأول يأتي في كتاب الإجارة والبيع والرهن ونحوها. والمعنى الثاني يأتي في كتاب الديات حيث يقولون: ديات المنافع ويذكرون لكل منفعة دية خاصة.
(نفي)
(النفي): هو السلب أو الرفع. وتأتي في كلامهم بعدة معانٍ:
أولا: التغريب والإخراج من البلد كعقوبة.
ثانياً: نفي كلام الطرف في المخاصمة.
ثالثاً: نفي صحة كلام الشاهد أو نفي عدالته إلى غير ذلك.
(التنافي): هو التعارض والتضارب بين كلامين، ويكون في الأخبار وفي الشهادة على التواريخ وفي الأحاديث المنقولة عن السابقين ونحو ذلك. وفيه اصطلاحات في موارد أخرى كالفلسفة والمنطق.
(نقب)
(النقب): بالفتح مصدر نقب إذا أحدث ثقباً. والمهم هنا أمران:
أحدهما: إحداث الثقب في حائط أو مخزن أو حرز لسرقته.
ثانيهما: إحداث الثقب في الجسم الإنساني جناية عليه، ولكل منهما عقوبته في الشريعة.
(نقل)
(النقل): يأتي بعدة معان:
ــــــــــــــــــــ[319]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
أولاً: نقل الشيء من موضعه ولا يكون جائزاً، إلا بإذن مالكه. والمشهور يفتي بعدم جواز نقل الزكاة عن البلد مع توفر المستحق فيه.
ثانياً: نقل الرواية. ومنه النقل عن التواريخ القديمة.
ثالثاً: نقل الشهادة، بمعنى أدائها أو بمعنى الشهادة على الشهادة.
(المنقلة): بكسر القاف المشددة. وهي الضربة التي تنقل العظم من الموضع الأصلي له إلى موضع آخر، سواء حصل في ذلك جرح وسال دم أم لا.
(نكر)
(المنكر): بالفتح هو كل قبيح أو كل منهي عنه في الشريعة. والمشهور يفتي بوجوب النهي عنه، وهو النهي عن المنكر، تحت شروط معينة مذكورة في محلها.
(المنكر): بالكسر وهو الذي يوافق قوله الأصل. ضد المدعي الذي يخالف قوله الأصل. وقد سبق أن شرحناه في فصل خاص به في كتاب القضاء.
(نكل)
(النكول): هو ترك اليمين من قبل من طُلبت منه، وهو إما المنكر أو المدعي. وقد سبق الكلام في الحكم بالنكول. وقد يشمل معناه: النكول عن الشهادة وهو تركها بعد تحملها، والنكول عن الدعوى وهو الغاؤها من قبل المدعي.
(التنكيل): وهو إيقاع آلام مبرحة على الغير بجرحه أو كسر عظامه أو جز شعره، ونحو ذلك.
ــــــــــــــــــــ[320]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وله عدة أحكام في الشريعة، منها: ان تنكيل المولى بعبده يوجب عتقه قهراً عليه. ومنها: العقوبة المترتبة على التنكيل بالغير من قصاص أو دية حسب مورده.
(نوب)
(النائب): هو الذي يأتي بالعمل بدل غيره. ويطلق عادة على غير مورد الوكالة. فان للوكيل نائب موكله على أي حال. ولكنهم خصوا الاصطلاح بغيره. كالنائب عن الميت في قضاء العبادات الفائتة. والنائب عن القاضي في القضاء أو عن المدعي في إقامة الدعوى. وأما النائب عن الشاهد، فهو ممكن إلا أنه يكون من باب الشهادة على الشهادة. لا نيابة حقيقية.
(الإستنابة): هو تنصيب النائب وجعله: بالمعنى الذي سمعناه قبل قليل.
حرف الهاء
(هتك)
(الهتك): هو إزالة الحجاب سواء كان الحجاب قوياً أم ضعيفاً مادياً أو معنوياً. ومن هنا يأتي في اصطلاحهم على عدة معان:
أولاً: ان هتك المؤمن حرام. وهو غيبته وما إلى ذلك من الأسباب التي تؤدي إلى اشتهار عيوبه.
ثانياً: هتك المؤمن بعد موته حرام، بتأخير دفنه حتى يتعفن أو ينبش قبره.
ثالثاً: هتك الحجاب عن النساء المحجبات بقصد سيء حرام.
رابعاً: هتك الحرز لأجل السرقة، وهو كسره, أحد شروط الحد بالقطع.
خامساً: هتك المؤمن بقذفه بالفحشاء حرام وعليه حد شرعي.
إلى غير ذلك من الاستعمالات.
ــــــــــــــــــــ[321]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(هدر)
(الهدر): ذهاب الجناية بالنفس أو غيرها بدون استحقاق العقاب بالقصاص أو الدية. يقال: ذهب دمه هدراً. كالمعتدي على المال أو العرض إذا قُتل خلال دفعه. ويستعمل الهدر في المال أيضاً بمعنى عدم ضمانه بالإتلاف. أو بمعنى التبذير به بدون غرض صحيح.
(هشم)
(الهاشمة): هي الضربة التي تهشم العظم أي تكسره. سواء أحدثت جرحاً أم لا. ويكفي في صدق التهشيم مجرد حصول الكسر وإن لم يتحطم الشيء تماماً، وإنما ذلك عند المبالغة في التهشيم.
(هلل)
(الهلال): القمر أول الشهر. وحد ثبوته الرؤية بالعين المجردة. والأشهر الهلالية: هي القمرية، وهي الشرعية التي تحمل عليها الأدلة الواردة في الكتاب والسنة. والسنة الهلالية أو القمرية هي التي تتكون من الأشهر القمرية, بغض النظر عن مبدأ حسابها، أعني الهجرة النبوية أو ميلاد المسيح أو غيرهما، ولذا حسبت الهجرة بالأشهر الهلالية فكانت إلى الآن 1411 عاماً وحسبت بالأشهر الشمسية فكانت إلى الآن 1370 عاماً.
(الاستهلال): هي صيحة الطفل لأول مرة عند ولادته. وهي دليل نزوله حياً. وقد تكون لذلك أدلة أخرى كالحركة. وإذا ولد حياً شمله حكم الأحياء من الملكية والميراث وغيرهما. بخلاف ما لو ولد ميتاً.
حرف الواو
(الواجب): هو الحكم الإلزامي على الفعل بحيث يكون على تركه
ــــــــــــــــــــ[322]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وعصيانه عقوبة.
وينقسم الواجب في اصطلاحهم على عدة انقسامات منها: النفسي والغيري، ومنها: الاستقلالي والضمني, ومنها: العيني والكفائي، ومنها: التعييني والتخييري.
(فالواجب النفسي): هو الواجب بذاته بغض النظر عن وجوب واجب آخر، كالصلاة والحج.
(والواجب الغيري): هو الواجب لوجوب غيره أو مقدمة إلى غيره، كوجوب الوضوء للصلاة والسفر للحج.
(والواجب الاستقلالي): هو الواجب كله، يعني بكل أجزائه وشرائطه.
(والواجب الضمني): هو جزء الواجب الاستقلالي، كالسجود والركوع في الصلاة.
(والواجب العيني): هو الواجب على الشخص بعينه، بدون ان يغني عنه فعل شخص آخر.
(والواجب الكفائي): هو الواجب على الشخص لكن بحيث يغني عنه فعل غيره، ويعبرون: بأنه يجب على الكل فإذا قام به بعضهم ممن فيه الكفاية سقط عن الآخرين. وإن لم يقم به أحد أو قام به عدد اقل من الكفاية عوقب الجميع.
وأمثلته في الشريعة كثيرة كتجهيز الميت، والتصدي للقضاء الشرعي مع إمكانه شخصياً واجتماعياً. والأخذ بالحرف كالقصاب والنجار والحداد. لوضوح عدم إمكان تيسير الأمور بدونها.
(والواجب التعييني): هو الواجب الذي لا بدل له، ولا يغني عنه فعل
ــــــــــــــــــــ[323]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
غيره من الأفعال كالصلاة والصوم.
(والواجب التخييري): هو الواجب الذي له بدل، فهو يغني عنه فعل غيره. وفي الحقيقة ان الوجوب متعلق بأحد أمور، فأي منها أتى بها المكلف كفى عن الباقي. كخصال الكفارة في الظهار، وهي: العتق والصيام والإطعام.
(الموجب): هو سبب الوجوب التشريعي التكليفي أو الوضعي أو هو سبب اللزوم التكويني العلِّي. فهنا ثلاث مراحل:
أولا: ما يكون سبباً للعلية التكوينية، كالحرارة الموجبة للإحراق.
ثانياً: ما يكون سبباً للوجوب التكليفي كالاستطاعة الموجبة لوجوب الحج في ذمة المكلف.
ثالثاً: ما يكون سبباً للوجوب الوضعي وهو الضمان واشتغال الذمة، وهذا على قسمين:
1- سبب اشتغال الذمة بالمال، كالإتلاف.
2- سبب اشتغال الذمة بالعقوبة أو الحد كالزنا والسرقة وغيرهما.
و(وموجبات الضمان): في كلامهم يعني أحد هذين الأخيرين أو كليهما، إذ قد يكون الحادث موجباً لضمان المال والعقوبة معاً.
(وجه)
(الوجه): في الإنسان معروف، وفي الاعتداء عليه أو على بعض أعضائه الدية, وقد يستعمل بمعان أخرى مجازية. كالشخص المهم اجتماعياً, يقال: هو وجه في قومه. والعرض وهو الشرف، يقال: لا يذل وجهه، أو لا يسود وجهه. والاتجاه يقال: وجهه إلى مدينة بغداد.
(توجه اليمين): في كتاب القضاء، يعني الحكم الشرعي بصحة أو
ــــــــــــــــــــ[324]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
مشروعية اليمين من الشخص. في مقابل ما يلي:
وهو (توجيه اليمين) وهو طلبها من الشخص من قبل شخص آخر، كالمدعي يطلبها من المنكر أو بالعكس.
(ورث)
(الإرث): انتقال تركة الميت إلى غيره، فهو موروث والآخر وارث، وجمعه: ورثة وورّاث.
وللإرث أحكام كثيرة، مذكورة في كتاب الإرث. وله فيما يخص كتاب القضاء أحكام عديدة في الاختلافات والدعاوى على المواريث والقرابات المستحقة له. وله فيما يخص كتاب الديات أحكام منها: ان سبيل الدية هو سبيل سائر أموال الميت في أنها تدخل في ملك ورثته وان وصلت بعد موته.
(ورد)
(توارد الشاهدين): على معنى واحد. يعني اشتراكهما في فكرة أو عدة أفكار معينة وان اختلفا في بعض التفاصيل. وقد اختلفوا في أن ذلك منهما يكون حجة أم لا.
(وضح)
(الموضحة): وهي الضربة التي توضح العظم، يعني أنها تقطع اللحم حتى يظهر العظم الذي تحته، وعليها دية.
(وصي)
(الوصي): هو الولي الذي يتصف بالولاية نتيجة للوصية بعد الموت من قبل من له الولاية بالأصل. ويشمل عدة موارد:
ــــــــــــــــــــ[325]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
أولا: الوصي عن رسول الله بعد وفاته. هو الإمام أمير المؤمنين .
ثانياً: الوصي عن الأب أو الجد على القاصرين بعد موتهما.
ثالثاً: الوصي على الوقف بعد موت الواقف.
ولا تصدق الوصاية مع حياة الموصي كالوكيل أو المأذون بالتصرف أو الحاكم المخول من هو أعلى منه.
(الوصية): هي الأمر بتنفيذ عمل بعد الوفاة، وهي مستحبة للفرد، يعني أن يوصي قبل موته. كما أنها واجب التنفيذ على الورثة ان حصلت الوفاة، أو على الوصي ان وجد. وهو قوله تعالى: فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فإنما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ. والآية تختص بالوصية المالية دون غيرها. ويمكن أن تتحقق في الوصية اختلافات ومرافعات كثيرة, مضافاً إلى الحكم بأنه مع وجود الدية فانه تنفذ الوصايا منها.
(وطي)
(الوطئ): إتيان الأنثى سواء كان عن حلال أو حرام وسواء كانت امرأة أو حيوانة. والظاهر ان أصله: من وطئ الأرض التي توجد فيها الأنثى. ولذا يقال: طرقها ودخل عليها واتاها وجاءها ونحو ذلك. وكل ذلك مأخوذ من حصول الرجل في المحل الذي توجد فيه الأنثى.
وفي الوطئ المحرم عقوبته سواء كان لإنسانة أم بهيمة. ولا يسمى إتيان الذكر في دبره وطياً لاختصاصه بلفظ آخر هو: اللواط.
ويأتي هذا اللفظ في كلامهم غير مهموز، وان كان مهموزاً أصلا في اللغة. وليس ذلك غلطاً إذ يمكن حذف الهمزة اختياراً.
ــــــــــــــــــــ[326]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(وطي الشبهة): هو إتيان المرأة بتخيل الحلية، وتكون محرمة في الواقع. والشبهة هنا بمعنى تخيل أو توهم الحلية. وهو عمل حلال والذرية أولاد حلال. وليس عليه عقوبة. ومن أمثلته:
1- ان يتخيل امرأة أنها زوجته على حين هي أخته أو زوجة أخيه.
2- ان يتخيل كون عقد النكاح معها صحيحاً في حين هو فاسد.
3- ان يتخيل ان اعتراف القانون الوضعي في المحكمة كاف في حلية الزواج والوطي. في حين أنه حرام.
4- ان يتخيل أنه عقد عليها عقداً شرعياً, في حين أنه لم يصدر العقد إطلاقاً.
5- ان ينسى أنه طلقها طلاقاً بائناً. والواقع أنه طلقها.
إلى غير ذلك من الموارد.
(وفي)
(الوفاء): يأتي بعدة معان:
الأول: إنجاز العهد، يقال وفى بعهده: ومنه قوله تعالى: وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ. وقد يأتي هذا المعنى في الرباعي (أوفى) وان كان استعماله فيه مجازياً. وهو كثير في القرآن الكريم. ومنه قوله تعالى: بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى. وقوله سبحانه: أَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ. وقوله أيضاً: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ.
الثاني: إنجاز النذر. وقد جاء في القرآن الكريم من الرباعي، قال سبحانه: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً.
الثالث: إنجاز المعاملة، يعني القيام بموجبها من دفع الثمن والمثمن ونحو
ــــــــــــــــــــ327]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ذلك. وقد جاء في القرآن الكريم رباعياً. قال سبحانه:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ.
الرابع: الوفاء لعلاقة سابقة أو قرابة معينة أو إحسان سابق. قال سبحانه:
هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ. إذا فهمنا من كلا الإحسانين العمل البشري.
(وافى): الرباعي، يأتي بمعنى اللقاء. وعلى ذلك معنى الوفاة بمعنى الموت، لأن الميت يوافي الآخرة ويلاقيها. وورد في التنزيل الحكيم بصيغة (توفى) على اعتبار جعل الفرد وحمله على الموافاة واللقاء. ومنه قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا. وقوله سبحانه: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ. وقوله: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ. وقوله: فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ. ويمكن حمل المعنى في نسبته إلى الله على كلا المعنيين أعني الموافات أو الحمل على الموافات. أما بالنسبة إلى الملائكة فيتعين الثاني.
(أوفى): يأتي بمعنى الزيادة.
على ذلك وردت في القرآن الكريم عدة آيات منها قوله سبحانه: أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ. وقوله تعالى: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ. وقوله:أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ.
وليس المراد هنا وجوب إعطاء الزيادة، بل حرمة دفع النقيصة، ولذا فسره سبحانه بقوله: وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ. وقوله تعالى: وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ. ولعل منه قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ. على بعض تفاسيره.
(الاستيفاء): الحصول على ما هو مستحق سلفاً. ولعل أصله اللغوي من الموافاة بمعنى اللقاء، لأن الفرد يلقى ما يستحقه ويحصل عليه. ومنه استيفاء
ــــــــــــــــــــ[328]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الدين واستيفاء الدية واستيفاء القصاص وهو إنجازه، إلى غير ذلك.
(ولد)
(المستولدة): وهي الأمة المملوكة التي أولدها حر. فان كان الأب هو مولاها سميت أم ولد. وان كان زوجاً لها أو حليلا لم تكن كذلك. بل هي مستولدة. وعلى أي حال فولدها حر تبعاً لأبيه.
(ولد الحلال): هو الولد الناتج من سبب حلال. من عقد دائم أو منقطع أو ملك يمين أو تحليل لملك اليمين أو وطيء شبهة ونحوها.
(ولد الزنا): هو الولد الناتج من السبب الحرام، وليس هو إلا الزنا لأنه اللقاء المحرم بين الجنسين.
(ولي)
(الولي): هو الذي له سلطة أو تخويل شرعي لعمل معين بالنسبة إلى غيره بغض النظر عن رضاء الآخر، وهذا معناه أنه لا يمكن أن يأتي به لولا الولاية.
وهذا المعنى يعم الولي العام والولي الخاص كالولاية على الأوقاف والأيتام بعد فقد الوصي عليهم. ومنه: ولي الدم أو ولي المقتول. وهو قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً.
وفي الآية إشارة إلى تقديم ولاية الميراث أو الوصية على ولاية الدم. ولذا أخذها في المرتبة المتقدمة عليها بقوله: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا حيث اعتبره ولياً قبل ان يكون سلطاناً، وليست تلك الولاية إلا الولاية على الميراث أو الوصية أو القضاء عنه كالولد الأكبر ونحو ذلك. والسلطان هو ولاية الدم.
(الولاية): هي عمل الولي أو محل عمله، والاستعمال في الأولى حقيقي
ــــــــــــــــــــ[329]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وفي الثانية مجازي. ومن هنا تسمية المناطق بالولايات يعني المحافظات، أو الدويلات التي عليها ولي أو وال: ومنه تسمية الولايات المتحدة الأمريكية.
(الموالي): هم أقوام من غير العرب وردوا إلى المجتمع العربي المسلم. فلم يكن يعرف لهم أو للفرد منهم نسب معين. فقد تعارف في المجتمع ان يتصل مثل هذا الفرد بشخص من أي قبيلة ويجعل ولاءه له. فيقال: هذا مولى فلان أو مولى بني فلان. وهي عادة كانت في الجاهلية على نطاق ضيق وأقرها القرآن الكريم بقوله: فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ. وقد انتشرت في صدر الإسلام كثيراً تبعاً لتكاثر غير العرب في المجتمع العربي نتيجة للفتح الإسلامي.
وهذه الولاية لا توجب استحقاق الولي للميراث، ما لم يسبق له ان ملكه واعتقه لوجه الله. فيكون مولاه أو مولى نعمته، حسب تعبير الفقهاء.
وهو الطبقة الرابعة من الورثة. كما سبق في كتاب الميراث. وإذا لم يكن الأمر كذلك فالولاية تقتصر على مجرد التسمية، ويكون ميراثه لباقي الورثة، فان لم يكن له وارث فوارثه الإمام الذي هو وارث من لا وارث له.
¬
حرف الياء
(اليد): العضو المعين في الإنسان. وهي تطلق على أجزاء العضو أيضاً, فالكف يد، وهو مع الساعد: يد، وهو إلى الكتف يد أيضاً، وعلى الجناية عليه دية.
و(اليد): بالاصطلاح هو السلطة على المال الخارجي. وكونه تحت التصرف. وذو اليد هو من له اليد. وقوله حجة في المال الذي تحت يده سواء كان مالكاً أم لا.
ــــــــــــــــــــ[330]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
(اليسار): يأتي بمعنيين:
أحدهما: الجانب الأيسر من الفرد ضد اليمين.
ثانيهما: بمعنى الغنى والثروة. يقال: أيسر فلان إذا تكاثر ماله بعد أن كان قليلا، ومنه قوله تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ.
(اليمين): يأتي بمعنيين:
أحدهما: الجانب الأيمن من الفرد ضد اليسار.
ثانيهما: الحلف أو القسم. وله أحكام كثيرة أهمها كونه في الأصل على المنكر كما ان البينة على المدعي. وقد تحدثنا عن كثير من تفاصيله في كتاب القضاء فراجع.
فهذه اكثر من ثلاثمائة وخمسين كلمة كقاموس صغير للمرافعات الجنائية، باصطلاحات فقهائنا قدس الله أسرارهم. بغض النظر عما يحتاجه القضاء الحديث من اصطلاحات. وخاصة وان له حقلا مستقلا عن الفقه وعن الشريعة الإسلامية.
ــــــــــــــــــــ[331]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
كتاب القصاص
ــــــــــــــــــــ[333]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فصل اللــــــــوث
قال ابن منظور(1): التهذيب: ابن الأعرابي: اللوث: الطي واللوث: اللي. واللوث: الشر. واللوث: الجراحات. واللوث: المطالبات بالأحقاد. واللوث: تمريغ اللقمة في الاهالة.
قال: ورجل ذو لوثة. بطيء متمكث ذو ضعف ورجل فيه لوثة: أي استرخاء وحمق… والالوث: الأحمق، كالأثول… واللوث: (بالضم) جمع الالوث وهو الأحمق الجبان.
. . . وقيل هي بالضم: الضعف وبالفتح: القوة والشدة، وناقة ذات لوثة ولوث أي قوة. وقيل ناقة ذات لوثة أي كثيرة اللحم والشحم. ويقال: ناقة ذات هوج.
قال: والألوث: البطيء الكلام الكليل اللسان. والأنثى لوثاء، والفعل كالفعل، ولاث الشيء لوثاً. أداره مرتين، كما تدار العمامة والازار. ولاث العمامة على رأسه يلوثها لوثاً أي عصبها… قال ابن قتيبة: اصل اللوث الطي، لثت العمامة ألوثها لوثاً. أراد أنه بكلام مطوي لم يبينه للاستحياء حتى خلا به. ولاث الرجل أي دار. وفلان يلوث بي أي يلوذ بي. ولاث يلوث
ــــــــــــــــــــ[335]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) انظر: لسان العرب. مادة لوث.
لوثاً: لزم ودار، عن ابن الأعرابي.
… وديمة لوثاء: تلوث النبات بعضه على بعض، وكل ما خلطته ومرسته: فقد لثته ولوَّثته. كما تلوث الطين بالتبن والجص بالرمل. ولوث ثيابه بالطين أي لطخها، ولوث الماء: كدره.
الفراء: اللواث: الدقيق الذي تذر على الخوان لئلا يلزق به العجين.
وفي النوادر: رأيت لُواثه ولُويثة من الناس وهوانة أي جماعة. وكذلك من سائر الحيوان. واللويثة على فعيلة: الجماعة من قبائل شتى.
… والملاث والملوث: السيد الشريف، لأن الأمر يلاث به ويعصب أي تقرن به الأمور وتعقد وجمعه ملاوث. الكسائي: يقال: للقوم الأشراف: انهم لملاوث أي يطاف به ويلاث… وملاويث أيضاً.
هذا ما قاله اللغويون:
ومنه نعرف ان للوث معان عديدة، يمكن تلخيصها بما يلي:
1- الطي.
2- اللي.
3- الشر .
4- الجراحات.
5- المطالبات بالأحقاد.
6- البطء.
7- الضعف.
8- الشدة والقوة.
ــــــــــــــــــــ[336]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
9- كثرة الشحم واللحم.
10- الحماقة.
11- الخلط.
12- التلطخ.
13- العقل والتأني.
14- الشرف.
15- الجماعة من الناس.
16- الجماعة من الحيوان.
ويمكن إرجاع هذه المعاني المتكثرة إلى ثلاثة: الطي والبطء والشدة.
ويندرج في معنى الطي عدة معانٍ، منها: طي العمامة واللي والخلط والتلطخ، والشرف على معنى ان الناس ينطؤون تحت شرفه. والجماعة من الناس أو الحيوان على اعتبار انطواء بعضهم في بعض.
ويندرج في معنى البطء: الضعف وبطء الكلام وبطء التفكير وهو الحماقة، وبطء العمل وهو التعقل على معنى ان العاقل لا ينجز العمل الا بعد التأمل والتفكير، ويمكن ان يندرج فيه السمن وكثرة اللحم والشحم على اعتبار بطء الحركة معها.
ويندرج في معنى القوة والشدة: الشر والجراحات باعتبار حصولها من الشدة في العمل أو في التفكير. ومنه يتفرع معنى المطالبة بالأحقاد. لأنها ناتجة من الجراحات، ويمكن ان يندرج فيها كثرة اللحم والشحم لأن الحيوان معها يكون قوياً.
فهذه فكرة كافية عن المعنى اللغوي للوث الذي يستعمله الفقهاء في كتاب
ــــــــــــــــــــ[337]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
القصاص كاصطلاح. ولكن ما مرادهم بهذا الاصطلاح؟
ان معناه عندهم لا يشبه واحداً من المعاني السابقة إطلاقاً، وإنما لهم فيه بعض المعاني التي سنستعرضها، ثم نحاول ان نجد علاقتها مع أي واحد من المعاني اللغوية.
فاللوث عند الشافعي(1): شبه الدلالة، ولا يكون بينة تامة. وفي حديث القسامة ذكر اللوث وهو ان يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل ان يموت: ان فلاناً قتلني أو أن يشهد شاهدان على عداوة بينهما أو تهديد منه له أو نحو ذلك.
وفي محكي الخلاف: إذا كان مع المدعي للدم لوث وهو تهمة على المدعى عليه بأمارات ظاهرة، بدأ به في اليمين…
وعرفه المحقق الحلي: بأنه امارة يغلب معها الظن بصدق المدعي. كالشاهد الواحد وكذا لو وجد متشحطاً بدمه وعنده ذو سلاح عليه الدم أو في دار قوم وفي محلة منفردة عن البلد لا يدخلها غير أهلها.
وعرفه الشهيدان: بأنه امارة يظن بها صدق المدعي. فيما ادعاه من القتل. ومثلا له بالأمثلة التي ذكرها المحقق.
إذن فاللوث:
1- شبه الدلالة.
2- تهمة مع امارات ظاهرة.
3- امارة يغلب الظن بها بصدق المدعي.
ــــــــــــــــــــ[338]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) انظر: لسان العرب: مادة: لوث.
4- امارة يظن معها بصدق المدعي.
ويمكن القول في الجمع بين هذه التعاريف: ان النظر والتركيز تارة يكون على المدعي وأخرى على المدعى عليه. ومعلوم أن اللوث في صالح المدعي وضد المدعى عليه، فان نظرنا إلى المدعي كان عليه أن يقيم دلالة على مدعاه. وهذا ليس باختياره، بل هو مجرد اقتران قد يحصل في كثير من الحالات.
إذن، فهي دلالة وهي امارة، وهي تهمة في نفس الوقت، لأن التهمة لا يراد بها مجرد الظن الخالي عن أي إثبات، بل التهمة المقترنة بالإثبات، فيسمى هذا الإثبات لوثاً، والدلالة والامارة بمعنى واحد في مصطلحاتهم.
ومنه نعلم الحال فيما إذا نظرنا إلى المدعى عليه. فان هذه المعاني كلها تكون ضده.
الا ان الشيء الذي يختلف في هذه التعاريف هو درجة الإثبات الذي يتوخاه الفقيه في اصطلاح اللوث. فان فيه ثلاثة احتمالات مستفادة من هذه التعاريف نفسها.
الاحتمال الأول: مجرد الترجيح ولو كان بسيطاً. مثل 60%.
وهو المفهوم من قوله: شبه الدلالة.
الاحتمال الثاني: ان لا يكون ترجيحاً بسيطاً. بل ظناً مثل 70% ولا يكفي الأقل منه. وهو ما يستفاد من التعريف الرابع, فراجعه.
الاحتمال الثالث: ان لا يكون مجرد ظن بل ظن راجح وغالب مثل 80% أو أكثر. ولا يكفي الأقل منه. وهذا ما يستفاد من التعريفين الثاني والثالث.
فأي من هذه الاحتمالات هو اللوث. وكم حاجتنا إلى تعيينها من الناحية
ــــــــــــــــــــ[339]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الفقهية. هذا ما سنعرفه بعد التعرض إلى حكم اللوث وأثره الفقهي.
ولا يحتمل في اللوث ان يصعد في الظن اكثر من ذلك, مثل 90% أو اكثر، لأنه يكون اطمئناناً. والاطمئنان حجة في نفسه. وقد اشترطوا في اللوث ان يكون ظناً لا حجية فيه. ولذا نحتاج أو يحتاج المدعي، بالرغم من وجوده إلى إثبات حجة ضد المدعى عليه. كالبينة أو القسامة. ولو كان الظن بنفسه حجة، لم يحتج إلى ذلك كله.
ولا يفوتنا الآن، قبل الدخول في حكم اللوث فقهياً، ان نطبق معناه الاصطلاحي على المعنى اللغوي الذي عرفنا تفاصيله، فان فيه عدة محتملات:
1- ان يكون مأخوذاً من معنى الشر، على اعتبار ان الجناية من الشر.
2- أن يكون مأخوذاً من معنى الجراحات على اعتبار وجودها في الجنايات.
3- أن يكون مأخوذاً من المطالبة بالأحقاد، لأن المدعي يطالب بالعقوبة على المدعى عليه، داعماً دعواه باللوث، فيكون اللوث قرينة على هذه المطالبة.
4- ان يكون مأخوذاً من الشدة والقوة، على اعتبار ان اللوث يعطي شدة في الظن في انتساب الجريمة لفرد معين.
5- أن يكون مأخوذاً من الخلط باعتبار أن مورد اللوث هو مورد اختلاط في الفكرة واشتباه في الفرد الفاعل.
6- ان يكون مأخوذاَ من التلطخ، على معنى ان المقتول أو المجروح يكون متلطخاً بالدم أو بالتراب أو بهما معاً.
7 – أن يكون مأخوذاً من العقل والتأني، باعتبار ان الاعتماد على اللوث
ــــــــــــــــــــ[340]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
من التأني. في حين يكون إهماله من الحماقة والاستعجال.
وبهذا نعرف ان اغلب معاني اللوث اللغوية تنطبق على المعنى الاصطلاحي، مع إمكان الاكتفاء بأي واحد منها وحده.
ومعنى التلطخ هو الذي رجحه ابن منظور(1)، قال: وهو من التلوث التلطخ، يقال: لأنه في التراب ولوثه. ثم لم يذكر وجه العلاقة بين المعنيين كما ذكرناها.
اما الشيخ صاحب الجواهر(2)، فاحتمل معنى التلطخ ومعنى القوة، ولم يبين الوجوه في أي منهما أيضاً.
أمثلة اللوث:
أكثر من مثل له من الفقهاء في حدود علمي هو المحقق الحلي حيث قال(3) كالشاهد ولو واحداً. وكما لو وجد متشحطاً بدمه وعنده ذو سلاح(4) عليه الدم أو في دار قوم أو في محلة منفردة عن البلد لا يدخلها غير أهلها أو في صف مقابل للخصم بعد المراماة.
ولو وجد في قرية مطروقة أو خلة من خلال العرب أو في محلة منفردة مطروقة وان انفردت، فان كان هناك عداوة فهو لوث وإلا فلا لوث، لأن الاحتمال متحقق هنا, ولو وجد بين قريتين فاللوث لاقربهما. ومع التساوي في القرب، فهما في اللوث سواء.
ــــــــــــــــــــ[341]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) لسان العرب، مادة لوث.
(2) جواهر الكلام، النسخة الحجرية.
(3) شرائع الإسلام ج 4 ، ص 209.
(4) قلنا فيما سبق انه يراد بالسلاح: الحد القاطع للمعدن كالسيف والخنجر والرمح فذو السلاح هو السلاح الأبيض باللغة الحديثة.
ثم قال: ولا يثبت اللوث في شهادة الصبي ولا الفاسق ولا الكافر، ولو كان مأموناً في نحلته. نعم، لو اخبر جماعة من الفساق أو النساء مع ارتفاع المواطاة أو مع ارتفاعها كان لوثاً. ولو كان الجماعة كفاراً أو صبياناً لم يثبت اللوث ما لم يبلغوا حد التواتر. إلى آخر كلامه.
ومن الواضح ان هذه الأمثلة تختلف من حيث مقدار الظن المتعلق بها على مراتب أربع هي: الظن الاعتيادي، والظن القوي، والاطمئنان، والعلم.
مثال الظن الاعتيادي: وجود القتيل بين قريتين حيث قال: بأن اللوث لهما معاً. ومقدار الظن ليس اكثر من 50%.
ومثال الظن القوي: الشاهد الواحد وشهادة عدة فساق أو نساء.
ومثال الاطمئنان: وجود القتيل في قرية منفردة ينحصر عادة كون القاتل منهم.
ومثال العلم: حصول التواتر. الذي ألحقه المحقق باللوث. واستشكل عليه صاحب الجواهر، بأنه يكون علماً لا لوثاً. ومعه حق.
وقد اشترط المحقق الحلي في اكثر من مورد من كلامه عن اللوث انتفاء الاحتمال والشك. وهذا يعني حصول العلم، ولا اقل من حصول الاطمئنان ومن المعلوم فقهياً ان العلم بنفسه حجة، بل الاطمئنان أيضاً حجة، لا نحتاج معهما إلى حجة أخرى.
كما ان مقتضى قوله في أمثلة اللوث: كالشاهد الواحد: ان الشاهدين أيضاً من اللوث. مع العلم انهما مع عدالتهما تكونان بينة. وهي كافية في الإثبات في غير الدماء جزماً. وفيها على بعض الصور، كما سنسمع.
مع العلم ان اعترافه بوجود اللوث مع احتمال 50% فقط، يقتضي أن يكون ثبوته في الظن الأعلى من ذلك أولى جداً، يعني أن كل مقادير الظن التي أشرنا
ــــــــــــــــــــ[342]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
إليها تدخل في اللوث. ومعناه: ان كل أمثلة المحقق، حتى التي نفاها تدخل فيه أيضاً، لأنها جميعاً على أي حال تحدث ظناً بلا إشكال.
حكمه الشرعي :
ينبغي أن نعلم سلفاً ان اصطلاح اللوث لم يرد في الكتاب والسنة. وإنما جاء فقط في كلمات الفقهاء. ولا نعلم أول من إصطلحه، غير أنه موجود في كلام الشيخ الطوسي، وابن إدريس وهما من قدماء علمائنا. كما أنه موجود في كلمات الآخرين منذ ذلك الزمن أو قبله. فعن السرائر لابن إدريس(1): ان عليه في النفس إجماع المسلمين وفي الأعضاء إجماعنا. وعن مجمع البحرين(2): القسامة تثبت مع اللوث. ولم نجد مخالفاً في ذلك من العامة والخاصة إلا الكوفي.
ولنا على ذلك عدة ملاحظات:
الملاحظة الأولى: اننا عرفنا من ذلك ان الحكم الشرعي للوث هو ثبوت القسامة مع وجوده وانتفاؤها مع عدمه – على ما قاله المشهور- وسنحمل فكرة كافية عن القسامة في الفصل الآتي.
الملاحظة الثانية: أنه من الواضح من كلامهم ان احتياج النفس إلى اللوث ضروري، وأما احتياج الأعضاء إليه, ففيه الإجماع المنقول في كلام ابن إدريس.
ويراد من النفس والأعضاء، حالة الجناية عليها.
الملاحظة الثالثة: ان الاستدلال بإجماع علماء الإسلام ليس إلا لأجل
ــــــــــــــــــــ[343]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) انظر: الجواهر.
(2) نفس المصدر.
ترجيح الظن بالحكم، ولكنه من المعلوم أنه بعنوانه واستقلاله ليس بحجة. لأن كل مذهب لا يأخذ بنظر الاعتبار إجماع المذهب الآخر. فيكون الظن الناتج منه ليس بحجة.
الملاحظة الرابعة: ان الإجماع الوارد في عبارة ابن إدريس، وان كان إجماعاً معلوماً ومحرزاً بالنسبة إليه، ولكنه من الواضح أنه إجماع منقول بالنسبة إلينا والى سائر السامعين والمتأخرين عنه زماناً, ومن هنا تكون حجيته لنا كحجية الإجماع المنقول. والصحيح هو عدم حجيته، كما هو المحقق في علم الأصول.
الملاحظة الخامسة: ان الإجماع على تقدير ثبوته فهو دليل لبي خال من الإطلاق والعموم، فيؤخذ منه بالقدر المتيقن، والقدر المتيقن هنا هو النفس دون الأعضاء، كما ان القدر المتيقن في مراتب الظن هو الظن العالي دون الضعيف.
الملاحظة السادسة: ان الأهم من كل ذلك جانب النفي وليس جانب الإثبات. لأن الروايات الصحيحة الصريحة ناطقة بثبوت القسامة في مورد النفس: وهي الحجة فيها. وإنما المهم هو عدم وجودها في الأمور الأخرى. يعني في مورد عدم وجود اللوث إطلاقاً، أو في الظن الضعيف. سواء كان في النفس أو في الأعضاء. وسنرى في فصل القسامة ان إطلاقها شامل لكل الموارد. حيث يقال فيها بوضوح: إن البينة على المدعي إلا في الدم فان عليه اليمين. ويراد باليمين: القسامة – كما سنوضح- وهو واضح الإطلاق لصورة وجود اللوث وعدمه. فما هو دليل الفقهاء على الحكم بنفي القسامة مع عدم اللوث؟ وانه يمكن الاقتصار عندئذ على البينة الاعتيادية.
الملاحظة السابعة: إن إطلاق قاعدة: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، مقيدة بغير الدماء بنص الروايات الصحيحة الصريحة. فلا يمكن التمسك
ــــــــــــــــــــ[344]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
بها في مورد الدم الخالي من اللوث. بل يكون المورد مشمولا لإطلاق أدلة القسامة.
وليس المقيد هنا مردداً بين الأقل والأكثر لنتمسك في الأقل به، وفي الزائد بالإطلاق الخارج عنه،أعني بقاعدة البينة على من ادعى، بل المقيد هنا شامل لكل موارد الدم سواء كان لوثاً أم لا.
الملاحظة الثامنة: ان الإجماع على ثبوت القسامة مع اللوث يحتوي على جانبين: ايجابي وسلبي. ونعني بالايجابي ثبوته مع ثبوت اللوث. ونعني بالسلبي منعه للقسامة مع عدم اللوث.
أما الجانب الايجابي منه، فهو مقرون بالأخبار الصحيحة الصريحة. فيكون الاعتماد عليها والحجية فيها دون الإجماع. لاحتمال استناد المجمعين عليها، بل هو كذلك بكل تأكيد، فيكون الإجماع مدركياً. أي مستنداً إلى مدرك أسبق منه وهو الأخبار، فلا يكون حجة.
وأما الجانب السلبي، فلم يثبت فيه وجود الإجماع أصلا، ولم يصرح بذلك في كلماتهم. مع ان هذا المورد مشمول لإطلاق الروايات كما سمعنا. وسنسمع بعض نصوصها في الفصل الآتي الخاص بالقسامة.
الملاحظة التاسعة: إتضح اننا لا يهمنا تعيين معنى اللوث، وانه هل هو السبب المنتج للظن القوي كما فهمه المحقق الحلي، أو المنتج لأي ظن كما مثل له. لأننا الآن عرفنا من الملاحظات السابقة ان القسامة تثبيت مع مطلق مرافعات الدم من حيث وجود اللوث وعدمه. فضلا عن صورة وجود لوث ضعيف أو ظن قليل.
الملاحظة العاشرة: إن المورد المتيقن والواضح من ثبوت القسامة هو النفس أي المرافعة على القتل. وأما في الأعضاء فهل تثبت القسامة أم لا؟ هذا
ــــــــــــــــــــ[345]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
موقوف على فهم الأخبار الدالة على المضمون المشار إليه، أعني: البينة على المدعي إلا في الدم. أنه هل يراد من الدم كل مورد سيلانه ولو كان جرحاً صغيراً، أم يراد به القتل أو النفس. والظاهر هو الثاني كما سنقربه في الفصل الآتي بعونه سبحانه. ومعه، تبقى الأعضاء تحت إطلاق قاعدة: البينة على من ادعى، ومعه لا مورد لملاحظة اللوث فيها، فان ملاحظته إنما هو لأجل ثبوت القسامة. فإذا نفينا القسامة في الأعضاء أساساً، كان ملاحظة اللوث فيها بلا معنى.
ــــــــــــــــــــ[346]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فصل القســـــــامة
ويقع الكلام في هذا الفصل ضمن عدة جهات:
الجهة الأولى: في سرد أهم الأخبار الدالة على معناها وصفتها، وهي على أقسام أو طوائف.
الطائفة الأولى: ما دل على ان البينة على المدعي الا في الدم. نذكر أهمها: أصحها سنداً وأوضحها دلالة.
منها: صحيحة أبي بصير(1) عن أبي عبد الله : قال: “ان الله حكم في دمائكم بغير ما حكم في أموالكم. حكم في أموالكم ان البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. وحكم في دمائكم ان البينة على المدعى عليه واليمين على من ادعى. لئلا يبطل دم أمريء مسلم”.
وصحيحة بريد بن معاوية(2) عن أبي عبد الله قال: “سألته عن القسامة. فقال: الحقوق كلها البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه الا في الدم خاصة”.
ــــــــــــــــــــ[347]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: ج 19، كتاب القصاص، أبواب دعوى القتل وما يثبت به، باب 9 حديث 4 وانظر نفس المصدر: كتاب القضاء: ج 18 أبواب كيفية الحكم باب 3 حديث 3.
(2) المصدر ج 19 – كما سبق- حديث3. وانظر المصدر كتاب القضاء ج 18 – كما سبق
الطائفة الثانية: ما دل من الأخبار على وجه الحكمة، من جعل القسامة وتشريعها في الشريعة، ومخالفة القاعدة الأصلية من ان البينة على المدعي.
منها: صحيحة زرارة(1) عن أبي عبد الله قال: “إنما جعلت القسامة احتياطاً للناس، لكيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلا أو يغتال رجلا حيث لا يراه أحد خاف ذلك فامتنع من القتل”.
وصحيحة الحلبي(2) عن أبي عبد الله , قال: “سألته عن القسامة كيف كانت. فقال: هي حق وهي مكتوبة عندنا. ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً. ثم لم يكن شيء. وإنما القسامة نجاة الناس”.
وصحيحة بريد بن معاوية السابقة عن أبي عبد الله ويقول فيها: “وقال: إنما حقن دماء المسلمين بالقسامة لكي إذا رأى الفاجر الفاسق فرصة (من عدوه) حجزه مخافة القسامة ان يقتل به، فكف عن قتله”. الحديث.
وقد سمعنا في صحيحة أبي بصير السابقة قوله : “لئلا يبطل دم امرئ مسلم”.
ورواية زرارة(3) عن أبي عبد الله قال: “إنما جعلت القسامة ليغلظ بها في الرجل المعروف بالشر المتهم. فان شهدوا عليه جازت شهادتهم”.
وصحيحة عبد الله بن سنان(4) قال: “سألت أبا عبد الله عن القسامة، هل جرت فيها سنة. فقال: نعم. إلى أن يقول: اما أنها حق ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً. وإنما القسامة حوط يحاط به الناس”.
ــــــــــــــــــــ[348]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر ج 19 – كما سبق- حديث 1.
(2) المصدر: حديث 2.
(3) المصدر: حديث 7.
(4) المصدر: باب 10 حديث 1.
الطائفة الثالثة: ما دل من الأخبار على كيفية القسامة وتفاصيلها.
منها: صحيحة عبد الله بن سنان(1), قال: “قال أبو عبد الله : في القسامة خمسون رجلا في العمد، وفي الخطأ خمسة وعشرون رجلاً وعليهم أن يحلفوا بالله”.
وحسنة ليث المرادي قال: “سألت أبا عبد الله عن القسامة على من هي؟! أَعلى أهل القاتل أو على أهل المقتول؟ يحلفون بالله الذي لا إله إلا هو لقتل فلان فلاناً”.
وعن أبي بصير(2) قال: “سألت أبا عبد الله عن القسامة. وفيها يقول نقلاً عن رسول الله : ان الله عز وجل حكم في الدماء ما لم يحكم في شيء من حقوق الناس لتعظيمه الدماء. لو ان رجلا ادعى على رجل عشرة آلاف درهم أو أقل من ذلك أو أكثر لم يكن اليمين على المدعي وكانت اليمين على المدعى عليه: فإذا ادعى الرجل على القوم انهم قتلوا كانت اليمين لمدعي الدم قبل المدعى عليهم. فعلى المدعي أن يجيء بخمسين يحلفون أن فلاناً قتل فلاناً. فيدفع أليهم الذي حلف عليه، فان شاؤا عفوا وان شاؤا قتلوا وان شاؤا قبلوا الدية. وان لم يقسموا فان على الذين ادعى عليهم أن يحلف منهم خمسون: ما قتلنا ولا علمنا له قاتلا، فان فعلوا أدى أهل القرية الذين وجد فيهم. وان كان بأرض فلاة أديت ديته من بيت المال. فان أمير المؤمنين كان يقول: لا يبطل دم أمريء مسلم”.
وفي خبر أبي عمر المتطبب(3): قال: عرضت على أبي عبد الله ما أفتى به أمير المؤمنين في الديات. فمما أفتى به في الجسد وجعله ست
ــــــــــــــــــــ[349]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: باب 11 حديث 1.
(2) المصدر: حديث 5.
(3) المصدر: باب 11، حديث 2.
فرائض: النفس والبصر والسمع والكلام ونقص الصوت من الغنن والبحح، والشلل من اليدين والرجلين. ثم جعل مع كل شيء من هذه قسامة على نحو ما بلغت الدية.
والقسامة: جعل على العمد خمسين رجلا. وجعل في النفس على الخطأ خمسة وعشرين رجلاً. وعلى ما بلغت ديته من الجروح ألف دينار ستة نفر، وما كان دون ذلك فحسابه من ستة نفر.
والقسامة في النفس والسمع والبصر والعقل والصوت من الغنن والبحح ونقص اليدين والرجلين. فهو ستة اجزاء الرجل. تفسير ذلك: إذا أصيب الرجل من هذه الأجزاء الستة، وقيس ذلك فان كان سدس بصره أو سمعه أو كلامه أو غير ذلك حلف هو وحده. وان كان ثلث بصره حلف هو وحلف معه رجل واحد. وان كان نصف بصره حلف هو وحلف معه رجلان، وان كان ثلثي بصره حلف هو وحلف معه ثلاثة أنفار، وان كان أربعة أخماس (خمسة أسداس) بصره حلف هو وحلف معه أربعة، وان كان بصره كله حلف هو وحلف معه خمسة أنفار، وكذلك القسامة في الجروح كلها.
فان لم يكن للمصاب من يحلف معه ضوعفت عليه الأيمان فان كان سدس بصره حلف مرة، وان كان الثلث حلف مرتين، وان كان النصف حلف ثلاث مرات، وان كان الثلثين حلف أربع مرات، وان كان خمسة أسداس حلف خمس مرات، وإن كان كله حلف ست مرات ثم يعطى.
الجهة الثانية: في التوضيح العام للقسامة بغض النظر عن بعض التفاصيل.
فان القسامة – بالفتح- مأخوذة من القسم، ويراد بها الهيئة المعنوية الحاصلة من تعدد الأقسام. وهذا المعنى أولى من التعبير بأنها عبارة عن
ــــــــــــــــــــ[350]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الرجال الخمسون الذين يقسمون. كما قال ابن منظور(1): فان هؤلاء الرجال قد يكونون خمسة وعشرون كما في القتل الخطأ. وقد يكونون أقل. بل قد يتكفل المدعي نفسه الأيمان كلها. فهذه قسامة بالرغم من عدم وجود رجال فيها، وتسميتها بالقسامة باعتبار اشتراكها مع يمين الرجال الخمسين في الأثر. وهو إثبات دعوى القتل، وهذا أمر ممكن إلا أنه خلاف التبادر الوجداني، الدال على كون الاستعمال حقيقياً.
وحينما نسمع شرعاً بأن اليمين في الدم على المدعي دون المنكر، فإنما يراد بها هذه القسامة المحتوية على تكرر الأيمان التي قد تكون صادرة من عدد من الرجال.
وحاصل فكرتها من ناحية تطبيقية مأخوذاً من الروايات السابقة، وكلام المشهور: إن القاضي الشرعي قد تعرض عليه مرافعة في قتل بمعنى ان شخصين يدعي أحدهما أن الآخر قاتل لأبيه أو ابنه مثلا، والآخر ينكره.
فيطلب القاضي من المدعي إقامة القسامة، مع وجود اللوث، على ما أفتى به المشهور، وقد شرحناه في الفصل السابق، والقسامة هنا خمسون يميناً في القتل العمد. ومعناه أنه إن استطاع أن يحضر خمسون رجلا أياً كانت صفتهم يحلفون على أن المدعى عليه هو القاتل، لم يحتج هو إلى الحلف معهم أصلا.
وهم بهذا الحال شهود له، إلا ان شهادتهم لا تقبل إلا مع اليمين الخمسين، ولا يعتبر فيهم العدالة، ومن هنا خرجوا عن كونهم بمنزلة البينة للمدعي، بل هم بمنزلة اليمين له.
وان لم يجد المدعي خمسين، فقد يجد 49 شخصاً فحسبه عندئذ أن
ــــــــــــــــــــ[351]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) انظر لسان العرب.
يحلف هو معهم يميناً لتتم الخمسون بها(1), وإن وجد أقل من الناس راضون بالقسم معه قسم اليمين عليه وعليهم، أو عليهم فقط حسب اتفاقهم. فلو كانوا خمسة عشر رجلا أقسم كل منهم ثلاثة أيمان، فهذه خمسة وأربعون يميناً، وأقسم المدعي خمسة، أو قسمت الخمسة على بعضهم فاقسموا أربعاً، أو قسمت أربعة منها على أربعة، وأقسم المدعي واحداً، وهكذا.
وان لم يجد المدعي أحداً يقسم معه على الإطلاق، كلف هو بتكرار القسم خمسين مرة وتمت القسامة.
هذا، وفي القتل الخطأ، تتم نفس الصورة، لكن مع الاجتزاء بخمسة وعشرين قسماً.
وان قلنا بوجود القسامة في الأعضاء، كان المدعي هو المجني عليه نفسه، فيأتي بالشهود ليحلفوا له حسب ما سنذكره من عدد الأيمان أو يحلف هو بدلهم لتثبت دعواه.
الجهة الثالثة: إن نتيجة القسامة هل هي الدية بالخصوص أو هي القود والقتل قصاصاً في العمد.
ويمكن الاستدلال على ثبوت القود بها. بدليلين على الأقل:
الدليل الأول: رواية أبي بصير السابقة والتي يقول فيها: (فان شاءوا عفوا، وإن شاؤا قتلوا، وإن شاءوا قبلوا الدية). وهي واضحة في إمكان أخذهم بالقود. إلا انها من ناحية السند لا تخلو من مناقشة.
الدليل الثاني: روايات الطائفة الأولى التي سمعناها في الجهة الأولى من هذا الفصل، فراجعها. والتي تدل على أن البينة على المدعي إلا في الدم. فان
ــــــــــــــــــــ[352]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) قلنا في تعليقنا على تكملة منهاج الصالحين: ان ظاهر الأدلة هو عدم تحليف المدعي، بل تقسم الأيمان على الشهود فقط، ما لم يبق وحده فيكلف بالأيمان كلها وهذا أحوط.
معناها ان القسامة تثبت نفس ما تثبته البينة. ومن الواضح ان البينة تثبت جميع اللوازم والأحكام الشرعية. فكذلك القسامة، وهذا معناه إثبات القود والقصاص في القتل العمد.
وقد سمعنا ان هذه الروايات عديدة، وفيها ما هو صحيح سنداً. وهنا الدليل الثاني قام فقهياً.
إلا ان إشكالا واحداً قد يرد إلى الذهن: وهو ان أي شخص يمكن أن يتسبب إلى قتل آخر إذا كان مستعداً لليمين خمسين مرة. فانها تكون مقبولة منه إذا لم يكن معه أحد، كما سمعنا.
وجواب ذلك من عدة وجوه نذكر منها:
الوجه الأول: إن المشهور خص حجية القسامة مع وجود اللوث، ومن الواضح أنه مع وجوده يرتفع الإشكال. فلو أن شخصاً قاد شخصاً إلى القاضي ليقسم عليه قسامة فيقتله، لم يكن هناك لوث طبعاً. ومعه لم يقبل القاضي منه قسامة.
الا ان هذا بناء على المشهور من اختصاص الحجية بصورة وجود اللوث. وهذا ما ناقشناه وقلنا بوجود إطلاق في الروايات أوسع من ذلك.
الوجه الثاني: ان القاضي الشرعي سوف يبدأ بالمطالبة بالقسامة لا محالة. فان ذكر المدعي أنه ليس لديه أحد، طالبه القاضي بالبحث والفحص عن الناس الذين يقبلون ان يندرجوا في القسامة. ومعه يكون فحصه بثاً للفكرة بين الناس، فيفكر في الحادثة من يفكر ويعلق من يعلق. ولا يكون الأمر كما تصور السائل من ان الفرد المدعي له ان يقتل الآخر بمجرد اليمين. إذن فتكون هذه فرصة سانحة لنجاته.
ولو فرضنا أنه رفض الفحص عن أحد، محتجاً بأنه يعلم بأن أحداً لا يقبل
ــــــــــــــــــــ[353]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
منه ذلك. فمثل هذا الفرد يكون مورداً للتهمة، والحال هذه. وهناك عدة تدابير يمكن اتخاذها في مثل ذلك, منها ضم فرد أو أفراد إليه للفحص عن أصحاب القسامة. أو أمر بعض الأفراد للفحص عن حاله وتاريخه الشخصي وعلاقته بالآخر أساساً قبل المبادرة إلى قبول أيمانه.
الوجه الثالث: ان أمر اليمين صعب في القضاء. وطالما استغنى المتشرعون عنها في الأمور المالية الثابتة فعلا، حتى لا يتورطوا بإيقاع يمين في سبيل الدنيا والحصول على المال، حتى ولو كانوا صادقين.
فكيف الحال باليمين الكاذبة، فان جزاءها الأخروي صعب جداً. فكيف إذا كانت هذه اليمين للتغرير بالنفس، فضلا عما إذا كانت خمسين يميناً؟!
إذن، فمن عنده خوف من الله سبحانه أو من عقاب الآخرة, مهما كان قليلا، فسوف لن يعمل هذا العمل.
هذا مضافاً إلى وجه آخر يمكن أن يقال، سنشير إلى وجهه في الجهة الأخيرة من هذا الفصل. وهو احتمال أن لا يكون المدعي مطالباً باليمين وحده، إذا لم يكن لديه رجال يحلفون له. وهو ظاهر رواية أبي بصير السابقة. وحتى إذا حلف فان أيمانه لا تكون حجة، ومن ثم لا تؤدي إلى الحكم بالقتل على خصمه.
وعلى أي حال، فقد ثبت في هذه الجهة من الكلام: ان نتيجة القسامة يمكن ان تكون القود والقتل. إلا انه لا إشكال ان الأحوط استحباباً، بل المستحب فعلا هو الانتقال إلى الدية.
الجهة الرابعة: في المصلحة المقصودة للقسامة، يعني في تبديل وظيفة القسم من المنكر إلى المدعي حسب ما نطقت به الروايات السابقة.
اننا يمكن ان نتصور ذلك في المورد الذي أشارت إليه الروايات أنفسها.
ــــــــــــــــــــ[354]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وهو ما إذا قتل شخص أحداً في محل منفرد مفتوح كالصحراء أو منغلق كغرفة أو دار خالية، فان مقتضى المرافعة الاعتيادية أعني فيما إذا كانت البينة على المدعي واليمين على المنكر، كما في كل الموارد.
إذن، فسوف يكون المدعي هو ولي الدم كابن المقتول مثلا، حيث يجر القاتل إلى القاضي ويدعي عليه القتل, فيطالبه القاضي بالبينة، وعندئذ سيجيب بالنفي وانه لا يستطيع ذلك، وعندئذ تتحول الوظيفة إلى يمين المنكر، وهو القاتل نفسه. ومن المعلوم ان من يقتل النفس المحترمة المعصومة الدم. لا مانع لديه من أن يقسم مرة أو ألف مرة في سبيل نجاة نفسه. بل لعل كل فرد مستعد لذلك لدفع القتل عن نفسه، بل لعل هناك وجوب شرعي في أداء اليمين لتخليص رقبته من القتل.
وإذا أقسم القاتل على عدم القتل سقطت الدعوى، ولم يكن من حق ولي الدم بعد ذلك المطالبة بقتله، لا أمام هذا القاضي ولا أمام أي قاض آخر، كما عرفنا هذه القاعدة في كتاب القضاء.
نعم، لو نكل المنكر القاتل عن اليمين انتقلت وظيفة اليمين إلى المدعي. فيكون له أن يحلف ان طلب منه المنكر ذلك. فإذا حلف ثبتت دعواه ووجب قود المنكر وقتله. إلا ان الحال لا تصل إلى ذلك. فان المفروض عملياً بالمنكر ان يحلف لينجي نفسه، كما أن له ان لا يرد اليمين على المدعي، فان المدعي لا تصح يمينه بدون رد المنكر وطلبه منه. وهنا تقف قضية المدعي وتسوء حاله. وهذا هو المشار إليه في الروايات من ان الدم سوف يذهب هدراً لو مشت الحال على القاعدة العامة للبينة واليمين.
وأما لماذا اختار الشارع الإسلامي المقدس أسلوب القسامة؟ إذن يمكن أن يبدل القاعدة العامة المشار إليها, ويجعل اليمين على المدعي، يميناً واحدة وليس خمسون يميناً.
ــــــــــــــــــــ[355]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وجواب هذا واضح، إذ يمكن عندئذ لأي مدع أن يورط الآخر بالقتل بمجرد يمين واحدة. في حين تكون القسامة بإشراف وشهادة خمسين رجلا كلهم يقسمون بشهادة التوحيد (بالله الذي لا اله الا هو) على ثبوت القتل، ومثل ذلك لا يتوفر عادة الا مع صدقهم وصحة مقالتهم.
فهذا هو المراد من قولهم في الروايات: “وإنما القسامة نجاة للناس”. وقوله : “لكي إذا رأى الفاجر الفاسق فرصة من عدوه حجزه مخافة القسامة ان يقتل به، فكف عن قتله”. وقوله : “لئلا يبطل دم أمريء مسلم”. إلى آخر ما قالوه .
الجهة الخامسة: في موقف المدعى عليه، وهو الذي يحتمل ان يكون قاتلا.
بعد أن عرفنا أن على المدعي في إثبات دعواه إقامة القسامة. فان أقامها حكم له. وإن عجز عنها، أو بتعبير آخر: إن نكل عنها. لأنه ان عجز عن الشهود الخمسون أو الخمسة والعشرون في غير العمد، أمكنه القسم منفرداً بعدد المطلوب، فان نكل عن ذلك فما هو التكليف الشرعي عندئذ؟ أو بتعبير آخر: ما هو موقف المدعى عليه أو المنكر، في هذه الصورة.
يتصور أساساً للمنكر عندئذ عدة مواقف:
الموقف الأول: أن يحكم القاضي ببرائته، إما لكونه ممن لم تثبت إدانته، ومقتضى الأصل براءة ذمته وبراءة الذمة من قتله. أو لأن القاضي من الفقهاء الذين يحكمون بالنكول. وقد نكل المدعي عن القسامة فيحكم في صالح خصمه.
الموقف الثاني: ان يطالب بالبينة على عدم القتل كما لو شهدت البينة على أنه لم يكن في مكان القتل أو في زمان الحادث.
ــــــــــــــــــــ[356]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وهذا هو مقتضى القاعدة المعطاة في الروايات، من ان التكليف في المرافعة في الدماء هو ضد التكليف في المرافعة من غيرها. فبينما تكون البينة في غيرها على المدعي، تكون هي في الدماء على المنكر. وقد سمعنا في الجهة الأولى من هذا الفصل بهذا المضمون أخباراً صحيحة وصريحة.
الموقف الثالث: أن يطالب بالقسامة على عدم القتل، بعد انتفاء قسامة المدعي على إثبات القتل.
وقد سمعنا في ذلك خبراً واحداً، في الطائفة الثالثة من الجهة الأولى من هذا الفصل، وهو خبر أبي بصير، ويمكن حمل معنى البينة التي سمعناها في الموقف الثاني قبل قليل، على أنها تجب أن تكون قسامة كاملة. مع إمكان مناقشة في ذلك بشكل لا يفوت على القاريء اللبيب.
غير أن هذا الخبر مخدوش سنداً، ومعارض لأخبار الموقف الثاني. لأن مقتضى تلك الأخبار مطالبة المنكر بالبينة. ومقتضى خبر أبي بصير مطالبته بالقسامة، وهي أقرب إلى مفهوم اليمين منها إلى مفهوم البينة. فلماذا لم تقل تلك الأخبار ان مرافعات الدم تقتضي اليمين في كل منهما أو القسامة منهما؟ وعلى أي حال، فمقتضى الأصل هو عدم حجتيها في غير مورد ثبوتها بنص صحيح. اذن، فالموقف الثالث غير صحيح.
وأما الموقفان الأول والثاني، فهما صحيحان معاً، لأن المدعى عليه إن استطاع إقامة البينة على عدم القتل. فهذا هو أقصى المطلوب. وان لم يستطع فمعناه كون الموقف الثاني متعذراً عليه، فيبقى الموقف الأول متعيناً وصحيحاً. إذ لا حق لأحد أن يقتله بعد عدم ثبوت القتل عليه.
الجهة السادسة: في شمول القسامة للأعضاء. ويقع الكلام فيها من ناحيتين هما اصل ثبوت هذه القسامة والأخرى في كمية أو مقدار القسامة:
ــــــــــــــــــــ[357]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الناحية الأولى: في ثبوت أصل صحة القسامة في الأعضاء.
ويمكن إثبات ذلك بأحد وجهين لا ثالث لهما:
الوجه الأول: رواية أبي عمر المتطبب التي سمعناها في الطائفة الثالثة من الجهة الأولى من هذا الفصل، فراجعها. فانها واضحة للدلالة على ذلك. إلا انها سنداً محل مناقشة، فانها من كتاب ظريف الخاص بالديات. ومن المعلوم في (علم الرجال) ان كلا من ظريف هذا وأبي عمر المتطبب لم يتم توثيقهما، مضافاً إلى رواة آخرين لهذه الرواية. ومعه، لا تكون هذه الرواية حجة.
الوجه الثاني: الشهرة بين الفقهاء فتوائياً على أن القسامة ثابتة في الأعضاء، بل سمعنا من بعض المصادر نقل الإجماع على ذلك.
إلا ان هذا الوجه أيضاً قابل للمناقشة لأن الشهرة ليست بحجة، كما حقق في علم الأصول، كما ان الإجماع المنقول أيضاً كذلك، ولا يوجد في علمنا إجماع كامل محرز الثبوت. بل لو كان محرزاً أيضاً فهو هنا ليس بحجة لاحتمال استناده إلى رواية أبي عمر المتطبب التي سمعناها، فيكون إجماعاً مدركياً لا حجية فيه.
بقي الاحتجاج: بأن هذه الرواية مما عمل به المشهور، بل الإجماع من الأخبار فتكون حجة.
وجوابه: ان عمل المشهور بالرواية غير جابر لسندها. وعمل الإجماع لم يثبت، لأن الإجماع لم يثبت كما سمعنا. فلا تكون هذه الرواية حجة.
إذن، ينتج على ان القسامة في الأعضاء غير صحيحة، بل تكون مواردها مشمولة للقاعدة العامة الأصلية في المرافعات وهي أن: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر.
هذا، مضافاً إلى دلالة نفس تلك الروايات الصحيحة الدالة على ان اليمين
ــــــــــــــــــــ[358]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
على المدعي في الدماء، دلالتها على ثبوت القسامة في النفس فقط. لأن معنى الدم والدماء هو ذلك جزماً.
إذ يقال: ان بينهما دم أو أنه يطالب بدم، ونحو ذلك من التعابير، والمراد به القتل، وليس الخدش البسيط أو الجناية على الأعضاء.
وقد عرفنا ان جعل القسامة يحتاج إلى دليل في حجيته. ومعه يختص الدليل بخصوص الدم أو القتل. ويبقى الباقي مشكوك الحجية لإقامة القسامة. ومقتضى الشك في الحجية ثبوت عدمها، كما حقق في علم الأصول. وأيضاً تكون مشمولة للأخبار الدالة على القاعدة العامة في القضاء كقوله : إنما احكم بينكم بالبينات والأيمان. وان البينة على من ادعى واليمين على من أنكر.
الناحية الثانية: اننا لو تنزلنا عما قلناه قبل قليل، وقلنا بثبوت القسامة في الأعضاء، فما هو عدد الأيمان المفروضة فيها؟
يوجد في ذلك احتمالان:
الاحتمال الأول: ان يؤخذ للعضو من الأيمان بنسبة الدية الكاملة. فان كان عليه دية كاملة كالأنف أو كِلا العينين أو الاحليل أو غيرها، كانت القسامة كاملة وهي خمسون يميناً في العمد، يعني إذا كان الاعتداء على العضو عمدياً، وخمسة وعشرون في غيره، وهو شبه العمد والخطأ المحض.
وان كان على العضو نصف الدية كأحد اليدين أو أحد الرجلين أو أحد الأذنين وهكذا، انتصف عدد اليمين. فأخذنا للعمد خمسة وعشرين، ولغيره ثلاثة عشر بإضافة (نصف يمين) لو صح التعبير احتياطاً للدماء.
وعلى هذا الاحتمال جماعة من الفقهاء. فلو نقصت الدية اقل من ذلك كديات الأسنان أو الأصابع، أخذنا من الأيمان بنسبتها.
ــــــــــــــــــــ[359]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الاحتمال الثاني: ان تكون القسامة محتوية على ستة أيمان فقط. وهذا هو مؤدى رواية أبي عمر المتطبب المشار إليها. وعليه فتوى جماعة من الفقهاء.
الا ان هذا الاحتمال لا يخلو من خدشه لعدة وجوه أهمها:
أولا: انه يتوقف على ثبوت صحة هذه الرواية سنداً، وقد سبق ان ناقشناه.
ثانياً: ان تلك الرواية غير واضحة في التفصيل بين العمد والخطأ في الجناية، بل لعل انصرافها وسياقها في العمد. فهل نقول في الخطأ بتنصيف الستة إلى ثلاثة. أو نقول بستة كاملة، ولو احتياطاً للدماء؟
ثالثاً: ان تلك الرواية تسمي اليمين الذي يقيمه المدعي: (قسامة) مع انها تأمر بأن يحلف هو وحده في بعض الأحيان. ومن المعلوم ان حلف الفرد لنفسه ليس قسامة الا مجازاً، وخاصة إذا كان مرة واحدة. كما هو واضح.
رابعاً: ان الرواية تأمر بتفصيل الجناية إلى ستة أقسام في السمع والبصر والكلام والعقل وغيرها، فإذا ذهب سدس بصره حلف مرة، وإذا ذهب ثلث بصره، حلف معه رجل واحد، وهكذا.
وإذا أمكن تعيين هذه النسب أحياناً، كالكلام بعد الحروف التي أصبح عاجزاً عن نطقها بالنسبة إلى حروف معجم لغته، فان هذه النسب متعذرة الضبط تماماً بالنسبة إلى اكثر الموارد كالسمع والبصر والعقل. بل لا يوجد معنى واضح لقوله: سدس بصره وثلث بصره وأربعة أخماس بصره… لا عرفاً ولا طبياً ولا تشريعاً، وكذلك في السمع، فضلا عن العقل، كما هو المفهوم من سياق الرواية. أعني أننا نبحث عن سدس عقله وثلثه.
مع أن القضايا التي يفكر بها الإنسان غير منحصرة، فكيف نعرف أنه عجز عن سدس تفكير أو ثلثه.
ــــــــــــــــــــ[360]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الجهة السابعة: أفتى الفقهاء – كما سمعنا- أنه على المدعي إذ تعذر عليه جلب رجال للقسامة فعليه أن يحلف القسامة هو بنفسه خمسين قسماً. أو خمسة وعشرين.
كما عرفنا ان الدليل ان لم يثبت حجيته، فلا حجية فيه. إذن، نحتاج أو يحتاج الفقهاء لإثبات حجية هذا الأسلوب من الإثبات القضائي إلى الدليل.
مع العلم أنه تنفيه عدة أدلة:
أولا: ما سبق أن أشرنا إليه من أن معنى القسامة لغة وشرعاً، هو اليمين الصادرة عن الغير. أو هي عبارة عن مجموعة الرجال المقسمين. فإذا أقسم الفرد بنفسه لم تصبح هذه مصداقاً للقسامة المأمور بها في الأخبار.
ثانياً: أصالة عدم الحجية ما لم تثبت الحجية. كما أشرنا إليه أيضاً.
ثالثاً: رواية أبي بصير حيث يقول فيها: “وان لم يقسموا فان على الذين ادعى عليهم أن يحلف منهم خمسون”. وهذا معناه تحويل اليمين إلى القسامة التي يقيمها المنكر، وليس إلى شخص المدعي إن أبى الرجال التصدي للقسم.
هذا، غير أنه يمكن الاستدلال على ما ذكرنا، وهو الطلب من المدعي نفسه التصدي لليمين: بالروايات الصحيحة الدالة على أن اليمين في الدماء على المدعي. يعني أن هذا عكس ان يكون اليمين على المنكر.
فإذا عرفنا أن اليمين من المنكر اعتيادياً، هو أن يقوم بها بنفسه، كان ذلك من المدعي أيضاً كذلك.
وبغض النظر عن بعض المناقشات التي لا محل لها الآن. فان هذا الاستدلال لو تم فانه يدفع الأدلة الثلاثة السابقة كلها. لأن رواية أبي بصير غير تامة السند كما عرفنا. كما ان أصالة عدم الحجية ترتفع بالدليل على الحجية بهذه الروايات الصحيحة.
ــــــــــــــــــــ[361]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ومن حيث الوجه الأول فان معنى القسامة مع صدورها من المدعي نفسه وان كان مجازاً، الا أنه حيث كان مأموراً به شرعاً أمكن الأخذ به. وبتعبير آخر: ان تلك الروايات الصحيحة لم تأمر باليمين بعنوان كونها (قسامة) لتكون مجازاً، بل بعنوان كونها يميناً من المدعي، ضد كونها يميناً من المنكر، وهو أمر لا مجاز فيه ولا غبار عليه.
إذن، فما عليه الفقهاء من تكليف المدعي باليمين بالقسامة الكاملة، أو تكميل القسامة بالعدد الناقص من الأيمان ان وجد. هو فتوى ذات دليل رصين، لولا بعض المناقشات التي لا ينبغي الإطالة بذكرها.
فهذه أهم الجهات، أو الموضوعات التي قد تخطر في البال، بالنسبة إلى القسامة، ولا بد ان تبقى التفاصيل الأخرى فيها موكولة إلى الفقه.
ــــــــــــــــــــ[362]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فصل التعزيــــــر
ويقع الكلام في ذلك في عدة جهات:
الجهة الأولى: في المعنى اللغوي للتعزير.
قال ابن منظور(1)العَزْر اللوم. وعَزَرَه يعزِره وعزَّره: رده. والعَزْر والتعزير: ضرب دون الحد لمنعه الجاني من المعاودة وردعه عن المعصية قال:
وليس بتعزير الأمير خزاية
عليّ إذا ما كنت غير مريب
وقيل: اشد الضرب. وعزره ضربه ذلك الضرب. والعزْر: المنع. والعزْر: التوقيف على باب الدّين.
قال: والتعزير: التوقيف على الفرائض والأحكام. واصل التعزير: التأديب. ولهذا يسمى الضرب دون الحد تعزيراً. إنما هو أدب. يقال: عَزْرته وعزّرته، فهو من الأضداد. وعزّره: فخمه وعظمه. فهو نحو الضد.
والعزر: النصر بالسيف وعَزَره عزراً وعزّره: أعانه وقواه ونصره. قال تعالى: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ. وقال الله تعالى: وَعَزَّرْتُمُوهُمْ. جاء في التفسير:
ــــــــــــــــــــ[363]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) انظر لسان العرب.
أي لتنصروه بالسيف… فتأويل عزرتموهم: نصرتموهم بأن تردوا عنهم أعداءهم.
… والتعزير في كلام العرب: التوقير. والتعزير: النصر باللسان والسيف… واصل التعزير المنع والرد، فكأن من نصرته قد رددت عنه أعداءه ومنعتهم من أذاه. ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون الحد: تعزير. لأنه يمنع الجاني أن يعاود الذنب. إلى آخر ما قال.
الجهة الثانية: في المعنى الفقهي للتعزير.
يمكن ان يُفهم من كلمات الفقهاء تعريفان للتعزير.
التعريف الأول: وهو المشهور أو التقليدي. وهو العدد من الضرب الموكول إلى القاضي تعيين عدده. ولم يرد فيه نص.
التعريف الثاني: العدد من الضرب الذي يكون دون الحد. فهو بالنسبة إلى الحر دون المئة سوط وبالنسبة إلى العبد دون الخمسين سوطاً. ان أريد بالحد حد الزنا للمحصن. وقد يراد به اقل حد في الشريعة، وهو حد شرب الخمر الذي هو ثمانون للحر وأربعون للعبد. فأقل حد هو أربعون فيجب أن يقتصر التعزير على اقل منها.
ومقتضى التعريف الثاني: ان الفقهاء فهموا من عدد من العقوبات الواردة في الروايات مما هي دون الحد انها تعزير. مع انها بمقتضى التعريف الأول ليست تعزيراً لأنها واردة في نصوص الروايات.
ويمكننا أن نسمع فيما يلي بعض الروايات التي توضح الحال:
صحيحة حماد بن عثمان(1) عن أبي عبد الله . قال: “قلت له: كم التعزير؟ فقال: دون الحد. قال: قلت: دون ثمانين. قال: لا. ولكن دون
ــــــــــــــــــــ[364]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: كتاب الحدود والتعزيرات. أبواب بقية الحدود باب 1 حديث 3.
أربعين فإنها حد المملوك. قلت وكم ذلك؟ قال: على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوة بدنه”.
وهذه الرواية تدل على عدة أمور:
أولا: إيكال التعزير إلى رأي الوالي، يعني الولي الشرعي أو القاضي، فان القاضي ولي شرعي أيضاً.
ثانياً: ان الولي يجب أن يتقيد في عدد الضرب بالتقييد الشرعي له. ولا يزيد عليه. وهو دون ما كان أدنى الحدود الشرعية، وهي أربعون سوطاً.
ثالثاً: ان الولي له ان يختار في هذه الحدود ما يناسب ذنب المجرم وقوة بدنه. فكلما زاد الذنب زادت العقوبة، كما أنه كلما زادت القوة زادت العقوبة. على أن تكون ناقصة على أي حال على الأربعين.
رابعاً: ان المراد مما دون الحد، ليس هو ما دون الحد الأعلى للحد، بل ما دون الحد الأدنى منه وهو الأربعين سوطاً، كما ألمحنا إلى ذلك قبل قليل. ولا شك أنه شكل من أشكال الرحمة بالمذنب.
وفي صحيحة إسحاق بن عمار(1) قال: “سألت أبا إبراهيم عن التعزير كم هو؟ قال: بضعة عشر سوطاً ما بين العشرة إلى العشرين”.
والفرق بين الروايتين تسعة عشر سوطاً، فان السابقة تجيز ما دون الحد
يعني 39 كحد أقصى. وأما هذه الأخيرة فتجيز إلى العشرين، وتمنع الزائد.
ويمكن الجمع بين هاتين الروايتين بعدة وجوه منها:
ــــــــــــــــــــ[365]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: حديث 1.
الوجه الأول: ان الرواية الأخيرة لا تدل على المنع عن الزائد على العشرين، إلا باعتبار مفهوم العدد. وهو مما لم تثبت حجيته في علم الأصول.
ويصبح هذا واضحاً من الرواية السابقة حيث تقول: (لا، ولكن دون الأربعين)، فإنها واضحة بالمنع عن الزائد بخلاف الرواية الأخيرة.
الوجه الثاني: إذا تنزلنا وفهمنا المنع عن العشرين من الرواية الأخيرة، فيمكن حمله على المنع التنزيهي وليس الإلزامي، بقرينة دلالة الرواية الأخرى على جوازه. نعم، يبقى الزائد عن عدد 39 ممنوعاً بدلالة كلتا الروايتين.
ولا ينبغي أن يخطر في البال: ان قوله في صحيحة حماد ابن عثمان عن التعزير: “على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل وقوة بدنه. قد يؤدي إلى أن يكون الذنب الواحد له شكلان أو اكثر من التعزير، وتتعدد عقوبته بذلك بحسب ما في الرجل من قوة بدنية أو ضعف.
فان جواب ذلك، يمكن أن يكون بوجوه:
الوجه الأول: ان اختلاف كمية التعزير أمر مفروض في الشريعة، وينبغي أن يؤخذ مسلماً، فانه لا بد ان يختلف باختلاف المجتمعات وتفكير القضاة ومستويات المجرمين إلى غير ذلك من الأسباب.
ويمكن القول: ان هذين الضابطين في الرواية وهما: مقدار ذنب الرجل ومقدار قوته البدنية، إنما ذكرا لأنهما أهم الضوابط وأغلبهما. وإلا فالأسباب المؤثرة في ذلك اكثر.
وليس في ذلك من ضرر بعد إيكال الأمر إلى القاضي، وهو الشخص الفقيه العادل.
الوجه الثاني: اننا اشرنا اكثر من مرة أن الذنب حين يكون تجاه الله سبحانه، وهو اللانهائي بالقدرة والحكمة ووجوب الطاعة، فيكتسب الفرد
ــــــــــــــــــــ[366]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
أهمية لا نهائية أخلاقية دنيئة. ومعنى ذلك أنه يستحق عقوبة لا نهائية. إذن، فأي عقوبة أخرى دونها، فستكون من الرحمة والنعمة في التشريع.
فإذا تم ذلك أمكن القول: ان التعزير كعقوبة، يستحق الفرد فيه أعلى مقاديره. وإنما مراد الإمام في اشتراط القوة البدنية هو التخفيف عن الضعيف والمرحمة به وليس التشديد على القوي، ليكون الإشكال وارداً.
فان التشديد إنما يتمثل في جعل التعزير دون الحد، كحد أعلى، والتخفيف إنما يتمثل في ضرورة تقليله مع الضعف. يعني عدم جواز إيقاعه بحيث يستلزم انهيار الفرد تماماً تحت الضرب.
الوجه الثالث: ان الأفراد كما يختلفون في هذين الضابطين المذكورين في الرواية يختلفون أيضاً في أمر مهم آخر، غير أنه نفسي وليس محدداً بالدقة الرياضية.
ومن هنا أمكن إهماله بالرواية، وأعني به مقدار العقوبة التي تكون رادعة له، فان المجرمين يختلفون بمقدار العقوبة الرادعة، بمقدار مستوياتهم النفسية والعقلية والعاطفية والدينية وغير ذلك.
فمن حق القاضي إذن، ان يضربه العقوبة الرادعة، ولكن على ان لا تزيد على الحد الأعلى للتعزير، فان حصلت كان الزائد ظلماً لا محالة. لا يختلف في ذلك زيادة الذنب أو زيادة القوة البدنية.
فقد يكون الذنب شديداً، إلا ان الردع يحصل بسرعة، أو بالعكس، كما أنه قد تكون قوة البدن شديدة، ولكن يحصل الردع بسرعة. وبالعكس. وهكذا. والمهم في كل ذلك هو ان لا يتجاوز القاضي حده الأعلى.
الجهة الثالثة: هناك بعض الروايات التي فهم منها الفقهاء الزيادة على هذا الحد الذي سمعناه للتعزير، يحسن أن نسمع بعضها الآن:
ــــــــــــــــــــ[367]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
منها: رواية المفضل بن عمر(1) عن أبي عبد الله : “في رجل أتى امرأته وهي صائمة وهو صائم. قال: ان إستكرهها فعليه كفارتان. وان طاوعته فعليه كفارة وعليها كفارة. وان اكرهها فعليه ضرب خمسين سوطاً نصف الحد، وإن طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطاً، وضربت خمسة وعشرين سوطاً”.
ورواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي(2) قال: “سألت أبا الحسن عن رجل أتى أهله وهي حائض. قال: يستغفر الله ولا يعود. قلت: فعليه أدب، قال: نعم خمسة وعشرون سوطاً. ربع حد الزاني. وهو صاغر لأنه أتى سفاحاً”.
فهذه الرواية تسمى التعزير تأديباً وتسميه ربع الحد.
وفي صحيحة أبان بن عثمان(3) قال: “قال أبو عبد الله : ان علياً وجد امرأة مع رجل في لحاف واحد. فجلد كل واحد منهما مائة سوط غير سوط”.
وصحيحة حريز(4) عن أبي عبد الله: “ان علياً وجد رجلا وامرأة في لحاف واحد، فضرب كل واحد منهما مائة سوط إلا سوطاً”.
فقد دلت هذه الروايات على جواز أو وجوب العقوبة بمقدار اكثر من أربعين سوطاً. فما هو الوجه في فهم أمثالها من النصوص.
ويمكن في هذا الصدد إعطاء عدة وجوه:
الوجه الأول: إن هذه المقادير من العقوبات ليست تعزيراً، بل هي من نوع الحد، وان لم تكن حداً كاملاً. وذلك: لأنها معينة في النصوص، وغير
ــــــــــــــــــــ[368]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل ج 18، كتاب الحدود والتعزيرات. أبواب بقية الحدود باب 12 حديث 1.
(2) المصدر: باب 13 حديث 2.
(3) المصدر: أبواب حد الزنا. باب 10 حديث: 20.
(4) المصدر: حديث 19.
موكولة إلى تعيين القاضي. وكلما كان كذلك كان حداً لا تعزيراً. وهذا يطابق التعريف الأشهر والأولى للتعزير، من التعريفين اللذين ذكرناهما في أول هذا الفصل. وخاصة ان هذه الروايات لم تسم هذه العقوبات تعزيراً. وان فهم الفقهاء منها ذلك.
الوجه الثاني: ان القاعدة العامة في التعزير هو إيكال مقداره إلى القاضي، غير اننا لو سلمنا ان الروايات المشار إليها هي من قبيل التعزير، فانها تكون تخصيصاً لتلك القاعدة العامة. في كلا المعنيين للتعزير، أعني إيكاله للقاضي وتحديده بما دون الأربعين. لكن يجب الاقتصار في ذلك بالجرائم المنصوص عليها في هذه الروايات دون الجرائم الأخرى.
الوجه الثالث: انه يمكن حمل الزيادة في الضرب على الاستحباب. إلا أنه لا يخلو من مناقشة لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها، فالاكتفاء بالوجهين السابقين أولى.
ــــــــــــــــــــ[369]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
كتاب الديات
ــــــــــــــــــــ[371]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فصل حديث ظريف
تمهيد:
يقسم كتاب الديات إلى عدة أبحاث منها:
أولا: دية النفس. وهي تكون في القتل العمد، مع التنازل عن القصاص، وفي شبه العمد على القاتل نفسه وفي القتل الخطأ على العاقلة.
ثانياً: الحديث عن العاقلة ومعناها.
ثالثاً: الحديث عن ان دية ما يكون فيه عضو واحد في الجسد ففيه الدية كاملة. وان كان اثنان ففيه نصف الدية. وهكذا.
رابعاً: الحديث عن كفارة القتل. وهي كفارة الجمع بين العتق والصيام والإطعام.
خامساً: الحديث عن التسبيب إلى القتل أو الإضرار، وما يترتب عليه من أنواع الضمان.
سادساً: ديات الأعضاء تفصيلاً. وهي الأعضاء التي لا يسبب قطعها أو الإضرار بها الموت، وإلا كان قتلا.
سابعاً: ديات المنافع، وهي النشاطات الحيوية للأعضاء إذا أصابها الضرر
ــــــــــــــــــــ[373]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
كالسمع والبصر والعقل والنشاط الجنسي وغيرها.
وأكثر هذه الأبحاث والموضوعات, ينبغي إيكال تفاصيلها إلى الفقه.
وقد اخترنا هذا الحديث عن ثلاثة موضوعات: هي الحديث عن دية النفس وعن العاقلة وعن ديات الأعضاء.
وتقدم الحديث عن هذا الأخير لطرافته نسبياً. لأن الحديث عن ديات الأعضاء فقهياً يعتمد على طريقين:
الطريق الأول: الاعتماد على القواعد العامة الواردة في النصوص مما هو مربوط بمحل الكلام. كالقاعدة التي تقول: ان الدية في كل ما هو في الجسم منه اثنان، فنصف الدية… وهكذا. أو النصوص الواردة في الهاشمة والمنقلة والموضحة. حيث لا يختلف اسمها أو عنوانها بين ان تكون في الرأس أو في الأعضاء الأخرى. إلى غير ذلك.
الطريق الثاني: الاعتماد على رواية ظريف بن ناصح، وهي رواية مطولة جداً منسوبة إلى كتاب لهذا المؤلف فيه روايات عديدة عن الديات والجروح والشجاج. وفيها تفاصيل وأرقام كثيرة عن الديات في مختلف أعضاء الجسم، مروية في النهاية عن أمير المؤمنين .
فمن كان من الفقهاء عاملا بهذه الرواية، كان طريقه أسهل والفكرة لديه أوضح، لأنها بمنزلة المخصص للقواعد العامة التي سمعنا عنها في الطريق الأول.
غير أن بعض الفقهاء، كما سنعرف وهو الصحيح اعتبر سند هذه الرواية غير حجة، فاحتاج بطبيعة الاستنتاج الفقهي إلى الطريق الأول.
ونحن عقدنا هذا الفصل أساساً لإثبات ضعف هذه الرواية سنداً، خلافاً للمشهور، بما فيهم سيدنا الأستاذ الذي قرأها وعمل بفحواها. وبهذا نكون قد
ــــــــــــــــــــ[374]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
تعرضنا في كتابنا هذا إلى (علم الرجال) الذي قل تعرضنا له في الكتب الفقهية السابقة، مع أنه من العلوم الأساسية في الاستنتاج الفقهي، كما اشرنا في مقدمة الكتاب.
ثم نعقد كلاماً آخر، نحدد فيه جهة العمل الفقهي والاستنتاج، فيما لو لم نقبل هذه الرواية. كما ألمحنا إليه في أول هذا التمهيد.
ومن هنا يظهر ان عنوان فصلنا هذا (حديث ظريف) يراد به رواية ظريف بن نافع وليس حديثاً أدبياً آخر.
ومن هنا يقع الكلام في جهتين:
الجهة الأولى: في إثبات ضعف رواية ظريف.
ويقع الكلام في ذلك ضمن عدة نواحي:
الناحية الأولى: في اسناد الرواية.
قال: في الوسائل(1) ما يلي: محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن فضال، ومحمد بن عيسى عن يونس جميعاً قالا: “عرضنا كتاب الفرائض عن أمير المؤمنين على أبي الحسن الرضا فقال: هو صحيح”.
وعن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن الحسن بن الجهم. قال: “عرضت على الرضا فقال لي: اروه فانه صحيح، ثم ذكر مثله”.
وعنهم: عن سهل عن الحسن بن ظريف عن أبيه ظريف بن ناصح عن عبد الله بن أيوب عن أبي عمرو المتطبب قال: “عرضته على أبي عبد الله قال: أفتى أمير المؤمنين فكتب الناس فُتياه وكتب به أمير المؤمنين إلى
ــــــــــــــــــــ[375]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) انظر ج 9 ص 218 وما بعدها.
أمرائه ورؤوس أجناده، الخ”.
ورواه الصدوق بإسناده عن الحسن بن علي بن فضال عن ظريف بن ناصح عن عبد الله بن أيوب عن الحسين الرواسي عن أبي عمرو المتطبب قال: “عرضت هذه الرواية على أبي عبد الله ، فقال: نعم، هي حق. وقد كان أمير المؤمنين يأمر عماله بذلك. ثم ذكر الحديث بطوله”.
ورواه الشيخ بإسناده عن سهل بن زياد.
وبإسناده عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن فضال عن ظريف بن ناصح
(إلى آخر السند).
وعنه عن احمد بن إدريس عن محمد بن حسان الرازي عن إسماعيل بن جعفر الكندي عن ظريف بن ناصح (إلى آخر السند).
وبإسناده عن احمد بن محمد بن يحيى عن العباس بن معروف عن الحسن بن علي بن فضال عن ظريف بن ناصح (إلى آخر السند).
وبإسناده عن سهل بن زياد عن الحسن بن ظريف عن أبيه ظريف بن ناصح. قال: عرضت هذه الرواية على أبي عبد الله .
وبإسناده عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن فضال وعن محمد بن عيسى عن يونس جميعاً عن الرضا . قالا: “عرضنا عليه الكتاب قال: نعم، هو حق. قد كان أمير المؤمنين يأمر عماله بذلك. ثم ذكر مثله. الخ ما قال”.
ثم يكرر صاحب الوسائل -عليه الرحمة- في الأبواب التي تلي ذكر ذلك من كتابه قوله: محمد بن يعقوب بأسانيده السابقة إلى كتاب ظريف بن ناصح عن أمير المؤمنين .
ــــــــــــــــــــ[376]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: ص 287.
وقال في باب بعده: محمد بن يعقوب(1) عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس وعن أبيه عن ابن فضال جميعاً عن أبي الحسن الرضا . “قال يونس: عرضت عليه الكتاب، فقال: هو صحيح، وقال ابن فضال: قال: قضى أمير المؤمنين: إذا أصيب الرجل الخ”.
ويكرر نفس السند في موضع آخر غير أنه يقول(2) وعنه عن أبيه عن ابن فضال.
وقال في موضع آخر من الوسائل(3) : محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله ، قال: “قضى أمير المؤمنين في اللطمة، الخ”.
وقال في موضع آخر: محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله : قال: “قضى أمير المؤمنين في الجروح في الأصابع إذا أوضح العظم… الخ”.
الناحية الثانية: في الأسانيد المحذوفة من الروايات السابقة، لمجرد إحاطة القارئ بفكرة مختصرة.
تحذف عادة بعض الأسانيد، يعني بعض الرواة الواقعين في سلسلة السند من اجل الاختصار وكونها واضحة مشاراً إليها في مقدمة الكتاب.
وما سبق من الاسناد حذف منه ما يلي:
أولا: محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم.
ــــــــــــــــــــ[377]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: ص 287.
(2) المصدر: ص 290.
(3) المصدر: 295.
يروى عنه تارة بالمباشرة أو بواسطة (عدة من أصحابنا)، وبالأساس فان علي بن إبراهيم القمي هذا من مشايخ الشيخ الكليني مباشرة.
ثانياً: محمد بن يعقوب الكليني(1) عن سهل بن زياد عن طريق (عدة من أصحابنا) وهم: علي بن محمد بن علان ومحمد بن عبد الله ومحمد بن الحسن ومحمد بن عقيل الكليني عن سهل بن زياد نفسه.
ثالثاً: الشيخ محمد بن الحسين بن بابويه الصدوق عن الحسن بن علي ابن فضال.
يروي الشيخ الصدوق عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن فضال.
رابعاً: الشيخ الطوسي محمد بن الحسن عن سهل بن زياد. يروي كتابه في الحديث عن ابن أبي جيد عن محمد بن الحسن عن محمد بن يحيى عن محمد بن احمد بن يحيى عنه.
خامساً: الشيخ الطوسي عن محمد بن الحسن بن الوليد. يروي الشيخ عن الشيخ المفيد عن الشيخ الصدوق عن أبيه عنه.
سادساً: الشيخ الطوسي عن احمد بن محمد بن يحيى: يروي الشيخ الطوسي عن الشيخ المفيد عنه. ويروي أيضاً عن الشيخ الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن يحيى.
سابعاً: الشيخ الطوسي عن علي بن إبراهيم. يروي عن الشيخ المفيد عن الشيخ الصدوق عن أبيه ابن بابويه، ومحمد بن الحسن وحمزة بن محمد العلوي ومحمد بن علي بن ماجيلويه عن علي بن إبراهيم، كما يروي عنه أيضاً عن طريق جماعة عن أبي محمد الحسن بن حمزة العلوي الطبري عنه.
ــــــــــــــــــــ[378]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل ج 20 ص 34.
الناحية الثالثة: تنتهي كل الاسناد السابقة إلى الرواية المطولة المعروفة المشار إليها: إلى ظريف بن ناصح (وقد عرفت الرواية باسمه) عن عبد الله بن أيوب عن الحسين الرواسي(1) عن أبي عمر المتطبب. فتتوقف صحة الرواية على وثاقة هؤلاء. وسنسمع ان سيدنا الأستاذ قد عمل بها وبالغ في وثاقتها وكاد أن يقول باستفاضتها أو تواترها. وسيأتي مناقشة كل ذلك.
وأول مرحلة هو التأكد من وثاقة كل هؤلاء الأربعة. فلو كان واحداً منهم غير موثوق فضلا عن الجميع لم تكن معتبرة حتى الراوي الممدوح الذي لم يوثق. فان الصحيح هو عدم العمل بروايته وعدم اعتبارها. وإنما يشترط في الرواية التصريح بوثاقته أو ما يساويها من الصفات.
ومن هنا سنذكر هذا الجانب من ترجمة كل من هؤلاء الأربعة المشار إليهم:
أما (ظريف بن ناصح): فقد قال النجاشي عنه(2) : ظريف بن ناصح كوفي نشأ ببغداد، ثقة في حديثه صدوقاً له كتب منها كتاب الديات (وهو الذي نتحدث عنه) رواه عدة من أصحابنا. اخبرنا عدة من أصحابنا عن أبي غالب احمد بن محمد قال: قرأ على عبد الله بن جعفر وأنا اسمع قال: حدثنا الحسن بن ظريف عن أبيه به. وكتابه (الحدود): أخبرنا عدة من أصحابنا عن جعفر بن محمد قال: حدثنا القاسم بن محمد بن علي بن إبراهيم الهمداني. قال: حدثنا أبي عن أبيه علي بن إبراهيم عن ظريف، الخ ما قال.
وقال الشيخ: ظريف بن ناصح له كتاب الديات: اخبرنا به الشيخ المفيد أبو عبد الله رحمه الله، عن أبي الحسن احمد بن محمد بن الحسن ابن الوليد.
ــــــــــــــــــــ[379]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) وقع الحسين الرواسي في سند الصدوق بين ابن أيوب وأبو عمر، وهو غير موجود في سند الكليني.
(2) انظر معجم رجال الحديث ج 9 ص 179.
واخبرنا ابن أبي جيد عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن فضال, عنه.
وعده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الباقر قائلا: ظريف بن ناصح بياع الأكفان.
وأما (عبد الله بن أيوب): فقد قال النجاشي عنه (1) : عبد الله ابن أيوب بن راشد الزهري بياع الزطي. روي عن جعفر بن محمد : ثقة. وقد قيل فيه تخليط. له كتاب نوادر.
وقال الشيخ: عبد الله بن أيوب بن راشد. له كتاب اخبرنا جماعة عن التلعكبري عن علي بن حبشي بن قوني الكاتب عن حميد بن زياد. قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل عن عبد الله بن أيوب بن راشد.
وليس كتابه هذا المشار إليه هو كتاب الديات الذي نتحدث عنه. على ان عبد الله بن أيوب غير منحصر بابن راشد هذا بل هو مردد بين جماعة أكثرهم غير موثق.
(وأما الحسين الرواسي): فلم تذكر له ترجمة حال، فضلا عن أن ينص على مدحه أو توثيقه.
(وأما أبو عمر المتطبب): فلم يوثق ولم يذكر بمدح ولا قدح، بل لم يذكر اسمه على الإطلاق، بل اكتفوا بذكر كنيته، واختلفوا فيها بين : أبي عمر وابي عمرو، ولقب بالمتطبب والطبيب أيضاً.
ومن هنا يتضح ان هذا السند ممتلئ بعدة إشكالات:
أحدها: جهالة حال أبي عمر المتطبب. وبه تكون الرواية ساقطة عن
ــــــــــــــــــــ[380]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: ج 10 ص 120.
الحجية سنداً.
ثانيها: جهالة حال الراوي الذي يروي عنه أبو عمر وهذا، وهو حسين الرواسي – كما في سند الصدوق-.
ثالثها: ما سمعناه عن عبد الله بن أيوب، بأنه: قيل فيه تخليط. وهو بالرغم من ان توثيقه موجود، إلا ان الوثاقة لا تنافي التخليط. لأن التخليط حالة لا اختيارية تصيب الإنسان لا يتعمدها. والثقة هو الذي لا يعتمد الكذب أو الذي يتحاشى الكذب عمداً. والأخبار عن تخليط ليس بكذب عمدي وان كان كذباً واقعاً.
وعلى أي حال، فمع احتمال التخليط في الراوي لا يمكن العمل بروايته لأنه يسقط جريان الأصول المؤمّنة عن التحريف أو يجعل جريانها صعباً عرفاً وشرعاً.
إذن، فمع وجود كلا هذين الإشكالين في سند الرواية، فإنها تسقط عن الحجية.
الناحية الرابعة: في الوجوه التي يمكن بها الدفاع عن حجية سند هذه الرواية.
الوجه الأول: استفاضة هذه الرواية أو تواترها. باعتبار روايتها من قبل جمع كثير من الرواة ولها عدد من الاسناد. كما سمعناه في الناحية الأولى من هذه الجهة.
غير أن هذا الوجه لا يتم، لأن التواتر والاستفاضة معاً، لا يتمان إلا مع وجود تعدد الاسناد إلى الإمام ، وهو هنا الإمام أمير المؤمنين ، أو الإمام أبو عبد الله الصادق ، الذي تقول الرواية أنه عرض عليه الكتاب فصححه وأقره، وبعض الاسناد يسمي الإمام أبي الحسن الرضا كما
ــــــــــــــــــــ[381]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
سمعنا هناك.
والمهم الآن هو أن نقول: ان التواتر والاستفاضة ينقطعان إن رجعا في مراحل السند إلى رواة قليلين فضلا عما إذا كان واحداً، وقد عرفنا في الناحية السابقة (الثالثة) إلى ان كل الاسناد تنتهي إلى واحد. وهو ظريف بن ناصح عن واحد وهو عبد الله بن أيوب عن واحد، وهو أبو عمر المتطبب، وهذا الأخير مجهول الحال. إذن، فيرجع التواتر كله إلى شخص واحد مجهول الحال. فكيف يمكن تصحيحه؟
الوجه الثاني: ان هذه الرواية قد أخذ بها المشهور. أو عمل بها, وعمل المشهور بالرواية يدعم السند ويجبر ضعفه، فتكون الرواية معتبرة.
وجوابه: إن ما هو الصحيح في علم الأصول هو ان عمل المشهور ليس جابراً للسند ما لم يبلغ الإجماع، والإجماع هنا غير حاصل جزماً لمخالفة جماعة من فقهائنا لذلك. واعتبارهم الرواية ضعيفة السند.
الوجه الثالث: ان الطريق غير منحصر بالطريق الضعيف الذي أشرنا إليه، بل توجد روايات صحيحة السند مما سمعناه في الناحية الأولى تدعم سند هذه الرواية، ومن هنا يكون نصها حجة ومعتبراً.
وفيما يلي لا بد ان نشير إلى أهم الروايات السابقة لنرى مقدار دعمها لذلك السند الضعيف.
منها: صحيحة يونس السابقة: “عرضنا كتاب الفرائض عن أمير المؤمنين على أبي الحسن الرضا ، فقال: هو صحيح”.
والاستشهاد بهذه الرواية يتوقف على أن المراد من كتاب الفرائض هو رواية ظريف بن ناصح التي نناقشها. وهذا لا يخلو من عدة وجوه من المناقشة، ولا اقل من احتمال عدمه وعدم تعيين المعنى فيه، الأمر الذي يجعل
ــــــــــــــــــــ[282]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
اللفظ مجملا بالنسبة إليه.
على أن لفظ الفرائض ظاهر بفرائض الإرث، ولا ربط له عرفاً ومتشرعياً بالديات. ولا أقل من احتمال ذلك.
وعن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن الحسن بن الجهم قال: “عرضته على الرضا ، فقال: اروه فانه صحيح، ثم ذكر مثله”.
ومهما يكن الحال في دلالة هذه الرواية، فإنها غير تامة سنداً، بالحسن بن الجهم، لأنه اما ان يكون مردداً بين الثقة والضعيف، وأما أن يكون متعيناً في الضعيف، وهو الذي يروي عن الإمام الرضا .
ومنها: صحيحة أخرى ليونس عن الرضا قالا: “عرضنا عليه الكتاب، قال: نعم. هو حق قد كان أمير المؤمنين يأمر عمّاله بذلك، ثم ذكر مثله”.
ويدعم الاستدلال بهذه الرواية مضافاً إلى صحة سندها ما دلت عليه من ان أمير المؤمنين كان يأمر عماله بذلك. يعني بصفتهم قضاة وحكاماً بين الناس في مختلف الأقاليم.
ويدعمه قوله أيضاً. ثم ذكر مثله، يعني به نفس الرواية المطولة التي يسميها الفقهاء (رواية ظريف) والتي نتحدث عنها.
ويمكن المناقشة في الاستدلال بهذه الرواية من عدة وجوه:
الوجه الأول: احتمال كون رواية يونس هذه هي نفس الرواية السابقة عنه، بمعنى أنهما تتحدثان عن شيء واحد، أو عن واقعة واحدة. ومن المعلوم عملياً ان كلامهما يختلف. ولا أقل ان الأمرين اللذين دعمنا بهما الاستدلال في الرواية الثانية غير موجودين في الأولى. وهما قوله: (قد كان أمير المؤمنين يأمر عمّاله بذلك). وقوله: (ثم ذكر مثله).
ــــــــــــــــــــ[383]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ويدعم احتمال وحدة الروايتين: ان الرواة من علي بن إبراهيم إلى يونس وهو الأخير هم أنفسهم في كلا الموردين.
وقد يرد إلى الذهن ان الرواية الثانية تحتوي على هذه الزيادات عن الأولى. وهي ترويها بسند صحيح، ولا تنفي وجودها الرواية الأولى.
وجوابه: أنه في الإمكان القول ان الرواية الأولى تنفي هذه الزيادات, لأن كل رواية فإنها ذات سياق ظهوري باستيعاب النقل من كل ما صدر عن الإمام مما يرتبط بمحل الكلام، ويكون قرينة عليه.
ومعه فان كانت الرواية الأولى ساكتة عن الزيادات فهي بمنزلة النافية لها، ومعه تتعارض هذه الدلالة منها مع دلالة الرواية الثانية على وجود هذه الزيادات، فتتساقط بالتعارض لصحة السندين أو – كما قلنا- لاتحاد السندين، فلا ندري ان هؤلاء الرواة نقلوا النص الأول أو الثاني.
الوجه الثاني: أنه لا دليل على ان هذه الرواية تتحدث عن كتاب الديات الذي نتحدث عنه. فإنها إنما تقول: عرضنا عليه الكتاب. وأما ما هو هذا الكتاب؟ فليس فيها ما يدل عليه.
وعلى تقدير صحة الوحدة بين الروايتين كما اشرنا في الوجه الأول, إذن، يكون المقصود من الكتاب: كتاب الفرائض، وقد سبق أن تكلمنا عنه. وأما على تقدير كونها رواية أخرى فتكون أكثر إجمالا في معنى الكتاب. ومعه، لا يبقى دليل على أن أمير المؤمنين كان يأمر عماله بتطبيق الديات التي توجد في رواية ظريف.
الوجه الثالث: إن قوله: ثم ذكر مثله. لا دليل على أنه هو نفس حديث ظريف الذي نتحدث عنه، بل لعله أمر آخر، إما أجنبي عنه، أو مختلف معه في التفاصيل حكماً أو موضوعاً. وأعني بالحكم أنه قد يعين ديات لنفس
ــــــــــــــــــــ[384]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الجنايات لكن بمقادير مختلفة، وأعني بالموضوع احتمال أن يكون أقل جداً من حديث ظريف الذي اعتمده المشهور.
وقد يخطر في البال ان شهادة صاحب الوسائل بالمماثلة كافية في الحجية لإثبات ذلك. غير أن هذا في نفسه غير محتمل، بل الوثوق على خلافه إن أردنا المماثلة بالدقة، وإن أردنا المماثلة في الجملة، فقد لا يعدو الأمر ما ذكرناه.
الوجه الرابع: إن هذه الرواية كالرواية السابقة المماثلة لها ليست صحيحة بالمعنى المصطلح كما هو ظاهر عبارة السيد الأستاذ: بل هي حسنة، بإبراهيم بن هاشم الذي لم يتم توثيقه. فقد رواها علي بن إبراهيم القمي عن أبيه: إبراهيم بن هاشم.
غير ان هذا الوجه لا يتم لأن الروايات الحسنة، وإن لم تكن حجة عموماً. إلا ان هذا ليس عاماً لكل الرواة، بل هناك البعض منهم يعتبرون حجة في الرواية كإبراهيم بن هاشم والنوفلي وغيرهما.
فالمتحصل: إن اعتبار رواية ظريف بن ناصح رواية معتبرة، أمر قابل للمناقشة جداً، خلافاً لما قواه السيد الأستاذ(1) وصححه، وان كانت هناك رواية معتبرة في الديات فهي ليست لظريف هذا، بل مروية شفوياً عن الإمام الرضا بالسندين الصحيحين عن يونس.
ومعه، فمناقشة الشهيد الثاني(2) في المسالك في مستند هذه الرواية في محلها.
ومعه، فمهما أشير في الوسائل أو غيرها من كتب الحديث إلى نص معين
ــــــــــــــــــــ[385]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) انظر مباني تكملة المنهاج ج2 ص 271.
(2) الصفحة والمصدر.
على أنه: من رواية ظريف. فإنها ذات سند غير معتبر.
وما قاله السيد الأستاذ من أنه لا مجال للمناقشة في سندها أصلا(1) قابل للمناقشة كما رأينا.
على ان السيد الأستاذ قد تكرر منه التعبير عنها على أنها: معتبرة ظريف. وهو ينافي قوله عنها أنها مروية بأسناد صحيحة(2) لأنها عندئذ تكون صحيحة لا معتبرة فقط، إلا ان يعتقد أن ما روي بالسند الصحيح غيرها، كما اشرنا. إذن، فهي ليست معتبرة، بل تبقى بأسنادها التي رواها الصدوق، وقد اعترف السيد الأستاذ بأنها كلها ضعيفة(3) .
إذن، فكيف تقع هذه الرواية طرفاً للمعارضة مع الصحاح, كما مال إليه سيدنا الأستاذ أحياناً(4)، بل الصحيح، تقدم الصحاح عليها لانتفاء مقتضى الحجية فيها.
الجهة الثانية: من هذا الفصل. في العمل الفقهي لدى الاستدلال على ديات الأعضاء بعد ان ثبت ضعف سند رواية ظريف بن ناصح.
وهذا سؤال لا يجاب عليه عادة إلا في الفقه. ولا مجال له هنا، غير أننا نذكر هنا عدداً من الأساليب المتيسرة فقهياً، محيلين التفاصيل إلى الاستدلال الفقهي الخالص:
الأسلوب الأول: الاعتماد على الروايات الدالة على ان كل ما في الجسم من عضو واحد فيه الدية كاملة، وما كان فيه من عضوين ففيه نصف الدية وما
ــــــــــــــــــــ[386]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر والصفحة.
(2) المصدر والصفحة.
(3) المصدر والصفحة.
(4) المصدر: 303.
فيه أكثر فعلى حسابه.
كصحيحة عبد الله بن سنان(1) عن أبي عبد الله قال: “ما كان في الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية. مثل اليدين والعينين, قال: قلت: رجل فقئت عينه. قال: نصف الدية. قلت: فرجل قطعت يده. قال: ففيه نصف الدية… الخ الرواية”.
وصحيحة الحلبي(2) عن أبي عبد الله : في الرجل يكسر ظهره. قال: “الدية كاملة، وفي العينين الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وفي الأذنين الدية، وفي إحداهما نصف الدية، وفي الذكر إذا قطعت الحشفة وما فوق الدية، وفي الأنف إذا قطع المارن الدية، وفي الشفتين الدية”.
الأسلوب الثاني: الأخذ بفقرات مما سماه الفقهاء برواية ظريف, لكنه لم يرد عن ظريف نفسه، بل روي بأسانيد صحيحة.
كصحيحة يونس(3) أنه عرض على أبي الحسن الرضا كتاب الديات وكان فيه: “في ذهاب السمع كله ألف دينار، والصوت كله من الغنن والبحح ألف دينار، والشلل في اليدين كلتاهما ألف دينار، وشلل الرجلين ألف دينار. الخ الرواية”.
وصحيحة أخرى ليونس(4) عن الرضا ، وفيها: “وقضى في صدغ الرجل إذا أصيب فلم يستطع أن يلتفت إلا ما انحرف الرجل نصف الدية خمسمائة دينار، وما كان دون ذلك فبحسابه. فان أصيب الحاجب فذهب شعره
ــــــــــــــــــــ[387]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: كتاب الديات. أبواب ديات الأعضاء. باب 1 حديث 1.
(2) المصدر: حديث 4.
(3) المصدر: باب 1 حديث 2.
(4) المصدر: باب 2 حديث 5.
كله فديته نصف دية العين مائتا دينار وخمسون ديناراً. فما أصيب منه فعلى حساب ذلك”.
والظاهر ان ما يوازي رواية ظريف، مما روي بسند صحيح كله ينتهي إلى يونس. وهو نُتَف قليلة متفرقة، وليست كرواية ظريف المطولة التي تملأ كتاباً كاملاً, ربما بمئة صفحة أو أكثر.
الأسلوب الثالث: ما دل على ان المرأة تساوي الرجل في الدية إلى الثلث، فإذا بلغت ثلث الدية رجعت إلى النصف، بأن تكون دية المرأة نصف دية الرجل.
كصحيحة أبي بصير(1) قال: سألت أبا عبد الله عن الجراحات. فقال: “جراحة المرأة مثل جراحة الرجل حتى تبلغ ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية سواء أضعفت جراحة الرجل على جراحة المرأة. وسن الرجل وسن المرأة سواء”.
وصحيحة أبان بن تغلب(2) قال: “قلت لأبي عبد الله : ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها، قال: عشرة من الإبل، قلت: قطع اثنين قال: عشرون، قلت: قطع ثلاث. قال: ثلاثون. قلت: قطع أربعاً. قال: عشرون. قلت: سبحان الله ! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟ ! ان هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قاله ونقول: الذي جاء به شيطان. فقال: مهلا يا أبان. هذا حكم رسول الله : ان المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية. فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان انك أخذتني بالقياس والسنة إذا أقيست محق الدين”.
ــــــــــــــــــــ[388]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: أبواب قصاص الطرف باب 1 حديث 2.
(2) المصدر: أبواب ديات الأعضاء باب 44 حديث 1.
الأسلوب الرابع: ما دل من الروايات المعتبرة على تقدير الجراحات بأقسامها.
كصحيحة الحلبي(1) عن أبي عبد الله قال: “في الموضحة خمس من الإبل وفي السمحاق أربع من الإبل، والباضعة ثلاث من الإبل والمأمومة ثلاث وثلاثون من الإبل والجائفة ثلاث وثلاثون والمنقلة خمس عشرة من الإبل”.
وقد سبق ان فسرنا هذه العناوين أو التعابير في كتاب القصاص في فصل خاص بقاموس الدعاوى. ومن الواضح أنها تشمل ما كان في الرأس واليدين والرجلين والصدر والظهر جميعاً. نعم، لا تصدق في البطن من أمام أو من أحد الجانبين. لأن أكثرها لا تنطبق إلا في مورد وجود العظم تحت اللحم، وهو غير متوفر في البطن.
وليست هذه العناوين خاصة بالرأس، كما هو ظاهر السيد الأستاذ(2) بل نص عبارته.
إلى غير ذلك من الأساليب الفقهية التي تختلف باختلاف مواردها، كنسبة دية العبد إلى دية الحر، ونسبة دية الذمي إلى دية المسلم. ومتى يتكفل الفرد الدفع إليه، ومتى تتكفل العاقلة دفعها وهكذا، وهذا ما يحتاج إلى تفاصيل كثيرة جداً ينبغي أن تبقى موكولة إلى الفقه.
ــــــــــــــــــــ[389]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: أبواب ديات الشجاج والجراح. باب 2 حديث 5.
(2) تكملة منهاج الصالحين ص 134.
فصل دية النفس
دية النفس: هي دية القتل، على اعتبار ان القتل يذهب بالنفس، ويزيلها عن البدن.
وهذه الدية تختلف في الكمية باختلاف نوع المقتول من البشر. غير أن الدية الكاملة هي دية الذكر الحر المسلم المقتول ظلماً.
فبقولنا: الذكر، خرجت الأنثى، وهي ديتها نصف دية الرجل. وبقولنا: الحر، خرج العبد، فان ديته قيمته، سواء كان ذكراً أم أنثى، كبيراً أم صغيراً. وبقولنا المسلم، خرج غير المسلم. فان هناك من الروايات ما يدل على كون ديته ثمانمائة درهم.
وبقولنا: المقتول ظلماً، خرج المقتول عن استحقاق، كما لو كان قاتلاً أو محارباً فاستحق القتل. فان دمه عندئذ يكون هدراً.
وبكل هذه الصفات التي تدل بمضمونها العام على قتل إنسان متكامل، خرج الجنين الذي لم تلجه الروح. فان له عدة ديات مختلفة حسب عمره. فان ولجته الروح كان له الدية كاملة، فضلا عن الصبي، وإن لم يبلغ مبلغ الرجال.
وبقولنا: دية النفس أو القتل، خرجت ديات الأعضاء والمنافع التي هي الفعاليات الحيوية. والمفروض فيها جميعاً عدم وصولها إلى حد الوفاة.
ــــــــــــــــــــ[390]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
بخلاف القتل فان المفروض فيه ذلك.
والأهم من الحديث فيما يلي هو الكلام عن الدية الكاملة، ولعلنا نتحدث عن بعض التفاصيل في ملحقات هذا الفصل.
وعلى أي حال، يقع الكلام فيما يلي ضمن عدة جهات:
الجهة الأولى: في سرد الأخبار الدالة على ذلك لإعطاء القارئ الكريم صورة متكاملة عن أصحها سنداً وأوضحها دلالة.
منها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج(1) قال: “سمعت ابن أبي ليلى يقول: كانت الدية في الجاهلية مائة من الإبل فأقرها رسول الله ثم أنه فرض على أهل البقر مائتي بقرة وفرض على أهل الشاة ألف شاة ثنيّة. وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق (وهي الفضة) عشرة آلاف درهم. وعلى أهل اليمن مائتي حلة، قال: عبد الرحمن بن الحجاج: فسألت أبا عبد الله عما روى ابن أبي ليلى فقال: كان علي يقول: الدية ألف دينار وقيمة الدينار عشرة دراهم وعشرة آلاف لأهل الأمصار، وعلى أهل البوادي مائة من الإبل، ولأهل السواد مائة بقرة أو ألف شاة”.
وصحيحة أبي بصير(2) في حديث قال: “سألت أبا عبد الله عن الدية؟ فقال: دية المسلم عشرة آلاف من الفضة وألف مثقال من الذهب وألف من الشاة على أسنانها أثلاثاً. ومن الإبل مائة على أسنانها ومن البقر مائتان”.
وصحيحة جميل بن دراج(3) في الدية قال: “ألف دينار أو عشرة آلاف درهم. ويؤخذ من أصحاب الحلل الحلل، ومن أصحاب الإبل الإبل، ومن
ــــــــــــــــــــ[391]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: كتاب الديات. أبواب ديات النفس: باب 1 حديث 1.
(2) المصدر: حديث 2.
(3) المصدر: حديث 4.
أصحاب الغنم الغنم، ومن أصحاب البقر البقر”.
وعن ابن أبي عمير عن جميل وعن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله قال: الدية عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار. قال جميل: قال أبو عبد الله : الدية مائة من الإبل.
وصحيحة العلا بن الفضيل(1) عن أبي عبد الله في حديث، قال: “والخطأ مائة من الإبل أو ألف من الغنم، أو عشرة آلاف درهم أو ألف دينار. وان كانت من الإبل فخمس وعشرون جذعة. والدية المغلظة في الخطأ الذي يشبه العمد الذي يضرب بالحجر والعصا الضربة والاثنين، فلا يريد قتله، فهي أثلاث: ثلاث وثلاثون حقة. وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون ثنية كلها خلفة من طروقة الفحل. وان كانت من الغنم فألف كبش. والعمد هو القود أو رضا ولي المقتول”.
وصحيحة أبي بصير(2) قال: “سألته عن دية العمد الذي يقتل الرجل عمداً، قال: فقال: مائة من فحولة الإبل المسان، فان لم يكن ابل فمكان كل جمل عشرون من فحولة الغنم”.
وروى العياشي(3) في تفسيره عن عبد الرحمن عن أبي عبد الله ، قال: “كان علي يقول: في الخطأ خمسة وعشرون بنت لبون وخمس بنت مخاض وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة. وقال: في شبه العمد ثلاث وثلاثون جذعة، وثلاث وثلاثون ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة. وأربع وثلاثون ثنية”.
ــــــــــــــــــــ[392]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: حديث 13.
(2) المصدر: باب 2 حديث 3.
(3) المصدر: حديث 10.
فهذه مجموعة من الروايات الواردة لتعيين كمية ونوعية الدية. ولعلنا الآن قد استوعبنا كل ما هو معتبر سنداً مما هو وارد في هذا الباب.
الجهة الثانية: في أهم مداليل هذه الروايات.
تدل هذه الروايات على أن الدية ليست نوعية واحدة، بل هي خصال عديدة, بل هي ستة على وجه التعيين:
الأولى: ألف دينار. ويراد به الدينار الذهبي الذي كان متعارفاً في صدر الإسلام، ووزنه ثمانية عشر قيراطاً، وهو المثقال الشرعي.
الثانية: عشرة آلاف درهم من الفضة. على اعتبار أنه كان في ذلك الحين يصرف أو يبدل الدينار الذهبي بعشرة دراهم فضية.
والظاهر ان وزن الدرهم من الفضة بوزن الدينار من الذهب، وهو مثقال شرعي. ولكن قال سيدنا الأستاذ(1) : إن وزن عشرة دراهم خمسة مثاقيل صيرفية وربع. فالدرهم نصف مثقال صيرفي وربع عشره. وقد سبق في كتاب الزكاة من كتابنا هذا، أن حققنا مقدار الدرهم مفصلا، فراجع.
الثالثة: مئة من الإبل في القتل الخطأ وفي شبه العمد، يشترط أن يكون المائة ذوو أسنان معينة. ثلاث وثلاثون حقة: هي أنثى الإبل التي أتمت ثلاث سنوات ودخلت في الرابعة، وثلاث وثلاثون جذعة: وهي أنثى الإبل التي أتمت أربع سنين ودخلت في الخامسة. وأربع وثلاثون ثنية: وهي انثى الإبل التي أتمت سنتين ودخلت في الثالثة، ويعبر عنها ببنت اللبون أيضاً. بشرط ان تكون كلها خلفة طروقة الفحل. ويراد بالخلفة ما امتلأت أخلافها باللبن، والأخلاف للدواب بمنزلة الثدي للمرأة. ويراد من طروقة الفحل أحد معنيين محتملين:
ــــــــــــــــــــ[393]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) منهاج الصالحين ج1 ص 324.
المعنى الأول: قابليتها حسب عمرها من أن يأتيها الفحل. إلا ان هذا المعنى أمر مستأنف باعتبار الاستغناء عنه بكونها جذعة أو حقة، وهما قابلان في عمرها لذلك.
المعنى الثاني: ان الفحل قد أتاها فعلا. فمعنى طروقة الفحل: مطروقة الفحل فعلا، وهذا هو الأظهر بعد النقاش بالمعنى الأول.
الرابعة: مائتين من البقر، ويجزي منه كل أنواعه حتى الجاموس.
الخامسة: من خصال الدية: ألف من الغنم. وقد عبرت بعض الروايات عنها بالشاة، وبعضها بالكبش، وبعضها بفحولة الغنم. والظاهر ان كفارة شبه العمد هو الأخيرين.
وهذا معناه ان الشريعة اعتبرت كل جمل بعشرة من الغنم. ولعله كان السوق على ذلك في زمن رسول الله .
وقد سمعنا من صحيحة أبي بصير قوله : “فان لم يكن ابل فمكان كل جمل عشرون من فحولة الغنم”. انتهى. وهذا يعني أن عدد الغنم سيكون ألفين بعملية حساب بسيطة:
100 × 20 = 2000
غير ان هذه النتيجة غير محتملة فقهياً، فلا تكون هذه الرواية حجة من هذه الناحية.
السادسة: مائتي حلة. وهذا يعني تسعير الحلة بخمسة دنانير، لأن:
1000 ÷ 200 = 5
وبخمسين درهماً لأن 10000 ÷ 200 = 50
وبنصف جمل لأن 100 ÷ 200 =
ــــــــــــــــــــ[394]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
بعد تسعير الجمل بعشرة دنانير لأن: 1000 ÷ 100 = 10
وكذلك تسعير الحلة ببقرة واحدة، وبخمسة رؤوس غنم لأن:
1000 ÷ 200 = 5، بعد تسعير الرأس منها بدينار, لأن:
1000 ÷ 1000 = 1 ، وتسعير الجمل بعشرة أغنام لأن:
1000 ÷ 100 = 10 .
ويلاحظ ان عدد الدنانير والأغنام واحد في الدية وهو ألف. وعدد البقر والحلل واحد، وهو مائتان، ومائة من الإبل، وعشرة آلاف من الدراهم.
وهذه التسعيرات كلها اعتبارية لا أثر لها شرعاً وفقهياً. وإنما يحس الفرد أنها كانت دخيلة في الحكمة الإلهية لاختيار هذه الأرقام بعينها للدية بمختلف أنواعها. والحكمة الإلهية لا يمكن مناقشتها. وسيأتي في الجهة الآتية بعض الإيضاحات حول تفاصيل ذلك.
الجهة الثالثة: في محاولة الجواب على أهم الأسئلة الواردة حول الدية عامة ومداليل تلك الروايات خاصة.
السؤال الأول: ان الروايات السابقة دلت على شكلين من أعمار الإبل في دية شبه العمد، فبأي منهما نأخذ؟
الشكل الأول: ما دلت عليه صحيحة العلا بن الفضيل من كونها ثلاثاً وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ثنية وهي بنت اللبون.
الشكل الثاني: ما دلت عليه رواية العياشي: من كون الدية خمسة وعشرون بنت لبون وخمسة وعشرون بنت مخاض وخمسة وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة.
إلا ان هذا التعارض بين الروايتين وهمي، لأن رواية العياشي تنص على ان
ــــــــــــــــــــ[395]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
هذا الشكل الثاني إنما هو للخطأ المحض. وتعد من الإبل ما يشبه صحيحة الفضيل في شبه العمد، كل ما في الأمر أننا إن اعتبرنا رواية العياشي حجة لزمنا بالشكل الثاني من أعمار الإبل في الخطأ المحض. ولم يجز مطلق المئة كيف كان.
السؤال الثاني: إن رواية جميل بن دراج تنص على أنه يؤخذ من أصحاب الحلل الحلل. ومن أصحاب الإبل الإبل، ومن أصحاب الغنم الغنم، ومن أصحاب البقر البقر. فهل يعني ذلك تعين الحكم وجوباً أم لا؟ بمعنى أن شخصاً من أصحاب الإبل أراد دفع الدية من الغنم أو من البقر، فإنها لا تكون مجزية.
وجواب ذلك: إن المستفاد بوضوح من هذا الجعل الشرعي، إنما هو لأجل التسهيل على الناس، فيدفع كل منهم ما هو متيسر لديه من الأموال ولا يكلفه الشارع على دفع ما ليس لديه والتعب في سبيل حصوله.
ولاشك ان دفع الفرد مما ليس لديه من أنواع الدية مجزٍ شرعاً، ولم يقل أحد من الفقهاء بعدم إجزائه. إذن فالحكم بالإجزاء هنا إما بسبب الإجماع عليه أو بسبب سياق التسهيل والامتنان في الرواية، الذي يعني أن دفع الفرد مما ليس لديه، إنما هو محاولة منه لتصعيب الأمر على نفسه وتشديده عليه. وهو أولى بالثواب والجزاء والإجزاء.
السؤال الثالث: إن أصناف الدية تختلف بأقيامها السوقية، فبعضها أرخص وبعضها أغلى وتختلف الأماكن والأزمان في تعيين ذلك.
ويترتب على ذلك عدة أمور:
الأمر الأول: أنه لا يجب جزماً من الناحية الفقهية التعبد بالتسعيرات السابقة التي أشرنا إليها، بل للفرد أن يأخذ بالتسعيرات السوقية بلا إشكال.
ــــــــــــــــــــ[396]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
الأمر الثاني: إن الفرد ان اختار أحد الخصال المسماة من الدية وجب إيفاء أرقامها تماماً، كمئة جمل. ولا يجوز له أن يفكر بدفع عدد من الجمال مساوٍ لقيمة ألف من الغنم أو لقيمة مئتي بقرة أو ألف دينار. حتى وان كان اقل من مئة جمل، كما لا يجب أن تكون أكثر بكل صورة.
الأمر الثالث: إن مقتضى القاعدة أنه مع وجود عدد من هذه الخصال كان الجاني الذي هو دافع للدية مخيراً في دفع أي منها شاء. ومع وجود واحد منها فقط وجب دفعه بالتعيين. ولا يجوز الانتقال إلى القيمة السوقية، أعني دفعها عوضاً عن أحد الستة، إلا مع تعذر وجودها جميعاً.
نعم، مع وجودها جميعاً أو بعضها فله أن يختار الأرخص منها بحسب القيمة السوقية. ويمكن إجراء أصالة براءة الذمة عن الزائد، إن لاحظنا القيمة.
الأمر الرابع: إذا فقدت جميعاً وانتقل الحال إلى القيمة، أو إذا قلنا: بجواز اختيار القيمة من الأول، فللدافع أن يدفع قيمة أرخصها، وتجري أصالة البراءة عن الزائد بلا إشكال. ويكون الزائد استحبابياً غير واجب.
الأمر الخامس: إنه يجوز مع الانتقال إلى القيمة دفع أي عملة في هذا الصدد، وان كان الأحوط دفع عملة بلد القتل أو بلد الجاني الدافع للدية. على معنى ان اختيار عملة أخرى غير هذين لا يخلو من إشكال.
السؤال الرابع: ان هناك من الديات ما ليس فيه تعدد في الأنواع كديات الجراحات وديات الجنين ودية الكتابي، وغير ذلك. فهل يمكن أن نفهم من أخبار الدية الكاملة التي سمعناها إمكان التعويض عن المنصوص في الجنين أو الكتابي مثلا, بخصلة أخرى من خصال الدية، باعتبار أن الظاهر من أخبار الدية الكاملة – كما سمعنا- تسعير بعض الأصناف ببعض، فبدلا من أن ندفع ثمانمائة درهم كدية الكتابي ندفع بدله ثمانون ديناراً، أو ستة عشر حلة أو ستة عشر بقرة أو ثمانون من الغنم وهكذا. فهل هذا شيء ممكن شرعاً أو لا؟
ــــــــــــــــــــ[397]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وجواب ذلك: ان غاية ما هو مستفاد من مجموع الأدلة هو التسعير المشار إليه، وهو ليس منصوصاً بدليل واحد، ليكون حجة في نفسه، وإنما هو متصيد من مجموع الأدلة. ومعه، فالنص على الديات الأخرى كثمانمائة درهم للكتابي، يحتاج في تبديله إلى حجة شرعية. وهذا التسعير وإن كان مفهوماً من الأدلة، إلا أنه لا يعني إمكان التبديل، إلا مع الإذن به. وهذا الإذن منحصر في الدية الكاملة، دون الديات الأخرى.
السؤال الخامس: قالت صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: “وعلى أهل اليمن مائتي حلة”. وقالت صحيحة جميل بن دراج: “وعلى أهل الحلل الحلل”. يعني سواء كانوا من أهل اليمن أو من غيرهم، فبأي المضمونين نأخذ؟
وجوابه: إن أهل اليمن هنا وارد مورد الغالب، باعتبار ان اليمن في زمن صدر الإسلام كانت منتجة أكثر من غيرها للأقمشة. ومن هنا ورد الاستحباب في لف الميت بحبرة يمانية، فإذا أمكن فهم ذلك من صحيحة ابن الحجاج، لم يبق لأهل اليمن بعنوانهم دخل حقيقي في موضوع الحكم الشرعي، وإنما سُموا باعتبار الغالب. إذن، فنفس الصحيحة تدلنا على نفس المضمون، وهو: على أهل الحلل الحلل، الذي دلت عليه الصحيحة الأخرى. لأننا أخذنا أو فهمنا من أهل اليمن معنى: أهل الحلل. باعتبار الغالب الذي اشرنا إليه.
ولا شك أننا إلى هنا لم نأت إلا بقليل من أحكام الدية، سواء الكاملة منها أو غيرها. إلا أن ما يناسب كتابنا هذا هو الذي سردناه دون غيره.
ــــــــــــــــــــ[398]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
فصل العــــــــــاقلة
قالوا في اللغة(1): العقل: الحجْر والنهى، ضد الحمق… ابن الأنباري: رجل عاقل، وهو الجامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه. وقيل: العاقل الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها. اخذ من قولهم قد اعتقل لسانه إذا حبس ومنع من الكلام. والمعقول: ما تعقله بقلبك. والمعقول: العقل، يقال: ماله معقول أي عقل. وهو أحد المصادر التي جاءت على مفعول كالميسور والمعسور.
والعقل: التثبت في الأمور، والعقل: القلب، والقلب العقل. وسمي العقل عقلا، لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، أي يحبسه.
وقد عقل لسانه: امسك. واعتقل: حبس، وعقله عن حاجته يعقله: حبسه. وعقل البعير يعقله عقلا وعقله واعتقله: ثنى وظيفه مع ذراعه وشدهما جميعاً في وسط الذراع. وكذلك الناقة، وذلك الحبل هو العقال والجمع عُقُل.
قالوا: والعقل: الدية، وعقل القتيل يعقله عقلا: وداه وعقل عنه: أدى جنايته. وذلك إذا لزمته دية فأعطاها عنه، وهذا هو الفرق بين عقلته وعقلت عنه وعقلت له.
والمرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية أي توازيه، معناه ان موضحتها
ــــــــــــــــــــ[399]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) انظر: لسان العرب.
وموضحته سواء، فإذا بلغ العقل إلى ثلث الدية صارت دية المرأة على النصف من دية الرجل.
وإنما قيل للدية عقل لأنهم كانوا يأتون بالإبل فيعقلونها بفناء ولي المقتول. ثم كثر ذلك حتى قيل لكل دية عقل، وإن كانت دنانير ودراهم.
والعاقلة هم العصبة من قبل الأب الذين يعطون دية قتل الخطأ وهي صفة جماعة عاقلة، وأصلها اسم فاعل من العقل وهي من الصفات الغالبة، إلى آخر ما قالوه.
والمهم الآن هو أن نلتفت إلى أن العاقلة إنما سميت بهذا الاسم لأحد سببين على الأقل:
أحدهما: إنها تدفع الدية، والدية هي العقل. ففاعل الدية: عاقل. والجماعة: عاقلة، على اعتبار تأنيث الجمع.
ثانيهما: إنها تصون نفس الجاني أو أمواله من أن تهدر أو تبذر.
باعتبار أنها تدفع الدية عنه. وهذا الصون هو الحبس، أو مثل اعتقال رجل البعير بالعقال لكي يصان من الهرب.
كما يمكن تصور بعض الوجوه الأخرى الضعيفة لهذه التسمية: كأخذ الاسم من العقل الذي هو الفهم والإدراك على اعتبار أنه من الحكمة دفع الدية من مثل هؤلاء الناس.
والملاحظ: ان العاقلة والعصبة في اللغة والاصطلاح الفقهي نفس الشيء وهم بنو الأب. إلا ان العاقلة لفظ يستعمل في كتاب الديات، والعصبة يستعمل في كتاب الإرث.
على ان الفكرة العامة للعاقلة والعصبة هي ذاتها. لأن العقل هو اللف بالعقال. والعصبة هو اللف بالعصابة. فاللف والشد هو الفكرة المشتركة بينهما. وبه تشترك العصبة مع العاقلة في الوجه الثاني السابق، وهو صون الجاني وأمواله من التبذير، باعتبار ان الصون مثل الشد واللف, لأنهما سببان له.
ــــــــــــــــــــ[400]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
ونسمع فيما يلي بعض الأخبار المختارة الواردة في تفسير العاقلة, وحكمها:
ولعل الرواية الرئيسية والوحيدة القائمة بالمعنى الذي نطلبه هو خبر سلمة بن كهيل، وهو خبر ضعيف لا حجية، إلا أننا نسرده فيما يلي لما فيه من المعلومات.
قال: “اُتي أمير المؤمنين (1) برجل قد قتل رجلا خطأ، فقال له أمير المؤمنين: من عشيرتك وقرابتك؟ فقال: ما لي بهذا البلد عشيرة ولا قرابة. قال: فقال: فمن أي البلدان أنت؟ قال: أنا رجل من أهل الموصل ولدت بها ولي قرابة وأهل بيت، قال: فكتب إلى عامله على الموصل: اما بعد. فان فلان بن فلان وحليته: كذا وكذا، قتل رجلا من المسلمين خطأ، فانه رجل من أهل الموصل وان له بها قرابة وأهل بيت، وقد بعثت به إليك مع رسولي فلان وحليته: كذا وكذا. فإذا ورد عليك إن شاء الله وقرأت كتابي، فافحص عن أمره وسل عن قرابته من المسلمين، فان كان من أهل الموصل ممن ولد بها وأصبت له قرابة من المسلمين، فاجمعهم إليك، ثم انظر، فان كان رجل منهم يرثه له سهم في كتاب الله لا يحجبه عن ميراثه أحد من قرابته فألزمه الدية وخذ بها نجوماً في ثلاث سنين.
فان لم يكن له من قرابته أحد له سهم في الكتاب، وكانوا قرابته سواء في النسب وكان له قرابة من أبيه وأمه سواء في النسب ففضّ الدية على قرابته من قبل أبيه، وعلى قرابته من قبل أمه من الرجال المدركين المسلمين. ثم خذهم بها واستأدهم الدية في ثلاث سنين.
وإن لم يكن له قرابة من قبل أبيه ولا قرابة من قبل أمه ففض الدية على
ــــــــــــــــــــ[401]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل: ج 19 كتاب الديات. أبواب ديات العاقلة. باب 2 حديث 1.
أهل الموصل ممن ولد ونشأ بها ولا تدخلن فيهم غيرهم من أهل البلد. ثم استأد ذلك منهم في ثلاث سنين، في كل سنة نجماً حتى تستوفيه إن شاء الله.
فان لم يكن لفلان بن فلان قرابة من أهل الموصل، ولم يكن من أهلها وكان مبطلا في دعواه فرده إليّ مع رسولي فلان بن فلان إن شاء الله فأنا وليه والمؤدي عنه. ولا يبطل دم أمرئ مسلم”.
وهذه الرواية تدل على أن العاقلة عدة مراتب لا واحدة:
المرتبة الأولى: الوارث الذي له سهم في كتاب الله: القرآن الكريم، كالأب و الأولاد والأخوة.
المرتبة الثانية: بنو الأب وبنو الأم ممن لا ميراث له في كتاب الله.
المرتبة الثالثة: أهل البلد عموماً، ممن ولد في البلدة ونشأ فيها لا مطلقاً.
المرتبة الرابعة: الإمام . وهو الحاكم الحق في الشريعة الإسلامية، وهو وارث من لا وارث له، وعاقلة من لا عاقلة له.
ولا تخلو المراتب الثلاثة الأخيرة من استفهامات فقهية لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها تأدباً أمام الرواية أولا، وكونها في مثل كلامنا هذا تطويلا بلا طائل.
وقد دلت الرواية مضافاً إلى ذلك على لزوم تقسيم الدية على الأفراد المعنيين بالسوية. فان كان واحداً لزمته الدية وحده. وهذا صحيح لا مناص عنه.
مضافاً إلى دلالتها على ان الدية تستأدى وتؤخذ من العاقلة نجوماً أي أقساطاً لمدة ثلاث سنين، والظاهر: أن هذا المعنى قد أمر به بالولاية، يعني بصفته ولياً للمسلمين وليس حكماً شرعياً أصلياً. وهذا يعني: أنه لا يجب على الولي الآخر أن يطبق نفس المضمون، بل له أن يأمر بأي ترتيب آخر من التقسيط أو عدمه حسب ما يرى من المصلحة.
ــــــــــــــــــــ[402]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
كما دلت الرواية على ان القسط يكون سنوياً لا شهرياً ولا غير ذلك. وهو أيضاً منه سلام الله عليه حكم بالولاية.
كما دلت ضمناً على ان العاقلة، وإن كانت في اللغة هم بنو الأب والأعمام. إلا ان اصطلاحها الفقهي يشمل كل دافع للدية باعتبار جناية غيره. فالإمام (عاقلة) وان لم يكن من بني أب الجاني، وهذا ما دلت عليه الرواية. كما أن المولى (عاقلة) لعبده يدفع الدية في خطأ عبده، كما ان من لا يلزم الدية ليس من (العاقلة)، وان كان من بني الأب.
وقد دلت على ذلك رواية أخرى هي(1) صحيحة أبي ولاد عن أبي عبد الله قال: “ليس فيما بين أهل الذمة معاقلة فيما يجنون من قتل أو جراحة إنما يؤخذ ذلك من أموالهم. فان لم يكن مال رجعت الجناية على إمام المسلمين، لأنهم يؤدون إليه الجزية، كما يؤدي العبد الضريبة إلى سيده”. الحديث.
وقد دلت هذه الصحيحة على عدة أمور:
الأمر الأول: ان نظام العاقلة خاص بالمسلمين، وغير شامل لأهل الذمة، وهم أهل الكتاب الداخلين في ذمة المسلمين، والمؤدين لشرائط الذمة بما فيها دفع الجزية. وإنما تؤخذ الدية في صورة قتل الخطأ من أموال الجاني نفسه.
والظاهر إطلاق الرواية لما إذا كان المقتول من أهل الذمة أيضاً أو مسلماً، وإنما المهم هو ان يكون العاقل ذمياً.
الأمر الثاني: إنها تدل ضمناً على أن عشيرة القاتل الذمي ليسوا عاقلة، لأنهم لا يعقلون جريرته، كما اشرنا.
الأمر الثالث: ان القاتل الخاطئ من أهل الذمة، ان لم يكن له مال، كان
ــــــــــــــــــــ[403]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) الوسائل ج 19 كتاب الديات أبواب العاقلة باب 1 حديث 1.
دافع الدية أو (العاقلة) هو الإمام.
الأمر الرابع: ان مورد (عقل) الإمام هذا ينطبق على قاعدة عامة ذات تطبيقات متعددة هي قولنا: من له الغنم فعليه الغرم. بعد أن نفهم من قولنا: (له) و(عليه) الحكم بذلك أحياناً واقتضائياً، وليس دائماً.
ولذلك في كتاب الديات نفسه عدة تطبيقات:
التطبيق الأول: عقل العاقلة، وهم بنو الأب والأعمام، من حيث ان لهم الميراث أحياناً فتؤخذ منهم الدية أحياناً.
التطبيق الثاني: عقل ضامن الجريرة، وهو معنى عرفناه في كتاب الإرث حيث يمثل الطبقة الخامسة من الورثة, وهو يقوم بنفس الأمرين لأنه يضمن جريرة صاحبه، فيكون (عاقلته). وفي مقابل ذلك يرثه مع عدم الورثة السابقين عليه في الطبقة.
التطبيق الثالث: عقل الإمام للمسلمين. فان الإمام وارث من لا وارث له. وفي مقابله أنه عاقل من لا عاقلة له.
التطبيق الرابع: عقل الإمام لأهل الذمة، فان الإمام يقبض منهم الجزية، وفي مقابل ذلك يدفع عنهم ديات الخطأ، وهذا ما نصت عليه الرواية.
التطبيق الخامس: عقل المولى لعبده. كما عليه المشهور. وفهموها من هذه الرواية أيضاً. من حيث ان العبد يدفع ضريبة إلى مولاه في مقابل دفع المولى عنه دية الخطأ. وان كان فهم هذا التطبيق من الرواية لا يخلو من إشكال لا حاجة إلى ذكره.
التطبيق السادس: عقل المعتق – بالكسر- للمعتق- بالفتح. وهو أي المعتق- بالكسر- هو الوارث في الطبقة الرابعة بعد انعدام القرابة، وهم الطبقات الثلاثة الأولى. وقد قال المشهور بكونه (عاقلة) مضافاً إلى كونه وارثاً.
ــــــــــــــــــــ[404]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
وفيما يلي يحسن أن نسمع حديث المحقق الحلي(1) عن العاقلة، وقد قسمها أولا إلى أربعة أقسام هي: العصبة والمعتق وضامن الجريرة والإمام.
وواضح من هذا التقسيم أنه يجعل فرقاً بين معنى العاقلة ومعنى العصبة، فالعاقلة هو كل من كان ملزماً بدفع دية القتل الخطأ. سواء كان من العصبة أو غيرهم من هذه الأقسام. وأما العصبة فهم بنو الأب(2).
قال: وضابط العصبة: من يتقرب بالأب كالأخوة وأولاهم والعمومة وأولادهم، ولا يشترط كونهم من أهل الإرث في المال. وقيل: هم الذين يرثون دية القاتل لو قتل. وفي هذا الإطلاق وهم، فان الدية يرثها الذكور والإناث والزوج والزوجة ومن يتقرب بالأم على أحد القولين، ويختص بها الأقرب فالأقرب، كما تورث الأموال, وليس كذلك العقل فانه يختص بالذكور من العصبة دون من يتقرب بالأم ودون الزوج والزوجة, ومن الأصحاب من خص به الأقرب ممن يرث بالتسمية – يعني بالفرض- ومع عدمه يشترك في العقل بين من يتقرب بالأم مع من يتقرب بالأب أثلاثاً، وهو استناداً إلى رواية سلمة بن كهيل عن أمير المؤمنين وفي سلمة ضعف.
وهل يدخل الآباء و الأولاد في العقل؟ قال ( الشيخ الطوسي) في المبسوط وفي الخلاف: لا. والأقرب دخولهما لأنهما أدنى قومه، ولا يشركهم القاتل في الضمان.
ولا تعقل المرأة ولا الصبي ولا المجنون, وإن ورثوا من الدية, ولا
ــــــــــــــــــــ[405]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) شرائع الإسلام ج 4 ص 273.
(2) واما السيد الأستاذ فقد عرف العاقلة بالعصبة ( تكملة منهاج الصالحين ص 153) والظاهر انه تسامح في التعبير. وان كان أشار بعد ذلك في كلامه انه إذا لم يكن للجاني عصبة فعاقلته المولى، فان لم يكن فعاقلته ضامن الجريرة. وظاهر مثل هذا السياق انه يرى انطباق مفهوم العاقلة على غير العصبة مجازاً، وهو أحد وجهي الاستعمال، ولعله الأشهر لغة وفقهياً.
يتحمل الفقير شيئاً ويعتبر فقره عند المطالبة، وهو حؤول (يعني مضي): الحول، ولا يدخل في العقل أهل الديوان، ولا أهل البلد إذا لم يكونوا عصبة، وفي رواية سلمة ما يدل على إلزام أهل بلد القاتل مع فقد القرابة ولو قتل في غيره (يعني: في بلد آخر) وهو مطّرح. ويقدم من يتقرب بالأبوين على من انفرد بالأب.
أقول: والعبارة واضحة نسبياً في مؤداها، وفي تعرض معنى العاقلة وحكمها، بغض النظر عن بعض التفاصيل التي قد يختلف فيها المؤلف عن المحقق الحلي.
ويوجد إشكال معين في تعيين العصبة وحاصله: أنهم بنو الأب, ويراد بالأب ما يعم الجد، فالمراد بهم بنو الأب وبنو الجد, يعني الأخوة والأعمام، ودخول هؤلاء في العصبة أو العاقلة واضح.
غير ان دخول الآباء أنفسهم محل إشكال، لأن العاقلة هم بنو الأب لا الأب نفسه.
كما أن دخول الأولاد، يعني أولاد القاتل خطأ في العاقلة محل إشكال، لأنهم بنوه لا بنو أبيه.
ومن الواضح فقهياً أننا متى شككنا في شمول الحكم بالعقل لشخص أو طائفة، فان مقتضى الأصل عدمه ما لم يدل الدليل على وجوده. ومن هنا فالأرجح عدم اندراج أولاد القاتل في العاقلة. للأصل الذي قلناه، ولأنهم ليسوا بعصبة لغة بغض النظر عن الحكم الشرعي. ومن هنا فلا ينبغي دخولهم تحت الحكم بوجوب العقل.
وأما الأب والآباء أعني الأجداد، فالإشكال في دخولهم في غير محله. يعني أنهم داخلون في العاقلة. لعدة أدلة. منها: أنهم مندرجون لغة في
ــــــــــــــــــــ[406]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
العصبة، ومنها: أنهم أولى بالقرابة منهم فيكونون أولى بالحكم منهم.
ثم قال المحقق الحلي عن عقل المعتق – بالكسر- قال: ويعقل المولى من أعلى ولا يعقل من أسفل.
أقول: وتوضيح مراده: ان قوله: (من أعلى) و(من أسفل) وصف المولى وليس صفة للعقل المفهوم من قوله: يعقل.
وذلك: لأن المعتق – بالكسر- قد يكون معتقاً واحداً، وقد يكون متعدداً فيكون هناك: معتق للمعتق، ومعتق لمعتق المعتق وهكذا.
ومن الواضح فقهياً ان (العاقلة) هو المعتق أي من الطرف الأعلى، فان لم يوجد المعتق فعصبته، فان لم توجد فمعتق المعتق، فان لم يوجد فعصبته، فان لم توجد فمعتق معتق المعتق، فان لم يوجد فعصبته، وهكذا. وهذا كله ضمان للدية من الأعلى. وهو الذي أثبته المحقق الحلي بقوله: ويعقل المولى من أعلى.
هذا، ولكن المعتق الأول – بالكسر- ليس معتقاً – بالكسر- بالمعتق الثاني بالكسر، بل هو معتق له – بالفتح-، لأننا كلما صعدنا في هذه السلسلة وجدنا معتقين – بالكسر-، وكلما نزلنا فيها وجدنا معتقين – بالفتح-، و(العاقلة) هم المعتقون – بالكسر-، وهم الملحوظون كلما صعدنا، فإذا نزلنا وجدنا معتقين – بالفتح-. وهم ليسوا (عاقلة) بطبيعة الحال من الناحية الفقهية.
إذن، فالواحد المعين المندرج في هذه السلسلة، أياً كان، وهو مولى معتق
– بالكسر- لمن هو أسفل منه، فيضمن ديته، وليس مولى لمن هو فوقه فلا يضمن ديته، وهذا معنى قوله: ويضمن المولى من أعلى، لأن المولى الذي يكون من أعلى يضمن دية من هو أسفل منه. وقوله: ولا يعقل من أسفل، لأن الأسفل لا يكون مولى للأعلى فلا يضمن الدية.
ــــــــــــــــــــ[407]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
أما إذا جعلنا الجار والمجرور قيداً للمادة المستفادة من قوله: يعقل. أي قيداً للعقل. فتكون العبارة خاطئة، لأن المولى يعقل من أعلى أي من هو أعلى منه، ويعقل من أسفل أي من هو أسفل منه. ولذا قلنا: من أول الأمر في شرح العبارة ان الجار والمجرور قيد أو وصف للمولى لا للعقل.
ثم قال: المحقق الحلي(1) عن عقل ضامن الجريرة: وضامن الجريرة يعقل ولا يعقل عنه المضمون، ولا يجتمع مع عصبة ولا معتق، لأن عقده مشروط بجهالة النسب وعدم المولى. نعم، لا يضمن الإمام مع وجوده ويسره على الأشبه.
وتتضمن هذه العبارة عدة أمور:
الأمر الأول: ان الضامن للجريرة بعقل المضمون جريرته دون العكس. وهذا صحيح، لكن قد يكون ضمان الجريرة من الطرفين فيكون العقل من الطرفين لأن كلا منها يصبح ضامناً للآخر جريرته. وقد سبق في كتاب الإرث أن تحدثنا عن كيفية حصول ضمان الجريرة.
الأمر الثاني: ان عقل ضامن الجريرة لا يجتمع ضمانه للدية مع عصبة ولا معتق. لأن عقده مشروط بجهالة النسب وعدم المولى.
فان ارث ضامن الجريرة متوقف على عدم القرابة وعدم المولى المعتق لأنه يأتي طبقة إرثية بعدهم كما عرفنا في كتاب الإرث. فكذلك ضمانه للدية أو العقل، فانه يأتي في نفس مرتبة ارثه. فيكون عقله مشروطاً بجهالة النسب، يعني عدم القرابة والعصبة. وكذلك بعدم وجود المولى المعتق.
وهذا يعني ان كل طبقة ارثية من هذه الطبقات الثلاث: القرابة والمعتق وضامن الجريرة إنما يعقلون عند استحقاقهم الفعلي للإرث. فان كانت هناك
ــــــــــــــــــــ[408]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) شرائع الإسلام ج 4 ص 274.
قرابة أو عصبة ورثت وعقلت. وان لم تكن ورث المولى المعتق وعقل. وان لم يكن موجوداً ورث ضامن الجريرة وعقل ولا يعقل احدهم إلا بعد عدم السابقين عليه.
الأمر الثالث: ان عقل ضامن الجريرة متقدم على عقل الإمام لأن ارثه متقدم عليه. نعم، لو لم يكن ضامن الجريرة موجوداً، أو كان فقيراً يعسر عليه العقل، انتقلت الوظيفة الشرعية بالعقل إلى الإمام .
وقال المحقق الحلي(1) أيضاً: ولا تعقل العاقلة إقراراً ولا صلحاً ولا جناية عمد، مع وجود القاتل. ولو كانت موجبة للدية كقتل الأب ولده أو المسلم الذمي أو الحر المملوك. ولو جنى على نفسه خطأ قتلا أو جرحاً طلّ ولم تضمنه العاقلة.
وجناية الذمي في ماله، وان كان خطأ دون عاقلته ومع عجزه عن الدية فعاقلته الإمام لأنه يؤدي إليه ضريبته.
فتعرض المحقق هنا إلى موارد عدم ثبوت العقل. وكلها موارد مستقاة من الروايات الصحيحة الصريحة. وهي عدة موارد كما يلي:
المورد الأول: مورد الإقرار بقتل الخطأ. فان عاقلة المقر لا تدفع شيئاً بل تكون الدية على المقر.
المورد الثاني: مورد الصلح. وهو ان تكون الجناية عمداً، ولكن يقبل ولي الدم بالدية، ويصالحه القاتل عليها: فإنها لا تكون مضمونة للعاقلة. بل تكون في ذمة القاتل نفسه.
المورد الثالث: مورد جناية العمد. فان المطلوب فيها هو القود والقتل للقاتل، وليس الدية.
ــــــــــــــــــــ[409]ــــــــــــــــــــ
ما وراء الفقه، الجزء التاسع
( ) المصدر: ص 274.
المورد الرابع: مورد الذمي إذا قتل خطأ، فان عاقلته لا تضمن شيئاً بل ديته مضمونة له شخصياً.
وهناك موارد أخرى ممكنة فقهياً نذكرها بنفس التسلسل:
المورد الخامس: مورد المولى إذا قتل عبده خطأ شخصاً آخر، فانه لا يعقل عبده. وهذا هو رأي المحقق نفسه، وإن كان فيه خلاف فقيهاً.
المورد السادس: مورد شبه العمد. فان الدية تكون مضمونة للقاتل لا للعاقلة. وهذا واضح فقهياً. وهو أحد الفروق الأساسية بين شبه العمد والخطأ. ولم يذكره المحقق الحلي في هذا الصدد.
يبقى حول العاقلة أحاديث عديدة، ولعل أهمها تقسيط الدية على العاقلة خلال ثلاث سنوات على المشهور. وقد سبق أن عرفنا ان مستند هذه الفتوى هي رواية سلمة بن كهيل، وهي ضعيفة السند. ولو تمت سنداً لأمكن القول ان التقسيط إنما قام به الإمام بالولاية لا بالفتوى.
ومعه فالظاهر ان التقسيط لا أمد له، بل يمكن للحاكم الشرعي أو القاضي ان يرى المصلحة في ذلك، بل أن أصل وجود التقسيط غير ضروري، بل قد تكون المصلحة في الدفع نقداً.
وتبقى تفاصيل أخرى من أحكام العاقلة موكولة إلى الفقه.
والحمد لله رب العالمين
(15 رجب الأغر 1411 هجرية)
الفهرس
كتاب القضاء
فصل: المدعي والمنكر ………. 9
الجهة الأولى: في حكم المدعي والمنكر ………. 10
الجهة الثانية: في معنى المدعي والمنكر ………. 18
الجهة الثالثة: هل المهم مطرح الدعوى أم أصلها؟ ………. 30
تفاصيل أخرى ………. 32
فصل: ولاية الفقيه ………. 38
من هو الفقيه؟ وما هي ولايته؟ ………. 38
أدلة الولاية العامة ………. 47
حدود الولاية العامة ………. 73
1- الفتوى ………. 81
2- القضاء ………. 81
3- قبض وصرف أموال الإمام ………. 82
4- قبض وصرف الأموال العامة كحق السادة والزكاة ………. 83
5- أن الفقيه ولي من لا ولي له ………. 84
6- أن الفقيه ولي الممتنع ………. 87
7- أن الفقيه ولي الغائب ………. 89
8- أن الفقيه ولي في حدود الأمور الحسبية ………. 90
9- أن من حق الفقيه تطبيق نتائج القضاء وعقوباته ………. 92
10- أن الفقيه يقوم بطلاق زوجة المفقود ………. 94
11- أن الفقيه ولي الأموال المجهولة المالك ………. 97
12- أن الفقيه يجوز له إعلان الحرب الدفاعية المقدسة ………. 97
فصل: الحكم القضائي ………. 99
فصل: الأحكام القضائية: أسبابها ومبرراتها ………. 115
المرحلة الأولى: في نوعية الأحكام ومستحقيها ………. 116
الجلد ………. 117
الحد ………. 118
الحكومة ………. 118
الدية ………. 119
الرجم ………. 122
السجن ………. 123
التعزير ………. 124
الغرامة ………. 126
الفدية ………. 128
القتل ………. 130
القصاص ………. 131
القطع ………. 137
الكفارة ………. 138
النفي ………. 141
عقوبات أخرى ………. 142
المرحلة الثانية: في مبررات العقوبات ………. 143
فصل: أحكام أمير المؤمنين علي ………. 154
القسم الأول: في الأحكام القضائية ………. 155
القسم الثاني: المسائل النادرة له في غير القضاء ………. 168
في استخراج القاسم المشترك الأصغر ………. 170
مسألة رياضية أخرى ………. 181
روايات أخرى ………. 189
الخطبة الخالية من الألف ………. 193
الخطبة الخالية من المنقوط ………. 198
فصل: في كيفية المرافعة القضائية ………. 201
الجهة الأولى: في آداب القضاء ………. 201
الجهة الثانية: في الكيفية العامة للمرافعة ………. 206
الجهة الثالثة: في كيفية اليمين ومضمونها ………. 212
الجهة الرابعة: في جواز أخذ المتهم بالظن ………. 216
الجهة الخامسة: في تنفيذ القاضي للعقوبة دون طلب المدعي ………. 218
الجهة السادسة: في صحة محكمة للتمييز ………. 220
الجهة السابعة: في جواز الحكم بالنكول ………. 222
الجهة الثامنة: في الحق العام ………. 224
كتاب: الشهادات
فصل: شهادة النساء ………. 231
كتاب الحدود والتعزيرات
فصل: قاموس اصطلاحات الدعاوى ………. 243
تمهيد ………. 243
حرف الألف ………. 245
حرف الباء ………. 248
حرف التاء ………. 251
حرف الثاء ………. 251
حرف الجيم ………. 251
حرف الحاء ………. 255
حرف الخاء ………. 263
حرف الدال ………. 265
حرف الذال ………. 267
حرف الراء ………. 268
حرف الزاي ………. 271
حرف السين ………. 272
حرف الشين ………. 276
حرف الصاد ………. 280
حرف الضاد ………. 283
حرف الطاء ………. 284
حرف الظاء ………. 285
حرف العين ………. 294
حرف الغين ………. 295
حرف الفاء ………. 299
حرف القاف ………. 299
حرف الكاف ………. 308
حرف اللام ………. 311
حرف الميم ………. 315
حرف النون ………. 316
حرف الهاء ………. 321
حرف الواو ………. 322
حرف الياء ………. 330
كتاب القصاص
فصل: اللوث ………. 335
أمثلة اللوث ………. 341
حكمه الشرعي ………. 343
فصل: القسامة ………. 347
الجهة الأولى: في سرد الأخبار ………. 347
الجهة الثانية: في التوضيح العام للقسامة ………. 350
الجهة الثالثة: في نتيجة القسامة ………. 352
الجهة الرابعة: في المصلحة المقصودة للقسامة ………. 354
الجهة الخامسة: في موقف المدعى عليه ………. 356
الجهة السادسة: في شمول القسامة للأعضاء ………. 357
الجهة السابعة: في أنه يحلف لنفسه خمسين يميناً ………. 361
فصل: التعزير ………. 363
كتاب الديات
فصل: حديث ظريف ………. 373
تمهيد ………. 373
الجهة الأولى: في إثبات ضعف رواية ظريف ………. 375
الجهة الثانية: في العمل الفقهي بعد ثبوت ضعفها ………. 386
فصل: دية النفس ………. 390
الجهة الأولى: في سرد الأخبار ………. 391
الجهة الثانية: في أهم مداليل الأخبار ………. 393
الجهة الثالثة: في الجواب على بعض الأسئلة ………. 395
فصل: العاقلة ………. 399
الفهرس ………. 411